ال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا زكريا بن أبي زائدة قال حدثنا عامر قال سمعت النعمان بن بشير يقول سمعت رسول الله A يقول الا وإن لكل ملك حمى وإن حمى الله ما حرم # وهذا + متفق عليه + # أخبرنا محمد بن عمر الفقيه قال أنبأنا أبو الحسن بن المهتدي قال أنبأنا محمد ابن عبد الله المعدل قال أنبأنا عثمان بن محمد الدقاق قال حدثنا محمد بن إبراهيم المروزي قال حدثنا علي بن الحسن بن شقيق قال حدثنا خارجة بن مصعب عن داود بن أبي هند قال حدثني مكحول بن أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله A إن الله تعال فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها # أخبرنا عبد الوهاب الأنماطي قال أنبأنا الحسن بن محمد الكوفي قال أنبأنا محمد بن يعلى قال حدثنا أبو جعفر بن دحيم قال حدثنا أبو عمرو بن أبي غرزة قال حدثنا عثمان بن محمد قال حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن هشام عن الحسن عن جابر قال قيل يا رسول الله أي الهجرة أفضل قال أن تهجر ما حرم الله عليك # أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة قال حدثنا سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان قال حدثنا ابو طارق عن الحسن عن أبي هريرة قال قال
5
كتاب ذم الهوى
الباب الاول في ذكر العقل وفضله وذكر ماهيته
اختلف الناس في ماهية العقل اختلافا كثيرا
فقال قوم هو ضرب من العلوم الضرورية
وقال آخرون هو غريزة يتأتى معها درك العلوم
وقال آخرون هو قوة يفضل بها بين حقائق المعلومات
وقال آخرون هو جوهر بسيط وقال قوم هو جسم شفاف
وقال الحارث المحاسبي هو نور
وبهذا قال أبو الحسن التميمي من أصحابنا وروى إبراهيم الحربي عن أحمد أنه قال العقل غريزة وقد روى عن المحاسبي أيضا مثله
والتحقيق في هذا أن يقال العقل غريزة كأنها نور يقذف في القلب فيستعد لإدراك الأشياء فيعلم جواز الجائزات واستحالة المستحيلات ويتلمح عواقب الأمور
وذلك النور يقل ويكثر وإذا قوى ذلك النور قمع بملاحظة العواقب عاجل الهوى
ذكر محل العقل أكثر أصحابنا يقولون محله القلب وهو مروي عن الشافعي
رضي الله عنه
ودليلهم قوله تعالى
فتكون لهم قلوب يعقلون بها
6
وقوله
إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب
قالوا المراد لمن كان له عقل فعبر بالقلب عن العقل لأنه محله
ونقل الفضل بن زياد عن أحمد رضي الله عنه أن محله الدماغ
وهو اختيار أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه
ذكر فضل العقل من طريق النفل
أخبرنا علي بن محمد بن أبي عمر قال أنبانا على بن الحسين بن أيوب قال أنبأنا عبد الغفار بن محمد المؤدب قال أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مخلد الجوهري قال حدثنا الحارث بن محمد بن أبي أسامة قال حدثنا داود بن المحبر قال أنبأنا عباد بن كثير عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أنه دخل على عائشة رضي الله عنها فقال يا ام المؤمنين أرأيت الرجل يقل قيامه ويكثر رقاده وآخر يكثر قيامه ويقل رقاده أيهما أحب إليك قالت سألت رسول الله A كما سألتني فقال أحسنهما عقلا فقلت يا رسول الله إنما أسألك عن عبادتهما فقال يا عائشة إنهما لا يسألان عن عبادتهما إنما يسألان عن عقولهما فمن كان أعقل كان أفضل في الدنيا والآخرة
أخبرنا عبد الحق قال أنبأنا محمد بن مرزوق قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا ابن رزقويه قال حدثنا جعفر بن محمد الخلدي قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة التميمي قال حدثنا داود بن المحبر قال حدثنا غياث بن إبراهيم عن الربيع بن لوط الأنصاري عن أبيه عن جده البراء بن عازب قال قال رسول الله Aإن لكل سبيل مطية وثيقة ومحجة
7
واضحة وأوثق الناس مطية وأحسنهم دلالة ومعرفة بالمحجة الواضحة أفضلهم عقلا
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا الحسن بن أحمد قال أنبأنا أبو الحسن أحمد بن علي قال أنبأنا عبد الباقي قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا منصور بن صقير قال حدثنا موسى بن أعين عن أبي عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله Aإن الرجل ليكون من أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الحج وأهل الجهاد فما يجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا أبو علي بن المهدي قال أنبأنا عبيد الله بن عمر بن شاهين قال حدثنا أبي قال حدثنا محمد بن محمد الباغندي قال حدثنا محمد بن عبد النور قال حدثني أحمد بن المفضل قال حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عاصم عن علي قال قال رسول الله A لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا بأكثر الناس صلاة ولا صياما ولا حجا ولا اعتمارا ولكنهم عقلوا عن الله عز وجل مواعظه فوجلت منهم قلوبهم واطمأنت إليه النفوس وخشعت منهم الجوارح ففاقوا الخليقة بطيب المنزلة وحسن الدرجة عند الناس في الدنيا وعند الله في الآخرة
قلت المنقول عن رسول الله A في فضل العقل كثير إلا أنه بعيد الثبوت فلنقتصر على هذا القدر منه
قال أبو حاتم بن حبان الحافظ لست أحفظ عن النبي A خبرا صحيحا في العقل لأن أبان بن أبي عياش وسلمة بن وردان وعمير بن عمران
8
وعلي بن زيد والحسن بن دينار وعباد بن كثير وميسرة بن عبد ربه وداود بن المحبر ومنصور بن صقير وذويهم ليسوا ممن أحتج بأخبارهم فأخرج ما عندهم من الأحاديث في العقل
قال عمر بن الخطاب ليس العاقل من يعرف الخير من الشر ولكنه الذي يعرف خير الشرين
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا احمد بن عبد الله الأنماطي قال أنبأنا أحمد بن الحسين المروزي قال أنبأنا أحمد بن الحارث قال حدثنا جدي محمد بن عبد الكريم قال حدثنا الهيثم بن عدي قال حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن سابط عن ابن عباس قال لما خلق الله العقل قال له أدبر فأدبر ثم قال له أقبل فأقبل فقال وعزتي ما خلقت خلقا قط أحسن منك فبك أعطى وبك آخذ وبك أعاقب
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا الحسن بن أحمد قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن علي قال حدثنا ابن الصواف قال حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا هاشم بن محمد قال حدثنا الهيثم بن عدي قال حدثنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن أبيه عن عمرو بن العاص قال يثغر الغلام لسبع سنين ويحتلم لأربع عشرة وينتهي طوله لإحدى وعشرين وينتهي عقله إلى ثمان وعشرين وما بعد ذلك تجارب
وقالت عائشة قد أفلح من جعل الله له عقلا
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه قال أنبأنا أبو الحسن الحمامي قال أنبأنا إبراهيم بن أحمد القرميسيني قال سمعت أحمد بن صالح قال حدثنا ابن عائشة قال ولد لكسرى مولود فأمر فجيء ببعض أهل الأدب وجيء بالمولود فوضع بين يديه فقال له كسرى ما خير ما أوتى هذا المولود قال عقل يولد معه قال فإن عدمه قال أدب حسن يعيش به بين الناس قال فإن عدم ذلك قال صاعقة تحرقه
9
وقال بعض العلماء لما أهبط الله آدم إلى الأرض أتاه جبريل بثلاثة اشياء الدين والعقل وحسن الخلق فقال إن الله يخيرك واحدا من هذه الثلاثة فقال يا جبريل ما رأيت احسن من هؤلاء إلا في الجنة فمد يده إلى العقل فضمه إلى نفسه فقال لذينك اصعدا قالا لا نفعل قال أتعصياني قالا لا نعصيك ولكنا أمرنا أن نكون مع العقل حيثما كان
فصارت الثلاثة إلى آدم
وقال وهب بن منبه إني وجدت في بعض ما أنزل الله على أنبيائه أن الشيطان لم يكابد شيئا أشد عليه من مؤمن عاقل وأنه يكابد مائة جاهل فيستجرهم حتى يركب رقابهم فينقادون له حيث شاء ويكابد المؤمن العاقل فيصعب عليه حتى ما ينال منه شيئا من حاجته
قال وهب ولإزالة الجبل صخرة صخرة وحجرا حجرا أشد على الشيطان من مكابدة المؤمن العاقل فإذا لم يقدر عليه تحول إلى الجاهل فيستأسره ويستمكن من قياده حتى يسلمه إلى الفضائح التي يتعجل بها في الدنيا الجلد والحلق وتسخيم الوجه والقطع والرجم والصلب وإن الرجلين يستويان في أعمال البر ويكون بينهما كما بين المشرق والمغرب أو أبعد إذا كان أحدهما أعقل من الآخر وما عبد الله بشيء أفضل من العقل
وقال معاذ بن جبل لو أن العاقل أمسى وأصبح وله ذنوب بعدد الرمل كان وشيكا بالنجاة والسلامة والتخلص منها ولو أن الجاهل أمسى وأصبح وله من الحسنات وأعمال البر عدد الرمل لكان وشيكا ألا يسلم له منها مثقال ذرة قيل وكيف ذلك قال لأن العاقل إذا زل تدارك ذلك بالتوبة والعقل الذي قسم له والجاهل إنما هو بمنزله الذي يبني ويهدم فيأتيه من جهله ما يفسد صالح عمله
وقال الحسن ما يتم دين الرجل حتى يتم عقله وما أودع الله امرءا عقلا إلا استنقذه به يوما
10
وقيل لعطاء بن أبي رباح ما أفضل ما أعطى الإنسان قال العقل عن الله تعالى
وقال معاوية بن قرة إن القوم ليحجون ويعتمرون ويجاهدون ويصلون يوصومون وما يعطون يوم القيامة إلا على قدر عقولهم
أخبرنا عبد الحق قال أنبأنا ابن مرزوق قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا عبد الواحد بن محمد بن عثمان البجلي قال حدثنا عمر بن محمد بن عمر بن الفياض قال حدثنا أبو طلحة أحمد بن عبد الكريم قال حدثنا عبد الله بن خبيق قال حدثنا يوسف بن اسباط قال العقل سراج ما بطن وملاك ما علن وسائس الجسد وزينة كل أحد ولا تصلح الحياة إلا به ولا تدور الأمور إلا عليه
وسئل ابن المبارك ما خير ما أعطى الرجل قال غريزة عقل قيل فإن لم يكن قال أدب حسن قيل فإن لم يكن قال أخ صالح يستشيره قيل فإن لم يكن قال صمت طويل قيل فإن لم يكن قال موت عاجل
ذكر فضيلة العقل من جهة الاستنباط
إنما تتبين فضيلة الشيء بثمرته وفائدته وقد عرفت ثمرة العقل وفائدته فإنه هو الذي دل على الإله وأمر بطاعته وامتثال أمره وثبت معجزات الرسل وأمر بطاعتهم وتلمح العواقب فاعتبرها فراقبها وعمل بمقتضى مصالحها وقاوم الهوى فرد غربه وأدرك الأمور الغامضة ودبر على استخدام المخلوقات فاستخدمها وحث على الفضائل ونهى عن الرذائل وشد أسر الحزم وقوى أزر العزم واستجلب ما يزين ونفى ما يشين فإذا ترك وسلطانه أسر فضول الهوى فحصرها في حبس المنع وكفى بهذه الأوصاف فضيلة
11
ولا ينبغي أن يدال الهوى عليه فإنه عدوه فيحطه عن رتبته ويستنزله عن درجته ولا يجوز أن يجعل وهو الحاكم عليه محكوما ولا أن يصير وهو الزمام مزموما ولا أن يعود وهو المتبوع تابعا فمن صبر على مضيض مشاورته اجتنى حلاوة المنى في عواقبه
حدثني أبو القاسم ابن القاضي عن أبي الوفا ابن عقيل قال حدثني حسن المتطبب قال استدعيت إلى دار الخلافة فأدخلت حجرة فإذا بستر مسبل وإذا رجل قد اخرجت من وراء الستر وعليها أثر النعمة فنظرت إليها فإذا بها قد انخلعت فقلت هذه الرجل يحتاج صاحبها إلى رجلين قويين يلزمانه حتى لا يتحرك لتخلع وترد إلى مكانها فسمعت صوتا من وراء الستر أقبل على صناعتك فإن العقل ممسك
12
الباب الثاني في ذم الهوى والشهوات
أعلم أن الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه وهذا الميل قد خلق في الإنسان لضرورة بقائه فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل وإلى المشرب ما شرب وإلى المنكح ما نكح وكذلك كل ما يشتهيه فالهوى مستحلب له ما يفيد كما أن الغضب دافع عنه ما يؤذى فلا يصلح ذم الهوى على الإطلاق وإنما يذم المفرط من ذلك وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار
ولما كان الغالب من موافق الهوى أنه لا يقف منه على حد المنتفع أطلق ذم الهوى والشهوات لعموم غلبة الضرر لأنه يبعد أن يفهم المقصود من وضع الهوى في النفس وإذا فهم تعذر وجود العمل به وندر مثاله أن شهوة المطعم إنما خلقت لاجتلاب الغذاء فيندر من يتناول بمقتضى مصلحته ولا يتعدى فإن وجد ذلك انغمر ذكر الهوى في حق هذا الشخص وصار مستعملا للمصالح وأما الأغلب من الناس فإنهم يوافقون الهوى فإن حصلت مصلحة حصلت ضمنا وتبعا فلما كان هذا هو الغالب ذكرت في هذا الباب ذم الهوى والشهوات مطلقا ووسمت كتابي ب ذم الهوى لذلك المعنى
وقد روى عن ابن عباس أنه قال ما ذكر الله عز وجل الهوى في موضع من كتابه إلا ذمه وقال الشعبي إنما سمى هوى لأنه يهوى بصاحبه
فصل اعلم أن مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في
عاقبة ويحث
13
على نيل الشهوات عاجلا وإن كانت سببا للألم والأذى في العاجل ومنع لذات في الآجل
فأما العاقل فإنه ينهى نفسه عن لذة تعقب ألما وشهوة تورث ندما وكفى بهذا القدر مدحا للعقل وذما للهوى
ألا ترى أن الطفل يؤثر ما يهوى وإن أداه إلى التلف فيفضل العاقل عليه بمنع نفسه من ذلك وقد يقع التساوى بينهما في الميل بالهوى
وبهذا القدر فضل الآدمي على البهائم أعني ملكة الإرادة لأن البهائم واقفة مع طباعها لا نظر لها إلى عاقبة ولا فكر في مآل فهي تتناول ما يدعوها إليه الطبع من الغذاء إذا حضر وتفعل ما تحتاج إليه من الروث والبول أي وقت اتفق والآدمي يمتنع عن ذلك بقهر عقله لطبعه
وإذا عرف العاقل أن الهوى يصير غالبا وجب عليه أن يرفع كل حادثة إلى حاكم العقل فإنه سيشير عليه بالنظر في المصالح الآجلة ويأمره عند وقوع الشبهة باستعمال الأحوط في كف الهوى إلى أن يتيقن السلامة من الشر في العاقبة
وينبغي للعاقل أن يتمرن على دفع الهوى المأمون العواقب ليستمر بذلك على ترك ما تؤذي غايته
وليعلم العاقل أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذونها وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها لأنها قد صارت عندهم كالعيش الاضطراري ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ بذلك عشر التذاذ من لم يدمن غير أن العادة تقتضيه ذلك فيلقى نفسه في المهالك لنيل ما يقتضيه تعوده ولو زال رين الهوى عن بصر بصيرته لرأى أنه قد شقى من حيث قدر
14
السعادة واغتم من حيث ظن الفرح وألم من حيث أراد اللذة
فهو كالحيوان المخدوع بحب الفخ لا هو نال ما خدع به ولا أطاق التخلص مما وقع فيه
فإن قال قائل فكيف يتخلص من هذا من قد نشب فيه قيل له بالعزم القوي في هجران ما يؤذي والتدرج في ترك مالا يؤمن أذاه وهذا يفتقر إلى صبر ومجاهدة يهونهما سبعة أشياء أحدها التفكر في أن الإنسان لم يخلق للهوى وإنما هيئ للنظر في العواقب والعمل للآجل ويدل على هذا أن البهيمة تصيب من لذة المطعم والمشرب والمنكح مالا يناله الإنسان مع عيش هنى خال عن فكر وهم
ولهذا تساق إلى منحرها وهي منهمكة على شهواتها لفقدان العلم بالعواقب
والآدمي لا ينال ما تناله لقوة الفكر الشاغل والهم الواغل وضعف الآلة المستعملة
فلو كان نيل المشتهى فضيلة لما بخس حظ الآدمي الشريف منه وزيد حظ البهائم وفي توفير حظ الآدمي من العقل وبخس حظه من الهوى ما يكفي في فضل هذا وذم ذلك
والثاني أن يفكر في عواقب الهوى
فكم قد أفات من فضيلة وكم قد أوقع في رذيلة وكم من مطعم قد أوقع في مرض وكم من زلة أوجبت انكسار جاه وقبح ذكر مع إثم
غير أن صاحب الهوى لا يرى إلا الهوى
فأقرب الأشياء شبها به من في المدبغة فإنه لا يجد ريحها حتى يخرج فيعلم أين كان
والثالث أن يتصور العاقل انقضاء غرضه من هواه ثم يتصور الأذى الحاصل عقيب اللذة فإنه يراه يربى على الهوى اضعافا وقد أنشد بعض الحكماء
وأفضل الناس من لم يرتكب سببا
حتى يميز ما تجنى عواقبه
15
والرابع أن يتصور ذلك في حق غيره ثم يتلمح عاقبته بفكره فإنه سير ما يعلم به عيبه إذا وقف في ذلك المقام
والخامس ان يتفكر فيما يطلبه من اللذات فإنه سيخبره العقل أنه ليس بشيء وإنما عين الهوى عمياء
وفي الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه إذا أعجبت أحدكم امرأة فليذكر مناتنها
وهذا أحسن من قول أبي الطيب
لو فكر العاشق في منتهى
حسن الذي يسبيه لم يسبه
لأن ابن مسعود ذكر الحال الحاضرة الملازمة وأبو الطيب أحال على أمور متأخرة إلا أن يكون أشار إلى هذا المعنى
والسادس أن يتدبر عز الغلبة وذل القهر فإنه ما من أحد غلب هواه إلا أحس بقوة عز وما من احد غلبه هواه إلا وجد في نفسه ذل القهر
والسابع أن يتفكر في فائدة المخالفة للهوى من اكتساب الذكر الجميل في الدنيا وسلامة النفس والعرض والأجر في الآخرة
ثم يعكس فيتفكر لو وافق هواه في حصول عكس ذلك على الأبد وليفرض لهاتين الحالتين حالتي آدم ويوسف عليهما السلام
في لقمة هذا وصبر هذا
ويا أيها الأخ النصوح أحضر لي قلبك عند هذه الكلمات وقل لي بالله عليك أين لذة آدم التي قضاها من همة يوسف التي ما أمضاها من كان يكون يوسف لو نال تلك اللذة
فلما تركها وصبر عنها بمجاهدة ساعة صار من قد عرفت
16
فصل واعلم ان الهوى يسري بصاحبه في فنون ويخرجه من دار العقل إلى
دائرة الجنون
وقد يكون الهوى في العلم فيخرج بصاحبه إلى ضد ما يأمر به العلم
وقد يكون في الزهد فيخرج إلى الرياء
وكتابنا هذا لذم الهوى في شهوات الحس وإن كان يشتمل على ذم الهوى مطلقا
وإذ قد ذكرنا في هذا الفصل من ذم الهوى ما أملاه العقل فلنذكر من ذلك ما يحويه النقل
فصل قد مدح الله عز وجل مخالفة الهوى فقال ونهى النفس عن
الهوى قال مقاتل هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها>
قال المفسرون هو نهي النفس عما حرم الله عليها
قال مقاتل هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها
وقال عز وجل
واتبع هواه فمثله كمثل الكلب
وقال
واتبع هواه وكان أمره فرطا
وقال
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه
وقال
بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله
وقال
واتبعوا أهواءهم
وقال
فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله
وقال
ليضلون بأهوائهم بغير علم
وقال
أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع
17
هواه
وقال
ولئن اتبعت أهواءهم
وقال
فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا
وقال
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
أخبرنا الحسين بن محمد البارع ومحمد بن الحسين المزرفي وعلي بن أحمد الموحد وأحمد بن محمد الزوزني وبدر بن عبد الله الشيخي قالوا حدثنا أبو جعفر المسلمة قال أنبأنا عبد الله بن عبد الرحمن الزهري قال حدثنا جعفر بن الفريابي قال حدثنا شيبان بن فروخ قال حدثنا مبارك بن فضالة قال حدثنا الحسن في هذه الآية
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه
قال هو المنافق لا يهوى شيئا إلا ركبه
قال الفريابي وحدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا شعيب بن حرب قال حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال المنافق يعبد هواه لا يهوى شيئا إلا ركبه
قال الفريابي وحدثنا هدبة بن خالد قال حدثنا همام بن يحيى عن قتادة
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه
قال إذا هوى شيئا ركبه
أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين قال أنبأنا الحسن بن علي الواعظ قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا حسن قال حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن النبي A قال حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات
انفرد باخراجه مسلم من هذه الطريق وقد اتفقا على إخراجه من حديث أبي هريرة إلا أن في لفظ حديث البخاري حجبت مكان حفت
أخبرنا هبة الله بن محمد قال أنبأنا أبو الحسن بن علي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله
18
A قال لما خلق الله عز وجل الجنة والنار أرسل جبريل يعني إلى الجنة فقال انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها فجاء فنظر إليها وإلى ما أعد الله عز وجل لأهلها فيها فرجع إليه فقال وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها
فأمر بها فحجبت بالمكاره وقال ارجع إليها فانظر إليها فرجع فإذا هي قد حجبت بالمكاره فقال لقد خشيت ألا يدخلها أحد
قال فانظر إلى النار وإلى ما اعددت لأهلها فيها فجاءها فنظر إليها وإلى ما أعد لأهلها فيها فإذا هي يركب بعضها بعضا فرجع إليه فقال عزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها
فأمر بها فحفت بالشهوات وقال له ارجع إليها فانظر إليها فإذا هي قد حفت بالشهوات فرجع إليه فقال وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن محمد السلال قال أنبأنا أحمد بن محمد بن سياووش قال أنبأنا أبو حامد الإسفراييني قال أنبأنا إبراهيم بن محمد بن عبدك قال حدثنا الحسن بن سفيان قال حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن الأعين قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي A أنه قال لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد العلاف قال أنبأنا
19
عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد ابن جعفر الخرائطي قال حدثنا أبو بدر قال حدثنا يحيى بن حماد قال حدثنا جعفر بن حبان عن أبي الحكم عن أبي بردة الأسلمي قال قال رسول الله A أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى
وبالإسناد حدثنا الخرائطي قال حدثنا علي بن زيد الفرائضي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن ابيه عن جده قال قال رسول الله A إن أخوف ما أخاف على أمتي حكم جائر وزلة عالم وهوى متبع
وبالإسناد حدثنا الخرائطي قال حدثنا علي بن عباد بن الوليد قال حدثنا إسماعيل الصفار قال حدثنا الحسن بن دينار عن حصيب بن جحدر عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي قال قال رسول الله A ما تحت ظل السماء إله يعبد أعظم عند الله من هوى متبع
وبه قال حدثنا الخرائطي قال حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال حدثنا أيوب بن عتبة عن الفضل بن بكر العبدي عن قتادة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله A ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه
20
وبه قال حدثنا الخرائطي قال حدثنا أحمد بن ملاعب قال حدثنا محمد بن مصعب القرقساني عن أبي بكر بن أبي مريم عن خالد بن محمد عن بلال بن أبي الدرداء عن أبيه عن النبي A قال حبك الشيء يعمى ويصم
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو أحمد الباقلاوي قال أنبأنا أبو الحسين محمد بن أحمد المحاملي قال حدثنا أبو جعفر بن يزيد قال حدثنا أبو بكر بن المرزبان قال حدثنا محمد بن أحمد الأذرمي قال حدثنا عبد الله بن محمد الجحشي قال حدثني بكر بن سليمان الصواف عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله A ثلاث منجيات وثلاث مهلكات فأما المنجيات فتقوى الله في السر والعلانية والقول بالحق في الرضا والسخط والقصد في الغنى الفقر
وأما المهلكات فهوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه وهي شرهن
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه قال أنبأنا عبدالعزيز بن محمد قال أنبأنا أحمد بن عمر الجزري قال حدثنا علي بن أبي حسان قال حدثنا الخليل بن خدويه قال مر إبراهيم الخليل فرأى عبدا في الهواء متعبدا فقال له بم نلت هذه المنزلة من الله قال بامر يسير فطمت نفسي عن الدنيا ولم أتكلم فيما لا يعنيني ونظرت فيما أمرت به فعملت به ونظرت فيما نهاني عنه فانتهيت عنه فأنا إن سألته أعطاني وإن دعوته أجابني وإن أقسمت عليه أبر قسمي سألته أن يسكنني الهواء فأسكنني
21
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا الحسين بن أحمد بن طلحة وأخبرنا علي ابن محمد بن حسون قال أنبأنا أحمد بن علي بن أبي عثمان قالا أنبأنا القاضي أبو القاسم بن المنذر قال أنبأنا الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني سلمة بن شبيب قال حدثنا سهل بن عاصم عن سليم بن ميمون عن المعافى بن عمران عن إدريس قال سمعت وهب بن منبه يقول كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا على الماء فبينما هما يمشيان في البحر إذا هما برجل يمشي في الهواء فقالا له يا عبد الله بأي شيء أدركت هذه المنزلة قال بيسير من الدنيا فطمت نفسي عن الشهوات وكففت لساني عما لا يعنيني ورغبت فيما دعاني إليه ولزمت الصمت فإن أقسمت على الله أبر قسمي وإن سألته أعطاني
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن أحمد الحداد قال أنبأنا أبو نعيم الحافظ قال حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال حدثنا بن محمد بن الحجاج قال حدثنا محمد بن علي بن خلف قال حدثنا زهير بن عباد قال حدثنا منصور بن عمار قال قال سليمان بن داود الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده
أخبرنا أبو بكر بن حبيب الصوفي قال أنبأنا علي بن أبي صادق الحيري قال أنبأنا أبو عبد الله بن باكويه الشيرازي قال أخبرني أبو يعقوب الخراط قال أنبأنا أبو محمد الغوطي قال أخبرني عثمان بن علي الكشي قال أخبرني نبهان بن المغلس قال أخبرني حذيفة بن قتادة المرعشي قال كنت في المركب فكسر بنا فوقعت أنا وامرأة على لوح من ألواح المركب فمكثنا سبعة أيام فقالت المرأة أنا عطشى فسألت الله تعالى أن يسقيها فنزلت علينا من السماء سلسلة فيها كوز معلق فيه ماء فشربت
فرفعت رأسي أنظر السلسلة
22
فرايت رجلا جالسا في الهواء متربعا فقلت من أنت قال من الإنس قلت فما الذي بلغك هذه المنزلة قال آثرت مراد الله على هواي فأجلسني كما تراني
أخبرنا أبو القاسم الحريري عن أبي طالب العشاري قال حدثنا مبادر بن عبيد الله الصوفي قال سمعت بعض اصحابنا يقول رأيت غرفة في الهواء وفيها رجل فسألته عن حاله التي بلغته إلى تلك المنزلة فقال تركت الهوى فأدخلت في الهوا
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا على بن عمر القزويني والحسين بن علي الجوهري وعلي بن المحسن التنوخي قالوا أنبأنا أبو عمر بن حيويه قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا جعفر بن محمد المخرمي قال حدثني سعيد بن صالح عن عبد الله بن الصلت قال قال معاوية المروءة ترك اللذة وعصيان الهوى
أخبرنا محمد بن ناصر وعبد الله بن علي قالا أنبأنا طراد بن محمد قال أنبأنا علي بن محمد بن محمد بن بشران قال حدثنا الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا عبد الرحمن بن وافد قال حدثنا فرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن أبي الدرداء قال إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء وإن كان هواه تبعا لعمله فيومه يوم صالح
أخبرنا أبو بكر الصوفي قال أنبأنا علي بن أبي صادق قال أنبأنا ابن باكويه قال حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث قال حدثنا سليمان بن داود قال حدثنا جعفر بن سليمان قال سمعت مالك بن دينار يقول من غلب شهوات الدنيا فذلك الذي يفرق الشيطان من ظله
23
أخبرنا عبد الخالق بن أحمد قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا محمد بن علي بن الفتح قال أنبأنا محمد بن عبد الله بن أخي ميمي قال أنبأنا الحسين بن صفوان قال حدثنا عبد الله بن محمد القرشي قال حدثني العباس بن الفضل قال حدثنا السرى بن يحيى قال سمعت مالك بن دينار يقول بئس العبد عبد همه هواه وبطنه
قال القرشي وحدثني أبو علي المروزي قال أنبأنا عبدان بن عثمان قال أنبأنا عبد الله قال أنبأنا سعيد بن أبي أيوب قال حدثني بكر بن عمرو عن صفوان بن سليم قال ليأتين على الناس زمان تكون همة أحدهم فيه بطنه ودينه هواه
أنبانا على بن عبيد الله قال أنبأنا عبدالواحد بن علي بن فهد قال أنبأنا أبو الفتح بن أبي الفوارس قال أنبأنا عمر بن أحمد قال حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن قال حدثنا زكريا بن يحيى قال حدثنا الأصمعي قال سمعت أعرابيا يقول إذا أشكل عليك أمران لا تدري أيهما أرشد فخالف أقربهما من هواك فإن أكثر ما يكون الخطأ مع متابعة الهوى
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن ابن أحمد الباقلاني قال أنبأنا أبو الحسين محمد بن أحمد المحاملي قال حدثنا أبو جعفر بن بريه قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن الحارث الخزاز قال حدثنا المدائني قال قال ابن السماك إن شئت أخبرتك بدائك وإن شئت أخبرتك بدوائك داؤك هواك ودواؤك ترك هواك
وبالإسناد حدثنا ابن خلف قال حدثنا أبو محمد التميمي قال حدثنا أبو الحسن المدائني قال قال رجل للحسن يا ابا سعد أي الجهاد أفضل قال جهادك
هواك أخبرنا ابن حبيب قال حدثنا ابن أبي صادق قال أنبأنا ابن باكويه قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال مررت بأعرابي به رمد شديد ودموعه
24
تسيل فقلت ألا تمسح عينيك فقال زجرني الطبيب ولا خير فيمن إذا زجر لا ينزجر وإذا أمر لا يأتمر فقلت أما تشتهي شيئا فقال أشتهي ولكن أحتمي لأن أهل النار غلبت شهواتهم فلم يحتموا فهلكوا
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد قال أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا عبد الله بن عبد الرحمن الزهري قال حدثني ابي قال حدثنا محمد بن العباس قال سمعت وهب بن نعيم يقول قال بشر أعلم أن البلاء كله في هواك والشفاء كله في مخالفتك إياه
أخبرنا عمر بن ظفر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال حدثنا عبدالعزيز بن علي قال حدثنا ابن جهضم قال حدثنا أبو بكر النقاش قال حدثنا إدريس بن عبد الكريم قال حدثنا خلف بن هشام قال سمعت الفضيل بن عياض يقول من استحوذت عليه الشهوات انقطعت عنه مواد التوفيق
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا علي بن أحمد بن البسرى عن أبي عبد الله بن بطه قال حدثني أبو صالح قال حدثني الحسين بن عبد العزيز قال حدثنا سعدان بن يزيد قال قال لي سنيد سمعت حجاجا يقول الكفر في اربعة اشياء في الغضب والشهوة والرغبة والرهبة ثم قال حجاج رأيت منه اثنتين رجلا غضب فقتل أمه ورأيت رجلا عشق فتنصر
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الجوهري قال حدثنا ابن حيويه عن ابن المرزبان قال حدثني أحمد بن عبد الرحمن عن العباس ابن الفضل الهاشمي قال حدثني محمد بن علي بن خلف قال حدثني حسين بن حسن الأسدي عن أبيه قال كان عبد الله بن حسن بن حسن يطوف بالبيت فنظر إلى امرأة جميلة فمشى إلى جانبها ثم قال
25
أهوى هوى الدين واللذات تعجبني
فكيف لي بهوى اللذات والدين فقالت له دع احدهما تنل الآخر وقد رويت لنا هذه الحكاية على غير هذا الوجه
فبلغنا عن عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان أحمد بن عثمان عن أبيه قال لقى عبد الله بن حسن امرأة جميلة في الطواف فلما نظرت إليه وإلى جماله مالت نحوه وطمعت فيه فأقبل عليها وقال
أهوى هوى الدين واللذات تعجبني
فكيف لي بهوى اللذات والدين
نفسي تزين لي الدنيا وزينتها
وزاجري من حذار الموت يثنيني فتركته ومضت
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال خبرني أحمد بن عمر بن روح قال أنبأنا عبيد الله بن أحمد المقري قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي سعيد قال حدثنا حسين بن محمد يعني ابن فهم قال حدثنا أبي قال حدثني إسحاق الموصلي قال قال لي المعتصم يا إسحاق إذا نصر الهوى ذهب الرأي
أخبرنا عبد الخالق بن أحمد قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا محمد بن علي بن الفتح قال أنبأنا ابن أخي ميمي قال أنبأنا الحسين بن صفوان قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثني محمد بن إدريس قال حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا سليمان الداراني في قول الله عز وجل
وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا
قال صبروا عن الشهوات
أخبرنا عمر بن ظفر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال حدثنا عبدالعزيز بن علي قال حدثنا ابن جهضم قال حدثنا المفيد قال حدثنا عبد الرحمن بن أحمد قال سمعت محمد بن محمد بن أبي الورد يقول إن لله عز وجل يوما لا ينجو من شره منقاد لهواه
وإن أبطأ الصرعى نهضة يوم القيامة صريع شهوة
وإن العقول لما جرت في ميادين الطلب كان أوفر حظا من يطالبها بقدر ما استصحبته من الصبر
وإن العقل معدن والفكر معول
26
أخبرنا ابن حبيب قال أنبأنا ابن أبي صادق قال أنبأنا ابن باكويه قال حدثنا عبد الواحد بن بكر قال حدثنا محمد بن أحمد المارستاني قال حدثنا عبد الله بن سهل قال سمعت يحيى بن معاذ يقول حفت الجنة بالمكاره وأنت تكرهها وحفت النار بالشهوات وأنت تطلبها فما أنت إلا كالمريض الشديد الداء إن صبر نفسه على مضض الدواء اكتسب بالصبر عافية وإن جزعت نفسه مما يلقي طالت به علة الضنى
قال ابن باكويه وحدثنا محمد بن داود قال سمعت الحسن بن علويه يقول سمعت يحيى بن معاذ وقيل له من أصح الناس عزما قال الغالب لهواه
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أبو الحسين الصيرفي قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه قال أنبأنا أبو بكر بن خلف قال أخبرني سعيد بن الحسن الأسدي قال أنبأنا الوليد بن هشام القحذمي قال دخل خلف بن خليفة على سليمان بن حبيب بن المهلب بالأهواز وعند سليمان جارية له يقال لها البدر من أحسن الجواري وجها وأكمله فقال سليمان لخلف كيف ترى هذه الجارية فقال أصلح الله الأمير ما رأت عيناي جارية قط أحسن منها
فقال خذ بيدها فقال خلف ما كنت لأفعل ولا أسلبها الأمير وقد عرفت عجبه بها
فقال خذها ويحك على عجبي بها ليعلم هواي أني غالب فأخذ بيدها وخرج وهو يقول
لقد حباني وأعطاني وفضلني
عن غير مسألة مني سليمان
أعطاني البدر خودا في مجاسدها
والبدر لم يعطه إنس ولا جان
27
ولست حقا بناسي عرفه أبدا
حتى يغيبني لحد وأكفان
أنبأنا عبدالوهاب الحافظ قال أنبأنا جعفر بن احمد قال حدثنا عبدالعزيز بن الحسن بن إسماعيل قال حدثنا أحمد بن مروان قال حدثنا أحمد بن محرز قال سمعت يحيى بن يحيى يقول قال بعض العباد أشرف العلماء من هرب بدينه من الدنيا واستصعب قياده على الهوى
أخبرنا ابن ظفر قال أنبأنا ابن السراج قال أنبأنا عبد العزيز بن علي قال أنبأنا ابن جهضم قال سمعت أبا علي المغازلي يقول سمعت الحسن بن محمد الجريري يقول أسرع المطايا إلى الجنة الزهد في الدنيا وأسرع المطايا إلى النار حب الشهوات فمن استوى على متن شهوة من الشهوات أسرع به القود إلى ما يكره
قال ابن جهضم وسمعت محمد بن علي يقول قال ابن عطاء من غلب هواه عقله وجزعه صبره افتضح
أخبرنا ابو بكر الصوفي قال أنبأنا ابو سعد الحيرى قال أنبأنا ابن باكويه قال سمعت ابن دادويه قال سمعت عبد الله بن سهل يقول سمعت يحيى بن معاذ يقول من أرضى الجوارح في اللذات فقد غرس لنفسه شجر الندامات
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا عبدالجبار ابن علي الطبري قال قال الحسن بن علي الطوعي صنم كل إنسان هواه فإذ كسره بالمخالفة استحق اسم الفتوة
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبدالملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد ابن جعفر قال حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال حدثنا زكريا بن يزيد قال
28
حدثنا عبد الله بن محمد بن واصل قال حدثنا أبو مسعود المؤدب عن أبي عمرو الشيباني قال لقى عالم من العلماء راهبا من الرهبان فقال له كيف ترى الدهر فقال يخلق الأبدان ويجدد الآمال ويبعد الأمنية ويقرب المنية قال له فأي الأصحاب أبر قال العمل الصالح قال فأي شيء أضر قال النفس والهوى
أخبرنا ابن ظفر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا عبد العزيز بن علي قال حدثنا علي بن جهضم قال حدثني محمد بن جعفر الوراق قال حدثني عبد الله بن يونس الرسعني عن احمد بن أبي الحواري قال لقي رجل راهبا فقال له ما أفضل العبادة فيكم يا راهب قال ما نصبت به الأبدان واسترخت به المفاصل من المداومة قال فما أحسنها قال رقة القلوب عند التذكرة قال فما أعدلها قال الاستكانة للحق قال فما حقها قال ترك الشهوات ولزوم الخلوات
وبالإسناد عن ابن أبي الحواري قال مررت براهب فوجدته نحيفا فقلت له أنت عليل قال نعم قلت منذ كم قال منذ عرفت نفسي قلت فتداو قال قد أعياني الدواء وقد عزمت على الكي قلت وما الكي قال مخالفة الهوى
أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أنبأنا ابن النقور قال حدثنا المخلص قال حدثنا أبو محمد السكري قال حدثنا أبو يعلى المنقري قال حدثنا الأصمعي والعتبي قالا سمعنا أعرابيا يقول ما اشد تحويل الرأي عند الهوى هو الهوان وإنما غلط باسمه فاشتق له من جنسه وإنما يعرف ما أقول من ابكته المنازل والطلول
أخبرنا عمر بن ظفر قال أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا عبد العزيز بن علي قال
29
أنبأنا ابن جهضم قال سمعت عمر بن رفيل الشيخ الصالح يقول رأيت في جبل اللكام طائرا معلقا منكسا يصيح فدنوت منه لأخلصه فإذا تحته صخرة عظيمة مكتوب عليها نقرا داؤك هواك فإن غلبت هواك فذاك دواك
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا محمد بن الحسن السلمي قال أنبأنا عبيد الله بن عثمان قال حدثنا أبو عمرو بن السماك قال حدثنا الحسن بن عمرو السبيعي قال سمعت بشر بن الحارث يقول لا تجد حلاوة العبادة حتى تجعل بينك وبين الشهوات حائطا من حديد
قال السلمي وسمعت احمد بن علي بن جعفر يقول قال أبو سليمان الداراني أفضل الأعمال خلاف هوى النفس
قال وسمعت محمد بن أحمد الفارسي يقول سمعت السرى يقول لن يكمل رجل حتى يؤثر دينه على شهوته ولن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه قال وسمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت محمد بن حامد يقول قال أحمد بن خضرويه لا نوم أثقل من الغفلة ولا رق أملك من الشهوة ولولا ثقل الغفلة لم تظفر بك الشهوة
قال السلمي وسمعت أبا بكر بن شاذان يقول قال يوسف بن الحسين عين الهوى عوراء
وسمعت أبا الحسين بن فارس يقول سمعت الحسين بن علويه يقول قال أبو بكر الوراق اصل غلبة الهوى مقاربة الشهوات فإذا غلب الهوى أظلم القلب وإذا أظلم القلب ضاق الصدر وإذا ضاق الصدر ساء الخلق وإذا ساء الخلق أبغضه الخلق وإذ أبغضه الخلق أبغضهم وإذا أبغضهم جفاهم وإذا جفاهم صار شيطانا رجيما
30
قال السلمي وسمعت أبا بكر الرازي يقول قال أبو علي الثقفي من غلبه هواه توارى عنه عقله وقال ليس شيء أولى بأن تمسكه من نفسك ولا شيء أولى بأن تغلبه من هواك
قال السلمي وسمعت أبا نصر الطوسي يقول سمعت أبا مسلم الأصبهاني يقول قال علي بن سهل العقل والهوى يتنازعان فمعين العقل التوفيق وقرين الهوى الخذلان والنفس واقفة بينهما فأيهما ظفر كانت في حيزه
قال وسمعت أبا بكر محمد بن أحمد يقول سمعت أبا الحسين الوراق يقول الشهوة اغلب سلطان على النفس ولا يزيلها إلا الخوف المزعج
قال وسمعت أبا بكر بن شاذان يقول قال إبراهيم القصار أضعف الخلق من ضعف عن رد شهوته وأقوى الخلق من قوى على ردها
قال السلمي وسمعت أبا الفرج بن الصائغ يقول قال المرتعش وقيل له إن فلانا يمشي على الماء فقال إن من مكنه الله من مخالفة هواه لهو أعظم من المشي على الماء
أنبأنا أحمد بن احمد المتوكلي قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا أبو سعيد بن شاذان قال أنبأنا محمد بن عبد الله الأصبهاني قال حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال بلغني أن بعض الملوك قال لبعض الحكماء العجب لمن عرف الله وجلاله كيف يخالف أمره وينتهك حريمه فقال الحكيم بإغفال الحذر وبسط أمد الأمل وبعسى وسوف ولعل
قال الملك بم يعتصم من الشهوة وقد ركبت في أبدان ضعيفة ففي كل جزء من البدن للشهوة حلول ووطن قال الحكيم إن الشهوة من نتاج الفكر وقرين كل فكرة عبرة ومع كل شهوة زاجر عنها فمن قرن شهواته بالاعتبار وحاط نفسه بالازدجار انحلت
31
عنه ربقة العدوان ودحض سيء فكره بإيثار الصبر على شهوته لما يرجو من ثواب الله على طاعته ويخاف من عقابه على معصيته
أخبرنا محمد بن ابي منصور قال أنبأنا عبد القادر بن محمد قال حدثنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أنبأنا عبد الله بن عبد الرحمن الزهري قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن العباس بن الفضل قال سمعت وهب بن نعيم بن الهيضم يقول قال بشر الحافي لحسن الفلاس من جعل شهوات الدنيا تحت قدميه فرق الشيطان من ظله ومن غلب علمه هواه فهو الصابر الغالب واعلم أن البلاء كله في هواك والشفاء كله في مخالفتك إياه
وقد حكى عن أنوشروان أنه سئل أي الأشياء أحق بالاتقاء فقال أعظمها مضرة
قيل فإن جهل قدر المضرة قال أعظمها من الهوى نصيبا
وقيل للمهلب بن أبي صفرة بم نلت ما نلت قال بطاعة الحزم وعصيان الهوى
وقال بشر الحافي لقيت عليا الجرجرائي بجبل لبنان على عين ماء فلما بصر بي قال بذنب مني لقيت اليوم إنسانا
فسعيت خلفه وقلت أوصني
فالتفت إلى وقال أمستوص أنت عانق الفقر وعاشر الصبر وعاد الهوى وعف الشهوات واجعل بيتك أخلى من لحدك يوم تنقل إليه على هذا طاب المسير إلى الله عز وجل
قال أبو علي الدقاق من ملك شهوته في حال شبيبته صيره الله ملكا في حال كهولته كيوسف عليه السلام إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين
وقال عبد الصمد الزاهد من لم يعلم أن الشهوات فخوخ فهو لعاب
32
وقال أعرابي لابنه يا بني من خاف الموت بادر الفوت ومن لم يكبح نفسه عن الشهوات بادرت به إلى الهلكات والجنة والنار أمامك
وقال بعض الحكماء أعدل الناس من أنصف عقله من هواه وقال آخر العاقل من كان له على جميع شهواته رقيب من عقله
وقال آخر الهوى ملك عسوف وسلطان ظالم دانت له القلوب وانقادت له النفوس
وقال آخر النفس إذا هويت شيئا مالت إليه حتى تكون عند الذي هويت أكثر من كونها عند جسدها
وقال آخر إن لكل شيء أبا جاد وإن أبا جاد الحكمة طرد الهوى ووزن الأعمال
ذكر أشعار قيلت في ذم الهوى
أخبرنا المبارك بن علي قال اخبرتنا فاطمة بنت عبد الله الخبري قالت أنبأنا على بن الحسن بن الفضل قال أنبأنا أحمد بن محمد الكاتب قال أنبأنا ابن المغيرة الجوهري قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني علي بن صالح عن عامر بن صالح قال دخل الوليد بن يزيد بعض كنائس الشام فكتب في حيطانها بفحمة
ما أرى العيش غير أن تتبع النفس هواها فمخطئا أو مصيبا
فرأى ذلك البيت عبد الله بن علي فكتب تحته
33
إن كنت تعلم حين تصبح آمنا
أن المنايا إن أقمت تقيم
فالزم هواك كما رضيت فإنه
لا مثل ذلك في النعيم نعيم
ورايت لبعض المتقدمين في هذا المعنى
وبالناس عاش الناس قدما ولم يزل
من الناس مرغوب إليه وراغب
وما يستوى الصابي ومن ترك الصبا
وإن الصبا للعيش لولا العواقب
أنبأنا إسماعيل بن احمد قال أنبأنا ابن النقور قال أنبأنا المخلص قال حدثنا أبو محمد السكري قال حدثنا أبو يعلى المنقري قال حدثنا الأصمعي قال سمعت رجلا يقول
إن الهوان هو الهوى قلب اسمه
فإذ هويت فقد لقيت هوانا
قلت وقد سئل ابن المقفع عن الهوى فقال هوان سرقت نونه فنظمه شاعر فقال
نون الهوان من الهوى مسروقة
فإذا هويت فقد لقيت هوانا أخبرنا عبدالخالق بن أحمد قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا محمد بن علي بن أبي الفتح قال أنبأنا ابن أخي ميمي قال حدثنا الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال أنشدني الحسن بن سلمان الأبلي
كم أسير لشهوة وقتيل
أف للمشتهى خلاف الجيمل
شهوات الإنسان تورثه الذل
وتلقيه في البلاء الطويل
34
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا ابن سوار قال أنشدنا أبو القاسم التنوخي قال أنشدني علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان
رب مستور سبته صبوة
فتعرى ستره فانتهكا
صاحب الشهوة عبد فإذا
غلب الشهوة صار الملكا
وقد أنشدوا لابن المبارك
ومن البلاء وللبلاء علامة
أن لا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النفس في شهواته
والحر يشبع تارة ويجوع
ولمحمد بن عبد الله بن مناذر
خير ما اجتن به المرء التقى
فاتخذها عدة دون العدد
وأرى الشهوة مفتاح الردى
فاجتنبها وانأ عنها وابتعد
ولصالح بن عبد القدوس
عاص الهوى إن الهوى مركب
يصعب بعد اللين منه الذليل
إن يجلب اليوم الهوى لذة
ففي غد منه البكا والعويل
ما بين ما يحمد فيه وما
يدعو إليك الذم إلا القليل
ولابن الرومي
اتبع العقل إنه حاكم الله ولا تمش في طريق عناده
ما الهوى في لفيفه إن تأملت بقرن للعقل في أجناده
لا تعرض سداد رأيك للطعن عليه من ناقص في سداده
وقال آخر
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى
إلى بعض ما فيه عليك مقال
35
وقال غيره
وأترك الشيء أهواه ويعجبني
أخشى عواقب ما فيه من العار
وقال غيره
إن المراة لا تريك عيوب وجهك مع صداها
وكذاك نفسك لا تريك عيوب نفسك مع هواها
وقال آخر
وكل امرئ يدري مواقع رشده
ولكنه أعمى أسير هواه
يشير عليه الناصحون بجهدهم
فيأبي قبول النصح وهو يراه
هوى نفسه يعميه عن قصد رشده
ويبصر عن فهم عيوب سواه
36
الباب الثالث في ذكر مجاهدة النفس ومحاسبتها وتوبيخها
اعلم وفقك الله أن النفس مجبولة على حب الهوى وقد سبق بيان أذاه فافتقرت لذلك إلى المجاهدة والمخالفة ومتى لم تزجر عن الهوى هجم عليها الفكر في طلب ما شغفت به فاستأنست بالآراء الفاسدة والأطماع الكاذبة والأماني العجيبة خصوصا إن ساعد الشباب الذي هو شعبة من الجنون وامتد ساعد القدرة إلى نيل المطلوب
أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال أنبأنا أبو يعلى بن الفراء قال أنبأنا علي بن عمر السكري قال أنبأنا أحمد بن الحسن الصوفي قال حدثنا الحارث ابن شريح
وأخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا علي بن إسحاق وأخبرنا عبد الوهاب وابن ناصر قالا أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن عبد الرحيم قال حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال حدثنا محمد بن يونس قال حدثنا عبد الله ابن سنان الهروي قالوا أنبأنا عبد الله بن المبارك
وأخبرنا محمد بن ناصر وعبد الله بن علي قالا أنبأنا طراد بن محمد قال أنبأنا ابن بشران قال أنبأنا ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا بقية بن الوليد قالا أنبأنا أبو بكر
37
ابن عبد الله بن أبي مريم قال حدثني ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس قال قال رسول الله A الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله وقال ابو بكر القرشي من اتبع نفسه هواه وقال ابن الأنباري الكيس من أدان نفسه والفاجر بدل العاجز
قال وقال لنا أحمد بن يحيى النحوي الكيس عند العرب العاقل والكيس العقل
وانشدنا
فكن أكيس الكيسى إذا ما لقيتهم
وكن جاهلا إما لقيت ذوي الجهل
قال وقوله من أدان نفسه معناه أخذ لنفسه من نفسه من صحته لسقمه ومن غناه لفقره
ومن روى من دان نفسه معناه من استعبد نفسه وأذلها لطاعة الله قال الأعشى هو دان الرباب إذا كرهوا الدين دراكا بعزة وصيال معناه هو استعبد الرباب
أخبرنا عبد الله بن علي ومحمد بن ناصر قالا أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال حدثنا أبو بكر الآجري قال حدثنا عبد الله بن محمد العطشى قال حدثنا أبو يحيى العاقولي قال حدثنا الربيع ابن روح
38
وأخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو عبد الله الصوري قال حدثنا عبد الرحمن بن عمر قال حدثنا أبو أحمد السعدي قال حدثنا يوسف بن يزيد القراطيسي قال حدثنا المعلى بن الوليد قال حدثنا يوسف بن بقية واللفظ له قالا حدثنا سعد بن سنان عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن ابن البجير وكان من أصحاب النبي A قال اصاب النبي يوما جوع شديد فوضع حجرا على بطنه ثم قال ألا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ألا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين ألا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم ألا يا رب متخوض متنعم فيما افاء الله على رسوله ما له عند الله من خلاق ألا وإن عمل الجنة حزنة بربوة ألا وإن عمل النار سهل بسهوة ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا
ابن البجير لا يعرف اسمه إلا أن الدارقطني قال إن اسمه عفان وفي الصحابة جماعة لا يعرفون إلا بالنسبة إلى آبائهم فقط منهم ابن ثعلبة وابن جارية وابن جميل وابن حماطة وابن حنظلة وابن الرسيم وابن عايش وليس بعبد الرحمن بن عايش وابن عبس وابن عصام وابن غنام واين الفاكه وابن مسعدة وابن المنتفق وابن نضيلة في آخرين
وفي الصحابة من اشتهر بالنسبة إلى أبيه مع معرفة اسمه كابن زامل وابن سبرة وابن رسلان وابن الشياب وابن عائذ وابن القشيب وابن اللتبية كل هؤلاء اسمه عبد الله وإنما اشتهر بأبيه
والحزن ضد السهل
والربوة المكان المرتفع من الأرض
والمراد من الحديث أن عمل الجنة صعب وعمل النار سهل لأن ذلك يخالف الطباع وهذا يوافقها
39
أخبرنا محمد بن ناصر وعبد الله بن علي قالا أنبانا علي بن محمد قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال حدثنا أبو بكر الآجري قال حدثنا جعفر الفريابي قال حدثنا المسيب بن واضح قال حدثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن أبي هانئ الخولاني عن عمرو بن مالك عن فضالة بن عبيد قال سمعت رسول الله A يقول المجاهد من جاهد نفسه في الله عز وجل
أخبرنا سعيد بن أحمد قال أنبأنا ابن البسرى قال أنبأنا المخلص قال حدثنا البغوي قال حدثنا ابن صاعد قال حدثنا لوين
وأخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال حدثنا علي ابن احمد الحمامي قال حدثنا أحمد بن يوسف قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال حدثنا مسدد قالا حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا سعيد بن مسروق عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله A ليس الشديد من غلب الناس ولكن الشديد من غلب نفسه لفظ مسدد
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا واصل بن حمزة الصوفي قال أنبأنا أبو سهل عبد الكريم بن عبد الرحمن بن محمد قال حدثنا خلف بن محمد بن إسماعيل قال حدثنا محمد بن حاتم بن نعيم قال حدثنا أبي قال حدثنا عيسى بن موسى عن الحسن هو ابن هشام عن يحيى بن العلاء قال حدثنا ليث عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال قدم النبي A من غزاة له فقال لهم رسول الله A قدمتم خير مقدم وقدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا وما الجهاد الأكبر يا رسول الله قال مجاهدة العبد هواه
40
اعلم انه إنما كان جهاد النفس أكبر من جهاد الأعداء لأن النفس محبوبة وما تدعو إليه محبوب لأنها لا تدعو إلا إلى ما تشتهي وموافقة المحبوب في المكروه محبوبة فكيف إذا دعا إلى محبوب
فإذ عكست الحال وخولف المحبوب فيما يدعو إليه من المحبوب اشتد الجهاد وصعب الأمر بخلاف جهاد الكفار فإن الطباع تحمل على خصومة الأعداء
وقال ابن المبارك في قوله تعال وجاهدوا في الله حق جهاده قال هو جهاد النفس والهوى
أخبرنا محمد بن ناصر وعبد الله بن علي قالا أنبأنا طراد قال أنبأنا على ابن بشران قال أنبأنا ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل
وأخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن يوسف قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي
وأخبرنا محمد وعبد الله بن علي قالا أنبأنا ابن العلاف قال أنبأنا عبد الملك ابن بشران قال حدثنا أبو بكر الآجري قال حدثنا بنان بن أحمد قال حدثنا هرون بن عبد الله قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج قال قال عمر بن الخطاب حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم يوم القيامة وتزينوا للعرض الأكبر يؤمئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية
41
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن يوسف قال أنبأنا أبو علي التميمي قال أنبأنا ابن حمدان قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثنا مصعب بن عبد الله قال حدثني مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله أن أنس بن مالك قال سمعت عمر بن الخطاب يوما وخرجت معه حتى دخل حائطا فسمعته يقول وبيني وبينه جدار عمر بن الخطاب بخ بخ والله بني الخطاب والله لتتقين الله أو ليعذبنك
وبه قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني ابي قال حدثنا هاشم بن القاسم قال حدثنا المبارك عن الحسن قال أيسر الناس حسابا يوم القيامة الذين يحاسبون أنفسهم لله عز وجل في الدنيا فوقفوا عند همومهم وأعمالهم فإن كان الذي هموا به لله عز وجل مضوا فيه وإن كان عليهم امسكوا
قال وإنما يثقل الحساب يوم القيامة على الذين جازفوا الأمور في الدنيا اتخذوها على غير محاسبة فوجدوا الله عز وجل قد أحصى عليهم مثاقيل الذر
ثم قرأ يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها
أخبرنا ابن ناصر وعبد الله بن علي قالا أنبأنا ابن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال حدثنا يحيى بن صاعد قال حدثنا ابن المبارك قال حدثنا معمر عن يحيى بن المختار عن الحسن قال إن المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله عز وجل وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حسابوا أنفسهم في الدنيا وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة إن المؤمن يفجؤه الشيء يعجبه فيقول والله إن لأشتهيك وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من صلة إليك هيهات هيهات حيل بيني وبينك ويفرط منه
42
الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول ما أردت إلى هذا ما لي ولهذا والله لا أعود إلى هذا ابدا إن شاء الله
إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم
إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته لا يأمن شيئا حتى يلقى الله عز وجل يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه
وبه قال حدثنا الآجري قال حدثنا ابن مخلد قال حدثنا علي بن إبراهيم قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا ابو مقاتل قال حدثنا عون ابن ابي شداد عن الحسن في وصية لقمان لابنه يا بني إن الإيمان قائد والعمل سائق والنفس حرون فإن فتر سائقها ضلت عن الطريق وإن فتر قائدها حرنت فإذا اجتمعا استقامت
إن النفس إذا اطمعت طمعت وإذا فوضت إليها أساءت وإذا حملتها على أمر الله صلحت وإذا تركت الأمر إليها فسدت
فاحذر نفسك واتهمها على دينك وأنزلها منزلة من لا حاجة له فيها ولا بد له منها
وإن الحكيم يذل نفسه بالمكاره حتى تعترف بالحق وإن الأحمق يخير نفسه في الأخلاق فما أحبت منها أحب وما كرهت منها كره
وبالإسناد قال حدثنا الآجري قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الحميد قال حدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا سيار قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا حجاج بن الأسود قال سمعت قتادة يقول يا ابن آدم إن كنت تريد أن لا يأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك إلى السآمة والفتور والملل أقرب ولكن المؤمن هو العجاج والمؤمن هو المتوقى والمؤمن هو المتشدد وإن المؤمنين هم العجاجون إلى الله عز وجل بالليل والنهار والله ما زال المؤمنون يقولون ربنا ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم
43
وبه قال حدثنا الآجري قال حدثنا عبد الله بن عبد الحميد قال حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال حدثنا أبو عبيدة الناجي أنه سمع الحسن يقول حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور واقرعوا هذه الأنفس فإنها طلعة وإنها تنازع إلى شر غاية وإنكم إن تقاربوها لم تبق لكم من أعمالكم شيئا فتصبروا وتشددوا فإنما هي ليال تعد وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب ولا يلتفت فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم
إن هذا الحق أجهد الناس وحال بينهم وبين شهواتهم وإنما صبر على هذا الحق من عرف فضله ورجا عاقبته
وبه قال حدثنا الآجري قال حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال حدثنا شعيب بن عبد الحميد قال حدثنا يزيد بن هارون قال أنبأنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ولا أقسم بالنفس اللوامة قال تندم على ما فات وتلوم نفسها
قال أبو بكر بن أبي داود وحدثنا علي بن محمد قال حدثنا وكيع عن جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال لا يكون الرجل تقيا حتى يحاسب نفسه محسابته لشريكه
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا رزق الله وطراد قالا أنبأنا أبو الحسين بن بشران قال أنبأنا ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني شريح ابن يونس قال حدثنا سليمان بن حيان عن جعفر بن برقان عن ميمون ابن مهران قال لا يكون الرجل تقيا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه
44
وبالإسناد حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا خالد بن خداش عن حماد ابن زيد عن رزيق بن رديح عن سلمة بن منصور عن مولى لهم كا يصحب الأحنف بن قيس قال كنت أصحبه فكان عامة صلاته بالليل الدعاء وكان يجيء إلى المصباح فيضع أصبعه ثم يقول حس
ثم يقول يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا ما حملك على ما صنعت يوم كذا
وبه حدثنا القرشي قال حدثني إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا عامر بن يسار عن مالك بن دينار قال إن قوما من بني إسرائيل كانوا في مسجد لهم فجاء شاب حتى قام على باب المسجد فقال ليس مثلي من يدخل معكم أنا صاحب كذا أنا صاحب كذا يزرى على نفسه فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم ان فلانا صديق
وبه حدثنا القرشي قال حدثنا سعد بن سليمان عن محمد بن يزيد بن حبيش قال قال وهب بن الورد بينما امرأة في الطواف ذات يوم وهي تقول يا رب ذهبت اللذات وبقيت التبعات يا رب سبحانك إنك لأرحم الراحمين يا رب مالك عقوبة إلا النار
فقالت صاحبة لها يا أخية دخلت بيت ربك اليوم فقالت والله ما أرى هاتين القدمين وأشارت إلى قدميها أهلا للطواف حول بيت ربي عز وجل فكيف أراهما أهلا أطؤ بهما بيت ربي وقد علمت حيث مشتا وأين مشتا
وبه حدثنا القرشي قال حدثني محمد بن عبد الله بن محمد عن عبد الجبار بن النضر قال مر حسان بن أبي سنان بغرفة فقال متى بنيت هذه ثم أقبل على نفسه فقال تسألين عما لا يعنيك لأعاقبنك بصوم سنة فصامها
45
قال وحدثني محمد قال حدثني يونس بن يحيى عن منكدر بن محمد عن أبيه أن تميما الداري نام ليلة لم يقم يتهجد فيها فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه قال أنبأنا أبو بكر بن الأنباري قال حدثني أبي قال حدثنا علي بن عبد الله الطوسي قال قال معاوية بن هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان بم بلغ فيكم الأحنف بن قيس ما بلغ فذكر كلاما طويلا إلى أن قال كان أشد الناس على نفسه سلطانا
أخبرنا ابن ناصر وعلي بن أبي عمر قالا أنبأنا رزق الله وطراد قالا أنبأنا ابن بشران قال حدثنا ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني محمد بن سعيد الدارمي عن أبيه قال قيل لرجل صف لنا الأحنف بن قيس
فقال ما رأيت أحدا أعظم سلطانا على نفسه منه
أخبرنا عبد الوهاب قال أنبأنا شجاع بن فارس قال أنبأنا شجاع بن علي قال أنبأنا محمد بن عبد الله الدقاق قال حدثنا الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا أحمد بن الهيثم قال حدثنا حفص بن عمرو العمري عن شيب بن شيبة قال قال سليمان بن عبد الملك بن هشام لخالد ابن صفوان بم بلغ فيكم الأحنف بن قيس قال إن شئت أخبرتك عنه ألفا وإن شئت حذفت القول فيه حذفا قال بل احذفه حذفا قال إن شئت ثلاثا وإن شئت اثنتين وإن شئت واحدة قال هات الثلاث قال كان لا يشره ولا يحيد ولا يمنع أحدا من حق قال فهات الاثنتين قال كان موفقا للخير معصوما عن الشر قال فهات الواحدة قال لم أر أحدا قط كان أقوى سلطانا على نفسه منه
46
أخبرنا على بن عمر قال أنبأنا طراد قال أنبأنا ابن بشران قال حدثنا ابن صفوان قال أنبأنا أبو بكر بن عبيد قال حدثنا أبو محمد العبدي عن عبد الله بن محمد قال حدثني ابن أبي شميلة قال دخل رجل على عبد الملك بن مروان ممن كان يوصف بالعقل والأدب فقال له عبد الملك تكلم فقال بم أتكلم وقد علمت أن كل كلام يتكلم به المتكلم عليه وبال إلا ما كان لله فبكى عبد الملك ثم قال يرحمك الله لم يزل الناس يتواعظون ويتواصون
قال يا امير المؤمنين إن للناس في القيامة جولة لا ينجو من غصص مرارتها إلا من أرضى الله بسخط نفسه
أنبأنا إسماعيل بن أحمد قال أنبأنا ابن النقور قال أنبأنا المخلص قال حدثنا أبو محمد السكري قال حدثنا أبو يعلى المنقري عن الأصمعي قال حدثنا الفضل بن عبد الملك قال قال عبد الله بن الأهتم لابنه يا بني توق نفسك فإن في خلافها رشدك
أخبرنا ابن ناصر وعبد الله بن علي قالا أنبأنا طراد قال أنبأنا ابن بشران قال أنبأنا ابن صفوان قال حدثنا عبد الله بن محمد القرشي قال حدثني محمد ابن الحسين قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا مهدي بن ميمون عن عبد الحميد صاحب الزيادي عن وهب بن منبه أن رجلا تعبد زمانا ثم بدت له إلى الله عز وجل حاجة فصام سبعين سبتا ياكل في كل سبت إحدى عشرة تمرة ثم سأل حاجته فلم يعطها فرجع إلى نفسه فقال منك أتيت لو كان فيك خير اعطيت حاجتك فنزل إليه عند ذلك ملك فقال يا ابن آدم ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت وقد قضى الله حاجتك
وبالإسناد قال حدثنا القرشي قال حدثنا علي بن محمد قال حدثنا عبد الله
47
ابن صالح قال حدثني يعقوب بن عبد الرحمن القارئ قال قال محمد بن المنكدر إني خلفت زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش وهو يخاصم نفسه في المسجد يقول اجلسي أين تريدين اين تذهبين أتخرجين إلى احسن من هذا المسجد انظري إلى ما فيه تريدين أن تبصري دار فلان ودار فلان
قال وكان يقول لنفسه مالك من الطعام إلا هذا الخبز والزيت ومالك من الثياب إلا هذين الثوبين ومالك من النساء إلا هذه العجوز أفتحبين أن تموتي فقالت أنا اصبر على هذا العيش
وبالإسناد قال حدثنا القرشي قال حدثني سلمة بن شبيب قال حدثنا سهل ابن عاصم عن أبي يزيد الرقى قال قال حذيفة بن قتادة قيل لرجل كيف تصنع في شهوتك قال ما في الأرض نفس أبغض إلى منها فكيف اعطيها شهوتها
وبه قال حدثنا القرشي قال حدثني أبو عبد الرحمن قال حدثني سعدان بن سمرة العجلي قال سمعت أحمد بن الزبرقان قال سمعت عبد الله بن المبارك يقول إن الصالحين فيما مضى كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوا وإن أنفسنا لا تكاد تواتينا إلا على كره فينبغي لنا أن نكرهها
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد قال أنبأنا الحسن بن عي قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثنا أبي قال حدثنا هاشم بن القاسم قال حدثنا ابن المبارك قال حدثنا سفيان عن يسير عن جميلة بن الحارث أنه كان يقول اعكسوا هذه الأنفس عكس الخيل باللجم فوالذي نفسي بيده إني لألبس ما يساوي ثلاثة دراهم فأظل أنظر في عطفي
48
أخبرنا محمد قال أنبأنا عبد القادر قال أنبأنا ابن المذهب قال حدثنا ابن مالك قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثنا الحسن بن عبد العزيز قال انبأنا عبد الله بن يوسف قال حدثنا محمد بن سليمان بن بلال بن أبي الدرداء أن أمه عثامة كف بصرها فدخل عليها ابنها يوما وقد صلى فقالت أصليتم بني فقال نعم فقالت
عثام مالك لاهيه
حلت بدارك داهيه
ابكي الصلاة لوقتها
إن كنت يوما باكيه
وابكي القرآن إذا تلي
قد كنت يوما تاليه
تتلينه بتفكر
ودموع عينك جاريه
فاليوم لا تتلينه
إلا وعندك تاليه
لهفي عليك صبابة
ما عشت طول حياتيه
أخبرنا علي بن أبي عمر قال أنبأنا رزق الله وطراد قالا أنبأنا ابن بشران قال أنبأنا ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني مسلمة بن شبيب قال حدثنا سهل بن عاصم عن أبي ربيعة قال قال عمر بن عبد العزيز أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس
أخبرنا عمر بن ظفر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا أبو القاسم الأزجي قال أنبأنا أبو الحسن بن جهضم قال قال أبو بكر النقاش سمعت عمر بن واصل يقول سمعت سهلا يقول من صحب نفسه هلك ومن صحبته نفسه لم يسلم
قال ابن جهضم وحدثنا الحسين بن الحسن بن معبد قال حدثنا محمد بن البلخي قال سمعت محمد بن احمد بن سعيد يقول سمعت أبا بكر الوراق يقول
49
استعن على سيرك إلى الله بترك من شغلك عن الله عز وجل وليس بشاغل يشغلك عن الله عز وجل كنفسك التي هي بين جنبيك
قال وحدثني أبو القاسم المخرمي قال سمعت ابا على الروذباري يقول النفس مجبولة على سوء الأدب والعبد مأمور بملازمة الأدب فالنفس تجري بطبعها في ميدان المخالفة والعبد مجتهد في ردها فمتى اعانها فهو شريكها في فسادها
قال ابن جهضم وحدثني خلف بن الحسن العباداني قال سمعت سمنونا يقول أول وصال العبد للحق هجرانه لنفسه وأول هجران العبد للحق مواصلته لنفسه
قال وحدثنا محمد بن أحمد الزبيري قال حدثنا أبو بكر الكناني قال قال لي علي بن سعيد رأيت في النوم امرأة لا تشبه نساء الدنيا فقلت من أنت قالت حوراء قلت زوجيني نفسك فقالت اخطبني إلى سيدي قلت فما مهرك قالت حبس نفسك عن مألوفاتها
أخبرنا علي بن أبي عمر قال أنبأنا رزق الله وطراد قالا أنبأنا ابن بشران قال حدثنا ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر بن عبيد قال حدثنا سلمة بن شبيب عن إبراهيم بن الأشعث سمع الفضل بن عياض يقول في قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم قالا لا تغفلوا عن أنفسكم فإن من غفل عن نفسه فقد قتلها
أخبرنا ابو بكر الصوفي قال أنبأنا ابن أبي صادق قال أنبأنا ابن باكويه قال سمعت أحمد بن علي البوازيجي قال سمعت أبا عمران الحديثي يقول ما مددت يدي مذ عقلت عن الله عز وجل ولنفسي فيه نصيب ولولا أن الله عز وجل أودعنا هذه النفوس بحفظها له لجعلنا على ذروة كل جبل منها قطعة
50
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أبو بكر بن خلف قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال أنبأنا أحمد بن عبد الله بن يوسف القرميسيني أن أباه حدثه قال حدثنا علي بن عبد الحميد الغضائري قال سمعت السرى يقول اقوى الفتوة غلبتك نفسك ومن عجر عن أدب نفسه كان عن أدب غيره أعجز ومن علامة الاستدراج العمى عن عيوب النفس
قال السلمي وسمعت نصر بن أبي نصر العطار يقول سمعت أحمد بن سليمان يقول وجدت في كتابي عن حاتم الأصم قال الموت الأحمر مخالفة النفس
قال السلمي وأخبرنا محمد بن أحمد الرازي قال حدثنا العباس بن حمزة قال سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول من لم يعرف نفسه فهو من دينه في غرور
قال السلمي وسمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت محمد بن حامد يقول قال رجل لأحمد بن خضرويه أوصني فقال أمت نفسك تحييها
قال وسمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت الحسن بن علويه يقول قال يحيى بن معاذ لا تربح على نفسك بشيء أجل من أن تشغلها في كل وقت بما هو أولى بها
قال وسمعت محمد بن أحمد الشبهي يقول سمعت أحمد بن حمدون يقول سمعت أبي يقول من استطاع منكم أن لا يعمى عن نقصان نفسه فليفعل
قال وسمعت أبا الحسن الفارسي قال سمعت الحسن بن علويه يقول قال محمد ابن الفضل أنزل نفسك منزلة من لا حاجة له فيها ولا بد له منها فإن من ملك نفسه عز ومن ملكته نفسه ذل
51
قال السلمي وحدثنا أحمد بن محمد بن يعقوب الهروي قال حدثني أحمد بن عطاء قال حدثني أبو صالح قال قال أبو سعيد الخراز مثل النفس مثل ماء واقف طاهر صاف فإن حركته ظهر ما تحته من الحمأة
وكذا النفس تظهر عند المحن والفاقة والمخالفة ومن لم يعرف ما في نفسه كيف يعرف ربه
قال وسمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت أبا محمد الجريري يقول من استولت عليه النفس صار أسيرا في حكم الشهوات محصورا في سجن الهوى وحرم الله على قلبه الفوائد فلا يستلذ كلامه ولا يتسحليه وإن كثر ترداده على لسانه
قال وسمعت محمد بن عبد الله الرازي قال قال محمد بن احمد بن سالم البصري من صبر على مخالفة نفسه أوصله الله إلى مقام أنسه
قرأت على أبي القاسم الحريري عن أبي طالب العشاري قال حدثنا عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي قال سمعت أبي يقول سمعت أبا بكر ابن الضرير المقرى يقول دافعت الشهوات حتى صارت شهوتي المدافعة
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرني أحمد ابن علي المحتسب قال أنبأنا محمد بن الحسين الصوفي قال سمعت محمد بن عبد الله الرازي قال سمعت الجريري يقول سمعت الجنيد يقول ما أخذنا التصوف عن القيل والقال لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات
أنبأنا على بن عبد الله قال أنبأنا عبد الواحد بن علي بن فهد قال أنبأنا أبو الفتح ابن أبي الفوارس قال أنبأنا الحسن بن أحمد الصوفي قال قال فراس العابد قلت لراهب اوصني فقال عليك بما تكره نفسك فألزمه قلبك فإنه يقدم بك على ما تحب وإياك وما تحبه فإنه يقفك على ما تكره
52
ذكر أشعار قيلت في ذلك
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزار قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا أبو سعيد الصيرفي قال حدثنا محمد بن عبد الله الأصبهاني قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال حج سعيد بن وهب ماشيا فبلغ منه وجهد فقال
قدمي اعتورا رمل الكثيب
واطرقا الآجن من ماء القليب
رب يوم رحتما فيه على زهرة
الدنيا وفي واد خصيب
وسماع حسن من حسن
صخب المزهر كالظبي الربيب
فاحسبا ذاك بهذا واصبرا
وخذا من كل فن بنصيب
إنما أمسى لأني مذنب
فلعل الله يعفو عن ذنوبي
أخبرنا عبد الله بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنشدني أبو عبد الله محمد بن أحمد الشيرازي الواعظ
إذا ما أطعت النفس في كل لذة
نسبت إلى غير الحجا والتكرم
إذا ما اجبت النفس في كل دعوة
دعتك إلى الأمر القبيح المحرم
وقال عبد الله بن المعتز
وكم دهى المرء من نفسه
فلا تؤكلن بأنيابها
وإن أمكنت فرصة في العدو
فلا يبد فعلك إلا بها
وإياك من ندم بعدها
وتأميل أخرى وأنى بها
أنشدني أبو زيد بن الحسن الطبري
إذا طالبتك النفس يوما بحاجة
فكان عليها للقبيح طريق
53
فدعها وخالف ما هويت فإنما
هواك عدو والخلاف صديق
فصل واعلم أن المغلوب بموافقة الهوى والنفس مقهور ولذلك تجد في
نفسه ذلا لمكان القهر وغالب الهوى ذو صولة
ولذلك وقع عظيم في الشرع وعند الخلق
أما في الشرع فإن قهر الهوى يوجب المباهاة
أخبرنا علي بن عبد الله قال أنبأنا ابن النقور قال حدثنا أبو حفص الكتاني قال حدثنا البغوي قال حدثنا كامل بن طلحة قال حدثنا ابن لهيعة قال حدثنا أبو عشانة قال سمعت عقبة بن عامر يقول قال رسول الله A عجب ربنا من شاب ليس له صبوة
أخبرنا عبد الوهاب ويحيى بن علي قالا أنبأنا أبو محمد الصريفيني قال أنبأنا محمد بن الحسن بن عبدان قال أنبأنا محمد بن هارون الحضرمي عن عبد الحميد البهرامي عن يزيد بن ميسرة قال إن الله عز وجل يقول أيها الشاب التارك شهوته من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا أبو بكر الخرائطي قال حدثنا نصر بن داود قال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن عدي عن يزيد بن ميسرة
54
قال إن الله تبارك وتعالى يقول أيها الشاب التارك شهوته لي المتبذل شبابه من أجلي أنت عندي كبعض ملائكتي
أخبرنا ابن ناصر قال أنبانا أبو بكر بن خلف قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول قال الله تعالى من كان لي مطيعا كنت له وليا فليثق بي وليحكم علي فوعزتي لو سألني زوال الدنيا لأزلتها له
وأما عند الخلق فإنهم يعجبون من الزاهد ويذلون له ويتبركون به لأنه قوي على حمل ما ضعفوا عنه وهجر مالا يستطيعون هجره
فصل وقد كان أهل الحزم يعودون أنفسهم مخالفة هواها وإن كان مباحا
ليقع التمرين للنفس على ما ترك الهوى مطلقا وليطلب الارباح في المعاملة بترك المباح
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا حمد بن أحمد قال أنبأنا أبو نعيم قال حدثنا أحمد بن محمد بن سنان قال حدثنا محمد بن إسحاق السراج قال حدثنا عمرو بن زرارة قال حدثنا أبو عبيدة الحداد عن عبد الله بن أبي عثمان قال كان عبد الله بن عمر اعتق جاريته التي يقال لها رميثة وقال إني سمعت الله قال في كتابه لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإني والله إن كنت لأحبك في الدينا اذهبي فأنت لوجه الله
أخبرناالمبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك
55
ابن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا أبو الفضل الربعي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عدي قال كانت لفاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز جارية ذات جمال فائق وكان عمر معجبا بها قبل ان تفضي إليه الخلافة فطلبها منها وحرص فأبت دفعها إليه وغارت من ذلك فلم تزل في نفس عمر فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية فاصلحت ثم جليت فكانت حديثا في حسنها وجمالها ثم دخلت فاطمة بالجارية على عمر فقالت يا أمير المؤمنين إنك كنت بفلانة جاريتي معجبا وسألتنيها فأبيت ذلك عليك وإن نفسي قد طابت لك بها اليوم فدونكها فلما قالت ذلك استبانت الفرح في وجهه ثم قال ابعثي بها إلي ففعلت فلما دخلت عليه نظر إلى شيء أعجبه فازداد بها عجبا فقال لها الق ثوبك فلما همت أن تفعل قال على رسلك اقعدي اخبريني لمن كنت ومن أين أنت لفاطمة قالت كان الحجاج بن يوسف أغرم عاملا كان له من أهل الكوفة مالا وكنت في رقيق ذلك العامل فاستصفاني عنه مع رقيق له وأموال فبعث بي إلى عبد الملك بن مروان وأنا يؤمئذ صبية فوهبني عبد الملك لابنته فاطمة
قال وما فعل ذلك العامل قالت هلك قال وما ترك ولدا قالت بلى
قال وما حالهم قالت سيئة قال شدي عليك ثوبك
ثم كتب إلى عبد الحميد عامله أن سرح لي فلان بن فلان على البريد فلما قدم قال له ارفع إلي جميع ما أغرم الحجاج أباك فلم يرفع إليه شيئا إلا دفعه إليه ثم أمر بالجارية فدفعت إليه فلما أخذ بيدها قال إياك وإياها فإنك حديث السن ولعل اباك أن يكون قد وطئها فقال الغلام يا أمير المؤمنين هي لك
قال لا حاجة لي فيها
قال فابتعها مني قال لست إذن ممن ينهى النفس
56
عن الهوى
فمضى الفتى بها فقالت الجارية فأين موجدتك بي يا أمير المؤمنين فقال إنها لعلى حالها ولقد ازدادت
فلم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز قال أنبأنا أبو الحسن رشيق الرقى قال حدثنا أحمد بن سعيد الوراق قال حدثنا عمر بن سعيد عن عبد الرحمن بن مهدي قال رأيت سفيان الثوري في المنام فقلت ما فعل الله بك قال لم يكن إلا أن وضعت في اللحد حتى وقفت بين يدي الله تعالى فحاسبني حسابا يسيرا ثم أمر بي إلى الجنة فبينا أنا أدور بين أشجارها وأنهارها ولا أسمع حسا ولا حركة إذ سمعت قائلا يقول سفيان بن سعيد فقلت سفيان بن سعيد قال تحفظ أنك آثرت الله على هواك يوما قال قلت إي والله فأخذتني صواني النثار من جميع الجنة
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا ابن رزق قال أنبأنا إبراهيم بن محمد المزكي قال أنبأنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال سمعت محمد بن سهل بن عسكر يقول سمعت عبد الرزاق يقول بعث أبو جعفر الخشابين حين خرج إلى مكة فقال إن رأيتم سفيان الثوري فاصلبوه
قال فجاء النجارون ونصبوا الخشب ونودي سفيان وإذا رأسه في حجر الفضل ورجلاه في حجر ابن عيينة
قال فقالوا له يا ابا عبد الله اتق الله ولا تشمت بنا الأعداء
قال فتقدم إلى الأستار ثم أخذها ثم قال برئت منه إن دخلها أبو جعفر
قال فمات قبل أن يدخل مكة فأخبر بذلك سفيان فلم يقل شيئا
57
فتلمح يا اخي أثر خلاف الهوى كيف بان في مقام لو أقسم وميز ما بين إدلال المطيع وذل العاصي
وقد سمعت أن عمر لما جاءه منكر ونكير جذب بذاؤبة هذا وذؤابة هذا وقال من ربكما ولولا انقباض يده عن الهوى ما انبسطت إلى منكر ونكير
وقد قال بعض الحكماء ظاهر التقوى شرف الدنيا وباطنها شرف الآخرة
واعلم انك إذا عكست هذه الحال في حق موافق الهوى والنفس رأيت الذل ملازما والجاه منكسرا وكذلك الأمر عند المخلوقين في الأمرين جميعا فإنه من عرف عندهم بقهر الهوى عظم ومن نبز بأنه مقهور الهوى أهين فالعجب من سكرة ذي الهوى كيف غلبت عليه فلما أفاق لم ير غير اللوائم
58
الباب الرابع في مدح الصبر والحث عليه
وإذ قد قدمنا ذم الهوى وأمرنا بمخالفة النفس ولا إمكان لمخالفتها وترك هواها إلا بالصبر فلنقل في فضله وشرفه والأمر به والله الموفق
الصبر في اللغة الحبس وكل من حبس شيئا فقد صبره ومنه المصبورة التي نهى عنها وهي الدجاجة ونحوها تتخذ غرضا وترمى حتى تقتل وسمى رمضان شهر الصبر لأنه شهر تحبس فيه النفس عما تنازع إليه من المطعم والمشرب والمنكح والصابر حابس لنفسه عما تنازع إليه من المشتهى أو شكوى ألم وسمى الصابر في المصيبة صابرا لأنه حبس نفسه عن الجزع
وحكى أبو بكر بن الأنباري عن بعض العلماء أنه قال إنما سمى الصبر صبرا لأن تمرره في القلب وإزعاجه للنفس كتمرر الصبر في الفم
واعلم وفقك الله أن الصبر مما يامر به العقل وإنما الهوى ينهى عنه فإذا فوضلت فوائد الصبر وما تجلب من الخير عاجلا وآجلا بانت حينئذ فضائل العقل وخساسة الهوى
واعلم أن الصبر ينقسم قسمين صبر عن المحبوب وصبر على المكروه فالطاعة مفتقرة إلى الصبر عليها والمعصية مفتقرة إلى الصبر عنها
ولما كانت النفس مجبولة على حب الهوى فكانت بالطبع تسعى في طلبه افتقرت إلى حبسها عما تؤذي عاقبته
ولا يقدر على استعمال الصبر إلا من عرف عيب الهوى وتلمح عقبي الصبر فحينئذ يهون عليه ما صبر عليه وعنه
59
وبيان ذلك بمثل وهو أن امراة مستحسنة مرت على رجلين فلما عرضت لهما اشتهيا النظر إليها فجاهد أحدهما نفسه وغض بصره فما كانت إلا لحظة ونسى ما كان وأوغل الآخر في النظر فعلقت بقلبه فكان ذلك سبب فتنته وذهاب دينه فبان لك أن مداراة المعصية حتى تذهب أسهل من معاناة التوبة حتى تقبل وقد قال بعض السلف من تخايل الثواب خف عليه العلم
فصل قد حث الله عز وجل على الصبر
في كتابه وأمر به ومدح أهله فهو مذكور في نحو من سبعين موضعا من القرآن وهو في الحديث المنقول كثير وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي A أنه قال ما أعطى أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر وقال علي رضي الله تعالى عنه اعلموا أن الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد ألا وإنه لا إيمان لمن لا صبر له وقال الأشعث بن قيس إنك إن صبرت إيمانا واحتسابا وإلا سلوت كما تسلوا البهائم أخبرنا عبد الوهاب قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أحمد بن علي التوزي قال أنبأنا عمر بن ثابت قال أنبأنا علي بن احمد بن أبي قيس قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال حدثنا يحيى بن سليم الطائفي قال حدثني عمرو بن يونس عن من حدثه عن علي عليه السلام قال قال رسول الله A الصبر ثلاثة فصبر على المصيبة وصبر
60
على الطاعة وصبر عن المعصية فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلثمائة درجة بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش مرتين وبالإسناد قال حدثنا يحيى بن يوسف الذمي قال حدثنا أبو المليح عن ميمون بن مهران قال الصبر صبران الصبر على المصيبة حسن وأفضل من ذلك الصبر عن المعاصي وما نال أحد شيئا من جميع الخير نبي فمن دونه إلا بالصبر وبالإسناد قال حدثنا القرشي قال حدثنا محمد بن إدريس قال حدثنا محمد بن روح قال حدثنا القاسم بن كثير قال سمعت سليمان بن القاسم يقول كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر قال الله عز وجل إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب قال كالماء المنهمر وبه قال حدثنا القرشي قال حدثني علي بن مسلم قال حدثنا سيار قال حدثنا جعفر قال حدثنا مالك بن دينار قال قال عيسى بن مريم خشية الله عز وجل وحب الفردوس يباعدان من زهرة الدنيا ويورثان الصبر على المشقة وبه قال حدثنا القرشي قال حدثنا علي بن الحسن عن زهير بن عباد عن أبي سليمان النصيبي قال قال الحواريون لعيسى بن مريم يا روح الله كيف لنا بأن ندرك جماع الصبر
61
قال اجعلوا عزمكم في الأمور كلها بين يدي هواكم ثم اتخذوا كتاب الله عز وجل إماما لكم في دينكم أخبرنا المبارك بن علي قال أنبانا محمد بن المختار قال أنبأنا محمد بن علي ابن ابي الفتح قال أنبأنا محمد بن يوسف العلاف قال أنبأنا يحيى بن صاعد قال أنبأنا مسلم بن جنادة عن وكيع عن شعبة عن عبد الحميد صاحب الزيادي عن ثابت عن أنس قال قال رسول الله A من جهد البلاء قلة الصبر أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا الحسن بن أحمد قال أنبأنا هلال بن محمد قال حدثنا محمد بن عمرو بن البختري قال حدثنا عبد الله بن غنام قال حدثنا حرب بن الحسن قال حدثنا ابن يمان عن الأعمش عن الحسن قال إنما يدرك ابن آدم حاجته في صبر ساعة أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا أبو بكر الخارئطي قال حدثنا علي بن داود قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني يعقوب بن إبراهيم الزهري عن أبيه قال جلس إلي يوما زياد مولى ابن عياش فقال يا عبد الله قلت ما تشاء قال ما هي إلا الجنة والنار قلت والله ما هي إلا الجنة والنار فقال وما بينهما منزل ينزله العباد قلت وما بينهما منزل ينزله العباد قال فوالله إن نفسي لنفس أضن بها عن النار وللصبر اليوم على معاصي الله خير من الصبر على الأغلال أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن خلف قال حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت
62
أبا عثمان الأسدي يقول قال الحارث المحاسبي لكل شيء جوهر وجوهر الإنسان العقل وجوهر العقل الصبر وبه حدثنا السلمي قال سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول سمعت أبا بكر بن أحمد يقول قال عمر بن عثمان المكي لقد وبخ الله التاركين للصبر على دينهم بما أخبرنا عن الكفار أنهم قالوا امشوا واصبروا على آلهتكم فهذا توبيخ لمن ترك الصبر من المؤمنين على دينه قال السلمي وسمعت أبا نصر الطوسي يقول سمعت محمد بن داود الدينوري يقول سئل عبد الخزاز عن علامة الصبر فقال ترك الشكوى وإخفاء الصبر والبلوى وقال أكثم بن صيفي حيلة من لا حيلة له الصبر وأنشد ابن مسروق إذا طالعك الكره كن بالصبر لواذا وإلا ذهب الأجر فلا هذا ولا هذا
63
الباب الخامس في حراسة القلب من التعرض بالشواغل والفتن
اعلم ان القلب في اصل الوضع سليم من كل آفة والحواس الخمس توصل إليه الأخبار فترقم في صفحته
فينبغي أن يستوثق من سد الطرق التي يخشى عليه منها الفتن فإنه إذا اشتغل بشيء منها أعرض عما خلق له من التعظيم للخالق والفكر في المصالح
ورب فتنة علق به شباها فكانت سببا في هلاكه
أخبرنا هبة الله ابن محمد بن الحصين الشيباني قال أنبأنا الحسن بن علي التميمي قال أنبأنا أحمد بن جعفر القطيعي قال حدثنا عبد الله بن احمد بن حنبل قال حدثني أبي وأخبرنا أبو بكر الزاغوني قال أنبأنا أبو الفتح الشاشي وأخبرنا أبو عبد الرحمن المروزي قال أنبأنا أبو عبد الله الفراوي قالا أنبأنا عبد الغافر الفارسي قال أنبأنا أبو عمرويه قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان قال حدثنا مسلم ابن الحجاج قال حدثنا محمد بن رافع قال أنبأنا عبد الرزاق
وأخبرنا عبد الأول قال أنبأنا الداودي قال أنبأنا ابن أعين قال أنبأنا الفربري قال حدثنا البخاري قال حدثنا محمد بن العلاء قال حدثنا ابن المبارك قالا حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال قال رسول الله A غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن ولا آخر قد بنى بيوتا ولم يرفع سقفها ولا آخر قد اشترى غنما او خلفات وهو ينتظر أولادها
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي قال حدثنا يحيى بن سعيد
64
وأخبرنا عبد الأول قال أنبأنا الداودي قال أنبأنا ابن اعين قال حدثنا الفربري قال حدثنا البخاري قال حدثنا أبو نعيم
وأخبرنا أبو بكر الزاغوني قال أنبأنا الشاشي
وأخبرنا المروزي قال أنبأنا الفراوي قالا انبأنا عبد الغافر الفارسي قال حدثنا ابن عمروية قال حدثنا إبراهيم بن محمد قال حدثنا مسلم بن الحجاج قال حدثنا ابن نمير قال حدثني أبي
وأخبرنا الكروخي قال أنبأنا أبو عامر الأزدي وأبو بكر الغورجي قال أنبأنا الجراحي قال حدثنا المحبوبي قال حدثنا الترمذي قال حدثنا هناد قال حدثنا وكيع قالوا حدثنا زكريا بن أبي زائدة قال حدثنا عامر قال سمعت النعمان بن بشير يقول سمعت رسول الله A يقول ألا وإن في الإنسان مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب لفظ أحمد
أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري قال أنبأنا محمد بن علي بن أبي الفتح العشاري قال أنبأنا أبو الحسن بن سمعون قال حدثنا محمد بن جعفر الصيرفي قال حدثنا حماد بن الحسن قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن منصور عن الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي A قال في الإنسان مضغة إذا صحت صح لها سائر الجسد وإذا سقمت سقم لها سائر الجسد وهي القلب
هذا الحديث وما قبله مخرج في الصحيحين
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا أبو على التميمي قال حدثنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني ابي قال حدثنا روح قال حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال قيل لعيسى لو اتخذت حمارا تركبه لحاجتك قال أنا أكرم على الله من أن يجعل لي شيئا يشغلني به
65
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا الحسن ابن علي التميمي قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثني إبن إسحاق قال أنبأنا عبد الله قال أنبأنا وهيب أن ابن عمر باع جمل فقيل له لو أمسكته فقال لقد كان موافقا ولكنه أذهب شعبة من قلبي فكرهت أن أشغل قلبي بشيء أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا جعفر قال أنبأنا أبو علي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني علي بن مسلم قال حدثنا سيار قال حدثنا الحارث بن نبهان قال قدمت من مكة فأهديت إلى مالك بن دينار ركوة فكانت عنده فجئت يوما فجلست في مجلسه فلما قضاه قال لي يا حراث تعالى خذ تلك الركوة فقد شغلت علي قلبي فقلت يا أبا يحيى إنما اشتريتها لك تتوضأ فيها وتشرب فقال يا حارث إني إذا دخلت المسجد جاءني الشيطان فقال لي يا مالك إن الركوة قد سرقت فقد شغلت على قلبي أخبرنا ابن ظفر قال أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا عبد العزيز بن علي حدثنا ابن جهضم قال حدثنا محمد بن الحسين الحامدي قال حدثنا أبي قال سمعت حارث بن أسد يقول بلية العبد تعطيل القلب من فكر الآخرة حينئذ تحدث الغفلة في القلب أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أبو العباس الكندي قال أنبأنا أبو بكر الخرائطي قال حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثني إسحاق بن محمد قال قالت رابعة شغلوا قلوبهم بحب الدنيا عن الله عز وجل ولو تركوها لجالت في الملكوت ثم رجعت إليه بطرائف الفوائد
66
قال محمد بن الحسين وحدثني الصلت بن حكيم قال حدثني ابن السماك عن امرأة كانت تسكن البادية قال سمعتها تقول لو تطالعت قلوب المؤمنين بفكرها إلى ما ادخر لها في حجب الغيوب من خير الأجر لم يصف لهم في الدنيا عيش ولم تقر لهم في الدنيا عين
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أنبأنا ابو عبد الرحمن السلمي قال سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت محمد بن حامد يقول قال أحمد بن خضرويه القلوب أوعية فإذا امتلأت من الحق أظهرت زيادة أنوارها على الجوارح وإذا امتلأت من الباطل أظهرت زيادة ظلمها على الجوارح
قال السلمي وسمعت ابن علوان يقول سمعت على بن الحسين يقول قال أبو تراب ليس من العبادات شيء أنفع من إصلاح خواطر القلوب
قال السلمي وسمعت أبا الحسن بن محمد يقول قال ابو الخير التيناتي حرام على قلب مأسور بحب الدنيا أن يسيح في روح الغيب
وقال إبراهيم بن أدهم طلب الملوك شيئا ففاتهم وطلبناه فوجدناه ما يجوز همي كسائي هذا
وقال أبو محمد المرتعش ما نفعني من العبادات شيء ما نفعني جمع الهمة
وسئل إبراهيم بن الحسن عن سلامة القلب فقال العزلة والصمت وترك استماع خوض الناس ولا يعقد القلب على ذنب ولا على حقد ويهب لمن ظلمه حقه
وقال ابو بكر محمد بن عمر العنبري وقد ودع محبوبا له
استودع الله قلبا مذ فجعت به
وبالأحبة لم أسكن إلى سكن
قد كان يحمل من همي ومن حزني
ما ليس يحمله روحي ولا بدني
لا عدت إن عاد لي قلبي أعذبه
بالحسن كم من قبيح جاء من حسن
67
الباب السادس في ذكر ما يصدأ به القلب
أخبرنا هبة الله بن محمد قال أنبأنا الحسن بن علي التميمي قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي قال حدثنا صفوان بن عيسى قال أنبأنا ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله A إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكر الله عز وجل في كتابه كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح
وقال حذيفة إذا أذنب العبد نكت في قلبه نكتة سوداء فإذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء حتى يصير قلبه كالشاة الربداء
أنبأنا أحمد بن احمد المتوكلي قال أنبأنا أبو بكر بن الخطيب قال أنبأنا أبو سعد بن شاذان قال أنبأنا محمد بن عبد الله الصفار قال حدثنا أبو بكر ابن أبي الدنيا قال حدثنا الحسن بن محبوب قال حدثنا حجاج قال قال ابن جريج أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول الرين أيسر من الطبع والطبع أيسر من الأقفال والأقفال أشد من ذلك
68
قال الحسن بن محبوب وحدثنا الفيض بن إسحاق قال قال حذيفة المرعشي أنبأنا عمار بن سيف عن الأعمش قال كنا عند مجاهد فقال القلب هكذا وبسط كفه فإذا أذنب الرجل ذنبا قال هكذا فعقد واحدا ثم إذا أذنب قال هكذا وعقد اثنين ثم ثلاثا ثم أربعا ثم رد الإبهام على الأصابع في الذنب الخامس يطبع على قلبه قال مجاهد فأيكم يرى أنه لم يطبع على قلبه
وقال يحيى بن معاذ سقم الجسد بالأوجاع وسقم القلوب بالذنوب فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه فكذلك القلب لا يجد حلاوة العبادة مع الذنوب وكان بعض الحكماء يقول إذا لم يستعمل القلب فيما خلق له من الفكر في اجتلاب المصالح في الدين والدنيا واجتناب المفاسد تعطل فاستترت جوهريته فإذا أضيف إلى ذلك فعل ما يزيده ظلمة كشرب الخمر وطول النوم وكثرة الغفلة صار كالحديد يغشاه الصدأ فيفسده
69
الباب السابع في ذكر ما ينفي عن القلوب صداها
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أبو العباس الكندي قال أنبأنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الرحيم بن هارون قال حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله A إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد قيل يا رسول الله فما جلاؤها قال تلاوة القرآن قال محمد بن جعفر وحدثنا حماد بن الحسن قال حدثنا سيار عن جعفر بن سليمان عن المعلى بن زياد قال قال رجل للحسن يا أبا سعيد أشكو إليك قسوة قلبي قال أذبه من الذكر وقد روى أن رجلا سأل عائشة ما دواء قسوة القلب فأمرته بعيادة المرضى وتشييع الجنائز وتوقع الموت وشكا ذلك رجل إلى مالك بن دينار فقال أدمن الصيام فإن وجدت قسوة فأطل القيام فإن وجدت قسوة فأقل الطعام وسئل ابن المبارك ما دواء القلب فقال قلة الملاقاة
70
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال أنبأنا عبد الواحد بن بكر الورثاني قال حدثنا أبو الأزهر الميفارقيني قال سمعت فتح بن شخرف يقول حدثني عبد الله بن خبيق قال خلق الله القلوب مساكن للذكر فصارت مساكن للشهوات ولا يمحو الشهوات من القلوب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق قال السلمي وسمعت أحمد بن علي بن جعفر قول سمعت الأزدي يقول سمعت إبراهيم الخاص يقول دواء القلب خمسة أشياء قراءة القرآن بالتدبر وخلاء البطن وقيام الليل والتضرع عند السحر ومجالسة الصالحين
71
الباب الثامن في ذكر تقليب القلوب والرغبة إلى الله تعالى في إصلاحها
أخبرنا عبد الأول قال أنبأنا الداودي قال أنبأنا ابن اعين وأنبأنا إبراهيم بن خريم قال أنبأنا عبد بن حميد قال أنبأنا عبيد الله بن موسى كلاهما عن سفيان وأخبرنا الكروخي قال أنبأنا أبو عامر الأزدي وابو بكر الغورجي قالا أنبأنا الجراحى قال حدثنا المحبوبي قال حدثنا الترمذي قال حدثنا على بن حجر قال حدثنا عبد الله بن المبارك كلاهما عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر قال كانت يمين النبي A لا ومقلب القلوب
انفرد بإخراجه البخاري
وأخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني ابي ح
وأخبرنا أبو بكر الزاغوني قال أنبأنا أبو الفتح الشاشي وأخبرنا ابو عبد الرحمن المروزي قال أنبأنا أبو عبد الله الفراوي قالا أنبأنا عبد الغافر قال أنبأنا ابن عمرويه قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان قال حدثنا مسلم بن الحجاج قال حدثنا زهير قالا حدثنا أبو عبد الرحمن المقري ح
وأخبرنا عبد الأول قال أنبأنا الداودي قال أنبأنا السرخسي قال أنبأنا إبراهيم بن خريم قال حدثنا عبد بن حميد قال حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال حدثنا ابن المبارك قالا حدثنا حيوة قال أخبرني أبو هانئ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلى أنه سمع عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله A يقول
72
إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن تبارك وتعالى كقلب واحد يصرفها كيف يشاء
ثم قال رسول الله A اللهم مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك
انفرد بإخراجه مسلم
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني ابي ح
وأخبرنا الكروخي قال حدثنا الأزدي والغورجي قالا أنبأنا الجراحي قال حدثنا المحبوبي قال حدثنا الترمذي قال حدثنا هناد قالا حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن أنس قال كان النبي A يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
قال فقلنا يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا فقال نعم
إن القلوب بين إصبعين من اصابع الله عز وجل يقلبها تبارك وتعالى كيف يشاء
أخبرنا أبو القاسم الحريري قال أنبانا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا ابو بكر ابن بخيث قال حدثنا إسماعيل بن موسى الحاسب قال حدثنا جبارة قال حدثنا أبو إسحاق الخميسي عن يزيد الرقاشي عن أنس قال كان رسول الله A يكثر أن يقول في دعائه يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
73
أخبرنا أبو القاسم الحريري قال أنبأنا أبو طالب العشاري قال حدثنا الحسين ابن سمعون قال حدثنا أحمد بن سليمان بن زبان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا صدقة بن خالد قال حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال سمعت بشر بن عبيد الله قال سمعت أبا إدريس الخولاني يقول حدثني النواس ابن سمعان قال سمعت رسول الله A يقول ما من قلب إلا بين إصبعين من اصابع الرحمن جل وعز إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه
وكان رسول الله A يقول يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك
قال والميزان بيد الرحمن عز وجل يرفع أقواما ويخفض آخرين إلى يوم القيامة
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا على بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن محمد بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد ابن جعفر الخرائطي قال حدثنا سعدان بن يزيد قال حدثنا الهشام بن جميل قال حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد عن أم محمد عن عائشة قال الخرائطي وحدثنا الترقفي قال حدثنا الفريابي عن الثوري عن الأعمش عن أبي سعيد سفيان عن جابر ان رسول الله A كان يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك فقلت يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء هل تخشى
قال وما يؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين
74
إصبعين من اصابع الله إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه وقلب الوسطى والسبابة
واللفظ لسعدان وفي هذا الباب عن أبي ذر وأم سلمة
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا محمد بن علي الدجاجي قال أنبأنا علي بن معروف قال حدثنا محمد بن الهيثم قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار قال حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سفيان عن أنس قال قال رسول الله A مثل القلب كمثل ريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح
أخبرنا عبد الله بن علي قال أنبأنا الحسين بن أحمد بن طلحة قال أنبأنا أبو عمر بن مهدي قال حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا بقية قال حدثنا الفرج بن فضالة قال حدثني سليمان بن سليم عن يحيى بن جابر عن المقداد بن الأسود قال سمعت رسول الله A يقول لقلب ابن آدم أسرع انقلابا من القدر إذا استجمعت غليانا
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أنبأنا محمد بن الحسين السلمي قال سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت محمد بن الفضل يقول سمعت أحمد بن خضرويه يقول القلوب جوالة إما أن تجول حول العرش وإما أن تجول حول الحش
75
الباب التاسع في ذكر الواعظ من القلب
أخبرنا ابن عبد الواحد الشيباني قال أنبأنا الحسن بن علي التميمي قال أنبأنا أحمد بن جعفر القطيعي قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا الحسن بن سوار قال حدثنا ليث يعني ابن سعد عن معاوية بن صالح أن عبد الرحمن بن جبير حدثه عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله A قال ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصراط داع يقول يا ايها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعرجوا
وداع يدعو من جوف الصراط فإذا أراد يعني العبد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه
والصراط الإسلام
والسوران حدود الله
والأبواب المفتحة محارم الله
وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله عز وجل
والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال أنبأنا عبد الملك ابن بشران قال أنبأنا أبو العباس الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا عباس الترقفي قال حدثنا الفريابي عن الثوري عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال ما من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا
76
وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة فإذا أراد الله بعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما ما وعد الله بالغيب وإذا أراد الله به غير ذلك تركه على ما فيه
ثم قرأ أم على قلوب أقفالها
وبالإسناد قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا علي بن الأعرابي قال قال أبو العتاهية لقيت أبا نواس في المسجد الجامع فعذلته وقلت له أما آن لك أن ترعوي أما آن لك أن تزدجر
فرفع رأسه إلى وهو يقول
أتراني يا عتاهي
تاركا تلك الملاهي
أتراني مفسدا بالنسك عند القوم جاهي
قال فلما ألححت عليه في العذل أنشأ يقول
لن ترجع الأنفس عن غيها
ما لم يكن منها لها زاجر
فوددت أني قلت هذا البيت بكل شيء قلته
77
الباب العاشر في الأمر بتفريغ القلب من غير محبة الرب
أخبرنا عمر بن ظفر قال أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا عبد العزيز بن علي قال حدثنا ابن جهضم قال حدثنا عبد السلام بن محمد قال حدثنا سعيد ابن عبد العزيز قال حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال سأل محمود أبا سليمان وأنا حاضر ما أقرب ما يتقرب به إلى الله عز وجل
فبكى أبو سليمان ثم قال مثلى يسأل عن هذا
أقرب ما تتقرب به إليه أن يطلع على قلبك وأنت لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
وبالإسناد قال حدثنا ابن جهضم قال حدثنا المفيد قال حدثنا عبد الله ابن سهل قال سمعت يحيى بن معاذ يقول النسك هو العناية بالسرائر وإخراج ما سوى الله عز وجل من القلب
وبه قال ابن جهضم وحدثني أحمد بن علي قال حدثني عباس بن عبد الله الهاشمي قال سمعت سهل بن عبد الله يقول ما من ساعة إلا والله عز وجل مطلع على قلوب العباد فأي قلب رأي فيه غيره سلط عليه إبليس
قال وحدثنا عبد الجبار بن بشران قال سمعت سهلا يقول من نظر إلى الله عز وجل قريبا منه بعد عن قلبه كل شيء سوى الله عز وجل ومن طلب مرضاته أرضاه الله عز وجل ومن أسلم قلبه تولى الله عز وجل جوارحه
78
قال وحدثني علي بن محمد قال سمعت إبراهيم الخواص يقول قال لي محمد ابن الفضل ما خطوت أربعين سنة خطوة لغير الله عز وجل وأربعين سنة ما نظرت في شيء أستحسنه حياء من الله عز وجل أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا أبو حفص النسائي قال حدثني أحمد بن أبي الحوراي قال قال سلم الخواص تركتموه وأقبل بعضكم على بعض ولو أقبلتم عليه لرأيتم العجائب وبه قال حدثنا الخرائطي قال حدثنا ابن الجنيد قال حدثنا محمد الحسين عن حكيم بن جعفر قال قال ضيغم لكلاب إن حبه تعالى شغل قلوب محبيه عن التلذذ بمحبة غيره فليس لهم في الدنيا مع حبه لذة تداني محبته ولا يأملون في الآخرة من كرامة الثواب أكبر عندهم من النظر إلى وجه محبوبهم قال فسقط كلاب مغشيا عليه أخبرنا أحمد بن احمد المتوكلي قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا عبد الرحمن بن محمد النيسابوري قال حدثنا محمد بن عبد الله بن بهلول قال حدثنا أحمد بن علي بن أبي خميرة قال سمعت سهل بن عبد الله يقول حرام على قلب أن يشتم رائحة اليقين وفيه سكون إلى غير الله وحرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكره الله عز وجل أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الصوري قال سمعت الحسن بن أحمد قال قال لبي أبو بكر الهلالي واشار إلى شجرة
79
في منزله فقال هذه الشجرة ما نظرت إليها نظرة فرجع طرفي إلي إلا بعقوبة أو توبيخ في سرى يقال لي تكون بين أيدينا وتنظر إلى سوانا قرأت على أبي القاسم الحريري عن أبي طالب العشاري قال حدثنا مبادر ابن عبيد الله الصوفي قال سمعت أبا الأزهر عبد الواحد بن محمد الفارسي قال لقيت إبراهيم الجبلي بسكة بعد رجوعه إلى وطنه وتزوجه بابنة عمه وكان قد قطع البادية حافيا فحدثني أنه لما رجع إلى بلده وتزوج شغف بابنة عمه شغفا شديدا حتى ما كان يفارقها لحظة قال فتفكرت ليلة في كثرة ميلي إليها وشغفي بها فقلت ما يحسن بي أن أرد القيامة وفي قلبي هذه فتطهرت وصليت ركعتين وقلت سيدي رد قلبي إلى ما هو أولى فلما كان من الغد اخذتها الحمى فتوفيت يوم الثالث ونويت الخروح حافيا من وقتي إلى مكة أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت منصور بن عبد الله قال سمعت محمد بن حامد يقول سئل أحمد بن خضرويه أي الأعمال أفضل قال رعاية السر عن الالتفات إلى شيء سوى الله قال السلمي وسمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا محمد المرتعش يقول سكون القلب إلى غير المولى تعجيل عقوبة من الله في الدنيا أخبرنا ابن ظفر قال أنبأنا السراج قال أنبأنا عبد العزيز بن علي قال أنبأنا ابن جهضم قال حدثني عمر بن يحيىالنقاش قال سئل الشبيل عن قوله عز وجل قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم فقال أبصار الرؤوس عما حرم الله وأبصار القلوب عما سوى الله عز وجل
80
قال ابن جهضم وسمعت ابن سمعون يقول في مجلسه ما سمعت قول رسول الله A إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة أو تمثال فإذا كان الملك لا يدخل بيتا فيه صورة أو تمثال فكيف تدخل شواهد الحق قلبا فيه أوصاف غيره من البشر
أخبرنا إبراهيم بن دينار الفقيه قال حدثنا محمد بن سعيد بن نبهان قال أنبأنا الحسين بن الحسن النعالي قال أنبأنا أحمد بن نصر الذارع قال حدثني حرب قال حدثني منصور بن محمد قال قالت رقية العابدة الموصلية إني لأحب ربي حبا شديدا فلو أمر بي إلى النار لما وجدت للنار حرارة مع حبه ولو أمر بي إلى الجنة لما وجدت للجنة لذة مع حبه لأن حبه هو الغالب علي
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا أحمد بن محمد البخاري قال أنبأنا علي بن محمود الزوزني قال أنبأنا أبو طالب أحمد بن علي الفامي قال أنبأنا علي بن المثنى قال سمعت إبراهيم بن شيبان يقول سمعت محمد بن حسان أو ابن أبي حسان يقول كنت مارا في البادية فإذا أنا براهب قد أحرقته السموم والرياح فقلت له عظني فقال لي احذر فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده أحدا سواه
أنبأنا ابن ناصر قال أنبأنا محمد بن الحسن الباقلاني قال أنبأنا القاضي أبو العلاء الواسطي قال حدثنا أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي قال حدثني محمد بن عبيد الله قال حدثنا أحمد بن الحسين قال حدثنا محمد بن سعيد التميمي العابد قال رأيت فتى في بعض سواحل الشام فقلت يا فتى منذ كم أنت ها هنا قال لا أدري
فقلت ولم قال لأنه قبيح بمن يحب أن يحصى الأوقات على من يحبه ثم أنشدني
81
إذا فرقت بين المحبين سلوة
فحبك لي حتى الممات قرين
سأصفيك ودي ما حييت فإن أمت
بودك عظمى في التراب دفين
بلغني عن بعض الأشراف أنه اجتاز بمقبرة فإذا جارية حسناء عليها ثياب سوداء فعلقت بقلبه فكتب إليها
قد كنت أحسب أن الشمس واحدة
والبدر في منظر بالحسن موصوف
حتى رأيتك في أثواب ثاكلة
سود وصدغك فوق الخد معطوف
فرحت والقلب مني هائم دنف
والكبد حرى ودمع العين مذروف
ردي الجواب ففيه الشكر واغتنمي
وصل المحب الذي بالحب موقوف
ورمى بالرقعة إليها فلما قرأتها كتبت الجواب
إن كنت ذا حسب باق وذا نسب
إن الشريف غضيض الطرف معروف
إن الزناة أناس لا خلاق لهم
فاعلم بأنك يوم الدين موقوف
واقطع رجاك كاك الله من رجل
فإن قلبي عن الفحشاء مصروف
فلما قرأ الرقعة زجر نفسه وقال لبئس امرأة تكون أشجع منك ثم تاب ولبس مدرعة من شعر والتجأ إلى الحرم فبينا هو في الطواف يوما إذا بجارية عليها جبة من صوف وإذا هي تلك الجارية
فقالت ما أليق هذا بالشريف هل لك في المباح فقال كنت أروم هذا قبل أن أعرف الحق وأحبه والآن فقد شغلني حبه عن حب غيره فقالت له أحسنت والله ما قلت لك هذا إلا لاختبارك لأعلم حد ما انتهيت إليه
ثم طافت وأنشدت
وطفنا فلاحت في الطواف لوائح
غنينا بها عما يشاهد بالعقل
82
الباب الحادي عشر في الأمر بغض البصر
اعلم وفقك الله أن البصر صاحب خبر القلب ينقل إليه اخبار المبصرات وينقش فيه صورها فيجول فيها الفكر فيشغله ذلك عن الفكر فيما ينفعه من أمر الآخرة
ولما كان إطلاق البصر سببا لوقوع الهوى في القلب أمرك الشرع بغض البصر عما يخاف عواقبه فإذا تعرضت بالتخليط وقد أمرت بالحمية فوقعت إذا في أذى فلم تضج من أليم الألم
قال الله عز وجل قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ثم اشار إلى مسبب هذا السبب ونبه على ما يئول إليه هذا الشر بقوله ويحفظوا فروجهم ويحفظن فروجهن
أخبرنا هبة الله بن محمد قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني ابي قال حدثنا هشيم قال أنبأنا يونس عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو عن جرير بن عبد الله قال سألت رسول الله A عن نظرة الفجاءة فقال اصرف بصرك
83
انفرد بإخراجه مسلم فرواه عن قتيبة عن يزيد بن زريع عن يونس وهو ابن عبيد
أخبرنا أبو نصر الطوسي وأبو القاسم السمرقندي وأبو عبد الله بن البنا وأبو الفضل ابن العالمة وابو الحسن الخياط قالوا أنبأنا ابن النقور قال أنبأنا ابن حبابة وأخبرنا إسماعيل بن احمد وعبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي قالوا أنبأنا أبو محمد الصريفيني قال حدثنا عمر بن إبراهيم الكناني قالا أنبأنا البغوي قال حدثنا طالوت بن عباد قال حدثنا فضال بن جبير قال سمعت أبا أمامة الباهلي يقول سمعت رسول الله A يقول أكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا اؤتمن فلا يخن وإذا وعد فلا يخلف وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم واحفظوا فروجكم
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني ابي قال حدثنا حسين بن محمد قال حدثنا حرب عن أيوب عن الحكم بن عتيبة عن ابن عباس عن أخيه الفضل قال كنت رديف رسول الله A من جمع إلى منى فبينما هو يسير إذ عرض له أعرابي مردف ابنة له جميلة وكان يسايره قال فكنت أنظر إليها فنظر إلى النبي A فقلب وجهي عن وجهها ثم أعدت النظر فقلب وجهي عن وجهها حتى فعل ذلك ثلاثا
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أبو بكر الشيرازي قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال أنبأنا عبد الواحد بن بكر الورثاني قال حدثنا أبو الأزهر الميافارقيني قال سمعت فتح بن شخرف يقول قال لي عبد الله
84
ابن خبيق يا خراساني إنما هي أربع لا غير عينك ولسانك وقلبك وهواك فانظر عينك لا تنظر بها إلى ما لا يحل وانظر لسانك لا تقل به شيئا يعلم الله خلافه من قلبك وانظر قلبك لا يكون فيه غل ولا حقد على أحد من المسلمين وانظر هواك لا تهو شيئا من الشر فإذا لم يكن فيك هذه الأربع خصال فاجعل الرماد على رأسك فقد شقيت
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أحمد بن أحمد بن حنبل قال حدثنا هرون ابن عبد الله قال حدثنا سيار قال حدثنا جعفر قال حدثنا مالك بن دينار قال قال داود نبي الله عليه السلام معاشر الأتقياء تعالوا أعلمكم خشية الله عز وجل
أيما عبد منكم أحب أن يحيا ويرى الأعمال الصالحة فليحفظ عينيه أن تنظر إلى السوء ولسانه أن ينطق بالإفك عين الله إلى الصديقين وهو سميع لهم
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا أبو بكر الشيرازي قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت أبا العباس الفرغاني يقول سمعت الجنيد يقول سمعت السرى يقول سمعت معروفا الكرخي يقول غضوا أبصاركم ولو عن شاة أنثى
أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قالا أنبأنا حمد بن أحمد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال حدثنا أحمد بن إسحاق قال حدثنا أحمد بن الحسين الأنصاري قال حدثنا أبو عصمة قال كنت عند ذي النون
85
وبين يديه فتى حسن يملي عليه شيئا فمرت امرأة ذات حسن وجمال وخلق فجعل الفتى يسارق النظر إليها ففطن ذو النون فلوى عنق الفتى وأنشأ يقول
دع المصوغات من ماء ومن طين
واشغل هواك بحور خرد عين
أخبرنا عمر بن ظفر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا عبد العزيز بن علي قال أنبأنا علي بن عبد الله قال حدثنا الخلدي قال سمعت الجنيد يقول اصرف همك إلى الله تعالى وإياك أن تنظر بالعين التي بها تشاهد الله عز وجل إلى غير الله عز وجل فتسقط من عين الله عز وجل
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد قال أنبأنا أبو بكر محمد ابن علي الخياط قال أنبأنا ابن أبي الفوارس قال أنبأنا أحمد بن جعفر ابن مسلم قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الخالق قال حدثنا أبو بكر المروزي قال قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل رجل تاب وقال لو ضرب ظهري بالسياط ما دخلت في معصية الله إلا أنه لا يدع النظر فقال أي توبة هذه
قال جرير سألت رسول الله A عن نظرة الفجاءة فقال اصرف بصرك
86
الباب الثاني عشر في ذم فضول النظر
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن احمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا يحيى بن إسحاق قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن سلمة عن أبي الطفيل عن علي قال قال لي رسول الله A لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة أخبرنا إسماعيل بن أحمد وعبد الله بن محمد الحاكم ويحيى بن علي المدير قالوا أنبأنا ابن النقور قال حدثنا ابن حبابة قال حدثنا البغوي قال حدثنا هدبة قال حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن سلمة بن أبي الطفيل عن علي عليه السلام أن رسول الله A قال يا علي إن لك في الجنة كنزا وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة سلمة يروى عن علي أيضا أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال حدثنا أبو بكر بن بخيت قال حدثنا أبو جعفر بن ذريح قال حدثنا هناد قال حدثنا وكيع عن شريك عن أبي ربيعة عن ابن بريدة
87
عن ابيه قال قال رسول الله A لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة
أخبرنا ابن ناصر وعمر بن ظفر قالا أنبأنا محمد بن الحسين الباقلاوي قال أنبأنا القاضي أبو العلاء الواسطي قال أنبأنا أبونصر أحمد بن محمد النيازكي قال أنبأنا أبو الخير أحمد بن محمد البزاز قال حدثنا البخاري قال حدثنا علي بن الأجلح عن عبد الله بن أبي الهذيل قال دخل عبد الله بن مسعود على مريض يعوده ومعه قوم وفي البيت امرأة فجعل رجل من القوم ينظر إلى المرأة فقال عبد الله لو أنفقأت عينك كان خيرا لك
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد قال أنبأنا ابو علي التميمي قال أنبأنا ابن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا أبو موسى الأنصاري قال حدثنا عبادة بن كليب قال قال رجل لداود الطائي لو أمرت بما في سقف البيت من نسج العنكبوت فنظف
فقال له اما علمت أنه كان يكره فضول النظر
ثم قال داود الطائي نبئت أن مجاهدا كانت في داره عليه ثلاثين سنة لم يشعر بها
أخبرنا ابن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثني بعض الرواة عن المدائني عن أشياخه قال طلب داود بن عبد الله بعض أمراء البصرة فلجأ إلى رجل من اصحابه وكان منزله أقصى البصرة
88
وكان الرجل غيورا فأنزله منزلة وكانت له امراة يقال لها زرقاء وكانت جميلة فخرج الرجل في حاجة وأوصاها أن تلطفه وتخدمه فلما قدم الرجل قال له كيف رايت الزرقاء وكيف كان لطفها بك قال من الزرقاء قال أم منزلك قال ما أدري أزرقاء هي أم كحلاء فأتاها زوجها فتناولها وقال أوصيتك بداود أن تلطفيه وتخدميه فلم تفعلي قالت أوصيتني برجل أعمى والله ما رفع طرفه إلي أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أحمد بن أحمد قال أنبأنا أبو نعيم احمد بن عبد الله قال حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال حدثنا أحمد ابن نصر قال حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال حدثني عبد الله بن عيسى قال حدثني محمد بن عبد الله الزراد قال خرج حسان إلى العيد فقيل له لما رجع يا أبا عبد الله ما رأينا عيدا أكثر نساء منه قال ما لقيتني أمرأة حتى رجعت قال الدورقي وحدثني غسان بن المفضل قال حدثنا شيخ لنا يقال له أبو حكيم قال خرج حسان بن أبي سنان يوم العيد فلما رجع قالت له أمراته كم من امرأة حسنة قد نظرت اليوم فلم أكثرت قل ويحك ما نظرت إلا في إبهامي منذ خرجت من عندك حتى رجعت إليك
89
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبانا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه قال أنبأنا ابن المرزبان إذنا قال أخبرني الحسن بن عليل العنزي عن أبي جابر الضبي قال قدمت بنو كلاب البصرة فأتيتهم فإذا عجوز معها صبية لم أر أجمل منها وأنا إذ ذاك غلام فجعلت أديم النظر اليها وفطنت العجوز لنظري فقالت لي يا بني ما أحوجك إلى ما يكف بصرك أما سمعت قول الشاعر
ومن يتبع عينيه في الناس لا يزل
يرى حاجة ممنوعة لا ينالها
قال فانصرفت والله لم أحر جوابا وفي قلبي مثل النار
وعن سفيان الثوري في قوله تعالى وخلق الإنسان ضعيفا قال المرأة تمر بالرجل فلا يملك نفسه عن النظر إليها ولا ينتفع بها فأي شيء أضعف من هذا
وأنشد مسكين الدارمي
ما ضر لي جار أجاوره
أن لا يكون لبابه ستر
أعمى إذا ما جارتي خرجت
حتى يواري جارتي الخدر
وتصم عما بينهم أذني
حتى يصير كأنه وقر
وكان في عصرنا أبو الحسن بن أحمد بن جحشويه الحربي لا يمشي إلا وعلى رأسه طرحة ليكف بذلك بصره عن الانطلاق
ودخل دار اخت له فرأى لاجة امرأة فقال نحوا تلك اللالجة كي لا أنظر إليها
90
الباب الثالث عشر في التحذير من شر النظر
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال أنبأنا عبد الله بن احمد قال حدثني ابي قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله A قال العينان تزنيان وزناهما النظر
أخرجه البخاري ومسلم جميعا من حديث ابن عباس عن أبي هريرة
أخبرنا هبة الله بن الحصين قال أنبأنا الحسن بن علي التميمي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني ابي قال حدثنا مروان بن معاوية الفزاري قال أنبأنا ثابت بن عمارة الحنفي عن غنيم بن قيس عن الأشعري قال قال رسول الله A كل عين زانية
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا علي بن أبي علي القاضي قال أنبأنا علي ابن حسان قال حدثنا مطين قال حدثنا محمد بن الحارث الحراني قال حدثنا محمد بن سلمة عن الفزاري عن أبي شعبة أو شيبة عن النعمان بن سعد عن علي عليه السلام قال قال رسول الله A يا علي اتق النظرة بعد النظرة فإنها سهم مسموم يورث الشهوة في القلب
أخبرنا أحمد بن مبارك قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو محمد الخلال قال أنبأنا عبد الله بن احمد التمار قال حدثنا عبد الله
91
ابن علي الخلال قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا إسماعيل بن عبد الله الرقى قال حدثنا عبد العزيز بن عبد الرحمن القرشي عن خصيف عن أنس قال قال رسول الله A نظر الرجل إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس
أخبرنا أحمد قال أنبأنا المبارك قال أنبأنا الخلال قال حدثنا عبد الواحد ابن محمد الفارسي قال حدثنا عبد الله بن أحمد المصري قال حدثنا الربيع بن سليمان قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال كان عيسى بن مريم يقول النظر يزرع في القلب الشهوة وكفى بها خطيئة
أنبأنا عبد الوهاب الحافظ قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال حدثنا أبو الحسن العتيقي قال أنبأنا عمر بن عمرو بن المشاب قال أنبأنا أبو محمد عبد الله بن سليمان الفامي قال حدثنا محمد بن حبيب البزاز قال حدثنا الفضل ابن موسى البصري قال حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي عن سفيان قال قال عيسى بن مريم إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها
فتنة قال سفيان وكان الربيع بن خثيم يغض بصره فمر به نسوة فأطرق حتى ظن النسوة أنه أعمى فتعوذن بالله من العمى
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا أبو بكر بن بخيت قال حدثنا محمد بن صالح قال حدثنا هناد قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي الأحوص قال قال عبد الله ما كان من نظرة فإن للشيطان فيها مطمعا
92
قال هناد وحدثنا وكيع عن ابان بن صمعة عن عكرمة عن ابن عباس قال الشيطان من الرجل في ثلاثة منازل في بصره وقلبه وذكره وهو من المرأة في ثلاثة منازل في بصرها وقلبها وعجزها
قال هناد وحدثنا جرير عن منصور قال قال ابن عباس في قوله تعالى يعلم خائنة الأعين قال الرجل يكون في القوم فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها فإن رأى منهم غفلة نظر إليها فإن خاف أن يفطنوا إليه غض بصره وقد اطلع الله عز وجل من قلبه أنه يود أنه نظر إلى عورتها
قال هناد وحدثنا وكيع عن سفيان عن ليث عن عطاء قال كل نظرة يهواها القلب فلا خير فيها
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبانا حمد بن احمد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال حدثنا أبو حامد بن حبلة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثنا الفضل بن سهل قال حدثنا محمد بن سابق قال حدثنا مالك بن مغول قال سمعت سعيد بن سنان قال قال عمرو بن مرة ما أحب أنى بصير إني أذكر أني نظرت نظرة وأنا شاب
اخبرنا ابن ناصر قال انبأنا ابن يوسف قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا ابن مالك قال بلغنا أن سليمان قال لابنه يا بني امش وراء الأسد والأسود ولا تمش وراء امرأة أخبرنا إبراهيم بن دينار قال أنبأنا ابن نبهان قال أنبأنا ابن دوما قال أنبأنا أحمد بن نصر الذارع قال حدثنا الحسين بن علي المؤدب قال حدثنا محمد بن بشار
93
قال حدثنا أبو بكر الحنفي قال حدثنا عبيد الله بن العيزار قال قال الحسن من أطلق طرفه طال أسفه
اخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن أحمد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال حدثنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا معتمر عن إسحاق بن سويد عن العلاء بن زياد قال لاتتبع بصرك رداء امرأة فإن النظرة تجعل في القلب شهوة
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا ابن يوسف قال أنبأنا ابو بكر الحناط قال أنبأنا أبو الفتح بن أبي الفوارس قال أنبأنا أحمد بن جعفر الختلي قال أنبأنا أحمد ابن محمد بن عبد الخالق قال حدثنا المروزي قال قلت لأبي عبد الله الرجل ينظر إلى المملوكة قال إذا خاف الفتنة لا ينظر كم نظرة قد القت في قلب صاحبها البلابل
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو عبد الله الصوري قال أخبرني أبو الفضل الحسن بن أحمد القاضي قال حدثنا أحمد بن عطاء الروذباري قال حدثنا عبيد بن محمد المقري قال قال محمد بن يعقوب قال ذو النون اللحظات تورث الحسرات أولها أسف وآخرها تلف فمن تابع طرفه تابع حتفه
أخبرنا إبراهيم بن دينار قال أنبأنا ابن نبهان قال أنبأنا الحسين بن الحسن بن دوما قال أنبأنا الذارع قال حدثنا سعيد بن معاذ قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال قال بعض الحكماء أول العشق النظر وأول الحريق الشرر
قال الذارع وحدثنا صدقة بن موسى قال أنبأنا مهدي بن سابق قال
94
اجتمع عند الإسكندر نفر من الفلاسفة فذكروا يوما تولد المحبة من النظر فقال أحدهم النظر أوله أسف وآخره تلف
وقال آخر من طاوع طرفه تابع حتفه
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الجوهري قال حدثنا ابن حيويه قال أنبأنا ابن المرزبان إذنا قال حدثني محمد بن علي ابن بشر المصري قال حدثني الفضل بن عاصم المنقري قال بينا رجل يطوف بالكعبة إذ بصر بامرأة ذات جمال وقوام فأفتنته وشغلت قلبه فأنشأ يقول
ما كنت أحسب أن الحب يعرض لي
عند الطواف ببيت الله ذي الستر
حتى ابتليت فصار القلب مختبلا
من حب جارية حوراء كالقمر
ياليتني لم أكن عاينت صورتها
لله ماذا توخاني به بصري
فاحذر يا أخي وفقك الله من شر النظر فكم قد أهلك من عابد وفسخ عزم زاهد وسترى في غضون هذا الكتاب ما تعتبر به من قصص من فتنة النظر فاتعظ بذلك وتلمح معنى قول النبي A النظر سهم مسموم لأن السهم يسري إلى القلب فيعمل في الباطن قبل أن يرى عمله في الظاهر فاحذر من النظر فإنه سبب الآفات إلا ان علاجه في بدايته قريب فإذا كرر تمكن الشر فصعب علاجه
وأضرب لك في ذلك مثلا إذا رأيت فرسا قد مالت براكبها إلى درب ضيق فدخلت فيه ببعض بدنها ولضيق المكان لا يمكن أن تدور فيه فصيح به ارجعها عاجلا قبل أن يتمكن دخولها فإن قبل وردها خطوة إلى ورائها سهل الأمر وإن توانى حتى ولجت ثم قام يجذبها بذنبها طال تعبه وربما لم يتهيأ له
95
وكذلك النظرة إذا أثرت في القلب فإن عجل الحازم بغضها وحسم المادة من أولها سهل علاجه وإن كرر النظر نقب عن محاسن الصورة ونقلها إلى قلب متفرغ فنقشها فيه فكلما تواصلت النظرات كانت كالمياه تسقى بها الشجرة فلا تزال تنمي فيفسد القلب ويعرض عن الفكر فيما أمر به ويخرج بصاحبه إلى المحن ويوجب ارتكاب المحظورات ويلقى في التلف
والسبب في هذا الهلاك أن الناظر أول نظرة التذ بها فكررها يطلب الالتذاذ بالنظر مستهينا بذلك فأعقبه ما استهان به التلف ولو أنه غض عند أول نظرة لسلم في باقي عمره
فصل وقد أكثر الشعراء في وصف البلايا التي حلت بالناظرين فقال
الفرزدق
تزود منها نظرة لم تدع له
فؤادا ولم يشعر بما قد تزودا
فلم أر مقتولا ولم أر قاتلا
بغير سلاح مثلها حين أقصدا
وقال إبراهيم بن العباس بن صول الكاتب
من كان يؤتى من عدو وحاسد
فإني من عيني أتيت ومن قلبي
هما اعتوراني نظرة ثم فكرة
فما أبقيا لي من رقاد ولا لب
وروى أبو بكر بن دريد عن عبد الرحمن عن عمه قال قعدت إلى أعرابي
96
يقال له إسماعيل بن عمار وإذا هو يفتل أصابعه ويتلهف فقلت علام تتلهف فأنشا يقول
عيناي مشئومتان ويحهما
والقلب حيران مبتلى بهما
عرفتاه الهوى لظلمهما
يا ليتني قبلها عدمتهما
هما إلى الحين قادتا وهما
دل على ما أجن دمعهما
ساعدتا القلب في هواه فما
سبب هذا البلاء غيرهما
أنبأنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن جعفر قال أنشدني الدولابي
قلبي يقول لطرفي هجت لي سقما
والعين تزعم أن القلب أبكاها
والجسم يشهد أن العين كاذبة
هي التي هيجت للقلب بلواها
لولا العيون وما تجنين من سقم
ما كنت مطرحا في سر من راها
قال وأنشدني الدولابي
يقول قلبي لطرفي إذ بكى جزعا
تبكي وأنت الذي حملتني الوجعا
فقال طرفي له فيما يعاتبه
بل أنت حملتني الآمال والطمعا
حتى إذا ما خلا كل بصاحبه
كلاهما بطويل السقم قد قنعا
ناداهما كبدي لا تتلفا فلقد
قطعتماني بما لا قيتما قطعا
قال وأنشدني أبو عبد الله المارستاني
رماني بها طرفي فلم يخط مقتلي
وما كل من يرمى تصاب مقاتله
إذا مت فابكوني قتيلا لطرفه
قتيل عدو حاضر ما يزايله
97
ومن ها هنا قال ابن المعتز
متيم يرعى نجوم الدجى
يبكى عليه رحمة عاذله
عيني أشاطت بدمي في الهوى
فابكوا قتيلا بعضه قاتله
ومن ها هنا قال
المتنبي وأنا الذي اجتلب المنية طرفه
فمن المطالب والقتيل القاتل وقال أيضا يا
نظرة نفت الرقاد وغادرت
في حد قلبي ما حييت فلولا
كانت من الكحلاء سؤلي إنما
أجلي تمثل في فؤادي سولا
وقال أيضا
وقي الأمير هوى العيون فإنه
مالا يزول ببأسه وسخائه
يستأسر البطل الكمي بنظرة
ويحول بين فؤاده وعزائه
وقال ابن المعتز
وما أدري إذا ما جن ليلى
أشوقا في فؤادي أم حريقا
ألا يا مقلتي دهيتماني
بلحظكما فذوقا ثم ذوقا وله
ويح القلوب من العيون لقد
قامت قيامتهن في الدنيا
98
ولخالد الكاتب
ومستريح الأجفان من سهر
أورثنيه بطول إعراض
يا طرف هذا الذي جنيت فذق
نغصك اليوم أمسك الماضي وله
يا رب ماذا جنت عيني على بدني
من السقام فليت العين لم تكن
لم تذهب النفس إلا عند لحظتها
وحسبها أن ترى المملوك يملكني
جسمي وروحي مقرونان في قرن
موكلان بطول السقم والحزن
أنبأنا عبد الوهاب الحافظ قال أنبأنا الحميدي قال أنشدني علي بن حمزة الصقلي قال سمعت أبا طاهر البغدادي ينشد في مجلس وعظه
عاتبت قلبي لما
رأيت جسمي نحيلا
فألزم القلب طرفي
وقال كنت الرسولا
فقال طرفي لقلبي
بل أنت كنت الوكيلا
فقلت كفا جميعا
تركتماني قتيلا
أخبرنا أبو المعمر قال أنبأنا الحسن بن المظفر الهمذاني قال حدثنا أبي قال أنشدني أبو منصور محمد بن عمر الأصبهاني قال أنشدني محمد العصفري قال دخل أصبهان قوال وكان يغني بهذه الأبيات
سماعا يا عباد الله مني
وميلوا عن ملاحظة الملاح
فإن الحب آخره المنايا
وأوله شبيه بالمزاح
أخبرنا أبو المعمر قال أنبأنا أبو علي الحسن بن المظفر قال أنشدني أبي قال أنشدنا أبو بدر محمد بن علي الأصبهاني
99
وشادن لما شدا
أسلمني إلى الردى
بطرفه وظرفه
ولطفه لما بدا
اردت أن أصيده
فاصطاد قلبي وعدا
ولبعضهم في معاتبة الطرف
والله يا بصري الجاني على جسدي
لأطفين بدمعي لوعة الحزن
بالله تطمع أن أبلى هوى وضنى
وأنت تطعم من غمض ومن وسن
هيهات حتى ترى طرفا بلا نظر
كما أرى أنني شخص بلا بدن
وقال أبو عبد الله بن الحجاج
يا من رأى سقمي يزيد
وعلتي تعيي طبيبي
لا تعجبن فهكذا
تجني العيون على القلوب
وقال ابو منصور بن الفضل
في كل يوم للعيون وقائع
إنسانها الطماح فيها يكلم
لو لم تكن جرحى غداة لقائهم
ما كان يجري من مآقيها الدم
وقال أيضا
لواحظنا تجني ولا علم عندها
وأنفسنا مأخوذة بالجرائر
ولم أر أغبى من نفوس عفائف
تصدق أخبار العيون الفواجر
ومن كانت الأجفان حجاب قلبه
أذن على أحشائه بالفواقر وقال ايضا
أبدا جنايات العيون
بحرها يصلى الفؤاد
100
ولأبي محمد بن الخفاجي
رمت عينها عيني وراحت سليمة
فمن حاكم بين الكحيلة والعبرى
فيا طرف قد حذرتك النظرة التي
خلست فما راقبت نهيا ولا زجرا
ويا قلب قد أرداك من قبل مرة
فويحك لم طاوعته مرة أخرى وله
الم أقل لك لا تخلس محاسنه
فإن طرفك موتور من الخلس
ظبي رميت له عيني حابلة
وما علمت بأن الليث في الكنس
وقال ابن حيوس
يا للرجال لنظرة سفكت دما
ولحادث لم ألقه مستسلما
وأرى السهام تؤم من يرمى بها
فعلام سهم اللحظ يصمى من رمى
وقال عبد المحسن بن غالب الصوري
ما نظرة إلا لها سكرة
كأنما طرفك خمار
هذا هوى يصدر عنه جوى
تتلوه لوعات وأفكار
وهذه أفعالها هذه
ما بعد رأي العين إخبار
ولم تكن أول من غرفي
كل غرير الطرف غرار
وقال أيضا
إذا أنت لم ترع البروق اللوامحا
ونمت جرى من تحتك السيل سائحا
غرست الهوى باللحظ ثم احتقرته
فأهملته مستأنسا متسامحا
ولم تدر حتى أينعت شجراته
وهبت رياح الهجر فيه لوافحا
وأمسيت تستدعي من الصبر عازبا
عليك وتستدني من النوم بارحا
101
وقال أيضا
فعرضتني فلو أني على حذر
لم يحتكم ناظري في لذة النظر
وكنت أغضي ولا أقضي له وطرا
منها لعلمي بعقبى ذلك النظر
والمرء ما دام ذا عين يقلبها
في أعين العين موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجته
لامرحبا بسرور عاد بالضرر وقال أيضا
وإذا ما تكاملت عندك القوة فاحذر مستضعف الأجفان وقال
وقال مهيار
ما أ عف النفوس يا صاحبي شكواي لولا عراضة الأحداق
وله سافر طرفي مع الظعائن بالسفح
وآب الفؤاد بالخبل
نظرة غر جنت مقارعة
يفتك فيها الجبان بالبطل
وقال ابو علي بن الشبل
حتم على الأعين الطوامح أن تنقاد
قسرا للأعين النجل
ما كان أجدى لوم اللوائم لو
كان فؤادي في الجب من قبلي
وللوزير أبي شجاع
لأعذبن العين غير مفكر
فيها جرت بالدمع أم فاضت دما
102
ولأهجرن من الرقاد لذيذه
حتى يصير على الجفون محرما
سفكت دمي فلأسفكن دموعها
وهي التي بدأت فكانت أظلما
هي أوقعتني في حبائل فتنة
لو لم تكن نظرت لكنت مسلما
وقال شيخنا أبو عبد الله البارع
وسهام اللحظ يستحلين في وقت الوقوع
ثم يصرفن فما يقلعن إلا عن صريع
وقال علي بن افلح
مضى يتبع الآرام بالسفح مطلقا
فعاد أخو الأشجان عودة موثق
رمى يوم سلع طرفه متهاونا
فآض بسهم في حشاه مفوق
فقلت له يا سعد غرتك زينب
فسارقتها لحظا بأكناف جلق
فدونك إذ ترمى الظباء سوانحا
تلق مراميها فمن يرم يتقي وله أيضا
كان طرفي اصل سقمي في الهوى
لا أذاق الله طرفي الوسنا
لو تحرى في مرامي لخطة
يوم سلع ما عناني ماعنى
وقال آخر
يا عين أنت قتلتني
وجعلت ذنبك من ذنوبي
وأراك تهوين الدموع
كأنها رفق الحبيب
بالله أحلف صادقا
والصدق من شيم الأريب
103
لو ميزت نوب الزمان
من البعيد إلى القريب
ما كن إلا دون ما
جنت العيون على القلوب
وقال آخر
ومستفتح باب البلاء بنظرة
يزود منها قلبه حسرة الدهر
فوالله ما يدري أتدري بما جنت
على قلبه أم أهلكته وما تدري
وقال آخر
أنا ما بين عدوين هما قلبي وطرفي
ينظر الطرف ويهوى القلب والمقصود حتفي
وقال ابن الحريري
فتبصر ولا تشم كل برق
رب برق فيه صواعق حين
واغضض الطرف تسترح من غرام
تكتسي فيه ثوب ذل وشين
فبلاء الفتى موافقة النفس
وبدء الهوى طموح العين
فصل قال لي بعض أهل هذا البلاء يوما قد سمعت منك تحريم النظر
وقد بالغت في التحذير من النظر
إني نظرت يوما إلى امرأة نظرة فهويتها وقوي كلفي بها فقالت لي النفس إنك في بلاء عظيم مما لا تتيقنه فإن أول نظرة لا تثبت الشخص فلو أعدت النظر فربما أوجب التثبت السلو
104
فما تقول في هذه الحادثة فقلت له هذا لا يصلح لأربعة أوجه أحدها ان هذا لا يحل
والثاني أنك لو نظرت فالظاهر تقوية ما عندك فإن ما بهتك بأول نظرة فالظاهر حسنه فلا تحسن المخاطرة بتوكيد الأمر لك لأنك ربما رأيت ما هو فوق ظنك فزاد عذابك
والثالث أن إبليس عند قصدك لهذه النظرة يقوم في ركائبه ليزين لك ما لا يحسن ثم لا تعان عليه لأنك إذا أعرضت عن امتثال امر الشرع تخلت عنك المعونة
والرابع أنك الآن في مقام معاملة للحق عز وجل على ترك محبوب وأنت تريد أن تتثبت حتى إذا لم يكن المنظور مرضيا تركته فإذن يكون تركه لأنه لا يلائم غرضك لا لله تعالى
فأين معاملته بترك المحبوب لأجله وقد قال سبحانه ويطعمون الطعام على حبه
وقال
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون فإياك إياك
105
الباب الرابع عشر في النهي عن النظر إلى المردان ومجالستهم
اعلم وفقك الله أن هذا الباب من أعظم أبواب الفتن قد أهمل كثير من الناس مراعاته فإن الشيطان إنما يدخل على العبد من حيث يمكنه الدخول إلى أن يدرجه إلى غاية ما يمكنه من الفتن فإنه لا يأتي إلى العابد فيحسن له الزنا في الأول وإنما يزين له النظر والعابد والعالم قد أغلقا على أنفسهما باب النظر إلى النساء الأجانب لبعد مصاحبتهن وامتناع مخالطتهن والصبي مخالط لهما فليحذر من فتنته فكم قد زل فيها قدم وكم قد حلت من عزم وقل من قارب هذه الفتنة إلا وقع فيها
وعلى منهج الحذر مضى سلف هذه الأمة وبه أمر العلماء الأئمة
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال حدثنا أبو بكر أحمد ابن علي بن ثابت قال أخبرني أبو طالب عمر بن إبراهيم الفقيه قال أنبأنا محمد بن العباس الخراز قال أنبأنا محمد بن خلف بن المرزبان إجازة وحدثناه عنه محمد بن عبد الله بن حريث الكاتب قال حدثني احمد بن هشام الحربي قال حدثنا علي بن داود المروزي وليس بالقنطري قال حدثنا عبد الرحمن بن وافد عن عمرو بن أزهر عن أبان عن أنس قال قال رسول الله A لا تجالسوا أبناء الملوك فإن الأنفس تشتاق إليهم مالا تشتاق إلى الجواري العواتق
106
وأخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال أنبأنا ابن حيوية فذكر الحديث
أخبرنا أحمد بن المبارك قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو محمد الخلال قال حدثنا عمر بن شاهين قال حدثنا محمد بن أبي سعد المقري قال حدثنا أحمد بن حماد المصيصي قال حدثنا عباس بن محرز قال حدثنا أبو أسامة عن مجالد بن سعيد عن الشعبي قال قدم وفد عبد القيس على رسول الله A وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة فاجلسه النبي A وراء ظهره وقال كانت خطيئة داود النظر
أنبأنا إسماعيل بن أحمد السمرقندي قال أنبأنا إسماعيل بن الفضل الاسماعيلي قال أنبأنا حمزة بن يوسف السهمي قال أنبأنا أبو أحمد بن عدي الحافظ قال حدثنا يحيى بن عبد الرحمن بن ناجية ومحمد بن حاتم الطائي قالا حدثنا صالح بن زياد السوسي قال حدثنا خطاب بن سيار الحراني قال حدثنا بقية عن الوازع عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال نهى رسول الله A أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد
أخبرنا أحمد بن منازل قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو محمد الخلال قال حدثنا ابن شاهين قال حدثنا عبد الله بن سليمان قال حدثنا أبو تقي هشام بن عبد الملك قال حدثنا بقية قال حدثنا الوضين عن عطاء الدمشقي عن بعض المشيخة قال كان يكره أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الجميل
107
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال حدثنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا أبو بكر الخرائطي قال حدثنا نصير بن داود الصاغاني قال حدثنا علي بن بحر قال حدثنا بقية قال حدثنا الوضين عن عطاء عن أشياخ لهم أنهم كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الحسن الوجه
أخبرنا ابن ناصر وعبد الله بن علي قالا حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا عيسى بن عبد الله التميمي قال أنبأنا بقية بن الوليد عن الوضين بن عطاء عن بعض التابعين قال كانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الجميل
وبالإسناد قال حدثنا بقية قال قال بعض التابعين ما أنا بأخوف على الناسك من سبع ضار من الغلام الأمرد يقعد إليه
وبالإسناد قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني أبو سويد قالا حدثنا إبراهيم بن هراسة عن عثمان بن صالح عن الحسن بن ذكوان قال لا تجالسوا أولاد الأغنياء فإن لهم صورا كصور النساء وهم أشد فتنة من العذارى
وبالإسناد قال حدثنا القرشي قال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا محمد بن حميد عن النجيب بن السرى قال كان يقال لا يبيت الرجل في بيت مع المرد
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال حدثنا محمد بن المظفر قال حدثنا الهيثم بن خلف الدوري
108
قال حدثنا مهنى بن يحيى قال حدثنا محمد بن حميد عن النجيب بن السرى أنه كره أن ينام الرجل مع الغلام الأمرد
قال النجيب وكانوا يكرهون أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الجميل الوجه
وقد روينا عن سعيد بن المسيب أنه قال إذا رأيتم الرجل يلح بالنظر إلى غلام أمرد فاتهموه
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن أحمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثني أخي أحمد بن جعفر قال حدثنا كردوس بن الواسطي قال حدثنا إسماعيل بن أبان الوراق قال حدثنا عباد بن إبراهيم عن مغيرة عن إبراهيم النخعي قال كانوا يكرهون مجالسة أبناء الملوك وقال مجالستهم فتنة وإنما هم بمنزلة النساء
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه عن ابن المرزبان قال حدثني أبو علي المروزي قال حدثنا محمد بن إبراهيم قال سمعت قاسما الجوعي يقول سمعت ابن أبي السائب يقول لأنا على القارئ من الغلام الأمرد أخوف مني عليه من سبعين جارية عذراء
أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قالا أنبأنا حمد بن أحمد قال أنبأنا أبو نعيم الحافظ قال حدثنا أبو بكر محمد بن احمد المفيد قال حدثنا عبد الله بن الفرج قال حدثنا القاسم بن عثمان هو الجوعي قال حدثنا عبد العزيز بن أبي السائب عن أبيه قال لأنا اخوف على عابد من غلام من سبعين عذراء
109
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا الحسن بن أحمد الفقيه قال أنبأنا أبو الفتح ابن أبي الفوارس قال أنبأنا إبراهيم بن محمد المزكي قال أنبأنا محمد بن المسيب قال حدثنا يوسف بن سعيد قال حدثني يحيى بن زكريا عن عطاء بن مسلم قال كان سفيان الثوري لا يدع أمرد يجالسه
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي الحافظ قال بلغني أن أحمد بن صالح وهو أبو جعفر المصري وكان أحد حفاظ الأثر عالما بعلل الحديث بصيرا باختلافه وقدم بغداد وجالس بها الحفاظ وجرى بينه وبين احمد ابن حنبل مذاكرات وكان أبو عبد الله يذكره ويثنى عليه وقد حدث عنه الأئمة البخاري وأبو داود وغيرهما كان لا يحدث إلا ذا لحية ولا يترك أمرد يحضر مجلسه فلما حمل أبو داود السجستاني ابنه إليه ليسمع منه وكان إذ ذاك أمرد أنكر أحمد ابن صالح على أبي داود إحضاره ابنه المجالس فقال له أبو داود هو وإن كان أمرد أحفظ من أصحاب اللحى فامتحنه بما أردت فسأله عن اشياء أجابه عنها فحدثه ولم يحدث أمرد غيره
أنبأنا إسماعيل بن أحمد قال أنبأنا أبو القاسم يوسف بن الحسن التفكرى قال سمعت أبا علي الحسن بن علي بن بندار الزنجاني قال كان أحمد بن صالح يمتنع على المرد من رواية الحديث لهم تعففا وتنزها ونفيا للظنة عن نفسه وكان أبو داود يحضر مجلسه ويسمع منه وكان له ابن أمرد يحب أن يسمعه حديثه وعرف عادته في الامتناع فاحتال أبو داود بأن شد على ذقن ابنه قطعة من الشعر ليوهمه ملتحيا ثم أحضره المجلس وأسمعه جزءا فأخبر الشيخ بذلك فقال لأبي داود مثلي تعمل معه مثل هذا فقال له أيها الشيخ لا تنكر على ما فعلته واجمع ابني مع شيوخ الفقهاء والرواة فإن لم يقاومهم بمعرفته فاحرمه السماع فاجتمع طائفة من الشيوخ فتعرض لهم هذا الابن مطارحا وغلب الجميع بفهمه ولم يرو له مع
110
ذلك الشيخ حديثا من حديثه وحصل له ذلك الجزء الأول وكان ابن أبي داود يفتخر برواية هذا الجزء الواحد
قال أبو علي وكان مالك بن أنس يمنع دخول المرد لمجلسه للسماع فاحتال هشام بن عمار فدخل في غمار الناس مستترا بهم وهو أمرد فسمع معهم ستة عشر حديثا فأخبر بذلك مالك فأحضره وضربه ستة عشر سوطا فقال هشام ليتني سمعت مائة حديث وضربني مائة سوط
وقد روى ابو علي بن الصواف قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال سمعت إبراهيم بن هانئ يقول سمعت يحيى بن معين يقول ما طمع أمرد بصحبتي ولا لأحمد بن حنبل في طريق
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرني الحسن بن أبي بكر قال حدثنا محمد بن عبد الواحد أبو عمر الزاهد فيما أذن أن يرويه عنه قال حدثنا محمد بن أنس الشعوبي قال حدثنا يعقوب ابن سواك قال كنا عند أبي نصر بن الحارث فوقفت عليه جارية ما رأينا أحسن منها فقالت يا شيخ اين مكان باب حرب فقال لها هذا الباب الذي يقال له باب حرب ثم جاء بعدها غلام ما رأينا أحسن منه فسأله فقال يا شيخ أين مكان باب حرب فأطرق بشر فرد عليه الغلام السؤال فغمض عينيه فقلنا للغلام تعال أي شيء تريد فقال باب حرب فقلنا بين يديك فلما غاب قلنا يا ابا نصر جاءتك جارية فأجبتها وكلمتها وجاءك غلام
111
فلم تكلمه فقال نعم يروى عن سفيان الثوري أنه قال مع الجارية شيطان ومع الغلام شيطانان فخشيت على نفسي من شيطانيه
أخبرنا أبو الحسن بن علي بن عبد الواحد قال أنبأنا علي بن عمر القزويني قال قرأت علي يوسف بن عمر قلت له حدثكم أحمد بن سليمان إملاء قال حدثنا الحارث بن محمد قال سمعت محمد بن عمرو ذكره عن شجاع بن مخلد أنه سمع بشر بن الحارث يقول احذروا هؤلاء ألأحداث
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت وأنبأنا عمر ابن ظفر قال أنبأنا جعفر بن احمد قالا أنبأنا عبدالعزيز بن علي الأزجي قال حدثنا ابن جهضم قال حدثنا محمد بن علي بن المأمون قال حدثنا أبو علي الروذباري بمصر قال قال لي أبو العباس بن أحمد المؤدب يا أبا علي من أين أخذ صوفية عصرنا هذا الأنس بالأحداث فقلت له يا سيدي أنت بهم أعرف وقد تصحبهم السلامة في كثير من الأمور فقال هيهات قد رأينا من هو أقوى إيمانا منهم إذا راء الحدث قد أقبل يفر كفراره من الزحف وإنما ذلك على حسب الأوقات التي تغلب الأحوال على أهلها فتأخذها عن تصرف الطباع ما أكثر الخطر ما أكثر الغلط قال أبو علي وسمعت جنيدا يقول جاء رجل إلى أبي عبد الله أحمد ابن حنبل ومعه غلام حسن الوجه فقال له من هذا قال ابني فقال أحمد لا تجيء به معك مرة أخرى فلما قام قال له محمد بن عبد الرحمن الحافظ وفي رواية الخطيب قيل له أيد الله الشيخ إنه رجل
112
مستور وابنه أفضل منه فقال أحمد الذي قصدنا إليه من هذا الباب ليس يمنع منه سترهما على هذا رأينا أشياخنا وبه خبرونا عن أسلافهم رحمهم الله
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أبو القاسم بن البسرى عن أبي عبد الله ابن بطة قال حدثني محمد بن الحسين الآجري قال حدثنا محمد بن كردي قال حدثنا أبو بكر المروزي قال جاء حسن بن البزاز إلى أبي عبد الله يعني أحمد ابن حنبل ومعه غلام حسن الوجه فتحدث معه فلما أراد أن ينصرف قال له أبو عبد الله يا أبا علي لا تمش مع هذا الغلام في طريق فقال له إنه ابن أختي قال وإن كان لا تؤثم الناس فيك
أخبرنا عبدالخالق بن احمد قال أنبأنا أحمد بن أبي نصر قال أنبأنا محمد بن احمد الطبسي وأنبأنا أبو بكر الصوفي قال أنبأنا علي بن عبد الله بن أبي صادق وعبد الغفار بن محمد الشيرازي قالوا أنبأنا عبد الله بن باكويه قال سمعت محمد بن أحمد النجار يقول سمعت وليدا السقاء بنصيبين يقول سمعت أبا عبد الله الخضري يقول سمعت فتحا الموصلي يقول صاحبت ثلاثين شيخا كانوا يعدون من الأبدال كلهم أوصوني عند فراقي إياهم اتقوا معاشرة الأحداث
قال محمد بن أحمد لقيت أبا عبد الله الخضري بالموصل فذاكرته فلم ينكره
113
أنبأنا محمد بن عبد الملك قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا ابن أيوب القمي قال أنبأنا أبو عبيد الله المرزباني قال حدثني أبو عبد الله الحكيمي قال حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا أبو أسامة قال كنا عند شيخ يقرئ فبقي عنده غلام يقرأ عليه وأردت القيام فأخذ بيدي وقال اصبر حتى يفرغ هذا الغلام وكره أن يخلو هو والغلام
أخبرنا ابن ظفر قال أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا عبد العزيز بن علي قال حدثنا ابن جهضم قال حدثنا محمد بن علي قال حدثنا محمد بن أحمد ابن أبي القاسم قال دخلنا على محمد بن الحسين صاحب يحيى بن معين وكان يقال ما رفع رأسه إلى السماء منذ أربعين سنة ومعنا غلام حدث في المجلس بين يديه فقال له قم من حذاي فأجلسه من خلفه
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال أنبأنا ابو إسحاق إبراهيم بن سعيد بمصر قال حدثنا ابو صالح السمرقندي الصوفي قال حدثنا الحسين بن القاسم بن اليسع قال حدثنا ابو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي قال قال أبو حمزة نظر محمد بن عبيد الله بن الأشعث الدمشقي وكان من خيار عباد الله إلى غلام جميل فغشي عليه فحمل إلى منزله واعتاده السقم حتى أقعد من رجليه وكان لا يقوم عليهما زمنا طويلا وكنا نأتيه نعوده ونسأله عن حاله وأمره وكان لا يخبرنا بقصته ولا بسبب مرضه وكان الناس يتحدثون حديث نظره فبلغ ذلك الغلام فأتاه عائدا فهش إليه وتحرك وضحك في وجهه واستبشر برؤيته فما زال يعوده حتى قام على رجليه وعاد على حالته فسأله الغلام يوما المصير معه إلى منزله
114
فأبى أن يفعل وكلمني أن أسأله أن يتحول إليه فسألته فأبى فقلت وما الذي تكره من ذلك فقال لست بمعصوم من البلاء ولا آمن من الفتنة وأخاف أن يقع علي من الشيطان محنة فيجري بيني وبينه معصية فأكون من الخاسرين
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرني عبد الصمد بن محمد الخطيب قال حدثنا الحسن بن الحسين بن حكمان قال سمعت أبا الفرج الرستمي الصوفي يقول سمعت المحترق البصري يقول رأيت إبليس في النوم فقلت له كيف رأيتنا عزفنا عن الدنيا ولذاتها وأموالها فليس لك إلينا طريق فقال كيف رأيت ما استملت به قلوبكم باستماع السماع ومعاشرة الأحداث أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الشيرازي قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا عبد الله الرازي يقول سمعت أبا العباس الصياد يقول سمعت أبا سعيد الجزار يقول رأيت إبليس في النوم وهو يمر عني ناحية فقلت تعال فقال إيش أعمل بكم أنتم طرحتم عن نفوسكم ما أخادع به الناس قلت ما هو قال الدنيا فلما ولى التفت إلى فقال غير أن لي فيكم لطيفة
قلت ما هي قال صحبة الأحداث
قال أبو سعيد وقل من يتخلص من هذا من الصوفية
وبه قال السلمي وسمعت أبا بكر الرازي يقول قال يوسف بن الحسين نظرت في آفاق الخلق فعرفت من أين أتوا ورأيت آفة الصوفية في صحبة الأحداث ومعاشرة الأضداد وإرفاق النسوان وكل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إلا صحبة الأحداث فإنه آفة الفتن
115
أخبرنا ابن ظفر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا عبد العزيز بن علي قال أنبأنا ابن جهضم قال حدثنا عمرو بن عبد الله قال سمعت الحلبي يقول نظر سلام الأسود إلى رجل ينظر إلى حدث فقال له يا هذا أبق على جاهك عند الله عز وجل فإنك لا تزال ذا جاه ما دمت له معظما
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا الحسن بن الفضل الأدمي قال أنبأنا أحمد ابن عبد الغفار قال حدثنا أبو سعيد محمد بن علي بن عمرو النقاش قال سمعت أبا نصر السراج يقول سمعت أحمد بن عطاء الروذباري يقول سمعت الحسين بن علي الدمشقي يقول عن أبي حمزة الصوفي قال نظر عبدالوهاب بن افلح إلى غلام أمرد حسن الوجه مرة فرفع يده يدعو وقال هذا ذنب أنا تائب إليك منه وراجع إليك عنه فعد علي بما لم أزل أعرفه منك قديما وحديثا
وبه قال النقاش وسمعت أبا بكر بن شاذان الرازي يقول سمعت خيرا النساج يقول سمعت أبا حمزة يقول لقي محمد بن حميد حدثا جميلا فقال يا من خلق الخلق على ما أحب من مشيئته لا تجعل للشيطان على قلبي سبيلا بنظرتي هذه يا جميل البلاء
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أنبأنا محمد بن الحسين قال قال مظفر القرميسيني من صحب الأحداث على شرط السلامة والنصحية أداه ذلك إلى البلاء فكيف بمن صحبهم على غير وجه السلامة أخبرنا عبد الخالق بن أحمد قال أنبأنا أحمد بن أبي نصر قال أنبأنا محمد بن أحمد الطبسي قال سمعت أبا منصور عبد القاهر بن طاهر يقول من صحب الأحداث وقع في الأحداث
أخبرنا عبد الله بن علي قال أنبأنا طراد بن محمد قال أنبأنا أبو الحسين بن
116
بشران قال أنبأنا ابن صفوان قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبيد قال حدثنا الحسن بن يوسف قال حدثنا بقية قال أخبرني عبيد بن الوليد بن أبي السائب عن أبي سهل قال سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم اللوطيون على ثلاثة اصناف فصنف ينظرون وصنف يصافحون وصنف يعملون ذلك العمل
أخبرنا علي بن عبيد الله قال حدثنا أبو جعفر محمد بن احمد بن المسلمة عن أبي الحسن بن أخي ميمي قال أنبأنا أبو الحسن علي بن سعيد الموصلي قال أنبأنا علي بن يعقوب الكوسج قال سمعت أبا بكر بن أيوب يقول سمعت إبراهيم الحربي يقول جنبوا أولادكم قرناء السوء قبل أن تصبغوهم في البلاء كما يصبغ الثوب
قال وسمعته يقول أول فساد الصبيان بعضهم من بعض
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا التنوخي قال حدثنا علي بن محمد بن أبي صابر الدلال قال وقفت علي الشبلى في قبة الشعراء في جامع المنصور والناس مجتمعون عليه فوقف عليه في الحلقة غلام لم يكن ببغداد في ذلك الوقت أحسن وجها منه يعرف بابن مسلم فقال له تنح فلم يتنح فقال له الثانية تنح يا شيطان عنا فلم يتنح فقال له الثالثة تنح وإلا والله خرقت كل ما عليك
فصل وقد افتتن بالأحداث خلق كثير من الأفاضل أخبرنا محمد بن أبي
طاهر البزاز قال أنبأنا أبو الحسين محمد بن علي بن المهدي قال أنبأنا أبو الفضل محمد بن الحسن بن المأمون قال حدثنا أبو بكر بن الأنباري
117
قال حدثنا محمد بن المرزبان قال حدثنا الحسن بن المقدام قال استعدى ابن عمار ابن أبي الحصيب يحيى بن أكثم على ورثة أبيه وكان بارع الجمال فقال له أيها القاضي أعدني عليهم قال فمن يعديني أنا على عينيك
قال فهربت به أمه إلى بغداد فقال لها وقد تقدمت إليه والله لا أنفذت لك حكما أو ترديه فهو أولى بالمطالبة منك
قال ابن المرزبان وحدثني محمد بن نصر قال أنبأنا أحمد بن يونس الضبي قال كان زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى بن أكثم القاضي وكان جميلا متناهي الجمال فقرص القاضي خده فاستحيى وطرح القلم من يده فقال له يحيى اكتب ما أملي عليك ثم قال
أيا قمرا خمشته فتغضبا
وأصبح لي من تيهه متجنبا
إذا كنت للتخميش والعشق كارها
فكن أبدا يا سيدي متنقبا
ولا تظهر الأصداغ للناس فتنة
وتجعل منها فوق خديك عقربا
فتقتل مشتاقا وتفتن ناسكا
وتترك قاضي المسلمين معذبا
قال ابن المرزبان وأخبرني محمد بن الجهم قال حدثني العلاء بن صالح قال كان يحيى بن اكثم عند الواثق وعنده أمرد حسن الوجه من غلمان الخليفة واقف بين يديه فأحد النظر إليه وتبسم فقال له الواثق يا يحيى بحياتي كشكيه قال إي وحياتك مرة
قلت هذا كلام مصحف والكلمة الأولى كلمتان مع التصحيف والمقصود ذكر الفجور
قال ابن المرزبان وحدثنا علي بن مسلم الكاتب قال دخل على يحيى بن أكثم ابنا مسعدة وكانا على نهاية الجمال فلما رآهما يمشيان في الصحن أنشأ يقول
118
يا زائرينا من الخيام
حياكما الله بالسلام
لم تأتياني ولي نهوض
إلى حلال ولا حرام
يحزنني أن وقفتما بي
وليس عندي سوى الكلام
ثم أجلسهما بين يديه وجعل يمازحهما حتى انصرفا
قال ابن الأنباري وسمعت غير ابن المرزبان من شيوخنا يحكى ان يحيى عزل عن الحكم بسبب هذه الأبيات التي أنشدها لما دخل عليه ابنا مسعدة
وبلغنا عن يحيى بن أكثم أنه رأى غلمانا صباح الوجوه في دار المأمون فقال لولا أنتم لكنا مؤمنين فبلغ المأمون فعاتبه فقال كان درسي انتهى إلى هنا
وروى أبو الفرج الأصبهاني عن عمه عن أبي العيناء قال نظر المامون إلى يحيى بن أكثم يلحظ خادما له فقال للخادم تعرض له إذا قمت فإني سأقوم للوضوء وآمره أن لا يبرح وعد إلى بما يقول لك
وقام المأمون وأمر يحيى بالجلوس فلما قام غمزه الخادم بعينه فقال يحيى لولا أنتم لكنا مؤمنين فمضى الخادم إلى المأمون فأخبره
فقال له المامون عد إليه فقل له أنحن صددنا كم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين
فخرج الخادم إليه فقال له ذلك فأطرق وكاد يموت جزعا
وخرج المأمون وهو يقول
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها
وقاضي قضاة المسلمين يلوط
قم فانصرف واتق الله وأصلح نيتك
فانظر إلى هذا المسكين كيف شاع له هذا الذكر القبيح مع علمه الوافر حتى أن بعض القضاة بعده عزل فقال له الناس لقد كنت عفيفا عن أموالنا فقال وعن أبنائكم
119
يعرض بيحيى قلت وبلغنا أن المأمون دخل إلى ديوان أحمد بن يوسف فصادف حوله مردا حسانا فقال
أسد رابض حواليه أظب
ليس ينجو من الأسود الظباء
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن احمد السراج قال أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد قال حدثنا أبو صالح محمد بن أبي عدي الصوفي قال حدثنا الحسين بن القاسم بن اليسع قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي قال قال أبو حمزة الصوفي كان عبد الله بن موسى من رؤساء الصوفية ووجوهم فنظر إلى غلام في بعض الأسواق فبلى به وكاد يذهب عقله عليه صبابة وحبا وكان يقف في كل يوم على طريقه حتى يراه إذا أقبل وإذا انصرف فطال به البلاء وأقعده عن الحركة فكان لا يقدر أن يمشي خطوة فأتيته يوما لأعوده فقلت يا أبا محمد ما قصتك وما هذا الأمر الذي بلغ بك ما ارى فقال أمور امتحنني الله تعالى بها فلم أصبر على البلاء فيها ولم يكن لي بها طاقة ورب ذنب استصغره الإنسان هو أعظم عند الله من ثبير وحقيق لمن تعرض للنظر الحرام أن تطول به الأسقام ثم بكا فقلت ما يبكيك قال أخاف أن يطول في النار شقائي
فانصرفت عنه وأنا راحم له لما رأيت به من سوء الحال
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا أبو سعد الماليني قال حدثنا الحسن بن إبراهيم الليثي قال حدثني الحسين بن القاسم قال كان محمد بن داود يميل إلى محمد بن جامع الصيدلاني وبسببه عمل كتاب الزهرة وبلغنا أن محمد بن جامع دخل الحمام وأصلح وجهه وأخذ المرآة فنظر إلى وجهه فغطاه وركب إلى محمد بن داود فلما رآه مغطى الوجه
120
خاف أن يكون قد لحقته آفة فقال ما الخبر فقال رأيت وجهي الساعة في المرأة فغطيته وأحببت أن لا يراه أحد قبلك
فغشى على محمد بن داود
أخبرنا أبو منصور قال أنبأنا الخطيب قال حدثني مكي بن إبراهيم قال أنشدنا ابن كامل الدمشقي لأبي بكر بن داود في حبيبه يا يوسف الحسن تمثيلا وتشبيها
يا طلعة ليس إلا البدر يحكيها
من شك في الحور فلينظر إليك فما
صيغت معانيك إلا من معانيها ما للبدور وللتحذيف يا أملي نور البدور عن التحذيف يغنيها
إن الدنانير لا تجلى وإن عتقت
ولا تزاد على النقش الذي فيها
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال حدثنا إسماعيل بن أحمد الحيري قال حدثنا أبو نصر بن أبي عبد الله الشيرازي قال حدثني محمد بن الحسين الظاهري قال حدثنا محمد بن الحسين بن الصباح الداودي قال أنبأنا القاضي أبو عمر محمد بن يوسف الأزدي قال كنت أساير محمد بن داود بن علي ببغداد فإذا بجارية تغني بشيء من شعره وهو
أشكو غليل فؤاد أنت متلفه
شكوى عليل إلى إلف يعلله
سقمي تزيد مع الأيام كثرته
وأنت في عظم ما ألقى تقلله
الله حرم قتلى في الهوى سفها
وأنت يا قاتلي ظلما تحلله
فقال محمد بن داود كيف السبيل إلى استرجاع هذا فقال القاضي أبو عمر هيهات سارت به الركبان
أخبرنا القزاز قال أنبأنا الخطيب قال أنبأنا علي بن أيوب قال أنبأنا أبو عبد الله المرزباني وأبو عمر بن حيويه وأبو بكر بن شاذان قالوا حدثنا
121
إبراهيم بن محمد بن عرفة نفطويه قال دخلت على محمد بن داود الأصبهاني في مرضه الذي مات فيه فقلت كيف تجدك فقال حب من تعلم أورثني ما ترى فقلت ما منعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه فقال أما النظر المباح فأورثني ما ترى وأما اللذة المحظورة فإنه منعني منها ما حدثني به أبي قال حدثنا سويد ابن سعيد قال حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي A انه قال من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة
فإن قال قائل قد صرح هذا الرجل بأن النظر مباح فما تقول في ذلك فالجواب أنه إنما يباح النظر إلى الأمرد مع عدم الشهوة فإن عدمت لكنه يخاف أن تثور بالنظر فلأصحابنا فيه وجهان ومتى كان الطبع صحيحا فالشهوة قائمة والتحريم ملازم فمن ادعى أنه لا يشتهي فهو كذاب فلو قدرنا صدقة كان بهيمة لا آدميا وظاهر قول ابن داود يدل على أنه لم ير النظر محرما
ولقد أخطأ في ذلك وجر عليه خطؤه التلف بعد إشتهاره بين الناس وافتضاحه حتى كان أبو العباس ابن سريج إذا ناظره يقول له عليك يا ابن داود بكتاب الزهرة ولو أن هذا الرجل غض بصره أول مرة لتخلص لكنه لم ير أن الحرام سوى الفاحشة
ومن أخباره العجيبة ما أخبرتنا به شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر ابن احمد بن السراج قال أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سلامة القاضي القضاعي عن أبي الحسن بن علي بن نصر بن الصباح قال حدثنا أبو عمر عبد الله بن أحمد السمسار أن أبا بكر بن داود الأصبهاني
122
كان يدخل الجامع من باب الوراقين فلما كان بعد مدة عدل عنه وجعل دخوله من غيره وكنت مجترئا عليه فسألته عن ذلك فقال يا بني السبب فيه أنى في الجمعة الماضية أردت الدخول منه فصادفت عند الباب حدثين يتحدثان وكل واحد منهما مسرور بصاحبه فلما رأياني قالا أبو بكر قد جاء فتفرقا فجعلت على نفسي أن لا أدخل من باب فرقت فيه بين مؤتلفين
فصل وقد يقع للنفس تأويل في مصاحبة الحدث الذي قد بدت زغبات الشعر
على وجهه فتقول النفس هذا ليس بأمرد وإنما هو رجل فلا بأس بصحبته وإنما يقع لها هذا التأويل لما ينظر من هواه فيقال لها كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا إن كان لك ميل إليه وعندك التذاذ برؤيته فحكمه حكم الأمرد لأن المعنى في ذاك موجود في هذا ولو أن إنسانا التذ بالنظر إلى بنت شهرين لم يجز له النظر إليها أو إلى ابن خمسين سنة أما سمعت قول عائشة وقد سألها نسوة عن المسكر فقالت لو ظنت إحداكن أن ماء حبها يسكرها فلا تشربه
واعلم أن كثيرا من الصبيان تحسن وجوهم بخروج زغبات الشعر فيزيدون بذلك في الحسن على المردان وقد افتتن بهم جماعة حتى قال أبو بكر بن داود في حبيبه
ما لهم أنكروا سوادا بخديه ولا ينكرون ورد الغصون
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا
123
علي بن أيوب قال حدثنا أبو عمر بن حيويه قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال أنشدنا محمد بن داود لنفسه في مرض موته
انظر إلى البحر يجري في لواحظه
وانظر إلى دعج في طرفه الساجي
وانظر إلى شعرات فوق عارضه
كأنهن نمال دب في عاج
وأنشدنا لنفسه
ما لهم أنكروا سؤادا بخديه ولا ينكرون ورد الغصون
إن يكن عيب خده بدر الشعر فعيب العيون شعر الجفون
فقلت له نفيت القياس في لافقه وأثبته في الشعر فقال غلبة الهوى وملكة النفوس دعوا إليه
قال ومات في ليلته او في اليوم الثاني
وقال آخر
وقد زاد في ياقوتتي شفتيه لي
ودر ثناياه زمرد شاربه
وبالقرب منه نقش خال كأنه
ختام على ماء الجنان لشاربه
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن احمد بن السراج قال أنبأنا أحمد بن علي بن السواق قال حدثنا محمد بن أحمد بن فارس قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم البصري قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا عبد الله بن عبيد قال اخبرني محمد بن عبد الله قال أنبأنا أبو محمد عبد الله بن أبي عبيد قال حدثني محمد بن سعيد القرشي قال أنبأنا محمد
124
ابن جهم بن عثمان بن أبي جهمة قال اخبرني أبي عن جدي قال بينما عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يطوف ذات ليلة في سكة من سكك المدينة إذ سمع امرأة وهي تهتف من خدرها وتقول
هل من سبيل إلى خمر فاشربها
أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
إلى فتى ماجد الأعراق مقتبل
سهل المحيا كريم غير ملجاج
فقال عمر لا أرى معي في المصر رجلا تهتف به العواتق في خدرهن علي بنصر بن حجاج
فاتى به وإذا هو أحسن الناس وجها وأحسنهم شعرا فقال علي بالحجام فجز شعره فخرجت له وجنتان كأنهما شقتا قمر فقال اعتم فاعتم فأفتن الناس فقال عمر والله لا تساكنني بلدا انا فيه قال ولم ذاك يا امير المؤمنين هو ما قلت لك فسيره إلى البصرة
وخشيت المرأة التي سمع منها عمر ما سمع ان يبدر إليها عمر بشيء فدست إليه أبياتا تقول فيها
قل للإمام الذي تخشى بوادره
مالي وللخمر او نصر بن حجاج
إني غنيت أبا حفص بغيرهما
شرب الحليب وطرف فاتر ساج
إن الهوى زمه التقوى فقيده
حتى أقر بإلجام وإسراج
لا تجعل الظن حقا أو تبينه
إن السبيل سبيل الخائف الراجي
قال فبعث إليها عمر قد بلغني عنك خير وإني لم اخرجه من أجلك ولكنه بلغني أنه كان يدخل على النساء ولست آمنهن وبكى عمر وقال الحمد لله الذي قيد الهوى حتى أقر بإلجام وإسراج
ثم إن عمر كتب إلى عامله بالبصرة كتبا فمكث الرسول عنده أياما ثم نادى مناديه ألا إن بريد المسلمين يريد أن يخرج فمن كانت له حاجة
125
فليكتب فكتب نصر بن حجاج كتابا ودسه في الكتب بسم الله الرحمن الرحيم
لعبد الله عمر أمير المؤمنين سلام عليك أما بعد يا امير المؤمنين
أإن غنت الذلفاء يوما بمنية
وبعض اماني النساء غرام
ظننت بي الظنا الذي ليس بعده
بقاء فما لي في الندى كلام
ويمنعني مما تظن تكرمي
وآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها مما تظن صلاتها
وحال لها في قومها وصيام
فهذان حالانا فهل أنت راجعي
فقد جب مني كاهل وسنام
فقال عمر لما قرأ الكتاب أما ولي سلطان فلا
فما رجع المدينة إلا بعد وفاة عمر
126
الباب الخامس عشر في ذكر إثم النظر وعقوبته
حدثنا المبارك بن علي الصيرفي قال أنبأنا عبد الوهاب بن أحمد قال حدثنا الحسن بن محمد الخلال قال حدثنا محمد بن المظفر الحافظ قال حدثنا محمد بن جعفر بن رباح قال حدثنا عباد بن يعقوب قال حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن سنان بن عبد الرحمن عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال جاء رجل إلى رسول الله A يتشلشل دما فقال له مالك قال يا رسول الله مرت بي امرأة فنظرت إليها فلم أزل أتبعها بصري فاستقبلني جدار فضربني فصنع بي ما ترى فقال إن الله عز وجل إذا اراد بعبد خيرا عجل له عقوبته في الدنيا
أخبرنا أحمد بن عبيد الباقي بن منازل قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو محمد الخلال قال حدثنا عبدالواحد بن علي قال أنبأنا المبارك محمد بن ثابت قال حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي قال حدثنا يزيد ابن هارون قال أنبأنا ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال قال رسول الله A لو اطلع أحد في بيتك ولم تأذن له فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناج
127
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا ابن يوسف قال أنبأنا البرمكي قال أنبأنا أبو بكر بن النجيب قال أنبأنا محمد بن صالح قال حدثنا هناد قال حدثنا المحاربي عن ليث عن طلحة عن خيثمة بن عبد الرحمن عن حذيفة قال من تأمل خلق امرأة من وراء الثياب فقد أبطل صومه
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا محمد بن أحمد الحداد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال حدثنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبو معمر قال حدثنا أبو معاوية الضرير عن أبي سنان عن عمرو بن مرة قال نظرت إلى امرأة فأعجبتني فكف بصري فأرجو أن يكون ذلك جزائي
أخبرنا عمر بن ظفر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا عبد العزيز بن علي قال أنبأنا علي بن عبد الله الصوفي قال حدثنا محمد بن الحسن بن الجلندي المقري قال سمعت أبا عبد الله بن الجلاء يقول كنت واقفا أنظر إلى غلام نصراني حسن الوجه فمر بي أبو عبد الله البلخي فقال إيش وقوفك فقلت يا عم ما ترى هذه الصورة تعذب بالنار فضرب بيده بين كتفي وقال لتجدن غبها ولو بعد حين
قال ابن الجلاء فوجدت غبها بعد أربعين سنة أنسيت القرآن
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال كتب إلي أبو حاتم احمد بن الحسن الرازي يذكر أنه سمع محمد بن احمد بن عبد الوهاب الحافظ يقول قال أبو سعيد أحمد بن محمد الصوفي قال حدثنا
128
عبد الرحمن بن أحمد بن عيسى عن أبي الأديان قال كنت مع أستاذي أبي بكر الزقاق فمر حدث فنظرت إليه فرآني أستاذي وأنا أنظر إليه فقال يا بني لتجدن غبها ولو بعد حين فبقيت عشرين سنة وأنا أراعي فما أجد ذلك الغب فنمت ليلة وأنا متفكر فيه فأصبحت وقد نسيت القرآن كله
أخبرنا أبو بكر الصوفي قال أنبأنا أبو سعيد الحيرى قال أنبأنا أبو عبد الله الشيرازي قال أخبرني أبو عبد الله الشيرازي قال أخبرني أبو يعقوب النهر جوري قال رأيت في الطواف رجلا بفرد عين وهو يقول في طوافه أعوذ بك منك فقلت له ما هذا الدعاء فقال إني مجاور منذ خمسين سنة فنظرت إلى شخص يوما فاستحسنته فإذا بلطمة وقعت على عيني فسالت عيني على خدي فقلت آه فوقعت أخرى وقائل يقول لو زدت لزدناك
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي قال أنبأنا عمار بن عبد الله الصوفي قال سمعت محمد بن حماد الرحبي يقول سمعت أبا عمرو بن علوان يقول خرجت يوما إلى سوق الرحبة في حاجة فرأيت جنازة فتبعتها لأصلي عليها ووقفت في جملة الناس حتى يدفن الميت فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمد فلححت بالنظر واسترجعت واستغفرت الله وعدت إلى منزلي فقالت لي عجوز يا سيدي مالي أرى وجهك أسود فأخذت المرآة فنظرت فإذا وجهي أسود فرجعت إلى سري أنظر من أين دهيت فتذكرت النظرة فانفردت في موضع أستغفر الله وأسأله الإقالة أربعين يوما فخطر في قلبي أن زر شيخك الجنيد فانحدرت إلى بغداد فلما جئت الحجرة التي هو فيها طرقت الباب فقال لي ادخل يا أبا عمرو تذنب بالرحبة وتستغفر ربك ببغداد
أخبرنا أبو بكر بن حبيب الصوفي قال أنبأنا أبو سعد بن أبي صادق الحيري
129
قال أنبأنا أبو عبد الله الشيرازي قال أنبأنا محمد بن أحمد النجار قال أخبرني أبو بكر الكتاني قال رأيت بعض اصحابنا في المنام فقلت ما فعل الله بك قال عرض علي سيئاتي وقال فعلت كذا وكذا فقلت نعم قال وفعلت كذا وكذا فقلت نعم ثم قال فعلت كذا وكذا فاستحييت أن أقرأ فقال غفرت لك بما أقررت فكيف بما استحييت فقلت له ما كان ذلك الذنب فقال مر بي غلام أمرد حسن الوجه فنظرت إليه
وقد روى نحو هذه الحكاية عن أبي عبد الله الزراد أنه رئى في المنام فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي كل ذنب أقررت به الدنيا إلا واحدا استحييت أن أقر به فوقفني في العرق حتى سقط لحم وجهي فقيل له ما الذنب قال نظرت إلى شخص جميل فاستحييت أن أذكره
وذكر هذه الحكاية أبو طالب المكي عن منصور الفقيه قال رأيت أبا عبد الله السكري في النوم فقلت له ما فعل الله بك فقال وقفني في العرق حتى سقط لحم خدي قلت لم قال نظرت إلى غلام مقبلا ومدبرا
وحدثت عن محمد بن علي بن ابي الصقر الواسطي قال حدثنا عبد الله بن هارون القطان قال حدثنا أحمد بن علي قال حدثنا أبو الحسن الواعظ قال لما مات أبو نصر حبيب النجار الواعظ بالبصرة رئى في المنام ووجهه كدارة القمر في ليلة البدر وفي وجهه نكتة سوداء فقال له الذي رآه حبيب مالي أرى في وجهك هذه النكتة قال قال لي كنت مارا بالبصرة في بني عبس فرأيت غلاما أمرد عليه غلالة يشرق منها بدنه فنظرت إليه فلما وصلت إلى ربي قال لي حبيب
قلت لبيك
قال جز على النار فجزت عليها فنفحتني هذه النفحة فقلت أوه
فناداني نفحة بلمحة ولو زدت لزدناك
130
وقد بلغنا عن أبي يعقوب الطبري أنه كان يقول كان معي شاب حسن الوجه وكان يخدمني فجاءني إنسان من بغداد صوفي وكان كثير الالتفات إلى الشاب فكنت أجد عليه لذلك فنمت ليلة من الليالي فرأيت رب العزة في المنام فقال يا أبا يعقوب لم لم تنهه وأشار إلى البغدادي عن النظر إلى الأحداث فوعزتي وجلالي إني لا اشغل بالأحداث إلا من باعدته عن قربي
قال أبو يعقوب فانتبهت وأنا أضطرب فحكيت الرؤيا للبغدادي فصاح صيحة ومات فغسلناه ودفناه واشتغل قلبي به فرأيته بعد شهر في النوم فقلت ما فعل الله بك قال وبخني حتى خفت ألا أنجو ثم عفا عني
131
الباب السادس عشر في ذكر من عاقب نفسه على النظر
أخبرنا أبو القاسم الحريري قال أنبأنا أبو طالب العشاري قال أنبأنا أبو الحسين بن شمعون قال أنبأنا عثمان بن احمد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الختلي قال حدثنا محمد بن حاتم الطوسي قال حدثنا أحمد بن عبد الله الهروي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال خرج عيسى بن مريم يستسقي بالناس فأوحى الله عز وجل إليه لا يستسق معك خطاء
فأخبرهم بذلك وقال من كان من أهل الخطايا فليعتزل
فاعتزل الناس كلهم إلا رجلا مصابا بعينه اليمنى فقال له عيسى مالك لا تعتزل فقال يا روح الله ما عصيت الله طرفة عين ولقد التفت فنظرت بعيني هذه إلى قدم امرأة من غير ان كنت أردت النظر إليها فقلعتها ولو نظرت إليها باليسرى قلعتها
قال فبكى عيسى حتى ابتلت لحيته بدموعه ثم قال ادع فأنت أحق بالدعاء مني فإني معصوم بالوحي وأنت لم تعصم فتقدم الرجل فرفع يديه وقال اللهم إنك خلقتنا وقد علمت ما نعمل من قبل أن تخلقنا فلم يمنعك ذلك أن تخلقنا فكما خلقتنا وتكفلت بأرزاقنا فأرسل السماء علينا مدرارا
فوالذي نفس عيسى بيده ما خرجت الكلمة تامة من فيه حتى أرخت السماء عزاليها وسقى الحاضر والباد
إن قال قائل هذا قد فعل معصية بقلع عين نفسه فكيف صارت طاعة يتوسل بها
فالجواب أنه إذا صح النقل عنه حمل على أنه كان ذلك في شرعهم جائزا فأما في شرعنا فذلك حرام أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا أبو محمد السراج قال أنبأنا أبو طاهر ابن
132
السواق قال حدثنا محمد بن أحمد بن فارس قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف العاصي قال حدثنا ابو بكر القرشي قال حدثني محمد بن الحسين قال حدثني الصلت بن حكيم قال حدثني موسى بن صالح قال نظر رجل من عباد بني إسرائيل إلى امرأة جميلة نظرة شهوة فعمد إلى عينيه فقلعها
أخبرنا ابن ناصر وعبد الله بن علي قالا أنبأنا طراد قال أنبأنا أبو الحسين ابن بشران قال أنبأنا ابن صفوان قال أنبأنا أبو بكر القرشي قال حدثني محمد بن الحسين قال حدثني مالك بن ضيغم قال حدثتني خالتي حبابة ابنة ميمون العتكية قالت رأيت أباك ضيغما نزل ذات ليلة من فوق البيت بكوز قد برد له حتى صبه ثم اكتار من الحب ماء حارا لا يشرب فقلت له بعد ذلك إني قد رأيت الذي صنعت فمم ذاك قال حانت مني نظرة مرة إلى امرأة فجعلت على نفسي ألا تذوق الماء البارد أيام الدنيا أنغص عليها الحياة
قال القرشي وحدثنا أحمد بن إبراهيم عن علي بن إسحاق عن ابن المبارك عن الأوزاعي عن هرون بن زباب أن غزوان كان في بعض مغازيهم فكشفت جارية فنظر إليها غزوان فرفع يده فلطم عينه حتى نفرت وقال إنك للحاظة إلى ما يضرك قال القرشي وحدثني محمد بن قدامة عن محمد بن سابق عن مالك بن مغول عن أبي سنان قال قال عمرو بن مرة ما يسرني أني بصير كنت نظرت نظرة وأنا شاب
أخبرنا محمد بن ابي منصور قال أنبأنا عبد القادر بن يوسف قال حدثنا يوسف بن محمد المهرواني قال حدثنا أحمد بن محمد بن حسنون قال حدثنا
133
جعفر الخواص قال حدثنا احمد بن محمد قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثني هرون بن معروف قال حدثني سعيد بن عبد الله قال سمعت رجلا يحدث عن وهب قال كان في بني إسرائيل دير وكان فيه قوم عباد وكان لهم عيد يجتمعون فيه فخرجوا يوما في عيدهم فنظر رجل من العباد إلى جارية من بني إسرائيل متعبدة فلما رأته قد أحد النظر إليها قالت وهي لا توهمه أنه يريدها سبحان الذي أضاء العيون فأبصرت وهي متعرضة إلى ما حرم عليها فخر الحبر لوجهه ساجدا وجعل يقول سيدي لا تسلبني بصري عقوبة منك لنظري فوعزتك لأبكين بعدها ما أطاقت البكاء عميت أم لم تعم فبكى حتى عمى
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أبو علي الحسن بن الفضل ابن الحسن الأدمي وأنبأنا أبو سعد أحمد بن محمد البغدادي قالا أنبأنا أبو العباس أحمد بن عبد الغفار قال حدثنا أبو سعد محمد بن علي بن عمرو النقاش قال سمعت محمد بن عبد العزيز الواعظ قال سمعت خيرا النساج يقول كنت مع أبي حمزة بالشام فإذا نحن بصومعة راهب بين الرملة ومصر فسمعت بكاءه وشهيقه فناداه أبو حمزة ثلاثا فلم يجبه فقال له أبو حمزة سألتك بحق من يجب له الحق عليك إلا كلمتني
فقال بصوت ضعيف وما يدعوك إلى كلامي فقال أردت أن أسألك عن مسألة عرضت لي
فقال إني لفي شغل عن مسألتك وكلامك فامض راشدا عافاك الله
فقال أبو حمزة أرني وجهك فقال وما تصنع بالنظر إلى من اصيب من النظر فقال أحببت أن أشافهك بمسألتي إياك فقال إن كنت تريد جواب مسألتك فاسأل حتى أخبرك وإن كنت تريد النظر فامض لشأنك فقد أعلمتك أن بي مصيبة
قال وما مصيبتك فقال إني اطلعت من صومعتي هذه منذ عشرين سنة فوقعت عيني على شخص فأفسد قلبي وأنا في علاجه وجهاده منذ ذلك اليوم إلى وقتي ما علمت
134
أني نظرت إلى أحد من الناس حتى كلمتني
فقال لعمري لقد كان هذا نظر شؤم عليك ألبسك طول العناء وأورثك إدمان البكاء
فقال هذا لعمري كذاك لقد بكيت حتى نفد دمعي وقلص فما أقدر على قطرة إلا في بعض الأيام فإذا بكيت وجدت لذلك راحة وسلوا ما
قال فما النظر الذي بلغ بك هذا كله فقال حضر بعض أعيادنا فأتاني جماعة وفيهم شخص حير عقلي كماله فكررت النظر إليه مرارا فزرع في قلبي زرعا لا تحصده المناجل ولا تسفيه الرماح ولا يزداد على مر الأيام إلا جدة وثباتا فلما رأيت ذلك عاتبت قلبي كي يراجعني فأبى إلا التعلق به والتعرض له والتطلب لأسباب قربه فلما رأيته مقيما على مخالفتي وماضيا على عصياني عاهدت الله أن لا أرى أحدا ولا يراني وهذه عقوبة كل طرف مال إلى غير ما أمره الله حتى يرجع إلى ما أمره أو يعلم انه قد عفى له عما أجرم
ثم أخذ في البكاء فانصرفنا وتركناه
أخبرتنا شهدة بنت أحمد بن الفرج قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا إبراهيم بن سعيد قال حدثنا أبو صالح السمرقندي قال حدثنا الحسين بن القاسم بن اليسع قال أنبأنا أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال حدثنا جعفر ابن عبد الله الصوفي قال قال أبو حمزة حدثني ابو العمر حسام بن المضاء المصري قال غزوت في زمن الرشيد في بعض المراكب فلججنا في البحر فكسر بنا في بعض جزائر صقلية فخرج من أفلت وخرجت معهم فرأيت في بعض الجزائر رجلا لا يملك دمعه من كثرة البكاء فسألته عن حاله وقلت له ارفق بعينك فإن البكاء قد أضر بهما فقال إلا ذلك قلت ما جنايتهما عليك حتى تتمنى لها البلاء فقال جناية لا أزال إلى الله معتذرا منها أيام حياتي قلت وما هي قال سرعة نظرهما إلى الأمور المحظورة عليهما ولقد أوقعاني في ذنب نظرت إليه لولا الرجاء لرحمة الله ليئست أن يعفى عنه لي
فبالله لو صفح الله لي عنه وأدخلني
135
الجنة ثم تراءى لي لاستحييت أن أنظر إليه بعينين عصتاه
ثم صعق وخر مغشيا عليه
وبلغنا عن أبي حمزة الصوفي قال وقفت على راهب في بعض بلاد الشام وقد أشرف من صومعته وهو يكلم غلاما جميلا من النصارى ويتبسم إليه فقلت له ينبغي لمن هو على طريقتك أن لا يتبسم في وجه من لا تؤمن فتنته فقال هو لعمري كما قلت غير اني اعاهد الله لافتحت عيني حولا عقوبة لها
وأغمض عينيه وأدخل رأسه وبكاء وانصرفت
أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قالا أنبانا حمد بن احمد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال أنبأنا أبو الحسين محمد بن محمد بن عبد الله قال سمعت أخي أبا عبد الله محمد بن محمد يقول سمعت محمد بن عبد الله الصوفي يقول سمعت خيرا النساج يقول كنت مع أمية بن الصامت الصوفي فنظر إلى غلام فقرأ وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ثم قال وأين الفرار من سجن الله وقد حصنه بملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون
تبارك الله فما أعظم ما امتحنني به من نظري إلى هذا الغلام ما شبهت نظري إليه إلا بنار وقعت على قصب في يوم ريح فما أبقت ولا تركت
ثم قال استغفر الله من بلاء جنته عيناي على قلبي وأحشائي لقد خفت أن لا أنجو من معرته ولا أتخلص من إثمه ولو وافيت القيامة بعمل سبعين صديقا ثم بكا حتى كاد يقضى فسمعته يقول في بكائه يا طرف لأشغلنك بالبكاء عن النظر إلى البلاء
136
الباب السابع عشر في ذكر من سأل الله تعالى أخذ بصره خوف الفتنة
أخبرنا عبد الملك بن أبي القاسم الكروخي قال أنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي العميري قال أنبأنا أبو الفضل محمد بن محمد الفامي قال أنبأنا محمد بن احمد بن يوسف المرواني قال حدثني أبو عبد الرحمن محمد بن المنذر شكر قال حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج المقري قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ابن عبد الحكيم قال حدثنا أبو ضمرة عاصم بن أبي بكر الزهري قال سمعت مالك بن أنس يقول كان يونس بن يوسف من العباد أو من خيار الناس شك عبد الرحمن فأقبل ذات يوم وهو رائح من المسجد فلقيته امرأه فوقع في نفسه منها فقال اللهم إنك جعلت لي بصري نعمة وقد خشيت أن يكون علي نقمة فاقبضه إليك قال فعمى وكان يروح إلى المسجد يقوده ابن أخ له فإذا استقبل به الأسطوانة اشتغل الصبي يلعب مع الصبيان فإن فاتته حاجة حصبه فأقبل إليه فبينا هو ذات يوم ضحوة في المسجد إذ أحس في بطنه بشيء فحصب الصبي فشغل الصبي مع الصبيان حتى خاف الشيخ على نفسه فقال اللهم إنك كنت جعلت لي بصري نعمة وخشيت أن يكون نقمة فسألتك فقبضته إليك وقد خشيت الفضيحة فرده إلي فانصرف إلى منزله صحيحا يمشي
قال مالك فرأيته أعمى ورأيته صحيحا
وقد رويت لنا هذه الحكاية على قلب اسم هذا الرجل
أخبرنا أحمد بن علي بن المجلي قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا علي بن محمد المعدل قال حدثنا ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر
137
القرشي قال حدثني الحسن بن عبد العزيز الجروي قال حدثنا عاصم بن أبي بكر الزهري قال أنبأنا مالك بن أنس وابن أبي حاروم والمغيرة بن عبد الرحمن أن يوسف بن يونس بن حماس مرت به امرأة فوقعت في نفسه فدعا الله فذهب بصره فأقام بعد ذلك دهرا يخلف إلى المسجد مكفوفا يقاد ثم إنه تحرك عليه بقلبه وقد انصرف قائده فلم يجد من يقوده فخلا المسجد فدعا الله تعالى فرد عليه بصره فلم يزل صحيح البصر حتى مات
وبالإسناد قال حدثنا القرشي قال حدثني إبراهيم بن سعيد قال حدثنا موسى بن أيوب قال حدثنا عبيد البيروتي عن الأوزاعي عن يحيى قال بينما امرأة قائمة عند قنديل توقده إذ نظر إليها رجل ففطنت له وعرفت أنه قد تبينها فالتفتت إليه وقالت له تنظر ملء عينك إلى شيء لغيرك
قال فزادني زياد بن محمد عن عقبة أنه دعا ربه أن يذهب بصره فذهب فمكث عشرين سنة أعمى لا يبصر فلما كبر دعا ربه أن يرد عليه بصره فرد الله عليه بصره
قال يحيى بن أبي كثير وأخبرني بعض من رآه بصيرا قبل ان يعمى فرآه شيخا بصيرا بعد ما عمى
أخبرنا عمر بن ظفر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا عبد العزيز الأزجي قال حدثنا ابن جهضم قال سمعت محمد بن احمد الزبيري قال سمعت أبا العباس الفرغاني قال سمعت منصور بن إسماعيل يقول كنت إذا نظرت إلى الشيء الحسن يأخذ من قلبي المأخذ الشديد فسألت الله عز وجل أن يذهب بصري فذهب
138
الباب الثامن عشر في ذكر ثواب من غض بصره عن الحرام
أخبرنا إسماعيل بن أحمد وعبد الوهاب بن المبارك ويحيى بن علي قالوا أنبأنا أبو محمد الصريفيني قال أنبأنا أبو حفص الكتاني وأخبرنا أحمد بن محمد الطوسي وعايل بن أحمد ويحيى بن الحسن وأحمد بن الحسن المقري وعلي بن المبارك قالوا حدثنا ابن النقور قال أنبأنا عبد الله بن حبابة قالا حدثنا البغوي قال حدثنا طالوت بن عباد قال حدثنا فضال بن جبير قال سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله A يقول اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا اؤتمن فلا يخن وإذا وعد فلا يخلف غضوا أبصاركم وكفوا أيديكم واحفظوا فروجكم
أخبرنا يحيى بن علي قال أنبأنا أبو الحسن بن المهتدي قال حدثنا ابن شاهين قال حدثنا محمد بن صالح بن زغيل قال حدثنا عبد الواحد بن غياث وطالوت بن عباد قالا حدثنا فضال بن جبير قال سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله A يقول اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا وعد فلا يخلف وإذا اؤتمن فلا يخن غضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم وصلوا أرحامكم
أخبرنا هبة الله بن محمد قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا عتاب
139
قال حدثنا عبد الله وهو ابن المبارك قال أنبأنا يحيى بن أيوب عن عبد الله ابن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي A قال ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة أول مرة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن أحمد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد ابن عبد الله قال حدثني أبي قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسين قال حدثنا محمد بن يعقوب قال حدثنا أبو اليمان قال حدثنا ابو مهدي سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن ابن عمر قال قال رسول الله A النظرة الاولى خطأ والثانية عمد والثالثة تدمر نظر الرجل إلى محاسن المرأة سهم من سهام إبليس مسموم من تركها من خشية الله ورجاء ما عنده أثابه الله بذلك عبادة تبلغه لذتها
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد ابن جعفر الخرائطي قال حدثنا علي بن حرب قال حدثنا إسحاق بن عبد الواحد قال حدثنا هشيم قال حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن محارب ابن دثار عن صلة عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله A النظر إلى المرأة سهم من سهام إبليس مسموم فمن تركه خوف الله عز وجل أثابه الله تعالى إيمانا يجد حلاوته في قلبه
140
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا القاضي أبو محمد يحيى بن الحسن بن المنذر قال أنبأنا إسماعيل بن سعيد المعدل قال حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال حدثنا عبيد بن عبد الواحد قال حدثنا ابن أبي مريم قال حدثنا يحيى بن أيوب عن عبد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال قال رسول اللهA من نظر إلى امرأة فغض بصره عند أول دفعة رزقه الله عبادة يجد حلاوتها
قال ابن الأنباري قال اللغويون غض تفسيره يغض يقال قد غضضت من الرجل إذا طعنت عليه ووضعت منه
أخبرنا أحمد بن عبد الباقي قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو محمد الخلال قال أنبأنا محمد بن جعفر قال حدثنا قاسم بن علي الدهري قال حدثنا عبد الله بن إسحاق قال حدثنا سهل بن محمد الفارسي قال حدثنا أيوب بن سليمان قال حدثنا محمد بن مروان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعيد عن علي قال قال رسول الله A إن الله يقول النظر سهم من سهام إبليس مسموم فمن تركها من مخافتي أبدلته مكانها إيمانا يجد حلاوته في قلبه
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن احمد الحداد قال أنبانا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا ابن غفير الأنصاري قال حدثنا شعيب بن سلمة قال حدثنا عصمة بن محمد قال حدثنا موسى بن عقبة عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت قال رسول الله A ما من عبد يكف بصره عن محاسن امرأة ولو شاء أن ينظر إليها نظر إلا أدخل الله عز وجل قلبه عبادة يجد حلاوتها
141
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا علي بن أحمد الملطي قال أنبأنا محمد بن يوسف قال أنبأنا الحسين بن صفوان قال حدثنا عبد الله بن محمد القرشي قال حدثنا أبو سعيد المدني قال حدثني عمر بن سهل المازني قال حدثني عمر بن محمد بن صهبان قال حدثني صفوان بن سليم عن أبي هريرة قال قال رسول الله A كل عين باكية يوم القيامة إلا عين غضت عن محارم الله وعين سهرت في سبيل الله وعين يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا الحسن بن احمد الفقيه قال أنبأنا محمد بن أحمد ابن ابي الفوارس قال أنبأنا إبراهيم بن احمد المزكي قال أنبأنا محمد بن المسيب قال حدثنا عبد الله بن خبيق قال حدثني الحسن بن مجاهد قال غض البصر عن محارم الله يورث حب الله
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا أبو بكر الشيرازي قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر محمد بن احمد يقول سمعت أبا الحسين الوراق يقول من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على لسانه يهدى بها سامعوه ومن غض بصره عن شبهة نور الله قلبه بنور يهتدي به إلى طريق مرضاته
أخبرنا أبو بكر الصوفي قال أنبأنا أبو سعد بن ابي صادق قال أنبأنا أبو عبد الله الشيرازي قال حدثنا عبد الواحد بن بكر الورثاني قال حدثنا محمد بن أحمد المارستاني قال حدثنا محمد بن عيسى القرشي قال حدثني إبراهيم ابن المهلب السائح قال رأيت بين الثعلبية والخزيمية غلاما قائما يصلي قد انقطع
142
عن الناس فانتظرته حتى قطع صلاته ثم قلت له ما معك مؤنس قال بلى قلت وأين هو قال أمامي ومعي وخلفي وعن يميني وعن شمالي وفوقي
فعلمت أن عنده معرفة
فقلت أما معك زاد قال بلى قلت فأين هو قال الإخلاص لله عز وجل والتوحيد له والإقرار بنبيه A وإيمان صادق وتوكل واثق
قلت هل لك في مرافقتي قال الرفيق يشغل عن الله ولا احب أن أرافق أحدا فأشتغل به عنه طرفة عين
قلت اما تستوحش في هذه البرية وحدك فقال إن الأنس بالله قطع عني كل وحشة حتى لو كنت بين السباع ما خفتها ولا استوحشت منها
قلت فمن أين تأكل فقال الذي غذاني في ظلم الأرحام صغيرا قد تكفل برزقي كبيرا
قلت ففي أي وقت تجيئك الأسباب فقال لي جد معلوم ووقت مفهوم إذا احتجت إلى الطعام أصبته في أي موضع كنت وقد علم ما يصلحني وهو غير غافل عني
قلت ألك حاجة قال نعم قلت وما هي قال إذا رأيتني فلا تكلمني ولا تعلم أحدا أنك تعرفني
قلت لك ذاك فهل حاجة غيرها قال نعم قلت وما هي قال إن استطعت لا تنساني في دعائك وعند الشدائد إذا نزلت بك فافعل
قلت كيف يدعو مثلي لمثلك وأنت أفضل مني خوفا وتوكلا قال لا تقل هذا إنك قد صليت لله عز وجل قبلي ولك حق الإسلام ومعرفة الإيمان
قلت فإن لي أيضا حاجة قال وما هي قلت ادع الله لي فقال حجب الله طرفك عن كل معصية وألهم قلبك الفكر فيما يرضيه حتى لا يكون لك هم إلا هو
143
قلت يا حبيبي متى ألقاك وأين أطلبك فقال أما في الدنيا فلا تحدث نفسك بلقائي فيها وأما الآخرة فإنها مجمع المتقين فإياك أن تخالف الله فيما أمرك وندبك إليه فإن كنت تبغي لقائي فاطلبني مع الناظرين إلى الله عز وجل في زمرتهم
قلت وكيف علمت ذاك قال بغض طرفي له عن كل محرم واجتنابي فيه كل منكر ومأثم وقد سألته أن يجعل جنتي النظر إليه
ثم صاح واقبل يسعى حتى غاب عن بصري
فتفهم يا أخي ما أوصيك به إنما بصرك نعمة من الله عليك فلا تعصه بنعمه وعامله بغضه عن الحرام تربح واحذر أن تكون العقوبة سلب تلك النعمة وكل زمن الجهاد في الغض لخطة فإن فعلت نلت الخير الجزيل وسلمت من الشر الطويل ألم تسمع قول القائل
إني إذا ذل الحريص
عززت في ظل القناعه
وأقول للنفس اطمئني
فالشجاعة صبر ساعه
وقال الآخر
ليس الشجاع الذي يحمي مطيته
يوم النزال ونار الحرب تشتعل
لكن فتى غض طرفا أو ثنى بصرا
عن الحرام فذاك الفارس البطل
وقال الآخر
صبرت عن اللذات حتى تولت
وألزمت نفسي صبرها فاستمرت
وكانت على الأيام نفسي عزيزة
فلما رأت صبري على الذل ذلت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى
فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت
144
الباب التاسع عشر في معالجة الهم والفكر المتولد عن النظر
إعلم وفقك الله أنك إذا امتثلت المأمور به من غض البصر عند أول نظرة سلمت من آفات لا تحصى فإذا كررت النظر لم تأمن أن يزرع في قلبك زرعا يصعب قلعه فإن كان قد حصل ذلك فعلاجه الحمية بالغض فيما بعد وقطع مراد الفكر بسد باب النظر فحينئذ يسهل علاج الحاصل في القلب لأنه إذا اجتمع سيل فسد مجراه سهل نزف الحاصل ولا علاج للحاصل فى القلب أقوى من قطع أسبابه ثم زجر الاهتمام به خوفا من عقوبة الله عز وجل فمتى شرعت في استعمال هذا الدواء رجى لك قرب السلامة وإن ساكنت الهم ترقى إلىدرجة العزم ثم حرك الجوارح
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا أبو بكر بن خلف قال أنبأنا محمد بن الحسين قال سمعت محمد بن أحمد النسوي يقول سمعت علي بن إبراهيم يقول سمعت إبراهيم بن المولد يقول سمعت محمد بن أحمد الرافقي يقول سمعت علي بن الحسين التميمي يقول سمعت أبا تراب النخشبي يقول احفظ همك فإنه مقدمة الأشياء فمن صح له همه صح له ما بعد ذلك من أفعاله وأحواله
أنبأنا أحمد بن أحمد المتوكلي قال أنبانا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا محمد بن موسى الصيرفي قال حدثنا محمد بن عبد الله الأصبهاني قال حدثنا أبو بكر القرشي قال قيل لبعض الحكماء ما سبب الذنب قال الخطرة فإن تداركت الخطرة بالرجوع إلى الله ذهبت وإن لم تفعل تولدت عنها الفكرة فإن تداركتها بالرجوع إلى الله بطلت وإلا فعند ذلك تخالط الوسوسة
145
الفكرة فتولد عنها الشهوة وكل ذلك بعد باطن في القلب لم يظهر على الجوارح فإن استدركت الشهوة وإلا تولد منها الطلب فإن تداركت الطلب وإلا تولد منه الفعل
فإن قال قائل كيف أقدر على دفع خطرات تخطر لا أملكها
فالجواب أنها ما لم تكن عزما لا تضر غير أنه لا ينبغي أن تؤجر بالخوف ممن يعلم ماتخفي الصدور لتشاغل القلب بوظائف بعيدة تلهيه عن الأمر الذي خلق له ومتى كففت جوارحك ولم تعزم على الخطايا بقلبك فقد عفى لك عن الوسواس والخواطر فإذا زجرتها بالخوف فقد بالغت في النظافة
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أبو بكر بن خلف قال أنبأنا محمد بن الحسين قال سمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت جعفرا الخلدي يقول قال أبو العباس بن مسروق من راقب الله في خطرات قلبه عصمه الله في حركات جوارحه
146
الباب العشرون في ذكر ما يصنع من رأى امرأة فأعجبته
أخبرنا هبة الله بن محمد بن الجعبين قال أنبأنا أبو علي الحسن بن علي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا أبي قال حدثنا عبد الصمد قال حدثني حرب عن أبي الزبير عن جابر ان رسول الله A رأى امرأة فأعجبته فأتى زينب فقضى منها حاجته وقال إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله فإن ذلك يرد مما في نفسه
انفرد بإخراجه مسلم
وقد نبه هذا الحديث على أمرين أحدهما التسلي عن المطلوب بجنسه
والثاني الإعلام بأن سبب الإعجاب قوة الشهوة فأمر بتنقيصها
147
الباب الحادي والعشرون في ذكر تحريم الخلوة بالأجنبية
أخبرنا ابن عبد الواحد الشيباني قال أنبأنا الحسن بن علي التميمي قال أنبأنا جعفر بن احمد قال حدثني أبي قال حدثنا سفيان عن عمرو عن أبي معبد عن ابن عباس أن رسول الله A قال لا يخلون رجل بامرأة ولا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم
أخرجه البخاري ومسلم واسم أبي معبد نافذ مولى ابن عباس
أخبرنا هبة الله بن محمد قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا يحيى بن إسحاق قال حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال قال رسول الله A من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها فإن ثالثهما الشيطان
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي
وأخبرنا سعيد بن أحمد بن الحسن بن البنا قال أنبأنا علي بن أحمد البسرى قال أنبأنا ابو طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلص قال حدثنا عبد الله بن محمد البغوي قال حدثنا الحسن بن عرفة قالا حدثنا جرير بن عبد الحميد عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال خطب عمر رضي الله عنه الناس بالجابية فقال إن رسول الله A قام في مثل مقامي هذا فقال ألا لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان
148
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا محمد بن هبيرة الغاضري قال حدثنا الحسن بن قتيبة قال أنبأنا يونس عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله ابن الزبير قال قام فينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال إن رسول الله A قام فينا كمقامي فيكم ثم قال ألا لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان
اخبرنا يحيى بن علي المدير قال أنبأنا أبو منصور عبد العزيز العكبري قال أنبأنا عبيد الله بن محمد الفرضي قال أنبأنا جعفر بن محمد الخلدي قال حدثنا محمد بن احمد بن عمر بن مخلد السجستاني قال حدثنا موسى بن إبراهيم المروزي قال حدثنا ابن لهيعة عن أبي قتيل عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله A لا يخلون رجل بامرأة ليست له بمحرم إلا هم أو همت به
قيل يا رسول الله وإن كانا صالحين
قال ولو كانت مريم بنت عمران ويحيى بن زكريا
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا أبو علي ا لتميمي وأخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن أحمد قال أنبأنا أبو نعيم احمد بن عبد الله قالا أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني ابي قال حدثنا معمر بن سليمان عن فرات عن ميمون ابن مهران قال ثلاثة لا تبلون نفسك بهن لا تدخلن على سلطان وإن قلت آمره بطاعة الله ولا تدخلن على امرأة وإن قلت أعلمها كتاب
149
الله عز وجل ولا تصغين سمعك لذي هوى فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه
أخبرنا عن عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا التنوخي قال أنبأنا أحمد بن يوسف بن البهلول قال حدثنا أبي قال حدثنا المثنى بن جامع قال حدثنا شريح بن يونس قال حدثنا فرج ابن فضالة عن كلب بن ميمون عن ميمون بن مهران قال أوصاني عمر ابن عبد العزيز فقال يا ميمون لا تخل بامرأة لا تحل لك وإن أقرأتها القرآن ولا تتبع السلطان وإن رأيت انك تأمره بمعروف أو تنها ه عن منكر ولا تجالس ذا هوى فيلقي في نفسك شيئا يسخط الله به عليك
أنبأنا إسماعيل بن أحمد وحدثنا عنه المبارك بن علي قال أنبأنا ابن النقور قال أنبأنا المخلص قال حدثنا أبو محمد اليشكري قال حدثنا ابو يعلى المقري قال حدثنا الأصمعي قال حدثنا حماد بن زيد قال قال لنا يونس بن عبيد أوصيكم بثلاث فخذوها عني حييت أو مت لا تمكن سمعك من صاحب لهو ولا تخل بامرأة ليست لك بحرمة ولو أن تقرأ عليها القرآن ولا تدخل على أمير ولو أن تعظه
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبانا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال حدثنا دعلج بن أحمد قال حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا احمد بن إبراهيم الموصلي قال حدثنا جماد بن زيد قال قال يونس بن عبيد احفظوا عني ثلاثا مت أو عشت لا يدخلن أحدكم على ذي سلطان يعظه ويعلمه ولا يخل بامرأة شابة وإن أقرأها القرآن ولا يمكن سمعه من ذي هوى
150
أنبأنا إسماعيل بن احمد قال أنبأنا عاصم قال أنبأنا علي بن محمد قال أنبأنا ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا أحمد بن عبد الأعلى قال حدثنا فرج بن فضالة عن عبيد الرحمن بن زياد قال بينما موسى جالس إذ أقبل إبليس فقال له موسى ما الذي إذا صنعه الإنسان استحوذت عليه قال إذا أعجبته نفسه واستكثر علمه ونسى ذنوبه
وأحذرك ثلاثا لا تخل بامرأة لا تحل لك فإنه ما خلا رجل بإمرأة لا تحل له إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أفتنه بها ولا تعاهد الله عهدا إلا وفيت به فإنه ما عاهد الله أحد عهدا إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء به ولا تخرجن صدقة إلا أمضيتها فإنه ما أخرج أحد صدقة فلم يمضها إلا كنت صاحبه دون أصحابي حتى أحول بينه وبين الوفاء بها
ثم ولى وهو يقول يا ويله ثلاثا علم موسى ما يحذر به بني آدم
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا أبو بكر بن خلف قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال قيل لأبي القاسم بن النصراباذي إن بعض الناس يجالس النسوان ويقول أنا معصوم في رؤيتهن
فقال ما دامت الأشباح باقية فإن الأمر والنهي باق والتحليل والتحريم مخاطب به ولن يجترىء على الشبهات إلا من هو بعرض المحرمات
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أبو الحسين الحمامي قال أنبأنا أبو محمد الحسن ابن علي قال أنبأنا ابن حيويه قال أنبأنا أبو بكر بن خلف قال حدثنا
151
أبو محمد البلخي قال حدثنا محمد بن موسى الحنفي قال حدثنا عمي وليد بن يعقوب قال حدثني أبي قال دخل مسلمة بن عبد الملك على أخيه هشام ابن عبد الملك وعنده خادم جميل عليه عمامة سوداء وثياب وشي فقال مسلمة يا أمير المؤمنين أي فتياننا هذا قال هذا خادم لي فقال يا امير المؤمنين يدخل على حرمك مثل هذا قال إنه مجبوب لا يقدر على النساء قال إنه إن لم يقدر عليها ذكرها الرجال
قال فأخرجه هشام
فاحذر رحمك الله من أن تتعرض بسبب البلاء فبعيد أن يسلم مقارب الفتنة منها
وكما أن الحذر مقرون بالنجاة فالتعرض بالفتنة مقرون بالعطب
وندر من يسلم من الفتنة مع مقاربتها
على أنه ما يسلم من فكر وتصور وهمة
وكل هذا زلل
هذا لو كانت الخلوة بالأجنبية مباحة لم تسلم من هذه الآفات فكيف وهي محرمة
152
الباب الثاني والعشرون في التحذير من فتنة النساء
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني ابي قال حدثنا يحيى بن سعيد وأخبرنا عبد الأول قال أنبأنا الداودي قال أنبأنا بن أعين قال حدثنا الفربري قال حدثنا البخاري قال حدثنا آدم قال حدثنا شعبة
وأخبرنا أبو بكر الزاغوني قال أنبأنا أبو الفتح الشاشي وأخبرنا أبو عبد الرحمن المروزي قال أنبأنا أبو عبد الله الفراوي قال حدثنا عبد الغافر قال أنبأنا ابن عمرويه قال حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان قال حدثنا مسلم بن الحجاج قال حدثنا ابن راهويه قال حدثنا جرير
وأخبرنا ابن الحصين وابن عبد الباقي قالا أنبانا أبو الطيب الطبري قال أنبأنا أبو أحمد الغطريفي قال حدثنا أبو خليفة قال حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال حدثنا سفيان وأخبرنا أبو القاسم الحريري قال أنبأنا أبو طالب العشاري قال أنبأنا أبو الحسين بن شمعون قال حدثنا محمد بن محمد بن أبي حذيفة قال حدثنا ابن أبي الخناجر قال حدثنا موسى بن داود قال حدثنا القاسم بن معن وأخبرنا على بن عبد الله قال أنبأنا أبو محمد الصريفيني قال أنبأنا أبو حفص الكتاني قال حدثنا محمد بن عبيد الله بن العلاء الكاتب قال حدثنا أحمد بن بريك قال حدثنا أسباط وحدثنا موهوب بن أحمد قال أنبأنا ابن البسرى قال أنبأنا المخلص قال حدثنا البغوي قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو خالد الأحمر قالوا أنبأنا سليمان التيمي عن أبي عثمان عن أسامة بن زيد
153
عن النبي A قال ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي وأخبرنا أبو بكر الزاغوني قال أنبأنا الشاشي وأخبرنا المروزي قال أنبأنا الفراوي قالا حدثنا عبد الغافر قال حدثنا ابن عمرويه قال حدثنا إبراهيم بن محمد قال حدثنا مسلم بن الحجاج قال حدثنا بندار قالا حدثنا محمد بن جعفر وأخبرنا عبد الأول قال حدثنا الداودي قال أنبأنا السرخسي قال حدثنا إبراهيم بن خريم قال حدثنا عبد بن حميد قال حدثنا النضر بن شميل قالا حدثنا شعبة عن أبي سلمة قال سمعت أبا نضرة يحدث عن أبي سعيد الخدري عن النبي A أنه قال إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله عز وجل مستخلفكم فيها لينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء وإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء
أنفرد بإخراجه مسلم والذي قبله متفق عليه
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا القطيعي قال أنبأنا عبد الله بن احمد قال حدثني ابي قال حدثنا معاوية قال حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت لما ثقل رسول الله A جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل اسيف وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس فلو أمرت عمر فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت فقلت لحفصة قولي له فقالت له حفصة فقال إنكن لأنتن صواحب يوسف
أخرجاه في الصحيحين
154
أخبرنا هبة الله بن محمد قال أنبأنا الحسن بن علي التميمي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال أنبأنا عبد الله بن احمد قال حدثنا أبي قال حدثنا يحيى بن آدم قال حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن عياش عن زيد بن علي عن أبيه عن عبد الله ابن أبي رافع عن علي عليه السلام قال اردف رسول الله A الفضل ثم سار حتى أ تى الجمرة فرماها فأتته امرأة شابة من خثعم فقالت إن أبي شيخ كبير وقد أدركته فريضة الله تعالى في الحج فهل يجوز أن أحج عنه قال نعم قال ولوى عنق الفضل فقال له العباس يا رسول الله مالك لويت عنق ابن عمك قال رأيت شابا وشابة فخفت الشيطان عليهما
أنبأنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا القطيعي قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي قال حدثنا إسحاق بن عيسى قال أنبأنا مالك عن محمد بن المنكدر عن أميمة بنت رفيقة أنها قالت أتيت رسول الله A في نسوة نبايعه فقال إني لا أصافح النساء
أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين قال أنبأنا الحسن بن علي التميمي قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال أنبأنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الرازق قال حدثنا معمر عن إسماعيل ابن أمية عن عمرة عن عائشة قالت لو أن رسول الله A رأى ما أحدث النساء اليوم لنهاهن عن الخروج أو حرم عليهن الخروج
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب والحسين بن محمد بن طلحة قالا أنبأنا علي بن محمد بن بشران قال حدثنا محمد بن عمرو بن البحتري قال حدثنا أحمد بن الخليل بن ثابت قال حدثنا الواقدي قال حدثنا يحيى بن العلاء عن عبد المجيد بن سهل عن عكرمة عن ابن عباس قال كان النساء الأكابر
155
وغيرهن يخرجن يحضرن مع رسول الله A وأبي بكر وعمر وعثمان العيد فلما كان سعيد ابن العاص سألني عن خروج النساء فرأيت أن يمنع الشواب الخروج فأمر مناديه لا تخرج يوم العيد شابة فكان العجائز يخرجن
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن أحمد قال أنبأنا أبو نعيم احمد بن عبد الله الحافظ قال حدثنا سليمان بن أحمد قال حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثني يحيى بن صالح الأيلي عن إسماعيل بن أمية عن عبيد بن عمير عن ابن عباس قال قال رسول الله A قال إبليس لربه عز وجل يا رب قد أهبط آدم وقد علمت أنه سيكون له كتاب ورسل فما كتابهم ورسلهم قال الله عز وجل رسلهم الملائكة والنبيون منهم وكتبهم التوارة والإنجيل والزبور والفرقان قال فما كتابي قال كتابك الوشم وقرآنك الشعر ورسلك الكهنة وطعامك ما لم يذكر اسم الله عز وجل عليه وشرابك من كل مسكر وصدقك الكذب وبيتك الحمام ومصائدك النساء ومؤذنك المزمار ومسجدك الأسواق
تفرد به يحيى بن صالح
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق قال أنبأنا إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي
156
قال أنبأنا محمد بن إسحاق السراج قال حدثنا أبو بكر محمد بن خلف الحدادي قال حدثنا الهذيل بن عمير بن أبي العريف قال حدثنا موسى بن هلال النخعي قال حدثنا أبو إسحاق عن هبيرة بن مريم عن علي قال قال رسول الله A إن أخوف ما أخاف على أمتي النساء والخمر
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا سعدان بن يزيد قال حدثنا الهيثم بن جميل قال حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس أنهما قالا لما كثر بنو آدم وعصوا دعت عليهم الملائكة والسماء والأرض والجبال ربنا أهلكهم
فأوحى الله عز وجل إلى الملائكة إني لو أنزلت الشهوة والشيطان منكم بمنزلة بني آدم لفعلتم مثل ما يفعلون فحدثوا أنفسهم أنهم لو ابتلوا اعتصموا فأوحى الله عز وجل إليهم أن اختاروا من أفاضلكم ملكين فاختاروا هارون وماروت وأهبطا إلى الأرض حكمين واهبطت الزهرة إليهما في صورة امرأة فواقعا الخطيئة وكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا فلما واقعا الخطيئة استغفروا لمن في الأرض
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا الحسن بن أبي بكر قال أنبأنا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد
157
قال أنبأنا عبد الكريم بن الهثيم قال حدثنا سند بن داود قال حدثنا الفرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن نافع قال سافرت مع ابن عمر فلما كان آخر الليل قال يا نافع طلعت الحمراء قلت لا مرتين أو ثلاثا ثم قلت طلعت قال لا مرحبا بها ولا أهلا قلت سبحان الله نجم سامع مطيع قال ما قلت إلا ما سمعت من رسول الله أو قال قال رسول الله إن الملائكة قالت يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب قال إني ابتليتهم وعافيتكم قالوا لو كنا مكانهم ما عصيناك قال فاختاروا ملكين منكم فلم يألوا أن اختاروا هاروت وماروت فنزلا فالقى الله عليهما الشبق قلت وما الشبق قال الشهوة قال فنزلا فجاءت امرأة يقال لها الزهرة فوقعت في قلوبهما فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه فرجع إليها أحدهما ثم جاء الآخر فقال هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي قال نعم فطلباها نفسها فقالت لا أمكنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان به فأبيا ثم سألاها ايضا فأبت ففعلا فلما استطيرت طمسها الله كوكبا وقطع أجنحتها ثم سألا التوبة من ربهما فخيرهما فقال إن شئتما رددتكما إلى ما كنتما عليه فإذا كان يوم القيامة عذبتكما وإن شئتما عذبتكما في الدنيا وإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما كنتما عليه فقال أحدهما لصاحبه إن عذاب الدنيا ينقطع ويزول فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة فأوحى الله إليهما أن ائتيا بابل فانطلقا إلى بابل فخسف بهما فهما فيها منكوسان بين السماء والأرض يعذبان إلى يوم القيامة
158
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر أنه سمع نبي الله A يقول إن آدم لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة أي رب أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك
قال إني أعلم مالا تعلمون
قالوا ربنا نحن أطوع لك من بني آدم
قال الله تعالى للملائكة هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان
قالوا ربنا هاروت وماروت
فأهبطا إلى الأرض فتمثلت لهما الزهرة امرأة حسنة من أحسن النسوة فجائتهما فسألاها نفسها فقالت لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك فقالا والله لا نشرك أبدا فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها فقالت لا والله حتى تقتلا هذا الصبي فقالا والله لا نقتله أبدا فذهبت ثم رجعت بقدح فيه خمر فسألاها نفسها فقالت لا والله حتى تشربا هذه الخمر فشربا فسكرا فوقعا عليها وقتلا الصبي فلما أفاقا قالت المراة والله ما تركتما شيئا مما أبيتماه على إلا وقد فعلتماه حين سكرتما
فخيرا بين عذاب الدنيا والأخرة فاختارا عذاب الدنيا
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا أحمد بن الحسن بن خيرون قال أنبأنا
159
أبو علي بن شاذان قال أنبأنا أبو علي الطوماري قال أنبأنا أبو الحسن بن البراء قال حدثنا عبد المنعم بن إدريس عن أبيه قال ذكر وهب بن منبه أن عابدا كان في بني إسرائيل وكان من أعبد أهل زمانه وكان في زمانه ثلاثة إخوة لهم أخت وكانت بكرا
فخرج البعث عليهم فلم يدروا عند من يخلفون اختهم ولا من يأمنون عليها ولا عند من يضعونها فأجمع رأيهم على أن يخلفوها عند عابد بني إسرائيل فأتوه فسألوه أن يخلفوها عنده فتكون في كنفه وجواره حتى يرجعوا فأبي ذلك وتعوذ بالله عز وجل منهم ومن أختهم فلم يزالوا به حتى أطمعهم فقال أنزلوها في بيت حذاء صومعتي
فانزلوها في ذلك البيت ثم انطلقوا وتركوها فمكثت في جوار ذلك العابد زمانا ينزل إليها بالطعام من صومعته فيضعه عند باب الصومعة ثم يغلق بابه ويصعد في صومعته ثم يأمرها فتخرج من بيتها فتأخذ ما وضع لها من الطعام
قال فتلطف له الشيطان فلم يزل يرغبه في الخير ويعظم عنده خروج الجارية من بيتها نهارا ويخوفه أن يراها أحد فيعلقها فول مشيت بطعامها حتى تضعه على باب بيتها كان أعظم لأجرك فلم يزل به حتى مشى بطعامها حتى وضعه على باب بيتها ولا يكلمها
قال فلبث بذلك زمانا ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والأجر وحضه عليه وقال له لو كنت تمشى إليها بطعامها حتى تضعه في بيتها كان أعظم لأجرك
160
قال فلم يزل به حتى مشى إليها بطعامها فوضعه في بيتها
قال فلبث بذلك زمانا ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير وحضه عليه وقال له لو كنت تكلمها وتحدثها فتأنس بحديثك فإنها قد استوحشت وحشة شديدة
قال فلم يزل به حتى حدثها زمانا يطلع إليها من فوق صومعته
قال ثم أتاه إبليس بعد ذلك فقال لو كنت تنزل إليها فتقعد على باب صومعتك وتقعد هي على باب بيتها فتحدثك كان آنس لها فلم يزل به حتى أنزله فأجسله على باب صومعته يحدثها وتخرج الجارية من بيتها حتى تقعد على باب بيتها قال فلبثا زمانا يتح2دثان ثم جاءه إبليس فرغبه في الخير والثواب فيما يصنع بها فقال لو خرجت من باب صومعتك فجلست قريبا من باب بيتها فحدثتها كان آنس لها
فلم يزل به حتى فعل
فلبثا بذلك زمانا ثم جاءه إبليس فقال لو دنوت من باب بيتها ثم قال لو دخلت البيت فحدثتها ولم تتركها تبرز وجهها لأحد كان أحسن
فلم يزل به حتى دخل البيت فجعل يحدثها نهاره كله فإذا أمسى صعد في صومعته
قال ثم اتاه إبليس بعد ذلك فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد على فخذها وقبلها فلم يزل به إبليس يحسنها في عينه ويسول له حتىوقع عليها فأحبلها فولدت غلاما
فجاءه إبليس فقال له أرأيت إن جاء إخوة هذه الجارية وقد ولدت منك كيف تصنع لا آمن أن تفتضح أو يفضحوك فاعمد إلى ابنها فاذبحه
161
وادفنه فإنها ستكتم ذلك عليك مخافة إخوتها أن يطلعوا على ما صنعت بها ففعل فقال له أتراها تكتم إخوتها ما صنعت بها خذها فاذبحها وادفنها مع ابنها فذبحها وألقاها في الحفيرة مع ابنها وأطبق عليها صخرة عظيمة وسوى عليهما وصعد إلى صومعته يتعبد
فمكث بذلك ما شاء الله حتى قفل إخوتها من الغزو فجاءوه فسألوه عن أختهم فنعاها لهم وترحم عليها وبكاها وقال كانت خير امرأة وهذا قبرها فانظروا إليه فأتى إخوتها القبر فبكوا أختهم وترحموا عليها وأقاموا على قبرها أياما
ثم انصرفوا إلى أهاليهم
قال فلما جنهم الليل واخذوا مضاجعهم أتاهم الشيطان في النوم فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم فأخبره بقول العابد وبموتها فكذبه الشيطان وقال لم يصدقكم أمر أختكم إنه أحبل أختكم وولدت منه غلاما فذبحه وذبحها معه فرقا منكم فألقاها في حفيرة خلف باب البيت وأتى الأوسط في منامه فقال له مثل ذلك
ثم أتى الأصغر فقال له مثل ذلك
فلما استيقظ القوم استيقظوا متعجبين لما رأى كل واحد منهم فأقبل بعضهم على بعض يقول رأيت عجبا فأخبر بعضهم بعضا بما رأى
فقال كبيرهم هذا حلم ليس هذا بشيء فامضوا بنا ودعوا هذا قال أصغرهم لا أمضي حتى آتي ذلك المكان فأنظر إليه
162
فانطلقوا وبحثوا الموضع فوجدوا اختهم وابنها مذوبحين فسألوا عنها العابد فصدق قول إبليس فيما صنع بها
فاستعدوا عليه ملكهم
فأنزل من صومعته وقدموه ليصلب فلما أوقفوه على الخشبة أتاه الشيطان فقال قد علمت أني صاحبك الذي قد فتنتك في المرأة حتى أحبلتها وذبحتها وابنها فإن أنت اطعتني اليوم وكفرت بالله الذي خلقك خلصتك مما أنت فيه
فكفر العابد بالله فلما كفر خلى الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه
قال فعند ذلك نزلت هذه الآية كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين
وقد ذكرت قصة هذا الرجل على خلاف هذه الحال في التفسير إلا أن المقصود وجود فتنة بالقتل والزنا والكفر وذلك مذكور في جميع الروايات
فتلمح وفقك الله سبب وقوعه في هذا الشر وهو أنه فسح لنفسه فيما قد نهى عنه من الكلام للأجنبية والخلوة بها وكان كمأمور بالحمية أقبل على التخليط ثقة بعافيته فأداه ذلك إلى تلف نفسه
163
ولو أنه استعمل قول طبيبه لسلم من شر ما وقع فيه
نعوذ بالله من الخذلان
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا أبو المطهر قال حدثنا أبو نعيم الأصبهاني قال حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني ابي قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن أشعث ابن سليم قال سمعت رجاء بن حيوة يحدث عن معاذ بن جبل قال ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم وستبتلون بفتنة السراء
وأخوف ما أخاف عليكم فتنة النساء إذا تسورن الذهب ولبسن رياط الشام وعصب اليمن فأتعبن الغنى وكلفن الفقير مالا يجد
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال أنبأنا محمد ابن جعفر قال حدثنا الحسن بن عرفة قال حدثنا أبو معاوية الضرير عن ليث عن طاووس عن ابن عباس انه قال لم يكن كفر من قد مضى إلا من قبل النساء وهو كائن كفر من بقي من قبل النساء
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن أحمد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال حدثنا سليمان بن أحمد قال حدثنا أبو شعيب الحراني قال حدثنا يحيى بن عبد الله قال حدثنا الأوزاعي قال حدثنا حسان ابن عطية قال ما أتيت أمة قط إلا من قبل نسائهم
164
أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أنبأنا عمر بن عبيد الله البقال قال أنبأنا أبو الحسين بن بشران قال أنبأنا عثمان بن احمد قال حدثنا حنبل قال حدثني أبو عبد الله قال حدثنا هشيم عن علي بن زيد عن أيوب اللخمي عن ابن عمر أنه وقع في سهمه جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة
قال فما صبرت أن قمت فقبلتها والناس ينظرون
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال أنبأنا ابن بشران قال حدثنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا نصر بن داو د الخلنجي قال حدثنا عباد بن موسى عن سفيان الثوري عن ابن طاووس عن أبيه في قوله تعالى وخلق الإنسان ضعيفا قال إذا نظر إلى النساء لم يصبر
وبه قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا علي بن حرب وأخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن احمد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال حدثنا أبو حامد بن جبلة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثنا هرون ابن عبد الله قالا حدثنا سفيان بن عيينة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال ما يئس الشيطان من ابن آدم قط إلا أتاه من قبل النساء
ثم قال وهو ابن تسع وثمانين سنة وقال هارون وهو ابن أربع وثمانين سنة وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى وما شيء عندي أخوف من النساء
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن احمد قال أنبأنا أبو نعيم احمد بن عبد الله قال حدثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسين قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم البالسي قال حدثنا أحمد بن مسعود قال
165
حدثنا الهيثم بن جميل قال حدثنا صالح بن موسى عن معاوية بن إسحاق قال سمعت سعيد بن جبير يقول لأن أوتمن على بيت من الدر أحب إلي من أن أوتمن على امرأة حسناء
اخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن أحمد قال أنبأنا أبو نعيم قال حدثنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني جعفر بن محمد قال حدثنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا أبو المليح قال سمعت ميمون بن مهران يقول لأن أوتمن على بيت مال أحب إلي من أن أوتمن على امرأة
أنبأنا عبد الوهاب الحافظ قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا عبد العزيز ابن الحسن الضراب قال حدثنا أبي قال حدثنا أحمد بن مروان قال حدثنا احمد بن علي قال سمعت يوسف بن أسباط يقول لو ائتمنني رجل على بيت مال لظننت أن أؤدي إليه الأمانة ولو ائتمنني على زنجية أن أخلو معها ساعة واحدة ما ائتمنت نفسي عليها
وقد سمعت الشيخ الصالح سفيان الثوري يقول ما بعث الله عز وجل نبيا إلا وقد تخوف عليه الفتنة من النساء
أنبأنا عبد الوهاب قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أحمد بن علي التوزي قال أنبأنا محمد بن عبد الله الدقاق قال أنبأنا رضوان بن احمد قال حدثنا ابو بكر القرشي قال حدثنا خلف بن هشام البزاز قال حدثنا أبو شهاب الخياط قال سمعت سفيان الثوري يقول ائتمني على بيت مملوء مالا ولا تأتمني على جارية سوداء لا تحل لي
قال القرشي وحدثنا يوسف بن موسى قال أنبانا حكام بن سلم قال
166
كنت عند سفيان الثوري فجاءته امرأة فقالت إني أريد أن أسألك عن شيء فقال لها أحيفى الباب ثم تكلمي من وراء الباب
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك قال أنبأنا أبو الحسن بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو الحسن العتيقي قال أنبأنا أبو الطيب بن المنتاب قال أنبأنا أبو محمد عبد الله بن سليمان الفامي قال حدثنا محمد بن حبيب البزاز قال حدثنا الفضل ابن موسى قال حدثنا إبراهيم بن بشار عن سفيان قال يقال قال إبليس سهمي الذي إذا رميت به لم أخط النساء
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا أبو بكر الخرائطي قال حدثنا أبو يوسف الزهري قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني سليمان بن داود المخزومي قال حدثني إسماعيل بن يعقوب التميمي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال قدمت امرأة من هذيل وكانت إمرأة جميلة فخطبها الناس وكادت تذهب بعقول أكثرهم فقال فيها عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
أحبك حبا لو علمت ببعضه
لجدت ولم يصعب عليك شديد
احبك حبا لا يحبك مثله
قريب ولا في العاشقين بعيد
وحبك يا أم الصبي مدلهي
شهيدي أبو بكر فذاك شهيد
ويعلم وحدي قاسم بن محمد
وعروة ما ألقى بكم وسعيد
ويعلم ما عندي سليمان علمه
وخارجة يبدي بنا ويعيد
متى تسألي عما أقول فتخبري
فلله عندي طارف وتليد
فقال سعيد بن المسيب فقد امنت أن تسألنا ولو سألتنا ما طمعت أن نشهد بزور
167
وهؤلاء الذين استشهد بهم وهو معهم فقهاء المدينة السبعة أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وعروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد بن ثابت
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال حدثنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا المبرد قال حدثنا هشام عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال حج عبد الملك بن مروان وحج معه خالد بن يزيد بن معاوية وكان من رجالات قريش المعدودين وعلمائهم وكان عظيم القدر عند عبد الملك فبينما هو يطوف بالبيت إذ بصر برملة بنت الزبير بن العوام فعشقها عشقا مبرحا شديدا ووقعت بقلبه وقوعا متمكنا فلما أراد عبد الملك القفول هم خالد بالتخلف عنه فوقع بقلب عبد الملك تهمة فبعث إليه فسأله عن أمره فقال يا أمير المؤمنين رملة بنت الزبير رأيتها تطوف بالبيت قد أذهلت عقلي ووالله ما أبديت لك ما بي حتى عيل صبري ولقد عرضت النوم على عيني فلم تقبله والسلو على قلبي فامتنع منه
فأطال عبد الملك التعجب من ذلك وقال ما كنت أقول إن الهوى يستأثر مثلك
فقال وإني لأشد تعجبا من تعجبك مني ولقد كنت أقول إن الهوى لا يتمكن إلا من صنفين من الناس الشعراء والأعراب
فأما الشعراء فإنهم ألزموا قلوبهم الفكر في النساء والغزل فمال طمعهم إلى النساء فضعفت قلوبهم عن دفع الهوى فاستسلموا إليه منقادين
وأما الأعراب فإن أحدهم يخلو بامرأته فلا يكون الغالب عليه عليه غير حبه لها ولا يشغله شيء عنه فضعفوا عن دفع الهوى فتمكن منهم
وجملة أمري ما رأيت نظرة حالت بيني وبين الحزم وحسنت عندي
168
ركوب الإثم مثل نظرتي هذه
فتبسم عبد الملك وقال أوكل هذا قد بلغ بك فقال والله ما عرفتني هذه الليلة قبل وقتي هذا
فوجه عبد الملك إلى آل الزبير يخطب رملة على خالد فذكروا لها ذلك فقالت لا والله أو يطلق نساءه فطلق امرأتين كانتا عنده إحداهما من قريش والأخرى من الأزد وظعن بها إلى الشام وفيها يقول
أليس يزيد الشوق في كل ليلة
وفي كل يوم من حبيبتنا قربا
خليلي ما من ساعة تذكرانها
من الدهر إلا فرجت عني الكربا
أحب بني العوام طرا لحبها
ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا
تجول خلاخيل النساء ولا أرى
لرملة خلخالا يجول ولا قلبا
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا على بن أيوب قال أنبأنا محمد بن عمران قال حدثني عمر بن داود العماني قال حدثني علي بن الفضل المديني قال حدثني الحسين بن علي المهلبي قال أخبرني مسدد قال حدثني عبد الوهاب فيما أحفظ أو غيره قال كان زياد بن مخراق يجلس إلى إياس بن معاوية فقعد يومين أو ثلاثة فأرسل إليه فوجده عليلا فأتاه فقال ما بك قال له زياد علة أجدها
قال له إياس والله ما بك حمى ولا بك علة أعرفها فأخبرني ما الذي تجده فقال يا أبا واثلة تقدمت إليك امرأة فنظرت إليها في نقابهم حين قامت من عندك فوقعت في قلبي فهذه العلة منها
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا ابن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا العباس بن الفضل الراجي قال حدثنا العباس بن هشام ابن محمد بن السائب قال استعمل الحجاج بن يوسف سعيد بن سلم على قضاء
169
قندابيل وكرمان فقدمها وكان بكرمان علجة يقال لها أرذك وكانت من أجمل النساء وكانت بغيا يبيت عندها الرجال بجملة من المال فبلغ سعيدا خبرها فأرسل إليها فجيء بها فلما رآها قال يا عدوة الله أفتنت فتيان البلد وافسدتهم ثم قال اكشفي عن رأسك فكشفت عن شعر حسن جثل يضرب إلى عجيزتها ثم قال القي درعك فألقته وقامت عريانة في إزار فرأى ما حيره وذهب بعقله فلم يملك نفسه حتى جعل يقول بإصبعه في عكنها فإذا عكن وطية وثدي صغير ومناكب عالية لم ير مثلها قط ثم قال يا عدوة الله أدبري فأدبرت فنظر إلى ظهر فيه كالجدول وكفل كأزمكة خز حشوها قز ثم قال أقبلي فأقبلت فافتتن بها لما رأى من جمالها فوثب إليها فما فارقها حتى فعل
فبلغ الحجاج فعله فقال بعض ما يعتري الجاني من الشبق وصرف سعيدا
أخبرنا محمد بن أبي طاهر البزاز قال أنبأنا أبو الحسين محمد بن علي المهتدي قال أنبأنا أبو الفضل محمد بن الحسن بن المأمون قال حدثنا أبو الحسن بن الأنباري قال حدثنا محمد بن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن عمرو قال حدثنا أبو الحسن علي بن سعيد الكرواني قال كان بالبصرة قينة يقال لها متيم كانت متناهية الجمال والحذق فجاءت إلى الحسن بن عبيد الله العنبري القاضي تظهر التوبة وتسأله أن يلي بيعها ففعل ذلك وسفرت عن وجهها فافتتن الناس بها وأشاع قوم أن القاضي افتتن بها فقال عبد الصمد بن المعدل
ولما سرت عنها القناع متيم
تروح منها العنبري متيما
رأى ابن عبيد الله وهو محكم
عليها لها طرفا عليه محكما
فإن تصب قلب العنبري فقبله
صبا بالتيامي قلب يحيى بن اكثما
وحدث القاسم بن محمد النميري قال ما رأيت شابا ولا كهلا من ولد العباس
170
أصون لنفسه وأضبط لحاشيته وأعف لسانا وفرجا من عبد الله بن المعتز وكان ربما عبثنا بالغزل في مجلسه فيجري معنا فيه فيما لا يقدح به عليه قادح وكان أكثر ما يشغل به نفسه سماع الغناء وكان يعيب العشق كثيرا ويقول العشق طرف من الحمق
وكان إذا رأى منا مطرفا أو مفكرا اتهمه بهذا المعنى ويقول وقعت والله يا فلان وقل عقلك وسخفت
إلى أن رأيناه وقد حدث به سهو شديد وفكر دائم وزفير متتابع وسمعناه ينشد أشعارا منها
مالي أرى الثريا
ولا أرى الرقيبا
يا مرسلا غزالا
أما تخاف ذيبا
وسمعناه مرة أخرى ينشد وهو يشرب في إناء قد الفه فاتهمناه فيه وكتب عليه هذا الشعر
ما قليل لي منك بقليل
يا منى نفسي وغاية سولي
سل بحق الله عينك عني
هل أحست في الهوى تقبيلي
أنت أفسدت حياتي بهجر
ومماتي بحساب طويل
وأنشد ايضا
أسر الحب أميرا
لم يكن قبل أسيرا
فارحموا ذل عزيز
صار عبدا مستجيرا
وأنشد ايضا يوما وقد رأى دار بعض الناس
أيا داركم فيك من لذة
وعيش لنا ما كان أطيبه
ومن قينة أفسدت ناسكا
وكانت له في التقى مرتبة
171
وله أيضا
لقد فتكت عيناك نفسا كريمة
فلا تأمني إن مت سطوة ثائر
كأن فؤادي في السماء
معلق إذا غبت عن عيني بمخلب طائر
وأنشد وفي يده خاتم
حصلت منك على
خاتم حوته البنان
فما يفارق كفي
كأنني قهرمان
يا اهل ودي بعدتم
وأنتم جيران
قال النميري فقلنا له جعلنا الله فداك هذه أشياء قد كنت تعيب أمثالها منا ونحن الآن ننكرها منك فكان يرجع عن بعض ذلك تصنعا ثم لا يلبث مستوره أن يظهر حتى تحقق عندنا عشقة ودخل في طبقة المرحومين فسمعته يوما ينشد
مكتوم يا أحسن خلق الله
لا تتركيني هكذا بالله
ثم تنفس فأجبته
قد ظفر العشق بعبد الله
وانهتك الستر بحمد الله
فقل له سم لنا سيدي
هذا الذي تهوى بحق الله
فضحك وقال لا ولا كرامة
فكتبت إليه من الغد
بكت عينه وشكى حرقة
من الوجد في القلب ما تنطفي
فقلت له سيدي ما الذي
أرى بك قال سقام خفي
فقلت عشقت فقال اقتصر
على ما ترى بي أماتكتفي
172
وكتب إلي
يا من يحدث عني
بظن سمع وعين
إن كنت تخطب سري
فارجع بخفي حنين فكتبت إليه
هيهات لحظك عندي
تقر فيه بعشقك
دع عنك خفي حنين
واحرص على حل ربقك
تعال نحتال فيما
تهوى برفقي ورفقك
وصرت إليه فقال لي يا أبا الطيب قد عصيت إبليس أكثر مما عصى ربه إلى أن أوقعني في حباله فأنشدته
من أين لا كان إبليس
جاءني بك يسعى
أبداك لي من بعيد
فقلت سمعا وطوعا
فأخبرني بقصته فسعيت له بلطيف الحيلة وأعانني بحزم الرأي حتى فاز بالظفر
وقال أبو بكر الصولي اعتل عبد الله بن المعتز فأتاه أبوه عائدا وقال ما عراك يا بني فأنشأ
يقول أيها العاذلون لا تعذلوني
وانظروا حسن وجهها تعذروني
وانظروا هل ترون احسن منها
إن رأيتم شبيهها فاعذلوني
بي جنون الهوى وما بي جنون وجنون الهوى جنون الجنون
قال فتتبع أبوه الحال حتى وقع عليها فابتاع الجارية التى شغف بها بسبعة آلاف دينار ووجهها إليه
173
وأنشدنا عبد الوهاب انشدنا أبو الفضل بن خيرون قال أنشدنا القاضي أبو العلاء الواسطي قال أنشدنا عبد الله بن محمد بن ورقاء قال أنشدنا ثعلب قال أنشدنا ابن الأعرابي في صفة النساء
هي الضلع العوجاء لست تقيمها
ألا إن تقويم الضلوع إنكسارها
أيجمعن ضعفا واقتدارا على الفتى
أليس عجيبا ضعفها واقتدارها وأنشدنا آخر
لله ما صنعت بنا
تلك المحاجر في المعاجر
أمضى وأبعد في القلوب
من الخناجر في الحناجر
174
الباب الثالث والعشرون في التخويف من الفتن ومكايد الشيطان
أخبرنا هبة الله بن محمد قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا جعفر بن أحمد قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي وأخبرنا أبو بكر الزاغوني قال أنبأنا الشاشي وأخبرنا المروزي قال أنبأنا الفراوي قالا انبأنا عبد الغافر الفارسي قال حدثنا ابن عمرويه قال حدثنا إبراهيم بن محمد قال حدثنا مسلم بن الحجاج قال حدثني هارون الأيلي قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني أبو صخر عن ابن قسيط عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت خرج رسول الله A من عندي ليلا فغرت عليه فجاء فرأى ما أصنع فقال مالك يا عائشة أغرت فقلت ومالي لا يغار مثلي على مثلك فقال افأخذك شيطانك فقلت أو معي شيطان قال نعم
قلت ومع كل إنسان قال نعم
قلت ومعك يا رسول الله قال نعم
ولكن ربي عز وجل أعانني عليه حتى أسلم
انفرد بإخراجه مسلم
وجمهور الرواة يروون هذا الحديث اعانني عليه فأسلم على مذهب الفعل الماضي يريدون أن الشيطان قد اسلم إلا سفيان بن عيينة فإنه يقول فأسلم أنا من شره
وكان يقول الشيطان لا يسلم
وهذا الذي ذهب إليه سفيان مذهب حسن يظهر أثر المجاهدة إلا أن مسلما قد روى في صحيحه من حديث ابن معسود قال قال رسول الله A ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي ولكن الله عز وجل أعانني فأسلم فلا يأمرني إلا بخير
175
وهذا يدل على أن الشيطان أسلم
لأنه لو لم يسلم لما كان يأمر بالخير وكفى بهذا ردا لقول ابن عيينة
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا معمر عن الزهري عن علي بن الحسين عن صفية بنت حيي قالت قال رسول الله A إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم
أخرجاه في الصحيحين
أخبرنا أبو القاسم الحريري قال أنبأنا أبو طالب العشاري قال أنبأنا أبو الحسين بن شمعون قال حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث قال حدثنا محمود ابن خالد وعمرو بن عثمان قالا حدثنا الوليد قال حدثنا ابن جابر قال سمعت أبا عبد رب يقول سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول سمعت رسول الله A يقول إنه لم يبق من الدنيا إلا بلاء وفتنة انبأنا أحمد بن احمد قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا أبو سعيد بن شاذان قال أنبأنا محمد بن عبد الله الأصبهاني قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني الحسين بن أبي الأسد قال حدثنا المعلى بن أسد قال حدثنا عدي بن أبي عمارة قال حدثنا زياد النميري عن أنس بن مالك عن رسول الله A قال إن الشيطان واضع خطمه في قلب ابن آدم فإن ذكر الله خنس وإن نسي الله التقم قلبه
قال القرشي وحدثنا إسحاق بن إسماعيل قال حدثنا سفيان بن عيينة عن ثور بن زيد عن خالد بن معدان قال ما من إنسان إلا وشيطان متبطن فقار ظهره لاو عنقه على عاتقه فاغر فاه على قلبه
176
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا ابن مالك قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني ابي قال حدثنا بهز قال حدثنا شعبة قال حدثنا قتادة قال سمعت يونس بن جبير يقول شيعنا جندب بن عبد الله فلما بلغ خص المكاتب قلنا له أوصنا
قال أوصيكم بتقوى الله عز وجل والقرآن فإنه نور الليل المظلم وهدى النهار فاعملوا به على ما كان من جهد وفاقه فإن عرض بلاء فعرض مالك قبل نفسك فإن تجاوزه البلاء فقدم مالك ونفسك دون دينك فإن المحزوب من حرب دينه والمسلوب من سلب دينه إنه لا غنى بعد النار ولا فاقة بعد الجنة وإن النار لا يفك أسيرها ولا يستغني فقيرها
اخبرنا ابن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا إبراهيم ابن عمر البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا فضيل بن عبد الوهاب قال حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت قال قال مطرف نظرت فإذا ابن آدم ملقى بين يدي الله عز وجل وبين إبليس فإن شاء أن يعصمه عصمه وإن تركه ذهب به إبليس
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا ابن حمدان قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني علي بن مسلم قال حدثنا سيار قال حدثنا حيان الجريري قال حدثنا سويد القتادي عن قتادة قال أن
177
لإبليس شيطانا يقال له قبقب يحمه أربعين سنة فإذا دخل الغلام في هذا الطريق قال له دونك إنما كنت أحمك لمثل هذا أجلب عليه وأفتنه
قال عبد الله وحدثني شريح قال حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن عن مالك بن مغول عن عبد العزيز بن رفيع قال إذا عرج بروح المؤمن إلى السماء قالت الملائكة سبحان الذي نجى هذا العبد من الشيطان يا ويحه كيف نجا
أخبرنا الكروخي قال أنبأنا عبد الله بن محمد الأنصاري قال أنبأنا محمد ابن عبد الرحمن قال أنبأنا الحسن بن أبي الحسن قال أنبأنا محمد بن المسيب قال حدثني يوسف بن نوح قال حدثنا أبو عصمة قال أنبأنا عبد الله قال أنبأنا سفيان عن أبي سنان أن راهبا قال لسعيد بن جبير في الفتنة يستبين من يعبد الله ممن يعبد الطاغوت
أخبرنا أبو بكر الصوفي قال أنبأنا أبو سعد علي بن عبد الله قال أنبأنا أبو عبد الله ابن باكويه قال حدثنا سهل بن عبد الله الأموي قال حدثنا محمد بن الحسن البخاري قال حدثنا عيسى بن بشير قال حدثنا عبد الله بن احمد بن شبويه قال سمعت أبي يقول سمعت حفص بن حميد يقول قال رجل لعبد الله ابن المبارك رأيت رجلا يقبل شابا فظننت في نفسي أني خير منه فقال أمنك على نفسك أشد من ذنبه
اخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا محمد بن عبد الملك القرشي قال أنبأنا علي بن عمر الحافظ قال حدثنا محمد بن مخلد قال حدثنا جعفر بن محمد الخندفي قال حدثنا شريح بن يوسن قال حدثنا بشر بن السرى
178
قال حدثني سفيان بن عيينة قال لو رأيت الذين كانوا يجالسونني وابتليت بهؤلاء الصبيان فأعطيتهم أسباب الفتنة فأنا لا أكاد أتخلص منهم
حدثني عبد الله بن المبارك وكان عاقلا عن اشياخ أهل الشام قالوا من أعطى أسباب الفتنة من نفسه أولا لم ينج آخرا وإن كان جاهدا
أخبرنا عبد الله بن علي المقري قال أنبأنا الحسن بن احمد النعالي قال أنبأنا محمد بن عبيد الله الحنائي قال أنبأنا عثمان بن احمد الدقاق قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الختلي قال حدثنا عبد الله بن معلى الكوفي عن يحيى بن بسطام قال حدثني سلمة الأفقم قال قلت لعبيدة بنت أبي كلاب ما تشتهين قالت الموت قلت ولم قالت لأني والله في كل يوم أصبح أخشى أن أجني على نفسي جناية يكون فيها أيام الآخرة
179
الباب الرابع والعشرون في التحذير من المعاصي وقبح أثرها
أخبرنا الكروخي قال أنبأنا الغورجي والأزدي قالا أنبأنا الجراحي قال حدثنا المحبوبي قال حدثنا الترمذي وأنبأنا علي بن عبيد الله وأحمد بن الحسن وعبد الرحمن بن محمد قالوا أنبأنا ابن المأمون قال أنبأنا علي بن عمر الحربي قال حدثنا جعفر بن أحمد بن الصباح قالا حدثنا حميد بن مسعدة قال حدثنا سفيان بن حبيب وأخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن لمذهب قال أنبأنا القطيعي قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني ابي قال حدثنا سليمان بن داود قال حدثنا حرب وأبان كلهم عن يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله A قال إن الله يغار وإن المؤمن يغار وغيرة الله عز وجل أن يأتي المؤمن ما حرم عليه
أخرجه البخاري ومسلم جميعا
أخبرنا هبة الله بن محمد قال حدثنا الحسن بن علي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال قال رسول الله A لا أحد أغير من الله عز وجل فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا احد أحب إليه المدح من الله عز وجل
أخرجاه جميعا
أخبرنا هبة الله بن محمد قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا أحمد بن جعفر
180
ال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا زكريا بن أبي زائدة قال حدثنا عامر قال سمعت النعمان بن بشير يقول سمعت رسول الله A يقول الا وإن لكل ملك حمى وإن حمى الله ما حرم # وهذا + متفق عليه + # أخبرنا محمد بن عمر الفقيه قال أنبأنا أبو الحسن بن المهتدي قال أنبأنا محمد ابن عبد الله المعدل قال أنبأنا عثمان بن محمد الدقاق قال حدثنا محمد بن إبراهيم المروزي قال حدثنا علي بن الحسن بن شقيق قال حدثنا خارجة بن مصعب عن داود بن أبي هند قال حدثني مكحول بن أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله A إن الله تعال فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لا عن نسيان فلا تبحثوا عنها # أخبرنا عبد الوهاب الأنماطي قال أنبأنا الحسن بن محمد الكوفي قال أنبأنا محمد بن يعلى قال حدثنا أبو جعفر بن دحيم قال حدثنا أبو عمرو بن أبي غرزة قال حدثنا عثمان بن محمد قال حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن هشام عن الحسن عن جابر قال قيل يا رسول الله أي الهجرة أفضل قال أن تهجر ما حرم الله عليك # أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة قال حدثنا سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان قال حدثنا ابو طارق عن الحسن عن أبي هريرة قال قال
@181@
رسول الله A اتق المحارم تكن اعبد الناس اخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا الحسن بن أحمد قال حدثنا محمد بن أحمد الحافظ قال حدثنا أحمد بن يوسف بن جلاد قال حدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق قال حدثني أبي قال حدثنا عمرو بن أبي قيس عن سفيان عن عمرو بن نبهان عن الحسن عن أنس بن مالك قال قال رسول الله A إن للحسنة نورا في القلب وزينا في الوجه وقوة في العمل وإن للخطيئة سوادا في القلب ووهنا في العمل وشينا في الوجه # أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا حمد بن أحمد قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا أحمد بن السندي قال حدثنا الحسن بن علوية قال حدثنا إسماعيل بن عيسى قال حدثنا إسحاق بن بشير عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال يا صاحب الذنب لا تأمنن سوء عاقبته ولما يتبع الذنب أعظم من الذنب إذا علمته # قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظم من الذنب # وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب # وفرحك بالذنب إذا ظفرت به أعظم من الذنب # وحزنك على الذنب إذا فاتك أعظم من الذنب إذا ظفرت به # وخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب إذا عملته
@182@
# أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا ابن السراج قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا ابن مالك قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا زكريا عن عامر قال كتبت عائشة إلى معاوية أما بعد فإن العبد إذا عمل بمعصية الله عاد حامده من الناس ذاما # وبه قال حدثنا أبي قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا بكار قال سمعت وهبا يقول إن الرب عز وجل قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل إني إذا أطعت رضيت وإذا رضيت باركت وليس لبركتي ناهية وإذا اعصيت غضبت وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابع من الولد # أخبرنا علي بن عبد الواحد قال أنبأنا علي بن عمر القزويني قال حدثنا يوسف ابن عمر قال حدثنا ابو عيسى السمسار قال حدثنا يوسف بن موسى قال حدثنا عبد الله قال سمعت عبد الله بن السندي قال قال الحسن ما عصى الله عبد إلا أذلة الله تبارك وتعالى # أخبرنا علي قال أنبأنا علي قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال حدثنا البغوي قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا معتمر عن علي ابن زيد قال شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب فسمعته يقول إن أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم # اخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال أنبأنا أبو الحسن ابن لولو قال أنبأنا حمزة بن محمد الكاتب قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي قال سمعت بلال بن سعيد قال لا تنظر في صغر الخطيئة ولكن انظر من عصيت
@183@
# أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا ابن السراج قال أنبأنا ابن المذهب قال حدثنا ابن مالك قال حدثنا عبد الله قال حدثني عبد الله بن عمر قال حدثنا الحسن بن مسلم قال سمعت الحسن يقول يا بن آدم ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة # أنبأنا أحمد بن احمد المتوكلي قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا محمد ابن موسى الصيرفي قال حدثنا محمد بن عبد الله الأصبهاني قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني ابي قال حدثنا الأصمعي عن المعتمر بن سليمان عن ابيه قال إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته # قال القرشي وحدثني محمد بن الحسين قال حدثنا إسماعيل بن عمر قال حدثنا معرف بن واصل قال سمعت محارب بن دثار يقول إن الرجل ليذنب الذنب فيجد له في قلبه وهنا # قال القرشي وحدثني ابو عبد الله التيمي قال حدثنا يسار عن جعفر عن مالك بن دينار قال بلغني أن فتى أصاب ذنبا فيما مضى فأتى نهرا ليغتسل فذكر ذنبه فوقف واستحيا فرجع فناداه النهر يا عاصي لو دنوت لغرقتك # أخبرنا محمد بن ابي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا أبو الحسن الزينبي قال أنبأنا محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن منصور قال حدثنا ابن أبي مريم قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمن قال حدثني صالح بن محمد بن زائدة قال قلت لسعيد بن المسيب ما رأيت مثل فتيان هذا المسجد أفضل عبادة إن أحدهم ليخرج بالهجير فلا يزال قائما يصلى حتى العصر
@184@
# قال ابن المسيب ما كنا نعد هذا عبادة قلنا له يا أبا محمد فما العبادة قال التفكير في أمر الله والورع عما حرم الله عز وجل # أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن يوسف قال أنبأنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أنبأنا أبو الفضل الزهري قال حدثني أبي قال حدثني محمد بن عيسى الهاشمي قال حدثني محمد بن عبد الله المخرمي قال حدثنا بشر ابن الحارث عن ابن المبارك قال قيل لوهيب بن الورد أيجد طعم العبادة من يعصي قال لا ولا من يهم # وقد روى عن الحسن البصري أنه كان إذا ذكر أهل المعاصي يقول هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم # وقال محمد بن كعب القرظي ما عبد الله بشيء قط أحب إليه من ترك المعاصي # وقال الفضل بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله وبقدر ما يعظم عندك يصغر عنده # وقال بشر إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل # أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أنبأنا أبو عبد الرحمن الصوفي قال سمعت عبد الله بن علي يقول سمعت أحمد بن عطاء يقول سمعت محمد بن الحسن قال قال سهل أعمال يعملها البر والفاجر ولا يتجنب المعاصي إلا صديق # قال الصوفي وسمعت أحمد بن محمد بن زكريا يقول وبالإسناد عن الحسن
@185@
ابن عبد الله القرشي قال سمعت بنانا الحمال يقول من كان يسره ما يضره متى يفلح # قال الصوفي وسمعت أبا بكر الرازي يقول سمعت أبا الحسن المزين يقول الذنب بعد الذنب عقوبة الذنب والحسنة بعد الحسنة ثواب الحسنة $ فصل واعلم وفقك الله أن المعاصي قبيحة العواقب سيئة المنتهى وهي $ وإن سر عاجلها ضر آجلها ولربما تعجل ضرها فمن أراد طيب عيشه فليلزم التقوى فقد روى أبو هريرة عن النبي A قال قال ربكم عز وجل لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولم أسمعهم صوت الرعد # وأخبرنا المحمدان ابن عبد الملك وابن ناصر قالا أنبأنا أحمد بن الحسن الشاهد قال أنبأنا عثمان بن محمد العلاف قال حدثنا عمر بن جعفر بن سلم قال حدثنا أحمد بن على الأبار قال حدثنا عثمان بن طالوت قال حدثنا الأصمعي عن أبيه قال كان شيخ يدور على المجالس ويقول من سره أن تدوم له العافية فليتق الله عز وجل # فمتى رأيت وفقك الله تكديرا في حال فتذكر ذنبا قد وقع فقد قال الفضيل بن عياض إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي وقال أبو سليمان الداراني من صفى صفي له ومن كدر كدر عليه ومن أحسن في ليله كوفىء في نهاره ومن أحسن في نهاره كوفيء في ليله
@186@
# وقد روينا عن بعض الصالحين أنه انقطع شسع نعله في عدوه إلى ا لجمعة فقال إنما انقطع لأني لم أغتسل للجمعة # فتفكر وفقك الله في أن الذنوب تنقضي لذتها وتبقى تبعتها كما أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد قال أنبأنا عبد الملك ابن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا عباس الدوري قال سمعت بعض أصحابنا يقول كان سفيان الثوري كثيرا ما يتمثل # تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها % من الحرام ويبقى الإثم والعار # تبقى عواقب سوء في مغبتها % لا خير في لذة من بعدها النار # قال محمد بن جعفر وأنشدني أبو جعفر العدوى للحسين بن مطير # ونفسك أكرم عن أشايا كثيرة % فما لك نفس بعدها تستعيرها # ولا تقرب الأمر الحرام فإنه % حلاوته تفنى ويبقى مريرها # ثم تفكر وفقك الله فيما أكسبك الذنب من الخجل فقد قيل للأسود ابن يزيد عند موته أبشر بالمغفرة # فقال وأين الخجل مما المغفرة منه # وكان بعض الحكماء يقول إن استطعت أن لا تسيء إلى من تحب فافعل # قيل له كيف يسيء الإنسان إلى من يحب فقال إذا عصيت الله أسأت إلى نفسك وهي أكبر محبوباتك
@187@
# وقيل لبعض الحكماء من أشد الناس اغترارا فقال أشدهم تهاونا بالذنب فقيل له علام تبكي فقال على ساعات الذنوب # قيل علام تأسف قال على ساعات الغفلة # وكان بعض الحكماء يقول هب أن المسيء قد غفر له أليس قد فاته ثواب المحسنين # وقال أبو علي الروذباري من الاغترار أن تسيء فيحسن إليك فتترك التوبة توهما أنك تسامح في الهفوات
@188@
$ الباب الخامس والعشرون في ذم الزنا $ # قال الله عز وجل ولا تقربو الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا # وأخبرنا هبة الله بن محمد الشيباني قال أنبأنا أبو علي الحسن بن علي قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال قال رسول الله A لا يسرق سارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يزني زان حين يزني وهو مؤمن # أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين # أخبرنا هبة الله بن محمد قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا ابن مالك قال حدثنا عبد الله قال حدثني أبي قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد ابن سلمة قال حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله A قال لكل بني آدم حظ من الزنا فالعينان تزنيان وزناهما النظر واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان وزناهما المشي والفم يزني وزناه القبل والقلب يهوى ويتمنى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه أخبرنا علي بن عبد الواحدالدينوري قال أنبأنا علي بن عمر القزويني قال أنبأنا علي بن عمر بن سهل الحريري قال حدثنا أحمد بن القاسم بن نصر
@189@
قال حدثنا أبو همام قال حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر قال أخبرني العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله A قال العينان تزنيان واللسان يزني واليدان تزنيان والرجلان تزنيان تحق ذلك الفرج أو يكفر به # هذا حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث سهيل وقد اخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة # أخبرنا عبد الأول قال أنبأنا الداودي قال أنبأنا ابن أعين قال أنبأنا الفربري قال حدثنا البخاري قال حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن هشام عن أبيه عن عائشة أن رسول الله A قال يا أمة محمد ما احد أغير من الله أن يرى عبده أو أمته تزني # أخبرنا ابن عبد الواحد قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا ابن مالك قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني ابي قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا جرير قال سمعت أبا رجاء العطاردي يحدث عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله A رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني فانطلقت معهما فإذا بيت مبني على بناء التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يوقد تحته نار فيه رجال ونساء عراة فإذا أوقدت ارتفعوا حتى يكادوا أن يخرجوا فإذا أخمدت رجعوا فيها # فقلت ما هذا قالا الزناة # أنا اختصرت الحديث وهو متفق عليه # أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد أحمد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال حدثنا أحمد بن عيسى بن ماهان الرازي قال حدثنا محمد بن مصفى قال حدثنا بقية قال حدثنا عباد
متفق عليه
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد أحمد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال حدثنا أحمد بن عيسى بن ماهان الرازي قال حدثنا محمد بن مصفى قال حدثنا بقية قال حدثنا عباد
190
ابن كثير عن عمران عن أنس قال قال رسول الله A إن أعمال أمتي تعرض في كل يوم جمعة وأشد غضب الله على الزناة
أخبرنا عبد الله بن علي قال أنبأنا طراد بن محمد قال أنبأنا علي بن عبد الله الهاشمي قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثنا يحيى بن أبي طالب قال حدثنا عمر بن عبد الغفار قال حدثنا العوام بن حوشب قال حدثنا علي بن مدرك عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال قال رسول الله A إن الايمان سربال يسربله الله من يشاء فإذا زنى العبد نزع منه سربال الإيمان فإذا تاب رد عليه
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين الزينبي قال حدثنا ابن المرزبان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا عمار بن نصر قال حدثنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي A قال ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال حدثني التنوخي قال حدثنا كعب بن عمرو بن جعفر البلخي قال حدثنا عرس بن فهد الموصلي قال حدثنا الحسن بن عرفة العبدي قال حدثني يزيد بن هارون عن حميد عن أنس قال قال رسول الله A إياكم والزنا فإن في الزنا ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة فأما اللواتي في الدنيا فذهاب نور الوجه وانقطاع الرزق وسرعة الفناء
وأما اللواتي في الآخرة فغضب الرب وسوء الحساب والخلود في النار إلا أن يشاء الله
191
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن احمد بن الحداد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ قال أنبأنا محمد بن المظفر قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا مسلمة بن علي عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة أن رسول الله A قال إياكم والزنا فإن فيه ست خصال ثلاثا في الدنيا وثلاثا في الآخرة فأما اللواتي في الدنيا فإنه يذهب بالبهاء ويورث الفقر وينقص الرزق
وأما اللواتي في الآخرة فإنه يورث سخط الرب وسوء الحساب والخلود في النار
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد العلاف قال أنبأنا عبد الملك ابن بشران قال أنبأ أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا العباس بن عبد الله الترقفي قال حدثنا أبو مسهر قال حدثنا صدقة قال حدثنا ابن جابر عن سليم بن عامر قال حدثني أبو أمامة الباهلي قال سمعت النبي A يقول بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأخرجاني فإذا أنا بقوم أشد شيء انتفاخا وأنتنه ريحا كأن ريحهم المراحيض قلت من هؤلاء قال هؤلاء الزانون والزواني
أخبرنا عبد الخالق بن أحمد قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا محمد بن علي بن الفتح قال أنبأنا محمد بن عبد الله الدقاق قال أنبأنا الحسين بن صفوان قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني العباس ابن جعفر قال حدثنا محمد بن سعيد قال أنبأنا أبو بكر بن عياش قال حدثنا رجل عن مكحول رفعه قال يروح أهل الجنة برائحة فيقولون ربنا ما وجدنا ريحا منذ دخلنا الجنة أطيب من هذه فيقول هذه رائحة أفواه الصوام
192
ويروح أهل النار رائحة فيقولون ربنا ما وجدنا منذ دخلنا النار أنتن من هذه فيقول هذه ريح فروج الزناة
أخبرنا أحمد بن علي بن المجلي قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا علي بن محمد بن بشران قال حدثنا ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر ابن عبيد قال حدثنا محمد بن الحسن بن شقيق قال أنبأنا إبراهيم بن الأشعث قال حدثنا عبد الرحمن بن زيد العجمي عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله A ما طفف قوم كيلا ولا بخسوا ميزانا إلا منعهم الله القطر ولا ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا الحسين بن قريش قال أنبأنا علي بن عمر البرمكي قال أنبأنا محمد بن العباس بن حيوية إجازة قال حدثنا عبد الله ابن أبي داود قال حدثنا محمد بن الهيثم قال حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن ليث بن أبي سليم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام أنا قاتل القتالين ومفقر الزناة
أخبرنا محمد بن ابي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين الزينبي قال حدثنا ابن المرزبان قال حدثني أبو محمد التميمي قال حدثنا داود بن المحبر قال حدثنا ميسرة ابن عبد ربه عن أبي عائشة السعدي عن يزيد بن عمر بن عبد العزيز عن أبي مسلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة وإبن عباس قالا خطب النبي A فقال في خطبته ومن قدر على امرأة أو جارية حراما
193
فواقعها حرم الله عليه الجنة وأدخله النار ومن أبصر امرأة نظرة حراما ملأ الله عينيه نارا ثم أمر به إلىالنار ومن صافح امرأة حراما جاء يوم القيامة مغلولا يده إلى عنقه ثم يؤمر به إلى النار ومن فاكهها حبس بكل كلمة كلمها في الدنيا ألف عام وأي امرأة طاوعت الرجل حراما فالتزمها أو قبلها أو باشرها أو فاكهها أو واقعها فعليها من الوزر مثل ما على الرجل
وبالإسناد قال حدثنا ابن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال حدثنا جرير عن ليث عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال أول ما خلق الله من الإنسان فرجه فقال هذه أمانتي عندك فلا تضعها إلا في حقها
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا أبو علي بن المهتدي قال أنبأنا عبيد الله بن عمر بن شاهين قال أنبأنا محمد بن الحسين بن كوثر قال حدثنا علي بن الفضل قال حدثنا يزيد بن هارون قال أنبأنا العوام بن حوشب عن علي بن مدرك عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال إن الإيمان بزة فمن زنا فارقه الإيمان فإن لام نفسه ورجع راجعه الإيمان
أخبرنا أبو بكر بن أبي طاهر قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال أنبأنا ابن حيوية قال أنبأنا أبو أيوب سليمان بن إسحاق الحلاب قال أنبأنا الحارث بن أبي أسامة قال أنبأنا محمد بن سعد قال أنبأنا أحمد بن عبد الله ابن يونس قال حدثنا أبو شهاب عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال لعبيد تزوجوا فإن العبد إذا زنا نزع الله منه نور الإيمان رده الله إليه بعد أم أمسكه
194
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا محمد بن احمد في كتابه قال حدثنا محمد بن أيوب قال حدثنا عيسى بن إبراهيم قال حدثنا عفيف بن سالم قال حدثنا شعبة عن عطاء الخراساني قال إن لجهنم سبعة أبواب أشدها غما وكربا وحرا وأنتنها ريحا للزناة الذين ركبوا بعد العلم
أخبرنا محمد قال أنبأنا أحمد قال أنبأنا أبو نعيم قال حدثنا ابي قال حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد قال حدثنا أحمد بن محمد الكتاني قال حدثنا هاشم بن القاسم قال حدثنا أبو معشر عن منصور بن غريب عن عطاء الخراساني قال إذا ظهر الزنا كثر الموت وإذا أكل الربا كان الخسف والزلزلة وإذا جار الحكام قحط المطر وإذا منعت الزكاة هلكت الماشية
وقال أحمد بن حنبل ليس بعد القتل أصعب من الزنا
فصل واعلم أن الزنا من أعظم الذنوب إلا أنه في نفسه يزيد بعضه
على بعض
فمن أفحشه زنا الرجل ببعض محارمه
وسنذكر فيما يستقبل إن شاء الله قصص من حمله العشق على الزنا بالمحارم
ومن أفحشه زنا الرجل بزوجة الرجل فتختلط المياه والأنساب
وأفحش ذلك أن تكون تلك المرأة إمراة جار أو قرابة
أخبرنا علي بن عبيد الله قال أنبأنا أبو محمد الصريفيني قال أخبرتنا أمة
195
السلام بنت احمد بن كامل قالت حدثنا محمد بن إسماعيل السدار قال أنبأنا أحمد بن عبد المجوفي قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا سفيان عن منصور
وأخبرنا يحيى بن علي قال أنبأنا ابن المأمون قال أنبأنا ابن حبابة قال أنبأنا ابن صاعد قال حدثنا يعقوب الدورقي قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش كلاهما عن أبي وائل عن أبي ميسرة عن عبد الله قال قلت يا رسول الله أي الذنب اعظم قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قلت ثم أي قال أن تزاني حليلة جارك
أخرجاه في الصحيحين
أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن ظفر قالا أنبأنا محمد بن الحسن الباقلاوي قال أنبأنا القاضي أبو العلاء الواسطي قال أنبأنا أبو نصر النيازكي قال حدثنا أبو الخير أحمد بن محمد بن البزاز قال حدثنا البخاري قال حدثنا أحمد ابن حميد قال حدثنا محمد بن فضيل عن محمد بن سعيد قال سمعت أبا طيبة الكلاعي قال سمعت المقداد بن الأسود يقول سئل رسول الله A عن الزنا فقال حرام حرمه الله ورسوله فقال لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد ابن جعفر الخرائطي قال حدثنا أحمد بن ملاعب قال حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا عبد السلام بن شداد عن عزوان بن جرير عن أبيه
196
أنهم تذاكروا عند علي بن أبي طالب عليه السلام الفواحش فقال لهم هل تدرون أي الزنا عند الله جل ثناؤه اعظم قالوا يا أمير المؤمنين كله عظيم قال ولكن سأخبركم ما اعظم الزنا عند الله تبارك وتعالى هو أن يزني العبد بزوجة الرجل المسلم فيصير زانيا وقد أفسد على الرجل المسلم زوجته
ثم قال عند ذلك إن الناس يرسل عليهم يوم القيامة ريح نتنة حتى يتأذى منها كل بر وفاجر حتى إذا بلغت منهم وألمت أن تمسك بأنفاس الناس كلهم ناداهم مناد يسمعهم الصوت فيقول لهم هل تدرون ما هذه الريح التي قد آذتكم فيقولون لا ندري والله إلا أنها قد بلغت منا كل مبلغ فيقال ألا إنها ريح فروج الزناة الذين لقوا الله بزناهم ولم يتوبوا منه
197
الباب السادس والعشرون في التحذير من عمل قوم لوط
أخبرنا هبة الله بن محمد الشيباني قال أنبأنا الحسن بن علي التميمي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن ابي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله A ملعون ملعون من عمل بعمل قوم لوط
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن احمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الرحمن عن زهير عن عمرو يعني ابن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي A قال لعن الله من عمل عمل قوم لوط ولعن الله من عمل عمل قوم لوط ولعن الله من عمل عمل قوم لوط
أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال أنبأنا محمد بن الحسين بن الفراء قال أنبأنا علي بن عمر السكري قال حدثنا حامد بن بلال قال حدثنا محمد بن عبد الله يعني البخاري قال حدثنا يحيى بن النضر قال حدثنا غنجار عن عمر بن الصبح عن مقاتل بن حيان عن أبي الجارود العبسي عن جابر ابن عبد الله قال بلغني حديث في القصاص وكان صاحب الحديث بمصر فاشتريت بعيرا وشددت عليه رحلا ثم سرت شهرا فذكر الحديث إلى أن
198
قال فلقيت الرجل فقال سمعت رسول الله A يقول إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي عمل قوم لوط ألا فليرتقب أمتي العذاب إذا كان الرجال بالرجال والنساء بالنساء
أخبرنا عبد الله بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال حدثنا أبو القاسم ابن بشران قال حدثنا الآجري قال حدثنا أبو مسلم الكشي قال حدثنا سليمان الشاذكوني
وأخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا طراد قال أنبأنا علي بن محمد بن بشران قال أنبأنا ابن صفوان قال حدثنا ابو بكر القرشي قال حدثنا عبيد الله ابن عمر الجشمي قالا حدثنا عبد الوارث قال حدثنا القاسم بن عبد الواحد عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول إن رسول الله A قال إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط
اخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا عبد الله بن احمد السمرقندي قال أنبأنا أحمد بن عبد الواحد قال حدثنا محمد بن أحمد السلمي قال حدثنا محمد ابن جعفر السامري قال حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال حدثنا يوسف بن ابي أمية الثقفي قال حدثنا عبد الله بن سعد الكندي قال حدثنا أبو خالد الأحمر عن الضحاك بن عثمان عن مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله A لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو أمرأة في دبرها
199
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا محمد بن علي بن ميمون قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي قال أنبأنا عبد الله بن إبراهيم الزينبي قال أنبأنا محمد بن سفيان الحنائي قال حدثنا محمد بن عيسى بن حيان قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا أبو زيد محمد بن حسان قال حدثنا إبراهيم بن يحيى عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر قال قال النبي A لم يعل فحلا حتى كان قوم لوط فإذا علا الفحل الفحل ارتج أو اهتز عرش الرحمن عز وجل فاطلعت الملائكة تعظيما لفعلهما فقالوا يا رب ألا تأمر الأرض أن تعزرهما وتأمر السماء أن تحصبهما فقال إني حليم لا يفوتني شيء
أخبرنا ابن منازل قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو محمد الخلال قال حدثنا العباس بن أحمد الهاشمي قال حدثنا علي بن أحمد ابن نوح قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال حدثنا الفضل بن دكين قال حدثنا مسعر عن سماك بن حرب عن ابن عباس أنه قال إن الرجل ليأتي الرجل فتضج الأرض من تحتهما والسماء من فوقهما والبيت والسقف كلهم يقولون أي رب ائذن لنا أن ينطبق بعضنا على بعض فنجعلهم نكالا ومعتبرا فيقول الله عز وجل إنه وسعهم حلمي ولن يفوتوني
أخبرنا عبد الله بن علي ومحمد بن أبي منصور قالا أنبانا طراد قال حدثنا أبو الحسين بن بشران قال حدثنا ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا خالد بن خداش قال حدثنا سلم بن قتيبة قال سمعت سفيان الثوري يقول لو أن رجلا عبث بغلام بين إصبعين من اصابع رجليه يريد الشهوة لكان لواطا
200
فصل واعلم أن المرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل أخبرنا عبد الله
بن علي ومحمد بن ناصر قالا أنبانا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال حدثنا عمار بن نصر الخراساني قال أنبأنا عثمان بن عبد الرحمن الحراني عن عنبسة بن عبد الرحمن القرشي عن العلاء عن مكحول عن وائلة بن الأسقع قال قال رسول الله A سحاق النساء زنا بينهن
201
الباب السابع والعشرون في عقوبة اللوطي في الدنيا
اعلم أن الله عز وجل قص علينا من قصة عمل قوم لوط إيثارهم الفاحشة وميلهم إليها وشرح عقابه إياهم في الدنيا فأطال في ذكر ذلك مالم يطل في ذكر كفرهم
ومعلوم أن الكفر أعظم من الفاحشة ولكنه أراد تحذيرنا من تلك الأفعال وقصة القوم في القرآن في مواضع وقد عرفنا منها أنه عاقبهم في الدنيا بالرجم والحجارة
وقد رويت في عقوبة اللوطي في الدنيا أحاديث
أخبرنا عبد الله بن علي وابن ناصر قالا أنبأنا طراد بن محمد قال أنبأنا أبو الحسين بن بشران قال أنبأنا ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا خالد بن خداش قال حدثنا عبد العزيز الدراوردي قال حدثنا عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي A قال فيمن عمل عمل قوم لوط يقتل الفاعل والمفعول به
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا ابو القاسم ابن أبي الزناد قال اخبرني ابن أبي حبيبة وداود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله A اقتلوا الفاعل والمفعول به في عمل قوم لوط
أخبرنا عبد الله بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال حدثنا عبد الملك بن بشران قال حدثنا أبو بكر الآجري قال حدثنا أبو بكر بن أبي داود قال
202
حدثنا الحسن بن الصباح قال حدثنا عبد الوهاب بن عطاء وأخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد قال أنبأنا الجوهري قال حدثنا ابن المظفر قال حدثنا الهيثم بن خلف قال حدثنا عباس قال حدثنا عيسى بن شعيب كلاهما عن عباد بن منصور عن ابن عباس قال قال رسول الله A اقتلوا الفاعل والمفعول به
اخبرناالمبارك بن علي قال أنبأنا عبد الله بن أحمد السمرقندي قال أنبأنا أحمد بن عبد الواحد قال أنبأنا محمد بن احمد بن الوليد قال حدثنا محمد بن جعفر السامري قال حدثنا علي بن داود القنطري قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثنا يحيى بن أيوب عن عباد بن كثير أن عبد الله بن محمد بن محمد بن عقيل حدثه عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله A من عمل بعمل قوم لوط فاقتلوه
قال السامري وحدثنا أحمد بن ملاعب قال حدثنا يعقوب بن الزبيري قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله A من وجدتموه يعمل بعمل قوم لوط فارجموا الأعلى والأسفل
ذكر ما روى عن أبي بكر الصديق وغيره من الصحابة في ذلك
أخبرنا ابن ناصر وعبد الله بن علي قالا أنبأنا طراد قال أنبأنا أبو الحسين ابن بشران قال أنبأنا الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا عبيد الله بن عمر قال حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن داود بن بكر
203
عن محمد بن المنكدر أن خالد بن الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه وجد رجلا في بعض الأضاحي ينكح كما تنكح المرأة
فجمع أبو بكر لذلك أصحاب رسول الله A منهم علي بن أبي طالب فقال علي إن هذا ذنب لم تعمل به إلا أمة واحدة ففعل الله بهم ما قد علمتم أرى أن تحرقه بالنار فاجتمع رأي أصحاب رسول الله A أن يحرق بالنار فأمر به أبو بكر أن يحرق بالنار قال وقد حرقهم ابن الزبير وهشام بن عبد الملك
وبالإسناد قال حدثنا القرشي قال حدثنا سويد قال حدثنا ابن أبي زائدة عن ابن أبي ليلى عن يزيد بن قيس أن عليا عليه السلام رجم لوطيا وقد روي عن عمر أنه قال من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه
اخبرنا ابن ناصر وعبد الله بن علي قالا أنبأنا علي بن محمد قال أنبأنا عبد الملك ابن بشران قال حدثنا أبو بكر الآجري قال حدثنا ابن مخلد قال حدثنا محمد ابن إسحاق الصاغاني قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا غسان بن مضر عن سعيد بن يزيد قال سئل ابن عباس ما حد اللوطي قال ينظر أعلى بيت في القرية فيرمى منكسا ثم يتبع بالحجارة
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد بن يوسف قال أنبأنا الجوهري قال حدثنا ابن المظفر قال حدثنا الهيثم بن خلف قال حدثنا عباس ابن يزيد قال حدثنا غسان قال حدثنا أبو مسلمة عن أبي نضرة قال سئل ابن عباس عن حد اللوطي قال ينظر إلى أعلى بناء في القرية فيرمى به منكوسا ثم يتبع بالحجارة
ذكر كلام التابعين ومن بعدهم في ذلك
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا أحمد بن عبد الواحد قال أنبأنا أبو بكر محمد ابن احمد السلمي قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا علي بن حرب
204
قال حدثنا وكيع قال حدثنا سفيان عن جابر عن الشعبي قال اللوطي يرجم أحصن أو لم يحصن
وبالإسناد قال حدثنا الخرائطي قال وحدثنا احمد بن منصور الرمادي قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا إبراهيم بن سعد قال حدثنا صالح بن كيسان عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال على اللوطي الرجم احصن أو لم يحصن
قال وحدثنا عباس الدوري قال حدثنا عبيد الله بن موسى قال حدثنا سفيان عن حماد عن إبراهيم قال حد اللوطي حد الزاني قال سفيان وحدثنا حماد عن قتادة عن جابر بن زيد في اللوطي يرجم
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد بن يوسف قال أنبأنا الحسن ابن علي الجوهري قال حدثنا محمد بن المظفر الحافظ قال حدثنا الهيثم بن خلف الدوري قال حدثنا محمد بن احمد بن النضر قال حدثنا معاوية بن عمرو قال حدثنا محمد بن بشر عن سفيان عن ابن ابي نجيح عن عطاء قال حد اللوطي حد الزاني
وعن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال اللوطي حده حد الزاني إن احصن رجم وإلا جلد وبه قال الهيثم وحدثنا عبد الرحمن بن منصور قال قال معاذ بن هشام وحدثني أبي عن قتادة عن الحسن انه قال في الرجل خالط الرجل إن كان أحصن جلد ورجم وإن كان لم يحصن جلد ونفى
وقال معاذ وحدثني أبي عن قتادة عن جابر بن زيد وعبيد الله بن عبد الله ابن معمر أنهما قالا عليه الرجم إن كان أحصن وإن لم يحصن
205
قال قتادة وقول الحسن أعجب إلي
وقال قتادة وكان الحسن يقول في الرجل يخالط البهيمة إن كان أحصن جلد ورجم وإن لم يحصن جلد ونفى وبالإسناد عن الهيثم قال حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي قال حدثنا حماد بن خالد عن مالك بن أنس عن الزهري قال يرجم إن أحصن أو لم يحصن وكذلك قال ربيعة وابن هرمز ومالك يرجم أحصن أو لم يحصن وقال الزهري سنة ماضية
أخبرنا ابن ناصر وعبد الله بن علي قالا أنبأنا ابن العلاف قال حدثنا ابن بشران قال حدثنا الآجري قال حدثنا عبد الله بن العباس الطيالسي قال حدثنا إسحاق الكوسج قال قلت لأحمد بن حنبل أيرجم اللوطي أحصن أو لم يحصن قال يرجم احصن أو لم يحصن
وقال إسحاق بن راهويه كما قال احمد
وقد روى عن أحمد أن حد اللوطي كحد الزاني يختلف بالثيوبة والبكارة وهذا قول ابي يوسف ومحمد
وعن الشافعي كالروايتين عن أحمد
وقال الحكم يضرب اللوطي دون الحد وإلى هذا مال أبو حنيفة
وقال النخعي لو كان أحد ينبغي أن يرجم مرتين لكان ينبغي للوطي أن يرجم مرتين
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن أحمد السراج قال أنبأنا عبد العزيز بن علي قال أنبأنا علي بن جعفر الصوفي قال سمعت الموازيني يقول قال لي رجل من الحجاج مررت بديار قوم لوط فأخذت حجرا مما رجموا به فطرحته في مخلاة ودخلت مصر فنزلت في بعض الدور في الطبقة الوسطى وكان في سفل
206
الدار حدث فأخرجت الحجر من خرجي ووضعته في روزنة في البيت فدعا الحدث الذي كان في السفل صبيا إلى عنده واجتمع معه فسقط الحجر على الحدث من الروزنة فقتله
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا أبو الحسن محمد ابن عثمان بن مكي قال أخبرني جدي أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن حمد قال أنبأنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء المقرئ قال سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول خرجت حاجا إلى مكة فلما كان ليلة عرفات رأى الإمام الذي حج بنا تلك الليلة مناما فلما صرنا إلى مكة بعد إنقضاء الحج سمعنا مناديا ينادي فوق الحجر انصتوا يا معشر الحجيج
فانصت الخلق فقال يا معشر الحجيج إن إمامكم رأى أن الله عز وجل قد غفر لكل من وافى العام البيت إلا رجلا واحدا فإنه فسق بغلام
207
الباب الثامن والعشرون في ذكر عقوبة اللوطي في الآخرة
أخبرنا أحمد بن منازل قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو محمد الخلال قال حدثنا العباس بن أحمد الهاشمي قال حدثنا علي بن أحمد ابن نوح قال حدثنا محمد بن ابي عبد الله الشعراني قال حدثنا داود بن المحبر عن أبي عائشة السعدي عن يزيد بن عمر بن عبد العزيز عن أبي سلمة عن أبي هريرة وابن عباس قالا خطبنا رسول الله A فقال في خطبته من نكح امرأة في دبرها أو غلاما أو رجلا حشر يوم القيامة أنتن من الجيفة ينادي به الناس حتى يدخله الله نار جهنم ويحبط الله عمله ولا يقبل منه صرفا ولا عدلا ويجعل في تابوت من النار ويسمر عليه بمسامير من حديد من نار فتستل تلك المسامير في وجهه وفي جسده قال أبو هريرة هذا لمن لم يتب
اخبرنا عمر بن هدية الصواف قال أنبأنا علي بن أحمد بن بيان قال أنبأنا أبو الحسن بن مخلد قال أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار قال أنبأنا الحسن بن عرفة قال حدثني علي بن ثابت الجرزي عن مسلم بن جعفر عن حسان ابن حميد عن أنس بن مالك عن النبي A قال سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العالمين يدخلون النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا فمن تاب تاب الله عليه الناكح يده والفاعل والمفعول به ومدمن خمر والضارب أبويه حتى يستغيثا والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه والناكح حليلة جاره
208
أخبرنا أحمد بن منازل قال أنبأنا عبد الجبار قال أنبأنا الخلال قال حدثنا العباس بن أحمد الهاشمي قال حدثنا علي بن احمد بن نوح قال حدثنا محمد بن يونس قال حدثنا محمد بن حيان قال أنبأنا روح بن مسافر عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال قال رسول الله A اللوطيان لو اغتسلا بماء البحر لم يجزهما إلا أن يتوبا
أخبرنا أبو منصور بن عبد الرحمن القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرني أحمد بن جعفر بن حمدان قال حدثنا ابو بكر محمد ابن أحمد القاضي قال حدثنا مسلم بن عيسى قال حدثنا أبي قال حدثنا حماد بن زيد عن سهيل عن انس قال قال رسول الله A من مات من أمتي يعمل عمل قوم لوط نقله الله إليهم حتى يحشر معهم
أخبرنا عبد الله بن علي ومحمد بن ناصر قالا انبأنا طراد بن محمد قال أنبأنا أبو الحسين ابن بشران قال حدثنا الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا مسلم بن خالد عن إسماعيل بن كثير عن مجاهد قال لو أن الذي يعمل ذلك العمل يعني عمل قوم لوط اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسا
أخبرنا ابن ناصر قال أ نبأنا عبد القادر بن محمد بن يوسف قال أنبأنا الجوهري قال حدثنا محمد بن المظفر قال أنبأنا الهيثم بن خلف قال حدثنا عباد بن الوليد الغنوي قال سمعت إبراهيم بن شاس يقول سمعت الفضيل بن عياض يقول لو أن لوطيا اغتسل بكل قطرة من السماء لقي الله غير طاهر
209
أخبرنا ابن منازل قال أنبأنا ابن عبد الجبار قال أنبأنا الخلال قال حدثنا العباس بن أحمد الهاشمي قال حدثنا علي بن أحمد بن نوح قال حدثنا محمد بن الرحمن قال حدثنا أبو أيوب بن سليمان عن طلحة بن زيد عن برد بن سنان عن أبي المنيب عن عبد الله بن عمرو قال يحشر اللوطيون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير
أخبرنا ابن منازل قال أنبأنا ابن عبد الجبار قال أنبأنا الخلال قال حدثنا العباس الهاشمي قال حدثنا محمد بن يحيى الأزدي قال حدثنا أحمد ابن نصير قال حدثنا سعدان بن عمرو المعافري عن أبي الصهباء عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال من خرج من الدنيا على حال خرج من قبره على تلك الحال حتى إن اللوطي يخرج يعلق ذكره على دبر صاحبه مفتضحين على رءوس الخلائق يوم القيامة
210
الباب التاسع والعشرون في التحذير من العقوبات
اعلم أن العقوبة تختلف فتارة تتعجل وتارة تتأخر وتارة يظهر أثرها وتارة يخفى
وأطرف العقوبات مالا يحس بها المعاقب وأشدها العقوبة بسلب الايمان والمعرفة ودون ذلك موت القلوب ومحو لذة المناجاة منه وقوة الحرص على الذنب ونسيان القرآن وإهمال الإستغفار ونحو ذلك مما ضرره في الدين
وربما دبت العقوبة في الباطن دبيب الظلمة إلى أن يمتلىء أفق القلب فتعمى البصيرة
وأهون العقوبة ماكان واقعا بالبدن في الدنيا وربما كانت عقوبة النظر في البصر فمن عرف لنفسه من الذنوب ما يوجب العقاب فليبادر نزول العقوبة بالتوبة الصادقة عساه يرد ما يرد
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أحمد بن علي بن سوار قال أنبأنا أحمد بن محمد الجندي قال أنبأنا عبد الله بن سليمان قال حدثنا سلمة بن شبيب4 قال حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال قال رسول الله A البر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا ينام فكن كما شئت كما تدين تدان
أخبرنا أحمد بن أحمد المتوكلي قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا علي
211
ابن القاسم الشاهد قال حدثنا علي بن إسحاق المادرائي قال حدثنا المفضل ابن محمد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الطبري قال قال الفضيل بن عياض قال الله عز وجل يا بن آدم إذا كنت أقلبك في نعمتي وأنت تنقلب في معصيتي فاحذر لا أصرعك بين معاصيك يا بن آدم اتقني ونم حيث شئت إنك إن ذكرتني ذكرتك وإن نسيتني نسيتك والساعة التي لا تذكرني فيها عليك لا لك
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا حمد بن أحمد قال حدثنا ابو نعيم قال حدثنا أبو سلمة محمد بن حيان قال حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس قال حدثنا سهل يعني ابن هاشم قال سمعت إبراهيم بن ادهم يقول سمعت فضيلا يقول ما يؤمنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه فاغلق دونك أبواب المغفرة وأنت تضحك كيف ترى يكون حالك أنبأنا أحمد بن علي بن المجلي قال أنبأنا أبو بكر احمد بن علي الخطيب قال أنبأنا أبو الحسين بن بشران قال حدثنا الحسن بن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا مجاهد بن موسى قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا ثور عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير قال لما افتتح المسلمون قبرص فرق بين أهلها فجعل بعضهم يبكي إلى بعض فبكى أبو الدرداء فقلت له ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله وأذل الشرك وأهله
قال دعنا منك يا جبير ما أهون الخلق على الله إذا تركوا أمره بينا هي أمة قاهرة قادرة إذ تركوا أمر الله تعالى فصاروا إلى ما ترى
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن يوسف قال أنبأنا أبو محمد الجوهري
212
قال حدثنا أبو الفضل الزهري قال حدثنا عبد الرحمن بن الحسن الذهبي قال حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبدالقدوس قال حدثنا هشام قال اغتم ابن سيرين مرة فقيل له يا أبا بكر ما هذا الغم فقال هذا الغم بذنب أصبته منذ أربعين سنة
قد ذكرنا في باب عقوبة النظر قصة الذي نظر إلى صبي فنسي القرآن بعد أربعين سنة
أنبأنا أحمد بن علي المجلي قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا أبو الحسين بن بشران قال حدثنا ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني إبراهيم بن سعيد قال حدثنا أبو أسامة عن مسعر عن علقمة بن مرثد قال بينما رجل يطوف بالبيت إذ برق له ساعد امرأة فوضع ساعده على ساعدها يتلذذ به فلصقت ساعداهما فأتى بعض الشيوخ فقال ارجع إلى المكان الذي فعلت هذا فيه فعاهد رب البيت أن لا تعود ففعل فخلي عنه
قال القرشي وحدثنا خالد بن معدان بن خداش قال حدثنا أبو عوانة عن ابي بشير عن ابن أبي نجيح أن أسافا ونائلة رجل وامرأة حجا من الشام قبلها وهما يطوفان فمسخا حجرين فلم يزالا في المسجد حتى جاء الله بالإسلام فأخرجا
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الجوهري قال أنبأنا محمد بن عمران المرزباني قال حدثنا أبو عبد الله بن مخلد قال حدثني علي بن عبدويه قال حدثنا يحيى بن النضر بن جنيد قال حدثني أبي قال حدثني المقتل العقيلي قال نتحدث عندنا بالبادية أن مجنون بنى عامر لما قال
قضاها لغيري وابتلاني بحبها
فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا ذهب بصره
213
الباب الثلاثون في الحث على التوبة والاستغفار
أخبرنا هبة الله بن محمد قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا شعبة وأخبرنا عبد الأول قال أنبأنا الداودي قال أنبأنا السرخسي قال أنبأنا إبراهيم بن خريم قال حدثنا عبد بن حميد قال حدثنا جعفر بن عون قال أنبأنا مسعر قالا حدثنا عمرو بن مرة عن أبي بردة عن الأغر عن ابن عمر عن النبي A أنه قال يا أيها الناس توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة
لفظ أحمد وانفرد بإخراجه مسلم
وبالإسناد حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا يونس قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا ثابت قال حدثنا أبو بردة عن الأغر المزني قال قال رسول الله A إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة
انفرد بإخراجه مسلم وليس للأغر في الصحيح غيره وربما توهم متوهم أن هذا الأغر هو الذي في الحديث فبله وليس كذلك هذا صحابي وذاك تابعي
وبالإسناد حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا ابن نمير عن مالك بن مغول عن محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر قال إن كنا لنعد أن رسول الله A يقول في المجلس رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة
214
قال الترمذي هذا حديث صحيح
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا عبد الله بن احمد قال حدثني ابي قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن ابن مسعود قال قال رسول الله A لله عز وجل أفرح بتوبة أحدكم من رجل خرج بارض دوية مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه وزاده وما يصلحه فأضلها فخرج في طلبها حتى إذا ادركه الموت ولم يجدها قال أرجع إلى مكاني الذي أضللتها فيه فأموت فيه فأتى مكانه فغلبته عينه فاستيقظ فإذا راحلته عند رأسه عليها طعامه وشرابه وزاده وما يصلحه
أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وقد روى هذا المعنى عن حديث رسول الله A البراء بن عازب والنعمان بن بشير وأبو هريرة وأنس بن مالك
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن أبي عدي قال حدثنا حسين المعلم عن عبد الله بن يزيد عن بشير بن كعب عن شداد بن أوس قال قال رسول الله A سيد الإستغفار اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت من قالها بعدما يصبح موقنا بها فمات من يومه كان من أهل الجنة ومن قالها بعد ما يمسي موقنا بها فمات من ليلته كان من أهل الجنة أنفرد بإخراجه البخاري
أخبرنا ابن عبد الواحد قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا ابن مالك قال
215
حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني أبي قال حدثنا ابو سلمة قال حدثنا ليث عن يزيد بن الهادي عن عمرو بن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله A يقول إن إبليس قال لربه عز وجل بعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم
فقال له ربه عز وجل فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني
اخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قال أنبأنا أحمد بن محمد بن النقور قال أنبأنا عيسى بن علي بن عيسى قال حدثنا البغوي قال حدثنا كامل بن طلحة قال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رجلا أتى عمر بن الخطاب فقال إن امرأة جاءت لتبايعني فادخلتها الدولج فأصبت منها كل شيء إلا الجماع قال عمر لعلها مغيبة في سبيل الله قال أجل قال فائت النبي A فأتى النبي A فقال له مثل ذلك فقال النبي A لعلها مغيبة في سبيل الله قال أجل قال فسكت عنه ونزل القرآن أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إلى آخر الآية فقال الرجل ألي خاصة أم للناس عامة فضرب عمر صدره بيده فقال لا ولا نعمة عين ولكن للناس عامة فضحك رسول الله A وقال صدق عمر
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبدالجبار قال أنبأنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي قبيل عن مالك بن أبي الناشري أنه سمع عبد الله بن عمر يقول من ذكر خطيئة عملها فوجل قلبه منها فاستغفر الله عز وجل لم يحبسها شيء حتى تمحى
216
وقد روينا عن ابن مسعود أنه قال إني لأعلم آيتين لا يقرأهما عبد عند ذنب يصيبه ويستغفر الله إلا غفر له قوله
ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه
الآية وقوله
والذين إذا فعلوا فاحشة
الاية
أخبرنا أحمد بن محمد المتوكلي قال أنبأنا أحمد بن علي قال أنبأنا أبو سعيد ابن شاذان قال حدثنا محمد بن عبد الله الصفار قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنى إبراهيم بن سعيد قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا سالم العتكي قال سمعت بكر بن عبد الله المزني قال إن أعمال بني آدم ترفع فإذا رفعت صحيفة فيها استغفار رفعت بيضاء وإذا رفعت صحيفة ليس فيها استغفار رفعت سوداء
قال القرشي وحدثني محمد بن الحسين قال حدثنا خالد بن يزيد عن حازم ابن أبي حسين عن مالك بن دينار قال البكاء على الخطيئة يحط الخطايا كما تحط الريح الورق اليابس
قال محمد بن الحسين وحدثني يحيى بن أبي بكير قال حدثنا عمارة بن ذاذان الصيدلاني قال سمعت يزيد الرقاشي يقول بلغني أنه من بكى على ذنب من ذنوبه نسي حافظاه ذلك الذنب
أخبرنا عمر بن ظفر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال حدثنا عبد العزيز بن علي قال حدثنا علي بن عبد الله الصوفي قال حدثنا أحمد بن هارون قال حدثني طاهر بن إسماعيل قال سمعت يحيى بن معاذ يقول الذي حجب الناس عن
217
التوبة طول الأمل وعلامة التائب إسبال الدمعة وحب الخلوة والمحاسبة للنفس عند كل همة
سمعت ظفر بن علي الهمداني يقول سمعت أبا الفتح محمد بن أحمد المعلم يقول سمعت أبا زرعة روح بن علي البستي يقول سمعت الحسن بن علي التميمي يقول سمعت علي بن محمد بن العلاء يقول سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول المغبون من عطل أيامه بالبطالات وسلط جوارحه على الهلكات ومات قبل إفاقته من الجنايات
أخبرنا محمد بن عبد الملك قال أنبأنا أحمد بن الحسن بن خيرون قال سمعت أحمد بن عبد الله الحربي يقول سمعت أبا بكر النجاد يقول من نقر على الناس قل أصدقاؤه ومن نقر على ذنبه طال بكاؤه ومن نقر على مطعمه طال جوعه
أخبرنا ابن ظفر قال أنبأنا ابن السراج قال أنبأنا ألأزجي قال حدثنا ابن جهضم قال حدثنا المفيد قال حدثنا عبد الله بن سهل عن مضر بن جرير قال دخلت على ابي الحجاج الجرجاني يوما فكلمته فلم يكلمني فقلت له أنت في حرج إن كان عندك علم إلا ما علمتني
فقال لي عصيت الله عز وجل بمعصية قلت نعم قال كتبت عليك ورفعت إلى الله عز وجل قلت نعم قال علمت أنه غفرها قلت لا قال فما قعودك وسكوتك اذهب فابك على نفسك أيام الحياة حتى تعلم ما حالك عنده في هذه المعصية قال ثم بكى مضر على هذه ثلاثين سنة خوفا حتى مات
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أبو بكر الشيرازي قال أنبأنا أبو عبد الرحمن قال سمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت أبا علي الروذبادي يقول من الاغترار أن تسيء فيحسن إليك فتترك الإنابة والتوبة توهما أنك تسامح في الهفوات
218
الباب الواحد والثلاثون في الافتخار بالعفاف
أنبانا أحمد بن احمد المتوكلي وعبد الرحمن بن محمد القزاز قالا أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة قال أنبأنا إسماعيل بن سعيد بن سويد قال حدثنا ابو علي الكوكبي قال حدثني أبو إسحاق البصري قال حدثني علي بن الصباح قال أنبأنا هشام بن محمد عن عوانة بن الحكم قال كان عبد المطلب لا يسافر سفرا إلا ومعه ابنه الحارث وكان أكبر ولده وكان شبيها به جمالا وحسنا فأتى اليمن وكان يجالس عظيما من عظمائها فقال له لو أمرت ابنك هذا يجالسني وينادمني
فعشقت امرأته الحارث فراسلته فأبى عليها فألحت عليه فبعث إليها
لا تطمعي فيما لدي فإنني
كرم منادمتي عفيف مئزري
أسعى لأدرك مجد قوم شاده
عمرو قطين البيت عند المشعر فاقني حياءك واعلمي أني امرؤ
آبى لنفسي أن يعير معشري
أنى أزن بجارتي أو كنتي
أو أن يقال صبا بعرس الحميري
وأخبر بذلك أباه فلما يئست منه سقته سم شهر فارتحل عبد المطلب حتى إذا كان بمكة مات الحارث
219
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الجوهري قال أنبأنا ابن حيوية قال أنبأنا ابن المرزبان إجازة وحدثنا محمد بن حريث عنه قال حدثنا محمد بن أبي السرى قال حدثنا هشام بن محمد عن أبيه قال كان عبد المطلب بن هاشم إذا أتى اليمن نزل على بعض ملوكها وإنه أتى مرة فنزل على بعض ملوكها كما كان يفعل فأرسل إليه ذلك الملك لينادمه ويتحدث معه وكان عبد المطلب لا يشرب الشراب فأرسل إليه ذلك الملك أن ابعث إلينا بالحارث يتحدث معنا فأرسله عبد المطلب فلما جاء رأته امرأة الملك فعشقته وراسلته تريده نفسها فأبى أن يفعل ذلك وكرم فسقته شربة فيها سم شهر
قال الكلبي ويكون عند الملوك السم لسنة ولشهر وليوم ولساعة
فسقط لذلك الحارث فانصرف به عبد المطلب إلى مكة فلما كان قبل دخوله مكة مات الحارث فدخل به مكة فدفنه ورثاه عبد المطلب في قصيدة
والحارث الفياض ولى ماجدا
أيام نازعه الهمام الكاسا
وقد روينا عن أبي سفيان بن الحارث وهو الذي سقت حكايته أنه لما حضرته الوفاة قال لأهله لا تبكوا علي فإني لم أتنطف بخطيئة منذ أسلمت
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا محفوظ بن احمد وأخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قالا أنبأنا محمد بن الحسين الجازري قال حدثنا المعافى بن زكريا قال حدثنا محمد بن حفص العطار قال حدثنا إبراهيم بن ابي راشد بن سليمان الأدمي قال حدثنا عبد الله بن عثمان الثقفي
220
قال حدثنا المفضل بن فضالة عن محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال كان في الجاهلية أخوان من حي يدعون بني كنة أحدهما متزوج والآخر أعزب فقضى أن المتزوج خرج في بعض ما يخرج الناس فيه وبقي الآخر مع امرأة أخيه
فخرجت ذات يوم حاسرة فإذا أحسن الناس وجها وأحسن الناس شعرا فلما علمت أن قد رآها ولولت وصاحت وقالت بمعصمها فغطت وجهها فزاده ذلك فتنة فحمل الشوق على بدنه حتى لم يبق إلا رأسه وعيناه يدوران في رأسه
وقدم الأخ فقال يا أخي ما الذي أرى بك فاعتل عليه فقال الشوصة قال الشوصة تسميها العرب اللوى وذات الجنب فقال له ابن عم له لا تكذبنه ابعث إلى الحارث بن كلدة فإنه من أطب العرب فجيء به فلمس عروقه فإذا ساكنها ساكن وضاربها ضارب فقال ما بأخيك إلا العشق فقال سبحان الله تقول هذا لرجل ميت قال هو ذاك هل عندكم شيء من شراب فجيء به ودعا بمسعط فصب فيه وحل صرة من صرارة فذر فيه ثم سقاه ثم سقاه الثانية ثم سقاه الثالثة فانتشى يغني سكرا فقال
ألما بي على الأبيات
من خيف أزرهنه
غزالا ما رأيت اليوم
في دور بني كنه
غزال أحور العين
وفي منطقه غنه
فقال الرجل دور قومنا فليت شعري من
221
فقال الحارث ليس فيه مستمع غير هذا اليوم ولكن أغدو عليكم من الغد
ففعل كفعله بالأمس فانتشى يغني سكرا وكانت امرأة أخيه اسمها ريا فقال
أيها الحي اسلموا
كي تحيوا وتسلموا
خرجت مزنة من البحر
ريا تحمحم
هي ما كنتي
وتزعم أني لها حمو
فقال الرجل لمن حضر فأشهدكم أنها طالق ثلاثا ليرجع إلى أخي فؤاده فإن المرأة توجد والأخ لا يوجد
فجاء الناس يسعون هنيئا لك أبا فلان فإن فلانا قد نزل لك عن فلانة فقال لمن حضر أشهدكم أنها علي مثل أمي إن تزوجتها
قال عبيدة ما أدري أي الرجلين أكرم الأول أم الآخر
أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أنبأنا محمد بن هبة الله الطبري قال أنبأنا محمد بن الحسين بن الفضل قال أنبأنا عبد الله بن جعفر بن درستويه قال أنبأنا يعقوب بن سفيان قال حدثنا نوح بن الهيثم العسقلاني قال حدثنا الوليد بن عبد الله بن نافع بن دريد عن أبيه قال قدم عروة بن الزبير علي الوليد بن عبد الملك فخرجت برجله قرحة الآكلة فاجتمع رأي الأطباء على نشرها وأنه إن لم يفعل قتلته فأرسل إلى الوليد يسأله أن يبعث إليه بالأطباء
222
فأرسلني بهم إليه فقالوا نسقيك مرقدا قال ولم فقالوا لئلا تحس بما يصنع بك قال بل شأنكم بها
قال فنشروا ساقه بالمنشار قال فما زال عضو من عضو حتى فرغوا منها ثم حسموها فلما نظر إليها في أيديهم تناولها وقال الحمد لله أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بك إلى حرام قط
وفي رواية أخرى أنه قال إن مما يطيب نفسي عنك أني لم أنقلك إلى معصية الله قط
أخبرنا عبد الوهاب ومحمد بن ناصر قالا أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المازني قال حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال حدثني محمد بن المرزبان قال حدثنا أبوبكر العامري قال حدثنا علي بن محمد وهو المدائني قال حدثني أبو عبد الرحمان العجلاني عن ابن سهل بن سعد الساعدي قال كنت بالشام فقال لي قائل هل لك في جميل فإنه لما به قال فدخلت عليه وهو يجود بنفسه ما تخيل لي أن الموت يكربه فقال لي يا بن سعد ما تقول في رجل لم يسفك دما حراما قط ولم يشرب خمرا قط ولم يزن قط يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله منذ خمسين سنة
قلت من هذا ما أحسبه إلا ناجيا قال الله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما تعنى نفسك
قال نعم
223
قلت وكيف وأنت تشبب ببثينة مذ عشرين سنة
فقال هذا آخر وقت من أوقات الدنيا وأول وقت من أوقات الآخرة فلا نالتي شفاعة محمد A إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط وإن كان أكثر ما نلت منها إلا أني كنت آخذ يدها فأضعها على قلبي فأستريح إليها
ثم أغمى عليه وأفاق فأنشد يقول
صرخ النعي وما كنى بجميل
وثوى بمصر ثواء غير قفول
ولقد أجر الذيل في وادي القرى
نشوان بين مزارع ونخيل قومي بثينة فاندبي بعويل
وابكي خليلك قبل كل خليل
ثم اغمى عليه فمات
ابن سهل اسمه عياش
اخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال أنبأنا أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا إسماعيل بن احمد بن معاوية الباهلي عن أبيه عن الأصمعي عن أبي سفيان بن العلاء قال بصرت الثريا بعمر بن أبي ربيعة وهو يطوف حول البيت فتنكرت وفي كفها خلوق فزحمته فأثر الخلوق في ثوبه فجعل الناس يقولون يا أبا الخطاب ما هذا زي المحرم
فأنشأ يقول
أدخل الله رب موسى وعيسى
جنة الخلد من ملاني خلوقا
مسحت كفها بجيب قميصي
حين طفنا بالبيت مسحا رفيقا
فقال له عبد الله بن عمر مثل هذا القول تقول في هذا الموضع فقال له
224
يا أبا عبد الرحمن قد سمعت مني ما سمعت فورب هذه البنية ما حللت إزاري على حرام قط
وقد روى محمد بن الضحاك ان عمر بن أبي ربيعة لما مرض مرض الموت أسف عليه أخوه الحارث فقال له عمر يا أخي إن كان أسفك لما سمعت من قولي قلت لها وقالت لي فكل مملوك له حر إن كان كشف فرجا حراما قط
فقال الحارث الحمد لله طيبت نفسي
اخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال أنبأنا ابو بكر الخرائطي قال حدثني إسماعيل بن أبي هاشم قال حدثنا عبد الله بن أبي الليث قال قال عبد الملك بن مروان لليلى الأخيلية بالله هل كان بينك وبين توبة سوء قط قالت والذي ذهب بنفسه وهو قادر على ذهاب نفسي ما كان بيني وبينه سوء قط إلا أنه قدم من سفر فصافحته فغمزني في يدي فظننت أنه يخنع لبعض الأمر
قال فما معنى
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها
فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه
وأنت لأخرى ما علمت خليل
فقالت لا والذي ذهب بنفسه ما كلمني بسوء قط حتى فرق بيني وبينه الموت
اخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال أنبأنا أبو بكر الخرائطي قال حدثنا
225
إبراهيم بن الجنيد قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثني يوسف بن الحكم الرقي قال حدثنا مروان بن محمد قال دخلت عزة على أم البنين أخت عمر ابن عبد العزيز فقالت لها يا عزة ما قول كثير
قضى كل ذي دين فوفى غريمه
وعزة ممطول معنى غريمها
ما كان هذا الدين قالت كنت وعدته قبلة ثم إني تحرجت منها
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا أحمد بن علي التوزي قال أنبأنا الحسين ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني محمد بن الحسين قال حدثني يوسف بن الحكم قال حدثني مروان بن محمد بن عبد الملك بن مروان قال دخلت عزة على أم البنين فقالت لها ما يقول كثير
قضى كل ذي دين علمت غريمه
وعزة ممطول معنى غريمها ما كان هذا الدين يا عزة فاستحيت فقالت علي ذاك قالت كنت وعدته قبلة فتحرجت منها فقالت أم البنين أنجزيها له وعلي إثمها
قال محمد بن الحسين قال لي يوسف بن الحكم حدثني رجل من بني أمية يكنى أبا سعيد قال بلغني أن أم البنين أعتقت لكلمتها هذه أربعين رقبة وكانت إذا ذكرتها بكت وقالت يا ليتني خرست ولم أتكلم بها
أخبرنا ابن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا إبراهيم ابن عمر البرمكي قال أنبأنا ابو الحسين الزينبي قال حدثنا ابن المرزبان قال حدثني أحمد بن زهير قال حدثني هارون بن مسلم قال حدثني أبو هلال
226
الأسدي قال حدثني عمارة بن ثور قال سمعت ذا الرمة لما حضرته الوفاة يقول لقد مكثت متيما بمي عشرين سنة في غير ريبة ولا فساد
قال ابن المرزبان وحدثني أحمد بن صالح قال أخبرني شعيب بن صخر قال كان في تميم خصلتان قد غلبوا الناس عليهما الحلم والعفاف
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا إبراهيم ابن عمر قال أنبأنا أبو الحسن الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا عبد الله بن عمرو وأحمد بن حرب قالا حدثنا زبير بن أبي بكر قال حدثنا محمد بن المؤمل بن طالوت قال حدثنا أبي عن الضحاك بن عثمان الخزامي قال خرجت في آخر الحج فنزلت بخيمة بالأبواء على امرأة فأعجبني ما رأيت من حسنها وأطربني فتمثلت قول نصيب
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب
وقل إن تملينا فما ملك القلب
خليلي من كعب ألما هديتما
بزينب لا تفقدكما أبدا كعب
وقولا لها ما في البعاد لذي الهوى
بعاد وما فيه لصدع النوى شعب
فمن شاء رام الصرم أو قال ظالما
لصاحبه ذنب وليس له ذنب
فلما سمعتني أتمثل الأبيات قالت لي يا فتى أتعرف قائل هذا الشعر قلت نعم ذاك نصيب قالت نعم هو ذاك أفتعرف زينب قلت لا قالت أنا والله زينب قلت فحياك الله قالت أما إن اليوم موعده من عند أمير المؤمنين خرج إليه عام أول ووعدني هذا اليوم ولعلك لا تبرح حتى تراه
قال فما برحت من مجلسي حتى إذا أنا براكب يزول مع السراب فقالت ترى حيث ذاك الراكب إني احسبه إياه
227
قال وأقبل الراكب يؤمنا حتى أناخ قريبا من الخيمة فإذا هو نصيب ثم ثنى رجله عن راحلته فنزل ثم أقبل فسلم علي وجلس منها ناحية وسلم عليها وساءلها وساءلته فاخفيا ثم إنها سألته أن ينشدها ما أحدث من الشعر بعدها فجعل ينشدها
فقلت في نفسي عاشقان أطالا التنائي لا بد أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة فقمت إلى راحلتي أشد عليها فقال لي على رسلك أنا معك فجلست حتى نهض ونهضت معه فتسايرنا ساعة ثم التفت فقال قلت في نفسك محبان التقيا بعد طول تناء لا بد من أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة قلت نعم قد كان ذلك قال فلا ورب هذه البنية التي نعمد ما جلست منها مجلسا قط أقرب من مجلسي الذي رأيت ولا كان بيننا مكروه قط
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن أحمد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال أخبرنا أبو أحمد محمد بن احمد الجرجاني قال حدثنا زكريا الساجي قال حدثنا عباس الباكسائي قال حدثنا محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان الثوري عن هشام عن محمد بن سيرين قال كانوا يعشقون من غير ريبة
وروى عن الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي أنه كان عاشقا لعائشة بنت طلحة وله فيها أشعار يطول ذكرها أفرد لها ابن المرزبان كتابا فلما قتل عنها مصعب بن الزبير قيل للحارث ما يمنعك الآن منها فقال والله لا يتحدث رجالات قريش أن تشبيبي كان لريبة أو لشيء من الباطل
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد قال أنبأنا يوسف ابن محمد المهرواني قال أنبأنا أحمد بن محمد بن حسنون قال أنبأنا جعفر الخواص قال أنبأنا أحمد بن محمد وهو ابن مسروق قال حدثني سليمان
228
ابن عمرو الباهلي قال حدثنا العتبي عن أبيه قال حدثنا عبد الله بن علاثة قال دخلت على رجل من الأعراب خيمته وهو يئن فقلت ما شأنه فقالوا عاشق فقلت له ممن الرجل قال من قوم إذا عشقوا ماتوا عفة قال فجعلت اعذله وأزهده فيما هو فيه فتنفس الصعداء ثم أنشأ يقول
ليس لي مسعد فأشكو إليه
إنما يسعد الحزين الحزين
لا ولا مسعد سوى عبراتي
وممري بحيث كان يكون
وأخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد قال أنبأنا يوسف بن محمد قال أنبأنا أحمد بن محمد بن حسنون وأخبرتنا شهدة قالت أنبانا أبو محمد ابن السراج قال أنبأنا محمد بن الحسين الجازري قال أنبأنا المعافى من زكريا قالا أنبأنا جعفر بن محمد الخواص قال حدثنا أبو العباس بن مسروق قال حدثنا عبد الله بن شبيب قال حدثنا محمد بن عبد الصمد البكري قال حدثنا ابن عيينة قال قال سعيد بن عقبة لأعرابي ممن أنت قال من قوم إذا عشقوا ماتوا قال عذري ورب الكعبة
فقلت ومم ذاك قال في نسائنا صباحة وفي رجالنا عفة
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد قال أنبأنا عبد الملك ابن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا العباس بن الفضل عن محمد بن عبد الله العتبي عن سفيان بن زياد قال قلت لامرأة من بني عذرة ورأيت بها هوى غالبا حتى خفت عليها الموت ما بال العشق يقتلكم معاشر عذرة من بين احياء العرب
قالت إن فينا جمالا وتعففا فالجمال يحملنا على العفاف والعفاف يورثنا رقة القلوب والعشق يفنى آجالنا وإنا نرى محاجر لا ترونها
أنبأنا محمد بن عبد الملك قال أنبأنا أبو بكر محمد بن علي قال أنبأنا
229
علي بن أيوب قال حدثنا محمد بن عمران قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا أبو عثمان سعيد بن هارون قال أخبرني التوزي قال سمعت أبا عبيدة يقول قال رجل من بني فزارة لرجل من بني عذرة تعدون موتكم من الحب مزية وإنما ذلك من ضعف البنية ووهن العقدة وضيق الروية
فقال العذري أما إنكم لو رأيتم المحاجر البلج ترشق الأعين الدلج من فوقها الحواجب الزج والشفاه السمر تفتر عن الثنايا الغر كأنها سرد الدر لجعلتموها اللات والعزى ورفعتم الإسلام وراء ظهوركم
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي ابن ثابت قال أخبرني الخلال قال أنبأنا على بن عمران بن محمد النخعي حدثهم قال حدثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري قال حدثنا نسر بن الوليد الكندي قال سمعت أبا يوسف يقول في مرضه الذي مات فيه اللهم إنك تعلم أني لم أطأ فرجا حراما قط وأنا أعلم اللهم إنك تعلم أني لم آكل درهما حراما قط وأنا أعلم
وأخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا محمد بن أحمد بن يعقوب قال أنبأنا محمد بن نعيم الضبي قال سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول سمعت أبا العباس بن سريج يقول سمعت إسماعيل ابن إسحاق القاضي يقول دخلت على المعتضد وعلى رأسه احداث روم صباح الوجوه فنظرت إليهم فرآني المعتضد وأنا أتأملهم فلما أردت القيام أشار إلي فمكثت ساعة فلما خلا قال لي أيها القاضي والله ما حللت سراويلي على حرام قط
230
وأخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا علي بن محمد بن قشيش قال أنبأنا أبو عمر بن حيوية قال حدثنا الصولي قال حدثنا أحمد الطالقاني قال حدثني فضل البريدي قال جلس محمد بن نصر ابن منصور بن بسام وعلى رأسه عشرة خدم لم ير قط أحسن منهم ما منهم من ثمنه ألف دينار إلا أكثر فجعل الناس ينظرون إليهم فقال محمد هم أحرار لوجه الله إن كان الله كتب علي ذنبا مع واحد منهم قط فمن عرف خلاف هذا منهم فليمض فإنه قد عتق وهو في حل مما يأخذ من مالي
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا علي بن محمد المعدل قال أنبأنا الحسين بن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا محمد بن المثنى قال سمعت إبراهيم بن شأس قال سمعت إبراهيم بن ابي بكر بن عياش يقول شهدت أبي عند الموت فبكيت فقال يا بني ما يبكيك فما أتى أبوك فاحشة قط
أخبرنا عبد الرحمن قال أنبأنا أحمد بن علي قال قرأت على الحسن ابن أبي بكر عن أحمد بن كامل القاضي قال سمعت محمد بن عثمان يقول حدثني أبي قال سمعت عمر بن حفص بن غياث يقول لما حضرت أبي الوفاة أغمى عليه فبكيت عند رأسه فأفاق فقال ما يبكيك قلت أبكي لفراقك ولما دخلت فيه من هذا الأمر يعني القضاء فقال لا تبك فإني ما حللت سراويلي على حرام قط
اخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل قال أنبأنا عثمان بن احمد الدقاق قال حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال حدثنا سفيان المصيصي قال شهدت الهيثم بن حميد وهو يموت قد سجي نحو القبلة قال فقامت جاريته تغمز رجله فقال اغمزيها فإنه يعلم أنهما ما مشتا إلى حرام قط
231
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال أنبأنا عبد الملك ابن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال أنبأنا أبو بكر الخرائطي قال سمعت أحمد بن إسحاق الوراق يقول سمعت مسلم بن إبراهيم يقول أتت على نيف وسبعون سنة ما حللت سراويلي على حلال ولا حرام
قال الخرائطي وحدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى قال سمعت بعض المدنيين يقول كان الرجل يحب الفتاة فيطيف بدارها حولا يفرح إن رأى من رآها فإن ظفر منها بمجلس تشاكيا وتناشدا الأشعار
واليوم يشير إليا وتشير إليه فيعدها وتعده فإذا التقيا لم يشك حبا ولم ينشد شعرا وقام إليها كأنه قد أشهد على نكاحها أبا هريرة
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبدالجبار قال أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين عبد الله ابن إبراهيم الزينبي إجازة قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثني عيسى بن جعفر الكاتب قال حدثني محمد بن سعيد قال حدثني إسحاق بن جعفر الفارسي قال سمعت عمر بن عبد الرحمن يحكى عن بعض العمريين قال بينا أنا يوما في منزلي إذ دخل علي خادم لي فقال لي بالباب رجل معه كتاب
فقلت له أدخله أو خذ كتابه فأخذت الكتاب منه فإذا فيه
تجنبك البلا ولقيت خيرا
وسلمك المليك من الغموم
شكون بنات أحشائي إليكم
هواها حين ألفتني كتوم
وسألتني الكتاب إليك فيما
يخامرها فدتك من الهموم
وهن يقلن يابن الجود إنا
برمنا من مراعاة النجوم
232
وعندك لو مننت شفاء سقم
لأعضاء دمين من الكلوم
فلما قرأت الأبيات قلت عاشق
فقلت للخادم أدخله
فخرج فلم يره فقلت أخطأت فما الحيلة فارتبت في أمره وجعل الفكر يتردد في قلبي فدعوت جواري كلهن من يخرج منهن ومن لا يخرج فجمعتهن ثم قلت أخبرنني الآن قصة صاحب هذا الكتاب فجعلن يحلفن ويقلن يا سيدنا ما نعرف لهذا الكتاب سببا وإنه لباطل من جاء بهذا الكتاب فقلت قد فاتني وما أردت بهذا القول لأني ضننت عليه بمن يهوى منكن فمن عرفت منكن أمر هذا الرجل فهي له فلتذهب إليه متى شاءت وتأخذ كتابي إليه
قال وكتبت إليه كتابا أشكره على فعله وأسأله عن حاله ووضعت الكتاب في موضع من الدار فقلت من عرف شيئا فليأخذه
فمكث الكتاب في موضعه حينا لا تأخذه واحدة منهن ولا أرى للرجل أثرا فاغتممت غما شديدا ثم قلت لعله بعض فتياننا ثم قلت إن هذا الفتى قد أخبر عن نفسه بالورع وقد قنع ممن يحبه بالنظر فدبرت عليه فحجبت جميع جواري عن الخروج
فما كان إلا يوم وبعض آخر إذ دخل الخادم ومعه كتاب فقلت له ما هذا قال أرسل به إليك فلان وذكر بعض أصدقائي ففضضته فإذا فيه
ماذا أردت إلى روح معلقة
عند التراقي وحادي الموت يحدوها
حثثت حاديها ظلما فجدبها
في السير حتى تولت عن تراقيها
حجبت من كان تحيا عند رؤيتها
روحي ومن كان يشفينا ترائيها
233
فالنفس ترتاح نحو الظلم جاهلة
والقلب مني سليم ما يواتيها
والله لو قيل لي تأتي بفاحشة
وأن عقباك دنيانا وما فيها
لقلت لا والذي أخشى عقوبته
ولا بأضعافه ما كنت آتيها
لولا الحياء لبحنا بالذي كتمت
بنت الفؤاد وأبدينا تمنيها
قال فأسكت وقلت لا أدري ما أحتال في أمر هذا الرجل
وقلت للخادم لا يأتيك أحد بكتاب إلا قبضت عليه حتى تدخله علي
ثم لم أعرف له خبرا بعد ذلك
فبينا أنا أطوف بالكعبة إذا أنا بفتى قد أقبل نحوي وجعل يطوف إلى جنبي ويلاحظني وقد صار مثل العود فلما قضيت طوافي خرجت واتبعنى فقال لي يا هذا اتعرفني قلت ما أنكرك لسوء قال أنا صاحب الكتابين
قال فما تمالكت أن قبلت رأسه وبين عينيه وقلت بأبي أنت وأمي والله لقد شغلت علي قلبي وأطلت غمي بشدة كتمانك لأمرك فهل لك فيما سألت وطلبت
قال بارك الله لك وأقر عينيك إنما أتيتك مستحلا من نظر كنت أنظره على غير حكم الكتاب والسنة والهوى داع إلى كل بلاء وأستغفر الله
فقلت يا حبيبي أحب أن تصير معي إلى منزلي فآنس بك وتجري الحرمة بيني وبينك قال ليس إلى ذلك سبيل فاعذر وأجب إلى ما سألتك
فقلت يا حبيبي غفر الله لك ذنبك وقد وهبتها لك ومعها مائة دينار تعيش بها
ولك في كل سنة كذا وكذا
قال بارك الله لك فيها لولا عهود عاهدت الله بها وأشياء وكدتها على نفسي لم يكن في الدنيا شيء هو أحب إلي من هذا الذي تعرضه علي ولكن ليس إليه سبيل والدنيا فانية منقطعة
234
فقلت له فأما إذا أبيت أن تصير إلى ما دعوناك إليه فأخبرني من هي من جواري حتى أكرمها لك ما بقيت
فقال ما كنت لأسميها لأحد أبدا
ثم سلم علي ومضى فما رأيته بعد ذلك
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت وأخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا إسماعيل بن أحمد بن معاوية الباهلي عن أبيه قال قال الأصمعي قلت لأعرابي حدثني عن ليلتك مع فلانة قال نعم خلوت بها والقمر يرينيها فلما غاب أرتنيه قلت فما كان بينكما قال الإشارة لغير ما باس والدنو بغير إمساس ولعمري لئن كانت الأيام طالت بعدها لقد كانت قصيرة معها وحسبك بالحب
وبالإسناد قال حدثنا الخرائطي قال حدثني علي بن إسماعيل قال قيل لبعض الأعراب وقد طال عشقه بجارية ما أنت صانع لو ظفرت ولا يراكما غير الله عز وجل قال إذن والله لا أجعله أهون الناظرين لكني أفعل بها ما أفعله بحضرة أهلها حديث طويل ولحظ من بعيد وترك ما يكره الرب ويقطع الحب
أخبرنا أبو بكر بن حبيب الصوفي قال أنبأنا أبو سعد بن أبي صادق الحيرى قال أنبأنا أبو عبدالله بن باكويه الشيرازي قال حدثنا محمد بن احمد العجلي قال حدثنا نصر بن منصور الأردبيلى قال حدثني محمد بن محمود قال حدثني محمد بن إسحاق قال نزل السرى بن دينار في دار بمصر كانت فيه امرأة جميلة تفتن الناس بجمالها فعلمت المرأة فقالت لأفتننه فلما دخلت من باب
235
الدرب كشفت وأظهرت نفسها
فقال السرى مالك قالت هل كل في فراش وطيء وعيش رخي
فأقبل عليها وهو يقول
وكم ذي معاص نال منهن لذة
ومات فخلاها وذاق الدواهيا
تصرم لذات المعاصي وتنقضي
وتبقى تباعات المعاصي كما هيا
فها سوأتا والله راء وسامع
لعبد بعين الله يغشى المعاصيا
أخبرنا عبد الوهاب ومحمد بن ناصر قالا أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المروزي قال حدثنا عمر بن بكير قال قال أعرابي علقت امرأة فكنت آتيها فأحدثها سنين ما جرت بيننا ريبة قط إلا أني رأيت بياض كفها في ليلة ظلماء فوضعت يدي على يدها فقالت مه لا تفسد ما صلح فإنه ما نكح حب قط إلا فسد قال فقمت وقد ارفضضت عرقا من الاستحياء منها ولم أعد إلى شيء من ذلك
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا ابن حيوية قال أنبأنا أبو بكر بن خلف إذنا قال حدثني إسحاق بن محمد قال حدثنا أبو عبد الله القرشي قال حدثني أبو محمد الجمحي قال حدثني رجل من قريش قال خرجنا نريد مكة حتى إذا كنا بالفرش من ملل رأيت امرأة لم أر أحسن منها وجها ولا احلى لفظا قال فحادثتها أنا وصاحب لي ساعة وعرض لها صاحبي بالقول وأنشدها أشعاره فقالت
يرى الله أن لسنا لكم بصحابة
فروحوا بخير واسلموا أيها الركب
236
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال حدثنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم الزينبي إجازة قال حدثنا محمد ابن خلف قال حدثني جعفر بن القاسم قال أخبرني عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال عشق رجل من النساك جارية من البصرة فبعث يخطبها فأبت وقالت إن أردت غير ذلك فعلت فأرسل إليها سبحان الله أيتها المرأة أدعوك إلى الأمر الصحيح والحلال الذي عيب فيه ولا وزر وتدعينني إلى ما لا يصلح لي ولا لك قال فأرسلت إليه قد أخبرتك بالذي عندي فإن أردت فتقدم وإن كرهت فتأخر
فأنشأ الفتى يقول
أسائلها الحلال وتدع قلبي
إلى ما تشتهيه من الحرام
كداعي آل فرعون إليه
وهم يدعونه نحو الغرام
فظل منعما في الخلد يسعى
وظلوا في الجحيم وفي السقام
فلما علمت أنه قد امتنع عليها من الفاحشة أرسلت إليه أنا بين يديك على الذي تحب فكتب إليها هيهات لا حاجة لي فيمن دعاني إلى المعصية وأنا أدعوه إلى الطاعة وقال
لا خير فيمن لا يراقب ربه
عند الهوى ويخافه أحيانا
إن الذي يبغى الهوى ويريده
كمؤاجر شيطانه شيطانا
حجب التقى باب الهوى فأخو التقى
عف الخليقة زائد إيمانا
237
قال ابن خلف وأخبرني ابو بكر العامري عن غيث بن عبدالكريم قال عشقت عاتكة المزية ابن عم لها فأرادها على نفسها فامتنعت وأبت عليه وقالت
فما طعم ماء أي ما تقوله
تحدر من غر طوال الذوائب
بمنعرج أو بطن واد تحدبت
عليه رياح الصيف من كل جانب
ترقرق ماء المزن فيهن والتقت
عليهن أنفاس الرياح العرائب
نفت جرية الماء القذى عن متونه
فما إن به عيب تراه لشارب
بأطيب مما يقصر الوصف دونه
تقى الله واستحياء تلك العواقب
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا أبوبكر محمد بن جعفر قال أنشدني أبو يوسف الزهري قال أنشدني الزبير بن بكار قال أنشدني أبي لجدي
قال عثمان زر حبابة
بالعر صة تحدث تحية وسلاما
ثم تلهو إلى الصباح ولا
تقرب في اللهو والحديث حراما
وصفوها فلم أزل علم
الله مستولها مستهاما هل عليها في نظرة من جناح
من فتى لا يزور إلا لماما
حال فيها الإسلام دون هواه
فهو يهوى ويرقب الإسلاما ويميل الهوى به ثم يخشى
أن يطيع الهوى فيلقى أثاما
قال ابن جعفر وأنشدنا ابن المرزبان قال أنشدنا عبد الله بن شبيب
وبالعرصة البيضاء إن زرت أهلها
مهى مهملات ما عليهن سائس
238
برزن لحب اللهو في غير ريبة
عفائف باغي الغي منهن آيس
قال وانشدني علي بن الحسن الإسكافي
ما إن دعاني الهوى لفاحشة
إلا نهاني الحياء والكرم فلا إلى فاحش مددت يدي
ولا مشت لي بريبة قدم
قال وانشدني الحسن بن عمرو الرقي للعباس بن الأحنف
أما والذي نادى من الطور عبده
وأنزل فرقانا وأوحى إلى النحل
لقد ولدت حواء منك بلية
علي أقاسيها وخبلا من الخبل
وإني وإياكم وإن شفني الهوى
لأهل عفاف لا يدنس بالجهل
قال وأنشدني عمران بن موسى المؤدب للنميري
يغطين أطراف البنان من التقى
ويخرجن بالأسحار معتجرات
تضوع مسكا بطن نعمان أن مشت
به زينب في نسوة عطرات
فلما رأت ركب النميري أعرضت
وكن من أن يلقينه حذرات
أنبأنا عبد الوهاب قال أنبأنا جعفر بن احمد قال حدثنا عبد العزيز بن الحسن الضراب قال حدثنا أحمد بن مروان قال أنشدنا ابن قتيبة لإبراهيم بن هرمة
قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه
خلق وجيب قميصه مرقوع
إما تراني شاحبا متبذلا
كالسيف يخلق جفنه فيضيع
فلرب لذة ليلة قد نلتها
وحرامها بحلالها مدفوع
239
أخبرنا المبارك بن علي قال أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله بن إبراهيم الخبري قال أنبأنا أبو منصور علي بن الحسن بن الفضل الكاتب قال أنبأنا أبو عبد الله بن محمد بن خالد الكاتب قال أنبأنا أبو محمد علي بن عبد الله بن العباس الجوهري قال أنبأنا أحمد بن سعيد الدمشقي وأنبأنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أحمد بن عمر النهراوني قال أنبأنا المعافى من زكريا قال حدثنا محمد بن مزيد قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال قال لي أبو السائب المخزومي يا بن أخي أنشدني للأحوص فأنشدته قوله
قالت وقلت تحرجي وصلي
حبل امرىء بوصالكم صب
صاحب إذن بعلي فقلت لها
الغدر شيء ليس من شعبي
ثنتان لا ادنو لوصلهما
عرس الخليل وجارة الجنب
أما الخليل فلست فاجعه
والجار أوصاني به ربي
عوجا كذا ندكر لغانية
بعض الحديث مطية صحبي
ونقل لها فيم الصدود ولم
نذنب بل أنت بدأت بالذنب
إن تقبلي نقبل وننزلكم
منا بدار السهل والرحب
أو تدبري تكدر معيشتنا
وتصدعي متلائم الشعب
فأقبل علي فقال هذا يا ابن أخي والله المحب عينا لا الذي يقول
وكنت إذا حبيب رام صرمي
وجدت لدى منفسحا عريضا
اذهب فلا صحبك الله ولا أوسع عليك
240
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا العلاف قال أنبأنا عبد الملك قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال أنشدنا أبو بكر محمد بن جعفر لأبي عبد الله نفطويه
وخبرها الواشون أن خيالها
إذا نمت يغشى مضجعي ووسادي
فخفرها فرط الحياء فارسلت
تعيرني غضبي بطول رقادي
ومما أنشدوا في المبالغة في وصف العفيف
يقظاته ومنامه شرع
كل بكل فهو مشتبه
إن هم في حلم بفاحشة
زجرته عفته فينتبه
وروى إبراهيم بن إسماعيل الكاتب أن علية بنت المهدي كانت تقول
لا غفر الله فاحشة ارتكبتها قط وما أقول في شعري إلا عبثا
241
الباب الثاني والثلاثون في فضل من ذكر ربه فترك ذنبه
ذكر ثواب من فعل ذلك في الأخرة
قال الله عز وجل
ولمن خاف مقام ربه جنتان
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ومحمد بن ناصر قالا أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المازني قال حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال حدثنا محمد بن يونس قال حدثنا موسى بن زياد المخدوجي قال حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى
ولمن خاف مقام ربه جنتان
قال هو الذي إذا هم بمعصية ذكر مقام الله عليه فيها فانتهى
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار وعبد القادر بن محمد قالا أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا أبو بكر بن بخيت قال أنبأنا أبو جعفر بن ذريح قال حدثنا هناد قال حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى
ولمن خاف مقام ربه جنتان
قال هو الرجل يذكر الله عند المعاصي فينحجز عنها
وحدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مجاهد
ولمن خاف مقام ربه جنتان
قال من خاف الله عند مقامه على المعصية في الدنيا
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد قال أنبأنا أبو بكر الخياط قال أنبأنا أبو الفتح بن أبي الفوارس قال أنبأنا أحمد بن جعفر
242
الختلي قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبدالخالق قال حدثنا أبو بكر المروزي قال قرىء على أبي عبد الله محمد بن جعفر وأبو قطن قالا حدثنا شعبة عن منصور عن إبراهيم
ولمن خاف مقام ربه جنتان
قال إذا أراد أن يذنب أمسك عن الذنب مخافة الله عز وجل
وقرىء على أبي عبد الله وأنا أسمع قال حدثنا عفان وأسود بن عامر قالا أنبانا حماد بن سلمة عن أبي عمران عن ابي بكر بن أبي موسى عن أبيه في قوله
ولمن خاف مقام ربه جنتان
قال جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من فضة للتابعين
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا يحيى بن إسحاق بن إبراهيم قال حدثني محمد بن سابق قال حدثنا زائدة عن منصور عن مجاهد في قوله
ولمن خاف مقام ربه جنتان
قال هو الذي إذا هم بالمعصية ذكر الله عز وجل فتركها
قال ابن خلف وحدثني عبد الله بن محمد قال حدثنا علي بن الجعد قال أنبأنا شعبة عن منصور عن إبراهيم ومجاهد
ولمن خاف مقام ربه جنتان
قال هو الرجل يريد أن يذنب الذنب فيذكر مقام ربه فيدع الذنب
وبه قال أنبأنا هبة الله بن محمد بن الحصين قال أنبأنا الحسن بن علي التميمي قال أنبأنا أحمد بن جعفر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن احمد قال حدثني ابي
243
وأخبرنا عبد الأول قال أنبأنا الداودي قال أنبأنا ابن أعين قال حدثنا الفربري قال حدثنا البخاري قال حدثنا مسدد
وأخبرنا أبو بكر الزاغوني قال أنبأنا ابو الفتح الشاشي
وأخبرنا أبو عبد الرحمن المروزي قال أنبأنا أبو عبد الله الفراوي قالا أنبأنا عبد الغافر قال أنبأنا ابن عمرويه قال أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان قال حدثنا مسلم بن الحجاج قال حدثنا ابو موسى محمد بن المثنى قالوا حدثنا يحيى القطان عن عبيد الله
وأخبرنا الكروخي قال أنبأنا أبو عامر الأزدي وأبو بكر الغورجي قالا حدثنا الجراحي قال حدثنا المحبوبي قال حدثنا الترمذي قال حدثنا الأنصاري قال حدثنا معن
وأخبرنا عبد الأول قال أنبأنا أبو عاصم الفضيلي قال أنبأنا عبد الرحمن ابن ابي شريح قال أنبأنا أبو القاسم المنيعي قال حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قالا حدثنا مالك كلاهما عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي A قال سبعة يظلهم الله عز وجل في ظلة يوم لا ظل إلا ظله الإمام العادل وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل ورجل قلبه معلق بالمساجد ورجلان تحابا في الله عز وجل اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله عز وجل خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال إني أخاف الله عز وجل
أخرجاه في الصحيحين
244
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا الحسن بن احمد الفقيه قال أنبأنا الحسين ابن محمد بن جعفر قال أنبأنا عبد الله بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثني أبو محمد التميمي قال حدثنا داود بن المحبر قال حدثنا ميسرة بن عبد ربه عن ابي عائشة السعدي عن يزيد بن عمر بن عبد العزيز عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة وابن عباس قالا خطب رسول الله A قبل وفاته فقال في بعض خطبته ومن قدر على امرأة أو جارية حراما فتركها مخافة منه أمنه الله يوم الفزع الأكبر وحرمه على النار وأدخله الجنة
أخبرنا عبدالخالق بن يوسف قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا محمد بن علي بن الفاتح قال أنبأنا محمد بن عبد الله الدقاق قال أنبأنا الحسين ابن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني محمد بن إدريس قال حدثت عن رياح العبسي قال سمعت مالك بن دينار يقول جنات النعيم بين جنات الفردوس وبين جنات عدن فيها جوار خلقن من ورد الجنة قيل ومن يسكنها قال الذين هموا بالمعاصي فلما ذكروا عظمتي راقبوني والذين انثنت أصلابهم من خشيتي
وعزتي إني لأهم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى أهل الجوع والعطش من مخافتي صرفت عنهم العذاب
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا ابن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا حسين بن محمد قال حدثنا أبو المليح عن ميمون قال الذكر ذكران فذكر الله عز وجل باللسان حسن
وأفضل منه أن يذكر الله عندما يشرف عليه من معاصيه
245
أخبرنا عبدالوهاب الحافظ قال أنبأنا علي بن أيوب قال أنبأنا أبو بكر البرقاني قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الاسماعيلي قال أخبرني إسحاق ابن إبراهيم قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا عبدالحميد قال حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال لا يحمد أو يحسن ورع امرىء حتى يشفى على طمع ويقدر عليه فيتركه حين يتركه لله عز وجل
وقد روى سعيد عن قتادة قال ذكر لنا أن نبي الله A كان يقول لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله عز وجل إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن أحمد الحداد قال أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن شبل قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير قال من صدق الإيمان وبره أن يخلوا الرجل بالمرأة الحسناء فيدعها لا يدعها إلا لله عز وجل
فصل قد كان يغلب الخوف عند القدرة على الذنب تارة على الرجال فيكون
الامتناع منهم وتارة على النساء فيكون الامتناع منهن
وهذا سياق أخبار الرجال الذين امتنعوا من الذنوب مع القدرة عليها
أخبرنا عبد الأول قال أنبأنا عبد الرحمن بن محمد الداودي قال أنبأنا عبيد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي قال حدثنا يوسف بن محمد بن مطر قال حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال حدثنا إبراهيم بن المنذر
وأخبرنا أبو بكر الزاغوني قال أنبأنا أبو الفتح الشاشي
246
وأخبرنا أبو عبد الرحمن المروزي قال أنبأنا أبو عبد الله الفراوي قالا أنبأنا عبد الغافر قال أنبأنا ابن عمرويه قال حدثنا إبراهيم بن محمد ابن سفيان قال حدثنا مسلم بن الحجاج قال حدثنا محمد ابن إسحاق المسيبي قالا حدثنا أبو ضمرة انس بن عياض قال حدثنا موسى ابن عقبة قال البخاري وحدثنا سعيد بن أبي مريم قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة قالا حدثنا نافع عن ابن عمر عن رسول الله A قال بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر فمالوا إلى غار في الجبل فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعله يفرجها
فقال أحدهم اللهم إنه كان لي والدان شيخان كبيران ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالدي أسقيهما قبل ولدي وإنه نأى بي الشجر فما أتيت حتى أمسيت فوجدتهما قد ناما فحلبت كما كنت أحلب فجئت بالحلاب فقمت عند رءوسهما أكره أن أوقظهما من نومهما وأكره أن أبدأ بالصبية قبلهما والصبية يتضاغون عند قدمي فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتى طلع الفجر
فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السماء
ففرج الله لهم فرجة حتى رأوا منها السماء
وقال الثاني اللهم إنه كانت لي ابنة عم أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء فطلبت إليها نفسها فأبت حتى آتيها بمائة دينار فسعيت حتى جمعت مائة دينار فلقيتها بها فلما قعدت بين رجليها قالت يا عبد الله اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه فقمت عنها
247
اللهم فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا منها
ففرج لهم فرجة
وقال الآخر إني كنت استأجرت أجيرا بفرق أرز فلما قضى عمله قال اعطني حقي فعرضت عليه حقه فتركه ورغب عنه فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا وراعيها فجاءني فقال اتق الله ولا تظلمني واعطني حقي فقلت اذهب إلى تلك البقر وراعيها فقال اتق الله ولا تهزأ بي فقلت إني لا أهزأ بك فخذ تلك البقر وراعيها فأخذها وانطلق بها فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما بقي
ففرج الله عنهم
لفظ حديث إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وهو ابن أخي موسى بن عقبة وقد اتفقا على إخراجه من حديث إسماعيل وليس لإسماعيل عن نافع عن ابن عمر في الصحيح غيره
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا ابن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني ابي قال حدثنا أسباط قال حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعد مولى طلحة عن ابن عمر قال لقد سمعت من رسول الله A حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرار ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من أمرأته أرعدت وبكت فقال ما يبكيك أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما حملني عليه الحاجة
248
قال أفتفعلين هذا ولم تفعليه قط قال ثم نزل فقال اذهبي والدنانير لك ثم قال والله لا يعصيى الله الكفل أبدا
فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله للكفل
قال الترمذي هذا حديث حسن
أخبرنا عبد الملك بن عبد الله الكروخي قال أنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي العميري قال أنبأنا محمد بن أحمد الفامي قال أنبأنا محمد بن أحمد المرواني قال حدثني محمد بن المنذر شكر قال حدثني الفضل بن عبد الجبار الباهلي قال أنبأنا إبراهيم بن الأشعث قال أنبأنا المعتمر بن سليمان قال سمعت أبا كعب يحدث عن الحسن قال كانت امرأة بغي لها ثلث الحسن لا تمكن من نفسها إلا بمائة دينار وإنه أبصرها عابد فأعجبته فذهب وعمل بيديه وعالج فجمع مائة دينار فجاء فقال إنك قد أعجبتني فانطلقت فعملت بيدي وعالجت حتى جمعت مائة دينار
فقالت ادفعها إلى القهرمان حتى ينتقدها ويتزنها ففعل فقالت انتقدت منه مائة دينار قال نعم قالت ادخل وكان لها من الجمال والهيئة والله أعلم به وكان لها بيت متخذ وسرير من ذهب فقالت هلم لك فلما جلس منها مجلس الخائن ذكر مقامه بين يدي الله فأخذته رعدة وماتت شهوته فقال اتركيني فلأخرج ولك المائة دينار قالت ما بدا لك وقد رأيتني كما زعمت فأعجبتك فذهبت وعالجت وكددت حتى جمعت مائة دينار فلما قدرت علي فعلت الذي فعلت
قال فرق من الله ومقامي بين يدي الله وقد ابغضت إلي
قالت لإن كنت صادقا مالي زوج غيرك
قال ذريني لأخرج
قالت لا إلا أن تجعل لي عهدا أن تزوجني
قال لا حتى اخرج
قالت فلي عليك إن أنا اتيتك أن تزوجني
قال أجل
249
قال فتقنع بثوبه ثم خرج إلى بلده وارتحلت الأخرى بدنياها نادمة على ما كان منها حتى قدمت بلده فسألت عن اسمه ومنزله فدلت عليه فقيل له الملكة جاءت تسأل عنك فلما رآها شهق شهقة فمات
قال فأسقط في يديها فقالت أما هذا فقد فاتني فهل له من قريب قيل أخوه رجل فقير فقالت إني أتزوجك حبا لحب اخيك قال فتزوجته فولدت له سبعة أنبياء
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ومحمد بن ناصر قالا أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المازني قال حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني محمد بن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني محمد بن الحسين عن موسى بن داود عن ابي الزناد عن أبيه قال كان راهب يتعبد في صومعته فأشرف منها فرأى امرأة ففتن بها فأخرج رجله من الصومعة لينزل إليها فلما أخرج رجله نزلت عليه العصمة وأدركته السعادة فقال يا نفس رجل خرجت من الصومعة لتعصي الله تعود إليها وتكون معي في صومعتي والله لا كان هذا أبدا قال فتركها معلقة خارج الصومعة تسقط عليها الثلوج والأمطار وتصيبها الشمس والرياح حتى تقطعت وتناثرت وسقطت
فشكر الله ذلك من فعله وأنزل في بعض الكتب وذو الرجل يمدحه بذلك
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن احمد السراج قال أنبأنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق قال حدثنا محمد بن أحمد بن فارس قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن
250
حرب قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا مرحوم بن عبد العزيز قال حدثنا أبو عمران الجوني قال كان لحام بني إسرائيل لا يورع عن شيء فجهد أهل بيت من بني إسرائيل فأرسلوا إليه جارية منهم تسأله فقالت يا لحام بني إسرائيل أعطنا فقال لا أو تمكنيني من نفسك فرجعت فجهدوا جهدا شديدا فرجعت إليه فقالت يا لحام بني إسرائيل اعطنا فقال لا أو تمكنيني من نفسك فرجعت فجهدوا جهدا شديدا فأرسلوها إليه فقالت يا لحام بني إسرائيل أعطنا قال لا أو تمكنيني من نفسك قالت دونك فلما خلا بها جعلت تنتفض كما تنتفض السعفة إذا خرجت من الماء فقال لها مالك قالت أخاف الله هذا شيء لم أصنعه قط قال فأنت تخافين الله ولم تصنعيه وأفعله أنا أعاهد الله أني لا ارجع في شيء مما كنت فيه
قال فأوحى الله عز وجل إلى نبي بني إسرائيل إن كتاب لحام بني إسرائيل أصبح في كتاب أهل الجنة فأتاه النبي فقال يا لحام أما علمت أن كتابك أصبح في كتاب أهل الجنة
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبدالجبار قال أنبأنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين الزينبي قال حدثني ابن المرزبان قال حدثني أبو أحمد الخراساني قال حدثني أحمد بن أبي نصر قال حدثنا إبراهيم بن خالد قال حدثني أمية بن شبل عن عبد الله بن وهب قال إبراهيم لا أراه إلا عن أبيه أن عابدا من عباد بني إسرائيل كان يتعبد في صومعته فجاء نفر من الغواة إلى امرأة بغى فقالوا لها لعلك أن تزيليه فجاءته في ليلة مطيرة مظلمة فنادته فأشرف عليها فقالت يا عبد الله آوني إليك فتركها واقبل على صلاته ومصباحه ثاقب فقالت يا عبد الله آوني إليك اما ترى الظلمة والمطر فلم تزل به حتى آواها إليه فاضطجعت قريبا منه فجعلت تريه محاسن خلقها حتى دعته نفسه إليها فقال لا والله حتى أنظر كيف صبرك
251
على النار فتقدم إلى المصباح اوالقنديل فوضع إصبعا من اصابعه فيه حتى احترقت ثم عاد إلى صلاته فدعته نفسه أيضا وعاود المصباح فوضع إصبعه الأخرى حتى احترقت فلم تزل نفسه تدعوه وهو يعود إلى المصباح حتى احترقت أصابعه جميعا وهي تنظر فصعقت فماتت
قال ابن المرزبان أخبرني أحمد بن حرب قال حدثني عبيد الله بن محمد قال حدثني أبو عبد الله البلخي أن شابا كان في بني إسرائيل لم ير شاب قط احسن منه وكان يبيع القفاف فبينما هو ذات يوم يطوف بقفافه خرجت امرأة من دار ملك من ملوك بني إسرائيل فلما رأته رجعت مبادرة فقالت لابنة الملك يا فلانة إني رأيت شابا بالباب يبيع القفاف لم أر شابا قط أحسن منه
قالت أدخليه
فخرجت إليه فقالت يا فتى ادخل نشتر منك فدخل فاغلقت الباب دونه ثم قالت ادخل فدخل فأغلت بابا آخر دونه ثم استقبلته بنت الملك كاشفة عن وجهها ونحرها
فقال لها اشتري عافاك الله فقالت إنا لم ندعك لهذا إنما دعوناك لكذا يعني تراوده عن نفسه فقال لها اتق الله
قالت له إنك إن لم تطاوعني على ما أريد أخبرت الملك أنك إنما دخلت علي تكابرني على نفسي قال فأبى ووعظها فأبت فقال ضعوا لي وضوءا فقالت أعلى تعلل يا جارية ضعي له وضوءا فوق الجوسق فكان لا يستطيع أن يفر منه ومن الجوسق إلى الأرض أربعون ذراعا فلما صار في أعلى الجوسق قال اللهم إني دعيت إلى معصيتك فإني اختار أن أصبر نفسي فألقيها من هذا الجوسق ولا أركب المعصية ثم قال بسم الله وألقى نفسه من أعلى الجوسق فأهبط الله له ملكا فأخذ بضبعيه
252
فوقع قائما على رجليه فلما صار في الأرض قال اللهم إنك إن شئت رزقتني رزقا يغنيني عن بيع هذه القفاف
قال فارسل الله إليه جرادا من ذهب فأخذ منه حتى ملأ ثوبه
فلما صار في ثوبه قال اللهم إن كان هذا رزقا رزقتنيه في الدنيا فبارك لي فيه وإن كان ينقصني مما لي عندك في الآخرة فلا حاجة لي فيه
فنودي إن هذا الذي أعطيناك جزء من خمسة وعشرين جزءا لصبرك على القائك نفسك من هذا الجوسق
فقال اللهم لا حاجة لي فيما ينقصني مما لي عندك في الآخرة
قال فرفع
قال ابن المرزبان وحدثني عبد الله بن أبي عبد الله الكوفي قال حدثني محمد ابن يحيى بن أبي حاتم قال حدثنا جعفر بن أبي جعفر الرازي عن أبي جعفر السائح عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال كان شاب على عهد عمر بن الخطاب ملازما المسجد والعبادة فعشقته جارية فأتته في خلوة فكلمته فحدث نفسه بذلك فشهق شهقة فغشى عليه فجاء عم له فحمله إلى بيته فلما أفاق قال يا عم انطلق إلى عمر فأقرئه مني السلام وقل له ما جزاء من خاف مقام ربه فانطلق عمه فأخبر عمر فأتاه عمر وقد شهق الفتى شهقة فمات منها فوقف عليه عمر وقال لك جنتان
وقد بلغتنا هذه الحكاية على وجه آخر
فأخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال أنبأنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق قال حدثنا محمد بن أحمد بن فارس قال حدثنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم الزينبي قال حدثنا أبو بكر محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني يحيى بن أيوب أن فتى كان يعجب به عمر بن الخطاب فقال عمر إن هذا الفتى ليعجبني
253
وإنه انصرف ليلة من صلاة العشاء فمثلت له امرأة بين يديه فعرضت له نفسها ففتن بها ومضت فاتبعها حتى وقف على بابها فلما وقف بالباب أبصر وجلي عنه ومثلت هذه الآية على لسانه
إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون
فخر مغشيا عليه فنطرت إليه المرأة فإذا هو كالميت فلم تزل هي وجارية لها تتعاونان عليه حتى ألقوه على باب داره
وكان له أب شيخ كبير يقعد لانصرافه كل ليلة فخرج فإذا هو ملقى على باب الدار لما به فاحتمله فأدخله فأفاق بعد ذلك فسأله والده ما الذي أصابك يا بني قال له يا أبت لا تسلني فلم يزل به حتى أخبره وتلا الآية فشهق شهقة خرجت نفسه فدفن
فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال ألا آذنتموني بموته فذهب حتى وقف على قبره فنادى يا فلان ولمن خاف مقام ربه جنتان
فأجابه الفتى من داخل القبر قد أعطانيهما ربي يا عمر
قال ابن المرزبان وحدثنا عبد الله بن محمد المروزي قال حدثنا علي بن عاصم قال أنبأنا حصين بن عبد الرحمن قال بلغني أن فتى من أهل المدينة كان يشهد الصلاة كلها مع عمر بن الخطاب قال بلغني أن فتى من هل المدينة كان يشهد الصلاة كلها مع عمر بن الخطاب وكان يتفقده إذا غاب قال فعشقته امرأة من أهل المدينة فذكرت ذلك لبعض نسائها فقالت لها ألا أحتال لك في إدخاله عليك قالت بلى
فقعدت له في الطريق فلما مر عليها قالت له أنا امرأة كبيرة السن ولي شاة ولست أستطيع أن أحلبها فلو تنويت الثواب ودخلت محلبتها لي فدخل فلم ير شاة فقالت ادخل البيت حتى آتيك بها فدخل فإذا امرأة وراء الباب فاغلقت عليه
254
الباب فلما رأى ذلك عمد إلى محراب في البيت فقعد فيه فأرادته على نفسه فأبى وقال اتق الله أيتها المرأة فجعلت لا تكف عنه ولا تلتفت إلى قوله فلما أبى عليها صاحت فجاؤوا فدخلوا عليها وقالت إن هذا دخل علي يريدني على نفسي فوثبوا عليه وجعلوا يضربونه وأوثقوه
فلما صلى عمر الغداة فقده فبينا هو كذلك إذ جاؤوا به في وثاق فلما رآه عمر قال اللهم لا تخلف ظني فيه
قال مالكم قالوا استغاثت امراة في الليل فجئنا فوجدنا هذا الغلام عندها فنلناه بضرب وأوثقناه فقال له عمر اصدقني فأخبره القصة وما قالت العجوز فقال له عمر أتعرفها قال ما إن رأيتها
فأرسل عمر إلى نساء جيرانها وعجائزها فجاء بهن فعرضهن عليه فجعل لا يعرف حتى مرت به العجوز فقال هذه يا أمير المؤمنين فرفع عمر عليها الدرة وقال اصدقيني فقصت عليه كما قص الفتى فقال عمر الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف
أخبرنا عبد الوهاب الأنماطي قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو الحسن علي بن أحمد الملطي قال أنبأنا أحمد بن محمد بن يوسف قال أنبأنا أبو علي البردعي قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني محمد بن الحسين قال حدثني عبد العزيز بن يحيى الأويسي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال خرج عطاء بن يسار وسليمان بن يسار حاجين من المدينة ومعهم أصحاب لهم حتى إذا كانوا بالأبواء نزلوا منزلا فانطلق سليمان بن يسار حاجين من المدينة ومعهم أصحاب لهم حتى إذا كانوا بالأبواء نزلوا منزلا فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجتهم وبقي عطاء قائما في المنزل يصلي فدخلت عليه امرأة من الأعراب جميلة
255
فلما رآها عطاء ظن أن لها حاجة فأوجز في صلاته ثم قال ألك حاجة قالت نعم
قال اما هي قالت قم فأصب مني فإني قد ودقت ولا بعل لي فقال إليك عني لا تحرقيني ونفسك بالنار ونظر إلى امرأة جميلة فجعلت تراوده عن نفسه وتأبى إلا ما تريد فجعل عطاء يبكي ويقول ويحك إليك عني إليك عني قال واشتد بكاؤه فلما نظرت المرأة إليه وما دخله من البكاء والجزع بكت المرأة لبكائه فجعل يبكي والمرأة بين يديه تبكي
فبينا هو كذلك جاء سليمان من حاجته فما نظر إلى عطاء يبكي والمرأة بين يديه تبكي في ناحية البيت بكى لبكائهما لا يدري ما أبكاهما وجعل أصحابهما يأتون رجلا رجلا كلما اتاهم رجل فرآهم يبكون جلس يبكي لبكائهما لا يسألهم عن امرهم حتى كثر البكاء وعلا الصوت
فلما رأت الأعرابية ذلك قامت فخرجت وقام القوم فدخلوا فلبث سليمان بعد ذلك وهو لا يسأل أخاه عن قصة المرأة إجلالا له وهيبة قال وكان أسن منه ثم إنها قدما مصر لبعض حاجتهم فلبثا بها ما شاء الله فبينا عطاء ذات ليلة نائما استيقظ وهو يبكي فقال سليمان ما يبكيك يا اخي قال رؤيا رأيتها الليلة قال ما هي قال لا تخبر بها أحدا ما دمت حيا
رأيت يوسف النبي عليه السلام في النوم فجئت أنظر إليه فيمن ينظر فلما رأيت حسنه بكيت فنظر إلي في الناس فقال ما يبكيك أيها الرجل قلت بأبي أنت وأمي يا نبي الله ذكرتك وامرأة العزيز وما ابتليت به من أمرها وما لقيت من السجن وفرقة الشيخ يعقوب فبكيت من ذلك وجعلت أتعجب منه فقال A فهلا تعجبت من صاحب المرأة البدوية بالأبواء
256
فعرفت الذي اراد فبكيت واستيقظت باكيا
فقال سلميان أي أخي وما كان حال تلك المرأة قال فقص عطاء عليه القصة فما أخبر بها سليمان أحدا حتى مات عطاء فحدث بها امرأة من أهله قال وما شاع هذا الحديث بالمدينة إلا بعد موت سليمان بن يسار وقد روى لنا أن هذه القصة جرت لسليمان بن يسار لا لعطاء
فاخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين الزينبي قال حدثنا ابن المرزبان قال حدثني أبو بكر العامري وسليمان بن ايوب المديني قالا حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال حدثنا مصعب بن عثمان قال كان سليمان بن يسار من احسن الناس وجها فدخلت عليه امرأة فسألته نفسه فامتنع عليها فقالت له ادن فخرج هاربا عن منزله وتكرهها فيه قال سليمان بن يسار فرأيت بعد ذلك يوسف عليه السلام فيما يرى النائم وكأني أقول له أنت يوسف قال نعم أنا يوسف الذي هممت وأنت سليمان الذي لم تهم
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا أبو يوسف الزهري قال حدثنا الزبير بن بكار قال كان عبد الرحمن بن أبي عمار من بني جشم معاوية ينزل بمكة وكان من عباد أهلها فسمى القس من عبادته فمر ذات يوم بسلامة وهي تغني فسمع غناءها فرآه مولاها فدعاه إلى أن يدخله عليها فأبى عليه فقال له فاقعد في مكان تسمع
257
غناءها ولا تراها ففعل فغنت فأعجبته فقال له مولاها هل لك أن أحولها إليك فامتنع بعض الامتناع ثم أجابه إلى ذلك فنظر إليها فأعجبته فشغف بها وشغفت به وكان ظريفا فقال فيها
أم سلام لو وجدت من الوجد
عشر الذي بكم أنا لاقي
أم سلام أنت همي وشغلي
والعزيز المهيمن الخلاق
ام سلام ما ذكرتك إلا
شرقت بالدموع مني المآقي
قال وعلم بذلك أهل مكة فسموها سلامة القس فقالت له يوما أنا والله أحبك فقال وأنا والله أحبك فقالت أنا والله أحب أن أضع فمي على فمك
قال وأنا والله أحب ذلك قالت فما يمنعك فوالله إن الموضع لخال فقال لها ويحك إني سمعت الله يقول الخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وأنا والله أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك في الدنيا عداوة يوم القيامة
ثم نهض وعيناه تذرفان من حبها وعاد إلى الطريقة التي كان عليها من النسك والعبادة
فكان يمر بين الأيام ببابها فيرسل بالسلام إليها فيقال له ادخل فيأبي ومما قال فيها
إن سلامة التي
أفقدتني تجلدي
لو تراها والعود في
حجرها حين تبتدي
للسريجي والغريض
وللقرم معبد
خلتهم تحت عودها
حين تدعوه باليد
258
أخبرنا ابن ناصر وعبد الله بن علي قالا أنبأنا طراد قال أنبأنا أبو الحسين بن بشران قال حدثنا أبو علي بن صفوان قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا أبو يزيد النميري قال حدثني خلاد بن يزيد قال سمعت شيوخنا من أهل مكة منهم سليمان يذكرون أن القس كان من أحسنهم عبادة وأطهرهم تبتلا وأنه مر يوما بسلامة جارية كانت لرجل من قريش وهي التي اشتراها يزيد بن عبد الملك فسمع غناءها فوقف يستمع فرآه مولاها فدنا منه فقال له هل لك أن تدخل فتسمع فتأبى عليه فلم يزل به حتى تسمح وقال أقعدني في موضع لا أراها ولا تراني قال أفعل
فدخلت فغنت فأعجبته فقال مولاها هل لك أن أحولها إليك فتأبى ثم سمح فلم يزل يسمع غناءها حتى شغف بها وشغفت به وعلم ذلك أهل مكة
فقالت له يوما أنا والله أحبك
قال وأنا والله أحبك
قالت واحب أن أضع فمي على فمك
قال وأنا والله
قالت وأحب أن ألصق صدري بصدرك وبطني ببطنك
قال وأنا والله قالت فما يمنعك فوالله إن الموضع لخال قال إني سمعت الله يقول الأخلاء يؤمئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وأنا أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك تؤول بنا إلى عداوة يوم القيامة قالت يا هذا أتحسب أن ربي وربك لا يقبلنا إن نحن تبنا إليه قال بلى ولكن لا آمن أن أفاجأ
ثم نهض وعيناه تذرفان فلم يرجع بعد وعاد إلى ما كان فيه من النسك
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين الزينبي قال حدثنا ابن المرزبان قال قال إسحاق بن منصور حدثني جابر بن نوح قال كنت بمدينة الرسول A
259
جالسا عند بعض أهل السوق فمر بي شيخ حسن الوجه حسن الثياب فقام إليه البائع فسلم عليه وقال له يا أبا محمد سل الله أن يعظم أجرك وأن يربط على قلبك بالصبر
فقال الشيخ مجيبا له
وكان يميني في الوغى ومساعدي
فأصبحت قد خانت يميني ذراعها
وأصبحت حرانا من الثكل حائرا
أخا كلف ضاقت علي رباعها
فقال له البائع يا أبا محمد ابشر فإن الصبر معول المؤمن وإني لأرجو ألا يحرمك الله الأجر على مصيبتك
فقلت للبائع من هذا الشيخ فقال رجل منا من الأنصار من الخزرج فقلت وما قصته قال أصيب بابنه كان به بارا قد كفاه جميع ما يعنيه وميتته أعجب ميتة فقلت وما كان سبب ميتته قال أحبته امرأة من الأنصار فأرسلت إليه تشكو إليه حبها وتسأله الزيارة وتدعوه إلى الفاحشة وكانت ذات بعل فأرسل إليها
إن الحرام سبيل لست أسلكه
ولا أمر به ما عشت في الناس
فابغي العتاب فإني غير متبع
ما تشتهين فكوني منه في ياس
إني سأحفظ فيكم من يصونكم
فلا تكوني أخا جهل ووسواس فلما قرأت الكتاب كتبت إليه
دع عنك هذا الذي أصبحت تذكره
وصر إلى حاجتي يا أيها القاسي
دع التنسك إني غير ناسكة
وليس يدخل ما أبديت في راسي قال فأفشى ذلك إلى صديق له فقال له لو بعثت إليها بعض أهلك فوعظتها وزجرتها رجوت أن تكف عنك فقال والله لا فعلت ولا صرت في الدنيا حديثا وللعار في الدنيا خير من النار في الآخرة وقال
العار في مدة الدنيا وقلتها
يفنى ويبقى الذي في العار يؤذيني
260
والنار لا تنقضي ما دام بي رمق
ولست ذا ميتة منها فتفنيني
لكن ساصبر صبر الحر محتسبا
لعل ربي من الفردوس يدنيني
قال وأمسك عنها فأرسلت إما أن تزورني وإما أن أزورك فأرسل إليها اربعي أيتها المرأة على نفسك ودعي عنك التسرع إلى هذا الأمر
فلما يئست منه ذهبت إلى امرأة كانت تعمل السحر فجعلت لها الرغائب في تهييجه فعملت لها فيه فبينا هو ذات ليلة جالسا مع ابيه إذ خطر ذكرها بقلبه وهاج منه أمر لم يكن يعرفه واختلط
فقام من بين يدي أبيه مسرعا وصلى واستعاذ وجعل يبكي والأمر يزيد فقال له أبوه يا بني ما قصتك قال يا أبت أدركني بقيد فما أرى إلا قد غلبت على عقلي
فجعل أبوه يبكي ويقول يابني حدثني بالقصة فحدثه قصته فقام إليه فقيده وأدخله بيتا فجعل يتضرب ويخور كما يخور الثور ثم هدأ ساعة فإذا هو ميت وإذا الدم يسيل من منخريه
قال ابن المرزبان وحدثني إسحق بن محمد الكوفي قال حدثني العتبي قال علق أعرابي امرأة فطال به وبها الأمر فلما التقيا وتمكن منها وصار بين شعبتيها ذكر الدار الاخرة وجاءته العصمة فقال والله إن امرءا باع جنة عرضها السموات والأرض بفتر بين رجليك لقليل البصر بالمساحة قال ابن المرزبان وحدثني محمد بن محمد الهروي قال حدثني محمد بن الحسين قال حدثني الحكيم بن نصر قال حدثني محمد بن عبد الرحمن قال سمعت جعفر بن عون يقول سمعت شيخا من مزينة يحدث عن أبيه قال هويت جارية من العرب ذات جمال وكمال وأنا إذ ذاك لا أرع عن شيء أريده فمكثت حينا أرسل إليها وترسل إلي فلما تطاولت الأيام أرسلت إليها
261
أنه ليس شيء أبلغ من الاجتماع فأرسلت إلي الموعد فقلت ليلة كذا في موضع كذا وكذا
فلما كانت الليلة خرجت وخرجت فالتقينا وجلست أشكو إليها فبينا نحن كذلك وقف شيخ علينا فسلم فرددت السلام فقال ما جلوسك ها هنا قلت حاجة لي فقال ومن هذه المرأة قلت بعض أهلي قال سبحان الله تخرجها في مثل هذا الوقت قلت حاجة عرضت فقال لي يا هذا إن الله تعالى قال في محكم كتابه العزيز
أم حسب الذين اجترحوا السيئات
وتلا الآية فإياك يا هذا أن تكون للسيئات مجترحا فإن الله مسائل كل نفس عما عملت فإياك لا يفضحك عند السؤال إذ لا عذر لك ثم قال قوما بارك الله فيكما
فقمنا وما أقدر أن أخطو من الحياء منه وشدة هيبته فلما توليت قال انظر ما أوصيتك به فإنه معك وهو يراك حيث كنت
ثم مضى فسمعته يقول اللهم أعصمهما حتى لا يعصياك وكأنما فرغ من قلبي ما كنت أجد فأتيت وعزمت على هجرها فأتاني رسولها بالسلام فقلت له لا تعد إلي بعد اليوم
فلما بلغها الرسول ذلك كتبت إلى هذا الشعر
إني توهمت امرا لا أحققه
وربما كان بعض الظن تغريرا
فإن يكن ما ظننت اليوم يا سكنى
حقا فقد طال تعذيبي وتفكيري
فلما قرأته كتبت إليها
يا من توهم أني مثل ما عهدت
لا تكذبي لست عند الظن والأمل
إني اخاف عقاب الله يلحقني
وأن يقربني حتفي من الأجل
262
فكذبي الظن فينا واسلكي سبلا
نقفك بعد الهوى منا على العمل
أخبرنا عبد الوهاب وابن ناصر قالا أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المازني قال حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني محمد بن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن الحسين بإسناد لم يحفظه عبد الله أن فتى كان له جمال وهيئة كان يكثر الإجتياز بباب امرأة من بنات عمه فنظر إليها فعلقها فخطبها من أبيها فرغب بها عنه واتصل ذلك بها فأرسلت إلى الفتى قد بلغني ما كان منك وقد أحببتك لحبك إياي فإن كنت تحب أن أصير إليك فعلت وإن أردت سهلت لك الإذن حتى تصل إلي
قال كلا لا أريد إني أخاف أن يوقعني حبك في نار لا تطفأ وعذاب لا ينقطع
فلم بلغتها رسالته قالت ألا أراك راهبا وأنا لا أعلم والله ما أحد اولى بهذا من أحد وإن الخلق في الوعد والوعيد لمشتركون
ثم تعبدت ولبست مدرعة من شعر فعظم ذلك على أبيها وكبر في نفس أهلها ولم تزل على هذه الطريقة من العبادة حتى ماتت فكان الفتى يغشى قبرها في كل جمعة فيدعو ويستغفر لها
قال فرأيتها ليلة في المنام فقلت فلانة قالت نعم
نعم المحبة يا سؤلي محبتكم
حب يجر إلى خير وإحسان
فقلت لها يا حبيبتي إلى ما صرت فقالت
إلى نعيم وملك لا نفاد له
في جنة الخلد خلد ليس بالفاني فقلت لها أيتها الحبيبة أتذكريني هناك فقالت والله إني لأتمناك على مولاي ومولاك فأعني بصالح من عملك فلعل الله أن يجمعنا في داره دار المقام
263
ثم ثنت وجهها لتنصرف
فقلت لها يا حبيبتي متى أراك قالت قريبا إن شاء الله
فعاش الفتى أياما قليلة ثم مات فدفن إلى جانبها
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال أنبأنا أبو بكر الخرائطي قال حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال عن ابن أبي كامل عن إسحاق ابن إبراهيم عن رجاء بن عمرو النخعي قال كان بالكوفة فتى جميل الوجه شديد التعبد والاجتهاد وكان أحد الزهاد فنزل في جوار قوم من النخع فنظر إلى جارية منهن جميلة فهويها وهام بها عقله ونزل بها مثل الذي نزل به
فأرسل يخطبها من ابيها فأخبره أبوها أنها مسماة لابن عم لها فلما اشتد عليهما ما يقاسيان من ألم الهوى أرسلت إليه الجارية قد بلغني شدة محبتك لي وقد اشتد بلائي بك فإن شئت زرتك وإن شئت سهلت لك أن تأتيني
فقال للرسول ولا واحدة من هاتين الخلتين إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم أخاف نارا لا يخبو سعيرها ولا يخمد لهبها فلما انصرف الرسول إليها فأبلغها ما قال قالت وأراه مع هذا زاهدا يخاف الله والله ما أحد أحق بهذا من احد وإن العباد فيه لمشتركون
ثم انخلعت من الدنيا وألقت علائقها خلف ظهرها ولبست المسوح وجعلت تعبد وهي مع ذلك تذوب وتنحل حبا للفتى وأسفا عليه حتى ماتت شوقا إليه فدفنت فكان الفتى يأتي قبرها ويبكي عندها ويدعو لها فغلبته عينه ذات يوم على قبرها فرآها في منامه وكأنها في احسن منظرها فقال كيف أنت وما لقيت بعدي فقالت
نعم المحبة يا سؤلي محبتكم
حب يقود إلى خير وإحسان
264
فقال على ذلك إلى ما صرت فقالت
إلى نعيم وعيش لا زوال له
في جنة الخلد ملك ليس بالفاني
فقال لها اذكريني هناك فإني لست أنساك فقالت ولا أنا والله أنساك ولقد سألت قربك مولاي ومولاك فأعني على ذلك بالاجتهاد ثم ولت مدبرة فقال لها متى أراك قالت ستأتينا عن قريب فترانا فلم يعش الفتى بعد الرؤيا إلا سبع ليال
اخبرنا أبو بكر بن حبيب الصوفي قال أنبأنا علي بن أبي صادق الحيري قال حدثنا أبو عبد الله بن باكويه الشيرازي قال سمعت الحسين بن أحمد الفارسي يقول سمعت الدقي يقول سمعت أبا الكريز معمرا يقول سمعت أبا زرعة الخيني يقول مكرت بي امرأة فقالت يا ابا زرعة ألا ترغب في عيادة مبتلي تتفط برؤيته فقلت بلى فقالت أدخل إلى الدار فلما دخلت الدار أغلقت الباب ولم أر أحدا فعرفت قصدها فقلت اللهم سودها فاسودت فحارت وفتحت الباب فخرجت وقلت اللهم ردها إلى حالتها فردها إلى ما كانت
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا محمد بن علي بن الفاتح قال أنبأنا محمد بن عبد الله الدقاق قال أنبأنا الحسن بن صفوان قال حدثنا أبو بكر بن عبيد قال حدثني محمد بن الحسين قال حدثني عثمان بن زفر التيمي قال حدثني أبو عمر يحيى بن عامر التيمي أن رجلا من الحي خرج حاجا فإذا هو بامرأة في بعض الليل ناشرة شعرها في بعض المياه قال فأعرضت عنها فقالت هلم إلي لم تعرض عني قال قلت إني أخاف الله رب العالمين فتجلببت ثم قالت هبت مهابا إن أولى من شركك في الهيبة عن أراد أن يشركك في المعصية
265
قال ثم ولت فتبعتها فدخلت بعض خيام الأعراب فلما أصبحت أتيت رجلا من القوم فوصفتها فقلت فتاة كذا وكذا من حسنها من منطقها فقال شيخ منهم ابنتي والله قلت هل أنت مزوجي قال على الأكفاء
قلت رجل من تيم الله قال كفؤ كريم فما رمت حتى تزوجتها ودخلت بها ثم قلت جهزوها إلي قدومي من الحج فلما قدمت حملتها إلى الكوفة فها هي عندي لي منها بنين وبنات
قال قلت لها ويحك ما كان تعرضك لي حينئذ قالت يا هذا لا تكذبن ليس للنساء خير من الأكفاء فلا تعجبن بامرأة تقول هويت فوالله لو عجل لها بعض السودان ما تريده من هواها لكان هو الهوى عندها دون هواها
اخبرنا يحيى بن ثابت بن بندار قال أنبأنا أبي قال أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر السلماسي قال أنبأنا أبو العباس الوليد بن بكر الأندلسي قال أنبأنا أبو الحسن علي بن احمد بن زكريا الهاشمي قال حدثنا صالح بن أحمد بن عبد الله بن مسلم العجلي قال حدثني أبي قال حدثني أبي عبد الله قال كانت امرأة جميلة بمكة وكان لها زوج فنظرت يوما إلى وجهها في المرآة فقالت لزوجها أترى أحدا يرى هذا الوجه لا يفتن به قال نعم قالت من قال عبيد بن عمير قالت فائذن لي فيه فلأفتننه قال قد أذنت لك قال فأتته كالمستفتية فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام قال فأسفرت عن مثل فلقة القمر فقال لها يا أمة الله قالت إني قد فتنت بك فانظر في امري قال إني سائلك عن شيء فإن أنت صدقتيني نظرت في أمرك قالت لا تسألني عن شيء إلا صدقتك
266
قال اخبريني لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة قالت اللهم لا قال صدقت قال فلو أدخلت في قبرك وأجلست للمساءلة أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة قالت اللهم لا
قال صدقت قال فلو أن الناس اعطوا كتبهم ولا تدرين تأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة قالت اللهم لا
قال صدقت قال فلو جيء بالموازين وجيء بك لا تدرين تخفين أم تثقلين أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة قالت اللهم لا
قال صدقت
قال فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة قالت اللهم لا
قال صدقت
قال اتقي الله يا أمة الله فقد أنعم الله عليك وأحسن إليك
قال فرجعت إلى زوجها فقال ما صنعت قالت أنت بطال ونحن بطالون فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة قال فكان زوجها يقول مالي ولعبيد بن عمير أفسد علي امرأتي كانت في كل ليلة عروسا فصيرها راهبة
267
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن احمد بن السراج قال أنبأنا أبو محمد أحمد بن علي بن الحسين بن أبي عثمان فيما أجاز لنا قال أنبأنا أبو الحسن أحمد ابن موسى القرشي قال حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال حدثنا محمد ابن المرزبان قال حدثنا محمد بن هارون المقرىء قال حدثنا سعيد بن عبد الله بن راشد قال علقت فتاة من العرب فتى من قومها وكان الفتى عاقلا
فجعلت تكثر التردد إليه فلما طال عليها مرضت وتغيرت واحتالت في أن خلا لها وجهه فتعرضت له ببعض الأمر فصرفها ودفعها عنه فتزايد المرض حتى سقطت على الفراش فقالت له أمه إن فلانة قد مرضت ولها علينا حق قال فعوديها وقولي لها يقول لك ما خبرك فصارت إليها أمه فقالت لها ما بك قالت وجع في قؤادي هو اصل علتي قالت فإن ابني يقول لك ما علتك فتنفست الصعداء وقالت
يسائلني عن علتي وهو علتي
عجيب من الأنباء جاء به الخبر
فانصرفت إليه أمه فأخبرته وقالت له قد كنت أحب أن تسألها المصير إلينا لنقضي حقها ونلي خدمتها قال فسليها ذلك قالت قد أردت أن أفعله ولكن أحببت أن يكون عن رأيك فمضت إليها فذكرت لها ذلك عنه فبكت وقالت
يباعدني عن قربه ولقائه
فلما أذاب الجسم مني تعطفا
فلست بآتي موضعا فيه قاتلي
كفى بي سقاما أن اموت كذا كفى
وترامت العلة بها وتزايد المرض حتى ماتت
أنبأنا علي بن عبيد الله قال أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة قال أنبأنا إسماعيل ابن سويد قال حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثني ابن أبي الدنيا قال حدثني محمد بن زيد العتبي قال أخبرني جدي الحسن بن زيد قال ولينا
268
بديار مصر رجل فوجد على بعض عماله فحبسه وقيده فأشرفت عليه ابنة الوالي فهويته فكتبت إليه وكان قد نظر إليها
أيها الرامي بعينيه
وفي الطرف الحتوف
إن ترد وصلا فقد
أمكنك الظبي الألوف
فأجابها الفتى
إن تريني زاني
العينين فالفرج عفيف
ليس إلا النظر
الفاتر والشعر الظريف
فكتبت إليه
قد أردناك على
عشقك إنسانا عفيفا
فتأبيت فلا زلت
لقيديك حليفا
فأجابها
ما تأبيت لأني
كنت للظبي عيوفا
غير أني خفت ربا
كان بي برا لطيفا
فذاع الشعر وبلغ الخبر الوالي فدعا بن فزوجه إياها ودفعها إليه
وروي أن رجلا تزوج امرأة من غير بلده فأرسل عبده فحملها إليه فراودت العبد نفسه وطالبته بالمرأة فجاهد نفسه واستعصم بالله تعالى فجعله الله نبيا في بني إسرائيل
حدثني أبو محمد عبد الله بن علي المقرىء قال حدثني أبو سعد بن أبي عمامة أن رجلا أحب امرأة فأحبته فاجتمعا فراودته المرأة عن نفسه فقال إن أجلي ليس بيدي وأجلك ليس بيدك فربما كان الأجل قد دنا فنلقى الله عاصين
فقالت صدقت فتابا وحسنت حالتهما
269
أخبرنا أحمد بن أحمد المتوكلي قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا عبد الرحمن بن محمد النيسابوري قال أنبأنا محمد بن عبد الله بن شاذان قال سمعت أبا عبد الله القرشي يقول كان لي جار شاب وكان أديبا وكان يهوى غلاما أديبا فنظر يوما إلى طاقات شعر بيض في عارضيه فوقع له شيء من الحق فهجر الغلام وقلاه فلما نظر الغلام إلى هجره كتب إليه
ما لي جفيت وكنت لا أجفى
ودلائل الهجران لا تخفى
وأراك تشربني وتمزجني
ولقد عهدتك شاربي صرفا
قال فقلب الرقعة وكتب على ظهرها
التصابي مع الشمط
سمتني خطة شطط
لا تلمني على جفاي
فحسبي بما فرط
أنا رهن بما جنيت
فذرني من الغلط
قد رأينا أبا الخلائق
في زلة هبط سياق أخبار النساء اللواتي امتنعن من عن الفاحشة مع القدرة عليها
أنبأنا أحمد بن أحمد بن المتوكلي قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي قال حدثنا محمد بن موسى الصيرفي قال حدثنا محمد بن عبد الله الأصبهاني قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا الحسن بن الصباح قال حدثنا زيد بن الحباب قال حدثنا محمد بن نشيط قال حدثنا بكر بن عبد الله المزني أن قصابا ولع بجارية لبعض جيرانه فأرسلها أهلها إلى حاجة لهم في قرية أخرى فتبعها فراودها عن نفسها فقالت لا تفعل لأنا أشد حبا لك منك لي ولكني أخاف الله
قال فأنت تخافينه وأنا لا أخافه فرجع تائبا فأصابه العطش حتى كاد ينقطع
270
عنقه فإذا هو برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل فسأله فقال مالك قال العطش قال تعال حتى ندعو حتى تظلنا سحابة حتى ندخل القرية قال مالي من عمل فأدعو
قال فأنا أدعو وأمن أنت قال فدعا الرسول وأمن هو فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية فأخذ القصاب إلى مكانه ومالت السحابة عليه فرجع الرسول فقال له زعمت أن ليس لك عمل وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمنت فأظلتنا سحابة ثم تبعتك لتخبرني ما أمرك
فأخبره فقال الرسول التائب إلى الله بمكان ليس احد من الناس بمكانه
أخبرتنا شهدة بنت أحمد الإبري قال أنبأنا جعفر بن أحمد القارىء قال أنبأنا أبو طاهر أحمد بن على السواق قال حدثنا ابن فارس قال حدثنا الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثني أحمد بن زهير قال قال غيلان حدثنا أبو عوانة عن إسماعيل بن سالم عن أبي إدريس الأودي قال كان رجلان في بني إسرائيل عابدان وكانت جارية يقال لها سوسن عابدة وكانوا يأتون بستانا فيتقربون فيه بقربان لهم فهوى العابدان سوسن فكتم كل واحد منهما صاحبه واختبأ كل واحد منهما خلف شجرة ينظران إليها فبصر كل واحد منهما بصاحبه فقال كل واحد منهما لصاحبه ما يقيمك ها هنا فأفشى كل واحد منهما إلى صاحبه حب سوسن فأتفقا على ان يراوداها فلما جاءت لتقرب قالا لها قد عرفت طواعية بني إسرائيل لنا وإن لم تواتينا قلنا إذا أصبحنا إنا أصبنا معك رجلا وإن الرجل أفلتنا وإنا أخذناك فقالت لهما ما كنت لأطيعكما فأخذاها فأخرجاها وقالا أخذنا سوسن مع رجل وإن الرجل سبقنا وذهب
فأقاموا سوسن على المصطبة وكانوا يقيمون المذنب ثلاثة ايام فتنزل عقوبة من السماء فتأخذه
فأقاموا سوسن فلما كان اليوم الثالث جاء دانيال وهو ابن ثلاث عشرة سنة
271
فوضعوا له كرسيا فجلس عليه وقال قدموها إلى فجاءا كالمستهزئين فقال لأحدهما خلف أي شجرة رأيتها فقال وراء تفاحة وقال للآخر خلف اي شجرة رأيتها فاختلفا فنزلت نار من السماء فأحرقتهما فأفلتت سوسن
قال أبو بكر وفي خبر أنها وقفت لترجم فنزل الوحي على دانيال وهو ابن سبع سنين
قال وهب ابن منبه كان في بني إسرائيل رجل من العباد شديد الاجتهاد فرأى يوما امرأة فوقعت في نفسه بأول نظرة فقام مسرعا حتى لحقها فقال رويدك يا هذه
فوقفت وعرفته فقالت ما حاجتك قال أذات زوج أنت قالت نعم فما تريد قال لو كان غير هذا كان لنا نظر في ذلك قالت وما نظرك قال عرض بقلبي من نظرك عارض قالت وما يمنعك من إنفاذه قال وتتابعيني على ذلك قالت نعم فخلت به في موضع فلما أن رأته مجدا في الذي ينال قالت رويدك يا مسكين لا تسقط جاهك عنده قال فانتبه لها وسكن عن قلبه ما كان يجد من فتنتها
فقال لا حرمك الله ثواب فعلك
ثم تنحى ناحية فقال لنفسه اختاري إما عمى العينين وإما قطع الإحليل وإما السياحة في مسالك الوحوش والسباع فاختارت السياحة قال فلبس أثواب السياحة وخرج سائحا في البراري والقفار حتى مات يبكي على تلك النظرة
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال أنبأنا أبو طاهر بن السواق قال حدثنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن فارس قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم الزينبي
272
قال حدثنا ابن المرزبان قال حدثني عبد الله بن محمد بن عبيد قال حدثني محمد بن الحسين قال حدثني محمد بن سلام الجمحي قال سمعت خارجة بن زياد رجل من بني سليمة يذكر قال هويت امرأة من الحي فكنت أتبعها إذا خرجت من المسجد فعرفت ذلك مني فقالت لي ذات ليلة ألك حاجة قلت نعم قالت وما هي قلت مودتك قالت دع ذلك ليوم التغابن قال فأبكتني والله فما عدت إلى ذلك
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا أحمد بن جعفر بن سالم قال أنبأنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق قال حدثنا يعقوب بن يوسف البتي قال حدثنا عمر بن محمد عن عبدالسلام ابن عبيد عن أعرابي قال خرجت في بعض ليالي الظلمة فإذا أنا بجارية كأنها علم فأردتها على نفسها فقالت ويلك أما لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك ناه من دين فقلت لها إيها والله ما يرانا إلا الكواكب قالت فأين مكوكبها
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو إسحاق البرمكي قال أنبأنا أبو الحسن الزينبي قال أنبأنا ابن المرزبان قال حدثنا إسحاق بن منصور قال حدثني أبي قال حدثنا أبو العباس التيمي قال حدثني محمد بن عبد الله بن يزيد قال حدثتني أمي عن أبيها قال أحببت جارية من العرب وكانت ذات عقل وأدب فما زلت أحتال في أمرها حتى اجتمعت معها في ليلة مظلمة شديدة السواد في موضع خال فحادثتها ساعة ثم دعتني نفسي إليها فقلت يا هذه قد طال شوقي إليك قالت وأنا كذلك قلت وقد عسر اللقاء
قالت نحن كذلك قلت هذا الليل قد ذهب والصبح قد قرب
273
قالت هكذا تفنى الشهوات وتنقطع اللذات قلت لها لو أدنيتني منك
قالت هيهات هيهات
إني أخاف العقوبة من الله
قلت لها فما الذي دعاك إلى الحضور معي في هذا المكان
قالت شقوتي وبلائي
قلت فمتى أراك قالت ما أراني أنساك فأما الاجتماع معك فلا أراه يكون
ثم تولت من بين يدي فاستحييت مما سمعت منها فرجعت وقد خرج من قلبي ما كنت أجد من حبها
ثم أنشأت أقول
توقت عذابا لا يطاق انتقامه
ولم تأت ما تخشى به أن تعذبا
وقالت مقالا كدت من شدة الحيا
أهيم على وجهي حيا وتعجبا
ألا أف للحب الذي يورث العمى
ويورد نارا لا تمل التوثبا
فأقبل عودي فوق بدئي مفكرا
وقد زال عن قلبي العمى فتسربا
قال فلم أر امرأة كانت أصون منها لدينها ولا أعقل
وبالإسناد قال حدثنا ابن المرزبان قال اخبرني عبد الله بن محمد قال حدثنا الحسين بن عبد الرحمن قال حدثني أبو محمد الشيباني قال كان بالبصرة رجل له أكار وكانت له امرأة جميلة حسناء كثيرة اللحم فوقعت في نفسه فركب زبيديته إلى قصره وقال للأكار القط لنا من الرطب وصيره في الدواخل
ثم قال له إيت به فلانا وفلانا فذهب به فلما مضى قال لامرأته
274
أغلقي باب القصر فأغلقته
ثم قال لها أغلقي كل باب ففعلت فقال لها هل بقي باب لم تغلقيه قالت نعم باب واحد لم أغلقه
قال وأي باب هو قالت الباب الذي بيننا وبين الله عز وجل
فبكا ثم قام عرقا وانصرف ولم يواقع الخطيئة
أخبرنا أحمد بن أحمد المتوكلي قال أنبأنا أبو بكر الخطيب
وأخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا إبراهيم بن الجنيد قال حدثنا شيخ من بني عبد القيس قال سمعتهم يقولون إن رجلا أراد امرأة عن نفسها فقالت أنت قد سمعت الحديث وقرأت القرآن فأنت أعلم
فقال لها أغلقي أبواب القصر فأغلقتها فدنا منها فقالت بقي باب لم أغلقه
قال أي باب قالت الباب الذي بينك وبين الله تعالى قال فلم يعرض لها
أخبرنا المبارك بن علي قال أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله الخبرية قالت أنبانا علي بن الحسن بن الفضل قال أنبانا أحمد بن محمد بن خالد قال أنبأنا ابن المغيرة الجوهري قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرنا علي بن عثام قال كان شيخ من أهل الكوفة يكنى أبا الشعثاء يمازح دنانير جارية ابن كناسة ويظهر لها أنه يعشقها فقالت فيه
لأبي الشعثاء حب دائم
ليس فيه تهمة للمتهم
يا فؤادي فازدجر عنه ويا
عبث الحب به فاقعد وقم
جاءني منه كلام صائد
ورسالات المحبين الكلم
صائد تأمنه غزلانه
مثل ما تأمن غزلان الحرم
275
صل إن أحببت أن تعطى المنى
يا أبا الشعثاء لله وصم
ثم ميعادك بعد الموت في
جنة الخلد إن الله رحم
حيث ألقاك غلاما ناشئا
ناعما قد كملت فيك النعم
قال الزبير لكن عاصما المبرسم وكان من ولد نافع مولى عمر بن الخطاب كان يختلف إلى جعفرة جارية الرواس ويتعشقها ويظهر لها مثل ذلك إلى أن خلت له فساومها نفسها فقالت سبحان الله يا عاصم إنما ظننت حبك حبا إلى النظر والمزاح فأما الحرام فلا سبيل إليه معاذ إلهي من ذلك
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي قال أنبأنا ابو عمر بن حيوية قال أنبأنا محمد بن خلف قال أنبأنا أبو محمد جعفر بن الفضل العسكري قال أنبأنا محبوب بن صالح عن أبيه أن رجلا من العرب رأى امراة فوقعت بقلبه فكاتم بذلك دهرا ثم إن الأمر تفاقم وتمكنت منه الصبابة واستحقه الغرام فبعث إليها يسألها نفسها ويخبرها بما هو عليه من حبها فكتبت إليه اتق الله أيها الرجل وارع على نفسك واستحي من هذه الهمة التي قد تعلقت بها فإن ذلك أولى بذوي العقول
فلما وافاه كتابها أخذته وسوسة واستولى عليه الشيطان وجعل الأمر يتزايد حتى زال عقله وكان لا يعقل إلا ما كان من حديثها أو ذكرها وكان يبكر في كل يوم فيقف على باب الدار التي تنزلها المرأة فيقول
يا دار حييت إن كانت تحيتنا
تغني ولو كان في التسليم إشفائي
لا زلت أبكيك ما قامت بنا قدم
وابغي الشفا بك من سقمي ومن دائي
ثم مضى شبيها بالهائم على وجهه فلم يزل على ذلك حتى مات
أخبرنا موهوب بن احمد قال أنبأنا علي بن احمد بن البسرى قال أنبأنا
276
محمد بن عبد الرحمن المخلص قال أنبأنا أحمد بن نصر بن بحير قال حدثنا عبد العزيز بن أحمد بن بكار قال حدثني القاسم بن محمد بن الحارث المروزي عن أحمد بن زهير قال سمعت ابن المبارك يقول عشق هارون جارية فأرادها فذكرت أن أباه كان مسها فأشغف بها هارون حتى قال
أرى ماء وبي عطش شديد
ولكن لا سبيل إلى الورود
أما يكفيك أنك تملكيني
وأن الناس كلهم عبيدي
وأنك لو قطعت يدي ورجلي
لقلت من الرضا أحسنت زيدي
قال فسأل أبا يوسف عنها فقال أو كلما قالت جارية تصدق
قال ابن المبارك ولا أدري ممن أعجب من أمير المؤمنين حيث رغب عنها أو منها حيث رغبت عن أمير المؤمنين او من أبي يوسف حيث أمر بالهجوم عليها
اخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا أحمد بن علي السواق قال حدثنا محمد بن أحمد بن فارس قال حدثنا عبد الله بن إبراهيم البصري قال حدثنا محمد بن خلف قال أخبرني بعض أهل الأدب عن عثمان بن عمرو قال حدثني عبد الله بن صالح قال حدثني بلال بن مرة قال بلغني أن أعرابيا خلا بجارية من قومه فراودها عن نفسها فقالت ويحك والله إن كان ما تدعوني إليه حلا لقد كان قبيحا قال فكيف ذلك قالت والشاهد الله قال فلم يعاود
قال ابن خلف وحدثنا أبو بكر القرشي قال حدثني أحمد بن العباس النميري قال حدثني أبو عثمان التيمي قال مر رجل براهبة من أجمل النساء فافتتن بها فتلطف في الصعود إليها فأرادها على نفسها فأبت عليه وقالت لاتغتر بما ترى فليس قط شيء فأبى حتى غلبها على نفسها وكان إلى جانبها مجمرة لبان فوضعت يدها فيها حتى احترقت فقال لها بعد أن قضى حاجته
277
منها ما دعاك إلى ما صنعت قالت إنك لما قهرتني على نفسي خفت أن أشركك في اللذة فأشاركك في المعصية ففعلت ذاك لذلك
فقال الرجل والله لا أعصي الله أبدا وتاب مما كان عليه وبلغنا أن بعض المتعبدات البصريات وقعت في نفس رجل مهلبي وكانت جميلة وكانت تخطب فتأبى فبلغ المهلبي أنها تريد الحج فاشترى ثلاثمائة بعير ونادى من أراد الحج فليكتر من فلان المهلبي فاكترت منه فلما كان في بعض الطريق جاءها ليلا فقال إما أن تزوجيني نفسك وإما غير ذلك فقالت ويحك اتق الله فقال ما هو إلا ما تسمعين والله ما أنا بجمال ولا خرجت في هذا إلا من أجلك
فلما خافت على نفسها قالت ويحك انظر أبقي في الرجال أحد لم ينم قال لا
قالت عد فانظر
فمضى وجاء فقال ما بقي أحد إلا وقد نام فقالت ويحك أنام رب العالمين ثم شهقت شهقة وخرت ميتة
وخر المهلبي مغشيا عليه ثم قال ويحي قتلت نفسا ولم أبلغ شهوتي فخرج هاربا
وروى الزبير بن بكار قال حدثني طارق بن عبد الواحد عن أبي عبد الرحمن المخزومي قال لقي عمر بن أبي ربيعة ليلى بنت الحارث بن عوف وهي تسير على بغلة لها صادرة عن الحج فقال قفي أنشدك بعض ما قلت فيك فقال
أجن إذا رأيت جمال سعدى
وأبكي إن رأيت لها قرينا
ألا يا سعد إن شفاء سقمي
نوالك إن بذلت فنولينا
فقد آن الرحيل وحان منا
فراقك فانظري ما تأمرينا
فقالت آمرك بتقوى الله وترك ما أنت عليه
278
وروى أبو عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني أن بعض ملوك الأعاجم خرج يتصيد وانفرد عن أصحابه فمر بقرية فرأى امرأة جميلة فراودها عن نفسها فقالت إني غير طاهرة فأتطهر وآتي فدخلت بيتا لها فأخرجت منه كتابا فقالت انظر في هذا حتى آتي فنظر فيه فإذا فيه ذكر العقوبة على الزنا فلهى عن المرأة وخرج فركب فلما جاء زوجها أخبرته الخبر فكره أن يقربها مخافة أن يكون للملك فيها حاجة فاعتزلها فاستعدى عليه أهلها إلى الملك فقالوا اعز الله الملك إن لنا أرضا في يد هذا الرجل فلا هو يعمرها ولا هو يردها علينا فقد عطلها فقال له الملك ما تقول قال إني رأيت في هذه الأرض أثر الأسد وأنا أتخوف الدخول منه
ففهم الملك الأمر فقال عمر أرضك فإن الأسد لا يدخلها ونعم الأرض أرضك
كتب اسبهد ودست الديلمي الشاعر إلى امرأة في صباه
ما تقولين في فتى يهواك
ومناه في كل وقت يراك
قد تخلى بالهم فيك وما
يفتر منه اللسان عن ذكراك فأجابته
لست ممن يبغي الوصال حراما
إن فعل الحرام كالإشراك
إن طلبت الحلال منا أطعناك
وإلا فاعدل إلى الامساك
إن خير الأعمال ما كان عقباه
نجاة من الأذى والهلاك
279
الباب الثالث والثلاثون في الحث على النكاح
أخبرنا هبة الله بن محمد الشيباني قال أنبأنا الحسن بن علي التميمي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا يعلى بن عبيد
وأخبرنا عبد الأول قال أنبأنا الداودي قال أنبأنا ابن أعين قال حدثنا الفربري قال حدثنا البخاري قال حدثنا عمر بن حفص قال حدثنا أبي
وأخبرنا ابو بكر الزاغوني قال أنبأنا أبو الفتح الشاشي
وأخبرنا أبو عبد الرحمن المروزي قال أنبأنا أبو عبد الله الفراوي قالا أنبأنا عبد الغافر الفارسي قال أنبأنا ابن عمرويه قال حدثنا إبراهيم بن محمد ابن سفيان قال حدثنا مسلم بن الحجاج قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا جرير
وأخبرنا الكروخي قال أنبأنا الأزدي والغورجي قالا أنبأنا الجراحي قال حدثنا المحبوبي قال حدثنا الترمذي قال حدثنا محمود بن عيلان قال حدثنا أبو أحمد قال حدثنا سفيان قال أنبأنا الأعمش عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد قال قال عبد الله كنا مع رسول الله A شبابا ليس لنا شيء فقال يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء
280
قال الخطابي الباءة كناية عن النكاح وأصل الباءة الموضع الذي يأوي إليه الإنسان ومنه اشتق مباءة الغنم وهو المراح الذي تأوي إليه بالليل والوجاء رض الأنثيين والخصاء نزعهما
وفي الحديث دليل على جواز التعالج لقطع الباءة بالأدوية لقوله فليصم
أخبرناابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا حجاج قال حدثنا ليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني سعيد بن المسيب أنه سمع سعد بن أبي وقاص قال أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه النبي A ولو أجاز له ذلك لاختصينا
أخرجه البخاري ومسلم والذي قبله
والتبتل الانقطاع إلى العبادة عن النكاح ومنه طلقة بتلة وقيل لمريم البتول لانقطاعها عن الأزواج
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا القطيعي قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا محمد بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي ذر قال دخل على رسول الله A رجل يقال له عكاف بن بشر التميمي فقال له النبي A يا عكاف هل لك من زوجة قال لا قال ولا جارية قال لا قال وأنت موسر قال وأنا موسر
281
قال أنت إذن من إخوان الشياطين
لو كنت من النصارى كنت من رهبانهم إن سنتنا النكاح شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم
أبالشياطين تمرسون ما للشياطين من سلاح ابلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجون أولئك المطهرون المبرؤون من الخنا ويحك يا عكاف إنهن صواحب ايوب وداود ويوسف وكرسف فقال له بشر بن عطية ومن كرسف يا رسول الله قال رجل كان يعبد الله بساحل البحر ثلاثمائة عام يصوم النهار ويقوم الليل ثم إنه كفر بالله العظيم في سبب امرأة عشقها وترك ما كان عليه من عبادة الله عز وجل ثم استدركه الله تعالى ببعض ما كان فيه فتاب عليه ويحك يا عكاف تزوج وإلا فأنت من المذبذبين قال زوجني يا رسول الله قال قد زوجتك كريمة بنت كلثوم الحميري
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا القاضي أبو العلاء الواسطي قال أنبأنا عبد الله بن محمد المزني قال أنبأنا أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا الحسين بن الحسن الشيلماني قال حدثنا خالد بن إسماعيل المخزومي قال حدثنا عبد الله بن عمر عن صالح بن أبي صالح مولى التوأمة عن جابر قال قال رسول الله A أيما شاب تزوج في حداثة سنة عج شيطانة يا ويله عصم مني دينه
أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري قال أنبأنا أبو إسحق البرمكي قال أنبأنا أبو بكر بن بخيث قال حدثنا إسماعيل بن موسى قال حدثنا جبارة قال حدثنا مندل عن يحيى بن عبد الرحمن بن لبيبة عن أبيه عن جده قال قال رسول الله A من أدرك له ولد وقد بلغ النكاح وعنده ما يزوجه فلم يزوجه فأحدث فالإثم بينهما
282
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا عبد القادر بن يوسف قال أنبأنا أبو بكر الخياط قال أنبأنا أبو الفتح بن أبي الفوارس قال أنبأنا أحمد ابن جعفر الختلي قال حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق قال حدثنا أبو بكر المروزي قال حدثنا أبو عبد الله أحمد بن حنبل قال حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال المرأة شطر دين الرجل
قال المروزي وسمعت أبا عبد الله يقول ليس العزوبية من امر الإسلام في شيء النبي A تزوج أربع عشرة ومات عن تسع ثم قال لو كان بشر بن الحارث قد تزوج كان قد تم أمره كله لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولم يحجوا ولم يكن كذا ولم يكن كذا فقد كان النبي A يصبح وما عندهم شيء ويمسي وما عندهم شيء ومات عن تسع وكان يختار النكاح ويحث عليه
ونهى النبي A عن التبتل فمن رغب عن فعل النبي A فهو على غير الحق
ويعقوب في حزنه قد تزوج وولد له والنبي A قال حبب إلى النساء قلت فإن إبراهيم بن أدهم يحكى عنه أنه قال لروعة صاحب عيال فما قدرت أن أتم الحديث حتى صاح بي وقال وقعنا في بنيات الطريق انظر عافاك الله ما كان عليه محمد وأصحابه وقال لبكاء الصبي بين يدي أبيه متسخطا يطلب منه خبزا أفضل من كذا وكذا أين يلحق المتعبد العزب
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبانا جعفر بن احمد بن السراج قال أنبأنا محمد ابن الحسين الجازري قال حدثنا المعافى بن زكريا قال حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال
283
حدثني أبي قال حدثنا أحمد بن الربيع الخزاز قال حدثني يونس بن بكير الشيباني قال حدثني أبو إسحاق عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب رسول الله A قال ما زلت أسمع حديث عمر بن الخطاب أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيرا إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة عليها بابها وهي تقول
تطاول هذا الليل تسري كواكبه
وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه
ألاعبه طورا وطورا كأنما
بدا قمرا في ظلمة الليل حاجبه
يسر به من كان يلهو بقربه
لطيف الحشا لا تحتويه أقاربه
فوالله لولا الله لا شيء غيره
لنفض من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيبا موكلا
بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه
ثم تنفست الصعداء وقالت لهان على عمر بن الخطاب وحشتي وغيبة زوجي عني
وعمر واقف يستمع قولها فقال لها يرحمك الله يرحمك الله ثم وجه إليها بكسوة ونفقة وكتب في أن يقدم عليها زوجها
فصل ويستحب لمن أراد النكاح النظر إلى المنكوحة فقد روى عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال من أراد أن يتزوج امرأة فلينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فذلك أحرى أن يؤدم بينها
284
وينبغي له أن يتخير صاحبة الدين مع الحسن فقد قال عليه الصلاة والسلام فاظفر بذات الدين تربت يداك
فأما من ابتلى بالهوى فاراد التزويج فليجتهد في نكاح المرأة التي ابتلى بها إن صح له ذلك وجاز وإلا فليختر ما يظنه مسليا له عن ذلك وهو ما يقع بقلبه عند رؤيته وعلامة ذلك أنه إذا رأى الشخص تشبث بقلبه وجمد نظره عليه فلم يكد يقلع عنه فهذه علامة المحبة
وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا حمد بن أحمد قال حدثنا ابو نعيم أحمد بن عبد الله قال حدثنا سليمان بن أحمد قال حدثنا عبد الجبار بن أبي عامر السيلحيني قال حدثني أبي قال حدثنا خالد بن سلام الخثعمي قال حدثنا عطاء الخراساني قال مكتوب في التوراة كل تزويج على غير هوى حسرة وندامة إلى يوم القيامة
285
الباب الرابع والثلاثون في ذم من خبب امرأة على زوجها
أخبرنا إسماعيل بن أبي صالح المؤذن قال أنبأنا عبد الله بن علي بن إسحاق الفقيه قال أنبأنا أبو حسان محمد بن أحمد المزكي قال أنبأنا محمد بن أحمد بن العطار قال أنبأنا أبو بكر محمد بن إسحاق قال حدثنا الحسن بن سليمان المصري قال حدثنا عثمان بن محمد قال حدثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله A قال من خبب امرأة على زوجها فليس منا
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي قال حدثنا محمد بن عبد الله بن شهريار قال أنبأنا سليمان بن أحمد الطبراني قال حدثنا عبد السلام بن سهل السكري قال حدثنا محمد بن عبد الله الأزدي قال حدثنا أبو ثميلة يحيى بن واضح عن أبي ظبية الخراساني قال حدثنا أبو مجلز عن ابن عمر قال قال رسول الله من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على مواليه فليس منا
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا أبو الوليد بن ثعلبة عن عبد الله بن يزيد عن أبيه قال قال رسول الله A ليس منا من حلف بالأمانة ومن خبب على امرىء زوجته أو مملوكه فليس منا
286
أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال أنبأنا علي بن الحسين بن أحمد العكبري قال أنبأنا الحسن بن احمد الفارسي قال أنبأنا محمد بن محرز الادمي قال حدثنا محمد بن الفضل بن سلمة قال حدثنا محمد بن معاوية قال حدثنا أبو الطيب عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال قال رسول الله A من أفسد امرأة على زوجها فليس مني ومن أفسد عبدا على سيده فليس مني
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا أبو علي التميمي قالت أنبانا أبو بكر ابن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا أبو الجواب قال حدثنا عمار بن رزيق عن عبد الله بن عيسى عن عكرمة عن يحيى بن يعمر عن أبي هريرة قال قال رسول الله A من خبب خادما على أهلها فليس منا ومن أفسد امرأة على زوجها فليس منا
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا جعفر بن احمد بن السراج قال حدثنا القاضي أبو الحسين التوزي قال أنبأنا عمر بن شاهين قال حدثنا إسماعيل بن علي قال أنبأنا يونس قال حدثنا روح بن اسلم قال أنبأنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن ميسرة قال كان رجل من بني إسرائيل من عباد بني إسرائيل يعمل بالمسحاة وكانت له امرأة من أجمل نساء بني إسرائيل فبلغ جبارا من جبابرة بني إسرائيل جمالها فأرسل إليها عجوزا فقال خببيها عليه وقولي لها ترضين أن تكوني عند مثل هذا الذي يعمل بالمسحاة ولو كنت عندي لحليتك بالذهب وكسوتك بالحرير وأخدمتك الخدم يعني فقالت لها
وكانت تقرب إليه فطره وتفرش له فراشا فلم تفعل وتغيرت عليه فقال يا هنتاه ما هذا الخلق الذي لا اعرفه قالت هو ما ترى قال فطلقها فتزوجها جبار بني إسرائيل فلما دخلت عليه وأرخيت الستور عمي وعميت فأهوى بيده ليلمسها فجفت يده وأهوت بيدها
287
تلمسه فجفت يدها وصما وخرسا ونزعت منهما الشهوة
فلما أصبحا رفعت الستور فإذا هم صم عمي خرس فرفع خبرهما إلى نبي بني إسرائيل فرفع خبرهما إلى الله تعالى فقال إني لست أغفر لهما أبدا ظنا أن ليس بعيني ما عملا بصاحب المسحاة
وقد رويت لنا هذه الحكاية عن سلمان الفارسي
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن احمد بن السراج قال أنبأنا الأمير أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله قال حدثنا أبو العباس أحمد بن منصور اليشكري قال حدثنا ابو عبد الله بن عرفة قال حدثني محمد بن موسى الشامي قال حدثنا روح بن اسلم قال حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء ابن السائب عن أبي البختري عن سلمان قال كان في بني إسرائيل امرأة ذات جمال وكانت عند رجل يعمل بالمسحاة وكان إذا جاء بالليل قدمت طعامه وفرشت له فراشه
فبلغ خبرها ملك ذلك العصر فبعث إليها عجوزا من بني إسرائيل فقالت لها ما تصنعين بهذا الذي يعمل بالمسحاة لو كنت عند الملك لكساك الحرير وفرشك الديباج
فلما وقع الكلام في مسامعها جاء زوجها بالليل فلم تقدم له طعامه ولم تفرش له فراشه فقال لها ما هذا الخلق يا هنتاه فقالت هو ما ترى
فقال أطلقك قالت نعم فطلقها فتزوجها ذلك الملك فلما زفت إليه نظر إليها فعمى ومد يده إليها فجفت فرفع نبي ذلك العصر خبرهما إلى الله عز وجل فأوحى لله تعالى إليه أعلمها أني غير غافر لهما أما علما أن بعيني ما عملا بصاحب المسحاة
أخبرنا المحمدان ابن ناصر وابن عبد الباقي قالا أنبأنا حمد بن أحمد قال حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن الحافظ قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا عبد الله بن
288
محمد قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا سعيد بن اسد قال حدثنا ضمرة عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف من المسجد إلى منزله كبر على باب منزله فتكبر امرأته فإذا كان في صحن داره كبر فتجيبه امرأته فإذا بلغ باب بيته كبر فتجيبه امرأته فانصرف ذات ليلة فكبر عند باب داره فلم يجبه أحد فلما كان في الصحن كبر فلم يجبه أحد فلما كان في باب بيته كبر فلم يجبه أحد وكان إذا دخل بيته أخذت امرأته رداءه ونعليه ثم اتته بطعامه
قال فدخل فإذا البيت ليس فيه سراج وإذا امرأته جالسة في البيت منكسة تنكت بعود معها
فقال لها مالك فقالت أنت لك منزلة من معاوية وليس لنا خادم فلو سألته فأخدمنا وأعطاك
فقال اللهم من أفسد علي امرأتي فاعم بصره
قال وقد جاءتها امرأة قبل ذلك فقالت زوجك له منزلة من معاوية فلو قلت له يسأل معاوية يخدمه ويعطيه عشتم
قال فبينا تلك المرأة جالسة في بيتها إذ أنكرت بصرها فقالت ما لسراجكم طفئ قالوا لا فعرفت ذنبها فأقبلت إلى أبي مسلم تبكي تسأله أن يدعو الله عز وجل لها يرد عليها بصرها
قال فرحمها أبو مسلم فدعا الله عز وجل لها فرد عليها بصرها
289
الباب الخامس والثلاثون في ذكر ماهية العشق وحقيقته
اختلف كلام الناس في ذلك
وأكثرهم سموه باسم سببه أو باسم ما يؤول إليه
ذكر كلام الأوائل في ذلك
قال أفلاطون العشق حركة النفس الفارغة بغير فكرة وسئل يوذجانس عن العشق فقال سوء اختيار صادف نفسا فارغة وقال أرسطاطا ليس العشق هو عمي الحس عن إدراك عيوب المحبوب وقال فيثاغورس العشق طمع يتولد في القلب ويتحرك وينمى ثم يتربى ويجتمع إليه مواد من الحرص فكلما قوى إزداد صاحبه في الاهتياج واللجاج والتمادي في الطمع والفكر في الأماني والحرص على الطلب حتى يؤديه ذلك إلى الغم المقلق
وفي هذا المعنى قال المتنبي
وما العشق إلا غرة وطماعة
يعرض قلب نفسه فيصاب
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال أنبأنا أبو القاسم الأزجي قال أنبأنا محمد بن العباس قال حدثنا أبو بكر بن المرزبان قال قال سقراط الحكيم العشق جنون وهو ألوان كما أن الجنون ألوان
أنبأنا ابن خيرون قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا علي بن أيوب
290
قال أنبأنا محمد بن عمران قال اخبرني المظفر بن يحيى قال قال بعض الفلاسفة لم أر حقا أشبه بباطل ولا باطلا أشبه بحق من العشق هزله جد وجده هزل وأوله لعب وآخره عطب
قال ابن عمران وأخبرني أحمد بن يحيى قال حدثنا أبو العيناء قال حدثنا ابن عائشة قال قلت لطبيب كان موصوفا بالحذق ما العشق قال شغل قلب فارغ
قلت وقد ذهب بعضهم إلى أنه مرض وسواسي شبيه بالماليخوليا
ذكر كلام الإسلاميين في ذلك
اخبرتنا شهدة بنت احمد الإبري قالت أنبأنا جعفر بن أحمد بن السراج قال أنبأنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري قال حدثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري قال حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقرىء قال حدثنا أحمد ابن يحيى ثعلب قال حدثنا أبو العالية الشامي قال سأل أمير المؤمنين يحيى بن اكثم عن العشق ما هو فقال هو سوانح تسنح للمرء فيهتم بها قلبه وتؤثرها نفسه قال فقال له ثمامة اسكت يا يحيى إنما عليك أن تجيب في مسألة طلاق أو محرم صاد ظبيا أو قتل نملة فأما هذه فمسائلنا نحن
فقال له المأمون قل يا ثمامة ما العشق
فقال له ثمامة العشق جليس ممتع وأليف مؤنس وصاحب ملك مسالكه لطيفة ومذاهبه غامضة وأحكامه جائرة ملك الأبدان وارواحها والقلوب وخواطرها والعيون ونواظرها والعقول وآراءها وأعطى عنان طاعتها وقود تصرفها توارى عن الأبصار مدخله وعمي في القلوب مسلكه
291
فقال له المأمون أحسنت والله يا ثمامة وأمر له بألف دينار
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن عبد الله المقرىء قال أنبأنا محمد بن جعفر بن هارون التميمي قال أنبأنا أبو روق الهزاني قال حدثنا الفضل بن يعقوب قال لما اجتمع ثمامة بن أشرس ويحيى بن أكثم عند المأمون قال ليحيى خبرني عن العشق ما هو قال يا أمير المؤمنين سوانح تسنح العاشق يؤثرها ويهيم بها تسمى عشقا
فقال له ثمامة يا يحيى أنت في مسائل الفقه أبصر منك بهذا ونحن بهذا أحذق منك
قال المأمون فهات ما عندك
فقال يا أمير المؤمنين إذا امتزجت جواهر النفوس بوصل المشاكلة نتجت لمح نور ساطع تستضيء به بواصر العقل ويتصور من ذلك اللمح نور خاص بالنفس متصل بجواهرها يسمى عشقا
فقال له المأمون هذا وأبيك الجواب
أنبأنا أحمد بن الحسن بن البنا قال أنبأنا القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين قال أنبأنا إسماعيل بن سويد قال حدثنا أبو علي الكوكبي قال أنبأنا أبو الفضل الأصبهاني قال أنبأنا بندار عن الأصمعي قال دخلت على هارون الرشيد فقال لي يا اصمعي إني ارقت ليلتي هذه فقلت مم أنام الله عين أمير المؤمنين
فقال فكرت في العشق مم هو فلم أقف عليه فصفه لي حتى أخاله جسما مجسما
292
قال الأصمعي لا والله ما كان عندي قبل ذلك فيه شيء فأطرقت مليا ثم قلت نعم يا سيدي إذا تقادحت الأخلاق المتشاكلة وتمازجت الأرواح المتشابهة ألهبت لمح نور ساطع يستضيء به العقل وتهتز لإشراقه طباع الحياة ويتصور من ذلك النور خلق خاص بالنفس متصل بجوهريتها يسمى العشق
فقال أحسنت والله يا غلام اعطه وأعطه وأعطه
فاعطيت ثلاثين ألف درهم
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو طاهر محمد بن علي بن العلاف قال حدثنا أبو حفص عمر بن احمد بن عثمان قال حدثنا جعفر الخلدي قال حدثنا أحمد بن محمد الطوسي قال حدثني علي ابن عبد الله القمي قال قال لي عبد الله بن جعفر المديني قلت لأبي زهير المديني ما العشق قال الجنون والذل وهو داء أهل الظرف
انبأنا محمد بن أبي طاهر قال أنبأنا علي بن المحسن قال أنبأنا محمد ابن العباس قال حدثنا ابن خلف قال حدثني أبو الفضل المروروذي قال وصف أعرابي الحب فقال إن لم يكن جنسا من الجنون إنه لعصارة من السحر
وروى عن الأصمعي أنه قال لقد أكثر الناس في العشق فما سمعت أوجز ولا أجمل من قول بعض نساء العرب وسئلت عن العشق فقالت ذل وجنون
قلت هذه صفة ثمرة العشق ومآله
293
والتحقيق أن العشق شدة ميل النفس إلى صورة تلائم طبعها فإذا قوى فكرها فيها تصورت حصولها وتمنت ذلك فيتجدد من شدة الفكر مرض
فصل في ذكر مراتب العشق
أول ما يتجدد الاستحسان للشخص ثم يجلب إرادة القرب منه ثم المودة وهو أن يود أن لو ملكه ثم يقوى الود فيصير محبة ثم يصير خلة ثم يصير هوى فيهوي بصاحبه في محاب المحبوب من غير تمالك ثم يصير عشقا ثم يصير تتيما والتتيم حالة يصير بها المعشوق مالكا للعاشق لا يوجد في قلبه سواه ومنه تيم الله
ثم يزيد التتيم فيصير ولها والوله الخروج عن حد الترتيب والتعطل عن احوال التمييز
وقال بعض العلماء أول مراتب العشق الميل إلى المحبوب ثم يستحكم الهوى فيصير مودة ثم تزيد بالمؤانسة وتدرس بالجفاء والأذى ثم الخلة ثم الصبابة وهي رقة الشوق يولدها الألفة ويبعثها الإشفاق ويهيجها الذكر ثم يصير عشقا وهو أعلى ضرب
فمبتدؤه يصفي الفهم ويهذب العقل كما قال ذو الرياستين لأصحابه اعشقوا ولا تعشقوا حراما فإن عشق الحلال يطلق اللسان العيي ويرفع التبلد ويسخي كف البخيل ويبعث على النظافة ويدعو إلى الذكاء
فإذا زاد مرض الجسد فإذا زاد جرح القلب وأزال الرأي واستهلك العقل ثم يترقى فيصير ولها ويسمى ذو الوله مدلها ومستهاما ومستهترا وحيران ثم
294
بعده التتيم فيدعى متيما والتتيم نهاية الهوى وآخر العشق
ومن التتيم يكون الداء الدوي والجنون الشاغل
وقال بعض الحكماء أول الحب العلاقة وهو شيء يحدثه النظر أو السمع فيخطر بالبال ويعرض للفكر ويرتاح له القلب ثم ينمي بالطبع واللجاج وإدمان الذكر ثم يقوى فيصير حبا ثم يصير هوى ثم خلة ثم عشقا ثم ولها فيسمى صاحبه مدلها ومستهاما ومستهترا وهائما وحيران ثم يصير تتيما وهو أرفع منازل الحب لأن التتيم التعبد والوجد ألم الحب والهيمان الذهاب في طلب غرض لا غاية له والكلف والشغف اللهج بطلب الغرض
قال الفراء اللوعة حرقة القلب من الحب
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام العلاقة الحب الملازم للقلب والجوى الهوى الباطن واللوعة حرقة الهوى واللاعج الهوى المحرق والشغف ان يبلغ الحب شغاف القلب وهو جلد دونه والتتيم أن يستعبده الهوى ومنه تيم الله ورجل متيم والتبل ان يسقمه الهوى يقال رجل متبول والتدلية ذهاب العقل من الهوى يقال مدله والهيوم ان يذهب على وجهه والشغف إحراق الحب القلب مع لذة يجدها وهو شبيه باللوعة
وقال أبو بكر بن الأنباري ويقال استهتر الرجل بكذا إذا ذهب عقله فيه وانصرفت همته إليه
وقال أبو عبد الله بن عرفة الإرادة قبل المحبة ثم المحبة ثم الهوى ثم العشق ثم التتيم وأنشد لنفسه
يا لقوم كم يعذل المشتاق
والمعنى إلى الهوى ينساق
رحمتي رأفة وحبي عشق
واشتياقي صبابة لا تطاق
295
قال ابن دريد الصبابة رقة الهوى واشتقاق الحب من أحب البعير إذا برك من الإعياء
فصل واعلم أن المحبة جنس والعشق نوع فإن الرجل يحب أباه وابنه
ولا يبعثه ذلك على تلف نفسه بخلاف العاشق
وقد نقل ان بعض العشاق نظر إلى جارية كان يهواها فارتعدت فرائصه وغشي عليه فقيل لبعض الحكماء ما الذي أصابه فقال نظر إلى من يحبه فانفرج قلبه فتحرك الجسم لانفراج القلب
فقيل له نحن نحب أهالينا ولا يصيبنا ذلك فقال تلك محبة العقل وهذه محبة الروح
أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال أنبأنا أبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري كلاهما عن أبي عبد الله المرزباني قال أخبرني الصوفي قال حدثنا محمد بن يزيد المبرد قال سمعت الجاحظ يقول كل عشق يسمى حبا وليس كل حب يسمى عشقا لأن العشق اسم لما فضل عن المحبة كما أن السرف اسم لما جاوز الجود والبخل اسم لما نقص عن الاقتصاد والجبن اسم لما فضل عن شدة الاحتراس والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة
296
الباب السادس والثلاثون في ذكر سبب الحب والعشق
ذكر حكماء الأوائل أن النفوس ثلاث نفس ناطقة ومحبتها منصرفة إلى المعارف واكتساب الفضائل
ونفس حيوانية عصبية فمحبتها منصرفة نحو القهر والغلبة والرياسة
ونفس شهوانية فمحبتها منصرفة إلى المآكل والمشارب والمناكح
ونحن الآن مبتدئون لنشرح عشق هذه النفس الشهوانية فنقول سبب العشق مصادفة النفس ما يلائم طبعها فتستحسنه وتميل إليه وأكثر أسباب المصادفة النظر ولا يكون ذلك باللمح بل بالتثبت في النظر ومعاودته فإذا غاب المحبوب عن العين طلبته النفس ورامت القرب منه ثم تمنت الاستمتاع به فيصير فكرها فيه وتصويرها إياه في الغيبة حاضرا وشغلها كله به فيتجدد من ذلك أمراض لانصراف الفكر إلى ذلك المعنى وكلما قويت الشهوة البدنية قوى الفكر في ذلك
فصل ومن اسباب العشق سماع الغزل والغناء فإن ذلك يصور في النفوس
نقوش صور فتتخمر خميرة صورة موصوفة ثم يصادف النظر مستحسنا فتتعلق النفس بما كانت تطلبه حالة الوصف
297
فصل وقد ذكر بعض الحكماء أنه لا يقع العشق إلا لمجانس وأنه يضعف
ويقوى على قدر التشاكل واستدل بقول النبي A الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف
قال وقد كانت الأرواح موجودة قبل الأجسام فمال الجنس إلى الجنس فلما افترقت في الأجساد بقي في كل نفس حب ما كان مقاربا لها فإذا شاهدت النفس من نفس نوع موافقة مالت إليها ظانة أنها هي التي كانت قرينتها فإن كان التشاكل في المعاني كانت صداقة ومودة وإن كان في معنى يتعلق بالصورة كان عشقا وإنما يوجد الملل والإعراض في بعض الناس لأن التجربة أبانت ارتفاع المجانسة والمناسبة وأنشدوا في ذلك
وقائل كيف تهاجرتما
فقلت قولا فيه إنصاف
لم يك من شكلي ففارقته
والناس أشكال والاف
أخبرنا إبراهيم بن دينار قال أنبأنا محمد بن سعيد بن نبهان قال أنبأنا الحسن بن الحسين النعالي قال حدثنا أحمد بن نصر الذارع قال حدثنا خلف بن الوليد قال حدثنا سهل بن عمرو الفقيمي قال قيل لبعض الحكماء أي الحب أغلب قال حب متشاكلين
وقد روى أبو القاسم سعد بن علي الجرجاني قال حدثنا أبو عبد الله الحسين ابن أحمد بن سليمان الأنصاري قال حدثنا أبو علي هارون بن عبد العزيز الكاتب قال حدثنا أحمد بن محمد الغنوي قال خرجت إلى الكوفة فجاءني ظرفاؤها فقالوا ها هنا فتيان تحابا وقد اعتل أحدهما فنريد أن نعوده
298
فقلت خذوني تعودوا العليل وأعود الصحيح فمضينا فوجدنا فتى ملقى على سرير وفتى منكبا عليه يذب عليه وينظر في وجهه فلما رآنا فرج لنا عن صاحبه فجلس أصحابي حوله وجلست بإزاء الصحيح فكان العليل إذا قال أوه من فخذي قال الصحيح أوه من فخذي وإذا قال أوه من يدي قال الصحيح أوه من يدي إلى أن قالوا قد قضى رحمه الله فشد أصحابي لحى العليل وشددت لحى الصحيح فما برحنا حتى دفناهما رحمهما الله
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري قال أنبأنا يحيى بن عبد الوهاب بن مندة قال أنبأنا أبو طاهر محمد بن أحمد الكاتب قال أنبأنا أبو محمد بن حيان قال حدثني عبد الله بن أبي بكر عن سويد بن نصر قال اشتري ابن المبارك جارية فأحبها فحج فكتب إليها
هبت الريح من الشرق
فجائتني بريحك فتنشقت نسيم
العيش من طيب نفوحك
فتوهمتك حتى
خلتني بين كشوحك
كيف أنساك وروحي
صنعت من جنس روحك
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الجوهري قال حدثنا ابن حيوية قال حدثنا ابن خلف قال أخبرني علي بن صالح ابن نصر عن أبيه قال سئل ذو الرياستين عن المودة فقال إذا تقاربت جواهر النفوس بوصل المشاكلة ثقبت لمحة نور ساطع في عالم الروح فبثته في أقطارها تستضيء به نواظر العقل وتهتز لإشراقه طبائع الحياة فيتصور من ذلك خلق خاص بالنفس يتصل بجورها يسمى الود قال ابن خلف وقال علي بن عبيدة المودة تعاطف القلوب وائتلاف الأرواح
299
وحنين النفوس إلى مباثة الأسرار والإسترواح بالمستكنات في الغرائز واستيحاش الأشخاص لتباين اللقاء وظهور السرور بكثرة التزاور وعلى حسب مشاكله الجوهر يكون الاتفاق في الخصال
فصل وقد ادعو ميل الجنس إلى الجنس فيما لا يعقل فاخبرنا الشريف
أبو المعمر الأنصاري قال أنبأنا جعفر بن احمد بن السراج قال أنبأنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي التوزي قال أنبأنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال أخبرني محمد بن أحمد الحكيمي قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة عن زهير بن حرب قال سمعت أبا مسلمة المنقري يقول كان عندنا بالبصرة نخلة وذكر من حسنها وطيب رطبها قال ففسدت حتى شيصت قال فدعا صاحبها شيخا قديما يعرف النخل فنظر إليها وإلى ما حولها من النخل فقال هذه عاشقة لهذا الفحل الذي بالقرب منها فلقحت منه فعادت إلى أحسن ما كانت
فصل فإن قيل إذا كان سبب العشق نوع موافقة بين الشخصين في الطباع
فكيف يحب أحدهما صاحبه والآخر لا يحبه
فالجواب أنه يتفق في طبع المعشوق ما يوافق طبع العاشق ولا يتفق في طبع العاشق ما يلائم طبع المعشوق
300
وإذا كان سبب العشق اتفاقا في الطباع بطل قول من قال إن العشق لا يكون إلا للأشياء المستحسنة وإنما يكون العشق لنوع مناسبة وملاءمة ثم قد يكون الشيء حسنا عند شخص غير حسن عند آخر أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن ابن علي قال أنبأنا ابن حيوية قال أنبأنا ابن المرزبان إذنا وحدثنا عنه محمد بن حريث قال أخبرني أبو عبد الله التميمي قال أخبرني علي بن الحسن القرشي عن رجل من أهل المدينة كان أديبا ظريفا طلابة للأدب والملح قال كنت يوما في مجلس رجل من قريش بالمدينة ومعنا قينة ظريفة حسنة الصورة لها حسن فائق وجمال رائق ومعنا فتى من أقبح من رأته العين وأحمقه وأغباه والقينة مقبلة عليه بحديثها وغنائها فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا فتى أحسن الناس وجها وأسراه ثوبا وأطيبه ريحا فأقبل علي صاحب البيت فقال لي إن في أمر هذين لعجبا قلت وما ذاك قال هذه الجارية تحب هذا يعني القبيح الوجه وليس لها في قلبه محبة وهذا الحسن الوجه يحبها وليس له في قلبها محبة
فبينا نحن على شرابنا إذ سر الفتى الحسن الوجه
فتغنى بيد الذي شغف الفؤاد بكم
فرج الذي ألقى من السقم
فاستيقني أن قد كلفت بكم
ثم افعلي ما شئت عن علم
فاقبلت عليه فقالت قد علمنا ذلك فمه
ثم تركته وأقبلت على القبيح فلبثنا ساعة فغنى الفتى أيضا
ألا ليتني أعمى أصم تقودني
بثينة لا يخفى على كلامها
قال فقالت اللهم اعط عبدك ما سأل فغاظتني جدا ولم اصبر فقلت
301
لها يا فاجرة تختارين هذا وهو أقبح من ذنوب المصرين على هذا الذي هو أحسن من توبة التائبين
فقالت لي ليس الهوى بالاختيار ثم أنشأت تغني
ولا تلم المحب على هواه
فكل متيم كلف عميد
يظن حبيبه حسنا جميلا
وإن كان الحبيب من القرود
فقلت أجل إنه كما قلت وليس في هذا حيلة وذكرت قول عمر بن أبي ربيعة
فتضاحكن وقد قلن لها
حسن في كل عين ما تود وقول آخر
ألم تر أن الحب يستعبد الفتى
ويدعوه في بعض الأمور إلى الكفر
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا عبد المبارك بن عبد الجبار وعبد القادر بن محمد بن يوسف قالا أنبأنا الجوهري قال أنبأنا ابن حيوية قال أنبأنا محمد بن خلف ابن المرزبان قال أخبرنا أحمد بن بسام قال اخبرني بعض أهل الأدب قال كان إسماعيل بن جامع قد تزوج بالحجاز جارية سوداء مولاة لقوم يقال لها مريم فلما صار من الرشيد بالموضع الذي صار به اشتاق إلى السوداء فقال يذكرها ويذكر الموضع الذي كان يألفها فيه ويجتمعان فيه
هل ليلتي يقفا الحصحاص عائدة
في قبة ذات أشراج وأزرار
تسمو مجامرها بالمندلي كما
تسموا بحنانة أفواج إعصار
المسك يبدو إلينا من غلائلها
والعنبر الورد يذكيه على النار
ومريم بين اثواب منعمة
طورا وطورا تغنيني بأوتار
302
فقال له الرشيد وقد سمع بشعره ويلك من مريمك هذه التي قد وصفتها صفة حور العين قال زوجتي فوصفها كلاما أضعاف ما وصفها شعرا فأرسل الرشيد إلى الحجاز حتى حملت فإذا هي سوداء طمطمانية ذات مشافر فقال له ويلك هذه مريم التي ملأت الدنيا بذكرها عليك وعليها لعنة الله فقال يا سيدي إن عمر بن أبي ربيعة يقول
فتضاحكن وقد قلن لها
حسن في كل عين ما تود
أخبرتنا شهدة بنت احمد قالت أخبرنا أبو محمد بن السراج قال أخبرنا الحسن بن محمد الخلال قال أنشدنا يحيى بن علي بن يحيى المعمري قال أنشدنا جعفر بن محمد الصوفي قال أنشدني بعض إخواني لأبي بكر محمد بن داود الفقيه
حملت جبال الحب فيك وإنني
لأعجز عن حمل القميص وأضعف
وما الحب من حسن ولا من سماحة
ولكنه شيء به النفس تكلف
فصل وقد يتعرض الإنسان بأسباب العشق فيعشق فإنه قد يرى الشخص فلا
توجب رؤيته محبته فيديم النظر والمخالطة فيقع فيما لم يكن في حسابه كما قال الشاعر
تولع بالعشق حتى عشق
فلما استقل به لم يطق
رأى لجة ظنها موجة
فلما تمكن منها غرق
وفي الناس من توجب له الرؤية نوع محبة فيعرض عن المحبوب فيزول ذلك فإن داوم النظر نمت كالجنة إذا زرعت فإنها إن أهملت يبست وإن سقيت نمت
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال
303
أخبرني علي بن أيوب القمي قال أنبأنا محمد بن عمران المرزباني قال أخبرنا محمد بن يحيى قال حدثني محمد بن موسى قال أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي الهاشمي عن أبي شعيب أحمد بن يزيد قال قلت لأبي العتاهية حدثني بقصتك مع عتبة فقال لي أحدثك
إنا قدمنا من الكوفة ثلاثة فتيان شبانا أدباء وليس لنا ببغداد من نقصده فنزلنا غرفة بالقرب من الجسر فكنا نبكر فنجلس في المسجد الذي بباب الجسر في كل غداة فمرت بنا يوما امرأة راكبة معها خدم سودان فقلنا من هذه قالوا خالصة فقال أحدنا قد عشقت خالصة وعمل فيها شعرا فأعناه عليه
ثم لم يلبث أن مرت بنا أخرى راكبة معها خدم بيضان فقلنا من هذه قالوا عتبة فقلت قد عشقت عتبة فلم يزل كذلك في كل يوم إلى أن التأمت لنا أشعار كثيرة
فرفع صاحبي شعره إلى خالصة ورفعت أنا شعري إلى عتبة
فلم نزل كذلك وألححنا إلحاحا شديدا فمرة تقبل أشعارنا ومرة تطرد إلى أن جدوا في طردنا
فجلست عتبة يوما في أصحاب الجوهر ومضيت فلبست ثياب راهب ودفعت ثيابي إلى إنسان كان معي وسألت عن رجل كبير من اهل السوق فدللت على شيخ فجئت إليه فقلت إنى قد رغبت فى الإسلام على يدى هذه المرأة فقام معى وجمع جماعة من أهل السوق وجاءها فقال إن الله قد ساق إليك خيرا هذا الراهب قد رغب في الإسلام على يديك
فقالت هاتوه فدنوت منها فقلت اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وقطعت الزنار ودنوت فقبلت يدها فلما فعلت ذلك رفعت البرنس
304
فعرفتني فقالت نحوه لعنه الله فقالوا لا تلعنيه فقد اسلم فقالت إنما فعلت ذلك لقذره
فعرضوا على كسوة فقلت ليس بي حاجة إلى هذه وإنما أردت أن أشرف بولائها والحمد لله الذي من علي بحضوركم
فجعلوا يعلمونني الحمد وصليت معهم العصر وأنا في ذلك بين يديها أنظر إليها لا تقدر لي على حيلة
فلما انصرفت لقيت خالصة فشكت إليها فقالت ليس يخلو هذان من أن يكونا عاشقين أو مستأكلين
فصح عزمهما على امتحاننا بمال على أن ندع التعرض لهما فإن قبلنا المال فنحن مستأكلان وإن لم نقبله فنحن عاشقان فلما كان الغد مرت خالصة فعرض لها صاحبي فقال الخدم أتبعنا فاتبعهم ثم لم نلبث أن مرت عتبة فقال لي الخدم اتبعنا فاتبعتهم فمضت بي إلى منزل خليط لها بزاز فلما جلست دعت بي فقالت لي يا هذا إنك شاب وأرى بك أدبا وأنا حرمة خليفة وقد تأبيتك فإن أنت كففت وإلا أنهيت ذلك إلى أمير المؤمنين ثم لم آمن عليك
قلت فافعلي بأبي أنت وأمي وإنك إن سفكت دمي أرحتيني فأسألك بالله إلا فعلت ذلك إذا لم يكن لي فيك نصيب فأما الحبس والحياة ولا أراك فأنت في حرج من ذلك
فقالت لا تفعل يا هذا وأبق على نفسك وخذ هذه الخمسمائة دينار واخرج عن هذا البلد فلما سمعت ذكر المال وليت هاربا فقالت ردوه فلم تزل ترادني فقلت جعلت فداك ما أصنع بعرض من الدنيا وأنا لا أراك وإنك لتبطئين يوما واحدا عن الركوب فتضيق بي الأرض بما رحبت
وهي تأبى إلا ذكر المال حتى جعلت لي ألف دينار فأبيت وجاذبتها مجاذبة شديدة وقلت لو أعطيتيني جميع ما يحويه الخليفة ما كانت لي فيه حاجة وأنا لا أراك بعد أن أجد السبيل إلى رؤيتك
305
وخرجت فجئت الغرفة التي كنا ننزلها وإذا صاحبي مورم الأذنين وقد امتحن بمثل محنتي فلما مد يده إلى المال صفعوه وحلفت خالصة لئن رأته بعد ذلك لتودعنه الحبس فاستشارني في المقام فقلت أخرج وإياك أن تقدر عليك ثم التقتا فأخبرت كل واحدة صاحبتها الخبر وأحمدتني عتبة وصح عندها أني محب محق فلما كان بعد أيام دعتني فقالت بحياتي عليك إن كنت تعزها إلا أخذت ما يعطيك الخادم فأصلحت به من شأنك فقد غمني سوء حالك فامتنعت فقالت ليس هذا مما تظن ولكن لا أحب أن أراك في هذا الزي فقلت لو أمكنني أن تريني في زي المهدي لفعلت ذلك فأقسمت علي فأخذت الصرة فإذا فيها ثلاثمائة دينار فاكتسيت كسوة حسنة واشتريت حمارا
فصل ويتأكد العشق بإدمان النظر وكثرة اللقاء وطول الحديث فإن انضم
إلى ذلك معانقة أو تقبيل فقد تم استحكامه وقد ذكر حكماء الأوائل أنه إذا وقعت القبل بين المتحابين ووصلت بلة من ريق كل واحد منهما إلى معدة الآخر اختلط ذلك بجميع البدن ووصل إلى جرم الكبد
وهكذا إذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه فإنه يخرج مع ذلك النفس شيء من نسيم كل واحد منهما فيختلط بأجزاء الهواء فإذا استنشقا من ذلك الهواء دخل في الخياشيم ووصل بعضه إلى الدماغ فسرى فهي كسريان النور في جرم البللور ووصل بعضه إلى جرم الرئة ثم إلى القلب فيدب في العروق الضوارب في جميع البدن فينعقد من بدن هذا ما تحلل من بدن هذا فيصيرمزاجا به يتولد العشق وينمى
306
الباب السابع والثلاثون في ذكر ذم العشق
اختلف الناس في العشق هل هو ممدوح أو مذموم
فقال قوم هو ممدوح لأنه لا يكون إلا من لطافة الطبع ولا يقع عند جامد الطبع حبيسه ومن لم يجد منه شيئا فذلك من غلظ طبعه
فهو يجلو العقول ويصفي الأذهان ما لم يفرط
فإذا أفرط عاد سما قاتلا
وقال آخرون بل هو مذموم لأنه يستأمر العاشق ويجعله في مقام المستعبد
قلت وفصل الحكم في هذا الفصل أن نقول اما المحبة والود والميل إلى الأشياء المستحسنة والملائمة فلا يذم ولا يعدم ذلك إلا الحبيس من الأشخاص
فأما العشق الذي يزيد على حد الميل والمحبة فيملك العقل ويصرف صاحبه على غير مقتضى الحكمة فذلك مذموم ويتحاشى من مثله الحكماء
وأما القسم الأول فقد وقع فيه خلق كثير من الأكابر ولم يكن عيبا في حقهم
اخبرنا محمد بن أبي القاسم قال انبأنا حمد بن أحمد قال أنبأنا أبو نعيم الحافظ قال حدثنا أبو احمد الغطريفي قال حدثنا أبو الفضل محمد بن الفضل قال حدثني محمد بن سعيد القزاز قال حدثنا أبو أمية قال حدثنا إبراهيم بن محمد الهذلي عن هشيم عن مجالد عن الشعبي أنه كان يقول
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى
فأنت وعير بالفلاة سواء
وقد روى أبو عبد الله المرزباني أن أبا نوفل سئل هل يسلم أحد من الشعق
307
فقال نعم الجلف الجافي الذي ليس فيه فضل ولا عنده فهم وأما من في طبعه أدنى ظرف أو معه دماثة أهل الحجاز ورقة أهل العراق فهيهات
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا القاضي أبو القاسم علي بن الحسن التنوخي قال حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الرحمن ابن أحمد المازني قال حدثنا الحسن بن القاسم بن جعفر الكوكبي قال حدثنا عيسى ابن محمد أبو ناظرة السدوسي قال حدثني قبيصة بن محمد المهلبي قال أخبرني اليمان بن عمرو مولى ذي الرياستين قال كان ذو الرياستين يبعثني ويبعث أحداثا من أحداث أهله إلى شيخ بخراسان له أدب وحسن معرفة بالأمور ويقول لنا تعلموا منه الحكمة فإنه حكيم
فكنا ناتيه فإذا انصرفنا من عنده سألنا ذو الرياستين واعترض ما حفظناه فيخبرونه
فقصدنا ذات يوم إلى الشيخ فقال أنتم أدباء وقد سمعتم ولكم جدات ونعم فهل فيكم عاشق فقلنا لا
فقال اعشقوا فإن العشق يطلق اللسان العي ويفتح حيلة البليد والمختل ويبعث على التنظيف وتحسين اللباس وتطييب المطعم ويدعو إلى الحركة والذكاء وتشرف الهمة وإياكم والحرام
فانصرفنا من عنده إلى ذي الرياستين فسألنا عما أخذنا في يومنا ذلك فهبناه أن نخبره فعزم علينا فقلنا إنه أمرنا بكذا وكذا قال صدق والله تعلمون من أين أخذ هذا قلنا لا قال ذو الرياستين إن بهرام جور كان له ابن وكان قد رشحه للأمر من بعده فنشأ الفتى ناقص الهمة ساقط المروءة خامل النفس سيء الأدب فغمه ذلك ووكل به المؤدبين والحكماء ومن يلازمه ويعلمه وكان يسألهم عنه فيحكون له ما يغمه من سوء فهمه وقلة أدبه إلى أن سأل بعض مؤدبيه يوما فقال له المؤدب قد كنا نخاف
308
سوء أدبه فحدث ما جرنا إلى اليأس من إفلاحه
قال وما ذاك الذي حدث قال رأى ابنة فلان المرزبان فعشقها حتى غلبت عليه فهو لا يهدى إلا بها ولا يتشاغل إلا بذكرهاز فقال بهرام الآن رجوت فلاحه ثم دعا بأبي الجارية فقال له إني مسر إليك سرا فلا يعدونك فضمن له ستره فاعلمه أن ابنه قد علق ابنته وأنه يريد أن ينكحها إياه وأمره أن يأمرها بإطماعه في نفسها ومراسلته من غير أن يراها وتقع عينه عليها فإذا استحكم طمعه فيها تجنت عليه وهجرته فإن استعتبها أعلمته أنها لا تصلح إلا لملك ومن همته همة ملك وأنه يمنعها من مواصلته أنه لا يصلح للملك ثم ليعلمه خبرها وخبره ولا يطلعها على ما أسر إليه
فقبل أبوها ذلك منه
ثم قال للمؤدب الموكل به خوفه وشجعه على مراسلة المرأة ففعل ذلك وفعلت المرأة ما أمرها به أبوها فلما انتهت إلى التجني عليه وعلم الفتى السبب الذي كرهته له أخذ في الأدب وطلب الحكمة والعلم والفروسية والرماية وضرب الصوالجة حتى مهر في ذلك ثم رفع إلى أبيه أنه محتاج من الدواب والآلات والمطاعم والملابس والندماء إلى فوق ما تقدم له فسر بذلك الملك وأمر له به ثم دعا مؤدبه فقال إن الموضع الذي وضع به ابني نفسه من حب هذه المرأة لا يزرى به فتقدم إليه أن يرفع إلى أمرها ويسألني أن أزوجه إياها
ففعل
فرفع الفتى ذلك إلى أبيه فدعا بأبيها فزوجها إياه وأمر له بتعجيلها إليه وقال له إذا اجتمعت وهي فلا تحدث شيئا حتى أصير إليك فلما اجتمعا صار إليه فقال يا بني لا يضعن عندك منها مراسلتها إياك وليست في حبالك فإني أنا أمرتها بذلك وهي أعظم الناس منه عليك بما دعتك إليه من طلب
309
الحكمة والتخلق بأخلاق الملوك حتى بلغت الحد الذي تصلح معه للملك من بعدي فزدها من التشريف والإكرام بقدر ما تستحق منك
ففعل الفتى ذلك وعاش مسرورا بالجارية وعاش أبوه مسرورا به وأحسن ثواب أبيها ورفع مرتبته وشرفه بصيانته سره وطاعته وأحسن جائزة المؤدب بامتثاله أمره وعقد لابنه على الملك بعده قال اليمان مولى ذي الرياستين ثم قال لنا ذو الرياستين سلوا الشيخ الآن لم حملكم على العشق فسألناه فحدثنا بحديث بهرام جور وابنه
فصل وأما القسم الثاني من العشق فمذموم لا شك فيه وبيان ذمه أن
الشيء إنما يعرف ممدوحا أو مذموما بتأمل ذاته وفوائده وعواقبه وذات العشق لهج بصورة وهذا ليس فيه فضيلة فيمدح ولا فائدة في العشق للنفس الناطقة وإنما هو أثر غلبة النفس الشهوانية لأنها لما قويت أحبت ما يليق بها ألا ترى أن الصبيان يحبون التماثيل واللعب أكثر من محبتهم للناس لضعف نفوسهم وكونها مماثلة للصور لخلوها عن رياضة فإذا ارتاضت نفوسهم ارتفعت هممهم إلى ما هو أعلى وهو حب الصور الناطقة فإذا ارتاضت نفوسهم بالعلوم والمعارف ارتفعت عن حب الذوات ذوات اللحم والدم إلى ما هو أشرف منها
وأتم أحوال النف الشهوانية وجودها مع شهواتها من غير منغص وأتم أحوال النفس الحيوانية وجود غرضها من القهر والرياسة وأتم احوال النفس الناطقة وجودها مدركة لحقائق الأشياء بالعلم والمعرفة
310
وهذه النفس لا يستأسرها الهوى فإن أمالها طبعها أقامها فكرها وانتاشها من يده عقلها وفهمها لأنها تتفكر فيما قد نابها فتتلمح منتهاه وترى غايته وليس من شأنها الوقوف لأنها في السير أبدا تترقى من علم إلى علم والعاشق واقف مع صورة جامدة عن التحرك والعارف بالله سبحانه في السير لا يفتر ولا ينكر أن يقوى طبعه عليه في حال وتميل به المحبة للصور أحيانا غير أنه لا يصير أسيرا إنما يميل يسيرا
قال بعض الحكماء ليس العشق من أدواء الحصفاء إنما هو من أمراض الخلعاء الذين جعلوا دأبهم ولهجهم متابعة النفس وإرخاء عنان الشهوة وإمراج النظر في مستحسنات الصور فهنالك تتقيد النفس ببعض الصور فتأنس ثم تألف ثم تتوق ثم تلمح فيقال عشق وليس هذا من صفات الحكماء لأن الحكيم من استطال رأيه على هواه وتسلطت حكمته على شهوته فرعونات طبعه مقيدة أبدا كصبي بين يدي معلمه أو عبد بمرأى سيده وما كان الشعق قط إلا لارعن بطال وقل أن يكون لمشغول بصناعة أو تجارة فكيف لمشغول بالعلوم والحكم فإنها تصرفه ذلك ولهذا لاتكاد تجده في الحكماء
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال أنبأنا أبو عمر بن حيوية قال حدثنا محمد بن المرزبان قال حدثني هارون بن محمد قال أخبرني أبو عبد الله القرشي قال حدثني الحكم قال قيل لرجل من بني عامر هل تعرفون فيكم المجنون الذي قتله الحب فقال إنما يموت من الحب هذه اليمانية الضعاف القلوب
قال ابن عقيل العشق مرض يعتري النفوس العاطلة والقلوب الفارغة والمتلمحة للصور لدواع من النفس ويساعدها إدمان المخالطة فتتأكد الألفة
311
ويتمكن الأنس فيصير بالإدمان شغفا وما عشق قط إلا فارغ فهو من علل البطالين وامراض الفارغين من النظر في دلائل العبر وطلب الحقائق المستدل بها على عظم الخالق ولهذا قل ما تراه إلا في الرعن البطرى وأرباب الخلاعة النوكى وما عشق حكيم قط لأن قلوب الحكماء أشد تمنعا عن أن تقفها صورة من صور الكون مع شدة تطلبها فهي ابدا تلحظ وتخطف ولا تقف وقل أن يحصل عشق من لمحة وقل أن يضيف حكيم إلى لمحة نظرة فإنه مار في طلب المعاني ومن كان طالبا لمعرفة الله لاتقفه صورة عن الطلب لأنها تحجبه عن المصور وحوشيت قلوب الحكماء الطالبين فضلا عن الواصلين العارفين من أن تحبسهم الصور أو تفتنهم الأشكال عن الترقي في معارج مقاصدهم أو تحطهم عن مراكزهم إلى محل الأثقال الراسية بل هم أبدا في الترقي هاتكون للحجب والأستار بقوة النظر
فصل وقد بان بما ذكرنا أن مراد النفس الشهوانية اللذة فلنقدح في
اللذات مطلقا بما يبين به عيب العشق ثم نخصه بما يليق به فنقول اعلم أن اللذة الحسنة ليست شيئا مطلوبا في ذاتها إنما هي دفع حادث مؤذ ليعود الإنسان إلى حالته قبل ذلك الحادث ومثال هذا كرجل خرج من مكان ظليل فسار في الشمس فمسه الحر ثم عاد إلى الظل فإنه يلتذ بذلك المكان إلى أن يعود إلى حالته الأولى ثم يفقد الالتذاذ ويكون اشتداد اللذة على قدر اشتداد بلوغ أذى الحر إليه وقد يتصور صاحب اللذة أنها حصلت من غير أذى سابق وليس كذلك إذ لا يمكن أن تقع لذة حسنة إلا بمقدار التأذي بالخروج
312
عن الطبيعة كما أنه بمقدار أذى الجوع والعطش يكون الالتذاذ بالطعام والشراب فإذا عاد الجائع والعطشان إلى حالته الأولى كان إكراهه على تناولهما أبلغ شيء في أذاه وأرباب الطلب للملذوذ لا يرون إلا صورة بلوغ الغرض وهم عمون بحجاب الهوى الذي قدمنا ذمه عن فهم ما قلنا غافلون عما تنطوي عليه اللذة من المخاطرة بالنفوس وإنكسار الجاه وحصول الإثم وغير ذلك فلو قد كشف فجر التيقظ سجاف ليل الهوى فرأوا بأعين البصائر ما يحتوي عليه الهوى من الآفات لهان عليهم غرضهم
قال سقراط اللذة مشناق من عسل وقال غيره اللذة مشوبة بالقبح فتفكروا في إنقطاع اللذة وبقاء ذكر القبح وقال آخر عار الفضيحةكدر لذتها
فصل وإذا ثبت عيب اللذات عند العقول النيرة بما أشرنا إليه فهذا
العيب لازم في باب العشق بل هو به أجدر فإن إعمال البصر في تكرار النظر حقن في نفس العاشق طلب الالتذاذ فكلما نال لذة بنظرة دفع بعض الأذى الذي جلبه لنفسه إلا أنه يجتلب بتلك النظرة من الشر أضعاف ما دفع من جهة أن تكرار النظر يقوي القلق إلى الحبيب ولا شفاء لذلك إلا أن ينتهي إلى غايته المطلوب من المتعة الدائمة التي تمتد إلى بداية الملل وبعض ذلك قد يوجب خزي الدنيا والاخرة
313
فصل واعلم أن العشاق قد جاوزوا حد البهائم في عدم ملكة النفس في
الانقياد إلى الشهوات لأنهم لم يرضوا أن يصيبوا شهوة الوطء وهي أقبح الشهوات عند النفس الناطقة من أي موضع كان حتى أرادوها من شخص بعينه فضموا شهوة إلى شهوة وذلوا للهوى ذلا على ذل والبهيمة إنما تقصد دفع الأذى عنها فحسب وهؤلاء استخدموا عقولهم في تدبير نيل شهواتهم
فصل فقد بان لك بما ذكرنا عيب اللذات وعيب العشق من حهة مشابهته
للذات وبينا أنه يزيد عيبه على عيب اللذات مطلقا ونزيد ذلك شرحا ها هنا فنقول العشق بين الضرر في الدين والدنيا
أما في الدين فإن العشق أولا يشغل القلب عن الفكر فيما خلق له من معرفة الإله والخوف منه والقرب إليه ثم بقدر ما ينال من موافقة غرضه المحرم يكون خسران آخرته وتعرضه لعقوبة خالقه فكلما قرب من هواه بعد من مولاه ولا يكاد العشق يقع في الحلال المقدور عليه فإن وقع فيا سرعان زواله قال الحكماء كل مملوك مملول وقال الشاعر
وزادني شغفا بالحب أن منعت
وحب شيء إلى الإنسان ما منعا
فإذا كان المعشوق لا يباح اشتد القلق والطلب له فإن نيل منه غرض
314
فالعذاب الشديد في مقابلته على أن بلوغ الغرض يزيده ألما فتربي مرارة الفراق على لذة الوصال كما قال قائلهم
كل شيء ربحته في التلاقي
والتداني خسرته في الفراق وإن منعه خوف الله تعالى عن نيل غرض فالامتناع عذاب شديد فهو معذب في كل حال
فصل وأما ضرر العشق في الدنيا فإنه يورث الهم الدائم والفكر اللازم
والوسواس والأرق وقلة المطعم وكثرة السهر ثم يتسلط على الجوارح فتنشأ الصفرة في البدن والرعدة في الأطراف واللجلجة في اللسان والنحول في الجسد فالرأي عاطل والقلب غائب عن تدبير مصلحته والدموع هواطل والحسرات تتابع والزفرت تتوالى والأنفاس لا تمتد والأحشاء تضطرم فإذا غشى على القلب إغشاء تاما أخرجت إلى الجنون وما أقربه حينئذ من التلف هذا وكم يجني من جناية على العرض ووهن الجاه بين الخلق وربما أوقع في عقوبات البدن وإقامة الحد وقد أنشدوا
وما عاقل في الناس يحمد أمره
ويذكر إلا وهو في الحب أحمق
وما من فتى ذاق بؤس معيشة
من الناس إلا ذاقها حين يعشق
قال جالينوس العشق من فعل النفس وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد وفي الدماغ ثلاثة مساكن مسكن للتخيل وهو في مقدم الرأس ومسكن للفكر وهو في وسطه ومسكن للذكر وهو في مؤخره ولا يسمى عاشقا إلا من إذا فارق معشوقة لم يخل من تخيله فيمتنع عن الطعام والشراب عن باشتغال الكبد ومن النوم باشتغال الدماغ بالتخيل والفكر والذكر فتكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به
315
فصل ولقد وصف الحكماء قبح ما فيه العشاق فأبلغوا وكانت تأتي على
عقلاء العشاق أحيانا إفاقة فيصفون قبح ما هم فيه
اخبرنا إبراهيم بن دينار قال أنبأنا ابن نبهان قال أنبأنا ابن دوما قال أنبأنا أحمد نصر الذارع قال حدثنا صدقة بن موسى قال حدثنا الجاحظ قال ذكر لي عن بعض حكماء الهند أنه قال إذا ظهر العشق عندنا في رجل أو أمرأة غدونا على أهله بالتعزية قال الجاحظ وبلغني أن عاشقا مات بالهند عشقا فبعث ملك الهند إلى المعشوق يقتله به
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا أبو الفضل الربعي قال قال رجل من الهند إذا ظهر العشق عندنا في أحد غدونا عليه بالتعزية
قال الربعي وسمعت أعرابية تقول مسكين العاشق كل شيء عدوه هبوب الرياح يقلقه ولمعان البرق يؤرقه ورسوم الديار تحرقه والعذل يؤلمه والتذكر يسقمه والبعد ينحله والقرب يهيجه والليل يضاعف بلاه والرقاد يهرب منه ولقد تداويت بالقرب والبعد فلم ينجح فيه دواء ولا عزى فيه عزاء ولقد أحسن الذي يقول
وقد زعموا أن المحب إذا دنا
يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا
على ان قرب الدار خير من البعد
قال محمد بن جعفر وأنشدني المارستاني
316
إذا قربت دار كلفت وإن نأت
أسفت فلا بالقرب أسلو ولا البعد
وإن وعدت زاد الهوى لانتظارها
وإن بخلت بالوعد مت على الوعد
ففي كل حب لا محالة فرحة
وحبك ما فيه سوى محكم الجهد
أخبرنا المبارك بن علي قال أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله الخبرية قالت أنبأنا علي بن الحسن بن الفضل قال أنبأنا أحمد بن محمد الكاتب قال حدثنا ابن المغيرة الجوهري قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موهوب بن رشيد قال وقفت امرأة من بني عقيل على أخت لها فقالت لها يا فلانة كيف أصبحت من حب فلان قالت قلقل والله حبه الساكن وسكن المتحرك ثم أنشدتها
ولو أن ما بالحصى فلق الحصى
وبالريح لم يسمع لهن هبوب
ولو أنني استغفر الله كلما
ذكرتك لم تكتب علي ذنوب
فقالت لا جرم والله لا أقف حتى أسأله كيف أصبح من حبك فجاءته فسألته فقال إنما الهوى هوان وإنما خولف باسمه وإنما يعرف ما أقول من كان مثلي أبكته المعارف والطلول
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا أبو عمر بن حيوية عن ابن المرزبان قال حدثني أبو بكرالعامري وأبو محمد البلخي قالا أنبأنا أبو عبد الله القرشي قال حدثنا مسلم بن عبد الله بن جندب الهذلي قال خرجت أنا وزبان السواق إلى العقيق فلقينا نسوة نازلات من العقيق ذوات جمال وفيهن جارية حسناء العينين فأنشد زبان قول أبي
ألا يا عباد الله هذا أخوكم
قتيلا فهل فيكم له اليوم ثائر
خذوا بدمي إن مت كل خريدة
مريضة جفن العين والطرف ساحر
317
قال فأقبل علي واشار إليها فقال يابن الكرام دم أبيك والله في اثوابها فلا تطلب أثرا بعد عين
قال فأقبلت علي امرأة معها جميلة أجمل من تيك فقالت أنت ابن جندب قلت نعم فقالت إن أسيرنا لا يفك وقتيلنا لا يدى فاحتسب أباك واغتنم نفسك ومضين
فصل فيه أشعار قيلت في ذم العشق
أخبرنا إبراهيم بن دينار قال أنبأنا ابن نبهان قال أنبأنا ابن دوما قال أنبأنا أحمد بن نصر الذارع قال أنبأنا صدقة بن موسى قال حدثنا الأصمعي قال سئل أعرابي عن الحب فقال وما الحب وما عسى أن يكون هل هو إلا سحر أو جنون ثم أنشأ يقول
هل الحب إلا زفرة بعد زفرة
وحر على الأحشاء ليس له برد
وفيض دموع من جفوني كلما
بدا علم من ارضكم لم يكن يبدو
قال الأصمعي وقلت لأعرابي ما الحب فقال
الحب مشغلة عن كل صالحة
وسكرة الحب تنفي سكرة الوسن
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال حدثنا محمد بن جعفر قال أنشدني الصيدلاني
قالت جننت على رأسي فقلت لها
العشق أعظم مما بالمجانين
العشق ليس يفيق الدهر صاحبه
وإنما يصرع المجنون في الحين
318
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال حدثنا علي بن أيوب القمي قال حدثنا محمد بن عمران بن موسى قال وجدت بخط أبي عبد الله اليزيدي عن عمه أبي أبي جعفر أحمد بن محمد لأبيه محمد بن أحمد اليزيدي
كيف يطيق الناس وصف الهوى
وهو جليل ما له قدر
بل كيف يصفو لحليف الهوى
عيش وفيه البين والهجر وله أيضا والهوى أمر عجيب شأنه
تارة يأس وأحيانا رجا
ليس ممن مات منه عجب
إنما يعجب ممن قد نجا
أخبرنا المحمدان ابن عبد الملك وابن أبي منصور قالا أنبأنا الحسن بن أحمد بن خيرون قال أنشدنا أبو عمر بن الفلوة
صبت على كبدي من حبها حرقا
لو أن أبردها بالماء ما شربا
لو كنت أملك قلبي أو يطاوعني
لصنته وكفاني أن يقال صبا
وقال محمد بن عبد الله بن مناذر
من فتى اصبح في الحب
م سقاه الحب سما
كلما أخفى جوى الحب
م عليه الدمع نما
ساهر لا يطعم النوم
إذا الليل ادلهما
كلما راقب نجما
فهوى راقب نجما
أنتم همي فإن لم
تصلوني مت غما
يا ثقاتي خطم الحب
م لكم أنفى وزما
يا أخي دائي جوى الحب
م وداء الناس جما
لا تلم مفتضحا في الحب
إن الحب أعمى
ولمحمد بن أبي أمية
319
فوالله ما أدري أمن لوعة الهوى
صبرت على التقصير أم ليس لي قلب
أقبح أمرا والفؤاد يحبه أجن فؤادي في الهوى بل هو الحب وله
حياض الحب مترعة منايا
مطوقة بلذات النعيم
قرين الحب يأنس بالهموم
ويكثر فكرة القلب السليم
وأعظم ما يكون به أغتباطا
على خطر ومطلع عظيم وقال البحتري
قال بطلا وأمال الرأي من
لم يقل إن المنايا في الحدق إن تكن محتسبا من قد ثوى
بحمام فاحتسب من قد عشق وقال ابو تمام
أما الهوى فهو العذاب فإن جرت
فيه النوى فأليم كل أليم ولابن أبي حصينة
والعشق يجتذب النفوس إلى الردى
بالطبع واحسدي لمن لم يعشق
طرق الخيال فهاج لي بطروقه
ولها فليت خيالها لم يطرق ولابن الرومي
قبح الهوى ملك السماء فلم يزل
دينا يدين قويه لضعيفه
ولحى الصبا بعد المشيب فإنه
شأو يريك الحر خلف وصيفه وله
الحب داء عياء لا دواء له
تضل فيه الأطباء النحارير
قد كنت احسب أن العاشقين غلوا
في وصفه فإذا بالقوم تقصير
ولصالح بن عبد القدوس
320
عاص الهوى إن الهوى مركب
يصعب بعد اللين منه الذليل
إن يجلب اليوم الهوى لذة
ففي غد منه البكا والعويل ولابن المعتز
لقد كنت دهرا عسوفا جليدا
على ما ينوب قويا جليدا
فصيرني الحب لا أستطيع
أقيل بكفي من الأرض عودا وله
أيها الركب بلغوها سلامي
واتقوا لحظ طرفها السحارا
إن مس الهوى خفي كداء
العر يعدي فيفسد الأبرارا وله
والحب سلطان له عبيد
مجان لم يشروا بأثمان وله
كم قد رأينا قاهرا سلطانه
لبس الهوى فأذله سلطانه وله
وكأن الهوى امرؤ علوى
ظن اني وليت قتل الحسين
وكأني لديه نجل زياد
فهو يختار أوجع القتلين وله
أيا قلب ذق خالفتني وعصيتا
نهيتك عما ضرني فأبيتا
عصيت مقالي في التسرع في الهوى
وخالفتني فيه فكيف رأيتا
أخبرتنا شهدة بن أحمد قالت أنبأنا ابو محمد بن السراج قال أنبأنا علي بن
321
المحسن التنوخي قال أنبأنا أبو عمر بن حيوية قال أنبأنا محمد بن خلف قال حدثني أبو علي الحسن بن صالح قال قال مساور الوراق قلت لمجنون كان عندنا وكان شاعرا يقال إن عقله ذهب لفقد إبنه عم كانت له أجز هذا البيت
وما الحب إلا شعلة قدحت بها
عيون المها باللحظ بين الجوانح فقال على المكان
ونار الهوى تخفى وفي القلب فعلها
كفعل الذي جاءت به كف قادح
وقال أبو عبد الله بن الحجاج
ويحك يا قلب ما أغفلك
تعشق من يعشق أن يقتلك
وأنت يا طرفي أوقعتني
ويحك يا طرف ما لي ولك
قد كان من حق بكاي على
من يبتلى بالحب أن يشغلك
حتى توصلت لقلبي فلا
كنت ولا كان الذي أرسلك وله
يا سائلي عن دمي لا تطلبوا أحدا
بعدي به فدمي المسفوك في عنقي
إني حملت على نفسي لشقوتها
مثل الجبال من البلوى فلم تطق وله
قل لقلبي لم تشكو
لا شفى الله غليلك أنت يا مسكين
خلطت وأكثرت فضولك
يوم صيرت إلى بدر
الدجى عني رسولك
طالبا هيهات يا قلبي
مالا يستوي لك
322
ولأبي الفرج الوأواء
سبل الهوى وعر
حلو الهوى مر
برد الهوى حر
يوم الهوى دهر
سر الهوى جهر
ولأبي محمد علي بن حسان
لولاك ما نزل القتير براسي
واصارني حرضا لدي جلاسي
أمسي واصبح خاضعا متذللا
من بعد طول تأنف وشماس
لولا قضاء الله وهو اصارني
لك صاحبا ما كنت من أحلاسي
ولو انجلت عن ناظري غيابة
تغشى رأيتك مثل كل الناس
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال أنشدت لأبي الحسن علي بن عبد الرحمن الصقلي ابتداء قصيدة له وقد لقيته بإسكندرية
هذي الخدود وهذه الحدق
فليدن من بفؤاده يثق
لو أنهم عشقوا لما عذلوا
لكنهم عذلوا وما شقوا
عنفوا علي بلومهم سفها
لو جرعوا كأس الهوى رفقوا
ليس الفؤاد معي فأعلم ما
قد نال منه الشوق والقلق
ما الحب إلا مسلك خطر
عسر النجاة وموطن قلق
ولأبي بكر هبة الله بن الحسن العلاف
أقول وقد جد الغرام بمهجتي
وفاضت جفوني بعد أدمعها دما
إذا شئت أن تلقى من الناس ميتا
على صورة الأحياء فالق متيما
وقال عبد المحسن بن غالب الصوري
أطلعني الحب على غيبه
فصرت أدري اليوم ما في غد
والله ما عورضت في مهجتي
إلا لأن أرفع عنها يدي
323
وقال أيضا
وكان ابتداء الذي بي مجونا
فلما تمكن أمسى جنونا
وكنت أظن الهوى هينا
فلاقيت منه عذابا مهينا
وقال أيضا
ردوا علينا ما أخذتم لنا
وعاودونا فيه إن عدنا ما زالت الأسرار مكتومة
ماسمع الناس ولا قلنا
أيسر ما في أمرنا أننا
لما حفظنا عهدكم ضعنا وله
كأس الهوى والخمر واحدة
كل مسلطة على العقل وله
وللحب غايات وأسهلها الردى
وقد صار عندي عندما نالني سهلا
وقال أبو منصور بن الفضل
فما في الهوى مرعى يطيب لذائق
ولا مورد عذب يلذ به حاسي
سؤال مغان ربعها أخرس الصدى
وشكوى إلى من قلبه لين قاسي وله
كلف تجلدت الذي أستطيعه
هل في إلا قدرة الإنسان
ولئن فررت من الهوى بحشاشتي
فالحب شر متالف الحيوان وله
نود النحور ونهوى الثغور
ونعلم أنا نحب المتونا وله
النجاء النجاء من ارض نجد
قبل أن يعلق الفؤاد بوجد
324
كم خلى غدا إليه وأمسى
وهو يهذي بعلوة وبهند
ولأبي بكر محمد بن عمر العنبري
يا صاح إني مذ عرفت الهوى
غرقت في بحر بلا ساحل
عيني لحيني نظرت نظرة
رحت لها في شغل شاغل
علقته في البيت من فارس
لكنه في السحر من بابل
يظلمني والعدل من شأنه
ما أوجع الظلم من العادل
وقال شيخنا أبو عبد الله البارع
يا قلب صبرا لنبل غنج
من مقلة الشادن المليحة
هذا الذي كنت في مساء
أنهاك عنه وفي صبيحه
حتى إذا ما وقعت فيه
وصرت في حالة قبيحه
جئت من الحب مستغيثا
تسألني سلوة مريحه
كطالب الرشد عند أعمى
وقابس النار في البطيحه
سوف أنادي عليك حتى
تصير بين الملا فضيحه
هذا جزا من نصحت جهدي
له فلم يقبل النصحيه وله أيضا
أبت نار قلبك إلا استعارا
وماء شؤونك إلا انهمارا
وكنت صبورا قبيل الفراق
فهلا أطقت عليه اصطبارا
أهاب بقلبك داعي النوى
غداة الوداع ألا لا فرارا
فأزمع إذا أزمعوا نية
فراق حشاك وساروا فسارا
فلست تراك ضني بعدها
عيون العوائد حتى تمارى كأن لم يطف بسواك الهوى
ولا احتل غير سويداك دارا
325
وقد مات قيس به هائما
فما أدركت عامر منه ثارا
وأودى بعروة من قبله
فلم تغز عذرة عنه انتصارا
ومات بدائهما توبة
أحبو كراما وماتوا حرارا
وأنت على إثرهم سالك
سبيلهم فالفرار الفرارا
وكنت وليلى رضيعي هوى
وجاري صفا ما تذم الجوارا
فأصبح قد جد حبل الوصال
وجد الفراق فشطت مزارا
وقد خلفتني أرعى النجوم
اين بدا ذا وذا أين غارا وقال آخر
أيها النائمون حولي هنيا
هكذا كنت حيث كنت خليا
من رآني فلا يديمن لحظا
وليكن من جليسه سامريا
وقال آخر
من سره أن يرى المنايا
بعينه منظرا صراحا
فليحس كأسا من التجني
وليعشق الأوجه الملاحا
يا أعينا أرسلت مراضا
فاختلست أعينا صحاحا وقال آخر
من كان لم يذق الهوى فليأتني
أخبره من طب به ذواق
الحب أوله يلذ مذاقه
فإذا خبرت خبرت شر مذاق وقال آخر
ما أقتل الحب والإنسان يجهله
وكل مالم يذقه فهو مجهول
راح الرماة إلى بعض المها فإذا
بعض الرماة ببعض الصيد مقتول
326
الباب الثامن والثلاثون في ذكر ثواب من عشق وعف وكتم
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك ابن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر بن سهل قال حدثنا يعقوب بن عيسى من ولد عبد الرحمن بن عوف عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي A قال من عشق فعف فمات فهو شهيد
أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا الحسن بن الحسين النعالي قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن نصر الذارع قال حدثنا أحمد بن محمود الأنباري قال حدثنا سويد بن سعيد الحدثاني قال حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله A من عشق فمات فهو شهيد
أخبرنا إبراهيم بن دينار قال أنبأنا أبو علي محمد بن سعيد بن نبهان قال أنبأنا الحسن بن الحسين بن دوما قال أنبأنا احمد بن نصر الذارع قال حدثنا صدقة بن موسى وأحمد بن محمود الأنباري والقاسم بن أحمد قالوا
327
حدثنا سويد بن سعيد الحدثاني قال حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله A من عشق وكتم وعف فمات فهو شهيد
قال الذارع قال لنا عمر بن زكريا المؤدب معنى وكتم كتم من يحبه أنه يحبه
وبالإسناد قال حدثنا الذراع قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا زكريا بن يحيى الكوفي قال حدثنا محمد بن حريث عن مطر عن أبيه عن أبي سعيد البقال عن عكرمة عن ابن عباس قال من عشق فعف فمات دخل الجنة
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي قال أنبأنا محمد ابن طلحة النعالي قال حدثنا أحمد بن محمد الصرصري قال حدثنا إبراهيم ابن جعفر الفقيه عن سويد بن سعيد قال حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي A قال من عشق وكتم وعف ثم مات مات شهيدا
أخبرنا عبد الرحمن قال أنبأنا أحمد بن علي قال حدثنا المؤمل بن أحمد الصفار قال حدثنا ابو حفص عمر بن إبراهيم الكتاني قال حدثنا أبو القاسم ابن بكير التميمي قال حدثنا محمد بن زكريا قال حدثنا سويد ابن سعيد عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله A من عشق فعف وكتم ثم مات فهو شهيد
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن احمد السراج قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قال حدثنا علي بن أيوب القمى قال حدثنا
328
محمد بن عمران قال حدثني محمد بن أحمد بن مخزوم قال حدثني الحسن ابن علي الأشناني وأحمد بن محمد بن مسروق قالا حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله A من عشق فظفر فعف فمات مات شهيدا
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الشيرازي قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال أنبأنا عبد الله بن علي الطوسي قال حدثنا محمد ابن الحسين الرازي قال سمعت يوسف بن الحسين يقول حدثني بعض رفقائي عن أبي بكر بن داود الأصبهاني عن أبيه عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله A من عشق فعف وكتم ثم مات فهو شهيد
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن أحمد السراج قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قال حدثنا علي بن أيوب القمي قال حدثنا محمد بن عمران قال حدثني محمد بن أحمد بن مخزوم قال حدثني الحسن بن علي الأشناني وأحمد بن محمد بن مسروق قالا حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله A من عشق فظفر فعف فمات مات شهيدا
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا ابو بكر أحمد بن علي الشيرازي قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال أنبأنا عبد الله بن علي الطوسي قال حدثنا محمد بن أحمد بن الحسين الرازي قال سمعت يوسف بن الحسين يقول حدثني بعض رفقائي عن أبي بكر بن داود الأصبهاني عن أبيه عن سويد بن سعيد
329
عن علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله A من عشق فعف وكتم فهو شهيد
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا إبراهيم ابن عمر البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين الزينبي إجازة قال حدثنا ابن المرزبان قال حدثنا أبو بكر الأزرق قال حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس قال من عشق فكتمه وعف فمات فهو شهيد
قال ابن المرزبان حدثني أبو بكر الأزرق هذا الحديث عن ابن عباس عن النبي A فعاتبته على ذلك فأسقط ذكر النبي A فعاتبته على ذلك وكان يسأل بعد ذلك عن الحديث فلا يرفعه
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرني الأزهري قال حدثنا المعافى بن زكريا قال حدثنا قطنة بن المفضل ابن إبراهيم الأنصاري قال حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال قال رسول الله A من عشق فعف ثم مات مات شهيدا
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري قال أنبأنا صاعد بن سيار قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن سهل الغورجي قال أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الحافظ إجازة قال حدثني أبو علي بن أبي بكر قال حدثنا محمد بن الحسين البخاري قال حدثنا أبو عبد الله العمري قال سمعت الجاحظ يقول سئل شريك بن عبد الله عن العشاق فقال أشدهم حبا أعظمهم أجرا
330
الباب التاسع والثلاثون في ذكر الآفات التي تجري على العاشق من المرض
والضنى والجنون وغير ذلك
اخبرنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة قال أنبأنا أبو طاهر المخلص قال أنبأنا أحمد بن سليمان بن داود قال أنبأنا الزبير ابن بكار قال حدثني عمي مصعب بن عبد الله قال بعثت قريش عمارة بن الوليد مع عمرو بن العاص إلى النجاشي يكلمانه فيمن قدم عليه من المهاجرين
فراسل عمارة بن الوليد جارية لعمرو بن العاص كانت معه حتى صغت إليه فاطلع على ذلك عمرو بن العاص فقال
تعلم عمار ان من شر شيمة
لمثلك أن يدعى ابن عم له ابنما
ائن كنت ذا بردين أحوى مرجلا
فلست براء لابن عمك محرما
إذا المرء لم يترك طعاما يحبه
ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما
قضى وطرا منه وغادر سبة
إذا ذكرت أمثالها تملا الفما
وقد كان عمارة أخبر عمرا أن زوجة الملك النجاشي علقته فأدخلته فلما يئس عمرو بن العاص من أمر المهاجرين عند النجاشي بخل بعمارة عنده وأخبره خبره وخبر زوجته فقال النجاشي ائتني بعلامة استدل بها على ما قلت فعاد عمارة فأخبر عمرا بأمره وأمر زوجة النجاشي فقال له عمرو لا أقبل هذا منك إلا أن لا ترضى منها إلا بأن تعطيك من دهن الملك الذي لا يدهن به غيره فكلمها عمارة في الدهن فقالت أخاف من الملك فأبي أن يرضي عنها حتى تعطيه من ذلك الدهن فاعطته منه فاعطاه عمرا فجاء به إلى الملك النجاشي
331
فنفخ سحرا في إحليله فذهب مع الوحش فيما تقول قريش فلم يزل مستوحشا يرد ماء في جزيرة بأرض الحبش حتى خرج إليه عبد الله بن أبي ربيعة في جماعة من أصحابه فرصده على الماء فأخذه فجعل يصيح به يا بحير أرسلني فإني أموت إن أمسكتني فأمسكه فمات في يده
أخبرنا إبراهيم بن دينار الفقيه قال أنبأنا محمد بن سعيد بن نبهان قال أنبأنا الحسن بن الحسين بن دوما قال أنبأنا أحمد بن نصر الذارع قال حدثني محمد بن عبد الله الكاتب قال أنبأنا عبد العزيز بن محمد الفارسي قال حدثني أبي قال كان لكسرى حاجب عشق جارية فعاتبته يوما فلم يدر ما يجيبها وأرتج عليه فذهب ليتكلم فلجلج
قال فما زال بعد ذلك أخرس يكلم فلا يتكلم فجمع له كسرى الأطباء ليعالجوه فلم يكن فيه حيلة وتوفي على ذلك
أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي قال أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيوية قال أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن محمد بن منصور بن سيار قال حدثنا نوح بن يزيد المعلم قال حدثنا إبراهيم بن سعد قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال سمعت رجلا من بني عذرة عند عروة بن الزبير يحدثه فقال عروة يا هذا بحق أقول لكم إنكم أرق الناس قلوبا
فقال نعم والله لقد تركت بالحي ثلاثين شابا قد خامرهم السل ما بهم إلا داء الحب
وبالإسناد حدثنا ابن المرزبان قال حدثني أحمد بن زهير قال حدثني على
332
ابن صالح عن ابن داب قال مر عمرو بن مناة الخزاعي بليلى الخزاعية وهي تحت أراكة ومعها نسوة من قومها وكان عمرو معروفا بحسن الحديث ورقة الشعر فقال له النسوة هل فحدثنا فجلس يحدثهن فرأى ليلى بنت عيينة فعلقها وتزايد الأمر به فهام حتى كان لا ينام إلا حيث يرى بيوت أهلها وإلا لم ينم وأخذته الوسوسة وفقد عقله وكان لا يهدى إلا بذكرها وقال فيها أشعارا كثيرة
فمن قوله فيها
توسد أحجارا ودقعاء بائتا
مبيت عسيف الحي غير المكرم
أرى بيت ليلى حين أغلق بابه
ألذ وأشهى من مهاد مقدم
وبالإسناد حدثنا ابن المرزبان قال حدثني محمد بن الفضل عن أحمد بن محمد الأزدي عن عبد الله بن همام قال خرجت أريد بعض الحوائج فإذا أنا بابن أبي مالك وهو قاعد في الصحراء بين الحيرة والكوفة فقلت ما تصنع ههنا فقال اصنع ما كان صاحبنا يصنع فقلت ومن صاحبكم قال مجنون بني عامر صاحب ليلى
قال وإلى جانبه حجر فتناوله وعدا خلفي فتجاوزني الحجر وعدت فقعدت بعيدا منه
قال فقال لي والله ما أحسن ولا أجمل حيث يقول
علقتك إذ عيني عليها غشاوة
فلما انجلت قطعت نفسي ألومها
ما له لم يقل كما قلت
رماني الهوى منه بأعظم شجوة
وعسكر حولي الهجر دون حبيبي
فصبرا لعل الدهر يجمع بيننا
بإلف حبيب أو بموت رقيب
333
قال ثم قال ألا تقول ما هو أحسن من هذا لا إله إلا الله الواحد الأحد خلق فقدر وحكم فعدل
وبه حدثنا ابن المرزبان قال حدثني العباس بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري قال حدثني أبي قال سمعت عبد الله بن إدريس يقول رأيت ابن أبي مالك جالسا في موضع قد كان فيه رماد ودمعه قطعة جص يخطط بها ويستبين بياض الجص في سواد الرماد قال فقلت له يا ابن أبي مالك ما تصنع قال ماكان صاحبنا يصنع يعني مجنون بني عامر قال فقلت وما كان يصنع قال سمعته يقول
عشية ما لي حيلة غير أنني
بلقط الحصا والخط في الدار مولع
أخط وأمحو فيه ما قد خططته
بدمعي والغربان في الدار وقع
قلت ما سمعته قال فتضاحك ثم قال أما سمعت الله عز وجل يقول
ألم تر إلى ربك كيف مد الظل
افسمعته أو رأيته يا ابن إدريس هذا كلام العرب
وبالإسناد حدثنا ابن المرزبان قال حدثني محمد بن الفضل قال حدثني بعض أهل الأدب عن محمد بن أبي نصر الأزدي قال رأيت بالبصرة مجنونا قاعدا على ظهر الطريق بالمربد وكلما مر به ركب قال
ألا أيها الركب اليمانون عرجوا
علينا فقد أمسى هوانا يمانيا
لنسألكم هل سال نعمان بعدنا
فحب إلينا بطن نعمان واديا
قال فسألت عنه فقيل هذا رجل من البصرة كانت له ابنة عم وكان يحبها فتزوجها رجل من أهل الطائف فنقلها فاستوله عليه وبه حدثنا ابن المرزبان قال حدثني أحمد بن معاذ بن يزيد الكتاني قال حدثني محمد بن زياد الأعرابي قال رأيت بالبادية أعرابيا في عنقه تمائم وهو عريان
334
وعلى سوأته خرقة وفي رجله حبل وخلفه عجوز تمسكه بطرف الحبل وإذا هو يعض ذراعيه فقلت للعجوز من هذا فقالت ابن ابنتي فقلت لها ما حاله أبه مس من الجن قالت لا والله لكنه نشأ وابنة عم له في مكان واحد فعلقها وعلقته فحبسها أهلها عنه ومنعوها منه فزال عقله وصار إلى ما ترى فقلت لها ما اسمه فقالت عكرمة فقلت أيا عكرمة ما أصابك فقال
أصابني داء قيس
وعروة وجميل
فالجسم مني نحيل
وفي الفؤاد غليل قال فتركته ومضيت
وبالإسناد حدثنا ابن المرزبان قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله السرخسي قال حدثني عباس بن عبيدة قال كان بالمدينة جاريةظريفة حاذقة بالغناء فهويت فتى من قريش فكانت لا تفارقه ولا يفارقها فملها الفتى وتزايدت هي في محبته وأسفت وغارت وولهت وجعل مولاها لا يعبأ بذلك ولا يرق لشكواها فتفاقم الأمر بها حتى هامت على وجهها ومزقت ثيابها وضربت من لقيها فلما رأى مولاها ذلك عالجها فلم ينجح فيها العلاج وكانت تدور بالليل في السكك بعد الطوف فلقيها مولاها ذات يوم في الطريق ومعه أصحاب له فجعلت تبكي وتقول
الحب أول ما يكون لجاجة
تأتي به وتسوقه الأقدار
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى
جاءت أمور لا تطاق كبار
قال فما بقي أ حد إلا رحمها
فقال لها مولاها يا فلانة امضي معنا إلى البيت فأبت وقالت شغل الحلي أهله أن يعارا
335
قال وذكر بعض من رآها ليلة وقد لقيتها مجنونة أخرى فقالت لها يا فلانة كيف أنت فقالت كما لا أحب فكيف أنت من ولهك وحبك فقالت على ما لم يزل يتزايد على مر الأيام
قالت لها فغني بصوت من أصواتك فإني قريبة الشبه بك فأخذت قصبة توقع بها وغنت
يا من شكا ألما للحب شبهه
بالنار في القلب من حزن وتذكار
إني لأعظم ما بي أن أشبهه
شيئا يقاس إلى مثل ومقدار
لو أن قلبي في نار لأحرقها
لأن أحزانه أذكى من النار قال ثم مضت
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن عن أبيه قال أخبرني أبو الفرج الأصبهاني قال حدثني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله ابن أبي سعد قال حدثني عبد الله بن نصر المروزي قال حدثني محمد بن عبد الله الطلحي قال حدثني سليمان بن يحيى بن معاذ قال قدم على نيسابور إبراهيم بن سيابة الشاعر البصري فأنزلته علي فجاء ليلة من الليالي وهو مكروب وقد هاج فجعل يصيح بي يا أبا يوسف
فخشيت أن يكون قد غشيته بلية فقلت له ما تشاء فقال
أعياني الشادن الربيب
فقلت بماذا فقال
قد كنت أشكو فلا يجيب
فقلت داؤه ودواؤه فقال
336
من أين أبغي شفاء دائي
وإنما دائي الطبيب
فقلت إذن يفرج الله عز وجل فقال
يا رب فرج إذن وعجل
فإنك السامع المجيب ثم انصرف
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار وأخبرتنا شهدة قالت أنبأنا ابن السراج قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال حدثنا ابن حيوية قال حدثنا أبو بكر بن المرزبان إذنا قال حدثنا عبد الله بن عمر قال حدثني علي ابن محمد بن سليمان النوفلي قال ذكر أبو المختار عن محمد بن قيس العبدي قال إني لبمزدلفة بين النائم واليقظان إذ سمعت بكاء حرقا ونفسا عاليا فاتبعت الصوت فإذا بجارية كأنها الشمس حسنا ومعها عجوز فلططت بالأرض ألاحظها وأمتع عيني بحسنها فسمعتها
تقول دعوتك يا مولاي سرا وجهرة
دعاء ضعيف القلب عن محمل الحب
بليت بقاسي القلب لا يعرف الهوى
وأقتل خلق الله للهائم الصب
فإن كنت لم تقض المودة بيننا
فلا يخل من حب له أبدا قلبي
رضيت بهذا ما حييت فإن أمت
فحسبي ثوابا في المعاد به حسبي قال وجعلت تردد هذه الأبيات وتبكي فقمت إليها وقلت بنفسي أنت مع هذا الوجه وهذا الجمال يمتنع عليك من تريدين قالت نعم والله والله يفعل هذا تصبرا وفي قلبه أكثر مما في قلبي
قلت فإلى كم البكاء قالت أبدا أو يصير الدمع دما وتتلف نفسي غما
337
قلت إن هذه آخر ليلة من ليالي الحج فلو سألت الله عز وجل التوبة مما أنت فيه رجوت أن يذهب حبه من قلبك
قالت يا هذا عليك بنفسك في طلب رغبتك فإني قد قدمت رغبتي إلى من لا يجهل بغيتي وحولت وجهها عني وأقبلت على بكائها وشعرها ولم يكن بها قولي ووعظي
أنبأنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرنا عبدالصمد بن محمد بن مكرم قال أنبأنا إسماعيل بن سعيد بن سويد قال حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا محمد بن موسى المارستاني قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني احمد بن معذل قال كان سوار بن عبد الله القاضي قد خامر قلبه شيء من الوجد فقال
سلبت عظامي لحمها فتركتها
عواري في أجلادها تتكسر
وأخليت منها مخها فكأنها
قوارير في أجوافها الريح تصفر
خذي بيدي ثم ارفعي الثوب فانظري
بلى جسدي لكنني اتستر
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أخبرنا الجوهري قال أنبأنا ابن حيوية قال حدثنا أبو بكر بن المرزبان إذنا قال حدثني عبد الرحمن بن بشير قال حدثني محمد بن الحسن قال حدثتني أم إبراهيم بن جميل قالت حدثني عبيد الله الشروي قهرمان سليمان بن أبي جعفر قال دخل هارون الرشيد علي سليمان بن أبي جعفر وكان عليلا فرأى عنده جارية له تسمى ضعيفة في غاية الحسن والجمال والشكل فوقعت في قلبه فقال هارون لسليمان هبها لي فقال هي لك يا أمير المؤمنين فلما أخذها مرض سليمان من شدة حبه لها فقال سليمان
338
أشكو إلى ذي العرش ما
لاقيت من أمر الخليفة
يسع البرية عدله
ويريد ظلمي في ضعيفه
علق الفؤاد بحبها كالحبر يعلق بالصحيفه قال فبلغ ذلك هارون الرشيد فردها عليه
أخبرتنا شهدة قالت أخبرنا أبو محمد بن السراج قال أنبأنا أبو طاهر محمد بن العلاف قال أنبأنا ابن شاهين قال أنبأنا جعفر بن محمد قال حدثنا احمد ابن محمد بن مسروق قال حدثنا علي القمي قال حدثني أبو المصعب المديني قال دخلت على الربيع بن عبيد وكان قد تيم عقله فسمعته وهو يخاطب نفسه ويقول
الحب لو قطعني
ما قلت للحب ظلم
قد كنت خلوا زمنا
فاليوم يبدو ما كتم
قال قلت يرحمك الله
فقال من أنت قلت أنا أخوك أبو المصعب
قال عشية تجيء وأخرى تذهب وأنا أتوقع الموت ما بين ذلك قلت الله بينك وبين من ظلمك
قال مه والله ما أحب ان يناله مكروه
ثم تنفس حتى رحمته وذهب عقله فقمت عنه
أنبأنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار وأخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن احمد قالا أنبأنا الجوهري قال حدثنا ابن حيوية قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثني محمد بن عبد الرحمن القرشي قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا ابن عبيد قال حدثنا أبو مخنف عن هشام بن عروة قال أذن معاوية بن أبي سفيان للناس يوما فكان فيمن دخل عليه فتى من بني عذرة فلما أخذ الناس مجالسهم قام الفتى العذرى بين السماطين ثم أنشأ يقول
معاوى ياذا الفضل والحلم والعقل
وذا البر والاحسان والجود والبذل
339
أتيتك لما ضاق في الأرض مسلكي
وانكرت مما قد أصيب به عقلي ففرج كلاك الله عني فإنني
لقيت الذي لم يلقه احد قبلي
وخذ لي هداك الله حقي من الذي
رماني بسهم كان أهونه قتلي
وكنت أرجي عدله إن أتيته
فأكثر تردادي مع الحبس والكبل
فطلقتها من جهد ما قد أصابني
فهذا أمير المؤمنين من العدل
فقال معاوية أدن بارك الله عليك ما خطبك فقال أطال الله بقاء أمير المؤمنين إنني رجل من بني عذرة تزوجت ابنة عم لي وكانت لي صرمة من إبل وشويهات فأنفقت ذلك عليها فلما أصابتني نائبة الزمان وحادثات الدهر رغب عني ابوها وكانت جارية فيها الحياء والكرم فكرهت مخالفة أبيها فأتيت عاملك ابن أم الحكم فذكرت ذلك له وبلغه جمالها فأعطى أباها عشرة آلاف درهم وتزوجها فأخذني وحبسني وضيق علي فلم أصابني مس الحديد وألم العذاب طلقتها وقد أتيتك يا أمير المؤمنين وأنت غياث المحروب وسند المسلوب فهل من فرج ثم بكا وقال في بكائه
في القلب مني نار
والنار فيها شرار
والجسم مني نحيل
واللون فيه إصفرار
والعين تبكي بشجو
فدمعها مدرار والحب داء عسير
فيه الطبيب يحار
حملت منه عظيما
فما عليه اصطبار
فليس ليلى بليل
ولا نهاري نهار
340
فرق له معاوية وكتب إلى ابن أم الحكم كتابا غليظا وكتب في آخره
ركبت أمرا عظيما لست أعرفه
استغفر الله من جور امرىء زان
قد كنت تشبه صوفيا له كتب
من الفرائض أو آيات فرقان
حتى أتاني الفتى العذرى منتحبا
يشكو إلي بحق غير بهتان
أعطى إلاله عهودا لا أخيس بها
أو لا فبرئت من دين وإيمان
إن أنت راجعتني فيما كتبت به
لأجعلنك لحما بين عقبان
طلق سعاد وفارقها بمجتمع
أشهد على ذاك نصرا وابن طبيان
فما سمعت كما بلغت من عجب
ولا فعالك حقا فعل إنسان فلما ورد كتاب معاوية على ابن أم الحكم تنفس الصعداء وقال وددت أن امير المؤمنين خلى بيني وبينها سنة ثم عرضني على السيف
وجعل يؤامر نفسه على طلاقها فلما أزعجه الوفد طلقها ثم قال يا سعاد أخرجي
فخرجت شكلة غنجة ذات هيئة وجمال فلما رآها الوفد قال ما تصلح هذه إلا لأمير المؤمنين لا لأعرابي
وكتب جواب كتابه
لا تحنثن أمير المؤمنين فقد
أوفى بعهدك في رفق وإحسان
وما ركبت حراما حين أعجبني
فكيف سميت باسم الخائن الزاني
وسوف تأتيك شمس لا خفاء بها
أبهى البرية من إنس ومن جان
حوراء يقصر عنها الوصف إن وصفت
أقول ذلك في سر وإعلان
341
فلما ورد على معاوية الكتاب قال إن كانت أعطيت حسن النغمة مع هذه الصفة فهي أكمل البرية فاستنطقها فإذا هي أحسن الناس كلاما وأكملهم شكلا ودلا فقال يا أعرابي هل لك من سلو عنها بأفضل الرغبة قال نعم إذا فرقت بين رأسي وجسدي ثم أنشا الأعرابي يقول
لا تجعلني والأمثال تضرب بي
كالمستغيث من الرمضاء بالنار
اردد سعاد على حيران مكتئب
يمسي ويصبح في هم وتذكار
قد شفه قلق ما مثله قلق
وأسعر القلب منه أي إسعار
والله والله لا أنسى محبتها
حتى أغيب في رمس وأحجار
كيف السلو وقد هام الفؤاد بها
وأصبح القلب عنها غير صبار
قال فغضب معاوية غضبا شديدا ثم قال لها اختاري إن شئت أنا وإن شئت ابن أم الحكم وإن شئت الأعرابي فأنشات سعاد تقول
هذا وإن أصبح في أطمار
وكان في نقص من اليسار
اكثر عندي من أبي وجاري
وصاحب الدرهم والدينار
أخشى إذا غدرت حر النار
فقال معاوية خذها لا بارك الله لك فيها
فأنشا الأعرابي يقول
خلوا عن الطريق للأعرابي
ألم ترقوا ويحكم لما بي
قال فضحك معاوية وأمر له بعشرة آلاف درهم وناقة ووطاء وأمر بها فأدخلت في بعض قصوره حتى انقضت عدتها من ابن أم الحكم ثم أمر بدفعها إلى الأعرابي
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرني
342
الأزهري قال حدثنا محمد بن الحسن بن المأمون قال حدثنا أبو بكر الهاشمي قال حدثنا محمد بن أحمد المقدمي قال حدثنا أبو محمد التميمي قال حدثنا محمد ابن عبد الرحمن مولى الأنصار قال حدثنا الأصمعي قال قال لي الرشيد أحب أن أسمع حديثا أتفرج به فحدثني بشيء
فقلت يا أمير المؤمنين صاحب لنا في بدو بني فلان كنت أغشاه وأتحدث إليه وقد أتت عليه ستة وتسعون سنة أصح الناس ذهنا وأجودهم أكلا وأقواهم بدنا فغبرت عنه زمانا ثم قصدته فوجدته ناحل البدن كاسف البال متغير الحال فقلت ما شأنك أصابتك مصيبة قال لا
قلت أفمرض عراك قال لا
قلت فما سبب هذا الذي أراه بك
قال قصدت بعض القرابة في حي بني فلان فألفيت عندهم جارية قد لاثت رأسها وعليها قميص وقناع مصبوغان وفي عنقها طبل توقع عليه وتنشد
محاسنها سهام للمنايا
مريشة بأنواع الخطوب
برى ريب المنون لهن سهما
يصيب بنصله مهج القلوب فأجبتها
قفى شفتي في موضع الطبل ترتقي
كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن
هبيني عودا أجوفا تحت شنة
تمتع فيما بين نحرك والذقن
فلما سمعت الشعر مني نزعت الطبل فرمت به في وجهي وبادرت إلى الخباء فدخلت
فلم أزل واقفا إلى أن حميت الشمس على مفرق رأسي لا تخرج إلي ولا ترجع إل جوابا فقلت أنا والله معها كما قال الشاعر
فوالله يا سلمى لطال إقامتي
على غير شيء يا سليمى أراقبه
343
ثم انصرفت سخين العين قرح القلب فهذا الذي ترى من التغير من عشقي لها
فضحك الرشيد حتى استلقى فقال ويحك يا عبد الملك ابن ست وتسعين سنة يعشق قلت وقد كان ذلك يا أمير المؤمنين
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا أبو عمر بن حيوية قال أنبأنا محمد بن خلف قال أخبرني أبو العباس المروزي قال أخبرني بعض أهل الأدب أنه كان للمتوكل جارية يقال لها محبوبة وكانت من الأدب والإحسان في الغناء على غاية ما يكون مثلها وكان المتوكل يجد بها وجدا شديدا وكانت له على مثل ذلك فلما كان من أمر المتوكل ما كان تفرقت الجواري إلى القواد فصارت محبوبة إلى وصيف فكان لباسها البياض الخشن وكانت تذكره فتشهق وتنتحب
قال فجلس وصيف يوما للشرب وجلس الجواري اللاتي كن للمتوكل في الحلي والحلل وجاءت محبوبة في معجر أبيض فجلست فما هو إلا أن دار النبيذ بين الندماء فأقبل وصيف على من حضره من جواري المتوكل وكان عنده منهن جماعة فقال غنين فما بقيت منهن واحدة إلا غنت وطربت وضحكت وشربت إلى أن أومأ وصيف إلى محبوبة بالغناء فقالت إن رأى الأمير أن يعفيني فأبى وقال لها الجواري لو كان في الحزن فرج لحزنا معك وجيء بعود فوضع في حجرها فسوته وأنشأت تقول
أي عيش يطيب لي
لا أرى فيه جعفرا
ملك قد رأته
عيني جريحا معفرا
344
كل من كان هائما
وسقيما فقد برا غير محبوبة التي
لو ترى الموت يشترى
لاتشرته بما
حوته جميعا لتقبرا
إن موت الكئيب
أطيب من أن يعمرا
فاشتد ذلك على وصيف فأمر بإخراجها فصارت إلى قبيحة فلما كان بعد هنيهة سأل عنها وصيف فقيل له صارت إلى قبيحة فبعث إليها فقالت تمسحت ومضت فوالله ما أدري إلام صارت
أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن قال أنبأنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن خلف قال ترى العاشق إذا رأى من يحبه أو سمع بذكره كيف يهرب دمه ويستحيل لونه ويخفق فؤاده وتأخذه الرعدة وربما امتنع من الكلام ولم يطق رد الجواب
وقد قال بعض الشعراء
علامة من كان الهوى في فؤاده
إذا ما رأى الأحباب أن يتحيرا
ويصفر لون الوجه بعد إحمراره
وإن حر كوه للكلام تثورا
أنبأنا عبد الوهاب الأنماطي قال أنبأنا محمد بن أبي نصر الحميدي قال أخبرني صاحب لي بالمغرب قال أخبرني سليمان بن محمد المقرىء الصقلي قال كان بسوسة إفريقية رجل أديب شاعر وكان يهوى غلاما جميلا منغلمانها وكان كلفا به وكان الغلام يعرض عنه ويتجنى عليه
345
فبينما هو ذات ليلة منفردا يشرب وحده على ما أخبر عن نفسه وقد أخذ النبيذ منه إذ خطر بباله أن يأخذ قبس نار ويحرق داره عليه لتجنيه عليه فقام من حينه ونهض بقبس نار فجعله عند باب الغلام فاشتعل نارا واتفق أن رآه بعض الجيران فبادروا النار بالإطفاء فلما أصبحوا نهضوا إلى القاضي فأعلموه وشكوا منه فأرسل إليه القاضي وقال له لأي شيء أحرقت باب هذا فأنشأ يقول
لما تمادى على بعادي
واضرم النار في فؤادي
ولم اجد من هواه بدا
ولا معينا على السهاد
حملت نفسي على وقوفي
ببابه حملة الجواد
فطاف من بعض نار قلبي
أقل في الوصف من زنادي
فأحرق الباب دون علمي
ولم يكن ذاك من مرادي قال فاستظرفه القاضي وتحمل عنه ما أفسد وخلى سبيله أو كما قال
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن قال أنشدنا على ابن محمد قال أنشدنا أبو بكر الصنوبري لنفسه
أخذوا للسير أهبته
وأخذنا أهبة الكمد
زعموا أن الفراق غدا
وفراق الروح بعد غد
حدث الأصمعي قال رأيت امرأة في الطواف وهي تقول اللهم مالك يوم القضا وخالق الأرض والسما
346
ارحم اهل الهوى فإنك قريب ممن دعا ثم أنشأت تقول
يا رب إنك ذومن ومغفرة
ثبت بعافية منك المحبينا
فقلت يا هذه أترفثين وأنت في الطواف فقالت إليك عني لا رهقك الحب
فقلت لها وما الحب فقالت جل أن يخفي ودق أن يرى له كمون ككمون النار في الحجر إن قدحته أورى وإن تركته توارى
قال فتبعتها حتى عرفت منزلها فلما كان من الغد جاء مطر شديد فمررت ببابها وهي قاعدة مع أتراب لها وهي تقول لهن قد أضر بنا المطر ولولا ذلك لخرجنا إلى الطواف وأنشأت تقول
قالوا أضر بنا السحاب وقطره
لما رأوه لعبرتي يحكى لا تعجبوا مما ترون فإنما
هذي السماء لرحمتي تبكي
وبلغنا عن بعض من تبع الحاج أنه قال كنت في الطواف وقد مضى أكثر الليل وإذا أنا بامرأة كأنها شمس على قضيب غرس في كثيب وهي تقول
رأيت الهوى حلوا إذا اجتمع الوصل
ومرا على الهجران لا بل هو القتل
ومن لم يذق للهجر طعما فإنه
إذا ذاق طعم الوصل لم يدر ما الوصل
وقد ذقت طعميه على القرب والنوى
فأبعده قتل وأقربه خبل
ثم التفتت فرأتني فقالت يا هذا ظن خيرا فإن من ضعفت قوته عن حمل شيء ألقاه طلبا للراحة وفرارا من ثقل المحبة وقد نطقت بما علمه الله وأحصاه الملكان فإن يعف عن أهل السرائر أكن فيهم وإن يعاقبوا فياخيبة المذنبين ثم بكت فما رأيت درا قطع سلكه فانتثر بأحسن من تناثر دموعها
فاعتزلت خوفا أن يصبوا قلبي إليها
347
وحدث الأصمعي قال رئي أبو السائب المخزومي متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول اللهم ارحم العاشقين فقيل يا أبا السائب في مثل هذا المقام تقول هذا المقال قال إليك عني فوالله إن الدعاء لهم أفضل من حجة بعمرة ثم أنشأ يقول
يا هجر كف عن الهوى ودع الهوى
للعاشقين يطيب يا هجر
ماذا تريد من الذين جفونهم
قرحى وحشو قلوبهم جمر
والحزن حشو صدورهم ووجوهم
مما تجن صدورهم صفر
وسوابق العبرات فوق نحورهم
درر تلوح كأنها القطر
صرعى على جسر الهوى لشقائهم
بنفوسهم يتلاعب الدهر حكى لي بعض الناس أن امرأة نزلت معهم في سفينة فوصلت إلى بعض الأماكن فقالت رقوني
فقالوا ليس هذا بموضع صعود فقالت لا بد فصعدت قال وسرنا فلما عدنا وجدناها قد ولدت وماتت هناك
وهذه امرأة قد هربت من بلدها لعار ارتكبته فآثرت الموت على العار فانظر ما يصنع الهوى بأربابه
أخبرتنا شهدة بنت أحمد بن الفرج قالت أخبرنا جعفر بن احمد قال أنبأنا عبدالعزيز بن الحسن بن إسماعيل الضراب قال حدثنا أبي قال حدثنا أحمد بن مروان قال حدثنا عبد الله بن سلمم بن قتيبة قال قرأت في سير العجم أن أردشير لما استوثق له أمره وأقر له بالطاعة ملوك الطوائف حاصر ملك السريانية وكان متحصنا في مدينة يقال لها الحضر فحاصره فلم يقدر على فتحها حتى رقت بنت الملك يوما على الحصن فرأت أردشير فهويته فنزلت فأخذت بنشابة فكتبت عليها إن أنت شرطت لي أن تتزوجني دللتك على موضع تفتح به المدينة بأيسر الحيلة وأخف المؤنة
ثم رمت بالنشابة نحو أردشير
348
فقرأه وأخذ نشابة فكتب عليها لك الوفاء بما سألتيني
ثم ألقاهاإليها فدلته على الموضع فأرسل إليها فافتتحها
فدخل وأهل المدينة غارون لا يشعرون فقتل الملك وأكثر القتل فيها وتزوجها
فبينما هي ذات ليلة على فراشه أنكرت مكانها حتى سهرت أكثر ليلتها فقال لها مالك قالت أنكرت فراشي فنظروا تحت الفراش فإذا تحته طاقة آس قد أثرت في جلدها فتعجب من رقة بشرتها فقال لها ما كان أبوك يغذوك قالت كان أكثر غذائي عنده الشهد والمخ والزبد فقال لها ما احد بالغ منك في الحباء مبلغ أبيك وإن كان جزاؤه عندك على جهد إحسانه مع لطف قرابته وعظم حقه إساءتك إليه ما أنا بآمن مثل ذلك منك
ثم أمر بأن تعقد قرونها بذنب فرس شديد الجري جموح ثم يجرى ففعل ذلك بها حتى تساقطت عضوا عضوا
أنبأنا محمد بن عبد الملك قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال حدثني القاضي أبو القاسم عبد الله بن الحسين الرحبي قال حدثنا علي بن أحمد بن محمد الجرمي قال حدثنا الحسين بن علي بن أحمد المهلبي قال أخبرنا أبو العباس ابن عطاء قال كان يحضر حلقتي شاب حسن الوجه يخبأ يده قال فوقع لي أن الرجل قد قطعت يده على حال من الأحوال قال فجاءني يوم جمعة وقد جاءت السماء بالبركات ولم يجئني في ذلك اليوم أحد قال فطالبتني نفسي بمخاطبته ودافعتها مرارا كثيرة إلى أن غلب علي كلامه فكلمته فقلت يا فتى مالي أرى يدك تخبؤها ثم لا تخرجها
349
فإن كان بها علة دعونا الله تعالى لك بالعافية
فاخرجها فرأيت فيها شبيها بالشلل
فقلت يا فتى ما اصاب يدك قال حديثي طويل قلت ما سألتك إلا وأنا أحب أن أسمعه
فقال لي أنا فلان بن فلان خلف لي أبي ثلاثين ألف دينار فقدمت بها فعلقت نفسي بجارية في القيان فأنفقت عليها جملة ثم أشاروا علي بشرائها فاشتريتها بستة آلاف دينار فلما حصلت عندي وملكتها قالت لم اشتريتني وما في الأرض ابغض إلي منك وإني لأرى نظري إليك عقوبة فاسترد مالك فلا متعة لك بي مع بغضي لك
قال فبذلت لها كل ما يبذله الناس فما ازدادت إلا غلوا فهممت بردها فقالت لي داية لي دعها تموت ولا تموت أنت قالت فاعتزلت في بيت ولم تأكل ولم تشرب إلا تبكي وتضرع حتىضعف الصوت وأحسسنا منها بالموت
وما مضى يوم إلا وأنا أمضي إليها وابذل لها الرغائب وما ينفع ذلك ولا تزداد إلا بغضا
فلما كان اليوم الرابع أقبلت عليها وسألتها عما تشتهيه فاشتهت حريرة فحلفت لا يعملها أحد سواي فأوقدت النار ونصبت القد ر وبقيت أمرس ما جعل فيها والنار تعمل وقد أقبلت على تشكو ما مر بها من الآلام في هذه الأيام فأقبلت دايتي فقالت يا سيدي ارفع يديك فرفعتها وقد انسمطت على ما تراها
قال ابو العباس فصعقت صعقة وقلت بآبائي هذا في هوى مخلوق أقبل عليك فنالك هذا كله
أخبرنا عمر بن ظفر قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا عبد العزيز بن
350
علي الأزجي قال أنبأنا أبو الحسن بن جهضم قال حدثنا علي بن محمد الزيات قال حدثني أبو محمد الحسن بن محمد الجروي قال حدثني سمنون قال كان في جيراني رجل له جارية وكان شديد الميل إليها فاعتلت الجارية علة شديدة فجلس يصلح لها حساء فبينا هو يحرك القدر إذ قالت الجارية أوه فسقط ما كان في يده وجعل يحرك القدر بيده حتى سقط لحم أصابعه وهو لا يشعر فنظرت إليه الجارية فقالت إيش هذا فقال هذا موضع قولك أوه
أخبرتنا شهدة قالت أخبرنا جعفر بن احمد قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي قال حدثنا أبي قال حدثنا أبو بكر محمد بن بكر البسطامي قال حدثنا ابن دريد قال حدثنا أحمد بن عيسى العكلي عن ابن أبي خالد عن الهيثم بن علي قال كان لعمرو بن دويرة أخ قد كلف بابنة عم له كلفا شديدا وكان أبوها يأباه فحمل الحب عليه أن تسور الجدار وحصل معها فأحس به أبوها فقبض عليه وأتى به خالد بن عبد الله القسري وادعى عليه السرق وأتى بجماعة يشهدون أنهم وجدوه في منزله ليلا وقد دخل دخول السراق فسأل خالد الفتى فاعترف انه دخل ليسرق وما سرق شيئا ليدفع بذلك الفضيحة عن ابنة عمه
فأراد خالد أن يقطعه فرفع عمرو أخوه إلى خالد رقعة فيها
أخالد قد والله أوطئت عشوة
وما العاشق المظلوم فينا بسارق
أقر بما لم يأته المرء إنه
رأى القطع خيرا من فضيحة عاشق
351
ولولا الذي قد خفت من قطع كفه
لألفيت في أمر لهم غير ناطق
إذا مدت الغايات في السبق للعلا
فأنت ابن عبد الله أول سابق
فأرسل خالد مولى له يسأله عن الخبر ويتجسس عن جلية الأمر فأتاه بتصحيح ما قال عمرو في شعره فأحضر الجارية وزوجه وساق خالد المهر عنه من ماله
أنبانا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال أنبأنا أبو طاهر المخلص قال أنبأنا أحمد بن سلميان بن داود الطوسي قال أنبأنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن حسن عن إبراهيم بن محمد الزهري عن أبيه قال كانت زينب بنت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بارعة الجمال وكانت تدعى الموصولة وكانت عند أبان بن مروان بن الحكم فلما توفي أبان بن مروان دخل عليها عبد الملك فرآها فأخذت بنفسه فكتب إلى أخيها المغيرة بن عبد الرحمن يأمره بالشخوص إليه فشخص إليه فنزل علي يحيى بن الحكم فقال يحيى إن امير المؤمنين إنما بعث إليك لتزوجه أختك زينب فهل لك في شيء أدعوك إليه قال هلم فاعرض قال أعطيك لنفسك أربعين ألف دينار ولها علي رضاها وتزوجنيها فقال له المغيرة ما بعد هذا شيء فزوجه إياها فلما بلغ عبد الملك بن مروان ذلك أسف عليها فاصطفى كل شيء ليحيى بن الحكم فقال يحيى بن الحكم كعكتين وزينب يريد أن يجتزىء بكعكتين إذا كانت عنده زينب
352
أخبرنا أبو بكر بن حبيب الصوفي قال حدثنا أبو سعد بن أبي صادق الحيرى قال حدثنا ابن باكويه الشيرازي قال حدثنا أحمد الطبري الزاهد قال حدثني جعفر بن القاسم الخواص قال سمعت ابن ملكي يقول كنت في البادية فدخلت بعض الأحياء أطلب شيئا آكل فرأيت فتى على باب الحي مسجى فقلت له ما علتك فقال سل تلك القائمة قلت وأي شيء تكون منك قال هي ابنة عمي قلت فهي لك وبين يديك فما هذا النحول فقال لي أما علمت أن من لا حظ له في الوصال علم أن الفراق يفنى ومن لا حظ له في الفراق علم أن الوصال يبقى
أخبرتنا شهدة بن بنت أحمد قالت انبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال أنبأنا أبو عمر بن حيوية قال حدثنا محمد بن خلف قال أخبرني أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن عن العباس بن علي قال حدثني بعض أهل المدينة قال دعاني فتى من أهل المدينة إلى جارية تغني فلما دخلنا عليها إذا أحسن الناس وجها وإذا بها انخراط وجه وسهو وسكوت فجعلنا نبسطها بالمزاح والكلام ويمنعها من ذلك ما تكاتم فقلت في نفسي والله إن بها لهياما وطائفا من الحب فأقبلت عليها فقلت بالله لتصدقيني بالذي بك فقالت برح الذكر ودوام الفكر وحلول النهار والتشوق إلى من سار وأخذت العود فغنت
سيوردني التذكار خوض المهالك
ولست لتذكار الحبيب بتارك أبى الله إلا أن أموت صبابة
ولست لما يقضي الإله بمالك
353
كأن بقلبي حين شطت به النوى
وخلفني فردا صدور النيازك
تقطعت الأخبار بيني وبينه
لبعد النوى وانسد سبل المسالك
قال فوالله لقد خفت أن أسلب عقلي لما غنت
فقلت جعلني الله فداك وهذا الذي صيرك إلى ما أرى يستحق هذا منك فوالله إن الناس لكثير فلو تسليت بغيره فلعل ما بك أن يسكن أو يخف فقد قال الأول
صبرت على اللذات حتى تولت
وألزمت نفسي صبرها فاستمرت
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى
فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت
فأقبلت علي وقالت قد والله رمت ذلك فكنت كما قال قيس بن الملوح
ولما أبى إلا جماحا فؤاده
ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل
تسلي بأخرى غيرها فإذا التي
تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي قال فأسكتني والله تواتر حججها عن محاورتها وما رأيت كمنطقها ولا كشكلها وأدبها
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال حدثنا أبو القاسم الأزهري قال حدثنا عثمان بن عمرو المقرىء قال حدثنا جعفر بن محمد الخواص قال حدثني أحمد بن محمد الطوسي قال حدثني محمد بن علي الربيعي قال سمعت صالح بن سليمان العبدي يقول كان محمد بن عبد الملك الزيات بتعشق جارية من جواري القيان فبيعت من رجل من أهل خراسان فأخرجها فذهل عقل محمد بن عبد الملك حتى خشي عليه ثم أنشأ يقول
354
يا طول ساعات ليل العاشق الدنف
وطول رعيته للنجم في السدف
ماذا تواري ثيابي من أخى حرق
كأنما الجسم منه دقة الألف
ما قال يا أسفا يعقوب من كمد
إلا لطول الذي لاقى من الأسف
من سره أن يرى ميت الهوى دنفا
فليستدل على الزيات وليقف
وبلغنا عن مصعب بن الزبير أنه لما خرج من الكوفة فصار على عشرة أميال كتب إلى سكينة بنت الحسين زوجته
وكان عزيزا أن أبيت وبيننا
حجاب فقد أصبحت مني على عشر
وأبكاهما للعين والله فاعلمي
إذا ازددت مثليها صرت على شهر
وأبكى لقلبي منهما اليوم أنني
أخاف بأن لا نلتقي آخر الدهر
355
الباب الأربعون في ذكر الحيل والمخاطرات بالنفوس وإلقائها في الهلاك لأجل
المحبوب
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك عبد الجبار قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي قال أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المازني قال حدثنا علي بن الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا أبو العباس الكريمي قال أنبأنا السليمي عن محمد بن نافع مولاهم عن أبي ريحانة أحمد حجاب عبد الملك بن مروان قال كان عبد الملك يجلس في كل أسبوع يومين جلوسا عاما فبينا هو جالس في مستشرف له وقد أدخلت عليه القصص إذ وقعت في يده قصة غير مترجمة فيها إن رأى أمير المؤمنين أن يأمر جاريته فلانة أن تغني ثلاثة أصوات ثم ينفذ في ما شاء من حكمه فعل
فاستشاط من ذلك غضبا وقال يا رباح علي بصاحب هذه القصة فخرج الناس جميعا فأدخل عليه غلام كما عذر كأهيأ الفتيان وأحسنهم فقال له عبد الملك يا غلام أهذه قصتك قال نعم يا أمير المؤمنين قال وما الذي غرك مني والله لأمثلن بك ولأردعن بك نظراءك من أهل الجسارة
علي بالجارية فجيء بجارية كأنها فلقة قمر وبيدها عود فطرح لها كرسي وجلست فقال عبد الملك مرها يا غلام فقال لها غنيني يا جارية بشعر قيس بن ذريح
لقد كنت حسب النفس لو دام ودنا
ولكنما الدنيا متاع غرور
وكنا جميعا قبل أن يظهر الهوى
بأنعم حالي غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا
بطون الهوى مقلوبة بظهور
356
قال فخرج الغلام من جميع ما كان عليه من الثياب تخريقا ثم قال له عبد الملك مرها تغنيك الصوت الثاني فقال غنيني بشعر جميل
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بوادي القرى إني إذن لسعيد
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي
من الحب قالت ثابت ويزيد
وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به
مع الناس قالت ذاك منك بعيد
فلا أنا مردود بما جئت طالبا
ولا حبها فيما يبيد يبيد
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها
ويحيا إذا فارقتها فيعود
فغنته الجارية فسقط الغلام مغشيا عليه ساعة ثم أفاق فقال له عبد الملك مرها فلتغنك الصوت الثالث فقال يا جارية غنيني بشعر قيس بن الملوح المجنون
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة
غزال غضيض المقلتين ربيب
فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى
ولك من تنئين عنه غريب
فغنته الجارية فطرح الغلام نفسه من المستشرف فلم يصل إلى الأرض حتى تقطع فقال عبد الملك ويحه لقد عجل على نفسه ولقد كان تقديري فيه غير الذي فعل وأمر فأخرجت الجارية عن قصره ثم سأل عن الغلام فقالوا غريب لا يعرف إلا أنه منذ ثلاث ينادي في الأسواق ويده على رأسه
غدا يكثر الواشون منا ومنكم
وتزداد داري عن دياركم بعدا
قلت وقد روى لنا أن مثل هذا جرى في مجلس سليمان بن عبد الملك فبلغنا عن الجاحظ أنه قال قعد سليمان بن عبد الملك يوما للمظالم وعرضت عليه القصص فمرت به قصة فيها إن رأى أمير المؤمنين أن يخرج إلى فلانة يعني إحدى جواريه تغني ثلاثة أصوات فعل
فاغتاظ سليمان وأمر أن يخرج إليه فيأتيه برأسه ثم أتبع الرسول برسول آخر
357
فأمر أن يدخل الرجل إليه فأدخل فلما مثل بين يديه قال له ما الذي حملك على ما صنعت قال الثقة بحلمك والاتكال على عفوك
فأمره بالقعود حتى إذا لم يبق من بني أمية أحد أمر فأخرجت إليه الجارية ومعها عود ثم قال له اختر فقال تغني بقول قيس بن الملوح
تعلق روحي روحها قبل خلقنا
ومن بعد ما كنا فطاما وفي المهد
فعاش كما عشنا فأصبح ناميا
وليس وإن متنا بمنتقض العهد
ولكنه باق على كل حالة
وزائرنا في ظلمة القبر واللحد
يكاد فضيض الماء يخدش جلدها
إذا اغتسلت بالماء من رقة الجلد
وإني لمشتاق إلى ريح جيبها
كما اشتاق إدريس إلى جنة الخلد
فغنت ثم قال تأمر لي برطل فشربه ثم قال تغني بقول جميل
علقت الهوى منها وليدا فلم يزل
إلى اليوم ينمى حبها ويزيد
وأفنيت عمري بانتظار نوالها
ونلت بذاك الدهر وهو جديد
فلا أنا مردود بما جئت طالبا
ولا حبها فيما يبيد يبيد
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي
من الحب قالت ثابت ويزيد
وإني قلت ردي بعض عقلي أعش به
مع الناس قالت ذاك منك بعيد
فغنت فقال له سلميان قل ما تريد قال تأمر لي برطل فشربه ثم قال تغني بقول قيس بن ذريح
لقد كنت حسب النفس لو دام ودنا
ولكنما الدنيا متاع غرور
وكنا جميعا قبل أن يعلم الهوى
بأحسن حالي غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنا
بطون الهوى مقلوبة بظهور
358
فغنت فقال سليمان قل ما تشاء قال تأمر لي برطل فما استتمه حتى وثب فصعد إلى أعلا قبة ثم زج نفسه على دماغه فقال سليمان إنا لله وإنا إليه راجعون
أتراه توهم الجاهل أني أخرج إليه جاريتي وأردها إلى ملكي يا غلام خذ بيدها فانطلق بها إلى أهله إن كان له أهل وإلا فبيعوها وتصدقوا بثمنها عنه
فلما انطلقوا بها نظرت إلى حفيرة في دار سليمان قد أعدت للمطر فجذبت يديها من أيديهم وجعلت تقول
من مات عشقا فليمت هكذا
لا خير في عشق بلا موت
فزجت نفسها في الحفيرة على دماغها فماتت
قلت وبلغنا أن مثل هذا جرى في ملجس الرشيد فأخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثني أبو بكر محمد بن علي المخرمي قال اشتريت لهارون الرشيد جارية مدنية فأعجب بها وأمر الفضل بن الربيع أن يبعث في حمل أهلها ومواليها لينصرفوا بجوائزها وأراد بذلك تشريفها فوفد إلى مدينة السلام ثمانون رجلا ووفد معهم رجل من أهل العراق استوطن المدينة كان يهوى الجارية فلما بلغ الرشيد خبرهم أمر الفضل أن يخرج إليهم فيكتب اسم كل واحد منهم وحاجته ففعل ذلك فلما بلغ إلى العراقي قال له ما حاجتك فقال له إن أنت كتبتها وضمنت لي عرضها مع ما تعرض أنبأتك بها فقال أفعل ذلك فقال حاجتي أن أجلس مع فلانة حتى تغنيني بثلاثة أصوات وأشرب ثلاثة أرطال وأخبرها بما تجن ضلوعي من حبها
359
فقال الفضل أنت موسوس مدخول عليك في عقلك فقال يا هذا قد أمرت أن تكتب ما يقول كل واحد منا فاكتب ما أقول واعرضه فإن أجبت إليه وإلا فأنت في أوسع العذر
فدخل الفضل مغضبا فوقف بين يدي الرشيد فقرأ عليه ما كتب فلما فرغ قال يا أمير المؤمنين فيهم واحد مجنون سأل ما أجل مجلس أمير المؤمنين عن التفوه به فقال قل ولا تجزعن فقال قال كذا وكذا فقال اخرج إليه وقل له إذا كان بعد ثلاث فاحضر لننجز لك ما سألت وكن أنت تتولى الاستئذان له ودعا بخادم فقال امض إلى فلانة فقل لها قد حضر رجل سأل كذا وكذا وقد أجبناه إلى ما سأل فكوني على أهبة
ثم خرج الفضل إلى الفتى فأدى إليه ما قال الرشيد فانصرف فلما كان في اليوم الثالث حضر وعرف الرشيد خبره فقال يلقي له بحيث أرى كرسي من فضة وللجارية كرسي من ذهب وليخرج إليه ثلاثة أرطال فجلس الفتى على الكرسي والجارية بإزائه يحدثها والرشيد يراهما فقال الخادم لم تدخل لتشتوي وتصيف فأخذ رطلا وخر ساجدا وقال إذا شئت أن تغني فغني
خليلي عوجا بارك الله فيكما
وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا
وقولا لها ليس الضلال أجازنا
ولكنما جزنا لنلقاكم عمدا
غدا يكثر الباكون منا ومنكم
وتزداد داري من دياركم بعدا
فغنت ثم شرب الرطل وحادثها ساعة فاستحثه الخادم فأخذ الرطل بيده وقال غني جعلني الله فدك
تكلم منا في الوجوه عيوننا
فنحن سكوت والهوى يتكلم
ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا
وذلك فيما بيننا ليس يعلم
360
فغنته فشرب الرطل الثاني وحادثها ساعة فاستعجله الخادم فخر ساجدا يبكي وأخذ الرطل بيده واستودعها الله وقام على رجليه ودموعه تستبق استباق المطر وقال إذا شئت أن تغني فغنى
أحسن ما كنا تفرقنا
وخاننا الدهر وما خنا
فليت ذا الدهر لنا مرة
عاد لنا يوما كما كنا
فغنته الصوت فقلت الفتى طرفه فبصر بدرجة فأمها فاتبعه الخدم ليهدوه الطريق ففاتهم وصعد الدرجة فألقى نفسه إلى الأرض على رأسه فخر ميتا فقال الرشيد عجل الفتى ولو لم يعجل وهبناها له
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي قال حدثني أبو محمد علي بن أبي عمر اليزيدي قال حدثنا أبو البركات محمد بن عبد الواحد الزبيري قال حدثني أبو علي حسن بن الأشكري المصري قال كنت من جلاس الأمير تميم بن المعز وممن غلب عليه جدا قال فبعث إلى بغداد فاشتريت له جارية رائعة من أفضل ما وجد في الحسن والغناء فلما وصلت إليه أقام دعوة لجلسائه قال وأنا فيهم ثم وضعت الستارة فأمرها بالغناء فغنت
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى
برق تألق موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه
صعب الذرى متمنع أركانه
في غير هذه الرواية هذان البيتان
فبدا لينظر كيف لاح فلم يطق
نظرا إليه وصده سحانه
361
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه
والماء ما سمحت به أجفانه
قال فأحسنت ما شاءت وطرب تميم وكل من حضر ثم غنت
سيسليك عما فات دولة مفضل
أوائله محمودة وأواخره
ثنى الله غطفيه وألف شخصه
على البر مذ شدت عليه مآزره
فطرب الأمير تميم وكل من حضر طربا شديدا ثم غنت
أستودع الله في بغداد لي قمرا
بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
فاشتد طرب الأمير تميم وأفرط جدا ثم قال لها تمنى ما شئت فلك مناك فقالت أتمنى عافية الأمير وبقاءه فقال والله لا بد لك أن تتمني فقالت على الوفاء أيها الأمير بما أتمنى فقال نعم فقالت له أن أغني هذه النوبة ببغداد قال فاستنقع لون تميم وتغير وجهه وتكدر المجلس وقام وقمنا كلنا قال
ابن الأشكري فلحقني بعض خدمه وقال لي ارجع فالأمير يدعوك فرجعت فوجدته جالسا ينتظرني فسلمت وجلست بين يديه فقال ويحك أرأيت ما امتحنا به قلت نعم أيها الأمير فقال لا بد من الوفاء لها وما أثق في هذا بغيرك فتأهب لتحملها إلى بغداد فإذا غنت هناك فاصرفها فقلت سمعا وطاعة
362
قال ثم قمت وتأهبت وأمر لها بالتأهب وأصحبها جارية سوداء تعادلها وتخدمها وأمر بناقة ومحمل فأدخلت فيه وجعلها معي ثم سرت إلى مكة مع القافلة فقضينا حجنا ثم دخلنا في قافلة العراق وسرنا
قال فلما وردنا القادسية أتتني السوداء عنها فقالت تقول لك سيدتي أين نحن فقلت لها نحن نزول بالقادسية فانصرفت إليها وأخبرتها فلم ألبث أن سمعت صوتا قد ارتفع بالغناء
لما وردنا القادسية
حيث مجتمع الرفاق
وشممت من أرض العراق
نسيم أنفاس العراق
أيقنت لي ولمن أحب م
بجمع شمل واتفاق
وضحكت من فرح اللقاء
كما بكيت من الفراق
فتصايح الناس من أقطار القافلة أعيدي بالله أعيدي بالله
قال فما سمع لها كلمة
قال ثم نزلنا بالياسرية وبينها وبين بغداد قريب في بساتين متصلة ينزل الناس بها فيبيتون ليلتهم ثم يبكرون لدخول بغداد
فلما كان قرب الصباح إذا أنا بالسوداء قد أتتني مذعورة
فقلت مالك قالت إن سيدتي ليست حاضرة
فقلت وأين هي
قالت والله ما أدري
قال فلم أحس لها أثرا بعد ودخلت بغداد وقضيت حوائجي بها وانصرفت إليه فأخبرته الخبر فعظم ذلك عليه واغتم له ثم ما زال ذاكرا لها واجما عليها
363
أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال حدثني أبو الفرج أحمد بن عثمان بن إبراهيم الفقيه المعروف بابن النرسي قال كنت جالسا بحضرة أبي وأنا حدث وعنده جماعة فحدثني حديث وصول النعم إلى الناس بالألوان الظريفة
وكان ممن حضر صديق لأبي فسمعته يحدث أبي قال حضرت عند صديق لي من التجار كان يحزر بمائة ألف دينار في دعوة وكان حسن المروءة فقدم مائدته وقدم عليها دنكيريكة فلم يأكل منها فامتنعنا فقال كلوا فإني أتأذى بأكل هذا اللون فقلنا فنساعدك على تركه فقال بل أساعدكم على الأكل واحتمل الأذى فأكل فلما أراد غسل يده أطال فعددت عليه أنه قد غسلها أربعين مرة فقلت يا هذا أوسوست فقال هذه الأذية التي فرقت منها قلت وما سببها فامتنع من ذكرها فألححت عليه فقال مات أبي وسني عشرون سنة وخلف لي نعمة صغيرة ورأس مال ومتاعا في دكانه وكان دكاننا في الكرخ فقال لي لما حضرته الوفاة يابني إنه لا وارث لي غيرك ولا دين علي ولا مظلمة فإذا أنا مت فأحسن جهازي وتصدق علي بكذا وكذا وأخرج عني حجة بكذا وبارك الله لك في الباقي ولكن احفظ وصيتي فقلت قل
قال لا تسرف في مالك فتحتاج إلى ما في أيدي الناس ولا تجده واعلم
364
أن القليل مع الإصلاح كثير والكثير مع الفساد قليل فالزم السوق وكن أول من يدخلها وآخر من يخرج منها وإن استطعت أن تدخلها سحرا بليل فافعل فإنك تستفيد بذلك فوائد تكشفها لك الأيام
ومات فأنفذت وصيته وعملت بما أشار به وكنت أدخل السوق سحرا وأخرج منه عشيا فلا أعدم من يجيئني يطلب كفنا فلا يجد من فتح غيري فأحكم عليه ومن يبيع شيئا والسوق لم يقم فأبيعه له وأشياء من صنف هذه الفوائد
ومضى على لزومي السوق سنة وكسر فصار لي بذلك جاه عند أهلها وعرفوا استقامتي فأكرموني فبينا أنا جالس يوما ولم يتكامل السوق إذا بامرأة راكبة حمارا مصريا وعلى كفله منديل دبيقي وخادم وهي بزي القهرمانة فبلغت آخر السوق ثم رجعت فنزلت عندي فقمت إليها وأكرمتها وقلت لها ما تأمرين وتأملتها فإذا بامرأة لم أر قبلها ولا بعدها إلى الآن أحسن منها في كل شيء فتكلمت وقالت أريد كذا وأريد كذا ثيابا طلبتها فسمعت نغمة ورأيت شكلا قتلني وعشقتها في الحال أشد العشق وقلت اصبري حتى يخرج الناس فآخذ لك ذلك فليس عندي إلا القليل مما يصلح لك وأخرجت الذي كان عندي
فجلست تحادثني والسكاكين في فؤادي من عشقها وكشفت عن أنامل رأيها كالطلع ووجه كدارة القمر فقمت لئلا يزيد علي الأمر وأخذت
365
لها من السوق ما أرادت وكان ثمنه مع ما هو لي نحو خمسمائة دينار فأخذته وركبت ولم تعطني شيئا وذهب عني لما تداخلني من شهوتها أن أمنعها من المتاع إلا بالمال أو أستدل منزلها ومن دار من هي
فحين غابت عني وقع لي أنها محتالة وأن ذلك سبب فقري فتحيرت في أمري وقامت قيامتي وكتمت خبري لئلا أفتضح بما للناس علي وعملت على بيع ما في يدي من المتاع وإضافته إلى ما عندي من الدراهم ودفع أموال الناس إليهم ولزوم البيت والاقتصار على غلة العقار الذي ورثته ووطنت نفسي على المحنة وأخذت أشرع في ذلك مدة أسبوع فإذا بها قد نزلت عندي
فحين رأيتها أنسيت جميع ما جرى علي وقمت إليها فقالت يا فتى تأخرنا عنك لشغل عرض لنا وما شككنا في أنك لم تشك أنا احتلنا عليك فقلت قد رفع الله قدرك عن هذا فقالت هات التخت والطيار فأحضرته فأخرجت دنانير عتقا فوفتني المال بأسره وأخرجت تذكرة بأشياء أخر فأنفذت إلى التجار أموالهم وطلبت منهم ما أرادت وحصلت أنا في الوسط ربحا جيدا وأحضر التجار الثياب فقمت وثمنتها معهم لنفسي ثم بعتها عليها بربح عظيم وأنا في خلال ذلك أنظر إليها نظر تالف من حبها وهي تنظر إلي نظر من قد فطنت بذلك ولم تنكره فهممت بخطابها ولم أقدر أقدم فاجتمع المتاع وكان ثمنه ألف دينار فأخذته وركبت ولم أسألها عن موضعها فلما غابت عني قلت هذا الآن هو الحيلة المحكمة أعطتني خمسمائة دينار وأخذت ألف دينار وليس إلا بيع عقاري الآن والحصول على الفقر المدقع
ثم سمحت نفسي برؤيتها مع الفقر وتطاولت غيبتها نحو شهر وألح التجار
366
علي بالمطالبة فعرضت عقاري للبيع ولازمني بعض التجار فوزنت جميع ما كنت أملكه ورقا وعينا فأنا كذلك إذ نزلت عندي فزال عني جميع ما كنت فيه برؤيتها
فاستدعت الطيار والتخت فوزنت المال وقدمت لي تذكرة يزيد ما فيها علي ألفي دينار بكثير فتشاغلت بإحضار التجار ودفع أموالهم إليهم وأخذ المتاع منهم فطال الحديث بيننا فقالت يا فتى لك زوجة فقلت لا والله ما عرفت امرأة قط وأطمعني ذلك فيها وقلت هذا وقت خطابها والإمساك عنها عجز ولعلها تعود أو لا تعود
وأردت كلامها فهبتها وقمت كأنني أحث التجار على جمع المتاع وأخذت يد الخادم وأخرجت إليه دنانير وسألته أن يأخذها ويقضي لي حاجة فقال أفعل وأبلغ لك محبتك وقصصت عليه قصتي وسألته توسط الأمر بيني وبينها فضحك وقال إنها لك أعشق منك لها والله ما بها حاجة إلى أكثر هذا الذي تشتريه وإنما تجيئك محبة لك وطريقا إلى مطاولتك فخاطبها بظرف ودعني فإني أفرغ لك من الأمر
فجسرني بذلك عليها فخاطبتها وكشفت لها عشقي ومحبتي وبكيت فضحكت وتقبلت ذلك أحسن تقبل وقالت الخادم يجيئك برسالتي ونهضت ولم تأخذ شيئا من المتاع فرددته على الناس وقد حصل لي مما اشتريته أولا وثانيا ألوف دراهم ربحا ولم يحملني النوم تلك الليلة شوقا إليها وخوفا من انقطاع السبب بيننا
367
فلما كان بعد أيام جاءني الخادم فأكرمته وسألته عن خبرها فقال هي والله عليلة من شوقها إليك فقلت اشرح لي أمرها فقال هذه مملوكة السيدة أم المقتدر وهي من أخص جواريها بها واشتهت رؤية الناس والدخول والخروج فتوصلت حتى جعلتها قهرمانة وقد والله حدثت السيدة بحديثك وبكت بين يديها وسألتها أن تزوجها منك فقالت السيدة لا أفعل أو أرى هذا الرجل فإن كان يستأهلك وإلا لم أدعك ورأيك وتحتاج أن تحتال في إدخالك الدار بحيلة فإن تمت وصلت بها إلى تزويجها وإن انكشفت ضربت عنقك في هذا وقد أنفدتني إليك بهذه الرسالة وقالت لك إن صبرت على هذا وإلا فلا طريق لك والله إلي ولا لي إليك بعدها
فحملني ما في نفسي على أن قلت أصبر
فقال إذا كان الليلة فاعبر إلى المخرم فادخل إلى المسجد وبت فيه ففعلت فلما كان السحر إذا بطيار قد قدم وخدم قد رقوا صناديق فرغا فجعلوها في المسجد وانصرفوا فخرجت الجارية فصعدت إلى المسجد ومعها الخادم الذي أعرفه فجلست وفرقت باقي الخدم في حوائج واستدعتني فقبلتني وعانقتني طويلا ولم أكن قد نلت قبل ذلك منها قبلة ثم أجلستني في بعض الصناديق وقفلته
وطلعت الشمس وجاء الخدم بثياب وحوائج من المواضع التي كانت أنفذتهم إليها فجعلت ذلك بحضرتهم في باقي الصناديق وقفلتها وحملتها إلى الطيار وانحدر
فلما حصلت فيه ندمت وقلت قتلت نفسي لشهوة وأقبلت ألومها تارة
368
وأشجعها أخرى وأنذر النذور على خلاصي وأوطن مرة نفسي على القتل إلى أن بلغنا الدار وحمل الخدم الصناديق وحمل صندوقي الخادم الذي يعرف الحديث وبادرت بصندوقي أمام الصناديق وهي معي والخدم يحملون الباقي ويلحقونها فكلما جازت بطبقة من الخدم والبوابين قالوا نريد تفتيش الصندوق فتصيح عليهم وتقول متى جرى الرسم معي بهذا فيمسكون وروحي في السياق إلى أن انتهينا إلى خادم خاطبته هي بالأستاذ فعلمت أنه أجل الخدم فقال لا بد من تفتيش الصندوق الذي معك فخاطبته بلين وذل فلم يجبها وعلمت أنها ما ذلت له ولها حيلة فأغمى علي وأنزل الصندوق ليفتح فذهب علي أمري وبلت فزعا فجرى البول من خلل الصندوق فقالت يا أستاذ أهلكت علينا متاعا بخمسة آلاف دينار في الصندوق وثياب مصبغات وماء ورد قد انقلب على الثياب والساعة تختلط ألوانها وهي هلاكي مع السيدة
فقال لها خذي صندوقك إلى لعنة الله أنت وهو ومري فصاحت بالخدم احملوه وأدخلت الدار ورجعت إلى روحي فبينا نحن نمشي إذ قالت واويلاه الخليفة والله فجاءني أعظم من الأول وسمعت كلام خدم وجوار وهو يقول من بينهم ويلك يا فلانة إيش في صندوقك أريني هو فقالت ثياب لستي يا مولاي والساعة أفتحه بين يديها وتراه وقالت للخدم أسرعوا ويلكم فأسرعوا وأدخلتني إلى حجرة وفتحت عيني وقالت اصعد هذه الدرجة إلى الغرفة واجلس فيها وفتحت بالعجلة صندوقا آخر فنقلت بعض ما كان فيه إلى الصندوق الذي كنت فيه وقفلت الجميع وجاء المقتدر وقال افتحي ففتحته فلم يرض منه شيئا وخرج فصعدت إلي وجعلت ترشفني وتقبلني فعشت ونسيت ما جرى وتركتني وقفلت باب الحجرة يومها ثم جاءتني ليلا فاطعمتني وسقتني وانصرفت فلما كان من الغد جاءتني
369
فقالت السيدة الساعة تجيء فانظر كيف تخاطبها ثم عادت بعد ساعة مع السيدة وقالت انزل فنزلت فإذا بالسيدة جالسة على كرسي وليس معها إلا وصيفتان وصاحبتي فقبلت الأرض وقمت بين يديها فقالت اجلس فقلت انا عبد السيدة وخادمها وليس من محلى أن أجلس بحضرتها فتأملتني وقالت ما اخترت يا فلانة إلا حسن الوجه والأدب ونهضت فجاءتني صاحبتي بعد ساعة فقالت أبشر فقد أذنت لي والله في تزويجك وما بقي الآن عقبة إلا الخروج فقلت يسلم الله فلما كان من الغد حملتني في الصندوق فأخرجت كما أدخلت بعد مخاطرة أخرى وفزع ثان ونزلت في المسجد ورجعت إلى منزلي فتصدقت وحمدت الله تعالى على السلامة فلما كان بعد أيام جاءني الخادم ومعه كيس فيه ثلاثة آلاف دينار عينا فقال أمرتني ستي بإنفاذ هذا إليك من مالها وقالت تشتري بها ثيابا ومركوبا وخدما وتصلح به ظاهرك وتعال يوم الموكب إلى باب العامة وقف حتى تطلب فقد وافق الخليفة أن يزوجك بحضرته
فأجبت عن رقعة كانت معه وأخذت المال فاشتريت ما قالوه بشيء يسير منه وبقي الأكثر عندي وركبت إلى باب العامة في يوم الموكب بزي حسن وجاء الناس فدخلوا إلى الخليفة ووقفت إلى أن استدعيت فدخلت فإذا أنا بالمقتدر جالس والقضاة والقواد والهاشميين فهبت المجلس وعلمت كيف أسلم ففعلت وتقدم المقتدر إلى بعض القضاة الحاضرين فخطب لي وزوجني وخرجت من حضرته فلما صرت في بعض الدهاليز قريبا من الباب عدل بي إلى دار عظيمة مفروشة بأنواع الفرش الفاخر وفيها من الآلات والخدم والقماش كل شيء لم أر مثله قط
370
فأجلست فيها وتركت وحدي وانصرف من أدخلني فجلست يومي لا أرى من أعرف ولا أبرح موضعي إلا إلى الصلاة وخدم يدخلون ويخرجون وطعام عظيم ينقل وهم يقولون الليلة تزف فلانة باسم صاحبتي إلى زوجها البزاز فلا أصدق فرحا
فلما جاء الليل أثر في الجوع وقفلت الأبواب ويئست من الجارية فقمت أطوف الدار فوقعت على المطبخ ووجدت الطباخين جلوسا فاستطعمتهم فلم يعرفوني وقدروني بعض الوكلاء فقدموا إلي هذا اللون من الطعام مع رغيفين فأكلتهما وغسلت يدي بأشنان كان في المطبخ وقدرت أنها قد نقيت وعدت إلى مكاني
فلما جنني الليل إذا بطبول وزمور وأصوات عظيمة وإذا بالأبواب قد فتحت وصاحبتي قد أهديت إلي وجاءوا بها فجلوها علي وأنا أقدر أن ذلك في النوم فرحا وتركت معي في المجلس وتفرق الناس
فلما خلونا تقدمت إليها فقبلتها وقبلتني وشمت لحيتي فرفستني ورمت بي عن المنصة وقالت أنكرت أن تفلح يا عامي يا سفلة وقامت لتخرج فقمت وتعلقت بها وقبلت الأرض ورجليها وقلت عرفيني ذنبي واعملي بعده ما شئت
فقالت ويحك أكلت ولم تغسل يدك فقصصت عليها قصتي فلما بلغت إلى آخرها قلت علي وعلي فحلفت بطلاقها وطلاق كل امرأة أتزوجها وصدقة مالي وجميع ما أملكه والحج ماشيا على قدمي والكفر بالله وكل ما يحلف المسلمون به لا أكلت بعدها ديكيريكة إلا غسلت يدي أربعين مرة فاستحيت وتبسمت وصاحت يا جواري فجاء مقدار عشر جوار ووصائف فقالت
371
هاتوا شيئا نأكل فقدمت إلي ألوان ظريفة وطعام من أطعمة الخلفاء فأكلنا وغسلنا أيدينا واستدعت شرابا فشربنا وغنى أولئك الوصائف أطيب غناء وأحسنه ثم قمنا إلى الفراشفدخلت بها وبت بليلة من ليالي الخلفاء ولم نفترق أسبوعا وكان يوم الأسبوع وليمة هائلة اجتمع فيها الجواري فلما كان من غد قالت إن دار الخلافة لا يحتمل أن يكون المقام فيها أكثر من هذا ولولا أنه استؤذن فأذن بعد جهد لما تم لنا هذا إلا أنه شيء لم يفعل قط مع جارية غيري لمحبة السيدة لي وجميع ما تراه فهو هبة لي من السيدة وقد أعطتني خمسين ألف دينار من عين وورق وجوهر ودنانير وذخائر لي خارج القصر أشياء كثيرة من كل لون وجميعها لك فاخرج إلى منزلك وخذ معك مالا فاشتر دارا سوية واسعة الصحن فيها بستان كبير كثيرة الحجر فاخرة الموقع وتحول إليها وعرفني لأنقل هذا كله إليك فإذا حصل عندك جئتك وسلمت إلي عشرة آلاف دينار عينا فحملها الخادم معي فابتعت الدار وكتبت إليها بالخبر فحملت لي تلك النعمة بأسرها فجميع ما أنا فيه منها فأقامت عندي كذا وكذا سنة أعيش معها عيش الخلفاء ولم أدع مع ذلك التجارة فزاد مالي وعظمت منزلتي وأثرت حالي وولدت لي هؤلاء الفتيان وأومأ إلى أولاده ثم ماتت رحمها الله وبقي علي من مضرة الديكيريكة ما شاهدته
وممن نال نعمة عظيمة بسبب أنه عشق محمد بن جعفر المعروف بزوج الحرة
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال حدثنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا علي بن المحسن القاضي قال حدثني أبي قال حدثني الأمير أبو الفضل جعفر بن المكتفي بالله قال كانت بنت بدر مولى المعتضد بالله زوجة أمير المؤمنين
372
المقتدر بالله فأقامت عنده سنين وكان لها مكرما وعليها مفضلا الإفضال العظيم فتأثلت حالها وانضاف ذلك إلى عظيم نعمتها الموروثة وقتل المقتدر فأفلتت من النكبة وسلم لها جميع أموالها وذخائرها حتى لم يذهب لها شيء وخرجت عن الدار فكان يدخل إلى مطبخها حدث يحمل فيه على رأسه يعرف بمحمد بن جعفر وكان حركا فنفق على القهرمانة بخدمته فنقلوه إلى أن صار وكيل المطبخ وترقى أمره حتى صار ينظر في ضياعها وعقارها وغلب عليها فصارت تكلمه من وراء ستر وخلف باب أو ستارة وزاد اختصاصه بها حتى علق بقلبها فاستدعته إلى تزويجها فلم يجسر على ذلك فجسرته وبذلت مالا حتى تم له ذلك
وقد كانت حاله تأثلت بها وأعطته لما أرادت ذلك منه أموالا جعلها لنفسه نعمة ظاهرة لئلا يمنعها أولياؤها منه بالفقر وأنه ليس بكفء ثم هادت القضاة بهدايا جليلة حتى زوجوها منه واعترض الأولياء فغالبتهم بالحكم والدراهم فتم له ذلك ولها فأقام معها سنين ثم ماتت فحصل له من مالها نحو ثلاثمائة ألف دينار ظاهرة وباطنة فهو يتقلب إلى الآن فيها
قال أبي وقد رأيت أنا هذا الرجل وهو شيخ عاقل شاهد مقبول توصل بالمال إلى أن قبله أبو السائب القاضي حتى أقر في يده وقوف الحرة ووصيتها لأنها وصت إليه في أموالها وأوقافها وهو إلى الآن لا يعرف إلا بزوج الحرة وإنما سميت الحرة لأجل تزويج المقتدر بها وهكذا عادة الخلفاء لغلبة المماليك عليهم إذا كانت لهم زوجة قيل الحرة
قال الخطيب قال لنا أبو علي بن شاذان كان محمد بن جعفر زوج الحرة جارنا وسمعت منه مجالس من أماليه وكان يحضره في مجلس الحديث القاضي
373
الجراحي وأبو الحسن بن المظفر وأبو عمر بن حيويه وأبو الحسن الدراقطني وغيرهم من الشيوخ
توفي في صفر سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة ودفن بالقرب من قبر معروف الكرخي
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك ابن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال أخبرنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا إسحاق بن الصيف عن أبي مسهر قال كان وضاح اليمن نشأ هو وأم البنين صغيرين فأحبها وأحبته وكان لا يصبر عنها حتى إذا بلغت حجبت عنه فطال بهما البلاء فحج الوليد بن عبد الملك فبلغه جمال أم البنين وأدبها فتزوجها ونقلها إلى الشام
قال فذهب عقل وضاح عليها وجعل يذوب وينحل فلما طال عليه البلاء خرج إلى الشام فجعل يطوف بقصر الوليد بن عبد الملك كل يوم لا يجد حيلة حتى رأى يوما جارية صفراء فلم يزل حتى أنس بها فقال لها هل تعرفين أم البنين فقالت إنك تسأل عن مولاتي فقال إنها لابنة عمي وإنها لتسر بمكاني وبموضعي فلو أخبرتها قالت إني أخبرها
فمضت الجارية فأخبرت أم البنين فقالت ويلك أوحي هو قالت نعم قالت قولي له كن مكانك حتى يأتيك رسولي فلن أدع الاحتيال لك فاحتالت إلى أن أدخلته إليها في صندوق فمكث عندها حينا فإذا أمنت أخرجته فقعد معها وإذا خافت عين الرقيب أدخلته الصندوق فأهدى للوليد بن عبد الملك يوما جوهر فقال لبعض خدمه خذ هذا الجوهر فامض به إلى أم المؤمنين وقل لها أهدى هذا إلى أمير المؤمنين فوجه به إليك فدخل الخادم من غير استئذان ووضاح معها فلمحه ولم تشعر أم البنين فبادر إلى الصندوق فدخله فأدى الخادم الرسالة
374
إليها وقال لها هبي لي من هذا الجوهر حجرا فقالت لا أم لك وما تصنع أنت بهذا
فخرج وهو عليها حنق فجاء الوليد فخبره الخبر ووصف له الصندوق الذي رآه دخله فقال له كذبت لا أم لك ثم نهض الوليد مسرعا فدخل إليها وهي في ذلك البيت وفيه صناديق عداد فجاء حتى جلس على ذلك الصندوق الذي وصف له الخادم فقال لها يا أم البنين هبي لي صندوقا من صناديقك هذه فقالت يا أمير المؤمنين هي وأنا لك فقال لا أريد غير هذا الذي تحتي قالت يا أمير المؤمنين إن فيه شيئا من أمور النساء قال ما أريد غيره قالت هو لك فأمر به فحمل ودعا بغلامين فأمرهما بحفر بئر فحفر حتى إذا بلغا الماء وضع فمه على الصندوق وقال أيها الصندوق إنه قد بلغنا عنك شيء فإن كان حقا فقد دفنا خبرك ودرسنا أثرك وإن كان كذبا فما علينا في دفن صندوق من خشب حرج
ثم أمر به فألقى في الحفرة وأمر بالخادم فقذف في ذلك المكان فوقه وطم عليهما جميعا التراب
قال فكانت أم البنين توجد في ذلك المكان تبكي إلى أن وجدت يوما مكبوبة على وجهها ميتة
قلت وقد روى المعافى بن زكريا هذه الحكاية فذكر أن الخليفة كان يزيد ابن عبد الملك
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت انبأنا جعفر بن أحمد بن السراج قال أنبأنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري قال حدثنا المعافى بن زكريا قال حدثني أبي قال حدثنا أبو أحمد الختلي قال حدثنا أبو حفص النسائي قال حدثني محمد ابن حيان ابن صدقة عن محمد بن أبي السرى عن هشام بن محمد بن السائب قال
375
كانت عند يزيد بن عبد الملك بن مروان أم البنين وكان لها من قلبه موضع قال فقدم عليه من ناحية مصر بجوهر له قدر وقيمة
قال فدعا خصيا له فقال اذهب بهذا إلى أم البنين وقل لها أتيت به الساعة فبعثت به إليك قال فأتاها الخادم فوجد عندها وضاح اليمن وكان من أجمل العرب وأحسنهم وجها فعشقته أم البنين فأدخلته عليها فكان يكون عندهما فإذا أحست بدخول يزيد بن عبد الملك عليها أدخلته في صندوق من صناديقها فرآه الغلام ورأى الصندوق الذي دخل فيه فوضع الجوهر بين يديها وأبلغها رسالة يزيد ثم قال يا سيدتي هبي لي منه لؤلؤة قالت لا ولا كرامة
فغضب وجاء إلى مولاه فقال يا أمير المؤمنين إني دخلت عليها وعندها رجل فلما رأتني أدخلته صندوقا وهو في الصندوق الذي من صفته كذا وكذا وهو الثالث أو الرابع فقال له يزيد كذبت يا عدو الله جأوا عنقه فوجأوا عنقه ونحوه عنه
قال فأمهل قليلا ثم قام فلبس نعله ودخل على أم البنين وهي تمتشط في خزانتها فجاء حتى جلس على الصندوق الذي وصف له الخادم فقال يا أم البنين ما أحب إليك هذا البيت قالت يا أمير المؤمنين أدخله لحاجتي وفيه خزانتي فما أردت من شيء أخذته من قرب قال فما في هذه الصناديق التي أراها قالت حليتي وأثاثي قال فهبي لي منها صندوقا فقالت كلها يا أمير المؤمنين لك قال لا أريد إلا واحد ولك على أن أعطيك زنته وزنه ما فيه ذهبا قالت فخذ ما شئت قال هذا الذي تحتي قالت يا أمير المؤمنين عد عن هذا وخذ غيره فإن لي فيه شيئا يقع بمحبتي قال ما أريد غيره فقالت هو لك
قال فأخذه ودعا الفراشين فحملوا الصندوق فمضى به إلى مجلسه فجلس ولم يفتحه
376
ولم ينظر ما فيه فلما جنه الليل دعا غلاما له أعجميا فقال له استأجر أجراء غرباء ليسوا من أهل المصر قال فجاءه بهم وأمرهم فحفروا له حفيرة في مجلسه حتى بلغوا الماء ثم قال قدموا إلي الصندوق فألقاه في الحفيرة ثم وضع فمه على شفيرة فقال يا هذا قد بلغنا عنك خبر فإن يك حقا فقد قطعنا أثره وإن يكن باطلا فإنما دفنا خشبا ثم أهالوا عليه التراب حتى استوى
قال فلم ير وضاح اليمن حتى الساعة
قال فلا والله ما بان لها في وجهه ولا في خلائقه ولا في شيء حتى فرق الموت بينهما
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا ابن حيويه قال أنبأنا ابن خلف قال أخبرني أبو بكر النسائي قال أخبرني علي بن محمد بن سليمان الموصلي قال أخبرني رجل سماه أحسبه ذكر محمد بن إسحاق قال
كان لقمان بن عاد من أشد قومه وأجلدهم فقالوا له لو تزوجت فبقي من نسلك في عاد فقال إني أكره النساء فلم يزالوا به حتى تزوج امرأة من منى ثم بنى بيتا طويلا وجعل له بابا من أسفله وسكن في أعلاه مع امرأته وجعل خيطا في جلجل فإذا جاء من يريده حرك الجلجل لئلا تسمع امرأته كلام رجل فولدت له ابنة
وإن فتى من عاد قال لقومه أريد أن أرى امرأة لقمان بن عاد فمنعوه من ذلك فقال والله لئن لم أرها لأجرن على عاد جريرة يكون فيها استئصال عاد
377
قال فجمعوا سيوفا وسلاحا وأدخلوه في جوف حزمة منها ثم أتوا لقمان فقالوا إنا نريد نجعة لنا ونريد أن نضع سلاحنا عندك فأتوه به وصعد به فوضعه عنده وعاد القوم وأخذوا سيوفهم بعد أيام
فبينا لقمان مع امرأته إذ نظر إلى نخامة في سقف بيته فقال من تنخم هذه قالت أنا قال أقائمة أم نائمة قالت قائمة قال فتنخمي فتنخمت فلم تبلغ فقال السيوف دهتني فذهبت مثلا قال فقتلها ونزل فلقى ابنته فقتلها فأتى قومه فقال والله لتصدقني فصدقوه فقال ائتوني بهذا الفتى فخاف الفتى فلحق بالوحوش فكان يأوي معها فكف لقمان عن قومه حين بلغه أمر الفتى
فقيل له في قتل الصبية ما كان ذنبها ولم قتلتها قال إنها من النساء وقد رويت لنا هذه الحكاية أتم من هذا
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أخبرنا أبو محمد بن السراج قال أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي ولقيته بمدينة الرسول A قال أخبرنا أبو مسلم الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال حدثنا العكلي عن ابن أبي خالد عن الهيثم عن مجالد عن الشعبي قال كان لقمان بن عاد بن عاديا الذي عمر سبعة أنسر مبتلى بالنساء وكان يتزوج المرأة فتخونه حتى تزوج جارية صغيرة لم تعرف الرجال ثم نقر لها بيتا في سفح جبل وجعل له درجة بسلاسل ينزل بها ويصعد فإذا خرج رفعت السلاسل
378
حتى عرض لها فتى من العماليق فوقعت في نفسه فأتى بني أبيه فقال والله لأجنين عليكم حربا لا تقومون بها قالوا وما ذاك قال امرأة لقمان بن عاد هي أحب الناس إلي
قالوا فكيف نحتال لها قال أجمعوا سيوفكم ثم اجعلوني بينها وشدوها حزمة عظيمة ثم ائتوا لقمان فقولوا له إنا أردنا أن نسافر ونحن نستودعك سيوفنا حتى نرجع وسموا له يوما
ففعلوا وأقبلوا بالسيوف فدفعوها إلى لقمان فوضعها في ناحية بيته وخرج لقمان وتحرك الرجل فحلت الجارية عنه فكان يأتيها فإذا أحست بلقمان جعلته بين السيوف حتى انقضت الأيام
ثم جاءوا إلى لقمان فاسترجعوا سيوفهم فرفع لقمان رأسه بعد ذلك فإذا نخامة تنوس في السقف فقال لامرأته من نخم هذه قالت أنا قال فتنخمي ففعلت فلم تصنع شيئا فقال يا ويلتاه السيوف دهتني ثم رمى بها من ذروة الجبل فتقطعت قطعا فانحدر مغضبا فإذا ابنة له يقال لها صحر فقالت له يا أبتاه ما شأنك قال وأنت أيضا من النساء فضرب رأسها بصخرة فقتلها فقالت العرب ما أذنبت إلا ذنب صحر فصارت مثلا
أنبأنا محمد بن أبي منصور قال حدثنا عبد المحسن بن محمد قال حدثني أبو منصور محمد بن علي الواسطي قال حدثني الأمير منتخب الملك قال كان ابن المغربي مختفيا بالقاهرة والسلطان يطلب دمه وكان بمصر صبي أمرد ممن انتهى الحسن إليه في زمانه وكان يشتهي يراه فخبر أنه يسبح في الخليج فخرج وغرر بنفسه فنظر إليه فقال
379
علمت منطق حاجبيه
والبين ينشر رايتيه
وعرفت آثار النعيم بقبلة في عارضيه
ها قد رضيت من الحياة
بأسرها نظري إليه
ولقد أراه في الخليج يشقه من جانبيه
والموج مثل السيف وهو فرنده في صفحتيه
لا تشربوا من مائه
أبدا ولا تردوا عليه
قد ذاب منه السحر في
حركاته من وجنتيه
فكأنه في الموج قلبي بين أشواقي إليه
380
الباب الواحد والأربعون في ذكر من ضربت به الأمثال في العشق
أشهر المشهورين بذلك مجنون ليلى
وله أخبار كثيرة وأشعار كثيرة وإنما أنتقى محاسنها
اختلف العلماء بالأنساب في اسمه ونسبه
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا أحمد بن محمد البخاري قال أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري
وأخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي قال أنبأنا أبو عمر بن حيويه قال حدثنا محمد بن خلف قال قال ابن داب عن رباح بن حبيب العامري قال هو قيس بن الملوح بن مزاحم
وقال أبو عبيدة هو البختري بن الجعدي
وقال أبو عمرو الشيباني أخبرني أبو بكر الوالبي عن بعض ولد علي بن أبي طالب قال هو قيس بن معاذ العقيلي
وقال أبو العالية هو الأقرع بن معاذ
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن قال أنبأنا ابن حيويه قال أخبرنا محمد بن خلف قال أخبرني أحمد بن حرب قال أخبرني ابن أبي كريم قال أخبرنا أبو قلابة العامري عن القاسم بن سويد الحرمي قال كان في بني عامر ثلاثة مجانين معاذ ليلى وهو معاذ
381
ابن كليب أحد بني عامر بن عبيد وقيس بن معاذ ومهدي بن الملوح الجعدي
فأما ليلى فاختلفوا في نسبها فقال بعضهم ليلى بنت مهدي
وقال بعضهم ليلى بنت ورد من بني ربيعة
وفي كنيتها قولان أحدهما أم مالك وكذلك كناها المجنون في شعره والثاني أم الخليل
سباق بداية معرفة المجنون بليلى
اختلفوا في ذلك
فأخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار
وأخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قالا أنبأنا علي بن المحسن التنوخي
وأخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أحمد بن محمد البخاري قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قالا أنبأنا ابن حيويه قال حدثنا محمد بن خلف قال أخبرني أبو محمد بن البلخي قال أخبرني عبد العزيز بن صالح عن أبيه عن ابن داب قال حدثني رجل من بني عامر يقال له رباح بن حبيب قال كان في بني عامر جارية من أجمل النساء لها عقل وأدب يقال لها ليلى بنت مهدي فبلغ المجنون خبرها وما هي عليه من الجمال والعقل وكان صبا بمحادثة النساء فعمد إلى أحسن ثيابه فلبسها وتهيأ فلما جلس إليها وتحدث بين يديها أعجبته ووقعت بقلبه
فظل يومه ذلك يحدثها وتحدثه حتى أمسى فانصرف إلى أهله فبات بأطول
382
ليلة حتى إذا أصبح مضى إليها فلم يزل عندها حتى أمسى ثم انصرف فبات بأطول من ليلته الأولى وجهد أن يغمض فلم يقدر على ذلك فأنشأ يقول
نهاري نهار الناس حتى إذا بدا
لي الليل هزتني إليك المضاجع
أقضى نهاري بالحديث وبالمنى
ويجمعني والهم بالليل جامع
وأدام زيارتها وترك إتيان كل من كان يأتيه
فوقع في قلبها مثل الذي وقع في قلبه فجاء يوما يحدثها فجعلت تعرض عنه وتقبل على غيره تريد تمتحنه وتعلم ما في قلبه فلما رأى ذلك منها اشتد عليه وخرج فلما خافت عليه أقبلت عليه فقالت
كلانا مظهر للناس بغضا
وكل عند صاحبه مكين
فسرى عنه عند ذلك فقالت إنما أردت امتحانك والذي لك عندي أكثر من الذي لي عندك وأنا معطية الله عهدا إن أنا جالست بعد يومي هذا رجلا سواك حتى أذوق الموت إلا أن اكره على ذلك
فانصرف وهو أسر الناس فأنشأ يقول
أظن هواها تاركي بمضلة
من الأرض لا مال لدى ولا أهل
ولا أحد أفضي إليه وصيتي
ولا وارث إلا المطية والرحل
محا حبها حب الألي كن قبلها وحلت مكانا لم يكن حل من قبل
383
قلت قد ذكرنا في هذه الحكاية قوله هزتني إليك المضاجع وما روى لنا إلا بالزاي ولا سمعنا أحد يذكره إلا كذلك
ثم رأينا الفتح بن جني يذكره بالراء فقال هرتني إليك المضاجع قال والزاي تصحيف عندهم قال ويقال هر الشيء يهر ويهره إذا كرهه فمعنى هرتني كرهتني فنبت بي
قلت وفي بداية معرفتها قول آخر
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أحمد بن محمد البخاري قال أنبأنا أبو محمد الجوهري وأخبرنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن قالا أنبأنا أبو عمر بن حيويه قال حدثنا محمد بن خلف قال قال العمري عن لقيط ابن بكير المحاربي أن المجنون علق بليلى علاقة الصبا وذلك أنهما كانا صغيرين يرعيان أغناما لقومهما فعلق كل واحد منهما صاحبه إلا أن المجنون كان أكثر منها
فلم يزالا على ذلك حتى كبرا فلما علم بأمرهما حجبت ليلى عنه فزال عقله وفي ذلك يقول
تعلقت ليلى وهي ذات ذؤابة
ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو بكر الأردستاني قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال حدثنا أحمد بن سعيد
384
قال حدثنا محمد بن سعيد قال حدثنا عباس الترقفي قال حدثنا عبد الله ابن عمرو قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا أبو غياث البصري عن إبراهيم بن محمد الشافعي قال بينا ابن أبي مليكة يؤذن إذ سمع الأخضر الجدي يتغنى في دار العاص بن وائل ويقول
صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا
إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم
قال فأسرع في الأذان فأرد أن يقول حي على الصلاة فقال حي علي البهم حتى سمعه أهل مكة فجاء يعتذر إليهم
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو القاسم التنوخي قال حدثنا ابن حيويه قال أنبأنا محمد بن خلف قال حدثنا عبد الله بن عمرو قال حدثني يحيى بن أبي جابر قال حدثني ربيعة بن عبد الحميد قال كان المجنون من ولد أبي بكر بن كلاب فأتى عليه عصر من الدهر لا يعرف ليلى ثم عشقها فخطبها فلم يزوجوه فاشتدت حالته وزاد ما كان يجده وفشا أمره في الناس فلقيه ابن عم له فقال يا أخي اتق الله في نفسك فإن هذا الذي أنت فيه من عمل الشيطان فأزجره عنك فأنشأ يقول
يا حبذا عمل الشيطان من عمل
إن كان من عمل الشيطان حبيها
منيتها النفس حتى قد أضر بها
وأحدثت خلقا مما أمنيها
قال ابن خلف وقال أبو عبيدة كان المجنون يجلس في نادي قومه وهم يتحدثون فيقبل عليه بعض القوم فيحدثه وهو باهت ينظر إليه ولا يفهم ما يحدثه به ثم يثوب إليه عقله فيسأل عن الحديث فلا يعرفه
385
فحدثه مرة بعض أهله بحديث ثم سأله عنه في غد فلم يعرفه فقال إنك لمجنون فقال
إني لأجلس في النادي أحدثهم
فأستفيق وقد غالتني الغول
يهوى بقلبي حديث النفس دونكم
حتى يقول خليلي أنت مخبول
قال أبو عبيدة فتزايد الأمر به حتى فقد عقله فكان لا يقر في موضع ولا يؤويه رحل ولا يعلوه ثوب إلا مزقه وصار لا يفهم شيئا مما يكلم به إلا أن تذكر له ليلى فإذا ذكرت أجاب النداء به ورجع عقله
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن قال أنبأنا ابن حيوية قال حدثنا محمد بن خلف قال روى رباح بن حبيب عن رجل من بني عامر قال لما كثر ذكر المجنون لليلى واشتهر أمره اجتمع إلى أبيه أهله وكان سيدا فقالوا له زوج قيسا فإنه سيكف عن ذكر ليلى وينساها فعرض عليه أبوه التزويج فأبى وقال لا حاجة لي إلى ذلك فأتى ليلى بعض فتيان القوم ممن كان يحسد قيسا ويعاديه فأخبرها أنه على أن يتزوج
وجاء المجنون كما كان يجيء فحجبته ولم تظهر له فرجع وهو يقول
فوالله ما أدري علام هجرتني
وأي أموري فيك يا ليل أركب
أأقطع حبل الوصل فالموت دونه
أم أشرب رنقا منكم ليس يشرب
أم أهرب حتى لايرى لي مجاور
أم أفعل ماذا أم أبوح فأغلب
386
فوالله ما أدري وإني لدائب
أفكر ما جرمي إليها فأعجب
قال فبلغها قوله فأنشأت تقول صدق والله قيس حيث يقول
ومن يطع الواشين لا يتركوا له
صديقا وإن كان الحبيب المقربا
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا أحمد بن محمد البخاري وأخبرتنا شهدة قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قالا أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا ابن حيوية قال حدثنا محمد بن خلف قال قال أبو عمرو الشيباني لما ظهر من المجنون ما ظهر ورأى قومه ما ابتلى به اجتمع قومه إلى أبيه وقالوا يا هذا قد ترى ما ابتلى به ابنك فلو خرجت به إلى مكة فعاد ببيت الله وزار قبر رسول الله A ودعا الله عز وجل رجونا أن يرجع عقله ويعافيه الله تعالى فخرج أبوه حتى أتى مكة فجعل يطوف به ويدعو الله له بالعافية وهو يقول
دعا المحرمون الله يستغفرونه
بمكة وهنا أن ستمحي ذنوبها
وناديت أن يا رب أول سؤلتي
لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها
فإن أعط ليلى في حياتي لا يتب
إلى الله خلق توبة لا أتوبها
حتى إذا كان بمنى نادى مناد من تلك الخيام يا ليلى فخر قيس مغشيا عليه واجتمع الناس حوله ونضحوا على وجهه الماء وأبوه يبكي عند رأسه ثم أفاق وهو يقول
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى
فهيج أطراف الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما
أطار بليلى طائرا كان في صدري
387
أخبرتنا شهدة قالت أخبرنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن خلف قال ذكر محمد بن حبيب عن هشام بن محمد الكلبي وغيث الباهلي وأبي عمرو الشيباني عن ابن دأب عن رباح قال حدثني بعض المشايخ قال خرجت حاجا حتى إذا كنت بمنى إذا بجماعة على جبل من تلك الجبال فصعدت إليهم فإذا فيهم فتى أبيض حسن الوجه وقد علاه الصفار وبدنه ناحل وهم يمسكونه
فسألتهم عنه فقالوا هذا قيس الذي يقال له المجنون خرج به أبوه لما بلى به يستجير له ببيت الله الحرام وقبر محمد عليه أفضل الصلاة والسلام فلعل الله أن يعافيه
قلت لهم فما لكم تمسكونه قالوا نخاف أن يجني على نفسه جناية تتلفه قال وهو يقول لهم دعوني أتنسم صبا نجد فقال لي بعضهم ليس يعرفك فلو شئت دنوت منه فأخبرته أنك قد قدمت من نجد وأخبرته عنها قلت نعم أفعل فدنوت منه فقالوا يا قيس هذا رجل قدم من نجد قال فتنفس حتى ظننت أن كبده قد تصدعت ثم جعل يسائلني عن موضع موضع وواد واد فأنا أخبره وهو يبكي ثم أنشأ يقول
ألا حبذا نجد وطيب ترابه
وأرواحه إن كان نجد على العهد
ألا ليت شعري عن عوارضتي قنا
بطول الليالي هل تغيرتا بعدي وعن جارتينا بالبتيل إلى الحمى
على عهدنا أم لم يدوما على العهد وعن علويات الرياح إذا جرت
بريح الخزامى هل تهب على نجد
وعن أقحوان الرمل ما هو صانع
إذا هو أثرى ليلة بثرى جعد
388
أخبرنا ابن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا علي بن المحسن قال أنبأنا أبو عمر بن حيويه قال حدثنا محمد بن خلف قال قال محمد بن زياد بن الأعرابي لما شبب المجنون بليلى وشهر بحبها اجتمع إليه أهلها فمنعوه من محادثتها وزيارتها وتهددوه وأوعدوه بالقتل فكان يأتي امرأة فتعرف له خبرها فنهوا تلك المرأة عن ذلك فكان يأتي غفلات الحي في الليل
فلما كثر ذلك خرج أبو ليلى ومعه نفر من قومه إلى مروان بن الحكم فشكوا إليه ما ينالهم من قيس بن الملوح وسألوه الكتاب إلى عامله عليهم يمنعه من كلام ليلى
فكتب لهم مروان كتابا إلى عامله يأمره أن يحضر قيسا ويتقدم إليه في ترك زيارة ليلى فإن أصابه أهلها عندهم فقد أهدروا دمه
فلما ورد الكتاب على عامله بعث إلى قيس وأبيه وأهل بيته فجمعهم وقرأ عليهم كتاب مروان وقال لقيس اتق الله في نفسك لا يذهب دمك هدرا فانصرف قيس وهو يقول
ألا حجبت ليلى وآلى أميرها
علي يمينا جاهدا لا أزورها
وأوعدني فيها رجال أبوهم
أبى وأبوها خشنت لي صدورها
على غير شيء غير أني أحبها
وأن فؤادي عند ليلى أسيرها
فلما أيس منها وعلم أن لا سبيل إليها صار شبيها بالتائه العقل وأحب الخلوة وحديث النفس وتزايد الأمر به حتى ذهب عقله ولعب بالحصا والتراب ولم يكن
389
يعرف شيئا إلا ذكرها وقول الشعر فيها وبلغها ما صار إليه قيس فجزعت أيضا لفراقه وضنيت ضنى شديدا
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن قال أخبرنا ابن حيوية قال أنبأنا محمد بن خلف قال حدثني إسحاق بن محمد قال حدثني أبو معاذ النميري أن مروان بن الحكم استعمل رجلا من قيس على صدقات كعب ابن ربيعة بن عامر وهم قيس والحريش وجعدة فسمع بخبر قيس بن معاذ وهو مجنون بني عامر فأمر أن يؤتى به فأتى به فساءله عن حاله واستنشده فأنشده فأعجب به وقال له الزمني فلك أن أحتال لك في أمر ليلى حتى أجمع بينك وبينها فلازمه وكان يأتيه فيتحدث إليه
وكان لبني عامر مجتمع يجتمعون فيه في كل سنة وكان الوالي يخرج معهم إلى ذلك المجتمع لئلا يكون بينهم اختلاف فحضر الوقت فقال قيس للوالي أتأذن لي في الخروج معك إلى هذا المجتمع فأذن له
فلما عزم على الخروج جاءه قوم من رهط قيس فقالوا له إنما سألك الخروج معك ليرى ليلى ويكلمها وقد استعدى عليه بعض أهلها وأهدر لهم السلطان دمه إن أتاهم فلما قالوا له ذلك منعه من الخروج معه وأمر له بقلائص من إبل الصدقة فردها وأبى أن يقبلها وأنشأ يقول
رددت قلائص القرشي لما
بدا لي النقض منه للعهود
سعوا للجمع ذاك وخلفوني
إلى حزن أعالجه شديد
فلما علم قيس بن معاذ أنه قد منع وأن لا سبيل إليها ذهب عقله وصار لا يلبس ثوبا إلا خرقه وهام على وجهه عريانا لا يعقل شيئا مما يكلم به ولا يصلي فلما رأى أبوه ما صنع بنفسه خاف عليه التلف فحبسه وقيده فجعل يأكل لحمه ويضرب بنفسه الأرض
390
فلما رأى أبوه ذلك حل قيده وخلاه فكان يدور في فيافيهم عريانا ويلعب بالتراب وكانت له داية لم يكن يأنس بأحد غيرها وكانت تأتيه في كل يوم برغيف وماء فتضعه بين يديه فربما أكله وربما تركه ولم يأكله
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قال أخبرنا جعفر بن أحمد السراج قال أنبأنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أنبأنا محمد بن العباس بن حيويه قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا زكريا بن موسى قال حدثني شعيب بن السكن عن يونس النحوي قال لما اختلط قيس بن الملوح وزال عقله وامتنع من الأكل والشرب صارت أمه إلى ليلى فقالت لها إن ابني جن من أجلك وذهب حبك بعقله وقد امتنع من الطعام والشراب فإن رأيت أن تصيري معي إليه فلعله إذا رآك أن يسكن بعض ما يجد فقالت لها أما نهارا فلا يمكنني ذلك فإن علم أهل الماء ذلك لم آمنهم على نفسي ولكني سأصير إليه في الليل
فلما كان الليل صارت إليه وهو مطرق يهذي فقالت له يا قيس إن أمك تزعم أنك جننت على رأسي وأصابك ما أصابك قال فرفع رأسه ونظر إليها وتنفس الصعداء وأنشأ يقول
قالت جننت على رأسي فقلت لها
الحب أعظم مما بالمجانين
الحب ليس يفيق الدهر صاحبه
وإنما يصرع المجنون في الحين
وفي رواية أخرى زيادة
لو تعلمين إذا ما غبت ما سقمي
وكيف تسهر عيني لم يلوموني
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار وأخبرتنا شهدة قالت أنبأنا ابن السراج قالا أنبأنا علي بن المحسن قال أنبأنا ابن حيوية قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني ابن عائشة عن
391
أبيه قال ولي نوفل بن مساحق صدقات كعب بن ربيعة فنزل بمجمع من تلك المجامع فرأى قيس بن معاذ المجنون وهو يلعب بالتراب فدنا منه فكلمه فجعل يجيبه بخلاف ما يسأل عنه فقال له رجل من أهله إن أردت أن يكلمك كلاما صحيحا فاذكر له ليلى فقال له نوفل أتحب ليلى قال نعم قال فحدثني حديثك معها قال فجعل ينشده شعره فيها فأنشأ يقول
وشغلت عن فهم الحديث سوى
ما كان فيك فأنتم شغلي
وأديم نحو محدثي ليرى
أن قد فهمت وعندكم عقلي
وأنشد
سرت في سواد القلب حتى إذا انتهى
بها السير وارتادت حمى القلب حلت
فللعين تسكاب إذا القلب ملها
وللقلب وسواس إذا العين ملت
ووالله ما في القلب شيء من الهوى
لأخرى سواها أكثرت أم أقلت
وأنشد
ذكرت عشية الصدفين ليلى
وكل الدهر ذكراها جديد
على ألية إن كنت أدري
أينقص حب ليلى أم يزيد
فلما رأى نوفل ذلك منه أدخله بيتا وقيده وقال أعالجه فأكل لحم ذراعيه وكفيه فحله وأخرجه
فكان يأوي مع الوحوش وكان له داية ربته صغيرا وكان لا يألف غيرها ولا يقرب منه أحد سواها فكانت تخرج في طلبه في البادية وتحمل له الخبز والماء فربما أكل بعضه وربما لم يأكل
392
فلم يزل على ذلك حتى مات
أخبرتنا شهدة قالت أخبرنا أبو محمد بن السراج قال أنبأنا الجوهري قال حدثنا أبو عمر بن حيويه قال حدثنا ابن خلف قال أخبرني إسحاق ابن محمد قال حدثني أبو معاذ النميري قال لقي مجنون بني عامر الأحوص ابن محمد الأنصاري فقال له حدثني حديث عروة بن حزام قال فجعل الأحوص يحدثه وهو يسمع حتى فرغ من حديثه ثم أنشأ يقول
عجبت لعروة العذرى أمسى
أحاديثا لقوم بعد قوم
وعروة مات يوما مستريحا
وهأنذا أموت بكل يوم
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أحمد بن محمد البخاري وأخبرتنا شهدة قالت أخبرنا جعفر بن أحمد السراج قالا أنبأنا أبو محمد الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه قال أنبأنا ابن خلف قال أخبرني عبد الله بن محمد الطالقاني قال أخبرني السري بن يحيى الأزدي عن أبيه عن الفضل بن الحسن المخزومي قال دخل كثير عزة على عبد الملك بن مروان فجعل ينشده شعرا في عزة وعيناه تذرفان فقال له عبد الملك قاتلك الله يا كثير هل رأيت أحدا أعشق منك قال نعم يا أمير المؤمنين خرجت مرة أسير في البادية على بعير لي يوضع فبينا أنا أسير إذ رفع لي شخص فأممته فإذا رجل قد نصب شركا للطباء وقعد بعيدا منه فسلمت عليه فرد السلام فقلت له ما أجلسك ها هنا فقال نصبت شركا للظباء فأنا أرصده فقلت إن أقمت لديك فصدت أطعمتني فقال إيها والله
393
قال فنزلت وعقلت ناقتي وجلست أحدثه فإذا هو أحسن خلق الله حديثا وأرقه وأجزله
قال فما لبثنا أن وقعت ظبية في الشرك فوثب ووثبت معه فخلصها من الحبائل ثم نظر في وجهها مليا ثم أطلقها وأنشأ يقول
أيا شبه ليلى لن تراعي فإنني
لك اليوم من بين الوحوش صديق
ويا شبه ليلى لن تزالي بروضة
عليك سحاب دائم وبروق
فما أنا إذ أشبهتها ثم لم تؤب
سليما عليها في الحياة شفيق
ففر فقد أطلقت عنك لحبها
فأنت لليلى ما حييت طليق
ثم أصلح شركه وعدنا إلى موضعنا
فقلت والله لا أبرح حتى أعرف أمر هذا الرجل فأقمنا باقي يومنا فلم يقع لنا شيء فلما أمسينا قام إلى غار قريب من الموضع الذي كنا فيه وقمت معه فبتنا به فلما أصبح غدا فنصب شركه فلم يلبث أن وقعت ظبية شبيهة بأختها بالأمس فوثب إليها ووثبت معه فاستخرجها من الشرك ونظر في وجهها مليا ثم أطلقها فمرت فأنشأ يقول
اذهبي في كلاءة الرحمن
أنت مني في ذمة وأمان
ترهبيني والجيد منك لليلى
والحشا والبغام والعينان
لا تخافي بأن تهاجي بسوء
ما تغنى الحمام في الأغصان
394
ثم عدنا إلى موضعنا فلم يقع يومنا ذلك شيء فلما أمسينا صرنا إلى الغار فبتنا فيه فلما أصبحنا غدا إلى شركه وغدوت معه فنصبه وقعدنا نتحدث وقد شغلني يا أمير المؤمنين بحسن حديثه عن الجوع فبينا نحن نتحدث إذ وقعت في الشرك ظبية فوثب إليها ووثبت معه فاستخرجها من الشرك ثم نظر في وجهها وأراد أن يطلقها فقبضت على يده وقلت ماذا تريد أن تعمل أقمت لديك ثلاثا كلما صدت شيئا أطلقته قال فنظر في وجهي وعيناه تذرفان وأنشأ يقول
أتلحى محبا هائم القلب أن رأى
شبيها لمن يهواه في الحبل موثقا
فلما دنا منه تذكر شجوه
وذكره من قد نأى فتشوقا
فرحمته والله يا أمير المؤمنين وبكيت لبكائه ونسبته فإذا هو قيس ابن معاذ المجنون
فذاك والله أعشق مني يا أمير المؤمنين
أخبرنا ابن ناصر قال أنبانا المبارك بن عبد الجبار وأخبرتنا شهدة بنت أحمد قال أخبرنا جعفر بن أحمد السراج قالا أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا ابن حيوية قال أنبأنا ابن خلف قال حدثني قاسم بن الحسن عن العمري قال أنبأنا الهيثم بن عدي قال أنبأنا عثمان ابن عمارة عن أشياخهم من بني مرة قال رحل رجل منا إلى ناحية الشام مما يلي تيماء والشراة في طلب بغية له فإذا هو بخيمة قد رفعت له وقد أصابه مطر فعدل إليها فتنحنح فإذا امرأة قد كلمته فقالت له انزل فنزل وراحت إبلهم وغنمهم فإذا أمر عظيم وإذا رعاء كثير فقالت لبعض العبيد سلوا هذا الرجل من أين أقبل فقلت من ناحية اليمامة ونجد فقالت أي بلاد نجد وطئت فقلت كلها فقالت عند من نزلت هناك قلت ببني عامر فتنتفست الصعداء وقالت بأي بني عامر فقلت ببني الحريش فاستعبرت ثم
395
قالت هل سمعت بذكر فتى يقال له قيس ويلقب بالمجنون فقلت إي والله ونزلت بأبيه وأتيته حتى نظرت إليه يهيم في تلك الفيافي ويكون مع الوحوش لا يعقل ولا يفهم إلا أن تذكر له ليلى فيبكي وينشد أشعارا يقولها فيها قال فرفعت الستر بيني وبينها فإذا شقة قمر لم تر عيني مثلها فبكت وانتحبت حتى ظننت والله
أن قلبها قد انصدع
فقلت لها أيتها المرأة اتقي الله فوالله ما قلت بأسا فمكثت طويلا على تلك الحال من البكاء والنحيب ثم قالت
ألا ليت شعري والخطوب كثيرة
متى رحل قيس مستقل فراجع
بنفسي من لا يستقل برحله
ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع
ثم بكت حتى غشى عليها فلما أفاقت قلت من أنت يا أمة الله قالت أنا ليلى المشئومة عليه غير المساعدة له
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال أنبأنا الجوهري قال أنبأنا أبو عمر الخزاز قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا العمري عن عطاء بن مصعب قال خرج المجنون مع قوم في سفر فبيناهم يسيرون إذ تشعبت لهم طريق إلى الماء الذي كانت عليه ليلى فقال المجنون لأصحابه إن رأيتم أن تحطوا وترعوا وتنتظروني حتى آتى الماء فأبوا عليه وعذلوه فقال لهم أنشدكم الله لو أن رجلا صحبكم وتحرم بكم فأضل بعيره أكنتم مقميين عليه يوما حتى يطلب بعيره قالوا نعم فقال فوالله لليلى أعظم حرمة من البعير ثم أنشأ يقول
أأترك ليلى ليس بيني وبينها
سوى ليلة إني إذن لصبور
هبوني امرأ منكم أضل بعيره
له ذمة إن الذمام كبير
396
وللصاحب لامتروك أعظم حرمة
على صاحب من أن يضل بعير
عفا الله عن ليلى الغداة فإنها
إذا وليت حكما علي تجور
قال فأقاموا عليه حتى مضى ورجع
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا الحميدي قال أنبأنا أبو غالب بن بشران قال أنبأنا أبو الحسين بن دينار قال أنبأنا علي بن الحسين الكاتب قال أخبرني الحسن بن علي قال حدثني عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال خرج المجنون في عدة من قومه يريدون سفرا لهم فمروا في طريق يتشعب وجهين أحدهما ينزله رهط ليلى وفيه زيادة مرحلة فسألهم أن يعدلوا معه إلى تلك الجهة فأبوا فمضى وحده وقال أأترك ليلى فذكر الأبيات
وقد روى العتبي قال مر المجنون يوما بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم شات فوقف عليه ثم قال
بربك هل ضممت إليك ليلى
قبيل الصبح أو قبلت فاها
وهل رفت عليك قرون ليلى
رفيف الأقحوانة في نداها
فقال اللهم إذ حلفتني فنعم فقبض المجنون بكلتي يديه قبضة من الجمر فما فارقها حتى خر مغشيا عليه فسقط الجمر مع لحم راحتيه
397
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي قال حدثنا أبو عمر بن حيويه قال أنبأنا محمد بن خلف قال حدثني عبد الله بن عمرو قال حدثنا علي بن الحسن قال حدثنا داود بن محمد عن عمرو بن رزام قال وفد فتى من نهد يقال له صباح بن عامر على الملوح أبي قيس المجنون فسلم عليه وخبره بنسبه وقال له إني قد وفدت من بلدي لأنظر إلى قيس وأسمع من شعره فما فعل
فبكى الشيخ حتى غشي عليه ثم سكن وقال أنى لك بقيس إن قيسا عشق ابنة عم له وإنه جن على رأسها فهو لا يأنس بأحد يرد مع الوحوش يوم ورودها ويصدر معها إذا صدرت ولكن ها هنا شاب يذهب إليه في كل وقت وهو يأنس به ويأخذ منه ما يقول وقد حفظ له قصيدة يقال لها المؤنسة فإذا أنشده إياها أنس به وحدثه فإن شئت فصر إليه
قال صباح فصرت إلى الفتى فرحب بي وسألني عن حالي فأخبرته فقال لي أتروى لقيس بن ذريح شيئا فإن المجنون مستهتر بشعره قلت أنا أحفظ الناس لشعر قيس قال فصر إلى موضع كذا وكذا فاطلبه في تلك الفيافي فإنك تجده واعلم أنه إذا رآك سوف ينفر منك ويهوي إليك بحجر فلا يهولنك واقعد كأنك لا تريده فإذا رأيته قد سكن فاذكر له ليلى فإنه سيرجع إلى عقله ويراجع صحته ويحدثك عن حاله ثم أنشده من شعر قيس شيئا فإنه مشغوف به
398
قال صباح ففعلت الذي أوصاني به الفتى ولم أزل أطلبه حتى انتصف النهار فإذا أنا برجل عريان قد سقط شعر رأسه على حاجبيه وإذا هو قد حظر حظيرة من تراب وهو قاعد في وسطها وإلى جانبه أحجار وهو يخطط بإصبعه في الأرض فلما رآني أهوى إلى حجر ووثب ليقوم فقعدت ناحية أرمي ببصرى إلى غيره ولا أحفل به ثم إنه رجع إلى عبثه وتخطيطه فقلت له أتعرف ليلى قال بأبي والله هي فكيف لا أعرفها
قلت لله قيس بن ذريح حيث يقول
وإني لمفن دمع عيني بالبكا
حذارا لما قد كان أو هو كائن
وقالوا غدا أو بعد ذاك بليلة
فراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيتي
بكفيك إلا أن ما حم حائن
فقال أنا والله أشعر منه حيث أقول
نعب الغراب ببين ليلى إنه
كان الكتاب ببينهم مخطوطا
أصبحت من أهلي الذين أحبهم
كالسهم أصبح ريشه ممروطا
ثم وثب مسرعا إلى ظباء سنحت له فغاب عني فتبعته فجعلت أقفو أثره إلى آخر النهار فما وقعت عيني عليه ثم غدوت في اليوم الثاني فجعلت أطوف عليه في تلك الفيافي حتى إذا جنني الليل انصرفت فلما كان في اليوم الثالث طلبته فإذا أنا به عريان بين أحجار ميت
أخبرنا ابن أبي منصور قال أنبأنا أحمد بن محمد البخاري وأخبرتنا شهدة قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قالا أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا ابن حيويه قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن الهيثم القرشي قال حدثني العباس بن هشام عن أبيه هشام بن محمد بن السائب أن رجلا من
399
أهل الشام كان له أدب وإنه ذكر له المجنون فأخبر بخبره فأحب أن يراه وأن يسمع من شعره فخرج يريده حتى إذا صار إلى حيه سأل عنه فأخبر أنه لا يؤويه مكان وأنه يكون مع الوحش قال فكيف لي بالنظر إليه قيل إنه لا يقف لأحد حتى يكلمه إلا لداية له هي التي كانت ربته فكلم دايته وراسلها فخرجت معه تطلبه في مظانه التي كان يكون فيها في البرية فطلبوه يومهم ذلك فلم يقدروا عليه ثم غدوا في اليوم الثاني يطلبونه فبينما هم كذلك إذ أشرفوا على واد كثير الحجارة وإذا به في ذلك الوادي بين الحجارة ميتا فاحتمله الرجل ودايته حتى أتيا به الحي فغسلوه وكفنوه ودفنوه
وقد حكى في موت مجنون بني عامر غير ما تقدم
فذكر أن كثيرا قال بينا أنا عند مجنون بني عامر جاء إليه رجل فقال تعز يا قيس قال عمن قال عن ليلى فقام إلى بعيره وقمت إلى بعيري ثم أتينا الحي فأرشدنا إلى قبرها فأقبل يقبله ويلتزمه ويشم ترابه وينشد الشعر ثم شهق فمات فدفنته سياق أبيات من مستحسن شعره
أخبرنا ابن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا علي بن المحسن قال أنبأنا ابن حيويه قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثني سليمان بن أيوب المديني قال سمعت مصعبا الزبيري يقول كان مجنون بني عامر يسيح مع الوحش وينثر الشعر نثرا وكان الركبان يتلقون منه الشعر فيروونه
400
قال ابن خلف قال القحذمي لما قال المجنون
قضاها لغير وابتلاني بحبها
فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا سلب عقله
قال ابن خلف وأنشد مصعب بن الزبير للمجنون
ألا أيها القلب الذي لج هائما
وليدا بليلى لم تقطع تمائمه
أفق قد أفاق الواجدون وقد ال
لدائك أن يلقى طبيبا يلائمه
ومالك مسلوب العزاء كأنما
ترى نأي ليلى مغرما أنت غارمه
أجدك لا ينسيك ليلى ملمة
تلم ولا ينسيك عهدا تقادمه
قال ابن خلف وأنشد أبو عمرو الشيباني للمجنون
دعاك الهوى والشوق حتى ترنمت
هتوف الضحى بين الغصون طروب
تجاوب ورقا قد أرعن لصوتها
فكل لكل مسعد ومجيب
ألا يا حمام الأيك مالك باكيا
أفارقت إلفا أم جفاك حبيب
أخبرتنا شهدة قالت أخبرنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال حدثنا أبو عمر بن حيوية قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي قال حدثنا عبد الله بن المعدل قال سمعت الأصمعي يقول وذكر مجنون بني عامر فقال هو قيس بن معاذ ثم قال لم يكن مجنونا وإنما كانت به لوثة وهو القائل
401
ولم أر ليلى بعد موقفنا الذي
بخيف منى ترمي جمار المحصب
ويبدي الحصا منها إذا قذفت به
من البرد أطراف البنان المخضب
أخبرنا عبد الوهاب ومحمد بن ناصر قالا أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا يحيى بن الحسن القاضي قال أنبأنا ابن سويد قال أنبأنا أبو بكر ابن الأنباري قال أنشدنا أحمد بن يحيى لقيس بن معاذ
إذا قربت دار كلفت وإن نأت
أسفت فلا بالقرب أسلو ولا البعد
وإن وعدت زاد الهوى لانتظارها
وإن بخلت بالوعد مت على الوعد ففي كل حب لا محالة فرحة
وحبك ما فيه سوى محكم الجهد
وفي رواية أخرى أنه اجتمع بليلى يوما فلما حان فراقها أنشد هذه الأبيات
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني قال أنبأنا الحسن بن محمد بن حبيب قال سمعت أبا علي الحسين بن أحمد البيهقي قال سمعت أبا بكر بن الأنباري يقول سمعت العباس ابن سالم الشيباني يقول سمعت ابن الأعرابي قال ومن جيد شعره يعني مجنون بني عامر
وجاءوا إليه بالتعاويذ والرقي
وصبوا عليه الماء من ألم النكس قالوا به من أعين الجن نظرة
ولو عقلوا قالوا به أعين الإنس
وحكى أن قوما قالوا لأبيه اطلب له طبيبا فأتاه بطبيب فأنشأ قيس يقول
ألا يا طبيب النفس أنت طبيبها
فرفقا بنفس قد جفاها حبيبها
دعتني دواعي حب ليلى ودونها
ذرى فقد جسم الحزن منها قلوبها
402
فلبيك من داع دعا ولو أنني
صدى بين أحجار لظل يجيبها
وما هجرتك النفس من أجل أنها
قلتك ولكن قل منك نصيبها
وله في قصيدة
سقى الله جارات لليلى تباعدت
بهن النوى حيث احتللن المطاليا
بثمدين لاحت نار ليلى وصحبتي
بقرع الغضا تزج المطي الخوافيا
فقال بصير القوم لمحة كوكب
بدا في سواد الليل فردا يمانيا
فقلت لهم بل نار ليلاي أوقدت
بعليا تسامى ضوءها فبدا ليا
بلى نار ليلى يا خليلي أريتما القلاص فلا تأووا لهن ولا ليا
أشوقا ولما يمض لي غير ليلة
رويد الهوى حتى تغب لياليا
خليلي لا والله ما أملك البكا
إذا علم من أرض ليلى بدا ليا
خليلي لا والله لا أملك الذي
قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا
قضاها لغيري وابتلاني بحبها
فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
وخبرتماني أن تيماء منزل
لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا فهذي شهور الصيف أمست قد انقضت
فما للنوى ترمي بليلى المراميا فلو كان واش باليمامة داره
ودار بأعلا حضرموت اهتدى ليا وماذا لهم لا أحسن الله حفظهم
من الحظ في تصريم ليلى حباليا
وقد كنت أعلو حب ليلى فلم يزل
بي النقض والإبرام حتى علانيا
فيا رب سو الحب بيني وبينها
يكون كفافا لا على ولا ليا
فما طلع النجم الذي يهتدى به
ولا الصبح إلا هيجا ذكرها ليا
403
ولا سرت ميلا من دمشق ولا بدا
سهيل لأهل الشام إلا بدا ليا
ولا سميت عندي لها من سمية
من الناس إلا بل دمعي ردائيا
ولا هبت الريح الجنوب من أرضها
من الليل إلا بت للريح حانيا
ويوم كظل الرمح قصرت طوله
بليلى فألهتني وما كنت لاهيا
فيا ليل كم من حاجة لي مهمة
إذا جئتكم بالليل لم أدر ماهيا
خليلي إلا تبكيا لي ألتمس
خليلا إذا أنزفت دمعي بكى ليا
فقد يجمع الله الشتيتين بعدما
يظنان جهد الظن ألا تلاقيا
فإن تمنعوا ليلى وتحموا بلادها
على فلن تحموا علي القوافيا
فأشهد عند الله أني أحبها
فهذا لها عندي فما عندها ليا
قضى الله بالمعروف منها لغيرنا
وبالشوق منا والعناء قضى ليا
وإن الذي أملت من أم مالك
أشاب قذالى واستهام فؤاديا
أعد الليالي ليلة بعد ليلة
وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا
وأخرج من بين البيوت لعلني
أحدث عنك النفس يا ليل خاليا
إذا سرت أرضا بالفضاء رأيتني
أصانع رحلي أن تميل حياليا
يمينا إذا كانت يمينا وإن تكن
شمالا ينازعني الهوى من شماليا
أراني إذا صليت يممت نحوها
بوجهي وإن كان المصلى ورائيا
404
وما بي إشراك ولكن حبها
كعظم الشجا أعيى الطبيب المداويا
أحب من السماء ما وافق اسمها
وأشبهه أو كان منه مدانيا
خليلي ليلى أكبر الحاج والمنى
فمن لي بليلى أو فمن ذا بها ليا
فقد طال ما ألبثتني عن صحابتي
وعن حوج قضاؤها من شفائيا
لعمري لقد أبكيتني يا حمامة ال
عقيق وأبكيت العيون البواكيا
وكنت ربيط الجأش ما تستفزني
رياح الصبا لو نحت نوحا مدانيا
فأصبحت بعد الإنس صاحب جنة
تجاوزن بي عرض النعاف الفيافيا
خليلي ما أرجو من العيش بعدما
أرى حاجتي تشرى ولا تشترى ليا وتجرم ليلى ثم تزعم أنني
سلوت ولا يخفى على الناس ما بيا
فلم أر مثلينا خليلي جناية
أشد علي رغم العدو تصافيا
خليلان لا نرجو لقاء ولا ترى
خليلين إلا يرجوان تلاقيا
وإني لأستحييك أن أعرض المنى
بوصلك أو أن تعرضي في المنى ليا
يقول أناس عل مجنون عامر
يروم سلوا قلت إني لما بيا
بي اليأس أو داء الهيام أصابني
فإياك عني لا يكن بك ما بيا
إذا ما طواك الدهر يا أم مالك
فشأن المنايا القاضيات وشأنيا إذا اكتحلت عيني بعينك لم تزل
بخير وجلت غمرة عن فؤاديا
وأنت الذي إن شئت أشقيت عيشتي
وإن شئت بعد الله أنعمت باليا
405
وأنت التي ما من صديق ولا أخ
يرى نضو ما أبقيت إلا أوى ليا
وإني لأستغشي وما بي نعسة لعل خيالا منك يلقى خياليا
هي السحر إلا أن للسحر رقية
وإني لا ألقى لسحري راقيا إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا
كفى لمطايانا بذكراك هاديا
ذكت نار شوق في فؤادي فأصبحت
لها وهج مستضرم في فؤاديا
ألا أيها الركب اليمانون عرجوا
علينا فقد أمسى هوانا يمانيا
نسأئلكم هل سأل نعمان بعدنا
وحب إلينا بطن نعمان واديا
ألا يا حمامي بطن نعمان هجتما
علي الهوى لما تغنيتما ليا
ألا أيها القمريتان تجاوبا
بلحنيكما ثم اسجعا عللانيا
فإن أنتما استطربتما وأردتما
لحاقا بأطلال الغضا فاتبعانيا
ألا ليت شعري ما لليلى وما لنا
وما للصبا من بعد شيب علانيا
ألا أيها الواشي بليلي ألا ترى
إلى من تشيها أو بمن جئت واشيا
إذا نحن رمنا هجرها ضم حبها
ضميم الحشا ضم الجناح الخوافيا
لئن ظعن الأحباب يا أم مالك
لما ظعن الحب الذي في فؤاديا
فيارب إذ صيرت ليلى هي المنى
فزني بعينيها كما زنتها ليا
وإلا فبغضها إلي وأهلها
فإني بليلى قد لقيت الدواهيا
ألا لا أحب السير إلا مصاعدا
ولا البرق إلا أن يكون يمانيا
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه
وإن كنت من ليلى على اليأس طاويا
خليلي إن ضنوا بليلى فقربا
لي النعش والأكفان واستغفرا ليا
406
ألا يا حمام الطلح إن كنت باكيا
فملآن فاهتج إنني قد أنى ليا
فيا أخوي حزم ألما هديتما
على حاضري الريان ثم اذكرانيا
وله
وإني لمجنون بليلى موكل
ولست عزوفا عن هواها ولا جلدا
إذا ذكرت ليلى بكيت صبابة
لتذكارها حتى يبل البكا الخدا
ويروى له في اخرى
أيا حرجات الحي يوم تحملوا
بذي سلم لا جادكن ربيع
إلى الله أشكو أنه شقت العصا
هي اليوم شتى وهي أمس جمع
فإن انهمال العين يا ليل كلما
ذكرتك وحدي خاليا لسريع
فلو لم يهجني الظاعنون لهاجني
حمائم ورق في الديار وقوع
تجاوبن فاستبكين من كان ذا
هوى نوائح ما تجري لهن دموع
لعمرك إني يوم جرعاء مالك
لعاص لأمر الراشدين مضيع
مضى زمن والناس يستشفعون بي
فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع
ندمت على ما كان مني فقدتني
كما يندم المغبون حين يبيع
فقدتك من نفس شعاع فإنما
نهيتك عن هذا وأنت جميع
فقربت لي غير القريب وأشرفت
مناك ثنايا ما لهن طلوع
وله
يقر بعيني قربها ويزيدني
بها عجبا من كان عندي يعيبها
فكم قائل فيكم قريب عصيته
وتلك لعمري توبة لا أتوبها
فيا نفس صبرا لست والله فاعلميه
بأول نفس غاب عنها حبيبها
407
وله
تجنبت ليلى أن يلج بك الهوى
وهيهات كان الحب قبل التجنب
ولم أر ليلى قبل موقف ساعة
ببطن منى ترمي جمار المحصب
وله في أخرى
وألقى من الحب المبرح سورة
لها بين جلدي والعظام دبيب
لقد شف هذي النفس أن ليس بارحا لها شجن ما يستطاع قريب
فلا تتركي نفسي شعاعا فإنها
من الوجد قد كادت عليك تذوب
فصل ومن المشتهرين بالعشق عروة بن حزام أخبرتنا شهدة بنت أحمد
قالت أخبرنا جعفر بن احمد السراج قال نقلت من خط أبي عمر بن حيويه قال حدثنا ابو بكر بن المرزبان قال حدثني أبو العباس فضل بن محمد اليزيدي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال أخبرني لقيط بن بكير المحاربي أن عروة بن حزام وعفراء ابنة مالك العذريين وهما بطن من عذرة يقال لهم بنو هند بن حزام بن ضنة بن عبد بكير ابن عذرة ويقال إنهما نشآ جميعا فعلقها علاقة الصبا وكان عروة يتيما في حجر عمه حتى بلغ فكان يسأل عمه أن يزوجه عفراء فيسوفه إلى أن خرجت عير لأهله إلى الشام وخرج عروة إليها
ووفد على عمه ابن عم له من البلقاء يريد الحج فخطبها فزوجها إياه فحملها
408
وأقبل عروة في عيره تلك حتى إذا كان بتبوك نظر إلى رفقة مقبلة من نحو المدينة فيها امراة على جمل أحمر فقال لأصحابه والله لكأنها شمائل عفراء فقالوا ويحك ما تترك ذكر عفراء لشيء
قال وجاء القوم فلما دنوا منه وتبين الأمر يبس قائما لا يتحرك ولا يحير كلاما ولا يرجع جوابا حتى بعد القوم فذلك حيث يقول
وإني لتعروني لذكراك رعدة
لها بين جلدي والعظام دبيب
فما هو إلا أن أراها فجاءة
فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وقلت لعراف اليمامة داوني
فإنك إن أبرأتني لطبيب
فما بي من حمى لا مس جنة
ولكن عمي الحميري كذوب
قال أبو بكر وعراف اليمامة هذا الذي ذكره عروة وغيره من الشعراء هو رياح بن راشد ويكنى أبا كحيلة عبد لبنى يشكر تزوج مولاه إمراة من بني الأعرج فساقه في مهرها ثم ادعى نسبا في بني الأعرج
ثم إن عروة انصرف إلى أهله وأخذه البكاء والهلاس حتىنحل جسمه فلم يبق منه شيء فقال بعض الناس هو مسحور وقال قوم به جنة وقال آخرون بل هو موسوس وإن بالحاضر من اليمامة لطبيبا له تابع من الجن وهو أطب الناس فلو أتيتموه فلعل الله يعافيه
فساروا إليه من أرض عذرة حى داواه فجعل يسقيه وينشر عنه وهو يزداد
409
سقما فقال له عروة يا هناه هل عندك للحب دواء أو رقية فقال لا والله فانصرفوا حتى مروا بطبيب بحجر فعالجه وصنع به مثل ذلك فقال له عروة ما دائي ودوائي إلا شخص بالبلقاء مقيم فهو دائي وعنده دوائي
فانصرفوا به فأنشأ يقول عند انصرافهم به
جعلت لعراف اليمامة حكمه
وعراف حجر إن هما شفياني
فقالا نعم نشفى من الداء كله
وقاما مع العواد يبتدران
فما تركا من رقية يعلمانها
ولا سلوة إلا وقد سقياني
فقالا شفاك الله والله مالنا
بما ضمنت منك الضلوع يدان
قال فلما قدم على أهله وكان له أخوات أربع ووالدة وخالة فمرضنه دهرا فقال لهن يوما اعلمن أني لو نظرت إلى عفراء نظرة واحدة ذهب وجعي
فذهبوا به حتى نزلوا البلقاء مستخفين فكان لا يزال يلم بعفراء وينظر إليها وكانت عند رجل كريم سيد كثير المال والغاشية فبينما عروة يوما بسوق البلقاء إذ لقيه رجل من بني عذرة فسأله عن حاله ومقدمه
فأخبره قال والله لقد سمعت أنك مريض وأراك قد صححت فلما أمسى الرجل دخل على زوج عفراء فقال متى قدم هذا الكلب عليكم الذي قد فضحكم
410
قال زوج عفراء أي كلب هو قال عروة قال وقد قدم قال نعم قال أنت والله أولى بها منه أن تكون كلبا ما علمت بقدومه ولو علمت لضممته إلي
فلما أصبح غدا يسأل عنه حتى جاءه فقال قدمت هذه البلد فلم تنزل بنا ولم تر أن تعلمنا بمكانك فيكون منزلك عندنا علي وعلي إن كان لكم منزل إلا عندي
قال نعم نتحول إليك الليلة أو في غد
فلما ولى قال عروة لأهله قد كان ما ترون وإن أنتم لم تخرجوا معي لأركبن برأسي ولألحقن بقومكم فليس علي بأس
فارتحلوا وركبوا طريقهم ونكس عروة ولم يزل مدنفا حتى نزلوا وادي القرى
وفي رواية أخرى أن حزاما هلك وترك ابنه عروة في حجر عمه عقال بن مهاصر وكانت عفراء تربا لعروة يلعبان جميعا حتى ألف كل واحد منهما صاحبه فكان عقال يقول لعروة أبشر فإن عفراء امرأتك إن شاء الله تعالى
فلما بلغا أتى عروة عمه له يقال لها هند بنت مهاصر فشكا إليها حب عفراء وقال يا عمة إني أكلمك وإني أستحيي منك ولكن ما أفعل هذا حتى ضقت ذرعا بما أنا فيه فذهبت إلى أخيها فقالت يا أخي قد أتيتك في حاجة يأجرك الله عليها تزوج عروة عفراء فقال ما عنه مذهب ولكنه ليس بذي مال وليست عليه عجلة
411
وكانت أم عفراء لا تريد لها إلإ من له مال فخطب رجل له مال عفراء فأتى عروة عمه فقال قد عرفت قرابتي وقد بلغني أن رجلا يخطب عفراء فإن تجبه قتلتني فقال ليس أخرجها إلى غيرك ولكن أمها تريد مهرا غاليا فاسترزق الله واضطرب
فخرج إلى ابن عم له موسر باليمن واشترط على أبوي عفراء أن لا يحدثا فيها حدثا فضمنا له ذلك وذهب إلى ابن عمه فوصله وأعطاه مائة من الإبل
واتفق أن رجلا خطب عفراء وكان ذا مال فاعتذر أبوها إليه وأجابته أمها وصرفت أباها عن رأيه وقالت قد جاء الغني إلى بابنا ولا ندري أعروة حي أم ميت وهل يأتي بشيء أم لا
فزوجه وارتحل بها إلى الشام وعمد أبوها إلى قبر عتيق فجدده وسواه وقال الحق كتمان الحال
فقدم عروة فنعاها أبوها إليه فجعل يختلف إلى القبر أياما ثم أخبر بالحال فرحل إلى الشام فنزل بالرجل وهو لا يعرفه فأحسن ضيافته ثم علمت به عفراء
وجاء رجل فقال تركتم هذا في داركم يفضحكم فأنكر الزوج على هذا القائل واستحضر عروة وقال لا تبرح من عندي ثم خرج وتركها عند عروة وأوصى خادم الباب بحفظ ما يقولان فقال قد أجمل هذا الرجل وما أقيم بعد علمه وإنما أرحل إلى منيتي ثم رحل فتناولته الأسقام
412
أخبرنا المبارك بن علي قال أخبرتنا فاطمة بنت عبد الله الخبرية قالت أخبرنا علي بن الحسن بن الفضل قال أنبأنا أحمد بن محمد بن خالد الكاتب قال أخبرنا علي بن عبد الله بن المغيرة قال حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن ابي السائب المخزومي قال أخبرني ابن أبي عتيق قال إني لأسير في ارض عذرة فإذا بامرأة تحمل غلاما خدلا ليس مثله يتورك فعجبت لذلك فإذا برجل له لحية قال فقالت لي سمعت بعروة بن حزام قال قلت نعم قالت هذا والله عروة بن حزام فقلت أنت عروة فكلمني وعيناه تدوران في رأسه فقال نعم أنا والله الذي أقول
جعلت لعراف اليمامة حكمه
وعراف نجد إن هما شفيافي
فقالا نعم نشفى من الداء كله
وراحا مع العواد يبتدران
فما تركا من سلوة يعلمانها
ولا شربة إلا وقد سقياني
فقالا شفاك الله والله ما لنا
بما ضمنت منك الضلوع يدان
فعفراء أحظى الناس عندي مودة
وعفراء عني المعرض المتواني
قال ثم ذهبت فما رحت من الماء حتى سمعت الصيحة فقلت ما هذا فقيل مات عروة
قال عبد الملك فقلت يا أبا السائب والله ما أراه إلا شرق قال فمم شرق قلت شرق بريقه ترى إنسانا يموت من الحب
فقال سخنت عيناك
413
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن احمد السراج قال أنبأنا أحمد بن ثابت قال أنبأنا ابو الحسين بن روح قال حدثنا المعافى بن زكريا قال حدثنا علي بن سلمان الأخفش قال أنبأنا محمد بن يزيد قال حدثني مسعود بن بشر المازني قال حدثني العتبي عن أبيه عن رجل عن هشام بن عروة عن أبيه عن النعمان بن بشير الأنصاري قال وليت صدقات بني عذرة قال فدفعت إلى فتى تحت ثوب فكشفت عنه فإذا رجل لم يبق إلا رأسه فقلت ما بك فقال
كأن قطاة علقت بجناحها
على كبدي من شدة الخفقان
جعلت لعراف اليمامة حكمه
وعراف نجد إن هما شفياني
ثم تنفس حتى ملأ الثوب الذي كان فيه ثم جمد فإذا هو قد مات فأصلح من شأنه وصليت عليه فقيل أتدري من هذا هذا عروة بن حزام
حدثنا المبارك بن علي قال أنبأنا أحمد بن عبد الجبار وأنبأنا محمد بن أبي طاهر كلاهما عن إبراهيم بن عمر البرمكي عن أحمد بن جعفر بن سلم قال حدثني أبو دلف هاشم بن محمد قال حدثنا العباس بن الفرج الرياشي قال حدثنا عمر بن بكير قال حدثنا الهيثم بن عدي عن هشام بن عروة عن أبيه قال حدثني النعمان بن بشير قال استعملني عمر بن الخطاب او قال عثمان شك الراوي على صدقات سعد هذيم فلما قبضت الصدقة وقسمتها بين أهلها أقبلت فلما كنت ببلاد عذرة في حي منهم يقال له بنو هند إذا أنا ببيت حريد مفرد عن الحي فملت إليه فإذا عجوز جالسة عند كسر البيت وإذا شاب نائم في ظل البيت فلما دنوت منه وسلمت ترنم بصوت له ضعيف
جعلت لعراف اليمامة حكمه
وعراف نجد إن هما شفياني
414
فقالا نعم نشفى من الداء كله
وقاما مع العواد يبتدران
نعم وبلى قالا متى كنت هكذا
ليستخبراني قلت منذ زمان
فما تركا من رقية يعلمانها
ولا سلوة إلا بها سقياني
فقالا شفاك الله والله ما لنا
بما حملت منك الضلوع يدان
ثم شهق شهقة خفيفة فنظرت فإذا هو قد مات فقلت أيها العجوز ما أظن هذا النائم بفناء بيتك إلا مات فقالت نفسه والله نفسه ثلاث مرات
فدخلني من ذلك مالا يعلمه إلا الله تعالى فاغتممت وخفت أن يكون موته لكلامي فلما رأت العجوز جزعي قالت هون عليك فإنه قد مات بأجله واستراح مما كان فيه وقدم على رب غفور فهل لك في استكمال الأجر هذه الأبيات منك قريب تأتيهم فتنعاه إليهم وتسألهم حضوره
فركبت فأتيت أبياتا منهم على قدر ميل فنعيته إليهم وقد حفظت الشعر فجعل الرجل بعد الرجل منهم يسترجع
فبينا أنا أدور إذا انا بامرأة قد خرجت من خبائها تجر خمارها ناشرة كأنها الشمس طالعة فقالت أيها الناعي بفيك الكثكث بفيك الحجر من تنعى قلت عروة بن حزام قالت بالذي أرسل محمدا بالحق واصطفاه بالنبوة هل مات قلت نعم قالت ماذا فعل قبل موته فأنشدتها الشعر فوالله ما نهنهت أن قالت
عداني أن أزورك يا خليلي
معاشر كلهم واش حسود
أشاعوا ما سمعت من الدواهي
وعابونا وما فيهم رشيد
415
فأما إذ ثويت اليوم لحدا
ودور الناس كلهم لحود
فلا طابت لي الدنيا فواقا
ولا لهم ولا أثري عديد
ثم مضت معي ومع القوم تصيح وتولول حتى انتهينا إليه فغسلناه وكفناه وصلينا عليه وقبرناه فجاءت فأكبت على القبر
وحركت مطيتي ودخلت الشام فدخلت على يزيد فدفعت إليه الكتاب وأخبرته بالأمر الذي قدمت له فقال لي هل رأيت في طريقك شيئا فحدثته وذكر الحديث إلى أن قال فأكبت تلك المرأة على القبر ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب فما رفعت إلا ميتة
قلت هذه الحكاية لا أحسب الراوي عن الهيثم حفظها وقد رويت لنا من غير هذه الطريق أصح
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبدالجبار قال أنبأنا أبو الحسن أحمد بن عبد الله الأنماطي قال أنبأنا أبو حامد أحمد بن الحسين المروزي قال أنبأنا أبو العباس أحمد بن الحارث بن محمد بن عبد الكريم المروزي قال حدثني جدي محمد بن عبد الكريم قال حدثنا الهيثم بن عدي قال أنبأنا هشام بن عروة عن أبيه عن النعمان بن بشير قال استعملني عمر بن الخطاب أو عثمان ابن عفان شك الراوي على صدقات سعد هذيم وهم عذرة وسلامان والحارث وهم من قضاعة فلما قبضت الصدقة وقسمتها بين اهلها وأقبلت بالسهمين الباقيين إلى عمر أو عمثان فلما كنت ببلاد عذرة في حي يقال لهم بنو هند إذا أنا ببيت حريد منتزح عن الحي فملت إليه فإذا عجوز جالسة
416
عند كسر البيت وإذا شاب نائم في ظل البيت فملا دنوت سلمت فترنم بصوت له ضعيف فقال
جعلت لعراف اليمامة حكمه
وعراف نجد إن هما شفياني
فقالا نعم نشفى من الداء كله
وقاما مع العواد يبتدران
نعم وبلى قالا متى أنت هكذا
ليستخبراني قلت منذ زمان
فما تركا من رقية يعلمانها
ولا سلوة إلا بها سقياني
فقالا شفاك الله والله ما لنا
بما ضمنت منك الضلوع يدان
ثم شهق شهقة خفيفة فنظرت فإذا هو قد مات فقلت أيتها العجوز ما أظن هذا النائم بفناء بيتك إلا قد مات
قالت والله أظن ذلك فقامت فنظرت إليه فقالت قاض ورب محمد فقلت يا أمة الله من هذا قالت عروة بن حزام العذري وأنا أمه قلت وما صيره إلى هذا قالت العشق لا والله ما سمعت كلامه منذ سنة إلا في صدر يومنا هذا فإني سمعته يقول
من كان من أمهاتي باكيا أبدا
فاليوم إني أراني اليوم مقبوضا
تسمعننيه فإني غير سامعه
إذا علوت رقاب القوم معروضا
قال النعمان فأقمت والله عليه حتى غسل وكفن وحنط وصلى عليه ودفن قال قلت للنعمان فما دعاك إلى ذلك قال احتساب الأجر والله فيه
وقد روى هشام بن محمد السائب عن أبي مسكين أن عفراء لما بلغها وفاة عروة قالت لزوجها ياهناه قد كان من أمر هذا الرجل ما بلغك والله ما كان ذلك إلا على الحسن الجميل وإنه قد بلغني أنه قد مات قبل أن يصير إلى أرضه
417
في أرض غربة فإن رأيت أن تأذن لي فأخرج في نسوة من قومي فيندبنه ويبكين عليه فقال إذا شئت فأذن لها فخرجت وقالت ترثيه
ألا أيها الركب المخبون ويحكم
بحق نعيتم عروة بن حزام
فلا هنىء الفتيان بعدك غارة
ولا رجعوا من غيبة بسلام
فقل للحبالى لا ترجين غائبا
ولا فرحات بعده بغلام
قال ولم تزل تردد هذه الأبيات وتبكي حتى ماتت فدفنت إلى جانبه
فبلغ الخبر معاوية فقال لو علمت بهذين الشريفين لجمعت بينهما
قلت وقد روى عن عمر بن الخطاب أيضا أنه قال لو علمت بهما جمعت بينهما
أخبرتنا شهدة بنت أحمد بن الفرج قالت أخبرنا جعفر بن احمد قال ذكر محمد بن العباس بن حيويه قال حدثني ابو بكر محمد بن خلف قال حدثني أبو محمد البلخي قال حدثني أحمد بن سراقة قال حدثني العباس بن الفرج قال سمعت الأصمعي يقول عن ابن أبي الزناد قال قال عمر بن الخطاب لو أدركت عفراء وعروة لجمعت بينهما
وقد ذكر أبو بكر بن داود في كتاب الزهرة حكاية موت عفراء مبسوطة قال لما انصرف عروة بن حزام من عند عفراء بنت عقال فتوفي وحيدا مر به ركب فعرفوه فلما انتهوا إلى منزلها صاح بعضهم
ألا أيها القصر المغفل أهله
بحق نعينا عروة بن حزام فأجابته فقالت
418
ألا أيها الركب المخبون ويحكم
بحق نعيتم عروة بن حزام
فأجابوها
نعم قد تركناه بأرض بعيدة
مقيما بها في دكدك وأكام
فقالت لهم
فإن كان حقا ما تقولون فاعلموا
بأن قد نعيتم نور كل ظلام
فلا لقي الفتيان بعدك لذة
ولا رجعوا من غيبة بسلام
ولا وضعت أنثى تماما بمثله
ولا فرحت من بعده بغلام
ولا لا بلغتم حيث وجهتم له
وبغضتم لذات كل طعام
ثم سألتهم أين دفنوه فأخبروها فسارت إلى قبره فلما قربوا من موضع قبره قالت إني أريد قضاء حاجة فأنزلوها فانسلت إلى قبره فأكبت عليه فما راعهم إلا صوتها فلما سمعوها بادروا إليها فإذا هي ممدودة على القبر قد خرجت نفسها فدفنوها إلى جانبه
أنبأنا محمد بن عبد الملك قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال حدثنا علي ابن أيوب القمي قال حدثنا محمد بن عمران قال حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي سعيد قال حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال حدثني معاذ بن يحيى الصنعاني قال خرجت من مكة إلى صنعاء فلما كان بيننا وبين صنعاء خمس رأيت الناس ينزلون عن محاملهم ويركبون دوابهم فقلت أين تريدون قالوا نريد ننظر إلى قبر عفراء وعروة فنزلت عن محملي وركبت حماري واتصلت بهم فانتهيت إلى قبرين متلاصقين قد خرج من هذا القبر ساق شجرة ومن هذا ساق شجرة حتى إذا صارا على قامة التقيا فكان الناس يقولون تآلفا في الحياة وفي الموت
419
وفي رواية أخرى قال إسحاق قلت لمعاذ أي ضرب هو من الشجر فقال لا أدري
وقد سألت أهل القرية عنه فقالوا لا يعرف هذا الشجر ببلادنا ومن أشعار عروة المستحسنة
لو أن أشد الناس وجدا ومثله
من الجن بعد الإنس يلتقيان
فيشتكيان الوجد ثمت أشتكي
لأضعف وجدي فوق ما يجدان
فقد تركتني لا أعي لمحدث
حديثا وإن ناجيته ونجاني
وقد تركت عفراء قلبي كأنه
جناح عقاب دائم الخفقان
فصل ومن المشهورين بالعشق العباس بن الأحنف بن الأسود أصله من
خراسان ونشأ ببغداد
أنبأنا محمد بن عبد الملك قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرني علي بن أيوب قال حدثنا محمد بن عمران قال أخبرني محمد بن يحيى قال قال العباس بن الأحنف
ويح المحبين ما أشقى جدودهم
إن كان مثل الذي بي بالمحبينا
يشقون في هذه الدنيا بعشقهم
لا يدركون به دنيا ولا دينا
يرق قلبي لأهل العشق إنهم
إذا رأوني وما ألقى يرقونا
قال وله أيضا
أيها النادب قوما هلكوا
صارت الأرض عليهم طبقا
أندب العشاق لا غيرهم
إنما الهالك من قد عشقا
420
أنبأنا محمد بن عبد الملك قال أنبأنا أبو الحسين بن المهتدي قال أنبأنا أبو الفضل محمد بن الحسن بن المأمون قال حدثنا محمد بن أبي أيوب قال اجتمع أبو نواس والعباس بن الأحنف
فاستنشد أبو نواس العباس فأنشده
حب الحجازية أبلى العظام
فلما انتهى إلى قوله
سيدتي سيدتي إنه
ليس لما بالعاشقين اكتتام
سيدتي سيدتي إنني
أعجز عن حمل البلايا العظام
سيدتي سيدتي فاسمعي
دعوة ميت عاشق مستهام
ومر في أبيات كثيرة أول كل بيت سيدتي سيدتي فقال له أبو نواس لقد خضعت لهذه المرأة خضوعا ظننت معه أنك تموت قبل تمام هذه القصيدة
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبانا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا محمد بن الحسن الأهوازي قال أنبأنا الحسن بن عبد الله اللغوي عن محمد بن يحيى قال سمعت عبد الله بن المعتز يقول لو قيل لي ما أحسن شعر تعرفه لقلت شعر العباس بن الأحنف
قد سحب الناس أذيال الظنون بنا
وفرق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظن غيركم
وصادق ليس يدري أنه صدقا
أخبرنا أبو منصور قال أنبأنا أحمد بن علي قال أنبأنا الجوهري قال حدثنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال حدثنا محمد بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال قال لي بعض
421
أصحابنا قال بشار ما كنا نعد هذا الغلام من الشعراء يعني العباس بن الأحنف حتى قال هذين البيتين
نزف البكاء دموع عينك فالتمس
عينا لغيرك دمعها مدرار
من ذا يعيرك عينه تبكي بها
يا من لعين للبكاء تعار
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي قال حدثنا علي بن أيوب قال أنشدنا أبو عبد الله المرزباني عن محمد بن يحيى الصولي للعباس بن الأحنف
برغمي أطيل الصد عنك وأبتلي
بهجرك قلبا لم يزل منك متعبا
وما أنا في صدي بأول ذي هوى
رأى بعض مالا يشتهي فتجنبا
تجنب يرتاد السلو فلم يجد
له عنك في الأرض البعيدة مذهبا
قال ابن المرزبان وحدثنا علي بن هارون قال أنبأنا ابي قال من بارع شعر العباس بن الأحنف قوله
قد رق أعدائي لما حل بي
فليت أحبابي كأعدائي
أملت بالهجران لي راحة
من جمرات بين أحشائي
فازداد جهدي وبلائي بها
أنا الذي استشفيت بالداء
قال وقوله
يا ذا الذي أنكرني طرفه
أن ذاب جسمي وعلاني شحوب
ما مسني ضر ولكنني
جفوت نفسي إذ جفاني الحبيب
422
أخبرني أبو منصور قال أنبأنا أحمد بن علي قال أنبأنا علي بن أيوب قال أنبأنا المرزباني قال أنبأنا الصولي قال روى عن الزبير بن بكار أن بشارا انشد قول العباس بن الأحنف أول ما قال الشعر
لما رأيت الليل سد طريقه
عني وعذبني الظلام الراكد
والنجم في كبد السماء كأنه
أعمى تحير ما لديه قائد ناديت من طرد الرقاد بنومه
عما ألاقي وهو خلو هاجد
فقال قاتل الله هذا الغلام ما رضى أن يجعله أعمى حتى جعله بلا قائد قلت وقد سقط من هذه القصيدة بيت آخر
ناديت من منع الرقاد بصده
حتى متى أنا ساهر يا راقد
وللعباس بن الأحنف
تجنبتهم والقلب صاب إليهم
بنفسي ذاك المنزل المتجنب
إذا ذكروا أعرضت لا عن ملالة
وذكرهم شيىء إلي محبب
على أنهم أحلى من العيش عندنا
وأعذب من صفو الحياة وأطيب
وله
إذا أردت سلوا كان ناصركم
قلبي فهل أنا من قلبي بمنتصر
فأكثروا أو أقلوا من إساءتكم
فكل ذلك محمول على القدر
وضعت خدي لأدنى من يطيف بكم
حتى احتقرت وما مثلي بمحتقر
وله
قلبي يقول لعيني كلما نظرت
كم تنظرين رماك الله بالعور
يا من يسائل عن فوز وصورتها
إن كنت لم ترها فانظر إلى القمر
ما زلت أحسب أن الشمس واحدة
حتى رأيت لها أختا من البشر
423
أخبرنا عبد الوهاب وابن ناصر قالا أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا يحيى بن الحسن بن المنذر قال أنبأنا إسماعيل بن سويد قال حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال أنشدني أبي للعباس بن الأحنف قال وتروى لغيره
جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى
وهاجت له من مقلتي غروب
وما ذاك إلا حين أخبرت أنه
يمر بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا دونكم فإذا انتهى
إليكم تلقى طيبكم فيطيب
فيا ساكني شرقي دجلة كلكم
إلى القلب من حب الحبيب حبيب
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري قال أنبأنا صاعد بن سيار قال أنبأنا أحمد ابن أبي سهل الغورجي قال أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الحافظ إجازة قال سمعت الحسن بن علي السجستاني يقول سمعت أبا القاسم النميري يقول سمعت أبي يقول سمعت أحمد بن عمر الزنبقي يقول قال العباس بن الأحنف
ليس أمر الهوى يدبر بالرأي
ولا بالقياس والتفكير
إنما الأمر في الهوى خطرات
محدثات الأمور بعد الأمور
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي الحافظ قال أخبرني أبو القاسم الأزهري قال حدثني محمد بن جعفر الأديب قال حدثنا أبو القاسم السكوني قال حدثنا الحسين بن مكرم قال حدثنا يزيد الثمالي قال مات أبو العتاهية والعباس بن الأحنف وإبراهيم الموصلي في يوم واحد فرفع خبرهم إلى الرشيد فأمر المأمون بالصلاة عليهم فوافى المأمون وقد صفوا له في موضع الجنائز فقال من قدمتم قالوا إبراهيم قال أخروه وقدموا عباسا فلما فرغ من الصلاة اعترضه من قال له لم قدمت عباسا قال بقوله
سماك لي قوم وقالوا إنها
لهي التي تشقى بها وتكابد
424
فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم
إني ليعجبني المحب الجاحد
قال الخطيب في هذا نظر لأن وفاة العباس كانت بالبصرة
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت
وأنبأنا محمد ابن ناصر قال أنبأنا أبو طاهر بن سوار قالا أنبأنا علي بن المحسن التنوخي قال أنبأنا عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري قال حدثنا محمد بن القاسم الشطوي قال حدثنا أحمد بن عبيد قال سمعت الأصمعي يقول بينا أنا ذات يوم قاعد في مجلس بالبصرة إذا بغلام أحسن الناس وجها وثوبا واقف على رأسي فقال إن مولاي يريد أن يوصي إليك فقمت معه فأخذ بيدي حتى أخرجني إلى الصحراء فإذا أنا بالعباس بن الأحنف ملقى على فراشه يجود بنفسه وهو يقول
يا بعيد الدار عن وطنه
مفردا يبكي على شجنه
كلما جد النحيب به
زادت الأسقام في بدنه
ثم أغمى عليه ساعة فانتبه بصوت طائر على شجرة وهو يقول
ولقد زاد الفؤاد شجى
هاتف يبكي على فننه
شاقه ما شاقني فبكى
كلنا يبكي على سكنه
ثم أغمى عليه فظننته مثل الأولى فحركته فإذا هو قد مات
فصل ومن المشهورين بالعشق ذو الرمة أنبأنا علي بن عبيد الله قال
أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة قال أنبأنا أبو عبيد الله محمد بن عمران المرزباني قال حدثني محمد بن أحمد الكاتب قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة عن محمد بن زياد الأعرابي قال حدثني ابو صالح الفزاري قال ذكر ذو الرمة في مجلس فيه عدة من الأعراب فقال عصمة
425
ابن مالك الفزاري شيخ منهم بلغ مائة وعشرين سنة إياي فسلوا عنه كان حلو العينين حسن المضحك براق الثنايا خفيف العارضين إذا نازعك الكلام لا تسأم حديثه وإذا أنشد بربر وجش صوته جمعني وإياه مربع مرة فأتاني فقال هيا عصمة إن ميا منقرية ومنقر أخبث حي أقوفه لأثر وأثبته في نظر وأعلمه ببصر وقد عرفوا آثار إبلي فهل من ناقة نزدار عليها ميا
قلت إي والله الجؤذر قال فعلينا بها فجئت بها فركب وردفته ثم انطلقنا حتى نهبط حي مي وإذا الحي خلوف فلما رآنا النسوة عرفن ذا الرمة فتقوضن من بيوتهن حتى اجتمعن إلى مي وأنخنا قريبا وحييناهن فقالت ظريفة منهن أنشدنا ذا الرمة فقال لي أنشدهن فأنشدتهن قوله
وقفت على ربع لمية ناقتي
فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
فلما انتهيت إلى قوله
نظرت إلى أظعان مي كأنها
ذرى النخل أوأثل تميل ذوائبه
فأسبلت العينان والقلب كاتم
بمغرورق نمت علي سواكبه
بكى وامق جاء الفراق ولم تجل
جوائلها أسراره ومعاتبه
426
قالت الظريفة لكن اليوم فلتجل
ثم مضيت فلما انتهيت إلى قوله
وقد حلفت بالله مية ما الذي
أحادثها إلا الذي أنا كاذبه
إذن فرماني الله من حيث لا أرى
ولا زال في أرضي عدو أحاربه
قالت مي ويحك يا ذا الرمة خف عواقب الله عز وجل
ثم مضيت إلى أن انتهيت إلى قوله
إذا سرحت من حب مي سوارح
على القلب آبته جميعا عوازبه
فقالت الظريفة قتلته قتلك الله
فقالت مية ما أصحه وهنيئا له
قال فتنفس ذو الرمة تنفسة كاد حرها يطير بلحيته ثم مضيت حتى انتهيت إلى قوله
إذا نازعتك القول مية أو بدا
لك الوجه منها أونضا الدرع سالبه
فيالك من خد أسيل ومنطق
رخيم ومن خلق تعلل جادبه
فقالت الظريفة هذا الوجه قد بدا وهذا القول قد تنوزع فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه
فالتفتت إليها مي فقالت مالك قاتلك الله ماذا تجيبين به
فتضاحك النسوة فقالت الظريفة إن لهذين لشأنا فقوموا بنا عنهما
فقمن وقمت فصرت إلى بيت قريب منهما أراهما ولا أسمع كلامهما إلا
427
الحرف بعد الحرف فوالله ما رأيته برح مكانه ولا تحرك وسمعتها تقول كذبت والله
فوالله ما أدري ما الذي كذبته فيه
فتحدثا ساعة ثم جاءني ومعه قويريرة فيها دهن طيب فقال هذه دهنة أتحفتنا بها مي فشأنك بها وهذه قلائد زودتناها للجؤذر فلا والله لا قلدتهن بعيرا أبدا ثم عقدهن في ذؤابة سيفه
قال وانصرفنا فلم نزل تختلف إليها مربعنا حتى انقضى
ثم جاءني يوما فقال يا عصمة قد ظعنت مي فلم يبق إلا الديار والنظر في الآثار فامض بنا ننظر إلى آثارها
فخرجنا حتى وقفنا على ديارها فجعل ينظر ثم قال
ألا فاسلمي يا دار مي على البلى
ولا زال منهلا بجرعائك القطر
وإن لم تكوني غير شام بقفرة
تجر بها الأذيال صيفية كدر ثم انتضحت عيناه بعبرة فقلت مه فقال إني لجلد وإن كان مني ما ترى
فما رأيت صبابة قط ولا تجلدا أحسن من صبابته وتجلده يومئذ
ثم انصرفنا فكان آخر العهد به
فصل ومنهم توبة مع ليلى الأخيلية أخبرنا عبد الوهاب وابن ناصر
قالا أنبأنا أبو الحسن بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسين بن محمد النصيبي قال أنبأنا إسماعيل بن سويد قال حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال حدثني أبي قال حدثنا أحمد بن عبيد عن أبي الحسن المدائني عمن حدثه عن مولى لعنبسة بن سعيد بن العاص قال
428
كنت أدخل مع عنبسة بن سعيد إذا دخل على الحجاج فدخل يوما فدخلت إليهما وليس عند الحجاج غير عنبسة فقعدت فجاء الحاجب فقال امرأة بالباب فقال الحجاج أدخلها فدخلت فلما رآها الحجاج طأطأ رأسه
فجاءت حتى قعدت بين يديه فنظر إليها فإذا هي امرأة قد أسنت حسنة الخلق ومعها جاريتان لها وإذا هي ليلى الأخيلية
فسألها الحجاج عن نسبها فانتسبت له فقال يا ليلى ما أتاني بك
قالت إخلاف النجوم وقلة الغيوم وكلب البرد وشدة الجهد وكنت بعد الله الرفد
فقال لها صفي الفجاج
فقالت الفجاج مغبرة والأرض مقشعرة والمبرك معتل وذو العيال مختل والهالك المقل والناس مسنتون رحمة الله يرجون وأصابتنا سنون مجحفة مبلطة لم تدع لنا هبعا ولا ربعا ولا عافطة ولا نافطة أذهبت الأموال وفرقت الرجال وأهلكت العيال
ثم قالت إني قد قلت في الأمير قولا قال هات فأنشأت تقول
أحجاج لا يفلل سلاحك إنما المنايا بكف الله حيث يراها
429
أحجاج لا تعطي العصاة مناهم
ولا الله يعطي للعصاة مناها
إذا هبط الحجاج أرضا مريضة
تتبع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الداء العضال الذي بها
غلام إذا هز القناة سقاها
سقاها فرواها بشرب سجاله
دماء رجال حيث قال حماها
إذا سمع الحجاج رز كتيبة
أعد لها قبل النزول قراها
أعد لها مسمومة فارسية
بأيدي رجال يحلبون صراها
فما ولد الأبكار والعون مثله
بنجد ولا أرض يخف ثراها
قال فلما قالت هذا قال الحجاج قاتلها الله ما أصاب صفتي شاعر منذ دخلت العراق غيرها ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد فقال والله إني لأعد للأمر عسى أن لا يكون أبدا ثم التفت إلهيا فقال حسبك ويحك حسبك ثم قال يا غلام اذهب إلى فلان فقل له اقطع لسانها
قال فأمر بإحضار الحجام فالتفتت إليه فقالت ثكلتك أمك أما سمعت ما قال إنما أمرك أن تقطع لساني بالصلة فبعث إليه يستبينه فاستشاط الحجاج غضبا وهم بقطع لسانه وقال ارددها فلما دخلت عليه قالت كاد وأمانة والله يقطع مقولي ثم أنشأت تقول
430
حجاج أنت الذي ما فوقه أحد
إلا الخليفة والمستغفر الصمد
حجاج أنت شهاب الحرب إذ لفحت
وأنت للناس نجم في الدجا يقد ثم أقبل الحجاج على جلسائه فقال أتدرون من هذه قالوا لاوالله يا أمير المؤمنين إلا أنا لم نر امرأة قط أفصح لسانا ولا أحسن محاورة ولا أملح وجها ولا أرصن شعرا منها فقال هذه ليلى الأخيلية التي مات توبة الخفاجي من حبها
ثم التفت إليها فقال أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة
فقالت نعم أيها الأمير هو الذي يقول
وهل تبكين ليلى إذا مت قبلها
وقام على قبري النساء النوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها
وجاد لها دمع من العين سافح
وأغبط من ليلى بما لا أناله
بلى كل ما قرت به العين صالح
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت
علي ودوني تربة وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا
إليها صدى من جانب القبر صائح
فقال لها زيدينا من شعره فقالت وهو الذي يقول
حمامة بطن الواديين ترنمي
سقاك من الغر الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشك ناعما
ولا زلت في خضراء غض نضيرها
وأشرف بالقور اليفاع لعلني
أرى نار ليلى أو يراني بصيرها
431
وقد رابني منها صدود رأيته
وإعراضها عن حاجتي وبسورها
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت
فقد رابني منها الغداة سفورها
يقول رجال لا يضرك نأيها
بلى كل ما شف النفوس يضيرها
بلى قد يضر العين أن تكثر البكا
ويمنع منها نومها وسرورها
وقد زعمت ليلى بأني فاجر
لنفسي تقاها أو عليها فجورها
فقال لها الحجاج يا ليلى ما الذي رابه من سفورك
قالت أيها الأمير كان يلم بي كثيرا فأرسل يوما إلي إني آتيك وفطن الحي فأرصدوا له فلما أتاني سفرت فعلم أن ذلك لشر فلم يزد على التسليم والرجوع
فقال لله درك فهل رأيت منه شيئا تكرهينه
قالت لا والله الذي أسأله أن يصلحك غير أنه قال لي مرة قولا ظننت أنه قد خضع لبعض الأمر فأنشأت أقول
وذي حاجة قلنا له لا تبح بها
فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه
وأنت لأخرى فارغ وخليل
فلا والذي أسأله أن يصلحك ما رأيت منه شيئا حتى فرق الموت بيني وبينه
قال ثم مه قالت ثم يلبث أن خرج في غزاة له فأوصى ابن عمه إذا أتيت الحاضر من بني عبادة فناد بأعلى صوتك
432
عفا الله عنها هل أبيتن ليلة
من الدهر لا يسري إلي خيالها
فخرجت وأنا أقول
وعنه عفا وربي وأحسن حاله
فعزت علينا حاجة لا ينالها
قال ثم مه قالت ثم لم يلبث أن مات فأتانا نعيه
قال فأنشدينا بعض مراثيك فيه فأنشدت
لتبك العذارى من خفاجة نسوة
بماء شئون العبرة المتحدر
كأن فتى الفتيان توبة لم ينخ
قلائص يفحصن الحصا بالكراكر
قال فأنشدينا فأنشدته فلما فرغت من القصيدة قال محصن الفقعسي وكان من جلساء الحجاج من هذا الذي تقول هذه هذا فيه فوالله إني لأظنها كاذبة
فنظرت إليه ثم قالت أيها الأمير إن هذا القائل لو رأى توبة لسره أن لا يكون في داره عذراء إلا وهي حامل منه فقال الحجاج هذا وأبيك الجواب وقد كنت عنه غنيا
ثم قال لها سلي يا ليلى تعطي قالت أعط فمثلك أعطى فأحسن قال لك عشرون قالت زد فمثلك زاد فأجمل قال لك أربعون قالت زد فمثلك زاد فأفضل قال لك ستون قالت زد فمثلك زاد فأكمل قال لك ثمانون قالت زد فمثلك زاد فأتم قال لك مائة واعلمي يا ليلى أنها غنم
قالت معاذ الله أيها الأمير أنت أجود جودا وأمجد مجدا وأورى زندا من أن نجعلها غنما قال فما هي ويحك يا ليلى قالت مائة ناقة برعائها
433
فأمر لها بها ثم قال ألك حاجة بعدها قالت تدفع إلي النابغة الجعدي في قرن قال قد فعلت وقد كانت تهجوه ويهجوها
فأبلغ النابغة ذلك ففر هاربا عائذا بعبد الملك فاتبعته إلى الشام فهرب إلى قتيبة بن مسلم بخراسان فاتبعته على البريد بكتاب الحجاج إلى قتيبة فماتت بقومس ويقال بحلوان
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال حدثنا أبو الطيب طهر بن عبد الله الطبري قال حدثنا القاضي أبو الفرج بن طراد قال حدثنا أبي قال حدثنا أبو أحمد الختلي قال أنبأنا عمر بن محمد بن الحكم النسائي قال حدثني إبراهيم بن زيد النيسابوري أن ليلى الأخيلية بعد موت توبة تزوجت ثم إن زوجها بعد ذلك مر بقبر توبة وليلى معه فقال لها يا ليلى هل تعرفين هذا القبر فقالت لا قال هذا قبر توبة فسلمي عليه قالت امض لشأنك فما تريد من توبة وقد بليت عظامه
قال أريد تكذيبه أليس هو الذي يقول
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت
علي ودوني تربة وصفائح
لسلمت تسليم البشاشة أوزقا
إليها صدى من جانب القبر صائح
فوالله لا برحت أو تسلمي عليه
فقالت السلام عليك يا توبة ورحمة الله وبارك لك فيما صرت إليه
فإذا طائر قد خرج من القبر حتى ضرب صدرها فشهقت شهقة فماتت فدفنت إلى جانب قبره فنبتت على قبره شجرة وعلى قبرها شجرة فطالتا فالتقيا
ومن محاسن أشعار توبة
434
يقول رجال لا يضيرك نأيها
ألا كل ما شف النفوس يضيرها
أليس يضر العين أن تدمن البكا
ويمنع منها نومها وسرورها
أرى اليوم يأتي دون ليلى كأنما
أتت دون ليلى حجة وشهورها
خليلي ما من ساعة تقفا بها
من الليل إلا مثل أخرى نسيرها
حمامة بطن الواديين ألا اسلمي
سقاك الغر الغوادي مطيرها
أبيني لنا لا زال ريشك ناعما
وبيضك في خضراء غض نضيرها
وكنت إذا زرت ليلى تبرقعت
فقد رابني منها الغداة سفورها
ألا يا صفي النفس كيف تقولها
لو أن طريدا خائفا يستجيرها
على دماء البدن إن كان زوجها
يرى لي ذنبا غير أني أزورها
وإني إذا ما زرتها قلت يا اسلمى وما كان في قلبي لها ما يضيرها
وقد زعمت ليلى بأني فاجر
لنفسي تقاها أو عليها فجورها
وله ولو أن ليلى الأخيلية سلمت
علي ودوني تربة وصفائح
435
لسلمت تسليم البشاشة أوزقا
إليها صدى من جانب القبر صائح
إذا الناس قالوا كيف أنت وقد بدا
ضمير الذي بي قلت للناس صالح
فهل تبكني ليلى إذا مت قبلها
وقام على قبري النساء النوائح
كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها
وجاد لها دار من الدمع سافح
وله في أخرى
فإن تمنعوا ليلى وحسن حديثها
فهل تمنعوا مني البكا والقوافيا
فهلا منعتم إذ منعتم كلامها
خيالا يمسينا على النأي هاديا
يلومك فيها اللائمون فصاحة
فليت الهوى باللائمين مكانيا
لعمري لقد أسهدتني حمامة العقيق
وقد أبكيت من كان باكيا
ولو أن ليلى في بلاد بعيدة
بأقصى بلاد الله فالحر واديا
لكانت حديث النفس لا يلحني بها
إذا علق الركب الحديث فؤاديا
ذكرتك بالقور التهامى فأصدعت
شجون الهوى حتى بلغن التراقيا
بثمدين لاحت نار ليلى وصحبتي
بقرع الغضا تزجي القلاص الخوافيا
فصل ومنهم جميل وبثينة أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أخبرنا جعفر
بن أحمد قال كنت مارا بين تيماء ووادي القرى صادرا من مكة فرأيت صخرة عظيمة ملساء فيها تربيع بقدر
436
ما يجلس عليها النفر كالدكة فقال بعض من كان معنا من العرب وأظنه جهنيا هذا مجلس جميل وبثينة فاعرفه
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن أحمد السراج قال أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي قال أنبأنا ابن حيويه قال حدثنا محمد بن خلف قال أخبرني أبو بكر قال أخبرنا المدائني قال قال هشام بن محمد قال سمعت رجلا من بني عذرة يحدث قال لما علق جميل بثينة وجعل يشبب بها استعدى عليه أهلها ربعي بن دجاجة وهو يؤمئذ أمير تيماء
فخرج جميل هاربا حتى انتهى إلى رجل من عذرة بأقصى بلادهم وكان سيدا فاستجار به
وكان للرجل سبع بنات فلما رأى جميلا رغب فيه فأراد أن يزوجه ليسلو عن بثينة فقال لبناته البسن أحسن ثيابكن وتحلين بأحسن حليكن وتعرضن له فلعل عينه أن تقع على إحداكن فأزوجه إياها
قال وكان جميل إذا أراد الحاجة أبعد في المذهب فإذا أقبل رفعن جانب الخباء فإذا رآهن صرف وجهه
قال ففعلن ذلك مرارا فعرف جميل ما أراد به الشيخ فقال
حلفت لكيما تعلميني صادقا
وللصدق خير في الأمور وأنجح
لتكليم يوم واحد من بثينة
ورؤيتها عندي ألذ وأملح
من الدهر لو أخلو بكن وإنما
أعالج قلبا طامحا حين يطمح
437
فقال الشيخ أرخين عليكن الخباء فوالله لا يفلح هذا أبدا
أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين قال أنبأنا أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر قال حدثنا أحمد بن منصور قال أنبأنا الصولي قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي عن أبيه قال لما حضرت الوفاة جميلا بمصر قال من يعلم لي بثينة فقال رجل أنا فلما مات صار إلى حي بثينة فقال
بكر النعي وما كنى بجميل
وثوى بمصر ثواء غير قفول
بكر النعي بفارس ذي همة
بطل إذا حمل اللواء مديل
فسمعت بثينة فخرجت مكشوفة الرأس تقول
وإن سلوى عن جميل لساعة
من الدهر ما حانت ولا حان حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر
إذا مت بأساء الحياة ولينها
وبلغنا من طرق أخرى عن جميل أنه لما حضرته الوفاة قال
من يأخذ ناقتي وما عليها ويأتي ماء بني فلان وينشد هذين البيتين
بكر النعي وما كنى بجميل
وثوى بمصر ثواء غير قفول
غدر الزمان بفارس ذي همة
ثبت إذا حمل اللواء نزول
فلما قضى حياته أتى الرجل الماء فأنشد البيتين فخرجت بثينة ناشرة شعرها شاقة جيبها لاطمة خدها وهي تقول يا أيها الناعي بفيك الحجر
438
أما والله لئن كنت كذبتني لقد فضحتني وإن كنت صدقتني لقد قتلتني ثم أنشأت تقول
وإن سلوي عن جميل لساعة
من الدهر ما جاءت ولا جاء حينها
سواء علينا يا جميل بن معمر
إذا مت بأساء الحياة ولينها
ويقال إنها لم تقل شعرا غيره ومن مستحسن أشعار جميل
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو الحسين التوزي قال أنبأنا محمد بن الحسن بن المأمون قال حدثنا أبو بكر الأنباري قال قال جميل بن معمر
خليلي عوجا اليوم حتى تسلما
على عذبة الأنياب طيبة النشر
فإنكما إن عجتما لي ساعة
شكرتكما حتى أغيب في قبري
وإنكما إن لم تعوجا فإنني
سأصرف وجدي فائذنا اليوم بالهجر
ومالي لا أبكي وفي الأيك نائح
وقد فارقتني شختة الكشح والخصر
أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه
وأصبر ما بي عن بثينة من صبر
يقولون مسحور يجن بذكرها
وأقسم ما بي من جنون ولا سحر
وأقسم لا أنساك ما ذر شارق
وما خب آل في ملمعة قفر
وما لاح نجم في السماء معلق
وما أورق الأغصان من ورق السدر
لقد شغفت نفسي بثين بذكركم
كما يشغف المخمور يا بثن بالخمر
ذكرت مقامي ليلة البان قابضا
على كف حوراء المدامع كالبدر
439
وكدت ولم أملك إليها صبابة
أهيم وفاض الدمع مني على النحر
فيا ليت شعري هل أبيتن ليلة
كليلتنا حتى نرى ساطع الفجر
تجود علينا بالحديث وتارة
تجود علينا بالرضاب من الثغر
فليت إلهي قد قضى ذاك مرة
فيعلم ربي حين ذلك ما شكري
ولو سألت مني حياتي بذلتها
وجدت بها إن كان ذلك عن أمري
ومن أشعاره
رأيتك تأتي البيت تبغض أهله
وقلبك في البيت الذي أنت هاجره
أجدك لا ينسيك جملا وذكرها
تطاول هذا الليل ثم تقاصره
وله في أخرى
طربت وهاج الشوق منى وربما
طربت وأبكاني الحمام الهواتف
وأصبحت قد ضمنت صدري حرارة
وفي الصدر بلبال تليد وطارف
إذا ذكرتك النفس ظلت كأنني
يقرف قرحا في فؤادي قارف
وقلت لقلب قد تمادى به الهوى
وأبلاه حب من بثينة رادف
لعمرك لولا الذكر لانقطع الهوى
ولولا الهوى ما جن للبين آلف
وصاح بشعب الدار منا ومنهم
غداة ارتحلنا للتفرق هاتف
وله في أخرى
ألا لا أبالي جفوة الناس بعدما
بدا منك رأي يا بثين جميل
وما لم تطيعي كاشحا وتبدلي
بنا بدلا أو بان منك ذهول
وإن صباباتي إليك كثيرة
بثين ونسيانيكم لقليل
وله في أخرى
رسم دار وقفت في طلله
كدت أقضي الحياة من جلله
440
موحشا ما ترى به أحدا
تنسج الريح ثوب معتدله
قد أصون الحديث دون خليل
لا أخاف الأذاة من قبله
غير ما بغضة ولا لاجتناب
غير أن المحب من وجله
وله
أصبحت ودعت الصبابة والجهلا
وقال لك الشيب الذي قد علا مهلا
وقال الألى كانوا لداتك هل ترى
إلى الشيب فاجدد جدنا ودع الهزلا
فكيف وقد لجت من العين نظرة
لبثنة تأبى أن تبت لها حبلا
وترجع عيني بالرضا من لقائها
ولم تك ترضى البخل ما أعيب البخلا
ترى العين منها ما لو أنك قادر
عليه إذن لم تبغ مالا ولا أهلا
بثينة من صنف يقلبن أيدي الرماة
وما يحملن قوسا ولا نبلا
ولو كن يصطدن القلوب بشكة
لم أعجب ولكن كيف يصطدنها غزلا
وله في أخرى
فكم قد رأينا ساعيا بنميمة
لآخر لم يعمل بكف ولا رجل
إذا ما تذاكرنا الذي كان بيننا
جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل
كلانا بكى أو كاد يبكي صبابة
إلى إلفه واستعجلت عبرة قبلي
فياويح نفسي حسب نفسي الذي بها
ويا ويح أهلي ما أصيب به أهلي
ولو تركت عقلي معي ما طلبتها
ولكن طلابيها لما فات من عقلي
خليلي فيما عشتما هل رأيتما
قتيلا بكى من حب قاتله قبلي
فإن قربت لم ينفع القرب عندها
وإن بعدت زادتك خبلا على خبل
أولئك إن يمنعن فالمنع شيمة
لهن وإن يعطين يعطين عن بخل
441
وله في أخرى
أراعك بالبين الخليط المزايل
ومن وده في أسود القلب داخل
فقد جعل الليل القصير لنا بها
على بروعات الهوى يتطاول
إذا ما اعترتني لوعة فادكرتها
تجدد وجدي واعترتني البلابل
فبت نجيا للهموم مسهدا
ونامت فلم يأرق لذاك العواذل
ألا رب لاح لو بلا الحب لم يلم
ولكنه من سورة الحب جاهل
وله في أخرى
ولرب عارضة علينا وصلها
بالجد تخلطه بقول الهازل
فأجبتها بالقول بعد تستر
حبي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في قلبي كقدر قلامة
فضل وصلتك أو أتتك رسائلي
وله في أخرى
ولما عصيت الناصحين ولم أطع
مقالتهم ألقوا على غاربي حبلي
بثينة إني قد عصيت عواذلي
وإنك لا تعصين من لام من أجلي
تريدين قتلي لا تريدين غيره
وماذا الذي يرضيك يا بثن من قتلي
وله في أخرى
أهاجتك المعارف والطلول
عفون وخف منهن الحلول
نعم فذكرت دنيا قد تقضت
وأي نعيم دنيا لا يزول
برابية تجن الريح فيها
كما جنت مولهة عجول
أماثل دار بثنة أين حلت
كأن الدار تفقه ما أقول
فهم صحابتي أن يعذلوني
فقلت لهم أليس لكم عقول
442
ملامكم على أذى وضر
وموقف ساعة منكم قليل
وله في أخرى
ألا أيها القلب اللجوج ألا تسلو
ألست بذي عقل فينفعك العقل
فتترك هذا الجهل يوما لغيره
إذا أنت لم يعرف لأمثالك الجهل
أظن هواها تاركي بمضلة من الأرض لا مال لدي ولا أهل
ولا أحدا أقضي إليه وصيتي
ولا وارث إلا المطية والرحل
محا حبها حب الألى كن قبلها
وحلت مكانا لم يكن حل من قبل
وله في أخرى
لحى الله من لا ينفع الود عنده
ومن حبله إن مد غير متين
ومن هو إن تحدث له العين نظرة
يقطع لها أسباب كل قرين
ومن هو ذو لونين ليس بدائم
على خلق خوان كل أمين
فليت رجالا فيك قد نذروا دمي
وهموا بقتلي يا بثين لقوني
إذا ما رأوني طالعا من ثنية
يقولون من هذا وقد عرفوني
يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا
ولو ظفروا بي ساعة قتلوني
أرادوا لكيما يقتلوني ولا يدوا
دمي غير أن الواقيات تقيني
وكيف ولا توفي دماؤهم دمي
ولا مالهم ذو ندهة فيدوني
وله في أخرى
حلت بثينة من قلبي بمنزلة
بين الجوانج لم ينزل بها أحد
صادت فؤادي بعينها ومبتسم
كأنه حين أبدته لنا رد
443
وعاذلين لحوني في مودتها
يا ليتهم وجدوا مثل الذي أجد
لما أطالوا عتابي فيك قلت لهم
لا تفرطوا بعض هذا اللوم واقتصدوا
قد مات قبلي أخو نهد وصاحبه
مرقش واشتفى من عروة الكمد
وكلهم كان في عشق منيته
وقد وجدت بها فوق الذي وجدوا
إني لأحسبني أو كدت أعلمه
أن سوف يوردني الحوض الذي وردوا
إن لم تنلني بمعروف تجود به
أو يدفع الله عني الواحد الصمد
وله في أخرى
أعاذلتي أكثرت جهلا من الجهل
على غير شيء من ملام ومن عذل
أعاذل في حبي بثينة ضلة
وقد سار حبي في عظامي وفي عقلي
كأنك لا تدرين ما وجد ذي الهوى
ولم تعلمي في الناس ذا صبوة قبلي
يقلن التمس بالنأي للحب سلوة
ولم يلف طول النأي عن حبها يسلى
وأنت حديث النفس إن كنت خاليا
وجد حديثي إن جددت وفي الهزل
وما وجد النهدي من داخل الهوى
كوجدي ولا من كان ذا جدة قبلي
وله في أخرى
تذكرت ذات الخال من فرط حبها
ضحى والعتاق اليعملات بنا تخدي
فما ملكت عيناي حين ذكرتها
دموعهما كالنظم تجري على خدي
فعنفني صحبي وقالوا من الهوى
بكيت ولو كانوا بها وجدوا وجدي
لما عنفوني في البكاء من أجلها
ورب منى لكن شغفت بها وحدي
وقالوا لقد كنا عهدناك مرة
جليدا فما هذا بفعل الفتى الجلد
ألا ترعوي من أن يشوقك ذكرها
وأنت على هول تسير مع الوفد
فقلت ذروا لومي فلست وإن نأت
بمنصرف عنها هواي ولا ودي
444
ولست وإن شطت بها غربة النوى
بناس هواها أو أغيب في لحدي
وما كنت لي إلا خيالا وفتنة
فياليت أني مت إذ كنت في المهد
ولم أك في الدنيا علقت علاقة
وما كان عرفانيك إلا شقا جدي
فصل وقد ذكر في المشتهرين بالعشق كثير عزة وليس بذاك فإن عزة
تنكرت له فلم يعرفها فمال إليها فقالت فأين قولك في عزة فقال لو كانت عزة لي لجعلتها مملوكة لك
وسنذكر قصته هذه في باب أدوية العشق عند ذكر التسلي
ومن يكون على مثل هذه الحال فليس بصادق في المحبة
على أن قوما قد فضلو كثيرا على جميل في المحبة بقوله
فأخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد السراج قال أنبأنا القاضي أبو الطيب الطبري قال حدثنا المعافى بن زكريا قال حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثنا ابن عائشة قال حدثني أبي قال حدثني رجل من بني عامر بن لؤي ما رأيت بالحجاز أعلم منه قال حدثني كثير أنه وقف على جماعة يفيضون فيه وفي جميل أيهما أصدق عشقا ولم يكونوا يعرفونه بوجهه ففضلوا جميلا في عشقه فقلت لهم ظلمتم كثيرا كيف يكون جميل أصدق عشقا من كثير وإنما أتاه عن بثينة بعض ما يكره فقال
رمى الله في عيني بثينة بالقذى
وفي الغر من أنيابها بالقوادح
445
والقوادح ما ينقبها ويعيبها وكثير أتاه عن عزة ما يكره فقال
هنيئا مريئا غير داء مخامر
لعزة من أعراضنا ما استحلت
قال فما انصرفوا إلا على تفضيلي
قلت لعمري إن قول كثير يدل على شدة محبته غير أن فعله على ما سنذكره من اختياره غيرها مقدم على قوله المحتمل للصدق والكذب والذي يصدر لا عن إرادة
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ومحمد بن ناصر قالا أنبأنا أبو الحسن بن عبد الجبار قال أنبأنا الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه قال أنبأنا أبو بكر بن الأنباري قال حدثنا أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار قال كتب إلي إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول حدثني أبو المشيع قال خرج كثير يلتمس عزة ومعه شنينة فيها ماء فأخذه العطش فتناول الشنينة فإذا هي عظم ما فيها شيء من الماء ورفعت له نار فأمها فإذا بقربها مظلة بفنائها عجوز فقالت له من أنت قال أنا كثير قالت قد كنت أتمنى ملاقاتك فالحمد لله الذي أرانيك قال وما الذي تلتمسينه عندي قالت ألست القائل
إذا ما أتتنا خلة كي نزيلها
أبينا وقلنا الحاجبية أول
قال بلى قالت أفلا قلت كما قال سيدك جميل
يا رب عارضة علينا وصلها
بالجد تخلطه بقول الهازل
446
فأجبتها في القول بعد تأمل
حبي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في قلبي كقدر قلامة
فضل لغيرك ما أتتك رسائلي
قال دعي هذا واسقيني ماء قالت والله لا سقيتك شيئا قال ويحك إن العطش قد أضر بي قالت ثكلت بثينة إن طعمت عندي قطرة فكان جهده أن ركض راحلته ومضى يطلب الماء فما بلغه حتى ضحى النهار وقد كرب أن يقتله العطش
أخبرنا محمد بن أبي منصور وشهدة بنت أحمد قالا أنبأنا جعفر بن أحمد السراج وأنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز قالا أنبأنا علي بن المحسن التنوخي قال أنبأنا علي بن عيسى الرماني قال أنبأنا أبو بكر بن دريد قال أنبأنا عبد الأول بن مريد قال أخبرني حماد بن إسحاق عن أبيه قال خرج كثير يريد عبد العزيز بن مروان فأكرمه ورفع منزلته وأحسن جائزته وقال سلني ما شئت من الحوائج قال نعم أحب أن تنظر لي من يعرف قبر عزة فيقفني عليه فقال رجل من القوم إني لعارف به فانطلق به الرجل حتى انتهى به إلى موضع قبرها فوضع يده عليه وعيناه تجريان وهو يقول
وقفت على ربع لعزة ناقتي
وفي البرد رشاش من الدمع يسفح
فيا عز أنت البدر قد حال دونه
رجيع التراب والصفيح المضرح
وقد كنت أبكي من فراقك حقبة
فهذا لعمري اليوم أنأى وأنزح
فهلا فداك الموت من أنت زينه
ومن هو أسوا منك حالا وأقبح
ألا لا أرى بعد ابنة النضر لذة
لشيء ولا ملحا لمن يتملح
فلا زال وادي رمس عزة سائلا
به نعمة من رحمه الله تسفح
447
فإن التي أحببت قد حال دونها
طوال الليالي والضريح الموجح
أرب بعيني البكا كل ليلة
فقد كاد مجرى دمع عيني يقرح
إذا لم يكن ماء تحلبتا دما
وشر البكاء المستعار الممتح
فصل وقد اشتهر بالعشق جماعة يطول ذكرهم وجمهورهم مذكور في غضون
كتابنا وإنما ذكرنا الذين اشتدت شهرتهم فلنقتصر على ذلك
448
الباب الثاني والأربعون في ذكر من حمله العشق على أن زنا بمحارمه
أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن سعيد النصيبي قال حدثني أبو الحسن بن نجيح قال حدثني رجل مستور كان لي صديقا وكان ينزل بقرب مقابر الخيزران ببغداد قال رأيت ليلة في منامي كأني قد اطلعت من داري إلى المقبرة على رسمي في ذلك في اليقظة فإذا أنا بالقبور مفتحة وأهلها يخرجون منها شعثا غيرا حفاة عراة فيجتمعون في موضع منها حتى لم يبق قبر إلا خرج من كان فيه ثم ضجوا بالبكاء والدعاء والابتهال إلى الله تعالى في أن يصرف عنهم دفن المرأة التي تدفن عندهم في غد فكأني قد سألت بعضهم فقال هذه امرأة من أهل النار وإن دفنت عندنا تأذينا بسماع عذابها وما يجري عليها فنحن نسأل الله صرف دفنها عنا
قال فانتبهت فعجبت من هذا عجبا شديدا وطال الليل بي فلما أصبحت سألت الحفارين هل حفروا قبرا لامرأة فدلني بعضهم على قبة عظيمة لقوم من التجار مياسير قد ماتت زوجة أحدهم ويريد دفنها في القبر وقد حفر لها
قال فقصصت الرؤيا على الحفارين فطموا القبر في الحال وراعيت أمر المرأة فجاء رسل القوم يسألون عن القبر فقال الحفارون إن الموضع ليس يتأتى فيه قبر لأنا قد وقعنا على حمأة تحت الأرض لايثبت فيها ميت فسألوا جماعة من أصحاب القباب أن يحفروا عندهم فأبوا عليهم وكان الخبر قد اشتهر بين الحفارين وانتشر فمضوا إلى مقبرة أخرى فحفروا للمرأة فاستدللت على الموضع الذي تخرج منه الجنازة فدللت فحضرت وشيعت الجنازة وكان الجمع عظيما هائلا
449
والرجل جليلا ورأيت خلف الجنازة فتى ملتحيا حسن الوجه ذكر أنه ابن المرأة وهو يعزى وأبوه وهما وقيذان بالمصيبة فلما دفنت المرأة تقدمت إليهما فقلت إني رأيت في منامي في أمر هذه المتوفاة فإن أحببتما قصصتها عليكما فقال الشيخ الذي هو زوج المتوفاة أما أنا فما أحب ذلك فأقبل الفتى فقال إن رأيت أن تفعل فقلت تخلوا معي فقام فقلت إن الرؤيا عظيمة فاحتملني قال قل
فقصصت عليه الرؤيا وقلت يجب لك أن تنظر في هذا الأمر الذي أوجب من الله لهذه المرأة ما ذكرته لك فتجتنب مثله وإن جاز أن تعرفنيه لأجتنب مثله فافعل فقال والله يا أخي ما أعرف من حال أمي ما يوجب هذ أكثر من أن أمي كانت تشرب النبيذ وتسمع الغناء وترمى بالنساء وما يوجب هذا هذا الأمر العظيم ولكن في دارنا عجوز لها نحو تسعين سنة هي دايتها وماشطتها فإن نشطت صرت معي فسألناها فلعلها تخبرنا بما يوجب هذا فنجتنبه
فقمت معه فقصدنا الدار التي كانت للمتوفاة فأدخلني إلى غرفة فيها وإذا بعجوز فانية فخاطبها بما جرى وقصصت أنا عليها الرؤيا فقالت أسأل الله أن يغفر لها كانت مسرفة على نفسها جدا فقال لها الفتى يا أمي بأكثر من الشراب والسماع والنساء فقالت نعم يا بني ولولا أن أسوءك لأخبرتك بما أعلم
إن هذا الذي رآه هذا الرجل قليل من كثير ما أخاف عليها من العذاب فقال الفتى أحب أن تخبريني ورفقت أنا بالعجوز فقلت أخبرينا لنجتنبه ونتعظ به
450
فقالت إن أخبرتكم بجميع ما أعرفه منها ومن نفسي معها طال وبكت وقالت أما أنا فقد علم الله أني تائبة منذ سنين وقد كنت أرجو لها التوبة فما فعلت ولكن أخبركم بثلاثة أحوال من أفعالها وهي عندي أعظم ذنوبها فقلنا قولي
فقالت للفتى كانت من أشد الناس زنا وما كان يمضي يوم إلا تدخل إلى دار أبيك بغير علمه الرجل والرجلين فيطأونها ويخرجون ويكون دخولهم بألوان كثيرة من الحيل وأبوك في سوقه فلما نشأت أنت وبلغت مبلغ الرجال خرجت في نهاية الملاحة فكنت أراها تنظر إليك نظر شهوة فأعجب من ذلك إلى أن قالت لي يوما يا أمي قد غلب على قلبي عشق ابني هذا ولا بد لي أن يطأني فقلت لها يا بنتي اتق الله ولك في الرجال غيره متسع فقالت لا بد من ذلك فقلت كيف يكون هذا أو كيف يجيئك وهو صبي وتفتضحين ولا تصلين إلى بغيتك فدعي هذا لله عز وجل فقالت لا بد أن تساعديني فقلت أعمل ماذا فقالت تمضين إلى فلان المعلم وكان معلما في جوارنا أديبا ورسمه أن يكتب لها رقاعا إلى عشاقها ويجيب عنها فتبره وتعطيه في كل وقت فقالت قولي له يكتب إليه رقعه يذكر فيها عشقا وشغفا ووجدا ويسأله الاجتماع وأوصلي الرقعة كأنها من فلانة وذكرت صبية من الجيران مليحة قالت العجوز ففعلت ذلك وأخذت الرقعة وجئتك بها فلما سمعت ذكر الصبية التهب قلبك نارا وأجبت عن الرقعة تسألها الاجتماع عندها وتذكر أنه لا موضع لك فسلمت الجواب إلى والدتك فقالت اكتبي إليه عن الصبية أن لا موضع لها وأن سبيل هذا أن يكون عنده فإذا قال لك ليس لي موضع فأعدي له الغرفة الفلانية وافرشيها واجعلي فيها
451
الطيب والفاكهة وقولي له إنها صبية وهو ذا نستحي ولكن عشقك قد غلب وهي تجيئك إلى ها هنا ليلا ولا يكون بين أيديكما ضوء حتى لاتستحي هي ولا تفطن والدتك بالحديث ولا أبوك إذا رأوا في الغرفة ضوء سراج فإذا أجابك إلى هذا فأعلميني
قالت ففعلت ذلك وأجبت أنت إلى هذا وتقرر الوعد ليلة بعينها وأعلمتها فلبست ثيابا وتبخرت وتطيبت وتعطرت وصعدت إلى الغرفة وجئت أنت وعندك أن الصبية هناك فوقعت عليها وجامعتها إلى الغداة فلما كان في وقت السحر جئت أنا وأيقظتك وأنزلتك وأنت نائم وكان صعودها إليك بعد أن نام أبوك فلما كان بعد أيام قالت لي يا أمي قد والله حبلت من ابني فكيف الحيلة فقلت لا أدري فقالت أنا أدري ثم كانت تجتمع معك على سبيل الحيلة التي عرفتك إلى أن قاربت الولادة فقالت لأبيك إنها عليلة وقد خافت على نفسها التلف وإنها تريد أن تمضي إلى بيت أمها فتتعلل هناك فأذن لها ومضت وقالت لأمها إنها عليلة فأدخلت وأنا معها في حجرة من دارها وجئنا بقابلة فلما ولدت قتلت ولدها وأخرجته فدفنته على حيلة وستر وأقامت أياما وعادت إلى منزلها فقالت لي بعد أيام أريد ابني فقلت ويحك ما كفاك ما مضى فقالت لا بد فجئتك على تلك الحيلة بعينها فقالت لي من غد قد والله حبلت وهذا والله سبب موتي وفضيحتي وأقامت تجتمع معك على سبيل الحيلة إلى أن قاربت الولادة فمضت إلى أمها وعملت كما عملت فولدت بنتا مليحة فلم تطب نفسها بقتلها وأخذتها أنا منها ليلا فأخرجتها إلى قوم ضعفاء لهم مولود فسلمتها إليهم وأعطيتهم من مال أبيك دراهم كثيرة ووافقتهم
452
على إرضاعها والقيام بها وأن أعطيهم في كل شهر شيئا بعينه وكانت تنفذه إليهم في كل شهر وتعطيهم ضعفه حتى تدلل الصبية وتوفد إليها الثياب الناعمة فنشأت في دلال ونعمة وهي تراها في كل أيام إذا اشتاقتها وخطب أبوك عليك من النساء فتزوجت بزوجتك الفلانية فانقطع ما بينك وبينها وهي من أشد الناس عشقا لك وغيرة عليك من امرأتك ولا حيلة لها فيك حتى بلغت الصبية تسع سنين فأظهرت أنها مملوكة قد اشترتها ونقلتها إلى دارها لتراها كل وقت لشدة محبتها لها والصبية لا تعلم أنها ابنتها وسمتها باسم المماليك ونشأت الصبية من أحسن الناس وجها فعلمتها الغناء بالعود فبرعت فيه وبلغت مبلغ النساء فقالت لي يوما يا أمي هو ذا ترين شغفي بابنتي هذه وإنه لا يعلم أنها ابنتي غيرك ولا أقدر على إظهار أمرها وقد بلغت حدا إن لم أعلقها برجل خفت أن تخرج عن يدي وتلتمس الرجال وتلتمس البيع وتظن أنها مملوكة وأن منعتها تنغص عيشها وعيشي وإن بعتها وفارقتها تلفت نفسي عليها وقد فكرت في أن أصلها بابني فقلت يا هذه اتقي الله يكفيك ما مضى فقالت لا بد من ذلك فقلت وكيف يتم هذا الأمر قالت امضي واكتبي رقعة تذكرين فيها عشقا وغراما وامضي بها إلى زوجة ابني وقولي لها إنها من فلان الجندي جارنا وذكرت لها غلاما حين بقل عذاره في نهاية الحسن قد كانت تعشقه ويعشقها وارفقي بها واحتالي حتى تأخذي جوابها إليه ففعلت فلحقني من زوجتك امتهان وطرد واستخفاف فترددت إليها وما زلت بها حتى در متنها فقرأت الرقعة وأجابت عنها بخطها وجئت بالجواب إلى أمك فأخذته ومضت به إلى أبيك فشنعت عليها وألقت بينها وبين أبيها وأبيك وبين أمها شرا كنا فيه شهورا إلى أن انتهى الأمر إلى أن طالبك أبوك بتطليق زوجتك أو الانتقال عنه وأن يهجرك طول عمره وبذل لك وزن الصداق من ماله فأطعت أبويك وطلقت المرأة ووزن أبوك الصداق ولحقك غم شديد وبكاء وامتناع
453
عن الطعام فجاءتك أمك وقالت لك لم تغتم على هذه القحبة أنا أهب لك جاريتي المغنية وهي أحسن منها وهي بكر وصالحة وتلك ثيب فاجرة وأجلوها عليك كما يفعل بالحرائر وأجهزها من مالي ومال أبيك بأحسن من الجهاز الذي نقل إليك فلما سمعت ذلك زال غمك وأجبتها فوافقت على ذلك وأصلحت الجهاز وصاغت الحلى عليك وأولدتها أولادك هؤلاء وهي الآن قعيدة بيتك
فهذا باب واحد مما أعرفه من أمك وباب آخر وبدأت تحدث فقال حسبي حسبي اقطعي لا تقولي شيئا لعن الله تلك المرأة ولا رحمها ولعنك معها وقام يستغفر الله ويبكي ويقول خرب والله بيتي واحتجت إلى مفارقة أم أولادي
وأخذ بيدي وقمت وفي قلبي حسرة كيف لم أسمع باقي ما أرادت العجوز أن تحدثنا به
أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال حدثني إبراهيم بن علي النصيبي قال حدثني أبو بكر النحوي قال حدثني أبو علي بن فتح قال حدثني أبي قال كنت سنة من السنين جالسا في دربي إذ دخل رجل شاب حسن الوجه والهيئة وعليه أثر نعمة فسأل عن دار فارغة في الدرب يكتريها وكان أكثر الدرب لي فقمت معه إلى دار فيه كبيرة حسنة فارغة فأريته إياها فاستحسنها ووزن لي أجرتها لشهر وأخذ المفتاح فلما كان من غد جاء وجاء معه غلام ففتحا الباب
454
وكنس الغلام الدار ورش وجلس هو ومضى الغلام وعاد بعد العصر ومعه عدة حمالين وامرأة فدخلوا الدار وأغلق الباب فما سمعنا لهم حركة وخرج الغلام قبل العشاء وبقي الرجل والمرأة في الدار فما فتحا الباب أياما ثم خرج إلي في اليوم الرابع فقلت ويحك مالك فأوما إلى أنه مستتر من دين عليه وسألني أن أندب له رجل يبتاع له كل يوم ما يريده دفعة واحدة ففعلت فكان يخرج في كل أسبوع فيزن دراهم كثيرة فيعطيها للغلام الذي نصبته له ليشتري له بها ما يكفيه لطول تلك الأيام من الخبز واللحم والفاكهة والنبيذ والأبقال ويصب الماء في الحباب الكثيرة التي قد أعدها لتلك الأيام ولا يفتح الباب أو ينقضي ذلك الزاد فكان على هذا سنة ولا يجيء إليه أحد ولا يخرج من عنده أحد ولا أراه أنا ولا غيري إلى أن جاء في ليلة وقت المغرب فدق بابي فخرجت فقلت مالك فقال اعلم أن زوجتي قد ضربها الطلق فأغثني بقابلة وكان في داري قابلة لأم أولادي فحملتها إليه فأقامت عنده ليلتها فلما كان من الغد جاءتني فذكرت أن امرأته ولدت في الليل بنتا وأنها أصلحت أمورها وأن النفساء في حالة التلف وعادت إليها فلما كان في وقت الظهيرة ماتت الجارية فجاءت القابلة فأخبرتنا فقال الله الله أن تجيئني امرأة أو يلطم أحد أو يجيء أحد من الجيران فيعزيني أو يصير لي جمع ففعلت ذلك ووجدته من البكاء والشهيق على أمر عظيم فأحضرت له الجنازة بين العشاءين وقد كنت أنفذت من حفر قبرا في مقبرة قريبا منا فانصرف الحفارون لما أمسوا وقد كان وافقني على صرفهم وقال لا أريد أن يراني أحد وأنا وأنت نحمل الجنازة إن تفضلت بذاك ورغبت في الثواب ونلي دفنها فاستحييت وقلت له أفعل
فلما قربت العتمة خرجت إليه فقلت له تخرج الجنازة فقال تتفضل أولا تنقل هذه الصبية إلى دارك على شرط قلت وما هو قال إن نفسي لا تطيق
455
الجلوس في هذه الدار بعد صاحبتي ولا المقام في البلد ومعي مال عظيم وقماش فتفضل بأخذه وتأخذ الصبية وتنفق عليها من ذلك من أثمان الأمتعة إلى أن تكبر الصبية فإن ماتت وقد بقي منه شيء فهو لك بارك الله لك وإن عاشت فهو يكفيها إلى أن تبلغ مبلغ النساء فحينئذ تدبر أمرها بما ترى وأنا أمضي بعد الدفن فأخرج عن البلدة
فوعظته وثبته فلم يكن إلى ذلك سبيل فنقلت الصبية إلى بيتي وحمل الجنازة وأنا معه أساعده فلما صرنا على شفير القبر قال لي تتفضل وتبتعد فإني أريد أن أودعها فأكشف وجهها فأراه ثم أدفنها
ففعلت فحل وجهها وأكب عليها يقبلها ثم شد كفنها وأنزلها القبر ثم سمعت صيحة من القبر ففزعت فجئت فاطلعت فإذا هو قد أخرج سيفا كان معلقا تحت ثيابه مجردا وأنا لا أعلم فاتكأ عليه فدخل في فؤاده وخرج من ظهره وصاح تلك الصيحة ومات كأنه ميت من ألف سنة فعجبت من ذلك عجبا شديدا وخفت أن يدرك فيصير قصة فأضجعته فوقها في اللحد وغيبت عليهما اللبن وهلت التراب وأحكمت أمر القبر وصببت عليه جرار ماء كانت لنا في المكان وعدت فنقلت كل ما كان في الدار إلى داري وعزلته في بيت وختمته وقلت هذا أمر لا بد أن يظهر له عاقبة وما كان ينبغي أن أمس من هذا المال والمتاع شيئا وكان جليلا يساوي ألوف دنانير وأحتسب النفقة على هذه الطفلة وأعدها ملقوطة من الطريق ربيتها للثواب ففعلت ذلك فمضى على موت الغلام والجارية نحو سنة فإني لجالس على بابي يوما إذ اجتاز شيخ عليه أثر النبل واليسار وتحته بغلة فارهة وبين يديه غلام أسود فسلم ووقف وقال ما اسم هذا الدرب فقلت درب فتح فقال أنت
456
من أهل الدرب قلت نعم قال منذ كم سكنته قلت منذ نشأت وإلي ينسب وأكثره لي فثنى رجله ونزل فقمت إليه وأكرمته فجلس تجاهي يحادثني وقال لي حاجة فقلت قل فقال أتعرف في هذه الناحية إنسانا وافى منذ سنتين شاب من حاله وصفته فوصف الغلام واكترى ها هنا دارا فقلت نعم قال وما كانت قصته وإلى أي شيء انتهى أمره فقلت ومن أنت منه حتى أخبرك قال تخبرني فقلت لا أفعل أو تصدقني فقال أنا أبوه فقصصت عليه القصة على أتم شرح فأجهش بالبكاء وقال مصيبتي أني لا أقدر أن أترحم عليه
فقدرته يومئ إلى قتل نفسه فقلت لعله ذهب عقله فقتل نفسه فبكى وقال ليس هذا أردت فأين الطفلة فقلت عندي والمتاع فقال تعطيني الطفلة فقلت لا أفعل أو تصدقني فقال تعفيني فقلت أقسم عليك بالله إلا فعلت
فقال يا أخي مصائب الدنيا كثيرة ومنها أن ابني هذا نشأ فأدبته وعلمته ونشأت له أخت لم يكن ببغداد أحسن منها وكانت أصغر سنا منه فعشقها وعشقته ونحن لا نعلم ثم ظهر أمرهما فزجرتهما وأنكرت عليها وانتهى الأمر إلى أن افترعها فبلغني ذلك فضربته بالمقارع وإياها وكتمت خبرهما لئلا أفضتح ففرقت بينهما وحجرت عليهما وشددت عليهما أمهما مثل تشديدي فكانا يجتمعان على حيلة كالغريبان فبلغنا ذلك فأخرجت الغلام من الدار وقيدت الجارية فكانا على ذلك شهورا كثيرة وكان يخدمني غلام لي كالولد فتمت لولدي علي حيلة به يترسل بينهما حتى أخذوا مني مالا جليلا وقماشا كثيرا وهربوا منذ سنين وعملوا على أخذ ذلك والهرب حيلة طويلة الشرح فلم أقف لهم على خبر وهان على فقد المال لبعدهما فاسترحت منهما إلا أن نفسي كانت تحف إليهما فبلغني أن الغلام في بعض السكك منذ أيام فكبست عليه الدار فصعد إلى السطح فقلت له بالله عليك يا فلان ما فعل ولداي فقد قتلني الشوق إليهما
457
وانت آمن فقال لي عليك بدرب فتح في الجانب الغربي فسل عنهما هناك ورمى نفسه إلى سطح آخر وهرب وأنا أعرف بفلان من مياسير التجار بالجانب الشرقي وأخذ يبكي وقال تقفني على القبر فجئت به حتى وقفته على القبر ثم جاء فأدخلته داري فأريته الصبية فجعل يترشفها ويبكي وأخذها ونهض فقلت مكانك انقل متاعك قال أنت في حل منه وسعة فما زلت أ داريه إلى أن علقت به وقلت خذ المال وأرحني من تبعته فقال على شرط نقسمه بيني وبينك فقلت والله لا تلبست منه بحبة قال فاطلب حمالين فجئت بهم فحمل تلك التركة والصبية وانصرف
458
الباب الثالث والأربعون في ذكر من كفر بسبب العشق
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا محمد بن راشد عن مكحول عن رجل عن أبي ذر عن النبي A قال كان رجل يعبد الله بساحل البحر ثلثمائة عام يصوم النهار ويقوم الليل ثم إنه كفر بالله العظيم في سبب امرأة عشقها وترك ما كان عليه من عبادة الله عز وجل ثم استدركه الله ببعض ما كان منه فتاب عليه
حدثنا المبارك بن علي الصيرفي قال أنبأنا عبد الوهاب بن أحمد المستعمل قال حدثنا الحسن بن أحمد الخلال قال حدثنا عمر بن أحمد الواعظ قال حدثنا أحمد بن محمد بن شيبة قال حدثنا محمد بن بكر القصير قال حدثنا عبيد الله بن العباس بن الربيع الحارثي عن محمد بن عبد الرحمن السلماني عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله A هن صواحبات داود وسليمان وكرسف يعني النساء قيل وما كرسف قال رجل ممن كان قبلكم عبد الله عز وجل على ساحل البحر ثلثمائة سنة فمرت به امرأة أعجمية فكفر بالله عز وجل فتداركه الله عز وجل بما شاء من عبادته فتاب عليه
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا أبو القاسم بن البسرى عن أبي عبد الله ابن بطة قال حدثني أبو صالح قال حدثني الحسين بن عبد العزيز قال
459
حدثنا سعدان بن يزيد قال قال لي سنيد سمعت حجاجا يقول رأيت رجلا عشق فتنصر
سمعت شيخنا أبا الحسن علي بن عبيد الله الزاغوي يحكى أن رجلا اجتاز بباب إمرأة نصرانية فرآها فهويها من وقته وزاد الأمر به حتى غلب على عقله فحمل إلى المارستان وكان له صديق يتردد إليه ويترسل بينه وبينها ثم زاد الأمر به فقالت أمه لصديقة إني أجيء إليه ولا يكلمني فقال تعالي معي فأتت معه فقال له إن صاحبتك قد بعثت إليك برسالة فقال كيف فقال هذه أمك تؤدي رسالتها فجعلت أمه تحدثه عنها بشيء من الكذب ثم إنه زاد الأمر عليه ونزل به الموت فقال لصيدقه قد جاء الأجل وحان الوقت وما لقيت صاحبتي في الدنيا وأنا أريد أن القاها في الآخرة فقال له كيف تصنع قال أرجع عن دين محمد وأقول عيسى ومريم والصليب الأعظم فقال ذلك ومات فمضى صديقه إلى تلك المرأة فوجدها مريضة فدخل عليها وجعل يحدثها فقالت أنا ما لقيت صاحبي في الدنيا وأريد أن ألقاه في الآخرة وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأنا بريئة من دين النصرانية
فقام أبوها فقال للرجل خذوها الآن فإنها منكم فقام الرجل ليخرج فقالت له قف ساعة فوقف فماتت
وبلغني عن رجل كان ببغداد يقال له صالح المؤذن أذن أربعين سنة وكان يعرف بالصلاح أنه صعد يوما إلى المنارة ليؤذن فرأى بنت رجل نصراني كان بيته إلى جانب المسجد فافتتن بها فجاء فطرق الباب فقالت من فقال أنا صالح المؤذن ففتحت له فلما دخل ضمها إليه
460
فقالت أنتم أصحاب الأمانات فما هذه الخيانة فقال إن وافقتني على ما أريد وإلا قتلتك فقالت لا إلا أن تترك دينك فقال أنا بريء من الإسلام ومما جاء به محمد ثم دنا إليها فقالت إنما قلت هذه لتقضي غرضك ثم تعود إلى دينك فكل من لحم الخنزير فأكل قالت فاشرب الخمر فشرب فلما دب الشراب فيه دنا إليها فدخلت بيتا وأغلقت الباب وقالت اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي زوجني منك فصعد فسقط فمات فخرجت فلفته في مسح فجاء أبوها فقصت عليه القصة فأخرجه في الليل فرماه في السكة فظهر حديثه فرمى في مزبلة
461
الباب الرابع والأربعون في ذكر من حمله العشق على قتل الناس
أخبرنا عبد الوهاب ومحمد بن ناصر قالا أنبأنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو الحسين بن محمد النصيبي قال أنبأنا إسماعيل بن سويد قال حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال حدثني أبي قال حدثنا أحمد بن عبيد عن الهيثم قال حدثني رجل من بجيلة عن مشيخة قومه أن عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله رأى امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام وكانت من أجمل النساء ترى رأى الخوارج قد قتل قومها على هذا الرأي يوم النهروان فلما أبصرها عشقها فخطبها فقالت لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف وقتل علي بن أبي طالب فتزوجها على ذلك فلما بنى بها قالت له يا هذا قد فرغت فافرغ فخرج متلبسا سلاحه وخرجت قطام فضربت له قبة في المسجد وخرج علي يقول الصلاة الصلاة فأتبعه عبد الرحمن فضربه بالسيف على قرن رأسه فقال الشاعر
لم أر مهرا ساقه ذو سماحة
كمهر قطام بيننا غير معجم
ثلاثة آلاف وعبد وقينة
وقتل علي بالحسام المصمم
فلا مهر أغلى من علي وإن غلا
ولافتك إلا دون فتك ابن ملجم
أخبرنا عبد الأول بن عيسى قال أنبأنا محمد بن عبد العزيز الفارسي قال أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح قال أنبأنا عبد الله بن محمد البغوي قال حدثنا أبو الجهم العلاء بن موسى قال حدثنا الليث بن سعد عن نافع أن وليدة كانت بالمدينة في خلافة معاوية كان لها هوى فقالت لا أرضى حتى تقتل
462
فلانا لسيدها فقتله وأعانته على ذلك فأخذ الرجل وأخذت معه فتحابلت فتركوها قريبا من ثلاثة أشهر فلما تبين لهم أنه لا حمل بها قتلوها
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري قال أنبأنا أبو القاسم هبة الله بن عبد الله الواسطي قال أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي قال أخبرني أبو عبد الله محمد ابن إدريس أن أبا عبد الملك بن مروان بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن الناصر المعروف بالطليق من بني أمية كان يتعشق جارية كان أبوه قد رباها معه وذكرها له ثم إنه استأثرها وخلا معها فيقال إنه اشتدت غيرته لذلك وانتضى سيفا وتغفل أباه في بعض خلواته فقتله فسجنه المنصور محمد بن أبي عامر سنين وقال في السجن أشعارا رائعة اشتهر بها ثم أطلق فلقب الطليق
ويقال إنه اعتراه من ذلك شبيه الجنون وكان يصرع في الأوقات فأخبرني أبو الحسن نافع بن رياض الشاعر أنه دخل عليه أعقاب ذلك فوجده قاعدا على ماء فأنشده فأمر له بصلة وعلى رأسه خادم صقلبي يستحثه ويستعجله الخروج فلما خرج أخبره ذلك الخادم أنه يصرع وأنه إذا احسن بالصرع رمى نفسه في الماء وهذه عادته ويزعم أنه يجد لذلك خفة وأن استعجاله إياه كان من أجل ذلك خوف فجاءته
قال لي أبو عبد الله بن إدريس ومن أشعاره في السجن
الموت أحسن أحوالا من أحوالي
أقلهن فراق الأهل والمال
لا أشتكي الله بل أشكو إليه فكم
أبكى وحزني جديد ليس بالبالي
أضحى لساني وكفي صاحبي قدمي
قد قيدا دون أقوال وأفعال
463
بملحد بين موتي ميتتين به
موت الجهالة في موت من الحال
فما يشكى هزبر ضيق خلخال
قبلي ولا دفنوه بين أوعال
يمر بي كل يوم من مصائبه
ما لا يمر على وهم ولا بال
وكل حال من الأحوال حائلة
وما يحول من الأحوال أحوالي
وما حييت لأن العيش أحمد لي
لكن حييت لأن الموت أحيى لي
وكيف جاز لدهري أن يرى عطلا
حالي به وهو من مجدي به حالي
فما أعر زماني إذ ذللت به
وما أذل المعالي يوم إذلالي
فليت شعري هل يبدو لنا زمن
يبدو بأيامه فضل لمفضال
قال ومما يستحسن له في وصف الكأس
أصبحت شمسا وفوه مغربا
ويد الساقي المحيي مشرقا
فإذا ما غربت في فمه
تركت في الخد منه شفقا
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال حدثنا الحسن ابن علي الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثني أبو محمد بن القاسم بن الحسن قال حدثنا أبو عمر الباهلي قال حدثنا محمد بن حرب قال كانت رقاش امرأة من إياد بن نزار وكان أبوها يحبها حبا شديدا
فخطبها رجل من قومها فأعجبت به ووقع من قلبها فامتنع أبوها من تزويجه فسقت أباها شربة فلما وجد حس الموت قال يا رقاش قتلتني لمن هو أبعد مني وسوف ينالك وبال النقمة
464
قال فلما هلك أبوها تزوجت ذلك الرجل فلم ينشب أن ضربها فقيل لها يا رقاش ضربك زوجك فقالت من قل ناصره اعترف بالذل ثم لم ينشب أن تزوج عليها فقيل يا رقاش تزوج عليك زوجك فلو سألتيه الطلاق قالت لا أبغى الشر بالشر وحسبك بالطلاق عيبا بالحرة
أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال حدثني عبد الله بن محمد قال حدثني الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى العلوي النقيب قال حدثني شيخ كان يخدمني أنه حلف بالطلاق أن لا يحضر أبدا دعوة فسألته عن سبب ذلك فقال كنت قد انحدرت إلى البصرة من بغداد فصعدت إلى بعض مشارع البصرة فاستقبلني رجل فكناني بغير كنيتي وبش بي وأحتفى وجعل يسائلني عن قوم لا أعرفهم وكنت غريبا لا أعرف مكانا فقلت أبيت عنده الليلة إلى غد فأطلب مكانا فوهمت عليه في القول فجذبني إلى منزله ومعي رجل صالح وفي كمي دراهم كثيرة فدخلت إليه فرأيت دارا حسنة وحالا متوسطا وإذا عنده دعوة وهم على نبيذ وقد خرج لحاجة فشبهني بصديق كان له وكان فيمن كان عنده غلام أمرد فلما أخذنا مضجعنا للنوم ندمت على فعلي ونامت الجماعة فلما كان بعد ساعة طويلة رأيت احمد الجماعة قد قام إلى الغلام الأمرد ففسق به ورجع إلى موضعه وكان قريبا من صاحب الغلام فاستيقظ صاحب الغلام وحركه فقال له الغلام ما تريد ألم تكن الساعة عندي وفعلت بي كذا وكذا فقال له لا فقال قد جاءني الساعة من فعل بي كذا وظننت أنك هو أنت فلم أتحرك ولم أظن أن أحدا يجسر عليك فنخر الرجل وجرد سكينا في وسطه واتفق أنه بدأ بصاحب الخيانة
465
وأنا أرعد فزعا ولو كان بدأ بي فوجدني أرعد لقتلني وكان يظن أنني صاحب القصة فلما أراده الله من حياتي بدأ بصاحب القصة فوضع يده على قلبه فوجده يخفق وقد تناوم عليه الرجل يرجو بذلك السلامة فوضع السكين في فؤاده وأمسك فاه فاضطرب الرجل وتلف وأخذ بيد غلامه وانصرف
أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال أنبأنا علي بن المحسن عن أبيه قال حدثني أبو القاسم بهلول بن أبي طالب القاضي صاحب الربع بباب الشام قال كنت أعمل مع صاحب الشرطة ببغداد فاخرج لصوصا من الحبس واستأذن معز الدولة في قتلهم وصلبهم عند الجسر فأذن له فصلبهم عشاء وكانوا عشرين رجلا ووكل بهم جماعة فكنت فيهم والرئيس علينا فلان وقالوا كونوا عند خشبهم بقية يومكم وليلتكم حتى إذا كانوا من غد ضربت أعناقهم
فبتنا ونمنا فاحتال بعض اللصوص في أن قطع الحبل ونزل من الخشبة فما انتبهنا إلا بصوت وقوعه وعدوه فعدا رئيسنا وأنأ خلفه فما لحقناه وخفنا أن يتشوش الرجالة الباقون فيفلت إنسان آخر فرجعنا مسرعين وجلسنا مغمومين نفكر ماذا نعمل
فقال رئيسنا إن صاحب الشرطة لا يقيل عثرة ولا يقبل عذرا ويقع له أنني قد أخذت من اللص مالا وأطلقته فيضربني للتقرير فلا أقر فيقع له أني أتجلد فيمد الضرب علي إلى أن أتلف فما الرأي
فقلت له نهرب قال فمن أين نعيش فقلت هذا نصف الليل ولم يعلم بما جرى أحد فقم فلن يخلو أن يقع بأيدينا مشئوم قد جاءت منيته فنوثقه ونصلبه ونقول سلمت إلينا عشرين رجلا وهؤلاء عشرون فإنه ما اثبت حلاهم
فقال هذا صواب فقمنا نطوف وسلكنا طريق الجسر لنعبر إلى الجانب الغربي
466
فرأينا في أسفل كرسي الجسر رجلا يبول فعدلنا إليه فقبضنا عليه فصاح يا قوم ما لكم أنا ملاح صعدت من سميريتي أبول وهذه سميريتي وأومأ إليها أي شيء بيني وبينكم فضربناه وقلنا أنت اللص الذي هرب من الخشبة وجئنا به ورقيناه إلى الخشبة وصلبناه مكان الهارب وهو يصيح طول الليل ويبكي فتقطعت قلوبنا رحمة له وقلنا مظلوم ولكن ما الحيلة
فلما كان من الغد ركب صاحب الشرطة واجتمع الناس وجاء ليضرب أعناق القوم فصاح به الملاح بوقوفك بين يدي الله ادع بي واسمع كلامي فلست من اللصوص الذين أخرجتهم وأمرت بصلبهم وأنا مظلوم وقد وقعت بي حيلة فأنزله وقال ما قصتك فشرح له حديثه على حقيقته فدعا بنا وقال ما هذا الرجل فقلنا ما نعرف ما يقول سلمت إلينا عشرين رجلا وهؤلاء عشرون فقال قد أخذتم من اللص دراهم وأطلقتموه واعترضتم من الطريق رجلا غريبا فاخذتموه فقلنا ما فعلنا هذا واللص الذي سلمت إلينا هو هذا فضرب أعناق الجماعة وترك الملاح وقال هاتوا السجانين والبوابين فجاءوا فقال هذا من جملة العشرين الذين أخرجناهم فتأملوه باجمعهم فقالوا لا
ففكر ثم أمر بإطلاقه ثم قال هاتوه إلي فرددناه فقال اشرح لي قصتك فأعاد عليه الحديث فقال له في نصف الليل ايش كنت تعمل في ذلك الموضع فقال كنت قد بت في سميريتي فأخذتني بولة فصعدت أبول قال ففكر ساعة ثم قال له أدصقني امرك على الحقيقة حتى أطلقك وأي شيء كنت تعمل هناك حتى أطلقك فلم يخبره بغير ذلك
قال وكان من رسمه أنه إذا أراد أن يقرر إنسانا قرره وهو قائم بين يديه
467
ووراءه جماعة بمقارع فإذا حك راسه ضرب المقرر واحدة عظيمة فيقول هو للذي ضربه قطع الله يديك ورجليك يا فاعل يا صانع من أمرك بضربه ولم ضربته تقدم يا هذا لا بأس عليك أصدق وقد نجوت فإن أقر وإلا حك رأسه ثانية وثالثة أبدا عل هذا وكذا كانت عادته في جميع الجناة
فلما أطال عليه الملاح حك رأسه فضرب قفاه بعض القائمين بمقرعة عظيمة فصاح صياحا شديدا فقال هو من أمرك بهذا يا فاعل يا صانع قطع الله يديك ثم قال للملاح اصدق وانج بنفسك فقال له لاملاح الله شاهد عليك أني آمن على نفسي وأعضائي حتى أصدق قال له نعم
فقال أنا رجل ملاح اعمل في المشرعة الفلانية يعرفني جيراني بالستر كنت قد سرحت سميريتي البارحة بعد العتمة أتفرج في القمر فنزل خادم من دار لا أعرفها فصاح يا ملاح فتقدمت فسلم إلي امرأة حسنة ومعها صبيتان وأعطاني درهما صحيحا وقال احمل هؤلاء إلى باب الشماسية فصاعدت بهم قطعة من الطريق فكشفت المراة وجهها فإذا هي من أحسن الناس وجها كالقمر فاشتهيتها فعلقت مجاديفي في الدرنوك وأخرجت السفينة إلى وسط دجلة وتقدمت إلى المرأة فراودتها عن نفسها فأخذت تصيح فقلت والله لئن صحت لأغرقنك الساعة فسكتت وأخذت تمانعني عن نفسها فاجتهدت بأن أقدر عليها فما قدرت فقلت لها من هاتان الصبيتان منك فقالت بناتي فقلت لها أيما أحب إليك تمكنيني من نفسك أو أغرق هذه وقبضت على واحدة منهما فقالت أما أنا فلا أطيعك فاعمل ما شئت فرميت إحدى الصبيتين في الماء فصاحت فضربت فاها وصحت معها والله لا طلقتك
468
ولو قتلتيني ليشتبه ذلك على من عساه يسمع الصياح في الليل فسكتت وأقبلت تبكي فتركتها ساعة ثم قلت لها دعيني وإلا أغرقت الأخرى فقالت والله لا فعلت فأخذت الصبية الأخرى فرميت بها إى الماء فصاحب وصحت معها ثم قلت لها ما بقي إلا أن أقتلك أنت فدعيني وإلا قتلتك وأخذتها ورفعت يديها لأرمي بها إلى الماء فقالت أدعك فرددتها إلى السميرية فمكنتني من نفسها فوطئتها وسرت لأمضي بها إلى المشرعة فقلت هذه الساعة تصعد إلى دارها وإلى الموضع الذي تأوي إليه فتنذر بي فأوخذ وأقتل وليس الوجه إلا تغريقها فجمعت يديها ورجليها ورميت بها في الماء فغرقت ففكرت فيما أرتكبته وما جنيته فندمت وكنت كرجل كان سكرانا فأفاق فقلت أي شيء أعمل ليس إلا أن أنحدر في سميريتي هذه إلى البصرة وأغوص في أنهارها فلا أعرف فانحدرت فلما صرت حذاء الجس أخذتني بطني فصعدت لأتمسح وأعود إلى سميريتي فقبض علي هؤلاء فقال له صاحب الشرطة متطايبا فأي معاملة بين مثلك وبيني انصرف بسلام فظن بجهالته أن ذلك حقيقة فولى يمشي لينصرف فصاح به يا فتى هو ذا تنصرف وتدعنا من حقنا فلا أقل من أن ترجع لنحلفك أن لا تعود إلى مثل هذا فرجع فقال خذوه فأخذوه فقال اقطعوا يده فقال يا سيدي تقطع يدي اليس قد أمنتني فقال يا كلب أمان لمثلك قد قتلت ثلاثة أنفس وزنيت وأخفت السبيل قال فقطعت يداه ورجلاه ثم ضربت عنقه وأحرق جسده في مكانه
469
الباب الخامس والاربعون في ذكر أخبار من قتل معشوقه
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار وأخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قالا أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه قال حدثنا ابن خلف قال حدثني أبو عبد الله اليمامي عن العتبى عن أبيه قال كان رجل من العرب تحته ابنة عم له وكان لها عاشقا وكانت امرأة جميلة وكان من عشقه لها أنه كان يقعد في دهليزه مع ندمائه ثم يدخل ساعة بعد ساعة ينظر إليها ثم يرجع إلى أصحابه عشقا لها فطبن لها ابن عم لها فاكترى دارا إلى جنبه ثم لم يزل يراسلها حتى أجابته إلى ما أراد فاحتالت وتدلت إليه ودخل الزوج كعادته لينظر إليها فلم يرها فقال لأمها أين فلانة فقالت تقضي حاجة فطلبها في الموضع فلم يجدها فإذا هي قد تدلت وهو ينظر إليها فقال لها ما وراءك والله لتصدقني قالت والله لأصدقنك من الأمر كيت وكيت فأقرت له فسل السيف فضرب عنقها ثم قتل أمها وهرب وأنشأ يقول
يا طلعة طلع الحمام عليها
وجنت لها ثمر الردى بيديها
وقال ابن السراج فجنى لها
رويت من دمها الثرى ولربما
روى الهوى شفتي من شفتيها
وقال ابن السراج الحسام
470
حكمت سيفي في مجال خناقها
ومدامعي تجري على خديها
ما كان قتليها لأني لم أكن
أبكي إذا سقط الذباب عليها
لكن بخلت على العيون بحسنها
وشفقت من نظر الغلام إليها
وقال ابن السراج وأنفت من نظر العيون إليها
زاد ابن السراج في روايته عن خلف قال وزادني غير ابي عبد الله وكان لها أخت شاعرة فقالت تجيبه
لو كنت تشفق أو ترق عليها
لرفعت حد السيف عن ودجيها
ورحمت عبرتها وطول حنينها
وجزعت من سوء يصير إليها
من كان يفعل ما فعلت بمثلها
إذ طاوعتك وخالفت أبويها
فتركتها في خدرها مقتولة
ظلما وتبكي يا شقي عليها
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري قال أنبأنا صاعد بن سيار قال أنبأنا أحمد بن سهل الغورجي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحافظ إجازة قال سمعت الخليل ابن أحمد القاضي يقول نظر ديك الجن وكان أحد الشعراء إلى غلام له يتأمل جارية له والجارية تنظر إليه فقتلهما جميعا ثم أظهر الندم وأنشأ يقول
يا مهجة برك الحمام عليها
وجنى لها ثمر الردى بيديها
ما كان قتليها بأني لم أكن
أبكي إذا وقع الذباب عليها
لكن نفست عن العيون بنظرة
وأنفت من نظر الغلام إليها
اسم ديك الجن عبد السلام بن رغبان وإنما لقب بديك الجن وقد روى علي ابن الحسين الأصبهاني أن ديك الجن هوى نصرانية فدعاها إلى الاسلام فأسلمت وكان اسمها وردا فتزوجها وكان له ابن عم يبغضه فأشاع أنها تهوى
471
غلاما لديك الجن فضربها بالسيف فقتلها فطلبه السلطان فهرب ثم علم كيف جرى الأمر فاقام على البعاد وقال
يا طلعة طلع الحمام عليها
وجنى لها ثمر الردى بيديها
رويت من دمها الثراء وطالما
روى الهوى شفتي من شفتيها
قد بات سيفي في مجال وشاحها
ومدامعي تجري على خديها
فوحق نعليها فما وطىء الثرى
شيء اعز علي من نعليها
ما كان قتليها لأني لم أكن
أبكي إذا سقط الذباب عليها
لكن ضننت على العيون بحبها
وأنفت من نظر الحسود إليها
وقد روى الأصبهاني أن السليك بن مجمع كان من الفرسان وكان مطلوبا في سائر القبائل بدماء قوم قتلهم وكان يهوى ابنة عم له وكان يخطبها قد منعه أبوها ثم زوجها له خوفا منه فدخل بها في دار أبيها ثم نقلها بعد أسبوع إلى عشيرته فلقيه من فزارة ثلاثون فاررسا كلهم يطلبه بدم فقالتهم وقاتلوه حتى إذا اثخن بالجراح وأيقن بالموت صار إليها فقال ما أسمح بك لهؤلاء وأحب أن أقدمك قبلي قالت افعل ولو لم تفعل فعلته أنا فضربها بسيفه فقتلها وأنشأ يقول
يا طلعة طلع الحمام إليها
فذكر الأبيات المتقدمة ثم نزل إليها فتمرغ في دمها وتخضب به ثم تقدم فقاتل حتى قتل
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا ابن حيوية قال أنبأنا محمد بن أبي خلف إذنا قال أخبرني أبو بكر العامري عن أحمد بن هشام قال أخبرني أشياخ من بني سعد ومالك ابني زيد بن مناة عن أشياخ من قومهم أدركوا ذلك الدهر
472
أن أبا البلاد وهو بشر بن علاء أخو بني طهية ثم أحد بني سود كان في الشرف من قومه وكان يتيما في حجر عمه وكان لعمه أبنة يقال لها سلمى وكانت أجمل فتاة بنجد مشهودة بذلك فعلقها أبو البلاد وعمه لا يشعر بذلك وكان يهاب عمه أن يخطبها إليه فغاب أبو البلاد غيبة فزوجها أبوها أحد بني عمها وبلغ ذلك أبا البلاد فذهل عقله فأتى الخباء الذي تكون به سلمى كما كان يأتي فرأت سلمى في وجهه صفرة ورأت به زمعا فحسبت أنه جائع فدفعت إليه من وراء الستر جفنة فيها طبيخ من لحم طير قد راح به رعاؤهم فطفق يأكل أكل مسلوس فظنت الفتاة أنه عرض له عارض من الجن فخرجت من كسر البيت تريد أختها ليلى وسمع حفيف ثوبها فخرج معارضا لها بالسيف فضربها على حبل عاتقها فقتلها
وقد نقلت إلينا هذه الحكاية أبسط من هذا
أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي قال أنبأنا محمد بن العباس قال أنبأنا محمد بن خلف قال أخبرني ابو بكر العامري عن أحمد بن هشام قال أخبرني أشياخ من بني سعد ومالك ابنا زيد مناة عن أشياخ من قومهم أدركوا ذلك الدهر أن أبا البلاد وهو بشر بن العلاء أحد بني طهية ثم أحد بني سود كان في شرف من قومه وكان يتيما من أمه وكنفه عمه وكان اسم عمه حنيف بن عرو وكان عنده أثر من والده وكانت لعمه ابنة يقال لها سلمى وكانت أحسن فتاة بنجد مشهورة بذلك وكان يهاب عمه أن يخطبها إليه فغاب غيبة فزوجها أبوها أحد بني عمها وبلغ ذلك ابا البلاد فذهل عقله وإنه أتى الخباء الذي تكون به سلمى كما كان يأتي فرأت سلم في وجهه صفرة
473
ورأت به زمعا فحسبت أنه جائع فدفعت إليه من وراء الستر جفنة فيها طبيخ من لحم طير قد راح به رعاؤهم فطفق يأكل أكل مسلوس فظنت الفتاة أنه عرض له عارض من الخافي فخرجت من كسر البيت تريد بيت أختها ليلى وسمع حفيف ثوبها فخرج معارضا لها بالسيف فضربها على حبل عاتقها وسمعت ليلى الوجبة فغدت عليه بهراوة وأدبر فابتعته الفتاة فأصابت خشاشة فتتعتع فسقط ثم انتعش فغدا هاربا وقال في ذلك
إن لليلى بين أذني وعاتقي
كضربة سلمى يوم نعف الشقائق قال واستصرخ أبوها وعمها وإخواتها فأقبلوا ويأوى أبو البلاد في قارة حذاء أبياتهم فكان يكون فيها نهاره وينحدر بالليل فيتنور نار أهلها وهي تضرب بنفسها في ثياب لها بها علز الموت فيراها فأخبر بذلك أبوها فقال ما كنت لأقتل ولدا يولد
وقال أبو البلاد وهو يرى نار سلمى التي كانت توقد لها قبل الموت
يا موقد النار وهنا موقد النار
بجانب الشيح من رقصات أعيار
يا موقد النار أشعلها بعرفجة
لمن تنورها من مدلج سارى
نار تضيء سليمى وهي حاسرة
سقيا لموقد تلك النار من نار
قال فماتتت سليمى ولم يزل بأبي البلاد بعد ذلك وسوسة وبهته حتى مات
474
أنبانا أبو بكر محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال حدثني عبد الله بن محمد قال حدثني شيخ كان يخدمني وقد تجارينا أحاديث قال بت ليلة في مكان فقتل رجل رجلا فخرجت والليل منتصف لا أدري أين أقصد وخفت العسس فرايت أتون حمام ولم يوقد بعد فقلت أختبيء فيه إلى أن يفتح الحمام فأدخله فجلست في ناحية من الأتون فما لبثت حتى سمعت وقع حافر فإذا رجل معه جارية فأدخلها إلى الأتون فذبحها وتركها ومضى فرأيت بريق خلخالين في رجلها فانتزعتهما منها وصبرت ساعة ثم خرجت وما زلت أمشي في طريق لا اعرفه متحيرا إلى أن اجتزت بحمام قد فتح فدخلته وخبأت ما معي في ثيابي وخرجت فعرفت الطريق وعلمت أني بالقرب من دار صديق لي فطلبتها ودققت بابه ففتح لي وسر بقدومي وأدخلني فدفعت إليه دراهمي ليخبأها والخلخالين فلما نظر إليهما تغير وجهه فقلت مالك فقال من أين لك هذان الخلخالان فأخبرته بخبري كله في ليلتي تلك فقال لي تعرف الرجل الذي قتل الجارية فقلت اما بوجهه فلا لن الظلمة كانت حائلة بيننا ولكن إن سمعت كلامه عرفته فأعد طعاما ونظر في أمره ثم خرج وعاد بعد ساعة ومعه رجل من الجند فكلمه وغمزني عليه فقلت نعم هو الرجل ثم أكلنا وحضر الشراب فحمل عليه بالنبيذ حتى سكر ونام في موضعه فغلق باب الدرب وذبح الرجل وقال لي إن المقتولة أختي وكان هذا قد أفسدها وأنا منذ مدة أتخبر فلا أصدق إلا أني طردت أختي وأبعدتها عني فمضت إليه ولست أدري ما كان بينهما حتى قتلها وإنما عرفت الخلخالين فدخلت وسألت عن أمرهما فقالوا لي هي عند فلان فقلت قد رضيت عنها فوجهوا ردوها فمضوا يعرفون خبرها فلجلج الرجل فعلمت أنه قد قتلها كما ذكرت فقتلته فقم حتى ندفنه فخرجنا ليلا أنا والرجل حتى دفناه وعدت إلى المشرعة هاربا من البصرة حتى وصلت إلى بغداد وحلفت لا أحضر دعوة أبدا
475
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال حدثني إبراهيم بن علي النصيبي قال حدثني أبو علي بن حامد بن أبي بكر بن أبي حامد قال حدثني بعض أصحاب أبي قال كان جدك أبو حامد وهو صاحب بيت المال إذ ذاك يتمشى في دار الخلافة فينصرف وقد مضى ربع الليل وثلثه فيجلس في طياره ويصعد إلى داره ونحتاج نحن أن يكون لنا سفن مشاهرة فإذا ركب طياره نزلنا نحن سفننا وكان برسمي ملاح على مرور الوقات فلما كان ليلة من الليالي خرجت مع جدك فلطبت ملاحي فلم أجده فأخذني بعض أصحاب جدك في سميريته وبكرت من الغد فلم أعرف له خبرا وتمادى ذلك سنين
فلما كان بعد سنين رأيته في الكرخ بطيلسان ونعل طاق ورداء بزي التجار المياسير فقلت فلان فحين رآني اضطرب فقلت ويحك ما قصتك قال خير فقلت وما هذا الزي قال تركت الملاحة وصرت تاجرا قلت فرأس المال من أين لك فجهد أن يفلت فقلت لا تطول علي والله لا افترقنا أو تخبرني خبرك ولم تركتني تلك الليلة ثم لم نرك إلى الآن فقال على أن تستر علي فقلت أفعل فأحلفني فحلفت
قال إنك أبطأت تلك الليلة وعرضت لي بولة فأصعدت من دار الخلافة إلى مشرعة بنهر معلى فبلت وإذا برجل قد نزل فقال احملني فقلت أنا مع راكب لا يمكنني فراقه فقال خذ مني دينارا واحملني فلما سمعت ذكر الدينار طمعت وطننته هاربا فقلت إلى أين احملك فقال إلى الدباغين فقلت لا أحملك فقال خذ دينارين فقلت هات فاعطاني دينارين فجعلتهما في كمي وكان معه غلام فقال امض وهات ما معك فمضى الغلام ولم يحتبس حتى جاء بامرأة لم أر قط أحسن وجها منها ولا ثيابا وجاء بجونة كبيرة حسنة
476
وأطباق فاكهة وثلج ونبيذ وكانت ليلة مقمرة وجاء بعود فأخذته الجارية في حجرها فسهل علي لطيب الوقت أن أخل بك ثم قال للغلام أمض أنت فمضى قال ادفع فدفعت وكشفت الجارية وجهها فإذا هي أحسن من البدر بشيء كبير فلما بلغت الدباغين جرد سيفا كان معه وقال ادفع إلى مكان أقول لك وإلا ضربت عنقك فقلت ما بك إلى هذا حاجة السمع والطاعة فانحدرت فقال لها تأكلين شيئا فقالت نعم فأخرج ما كان في الجونة فإذا طعام نظيف ظريف فأكلا وألقى الجنوة إلي ثم أخذت العود وغنت أحسن غناء يكون وأطيبه فقال لي يا ملاح لولا خوفي أن تسكر لسقيتك فقلت يا أستاذ أنا أشرب عشرين رطلا نبيذا ولا أسكر فأعطاني ظرفا فيه خمسة أرطال وقال اشرب لنفسك فجعلت أشرب على الغناء واجحدف وهما يشربان إلى أن دنا منها فقبلها كثيرا واحتجت شهوته فجامعها وأنا أراه ثم عاودها دفعات وثمل فقال يا فلانة خنت عهدي وميثاقي ومكنت فلانا من نفسك حتى فعل بك كيف وكيت وفلانا وفلانا وجعل يواقفها وهي تقول لا والله لا يا سيدي ما فعلت هذا وإنما كذبوا علي عندك ليباعدوني منك قال كذبت أنا توصلت إلى أن حصلت معكم في ليلة كذا في الدار الفلانية وقد دعاك فلان وصنعتم كذا وفعلتم كذا وأنا أراكم بعيني وما بعد هذا شيء وتدرين لم جئت بك إلى هذا الموضع وعاتبتك ها هنا فقالت لا فقال لأن أودعك وأجعل هذا آخر العهد بك وأقتلك وأطرحك في الماء
قال فجزعت الجارية جزعا شديدا ثم قالت يا مولاي ويطيب قلبك قال إي والله ثم خالطها وأخرج تكتها فكتفها بها فقلت يا سيدي اتق الله مثل هذا الوجه وأنت تالف من حبة تعمل به مثل هذا فقال الساعة والله ابتدئ بك وأخذ السيف فجزعت ومسكت وتقدم إليها فذبحها وأمسكها
477
حتى جرى دمها وماتت ثم أقبل ينزع حليها ويرمي به إلى صدر السميرية ثم نزع الثياب عنها وشق جوفها وجعل يقطعها قطعا ويرمي بها إلى الماء
وكنا قد قاربنا المدائن وقد مضى أكثر الليل فرأيت منظرا لم أر قط مثله ومت جزعا وقلت الساعة يقتلني لئلا أنم عليه ولم أجد حيلة فاستسلمت وطرح نفسه كالمغشي عليه وجعل يبكي ويقول شفيت نفسي وقتلت نفسي ويلطم ورمى بالعود وجميع ما كان معه من فاكهة وأكل وشراب إلى الماء فطلع الفجر وأضاء وبقي بيننا وبين المدائن نصف فرسخ فطمعت في الحيلة عليه فقلت له يا سيدي قد أصبحنا أفلا تصلي وأردت أن يصعد إلى الشط وانحدر أنا في السميرية وأدعه فقال بلى اطرحني إلى الشط فقدمن السميرية إلى الشط وطرحته فحين صعد من السميرية أذرعا يسيرة إذا سبع قد قفز عليه فتناوله فرأيته والله في فمه كالفأرة في فم التنور فلا أنسى ما ورد على قلبي من السرور بذلك
فحدرت السفينة فلما تجاوزت المدائن طرحت إلى الشط وجمعت الحلى وخبأته تحت بارية السميرية وتأملت الثياب فغسلت ما أثر الدم فيه وخبأته وانحدرت فما رد وجهي شيء إلى البصرة فنظرت فإذا معي حلى من الف دينار وثياب بعتها بجملة دنانير كثيرة فأقمت بالبصرة أتجر وخفت العود إلى بغداد لئلا يراني ذلك الغلام أو يطالبني بالرجل أو أسال عن الحديث فلما طالت المدة وانقضت السنون وقع لي أن الأمر قد نسي واشتقت إلى بغداد وكانت البضاعة قد نمت وزادت فاشتريت بجميعها تجارة إلى بغداد ودخلت وأنا فيها منذ نحو سنة حتى رأيتني اليوم
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال
478
حدثني عبد الله بن محمد قال حدثني الشريف أبو أحمد الحسين بن موسى العلوي النقيب قال حدثني شيخ كان يخدمني أنه حلف بالطلاق لا يشيع جنازة فسألته عن السبب فقال خرجت يوما ببغداد في نصف النهار من يوم حار لحاجة لي فاستقبلتني جنازة يحملها إثنان فقلت غريب فقير أربعها فأثاب فدخلت تحتها بدلا من أحد الحمالين فحين استقرت على كتفي افتقدت الحمال فقلت يا حمال يا حمال فقال الآخر إيش تريد إمش واسكت قد انصرف الحمال فقلت الساعة والله أرمي بها فقال الحمال والله لئن فعلت لأصيحن فاستحييت واحتملت الأذى وقلت ثواب وما زلت أسير في الشمس والرمضاء إلى الشونيزية فلما حططنا الجنازة في مسجد الجنائز هرب الحمال الآخر فقلت في نفسي ما لهؤلاء الملاعين والله لأتممن الثواب
وأخرجت من كمي دراهم وصحت يا حفار أين قبر هذه الجنازة فقال لا ادري فقلت احفر فأخذ مني درهمين وحفر قبرا فلما صوت عليه الجنازة لياخذ الميت ليدفنه وثب من اللحد ولتكمني وجعل عمامتي في رقبتي وصاح يا قوم قتيل واجتمع الناس وسألوه فقال هذا جاء برجل مقطوع الرأس لأدفنه له فحل الكفن فوجد الأمر على ما قاله الحفار فبهت وتحيرت وجرى علي من العامة من المكروه ما كادت نفسي تتلف إلى أن حملت إلى صاحب الشرطة فأخبر الخبر فجردت للسياط وأنا ساكت باهت وكان له كاتب فحين رأى حيرتي قال له أنظرني حتى أكشف أمر هذا الرجل فإني أحسبه مظلوما فخلا بي وسائلني فأخبرته خبري لم أزد فيه ولم أنقص فنحى الميت عن الجنازة وفتشها فوجد فيها كتابة أنها للمسجد الفلاني للناحية الفلانية فأخذ معه رجاله ومضى فدخل المسجد متنكرا فوجد فيه خياطا فسأله عن جنازة كأنه يريد أن يحمل عليها ميتا له فقال الخياط للمسجد جنازة إلا أنها أخذت منه الغداة لحمل ميت ولم ترد فقال من أخذها فقال أهل تلك الدار وأومأ إليها فكبسها الكاتب برجاله الشرطة فوجد فيها
479
رجالا فقبض عليهم وحملهم إلى الشرطة وأخبر صاحبه الخبر فقدم القوم وقررهم فأقروا أنهم تغايروا على غلام أمرد معهم فقتلوه وحزوا رأسه ودفنوه في بئر حفروها في الدار وحملوه على تلك الصورة وأن الحمالين كانا أحد القوم فضربت أعناق القوم وخلى سبيلي
فهذا سبب توبتي أن لا أحضر جنازة
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن احمد السراج قال أنبأنا أبو الحسين أحمد بن علي التوزي قال حدثنا إسماعيل بن سعيد بن سويد قال حدثنا الحسين بن القاسم قال حدثنا عبيد الله بن خرداذبة قال أخبرني موسى بن المأمون قال كان فروح الزناء يعشق جارية بالمدينة يقال لها رهبة ثم اشتراها فقال
يا رهب لم يبق لي شيء أسر به
إلا الجلوس فتسقيني وأسقيك
وتمزجين بريق منك لي قدحا
وتشتفي بكم نفسي وأشفيك
يا رهب ما مسني شيء أغم به
إلا تفرج عني حين آتيك
قال ثم عثر على ريبة بينها وبين جارية فقلتها أنبأنا به عاليا علي بن عبيد الله قال أنبأنا جعفر بن المسلمة قال أنبأنا إسماعيل بن سعيد فذكره وقال يقال لها وهبة فقال يا وهب بالواو
أنبأنا أبو بكر بن أبي طاهر قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي عن أبيه قال أخبرني أبو القاسم الجهني قال كان في جواري ببغداد امرأة جميلة مستورة ولها ابن عم يهواها كان قد ربى معها فعدل بها أبوها عنه إلى
480
رجل غريب فزوجه بها فكان ابن العم يلزم بابها طمعا فيها وأحسن الزوج بذلك فكان يحترز فخرج يوما زوجها فأرادت المرأة أن تبترد فنزعت ثيابها واغتسلت وتركت خواتيم لها من ذهب عند ثيابها فأخذ الخواتيم عقعق كان في الدار وخرج إلى الباب فوافق خروجه ابن عمها فأخذ الخواتيم منه فلبسها وقعد على الباب ليراه زوج المرأة فيظن أنه كان عندها فيطلقها فجاء الزوج فقام إليه ابن العم مسلما وتعمد أن يريه الخواتيم في يده فرآها فعرفها فدخل فوجد امرأته تغتسل فلم يشك أنه غسل جناية وأن ابن عمها قد كان عندها فقال لجارية كانت عنده اذهبي فذهبت فأغلق الباب وذبح المرأة ولم يسألها عن شيء فجاءت الجارية فرأتها مقتولة فصاحت فحمل الرجل إلى السلطان فقتل بها وأخرج ابن العم الحديث وكان ذلك سبب توبته ولزومه العبادة إلى أن مات
481
الباب السادس والأربعون في ذكر أخبار من قتل من العشاق بسبب العشق
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن ابن علي الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه قال أنبأنا أبو بكر بن خلف إذنا وحدثنا عنه محمد بن حريث قال أنبأنا قاسم بن الحسن قال أنبأنا العمري قال أنبأنا الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش عن مجالد عن الشعبي قال دخل عمرو بن معدي كرب يوما على عمر بن الخطاب فقال له عمر يا عمرو أخبرني عن أشجع من لقيت وأجبن من لقيت
فقال نعم يا أمير المؤمنين خرجت مرة أريد الغارة فبينا أنا أسير إذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز وإذا رجل جالس وإذا هو كأعظم ما يكون من الرجال خلقا وهو محتب بسيف فقلت له خذ حذرك فإني قاتلك فقال ومن أنت قلت أنا عمرو بن معدي كرب فشهق شهقة فمات فهذا أجبن من رأيت يا أمير المؤمنين
وخرجت يوما آخر حتى انتهيت إلى حي فإذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز وإذا صاحبه في وهدة يقضي حاجة فقلت له خذ حذرك فإني قاتلك قال من أنت قلت أنا عمرو بن معدي كرب قال يا ابا ثور ما أنصفتني أنت على ظهر فرسك وأنا في بئر فأعطني عهدا أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي وآخذ حذري فأعطيته عهدا أن لا أقتله حتى يركب فرسه ويأخذ حذره فخرج من الموضع الذي كان فيه حتى احتبي بسيفه وجلس فقلت له ما هذا فقال ما أنا براكب فرسي ولا بمقاتلك فإن نكثت عهدا فأنت أعلم فتركته ومضيت فهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت
482
ثم إني خرجت يوما آخر إلى موضع كنت أقطع فيه فلم أر أحدا فأجريت فرسي يمينا وشمالا فإذا أنا بفارس فلما دنا مني إذا هو غلام حين بقل وجهه من أجمل من رأيت من الفتيان وأحسنهم فإذا هو قد أقبل من نحو اليمامة فلما قرب مني سلم فرددت عليه وقلت من الفتى قال أنا الحارث بن سعد فارس الشهباء فقلت له خذ حذرك فإني قاتلك قال بل الويل لك من أنت قلت أنا عمرو بن معدي كرب قال الحقير الذليل والله ما يمنعني من قتلك إلا استصغارك
قال وتصاغرت نفسي إلي وعظم عندي ما استقبلني به فقلت له خذ حذرك فوالله ما ينصرف إلا أحدنا قال اغرب ثكلتك أمك فإني من أهل بيت ما نكلنا عن فارس قط فقلت هو الذي تسمع فاختر لنفسك فقال إما أن تطرد لي وإما أن أطرد لك فاغتنمتها منه فقلت اطرد لي فاطرد وحملت عليه حتى إذا قلت أني قد وضعت الرمح بين كتفيه إذا هو قد صار حزاما لفرسه ثم اتبعني فقرع بالقناة رأسي وقال يا عمرو خذها إليك واحدة فوالله لولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك
فتصاغرت إلى نفسي وكان الموت والله يا أمير المؤمنين احب إلي مما رأيت فقلت والله لا ينصرف إلا احدنا فقال اختر لنفسك فقلت أطرد لي فاطرد وظننت أني قد تمكنت منه وابتعته حتى إذا ظننت اني قد وضعت الرمح بين كتفيه فإذا هو قد صار لببا لفرسه ثم اتبعني فقرع رأسي بالقناة وقال يا عمرو خذها إليك اثنتين
فتصاغرت إلى نفسي فقلت والله لا ينصرف إلا أحدنا فقال اختر لنفسك فقلت اطرد لي فاطرد حتى إذا قلت وضعت الرمح بين كتفيه وثب عن فرسه
483
فإذا هو على الأرض فأخطأته ومضيت فاستوى على فرسه فاتبعني فقرع بالقناة رأسي وقال يا عمرو خذها إليك ثلاثا ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك فقلت له اقتلني أحب إلي مما أرى بنفسي وأن تسمع فتيان العرب بهذا فقال لي يا عمرو إنما العفو ثلاث وإني إن استمكنت منك الرابعة قتلتك وأنشأ يقول
وكدت أغلاظا من الأيمان
إن عدت يا عمرو إلى الطعان
لتوجرن لهب السنان
أولا فلست من بني شيبان
فلما قال هذا كرهت الموت وهبته هيبة شديدة وقلت له إن لي إليك حاجة قال وما هي قلت أكون لك صاحبا ورضيت بذلك يا أمير المؤمنين قال لست من أصحابي فكان ذلك أشد علي وأعظم مما صنع فلم أزل أطلب إليه حتى قال ويحك وهل تدري أين أريد قلت لا قال أريد الموت عيانا فقلت رضيت بالموت معك قال امض بنا
فسرنا جميعا يومنا حتى جننا الليل وذهب شطره قال فوردنا على حي من احياء العرب فقال يا عمرو في هذا الحي الموت ثم أومأ إلى قبة في الحي فقال وفي تلك القبة الموت الأحمر فإما أن تمسك على فرسي فآتي بحاجتي وإما أن أمسك عليك فرسك فتنزل فتأتني بحاجتي فقلت لا بل أنزل أنت فأنت أعرف بموضع حاجتك
فرمى إلي بعنان الفرس فنزل ورضيت والله يا أمير المؤمنين أن أكون له سائسا ثم مضى حتى دخل القبة فاستخرج جارية لم تر عيناي مثلها قط حسنا وجمالا فحلمها على ناقة ثم قال لي يا عمرو قلت لبيك قال إما أن تحميني وأقود أنا وإما أن أحميك وتقود أنت قلت لا بل تحميني أنت وأقود أنا
فرمى إلي بزمام الناقة ثم سرنا بين يديه وهو خلفنا حتى إذا أصبحنا
484
قال لي يا عمرو قلت لبيك ما تشاء قال التفت فانظر هل ترى احدا قال فالتفت فقلت أرى جمالا فقال أغذ السير ثم قال يا عمرو قلت لبيك قال انظر فإن كان القوم قليلا فالجلد والقوة وهو الموت وإن كانوا كثيرا فليسوا بشيء قال فالتفت فقلت هم أربعة أو خمسة قال أغذ السير ففعلت وسمع وقع الخيل عن قرب فقال لي يا عمرو قلت لبيك قال كن عن يمين الطريق وقف وحول وجوه دوابنا إلى الطريق
ففعلت ووقفت عن يمين الراحلة ووقف هو عن يسارها ودنا القوم منا فإذا هم ثلاثة نفر فيهم شيخ كبير وهو أبو الجارية وأخوها غلامان شابان فسلموا فرددنا السلام ووقفوا عن يسار الطريق فقال الشيخ خل عن الجارية يا بن أخ فقال ما كنت لأخليها ولا لهذا أخذتها فقال لأصغر ابنيه اخرج إليه فخرج وهو يجر رمحه وحمل عليه الحارث وهو يقول
من دون ما ترجوه خضب الذابل
من فارس مستلئم مقاتل
ينمي إلى شيبان خير وائل
ما كان سيرى نحوها بباطل
ثم شد عليه فطعنه طعنة دق منها صلبة فسقط ميتا
فقال الشيخ لابنه الآخر اخرج إليه يا بني فلا خير في الحياة على الذل فخرج إليه وأقبل الحارث يقول
لقد رأيت كيف كانت طعنتي
والطعن للقرن شديدا نهمتي
والموت خير من فراق خلتي
فقتلتي اليوم ولا مذلتي
ثم شد عليه فطعنه طعنة سقط منها ميتا
485
فقال له الشيخ خل عن الظعينة يابن أخ فإني لست كمن رأيت قال ما كنت لأخليها ولا لهذا قصدت فقال له الشيخ اختر بابن أخ فإن شئت طاردتك وإن شئت نازلتك قال فاغتنمها الفتى فنزل ونزل الشيخ وهو يقول
ما أرتجى بعد فناء عمري
سأجعل السنين مثل الشهر
شيخ يحامي دون بيض الخدر
إن استباح البيض قصم الظهر
سوف ترى كيف يكون صبري
فأقبل الحارث وهو يقول
بعد ارتحالي وطول سفري
وقد ظفرت وشفيت صدري
والموت خير من لباس الغدر
والعار أهديه لحي بكر
ثم دنا فقال له الشيخ يابن أخي إن شئت ضربتك وإن بقيت منك قوة ضربتني وإن شئت فاضربني فإن بقيت في قوة ضربتك فاغتنمها الفتى فقال أنا أبدأ أولا قال هات فرفع الحارث السيف فلما نظر الشيخ أنه قد أهوى به إلى رأسه ضربه ضربة قد منها معاه ووقعت ضربة الحارث في رأسه فسقطا ميتين
فأخذت يا أمير المؤمنين أربعة أفراس وأربعة أسياف ثم أقبلت إلى الناقة فعقدت أعنة الأفراس بعضها إلى بعض وجعلت أقود فقالت لي الجارية يا عمرو
486
إلى أين ولست لي بصاحب ولست كمن رأيت ولو كنت لي صاحبا لسلكت سبيلهم فقلت اسكتي قالت فإن كنت صادقا فاعطني سيفا أو رمحا فإن غلبتني فأنا لك وإن غلبتك قتلتك فقلت لها ما أنا بمعطيك ذاك وقد عرفت أصلك وجرأة قومك وشجاعتهم فرمت بنفسها عن البعير ثم أقبلت إلى وهي تقول
أبعد ما شيخي وبعد إخوتي
أطلب عيشا بعدهم في لذتي
هلا تكون قبل ذاك ميتتي
ثم أهوت إلى الرمح وكادت تنتزعه من يدي فلما رأيت ذلك منها خفت إن هي ظفرت بي أن تقتلني فقتلتها
فهذا أشد من رأيته قط يا أمير المؤمنين
فقال عمر صدقت يا عمرو
أخبرنا سعيد بن احمد بن الحسن قال أنبأنا أبو سعد محمد بن الرستمي قال أنبأنا أبو الحسين بن بشران قال أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار قال حدثنا سعدان بن نصر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن القاسم بن محمد عن عبيد بن عمير أن رجلا أضاف ناسا من هذيل فذهبت جارية له تحتطب فأرادها رجل منهم عن نفسها فرمته بفهر فقتلته فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب فقال ذاك قتيل الله والله لا يودي أبدا
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال أنبأنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق قال حدثنا محمد بن أحمد بن فارس قال
487
أنبأنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم الزينبي قال حدثنا أبو بكر بن خلف قال حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال حدثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال أتى عمر بن الخطاب يوما بفتى أمرد قد وجد قتيلا على وجه الطريق فسأل عن أمره واجتهد فلم يقف له على خبر ولم يعرف له قاتل فشق ذلك على عمر وقال اللهم أظفرني بقاتله
حتى إذا كان رأس الحول أو قريبا من ذلك وجد صبي مولود ملقى بموضع القتيل فاتي به عمر فقال ظفرت بدم القتيل إن شاء الله
فدفع الصبي إلى امرأة وقال لها قومي بشأنه وخذى منا نفقته وانظري من ياخذه منك فاذا وجدت امرأه تقبله وتضمه الى صدرها فاعلميني بمكانها
فلما شب الصبي جاءت جارية فقالت للمرأة ان سيدتي بعثتني اليك لتبعثي بالصبي لتراه وترده اليك فقالت نعم اذهبي به اليها وانا معك فذهبت بالصبي والمرأة معها حتى دخلت على سيدتها فلما رأته أخذته فقبلته وضمته إلى صدرها فإذا هي بنت شيخ من الأنصار من أصحاب رسول الله A
فأخبرت عمر خبر المرأة فاشتمل عمر على سيفه ثم أقبل إلى منزلها فوجد أباها متكئا على باب داره فقال يا أبا فلان ما فعلت ابنتك فلانة قال يا أمير المؤمنين جزاها الله خيرا هي من أعرف الناس بحق الله تعالى وحق أبيها مع حسن صلاتها وصيامها والقيام بدينها
فقال عمر قد أحببت أن أدخل إليها فأزيدها رغبة في الخير وأحثها على ذلك فقال جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين امكث مكانك حتى أرجع إليك
فاستأذن لعمر فلما دخل أمر عمر كل من كان عنها فخرج وبقيت هي
488
وعمر في البيت وليس معهما أحد فكشف عمر عن السيف وقال لتصدقني وكان عمر لا يكذب فقالت على رسلك يا أمير المؤمنين والله لأصدقن إن عجوزا كانت تدخل علي فاتخذتها أما وكانت تقوم من امري بما تقوم به الوالدة وكنت لها بمنزلة البنت فامضت بذلك حينا ثم إنها قالت يا بنية إنه قد عرض لي سفر ولي بنت في موضع أتخوف عليها فيه أن تضيع وقد احببت أن أضمها إليك حتى أرجع من سفري فعمدت إلى ابن لها شاب أمرد فهيأته كهيئة الجارية وأتتني به لا أشك أنه جارية فكان يرى مني ما ترى الجارية من الجارية حتى اغتفلني يوما وأنا نائمة فما شعرت حتى علاني وخالطني فمددت يدي إلى شفرة كانت إلى جنبي قتلته ثم أمرت به فالقي حيث رأيت فاشتملت منه على هذه الفتى فلما وضعته ألقيته في موضع أبيه فهذا والله خبرهما على ما أعلمتك
فقال عمر صدقت بارك الله فيك ثم أوصاها ووعظها ودعا لها وقال لأبيها بارك الله لك في ابنتك فنعم الابنة ابنتك وقد فقال الشيخ وصلك الله يا أمير المؤمنين وجزاك خيرا عن رعيتك
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو علي ربيب ابي حيويه القاضي قال حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن نصر قال حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد السمرقندي قال حدثنا أحمد بن شيبان قال حدثنا مؤمل عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد عن أيوب أن رجلا خرج غازيا فخرج رجل من جيرانه فأبصر في بيته ذات ليلة مصباحا فقام قريبا من منزله فسمع
وأشعث غره الإسلام مني
خلوت بعرسه ليل التمام
أبيت على ترائبها ويضحي
على جرداء لاحقة الحزام
489
كأن موضع الربلات منها
قيام ينتمين إلى قيام
قال فدخل عليه فقتله ثم رمى به فلما أصبح أخبر عمر بذلك فقام يخطب الناس فقال أنشد الله رجلا وأعزم عليه علم من علم هذا الرجل علما إلا أخبرنا به فقام الرجل فأخبره بما رأى وبما سمع فقال عمر اقتل قال فعلت يا أمير المؤمنين
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق قال حدثنا محمد بن احمد بن فارس قال حدثنا أبو الحسين ابن بيان الزينبي قال حدثنا أبو بكر محمد بن خلف المحولي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا أبو المليح عن الزهري قال كان رجل يهوى أمراة فأرادها فأغلقت الباب دونه فأدخل الرجل راسه من أسكفة الباب فأخذت المرأة حجرا أو خشبة وضربت رأسه فدمغته فرفع ذلك إلى عبد الملك بن مروان فقال به لا بظبي وأهدر دمه
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال أنبأنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا الحسين بن أيوب قال حدثنا أبو عبد الله ابن أسباط قال حدثني دعبل قال كنت بالثغر فنودي بالنفير فخرجت
490
مع الناس فإذا أنا بفتى يجر رمحه بين يدي فالتفت فنظر إلي فقال أنت دعبل قلت نعم قال اسمع مني بيتين فأنشدني
أنا في أمري رشاد
بين غزو وجهاد
بدني يغزو عدوي
والهوى يغزو فؤادي
ثم قال كيف ترى قلت جيد قال والله ما خرجت إلا هاربا من الحب
ثم التقينا فكان أول قتيل
وقد بلغتنا هذه الحكاية عن دعبل على غير هذا الوجه أنه قال كنت مع الدمني في غزاته التي حارب فيها كلب الروم فلما وقف الجيشان برز علج من الروم فقتل سبعة من مبارزي المسلمين ثم جعل يجر رمحه ويطلب البراز فلا يبرز له أحد فلما طال ذلك علينا وخفنا الهزيمة برز غلام وضيء الوجه ظاهر الجمال له ذؤابتان من ورائه فبارز العلج فقتله ثم ابتدر إليه عشرة من علوج الروم فقتلهم ورد الروم منهزمين فقتل منهم في ذلك اليوم سبعة آلاف رجل وأقبل الناس على الغنائم فارتقى الغلام رابية ونزل عن فرسه وأخذ مقوده بيده وجعلت دموعه تنحدر على الأرض كالقطر
قال دعبل فنزلت عن فرسي فقلت يا بني قد أبلى الله تعالى على يدك هذا البلاء للإسلام وأهله ألا أراك تتعرض لشيء من الغنائم وأنت من البكاء على هذه الحالة فأعلمني قصتك فأطرق ساعة ثم انشأ يقول
أنا في أمري رشاد
بين غزو وجهاد
بدني يغزو عدوي
والهوى يغزو فؤادي
ثم مضى ولا أعرف اسمه ولا نسبه
491
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق قال أنبأنا محمد بن احمد بن فارس قال حدثنا عبد الله ابن إبراهيم الزينبي قال حدثنا محمد بن خلف قال أخبرني إسحاق بن محمد قال حدثنا محمد بن زياد الأعرابي قال نزل رجل من العرب بامرأة من باهلة وليس عندها زوجها فأكرمته وفرشته فلما لم ير عندها أحدا ولا قربها سامها نفسها فلما خشيته قالت له امكث أستصلح لك ثم راغت فأخذت مدية فأخفتها ثم أقبلت إليه فلما رآها ثار إليها فضربت بها في نحره فلما رأت الدم سقطت مغشيا عليها وسقط هو ميتا فأتاها آت من أهلها فوجدها على تلك الحال فأجلسها حتى أفاقت فقال أعشى باهلة في ذلك
لعمري لقد أخفت معاذة ضيفها
وسوت عليه مهده ثم برت
فلما بغاها نفسها غضبت لها
عروق نمت وسط الثرى فاستقرت
وشدت على ذي مدية الكف معصما
وضيئا وعزت نفسها فاستمرت
فأمت بها في نحره وهو يبتغي الن
كاح فمرت في حشاه وجرت
فثج كأن النيل في جوف صدره
وأدركها ضعف النساء فخرت
قال ابن خلف وحدثنا أبو بكر العامري قال حدثنا عبد الله بن عمر قال حدثنا أبو عباد شيخ قديم قال أدركت الخادم الذي كان يقوم على رأس الحجاج فقلت له أخبرني بأعجب شيء رأيته من الحجاج
قال كان ابن أخيه أميرا على واسط قال وكانت بواسط امرأة يقال إنه لم يك بواسط في ذلك الوقت أجمل منها فأرسل ابن أخيه إليها يريدها على
492
نفسها مع خادم له فأبت عليه وقالت إن أردتني فاخطبني إلى إخوتي قال وكان لها إخوة أربعة
فأبى وقال لا إلا كذا وعاودها فأبت عليه إلا أن يخطبها فأما حرام فلا قال وأبى هو إلا الحرام فأرسل إليها بهدية فأخذتها فعزلتها
قال وأرسل إليها عشية جمعة أني آتيك الليلة فقالت لأمها إن الأمير قد بعث إلي بكذا وكذا قال فأنكرت أمها ذلك وقالت أمها لإخوتها إن أختكم قد زعمت كذا وكذا فأنكروا ذلك وكذبوها فقالت إنه قد وعدني أن يأتيني الليلة فسترونه
قال فقعد إخوتها في بيت حيال البيت الذي هي فيه وفيه سراج وهم يرون من يدخل إليها وجويرية لها على باب الدار قاعدة حين جاء فنزل عن دابته وقال لغلامه إذا أذن المؤذن في الغلس فائتني بدابتي ودخل
فمشت الجارية بين يديه وقالت له ادخل فدخل وهي على سرير مستلقية فاستلقى إلى جانبها ثم وضع يده عليها وقال إلى كم ذا المطل فقالت له كف يدك يا فاسق قال ودخل إخوتها عليه معهم سيوف فقطعوه ثم لفوه في نطع وجاءوا به إلى سكة من سكك واسط فألقوه فيها وجاء الغلام بالدابة فجعل يدق الباب دقا رقيقا وليس يكلمه أحد فلما خشي الصبح وأن تعرف الدابة انصرف
وأصبحوا فإذا هم به فأتوا به الحجاج فاخذ أهل تلك السكة فقال أخبروني ما هذا وما قصته قالوا لا نعلم حاله غير أنا وجدناه ملقى ففطن الحجاج فقال علي بمن كان يخدمه
قال فأتى بذلك الخصي الذي كان الرسول فقالوا هذا كان صاحب سره
فقال له الحجاج اصدقني ما كان حاله وما قصته
فأبى
493
فقال له إن صدقتني لم أضرب عنقك وإن لم تصدقني ضربت عنقك وفعلت بك وفعلت
قال فأخبره الأمر على جهته فأمر بالمرأة وأمها وإخوتها فجيء بهما فعزلت المرآة عنهم فساءلها فأخبرته بمثل ما أخبره به الخصى ثم عزلها وسأل الإخوة فاخبروه بمثل ذلك وقالوا نحن صنعنا به الذي ترى قال فعزلهم وأمر برقيقه ودوابه وماله للمرأة فقالت المرأة عندي هديته فقال بارك الله لك فيها وأكثر في النساء مثلك هي لك وكل ما ترك من شيء فهو لك وقال مثل هذا لا يدفن فألقوه للكلاب ودعا الخصى فقال أما أنت فقد قلت لك إني لا أضرب عنقك وأمر بضرب وسطه
حكى لي ابن رشادة الطبيب أن طبيبا نصرانيا كان بواسط وكان شابا مستحسنا تتعشقه النساء فدخل إلى امرأة بعض الأكراد ليفصدها فأخرجت ذراعها فحار لحسنه ثم جعل يلمسه لمس ملتذ به فلم يخف ذلك على المرأة
ثم قال لها اليوم لا يتهيأ الفصد فأخريه إلى غد وخرج فجاء زوجها فحدثته الحديث فخرج وبعث إلى الطبيب فأتاه فقال له تجيء معي لتنظر إلى مريض فنزلا في سميرية وأخرجه إلى البطائح ثم قطعه قطعا بالسيف
494
الباب السابع والأربعون في ذكر من قتله العشق
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال أنبأنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا أبو يوسف الزهري قال حدثنا الزبير ابن بكار قال حدثنا محمد بن عيسى بن بكار عن فليح بن إسماعيل بن جعفر عن عبد الملك بن صالح عن عمه سليمان بن علي عن عكرمة قال إنا لمع عبد الله بن عباس عشية عرفة إذ أقبل فتية يحملون فتى من بني عذرة قد بلى بدنه وكانت له حلاوة وجمال حتى وقفوه بين يديه ثم قالوا استشف لهذا يا بن عم رسول الله
فقال وما به فترنم الفتى بصوت ضعيف لا يتبين وهو يقول
بنا من جوى الأحزان والحب لوعة
تكاد لها نفس الشفيق تذوب
ولكنما أبقى حشاشة معول
على ما به عود هناك صليب
وما عجب موت المحبين في الهوى
ولكن بقاء العاشقين عجيب
ثم شهق شهقة فمات
قال عكرمة فما زال ابن عباس بقية يومه يتعوذ بالله من الحب
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا أبو القاسم بن البسرى عن أبي عبد الله بن بطة قال حدثنا محمد بن أبي القاسم الأنباري قال حدثنا ابو الحسن بن البراء قال حدثنا الزبير عن محمد بن عيسى عن فليح بن إسماعيل قال حدثني عبد الملك بن صالح قال حدثني عمي سليمان بن علي
495
عن عكرمة قال إني لمع ابن عباس عشية عرفة إذا فتية يحملون فتى في كساء معروق الوجه ناحل البدن احلى من رأيت من الفتيان فوضعوه بين يدي ابن عباس فقالوا استشف له يابن عم رسول الله
فقال وما به فأنشأ الفتى يقول
بنا من جوى الأحزان والحب لوعة
تكاد لها نفس الشفيق تذوب
ولكنما أبقى حشاشة معول
على ما به عود هناك صليب
قال وأنشأ الفتى يقول
وبي لوعة لو تشتكي الصم مثلها
لفطرت الصم الصلاب فخرت
ولو قسم الله الذي بي من الجوى
على كل نفس حظها لألمت
ولكنما أبقى حشاشة معول
على ما به صلب النجار فمدت
قال ثم حمل فخفت فمات في أيديهم
فقال ابن عباس هذا قتيل الحب لا عقل ولا قود
قال عكرمة فما رأينا ابن عباس سأل الله في تلك العشية حتى أمسى إلا العافية مما ابتلى به ذلك الفتى
أنبأنا أبو بكر محمد بن الحسين قال أنبأنا أحمد بن محمد بن النقور قال أنبأنا أبو طاهر المخلص قال أنبأنا رضوان بن محمد قال أنبأنا أبو عمر العطاردي عن يونس عن ابن إسحاق قال حدثني يعقوب بن عتبة عن الزهري قال حدثني ابن حدرد عن أبيه قال كنت في خيل خالد بن الوليد التي أصاب بها بني جذيمة إذا فتى منهم مجموعة يده إلى عنقه
496
برمة يقول نحيل
فقال لي يا فتى هل أنت آخذ بهذه الرمة فمقدمي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضي إليهن حاجة ثم تصنعون ما بدا لكم فقلت ليسير ما سألت فأخذت برمته فقدمته إليهن فقال اسلمي حبيش على بعد العيش ثم قال
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم
بحلية أو ألفيتكم بالخوانق
ألم يك حقا أن ينول عاشق
تكلف إدلاج السرى والودائق
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا
أثيبي بود قبل إحدى الصفائق
أثيبي بود قبل أن تشحط النوى
وينأى الأمير بالحبيب المفارق
فإني لا سر لدى أضعته
ولا راق عيني بعد وجهك رائق
على أن ما ناب العشيرة شاغل
عن اللهو إلا أن يكون توامق
فقالت وأنت فحييت عشرا وسبعا وترا وثمانيا تترى
ثم قدمناه فضربنا عنقه
قال إبن إسحاقفحدثني أبو فراس عن أشياخ من قومه شهدوا مع خالد بن الوليد قالوا فلما قتل قامت إليه فما زالت ترشفه حتى ماتت عنده
وقد رويت لنا هذه الحكاية أبسط من هذا وفيها بداية هذه المحبة
497
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال ذكر أبو عمر بن حيويه ونقلته من خطه أن أبا بكر بن المرزبان حدثهم قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الكوفي قال حدثنا الهيثم بن عدي قال حدثني سعيد بن شيبان عن أبي مسعود الأسلمي عن أبيه قال نشأ فينا غلام يقال له عبد الله ابن علقمة وكان جميلا فهوى جارية من غير فخذه يقال لها حبيشة وكان يأتيها ويتحدث إليها فخرج ذات يوم من عندها ومعه أمه فرأى في طريقه ظبية على رابية فأنشأ يقول
يا أمتا خبريني غير كاذبة
وما يريد مسول الخير بالكذب
حبيش أحسن أم ظبي برابية
لا بل حبيشة من در ومن ذهب
ثم انصرف من عندها مرة أخرى فأصابته السماء فأنشأ يقول
وما أدري إذا أبصرت يوما
أصوب القطر أحسن أم حبيش
حبيش والذي خلق الهدايا
على أن ليس عند حبيش عيش
فلما كثر ذلك منه وشهر بها قال قومه لأمه إن هذا الغلام تيم وإن أهل هذه المرأة يرغبون بأنفسهم عنكم فانظري جارية من قومك ممن لا تمتنع عليك فزينيها واعرضيها عليه لعله يتعلقها ويسلوا تلك
ففعلت وحضر نساؤها فجعلوا يعرضون عليه نساء الحي ثم يقولون له يا عبد الله كيف ترى فيقول إنها والله حسناء جملاء
إلى أن قال قائل هي احسن أم حبيشة فقال مرعى ولا كالسعدان
فلما يئسوا أن ينصرف عنها قال بعضهم لبعض عليكم بحبيشة وطمعوا أن يأتوا الأمر من قبلها فقالوا والله لئن أتاك فلم تزري به وتتجهميه وتقولي له أنت أبغض الخلق إلي فلا تقربني لنفعلن بك ما يسوؤك
498
فأتاها فلم تكلمه بشيء مما قالوا ولم تزد على أن نظرت إليه ونظرإليها ثم أرسلت عينها تبكي فانصرف عنها وهو يقول
وما كان حبي عن نوال بذلته
وليس بمسلي التجهم والهجر
سوى أن دائي منك داء مودة
قديما ولم يمزج كما تمزج الخمر
وما أنس مل أشياء لا أنس دمعها
ودمعتها حتى يغيبني القبر
فبينما هما على أشد ما كانا عليه من الهوى والصبوة هجم عليهم خالد بن الوليد يوم الغميصاء فأخذ الغلام رجل من أصحاب خالد فأراد قتله
فقال له ألمم بي أهل تلك البيوت أقضي إليهن حاجة ثم أفعل ما بدا لك
قال فأقبلت به حتى انتهى إلى خيمة منها فقال اسلمي حبيش بعد انقطاع العيش
فأجابته فقالت سلمت وحياك الله عشرا وتسعا وترا وثمانية تترى فلم أر مثلك يقتل صبرا
وخرجت تشتد وعليها خمار أسود قد لاثته على رأسها وكأن وجهها القمر ليلة البدر
فقال حين نظر إليها
أريتك أن طالبتكم فوجدتكم
ببرزة أو أدركتكم بالخوانق
أما كان حقا أن ينول عاشق
تكلف إدلاج السرى والودائق
فإني لا سر لدى أضعته
ولا راق عيني بعد وجهك رائق
على أن ما ناب العشيرة شاغل
فلا ذكر إلا أن يكون توامق
فها أنا مأسور لديك مكبل
وما إن أراني بعده اليوم ناطق
499
فأجابته
أرى لك أسبابا أظنك مخرجا
بها النفس من جنبي والروح زاهق
فأجابها فقال
فإن يقتلوني يا حبيش فلم يدع
هواك لهم منى سوى غلة الصدر
وأنت التي قفلت جلدي على دمي
وعظمي وأسبلت الدموع على النحر
فأجابته فقالت
ونحن بكينا من فراقك مرة
وأخرى وقايسنا لك العسر باليسر
فأنت فلا تبعد فنعم أخو الندى
جميل المحيا في المروءة والبشر
قال الذي أخذه فضربته ضربة قططت منها يده وعنقه فلمارأته قد سقط قالت ائذن لي أن أجمع بعضه إلى بعض فأذنت لها فجمعته وجعلت تمسح التراب عن وجهه بخمارها وتبكي ثم شهقت شهقة خرجت معها نفسها
وقد رويت لنا هذه الحكاية وفيها ذكر رسول الله A وأنه حدث بحال هذا الرجل
أخبرتنا شهدة بن أحمد بن الفرج قالت أنبأنا جعفر بن أحمد بن السراج قال ذكر أبو عمر بن حيويه ونقلته من خطه أن أبا بكر محمد بن خلف حدثهم قال حدثنا أبو العباس محمد بن موسى القرشي قال حدثنا إبراهيم ابن بشار الرمادي قال حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن ابن عصام المزني عن أبيه قال بعثنا رسول الله A في سرية إلى بطن نخلة فإذا رجل معه ظعائن له يسوقهن أمامه فأتينا عليه فقلنا له أسلم
فقال وما الإسلام فعرضناه عليه
500
فإذا هو لا يعرفه فقلنا له إنا قاتلوك
فقال هل أنتم تاركي حتى ألحق بهؤلاء الظعائن
قال قلنا نعم ونحن مدركوك لا محالة
قال فأتى هودج ظعينة منهن قد وصفها بشيء من حسن وجمال فقال
أريتك أن طالبتكم فلحقتكم
بحلية أو أدركتكم بالخوانق
أما كان حقا أن ينول عاشق
تكلف إدلاج السرى والودائق
ثم قال
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا
أثيبي بود قبل إحدى الصفائق
أثيبي بود قبل أن تشحط النوى
وينأى الأمير بالحبيب المفارق
ثم قال اسلمي حبيش قبل انقطاع العيش
فقالت له اسلم عشرا وتسعا وترا وثماني تترى
ثم أتى فمد عنقه فقال شأنكم فاصنعوا ما أنتم صانعون فقدمناه فضربنا عنقه فرأيت تلك الظعينة نزلت من هودجها فحنت عليه فلم تزل تقبله حتى ماتت
قال فحدثنا رسول الله A فرأيته قد ضحك حتى بدت نواجذه
501
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ قال حدثنا أبو نعيم الحافظ قال حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي قال حدثنا محمد بن علي بن حرب المروزي قال حدثنا علي بن الحسين بن وافد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي A بعث سرية فغنموا وفيهم رجل فقال اللهم إني لست منهم عشقت امرأة فلحقتها فدعوني أنظرإليها نظرة ثم اصنعوا ما بدا لكم
فإذا امرأة طويلة أدماء فقال اسلمي حبيش قبل نفاد العيش
أريتك لو أتبعتكم فلحقتكم
بحلية أو أدركتكم بالخوانق
أما كان حقا أن ينول عاشق
تكلف إدلاج السرى والودائق
فقالت نعم فديتك
فقدموه فضربوا عنقه فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت
فلما قدموا على رسول الله A أخبروه الخبر فقال أما كان فيكم رجل رحيم
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا محفوظ بن أحمد قال أنبأنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري قال حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني محمد بن المرزبان قال حدثنا إبراهيم بن محمد الطائفي قال حدثنا يوسف بن محمد التستري قال حدثنا محمد بن مسعدة الأخفش قال حدثنا أبو محذورة
502
الوراق قال حدثنا أبو مالك الراوية قال سمعت الفرزدق يقول أبق غلامان لرجل من بني نهشل يقال له الخضر فحدثني الخضر قال خرجت أبغيهما وقصدت ناحية اليمامة على ناقة لي عبساء كوماء
قال ابن الأنباري العبساء البيضاء والكوماء العظيمة السنام
فنشأت سحابة فرعدت وأبرقت وحلت عزاليها فملت إلى بعض ديار بني حنيفة فقصدت دارا وطلبت القرى
فقيل لي ادخل فأنخت ناقتي ودخلت فجلست تحت ظلة من جريد وفي الدار جويرية سوداء فدخلت جارية كأنها سبيكة فضة وكأن عينيها كوكبان فقالت لمن هذه الناقة قالت السويداء لضيفكم هذا فسلمت علي وقالت ممن الرجل قلت من بني حنظلة قالت من أيهم قلت من بني نهشل
قالت فأنت من البيت يقول فيهم الفرزدق
إن الذي سمك السماء بنى لنا
بيتا دعائمه أعز وأطول
بيتا بناه لنا المليك وما بنى
ملك السماء فإنه لا ينقل
بيت زرارة محتب بفنائه
ومجاشع وأبو الفوارس نهشل
فأعجبني ذلك من قولها
قالت إلا أن ابن الخطفي نقض عليه فقال
أخزى الذي سمك السماء مجاشعا
وبنى بناءك بالحضيض الأسفل
بيتا يخيم قينكم بفنائه
دنسا مقاعده خبيث المدخل
فخجلت واستحييت فقلت لها أيم أنت أم ذات بعل فقالت
إذا رقد النيام فإن عمرا
تؤرقه الهموم إلى الصباح
تقطع قلبه الذكرى وقلبي
فما هو بالخلي ولا بصاح
503
سقى الله اليمامة دار قوم
بها عمرو يحن إلى الرواح
فقلت لها من عمرو هذا فقالت
سألت ولو علمت كففت عنه
ومن لك بالجواب سوى الخبير
فإن تك سائلا عنه فعمرو
مع القمر المضيء المستنير
ثم قالت أين تؤم قلت اليمامة فتنفست الصعداء ثم قالت
تذكرني بلادا حل أهلي
بها أهل المودة والكرامة
ألا فسقى الإله أجش صوت
يسح بدره بلد اليمامة
وحيا بالسلام أبا نجيد
فأهل للتحية والسلامة
ثم قالت
يخيل لي أيا كعب بن عمرو
بأنك قد حملت على السرير
فإن تك هكذا يا عمرو
إني مبكرة عليك إلى القبور
ثم شهقت شهقة فماتت فسألت عنها فقيل لي هي من ولد معرق بن النعمان ابن المنذر وعمرو بن كعب هوى لها باليمامة
فركبت ناقتي وسرت إلى اليمامة فسألت عن عمرو بن كعب فخبرت أنه مات في ذلك الوقت الذي قالت الجارية ما قالت
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبانا أبو محمد بن السراج قال أنبأنا أبو القاسم التنوخي قال أنبأنا علي بن عيسى بن علي النحوي قال حدثنا أبو بكر بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن الأصمعي قال حدثنا عبدالعزيز ابن أبي سلمة عن أيوب السختياني عن ابن سيرين قال قال عبد الله بن عجلان النهدي في الجاهلية
ألا إن هندا أصبحت منك محرما
وأصبحت من أدنى حميمها حمى
504
وأصبحت كالمقمور جفن سلاحه
يقلب بالكفين قوسا واسهما
ومد بها صوته حتى مات
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال أنبأنا محمد ابن جعفر الخرائطي قال حدثنا أبو الفضل الربعي قال حدثنا الرياشي عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال حدثني رجل من بني تميم قال خرجت في طلب ضالة لي فبينا أنا أدور في أرض بني عذرة أنشد ضالتي إذا ببيت معتزل عن البيوت وإذا في كسر البيت فتى شاب مغمى عليه وعند رأسه عجوز لها بقية من جمال ساهية تنظر إليه
فسلمت فردت السلام فسألتها عن ضالتي فلم يك عندها منها علم فقلت أيتها العجوز من هذا الفتى قالت ابني ثم قالت هل لك في اجر لا مؤونة فيه فقلت والله إني لأحب الأجر وإن رزئت فقالت إن ابني هذا كان يهوى ابنة عم له وكان علقها وهما صغيران فلما كبرا حجبت عنه فأخذه شبيه بالجنون ثم خطبها إلى أبيها فامتنع من تزويجه وخطبها غيره فزوجها إياه فنحل جسم ولدى واصفر لونه وذهل عقله فلما كان منذ خمس زفت إلى زوجها فهو كما ترى لا يأكل ولا يشرب مغمى عليه فلو نزلت إليه فوعظته
قال فنزلت إليه فلم أ دع شيئا من الموعظة إلا وعظته حتى أنى قلت فيما قلت إنهن الغواني صاحبات يوسف الناقضات العهد وقد قال فيهن كثير عزة
هل وصل عزة إلا وصل غانية
في وصل غانية من وصلها خلف
505
قال فرفع رأسه محمرة عيناه كالمغضب وهو يقول لست ككثير عزة إن كثيرا رجل مائق وأنا رجل وامق ولكني كأخي تميم حيث يقول
ألا لا يضير الحب ما كان ظاهرا
ولكن ما اجتاف الفؤاد يضير
ألا قاتل الله الهوى كيف قادني
كما قيد مغلول اليدين أسير
فقلت له فإنه قد جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال من أصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابه بي فأنشأ يقول
ألا ما للمليحة لم تعدني
أبخل بالمليحة أم صدود
مرضت فعادني أهلي جميعا
فما لك لا ترى فيمن يعود
فقدتك بينهم فبكيت شوقا
وفقد الإلف يا أملي شديد
وما استبطأت غيرك فاعلميه
وحولي من ذوي رحمي عديد
ولو كنت المريض لكنت أسعى
إليك وما يهددني الوعيد
قال ثم شهق شهقة وخفت فمات
فبكت العجوز وقالت فاضت والله نفسه فدخلني أمر لم يدخلني مثله فلما رأت العجوز ما حل بي قالت يا فتى لا ترع ما ت والله ولدي بأجله واستراح من تباريحه وغصصه ثم قالت هل لك في استكمال الصنعة قلت قولي ما أحببت
قالت تأتي البيوت فتنعاه إليهم ليعاونوني على رمسه فإني وحيدة
قال فركبت نحو البيوت فرسي فإذا أنا بجارية أجمل ما رأيت من النساء ناشرة شعرها حديثة عهد بعرس فقالت بفيك الحجر المصلت من تنعى قلت أنعى فلانا
قالت أوقد مات قلت إي والله قد مات
قالت فهل سمعت له قولا
قلت اللهم لا إلا شعرا
506
قالت وما هو قال فأنشدتها قوله
ألا ما للمليحة لم تعدني
أبخل بالمليحة أم صدود
فاستعبرت باكية وأنشأت تقول
عداني ان أزورك يا مناي
معاشر كلهم واش حسود
أشاعوا ما علمت من الدواهي
وعابونا وما فيهم رشيد
فلما أن ثويت اليوم لحدا
فكل الناس دورهم لحود
فلا طابت لي الدنيا فواقا
ولا لهم ولا أثرى العديد
ثم شهقت شهقة خرت مغشيا عليها وخرج النساء من البيوت واضطربت ساعة وماتت
فوالله ما برحت الحي حتى دفنتهما جميعا
وقد رويت لنا هذه الحكاية من طريق آخر
فأنبأنا محمد بن ناصر الحافظ قال أخبرنا المبارك بن عبد الجبار قال أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن السمسار ويعرف بابن قشيش قال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الكاتب قال حدثنا أبو بكر الأنباري قال حدثني أبي قال حدثنا أحمد بن عبيد عن أبي عبد الله الزيادي قال قال محمد بن قيس الأبيدي وجهني عامل المدينة إلى يزيد بن عبد الملك وهو خليفة في أمر من أمور الناس وكتب معي كتابا فسرنا حتى إذا خلفنا المدينة على مسيرة ثلاثة أيام إذا أنا برجل على قارعة الطريق حديث السن واضع رأسه في حجر امراة مختمرة قد خلا من نسبها وفيها بقية من جمال والشاب يتململ ويضطرب وكلما تنحى رأسه من حجرها ردت المرأة رأسه في حجرها وأنا على بغلة فسلمت فردت المرأة
507
ولم يرد الشاب فتفرست في مليا ثم قالت يا عبد الله هل لك في أجر من غير مرزأة
فقلت نعم والله إني لأحب الأجر وإن رزئت
قالت إن ابني هذا كان يهوى ابنة عم له وكان علقها وهما صغيران فلما حجبت خطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجها ونحن معاشر العرب إذا كان الرجل منا يألف المرأة في صغره لم يزوجوه مخافة أن ترمي بالعيب فيقال قد كان بينهما سوء قبل التزويج
قالت وخطب المرأة ابن عم لها آخر فزوجت منه
فهو على ما ترى منذ بلغه لا يأكل ولا يشرب ولا يصلي ولا يعقل فلو وعظته
قال فنزلت إليه فلم أدع له شيئا من الموعظة إلا وعظته وقلت له أترغب فيمن لا يرغب فيك وإن عظمت عليك المصيبة فيها فاذكر مصيبتك برسول الله A فإنه قال من أصيب بمصيبة فعظمت عليه فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصيبات
قال فوالله ما تركت شيئا من الموعظة إلا وعظته بها وفتلت له في الذروة والغارب وما يحير كلمة ولا جوابا أكثر من أن قال
ألا ما للمليحة لم تعدني
أبخل بالمليحة أم صدود
مرضت فعادني أهلي جميعا
فما لك لم ترى فيمن يعود
508
فقدتك بينهم فبكيت شوقا
وفقد الإلف يا أملي شديد
وما استنبطأت غيرك فاعلميه
وحولي من ذوي رحمي عديد
ولو كنت المريض لكنت أسعى
إليك وما يهددني الوعيد
قال ثم شهق وخفت فمات فدخلني أمر شديد وخفت أن يكون مات من عظتي وكلامي فلما رأت المرأة ما بي قالت هون عليك عاش بأجل ومات بقدر وقدم على رب غفور واستراح مما كان فيه من البلاء فهل لك في استتمام ما صنعت
فاسترحت إلى قولها وقلت فما هو قالت هذه أبيات منا غير بعيد فتأتيهم فتنعاه إليهم وتأمره بحضوره فأقبلت أنعناه إليهم وقد حفظت الشعر فبينا أناأنعاه إليهم إذا خيمة قد رفع جانب منها فإذا امرأة قد خرجت كأنها القمر ليلة البدر ناشرة شعرها تجر خمارها وهي تقول بفيك الحجر من تنعى
قلت فلان بن فلان قالت الله لقد زارته شعوب قلت نعم
قالت فهل قال من قول قبل وفاته قلت نعم وقد حفظته
فأنشدتها الشعر فوالله ما نهنهت أن قالت
عداني أن أزورك يا حبيبي
معاشر كلهم واش حسود
أشاعوا ما سمعت من الدواهي
وعابونا وما فيهم رشيد
فأما إذ ثويت اليوم لحدا
ودور الناس كلهم اللحود
فلا طابت لي الدنيا فواقا
ولا لهم ولا أثرى عديد
509
وبالإسناد قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا علي بن الأعرابي قال قال الضبي عشق كامل بن الوضين امرأة عبد الله بن مسافر ابنة عمه فلم يزل به العشق حتى صار كالشن البالي فشكا أبوه إلى أبيها ما نزل بابنه فأمر فحمل إلى داره ليزوجها منه ولم يعلم كامل بن الوضين فعلم فقال وإن أسماء لتسمع كلامي قيل نعم فشهق شهقة وقضى مكانه فقيل لها مات بغصة شجنه قالت والله لأموتن بمثلها ولقد كنت على زيارته قادرة فمنعني منها قبح ذكر الريبة ومرضت فلما اشتد بها المرض قالت لأشفق نسائها عليها صوري لي مثاله فإني احب أن أزوره قبل موتي ففعلت فلما وصلت الصورة اعتنقتها وشهقت فقضت فطلب أبو الفتى إلى أبيها أن يدفنها بالقرب من قبر ابنه ففعل وكتب على قبريهما
بنفسي هما لم يمتعا بهواهما
على الدهر حتى غيبا في المقابر
أقاما على غير التزاور برهة
فلما أصيبا قربا بالتزاور
فيا حسن قبر زار قبرا يحبه
ويا زورة جاءت بريب المقادر
وبالإسناد قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثني أحمد بن عباس الصائغ قال حدثني أحمد بن معاوية بن بكر الباهلي قال حدثني رجل من بني عذرة قال كان فينا فتى ظريف غزل وكان كثيرا ما يتحدث إلى النساء فهوى جارية من الحي فراسلها فأظهرت له جفوة فوقع مضني مدنفا وظهر أمره وتبينت دنفه فلم يزل النساء من هله وأهلها يكلمونها فيه حتى أجابته فصارت إليه عائدة ومسلمة فلما نظر إليهم تحدرت عيناه بالدموع وأنشأ يقول
أريتك إن مرت عليك جنازتي
يلوح بها أيد طوال وشرع
أما تتبعين النعش حتى تسلمي
على رمس ميت في الحفيرة مودع
قال فبكت رحمة له وقالت ما ظننت أن الأمر بلغ بك هذا
510
فوالله لأساعدنك ولأداومن على وصلك فهملت عيناه بالدموع وأنشأ يقول
دنت وظلال الموت بيني وبينها
ومنت بوصل حين لا ينفع الوصل
ثم شهق شهقة خرجت نفسه فوقعت عليه تلثمه وتبكي فرفعت عنه مغشيا عليها فما مكثت بعده إلا أياما حتى ماتت
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال وجدت بخط أحمد بن محمد ابن علي الأبنوسي ونقلته من أصله قال حدثنا أبو محمد علي بن عبد الله بن المغيرة الجوهري قال حدثنا أحمد بن محمد بن أسد الأزدي قال أنبأنا الساجي عن الأصمعي قال رايت بالبادية رجلا قد عظمه وضؤل جسمه ورق جلده فتعجبت فدنوت منه أسأله عن حاله فلم يرد جوابا فسألت جماعة حوله عن حاله فقالوا اذكر له شيئا من الشعر يكلمك فقلت
سبق القضاء بأنني لك عاشق
حتى الممات فأين منك مذاهبي فشهق شهقة ظننت أن روحه قد فارقته ثم أنشأ يقول
أخلو بذكرك لا أريد محدثا
وكفى بذلك نعمة وسرورا
أبكي فيطربني البكاء وتارة
يأبى فيأتي من أحب أسيرا
قال فقلت له أخبرني عنك قال إن كنت تريد علم ذلك فاحملني وألقني على باب تلك الخيمة ففعلت فأنشأ يقول بصوت ضعيف يرفعه بجهده
ألا ما للمليحة لا تعود
أبخل بالمليحة أم صدود
فلو كنت المريضة جئت أسعى
إليك ولم ينهنهني الوعيد
فإذا جارية مثل القمر قد خرجت فألقت نفسها عليه فاعتنقا وطال ذلك فسترتهما بثوبي خشية أن يراهما الناس فلما خفت عليهما الفضيحة فرقت بينهما
511
فإذا هما ميتان فما برحت حتى صليت عليهما ودفنتهما فسألت عنهما فقيل لي عامر بن غالب وجميلة بنت أميل المزنيان فانصرفت
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك ومحمد بن ناصر قالا أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المازني قال حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني محمد بن المرزبان قال حدثنا أبو معاذ القيسي قال حدثنا أبو عبد الرحمن بن عائشة قال حدثنا أبو منيع قال حدثنا عبد لآل الحارث بن عبيد قال رأيت شيخا جالسا على هضبة يبكي فقلت له ما يبكيك قال الرحمة لجارية منا كانت تنزل في أقصى بلاد كلب فتزوجها رجل من أهل الكوفة فغلبها الشوق وأضر بها الجوى فأشرفت فوق علية وأنشأت تقول
لعمري لئن اشرفت أرفع ما أرى
وكلفت عيني منظرا متعاديا
وقلت زيادا تؤنسين وأهله
أم الشوق يدني منك ما ليس دانيا
وقلت لبطن الجن حين رأيته
سقى الله أعلاك السحاب الغواديا
ثم قضت من وقتها في مكانها
بطن الجن واد
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال نقلت من خط ابن حيويه عن ابن المرزبان قال أخبرني بعض أصحاب المدائني قال أنبأنا هشام بن محمد بن السائب قال كان بالمدينة رجل من ولد عبد الرحمن بن عوف وكان شاعرا وكان عنده ابنة عم له وكان عاشقا لها مستهترا بها فضاق ضيقة شديدة وأراد المسير إلى هشام إلى الرصافة فمنعه من ذلك ما كان يجد بها وكره فراقها فقالت له يوما وقد بلغ منها الضيق يا بن عم ألا تأتي الخليفة لعل الله تعالى أن يقسم لك
512
منه رزقا فيكشف به بعض ما نحن فيه فلما سمع ذلك منها نشط للخروج فتجهز ومضى حتى إذا كان من الرصافة على أميال خطر ذكرها بقلبه وتمثلت له فلبث ساعة شبيها بالمغمى عليه ثم أفاق فقال للجمال احبس فحبس إبله فأنشأ يقول
بينما نحن من بلا كث فالقاع
سراعا والعيس تهوى هويا
خطرت خطرة على القلب من ذكراك
وهنا فما أطقت مضيا
قلت لبيك إذ دعاني لك الشوق
وللحاديين ردا المطيا
ثم قال للجمال ارجع بنا فقال له سبحان الله قد بلغت وهذه أبيات الرصافة فقال والله لا تخطو خطوة إلا راجعة
فرجع حتى إذا كان من المدينة على قدر ميل لقيه بعض بني عمه فأخبره أن امرأته قد توفيت فشهق شهقة وسقط عن ظهر البعير ميتا
أخبرنا عمر بن ظفر المقرىء وشهدة بنت أحمد الإبري قالا أنبأنا جعفر بن أحمد القاري قال أنبأنا عبد العزيز بن علي الأزجي قال حدثنا أبو الحسن ابن جهضم الصوفي قال حدثنا أحمد بن إبراهيم بن علي قال حدثنا محمد بن جعفر الكاتب عن محمد بن الحسين البرجلاني عن جعفر بن معاذ قال أخبرني أحمد بن سعيد العابد عن أبيه قال كان عندنا بالكوفة شاب يتعبد لازم للمسجد الجامع لا يكاد يخلو منه وكان حسن الوجه حسن القامة حسن السمت فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل فشغفت به وطال ذلك عليها فلما كان ذات يوم وقفت له على طريقه وهو يريد منزله فقالت له يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها ثم اعمل ما شئت فمضى ولم يكلمها ثم وقفت له بعد ذلك على طريقه وهو يريد منزله فقالت له يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها
513
فأطرق مليا وقال لها هذا موضع تهمة وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعا
فقالت له والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك ولكن معاذ الله أن يتشرف العباد إلى مثل هذا مني والله إن الذي حملني على أن لقيتك في هذا الأمر بنفسي لمعرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير وأنتم معاشر العباد في مثال القوارير أدنى شيء يعيبه وجملة ما أكلمك به أن جوارحي كلها مشغولة بك فالله الله في أمري وأمرك
قال فمضى الشاب إلى منزله وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي فأخذ قرطاسا وكتب كتابا ثم خرج من منزله فإذا بالمرأة واقفة في موضعها فألقى إليها الكتاب ورجع إلى منزله
وكان الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم
اعلمي أيتها المرأة أن الله تبارك وتعالى إذا عصى حلم فإذا عاود العبد المعصية ستره فإذا لبس لها ملابسها غضب الله عز وجل لنفسه غضبة تضيق منها السموات والأرض والجبال والشجر والدواب فمن ذا يطيق غضبه
فإن كان ما ذكرت باطلا فإني أذكرك يوما تكون السماء كالمهل وتصير الجبال كالعهن وتجثو الأمم لصولة الجبار العظيم وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي فكيف بإصلاح غيري
وإن كان ما ذكرت حقا فإني أدلك على طبيب هو أولى بالكلوم الممرضة والوجاع المرمضة ذلك الله رب العالمين فاقصديه على صدق المسألة فإني متشاغل عنك بقوله عز وجل
وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور
فأين المهرب من هذه الآية
514
ثم جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على طريقه فلما رآها من بعيد أراد الرجوع إلى منزله لئلا يراها
فقالت يا فتى لا ترجع فلا كان الملتقى بعد هذا أبدا إلا بين يدي الله عز وجل
وبكت بكاء كثيرا ثم قالت أسأل الله عز وجل الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك ثم تبعته فقالت امنن علي بموعظة أحملها عنك وأوصني بوصية أعمل عليها
فقال لها الفتى أوصيك بحفظ نفسك من نفسك وأذكرك قوله عز وجل
وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار
قال فأطرقت وبكت بكاء أشد من بكائها الأول ثم أفاقت ثم لزمت بيتها وأخذت في العبادة
قال فكانت إذا جهد بها الأمر تدعو بكتابه فتضعه على عينيها فيقال لها وهل يغني هذا شيئا فتقول وهل لي دواء غيره
وكان إذا جن عليها الليل قامت إلى محرابها فلم تزل على ذلك حتى ماتت كمدا
فكان الفتى يذكرها ثم يبكي عليها فيقال له مم بكاؤك وأنت أيستها فيقول إني ذبحت طمعي منها في أول مرة وجعلت قطعها ذخيرة لي عند الله عز وجل وإني لأستحي من الله عز وجل أن أسترد ذخيرة أدخرتها عنده
قال ابن السراج قال لنا أبو القاسم الأزجي ووجدت في نسخة مسموعة
515
عن الزبنبي زيادة ثم إن الجارية لم تلبث أن بليت ببلية في جسمها فكان الطبيب يقطع من لحمها أرطالا وكان الطبيب قد عرف حديثها مع الفتى فكان إذا أراد أن يقطع لحمها يحدثها بحديث الفتى فما كانت تجد لقطع لحمها ألما ولا كانت تتأوه فإذا سكت تأوهت فلم تزل كذلك حتى ماتت كمدا
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال حدثنا إبراهيم بن عمر البرمكي قال أنبأنا أبو الحسين الزينبي قال حدثنا ابن المرزبان قال حدثني معاذ بن عمرو الباهلي عن موسى بن داود قال حدثني زياد بن امية قال سمعت معافى الكوفي يقول كان عندنا بالكوفة فتى من آل المهلب بن أبي صفرة وكان ناسكا له ورع وكان ينزل في كندة وكان كثيرا ما يغشى مجالس الذكر فيبكي حتى يرق له أهل المسجد ويبكون لبكائه وكان حسن الوجه حسن النطق
قال فرأته امرأة ممن كان يحضر المجالس فأحبته فكانت لا تكاد تفارق المجالس التي تعلم أنه يحضرها فإذا انصرف قامت له بالطريق فإذا مر بها تنفست الصعداء ثم قالت
ألا أيها الماشي بسمت وهيئة
ووجه جميل ما لنا فيك مطمع
أموت وأحيا عند ذكرك تارة
ففي القلب مني حرقة ليس ترفع
أليس عجيبا عاشق يكتم الهوى
يعلل بالآمال قلبا يقطع
بمن ليس يدري أنني في وثاقه
بروضة أحزان بها الحزن يزرع
قال ثم تولى فكان هذا دأبها حينا والفتى في غفلة لا يعلم بشيء منه
516
فلما طال عليها ذلك وخشيت أن تبدي به وقفت في بعض طرقه التي كان يمر فيها فقالت
ألا أيها الساهي وليس بذي سهو
رويدك إني عنك لست بذي لهو
قال فوقف فقال لها ما حاجتك فقالت أتنصف من ناظرك أم تجوز عليه في حكمك إذ صير أمره إليك
فقال لها ويحك إني قد أنكرت مقالتك إنكارا شديد واستوحشت منها جوارحي وما أجد إلى الوقوف معك سبيلا أحتج به عند ربي غدا ثم ولى وتركها
فأتى منزله مغموما منا فلزم منزله فكان لا يخرج منه حذارا أن يلقاها فتكلمه
قال وكانت امرأة ذات جمال وهيبة وجعلت تطلبه وتسأل عنه من يعرفه فيخبرها أنه قد لزم بيته فلما طال ذلك عليها كتبت بهذه الأبيات
تقول التي قد شفها حب ناسك
وأمرضها حتى تغير حالها
وصيرها مثل القضيب بروضة
تزعزعه ضعفا هناك شمالها
وخلاه للأحزان فردا معذبا
ومالي والأحزان مالي ومالها
أفي النسك أن لا ترحم اليوم عاشقا
شكا حرقة في القلب من ظالم لها
قال وبعثت بها إليه وقالت للرسول أخبريه بما ترى من شدة الألم فلعل الله أن يسهل أمره ويعطف قلبه ولا تقصري في ترغيبه في وماله في ذلك من الأجر
قال فأتته المرأة فاستأذنت عليه فأذن لها فدخلت عليه فسلمت عليه وقالت أيها الرجل إني قد حملت نفسي على أمر لم يكن من شأني غير أني تحملته
517
رجاء الثواب وحسن الجزاء من الله عز وجل وإني أريد أن ألقي إليك أمرا لست أحب فيه مفارقة الحق فإني رأيت كل باطل عند الحق مضمحلا وكل أمر يدعو إلى ضرر في الآخرة فاسدا
فقال قولي أيتها المراة ما بدا لك أن تقولي ودعي الإكثار فإن النهار يمضي والساعات تحصى
قال فأقرأته الشعر وأخبرته بحالها فقال أيتها المرأة إن لله محنا يمتحن بها عباده وأولياءه وأحباءه لينظر كيف طاعتهم له وكيف إيثارهم إياه عند اجتماع شهوات قلوبهم وما أظن إلا أن الله ابتلاني بما ذكرت من أمر هذه المرأة ليمتحنني ووالله مالي طاقة بمحن ربي إن لم يوفقني ويثبتني والله لمفارقة الأحبة في مرضاته أحب إلي من المقام معهم والاشتغال بما يقطعني عن خدمته والتحبب إليه فأبلغيها عني السلام وقولي لها قد سمعت دعواك وما ذكرت وإني والله ما أنا براض عن نفسي في خدمة من إليه فقرى وحاجتي فكيف إذا علقتها ببلاء لا يمكنني التخلص منه
قال فخرجت المرأة من عنده فأتتها وأخبرتها بمقالته فجعلت تبكي ثم قالت لها فكيف كان إنصاته لكلامك حين أنشدته الشعر قالت يا أختاه رأيت رجلا مزورا مستوقرا كأنه قد نصب الآخرة بين عينيه فهو ينظر إليها فأبقى على نفسك ولا تهلكيها فتندمي حين لا تغني الندامة
قال فلزمت منزلها وقالت والله لا أخرج منه إلى موضع أبدا ولأجعلنه قبري أيام حياتي
قال ثم لزمت الصلاة فكانت لا تهتدي الليل والنهار من الصلاة فكانوا يسمعونها فكانت تبكي بكاء شديدا فقيل لها في ذلك
فقالت
518
إني والله قد غلب على قلبي ذكره حتى لا يفارقني وإني لأذكر ذنوبي فأبكى على تفريطي ثم أذكره فأبكي عليه فيهيج من قلبي شجو لا يشبهه شجو وإني أسال الذي حرمني قربه في الدنيا أن ينسيني ذكره وأن يجمع بيني وبينه في داره
قال ومرضت مرضا شديدا وبليت في بدنها بلاء عظيما قال فكان المعالج إذا بدأ بمعالجتها حادثها فيقول يا فلانة ما هذا الجزع الذي تجزعين فوالله ما رأيت رجلا هو أهيأ ولا أحسن هديا ولا أصبر على بلاء إذا نزل به من فتى في جيراني يقال له فلان يعني صاحبها فتسكت ثم تقول هي حدثني وهو يقطع من لحمها وكأنها لما غلب على قلبها من المحبة لذكره لا تحس بما يصنع بها فإذا كف عن ذكره توجعت وجزعت فما زالت في حالها تلك حتى ماتت
فلقد رأيته في جنازتها مغطى الرأس حتى دفنها وكنت كثيرا إذا مررت بالمقابر أراه عند قبرها
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري قال أنبأنا صاعد بن سيار قال أنبأنا أحمد ابن أبي سهل الغورجي قال أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الحافظ قال أنبأنا أحمد بن محمد بن العباس قال أنبأنا عبد الله بن موسى السلامي قال حدثنا محمد بن يعفور قال حدثنا العلاء بن منصور قال حدثنا الأصمعي قال بت عند بعض الأعراب في البادية وله ولد مضني على فراشه فقال لي أبوه ابني هذا قد نزل به ما ترى من الشعق فدنوت إليه فقال أنشدني شيئا فقلت لست بشاعر فقال لولا أنك ضيف لسألتك أن تحدثني ولكن من حق الضيافة أن يحدث الضيف فقلت له فما حالك فحدثني بحديث طويل ثم شهق شهقة وقال
كأن فؤادي طائر حان ورده
فهز جناحيه اشتياقا إلى الورد
ثم فاضت نفسه فكنت فين صلى عليه
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا ابن السراج قال وجدت بخط ابن حيويه يقول حدثنا محمد بن خلف قال حدثني عبد الواحد بن محمد قال حدثني محمد بن الهيثم ابن عدي عن الهيثم قال حدثنا محمد بن مالك قال حدثني عثمان بن عمر التميمي
قال هوى فتى من بني أسد فتاة من فخذه وكان أيسر منها واغنى وكان أبوه يمنعه من أن يتزوج بها ويريد له أشرف منها وأيسر ويعرض عليه غيرها فيأبى إلا هي وكان أبوها قد حبسها عليه رجاء أن يتزوجها فلما طال على أبيه وأيس منه زوجها من غيره فلقيها الفتى يوما فقال لها
لعمري يا سعدى لطال تأيمي
ومعصيتي شيخي فيك كليهما
وتركي ذا الحيين لم أبغ منهما
سواك ولم يربع هواي عليهما
فقالت الجارية
حبيبي لا تعجل لتفهم حجتي
كفاني ما بين من بلاء ومن جهد
ومن عبرات تعتريني وزفرة
تكاد لها نفسي تسل من الوجد
غلبت على نفسي جهادا ولم أطق
خلافا على أهلي بهزل ولا جد
ولن يمنعوني أن أموت برغمهم
غدا جوف هذا الغار في جدث وحدي
فلا تنس أن تأتي هناك فتلتمس
مكاني فتسلوا ما تحملت من جهد
فلما كان من غد أتاها حيث زعمت له فوجدها ميتة فأدخلها شعبا ثم التزمها فمات معها
قال فالتمسا حولا فلم يقدر عليهما ولم يعلم لهما خبر فإذا هاتف يهتف على الجبل الذي هما فيه وكان الجبل يدعى أعرافا
إن الكريمين ذوى التصافي
الذاهبين بالوفاء الصافي
519
كأن فؤادي طائر حان ورده
فهز جناحيه اشتياقا إلى الورد
ثم فاضت نفسه فكنت فيمن صلى عليه
أخبرنا شهدة قالت أنبأنا ابن السراج قال وجدت بخط ابن حيوية يقول حدثنا محمد بن خلف قال حدثني عبد الواحد بن محمد قال حدثني محمد بن الهيثم ابن عدي عن الهيثم قال حدثنا محمد بن مالك قال حدثني عثمان بن عمر التميمي قال هوى فتى من بني أسد فتاة من فخذه وكان أيسر منها وأغنى وكان أبوه يمنعه من أن يتزوج بها ويريد له أشرف منها وأيسر ويعرض عليه غيرها فيأبى إلا هي وكان أبوها قد حبسها عليه رجاء أن يتزوجها فلما طال على أبيها وأيس منه زوجها من غيره فلقيها الفتى يوما فقال لها
لعمري يا سعدى لطال تأيمي
ومعصيتي شيخي فيك كليهما
وتركي ذا الحيين لم أبغ منهما
سواك ولم يربع هواي عليهما
فقالت الجارية
حبيبي لا تعجل لتفهم حجتي
كفاني ما بي من بلاء ومن جهد
ومن عبرات تعتريني وزفرة
تكاد لها نفسي تسل من الوجد
غلبت على نفسي جهادا ولم أطق خلافا على أهلي بهزل ولا جد
ولن يمنعوني أن أموت برغمهم
غدا جوف هذا الغار في جدث وحدى
فلا تنس أن تأني هناك فتلتمس
مكاني فتسلو ما تحملت من جهد
فلما كان من غد أتاها حيث زعمت له فوجدها ميتة فأدخلها شعبا ثم التزمها فمات معها قال فالتمسا حولا فلم يقدر عليهما ولم يعلم لهما خبر فإذا هاتف يهتف على الجبل الذي هما فيه وكان الجبل يدعى أعرافا
إن الكريمين ذوي التصافي
الذاهبين بالوفاء الصافي
520
والله ما لقيت في تطوافي
أبعد من غدر ومن إخلاف
من ميتين في ذرا أعراف
قال فصعد القوم الجبل فوجدوهما ميتين فواروهما
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبدالجبار قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه قال حدثنا محمد بن خلف قال وذكر بعض الرواة عن العمري قال كان أبو عبد الله الحبشاني يعشق صفراء العلاقمية وكانت سوداء فاشتكى من حبها وضني حتى صار إلى حد الموت فقال بعض أهله لمولاها لو وجهت صفراء إلى أبي عبد الله الحبشاني فلعله يعقل إذا رآها ففعل فلما دخلت عليه صفراء قالت كيف أصبحت يا أبا عبد الله قال بخير مالم تبرحي قالت ما تشتهي قال قربك قالت فما تشتكي قال حبك قالت فتوصي بشيء قال نعم أوصي بك إن قبلوا مني فقالت إني أريد الانصراف قال فتعجلي ثواب الصلاة علي فقامت فانصرفت فلما رآها مولية تنفس الصعداء ومات من ساعته
أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز عن أبي إسحاق البرمكي عن أبي بكر بن سالم قال ذكر محمد بن موسى البربري قال حدثني محمد بن أبي السرى الأزدي قال حدثنا هشام بن محمد الكلبي عن عوانة بن الحكم أن عبد الله بن جعفر وفد إلى عبد الملك بن مروان فحدثه قال اشتريت جارية مولدة بعشرة آلاف درهم فوصفت ليزيد بن معاوية فأرسل إلي إما تهديها لي وإما أن تبيعها بحكمك فأرسلت إليه لا تخرج والله عن ملكي ببيع ولا هبة أبدا
ومكثت عندي على تلك الحال لا أزداد لها إلا حبا حتى أتتني عجوز من عجائزنا فذكرت أن بعض عزاب أهل المدينة يهواها وأنه يجيء في كل يوم متنكرا فيقف بالباب حتىي يسمع غناءها فراعيت مجيئه ليلة فإذا به قد أقبل متقنع
521
الرأس حتى قعد مستخفيا فدعوت قيمة الجارية فقلت انطلقي الساعة فأصلحي هذه الجارية بأحسن ما أمكن وعجلي بها إلى فلما جاءت بها نزلت قابضا على يدها وفتحت الباب ثم حركت الرجل فانتبه مذعورا فقلت لا بأس عليك خذ بيد هذه الجارية هي لك فإذا هممت ببيعها فارددها إلى فدهش الفتى ولبط به فدنوت إلى أذنه فقلت ويحك قد أظفرك الله عز وجل ببغيتك فانصرف إلى منزلك فإذا الفتى ميت كأن لم يكن فلم أر شيئا قط أعجب من ذلك وهانت الجارية في عيني وكرهت أن أوجه بها إلى يزيد فيعلم حالها أو تخبره عن نفسها فيحقد ذلك علي فمكثت مديدة ثم ماتت ولا أظنها ماتت إلا كمدا وأسفا على الفتى
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي قال أنبأنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه قال أنبأنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان قال أنبأنا أحمد بن محمد بن منصور بن سيار قال أخبرني عبد الله بن نصر المروزي قال أخبرني عبد الله بن سويد عن أبيه قال سمعت علي بن عاصم يقول قال لي رجل من أهل الكوفة من بعض إخواني هل لك في عاشق تراه
فمضيت معه فرأيت فتى كأنما نزعت الروح من جسده وهو متزر بإزار مرتد بآخر وإذا هو مفكر وفي ساعده وردة فذكرنا له بيتا من الشعر فتهيج وقال
جعلت من وردتها
تميمة في عضدي
أشمها من حبها
إذا علاني جهدي
فمن رأى مثلي فتى
بالحزن أضحى مرتدي
أسقمه الحب وقد
صار قليل الأود
وصار ساه دهره
مقارنا للكمد
ألا فمن يرحم أو
يرق لي من كمد
522
ثم أطرق فقلت ما شأنه قالوا عاشق جارية لبعض أهله فاعطى بها كل ما يملك وهو سبعمائه دينار فأبوا أن يبيعوها فنزل به ما ترى وفقد عقله
قال فخرجنا فلبثنا ما شاء الله ثم مات فحضرت جنازته فلما سوى عليه إذا بجارية تسأل عن القبر فدللتها عليه فما زالت تبكي وتأخذ التراب فتجعله في شعرها
فبينا هي كذلك إد جاء قوم يسعون فأقبلوا عليها ضربا فقالت شأنكم والله لا تنتفعون بي بعده أبدا
وقد رويت لنا هذه الحكاية أبسط من هذا
أخبرتنا شهدة بنت أحمد الإبري قالت أنبأنا جعفر بن أحمد المقري قال أنبأنا محمد بن علي بن الفتح قال أنبأنا أبو الحسين محمد بن عبد الله إجازة قال حدثنا جعفر الخلدي قال حدثنا ابن مسروق قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا سويد بن سعيد قال سمعت علي بن عاصم يقول قال لي رجل أهل الكوفة من بعض إخواني أريك فتى عاشقا قلت بلى والله فإني أسمع الناس ينكرون العشق وذهاب العقل فيه وإني لأحب رؤيته فعدني يوما أجيء معك فيه
قال فوعدته يوما فمضينا فأنشأ صاحبي يحدثني عن نسكه وعبادته وما كان فيه من الاجتهاد قلت وبمن هو متعلق قال بجارية لبعض أهله كان يختلف إليهم فوقعت في نفسه فسألهم أن يبيعوها منه فأبوا وبذل لهم جميع ملكه وهو سبعمائة دينار فأبوا عليه ضرارا وحسدا أن يكون مثلها في ملكه
فلما أبوا عليه بعثت إليه الجارية وكانت تحبه حبا شديدا مرني بأمرك فوالله لأطيعنك ولأنتهين إلى أمرك في كل ما أمرتني به فأرسل إليها عليك بطاعة
523
الله فإن عليها المعول والسكون إليها وبطاعة من يملك رقك فإنها مضمومة إلى طاعة ربك عز وجل ودعى الفكر في أمري لعل الله ان يجعل لنا فرجا يوما من الدهر فوالله ما كنت بالذي تطيب نفسي بنيل شيء أحبه أبدا في ملكي فأمنعه أمد يدي إليه حراما بغير ثمن ولكن أستعين بالله على أمري فليكن هذا آخر رسلك إلى ولا تعودي فإني أكره والله أن يراني الله تعالى وأنا في قبضته ملتمسا أمرا يكرهه مني
فعليك بتقوى الله عز وجل فإنها عصمة لأهل طاعته وفيها سلو عن معصيته قال ثم لزم الاجتهاد الشديد ولبس الشعر وتوحد فكان لا يدخل منزله إلا من ليل إلى ليل وهو مع ذلك مشغول القلب بذكرها ما يكاد يفارقه
فوالله ما زال الأمر به حتى قطعه فهو الآن ذاهب العقل واله في منزله
قال ثم صرنا إلى الباب فاستأذنا فأذن لنا
قال علي فدخلت إلى دار قوراء سرية وإذا أنا بشاب في وسط الدار على حصير متزر بإزار مرتد بآخر
قال فسلمنا عليه فلم يرد علينا السلام فجلسنا إلى جنبه فإذا هو من أجمل من رأيت وجها وهو مطرق ينكت في الأرض ثم ينظر إلى ساعده ثم يتنفس الصعداء حتى أقول قد خرجت نفسه وهو مع ذلك كالخلال من شدة الضر الذي به
قال فالتفت فإذا أنا بوردة حمراء مشدودة في عضده قال فقلت لصاحبي ما هذه فوالله ما رأيت العام وردا قبل هذه فقال أظن فلانة سماها بعثت بها إليه فلما سماها رفع رأسه فنظر إلينا ثم قال
جعلت من وردتها
تميمة في عضدي
أشمها من حبها
إذا علاني كمدي
524
فمن رأى مثلي فتى
بالحزن أضحى مرتدي
أسقمه الحب فقد
صار حليف الأود
وصار سهوا دهره
مقارنا للكمد
قال ثم أطرق فقلت الساعة والله يموت
قال علي بن عاصم وورد على من أمره مالم أتمالك وقمت أجر ردائي فوالله ما بلغت الباب حتى سمعت الصراخ فقلت ما هذا فقالوا مات والله
قال على فقلت والله لا أبرح حتى أشهده
قال وتسامع الناس فجاءوا بطبيب فقال خذوا في أمر صاحبكم فقد مضى لسبيله فغسلوه وكفنوه ودفنوه وانصرف الناس فقال لي صاحبي امض بنا فقلت امض أنت فإني أريد الجلوس ها هنا ساعة فمضى فما زلت أبكي وأعتبر به وأذكر أهل محبة الله عز وجل وما هم فيه
قال فبينا أنا على ذلك إذا أنا بجارية قد أقبلت كأنها مهاة وهي تكثر الالتفات فقالت لي يا هذا أين دفن هذا الفتى قال علي فرأيت وجهها ما رأيت قبله مثله فأومأت إلى قبره
قال فذهبت إليه فوالله ماتركت على الأرض كثير تراب إلا ألقته على وجهها وجعلت تتمرغ فيه حتى ظننت أنها ستموت فما كان أسرع من أن طلع القوم يسعون حتى جاءوا إليها وأخذوها فجعلوا يضربونها فقمت إليهم فقلت رفقا بها رحمكم الله قالت دعهم أيها الرجل يبلغوا همتهم فوالله لا انتفعوا بي أبدا بعده أيام حياتي فليصنعوا بي ما شاءوا
فإذا هي التي كان يحبها الفتى فانصرفت
525
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا التنوخي قال حدثنا ابن حيويه قال أنبأنا ابن المرزبان قال ذكر بعض الرواة عن محمد بن معاوية قال حدثني إبراهيم بن عثمان العذري وكا ينزل الكوفة قال رأيت عمر بن ميسرة وكان كهيئة الخيال وكأنه صبغ بالورس لا يكاد يكلم أحدا ولا يجالسه وكانوا يرون أنه عاشق فكانوا يسألوه عن قصته فيقول
يسائلني ذو اللب عن طول علتي
وما أنا بالمبدي لذا الناس علتي
سأكتمها صبرا على حر جمرها
وأكتمها إذ كان في السر راحتي
إذا كنت قد أبصرت موضع علتي
وكان دوائي في مواضع لذتي
صبرت على دائي احتسابا ورغبة
ولم أك أحدوثات أهلي وخلتي
قال فما أظهر أمره ولا علم أحد بقصته حتى كان عند الموت فإنه قال إن العلة التي كانت بي من أجل فلانة ابنة عمي والله ما حجبني عنها وألزمني الضر إلا خوف الله عز وجل لا غير فمن بلي في هذه الدنيا بشيء فلا يكن أحد أوثق عنده بسره من نفسه ولولا أن الموت نازل بي الساعة ما حدثتكم فأقرءوها مني السلام ومات
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال وجدت بخط ابن حيويه ونقلته منه قال حدثنا أبو بكر بن المرزبان قال أخبرني صالح بن يوسف قال أخبرني أبو عثمان المازني قال أنبأنا العتبي عن شبابة بن الوليد العذرى أن فتى من عذرة يقال له أبو مالك بن النضر كان عاشقا لابنة عم له عشقا شديدا فلم يزل على ذلك مدة ثم إنه قعد بضع عشرة سنة لا يحس له خبر
526
قال شبابة فاضتللت إبلا لي فخرجت في طلبها فبينا أنا أسير في الرمال إذا بهاتف يهتف بصوت ضعيف
يا بن الوليد ألا تحمون جاركم
وتحفظون له حق القرابات
عهدي إذا جار قوم نابه حدث
وقوة من كل مفروج الملمات
هذا أبو مالك الممسي ببلقعة
مع الضباع وآسادج وغابات
طليح شوق بنار الحب محترق
تعتاده زفرات إثر لوعات
أما النهار فيضنيه تذكره
والليل مرتقب للصبح هل يأتي
يهذي بجارية من عذرة اختلست
فؤاده فهو منها في بليات
فقلت دلني عليه رحمك الله قال نعم اقصد الصوت فلما قصدت سمعت أنينا من خباء فإذا قائل يقول
يا رسيس الهوى أذبت فؤادي
وحشوت الحشا عذابا أليما
فدنوت فقلت أبو مالك قال نعم فقلت ما بلغ بت ما ارى قال حبي سعاد ابنة أبي الهيذام العذرى شكوت يوما ما أجد من حبها إلى ابن عم لنا فاحتملني إلى هذا الوادي منذ بضع عشرة سنة يأتيني كل يوم بخبرها ويقوتني من عنده
فقلت إني أصير إلى أهلها فأخبرهم بما رأيت قال أنت وذلك فانصرفت فأخبرتهم فرقوا له فزوجوه بحضرتي فرجعت إليه أفرج عنه فلما أخبرته الخبر حدد النظر إلى ثم تأوه تأوها شديدا بلغ من قلبي ثم قال
الآن إذ حشرجت نفسي وحاضرها
فراق دنيا وناداها مناديها
527
ثم زفر زفرة فمات فدفنته في موضعه ثم انصرفت فأخبرتهم الخبر فأقامت الجارية بعده ثلاثا لا تطعم ثم ماتت
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا أبو الفضل الربعي قال حدثنا محمد بن عبيد الله العتبي عن من حدثه قال رأيت امرأة منحطة على قبر وهي تقول
فيا قبر لو شفعتني فيه مرة
فأخرجته من ظلمة القبر واللحد
فكنت أرى هل غير الترب وجهه
وهل عاث دود اللحد في ذلك اللحد
فقلت لها من صاحب القبر منك قالت ابن عم لي تزوجني فطفق لا يروى مني ولا أنهل منه حتى كان العام الماضي وغزتنا سليم وليس في الحي غيري وغيره فخرج يحمى وهو يقول
نعتني زبيد إن شكوت حليلتي
طعاني وكرى ما إذا الخيل كرت
فإن مت فأغزى كل يوم وليلة
بذكرى ولا تنسي أميمة خلتي
فوالله ما برح يقاتل حتى قتل
قلت فكم سنة كانت له قالت أنا أكبر منه ولي تسع عشر سنة والله لا شممت روح الدنيا أكثر من هذه الساعة فظننتها هازئة فلما أصبحت رأيت جنازة فسألت عنها فقيل لي هذه الجارية التي كانت تحدثك بالأمس عند القبر عن بعلها والله لقد وفت لبعلها وصدقت في نفسها
وبالإسناد قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا علي بن الفضل العمري عن الربيع بن زياد قال رأيت جارية عند قبر وهي تقول
بنفسي فتى أوفى البرية كلها
وأقواهم في الموت صبرا على الحب
528
فقلت بم صار أقواهم وأوفاهم قالت هوى فكان أهلي إذا جاهر بحبي لأموه وإذا كتمه عنفوه فلما أخذه الأمر قال بيتين من الشعر ولم يزل يرددهما إلى أن مات قلت وما هما قالت قوله
يقولون إن جاهرت قد عضك الهوى
وإن لم أبح بالحب قالوا تصبرا
فما للذي يهوى ويكتم حبه
من الأمر إلا أن يموت فيعذرا
والله يا هذا لا أبرح أو يتصل قبرانا
ثم شهقت شهقة فصاح النساء وقلن قضت والذي أختار لها الوفاة
فما رأيت أسرع ولا أوحى من أمرها
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال أنبأنا أبو طاهر محمد بن علي بن العلاف قال أنبأنا عمر بن أحمد بن شاهين قال حدثنا جعفر بن محمد الصوفي قال أنبأنا أحمد بن محمد الطوسي قال حدثني القاسم بن يزيد قال حدثني محمد بن سلام قال حدثني جلاد بن يزيد الأرقط قال كان عويمر العقيلي مشغوفا بابنة عم له وكان يقال لها ريا فزوجت برجل فحملها إلى بلاده فاشتد وجده واعتل علة وأخذه الهلاس فدعوا له طبيبا لينظر إليه فقال له أخبرني بالذي تجد فرفع عقيرته فقال
عطفت على أسراركم فكسوتها
فميصا من الكتمان لا يتخرق
ولي عبرتان ما يفيقان عبرة
تفيض وأخرى للصبابة تخنق
وأكثر حظي منك أني إذا جرت
لي الريح من تلقائكم أتنشق
ثم ذهب عقله فما مكث إلا ليالي يسيرة حتى قضى
529
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه قال أنبأنا محمد بن خلف قال أخبرني أبو بكر العامري عن مصعب بن عبد الله الزبيري قال تزوج مالك بن عمرو الغساني بنت عم النعمان بن بشير فشغف كل واحد منهما بصاحبه وكان مالك شجاعا مسبعا فاشترطت عليه أن لا يقاتل إذا لقي شفقا عليه وضنا به وإنه غزا حيا من لخم فباشر القتال فأصابته جراح فقال وهو مثقل منها
ألا ليت شعري عن غزال تركته
إذا ما أتاه مصرعي كيف يصنع
فلو أنني كنت المؤخر بعده
لما برحت نفسي عليه تطلع
وإنه مكث يوما وليلة ثم مات من جراحه فلما وصل خبره إلى زوجته بكت سنة ثم اعتقل لسانها فامتنعت عن الكلام وكثر خطابها فقال عمومتها وولاة أمرها تزوجها فلعل لسانها ينطلق ويذهب حزنها فإنما هي من النساء فزوجوها بعض أبناء الملوك فساق إليها ألف بعير فلما كانت الليلة التي أهديت إليه فيها قامت على باب القبة فقالت
يقول رجال زوجوها لعلها
تقر وترضى بعده بحليل
فأخفيت في النفس التي ليس بعدها
رجاء لهم والصدق أفضل قيل
أبعد ابن عمي فارس القوم مالك
أزف إلى بعل بهضب كليل
وحدثني أصحابه أن مالكا
أقام ونادى صحبه برحيل
وحدثني أصحابه أن مالكا
ضروب بنصل السيف غير نكول
وحدثني أصحابه أن مالكا
جواد بما في الرحل غير بخيل
وحدثني أصحابه أن مالكا
خفيف على الحداث غير ثقيل
وحدثني أصحابه أن مالكا
صروم كماضي الشفرتين صقيل
530
قال أبو بكر العامري وحدثني مشكدانة قال حدثني عمرو بن محمد العبقري قال أخبرني شيخ أثق به وذكر الحديث وزاد فيه فلما فرغت من الشعر شهقت شهقة فماتت
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن أحمد بن السراج قال أنبأنا أبو الحسين محمد بن محمد الوراق قال حكى لي أبو الحسين علي بن الحسين الصوفي المعروف برباح قال حدثني بعض أصدقائي أنه دخل بعض المارستانات ببغداد فرأى شابا حسن الوجه نظيف الثياب جالسا على حصير نظيف وعن يساره مخدة نظيفة وفي يده مروحة وإلى جانبه كرار فيه ماء قال فسلمت عليه فرد السلام أحسن رد فقلت له هل لك من حاجة قال نعم أريد قرصين وعليهما فالوذج فمضيت فجئته بذلك وجلست مقابله حتى أكل ثم قلت له بقي لك حاجة قال نعم وأظنك تقدر عليها فقلت اذكرها فلعل الله عز وجل أن ييسرها فقال تمضي إلى نهر الدجاج درب أحمد الدهقان إلى دار على باب زقاق الغفلة فاطرق الباب وقل إن فلانا قال لي
مر بالحبيب وقل له
مجنونكم من يحله قال فمضيت وسألت عن الدرب والزقاق فدللت عليه فطرقت الباب فخرجت إلى عجوز فأبلغتها الرسالة فدخلت وغابت عني ساعة ثم خرجت وقالت
ارجع إليه وقل له
عليكم من أعله
فرجعت إلى الفتى فأخبرته بالجواب فشهق شهقة فمات وعدت إلى القوم أخبرهم بذلك فوجدت الصراخ في الدار وقد ماتت الجارية أو كما قال
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا أبو علي محمد بن محمد المهدي قال أنبأنا أبو الحسن أحمد بن العتيقي قال أنبأنا أبو بكر بن شاذان قال حدثنا
531
أبو بكر بن أبي الأزهر قال قال الرياشي قال ابن عائشة أحب رجل ابنة عم له فقالت إن الناس قد اكثروا علينا فلو خرجت بنا من هذه البلدة قال فخرج بها وخرج في إثرهما أخ له فجعل لا يترك منزلا إلا قيل له قد نزلا وارتحلا حتى أتى منزلا فقيل له نزلا بهذا الماء فمرضت فماتت فدفناها ثم كان يأتي الرجل قبرها فيبكي وينصرف فلم يزل كذلك حتى مات ودفن إلى جانبها وهذان هما
فأنشأ يقول
أفق مر إن الود شر لصيق
وإلا فمت إن كنت غير مطيق
فقد ساق ليلى الحب حتى أحلها
براذان قبرا غير جد عميق
فمن بين موتانا دفنت غريبة
فلا تبعدي من ذي هوى ومشوق
أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك قال أنبأنا أحمد بن الحسن بن خيرون قال أنبأنا أبو الطيب الطبري قال أنبأنا المعافى بن زكريا
وأخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو طاهر بن العلاف قال أنبأنا عمر بن أحمد بن شاهين قالا حدثنا جعفر بن محمد الخواص قال حدثنا أبو العباس بن مسروق قال حدثني فضل اليزيدي قال حدثني إسحاق بن إبراهيم أن المهدي بن عمرو الهلالي قال شهدت أبا يحيى التيمي يقول كان يختلف معنا فتى من النساك يقال له أبو الحسن إلى مسعر بن كدام وكان يختلف معه فتى حسن الوجه يفتن الناس إذا رأوه فأكثر الناس القول فيه وفي صحبته إياه ومنعه أهله أن يصحبه وأن يكلمه فذهل عقله حتى خشي عليه التلف فبلغ ذلك مسعرا فقال قولوا له لا يقربني ولا يأتي مجلسي فإني له كاره فلقيته فأخبرته بذلك فتنفس الصعداء ثم أنشأيقول
532
يا من بدائع حسن صورته
تثني إليه أعنة الحدق
لي منك ما للناس كلهم
نظر وتسليم على الطرق
لكنهم سعدوا بأمنهم
وشقيت حين أراك بالفرق
ثم صرخ صرخة وشخص بصره نحو السماء وسقط فحركته فإذا هو ميت
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن قال أنبأنا أبو عمر بن حيويه قال أنبأنا محمد بن خلف قال أخبرني أبو بكر العامري قال أخبرني سليمان بن الربيع الكادحي قال حدثنا عبد العزيز بن الماجشون عن أيوب عن ابن سيرين قال عبد الله بن عجلان هو صاحب هند بنت كعب بن عمرو وإنه عشقها فمرض مرضا شديدا حتى ضني فلم يدر أهله ما به فدخلت عليه عجوز فقالت إن صاحبكم عاشق فاذبحوا له شاة وائتوه بها وغيبوا فؤادها ففعلوا وأتوه بها فجعل يرفع بضعة ويضع أخرى ثم قال أما لشاتكم قلب
فقال أخوه ألا أراك عاشقا ولم تخبرنا
فبلغني والله أعلم أنه قال لهم بعد ذلك آه ومات
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال ذكر أبو عمر بن حيويه فيما نقلته من خطه قال حدثنا محمد بن خلف قال حدثنا الحسين بن جعفر قال حدثني عبد الله بن أحمد العبدي قال حدثني سليمان ابن علي الهاشمي أن علي بن صالح بن داود ذكر عن جارية من جواري القيان أنها كانت تميل إليه محبة وكلفا وكانت موصوفة بالأدب شاعرة فحضر يوما عند بعض أهل البصرة فلما رأته قالت طاب عيشنا في يومنا هذا فلم يلتفت إليها فكتبت على منديل
533
لعل الذي أبلى بحبك يا فتى
يردك لي يوما إلى أحسن العهد
ثم تغافلت أهل المجلس وألقت إليه المنديل
قال فما هو إلا أن قرأت الشعر حتى وجدت في قلبي من أمرها مثل النار فقمت وانصرفت خوفا من الفضيحة ثم لم أزل أعمل الحيلة في ابتياعها من حيث لا تعلم فعسر ذلك فعرفتها ما قد عزمت عليه من ابتياعها فأعانتني على ذلك حتى ملكتها فلم أوثر عليها أحدا من حرمي وأهلي ولا كان عندي شيء يعدلها فتوفيت فأنا لا عيش لي ولا سرور فوالله ما لبث بعد هذا الكلام إلا أياما يسيرة حتى مات أسفا عليها وكمدا فدفن إلى جانبها
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن أحمد بن السراج وأنبأنا ابن الحصين قالا أنبأنا أبو محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله قال أنبأنا أبو العباس أحمد بن منصور اليشكري قال أنبأنا أبو القاسم الصائغ بإسناد له عن ابن الأشدق قال كنت أطوف بالبيت فرأيت شابا تحت الميزاب قد أدخل رأسه في كسائه يئن كالمحموم فسلمت فرد ثم قال من أين قلت من البصرة قال وراجع إليها قلت نعم قال إذا دخلت النباج فأخرج إلى الحي ثم ناد يا هلال تخرج إليك جارية تنشدها هذا البيت
وقد كنت أهوى أن تكون منيتي
بعينيك حتى تنظري ميت الحب ومات مكانه
فلما دخلت النباج أتيت الحي فناديت يا هلال يا هلال فخرجت إلي جارية لم أر أحسن منها قالت ما وراءك قلت شاب بمكة أنشدني هذا البيت قالت وما صنع قلت مات فخرت مكانها ميتة
534
أنبأنا محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أبو القاسم التنوخي وأبو محمد الجوهري كلاهما عن أبي عبد الله المرزباني قال أنبأنا ابن دريد قال أنبأنا العباس بن الفرج الرياشي عن محمد بن سلام قال حدثني بعض أهل الكوفة قال حججت فرأيت امرأة قبيل فيد وهي تقول
فإن تضربوا ظهري وبطني كليهما
فليس لقلب بين جنبي ضارب
فسألت عنها فقيل عاشق
ثم عدت من العام المقبل فإذا بها قد حال لونها مع حسنة وهي تقول
فإن يك عيسى قد أطاع بي العدا
فلا وأبيه ما أطعت الأعاديا
يقولون لي مولى فلا تقربنه
وعيش أبي إني أحب المواليا
ثم رجعت من العام الثالث فإذا هي مقيدة فاقدةعقلها وهي تقول
أيا طلحة الرعيان ظلك بارد
وماؤك عذب يستسيغ لشارب
ثم سألت عنها بعد ذلك فأخبرت أنها ماتت
أخبرتنا شهدة بنت أحمد الإبري قالت أنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد القارئ قال أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني بقراءتي عليه بمكة باب الندوة قال أنبأنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب قال حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد بنسف قال حدثنا أبو يعلى محمد بن مالك الرقى قال حدثنا عبد الله بن عبد العزيز السامري قال مررت بدير هزقل أنا وصديق لي فقال هل لك أن تدخل فترى من فيه من ملاح المجانين قلت ذاك إليك فدخلنا فإذا بشاب حسن الوجه مرجل الشعر مكحول العين أزج الحواجب كأن شعر أجفانه مقاديم النسور وعليه طلاوة تعلوه حلاوة مشدود بسلسلة إلى جدار
فلما بصر بنا قال مرحبا بالوفد قرب الله ما نأي منكم بأبي أنتم
قلنا
535
وأنت فأمتع الله الخاصة والعامة بقربك وآنس جماعة ذوي المروءة بشخصك وجعلنا وسائر من يحبك فداك
فقال أحسن الله عن جميل القول جزاء كما وتولى عني مكافأتكما
قلنا وما تصنع في هذا المكان الذي أنت لغيره أهل
فقال
الله يعلم أنني كمد
لا أستطيع أبث ما أجد
روحان لي روح تضمنها
بلد وأخرى حازها بلد
أما المقيمة ليس ينفعها
صبر وليس بقربها جلد
وأظن غائبتي كشاهدتي
بمكانها تجد الذي أجد
ثم التفت إلينا فقال أحسنت قلنا نعم وولينا فقال بأبي أنتم ما أسرع مللكم بالله أعيروني أفهامكم وأذهانكم قلنا هات فقال لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم
ورحلوها فسارت بالهوى الإبل
وقلبت من خلال السجف ناظرها
ترنو إلي ودمع العين منهمل
فودعت ببنان عقده عنم
ناديت لا حملت رجلاك يا جمل
ويلي من البين ماذا حل بي وبها
يا نازح الدار حل البين فارتحلوا
يا راحل العيس عرج كي أودعها
يا راحل العيس في ترحالك الأجل
إني على العهد لم أنقض مودتكم
فليت شعري وطال العهد ما فعلوا
فقلنا ولم نعلم بحقيقة ما وصف مجونا ماتوا فقال أقسمت عليكم ماتوا فقلنا انظر ما تصنع نعم ماتوا قال إني والله ميت في إثرهم ثم جذب نفسه في السلسلة جذبة دلع منها لسانه وندرت لها عيناه وانبعثت شفتاه بالدماء فتلبط ساعة ثم مات
536
فلا أنسى ندامتنا على ما صنعنا
وقد رويت لنا هذه الحكاية على وجه آخر
فأخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو علي الحسن ابن محمد بن عيسى قال أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن القاسم بن مرزوق قال أنبأنا إبراهيم بن علي البغدادي قال حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثني المبرد قال خرجت أنا وجماعة من أصحابي مع المأمون فلما قربنا من نحو الرقة إذا نحن بدير كبير فأقبل إلي بعض أصحابي فقال مل بنا إلى هذا الدير لننظر من فيه ونحمد الله سبحانه على ما رزقنا من السلامة فلما دخلنا إلى الدير رأينا مجانين مغلغلين وهم في نهاية القذارة فإذا منهم شاب عليه ثياب ناعمة فلما بصر بنا قال من أين أتيتم يا فتيان حياكم الله فقلنا نحن من العراق فقال بأبي العراق وأهلها بالله أنشدوني أو أنشدكم فقال المبرد والله إن الشعر من هذا لظريف فقلنا أنشدنا فأنشأ يقول
الله يعلم أنني كمد
لا أستطيع أبث ما أجد
روحان لي روح تضمنها
بلد وأخرى حازها بلد
وأرى المقيمة ليس ينفعها
صبر ولا يقوى بها جلد
وأظن غائبتي كشاهدتي
بمكانها تجد الذي أجد
قال المبرد إن هذا لظريف والله زدنا فأنشا يقول
لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم
ورحلوها فثارت بالهوى الإبل
وأمررت من خلال السجف ناظرها
ترنو إلي ودمع العين منهمل
537
وودعت ببنان عقدها عنم
ناديت لا حملت رجلاك يا جمل
ويلي من البين ماذا حل بي وبها
من نازل البين حان البين وارتحلوا
يا راحل العيس عرج حتى نودعها
يا راحل العيس في ترحالك الأجل
إني على العهد لم أنقض مودتهم
فليت شعري لطول العهد ما فعلوا
فقال رجل من البغضاء الذين كانوا معي ماتوا قال إذن فأموت فقال له إن شئت فتمطى واستند إلى السارية التي كان مشدودا فيها فما برحنا حتى دفناه
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي التوزي قال أنبأنا عبيد الله بن أحمد الجرادي قال أنبأنا جعفر
وأنبأنا الحسين بن محمد بن طاهر الدقاق قال أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد ابن المكتفي بالله قالا حدثنا ابن دريد قال أنبأنا عبد الرحمن عن عمه عن يونس قال انصرفت من الحج فممرت بماويه وكان لي فيها صديق من بني عامر بن صعصعة فصرت إليه مسلما فأنزلني فبينا أنا عنده ونحن قاعدان بفنائه إذا نساء مستبشرات وهن يقلن تكلم تكلم فقلت ما هذا فقالوا فتى منا كان يعشق ابنة عم له فتزوجت وحملت إلى ناحية الحجاز فإنه لعلى فراشه مذ حول ما تكلم
538
فقلت أحب أن أراه فقام وقمت معه فمشينا غير بعيد وإذا فتى مضطجع بفناء بيت من تلك البيوت لم يبق منه إلا خيال فأكب الشيخ عليه فسأله وأمه واقفة فقالت يا مالك هذا عمك أبو فلان يعودك ففتح عينه وأنشأ يقول
ليبكني اليوم أهل الود والشفق
لم يبق من مهجتي شيء سوى رمقي
اليوم آخر عهدي بالحياة فقد
أطلقت من ربقة الأحزان والقلق
ثم تنفس الصعداء فإذا هو ميت فقام الشيخ وقمت فانصرفت إلى خبائه وإذا امرأة بضة تبكي وتفجع فقال الشيخ ما يبكيك فأنشأت تقول
ألا أبكي لصب شف مهجته
طول السقام وأضني جسمه الكمد
يا ليت من خلف القلب المهيم به
عندي فأشكو إليه بعض ما أجد
أنشر تربك أسرى لي النسيم به
أم أنت حيث يناط السحر والكبد
ثم أنكبت على كبدها وشهقت فإذا هي ميتة
قال يونس فقمت من عند الشيخ وأنا وقيذ
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال ذكر أبو الحسين المدائني عن محمد بن صالح الثقفي أن بعض الأعراب عشق جارية من حيه فكان يتحدث إليها فلما علم أهلها بمكانه ومجلسه منها تحملوا بها فتبعهم ينظر إليهم ففطن به فلما علم أنه قد فطن به انصرف وهو يقول
بان الخليط فأوجعوا قلبي
حسبي بما قد أورثوا حسبي
إن تكتبوا نكتب وإن لا تكتبوا
تأتيكم بمكانكم كتبي
539
جد الرحيل وكان فرقة بيننا
لا شك أني منقض نحبي
قال ثم وقف على جبل ينظر إليهم ماضين فلما غابوا من عينه خر ميتا
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن احمد قال حدث أبو علي بن شاذان قال حدثني أحمد قال حدثنا أحمد بن سليمان الطوسي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني هارون أبو موسى قال حدثني موسى بن جعفر وعبد الملك ابن الماجشون أن يزيد بن عبد الملك لما دفن حبابة رجع فما خرج من منزله حتى خرج بنعشه
وفي رواية أخرى أن يزيد بن عبد الملك قال إن قوما زعموا أنه لا يصفو لأحد عيشه يوما إلى الليل لا يكدره شيء سأجرب ذلك
ثم قال لمن معه إذا كان غدا فلا تخبروني بشيء ولا يأتيني كتاب
وخلا هو وحبابة فأتيا بما يأكلان فأكلت رمانة فشرقت بحبة منها فماتت فأقام لا يدفنها حتى تغيرت وأنتنت وهو يشمها ويلثمها فعاتبوه على ذلك فأذن في غسلها وخرج معها فلما دفنت قال صاحبت والله كما قال كثير
فإن تسل عنك النفس او تدع الصبا
فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد
فما أقام إلا خمس عشرة ليلة حتى دفن إلى جانبها
وفي رواية بقي أربعين يوما وخرج يوما فقال انبشوها حتى أنظر إليها فقيل له تصير حديثا فسكت
وحكى الأصبهاني عن المدائني أنه أمر بنبشها بعد ثلاث فنبشت وكشف له عن وجهها وقد تغيرت تغيرا قبيحا فقيل له ألا تراها كيف صارت
540
فقال ما رأيتها قط أحسن منها اليوم أخرجوها
فما زالوا به حتى سكت
ثم مات عقيب ذلك
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو الحسين بن التوزي قال أنبأنا أحمد بن محمد الرصافي قال حدثنا أحمد بن كامل قال حدثنا موسى بن حماد قال حدثني أبو عبد الله العدوي قال حدثني الحسين قال سمعت أبي يقول سمعت مصعبا يقول قرأت على لوحين مكتوبا عليهما على قبرين
أمغطي مني على بصري في الحب أم أنت أكمل الناس حسنا
وحديث ألذه هو مما
ينعت الناعتون يوزن وزنا
ورأيت امرأة عند القبرين تقول بأبي لم تمتعك الدنيا من لذاتها استودعتك من وهبك لي ثم سلبك أسر ما كنت بك فقلت لها من هذا قالت ابني وهذه ابنة عمه كان مسمى بها فليلة زفت إليه أخذها وجع أتى على نفسها فقضت فانصدع قلب ابني فلحقت روحه روحها فدفنتهما في ساعة واحدة
قلت فمن كتب هذين البيتيتن قالت أنا كان كثيرا ما يتمثل بهما قلت ممن أنت قالت فزارية قلت ومن قائلهما قالت مالك بن أسماء بن خارجة ابن حصن يقولهما في امرأته حبيبة بنت أبي جندب الأنصاري
ثم قالت وهو الذي يقول
يا منزل الغيث بعدما قنطوا
ويا ولي الإنعام والمنن
541
يكون ما شئت أن يكون وما
قدرت أن لا يكون لم يكن
لو شئت إذ كان حبها عرضا
لم ترني وجهها ولم ترني
يا جارة الحي كنت لي سكنا
إذ ليس بعض الجيران بالسكن
أذكر من جارتي محاسنها
طرائقا من حديثها الحسن
ومن حديث يزيدني مقة
ما لحديث الموموق من ثمن
قال فكتبتها ثم قامت مولية
بلغني عن الهيثم بن عدي أنه حدث عن رجل من بني نهد قال كان رجل منا يقال له مرة زوج ابنة عم له جميلة يقال لها ليلى وكان مستهاما بها فضرب عليه البعث إلى خراسان فكره فراقها واشتد عليه ولم يجد من ذلك بدا فخلفها عند رجل من قومه براذان فغزا ثم تعجل فلما صار براذان جلس قريبا من القصر وكره أن يدخل نهارا فخرجت من القصر جارية فقال لها ما فعلت المرأة التي خلفتها عندكم قالت أما ترى ذلك القبر الجديد فإنه قبرها فلم يصدق حتى خرجت أخرى فسألها فقالت مثل ذلك فأتى القبر فجعل يبكي ويتمرغ عليه ويقول
فيا قبر ليلى لو شهدناك أعولت
عليك نساء من فصيح ومن عجم
ويا قبر ليلى ما تضمنت مثلها
شبيها لليلى في عفاف وفي كرم
ويا قبر ليلى أكرمن محلها
تكن لك ما عشنا علينا بها نعم
ويا قبر ليلى إن ليلى غريبة
براذان لم يشهدك خال ولا ابن عم
542
ولم يزل يبكي حتى مات فدفن إلى جانبها
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي قال أنبأنا أبو القاسم علي بن المحسن قال أنبأنا أبو عمر بن حيويه قال أنبأنا محمد بن خلف قال أخبرني محمد بن موسى عن سعيد بن عبد الله بن ميسرة قال حدثني شيخ من أهل الشام قال صحبني فتى في بعض أسفاري فكنت كثيرا أسمعه ينشد هذه الأبيات
ألا إنما التقوى ركائب أدلجت
وأدركت الساري بليل فلم ينم
وفي صحبة التقوى غناء وثروة
وفي صحبة الأهواء ذل مع الندم
فلا تصحب الأهواء واهجر محبها وكن للتقى إلفا وكن في التقى علم
فقلت له يوما ما هذه الأبيات التي اسمعك كثيرا تنشدها فضحك وقال كيف سألتني عنها فقلت لأني أراك كثيرا ما تنشدها فأردت أن أعلم من قولك هي قال لا ولكنها من قول أخ لي وله حديث عجيب فقلت له حدثني فقال نعم
كان لي أخ وكنت أحبه الحب الذي لا شيء بعده فمكثنا بذلك حينا فلزم الحديث والفقه والأدب وما رأيت فتى مع التقوى أمزح منه
قال ثم تغير عن بعض ما كنت أعهد منه من المزاح والسرور وحسن الحديث فلما رأيت ذلك منه غمني وأنكرته فخلوت به يوما فقلت يا أخي ما قصتك وما حالك وما الذي نزل بك أخبرني فإن كان من أمر الآخرة سررت به وإن كان من أمر الدنيا أعنتك عليه
543
قال والله يا أخي ما هو من امر الآخرة ولكنه من أمر الدنيا ولست أبديه حتى يبلغ الأمر آخره ويخرج من يدي ولا أستطيع رده قال ولهج بهذه الأبيات
ألا إنما التقوى ركائب أدلجت
قال فعظم على ما نزل به وشغل قلبي وأخذه شبيه بالسهو ويقول في بعض الساعات رب لا تسلبني ديني ولا تفتني بعد إذ هديتني
فقلت في نفسي ما أراه إلا وقد غلبت عليه وسوسة من الشيطان فهو يخاف ومكث بذلك حينا ما يزداد إلا ضني وجعل أهله يسألونني فأقول والله ما علمي به إلا كعلمكم ولقد سألته عن حاله فما يخبرني بشيء
واشتد عليه الأمر فسقط على الفراش وكان الناس يعودونه ودخل الأطباء عليه فبعضهم يقول سل وبعضهم يقول غم واختلفت في أمره علينا الأقاويل وكان لا يتكلم بشيء أكثر من قوله
ألا إنما التقوى ركائب أدلجت
فأدركت الساري بليل فلم ينم
قال ولم يزل به الأمر حتى غلب على عقله وضاق به مكانه فأدخلناه بيتا فكان يصرخ الليل كله فإذا مل من الصراخ أن كما يئن المدنف من علته فأشاروا علينا بتخليته وقالوا إنكم إن خليتموه تفرح واستراح فخليناه فكان إذا أصبح خرج فقعد على باب داره فكل من مر به سأله أين تريد فيقول أريد موضع كذا وكذا فيقول اذهب محفوظا لو كان طريقك على بغيتنا أو دعناك كلاما
قال فمر به بعض إخوانه فقال أين تريد قال أريد حيث تحب فهل لك من حاجة قال نعم قال ما هي فقال
544
تقرا السلام على الحبيب تحية
وتبثه بمطاول الأسقام
وتقل له إن التقى زم الهوى
لما سما مستعجلا بزمام
فقال أفعل إن شاء الله قال فمضى فما كان بأسرع من أن رجع فقال قد بلغت القوم رسالتك قال فما قالوا قال قالوا
لئن كان تقوى الله زمك أن تنل
أمورا نهى عنها فهن حرام
فزرنا لنقضي من حديث لبانة
ونشفى نفوسا آذنت بسقام
قال فوثب قائما ثم أنشأ يقول
لا قل من هذا وفيه لذي الهوى
شفاء وقد يسلوا الفتى جد وامق
إذا اليأس حل القلب لم ينفع البكا
وهل ينفع المعشوق دمعه عاشق
قال ومضى فقمت خلفه فقلت لأهله لا يتبعني أحد منكم وتبعته حتى أتى منزل رجل من أهل الفضل والرأي والدين وكانت له ابنة من أجمل النساء فوقف على الباب فقال
فهأنذا قد جئت أشكو صبابتي
وأخبركم عما لقيت من الحب
وأظهر تسليما عليكم لتعلموا
بأني وصول ثم ذا منكم حسبي
قال فلما فهمت القصة وخشيت أن يلحقني أحد أو يراه بعض من يعرفه أو يفهم قصته خرجت عليه فقلت ما جلوسك على باب القوم ولم يأذنوا لك قال بلى فقلت كيف وهم يقولون
بالله ربك لا تمر ببابنا
إنا نخاف مقالة الحساد
545
ودع التعتب والتذكر إنه
ينقله عنك أجلة العواد
قال يا صالح وقد قالوا هذا قلت نعم فجعل يهذي ويقول
إن كان قد كرهوا زيارة عاشق
فلرب معشوق يزور العاشقا
فلما رجعت سألوني عن قصته فقلت ما أخطأ الجبان
ولم بيته فلم يزل زائل العقل حتى مات
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن أحمد القارىء قال أنبأنا المحسن بن حمزة بن عبيد الله الوراق قال حدثنا أبو علي الحسين بن علي الديبلي قال حدثنا أبو بكر بن دريد قال حدثنا عبيد النعالي غلام أبي الهذيل قال انصرفت من جنازة وقت الهاجرة فتوخيت سكة ظليلة فاضطجعت على باب دار فسمعت ترنما يجذب القلب فطرقت الباب واستسقيت ماء فإذا فتى ابتهرت بجماله إلا أن آثار العلة والسقم عليه بينة فأدخلني إلى خيش نظيف وفرش سرى وجاءت وصيفة معها طست ومنديل فغسلت رجلي وجاءت أخرى بطست فغسلت يدي للطعام وأقبل الفتى ضاحكا ليؤنسني وأنا أعرف العبرة في عينيه وأقبل يأكل كأنه يغص بما يأكله وهو في ذلك ينشطني فلما انقضى أكلنا أتينا بشراب فشرب قدحا وشربت آخر ثم زفر زفرة ظننت أن أعضاءه قد انتقضت وقال لي يا أخي إن لي نديما فقم بنا إليه
فقمت وتقدمني فدخل مجلسا فإذا قبر عليه ثوب أخضر وفي البيت رمل مصبوب فقعد على الرمل وطرح لي مصلى فقلت والله لا قعدت إلا كما تقعد وأقبل يردد العبرات ثم شرب كأسا وشربت وأنشأ يقول
أطأ التراب وأنت رهن حفيرة
هالت يداي على صداك ترابها
إني لأغدر من مشى إن لم أطأ
بجفون عيني ما حييت جنابها
546
لو أن جمر جوانحي متلبس
بالنار أطفأحرها وأذابها
ثم أكب على القبر مغشيا عليه فجاءه غلام بماء فصبه على وجهه فأفاق فشرب وأنشأ يقول
اليوم ثاب لي السرور لأنني
أيقنت أن عاجلا بك لاحق
فغدا أقاسمك البلى ويسوقني
طوعا إليك من المنية سائق
ثم قال لي قد وجب حقي عليك فاحضر غدا جنازتي قلت يطيل الله عمرك
قال إني ميت لا محالة فدعوت له بالبقاء فقال لقد عققتني ألا قلت
جاور خليلك مسعدا في رمسه
كيما ينالك في البلى ما ناله
فانصرفت وطالت على ليلتي وغدوت فإذا هو قد مات
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو عبد الله محمد بن سلامة القضاعي قال أنبأنا يوسف بن يعقوب بن حرزاد قال أنبأنا جعفر ابن شاذان القمى قال كان عمرو بن يوحنا النصراني يسكن في دار الروم ببغداد من الجانب الشرقي وكان من أحسن الناس صورة وأجملهم وكان مدرك بن علي الشيباني يهواه ثم خرج إلى الوسواس وسل جسمه وذهل عقله فلزم الفراش فحضره جماعة فقال لهم ألست صديقكم القديم العشرة لكم أما فيكم أحد يسعدني بالنظر إلى وجه عمرو
فمضوا بأجمعهم إليه وقالوا له إن كان قتل هذا الفتى دينا إن إحياءه لمروءة
قال وما فعل قالوا قد صار إلى حال ما أظنك تلحقه
فلبس ثيابه ونهض معهم فلما دخلوا عليه سلم عليه عمرو وأخذ بيده وقال كيف تجدك يا سيدي فنظر إليه فأغمى عليه ساعة ثم أفاق وفتح عينيه وهو يقول
547
أنا في عافية إلا
من الشوق إليكا
أيها العائد ما بي
منك لا يخفى عليكا
لا تعد جسما وعد قلبا رهينا في يديكا
كيف لا يهلك مرشو
اق بسهمي مقلتيكا
ثم شهق شهقة فارق فيها الدنيا فما برحنا حتى دفنوه
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال وجدت بخط أبي عمرو بن حيويه يقول حدثنا أبو بكر بن المرزبان قال أخبرني أبو جعفر أحمد ابن الحارث قال أنبأنا أبو الحسن المدائني عن بعض رجاله قال حج ابن أبي العنبس الثقفي فجاور ومعه ابن ابنه وإلى جانبه قوم من آل أبي الحكم مجاورون
وكان الفتى يجلس مجلسا يشرف منه على جارية منهم فعشقها فأرسل إليها فأجابته فكان يأتيها فيتحدث إليها فلما أراد جده الرحيل جعل الفتى يتأبى فقال له جده ما يبكيك يا بني لعلك ذكرت مصر وكانوا من أهل مصر فقال نعم وأنشأ يقول
يسائلني غداة البين جدي
وقد بلت دموع العين نحري
أمن جزع بكيت ذكرت مصرا
فقلت نعم ومابي ذكر مصر
ولكن للتي خلفت خلفي
بكت عيني وقل اليوم صبري
فمن ذا إن هلكت وحان يومي
يخبر والدي دائي وخبري
فيحفظ أهل مكة في هواي
وإن كانوا إلى قتلي وضري
548
قال فارتحلوا فلما خرجوا عن أبيات مكة أنشأ يقول
رحلوا وكلهم يحن صبابة
شوقا إلى مصر وداري بالحرم
ليت الركاب غداة حان فراقنا
كانت لحوما قسمت فوق الوضم
راحوا سراعا يعملون مطيهم
قدما وبت من الصبابة لم أنم
طوبي لهم يسعون قصد سبيلهم والقلب مرتهن ببيت أبي الحكم
ثم إن الفتى اعتل واشتدت علته فلما وردوا أطراف الشام مات الفتى فدفنه جده ووجد عليه وجدا شديدا وقال يرثيه
يا صاحب القبر الغريب
بالشام من طرف الكثيب
لما سمعت أنينه
ونداءه عند المغيب
أقبلت أطلب طبه
والموت يعضل بالطبيب
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال وذكر أبو عمرو بن حيويه ونقلته من خطه قال أنبأنا أبو بكر محمد بن خلف قال أخبرني أبو بكر العامري قال أخبرني رياح بن قطيب الأسدي عن قريبة ابنة أباق الدبيرية قالت كان عبد المخبل وهو كعب بن مالك يهوى ابنة عم له يقال لها أم عمرو وكانت أحب الناس إليه فخلا بها ذات يوم فنظر إليها وهي واضعة ثيابها فقال لها يا أم عمرو هل ترين أن أحدا من النساء أحسن منك قالت نعم أختي ميلاء أحسن مني قال فكيف لي بأن ترينيها قالت إن علمت بك لم تخرج إليك ولكن أخبأك في الستر وأبعث إليها ففعلت فجاءت ميلاء فلما نظر إليها عشقها فلما تروحت من عند أختها عارضها من مكان لا تحتسبه فشكا إليها حبها وأعلمها أنه قد رآها فقالت والله يا بن عم
549
ما وجدت بي من شيء إلا قد وجدت بك مثله وظنت أم عمرو أنه قد عشق أختها فتبعتهما حتى رأتهما قاعدين جميعا فمضت قصد إخوتها وكانوا سبعة فقالت إما أن تزوجوا كعبا من ميلاء وإما أن تغيبوها عني فلما بلغه أن ذلك قد بلغ إخوتها هرب فرمى بنفسه نحو الشام وقال
أفي كل يوم أنت من بارح الهوى
إلى الشم من أعلام ميلاء تنظر
فروى هذا البيت رجل من أهل الشام ثم خرج يريد مكة فمر على أم عمرو وأختها ميلاء وقد ضل الطريق فسلم عليهما وسألهما عن الطريق فقالت أم عمرو يا ميلاء صفي له الطريق فتمثل الرجل بالبيت فعرفت الشعر فقالت يا عبد الله من أين أنت قال من الشام
قالت فمن أين رويت هذا الشعر قال رويته عن أعرابي بالشام قالت أو تدري ما اسمه قال كعب قالت فأقسمت عليك أن لا تبرح حتى يراك إخوتنا فيكرموك ويدلوك على الطريق
فنزل الرجل فجاء إخوتهما فأخبراهم الخبر وكانوا مهتمين بكعب لأنه كان ابن عمهم فخرجوا يطلبون كعبا بالشام فوجدوه فأقبلوا به حتى إذا صار إلى بلدهم نزل في بيت ناحية من الحي فرأى ناسا قد اجتمعوا عند البيوت فقال كعب لغلام قائم وكان قد ترك بنيا له صغيرا يا غلام من أبوك قال كعب قال فعلام يجتمع هؤلاء قال على خالتي ميلاء ماتت الساعة
فزفر زفرة خر منها ميتا فدفن إلى جانب قبرها
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا أبو محمد بن السراج قال أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن طاهر الدقاق قال أنبأنا الأمير أبو الحسن أحمد بن محمد بن المكتفي بالله قال حدثنا ابن دريد قال أخبرني الرياشي عن الأصمعي عن جبر بن حبيب قال أقبلت من مكة أريد اليمامة فنزلت
550
بحي من عامر فأكرموا مثواي فإذا فتى حسن الهيئة قد جاءني فسلم علي فقال أين تريد أيها الراكب قلت اليمامة
قال أتأذن في صحبتك إلى اليمامة قلت أحب مصحوب
فقام فما لبث أن جاء بناقة كأنها قلعة بيضاء وعليها أداة حسنة فأناخها قريبا من مبيتي وتوسد ذراعها فلما هممت بالرحيل أيقظته فكأنه لم يكن نائما فقام فأصلح رحله فركب وركبت فقصر علي يومي بصحبته وهو لا ينشدني إلا بيتا معجبا في الهوى فلما قربنا من اليمامة مال عن الطريق إلى أبيات قريبة منا ثم قال هل أنت موف حق الصحبة قلت أفعل قال مل معي فملت معه فلما رآه أهل الصرم ابتدروه وأظهروا السرور ثم قال قوموا إن شئتم فصرنا إلى قبر حديث التطيين فألقى نفسه عليه وأنشأ يقول
لئن منعوني في حياتي زيارة
أحامي بها نفسا ترشفها الحب
فلن يمنعوني أن أجاور لحدها
فيجمع جسمينا التجاور والترب
ثم أن أنات فمات
فأقمت مع الفتيان حتى دفناه فسألت عنه فقالوا ابن سيد هذا الغائط وهذه ابنة عمه وكان بها مغرما فماتت منذ ثلاث
فركبت والله وكأني قد ثكلت حميما
قال ابن دريد وحدثنا السكن بن سعيد عن العباس بن هشام عن أبيه عن جده قال حدثني مصدع بن غلاب الحميري وكان مخضرما قال وأدركته وهو ابن ثمان عشرة ومائة سنة وما في وفرته ولحيته بيضاء
551
قال حدثني أبي غلاب قال كان بذمار فتى من حمير يقال له زرعة بن رقيم وكان جميلا شاعرا لا تراه إمرأة إلا صبت إليه وكان في ظهر ذمار شيخ كثير المال له بنت تسمى مفداة بارعة الجمال حصيفة اللب وكان زرعة يتحدث إليها وإنه خامره من حبها ما غلب على عقله واحتجبت المفداة عنه فامتنع من الحركة والطعام فغبر بذلك حولا ثم مات عظيم من عظماء القبائل فبلغ زرعة أن المفداة في مأتم من ذلك المأتم فاحتمل حتى علا نشزا ثم شهق فمات
فبلغ المفداة خبره فجاءت حتى وقفت عليه فهمت أن تلقي نفسها عليه ثم تماسكت وبادرت خباءها فسقطت تائهة العقل تكلم فلا تجيب فلما جن عليها الليل رفعت عقيرتها فقالت
بنفسي يا زرع بن أرقم لوعة
طويت عليها القلب والسر كاتم
لئن لم أمت حزنا عليه فإنني
لألأم من نيطت عليه التمائم
لئن فتني حيا فليس بفائتي
جوارك ميتا حيث تبلى الرمائم
ثم تنفست نفسا أنبه من حولها فإذا هي ميتة فدفنت إلى جنبه
فقالت إمرأة من حمير
وفيت لابن مالك بن أرطاه
كما وفت لزرعة المفداه
والله لاخست به أو ألقاه
حيث يلاقي وامق من يهواه
أنبأنا محمد بن عبد الباقي البزاز قال أنبأنا علي بن المحسن التنوخي قال أنبأنا أبو عمر بن حيويه قال أنبأنا محمد بن خلف قال وجدت في كتاب
552
بعض إخواني من أهل العلم حدثنا زكريا بن إسحاق قال سمعت مالك بن سعيد يقول حدثني مشيخة من خزاعة أنه كان عندهم بالطائف جارية عفيفة صالحة وكانت لها أم من خيار النساء لها فضل ودين وكانت لهم بضاعة مع رجل من أهل الطائف وكان يتجر لهم بها ويعطيهم فضلها قال فبعث الرجل إليهم ذات يوم ابنه في حاجة وكان غلاما جميلا فدخل والجارية جالسة لم تعلم بدخوله فنظر إليها وكانت ذات جمال فوقعت بقلبه فخرج من عندهم وما يدري أين يسلك وجعل الأمر يتزايد عليه حتى تغير عقله ونحل جسمه ولزم الوحدة والفكر وكتم حاله وجعل لا يقره قرار
فلما رأى أهله ذلك حبسوه في بيت وأوثقوه فكان ربما أفلت فيجتمع عليه الصبيان فيقولون له مت عشقا مت عشقا
قال وكان يقول إذا كثروا عليه
أأفشي إليكم بعض ما قد أصابني
أم الصبر أهيا بالفتى عندما يلقي
سلام علي من لا أسمي بإسمها
ولو صرت مثل الطير في غيضة ملقى
ألا أيها الصبيان لو ذقتم الهوى
لأيقنتم أني أحدثكم حقا
أحبكم من حبها وأراكم
تقولون لي مت يا شجاع بها عشقا
فلم تنصفوني لا ولا هي أنصفت
فرفقا قليلا بالفتى ويحكم رفقا
قال فلما صح ذلك عند أهله وعلموا أنه عاشق جعلوا يسألونه عن أمره فلا يخبرهم بقصته ولا يجيبهم فلما رأوا ذلك منه حبسوه في بيت وقيدوه فكان إذا جنه الليل هتف بصوت له حزين يقول
ياليل أنت رفيقي
من بين أهلي ومالي
يا ليل أنت أنيسي
من وحشتي واحتيالي
553
ياليل إن شكاتي
إليك طول اشتغالي
بمن برت جسم صب
فصار مثل الخلال
فالجسم مني نحيل
لم يبق إلا خيالي
والشوق قد شف جسمي
وليس يخلق بالي
فلو رآني عدوي لرق لي ورثى لي
قال فلم يزل تلك حاله حتى مات
وقد رويت لنا هذه الحكاية أتم من هذا
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن أحمد السراج قال أنبأنا أبو طاهر محمد بن علي بن العلاف قال حدثنا عمر بن أحمد بن شاهين قال حدثنا جعفر بن محمد الصوفي قال حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا زكريا بن إسحاق قال سمعت مالك بن سعيد يقول حدثني مشيخة من خزاعة أنه كان عندهم بالطائف جارية متعبدة ذات يسار وورع وكان لها أم أشد عبادة منها وكانت مشهورة بالعبادة وكانتا قليلتي المخالطة للناس وكانت لهما بضاعة مع رجل من أهل الطائف فكان يبضعها فهما لهما رزقهما الله من شيء أتاهن به
قال فبعث يوما ابنه وكان فتى جميلا مسرفا على نفسه إليهن ببعض حوائجهن فقرع الباب فقالت أمها من هذا قال أنا ابن فلان قالت أدخل فدخل وابنتها في بيت لا تعلم بدخول الفتى فلما قعد معها خرجت ابنتها وهي تظن أنها بعض نسائهن حتى جلست بين يديه فلما نظرت إليه قامت مبادرة ونظر إليها فإذا هي من أجمل العرب
قال ووقع حبها في قلبه فخرج لا يدري أين يسلك فجعل ينحل ويذوب ولزم الوحدة والفكر حتى سقط مغشيا عليه على فراشه
554
فدعا له أبوه الأطباء فجعل يصف كل دواء فلما طالت علته دعا أبوه فتيانا من الحي وإخوانه الذين كانوا له أنسا فقال اخلوا به وسلوه عن علته لعله يخبركم ببعض مايجده فأتوه فسألوه فقال والله ما بي علة أعرفها فأبينها لكم وأخبركم بما أجد منها فأقلوا الكلام
وكان الفتى ذا عقل فلما طال به الوجد دعا امرأة من أهله وقال إني ملق إليك حديثا ما ألقيته إلا عند اليأس من نفسي فإن ضمنت لي كتمانه أخبرتك وإلا صبرت حتى يحكم الله في أمري وبعد فوالله ما أخبرت به أحدا قبلك ولئن كتمت علي لا أخبر به أحدا بعدك وإن هذا البلاء الذي أرى لا شك قاتلي وإنه يجب علي في محبتي لمن أحب ان أكون له صائنا وعليه مشفقا من تزيد الناس وإكثارهم فالله الله في أمري واجعليه محرزا في صدرك
فقالت له المرأة قل يا بني فوالله لأكتمن أمرك ما بقيت
فقال إن من قصتي كذا وكذا قالت يا بني أفلا أخبرتنا فوالله ما رأيت كلمة تسكن القلب فلا تفارقه من كلمة عاشق أخبر من يحبه أن له وامق فتلك الكلمة تزرع في قلوب ذوي الألباب شجرا لا تدرك أصوله
فقال ومن لي بها وكيف السبيل إليها وقد بلغك حالها وشدة عبادتها
قالت يا بني علي أن آتيك بما تسر به
فلبست ثوبها وأتت منزل الجارية فدخلت فسلمت على أمها وحادثتها ساعة فسألتها أمها عن حاله وعن وجده فقالت والله لقد رأيت الأوجاع والآلام فما رأيت وجعا قط كوجعه وإنه ليزيد ويتراقى وهو في ذلك صابر غير شاك
قالت ألا تدعون له الأطباء
قالت والله ما وقع أحد منهم على دائه
555
ثم قامت فدخلت على الجارية فسلمت عليها وحادثتها ساعة وقد كان وقع إلى الجارية خبره فعلمت أن ذلك من أجلها فقالت لها المرأة يا بنية أبليت شبابك وأفنيت أيامك على هذه الحال
قالت يا عمتاه أية حال سوء تريني عليها قالت لا يا بنية ولكن مثلك يفرح في الدنيا ويلذ ببعض ما أحل الله غير تاركة لطاعة ربك ولا مفارقة لخدمته فيجمع الله لك بذلك الدارين جميعا
قالت يا عمتاه وهذه الدار دار بقاء تثق به الجوارح فتجعل لله شطرها وللدنيا شطرها أم دار فناء قالت لا يا بنية بل دار فناء ولكن الله تعالى قد جعل لعباده فيها ساعات صدقة منه على النفوس تنال فيها ما أحل فقالت صدقت ولكن لله عبادا قد سكنت نفوسهم ورضيت بالصبر على الطاعة لتنال جملة الكرامة وإن كلامك ليدلني على أن تحته علة وهو الذي حملك على مناظرتك لي على مثل هذا
وقد كنت والله أظن قبل اليوم فيك أنك تأمرين بالحرص على طاعة الله عز وجل والتقرب إليه بالأعمال الزكية فقد أصبحت متغيرة عما عهدتك عليه فأخبريني بما عندك
فقالت يا بنية إن من قصة فلان كذا وكذا
قالت قد ظننت ذلك فأبلغيه مني السلام وقولي أي أخاه إني والله قد وهبت نفسي لمليك يكافئ من أقرضه بالعطايا الجزيلة ويعين من انقطع إليه وخدمه وليس إلى الرجوع بعد الهبة سبيل
فتوسل إلى مولاك بمحابة وأضرع إليه في غفران ما قدمت يداك من عمل لم تهبه فيه فهو أول ما يجب عليك أن تسأله وأول ما يجب علي أن أعظك به فإذا خدمته قدر ما عصيته طاب لك الفراغ عن سؤال شهوات القلوب وخطرات الصدور فإنه لا يحسن بعبد كان لمولاه عاصيا أن ينسى ذنوبه والاعتذار منها ويسأل الحوائج
556
فاستنقذ نفسك يا أخي من مهلكات الذنوب ولست مؤيستك من فضله إن رآك متبتلا إليه أن يمن بي عليك وليكن ما أخبرتك به نصب عينيك ولا ترادني في المسئلة فلا أجيبك والسلام
فقامت المرأة فأخبرته بمقالتها فبكى بكاء شديدا فقالت العجوز والله يا بني ما رأيت امرأة الله عز وجل في صدرها مثل هذه المراة فاعمل بما أمرتك به فقد والله بالغت في النصحية فلا تلق نفسك لمهلكات الأمور فتندم حيث لا تغني الندامة ولو علمت يا بني أن حيلة تنفذ لاحتلتها ولكني رأيتها قد جعلت الله عز وجل نصب عينيها ومن فعل ذلك لهي عن زينة الدنيا فجعل يبكي ويقول كيف لي بالبلوغ إلى ما دعت إليه ومتى تكون آخر المدة التي نلتقي فيها
واشتد وجعه فلما رأى القوم أنه لا يقره قرار حبسوه في بيت وتوهموا أن الذي به من عشق
فكان ربما أفلت فيخرج من منزله فتجتمع إليه الصبيان فيقولون مت عشقا مت عشقا فكان يقول
أأفشي إليكم بعض ما قد يهجيني
أم الصبر أولى بالفتى عندما يلقي
سلام على من لا أسمى بإسمه
ولو صرت مثل الطير في غيضه ملقي
ألا أيها الصبيان لو ذقتم الهوى
لأيقنتم أني محدثكم حقا
أحبكم من حبها وأراكم
تقولون لي مت يا شجاع بها عشقا
فلم تنصفوني لا ولا هي أنصفت
فرفقا رويدا ويحكم بالفتى رفقا
فلما صح ذلك عند أهله وعلموا أنه عاشق جعلوا يسألونه عن أمره فكان لا يجيبهم وكتمت العجوز قصته فأخذوه فحبسوه في بيت فلم يزل فيه حتى مات رحمه الله
557
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن أحمد السراج قال أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد قال حدثنا ابو صالح السمرقندي قال حدثنا الحسين بن القاسم بن اليسع قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد ابن عمرو الدنيوري قال حدثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي الخياط قال قال أبو حمزة رأيت مع محمد بن قطن الصوفي غلاما جميلا فكانا لا يفترقان في سفر ولا حضر فمكثا بذلك زمانا طويلا فمات الغلام وكمد عليه محمد بن قطن حتى عاد جلدا وعظما فرأيته يوما وقد خرج إلى المقابر فأتبعته فوقف على قبره قائما يبكي وينظر إليه والسماء تمطر فما زال واقفا من وقت الضحى إلى أن غربت الشمس لم يبرح ولم يجلس ويده على خده فانصرفت عنه وهو كذلك واقف فلما كان الغد خرجت لأعرف خبره وما كان من أمره فصرت إلى القبر فإذا هو مكبوب لوجهه ميت فدعوت من كان بالحضرة فأعانوني على حملهفغسلته وكفنته في ثيابه ودفنته إلى جانب القبر
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي قال أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي قال حدثني أبو محمد علي بن أحمد الفقيه الحافظ قال حدثني أبو عبد الله محمد بن الحسن المذحجي الأديب قال كنت أختلف في النحو إلى عبد الله محمد بن خطاب النحوي في جماعة أيام الحداثة وكان معنا أسلم بن أحمد بن سعيد بن قاضي قضاة الأندلس قال محمد بن الحسن وكان من أجمل من رأته العيون وكان معنا عند محمد بن خطاب أحمد بن كليب وكان من أهل الأدب والشعر فاشتد كلفه بأسلم وفارق صبره وصرف فيه القول مستترا بذلك إلى أن فشت أشعاره فيه وجرت على الألسنة وتنوشدت في المحافل فلعهدي بعرس في بعض الشوارع والنكوري الزامر في وسط المحافل يزمر بقول أحمد بن كليب في أسلم
أسلمني في هوا
أسلم هذا الرشا
558
غزال له مقلة
يصيب بها من يشا
وشي بيننا حاسد
سيسأل عما وشا
ولو شاء أن يرتشي
على الوصل روحي ارتشى
ومغن محسن يسايره فلما بلغ هذا المبلغ انقطع أسلم عن جميع مجالس الطلب ولزم بيته والجلوس على بابه وكان أحمد بن كليب لا شغل له إلا المرور على باب دار أسلم سائرا أو مقبلا نهاره كله فانقطع أسلم عن الجلوس على باب داره نهارا فإذا صلى المغرب واختلط الظلام خرج مستروحا وجلس على باب داره فعيل صبر أحمد بن كليب فتحيل في بعض الليالي ولبس جبة صوف من جباب أهل البادية واعتم بمثل عمائمهم وأخذ بإحدى يديه دجاحا وباليد الأخرى قفصا فيه بيض كأنه قدم من بعض الضياع وتحين جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه فتقدم إليه وقبل يده وقال يا مولاي من يقبض هذا فقال له أسلم من أنت قال أجيرك في الضيعة الفلانية وقد كان تعرف أسماء ضياعه والعاملين فيها فأمر أسلم غلمانه بقبض ذلك منه على عادتهم في قبول هدايا العاملين في ضياعهم ثم جعل يسأله عن أحوال الضيعة فلما جاوبه أنكر الكلام فتأمله فعرفه فقال له يا أخي إلى ها هنا تتبعني أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب وعن الخروج جملة وعن القعود على بابي نهارا حتى قطعت علي جميع مالي فيه راحة فقد صرت في سجنك والله لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي ولا جلست بعدها على بابي لا ليلا ولا نهارا
ثم قام وانصرف أحمد بن كليب حزينا كئيبا
قال محمد واتصل ذلك بنا فقلنا لأحمد بن كليب خسرت دجاجك وبيضك فقال هات كل ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك
559
قال فلما يئس من رؤيته البتة نهكته العلة وأضجعه المرضى
قال محمد بن الحسن فأخبرني شيخنا محمد بن خطاب قال فعدته فوجدته بأسوأ حال فقلت له ولم لا تتداوى فقال دوائي مرعوف وأما الأطباء فلا حيلة لهم في البتة فقلت له وما دواؤك قال نظرة من أسلم فلو سعيت في أن يزورني لأعظم الله أجرك بذلك وأجره
قال فرحمته وتقطعت نفسي له حسرة فنهضت إلى أسلم فاستأذنت عليه فأذن لي وتلقاني بما يجب فقلت له لي حاجة فقال وما هي قلت قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي فقال نعم ولكن قد تعلم انه برج بي وشهر اسمي وآذاني فقلت له كل ذلك يغتفر في مثل هذه الحال التي هو فيها والرجل يموت فتفضل بعيادته فقال لي والله ما أقدر على ذلك فلا تكلفني هذا فقلت لا بد من ذلك فليس عليك فيه شيء وإنما هي عيادة مريض
قال ولم أزل به حتى أجاب فقلت له فقم الآن فقال لست والله أفعل ولكن غدا فقلت له ولا خلف قال نعم
فانصرفت إلى أحمد بن كليب فأخبرته بوعده بعد تأبيه فسر بذلك وارتاحت نفسه فلما كان من الغد بكرت إلى أسلم وقلت له الوعد قال فوجم وقال والله لقد تحملني على خطة صعبة علي وما أدري كيف أطيق ذلك قال فقلت له لا بد أن تقي بوعدك لي قال فأخذ رداءه ونهض معي راجلا قال فلما أتينا منزل أحمد بن كليب وكان يسكن في درب طويل وتوسط الزقاق وقف واحمر وخجل وقال لي يا سيدي الساعة والله أموت وما أستطيع نقل قدمي ولا أستطيع أن أعرض هذا على نفسي فقلت لا تفعل بعد أن بلغت المنزل تنصرف قال لا سبيل إلى ذلك والله البتة
560
قال ورجع هاربا فاتبعته وأخذت بردائه فتمادى وتمزق الرداء وبقيت قطعة منه في يدي لشدة إمساكي له ومضى ولم أدركه
فرجعت ودخلت على أحمد بن كليب قال وقد كان غلامه دخل عليه إذ رآنا من أول الزقاق مبشرا قال فلما رآني تغير وجهه وقال وأين أبو الحسن قال فأخبرته بالقصة فاستحال من وقته واختلط وجعل يتكلم بكلام لا يعقل منه أكثر من الاسترجاع فاستبشعت الحال وجعلت أتوجع وقمت قال فثاب إليه ذهنه وقال لي يا أبا عبد الله قلت نعم قال اسمع مني واحفظ عني ثم أنشأ يقول
أسلم يا راحة العليل
رفقا على الهائم النحيل
وصلك أشهى إلى فؤادي
من رحمة الخالق الجليل
قال فقلت له اتق الله ما هذه العظيمة فقال قد كان
قال فخرجت عنه فوالله ما توسطت الزقاق حتى سمعت الصراخ عليه وقد فارق الدنيا
قال الحميدي قال لنا أبو محمد وهذه قصة مشهورة عندنا ومحمد بن الحسن ثقة ومحمد بن خطاب ثقة وأسلم هذا من بني خالد وكانت فيهم وزارة وحجابة وهو صاحب الديوان المشهور في غناء زرياب وأبوه الآن في الحياة يكنى أبا الجعد قال أبو محمد ولقد ذكرت هذه الحكاية لأبي عبد الله بن سعيد الخولاني الكاتب فعرفها وقال لي لقد أخبرني الثقة أنه رأى أسلم هذا في يوم شديد المطر لا يكاد أحد يمشي في طريق وهو جالس على قبر أحمد بن كليب المذكور زائرا له قد تحين غفلة الناس في مثل ذلك اليوم
قال الحميدي وأنشدني أبو محمد علي بن أحمد قال أنشدني محمد بن عبد الرحمن بن أحمد التجيبي لأحمد بن كليب وقد أهدى إلي أسلم كتاب الفصيح لثعلب
هذا كتاب الفصيح
بكل لفظ مليح
وهبته لك طوعا
كما وهبتك روحي
561
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو الحسن محمد بن عبد الواحد قال أنبأنا أبو بكر بن شاذان قال أنبأنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال أنبأنا أحمد بن يحيى أن الزبير أخبرهم عن محمد بن إبراهيم الليثي قال حدثني محمد بن معن الغفاري قال أقحمت السنة المدينة ناسا من الأعراب فحل المذاد صرم من بني كلاب وكانوا يسمون عامهم ذلك الجراف فغدوت عليهم فإذا غلام منهم قد عاد جلدا وعظما ضيقة وضمانة ومرضا وإذا هو رافع عقيرته بأبيات قالها
ألا يا سنا برق على قلل الحمى
لهنك من برق على كريم
فبت بحد المرفقين أشيمه
كأني لبرق بالستار حميم
فهل من معيري طرف عين خلية
فإنسان طرف العامري كليم
رمى قلبه البرق الملالي رمية
بذكر الحمى وهنا فكاد يهيم
فقلت له دون ما أنت فيه لما أفحم عن قول الشعر قال صدقت ولكن البرق أيقظني فوالله ما لبث يومه حتى مات ما به داء غير الوجد
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا ابن السراج قال ذكر ابن حيويه قال حدثنا أبو بكر بن خلف قال حدثني إسحاق بن محمد الكوفي قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن حفص عن أبيه قال كان مسافر بن أبي عمر بن أبي أمية يتعشق جارية من أهل مكة فنذر به أهلها فهرب فلحق بالنعمان بن المنذر فاعتل ثم قدم عليه رجل من أهل مكة فقال له ما فعلت فلانة قال تزوجت فشهق ومات في مكانه
562
قال ابن خلف وحدثنا أبو عبيد الله التميمي قال أنبأنا زياد بن صالح قال كان العلاء بن عبد الرحمن التغلبي من أهل الأدب والظرف فواصلته جارية وكان يظهر لها ما ليس في قلبه وهي على غاية العشق له فماتت عشقا له فأسف على ما كان من جفائه لها وإعراضه عنها فرآها ليلة في منامه وهي تقول
أتبكي بعد قتلك لي عليا
فهلا كان ذا إذ كنت حيا
سكبت دموع عينك لي عليا
ومن قبل الممات تسي إليا
فيا قمرا برى جسمي وروحي
ويقتلني وما أبقى عليا
أقل من النياحة والمرائي
فإني ما أراك صنعت شيا
فزاد ما كان عليه من الأسف والغم والبكاء حتى فاضت نفسه فمات
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري قال أنبأنا أبو علي الحسن بن المظفر بن الحسن الهمذاني قال حدثنا أبي قال أنشدنا جدي قال أنشدني جعفر بن نصير قال أنشدني ابن مسروق قال أنشدني البرجلاني
ذكرت فتى فيما مضى كان عاشقا
فغادره ريب الزمان فخانه
فعاش كئيبا مدنفا في حياته
إلى أن مضى لم يعرف الناس شانه
بلى قال عند الموت واحسرتي على
فتى لا أسميه وعض بنانه
وقلب طرفيه ونكس رأسه
وأن بشهقات ومات مكانه
فيا أهل ودي هكذا الحب في الهوى
ولكن ما هذا الزمان زمانه
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري قال حدثنا المعافى بن زكريا قال حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا أبو محمد عبد الله بن مالك النحوي قال حدثنا
563
يحيى بن أبي حماد عن أبيه قال وصفت للمأمون جارية بكل ما يوصف به امرأة من الكمال والجمال فبعث في شرائها فأتي بها وقت خروجه إلى بلاد الروم فلما هم ليلبس درعه خطرت بباله فأمر فاخرجت إليه فلما نظر إليها أعجب بها وأعجبت به فقالت ما هذا قال أريد الخروج إلى بلاد الروم قالت قتلتني والله يا سيدي وحدرت دموعها على خدها كنظام اللؤلؤ وأنشأت تقول
سأدعو دعوة المضطر ربا
يثيب على الدعاء ويستجيب
لعل الله أن يكفيك حربا
ويجمعنا كما تهوى القلوب
فضمها المأمون إلى صدره وأنشأ متمثلا يقول
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها
وإذ هي تذري الدمع منها الأنامل
صبيحة قالت في العتاب قتلتني
وقتلي بما قالت هناك تحاول
ثم قال لخادمه يا مسرور احتفظ بها وأكرم محلها وأصلح لها كل ما تحتاج إليه من المقاصير والخدم والجواري إلى وقت رجوعي فلولا ما قال الأخطل
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم
دون النساء ولو باتت بأطهار
ثم خرج فلم يزل يتعاهدها ويصلح ما أمر به فاعتلت الجارية علة شديدة أشفق عليها منها وورد نعي المأمون فلما بلغها ذلك تنفست الصعداء وماتت
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا القاضي أبو الطيب الطبري قال سمعت أبا جعفر الموسائي العلوي يقول حدثني محمد بن أحمد الرصافي قال قال لي عبد الملك بن محمد إني خرجت من البصرة أريد الحج وإذا أنا بفتى نضو قد نهكه السقام يقف على محمل محمل وهودج وهودج ويطلع فيه فتعجبت منه ومن فعله فقال
564
أحجاج بيت الله في أي هودج
وفي أي خدر من خدوركم قلبي
أأبقى أسير الحب في دار غربة
وحاديكم يحدو بقلبي في الركب
فلم أزل أقف عليه حتى جاء المنزل فاستند إلى جدار ثم قال
خل فيض الدمع ينهمل
بان من تهواه فارتحلوا
كل دمع صانه كلف
فهو يوم البين مبتذل
قال ثم تنفس الصعداء وشهق شهقة فحركته فإذا هو ميت
أخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر قال حدث أبو عمر بن حيويه قال قال حدثنا ابن المرزبان قال حدثني العباس بن الفضل الأسدي قال حدثني محمد ابن زياد الأعرابي قال خرج الأحوص بن محمد إلى دمشق ومعه جارية له يقال لها بشرة وكان شديد الإعجاب بها لا يكاد يصبر عنها وكانت هي له من المحبة على أكثر من ذلك فاشتكى الأحوص ومات فجزعت عليه ولم تزل تندبه إلى أن شهقت شهقة فماتت فدفنت إلى جانب قبره
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك قال أنبأنا أبو الحسين بن عبدالجبار قال أنبأنا القاضي أبو عبد الله الحسين بن محمد النصيبي قال أنبأنا إسماعيل بن سويد قال حدثنا أبو بكر الأنباري قال أنبأنا عبد الله بن خلف قال أخبرني أبو بكر العامري قال أخبرني دعبل بن عبد الله الخزاعي قال كان بالكوفة رجل من بني أسد مال إلى جارية لبعض أهل الكوفة فتعاظم أمره وأمرها فكان يقول فيها الشعر ويذكر بعض أهل الكوفة أنه مات من حبها وصنعوا له كتابا في ذلك مثل كتاب جميل وبثينة وعفراء وعروة وكثير
565
وعزة فباعها مولاها لرجل من أهل بغداد من الهاشميين فيروى أنه مات حين أخرجت من الكوفة وأنه لما بلغها موته ماتت أسفا عليه فمن شعره عند فراقها
جد الرحيل وحثني صحبي
قالوا الرحيل فطيروا لبي
واشتقت شوقا كاد يقتلني
فالنفس مشرفة على نحبي
لم يلق عند البين ذو كلف
يوما كما لاقيت من كرب
لا صبر لي عند الفراق على
فقد الحبيب ولوعة الحب
أنبأنا عبد الخالق بن البدن قال أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد السمناني قال حدثنا أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت قال حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال حدثني ابن المرزبان قال حدثنا محمد بن هارون المقرىء قال حدثنا سعيد بن راشد قال علقت فتاة من العرب فتى من قومها وكان الفتى عاقلا فاضلا فجعلت تكثر التردد إليه فتسأله عن أمور من أمور النساء وما بها إلا النظر إليه واستماع كلامه فلما طال ذلك عليها مرضت وتغيرت واحتالت في أن خلا لها وجهه فتعرضت له ببعض الأمر فدفعها عنه فتزايد المرض حتى سقطت على الفراش فقالت له أمه إن فلانة قد مرضت ولها علينا حق قال فعوديها وقولي لها يقول لك ما خبرك فمضت إليها أمه فقالت له ما بك قالت وجع في فؤادي هو أصل علتي قالت فإن ابني يقول لك ما علتك فتنفست الصعداء وقالت
يسائلني عن علتي وهو علتي
عجيب من الأنباء جاء به الخبر
فانصرفت أمه إليه فأخبرته وقالت له قد كنت أحب أن تسألها المصير إلينا فنقضى حقها ونلي خدمتها قال فسليها ذلك قالت قد أردت أن أفعله
566
ولكن أحببت أن يكون عن رأيك فمضت إليها فذكرت لها ذلك عنه فبكت وقالت يباعدني عن قربه ولقائه فلما أذاب الجسم مني تعطفا
فلست بآتي موضعا فيه قاتلي
كف بي سقاما أن أموت كذا كفى
وترامت بها العلة وتزايد المرض عليها حتى ماتت
وقد روى أبو بكر بن الأنباري قال حدثني محمد بن المرزبان قال حدثني أحمد بن عبد الله بن محمد الكوفي قال علق بدر بن سعيد بن الوليد الهمداني نعم بنت حاجب بن عطارد وكان سبب علاقته أنه رآها تطوف بالبيت ففتنته فأنشأ يقول
ما كنت أحسب أن الحب يعرض لي
عند الطواف ببيت الله ذي الستر
حتى بدت في طواف البيت جارية
أظنها فتنة ليست من البشر
ثم عظم عليه الأمر في ليلته وامتنع النوم منه فلما بدا الصبح أنشأ يقول
يا صبح قد جئت على ياس
من عشاق مات بوسواس
صبرا وتسليما لما قد قضى
ذو المن والطول على رأسي
وكانت تنزل الكوفة فلما عزمت على الرحيل أنشأ يقول
جد الرحيل فكيف ويحك تصنع
أتراك تصبر أم إخالك تجزع
567
يا بدر إنك قد شقيت بما ترى
كتب الإله عليك ما لا يدفع
أبصرت عند البيت خودا غادة
ذهبت بعقلك فالرقى لا تنفع
ثم ارتحل معها إلى الكوفة فنزلت في قصر حاجب فكان يجلس بحذاء القصر ويقول
يا قصر حاجب قد أصبحت لي سجنا
لم يبق من فيك لي سمعا ولا بصرا
يا قصر حاجب هل لي فيك من طمع
أم ذاك منك فدتك النفس قد عسرا
الله يعلم أني ما ذكرتكم
إلا ترقرق ماء العين فانحدرا
ونظر يوما إلى حمام على سطح القصر قد سقط إليه حمام فأنشأ يقول
قد بدا الصبح لي بشيء مليح
فرج الكرب عن فؤاد قريح
من حمام رأيته حين أوفى
فوق سطح يدعو بصوت فصيح
فأتته حمامة فدنت منه
دنوا بغير أمر قبيح
فزجرت الحمام نفسي يقينا
وزجرت الأخرى شقيقة روحي
فاتصل خبره بها وكثر من يعذله على ما يلزمه نفسه من أمر هذه المرأة فأنشأ يقول
أيها العاذلون بالله كفوا
عن ملامي فقد خلعت العذارا
لست والله قابلا من عذول
ما به في الهوى على أشارا
وكان بدر معروفا بالشجاعة والنجدة والعقل والبيان فأدخل على الحجاج فخاطبه فأعجب به وغلب على قلبه وأحسن رفده وأخرجه فيمن أخرج إلى قتال ابن الأشعث فعمل في الحرب عملا عجب منه فيه وأكثر القتل في أصحاب ابن الأشعث وعظمت الجراح به فقال وهو بآخر رمق احملوني إلى الكوفة فادفنوني بها ففعل ذلك به فاتصل خبره بنعم فأتت قبره وأنشأت تقول
يا من لعين بالدموع سكوب
تبكي قتيلا ثاويا بقليب
568
يا بدر قد أشجيتني وتركتني
في كربة تعتادني ونحيب
بأبي وأمي من كريم سيد
جزل العطايا للألوف وهوب
لهفي عليك إذا الحروب تسعرت
وتضرمت وتلهبت بلهيب
فلأبكينك ما بقيت بلوعة
وأشق من جزع عليك جيوبي
أبكيك يا بدرا بعين سحة
وغليل قلب موجع مكروب
لا خير لي يا بدر بعدك في البقا
ما خير عيش بعد هلك حبيب
ولم تزل مقيمة على قبره تقلب عليه وتبكي حتى ماتت فدفنت هناك إلى جانبه
وقال أبو بكر محمد بن داود الأصبهاني بلغني أن فتى من الأعراب يقال له امرؤ القيس هوى فتاة من الحي فلما وقفت على أنه يحبها هجرته فزال عقله وخولط وأشفى على التلف وصار رحمة للناس فلما بلغ المرأة حاله وما هو فيه أتت فأخذت بعضادتي الباب فقالت كيف تجدك يا امرؤ القيس فقال
دنت وظلال الموت بيني وبينها
وأدلت بوصل حين لا ينفع الوصل
ثم لم يلبث إلا يسيرا حتى مات
وقال الريان بن علي الأديب عشق فتى من أبناء بعض أصدقائي جارية فأنحله العشق وتيمه فزال عقله وأخذ في الهجر والهذيان فمررت به ذات يوم في بعض الخرابات فقلت له أبا فلان ما حالك فقال أسوأ حال عقل هائم وغم لازم وفكر دائم ثم أنشأ يقول
تيمني حبها وأضناني
وفي بحار الهموم ألقاني
كيف احتيالي وليس لي جلد
في دفع ما بي وكشف أحزاني
يا رب فاعطف بقلبها فعسى
ترحم ضعفي وطول أشجاني
569
ثم مررت به بعد أيام وهو يبكي ويتمرغ في التراب فلما رآني قال يا عم إني ميت الليلة فقلت الله يشفيك فقبض في ليلته
وقال إسحاق الرافقي كنت في مجلس بالرافقة مع عدة من الظرفاء وجماعة من الفتيان ومعنا فتى كأهيأ ما رأيت من الفتيان وعليه أثر ذلة الهوى يديم الأنين والبكاء فغنت إحداهن
إني لأبغض كل مصطبر
عن إلفه في الوصل والهجر
الصبر يحسن في مواطنه
ما للفتى المحزون والصبر
قال فنظر الفتى إليها وتبادرت عبراته ثم وثب على قدميه ووضع يده على رأسه وقال
غدا يكثر الباكون منا ومنكم
وتزداد داري من دياركم بعدا
ثم رمى بنفسه فسقط مجدلا من قامته فحملناه ميتا
570
الباب الثامن والأربعون في ذكر أخبار من قتل نفسه بسبب العشق
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبدالجبار قال أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال حدثنا أبو عمر بن حيويه قال حدثنا أبو بكر ابن خلف قال حدثنا أبو سيعد بن شبيب قال حدثني العتبي قال كان عند خالد بن عبد الله ذات ليلة فقهاء من أهل الكوفة فيهم أبو حمزة الثمالي إذ قال خالد حدثونا بحديث عشق ليس فيه فحش
فقال أبو حمزة الثمالي أصلح الله الأمير زعموا أنه ذكر عند هشام بن عبد الملك غدر النساء وسرعة تزويجهن فقال هشام إنه ليبلغني من ذلك العجب فقال بعض جلسائه أحدثك عما بلغني من ذلك بلغني أن رجلا من بني يشكر يقال له غسان بن جهم بن العذافر كانت تحته ابنة عم له يقال لها أم عقبة بنت عمرو بن الأبجر وكان لها محبا وكانت له كذلك فلما حضره الموت وظن أنه مفارق الدنيا قال ثلاثة أبيات ثم قال يا أم عقبة اسمعي ما أقول وأجيبي بحق فقد تاقت نفسي إلى مسئلتك عن نفسك بعد ما يواريني التراب فقالت قل فوالله لا أجيبك بكذب ولا جعلته آخر حظك مني فقال وهو يبكي بكاء كاد يمنعه الكلام
أخبريني ماذا تريدين بعدي والذي تضمرين يا أم عقبة
تحفظيني بعد موتي لما قد
كان من حسن خلق وصحبه
أم تريدين ذا جمال ومال
وأنا في التراب في سجن غربه
571
فأجابته ببكاء وانتحاب
قد سمعنا الذي تقول وما قد
خفته يا غسان من أم عقبه
أنا من أحفظ النساء وأرعاه
لما قد أوليت من حسن صحبة
سوف أبكيك ما حييت بشجو
ومراث أقولها وبندبة
قال فلما قالت ذلك طابت نفسه وفي النفس ما فيها فقال
أنا والله واثق منك لكن
ربما خفت منك غدر النساء
بعد موت الأزواج يا خير من عوشر
فارعمى حقي بحسن الوفاء
إنني قد رجوت أن تحفظي العهد
فكوني إن مت عند الرجاء
ثم اعتقل لسانه فلم ينطق حتى مات
فلم تلبث إلا قليلا حتى خطبت من كل جانب ورغبت فيها الأزواج لاجتماع الخصال الفاضلة فيها من العقل والجمال والعفاف والحسب فقالت مجيبة لهم
سأحفظ غسانا على بعد داره
وأرعاه حتى نلتقي يوم نحشر
وإني لفي شغل عن الناس كلهم
فكفوا فما مثلي بمن مات يغدر
سأبكي عليه ما حييت بعبرة
تجول على الخدين مني فتكثر
فيئس الناس منها حينا فلما مرت بها الأيام نسيت عهده وقالت من مات فقد فات فأجابت بعض خطابها فتزوجها فلما كانت الليلة التي أراد الدخول بها جاءها غسان في النوم وقد أغفت فقال
غدرت ولم ترعي لبعلك حرمة
ولم تعرفي حقا ولم تحفظي عهدا
ولم تصبري حولا حفاظا لصاحب
حلفت له يوما ولم تنجزي وعدا
غدرت به لما ثوى في ضريحه
كذلك ينسى كل من سكن اللحدا
فلما قال هذه الأبيات انتبهت مرتاعة مستحيية منه كأنه بات معها في جانب
572
البيت وأنكر ذلك منها من حضرها من نسائها فقلن مالك وما حالك وما دهاك فقالت ما ترك غسان بعده في الحياة أربا ولا بعده في الحياة سرور ورغبة أتاني في منامي الساعة فأنشدني هذه الأبيات وأنشدتها وهي تبكي بدمع غزير وانتحاب شديد
فلما سمعن ذلك منها أخذن بها في حديث آخر لتنسى ما هي فيه فتغافلتهن ثم قامت فلم يدركنها حتى ذبحت نفسها حياء مما كادت تركب بعده من الغدر به والنسيان لعهده
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبد الملك ابن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال حدثنا محمد بن جعفر الخرائطي قال حدثنا العباس بن الفضل قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن أبي مسكين قال ضلت ناقة لفتى من تميم فخرج إلى حي من بني شيبان ينشدها فإنه لكذلك إذ بصر بجارية كأنها الشمس حسنا وجمالا فعشقها عشقا مبرحا فرجع إلى قومه وقد ذهب عقله فما تمالك أن رجع إلى حيهم فلما هذأ الليل قال لعلي أسكن بالنظر إليها بعض ما بي فأتاها وهي جالسة وإخوتها نيام حولها فقال لها يا قرة عيني قد والله أذهب الشوق عقلي وكدر على عيشي فقالت امض إلى حالك وإلا نبهت إخوتي فقتلوك فقال لها إن القتل أهون علي من الذي أنا فيه قالت وهل يكون شيء أشد من القتل قال نعم ما أنا فيه من حبك قالت له فما تشاء قال أمكنيني من يدك حتى أضعها على قلبي ولك عهد الله عز وجل أني أرجع ففعلت فرجع فلما كانت القابلة عاد فوجدها على حالها فقالت له كقولها الأول فقال تمكنيني من شفتيك حتى أرشفها وأنصرف فلما فعلت ذلك وقع في قلبها منه كهيئة النار فأقبلت تلقاه كل ليلة فنذر به حيها وإخوتها فقالوا ما لهذا الكلب قد أطال المكث في هذا الجبل وهو يتخطانا
573
فقعدوا لطلبه في ليلتهم تلك فأرسلت إليه أن القوم يريدونك فكن على حذر وإياك والغفلة فجاءت السماء بمطر حال بينهم وبين طلبه ثم انجلت السحاب وطلع القمر فتطيبت الجارية ونشرت شعرها وأعجبت بنفسها واشتهت أن يراها على تلك الحالة فقالت لترب لها قد كانت أطلعتها على شأنها يا فلانة أسعديني على المضي إليه فخرجتا تريدانه وهو على الجبل خائف من الطلب فبصر بشخصين يسيران في القمر فلم يشك أنهما من الطالبين فانتزع سهما فما أخطأ قلب صاحبته فسقطت لوجهها مضرجة بدمها فلم تزل تضطرب حتى ماتت فبهت شاخصا ينظر إليها ثم أنشأ يقول
نعب الغراب بما كرهت
ولا إزالة للقدر
تبكي وأنت قتلتها
فاصبر وإلا فانتحر
ثم جمع نبله فجعل يجأ بها أوداجه حتى قتل نفسه
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد قال أنبأنا عبد الملك قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم قال حدثنا أبو بكر الخرائطي قال حدثنا محمد بن جعفر الدولابي قال حدثنا علي بن عيسى عن عبد الرحمن بن إسحاق قال انحدرت من سر من رأي مع إسحاق بن إبراهيم فلما صرنا إلى موضع يقال له العلث دعى بالطعام فأكلنا وحول من الحراقة التي فيها الخدم جاريتين عوادة وطنبورية ومدت ستارة فغنت الطنبورية
يا رحمتا للعاشقينا
ما إن أرى لهم معينا
كم يهجرون ويبعدون
ويضربون فيصبرونا
فقالت لها العوادة فيصنعون ماذا إذا لم يصبروا فهتكت الستارة وقالت يصنعون هكذا وألقت بنفسها في دجلة فغرقت
574
وكان على رأس إسحاق بن إبراهيم غلام من أحسن الناس وجها فلما رأى ما صنعت الجارية قال
أنت التي غرقتني
بعد القضا لو تعلمينا
لا خير بعدك إن بقينا
والموت زين العاشقينا
وألقى نفسه خلفها فغرق فاشتد على إسحاق وأمر بإخراجهما فاخرجا من الماء فدفنا
وقد رويت لنا هذه الحكاية على وجه آخر
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قال أنبأنا جعفر بن أحمد السراج قال أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن العباس قال حدثنا محمد بن أحمد الكاتب قال حدثنا ميمون بن هرون الكاتب قال حدثني عبد الرحمن ابن إسحاق القاضي قال انحدرت من سر من رأى مع محمد بن إبراهيم أخي إسحاق ودجلة تزخر من كثرة مائها فلما أن سرنا ساعة قال أرفوا بنا ثم دعا بطعامه فأكلنا ثم قال ما ترى في النبيذ قلت له أعز الله الأمير هذه دجلة قد جاءت بمد عظيم يرعب مثله وبينك وبين منزلك مبيت ليلة فلو شئت أخرته قال لا بد لي من الشراب فضربت ستارة واندفعت مغنية فغنت ثم اندفعت أخرى فغنت
يا رحمتا للعاشقينا
ما إن أرى لهم معينا
كم يشتمون ويضربون
ويهجرون فيصبرونا
فقالت لها المغنية الأولى فيصنعون ماذا قالت يصنعون هكذا فرفعت الستارة وقذفت بنفسها في دجلة وكان بين يدي محمد غلام ذكر أن شراءه ألف دينار بيده مذبة لم أر أحسن منه فوضع المذبة وقذف بنفسه في دجلة وهو يقول
575
أنت التي غرقتني
بعد القضا لو تعلمينا
فأراد الملاحون أن يطرحوا أنفسهم خلفهما فصاح بهم محمد دعوهما يغرقا إلى لعنة الله
قال فرأيتهما قد خرجا من الماء معتنقين ثم غرقا
بلغني عن جميل بن معمر العذري أنه قال دخلت على عبد الملك بن مروان فقال يا جميل حدثني ببعض أحاديث بني عذرة فإنه قد بلغني أنهم أصحاب أدب وغزل
فقلت نعم يا أمير المؤمنين انتجعوا عن حيهم مرة فوجدوا النجعة بموضع نازح فقطنوه فخرجت أريدهم فبينا أنا أسير إذ غلطت الطريق وجن علي الليل ولاح لي باب فقصدته حتى وردت على راع في أصل جبل قد ألجأ غنمه إلى كهف في الجبل فسلمت عليه فرد السلام وقال أحسبك قد ضللت الطريق قلت قد كان ذلك فأرشدني قال بل إنزل حتى تريح ظهرك وتبيت ليلتك فإذا أصبحت وقفتك على القصد
فنزلت فرحب بي وأكرمني وعمد إلى شاة فذبحها وأجج نارا وجعل يشوي ويلقي بين يدي ويحدثني في خلال ذلك ثم قام إلى كساء كان معه فقطع به جانب الخباء ومهد لي جانبا وترك جانبا خاليا
فلما كان في الليل سمعته يبكي ويشكوا إلى شخص كان معه فأرقت ليلتي فلما أصبحت طلبت الإذن فأبى وقال الضيافة ثلاث فأقمت عنده وسألته عن اسمه ونسبه وحاله فانتسب لي فإذا هو من بني عذرة من أشرافهم فقلت يا هذا وما الذي أحلك هذا الموضع فأخبرني أنه كان يهوى ابنة عم له وتهواه وأنه خطبها إلى أبيها فأبى أن يزوجه منها لقلة ذات يده وأنه زوجها رجلا من بني
576
كلاب فخرج بها عن الحي وأسكنها في موضعه ذلك وأنه تنكر ورضى أن يكون راعيا لتأتيه ابنة عمه ويراها
وجعل يشكو إلى صبابته بها وعشقه لها حتى إذا جننا الليل وحان وقت مجيئها جعل يتقلقل ويقوم ويقعد كالمتوقع لها فأبطأت عن الوقت وغلبه الشوق فوثب قائما وأنشأ يقول
ما بال مية لا تأتي كعادتها
أهاجها طرب أم صدها شغل
لكن قلبي لا يلهيه غيركم
حتى الممات ومالي غيركم أمل
لا تعلمين الذي بي من فراقكم
لما اعتللت ولا طابت لك العلل
روحي فداءك قد هيجت لي سقما
تكاد من حره الأعضاء تنفصل
لو أن عادية مني على جبل
لزال وانهد عن أركانه الجبل
ثم قال يا أخا بني عذرة مكانك حتى أعود إليك فما أتوهم أن أمر ابنة عمي صحيح
ثم مضى فما لبث أن أقبل وعلى يده شيء محمول وقد علا شهيقه ونحيبه فقال يا أخا بني عذرة هذه ابنة عمي أرادت أن تأتيني فاعترضها الأسد فأكلها
ثم وضعها عن يده وقال على رسلك حتى أعود إليك ومضى فأبطأ حتى يئست من رجوعه ثم أقبل ورأس الأسد على يده فجعل ينكث على أسنان الأسد ويقول
ألا أيها الليث المخل بنفسه
هبلت لقد جرت يداك لنا حزنا
وغادرتني فردا وقد كنت آلفا
وصيرت بطن الأرض ثم لنا سجنا
أقول لدهر خانني بفراقه
معاذ إلهي أن أكون له خدنا
ثم قال يا أخا بني عذرة إنك ستراني بين يديك ميتا فإذا مت فأعمد
577
إلى وابنة عمي وأدرجنا في كفن واحد واحفر لنا جدثا واحدا فادفنا فيه واكتب على قبري هذين البيتين
كنا على ظهرها والعيش في مهل
والشمل يجمعنا والدار والوطن
ففرق الدهر والتصريف ألفتنا
فصار يجمعنا في بطنها الكفن
ورد الغنم على صاحبها وأعلمه بقصتنا
ثم عمد إلى خناق فطرحه في عنقه فناشدته الله ألا يفعل فأبى وجعل يخنق نفسه حتى سقط ميتا فكفنتهما ودفنتهما في قبر واحد كما أمرني وكتبت البيتيتن على قبرهما ورددت الغنم على صاحبها وأعلمته بقصتهما فحزن حزنا شديدا أشفقت منه على نفسه أسفا على ما فرط في اجتماعهما
أنبانا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبدالجبار قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال حدثنا القاضي أبو القاسم هبة الله بن الحسين الرحبي قال حدثنا علي بن أحمد بن محمد الحرمي قال حدثنا الحسين بن علي بن أحمد المهلبي قال حدثني أبو عبد الله القرشي قال رأيت رجلا يعاتب إلفا له على الجسر وكنت قريبا منهما بحيث أسمع ما كانا فيه جميعا فقال له ألم أفعل بك كذا ألم أصنع بك كذا فلم يزل يعدد عليه ما أولاه إياه فقال له المألوف هذا الذي فعلت في هواك أوفي هواي وخرج الكلام بينهما إلى أن قال له قد أضجرتني فما تحب أن أفعل بنفسي حتى تشتفي قال تطرح نفسك في هذا الماء إن كنت صادقا في دعواك
قال فعهدي به وعلى رأسه رداء وقد لف رأسه بردائه وزج نفسه في دجلة فداخلني من الأمر ما غلب على حتى صعقت صعقة غشي علي منها ولم أدر ما كان بعد ذلك
578
وبلغنا عن سعيد بن أحمد قال رأيت بالبصرة في خان عطاء بن مسلم شابا وفي يده مدية وهو ينادي بأعلى صوته والناس حوله
يوم الفراق من القيامة أطول
والموت من ألم التفرق أجمل
قالوا الرحيل فقلت لست براحل
لكن مهجتي التي تترحل
ثم بقر بطنه بالمدية وخر ميتا فسألت عنه وعن أمره فقيل لي إنه كان يهوى فتى لبعض الملوك وحجب عنه يوما واحدا
وحكى أبو عبد الله الحسين بن محمد الدامغاني قال كان ببلاد فارس صوفي كبير فابتلى بحدث فلم يملك نفسه أن دعته إلى الفجور فراقب الله تعالى ثم ندم على هذه الهمة وكان منزله على مكان عال ووراء منزله بحر من الماء فلما أخذته الندامة صعد على السطح ورمى بنفسه إلى الماء وتلا
فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم
فغرق في الماء
وذكر أهل العلم بالسير أن شيرين ولدت بالمدائن وكانت يتيمة في منزل رجل من الأشراف في جوار هرمز أنو شراون وكان أبرويز صغيرا يدخل منزل هذا الرجل فيلاعب شيرين ويمازحها وتمازحه فأخذت في قلبه موضعا فنهاها الذي هي في منزله عن التعرض لأبرويز ثم رآها يوما قد أخذت من أبرويز خاتما كان في إصبعه فقال ألم آمرك بترك التعرض لهذا الصبي لا تعرضينا للهلكة ثم أمر بعض من يثق به أن يحملها إلى شاطيء الفرات ويغرقها فحملها إلى شاطيء الفرات ليغرقها فقالت له ما الذي ينفعك من غرقي فقال إني قد حلفت لمولاي ولا بد قالت فما عليك إلا أن تأتي بي موضعا من الفرات فيه ماء رقيق فتقذف بي فيه وتتركني وتمضي فإن نجوت لم أظهر ما دمت باقية وإن مت لم يكن عليك شيء قال أفعل ذلك
579
فأتى موضعا فيه الماء إلى الركبة فزجها فيه وتركها تضطرب وولى عنها لا يلتفت ثم وافى مولاه فأخبره وحلف له أنه أغرقها ثم إنها تخلصت من الماء فأتت بعض الديارات التي على شاطيء الفرات فآوت إليه وأعلمت الرهبان أنها قد وهبت نفسها لله تعالى فأحسنوا إليها فلما استقر الملك لأبرويز بعد أبيه هرمز ووجه برسله إلى قيصر اجتاز الرسل بالدير فسألت شيرين عن ذلك فأعلمت أن القوم رسل أبرويز الملك ومعهم هدايا إلى قيصر وأخبروها بملكه وما آل إليه أمره فوجهت إلى رئيس الرسل منتصحة له تخبره أنها أمة للملك أبرويز وسألته إيفاد رسول إليه يخبره بمكانها ووجهت معه ذلك الخاتم فأنفذ الرجل رسولا قاصدا إلى الملك يعرفه خبر شيرين ومكانها والخاتم
فلما ورد الرسول على أبرويز أمر للرسول بمال عظيم وجعل له رتبة جليلة ببشارته ووجه معه بخدم ومراكب وهوادج وكسي وحلى وطيب ووصائف حتى أتوه بشيرين فورد عليه من الفرح بها ما لم يفرح بشيء مثله وكانت من أكمل النساء كمالا وجمالا وبراعة
وذكر أبرويز أنه ما جامعها قط إلا وجدها كالعذراء وكان قد شرط على نفسه أنه لا يأتي حرة ولا أمة مرة واحدة إلا أتاها قبل وعهد كل واحد لصاحبه أن لا يجتمع مع أحد لمباضعة فلما هلك أبرويز أرادها شيرويه فأبت وعرفته العهود فرماها بكل معضلة من الفجور وبعث الشعراء على ذمها فلما لج ولم تجد عنه محيدا بعد أن غصبها جميع مالها وضياعها قالت أفعل ما سألت بعد أن تقضي لي ثلاث حوائج ترد علي أموالي وضياعي وتسلم إلي قتلة زوجي وتدعو العلماء والأشراف وترقي المنبر فتبرئني مما قذفتني به من الفجور
ففعل ذلك فقتلت قتلة زوجها بأفحش قتل فقال لها هل بقيت لك حاجة قالت نعم إن الملك أودعني وديعة وجعلها أمانة في عنقي إن أنا تزوجت أن أردها إليه فتأمر بفتح الناووس حتى أدفع الوديعة إليه ففتح لها الناووس فدخلت
580
وقلعت فص خاتم في يدها تحته سم ساعة فمصته ثم اعتنقت أبرويز ولفت عليه يديها ورجليها حتى ماتت
فلما أبطأت على الحواضن والخدم صاحوا بها فلم تجب فدخلوا فوجدوها ميتة معانقة لأبرويز فرجعوا فأخبروا شيرويه فندم ندامة لا توصف وجعل يأكل أصابعه على صنيعها
قلت وقد سبق في باب الحيل والمخاطرات ذكر جماعة قتلوا أنفسهم بسبب العشق فلم نر إعادة ذكرهم
فصل فانظر وفقك الله إلى ما صنع العشق بهؤلاء المغبونين من بين قاتل
لنفسه وقاتل لغيره
فأما قتل الغير فقد قال الله عز وجل
ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما
وقال
ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي A أنه ذكر الموبقات فعد منهن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق
وأما قتل النفس فقد قال الله تعالى
ولا تقتلوا أنفسكم
581
وقد أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين قال أنبأنا أبو علي بن المذهب قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا أبي قال حدثنا وكيع قال حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله A من تحسى سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا
أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين
وقوله خالدا مخلدا فيها أبدا محمول على من يستحل ذلك
وفي الصحيحين من حديث جندب بن عبد الله البجلي عن النبي A أنه قال كان فيمن قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فخر بها يده فما رقأ الدم حتى مات فقال الله تعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة
582
الباب التاسع والأربعون في ذكر أدوية العشق
الحمية اللازمة في زمان الصحة لا ينبغي أن تترك
ومتى علمت أسباب مرض وجب اجتنابها
ومعلوم أن الطباع تتساوى في الميل إلى الهوى فينبغي للحازم اجتناب أسبابه فمتى أصابه شيء من ذلك المرض وجب عليه أن يبادر إلى الطبيب قبل أن يصعب التلافي أو يحل التلف
فصل ومن التفريط القبيح الذي جر أصعب الجنايات على النفس محادثة
النساء الأجانب والخلوة بهن
وقد كانت عادة لجماعة من العرب يرون أن ذلك ليس بعار ويثقون من أنفسهم بالامتناع من الزنا ويقنعون بالنظر والمحادثة وتلك الأشياء تعمل في الباطن وهم في غفلة عن ذلك إلى أن هلكوا
وهذا هو الذي جنى على مجنون ليلى وغيره ما أخرجهم به إلى الجنون والهلاك
وكان غلطهم من وجهين
أحدهما مخالفة الشرع الذي نهى عن النظر والخلوة
والثاني تعريض الطبع لما قد جبل على الميل إليه ثم معاناة كفه عن ذلك فالطبع يغلب فإن غلب وقعت المعاصي وإن غلب حصل التلف بمنع العطشان عن تناول الماء
583
واعلم أن أمراض العشق تختلف فينبغي لذلك أن يختلف علاجها
فليس علاج من عنده بداية المرض كعلاج من انتهى به المرض نهايته
وإنما يعالج هذا المرض من لم يرتق إلى غايته فإنه إذا بلغ الغاية أحدث الجنون والذهول وتلك حالة لا تقبل العلاج
قال بقراط قصمت الأدواء بالعقاقير وأقمتها بإزاء العلل فأعياني دواء الحب بعد تمكنه أن أدركه
قال البحتري
ولقد قال طبيبي
وطبيبي ذو احتيال
أشك ما شئت سوى الحب
فإني لا أبالي
سقم الحب رخيص
ودواء الحب غالي
وقال أبو غالب بن بشران
ومنتصح قال لي إذ رأى
دموعي قد أقرحت مدمعي
متى تستفيق وتسلو الهوى
فقلت إذا كان قلبي معي
وقال غيره
دخولك في باب الهوى إن أردته
يسير ولكن الخروج شديد
فصل فإن قال قائل كيف يذكر للعشق أدوية وهو قلق لا سكون فيه وسكر
لا صحو معه فيقال لمن يهوى في الهواء أمسك نفسك
فالجواب من وجهين
أحدهما أنا قد قلنا إنما يداوي هذا المرض قبل بلوغ نهايته فإنها أحوال يمكن علاجها
584
والثاني أن لكل شيء سببا يضعفه ويقويه
فأنا أعرفك السبب الذي يضعف العشق ويوهنه وأحذرك من السبب الذي يزيده قوة
فما قلت لك امنع النار أن تحرق وإنما قلت أطفئها ولا قلت ادفع الماء عن أن يغرق وإنما علمتك السباحة وهذا حين شروعنا في ذكر المرض والعلاج والله الموفق
فصل اعلم أن بداية العشق في الأغلب تكون عند النظر إلى المحاسن
ولحصول العشق بهذه النظر علامة وهي أنه إذا وقع النظر إلى المستحسن خفق القلب خفوقا يكاد يطير إليه فإذا رد الإنسان الطرف قلق القلب حتى يعود فإذا أطلق ثم رد فك اللجام قهرا وعاود النظر
فهذه علامة العشق لا تكاد تخطيء
إلا أن في الناس من يتعلق قلبه بالمنظور في بديهة النظر فإذا ردد نظره بان له من العيوب ما لم يكن بان فزال ما كان علق بقلبه لأن النفس تصورت في بداية النظر من الصورة معنى أعانها عليه تخيل الشهوة وتوهم اللذة فزادت الصفة عن مقدار العيان فإذا تكرر النظر وحقق أثبت حقيقة الصورة فزالت زيادات التخيل وبرخاشات التوهم فبرد قلب المحب لزوال التوهم
585
ورب امرأة تستحسن في نقابها فإذا أسفرت لم تستحسن
أنبانا أبو بكر بن أبي طاهر قال أنبأنا أبو الطيب الطبري قال حدثنا المعافى بن زكريا قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن أحمد بن سهل الرازي قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله قال أنبأنا عمي قال حدثنا بعض أشياخ البصرة أن رجلا وامرأته اختصما إلى أمير من أمراء العراق وكانت المرأة حسنة المنتقب قبيحة المسفر وكان لها لسان فكأن العامل مال معها فقال يعمد أحدكم إلى المرأة الكريمة فيتزوجها ثم يسيء إليها
فأهوى الرجل فألقى النقاب عن وجهها فقال العامل عليك اللعنة كلام مظلوم ووجه ظالم
فصل فأما إذا كان النظر عن تثبت وتحقيق وزاد بترداده المرض فذلك
العشق المتمكن
والواجب على من وقع بصره على مستحسن فوجد لذة تلك النظرة في قلبه أن يصرف بصره فمتى ما تثبت في تلك النظرة أو عاود وقع في اللوم شرعا وعقلا
فإن قيل فإن وقع العشق بأول نظرة فأي لوم على الناظر
فالجواب أنه إذا كانت النظرة لمحة لم تكد توجب عشقا إنما يوجبه جمهود العين على المنظور بقدر ما تثبت فيه وذلك ممنوع منه
ولو قدرنا وجوده باللمحة فأثر محبة سهل قمع ما حصل
586
وقد أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن الجبار قال أنبأنا أبو محمد الجوهري عن أبي عمر بن حيويه عن ابن المرزبان قال حدثنا عبد الله ابن عمرو قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثني عبد العزيز بن عمران عمن حدثه قال جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين إني رأيت امرأة جميلة فعشقتها فقال عمر ذاك مالا يملك
فإن قيل فما علاج العشق إذا وقع بأول لمحة
قيل علاجه الإعراض عن النظر فإن النظر مثل الحبة تلقى في الأرض فإذا لم يلتفت إليها يبست وإن سقيت نبتت فكذلك النظرة إذا ألحقت بمثلها
فصل فإن جرى تفريط بإتباع نظرة لنظرة فإن الثانية هي التي تخاف
وتحذر فلا ينبغي أن تحقر هذه النظرة فربما أورثت صبابة صبت دم الصب
أنشدنا ابن ناصر قال أنشدنا أبو زكريا قال أنشدنا ابن نحريز البغدادي
تولع بالعشق حتى عشق
فلما استقل به لم يطق
رأى لجة ظنها موجة
فلما تمكن منا غرق
ولما رأى أدمعا تستهل
وأبصر أحشاءه تحترق
تمنى الإفاقة من سكره
فلم يستطعها ولم يستفق
وعلاج هذه النظرة بالنظر فيما تقدم ذكره من الأمر بغض البصر والتحذير من شر النظر وخوف العقوبة من الله سبحانه عاجلا وآجلا والحذر من سوء عاقبتها وما تجر وتجني
587
فيتجدد من العزم على الغض معنى يسمى اليأس وهو دواء حاسم
قال الحكماء اليأس أحد الراحتين
وقال الشاعر
حاولت أمرا فلم يجر القضاء به
ولا أرى أحدا يعدي على القدر
فقد صبرت لأمر الله محتسبا
واليأس من أشبه الأشياء بالظفر
وليكن لك في هذا الغض عن المشتهى نية تحتسب بها الأجر وتكتسب بها الفضل وتدخل في جملة من نهى النفس عن الهوى
وانظر في باب ثواب من غض بصره عن الحرام فقد تقدم
فصل فإن كان تكرار النظر قد نقش صورة المحبوب في القلب نقشا متمكنا
وعلامة ذلك امتلاء القلب بالحبيب فكأنه يراه حالا في الصدر وكأنه يضمه إليه عند النوم ويحادثه في الخلوة فاعلم أن سبب هذا الطمع في نيل المطلوب وكفى بالطمع مرضا وقل أن يقع الفسق إلا في المطموع فيه
فإن الإنسان لو رأى زوجة الملك فهويها لم يكد قلبه يتعلق بها لأجل اليأس من مثلها
فأما من طمع في شيء فإن الطمع يحمله على طلبه ويعذبه إن لم يدركه وقد قال الشاعر
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى
فإن أطمعت تاقت وإلا تسلت
وقال آخر
فقلت لها يا عز كل مصيبة
إذا وطنت يوما لها النفس ذلت
588
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا نصر الطوسي يقول سمعت أبا مسلم الأصبهاني يقول قال علي بن سهل التمست الراحة فوجدتها في اليأس
وعلاج هذا المرض العزم القوي على البعد عن المحبوب والقطع الجزم علي غض البصر عنه وهجران الطمع فيه وتوطين النفس على اليأس منه والنظر فيما تقدم من ذم الهوى والتحذير من ذلك
فصل فإن كان تكرار النظر قد مكن نقش صورة المحبوب في القلب فأثر
ذلك قوة الفكر وزيادة الشهوة واشتداد القلق فسبب ذلك زيادة الطمع وقوته
وقد أعلمتك أن المحبة كشجرة وأن النظرات كماء يجري إليها فكلما سقاها عتت وعست وإنما دخلت هذه الآفات من باب إطلاق البصر فيما حظره الشرع فبذلك تمكن سلطان الهوى من القلب فبث جند الفساد في رستاق البدن وكم قد تمكن هذا المرض من شخص فلم يؤثر فيه عذل عاذل و ضرب ضارب
أنبأنا علي بن عبيد الله قال أنبأنا محمد بن أبي نصر قال أنبأنا منصور ابن النعمان قال أنبأنا أبو مسلم الكاتب قال حدثنا أبو بكر بن دريد قال أنبأنا أبو حاتم قال قال الأصمعي تزوج أعرابي إمرأة من بني عقيل فسمعها تتمثل ببيت غزل فقال لها ما هذا الذي تتمثلين به
589
لعلك عاشق لئن سمعتك تعودين لمثل هذا لأضربن ظهرك وبطنك فأنشأت تقول
فإن يضربوا ظهري وبطني كليهما
فليس لقلب بين جنبي ضارب فطلقها
وعلاج هذا المرض من جنس ما تقدم إلا أنه ينبغي أن يكون أقوى منه فإنه يفتقر إلى قوة شديدة في العزم على الغض وهجر المحبوب قطعا بتا ليعود بالغض غض نبات المحبة الذي سقى بمياه النظرات هشيما
وأنت تعلم انه إذا انقطعت مياه الوادي نسفته الرياح وأنشفته فعاد كأن لم يكن
ودوام البعد عن المحبوب يعمل في محو ما نقش في القلب فيمحو اليسير منه بعد اليسير من حيث لا يعلم كما أن مرور الزمان يمحو أثر المصيبة من القلب
ومتى اشتدت العزيمة فقطعت الطمع ومكنت اليأس ثم أجيل الفكر في خوف العواقب في الدنيا والعقوبة في الأخرى وكرر على النفس ما سبق من ذم الهوى وما فعل بأربابه فأضناهم وأمرضهم وأذهب دينهم ودنياهم وجاههم بين الناس فاستغاثوا بعد الفوت كما قال محمد بن مناذر
من فتى أصبح في الحب
مسقاه الحب سما
كلما أخفى جوى الحب
عليه الدمع نما
ساهر لا يطعم النوم
إذا الليل ادلهما
كلما راقب نجما
فهوى راقب نجما
يا ثقاتي خطم الحب
لكم أنفي وزما
590
يا أخي دائي جوى الحب
وداء الناس جما
لا تلم مفتضحا في
الحب إن الحب أعمى
فصل فإن قال قائل قد كبرت جنايتي على نفسي وكررت النظر وانتقشت
صورة المحبوب في قلبي وأورثت القلق الدائم ورأت النفسي أنها تستشفى من هذا المرض بتكرار النظر والزيارة للمحبوب فلما فعلت زاد الأمر بي وما أقدر أن أصبر عن الحبيب لحظة فهل لهذا من علاج أتلافى فيه أمري قبل التلف
فالجواب كيف آمرك بهجر من لا تصبر عنه لحظة وكيف لا آمرك وأنت على شفا هلكة قد لعبت ببدنك ودينك فأنت كما قال الشاعر
كثر فيك اللوم
وأين سمعي وهم وقال الآخر
بكرت صبحا عواذله
ورسيس الحب قاتله
هو في واد وليس به
والهوى عنهن شاغله
يتمنين السلو له
ومناه من يواصله
ومع هذا فلا بد لي من نصيحتك ما دام الكلام يصل إلى سمعك
إن كان التردد إلى محبوبك يتردد في قلبك
فلا تأتين إلى واعظ
فلست بمنتفع بالعظات
إنما يوصف الدواء لمن يقبل فأما المخلط فإن الدواء يضيع عنده فإن صح عزمك على استعماله فاسمع أصف لك
591
اعلم أن الخيال الذي وقع لك من أن التزاور والنظر يشفي بعض المرض خيال فاسد
فإن قلت فأراني أسكن في تلك الحالة
فالجواب أنه إنما يسكن الوجد لمكان القرب فإذا وقع البعد زادت نار الشوق اشتعالا فأنت في ضرب المثل كالعطشان شرب الخمر فإنه يجد رطوبة الري عند تجرعها ثم تلهبه فتزيد العطش
فكذلك قرب العاشق من معشوقه يضم جرحا إلى جرح وعقرا إلى عقر وكلما زادت الأسباب الظاهرة قويت المحبة في الآلات الباطنة فعملت سمومها في المقاتل والمقتول لا يرى القاتل كما قال الشاعر
قبلتها أشتفى بقبلتها
فزادني ذاك ألما ألما
وسائلتني عن مبتدا سقمي
مسقم جفنيك مسقمي بهما وقال الآخر
أعانقها والنفس بعد مشوقة
إليها وهل بعد العناق تداني
وألثم فاها كي تزول صبابتي
فيزداد ما ألقى من الهيمان
وقال محمد بن أبي أمية الكاتب
يقولون لو لاقيتها سكن الذي
بقلبك يا مشتاق وانقطع الحزن
فها أنا قد لاقيتها مثل قولهم
ليسكن قلبي باللقاء فما سكن
وقال ابن الرومي
نعمت بها عيني فطال عذابها
ولكم عذاب قد جناه نعيم
نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها
ثم انثنت نحوي فكدت أهيم
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت
وقع السهام ونزعهن أليم
592
وقال أبو عبد الله بن الحجاج
أقر عيني ثم خلف لي
قلبا بشوقي إليه قد جرحا
ويخسر القلب بعد غيبته
ما كان طرفي عليه قد ربحا وقال غيره
وما في الأرض أشقي من محب
وإن وجد الهوى عذب المذاق
تراه باكيا في كل حين
مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقا إليهم
ويبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التنائي
وتسخن عينه عند التلاقي
فإذا عرفت غرور الشيطان في زعمه أن القرب دواء وأن النظر شفاء بما أوضحت لك من أن قوله محال وأنه أمر تزيد به الحال مع ارتكاب المحظور الذي لا طاقة بعذابه ولا قوة على عقابه علمت حينئذ أنه لا علاج إلا بالهجر وحسم الطبع من غير تردد
أخبرنا إبراهيم بن دينار قال أنبأنا ابن نبهان قال أنبأنا ابن دوما قال أنبأنا أحمد بن نصر الذارع قال حدثنا صدقة بن موسى قال حدثنا الأصمعي قال قلت لأعرابي صف الحب فقال هو نبت بذره النظر وماؤه المزاورة ونماؤه الوصل وقلته الهجر وحصاده التجني
أخبرنا عمر بن ظفر قال أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا عبد العزيز بن علي قال أنبأنا ابن جهضم قال حدثنا محمد بن علي الوجيهي قال سئل أبو علي الروذباري لم يلحق الإنسان من التعذيب عند لقاء من يحبه أشد من وقت الفراق
593
فقال أجيب عنه ببيت شعر
بكى عليها حتى إذا حصلت
بكى عليها خوفا من الغير
فصل وتفكر في خطواتك إلى لقاء محبوبك فاعلم أنها مع ما بينا
من ضرر ألم الزيارة مكتوبة عليك وأنت مطالب بها
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا عبد القادر بن محمد بن يوسف قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا يحيى عن سفيان عن مسلم عن مسروق قال ما خطا رجل خطوة إلا كتبت عليه حسنة أو سيئة
قال أحمد وحدثنا حسين بن محمد قال حدثنا أبو معشر عن سعيد قال خطب مروان بن الحكم فقال
يا أيها الناس لو كان الله تعالى مغفلا شيئا من أعمالكم لأغفل هذا الأثر الذي تسفى عليه الرياح ثم قرأ إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم
فصل وتفكر في مكالمتك محبوبك فإنك مسئول عما تقول مع إلهاب
الكلام نار الحب
594
أخبرنا هبة الله بن محمد قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا قتيبة قال حدثنا بكر بن مضر عن يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله A يقول إن العبد يتكلم بالكلمة يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب أخرجاه في الصحيحين مسلم والبخاري
أخبرنا ابن عبد الواحد قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا أحمد بن جعفر قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده علقمة عن بلال بن الحارث قال قال رسول الله A إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله عز وجل ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله عز وجل بها عليه سخطه إلى يوم القيامة
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح
وكان الربيع بن خثيم يقول ما من شيء تتكلم به إلا كتب
قال مجاهد حتى أنين العبد في مرضه
أخبرنا يحيى بن علي المدير قال أنبأنا أبو بكر الخياط قال أنبأنا أبو علي بن حمكان قال حدثنا أبو علي السرخسي قال سمعت محمد بن الحسين يقول سمعت الحسن بن علي يقول سمعت حاتما يعني الأصم يقول لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلام لاحترزت منه وكلامك يعرض على الله فلا تحترز
وهكذا حدثنا عن سفيان الثوري أنه قال أخبروني لو كان معكم من يرفع الحديث إلى السلطان أكنتم تتكلمون بشيء قالوا لا قال فإن معكم من يرفع الحديث إلى الله عز وجل
595
فصل فإن قويت أسباب الهوى فحملتك على الخلوة بحبيبك فقد تعرضت
بالأسد في خيسه وبعيد سلامة مثلك
فالهرب الهرب فلا نجاة في غيره
فإن أمسكك الهوى فاجتذب نفسك من يده بخوف من يراك حين تقوم واستحيي من نظره إليك فإنه حاضر معك
أخبرنا ابن الحصين قال أنبأنا أبو علي التميمي قال أنبأنا ابن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد عن مرة الهمذاني عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله A ذات يوم استحيوا من الله عز وجل حق الحياء
قال قلنا يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله
قال ليس ذاك ولكن من استحيى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وليذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقط استحيي من الله حق الحياء
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبدالجبار قال أنبأنا إبراهيم ابن عمر البرمكي قال أنبأنا عبد الله بن إبراهيم الزينبي إجازة قال حدثنا محمد بن المرزبان قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا القاسم بن هاشم قال حدثنا سعيدة بنت حكامة قالت حدثتني أمي حكامة بنت عثمان ابن دينار عن أمها عن مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال
596
قال رسول الله A خشية الله رأس كل حكمة ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذ خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت عبد الله بن علي الطوسي يقول سمعت أبا جعفر الرازي يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول علم القوم أن الله يراهم فاستحيوا من نظره أن يراعوا شيئا سواه
قال السلمي وسمعت أبا الحسين الفارسي يقول قال محمد بن علي الترمذي اجعل مراقبتك لمن لا يغيب عن نظره إليك واجعل شكرك لمن لا تنقطع عنك نعمه واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه
وقد ذكرنا في باب من ذكر ربه فترك ذنبه من هذا ما فيه بلاغ
فصل فأدر في تلذذك ذكر مرارة الموت الذي سماه رسول الله A هازم
اللذات وتذكر شدة النزع وتفكر في الموتى الذين حبسوا على أعمالهم ليجازوا بها فليس فيهم من يقدر على محو خطيئة ولا على زيادة حسنة فلا تعث يا مطلق
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا محمد بن علي بن الفتح قال أنبأنا ابن أخي ميمي قال حدثنا جعفر الخواص قال حدثنا ابن مسروق قال حدثنا محمد بن الحسين قال حدثنا حسن بن الربيع قال حدثنا مخلد بن الحسين قال عدت مريضا فقلت له كيف تجدك قال هو الموت قلت وكيف علمت
597
أنه الموت قال أجدني أجتذب اجتذابا وكأن الخناجر مختلفة في جوفي وكأن جوفي تنور محمى يتلهب
قلت فاعهد قال أرى الأمر أعجل من ذلك
فدعا بدواة وصحيفة فوالله ما أتى بها حتى شخص بصره فمات
وقال إبراهيم بن يزيدالعبدي أتاني رياح القيسي فقال يا أبا إسحاق انطلق بنا إلى أهل الآخرة نحدث بقربهم عهدا فانطلقت معه فأتى إلى المقابر فجلسنا إلى بعض تلك القبور فقال يا أبا إسحاق ما ترى هذا متمنيا لو منى قلت أن يرد والله إلى الدنيا فيستمتع من طاعة الله ويصلح
قال فها نحن ثم نهض فجد واجتهد فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات
فصل وصور لنفسك حين اعتراض الهوى عرضك على ربك وتخجيله إياك بمضيض
العتاب على فعل ما نهاك عنه
أخبرنا الكروخي قال أنبأنا الأزدي والغورجي قالا أنبأنا الجراحي قال حدثنا المحبوبي قال حدثنا الترمذي قال حدثنا هناد قال حدثنا أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن خيثمة بن عدي ابن حاتم قال قال رسول الله A ما منكم من احد إلا سيكلمه ربه تبارك وتعالى ليس بينه وبينه ترجمان أخرجاه في الصحيحين
أخبرنا ابن عبد الواحد قال أنبأنا أبو علي التميمي قال أنبأنا أبو بكر
598
ابن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا عفان قال حدثنا همام قال حدثنا قتادة عن صفوان بن محرز قال كنت آخذا بيد ابن عمر إذ عرض له رجل فقال كيف سمعت رسول الله A يقول في النجوى يوم القيامة
فقال سمعت رسول الله A يقول إن الله عز وجل يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنونه ويقول له أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم أخرجاه في الصحيحين
فصل وتخايل شهادة المكان الذي تعصي فيه عليك يوم القيامة أخبرنا
أبو القاسم الشيباني قال أنبأنا أبو علي التميمي قال أنبأنا أبو بكر القطيعي قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا أبي قال حدثنا إبراهيم قال حدثنا ابن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب قال حدثني يحيى بن أبي سليمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قرأ رسول الله A
يومئذ تحدث أخبارها
فقال أتدرون ما أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها أن تقول عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا فهو أخبارها
قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب
599
فصل ومثل في نفسك عند بعض زللك كيف يؤمر بك إلى النار التي لا
طاقة لمخلوق بها وتصور نفاد اللذة وبقاء العار والعذاب فقد قال الشاعر
تفنى اللذاذة ممن نال شهوته
من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها
لا خير في لذة من بعدها النار
أخبرنا هبة الله بن محمد قال أنبأنا الحسن بن علي قال أنبأنا أبو بكر ابن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا عبدالرزاق قال حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي A أنه قال ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا من حر جهنم
قالوا والله إن كانت لكافية
قال إنها فضلت عليها بتسعة وتسعين جزءا كلهن مثل حرها
أخرجاه في الصحيحين
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا ابن السراج قال أنبأنا ابن المذهب قال أنبأنا ابن حمدان قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا أبي قال حدثنا عبد الوهاب قال حدثنا عوف عن قسامة بن زهير قال خطبنا أبو موسى فقال يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون الدموع حتى تنقطع ثم يبكون الدماء حتى لو أرسلت فيها السفن لجرت
600
قال أحمد وحدنثا إبراهيم بن خالد قال حدثنا رياح قال حدثت عن وهب بن منبه أنه قال إذا سيرت الجبال فسمعت حسيس النار وتغيظها وزفيرها وشهيقها صرخت الجبال كما تصرخ النساء ثم ترجع أوائلها على أواخرها يدق بعضها بعضا
أخبرنا عبد الله بن محمد البيضاوي قال أنبأنا أحمد بن محمد بن النقور قال أنبأنا عيسى بن علي قال حدثنا البغوي قال حدثنا داود بن عمرو العتبي قال حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمر قال إن أهون أهل النار عذابا رجل له نعلان من نار وشرا كان من نار أضراسه جمر ومسامعه جمر أشفار عينيه من لهيب النار تخرج أحشاؤه من قدميه وسائرهم كالحب القليل في الماء الكثير فهي بهم تفور
وكان بسر الحافي يقول ما ظنكم بأقوام وقفوا بين يدي الله تعالى مقدار خمسين ألف سنة لم يأكلوا ولم يشربوا حتى تقطعت أكبادهم من العطش وأجوافهم من الجوع وأعناقهم من التطاول ورجوا الفرج فأمر بهم إلى النار
فصل فإن قال قائل قد عرفت صحة ما ذكرت كله وعلمت أن لا
دواء كاليأس وقد عزمت على هجر المحبوب بالكلية وقطعت طمعي منه جزما إلا أنني في قلق لا يسكن وحرقة لا تخبو ولهيب لا يطفأ
فهل لذلك علاج
فالجواب أنه إن كان المحبوب مقدورا عليه مباحا كجارية يمكن شراؤها أو امرأة يمكن أن تتزوج فلا دواء لذلك كذلك
601
فإن خلقا كثيرا أضناهم العشق فلما قدروا على المحبوب عاودتهم الصحة سريعا لأن النكاح يزيل العشق
أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك قال حدثنا محمد بن المظفر بن بكران قال حدثنا أحمد بن محمد العتيقي قال أنبأنا يوسف بن أحمد بن الدخيل قال حدثنا أبو جعفر العقيلي قال حدثنا محمد بن خزيمة قال حدثنا عبد الله بن يوسف التنيسي قال حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس أن رسول الله A قال لم ير للمتحابين مثل التزوج
أخبرنا محمد بن ناصر وابن أبي عمر قالا أنبأنا علي بن أيوب قال أنبأنا أبو علي بن شاذان قال حدثنا أبو الفوارس أحمد بن علي محتسب المصيصة قال حدثنا حيان بن بشر قال حدثنا أحمد بن حرب قال حدثنا سفيان بن عيينة قال حدثنا عمرو بن دينار عن جابر قال جاء رجل إلى النبي A فقال يا رسول الله عندنا يتيمة قد خطبها رجلان موسر ومعسر هي تهوى المعسر ونحن نهوى الموسر فقال رسول الله A لم ير للمتحابين مثل النكاح
أنبأنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبدالجبار قال أنبأنا الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه قال أنبأنا ابن المرزبان إجازة وحدثنا محمد بن حريث عنه قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثني الهيثم بن عدي قال عن ابن شبرمة قال كنت أقعد إلى فلانة الترجمية وكانت جميلة برزة فخلا البيت يوما فقلت لها هل لك فيما أحل الله عز وجل وأمر به فقالت يعجبك قلت نعم قالت فلا ترده فإن الحب إذا نكح فسد
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا أحمد بن محمد البخاري وأخبرتنا شهدة
602
قالت أنبانا أبو محمد بن السراج قالا أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا ابن حيويه قال حدثنا ابن خلف قال زعم ابن دأب أن معاذ ابن كليب كان يعشق ليلى الأعلمية من بني عقيل وكان قد أقعده حبها من رجليه فأتاه أخو ليلى بليلى فلما نظر إليها وكلمته تحلل ما كان به وانصرف وقد عوفي
فصل وإن كان حصول المحبوب ممكنا جائزا في الشرع إلا أنه تعسر
فليلجأ المحب إلى الله سبحانه في تسهيله وليعامله بالصبر على ما نهى عنه فربما عجل له مراده
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا عبدالملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال أنبأنا محمد ابن جعفر قال حدثني أخي قال حدثنا إسماعيل بن الحسن الجوهري قال حدثنا جعفر بن العباس بن الهيثم قال حدثني محمد بن عبيد الزاهد قال كانت عندي جارية فبعتها فتتبعتها نفسي فصرت إلا مولاها مع جماعة من إخواني فسألته أن يقيلني ويربح عشرين دينارا فأبى علي فانصرفت من عنده فرمت فطري فلم أقدر عليه فبت ساهرا لا أدري ما أصنع فخشى أن أعاوده في غد فأخرجها إلى المدائن فلما رأيت ما بي من الجهد كتبت اسمها في راحتي واستقبلت القبلة فكلما طرقني طارق من ذكرها رفعت يدي إلى السماء وقلت يا سيدي هذه قصتي
حتى حتى إذا كان في السحر من اليوم الثاني إذا أنا برجل يدق علي الباب
603
فقلت من هذا فقال أنا مولى الجارية فنزلت فإذا أنا به فقال خذ الجارية بارك الله لك فيها فقلت خذ دنانيرك والربح فقال ما كنت لآخذ منك دينارا ولا درهما قلت ولم ذاك قال لأنه أتاني آت الليلة في منامي فقال لي رد الجارية على ابن عبيد ولك على الله الجنة
أنبأنا المبارك بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم الكندي قال أنبأنا الخرائطي قال حدثنا حماد بن الحسن قال حدثنا سيار بن حاتم قال حدثنا جعفر بن سليمان قال حدثنا ثابت البناني قال أخذ عبيد الله بن زياد ابن أخي صفوان بن محرز المازني فحبسه فتحمل صفوان عليه بالناس فلم يبق أحد إلا كلمه فلم ير لحاجته نجحا فأتاه آت في منامه فقال يا صفوان قم فاطلب حاجتك من وجهها فقام وتوضأ وصلى ودعا قال منبه عبيد الله بن زياد لحاجة صفوان في بعض الليل فقال علي بابن أخي صفوان قال فجاء الحرس والشرط والنيران وفتحت السجون حتى استخرج فجيء به إلى عبيد الله فقال أنت ابن أخي صفوان فقال نعم فأرسله فما شعر صفوان حتى ضرب عليه ابن أخيه الباب قال من هذا قال فلان نبه الأمير في بعض الليل فجاء الحرس والشرط وجيء بالنيران وفتحت السجون فجيء بي إليه فخلى عني بغير كفالة
قال الخرائطي وحدثنا أبو حفص النسائي قال حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال حدثنا أبو سلمة الطائي عن أبي عبد الله النباجي قال سمعت هاتفا يهتف عجبا لمن وجد حاجته عند مولاه فأنزلها بالعبيد
604
سياق ذكر جماعة حصل لهم مرادهم من تزوج النساء المحبوبات أو ملك الجواري
أنبأنا محمد بن ناصر قال أنبأنا محمد بن الحسن الباقلاوي قال أنبأنا القاضي أبو العلاء الواسطي قال حدثنا أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا أبو الأحوص عن عطاء بن السائب عن أبي البختري قال كان لعلي رضي الله عنه جارية وكان له مؤذن بالرحبة يؤذن بغلس وكانت الجارية تخرج تستعذب له الماء من الفرات فكانت كلما تمر بالمؤذن يقول لها أنا والله يا فلانة أحبك فلما أكثر عليها شكته إلى علي فقال لها إذا قال لك أنا والله أحبك فقولي له أنا والله أحبك فماذا فقالت له فقال نصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين
فجاءت إلي علي فأخبرته فقال اذهبي فائتني به فلما دخل عليه رحب به وأدناه وقال له يا فلان في قلبك من فلانة شيء قال نعم يا أمير المؤمنين قال فهل علم بذلك أحد من الناس قال لا والله
قال فناشده ثلاثا كل ذلك يحلف له قال فشأنك بها فخذ بيدها فهي لك فهذا من حكم الله وهو خير الحاكمين
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا أبو محمد جعفر بن أحمد السراج قال أنبأنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري إن لم يكن سماعا فإجازة قال حدثنا المعافى بن زكريا الجريري قال حدثنا أبو النضر العقيلي قال حدثني عبد الله بن أحمد بن حمدون النديم عن أبي بكر العجلي عن جماعة من مشايخ قريش من أهل المدينة قالوا كانت عند عبد الله بن جعفر جارية مغنية يقال لها
605
عمارة وكان يجد بها وجدا شديدا وكان لها مكان لم يكن لأحد من جواريه فلما وفد عبد الله بن جعفر علي معاوية خرج بها معه فزاره يزيد ذات يوم فأخرجها إليه فلما نظر إليها وسمع غناءها وقعت في نفسه فأخذه عليها ما لا يمكنه وجعل لا يمنعه من أن يبوح بما يجد بها إلا مكان أبيه مع اليأس من الظفر بها فلم يزل يكاتم الناس أمرها إلى أن مات معاوية وأفضى الأمر إليه
فاستشار بعض من قدم عليه من أهل المدينة وعامة من يثق به في أمرها وكيف الحيلة فيها فقيل له إن أمر عبد الله بن جعفر لا يرام ومنزلته من الخاصة والعامة ومنك ما قد علمت وأنت لا تستجيز إكراهه وهو لا يبيعها بشيء أبدا وليس يغني في هذا إلا الحيلة
فقال انظروا لي رجلا عراقيا له أدب وظرف ومعرفة فطلبوه فأتوه به فلما دخل رأى بيانا وحلاوة وفهما فقال يزيد إني دعوتك لأمر إن ظفرت به فهو حظك آخر الدهر ويد أكافئك عليها إن شاء الله
ثم أخبره بأمره فقال له إن عبد الله بن جعفر ليس يرام ما قبله إلا بالخديعة ولن يقدر أحد على ما سألت فأرجوا أن أكونه والقوة بالله فأعني بالمال
قال خذ ما أحببت فأخذ من طرف الشام وثياب مصر واشترى متاعا للتجارة من رقيق ودواب وغير ذلك ثم شخص إلى المدينة فأناخ بعرصة عبد الله بن جعفر واكترى منزلا إلى جانبه ثم توسل إليه وقال رجل من أهل العراق قدمت بتجارة وأحببت أن أكون في جوارك وكنفك إلى أن أبيع ما جئت به
فبعث عبد الله بن جعفر إلى قهرمانة أن أكرم الرجل ووسع عليه في نزله
606
فلما اطمأن العراقي سلم عليه وعرفه نفسه وهيأ له بغلة فارهة وثيابا من ثياب العراق وألطافا فبعث بها إليه وكتب يا سيدي إني رجل تاجر ونعمة الله علي سابغة وقد بعثت إليك بشيء من لطف كذا وكذا من الثياب والعطر وبعثت ببغلة خفيفة العنان وطيئة الظهر وأنا أسألك بقرابتك من رسول الله A إلا قبلت هديتي ولم توحشني بردها إني أدين الله تعالى بحبك وحب أهل بيتك وإن أعظم أملي في سفري هذه أن أستفيد الأنس بك والتحرم بمواصلتك فأمر عبد الله بقبض هديته وخرج إلى الصلاة فلما رجع مر بالعراق في منزله فقام إليه وقبل يده فرأى أدبا وظرفا وفصاحة فأعجب به وسر بنزوله عليه فجعل العراقي في كل يوم يبعث إلى عبد الله بلطف تطرفه فقال عبد الله جزى الله ضيفنا هذا خيرا قد ملأنا شكرا وما نقدر على مكافأته فإنه لكذلك إلى أن دعاه عبد الله ودعا بعمارة في جواريه فلما طاب لهما الملجس وسمع غناء عمارة تعجب وجعل يزيد في عجبه فلما رأى ذلك عبد الله سر به إلى أن قال هل رأيت مثل عمارة قال لا والله يا سيدي ما رأيت مثلها وما تصلح إلا لك وما ظننت أن يكون في الدنيا مثل هذه الجارية حسن وجه وحسن عمل
قال فكم تساوي عندك قال مالها ثمن إلا الخلافة قال تقول هذا لتزين لي رأيي فيها وتجتلب سروري قال له يا سيدي إني لأحب سرورك وما قلت لك إلا الجد وبعد فإني تاجرا أجمع الدرهم إلى الدرهم طلبا للربح ولو أعطيتنيها بعشرة آلاف دينار لأخذتها فقال له عبد الله عشرة آلاف قال نعم ولم يكن في ذلك الزمان جارية تعرف بهذا الثمن فقال له عبد الله
607
أنا أبيعكها بعشرة آلاف دينار قال قد أخذتها قال هي لك قال قد وجب البيع وانصرف العراقي
فلما أصبح عبد الله لم يشعر إلا بالمال قد وافى به فقيل لعبد الله قد بعث العراقي بعشرة آلاف دينار وقال هذا ثمن عمارة فردها وكتب إليه إنما كنت أمزح معك ومما أعلمك أن مثلي لا يبيع مثلها فقال له جعلت فداك إن الجد والهزل في البيع سواء فقال له عبد الله ويحك ما أعلم جارية تساوي ما بذلت ولو كنت بائعها من أحد لآثرتك ولكني كنت مازحا وما أبيعها بملك الدنيا لحرمتها بي وموضعها من قلبي فقال العراقي إن كنت مازحا فإن كنت جادا وما أطلعت على ما في نفسك وقد ملكت الجارية وبعثت إليك بثمنها وليست تحل لك ومالي من أخذها بد
فمانعه إياها فقال له ليست لي بينة ولكني أستحلفك عند قبر رسول الله A ومنبره
فلما رأى عبد الله الجد قال بئس الضيف أنت ما طرقنا طارق ولا نزل بنا فازل أعظم بلية منك أتحلفني فيقول الناس اضطهد عبد الله ضيفه وقهره فألجأه إلى أن استحلفه أما والله ليعلمن الله عز وجل أني سائله في هذا الأمر الصبر وحسن العزائم
ثم أمر قهرمانه بقبض المال فيه وتجهيز الجارية بما يشبهها من الخدم والثياب والطيب
فجهزت بنحو من ثلاثة آلاف دينار وقال هذا لك ولك عوضها مما ألطفتنا والله المستعان
فقبض العراقي الجارية وخرج بها فلما برز من المدينة قال لها يا عمارة إني
608
والله ما ملكتك قط ولا أنت لي ولا مثلي يشتري جارية بعشرة آلاف دينار وما كنت لأقدم على ابن عم رسول الله A فأسلبه أحب الناس إليه لنفسي ولكني دسيس من يزيد بن معاوية وفي طلبك بعث بي فاستتري مني وإن داخلني الشيطان أو تاقت نفسي إليك فامتنعي
ثم مضى بها حتى ورد دمشق فتلقاه الناس بجنازة يزيد وقد استخلف ابنه معاوية بن يزيد فأقام الرجل أياما ثم تلطف للدخول عليه فشرح له القصة
ويروي أنه لم يكن أحد من بني أمية يعدل عدل معاوية بن يزيد في زمانه بتلا ونسكا فلما أخبره قال هي لك وكل ما دفعه إليك من أمرها فهو لك وارحل من يومك ولا أسمع بخبرك في شيء من بلاد الشام
فرحل العراقي ثم قال للجارية إني قلت لك ما قلت حين خرجت بك من المدينة فأخبرتك أنك ليزيد وقد صرت لي وأنا أشهد الله أنك لعبد الله ابن جعفر وأني قد رددتك عليه فاستتري مني
ثم خرج بها حتى قدم المدينة فنزل قريبا من عبد الله فدخل عليه بعض حرمه فقال له هذا العراقي ضيفك الذي صنع ما صنع وقد نزل العرصة لا حياه الله
فقال عبد الله مه أنزلوا الرجل وأكرموه
فلما استقر بعث إلى عبد الله جعلت فداك إن رأيت أن تأذن لي أذنة خفيفة لأشافهك بشيء فعلت فأذن له فلما دخل عليه سلم عليه وقبل يده وقربه عبد الله ثم اقتص عليه القصة حتى فرغ قال والله قد وهبتها لك قبل أن أراها أو أضع يدي عليها فهي لك ومردودة عليك وقد علم الله تعالى أني ما رأيت لها وجها إلا عندك
609
وبعث إليها فجاءت وجاء بما جهزها به موفرا فلما نظرت إلى عبد الله خرت مغشيا عليها فأهوى إليها عبد الله فضمها إليه وخرج العراقي وتصايح أهل الدار عمارة عمارة فجعل عبد الله يقول ودموعه تجري أحلم هذا أحق هذا ما أصدق بهذا
قال له العراقي جعلت فداك ردها عليك إيثارك الوفاء وصبرك على الحق وانقيادك له
فقال عبد الله الحمد لله اللهم إنك تعلم أني تصبرت عنها وآثرت الوفاء وأسلمت لأمرك فرددتها علي بمنك فلك الحمد
ثم قال يا أخا العراق ما في الأرض أعظم منة منك وسيجازيك الله تعالى
وأقام العراقي أياما وباع عبد الله غنما بثلاثة عشر ألف دينار وقال لقهرمانه احملها إليه وقال له اعذر واعلم أني لو وصلتك بكل ما أملك لرأيتك أهلا لأكثر منه وقفل العراقي محمودا وافر العرض والمال
وروى مصعب الزبيري عن محمد بن عبد الله بن عبد الله بن أبي مليكة عن أبيه عن جده قال دخل عبد الله ابن أبي عمار وهو يومئذ فقيه أهل الحجاز على نخاس فعلق فتاة فاشتهر بذكرها حتى مشى إليه عطاء وطاووس ومجاهد يعذلونه فكان جوابه
يلومني فيك أقوام أجالسهم
فما أبالي أطار اللوم أم وقعا
فانتهى خبره إلى عبد الله بن جعفر فلم يكن له همة غيره فحج فبعث إلى مولى الجارية فاشتراها منه بأربعين ألفا وأمر قيمة جواريه أن تزينها وتجليها ففعلت وبلغ الناس قدومه فدخلوا عليه فقال مالي لا أرى ابن أبي عمار زائرنا
610
فأخبر الشيخ فأتاه فلما أراد أن ينهض استجلسه فقعد فقال له ابن جعفر ما فعل حب فلانة فقال سيط به لحمى ودمي وعصبي ومخي وعظامي قال فتعرفها إن رأيتها قال وأعرف عيرها قال فإني قد اشتريتها ووالله ما نظرت إليها
وأمر بها فأخرجت فزفت في الحلى والحلل فقال أهي هذه قال نعم بأبي أنت وأمي قال فخذ بيدها فقد جعلها الله لك أرضيت قال إي والله بأبي أنت وأمي وفوق الرضا فقال له ابن جعفر ولكني والله لا أرضى أن أعطيكها صفرا احمل معه يا غلام مائة ألف درهم كيلا يهتم بمؤونتها
قال فراح بها وبالمال
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا طلحة بن محمد العاقولي قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال أنبأنا أبو عبد الله بن بطة قال حدثنا أبو بكر بن دريد قال حدثنا أبو عثمان المازني عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال كان بالحجاز رجل له ابنة جميلة فهويها ابن عم لها فبذل لأبيها أربعة آلاف درهم فأبى أن يزوجها منه فأجدبت الجارية وانقرض مال الرجل فتحول أبو الجارية بأهله من الشام فكثر خطابها فبلغ ذلك ابن عمها فصار إلى أبيها فشكى إليه فقال له قد كنت بذلت أربعة آلاف درهم فأعطيناها فهي أحب إلينا من قرابتك قال أجلني شهرا ولم يكن للأعرابي إلا ناقة فركبها ولحق بعبد الملك بن مروان فأصيب بناقته فحمل الحلس والقتب على عنقه ودخل على عبد الملك بن مروان فلما وضع الحلس والقتب بين يديه أنشأ يقول
ماذا يقول أمير المؤمنين لمن
أدلى إليه بلا قرب ولا نسب
مدله عقله من حب جارية
موصوفة بكمال الدل والأدب
خطبتها إذ رأيت الناس قد لهجوا
بذكرها والهوى يدعو إلى العطب
فقلت لي حسب عال ولي شرف
قالوا الدراهم خير من ذوي الحسب
611
إنا نريد ألوفا منك أربعة
ولست أملك غير الحلس والقتب
فالنفس تعجب لما رمت خطبتها
مني ويضحك إفلاسي من العجب
لو كنت أملك مالا أو أحيط به
أعطيتهم ألف قنطار من الذهب
فامنن على أمير المؤمنين بها
واجمع بها شمل هذا البائس العزب
فما وراءك بعد الله مطلب
أنت الرجاء ومنى غاية الطلب
فضحك عبد الملك وأمر له بأربعة آلاف قال أصدقها هذه وأربعة آلاف قال أو لم بهذه وأربعة آلاف قال اقتن هذه
فأخذها الفتى ورجع إلى الشيخ فزوجه ابنته
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا محفوظ بن أحمد قال أنبأنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري قال حدثنا المعافى بن زكريا قال حدثنا محمد بن الحسن بن دريد قال أنبأنا العباس بن الفرج الرياشي قال أنبأنا محمد بن سلام قال كان بالمدينة فتى من بني أمية من ولد سعيد بن عثمان بن عفان وكان يختلف إلى قينة لبعض قريش وكان طريرا ظريفا وكانت الجارية تحبه ولا يعلم بحبها ويحبها ولا تعلم فأراد يوما أن يبلو ذلك منها فقال لبعض إخوانه امض بنا إلى فلانة فانطلقا فدخلا إليها فلما جلست مجلسها واحتجزت بمزهرها قال الأموي تغنين
أحبكم حبا بكل جوارحي
فهل لكم علم بما لكم عندي وتجزون بالود المضاعف مثله
فإن الكريم من جزى الود بالود
قالت نعم وأحسن منه وغنت
612
للذي ودنا المودة بالضعف وفضل البادي به لا يجازى
لو بدا ما بنا لكم ملأ الأرض
وأقطار شامها والحجازا
فعجب القوم من سرعته مع شغل قلبه ومن ذهنها وحسن جوابها فازداد كلفا وصرح عما في قلبه فقال
أنت عذر الفتى إذا هتك
الستر وإن كان يوسف المعصوما
من يلم في هواك يقصر عن اللوم
وإما رآك كان الملوما
وبلغ عمر بن عبد العزيز وهو على المدينة خبرها فاشتراها بعشر حدائق ووهبها له وما يصلحها فمكثت عنده حولا ثم ماتت فرثاها فقال
قد تمنيت جنة الخلد بالجهد
وأدخلتها بلا استئهال
ثم أخرجت أن تطعمت بالنعمة منها والموت أحمد حال
فكرر هذا الشعر مرارا وقضى فدفنا معا
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا أبو محمد الجوهري قال حدثنا ابن حيويه قال حدثنا أبو بكر بن المرزبان قال أخبرني أبو محمد التميمي قال أخبرني محمد بن عمرو المؤدب عن محمد بن عبد الرحمن ابن القاسم المكي قال حدثني مطرف بن عبد الله أنه كان بالمدينة جارية قد قرأت القرآن وروت الأشعار وكانت أحسن الناس وجها وكان الأحوص وعبد الرحمن بن حسان يختلفان إليها يطارحانها الشعر فعلقاها وعلقت هي عبد الرحمن فكانت إذا حدثت أقبلت بحديثها على عبد الرحمن وإذا حدث أنصتت له فغاظ ذلك الأحوص فقال والله لأعرضن لها ببيت من شعر فقال
613
أرى الإقبال منك على خليلي
وما لي في حديثك من نصيب
فقالت الجارية تجيبه
لأن الله علقه فؤادي
فأضحى الحب دونك والحبيب
فقال عبد الرحمن
خليلي لا تلمها في هواها ألذ العيش ما تهوى القلوب
فقال الأحوص والله لأجهدن أن أفرق بينكما
فخرج إلى يزيد بن عبد الملك وامتدحه فأجازه وأحسن صلته فقال يا أمير المؤمنين نصيحة قال وما هي قال جارية خلفتها بالمدينة جميلة قد قرأت القرآن وروت الأشعار وما تصلح إلا لمسامرة أمير المؤمنين
قال ويحك صفها في أبيات شعر فقال
كملت في الجمال والحسن والملح وتمت في عقلها والعفاف
غضة بضة فتاة كعوب
هضمة الكشح وعثة الأرداف
هي شمس النهار في الحسن إلا
أنها فضلت بعطف الظراف
ولها منظر ودل شهى
وحديث مرتل غير جافي
خلقت فوق منية المتمني
فاقبل النصح يابن عبد مناف
قال قد قبلت فبعث فاشتراها بمائة ألف درهم فلما صارت إلى الشام خرج الأحوص من الشام حتى قدم المدينة فمر بعبد الرحمن بن حسان وهو جالس بفناء داره يخط الأرض فوقف عليه فأنشأ يقول
614
يا مبتلي بالحب مفدوحا
لاقى من الحب التباريحا
ألجمه الحب فما ينثني
إلا بفاس الحب مكبوحا
وصار ما يعجبه مغلقا
عنه وما يكره مفتوحا
قد حازها من أصبحت عنده
ينال منها الشم والريحا
خليفة الله فسل الهوى
وعز قلبا منك مجروحا
فرفع عبد الرحمن رأسه إليه وهو يقول
لا صبر لي عن شادن طرفه
يورث باللحظ التباريحا
لو تخلص الريح إلى جسمه
ظل لمس الريح مجروحا
لا حظ لي منه سوى أنني
من نحوه أستنشق الريحا
وكلما استنشقتها مرة
عددتها غنما ومفروحا
ووافق ذلك خروج غلام من بني أمية إلى يزيد بن عبد الملك فقال لعبد الرحمن بن حسان ألك حاجة قال نعم هذا الكتاب تلطف في إيصاله إليها وكتب إليها يعلمها ما جرى بينه وبين الأحوص من الشعر وشماتته به فكتبت الجارية إليه
يا مشتكي الحب ولوعاته
أصبح قلبي منك مقروحا
ما قرت العين بما نلته
ولا عددت الملك مفروحا
شوقا إلى وجهك ذاك الذي
لم يبق لي في يدي روحا
فلما قرأ كتابها استفزه ذلك حتى خرج إلى الشام فامتدحه فأحسن صلته وجائزته ثم مكث أياما وعلمت الجارية بقدومه فجعلت توجه إليه تستخبر
615
خبره وكان الذي يختلف إليه خادم لها فقالت له يوما احتل في أن تدخله فأتى يزيد فأعلمه بالليلة التي يدخل فيها فجلس يزيد في موضع يراهم ولا يرونه ويسمع كلامهم فلما دخل قامت إليه فأخذت بيده ثم جلست ناحية يتحدثان ويبكيان إلى أن طلع الفجر فقام لينصرف فأنشأت تقول
من كان أضحى سلا باليأس عن سكن
فإنني عنك ما أمسيت بالسالي
والله والله لا أنساك يا سكني
حتى تفارق مني الروح أوصالي
فأجابها
أضحى المحبون بعد الوصل قد يئسوا
وقد يئست وما أسلو على حال
قال فلما أصبح يزيد بعث إليه وبعث إليها وأقبل عليهما فقال حدثاني ما كان بينكما في هذه الليلة فقد خبرني بعض من حضر مجلسكما فأخبراه بما كان فأقبل على عبد الرحمن فقال أتحبها قال إي والله يا أمير المؤمنين حبا تالدا غير طارف ولا مستأنف
فأقبل عليها فقال أتحبينه قالت إي والله يا أمير المؤمنين حبا قد خرق شغاف قلبي
فقال خذ بيدها ثم قال مكانك إنها لا تنفعك بغير ما يصلحكما فأمر له بمائة ألف درهم
فقدم بها المدينة
616
وروى أبو بكر بن دريد عن عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه قال حج يزيد بن عبد الملك في خلافة أخيه سليمان فعرضت عليه جارية مغنية جميلة فأعجب بها غاية الإعجاب فاشتراها بأربعة آلاف دينار وكان اسمها العالية فسماها حبابة وكان يهواها الحارث بن خالد المخزومي فقال له بلغه خروج يزيد بها
ظعن الأمير بأحسن الخلق
وغدا بلبك مطلع الشرق
وبلغ سليمان خبرها فقال لهممت أن أحجر على يزيد يبتاع جارية بأربعة آلاف دينار
وكان يزيد يهابه ويتقيه فتأدى إليه قوله فردها على مولاها واسترجع منه المال وباعها مولاها من رجل من أهل مصر بهذا الثمن ومكث يزيد آسفا متحسرا عليها فلم تمض إلا مديدة حتى تقلد يزيد الأمر فبينا هو في بعض الأيام مع إمرأته سعدة بنت عمرو بن عثمان إذ قالت له بقي في نفسك شيء من أمور الدنيا لم تنله قال نعم حبابة فأمسكت حتى إذا كان من الغد أرسلت بعض ثقاتها إلى مصر ودفعت إليه مالا وأمرته بابتياع حبابة فمضى فما كان بأسرع من أن ورد وهي معه قد اشتراها
فأمرت سعدة قيمة جواريها أن تصنعها وكستها من أحسن الثياب وصاغت لها أفخر الحلي وقالت لها أمير المؤمنين متحسر عليك وله اشتريتك فسرت ودعت لها فلبثت أياما تصنعها تلك القيمة حتى إذا ذهب عنها وعث السفر قالت سعدة ليزيد إني أحب أن تمضي معي إلى بستانك بالغوطة لنتتزه فيه قال أفعل فتقدميني إليه
617
فمضت وضربت قبة وشى ونجدتها بالفرش وجعلت داخلها كلة قصب وأجسلت فيها حبابة
وجاء يزيد فأكلوا وجلسوا على شرابهم فأعادت سعدة عليه هل بقي في نفسك من الدنيا شيء لم تبلغه قال نعم حبابة
قالت فإني قد اشتريت جارية ذكرت أنها علمتها غناءها كله فهي تغني مثلها فتنشط لاستماعها قال إي والله
فجاءت به إلى القبة وجلسا قدامها وقالت غني يا جارية فغنت الصوت الذي عنته ليزيد لما اشتراها هو من شعر كثير
وبين التراقي والفؤاد حرارة
مكان الشجالا تستقل فتبرد
فقال يزيد حبابة والله فقالت سعدة حبابة والله لك اشتريتها وقد أهديتها لك
فسر سرورا عظيما وشكرها غاية الشكر وانصرفت وتركته مع حبابة في البستان فلما كان بالعشى صعد معها إلى مستشرف في البستان وقال لها غني وبين التراقي والفؤاد حرارة فغنته فأهوى ليرمي بنفسه وقال أطير والله فتعلقت به وقالت الله الله يا أمير المؤمنين
وأقام معها ثلاثة أيام في البستان ثم انصرفا واقامت أياما ثم مرضت وماتت فحزن عليها حزنا شديدا وامتنع عن الطعام والشراب ومرض ومات
618
أنبأنا هبة الله بن أحمد الحريري قال أنبأنا محمد بن علي بن الفتح العشاري قال أنبأنا أبو الحسين بن أخي ميمي قال حدثنا جعفر الخلدي قال حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال حدثنا محمد بن الحسين البرجلاني قال حدثني أشرس بن النعمان قال حدثني الجزري قال حدثني موسى بن علقمة المكي قال كان عندنا ها هنا نخاس وكانت له جارية وكان يوصف من جمالها وكمالها أمر عجيب وكان يخرجها أيام الموسم وكان يبذل له فيها الرغائب فيمتنع عن بيعها ويطلب الزيادة في ثمنها
فما زال بذلك حينا وتسامع بها أهل الأمصار فكانوا يحجون عمدا للنظر إليها
قال وكان عندنا فتى من النساك قد نزع إلينا من بلده وكان مجاورا عندنا فرأى الجارية يوما في أيام العرض لها فوقعت في نفسه وكان يجيء طول أيام العرض ينظر إليها وينصرف فلما حجبت أحزنه ذلك وأمرضه مرضا شديدا وجعل يذوب جسمه وينحل واعتزل الناس فكان يقاسي البلاء طول سنته إلى أيام الموسم فإذا خرجت الجارية إلى العرض خرج فنظر إليها فسكن ما به حتى تحجب
فبقى على ذلك سنين ينحل ويذوب ولم أزل به وألح عليه إلى أن حدثني بحديثه وما يقاسيه وسأل أن لا أذيع عليه ذلك ولا يسمع به أحد
فرحمته لما يقاسي وما صار إليه فدخلت إلى مولى الجارية ولم أزل أحادثه إلى أن خرجت إليه بحديث الفتى وما يقاسي وما صار إليه وأنه صار على حالة الموت
619
فقال قم بنا إليه حتى أشاهده وأنظر حاله فقمنا جميعا ودخلنا عليه فلما دخل مولى الجارية ورآه وشاهد ما هو عليه لم يتمالك أن رجع إلى داره فأخرج ثيابا حسنة سرية وقال أصلحوا فلانة ولبسوها هذه الثياب واصنعوا ما تصنعون بها أيام الموسم ففعلوا بها ذلك فأخذ بيدها وأخرجها إلى السوق ونادى في الناس فاجتمعوا فقال معاشر الناس اشهدوا أني قد وهبت جاريتي فلانة لهذا وما عليها ابتغاء ما عند الله
ثم قال للفتى تسلم هذه الجارية فهي هدية مني إليك بما عليها
فجعل الناس يعذلونه ويقولون ويحك ما صنعت قد بذل لك فيها الرغائب فلم تبعها ووهبتها لهذا فقال إليكم عني فإني أحييت كل من على وجه الأرض قال الله تعالى ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا أحمد بن عمر بن روح النهرواني قال أنبأنا المعافي بن زكريا الجريري قال أنبأنا محمد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق الموصلي قال حدثني أبي قال حدثني بشر بن الوليد قال كنت عند أبي يوسف القاضي فحدثني قال بينا أنا البارحة قد أويت إلى فراشي فإذا داق يدق الباب دقا شديدا فأخذت علي إزاري وخرجت فإذا هرثمة بن أعين فسلمت عليه فقال أجب أمير المؤمنين فقلت يا أبا حاتم لي بك حرمة وهذا وقت كما ترى ولست آمن أن يكون أمير المؤمنين دعاني لأمر من الأمور فإن أمكنك
620
أن تدفع بذلك إلى الغد فلعله أن يحدث له رأى فقال مالي إلى ذلك سبيل
قلت كيف كان السبب قال خرج إلي مسرور الخادم فأمرني أن آتي بك أمير المؤمنين
فقلت تأذن لي أن أصب على ماء وأتحنط فإن كان أمر من الأمور كنت قد أحكمت شأني وإن رزق الله العافية فلن يضر فأذن لي
فدخلت فلبست ثيابا جددا وتطيبت بما أمكن من الطيب ثم خرجنا فمضينا حتى أتينا دار أمير المؤمنين الرشيد فإذا مسرور واقفا
فقال له هرثمة قد جئت به
فقلت لمسرور يا أبا هاشم خدمتي وحرمتي وهذا وقت ضيق فتدري لم طلبني أمير المؤمنين قال لا
قلت فمن عنده قال عيسى بن جعفر
قلت ومن قال ما عنده ثالث
فقال مر فإذا صرت في الصحن فإنه في الرواق جالس فحرك رجلك بالأرض فإنه سيسألك فقل أنا فجئت ففعلت فقال من هذا قلت يعقوب قال ادخل فدخلت فإذا هو جالس وعن يمينه عيسى بن جعفر فسلمت فرد علي السلام وقال أظننا روعناك قلت إي والله وكذلك من خلفي قال اجلس فجلست حتى سكن روعي ثم التفت إلي فقال يا يعقوب تدري لم دعوتك قلت لا قال دعوتك لأشهدك على هذا إن عنده جارية سألته أن يهبها لي فامتنع وسألته أن يبيعها فأبى ووالله لئن لم يفعل لأقتلنه
قال فالتفت إلى عيسى فقلت وما بلغ الله بجارية تمنعها أمير المؤمنين وتترك نفسك عند هذه المنزلة
قال فقال لي عجلت علي في القول قبل أن تعرف ما عندي قلت
621
وما في هذا من الجواب قال إن علي يمينا بالطلاق والعتاق وما أملك صدقة ان لا أبيع هذه الجارية ولا أهبها
فالتفت إلي الرشيد فقال هل في ذلك من مخرج قلت نعم قال وما هو قلت يهب لك نصفها ويبيعك نصفها فيكون لم يبع ولم يهب
قال عيسى ويجوز ذلك قلت نعم
قال فأشهدك أني قد بعته نصفها ووهبته النصف الباقي بمائة ألف دينار
فقال الجارية فأتى بالجارية وبالمال فقال خذها يا أمير المؤمنين بارك الله لك فيها
قال يا يعقوب بقيت لك واحدة قلت وما هي قال هي مملوكة ولا بد أن تستبرأ والله لئن لم أبت معها ليلتي إني لأظن أن نفسي ستخرج
قلت يا أمير المؤمنين تعتقها وتتزوجها فإن الحرة لا تستبرأ
قال فمن يزوجنيها قلت أنا
فدعا بمسرور وحسن فخطبت وحمدت الله وزوجته على عشرين ألف دينار
فدعا بالمال فدفعه إليها ثم قال لي يا يعقوب انصرف ورفع رأسه إلى مسرور فقال يا مسرور فقال لبيك يا أمير المؤمنين قال احمل إلى يعقوب مائتي ألف درهم وعشرين تختا ثيابا فحمل ذلك معي
قال بشر بن الوليد فالتفت إلي يعقوب فقال هل رأيت بأسا فيما فعلت قلت لا
قال فخذ منها حقك قلت وما حقي قال العشر
قال فشكرته ودعوت له وذهبت لأقوم فإذا بعجوز دخلت فقالت يا أبا يوسف بنتك تقرئك السلام وتقول لك والله ما وصل إلي في ليلتي هذه من أمير المؤمنين إلا المهر الذي قد عرفته وقد حملت إليك النصف منه وخلفت
622
الباقي لما أحتاج إليه فقال رديه فوالله لا قبلته أخرجتها من الرق وزوجتها من أمير المؤمنين وترضى لي بهذا
فلم نزل نطلب إليه أنا وعمومتي حتى قبلها وأمر لي منها بألف دينار أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال أنبانا القاضي ابو الطيب الطبري قال حدثني المعافى بن زكريا قال حدثني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي قال قال منصور البرمكي كان لهارون الرشيد جارية غلامية تصب على يده وتقف على رأسه وكان المأمون معجبا بها وهو أمرد فبينا هي تصب على هارون من إبريق معها والمأمون مع هارون الرشيد قد قابل بوجهه وجه الجارية إذ أشار إليها بقبلة فزبرتهبحاجبها وأبطأت عن الصب في مهلة ما بين ذلك
فنظر إليها هارون فقال ما هذا فتلكأت عليه فقال ضعي ما معك علي كذا إن لم تخبريني لأقتلنك فقالت أشار إلي عبد الله بقبلة
فالتفت إليه فإذا هو قد نزل به من الحياء والرعب ما رحمه منه
فاعتنقه وقال أتحبها قال نعم يا أمير المؤمنين
فقال قم فاخل بها في تلك القبة
فقام ففعل فقال له هارون قل في هذا شعرا
فأنشأ يقول
ظبي كتبت بطرفي
عن الضمير إليه
قبلته من بعيد
فاعتل من شفتيه
ورد احسن رد
بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكاني
حتى قدرت عليه
أنبأنا علي بن عبد الله قال أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة قال أنبانا إسماعيل
623
ابن سعيد بن سويد قال أنبأنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا أبو الفضل الربعي عن أبيه قال كانت أم جعفر قد ربت جارية وأدبتها وكانت تختلف في مهم أمورها إلى كتابها وعمالها وديوانها وكان لأم جعفر موضع تشرف منه على الديوان ترى من فيه حيث لا يرونها
فقالت يوما لجاريتها تلك يا فلانة من أحسن من في الديوان قالت فلان مولاك
قالت كيف ذاك وهناك فلان الهاشمي وفلان الكاتب وفلان وفلان قالت هو والله أحسن القوم لأني أحبه
قالت وكيف علمت أنه يحبك قالت لأنني أخرج إلى الديوان في أمر من أمورك فإذا رآني مقبلة ترك عمله ثم لا يزال ناظرا إلي حتى أولى ثم لا يزال ينظر إلي مولية حتى أغيب عنه فعلمت أنه يحبني فأحببته
قالت فاذهبي إليه الساعة حتى تقبليه قبلة على فمه
فانطلقت فلما رآها مقبلة ألقى القرطاس والقلم من يده ثم بهت ينظر إليها فلما دنت منه ظن أنها جاءت برسالة أم جعفر فأقبل عليها كالمصغي إليها فقبلته ففزع لذلك ثم ثاب إليه عقله وعلم أنها لم تفعل هذا إلا عن أمر فدعاها ثم كتب رفعة فقال لها ارفعيها إلى أم جعفر فإذا فيها
قد وجدنا طعم الحرام لذيذا
فأذيقي مولاك طعم الحلال
فكتبت أم جعفر في أسفل رقعته
ليس فيها مطمع لمحب
إنما نقتني لغير الرجال
فيئس منها
ثم أمرت بتزويجه إياها وأمرت له بثلاثين ألف درهم وأحسنت جهازها
624
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا أبو القاسم الأزهري قال حدثنا محمد بن العباس الخزاز قال حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا يعقوب النخعي قال حدثنا علي بن زيد كاتب العباس بن المأمون قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال حدثني أبي قال حج الرشيد ومعه جعفر بن يحيى البرمكي وكنت معهم فلما صرنا إلى مدينة الرسول A قال لي جعفر بن يحيى أحب أن تنظر لي جارية ولا تبقي غاية في حذاقتها بالغناء والضرب والكمال في الظرف والآداب وجنبني قولهم صفراء
قال فأرشدت إلى جارية لرجل فدخلت عليه فرأيت رسوم النعمة وأخرجها إلي فلم أر أجمل منها ولا أصبح ولا آدب ثم تغنت أصواتا فأجادتها فقلت لصاحبها قل ما شئت قال أقول لك قولا لا أنقص منه درهما
قلت قل
قال أربعين ألف دينار
قلت قد أخذتها وأشترط عليك نظرة
قال ذاك له
قال فأتيت جعفر بن يحيى فقلت قد أصبت حاجتك على غاية الظرف والأدب والجمال ونقاء اللون وجودة الطرب والغناء وقد اشترطت نظرة فاحمل المال ومر بنا
فحمل المال على حمالين وجاء جعفر مستخفيا فدخلنا على الرجل فأخرجها فلما رآها جعفر أعجب بها وعرف أن قد صدقته ثم غنت فازداد بها عجبا فقال لي اقطع أمرها
فقلت لمولاها هذا المال قد وزناه ونقدناه فإن قنعت وإلا فوجه من شئت لتنقده
فقال لا بل أقنع بما قلتم
فقالت الجارية يا مولاي في أي شيء أنت قال قد عرفت ما كنا فيه من النعمة وما كنت فيه من انبساط اليد وقد انقبضت عن ذلك لتغير الزمان
625
علينا فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك لتنبسطي في شهواتك وإراداتك
فقالت الجارية والله يا مولاي لو ملكت منك ما ملكت مني ما بعتك بالدنيا وما فيها وبعد فاذكر العهد وقد كان حلف لها ألا يأكل لها ثمنا
قال فتغرغرت عين المولى وقال اشهدوا أنها حرة لوجه الله واني تزوجتها وأمهرتها داري
فقال لي جعفر انهض بنا
قال فدعوت الحمالين ليحملوا المال
قال جعفر لا والله يصحبنا منه درهم
قال ثم أقبل على مولاها فقال هو لك مبارك لك فيه أنفقه عليها وعليك وقمنا فخرجنا
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قال أنبأنا علي ابن أبي على المعدل قال حدثني أبي قال روى أبو روق الهزاني عن الرياشي أن بعض أهل البصرة اشترى صبية فأحسن تأديبها وتعليمها وأحبها كل المحبة وأنفق عليها حتى أملق وحتى مسها الضر الشديد فقالت الجارية إني لأرثى لك يا مولاي مما ارى بك من سوء الحال فلو بعتني واتسعت بثمني فلعل الله أن يصنع لك وأقع انا بحيث يحسن حالي فيكون ذلك أصلح لكل واحد منا
قال فحملها إلى السوق فعرضت على عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي وهو أمير البصرة يؤمئذ فأعجبته فاشتراها بمائة ألف درهم
فلما قبض المولى الثمن وأراد الانصراف استعبر كل واحد إلى صاحبه باكيا وأنشأت الجارية تقول
626
هنيئا لك المال الذي قد حويته
ولم يبق في كفى غير التذكر
أقول لنفسي وهي في غشي كربة
أقلى فقد بان الحبيب أو اكثري
إذا لم يكن للأمر عندك حيلة
ولم تجدي شيئا سوى الصبر فاصبري
فاشتد بكاء المولى ثم أنشا يقول
فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن
يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري
أروح بهم في الفؤاد مبرح
أناجي به قلبا شديد التفكر
عليك سلام لا زيارة بيننا
ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر
فقال ابن معمر قد شئت خذها ولك المال وانصرفا راشدين فوالله لا كنت سببا لفرقة محبين
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا أبو القاسم الأزهري قال أنبأنا أحمد بن إبراهيم بن عرفة قال حدثنا محمد بن الحسين عن هشام قال حدثنا علي بن الجهم عن أبيه قال أصبحت ذات يوم وأنا في غاية الضيق فطلبت الخادم فلم أجده ثم جاء فقلت أين كنت قال كنت في احتيال شيء لك وعلف لدابتك فوالله ما قدرت عليه قلت أسرج لي وركبت فلما صرت في سوق يحيى إذا
627
000000 أنا بموكب عظيم وإذا الفضل بن يحيى بن خالد فلم بصر بي قال سر فسرنا قليلا وحجز بيني وبينه غلام يحمل طبقا على باب يصيح بجارية فوقف الفضل طويلا ثم قال سر ثم قال تدري سبب وقوفي قلت إن رأيت ان تعلمني قال كانت لأختي جارية وكنت أحبها حبا شديدا وأستحيي من أختي أن أطلبها منها ففطنت أختي لذلك فلما كان في هذا اليوم لبستها وزينتها وبعثت بها إلي فما كان من عمري يوم أطيب من يومي هذا فلما كان في هذا الوقت جاءني رسول أمير المؤمنين فأزعجني وقطع على لذتي فلما صرت إلى هذا المكان دعا هذا الغلام صاحب الطبق باسم تلك الجارية فارتحت لندائه ووقفت
فقلت أصابك ما أصاب أخا بني عامر حيث يقول
وداع دعا إذ نحن بالخيف من مني
فهيج اطراف الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما
أطار بليلى طائرا كان في صدري
فقال لي اكتب هذين البيتين فعدلنا أطلب ورقة أكتب له فيها فلم أجد فرهنت خاتمي عند بقال وأخذت ورقة فكتبتهما فيها وأدركته بهما
فقال لي ارجع إلى منزلك فرجعت فقال لي الخادم أعطني خاتمك أرهنه على قوتك
فقلت قد رهنته
فما أمسيت حتى بعث إلي ثلاثين ألف درهم جائزة وعشرة آلاف درهم سلفا من رزق أجراه إلي
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت انبأنا ابو محمد بن السراج قال أنبأنا أبو القاسم عبدالعزيز بن بندار الشيرازي قال أنبأنا أحمد بن علي بن ألال قال أخبرني أحمد بن علي بن حرب عن بعض مشايخه قال اختفى إبراهيم
628
ابن المهدي زمن المأمون عند عمته وكانت تكرمه غاية الكرامة ووكلت به جارية قد أدبتها وأنفقت عليها الأموال وكانت حاذقة راوية للشعر وكانت قد طلبت منها بخمسين ومائة ألف درهم وكانت تلي خدم إبراهيم وتقوم على رأسه فهويها وكره طلبها من عمته فلما اشتد وجده بها وسكر أخذ عودا وغنى بشعر له فيها وهي واقفة على رأسه
يا غزالا لي إليه
شافع من مقلتيه
والذي أجللت خديه فقبلت يديه
بأبى وجهك ما
أكثر حسادي عليه
أنا ضيف وجزءا الضيف
إحسان إليه
فسمعت الجارية الشعر وفطنت لمعناه لرقتها وظرفها وكانت مولاتها تسألها عن حالها وحاله كل يوم فأخبرتها في ذلك اليوم بما في قلبه منها وبما سمعت منه من الشعر والغناء فقالت لها مولاتها أذهبي فقد وهبتك له
فعادت إليه فلا رآها أعاد الصوت فأكبت عليه الجارية فقبلت رأسه فقال لها كفى فقالت قد وهبتني مولاتي لك وأنا الرسول فقال أما الآن فنعم
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا القاضي أبو الطيب الطبري قال حدثنا المعافى بن زكريا قال حدثنا عبد الله ابن منصور الحارثي قال حدثنا ابو إسحاق الطلحي قال حدثني عبيد الله ابن القاسم قال عشق التيمي وهو عبد الله بن أيوب أو محمد التيمي الشاعر جارية عند بعض النخاسين فشكى وجده بها إلى أبي عيسى بن الرشيد فقال أبو عيسى للمأمون يا أمير المؤمنين إن التيمي يجد بجارية لبعض النخاسين وقد كتب إلي بيتين يسألني فيهما فقال له ما كتب به إليك فأنشده
يا أبا عيسى إليك المشتكى
وأخو الصبر إذا عيل اشتكى
629
ليس لي صبر على هجرانها
وأعاف المشرب المشتركا
فأمر له بثلاثين ألف درهم فاشتراها
وبلغنا عن المهلب بن أي صفرة أنه نظر إلى فتى يكلم جارية من جواريه فدعا بالجارية فقال لها ما حملك على كلام من رأيت فقالت يا سيدي
لأن له من محض قلبي مودة
لها تحت أحناء الضلوع خفوق
إلى غير سوء فاعلمن كلامنا
ولكن لشوق والمحب مشوق فدعا بالفتى فقال له ما حملك على كلام هذه فقال
لأن لها في القلب مني محبة
وفي طي صدري لوعة وحريق
وإني لأهواها على كل حالة
وإني إليها ما حييت أتوق
فقال المهلب
لعمري إني للمحبين راحم
وإني بحفظ العاشقين حقيق
سأجمع منكم شمل ود مبدد
فإني بما قد ترجوان خليق
ثم وهبها له وأمر له بخمسة آلاف دينار
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال حدثني عبيد الله بن أبي الفتح قال حدثنا أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني من حفظه مذاكرة قال كان أبو داود حامد المروروذي قليل الدخول على ابن أبي حامد صاحب بيت المال وكان في مجلسه رجل من المتفقهة فغاب عنه أياما فسأل عنه فأخبر أنه متشاغل يأمر قد قطعه عن حضور المجلس
630
فأحضره وسأله عن حاله فذكر أنه كان قد اشترى جارية لنفسه وأنه انقطعت به النفقة وضاقت يده في تلك السنة لانقطاع المادة عنه من بلده وكان عليه دين لجماعة من السوقة فلم يجد قضاء لذلك جون أن باع الجارية فلما قبض الثمن تذكرها وتشوق إليها واستوحش من بعدها عنه حتى لم يمكنه التشاغل بفقه ولا بغيره من شدة تعلق قلبه بها وذكر أن ابن أبي حامد قد اشتراها فأوجبت الحال مضي أبي حامد الفقيه إلى ابن أبي حامد يسأله الإقالة وأخذ المال من البائع فمضى ومعه الرجل فحين استأذن علي ابن أبي حامد أذن له في الحال فلما دخل عليه استقبله وقام إليه وأكرمه غاية الإكرام وسأله عن حاله وما جرى به فأخبره أبو حامد بخبر الفقيه وبيع الجارية وسأله قبض المال ورد الجارية على صاحبها
فلم يعرف ابن أبي حامد للجارية خبرا ولا كان عنده علم من أمرها
وذاك أن أمراته كانت اشترتها ولم يعلم بذلك فورد عليه من ذلك مورد تبين في وجهه
ثم قام ودخل على امرأته فسألها عن جارية اشتريت من سوق النخاسين على الصفة والنعت فصادف ذلك أن امرأته كانت جالسة والجارية حاضرة وهم يصلحون وجهها وقد زينت بالثياب الحسان والحلى وما جرى مجرى ذلك من الزينة فقالت يا سيدي هذه الجارية التي التمست فسر بذلك سرورا تاما إذ كانت عنده رغبة في قضاء حاجة أبي حامد وإنجاز ما قصد له فعاد إلى أبي حامد وقال له خفت ألا تكون الجارية في داري والآن فهي بحمد الله تعالى عندنا والأمر للشيخ أعزه الله تعالى في بابها
631
وأمر بإخراج الجارية إلى الجماعة فحين أخرجت تغير وجه الفتى تغيرا شديدا فعلم بذلك أن الأمر كما ذكره الفقيه من حبه لها وصبابته إليها فقال له ابن أبي حامد هذه جاريتك فقال نعم هذه جاريتي واضطرب كلامه من شدة ما نزل به عند رؤيتها فقال له خذها بارك الله لك فيها فجزاه أبو حامد خيرا وتشكر له وسأله قبض المال فإنه كان قدره ثلاثة آلاف درهم فأبى أن يأخذه وطال الكلام في بابه فقال له أبو حامد إنما قصدنا نسأل الإقالة لم نقصد لأخذها على هذا الوجه
فقال له ابن أبي حامد هذا رجل فقيه وقد باعها لأجل حاجته وقلة ذات يده ومتى أخذ المال منه خيف عليه من أن يبيعها ممن لا يردها عليه فالمال يكون في ذمته فإذا جاءه نفقة من بلده جاز أن يرد ذلك
فوهب المال له وكان عليها من الحلي والثياب شيء له قدر كثير فقال له أبو حامد إن رأى أيده الله أن يتفضل وينفذ مع الجارية من يقبض هذه الثياب والحلي الذي عليها فما لهذا الفقيه أحد ينفذ به على يديه
فقال له يا سبحان الله هذا شيء أشغفناها به ووهبناه لها سواء كانت في ملكنا أو خرجت عن قبضتنا لسنا نرجع فيما وهبناه من ذلك ولا يجوز
فعرف أبو حامد أن الوجه ما قاله فلم يلح في ذلك بل حسن موقعه من قلبه وقلب صاحب الجارية فلما أراد أن ينهض ويودعه قال ابن أبي حامد أريد أسألها قبل إنصرافها عن شيء فقال لها يا جارية أيما أحب إليك نحن أو مولاك هذا الذي باعك وأنت الآن له فقالت يا سيدي أما أنتم فأحسن الله عونكم وفعل بكم وفعل فقد أحسنتم
632
إلي وأعنتموني وأما مولاي هذا فلو ملكت منه ما ملكه مني ما بعته بالرغائب العظيمة
فاستحسن الجماعة ذلك منها وما هي عليه من العقل مع الصبا وودعوه ثم انصرفوا
ابن أبي حامد اسمه أحمد بن محمد بن موسى بن النضر كان صاحب بيت المال وكان ثقة جوادا روى عنه الدارقطني وغيره ومات في سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة
أنبأنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب البارع قال حدثني أبو الجوائز الحسن بن علي الواسطي الكاتب قال حججت في سنة من بعض السنين فبينما أنا في الطواف لمحت جارية فلم أر كحسنها فعلقها قلبي فسألتها عن اسمها فقالت اسمي نعم وانتسابي إلى فهم
فلم أزل أستمتع بالنظر إليها مدة إقامتنا بمكة فلما فارقنا مكة لم أدر أي صوب سلكت فقلت
قل للظلوم ألا هلمي
للحكم إن أنكرت ظلمي
ومن البلية أن يبيت
حبيب جسمي وهو خصمي
أو أن يرى نجمي وقد
ناديته مغرى برجمي
خود تصيب سواد قلبي
وهي للجمرات ترمي
وكم التقت أنفسانا
في حومة الحجر الأحم
عند استلام الركن آونة
وسحب الدمع تهمي
فمحوت ما سطرت ملا
ثمها على عمد بلثمي
أثبت يوم النفر
سهمك في الفؤاد وطاش سهمي
633
قال وازداد وجدي بها وكلفى بحسنها فقال لي بعض من آنس به لو تزوجت لسكن ما بك فتأبيت عليه ثم ملت إلى ما قال رجاء الإفاقة
فاستعنت بامرأة على ارتياد امراة أتزوجها فجاءتني بعد أيام فقالت قد حصلت لك امرأة تلائم مرادك حسنا وبيتا
فاستحضرت وليها وتزوجتها فلما زفت إلى تأملتها فإذا هي صاحبتي فقضيت العجب من حسن الاتفاق
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال كان أبو الجوائز أديبا شاعرا حسن الشعر في المديح والأوصاف والغزل وعلقت عنه أخبارا وحكايات وأناشيد وسمعته يقول ولدت في سنة اثنتين وخمس وثلاثمائة
فصل فإن قال قائل قد ذكرت علاج العاشق بتحصيل المعشوق إن كان مباحا ورجيته بأن ذلك يمكن وقد اتفق لجماعة فما تقول في عشق من لا سبيل إلى تحصيله كذات الزوج أو محرم على التأبيد كالأمرد فهل لهذا الأمر من علاج مع أنه قد أنحف الجسد وأدام السهر وقارب بصاحبه مرتبة الجنون
فالجواب أن العلاج الكلي في جميع أمراض العشق الحمية وإنما تقع الحمية بالعزم الجازم على هجر المحبوب فإن حصلت هذه الحمية حسنت المعالجة والعلاج حينئذ يقع للظاهر والباطن فليبتدئ المريض باللجوء إلى الله سبحانه وليكثر من الدعاء فإنه مضطر وهو يجيب المضطر إذا دعاه ثم ليتعالج فإن الأسباب لا تنافي التوكل والدعاء
634
فصول في معالجة الظاهر فصل
اعلم أن بدن العاشق إذا نحف أسرعت فيه الحرارة إلهابا وإحراقا فينبغي أن يستعمل الترطيبات كشم البنفسج واللينوفر ودخول الحمام من غير طول مكث فيه والنوم الطويل والتغذي بالأغذية الرطبة ولينظر إلى الماء الصافي في الرياض النضيرة وليحدث بالنوادر المضحكة
فصل ومن المعالجات السفر فإنه بالسفر يتحقق البعد عن المحبوب وكل
بعيد عن البدن يؤثر بعده في القلب فليصبر على مضض الشوق في بداية السفر صبر المصاب في بداية مصيبته ثم إن مر الأيام يهون الأمر
قال زهير بن الحباب الكلبي
إذا ما شئت أن تسلو حبيبا
فأكثر دونه عدد الليالي
فما سلى حبيبك غير نأي
ولا أبلى جديدك كابتذال
وقال امرؤ القيس
وإنك لم تقطع لبانة عاشق
بمثل غدو أو رواح مأوب
ومعنى مأوب انه غذ السير حتى يؤوب صاحبه عند الليل يقول تكون استراحته بالليل
فصل وكذلك كل ما يشغل القلب من المعاش والصناعة فإنه يسلي لأن العشق
635
شغل الفارغ فهو يمثل صورة المعشوق في خلوته لشوقه إليها فيكون تمثيله لها إلقاء في باطنه فإذا تشاغل بما يوجب اشتغال القلب بغير المحبوب درس الحب ودثر العشق وحصل التناسي
فصل ومن ذلك استعراض النساء للتزويج والجواري للتسري وليطلب الحسن
الفائق فإنه يسلي وقد وصف الحكماء الحسن والملاحة فأنبأنا أحمد بن علي المجلي قال أنبأنا أبو الحسين ابن المهتدي قال أنبأنا أبو الفضل محمد بن الحسن بن المأمون قال حدثنا أبو بكر بن الأنباري قال حدثنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال قال أعرابي إذا حسن خفيا المرأة حسنت وخفياها كلامها ووطأتها على الأرض
قال ويقال أحسن ما تكون المرأة غب بنائها وغب نفاسها وغب المطر
قال وشباب المرأة ما بين ثلاثة عشرة إلى عشرين فإذا بلغت الثلاثين فقد كهلت فإذا بلغت الأربعين فقد شهلت فإذا بلغت الخمسين فطلق طلق
قال أحمد بن يحيى الشهلة العجوز
وقد قيل لا تكون المرأة حسناء حتى يبيض منها أربعة وهي اللون وبياض العين والأسنان والأظفار ويسود منها أربعة وهي شعر الرأس وشعر الحاجبين وأشفار العينين وسواد العين
ويحمر منها أربعة اللسان والشفتان والوجنات وثم ويتسع منها أربعة الجبهة والراحتان
636
والوركان والصدر ويضيق منها أربعة خرق الأنف وخرق الأذنين وشق الفم وثم ويطول منها أربعة القامة والعنق والقصب والأصابع ويضخم منها أربعة الساقان والوركان والعجز والكرب وهو منبت العانة ويقصر منها أربعة خطاها وطرفها ولسانها وذكرها وكانت هند بنت عتبة تقول النساء أغلال فليتخير الرجل غلا ليده
فصل هذا ما ذكر فيما يتعلق بالحسن والحسن عند المحب ما يقع بقلبه
فليجهد في استعراض النساء والجواري فالغالب حصول ما يغلب على ما عنده
فإن لم يحصل له أدام التتبع فإن النفس لا تقف على شيء ولاتقيم على حال فرب ثان محا الأول
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار وأخبرتنا شهدة قالت أنبأنا جعفر بن أحمد قالا أنبأنا الحسن بن علي الجوهري قال أنبأنا أبو عمر ابن حيويه قال حدثنا ابن المرزبان قال أخبرني أبو بكر العامري قال حدثني الحسين بن علي مولى بني أمية عن أبيه قال خرجت إلى الشام فلما كنت بالشراة ودنا الليل إذا قصر فهويت إليه فإذا بين باب القصر امرأة لم أر مثلها قط هيبة وجمالا فسلمت عليها فردت ثم قالت من أنت قلت رجل من بني أمية من أهل الحجاز فقالت مرحبا بك وحياك الله أنزل فأنت في أهلك قلت ومن أنت عافاك الله قالت امرأة من قومك
فأمرت لي بمنزل وقرى وبت في خير مبيت فلم أصحبت أرسلت إلي كيف أصبحت وكيف كان مبيتك قلت خير مبيت والله ما رأيت أكرم منك ولا أشرف من فعالك قالت فإن لي إليك حاجة تمضي حتى تأتي ذلك
637
الدير ديرا أشارت إليه فتجيء فائت ابن عمي فيه وهو زوجي قد غلبت عليه نصرانية في ذلك الدير فهجرني فلزمها فتنظر إليه فتخبره عن مبيتك وعما قلت لك فقلت أفعل ونعمى عين
فخرجت حتى انتهيت إلى الدير فإذا أنا برجل في فنائه جالس كأجمل ما يكون من الفتيان فسلمت فرد وساءلني فأخبرته من أنا وأين بت وما قالت لي المرأة فقال صدقت أنا رجل من قومك من آل الحارث بن حكيم ثم صاح ياقسطا فخرجت إليه نصرانية عليها ثياب حبر وزنانير ما رأيت قبلها مثلها ولا بعدها أحسن منها فقال هذه قسطا وتلك أروى وأنا الذي أقول
تبدلت قسطا بعد أروى وحبها
كذاك لعمري الحب يذهب بالحب
وبالإسناد قال ابن خلف وحدثني يزيد بن محمد قال أخبرني محمد بن سلام الجمحي قال أرادت عزة أن تعرف مالها عند كثير فتنكرت له ومرت به متعرضة فقام فاتبعها فكلمها فقالت له وأين حبك لعزة فقال أنا الفداء لك لو أن عزة أمة لي لوهبتها لك قالت ويحك لا تفعل قد بلغني أنها لك في صدق المودة ومحض المحبة والهوى على حسب الذي كنت تبدي لها من ذلك وأكثر وبعد فأين قولك
إذا وصلتنا خلة كي نزيلها
أبينا وقلنا الحاجية أول
فقال كثير بأبي أنت وأمي أقصري عن ذكرها واسمعي ما أقول لك
هل وصل عزة إلا وصل غانية
في وصل غانية من وصلها بدل
قالت فهل لك في المخالة قال لها فكيف لي بذلك قالت له فكيف بما قلته في عزة وسيرته إليها قال أقلبه فيتحول إليك ويصير لك
638
قال فسفرت عن وجهها عند ذلك وقالت أغدرا وانتكاثا يا فاسق وإنك لها هنا يا عدو الله قال فبهت وأبلس ولم ينطق وتحير وخجل
فقالت قاتل الله جميلا حيث يقول
لحى الله من لا ينفع الود عنده
ومن حبله إن مد غير متين
ومن هو ذو وجهين لي بدائم
على العهد حلاف بكل يمين
فأنشأ كثير بانخزال وحصر وإنكسار يعتذر إليها ويتنصل مما كان منه ويتمثل بقول جميل ويقال بل سرقه من جميل ونحله نفسه فقال
ألا ليتني قبل الذي قلت شيب لي
من المذعف القاضي وسم الذرارح
فمت ولم تعلم علي خيانة
ألا رب باغي الربح ليس برابح
فلا تحمليها واجعلهيا جناية
تروحت منها في مياحة مائح
أبوء بذنبي إنني قد ظلمتها
وإني بباقي سرها غير بائح
وروى الهيثم بن عدي عن ابن عباس قال طلق النمر بن تولب إمراة ثم جزع عليها حتى خيف على عقله ومكث أياما لا يطعم ولا ينام فلامه عشيرته وصبروه وذكروا له امرأة يقال لها دعد جميلة فتزوجها فشغلته عن ذكر امرأته الأولى وفيها يقول
أهيم بدعد ما حييت فإن أمت
فياحرتا ممن يهيم بها بعدي
وبلغنا أن رجلا قصد عمر بن أبي ربيعة فقال له قد قلت بيتين فأجزهما
سألت المحبين الذين تجشموا
أعاجيب هذا الحب في سالف الدهر
639
فقلت لهم
ما يذهب الحب بعدما
تمكن ما بين الجوانح والصدر
فمكث عمر أياما لا يقدر على إجازته فرأته وليدة له مهموما فسألته فأخبرها فخطرت ثم رجعت وهي تقول فقالوا
دواء الحب حب تفيده
من آخر أو نأي بعيد على الهجر
وإلا فيأس تصبر النفس بعدما
رجت أملا واليأس عون على الصبر
فقال فرجت عني
فصل ومن أدوية الظاهر كثرة الجماع وإن كان لغير المحبوب ووجه كونه
دواء أنه يقلل الحرارة التي منها ينتشر العشق وإذا ضعفت الحرارة الغريزية حصل الفتور وبرد القلب فحمد لهب العشق وقد قال ابن الرومي
وطأ من شيب يغنيك
عن الحسناء في الذروه
فصل ومن الأدوية عيادة المرضى وتشييع الجنائز وزيارة القبور والنظر
إلى الموتى والتفكر في الموت وما بعده فإن ذلك يطفئ نيران الهوى كما أن سماع الغناء واللهو يقويه فما هو كالضد يضعفه وكذلك مواصلة مجالس التذكر ومجالسه الزهاد وسماع أخبار الصالحين والمواعظ
وكل ذلك يخرج الإنسان عن غلبة الشهوة إلى حيز الحزن والفكر وذلك يضاد العشق
640
فصل وقد ذكر قوم أن المتنزهات المونقة والمسموعات المطربة تسلى وهذه
ربما زادت في عشق قوم فصول في معالجة الباطن
فصل أول علاج الباطن وأنجعه قطع الطمع باليأس وقوة العزم على قهر
الهوى فمتى تردد الأمر عند النفس أو ضعف العزم لم ينفع دواء أصلا
فصل ومن ذلك زجر الهمة الأبية عن مواقف الذل واكتساب الرذائل وحرمان
الفضائل فمن لم تكن له همة أبيه لم يكد يتخلص من هذه البلية فإن ذا الهمة يأنف أن يملك رقه شيء وما زال الهوى يذل أهل العز وقد سبق في كتابنا أن الرشيد عشق جارية وامتنعت عليه فقال
أرى ماء وبي عطش شديد
ولكن لا سبيل إلى الورود
أما يكفيك أنك تملكيني
وأن الناس كلهم عبيدي
وأنك لو قطعت يدي ورجلي
لقلت من الرضا أحسنت زيدي
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أبو بكر أحمد بن علي قال أنبأنا أبو نعيم الحافظ قال حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني قال حدثنا محمد بن موسى بن حماد البربري قال حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن صالح قال حدثنا علي بن صالح قال قال هارون الرشيد في ثلاث جوار
ملك الثلاث الغانيات عناني
وحللن من قلبي بكل مكان
641
مالي تطاوعني البرية كلها
وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى
وبه قوين أعز من سلطاني
وقد كان الهوى غلب الرشيد في حب جارية لعيسى بن جعفر فاحتال له أبو يوسف في تلخيصها وقد ذكرنا القصة آنفا قبل أوراق وكان يحب جارية أسمها جنان فيقول فيها الشعر فأزعج ليلة العباس بن الأحنف في منزله لأجل بيت قاله فيها
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أبو بكر الحافظ قال أنبأنا أبو الحسن محمد بن عبدالواحد قال أنبأنا محمد بن عبد الرحيم المازني قال حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال حدثنا أبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا عبد الله بن الربيع قال حدثنا صاحب لنا قال قال هارون الرشيد في الليل بيتا ورام أن يشفعه بآخر فلم يقدر وامتنع القول عليه فقال علي بالعباس ابن الأحنف فلما طرق ذعر وفزع أهله فلما وقف بين يدي الرشيد قال وجهت إليك لبيت قلته ورمت أن أشفعه بمثله فامتنع القول علي فقال يا أمير المؤمنين دعني حتى ترجع إلى نفسي فإني قد تركت عيالي على حال من القلق عظيمة ونالني من الخوف ما يتجاوز الحد والوصف
فانتظر هنية ثم أنشده البيت
جنان قد رأيناها
فلم نر مثلها بشرا
فقال العباس
يزيدك وجهها حسنا
إذا ما زدته نظرا
فقال له الرشيد زدني فقال
إذ ما الليل مال
عليك بالإظلام واعتكرا
642
ودع فما ترى قمرا
فأبرزها ترى القمرا
فقال له الرشيد قد ذعرناك وأفزعنا عيالك فالواجب أن نعطيك دينك فأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه
قال المصنف وقد روينا أن الرشيد عتب على بعض جواريه في أمر وكان يحبها حبا شديدا فحلف ألا يدخل حجرتها فلم تترضاه فقال
صدعني إذ رآني مفتتن
وأطال الصد لما أن فطن
كان مملوكي فأضحى مالكي
إن هذا من أعاجيب الزمن
ثم بعث إلى أبي العتاهية يأمره أن يجيزها فقال
عزة الحب أرته ذلتي
في هواه وله وجه حسن
فلهذا صرت مملوكا له
ولهذا شاع أمري وعلن
قال المصنف غفر الله له وهذا الذل لا يحتمله ذو أنفة فإن أهل الأنفة حملهم طلب علو القدر على قتل النفوس وإجهاد الأبدان في طلب المعالي ونحن نرى طالب العلم يسهر ويهجر اللذات أنفة من أن يقال له جاهل والمسافر يركب الأخطار لينال ما يرفع قدره من المال حتى إن رذالة الخلق ربما حملوا كثيرا من المشاق ليصير لهم قدر فهذا الساعي يتعب نفسه بالعدو ويصبر عن لذات الجماع لينال قدرا وقد قال القائل
وكل امرىء قاتل نفسه
على ان يقال له إنه
فأما من لا يأنف من الذل وينقاد لموافقة هواه فذاك خارج عن التميزين
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا الجوهري
643
والتنوخي والقزويني قالوا أنبأنا ابن حيويه قال أنبأنا ابن المرزبان قال أنبأنا أحمد بن الحارث قال حدثنا المدائني قال قال معاوية بن أبي سفيان لعمرو بن العاص ما ألذ الأشياء قال يا أمير المؤمنين مر أحذاق قريش فليقوموا فلما قاموا قال إسقاط المروءة يريد أن الرجل إذا لم تهمه مروءته فعل ما يهوى ولم يبال بلوم وهذه صفات البهائم فأما أرباب الأنفة فكما قال ابن المعتز
وإني وإن حنت إليك ضمائري
فما قدر حبي أن يذل له قدري
وقال أبو فراس
لقد ضل من تحوى هواه خريدة
وقد ذل من تقضي عليه كعاب
ولكنني والحمد لله حازم
أعز إذا ذلت لهن رقاب
ولا تملك الحسناء قلبي كله
ولو شملتها رقة وشباب
وأجرى ولا أعطى الهوى فضل مقودي
وأهفو ولا يخفى علي صواب
صبور ولو لم تبق مني بقية
قؤول ولو أن السيوف جواب
وقال عبد الواحد بن نصر الببغاء
سل الصبابة عني هل خلوت بمن
أهوى مع الشوق إلا والعفاف معي
لا صاحبتني نفس لو هممت بأن
أرمي بها لهوات الموات لم تطع
644
تأبى الدناءة لي نفس نفاستها
تسعى لغير الرضا بالري والشبع
بهمة ما أظن الحظ يدركها
إلا وقد جاوزت بي كل ممتنع وله
وقد رام هذا الحب أن يسترقني
فأنجدني صبر علي جميل وله
لا تحسبي أن نفسي كالنفوس إذا
حملتها في هواك الضيم تحتمل
وربما بعث التذكار نحوكم
دمعي فتنكره الأجفان والمقل
كوني كما شئت إن هجرا وإن صلة
فليس تنكر صبر البازل الإبل
كم ذقت للدهر خطبا أنت أيسره
فما ثنى عطف حلمي الحادث الجلل وله
سواي الذي ترمي المطامع نبله
وغيره من بالحرص يسهل ذله
ولو كنت ممن تقبل الضيم نفسه
لجنبت هجري من مني النفس وصله
هوى سمت قلبي أن يطاوع حكمه
فبادرني قبل العواذل عذله
توهمني كالعاشقين يروعني
تجنبه أو يغتال جدي هزله
وإني لألقاه بسلوة زاهد
وفي يده عقد الفؤاد وحله
أصارف طرفي في تأمل حسنه
وأسخط ما يرضى سواي أقله
645
ولا خير فيمن يملك الحب رأيه
وإن ملك القلب المتيم حبله
ولأبي علي بن الشبل
وآنف أن تعتاق قلبي خريدة
بلحظ وأن يروى صداي رضاب
وللقلب مني زاجر من مروءة
يجنبه طرق الهوى فيجاب
ولمنصور بن الهروي
خلقت أبي النفس لا أتبع الهوى
ولا أستقي إلا من المشرب الأصفى
ولا أحمل الأثقال في طلب الغنى
ولا أبتغي معروف من سامني خسفا
ولا أتحرى العز فميا يذلني
ولا أخطب الأعمال كي لا أرى صرفا
ولست على طبع الذباب متى يذد
عن الشيء يسقط فيه وهو يرى الحتفا
وله كفى حزنا أن زارني من أحبه
فأعرضت عنه لا ملالا ولا بغضا
ولكن نفسي عنه نفس أبية
إذا لم تنل كل المنى ردت البعضا
فصل ومما يذل العشاق تجني المحبوب والتجني يحصد المحبة في القلوب
التي لها أنفة قال الأعشى
أرى سفها بالمرء تعليق قلبه
بغانية خود متى يدن تبعد
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أخبرني علي بن أيوب القمى قال أنبأنا أبو عبيد الله المرزباني قال أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني علي بن محمد بن نصر بن بسام قال حدثني خالي أحمد بن
646
حمدون الكاتب قال كان بين الواثق وبعض جواريه شر فخرج كسلان فلم أزل أنا والفتح بن خاقان نحتال لنشاطه فرآني أضاحك الفتح بن خاقان فقال قاتل الله العباس بن الأحنف حيث يقول
عدل من الله أبكاني وأضحككم
فالحمد لله عدل كل ما صنعا
اليوم أبكى على قلبي وأندبه
قلب ألح عليه الحب فانصدعا
للحب في كل عضو لي على حدة
نوع تفرق عنه الصبر واجتمعا
وقال ابن الدمينة
أما والله ثم الله حقا
يمينا ثم أتبعها يمينا
لقد نزلت أميمة من فؤادي
تلاعا ما أبحن ولا رعينا
ولكن الخليل إذا جفانا
وآثر بالمودة آخرينا
صددت تكرما عنه بنفسي
وإن كان الفؤاد به ضنينا
فصل ومن الأنفة الأنفة من حب من طبعه الغدر وهذا أجل طباع النساء وقد
ذكرنا في غضون كتابنا من غدرهن طرفا ومن ذلك ما ذكرناه في باب الحيل والمخاطرات في قصة لقمان بن عاد وذكرناه في باب من قتل معشوقة وغير ذلك وقد قال الحكماء لا تثق بامرأة وقال الشاعر
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها
ومن عهدها أن لا يدوم لها عهد
أنشدنا علي بن عبيد الله قال أنشدنا أبو محمد التميمي
647
أفق يا فؤادي من غرامك واستمع
مقالة محزون عليك شفيق
علقت فتاة قلبها متعلق
بغيرك فاستوثقت غير وثيق
وأصبحت موثوقا وراحت طليقة
فكم بين موثوق وبين طليق
فصل ومما يداوى به الباطن أن يعلم الإنسان أن زوجته المحبوبة إن مات
عنها مالت إلى غيره ونسيته أسرع شيء وإن كانت تحبه لأنه لا وفاء للنساء
أنبأنا الحسين بن محمد الدباس قال أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة قال أنبأنا أبو طاهر المخلص قال أنبأنا أحمد بن سليمان بن داود الطوسي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك الخزامي عن أبيه وأحمد بن عبيد الله عن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير ويزيد أحدهما على صاحبه قال تزوج عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما عاتكة بنت زيد بن عمرو ابن نفيل وكانت حسناء جملاء ذات خلق بارع فشغلته عن مغازيه فأمره أبوه بطلاقها وقال إنها قد شغلتك عن مغازيك فقال
يقولون طلقها وخيم مكانها
مقيما عليك الهم أحلام نائم
وإن فراقي أهل بيت جمعتهم
على كبر مني لإحدى العظائم
ثم طلقها فمر به أبوه وهو يقول
لم أر مثلي طلق العام مثلها
ولا مثلها في غير جرم تطلق
لها خلق جزل ورأى ومنصب
وخلق سوى في الحياة ومصدق
فرق له أبوه فراجعها ثم شهد مع النبي A غزوة الطائف فأصابه سهم فمات بعد بالمدينة فقالت عاتكة تبكيه
648
رزئت بخير الناس بعد نبيهم
وبعد أبي بكر وما كان قصرا
فآليت لا تنفك عيني حزينة
عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتى
أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضها
إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا
ثم تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأولم وكان فيمن دعا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقال يا أمير المؤمنين دعني أكلم عاتكة فقال كلمها يا أبا الحسن فأخذ علي عليه السلام بجانب الخدر ثم قال يا عدية نفسها
فآليت لا تنفك عيني قريرة
عليك ولا ينفك جلدي أصفرا
فبكت فقال عمر ما دعاك إلى هذا يا أبا الحسن كل النساء يفعلن هذا ثم قتل عنها ثم تزوجها الزبير فكانت تخرج إلى المسجد وكان يكره خروجها ويتحرج من منعها فخرجت ليلة إلى المسجد وخرج الزبير فسبقها إلى مكان مظلم من طريقها فلما مرت به وضع يده على بعض جسدها فرجعت تنشج ثم لم تخرج بعد ذلك فقال لها الزبير مالك لا تخرجين إلى المسجد كما كنت تفعلين فقالت فسد الناس فقال أنا فعلت ذلك فقالت أليس غيرك يقدر أن يفعل مثله ولم تخرج حتى قتل عنها الزبير
وبالإسناد قال حدثنا الزبير بن بكار قال كان الحسن بن الحسن خطب إلى عمه الحسين بن علي فقال له الحسين يا ابن أخي قد انتظرت هذا منك انطلق معي
فخرج به حتى أدخله منزله ثم أخرج إليه ابنته فاطمة وسكينة رضي الله عنهما فقال اختر فاختار فاطمة فزوجه إياها فكان يقال فلما حضرت الحسن الوفاة قال لفاطمة إنك امرأة مرغوب فيك فكأني بعبد الله بن عمرو
649
ابن عثمان إذا خرج بجنازتي قد جاء على فرس مرجلا جبينه لا بسا حلته يسير في جانب الناس يتعرض لك فانكحي من شئت سواه فإني لا أدع من الدنيا ورائي هما غيرك
فقالت له آمن من ذلك واثلجته بالأيمان من العتق والصدقة لا تتزوجه
ومات الحسن بن الحسن وخرج بجنازته فوافاه عبد الله بن عمرو بن عثمان في الحال التي وصف الحسن وكان يقال لعبد الله بن عمرو بن عثمان المطرف من حسنه فنظر إلى فاطمة حاسرة تضرب وجهها فأرسل إليها إن لنا في وجهك حاجة فارفقي به
فاسترخت يداها وعرف ذلك فيها وخمرت وجهها فلما حلت أرسل إليها فخطبها فقالت كيف يميني التي حلفت بها قال فأرسل إليها مكان كل مملوك مملوكين ومكان كل شيء فعوضها من يمينها فنكحته فولدت له محمدا الديباج والقاسم
قال الزبير وحدثني مصعب بن عبد الله قال زعموا أن حمزة بن عبد الله ابن الزبير نظر إلى فاطمة بنت القاسم تبكي عند رأسه وهو يموت فقال لها أما والله فكأني بالأعيرج طلحة بن عمر قد أرسل إليك إذا حللت فتزوجينه
قالت كل مملوك لها حرة وكل شيء لها في سبيل الله تعالى إن تزوجته أبدا
فلما حلت أرسل إليها طلحة بن عمر إني قد علمت يمينك ولك بكل شيء شيئان فأصدقها ثلاثمائة ألف درهم فتزوجته فولدت له إبراهيم ورملة
قال الزبير وحدثني عمر بن أبي بكر الموصلي عن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري قال كانت أم هشام بنت عثمان بن عبد الله عند عبد الرحمن بن عمر بن سهل العامري وكان عبد الله بن عكرمة بن عبد الرحمن المخزومي صديقا له فقال
650
فدخلت عليه وهو يموت فإذا هو شكع فقلت له ما يشكعك يا أخي أمن الموت تشكع قال والله ما ذاك يشكعني ولكني أخاف أن تزوج أم هشام عمر بن عبد العزيز وعمر إذ ذاك وال على المدينة
قال وستر في البيت فسمعت حركة فيه فما كان بأوشك من أن كشف الستر وإذا جوار قد قمن بين المرأة ثم قالت قد سمعت مقالتك يا بن عمر والذي يشغلك واستغلظت في اليمين بالنذر وكل شيء لها في سبيل الله عز وجل وعتق ما تملك إن تزوجته فطب نفسا فقال الحمد لله ما أبالي متى جاءني الموت
قال عبد الله بن عكرمة فخرجت إلى المنزل فوالله ما بلغت حتى سمعت الصياح وجاءني الرسول أن أدرك أخاك فقد مات
قال فجئته فقمنا إلى حاجته فرمح به الظهر وأم هشام في الناس ليس لي همة إلا أنظر كيف تصنع هي وعمر
فلما كنا على القبر التفت عمر إلى المأتم فإذا امرأة قد راقت النساء طولا وجمالا وهي تضرب على خديها ضربا شديدا فقال من هذه فقيل ابن خالتك أيها الأمير أم هشام بنت عثمان فأرسل أبقي في خديك فإن لنا فيهما حاجة
قال فأتى الخصى فكلمها فنظرت إلى يديها وقد استرختا فلم يكن إلا أن حلت فأخلف عليها ما حلفت به وأرغبها وتزوجها
وبلغني ذلك فكتبت إليها أذكرها ما كان بلغنا من غدر النساء وأنا كنا بين مصدق ومكذب حتى بان لي ذلك فيها وتمثلت لها
651
إن لقيت خيرا فلا يهنها
وإن عثرت فلليدين وللفم
فكتبت إلي قد فهمت كتابك وإني لم أجد لي مثلا إلا ما قال أرطاة ابن شهبة
كأين ترى من ذات شجو ولوعة
طوت كشحها بعد الحنين المرجع
وقال المتوكل الليثي فيما يتعلق بالسلو عن النساء لغدرهن
وكنا ارتقينا في صعود من الهوى
فلما ارتقيناه ثبت وزلت
وكنا عقدنا عقدة الوصل بيننا
فلما تواثقنا عقدت وحلت
فإن سأل الواشون فيم صرمتها
فقل نفس حر سليت فتسلت
وقد حكى أن جعفر بن قدامة قال كانت لموسى الهادي جارية يقال لها غادر من أحسن الناس وجها وعينا وكان يحبها حبا شديدا فبينا هي تغنيه يوما عرض له فكر وسهو وتغير لونه فسأله من حضر عن ذلك فقال وقع في فكري أني أموت وأن أخي هرون يلي مكاني ويتزوج جاريتي هذه فقيل له يعذك الله ويقدم الكل بين يديك قبلك فأمر بإحضار أخيه وعرفه ما خطر له فأجابه بما يوجب زوال الخاطر فقال لا أرضى حتى تحلف لي أني متى مت لم تتزوجها فاستوفى عليه الأيمان من الحج راجلا وطلاق الزوجات وعتق المماليك وتسبيل ما يملكه ثم نهض إليها فاحلفها بمثل ذلك فما لبث إلا نحو شهر حتى توفي فبعث هرون يخطب الجارية فقالت كيف يميني ويمينك فقال أكفر عن الكل وأحج راجلا
فتزوجها وزاد شغفه بها على شغف أخيه أنها كانت تضع رأسها في حجرة وتنام فلا يتحرك حتى تنتبه فبينا هي ذات يوم على ذلك انتبهت مرعوبة فزعة فسألها عن ذلك فقالت رأيت أخاك الساعة وهو يقول
652
أخلفت وعدي بعدما
جاورت سكان المقابر
ونسيتني وحنثت في
أيمانك الكذب الفواجر
ونكحت غادرة أخي
صدق الذي سماك غادر
أمسيت في أهل البلى
وغدوت في الحور الغرائر
لا يهنك الإلف الجديد
ولا تدر عنك الدوائر
ولحقت بي قبل الصباح
وصرت حيث غدوت صائر
والله يا أمير المؤمنين لكأني أسمعهما وكأنما كتبتهما في قلبي فما أنسيت منهما كلمة فقال له الرشيد أضغاث أحلام فقالت كلا ثم لم تزل تضطرب بين يديه وترعد حتى ماتت
فصل ومما يداوى به الباطن أن تفكر فتعلم أن محبوبك ليس كما في نفسك
فأعمل فكرك في عيوبه تسل فإن الآدمي محشو بالأنجاس والأقذار وإنما يرى العاشق معشوقة في حال الكمال ولا يصور له الهوى عيبا لأن الحقائق لا تنكشف إلا مع الاعتدال وسلطان الهوى حاكم جائر يغطي المعايب فيرى العاشق القبيح من معشوقه حسنا
أخبرنا أبو المعمر الأنصاري قال أنبأنا صاعد بن سيار قال أنبأنا أحمد بن أبي سهل الغورجي قال أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الحافظ إجازة قال حدثني علي بن أحمد الوزان قال حدثنا الحسن بن أبي الحسن قال حدثنا أبو بكر
653
محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا عبد الله بن محمد اليزيدي قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن عمه قال قال لي الرشيد ما حد العشق وصفته فقلت أن تكون ريح البصل من المعشوق أطيب عند العاشق من ريح المسك مع غيره وقال الحكماء عين الهوى عوراء
بهذا السبب يعرض الإنسان عن زوجته ويؤثر عليها الأجنبية وقد تكون الزوجة أحسن والسبب في ذلك أن عيوب الأجنبية لم تبن له وقد تكشفها المخالطة ولهذا إذا خالط هذه المحبوبة الجديدة وكشفت له المخالطة ما كان مستورا مل وطلب أخرى إلى ما لا نهاية له
وقد بلغنا عن المتوكل أنه خرج يوما واجما فسأله وزيره عن حاله فقال في الدار عشرون ومائة جارية ما فيهن من تطلبها نفسي
قال المصنف فاستعمال الفكر في بدن الآدمي وما يحوي من القذارة وما تستر الثياب من المستقبح يهون العشق ولهذا قال ابن مسعود إذا أعجبت أحدكم أمراة فليذكر مناتنها
وقال بعض الحكماء من وجد ريحا كريهة من محبوبة سلاه وكفى بالفكر في هذا الأمر دفعا للعشق المقلق
ولقد بلغنا أن رجلا عشق امرأة فمد يده إليها مع طيش فقالت له تأمل أمرك أتدري ما تريد أن تصنع إنما تريد أن تبول في بالوعة لو شاهدت داخلها لوجدته أنتن من الكنيف فبرد وسكن ولم يعاود
وقال أبو نصر بن نباتة
ما كنت أعرف عيب من أحببته
حتى سلوت فصرت لا أشتاق
وإذا أفاق الوجد واندمل الهوى
رأت القلوب ولم تر الأحداق
654
فصل ولهذا المعنى الذي أشرت إليه شكا خلق من العشاق معشوقهم وملوهم
وأعرضوا عنهم وما كان السبب إلا أن المخالطة أظهرت المعايب الآدمية فنفروا عنهم ومضى ما مضى من القلق ووهن الجاه مجانا
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبأنا أبو موسى السراج قال أنبأنا عبد الله بن عمر بن أحمد قال حدثنا أبي قال حدثنا الحسين بن أحمد بن صدقة قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا ابو معمر قال أملي علينا سفيان بن عيينة عن يحيى بن يحيى الغساني قال سمعت عروة يحدث أن عبد الرحمن ابن أبي بكر خرج في نفر من قريش إلى الشام يمتارون منه فمروا بإمرأة يقال لها ليلى فذكر من جمالها فرجع وقد وقع منها في قلبه شيء وهو يشبب ويقول
تذكرت ليلى والسماوة بيننا
وما لابنة الجودي ليلى وماليا
زادنا مصعب بيتين من الشعر ليس من حديث ابن عيينة
وأني تعاطى قلبه حارثية
تدمن بصري أو تحل الجوانيا
وأني تلاقيها بلى ولعلها
إن الناس حجوا قابلا أن تلاقيا
ثم رجع إلى حديث سفيان قال فلما كان زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه افتتح خالد بن الوليد الشام فصارت إليه
أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال أنبأنا أبو جعفر بن المسلمة قال أنبأنا أبو طاهر المخلص قال أنبأنا أحمد بن سلمان بن داود قال أنبأنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك الخزامي عن أبيه أن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قدم الشام في تجارة فرأى هناك امرأة يقال لها ابنة الجودي على طنفسة لها ولائد فأعجبته فقال فيها
تذكرت ليلى والسماوة بيننا
وما لابنة الجودي ليلى وماليا
وأني تعاطى ذكره حارثية
تدمن بصرى أو تحل الجوانيا
655
وأنى تلاقيها بلى ولعلها
إن الناس حجوا قابلا أن نلاقيا
قال فلما بعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشه إلى الشام قال لصاحب الجيش إن ظفرت بليلى ابنة الجودي عنوة فادفعها إلى عبد الرحمن بن أبي بكر
فظفر بها فدفعها إلى عبد الرحمن فأعجب بها وآثرها على نسائه حتى شكونه إلى عائشة رضي الله عنها فعاتبته على ذلك فقال والله كأني أرشف بأنيابها حب الرمان فأصابها وجع سقط له فوها فجفاها حتى شكته إلى عائشة فقالت له عائشة رضي الله عنها لقد أحببت ليلى فأفرطت وأبغضتها فأفرطت فإما أن تنصفها وإما أن تجهزها إلى أهلها فجهزها إلى أهلها
قال وحدثني عبد الله بن نافع الصائغ عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفل عبدالرحمن ابن أبي بكر ليلى بنت الجودي حين فتح دمشق وكانت بنت مالك دمشق ومما يروى لعبد الرحمن في ليلى بنت الجودي
بابنة الجودي قلبي لبث
مستهام عندها ما يؤوب
جاورت أخوا لها حي عك
فلعلك من فؤادي نصيب
ولقد لاموا فقلت ذروني
إن من تلحون فيها الحبيب
غصن بان ماخلا الخصر منها
ثم ما أسفل ذاك كثيب
قالت عائشة رضي الله عنها كنت أعاتبه في كثرة محبته لها ثم صرت أعاتبه في إساءته إليها حتى ردها إلى أهلها
حدثني محمد بن أبي نعيم البلخي قل حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم النحوي أن يزيد بن عبد الملك بعث إلى الضحاك عامل المدينة ابعث إلي الأحوص بن محمد الأنصاري ومعبدا المغنى فخرجا يقصدان المنازل ويقيمان فيها يستلذا حتى نزلا على غدير ماء وروضة خضراء ببلد أفيح وبه رجل من بني مخزوم في قصر له حتى نزلا البلقاء وهي أرض الشام فأصابهما مطر من الليل وأصبحت الغدر مملوءة فقال
656
الأحوص لو أقمنا اليوم فتغدينا على هذه الغدر ففعلا ورفع لهما قصر فلما أكلا ووضعنا شرابهما فتح باب القصر فخرجت جارية بيضاء من أشد الناس بياضا وأحسنهم شعرا في يدها جرة فوردت الغدير بتلك الجرة فاستقت من ذلك الماء حتى إذا كانت على خمس أو نحوها ألقت الجرة فكسرتها وقعدت فاندفعت تغني بحذق
يا بيت عاتكة التي أتغزل
حذر العدى وبه الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني
قسما إليك مع الصدود لأميل
فقال معبد غنائي والله وقال الأحوص شعري والله فلما سمعا ذلك منها قاما إليها فسلما عليها وسألاها إعادة الصوت فأعادته فقالا لها من أين أنت فقالت مكية كنت لآل الوليد فحج هذا المخزومي الذي أنا عنده فابتاعني من أهلي بخمسين ألف درهم فنزلت من قلبه أحسن منزلة إذا طرقت عليه ابنة عم له فنزلت أحسن المنازل وعلا مكانها فلم يزدها إلا ارتفاعا ولم يزدني إلا اتضاعا حتى بلغت منزلتها أن قالت لست براضية حتى تأمرها تستقي الماء من الغدير كل يوم جرتين ففعل فأنا إذا ذكرت ما كنت فيه من النعمة كسرت الجرة وإذا اعترفت بالملكة أديت إليهم جرتهم مملوءة
حدثني بعض إخواني عن صديق له أنه عشق أمراة كانت في نهاية الحسن والجمال وأنه كان يخاطر بنفسه ليجتمع بها
قال فقال لي يوما والله لو اجتمعت بها ثم قدمت فضربت عنقي ما باليت ثم إنه تزوجها فمضى عليه قليل ثم طلقها
قال فمررت يوما أنا وهو في بعض الطريق بحمأة منتنة فقال لي يا فلان والله إن فلانة اليوم أقبح عندي حالا من هذه الحمأة
657
فصل وقد يقع السلو بالشيء الذي لا يظن مثل أن يحب الإنسان المرأة
فإذا بها نسبة لصديق من أصدقائه فيحتشم ذلك فيسلوها أخبرنا محمد بن أبي القاسم قال أنبأنا محمد بن أبي نصر الحميدي قال أخبرنا أبو محمد علي بن أحمد قال أخبرني أبو بكر محمد بن إسحاق المهلبي عن بعض إخوانه وأظنه أبا الوليد ابن الفرضي عن أبي عمر يوسف بن هارون قال خرجت يوما لصلاة الجمعة فتجاوزت نهر قرطبة متفرجا إلى رياض بني مروان فإذ جارية لم أر أجمل منها فسلمت عليها فردت ثم جاريتها فرأيت أدبا بارعا فأخذت بمجامع قلبي فقلت سألتك بالله أحرة أم أمة فقالت بل أمة فقلت ما اسمك فقالت حلوة فلما قرب وقت الصلاة انصرفت فجعلت أقفو أثرها فلما بلغت رأس القنطرة قالت إما أن تتقدم وإما أن تتأخر فلست والله أخطو خطوة وأنت معي فقلت لها فما ثمنك إن باعك من أنت له قالت ثلاثمائة دينار
قال فخرجت جمعة أخرى فوجدتها على العادة فازداد كلفي بها فرحلت إلى عبد الرحمن التجيبي صاحب سرقسطة فمدحته بالقصيدة الميمية المشهورة فيه ن وذكرت في تشبيبها حلوة وحدثته مع ذلك بحديثي فوصلني بثلاثمائة دينار ذهبا سوى ما زودني من نفقة الطريق مقبلا وراجعا
وعدت إلى نهر قرطبة فلزمت الرياض جمعا لا أرى لها أثرا وقد انطبقت سمائي على أرضي وضاق صدري إلى أن دعاني يوما رجل من إخواني فدخلت داره وأجلسني في صدر مجلسه ثم قام إلى بعض شأنه فلم أشعر إلا بالستارة المقابلة لي وإذا بها قد رفعت وإذا بها فقلت حلوة فقالت نعم فقلت أنت مملوكته فقالت لا والله ولكني أخته
658
قال فكأن الله تعالى محا حبها من قلبي وقمت من فوري فاعتذرت إلى صاحب المنزل بعارض طرقني وانصرفت وأول قصيدته
قفوا تشهدوا بثي وإنكار لائمي
علي بكائي في الرسوم الطواسم
أيأمن أن يغدو حريقا تنفسي
وإلا غريقا في الدموع السواجم
خذوا رأيه إن كان يتبع كل من
ينوح على ألافه بالملاوم
فهذا حمام الأيك يبكي هديله
بكائي فليفزع للوم الحمائم
وما هي إلا فرقة تبعث الأسى
إذا نزلت بالناس أو بالبهائم
جلا ناظري من نومه بعد خلوه
متى كان مني النوم ضربة لازم
ومن شعره
قالوا اصطبر وهو شيء لست أعرفه
من ليس يعرف صبرا كيف يصطبر
أوص الخلى بأن يغضى الملاحظ عن
غر الوجوه ففي إعمالها غرر
وفائق الحسن قتال الهوى نظرت
عيني إليه فكان الموت والنظر
ثم انتصرت بعيني وهي قاتلتي
ماذا تريد بقلبي حين تنتصر
يا شقة النفس وأصلها بشقتها
فإنا أنفس الأعداء تهتجر
ظلمتني ثم إني جئت معتذرا
يكفيك أني مظلوم ومعتذر
فصل ومما يداوي به الباطن تصوير فقد المحبوب إما بموته أو بفراق يحدث
عن غير اختيار أو بنوع ملل أو بتغير حليته فيزول ما أوجب المحن الزائدة على الحد التي خسر بها المحب جاه الدين والدنيا وكم ممن مات في تلك الحال
وقد حكى أن بعض الحكماء قال لغلام له وكان قد عشق جارية يا فلان لا بد من فراق هذه قال لا بد قال فاستعجله واربح ما بينهما
659
وقال كثير
أفق قد أفاق العاشقون وفارقوا الهوى واستمرت بالرجال المرائر
وهبها كشيء لم يكن أو كنازح
به الدار أو من غيبته المقابر
ومتى صور الإنسان مثل هذه الأشياء وتلمح عواقبها بفكره سهل عليه علاج ما في قلبه ومتى مر على وجهه في استلذاذ عشقه هجم عليه من المحن ما يربى على لذته وربما كان سبب هلكته
أخبرنا المبارك بن علي قال أنبأنا ابن العلاف قال أنبأنا عبد الملك بن بشران قال حدثنا أحمد بن إبراهيم قال أنبأنا محمد بن جعفر قال حدثنا علي بن الأعرابي قال حدثنا علي بن عمروس أن يزيد بن عبد الملك دخل يوما بعد موت حبابة وكان لها عاشقا إلى خزانتها ومقاصيرها فطاف بها ومعه جارية من جواريها فتمثلت الجارية
كفي حزنا بالواله الصب أن يرى
منازل من يهوى معطلة قفرا
فصاح صيحة وخر مغشيا عليه فلم يفق إلى أن مضى من الليل هوى فلم يزل باقي ليلته باكيا فلما كان اليوم الثاني وقد انفرد في بيت يبكي عليها جاءوا إليه فوجدوه ميتا
أخبرتنا شهدة بنت أحمد قالت أنبانا جعفر بن أحمد قال حدث أبو علي ابن شاذان قال حدثني أحمد بن سليمان الطوسي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني هرون بن موسى قال حدثني موسى بن جعفر أن يزيد بن عبد الملك بينا هو مع حبابة أسر الناس بها حذفها بحبة رمان أو بعنبة وهي تضحك فوقعت في فيها فشرقت فماتت فأقامت عنده في البيت حتى جيفت أو كادت تجيف ثم خرج فدفنها فأقام أياما ثم خرج حتى وقف على قبرها فقال
فإن تسل عنك النفس أو تدع الصبا
فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد
ثم رجع فما خرج من منزله حتى خرج بنعشه
660
أنبأنا عبد الوهاب الحافظ قال أنبأنا أبو الحسين بن عبدالجبار قال أنبأنا أحمد بن علي التوزي قال أنبأنا عمر بن ثابت قال أنبأنا أبو الحسن بن أبي قيس قال حدثنا عبد الله بن محمد القرشي قال حدثني محمد بن صالح القرشي قال حدثني محمد بن الخطاب الأزدي قال أنبأنا الوليد بن سلمة القاضي عن أبي شراعة حميد بن هارون الكندي قال حدثني يحيى بن أسقوط الكندي قال ماتت حبابة فأحزنت يزيد بن عبد الملك فخرج في جنازتها فلم تقله رجلاه فأقام وأمر مسلمة فصلى عليها ثم لم يلبث بعدها إلا يسيرا حتى مات
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا علي بن أيوب القمى قال أنبأنا محمد بن عمران المرزباني قال حدثنا أبو عبد الله الحكيمي قال حدثنا يموت بن المزرع قال حدثنا أبو هفان قال كان لأبي دلف العجلي جارية تسمى جنان وكان يعشقها وكان لفرط فتونه وظرفه يسميها صديقتي فمن قوله فيها
أحبك يا جنان وأنت مني
مكان الروح من جسد الجبان
ولو أني أقول مكان روحي
خشيت عليك بادرة الزمان
وإقدامي إذا ما الخيل كرت
وهاب كماتها حر الطعان
قال أبو هفان ثم ماتت فرثاها بمراث حسان
أخبرنا أبو منصور القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي الحافظ قال أنبأنا الحسن ابن علي الجوهري قال أنبأنا محمد بن عمران المرزباني قال أنبأنا أحمد بن محمد ابن عيسى المكي قال حدثنا محمد بن القاسم بن جلاد قال حدثنا الأصمعي قال كان الرشيد شديد الحب لهيلانة وكانت قبله ليحيى بن خالد فدخل يوما إلى يحيى قبل الخلافة فلقيته في ممر فأخذت بكمه فقالت نحن لا يصيبنا منك
661
يوم فقال لها بلى فكيف السبيل إلى ذلك فقالت تأخذني من هذا الشيخ فقال ليحيى أحب أن تهب لي فلانة فوهبها له حتى غلبت عليه وكانت تكثر أن تقول هي الآنة فسماها هيلانة فأقامت عنده ثلاث سنين ثم ماتت فوجد عليها وجدا شديدا
وأنشد قد قلت لما ضمنوك الثرى
وجالت الحسرة في صدري
اذهب فوالله ما سرني
بعدك شيء آخر الدهر
أخبرنا أبو منصور قال أنبأنا أحمد بن علي قال أنبأنا محمد بن علي الأصبهاني قال أنبأنا أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري عن محمد بن أبي يحيى الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثنا محمد بن عبد الرحمن قال لما توفيت هيلانة جارية الرشيد أمر العباس بن الأحنف أن يرثيها فقال
يا من تباشرت القلوب بموتها
قصد الزمان مساءتي فرماك
أبغي الأنيس فلا أرى لي مؤنسا
إلا التردد حيث كنت أراك
ملك بكاك وطال بعدك حزنه
لو يستطيع بملكه لفداك
يحمى الفؤاد عن النساء حفيظة
كيلا يحل حمى الفؤاد سواك
فأمر له بأربعين ألف درهم لكل بيت عشرة آلاف درهم وقال لو زدتنا لزدناك
فصل ومن أدوية الباطن أن يصور الإنسان أنقضاء غرضه أو يمثل غيره في
مقامه ثم يتلمح عواقب الحال أفترى يوسف عليه السلام لو زل من كان يكون أو لم يبق مدحه لصبره أبد الدهر أفترى ما سمعت بما عز ولا شك أنه في القيمة معروف وإن كانت التوبة قد غمرت ذنبه
662
ولكن تلمح أنت عواقب من صبر ومن لم يصبر وأعمل فكرك في الحالتين لعل هذه العبرة تخرق حجاب الهوى فتدخل على القلب بغير إذن فتكشف هذه الغمة فالعاقل من وزن ما يحتوي عليه العشق من لذة ونغصة فنغصه كثيرة وأذاه شديد وهو على الحقيقة يهين النفس التي لا قيمة لها وغالب لذاته محرم ثم هي مشوبة بالغموم والهموم وخوف الفراق وفضيحة الدنيا وحسرات الآخرة فيعلم الموازن بين الأمرين أن اللذة مغمورة في جنب الأذى قال الببغاء
وأفضل الناس من لم يرتكب سببا
حتى يميز ما تجنى عواقبه
وقال المتنبي
مما أضر بأهل العشق أنهم
هووا وما عرفوا الدنيا ولا فطنوا
تفنى عيونهم دمعا وأنفسهم
في إثر كل قبيح وجهه حسن
تحملوا حملتكم كل ناجية
فكل بين علي اليوم مؤتمن
ما في هوادجكم من مهجتي عوض
إن مت شوقا ولا فيها لها ثمن
سهرت بعد رحيلي وحشة لكم
ثم استمر مريري وارعوى الوسن
فصل ومن أدوية الباطن أن يعلم أن الابتلاء لظهور جواهر الرجال
فربما كان ابتلاؤك لينظر إلى صبرك فإن صبرت فربما نقلك إلى محبته
663
قال أبو طالب المكي قال مريد لأستاذه قد طولعت بشيء من المحبة قالت يا بني هل ابتلاك بمحبوب سواه فآثرته عليه قال لا قال فلا تطمع في المحبة فإنه لا يعطيها عبدا حتى يبتليه وقد قال الشافعي لا يكون التمكين إلا بعد المحبة فإذا امتحن الإنسان فصبر مكن ألا ترى أن الله تعالى امتحن إبراهيم ثم مكنه وامتحن أيوب ثم مكن له فقال
وآتيناه أهله ومثلهم معهم قلت فمن نظر في هذا فليعلم أن مدة هذا البلاء خطوات في ميدان معاملة ويا قرب النهاية فليصابر هجير الصبر فما أسرع انقضاء اليوم وليحذر من الخسران في موسم البلاء فربما ذهب أصل البضاعة وليتخايل عند صبره خيلاء فخره فليزه بها فما يوازن صبره عمل عابد ولا زهد زاهد وربما نظر إليه في تلك الحالة نظرة رضا كانت غنى الأبد وهذا كله في الصدمة الأولى فإنه ربما وقع ملل أو سلو
فصل ومن أدوية الباطن أن يتفكر الإنسان فيما يفوته تشاغله بالمعشوق>
وامتحن سليمان ثم آتاه ملكا وكذلك يوسف عليه السلام
قلت فمن نظر في هذا فليعلم أن مدة هذا البلاء خطوات في ميدان معاملة ويا قرب النهاية فليصابر هجير الصبر فما أسرع انقضاء اليوم وليحذر من الخسران في موسم البلاء فربما ذهب أصل البضاعة وليتخايل عند صبره خيلاء فخره فليزه بها فما يوازن صبره عمل عابد ولا زهد زاهد وربما نظر إليه في تلك الحالة نظرة رضا كانت غنى الأبد وهذا كله في الصدمة الأولى فإنه ربما وقع ملل أو سلو
فصل ومن أدوية الباطن أن يتفكر الإنسان فيما يفوته تشاغله بالمعشوق
من الفضائل فإن أرباب اليقظة عشقهم للفضائل من العلوم والفقة والصيانة والكرم وغير ذلك من الخلال الممدوحة أوفى من ميلهم إلى شهوات الحس لأن شهوات الحس حظ النفس وتلك الخلال حظ العقل والنفس الناطقة الفاضلة إلى ما يؤثره العقل أميل وإن جرها الطبع إلى الشهوات الحسيات
ومن أعجب ما نقل إلينا من ذلك ما أخبرنا به أبو منصور القزاز قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا القاضي أبو العلاء الواسطي قال قال محمد بن جعفر التميمي حدثت عن أبي بكر بن الأنباري أنه مضى يوما في النخاسين وجارية
664
تعرض حسنة كاملة الوصف قال فوقعت في قلبي ثم مضيت إلى دار أمير المؤمنين الراضي فقال لي أين كنت إلى الساعة فعرفته فأمر بعض أسبابه فمضى فاشتراها وحملها إلى منزلي فجئت فوجدتها فعلمت الأمر كيف جرى فقلت لها كوني فوق إلى أن أستبرئك وكنت أطلب مسألة قد اختلت علي فاشتغل قلبي فقلت للخادم خذها وامض بها إلى النخاس فليس قدرها أن تشغل قلبي عن علمي
فأخذها الغلام فقالت دعني أكلمه بحرفين فقالت أنت رجل لك محل وعقل وغذا أخرجتني ولم تبين لي ذنبي لم آمن أن يظن الناس بي ظنا قبيحا فعرفنيه قبل أن تخرجني فقلت لها مالك عندي عيب غير أنك شغلتني عن علمي فقالت هذا أسهل عندي
قال فبلغ الراضي أمره فقال لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى منه في صدر هذا الرجل قال محمد بن جعفر وحدثني عنه أبو الحسن العروضي قال اجتمعت أنا وهو عند الراضي على الطعام وكان قد غرف الطباخ ما يأكل أبو بكر فكان يشوي له قلية يابسة فأكلنا نحن من ألوان الطعام وأطيابه وهو يعالج تلك القلية ثم فرغنا وأتينا بحلواء فلم يأكل منها وقام وقمنا إلى الخيش فنام بين الخيشين ونمنا نحن في خيش ننافس فيه فلم يشرب ماء إلى العصر فلما كان بعد العصر قال لغلام الوظيفة فجاءه بماء من الحب وترك الماء المزمل بالثلج فغاظني أمره فصحت نصحية فأمر أمير المؤمنين بإحضاري وقال ما نصيحتك فأخبرته وقلت هذا يا أمير المؤمنين يحتاج أن يحال بينه وبين تدبير نفسه لأنه يقتلها ولا يحسن عشرتها فضحك وقال في هذا لذة وقد صار إلفا فلن يضره ثم قلت يا أبا بكر
665
لم تفعل هذا بنفسك قال أبقى على حفظي قلت له قد أكثر الناس في حفظك فكم قال أحفظ ثلاثة عشر صندوقا
قال محمد بن جعفر ولما وقع في علة الموت أكل كل شيء كان يشتهي وقال هي علة الموت
قلت وفي هذا المعنى الذي ذكرناه قال أبو علي الحسن بن أحمد المنطقي
غيري يشوق فؤاده حدق المها
ويروقه روض الخدود بورده
وإذا تثنى خوط بان لم أكن
ممن يقد حشاه مرهف قده
لا أن طبعي مسه طبع ولا
أني صفا ينبو الهوى عن صلده
لكن كنهي للمساعي عاقني
عن عسف قلبي في الحسان وكده
وإذا ابن عزم لم يقم متجردا
للحادثات فصارم في غمده
والسيف سمى في النوائب عدة
لمضائه فيهن لا لفرنده
فصل ومن أدوية الباطن أنفة النفس الأبية أن تكون مقهورة فإن العاقل
ذليل مقهور وكل موافق للهوى يقع عليه قترة سببها أنه قهر وقد ذكرنا في باب الافتخار بالعفاف من هذا طرفا فليطالع من هناك
فصل ومن أعظم أدوية الباطن إعمال الفكر في قبح هذه الحال والإصغاء
إلى سماع العظة من واعظ القلب فإنه من لم يكن له من قلبه واعظ لم تنفعه المواعظ ومن الناس من يسمع موعظة فيرعوى ومنهم من يرى غيره فينتهي ومنهم من
666
يرى طاقة شيب فينزع وقد قدمنا بابا فيمن ذكر ربه فترك ذنبه فليطالع ومنهم من ينبه بمنام فينتبه
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت قال أنبأنا أبو حنيفة المؤدب قال حدثنا المعافى بن زكريا قال حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا عسل بن ذكوان قال حدثنا زياد عن حماد بن شفيق قال قال أبو سلمة الغنوي قلت لأبي العتاهية ما الذي صرفك عن قول الغزل إلى قول الزهد
قال إذن والله أخبرك إني لما قلت
الله بيني وبين مولاتي
أهدت لي الصدود والملالات
منحتها مهجتي وخالصتي
فكان هجرانها مكافاتي
هيمني حبها وصيرني
أحدوثة في جميع جاراتي
رأيت في المنام تلك الليلة كأن آتيا أتاني فقال ما أصبت أحدا تدخله بينك وبين عتبة يحكم لك عليها بالمعصية إلا الله تعالى فانتبهت مذعورا وتبت إلى الله تعالى من ساعتي من قول الغزل
فصل فإن قال قائل فما تقول فيمن صبر عن حبيبه وبالغ في استعمال
الصبر غير أن خيال الحبيب في القلب لا يزول ووسواس النفس به لا ينقطع
فالجواب أنه إذا كففت جوارحك فقد قطعت مواد الماء الجاري وسينضب ما حصل في الوادي مع الزمان خصوصا إن طلعت عليه شمس صيف الخوف ومرت به سموم المراقبة لمن يرى الباطن فما أعجل ذهابه
667
ثم استغث بمن صبرت لأجله وقل إلهي فعلت ما أطقت فاحفظ لي مالا طاقة لي بحفظه
أخبرنا موهوب بن أحمد قال أنبأنا علي بن أحمد البسري قال أنبأنا أبو طاهر المخلص قال حدثنا أحمد بن نصر قال حدثنا علي بن عثمان الحراني قال حدثنا القاسم بن معن عن مسعر عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة عن النبي A قال إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم به أو تعمل به أخرجاه في الصحيحين
أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال أنبأنا أبو بكر الخطيب قال أنبأنا أبو نعيم الحافظ قال سمعت أبا الحسن بن القاسم يقول سمعت أبا القاسم النقاش يقول سمعت الجنيد يقول الإنسان لا يعاب بما في طبعه إنما يعاب إذا فعل بما في طبعه
668
الباب الخمسون فيه وصايا ومواعظ وزواجر
أخبرنا ابن أبي منصور قال أنبأنا جعفر بن احمد قال أنبأنا الحسن ابن علي قال أنبأنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي كثير أن أبا بكر الصديق كان يقول في خطبته أين الوضاة الحسنة وجوههم أين المعجبون بشبابهم أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب قد تضعضع بهم الدهر فأصبحوا في ظلمات القبور الوحا الوحا النجا النجا
قال أحمد وحدثنا عبد الله بن يزيد قال حدثنا سعيد قال حدثني عبيد الله بن الوليد قال سمعت ابن حجيرة يحدث عن أبيه عن ابن مسعود أنه كان يقول إنكم في ممر الليل والنهار في آجال منقوصة وأعمال محفوظة والموت يأتي بغتة فمن زرع خيرا فيوشك أن يحصد رغبة ومن زرع شرا فيوشك أن يحصد ندامة ولكل زارع ما زرع
أخبرنا إسماعيل بن أحمد قال أنبأنا رزق الله بن عبد الوهاب قال أنبأنا أبو علي بن شاذان قال أنبأنا أبو جعفر بن بريه قال حدثنا أبو بكر القرشي قال حدثنا محمد بن إدريس عن أبي زكريا التيمي قال بينا سليمان بن عبد الملك في المسجد الحرام إذ أتى بحجر منقور فطلب من يقرأه فأتى بوهب بن منبه فقرأه فإذا فيه ابن آدم إنك لو رأيت قرب ما بقي من أجلك لزهدت في طويل أملك ولرغبت في الزيادة من عملك
669
ولقصرت من حرصك وحيلك وإنما يلقاك ندمك لو قد زلت بك قدمك وأسلمك أهلك وحشمك فبان منك الوالد والقريب ورفضك الولد والنسيب فلا أنت إلى دنياك عائد ولا في حسناتك زائد فاعمل ليوم القيامة قبل الحسرة والندامة
أخبرنا محمد بن أبي منصور قال أنبأنا علي بن محمد بن العلاف قال أنبأنا علي بن أحمد الحمامي قال أنبأنا محمد بن الحسين الحريري قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا عبد الله قال حدثنا يحيى بن عبد الملك قال كتب الأوزاعي إلى أخ له أما بعد فإنه قد أحيط بك من كل جانب وأعلم أنه يسار بك في كل يوم وليلة فاحذر الله والقيام بين يديه وأن يكون آخر عهدك به والسلام
أخبرنا المحمدان بن عبد الملك وابن ناصر قالا أنبأنا أحمد بن الحسن المعدل قال حدثنا عبد العزيز بن علي قال حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد الحافظ قال حدثنا إبراهيم بن نصر قال حدثني إبراهيم بن بشار قال سمعت الفضيل بن عياض يقول بلغني أن رجلا كتب إلى داود الطائي أن عظني بموعظة
قال فكتب إليه أما بعد فاجعل الدنيا كيوم صمته عن شهوتك واجعل فطرك الموت فكأن قد والسلام
قال فكتب إليه زدني فكتب إليه أما بعد فارض من الدنيا باليسير مع سلامة دينك كما رضى أقوام بالكثير مع ذهاب دينهم والسلام
670
أخبرنا محمد بن ناصر قال أنبأنا المبارك بن عبد الجبار قال أنبأنا البرمكي قال أنبأنا أحمد بن جعفر بن سلم قال أنبأنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق قال حدثنا يعقوب بن يوسف السني قال حدثنا يحيى بن خالد البزاز قال حدثنا ابن عبد المجيد قال حدثني النعمان بن عبد السلام عن سفيان قال أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران إنه ليست عقوبتي لمن عرفني واجترأ علي كمن لم يعرفني
أخبرنا ابن ناصر قال أنبأنا أحمد بن علي بن خلف قال أنبأنا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي يقول سمعت محمد ابن حاتم الترمذي يقول رأس مالك قلبك ووقتك وقد شغلت قلبك بهواجس الظنون وضيعت أوقاتك بارتكاب مالا يعنيك فمتى يربح من خسر رأس ماله
أخبرنا محمد بن أبي منصور والمبارك بن علي قالا أنبانا علي بن محمد العلاف قال أنبأنا علي بن أحمد الحمامي قال حدثنا جعفر بن محمد الخلدي قال حدثنا إبراهيم بن نصر قال سمعت إبراهيم بن بشار يقول مررت أنا وأبو يوسف الفسولي في طريق الشام فوثب إليه رجل فسلم عليه ثم قال يا أبا يوسف عظني بموعظة أحفظها عنك
قال فبكى ثم قال اعلم يا أخي أن اختلاف الليل والنهار وممرهما يسرعان في هدم بدنك وفناء عمرك وانقضاء أجلك
فينبغي لك يا أخي أن لاتطمئن حتى تعلم أين مستقرك ومصيرك وساخط ربك عليك بمعصيتك وغفلتك أو راض عنك بفضله ورحمته ابن آدم الضعيف
671
نطفة بالأمس وجيفة غدا فإن كنت لا ترضى بهذا فسترد وتعلم وتندم في وقت لا ينفعك الندم
قال وبكى أبو يوسف وبكى الرجل وبكيت لبكائهما ووقعا مغشيا عليهما ووعظ أعرابي ولده فقال لا الدهر يعظك ولا الأيام تنذرك والساعات تعد عليك والأنفاس تعد منك وأحب أمريك إليك أعودهما بالضر عليك
وكتب بعض الحكماء إلى أخ له أما بعد فإن الدنيا حلم والآخرة يقظة والمتوسط بينهما الموت ونحن في أضغاث أحلام والسلام آخرون آخر الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد A وحسبنا الله ونعم الوكيل سمع هذا الكتاب من لفظي سوى جزء من أوله فإنه قرأه على فتم له جميع الكتاب سماعا صاحبه الشيخ الأجل السيد العالم صلاح الدين أبو علي الحسن بن سيف بن الحسن الشهراباني وكتب عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن الجوزي في شعبان سنة ست وستين وخمسمائة حامدا الله ومصليا على رسوله محمد وآله الطاهرين
آخر س آخر الكتاب والحمد لله حق حمده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وفرغ من نسخه في يوم الجمعة الثاني من شهر الله المحرم سنة ست وأربعين وسبعمائة أحسن الله تقضيها وذلك بالمدرسة الكروسية رحم الله واقفها وحسبنا الله ونعم الوكيل