1
آمنة الأسعد كتاب شذرات الذهب
أبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي __________________________________________________________ 2
بسم الله الرحمن الرحيم
سنة خمسين وثلثمائة
فيها كما قال في الشذور وقع برد كل بردة أوقيتان وأكثر فقتل البهائم والطيور انتهى
وفيها بنى معز الدولة ببغداد دار السلطنة في غاية الحسن والكبر غرم عليها ثلاثة عشر ألف ألف درهم وقد درست آثارها في حدود الستمائة وبقى مكانها دحلة يأوي إليها الوحش وبعض أساسها موجود فإنه حفر لها في الأساسات نيفا وثلاثين ذراعا
وفيها توفي أبو حامد أحمد بن علي بن الحسن بن حسنويه النيسابوري التاجر سمع أبا عيسى الترمذي وأبا حاتم الرازي وطبقتهما قال الحاكم كان من المجتهدين في العبادة ولو اقتصر على سماعه الصحيح لكان أولى به لكنه حدث عن جماعة أشهد بالله أنه لم يسمع منهم
وفيها أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة القاضي أبو بكر البغدادي تلميذ محمد بن جرير وصاحب التصانيف في الفنون ولى قضاء الكوفة وحدث عن محمد بن سعد العوفى وطائفة وعاش تسعين سنة توفي في المحرم
قال الدار قطني ربما حدث من حفظه بما ليس في كتابه أهلكه العجب وكان يختار لنفسه ولم يقلد أحدا وقال ابن رزقويه لم تر عيناي مثله
وقال في المغني أحمد بن كامل القاضي بغدادي حافظ
قال الدار قطني كان متساهلا انتهى
وفيها أبو سهل القطان أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد البغدادي المحدث الإخباري الأديب مسند وقته روى عن العطاردي ومحمد بن عبيد الله المنادى وخلق وفيه تشيع قليل وكان يديم التهجد والتلاوة والتعبد وكان كثير الدعابة
قال البرقاني 3
كرهوه لمزاح فيه وهو صدوق توفي في شعبان وله إحدى وتسعون سنة
وفيها أبو محمد الخطبي إسماعيل بن علي بن إسماعيل البغدادي الأديب الإخباري صاحب التصانيف روي عن الحارث بن أبي أسامة وطائفة وكان يرتجل الخطب ولا يتقدمه فيها أحد فلذا نسب إليها
وفيها أبو علي الطبري الحسن بن القاسم شيخ الشافعية ببغداد درس الفقه بعد شيخه أبي علي بن أبي هريرة وصنف التصانيف كالمحرر والإفصاح والعدة وهو صاحب وجه
قال الأسنوي وصنف في الأصول والجدل والخلاف وهو أول من صنف في الخلاف المجرد وكتابه فيه يسمى المحرر سكن بغداد ومات بها والطبري نسبة إلى طبرستان بفتح الباء الموحدة وهو إقليم متسع مجاور لخراسان ومدينته آمل بهمزة ممدودة وميم مضمومة بعدها لام وأما الطبراني فنسبه إلى طبرية الشام انتهى ملخصا
وفيها أبو جعفر بن برية الهاشمي خطيب جامع المنصور عبد الله بن إسماعيل ابن إبراهيم بن عيسى بن المنصور أتى جعفر في صفر وله سبع وثمانون سنة وهو في طبقة الواثق في النسب روي عن العطاردي وابن أبي الدنيا
وفيها توفي خليفة الأندلس وأول من تلقب بأمير المؤمنين من أمراء الأندلس الناصر لدين الله أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله المرواني وكانت دولته خمسين سنة وقام بعده ولده المتنصر بالله وكان كبير القدر كثير المحاسن أنشأ مدينته الزهراء وهي عديمة النظير في الحسن غرم عليها من الأموال ما لا يحصى قاله في العبر وقال الشيخ أحمد المقري المتأخر في كتابه زهر الرياض في أخبار عياض
وكانت سبتة مطمح همم ملوك العدوتين وقد كان للناصر المرواني صاحب الأندلس عناية واهتمام بدخولها في إيالته حتى حصل له ذلك
ومنها ملك المغرب وكان تملكه إياها سنة تسع عشرة وثلثمائة وبها اشتد سلطانه وملك البحر بعدوية وصار المجاز في يده ومن غريب ما يحكى أنه أراد الفصد فقعد في المجلس الكبير المشرف بأعلى مدينته بالزهراء واستدعى الطبيب لذلك وأخذ الطبيب المبضع وحبس يد الناصر فبينما هو كذلك إذ طلل زرزور فصعد على إناء من ذهب بالمجلس وأنشد 4
( أيها الفاصد مهلا بأمير المؤمنينا
)
( إنما تفصد عرقا فيه محيا العالمينا
)
وجعل يكرر ذلك المرة بعد المرة فاستظرف أمير المؤمنين الناصر ذلك غاية الاستظراف وسر به غاية السرور وسأل من أين اهتدى إلى ذلك ومن علم الزرزور فذكر له أنه السيدة الكبيرة مرجانة أم ولي عهده الحاكم المستنصر بالله صنعت ذلك وأعدته لذلك الأمر فوهب لها ما ينوف على ثلاثين ألف دينار
والناصر المذكور هو الباني لمدينة الزهراء العظيمة المقدار ولما بنى قصر الزهراء المتناهي في الجلالة أطبق الناس على أنه لم يبن مثله في الإسلام البتة وكل من رآه قطع أنه لم ير مثله ولم يبصر له شبها بل لم يسمع بمثله بل لو يتوهم كون مثله وذكر المؤرخ أبو مروان بن حيان صاحب الشرطة أن مباني قصر الزهراء اشتملت على أربعة آلاف سارية ما بين كبيرة وصغيرة حاملة ومحمولة ونيف على ثلثمائة سارية زائدة وان مصارع أبوابها صغارها وكبارها كانت تنيف على خمسة عشر ألف باب وكان عدد الفتيان بالزهراء ثلاثة عشر ألف فتى وسبعمائة وخمسون فتى وعدة النساء بقصر الزهراء الصغار والكبار وخدم الخدمة ثلاثة آلاف وثلثمائة امرأة وأربع عشرة وذكر بعض أهل الخدمة في الزهراء أنه قدر النفقة فيها في كل يوم بثلثمائة ألف دينار مدة خمسة وعشرين عاما
قال القاضي أبو الحسن ومن أخبار منذر بن سعيد البلوطي المحفوظة له مع الخليفة الناصر في إنكاره عليه الإسراف في البناء أن الناصر كان اتخذ لسطح القبة التي كانت على الصرح الممرد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد مغشاة ذهبا وفضة أنفق عليها مالا جسيما وقد مد سقفها به تستلب الأبصار بأشعة أنوارها وجلس فيها إثر تمامها يوما لأهل مملكته فقال لقرابته من الوزراء وأهل الخدمة مفتخرا بما صنعه من ذلك هل رأيتم أو سمعتم ملكا كان قبلي فعل مثل فعلي هذا وقدر عليه فقالوا لا يا أمير المؤمنين وإنك لأوحد في شأنك كله وما سبقك إلى مبتدعاتك هذه ملك رأيناه ولا انتهى إلينا خبره فأبهجه قولهم وسره وبينما هو كذلك إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد واجما ناكس الرأس فلما أخذ مجلسه قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السقف المذهب واقتداره عليه وعلى إبداعه فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته وقال له والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان لعنه 5
الله تعالى يبلغ منك هذا المبلغ ولا أن تمكنه من قلبك هذا التمكين مع ما آتاك الله من فضله ونعمته وفضلك به على العالمين حتى ينزلك منازل الكافرين قال فانفعل عبد الرحمن لقوله وقال له انظر ما تقول وكيف أنزلني منزلتهم فقال له نعم أليس الله تعالى يقول ( وحكى غير واحد أنه وجد بخط الناصر رحمه الله تعالى أيام السرور التي صفت له دون تكدير يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ويوم كذا من كذا وعدت تلك الأيام فكان فيها أربعة عشر يوما فاعجب أيها العاقل لهذه الدنيا وعدم صفائها وبخلها بكمال الأحوال لأوليائها هذا الخليفة الناصر حلف السعود المضروب به المثل في الارتقاء في الدنيا ملكها خمسين سنة وستة أو سبعة أشهر وثلاثة أيام ولم يصف له إلا أربعة عشر يوما فسبحان ذي العزة العالية القائمة والمملكة الباقية الدائمة تبارك اسمه وتعالى جده لا إله إلا هو>
ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ) فوجم الخليفة واطردت عيناه وأطرق مليا ودموعه تتساقط خشية وخشوعا لله تعالى ثم أقبل على منذر فقال له جزاك الله يا قاضي عنا وعن نفسك خيرا وعن الدين والمسلمين أجمل جزائه وكثر في الناس أمثالك فالذي قلت هو الحق وقام من مجلسه ذلك وأمر بنقض سقف القبة وأعاد قرمدها ترابا على صفة غيرها
وحكى غير واحد أنه وجد بخط الناصر رحمه الله تعالى أيام السرور التي صفت له دون تكدير يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا ويوم كذا من كذا وعدت تلك الأيام فكان فيها أربعة عشر يوما فاعجب أيها العاقل لهذه الدنيا وعدم صفائها وبخلها بكمال الأحوال لأوليائها هذا الخليفة الناصر حلف السعود المضروب به المثل في الارتقاء في الدنيا ملكها خمسين سنة وستة أو سبعة أشهر وثلاثة أيام ولم يصف له إلا أربعة عشر يوما فسبحان ذي العزة العالية القائمة والمملكة الباقية الدائمة تبارك اسمه وتعالى جده لا إله إلا هو
انتهى ما أورده المقري مختصرا
وفيها القاضي أبو السايب عتبة بن عبيد الله الهمذاني الشافعي الصوفي تزهد أولا وصحب الكبار ولقي الجنيد ثم كتب الفقه والحديث والتفسير وولى قضاء أذربيجان ثم قضاء همذان ثم سكن بغداد ونوه باسمه إلى أن ولى قضاء القضاة وكان أول من ولى قضاء القضاة من الشافعية
وفيها فاتك المجنون أبو شجاع الرومي الإخشيدي قال ابن خلكان كان روميا أخذ صغيرا هو وأخوه وأخت لهما من بلد الروم من موضع قرب حصن يعرف بذي الكلاع فتعلم الخط بفلسطين وهو ممن أخذه الإخشيد من سيده كرها بالرملة بلا ثمن فأعتقه صاحبه وكان معهم حرا في عدة المماليك وكان كريم النفس بعيد الهمة شجاعا كثير الإقدام ولذلك قيل له المجنون وكان رفيق الأستاذ كافور في خدمة الإخشيد فلما مات مخدومهما وتقرر كافور في خدمة ابن الإخشيد أنف فاتك من الإقامة بمصر كيلا يكون كافور أعلى رتبة منه ويحتاج أن يركب في خدمته وكانت الفيوم 6
وأعمالها أقطاعا له فانتقل إليها واتخذها سكنا له وهي بلاد وبيئة كثيرة الوخم فلم يصح له بها جسم وكان كافور يخافه ويكرمه وفي نفسه منه ما فيها فاستحكمت العلة في جسم فاتك وأحوجته إلى دخول مصر للمعالجة فدخلها وبها أبو الطيب المتنبي ضيفا للأستاذ كافور وكان يسمع بكرم فاتك وكثرة سخائه غير أنه لا يقدر على قصد خدمته خوفا من كافور وفاتك يسأل عنه ويراسله بالسلام ثم التقيا بالصحراء مصادفة من غير ميعاد وجرى بينهما مفاوضات فلما رجع فاتك إلى داره حمل لأبي الطيب في ساعته هدية قيمتها ألف دينار بقصيدته المشهورة وهي من غرر القصائد التي أولها
( لا خيل عندك تهديها ولا مال
فليسعد النطق إن لم تسعد الحال )
وما أحسن قوله فيها
( كفاتك ودخول الكاف منقصة
كالشمس ولت وما للشمس أمثال )
ثم توفي المذكور فرثاه المتنبي وكان قد خرج من مصر بقصيدته التي أولها
( الحزن يقلق والتجمل يردع
والدمع بينهما عصى طيع )
وما أرق قوله فيها
( إني لأجين من فراق أحبتي
وتحس نفسي بالحمام فأشجع )
( ويزيدني غضب الأعادي قسوة
ويلم بي عتب الصديق فأجزع )
( تصفو الحياة لجاهل أو غافل
عما مضى منها وما يتوقع )
( ولمن يغالط في الحقيقة نفسه
ويسومها طلب المحال فتطمع )
( أين الذي الهرمان من بنيانه
ما قومه ما يومه ما المصرع )
( تتخلف الآثار عن أصحابها
حينا ويدركها الفناء فتتبع )
وهي من المراثي الفائقة وله فيه غيرها
انتهى ملخصا 7
وفيها مسند بخارى أبو بكر محمد بن أحمد بن حبيب البغدادي الدهقان الفقيه المحدث في رجب وله أربع وثمانون سنة روي عن يحيى بن أبي طالب وابن أبي الدنيا والكبار واستوطن بخارى وصار شيخ تلك الناحية
سنة إحدى وخمسين وثلثمائة
فيها كما قال ابن الجوزي في الشذور وقع برد في الحامدة كل بردة رطل ونصف ورطلان
وفيها ورد الخبر بورود الروم عين روية في مائة وستين ألفا فقتل ملكهم الدمستق خلقا كثيرا وأوقع أربعين ألف نخلة وهدم سور البلد والجامع وكسر المنبر وورد إلى حلب بغتة ومعه مائتا ألف فانهزم منه سيف الدولة فظفر بداره فوجد فيها ثلثمائة وسبعين بدرة دراهم فأخذها وأخذ ما لا يحصى من السلاح وأحرق الدار وأخذ خلقا كثيرا كانوا أسرى عند المسلمين بضعة عشر ألف صبي وصبية وأخذ من النساء ما أراد وعمد إلى حباب الزيت فصب فيها الماء حتى فاض الزيت انتهى
وفيها كما قال في العبر رفعت المنافقون رءوسها ببغداد وقامت الدولة الرافضية وكتبوا على أبواب المساجد لعنة معاوية ولعنة من غصب فاطمة حقها ولعنة من نفى أبا ذر فمحته أهل السنة في الليل فأمر معز الدولة بإعادته فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب ألا لعنة الله على الظالمين ولعنة معاوية فقط انتهى
وفيها توفي أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن جامع السكري بمصر روى عن علي ابن عبد العزيز البغوي وطائفة
وفيها أبو بكر أحمد بن محمد بن أبي الموت المكي روى عن علي البغوي وأبي يزيد القراطيسي وطائفة وعاش تسعين سنة
وفيها أحمد بن محمد أبو الحسين النيسابوري قاضي الحرمين وشيخ الحنفية في عصره ولى قضاء الحجاز مدة ثم قدم نيسابور وولى قضاءها تفقه على أبي الحسن الكرخي وبرع في الفقه وعاش سبعين سنة قال في العبر وروى عن أبي خليفة الجمحي 8
وكان القاضي أبو بكر الأبهري شيخ المالكية يقول ما قدم علينا من الخراسانيين أفقه من أبي الحسين
وفيها أبو إسحاق الهجيمي مصغرا نسبة إلى بني الهجيم بطن من تميم وإلى محلة لهم بالبصرة إبراهيم بن علي البصري في آخر السنة وقد قارب المائة روى عن جعفر بن محمد بن شاكر والكديمي وطائفة
وفيها دعلج بن أحمد أبو محمد الشجري المعدل وله نيف وتسعون سنة رحل وطوف وأكثر وسمع من هشام السيرافي وعلي البغوي وطبقتهما
قال الحاكم أخذ عن ابن خزيمة مصنفاته وكان يفتي بمذهبه
وقال الدار قطني لم أر في مشايخنا أثبت من دعلج وقال الحاكم لم يكن في الدنيا أيسر منه اشترى بمكة دار العباس بثلاثين ألف دينار وكان الذهب في داره بالقفاف وكان كثير المعروف والصلات توفي في جمادي الآخرة
قاله في العبر وقال ابن ناصر الدين دعلج بن أحمد بن دعلج أبو محمد السجستاني ثم البغدادي أحد المشهورين بالبر والصدقات والأفضال
قال الحاكم وهو ممن روى عنه لم يكن في الدنيا أيسر منه كان الذهب بالقفاف في داره انتهى
وفيها أبو محمد عبد الله بن جعفر بن محمد الورد البغدادي بمصر راوي السيرة عن ابن البرقي في رمضان
وفيها أبو الحسين عبد الباقي بن قانع بن مرزوق الحافظ ببغداد في شوال وله ست وثمانون سمع الحرث بن أبي أسامة وإبراهيم بن الهيثم البلدي وطبقتهما وصنف التصانيف
قال الدار قطني كان يخطئ ويصر على الخطأ وقال ابن ناصر الدين وثقه جماعة واختلط قبل موته بنحو سنتين انتهى
وفيها أبو أحمد الحبيني علي بن محمد المروزي سمع سعيد بن مسعود المروزي وطبقته وكان صاحب حديث قال الحاكم كان يكذب والحبيني بالضم وكسر الموحدة المشددة وتحتية ونون نسبة إلى سكة حبين بمرو
وفيها أبو بكر النقاش محمد بن الحسن بن محمد بن زياد الموصلي ثم البغدادي المقرئ المفسر صاحب التصانيف في التفسير والقراآت روى عن أبي مسلم الكجى وطائفة وقرأ على أصحاب ابن ذكوان والبزي ورحل ما بين مصر إلى ما وراء النهر وعاش خمسا وثمانين سنة ومع جلالته في العلم ونبله فهو ضعيف متروك الحديث قال الذهبي 9
في المغني مشهور اتهم بالكذب وقد أتى في تفسيره بطامات وفضائح وهو في القراءات أمثل انتهى
وفيها أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني الكوفي مسند الكوفة في زمانه روى عن إبراهيم بن عبد الله القصار وأحمد بن عرعرة وجماعة
وفيها يحيى بن منصور القاضي أبو محمد النيسابوري ولى قضاء نيسابور بضع عشرة سنة روى عن علي بن عبد العزيز البغوي وأحمد بن سلمة وطبقتهما
سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة
فيها يوم عاشوراء ألزم معر الدولة أهل بغداد بالنوح والمأتم على الحسين رضي الله عنه وأمر بغلق الأسواق وعلقت عليها المسموح ومنع الطباخين من عمل الأطعمة وخرجت نساء الرافضة منشرات الشعور مضخمات الوجوه يلطمن ويفتن الناس وهذا أول ما نيح عليه اللهم ثبت علينا عقولنا قاله في العبر
وفيها في ثامن عشر ذي الحجة عملت الرافضة عيد الغدير خم ودقت الكوسات وصلوا بالصحراء صلاة العيد قاله في العبر أيضا
وفيها بعث صاحب أرمينية إلى ناصر الدولة رجلين ملتصقين خلفة من جانب واحد فويق الحقو إلى دوين الإبط ولدا كذلك ولهما بطنان وسرتان ومعدتان ولم يمكن فصلهما وكان ربما يقع بينهما تشاجر فيختصمان ويحلف أحدهما لا يكلم الآخر أياما ثم يصطلحان فمات أحدهما قبل الآخر فلحق الحي الغم من نتن الرائحة فمات
قاله في الشذور
وفيها توفي الوزير المهلبي أبو محمد الحسن بن محمد الأزدي من ذرية المهلب بن أبي صفرة وزير معز الدولة بن بويه كان من رجال الدهر حزما وعزما وسؤددا وعقلا وشهامة ورأيا توفي في شعبان وقد نيف على الستين وكان فاضلا شاعرا فصيحا حليما جوادا صادر معز الدولة أولاده من بعده ثم استوزر أبا الفضل بن الحسين الشيرازي واسمه العباس قال ابن خلكان وكان الوزير المهلبي قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة عظيمة من الضرورة والضائقة وكان وكان قد سافر مرة ولقي في سفره مشقة صعبة واشتهى اللحم فلم يقدر عليه فقال ارتجالا 10
( ألا موت يباع فأشتريه
فهذا العيش ما لا خير فيه )
( ألا موت لذيذ الطعم يأتي
يخلصني من العيش الكريه )
( إذا أبصرت قبرا من بعيد
وددت بأنني مما يليه )
( ألا رحم المهيمن نفس حر
تصدق بالوفاة على أخيه )
وكان معه رفيق يقال له أبو عبد الله الصوفي وقيل أبو الحسن العسقلاني فلما سمع الأبيات اشترى له بدرهم لحما وطبخه وأطعمه وتفارقا وتنقلت بالمهلبي الأحوال وتولى الوزارة ببغداد لمعز الدولة وضاقت الأحوال برفيقه في السفر الذي اشترى له اللحم وبلغه وزارة المهلبي فقصده وكتب إليه
( ألا قل لوزير فدته نفسي
مقالة مذكر ما قد نسيه )
( أتذكر إذ تقول لضنك عيش
ألا موت يباع فأشتريه )
فلما وقف عليها تذكر وهزته أريحية الكرم فأمر له في الحال بسبعمائة درهم ووقع في رقعته (
مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء ) ثم دعا به فخلع عليه وقلده عملا يرتفق به ولما ولى المهلبي الوزارة بعد تلك الإضافة عمل
( رق الزمان لفاقتي
ورثى لطول تحرقي )
( فأنالني ما أرتجيه
وحاد عما أتقي )
( فلأصفحن عما أتاه
من الذنوب السبق )
( حتى جنايته بما فعل المشيب بمفرقي )
وكان لمعز الدولة مملوك تركي في غاية الجمال يدعى تكين الجامدار وكان شديد المحبة له فبعث سرية لمحاربة بعض بني حمدان وجعل المملوك المذكور مقدم الجيش وكان الوزير المهلبي يستحسنه ويرى أنه من أهل الهوى لا من أهل مدد الوغى فعمل فيه
( طفل يرق الماء في
جنباته ويرف عوده )
( ويكاد من شبه العذارى
فيه أن تبدو نهوده )
( ناطوا بمعقد خصره
سيفا ومنطقة تؤوده ) 11
( جعلوه قائد عسكر
ضاع الرعيل ومن يقوده )
وكان كذلك فإنه ما أنجح وكانت الكرة عليهم
ومن شعره النادر في الرقة قوله
( تصارمت الأجفان لما صرمتني
فما تلتقي إلا على عبرة تجري )
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا
وفيها أبو القاسم خالد بن سعد الندلسي القرطبي الحافظ كان ينظر بيحيى بن معين وكان أحد أركان الحديث بالأندلس سمع بعد سنة ثلثمائة من جماعة منهم محمد بن فطيس وسعيد بن عثمان الأعناقي ومنه قاسم بن محمد وغيره وكان إماما حجة مقدما على حفاظ زمانه عجبا في معرفة الرجال والعلل وقيل كان يحفظ الشيء من مرة ورد أن المنتصر بالله الحكم قال إذا فاخرنا أهل المشرق بيحيى بن معين فاخرناهم بخالد بن سعد
وفيها أبو بكر الإسكافي محمد بن محمد بن أحمد بن مالك ببغداد في ذي القعدة روى عن موسى بن سهل الوشا وجماعة وله جزء مشهور
وفيها أحمد بن محمد بن السري بن يحيى بن السري التميمي الكوفي أبو بكر بن أبي دارم قال ابن ناصر الدين في بديعيته
( ابن أبي دارم الضعيف
شيعهم برفضه نحيف )
أي كان رافضيا فضعف بسبب رفضه روى عن إبراهيم بن عبد الله القصار وأحمد بن موسى الحمار ومطين وعنه الحاكم وابن مردويه وآخرون وكان محدث الكوفة وحافظها وجمع في الحط على الصحابة وقد اتهم في الحديث
وفيها أحمد بن عبيد إسماعيل الحافظ الثقة أبو الحسن البصري الصفار روى عن الكديمي ومحمد بن غالب تمتام وروى عنه الدار قطني وابن جميع قال الدار قطني ثقة ثبت ذكره ابن درباس
وفيها علي بن أحمد بن أبي قيس الرفاعي البغدادي أبو الحسن روى عن زوج أمه أبي بكر بن أبي الدنيا وهو ضعيف جدا 12
سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة
فيها كما قال في الشذور لبعث الهجريون إلى سيف الدوله فاستهدوا حديداً فقلع أبواب الرقه وأخذ كل مايقدر عليه من الحديد حتى ضجات البالوغه فبعثها إليهم .
وفيها نازل الدمستق المصيصة وحاصرها وغلت الأسعار بها ثم ترحل عنها للغلاء الذي أصاب جيشه ثم جاء لطرسوس
وفيها توفي أبو سعيد بن أبي عثمان الحيري واسمه أحمد بن محمد بن الزاهد أبي عثمان سعيد الحيري النيسابوري شهيداً بطرسوس وله خمس وستون سنه روى عن الحسن بن سفيان وطبقته وصنف التفسير الكبير والصحيح على رسم مسلم وغير ذلك قال ابن ناصر الدين كان حافظا شجاعا له التفسير الكبير والصحيح على مسلم خرج يعسكر للجهاد مريدا فقتل بطرسوس شهيدا انتهى
وفيها أبو إسحق إبراهيم بن حمزة الحافظ وهو إبراهيم بن محمد بن حمزة بن عمارة بأصبهان في رمضان وهو في عشر الثمانين قال أبو نعيم لم ير بعد عبد الله بن مظاهر في الحفظ مثله جمع الشيوخ والسند وقال أبو عبد الله بن مندة الحافظ لم أر أحفظ منه وقال ابن عقدة قل من رأيت مثله روي عن مطين وأبي شعيب الحراني
وفيها أبو عيسى بكار بن أحمد البغدادي شيخ المقرئين في زمانه قرأ على جماعة من أصحاب الدوري وسمع من عبد الله بن أحمد بن حنبل وتوفي في ربيع الأول وقد قارب الثمانين
وفيها جعفر بن محمد بن الحكم الواسطي المؤدب روى عن الكديمي وطبقته وكان من العارفين البارعين الخيرين
وفيها أبو علي بن السكن الحافظ الكبير سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن المصري صاحب التصانيف وأحد الأئمة سمع بالعراق والشام والجزيرة وخراسان وما وراء النهر من أبي القاسم البغوي وطبقته كالفربري وابن جوصا وممن روى عنه ابن مندة وعبد الغني بن سعيد وكان ثقة حجة توفي في المحرم وله تسع وخمسون سنة
وفيها أبو الفوارس شجاع بن جعفر الوراق الواعظ ببغداد وقد قارب المائة روى عن العطاردي وأبي جعفر بن المنادى وطائفة وكان أسند من بقي 13
وفيها أبو محمد عبد الله بن الحسن بن بندار المدايني الأصبهاني سمع أسيد ابن عاصم ومحمد بن إسماعيل الصايغ وجماعة
وفيها أبو محمد الفاكهي عبد الله بن محمد بن العباس المكي صاحب أبي يحيى بن أبي ميسرة وكان أسند من بقي بمكة
وفيها أبو القاسم علي بن يعقوب بن أبي العقب الدمشقي المحدث المقرئ روى عن أبي زرعة الدمشقي وطائفة توفي في ذي الحجة عن ثلاث وتسعين سنة
وفيها أبو علي محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري الدمشقي الحافظ أحد الرحالة سمع بالشام ومصر والعراق وأصبهان وروى عن بكر بن سهل الدمياطي وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة وطبقتهما قال عبد العزيز الكناني كان يتهم وعاش سبعا وثمانين سنة
سنة أربع وخمسين وثلثمائة
فيها بني الدمستق نقفور مدينته وسماها قيسارية وقيل قيصرية وسكنها وجعل أباه بالقسطنطينية فبعث إليه أهل طرسوس والمصيصة يخضعون له ويسألونه أن يقبل منهم القطيعة كل سنة وينفذ إليهم نائبا له عليهم فأجابهم ثم علم ضعفهم وشدة القحط عليهم وأن أحدا لا ينجدهم وأن كل يوم يخرج من طرسوس ثلثمائة جنازة فرجع عن الإجابة وخاف أن تركهم حتى تستقيم أحوالهم أن يمتنعوا عليه فأحرق الكتاب على رأس الرسول فاحترقت لحيته وقال امض ما عندي إلا السيف ثم نازل المصيصة فأخذها بالسيف واستباحها ثم فتح طرسوس بالأمان وجعل جامعها اصطبلا لخيله وحصن البلدين وشحنهما بالرجال
وفيها توفي أبو بكر بن الحداد وهو أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن عطية البغدادي المصري البغدادي مات بديار مصر روى عن أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة وبكر بن سهل الدمياطي وطبقتهما
وفيها المتنبي شاعر العصر أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن الجعفي الكوفي 14
في رمضان بين شيراز والعراق وله إحدى وخمسون سنة قال في العبر وليس في العالم أشعر منه أبدا وأما مثله فقليل وقال ابن الأهدل قدم الشام في صباه واشتغل في فنون الأدب ومهر فيها وتضلع من علم اللغة قال له أبو علي الفارسي صاحب الإيضاح والتكملة كم لنا من الجموع على وزن فعلى فقال له المتنبي سريعا حجلى وظربى قال الفارسي فقتشت كتب اللغة ثلاث ليال فلم أجد لهما ثالثا حجلى جمع حجل وهو الطائر المسمى بالقبج وظربى جمع ظربان كقطران وهي دابة منتنة الرائحة ومن الناس كثير يرجحون المتنبي على أبي تمام ومن بعده
ورزق سعادة في شعره واعتنى العلماء بديوانه فشرحوه أكثر من أربعين شرحا مدح جماعة من الملوك ووصله ابن العميد بثلاثين ألفا وأتاه من عضد الدولة صاحب شيراز مثلها
وسمي المتنبي لأنه ادعى النبوة في بادية السماوة وتبعه خلق كثير من كلب وأخرج إليه لؤلؤ أمير حمص نائب الأخشيدية فأسره واستتابه وتفرق أصحابه وكان كافور الإخشيدي يقول لما هجاه من ادعى النبوة إما يدعى الملك
وكان العلماء يحضرون مجلس سيف الدولة ويتناظرون كل ليلة فوقع بين المتنبي وابن خالويه ليلة كلام فوثب ابن خالويه على المتنبي فضرب وجهه بمفتاح فشجه فخرج ودمه يسيل على وجهه فغضب وخرج إلى كافور فلما صدر منه قصد بلاد فارس بالمشرق ومدح عضد الدولة الديلمي فأجزل جائزته فلما رجع من عنده عرض له فاتك بن أبي جهل فقتل المتنبي وابنه محسد وغلامه مفلح بالقرب من النعمانية على ميلين من دير العاقول ثم رأى المتنبي الغلبة ففر فقال له الغلام لا يتحدث عنك بفرار وأنت القائل
( الخيل والليل والبيداء تعرفني
والطعن والضرب والقرطاس والقلم )
فكر راجعا فقتل
ويحكى أن المعتضد صاحب قرطبة أنشد يوما بيت المتنبي
( إذا ظفرت منك العيون بنظرة
أبان لها معنى المطي ورازمه )
وجعل يردده فأنشده ابن وهبون الأندلسي بديها
( لئن جاد شعر ابن الحسين فإنما
تجيد العطايا واللهى تفتح اللهى )
( تنبأ عجبا بالقريض ولو درى
بأنك تروي شعره لتألها ) 15
أي لادعى الألوهية
انتهى ما أورده ابن الأهدل
وروى له الشيخ تاج الدين الكندي بالسند الصحيح بيتين لا يوجد في ديوانه وهما
( أبعين مفتقر إليك نظرتني
فأهنتني وقذفتني من حالق )
( لست الملوم أنا الملوم لأنني
أنزلت آمالي بغير الخالق )
ولما كان بمصر مرض وكان له صديق يغشاه في علته فلما شفي انقطع عنه فكتب إليه وصلتني وصلك الله معتلا وقطعتني مبلا فإن رأيت أن لا تحبب العلة إلي ولا تكدر الصحة علي فعلت إن شاء الله تعالى
وقال النامي الشاعر كان قد بقي من الشعر زاوية دخلها المتنبي وكنت أشتهي أن أكون قد سبقته إلى معنيين قالهما ما سبق إليهما أحد هما قوله
( رماني الدهر بالأرزاء حتى
فؤادي في غشاء من نبال )
( فصرت إذا أصابتني سهام
تكسرت النصال على النصال )
والآخر قوله
( في جحفل ستر العيون غباره
فكأنما يبصرن بالآذان )
وقال أبو الفتح بن جني النحوي قرأت ديوان أبي الطيب عليه فلما بلغت قوله في كافور القصيدة التي أولها
( أغالب فيك الشوق أغلب
وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب )
حتى بلغت إلى قوله
( ألا ليت شعري هل أقول قصيدة
ولا أشتكي فيها ولا أتعتب )
( وبي ما يذود الشعر عني أقله
ولكن قلبي يا ابنة القوم قلب )
نقلت يعز علي أن يكون هذا الشعر في مدح غير سيف الدولة فقال حذرناه وأنذرناه فما نفع ألست القائل فيه
( أخا الجود أعط الناس ما أنت مالك
ولا تعطين الناس ما أنا قائل )
فهو الذي أعطاني كافور بسوء تدبيره وقلة تمييزه مولد المتنبي بالكوفة في سنة ثلاث وثلثمائة في محلة تسمى كندة فنسب إليها وليس هو من كندة التي هي قبيلة بل هو جعفي القبيلة من مذحج وقتل يوم الأربعاء لست بقين أو ليلتين بقيتا وقيل يوم الاثنين لثمان بقين من شهر رمضان 16
وفيها العالم الحبر والعلامة البحر أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ التميمي البستي الشافعي صاحب الصحيح كان حافظا ثبتا إماما حجة أحد أوعية العلم صاحب التصانيف سمع أبا خليفة الجمحي والنسائي وطبقتهما ومنه الحاكم وطبقته واشتغل بخراسان والشام والعراق ومصر والجزيرة وكان من أوعية العلم في الحديث والفقه واللغة والوعظ وغير ذلك حتى الطب والنجوم والكلام ولى قضاء سمرقند ثم قضاء نسا وغاب دهرا عن وطنه ثم رد إلى بست وتوفي بها في شوال وهو في عشر الثمانين قال الخطيب كان ثقة نبيلا وقال ابن ناصر الدين له أوهام أنكرت فطعن عليه بهفوة منه بدرت ولها محمل لو قبلت وقال الأسنوي أبو حاتم محمد بن حبان بكسر الحاء المهملة بعدها باء موحدة البستي بباء موحدة مضمومة وسين مهملة ساكنة وبالتاء بنقطتين من فوق الإمام الحافظ مصنف الصحيح وغيره رحل إلى الآفاق كان من أوعية العلم لغة وحديثا وفقها ووعظا ومن عقلاء الرجال
قاله الحاكم وقال ابن السمعاني كان إمام عصره تولى قضاء سمرقند مدة وتفقه به الناس ثم عاد إلى نيسابور وبنى بها خانقاه ثم رجع إلى وطنه وانتصب بها لسماع مصنفاته إلى أن توفي ليلة الجمعة لثمان بقين من شوال
انتهى ما أورده الأسنوي قلت وأكثر نقاد الحديث على أن صحيحه أصح من سنن ابن ماجة والله أعلم
وفيها أبو بكر بن مقسم المقرئ محمد بن الحسن بن يعقوب بن مقسم البغدادي العطار وله تسع وثمانون سنة قرأ على إدريس الحداد وسمع من بي مسلم الكجي وطائفة وتصدر للإقراء دهرا
وكان علامة في نحو الكوفيين سمع من ثعلب أماليه وصنف عدة تصانيف وله قراءة معروفة منكرة خالف فيها الإجماع وقد وثقه الخطيب
وفيها أبو بكر الشافعي محمد بن عبد الله بن إبراهيم البغدادي البزار صاحب الغيلانيات في ذي الحجة وله خمس وتسعون سنة وهو صاحب الغيلانيات
وابن غيلان آخر من روى عنه تلك الأجزاء التي هي في السماء علوا
روى عن موسى بن سهل الوشا ومحمد بن شداد المسمعي وابن الدنيا وأكثر
وعنه الدار قطني وعمر بن شاهين وأبو طالب بن غيلان وخلق قال الخطيب كان ثقة ثبتا حسن التصنيف وقال الدار قطني هو الثقة المأمون الذي لم يغمز بحال وقال الخطيب أيضا لما منعت الديلم الناس من ذكر فضائل الصحابة وكتبوا السب على أبواب المساجد كان يعتمد إملاء أحاديث الفضائل في الجامع والله أعلم 17
سنة خمس وخمسين وثلاثمائة
فيها أخذت بنو سليم ركب مصر والشام وتمزقوا في البراري
وفيها توفي الحافظ أبو بكر الجعابي محمد بن عمر بن أحمد بن سلم التميمي البغدادي سمع يوسف بن يعقوب القاضي ومحمد بن الحسن بن سماعة وطبقتهما ومنه الدار قطني وابن شاهين وأبو عبد الله الحاكم وكان حافظا مكثرا وصنف الكتب وتوفي في رجب وله اثنتان وسبعون سنة وكان عديم المثل في حفظه قال القاضي أبو عمر الهاشمي سمعت الجعابي يقول أحفظ أربعمائة ألف حديث وأذاكر ستمائة ألف حديث قال الدار قطني ثم خلط ثم ذكر وهو شيعي قيل كان يترك الصلاة نسأل الله العفو وقال ابن ناصر الدين كان شيعيا رمى بالشرب وغيره وقال بن بردس كان حافظا مكثرا غير أنه اتهم بقلة الدين من ترك الصلاة وليس هذا موضع ذكره لأن فيه كلاما كثيرا يضيق هذا الموضع عنه انتهى
وقال في المغني مشهور محقق لكنه رقيق الدين تالف
وفيها أبو الحكم منذر بن سعيد البلوطي قاضي الجماعة بقرطبة سمع من عبيد الله ابن يحيى الليثي وكان ظاهري المذهب فطنا مناظرا ذكيا بليغا مفوها شاعرا كثير التصانيف قوالا بالحق ناصحا للخلق عزيز المثل له الخطب المفحمة الخالصة الخارجة من قلب مخلص سليم عاش اثنتين وثمانين سنة
وفيها ابن علان أبو الحسن علي بن الحسن بن علان الحراني الحافظ العالم محدث حران روى عن أبي يعلى الموصلي وطبقته وعنه أبو عبد الله بن مندة وتمام الرازي وآخرون وكان ثقة نبيلا
وفيها محمد بن الحسن بن الحسين بن منصور الحافظ الإمام أبو الحسن النيسابوري التاجر روى عن محمد بن إبراهيم البوشنجي وخلق وحدث عنه أبوه وعمه وأثنى عليه خلق وهو من الثقات
وفيها محمد بن معمر بن ناصح أبو مسلم الذهلي الأديب بأصبهان روى عن 18
أبي بكر بن أبي عاصم وأبي شعيب الحراني وطائفة
سنة ست وخمسين وثلاثمائة
فيها أقامت الرافضة المأتم على الحسين على العادة المارة في هذه السنوات
وفيها مات السلطان معز الدولة أحمد بن بويه الديلي وكان في صباه يحتطب وأبوه يصيد السمك فما زال إلى أن ملك الجور والرفض ولكنه كان حازما سايسا مهيبا قيل أنه رجع في مرضه عن الرفض وندم على الظلم وقيل أن سابور ذا الأكتاف أحد ملوك الفرس من أجداده وكان أقطع طارت يده اليسرى في بعض الحروب وتملك بعده ابنه عز الدولة بختيار
وفيها أبو محمد المغفلي أحمد بن عبد الله بن محمد المزني الهروي أحد الأئمة قال الحاكم كان إمام أهل خراسان بلا مدافعة سمع أحمد بن نجدة وإبراهيم بن أبي طالب ومطينا وطبقتهم وكان فوق الوزراء وكانوا يصدرون عن رأيه
وفيها القالي أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي اللغوي النحوي الإخباري صاحب التصانيف ونزيل الأندلس بقرطبة في ربيع الآخر وله ست وسبعون سنة أخذ الآداب عن ابن دريد وابن الأنباري وسمع من أبي يعلى الموصلي والبغوي وطبقتهما وألف كتاب البارع في اللغة في خمسة آلاف ورقة لكن لم يتمه
قاله في العبر وقال ابن خلكان طاف البلاد وسافر إلى بغداد وأقام بالموصل لسماع الحديث من أبي يعلى الموصلي ودخل بغداد في سنة خمس وثلثمائة وأقام بها إلى سنة ثمان وعشرين وثلثمائة وكتب بها الحديث ثم خرج من بغداد قاصدا الأندلس ودخل قرطبة سابع عشرى شعبان سنة ثلاثين وثلثمائة واستوطنها وأملى كتابه الأمالي بها وأكثر كتبه بها وضعها ولم يزل بها إلى أن مات في شهر ربيع الآخر وقيل جمادى الأولى ليلة السبت لست خلون من الشهر ومولده بمنازجرد من ديار بكر والقالي نسبة إلى قالى قلا من ديار بكر انتهى
ملخصا 19
وفيها الرفاء علي حامد بن محمد الهروي الواعظ المحدث بهراة في رمضان روى عن عثمان الدارمي والكديمي وطبقتهما وكان ثقة صاحب حديث
وفيها الرافعي أبو الفضل العباس بن محمد بن نصر بن السرى روى عن هلال ابن العلاء وجماعة وتوفي بمصر قال يحيى بن علي الطحان تكلموا فيه
وفيها عبد الخالق بن الحسن بن أبي روبا أبو محمد السقطي نسبة إلى بيع السقط المعدل البغدادي ببغداد روى عن محمد بن غالب تمتام وجماعة
وسبقه أبو عمر وعثمان بن محمد البغدادي السقطي سمع الكديمي وإسماعيل القاضي ومات في آخر السنة وله سبع وثمانون سنة
وفيها صاحب الأغاني أبو الفرج علي بن الحسين الأموي الأصبهاني الكاتب الإخباري يروى عن مطين فمن بعده وكان وكان أديبا نسابة علامة شاعرا كثير التصانيف ومن العجائب أنه مرواني يتشيع
توفي في ذي الحجة عن ثلاث وسبعين سنة قاله في العبر وقال ابن خلكان جده مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية وهو أصفهاني الأصل بغدادي المنشأ كان من أعيان أدبائها وأفراد مصنفيها وروى عن عالم كثير من العلماء يطول تعدادهم وكان عالما بأيام الناس والأنساب والسير قال التنوخي ومن المتشيعين الذين شاهدناهم أبو الفرج الأصبهاني كان يحفظ الشعر والأغاني والأخبار والآثار والأحاديث المسندة والأدب والنسب لم أر قط من يحفظ مثله ويحفظ دون ذلك من علوم أخرى منها اللغة والنحو والحرف والسير والمغازي ومن آلة المنادمة شيئا كثيرا مثل علم الجوارح والبيطرة وشيء من الطب والنجوم والأشربة وغير ذلك وله شعر يجمع إتقان العلماء وإحسان ظرفاء الشعراء وله المصنفات المستملحة منها كتاب الأغاني الذي وقع الاتفاق على أنه لم يعمل في بابه مثله يقال أنه جمعه في خمسين سنة وحمله إلى سيف الدولة بن حمدان فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه وحكى عن الصاحب بن عباد أنه كان في أسفاره يستصحب حمل ثلاثين جملا من كتب الأدب ليطلعها فلما وصل إليه كتاب الأغاني لم يكن 20
بعد ذلك يستصحب سواه استغناء به عنها وكان منقطعا إلى الوزير المهلبي وله فيه مدائح منها قوله فيه
( ولما انتجعنا لائذين بظله
أعان وما عنى ومن وما منا )
( وردنا عليه مقترين فراشنا
وردنا نداه مجدين فأخصبنا )
وكان قد خلط قبل أن يموت رحمه الله تعالى انتهى ما أورده ابن خلكان مختصرا
وفيها سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان بن حمدون التغلبي الجزري صاحب الشام بحلب في صفر وله بضع وخمسون سنة وكان بطلا شجاعا كثير الجهاد جيد الرأي عارفا بالأدب والشعر جوادا ممدحا مات بالفالج وقيل بعسر البول وكان قد جمع من الغبار الذي أصابه في الغزوات ما جاء منه لبنة بقدر الكف وأوصى أن يوضع خده إذا دفن عليها وتملك بعده ابنه سعد الدولة خمسا وعشرين سنة وبعده ولده أبو الفضل وبموته انقرض ملك بني سيف الدولة قال الثعالبي في يتيمته كان بنو حمدان ملوكا أوجههم للصباحة وألسنتهم للفصاحة وأيديهم للسماحة وعقولهم للرجاحة وسيف الدولة شهم سادتهم وواسطة قلادتهم لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعراء وغيرهم وكان شاعرا يرتاح للشعر وجرت بينه وبين أخيه ناصر الدولة وحشة فكتب إليه من شعره
( لست أجفو وإن جفوت ولا أترك
حقا علي في كل حال )
( إنما أنت والد والأب الجافي
يجازى بالصبر والاحتمال )
وكتب إليه مرة أخرى
( رضيت لك العليا وإن كنت أهلها
وقلت وهل بيني وبين أخي فرق )
ولم يك لي عنها نكول وإنما
تجافيت عن حقي ليبقى لك الحق )
( ولا بد لي من أن أكون مصليا
إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق ) 21
وأخباره كثيرة مع شعراء وقته كالمتنبي والسري الرفاء والنامي والوأواء وتلك الطبقة ويحكى أن ابن عمه أبا فراس كان يوما بين يديه في نفر من ندمائه فقال لهم سيف الدولة أيكم يجيز قولي وليس له إلا سيدي يعني أبا فراس
( لك جسمي تعله
فدمي لم تحله )
فارتجل أبو فراس وقال
( قال إن كنت مالكا
فلي الأمر كله )
فاستحسنه وأعطاه ضيعة بأعمال منبج تغل ألفي دينار في كل سنة ومن محاسن شعر سيف الدولة قوله في وصف قوس قزح وقد أبدع فيه كل الإبداع
( وساق صبيح للصبوح دعوته
فقام في أجفانه سنة الغمض )
( يطوف بكاسات العقار كأنجم
فمن بين منقض عليها ومنفض )
وقد نشرت أيدي الجنوب مطارفا
على الجود كنا والحواشي على الأرض )
( وطرزها قوس السحاب بأصفر
على أحمر في أخضر إثر مبيض )
( كأذيال خود أقبلت في غلائل
مصبغة والبعض أقصر من بعض )
وعذا من التشبيهات الملوكية التي لا يكاد يخطر مثلها لغيرهم ومن حسن شعره أيضا قوله
( تجبنى على الذنب والذنب ذنبه
وعاتبني ظلما وفي شقه العتب )
( إذا برم المولى بخدمة عبده
تجنى له ذنبا وإن لم يكن ذنب )
( وأعرض لما صار قلبي بكفه
فهلا جفاني حين كان لي القلب )
ومحاسنه وأخباره كثيرة فلنكتف بهذا القدر
وفيها أبو المسك كافور الحبشي الأسود الخادم الإخشيدي صاحب الديار المصرية اشتراه الإخشيد وتقدم عنده حتى صار من أكبر قواده لعقله ورأيه وشجاعته ثم صار أتابك ولده من بعده وكان صبيا فبقي الاسم لأبي القاسم أنوجور والدست لكافور فأحسن سياسة الأمور إلى أن مات أنوجور ومعناه بالعربي محمود 22
في سنة تسع وأربعين عن ثلاثين سنة وأقام كافور في الملك بعده أخاه عليا إلى أن مات في أول سنة خمس وخمسين وله إحدى وثلاثون سنة فتسلطن كافور واستوزر أبا الفضل جعفر بن خنزانة ابن الفرات وعاش بضعا وستين سنة قاله في العبر
وأخباره كثيرة شهيرة منها أنه كان ليلة كل عيد يرسل وقر بغل دراهم في صرر مكتوب على كل صرة اسم من جعلت له من بين عالم وزاهد وفقير ومحتاج وتوفي يوم الثلاثاء عشرى جمادى الأولى فعلى هذا لم تطل مدته في الاستقلال بل كانت سنة واحدة وشيئا يسيرا رحمه الله تعالى وكانت بلاد الشام في مملكته أيضا مع مصر وكان يدعى له على المنابر بمكة والحجاز جميعه والديار المصرية وبلاد الشام من دمشق وحلب وأنطاكية وطرسوس والمصيصة وغير ذلك وكان تقدير عمره خمسا وستين على ما حكاه الفرغاني في تاريخه
وفيها أبو الفتح عمر بن جعفر بن محمد بن سلم الجبلي الرجل الصالح ببغداد وله خمس وثمانون سنة روى عن الكديمي وطبقته
سنة سبع وخمسين وثلاثمائة
لم يحج فيها الركب لفساد الوقت وموت السلاطين في الشهور الماضية
وفيها توفي أبو العباس أحمد بن الحسين بن إسحق بن عتبة الرازي ثم المصري المحدث في جمادى الآخرة وله تسع وثمانون سنة سمع مقدام بن داود الرعيني وطبقته
وفيها أحمد بن محمد بن رميح أبو سعيد النخعي النسوي نسبة إلى نسا مدينة بخراسان الحافظ صاحب التصانيف طوف الكثير وروى عن أبي خليفة الجمحي وطبقته وعنه الدار قطني والحاكم والصحيح أنه ثقة سكن اليمن مدة
وفيها المتقي لله أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد بالله أحمد ابن الموفق العباسي المخلوع الذي ذكرنا في سنة ثلاث وثلاثين أنهم خلعوه وسملوا عينيه وبقي في السجن إلى هذا العام كالميت وكات في شعبان وله ستون سنة وكانت خلافته 23
أربع سنين وكان أبيض مليحا مشربا حمرة أشهل أشقر كث اللحية وكان فيه صلاح وكثرة صيام وصلاة ولم يكن يشرب وفي خلافته انهدمت القبة الخضراء المنصورية التي كانت فخر بني العباس قاله في العبر
وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الراضي وهو ابن أربع وثلاثين سنة وأمه أمة اسمها خلوب وقيل زهرة ولم يغير شيئا قط ولا تسري على جاريته التي كانت له وكان كثير الصوم والتعبد لم يشرب نبيذا قط وكان يقول لا أريد نديما غير المصحف ولم يكن له إلا الاسم والتدبير لأبي عبد الله أحمد بن علي الكوفي كاتب بحكم
وفي هذه السنة من ولايته سقطت القبة الخضراء بمدينة المنصور وكانت تاج بغداد ومأثرة بني العباس وهي من بناء المنصور ارتفاعها ثمانون ذراعا وتحتها إيوان طوله عشرون ذراعا في عشرين ذراعا وعليها تمثال فارس بيده رمح فإذا استقبل بوجهه علم أن خارجيا يظهر من تلك الجهة فسقط رأس هذه القبة في ليلة ذات مطر ورعد ولما كحل المتقي لله وعمى قال القاهر
( صرت وإبراهيم شيخي عمى
لا بد للشيخين من مصدر )
( ما دام توزون له إمرة
مطاعة فالميل في المجمر )
ولم يحل الحول على توزون حتى مات وأما المتقي فإنه أخرج إلى جزيرة مقابلة للسندية فحبس بها فأقام في السجن خمسا وعشرين سنة إلى أن مات وفي أيام المتقي كان حمدى اللص ضمنه شيرزاد لما تغلب على بغداد اللصوصية بخمسة وعشرين ألف دينار في الشهر فكان يكبس بيوت الناس بالمشعل والشمع ويأخذ الأموال وكان أسكورح الديلمي قد ولي شرطة بغداد فأخذه ووسطه وذلك سنة اثنتين وثلاثين ولما بلغ القاهر أن المتقي سمل قال صرنا اثنين ونحتاج إلى ثالث فكان كذلك فإنه سمل المستكفي بالله انتهى ما أورده السيوطي ملخصا
وفيها حمزة بن محمد بن علي بن العباس أبو القاسم الكناني المصري الحافظ أحد أئمة هذا الشأن روى عن النسائي وطبقته وعنه ابن مندة والدار قطني وغيرهما 24
وهو ثقة ثبت أكثر التطواف بعد الثلاثمائة وجمع وصنف وكان صالحا دينا بصيرا بالحديث وعلله مقدما فيه وهو صاحب مجلس البطاقة توفي في ذي الحجة ولم يكن للمصريين في زمانه أحفظ منه قال الحاكم متفق على تقدمه في معرفة الحديث
وفيها القاضي أبو العباس عبد الله بن الحسين بن الحسن بن أحمد بن النضر النضري المروزي محدث مرو في شعبان وله سبع وتسعون سنة رحله أبوه وسمع من الحارث بن أبي أسامة وأبي إسماعيل الترمذي وطائفة
انتهى إليه علو الإسناد بخراسان
وفيها أبو فراس الحارث بن أبي العلاء سعيد بن حمدان بن حمدون الحمداني ابن عم ناصر الدولة وسيف الدولة ابني حمدان قال الثعالبي في وصفه كان فرد درهره وشمس عصره أدبا وفضلا وكرما ومجدا وبلاغة وبراعة وفروسية وشجاعة وشعره مشهور سائر بين الحسن والجودة والسهولة والجزالة والعذوبة والفخامة والحلاوة ومعه رواء الطبع وسمة الظرف وعزة الملك ولم تجتمع هذه الخلال قبله إلا في شعر عبد الله بن المعتز وأبو فراس يعد أشهر منه عند أهل الصنعة ونقدة الكلام وكان الصاحب بن عباد يقول بدئ الشعر بملك وختم بملك يعني امرأ القيس وأبا فراس وكان المتنبي يشهد له بالتقدم والتبريز ويتحامى جانبه فلا ينبري لمباراته ولا يجترئ على مجاراته وإنما لم يمدحه ومدح من هو دونه من آل حمدان تهيبا له وإجلالا لا إغفالا وإخلالا وكان سيف الدولة يعجب جدا بمحاسن أبي فراس ويميزه بالإكرام على سائر قومه ويستصحبه في غزواته ويستخلفه في أعماله وكانت الروم قد أسرته في بعض وقائعها وهو جريح قد أصابه سهم بقي نصله في فخذه ونقلته إلى خرشنة ثم منها إلى قسطنطينية وذلك في سنة ثمان وأربعين وفداه سيف الدولة ومن شعره
( قد كنت عدتي التي أسطو بها
ويدي إذا اشتد الزمان وساعدي ) 25
( فرميت منك بضد ما أملته
والمرء يشرق بالزلال البارد )
وله أيضا
( أساء فزادته الإساءة حظوة
حبيب على ما كان منه حبيب )
( يعد علي الواشيان ذنوبه
ومن أين للوجه الجميل ذنوب )
وله
( سكرت من لحظه لا من مدامته
ومال بالنوم عن عيني تمايله )
( فما السلاف دهتني بل سوالفه
ولا الشمول ازدهتني بل شمائله )
( ألوى بعزمي أصداغ لوين له
وغال قلبي بما تحوي غلائله )
وكان ينشد ابنته لما حضرته الوفاة
( نوحي علي بحسرة
من خلف سترك والحجاب )
( قولي إذا كلمتني
فعييت عن رد الجواب )
( زين الشباب أبو فراس
لم يمتع بالشباب )
وهذا يدل على أنه لم يقتل أو يكون جرح وتأخر موته ثم مات من الجراحة وذكر ثابت بن سنان الصابي في تاريخه قال في يوم السبت لليلتين خلتا من جمادى الأولى جرت حرب بين أبي فراس وكان مقيما بحمص وبين أبي المعالي ابن سيف الدولة واستظهر عليه أبو المعالي وقتله في الحرب وأخذ برأسه وبقيت جثته مطروحة في البرية إلى أن جاء بعض الأعراب فكفنه ودفنه انتهى
أي لأنه كما قال ابن خالويه لما مات سيف الدولة عزم أبو فراس على التغلب على حمص فاتصل خبره بأبي المعالي ابن سيف الدولة وغلام أبيه فرغويه فقاتلاه وكان أبو فراس خال أبي المعالي وقلعت أمه عينها لما بلغها وفاته وقيل أنها لطمت وجهها فقلعت عينها وقيل لما قتله فرغويه ولم يعلم به أبو المعالي فلما بلغه الخبر شق عليه ويقال أن مولده كان في سنة عشرين وثلثمائة والله أعلم
وفيها عبد الرحمن بن العباس أبو القاسم البغدادي والد أبي طاهر المخلص سمع 26
الكديمي وإبراهيم الحربي وجماعة ووثقه ابن أبي الفوارس وكان أطروشا
وفيها الحافظ عمر بن جعفر البصري المحدث أبو حفص خرج لخلق كثير ولم يكن بالمتقن وقد روى عن أبي خليفة الجمحي وعبدان وطبقتهما وعنه أبو الحسن رزقوية وعلي بن أحمد الرزاز وكان الدار قطني يتتبع خطأ عمر البصري فيما انتقاه عن أبي بكر الشافعي وعاش عمر هذا سبعا وسبعين سنة وقال عنه ابن ناصر الدين متهم وقال في المغني صدوق وقال أبو محمد السبيعي كذاب وقال غيره يخطئ كثيرا انتهى كلام المغني
وفيها أبو إسحاق القراريطي الوزير وهو محمد بن أحمد بن إبراهيم الإسكافي الكاتب وزر لمحمد بن واثق ثم وزر للمتقي لله مرتين فصودر فصار إلى الشام وكتب لسيف الدولة وكان ظلوما غشوشا عاش ستا وسبعين سنة
قاله في العبر
وفيها ابن محزم وهو الرئيس أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن مخلد البغدادي الجوهري الفقيه المحتسب تلميذ محمد بن جرير الطبري روى عن الحارث ابن أبي أسامة وطبقته وعاش ثلاثا وتسعين سنة قال البرقاني لا بأس به وتوفي في ربيع الآخر
وفيها أبو سليمان الحراني محمد بن الحبب البغدادي في رمضان روى عن أبي خليفة وعبدان وأبي يعلى وكان ثقة صاحب حديث ومعرفة وإتقان
وفيها أبو علي بن آدم الفزاري محمد بن محمد بن عبد الحميد القاضي العدل بدمشق في جمادى الآخرة روى عن أحمد بن علي القاضي المروزي وطبقته
سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة
فيها كان خروج الروم من الكفور فأغاروا وقتلوا وسبوا ووصلوا إلى حمص وعظم المصاب وجاءت المغاربة مع القائد جوهر المغربي فأخذوا ديار مصر وأقاموا الدعوة لبني عبيد الرافضة مع أن الدولة بالعراق هذه المدة رافضية والشعار الجاهلي يقام يوم عاشوراء ويوم الغدير 27
وفيها توفي ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان التغلبي صاحب الموصل وكان أخوه سيف الدولة يتأدب معه لسنه ولمنزلته عند الخلفاء وكان هو كثير المحبة لسيف الدولة فلما توفي حزن عليه ناصر الدولة وتغيرت أحواله وتسودن وضعف عقله فبادر ولده أبو تغلب الغضنفر ومنعه من التصرف وقام بالمملكة ولم يزل معتقلا حتى توفي في ربيع الأول عن نحو ستين سنة قاله في العبر
وفيها الحسن بن محمد بن كيسان أبو محمد الحربي أخو علي ثقة روى عن إسماعيل القاضي والكبار ومات في شوال
وفيها أبو القاسم زيد بن علي بن أبي بلال العجلي الكوفي شيخ الإقراء ببغداد قرأ على أحمد بن فرح وابن مجاهد وجماعة وحدث عن مطين وطائفة توفي في جمادى الأولى
وفيها محدث دمشق محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك بن مروان أبو عبد الله القرشي الدمشقي روى عن أحمد بن محمد بن يحيى حمزة وزكريا خياط السنة وطبقتهما وكان ثقة مأمونا جوادا مفضلا خرج له ابن مندة الحافظ ثلاثين جزءا وأملى مدة
وفيها محدث الأندلس محمد بن معاوية بن عبد الرحمن أبو بكر الأموي المرواني القرطبي المعروف بابن الأحمر روى عن عبيد الله بن يحيى وخلق وفي الرحلة عن النسائي والفريابي وأبي خليفة الجمحي ودخل الهند للتجارة فغرق له ما قيمته ثلاثون ألف دينار ورجع فقيرا وكان ثقة توفي في رجب وكان عنده السنن الكبير للنسائي
سنة تسع وخمسين وثلاثمائة
في أولها أخذ نقفور أنطاكية بنوع أمان فأسر الشباب وأطلق الشيوخ والعجائز وكان قد طغى وتجبر وقهر البلاد وتمرد على الله وتزوج بزوجة الملك 28
الذي قبله كرها وهم باخصاء ولديها لئلا يملكا فعملت عليه المرأة وأرسلت إلى الدمستق فجاء إليها في زي النساء هو وطائفة فباتوا عندها ليلة الميلاد فبيتوا نقفور وأجلسوا في المملكة ولدها الأكبر
وفيها توفي أبو عبد الله أحمد بن بندار الشعار بن إسحق الفقيه مسند أصبهان روى عن إبراهيم بن سعدان وابن أبي عاصم وطائفة وكان ثقة ظاهري المذهب
وفيها أحمد بن السندي أبو بكر البغدادي الحداد روى عن الحسن بن علويه وغيره قال أبو نعيم كان يعد من الإبدال
وفيها أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي المعروف بابن القطان آخر أصحاب ابن سريج وفاة أخذ عنه علماء بغداد ومات بها في جمادى الأولى وله مصنفات في أصول الفقه وفروعه
وفيها أحمد بن يوسف بن خلاد النصيبيني العطار ببغداد في صفر وكان عريا من العلم وسماعه صحيح روى عن الحارث بن أبي أسامة وتمتام وطائفة
وفيها حبيب بن الحسن القزاز أبو القاسم الرجل الصالح وثقة جماعة ولينة بعضهم روى عن أبي مسلم الكجي وجماعة
وفيها أبو علي الصواف محمد بن أحمد بن الحسن البغدادي المحدث الحجة روى عن محمد بن إسماعيل الترمذي وإسحق الحربي وطبقتهما قال الدار قطني ما رأت عيناي مثله ومثل آخر بمصر انتهى
ومات في شعبان وله تسع وثمانون سنة
وفيها أبو الحسين محمد بن علي بن حبيش البغدادي الناقد روى عن أبي شعيب الحراني ومطين
سنة ستين وثلاثمائة
فيها لحق المطيع لله فالج بطل نصفه وثقل لسانه وأقامت الشيعة عاشوراء باللطم والعويل وعيد الغدير بالفرح والكوسات
وفيها أخذت الروم من أنطاكية أكثر من عشرين ألف أسير 29
وفيها توفي جعفر بن فلاح الذي ولى إمرة دمشق للباطنية وهو أول نائب وليها لبني عبيد وكان قد سار إلى الشام فأخذ الرملة ثم دمشق بعد أن حاصر أهلها أياما ثم قدم لحربه الحسن بن أحمد القرمطي الذي تغلب قبله على دمشق وكان جعفر مريضا على نهر يزيد فأسره القرمطي وقتله قال ابن خلكان أبو علي جعفر ابن فلاح الكتامي كان أحد قواد المعز أبي تميم معد بن منصور العبيدي صاحب أفريقية وجهزه مع القائد جوهر لما توجه لفتح الديار المصرية فلما أخذ مصر بعثه جوهر إلى الشام فغلب على الرملة في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وثلثمائة ثم تغلب على دمشق فملكها في المحرم سنة تسع وخمسين بعد أن قاتل أهلها ثم أقام بها إلى سنة ستين ونزل إلى الدكة فوق نهر يزيد بظاهر دمشق فقصده الحسن بن أحمد القرمطي المعروف بالأعصم فخرج إليه جعفر المذكور وهو عليل فظفر به القرمطي فقتله وقتل من أصحابه خلقا كثيرا وذلك في يوم الخميس سادس ذي القعدة سنة ستين وثلثمائة قال بعضهم قرأت على باب قصر القائد جعفر بن فلاح المذكور بعد قتله مكتوبا
( يا منزلا لعب الزمان بأهله
فأبادهم بتفرق لا يجمع )
( أين الذين عهدتهم بك مرة
كان الزمان بهم يضر وينفع )
( ذهب الذين يعاش في أكنافهم
وبقي الذين حياتهم لا تنفع )
وكان جعفر المذكور رئيسا جليل القدر ممدحا وفيه يقول أبو القاسم محمد بن هانئ الأندلسي الشاعر المشهور
( كانت مساءلة الركبان تخبرني
عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر )
( حتى التقينا فلا والله ما سمعت
أذني بأحسن مما قد رأى بصري )
والناس يروون هذين البيتين لأبي تمام في القاضي أحمد بن داود وهو غلط انتهى
وفيها الأمير زيري بن مناد الحميري الصنهاجي جد المعز بن باديس وزيري أول من ملك من طائفته وهو الذي بني مدينة أشير في إفريقية وحصنها في أيام خروج 30
مخلد الخارجي وكان زيري حسن السيرة شجاعا صارما وكانت بينه وبين جعفر الأندلسي ضغائن وأحقاد أفضت إلى الحرب فلما تصافا انجلى المصاف عن قتل زيري المذكور وذلك في شهر رمضان ذكروا أنه كبا به فرسه فسقط إلى الأرض فقتل وكانت مدة ملكه ستا وعشرين سنة وهو صاحب مدينة تاهرت
وفيها الحافظ العلم مسند العصر الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب ابن مطير اللخمي في ذي القعدة في أصبهان وله مائة سنة وعشرة أشهر وكان ثقة صدوقا واسع الحفظ بصيرا بالعلل والرجال والأبواب كثير التصانيف وأول سماعه في سنة ثلاث وسبعين ومائتين بطبرية المنسوب إليها ورحل أولا إلى القدس سنة أربع وسبعين ثم رحل إلى حمص وجبلة ومدائن الشام وحج ودخل اليمن ورد إلى مصر ثم رحل إلى العراق وأصبهان وفارس روى عن أبي زرعة الدمشقي وإسحق الديري وطبقتهما كالنسائي وعنه من شيوخه أبو خليفة الجمحي وابن عقدة وأبو نعيم الحافظ وأبو الحسين بن فاذ شاه وغيرهم قال ابن خلكان وعدد شيوخه ألف شيخ وله المصنفات الممتعة النافعة الغريبة منها المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير وهو أشهر كتبه وروى عنه الحافظ أبو نعيم والخلق الكثير ومولده سنة ستين ومائتين بطبرية الشام وسكن أصبهان إلى أن توفي بها نهار السبت ثامن عشرى القعدة سنة ستين وثلثمائة انتهى
وقال ابن ناصر الدين هو مسند الآفاق ثقة له المعاجم الثلاثة المنسوبة إليه وكان يقول عن الأوسط هو روحي لأنه تعب عليه انتهى
وفيها أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الفارسي الرامهرمزي الحافظ الكبير البارع روى عن أبيه ومحمد بن عبد الله الحضرمي وأبي خليفة الجمحي وعنه ابن جميع وابن مردويه وغيرهما وهو من الثقات
وفيها الطوماري نسبة إلى طومارجد وهو أبو عيسى بن محمد البغدادي في 31
صفر وله ثمان وتسعون سنة وهو ليس بالقوي يروى عن الحارث بن أبي أسامة وابن أبي الدنيا والكديمي وطبقتهم
وفيها أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد الهيثم الأنباري البندار روى عن أحمد ابن الخليل البرجلاني ومحمد بن أحمد بن أبي العوام وتفرد بالرواية عن جماعة وتوفي يوم عاشوراء وله ثلاث وتسعون سنة وأصوله حسنة بخط أبيه
وفيها أبو عمرو بن مطر النيسابوري الزاهد شيخ السنة محمد بن جعفر بن محمد بن مطر المعدل روى عن أبي عمر أحمد بن المبارك المستملي ومحمد بن أيوب الرازي وطبقتهما وكان متعففا قانعا باليسير يحي الليل ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويجتهد في متابعة السنة توفي في جمادى الآخرة وله خمس وتسعون سنة
وفيها محمد بن جعفر بن محمد بن كنانة أبو بكر البغدادي المؤدب روى عن الكديمي وأبي مسلم الكجي قال ابن أبي الفوارس فيه تساهل وتوفي عن أربع وتسعين سنة
ومن غرائب الاتفاق موت هؤلاء الثلاثة في سنة واحدة وهم في عشر المائة وأسماؤهم وآباؤهم واحدة وهم شيء واحد قاله في العبر
وفيها ابن العميد الوزير العلامة أبو الفضل محمد بن الحسين بن محمد الكاتب وزير ركن الدولة الحسن بن بويه صاحب الري كان آية في الترسل والإنشاء فيلسوفا متهما برأي الحكماء حتى كان ينظر بالجاحظ وكان يقال بدئت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد وكان الصاحب إسماعيل بن عباد تلميذه وخصيصه وصاحبه ولذلك قالوا الصاحب ثم صار لقبا عليه وكان الصاحب ابن عباد قد سافر إلى بغداد فلما رجع إليه قال كيف وجدتها قال بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد وكان ابن العميد سايسا مدبرا للملك قائما بضبطه وقصده جماعة من مشاهير الشعراء من البلاد الشاسعة ومدحوه بأحسن المدائح فمنهم أبو الطيب ورد عليه وهو بأرجان ومدحه بقصائد أحدها التي أولها 32
( باده واك صبرت أم لم تصبرا
وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى )
( أرجان أيتها الجياد فإنه
عزمي الذي يذر الوشيج مكسرا )
( لو كنت أفعل ما اشتهيت فعاله
ما شق كوكبه العجاج إلا كدرا )
( إني أبا الفضل المبر أليتي
لأيمن أجل بحر جوهرا )
( أفدي برؤيته الأنام وحاش لي
من أن أكطون مقصرا أو مقصرا )
( من مبلغ الأعراب أني بعدها
شاهدت رسطاليس والاسكندرا )
( ومللت نحر عشارها فأصابني
من ينحر البدن النضار لمن قرى )
( وسمعت بطليموس دارس كتبه
متملكا متبديا متحضرا )
( ولقيت كل الفاضلين كأنما
رد الآله نفوسهم والأعصرا )
( نسقوا لنا نسق الحساب مقدما
وأتى بذلك إذ أتيت مؤخرا )
وهي من القصائد المختارة قال ابن الهمذاني في كتاب عيون السير فأعطاه ثلاثة آلاف دينار وكان المتنبي نظمها بمصر في أبي الفضل جعفر بن الفرات فلما لم يرضه لم ينشده إياها فلما توجه إلى بلاد فارس صرفها إلى ابن العميد وكان أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي قد ورد عليه وهو بالري وامتدحه بقصيدته التي أولها
( برح اشتياق وادكار
ولهيب أنفاس حرار )
( ومدامع عبراتها
ترفض عن نوم مطار )
( لله قلبي ما يحن
من الهموم وما يوارى )
( لقد انقضى سكر الشباب
وما انقضى وصب الخمار )
( وكبرت عن وصل الصغار
وما سلوت عن الصغار )
( سقيا لتغليسي إلى
باب الرصافة وابتكاري )
( أيام أخطر في الصبا
نشوان مسحوب الإزار )
( حجى إلى حجر الصراة
وفي حدائقها اعتماري ) 33
( ومواطن اللذات أو
طاني ودار اللهو داري )
( لم يبق لي عيش يلذ
سوى معاقرة العقار )
( حتى بألحان قمرت
بهن ألحان القمار )
( وإذا استهل ابن العميد
تضالت ديم القطار )
( خلق صفت أخلاقه
صفو السبيك من النضار )
( فكأنما رفدت مواهبه
بأمواج البحار )
( وكأن نشر حديثه
نشر الخزامى والعرار )
( وكأننا مما تفرق راحتاه في نثار )
( إن الكبار من الأموار
تنال بالهمم الكبار )
فتأخرت صلته فشفع هذه القصيدة بأخرى واتبعها برقعة فلم يزده ابن العميد على الإهمال مع رقة حاله التي ورد عليها إلى بابه فتوصل إلى أن دخل عليه يوم المجلس وهو حفل بأعيان الدولة ومقدمي أرباب الديوان فوقف بين يديه وأشار بيده إليه وقال أيها الرئيس إني لزمتك لزوم الظل وذللت لك ذل النعل وأكلت النوى المحرق انتظارا لصلتك والله ما بي من الحرمان ولكن شماتة الأعداء قوم نصحوني فاغتششتهم وصدقوني فاتهمتهم فبأي وجه ألقاهم وبأي حجة أقاومهم ولم أحصل من مديح ومن نثر بعد نظم إلا على ندم مؤلم ويأس مسقم فإن كان للنجاح علامة فأين هي وما هي إن الذين نحسدهم على ما مدحوا كانوا من طينتك زإن الذين هجوا كانوا مثلك فزاحم بمنكبك أعظمهم سناما وأنورهم شعاعا وأشرفهم يفاعا ثم رفع رأسه ابن العميد وقال هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة وعن الإطالة مني في المعذرة وإذا تواهبنا ما دفعنا استأنفنا ما نتحامل عليه فقال ابن نباتة أيها الرئيس هذه نفثة صدر قد ذوى منذ زمان وفضله لسان قد خرس منذ دهر والغنى إذا مطل لئيم فاستشاط ابن العميد وقال والله ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق الله تعالى ولقد نافرت العميد من دون ذا حتى 34
دفعنا إلى فرى عاتم ولجاج قائم ولست ولي نعمتي فأحتملك ولا صنيعتي فأغضي عنك وإن بعض ما أقررته في مسامعي ينغص مرة الحليم ويبدد شمل الصريم هذا وما استقدمتك بكتاب ولا استدعيتك برسول ولا سألتك مدحي ولا كلفتك تقريضي فقال ابن نباتة صدقت أيها الرئيس ما استقدمتني بكتاب ولا استدعيتني برسول ولا سألتني مدحك ولا كلفتني تقريضك ولكن جلست في صدر إيوانك بأبهتك وقلت لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة ولا ينازعني خلق في أحكام السياسة فإني كاتب ركن الدولة وزعيم الأولياء والحضرة والقيم بمصالح المملكة فكأنك دعوتني بلسان الحال ولم تدعني بلسان القال فثار ابن العميد مغضبا وأسرع في صحن داره إلى أن دخل حجرته وتقوض المجلس وماج الناس وسمع ابن نباتة وهو في صحن الدار مارا يقول والله إن سف التراب والمشي على الجمر أهون من هذا فلعن الله الأدب إذا كان بائعه مهينا ومشتريه مما كسا فيه فلما سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه حلمه التمسه من الغد ليعتذر إليه ويزيل آثار ما كان منه فكأنما غاص في سمع الأرض وبصرها فكانت حسرة في قلب ابن العميد إلى أن مات وللصحاب ابن عباد فيه مدائح كثيرة وكان ابن العميد قد قدم مرة إلى أصبهان والصاحب بها فكتب إليه يقول
( قالوا ربيعك قد قدم
قلت البشارة إن سلم )
( أهو الربيع أخو الشتاء
أم الربيع أخو الكرم )
( قالوا الذي بنواله
أمن المقل من العدم )
( قلت الرئيس ابن العميد
إذا فقالوا لي نعم )
ولابن العميد شعر متوسط منه قوله
( رأيت في الوجه طاقة بقيت
سوداء عيني تحب رؤيتها )
( فقلت للبيض إذ تروعها
بالله إلا رحمت وحدتها )
( فقلن ليس السواد في بلد
تكون فيه البيضاء ضرتها ) 35
وفيها الآجري الإمام أبو بكر محمد بن الحسين البغدادي المحدث الثقة الضابط صاحب التصانيف والسنة كان حنبليا وقيل شافعيا وبه جزم الأسنوي وابن الأهدل سمع أبا مسلم الكجي وايا شعيب الحراني وطائفة ومنه أبو الحسن الحماني وأبو الحسين ابن بشران وأبو نعيم الحافظ وصنف كثيرا جاور بمكة وتوفي بها قيل إنه لما دخلها فأعجبته قال اللهم ارزقني الإقامة بها سنة فهتف به هاتف بل ثلاثين سنة فعاش بها ثلاثين سنة ثم مات بها في أول المحرم والآجري بضم الجيم نسبة إلى قرية من قرى بغداد
وفيها أبو طاهر بن ذكوان البعلبكي المؤدب محمد بن سليمان نزيل صيدا ومحدثها قرأ القرآن على هارون الأخفش وسمع أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة وزكريا خياط السنة وطبقتهما وعاش بضعا وتسعين سنة روى عن السكن ابن جميع وصالح بن أحمد المسامحي وقرأ عليه عبد الباقي بن الحسين شيخ أبي الفتح فارس
وفيها أبو القاسم محمد بن أبي يعلى الهاشمي الشريف لما أخذت العبيديون دمشق قام هذا الشريف بدمشق وقام معه أهل الغوطة والشباب واستفحل أمره في ذي الحجة سنة تسع وخمسين وطرد عن دمشق متوليها ولبس السواد وأعاد الخطبة لبني العباس فلم يلبث إلا أياما حتى جاء عسكر المغاربة وحاربوا أهل دمشق وقتل بين الفريقين جماعة ثم هرب الشريف في الليل وصالح أهل البلد العسكر ثم أسر الشريف عند تدمر فشهره جعفر بن فلاح على جمل في المحرم سنة ستين وبعث به إلى مصر
وقد توفي في عشر الستين وثلثمائة خلق منهم أحمد بن القاسم بن الريان أبو الحسن المصري المكي نزيل البصرة روى عن الكديمي وإسحق الدبري وطبقتهما قال ابن ماكولا فيه ضعف وقال الحافظ أبو محمد الحسن بن علي البصري سمعت منه وليس بالمرضى 36
وأحمد بن طاهر النجم الحافظ أبو عبد الله محدث أذربيجان الميانجي بالفتح والنحية وفتح النون وجيم نسبة إلى ميانة بلد بأذربيجان قال أبو الحسين أحمد ابن فارس اللغوي ما رأيت مثله ولا رأى مثل نفسه وقال الخليل توفي بعد الخمسين سمع أبا مسلم الكجي وعبد الله بن أحمد
وأبو الحسن بن سالم الزاهد أحمد بن محمد بن سالم الزاهد البصري شيخ السالمية كان له أحوال ومجاهدات وعنه أخذ الأستاذ أبو طالب صاحب القوت وهو آخر أصحاب سهل التستري وفاة وقد خالف أصول السنة في مواضع وبالغ في الإثبات في مواضع وعمر دهرا وبقي إلى سنة بضع وخمسين
قاله في العبر
وأبو حامد أحمد بن محمد بن شادك الفقيه الشافعي مفتي هراة ومحدثها ومفسرها وأديبها رحل الكثير وعني بالحديث وروى عن محمد بن عبد الرحمن الشامي والحسن بن سفيان وطبقتهما وتوفي سنة خمس وخمسين وقيل سنة ثمان وخمسين
وإبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أبي العزائم أبو إسحق الكوفي صاحب أبي عمر وأحمد بن أبي عزيزة الغفاري
وأبو علي النجاد الصغير وهو الحسن بن عبد الله البغدادي الحنبلي المسند صنف في الأصول والفروع قال ابن أبي يعلى في طبقاته أنه كان فقيها معظما إماما في أصول الدين وفروعه صحب من شيوخ المذهب كأبي الحسن بن بشار وأبي محمد البربهاري ومن في طبقتهما وصحبه جماعة منهم أبو حفص البرمكي وأبو جعفر العكبري وأبو الحسن الخرزي قال النجاد جاءني رجل وقد كنت حذرت منه أنه رافضي فأخذ يتقرب إلي ثم قال لا نسب أبا بكر وعمر بل معاوية وعمرو ابن العاص فقلت له وما لمعاوية قال لأنه قاتل عليا قلت له أن قوما يقولون أنه لم يقاتل عليا وإنما قاتل قتله عثمان قال فقول النبي لعمار تقتلك ( تقتلك الفئة الباغية ) قلت إن أنا قلت لم يصح وقعت منازعته ولكن قوله تقتلك الفئة الباغية يعني به الطالبة لا الظالمة لأن أهل اللغة تسمى الطالب باغيا ومنه بغيت 37
الشيء أي طلبته ومنه قوله تعالى قالوا (
يا أبانا ما نبغي ) وقوله عز وجل (
وابتغوا من فضل الله ) ومثل ذلك كثير فإنما يعني بذلك الطالبة لقتلة عثمان رضوان الله عليه وقال أبو حفص العكبري سمعت أبا علي النجاد يقول سمعت أبا الحسن بن بشار يقول ما أعتب على رجل يحفظ لأحمد بن حنبل خمس مسائل أن يستند إلى بعض سواري المسجد ويفتي الناس بها وجزم ابن برداس أن النجاد هذا توفي سنة ثمان وخمسين وثلمائة
وفيها الرامهرمزي الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الحافظ القاضي روى عن أبيه ومطين ومحمد بن المازني وغيرهم وعنه ابن جميع وابن مردويه وغيرهما وهو ثقة قال أبو القاسم بن مندة عاش إلى قريب الستين وثلثمائة وجزم ابن برداس أنه توفي سنة ستين
والجابري عبد الله بن إسحق الموصلي صاحب الجزء المشهور به وشيخ أبي نعيم الحافظ روى عن محمد بن أحمد بن أبي المثنى وغيره
وأبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن أحمد بن علك المروزي الجوهري المحدث محدث مرو ومسندها روى عن الفضل الشعراني ومحمد بن أيوب الضريس قال ابن ناصر الدين هو ثبت مشهور وجزم أنه توفي بعد الستين
وكشاجم أحد فحول الشعراء واسمه محمود بن حسين كان من الشعراء المجيدين والفضلاء المبرزين حتى قيل أن لقبه هذا منحوت من عدة علوم كان يتقنها فالكاف للكتابة والشين من الشعر والألف من الإنشاء والجيم من الجدل والميم من المنطق وكان يضرب بملحه المثل فيقال ملح كشاجم ومن شعره قوله في أسود له تعد
( يا مشبها في لونه فعله
لم تعد ما أوجبت القسمه )
( فعلك من لونك مستنبط
والظلم مشتق من الظلمه )
وقال بعضهم في ترجمته هو أبو الحسين وأبو الفتح بن السندي الكاتب 38
المعروف بكشاجم هو من أهل الرملة من نواحي فلسطين وكان رئيسا في الكتابة ومقدما في الفصاحة والخطابة له تحقيق يتميز به عن نظرائه وتدقيق يربى به على أكفائه وتحديق في علوم التعليم أضرم في شعلة ذكائه فهو الشاعر المفلق والنجم المتألق لقب نفسه بكشاجم فسئل عن ذلك فقال الكاف من كاتب والشين من شاعر والألف من أديب والجيم من جواد والميم من منجم وكان من شعراء أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان والد سيف الدولة قيل أنه كان طباخ سيف الدولة شعره أنيق وأرج مدوناته فتيق منها كتاب المصائد والمطارد قال في تثقيف اللسان كشاجم لقب له جمعت أحرفه من صناعته ثم طلب علم الطب حتى مهر فيه وصار أكبر علمه فزيد في اسمه طاء من طبيب وقدمت فقيل طكشاجم ولكنه لم يشتهر
وأبو حفص العتكي الأنطاكي عمر بن علي روى عن ابن جوصا والحسن ابن أحمد بن فيل وطبقتهما
وأبو العباس محمد بن أحمد بن حمدان الزاهد أخو أبي عمرو بن حمدان نزل خوارزم وحدث بها عن محمد بن أيوب بن الضريس ومحمد بن عمر وقشمرد وطبقتهما وأكثر عنه البرقاني
ومحمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب الأصبهاني القماط روى عن أبي بكر بن أبي عاصم وغيره
وأبو جعفر الروذراوري نسبة إلى روذراور بلد بهمذان واسمه محمد بن عبد الله ابن برزة حدث بهذان سنة سبع وخمسين عن تمتام وإسماعيل القاضي وطبقتهما وقال صالح بن أحمد الحافظ هو شيخ 39
سنة إحدى وستين وثلاثمائة
قال في الشذور فيها انقض في صفر كوكب عظيم له دوي كدوي الرعد
وفيها مات الأسيوطي أبو علي الحسن بن الخضر في ربيع الأول روى عن النسائي والمنجنيقي والأسيوطي بضم أوله والتحتية نسبة إلى أسيوط ويقال سيوط بلد بصعيد مصر قال الجلال السيوطي في لباب الأنساب قلت فيها خمسة أوجه ضم الهمزة وكسرها وإسقاطها وتثليث السين المهملة انتهى
وفيها الخيام خلف بن محمد بن إسماعيل أبو صالح البخاري محدث ما وراء النهر روى عن صالح جزرة وطبقته ولم يرحل ولينه أبو سعد الإدريسي وعاش ستا وثمانين سنة
وفيها الدراج أبو عمر وعثمان بن عمر بن خفيف البغدادي المقرئ روى عن ابن المجدر وطائفة قال البرقاني كان بدلا من الإبدال
وفيها محمد بن أسد الخشني بالضم والفتح نسبة إلى خشن قرية بإفريقية القيرواني أبو عبد الله الحافظ نزيل قرطبة صنف كتاب الاختلاف والافتراق في مذهب مالك وكتاب الفتيا وكتاب تاريخ الأندلس وكتاب تاريخ إفريقية وكتاب النسب
سنة اثنتين وستين وثلاثمائة
فيها كما قال في الشذور قتل رجل من أصحاب المعونة في الكرخ فبعث أبو الفضل الشيرازي صاحب معز الدولة من طرح النار في النحاسين إلى السماكين فاحترقت سبعة عشر ألف وثلثمائة وعشرين دارا أجرة ذلك في الشهر ثلاثة وأربعون ألف دينار ودخل في الجملة ثلاثة وثلاثون مسجدا وهلك خلق كثير من الناس في الدور والحمامات انتهى
وفيها كما قال في العبر أخذت الروم نصيبين واستباحوها وتوصل من نجا إلى بغداد وقام معهم المطوعة واستنفروا الناس ومنعوا من الخطبة وحاولوا الهجوم 40
على المطيع وصاحوا عليه بأنه عاجز مضيع لأمر الإسلام فسار العسكر من جهة الملك عز الدولة بختيار فالتقوا الروم فنصروا عليهم وأسروا جماعة من البطارقة ففرح المسلمون
وفي رمضان قدم المعز أبو تميم العبيدي مصر ومعه توابيت آبائه ونزل بالقصر بداخل القاهرة المعزية التي بناها مولاه جوهر لما افتتح الإقليم وقويت شوكة الرفض شرقا وغربا وخفيت السنن وظهرت البدع نسأل الله تعالى العافية
وفيها عالم البصرة أبو حامد المرء روذي بفتح الميم والواو الأولى وضم الراء الثانية المشددة آخره معجمة نسبة إلى مرو الروذ أشهر مدن خراسان أحمد بن عامر بن نشر الشافعي صاحب التصانيف وصاحب أبي إسحق المروزي وكان إماما لا يشق غباره تفقه به أهل البصرة قال الأسنوي أحمد بن بشر بن عامر العامري المروروذي أخذ عن أبي إسحق المروزي ونزل البصرة وأخذ عنه فقهاؤها وكان إماما لا يشق غباره وشرح مختصر المزني وصنف الجامع في المذهب وهو كتاب جليل وصنف في أصول الفقه ومات سنة ثنتين وستين وثلثمائة ذكره الشيخ في طبقاته والنووي في تهذيبه وكذلك ابن الصلاح إلا أنه لم يؤرخ وفاته ونبه على أن الشيخ أبا إسحق جعل عامرا أباه وبشرا جده قال والصواب العكس أي أحمد بن بشر بن عامر وكان له ولد يقال له أبو محمد ذكره والشيخ في طبقاته فقال جمع بين الفقه والأدب وله كتب كثيرة وكان واحد عصره في صناعة القضاء قال وأظنه أخذ الفقه عن أبيه انتهى
وفيها أحمد بن محمد بن عمارة أبو الحرث الليثي الدمشقي روى عن زكريا خياط السنة وطائفة وعمر دهرا
وفيها أبو إسحق المزكي إبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابوري قال الحاكم هو شيخ نيسابور في عصره وكان من العباد المجتهدين الحجاجين المنفقين على الفقراء والعلماء سمع ابن خزيمة وأبا العباس السراج وخلقا كثيرا وأملى عدة سنين 41
وكان يحضر مجلسه أبو العباس الأصم ومن دونه وكان مثريا متمولا عاش سبعا وستين سنة توفي بعد خروجه من بغداد ونقل إلى نيسابور فدفن بها
وفيها إسماعيل بن عبد الله بن محمد بن ميكال الأمير أبو العباس الأديب الممدوح بمقصورة ابن دريد وتلميذ ابن دريد وكان أبوه إذ ذاك متولي الأهواز للمقتدر فاسمعه من عبدان الجواليقي
وفيها أبو بحر البربهاري نسبة إلى بيع البربهار وهو ما يجلب من الهند محمد بن الحسن بن كوثر في جمادى الأولى وله ست وتسعون سنة وهو ضعيف روى عن الكديمي ومحمد بن الفرج الأزرق وطبقتهما قال الدار قطني اقتصروا من حديثه على ما انتخبه حسب
وفيها سعيد بن القاسم بن العلاء أبو عمر البردعي بفتح الباء وسكون الراء وفتح الدال المهملة نسبة إلى بردعة بلد بأذربيجان وهو نزيل طراز من بلاد الأتراك وهو من الحفاظ المعتبرين
وفيها محمد بن عبد الله بن محمد أبو جعفر البلخي الهندواني الذي كان من براعته في الفقه يقال له أبو حنيفة الصغير توفي ببخارى وكان شيخ تلك الديار في زمانه وقد روى الحديث عن محمد بن عقيل البلخي وغيره والهندواني بكسر الهاء وضم الدال المهملة نسبة إلى باب هندوان محلة ببلخ
وفيها أبو عمر محمد بن موسى بن فضالة المحدث الأموي مولاهم الدمشقي في ربيع الآخر روى عن الحسن بن الفرج الغزي وأبي قصي العذري قال عبد العزيز الكتاني تكلموا فيه
وفيها أبو الحسن وأبو القاسم محمد بن هانئ حامل لواء الشعراء بالأندلس قيل أنه ولد يزيد بن حاتم وكان أبوه هانئ من قرية من قرى المهدية بإفريقية وكان شاعرا أديبا وانتقل إلى الأندلس فولد له محمد المذكور بها بمدينة 42
إشبيلية ونشأ بها واشتغل وحصل له حظ وافر من الأدب وعمل الشعر فبهر فيه وكان حافظا لأشعار العرب وأخبارهم واتصل بصاحب إشبيلية وحظى عنده وكان كثير الانهماك في الملاذ متهما بمذهب الفلاسفة ولما اشتهر عنه ذلك نقم عليه أهل إشبيلية وساءت المقالة في حق الملك بسببه واتهم بمذهبه أيضا فأشار الملك عليه بالغيبة عن البلد مدة ينسى فيها خبره فانفصل عنها وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة فخرج إلى عدوة المغرب ولقي جوهر القائد ثم رحل إلى جعفر ويحيى ابني علي وكانا بالمسيلة وهي مدينة الزاب وكانا والييها فبالغا في إكرامه والإحسان إليه ونمى خبره إلى معز أبي تميم معد بن المنصور العبيدي وطلبه منهما فلما انتهى إليه بالغ في الإنعام عليه ثم توجه المعز إلى الديار المصرية فشيعه ابن هانئ ورجع إلى المغرب لأخذ عياله والالتحاق به فتجهز وتبعه فلما وصل إلى برقة أضافه شخص من أهلها فأقام عنده أياما في مجلس الأنس فيقال انهم عربدوا عليه فقتلوه وقيل خرج من تلك الدار وهو سكران فنام على الطريق فأصبح ميتا ولم يعلم سبب موته وقيل وجد في سانية من سواني برقة مخنوقا بتكة سراويله وكان ذلك في بكرة نهار الأربعاء ثالث عشرى رجب من هذه السنة وعمره ست وثلاثون سنة وقيل اثنتان وأربعون ولما بلغ المعز وفاته تأسف عليه كثيرا وقال كنا نرجو أن نفاخر به شعراء المشرق فلم يقدر لنا ذلك وقال ابن خلكان وديوانه كثير ولولا ما فيه من الغلو والإفراط المفضي إلى الكفر لكان من أحسن الدواوين وليس في المغاربة من هو في طبقته لا من متقدميهم ولا من متأخريهم بل هو أشعرهم على الإطلاق وهو عندهم كالمتنبي عند المشارقة وكانا متعاصرين وإن كان في المتنبي وأبي تمام من الاختلاف ما فيه انتهى
وقال ابن الأهدل وكنية ابن هانئ أبو نواس بكنية الحسن بن هانئ الحكمي العراقي وكان معاصرا للمتنبي ويقال أنهما اجتمعا حين أراد المتنبي دخول المغرب فرده أبو الحسن بن هانئ بنوع 43
حيلة انتهى
والحيلة التي ذكرها قال بعضهم هي أن المتنبي أراد مدح فاتح قابس فضجر لذلك وقال الشاعر لم يرضه عطاء كافور كيف يرضه عطائي فتكفل له ابن هانئ برده فيقال انه خرج في زي أعرابي فقير على راحلة هزيلة وأمامه شاة هزيلة فمر بهذا الزي على المتنبي وكان على مرحلة من قابس فلما رآه المتنبي أراد العبث به فقال له من أين أتيت قال من عند الملك قال فيما كنت عنده قال امتدحته بأبيات فأجازني هذه الشاة فأضمر في نفسه أن الملك من لطفه كونه أجازه بها يظن شعره على قدرها فقال له ما قلت فيه قال قلت
( ضحك الزمان وكان قدما عابسا
لما فتحت بعزم سيفك قابسا )
أنكحتها بكرا وما أمهرتها
إلا قنا وصوارما وفوارسا )
( من كان بالسمر العوالي خاطبا
فتحت له البيض الحصون عرائسا )
فتحير المتنبي وأمر بتقويض خيامه وآلى أن لا يمتدحه إذ جائزته على مثل هذا بمثل هذه ومن غرر المدائح ونخب الشعر قوله في مدح المعز العبيدي المذكور
( هل من بمعهد عالج يبرين
أم منهما نفر الجدوح العين )
( ولمن ليال ما ذممنا عهدها
مذ كن إلا ما لهن شجون )
( المشرقات كأنهن كواكب
والناعمات كأنهن غصون )
( بيض وما ضحك الصباح وإنما
بالمسك من طور الحسان يجون )
( أدمى لها المرجان صفحة خده
وبكى عليه اللؤلؤ المكنون )
( أعدى الحمام تأوهي من بعدها
فكأنها مما شخصن رنين )
( باتوا سراعا للهوادج رقوة
مما رأين وللمطي حنين )
( وكأنما صبغوا الدجى بثيابهم
أو عصفرت فيه الخدود عيون )
( ماذا على حلل الشقيق لو أنهم
عن لابسيها في الخدود تبين )
( ولأعطشن الروض بعدهم فلا
يرويه لي دمع عليه هتون )
( أأعير لحظ العين بهجة منظر
وأخونهم أني إذا لخؤون ) 44
( لا الجو جو مشرق ولو اكتسى
زهرا ولا الماء المعين معين )
( لا يبعدن إذا العشير له يرى
والتاج روح والشموس قطين )
( أيام فيه العبقري مغوف
والباتري مضاعف موضون )
( والراغبية شرع والمشرفية
أبلغ والمقرمات صفون )
( والعهد من لمياء إذ لا فوقها
حور ولا الحرب الهؤون زبون )
( حزنى لذاك الجو وهو أسنة
وكذلك الذاك الخشف وهو عرين )
( هل يدنيني منه أجود سابح
مرح وجائلة السريح أمون )
( ومهند فيه الفرند كأنه
دله له خلف الغرار أنين )
( عضب المضارب مقفر من أعين
لكنه من أنفس مسكون )
( قد كان رشح حديده أحلا وما
صاغت مضاربه الرقاق قيون )
( وكأنما يلقى الضريبة دونه
بابن المعز واسمه المخزون )
وهي طويلة قال في العبر كان منغمسا في اللذات والمحرمات متهما بدين الفلاسفة شرب ليلة عند ناس فأصبح مختوما وهو في عشر الخمسين انتهى
سنة ثلاث وستين وثلثمائة
فيها ظهر ما كان المطيع يستره من الفالج وثقل لسانه فدعاه الحاجب سبكتين وهو صاحب السلطان عز الدولة إلى خلع نفسه وتسليم الخلافة إلى ولده الطائع لله ففعل ذلك في ذي القعدة وأثبت خلعه على قاضي القضاة أبي الحسن بن أم شيبان
وفيها أقيمت الدعوة بالحرمين للمعز العبيدي وقطعت خطبة بني العباس ولم يحج ركب العراق لأنهم وصلوا إلى سميراء فرأوا هلال ذي الحجة وعلموا أن لا ماء في الطريق فعدلوا إلى مدينة النبي ثم قدموا الكوفة في أول المحرم
وفيها مات ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الصابئ الحراني الطبيب 45
المؤرخ صاحب التصانيف كان صابئ النحلة وكان ببغداد في أيام معز الدولة بن بويه وكان طبيبا عالما نبيلا تقرأ عليه كتب بقراط وجالينوس وكان فكاكا للمعاني وكان قد سلك مسلك جده ثابت في نظره في الطب والفلسفة والهندسة وجميع الصناعات الرياضية للقدماء وله تصنيف في التاريخ أحسن فيه
وفيها جمح بن القاسم أبو العباس المؤذن بدمشق روى عن عبد الرحمن بن الرواس وطائفة
وفيها أبو بكر عبد العزيز بن جعفر بن أحمد الحنبلي صاحب الخلال وشيخ الحنابلة وعالمهم المشهور وصاحب التصانيف روى عن موسى بن هارون وأبي خليفة الجمحي وجماعة توفي في شوال وله ثمان وسبعون سنة وكان صاحب زهد وعبادة وقنوع قاله في العبر
وقال ابن أبي يعلى في طبقاته عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن يزداد بن معروف أبو بكر المعروف بغلام الخلال حدث عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة وموسى بن هارون ومحمد بن الفضل وموسى بن هارون بن الحباب البصري وخلائق وروى عنه أبو إسحق بن شاقلا وأبو عبد الله بن بطة وأبو الحسن التميمي وأبو عبد الله بن حامد وغيرهم وكان أحد أهل الفهم موثوقا به في العلم متسع الرواية مشهورا بالديانة موصوفا بالأمانة مذكورا بالعبادة وله المصنفات في العلوم المختلفات الشافي المقنع تفسير القرآن الخلاف مع الشافعي كتاب القولين زاد المسافر التنبيه وغير ذلك حدثنا جعفر بن محمد بن سليمان الخلال حدثنا محمد بن عوف الحمصي قال سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن التفضيل فقال من قدم عليا على أبي بكر فقد طعن على رسول الله ومن قدمه على عمر فقد طعن على رسول الله وعلى أبي بكر ومن قدمه 46
على عثمان فقد طعن على أبي بكر وعمر وعثمان وعلى أهل الشورى والمهاجرين والأنصار وبه حدثنا محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا قال سألت أبا عبد الله عن الاستثناء في الإيمان فقال نعم الاستثناء على غير معنى شك مخافة واحتياطا للعمل وقد استثنى ابن مسعود وغيره وهو مذهب الثوري ولما مات أبو بكر عبد العزيز اختلف أهل باب الأزج في دفنه فقال بعضهم يدفن في قبر أحمد وقال بعضهم يدفن عندنا وجردوا السيوف والسكاكين فقال المشايخ لا تختلفوا نحن في حريم السلطان يعنون المطيع لله فما يأمر نفعل قال فلفوه في نطع مشدود بالشراريف خوفا أن يمزق الناس أكفانه وكتبوا رقعة إلى الخليفة فخرج الجواب مثل هذا الرجل لا نعدم بركاته أن يكون في جوارنا وهناك موضع يعرف بدار الأفيلة وهو ملك لنا ولم يكن فيه دفن فدفن فيه رحمه الله تعالى وحكى أبو العباس بن أبي عمرو والشرابي قال كان لنا ذات ليلة خدمة أمسيت لأجلها ثم إني خرجت منها نومة الناس وتوجهت إلى داري بباب الأزج فرأيت عمود نور من جوف السماء إلى جوف المقبرة فجعلت أنظر إليه ولا ألتفت خوفا أن يغيب عني إلى أن وصلت إلى قبر أبي بكر عبد العزيز فإذا أنا بالعمود من جوف السماء إلى القبر فبقيت متحيرا ومضيت وهو على حاله
انتهى ملخصا
وفيها أبو بكر بن النابلسي محمد بن أحمد بن سهل الرملي الشهيد سلخه صاحب مصر المعز وكان قد قال لو كان معي عشرة أسهم لرميت الروم سهما ورميت بني عبيد تسعة فبلغ القائد فلما قرره اعترف وأغلظ لم فقتلوه وكان عابدا صالحا زاهدا قوالا بالحق
وفيها أبو الحسن الآبري محمد بن الحسين السجستاني مؤلف كتاب مناقب الشافعي وآبر بمد الهمزة وضم الموحدة ثم راء خفيفة قرية بسجستان رحل إلى الشام وخراسان والجزيرة وروى عن أبي خزيمة وطبقته قال ابن 47
ناصر الدين الآبري محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم السجستاني أبو الحسن كان حافظا مجودا ثبتا مصنفا
انتهى
وفيها محدث الشام الحافظ أبو العباس محمد بن موسى بن الحسين بن السمسار الدمشقي روى عن محمد بن خريم وابن جوصا وطبقتهما وعنه تمام الرازي وغيره وكان ثقة نبيلا حافظا جليلا كتب القناطير وحدث باليسير قاله الكتاني وارتحل إلى مصر وإلى بغداد
وفيها الغزال الزعفراني الحافظ الإمام المقري أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن سهل الأصبهاني عن محمد بن علي الفرقدي وعبدان الأهوازي وعنه الماليني وأبو نعيم الحافظ وقال هو أحد من رجع إلى حفظ ومعرفة وله مصنفات قاله ابن برداس
وفيها المظفر بن حاجب بن أركين الفرغاني أبو القاسم توفي بدمشق في هذا العام أو بعده رحل به أبوه وسمع من جعفر الفريابي والنسائي وطبقتهما
وفيها النعمان بن محمد بن منصور القيرواني القاضي أبو حنيفة الشيعي ظاهرا الزنديق باطنا قاضي قضاة الدولة العبيدية صنف كتاب ابتداء الدعوة وكتابا في فقه الشيعة وكتبا كثيرة تدل على انسلاخه من الدين يبدل فيها معاني القرآن ويحرفها مات بمصر في رجب وولي بعده ابنه
سنة أربع وستين وثلثمائة
قال في الشذور فيها تزوج الطايع شاهرنان بنت عز الدولة على صداق مبلغه ماية ألف دينار وخطب خطبة النكاح أبو بكر بن قريعة القاضي
انتهى
وفيها توفي أبو بكر بن السني الحافظ أحمد بن محمد بن إسحق بن إبراهيم الدينوري صاحب كتاب عمل اليوم والليلة ورحل وكتب الكثير وروى 48
عن النسائي وأبي خليفة وطبقتهما قال ابن ناصر الدين اختصر سنن النسائي وسماه المجتبي قال ابنه أبو علي الحسن كان أبي رحمه الله يكتب الأحاديث فوضع القلم في أنبوبة المحبرة ورفع يديه يدعو الله عز وجل فمات انتهى
وفيها ابن الخشاب أحمد بن القاسم بن عبد الله بن مهدي أبو الفرج البغدادي كان أحد الحفاظ المتقدمين قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو إسحق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن رجاء النيسابوري الوراق الأبزاري بالباء الموحدة والزاي والراء نسبة إلى أبزار قرية بنيسابور توفي في رجب وله ست وتسعون سنة رحل وطوف الكثير وعنى بالحديث وروى عن مسدد بن قطن والحسن بن شعبان وإنما رحل عن كبر
وفيها سبكتكين حاجب معز الدولة كان الطائع قد خلع عليه خلعة الملوك وطوقه وسوره ولقبه نصر الدولة فلم تطل أيامه توفي في المحرم وخلف ألف ألف دينار وعشرة آلاف ألف درهم وصندوقين فيهما جوهر وستين صندوقا فيها أواني ذهب وفضة وبلور ومائة وثلاثين مركبا ذهبا منها خمسون وزن كل واحد ألف مثقال وستمائة مركب فضة وأربعة آلاف ثوب ديباجا وعشرة آلاف ثوب ديبقي وعتابي وداره وهي دار السلطان اليوم قاله في الشذور
وفيها أبو هاشم عبد الجبار بن عبد الصمد بن إسماعيل السلمي الدمشقي المؤدب قرأ القرآن على أبي عبيدة ولد ابن ذكوان وروى عن محمد بن المعافى الصيداوي وأبي شيبة داود بن إبراهيم وطبقتهما ورحل وتعب وجمع وكان ثقة قال ابن ناصر الدين كان من الأعيان وكتب القناطير
انتهى
وفيها علي بن أحمد بن علي المصيصي روى عن أحمد بن خليل الحلبي وغيره
وفيها المطيع الخليفة أبو القاسم الفضل بن المقتدر جعفر بن المعتضد 49
العباسي ولد في أول سنة إحدى وثلثمائة وبويع بالخلافة في سنة أربع وثلاثين بعد المستكفي قال ابن شاهين وخلع نفسه غيره مكره فيما صح عندي في ذي القعدة سنة ثلاث وستين ونزل عن الأمر لولده الطائع لله عبد الكريم قال السيوطي في تاريخ الخلفاء وأثبت خلعه على القاضي بن أم شيبان وصار بعد خلعه يسمى الشيخ الفاضل قال الذهبي وكان المطيع وابنه مستضعفين مع بني بويه ولم يزل أمر الخلفاء في ضعف إلى أن استخلف المقتفى لله فانصلح أمر الخلافة قليلا وكان دست الخلافة لبني عبيد الرافضة بمصر أميز وكلمتهم أنفذ ومملكتهم تناطح مملكة العباسيين في وقتهم وخرج المطيع إلى واسط مع ولده فمات في محرم سنة أربع وستين قال الخطيب حدثني محمد بن يوسف القطان سمعت أبا الفضل التميمي سمعت المطيع لله سمعت شيخي ابن منيع سمعت أحمد بن حنبل يقول إذا مات أصدقاء الرجل ذل
انتهى كلام السيوطي
وفيها محمد بن بدر الأمير أبو بكر الحمامي الطولوني أمير بعض بلاد فارس قال أبو نعيم ثقة وقال ابن الفرات كان له مذهب في الرفض وروى عن بكر بن سهل الدمياطي والنسائي وطبقتهما قال الذهبي في المعنى محمد بن بدر الحمامي سمع بكر بن سهل صدوق ولكنه يترفض
انتهى
وفيها أبو الحسن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدة التميمي النيسابوري السليطي بفتح السين المهملة وكسر اللام نسبة إلى سليط جد روى عن محمد بن إبراهيم البوشنجي وإبراهيم بن علي الذهلي وجماعة وعاش اثنتين وتسعين سنة
سنة خمس وستين وثلثمائة
فيها كما قال في الشذور جلس قاضي القضاة أبو محمد بن معروف في دار عز الدولة ونظر في الأحكام لأن عز الدولة أحب أن يشاهد مجلس حكمه
انتهى 50
وفيها توفي أحمد بن جعفر بن سلم أبو بكر الختلي بضم أوله والفوقية المشددة نسبة إلى الختل قرية بطريق خراسان المحدث المقرئ المفسر وله سبع وثمانون سنة كان ثبتا ثقة صالحا روى عن أبي مسلم الكجي وطبقته
وفيها الذارع أبو بكر أحمد بن نصر البغدادي أحد الضعفاء والمتروكين روى عن الحارث بن أبي أسامة قال في المغني أحمد بن نصر الذارع شيخ بغدادي له جزء مشهور قال الدارقطني دجال
انتهى
وفيها أو بعدها إسماعيل بن نجيد الإمام أبو عمرو السلمي النيسابوري شيخ الصوفية بخراسان في ربيع الأول وله ثلاث وتسعون سنة أنفق أمواله على الزهاد والعلماء وصحب الجنيد وأبا عثمان الحيري وسمع محمد بن إبراهيم البوشنجي وأبا مسلم الكجي وطبقتهما وكان صاحب أحوال ومناقب قال سبطه أبو عبد الرحمن السلمي سمعت جدي يقول كل حال لا يكون عن نتيجة علم وإن جل فإن ضرره على صاحبه أكبر من نفعه قاله في العبر
وفيها أبو علي الماسرجسي الحافظ أحد أركان الحديث بنيسابور الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن عيسى بن ماسرجس النيسابوري الثقة المأمون توفي في رجب وله ثمان وستون سنة روى عن جده وابن خزيمة وطبقتهما ورحل إلى العراق ومصر والشام قال الحاكم هو سفينة عصره في كثرة الكتابة صنف المسند الكبير مهذبا معللا في ألف وثلثمائة وجمع حديث الزهري جمعا لم يسبقه إليه أحد وكان يحفظه مثل الماء وصنف كتابا على البخاري وآخر على مسلم ودفن علم كثير بموته
وفيها عبد الله بن أحمد بن إسحق بن محمد الأصبهاني والد أبي نعيم الحافظ وله أربع وثمانون سنة رحل وعني بالحديث وروى عن أبي خليفة الجمحي 51
وطبقته وكانت رحلته في سنة ثلثمائة قاله في العبر
وفيها ابن عدي الحافظ الكبير أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد ويعرف بابن القطان الجرجاني مصنف الكامل قال ابن قاضي شهبة هو أحد الأئمة في الأعلام وأركان الإسلام طاف البلاد في طلب العلم وسمع الكبار له كتاب الانتصار على مختصر المزني وكتاب الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين وهو كامل في بابه كما سمي وقال ابن عساكر كان ثقة على لحن فيه وقال الذهبي كان لا يعرف العربية سمع عجمة فيه وأما العلل والرجال فحافظ لا يجاري ولد سنة سبع وسبعين ومائتين ومات في جمادي الآخرة سنة خمس وستين وثلثمائة
انتهى كلام ابن قاضي شبهة في طبقاته وقال ابن ناصر الدين سمع خلقا يزيدون على ألف
انتهى
وفيها أبو أحمد بن الناصح وهو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الناصح بن شجاع بن المفسر الدمشقي الفقيه الشافعي في رجب بمصر روى عن عبد الرحمن الرواس وأبي بكر بن علي المروزي وطائفة
وفيها الشاشي القفال الكبير أبو بكر محمد بن إسماعيل الفقيه الشافعي صاحب المصنفات رحل إلى العراق والشام وخراسان قال الحاكم كان عالم أهل ما وراء النهر بالأصول وأكثرهم رحلة في الحديث صنع ابن جرير الطبري وابن خزيمة وطبقتهما وهو صاحب وجه المذهب قال الحليمي كان شيخنا القفال أعلم من لقيته من فقهاء عصره وقال ابن قاضي شهبة كان إماما وله مصنفات كثيرة ليس لأحد مثلها وهو أول من صنف الجدل الحسن من الفقهاء وله كتاب حسن في أصول الفقه وله شرح الرسالة وعنه انتشر فقه الشافعي في ما وراء النهر وقال النووي في تهذيبه إذا ذكر القفال الشاشي فالمراد هذا وإذا ورد القفال المروزي فهو الصغير ثم إن الشاشي يتكرر ذكره في التفسير والأصول والحديث والكلام والمروزي يتكرر ذكره في الفقهيات 52
ومن تصانيف الشاشي دلائل النبوة ومحاسن الشريعة وآداب القضاء جزء كبير وتفسير كبير مات في ذي الحجة
انتهى ملخصا
وقال ابن الأهدل هو شيخ الشافعية في عصره كان فقيها محدثا أصوليا متفننا ذا طريقة حميدة وتصانيف نافعة وله شعر جيد ولم يكن للشافعية بما وراء النهر مثله أخذ عن ابن سريج وطبقته وابن جرير الطبري وإمام الأئمة ابن خزيمة وغيرهم وأخذ عنه الحاكم أبو عبد الله وابن مندة والحليمي وأبو عبد الرحمن السني وغيرهم وهو والد القاسم صاحب التقريب وهو منسوب إلى شاش مدينة وراء نهر جيحون وأعلم أن لنا قفالا غير شاشي وشاشيا غير قفال وثلاثتهم يكنون بأبي بكر ويشترك اثنان في اسمهما واثنان في اسم أبيهما دون اسمهما فالقفال غير الشاشي هو المروزي شيخ القاضي حسين وأبي محمد الجويني وسيأتي في سنة سبعة وخمسمائة
انتهى كلام ابن الأهدل
وفيها لمعز بدين الله أبو تميم معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بن المهدي العبيدي صاحب المغرب الذي ملك الديار المصرية ولي الأمر بعد أبيه سنة إحدى وأربعين وثلثمائة ولما افتتح له مولاه جوهر سجلماسة وفاس وسبتة وإلى البحر المحيط جهزه بالجيوش والأموال فأخذ الديار المصرية وبنى مدينة القاهرة المعزية وكان مظهرا للتشيع معظما لحرمات الإسلام حليما كريما وقورا حازما سريا يرجع إلى عدل وإنصاف في الجملة توفي في ربيع الآخر وله ست وأربعون سنة قاله في العبر وقال ابن خلكان بويع بولاية العهد في حياة أبيه المنصور بن إسماعيل ثم جددت له البيعة بعد وفاته فدبر الأمور وساسها وأجراها على أحسن أحكامها إلى يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثلثمائة فجلس يومئذ على سرير ملكه ودخل عليه الخاصة وكثير من العامة وسلموا عليه بالخلافة وتسمى بالمعز ولم يظهر على أبيه حزنا ثم خرج إلى بلاد إفريقية يطوف بها ليمهد قواعدها ويقرر أسبابها فانقاد له العصاة 53
من أهل تلك البلاد ودخلوا في طاعته وعقد لغلمانه وأتباعه على الأعمال واستندب لكل ناحية من يعلم كفايته وشهامته ثم جهز أبا الحسن جوهر القائد ومعه جيش كثير ليفتح ما استعصى له من بلاد المغرب فسار إلى فاس ثم منها إلى سجلماسة ففتحها ثم توجه إلى البحر المحيط وصاد من سمكه وجعله في قلال الماء وأرسله إلى المعز ثم رجع إلى المعز ومعه صاحب سجلماسة وصاحب فاس أسيرين في قفصي حديد وقد وطن له البلاد من باب إفريقية إلى بحر المحيط من جهة الغرب وفي جهة الشرق من باب إفريقية إلى أعمال مصر ولم يبق بلد من هذه البلاد إلا أقيمت فيه دعوته وخطب له في جميعه جمعته وجماعته إلا مدينة سبتة فإنها بقيت لبني أمية أصاحب الأندلس ولما وصل الخبر إلى المعز المذكور بموت كافور الإخشيدي صاحب مصر تقدم إلى القائد جوهر ليتجهز للخروج إلى مصر فخرج أولا لإصلاح أموره وكان معه جيش عظيم وجميع قبائل العرب الذين يتوجه بهم إلى مصر وخرج المعز بنفسه في الشتاء إلى المهدية فأخرج من قصور آبائه خمسمائة حمل دنانير وعاد إلى قصره ولما عاد جوهر بالرجال والأموال وكان قدومه على المعز يوم الأحد سبع عشرى محرم سنة ثمان وخمسين وثلثمائة أمره المعز بالخروج إلى مصر فخرج ومعه أنواع القبائل وأنفق المعز في المعسكر المسير ضحبته أموالا كثيرة حتى أعطى من ألف دينار إلى عشرين دينارا وأغمر الناس بالعطاء وتفرقوا في القيروان وصيره في شراء حوائجهم ورحل معه ألف حمل من المال والسلاح ومن الخيل والعدد ما لا يوصف وكان بمصر في تلك السنة غلاء عظيم ووباء حتى مات فيها وفي أعمالها في تلك المدة ستمائة ألف إنسان على ما قيل ولما كان منتصف رمضان سنة ثمان وخمسين وثلثمائة وصلت البشارة إلى المعز بفتح الديار المصرية ودخول عساكره إليها وكانت كتب جوهر تتردد إلى المعز باستدعائه إلى مصر ويحثه كل وقت على ذلك ثم سير إليه بخبره بانتظام الحال بمصر والشام 54
والحجاز وإقامة الدعوة له بهذه المواضع فسر بذلك سرورا عظيما ثم استخلف على إفريقية بلكين بن زيري الصنهاجي وخرج متوجها إليها بأموال جليلة المقدار ورجال عظيمة الأخطار وكان خروجه من المنصورية دار ملكه يوم الاثنين ثاني عشرى شوال سنة اثنتين وستين وثلثمائة ولم يزل في طريقه يقيم بعض الأوقات في بعض البلاد أياما ويجد السير في بعضها وكان اجتيازه على برقة ودخل الإسكندرية رابع عشرى شعبان من السنة المذكورة وركب فيها ودخل الحمام وقدم عليه بها قاضي مصر أبو طاهر محمد بن أحمد وأعيان أهل البلاد وسلموا عليه وجلس لهم عند المنارة وأخبرهم أنه لم يرد دخول مصر لزيادة في ملكه ولا المال وإنما أراد إقامة الحق والجهاد والحج وان يختم عمره بالأعمال الصالحة ويعمل بما أمر به جده ووعظهم وأطال حتى بكى بعض الحاضرين وخلع على القاضي وجماعة وودعوه وانصرفوا ثم رحل منها في أواخر شعبان ونزل يوم السبت ثاني رمضان على ساحل مصر بالجيزة فخرج إليه القائد جوهر وترجل عند لقائه وقبل الأرض بين يديه واجتمع به بالجيزة أيضا الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات وأقام المعز هناك ثلاثة أيام وأخذ العسكر في التعدية بإثقالهم إلى ساحل مصر ولما كان يوم الثلاثاء خامس رمضان عبر المعز النيل ودخل القاهرة ولم يدخل مصر وكانت قد زينت له وظنوا أنه يدخلها وأهل القاهرة لم يستعدوا للقائه لأنهم بنوا الأمر على دخوله مصر أولا ولما دخل القاهرة ودخل القصر ودخل مجلسا فيه خر ساجدا ثم صلى فيه ركعتين وانصرف الناس عنه وكان المعز عاقلا حازما سريا أديبا حسن النظر في النجامة وينسب إليه من الشعر
( لله ما صنعت بنا
تلك المحاجر في المعاجر )
( أمضى وأقضى في النفوس
من الخناجر في الحناجر )
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا 55
سنة ست وستين وثلثمائة
فيها كما قال في الشذور رجحت جميلة بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان فاستصحبت أربعمائة جمل عليها محامل عدة فلم يعلم في أيها كانت فلما شاهدت الكعبة نثرت عليها عشرة آلاف دينار وأنفقت الأموال الجزيلة انتهى
وفيها مات ملك القرامطة الحسن بن أحمد بن أبي سعيد الجنابي القرمطي والجنابي بفتح الجيم وقيل بضمها وتشديد النون آخره موحدة نسبة إلى جنابة بلد بالبحرين وكان الحسن هذا قد استولى على أكثر الشام وهزم جيش المعز وقتل قائدهم جعفر بن فلاح وذهب إلى مصر وحاصرها شهورا قبل مجيء المعز وكان يظهر طاعة الطائع لله وله شعر وفضيلة ولد بالأحساء ومات بالرملة قاله في العبر والقرمطي بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم وبعدها طاء مهملة والقرمطة في اللغة تقارب الشيء بعضه من بعض ويقال خط مقرمط ومشي مقرمط إذا كان كذلك لأن أبا سعيد والد هذا المذكور كان قصيرا مجتمع الخلق أسمر كريه المنظر فلذلك قيل له قرمطي ونسبت إليه القرامطة
وفيها ركن الدولة الحسين بن بويه أبو علي والد عضد الدولة ومؤيد الدولة وأخو معز الدولة وعماد الدولة كان الحسين هذا صاحب أصبهان والري وعراق العجم وكان ملكا جليلا عاقلا نبيلا بقي في الملك خمسا وأربعين سنة ووزر له ابن العميد ووزر لولده الصاحب بن عباد ومات الحسين هذا بالقولنج وقسم الممالك على أولاده فكلهم أقام بنوبته أحسن قيام
وفيها المنتصر بالله أبو مروان الحكم صاحب الأندلس وابن صاحبها الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني ولي ست عشرة سنة وعاش ثلاثا وستين سنة وكان حسن السيرة محبا للعلم مشغوفا بجمع الكتب 56
والنظر فيها بحيث أنه جمع منها ما لم يجمعه أحد قبله ولا جمعه أحد بعده حتى ضاقت خزائنه عنها وسمع من قاسم بن أصبغ وجماعة وكان بصيرا بالأدب والشعر وأيام الناس وأنساب العرب متسع الدائرة كثير المحفوظ ثقة فيما ينقله توفي في صفر بالفالج
وفيها أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي بن زياد النيسابوري المعدل سمع من مسدد بن قطن وابن سيرويه وفي الرحلة من الهيثم بن خلف وهذه الطبقة وحدث بمسند إسحق بن راهويه وعاش ثلاثا وثمانين سنة
وفيها أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي بن المرزبان صاحب أبي الحسن بن القطان أحد أئمة المذهب الشافعي وأصحاب الوجوه قال الخطيب البغدادي كان أحد الشيوخ الأفاضل قال ودرس عليه الشيخ أبو حامد أول قدومه بغداد وقال الشيخ أبو إسحق وكان فقيها ورعا حكى عنه أنه قال ما أعلم أن لأحد على مظلمة وقد كان فقيها يعرف أن الغيبة من المظالم ودرس ببغداد وعليه درس الشيخ أبو حامد توفي في رجب بعد شيخه ابن القطان بسبع سنين والمرزبان معناه كبير الفلاحين نقل عنه الرافعي في مواضع محصورة منها أن الآجر المعجون بالروث يطهر ظاهره بالغسل قاله ابن قاضي شهبة
وفيها أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن الحسن الجرجاني القاضي بجرجان ثم بالري ذكره الشيخ أبو إسحق في طبقاته فقال كان فقيها أديبا شاعرا وذكره الثعالبي في اليتيمة فقال حسنة جرجان وفرد الزمان ونادرة الملك وإنسان حدقه العلم ودرة تاج الأدب وفارس عسكر الشعر جمع خط ابن مقلة ونثر الجاحظ ونظم البحتري وفيه يقول الصاحب بن عباد
( إذا نحن سلمنا لك العلم كله
فدع هذه الألفاظ ننظم شذورها )
ومن شعره
( يقولون لي فيك انقباض وإنما
رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما ) 57
( أرى الناس من داناهم هان عندهم
ومن أكرمته عزة النفس إكراما )
( وما كل برق لاح لي يستفزني
ولا كل من لاقيت أرضاه منعما )
( وإني إذا ما فاتني الأمر لم أبت
أقلب كفي أثره متندما )
( ولم أقض حق العلم أن كان كلما
بدا طمع صيرته لي سلما )
( إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى
ولكن نفس الحر تحتمل الظما )
( ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي
لأخدم من لاقيت لكن لأخدما )
( أأشفي به غرسا وأجنيه ذلة
إذا فاتباع الجهل قد كان أحزما )
( ولو أن أهل العلم صانوه وصانهم
ولو عظموه في النفوس تعظما )
( ولكن أذلوه فهان ودنسوا
محياه بالأطماع حتى تجهما )
وطاف المذكور في صباه الأقاليم ولقي العلماء وصنف كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه أبان فيه عن فضل كبير وعلم غزير ذكر الحاكم في تاريخ نيسابور أنه مات بها في سلخ صفر سنة ست وستين وثلثمائة وحمل تابوته إلى جرجان ودفن بها قاله الأسنوي في طبقاته ومن شعره أيضا
( ما تطعمت لذة العيش حتى
صرت للبيت والكتاب جليسا )
( ليس شيء أعز عندي من العلم
فلا تبتغي سواه أنيسا )
( إنما الذل في مخالطة الناس
فدعهم وعش عزيزا رئيسا )
وفيها أبو الحسن محمد بن الحسن بن أحمد بن إسماعيل النيسابوري السراج المقرئ الرجل الصالح رحل وكتب عن مطين وأبي شعيب الحراني وطبقتهما قال الحاكم قل من رأيت أكثر اجتهادا وعبادة منه وكان يقرئ القرآن توفي يوم عاشوراء
وفيها أبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حيويه النيسابوري ثم المصري القاضي سمع بكر بن سهل الدمياطي والنسائي وطائفة توفي في رجب وهو في عشر التسعين أو جاوزها 58
سنة سبع وستين وثلثمائة
فيها كما قال السيوطي في تاريخ الخلفاء التقى عز الدولة وعضد الدولة فظفر عضد الدولة وأخذ عز الدولة أسيرا وقتله بعد ذلك وخلع الطائع على عضد الدولة خلع السلطنة وتوجه بتاج مجوهر وطوقه وسوره وقلده سيفا وعقد له لواءين بيده أحدهما مفضض على رسم الأمراء والآخر مذهب على رسم ولاة العهود ولم يعقد هذا اللواء الثاني لغيره قبله وكتب له عهد وقرئ بحضرته ولم تجر العادة بذلك إنما كان يدفع العهد إلى الولاة بحضرة أمير المؤمنين فإذا أخذ قال أمير المؤمنين هذا عهدي إليك فاعمل به
انتهى
وفيها هلك صاحب هجر أبو يعقوب يوسف بن الحسن الجنابي القرمطي
وفيها توفي أبو القاسم النصرأباذي بفتح النون والراء الموحدة وسكون الصاد المهملة آخره معجمة نسبة إلى نصرأباذ محلة بنيسابور واسمه إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمويه النيسابوري الزاهد الواعظ شيخ الصوفية والمحدثين سمع ابن خزيمة بخراسان وابن صاعد ببغداد وابن جوصا بالشام وأحمد العسال بمصر وكان يرجع إلى فنون من الفقه والحديث والتاريخ وسلوك الصوفية ثم حج وجاور سنتين ومات بمكة في ذي الحجة قاله في العبر وقال الشخاوي كان أوحد المشايخ في وقته علما وحالا صحب الشبلي وأبا علي الروزباري والمرتعش وغيرهم قيل له أن بعض الناس يجالس النسوان ويقول أنا معصوم في رؤيتهن فقال ما دامت الأشباح باقية فإن الأمر والنهي باق والتحليل والتحريم مخاطب بهما ولن يجترئ على الشبهات إلا من يتعرض للمحرمات وقال الراغب في العطاء لا مقدار له والراغب في المعطي عزيز وقال العبادات إلى طلب الصفح والعفو عن تقصيرها أقرب منها إلى طلب الأعواض والجزاء وقال جذبة من الحق تربى على أعمال الثقلين هذا 59
كله كلام السلمي
وقال الحاكم الصوفي العارف أبو القاسم النصرأباذي الواعظ لسان أهل الحقائق وقد كان يورق قديما ثم تركه غاب عن نيسابور نيفا وعشرين سنة ثم انصرف إلى وطنه سنة أربعين وكان يعظ على ستر وصيانة ثم خرج إلى مكة سنة خمس وستين وجاور بها ولزم العبادة فوق ما كان من عادته وكان يعظ ويذكر ثم توفي بها في ذي الحجة ودفن عند تربة الفضيل ابن عياض رحمهما الله تعالى ورضي عنهما
انتهى ملخصا
وفيها أبو منصور بختيار الملقب عز الدولة بن الملك معز الدولة أحمد بن بويه الديلمي ولي عز الدولة مملكة أبيه بعد موته وتزوج الإمام الطائع ابنته شاه زمان على صداق مبلغه مائة ألف دينار وكان عز الدولة ملكا سريا شديد القوى يمسك الثور العظيم بقرنيه فيصرعه وكان متوسعا في الاخراجات والكلف والقيام بالوظائف حكى بشر الشمعي ببغداد قال سئلنا عند دخول عضد الدولة بن بويه وهو ابن عم عز الدولة المذكور إلى بغداد لما ملكها بعد قتله عز الدولة عن وظيفة الشمع الموقد بين يدي عز الدولة فقلنا كانت وظيفة وزيره أبي طاهر محمد بن بقية ألف من في كل شهر فلم يعاودوا التقصي استكثارا لذلك وكان بين عز الدولة وابن عمه عضد الدولة منافسات في الممالك أدت إلى التنازع وأفضت إلى التصاف والمحاربة فالتقيا يوم الأربعاء ثامن عشر شوال من هذه السنة فقتل عز الدولة في المصاف وكان عمره ستا وثلاثين سنة وحمل رأسه في دست ووضع بين يدي عضد الدولة فلما رآه وضع منديله على عينيه وبكى قاله ابن خلكان
وفيها الغضنفر عدة الدولة أبو تغلب بن الملك ناصر الدولة بن حمدان ولي الموصل بعد أبيه مدة ثم قصده عضد الدولة فعجز وهرب إلى الشام واستولى عضد الدولة على مملكته ومر الغضنفر بظاهر دمشق وقد غلب عليها قسام العيار ثم ركب إلى العزيز العبيدي وسأله أن يوليه نيابة الشام ثم 60
نزل الرملة في هذه السنة قالتقاه مفرج الطائي وقتله كهلا
وفيها أبو الطاهر الذهلي محمد بن أحمد بن عبد الله القاضي البغدادي ولي قضاء واسط ثم قضاء دمشق ثم قضاء الديار المصرية حدث عن بشر بن موسى وأبي مسلم الكجي وطبقتهما وكان مالكي المذهب فصيحا مفوها شاعرا إخباريا حاضر الجواب غزير الحفظ توفي وقد قارب التسعين
وفيها عمر بن بشران بن محمد بن بشر بن مهران أبو حفص السكري الحافظ الثقة الضابط وهو أخو جد أبي الحسين بن بشران روى عن أحمد بن الحسن الصوفي والبغوي قال الخطيب حدثنا عنه البرقاني وسألته عنه فقال ثقة ثقة كان حافظا عارفا كثير الحديث
وفيها ابن السليم قاضي الجماعة أبو بكر محمد بن إسحق بن منذر الأندلسي مولى بني أمية وله خمس وستون سنة وكان رأسا في الفقه رأسا في الزهد والعبادة سمع أحمد بن خالد وأبا سعيد بن الأعرابي الفقيه بمكة وتوفي في رمضان
وفيها ابن قريعة القاضي البغدادي أبو بكر محمد بن عبد الرحمن أخذ عن أبي بكر بن الأنباري وغيره وطان ظريفا مزاحا صاحب نوادر وسرعة جواب وكان نديما للوزير المهلبي ولي قضاء بعض الأعمال وقد نيف على الستين قال ابن خلكان كان قاضي السندية وغيرها من أعمال بغداد ولاه أبو السائب عتبة ابن عبد عبيد الله القاضي وكان إحدى عجائب الدنيا في سرعة البديهة في الجواب عن جميع ما يسأل عنه في أفصح لفظ وأملح سجع وله مسائل وأجوبة مدونة في كتاب مشهور بأيدي الناس وكان رؤساء ذلك العصر وفضلاؤه يداعبونه ويكتبون إليه المسائل الغريبة المضحكة فيكتب الجواب من غير توقف ولا تلبث مطابقا لما سألوه وكان الوزير المهلبي يغري به جماعة يضعون له من الأسئلة الهزلية معان شتى من النوادر الظريفة ليجيب عنها بتلك الأجوبة فمن ذلك ما كتب إليه العباس بن المعلى الكاتب ما يقول القاضي وفقه الله تعالى في يهودي زني 61
ببصرانية فولدت ولدا جسمه للبشر ووجهه للبقر وقد قبض عليهما فما يرى القاضي فيهما فكتب جوابه بديها هذا من أعدل الشهود على اليهود بأنهم أشربوا العجل في صدورهم حتى خرج من أمورهم وأرى أن يناط برأس اليهودي رأس العجل ويصلب على عنق النصرانية الساق مع الرجل ويسحبا على الأرض على الأرض وينادي عليهما ظلمات بعضها فوق بعض والسلام ولما قدم الصاحب بن عباد إلى بغداد حضر مجلس الوزير أبي محمد المهلبي وكان في المجلس القاضي أبو بكر المذكور فرأى من ظرفه وسرعة أجوبته مع لطافتها ما عظم منه تعجبه فكتب الصاحب إلى أبي الفضل بن العميد كتابا يقول فيه وكان في المجلس شيخ خفيف الروح يعرف بالقاضي ابن قريعة جاراني في مسائل خفتها تمنع من ذكرها إلا أني سأطرفك من كلامه وقد سأله رجل بحضرة الوزير أبي محمد عن حد القفا فقال ما اشتمل عليه جربانك وأدبك فيه سلطانك وباسطك فيه غلمانك وجربان بضم الجيم والراء وتشديد الباء الموحدة وبعدها ألف ثم نون لينة وهي الخرقة العريضة التي فوق القب وهي التي تستر القفا والجربان لفظ فارسي معرب وجميع مسائله على هذا الأسلوب انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا
وقال ابن حمدون في تذكرته كان ابن قريعة في مجلس المهلبي فوردت عليه رقعة فيها ما يقول القاضي أعزه الله في رجل دخل الحمام فجلس في الابزن لعلة كانت به فخرجت منه ريح فتحول الماء زيتا فتخاصم الحمامي والضارط وادعى كل واحد منهما أنه يستحق جميع الزيت لحقه فيه فكتب القاضي في الجواب قرأت هذه الفتيا الظريفة في هذه القصة السخيفة وأخلق بها أن تكون عبثا باطلا وكذبا ما حلا وإن كان ذلك كذلك فهو أعاجيب الزمان وبدائع الحدثان والجواب وبالله التوفيق أن للصافع نصف الزيت لحق وجعاته وللحمامي نصف الزيت لحق مائه وعليهما أن يصدقا المبتاع منهما عن خبث أصله وقبح فضله حتى يستعمله في مسرجته ولا يدخله في أغذيته انتهى
وقريعة بضم القاف وفتح الراء وسكون الياء التحتية 62
بعدها عين مهملة وهو لقب جده كذا حكاه السمعاني
وفيها أبو بكر بن القوطية بضم القاف وكسر الطاء وتشديد الياء المثناة من تحت نسبة إلى قوط بن حام بن نوح عليه السلام نسبت إليه جدة أبي بكر هذا وهي أم إبراهيم بن عيسى واسمها سارة بنت المنذر بن حطية من ملوك القوط بالأندلس وقوط أبو السودان والهند والسند وأيضا وايم أبي بكر هذا محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى بن مزاحم الأندلسي الإشبيلي الأصل القرطبي المولد كان رأسا في اللغة والنحو حافظا للإخبار وأيام الناس فقيها محدثا متقنا كثير التصانيف صاحب عبادة ونسك كان أبو علي القالي يبالغ في تعظيمه توفي في شهر ربيع الأول وقد روى عن سعيد بن جابر وطاهر بن عبد العزيز وطبقتهما وسمع بإشبيلية من محمد بن عبيد الزبيدي وبقرطبة من أبي الوليد الأعرج وكان من أعلم أهل زمانه باللغة والعربية وأروى الناس للأشعار وأدركهم للآثار ولا يدرك شأوه ولا يشق غباره وكان مضطلعا بأخبار الأندلس مليئا برواية سير أمرائها وأحوال فقهائها وشعرائها عن ظهر قلب قال ابن خلكان وكان كتب اللغة أكثر ما تقرأ عليه وتؤخذ عنه ولم يكن بالضابط لروايته في الحديث والفقه ولا كانت له أصول يرجع إليها وكان ما يسمع عليه من ذلك إنما يحمل على المعنى لا على اللفظ وكان كثيرا ما يقرأ عليه ما لا رواية له به على جهة التصحيح وطال عمره فسمع الناس عنه طبقة بعد طبقة وروى عنه الشيوخ والكهول وكان قد لقي مشايخ عصره بالأندلس وأخذ عنهم وأكثر من النقل من فوائدهم وصنف الكتب المفيدة في اللغة منها كتاب تصاريف الأفعال وهو الذي فتح هذا الباب فجاء من بعده ابن القطاع وتبعه وله كتاب المقصور والممدود جمع فيه مالا يحد ولا يوصف ولقد أعجز من يأتي بعده وفاق من تقدمه وكان مع هذه الفضائل من العباد النساك وكان جيد الشعر صحيح الألفاظ واضح المعاني حسن المطالع والمقاطع إلا أنه ترك ذلك حكى الشاعر أبو بكر بن هذيل التميمي انه توجه يوما 63
إلى ضيعة له بسفح جبل قرطبة وهي من بقاع الأرض الطيبة المونقة فصادف أبا بكر بن القوطية المذكور صادرا عنها وكانت له أيضا هناك ضيعة قال فلما رآني عرج علي واستبشر بلقائي فقلت له على البديهة مداعبا له
( من أين أقبلت يا من لا شبيه له
ومن هو الشمس والدنيا له فلك )
قال فتبسم وأجاب بسرعة
( من منزل تعجب النساك خلوته
وفيه ستر عن الفتاك أن افتكروا )
قال فما تمالكت أن قبلت يده إذ كان شيخي ومجدته ودعوت له انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا
وفيها أبو الطاهر الوزير نصير الدولة محمد بن محمد بن بقية بن علي أحد الروساء والأجواد تنقلت به الأحوال ووزر لمعز الدولة بختيار وقد كان أبوه فلا حاثم عزل وسمل ولما تملك عضد الدولة قتله وصلبه في شوال ورثاه محمد بن عمر الأنباري بقوله
( علو في الحياة وفي الممات
لحق أنت إحدى المعجزات )
( كان الناس حولك حين قاموا
وفود نداك أيام الصلات )
( كأنك قائم فيهم خطيبا
وكلهم قيام للصلاة )
( مددت يديك نحوهم احتفاءا
كمدكها إليهم بالهبات )
( فلما ضاق بطن الأرض عن أن
يضم علاك من بعد الممات )
( أصاروا الجو قبرك واستنابوا
عن الأكفان ثوب السافيات )
( لعظمك في النفوس تبيت ترعى
بحفاظ وحراس ثقات )
( وتشعل عندك النيران ليلا
كذلك كنت أيام الحياة )
( ركبت مطية من قبل زيد
علاها في السنين الماضيات )
( وتلك فضيلة فيها تأس
تباعد عنك تعيير العداة )
( فلم أر قبل جذعك قط جذعا
تمكن من عناق المكرمات )
( أسأت إلى النوائب فاستثارت
فأنت قتيل ثأر النائبات ) 64
وهي طويلة ولم يزل ابن بقية مصلوبا إلى أن توفي عضد الدولة فأنزل عن الخشبة ودفن في موضعه
قال الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق لما صنع أبو الحسن المرثية التائية كتبها ورماها في شوارع بغداد فتداولها الأدبار إلى أن وصل الخبر إلى عضد الدولة فلما أنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه وقال علي بهذا الرجل فطلب سنة كاملة واتصل الخبر بالصاحب بن عباد وهو بالري فكتب له الأمان فلما سمع أبو الحسن ذلك قصد حضرته فقال له أنت القائل هذه الأبيات قال نعم قال أنشدنيها من فيك فلما أنشد
( ولم أر قبل جذعك قط جذعا
تمكن من عناق المكرمات )
قال إليه الصاحب وقبل فاه وأنفذه إلى عضد الدولة فلما مثل بين يديه قال ما الذي حملك على رثاء عدوي فقال حقوق سلفت وأياد مضت فقال هل يحضرك شيء في الشموع والشموع تزهر بين يديه فأنشأ يقول
( كأن الشموع وقد أظهرت
من النار في كل رأس سنانا )
( أصابع أعدائك الخائفين
تضرع تطلب منك الأمانا )
فلما سمعها خلع عليه وأعطاه فرسا ورده انتهى
وكان ابن بقية في أول أمره قد توصل إلى أن صار صاحب مطبخ معز الدولة حسنت حاله عنده ورعى له خدمته لأبيه وكان فيه توصل وسعة صدر وتقدم إلى أن استوزره عز الدولة يوم الاثنين سابع ذي القعدة اثنتين وستين وثلثمائة ثم أنه قبض عليه لسبب يوم الاثنين سابع عشر ذي الحجة سنة ست وستين بمدينة واسط وسمل عينيه ولزم بيته قال أن الهمداني في كتابه عيون السير لما استوزر عز الدولة ابن بقية بعد أن كان يتولى أمر المطبخ قال الناس من الغضارة إلى الوزارة ولكن ستر كرمه عيوبه وخلع يوما عشرين ألف خلعة انتهى
وتقدم أنه كان راتبه من الشمع في كل شهر ألف من فكم يكون غيره ما تشتد الحاجة إليه 65
فسبحان المعز المذل وعاش ابن بقية نيفا وخمسين سنة
وفيها يحيى بن عبد اله بن يحيى بن الإمام يحيى بن يحيى الليثي القرطبي أبو عيسى الفقيه المالكي راوي الموطأ عاليا
سنة ثمان وستين وثلثمائة
فيها كما قال السيوطي في تاريخ الخلفاء أمر الطائع بأن تضرب الدبادب على باب عضد الدولة في وقت الصبح والمغرب والعشاء وان يخطب له على منابر الحضرة قال ابن الجوزي وهذان أمران لم يكونا من قبله ولا أطلقا لولاة العهود وما حظي عضد الدولة بذلك إلا لضعف الخلافة
وفيها توفي أبو بكر القطيعي أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك البغدادي مسند العراق وكان يسكن بقطيعة الدقيق فنسب غليها روى عن عبد الله بن الإمام أحمد المسند وسمع من الكديمي وإبراهيم الحربي والكبار توفي في ذي الحجة وله خمس وتسعون سنة وكان شيخا صالحا
وفيها السيرافي أبو سيعد الحسن بن عبد الله بن المرزبان صاحب العربية كان أبوه مجوسيا وأسلمك وسمى عبد الله سماه به ابنه المذكور وكان أولا اسمه بهزار تصدر أبو سعيد لاقراء القراءات والنحو واللغة والعروض والفقه والحساب وكان رأسا في النحو بصيرا بمذهب الإمام أبي حنيفة قرأ القرآن على ابن مجاهد وأخذ اللغة عن ابن دريد والنحو عن ابن السراج وكان ورعا يأكل من النسخ وكان ينسخ الكراس بعشرة دراهم لبراعة خطه ذكر عنه الاعتزال وأم يظهر عنه ومات في رجب عن أربع وثمانين سنة قال ابن خلكان أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي النحوي المعروف بالقاضي سكن بغداد وتولى القضاء بها نيابة عن أبي محمد بن معروف وكان من أعلم الناس بنحو البصريين وشرح كتاب سيبويه فأجاد فيه وله كتاب ألفات الوصل 66
والقطع وكتاب أخبار النحويين البصريين وكتاب الوقف والابتداء وكتاب صنعة الشعر والبلاغة وشرح مقصورة ابن دريد وكان الناس يشتغلون عليه بعدة فنون القرآن الكريم والقراءات وعلوم القرآن والنحو واللغة والفقه والفرائض والحساب والكلام والشعر والعروض والقوافي وكان نزها عفيفا جميل الأمر حسن الأخلاق وكان معتزليا ولم يظهر منه شيء وكان كثيرا ما ينشد في مجالسه
( أسكن إلى سكن تسر به
ذهب الزمان وأنت منفرد )
( ترجو غدا وغد كحاملة
في الحي لا يدرون ما تلد )
وتوفي يوم الاثنين ثاني رجب ببغداد وعمره أربع وثمانون سنة ودفن بمقابر الخيزران وقال ولده أبو محمد يوسف أصل أبي من سيراف ومضى إلى عسكر مكرم وأقام عند أبي محمد بن عمر المتكلم وكان يقدمه ويفضله على جميع أصحابه ودخل بغداد وخلق القاضي أبا محمد بن معروف على قضاء الجانب الشرقي في الجانبين والسيرافي بكسر السين المهملة وبعد الراء والألف فاء نسبة إلى سيراف وهي من بلاد فارس على ساحل البحر مما يلي كرمان خرج منها جماعة من العلماء
وفيها أبو القاسم الآبندوني بألف ممدودة وفتح الباء الموحدة وسكون النون وضم المهملة نسبة إلى آبندون من قرى جرجان واسمه عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الجرجاني الحافظ سكن بغداد وحدث عن أبي خليفة والحسن بن سفيان وطبقتهما وهو ثقة ثبت قال الحاكم كان أحد أركان الحديث وقال البرقاني كان محدثا زاهدا متقللا من الدنيا لم يكن يحدث غير واحد لسوء أدب الطلبة وحديثهم وقت السمع عاش خمسا وتسعين سنة وممن حدث عنه الرماني وأبو العلاء الواسطي
وفيها الرخجي بالضم وتشديد المعجمة المفتوحة وجيم نسبة إلى الرخجية 67
قرية بغداد القاضي أبو الحسين عيسى بن حامد البغدادي الفقيه أحد تلامذة ابن جريج روى عن محمد بن جعفر القتات وطبقته ومات في ذي الحجة عن سن عالية
وفيها الحافظ النبيل أحمد بن موسى بن عيسى بن أحمد بن عبد الرحمن الوكيل الفرضي أبو الحسين بن أبي عمر الجرجاني كان حافظا نبيها غير أنه كان يضع الحديث نسأل الله العافية
وفيها أبو أحمد الجلودي بضمتين وقيل بفتح الجيم نسبة إلى الجلود محمد بن عيسى بن عمرويه النيسابوري راوية صحيح مسلم ابن سفيان الفقيه سمع من جماعة ولم يرحل قال الحاكم هو من كبار عباد الصوفية وكان ينسخ بالأجرة ويعرف مذهب سفيان وينتحله توفي في ذي الحجة وله ثمانون سنة
وفيها أبو الحسين الحجاجي نسبة إلى جد محمد بن يعقوب النيسابوري الحافظ الثقة المقرئ العبد الصالح الصدوق في ذي الحجة عن ثلاث وثمانين سنة قرأ على ابن مجاهد وسمع عمر بن أبي غيلان وابن خزيمة وهذه الطبقة بمصر والشام والعراق وخراسان وصنف العلل والشيوخ والأبواب قال الحاكم صحبته نيفا وعشرين سنة فلم أعلم أن الملك كتب عليه خطيئة وسمعت أبا علي الحافظ يقول ما في أصحابنا أفهم ولا أثبت منه وأنا ألقبه يعفان لثبته رحمه الله تعالى
وفيها هفتكين التركي الشرابي خرج عن بغداد خرج عن بغداد خوفا من عضد الدولة ونزل الشام فتملك دمشق بإعانة أهلها في سنة أربع وستين ورد الدعوة العباسية ثم صار إلى صيدا وحارب المصريين فقدم لحربه القائد جوهر وحاصره بدمشق سبعة أشهر ثم ترحل عنه فساق وراء جوهر فالتقوا بعسقلان فهزم جوهرا وتحصن جوهر بعسقلان فحاصره هفتكين بها خمسة عشر شهرا 68
ثم أمنه فنزل وذهب إلى مصر فصادف العزيز صاحب مصر قد جاء في نجدته فرد معه فكانوا سبعين ألفا فالتقاهم هفتكين فأخذوه أسيرا في أول سنة ثمان هذه ثم من عليه العزيز وأعطاه إمرة فخاف منه ابن كلس الوزير وقتله سقاه سما وكان يضرب بشجاعته المثل
سنة تسع وستين وثلاثمائة
فيها ورد رسول العزيز صاحب مصر والشام إلى عضد الدولة ثم ورد رسول آخر فأجابه بما مضمونه صدق الطوية وحسن النية
وفيها توفي أحمد بن عطاء أبو عبد الله الزاهد شيخ الصوفية نزيل صفد روى عن أبي القاسم البغوي وطبقته قال القشيري كان شيخ الشام في وقته وضعفه بعضهم فإنه روى عن إسماعيل الصفار مناكير تفرد بها قاله في العبر
ومن كلامه ما من قبيح إلا وأقبح منه صوفي شحيح وقال الخشوع في الصلاة علامة فلاح المصلي ( وفيها ابن شاقلا أبو إسحق إبراهيم بن أحمد البغدادي البزاز شيخ الحنابلة وتلميذ أبي بكر عبد العزيز توفي كهلا في رجب وكان صاحب حلقة للفتيا والأشغال بجامع المنصور>
قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ) وقال مجالسة الأضداد ذوبان الروح ومجالسة الأشكال تلقيح العقول وقال الخطيب أقام ببغداد ونشأ بها وأقام ببغداد دهرا طويلا ثم انتقل فنزل صور من ساحل بلاد الروم وتوفي في قرية يقال لها منواث من عمل عكا وحمل إلى صفد فدفن بها
وفيها ابن شاقلا أبو إسحق إبراهيم بن أحمد البغدادي البزاز شيخ الحنابلة وتلميذ أبي بكر عبد العزيز توفي كهلا في رجب وكان صاحب حلقة للفتيا والأشغال بجامع المنصور
وفيها الجعل واسمه حسين بن علي البصري الحنفي العلامة صاحب التصانيف وله ثمانون سنة وكان رأس المعتزلة قاله أبو إسحق في طبقات الفقهاء
وفيها ابن ماسي المحدث أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي البزاز ببغداد في رجب وله خمس وتسعون سنة قال البرقاني وغيره ثقة 69
ثبت روى عن أبي مسلم الكجي وطائفة
وفيها الحسن بن محمد بن علي الأصفهاني أبو سعيد الحافظ المتقن روى عن أبي قاسم البغوي وأبي محمد بن صاعد وهذه الطبقة وعنه أبو نعيم وغيره ووصفه أبو نعيم بالمعرفة والإتقان
وفيها الإمام الحافظ الثبت الثقة أبو الشيخ وأبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر ابن حبان الأصبهاني صاحب التصانيف في سلخ المحرم وله خمس وتسعون سنة وأول سماعه في سنة أربع وثمانين ومائتين من إبراهيم بن سعدان وابن أبي عاصم وطبقتهما ورحل في حدود الثلثمائة وروى عن أبي خليفة وأمثاله بالموصل وحران والحجاز والعراق وممن روى عنه أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي والماليني وأبو نعيم وابن مردويه وقال ابن مردويه هو ثقة مأمون وصنف التفسير والكتب الكثيرة في الأحكام وغير ذلك وقال الخطيب كان حافظا ثبتا متقنا وقال غيره كان صالحا عابدا قانتا لله كبير القدر
وفيها الإمام أبو سهل محمد بن سليمان العجلي الصعلوكي النيسابوري الحنفي نسبا والشافعي مذهبا الفقيه شيخ الشافعية بخراسان قال في الحاكم أبو سهل الصعلوكي الشافعي اللغوي المفسر النحوي المتكلم المفتي الصوفي خير زمانه وبقية أقرانه وله سنة تسعين ومائتين اختلف إلى ابن خزيمة ثم إلى أبي علي الثقفي وناظر وبرع وسمع من أبي العباس السراج وطبقته وقال الصاحب بن عباد ما رأى أبو سهل مثل نفسه ولا رأينا مثله وهو صاحب وجه في المذهب وسئل أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه عن أبي بكر القفال وأبي سهل الصعلوكي أيهما أرجح فقال ومن يقدر أن يكون مثل أبي سهل وعنه أخذ ابنه أبو الطيب وفقهاء نيسابور وقال أبو عبد الرحمن السلمي سمعته يقول ما عقدت على شيء قط وما كان لي قفل ولا مفتاح وما حرزت على فضة ولا على ذهب قط قال وسمعته يقول من قال لشيخه لم لا يفلح أبدا ومن غرائبه وجوب النية 70
لإزالة النجاسة وان من نوى غسل الجنابة والجماعة لا يجزئه لواحد منهما وتوفي في ذي القعدة
وفيها ابن أم شيبان قاضي القضاة أبو الحسن محمد بن صالح لن علي الهاشمي العباسي العيسوي الكوفي روى عن عبد الله بن بدران البجلي وجماعة وقدم بغداد مع أبيه فقرأ على ابن مجاهد وتزوج بابنة قاضي القضاة أبي عمر محمد بن يوسف قال طلحة الشاهد هو رجل عظيم القدر واسع العلم كثير الطلب حسن التصنيف متوسط في مذهب مالك متفنن وقال ابن أبي الفوارس نهاية في الصدق نبيل فاضل ما رأينا في معناه مثله توفي فجأة في جمادي الأولى وله بضع وسبعون سنة قاله في العبر
وفيها النقاش المحدث لا المقرئ أبو بكر محمد بن علي بن الحسن المصري الحافظ نزيل تنيس وله سبع وثمانون سنة روى عن شيخ النسائي محمد بن جعفر الإمام ورحل فسمع من النسائي وأبي يعلى وعبدان وخلائق ورحل إليه الدار قطني وكان من الحفاظ والعلماء بهذا الشأن
وفيها أبو عمرو محمد بن محمد بن صابر البخاري المؤذن صاحب صالح جزرة الحافظ مسند أهل بخارى وعالمها
وفيها الباقرحي بفتح القاف وسكون الراء ثم مهملة نسبة إلى باقرحا من قرى بغداد أبو علي مخلد بن جعفر الفارسي الدقاق صاحب المشيخة ببغداد في ذي الحجة روى عن يوسف بن يعقوب القاضي وطبقته ولم يكن يعرف شيئا من الحديث فأدخلوا عليه فأفسدوه قاله في العبر
سنة سبعين وثلثمائة
فيها رجع عضد الدولة من همذان فلما وصل إلى بغداد بعث إلى الطائع لله ليتلقاه فما وسعه التخلف ولم تجر عادة بذلك أبدا وأمر قبل دخوله أن من تكلم أو دعا له قتل 71
فما نطق مخلوق فأعجبه ذلك وكان عظيم الهيبة شديد العقوبة على الذنب الصغير
وفيها توفي الرازي أبو بكر أحمد بن علي الفقيه شيخ الحنفية ببغداد وصاحب أبي الحسن الكرخي في ذي الحجة وله خمس وستون سنة انتهت إليه رياسة المذهب وكان مشهورا بالزهد والدين عرض عليه قضاء القضاة فامتنع وله عدة مصنفات روى فيها عن الأصم وغيره
وفيها اليشكري أحمد بن منصور الدينوري الإخباري مؤدب الأمير حسن بن عيسى بن المقتدر روى عن ابن دريد وطائفة وله أجزاء منسوبة إليه رواها الأمير حسن
وفيها أبو سهل بشر بن أحمد الأسفرايني الدهقان المحدث الجوال روى عن إبراهيم بن علي الذهلي وقرأ على الحسن بن سفيان مسنده ورحل إلى بغداد والموصل وأملى زمانا وتوفي في شوال عن نيف وتسعين سنة
وفيها أبو محمد السبيعي بفتح السين المهملة نسبة إلى سبيع بطن من همدان وهو الحافظ الحسن بن صالح الحلبي روى عن عبد الله بن ناجية وطبقته ومات في آخر السنة في الحمام وكان شرس الأخلاق قال ابن ناصر الدين كان على تشيع فيه ثقة
وفيها الحسن بن رشيق العسكري أبو محمد المصري الحافظ في جمادى الآخرة وله ثمان وثمانون سنة قال يحيى بن الطحان روى عن النسائي وأحمد بن حماد زغبة وخلق لا أستطيع ذكرهم ما رأيت عالما أكثر حديثا منه
وفيها ابن خالويه الأستاذ أبو عبد الله الحسين بن أحمد الهمذاني النحوي اللغوي صاحب التصانيف وشيخ أهل حلب أخذ عن ابن مجاهد وأبي بكر بن الأنباري وأبي عمر الزاهد قال ابن الأهدل انتقل عن بغداد إلى حلب فاستوطنها ومات بها وكان بنو حمدان يعظمونه دخل على سيف الدولة فقال له أقعد ولم يقل 72
اجلس فاتخذت فضيلة لسيف الدولة وذلك لأن القائم يقال له اقعد والنائم والساجد اجلس وله مواقف مع المتنبي في مجلس سيف الدولة ومن شعره
( إذا لم يكن صدر المجالس سيدا
فلا خير فيمن صدرته المجالس )
( وكم قائل مالي رأيتك راجلا
فقلت له من أجل أنك فارس )
انتهى
وفيها القتاب وهو الذي يعمل المحابر أبو بكر عبد الله بن محمد بن محمد بن فورك بن عطاء الأصبهاني المقرئ وله بضع وتسعون سنة قرأ على ابن شنبوذ وروى عن محمد بن إبراهيم الحيراني وعبد الله بن محمد بن النعمان والكبار وصار شيخ ناحيته توفي في ذي القعدة
وفيها الإمام الإسماعيلي أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس أبو بكر الجرجاني أحد الحفاظ الأعيان كان شيخ المحدثين والفقهاء وأجلهم في المروءة والسخاء قاله ابن ناصر الدين
وفيها العلامة الأزهري أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي اللغوي النحوي الشافعي صاحب تهذيب اللغة وغيره من المصنفات الكبار الجليلة المقدار مات بهراة في شهر ربيع الآخر وله ثمان وثمانون سنة روى عن البغوي ونفطويه وأبي بكر بن السراج وترك الأخذ عن ابن دريد تورعا لأنه رآه سكران وقد بقي الأزهري في أسر القرامطة مدة طويلة قاله في العبر
وقال ابن قاضي شهبة ولد بهراة سنة اثنتين وثمانين ومائتين وكان فقيها صالحا غلب عليه علم اللغة وصنف فيه كتابه التهذيب الذي جمع فيه فأوعى في عشر مجلدات وصنف في التفسير كتابا سماه التقريب
انتهى ملخصا
وقال ابن خلكان وحكى بعض الأفاضل أنه رأى بخطه قال امتحنت بالأسر سنة عارضت القرامطة الحج بالهيبر وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربا نشأوا في 73
البادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النجع ويرجعون إلى أعداد المياه في محاضرهم زمان القيظ ويرعون النعم ويعيشون بألبانها وكنا نشتي بالدهناء ونرتبع بالصمان ونقيظ بالستارين واستفدت من محاورتهم ومخاطبة بعضهم بعضا ألفاظا جمة ونوادر كثيرة أوقعت أكثرها في كتابي يعني التهذيب
انتهى
وفيها الحافظ الكبير أبو بكر غندر محمد بن جعفر البغدادي الوراق الثقة كان رحالا جوالا توفي بأطراف خراسان غريبا سمع بالشام والعراق ومصر والجزيرة روى عن الحسن بن شبيب المعمري ومحمد بن محمد الباغندي وطبقتهما وعنه الحاكم وأبو نعيم وغيرهما قال الحاكم دخل إلى أرض الترك وكتب من الحديث ما لم يتقدمه فيه أحد كثرة
وفيها أبو زرعة اليمني الاستراباذي محمد بن إبراهيم الحافظ روى عن علي ابن الحسين بن معدان والسراج وأبي عروبة الحراني وعنه الإدريسي وحمزة السهمي وهو ثقة بن برداس
وممن بعد الستين وثلاثمائة الرفا الشاعر أبو الحسن السري بن أحمد الكندي الموصلي صاحب الديوان المشهور مدح سيف الدولة والوزير المهلبي والكبار قال ابن خلكان كان في صباه يرفو ويطرز في دكان بالموصل وهو مع ذلك يتولع بالأدب وينظم الشعر ولم يزل حتى جاد شعره ومهر فيه وقصد سيف الدولة بن حمدان بحلب وأقام عنده مدة ثم انتقل بعد وفاته إلى بغداد ومدح الوزير المهلبي وجماعة من رؤسائها ونفق شعره وراج وكان بينه وبين أبي بكر محمد وأبي عثمان سعيد بن هاشم الخالديين الموصليين الشاعرين المشهورين معاداة فادعى عليهما سرقة شعره وشعر غيره وكان السري مغرى بنسخ ديوان كشاجم الشاعر المشهور وهو إذ ذاك ريحان الأدب بتلك البلاد والسري في طريقه يذهب فكان يدس فيما يكتبه من شعره أحسن شعر 74
الخالديين ليزيد في حجم ما ينسخه وينفق سوقه ويعلي شعره بذلك عليهما ويغض منهما فمن هذه الجهة وقفت في بعض النسخ من ديوان كشاجم على زيادات ليست في الأصول المشهورة وكان شاعرا مطبوعا عذب الألفاظ مليح المأخذ كثير الافتتان في الأوصاف ولم يكن له رواء ولا منظر ولا يحسن من العلوم غير قول الشعر ومن شعر السري المذكور
( وكانت الإبرة فيما مضى
صائنة وجهي وأشعاري )
( فأصبح الرزق بها ضيقا
كأنه من ثقبها جار )
ومن محاسن شعره في المديح قوله من جملة قصيدة
( يلقى الندى برقيق وجه مسفر
فإذا التقى الجمعان عاد صفيقا )
( رحب المنازل ما أقام فإن سرى
في جحفل ترك الفضاء مضيقا )
وذكر له الثعالبي في كتابه المنتحل
( ألبستني نعما رأيت بها الدجى
صبخا وكنت أرى الصباح يهما )
( فغدوت يحسدني الصديق وقبلها
قد كان يلقاني العدو رحيما )
ومن غرر شعره في التشبيب
( بنفسي من أجود له بنفسي
ويبخل بالتحية والسلام )
( وحتفي كامن في مقلتيه
كمون الموت في حد الحسام )
وله كتاب المحب والمحبوب والمشموم والمشروب وكانت وفاته سنة نيف وستين وثلثمائة
انتهى ما أورده ابم خلكان ملخصا
وفاروق بن عبد الكبير أبو حفص الخطابي البصري محدث البصرة ومسندها روى عن الكجي وهشام بن السيرافي ومحمد بن يحيى القزاز وكان حيا في سنة إحدى وستين
وابن مجاهد المتكلم أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بن مجاهد الطائي صاحب الأشعري ذو التصانيف الكثيرة في الأصول قدم من
البصرة فسكن بغداد وعنه أخذ القاضي أبو بكر الباقلاني وكان دينا صينا خيرا
والتقوى أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصنعاني آخر من روى في الدنيا عن إسحق بن إبراهيم رحل المحدثون إليه في سنة سبع وستين وثلثمائة
والنجيرمي بفتح النون والراء وكسر الجيم نسبة إلى نجيرم محلة بالبصرة أبو يعقوب يوسف بن يعقوب البصري حدث في سنة خمس وستين عن أبي مسلم ومحمد بن حيان المازني
سنة إحدى وسبعين وثلثمائة
فيها كما قال ابن الجوزي في الشذور مات عضد الدولة والصحيح أنه مات في التي بعدها كما يأتي
وفيها الإسماعيلي الحبر الإمام الجامع أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجاني الحافظ الفقيه الشافعي ذو التصانيف الكبار في الحديث والفقه يجرجان في غرة رجب وله أربع وتسعون وسمع من يوسف بن يعقوب القاضي وإبراهيم بن زهير الحلواني وطبقتهما وعنه الحاكم والبرقاني وحمزة اليمني قال الحاكم كان الإسماعيلي أوحد عصره وشيخ المحدثين والفقهاء وأجلهم في الرياسة والمروءة والسخاء
انتهى
وقال الذهبي كان ثقة حجة كثير العلم
انتهى
وفيها المطوعي أبو العباس الحسن بن سعيد بن جعفر العباداني المقرئ نزيل اصطخر وأسند من في الدنيا في القراءات قرأ القراءات على أصحاب الدوري وخلف وابن ذكوان والبزي وحدث عن أبي خليفة والحسن بن المثنى وضعفه ابن مردويه وقال أبو نعيم لين في روايته وقال في العبر عاش مائة سنة وسنتين قال الخزاعي كان أبوه سعيد واعظا محدثا 76
وفيها أبو محمد السبيعي واسمه الحسن بن أحمد بن صالح الهمداني الحلبي قال ابن ناصر الدين كان على تشيع فيه ثقة ومات في الحمام انتهى
وفيها الزيني عبد الله بن إبراهيم بن جعفر أبو الحسين البغدادي البزار في ذي القعدة وله ثلاث وتسعون سنة روى عن الحسن بن علويه القطان والفريابي وطائفة
وفيها ابن التبان شيخ المالكية بالمغرب أبو محمد عبد الله بن إسحق القيرواني قال القاضي عياض ضربت إليه آباط من الإبل من الأمصار وكان حافظا بعيدا من التصنع والرياء فصيحا
وفيها أبو زيد المروزي الإمام الشافعي الفاشاني بفاء وشين معجمة ونون نسبة إلى فاشان قرية من قرى مرو واسمه محمد بن أحمد بن عبد الله الزاهد حدث بالعراق ودمشق ومكة وروى الصحيح عن الفربري ومات بمرو في رجب وله سبعون سنة قال الحاكم كان من أحفظ الناس لمذهب الشافعي وأحسنهم نظرا وأزهدهم في الدنيا سمعت أبا بكر البزار يقول عادلت الفقيه أبا زيد من نيسابور إلى مكة فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة انتهى
وقال الخطيب حدث بصحيح البخاري عن الفربري وأبو زيد أجل من روى ذلك الكتاب وعنه أخذ أبو بكر القفال المروزي وفقهاء مرو وكان من أزكى الناس قريحة جاور بمكة سبع سنين وقال ابن الأهدل كان أول أمره فقيرا ثم بسطت عليه الدنيا عند كبره وسقوط أسنانه وانقطاعه عن الجماع فقال مخاطبا لها لا أهلا بك ولا سهلا أقبلت حين لا ناب ولا نصاب ومات وله تسعون سنة انتهى
وفيها محمد بن خفيف أبو عبد الله الشيرازي شيخ إقليم فارس وصاحب الأحوال والمقامات روى عن حماد بن مدرك وجماعة قال السلمي هو اليوم شيخ المشايخ وتاريخ الزمان لم يبق للقوم أقدم منه سنا ولا أتم حالا متمسك 77
بالكتاب والسنة فقيه على مذهب الشافعي كان من أولاد الأمراء فتزهد توفي في ثالث رمضان عن خمس وتسعين سنة وقيل عاش مائة سنة وأربع سنين قاله في العبر قال ابن خفيف قدم علينا بعض أصحابنا فاعتل بعلة البطن فكنت أخدمه وآخذ من تحته الطست طول الليل فأغفلت عنه مرة فقال لي نمت لعنك الله فقيل له كيف وجدت نفسك عند قوله لعنك الله قال كقوله رحمك الله ومن كلامه التوكل الاكتفاء بضمانه وإسقاط التهمة عن قضائه وقال الأكل مع الفقراء قربة إلى الله عز وجل وقال أحمد بن يحيى الشيرازي ما أرى التصوف إلا يختم بأبي عبد الله بن خفيف وقال السبكي شيخ المشايخ وذو القدم الراسخ في العلم والدين كان سيدا جليلا وإمام حفيلا يستمطر الغيث بدعائه ويؤوب المصر بكلامه عن إغوائه من أعلم المشايخ بعلوم الظاهر وممن اتفقوا على عظيم تمسكه بالكتاب والسنة وكانت له أسفار وبدايات وأحوال عاليات ورياضات لقي من النساك شيوخا ومن السلاك طوائف رسخ قدمهم في الطريق رسوخا وصحب من أرباب الأحوال أحبارا وأخيارا وشرب من مهل الطريق كاسات كبارا وسافر مشرقا ومغربا وصابر النفس حتى انقادت له فأصبح مثنى الثناء عليها معربا ذا صبر على الطاعة لا يعصيه فيه قلبه واستمرار على المراقبة شهيد عليه ربه وجنب لا يدري القرار ونفس لا تعرف المأوى إلا البيداء ولا سكن إلا القفار وكان من أولاد الأمراء فتزهد حتى قال كنت أذهب وأجمع الخرق من المزابل وأغسلها وأصلح منها ما ألبسه وروى عنه القاضي أبو بكر بن الباقلاني وغيره ورحل إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري وأخذ عنه وهو من أعيان تلامذته وصنف من الكتب ما لم يصنفه أحد وعمر حتى عم نفعه البلدان وازدحم الناس على جنازته وصلى عليه نحو مائة مرة انتهى ملخصا 78
سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة
في شوالها مات عضد الدولة فناخسرو بن الملك ركن الدولة الحسن بن بويه ولي سلطنة فارس بعد عمه عماد الدولة علي ثم حارب ابن عمه عز الدولة كما تقدم واستولى على العراق والجزيرة ودانت له الأمم وهو أول من خوطب بشاه شاه في الإسلام وأول من خطب له على المنابر ببغداد بعد الخليفة وكان من جملة ألقابه تاج الملة وهو الذي أظهر قبر الإمام علي كرم الله وجهه بالكوفة وبنى عليه المشهد الذي هناك وعمر النواحي وحفر الأنهار وأصلح طريق مكة وهو الذي بنى على مدينة النبي سورا وبنى المارستان العضدي ببغداد وأنفق عليه أموالا لا تحصى وكان أديبا مشاركا في فنون من العلم حازما لبيبا إلا أنه كان غاليا في التشيع وله صنف أبو علي الإيضاح والتكملة وقصده الشعراء من البلاد كالمتنبي وأبي الحسن السلامي وكان شهما مطاعا حازما ذكيا متيقظا مهيبا سفاكا للدماء له عيون كثيرة تأتيه بأخبار البلاد القاصية وليس في بني بويه مثله وكان قد طلب حساب ما يدخله في العام فإذا هو ثلثمائة ألف ألف وعشرون ألف ألف درهم وجدد مكوسا ومظالم قيل أنه أنشد أبياتا فلازمه الصرع بعدها إلى أن مات وهي
( ليس شرب الكاس إلا في المطر
وغناء من جوار في السحر )
( غاليات سالبات للنهى
ناغمات في تصانيف الوتر )
( عضد الدولة وابن ركنها
ملك الأملاك غلاب القدر )
( سهل الله له بغيته
في ملوك الأرض ما دار القمر )
( وأراه الخير في أولاده
ليساس الملك منهم بالغرر )
ومات بعلة الصرع في شوال ولما نزل به الموت كان يقول (
ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ) ويرددها إلى أن مات وأنشد في احتضاره قبل ترديده لهذه 79
الآية قول القاسم بن عبيد الله
( قتلت صناديد الرجال فلم أدع
عدوا وأم أمهل على طيه خلقا )
( فلما بلغت النجم عزا ورفعة
وصارت رقاب الخلق أجمع لي رقا )
( زماني الردى سهما فأخمد جمرتي
فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى )
( فأذهبت دنيائي وديني سفاهة
فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى )
ومات عن سبع وأربعين سنة وأحد عشر شهرا ودفن في دار المملكة وكتم ذلك ثم حمل بعد ذلك إلى مشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه
وفيها النضروي أبو منصور العباس بن الفضل بن زكريا بن نضرويه بضاد معجمة مسند هراة روى عن أحمد بن نجدة ومحمد بن عبد الرحمن الشامي وطائفة ووثقه الخطيب ومات في شعبان
وفيها الغزى أبو بكر محمد بن العباس بن وصيف الذي يروي الموطأ عن الحسن بن الفرج الغزى صاحب يحيى بن بكير ورخه أبو القاسم بن مندة
وفيها ابن بخيت أبو بكر محمد بن عبد الله بن خلف بن بخيت العكبري الدقاق ببغداد في ذي القعدة روى عن خلف العكبري والفريابي
وفيها ابن خميرويه العدل أبو الفضيل محمد بن عبد الله بن محمد بن خميرويه ابن سيار الهروي محدث هراة روى عن علي الحكاني وأحمد بن نجدة وجماعة
سنة ثلث وسبعين وثلاثمائة
في المحرم أظهرت وفاة عضد الدولة وكانت أخفيت حتى أحضروا ولده صمصام الدولة فجلس للعزاء ولطموا عليه أياما في الأسواق وجاء الطائع إلى صمصام الدولة فعزاه ثم ولاه الملك وعقد له لواءين ولقبه شمس الدولة وبعد أيام جاء الخبر بموت مؤيد الدولة أخو عضد الدولة بجرجان وولى مملكته أخوه 80
فخر الدولة الذي وزر له إسماعيل بن عباد
وفيها كان القحط الشديد ببغداد وبلغ حساب الغرارة بأربعمائة درهم
وفيها توفي أبو بكر الشذائي أحمد بن نصر البصري المقرئ أحد القراء الكبار تلا على عمر بن محمد الكاغدي وابن شنبوذ وجماعة وتصدر وأقرأ والشذائي بفتح المعجمتين نسبة إلى شذا قرية بالبصرة
وفيها أبو إسحق إبراهيم بن عبد الله بن إسحق الأصبهاني العدل المعروف بالقصار نزيل نيسابور روى عن عبد الله بن سيرويه والسراج وعدة وكان ممن جاوز المائة
وفيها الأمير أبو الفتوح بلكين بضم الباء الموحدة واللام وتشديد الكاف المكسورة وسكون الياء الثناة من تحت وبعدها نون ابن زيري بكسر الزاي وسكون الياء المثناة من تحت وكسر الراء وبعدها ياء بن مناد الحميري الصنهاجي ويسمى أيضا يوسف لكن بلكين أشهر وهو الذي استخلفه المعز بن المنصور لعبيدي على إفريقية عند توجهه إلى الديار المصرية وكان استخلافه إياه يوم الأربعاء ثالث عشرى ذي الحجة سنة إحدى وستين وثلاثمائة وأمر الناس بالسمع والطاعة له وسلمه البلاد وخرجت العمال وجباة الأموال باسمه وأوصاه المعز بأمور كثيرة وأكد عليه في فعلها ثم قال إن نسيت ما أوصيتك به فلا تنس ثلاثة أشياء إياك أن ترفع الجناية عن أهل البادية والسيف عن البربر ولا تول أحدا من إخوتك وبني عمك فإنهم يرون أنهم أحق بهذا الأمر منك وافعل مع أهل الحاضرة خيرا وفارقه على ذلك وعاد من وداعه وتصرف في الولاية ولم يزل حسن السيرة تام النظر في مصالح دولته ورعيته إلى أن توفي يوم الأحد لسبع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين بموضع يقال له واركلان مجاور إفريقية وكانت علته القولنج وقيل خرجت في يده بثرة فمات منها وكان له أربعمائة حظية حتى قيل أن البشائر وفدت عليه في يوم واحد 81
بولادة سبعة عشر ولدا
وفيها أبو علي الحسين بن محمد بن حنش الدينوري المقري صاحب موسى بن جرير الرقي
وفيها أبو عثمان المغربي سعيد بن سالم الصوفي العارف بالله تعالى نزيل نيسابور قال السلمي لم نر مثله في علة الدرجة والحال وصون الوقت وقال ابن الأهدل سعيد بن سلما أو ابن سالم أو ابن سلام النيسابوري قال اليافعي لا أدري أنه الممدوح بقول الشاعر
( ألا قل لساري الليل لا تخش ظلمة
سعيد بن سلما ضوء كل بلاد )
( لنا سيد أربى على كل سيد
جواد حثا في وجه كل جواد )
يعني أنه سبق في الجود والسابق يحثو التراب بحافر فرسه في وجه المسبوق أو فرسه
وفيها أبو محمد بن السقا الحافظ عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي روى عن أبي خليفة وعبدان وطبقتهما وعنه الدار قطني وأبو نعيم وما حدث إلا من حفظه توفي في جمادى الآخرة وكان حافظا متقنا من كبراء أهل واسط وأولى الحشمة رحل به أبوه
وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن كيسان الحربي أخو محمد وكانا توءمين روى عن يوسف القاضي وعاش نيفا وتسعين سنة فاحتيج إليه وكان جاهلا قال البرقاني أعطيته الكتاب ليحدثنا منه فلم يدر ما يقول فقلت له سبحان الله حدثكم يوسف القاضي فقال سبحان الله حدثكم يوسف القاضي قال الجوهري سمعت منه في سنة ثلاث ولم يؤرخ وفاته الخطيب ولا غيره وجزم في العبر أنه توفي في هذه السنة
وفيها الفضل بن جعفر أبو القاسم التميمي المؤذن الرجل الصالح بدمشق وهو راوي نسخة أبي مسهر عن عبد الرحمن بن القاسم الرواس وكان ثقة 82
وفيها أوفى التي قبلها كما جزم به ابن الأهدل أو فيما بعدها أبو عبد الله الخضري بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين ولكن لثقل هذا اللفظ قالوها بكسر الخاء وسكون الضاد وهي نسبة إلى جده قاله ابن قاضي شهبة واسم المترجم محمد بن أحمد أبو عبد الله الخضري المروزي كان هو وأبو زيد شيخي عصرهما بمرو وكثيرا ما يقول القفال سألت أبا زيد والخضري وممن نقل عنه القاضي حسين في باب استقبال القبلة في الكلام على تقليد الصبي قال ابن باطيس أخذ عن أبي بكر الفارسي وأقام بمرو ناشرا لفقه الشافعي رضي الله عنه مرغبا فيه وكان يضرب به المثل في قوة الحفظ وقلة النسيان وقال أنه كان موجودا في سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وقال ابن خلكان توفي في عشر الثمانين وثلثمائة ونقل عنه الرافعي في انغماس الجنب في الماء وفي النجاسات أنه خرج هو وأبو زيد قولا إن النار تؤثر في الطهارة كالشمس والريح وقال ابن الأهدل كان تحته بنت أبي علي الشابوري فسئل يوما عن قلامة ظفر المرأة هل هو عورة فتوقف فقالت له زوجته سمعت أبي يقول للأجنبي النظر إلى قلامة اليد دون الرجل ففرح الخضري وقال لو لم أستفد من الاتصال بأهل العلم إلا هذه المسألة لكانت كافية وقد قرر فتواها هذه كثير من العلماء لقوله تعالى ( وفيها أبو بكر محمد بن حيويه بن المؤمل بن أبي روضة الكرخي النحوي بهمذان وهو أحد المتروكين في الحديث ذكر أنه بلغ مائة واثنتي عشرة سنة وروى عن أسيد بن عاصم وإبراهيم بن ديزيل وإسحق بن إبراهيم الدبري>
إلا ما ظهر منها ) وهو مفسر بالوجه والكفين انتهى
وفيها أبو بكر محمد بن حيويه بن المؤمل بن أبي روضة الكرخي النحوي بهمذان وهو أحد المتروكين في الحديث ذكر أنه بلغ مائة واثنتي عشرة سنة وروى عن أسيد بن عاصم وإبراهيم بن ديزيل وإسحق بن إبراهيم الدبري
وفيها محمد بن محمد بن يوسف بن مكي أبو أحمد الجرجاني روى عن البغوي وطبقته وحدث بصحيح البخاري عن الفربري وتنقل في النواحي قال أبو نعيم ضعفوه وسمعت منه الصحيح 83
سنة أربع وسبعين وثلثمائة
فيها توفي إسحق بن أسعد بن الحافظ الحسن بن سفيان أبو يعقوب الفسوى بفتحتين نسبة إلى فسا مدينة بفارس روى عن جده وفي الرحلة عن محمد بن المجدر وطبقتهما
وفيها عبد الرحمن بن محمد بن حكا العلامة أبو سعيد الحنفي الحاكم بنيسابور في شعبان وله اثنتان وتسعون سنة روى عن أبي يعلى الموصلي والبغداديين وولي قضاء ترمذ
وفيها أبو يحيى بن نباتة خطيب الخطباء عبد الرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة الفارقي اللخمي العسقلاني المولد المصري الدار ولي خطابة حلب لسيف الدولة وفي خطبه دلالة على قوة علمه وسعته وقوة قريحته وأجمعوا على أنه ما عمل مثل خطبه قط وهو الذي حث سيف الدولة بخطبه في الجهاد على التوسع فيه وسمع على المتنبي بعض ديوانه وكان رجلا صالحا رأى النبي في المنام في المقابر وقال له مرحبا بخطيب الخطباء وأدناه وتفل في فيه فلم تزل رائحة المسك توجد فيه إلى أن مات وأشار بيده إلى المقابر وقال كيف قلت يا خطيب قال قلت لا يخبرون بما إليه آلوا ولو قدروا على المقال لقالوا ثم أخذ يسوقها فاستيقظ وعلى وجهه نور وبهجة وعاش بعد ذلك ثمانيا وعشرين ليلة لا يستطعم طعاما ولا شرابا من أجل تلك التفلة وبركتها والخطبة التي فيها هذه الكلمات تعرف بالمنامية ومولده وموته بميافارقين قيل ومات وعمره دون الأربعين ورؤي بعد موته في المنام فقيل له ما فعل الله بك فقال دفع إلى رقعة فيها سطران بالأحمر وهما
( قد كان أمن لك من قبل ذا
واليوم أضحى لك أمنان )
( والصفح لا يحسن عن محسن
وإنما يحسن عن جان ) 84
فاستيقظ الرائي وهو يحفظهما
وفيها علي بن النعمان بن محمد قاضي القضاة بالديار المصرية ولي بعد أبيه وكان شيعيا غاليا وشاعرا مجودا
وفيها الحافظ أبو الفتح الأزدي محمد بن الحسين بن أحمد الموصلي نزيل بغداد صنف في علوم الحديث وفي الضعفاء وحدث عن أبي يعلى ومحمد بن جرير الطبري وطبقتهما وضعفه البرقاني
وفيها أبو بكر الربعي محمد بن سليمان الدمشقي البندار
روى عن أحمد بن عامر ومحمد بن الفيض الغساني وطبقتهما وتوفي في ذي الحجة
سنة خمس وسبعين وثلثمائة
فيها كما قال ابن الأثير خرج من البحر طائر أكبر من الفيل بعمان وصاح بصوت عال قد قرب الأمر ثلاث مرات ثم غاص في البحر فعل ذلك ثلاث مرات ثم غاب فلم يعد انتهى
وفيها توفي أبو زرعة الرازي الصغير أحمد بن الحسين الحافظ رحل وطوف وجمع وصنف وسمع من أبي حامد بن بلال والقاضي المحاملي وطبقتهما قال الخطيب كان حافظا متقنا جمع الأبواب والتراجم
وفيها البحيري بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة نسبة إلى جده وهو أبو الحسن أحمد بن محمد بن جعفر النيسابوري سمع بن خزيمة ومحمد بن محمد الباغندي وطبقتهما واستملى عليه الحاكم
وفيها حسينك الحافظ أبو أحمد الحسين بن علي بن محمد بن يحيى التميمي النيسابوري روى عن ابن خزيمة والسراج عمر بن أبي غيلان وعبد الله بن زيدان والكبار ومنه الحاكم والبرقاني وكان ثقة حجة محتشما توفي في ربيع الآخر قال الحاكم صحبته حضرا وسفرا نحو ثلاثين سنة فما رأيته ترك قيام الليل وكان يقرأ كل ليلة سبعا وأخرج مرة عن نفسه عشرة إلى الغزو 85
وفيها العسكري أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبيد الدقاق روى عن محمد بن يحيى المروزي ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة وطبقتهما
وفيها أبو مسلم بن مهران الحافظ العابد العارف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن مهران البغدادي روى عن البغوي وأبي عروبة وطبقتهما وعنه الدار قطني والحاكم وكان ثقة زاهدا رحل إلى خراسان والشام والجزيرة ثم دخل بخارى وأقام بتلك الديار نحوا من ثلاثين سنة وصنف المسند ثم تزهد وانقبض عن الناس وجاور بمكة وكان يجتهد أن لا يظهر للمحدثين ولا لغيرهم قال ابن الفوارس صنف أشياء كثيرة وكان ثقة زاهدا ما رأينا مثله
وفيها الخرقي أبو القاسم عبد العزيز بن جعفر البغدادي روى عن أحمد بن الحسن الصوفي والهيثم بن خلف الدوري وكان ثقة
وفيها أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز الداركي بفتح الراء نسبة إلى دارك من قرى أصبهان درس بنيسابور مدة ثم سكن بغداد وكانت له حلقة للفتوى وانتهت إليه رياسة المذهب ببغداد تفقه على أبي إسحق المروزي وتفقه عليه الشيخ أبو حامد الإسفراييني بعد موت شيخه أبي الحسين بن المرزبان وقال ما رأيت أفقه منه وقال الخطيب كان ثقة أثنى عليه الدار قطني وقال ابن أبي الفوارس كان يتهم بالاعتزال انتهى
وهو صاحب وجه في المذهب وحدث عن جده لأمه الحسن بن محمد الداركي وتوفي في شوال وهو في عشر الثمانين
وفيها أبو حفص بن الزيات عمر بن محمد بن علي البغدادي قال ابن أبي الفوارس كان ثقة متقنا جمع أبوابا وشيوخا وقال البرقاني ثقة مصنف وروى عن إبراهيم بن شريك والفريابي وطبقتهما ومات في جمادى الآخرة وله تسع وثمانون سنة
وفيها الأبهري كالأحمدي نسبة إلى أبهر قرية قرب زنجان وقرية بأصبهان أيضا لم أدر من أيهما هذا وهو القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد التميمي 86
شيخ المالكية العراقيين وصاحب التصانيف توفي في شوال وهو في عشر التسعين وسمع الكثير بالشام والعراق والجزيرة وروى عن الباغندي وعبد الله بن بدران البجلي وطبقتهما وسئل أن بلى قضاء القضاة فامتنع
وفيها الميانجي بالفتح ومثناة تحتية وفتح النون وبالجيم نسبة إلى ميانج موضع بالشام القاضي أبو بكر يوسف بن القاسم الشافعي المحدث نزيل دمشق ناب في القضاء مدة عن قاضي بني عبيد أبي الحسن علي بن النعمان وحدث عن أبي خليفة الجمحي وعبدان وطبقتهما ورحل إلى الشام والجزيرة وخراسان والعراق وتوفي في شعبان وقد قارب التسعين
سنة ست وسبعين وثلثمائة
شرعت دولة بني بويه تضعف فمال العسكر عن صمصام الدولة إلى أخيه شرف الدولة فذل الصمصام وسافر إلى أخيه راضيا بما يعامله به فدخل وقبل الأرض مرات فقال له شرف الدولة كيف أنت أوحشتنا ثم اعتقله فوقع بين الديلم وكانوا تسعة عشر ألفا وبين الترك وكانوا ثلاثة آلاف فالتقوا فانهزمت الديلم وقتل منهم ثلاثة آلاف وحفت الترك بشرف الدولة وقدموا به بغداد فأتاه الطائع يهنئه ثم خفي خبر صمصام الدولة وأكحل فلم تطل لشرف الدولة مدة
وفيها توفي أبو إسحق المستملى إبراهيم بن أحمد البلخي سمع الكثير وخرج لنفسه معجما وحدث بصحيح البخاري مرات عن الفربري وكان ثقة صاحب حديث
وفيها أبو سعيد السمسار الحسن بن جعفر بن الوضاح البغدادي الحربي الخرقي حدث عن محمد بن يحيى المروزي وأبي شعيب الحراني وطبقتهما قال العقيقي فيه تساهل 87
وفيها أبو الحسن الجراحي علي بن الحسن البغدادي القاضي المحدث روى عن حامد بن شعيب والباغندي قال البرقاني اتهم في روايته عن حامد
وفيها أبو الحسن البكائي نسبة إلى البكا بطن من بني عامر بن صعصعة على ابن عبد الرحمن الكوفي شيخ الكوفة روى عن مطين وأبي حصين الوادعي وطائفة وعاش أكثر من تسعين سنة
وفيها ابن شنبك أبو القاسم عمر بن محمد بن إبراهيم البجلي البغدادي القاضي روى عن محمد بن حبان والباغندي وجماعة وعاش خمسا وثمانين سنة
وفيها قسام الحارثي من أهل بلغينا بجبل سنبر كان ترابا ثم انتقلت الأحوال به وصار مقدم الأحداث والشباب بدمشق وكثرت أعوانه حتى غلب على دمشق حتى لم يبق للنائب معه أمر فسار جيش من مصر لقصده ولمحاربته فضعف أمر قسام واختفى ثم استأمن فقيدوه وبعث إلى مصر في هذا العام فعفى عنه وخمل أمره
وفيها أبو عمرو بن حمدان الحيري وهو محمد بن أحمد بن حمدان بن علي النيسابوري النحوي مسند خراسان توفي في ذي القعدة وله ثلاث وتسعون سنة سمه بنيسابور ونسا والموصل وجرجان وبغداد والبصرة روى عن الحسن بن سفيان وزكريا الساجي وعبدان وخلائق وكان مقرئا عارفا بالعربية له بصر بالحديث وقدم في العبادة كان المسجد فراشه ثلاثين سنة ثم لما ضعف وعمى حولوه
وفيها أبو بكر الرازي محمد بن عبد الله بن عبد العزيز شادان الصوفي الواعظ والد المحدث أبي مسعود أحمد بن محمد البجلي الرازي روى عن يوسف بن الحسين الرازي وابن عقدة وطائفة وهو صاحب مناكير وغرائب ولا سيما في حكايات الصوفية قاله في العبر وقال في المغنى طعن فيه الحاكم ولأبي عبد الرحمن السلمي عنه عجائب انتهى 88
وفيها ابن النحاس المصري واسمه أحمد بن محمد بن عيسى بن الجراح أبو العباس الحافظ نزيل نيسابور قال ابن ناصر الدين كان أحد الحفاظ المبرزين والثقات المجودين انتهى
سنة سبع وسبعين وثلثمائة
فيها رفع شرف الدولة عن العراق مظالم كثيرة فمن ذلك أنه رد على الشريف أبي الحسن محمد بن عمر جميع أملاكه وكان مغلها في العام ألفي ألف وخمسمائة ألف درهم وكان الغلاء ببغداد فوق الوصف
وفيها توفي أبيض بن محمد بن أبيض بن أسود الفهري المصري روى عن النسائي مجلسين وهو آخر من روى عنه
وفيها لإسحق بن المقتدر بالله توفي في ذي القعدة عن ستين وصلى عليه ولده القادر بالله الذي ولى الخلافة بعد الطائع لله
وفيها أمة الواحد ابنة القاضي أبي عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي حفظت القرآن والفقه والنحو والفرائض والعلوم وبرعت في مذهب الشافعي وكانت تفتي مع أبي علي بن أبي هريرة
وفيها أبو علي الفارسي الحسن بن محمد بن عبد الغفار النحوي صاحب التصانيف ببغداد في ربيع الأول وله تسع وثمانون سنة وكان متهما بالاعتزال وقد فضله بعضهم على المبرد وكان عديم المثل قاله في العبر وقال ابن خلكان كان إمام وقته في علم النحو ودار البلاد وأقام بحلب عند سيف الدولة بن حمدان مدة وكان قدومه في سنة إحدى وأربعين وثلثمائة وجرت بينه وبين أبي الطيب المتنبي مجالس ثم انتقل إلى بلاد فارس وصحب عضد الدولة بن بويه وتقدم عنده وعلت منزلته حتى قال عضد الدولة أنا غلام أبي علي في النحو وصنف له كتاب الإيضاح والتكملة ويحكى أنه كان يوما في ميدان شيراز يساير عضد 89
الدولة فقال له لم انتصب المستثنى في قولنا قام القوم إلا زيدا فقال الشيخ بفعل مقدر فقال له كيف تقديره فقال أستثني زيدا فقال له عضد الدولة هلا رفعته وقدرت امتنع زيد فانقطع الشيخ وقال هذا الجواب ميداني ثم انه لما رجع إلى منزله وضع في ذلك كلاما وحمله إليه فاستحسنه وذكر في كتاب الإيضاح أنه بالفعل المتقدم بتقوية إلا وحكى أبو القسم بن أحمد الأندلسي قال جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي وأنا حاضر فقال إني لأغبطكم على قول الشعر فإن خاطري لا يوافقني على قوله مع تحقيقي العلوم التي هي من مواده فقال له رجل فما قلت قط شيئا منه قال ما أعلم أن لي شعرا إلا ثلاثة أبيات في المشيب وهي قولي
( خضبت الشيب لما كان عيبا
وخضب الشيب أولى أن يعابا )
( ولم أخضب مخافة هجر خل
ولا عيبا خشيت ولا عتابا )
( ولكن المشيب بدا ذميما
فصيرت الخضاب له عقابا )
وقيل إن السبب في استشهاده في باب كان من كتاب الإيضاح ببيت أبي تمام الطائي وهو قوله
( من كان مرعى عزمه وهمومه
روض الأماني لم يزل مهزولا )
لم يكن ذلك لأن أبا تمام يستشهد بشعره لكن عضد الدولة كان يحب هذا البيت وينشده كثيرا فلهذا استشهد به في كتابه ومن تصانيفه كتاب التذكرة وهو كبير وكتاب المقصور والممدود وكتاب الحجة في القراءات وكتاب الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني وكتاب العوامل المائة وكتاب المسائل الحلبيات وكتاب المسائل البغداديات وكتاب المسائل الشيرازيات وكتاب البصرية وكتاب المسائل المجلسيات وغير ذلك وكان مولده سنة ثمان وثمانين ومائتين وتوفي في يوم الأحد لسبع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر ببغداد ودفن بالشونيزية ويقال له الفسوى بفتح الفاء والسين المهملة وبعدها واو نسبة إلى مدينة فسا من أعمال فارس انتهى ملخصا 90
وفيها ابن لولو الوراق أبو الحسن علي بن محمد بن أحمد بن نصير الثقفي البغدادي الشيعي روى عن إبراهيم بن شريك وحمزة الكاتب والفريابي وطبقتهم توفي في المحرم وله ست وتسعون سنة وكان ثقة يحدث بالأجرة
وفيها أبو الحسن الأنطاكي علي بن محمد بن إسماعيل المقرئ الفقيه الشافعي قرأ على إبراهيم بن عبد الرزاق والأنطاكي بالروايات ودخل الأندلس ونشر بها العلم فقال ابن الفرضي أدخل الأندلس علما جما وكان رأسا في القراءات لا يتقدمه فيها أحد مات بقرطبة في ربيع الأول وله ثمان وسبعون سنة قاله في العبر وقال الأسنوي ولد بأنطاكية سنة تسع وتسعين ومائتين ودخل الأندلس سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة انتهى
وفيها أبو طاهر الأنطاكي محمد بن الحسن بن علي المقرئ المحقق قال أبو عمرو الداني هو أجل أصحاب إبراهيم بن عبد الرزاق وأضبطهم روى عنه القراءات جماعة من نظرائه قال ابن غلبون توفي قبل الثمانين بيسير
وفيها أبو أحمد الغطريفي بكسر أوله الطاء وآخره فاء نسبة إلى غطريف جد محمد بن أحمد بن الحسين بن القسم بن السرى الظريف الجرجاني الرباطي الحافظ توفي في رجب عن سن عالية روى عن أبي خليفة وعبد الله بن ناجية وابن خزيمة وطبقتهم وكان ثقة صواما قواما متقنا مصنفا صنف المسند الصحيح وغيره
وفيها محمد بن زيد بن علي بن جعفر بن مروان أبو عبد الله البغدادي نزيل الكوفة روى عن عبد الله بن ناجية وحامد بن شعيب 91
سنة ثمان وسبعين وثلثمائة
فيها أمر الملك شرف الدولة برصد الكواكب كما فعل المأمون وبنى لها هيكلا بدار السلطنة
وفيها كما قال السيوطي في تاريخ الخلفاء اشتد الغلاء ببغداد جدا وظهر الموت بها ولحق الناس بالبصرة حر وسموم تساقط الناس منه وجاءت ريح عظيمة بفم الصلح حرقت دجلة حتى ذكر أنه بانت أرضها وغرق كثير من السفن واحتملت زورقا منحدرا وفيه دواب وطرحت ذلك في أرض خوخى فشوهد بعد أيام انتهى
وفيها توفي بشر بن محمد بن محمد بن ياسين القاضي أبو القسم الباهلي النيسابوري توفي في رمضان وقد جلس وأملى عن السراج وابن خزيمة
وفيها تبوك بن الحسن بن الوليد أبو بكر الكلابي المعدل أخو عبد الوهاب روى عن سعيد بن عبد العزيز الحلبي وطبقته
وفيها الخليل بن أحمد بن محمد أبو سعيد السجزى القاضي الفقيه الحنفي الواعظ قاضي سمرقند وبها مات عن تسع وثمانين سنة روى عن السراج وأبي القسم البغوي وخلق
وفيها أبو نصر السراج عبد الله بن علي الطوسي الزاهد شيخ الصوفيه وصاحب كتاب اللمع في التصوف روى عن جعفر الخلدي وأبي بكر محمد بن داود الدقي قال الذهبي كان المنظور إليه في ناحيته في الفتوة ولسان القوم مع الاستظهار بعلم الشريعة وقال السخاوي كان على طريقة السنة قال خرجت مع أبي عبد الله الروزباري لنلقى أنبليا الراهب بصور فتقدمنا إلى ديره وقلنا له ما الذي حبسك ههنا قال أسرتني حلاوة قول الناس لي يا راهب انتهى وتوفي في رجب 92
وفيها ابن الباجي الحافظ المحقق أبو محمد عبد الله بن محمد بن علي اللخمي الإشبيلي الثقة الحجة سمع مر بن لبابة وأسلم بن عبد العزيز وطبقتهما ومنه جماعة من الأقران ومات في رمضان وله سبع وثمانون سنة قال ابن الفرضي لم أجد أحدا أفضله عليه في الضبط رحلت إليه مرتين
وفيها أبو الفتح عبد الواحد بن أحمد بن مسرور البلخي الحافظ نزيل مصر توفي في ذي الحجة روى عن الحسين بن محمد المطبقي وأحمد بن سليمان بن زربان الكندي وطبقتهما وروى عنه الحافظ عبد الغني الأزدي وآخرون وهو من الثقات
وفيها أبو بكر المفيد محمد بن أحمد بن محمد بن يعقوب بجرجرايا وكان يفهم ويحفظ ويذاكر وهو بين الضعف واتهمه بعضهم روى عن أبي شعيب الحراني وأقرانه وعاش أربعا وتسعين سنة
وفيها أبو بكر الوراق محمد بن إسماعيل بن العباس البغدادي المستملى اعتنى به أبوه وأسمعه من الحسن بن الطيب البلخي وعمر بن أبي غيلان وطبقتهما وعاش خمسا وثمانين سنة وكان صاحب حديث ثقة
وفيها محمد بن بشر أبو سعيد البصري ثم النيسابوري الكراييسي نسبة إلى بيع الكراييس وهي الثياب المحدث الفاضل روى عن أبي لبيد السامي وابن خزيمة والبغوي وكان ثقة صالحا
وفيها محمد بن العباس بن محمد أبو عبد الله بن أبي ذهل العصمي الضبي الهروي أحد الرؤساء الأجواد وكانت أعشار غلاته تبلغ ألف حمل وعرضت عليه ولايات جليلة فامتنع وكان ملك هراة من تحت أوامره سموه في قميص فمات شهيدا في صفر وله أربع وثمانون سنة روى عن يحيى بن صاعد وأقرانه وقال ابن ناصر الدين هو الفقيه الشافعي كان حافظا نبيلا من الأخيار وذوي الأقدار 93
العالية والبر والإشارة وكان يمون خمسة آلاف بيت ونيفا بهراة ولم نسمع بحصول ذلك لأحد من أمثاله سواه رحمه الله انتهى
وفيها أبو بكر محمد بن عبيد الله بن الشخير الصيرفي البغدادي ببغداد روى عن عبد الله بن إسحق المدايني والباغندي توفي في رجب وله بضع وثمانون سنة
وفيها أبو أحمد الحاكم محمد بن محمد بن أحمد بن إسحق النيسابوري الكراييسي الحافظ الثقة المأمون أحد أئمة الحديث وصاحب التصانيف روى عن ابن خزيمة والباغندي ومحمد بن المجدر وعبد الله بن زيدان البجلي ومحمد بن الفيض الغساني وطبقتهم وأكثر الترحال وكتب ما لا يوصف قال الحاكم بن البيع أبو أحمد الحافظ إمام عصره في الصنعة توفي في شهر ربيع الأول وله ثلاث وتسعون سنة صنف على الصحيحين وعلى جامع الترمذي وألف كتاب الكنى وكتاب العلل وكتاب الشروط والمخرج على كتاب المزني وولى قضاء الشاش ثم قضاء طوس ثم قدم نيسابور ولزم مسجده وأقبل على العبادة والتصنيف وكف بصره قبل موته بسنتين وهذا غير صاحب المستدرك بل هو شيخ ذاك وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى
وفيها القسم بن الجلاب الفقيه المالكي صاحب القاضي أبي بكر الأبهري ألف كتاب التفريع وكتاب مسائل الخلاف وفي اسمه أقوال
وفيها الحافظ الكبير يحيى بن ملك بن عائذ الأندلسي أبو زكريا كان حافظا كبيرا عالما أحد الأعيان توفي بالأندلس في شعبان
وفيها ابن نبال أبو الحسن علي بن محمد بن نبال البغدادي الحافظ المشهور تعلم الخط كبيرا ورزق من الفهم والمعرفة شيئا كثيرا قاله ابن ناصر الدين 94
سنة تسع وسبعين وثلثمائة
فيها توفي أبو حامد أحمد بن محمد بن أحمد بن باكويه النيسابوري سمع محمد بن شاذل والسراج وجماعة وهو صدوق
وفيها علي بن أحمد بن عمر أبو الحسن السرخسي الثقة الضابط كان حافظا كتب الكثير ولم يحدث إلا بشيء يسير قاله ابن ناصر الدين
وفيها شرف الدولة سلطان بغداد ابن السلطان عضد الدولة الديلمي كان فيه خير وقلة ظلم مرض بالاستسقاء ومات في جمادى الآخرة وله تسع وعشرون سنة وتملك بغداد سنتين وثمانية أشهر وولى بعده أخوه أبو نصر
وفيها محمد بن أحمد بن العباس أبو جعفر الجوهري البغدادي نقاش الفضة كان من كبار المتكلمين وهو عالم الأشعرية في وقته وعنه أخذ أبو علي بن شاذل علم الكلام توفي في المحرم وله سبع وثمانون سنة روى عن محمد بن محمد الباغندي وجماعة
وفيها أبو بكر الزبيدي بضم الزاي وفتح الموحدة وبدال مهملة بعد الياء نسبة إلى زبيد واسمه منبه بن صعب بن سعد العشيرة بن مذحج محمد بن الحسن بن عبيد الله بن مذحج بضم الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبعدها جيم اسم أكمة حمراء باليمن ولد عليها أد فسمي باسمها كان صاحب الترجمة شيخ الأندلس بل وغيرها في العربية قال ابن خلكان هو نزيل قرطبة وكان واحد عصره في علم النحو وحفظ اللغة وكان أخبر أهل زمانه بالإعراب والمعاني والنوادر أي علم السير والأخبار ولم يكن بالأندلس في فنه مثله في زمانه وله كتب تدل على وفور علمه منها مختصر كتاب العين وكتاب طبقات النحويين واللغويين بالمشرق والأندلس من زمن أبي الأسود الدؤلي إلى زمن شيخه أبي عبد الله النحوي الرياحي وله كتاب هتك ستور الملحدين وكتاب 95
لحن العامة وكتاب الواضح في العربية وهو مفيد جدا وكتاب الأبنية في النحو ليس لأحد مثله واختاره الحكم المستنصر بالله صاحب الأندلس لتأديب ولده ولي عهده هشام المؤيد بالله فكان الذي علمه الحساب والعربية ونفعه نفعا كثيرا ونال أبو بكر الزبيدي به دنيا عريضة وتولى قضاء إشبيلية وخطة الشرطة وحصل له نعمة ضخمة لبسها بنوه من بعده زمانا وكان الزبيدي شاعرا كثير الشعر فمن ذلك قوله في أبي مسلم بن فهر
( أبا مسلم إن الفتى بجنانه
ومقوله لا بالمراكب واللبس )
( وليس ثياب المرء تغنى قلامة
إذا كان مقصورا على قصر النفس )
( وليس يفيد العلم والحلم والحجا
أبا مسلم طول القعود على الكرسي )
وكان في صحبة الحكم المستنصر وترك جاريته بإشبيلية فاشتاق إليها واستأذنه في العود إليها يأذن له فكتب إليها
( ويحك يا سلم لا تراعي
لا بد للبين من زماع )
( لا تحسبيني صبرت إلا
كصبر ميت على النزاع )
( ما خلق الله من عذاب
أشد من وقفة الوداع )
( ما بينها والحمام فرق
لولا المنامات والنواعي )
( إن يفترق شملنا وشيكا
من بعدما كان ذا اجتماع )
( فكل شمل إلى افتراق
وكل شعب إلى انصداع )
( وكل قرب إلى وداع
وكل وصل إلى انقطاع )
وكان كثيرا ماينشد
( الفقر في أوطاننا غربة
والمال في الغربة أوطان )
( والأرض شيء كلها واحد
والناس إخوان وجيران )
وفيها أبو سليمان بن زبر المحدث الحافظ الثقة الجليل محمد بن القاضي عبد الله بن أحمد بن ربيعة الربعي الدمشقي مات في جمادى الأولى روى عن 96
أبي القسم البغوي وجماهر الزملكاني ومحمد بن الربيع الجيزي وخلق وصنف التصانيف المفيدة وممن أخذ عنه تمام الرازي وعبد الغني بن سعيد ومحمد بن عوف المزني
وفيها محمد بن المظفر بن موسى بن عيسى أبو الحسين البغدادي وله ثلاث وتسعون سنة توفي في جمادى الأولى وكان من أعيان الحفاظ سمع من أحمد بن الحسن الصوفي وعبد الله بن زيدان ومحمد بن خزيم وطبقتهم بالعراق والجزيرة والشام ومصر وكان يقول عندي من الباغندي مائة ألف حديث قال ابن ناصر الدين كان محدث العراق حافظا ثقة نبيلا مكثرا متقنا يميل إلى التشيع قليلا انتهى
وفيها غندر النجار أبو بكر محمد بن جعفر بن العباس روى عن ابن المجدر وابن صاعد وعنه الحسن بن محمد الخلال وكان يحفظ قاله ابن برداس
وفيها محمد بن النضر أبو الحسين الموصلي النحاس الذي روى ببغداد معجم أبي يعلى عنه قال البرقاني واه لم يكن ثقة
سنة ثمانين وثلثمائة
فيها توفي أبو نصر أحمد بن الحسين بن مروان الضبي المرواني النيسابوري في شعبان روى عن السراج وابن خزيمة
وفيها أبو العباس الصندوقي أحمد بن محمد بن أحمد النيسابوري روى عن محمد بن شاذل وابن خزيمة وشاخ فتفرد بالرواية عن بضعة عشر شيخا
وفيها سهل بن أحمد الديباجي روى عن ابن خليفة وغيره ولكنه رافضي كذاب
وفيها أحمد بن منصور بن ثابت الشيرازي أبو العباس أحد الحفاظ الرحالين ذكر الدار قطني أنه أدخل أحاديث على جماعة من الرواة لكن يحيى بن منده ذكر أن ذلك فعل آخر يقال له أحمد بن منصور سواه قاله ابن ناصر الدين 97
وفيها الحسن بن علي بن عمرو البصري أبو محمد غلام الزهري كان حافظا ناقدا مجودا قاله ابن ناصر الدين
وفيها طلحة بن محمد بن جعفر أبو القسم الشاهد المعدل المقرئ تلميذ ابن مجاهد روى عن أبي عمر بن غيلان وطبقته لكنه معتزلي
وفيها أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن يحيى بن مفرج الأموي مولاهم القرطبي الحافظ الثقة محدث الأندلس رحل وسمع أبا سعيد بن الأعرابي وخيثمة وقاسم بن أصبغ وطبقتهم وكان وافر الحرمة عند صاحب الأندلس صنف له عدة كتب فولاه القضاء توفي في رجب وله ست وتسعون سنة قال الحميدي من تصانيفه فقه الحسن البصري في سبع مجلدات وفقه الزهري في أجزاء عديدة
وفيها يعقوب بن يوسف بن كلس الوزير الكامل أبو الفرج وزير صاحب مصر العزيز بالله وكان يهوديا بغداديا عجبا في الدهاء والفطنة والمكر وكان يتوكل للتجار بالرملة فانكسر وهرب إلى مصر فأسلم بها واتصل بالأستاذ كافور ثم دخل المغرب ونفق على المعز وتقدم عنده ولم يزل في ارتقاء إلى أن مات وله اثنتان وستون سنة وكان عظيم الهيئة وافر الحشمة عالي الهمة وكان معلومه على مخدومه في السنة مائة ألف دينار وقيل أنه خلف أربعة آلاف مملوك بيض وسود ويقال إنه حسن إسلامه قاله في العبر
سنة إحدى وثمانين وثلثمائة
فيها تم أمور هائلة وكان أبو نصر الذي ولى مملكة بغداد شبا حزما والطائع لله ضعيفا ولاه السلطنة ولقبه بهاء الدولة فلما كان في شعبان وأمر الخليفة الطائع بحبس أبي الحسين بن المعلم وكان من خواص بهاء الدولة فعظم على بهاء الدولة ذلك ثم دخل على الطائع للخدمة فلما قرب قبل الأرض وجلس على كرسي 98
فتقدم أصحابه فشحطوا الطائع من السرير بحمائل سيفه ولفوه في كساء وحمل إلى دار المملكة وكتب عليه بخلعه نفسه وتسليم الأمر إلى القادر فاختبطت بغداد وظن الأجناد أن القبض على بهاء الدولة من جهة الطائع فوقعوا في النهب ثم إن بهاء الدولة أمر بالنداء بخلافة القادر بالله وأنفذ إلى القادر بالله سجل بخلع الطائع لله وهو بالبطايح وأخذوا جميع ما في دار الخلافة حتى الرخام والأبواب ثم ابيحت للرعاع فقلعوا الشبابيك وأقبل القادر بالله أحمد بن الأمير إسحق بن المقتدر وله يومئذ أربع وأربعون سنة وكان أبيض كث اللحية كثير التهجد والخير والبر صاحب سنة وجماعة وكان من جملة من حضر إهانة الطائع وخلعه الشريف الرضي فأنشد
( أمسيت أرحم من قد كنت أغبطه
لقد تقارب بين العز والهون )
( ومنظر كان بالسراء يضحكني
يا قرب ما عاد بالضراء يبكيني )
وفيها توفي أحمد بن الحسين بن مهران الأستاذ أبو بكر الأصبهاني ثم النيسابوري المقرئ العبد الصالح مجاب الدعوة ومصنف كتاب الغاية في القراءة قرأ بدمشق على أبي النضر الأخرم وببغداد علي النقاش وأبي الحسن بن بويان وطائفة وسمع من السراج وابن خزيمة وطبقتهما قال الحاكم كان إمام عصره في القراءات وأعبد الناس ممن رأينا في الدنيا وكان مجاب الدعوة توفي في شوال وله ست وثمانون سنة وله كتاب الشامل في القراءات وهو كتاب كبير
وفيها جوهر القائد أبو الحسن الرومي مولى المعز بالله ومقدم جيشه وظهيره ومؤيد دولته وموطد الممالك له وكان عاقلا سايسا حسن السيرة في الرعية على دين مواليه ولم يزل عالي الرتبة نافذ الكلمة إلى أن مات وجرت له فصول في أخذ مصر يطول ذكرها من ذلك ما ذكره ابن خلكان أن القائد جوهر وصل إلى الجيزة وابتدأ في القتال في الحادي عشر من شعبان سنة ثمان وخمسين فأسرت رجال وأخذت خيل ومضى جوهر إلى مينة الصيادين وأخذ المخاضة بمينة شلقان 99
واستمال إلى جوهر جماعة من العسكر في مراكب وجعل أهل مصر على المخاضة من يحفظها فلما رأى ذلك جوهر قال لجعفر بن فلاح لهذا اليوم أرادك المعز فعبر عريانا في سراويل وهو في مركب ومعه الرجال خوضا حتى خرجوا إليهم ووقع القتال فقتل خلق من الأخشيدية وأتباعهم وانهزمت الجماعة في الليل ودخلوا مصر وأخذوا ما قدروا عليه من دورهم وخرج حرمهم مشاة ودخلن علي الشريف أبي جعفر في مكاتبة القائد بإعادة الأمان فكتب إليه يهينه بالفتح وسأله إعادة الأمان وجلس الناس عنده ينتظرون الجواب فعاد إليهم بأمانه وحضور رسوله ومعه بند أبيض وطاف على الناس يؤمنهم ويمنع من النهب فهدأ البلد وفتحت الأسواق وسكن الناس كأن لم تكن قتنة فلما كان آخر النهار ورد رسوله إلى أبي جعفر بأن تعمل على لقائي يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من شعبان بجماعة الأشراف والعلماء ووجوه البلد فانصرفوا متأهبين لذلك ثم خرجوا ومعهم الوزير جعفر وجماعة من الأعيان إلى الجيزة والتقوا القائد ونادى مناد ينزل الناس كلهم إلا الشريف والوزير فنزلوا وسلموا عليه واحدا واحدا والوزير عن شماله والشريف عن يمينه ولما فرغوا من السلام ابتدأوا في دخول البلد فدخلوا من زوال الشمس وعليهم السلاح والعدد ودخل جوهر بعد العصر وطبوله وبنوده بين يديه وعليه ثوب ديباج مثقل وتحته فرس أصفر وشق في مصر ونزل في مناخه موضع القاهرة اليوم واختط موضع القاهرة ولما أصبح المصريون حضروا إلى القائد للهناء فوجدوه قد حفر أساس القصر بالليل وكان فيه زورات جاءت غير معتدلة فلم تعجبه ثم قال حفرت في ساعة سعيدة فلا أغيرها وأقام عسكره يدخل البلد سبعة أيام أولها الثلاثاء المذكور وبادر جوهر بالكتاب إلى مولاه يبشره بالفتح وأنفذ إليه رءوس القتلى في الوقعة وقطع خطبة بني العباس عن منابر الديار المصرية وكذلك اسمهم من على السكة وعوض عن ذلك باسم مولاه المعز 100
وأزال الشعار الأسود وألبس الخطباء الثياب البيض وجعل يجلس بنفسه في كل يوم سبت للمظالم يحضره الوزير والقاضي وجماعة من أكابر الفقهاء وفي يوم الجمعة ثامن ذي القعدة أمر جوهر بالزيادة عقيب الخطبة اللهم صل على محمد المصطفى وعلى علي المرتضى وعلى فاطمة البتول وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا اللهم وصل على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين وفي يوم الجمعة ثامن عشر شهر ربيع الآخر سنة تسع وخمسين صلى القائد في جامع طولون بعسكر كثير وخطب عبد السميع بن عمر العباسي الخطيب وذكر أهل البيت وفضائلهم رضي الله عنهم ودعا للقائد جوهر وجهر القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم وقرأ سورة الجمعة والمنافقين في الصلاة وأذن بحي على خير العمل وهو أول ما أذن به بمصر ثم أذن به في سائر المساجد وقنت الخطيب في صلاة الجمعة وفي جمادى الأولى من السنة المذكورة أذنوا في جامع مصر العتيق بحي على خير العمل وسر القائد جوهر بذلك وكتب إلى المعز يبشره بذلك ولما دعا الخطيب على المنبر للقائد جوهر أنكر عليه وقال ليس هذا رسم موالينا وشرع في عمارة الجامع بالقاهرة وفرغ من بنائه في سابع شهر رمضان سنة إحدى وستين وجمع فيه الجمعة وأظن هذا الجامع المعروف بالأزهر انتهى ملخصا
وفيها سعد الدولة أبو المعالي شريف بن سيف الدولة علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي صاحب حلب توفي في رمضان وقد نيف على الأربعين وولى بعده ابنه سعد فلما مات ابنه انقرض ملك سيف الدولة من ذريته
وفيها عبد الله بن أحمد بن حمويه بن يوسف بن أعين أبو محمد السرخسي المحدث الثقة روى عن الفربري صحيح البخاري وروى عن عيسى بن عمر السمرقندي كتاب الدارمي وروى عن إبراهيم بن خريم مسند عبد بن حميد وتفسيره وتوفي في ذي الحجة وله ثمان وثمانون سنة 101
وفيها الجوهري أبو القسم عبد الرحمن بن عبد الله المصري المالكي الذي صنف مسند الموطأ توفي في رمضان
وفيها أبو عدي عبد العزيز بن علي بن محمد بن إسحق المصري المقرئ الحاذق المعروف بابن الإمام قرأ على أبي بكر بن سيف صاحب أبي يعقوب الأزرق وكان محققا ضابطا لقراءة ورش وحدث عن محمد بن زبان وابن قديد وتوفي في شهر ربيع الأول
وفيها أبو محمد بن معروف قاضي القضاة عبد الله بن أحمد بن معروف البغدادي قال الخطيب كان من أجلاد الرجال وألبائهم مع تجربة وحنكة وفطنة وعزيمة ماضية وكان يجمع وسامة في منظره وظرفا في ملبسه وطلاقه في مجلسه وبلاغة في خطابه ونهضة بأعباء الأحكام وهيبة في القلوب وقال العتيقي كان مجردا في الاعتزال انتهى قال في العبر قلت ولد سنة ست وثلثمائة وسمع من يحيى بن صاعد وأبي حامد الحضرمي وجماعة وتوفي في صفر انتهى
وفيها أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزهري العوفي البغدادي سمع إبراهيم بن شريك الأسدي والفريابي وعبد الله بن إسحق المدايني وطائفة ومات في أحد الربيعين وله إحدى وتسعون سنة قال عبد العزيز الأزجي هو شيخ ثقة مجاب الدعاء
وفيها ابن المقري أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي الأصبهاني الحافظ الثقة صاحب الرحلة الواسعة أول سماعه بعد ثلثمائة فأدرك محمد بن نصير المديني ومحمد بن علي الفرقدي صاحبي إسماعيل بن عمرو البجلي ثم رحل ولقي أبا يعلى وعبدان وطبقتهما قال أبو نعيم الحافظ كان محدثا كبيرا ثقة صاحب مسانيد سمع ما لا يحصى كثرة وقال ابن ناصر الدين كان محدثا ثقة كبيرا من المكثرين وله المعجم الكبير وكتاب الأربعين انتهى توفي في شوال عن ست وتسعين سنة
وفيها قاضي الجماعة أبو بكر محمد بن يبقى بن زرب القرطبي المالكي 102
صاحب التصانيف وأحفظ أهل زمانه لمذهب مالك سمع قاسم بن أصبغ وجماعة وولى القضاء سنة سبع وستين وثلثمائة وإلى أن مات وكان المنصور بن أبي عامر يعظمه ويجلسه معه
وفيها ابن دوست أبو محمد بن يوسف العلاف ببغداد روى عن البغوي وجماعة
سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة
كان أبو الحسن بن المعلم الكوكبي قد استولى على أمور السلطان بهاء الدولة كلها فمنع الرافضة من عمل المأتم يوم عاشوراء الذي كان يعمل نحوا من ثلاثين سنة وغلت الأسعار بالكرخ حتى بيع رطل من الخبز بأربعين درهما والجوزة بدرهم
وفيها شغبت الجند وعسكروا وبغثوا يطلبون من بهاء الدولة أن يسلم إليهم ابن المعلم وصمموا على ذلك إلى أن قال به رسولهم أيها الملك اختر بقاءه أو بقاءك فقبض حينئذ وعلى أصحابه فما زالوا به حتى رحمه الله وكذلك قتلت بقية أصحابه
وفيها توفي أبو أحمد العسكري بفتح العين المهملة وسكون السين المهملة وفتح الكاف بعدها راء نسبة إلى عسكر مكرم مدينة من كور الأهواز الحسن بن عبد الله بن سعيد الأديب الأخباري العلامة صاحب التصانيف روى عن عبدان الأهوازي وأبي القسم البغوي وطبقتهما قال ابن خلكان وهو صاحب أخبار ونوادر وله رواية متسعة وله التصانيف المفيدة منها كتاب التصحيف وكتاب المختلف والمؤتلف وكتاب علم المنطق وكتاب الحكم والأمثال وكتاب الزواجر وغير ذلك وكان الصاحب بن عباد يود الاجتماع به ولا يجد إليه سبيلا فقال لمخدومه مؤيد الدولة بن بويه إن عسكر مكرم قد اختلف أحوالها 103
وأحتاج إلى كشفها بنفسي فأذن له في ذلك فلما أتاها توقع أن يزوره أبو أحمد المذكور فلم يزره فكتب الصاحب إليه
( ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم
ضعفنا فلم نقدر على الوجدان )
( أتيناكم من بعد أرض نزوركم
وكم منزل بكر لنا وعوان )
( نسائلكم هل من قرى لنزيلكم
بملء جفون لا بملء جفان )
وكتب مع هذه الأبيات شيئا من النثر فجاوبه أبو محمد عن النثر بنثر مثله وعن هذه الأبيات بالبيت المشهور
( أهم بأمر الحزم لو أستطيعه
وقد حيل بين العير والنزوان )
فلما وقف الصاحب على الجواب عجب من اتفاق هذا البيت له وقال والله لو علمت أنه يقع له هذا البيت ما كتبت له على هذا الروي وهذا البيت لصخر بن عمرو الشريد في الخنساء وهو من جملة أبيات مشهورة وكانت ولادة أبي أحمد المذكور يوم الخميس لست عشرة ليلة خلت من شوال وتوفي يوم الجمعة سابع ذي الحجة انتهى ملخصا
وفيها أبو القسم عبد الله بن أحمد بن محمد النسائي الفقيه الشافعي الذي روى عن الحسن بن سفيان مسنده وعن عبد الله بن شيرويه مسند إسحق قال الحاكم كان شيخ العدالة والعلم بنسا وبه ختمت الرواية عن الحسن بن سفيان عاش بضعا وتسعين سنة
وفيها أبو سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب القرشي الرازي الصوفي الراوي عن محمد بن أيوب بن الضريس خرج في آخر عمره إلى بخارى فتوفي بها وله أربع وتسعون سنة قال الحاكم ولم يزل كالريحانة عند مشايخ التصوف ببلدنا
وفيها أبو العباس أحمد بن منصور بن ثابت الشيرازي كان أحد الحفاظ الرحالين كما ذكره ابن ناصر الدين 104
وفيها أبو عمرو بن حيويه المحدث الحجة محمد بن العباس بن محمد بن زكريا البغدادي الخزاز في ربيع الآخر وله سبع وثمانون سنة روى عن الباغندي وعبد الله بن إسحق المدائني وطبقتهما قال الخطيب ثقة كتب طول عمره وروى المصنفات الكبار
وفيها محمد بن محمد بن سمعان أبو منصور النيسابوري المذكر نزيل هراة وشيخ أبي عمر المليحي روى عن السراج ومحمد بن عبد الجبار الرياني
سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة
فيها كما قال في شذور العقود تزوج القادر سكينة بنت بهاء الدولة بصداق مبلغه مائة ألف دينار وغلا السعر فبلغ الكر الحنطة سنة آلاف وستمائة درهم وابتاع سابور بن أزدشير وزير بهاء الدولة دارا في في الكرخ بين السورين وعمرها وسماها دار العلم ووقفها ونقل إليها كتبا كثيرة ورد النظر في أمرها إلى أبي الحسين بن السنية وأبي عبد الله الضبي القاضي انتهى
وفيها توفي أبو بكر بن شاذان والدأبي علي وهو أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن محمد بن شاذان البغدادي البزاز المحدث المتقن وكان يتجر في البز إلى مصر وغيرها وتوفي في شوال عن ست وثمانين وروى عن البغوي وطبقته
وفيها إسحق بن حمشاد الزاهد الواعظ شيخ الكرامية ورأسهم بنيسابور قال الحاكم كان من العباد المجتهدين يقال أسلم على يديه أكثر من خمسة آلاف ولم أر بنيسابور جمعا مثل جنازته انتهى
وفيها جعفر أبو محمد بن حزم القلعي الأندلسي الزاهد واسمه عبد الله بن محمد بن القاسم بن حزم رحل إلى الشام والعراق وسمع أبا القسم بن العقب وإبراهيم 105
ابن علي الهجيمي وطبقتهما قال ابن الفرضي كان جليلا زاهدا شجاعا مجاهدا ولاه المستنصر القضاء فاستعفاه فأعفاه وكان فقيها صلبا ورعا كانوا يشبهونه بسفيان الثوري في زمانه سمعت عليه علماء كثير وعاش ثلاثا وستين سنة انتهى
وفيها علي بن حسان أبو الحسن الجدلي الدممي ودمما قرية دون الفرات روى عن مطين وبه ختم حديثه
وفيها أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي الشاعر المشهور ويقال له الطبرخي لأن أباه كان من خوارزم وأمه من طبرستان فركب له من الاسمين نسبة وهو ابن أخت أبي جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ وأبو بكر المذكور أحد الشعراء المجيدين الكبار المشاهير كان إماما في اللغة والأنساب أقام بالشام مدة وسكن بنواحي حلب وكان مشارا إليه في عصره ويحكى أنه قصد حضرة الصاحب بن عباد وهو بأرجان فلما وصل لبابه قال لأحد حجابه قل للصاحب على الباب أحد الأدباء وهو يستأذن في الدخول فدخل الحاجب وأعلمه فقال الصاحب قل له قد ألزمت نفسي أنه لا يدخل علي من الأدباء إلا من يحفظ عشرين ألف بيت من شعر العرب فخرج إليه الحاجب وأعلمه بذلك فقال له أبو بكر ارجع إليه وقل له هذا القدر من شعر الرجال أم من شعر النساء فدخل عليه الحاجب فأعاد عليه ما قال فقال الصاحب هذا يؤيد أن يكون أبا بكر الخوارزمي فأذن له في الدخول عليه فعرفه وانبسط معه ولكنه لم يجزل له العطاء ففارقه غير راض وعمل فيه
( لا تحمدن ابن عباد وإن هطلت
يداه بالجود حتى أخجل الديما )
( فإنها خطرات من وساوسه
يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما )
فبلغ ذلك ابن عباد فلما بلغه خبر موته أنشد
( أقول لركب من خوارزم قافل
أمات خوارزميكم قيل لي نعم )
( فقلت اكتبوا بالجص من فوق قبره
ألا لعن الرحمن من كفر النعم )
ولأبي بكر المذكور ديوان رسائل وديوان شعر وقد ذكره الثعالبي في اليتيمة 106
وذكر قطعة من نثره ثم أعقبها بشيء من نظمه فمن ذلك قوله
( رأيتك إن أيسرت خيمت عندنا
مقيما وإن أعسرت زرت لماما )
( فما أنت إلا البدر قل ضوءه
أغب وإن الضياء أقاما )
وملحه ونوادره كثيرة ولما رجع من الشام سكن نيسابور ومات بها في منتصف رمضان من هذه السنة وقال ابن الأثير في تاريخه مات سنة ثلاث وتسعين والله أعلم
وفيها أبو الفضل نصر بن محمد أحمد بن يعقوب العطار بن أبي نصر الطوسي كان حافظا ناقدا وكان ثقة رأسا في علم الصوفية قاله ابن ناصر الدين
سنة أربع وثمانين وثلثمائة
فيها اشتد البلاء بالعيارين ببغداد وقووا على الدولة وكان رأسهم عزيز البابصري التفت عليه خلق من المؤذين وطالبوا بضرائب الأمتعة وجبوا الأموال فنهض السلطان وتفرغ لهم فهربوا في الظاهر ولم يحج أحد إلا الركب المصري فقط
وفيها توفي أبو إسحق إبراهيم بن هلال الصابئ المشرك الحراني الأديب صاحب الترسل وكاتب الإنشاء للملك عز الدولة بختيار ألح عليه عز الدولة أن يسلم فامتنع وكان يصوم رمضان ويحفظ القرآن وله النظم والنثر والرتسل الفحل ولما مات عضد الدولة هم بقتله لأجل المكاتبات الفجة التي كان يرسلها عز الدولة بإنشائه إلى عضد الدولة ثم تركه لشفاعة وأمره أن يضع له كتابا في أخبار الدولة الديلمية فعمل الكتاب التاجي فقيل لعضد الدولة أن صديقا للصابئ دخل عليه فرآه في شغل شاغل من التعليق والتسويد والتبييض فسأله عما يعمل فقال أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها فحركت ساكنه وهاجت حقده ولم يزل مبعدا في أيامه وكان له عبد أسود اسمه يمن وكان يهواه وله فيه المعاني البديعة 107
فمن جملة ما ذكره له الثعالبي في كتاب الغلمان قوله
( قد قال يمن وهو أسود للذي
ببياضه استعلى علو الخاتن )
( ما فخر وجهك بالبياض وهل ترى
أن قد أفدت به مزيد محاسن )
( لو أن مني فيه خالا زانه
ولو أن منه في خالا شانني )
وذكر له فيه الثعالبي أيضا
( لك وجه كأن يمناي خطته
بلفظ تمله آمالي )
( فيه معنى من البدور ولكن
نفضت صبغها عليه الليالي )
( لم يشنك السواد بل زدت حسنا
إنما يلبس السواد الموالي )
( فمالي أفديك إن لم تكن لي
وبروحي أفديك إن كنت مالي )
وله أيضا وهو معنى بديع
( أبها الللائم الذي يتصدى
بقبيح يقوله لجوابي )
( لا تؤمل أني أقول لك أخسأ
لست أسخو بها لكل الكلاب )
وتوفي الصابئ يوم الاثنين وقيل الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال هذه السنة ببغداد وقيل سنة ثمانين وثلثمائة وعمره إحدى وسبعون سنة ودفن بالشونيزية ورثاه الشريف الرضي بقصيدته الدالية المشهورة التي أولها
( أرأيت من حملوا على الأعواد
أرأيت كيف خبا ضياء النادي )
وعاتبه الناس لكونه شريفا يرثي صابئيا فقال إنما رثيت فضله وبالجملة فإنه كان أعجوبة من الأعاجيب لكن أضله الله على علم نعوذ برضاه من سخطه ونسأله العافية والصابئ بهمز آخره قيل نسبة إلى صابي بن متوشلخ بن إدريس عليه السلام وكان على الحنفية الأولى وقيل الصابئ بن ماري وكان في عصره الخليل عليه السلام وقيل الصابئ عند العرب من خرج عن دين 108
قومه وهو الأصح ولذلك كانت قريش تسمى رسول الله صابئا لخروجه عن دين قومه قال حسن حلبي في حاشيته على المطول والصابئون بالهمز وبدونها أي الخارجون من صبأ إذا خرج وهم قوم خرجوا عن دين اليهود والنصارى وعبدوا الملائكة
انتهى والصابئة ملة إدريس عليه السلام قال السيوطي في كتابه حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة ما لفظه ذكر أئمة التاريخ أن آدم عليه الصلاة والسلام أوصى لابنه شيث وكان فيه وفي بنيه النبوة والدين وأنزل عليه تسع وعشرون صحيفة وأنه جاء إلى أرض مصر وكانت تدعى بايلون فنزلها هو وأولاد أخيه فسكن شيث فوق الجبل وسكن أولاد قابيل أسفل الوادي واستخلف شيث ابنه أنوش واستخلف أنوش ابنه قونان واستخلف قونان ابنه مهلائيل واستخلف مهلائيل ابنه يرد ودفع الوصية إليه وعلمه جميع العلوم وأخبره بما يحدث في العالم ونظر في النجوم وفي الكتاب الذي أنزل على آدم عليه السلام وولد ليرد أخنوخ وهو هرمس وهو إدريس عليه السلام وكان الملك في ذلك الوقت محويل بن أخنوخ بن قابيل وتنبأ إدريس وهو ابن أربعين سنة وأراده الملك بسوء فعصمه الله وأنزل عليه ثلاثين صحيفة ودفع إليه أبوه وصية جده والعلوم التي عنده وولد بمصر وخرج منها وطاف الأرض كلها ورجع فدعا الخلق إلى الله فأجابوه حتى عمت ملته الأرض وكانت ملته الصابئة وهي توحيد الله والطهارة والصلاة والصوم وغير ذلك من رسوم التعبدات وكان في رحلته إلى المشرق أطاعه جميع ملوكها وابتنى مائة وأربعين مدينة أصغرها الرهاثم عاد إلى مصر وأطاعه ملكها وآمن به فنظر في تدبير أمرها وكان النيل يأتيهم سيحا فينحازون عن سيله إلى أعالي الجبال والأرض العالية حتى ينقض فينزلون ويزرعون حيث وجدوا الأرض برية وكان يأتي في وقت الزراعة وفي غير وقتها فلما عاد إدريس جمع أهل مصر وصعد بهم إلى أول مسيل النيل إليها ودبر وزن 109
الأرض ووزن الماء على الأرض وأمرهم بإصلاح ما أراد من إصلاح المرتفع ورفع المنخفض وغير ذلك مما رأى في النجوم والهندسة والهيئة وكان أول من تكلم في هذه العلوم وأخرجها من القوة إلى الفعل ووضع فيها الكتب ورسم فيها التعليم ثم سار إلى بلاد الحبشة والنوبة وغيرها وجمع أهلها وزاد في جري النيل ونقص بحيث بطئه وسرعته في طريقه حتى عمل على حساب جريه ووصوله إلى أرض مصر في زمن الزراعة على ما هو عليه الآن فهو أول من دبر جري النيل إلى مصر ومات إدريس بمصر والصابئة تزعم أن هرمي مصر أحدهما قبر شيث والآخر قبر إدريس والأصح أنه ليس إدريس إنما هو مصر بن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام هذا كله التيغاشي
انتهى ما قاله السيوطي بحروفه
وفيها صبح بن أحمد الحافظ أبو الفضل التميمي الأحنفي الهمذاني السمسار ويعرف أيضا بابن اللوملاذ محدث همذان روى عن عبد الرحمن بن أبي حاتم وطبقته وهو الذي لما أملى الحديث باع طاحونا له بسبعمائة دينار ونثرها على المحدثين قال سيرويه كان ركنا من أركان الحديث دينا ورعا لا يخاف في الله لومة لائم وله عدة مصنفات توفي في شعبان والدعاء عند قبره مستجاب ولد سنة ثلاث وثلثمائة
وفيها الرماني شيخ العربية أبو الحسن علي بن عيسى النحوي ببغداد وله ثمان وثمانون سنة وكانت ولادته أيضا ببغداد في سنة ست وتسعين ومائتين وتوفي ليلة الأحد حادي عشر جمادى الأولى من هذه السنة على الصحيح وقيل سنة اثنتين وثمانين وأصله من سرمن رأى وهو أحد الأئمة المشاهير جمع بين علم الكلام والعربية وله قريب من مائة مصنف منها تفسير القرآن العظيم وكان متقنا لعلوم كثيرة منها القراءات والفقه والنحو الكلام على مذهب المعتزلة والتفسير واللغة وأخذ عن ابن دريد وأبي بكر بن السراج وغيرهما 110
وفيها صالح بن أحمد بن محمد بن أحمد بن صالح التميمي الأحنفي من ولد الأحنف بن قيس وهو المترجم بصبح قبل أسطر وكان حافظا ثقة دينا من الأبرار قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد بن حشيش الأصبهاني العدل مسند أصبهان في عصره روى عن إسحق بن إبراهيم بن جميل ويحيى بن صاعد وطبقتهما
وفيها محدث الكوفة أبو الحسن محمد بن حماد بن سفيان الكوفي الحافظ كان أحد المعمرين المشهورين أدرك أصحاب أبي كريب وأبي سعيد الأشج وجمع وألف
وفيها أبو الحسن محمد بن العباس بن أحمد بن الفرات البغدادي الحافظ سمع من أبي عبد الله المحاملي وطبقته وجمع ما لم يجمعه أحد في وقته قال الخطيب بلغني أنه كان عنده عن علي بن محمد المصري وجده ألف جزء وأنه كتب مائة تفسير ومائة تاريخ كبير وهو حجة ثقة
وفيها شيخ الشافعية أبو الحسن الماسرجسي محمد بن علي بن سهل النيسابوري سبط الحسن بن عيسى بن ماسرجسي بفتح السين المهملة وسكون الراء وكسر الجيم روى عن أبي حامد بن الشرقي وطبقته ورحل بعد الثلاثين وكتب الكثير بالعراق والحجاز ومصر قال الحاكم كان أعرف الأصحاب بالمذهب وترتيبه صحب أبا إسحق المروزي مدة وصار ببغداد معيدا لأبي علي بن أبي هريرة وعاش ستا وسبعين سنة قال الأسنوي أخذ عن أبي إسحق وصحبه إلى مصر ولازمه إلى أن توفي فانصرف إلى بغداد ودرس بها وكان المجلس له بعد قيام ابن أبي هريرة وكان معيد درسه ثم انصرف إلى خراسان سنة أربع وأربعين وتوفي بها عشية الأربعاء ودفن عشية الخميس السادس من جمادى الآخرة وهو ابن ست وسبعين سنة نقل عنه الرافعي استحباب تطويل الركعة الأولى على الثانية 111
وحكى عنه في باب الديات أنه قال رأيت صيادا يرمي الصيد على فرسخين وكان له ولد اسمه محمد ويكنى أبا بكر درس الفقه على أبيه وسمع الحديث ببلاد كثيرة وتوفي في جمادى الأولى سنة تسع وثمانين وثلثمائة عن أربع وثلاثين سنة ودفن بداره
انتهى ملخصا
وفيها أبو عبد الله المرزباني محمد بن عمران بن موسى بن سعيد بن عبيد الله الكاتب الأخباري العلامة المعتزلي صنف أخبار المعتزلة وأخبار الشعراء وغير ذلك وحدث عن البغوي وابن دريد ومات في شوال وله ثمان وثمانون سنة قال ابن خلكان الخراساني الأصل البغدادي المولد صاحب التصانيف المشهورة والمجاميع الغريبة وكان راوية للآداب صاحب أخبار وتآليفه كثيرة وكان ثقة في الحديث ومائلا إلى التشيع في المذهب وهو أول من جمع ديوان يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي واعتنى به وهو صغير الحجم يدخل في مقدار ثلاث كراريس وقد جمعه من بعده جماعات وزادوا فيه أشياء ليست له وشعر يزيد مع قتله في غاية الحسن ومن لطيف شعره الأبيات العينية التي منها
( إذا رمت من ليلى على البعد نظرة
فتطفي جوى بين الحشا والأضالع )
( تقول نساء الحي تطمع أن ترى
محاسن ليلى مت بداء المطامع )
( وكيف ترى ليلى بعين ترى بها
سواها وما طهرتها بالمدامع )
( وتلتذ منها بالحديث وقد جرى
حديث سواها في خروق المسامع )
( أجلك يا ليلى عن العين إنما
أراك بقلب خاشع لك خاضع )
وكانت ولادة المرزباني المذكور في جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائتين وتوفي يوم الجمعة ثاني شوال سنة أربع وثمانين وقيل ثمان وسبعين والأول أصح ودفن بداره بشارع عمر الرومي ببغداد في الجانب الشرقي روى عنه عبد الله الصيمري وأبو القسم التنوخي وأبو محمد الجوهري وغيرهم والمرزباني بفتح 112
الميم وسكون الراء وضم الزاي وفتح الباء الموحدة وبعد الألف نون نسبة إلى بعض أجداده كان اسمه المرزبان وهذا الاسم لا يطلق عند العجم إلا على الرجل المقدم العظيم القدر وتفسيره بالعربية حافظ الحد انتهى ما قاله ابن خلكان ملخصا وجزم الذهبي في العبر أنه كان معتزليا وقال ابن الأهدل المرزباني البغدادي صاحب التصانيف المشهورة كان راوية في الأدب ثقة في الرواية انتهى
وفيها القاضي التنوخي أبو علي المحسن بن علي بن محمد بن داود بن إبراهيم ابن تميم الأديب الأخباري صاحب التصانيف ولد بالبصرة وسمع بها من أبي العباس الأثرم وطائفة وببغداد من الصولي وغيره وعاش سبعا وخمسين سنة وذكره الثعالبي وأباه في باب واحد وقدم ذكر أبيه ثم قال في حق أبي علي المذكور هلال ذاك القمر وغصن هاتيك الشجر والشاهد العدل بمجد أبيه وفضله والفرع المسند لأصله والنائب عنه في حياته والقائم مقامه بعد مماته وله كتاب الفرج بعد الشدة ذكر في أوائل هذا الكتاب أنه كان على المعيار بدار الضرب بسوق الأهواز في سنة ست وأربعين وثلثمائة وذكر بعد ذلك بقليل أنه كان على القضاء بجزيرة ابن عمر وله ديوان شعر أكبر من ديوان أبيه وكتاب نشوان المحاضرة وله كتاب المستجاد من فعلات الأجواد ونزل ببغداد وأقام بها وحدث إلى حين وفاته وكان سماعه صحيحا وكان أول شماعه الحديث في سنة ست وثلاثين وثلثمائة وأول ما تقلد القضاء من قبل أبي السائب عتبة بن عبيد الله بالقصر وبابل وما والأهاسنة تسع وأربعين ثم ولاه الإمام المطيع لله القضاء بعسكر مكرم ورامهرمز وتقلد بعد ذلك أعمالا كثيرة في نواح مختلفة ومن شعره في بعض المشايخ وقد خرج ليستسقي وكان في السماء سحاب فلما دعا أصحت السماء فقال التنوخي
( خرجنا لنستسقي بفضل دعائه
وقد كان هدب النعيم أن يبلغ الأرضا ) 113
( فلما ابتدا يدعو تقشعت السما
فما تم إلا والغمام قد انفضا )
ومن المنسوب إليه أيضا
( قل للمليحة في الخمار المذهب
أفسدت نسك أخي التقى المترهب )
( نور الخمار ونور خدك تحته
عجبا لوجهك كيف لم يتلهب )
( وجمعت بين المذهبين فلم يكن
للحسن عن ذهبيهما من مذهب )
( فإذا أتت عيني لتسرق نظرة
قال الشعاع لها اذهبي لا تذهبي )
وأما ولده أبو القسم علي بن المحسن بن علي التنوخي فكان أديبا فاضلا شاعرا راوية للشعر الكثير وكان يصحب أبا العلاء المعري وأخذ عنه كثيرا وكان من أهل بين كلهم فضلاء أدباء ظرفاء وكانت ولادة الولد المذكور في منتصف شعبان سنة خمس وستين وثلثمائة بالبصرة وتوفي يوم الأحد مستهل المحرم سنة سبع وأربعين وأربعمائة وكان بينه وبين الخطيب أبي زكريا التبريزي مؤانسة واتحاد بطريق أبي العلاء المعري وقال الخطيب البغدادي وكان قد قبلت شهادته عند الحكام في حداثته ولم يزل على ذلك مقبولا إلى آخر عمره وكان مستحفظا في الشهادة محتاطا صدوقا في الحديث ونقله وتقلد قضاء نواح عدة منها المدائن وأعمالها وأذربيجان وإفريقية وغير ذلك وإليه كتب أبو العلاء قصيدته التي أولها
( هات الحديث عن الزوراء أو هيتا
)
سنة خمس وثمانين وثلاثمائة
فيها توفي أبو بكر بن المهندس أحمد بن محمد بن إسماعيل محدث ديار مصر كان ثقة تقيا روى عن البغوي ومحمد بن محمد الباهلي وطبقتهما
وفيها أبو القسم الصاحب بن عباد إسماعيل بن عباد بن العباس بن عباد بن أحمد ابن إدريس الطالقاني وزير مؤيد الدولة أبي منصور بن بويه وفخر 114
الدولة وصحب أبا الفضل الوزير بن العميد وأخذ عنه الأدب والشعر والترسل وبصحبته لقب بالصاحب وكان من رجال الدهر حزما وعزما وسؤددا ونبلا وسخاء وحشمة وأفضالا وعدلا قال الثعالبي في اليتيمة في حقه ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب وجلالة شأنه في الجود والكرم وتفرده بالغايات في المحاسن وجمعه أشتات المفاخر لأن همه قولي تنخفض عن بلوغ أدنى فضائله ومعاليه وجهد وصفي يقصر عن أيسر فواضله ومساعيه ثم شرع في وصف بعض محاسنه وطرف من أحواله وقال أبو بكر الخوارزمي في حقه الصاحب نشأ من الوزارة في حجزها ودب ودرج من وكرها ورضع أفاويق درها وورثها عن آبائه كما قال أبو سعيد الرستمي في حقه
( ورث الوزارة كابرا عن كابر
موصولة الإسناد بالإسناد )
( يروي عن العباس عباد وزارته
وإسماعيل عن عباد )
وأنشده أبو القسم الزعفراني يوما أبياتا نونية من جملتها
( أيا من عطاياه تهدي الغني
إلى راحتي من نأى أو دنا )
( كسوت المقيمين والزائرين
كسالم نخل مثلها ممكنا )
( وحاشية الدار يمشون في
صنوف من الخز إلا أنا )
فقال الصاحب قرأت في أخبار معن بن زائدة الشيباني أن رجلا قال له احملني أيها الأمير فأمر له بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية ثم قال لو علمت أن الله تعالى خلق مركوبا غير هذا لحملتك عليه وقد أرمنا لك من الخز بجبة وقميص وعمامة ودراعة وسراويل ومنديل ومطرف ورداءه وكساء وجورب وكيس ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه واجتمع عنده من الشعراء ما لم يجتمع عند غيره ومدحوه بغرر المدائح وكان حسن الأجوبة كتب إليه بعضهم رقعة أغاؤ فيها على رسائله وسرق جملة من ألفاظه فوقع فيها هذه بضاعتنا ردت إلينا وصنف في اللغة كتابا سماه المحيط في سبع مجلدات وكتاب الكافي في الرسائل 115
وكتاب الأعياد وفضائل النيروز وكتاب الإمامة يذكر فيه فضائل على رضى الله عنه ويثبت إمامته على من تقدمه لأنه كان شيعيا وله غير ذلك وله رسائل بديعة ونظم جيد فمنه قوله
( وشادن جماله
تقصر عنه صفتي )
( أهوى لتقبيل يدي
فقلت قبل شفتي )
وله في رقة الخمر
( رق الزجاج وراقت الخمر
فتشابها وتشاكل الأمر )
( فكأنما خمر ولا قدح
وكأنما قدح ولا خمر )
وحكى أبو الحسين محمد بن الحسين الفارسي النحوي أن نوح بن منصور أحد ملوك بني ساسان كتب إليه ورقة في السر يستدعيه ليفوض إليه وزارته وتدبير مملكته وكان من جملة أعذاره إليه أنه يحتاج في نقل كتبه خاصة إلى أربعمائة جمل فما الظن بما يليق بها من التجمل وكان مولده لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة ست وعشرين وثلثمائة باصطخر وقيل بالطالقان وتوفي ليلة الجمعة رابع عشرى صفر بالري ثم نقل إلى أصبهان ومن أخباره أنه لم يسعد أحد بعد وفاته كما كان في حياته غير الصاحب فإنه لما توفي أغلقت له مدينة الري واجتمع الناس على باب القصر ينتظرون خروج جنازته وحضر مخدومه فخر الدولة وسائر القواد وقد غيروا لباسهم فلما خرج نعشه من الباب صاح الناس بأجمعهم صيحة واحدة وقبلوا الأرض ومشى فخر الدولة أمام الجنازة مع الناس وقعد للعزاء أياما ورثاه أبو سعيد الرستمي بقوله
( أبعد ابن عباد يهش إلى السرى
أخوامل أو يستماح جواد )
( أبى الله إلا أن يموتا بموته
فما لهما حتى المعاد معاد )
قال ابن الأهدل ومن كلامه في وصف الأئمة الثلاثة المتعاصرين أصحاب أبي الحسن الأشعري الباقلاني نار محرق وابن فورك صل مطرق والاسفرائيني 116
بحر مغرق قال ابن عساكر كأن روح القدس نفث في روعه بحقيقة حالهم انتهى
وفيها أبو الحسن الأذني بفتحتين نسبة إلى أذنة بلد بساحل الشام عند طرسوس القاضي علي بن الحسين بن بندار المحدث نزيل مصر روى الكثير عن ابن فيل وأبي عروبة ومحمد بن الفيض الدمشقي وعلي الغضايري وتوفي في شهر ربيه الأول
وفيها الدار قطني بفتح الراء وضم القاف وسكون الطاء نسبة إلى دار القطن محلة ببغداد وهو أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود البغدادي الإمام الحافظ الكبير شيخ الإسلام إليه النهاية في معرفة الحديث وعلومه وكان يدعى فيه أمير المؤمنين وقال في العبر الحافظ المشهور صاحب التصانيف توفي في ذي القعدة وله ثمانون سنة روى عن البغوي وطبقته ذكره الحاكم فقال صار أوحد عصره في الحفظ والفهم والورع إماما في القراءات والنحو صادفته فوق ما وصف لي وله مصنفات يطول ذكرها وقال الخطيب كان فريد عصره وقريع دهره ونسيج وحده وإمام وقته انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بالعلل وأسماء الرجال مع الصدق وصحة الاعتقاد والاضطلاع من علوم سوى علم الحديث منها القراءات وقد صنف فيها مصنفا ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء وبلغني أنه درس فقه الشافعي على أبي سعيد الاصطخري ومنها المعرفة بالأدب والشعر فقيل أنه كان يحفظ دواوين جماعة وقال أبو ذر الهروي قلت للحاكم هل رأيت مثل الدار قطني فقال هو لم ير مثل نفسه فكيف أنا وقال البرقاني كان الدار قطني يملى على العلل من حفظه وقال القاضي أبو الطيب الطبري الدار قطني أمير المؤمنين في الحديث
انتهى كلام العبر وقال ابن قاضي شهبة قال الحاكم صار أوحد أهل عصره في الحفظ والفهم والورع وإماما في النحو والقراءة وأشهد أنه لم يخلف على أديم الأرض مثله توفي ببغداد ودفن 117
قريبا من معروف الكرخي قال ابن ماكولا رأيت في المنام كأني أسأل عن حال الدار قطني في الآخرة فقيل لي ذلك يدعى في الجنة بالإمام
انتهى ملخصا
وفيها أبو حفص بن شاهين عمر بن أحمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن أيوب البغدادي الواعظ المفسر الحافظ صاحب التصانيف وأحد أوعية العلم توفي بعد الدار قطني بشهر وكان أكبر من الدار قطني بتسع سنين سمع من الباغندي ومحمد بن المجدر والكبار ورحل إلى الشام والبصرة وفارس قال أبو الحسين بن المهتدي بالله قال لنا ابن شاهين صنفت ثلثمائة وثلاثين مصنفا منها التفسير الكبير ألف جزء والمسند ألف وثلثمائة جزء والتاريخ مائة وخمسون جزءا قال ابن أبي الفوارس ابن شاهين ثقة مأمون جمع وصنف ما لم يصنفه أحد وقال محمد بن عمر الداودي كان ثقة بحاثا وكان لا يعرف الفقه ويقول أنا محمدي المذهب
انتهى وممن أخذ عنه الماليني والبرقاني وخلق كثير وقال السيوطي في كتابه مشتهى العقول ومنتهى النقول منتهى التفاسير لابن شاهين ألف مجلد والمسند له ألف وخمسمائة مجلد ومداد تصانيفه انتهى إلى ثمانية وعشرين قنطارا قال ابن الجوزي قلت هذا من طي الزمان
انتهى كلام السيوطي
وفيها أبو بكر الكبشاني محمد بن إبراهيم النيسابوري الأديب الذي روى صحيح مسلم عن إبراهيم بن سفين الفقيه توفي ليلة عيد النحر ضعفه الحاكم لتسميعه الكتاب بقوله من غير أصل وقال في المغني غمزه الحاكم روى الصحيح من غير أصل
انتهى
وفيها أبو الحسن بن سكرة محمد بن عبد الله بن محمد الهاشمي البغدادي الشاعر المشهور العباسي المفلق ولا سيما في المجون والمزاح وكان هو وابن حجاج يشبهان في وقتهما بجرير والفرزدق ويقال أن ديوان ابن سكرة يزيد على خمسين ألف بيت قال الثعالبي في ترجمته هو شاعر متسع الباع في أنواع الإبداع فائق في قول 118
الظرف والملح على الفحول والأفراد جار في ميدان المجون والسخف ما أراد وكان يقال أن زمانا جاد بمثل ابن سكرة وابن حجاج لسخي جدا ومن بديع تشبيهه ما قاله في غلام في يده غصن مزهر
( غصن بان بدا وفي اليد منه
غصن فيه لؤلؤ منظوم )
( فتحيرت بين غصنين في ذا
قمر طالع وفي ذا نجوم )
وله غلام أعرج
( قالوا بليب بأعرج فأجبتهم
العيب يحدث في غصون البان )
( أني أحب حديثه وأريده
للنوم لا للجري في الميدان )
وله أيضا
( أنا والله هالك
آيس من سلامتي )
( أو أرى القامة التي
قد أقامت قيامتي )
وله
( قيل ما أعددت للبرد
فقد جاء بشده )
( قلت دراعة عرى
تحتها جبة رعدة )
وله البتان اللذان ذكرهما الحريري في مقاماته وهما
( جاء الشتاء وعندي من حوائجه
سبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا )
( كن وكيس وكانون وكاس طلا
مع الكباب وكل ناعم وكسا )
ومحاسن شعره كثيرة وتوفي يوم الأربعاء حادي عشر شهر ربيع الآخر
وفيها الفقيه العلامة الورع الزاهد الخاشع البكاء المتواضع أبو بكر الأودني بالضم وفتح المهملة والنون نسبة إلى أودنة قرية من قرى بخارى شيخ الشافعية ببخارا وما وراء النهر أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن نصير كان علامة زاهدا ورعا خاشعا ومن غرائب وجوهه في المذهب أن الربا حرام في كل شيء فلا يجوز بيع شيء بجنسه روى عن الهيثم بن كليب الشاشي وطائفة ومات في شهر 119
ربيع الآخر وقد دخل في سن الشيخوخة ومن تلامذته المستغفري قال ابن قاضي شهبة قال الحاكم كان من أزهد الفقهاء وأورعهم وأعبدهم وأبكاهم على تقصيره وأشدهم تواضعا وإنابة وقال الإمام في النهاية وكان من دأبه أن يضن بالفقه على من لا يستحقه وإن ظهر بسببه أثر الانقطاع عليه في المناظرة توفي بخارى انتهى ملخصا
وفيها أبو الفتح القواس يوسف بن عمر بن مسرور البغدادي الزاهد المجاب الدعوة في ربيع الآخر وله خمس وثمانون سنة روى عن البغوي وطبقته قال البرقاني كان من الإبدال
سنة ست وثمانين وثلثمائة
فيها توفي أبو حلمد النعيمي أحمد بن عبد الله بن نعيم السرخسي نزسل هراة في ربيع الأول روى الصحيح عن الفربري وسمع من الدغولي وجماعة
وفيها أبو أحمد السامري بفتح الميم وتشديد الراء نسبة إلى سر من رأى عبد الله بن الحسين بن حسون البغدادي المقرئ شيخ الإقراء بالديار المصرية مات في المحرم وله إحدى وتسعون سنة قرأ القرآن في الصغر فذكر أنه قرأ على أحمد بن سهل الأشناني وأبي عمران الرقي وابن شنبوذ وابن مجاهد وحدث عن أبي العلا محمد بن أحمد الوكيعي فاتهمه الحافظ عبد الغني المصري في لقيه وقال لا أسلم على من يكذب في الحديث وفي العنوان أن السامري قرأ على محمد بن يحيى الكسائي وهذا وهم من صاحب العنوان لأن محمد بن يحيى توفي قبل مولد السامري بخمس عشرة سنة أو هو عمد ابن السامري ويدل عليه قول محمد بن علي الصوري قد ذكر أبو أحمد أنه قرأ على الكسائي الصغير فكتب في ذلك إلى بغداد يسأل عن وفاة الكسائي فكان الأمر من ذلك بعيدا قال 120
في العبر قلت ثم أمسك أبو أحمد عن هذا القول وروى عن ابن مجاهد عن الكسائي انتهى
وفيها عبيد الله بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم بن محمد بن جميل أبو أحمد الأصبهاني روى مسند أحمد بن منيع عن جده ومات في شعبان
وفيها الحربي أبو الحسن علي بن عمر الحميري البغدادي ويعرف أيضا بالسكري وبالصيرفي وبالكيال روى عن أحمد بن الصوفي وعباد بن علي السيريني والباغندي وطبقتهم ولد سنة ست وتسعين ومائتين وسمع سنة ثلاث وثلثمائة باعتناء أخيه وتوفي في شوال
وفيها أبو عبد الله الختن الشافعي محمد بن الحسن الاستراباذي بكسر أوله والفوقية وسكون السين وفتح الراء الموحدة بعدها معجمة نسبى إلى استراباذ من بلاد مازندران بين سارية وجرجان وهو ختن أبي بكر الإسماعيلي وهو صاحب وجه في المذهب وله مصنفات عاش خمسا وسبيعن سنة وكان أديبا بارعا مفسرا منظرا روى عن عبد الملك بن عدي الجرجاني وتوفي في يوم عرفة قال الأسنوي نقل عنه الرافعي في كتاب الجنايات قبيل العاقلة بقليل أن السحر لا حقيقة له وإنما هو تخييل لظاهر الآية انتهى
وفيها أبو طالب صاحب القوت محمد بن عطية الحارثة العجمي ثم المكي نشأ بمكة وتزهد وسلك ولقي الصوفية وصنف ووعظ وكان صاحب رياضة ومجاهدة وكان على نحلة أبي الحسن بن سالم البصري شيخ السالمية روى عن علي بن أحمد المصيصي وغيره قاله في العبر وقال ابن خلكان أبو طالب محمد بن علي بن عطية الحارثي صاحب كتاب قوت القلوب كان رجلا صالحا مجتهدا في العبادة ويتكلم في الجامع وله مصنفات في التوحيد لم يكن من أهل مكة وإنما كان من أهل الجبل وسكن مكة فنسب إليها وكان يستعمل الرياضة كثيرا حتى قيل أنه هجر الطعام زمانا واقتصر على أكل الحشائش المباحة فاخضر جلده 121
من كثرة تناولها ولقي جماعة من المشايخ في الحديث وعلم الطريقة وأخذ عنهم ودخل البصرة بعد وفاة أبي الحسن بن سالم فانتهى إلى مقالته وقدم بغداد فوعظ الناس وخلط في كلامه فهجروه وتركوه قال محمد بن طاهر المقدسي في كتاب الأنساب أن أبا طالب المكي لما دخل بغداد واجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ خلط في كلامه وحفظ عنه أنه قال ليس على المخلوقين أضر من الخالق فبعده الناس وهجروه وامتنع من الكلام بعد ذلك وله كتب في التوحيد وتوفي سادس جمادى الآخرة ببغداد ودفن بمقبرة الملكية بالجانب الشرقي وقبره هناك يزار رحمه الله انتهى بحروفه
وفيها العزيز بالله أبو منصور نزار بن المعز معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بالله محمد بن المهدي العبيدي الباطني صاحب مصر والشام وولى الأمر بعد أبيه وعاش العزيز اثنتين وأربعين سنة وكان شجاعا جوادا حليما وكان أسمر أصهب أعين أشهل حسن الخلق قريبا من الناس لا يحب سفك الدماء له أدب وشعر وكان مغرى بالصيد وقام بعده ابنه الحاكم وهو الذي اختط جامع مصر القاهرة وبنى قصر البحر وقصر الذهب وجامع القرافة قيل أنه كتب إلى صاحب الأندلس المرواني يهجوه ويذم نسبه فكتب إليه المرواني عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لهجوناك وأجبناك والسلام فاشتد ذلك عليه وأفحمه لأن أكثر الناس لا يسلمون للعبيد بين نسبتهم إلى أهل البيت ووجد العزيز يوما رقعة على منبر الخطبة فيها
( إنا سمعنا نسبا منكرا
يتلى على المنبر بالجامع )
( إن كنت فيما تدعي صادقا
فانسب أبا بعد الأب الرابع )
( وإن ترد تحقيق ما قلته
فانسب لنا نفسك كالطابع )
( أو فدع الأشياء مستورة
وادخل بنا في النسب الواسع ) 122
سنة سبع وثمانين وثلثمائة
فيها توفي أبو القسم بن الثلاج عبد الله بن محمد البغدادي الشاهد في ربيع الأول وله ثمانون سنة روى عن البغوي وطائفة واتهم بالوضع
وفيها أبو القسم عبيد الله بن محمد بن خلف بن سهل المصري البزار ويعرف بابن أبي غالب روى عن محمد بن محمد الباهلي وعلي بن أحمد بن علان وطائفة وكان من كبراء المصريين ومتموليهم
وفيها وقيل في التي قبلها وبه جزم ابن ناصر الدين في بديعته فقال
( ابن أبي الليث نصر بن محمد النصيبيني المصري أبو العباس كان من الحفاظ الأيقاظ آية في الحفظ
وفيها الإمام الكبير الحافظ ابن بطة أبو عبد الله بن عبيد الله بن محمد بن محمد ابن حمدان بن بطة العكبري الفقيه الحنبلي العبد الصالح توفي في المحرم وله ثلاث وثمانون سنة قال في العبر كان صاحب حديث ولكنه ضعيف من قبل حفظه روى عن البغوي وأبي ذر بن الباغندي وخلق وصنف كتابا كبيرا في السنة قال العتيقي كان مستجاب الدعوة انتهى كلام العبر وقال ابن ناصر الدين كان أحد المحدثين العلماء الزهاد ومن مصنفاته الإبانة في أصول الديانة انتهى وقال ابن أبي يعلى في طبقاته سمع من خلائق لا يحصون فإنه سافر الكثير إلى مكة والثغور والبصرة وغير ذلك وصحبه جماعة من شيوخ المذهب منهم أبو حفص البرمكي وأبو عبد الله بن حامد وأبو إسحق البرمكي في آخرين ولما رجع من الرحلة لازم بيته أربعين سنة فلم ير في سوق ولا رؤي مفطرا إلا في يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق وقال عبد الواحد بن علي العكبري لم أر في شيوخ أصحاب الحديث ولا في غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة وكان أمارا بالمعروف 123
ولم يبلغه خبر منكر إلا غيره وقال محمد الجوهري سمعت أخي أبا عبد الله يقول رأيت النبي في المنام فقلت له يا رسول الله أي المذاهب خير وقال قلت إلى أي المذاهب أكون فقال ابن بطة ابن بطة ابن بطة فخرجت من بغداد إلى عكبرا فصادف دخولي يوم جمعة فقصدت الشيخ أبا عبد الله بن بطة إلى الجامع فلما رآني قال لي ابتداء صدق رسول الله صدق رسول الله وقال أبو عبد الله بن بطة ولدت يوم الاثنين لأربع خلون من شوال سنة أربع وثلثمائة وولد ابن منيع رحمه الله سنة أربع عشرة ومائتين ومات يوم الفطر سنة سبع عشرة وثلثمائة وقرأت عليه معجمه في نفر خاص في مدة عشرة أيام أو أقل أو أكثر وذلك في آخر سنة خمس عشرة وأول سنة ست عشرة وكان بعين ابن بطة ناصور وقد وصف له ترك العشاء فكان يجعل عشاءه قبل الفجر بيسير ولا ينام حتى يصيح وكان عالما بمنازل النيرين واجتاز بن بطة بالأحنف العكبري فقام له فشق ذلك عليه فأنشأ الأحنف
( لا تلمني على القيام فحقي
حين تبدو أن لا أمل القياما )
( أنت من أكرم البرية عندي
ومن الحق أن أجل الكراما )
فقال ابن بطة متكلفا له الجواب
( أنت إن كنت لأعدمتك ترعى
لي حقا وتظهر الاعظاما )
( فلك الفضل في التقدم والعلم
ولسنا نحب منك احتشاما )
( فاعفني الآن من قيامك أولا
فسأجزيك بالقيام قياما )
( وأنا كاره لذلك جدا
أن فيه تملقا وآثاما )
( لا تكلف أخاك أن يتلقاك
بما يستحل فيه الحراما )
( وإذا صحت الضمائر منا
اكتفينا أن نتعب الأجساما ) 124
( كلنا واثق بود أخيه
ففيم انزعاجنا وعلام )
ويقال أنه أفتى وهو ابن خمس عشرة سنة ومصنفاته تزيد على مائة رحمه الله تعالى
وفيها ابن مردك أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن مردك البرذعي البزاز ببغداد حدث عن عبد الرحمن بن أبي حاتم وجماعة ووثقه الخطيب وتوفي في المحرم وكان عبدا صالحا
وفيها فخر الدولة علي بن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي سلطان الري وبلاد الجبل وزر له الصاحب بن عباد وكان ملكا شجاعا مطاعا جماعا للأموال واسع الممالك عاش ستا وأربعين سنة وكانت أيامه أربع عشرة سنة لقبه الطائع ملك الأمة وكان أجل من بقي من ملوك بني بويه وكان يقول قد جمعت لولدي ما يكفيهم ويكفي عسكرهم خمس عشرة سنة قال ابن الجوزي في كتابه شذور العقود توفي في قلعة بالري وكانت مفاتيح خزائنها مع ولده ولم يحضر فلم يوجد له كفن فابتيع من قيم الجامع الذي تحت القلعة ثوب فلف فيه واختلف الجند فاشتغلوا عنه حتى أراح فلم يمكنهم القرب منه فشد بالحبال وجر على درج القلعة من بعد حتى تقطع وكان قد ترك ألفي ألف دينار وثمانمائة وخمسة وستين ألفا وكان في خزانته من الجوهر والياقوت واللؤلؤ والبلخش والماس أربعة عشر ألفا وخمسمائة قطعة قيمتها ألف ألف دينار ومن أواني الفضة ما وزنه ثلاثة آلاف ألف من ومن الأثاث ثلاثة آلاف حمل ومن السلاح ألفا حمل ومن الفرش ألفان وخمسمائة حمل
انتهى ما ذكره ابن الجوزي
وفيها أبو ذر عمار بن محمد بن مخلد التميمي نزيل بخارى روى عن يحيى بن صاعد وجماعة ومات في صفر وروى عنه عبد الواحد الزبيري الذي عاش بعده مائة وثمان سنين وهذا معدوم النظير
وفيها أبو الحسين بن سمعون الإمام القدوة الناطق بالحكمة محمد بن أحمد 125
ابن إسماعيل البغدادي الواعظ صاحب الأحوال والمقامات روى عن أبي بكر بن أبي داود وجماعة وأملى عدة مجالس ولد سنة ثلثمائة ومات في نصف ذي القعدة ولم يخلف ببغداد مثله قال ابن خلكان وحيد دهره في الكلام على الخواطر وحسن الوعظ وحلاوة الإشارة ولطف العبارة أدرك جماعة من المشايخ وروى عنهم منهم الشيخ أبو بكر الشبلي رحمه الله وأنظاره ومن كلامه ما رواه الصاحب بن عباد قال سمعت ابن سمعون يوما وهو على الكرسي في مجلس وعظه يقول سبحان من أنطق باللحم وبصر بالشحم واسمع بالعظم إشارة إلى اللسان والعين والأذن وهذه من لطائف الإشارات ومن كلامه أيضا رأيت المعاصي نذالة فتركتها مروءة فاستحالت ديانة وله كل معنى لطيف كان لأهل العراق فيه اعتقاد كثير ولهم به غرام شديد وإياه عنى الحريري صاحب المقامات في المقامة الحادية والعشرين وهي الرازية بقوله رأيت بها بكره زمرة أثر زمرة وهم منتشرون انتشار الجراد ومستنون استنان الجياد ومتواصفون واعظا يقصدونه ويحلون ابن سمعون دونه ولم يأت في الوعاظ مثله دفن في داره بشارع العباس ثم انتقل يوم الخميس حادي عشر رجب سنة ست وعشرين وأربعمائة ودفن بباب حرب وقيل أن أكفانه لك تكن بليت بعد رحمه الله تعالى انتهى ملخصا
وقال ابن الأهدل هو لسان الوقت المرجوع إليه في آداب الظاهر يذهب إلى أسد المذاهب مع ما يرجع إليه من صحة الاعتقاد وصحبة الفقراء وكان الباقلاني والاسفرائيني يقبلان يده ويجلانه وكان أول أمره ينسخ بالأجرة ويبر أمه فأراد الحج فمنعته أمه ثم رأت رسول الله وهو يقول دعيه يحج فإن الخيرة له في حجه في الآخرة والأولى فخرج مع الحاج فأخذهم العرب وسلبوه فاستمر حتى ورد مكة قال فدعوت في البيت فقلت اللهم أنك بعلمك غنى عن أعلامي بحالي اللهم ارزقني معيشة أشتغل بها عن سؤال الناس قال فسمعت قائلا يقول اللهم انه ما يحسن يدعوك اللهم ارزقه عيشا 126
بلا مشقة فأعدت ثلاثا وهو يعيد ولا أرى أحدا وروى الخطيب أن ابن سمعون خرج من المدينة الشريفة إلى بيت الله ومعه تمر صيحاني فاشتهى الرطب فلما كان وقت الإفطار إذا التمر رطب فلم يأكله فعاد إليه من الغد فإذا هو تمر فأكله انتهى ملخصا أيضا
وفيها أبو الطيب التيملي بفتح الفوقية وسكون التحتية وضم الميم ولام نسبة إلى تيم الله بن ثعلبة قبيلة وتيم اللات بطن من كلب لا أدري إلى أيهما ينسب صاحب الترجمة محمد بن الحسين الكوفي سمع عبد الله بن زيدان البجلي وجماعة وكان ثقة
وفيها أبو الفضل الشيباني محمد بن عبد الله الكوفي حدث ببغداد عن محمد بن جرير الطبري والكبار لكنه كان يضع الحديث للرافضة فترك
وفيها أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحق بن خزيمة السلمي النيسابوري روى الكثير عن جده وأبي العباس السراج وخلق واختلط قبل موته بثلاثة أعوام فتجنبوه
وفيها محمد بن المسيب الأمير أبو الذواد العقيلي من أجل أمراء العرب تملك الموصل وغلب عليها في سنة ثمانين وثلاثمائة وصاهر بني بويه وتملك بعده أخوه حسام الدولة مقلد بن المسيب
وفيها أبو القسم السراج موسى بن عيسى البغدادي وقد نيف على التسعين روى عن الباغندي وجماعة ووثقه عبيد الله الأزهري
وفيها نوح بن الملك منصور ين الملك نوح بن الملك نصر بن الملك أحمد بن الملك إسماعيل الساماني أبو القسم سلطان بخارى وسمرقند وكانت دولته اثنتين وعشرين سنة وولى بعده ابنه منصور ثم بعد عامين توثب عليه أخوه عبد الملك بن نوح الذي هزمه السلطان محمد بن سكتكين وانقرضت الدولة السامانية قال ابن الفرات استولى أبو القسم محمود بن ناصر الدولة سكتكين 127
وأخذ الملك من مجد الدولة وأسره وأنفذه مقيدا إلى خراسان وكتب إلى القادر بالله يعلمه بذلك فكتب إليه القادر عهدا على خراسان والجبال والسند والهند وطبرستان وسجستان ولقبه يمين الدولة وناصر الملة نظام الدين ناصر الحق نصير أمير المؤمنين قيل وكان قبل ذلك يلقب بمولى أمير المؤمنين ولقب بالسلطان وجلس على التخت ولبس التاج ودخل عليه البديع الهمذاني وامتدحه بأبيات يقول فيها
( أظلت شمس محمود
على أنجم سامان )
( وأضحى آل بهرام
عبيدا لابن خاقان )
انتهى
سنة ثمان وثمانين وثلثمائة
فيها كما قال في الشذور كان البرد زائدا حتى جمدت جوب الحمامات وبول الدواب
انتهى
وفيها توفي أبو بكر أحمد بن عبدان بن محمد بن الفرج الشيرازي الحافظ كان من كبار المحدثين سأله حمزة السهمي عن الجرح والتعديل وعمر دهرا روى عن الباغندي والكبار وأول سماعه سنة أربع وثلثمائة توفي في صفر بالأهواز وكان يقال له الباز الأبيض قال ابن ناصر الدين كان واحد الثقات الحفاظ
وفيها الحافظ المتقن أحمد بن عبد البصير القرطبي المتقن المجود قال ابن ناصر الدين معدود في حفاظ بلاده مذكور في محدثيه ونقاده انتهى
وفيها حمد بن إبراهيم بن خطاب الخطابي البستي بضم الموحدة وسكون السين المهملة وبالفوقية نسبة إلى بست مدينة من بلاد كابل أبو 128
سليمان كان أحد أوعية العلم في زمانه حافظا فقيها مبرزا على أقرانه وقال ابن الأهدل أبو سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي الشافعي صاحب التصانيف النافعة الجامعة منها معالم السنن وغريب الحديث وإصلاح غلط المحدثين وغيرها روى عن جماعة من الأكابر وروى عنه الحاكم وغيره ومن شعره
( وما غربة الإنسان في شقة النوى
ولكنها والله في عدم الشكل )
( وإني غريب بين بست وأهلها
وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي )
ومنه
( فسامح ولا تستوف حقك دائما
وأفضل فلم يستوف قط كريم )
( ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد
كلا طرفي قصد الأمور ذميم )
ومنه
( ما دمت حيا فدار الناس كلهم
فإنما أنت في دار المداراة )
( ولا تعلق بغير اله في نوب
إن المهيمن كافيك المهمات )
وسئل عن اسمه أحمد أو حمد فقال سميت بحمد وكتب الناس أحمد فتركته انتهى
وفيها أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير البغدادي الصيرفي الحافظ روى عن إسماعيل الصفار وطبقته وكان عجبا في حفظ الحديث وسرده وروى عنه أبو حفص بن شاهين مع تقدمه وتوفي في ربيع الآخر عن إحدى وستين سنة وكان ثقة غمزه بعضهم قاله في العبر
وفيها أبو الفضل الفامي عبيد الله بن محمد النيسابوري روى عن أبي العباس السراج وغيره
وفيها أبو العلاء بن ماهان عبد الوهاب بن عيسى البغدادي ثم المصري روى صحيح مسلم عن أبي بكر أحمد بن محمد الأشقر سوى ثلاثة أجزاء 129
من أجزاء الكتاب يرويها عن الجلودي
وفيها أبو حفص عمر بن محمد بن عراك المصري المقرئ المجود القيم بقراءة ورش توفي يوم عاشوراء وقرأ على أصحاب إسماعيل النحاس
وفيها أبو الفرج الشنبوذي محمد بن أحمد بن إبراهيم المقرئ غلام ابن شنبوذ قرأ عليه القراءات وعلي ابن مجاهد وجماعة واعتنى بهذا الشأن وتصدر للاقراء وكان عارفا بالتفسير وكان يقول احفظ خمسين ألف بيت من الشعر شواهد للقرآن تكلم فيه الدار قطني
وفيها أبو بكر الاشتيخي بكسر أوله والفوقية وسكون المعجمة والتحتية ثم خاء معجمة مفتوحة ونون نسبة إلى اشتيخن من قرى الصغد محمد بن أحمد بن مت الراوي صحيح البخاري عن الفربري توفي في رجب بما وراء النهر
وفيها أبو علي الحاتمي محمد بن الحسن بن مظفر البغدادي اللغوي الكاتب أحد الأعلام المشاهير المكثرين أخذ الأدب عن أبي عمر الزاهد غلام ثعلب وروى عنه أخبارا وأملاها في مجالس الأدب وروى عن غيره أيضا وأخذ عنه جماعة من النبلاء منهم القاضي التنوخي وغيره وله الرسالة الحاتمية التي شرح فيها ما جرى بينه وبين أبي الطيب المتنبي من إظهار سرقاته وإبانة عيوب شعره ولقد دلت على غزارة مادته وتوافر إطلاعه وذكر الحاتمي أنه اعتل فتأخر عن مجلس شيخه أبي عمر الزاهد فسأل عنه فقيل له أنه مريض فجاءه يعوده فوجده قد خرج إلى الحمام فكتب على بابه باسفيداج
( وأعجب شيء سمعنا به
عليل يزار فلا يوجد )
وفيها أبو بكر الجوزقي بالجيم والزاي نسبة إلى جوزق كجعفر قرية بنيسابور وأخرى بهراة محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني الحافظ المعدل شيخ نيسابور ومحدثها ومصنف الصحيح روى عن السراج وأبي حامد بن الشرق 130
وطبقتهما ورحل إلى أبي العباس الدغولي وإلى ابن الأعرابي وإسماعيل الصفار قال الحاكم انتقيت له فوائد في عشرين جزءا ثم ظهر بعدها سماعه من السراج واعتنى به خاله المزكي وتوفي في شوال عن اثنتين وثمانين سنة وقال ابن ناصر الدين من مصنفاته كتاب الصحيح المخرج على كتاب مسلم وكتاب المتفق والمفترق الكبير في نحو ثلثمائة جزء خطير انتهى
وفيها أبو بكر الأدفوي محمد بن علي بن أحمد المصري المقرئ المفسر النحوي وأدفو بضم الهمزة وسكون المهملة وضم الفاء قرية بصعيد مصر قرب أسوان وكان خشابا أخذ عن أبي على جعفر النحاس فأكثر وأتقن رواية ورش على أبي غانم المظفر بن أحمد وألف التفسير في مائة وعشرين مجلدا وكان شيخ الديار المصرية وعالمها وكانت له حلقة كبيرة للعلم وتوفي في ربيع الأول
سنة تسع وثمانين وثلثمائة
تمادت الشيعة في هذه الأعصر في غيهم بعمل عاشوراء باللطم والعويل وبنضب القباب والزينة وشعار الأعياد يوم الغدير فعمدت غالية السنة وأحدثوا في مقابلة يوم الغدير يوم الغار وجعلوه بعد ثمانية أيام من يوم الغدير وهو السادس والعشرون من ذي الحجة وزعموا أن النبي وأبا بكر اختفيا حينئذ في الغار وهذا جهل وغلط فإن أيام الغار إنما كانت بيقين في صفر وفي أول شهر ربيع الأول وجعلوا بإزاء يوم عاشوراء بعده بثمانية أيام يوم مصرع مصعب بن الزبير وزار وأقبره يومئذ بمسكن وبكوا عليه ونظروه بالحسين لكونه صبر وقاتل حتى قتل ولأن أباه ابن عمة النبي وحواريه وفارس الإسلام كما أن أبا الحسين ابن عم النبي وفارس الإسلام فنعوذ بالله من الهوى والفتن ودامت السنة على هذا الشعار القبيح مدة سنين قاله في العبر 131
وفيها توفي أحمد بن محمد بن عابد بالموحدة الأسدي الأندلسي القرطبي أبو عمر مات كهلا لم يبلغ التعمير وكان عنده حفظ وتحرير قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو محمد المخلدي بفتح أوله واللام نسبة إلى جده مخلد الذي سيذكر الحسن بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن مخلد النيسابوري المحدث شيخ العدالة وبقية أهل البيوتات توفي في رجب وروى عن السراج وزنجويه اللباد وطبقتهما
وفيها أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي الفقيه الشافعي أحد الأئمة في ربيع الآخر وله ست وتسعون سنة روى عن أبي لبيد السامي والبغوي وطبقتهما قال الحاكم شيخ عصره بخراسان وكان قد قرأ على ابن مجاهد وتفقه على أبي إسحق المروزي وتأدب على ابن الأنباري وأخذ علم الكلام عن الأشعري وعمر دهرا وقال ابن قاضي شهبة كان يقول عند الموت لعن الله المعتزلة موهوا ومخرقوا ومات وله ست وتسعون سنة
وفيها أبو محمد بن أبي زيد القيرواني المالكي عبد الله بن أبي زيد شيخ المغرب أبيه انتهت رياسة المذهب قال القاضي عياض حاز رياسة الدين والدنيا ورحل إليه من الأقطار ونجب أصحابه وكثر الآخذون عنه وهو الذي لخص المذهب وملأ البلاد من تآليفه حج وسمع من أبي سعيد بن الأعرابي وغيره وكان يسمى مالكا الأصغر قال الحبال توفي للنصف من شعبان
وفيها أبو الطيب بن غلبون عبد المنعم بن عبد الله بن غلبون الحلبي المقرئ الشافعي صاحب الكتب في القراءات قرأ على جماعة كثيرة وروى الحديث و البغوي توفي في ربيع الآخر
وفيها أبو الهيثم الكشميهني بالضم والسكون والكسر وتحتية وفتح الهاء نسبة إلى كشميهن قرية بمرو محمد بن مكي المروزي راوية البخاري عن الفربري توفي يوم عرفة وكان ثقة وله رسائل أنيقة
وفيها قاضي القضاة لصاحب لصاحب مصر أبو عبد الله محمد بن النعمان بن محمد بن منصور الشيعي في الظاهر الباطني في الباطن ولد قاضي القوم وأخو قاضيهم قال ابن زولاق لم نشاهد بمصر لقاض من الرياسة ما شاهدناه له ولا بلغنا ذلك عن قاض بالعراق ووافق ذلك استحقاقا لما فيه من العلم والصيانة والهيبة وإقامة الحق وقد ارتفعت وتبته حتى أن العزيز أجلس معه يوم الأضحى على المنبر وزادت عظمته في دولة الحاكم ثم تعلل وتنقرس ومات في صفر وله تسع وأربعون سنة وولى القضاء بعده ابن أخيه الحسين بن علي الذي ضربت عنقه في سنة أربع وتسعين
سنة تسعين وثلثمائة
فيها توفيت أمة السلام بنت القاضي أحمد بن كامل بن شجرة البغدادية كانت دينة فاضلة روت عن محمد بن إسماعيل البصلاني وغيره
وفيها ابن فارس اللغوي أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب الرازي اللغوي كان إماما في علوم شتى خصوصا اللغة فإنه أتقنها وألف كتابه المجمل في اللغة وهو على اختصاره جمع شيئا كثيرا وله كتاب حلية الفقهاء وله رسائل أنيقة
ومنه اقتبس الحريري صاحب المقامات ذلك 133
الأسلوب ووضع المسائل الفقهية في المقامة الطيبية وهي مائة مسئلة وكان مقيما بهمذان وعليه اشتغل بديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات وله أشعار جيدة فمنها قوله
( مرت بنا هيفاء مجدولة
تركية تنمى لتركي )
( ترنو بطرف فاتر فاتن
أضعف من حجة نحوي )
وله أيضا
( اسمع مقالة ناصح
جمع النصيحة والمقه )
( إياك أحذر أن تبيت
من الثقات على ثقة )
وله أيضا
( إذا كنت في حاجة مرسلا
وأنت بها كلف مغرم )
( فأرسل حكيما ولا توصه
وذاك الحكيم هو الدرهم )
وله أيضا
( سقى همذان الغيث لست بقائل
سوى ذا وفي الأحشاء نار تضرم )
( ومالي لا أصفى الدعاء لبلدة
أفدت بها نسيان ما كنت أعلم )
( نسيت الذي أحسنته غير أنني
مدين وما في جوف بيتي درهم )
وله أشعار كثيرة حسنة توفي بالري ودفن مقابل مشهد القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني ومن شعره أيضا
( وقالوا كيف حالك قلت خير
تقضي حاجة وتفوت حاج )
( إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا
عسى يوم يكون به انفراج )
( نديمي هرتي وأنيس نفسي
دفاتر لي ومعشوق السراج )
وفيها حبيش بن محمد بن صمصامة القائد أبو الفتح الكتامي ولي أمرة دمشق ثلاث مرات لصاحب مصر وكان جبارا ظلوما غشوما سفاكا للدماء وكثر ابتهال أهل دمشق إلى الله في هلاكه حتى هلك بالجذام في هذه السنة 134
وفيها أبو حفص الكتاني عمر بن إبراهيم البغدادي المقرئ صاحب ابن مجاهد قرأ عليه وسمع منه كتابه في القراءات وحدث عن البغوي وطائفة توفي في رجب وله تسعون سنة وكان ثقة
وفيها ابن أخي ميمي الدقاق أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسين البغدادي روى عن البغوي وجماعة وله أجزاء مشهورة وتوفي في رجب
وفيخا أبو الحسن محمد بن عمر بن يحيى العلوي الحسيني الرندي الكوفي رئيس العلوية بالعراق ولد سنة خمس عشرة وثلثمائة ورروى عن هناد بن السرى الصغير وغيره وصادره عضد الدولة وحبسه وأخذ أمواله ثم أخرجه شرف الدولة لما تملك وعظم شأنه في دولته فيقال أنه كان من أكثر علوى مالا وقد أخذ منه عضد الدولة ألف ألف دينار
وفيها أبو زرعة الكشي محمد بن يوسف الجرجاني وكش قرية قريبة من جرجان سمع من أبي نعيم بن عدي وأبي العباس الدغولي وطبقتهما بنيسابور وبغداد وهمذان والحجاز وجمع وصنف الأبواب والمشايخ وجاور بمكة سنوات وبها توفي
وفيها المعافى بن زكريا القاضي أبو الفرج النهرواني الجريري نسبة إلى مذهب ابن جرير الطبري لأنه تفقه عليه ويعرف أيضا بابن طرارا سمع من البغوي وطبقته فأكثر وجمع فأوعى وبرع في عدة علوم قال الخطيب كان من أعلم الناس في وقته بالفقه والنحو واللغة وأصناف الآداب وولى القضاء بباب الطاق وبلغنا عن الفقيه أبي محمد الباقي أنه كان يقول إذا حضر القاضي أبو الفرج فقد حضرت العلوم كلها ولو أوصى رجل بشيء أن يدفع إلى أعلم الناس لوجب أن يدفع إليه وقال البرقاني كان المعافى أعلم الناس وقال ابن ناصر الدين كان حافظا علامة ذا فنون من الثقات ومن مصنفاته التفسير الكبير وكتاب الجليس والأنيس انتهى
ومن شعره 135
( الأقل لمن كان لي حاسدا
أتدري على من أسأت الأدب )
( أسأت على الله في ملكه
بأنك لم ترض لي ما وهب )
( فجازاك عني بأن زادني
وسد عليك وجوه الطلب )
وتوفي بالنهروان في ذي الحجة وله خمس وثمانون سنة وكان قانعا متعففا
سنة إحدى وتسعين وثلثمائة
فيها توفي أحمد بن عبد الله بن حميد بن زريق البغدادي أبو الحسن نزيل مصر كان من الثقات الأثبات روى عن المحاملي ومحمد بن مخلد وجماعة وكان صاحب حديث رحل إلى دمشق والرقة
وفيها أحمد بن يوسف الخشاب أبو بكر الثقفي المؤذن بأصبهان روى عن الحسن بن دكه وجماعة كثيرة
وفيها جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن موسى بن الفرات أبو الفضل بن حنزابة البغدادي وزير الديار المصرية وابن وزير المقتدر أبي الفتح حدث عن محمد بن هرون الحضرمي والحسن بن محمد الداركي وخلق وكان صاحب حديث ولد سنة ثمان وثلثمائة ومات في ربيع الأول قال الحافظ السلفي كان ابن حنزابة من الحفاظ الثقات يملي في حال وزارته ولا يختار على العم وأهله شيئا وكذا قال ابن ناصر الدين وقال غيرهما كان له عبادة وتهجد وصدقات عظيمة إلى الغاية توفي بمصر ونقل فدفن في دار اشتراها من الأشراف بالمدينة من أقرب شيء إلى قبر رسول الله وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق وأورد من شعره
( من أخمل النفس أحياها وروحها
ولم يبت طاويا منها على ضجر )
( إن الرياح إذا اشتدت عراصفها
فليس ترمي سوى العالي من الشجر )
وقال ابن كثير الإحسان إلى أهل الحرمين واشترى بالمدينة دارا بالقرب من المسجد ليس بينها وبين الضريح النبوي على ساكنه أفضل الصلاة والسلام 136
سوى جدار واحد وأوصى أن يدفن فيها وقرر مع الأشراف ذلك ولما مات حمل تابوته من مصر إلى الحرمين وخرجت الأشراف إلى لقائه وفاءا بما أحسن إليهم فحجوا به وطافوا ووقفوا بعرفة ثم ردوه إلى المدينة ودفنوه بالدار المذكورة انتهى كلام ابن عساكر ويقال أن بعضهم أنشد
( سر نعشه فوق الرقاب وطالما
سرى جوده فوق السحاب ونائله )
( يمر على الوادي فتثنى رماله
عليه وبالنادي فتبكي أرامله )
رحمه الله تعالى وحنزابة بكسر الحاء المهملة وسكون النون وفتح الزاي وبعد الألف موحدة ثم هاء ساكنة هي أم أبيه الفضل بن جعفر والحنزابة في اللغة المرأة القصيرة الغليظة
وفيها ابن حجاج الأديب أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن جعفر بن الحجاج البغدادي الشيعي المحتسب الشاعر المشهور ذو المجون والخلاعة والسخف في شعره كان فرد في زمانه في فنه فإنه لم يسبق إلى تلك الطريقة مع عذوبة ألفاظه وسلامة شعره من التكلف ويقال أنه في الشعر في درجة امرئ القيس وأنه لم يكن بينهما مثلهما لأن كل واحد منهما مخترع طريقة وله ديوان كبير يبلغ عشر مجلدات الغالب عليه الهز والمجون والهجو والرفث وكان شيعيا غاليا انتهى ومن جيد شعره وجده
( يا صاحبي استيقظا من رقدة
تزري على عقل اللبيب الأكيس )
( هذي المجرة والنجوم كأنها
نهر تدفق في حديقة نرجس )
( وأرى الصباقد غلست بنسيمها
فعلام شرب الراح غير مغلس )
( قوما أسقياني قهوة رومية
من عهد قيصر دنها لم يمسس )
( صرفا تضيف إذا تسلط حكمها
موت العقول إلى حياة الأنفس )
ومن شعره أيضا
( قال قوم لزمت حضرة أحمد
وتجنبت سائر الرؤساء ) 137
( قلت ما قاله الذي أحرز المعنى
قديما قبلي من الشعراء )
( يسقط الطير حيث يلقتطالحب
ويغشي منازل الكرماء )
وهذا البيت الثالث لبشار بن برد وتوفي يوم الثلاثاء سابع عشرى جمادى الآخرة بالنيل وحمل إلى بغداد ودفن عنه مشهد موسى بن جعفر رضي الله عنه وكان أوصى أن يدفن عند رجليه ويكتب على قبره (
وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) ورآه بعد موته بعض أصحابه في المنام فسأله عن حاله فأنشد
( أفسد سوء مذهبي
في الشعر حسن مذهبي )
( لم يرض مولاي على
سبي لأصحاب النبي )
ورثاه الشريف الرضي بقصيدة من جملتها
( نعوه على حسن ظني به
فلله ماذا نعى الناعيان )
( رضيع ولاء له شعبة
من القلب مثل رضيع اللبان )
( وما كنت أحسب أن الزمان
يفل مضارب ذاك اللسان )
( بكيتك للشرد السائرات
تفتق ألفاظها بالمعاني )
( ليبك الزمان طويلا عليك
فقد كنت خفة روح الزمان )
والنيل التي مات بها على وزن نهر مصر بلدة على الفرات بين بغداد والكوفة خرج منها جماعة من العلماء والأصل فيه نهر حفره الحجاج بن يوسف في هذا المكان آخذ من الفرات وسماه باسم نيل مصر وعليه قرى كثيرة
وفيها أبو الحسن الجزري عبد العزيز بن أحمد الفقيه إمام أهل الظاهر في عصره أخذ عن القاضي بشر بن الحسين وقدم من شيراز في صحبة الملك عضد الدولة فاشتغل عليه فقهاء بغداد قال أبو عبد الله الصيمري ما رأيت فقيها أنظر منه ومن أبي حامد الأسفرائيني الشافعي
وفيها أبو القسم عيسى بن الوزير علي بن عيسى بن داود بن الجراح البغدادي الكاتب المنشئ ولد سنة اثنتين وثلثمائة وتوفي في أول ربيع الأول 138
قال ابن أبي الفوارس كان يرمي بشيء من مذهب الفلاسفة وقال في العبر روى عن البغوي وطبقته وله أمال سمعنا منها انتهى
وفيها حسام الدولة مقلد بن المسيب بن رافع العقيلي صاحب الموصل تملكها بعد أخيه أبي الذواد فكانت مدة الأخوين إحدى عشرة سنة وقد بعث القادر إلى مقلد خلع السلطنة واستخدم هو نحو ثلاثة آلاف من الترك والديلم ودانت له عرب خفاجة وله شعر حسن وهو رافضي قتله غلام له في مجلس أنس ودفن على الفرات بمكان يقال له شقبا بين الأنبار وهيت وحكى أن قاتله سمعه وهو يقول لرجل ودعه يريد الحج إذا جئت ضريح رسول الله فقف عنده وقل له عني لولا صاحباك لزرتك ولما مات رثاه جماعة من الشعراء منهم الشريف الرضي
وكان ولده معتمد الدولة أبو المنيع قرواش غائبا عنه ثم تقلد الأمر من بعده وكان له بلاد الموصل والكوفة والمدائن وشقى الفرات وخطب في بلاده للحاكم العبيدي ثم رجع عن ذلك فوصلت الغز إلى الموصل ونهبوا دار قرواش وأخذوا منها ما يزيد على مائتي ألف دينار فاستنجد بنور الدولة أبي الأعرديس ابن صدقة فأنجده واجتمعوا على محارية الغز فنصرا عليهم وقتلوا منهم الكثير ومدحه أبو علي بن الشبل البغدادي الشاعر المشهور بقصيدة ذكر فيها هذه الواقعة منها قوله
( نزهت أرضك عن قبور جسومهم
فغدت قبورهم بطون الأنسر )
( من بعد ما وطئوا البلاد وظفروا
من هذه الدنيا بكل مظفر )
( فطووا رياح السد عن يأجوجه
ولقوا ببابك سطوة الاسكندر )
وكان قرواش المذكور يلقب مجد الدين وهو ابن أخت الأمير أبي الهيجاء صاحب أربل وكان أديبا شاعرا ظريفا وله أشعار سائرة فمن ذلك ما أورده أبو الحسن الباخرزي في كتابه دمية القصر 139
( لله در النائبات فإنها
صدأ اللئام وصيقل الأحرار )
( ما كنت إلا زبرة فطبعتني
سيفا وأطلق صرفهن غراري )
وأورد له أيضا
( من كان يحمد أو يذم مورثا
للمال من آبائه وجدوده )
( فإنا امرؤ لله أشكر وحده
شكرا كثيرا جالبا لمزيده )
( لي أشقر مثل الغياث مغاور
يعطيك ما يرضيك من مجهوده )
( ومهند عضب إذا جردته
خلت البروق تموج في تجريده )
( ومثقف لدن اللسان كأنما
أم المنايا ركبت في عوده )
( وبذا حويت المال إلا أنني
سلطت جود يدي على تبديده )
ما أحسن هذا الشعر وأمتنه وكان قرواش كريما نهابا وهابا جاريا على سنن العرب قيل أنه جمع بين أختين في النكاح فلامته العرب على ذلك فقال أخبروني ما الذي نستعمله مما تبيحه الشريعة وكان يقول ما في رقبتي غير خمسة من أهل البادية قتلتهم وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم ودامت إمرته خمسين سنة فوقع بينه وبين أخيه بركة بن المقلد وكانا خارج البلد فقبض بركة عليه في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وحبسه في الخارجية إحدى قلاع الموصل وتولى مكانه ولقب بزعيم الدولة وأقام في الإمارة سنتين وتوفي سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة في ذي الحجة فقام مقامه ابن أخيه أبو المعالي قريش بن أبي الفضل بدران بن المقلد فأول ما فعل قتل عمه قرواش المذكور في حبسه في مستهل رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة ودفن بتل توبة شرقي الموصل
سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة
فيها توفي الحاجبي أبو علي إسماعيل بن محمد بن أحمد صاحب الكشاني السمرقندي سمع الصحيح ممن الفربري ومات في هذه السنة أو في التي قبلها 140
وفيها أبو محمد الضراب الحسن بن إسماعيل المصري المحدث راوي المجالسة عن الدينوري توفي في ربيع الآخر وله تسع وسبعون سنة
وفيها الأصيلي الفقيه أبو محمد عبد الله بن إبراهيم المغربي الأندلسي القاضي أخذ عن وهب بن ميسرة وكتب بمصر عن أبي الطاهر الذهلي وطبقته وبمكة عن الآجري وببغداد عن أبي علي بن الصواف وكان حافظا عالما بالحديث رأسا في الفقه قال الدار قطني لم أر مثله وقال غيره كان نظير أبي محمد بن أبي زيد بالقيروان وعلى طريقته وهديه
وفيها عبد الرحمن بن أبي شريح أبو محمد الأنصاري محدث هراة روى عن البغوي والكبار ورحلت إليه الطلبة وآخر من روى عنه عاليا أبو المنجا بن اللتي وتوفي في صفر
وفيها أبو الفتح بن جني عثمان بن جني الموصلي النحوي صاحب التصانيف وكان أبوه مملوكا روميا لسليمان بن فهد بن أحمد الأزدي الموصلي وإلى هذا أشار بقوله
( فإن الصبح بلا نسب
فعلمي في الورى نسبي )
( على أني أؤول إلى
قروم سادة نجب )
( قياصرة إذا نطقوا
ازم الدهر ذو الخطب )
( أولاك دعا النبي لهم
كفى شرفا دعاء نبي )
وله أشعار حسنة ويقال أنه أعور وأخذ عن أبي علي الفارسي ولازمه وله تصانيف مفيدة منها كتاب الخصائص وسر الصناعة والكافي في شرح القوافي والمذكر والمؤنث والمقصور والممدود والتذكرة الأصبهانية وغير ذلك ويقال أن الشيخ أبا إسحق الشيرازي أخذ منه أسماء كتبه وشرح ابن جني أيضا ديوان المتنبي شرحا سماه النشز وكان قد قرأ الديوان على 141
صاحبه وكان المتنبي يقول ابن جني أعرف بشعري مني وكانت ولادة ابن جني بالموصل قبل الثلمائة وتوفي يوم الجمعة ثامن عشرى صفر ببغداد قال ابن خلكان وجني بكسر الجيم وتشديد النون وبعدها ياء
وفيها الوليد بن بكر الغمري الأندلسي السرقسطي بفتحتين وضم القاف وسكون المهملة نسبة إلى سرقسطة مدينة بالأندلس أبو العباس الحافظ رحل بعد الستين وثلثمائة وروى عن الحسن بن رشيق وعلي بن الخصيب وخلق قال ابن الفرضي كان إماما في الفقه والحديث عالما باللغة والعربية لقي في الرحلة أزيد من ألف شيخ وقال غيره له شعر فائق وتوفي بالدينور وقال ابن ناصر الدين قال الحافظ عبد الرحيم الوليد هذا عمري أي بالعين المهملة ولكن دخل إفريقية فكان ينقط العين حتى سلم وقال إذا رجعت إلى الأندلس جعلت النقطة التي على العين ضمة وأراني خطه انتهى
سنة ثلث وتسعين وثلثمائة
فيها أمر نائب دمشق الأسود الحاكمي بمغربي فطيف به على حمار ونودي عليه هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر ثن ضرب عنقه رحمه الله ولا رحم قاتله ولا أستاذه الحاكم قاله في تاريخ الخلفاء
ومات فيها كما قال ابن الأهدل وكيع الشاعر المتقدم في زمانه على أقرانه ومن شعره
( لقد قنعت همتي بالخمول
فصدت عن الرتب العالية )
( وما جهلت طعم طيب العلا
ولكنها تؤثر العافية )
ونظم أبو الفتح االقضاعي المدرس بتربة الشافعي بالقرافة في هذا المعنى فقال 142
( بقدر الصعود يكون الهبوط
فإياك والرتب العالية )
( وكن بمكان إذا سقطت
تقوم ورجلاك في عافية )
لكن المتنبي أخذ يعلو همته في نقض ما قالوا فقال
( إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم )
( فطعم الموت في أمر حقير
كطعم الموت في أمر عظيم )
انتهى
وفيها أبو حفص أحمد بن محمد بن المرزبان الأبهري أبهر أصبهان سمع جزء لوين من محمد بن إبراهيم الخزوري سنة خمس وثلثمائة وكان أديبا فاضلا
وفيها أبو إسحق الطبري إبراهيم بن أحمد المقرئ الفقيه المالكي المعدل أحد الرؤساء والعلماء ببغداد قرأ القرآن على ابن بويان وأبي عيسى بكار وطبقتهما وحدث عن إسماعيل الصفار وطبقته وكانت داره مجمع أهل القرآن والحديث وأفضاله زائد على أهل العلم وكان ثقة
وفيها الجوهري صاحب الصحاح أبو نصر إسماعيل بن حماد التركي اللغوي أحد أئمة اللسان وكان في جودة الحفظ في طبقة ابن مقلة ومهلهل أكثر الترحال ثم سكن بنيسابور قال القفطي أنه مات مترديا من سطح جامع نيسابور في هذا العام قال وقيل مات في حدود الأربعمائة وقيل أنه تسودن وعمل له شبه جناحين وقال أريد أن أطير فأهلك نفسه رحمه الله قاله في العبر وقال السيوطي في طبقات النحاة قال ياقوت كان من أعاجيب الزمان ذكاء وفطنة وعلما وأصله من فاراب من بلاد الترك وكان إماما في اللغة والأدب وكان يؤثر السفر على الحضر ويطوف الآفاق دخل العراق فقرأ العربية على أبي علي الفارسي والسيرافي وسافر إلى الحجاز وشافه باللغة العرب العاربة وطاف بلاد ربيعة ومضر ثم عاد إلى خراسان ثم أقام بنيسابور ملازما للتدريس والتأليف وكتابة المصاحف والدفاتر حتى مضى لسبيله عن آثار جميلة 143
وصنف كتابا في العروض ومقدمة في النحو والصحاح في اللغة مع تصحيف فيه في مواضع عدة تتبعها عليه المحققون قيل أن سببه أنه لما صنفه سمع عليه إلى باب الضاد المعجمة وعرض عليه وسوسة فانتقل إلى الجامع القديم بنيسابور فصعد سطحه وقال أيها الناس إني عملت في الدنيا شيئا لم أسبق إليه فسأعمل للآخرة أمرا لم يسبق إليه وضم إلى جنبيه مصراعي باب وتأبطهما بحبل وصعد مكانا عاليا وزعم أنه يطير فوقع فمات وبقي سائر الكتاب مسودة غير منقح ولا مبيض فبيضه تلميذه إبراهيم بن صالح الوراق فغلط فيه في مواضع انتهى كلام السيوطي ملخصا
وفيها الطائع لله أبو بكر عبد الكريم بن المطيع لله الفضل بن المقتدر جعفر بن المعتضد أحمد الموفق العباسي دخل عليه بهاء الدولة وكان حق عليه لسبب فقبل الأرض ووقف ثم أومأ إلى جماعة من أصحابه كان واطأهم على فعل ما سنذكره فجذبوا الطائع لله من سريره ولفوه في كساء وأخرجوه من الباب المعروف بباب بدر وحملوه إلى دار المملكة ملفوفا على قفا فراش ثم أشهد عليه بخلع نفسه وسملت عيناه وقطع قطعة من إحدى أذنيه وكان بهاء الدولة قبض عليه في يوم السبت تاسع عشر شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وفي ليلة الأحد ثالث رجب سنة إحدى وثمانين وثلثمائة سلم الطايع لله إلى القادر بالله فأنزله حجرة من حجر خاصته ووكل به من يحفظه من ثقات خدمه وأحسن ضيافته ومراعاة أموره غير أنه تقدم بجذع أنفه فقطع يسير من مارن أنفه مع ما كان قطع أولا من أذنه وتوفي الطائع لله يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان وكانت دولته أربعا وعشرين سنة وكان مربوعا أبيض أشقر مجدور الوجه كبير الأنف أنجر الفم شديد القوى في خلقه حدة واستمر مكرما محترما في دار عند القادر بالله إلى أن كات وله ثلاث وسبعون سنة وصلى عليه القادر وشيعه الأكابر ورثاه الشريف الرضي
وفيها المنصور الحاجب أبو عامر محمد بن عبد الله بن أبي عامر القحطاني 144
المعافري بالفتح وكسر الفاء وراء نسبة إلى المعافر بطن من قحطان الأندلسي مدبر دولة المؤيد بالله هشام بن المستنصر بالله الحكم بن بعد الرحمن الأموي لأن المؤيد بايعوه بعد أبيه وله تسع سنين وبقي صورة وأبو عامر هو الكل وكان حازما بطلا شجاعا غزاءا عادلا سايسا افتتح فتوحا كثيرة وأثر آثارا حميدة وكان لا يمكن المؤيد من الركوب ولا من الاجتماع بأحد إلا بجواريه
وفيها المخلص أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العباس البغدادي الذهبي مسند وقته سمع أبا القسم البغوي وطبقته وكان ثقة توفي في رمضان وله ثمان وثمانون سنة
وفيها أبو القسم خلف بن القسم بن سهل الأندلسي الحافظ وهو إمام مقرئ مصنف ناقد قال ابن ناصر الدين في بديعته
( ثم فتى دباغ بن قاسم
شاع صلاح جمعه فلازم )
سنة أربع وتسعين وثلثمائة
فيها توفي أبو عمر عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب السلمي بالضم والفتح نسبة إلى سليم قبيلة مشهورة منها العباس بن مرداس والعرباض بن سارية الأصبهاني المقرئ روى عن عبد الله بن محمد الزهري ابن أخي رسته وكتب الكثير وتوفي في ذي القعدة
وفيها أبو الفتح إبراهيم بن علي بن سيبخت نزل مصر وحدث عن البغوي وأبي بكر بن أبي داود قال الخطيب كان سيئ الحال في الرواية توفي بمصر
وفيها محمد بن عبد الملك بن صيفون أبو عبد الله اللخمي القرطبي الحداد 145
سمع عبد الله بن يونس القبري وقاسم بن أصبغ وبمكة من أبي سعيد بن الأعرابي قال ابن الفرضي لم يكن ضابطا اضطرب في أشياء قاله في العبر وقال في المغني سمع ابن الأعرابي قال ابن الفرضي عدل صالح واضطرب في أشياء قرئت عليه لم يسمعها ولم يكن ضابطا انتهى
وفيها يحيى بن إسماعيل الحربي المزكي أبو زكريا بنيسابور في ذي الحجة وكان رئيسا أديبا إخباريا متفننا سمع من مكي بن عبدان وجماعة
سنة خمس وتسعين وثلثمائة
فيها توفي التاهرتي بفتح الهاء وسكون الراء وفوقيه نسبة إلى تاهرت موضع بإفريقية أبو الفضل أحمد بن القسم بن عبد الرحمن التميمي البزاز العبد الصالح سمع بالأندلس من قاسم بن أصبغ وطبقته وهو من كبار شيوخ ابن عبد البر
وفيها أبو الحسن الخفاف أحمد بن محمد بن عمر الزاهد النيسابوري مسند خراسان توفي في ربيع الأول وله ثلاث وتسعون سنة وهو آخر من حدث عن أبي العباس السراج
وفيها الأخميمي بالكسر والسكون نسبة إلى أخميم بلد بصعيد مصر أبو الحسين محمد بن أحمد بن العباس المصري روى عن محمد بن ريان حبيب وعلي بن أحمد بن علان وطائفة
وفيها أبو نصر الملاحمي محمد بن أحمد بن محمد البخاري راوي كتاب قراءة خلف الإمام وكتاب رفع الأيدي تأليف البخاري رواهما عن محمود بن إسحق وكان حافظا ثقة عاش ثلاثا وثمانين سنة
وفيها عبد الوارث بن سفين أبو القسم القرطبي الحافظ ويعرف الأصم ألف جزء وعن الهيثم الشاشي ألف جزء وقال شيخ الإسلام الأنصاري أبو عبد الله بن مندة سيد أهل زمانه قاله جميعه في العبر وقال ابن ناصر الدين أبو عبد الله الإمام أحد شيوخ الإسلام وهو إمام حافظ جبل من الجبال ولما رجع من رحلته كانت كتبه أربعين حملا على الجمال حتى قيل أن أحدا من الحفاظ لم يسمع ما سمع ولا جمع ما جمع
انتهى وقال ابن خلكان أبو عبد الله محمد بن يحيى بن منده العبدي الحافظ المشهور صاحب كتاب تاريخ أصبهان كان أوحد الحفاظ الثقات وهم أهل بيت كبير خرج منهم جماعة من العلماء ولم يكونوا عبديين وإنما أم الحافظ أبو عبد الله المذكور واسمها برة بنت محمد كانت من بني عبد ياليل فنسب إلى أخواله
انتهى ملخصا
وفيها الملاحمي أبو نصر محمد بن أحمد بن محمد بن موسى بن جعفر البخاري أبو نصر حدث عنه أبو الحسن الدار قطني وغيره وكان من الحفاظ المشهورين قاله ابن ناصر الدين 147
سنة ست وتسعين وثلثمائة
فيها توفي أبو عمر الباجي أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي اللخمي الإشبيلي الحافظ العلم المشهور في المحرم وله ثلاث وستون سنة وكان يحفظ عدة مصنفات وكان إماما في الأصول والفروع
وفيها أبو الحسن بن الجندي أحمد بن محمد بن عمران البغدادي ولد سنة ست وثلثمائة وروى عن البغوي وابن صاعد وهو ضعيف شيعي
وفيها أبو سعد بن الإسماعيلي شيخ الشافعية وابن شيخهم إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم الفقيه وقد روى عن الأصم ونحوه وكان صاحب فنون وتصانيف توفي ليلة الجمعة وهو يقرأ في صلاة المغرب (
إياك نعبد وإياك نستعين ) ففاضت نفسه وله ثلاث وستون سنة رحمه الله قاله في العبر وقال ابن قاضي شهبة العلامة أبو سعد بن الإمام أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني شيخ الشافعية بها أخذ العلم عن أبيه قال فيه حمزة السهمي كان إمام زمانه مقدما في الفقه والأصول والعربية والكتابة والشروط والكلام صنف في أصول الفقه كتابا كبيرا وتخرج على يده جماعة مع الورع والمجاهدة والنصح للإسلام والسخاء وحسن الخلق قال القاضي أبو الطيب ورد بغداد فأقام بها سنة ثم حج وعقد له الفقهاء مجلسين تولى أحدهما أبو حامد الاسفرائيني والآخر أبو محمد الباني وقال الشيخ أبو إسحق جمع بين رياسة الدين والدنيا بجرجان انتهى
وفيها أبو الحسين الكلابي عبد الوهاب بن الحسن بن الوليد محدث دمشق ويعرف بأخي تبوك ولد سنة ست وثلثمائة وروى عن محمد بن خريم وسعيد بن عبد العزيز الحلبي وطبقتهما قال عبد العزيز الكتاني كان ثقة نبيلا مأمونا توفي في ربيع الأول
وفيها أبو الحسين الحلبي علي بن محمد بن إسحق القاضي الشافعي نزيل مصر 148
روى عن علي بن عبد الحميد الغضايري ومحمد بن إبراهيم بن نيروز وطبقتهما ورحل إلى العراق ومصر وعاش مائة سنة
وفيها البحيري صاحب الأربعين المروية أبو عمرو محمد بن أحمد بن جعفر النيسابوري المزكي الحافظ الثقة روى عن يحيى بن منصور القاضي وطبقته قال الحاكم كان من حفاظ الحديث المبرزين في المذاكرة توفي في شعبان وله ثلاث وستون سنة
وفيها ابن المأمون أبو بكر محمد بن الحسن بن الفضل العباسي الثقة المشهور روى عن أبي بكر بن زياد النيسابوري وطائفة وهو جد أبي الغنائم عبد الصمد بن المأمون
وفيها ابن زنبور أبو بكر محمد بن عمر بن علي بن خلف بن زنبور الوراق ببغداد في صفر روى عن البغوي وابن صاعد وابن أبي داود قال الخطيب ضعيف جدا
سنة سبع وتسعين وثلثمائة
فيها كان ظهور أبي ركوة وهو أموي من ذرية هشام بن عبد الملك كان يحمل الركوة في السفر ويتزهد ولقي المشايخ وكتب الحديث ودخل الشام واليمن وهو في خلال ذلك يدعو إلى القائم من بني أمية ويأخذ البيعة على من يستجيب له ثم جلس مؤدبا واجتمع عنده أولاد العرب فاستولى على عقولهم وأسرا إليهم أنه الإمام ولقب نفسه الثائر بأمر الله وكان يخير بالمغيبات ويمخرق عليهم ثم أنه حارب متولي تلك الناحية من المغرب وظفر به وقوى بما حواه من العسكر ونزل ببرقة فأخذ من يهودي بها مائتي ألف دينار وجمع له أهلها مائتي ألف دينار أخرى وضرب السكة باسمه ولعن الحاكم فجهز لحربه ستة عشر ألفا وظفروا به وأتوا به إلى الحاكم فقتله ثم قتل قائد الجيش الذين ظفروا به 149
وفيها توفي أصبغ بن الفرج الطائي الأندلسي المالكي مفتي قرطبة وقاضي بطليوس وأخو حامد الزاهد
وفيها أبو الحسن بن القصار علي بن عمر البغدادي الفقيه المالكي صاحب كتاب مسائل الخلاف قال أبو إسحق الشيرازي لا أعرف كتابا في الخلاف أحسن منه وقال أبو ذر الهروي هو أفقه من لقيت من المالكية
وفيها أبو الحسن بن القصار علي بن محمد بن عمر الرازي الفقيه الشافعي قال الخليلي هو أفضل من لقيناه بالري كان مفتيها قريبا من ستين سنة أكثر من عبد الرحمن بن أبي حاتم وجماعة وكان له في كل علم حظ وعاش قريبا من مائة سنة
وفيها ابن واصل الأمير أبو العباس أحمد كان يخدم بالكرخ وهم يسخرون منه ويقول بعضهم إن ملكت فاستخدمني فتنقلت به الأحوال وخرج وحارب وملك سيراف بالبصرة ثم قصد الأهواز وكثر جيشه والتقى السلطان بهاء الدولة وهزمه ثم أخذ البطائح وأخذ خزائن متوليها مهذب الدولة فسار لحربه فخرج الملك أبو غالب فعجز ابن واصل عنه واستجار بحسان الخفاجي ثم قصد نزار ابن حسونة فقتل بواسط في صفر من هذه السنة
سنة ثمان وتسعين وثلثمائة
فيها كانت فتنة هائلة ببغداد قصد رجل شيخ الشيعة ابن المعلم وهو الشيخ المفيد وأسمعه ما يكره فثار تلامذته وقاموا واستنفروا الرافضة وأتوا دار قاضي القضاة أبا محمد بن الأكفاني والشيخ أبا حامد بن الأسفرائيني فسبوهما وحميت الفتنة ثم إن السنة أخذوا مصحفا قيل أنه على قراءة ابن مسعود فيه خلاف كثير فأمر الشيخ أبو حامد والفقهاء بتحريقه فأحضر بمحضر منهم فقام ليلة النصف رافضي وشتم من أحرق المصحف فأخذ وقتل فثارت الشيعة ووقع القتال بينهم وبين السنة واختفى أبو حامد واستظهرت الروافض وصاحوا الحاكم يا منصور 150
فغضب القادر بالله وبعث خيلا لمعاونة السنة فانهزمت الرافضة وأحرقت بعض دورهم وذلوا وأمر عميد الجيوش بإخراج ابن المعلم من بغداد فأخرج وحبس جماعة ومنع القصاص مدة
وفيها زلزلت الدينور فهلك تحت الردم أكثر من عشرة آلاف وزلزلت سيراف والسبب وغرق عدة مراكب ووقع برد عظيم وزن أكبر ما وجد منه فكانت مائة وستة دراهم
وفيها هدم الحاكم العبيدي كنيسة القيامة بالقدس لكونهم يبالغون في إظهار شعارهم ثم هدم الكنائس التي في مملكته ونادى من أسلم وإلا فليخرج من مملكتي أو يلتزم بما آمر بتعليق صلبان كبار على صدورهم وزن الصليب أربعة أرطال بالمصري وبتعليق خشبة كيد المكمدة وزنها ستة أرطال في عنق اليهودي إشارة إلى رأس العجل الذي عبدوه فقيل كانت الخشبة على تمثال رأس عجل وبقي هذا سنوات ثم رخص لهم الردة لكونهم مكرهين وقال ننزه مساجدنا عمن لا نية له في الإسلام قاله في العبر
وفيها توفي البديع الهمذاني أبو الفضل أحمد بن الحسين بن يحيى بن سعيد الحافظ المعروف ببديع الزمان صاحب المقامات المشهورة والرسائل الرائقة كان فصيحا مفوها وشاعرا مفلقا روى عن أبي الحسين أحمد بن فارس صاحب المجمل وعن غيره ومن رسائله المال إذا طال مكثه ظهر خبثه وإذا سكن متنه تحرك نتنه وكذلك الضيف يسمج لقاؤه إذا طال ثواؤه ويثقل ظله إذا انتهى محله والسلام لا مشعر الحرم ومني الضيف لا مني الخيف وقبلة الصلات لا قبلة الصلاة ومن شعره من جملة قصيدة طويلة
( وكاد يحيك صوب الغيث منسكبا
لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا )
( والدهر لو لم يخفف والشمس لو نطقت
والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا ) 151
وله كل معنى حسن من نظم ونثر وكانت وفاته بمدينة هراة مسموما وقال الحاكم أبو سعيد عبد الرحمن بن دوست جامع رسائل البديع توفي البديع رحمه الله تعالى يوم الجمعة حادي عشر جمادى الآخرة قال الحاكم المذكور وسمعت الثقات يحكون أنه مات من السكتة وعجل دفنه فأفاق في قبره وسمع صوته بالليل وأنه نبش عنه فوجدوه قد قبض على لحيته ومات من هول القبر انتهى
والحريري به اقتدى في مقاماته وإياه عني بإنشاده
( ولو قبل مبكاها بكيت صبابة
بسعدي شفيت النفس قبل التندم )
( ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا
بكاها فقلت الفضل للمتقدم )
وفيها ابن لال الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن أحمد الهمذاني قال شيرويه كان ثقة أو حد زمانه مفتي همذان له مصنفات في علوم الحديث غير أنه كان مشهورا بالفقه له كتاب السنن ومعجم الصحابة وعاش تسعين سنة والدعاء عند قبره مستجاب قاله في العبر وقال الأسنوي ابن لال بلامين بينهما ألف معناه أخرس أخذ عن أبي إسحق المروزي وابن أبي هريرة وكان ورعا متعبدا أخذ عنه فقهاء همذان ونقل عنه الرافعي قولا أن الأخوة للأبوين ساقطون في مسئلة المشركة ولد سنة سبع وثلثمائة
انتهى ملخصا
وفيها أبو نصر الكلاباذي نسبة إلى كلاباذ محلة ببخارى الحافظ المشهور أحمد بن محمد بن الحسين أخذ عن الهيثم بن كليب الشاشي وعبد المؤمن بن خلف النسفي وطبقتهما وعنه المستغفري وقال هو أحفظ من بما وراء النهر اليوم ووثقه الدار قطني وصنف رجال صحيح البخاري وغيره وعاش خمسا وسبعين سنة
وفيها القاضي الضبي أبو عبد الله الحسين بن هرون البغدادي ولي قضاء مدينة المنصور وقضاء الكوفة وأملى الكثير من المحاملي وابن عقدة وطبقتهما قال الدار قطني وهو غاية في الفضل والدين عالم بالأقضية عالم بصناعة المحاضر والترسل موفق في أحواله كلها رحمه الله 152
وفيها البافي بالموحدة والفاء نسبة إلى باف قرية من قرى خوارزم أبو محمد عبد الله بن محمد البخاري الخوارزمي نزيل بغداد الفقيه الشافعي العلامة تفقه على أبي علي بن أبي هريرة وأبي إسحق المروزي وهو من أصحاب الوجوه قال ابن قاضي شهبة كان ماهرا في العربية وتفقه به جماعة منهم أبو الطيب والماوردي قال الخطيب كان من أفقه أهل وقته في المذهب بليغ العبارة يعمل الخطب ويكتب الكتب الطويلة من غير روية وقال الشيخ أبو إسحق كان فقيها أديبا شاعرا مترسلا كريما درس ببغداد بعد الداركي وتوفي في المحرم
انتهى ملخصا
وفيها الببغاء الشاعر أبو الفرج عبد الواحد بن نصر المخزومي النصيبيني مدح سيف الدولة والكبار ولقبوه بالببغاء لفصاحته وثيل للثغة في لسانه ذكره الثعالبي في يتيمة الدهر وقال هو من أهل نصيبين وبالغ في الثناء عليه وذكر جملة من رسائله ونظمه ومن شعره
( يا سادتي هذه روحي تودعكم
إذ كان لا الصبر يسليها ولا الجزع )
( قد كنت أطمع في روحي الحياة لها
والآن إذ ينتم لم يبق لي طمع )
( لا عذب الله روحي بالبقاء فما
أظنها بعدكم بالعيش تنتفع )
وله أيضا
( ومهفهف لما اكتست وجناته
خلع الملاحة طرزت بعذاره )
( لما انتصرت على أليم جفائه
بالقلب كان القلب من أنصاره )
( كملت محاسن وجهه فكأنما اقتبس
الهلال النور من أنواره )
( وإذا ألح القلب في هجرانه
قال الهوى لا بد منه فداره )
وله وهو معنى بديع
( وكأنما نقشت حوافر خيله
للناظرين أهلة في الجلمد )
( وكأن طرف الشمس مطروف وقد
جعل الغبار له مكان الأثمد ) 153
وأكثر شعر الببغاء جيد ومقاصده فيه جميلة وكان قد خدم سيف الدولة ابن حمدان مدة وبعد وفاته تنقل في البلاد وتوفي يوم السبت سلخ شعبان وقال الخطيب في تاريخه توفي ليلة السبت سابع عشرى شعبان وقال الثعالبي سمعت الأمير أبا الفضل الميكالي يقول عند صدوره من الحج وحصوله ببغداد سنة تسعين وثلثمائة رأيت بها أبا الفرج الببغاء شيخا عالي السن متطاول الأمد قد أخذت الأيام من جسمه وقوته ولم تأخذ من ظرفه وأدبه انتهى
والببغاء بفتح الباء الأولى وتشديد الثانية وفتح الغين المعجمة وبعدها ألف ووجد بخط أبي الفتح بن جني النحوي الففغا بفاءين والله أعلم
وفيها أبو القسم بن الصيدلاني نسبة إلى بيع الأدوية والعقاقير عبد الله بن أحمد ابن علي روى مجلسين عن ابن صاعد وهو آخر الثقات من أصحابه وروى عن جماعة وتوفي في رجب ببغداد
سنة تسع وتسعين وثلثمائة
فيها كما قال ابن الجوزي في المنتظم أخذ بنو زغب الهلاليون لركب البصرة ما قيمته ألف ألف دينار
وفيها توفي أحمد بن أبي عمران أبو الفضل الهروي الزاهد القدوة نزيل مكة روى عن محمد بن أحمد بن محبوب المروزي وخيثمة الأطرابلسي وطائفة وصحب محمد بن داود الرقي وروى عنه خلق كثير
وفيها أبو العباس البصير أحمد بن محمد بن الحسين الرازي الحافظ البارع الثقة روى عن عبد الرحمن بن أبي حاتم وإسماعيل عليه وسمع بنيسابور من أبي حامد بن بلال وطائفة وكان من أركان الحديث وقد ولد أعمى
وفيها النامي الشاعر البليغ أبو العباس أحمد بن محمد الدارمي المصيصي كان من الشعراء المفلقين ومن فحول شعراء عصره وخواص مداح سيف الدولة 154
ابن حمدان وكان عنده تلو أبي الطيب المتنبي في الرتبة وكان فاضلا أديبا مقدما في اللغة عارفا بالأدب وله أمال أملاها بحلب وروى عن أبي الحسين علي بن سليمان الأخفش وابن دستويه وأبي عبد الله الكرماني وأبي بكر الصولي وعنه أبو القسم الحسين بن علي بن أبي أسامة الحلبي وأخوه أبو الحسين أحمد وأبو الفرج الببغا والقاضي أبو طاهر وصالح بن جعفر الهاشمي ومن محاسن شعره قوله من جملة قصيدة
( أمير العلى أن العوالي كواسب
علاءك في الدنيا وفي جنة الخلد )
( يمر عليك الحول سيفك في الطلى
وطرفك ما بين الشكيمة والبلد )
( ويمضي عليك الدهر فعلك للعلى
وقولك للتقوى وكفك للرفد )
ومن شعره أيضا
( أحقا أن قاتلتي زرود
وأن عهودها تلك العهود )
( وقفت وقد فقدت الصبر حتى
تبين موقفي أني الفقيد )
( وشكت في عذالي فقالوا
لرسم الدار أيكما العميد )
وله مع المتنبي وقائع ومعارضات في الأناشيد وحكى أبو الخطاب بن غون الحريري النحوي الشاعر أنه دخل على أبي العباس النامي قال فوجدته جالسا ورأسه كالثغامة بياضا وفيه شعرة واحدة سوداء فقلت له يا سيدي في رأسك شعرة سوداء فقل نعم هذه بقية شبابي وأنا أفرح بها ولي فيها شعر فقلت أنشدنيه فأنشد
( رأيت في الرأس شعرة بقيت
سوداء تهوى العيون رؤيتها )
( فقلت للبيض إذ تروعها
بالله إلا رحمت غربتها )
( فقل لبث السواد في وطن
تكون فيه البيضاء ضرتها )
ثم قال يا أبا الخطاب بيضاء واحدة تروع ألف سوداء فكيف حال سوداء بين ألف بيضاء 155
وفيها أبو الرقعمق بفتح الراء والقاف وسكون العين المهملة وفتح الميم وبعدها قاف لقب له الشاعر المفلق صاحب المجون والنوادر أبو حامد أحمد بن محمد الأنطاكي قال فيه الثعالبي في اليتيمة هو نادرة الزمان وجملة الإحسان وممن تصرف بالشعر في أنواع الهزل والجد وأحرز قصب السبق وهو أحمد الشعراء المجيدين وهو في الشام كابن حجاج بالعراق فمن غرر محاسنه قوله يمدح ابن كلس وزير العزيز العبيدي صاحب مصر
( قد سمعنا مقاله واعتذاره
وأقلنا ذنوبه وعثاره )
( والمعاني لمن عنيت ولكن
بك عرضت فاسمعي يا جاره )
( من تراديه أنه أبد الدهر
تراه محللا أزراره )
( عالم أنه عذاب من الله
متاح لأعين النظاره )
( هتك الله ستره فلكم هتك
من ذي تستر أستاره )
( سحرتني ألحاظه وكذا كل
مليح ألحاظه سحاره )
( ما على مؤثر التباعد والأعراض
لو آثر الرضا والزياره )
( وعلى أنني وإن كان قد عذب
بالهجر مؤثر إيثاره )
( لم أزل لا عدمته من حبيب
أشتهي قربه وآبى نفاره )
ومن مديحها
( لم يدع للعزيز في سائر الأرض
عدوا إلا وأخمد ناره )
( كل يوم له على نوب الدهر
وكثر الخطوب بالبذل غاره )
( ذويد شأنها الفرار من البخل
وفي حومة الندى كراره )
( هي فلت عن العزيز عداه
بالعطايا وكثرت أنصاره )
( هكذا كل فاضل يده تمسي
وتضحي نفاعة ضراره )
وأكثر شعره جيد وهو على أسلوب شعر صريع الدلاء القصار البصري وأقام بمصر زمانا طويلا وأكثر شعره في ملوكها ورؤسائها وتوفي يوم الجمعة ثاني 156
عشرى شهر رمضان وقيل في شهر ربيع الآخر بمصر على قول
وفيها خلف بن أحمد بن محمد بن الليث البخاري صاحب بخارى وابن صاحبها كان عالما جليلا مفضلا على العلماء عاش بضعا وسبعين سنة وروى عن عبد الله بن محمد الفاكهي وطبقته مات شهيدا في الحبس ببلاد الهند
وفيها أبو مسلم الكاتب محمد بن أحمد بن علي البغدادي بمصر في ذي القعدة كان آخر من روى عن البغوي وابن صاعد وابن أبي داود روى كتاب السبعة لابن مجاهد عنه وسمع بالجزيرة والشام والقيروان وكان سماعه صحيحا من البغوي في جزء واحد وما عداه مفسود وقال في المغني هو آخر أصحاب البغوي ضعف قال الصوري بعض أصوله عن البغوي وغيره جياد وقال أبو الحسن المحدث العطار ما رأيت في أصول ابن مسلم عن البغوي صحيحا غير خبر واحد وما عداه مفسود انتهى
وفيها ابن زمنين الإمام أبو عبد اله محمد بن عبد الله بن عيسى المريى الأندلسي الالبيري نزيل قرطبة وشيخها ومفتيها وصاحب التصانيف الكثيرة في الفقه والحديث والزهد سمع من سعيد بن فحلون ومحمد بن معويه القرشي وطائفة وكان راسخا في العلم متفننا في الآداب مقتفيا لآثار السلف صاحب عبارة وإنابة وتقوى عاش خمسا وسبعين سنة وتوفي في ربيع الآخر ومن كتبه اختصار المدونة ليس لأحد مثله
وفيها أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس الصدفي بضم الصاد المهملة المنجم صاحب الزيج المصري الحاتمي المشهور وزيجه يعرف بزيج ابن يونس وهو زيج كبير في أربع مجلدات بسط فيه القول والعمل عمله للعزيز العبيدي صاحب مصر وكان أبله مغفلا رث الهيئة إذا ركب ضحك 157
منه الناس لطوله وسوء حالته وله إصابة بديعة في النجامة لا يشاركه فيها أحد وأفنى عمره في النجوم والتسيير والتوليد وله شعر رائق قال الأمير المختار في كتابه تاريخ مصر بلغني أنه طلع إلى الجبل المقطم وقد وقف للزهرة فنزع ثوبه وعمامته ولبس ثوبا أحمر ومقنعة حمراء تقنع بها وأخرج عودا فضرب به والبخور بين يديه فكان عجبا من العجب وقال المختار أيضا كان ابن يونس المذكور مغفلا يعتم على طرطور طويل ويجعل رداءه فوق العمامة وكان طويلا وإذا ركب ضحك الناس منه لشهرته وسوء حاله ورثاثة ثيابه وكان له مع هذه الهيئة إصابة بديعة غريبة في النجامة لا يشاركه فيها أحد كان أحد الشهود وكان متفننا في علوم كثيرة وكان يضرب بالعود على جهة التأدب به وله شعر حسن منه قوله
( احمل نشر الريح عند هبوبه
رسالة مشتاق لوجه حبيبه )
( بنفسي من تحيا النفوس بقربه
ومن طابت الدنيا به وبطيبه )
( وجدد وجدى طارق منه في الكرى
سرى موهنا في خفية من رقيبه )
( لعمري لقد عطلت كأسي لبعده
وغيبتها عني لطول مغيبه )
قال الحاكم العبيدي صاحب مصر وقد جرى في مجلسه ذكر ابن يونس وتغفله دخل إلى عندي يوما ومداسه في يده فقبل الأرض وجلس وترك المداس إلى جانبه وأنا أراه وهو بالقرب مني فلما أن أراد أن ينصرف قبل الأرض وقدم المداس ولبسه وانصرف وإنما ذكر هذا في معرض غفلته وبلهه قال المسبحي وكانت وفاته يوم الاثنين ثالث شوال فجأة وخلف ولدا متخلعا باع كتبه وجميع تصنيفاته بالأرطال في الصابونيين 158
سنة أربعمائة
فيها أقبل الحاكم قاتله الله على التأله والدين وأمر بإنشاد دار العلم بمصر وأحضر فيها الفقهاء والمحدثين وعمر الجامع الحاكمي بالقاهرة وكثر الدعاء له فبقي كذلك ثلاث سنين ثم أخذ يقتل أهل العلم وأغلق تلك الدار ومنع من فعل كثير من الخير
وفيها توفي ابن خرشيد قوله أبو إسحق إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن خرشيد قوله الأصبهاني التاجر في المحرم وله ثلاث وتسعون سنة دخل بغداد سنة إحدى وعشرين وثلثمائة وسمع من ابن زياد النيسابوري وابن عقدة والمحاملي وكان أسند من بقي بأصبهان رحمه الله تعالى
وفيها أبو مسعود الدمشقي إبراهيم بن محمد بن عبيد الحافظ مؤلف أطراف الصحيحين روى عن عبد الله بن محمد بن السقا وأبي بكر بن المقرئ وطبقتهما وكان عارفا بهذا الشأن ومات كهلا فلم ينشر حديثه توفي في رجب
وفيها الفقيه الزاهد السيد الجليل الصالح الورع جعفر بن عبد الرحيم اليمني من واحي الجند سأله وإليها الإقامة عندهم فقال بشرطين أحدهما الاعفاء عن الحكم والثاني أن لا يأكل من طعام الوالي شيئا فاتفق يوما أنه حضر عقدا عند الوالي فقال الوالي هذا الموز أهداه لي فلان وذكر رجلا من أهل الحل فأكل جعفر اثنتين ثم تقيأهما في الدهليز ولما تولاها الصليحي سأله تولية القضاء فقال لا أصلح لها فغضب وخرج من عنده فأمر جنده أن يلحقوه ويقتلوه فضربوه بسيوفهم فلم تقطع شيئا مع تكرير الضرب فأعلموا الصليحي فأمرهم بالكتمان وسئل الفقيه عن حاله حين الضرب فقال كنت أقرأ يس فلم أشعر بذلك قاله ابن الأهدل
وفيها ابن ميمون الطليطلي بالضم والفتح والسكون وكسر الطاء الثانية ولام 159
نسبة إلى طليطلة مدينة بالأندلس أحمد بن محمد بن محمد بن عبيدة الأموي أبو جعفر بن ميمون كان أحد الحفاظ المتقنين والعلماء المتقين والفقهاء الورعين المتزهدين قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو محمد القصار عبد الوهاب بن أبي محمد عبد الرحيم بن هبة الله القصار كان حافظا متقنا
وفيها أبو نعيم الاسفرائيني عبد الملك بن الحسن راوي المسند الصحيح عن خال أبيه أبي عوانة الحافظ وكان ثقة صالحا ولد في ربيع الأول سنة عشر وثلثمائة واعتنى به أبو عوانة وأسمعه كتابه وعمر فازدحم عليه الطلبة وأحضروه إلى نيسابور
وفيها وقيل في التي بعدها أبو الفتح البستي الشاعر المفلق علي بن محمد الكاتب شاعر وقته وأديب ناحيته صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس الأنيس البديع التأسيس فمن ألفاظه البديعة قوله من أصلح فاسده أرغم حاسده من أطاع غضبه أضاع أدبه عادات السادات سادات العادات من سعادة جدك وقوفك عند حدك الرشوة رشاء الحاجات أجمل الناس من كان للأخوان مولى الفهم شجاع العقل المنية تضحك الأمنية حد العفاف الرضا بالكفاف ومن نادر شعره
( إن هز أقلامه يوما ليعملها
أنساك كل كمي هز دابله )
( وإن أقر على رق أنامله
أقر بالرق كتاب الأنام له )
وله
( إذا تحدثن في قوم لتؤنسهم
بما تحدث من ماض ومن آت )
( فلا تعيدن حديثا إن طبعهم
موكل بمعاداة المعادات )
وله
( تحمل أخاك على ما به
فما في استقامته مطمع ) 160
( وإني له خلق واحد لحاكم أحد خلفاء الباطنية لأن رسل الحاكم تكررت إلى صاحب الموصل قرواش بن مقلد فأفسدوه ثم سار قرواش إلى الكوفة فأقام بها الخطبة للحاكم وبالمدائن وأمر خطيب الأنبار بذلك فهرب وأبدى قرواش صفحة الخلاف وعاث وأفسد فقلق القادر بالله وأرسل إلى الملك بهاء الدولة مع ابن الباقلاني المتكلم فقال قد كاتبنا أبا علي عميد الجيوش في ذلك ورسمنا بأن ينفق في العسكر مائة ألف دينار فإن دعت الحاجة إلى مجيئنا قدمنا ثم أن قرواش بن مقلد خاف الغلبة فأرسل يتعذر وأعاد الخطبة العباسية ولم يحج ركب العراق لفساد الوقت
وفيها توفي أبو علي عميد الجيوش الحسين بن أبي جعفر وله إحدى وخمسون سنة كان أبوه من حجاب عضد الدولة فخدم أبو علي بهاء الدولة وترقت حاله فولاه بهاء الدولة نائبا عنه بالعراق فأحسن سياستها وحميت أيامه 161
وبقي عليها ثمانية أعوام وسبعة أشهر فأبطل عاشوراء الرافضة وأباد الحرامية والشطار وقد جاء في عدله وهيبته حكايات
وفيها أبو عمر بن المكوى أحمد بن عبد الملك الإشبيلي المالكي انتهت إليه رياسة العلم بالأندلس في زمانه مع الورع والصيانة دعى إلى القضاء بقرطبة مرتين فامتنع وصنف كتاب الاستيعاب في مذهب مالك في عشر مجلدات توفي فجأة عن سبع وسبعين سنة
وفيها أبو عمر بن الجسور أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد الأموي مولاهم القرطبي روى عن قاسم بن أصبغ وخلق ومات في ذي القعدة وهو أكبر شيخ لابن حزم
وفيها أبو عبيد الهروي أحمد بن محمد بن محمد صاحب الغريبين وهو الكتاب المشهور جمع فيه غريب القرآن وغريب الحديث وهو من الكتب النافعة السائرة في الآفاق قال الأسنوي ذكره ابن الصلاح في طبقاته ولم يوضح حاله وقد أوضحه ابن خلكان فقال كان من العلماء الأكابر صحب أبا منصور الأزهري وبه انتفع وكان ينسب إلى تعاطي الخمر توفي في رجب سنة إحدى وأربعمائة سامحه الله تعالى انتهى كلام الأسنوي
وفيها أبو بكر الحنائي نسبة إلى الحناء المعروف عبد الله بن محمد بن هلال البغدادي الأديب نزيل دمشق روى عن يعقوب الجصاص وجماعة وكان ثقة
وفيها عبد العزيز بن محمد بن النعمان بن محمد بن منصور قاضي القضاة للعبيديين وابن قاضيهم وحفيده قاضيهم قتله الحاكم
وقتل معه قائد القواد حسين بن القائد جوهر وبعث من حمل إليه رأس قاضي أطرابلس أبي الحسين علي بن عبد الواحد البري لكونه سلم عزاز إلى متولي حلب 162
وفيها أبو مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي كان حافظا صدوقا دينا من الفهماء قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو الحسن العلوي الحسني النيسابوري محمد بن الحسين بن داود شيخ شيخ الأشراف سمع أبا حامد بن الشرقي ومحمد بن إسماعيل المروزي صاحب علي بن حجر وطبقتهما وكان سيدا نبيلا صالحا قال الحاكم عقدت له مجلس الإملاء وانتقيت له ألف حديث وكان يعد في مجلسه ألف محبرة توفي فجأة في جمادى الآخرة رحمه الله تعالى
وفيها أبو علي الخالدي الذهلي منصور بن عبد الله الهروي روى عن أبي سعيد بن الأعرابي وطائفة قال أبو سعيد الإدريسي هو كذاب
سنة اثنتين وأربعمائة
فيها كتب محضر ببغداد في قدح النسب الذي تدعيه خلفاء مصر والقدح في عقائدهم وأنهم زنادقة وأنهم منسوبون إلى ديصان بن سعيد الخرمي أخوان الكافرين شهادة يتقرب بها إلى الله شهدوا جميعا أن الناجم بمصر وهو منصور ابن نزار الملقب بالحاكم حكم الله عليه بالبوار إلى أن قال فإنه صار يعني المهدي إلى المغرب وتسمى بعبيد اله وتلقب بالمهدي وهو ومن تقدمه من سلف الأنجاس أدعياء خوارج لا نسب لهم في ولد علي رضي الله عنهم ولا يعلمون أن أحدا من الطالبيين توقف عن إطلاق القول في هؤلاء الخوارج لأنهم أدعياء وقد كان هذا الإنكار شائعا بالحرمين وأن هذا الناجم بمصر وسيلة كفار وفساق لمذهب الثنوية والمجوسية معتدون قد عطلوا الحدود وأباحوا الفروج وسفكوا الدماء وسبوا الأنبياء ولعنوا السلف وادعوا الربوبية وكتب في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة وكتب خلق في المحضر منهم الشريف المرتضى وأخوه الشريف الرضي وجماعة من كبار العلوية والقاضي أبو محمد الأكفاني 163
والإمام أبو حامد الاسفرائيني والإمام أبو الحسين القدوري وخلق
وفيها عمل يوم الغدير ويوم الغار لكن بسكينة
وفيها توفي الوزير أحمد بن سعيد بن حزم أبو عمرو الأندلسي والد العلامة أبي محمد كان كاتبا مفتيا لغويا متبحرا في علم اللسان
وفيها أبو الحسين السوسنجردي بالضم وفتح السين المهملة الثانية وسكون النون والراء وكسر الجيم آخره مهملة نسبة إلى سوسنجرد قرية ببغداد أحمد بن عبد الله بن الخضر البغدادي المعدل روى عن ابن البحيري وجماعة وكان ثقة صاحب سنة
وفيها قاضي الجماعة أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن فطيس الأندلسي القرطبي صاحب التصانيف الطنانة منها كتاب أسباب النزول في مائة جزء وكتاب فضائل الصحابة والتابعين في مائتين وخمسين جزءا وكان من جهابذة الحفاظ والمحدثين جمع ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس وكان يملي من حفظه وقيل أن كتبه بيعت بأربعين ألف دينار قاسمية وولى القضاء والخطابة سنة أربع وتسعين وثلثمائة وعزل بعد تسعة أشهر وقد ولى الوزارة أيضا وتوفي في ذي القعدة وله أربع وخمسون سنة وسمع من أحمد بن عون وطبقته
وفيها الحسين بن علي بن العباس بن الفضل بن زكريا بن النضر بن شميل بن سويد النضري الهروي كان حافظا مشهورا عمدة قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن حسين بن شنظير الأموي أبو إسحق كان حافظا ذا ورع وصيام وقيام كثير قاله ابن ناصر الدين أيضا
وفيها أبو عمرو وعثمان الباقلاني نسبة إلى بيع الباقلا البغدادي الزاهد كان عابد أهل بغداد في زمانه رحمه الله تعالى 164
وفيها أبو الحسن الداراني علي بن داود القطان المقرئ حدث عن خيثمة وقرأ على أبي النضر الأخرم وولى إمامة جامع دمشق قال رشا بن نظيف لم ألق مثله حذقا وإتقانا في رواية ابن عامر وهو الذي طلع كبراء دمشق وطلبوه لإمامة الجامع فوثب أهل داريا بالسلاح فمانعوهم وقالوا لا ندع لكم إمامنا حتى يقدم أبو محمد بن أبي نصر فقال أما ترضون أن يسمع الناس في البلاد أن أهل دمشق احتاجوا إليكم في إمام فقالوا رضينا فقدمت له بغلة القاضي فأبى وركب حماره وسكن في المنارة وكان لا يأخذ على الصلاة ولا الإقراء أجرا ويقتات من أرض له
وفيها أبو الفتح فارس بن أحمد الحمصي المقرئ الضرير أحد أعلام القرآن أقرأ بمصر عن عبد الباقي بن السقا والسامري وجماعة وصنف المنشافي القراءات وعاش ثمانيا وستين سنة
وفيها ابن جميع أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الغساني الصيداوي صاحب المعجم المروي رحل وكتب الكثير بالشام والعراق ومصر وفارس روى عن أبي روق الهزاني والمحاملي وطبقتهما ومات في رجب وله سبع وتسعون سنة وسرد الصوم وله ثمان عشرة سنة إلى أن مات ووثقه الخطيب
وفيها ابن النجار أبو الحسن محمد بن جعفر بن محمد بن هرون التميمي الكوفي النحوي المقري آخر من حدث في الدنيا عن محمد بن الحسين الأشناني وابن دريد قال العتيقي هو ثقة توفي بالكوفة في جمادى الأولى وقال الأزهري كان مولده في سنة ثلاث وثلثمائة في المحرم
وفيها ابن اللبان الفرضي العلامة أبو الحسين محمد بن عبد الله بن الحسن البصري روى سنن أبي داود عن ابن داسه وسمعها منه القاضي أبو الطيب الطبري قال الخطيب انتهى إليه علم الفرائض وصنف فيها كتبا
انتهى وكان يقول ليس في الأرض فرضى إلا من أصحابي وأصحاب أصحابي أو لا يحسن 165
شيئا قال الأسنوي نقل عنه ارافعي في مواضع منها أن زكاة الفطر لا تجب وكذا قال ابن قاضي شهبة وقال أيضا انتهى إليه علم الفرائض وصنف فيه كتبا منها كتاب الإيجاز مجلد نفيس وكتبا كثيرة ليس لأحد مثلها ولديه علوم أخر وبنيت له مدرسة ببغداد وكان يدرس بها قال الشيخ أبو إسحق كان إماما في الفقه والفرائض وعنه أخذ الناس الفرائض وممن أخذ عنه أبو أحمد بن أبي مسلم الفرضي أستاذ أبي حامد الاسفرائيني في الفرائض
انتهى ملخصا
وفيها أبو عبد الله الجعفي محمد بن عبد الله بن الحسين الكوفي القاضي المعروف بالهرواني نسبة إلى هراة مدينة بخراسان أحد الأئمة الأعلام في مذهب الإمام أبي حنيفة روى عن محمد بن القسم المحاربي وجماعة قال الخطيب قال من عاصره بالكوفة لم يكن بالكوفة من زمن ابن مسعود رضي الله عنه إلى وقته أفقه منه وقال لي العتيقي ما رأيت مثله بالكوفة وقال في العبر ولد سنة خمس وثلثمائة وقد قرأ عليه أبو علي غلام الهراس
وفيها منتجب الدولة لولو الشراوي ولى نيابة دمشق للحاكم وعزل بعد ستة أشهر ولما هموا بالقبض عليه من دار العقيقي وكان نازلا بها عبأ أصحابه ووقع القتال بالبلد بين الفريقين إلى العتمة وقتل جماعة ثم طلع لولو من سطح فاختفى فنودي عليه في البلد من جاء به فله ألف دينار فدل عليه رجل وحبس فجاء أمر الحاكم بقتله فقتل
وفيها ابن وجه الجنة أبو بكر يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود القرطبي الخزاز شيخ ابن حزم روى عن قاسم بن أصبغ وطائفة وكان عدلا صالحا
سنة ثلاث وأربعمائة
فيها سبق رجل بدوي اسمه فليتة بن القرى الحاج إلى واقصة في ستمائة 166
إنسان من بني خفاجة قبيلته فغور المياه وطرح الحنظل في مصانع البرمكي والريان وغورهما فلما جاء الركب إلى العقبة حبسهم ومنعهم العبور إلا بخمسين ألف دينار فخافوا وضعفوا وعطشوا فهجم الملعون عليهم فلم تكن عندهم منعة وسلموا أنفسهم فاحتوى على الجمال بالأحمال فاستاقها وهلك الركب إلا القليل فقيل أنه هلك خمسة عشر ألف إنسان فأمر فخر الدولة الوزير علي بن مزيد فسار فأدركهم بناحية البصرة فظفر بهم وقتل طائفة كثيرة وأسر والد فليتة والاشتر وأربعة عشر رجلا ووجد أموال الناس قد تمزعت فانتزع ما أمكنه فعطشوا الأسرى على جانب دجلة يرون الماء ولا يسقون حتى هلكوا
وفيها توفي أبو القسم إسماعيل بن الحسن الصرصري بفتح الصادين المهملتين نسبة إلى صرصر قرية على فرسخين من بغداد سمع أبا عبد الله المحاملي وابن عقدة قال البرقاني ثقة صدوق
وفيها بهاء الدولة السلطان أبو نصر بن السلطان عضد الدولة ركن الدولة ابن بويه الديلمي صاحب العراق وفارس توفي بأرجان في جمادى الأولى وله اثنتان وأربعون سنة وكانت أيامه بضعا وعشرين سنة ومات بعلة الصرع وولى بعده ابنه سلطان الدولة فبقي في الملك اثني عشر عاما
وفيها الحسن بن حامد بن علي بن مروان أبو عبد الله البغدادي إمام الجنبلية في زمانه ومدرسهم ومفتيهم قال القاضي أبو يعلى كان ابن حامد مدرس أصحاب أحمد وفقيههم في زمانه وله المصنفات العظيمة منها كتاب الجامع نحو أربعمائة جزء في اختلاف العلماء وكان معظما مقدما عند الدولة وغيرهم وقال غيره روى عن النجاد وغيره وتفقه على أبي بكر عبد العزيز وكان قانعا يأكل من النسخ ويكثر الحج فلما كان في هذا العام حج وعدم فيمن عدم إذ أخذ الركب قاله في العبر وقال القاضي حسين في طبقاته له المصنفات في العلوم المختلفات منها الجامع في المذهب نحو من أربعمائة جزء وله شرح الخرقي 167
وشرح أصول الدين وأصول الفقه سمع أبا بكر بن مالك وأبا بكر الشافعي وأبا بكر النجاد وأبا علي بن الصواف وأحمد بن سلم الحنبلي في آخرين وقال أبو عبد اله بن حامد أعلم عصمنا الله وإياك من كل زلل أن الناقلين عن أبي عبد الله رضي الله عنه ممن سميناهم وغيرهم إثبات فيما نقلوه وأمناء فيما فيما دونوه وواجب تقبل كل ما نقلوه وإعطاء كل رواية حظها على موجبها ولا تعل رواية وإن انفردت ولا ينسب إليه في مسئله رجوع إلا ما وجد ذلك عنه نصا بالصريح وإن نقل كنت أقول به وتركناه فإن عرى عن حد الصريح في الترك والرجوع أقر على موجبه واعتبر حال الدليل فيه لا اعتقاده بمثابة ما اشتهر من روايته وقد رأيت بعض من يزعم أنه منتسب إلى الفقه يلين القول في كتاب إسحق بن منصور ويقول أنه يقال أن أبا عبد الله رجع عنه وهذا قول من لا ثقة له بالمذهب إذ لا أعلم أن أحدا من أصحابنا قال بما ذكره ولا أشار إليه وكتاب ابن منصور أصل بذاته حاله يطابق نهاية شأنه إذ هو في بدايته سؤالات محفوظة ونهايته أنه عرض على أبي عبد الله فاضطرب لأنه لم يكن يقدر أنه لما سأله عنه مدون فما أنكر عليه من ذلك حرفا ولا رد عليه من جواباته جوابا بل أقره على ما نقله واشتهر في حياة أبي عبد الله ذلك بين أصحابه فاتخذه الناس أصلا إلى آخر أوانه ولابن حامد المقام المشهود في أيام القادر بالله بحيث سمع الخليفة الكلام فخرجت الجائزة السنية له من أمير المؤمنين فردها مع حاجته إلى بعضها فضلا عن جميعها تعففا وتنزها
انتهى ما قاله القاضي حسين ملخصا
وفيها القاضي أبو عبد الله الحليمي الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الفقيه الشافعي صاحب التصانيف أخذ عن أبي بكر القفال الشاشي 168
وهو صاحب وجه في المذهب قال ابن قاضي شهبة قال الحاكم أوحد الشافعيين بما وراء النهر وأنظرهم وآدبهم بعد أستاذيه أبوي بكر القفال والأودني وكان مفننا فاضلا له مصنفات مفيدة نقل منها الحافظ أبو بكر البيهقي كثيرا وقال في النهاية كان الحليمي رجلا عظيم القدر لا يحيط بكنه علمه الأغواص ولد سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة ومات في جمادى وقيل في ربيع الأول ومن تصانيفه شعب الإيمان كتاب جليل في نحو ثلاث مجلدات وآيات الساعة وأحوال القيامة فيه معان غريبة لا توجد في غيره
انتهى ما قاله ابن قاضي شهبة ملخصا
وفيها أبو علي الروذباري الحسين بن محمد الطوسي راوي السنن عن ابن داسة توفي في ربيع الأول وأكثر عنه البيهقي
وفيها أبو الوليد الفرضي عبد الله بن محمد بن يوسف القرطبي الحافظ مؤلف تاريخ الأندلس قال ابن عبد البر كان فقيها عالما في جميع فنون العلم في الحديث والرجال قتلته البربر في داره وقال أبو مروان بن حبان وممن قتل يوم فتح قرطبة الفقيه الأديب الفصيح ابن الفرضي وواروه من غير غسل ولا كفن ولا صلاة ولم ير مثله بقرطبة في سعة الرواية وحفظ الحديث والافتنان في العلوم والأدب البارع ولى قضاء بلنسية وكان حسن البلاغة والحفظ وروى أنه تعلق بأستار الكعبة وسأل الله الشهادة قال في العبر وعاش اثنتين وخمسين سنة وقال ابن ناصر الدين كان حافظا من الثقات
وفيها أبو الحسن القابسي علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني الفقيه شيخ المالكية أخذ عن ابن مسرور الدباغ وفي الرحلة عن حمزة الكتاني وطائفة وصنف تصانيف فائقة في الأصول والفروع وكان مع تقدمه في العلوم حافظا صالحا تقيا ورعا حافظا للحديث وعلله منقطع القرين وكان ضريرا
وفيها ابن الباقلاني القاضي أبو بكر بن الطيب بن محمد بن جعفر 169
البصري المالكي الأصولي المتكلم صاحب المصنفات وأوحد وقته في فنه روى عن أبي بكر القطيعي وأخذ علم النظر عن أبي عبد الله بن مجاهد الطائي صاحب الأشعري وكانت له بجامع المنصور حلقة عظيمة قال الخطيب كان ورده في الليل عشرين ترويحة في الحضر والسفر فإذا فرغ منها كتب خمسا وثلاثين ورقة من تصنيفه قاله في العبر وقال ابن الأهدل سيف السنة القاضي أبو بكر محمد بن الطيب المشهور بابن الباقلاني الأصولي الأشعري المالكي مجدد الدين على رأس المائة الرابعة على الصحيح وقيل جدد بأبي سهل الصعلوكي صنف ابن الباقلاني تصانيف واسعة في الرد على الفرق الضالة حكى أن ابن المعلم متكلم الرافضة قال لأصحابه يوما وقد أقبل ابن الباقلاني جاءكم الشيطان فلما جلس ابن الباقلاني قال قال الله تعالى (
ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) وكان ورعا لم تحفظ عنه زلة ولا نقيصة وكان باطنه معمورا بالعبادة والديانة والصيانة وقال الطائي رأيته في النوم بعد موته وعليه ثياب حسنة في رياض خضرة نضرة وسمعته يقرأ (
في عيشة راضية في جنة عالية ) ورأيت قبل ذلك حسن حالهم فقلت من أين جئتم فقالوا من الجنة من زيارة القاضي أبي بكر انتهى ملخصا وقال ابن تيمية القاضي أبو بكر محمد بن الخطيب الباقلاني المتكلم وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده قال في كتاب الإبانة تصنيفه فإن قال قائل فما الدليل على أن الله وجها ويدا قيل له (
ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) وقوله تعالى (
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) فأثبت لنفسه وجها ويدا فإن قال فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة قلنا لا يجب هذا كما لا يجب إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه وتعالى وكما لا يجب في كل شيء كان قائما بذاته أن يكون جوهرا لأنا وإياكم لا نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك وكذلك الجواب لهم إن قالوا فيجب أن يكون علمه وحياته وسمعه وبصره 170
وسائر صفاته عرضا واعتلوا بالوجود قال فإن قال فهل تقولون أنه في كل مكان قيل له معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال (
الرحمن على العرش استوى ) وقال تعالى (
إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) وقال تعالى (
أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) (
أم أمنتم من في السماء ) قال ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة وينقص بنقصانها انتهى ملخصا فرحمه الله تعالى ورضي عنه
وفيها أبو بكر الخوارزمي محمد بن موسى شيخ الحنفية ومن انتهت إليه رياسة المذهب في الآفاق أخذ عن أبي بكر أحمد بن علي الرازي وسمع من أبي بكر الشافعي قال البرقاني سمعته يقول ديننا دين العجايز ولسنا من الكلام في شيء وقال القاضي الصيمري ما شاهد الناس مثل شيخنا أبي بكر الخوارزمي في حسن الفتوى وحسن التدريس دعى إلى القضاء مرة فامتنع وتوفي في جمادى الأولى قاله في العبر
وفيها أبو رماد الرمادي شاعر الأندلس يوسف بن هرون القرطبي الكندي الأديب أخذ عن أبي علي القالي وغيره وكان فقيرا معدما ومنهم من يلقبه بأبي حنيش قال الحميدي في كتاب جذوة المقتبس أظن أحد آبائه كان من أهل رمادة موضع بالمغرب وهو شاعر قرطبي كثير الشعر سريع القول مشهور عند الخاصة والعامة هنالك لسلوكه في فنون كثيرة من المنظوم مسالك نفق عند الكل حتى كان كثير من شيوخ الأدب في وقته يقولون فتح الشعر بكندة وختم بكندة يعنون امرأ القيس ويوسف بن هرون والمتنبي وكانا متعاصرين وصنف كتابا في الطير وسجن مدة ومدح أبا إسمماعيل القالي عند دخوله الأندلس في سنة ثلاثين وثلثمائة بقصيدة طنانة منها
( من حاكم بيني وبين عذولي
الشجو شجوي والعويل عويلي ) 171
( في أي جارحة أصون معذبي
سلمت من التعذيب والتنكيل )
( إن قلت في بصري فثم مدامعي
أو قلت في كبدي فثم غليلي )
( وثلاث شيبات نزلن بمفرقي
فعلمت أن نزولهن رحيلي )
( طلعت ثلاث في نزول ثلاثة
واش ووجه مراقب وثقيل )
( فعزلنني عن صبوتي فلئن ذللت
لقد سمعت بذلة المعزول )
ومنها في المديح
( روض تعاهده السحاب كأنه
متعاهد من عهد إسماعيل )
( قسه إلى الأعراب تعلم أنه
أولى من الأعراب بالتفضيل )
( حازت قبائلهم لغات فرقت
فيهم وحاز لغات كل قبيل )
( فالشرق خال بعده فكأنما
نزل الخراب بربعه المأهول )
( فكأنه شمس بدت في غربنا
وتغيبت عن شرقهم بأفول )
( يا سيدي هذا ثنائي لم أقل
زورا ولا عرضت بالتنويل )
( من كان يأمل نائلا فأنا امرؤ
لم أرج غير القرب من تأميلي )
وله في غلام ألثغ من جملة أبيات قوله
( لا الراء تطمع في الوصال ولا أنا
الهجر يجمعنا فنحن سواء )
( فإذا خلوت كتبتها في راحتي
وبكيت منتحبا أنا والراء )
وله فيه أيضا
( أعد لثغة في الراء لو أن واصلا
تسمعها ما أسقط الراء واصل )
وقال ابن بشكوال في كتاب الصلة يوسف بن هرون الرمادي الشاعر من أهل قرطبة يكنى أبا عمر كان شاعر أهل الأندلس المشهور المقدم ذكره على الشعراء روى عن أبي علي البغدادي يعني القالي كتاب النوادر من تأليفه وقد أخذ عنه أبو عمر بن عبد البر قطعة من شعره رواها عنه وضمنها بعض تآليفه قال 172
ابن حبان وتوفي يوم العنصرة فقيرا معدما ودفن بمقبرة كلع
انتهى كلامه ويوم العنصرة رابع عشرى حزيران وهو موسم للنصارى مشهور ببلاد الأندلس وفي هذا اليوم حبس الله الشمس على يوشع بن نون عليه السلام وفيه ولد يحيى بن زكريا عليهما السلام
سنة أربع وأربعمائة
فيها توفي أبو الفضل السليماني الحافظ وهو أحمد بن علي بن عمر البيكندي نسبة إلى بيكند بلد على مرحلة من بخارى البخاري محدث تلك الديار طوف وسمع الكثير وأكثر عن علي بن إسحق المادراني والأصم وطبقتهما وجمع وصنف قال ابن ناصر الدين كان إماما حافظا من الثقات وتوفي في ذي القعدة وله ثلاث وتسعون سنة
وفيها أبو الطيب الصعلوكي سهل بن الإمام أبي سهل محمد بن سليمان العجلي النيسابوري الشافعي مفتي خراسان ومجدد القرن الرابع على قول روى عن الأصم وجماعة قال الحاكم هو أنظر من رأينا وقال ابن خلكان كان أبو الطيب المذكور مفتي نيسابور وابن مفتيها أخذ الفقه عن أبيه أبي سهل الصعلوكي وكان في وقته يقال له الإمام وهو متفق عليه عديم المثل في علمه وديانته وسمع أباه ومحمد بن يعقوب الأصم وابن مسطور وأقرانهم وكان فقيها أديبا متكلما خرجت له الفوائد من سماعاته وقيل أنه وضع له في المجلس أكثر من خمسمائة محبرة وجمع رياسة الدنيا والآخرة وأخذ عنه فقهاء نيسابور وتوفي في المحرم قال عبد الواحد اللخمي أصاب سهل الصعلوكي رمد فكان الناس يدخلون عليه وينشدونه من النظم ويروون من الآثار ما جرت العادة به فدخل الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي وقال أيها الإمام لو أن عينيك رأتا وجهك لما رمدت فقال له الشيخ سهل ما سمعت بأحسن من هذا الكلام وسر به ولمامات والده كتب إليه أبو النصر عبد الجبار يعزيه في والده رحمه الله تعالى 173
( من مبلغ شيخ أهل العلم قاطبة
عني رسالة محزون وأواه )
( أولى البرايا بحسن الصبر ممتحنا
من كان فتياه توقيعا عن الله )
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا وقال ابن قاضي شهبة نقل عنه الرافعي وعن والده أنهما قالا أن طلاق السكران لا يقع وسئل سهل عن الشطرنج فقال إذا سلم المال من الخسران والصلاة من النسيان فذلك أنس بين الأخوان وكتبه سهل بن محمد بن سليمان وله إلى عبد القيس أحمد بن إبراهيم بن أحمد ابن فراس المكي العطار مسند الحجاز في وقته وله ثلاث وتسعون سنة تفرد بالسماع عن محمد بن إبراهيم الديبلي وغيره
وفيها كما قال ابن الجوزي في شذور العقود بدر بن خسنويه الكردي من أمراء الجبل لقبه القادر ناصر الدولة وعقد له لواءا وكان يبر العلماء والزهاد والأيتام وكان يتصدق كل جمعة بعشرة آلاف درهم ويصرف إلى الأساكفة والحذائين بين همذان وبغداد ليقيموا للمنقطعين من الحاج الأحذية ثلاثة 174
آلاف دينار ويصرف إلى أكفان الموتى كل شهر عشرين ألف درهم واستحدث في أعماله ثلاثة آلاف مسجد وخان للغرباء وكان ينقل للحرمين كل سنة مصالح الطريق مائة ألف دينار ثم يرتفع إلى خزانته بعد المؤن والصدقات عشرون ألف ألف درهم انتهى
وفيها بكر بن شاذان أبو القسم البغدادي الواعظ الزاهد قرأ على زيد بن أبي بلال الكوفي وجماعة وحدث عن ابن قانع وجماعة قال الخطيب كان عبدا صالحا توفي في شوال قال الذهبي وقرأ عليه جماعة
وفيها أبو علي بن خمكان الحسن بن الحسين بن حمكان بحاء مهملة بعدها ميم مفتوحتان وكاف الهمداني الفقيه الشافعي نزيل بغداد روى عن عبد الرحمن بن حمدان الجلاب وجعفر الخلدي وطبقتهما وعنى بالحديث والفقه قال ابن قاضي شهبة روى عنه أنه قال كتبت بالبصرة عن أربعمائة وسبعين شيخا وروى عنه أبو القسم الأزهري وكان يضعفه ويقول ليس بشيء في الحديث قال ابن كثير له كتاب في مناقب الشافعي ذكر فيه مذاهب كثيرة وأشياء تفرد بها وكنت قد كتبت منه شيئا في ترجمة الإمام فلما قرأتها على شيخنا أبي الحجاج المزي أمرني أن أضرب على أكثرها لضعف ابن حمكان انتهى
وفيها أبو الحسن المجبر أحمد بن محمد بن موسى بن القسم بن الصلت البغدادي روى عن إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي وأبي بكر بن الأنباري وجماعة كثيرة ضعفه البرقاني وغيره وتوفي في رجب وله إحدى وتسعون سنة
وفيها أبو محمد بن الأكفاني قاضي القضاة عبد الله بن محمد الأسدي البغدادي حدث عن المحاملي وابن عقدة وخلق قال أبو إسحق إبراهيم بن أحمد الطبري من قال أن أحدا أنفق على أهل العلم مثله فقد كذب أنفق على أهل العلم مائة ألف دينار وقال الذهبي ولى قضاء العراق سنة ست وتسعين وعاش تسعا وثمانين سنة 175
وفيها الإدريسي الحافظ أبو سعد عبد الرحمن بن محمد بن محمد الاستراباذي نزيل سمرقند ومحدثها ومؤرخها سمع الأصم فمن بعده والف الأبواب والشيوخ وقال ابن ناصر الدين هو عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عبد الله بن الحسن ابن منوبه أبو سعد الاستراباذي محدث سمرقند ومصنف تاريخها وتاريخ بلده كان حافظا متقنا راسخا مؤلفا انتهى
وفيها أبو علي الحسن بن أحمد بن محمد بن الليث أبو علي الشيرازي الكشي المقري الفقيه الشافعي كان حافظا ناقدا قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو نصر بن نباتة التميمي السعدي عبد العزيز بن عمر بن محمد بن أحمد ابن نباتة بن حميد بن نباتة بن الحجاج بن مطر بن خالد بن عمرو بن رباح بن سعد كان شاعرا مجيدا جمع بين حسن السبك وجودة المعنى وكان يعاب بكبر فيه طاف البلاد ومدح الملوك والوزراء والرؤساء وله في سيف الدولة غرر القصائد ونخب المدائح وكان قد أعطاه فرسا أدهم أغر محجلا فكتب إليه
( يا أيها الملك الذي أخلاقه
من خلقه ورواؤه من رأيه )
( قد جاء بالطرف الذي أهديته
هاديه يعقد أرضه بسمائه )
( أولاية أوليتها فبعثته
رمحا سبيب العرف عقد لوائه )
( نحتل منه على أغر محجل
ماء الدجنة قطرة من مائه )
( وكأنما لطم الصباح جبينه
فاقتص منه فخاض في أحشائه )
( متمهلا والبرق في أسمائه
متبرقعا والحسن من أكفائه )
( ما كانت النيران يكمن جرها
لو كان للنيران بعض ذكائه )
( لا تغلق الألحاظ في إعطافه
إلا إذا كفكفت من غلوائه )
( لا يكمل الطرف المحاسن كلها
حتى يكون الطرف من اسرائه )
وله فيه أيضا من قصيدة 176
( قد جدت لي باللها حتى ضجرت بها
وكدت من ضجري أثني على البخل )
( إن كنت ترغب في أخذ النوال لنا
فاخلق لنا رغبة أولا فلا تنل )
( لم يبق جودك لي شيئا أؤمله
تركتني أصحب الدنيا بلا أمل )
ومعظم شعره جيد وله ديوان كبير وجرى له مع ابن العميد أشياء تقدم ذكر شيء منها في ترجمته وتوفي يوم الأحد بعد طلوع الشمس ثالث شوال ودفن في مقبرة الخيزران ببغداد وقال أبو الحسن محمد بن نصر البغدادي عدت ابن نباتة في اليوم الذي توفي فيه فأنشدني
( متع لحاظك من خل تودعه
فما أخالك بعد اليوم بالواري )
وودعته وانصرفت فأخبرت في طريقي أنه توفي وقال أبو علي محمد بم وشاح سمعت ابن نباتة يقول كنت يوما قائلا في دهليزي فدق على الباب فقلت من فقال رجل من أهل الشرق فقلت ما حاجتك فقال أنت القائل
( ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تنوعت الأسباب والداء واحد )
فقلت نعم فقال أرويه عنك فقلت نعم فمضى فلما كان آخر النهار دق على الباب فقلت من فقال رجل من أهل تاهرت من المغرب فقلت ما حاجتك فقال أنت القائل ومن لم يمت بالسيف البيت فقلت نعم وعجبت كيف وصل شعري إلى الشرق والغرب
وفيها أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدون بن نعيم بن البيع الضبي الطهماني النيسابوري الحافظ الكبير ولد سنة إحدى وعشرين وثلثمائة واعتنى به أبوه فسمعه في صغره ثم هو بنفسه وكتب عن نحو ألفي شيخ وحدث عن الأصم وعثمان بن السماك وطبقتهما وقرأ القراءات على جماعة وبرع في معرفة الحديث وفنونه وصنف التصانيف الكثيرة وانتهت إليه رياسة الفن بخراسان لا بل بالدنيا وكان فيه تشيع وحط على معوية وهو ثقة حجة قاله في العبر وقال ابن ناصر الدين له مصنفات كثيرة منها المستدرك على 177
الصحيحين وهو صدوق من الإثبات لكن فيه تشيع وتصحيح واهيات انتهى وقال ابن قاضي شهبة طلب العلم في صغره وأوله سماعه سنة ثلاثين ورحل في طلب الحديث وسمع على شيوخ يزيدون على ألفي شيخ وتفقه على ابن أبي هريرة وأبي سهل الصعلوكي وغيرهم أخذ عنه الحافظ أبو بكر البيهقي فأكثر عنه وبكتبه تفقه وتخرج ومن بحره استمد وعلى منواله مشى وبلغت تصانيفه ألفا وخمسمائة جزء قال الخطيب البغدادي كان ثقة وكان يميل إلى التشيع قال الذهبي هو معظم للشيخين بيقين ولذي النورين وإنما تكلم في معاوية فأوذي قال وفي المستدرك جملة وافرة على شرطهما وجملة وافرة على شرط أحدهما لكن مجموع ذلك نصف الكتاب وفيه نحو الربع مما صح سنده وفيه بعض الشيء معلل وما بقي وهو الربع مناكير وواهيات لا تصح وفي ذلك بعض موضوعات قد علمت عليها لما اختصرته توفي فجاءة بعد خروجه من الحمام في صفر وقد أطنب عبد الغافر في مدحه وذكر فضائله وفوائده ومحاسنه إلى أن قال مضى إلى رحمة الله ولم يخلف بعده مثله وقد ترجمه الحافظ أبو موسى المديني في مصنف مفرد انتهى كلام ابن شهبة ملخصا وقال ابن خلكان والبيع بفتح الباء الموحدة وكسر الياء المثناة من تحتها وتشديدها وبعدها عين مهملة وإنما عرف بالحاكم لتقليده القضاء انتهى
وفيها ابن كج القاضي أبو القسم يوسف بن أحمد بن كج بفتح الكاف وتشديد الجيم وهو في اللغة اسم للجص الذي يبيض به الحيطان الكجي نسبة إلى جده هذا الدينوري صاحب الإمام أبي الحسين بن القطان وحضر مجلس الداركي ومجلس القاضي أبي حامد المروزي انتهت إليه الرياسة ببلدة في المذهب ورحل الناس إليه رغبة في علمه وجوده وكان يضرب به المثل في حفظ المذهب وحكى السمعاني أن الشيخ أبا علي السبخي انصرف من عند الشيخ أبي حامد 178
واجتاز به فرأى علمه وفضله فقال له يا أستاذ الاسم لأبي حامد والعلم لك فقال ذاك رفعته بغداد وحطتني الدينور قتله العيارون ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان وكان يضرب به المثل في حفظ مذهب الشافعي وكان أيضا محتشما جوادا ممدحا وهو صاحب وجه ومن تصانيفه التجريد قال في المهمات وهو مطول وقد وقف عليه الرافعي
سنة ست وأربعمائة
فيها توفي الشيخ أبو حامد الاسفرائيني أحمد بن أبي طاهر محمد بن أحمد الفقيه شيخ العراق وإمام الشافعية ومن إليه انتهت رياسة المذهب قدم بغداد صبيا فتفقه على ابن المرزبان وأبي القسم الداركي وصنف التصانيف وطبق الأرض بالأصحاب وتعليقته في نحو خمسين مجلدا وكان يحضر درسه سبعمائة فقيه توفي في شوال وله اثنتان وستون سنة وقد حدث عن أبي أحمد بن عدي وجماعة قاله في العير وقال ابن شهبة ولد سنة أربع وأربعين وثلثمائة واشتغل بالعلم قال سليم وكان يحرس في درب وكان يطالع الدرس على زيت الحرس وأفتى وهو ابن سبع عشرة سنة وقدم بغداد سنة أربع وستين فتفقه على ابن المرزباني والداركي وروى الحديث عن الدار قطني وأبي بكر الإسماعيلي وأبي أحمد بن عدي وجماعة وأخذ عن الفقهاء والأئمة ببغداد وشرح المختصر في تعليقته التي هي في خمسين مجلدا ذكر فيها خلاف العلماء وأقوالهم ومآخذهم ومناظرتهم حتى كان يقال له الشافعي وله كتاب في أصول الفقه قال الشيخ أبو إسحق انتهت إليه رياسة الدين والدنيا ببغداد وجمع مجلسه ثلثمائة متفقه واتفق الموافق والمخالف على تفضيله وتقديمه في جودة الفقه وحسن النظر ونظافة العلم وقال الخطيب أبو بكر حدثونا عنه وكان ثقة وقد رأيته وحضرت تدريسه وسمعت من يذكر أنه كان يحضر درسه سبعمائة فقيه وكان الناس يقولون 179
لو رآه الشافعي لفرح به توفي في شوال ودفن في داره ثم نقل سنة عشر وأربعمائة إلى باب حرب
انتهى ما أورده ابن شهبة ملخصا
وفيها أبو مناد باديس بن منصور بن بلكين بن زيري بن مناد الحميري الصنهاجي المغربي الملك متولي إفريقية للحاكم العبيدي وكان ملكا حازما شديد البأس إذا هز رمحا كسره ومات فجأة وقام بعده ابنه المعز قال ابن خلكان وكانت ولايته بعد أبيه المنصور وكان مولده ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة أربع وسبعين وثلثمائة بأشير ولم يزل على ولايته وأموره جارية على السداد ولما كان يوم الثلاثاء تاسع عشرى ذي القعدة سنة ست وأربعمائة أمر جنوده بالعرض فعرضوا بين يديه وهو في قبة الإسلام جالس إلى وقت الظهر وسره حسن عسكره وبهجة زينتهم وما كانوا عليه وانصرف إلى قصره ثم ركب عشية ذلك النهار في أجمل مركوب ولعب الجيش بين يديه ثم رجع إلى قصره شديد السرور بما رآه من كمال حاله وقدم السماط فأكل مع خاصته وحاضري مائدته ثم انصرفوا عنه وقد رأوا من سروره ما لم يروه منه قط فلما مضى مقدار نصف الليل من ليلة الأربعاء سلخ القعدة قضى نحبه رحمه الله تعالى فأخفوا أمره ورتبوا أخاه كرامة بن المنصور ظاهرا حتى وصلوا إلى ولده المعز فولوه وتم له الأمر وذكر في كتاب الدول المنقطعة أن سبب موته أنه قصد طرابلس ولم يزل على قرب منها عازما على قتالها وحلف أن لا يرحل عنها إلى أن يعيدها فدنا للزراعة فاجتمع أهل البلد إلى المؤدب محرز وقالوا يا ولي الله قد بلغك ما قاله باديس فادع الله أن يزيل عنا بأسه فرفع يديه إلى السماء وقال يا رب باديس اكفنا باديس فهلك في ليلته بالذبحة والصنهاجي بضم الصاد المهملة وكسرها وسكون النون وبعد الألف جيم نسبة إلى صنهاجة قبيلة مشهورة من حمير وهي بالمغرب قال ابن دريد صنهاجة بضم الصاد لا يجوز غير ذلك انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا 180
وفيها أبو علي الدقاق الحسن بن علي النيسابوري الزاهد العارف شيخ الصوفيه توفي في ذي الحجة وقد روى عن ابن حمدان وغيره قال الشيخ عبد الرؤف المناوي في كتابه الكواكب الدرية في تراجم الصوفيه ما ملخصه الحسن بن علي الأستاذ أبو علي الدقاق النيسابوري الشافعي لسان وقته وإمام عصره كان فارها في العلم متوسطا في الحلم محمود السيرة مجهود السريرة جنيدي الطريقة سري الحقيقة أخذ مذهب الشافعي عن القفال والحصري وغيرهما وبرع في الأصول وفي الفقه وفي العربية حتى شدت إليه الرحال في ذلك ثم أخذ في العمل وسلك طريق التصوف وأخذ عن النصراباذي قال ابن شهبة وزاد عليه حالا ومقالا وعنه القشيري صاحب الرسالة واه كرامات ظاهرة ومكاشفات باهرة قيل له لم زهدت في الدنيا قال لما زهد في أكثرها أنفت عن الرغبة في أقلها قال الغزالي وكان زاهد زمانه وعالم أوانه وأتاه بعض أكابر الأمراء فقعد على ركبتيه بين يديه وقال عظني فقال أسألك عن مسئلة وأريد الجواب بغير نفاق فقال نعم فقال أيما أحب إليك المال أو العدو قال المال قال كيف تترك ما تحبه بعدك وتستصحب العدو الذي لا تحبه معك فبكى وقال نعم الموعظة هذه ومن كلامه من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس وقال من علامة الشوق تمني الموت على بساط العوافي كيوسف لما ألقي في الجب ولما أدخل السجن لم يقل توفني ولما تم له الملك والنعمة قال توفني
وكان كثيرا ما ينشد
( أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت
ولم تخف شر ما يأتي به القدر )
( وسالمتك الليالي فاغتررت بها
وعند صفو الليالي يحدث الكدر )
وقال صاحب الحزن يقطع من الطريق في شهر ما لا يقطعه غيره في عام وقال السماع حرام على العوام لبقاء نفوسهم مباح للزهاد لحصول مجاهداتهم مستحب لأصحابنا لحياة قلوبهم وقال لو بن وليا لله مر ببلدة للحق أهلها بركة 181
مروره حتى يغفر لجاهلهم وقال قال رجل لسهل أريد أن أصحبك قال إذا مات أحدنا فمن يصحب الباقي قال الله قال فاصحبه الآن انتهى ما أورده المناوي
وفيها أبو القسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري الطيب روى عن محمد بن أحمد بن دلويه صاحب البخاري وأبي حامد بن بلال وجماعة وتفرد بالسماع من غير واحد توفي يوم النحر عن سن عالية
وفيها أبو أحمد الفرضي عبيد الله بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي مسلم المقرئ شيخ بغداد قرأ على أحمد بن بويان وسمع من يوسف البهلول الأزرق والمحاملي قال الخطيب كان ثقة ورعا دينا وقال العتيقي ما رأينا في معناه مثله وقال الأزهري إمام من الأئمة وقال الذهبي عاش اثنتين وثمانين سنة
وفيها أبو الهيثم عتبة بن خيثمة التميمي النيسابوري القاضي شيخ الحنفية بخراسان كان عديم النظير في الفقه والفتوى تفقه على أبي الحسين قاضي الحرمين وأبي العباس التبال وسمع لما حج من أبي بكر الشافعي وجماعة وولى نيسابور تسع سنين
وفيها الإمام أبو بكر بن فورك بضم الفاء وفتح الراء الأستاذ محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني المتكلم صاحب التصانيف في الأصول والعلم روى مسند الطيالسي عن أبي محمد بن فارس وتصدر للإفادة بنيسابور وكان ذا زهد وعبادة وتوسع في الأدب والكلام والوعظ والنحو قال الأسنوي في طبقاته أقام بالعراق مدة يدرس ثم توجه إلى الري فسمعت به المبتدعة فراسله أهل نيسابور والتمسوا منه التوجه إليهم ففعل وورد نيسابور فبنى له بها مدرسة دار فأحيا الله تعالى به أنواعا من العلوم وظهرت بركته على المتفقهة وبلغت 182
مصنفاته قريبا من مائة تصنيف ثم دعى إلى مدينة غزنة من الهند وجرت له بها مناظرات عظيمة فلما رجع إلى نيسابور رسم في الطريق فمات فنقل إلى نيسابور فدفن بها ونقل عن ابن حزم أن السلطان محمود بن سبكتكين قتله لقوله أن نبينا ليس هو رسول الله اليوم لكنه كان رسول الله
انتهى كلام الأسنوي ملخصا
وفيها الشريف الرضي نقيب العلويين أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد الحسيني الموسوي البغدادي الشيعي الشاعر المفلق الذي يقال أنه أشعر قريش ولد سنة تسع وخمسين وثلثمائة وابتدأ بنظم الشعر وله عشر سنين وكان مفرط الذكاء له ديوان في أربع مجلدات وقيل أنه حضر مجلس أبي سعيد السيرافي فسأله ما علامة النصب في عمر فقال بغض على فعجبوا من حدة ذهنه ومات أبوه في سنة أربعمائة أو بعدها وقد نيف على التسعين وأما أخوه الشريف المرتضى فتأخر قاله في العبر وقال ابن خلكان ذكره الثعالبي في اليتيمة فقال ابتدأ بقول الشعر بعد أن جاوز عشر سنين بقليل وهو اليوم أبدع أبناء الزمان وأنجب سادات العراق يتحلى مع محتده الشريف ومفخره المنيف بأدب ظاهر وفضل باهر وحظه من جميع المحاسن وافر ثم هو أشعر الطالبيين من مضى منهم ومن غبر على كثرة شعرائهم المفلقين ولو قلت أنه أشعر قريش لم أبعد عن الصدق ويشهد بما أخبرته شاهد عدل من شعره العالي القدح الممتنع عن القدح الذي يجمع إلى السلامة متانة وإلى السهولة رصانة ويشتمل على معان يقرب جناها ويبعد مداها وكان أبوه يتولى قديما نقابة الطلبيين ويحكم فيهم أجمعين والنظر في المظالم والحج بالناس ثم ردت هذه الأعمال كلها إلى ولده المذكور في سنة ثلاث وثمانين وثلثمائة وأبوه حي ومن غرر شعره ما كتبه إلى الإمام القادر بالله من جملة قصيدة 183
( عطفا أمير المؤمنين فإننا
في دوحة العلياء لا نتفرق )
( ما بيننا يوم الفخار تفاوت
أبدا كلانا في المعالي معرق )
( إلا الخلافة بينتك فإنني
أنا عاطل منها وأنت مطوق )
ومن قوله أيضا
( رمت المعالي فامتنعن ولم يزل
أبدا يمانع عاشقا معشوق )
( فصبرت حتى نلتهن ولم أقل
ضجرا دواء الفارك التطليق )
وله من جملة أبيات
( يا صاحبي قفالي واقضيا وطرا
وحدثاني عن نجد بأخبار )
( هل روضت قاعة الوعساء أم مطرت
خميلة الطلح ذات البان والغار )
( أم هل أبيت ودار دون كاظمة
داري وسمار ذاك الحي سماري )
( تضوع أرواح نجد من ثيابهم
عند القدوم لقرب العهد بالدار )
وذكر ابن جني أنه تلقن القرآن بعد أن دخل في السن فحفظه في مدة يسيرة وصنف كتابا في معاني القرآن فجاء نادرا في بابه وقد عنى بجمع ديوانه جماعة وأجود ما جمع الذي جمعه أبو حكيم الحيري وحكى أن بعض الأدباء اجتاز بدار الشريف الرضي بسر من أرى وهو لا يعرفها وقد أخنى عليها الزمان وذهبت بهجتها وأخلقت ديباجتها وبقايا رسومها تشهد لها بالنضارة وحسن البشارة فوقف عليها متعجبا من صروف الزمان وطوارق الحدثان وتمثل بقول الشريف الرضي المذكور
( ولقد وقفت على ربوعهم
وطلولها بيد البلى نهب )
( فبكيت حتى ضج من لغب
نضوى وعج بعذلي الركب )
( وتلفتت عيني فمذ خفيت
عنها الطلول تلفت القلب ) 184
فمر به شخص فسمعه ينشد الأبيات فقال هل تعرف هذه الدار لمن قال لا قال هذه الدار لقائل هذه الأبيات الشريف الرضي فتعجب من حسن الاتفاق وكانت ولادة الرضي سنة تسع وخمسين وثلثمائة ببغداد وتوفي بكرة يوم الخميس سادس المحرم وقيل صفر سنة ست وأربعمائة ببغداد ودفن في داره بخط مسجد الأنباريين بالكرخ وخربت الدار ودثر القبر ومضى أخوه المرتضى أبو القسم علي إلى مشهد موسى بن جعفر لأنه لا يستطيع أن ينظر إلى تابوته وصلى عليه الوزير فخر الملك في الدار مع جماعة كثيرة
انتهى ما أورد ابن خلكان ملخصا
وفيها كما قال ابن ناصر الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الوهاب الاسفرائيني كان حافظا زائدا بالحفظ على أقرانه قال في بديعة البيان
( محمد بن أحمد ذاك أبو
بكر وفا تحفظا فقربوا )
سنة سبع وأربعمائة
فيها كما قال في الشذور ورد الخبر بتشعث الركن اليماني من البيت الحرام وسقوط حائط بين يدي قبر النبي ووقوع القبة الكبير التي على الصخرة ببيت المقدس
وفيها توفي أبو بكر الشيرازي أحمد بن عبد الرحمن الحافظ مصنف كتاب الألقاب كان أحد من عنى بهذا الشأن وأكثر الترحال في البلدان ووصل بلاد الترك وسمع من الطبراني وطبقته قال عبد الرحمن بن مندة مات في شوال
وفيها أبو سعيد الخركوشي بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وضم الكاف آخره معجمة نسبة إلى خركوش سكة بنيسابور عبد الملك بن أبي عثمان النيسابوري الواعظ القدوة صنف كتاب الزهد وكتاب دلائل النبوة وغير ذلك قال الحاكم لم أر أجمع منه علما وزهدا وتواضعا وإرشادا إلى اله زاده الله 185
توفيقا وأسعدنا بأيامه وقال الذهبي روى عن حامد الرفا وطبقته وتوفي في جمادى الأولى
وفيها أبو الفضل الفلكي علي بن الحسين بن أحمد بن الحسن بن القسم بن الحسن بن علي الهمداني كان حافظا بارعا متقنا لهذا الشأن له كتاب المنتهى في الكمال في معرفة الرجال كتبه في ألف جزء ولم يبيضه فيما يقال قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو عبد الله محمد بن أحمد بن شاكر القطان مؤلف فضائل الشافعي توفي في المحرم روى عن عبد الله بن الورد وطائفة
وفيها أبو الحسين المحاملي محمد بن أحمد بن القسم بن إسماعيل الضبي البغدادي الفقيه الشافعي الفرضي شيخ سليم الرازي روى عن إسماعيل الصفار وطائفة
وفيها الوزير فخر الملك أبو غالب بن الصيرفي محمد بن علي بن خلف وزير بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة بن بويه وبعد وفاته وزر لولده سلطان الدولة أبي شجاع فناخسرو ولد فخر الملك بواسط يوم الخميس ثاني عشرى شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وثلثمائة وكان من أعظم وزراء آل بويه على الإطلاق بعد ابن العميد والصاحب بن عباد وكان أبوه صيرفيا وكان هو واسع النعمة فسيح مجال الهمة جم الفضائل والأفعال جزيل العطايا والنوال قصده جماعة من أعيان الشعراء ومدحوه بنخب المدائح منهم مهيار الديلمي وأبو نصر بن نباتة السعدي له فيه قصائد مختارة منها قصيدته النونية التي من جملتها
( لكل فتى قرين حين يسمو
وفخر الملك ليس له قرين )
( أنخ بجنابه واحكم عليه
بما أملته وأنا الضمين )
قال بعض علماء الأدب مدح بعض الشعراء فخر الملك بعد هذه القصيدة فأجازه إجازة لم يرضها فجاء إلى ابن نباتة وقال أنت غريتني وأنا مدحته إلا ثقة بضمانك 186
فأعطني ما يليق بقصدي فأعطاه من عدنه شيئا رضي به فبلغ ذلك فخر الملك فسير لابن نباتة جملة مستكثرة لهذا السبب ومدائح فخر الملك مستكثرة ولأجله صنف أبو بكر محمد بن الحاسب الكرجي كتاب الفخري في الجبر والمقابلة وكتاب الكافي في الحساب ورفع إليه رجل شيخ رقعة يسعى فيها بهلاك شخص فكتب فخر الملك في ظهرها السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها أكثر من الربح ومعاذ الله أن نقبل من مهتوك في مستور ولولا أنك في خفارة من شيبك لقابلناك بما يشبه مقالك ونردع به أمثالك فاكتم هذا العيب واتق من يعلم الغيب والسلام ومحاسن فخر الملك كثيرة ولم يزل في عزه وجاهه وحرمته إلى أن نقم عليه مخدومه سلطان الدولة لسبب اقتضى ذلك فحبسه ثم قتله بسفح جبل قريب من الأهواز يوم السبت سابع عشرى ربيع الأول وقيل آخره ودفن هناك ولم يستقص دفنه فنبشت الكلاب قبره وأكلته ثم أعيد دفن رمته فشفع فيه بعض أصحابه فنقلت عظامه إلى مشهد هناك فدفنت في السنة التي ب أبو الحسن أحمد بن عبد العزيز بن أحمد التميمي البغدادي في ذي القعدة بمصر وله إحدى وتسعون سنة روى عن المحاملي ومحمد بن مخلد وله جزء واحد رواه عنه الصوري والحبال
وفيها عطية بن سعيد الأندلسي القفصي بفتح القاف وسكون الفاء نسبة إلى قفصة بلدة في طرف إفريقية كنيته أبو محمد كان حافظا صوفيا زاهدا علامة مكثرا خيرا قاله ابن ناصر الدين
وفيها ابن البيع أبو محمد عبد الله بن عبيد الله بن يحيى البغدادي المؤدب صاحب المحاملي وثقه الخطيب ومات في رجب
وفيها اليزدي أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر الجرجاني محدث أصبهان روى عن محمد بن الحسين القطان والأصم وطبقتهما وتوفي في رجب
وفيها أبو الفضل الخزاعي محمد بن محمد بن جعفر بن عبد الكريم الجرجاني المقرئ مصنف كتاب الواضح وكان كثير التطواف في طلب القراءات أخذ عن الحسن بن سعيد المطوعي وطبقته وكان غير ثقة ولا صادق قاله في العبر
وفيها أبو عمر البسطامي محمد بن الحسين بن محمد بن الهيثم الفقيه الشافعي قاضي نيسابور وشيخ الشافعية بها رحل وسمع الكثير ودرس المذهب وأملى على الطبراني وطبقته قال ابن شهبة سمع بالعراق والأهواز وأصبهان وسجستان وأملى وحدث وأقرأ المذهب وكان في ابتداء أمره يعقد مجلس الوعظ والتذكير ثم تركه وأقبل على التدريس والمناظرة والفتوى ثم ولى قضاء نيسابور سنة ثمان وثمانين وثلثمائة فأظهر أهل الحديث من الفرح والاستبشار ما يطول شرحه وكان نظير سهل الصعلوكي حشمة وجاها وعلما فصاهره سهل وجاء بينهما جماعة سادة فضلاء توفي في ذي القعدة سنة ثمان وقيل سبع وأربعمائة انتهى 188
سنة تسع وأربعمائة
فيها قرئ في الموكب كتاب بمذاهب السنة وقيل فيه من قال أن القرآن مخلوق فهو كافر حلال الدم قاله في الشذور
وفيها توفي أبو الحسين بن المتيم أحمد بن محمد بن أحمد بن حماد البغدادي الواعظ في جمادى الآخرة له جزء مشهور روى عن المحاملي وجماعة
وفيها ابن الصلت الأهوازي أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن هرون بن الصلت ولد سنة أربع وعشرين وثلثمائة وسمع من المحاملي وابن عقدة وجماعة وهو ثقة
وفيها عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مامويه الشيخ أبو محمد المعروف بالأصبهاني وإنما هو أردستاني بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح المهملة فسكون المهملة ففتح الفوقية نسبة إلى أردستان بلد قرب أصفهان وقيل هو بكسر الهمزة نزل نيسابور وكان من كبار الصوفية وثقات المحدثين الرحالة روى عن أبي سعيد بن الأعرابي ومحمد بن الحسين القطان وجماعة وتوفي في رمضان وله أربع وتسعون سنة
وفيها عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان الأزدي المصري السمرقندي صاحب التصانيف كان ثقة صاحب سنة حافظا علامة من تآليفه كتاب المؤتلف والمختلف مات في سابع صفر وله سبع وسبعون سنة روى عن عثمان بن محمد السمرقندي وإسماعيل بن الجراب والدار قطني وطبقتهم ورحل إلى الشام فسمع من الميانجي وطبقته وكان الدار قطني يفخم أمره ويرفع ذكره ويقول كأنه شعلة نار وكان منصور الطرسوسي خرجنا نودع الدار قطني بمصر فبكينا فقال تبكون وعندكم عبد الغني وفيه الخلف وقال البرقاني ما رأيت بعد الدار قطني أحفظ من عبد الغني وقال ابن خلكان انتفع به خلق كثير وكانت بينه وبين أبي أسامة جنادة اللغوي وأبي علي المقري 189
الأنطاكي مودة أكيدة واجتماع في دار الكتب ومذاكرات فلما قتلهما الحاكم صاحب مصر استتر بسبب ذلك الحافظ عبد الغني خوفا أن يلحق بهما لاتهامه بمعاشرتهما وأقام مستخفيا مدة حتى حصل له الأمن فظهر وقال أبو الحسن علي بن بقا كاتب الحافظ عبد الغني سمعت الحافظ عبد الغني يقول رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان معاوية بن عبد الكريم الضال لم يكن ضالا وإنما ضل في طريق مكة وعبد الله بن محمد الضعيف كان ضعيفا في جسمه لا في حديثه انتهى ملخصا
وفيها القسم بن أبي المنذر الخطيب أبو طلحة القزويني راوي سنن ابن ماجه عن أبي الحسن القطان عنه توفي في هذا العام أو في الذي بعده
سنة عشر وأربعمائة
فيها كما قال في الشذور ورد إلى القادر كتاب من عين الدولة محمود بن سبكتكين يذكر ما افتتحه من بلاد الهند فيه أني فتحت قلاعا وحصونا وأسلم زهاء عشرين ألفا من عباد الأوثان وسلموا قدر ألف ألف درهم من الورق وبلغ عدد الهالكين منهم خمسين ألفا ووافى العبد مدينة لهم عاين فيها زهاء ألف قصر مشيد وألف بيت للأصنام ومبلغ ما في الصنم ثمانية وتسعون ألف مثقال وثلثمائة مثقال وقلع من الأصنام الفضة زيادة على ألف صنم فحصل منهم عشرون ألف ألف درهم وأفرد خمس الرقيق فبلغ ثلاثة وخمسين ألفا واستعرض ثلثمائة وستة وخمسين فيلا
انتهى
وقال الذهبي وكان جيشه ثلاثين ألف فارس سوى الرجالة والمطوعة وقال ابن الأهدل فتح ما لم يبلغه أحد في الإسلام وبنى فيها أي الهند مساجد وكسر الضنم المشهور بسر منات وهو عند كفرة الهند يحيى ويميت ويقصدونه لأنواع العلل ومن لم يشف منهم احتج بالذنب وعدم الإخلاص ويزعمون أن الأرواح إذا فارقت 190
الأجساد اجتمعت إليه على مذهب أهل التناسخ ويتركها فيمن شاء وإن مد البحر وجزره عبادة له ويتحفه كل ملوك الهند والسند بخواص ما عندهم حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية وخدمه من البراهمة ألف رجل وثلثمائة يحلقون رءوسهم ولحاهم عند الورود وثلثمائة امرأة يغنون ويضربون عند بابه وبين قلعة الصنم وبلاد المسليمن مسيرة شهر مفازة قليلة الماء صعبة المسلك لا تهتدي طرقها فأنفق محمود ما لا يحصى في طلبها حتى وصلها وفتحها في ثلاثة أيام ودخل بيت الصنم وحوله أصنام كثيرة من الذهب المرصع بالجوهر محيطة بعرشه يزعمون أنها الملائكة فأحرق الصنم ووجد في أذنه نيفا وثلاثين حلقة فسألهم محمود عن تلك الحلق فقالوا كل حلقة عبادة ألف سنة كلما عبدوه ألف سنة علقوا في أذنه حلقة ولهم فيه أخبار طويلة انتهى
وفيها توفي الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني صاحب التفسير والتاريخ والتصانيف التي منها المستخرج على صحيح البخاري لست بقين من رمضان وقد قارب التسعين سمع بأصبهان والعراق وروى عن أبي سهل بن زياد القطان وطبقته وعنه عبد الرحمن بن مندة وأخوه عبد الوهاب وخلق كثير وكان إماما في الحديث بصيرا بهذا الشأن
وفيها الحافظ أبو بكر الشيرازي أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن موسى الفارسي الجوال صاحب كتاب ألقاب الرجال كان حافظا صدوقا متقنا ذكره ابن ناصر الدين في بديعته وأثنى عليه وعده من الحفاظ لكن جزم بموته في السنة التي بعدها
وفيها أبو القسم الشيباني عبد الرحمن بن عمر بن نصر الدمشقي المؤدب في رجب روى عن خيثمة وطبقته واتهموه في لقى أبي إسحق بن أبي ثابت ويذكر عنه الاعتزال قاله في العبر
وفيها أبو بالوية المزكي أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن 191
بالويه النيسابوري آخر من روى عن محمد بن الحسين القطان وكان ثقة نبيلا وجيها توفي فجاءة في شعبان وكان يملى في داره
وفيها ابن بابك الشاعر المشهور عبد الصمد بن منصور بن الحسن بن بابك أحد الشعراء المجيدين المكثرين ديوانه في ثلاث مجلدات وله أسلوب رائق في نظم الشعر وجاب البلاد ومدح الرؤساء وبابك بفتح الموحدتين قال له الصاحب ابن عباد أنت ابن بابك فقال ابن بابك فأعجب به غاية الإعجاب ومن شعره
( وأغيد معسول الشمائل زارني
على فرق والنجم حيران طالع )
( فلما جلى صبح الدجى قلت حاجب
من الصبح أو قرن من الشمس لامع )
( إلى أن دنا والسحر رائد طرفه
كما ريع ظبي بالصريمة راتع )
( فنازعته الصهباء والليل دامس
رقيق حواشي البرد والنسر واقع )
( عقارا عليها من دم الصب بعضه
ومن عبرات المستهام فواقع )
( تذر إذا شحت عيونا كأنها
عيون العذارى شق عنها البراقع )
( معودة غصب العقول كأنها
لها عند ألباب الرجال ودائع )
( فبتنا وظل الوصل دان وسرنا
مصون ومكتوم الصبابة ذائع )
( إلى أن سلا عن ورده فارط الغطا
ولاذت بأطراف الغصون السواجع )
( قولي أسير السكر يكبو لسانه
فتنطق عنه بالوداع الأصابع )
وله أيضا
( يا صاحبي امزجا كاس المدام لنا
كيما يضيء لنا من نورها الغسق )
( خمرا إذا ما نديمي هم يشربها
أخشى عليه من اللالاء يحترق )
( لو رام يحلف أن الشمس ما غربت
في فيه كذبه في وجهه الشفق )
وله بيت من قصيدة وهو الغاية رقة
( ومربي النسيم فرق حتى
كأني قد شكوت إليه ما بي )
وتوفي ببغداد رحمه الله تعالى 192
أبو عمر بن مهدي عبد الواحد بن محمد بن عبد الله الفارسي ثم البغدادي البزازآخر أصحاب المحاملي وإبن مخلد وإبن عقدة قال الخطيب ثقة توفي في رجب وله إثنتان وتسعون سنة
وفيها القاضي أبو منصور الأزدي محمد بن محمد بن عبد الله الفقيه شيخ الشافعية بهراة ومسند البلد رحل وسمع ببغداد من احمد بن عثمان الأدمي وبالكوفة من إبن دحيم وطائفة توفي فجاءة في المحرم
وفيها أبو طاهر محمد بن محمد محمش بميم مفتوحة وحاء مهملة ساكنة بعدها ميم مكسورة ثم شين معجمة إبن علي بن داود بن أيوب الأستاذ الزيادي الفقيه الشافعي عالم نيسابور ومسندها ولد سنة سبع عشر ة وثلثمائة وسمع سنة خمس وعشرين من أبي حامد بن بلال محمد بن الحسين القطان وعبد الله بن يعقوب الكرماني وخلق وأملى ودرس وكان قانعاً متعففاً له مصنف في علم الشروط وروى عنه الحاكم مع تقدمه عليه وأثنى عليه وعرف بالزيادي لأنه كان يسكن ميدان زياد بن عبد الرحمن وقال ابن السمعاني إنما سمي بذلك نسبة إلى بعض أجداده
وفيها هبة الله سلامة بن أبي القسم البغدادي المفسر مؤلف كتاب الناسخ والمنسوخ وجد رزق الله التميمي لأمه كان من أحفظ الأئمة للتفسير وكان ضريراً له حلقة بجامع المنصور
سنة إحدى عشر وأربعمائة
فيهاكان الغلاء المفرط بالعراق حتى أكلوا الكلاب والحمر
وفيها توفي أبو نصر النرسي أحمد بن محمد بن أحمد بن حسنون البغدادي الصدوق الصالح روى عن ابن البختري وعلي بن إدريس الستوري
وفيها الحاكم بأمر الله أبو علي منصور بن عبد العزيز نزار بن المعز العبيدي 193
صاحب مصر والشام والحجاز والمغرب فقد في شوال وله ست وثلاثون سنة قتلته أخته ست الملك بعد أن كتب إليها ما أوحشها وخوفها واتهمها بالزنا فدست من قتله وهو طليب بن دواس المتهم بها ولم يوجد من جسده شيء وأقامت بعده ولده ثم قتلت طليبا وكل من اطلع على أمر أخيها وكان الحاكم شيطانا مريدا خبيث النفس متلون الاعتقاد سمحا جوادا سفاكا للدماء قتل عددا كثيرا من كبراء دولته صبرا وأمر بشتم الصحابة وكتبه على أبواب المساجد وأمر بقتل الكلاب حتى لم يبق في مملكته منها إلا القليل وأبطل الفقاع والملوخية والسمك الذي لافلوس له وأتى بمن باع ذلك سرا فقتلهم ونهى عن بيع الرطب ثم جمع منه شيئا عظيما وحرقه وأباد أكثر الكروم وشدد في الخمر وألزم الذمة بحمل الصلبان والقرامى في أعناقهم كما قدمناه وأمرهم بلبس العمائم السود وهدم الكنائس ونهى عن تقبيل الأرض له ديانة منه وأمر بالسلام فقط وأمر الفقهاء ببث ذلك واتخذ له مالكيين يفقهانه ثم ذبحهما صبرا ثم نفى المنجمين من بلاده وحرم على النساء الخروج فما زلن ممنوعات سبع سنين وسبعة أشهر حتى قتل ثم تزهد وتأله ولبس الصوف وبقي يركب حمارا ويمر وحده في الأسواق ويقيم الحسبة بنفسه ويقال أنه أراد يدعى الآلهية كفرعون وشرع في ذلك فخوفه خواصه من زوال دولته فانتهى وكان المسلمون والذمة في ويل وبلاء شديد معه قال ابن خلكان والحاكم المذكور وهو الذي بنى الجامع الكبير بالقاهرة بعد أن شرع فيه والده فأكمله هو وبنى جامع راشدة بظاهر مصر وكان المتولي بناءه الحافظ عبد الغني بن سعيد والمصحح لقبلته ابن يونس المنجم وأنشأ عدة مساجد بالقرافة وحمل إلى الجامع من المصاحف والآلات الفضية والستور والحصر ما له قيمة طائلة وكان يفعل الشيء وينقصه وكان الحاكم المذكور سيء الاعتقاد كثير التنقل من حال إلى 194
حال ابتدأ أمره بالتزيي بزي آبائه وهو الثياب المذهبة والفاخرة والعمائم المنظومة بالجواهر النفيسة وركوب السروج الثقيلة المصوغة ثم بدا له بعد ذلك وتركه على تدريج بأن انتقل منه إلى المعلم غير المذهب ثم زاد الأمر به حتى لبس الصوف وركب الحمر وأكثر من طلب أخبار الناس والوقوف على أحوالهم وبعث المتجسسين من الرجال والنساء فلم يكن يخفى عليه رجل ولا امرأة من حواشيه ورعيته وكان مؤاخذا بيسير الذنب لا يملك نفسه عند الغضب فأفنى رجالا وأباد أجيالا وأقام هيبة عظيمة وناموسا وكان يقتل خاصته وأقرب الناس إليه وربما أمر بإحراق بعضهم وربما أمر بحمل بعضهم وتكفينه ودفنه وبناء تربة عليه وألزم كافة الخواص بملازمة قبره والمبيت عنده وأشياء من هذا الجنس يموه بها على أصحاب العقول السخيفة فيعتقدون أن له في ذلك أغراضا صحيحة ومع هذا القتل العظيم والطغيان المستمر يركب وحده منفردا تارة وفي الموكب أخرى وفي المدينة طورا وفي البرية آونة والناس كافة على غاية الهيبة والخوف منه والوجل لرؤيته وهو بينهم كالأسد الضاري فاستمر أمره كذلك مدة ملكه وهو نحو إحدى وعشرين سنة حتى عن له أن يدعى الآلهية ويصرح بالحلول والتناسخ ويحمل الناس عليه وألزم الناس بالسجود مرة إذا ذكر فلم يكن يذكر في محفل ولا مسجد ولا على طريق إلا سجد من يسمع ذكره وقبل الأرض إجلالا له ثم لم يرضه ذلك حتى كان في شهر رجب سنة تسع وأربعمائة ظهر رجل يقال له حسن بن حيدرة الفرغاني الأخرم يرى حلول الآله في الحاكم ويدعو إلى ذلك ويتكلم في إبطال الثواب وتأول جميع ما ورد في الشريعة فاستدعاه الحاكم وقد كثر تبعه وخلع عليه خلعا سنية وحمله على فرس مسرج في موكبه وذلك في ثاني رمضان منها فبينما هو يسير في بعض الأيام تقدم إليه رجل من الكرخ على جسر طريق المقياس وهو في الموكب فألقاه عن فرسه ووالى العرب عليه حتى قتله فارتج الموكب وأمسك الكرخي فأمر به فقتل 195
في وقته ونهب الناس دار الأخرم بالقاهرة وأخذ جميع ما كان له فكان بين الخلع عليه وقتله ثمانية أيام وحمل الأخرم في تابوت وكفن بأكفان حسنة وحمل أهل السنة الكرخي ودفنوه وبنوا على قبره ولازم الناس زيارته ليلا ونهارا فلما كان بعد عشرة أيام أصبح الناس فوجدوا القبر منبوشا وقد أخذت جثته ولم يعلم ما فعل بها
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا
وفيها القاضي أبو القسم الحسن بن الحسين بن المنذر البغدادي قاضي ميافارقين ببغداد في شعبان وله ثمانون سنة كان صدوقا علامة بالفرائض روى عن ابن البختري وإسماعيل الصفار وجماعة
وفيها أبو القسم الخزاعي علي بن أحمد بن محمد البلخي راوي مسند الهيثم بن كليب الشاشي عنه وقد روى عنه جماعة كثيرة وحدث ببلخ وبخارى وسمرقند ومات في صفر ببخارى عن بضع وثمانين سنة
سنة اثنتي عشرة وأربعمائة
فيها توفي أبو سعد الماليني نسبة إلى مالين قرية مجتمعة من أعمال هراة أحمد ابن محمد بن أحمد بن عبد الله الهروي الصوفي الحافظ الثقة المتقن طاووس الفقراء قال الخطيب كان ثقة متقنا صالحا وقال غيره سمع بخراسان والحجاز والشام والعراق ومصر وحدث عن أبي أحمد بن عدي وطبقته وكتب الكتب الطوال وأكثر التطواف إلى أن مات وتوفي بمصر في سابع عشر شوال
وفيها الحسن بن عمر بن برهان الغزال أبو عبد الله البغدادي الثقة حدث عن ابن البختري وطبقته
وفيها أبو محمد الجراحي عبد الجبار بن محمد بن عبد الله بن أبي الجراح المرزباني المروزي روى جامع الترمذي عن المحبوبي سكن هراة وروى بها 196
الكتاب قال أبو سعد السمعاني هو ثقة صالح إن شاء الله تعالى توفي سنة اثنتي عشرة قاله في العبر
وفيها غنجار الحافظ صاحب تاريخ بخارى محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان ابن كامل أبو عبد الله البخاري روى عن خلف الخيام وطبقته قال ابن ناصر الدين كان حافظا ثقة مصنفا
وفيها ابن رزقويه الحافظ أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رزق البغدادي البزاز روى عن ابن البختري ومحمد بن يحيى الطائي وطبقتهما قال الخطيب كان ثقة كثير السماع والكتابة حسن الاعتقاد مديما للتلاوة أملى بجامع المدينة مدة سنين وكف بصره بآخره ولد سنة خمس وعشرين وثلثمائة وقال الأزهري أرسل بعض الوزراء إلى ابن رزقويه بمال فرده تورعا توفي في جمادى الأولى
وفيها الحافظ أبو الفتح بن أبي الفوارس محمد بن أحمد بن فارس البغدادي المصنف الثقة في ذي القعدة وله أربع وسبعون سنة من جعفر الخلدي وطبقته قال الخطيب كان ذا حفظ ومعرفة وأمانة مشهورا بالصلاح والانتخاب على المشايخ وكان يملي في جامع الرصافة
وفيها أبو عبد الرحمن السلمي محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري الصوفي الحافظ شيخ الصوفية صحب جده أبا عمر بن نجيد وسمع الأصم وطبقته وصنف التفسير والتاريخ وغير ذلك وبلغت تصانيفه مائة قال محمد ابن يوسف النيسابوري القطان كان يضع للصوفية وقال الخطيب قدر أبي عبد الرحمن عند أهل بلده جليل وكان مع ذلك مجودا صاحب حديث وله بنيسابور دويرة للصوفية توفي في شعبان قاله جميعه في العبر وقال ابن ناصر 197
الدين حدث عنه أبو القسم القشيري والبيهقي وغيرهما وهو حافظ زاهد لكن ليس بعمدة وله في حقائق التفسير تخريف كثير انتهى
وفيها صريع الدلاء قتيل الغواشي محمد بن عبد الواحد البصري الشاعر الماجن صاحب المقصورة المشهورة
( قلقل أحشائي تباريح الجوى
)
قال ابن خلكان هو علي بن عبد الواحد أبو الحسن وقيل أبو الحسن محمد بن عبد الله بن عبد الواحد القصار البصري الشاعر المشهور ذكره الرشيد أحمد بن الزبير في كتاب الجنان فقال كان يسلك مسلك أبي الرقعمق وله قصيدة في المجون ختمها ببيت لو لم يكن له سواه لبلغ درجة الفضل وأحرز معه قصب السبق وهو
( من فاته العلم وأخطاه الغنى
فذاك والكلب على حال سوا )
وكانت وفاته في رجب فجأة من شرقة لحقته عند الشريف الطحاوي وغالب ظني أنه توفي بمصر وفيه قال أبو العلاء المعري
( دعيت بصارع فتداركته
مبالغة فرد إلى فعيل )
كان طلب منه شرابا وما يليق به فسير إليه قليل نفقة واعتذر بهذه الأبيات
انتهى ملخصا
وفيها أبو العباس منير بن أحمد بن الحسين بن منير الخشاب المصري المعدل شيخ الخلعي روى عن علي بن عبد الله بن أبي مطر وجماعة قال الحبال كان ثقة لا يجوز عليه تدليس توفي في ذي القعدة
سنة ثلاث عشرة وأربعمائة
فيها تقدم بعض الباطنية من المصريين فضرب الحجر الأسود بدبوس ثلاث 198
مرات وقال إلى متى يعبد الحجر ولا محمد ولا علي أفيمنعني محمد مما أفعله فإني اليوم أهدم هذا البيت فاتقاه أكثر الحاضرين وكاد يفلت وكان أحمر أشقر جسيما طويلا وكان على باب المسجد عشرة فوارس ينصرونه فاحتسب رجل فوجأه بخنجر ثم تكاثروا عليه فهلك وأحرق وقتل جماعة ممن اتهم بمعاونته واختبط الوفد ومال الناس على ركب المصريين بالنهب وتخشن وجه الخنجر وتساقط منه شظايا يسيرة وتشقق وظهر مكسوره أسمر يضرب إلى صفرة مجببا مثل حب الخشخاش فعجن الفتات بالمسك واللك وحشيت الشقوق وطليت فهو بين لمن تأمله
وفيها توفي بشيراز سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة الديلمي صاحب العراق وفارس ولى السلطنة بعد أبيه وهو صبي وأرسل إليه القادر بالله خلع الملك إلى شيراز وقد قدم بغداد في وسط سلطنته وكانت دولته ضعيفة متماسكة وعاش اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر
وفيها أبو القسم صدقة بن محمد بن أحمد بن محمد بن القسم بن الدلم القرشي الدمشقي الثقة الأمين محدث دمشق ومسندها روى عن أبي سعيد بن الأعرابي وأبي الطيب بن عبادل وطائفة ومات في جمادى الآخرة
وفيها أبو المطرف القنازعي الفقيه عبد الرحمن بن مروان القرطبي المالكي ولد سنة إحدى وأربعين وثلثمائة وسمع من أبي عيسى الليثي وطبقته وقرأ القراءات على جماعة منهم علي بن محمد الأنطاكي ورحل فأكثر عن الحسن بن رشيق وعن أبي محمد بن أبي زيد ورجع فأقبل على الزهد والانقباض ونشر العلم والإقراء والعبادة والأوراد والمطالعة والتصنيف فشرح الموطأ وصنف كتابا في الشروط وكان أقرأ من بقي بالأندلس
وفيها أبو القسم عبد العزيز بن جعفر بن خواشتي أبو القسم الفارسي ثم البغدادي المقرئ مسند أهل الأندلس في زمانه ولد سنة عشرين 199
وثلثمائة وسمع من إسماعيل الصفار وابن داسه وطبقتهما وقرأ بالروايات على أبي بكر النقاش وعبد الواحد بن أبي هاشم وكان تاجرا توفي في ربيع الأول وقد أكثر عنه أبو عمرو الداني
وفيها علي بن هلال أبو الحسن بن البواب صاحب الخط المنسوب كتب على محمد بن أسد وأخذ العربية عن ابن جني وكان في شبيبته مزوقا دهانا في السقوف ثم صار يذهب الختم وغيرها فبرع في ذلك ثم عنى بالكتابة ففاق فيها الأوائل والأواخر ووعظ وعبر الرؤيا وقال النظم والنثر ونادم فخر الملك أبا غالب الوزير ولم يعرف الناس قدر خطه إلا بعد موته لأنه كتب ورقة إلى كبير يشفع فيها في مساعدة إنسان بشيء لا يساوي دينارين وقد بسط القول فيها فلما كان بعد موته بمدة بيعت تلك الورقة بسبعة عشر دينارا قال الخطيب كان رجلا دينا لا أعلمه روى شيئا وقال ابن خيرون كان من أهل السنة توفي في جمادى الأولى ودفن جوار الإمام أحمد بن حنبل ورثاه بعضهم بقوله
( استشعر الكتاب فقدك سالفا
وقضت بصحة ذلك الأيام )
( فلذلك سودت الدوى كآبة
أسفا عليك وشقت الأقلام )
وفيها أبو الفضل الجارودي محمد بن أحمد بن محمد الهروي الحافظ في شوال عنه قال حدثنا إمام أهل المشرق الجارودي وقال أبو النصر الفامي كان عديم النظير في العلوم خصوصا في علم الحفظ والتحديث وفي التقلل من الدنيا والاكتفاء بالقوت وحيدا في الورع قاله في العبر
وفيها المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان البغدادي الكرخي ويعرف أيضا بابن المعلم عالم الشيعة وإمام الرافضة وصاحب الكثيرة قال ابن أبي طي في تاريخ الإمامية هو شيخ مشايخ الصوفية ولسان الإمامية رئيس 200
الكلام والفقه والجدل وكان يناظر أهل كل عقيدة مع الجلالة العظيمة في الدولة البويهية قال وكان كثير الصدقات عظيم الخشوع كثير الصلاة والصوم حسن اللباس وقال غيره كان عضد الدولة ربما زار الشيخ المفيد وكان شيخا ربعة نحيفا أسمر عاش ستا وسبعين سنة وله أكثر من مائتي مصنف كانت جنازته مشهورة شيعه ثمانون ألفا من الرافضة والشيعة وأراح الله منه وكان موته في رمضان رحمه الله قاله في العبر
سنة أربع عشرة وأربعمائة
فيها توفي أبو القسم تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر البجلي الرازي ثم الدمشقي الحافظ ولد الحافظ أبي الحسين في ثالث المحرم وله أربع وثمانون سنة روى عن خيثمة وأبي علي الحضايري وطبقتهما قال الكتاني كان ثقة لم أر أحفظ منه في حديث الشاميين وقال أبو علي الأهوازي ما رأيت مثله في معناه قال أبو بكر الحداد ما رأينا مثل تمام الحفظ والخير
وفيها أبو عبد الله الغضايري الحسين بن الحسن بن محمد بن حليس المخزومي البغدادي روى عن الصولي والصفار وجماعة قال الخطيب كتبنا عنه وكان ثقة فاضلا مات في المحرم
وفيها الحسين بن عبد الله بن محمد بن إسحق بن أبي كامل الاطرابلسي العدل روى عن خال أبيه خيثمة وطائفة بدمشق ومصر
وفيها أبو عبد الله بن فتحويه الحسين بن محمد بن الحسين الثقفي الدينوري بنيسابور في ربيع الآخر وكان ثقة مصنفا روى عن أبي بكر السني وعيسى بن حامد الرخجي وطبقتهما وحصل له خشمة ومال
وفيها أبو الحسن بن جهضم علي بن عبد الله بن الحسن بن جهضم الهمذاني شيخ الصوفية بالحرم ومؤلف كتاب بهجة الأسرار في التصوف روى عن 201
أبي سلمة القطان وأحمد بن عثمان الأدمي وعلي بن أبي العقب وطبقتهم وأكثر الناس عنه وطال عمره قال ابن خيرون قيل أنه يكذب وقال غيره اتهموه بوضع الحديث
وفيها الإمام أبو الحسن بن ماشاذه علي بن محمد بن أحمد بن ميله الأصفهاني الفقيه الفرضي الزاهد روى عن أحمد بن حكيم وأبي علي المصاحفي وعبد الله بن جعفر بن فارس وطائفة وأملى عدة مجالس قال أبو نعيم وبه ختم كتاب الحلية ختم المتحقق بطريقة الصوفية بأبي الحسن لما أولاه الله من فنون العلم والسخاء والفتوة كان عارفا بالله فقيها عاملا له الحظ الجزيل من الأدب وقال أبو نعيم أيضا كانت لا تأخذه في الله لومة لائم كان ينكر على المشبهة بالصوفية وغيرهم فساد مقالتهم في الحلول والإباحة والتشبيه
وفيها أبو عمر الهاشمي القسم بن سعد بن عبد الواحد العباسي البصري الشريف القاضي من ولد الأمير جعفر بن سليمان ولد سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة وسمع من اللؤلؤي سنن أبي داود ومن أبي العباس الأثرم وعلي بن إسحق المادراي وطائفة قال الخطيب ثقة أمينا ولى قضاء البصرة ومات بها في ذي القعدة
وفيها الحافظ أبو سعيد النقاش محمج بن علي بن عمر بن مهدي الأصبهاني الحنبلي صاحب التصانيف في رمضان روى عن ابن فارس وإبراهيم الجهمي وأبي بكر الشافعي وطبقتهم وكان ثقة صالحا قاله في العبر وقال ابن ناصر الدين كان حافظا إماما ذا إتقان رحل وطوف وصنف مع الصدق والأمانة والتحرير
وفيها أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر بن سعدان الحفار ببغداد وله اثنتان وتسعون سنة روى عن ابن عياش القطان وابن البختري وطائفة قال الخطيب صدوق كتبنا عنه 202
وفيها أبو زكريا المزكي يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى النيسابوري شيخ العدالة ببلده كان صالحا زاهدا ورعا صاحب حديث كأبيه أبي إسحق المزكي روى عن الأصم وأقرانه ولقى ببغداد النجاد وطبقته وأملى عدة مجالس ومات في ذي الحجة
سنة خمس عشرة وأربعمائة
فيها توفي أبو الحسن المحاملي شيخ الشافعية أحمد بن محمد بن أحمد بن القسم ابن إسماعيل الضبي تفقه على والده أبي الحسين وعلي الشيخ أبي حامد الاسفرائيني ورحل به أبوه فأسمعه بالكوفة من أبي السر البكائي ومات في ربيع الآخر عن سبع وأربعين سنة وكان عديم النظير في الذكاء والفطنة صنف عدة كتب قال الشيخ أبو حامد هو اليوم أحفظ للفقه مني وحكى ابن الصلاح عن الفقيه سليم أن المحاملي لما صنف كتبه المقنع والمجرد وغير ذلك من كتب أستاذه أبي حامد ووقف عليها قال نثر الله عمره فما عاش إلا يسيرا حتى مات ونفذت فيه دعوة الشيخ أبي حامد ومن تصانيفه المجموع قريب من حجم الروضة مشتمل على نصوص كثيرة وكتاب رؤس المسائل مجلدان وكتاب عدة المسافر وغير ذلك
وفيها أبو العباس أحمد بن محمد بن الحاج بن يحيى الإشبيلي المعدل بمصر في صفر سمع عثمان بن محمد السمرقندي وأبا الفوارس الصابوني وطبقتهما بمصر والشام وانتقى عليه أبو نصر السجزي
وفيها القاضي عبد الجبار بن أحمد أبو الحسن الهمذاني الاستراباذي المعتزلي صاحب التصانيف عمر دهرا في غير السنة وروى عن أبي الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القطان وعبد الله بن جعفر بن فارس وطبقتهما قال ابن قاضي شهبة في طبقاته عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن الخليلي القاضي 203
أبو الحسن الهمداني قاضي الري وأعمالها وكان شافعي المذهب وهو مع ذلك شيخ الاعتزال وله المصنفات الكثيرة في طريقم وفي أصول الفقه قال ابن كثير في طبقاته ومن أجل مصنفاته وأعظمها كتاب دلائل النبوة في مجلدين أبان فيه عن علم وبصيرة جيدة وقد طال عمره ورحل الناس إليه من الأقطار واستفادوا به مات في ذي القعدة سنة خمس عشرة وأربعمائة
انتهى كلام ابن شهبة بحروفه
وفيها العيسوي أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي العباسي البغدادي قاضي مدينة المنصور مات في رجب وحدث عن أبي جعفر بن البحتري وطائفة
وفيها أبو الحسين بن بشران علي بن محمد بن عبد الله بن بشران بن محمد الأموي البغدادي المعدل سمع ابن البختري وطبقته قال الخطيب كان صدوقا ثبتا تام المروءة ظاهر الديانة ولد في سنة ثمان وعشرين وثلثمائة وتوفي في شعبان كتبنا عنه
وفيها الجرجرائي بفتح الجيمين والراء الثانية نسبة إلى جرجرايا بلد بين بغداد وواسط محمد بن إدريس بن الحسن بن ذئب نزيل بخارا وبها مات كان من الحفاظ الأثبات ودفن ببيكند أبو حفص عمر بن محمد النسفي في كتابه القند في حفاظ سمرقند وذكره ابن ناصر الدين في الحفاظ ولكن جزم بوفاته في السنة التي قبلها في بديعته
( الجرجائي فتى إدريس
دار يروم تحفة النفوس )
وفيها أبو الحسين القطان محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل الأزرق البغدادي الثقة ولد سنة خمس وثلاثين وثلثمائة وتوفي في رمضان روى عن إسماعيل الصفار ومحمد بن يحيى بن علي بن حرب وطبقتهما وكان مكثرا
وفيها أبو عبد الله القيرواني محمد بن سفين صاحب كتاب الهادي في 204
القراءات تفقه على أبي الحسن القابسي ورحل فأخذ القراءات عن ابن غلبون وغيره قال أبو عمرو الداني كان ذا فهم وحفظ وعفاف
سنة ست عشرة وأربعمائة
فيها مات السلطان شرف الدولة ونهبت خزائنه وتسلطن جلال الدولة أبو طاهر ولد بهاء الدولة بن عضد الدولة وهو يومئذ بالبصرة فخلع على وزيره علم الدين شرف الملك أبي سعيد بن ماكولا ثم أن الجند عدلوا إلى الملك أبي كاليجار ونوهوا باسمه وكان ولي عهد أبيه سلطان الدولة فخطب لهذا ببغداد واختبط الناس وأخذت العيارون الناس جهارا وكانوا يمشون بالليل بالشمع والمشاعل ويكبسون البيت ويأخذون صاحبه ويعذبونه إلى أن يقر لهم بذخائره وأحرقوا دار الشريف المرتضى ولم يخرج ركب من بغداد
وفيها توفي الحصيب بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن الحصيب أبو الحسين القاضي المصري حدث عن أبيه وعثمان بن السمرقندي وطائفة
وفيها أبو محمد النحاس عبد الرحمن بن عمر المصري البزاز في عاشر صفر وكان مسند الديار المصرية ومحدثها عاش بضعا وتسعين سنة وسمع بمكة من ابن الأعرابي وبمصر من أبي الطاهر المديني وعلي بن عبد الله بن أبي مطر وطبقتهما وأول سماعه في سنة إحدى وثلاثين وثلثمائة
وفيها أبو الحسن التهامي علي بن محمد الشاعر له ديوان مشهور دخل مصر يكتب من حسان بن مفرج فظفروا به وقتلوه سرا في جمادى الأولى قال ابن بسام الأندلسي في كتاب الذخيرة في حقه كان متميز الإحسان ذرب اللسان مخلى بينه وبين ضروب البيان يدل شعره على فوز القدح دلالة النسيم 205
على الصبح ويعرب عن مكانه من العلوم إعراب الدمع عن سر الهوى المكتوم وقال ابن خلكان له ديوان شعر صغير أكثره نخب ومن لطيف نظمه قوله من جملة قصيدة طويلة يمدح بها الوزير أبا القسم
( قلت لخلي وثغور الربا
مبتسمات وثغور الملاح )
( أيهما أحلى ترى منظرا
فقال لا أعلم كل أقاح )
وله مرثية في ولده وكان قد مات صغيرا وهي في غاية الحسن ولم يمنعني من الإتيان بها إلا أن الناس يقولون هي محذورة فتركتها ولكن من جملتها بيتان في الحساد ومعناهما غريب
( إني لأرحم حاسدي لحرما
ضمت صدورهم من الأوغار )
( نظروا صنيع الله بي فعيونهم
في جنة وقلوبهم في نار )
ومنها في ذم الدنيا
( جبلت على كدر وأنت تريدها
صفوا من الأقذاء والأكدار )
( ومكلف الأيام ضد طباعها
متطلب في الماء جذوة نار )
( وإذا رجوت المستحيل فإنما
تبنى الرجاء على شفير هار )
ومنها
( جاورت أعدائي وجاور ربه
شتان بين جواره وجواري )
( وتلهب الأحشاء شيب مفرقي
هذا الشعاع شواظ تلك النار )
وله بيت بديع من قصيدة وهو
( وإذا جفاك الدهر وهو أبو الورى
طرا فلا تعتب على أولاده )
ورآه بعض أصحابه بعد موته في النوم فقال له ما فعل الله بك قال غفر لي قال بأي الأعمال قال بقولي في مرثية ولدي
( جاورت أعدائي وجاور ربه
شتان بين جواره وجواري )
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا 206
وفيها أبو بكر القطان محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الطائي الداراني المعروف أيضا بابن الخلال كان زاهدا صالحا روى عن خيثمة وجماعة كثيرة
وفيها أبو عبد الله بن الحذاء القرطبي محمد بن يحيى التميمي المالكي المحدث عاش ثمانين سنة وروى عن أبي عيسى الليثي وأحمد بن ثابت وطبقتهما وحج فأخذ عن أبي القسم عبد الرحمن الجوهري وأبي بكر المهندس وطبقتهما وتفقه على أبي محمد الأصيلي وألف في تعبير الرؤيا كتاب البشرى في عشرة أسفار وولى قضاء إشبيلية وغيرها
وفيها مشرف الدولة السلطان أبو علي بن السلطان بهاء الدولة بن السلطان عضد الدولة الديلمي ولى مملكة بغداد وكان يرجع إلى دين وتصوف وحياء عاش ثلاثا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وكان مدة ملكه خمسة أعوام وخطب بعده لجلال الدولة بن بويه ثم نودي بعد أيام بشعار كاليجار
سنة سبع عشرة وأربعمائة
فيها توفي قاضي العراق ابن أبي الشوارب أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن العباس بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي قال الخطيب كان نزها عفيفا سمع من عبد الباقي بن قانع ولم يحدث وعاش ثمانيا وثمانين سنة قد ولي القضاء أربعة وعشرون نفسا من أولاد محمد بن عبد الملك ابن أبي الشوارب منهم ثمانية ولوا قضاء القضاة هذا آخرهم
وفيها أبو العلاء صاعد بن الحسن الربعي البغدادي اللغوي الأديب نزل الأندلس وصنف الكتب وروى عن أبي بكر القطيعي وطائفة قال ابن بشكوال كان يتهم بالكذب وقال ابن خلكان صاعد بن الحسن بن عيسى الربعي البغدادي اللغوي صاحب كتاب الفصوص روى بالمشرق عن أبي سعيد 207
السيرافي وأبي علي الفارسي وأبي سليمان الخطابي ودخل الأندلس في أيام هشام بن الحكم وولاية المنصور بن عامر في حدود ثمانين وثلثمائة وأصله من بلاد الموصل ودخل بغداد وكان عالما باللغة والأدب والأخبار سريع الجواب حسن الشعر طيب المعاشرة فأكرمه المنصور وزاد في الإحسان إليه والأفضال عليه وكان مه ذلك محسنا للسؤال حاذقا في استخراج الأموال وجمع كتاب الفصوص نحا فيه منحى القالي في أماليه وأثابه عليه خمسة آلاف دينار وكان يتهم بالكذب في نقله فلهذا رفض الناس كتابه ولما دخل مدينة دانية وحضر مجلس الموفق مجاهد بن عبد الله العامري أمين البلد وكان في المجلس أديب يقال له بشار وكان أعمى يا أبا العلاء فقال لبيك فقال ما الجر نفل في كلام العرب فعرف أبو العلاء أنه وضع هذه الكلمة وليس لها أصل في اللغة فقال له بعد أن أطرق ساعة هو الذي يفعل بنساء العميان ولا يفعل بغيرهن ولا يكون الجر نفل جرنفلا حتى لا يتعداهن إلى غيرهن فخجل بشار وضحك من كان حاضرا وتوفي صاعد بصقلية ولما ظهر للمنصور كذبه في النقل وعدم تثبته رمى كتاب الفصوص في البحر لأنه قيل له جميع ما فيه لا صحة له فعمل فيه بعض شعراء عصره
( قد غاص في البحر كتاب الفصوص
وهكذا كل ثقيل يغوص )
فلما سمع صاعد هذا البيت أنشد
( عاد إلى عنصره إنما
يخرج من قعر البحور الفصوص )
وله أخبار كثيرة في الامتحان انتهى ملخصا
وفيها أبو بكر القفال المروزي عبد الله بن أحمد شيخ الشافعية بخراسان صار إمام الخراسانيين كما أن القفال الكبير الشاشي شيخ طريقة العراقيين لكن المروزي أكثر ذكرا في كتب الفقه ويذكر مطلقا وإذا ذكر الكبير قيد بالشاشي قال ابن قاضي شهبة عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي الإمام 208
الجليل أبو بكر القفال الصغير شيخ طريقة خراسان وإنما قيل له القفال لأنه كان يعمل الاقفال في ابتداء أمره وبرع صناعتها حتى صنع قفلا بآلاته ومفتاحه وزن أربع حبات فكلام كان ابن ثلاثين سنة أحسن من نفسه ذكاء فأقبل على الفقه فاشتغل به على الشيخ أبي زيد وغيره وصار إماما يقتدى به فيه وافقه عليه خلق من أهل خراسان وسمع الحديث وحدث وأملى قال الفقيه ناصر العمرى لم يكن في زمان أبي بكر القفال أفقه منه ولا يكون بعد مثله وكنا نقول انه ملك في صورة إنسان وقال الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه أبو بكر القفال وحيذر زمانه فقها وحفظا ورعا وزهدا وله في المذهب من الآثار ما ليس لغيره من أهل عصره وطريقته المهذبة في مذهب الشافعي التي حملها عنه أصحابه امتن طريقة وأكثرها تحقيقا رحل إليه الفقهاء من البلاد وتخرج به أئمة وذكر اقلاضي الحسين أن أبا بكر القفال كان فب كثير من الأوقات يقع عليه البكاء في الدرس ثم يرفع رأسه فيقول ما أغفلنا عما يراد بنا وقال الشيخ أبو محمد اخرج القفال يده فإذا على كفه آثار فقال هذا أثار عمل في ابتداء شيبتي وكان مصابا بإحدى عينيه انتهى ما أورده ابن شبهة ملخصا
وفيها الحافظ أبو حازم معمرو بن أحمد المسعودي الذهلي النيسابوري الأعرج يوم عيد الفطر وكان صدوقا كتب عن عشرة أنفس عشرة آلاف جزء قاله ابن الاهدل وقال الخطيب كان ثقة صادقا حافظا عارفا انتهى
وفيها أبو محمد السكري عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار البغدادي صدوق مشهور روى عن اسمعيل الصفار وجماعة وتوفي في صفر
وفيها أبو الحسن الحمامي مقرئ العراق على ابن أحمد بن عمر البغدادي قرأ القراءات على النقاش وعبد الواحد بن أبي هاشم وبكار وزيد بن أبي بلال وطئفة وبرع فياه سومع من عثمان بن السماك وطبقته وانتهى إليه علو الإسناد في القرآن وعاش تسعا وثمانين وتوفي في شعبان 209
وفيها أبو حفص العكبري عملا بن احمد بن عثمان البزار روى عن محمد ابن يحيى الطائي وجماعة وعاش سبعا وتسعين سنة ووثقه الخطيب
وفيها اوب نصر بن الجندي محمد بن أحمد بن هرون الغساني الدمشقي إمام الجامع ونائب الحكم ومحدث البلد روى عن خيثمة وعلى بن أبي العقب وجماعة قال الكتاني كان ثقة مأمونا توفي في صفر
سنة ثمان عشرة وأربعمائة
قال في الشذور جائ فيها برد وزن البردة رطلان وأكثر
وفيها اجتمعت الحاشية ببغداد وصمموا على الخليفةحتى عزل أبا كاليجار وأعيدت الخطبة لجلال الدولة أبي طاهر
وفيها ورد كتاب الملك محمود بن سبكتكين بما فتحه من بلاد الهند وكسره صنم سومنات وانهم فتنوا به وكانوا يأتونه من كل فج عميق ويقربون له القرابين حتى بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية وامتلأت خزانة الصنم بالأموال وله ألف نفس يخدمونه وثلثمائة يلحقون حجاجه وثلثمائة يغنون فاستخار العبد في الانتداب له ونهض في شعبان سنة ست عشرة وأربعمائة في ثلاثين ألف فارس سوى المطوعة ووصلنا إلى لبد الصم وملكنا الصنم والبلد وأوقدت النيران على الصنم حتى تقطع وقتلنا خمسين ألفا من أهل البلد وتقدم طرف من ذلك في سنة عشر
وفيها توفي أبو اسحق الإسفرائيني إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الأصولي المتكلم الشافعي أحد الأعلام وصاحب التصانيف روى عن دعج وطبقته وأملى مجالس وكان شيخ خراسان في زمانه توفي يوم عاشوراء وقد نيف على الثمانين وهو شيخ خراسان يقال انه بلغ رتبة الاجتهاد وله المصنفات الكثيرة منها الجامع في أصول الدين خمس مجلدات وتعليقة في أصول الفقه 210
وغير ذلك وخرج له مابو عبد الله الحاكم عشرة أجزاء وذكره في تاريخه لجلالته وقد مات الحاكم قبله قال في حقه قد أقر له العلماء بالتقدم قال وبنى له مدرسة لم يبن مثلها فدرس بها وبه تفقه القاضي أبو الطيب الطبري والقيشري والبهيقي وكان يقول أتشهى أن أموت بنيسابور ليصلي على جميع أهلها فتوفي بها يوم عاشوراء ثم نقل إلى بلده إسفرائين ودفن في مشهده المعروف
وفيها أبو القسم بن المغربي الوزير واسمه حسين بن علي الشيعي لما قتل الحاكم بمصر أباه وعمه واخوته هرب وقصد حسان بن مفرج الطائي ومدحه فاكرم مورده ثم وزر لصاحب ميافارقين احمد بن مروان الكردي وله شعر رائق وعدة تآليف عاش ثمانيا وأربعين سنة وكان من ادهى البشر وأذكاهم
وفيها أبو القسم السراج عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القرشي النيسابوري الفقيه روى عن الأصم وجماعة وكان من جلة العلماء توفي في صفر
وفيها عبد الوهاب بن الميداني محدث دمشق وهو ابن الحسين بن جعفر ابن علي روى عن أبي على بن هرون اتهم في ورايته عنه وروى عن أبي عبد الله بن مروان وخلق قال الكتاني ذكر أبو الحسين أنه كتب بقنطار حبر وكان فيه تساهل
وفيها أبو بكر النسائي محمد بن زهير الشافعية بنسا وخطيب البلد روى عن الأصم وأبي سهل بن زياد القطان وطبقتهما
وفيها أبو الحسن محمد بن محمد بن أحمد بن الروزبهان البغدادي وروى عن الستورى وابن السماك وجماعة وتوفي في رجب قال الخطيب 211
صدوق
وفيها معمر بن أحمد بن محمد بن زياد أبو منصور الاصبهاني الزاهد شيخ الصوفية في زمانه بأصبهان روى عن الطبراني وأبى شيخ ومات في رمضان
وفيها مكى بن محمد بن الغمر أبو الحسن التميمي الدمشقي المؤدب مستملى القاضي الميانجى أكثر عنه وعن أحمد بن البرامى وهذه الطبقة ورحل إلى بغداد فلقى القطيعي وكان ثقة
وفيها أبو القسم اللالكائي هبة الله بن الحسن الطبري الحافظ الفقيه الشافعي محدث بغداد تفقه على الشيخ أبي حامد وسمع من المخلص وطبقته وبالري من جعفر بن فناكى قال الخطيب كان يحفظ ويفهم صنف كتابا في شرح السنة في مجلدين وكتاب رجال الصحيحين ثم خرج أيامه إلى الدينور فمات بها في رمضان كهلا
سنة تسع عشرة وأربعمائة
فيها توفي ابن العالى أبو الحسين احمد بن محمد بن منصور البوشنجي خطيب بوشنج روى عن محمد بن أحمد بن دسيم وأبى أحمد بن عدي وطبقتهما بهراة وجرحان ونيسابور توقي في رمضان
وفيها عبد المحسن بن محمد الصوري شاعر محسن بديع القول قال ابن خلكان أبو محمد عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب الصورى الشاعر المشهور أحد المتقنين الفضلاء المجيدين الأدباء شعره بديع الألفاظ حسن المعاني رائق الكلام مليح النظام من محاسن أهل الشام له ديوان شعر أحسن فيه كل الإحسان فمن محاسنه
( أترى بثأر أم بدين
علقمت محاسنها بعيني ) 212
( لحظها وقوامها
ما في المهند والردينى )
( وبجهها ماء الشبا
ب خليط نار الوجنتين )
( بكرت على وقالت أختر خصلة من خصلتين
)
( أما الصدود أو الفرا
ق فليس عندي غير ذين )
( فأجبتها ومدامعى
تنهل فوق الوجنتين )
( لا تفعلى أن حال صد
ك أو فراقك حان حيني )
( وكأنما قلت انهض
فمضت مسارعة لبني )
( ثم استقلت أين حلت عيسها رميت بأين
)
( ونوائب أظهرن أيامي إلى بصورتين
)
( سودتها و أطلتها
فرأيت يوما ليلتين )
ومنها ( هل بعد ذلك من يعرفني النضار من اللجين
)
( فلقد جهلتهما لبعد العهد بينهما وبيني
)
( مكتسبا بالشعر يا
بئس البضاعة في اليدين )
( كانت كذلك قبل أن
يأتي على بن الحسين )
( فاليوم حال الشعر ثا
لثة كحال الشعرتين )
( أغنى وأعفى مدحه
العافين عن كذب ومين )
وهذه القصيدة عملها عبد المحسن في علي بن الحسين والد الوزير أبي القسم المغربي ولها حكاية ظريفة وهي أنه كان بمدينة عسقلان رئيس يقال له ذو المنقبتين فجاء بعض الشعراء وامتدحه بهذه القصيدة وجاء في مديحها
( ولك المناقب كلها
فلم اقتصر على اثنتين )
فأصغى الرئيس إلى إنشاده واستحسنها وأجزل جائزته فلما خرج من عنده قال له بعض الحاضرين هذه القصيدة لعبد المحسن فقال أعلم هذا وأحفظ القصيدة 213
ثم أنشدها فقيل له كيف عملت معه هذا العمل من الإقبال عليه والجائزة السينية فقال لم افعل ذلك إلا لأجل البيت الذي ضمنها وهو قوله
( ولك المناقب كلها
فلم اقتصرت على اثنتين )
فإن هذا البيت ليس لعبد المحسن وأنا ذو المنقبتين فاعلم قطعا أن هذا البيت ما عمل إلا في وهو في نهاية الحسن واجتاز الصورى يوما بقبر صديق له فأنشد
( عجبا لي وقد مررت على قبرك كيف اهتديت قصد الطريق
)
( أتراني نسيت عهدك يوما
صدقوا ما لميت من صديق
)
انتهى ملخصا ومن شعره
( بالذي ألهم تعيبي ثناياك العذابا
)
( مالذي قالته عينا ك لقلبي فأجابا
)
وفيها أبو الحسن الرزاز على بن أحمد بن محمد بن داود البغدادي توفي في ربيع الآخر وله أربع وثمانون سنة روى عن أبي عمرو بن السماك وطبقته وقرأ على أبي بكر بن مقسم قال الخطيب كان كثير السماع والشيوخ والى الصدق ما هو
وفيها أبو بكر الذكواني محمد بن أبي علي أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الهمذاني الأصبهاني المعدل المحدث الصدوق عاش ستا وثمانين سنة ورحل إلى البصرة والكوفة والأهواز والرى والنواحي وروى عن أبي محمد بن فارس وأبي احمد القاضي العسال وفاروق الخطابي وطبقتهم وله معجم وتوفي في شعبان
وفيها أبو عبد الله بن الفخار محمد بن عمر بن يوسف القرطبي الحافظ شيخ المالكية وعالم أهل الأندلس روى عن أبي عيسى الليثي وطائفة وكان زاهدا عابدا متألها عارفا بمذاهب العلماء واسع الدائرة حافظا للمدونة عن ظهر قلب 214
والنوادر لابن أبي زيد مجاب الدعوة قال القاضي عياض كان احفظ الناس واحضرهم علما وأسرعهم جوابا وأوقفهم معلى اختلاف العلماء وترجيح المذاهب حافظا للأثر مائلا إلى الحجة والنظر وقال الذهبي عاش ستا وسبعين سنة
وفيها أبو الحسن محمد بم محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد البزار ببغداد في ربيع الأول الأشناني قال الخطيب كان صدوقا جميل الطريقة له أنسة بالعلم والفقه على مذهب أبي حنيفة والله أعلم
سنة عشرين وأربعمائة
فيها وقع برد عظام إلى الغاية كل واحدة رطل وأكثر حتى قيل أن بردة وجدت تزيد على قنطار وقد نزلت في الأرض نحوا من ذراع فكانت كالثور البارك وذلك بالنعمانية من العراق وهبت ريح لم يسمع بمثلها قلعت الأصول العاتية من الزيتون والنخيل
وفيها توفي أبو بكر المنقي أحمد بن طلحة البغدادي في ذي الحجة وكان ثقة روى عن النجاد وعبد الصمد الطستي
وفيا أبو الحسن بن البادا أحمد بن علي بن الحسن بن الهيثم البغدادي في ذي الحجة روى عن سهل بن زياد وابن قانع وطائفة قال الخطيب كان ثقة من أهل القرآن والأدب والفقه على مذهب مالك
وفيها صالح بن مرداس أسد الدولة الكلابي كان من أمراء العرب قال ابن خلكان كان من عرب البادية وقصد مدينة حلب وبها مرتضى الدولة بن الجراح غلام أبي الفضائل أبي نصر بن سيف الدولة نيابة عن الظاهر بن 215
الحاكم العبيدي صاحب مصرفا فاستولى عليها وانتزعها منه وكان ذا بأس وعزيمة وأهل وعشيرة وشوكة وكان تملكه لها في ثالث عشر ذي الحجة سنة سبع عشرة وأربعمائة واستقر بها ورتب أمورها فجهز إليه الظاهر المذكور أمير الجيوش أنوشكين الذر برى في عسكر كثيف والدز برى بكسر الدال المهملة والباء الموحدة وبينهما زاي وفي الآخر راء نسبة إلى دزبر بن دويتم الديلمي وهو بالدال أو الياء أيضا وكان بدمشق نائبا عن الظهار وكان ذا شهامة وتقدمة ومعرفة بأسباب الحرب فخرج متوجها إليه فلما سمع صالح الخبر خرج إليه وتقدم حتى تلاقيا على الأقحوانة فتصافا وجرت بينهما مقتلة انجلت عن قتل صالح المذكور في جمادى الأولى وهو أول ملوك بني مرداس المتملكين بجلب والأقحوانة بضم الهمزة بلدة بالشام من أعمال فلسطين بالقرب من طبرية انتهى ملخصا
وفيها الحسين بن عي بن محمد البردغى الهمذاني سكن سمر قند وكان أحد محدثيها وكان سنوطا والسنوط الذي لا لحية له أصلا قال ابن ناصر الدين لم يكن للبردغى في وجهه شعرة سوى حاجبيه وأشفار عينيه
وفيها أبو القسم الطرسوسى عبد الجبارين أحمد شيخ الأقراء بالديار المصرية واستاذ مصنف العنوان قرأ على أبي أحمد السامرى وجماعة وألف كتاب المجتبي في القراءات وتوفي في ربيع الأخر
وفيها أبو محمد التميمي عبد الرحمن بن أبي نصر عثمان بن القسم بن معروف الدمشقي رئيس البلد ويعرف بالشيخ العفيف روى عن إبراهيم بن أبي ثابت وخيثمة وطبقتهما وعاش ثلاثا وتسعين سنة وقال أبو الوليد الدر بندى كان خيرا من ألف مثله اسنادا واتقانا وزهدا مع تقدمه وقال رشا بن نظيف شاهدت سادات فما رأيت مثل أبي محمد بن أبي نصر كان قرة عين وقال عبد العزيز الكتاني توفي في جمادي الآخرة فلما أر أعظم من جنازته حضرها جميع 216
أهل البلد حتى اليهود والنصارى وكان عدلا مأمونا ثقة لم ألق شيخا مثله زهدا وورعا وعبادة ورياسة رحمه الله تعالى
وفيها ابن العجوز عبد الرحيم بن أحمد الكتامي المالكي قال القاضي عياض كان من كبار قومه واليه كانت الرحلة بالمغرب وعليه دارت الفتوى وفي عقبة أئمة بخباء أخذ عن ابن أبي زيد وأبى محمد الأصيلي وغيرهما
وفيها عبد الرحمن بن أحمد الشير نخشيري وشير نخشير من قرى مر وقاله ابن الأهدل أيضا
وفيها أبو الحسن الربعي على بن عيسى البغدادي شيخ النخو ببغداد أخذ على أبي سعيد السيرافي وأبي على الفارسي وصنف شرح الإيضاح لأبي علي وشرح مختصر الجرمى ونيف على التسعين وقيل أن أبا على قال قولوا لعلى البغدادي لو سرت من المشرق إلى المغرب لم تجد أحدا منك وكان قد لازمه بضع عشرة سنة
وفيها أبو نصر العبكري محمد بن أحمد بن الحسين البقال والد أبي منصور محمد بن محمد روى عن أبي علي بن الصواف وجماعة وهو ثقة
وفيها أبو بكر الرباطي محمد بن عبد الله بن أحمد روى عن أبي أحمد العسال والجعابي وطائفة وأملى مجالس وتوفي في شعبان
وفيها المسجى الأمير المختار عبد الملك بن محمد بن عبيد الله بن احمد الحراني الأديب العلامة صاحب التآليف وكان رافضيا جاهلا له كتاب القضايا الصائبة في التنجيم في ثلاثة آلاف ورقة وكتاب الأيدان والعبادات في ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة وكتاب التلويح والتصريح في الشهر ثلاث مجلدات وكتاب تاريخ مصر وكتاب أنواع الجماع في أربع مجلدات وعاش أربعا 217
وخمسين سنة قاله في العبر
سنة إحدى وعشرين وأربعمائة
فيها توفي القاضي أو بكر الحيري أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن حفص الحرسي النيسابوري الشافعي في رمضان وله ست وتسعون سنة وكان رئيسا محتشما أماما في الفقه انتهى إليه علو الإسناد فروى عن أبي على الميداني والأصم وطبقتهما وأخذ ببغداد عن أبي سهل القطان وبمكة عن الفاكهى وبالكوفة وجرجان وتفقه على أبي الوليد الفقيه وحذق في الأصول والكلام وولى قضاء نيسابور روى عنه الحاكم في تاريخه وآخر من حدث عنه الشيروي وقد صم بآخره حتى بقى لا يسمع شيئا ووافق شيخه الأصم وصنف في الأصول والحديث
وفيها أبو الحسين السليطي بفتح المهلمة وكسر اللام نسبة إلى سليط جد أحمد بن محمد بن الحسين النيسابوري العدل النحوي في جمادي الأولى روى عن الأصم وغيره
وفيها أبو عمر بن دراج أحمد بن محمد بن العاص بن أحمد بن سليمان بن عيسى بن دراج الأندلسي القسطلى بفتح القاف وسيكون المهلمة وفتح الطاء وتشديد اللام نسبة إلى قسطلة مدينة بالأندلس يقال لها قسطلة دراج الشاعر الكاتب الأديب شاعر الأندلس الذي قال فيه ابن حزم لو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج لما تأخر عن شأو حبيب والمتنبى وكان من كتاب الإنشاء في أيام المنصور بن أبي عامر وقال الثعالبي كان مصقع الأندلس كالمتنبى مصقع الشام ومن نظمه قصيدته الرائية التي عارض بها أبا نواس 218
وأول قصيدة ابن دراج
( ألم تعلمى أن الثواء هو النوى
وان بيوت العاجزين قبور )
( تخوفي طول السفار وأنه
لتقبيل كف العامري سفير )
( دعيني أرد ماء المفاوز آجنا
إلى حيث ماء المكرمات نمير )
( فإن خطيرات المهالك ضمن
لراكبها أن الجزاء خطير )
ومنها في وصف وداعه لزوجته وولده الصغير
( ولما تدانت للوداع وقد هفا
بصبرى منها أنه وزفير )
( تناشدني عهد المودة والهوى
وفي المهد مبغوم النداء صغير )
( عيني بمرجوع الخطاب ولحظه
بموقع أهواء النفوس خبير )
( تبوأ ممنوع القلوب ومهدت
له أذرع محفوفة ونحور )
( فكل مفداة الترائب مرضع
وكل محياة المحاسن ظبير )
( عصيت شفيع النفس فيه وقادنى
رواح لتدآب الثرى وبكور )
( وطار جناح البين بي وهفت بها
جوانح من ذعر الفراق تطير )
( لئن ودعت مني غيورا فأنني
على عزمتي من شجوها لغيور )
( ولو شاهدتني والهواجر تلتظى
على ورقراق السراب يمور )
( اسلط حر الهاجرات إذا سطا
على حر وجهي والأصيل هجير )
( وأستنشق النكباء وهي لوافح
واستوطئ الرمضاء وهي تفور )
( وللموت في عين الجبان تلون
وللذعر في سمع الجرئ صفير )
( لبان لها إني من البين جازع
وإني على مض الخطوب صبور )
( أمير على غول التنايف ماله
إذا ريع إلا المشرفى وزير )
( ولو بصرت بي والسرى جل عزمتي
وجرسى لجنان الفلاة سمير )
( ودارت نجوم القطب حتى كأنها
كؤوس مهى والي بهن مدير )
( وقد خليت طرق المجرة إنها
على مفرق الليل البهيم قتير ) 219
( وثاقب عزمى والظلام مروع
وقد غض أجفان النجوم فتور )
( لقد أيقنت لن المنى طوع همتي
وإني بعطف العامري جدير )
وهي طويلة وغالب شعره مستحسن وديوانه في مجلد وكانت ولادته في المحرم سنة سبع وأربعين وثلثمائة ومات ليلة الأحد لست عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة
وفيها أبو إبراهيم إسمعيل بن ينال المروزى المحبوبي نسبة إلى جده محبوب سمع جامع الترمذي من أستاذهم محمد بن أحمد بن محبوب وهو آخر من حدث عنه توفي في صفر عن سبع وثمانين سنة قال أبو بكر السمعاني كان ثقة عالما أدركت نفرا من أصحابه
وفيها أبو عبد الله المعاذى بضم الميم وبالذال المعجمة نسبة إلى معاذ جد سمع من أبي العباس الأصم مجلسين فقد ومات في جمادي الأولى قاله الذهبي وقع لنا حديثه من طريق شيخ الإسلام
وفيها أبو عبد الله الحمال الحسين بن إبراهيم الأصبهاني روى عن أبي محمد ابن فارس وجماعة ومات في ربيع الأول وله جزء معروف
وفيها أبو علي البجاني بجانة الأندلس الحسين بن عبد الله بن الحسين ابن يعقوب المالكي وله خمس وتسعون سنة حمل عنه ابن عبد البر وأبو إسماعيل العباس العذري والكبار وكان أسند من بقي بالمغرب في رواية الواضحة لعبد الملك بن حبيب سمعها من سعيد بن فحلون في سنة ست وأربعين وثلثمائة عن يوسف المغامي عن المؤلف 220
وفيها حمام بن أحمد القاضي أبو بكر القرطبي قال ابن حزم كان واحد عصره في البلاغة وسعة الرواية ضابطا أكثر عن أبي محمد الباجي وأبي عبد الله بن مفرج وولى قضاء يابرة وتوفي في رجب وله أربع وستون سنة
وفيها أبو سعيد الصيرفي محمد بن موسى بن الفضل النيسابوري كان ينفق على ألأصم ويخدمه بماله فاعتنى به الأصم وسمعه الكثير وسمع أيضا من جماعة وكان ثقة توفي في ذي الحجة
وفيها السلطان محمود بن سبكتكتين سيف الدولة أبو القسم بن الأمير ناصر الدولة أبي منصور كان أبوه أميرا للغزاة الذين يغيرون من بلادهم ما وراء النهر على أطراف الهند فأخذ عدة حصون وقلاع وافتتح ناحية بست وكان كراميا وأما محمود فافتتح غزنة ثم بلاد ما وراء النهر ثم استولى على سائر خراسان وعظم ملكة ودانت له الأمم وفرض على نفسه غز والهند كل سنة فافتتح منه بلادا واسعة وكان ذا عزم وصدق في الجهاد قال عبد الغافر الفارسي كان صادق النية في إعلاء كلمة الله تعالى مظفرا في غزواته ما خلت سنة من سنى ملكه عن غزوة أو سفرة وكان ذكيا بعيد الغور من موفق الرأي وكان مجلسه مورد العلماء قال ابن خلكان وملك بلاد خراسان وانقطعت الدولة السامانية منها وذلك في سنة تسع وثمانين وثلثمائة واستثبت له الملك وتبوأ سرير المملكة وقام بين يديه أمراء خراسان سماطين مقيمين برسم الخدمة وملتزمين حكم الهيبة وأجلهم بعد الآذن العام على مجلس الأنس وأمر لكل واحد منهم وحاشيته من الخلع والصلات ونفائس الأمتعة ما لم يسمع بمثله وإتسقت 221
الأمور عن آخرها في كنف إيالته واستوثقت الأعمال في ضمن كفالته ثم أنه ملك سجستان في سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة بدخول قوادها وولاة أمورها في طاعته من غير قتال ولم يزل يفتح بلاد الهند إلى أن انتهى إلى حيث لم تبلغه في الإسلام راية ولم تتل به سورة قط ولا آية فدحض عنها أدناس الشرك وبنى بها مساجد وجوامع وتفصيل حاله يطول شرحه وذكر شيخنا ابن الأثير في تاريخه أن بعض الملوك بقلاع الهند أهدى له هدايا كثيرة من جملتها طائر على هيئة القمري من خاصيته انه إذا حضر الطعام وفيه سم دمعت عيناه وجرى منها ماء وتحجر فإذا حل ووضع على الجراحات الواسعة ألحمها وذلك في سنة أربع عشرة وأربعمائة وذكر أما الرحمين أبو المعالي عبد الملك الجويني في كتابه الذي سماه مغيث الخلق في اختيار الأحق أن السطان محمود المذكور كان على مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه وكان مولعا بعلم الحديث وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع وكان يستفسر الأحاديث فوجد أكثرها موافقا لمذهب الشافعي رضي الله عنه فوقع في خلده حكمة ذلك فصار شافيعا وذكر قصة القفال في الصلاة بين يديه على كل من المذهبين وبالجملة فمنا قبه كثيرة وسيرته أحسن السير ومولده ليلة عاشوراء سنة إحدى وستين وثلثمائة وتوفي بغرنة وقبره بها يزار ويدعى عنده وقد صنف في حركاته وسكناته وأحواله لحظة لحظة رحمه الله تعالى وتوفي في جمادي الأولى
سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة
فيها توفي القادر بالله الخليفة أبو العباس أحمد بن الأمير اسحق بن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي توفي ليلة الحادي عشر من ذي الحجة وله سبع وثمانون سنة وكانت خلافته إحدى ورأبعين سنة وثلاثة أشهر وكان أبيض كث اللحية طويلها يخضب شيبه قال الخطيب كان من الديانة وأدامة 222
التهجيد وكثرة الصدقات على صفة اشتهرت عنه صنف كتابا في الأصول فيه فضل الصحابة رضي الله عنهم وتكفير المعتزلة القائلين بخلق القرآن فكان يقرأ أكل جمعة ويحضره الناس مدة وقال أبو الحسن الأبهري أرسلني بهاء الدولة إلى القادر بالله فسمعته ينشد
( سبق القضاء بكل ما هو كائن
والله يا هذا لرزقك ضامن )
( تعنى بما يفنى وتترك ما به
تغنى كأنك للحوادث آمن )
( أو ما ترى الدنيا ومصرع أهلها
فاعمل ليوم فراقها يا خائن )
( يا عامر الدنيا أتعمر منزلا
لم يبق رلاعنه صنف كتابا في الأصول فيه فضل الصحابة رضي الله عنهم وتكفير المعتزلة القائلين بخلق القرآن فكان يقرأ أكل جمعة ويحضره الناس مدة وقال أبو الحسن الأبهري أرسلني بهاء الدولة إلى القادر بالله فسمعته ينشد
( سبق القضاء بكل ما هو كائن
والله يا هذا لرزقك ضامن )
( تعنى بما يفنى وتترك ما به
تغنى كأنك للحوادث آمن )
( أو ما ترى الدنيا ومصرع أهلها
فاعمل ليوم فراقها يا خائن )
( يا عامر الدنيا أتعمر منزلا
لم يبق فيه مع المنية ساكن )
( الموت شيء أنت تعلم أنه
حق وأنت بذكره متهاون )
( أن المنية لا تؤامر من أتت
في نفسه يوما ولا تستأذن )
فقلت الحمد الله الذي وفق أمير المؤمنين لا نشاد مثل هذه الأبيات فقال بل الله لمنة إذا أهلمنا لذكره ووفقنا لشكره ألم تسمع قول الحسن البصري في أهل المعاصي هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء قال الذهبي كان في هذا العصر رأس الأشعرية أبو إسحق الإسفرائيني ورأس والمعتزلة القاضي عبد الجبار ورأس الرافضة الشيخ المفيد ورأس الكرامية محمد بن الهيضم ورأس القراء أبو الحسن الحمامى ورأس المحدثين الحافظ عبد الغني بن سعيد ورأس الصوفية أبو عبد الرحمن السلمى ورأس الشعراء أبو عمر ابن دراج ورأس المجودين ابن البواب ورأس الملوك السلطان محمود بن سكتكين قلت ويضم إلى هذا رأس الزنادقة الحاكم بأمر الله ورأس اللغويين الجوهري ورأس النجاة ابن جنى ورأس البلغاء البديع ورأس الخطباء ابن نباتة ورأس المفسرين أبو القسم بن حبيب النيسابوري ورأس الخلفاء القادر فإنه من أعلامهم تفقه وصنف وناهيك بأن الشيخ تقي الدين بن الصلاح عدة من الفقهاء الشافعية 223
وأرده في طبقاتهم ومدته في الخلافة من أطول المداد انتهى ما أورده السيوطي وقال الذهبي لما مات القادر بالله للبيعة فقال إن الأمير حسن بن عيسى بن المقتدر قام وقامت الأتراك على القائم بالرسم الذي للبيعة فقال إن القادر لم يحلف مالا وصدق لأنه كان من أفقر الخلفاء وصالحهم على ثلاثة آلاف دينار ليس إلا وعرض القائم خانا وبستانا للبيع وصغر دست الخلافة إلى هذا الحد انتهى
وفيها أبو القسم الكتاني طلحة بن علي بن الصقر البغدادي كان ثقة صالحا مشهورا عاش ستا وثمانين سنة ومات في ذي القعدة وروى عن النجاد وأحمد ابن عثمان الأدمى ودعلج وجماعة
وفيها أبو المطرف بن الحصار قاضي الجماعة بالأندلس عبد الرحمن بن أحمد ابن سعيد غرسية مات آخر الكهولة وكان عالما بارعا ذكيا متفننا فقيه النفس حاضر الحجة صاحب سنة توفي في شعبان
وفيها القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر أبو محمد البغدادي المالكي أحد الأعلام سمع من عمر بن سنبك وجماعة وتفقه على ابن القصار وابن الجلاب ورأى أبا بكر الابهري وانتهت إليه رياسة المذهب قال الخطيب لم ألق في المالكية أفقه منه ولي قضاء بادرايا وتحول في آخر أيامه إلى مصر فمات بها في شعبان وقد ساق القاضي ابن خلكان نسب القاضي عبد الوهاب إلى مالك بن طوق الثعلبي صاحب الرحبة قاله في العبر وقال أبو إسحق الشيرازي سمعت كلامه في النظر وكان فقيها متأدبا شاعرا له كتب كثيرة في كل فن وعاش ستين سنة وذكره ابن بسام في كتاب الذخيرة فقال كان فقيه الناس ولسان أصحاب القياس وقد وجدت له شعرا معانيه أجلى من الصبح وألفاظ أحلى من الظفر بالنجح ونبت به بغداد كعادة البلاد بذوي فضلها وكحكم الأيام في محسنى أهلها فودع ماءها وظلها وحدثت أنه شيعه يوم فصل عنها من أكابرها وأصحاب 224
محابرها جملة موفروة وطوائف كثيرة وألأنه قال لهم لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ما عدلت ببلد بلوغ أمنيةن وفي ذلك يقول
( سلام الله على بغداد في كل موطن
وحق لها منى سلام مضاعف )
( فو الله ما فارقتها عن قلي لها
وإني بشطى جانبيها لعارف )
( ولكنها ضاقت على بأسرها
ولم تكن إلا رزاق فيها تساعف )
( وكانت كخل كنت أهوى دنوه
وأخلاقه تنأى به وتخالف )
واجتاز بطريقة بمعرة النعمان وكان قاصدا مصر وبالمعرة يومئذ أبو العلاء فأضافه وفي ذلك يقول من أبيات
( والمالكي ابن نصر زار في سفر
بلادنا فحمدنا النأي والسفرا )
( إذا تفقه أحيا مالكا جدلا
وينشر الملك الضليل أن شعرا )
ثم توجه إلى مصر فحمل لواءها وملأ أرضها وسماءها وأمتع سادتها وكبراءها وتناهت إليه الغرائب وإنثالت في يديه الرغائب فمات لأول ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها وزعموا أنه قال وهو يتقلب ونفسه تتصعد وتتصوب لا اله إلا الله إذا غشنا متناوله أشعار رائقة ظريفة فمن ذلك قوله
( ونائمة قبلتها فتنبهت
فقالت تعالوا فاطلبوا اللص بالحد )
( فقلت لها إني فديتك غاضب
وما حكموا في غاضب بسوي الرد )
( خذيها وكفى عن أثيم ظلامة
وإن أنت لم ترضي فألفا على العد )
( فقالت قصاص يشهد العقل أنه
على كبد الجاني ألذ من الشهد )
( فباتت يميني وهي هميان خضرها
وباتت يساري وهي واسطة العقد )
( فقالت ألم أخبر بأنك زاهد
فقلت بلى ما زالت أزهد في الزهد )
وكانت ولادته ببغداد يوم الخميس سابع شوال سنة اثنتين وستين وثلثمائة توفي ليلة الاثنين رابع عشر صفر بمصر ودفن بالقرافة الصغرى فيما بين قبة الشافعي رضي الله عنه وباب القرافة وكان أبوه من أعيان الشهود ببغداد 225
وكان أخوه أبو الحسن محمد بن نصر أديبا فاضلا صنف كتاب المفاوضة للملك العزيز جلال الدولة أبي منصور بن أبي طاهر بن جمع فيه ما شاهده وهو من الكتب الممتعة في ثلاثين كراسة وله رسائل ومولده ببغداد في إحدى الجمادين سنة اثنتين وسبعين وثلثمائة وتوفي يوم الأحد سابع عشرى شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وأربعمائة بواسط وكان قد أصعد إليها من البصرة فمات بها
وتوفي أبوهما أبو الحسن على يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة إحدى وتسعين وثلثمائة قاله ابن خلكان
وفيها أبو الحسن الطرازي على بن محمد بن محمد بن أحمد عثمان البغدادي ثم النيسابوري الأديب روى عن الأصم وأبي حامد بن حسنويه وجماعة وبه ختم حديث الأصم توفي في الرابع والعشرين من ذي الحجة
وفيها أبو الحسن بن عبد كويه على بن يحيى بن جعفر أمام جامع أصبهان في المحرم حج وسمع باصبهان والعراق والحجاز وحدث عن أحمد بن بنذار الشعار وفاروق الخطابي وطبقتهما وأملى عدة مجالس
وفيها محمد بن مروان ابن زاهر أبو بكر الأبادي الإشبيلي المالكي أحد أركان المذهب كان واسع الرواية عالي الإسناد عاش ستا وثمانين سنة وحدث عن محمد ابن معوية القرشي وأبي علي القالي وطائفة وهو والد الطبيب عبد الملك وجد الطبيب العلامة الرئيس أبي العلاء زهر
وفيها محمد بن يوسف القطان الحافظ أبو أحمد الأعرج النيسابوري مات كهلا ومل ينشر حديثه روى عن أبي عبد الله الحاكم وطبقته ورحل إلى العراق والشام ومصر
وفيها أبو نصر المفسر منصورين بن الحسين بنيسابور مات قبل الطرازي وحدث عن الأصم وغيره 226
وفيها يحيى بن عمار الأمام أبو ذكريا الشيباني السجستاني الواعظ تزيل هراة روى عن حامد الرفا وطبقته وكان له القول التام بتلك الديار لفصاحة وحسن موعظته وبراعته في التفسير والسنة وخلف أموالا كثيرة ومات في ذي القعدة وله تسعون سنة
سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة
فيها سار الملك المسعود بن محمود بن سبكتكين فدخل أصبهان بالسيف وقتل عالما لا يحصون وفعل مالا تفعله الكفرة
وفيها توفي أبو القسم الحرقي عبد الرحمن بن عبيد الحربي المحدث قال الخطيب كان صدوقا غير أن سماعه في بعض ما رواه عن النجاد كان مضطربا مات في شوال وله سبع وثمانون سنة
وفيها أبو الحسن النعيمي علي بن أحمد بن الحسن بن محمد البصري الحافظ روى عن طائفة ومات كهلا قال الخطيب كان حافظا حاذقا متكلما شاعرا وقال ابن ناصر الدين كان شديد العصبية في السنة والديانة وإتهم بوضع حديث في صباه ثم تاب ولازم الثقة والصيانة
وفيها أبو الفضل الكاغدى منصور بن نصر السمرقندي مسند ما وراء النهر روى عن الهيثم الشاشي ومحمد بن عبد الله بن حمزة توفي بسمر قندي في ذي القعدة وقد قارب المائة
سنة أربع وعشرين وأربعمائة
فيها كما قال في العبر اشتد الخطب ببغداد بأمر الحرامية وأخذوا أموال الناس عيانا وقتلوا صاحب الشرطة وأخذوت لتأجر ما قيمته عشرة آلاف دينار 227
وبقي الناس لا يجسرون إن يقولوا فعل البرجمي فوخا منه لب يقولوا عنه القائد أبو علي وإشتهر عنه إنه لا يتعرض لامرأة ولا يدع أحدا يأخذ شيئا عليها
وفيها توفي أبو علي الفشيذ يزجي بفتح الفاء وكسر المعجمة وتحتيتين ساكنتين وفتح المهملة بينهما والزاي وجيم نسبة إلى فشيديزة بلد الحسين ابن الخضر البخاري قاضي بخارا وشيخ الحنفية في عصره روى عن محمد بن محمد بن صابر وجماعة توفي في شعبان وقد خرج له عدة أصحاب
وفيها أبو طاهر الدقاق حمزة بن محمد بن طاهر الحافظ أحد أصحاب الدار قطني كان البرقاني يخضع لمعرفته وعلمه
وفيها الأمام أبو محمد بن ذنين عبد الله بن عبد الرحمن نبن عثمان الصدفي الطليطلي روى عن أبي جعفر بن عون الله وطبقته وأكثر عن أبي محمد بن أبي زيد القيرواني وعن أبي بكر المهندس وأبي الطيب بن غلبون بمصر وكان زاهدا عابدا خاشعا مجاب الدعوة منقطع القرين عديم النظر مقبلا على الأثر والسنة أمارا بالمعروف لا تأخذه في الله لومة لائم مع الهيبة والعزة وكان يعمل كرمه بنفسه
وفيها أبو بكر الأردستاني بفتح الهمزة فسكون الراء ففتح المهملة فسكون المهملة ففتح الفوقية نسبة إلى إردستان بلد قرب إصبهان وقيل بكسر الهمزة والدال محمد بن إبراهيم الحافظ العبد الصالح روى صحيح البخاري عن إسماعيل بن حاجب وروى عن أبي حفص مبن شاعين وهذه الطبقة 228
سنة خمس وعشرين وأربعمائة
فيها كما قال في الشذور هبت ريح سوداء بنصيبين فقلعت من بساتينها كثيرا ورمت قصرا مبينا بآخر وحجارة وكاس ووقع هناك برد في أشكال الأكف والنا مرد والأصابع وزلزلت الرملة فهدم نحو من نصفها وخسف بقرى وسقط بعض حائط بيت المقدس وسقطت منارة وجامع عسقلان وجزر البحر نحو ثلاثة فراسخ فخرج الناس يتتبعون السمك والصدف فعاد الماء فأخذ قوما منهم انتهى
وفيها الحافظ الكبير الثقة البرقاني بالفتح نسبة إلى برقان قرية بخوارزم أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمى الفقيه الشافعي مولده بخوارزم سنة ست وثلاثين وثلثمائة وسمع بها بعد الخمسين من أبي العباس بن حمدان وجماعة وببغداد من أبي علي بن الصواف وطبقته وبهراة وبنيسابور وجرجان ومصر ودمشق قال الخطيب كان ثبتا ورعا لم في شيوخنا أثلت منه عارفا بالفقه كثير التصنيف ذا حظ من علم العربية صنف مسندا ضمنه ما اشتمل عليه الصحيحان وجمع حديث الثورى وحديث شعبة وطائفة وكان حريصا على العلم منصرف الهمة إليه وقال أبو محمد الخلال كان البرقاني نسيج وحدة وقال الاسنوي كان المذكور إماما حافظا ورعا مجتهدا في العبادة حافظا للقرآن قال الشيخ في طبقاته تفقه في صباه وصنف في الفقه ثم اشتغل بعلم الحديث فصار فيه إماما وقال ابم الصلاح كان حريصا على العلم منصرف الهمة إليه لم يقطع التصنيف إلى حين وفاته قال وعاده الصورى في آخر جمادى الآخرة فقال له سألت الله أن يؤخر وفاتي حتى يهل رجب فقد روى أن فيه الله تعالى عتقاء من النار فعسى أن أكون منهم فاستجيب له انتهى كلام الأسنوي
وفيها أبو علي بن شاذان البزار الحسن بن أبي بكر أحمد بن إبراهيم بن 229
الحسن بن محمد بن شاذان البغدادي ولد سنة تسع وثلاثين وثلثمائة وسمعه أبوه من أبي عمرو بن السماك وأبي سهل بن زياد والعباداني وطبقتهم فاكثر وطال عمره وصار مسند العراق قال الخطيب كان صدوقا صحيح السماع يفهم الكلام على مذهب ألاشعري سمعت أبا القسم الأزهري يقول أبو علي أوثق من برأ في الحديث وتوفي في آخر يوم من السنة ودفن من الغد في أول سنة وعشرين
وفيها ابن شبانة العدل أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الهمذاني روى عن أبي القسم عبد الرحمن بن عبيد وطائفة وكان صدوقا
وفيها أبو الحسن الجوبري بفتح الجيم والموحدة نسبة إلى جوبر قرية بدمشق عبد الرحمن بن محمد بن يحيى بن ياسر التميمي الدمشقي كان أبوه محدثا فأسمعه الكثير من علي بن أبي العقب وطائفة وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب
وفيها عبد الوهاب بن عبد الله بن عمر أبو نصر المرى الدمشقي بن الحيان الشروطي الحافظ روى عن أبي عمر بن فضالة وطبقته وصنف كتبا كثيرة قاله الكتاني ومات في شوال
وفيها أبو الفضل الهروى الزاهد بن إبراهيم روى عن أبي بكر الإسمعيلي وبشر بن أحمد الإسفرائيني وطبقتهما وكان فقيها عالما ذا زاهد وصدق وورع وتبتل
وفيها أبو بكر بن مصعب التاجر محمد بن علي بن إبراهيم الأصبهاني روى علي ابن فارس وأحمد بن جعفر السمسار وجماعة وتوفي في ربيع الأول
سنة ست وعشرين وأربعمائة
فيها زاد بلاء الحرامية وجاهروا بأخذ الأموال وبإظهار الفسق والفجور 230
والفطر في رمضان حتى تملكوا بغداد في المعنى
وفيها أبو عامر بن شهيد أحمد بن عبد الملك بن مروان بن ذي الوزارتين أحمد بن عبد الملك بن عمر بن شهيد الأشجعي القرطبي الشاعر حامل لواء البلاغة والشعر بالأندلس قال ابن حزم توفي في جمادي الأولى وصلى عليه أبو الحرم جمهور ولم يخلف له نظيرا في الشعر والبلاغة وكان سمحا جوادا عاش بضعا وأربعين سنة
وفيها أبو محمد بن الشقاق عبد الله بن سعيد كبير المالكية بقرطبة ورأس القراء توفي في رمضان وله ثمانون سنة أخذ عن أبي عمر بن المكوى وطائفة
وفيها أبو بكر المنيني محمد بن رزق الله نب أبي عمرو والاسود خطيب منين روى عن علي بن أبي العقب والحسين بن أحمد بن أبي ثاب وجماعة قال أبو الوليد الدار بندي لم يكن بالشام يكتنى بأبي بكر غير وكان ثقة وقال الكتاني توفي في جمادي الأولى وله أربع وثمانون سنة وكان يحفظ القرآن بأحرف
وفيها أبو عمرو الرزجاهي بفتح الراء والجيم وسكون الزاي نسبة إلى رزجاه قرية ببسطام محمد بن عبد الله بن أحمد البسطامي الفقيه الأديب المحدث تفقه على أبي سعد الصعلوكي وأكثر عن ابن عدي وطبقته ومات في ربيع الأول وله خمس وثمانون سنة وكان يقرئ العربية قاله في العبر والله تعالى أعلم
سنة وسلع وعشرين وأربعمائة
فيها توفي أبو إسحق الثعالي أحمد نب محمد بن إبراهيم النيسابوري المفسر روى عن أبي محمد المخلدي وطبقته من أصحاب السراج وكان حافظا واعظا رأسا في التفسير والعربية والديانة قاله في العبر وقال ابن خلكان كان أو حد زمانه في علم التفسير وصنف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء وغير ذكره السمعاني وقال يقال له 231
الثعلبي وهو لقب له وليس بنسب قال بعض العلماء وقال أبو القسم القيشري رأيت رب العزة عز وجل في المنام وهو يخاطبني وأخاطبه فكان في إثناء ذلك أن قال الرب تعالى اسمه أقلب الرجل الصالح فالتفت فإذا أحمد الثعالبي مقبل
انتهى ما قاله ابن خلكان مختصرا
وفيها أبو النعمان تراب بن عمر بن عبيد المصري الكاتب روى عن أبي أحمد بن الناصح وجماعة توفي في ربيع الآخر بمصر وله خمس وثمانون سنة
وفيها أبو القسم السهمي حمزة بن يوسف الجرحاني الثقة الحافظ من ذرية هشام من العاص سمه سنة أربع وخمسين من محمد بن أحمد بن إسمعيل الصرام صاحب محمد بن الضريس ورحل إلى العراق سنة ثمان وستين فأدرك أن ماسي وهو مكثر عن ابن عدي الإسمعيلي وكان من أئمة الحديث حفظا ومعرفة واتقانا
وفيها أبو الفضل الفلكي علي بن الحسين الهمداني الحافظم رحل الكثير وروى عن أبي الحسين بن بشران وأبي بكر الحيري وطبقتهما ومات شابا قبل أوان الرواية ولو عاش لما تقدمه أحد في الحفظ والمعرفة لفرط ذكائه وشدة اعتنائه وقد صنف كتاب المنهتى في الكمال في معرفة الرجال ألف جزة لم يبضه قال شيخ الإسلام الأنصاري ما أريت أحدا أحفظ من أبي الفضل ابن الفلكي ومات بنيسابور وكان جده يلقب بالفلكي لبراعته في الهيئة والحساب
وفيها أبو علي الجياني الحسين بن محمد الغساني الأندلس المحدث له كتاب تقييد المهمل إجاد فيه وأحسن وكان من أفراد الحفاظ مع معرفة الغريب والشعر والنسب وحسن الحظ وجيان بلدة كبيرة بالأندلس وجيان أيضا من أعمال الري قاله ابن الأهدل
وفيها الظاهر لا عزاز دين الله علي بن الحاكم منصور بن العزيز العبيدي 232
المصري صاحب مصر والشام بويع أبهي وشرعت دولتهم في انحطاط منذ ولي وتغلب حسان بن مفرج الطائي على أكثر الشام وأخذ صالح بن مرداس حلب وقوى نائبهم على القيروان وقد وزر للظاهر الوزير نجيب الدولة على بن أحمد الجرجراي وكان هذا اقطع اليدين من المرفقين قطعهما الحاكم في سنة أربع وأربعمائة فكان يكتب العلامة عند القاضي القضاعي قال ابن خلكان قطعت يداه في شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعمائة على باب القصر البحري بالقاهرة وحمل إلى داره وكان يتولى بعض الدواوين فظهرت عليه خيانة فقطع بسببها ثم بعد ذكل ولى ديوان النفقات سنة تسع وأربعمائة ثم وزر للظاهر في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وهذا كله بعد أن انتقل في الخدم بالأرياف والصعيد وكانت علامته في الكتابة الحمد الله شكرا لنعمته واستعمل العفاف والأمانة الزائدة من الاحتراز والتحفظ وفي ذلك يقول جاسوس الملك
( يا احمقا اسمع وقل
ودع الرقابة والتحامق )
( أأقمت نفسك في الثقا
ت وهبك فيما قلت صادق )
( قمن الأمانة والتقي
قطعت يداك من الموافق )
وهو منسوب إلى جرجرايا بفتح الجيمين قرية من ارض العراق وكانت ولادة الظاهر يوم الأربعاء عاشر شهر رمضان سنة وتسعين وثلثمائة بالقاهرة وكانت ولايته بعد فقد أبيه بمدة لأن أباه لما فقد كان الناس يرجون ظهوره ويتتبعون آثاره إلى أن تحقق عدمه فأقاموا ولده المذكور وتوفي ليلة الأحد منتصف شعبان بالمقص بالموضع المعروف بالدكة من القاهرة وتوفي وزيره الجراجري سنة ست وثلاثين في سابع شهر رمضان وكانت وزارته للظاهر ولولده المستنصر سبع عشرة وثمانية أشهر عشر يوما ولما توفي الظاهر بايعوا بعده ولده المستنصر وهو صبي 233
وفيها محمد بن المزكي أبي إسحق إبراهيم بن محمد بن يحيى أبو عبد الله النيسابوري مسند نيسابور في زمانه روى عن أبيه وحامد الرفا ويحيى بن منصور القاضي وأبي بكر بن الهيثم الأنباري وطبقتهم وسمع منه الشيروي
سنة ثمان وعشرين وأربعمائة
فيها توفي أبو بكر الأصبهاني اليزدي أحمد بن محمد بن منجويه الحافظ تزيل نيسابور ومحدثها صنف التصانيف الكثيرة ورحل ووصل إلى بخارا وحدث عن أبي بكر الإسمعيلي وأبي بكر بن المقرئ وطبقتهما روى عنه شيخ الإسلام وقال هو احفظ من رأيت من البشر قاله في العبر وتوفي في المحرم وله إحدى وثمانون سنة وقال ابن ناصر الدين كان أحد الحفاظ المجودين ومن أهل الورع والدين ثقة من الإثبات صنف على الصحيحين وجامع الترمذي وسنن أبي داود مصنفات انتهى
وفيها أبو بكر بن النمط أحمد بن محمد بن الصقر البغدادي المقرئ الثقة العابد روى عن أبي بكر الشافعي وفاروق وطبقتهما
وفيها أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان البغدادي الفقيه شيخ الحنفية بالعراق انتهت إليه رياسة المذهب وعظم جاهه وبعد صيته وكان حسن العبارة في النظم وسمع الحديث وروى عنه أبو بكر الخطيب صاحب التاريخ وصنف في الذهب المختصر المشهور وغيره وكان يناظر الشيخ أبا حامد الإسفرائيني الفقيه الشافعي ويبالغ في تعظيمه بحيث حكى عنه ابن خلكان انه كان يفضل الإسفرائيني على الشافعي وهذا عجب عجاب وكانت ولادة القدورى سنة اثنتين وستين وثلثمائة وتوفي يوم الأحد خامس رجب من هذه السنة ببغداد ودفن من يومه بداره في درب أبي خلف ثم نقل إلى تربة في شارع المنصور فدفن بجانب أبي بكر الخوارزمي الفقيه الحنفي 224
وفيها أبو علي بن سينا الرئيس الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا صاحب التصانيف الكثيرة في الفلسفة والطب وله من الذكاء الخارق والذهن الثاقب ما فاق به غيره وأصله بلخى ومولده ببخارا وكان أبوه من دعاة الإسمعيلية فأشغله في الصخر وحصل عدة علوم قبل أن يحتلم وتنقل في مدائن خراسان والجبال وجرجان ونال حشمة وجاها وعاش ثلاثا وخمسين سنة وقال ابن خلكان في ترجمة ابن سينا اغتسل وتاب وتصدق بما معه على الفقراء ورد المظالم وأعتق مماليك وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة ثم مات بهمذان يوم الجمعة في شهر رمضان قاله في جميعه في العبر وقال ابن خلكان كان أبوه من العمال الكفاة تولى العمل بقرية من ضياع بخارا يقال لها خرمثين من أمهات قراها وولد الرئيس أبو علي وكذلك أخوه بها واسم أمه ستارة وهي من قرية يقال لها أفشنة بالقرب من خرمثين ثم انتقلوا إلى بخارا وتنقل الرئيس بعد ذلك في البلاد واشتغل بالفنون وحصل كالعلوم والفنون ولما بلغ عشر سنين من عمره كان قد أتقن علم القرآن العزيز والأدب وحفظ أشياء من أصول الدين وحساب الهند والجبر والمقابلة ثم توجه نحوهم الحكيم أبو عبد الله الناتلي فأنزله أبو الرئيس عنده فابتدأ أبو علي يقرأ عليه كتاب ايساغوجي وأحكم عليه علم المنطق واقليدس والمجسطي وفاته أضعافا كثيرة حتى أوضح له رموزه وفهمه اشكالات لم يكن الناتلي يدريها وكان مع ذلك يختلف في الفقه إلى إسمعيل الزاهد يقرأ ويبحث ويناظر ونظر في الفصوص والشروح وفتح الله تعالى عليه أبواب العلوم ثم رغب بعد ذلك في علم الطب وتأمل الكتب المصنفة فيه وعالج تأدبا لا تكسبا وعلمه حتى فاق فيه على الأوائل والأواخر في أقل مدة 235
وأصبح فيه عديم القرين فقيد المثيل واختلف إليه فضلا هذا الفن يقرءون عليه أنواعه والمعالجات المقتبسة من التجربة وسنة إذ ذاك نحو ست عشرة سنة وفي مدة اشتغاله لم ينم ليلة واحدة بكمالها ولا اشتغل في النهار بسوي الطالعة وكان إذا أشكلت عليه مسئلة توضأ وقصد الجامع وصلى ودعا الله عز وجل أن يسهلها عليه ويفتح مغلقها له وذكر عند الأمير نوح الساماني صاحب خراسان في مرضه فأحضره وعالجه حتى برئ واتصل به وقرب منه ودخل دار كتبه وكانت عديمة المثل فيها من كل فن الكتب المشهورة بأيدي الناس وغبرها وحصل نخب فرائدها واطلع على أكثر علومها واتفق بعد ذلك احتراق تلك الخزانة فتفرد أبو علي حصله منها وينسبه إلى نفسه ولم يستكمل ثماني عشرة سنة من عمره إلا وقد فرغ من تحصيل العلوم بأسرها التي عاناها وتوفي أبوه وسن أبي علي اثنتان وعشرون سنة وكان يتصرف هو ووالده في الأحوال ويتقلدون للسلطان الأعمال وسار إلى همذان وتولى الوزارة لشمس الدولة ثم تشوش العسكر عليه فأغاروا على داره ونهبوها وقبضوا عليه وسألوا شمس الدولة قتله فامتنع ثم أطلق فتواري ثم مرض شمس الدولة بالقولنج فأحضره لمداواته وأعاده وزيرا ثم مات شمس الدولة وتولى تاج الدولة فلم يستوزره فتوجه إلى أصبهان وبها علاء الدولة بن كاكويه فأحسن إليه وكان أبو علي قوي المزاج وتغلب عليه قوة الجماع حتى أنهكته ملازمته وأضعفته ولم يكن يداوي مزاجه فعرض له قولنج فحق نفسه في يوم واحد ثمان مرات فقرح بعض أمعائه وظهر له سحج واتفق سفره مع علاء الدولة فحدث له الصرع الحادث عقيب القولنج فأمر باتخاذ دانقين من كرفس في جملة ما يحقن به فجعل الطبيب الذي يعالجه فيه خمسة دراهم فازداد السحج 236
به من حدة الكرفس وطرح بعض غلمانه في بعض أدويته شيئا كثيار من الأقيون وكان سببه أن غلمانه خانوه في شيء فخافوا عاقبة آمره عند برئه وكان منذ حصل له الألم يتحامل ويجلس مرة بعد أخرى ولا يحتمى ويجامع فكان يصلح أسبوعا ويمرض أسبوعا ثم قصد علاء الدولة همذان ومعه الرئيس فحصل له القولنج في الطريق ووصل إلى همذان وقد ضعف جدا وأشرفت قوته على السقوط فأهمل المداواة وقال المدبر الذي في بدنى قد عجز عن تدبيره فلا تنفعني المعالجة ثم اغتسل وتاب وتصدق بما معه على الفقراء ورد المظالم على من عرفه وأعتق مماليكه وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة ثم مات في التاريخ المذكور وكان نادرة عصره في معرفته وذكائه وتصانيفه وصنف كتاب الشفاء في الحكمة والنجاة والإشارات والقانون وغير ذلك ما يقارب مائة مصنف ما بين مطول ورسالة في فنون شتى وهل رسائل بديعة منها ورسالة بديعة منها رسالة حتى بن يقظان ورسالة سلامان ورسالة الطير وغيرها وانتفع الناس بكتبه وهو أخذ فلاسفة المسلمين ومن شعره قوله في الفنس
( هبطت إليك من المحل الأرفع
ورقاء ذات تعزز وتمنع )
( محجوبة عن كل مقلة عارف
وهي التي سفرت ولم تتبرقع )
( وصلت على كره إليك وربما
كرهت فارقك وهي ذات تفجع )
( انفت وما ألفت فلما واصلت
ألفت مجاورة الخراب البلقع )
( وأظنها نسيت عهودا بالحمى
ومنازلا بفراقها لم تقنع )
( حتى إذا اتصلت بهباء هبوطها
من ميم مركزها بذات الأجرع )
( علقت بها ثاء الثقيل فأصبحت
بين المعالم والطلول الخضع )
( تبكي وقد ذكرت عهودا بالحمى
ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع ) 237
وغدت تغرد فوق ذروة شاهق
والعلم يرفع كل من لم يرفع )
( وتعود عالمة بكل خفية
في العالمين فخرقها لم يرقع )
( فهبوطها إذا كان ضربة لازم
لتكون سامعة لما لم تسمع )
( فلأي شيء أهبطت من شاهق
سام إلى قعر الحضيض الأوضع )
( إن كان أهبطها الآلة لحكمة
طويت عن الفطن اللبيب الأروع )
( إذ عاقها الشرك الكثيف فصدها
قفص عن الأوج الفسيح الأرفع )
( فكأنها برق تألق بالحمى
ثم إنطفى فكأنه لم يلمع )
ومن المنسوب إليه قوله
( اجعل غذاءك كل يوم مرة
أحذر طعاما قبل هضم طعام )
( واحفظ منيك ما استطعت فانه
ماء الحياة يراق في الأرحام )
وفضائله كثيرة مشهورة وكانت ولادته في سنة سبعين وثلثمائة في شهر صفر وتوفي بهمذان يوم الجمعة من شهر رمضان ودفن بها وكان الشيخ كمال الدين بن يونس رحمه الله يقول أن مخدومه سخط عليه واعتقله فمات في السجن وكان يقول
( رأيت ابن سينا يداوي الرجا
ل وفي السجن مات أخس الممات )
( فلم يشف ما نابه بالشفا
ولم ينج من موته بالنجاة )
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا وقال ابن الأهدل قال اليافعي طالعت كتابه الشفا وما اجدره بقلب الفاء قافا لاشتماله على فلسفة لا ينشرح لها قلب متدين والله أعلم بخاتمته وصحة توبته وقد كفره الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال وقال ابن الصلاح لم يكن من علماء الإسلام بل كان شيطانا من شياطين الأنس وأثنى عليه ابن خلكان انتهى كلام ابن الأهدل أيضا وقد تقدم ذكره مع ترجمة الفارابي فليراجع 238
وفيها ذو القرنين أبو المطاع المطاع بن الحسن بن عبد الله بن حمدان وجبه الدولة بن ناصر الدولة الموصلي الأديب الشاعر الأمير ولي إمرة دمشق سنة إحدى وأربعمائة وعزل بعد أشهر من جهة الحاكم ثم وليها لابنه الظاهر سنة اثنتي عشرة وعزل ثم وليها ثالثا سنة خمس عشرة فبقى إلى سنة تسع عشرة وله وشعر فائق منه قوله
( إني لأحد لا في أسطر الصحف
إذا رأيت عناق اللام للألف )
( وما أظنها طال اعتناقها
إلا لما لقيا من شدة الشغف )
وتوفي في صفر
وفيها أبو طاهر البغدادي عبد الغفار بن محمد المؤدب روى عن أبي بكر الشافعي وأبي علي الصواف وعاش ثلاثا وثمانين سنة
وفيها أبو عمرو الغدادي عثمان بن محمد بن يوسف بن دوست صدوق روى عن النجاد وعبد الله بن إسحق الخراسان وتوفي في صفر
وفيها أبو الحسن الحنائي على بن محمد بن إبراهيم الدمشقي المقرئ المحدث الحافظ الناقد الزاهد روى عن عبد الوهاب الكلابي وخلق ورحل إلى مصر خرج لنفسه معجما كبير قال الكتاني توفي شيخنا وأستاذنا أبو الحسن في ربيع الأول وكنا من العباد وكانت له جنازة عظيمة ما رأيت مثلها وعاش ثمانيا وخمسين سنة
وفيها أبو علي الهاشمي الحنبلي محمد بن أحمد بن أبي موسى البغدادي صاحب التصانيف ومن إليه انتهت رياسة المذهب اخذ عن أي الحسن التميمي وغيره وحدث عن ابن المظفر وكان رئيسا رفيع القدر بعيد الصيت قال أن أبي يعلي في طبقاته كان سامى الذكر له القدم العالي والحظ الوافر عند الأمامين القادر بالله والقائم بأمر الله صنف الإرشاد في المذهب وشرح كتاب الخرقي وكانت حلقته بجامع حلقته بجامع المنصور يفتى ويشهد قرأت على المبارك بن عبد الجبار 239
من أصله في حلقتنا بجامع المنصور قلت له حدثك القاضي الشريف أبو علي قال باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب الديانات حقيقة الإيمان عند أهل الأديان الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان إن الله عز وجل واحد أحد فرد صمد لا يغيره الأبد ليس له والد ولا ولد وإنه سميع بصير بديع قدير حكيم خبير على كبير ولي نصير قوي مجير ليس له شبه ولا نظير ولا عون ولا ظهير ولا شريك ولا وزير ولا ند ولا مشير سبق الاشياء فهو قديم قدمها وعلم كون ووجودها في نهاية عدمها لم تملكه الخواطر فتكفيه ولم تدركه الأبصار فتصفه ولم يخل من علمه مكان فيقع به التأيين ولم يعدمه زمان فينطلق عليه التأوين ولم يتقدمه دهر ولا حين ولا كان قبله كون ولا تكوين ولا تجري ما هيته في مقال ولا تخطر كيفيته ببال ولا يدخل في الأمثال والأشكال صفاته كذاته ليس بجسم في صفاته جل أن يشبه بمبتدعاته أو يضاف إلى مصنوعاته ليس كمثله شيء وهو لسميع البصير أراد ما العالم فاعلوه ولم عصمهم لما خالفوه ولو شاء أن يطيعوه جميعا لا طاعوه خلق الخلائق وأفعالهم وقدر أرزاقهم وآجالهم لا سمي له في أرضه وسمواته على العرش استوى وعلى الملك احتوى وعلمه محيط بالأشياء كذلك سئل أحمد ابن محمد بن حنبل عن قوله عز وجل (
ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر هو معهم أينما كانوا ) فقال علمه القرآن الله تعالى وصفة من صفات ذاته غير محدث ولا مخلوق كلام رب العالمين في صدور الحافظين وعلى ألسن الناطقين وفي سماع السامعين وبأكف الكاتبين بملاحظة الناظرين برهانه ظاهر وحكمه قاهر ومعجزه باهر وان الله تعالى كلم موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا هشيما وإنه خلق النفوس وسواها وألهمها فجورها وتقواها والإيمان بالقدر خيره وشره وحلوه ومره وإن مع كل عبد رقيبا وعتيدا وحفيظا وشهيدا يكتبان 240
حسناته ويحصيان سيئاته وإن كل مؤمن وكافر وبر وفاجر يعاين عمله عند حضور منيته ويعلم مصيره قبل ميتته وان منكرا ونكيرا إلى كل أحد ينزلان سوى النبيين فيسألان ويمنحان عما يعتقده من الإيمان وإن المؤمن يحبر في قبره بالنعيم والكافر يعذب الأليم وإنه لا محيص لمخلوق من القدر المقدور ولن يتجاوز ما خط في اللوح المسطور وإن ساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من في القبور وإن الله جل اسمه يعيد خلقه كما بدأهم ويحشرهم كما ابتدأهم من صفايح القبور وبكون الحيتان في تخوم البحور وأجواف السباع وحواصل النسور وإن الله تعالى يتجلى في القيامة لعباده الأبرار فيرونه بالعيون والأبصار وأنه يخرج أقواما من النار فيسكنهم دار القرار وأنه يقبل شفاعة محمد المختار في أهل الكبائر والأوزار وإن الصراط حق تجوزه الأبرار وإن حوض رسول الله حق يرده المؤمنون ويذا عنه الكفار وإن الإيمان غير مخلوق وهو قول باللسان واخلاص بالجنان وعمل بالاركان يزيد بالطاعة وينقص بالاوزار وان محمد خاتم النبيين وافضل المرسلين وامته خير أمة أجمعين وافضلهم القرن الذين شاهدوه وامنوا به وصدقوه وافضل القرن الذين صحبوه أربع عشرة مائة بايعوه بيعة الرضوان وأفضلهم أهل بدر نصروه وأفضلهم أربعون في الدار كنفوه وأفضلهم عشرة عزروه ووقروه شهد لهم بالجنة وقبض وهو عنهم راض وأفضل هؤلاء العشرة الأبرار الخلفاء الراشدون المهديون الأربعة الأخيار وأفضل الاربعى أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على عليهم الرضوان وأفضل القرون بعدهم القرن الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يتبعونهم وإن نتوالى أصحاب محمد عليه السلام بأسرهم ولا نبحث عن اختلافهم في أمرهم ونمسك عن الخوض في ذكرهم إلا بأحسن الذكر لهم وإن نتوالى أهل القبلة ممن ولي حرب المسلمين على 241
ما كان منهم من علي وطلحة والزبير وعائشته ومعوية رضوان الله عليهم ولا تدخل فيما شجر بينهم اتبعا لقول رب العالمين (
والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا باليمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رءوف رحيم ) وذكر أبو علي بن شوكة قال اجتمعنا جماعة من نالفقهاء فدخلنا على القاضي أبي علي بن أبي موسى الهاشمي فذكرنا له فقرنا وشدة ضرنا فقال لنا اصبروا وفان الله سيرزقكم ويوسع عليكم وأحدثكم في مثل هذا ما تطيب به قلوبكم اذكر سنة من السنين وقد ضاق بي الأمر شيء عظيم حتى بعت رجلا دارى ونفذ جميعه ونقضت الطبقة الوسطى من داري وعبت أخشابها وتقوت بثمنها وقعدت في البيت لم أخرج وبقيت سنة فلما كان بعد سنة قالت لي المرأة الباب يدق فقلت افتحي له الباب ففعلت فدخل رجل فسلم على فلما رأى حالي لم يجلس حتى أنشدني وهو قائم
( ليس من شدة تصيبك إلا
سوف تمضي وسوف تكشف كشفا )
( لا يضق ذرعك الرحيب فان النار يعلو لهيبها ثم نطفا
)
( قد رأينا كان أشفى على الهلك فراته نجاته حين أشفى
)
ثم خرج عن ولم يقعد فتفاءلت بقوله فلم يخرج اليوم حتى جاءني رسول القادر بالله ومعه ثياب ودنانير وبغلة بمركب ثم قال لي أجب أمير المؤمنين وسلم إلى الدنانير والثياب والبغلة فغيرت من حالي ودخلت الحمام وصرت إلى القادر بالله فرد إلى قضاء الكوفة وأعمالها وأثر حالي أو كما قال مولده في ذي القعدة سنىة خمس وأربعين وثلثمائة ووفاته في ربيع الآخر ودفن بقبر أمامنا
انتهى ما قاله ابن أبي يعلى مخلصا
وفيها أبو علي العكبري الحسن بن شهاب بن الحسن بن علي بن شهاب الفقيه الثقة الأمين ولد بعكبرا في محرم سنة وخمس وثلاثين وثلثمائة وقيل سنة إحدى وثلاثين وسمع الحديث على كبر السن من ابن الصواف وطبقته ولازم أبا 242
عبد الله بن بطة إلى حين وفاته وله اليد الطولي في الفقه والأدب والأقراء والحديث والشعر والفتيا وقال الخطيب سمعت البرقاني وذكر بحضرته ابن شهاب فقال ثقة أمين وقال ابن شهاب كسبت في الوراقة خمسة وعشرين ألف درهم راضية وكنت أشتري كاغدا بخمسة دراهم فكتب فيه ديوان المتنبي في ثلاث ليال وأبيعه بمائتي درهم وأقله بمائة وخمسين درهما وقال ابن شهاب أقام أخي أبو الخطاب معي في الدار عشرين سنة ما كلمته وأشار إلى أنه كان ينسب إلى الرفض وصنف أبو علي المصنفات في الفقه والفرائض والنحو وتوفي في رجب ودفن بعكبرا وقال الأزهري اخذ السلطان من تزكة ابن شهاب ما قدره ألف دينار سوى ما خلفه من الكروم والعقار وكان أوصى بثلث ماله لمتفقهة الحنابلة ولم يعطوا شيئا وقيل انه صلى سبعين سنة التراويح
وفيها ابن باكويه الأمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله نب عبيد الله الشيرازي الصوفي أحد المشايخ الكبار وصاحب محمد بن خفيف رحل وعني بالحديث وكتب بفارس والبصرة وجرجان وخراسان وبخاري ودمشق والكوفة واصبهان فأكثر وحدث عن أبي أحمد بن عدي والقطيعي وطبقتهما قال أبو صالح المؤذن نظرت في أجزائه فلم أجد عليها آثار السماع وأحسن ما سمعت عيه الحكايات قاله في العبر
وفيها مهيار بن مرزويه الديلمي أبو الحسنخ الكاتب الشاعر المشهور كان مجوسيا فأسلم على يد أستاذه في الأدب الشريف الرضى فقال له ابن برهان يا مهيار انتقلت من رواية إلى زواية في النار فإنك كنت مجوسيا ثم صرت سبابا لأصحاب رسول الله وكان شاعرا مجيدا مقدما على شعراء عصره وديوانه في ثلاث مجلدات ذكر ابن الأثر في تاريخه أن إسلامه كان سنة أربع وتسعين وثلثمائة قال وكان شاعرا جزل القول مقدما على أهل وقته وهو رقيق الحاشية طويل النفس في قصائده وذكره أبو بكر الخطيب 243
في تاريخ بغداد وأثنى عليه وأثنى عليه الباخرزي في كتابة دمية القصر فقال في حقه هو شاعر له في مناسك الفضل مشاعر وكاتب تجلي تحت كل كلمتين من كلماته كاعب وما في قصيدة من قصائده بيت يتحكم عليه بلووليت فهي مصبوبة في قوالب القلوب وبمثلها يعتذر الزمان المذنب عن الذنوب وذكره أبو الحسن علي بن بسام في كتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة وبالغ في الثناء عليه وذكر شيئا من شعره ومن غرر قصائده قصيدته التي مطلعها
( وبكر العارض تحدوه النعامي
وسقيت الري يا دار أماما )
ومن ذلك قصيدته المشهور التي أولها سقى دارها بالرقمتين وحياها وكذلك قوله من قصديته الطنانة السائرة
( بطرفك والمسحور يقسم بالسحر
أعدما رماني أم أصاب ولا يدري )
( تعرض بي في القانصين مسددا
إشارة مدلول السهام على النحو )
( رنا اللحظة الأولى فقلت مجرب
وكررها أخرى فأحسست بالشر )
( فهل ظن ما قد حرم الله من دمي
مباحا له أم نام قومي عن الوتر )
وهي طويلة حسنة في بابها ومن نظمه الحسن قصيدته التي أولها وهو من مطلع البدور
( بكى النار سترا على الموقد
وغار مغالطة المنجد )
إلى غير ذلك من نظمه اللطيف
سنة تسع وعشرين وأربعمائة
فيها توفي أبو عمر الطملنكي بفتحات وسكون النون نسبة إلى طلمنكة مدينة بالأندلس أحمد بن محمد بن عبد الله بن عيسى المعافرى بالفتح وكسر الفاء وراء نسبة إلى المعافر بطن من قحطان الأندلسي المقرئ المحدث الحافظ 244
عالم أهل قرطبة صاحب التصانيف وله تسعون سنة روى عن أبي عيسى الليثي وأحمد بن عون الله وحج فأخذ بمصر عن أبي بكر الأدفوي وأبي بكر المهندس وخلق كثير وكان خبيرا في علوم القرآن تفسيره وقراءاته واعرابه وأحكامه ومعانيه وكان من ثقة صاحب سنة واتباع ومعرفة بأصول الديانة قال ابن بشكوال كان سيفا مجردا على أهل الاهواء والبدع قامعا لهم غيورا على الشريعة شديدا في ذات الله تعالى
وفيها أبو يعقوب القراب اسحق بن إبراهيم بن محمد السرخسي ثم الهروى الحافظ محدث هراة وله سبع وسبعون سنة روى عن زاهر بن أحمد السرخسي وخلق كثير وزاد عدد شيوخه على ألف ومائتي نفس وصنف تصانيف كثيرة وكان زاهدا صالحا مقلا من الدنيا
وفيها يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث قاضي الجماعة بقرطبة أبو الوليد ويعرف بابن الصفار وله إحدى وتسعون سنة روى عن محمد بن معوية القرشي وأبي عيسى الليثي والكبار وتفقه على أبي بكر ذرب وولى القضاء مع الخطابة والوزارة ونال رياسة الدين والدنيا وكان فقيها الحا عدلا حجة علامة في اللغة والعربية والشعر فصيحا مفوها كثيرا المحاسن له مصنفات في الزهد وغيره توفي في رجب قاله في العبر
سنة ثلاثين وأربعمائة
فيها قويت شوكة الغز وتملك بنو سلجوق خراسان وأخذوا البلاد من السلطان مسعود
وفيها لقب أبو منصور بن السلطان جلال الدولة بالملك العزيز وهو أول من لقب بهذا النوع من ألقاب ملوك زماننا في العبر 245
وفيها توفي أبو نعيم الأصبهاني أحمد نب عبد الله بن أحمد الحافظ الصوفي الأحول الشافعي سبط الواهد محمد بن يوسف البنا بأصبهان في المحرم وله أربع وتسعون سنة اعتنى به أبوه وسمعه في سنة أربع وأربعين وثلثمائة وبعدها وتفرد في الدنيا يعلو الإسناد مع الحفظ والاستجار من الحديث وفنونه روى عن ابن فارس والعسال وأحمد بن معبد السمسار وأبي علي بن الصواف وأبي بكر بن خلاد وطبقتهم بالعراق والحجاز وخراسان وصنف التصانيف الكبار المشهورة في الأقطار منها كتاب حلية الأولياء قال ابن ناصر الدين ولما صنف كتاب حلية الأولياء حملوه إلى نيسابور فبيع بأربعمائة دينار ولا يلتفت إلى قول من تكلم فيه لأنه صدوق عمدة كما لا يسمع قول أبي نعيم في ابن مندة وكلام كل منهما في الآخرة غير مقبول
انتهى وقال ابن النجار هو تاج المحدثين وأحد أعلام الدين
وفيها أبو بكر الاصبهاني أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن الحرث التميمي المقرئ النحوي سكن نيسابور وتصدر للحديث ولاقراء العربية وروى عن أبي الشيخ وجماعة وروى السنن عن الدار قطني وتوفي في ربيع الأول وله إحدى وثمانون سنة
وفيها أبو عبد الرحمن الجيزي إسماعيل بن أحمد النيسابوري الضرير المفسر روى عن زاهر السرخسي وطبقته وصنف التصانيف في القراءات والتفسير والوعظ والحديث وكان أحد والأئمة قال الخطيب قدم علينا حاجا ونعم الشيخ كان علما وأمانة وصدقا وخلقا ولد سنة إحدى وستين وثلثمائة وكان معه صحيح البخاري فقرأت جميعه عليه في ثلاثة مجالس وقال عبد الغافر كان من العلماء العاملين نفاعا للخلق مباركا
وفيها أبو زيد الدبوسي بفتح الدال المهلمة وضم الموحدة لمخلففة ومهملة 0 إلى دبوسية بلد بين بخارا وسمر قند عبد الله بن عمر بن عيسى الحنفي القاضي العلامة كان أحد من يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج وهو أول من أبرز علم الخلاف إلى الوجود وكان شيخ تلك الديار توفي ببخاري
وفيها أبو القسم بن بشران عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران بن محمد الأموي مولاهم البغدادي الواعظ المحدث مسند وقته ببغداد في ربيع الآخر وله إحدى وتسعون سنة سمع النجاد وأبا سهل القطان وحمزة الدهقان وطبقتهم قال الخطيب وكان ثقة ثبتا وكان الجمع في جنازته يتجاوز الحد ويفوت الاحصاء رحمه الله تعالى
وفيها أبو منصور الثعالي عبد الملك بن محمد بن اسمعيل النيسابوري الأديب الشاعر صاحب التصانيف الاديبة السائرة في الدنيا عاش ثمانين سنة قال ابن بسام صاخ\حب الذخيرة كان في وقته راعي بليغات العلم وجامع أشتات النثر والنظم رأس المؤلفين في زمانه وأما المصنفين بحكم أقرانه سار ذكره سير المثل وضربت إليه آباط الإبل وطلعت دواوينه في المشارق والمغارب طلوع النجم في الغياهب وتآليفه أشهر مواضع وأبهر مطالع وأكثر روا لها وجامع من أن يستوفيها حد أو وصف أو يوفيها حقوقها نظم أو رصف وذكر له طرفا من النثر وأورد شيئا من نظمه فمن ذلك ما كتبه إلى الأمير أبي الفضل الميكالي
( لك في المفاخر معجزات جمة
أبدا لغيرك في الورى لم تجمع )
( بحران بحر في البلاغة شانه
شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعي )
( كالنور أو كالسحر أو كالبدر أو
كالوشي في برد عليه موشع )
( شكرا فكم من فقرة لك كالغني
وافي الكريم بعيد فقر مدقع )
( وإذا تبين نور شعرك ناضرا
فالحسن بين مرصع ومرصع )
( ارجلت فرسان الكلام ورضت أفراس البديع وأنت أمجد مبدع
) 247
( ونقشت في فص الزمان بدائعا
تزرى بآثار الربيع الممرع )
وله من التآليف يتيمة الدهر في محاسن اله العصر وهو أكبر كتبه وأحسنها وأجمعها وفيها يقول ابن قلاقس
( أبيات أشعار اليتيمة
أبكار أفكار قديمه )
( ماتوا وعاشت بعدهم
فلاك سميت اليتيمه )
وله أيضا كتاب الفقه اللغة وسحر البلاغة وسر البراعة وفي كتبه دلالة على كثرة اطلاعه وله أشعار كثيرة وكانت ولادته سنة خمسين وثلثمائة وتوفي في هذه السنة أو التي قبلها ونسبته إلى خياطة جلود وعملها قيل له ذلك لانه كان فراء
وفيها الحوفي أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سعيد صاحب اعراب القرآن في عشر مجلدات كان أماما في العربية والنحو والأدب وله تصانيف كثيرة قال في العبر هو تلميذ الأدفوى انتفع به أهل مصر وتخرجوا يه في النحو انتهى
وقال السيوطي في حسن المحاضرة هو من قرية يقال لها شبرا من أعمال الشرقية انتهى
وقال أيضا في لباب الأنساب والحوفي بالفاء نسبة إلى حوف وكنت أظن أنها قرية بمصر حتى رأيت في تاريخ البخاري أنها من عمان قلت بل هي ناحية بمصر كبيرة معروفة قرى كثيرة وحزم به ياقوت رحمه الله تعالى وغيره انتهى
وفيها أبو عمران الفاسي موسى بن عيسى بن أبي حاج البربري الغفجومي نسبة إلى غفجوم بطن من زنانة قبيلة من البربر بالمغرب شيخ المالكية بالقيروان وتلميذ أبي الحسن القابسي دخل الأندلس وأخذ عن عبد الوارث 248
ابن سفيان وطائفة وحج مرات وأخذ علم الكلام ببغداد عن ابن البلاقاني قرأ على الحمامي وكان أمام في القراءات بصيرا بالحديث رأسا في الفقه تخرج به خلق في المذهب ومات في شهر رمضان وله اثنتان وستون سنة
سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة
فيها توفي أبو الحسن بشرى بن عبد الله الرومي القاضي ببغداد يوم الفطر وكان صالحا صدوقا روى عن أبي بكر بن الهيثم الانباري وخلق
وفيها ابن دوما أبو علي الحسن بن الحسين النعالي ببغداد ضعيف ألحق نفسه في طباق روى عن أبي بكر الشافعي وطائفة
وفيها أبو العلاء الاستوائب صاعد بن محمد بن أحمد النيسابوري الحنفي قاضي نيسابور ورئيس الحنفية وعالمهم توفي في آخر السنة روى عن اسمعيل بن نجيد وجماعة وعاش سبعا وثمانين سنة
وفيها ابن الطبيز أبو القسم عبد الرحمن بن عبد العزيز الحلبي السراج الرامي نزيل دمشق وله مائة سنة روى عن محمد بن عيسى العلاف وابن الجعابي وجماعة تفرد في الدنيا عنهم وهو ثقة توفي في جمادي الأولى وفيه تشيع آخر من روى عنه الفقيه نصر المقدشي
وفيها أبو عمرو القسطاني بالضم إلى قسطانة قرية بين الري وساوة عثمان بن أحمد القرطبي إشبيلية سمعه أبوه الموطأ من أبي عيسى الليثي وسمع من أبي بكر بن السليم وابن القوطى وجماعة وكان خيرا ثقة توفي في صفر وله ثمانون سنة
وفيها أبو بكر وأبو حامد بن علي كان من الحفاظ الإيقاظ والمحدثين قال ابن ناصر الدين 249
وفيها أبو العلاء الواسطي محمد بن علي بن أحمد بن يعقوب القاضي المقرئ المحدث قرأ بالروايات على جماعة كثيرة جرد العناية لها وأخذ بالدينور عن الحسين بن محمد بن حبش روى عن القطيعي ونحوه حكى عنه الخطيب أشياء نوجب ضع المسدد بن علي أبو المعمر الاملوكي بضم أوله واللام نسبة إلى املوك بطن زمن ردمان قبيلة من رعين كان خطيب حمص سمع الميانجي وجماعة ثم سكن دمشق وأم بمسجد سوق الأحد قال الكتاني فيه تساهل
وفيها المفضل بن اسمعيل بن أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسمعيلي الرجاني المعمر الشافعي مفتى جرجان ورئيسها ومسندها كان من أذكياء زمانه روى عن جده وطائفة كثيرة وتوفي في ذي الحج
سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة
فيها توفي المستغفري الحافظ أبو العباس جعفر بن محمد بن المعتز بن المستغفر ابن الفتح النسفي صاحب التصانيف الكثيرة روى عن زاهر السرخسي وطبقته عاش ثمانين سنة وكان محدث ما وراء النهر في زمانه قال ابن ناصر الدين كله 250
حافظا مصنفا ثقة مبرزا على أقرانه لكنه يروي الموضوعات من غير تبين
وفيها أبو القسم الطحان عبد الباقي بن محمد البغدادي الثقة عاش ثمانيا وثمانين سنة وروي عن ابن الصواف وغيره
وفيها أبو حسان المزكي محمد بن أحمد بن جعفر شيخ التزكية والحشمة بنيسابور وكان فقيها ثقة صالحا خيرا حدث عن محمد بن اسحق الضبعي وابن نجيد وطبقتهما
وفيها أبو طاهر الغباري محمد بن أحمد بن محمدا الحنبلي له النبل والفضل صحب جماعة منهم أبو الحسن الجزري وكانت له حلقتان أحداهما بجامع المنصور والاخرى بجامع الخليفة وتوفي في ذي القعدة وله ثمانون سنة
وفيها محمد بن عمر نب نكير النجار أبو بكر البغدادي المقرئ عن ست وثمانين سنة روى عن أبي بحر البر بهاري وابن خلاد النصيبني وطائفة
سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة
فيها توفي أبو نصر الكسار القاضي أحمد بن الحسين الدينوري سمع سنة النسائي من ابن السني وحدث به في شوال من السنة
وفيها أبو الحسين بن فاذشاة الرئيس أحمد بن محمد بن الحسين الاصبهاني الثاني الرئيس راوي المعجم الكبير عن الطبراني توفي في صفر وقد رمى بالتشيع والاعتزال
وفيها أبو عثمان القرشي سعيد بن العباس الهروي المزكي الرئيس في المحرم وله أربع وثمانون سنة روى عن أبي حامد الرفا وأبي الفضل بن حميرويه وطائفة وتفرد بالرواية عن جماعة
وفيها أبو سعيد النصروي عبد الرحمن بن حمدان النيسابوري مسند وقته 251
وراوى مسند اسحق راهوايه عن السمذي روى عن ابن نجيد وأبي بكر القطيعي وهذه الطبقة توفي في صفر وهو منسوب إلى جده نصر ويه
وفيها أبو القسم الزيدي الحراني على بن محمد بن علي العلوي الحسيني الحنبلي المقرئ فو شوال بحران وهو آخر من روى عن النقاش القراءات والتفسير وهو ضعيف قال عبد العزيز الكتاني وقد سئل عن شيء ما يكفي علي بن محمد الزيدي أن يكذب حتى يكذب عليه قال في العبر وكان صالحا رابانيا
انتهى
وفيها مات الفقيه المشهور سالم بن عبد الله الهروي المعروف بغويلة تصغير غول وهو معدود في طبقة الشيخ أبي محمد وهو الذي قيل أنه ما عبر جسر بغداد مثله قاله ابن الأهدل
وفيها عالم همذان عبد الله بن عبدان حكى عنه شيرويه في كتابه المنامات انه قال رأيت الحق في النوم فقال ما يدل على أنه يخاف على الإعجاب قاله ابن الأهدل أيضا فانظر إلى هذا واضعافه مما وقع لكبراء الأمة كالإمام الأعظم والإمام أحمد والإمام القيشري وصاحب هذه الترجمة وأضعافهم من أخبارهم برؤيته تعالى في المنام وقول المتكلمين بجوازها حتى قال اللقاني في شرح الجوهري وأما رؤيته تعالى مناما فجائزة اتفاقا وهي حق فان الشيطان لا يتمثل به تعالى كما لا يتمثل بالأنبياء والى قول بعض الحنفية رضي الله تعالى عنهم ويكفر من قال رأيت الله في المنام انتهى ولكن لا ينبغي إطلاق اللسان بالتفكير في مثل هذا قال التمر تاشي في شرح تنوير الأبصار في أول باب المرتد ما لفظه وفي فتح القدير ومن هزل بلفظ كفر ارتد وان لم يعتقد للاستخفاف فهو ككفر العناد والألفاظ التي يكفر بها تعرف في الفتاوي انتهى
مع أنه لا يفتي بشيء منها بالكفر إلا فيما اتفق المشايخ عليه لا تفاق كلمتهم في الفتاوي وغيرها أنه لا يفتي بتفكير 252
مسلم أمكن حمل كلامه على محمل حسن أو كان في كفره اختلاف ولو رواية ضعيفة قال شيخنا وهو الذي تحرر من كلامهم ثم قال فعلى هذا فأكثر ألفاظ التفكير المذكور لا يفتي بالتفكير بها وقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء منها انتهى كلام التمر تاشي بحروفه
وفيها أبو الحسن بن السمسار علي بن موسى الدمشقي حدث عن أبيه وأخويه محمد وأحمد وعلي بن أبي العقب وأبي عبد الله بن مروان والكبار وروى عن البخاري عن أبي زيد المروزي وانتهى إليه علو الإسناد بالشام قال الكتاني كان فيه تساهل ويذهب إلى التشيع توفي في صفر وقد كمل التسعين
وفيها أبو القسم المعتمد بن عباد القاضي محمد بن إسمعيل بن عباد بن قريش اللخمي الإشبيلي الذي ملكه أهل اشبيلية عليهم عند ما قصدهم الظالم يحيى بن علي الادريسي اللملقب بالمستعلي وكانت لصاحب قرطبة واشبيلية وما والاهما من جزيرة الأندلس وفيه وفي أبيه المعتضد يقول بعض الشعراء
( من بني المنذر وهو انتساب
زاد في فخره بنو عباد )
( فتيهلم تلد سواها المعاليظ
والمعالي قليلة الأولاد )
وكان من بلاد الشرق من أهل العري المدينة الفاصلة بين الشام ومصر في أول الرمل من جهة الشام فتوجه به أبوه إلى المغرب فاستو طناقرية تومين من إقليم طشاتة من ارض اشبيلية ومحمد هذا أول من نبغ في تلك البلاد وتقدم بإشبيلية إلى أن ولى القضاء بها فأحسن السياسة مع الرعية وتلطف بهم فومقته القلوب وكان يحيى المستعلي صاحب قرطبة مذموم السيرة فتوجه إلى إشبيلية محاصرا لها فلما نزل عليها اجتمع رؤساء إشبيلية وأعيانها وأتو القاضي محمد 253
المذكور وقالوا له ترى ما حل بنا من هذا الظالم وما أفسد من أموال الناس فقم بنا نخرج إليه ونملكك ونجعل الأمر لك ففعل ووثبوا علي يحيى فركب إليهم وهو سكران فقتل وتم الأمر لمحمد ثم ملك وبعد ذلك قرطبة وغيرها قبل له بعد تملكه واستيلائه على البلاد أن هشام بن الحكم في مسجد بقلعة رباح فأرسل إليه من أحضره وفوض الأمر إليه وجعل نفسه بين يديه وفي هذه الواقعة يقول الحافظ أبو محمد بن حزم الظاهري في كتابه نقط العروس أعجوبة لم يقع في الدهر مثلها فإنه ظهر رجل يقال له خلف الحضري بعد نيف وعشرين سنة موت هشام بن الحكم المنعوت بالمؤيد وادعي انه هشام فبويع وخطب له على جميع منابر الأندلس في أوقات شتى وسفك الدماء وتصادمت الجيوش في أمره وأقام المدعي أنه هشام نيفا وعشرين سنة والقاضي محمد بن إسمعيل في رتبة الوزير بين يديه والأمر إليه ولم يزل كذلك إلى أن توفي المدعو هشام فاستبد القاضي محمد بالأمر بعده وكان من أهل العلم والأدب والمعرفة التامة بتدبير الدول ولم يزل ملكا مستقلا إلى أن توفي يوم الأحد تاسع عشرى جمادي الأولى ودفن بقصر إشبيلية وقيل أنه عاش إلى قريب خمسين وأربعمائة واختلف أيضا في مبدأ استيلائه فقيل سنة أربع عشرة وهو الذي ذكره العماد الكاتب في الخريدة وقيل سنة أربع وعشرين ولما مات محمد القاضي قام مقامه ولده المعتضد بالله عباد انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا
وفيها السلطان مسعود بن السلطان مسعود بن السلطان محمود بن سبكتكين تملك بعد أبيه خراسان والهند وغزته وجرت له وخطوب مع نبي سجلوق وظهروا على ممالكه وضعف أمره فقتله امراؤه
سنة أربع وثرثين وأربعمائة
فيها كانت الزلزلة العظمي بتبريز فهدمت أسوارها وأحصى من هلك تحت 254
الردم فكانوا أكثر من أربعين ألفا
وفيها توفي أبو ذر الهروي عبد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن غفير الأنصاري الحافظ الثقة الفقيه المالكي نزيل مكة روى عن أبي الفضل بن حميرويه وأبي عمر بن حيويه وطبقتهما وروى الصحيح ثلاثة من أصحاب الفر برى وجمع لنفسه معجما وعاش ثمانيا وسبعين سنة وكان ثقة متقنا دينا عابدا ورعا بصيرا بالفقه والأصول أخذ علم الكلام عن ابن البلاقاني وصنف مستخرجا على الصحيحين وكان شيخ الحرم في عصره ثم أنه تزوج بالسروات وبقي يحج كل عام ويرجع
وفيها أبو محمد الهمذني عبد الله بن غالب بن تمام المالكي مفتي أهل سبتة وزادهم وعالمهم دخل الأندلس وأخذ عن أبي بكر الزبيدي وأبي محمد الاصيلي ورحل إلى القيروان فروى عن أبي محمد بن أبي زيد بمصر عن أبي بكر المهندس وكان علامة متيقظا ذكيا في العلوم فصيحا مفوها قليل النظير توفي في صفر عن سن عالية
سنة خمس وثلاثين وأربعمائة
فيها استولى طغر لبك السلجوقي على الري وخسر بها عس كره بالقتل والنهب حتى لم يبق بها إلا نحو ثلاثة آلاف نفس وجاءت رسل طغر لبك إلى بغداد فأرسل القاضي الماوردي إليه بذم مما صنع في البلاد ويأمره بالإحسان إلى الرعية فتلقاه طغر لبك واحترمه إجلاله لرسالة الخليفة
واتفق موت جلال الدولة السلطان ببغداد بالخوانيق وكان ابنه الملك العزيز بواسط وكان جلال الدولة ملكا جليلا سليم الباطن ضعيف السلطنة مصرا على اللهو والشرب ومهملا لأمر الرعية عاش اثنتين وخمسين سنة وكانت دولته سبع عشرة سنة وخلف عشرين ولدا بنين وبنات ودفن بدار 255
السلطنة ببغداد ثم نقل
وفيها توفي أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور أمير قرطبة ورئيسها وصاحبها ساس البلد أحسن سياسة وكان من رجال الدهر حزما وعزما ودعاء ورأيا ولم يتسم بالملك وقال أنا أدبر الناس إلى أن يقوم لهم من يصلح فجعل ارتفاع الأموال بأيدي الاكابر وديعة وصير العوام جنداً وأعطاهم أموال مضاربة وقرر عليهم السلاح والعدة وكان يشهد الجنائز ويعوج المرضي وهو بزي الصالحين لم يتحول من داره السلطنة وتوفي في المحرن عن إحدى وسبعين سنة وولى بعده ابنه أبو الوليد
وفيها أبو القسم الازهري عبيد الله بن أحمد بن عثمان بن الغبدادي الصيرفي الحافظ كتب الكثير وعنى بالحديث وروى عن القطيعي وطبقته توفي في صفر عن ثمانين سنة
وفيها جلال الدولة سلطان بغداد أبو طاهر فيروز جرد بن بهاء الدولة أبي نصر بن الملك عضد الدولة أبي شجاع بن ركن الدولة بن بويه الديلمي وولى بعده ابنه الملك العزيز أبو منصور فضعف وخاف وكاتب للاثنين معا
وفيها أبو بكر الميماسي محمد بن جعفر بن علي الذي روى الموطأ عن يحيى بن بكير عن ابن وصيف توفي في شوال وهو من كبار شيوخ نصر المقدسي
وفيها أبو الحسين محمد بن عبد الواحد بن رزمة البغدادي البزار روى عن أبي بكر بن خلاد وجماعة قال الخطيب صدوق كثير السماع مات في جمادي الأولى
وفيها أبو القسم المهلب أحمد بن أبي صفرة الاندلسي الأسدي قاضي المرية اخذ عن أبي محمد الأصيلي وأبي الحسن القابسي وطائفة وكان من أهل الذكاء المفرط والاعتناء التام بالعلوم وقد شرح صحيح البخاري وتوفي في 256
شوال في سن الشيخوخة
سنة ست وثلاثين وأربعمائة
فيها دخل السلطان أبو كاليجار بغداد وضربت له الطبول في أوقات الصلوات الخمس ولم تضرب لأحد قبله إلا ثلاث مرات
وفيها توفي في تمام بن غالب أبو غالب بن التيان القرطبي لغوي الأندلس بمرسية له مصنف بديع في اللغة وكان علامة ثقة في نقله ولقد أرسل إليه صاحب مرسية الأمير أبو الجيش مجاهد ألف دينار على أن يزيد في خطبة هذا الكتاب انه ألفه لأجله فامتنع تورعا وقال ما صنفته إلا مطلقا
وفيها أبو عبد الله الصيمري بفتح الصاد المهملة والميم وسكون الياء وراء آخره نسبه إلى صيمر نهر بالبصرة عليه عدة قرى الحسين بن علي الفقيه أحد الأئمة الحنفية ببغداد روى عن أبي الفضل الزهري وطبقته وولى قضاء ربع الكرخ وكان ثقة صاحب حديث مات في شوال وله خمس وثمانون سنة
وفيها أبو الشريف المرتضى نقيب الطالبين وشيخ الشيعة ورئيسهم بالعراق أبو طالب علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زيد العابدين بن الحسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه الحسيني الموسوى وله إحدى وثمانون سنة وكان إماما في التشيع والكلام والشعر والبلاغة كثير التصانيف متجرا في فنون العلم أخذ عن الشيخ المفيد وروى الحديث عن سهل الديباجي الكذاب وولى النقابة بعده ابن أخيه عدنان بن الشريف الرضي قال ابن خلكان كان إماما في علم الكلام والشعر والأدب وله تصانيف على مذهب الشيعة ومقالة في أصول الدين وله ديوان شعر إذا وصف الطيف أجاد فيه وقد أستعمله 257
في كثير من المواضع وقد اختلف في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه هل هو جمعه أم جمع أخيه الرضى وقد قيل انه ليس من كلام علي وإنما الذي جمعه ونسبه إليه هو الذي وضعه والله أعلم وله الكتاب الذي سماه الدرر والغرر وهو في مجالس أملاها تشتمل على فنون في معاني الأدب تكلم فيها على النحو واللغة وغير ذلك وهو كتاب ممتع يدل على فضل كثير وتوسع في الاطلاع على العلوم وذكره ابن بسام في آخر كتاب الذخيرة فقال كان الشريف أما ائمة العراق على الاختلاف والاتفاق إليه فزع علماؤها وعنه أخذ عظامؤها صاحب مدارسها وحمى سالكها وآنسها ممن سارت أخباره وعرفت به أشعاره وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره إلى تواليفه في الدين وتصانيفه في أحكام المسلمين مما يشهد له أنه فرع تلك الأصول ومن ذاك البيت الجليل وأورد له عدة مقاطيع فمن ذلك قوله
( ضن عني بالنزر إذانا يقظا
ن وأعطى كثيره في المنام )
( والتقينا كما اشتهينا ولا عيب سوى أن ذاك في الأحلام
)
( وإذا كانت الملاقاة ليلا
فالليالي خير من الأيام )
ومن ذلك أيضا
( يا خليلي من ذؤابة قيس
في التصابي رياضة الأخلاق )
( عللاني بذكركم تطرباني
واسقياني دمعي بكأس دهاق9
( وخذا النوم عن جفوني فإني
قد خلعت الكرى على العشاق )
فما وصلت هذه الأبيات إلى البصري الشاعر قال المرتضي خلع ما لا يملك على من لا يقبل ومن شعره أيضا
ولما تفرقنا كما شاءت النوى
تبين ود خالص وتودد )
( كأني وقد سار الخليط عشية
اخوجنة مما أقوم وأقعد )
وله 258
( قل لمن خده من اللحظ دام
رق لي من جوانح فيك تدمى )
( يا سقيم الجفون من غير سقم
لا تلمني أن مت فيهن سقما )
( خاطرت في هواك بقلب ركب البحر فيك إما وإما )
وحكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي أن أبا الحسن علي ابن احمد بن سلك الفالي بالفاء نسبة إلى فالة الجودة فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها واشتراها الشريف المرتضى بستين وتصفحها فوجد فيها أبياتا بخط الفالي وهي
( انست بها عشرين حولا وتبعها
لقد طال وجدي بعدها وحنيني )
( وما كان ظني إنني سأبيعها
ولو خلدتني في السجون ديوني )
( ولكن لضعف وافتقار وصبية
صغار عليهم تستهل عيوني )
( فقلت ولم أملك سوابق عبرة
مقالة مكوى الفؤاد حزين )
( وقد تخرج الحاجات يا أم مالك
كرائم من مولى بهن صننين )
فيقال أنه بعث إليه وملح المرتضي وفضائله كثيرة وكانت ولادته في سنة خمس وخمسين وثلثمائة وتوفي يوم الأحد خامس عشرى شهر ربيع الأول ببغداد ودفن في داره عشية ذلك النهار رحمه الله تعالى انتهى ملخصا
وفيها أبو عبد الرحمن النيلي محمد بن عبد العزيز بن عبد الله شيخ الشافعية بخراسان وله ثمانون سنة روى عن أبي عمرو بن حمدان وجماعة قال الاسنوي كان إماما في المذهب أدبيا شاعرا صالحا زاهدا ورعا سمع وحدث وأملى وطال عمره ولد سنة سبع وخمسين وثلثمائة وله ديوان شعر ومنه
( ما حال من أسر الهوى ألبابه
ما حال من كسر التصابي نابه )
( نادى الهوى أسماعه فأجابه
حتى إذا ما جاز أغلق بابه )
( أهوى لتمزيق الفؤاد فلم يجد
في صدره قلبا فشق ثيابه ) 259
انتهى ملخصا
وفيها أبو الحسين البصري محمد بن علي بن الطيب شيخ المعتزلة وصاحب التصانيف الكلامية وكان من أذكياء زمانه توفي ببغداد في ربيع الآخر وكان يقرئ الاعتزال ببغداد وله حلقة كبيرة قاله في العبر وقال ابن خلكان كان جيد الكلام مليح العبارة غزير المادة إمام وقته وله التصانيف الفائقة في الأصول منها المعتمد وهو كتاب كبير ومنه اخذ فخر الدين وانتفع الناس بكتبه وسكن بغداد وتوفي بها يوم الثلاثاء خامس ربيع الآخر ودفن بمقبرة الشونيز وصلى عليه القاضي أبو عبد الله الصميري انتهى ملخصا
سنة وسبع وثلاثين أربعمائة
فيها وقيل في التي قبلها وه حزم ابن ناصر الدين أبو حامد أحمد بن محمد بن أحيد بن عبد الله بن ماما الاصبهاني كان حافظا بصيرا بالآثار وله ذيل على تاريخ بخارا الغنجار
وفيها أبو نصر المنازى أحمد بن يوسف السيلكي الكاتب كان من أعيان الفضلاء وأماثل الشعراء وزر لأبي نصر وأحمد بن مروان الكردي صاحب مي فارقين وديار بكر أرسله إلى القسطنطينية مرارا وجمع كتبا كثيرة ثم وقفها على جامع ميا فراقين وجامع آمد وهي موجودة بخزائن الجامعين ومعروفة بكتب المنازي وكان قد اجتمع بأبي العلاء المعزي بمعرة النعمان فشكا أبو العلاء إليه حاله وأنه منقطع عن الناس وهم يؤذونه فقال ما لهم ولك وقد تركت لهم الدنيا والآخرة فقال أبو العلاء والآخرة أيضا والآخرة أيضا وجعل يكررها ويتألم لذلك وأطرق فلم يكلمه إلى أن قام وكان قد اجتاز في بعض أسفاره بوادي بزاعا فأعجبه حسنه وما هو عليه فعمل فيه هذه الأبيات 260 وقانا لفحة الرمضاء واد
وقاه مضاعف الغيث العميم )
( نزلنا دوحه فحنا علينا
حنو المرضعات على الفطيم )
( يصد الشمس أني واجهتنا
فيحجبها ويأذن للنسيم )
( يروع حصاه حالية العذارى
فتلمس جانب العقد النظيم )
ذكر أنه عرض هذا القصيد في جماعة من الشعراء على أبي العلاء المعري فقال له أنت أشعر من بالشام ثم بعد خمس عشرة سنة عرض عليه مع جماعة من الشعراء قوله
( لقد عرض الحمام لنا بسجع
إذا أصغى له ركب تلاحى )
( شجى قلب الخلى فقيل غنى
وبرج بالشجى فقيل ناحا )
( وكم للشوق في أحشاء صب
إذا اندملت اجدها جراحا )
( ضعيف الصبر عنك وإن تقاوي
وسكران الفؤاد وإن تصاحا )
( كذلك بنو الهدى سكرى صحاة
كاحداق المها مرضى صحاحا )
( فقال أبو العلاء من بالعراق عطفا على قوله السابق أنت أشعر من بالشام ومن شعره أيضا
( ولي غلام طال في دقة
كخط اقليدس لا عرض له )
( وقد تناهى عقله خفة
فصار كالنقطة لا جزء له )
والمنازي بفتح الميم والنون نسبة إلى مناز جرد بزيادة مكسورة وهي مدينة عند خرت برت وهي غير مناز كرد القلعة التي من أعمال خلاط
وفيها أبو محمد القيسي مكي بن أبي طالب حموش بن حمد بن مختار القيسي المقرئ أصله من القيروان وانتقل إلى الأندلس وسكن قرطبة وهو من أهل التبحر في العلوم خصوصا القران كثير التصنيف والتصانيف عاش اثنتين وثمانين سنة ورحل غير مرة وحج وجاور وتوسع في الرواية وبعد صيته وقصده النالس من النواحي لعلمه ودينه وولى خطابة قرطبة لأبي الزم جهور وكان
( مشهورا بالصلاح واجابة الدعوة حسن الفهم والخلق جيد الدين والعقل وحج أربع حجج متوالية ثم رجع من مكة إلى مصر ثم القيروان ثم ارتحل إلى الأندلس ثم صنف التصانيف الكثيرة منها الهداية إلى بلوغ النهاية في معاني القرآن الكريم وتفسيره وأنواع علومه وهو سبعون جزءا وكتاب التبصرة في القراءات في خمسة أجزاء وهو من أشهر تآليفه وكتاب المأثور عن مالك في أحكام القرآن وتفسيره عشرة أجزاء وكتاب مشكل المعاني والتفسير خمسة عشر جزءا ومصنفاته تفوت العد كثيرة ومن نظمه قوله من قصدة
( عليك باقلال الزيارة إنها
إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا )
( ألم ترأن الغيث يسأم دائما
ويطلب بالأيدي إذا هو أمسكا )
سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة
فيها توفي أبو علي البغدادي الحسن بن محمد بن إبراهيم المالكي مصنف المروضة في القراءات العشر
وفيها أبو محمد الجويني نسبة إلى جوين ناحية كبيرة من نواحي نيسابور تشتمل على قرى كثيرة عبد الله بن يوسف بن محمد بن حيوية بمثناتين تحت أولادهما مضمومة مشددة والثانية مفتوحة شيخ الشافعية ووالد أما الحرمين قال ابن شبهة في طبقاته كان يلقب ركن الإسلام اصله من قبيلة من العرب قرأ الدب بناحية جوين على والده والفقه على أبي يعقوب الابيوردى ثم خرج إلى نيسابور فلازم أبا الطيب الصعلوكي ثم رحل إلى مرو لقصده القفال فلازمه حتى برع عليه خلافا ومذهبا وعاد إلى نيسابور سنة سبع وأربعمائة وقعد للتدريس والفتوى وكان إمما في التفسير والفقه والأدب مجتهدا في العبادة ورعا مهيبا صاحب جد ووقار قال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني لو كان 262
الشيخ أبو محمد في بني إسرائيل لنقلت إلينا أوصافه وافتخروا به وقال أبو سعيد عبد الواحد بن أبي القسم القيشري صاحب الرسالة أن المحققين من أصحابنا يعتقدون فيه من الكمال انه لو جاز أن يبعث الله تعالى نبيا في عصره لما كان إلا هو توفي بنسيابور في ذي القعدة قال الحافظ أبو صالح المؤذن غسلته فلما لفقته في الاكفان رأيت يده اليمنى إلى الابط منيرة كلون القمر فتحيرت وقلت هذه بركة فتاويه وصنف تفسيرا كبيرا يشتمل على عشرة أنواع من العلوم في كل آية وله تعليقه في الفقه متوسط والفروق مجلد ضخم والسلسلة مجلد وكتاب المختصر وهو مختصر المزني وكتاب التبصرة مجلد لطيف غالبه في العبادات وغير ذلك انتهى كلام ابن شبهة
وقال الأسنوي وكان له أخ فاضل يقال له أبو الحسن على رحل وسمع الكثير وعقد له مجلس الإملاء بخراسان وكان يعرف بشيخ الحجاز غلب عليه التصوف وصنف فيه كتابا حسنا سماه كتاب السلوة مات في ذي القعدة سنة ثلاث وستين وأربعمائة انتهى
سنة تسع وثلاثين وأربعمائة
فيها توفي أبو محمد الخلال الحسن بن حمد بن الحسن الغبدادي الحافظ في جمادي الأولى وله سبع وثمانون سنة روى عن القطيعي وأبي سعيد الحرقي وطبقتهما قال الخطيب كان ثقة له معرفة خرج المسند على الصحيحين وجمع أبوابا وتراجم كثيرة قال في العبر آخر من روى عنه أبو سعيد أحمد بن الطيوري
وفيها على بن منير بن أحمد الخلال أبو الحسن المصري الشاهد ذي القعدة روى عن الذهلي وأبي احمد بن الناصح
وفيها النذير الواعظ أبو عبد الله محمد بن أحمد الشيرازي روى عن اسمعيل ابن حاجب الكشاني وجماعة ووعظ ببغداد فازدحموا عليه وشغفوا به و رزق 263
قبولا لم يرزقه أحد وصار يظهر الوهد ثم انه تنعم قبل الصلات فأقبلت الدنيا عليه وكثر مريدوه ثم انه على الجهاد فسارع إليه الخلق من الاقطار واستجمع له جيش من الطوعة فعسكر بظاهر بغداد وضرب له الطبل وسار ثهم إلى الموصل واستفحل أمره فصار إلى اذريبجان وضاهي أمير بن البغدادي أنفذه والده أبو طاهر إلى أبي يعلي فدرس عليه وانجب وأفتى وناظر وجلس بعد موت أبيه في حلقته
سنة أربعين وأربعمائة
فيها مات السلطان أبو كاليجار واسمه مرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة اليدلمي البويهي نسبة إلى بويه مات بطريق كزمان وقصدوه في يوم ثلاث مرات وكان معه نحو أربعة آلاف من الترك والديلم فنهبت خزائنه وخزيمه وجواريه وطلبوا شيراز فلسطنوا ابنه الملك الرحيم أبا نصر وكانت مدة أبي كاليجار أربع سنين وكان مولده بالبصرة سنة تسع وتسعين وثلثمائة سامحه الله 264
وفيها أقام المعز بن باديس الدعوة بالمغرب للقائم بأمر الله العباسي وخلع طاعة المستنصر فبعث المستنصر جيشا من العرب يحاربونه فذلك أول دخول العربان إلى إفريقية وهم بنو رياح وبنو زغبة وتمت لهم أمور يطول شرحها
وفيها توفي في الحليمي أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن نصر المصري الوراق يوم الاضحى وله إحدى وثمانون سنة روى عن أبي الطاهر الذهلي وغيره
وفيها الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله جعفر بن المعتضد الأمير أبو محمد العباسي روى عن مؤدبه أحمد اليشكري وكان رئيسا دينا حافظا لأخبار الخلفاء توفي في شعبان وله نيف وتسعون سنة
وفيها أبو القسم عبيد الله بن أبي حفص عمر بن شاهين روى عن أبيه وأبي بحر البر بهارس والقطيعي وكان صدوقا عالي الإسناد توفي في ربيع الأول
وفيها أبو طالب أحمد بن عبد الله بن سهل المعروف بابن البقال الحنبلي صاحب الفتيا والنظر والمعرفة والبيان والإفصاح واللسان سمع أبا العباس عبد الله نب موسى الهاشمي وأبا بكر بن شاذان في آخرين ودرس الفقه على أبي عبد الله نب حامد وكانت له حلقة بجامع المنصور وله المقامات المشهورة بدار الخلافة من ذلك قوله بالديوان والوزير يومئذ حاجب النعمان الخلافة بيضة والحنبليون حضانها ولئن انقسمت البيضة عن مدح فاسد الخلافة خيمة والحنبليون طنا بها ولئن سقطت الطنب لتهوين الخيمة وغير ذلك وتوفي في شهر ربيع الأول ودفن بمقبرة امامنا
وفيها على بن ربيعة أبو الحسن التميمي المصري البزار رواية الحس بن رشيق توفي في صفر
وفيها أبو ذر محمد بن إبراهيم بن علي الطالحاني بسكون اللام نسبة إلى صالحان محلة باصبهان الاصبهاني الواعظ روى عن أبي الشيخ ومات في ربيع الأول 265
أبو عبد الله الكارزيني بن حمد بن الحسين الفارسي المقرئ نزيل الحرم ومسند القراء توفي فيها أو بعدها وقد قرأ القراءات على المطوعي قرأ عليه جماعة كثيرة وكان من أبناء التسعين قال الذهبي ما علمت فيه جرحا
وفيها مسند أصبهان أبو بكر بن ريذة محمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني التاجر راوية أبي القسم الطبراني توفي في رمضان وله أربع وتسعون سنة قال يحيى بن منده ثقة أمين كان أحد وجوه الناس وافر العقل كامل الفضل مكرما لأهل العلم حسن الخط يعرف طرفا من النحو واللغة
وفيها مسند العراق أبو طالب بن غيلان محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان الهمذاني البغدادي البزار سمع من أبى بكر الشافعي أحد عشر جزءا وتعرف بالغيلانيات لتفرده بها قال الخطيب كان صدقا صالحا دنيا وقال الذهبي مات في شوال وله أربع وتسعون سنة
وفيها أبو منصور السواق محمد بن محمد عثمان البغدادي البندار وثقه الخطيب ومات في آخر العام عن ثمانين سنة روى عن القطيعي ومخلد بن جعفر
سنة إحدى واربعين وأربعمائة
فيها توفي أبو علي أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن القسم بن أبي نصر التميمي الدمشقي المعدل أحد الأكابر بدمشق روى عن يوسف الميانجي وجماعة
وفيها أبو الحسن العتيقي أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي التاجر السفار المحدث روى عن علي بن محمد بن سعيد الرزاز واسحق بن سعد النسوي وطبقتهما وجمع وخرج على الصحيحين وكان ثقة فهما توفي في صفر
وفيها أبو العابس البرمكي احمد بن عمر بن أحمد بن إبراهيم بن اسمعيل الحنبلي سمع أبا حفص بن شاهين وأبا القسم بن حبابة قال الخطيب كتبت عنه وكان صدوقا 266
سألته عن مولده فقال في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة ومات في ليلة الخميس الثالث والعشرين من جمادي الآخرة ودفن في مقبرة أمامنا أحمد وصحب أباه وقرأ على أبي عبد الله بن حامد
وفيها أبو الحسن أحمد بن المظفر بن أحمد بن مزداد الواسطى العطار راوي مسند مسدد عن ابن السقا توفي في شعبان
وفيها أبو القسم الافليلي وافليل قرية بالشام ثم القرطبي إبراهيم ابن محمد بن زكريا الزهري الوقاصي توفي في ذي القعدة بقرطبة وله تسع وثمانون سنة روى عن أبي عيسى الليثي وأبي بكر الزبيدي وطائفة وولى الوزارة لبعض أمراء الأندلس كان رأسا في اللغة والشعر أخبار يا علامة صادق اللهجة حسن الغيب صافي الضمير عنى بكتب جمة وشرح ديوان المتنبي شرحا جيدا وهو مشهور
وفيها أبو الحسن بن سختام الفقيه على بن إبراهيم بن نصرويه بن سختام ابن هرثمة الغزني الحنفي السمر قندي المفتي رحل ليحج وحدث ببغداد ودمشق عن أبيه ومحمد بن أحمد بن مت الأشيتيخني وجماعة وحدث في هاذ العام وتوفي أو بعدهع في عشر الثمانين
وفيها أبو حمصه أبو الحسن علي بن عمر الحراني ثم المصري الصواف عنده مجلس واحد حمزة الكتاني يعرف بمجلس البطاقة توفي في رجب قاله في العبر
وفيها قرواش بن مقلد بن المسيب الأمير أبو المنيع معتمد الدولة القيلي صاحب الموصل كانت دولته خمسين سنة وكان أديبا شاعرا نهابا وهابا على دين الأعراب وجاهليتهم وتقدم الكلام عليه 267
وفيها أبو الفضل السعدي محمد بن أحمد بن عيسى البغدادي الفقيه الشافعي تلميذ أبي حامد الاسفرائيني وراوي معجم الصحابة للبغوي عن ابن بطة توفي في شعبان وقد روى عن جماعة كثيرة بالعراق والشام ومصر
وفيها أبو عبد الله الصوري محمد بن علي بن عبد الله بن رحيم الساحلي الحافظ أحد أركان الحديث توفي ببغداد في جمادي الآخرة وقد نيف على الستين روى عن ابن جميع والحافظ عبد الغني المصري ولزمه مدة وأكثر عن المصريين والشاميين ثم رحل إلى بغداد فلقى بها ابن مخلد صاحب الصفار وهذه الطبقة قال الخطيب كنا من أحرص الناس على الحديث وأكثرهم كتبا له وأحسنهم معرفة لم يقدم علنا أفهم منه وكان دقيق الخط يكتب ثمانني سطرا في ثمن الكاغد الخراساني وكان يسرد الصوم وقال أبو الوليد الباجي هو أحفظ من رأيناه وقال أبو الحسين بن الطيوري ما رأيت أحفظ من الصوري وكان بفردعين وكان متفننا يعرف من كل علم وقوله حجة وعنه أخذ الخطيب علم الحديث وله شعر فائق وقال ابن ناصر الديم كان آية في الإتقان مع حسن خلق ومزاح مع الطالبين وكان خطه دقيقا مع التحرير والمعرفة الزائدة كتب صحيح البخاري في سبعة ةأطباق من الورق البغدادي
وفيها السلطان مودود صاحب غزته بن السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين وكانت عشر سنين ومات في رجب وله تسع وعشرون سنة واقاموا بعده ولده وهو صبي صغير ثم خلعوه
سنة اثنتين واربعين وأربعمائة
فيها عبن ابن النسوي لشرطة بغداد فاتفقت الكلمة من السنة والشيعة انه متى ولى نزحوا عن البلد ووقع الصلح بهذا السبب بين الفريقين وصار أهل الكرخ يترجمون على الصحابة وصلوا في مساجد السنة 268
وخرجوا كلهم إلى زيادة المشاهد وتحابوا وتواددوا وهذا شيء لم يعهد من دهر قاله في العبر
وفيها أبو الحسين الثوري أحمد بن علي البغدادي المحتسب روى عن ابن لولو وطبقته وكان ثقة صاحب الحديث
وفيها الملك العزيز أبو منصور بن الملك جلال الدولة بن بويه توفي بظاهر ميافارقين وكانت مدته سبع سنين وكان أديبا فاضلا له شعر حسن
وفيها أبو الحسن بن القزويني على بن عمر الحربي الواهد القدوة شيخ العراق روى عن أبي عمر بن حيوية وطبقته قال الخطيب كان أحد الزهاد ومن عباد الله الصالحين يقرئ ويحدث ولا يخرج إلا إلى الصلاة وعاش اثنتين وثمانين سنة توفي في شعبان وغلقت جميع بغداد يوم دفنه ولم أر جمعا أعظم من ذلك الجمع وقال المناوي في طبقات الأولياء أخذ النحو عن أبي جنى وكان شافعيا تفقه على الداركي وسمع حديثا كثيرا ومن كراماته أنه سمع الشاة تذكر الله تعالى تقلو لا اله إلا الله وكان يتوظأ للعصر فقال لجماعته لا تخرج هذه الشاة غدا للمرعى فأصبحت ميتة وقال بعضهم مضيت لزيارة قبره فحصل ما يذكر الناس عنه من الكرامات فقلت ترى ايش منزلته عند الله وعلى قبره مصحف ففتحته فإذا في أول ورقة منه (
وجيها في الدنيا والآخرة ) وقال الماوردي صليت خلفه وعليه ثوب مطرز فقلت في قلبي أين المطرز من الزهد فلما قضى قال سبحان الله المطرز لا ينقص أحكام الزهد وكرره ثلاثا وقال ابن هبة صليت خلفه العشاء بالحربية فخرج وأنا معه بالقنديل بين يديه فإذا أنا بموضع أطوف به مع جماعة ثم عدنا إلى الحربية قبل الفجر فأقسمت عليه أين كنا قال أن هو إلا عبد أنعمنا عليه ذلك البيت الرحام وله حكايات كثيرة تدل على أن الله أكرمه بطى الأرض وقال ابن الدلال كنت أقرأ على ابن فضلان فقال وقد جرى ذكر كرامات القزويني 269
لا تعتقد أن أحدا يعلم ما في قلبك غخرجت فدخلت على القزويني فقال سبحان الله مقاومة معارضه روى عن المصطفى انه قال أن تحت العرش ريح هفافة تهب إلى قلوب العارفين وروى عنه كان فيمن مضى قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي فعمر وقال بعضهم أصابتني ريح المفاصل حتى زمنت لأجلها فأمر القزويني يده عليها من وراء كمه فقمت من ساعتي معافي وقال ابن طاهر أدركت سفرا وكنت خائفا فدخلت للقزويني أسأله الدعاء فقال قبل أن أسأله من أراد سفرا ففزع من عدو أو وحش فليقرأ لا يلاف قريش فإنها أمان من كل سوء فقراتها فلم يعرض لي عارض حتى الآن ولما مات أغلقت البلد لمشهده ولم ير في الإسلام بعد جنازة أحمد بن حنبل أعظم من جنازته
انتهى ما أورده الشيخ عبد الرءوف المناوي ملخصا
وفيها أبو القسم الثمانيني بلفظ العدد نسبة إلى ثمانين قرية بالموصل وهي أول قرية بنيت بعد الطوفان سميت بعدد الجماعة الذين خرجوا من السفينة مع نوح عليه السلام فأنهم كانوا ثمانين وهي عند الجبل الجودي عمر بن ثابت الضرير النحوي أحد أئمة العربية بالعراق أخذ النحو عن أبي الفتح بن جنى وأخذ عنه الشريف أبو المعمر يحيى بن محمد بن طباطبا العلوي الحسني وكان هو وأبو القسم بن برهان والعوام يقرءون على الثمانيني وتوفي في ذي القعدة انتهى ملخصا
وفيها محمد بن عبد الواحد بن زوج الحرة أبو الحسن أخو أبي يعلي وأبي عبد الله وكان أوسط الثلاثة روى عن ابن لولو وطائفة
وفيها أبو طاهر بن العلاف محمد بن علي بن محمد البغدادي الواعظ روى عن القطيعي وجماعة وكان نبيلا وقورا له حلقة للعلم بجامع المنصور 270
سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة
فيها على ما قاله في الشذور ظهر كوكب له ذؤابة غلب نوره على نور الشمس وسار سيرا بطيئا ثم انقض ج ; أحكام
وفيها كما قال في العبر في صفر زال الأنس بين السنة والشيعة وعادوا إلى أشد ما كانوا عليه وأحكموا الرافضة سوق الكرخ وكتبوا على الأبراج محمد وعلى خير البشر فمن رضى فقد شكر ومن أبي فقد كفر واضطرمت الفتنة وأخذت ثياب الناس في الطرق وغلقت الأسواق واجتمع للسنة جمع لم ير مثله وهجموا دار الخلافة فوعدوا بالخير وثار أهل الكرخ والتقي الجمعان وقتل جماعة ونبشت عدة قبور للشيعة مثل العوني والناسي والجذوعي وطرحوا النيران في التراب وتم على الرافضة خزى عظيم فعمدوا إلى خان الحنفية فأحرقوه
وقتلوا مدرسهم أبا سعد السرخسي رحمه الله وقال الوزير إن وأخذنا الكل خربت البلد انتهى
وفيها توفي أبو علي الشاموخي بضم الميم وخاء معجمة نسبة إلى شاموخ قرية بنواحي البصرة الحسن بن علي علي المقرئ بالبصرة وله جزء مشهور روى فيه عن احمد بن حمد بن العباس صاحب أبي خليفة
وفيها علي بن شجاع الشيباني أبو الحسن المصقلي بفتح أوله والقاف نسبة إلى مصقله جد الاصبهاني الصوفي في ربيع الأول روى عن الدار قطني وطبقته وأسمع ولديه كثيرا
وفيها أبو القسم الفارسي علي بن محمد بن علي مسند الديار المصرية أكثر عن احمد بن الناصح والذهلي وابن رشيق وتوفي في شوال
وفيها محمد بن عبد السلام بن سعدان أبو عبد الله الدمشقي روى عن جمح بن القسم وأبي عمر بن فضالة وجماعة وتوفي يوم عرفة وعنده ستة أجزاء 271
وفيها أبو الحسن بن صخر الأزدي القاضي محمد بن علي بن محمد البصري بزييد في جمادي الآخرة عن سن عالية أملى مجالس كثيرة عن أحمد بن جعفر وخلق
سنة أربع واربعين وأربعمائة
فيها كما قال في الشذور كانت بأرجان والأهواز وتلك النواحي زلازل انقلعت منها الحيطان فحكى من يعتمد على قوله انه كان قاعدا في إيوان داره فانفرج حتى رأى السماء من وسطه ثم رجع إلى حاله
وفيها توفي أبو غانم الكراعي أحمد بن علي بن الحسين النضري صاحب الحرث بن أبي أسامة وكان حافظ خراسان ومسندها في وقته أتخر من روى عنه حفيده
وفيها أبو علي بن المذهب الحسن بن علي بن محمد التميمي البغدادي الواعظ راوية المسند لأحمد قال الخطيب كان سماعه للمسند من القطيعي صحيحا إلا في أجزاء فإنه ألحق اسمه فيها وعاش تسعا وثمانين سنة قال ابن نقطة لو بين الخطيب في أي مسند هي لأتى بالفائدة وقال الذهبي توفى في تاسع عشرى ربيع الآخر
وفيها رشأ بن نظيفق بن ما شاء الله أبو الحسن الدمشقي المقرئ المحدث قرأ بدمشق ومصر وبغداد بالروايات روى عن أبي مسلم الكاتب وعبد الوهاب الكلابي وطبقتهما قال الكتاني توفي في المحرم وكان ثقة مأمونا انتهت إليه الرياسة في قراءة ابن عامر
وفيها المححدث أبو القسم الازجي عبد العزيز بن علي الخياط روى عن ابن عبيد العسكري ولعي بن لولو وطبقتهما فاكثر توفي في شعبان وله ثمان وثمانون سنة وكان صاحب حديث وسنة
وفيها أبو نصر السجزي نسبة إلى سجستان الحافظ عبيد الله بن سعيد بن 272
حاتم الوائلي البكري مصر نزيل مصر توفي بمكة في المحرم وكان متقنا مكثرا بصيرا والحجاز والسنة واسع الرواية رجل بعد الأربعمائة فسمع بخراسان والعراق والحجاز ومصر وروى عن الحاكم وأبي أحمد الفرضي وطبقتهما قال الحافظ ابن طاهر سألت الحبال عن الصوري والسجزي أيهما احفظ فقال السجزي أحفظ من خمسين مثل الصوري وله كتاب الابانة في القران
وفيها أبو عمرو الداني عثمان بن سعيد القرطبي بن الصير في الحافظ المقرئ أحد الأعلام صاحب المصنفات الكثيرة منها التيسير توفي بدانية في شوال وله ثلاث وسبعون سنة قال ابتدأت بطلب العلم سنة ست وثمانين وثلثمائة ورحلت إلى المشرق سنة سبع وتسعين فكتبت بالقيروان ومصر قال الذهبي سمع من أبي مسلم الكاتب وبمكة من احمد بن فراس وبالمغرب من أبي الحسن القابسي وقرأ القراءات على عبد العزيز بن جعفر الفارسي وخلف بن خاقان وطاهر بن غلبون وجماعة وقال ابن بشكوال كان أحد الأئمة في علم القران روايته وتفسيره ومعانيه وطرقه واعرابه وله معرفة بالحديث وطرقه ورجاله وكان جيد الضبط من أهل الحفظ والذكاء واليقين دينا ورعا سينا وقال غيره كان مجاب الدعوة مالكي المذهب
وفيها أبو الفتح القرشي ناصر بن الحسين العمري المروزي الشافعي مفتي أهل مرو تفقه على أبي بكر القفال وأبي الطيب الصعلوكي وروى عن أبي سعيد عبد الله الرازي صاحب ابن الضريس وعبد الرحمن بن أبي شريح وعليه تفقه البهيقي وكان فقيرا متعففا متواضعا قال ابن شبهة صار عليه مدار الفتوي والتدريس والمناظرة وصنف كتبا كثيرة توفي بنيسابور في ذي القعدة
سنة خمس واربعين وأربعمائة
فيها توفي في تاج الأئمة مقرئ الديار المصرية أبو العباس أحمد بن علي بن 273
هاشم المصري قرأ علي عمر بن عراك وأبي عدي وجماعة ثم رحل وقرأ علي أبي الحسن الحمامي وتوفي في شوال في عشر التسعين قال السيوطي في حسن المحاضرة أقرأ الناس دهرا طويلا بمصر وحدث عنه أبو عبد الله محمد بن أحمد الرازي في مشيخته
وفيها أبو اسحق البرمكي إبراهيم بن عمر البغدادي الحنبلي روى عن القطيعي وابن ماسي وطائفة قال الخطيب كان صدوقا دينا فيها على مذهب أحمد له حلقة للفتوى توفي يوم التروية وله أربع وثمانون سنة وقال ابن أبي يعلي في طبقاته له إجازة من أبي بكر عبد العزيز بن مردك قال حدثنا عبد الرحمن ابن أبي حاتم قال حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل قال وذكر عنده يعني أبيه رجل فقال يا بني الفائز من فاز غدا ولم يكن لأحد عنده تبعة ولد البرمكي في شهر رمان سنة إحدى وستين وثلثماية وتوفي في ذي الحجة ودفن في مقبرة أمامنا وكانت حلقته بجامع المنصور انتهى ملخصا
وفيها أبو سعد السمان اسمعيل بن علي الرازي الحافظ سمع بالعراق ومكة ومصر والشام وروى عن المخلص وطبقته قال الكتاني كان من الحفاظ الكبار زاهدا عابدا يذهب إلى الاعتزال وقال الذهبي كان متبحرا في العلوم وهو القائل من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة والإسلام وله تصانيف كثيرة يقال انه سمع من ثلاثة آلاف شيخ وكان رأسا في القراءات والحديث والفقه بصيرا بمذهبي أبي حنيفة والشافعي لكنه من رؤوس المعتزلة انتهى كلام الذهبي
وفيها أبو طاهر الكاتب محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الرحيم مسند اصبهان ورواية أبي الشيخ توفي في ربيع الآخر وهو في عشر التعسين وكان ثقة صاحب رحلة إلى أبي الفض الزهري وطبقته 274
وفيها أبو عبد الله العلوي محمد بن علي بن الحسن بن عبد الرحمن الكوفي سمند الكوفة في ربيع الأول روى عن المكاي وطائفة
سنة ست وأربعين وأربعمائة
فيها توفي أبو علي الأهوازي الحسن بن علي بن إبراهيم المقرئ المحدث مقرئ أهل الشام وصاحب التصانيف ولدسته اثنتين وستين وثلثمائة وعنى بالقراءات ولقي فيها الكبار كابى الفرج الشبوذي وعلي بن الحسين الغضا يري وقرأ بالأهواز لقالون في سنة ثمان وسبعين وثلثمائة وروى الحديث عن نصر المرجي والمعافي الجريري وطبقتهما وهو ضعيف أتهم في لقي بعض الشيوخ توفي في ذي الحجة
وفيها أبو يعلي الخليلي الخليل بن عبد الله بن أحمد القزويني أحد ائمة الحديث روى عن علي بن أحمد بن صالح القزويني وأبى حفص الكتاني وطبقتهما وكان أحد من رحل وتعب وبرع في الحديث قال ابن ناصر الدين أبو يعلي القاضي كان إماما حافظا من المصنفين وله كتاب الإرشاد في معرفة المحدثين
وفيها أبو محمد بن اللبان التيمي عبد الله بن محمد الاصبهاني قال الخطيب كان أحد أوعية العلم سمع أبا بكر بن المقرئ وأبا طاهر المخلص وطبقتهما وكان ثقة صحب ابن الباقلاني ودرس عليه الأصول وتفقه على أبي حامد الاسفرائيني وقرا القراءات وله مصنفات كثيرة سمعته يقول حفظت القرآن ولي خمس سنين مات باصبهان في جمادي الآخرة
وفيها محمد بن عبد الرحمن بن عثمان بن أبي نصر أبو الحسين التميمي المعدل الرئيس مسند دمشق وابن مسندها سمع أبا بكر المميانجي وأبا سليمان بن زبر وتوفي في رجب 275
سنة سبع وأربعين وأربعمائة
فيها توفي أبو عبد الله القادسي الحسين بن أحمد بن حمد بن حبيب البغدادي البزاز روى عن أبي بكر القطيعي وغيره ضعفه الخطيب وفيها أيضا رفض توفي في ذي القعدة
وفيها قاضي القضاة أبو عبد الله بن ماكولا الحسين بن علي بن جعفر العجلي الجربا ذقاني بفتح الجيم والموحدة والقاف وسكون الراء والذال المعجمة نسبة إلى جربا ذقاني بلد بين جرجان واسترا ياذ واخرى بين أصلهان والكرج لا أدري إلى أيهما ينسب كان شافعي المذهب قال الأسنوي هو من ولد الأمير أبي دلف العجلي ويعرف بابن ما كولا وهو الأمير أبو نصر مصنف الاكمال في أسماء الرجال تولى أبو عبد الله المذكور قضاء القضاة ببغداد سنة عشرين وأربعمائة قال الخطيب كان عارفا بمذهب الشافعي وسمه من ابن منده باصبهان قال ولم نر قاضيا أعظم نزاهة منه ولد سنة ثمان وستين وثلثمائة ومات في شوال وهو على قضائه انتهى ما قاله الأسنوي
وفيها حكم بن محمد بن حكم أبو العاص الجذامي نسبة إلى جذام قبيلة باليمن القرطبي مسند الأندلس حج فسمع من أبي محمد بن أبي زيد وإبراهيم بن علي التمار وأبي بكر بن المهندس وقرأ على عبد المنعم بن غلبون وكان صالحا ثقة ورعا صلبا في السنة مقلا زاهدا توفي في ربيع الآخر بضع وتسعين سنة
وفيها أبو الفتح سليم بن أيوب بن سليم بالتصغير فيهما الرازي الشافعي المفسر صاحب التصانيف والتفسير وتلميذ أبي حامد الأسفرائيني روى عن أحمد بن محمد النصير وطائفة كثيرة وكان رأسا في العلم والعمل غرق في بحر القلزم في صفر بعد قضاء حجه قال ابن قاضي شهبة تفقه وهو كبير لأنه كان اشتغل في صدر عمره باللغة والنحو والتفسير والمعاني ثم لازم الشيخ 276
أبا حامد وعلق عنه تعليق ولما توفي الشيخ أبو حامد جلس مكانه ثم انه سافر إلى الشام وأقام بثغر صور مرابطا ينشر العلم فتخرج عليه أئمة منهم الشيخ نصر المقدسي وكان ورعا زاهدا يحاسب نفسه على الأوقات لا يدع وفتا يمضي بغير فائدة قال الشيخ أبو اسحق انه كان فقيها أصوليا وقال أبو القسم بن عساكر بلغني أن سليما تفقه بعد آت جاوز الأربعين وغرق في بحر القلزم عند ساحل جدة بعد الحج في صفر ومن تصانيفه كتاب التفسير سماه ضياء القلوب وغير ذلك من الكتب النافعة وسئل ما الفرق بين مصنفاتك ومصنفات رفيقك المحاملي يعرض السائل بأن تلك أشهر فقال الفرق أن تلك صنفت بالعراق ومصنفاتي صنفت بالشام انتهى
وفيها أبو سعيد اسمعيل بن علي بن الحسين بن زنجويه الرازي كان حافظا علامة تاريخ الزمان وهو معتزلي المذهب وهو أمام في عدة علوم ومن كلامه من لم يكتب الحديث لم يتغرغر بحلاوة الإسلام قاله ابن ناصر الدين وجزم انه توفي في هذه السنة وقد تقدم الكلام عليه في سنة خمس وأربعين قريبا
وفيها عبد الوهاب بن الحسين بن برهان أبو الفرج البغدادي الغزال روى عن أبي عبد الله العسكري واسحق بن سعد وخلق وسكن صور وبهما مت في شوال عن خمس وثمانين سنة
وفيها أبو أحمد الغندجاني بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح المهملة وجيم نسبة إلى غندجان مدينة بالأهواز عبد الوهاب بن علي بن حممد بن موسى ىروى تاريخ البخاري عن أحمد بن عبدان الشيرازي
وفيها أبو القسم التنوخي علي بن أبي علي المحسن بن علي البغدادي روى عن علي بن محمد بن كيسان والحسين بن محمد العسكري وخلق كثير وأول سماعه في سنة سبعين قال الخطيب صدوق متحفظ في الشهادة ولي قضاء المدائن ونحوها قال ابن خيرون قيل كان راية الرفض والاعتزال مات في ثاني المحرم قاله في العبر 277
وفيها ذخيرة الدين ولي العهد محمد بن القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بأمر الله أحمد توفي في ذي القعدة وله ست عشرة سنة وكان قد ختم القرآن وحفظ الفقه والنحو والفرائض وخلق سرية حاملا فولدت ولد اسماه جده عبد الله فهو المقتدي الذي ولى الخلافة بعد جده
وفيها حمد بن علي بن يحيى بن سلوان المازني ما عنده سوى نسخة أبي مسهر وما معها توفي في ذي الحجة وهو ثقة قاله في العبر
سنة ثمان وأربعين وأربعمائة
فيها تزوج القائم بأمر الله بأخت طغر لبك وتمكن القائم وعظمت الخلافة بسلطنة طغر لبك
وفيها كان القحط الشديد بديار مصر والوباء المفرط وكانت العراق تمون بالفتن والخوف والنهب من جماعة طغر لبك ومن الأعراب ومن البساسيري قال ابن الجوزي في الشذور ثم وقع الغلاء والوباء في الناس وفسد الهواء وكثر الذباب واشتد الجوع حتى أكلوا الميتة وبلغ المكوك من برز البقلة سبعة دنانير والسفر جلة والرمانة دينار والخيارة واللينوفرة دينار وعم الغلاء والوباء جميع البلاد وورد كتاب من مصر أن ثلاثة من اللصوص نقبوا دارا فوجودا عند الصباح موتى أحدهم على باب البيت والثاني على رأس الدرجة والثالث على الثياب المكروه انتهى
وفيها توفي عبد الله بن الوليد بن سعيد أبو محمد الأنصاري الاندلسي الفقيه المالكي حمل عن أبي حمد بن أبي زيد وخلق وعاش ثمانيا وثمانين سنة وسكن مصر وتوفي بالشام في رمضان
وفيها أبو الحسين عبد الغافر بن محمد بن عبد الغافر الفارسي ثم النيسابوري 278
راوي صحيح مسلم عن أبي عمرو يه وغريب عن مؤلف كمل خمسا وتسعين سنة ومات في خامس شوال وكان عدلا جليل القدر
وفيها أبو الحسن القالي نسبة إلى قالي من ديار بكر علي بن أحمد بن علي المؤدب الثقة روى عن أبي عمر الهاشمي وطبقته
وفيها أبو الحسن الباقلاني علي بن إبراهيم بن عيسى البغدادي روى عن القطيعي وغيره قال الخطيب لا بأس به
وفيها أبو حفص بن مسرور عمر بن أحمد بن عمر النيسابوري الزاهد روى عن ابن نجيد وبشر الاسفرائيني وأبي سهل الصعلوكي وطائفة قال عبد الغافر هو أبو حفص القاص لما وردى الزاهد الفقيه كان كثير العبادة والمجاهدة كانوا يتبركون بدعائه وعاش تسعين سنة ومات في ذي القعدة
وفيها أبو الطفال أبو الحسن محمد بن الحسين بن محمد النيسابوري ثم المصري المقرئ البزاز التاجر ولد سنة تسع وخمسين وثلثمائة وروى عن ابن حيوية وابن رشيق وطبقتهما
وفيها ابن الترجمات محمد بن الحسين بن علي الغزى شيخ الصوفية بديار مصر روى عن حمد بن أحمد الحيدرى وعبد الوهاب الكلاني وطائفة ومات في جمادي الأولى بمصر وله خمس وتسعون سنة وكان صدوقا قاله في العبر
وفيها أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران الأموي البغدادي راوي السنن عن الدار قطني توفي في جمادي الأولى وكان ثقة حسن الأصول
وفيها أبو الحسين هلال بن المحسن بن أبي اسحق إبراهيم بن زهرون بن حيون الصابي الحراني الكاتب وهو حفيد أبي اسحق الصابي الرسائل المشهورة سمع هلال المذكور علي الفارسي النحوي وعلي بن عيسى الرماني 279
وغيرهم وذكره الخطيب في تاريخ بغداد وقال كتبنا عنه وكان صدوقا وكان أبوه المحسن صائبا على دين جده إبراهيم واسلم هلال المذكور في آخر عمره وسمع العلماء في حال كفره لأنه كان يطلب الأدب وله كتاب الأماثل والأعيان ومبتدى بن هلال ذا فضائل وتواليف نافعة منها التاريخ الكبير ومنها الكتاب الذي سماه الهفوات النادرة من المغفلين والسقطات البادرة من المغفلين الملحوظين والسقطات البادرة من المغفلين المحظوظين وكانت ولادة هلال المذكور في شوال سنة تسع وخمسين وثلثمائة وتوفي ليلة الخميس سابع عشر رمضان رحمه الله
سنة تسع وأربعين وأربعمائة
فيها كما قال في الشذور بلغت كارة الخشكار أي النخالة عشرة دنانير ومات من الجوع خلق كثير وأكلت الكلاب وورد كتاب من البخاري انه وقع في تلك الديار وباء حتى أخرج في يوم ثمانية عشر ألف جنازة وأحصى من مات إلى تاريخ هذا الكتاب ألف ألف وستمائة وخمسون آلفا وبقيت الأسواق فارغة والبيوت خالية ووقع الوباء باذر بيجان وأعمالها والأهواز وأعمالها وواسط والكوفة وطبق الأرض حتى كان يحفر للعشرين والثلاثين زبية فيلقون فيها وكان سببه الجوع وباع رجل أرضا له بخمسة أرطال خبز فأكلها ومات في الحال وتب الناس كلهم وأراقوا الخمور وسروا المعازف وتصدقوا بمعظم أموالهم ولزموا المساجد وكان كل من اجتمع بامرأة فأشار بأصبعه إلى بيت في الدار فإذا بجانبه خمر فقلبوها فمات وتوفي رجل كان أربعة أنفس ليلا إلى المجسد فماتوا ودخل رجل على ميت مسجي بلحاف فاجتذبه عنه فمات 280
وطرفه في يده انتهى
وفيها توفي أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي اللغوي الشاعر صاحب التصانيف المشهورة والزندقة المأثورة والذكاء المفرط والزهد الفلسفي وله ست وثمانون سنة جدر وهو ابن ثلاث ستين فذهب بصره ولعله مات على الإسلام وتاب من كفرياته وزال عنه الشك قاله في العبر وقال ابن خلكان الشاعر اللغوي كان متضلعا من فنون الأدب قرأ النحو واللغة على أبيه بالمعرة وعلى محمد بن عبد الله بن سعد النحوي بحلب وله التصانيف الكثيرة المشهورة واالرسائل المأثورة وله من النظم لزوم مالا يلزم وهو كبير يقع في خمس مجلدات أو ما يقاربها وله سقط الزند أيضا وشرحه بنفسه وسماه ضوء السقط وله كتاب الهمزة والردف أكثر من مائة مجلد وله غير ذلك وأخذ عنه أبو القسم بن المحسن التنوخي والخطيب أبو زكريا التبريزي وغيرهما وكانت ولادته يوم الجمعة عند مغيب الشمس سابع عشرى شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وثلثمائة بالمعرة وعمى من الجدري أول سنة سبع وستين غشى يميني عينيه بياض وذهبت اليسرى جملة قال الحافظ السلفي أخبرني أبو محمد عبد الله بن الوليد بن غريب الايادي أنه دخل مع عمه على أبي العلاء يزوره فرآه قاعدا على سجاده لبد وهو شيخ قال فدعا لي ومسح على رأسي وكان صبيا قال وكأني انظر إليه الآن والى عينه إحداهما نادرة والاخرى غائرة جدا وهو مجدر الوجه نحيف الجسم وكان يقول كأنما نظر المتنبي إلي بلحظ الغيب حيث يقول
( أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبى
وأسمعت كلماتي من به صمم )
وشرح ديوان أبي تمام وسماه ذكرى حبيب وديوان البحتري وسماه عبث الوليد وديوان المتنبي وسماه معجز أحمد وتكلم على غريب أشعارهم ومعانيها ومآخذهم من غيرهم وما أخذ عليهم وتولى الانتصار لهم والنقد في بعض المواضع 281
عليهم والتوجيه في أماكن لخطئهم ودخل بغداد سنة ثمان وتسعين وثلثمائة ودخلها ثانيا سنة تسع وتسعين وأقام بها سنة وسبعة أشهر ثم رجع إلى المعرة ولزم منزله وشرع في التصنيف وأخذ عنه الناس وسار إليه الطلبة من الآفاق وكاتبه العلماء والوزراء أهل الاقداد سومى نفسه رهن الحبسين للزومه منزله ولذهاب عينيه ومكث مدة خمس وأربعين سنة لا يأكل اللحم تدينا لأنه كان ير رأى الحكماء المتقدمين وهم لا يأكلونه كيلا يذبحون الحيوان ففيه تعذيب له وهم لا يرون إيلام جميع الحيوانات وعمل الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة ومن شعره في اللزوم
( لا تطلبن بآلة لك رفعة
قلم البليغ بغير جد مغزل )
( سكن السما كان السماء كلاهما
هذا له رمح وهذا أعزل )
وتوفي ليلة الجمعة ثالث وقيل ثاني شهر ربيع الأول وقيل ثالث عشره وبلغني انه أوصى أن يكتب على قبره
( هذا جناه أبي علي وما جنيت على أحد
)
وهو أيضا متعلق باعتقاد الحكماء فأنهم يقولون إيجاد الولد واخراجه إلى هذا العالم جناية عليه لأنه يتعرض لحوادث والآفات وكان مرضه ثلاثة أيام ومات في اليوم الرابع ولم يكن عنده غير بني عمه فقال لهم في اليوم الثالث اكتبوا عني فتناولوا الدواة والأقلام فأملى عليهم غير الصواب فقال القاضي أبو محمد التنوخي أحسن الله عزاءكم في الشيخ فأنه ميت فمات ثاني يوم والمعري نسبة إلى معرة النعمان بن بشير الأنصاري رضي الله عنه انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا وقال ابن الأهدل حضر مرة مجلس الشريف المرتضي ببغداد وكان الشريف يغض من المتنبي والمعري يثني عليه فقال المعري لو لم يكن من شعره إلا قوله
( لك يا منازل في القلوب منازل
لكفاه فأمر الشريف بإخراجه ) 282
وقال ما أراد القصيدة فأنها ليست من غرر قصائده وإنما أراد البيت الذي فيها وهو قوله
( وإذا أتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة لي بأني كامل )
انتهى وقال غيره قيل ولد أعمى وترك أكل البيض واللبن واللحم وحرم اتلاف الحيوان وكان فاسد العقيدة يظهر الكفر ويزعم أن له باطنا وانه مسلم في الباطن وأشعاره والدالة على كفره كثيرة منها
( أتى عيسى فأبطل شرع موسى
وجاء حمد بصلاة خمس )
( وقالوا لأبني بعد هذا
فضل القوم بين غد وأمس )
( ومهما عشت في دنياك هذي
فما يخليك من قمر وشمس )
( إذا قلت المحال رفعت صوتي
وإن قلت الصحيح أطلت همسي )
وقال ( تاه النصاري والحنيفة ما اهتدت
ويهود بطرى والمحبوس مضله )
( قسم الورى قسمين هاذ عاقل
لا دين فيه ودين لا عقل له )
انتهى
وفيها أبو مسعود البجلي أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز الرازي الحافظ وله سبع وثمانون سنة توفي في المحرم ببخارا وكان كثير الترحال طوف وجمع وصنف الأبواب وروى عن أبي عمرو بن حمدون وحسينك التميمي وطبقتهما وهو ثقة قال ابن ناصر الدين كان حافظا صدوقا بين الأصحاب تاجرا تقيا صنف على الأبواب
وفيها أبو عثمان الصابوني شيخ الإسلام اسمعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الشافعي الواعظ المفسر المصنف أحد الالاعم روى عن زاهر السرخسي وطبقته وتوفي في صفر وله سبع وسبعون سنة وأول ما جلس للوعظ وله عشر سنين قال ابن ناصر الدين كان إماما حافظا عمدة مقدما في الوعظ والأدب وغيرهما من العلوم وحفظه للحديث وتفسير القرآن معلوم ومن مصنفاته كتاب الفصول في الأصول وقال الذهبي كان شيخ خراسان في زمانه وقال ابن قاضي شبهة 283
فتوفي ولولده هذه سنين فأجلس مكانه وحضر أول مجلس أئمة الوقت في بلده كالشيخ أبي الطيب الصعلوكي والأستاذ أبى بكر بن فورك والأستاذ أبي اسحق الاسفرائيني ثم كانوا يلازمون مجلسه ويتعجبون من فصاحته وكمال ذكائه وحسن إيراده وقال عبد الغافر الفارسي كان أوحد وقته في طريقه وعظ المسلمين سبعين سنة وخطب وصلى في الجامع نحوا من عشرين سنة وكان حافظا كثير السماع والتصنيف حريصا على العلم سمع الكثير ورحل وزرق العزة والجاه في الدين والدنيا وكان جمالا في البلد مقبولا عند الموافق والمخالف مجمعا على أنه عديم النظير وكان سيف السنة وأفعى أهل البدعة وقد طول عبد الغافر في ترجمته واطنب في وصفه وقال الحافظ أبو بكر البهيقي شيخ الإسلام صدقا وامام المسلمين حقا أبو عثمان الصابوني انتهى ملخصا
وفيها ابن بطال مؤلف شرح البخاري أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال القرطبي روى عن أبي المطرف القنازعي ويونس بن عبد الله القاضي وتوفي في صفر
وفيها أبو عبد الله الخبازي محمد بن علي بن محمد النيسابوري المقرئ عن سبع وسبعين سنة روى عن أبيه القراءات وتصدر وصنف فيها وحدث عن أبي محمد الخلدي وطبقته وكان كبير الشأن وافر الحرمة مجاب الدعوة آخر من روى عن الفراوي
وفيها أبو الفتح الكراجكي أي الخيمى رأس الشيعة وصاحب التصانيف محمد بن علي مات بصور في ربيع الآخر وكان نحويا لغويا منجما طبيبا متكلما متنفننا من كبار أصحاب الشريف المرتضي وهو مؤلف كتاب تلقين أولاد المؤمنين
سنة خمسين وأربعمائة
فيها توفي الونى صاحب الفرائض استشهد في فتنة البساسيري وهو أبو 284
عبد الله طاهر بن عبد الله بن طاهر القاضي أحد الأعلام عن أبي أحمد الغطريفي وجماعة وتفقه بنيسابور على أبي الحسن الماسرجسي وسكن بغداد وعمر مائة وسنتين قال الخطيب كان عارفا بالأصول والفروع محققا صحيح المذهب قال الشيخ أبو اسحق الشيرازي في الطبقات ومنهم
شيخنا وأستاذنا أبو الطيب الطبري وتوفي عن مائة وسنتين ولم يختل عقله ولا تغير فهمه يفتى مع الفقهاء ويستدرك عليهم الخطأ ويقضي ويشهد ويحضر المواكب إلى أم مات تفقه بآمل على الزجاجي صاحب ابن القاص وقرأ على أبي سعيد الإسماعيلي وأبي القسم بن كج بجرجان ثم ارتحل إلى بغداد وعلق عن أبي محمد البافي صاحب الداركي وحضر مجلس أبي حامد ولم أر ممن رأيت أكمل اجتهادا وأشد تحقيقا وأجود نظرا منه شرح مختصر المزني وصنف في الخلاف والمذهب والأصول والجدل كتبا كثيرة ليس لأحد مثلها ولازمت مجلسه بضع عشرة سنة ودرست أصحابه في مجلسه بأذنه ورتبني في حلقته وسألني أن أجلس في مجلسته للتدريس ففعلت في سنة ثلاثين وأربعمائة أحسن الله عني حزاءه ورضى عنه وقال الخطيب البغدادي كان أبو الطيب ورعا عارفا بالأصول والفروع حققا حسن الخلق صحيح المذهب اختلفت إليه وعلقت عنه الفقه سنين وقال سمعت أبا بكر محمد بن حمد المؤدب سمعت أبا محمد الباقي يقول أبو الطيب أفقه من أبي حامد الأسفرائيني وسمعت أبا حامد يقول أبو الطيب أفقه من أبي محمد البافي وعن القاضي أبي الطيب انه رأى النبي الله في المنام وقال له يا فقيه وانه كان يفرح بذلك ويقول سماني رسول الله فقيها وقال القاضي أبو بكر الشامي قلت للقاضي أبي الطيب وقد عمر لقد متعت بجوارحك أيها الشيخ فقال ولما لا وما عصيت الله بواحدة منها قط أو كما قال وقال ابن الأهدل بلغ أبو الطيب مبلغا في العلم 285
والديانة وسلامة الصدر وحسن السمت والخلق وعليه تفقه الشيخ أبو اسحق الشيرازي ووى القضاء ببغداد بربع الكرج دهرا طويلا وعاش مائة وستين ويقال وعشرين ولم يضعف جسده ولا عقله حتى حكى انه اجتاز بنهر يحتاج إلى وثبة عظيمة فوثب وقال أعظما حفظهما الله في صغرها فقواها في كبرها وكان يحضر المواكب في دار الخلافة ويقول الشعر ومن شعره ما ألغز به على أبي العلاء المعري
( وما ذات در لا يحل لحالب
تناولها واللحم منها محلل )
في أبيات في هذا المعنى فأجابه المعري ارتجالا
( جوابان عن هذا السؤال كلاهما
صواب وبعض القائلين مضلل )
( فمن ظنه كرما فليس بكاذب
ومن طنه نخلا فليس يجهل )
( يكلفني القاضي انحلال مسائل
هي البحر قدرا با أعز وأطول )
فأجابه القاضي يثنى عليه وعلى علمه وبديهته فأجابه المعري أيضا
( فؤادك معمور من العلم آهل
وجدك في كل المسائل مقبل )
( فان كنت بين الناس غير ممول
فأنتمن الفهم المصون ممول )
( كأنك من في الشافعي مخاطب
ومن قلبه تملى فما تتمهل )
( وكيف يرى علم ابن إدريس دارسا
وأنت بايضاح الهدى متكفل )
( تجملت الدنيا بأنك فوقها
ومثلك حقا من به يتجمل )
وفيها أبو الفتح بن شيطا مقرئ العراق ومصنف التذكار في القراءات العشر عبد الواحد بن الحسين بن أحمد أخذ عن الحمامي وطائفة وحدث عن محمد بن إسماعيل البراق وجماعة وتوفي في صفر وله ثمانون سنة
وفيها أبو الحسين علي بن بقا المصري الوراق الناسخ محدث ديار مصر روى عن القاضي أبي الحسن الحلبي وطائفة وكتب الكثير
وفيها الماوردي أقضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصي 286
الشافعي مصنف الحاوي والاقناع وأدب الدنيا والدين وكان أماما في الفقه والأصول والتفسير بصيرا بالعربية ولي قضاء بلاد كثيرة ثم سكن بغداد وعاش ستا وثمانين سنة تفقه على أبي القسم الصيمري بالبصرة وعلى أبي حامد ببغداد وحدث عن الحسن الجيلي صاحب أبي خليفة الجمحي وجماعة أتخر من روى عنه أبو العز بن كادش قال ابن قاضي شبهة هو أحد أئمة أصحاب الوجوه قال الخطيب كان ثقة من وجوه الفقهاء الشافعين وله تصانيف عدة في أصول الفقه وفروعه وفي غير ذلك وكان ثقة ولي قضاء بلدان شتى ثم سكن بغداد وقال ابن خيرون كان رجلا عظيم القدر متقدما عند السلطان أحد الأئمة له التصانيف الحسان في كل في من العلم وذكره ابن الصلاح في طبقاته واتهم بالاعتزال في بعض المسائل بحسب ما فهم عنه في تفسيره في موافقة المعتزلة فيها ولا يوافقهم في جميع أصولهم وما خالفهم فيه أن الجنة مخلوقة نعم يوافقهم في القول في القدر وهي بلية على البصريين توفي في ربيع الأول سنة خمسين بعد موت أبي الطيب بأحد عشر يوما عن ست وثمانين سنة وذكر ابن خلكان في الوفيات انه لم يكن أبرز شيئا من مصنفاته في حياته وإنما أوصى رجلا من أصحابه إذا حضره الموت أن يضع يده في يده فأن رآه قبض على يده فلا يخرج من مصنفاته شيئا وان رآه بسط يده أي علامة فبولها فليخرجها ومن تصانيفه الحاوي قال الأسنوي ولم يصنف مثله و كتاب الأحكام السلطانية وهو تصنيف عجيب مجلد والإقناع مختصر يشتمل على غرائب والتفسير ثلاث مجلدات وأدب الدين والدنيا وغير ذلك
انتهى ما ذكره ابن شبهة ملخصا وقال ابن الأهدل لما خرج الماوردي من بغداد إلى البصرة أنشد أبيات ابن الأحنف
( أقمنا كارهين لها فلما
القناها خرجنا مكرهينا )
( وما حب البلاد بنا ولكن
أمر العيش فرقة هوينا ) 287
( خرجت أقر ما كانت لعيني
وخلفت الفؤاد رهينا )
وهو منسوب إلى بيع الماورد انتهى
وفيها أبو القسم الخفاف عمر بن الحسين البغدادي صاحب المشيخة روى عن ابن المظفر وطبقته
وفيها أبو منصور السمعاني محمد بن عبد الجبار القاضي المروزي الحنفي والد العلامة أبي المظفر السمعاني مات بمرو في شوال وكان أماما ورعا نحويا لغويا علامة له مصنفات
وفيها منصور بن الحسين الثاني بالنون نسبة إلى التنائية وهي الدهقنة ويقال لصاحب الضياع والعقار أبو الفتح الاصبهاني المحدث صاحب ابن المقرى كان من أروى الناس عنه توفي في ذي الحجة وكان ثقة
وفيها الملك الرحيم أبو نصر بن الملك أبي كاليجار بن الملك سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة الحسن بن بويه الديلمي آخر ملوك الديلم مات محبوسا بقلعة الري في اعتقال طفر لبك
سنة إحدى وخمسين وأربعمائة
فيها توفي ابن سميق أبو عمر أحمد بن يحيى بن أحمد بن سميق القرطبي نزيل طليطلة ومحدث وقته روى عن أبي المطرف بن فطيس وابن أبي زمنين وطبقتهما وكان قوي المشاركة في عدة علوم حتى في الطب مع العبادة والجلالة وعاش ثمانين سنة
وفيها الأمير المظفر أبو الحرث أرسلان بن عبد الله البساسيري التركي مقدم الاتراك ببغداد يقال انه كان مملوك بها الدولة بن بويه وهو الذي خرج على الأمام القائم بأمر الله ببغداد وكان قدمه على جميع الأتراك وقلده الأمور بأسرها وخطب له على منابر العراق وخوزستان فعظم آمره وهابته الملوك ثم 288
خرج على الأمام القائم بأمر الله من بغداد وخطب للمستنصر العبيدي صاحب مصر فراح القائم إلى أمير العرب محي الدين أبي الحرث مهارش بن المجلي العقيلي صاحب الحديثة وأعانه فآواه وقام بجميع ما يحتاج إليه مدة سنة كاملة حتى جاء طغر لبك السلجوقي وقاتل اليوم الذي خرج منها بعد حول كامل وكان ذلك من غريب الاتفاق وقصته مشهورة قتله عسكر السلطان طغر لبك السلجوقي ببغداد يوم الخميس منتصف ذي الحجة وطيف برأسه في بغداد وصلب قبالة باب النوبي والبساسيري بفتح الباء الموحدة والسين المهملة وبعد الألف سين مكسورة ثم ياء ساكنة مثناة من تحتها وبعدها راء هذه النسبة إلى بلدة بفارس يقال لها بسا وبالعربية فسا والنسبة إليها بالعربية فسوي ومنها الشيخ أبو علي الفارسي النحوي أهل فارس يقولون في النسبة إليها البساسيري وهي نسبة شاذة على خلاف الأصل وكان سيد أرسلان المذكور من بسافنسب إليه الملوك وأشتهر بالبساسيري قالن ابن خلكان
وفيها أبو عثمان النجيرمي بفتح النون والراء وكسر الجيم نسبة آلة نجيرم محلة بالبصرة سعيد بن محمد بن أحمد بن محمد النيسابوري محدث خراسان ومسندها روى عن جده أبي الحسين وأبي عمرو بن حمدان وطبقتهما ورحل إلى مرو واسفرائين وبغداد وجرجان وتوفي في ربعي الآخر
وفيها أبو المظفر عبدالله بن شيب الضبي مقرئ أصبهان وخطيبها وواعظها وشيخها وزاهدها أخذ القراءات عن أبي الفضل الخزاعي وسمع من أبي عبد الله بن مندة وغيره وتوفي في صفر
وفيها أبو الحسن الزورزني بفتح الزايين وسكون الواو نسبة إلى زوزن بلدة بين هراة ونيسابور على بن محمود بن ماخرة شيخ الصوفية ببغداد في رمضان عن خمس وثمانين سنة وكان كثير الأسفار سمع بدمشق من عبد الوهاب 289
الكلابي وجماعة
وفيها أبو طالب العشاري محمد بن علي بن الفتح الحرني الصالح روى عن الدار قطني وطبقته وعاش خمسا وثمانين سنة وكان جسده طويلا فلقبوه العشاري وكان فقيها حنبليا تخرج على أبي حامد وقبله على ابن بطة وكان خيرا عالما زاهدا قال ابن أبي يعلي في طبقات الحنابلة كان العشارى من الزهاد صحب أبا عبد الله بن بطة وأبا حفص البرمكي وأبا عبد الله بن حامد وقال ابن الطيوري قال لي بعض أهل البادية أنا إذا قحطنا استسقينا بابن العشاري فنسقي وقال لما قدم عسكر طغر لبك لقي بعضهم ابن العشاري في يوم الجمعة فقال له إيش معك يا شيخ قال ما معى شيء ونسى أن في جيبه نفقة ثم ذكر فنادى بذلك القائل له وأخرج ما في جيبه وتركه بيده وقال هذا معي فهابه ذلك الشخص وعظمه ولم يأخذه وله كرامات كثيرة مولده سنة ستين وثلثمائة وموته يوم الثلاثاء تاسع عشرى جمادي الأولى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة ودفن في مقبرة أمامنا بجنب أبي عبد الله بن طاهر وكان كل واحد منهما زوجا لأخت الآخر انتهى ملخصا
سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة
فيها توفي الماهر أبو الفتح أحمد بن عبيد بن فضا الحلبي الموازيني الشاعر المفلق بالشام
وفيها علي بن حميد أبو الحسن الذهلي إمام مجامع همذان وركن السنة والحديث بها روى عن أبي بكر بن لال وطبقته وقبره يزار ويتبرك به
وفيها القزويني محمد بن أحمد بن علي المقرئ شيخ الاقراء بمصر أخذ عن طاهر بن غبون وسمع من أبي الطيب والد طاهر وعبد الوهاب الكلابي وطائفة وتوفي في ربيع الآخر قال في حسن المحاضرة وقرأ عليه يحيى الخشاب وعلى بن بليمة انتهى 290
وفيها ابن عمروس أبو الفضل محمد بن عبيد الله البغدادي الفقيه المالكي قال الخطيب انتهت إليه الفتوى ببغداد وكان من القراء المجودين حدث عن ابن شاهين وجماعة وعاش ثمانين سنة
سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة
فيها توفي أبو العباس بن نفيس شيخ القراء أحمد بن سعيد بن أحمد بن نفيس المصري في رجب وقد نيف على التسعين وهو أكبر شيخ لابن الفحام قرأ على السامرى وأبي عدى عبد العزيز وسمع من أبي القسم الجوهري وطائفة وانتهى إليه علو الإسناد في القراءات وقصد من الأفاق
وفيها صاحب ميافارقين وديار بكر نصر الدولة أحمد بن مروان بن دوستك الكردي أبو نصر كان عاقلا حازما عادلا لم يفتحه الصبح مع أنهما كه على اللذات وكان له ثلثمائة وستون سرية يخلو كل ليلة بواحدة وكانت دولته إحدى وخمسين سنة وعاش سبعا وسبعين سنة وقام بعده ولده نصر قال ابن خلكان ملك البلاد بعد أن قتل أخوه أبو سعيد سنة وقام بعده ولده نصر قال ابن خلكان ملك البلاد بعد أن قتل أخوه أبو سعيد منصور بن مروان في قلعة الهتاخ ليلة الخميس خامس جمادي الأولى سنة إحدى وأربعمائة وكان رجلا مسعودا عالى الهمة حسن السياسة كثير الحزم قضى من اللذات وبلغ من السعادة ما يقصر الوصف عن شرحه وكان قد قسم أوقاته فمنها ما ينظر فيه في مصالح دولته ومنها ما يتوفر فيه على لذاته والاجتماع بأهله وخلف أولادا كثيرة وقصده شعراء عصره ومدحوه وخلدوا مدائحه في دواوينهم ومن جملة سعاداته انه وزر له وزير أن كانا وزيري خليفتين أحدهما أبو القسم الحسين ابن علي المعروف بابن المغربي صاحب الديوان الشعر والرسائل والتصانيف المشهورة كان وزير خليفة مصر وانفصل عنه وقدم على الأمير أبي نصر المذكور فوز له مرتين والآخر فخر الدولة أبو نصر بن جهير كان وزيره ثم انتقل إلى وزارة بغداد ولم يزل على سعادته وقضاء أوطاره إلى أن توفي 291
تاسع عشرى شوال انتهى ملخصا
وفيها أبو مسلم عبد الرحمن بن غزو النهاوندي العطار حدث عن أحمد بن فراس العبقسي وخلق وكان ثقة صدوقا
وفيها أبو أحمد المعلم عبد الواحد بن احمد الأصبهاني راوي مسند أحمد بن منيع عن عبيد الله بن جميل وروى عن جماعة وتوفي في صفر
وفيها علي بن رضوان أبو الحسن المصري الفيلسوف صاحب التصانيف كان رأسا في الطب وفي التنجيم من أذكياء زمانه بديار مصر
وفيها أبو القسم السمساطي واقف الخانكاة قرب جامع بني أمية بدمشق وسميساط بضم السين المهملة الأولى وفتح الميم والسنين الثانية بينهما مثناة تحتية وآخره طاء مهملة بلد بالشام علي بن محمد بن يحيى السلمي الدمشقي روى عن عبد الوهاب الكلابي وغيره وكان بارعا في الهندسة والهيئة صاحب حشمة وثروة واسعة عاش ثمانين سنة قال في القاموس سميساط كطر يبال بسينين بلد بشاطئ الفرات منه الشيخ أبو القسم علي بن محمد بن يحيى السلمي الدمشقي السميساطي من أكابر الرؤساء والمحدثين بدمشق وواقف الخانقاه بها انتهى
وفيها قريش بن بدران بن مقلد بن المسيب العقيلي أبو المعالي صاحب الموصل وليها عشر سنين وذبح عمه قوراش بن مقلد صبرا ومات بالطاعون عن إحدى وخمسين سنة وقام بعد ابنه شرف الدولة مسلم الذي استولى على ديار ربيعة ومصر وحلب وحاصر دمشق فكاد أن يملكها وأخذ الحمل من بلاد الروم
وفيها أبو سعد الكنجرودي بفتح الكاف والجيم بينهما جيم ساكنة واخره دال المهملة نسبة إلى كنجرود قرية بنيسابور ويقال لها خنزورذ محمد 292
ابن عبد الرحمن بن محمد النيسابوري الفقيه النحوي الطبيب الفارس قال عبد الغافر له قدم في الطب والفروسية وأدب السلاح وكان بارع وقته لاستجماعه فنون العلم حدث عن أبي عمرو بن حمدان وطبقته وكان مسند خراسان في عصره وتوفي في صفر
سنة أربع وخمسين وأربعمائة
فيها زادت دجلة أحدا وعشرين ذراعا وغرقت بغداد وبلاد
وفيها التقى صاحب حلب معز الدولة ثمال بن صالح الكلابي وملك الروم علي ارتاح من أعمال حلب وانتصر المسلمون وغنموا وسبوا حتى يبعت السرية الحسناء بمائة درهم وبعدها يسير توفي ثمال بحلب
وفيها توفي أبو سعد بن أبي شمس النيسابوري أحمد بن إبراهيم بن موسى المقرئ المجود الرئيس الكامل توفي في شعبان وهو في عشر التسعين روى عن أبي محمد المخلدي وجماعة وروى الغاية في القراءات عن ابن مهران المصر
وفيها أبو محمد الجوهري الحسن بن علي الشيرازي ثم البغدادي المقنعي لأنه كان يتطيلس ويلفها من تحت حنكة انتهى إليه علو الرواية في الدنيا وأملى مجالس كثيرة وكان صاحب حديث روى عن أبي بكر القطيعي وأبي عبد الله العسكري وعلي بن لولو وطبقتهم وعاش نيفا وتسعين سنة وتوفي في سابع ذي القعدة
وفيها أبو نصر زهير بن الحسن السرخسي الفقيه السافعي مفتى خراسان اخذ ببغداد عن أبي حامد الاسفراييني ولزمه وعلق عنه تعليقة مليحة وروى عن زاهر السرخسي والمخلص وجماعة وتوفي بسرخس وقيل توفي سنة خمس وخمسين قاله في العبر وقال الأسنوي ولد بسرخس بعج السبعين وثلثمائة 293
وتفقه على الشيخ أبي حامد وبرع في الفقه وسمع الكثير من جماعة منهم زاهر السرخسي ورجع إلى سرخس ودرس واسمع إلى زمان سنة خمس وخمسين وأربعمائة انتهى
وفيها عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن بن بندار العجلي أبو الفضل الرازي الأمام المقرئ الزاهد أحد العلماء العاملين قال أبو سعد السمعاني كان مقرئا كثير التصانيف زاهدا خشن العيش قانعا منفردا عن الناس يسافر وحده ويدخل البراري سمع بمكة من ابن فراس وبالري من جعفر بن فناكي وبنيسابور من السلمى وبنسا من محمد بن زهير النسوي وبجرجان من أبي نصر بن الاسمعيلي وبأصبهان من ابن منده الحافظ وببغداد والبصرة والكوفة وحران وفارس ودمشق ومصر وكان من أفراد الدهر قاله في العبر
وفيها أبو حفص الزهراوي عمر بن عبيد الله الذهلي القرطبي محدث الأندلس مع ابن عبد البر توفي في صفر عن ثلاث وتسعين سنة روى عن عبد الوارث بن سفيان وأبي محمد بن أسد والكبار ولحقته في آخر عمره فاقة فكان يستعطى وتغير ذهنه
وفيها القضاعي القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي بن حكمون المصري الفقيه الشافعي قاضي الديار المصرية ومصنف كتاب الشهاب و كتاب مناقب الأمام الشافعي وأخباره و كتاب الأنباء عن الأنبياء وتواريخ الخلفاء و كتاب خطط مصر قال ابن ماكولا كان متفننا في عدة علوم لم أر بمصر من يجري مجراه وقال في العبر روى عن أبي مسلم الكاتب فمن بعده وذكر السمعاني في الذيل في ترجمة الخطيب البغدادي انه حج سنة خمس وأربعين وأربعمائة وحج تلك السنة القضاعي المذكور وسمع منه الحديث انتهى وتوفي يمصر في ذي الحجة وصلى عليه يوم جمعة بعد العصر 294
وفيها المعز بن باديس بن منصور بن بلكين الحميري الصنهاجي صاحب المغرب وكان الحاكم العبيدي قد لقبه شرف الدولة وأرسل له الخلعة والتقليد في سنة سبع وأربعمائة وله تسعة أعوام وكان ملكا جليلا عالي الهمة محبا للعلماء جوادا ممدحا أصيلا في الامرة حسن الديانة حمل أهل مملكته على الاشتغال بمذهب مالك وخلع طاعة العبيديين في أثناء أيامه وخطب لخليفة العراق فجهز المستنصر لحربه جيشا وطال حربهم له وخرجوا حصون برقة وافرايقية وتوفي في شعبان بالبرص وله ست وخمسون سنة قاله في العبر وقال ابن خلكان كان واسطة عقد أهل بينه وكانت حضرته محط الامال وكان مذهب أي حنيفة رضي الله عنه بأفريقية أظهر المذاهب فحمل المعز المذكور جميع أهل المغرب على التمسك بمذهب مالك بن أنس رضي الله عنه وحسم مادة الخلاف في المذاهب واستمر الحال في ذلك إلى الآن وكان المعز يوما جالسا في مجلسه وعنده جماعة من الأدباء وبين يديه أترجة ذات أصابع فأمرهم المعز أن يعملوا فيها شيئا فعمل أبو الحسن بن رشيق القيرواني الشاعر المشهور بيتين
( أترجمة سبطة الأطراف ناعمة
تلقي العيون بحسن غير منحوس )
( كأنما بسطت كفا لخالقها
تدعو بطول بقاء لابن باديس )
انتهى ملخصا
سنة خمس وخمسين وأربعمائة
فيها دخل السلطان أبو طالب محمد بن ميكال سلطان الغز المعروف بطغر لبك بغداد فنزلوا في دور الناس وتعرضوا لحرمهم حتى أن قوما من الاتراك صعدوا إلى جامات الحمامات ففتحوها ثم نزلوا فهجموا عليهن وأخذوا من أرادوا منهن وخرج لباقيات عراة ثم في ليلة الاثنين خامس عشر صفر زفت ابنة القائم بأمر الله إلى طغر لبك وضربت لها سرادق من دجلة إلى الدار وضربت البوقات 295
عند دخولها إلى الدار فجلست على سرير ملبس بالذهب ودخل السلطان فقبل الأرض وخرج من غير أن يجلس ولم تقم له ولا كشفت برقعها ولا أبصرته وانفذ لها عقدين فاخرين وقطعة ياقوت حمراء ودخل من الغد فقبل الأرض أيضا وجلس على سرير ملبس بالفضة بإزائها ساعة ثم خرج وأنفذ لها جواهر كثيرة وفرجية مكللة بالحب ثم أخرجها معه من بغداد على كره إلى الري قال في العبر وهو أول ملوك السلجوقية وأصلهم من أعمال بخارا وهم أهل عمود أول ما ملك هذا الري ثم نيسابوري ثم أخذ أخوه داود بلخ وغيرهما واقتسما الممالك وملك طغر لبك العراق وقمع الرافضة وزال به شعارهم وكان عادلا في الجملة حليما كريما محافظا على الصلوات يصوم الخميس والاثنين ويعمر المساجد ودخل بابنة القائم وله سبعون سنة وعاش عقما ما بشر بولد ومات بالري وحملواتا بوته فدفنوه بمر وعند قبر أخيه داود بن جعفر بيك انتهى وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء وفي سنة أربع وخمسين زوج الخليفة بنته بطغر لبك بعد أن دافع بكل ممكن وانزعج واستعفى ثم لان الملك برغم منه وهذا أمر لم ينله أحد من ملوك بني بويه مع قهرهم للخلفاء وتحكمهم فيه قلت والان زوج خليفة عصرنا ابنته من واحد من مماليك السلطان فضلا عن السلطان فأنا الله وأنا إليه راجعون ثم قدم طغر لبك في سنة خمس فدخل بابنة الخليفة وأعاد المواريث والمكوس وضمن بغداد بمائة وخمسين ألف دينار ثم رجع إلى الري فمات بها في رمضان فلا عفا الله عنه وأقيم في السلطنة بعده ابن أخيه عضد الدولة الب أرسلان صاحب خراسان وبعث إليه القائم بالخلع والتقليد قال الذهبي هو أول من ذكر بالسلطان على منابر بغداد وبلغ ما لم يبلغه أحد من الملوك وافتتح بلادا كثيرة من بلاد النصاري واستوزر نظام الملك فأبطل ما كان عليه الوزير قبله عميد الملك من سب الأشعرية فانتصر للشافعية وأكرم إمام الحرمين وأبا القسم القيشري وبنى النظامية قيل وهي أول مدرسة بنيت 296
للفقاء انتهى كلام السيوطي وطفر لبك بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وضم الراء وسكون اللام وفتح الموحدة وبعدها كاف هو اسم تركي مركب من طغر ل وهو بلغة الترك علم الطائر معروف عندهم وبه سمى الرجل وبك معناه أمير
وفيها أحمد بن محمود أبو طاهر الثقفي الأصبهاني المؤدب سمع كتاب العظيمة من أبى الشيخ وما ظهر سماعه منه إلا بعد موته وكان صالحا ثقة سينا كثير الحديث توفي في ربيع الأول وله خمس وتسعون سنة روى عن أبي بكر بن المقرئ وجماعة
وفيها سبط بحرويه أبو القسم إبراهيم بن منصور السلمي الكيراني الاصبهاني صالح ثقة عفيف روى عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الرازي وأبي محمد المخلدي وطبقتهما وكان صوفيا مطبوعا ينوب عن أخيه في الوعظ توفي في ربيع الآخر وقد جاوز الثمانين
وفيها محمد بن محمد بن حمدون السلمي أبو بكر النيسابوري آخر من روى عن أبي عمرو بن حمدان توفي في المحرم
سنة ست وخمسين وأربعمائة
فيها على ما قاله في الشذور غزا السلطان أبو الفتح ملكشاه الروم ودخل بلدا لهم فيه سبعمائة ألف دار والف بيعة ودير فقتل مالا يحصى وأسر خمسمائة ألف
وفيها نازل الب أرسلان هراة فأخذها من عمه ولم يؤذه وتسلم الري وسار إلى أذربيجان وجمع الجيوش وغزا الروم فافتتح عدة حصون وهابته الملوك 297
وعظم سلطانه وبعد صيته وتوفر الدعاء له لكثرة ما افتتح من بلاد النصاري ثم رجع إلى أصبهان ومنها إلى كرمان وزوج ابنه ملكشاه بابنة خاقان صاحب ما وراء النهر وابنه أرسلان شاه بابنة صاحب غزته فوقع الائتلاف واتفقت الكلمة والله الحمد
وفيها توفي الحافظ عبد العزيز بن محمد بن محمد بن عاصم الاستغداد يزي بضم أوله والفوقية وسكون السين المهملة الغين المعجمة ثم مهملتين بينهما ألف ثم تحتية وزاي نسبة إلى استغداد يزة من قر نسف النخشبي ونخشب هي نسف روى عن جعفر المستغفري وابن غيلان وطبقتهما بخراسان وأصبهان والعراق والشام ومات كهلا وكان من كبار الحفاظ الرحالين والأئمة المخرجين المصنفين
وفيها أبو القسم عبد الواحد بن علي بن برهان العكبري النحوي صاحب التصانيف قال الخطيب كان مضطلعا بعلوم كثيرة منها النحو واللغة والنسب وأيام العرب والمتقدمين وله أنس شديد بعلم الحديث وقال ابن ماكولا سمع من ابن بطة وذهب بموته علم العربية من بغداد وكان أحد من يعرف الأنساب لم أر مثله وكان فقيها حنفيا أخذ علم الكلام عن أبي الحسين البصري وتقدم فيه وقال ابن الأثير له اختيار في الفقه وكان يمشي في الأسواق مكشوف الرأس ولا يقبل من أحد شيئا مات في جمادي الآخرة وقد جاوز الثمانين وكان يميل إلى أرجاء المعتزلة ويعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار قاله في العبر
وفيها ابن رشيق القيرواني أبو علي الحسن بن رشيق أحد الأفاضل البلغاء له التصانيف الحسنة منها كتاب العمدة في صناعة الشعر ونقده وعيوبه و كتاب الأنموذج والرسائل الفائقة والنظم الجيد قال ابن بسام في كتاب الذخيرة بلغني انه ولد بالمسيلة وتأدب بها قليلا ثم ارتحل إلى القيروان سنة ست وأربعمائة 298
وقال غيره ولد بالمهدية سنة وتسعين وثلثمائة وأبوه مملوك رومى من موالى الازد وكانت صنعة أبيه في بلده المحمدية الصياغة فعلمه أبوه صنعته وقرأ الأدب بالمحمدية وقال الشعر وتاقت نفسه إلى التزيد منه وملاقاة أهل الأدب فرحل إلى القيروان واشتهر بها ومدح صاحبها واتصل بخدمته ولم يزل بها إلى أن هجم العرب القيروان وقتلوا أهلها وأخربوها فانتقل إلى جزيرة صقلية واقام بها إلى أن مات ومات في هذه السنة وقيل سنة ثلاث وستين وأربعمائة وهو الأصح ومن شعره
( احب أخي وان أعرضت عنه
وقل على مسامعه كلامي )
( ولي في وجهه تقطيب راض
كما قطبت في وجه المدام )
( ورب تقطب من غير بغض
وبغض كان من تحت ابتسام )
ومن شعره
( يا رب لا اقوي على دفع الأذى
وبك استعنت على الضعيف المؤذي )
( مالي بعثت إلى ألف بعوضة
وبعثت واحدة إلى نمروذ )
ومن شعره ما حكاه ابن بسام
( أسلمني حب سليمانكم
إلى هوى أيسره القتل )
( قالت لنا جند ملاحاته
لما بدا ما قالت النمل )
( قوموا ادخلوا أمسكنكم قبل أن
تحطمكم أعينه النجل )
ومن لطيف شعره ما نقله الدميري
( فكرت ليلة وصلها في صدها
فجرت بقايا أدمعي كالعندم )
( فطفقت أمسح مقلتي في نحرها
إذا عادة الكافور أمساك الدم )
ومن تصانيفه أيضا قراضة الذهب وهو كتاب لطيف الجرم الكبير الفائدة رحمه الله تعالى
وفيها أبو شاكر عبد الواحد بن محمد التجيبي القنبري نزيل بلنسية أجاز له 299
أبو محمد بن أبي زيد وسمع من أبي محمد الأصيلي وأبي حفص بن بابك وولى القضاء والخطابة ببلنسية وعمر
وفيها أبو محمد بن حزم العلامة على بن احمد بن سعيد بن حزم بن غالب ابن صالج الأموي مولاهم الفارسي الأصل الاندلسي القرطبي الظاهري صاحب المصنفات مات مشردا عن بلده من قبل الدولة ببادية ليلة بفتح اللامين وبينهما موحدة بلدة بالأندلس بقرية له ليومين بقيا من شعبان عن اثنتين وسبعين سنة روى عن أبي عمر بن الجسور ويحيى بن مسعود وخلق أول سماعة سنة تسع وتسعين وثلثمائة وكان إليه المنتهى في الذكاء وحدة الذهن وسعة العلم بالكتاب والسنة والمذاهب والملل والنحل والعربية والآداب والمنطق والشعر مع الصدق والديانة والحشمة والسودد والرياسة والثروة وكثرة الكتب قال الغزالي وجدت في أسماء الله تعالى كتابا لأبي محمد بن حزم يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه وقال ابن صاعد في تاريخه كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم مع توسعه في علم اللسان والبلاغة والشعر والسير والأخبار اخبرني ابينه الفضل انه اجتمع عنده بخط أبيه من تآليفه نحو أربعمائة مجلد قاله في العبر وقال ابن خلطان كان حافظا عالما بعلوم الحديث مستنبطا للأحكام من الكتاب والسنة بعد أن كان الشافعي المذهب فانتقل إلى مذهب أهل الظاهر وكان متفننا في علوم جمة عاملا بعلمه زاهدا في الدنيا بعد الرياسة التي كانت ولأبيه من قبله في الوزارة وتدبير الملك متواضعا ذا فضائل وتآليف كثيرة وجمع من الكتب في علم الحديث والمصنفات والمسندات شيئا كثيرا وسمع سماعا جما وألف في فقه الحديث كتابا سماه كتاب الإيصال إلى الفهم و كتاب الخصال الجامعة نحل شرائع الإسلام في الواجب والحلال والحرام والسنة والإجماع أورد فيه أقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين 300
رضي الله عنهم أجمعين وله كتاب في مراتب العلوم وكيفية طلبيها وتعلق بعضها ببعض و كتاب إظهار تبديل اليهود والنصاري التوراة والانجيل وبيان ناقض ما بأيديهم من ذلك مما لا يحتمل التأويل وهاذ معنى لم يسبق إليه وكتاب التقريب بحد المنطق والمدخل إليه بالألفاظ العامية إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة وكان له كتاب صغير سماه نقط العروس جمع فيه كل غريبة ونادرة وقال الحافظ أبو عبد الله محمد بن فتوح ما رأينا مثله مما اجتمع له مع الذكاء وسرعة الحفظ وكرم النفس والتدين وما رأيت من يقول الشعر على البديهة أسرع منه قال أنشدني لنفسه
( لئن أصبحت مرتحلا بجسمي
فروحي عندكم أبدا مقيم )
( ولكن للعيان لطيف معنى
له سأل المعاينة الكليم )
وله
( وذو عذل فيمن سباني بحسنه
يطيل ملامي في الهوى ويقول )
( أفي حسن وجه لاح لم تر غيره
ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل )
( أفي حسن وجه لاح لم تر غيره
ولم تدر كيف الجسم أنت قتيل )
( فقلت له أسرفت في اللوم ظالما
وعندي رد لو أردت طويل )
( أمل تر أني ظاهري وأنني
على ما بدا حتى يقوم دليل )
وروى له الحافظ الحميدي
( أقمنا ساعة ثم ارتحلنا
وما يغني المشوق وقوف ساعه )
( كان الشمل لم يك ذا اجتماع
إذا ما شئت البين اجتماعه )
وكان ابن حزم كثير الوقوع في العلماء المتقدمين لا يكاد أحد يسلم من لسانه فنفرت عنه القلوب واستملل من فقهاء وقته فمالوا على بغضه وردوا قوله وأجمعوا على تضليله وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنة ونهوا عوامهم عن الدنوا إليه والأخذ فأقصته الملوك وشردته عن بلاده وقال ابن العريف كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا 301
وفيها ابن النرسي أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد حسنون البغدادي في صفر عن تسع وثمانين سنة روى في مشيخته عن محمد بن اسمعيل الوراق وطبقته
وفيها قتلمش بن إسرائيل بن سلجوق الملك شهاب الدولة وابن عم السلطان طغر لبط كانت له قلاع وحصون بعراق العجم فعصى على قرابته السلطان الب أرسلان ووافقه فقتل في المعركة وهو جد سلاطين الروم السلجوقية وكان بطلا شجاعا
وفيها أبو الوليد الدر بندي نسبة إلى دربند باب الأبواب الحسن بن محمد بن علي بن محمد البلخي طوف البلاد وحصل الإسناد وهو حافظ صدوق من المكثرين لكنه ردئ الحفظ بيم المحدثين قاله ابن ناصر الدين
وفيها المطرز صاحب المقدمة اللطيفة محمد بن علي بن محمد بن صالح السلمي الدمشقي أبو عبد الله النحوي المقرئ في ربيع الأول روى عن تمام وجماعة أتخر من حدث عنه النسيب في فوائده
وفيها أبو سعيد الخشاب محمد بن علي بن محمد النيسابوري المحدث خادم أبي عبد الرحمن السالمي روى عن أبي محمد المخلدي والخفاف وطائفة
وفيها عمبد ةالملك الوزير أبو نصر محمد بن منصور الكندري وزير السلطان طغر لبك وكان من رجال العالم حزما ورأيا وشهامة وكرما وقد جب مذاكيره لأمر ثم قتله ألب أرسلان بمرو الروذ في آخر العام وحمل رأسه إلى نيسابور قاله في العبر وقال ابن خلكان أستوزره السلطان طغر لبك السلجوقي ونال عنده الرتبة العالية والمنزلة الجليلة ولم يكن لأحد من أصحابه معه كلام وهو أول وزير كان لهذه الدولة ولو لم تكن له منقبة إلا صحبة إمام الحرمين أبي المعالي الشافعي على ما ذكره ابن السمعاني في ترجمته أبي المعالي المذكور في كتاب الذيل فأنه قال عبد الأطناب في وصف إمام الحرمين وذكر تنقله في 302
البلاد ثم قال وخرج إلى بغداد وصحب العميد الكندري أبا نصر مدة يطرف معه ويلتقي في حضرته بالأكابر من العلماء ويناظرهم حتى تهذب في النظر وشاع ذكر قال ابن خلكان وهذا خلاف ما ذكره شيخنا ابن الأثير في تاريخه في سنة ست وخمسين وأربعمائة فأنه قال ابن الوزير المذكور كان شديد التعصب على الشافعية كثير الوقيعة في الشافعي رضي الله عنه حتى بلغ في تعصبه انه خطب السلطان الب أرسلان السلجوقي في لعن الرافضة على منابر خراسان فأذن له في ذلك فأمر بلنهم وأضاف إليهم الأشعرية فأنف من ذلك أئمة خراسان منهم أبو القسم القشيري وأمام الحرمين الجويني وغيرهما ففارقوا خراسان وأقام إمام الحرمين بمكة أربع سنين يدرس ويفتي فلهذا قيل له أما الحرمين فلما جاءت الدولة النظامية أحضر من انتزج منهم وأكرمهم وأحسن إليهم وقتل انه تاب عن الوقيعة في الشافعي رحمه الله فإن صح فقد أفلح وكان عميد الملك ممدحا مقصدا للشعراء مدحه جماعة من أكابر شعراء عصره منهم الباخرزي وصردر وفيه يقول قصيدته النونية
( أكذا يجازي ود كل قرين
أم هذه شيم الظباء العين )
( قصوا على حديث من قتل الهوى
أن التأسى روح كل حزين )
( ولئن كتمتم مشفقين لقد درى
بمصارع العذري والمجنون )
ومنها
( ووراء ذياك المقبل مورد
حصباؤه من لؤلؤ مكنون )
( أما بيوت النحل بين شفافهم
منضودة أو حانة الزرجون )
ومنها
( وخشيت من قلبي الفرار عليهم
حتى لقد طالبته بضمين )
ومنها
( يا عين مثل قذاك رؤية معشر
عار على ديناهم والدين ) 303
( لم يشبهوا الإنسان إلا انهم
متكونون من الحما المسنون )
( نجس العيون فان رأتهم مقاتي
طهرتها ونزحت ماء جفوني )
( أنا أن هم حسبوا الذخائر دونهم
وهم إذا عدوا الفضائل دوني )
( لا يشمت الحساد أن مطامعي
عادت إلى بصفقة المغبون )
( لا يستدير البدر إلا بعدما
أبصرته في الضيم كالعرجون )
( فإذا عميد الملك حلى ربعه
ظفرا بفأل الطائر الميمون )
وهي طويلة طنانة آخرها
( شهدت علاه أن عنصر ذاته
مسك وعنصر غيره من طين )
ولما قام بالمملكة ألب أرسلان أفره على حاله وزاد في إكرامه ورتبته ثم أنه سيره إلى خوارزم شاه ليخطب له ابنته فارجف اعداؤه انه خطبها لنفسه وشاع ذلك بن الناس فبلغ عميد الملك العبر تغير قلب مخدومه عليه فعمد إلى لحيته فحلقها والى مذاكيره فجبها فكان ذلك سبب سلامته من ألب أرسلان وقيل أن السلطان خصاه ثم أن الب ارسلان عزله ونقله إلى مرو الروذ وحبسه في دار وكان في حجرة تلك عياله وكانت له بنت واحدة لا غير فلما احس بالقتل دخل الحجرة وأخرج كفنه وودع عياله وأغلق باب الحجرة وأغتسل وصلى ركعتين وأعطى الذي هم بقتله مائة دينار نيسابورية وقال حقي عليك أن تكفنني في هذا الثوب الذي غسلته في ماء زمزم وقال لجلاده قل للوزير نظام الملك بئس ما فعلت علمت الأتراك قتل الوزراء وأصحاب الديوان ومن حفر مهواة وقع فيها ومن سن سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ورضى بقضاء الله المحتوم وقتل يوم الأربعاء سادس عشرى ذي الحجة وعمره يومئذ نيف وأرعون سنة ومن العجائب انه دفنت مذاكيره بخوارزم وأريق دمه بمرو الروذ ودفن جسده بقرية كندر وجمجمته ودماغه بنيسابور وحشيت جثته بالتبن ونقلت إلى كرمان وفي ذلك عبرة لمن اعتبروا كندر قرية من قرى 304
طرثيت من نواحي نيسابور انتهى ملخصا
سنة سبع وخمسين وأربعمائة
فيها دخل السلطان الب أرسلان إلى ما وراء النهر فنازل جند وجده سلجوق مدفون بها فنزل صاحب إلى خدمته فأحسن إليه واقرة بها
وفسها توفي أحمد بن محمد بن نعيم عثمان النيسابروي الصوفي روى صحيح البخاري عن محمد بن عمر بن شبة وروى عن أبي طاهر بن خزيمة والمخلدي والكبار وانتقى عليه البهيقي وتوفي بغزته في ربيع الأول وله مائة سنة وزيادة وقد رحل بنفسه في الحديث سنة ثمان وسبعين وثلثمائة
سنة ثمان وخمسين وأربعمائة
فيها كما قال ابن الأثير وابن اجوزي والذهني والسيوطي ولدت بنت لها رأسان ورقبتان ووجهان على بدن واحد ببغداد بباب الأزح وماتت
وفيها كما قال في الشذور ظهر كوكب عيظم كبير له ذؤابة عرضها نحو ثلاثة أذرع وطوله أذرع كثيرة ولبثت ليال كثيرة ثم غاب ثم وقد اشتد نوره كالقمر وبقي عشرة أيام حتى اضمحل ووردت كتب التجار بأنه في الليلة الاخيرة من طلوع هذا الكوكب غرقت ستة وعشرون مركبا وهلك فيها نحو من ثمانية عشر ألف إنسان وكان من جملة المتاع الذي فيها عشرة آلاف طبلة كافور وكانت الزلزلة بخراسان ولبثت أياما فتصدعت منها الجبال وخسف بعدة قرى انتهى
وفيها توفي البهيقي الأمام العم أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الخسر وجردى بضم الخاء المعجمة وسكون السين المهملة وفتح الراء الأولى وكسر الجيم آخره مهملة نسبة إلى خسرو جرد قرية بييهق الشافعي الحافظ صاحب التصانيف قال ابن ناصر الدين كان وحاد زمانه وفرد حفظا وانتقانا وثقة وعمدة وهو 305
شيخ خراسان وله السنن الكبرى والصغرى والمعارف و كتاب الأسماء والصفات ودلائل النبوة والآداب والدعوات والترغيب والترهيب والزهد وغير ذلك
انتهى وقال في العبر توفي في عاشر جمادى الأولى بنيسابور ونقل تابوته إلى بيهق وعاش أربعا وسبعين سنة لزم الحاكم مدو وأكثر عن أبي الحسن العلوي وهو أكبر شيوخه وسمع ببغداد من هلال الحفار وبمكة والكوفة وبلغت تصانيفه ألف جزء ونفع الله بها المسلمين شرقا وغربا بالأمانة الرجل ودينه وفضله وإتقانه فالله يرحمه
انتهى وقال ابن قاضي شبهة قال عبد الغافر في الدلائل كان علي سيرة العلماء قانعا من الدنيا باليسير متجملا في زهده وورعه وذكر غيره انه سرد الصوم ثلاثين سنة وقال إمام الحرمين ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا البيهقي فان له على الشافعي منه لتصانيفه في نصرة مذهبه ومن تصانيفه المبسوط في جميع نصوص الشافعي منة لتصانيفه في نصرة مذهبه ومن تصانيفه المبسوط في جميع نصوص الشافعي و كتاب الخلاف وكتاب دلائل النبوة و كتاب البعث والنشور ومناقب الشافعي ومناقب أحمد و كتاب الاعتقاد مجلد وغير ذلك من المصنفات الجامعة المفيدة
انتهى ملخصا وقال ابن خلكان وهو أول من جمع نصوص الشافعي في عشر مجلدات وكان أكثر الناس نصرا لمذهب الشافعي وطلب إلى نيسابور لنشر العلم فأجاب وانتقل إليها
انتهى ملخصا أيضا
وفيها عبد الرزاق بن عمر بن شمامة أبو الطيب الأصفهاني التاجر روى عن ابن المفرئ
وفيها أبو الحسن بن سيدة علي بن إسماعيل المرسي العلامة صاحب المحكم في اللغة وكان أعمى ابن أعمى رأسا في العربية حجة في نقلها قال أبو عمر الطلمنكي أتوني بمرسية ليسمعوا مني غريب المصنف فقلت أنظروا من يقرأ لكم فأتوني برجل أعمى هو ابن سيدة فقرأه من حفظه فعجبت قال ابن خلكان كان إماما في اللغة والعربية حافظا لهما وقد جمع في ذلك جموعا من ذلك كتاب 306
المحكم في اللغة وهو كتاب كبير جامع مشتمل على أنواع اللغة وله كتاب المخصص في اللغة أيضا وهو كبير و كتاب الانيق في شرح الحماسة في ست مجلدات وغير ذلك من المصنفات وكان ضريرا وأبوه ضريرا وكان أبوه أيضا قيما بعلم اللغة وعليه اشتمل ولده في أول أمره ثم على أبي العلاء صاعد البغدادي وقرأ على أبي عمر الطلمنكي وتوفي بحضرة دانية عشية يوم الأحد سادس عشرى جمادي الآخرة وعمره ستون سنة أو نحوها رأيت على ظهر مجلد بخط بعض فضلاء الأندلس ابن ابن سيده المذكور كان يوم الجمعة قبل يوم الأحد المذكور صحيحا سويا إلى وقت صلاة المغرب فدخل المتوضأ فأخرج منه وقد سقط لسانه وانقطع كلامه فبقى على تلك الحال إلى العصر من يوم الأحد ثم توفي رحمه الله وسيده بكسر السين المهملة وسكون التحتية وفتح الدال المهملة وبعدها هاء ساكنة والمرسى بضم الميم وسكون الراء وبعدها سين مهملة نسبة إلى مرسية ومفي شرق الأندلس انتهى ملخصا
وفيها العبادي القاضي أبو عاصم محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله ابن عباد الهروي شيخ الشافعية وصاحب التصانيف تفقه على القاضي أبي منصور الازدي وبيسابور على أبي عمر البسطامي وكان دقيق النظر أماما واسع العلم له المبسوط وأدب القاضي والهادي و كتاب المياه و كتاب الأطعمة و كتاب الزيادات وزيادات الزيادات و كتاب طبقات الفقهاء وأخذ عنه أبو سعيد الهروس وولده أبو الحسن العبادي وغيرهما قال أبو سعد السمعاني كان إماما ثبتا مناظرا دقيق النظر سمع الكثير وتفقه وصنف كتبا في الفقه مات في شوال
وفيها أبو يعلي بن الفراء شيخ الحنابلة القاضي الحبر محمد بن الحسين بن محمد ابن خلف البغدادي صاحب التصانيف وفقيه العصر كان إماما لا يدرك قراره ولا يشق غباره عاش ثمانيا وسبعين سنة وحدث عن أبي الحربي والمخلص وطبقتهما وأملى عدة مجالس وولى قضاء الحريم وتوفي في تاسع عشر رمضان 307
وتفقه على أبي عبد اللع بن حامد وغيره وجميع الطائفةة معترفون بفضله ومغترفون من بحره قال في العبر
سنة تسع وخمسين وأربعمائة
في ذي القعد منها فرغت المدية النظامية والتي أنشأها نظام الملك ببغداد وقرر لتدريسها الشيخ أبا اسحق واجتمع الناس فلم يحضر لأنه لقيه صبي فقال كيف تدرس في مكان مغضوب فاختفى فلما أيسوا من حضوره درس ابن الصباغ مصنف الشامل فلما وصل الخبر إلى الوزير أقام القيامة على العميد أبي سعيد فلم يزل يرفق بأبي اسحق حتى درس بها ولكنه كان يصلي في غيرها لعلمه أن أكثر آلاتها غصب
وفيها توفي ابن طوق أبو نصر أحمد بن عبد الباقي بن الحسن الموصلي الراوي عن نصر المرجي صاحب أبي يعلي توفي بالموصل في رمضان وله سبع وسبعون سنة
وفها أبو بكر أحمد بن منصور بن خلف المغربي ثم النيسابوري روى عن أبي الفضل بن خزيمة وطائفة وتوفي في رمضان وكان بزازا
وفيها أبو القسم الحنائي صاحب الأجزاء الحنائيات الحسين بن محمد بن إبراهيم الدمشقي المعدل الصالح وله ثمانون سنة روى عن عبد الوهاب الكلابي والحسن بن محمد بن درستويه وطائفة
وفيها أبو مسلم الأصبهاني الأديب المفسر المعتزلي محمد بن علي بن محمد آخر أصحاب ابن المقرئ موتا له تفسير في عشرين مجلدا توفي في جمادي الآخرة وله ثلاث وتسعون سنة قاله في العبر 308
سنة ستين وأربعمائة
فيها على ما قال ابن الأثير وابن الجوزى واللفظ له كانت زلزلة بفلسطين وغيرها أهلكت من أهل الرملة خمسة آلفا ووقعت شرا فتان من مسجد رسول الله وانشقت الأرض عن كنوز من المال وانشقت صخرة بيت المقدس ثم عادت فالتأمت وغار البحر من الساحل مسيرة يوم وساح في البرد ودخل الناس إلى أرضه يلتقطون فرجع عليهم فأهلك خلقا كثيرا منهم وبلغت هذه الزلزلة إلى الرحبة والكوفة
وفيها توفي الباطرقاني بكسر الطاء المهملة وسكون الراء بالقاف نسبة إلى باطرقان من قرى أصبهان أبو بكر أحمد بن الضفل الأصبهاني المقرئ الأستاذ توفي في صفر عن ثمان وثمانين سنة وله مصنفات في القراءات وكان صاحب حديث وحفظ روى عن أبي عبد الله نب منده وطبقته
وفيها ابن القطان أبو عمر بن محمد بن عيسى القرطبي المالكي رئيس المفتين بالأندلس وله سبعون سنة روى عن يونس بن عبد الله القاضي وجماعة
وفيها خديجة بنت محمد بن علي الشاهجانية الواعظة ببغداد كتبت بخطها عن جماعة وتوفيت في المحرم عن أربع وثمانين سنة
وفسها عائشة بنت الحسن المور كانية الأصبهانية روت عن أبي عبد الله ابن منده
وفيها عبد الدائم بن الحسين الهلالي الحوراني ثم الدمشقي آخر أصحاب عبد الوهاب الكلابي عن ثمانين سنة
سنة إحدى وستين وأربعمائة
في نصف شعبان مناه احترق جامع دمشق كله من حرب وقع بين الدولة 309
فضربوا بالنار دارا مجاورة للجامع فقضى الأمر واشتد الخطب وأتى الحريق على سائره ودثرت محاسنه وانقضت مدة ملاحته قال في العبر
وفيها توفي الفوراني أبو القسم عبد الرحمن بن محمد بن فوران بالضم المروزي شيخ الشافعية وتلميذ القفال وذو التصانيف الكثيرة وعنه أخذ أبو سعيد المتولي صاحب التتمة وكان صاحب النهاية يحط على الفوراني بلا حجة قال الأسنوي تفقه على القفال وبرع حتى صار شيخ الشافعية وصنف الإبانة وهو كتاب معروف كثير الوجود والعميد وهو غريب عزيز الوجود انتهى ملخصا
وفيها عبد الرحيم التميمي بن أحمد البخاري الحافظ أبو زكريا ذو الرحلة الواسعة سمع ببخارا من الحليمي وبخراسان من أبي يعلي المهلبي وبدمشق من تمام وبمصر من عبد الغني وببغداد من أبي عمر بن مهدي قال ابن ناصر الدين كان من الحفاظ الثقات والرحالين الإثبات انتهى وعاش تسعا وسبعين سنة
وفيها أبو الحسين محمد بن مكي بن عثمان الأزدي المصري روى بمصر ودمشق عن أبي الحسن الحلبي ومحمد بن أحمد الأخميمي وطبقتهما وتوفي في جمادي الأولى بمصر وله ست وسبعون سنة ووثقه الكتاني وغيره
وفيها مقرئ مصر أبو الحسين نصر بن عبد العزيز الفارسي الشيرازي شيخ ابن الفحام قرأ القراءات على السوسنجردى وابن الحمامي وجماعة وروى الحديث عن أبي الحسين بشران وحدث عنه دوزبة بن موسى
سنة اثنتين وستين وأربعمائة
فيها كما قال في الشذور كانت زلزلة بالرملة فذهب أكثرها وعم ذلك بيت المقدس وانخسفت إيلة كلها وانجفل وقت الزلزلة حتى انكشفت أرضه ثم عاد انتهى 310
وفيها كما قال في العبر نزلت جيوش الروم فنزلوا على منبج واستباحوها وأسرعوا الكرة لفرط القحط ابيع فيهم رطل الخبز بدينار
وفيها أقيمت الخطبة العباسية بالحجاز وقطعت خطبة المصريين لاشتغالهم بماهم فيه من القحط والوباء الذي لم يسمع في الدهور بمثله وكان الخراب يستولي على وادي مصر حتى أن صاحب مرآة الزمان نقل أن امرأة خرجت وبيدها مد جوهر فقالت من يأخذه بمد بر فلم يلتفت إليها أحد فألقته في الطريق وقالت هذا ما نفعني وقت الحاجة فلا أريده فلم يلتفت أحد إليه
وفيها توفي القاضي الحسين بن محمد بن أحمد أبو علي المرور وذي شيخ الشافعية في زمانه واحد أصحاب الوجوه تفقه على أبي بكر القفال وهو والشيخ أبو علي أنجب تلامذته وروى عن أبي نعيم الاسفراييني قال عبد الغافر كان فقه خراسان وكان عصره تاريخا به وقال الرافعي في التذنيب انه كان كبيرا غواصا في الدقائق من الأصحاب الغر الميامين وكان يلقب بحبر الأمة وقال النووي في تهذيبه وله التغليق الكبير وما أجزل فوائده وأكثر فروعه المستفادة وله الفتاوي المشهورة و كتاب أسرار الفقه وغير ذلك وممن أخذ عنه أبو سعيد المتولي والبغوي قال ويقال أن أبا المعالي تفقه عليه أيضا ومتى أطلق القاضي في كتب متأخري المراوزة فالمراد المذكور وقال ابن الأهدل متى أطلق القاضي في فروع الشافعية فهو هو وفي كتب أصول اله السنة فهو الباقلاني وإذا قالوا القاضيان فهو هو وعبد الجبار المعتزلي وإذا قالوا الشيخ فهو أبو الحسن الأشعري وإذا أطلقته الفقهاء فهو أبو محمد الجويني والد اثنتان وثمانون سنة ولم يكن بالعراق أعلم منه باللغة روى عن أحمد بن عبيد ين يبري وطبقته 311
وفيها شعبة النسفي الحافظ أبو الليث أحمد بن جعفر بن مدني بن عيسى بن عدنان بن محمود النسفي الكائني الملقب شعبة ختن الأمام جعفر المستغفري وهو الذي بشعبة لقبه لما رأى من حذقه وحفظه وأعجبه سمع وهو شاب بسمر قندي الكثير وحدث بها وهو شيخ كبير وذكره في حفاظ سمر قند أبو حفص النسفي في كتابه القند ابن ناصر الدين
وفيها أبو عبد الله محمد بن عتاب الجذامي مولاهم المالكي مفتي قرطبة وعالمها ومحدثها ورعها توفي في صفر ومشي في جنازت احمد بن عباد وله تسع وسبعون سنة روى عن أبي المطرف القنازعي وخلق
سنة ثلاث وستين وأربعمائة
فيها كما قال ابن الأهدل خرج أرمانوس في مائتي ألف فارس من الروم والفرنج والكنرج بالزاي والجيم وأرسل إليه السلطان ألب أرسلان يريد المهادنة فأبى فاستعد للشهادة وعهد إلى ولده ملكشاه ثم حمل عليهم في خمسة عشر ألف فارس فأعطاه الله النصر وقتل ما لا يحصى وأسر كثيرا وجيء بملكهم إلى بين يديه فضربه بيده ثم فاداه بألف ألف وخمسمائه سنة وزوده عشرة آلاف دينار انتهى
وفيها توفي أبو حامد الأزهري أحمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن الأزهر النيسابوري الشروطي الثقة روى عن محمد المخلدي وجماعة ومات في رجب عن تسع وثمانين سنة وأخر أصحابه وجيه
وفيها أبو بكر الخطيب أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي الحافظ أحد الأئمة الأعلام وصاحب التآليف المنتشرة في الإسلام ولد في جمادي الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة وسمع أول سنة ثلاث وأربعمائة وتفقه في 312
مذهب الشافعي على القاضي أبي الطيب الطبري وأبي الحسن المحاملى وغيرهما وروى عن أبي عمر بن مهدي وابن الصلت الأهوازي وطبقتهما قال ابن ماكولا كان أحد الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظا واثباتا وضبطا لحديث رسول الله وتفننا في علله وأسانيده وعلما بصحيحه وغريبه وفرده ومنكرع قال ولم يكن للبغداديين بعد الدار قطني مثله ابن السمعاني كان مهيبا وقروا ثقة متحريا حجة حسن الحظ كثير الضبط فصيحا ختم به الحافظ وقال غيره كان يتلو في كل يوم وليلة ختمه وكان حسن القراءة جهورى الصوت وله تاريخ بغداد الذي لم يصنف مثله وقال ابن الأهدل تصانيفه قريب من مائة مصنف في اللغة وبرع فيه ثم غلب عليه الحديث والتاريخ وكان الشيخ أبو اسحق يراجعه في الحديث ويعمل بقوله وحمل نعشه يوم مات وكان أبو بكر بن أزهر الصوفي قد أعد لنفسه إلى جانب قبر بشر الحافي وكان يبيت فيه في الاسبوع مرة ويقرأ فيه القرآن كله وكان الخطيب قد أوصى أن يدفن إلى جانب بشر الحافي فسال المحدثون ابن أزهر أن يؤثرهم بقبره للخطيب فامتنع فألح عليه الشيخ أبو سعيد الصوفي فسمح فدفن فيه الخطيب وكان قد تصدق بجميع ماله وهو مائتا دينار على العلماء والفقراء وأوصى أن يتصدق بثيابه ووقف كتبه على المسلمين ولم يكن له عقب انتهى
وفيها ابن زيدون شاعر الأندلس أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلس القرطبي الشار المشهور قال ابن بسام صاحب الذخيرة في حقه كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم وخاتمة شعراء بني مخزوم أحد من جر الأيام جرا وفات الأنام طرا وصرف السلطان نفعا وضرا ووسع البيان نظما ونثرا إلى أدب ليس للبحر تدفقه ولا للبدر تألقه وشعر ليس للسحر بيانه ولا للنجوم الزهر اقترانه وخط من النثر غريب المباني شعري الألفاظ والمعاني وكنا من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة وبرع أدبه وجاد 313
شعره وعلا شأنه وأنطلق لسانه ثم انتقل من قرطبة إلى المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية سنة إحدى وأربعين فجعله من خاوصه يجالسه في خلواته ويركن إلى إشاراته وكان معه في صورة وزير وذكر له شيئا كثيرا من الرسائل والنظم فمن ذلك قوله
( بيني وبينك ما لو شئت لم يضع
سر إذا ذاعت الأسرار لم يذع )
( يا بايعا حظه مني ولو بذلت
لي الحياة بخطى منه لم أبع )
( يكفيك أنك أن حملت قلبي ما
لا تستطيع قلوب الناس يستطع )
( ته واحتمل واستطل اصبر وعزاهن
وول أقبل وقل اسمع ومر أطع )
ومن شعره
( ودع الصبر محب ودعك
ذائع من سره ما استودعك )
( يقرع السن على أن لم يكن
زاد في تلك الخطا إذا شيعك )
( يا أخا ابدر سناء وسنا
حفظ الله زمانا أطلعك )
( أن يطل بعدك ليلى فلكم
بت أشكو قصر الليل معك )
وله القصائد الطنانة ومن بديع قصائده القصيدة النونية التي منها
( نكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسين )
( حالت لبعدكم أيامنا فغدت
سودا وكانت بكم بيضا ليالينا )
( بالأمس كنا ولا نخشي تفرقنا
واليوم نحن وما يرجي تلاقينا )
وهو طويلة كل أبياتها نخب وله في ولادة الرسالة الطنانة وكذا الرسالة الجهورية وشرح كل من رسالتيه هاتين وما جرياته مع ابن جهور لما حبسه وفر منه بعد أن استعطفه لكل ممكن فلم يطلقه مشهورة فلا نطيل بها
وفيها أبو علي حسان بن سعيد المنيعي نسبة إلى منيع جد كان حسان هذا رئيس مرو الروذ الذي عم خراسان ببره وافضاله وأنشأ الجامع المنيعي وكان يكسي في العام نحو ألف نفس وكان أعظم من وزير رحمه الله روى عن أبي 314
طاهر بن محمش وجماعة وكان خطيب جامعه أمام الحرمين واصل ماله من التجارة حتى قال السلطان في مملكتي من لا يخافني وإنما الله عز وجل يعنيه وكان على قدم من الجد والاجتهاد والمعرفة روى عنه البغوي وجماعة قال الاسنائي هو من ذرية خالد بن الوليد رضي الله عنه
وفيها أبو عمر المليجي بالفتح والتحتية نسبة إلى مليج بلد بمصر عبد الواحد ابن أحمد بن أبي القسم الهروي المحدث راوي الصحيح عن النعيمي في جمادي الآخرة وله ست وتسعون سنة سمع بنيسابور من المخلدي وأبي الحسين الخفاف وجماعة وكان صالحا أكثر عنه محي السنة
وفيع كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم أم الكرام المروزية المجاورة بمكة روت الصحيح عن الكشميهني وروت عن زاهر السرخسي وكانت تضبط كتابها وتقابل بنسخها لهم فهم ونباهة وما تزوجت قط وقيل إنها لغت المائة قاله في العبر وعدها ابن الأهدل من الحفاظ
وفيها أبو العنايم بن الدجاجي محمد بن علي البغدادي روى عن علي بن عمر الحربي وابن معروف وجماعة توفي في شعبان وله ثلاث وثمانون سنة
وفيها أبو علي محمد بن وشاح الزينبي روى عن أبي حفص بن شاهين وجماعة قال الخطيب كان معتزليا وقال في العبر توفي في رجب
وفيها العلامة العلم الحافظ أبو عمر بن عبد البر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي أحد الأعلام وصاحب التصانيف توفي في سلخ ربيع الآخر وله خمس وتسعون سنة وخمسة أيام روى عن سعيد ابن نصر وعبد الله بن أسد وابن صيفون وأجاز له من مصر أبو الفتح بن سيبخت الذي يروي عن أبي القسم البغوي وليس لأهل المغرب أحفظ منه مع 315
الثقة والدين والنزاهة والتبحر في الفقه والعربية والأخبار قاله في العبر وقال ابن خلكان إمام عصره في الحديث والاثر وما يتعلق بهما روى بقرطبة عن أبي القسم خلف بن القسم الحافظ وأبي عمر الباجي وأبي عمر الطلمنكي وأضعافهم وكتب إليه من أهل المشرق أبو القسم السقطي المكلي وعبد الغني بن سعيد الحافظ وأبو ذر الهروي وغيرهم قال القاضي علي بن سكرة سمعت شيخنا القاضي أبا الوليد الباجي يقول لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر بن عبد البر في الحديث قال الباجي أيضا أبو عمرا احفظ اله المغرب وقال أبو علي الحسين الغساني الأندلسي ابن عبد البر شيخنا من أهل قرطبة بها طلب العلم وتفقه ولزم أبا عمر وأحمد بن عبد الملك الفقيه الإشبيلي وكتب بين يديه ولزم أبا الوليد بن الفرضي الحافظ وعنه أخذ كثيرا من علم الحديث ودأب في طلب العلم وتفنن فيه وبرع براعة فاق فيها من تقدمه من رجال الأندلس وألف في الموطأ كتبا مفيدة منها كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ورتب أسماء شيوخ مالك على حروف المعجم وهو كتاب لم يتقدمه أحد إلى مثله وهو سبعون جزءا قال أبو محمد بن حزم لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله فكيف أحسن منه ثم وضع كتاب الأستذكار لمذاب علماء الامصار فيما تضمنه الموطأ من المعاني والآثار شرح فيه الموطأ على وجهه ونسق أبوابه وجمع في أسماء الصحابة به كتابا جليلا مفيدا سماه الاستيعاب وله كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله و كتاب الدرر في اختصار المغازي والسير و كتاب العقل والعقلاء وما جاء في أوصافهم وكتاب صغير في القبائل العرب وأنسابهم وغير ذلك وكان موفقا في التأليف معانا عليه ونفع الله به وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصره في الفقه ومعاني الحديث له بسطة كبيرة في علم النسب وفارق قرطبة وجال في غرب الأندلس وسكن دانية من 316
بلادها وبلنسية وشاطبة في أوقات مختلفة وتولى قضاء الأشبون وشنترين في أيام ملكها المظفر بن الأفطس وصنف كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس في ثلاثة أسفار جمع فيه أشياء مستحسنة تصلح للمذاكرة والمحاضرة انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا
وذكر ابن عبد البر المذكور والده أبا محمد عبد الله بن محمد بن عبد البر وأنه توفي في شهر ربيع الآخر سنة ثمانين وثلثمائة رحمه الله
وكان ولده أبو محمد عبد الله بن يوسف من أهل الأدب البارع والبلاغة وله رسائل وشعر فمن شعره
( لا تكثرن تأملا
وأحبس عليك عنان طرفك )
( فلربما أرسلته
فرماك في ميدان حتفك )
قيل انه مات سنة ثمان وخمسين وأربعائة
سنة أربع وستين وأربعمائة
فيها توفي أبو الحسين جابر بن يس البغدادي الحنائي روى عن أبي حفص الكتاني والمخلص
وفيها المعتضد بالله أبو عمر وعباد بن القاضي محمد بن اسمعيل بن عباد اللخمي صاحب إشبيلية ولى بعد أبيه وكان شهما مهيبا صارما ذا هيبة مقداما جرى على سنن أبيه ثم تلقب بأمير المؤمنين وقتل جماعة صبرا وصادر آخرين ودانت له الملوك قاله في العبر وقال ابن خلكان قال أبو الحسن علي بن بسام صاحب الذخيرة في حقه ثم افضى الأمر بعد محمد القاضي إلى عباد سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وتسمى أولا بفخر الدولة ثم بالمعتضد قطب رحى الفتنة ومنتهى غاية المحنة ناهيك من رجل لم يثبت له قائم ولا حصيد ولا سلم منه قريب ولا بعيد جبار أبرم الأمر وهو متناقض وأسد فرس الطلا وهو رابض مشهور 317
يتحاماه الدهاه وجبار لا تأمنه الكماه متعسف اهتدى ومنبت قطع فما أبقى ضبط شأنه بين قائم وقاعد حتى طالت يده واتسع بلده وكثر عديده وعدده وكان قد أوتى أيضا من جمال الصورة وتمام الخلقة وفخامة الهيئة وسباط البنان وثقوب الذهن وحضور الخاطر وصدق الحدس ما فاق على نظرائه ونظر مع ذلك في الأدب قبل ميل الهوى به إلى طلب السلطان أدنى نظر بأذكى طبع حصل لثقوب ذهنه على قطعة وافرة علقها من غير تعمد لها ولا أمعان في غمارها ولا أكثار من مطالعتها ولا منافسة في اقتناء صحائفها أعطته سجيته على ذلك ما شاء من تحبير الكلام وقرض قطعا من الشعر وهي في معان أمدته فيها الطبيعة وبلغ فيها الإرادة واكتتبها الأدباء للبراعة جمع هذه الخلال الظاهرة إلى جود كف بارى السحاب بها وأخبار المعتضد في جميع انحائه وضروب أفعاله بديعة وكان ذا كلف بالنساء فاستوسع في اتخاذهن وخلط في أجناسهن فانتهى في ذلك إلى مدى لم يبلغه أحد من نظرائه ففشا نسله لتوسعته في النكاح وقوته عليه فذكر انه كان له من الولد نحو العشرين ذكورا ومن الإناث مثلهم واورد له عدة مقاطيع فمن ذلك قوله
( شربنا وجفن الليل يغسل كحله
بماء صباح والنسيم رقيق )
( معتقة كالتبر أما بخارها
فضخم واما جسمها فدقيق )
ولولده المعتمد فيه من جملة أبيات
( سميدع يهب الآلاف متبديا
ويستقل عطاياه ويعتذر )
( له يد كل جبار يقلبها
لولا نداها لقلنا إنها الحجر )
ولم يزل في عز سلطانه واغتنام مساره حتى أصابته علة الذبحة فلم تطل مدتها ولما أحسن بتداني حمامه استدعى مغنيا يغنيه ليجعل ما يبدأ به فالأول فأول ما غنى
( نطوي الليالي علما أن ستطوينا
فشعشعيها بماء المزن واسقينا )
فتطير من ذلك ولم يعش بعده سوى خمسة أيام وقبل انه ما غنى منها إلا خمسة 318
آبيات وتوفي يوم الاثنين غرة جمادي الآخرة ودفن ثاني يوم بمدينة إشبيلية وقام بالمملكة بعده ولده أبو القسم محمد انتهى ملخصا
وفيها ابن حيدر أبو منصور بكر بن محمد بن محمد بن علي بن حيدر النيسابوري التاجر ويلقب بالشيخ المؤتمن روى عن أبي الحسين الخفاف وجماعة وكان ثقة حدث بخراسان والعراق وتوفي في صفر
سنة خمس وستين وأربعمائة
فيها كما قال السيوطي في تاريخ الخلفاء اشتد الغلاء بمصر حتى أكلت امرأة رغيفا بألف دينار انتهى
وفيها قتل أبو شجاع محمد بن جعرى بك داود بن مكائيل بن سلجوق بن دقاق الملقب عضد الدولة ألب أرسلان وهو ابن أخي السلطان طغر بك وتقدم ذكره واستولى ألب أرسلان على الممالك بعد عمه طغر بك وعظمت مملكته ورهبت سطوته وفتح من البلاد ما لم يكن لعمه مع سعة ملك عمه فقصد هذا بلاد الشام فانتهى إلى مدينة حلب وصاحبها يومئذ محمود بن نصر بن صاح بن برداس الكلابي فحاصره مدة ثم جرت المصالحة بينهما فقال ألب أرسلان لا بد له من دوس بساطى فخرج إليه محمود ذليلا ومعه أمه فتلقاهما بالجميل وخلع عليهما وأعادهما إلى البلد ورحل عنهما قال المأموني في تاريخه قيل انه لم يعبر الفرات في قديم الزمان ولا حديثه في الإسلام ملك تركي قبل ألب أرسلان فانه أول من عبرها من ملوك الترك ولما عاد عزم على قصد بلاد الترك وقد كمل عسكره مائتي ألف فارس أو يزيدون فمر على جيحون في سادس ربيع الأول يقال لها فربر ولتلك البليدة حصن على شاطئ جيحون في سادس ربيع الأول من هذه السنة فاحتضر إليه أصحابه مستحفظ يقال له يوسف الخوارزمي كان 319 قد ارتكب جريمة في أمر الحسن فحمل مقيدا فلما قرب منه أن تضرب له أربعة أوتاد لتشد أطرافه الأربعة إليها ويعذبه ثم يقتله فقال له يوسف يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة فاحتد السلطان وأخذ القوس والنشابة وقال حلوه من قيوده فحل فرماه فأخطأه وكان مدلا برميه فلام يخطئ فيه وكان جالسا على سريره فينزل فعثر ووقع على وجهه فبادره يوسف المذكور وضربه بسكين كانت معه في خاصرته فوثب عليه فارس أمرني فضربه في رأسه بمرزبة فقتله فانتقل ألب أرسلان إلى خيمة أخرى مجروحا وأحضر وزيره نظام الملك وأوصى به إليه وجعل ولده ملكشاه أبو شجاع محمد ولي عهده ثم توفي يوم السبت عاشر الشهر المذكور وكانت ولادته سنة أربع وعشرين وأربعمائة وكانت مدة مملكته تسع سنين وشاهر ونقل إلى مرو ودفن عند قبر أبيه داود وعمه وطغر لبك ولم يدخل بغداد ولا رآها مع إنها كانت داخلة في مملكته وهو الذي بنى على قبر الأمام أبي حنيفة رضي الله عنه القبة وبني بغداد مدرسة أنفق عليها أموالا عظيمة وألب أرسلان بفتح الهمزة وسكون اللام وبعدها باء موحدة اسم تركي معناه شجاع أسد فالب شجاع وأرسلان أسد وقال في العبر كان ألب أرسلان في آخر دولته من أعدل الناس وأحسنهم سيرة وأرغبهم في الجهاد وفي نصر الإسلام وكان أهل سمر قند قد خافوه وابتهلوا إلى الله وقرأوا الختم ليكفيهم أمر ألب أرسلان فكفوا انتهى ملخصا
وفيها ابن المأمون أبو الغنائم عبد الصمد بن علي بن محمد الهاشمي العباسي البغدادي في شوال وله تسع وثمانون سنة سمع جده أبا الفضل بن المأمون والدار قطني وجماعة قال أبو سعد السمعاني كان ثقة نبيلا مهيبا تعلوه سكينة ووقار رحمه الله
وفيها أبو القسم القيشري عبد الكريم بن هوزان النيسابوري الصوفي 320
الزاهد شيخ خراسان وأستاذ الجماعة ومصنف الرسالة توفي في ربيع الآخر وله تسعون سنة روى عن أبي الحسين الخفاف وأبي نعيم وطائفة قال أبو سعد السمعاني لم ير أبو القسم مثل نفسه في كماله وبراعته جمع بين الشريعة والحقيقة رحمه الله قاله في العبر وقال السخاوي عبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك ابن طلحة بن محمد القيشري أبو القسم المفسر المحدث الفقيه الشافعي المتكلم الأصولي الأديب النحوي الكاتب الشاعر الصوفي لسان عصره وسيد وقته سيد لم ير مثل نفسه في كماله وبراعته جمع بين علمي الشريعة والحقيقة وصنف التفسير الكبير قبل العشر والاربعمائة وخرج في رفقه إلى الحج فيها الإمام أبو محمد الجويني وأحمد بن الحسين البهيقي الأمام وكان أملح خلق الله وأظرفهم شمائل ولد سنة ست وسبعين وثلثمائة في ربيع الأول وتوفي في صبيحة يوم الأحد قبل طلوع الشمس سادس عشر ربيع الآخر ودفن في المدرسة بجانب شيخه أبي علي الدقاق ولامس أحد ثيابه ولا كتبه ولا دخل بيته إلا بعد سنين احتراما وتعظيما له قال السبكي ومن تصانيفه التفسير الكبير وهو من أجود التفاسير وأوضحها والرسالة المشهورة المباركة التي قل ما تكون في بيت وينكب والتحبير في التذكير وأدب الصوفية ولطائف الاشارات و كتاب الجواهر وعيون الأجوبة في أصول الأسئلة و كتاب نكت أولى النهى و كتاب أحكام السماع وغير ذلك ومن شعره
( لا تدع خدمة الأكابر وأعلم
أن في عشرة الصغار الصغارا )
( وابغ من في يمينه لك يمن
وترى في اليسار منه اليسارا )
انتهى ملخصا وقال ابن خلكان توفي أبوه وهو صغير وقرأ الأدب في صباه وكانت له قرية مثقلة الخراج بنواحي استوا فرأى من الرأي أن يحضر إلى نيسابور يتعلم طرفا من الحساب ليتولى الاستيفاء ويحمي القرية من الخراج فحضر نيسابور على هذا العزم فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي علي الحسين 321
ابن علي النيسابوري المعروف بالدقاق وأقبل عليه وتفرس يه النجابة وجذبه بهمته وأشار عليه بالأشتغال بالعلم فخرج إلى درس أبي بكر محمد بن أبي بكر الطوسي وشرع في الفقه حتى فرغ من تعليقه ثم اختلف إلى الأستاذ أبي اسحق الاسفرائيني وقعد يسمع درسه أياما فقال له الأستاذ هذا العلم لا يحصل بالسماع ولا بد من الضبط بالمتابة فاعاج عليه جميع ما سمعه في تلك الأيام فعجب منه وعرف محله أكرمه وقال هل ما تحتاج إلى درس بل يكفيك أن تطالع مصنفاتي فقعد وجمع بين طريقته وطريقة ابن فورك ثم نظر في كتب القاضي أبي بكر الباقلاني وهو مع ذلك يحضر مجلس أبي علي الدقاق وزوجة ابنته مع كثيرة أقاربها وبعد وفاة أبي علي سلك مسلك المجاهدة والتجريد وأخذ في التصنيف وسمع من جماعة مشاهير الحديث ببغداد والحجاز وكان له في الفروسية واستعمال السلاح يد بيضاء واما مجالس الوعظ والتذكير فهو أمامها وعقد لنفسه مجلس الإملاء في الحديث سنة سبع وثلاثين وأربعمائة وذكره الباخرزي في كتاب ديمة القصر فقال لو قرع الصخر بسوط تحذيره لذاب ولو ربط إبيلس في مجلسه لتاب وذكره الخطيب في تاريخه وقال قدم علينا يعنى إلى بغداد في سنة ثمان وأربعين وحدث ببغداد وكتبنا عنه وكان ثقة وكان يقص وكان حسن الموعظة مليح الإشارة وكان يعرف الأصول على مذهب ألاشعري والفروع على مذهب الشافعي ومن شعره
( سقى الله وقتا كنت أخلو بوجهكم
وثغر الهوى في روضة الأنس ضاحك )
( أقمنا زمانا والعيون قريرة
وأصبحت يوما والجفون سوافك )
وفي رسالته بيتان حسنان وهما
( ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة
فأني من ليلى لها غير ذائق )
( وأكثر شيء نلته من وصالها
أماني لم تصدق كخطفة بارق )
وكان والده أبو نصر عبد الرحيم إماما كبيرا أشبه أباه في علوه ومجالسه 322
ثم واظب درس إمام الحرمين حتى وصل طريقه في المذهب والخلاف ثم خرج للجم فوصل إلى بغداد وعقد بها مجلس وعظ وحصل له قبول عظيم وحضر الشبيخ أبو اسحق الشبرازي مجلسه وأطبق علماء بغداد أنهم لم يروا مثله وجرى له مع الحنابلة خصام بسبب الاعتقاد لأنه تعصب للا شاعرة وانتهى الأمر إلى فتنة قتل فيها جماعة من الفريقين وتوفي بنيسابور ضحوة نهار الجمعة سابع عشرى جمادي الآخرة سنة أربع عشرة وخمسمائة ودفن بالمشهد المعروف بهم والقيشري بالضم والفتح نسبة إلى قيشر بن كعب قبيلة كبيرة
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا
وفيها صردر الشاعر صاحب الديوان أبو منصور علي بن الحسين بن علي بن الفضل الكاتب الشاعر المشهور أحد نجباء شعراء عصره جميع بين جودة السبك وحسن المعنى وعلى شعره حلاوة رائقة وبهجة فائقة وله ديوان شعر وهو ضغير وما ألطف قوله من جملة قصيدة
( نسائل عن ثمامات بحزوى
وباب الرمل يعلم ما عنينا )
( وقد كشف الغطاء فما نبالي
أصرحنا بذكرك أم كنينا )
( الله طيف منك يسعى
بكايات الكرى زورا ومينا )
( مطيته طوال الليل جفنى
فكيف شكا إليك وحافينا )
( فأمسينا كأنا ما افترقنا
وأصبحنا كأنا ما التقينا )
وقوله في الشيب
( لم أبك أن رحل الشباب وإنما
أبكي لأن يتقارب الميعاد )
( شعر الفتى أوراقه فإذا ذوى
جفت على آثاره الأعواد )
وله في جارية سوداء وهو معنى حسن
( علقتها سوداء مصقولة
سواد قلبي صفة فيها )
( ما انكسف البدر على تمه
ونوره إلا ليحكيها ) 323
( لأجلها الأزمان أوقاتها
منزوجات بلياليها )
وإنما قيل له صردر لأن أباه كان يلقب صر بعر لشحه فلما نبغ ولده المذكور وأجاد في الشعر قيل له صردر وقد هجاه البياضي الشاعر فقال
( لئن لقب الناس قدما أباك
وسموه من شحه صربعوا )
( فأنك تنشر ما صره
عقوقا له وتسميه شعرا )
ولعمري ما أنصف هذا الهاجي فان شعره بارد وإنما العدو لا يبالي بما يقول وكانت وفاته في صفر في قرية بطريق خراسان وكانت ولادته قبل الأربعمائة قاله ابن خلكان
وفيها أبو سعد السكري علي بن موسى بن عبد الله بن عمر النيسابوري السكري وكان حافظا مفيدا من حفاظ خراسان قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو جعفر بن المسلمة محمد بن أحمد بن محمد بن عمر بن الحسن السلمي البغدادي كان ثقة نبيلا عالي الإسناد كثير السماع متين الديانة توفي في جمادي الأولى عن إحدى وتسعين سنة وهو آخر من روى عن أبي الفضل الزهري وأبي محمد بن معروف
وفيها أبو الحسن الآمدي علي بن محمد بن عبد الرحمن الحنبلي ويعرف قديما بالبغدادي نزل ثغر آمد وأخذ عن اكابر أصحاب القاضي أبي يعلي قال ابن عقيل فيه بلغ من النظر الغاية وكان له مروءة يحضر عنده الشيخ أبو اسحق الشيرازي وأبو الحسن الدامغاني وكانا فقيهين فيضيفهما بالأطعمة الحسنة ويتكلم معهما إلى أن يمضي من الليل أكره وكان هو المتقدم على جميع أصحاب القاضي أبي لعي وقال القاضي الحسين وتبعه ابن السمعاني أحد الفقهاء الفضلاء والمناظرين الأذكياء وسمع من أبي القسم بن بشران وأبي اسحق البرمكي وابن المذهب وغيرهم وجلس في حلقه النظر والفتوى بجامع المنصور في موضع ابن حامد ولم يزل يدرس ويفتي ويناظر إلى أن خرج من بغداد ولم يحدث 324
ببغداد بشيء لأنه خرج منها في فتنة البساسيري في سنة خمسبن وأربعمائة إلى آمد وسكن بها واستوطن ودرس الفقه إلى أن مات بها في هذه السنة والصحيح انه توفي في سنة سبع وستين أو ثامن وستين كما جزم به ابن رجب وله كتاب عمدة الحاضر وكفاية المسافر وهو كتاب جليل يقول فيه ذكر شيخنا ابن أبي موسى فالظاهر انه تفقه عليه أيضا
وفيها ابن الغريق الخطيب أبو الحسين محمد نب علي بن محمد بن علي بن محمد بن عبيد الله بن عبد الصمد بن محمد بن الخليفة المهتدي بالله محمد بن الواثق العباسي سيد بني العباس في زمانه وشيخهم مات في ذي الحجة وله خمس وتسعون سنة وهو آخر من حدث عن ابن شاهين والدار قطني وكان ثقة نبيلا صالحا متبتلا كان يقال له راهب بني هاشم لدينه وعبادته وسرده الصوم
وفيها هناد بن إبراهيم أبو المظفر النسفي صاحب مناكير وعجائب روى عن القاضي أبي عمر الهاشمي وغنجار وطبقتهما وعدة ابن ناصر الدين من الحفاظ وقال في حقه هناد بن إبراهيم بن محمد بن نصر أبو المظفر النسفي القاضي وكان من المحدثين المكثرين والحفاظ المشهورين لكنه ضعيف مكثر من رواية الموضوعات
وفيها أبو القسم الهذلي يوسف بن علي بن جبارة المغربي المتكلم النحوي صاحب كتاب الكامل في القراءات وكان كثير الترحال وصل إلى بلاد الترك في طلب القراءات المشهورة والشاذة
سنة ست وستين وأربعمائة
فيها كان الغرق الكثر ببغداد فهلك خلق تحت الردم وأقيمت الجمعة في الطيار على ظهر الماء وكان المج كالجبال بوعض المحال بالكلية وبقيت 325
كأن لم تكن وقيل أن ارتفاع الماء بلغ ثلاثين ذراعا
وفها اوفي أبو سهل الحفصي محمد بن أحمد بن عبيد الله المروزي راوي الصحيح عن الكشميهني كان رجلا عاميا مباركا سمع منه نظام الملك وأكرمه وأجزل صلته قاله في العبر
وفيها أوفى التي قبلها كما جزم به ابن قاضي شبهة طاهر بن عبد الله أبو الربيع الايلاقي بالكسر والتحتية نسبة إلى ايلاق ناحية من بلاد الشاش التركي قال ابن شبهة من أصحابنا أصحاب الوجوه تفقه بمرو على القفال وببخاري على الحليمي وبنيسابور على الزيادي وأخذ الأوصل عن أبي اسحق الاسفرائيني وتفقه عليه أهل الشاش وكان إمام بلاده
وفيها أبو محمد الكتاني عبد العزيز بن أحمد التميمي الدمشقي الصوفي الحافظ روى عن تمام المرادي وطبقته ورحل سنة سبع عشرة وأربعمائة إلى العراق والجزيرة قال ابن ماكولا مكثر متقن وقال الذهبي توفي في جمادي الآخرة
وفها أبو بكر العطار محمد بن إبراهيم بن علي الحافظ الأصبهاني مستملى الحافظ أبي نعيم روى عن ابن مردويه والقاضي أبي عمر الهاشمي وطبقتهما قال الدقاق كان م الحفاظ يملى من حفظه توفي في صفر
وفيها ابن حيوس الفقيه أبو المكارم محمد بن سلطان الغنوي الدمشقي الفرضي روى عن خاله أبي نصر الجندي وعبد الرحمن بن أبي نصر وتوفي في ربيع الآخر
وفيها أبو بكر يعقوب بن احمد الصيرفي النيسابوري المعد ل روى عن أبي محمد المخلدي والخفاف توفي في ربيع الأول
سنة سبع وستين وأربعمائة
فيها عمل السلطان ملكشاه الرصد وانفق عليه أموالا عظيمة قال 326
السيوطي فيها جمع نظام الملك المنجمين وجعلوا النيروز أول نقطة من الحمل وكان قيل ذلك عند دخول الشمس نصف الحوت وصار ما فعله النظام مبدأ التقاويم انتهى
وفيها توفي أبو عمر بن الحذاء محدث الأندلس أحمد بن محمد بن يحيى القرطبي مولى بن أمية حضه أبوه علي الطلب في صغره فكتب عن عبد الله ابن أسد وعبد الوارث وسعيد بن نصر والكبار في سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة وانتهى إليه علو الإسناد بقطرة وتوفي في ربيع الآخر عن سبع وثمانين سنة
وفيها القائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله بن القادر بالله أحمد بن اسحق بن المقتدر العباسي توفي في شعبان وله ست وسبعون سنة وبقى في الخلافة أربعا وأربعين سنة وتسعة أشهر وأمه أرمنية كان ابيض مليح الوجه مشربا حمرة ورعا دينا كثير الصدقة له علم وفضل من خير الخلائف ولا سيما بعد عوده إلى الخلافة في نوبة البساسيري فأنه صار يكثر الصيام والتجهد غسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى شيخ الحنابلة وبويع حفيده المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد بن القائم قاله في العبر وقال ابن افلرات أول من بايعه الشريف أبو القسم المرتضى وأنشده
( فأما مضى جبل وانقضى
فمنك لنا جبل قد رسا )
( وأما فجعنا ببدر التمام
فقد بقيت منه شمس الضحى )
( فكم حزن في محل السروروكم
ضحك في خلال البكى )
وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء ولد القائم في نصف ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلثمائة وأمه أم ولد أرمنية اسمها بدر الدجى وقيل قطر الندى ول الخلافة بعد موت أبيه سنة اثنتين وعشرين وكان ولى عهده في الحياة وهو الذي لقبه بالقائم بأمر الله قال ابن الاثير كان جميلا مليح الوجه ورعا دينا زاهدا عالما قوى اليقين بالله كثير الصدقة والصبر له عناية بالأدب ومعرفة حسنة بالكتابة 327
مؤثراً للعدل والإحسان وقضاء الحوائج لا يرى المنع من شيء طلب منه ولم يزل أمره مستقيماً إلى أن قبض عليه في سنة خمسين وسجنه البساسيري في عانة فكتب وهو في السجن قصة وأنفذها إلى مكة فعلقت في الكعبة فيها إلى الله العظيم من المسكين عبده اللهم انك العالم بالسرائر المطلع على الضمائر اللهم انك غني بعلمك وإطلاعك على خلقك عن أعلامى هذا عبد قد كفر نعمك وما شكرها وألغى العواقب وما ذكرها أطغاه حلمك حتى تعدى علينا بغياً وأساء إلينا عتوا وعدوا اللهم قل الناصر وإغتر الظالم وأنت المطلع العالم المنصف الحاكم بك نعتز عليه وإليك نهرب من يديه فقد تعزر علينا بالمخلوقين ونحن نعتز بك قد حاكمنا إليك وتوكلنا في إنصافنا منه عليك ورفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك ووثقنا في كشفها بكرمك فأحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين ومات القائم ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان وذلك أنه إفتصد فإنحل موضع الفصد وخرج منه دم كثير فإستيقظ وقد إنحلت قوته فطلب حفيذه ولي عهده عبد الله بن محمد ووصاه ثم توفى
انتهى ملخصاً
وفيها أبو الحسن الداودي جمال الإسلام عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن المظفر البوشنجي شيخ خراسان علماً وفضلاً وجلالة وسنداً روى الكثير عن أبي محمد بن حموية وهو آخر من حدث عنه وتفقه على القفال المروزي وأبي الطيب الصعلوكي وأبي حامد الإسفراييني توفي في شوال وله أربع وتسعون سنة وصحب أبا علي الدقاق وأبا عبد الرحمن السلمي ثم استقر ببوشنج للتصنيف والتدريس والفتوى والتذكير وصار وجه مشايخ خراسان بقي أربعين سنة لا يأكل اللحم لما نهب التركمان تلك الناحية وبقي يأكل السمك فحكي له أن بعض الأمراء أكل على حافة النهر الذي يصاد منه السمك ونفض في النهر ما فضل فلم يأكل السمك بعد ذلك ومن شعره
( كان في الاجتماع من قبل نور
فمضى النور وأدلهم الطلام )
( فسد الناس والزمان جميعاً
فعلى الناس والزمان السلام )
وفيها أبو الحسن الباخرزي الرئيس الأديب علي بن حسن بن أبي الطيب 328
مؤلف كتاب دمية القصر كان رأسا في الكتابة والانشاء والشعر والفضل والاحائر القصب في نظمه ونثره وكان في شبابه مشتغلا بالفقه على مذهب الأمام الشافعي رضي الله عنه واختص بملازمة درس أبي محمد الجويني ثم شرع في فن الكتابة واختلف إلى ديوان الراسئل فارتفعت به الأحوال وانخفضت ورأى من الدهر العجائب سفرا وحضرا وغلب أدبه على فقهه فاشتهر بالأدب وعمل الشعر وسمع الحديث وصنف كتاب دمية القصر وعصره أهل العصر وهو ذيل يتيمة الدهر للثعالبي وجمع فيها خلقا كثيرا وقد وضع على هذا الكتاب أبو الحسن علي بن زيد كتابا سماه وشاح الدمية وهو كالذيل لها وكالذب سماه السمعاني الذيل وللباخرزي ديوان شعر مجلد كبير والغالب عليه الجودة فمن معانية الغريبة قوله
( وإني لأشكو لسع أصداغك التي
عقاربها في وجنتيك تحوم )
( وأبكى لدر الثغر منك ولى أب
فكيف يديم الضحك وهو يتم )
وقوله في شدة البرد
( كم مؤمن قرصته أظفارالشتا
فغدا لسكان الجحيم حسودا )
( وترى طيور الماء في وكناتها
تختار حر النار والسفودا )
( وإذا رميت بفضل كأسك في الهوى
عادت عليك من العميق عقودا )
( يا صاحب العودين لا تهملهما
حرق لنا عودا وحرك عودا )
وقوله من جملة أبيات
( يا فاق الصبح من لألاء غرته
وجاعل الليل من أصداغه سكنا )
( بصورة الوثن استعبدتني وبها
فتنتني وقديما هجت لي شجنا )
( لا غروان أحرقت نار الهوى كبدي
فالنار حق على من يبعد الوثنا )
وقتل الباخرزي في الأندلس وذهب دمه هدرا وباخرز بالباء الموحدة وفتح الخاء المعجمة وبعد الراء زاي ناحية من نواحي نيسابور تشتمل على قرى 329
ومزارع خرج منها جماعة من الفضلاء
وفيها أبو الحسن بن صصري علي بن الحسين بن أحمد بن محمد الثعلبي الدمشقي المعدل روى عن تمام الرازي وجماعة وتوفي في المحرم
وفيها أبو بكر الخياط مقرئ العراق محمد بن علي بن محمد بن موسى الحنبلي الرجل الصالح سمع من اسمعيل بن الحسن الصرصري وأبي الحسن المحبر وقرأ علي أبي أحمد الفرضي وأبي الحسن السوسنجردي وجماعة قال ابن الجوزي ما يوجد في عصره في القراءات مثله وكان ثقة صالحا وقال المؤتمن الساجي كان شيخا ثقة في الحديث والقراءات مثله وكان ثقة صالحا وقال المؤتمن الساجي كان سخا ثقة في الحديث والقراءة صالحا صبورا على الفقر وقال أبو ياسر البرداني كان من الباكئين عند الذكر أثرت الدموع في خديه وقال ابن النجار كان شيخ القراء في وقته مفردا بروايات وكان عالما ورعا متدينا وذكر الذهبي في طبقات القراء فقال كان كبير القدر عديم النظير بصيرا بالقرآن صالحا عابدا ورعا ناسكا بكاء قانتا خشن العيش فقيرا متعففا ثقة فقيها على مذهب أحمد وآخر من روى عنه بالإجازة أبو الكرم الشهر زورى وقال ابن الجوزي توفي ليلة الخميس ثالث جمادي الأولى سنة ثمان وستين
وفيها محمود بن نصر بن صالح بن مرداس الأمير عز الدولة الكلابي صاحب حلب ملكها عشرة أعوام وكان شجاعا فارسا جوادا ممدحا بداري المصريين والعباسيين لتوسط داره بينهما وولى بعده ابنه نصر فقتله بعض الأتراك بعد سنة
سنة ثمان وستين وأربعمائة
فيها توفي أبو علي غلام الهراس مقرئ واسط الحسن بن القسم الواسطي ويعرف أيضا بإمام الحرمين كان أحد من عنى بالقراءات ورحل فيها إلى البلاد 330
وصنف فيها قرأ علي أبي الحسن السوسنجردي والحمامي وطبقتهما ورحل القراء إليه من الآفاق وفيه لين قاله في العبر
وفيها عبد الجبار بن عبد الله بن إبراهيم بن برزة أبو الفتح الرازي الواعظ الجوهري التاجر روى عن علي بن محمد القصار وطائفة وعاش تسعين سنة آخر من حديث عنه اسمعيل الحمامي
وفيها أبو نصر التاجر عبد الرحمن بن علي النيسابوري المزكي روى عن يحيى بن اسمعيل الحربي النيسابوري وجماعة
وفيها أبو الحسن الواحدي المفسر علي بن أحمد النيسابوري تلميذ أبي اسحق الثعلبي وأحد من برع في العلم وكان الشافعي المذهب روى عن كتبه عن أبي محمش وأبي بكر الحيري وطائفة وكان رأسا في اللغة والعربية توفي في جمادي الآخرة وكان من أبناء السبعين قال ابن قاضي شبهة كان فقيها أمما في النحو واللغة وغيرهما شاعرا وأما التفسير فهو إمام عصره فيه أخذ التفسير عن أبي اسحق الثعلبي واللغة عن أبي الفضل العروضي صاحب أبي منصور الأزهري والنحو عن أبي الحسن القهندزي بضم القاف والهاء وسكون النون وفي آخره زاي الضرير صنف الواحدي البسيط في نحو ستة عشر مجلدا والوسيط في أربع مجلدات والوجيز ومنه أخذ الغزالي هذه الأسماء وأسباب النزول و كتاب نفي التحريف عن القرآن الشريف و كتاب الدعوات و كتب تفسير أسماء النبي و كتاب المغازي و كتاب الأغراب في الأعراب وشرح دويان المتنبي واصله وأصله من ساوة من أولاج التجار وولد بنيسابور ومات بها بعد مرض طويل في جمادي الآخرة سنة ثمان وستين ونقل عنه في الروضة في مواضع من كتاب السير في الكلام على الإسلام
وفيها ابن عليك أبو القسم علي بن عبد الرحمن بن الحسن النيسابوري روى عن أبي نعيم الاسفرائيني وجماعة وقال ابن نقطة حدث عن أبي الحسين الخفاف 331
ومات في رجب بتفليس
وفيها أبو بكر الصفار محمد بن القاسم بن حبيب بن عبدوس النيسابوري الشافعي أحد الكبار المتقنين تفقه على أبي محمد الجويني وجلس بعده في حلقته وروى عن أبي نعيم الاسفرائيني وطائفة وتوفي في ربيع الآخر قال الاسنوي وهو جد الفقهاء المعروفين في نيسابور بالصفارين كان إماما فاضلا دينا خيرا سليم الجانب محمود الطريقه مكثيرا من الحديث والاملاء حسن الاعتقاد والخلق بهي المنظر متجملا مق لة ذات اليد وكان من أبناء المشايخ والبيوتات والمياسير انتهى
وفيها على بن الحسين بن أحمد بن إبراهيم بن جدا أبو الحسن العكبري ذكره ابن شافع في تاريخه فقال هو الشيخ الزاهد الفقيه الامار بالمعروف والنهاء عن الالمنكر سمع أبا علي بن شاذان والبرقاني وأبا القسم الخرقي وابن بشران وغيرهم وكان فاضلا خيرا ثقة صينا شديدا في السنة على مذهب أحمد وقال القاضي الحسين وابن السمعاني كان شيخا صالحا كثير الصلاة حسن التلاوة للقرآن إذا لسن وفصاحة في المجالس والمحافل وله في ذلك كلام منثور وتصنيف مذكور مشهور
وفيها أبو القسم المهرواني يوسف بن محمد الهمداني الصوفي العبد الصالح الذي خرج له الخطيب خمسة أجزاء روى عن أبي أحمد الفرضي وأبي عمر ابن مهدي ومات في ذي الحجة
وفيها يوسف بن محمد بن يوسف أبو القسم الخطيب محدث همذان وزاهدها روى عن أبي بكر بن للا وأبي أحمد القاضي وأبي عمر بن مهدي وطبقتهم وجمع ورحل وعاش سبعا وثمانين سنة
وفيها البياض الشاعر أبو جعفر مسعود بن عبد العزيز بن المحسن بن 332
الحسن بن عبد الرزاق المشهور المجيدين في المتأخرين وديوان شعره صغير وهو في غاية الرقة وليس فيه من المديح إلا اليسير فمن أحسن شعره قصيدته القافية التي أولها
( أن غاض دمعك والركاب تساق
مع ما بقلبك فهو منك نفاق )
( لا تحبس اه الجفون فأنه
لك يا لديغ هواهم درياق )
( أحذر مصاحبة العذول فأنه
مغر فظاهر عذله اشفاق )
( لا يبعدن زمن مضت أيامه
وعلى متون غصونها أوراق )
( أيام نرجسنا العيون ووردنا
حمر الخدود وخمرنا الأرياق )
( ولنا بزوراء العراق مواسم
كانت تقام لطيبها أسواق )
( فلئن بكت عيني دما شوقا إلى
ذاك الزمان فمثله يشتاق )
( أن الأغليمة الأولى لولاهم
ما كان طعم هوى الملاح يذاق )
( وكأنما أرماحهم بأكفهم
أجسامهم ونصولها الأحداق )
( شنوا الإغارة في القلوب بأعين
لا يرتجى لأسيرها إطلاق )
( واستعذبوا ماء الجفون فعذبوا آلأسرار حتى ذرت الآماق )
( ونمى الحديث بأنهم نذر وآدمى
أولى دم يوم الفراق يراق )
وشعره كله على هذا الاسلوب وقيل له البياضي لأن أحد أجداده كان في مجلس بعض الخلفاء مع جماعنة من العباسيين وكانوا قد لبسوا سوادا ما عداه فأنه لبس بياضا فقال الخليفة من ذلك البياضي فثبت الاسم عليه واشتهر به
طوفيها ابن حابار مكى بن عبد الله الدينوري أبو بكر اجتهد في هذا الشأن وهو حافظ قاله ابن ناصر الدين
سنة تسع وستين وأربعمائة
فيها توفي أبو الحسن احمد بن عبد الواحد بن أبي الحديد السلمي أحد 333
رؤساء دمشق وعدولها روى عن جده أبي بكر محمد بن أحمد نب عثمان وجماعة وسمع بمكة من ابن جهضم توفي في ربيع الأول في عشر التسعين قاله في العبر
وفيها حاتم بن محمد بن الطرابلسي أبو القسم التميمي القرطبي المحدث المتقن منسد الأندلس في ذي القعدة وله إحدى وتسعون سنة روى عن عثمان بن نابل وأبي المطرف بن فطيس وطبقتهما ورحل فأكثر عن أبي الحسن القابسي وسمع بمكة من ابن فراس العبقسي وكان فقيها مفتيا
وفيها حيان بن خلف بن حسين بن حيان أبو مروان القرطبي الأديب مؤرخ الأندلس ومسندها توفي في ربيع الأول وله اثنتان وتسعون سنة سمع من عمر بن نايل وله كتاب المبين في تاريخ الأندلس ستون مجلدا و كتاب المقتبس في عشر مجلدات وقد رؤى في النوم فسئل عن التاريخ الذي عمله فقال لقد ندمت عليه إلا أن الله غفر لي بلطفه واقالني وقال ابن خلكان ذكره أبو علي الغساني فقال كان عالي السن قوي المعرفة متبحرا في الآداب بارعا فيها صاحب لواء التاريخ بالأندلس أفضح الناس فيه وأحسنهم نظما له لزم ابن الحباب النحوي وصاعد الربعي وأخذ عنه كتابه المسمى بالفصوص وسمع الحديث وسمعته يقول التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمودة والتعزية بعد ثلاث اغراء بالمصيبة وتوفي في يوم الأحد لثلاث بقينمن ربيع الأول ووصفه الغساني بالصديق فيما حكاه في تاريخه
انتهى ملخصا
وفيها حيدرة بن علي الأنطاكي أبو المنجا المعبر حدث بدمشق عن عبد الرحمن ابن أبي نصر وجماعة قال ابن الأكفاني كان يذكر انه يحفظ في علم التعبير عشرة آلاف ورقة وأكثر
وفيها أبو الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاد المصري الجوهري النحوي صاحب التصانيف دخل بغداد تاجرا في الجوهر وأخذ عن علمائها وخدم بمصر في ديوان الإنشاء وكان كتاب الإنشاء لا يتقدمون بكتبهم حتى تعرض 334
عليه وله مراتب على ذلك ثم تزهد ورغب عن الخدمة واستغنى بالله ولزم بيته فكان ملطوفا به حتى مات وسببه انه شاهد سنورا أعمى في سطح الجامع يرقى إليه بقوته سنور آخر ويخدمه فكان له فيه عبرة ومن تصانيفه المقدمة وشرحها وشرح الجمل وشرح كتاب الأصول لابن السراج ومسودات توفي قبل تمامها قريب من خمسة عشر مجلدا قيل انه مات مترديا من غرفة واصله من الديلم وبابشاد كلمة أعجمية يتضمن معناها السرور والفرح
وفيها وجزم ابن ناصر الدين في التي قبلها عمر بن علي بن أحمد بن الليث الليثي البخاري أبو مسلم الحافظ الجوال تكلم يحيى بن مندة فيه وكان فيه تدليس وعجب بنفسه وتيه
وفيها أو في التي قبلها وهو الصحيح أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسن بن زكريا الجرجاني الزنجي كان حافظا ثقة قاله ابن ناصرالدين
وفيها كركان الزاهد القدوة أبو القسم عبد الله نب علي الطوسي شيخ الصوفية وصاحب الدويرة والأصحاب روى عن حمزة المهلبي وجماعة ومات في ربيع الأول
وفيها أبو محمد الصريفيني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن هر امرد المحدث خطيب صريفين توفي في جمادي الآخرة عن خمس وثمانين سنة روى عن أبي القسم ابن حبابة وأبي حفص الكتاني وكان ثقة
وفيها عبيد الله بن لحسين الفراء أبو القسم بن القاضي أبي يعلى ذكر أخوه في الطبقات وانه ولد يوم السبت سابع شعبان سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة وقرأ بالروايات علي أبي بكر الخياط وابن البنا وأبي الخطاب الصوفي وغيرهم وسمع الحديث من والده وجده لامه جابر بن يس وغيرهم ورحل في طلب الحديث والعلم إلى واسط والبصرة والكوفة وعكبرا والموصل والجزيرة وآمد وغير ذلك وكان يتكلم مع شيوخ عصره وكان والده يأتم به في صلاة التراويح 335
إلى أن توفي وكان أكبر أولاد القاضي أبي يعلي وكان ذا عفة وديانة وصيانة حسن التلاوة للفراءة كثير الدرس له معرفة بعلومه وله معرفة بالجرح والتعديل وأسماء الرجال والكنى وغير ذلك من علوم الحديث وله خط حسن ولما وقعت فتنة ابن القشيري خرج إلى مكة فتوفي في مضيه إليها بموضع يعرف بمعدن البقرة أواخر ذي القعدة وله ست وعشرون سنة وثلاثة أشهر ونيف وعشرون يوما تقريبا رحمه الله تعالى
وفيها أبو الحسن البرداني محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن الحسين ابن هرون الفرضي الآمين والد الحافظ أبي علي ولد بالبردان وسمع الكثير من ابن رزقويه وابن بشران وابن شاذان والبرقاني وخلق وروى عنه ولداه أبو علي وأبو ياسر قال ابن النجار كان رجلا صالحا صدوقا حافظا لكتاب الله تعالى عالما بالفرائض وقسمة التركات كتب بخطه الكثير وخرج تخاريج وجمع فنونا من الأحاديث وغيرها وقال ابن الجوزى كان ثقة عالما صالحا أمينا توفي يوم الخميس تاسع عشرى ذي القعجة وله كتاب فضيلة الذكر والدعاء
سنة سبعين وأربعمائة
فيها توفي أبو صالح المؤذن أحمد بن عبد الملك بن علي النيسابوري الحافظ محدث خراسان في زمانه روى عن أبي نعيم الاسفراييني وأبي الحسن العلوي والحاكم وخلق ورحل إلى أصبهان وبغداد ودمشق في حدود الثلاثين وأربعمائة وله ألف حديث عن ألف شيخ وثقة الخطيب وغيره ومات في رمضان عن اثنتين وثمانين سنة وله تصانيف ومسودات
وفيها أبو الحسين بن النقور أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي البزار المحدث الصدوق روى عن علي الحربي وأبي القسم بن حبابة وطائفة وكان يخذ على نسخة طالوت دينارا أفناة بذلك الشيخ أبو اسحق لأن الطلبة كانوا يفوتونه 336
الكسب لعياله مات في رجب عن تسعين سنة
وفيها أبو نصر بن طلاب الخطيب الحسين بن أحمد بن محمد القرشي مولاهم الدمشقي خطيب دمشق روى عن ابن جميع مجمعه وعن أبي بكر بن أبي الحديث وكان صاحب مال وأملاك وفيه عدالة وديانة توفي في صفر وله إحدى وتسعون سنة
وفيها عبد الله بن الحلال أبو القسم بن الحافظ أبي محمد الحسن بن محمد البغدادي سمعه أبوه من أبي حفص الكتاني والمخلص ومات في صفر عن خمس وثمانين سنة قال الخطيب كان صدوقا
وفيها أبو جعفر بن أبي موسى شيخ الحنابلة عبد الخالق بن عيسى بن أحمد كان ورعا زهدا علامة كثير الفنون رأسا في الفقه شديدا على المتبدعة نافذ الكلمة روى عن أبي القسم بن بشران وقد أخذ في فتنة ابن القشيري وحبس أياما قاله في العبر وقال ابن السمعاني كان إمام الحنابلة في عصره بلا مدافعة مليح التدريس حسن الكلام في المناظرة ورعا زاهدا متقنا عالما بأحكام القرآن والفرائض مرضى الطريقة وقال ابن عقيل كان يفوق الجماعة من مذهبه وغيرهم في علم الفرائض وكان عند الإمام يعني الخليفة معظما حتى أنه وصى عند موته بأن يغسله تبركابه وكان حول الخليفة ما لو كان غيره لأخذه وكان ذلك كفاية عمرة فو الله ما التفت الي شيء منه بل خرج ونسى مئزره حتى حمل إليه قال ولم يشهد منه انه شرب ماء في حلقته مع شدة الحر ولا غمس يده في طعام أحد من أبناء الدنيا وقال ابن رجب له تصانيف عدة منها رءوس المسائل وشرح المذهب وله جزة في أدب الفقه وفي فضائل أحمد وترجيح مذهبه وتفقه عليه طائفة من أكابر المذهب كالحلواني والقاضي أبي الحسين وغيرهم وكان معظما عند الخاصة والعامة زاهدا في الدنيا إلى الغاية قائما في إنكار المنكرات بيده ولسانه مجتهدا في ذلك وتوفي 337
رحمه الله ليلة الخميس سحرا خامس شهر صفر وصلى عليه يوم الجمعة ضحى بجامع المنصور وأم الناس أخوه الشريف أبو الفضل ولم يسع الجامع الخلق ولم يتهيأ لكثير منهم الصلاة ولم يبق رئيس ولا مرءوس إلا حضره إلا من شاء الله ودفنوه في قبر الأمام امد وما قدر أجد أن يقول للعوام لا تنبشوا قبر الأمام أحمد وادفنوه بجنبه فقال أبو محمد التميمي من بين الجماعة كيف كيف تدفنونه في قبر الأمام أحمد وبنت أحمد مدفونة معه فأن جاز دفنه مع الأمام لا يجوز دفنه مع بنته فقال بعض العوام اسكت فقد زوجنا بنت أحمد من الشريف فسكت التميمي ولزم الناس قبره تلك الأيام عشرة آلاف ختمة ورآه بعضهم في المنام فقال له ما فعل الله بك قال لما وضعت في قبري رأيت قبة من درة بيضاء لها ثلاثة أبواب وقائل يقول هذه لك أدخل من أي أبوابها شئت
وفيها أبو القسم بن منده عبد الرحمن بن محمد بن اسحق بن محمد بن يحيى ابن إبراهيم بن الوليد بن منده بن بطة بن استندار واسمه الفيرزان بن جهان بخت العبدي الاصبهاني الأمام الحافظ ابن الحافظ الكبير أبي عبد الله بن منده ومنده لقب إبراهيم جده الأعلى ذكره ابن الجوزى في طبقات الحنابلة وترجمه في تاريخه فقال ولد سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وسمع أباه وأبا بكر بن مردويه وخلقا كثيرا وكان كثير السماع كبير الشأن سافر البلاد وصنف التصانيف وخرج التخاريج وكان ذا وقار وسمت وأتباع فيهم كثيرة وكان متمسكا وسمت واتباع فيهم كثرة وكان متمسكا بالسنة معرضا عن أهل البدع آمر بالمعروف ناهيا عن المنكر لا يخاف في الله لومة لائم وقال ابن السمعاني كان كبير الشأن جليل القدر كثير السماع واسع الرواية سافر إلى الحجاز وبغداد وهمذان وخراسان وصنف التصانيف وقال سعد بن محمد الزنجاني حفظ الله الإسلام برجلين أحدهما بأصبهان والآخر بهراة عبد الرحمن بن منده وعبد الله الأنصاري وقال يحيى بن منده كان عمي سيفا علي 338
أهل البدع وهو أكبر من أن ينبه عليه مثلى كان والله آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر وفي الغدو والآصال ذاكرا ولنفسه في المصالح قاهرا أعقب الله من ذكر بالشر الندامة وكان عظيم الحلم كبير العلم قرأت عليه قول شعبة من كتبت عنه حديثا فأنا له عبد فقال من كتب عني حديثا فأنا له عبد وقال ابن تيمية وكان أبو القسم بن منجه من الأصحاب وكان يذهب إلى الجهر بالبسملة في الصلاة وقال ابن منده في كتابه الرد على الجهمية التأويل عند أصحاب الحديث نوع من الكذب وقال في العبر كان ذا سمت ووقار وله أصحاب وأتباع وفيه تسنن مفرط أوقع بعض العلماء في الكلام في معتقده وتوهموا فيه التجسيم وهو برئ منه فيما علمت ولكن لو قصر من شأنه لكان أولى به أجاز له زاهر ابن أحمد السرخسي وروى الكثير عن أبيه وأبي جعفر الابهري وطبقتهما وسمع بنيسابور من أصحاب الأصم وبمكة من ابن جهضم وبهمذان والدينور وشيراز وبغداد وعاش تسعا وثمانين سنة انتهى كلام العبر
وفيها أبو بكر بن حمدويه أحمد بن محمد بن أحمد بن يعقوب الرزاز المقرئ الزاهد ذكره ابن الجوزى في الطبقات والتاريخ ولد يوم الأربعاء لثمان عشرة ليلة خلت من صفر سنة إحدى وثمانين وثلثمائة وحدث عن خلق كثير منهم ابن بشران وابن القواس وهو آخر من حدث عن أبي الحسين بن سمعون وتفقه على القاضي أبي يعلي وكان ثقة زاهدا متعبدا حسن الطريقة وحدث عنه الخطيب في تاريخه وتوفي يوم السبت رابع عشرى ذي الحجة قال ابن نقطة حمدويه بضم الحاء والميم المشددة أيضا وبالياء
سنة إحدى وسبعين وأربعمائة
فيها توفي أبو علي بن البنا الفقيه الواهد الحسن بن أحمد بن عبد الله الحنبلي 339
البغدادي الأمام المقرئ المحدث الفقيه الواعظ صاحب التصانيف ولد سنة ست وتسعين وثلثمائة وقرأ القراءات السبع على أبي الحسن الحمامي وغيره وسمع الحديث علي القاضي أبي يعلى وهو من قدماء أصحابه وحضر عند ابن أبي موسى وناظر في مجلسه وتفقه أيضا علي أبي الفضل التميمي وأخيه أبي الفرج وقرأ عليه القرآن جماعة مثل عبد الله البارع وأبى العز القلانسى وغيرهما وسمع منه الحديث خلق كثير وقرأ عليه الحافظ الحميدي كثيرا ودرس الفقه كثيرا وأفتى زمانا طويلا وصنف كتبا في الفقه والحديث والفرائض وأصول الدين وفي علوم مختلفات قال ابن الجوزى ذكر عنه انه قال صنف خمسمائة مصنف وتراجم كتبه مسجوعة وقال ابن شافع كتبت الحديث عن نحو من ثلثمائة شيخ ما رأيت فيهم من كتب بخطه اكثر من ابن البنا قال وقال لي هو رحمه الله ما رأيت بعيني من كتب أكثر مني قال وكان طاهر الأخلاق حسن الوجه والشبية محبا لأهل العلم مكرما لهم وتوفي رحمه الله ليلة السبت خامس رجب ودفن بباب حرب رحمه الله
وفيها أبو يعلى حمزة بن الكيال البغدادي الفقيه الحنبلي ذكره ابن أبي يعلى في طبقاته وانه ممن تردد إلى والده زمانا مواصلا وسمع منه علما واسعا وكان عبدا صالحا ملازما لبيته ومسجده حافظا للسانه معتزلا عن الفتن توفي يوم الأربعاء سابع عشرى شهر رمضان ودف ن بمقبرة باب الدير
وفيها أبو علي الوخشي بالفتح والسكون نسبة إلى وخش بلد بنوا حي لخ الحسن بن علي البلخي الحافظ الثقة المكثر الكبير رحل وطوف وجمع وصنف وعاش ستا وثمانين سنة روى عن تمام الرازي وأبي عمر بن مهدي وطبقتهما بالشام والعراق ومصر وخراسان وكان من الثقات
وفيها أبو القسم الزنجاني سعد بن علي بن محمد بن علي بن الحسين شيخ الحرم 340
والحافظ كان حافظا قدوة علما ثقة زاهدا نزيل الحرم وجار بيت الله روى عن أبي عبد الله بن نظيف الفراء وعبد الرحمن بن ياسر وخلق سئل محمد بن طاهر المقدسي عن أفضل من رأى فقال سعد الزنجاني وشيخ الإسلام الأنصاري فقيل له أيهما أفضل فقال الأنصاري كان متفننا وأما الزنجاني فكان أعرف بالحديث منه وسئل اسمعيل التيمي عنه فقال أما كبير عارف بالسنة وقال ابن الاهدل كان صاحب كرامات وآيات يزدحم الناس عليه عند الطواف كازدحامهم على الحجر وقال غيره توفي في أول سنة إحدى وسبعين أو في آخر سنة سبعين عن تسعين سنة
وفيها عبد الباقي بن محمد بن غالب أبو منصور الازجي العطار وكيل القائم والمقتدي صدوق جليل روى عن المخلص وغيره وتوفي في ربيع الآخر
وفيها أبو القسم عبد العزيز بن علي الانماطي ابن بنت السكري روى عن المخص قال عبد الوهاب الانماطي هو ثقة وآخر من روى عنه ابن الطلاية الزاهد وتوفي في رجب
وفيها عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني أبو بكر النحوي صاحب التصانيف منها المغني في شرح الايضاح ثلاثون مجلدا وكان شافعيا أشعريا قاله في العبر وقال ابن قاضي شبهة كان شافعي المذهب متكلما على طريقة ألاشعري وفيه دين وله فضيلة تامة في النحو وصنف كتبا كثيرة فمن أشهرها كتاب الجمل وشرحه و كتاب العمدة في التصريف و كتاب المفتاح وشرح الفتحة في مجلد وغير ذلك أخذ النحو يجرجان عن أبي الحسين محمد بن الحسن الفارسي ابن أخت الشيخ أبي علي الفارسي وأخذ عنه علي بن أبي زيد الفصيحي وذكره السلفي في معجمه فقال دخل عليه لص وهو في الصلاة فأخذ جميع ما وجد والجرجاني ينظر إليه ولم يقطع صلاته وله نظم فمنه 341
( كبر على العقل لا ترضه
ومل إلى الجهل ميل هائم )
( وعش حمارا تعش سعيدا
فالسعد في طالع البهائم )
انتهى ملخصا
وفيها أبو عاصم الفضيلي الفقيه الفضيل بن يحيى الهروي شيخ أبي الوقت توفي في جمادي وله ثمان وثمانون سنة قال في الهبر وقال الاسنوي في ترجمة والد هذا أبو محمد اسمعيل بن الفضيل الهروى المعروف بالفضيلي نسبة إلى جد له يسمى الفضيل هو الفحل المقدم والإمام المقدم في فنون الفضل وأنواع العلم توفي سنة ثمان وثمانين وأربعمائة قال وهو والد الأمام أبي عاصم الصغير الهروي كذا نقله ابن الصلاح في طبقاته وانشد له
( تعود آيها المسكين صما
فنعم جواب من آذاك ذاكا )
( وان عوفيت مما عبت فافتح
بحمد للذي عافاك فاكا )
وذكر الذهبي أن أبا عاصم الفقيه واسمه الفضيل ممن توفي سنة إحدى وسبعين فإن كان كذلك فيكون الابن قد مات قبل والدة بنحو العشرين انتهى كلام الاسنوي قلت وعلى هذا فالأب جاوز المائة فلا ريب والله أعلم
وفيها أبو الفضل القومساني نسة إلى قومسان من نواحي همذان محمد بن عثمان بن زبرك شيخ عصره بهمذان فضلا وعلما وجلالة وزهادة وتفننا في العلوم مات عن بضع وسبعين سنة روى عن علي بن أحمد بن عبدان وجماعة
وفيها محمد بن أبي عمران أبو الخير المرندي بفتحتين وسكون النون ومهملة نسبة إلى مرند بلد باذريبجان الصغار أخر أصحاب الكشميهني ومن به ختم سماع البخاري عاليا ضعفه ابن طاهر 342
سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة
فيها توفي أبو علي الحسن بن عبد الرحمن لشافعي المكي الحناط المعدل روى عن احمد بن فراس العبقسي وعبيد الله بن أحمد السفطي وتوفي في ذي القعدة
وفيها محمد بن أبي مسعود عبد العزيز بن محمد أبو عبد الله الفارسي ثم الهروي روى عن جزء أبي الجهم وغير ذلك عن أبي محمد السريجي في شوال
وفيها أبو منصور العكبري محمد بن محمد بن أحمد الأخباري النديم عن تسعين سنة وهو صدوق روى عن محمد بن عبد الله الجعفي وهلال الحفار وطائفة وتوفي في شهر رمضان
وفيها هياج بن عبيد الزاهد القدوة أبو محمد الحطيني نسبة إلى جد كان حطيبا قال هبة الله الشيرازي أما هياج الزاهد الفقيه ما رأت عيناي مثله في الزهد والورع وقال ابن طاهر بلغ من زهده انه يوالي ثلاثة أيام لكن يفطر على ماء زمزم فإذا كان اليوم الثالث من أتاه بشيء أكله وكان قد نيف على الثمانين وكان يعتمر في كل يوم ثلاث عمر على رجليه ويدرس عدة دروس لأصحابه وكان يزور النبي في كل سنة من مكة حافيا ذاهبا وراجعا روى عن أبي ذر الهروي وطائفة وقال السخاوي في طبقاته هياج ابن عبيد بن الحسين أبو محمد الفقيه الحطيني الزاهد المقيم بالحرن كان أوحد عصره في الزهد والورع وكان يصوم ويفطر بعد ثلاث ولم يكن يدخر شيئا ولا يملك غير ثوب واحد وكان يزور النبي في كل سنة 343
ماشيا حافيا وكذلك عبد الله بن عباس بالطائف ويأكل بمكة أكله وبالطائف أخرى ولم يلبس نعلا منذ دخل الحرم وأقام بالحرم نحو أربعين سنة لم يحدث بالحرم وإنما كان يحدث بالحل حين يخرج للأحرام بالعمرة وكان قد ناف على مائة سنة إستشهد في وقعة وقعت بين أهل السنة والرافضة فحمله أميرها محمد بن هاشم وضربه ضرباً شديداً على كبر السن ثم حمل إلى منزله في مكة فمات قيل انه مات يوم الأربعاء بين الصلاتين انتهى ملخصاً
سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة
فيها توفي أبو القسم الفضل بن عبد الله المحب الواعظ النيسابوري آخر أصحاب أبي الحسن الخفاف موتا روى عن العلوي وغيره
وفيها أبو التفيان بن حيوس الأمير مصطفى الدولة محمد بن سلطان بن محمد بن حيوس بن محمد بن المرتضى بن محمد بن القسم بن عثمان اللغوي الشاعر المشهور كان يدعى بالأمير لأن أباه كان من أمراء العرب وهو من فحول الشعراء الشاميين المجيدين له ديوان شعر كبير لقى جماعة من الملوك والأكابر ومدحهم وأخذ جوائزهم وكان منقطعا إلى نبي مرداس أصحاب حلب وله فيهم قصائد نفيسة وكان قد أثرى وحصلت له نعمة ضخمة من بني مرداس فبنى دارا بمدينة حلب وكتب على بابها من شعره
( دار بنيناها وعشنا بها
في نعمة من آل مرداس )
( قوم نفوا بؤسي ولم يتركوا
على للأيام من باس )
( قل لبني الدنيا ألا هكذا
فليصنع الناس مع الناس )
ومن غرر قصائده السائرة قوله من قصيدة
( هو ذاك ربع المالكية فاربع
وأسأل مصفيا عافيا عن مربع )
( واستسق للأمن الخوالي بالحمى
غر السحائب واعتذر عن أدمعي )
( فلقد فنين أمام دان هاجر
في قربه ووراء ناء مزمع ) 344
( لو تخبر الركبان عني حدثوا
عن مقلة عبري وقلب موجع )
( ردى لنا زمن الكثيب فأنه
زمن متى يرجع وصالك يرجع )
( لو كنت عالمة بأدنى لوعة
لرددت أقصى نيلك المسترجع )
( بل لو قنعت من الغرام بمظهر
عن مضمر بين الحشا والأضلع )
( أغنيت أثر تعتب ووصلت عقب تجنب وبذلت بعد تمنع
)
( ولو إنني أنصفت نفسي صنتها
عن أن أكون كطالب لم ينجع )
( إني دعوت ندى الكرام فلم يجب
فلأشكرن ندى أجاب وما دعى )
( ومن العجائب والعجائب جمة
شكرى بطئ عن ندى متسرع )
وله بيت مفرد في شرف الدولة سالم بن قريش
( أنت الذي نفق الثناء بسوقه
وجرى الندى بعروقه قبل الدم )
ولما وصل ابن الخياط الشاعر إلى حلب كتب لأبي الفتيان المذكور
( لم يبق عندي ما يباع بدرهم
كفاك مني منظري عن مخبري )
( إلا بقية ماء وجه صنتها
عن أن تباع وقد وجدتك مشتري )
( فقيل له لو قال وأنت نعم المشتري كان أحسن وكانت ولادة ابن حيوس يوم السبت سلخ صفر سنة أربع وسبعين وثلثمائة فيكون عمر تسعة وتسعين سنة وهو شيخ ابن الخياط الشاعر المشهور وحيوس بالحاء المهملة والياء التحتية المشددة وفي شعراء المغاربة ابن حبوس بالباء الموحدة
سنة أربع وسبعين وأربعمائة
فيها توفي أبو الوليد الباجي سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب التجيبي القرطبي بالمرية في رجب عن إحدى وسبعين سنة روى عن يونس بن عبد الله نب مغيث ومكى بن أبي طالب وجاوز ثلاثة أعوام ولازم أبا ذر الهروي وكان يمضي معه إلى السراة ثم رحل إلى بغداد والى دمشق وروى عن عبد الرحمن 345
ابن الطيوري وطبقته بدمشق وابن غيلان وطبقته ببغداد وتفقه علي أبي الطيب الطبري وجماعة وأخذ الكلام بالموصل عن أبي جعفر السمناني وسمع الكثير وبرع في الحديث والفقه والأصول والنظر ورد إلى وطنه بعد ثلاث عشرة سنة بعلم جم مع الفقر والقناعة كان يضرب ورق الذهب للغزل ويعقد الوثائق ثم فتحت عليه الدنيا وأجزلت صلاته وولى قضاء أماكن وصنف التصانيف الكثيرة قال أبو علي بن سكرة ما رأيت أحدا على سمته وهيئته وتوقير مجلسه قال في العبر وقال ابن خلكان كان من علماء الأندلس وحفاظها سكن شرق الأندلس ورحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة فأقام بمكة مع أبي ذر الهروي ثلاثة أعوام وحج فيها أربع حجج ثم رحل إلى بغداد وأقام بها ثلاثة أعوام يدرس الفقه ويملي الحديث ولقى بها سادة من العلماء كأبي الطيب الطبري وأبي إسحق الشيرازي وأقام بالموصل مع أبي جعفر السمناني عاما يدرس عليه الفقه وكان مقامه بالمشرق نحو ثلاثة أعوام وروى عن الحافظ أبي بكر الخطيب وروى الخطيب أيضا عنه وقال أنشدني أبو الوليد الباجي لنفسه
( إذا كنت أعلم علما يقينا
بأن جميع حياتي كساعه )
( فلم لا أكون ضنينا بها
واجعلها في صلاح وطاعه )
وصنف كتبا كثيرة منها التعديل والتجريح فيمن روى عنه البخاري في الصحيح وغير ذلك وممن أخذ عنه أبو عمر بن عبد البر صاحب الاستيعاب وبينه وبين ابن حزم الظاهري مناظرات ومجالس
انتهى ملخصا وقال ابن ناصر الدين أنكروا عيه في قصة حديثه الكتابة وشنعوا عليه ذلك وقبحوا عند العامة جوابه وقال قائلهم
( برئت ممن شرى دنيا بآخرة
وقال أن رسول الله قد كتبا )
انتهى 346
وفيها أبو القسم بن البسري علي بن أحمد البغدادي البندار قال أبو سعد السمعاني كان صالحا ثقة فهما ورعا مخلصا عالما سمع المخلص وجماعة وأجاز له ابن بطة ونصر المرجى وكان متواضعا حسن الأخلاق ذا هيبة ووقار توفي في سادس رمضان
وفيها وجزم ابن رجب انه توفي في التي قبلها علي بن محمد بن الفرج بن إبراهيم البزار الحنبلي المعروف بابن أخي نصر العكبري ذكره ابن الجوزى في الطبقات وقال سمع من أبي علي بن بابشاد والحسن بن شهاب العكبري وكان له تقدن في القرآن والحديث والفقه والفرائض وجمع إلى ذلك النسك والورع وذكر ابن السمعاني نحو ذلك ثم قال كان فقيه الحنابلة بعبكرا والمفتي بها وكان خيرا ورعا متزهدا ناسكا كثير العبادة وكان له ذكر شائع في الخير ومحل رفيع عند أهل بلده وروى عنه إسماعيل بن السمر قندي وأخوه وغيرهما
وفيها أبو بكر محمد بن المزكي أبي ذكريا يحيى بن إبراهيم بن محمد النيسابوري المزكي المحدث من كبار الطلبة كتب عن خمسمائة نفس وأكثر عن أبيه وأبي عبد الرحمن السلمي والحاكم وروى عنه الخطيب مع تقدمه وتوفي في رجب رحمه الله
وفيها وجزم ابن خلكان وابن الأهدل انه في التي قبلها قال ابن الأهدل وفي سنة ثلاث وسبعين أبو الحسين علي بن محمد الصليحي القائم باليمن كان أبوه قاضيا ياليمن سيء العقيدة وكان الداعي عامر بن عبد الله الرواحي يتردد إليه لرياسته وصلاحه فاستمال الداعي ولده المذكور وهو دون البلوغ قيل انه رأى حليته في كتاب الصور وتنقل حاله وما يؤول إليه وهو عندهم من الذخائر القديمة المظنونة فاطلعه على ذلك وكتمه عن أبيه وأهله ومات الرواحي على القرب من ذلك وأوصى له بكتبه فعكف على درسها مع فطنته فلم يبلغ الحلم حتى تضلع من علوم الباطنية الضلالية الأوهامية الإسمعيلية متبصرا في علم التأويل 347
المخالف لمفهوم التنزيل ثم صار يحج بالناس دليلا في طريق السررات والطائف خمس عشرة سنة وشاع في الناس أنه يملك اليمن بأسره وكان يكره من يقول له ذلك فلما كان سنة تسع وعشرين وأربعمائة ارتقى جبل مسور وهو أعلى جبال اليمن ذروة ومعه ستون رجلا قد حالفهم بمكة على الموت فلما صعده لم ينتصف النهار حتى أحاط به عشرون ألف ضارب وقالوا أن نزلت وألا قتلناك بالجوع فقال لهم لم أفعل ذلك إلا خشية أن يركبه غيرنا ويملكونكم فإن تركتموني وإلا نزلت فانصرفوا عنه فبنى فيه بعد هذا واستعد بأنواع العدة واستفحل أمره وكان يدعو للمنتصر العبيدي الباطني صاحب مصر خفية ويخاف من نجاح صاحب تهامة اليمن ويداريه حتى قتله بالسم مع جارية جميلة أهداها له بالكدراء ثم استأذن المنتصر في إظهار الدعوة فأذن له فطوى البلاد وافتتح الحصون سريعا وقال في خطبته في جامع الجند في مثل هذا اليوم يخطب على منبر عدن ولم يكن ملكها بعد فقال بعض من حضر سبوح قدوس فالله أعلم قالها استهزاءا أو تعظيما وكلا الأمرين لا ينبغي وان كان أحدهما أهون من الآخر فكان كما قال فقام ذلك الإنسان وغلا في القول ودخل في بيعته ومذهبه واستقر ملكه في صنعاءوولى حصون اليمن غير أهلها وحلف أن لا يولى تهامة الامن وزن له مائة ألف دينار فوزنتها زوجته أسماء بنت شهاب عن أخيها سعد بن شهاب فولاه وقال يا مولاتنا أني لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب فتبسم وقال هذه بضاعتنا ردت إلينا وعزم على الحج في سنة ثلاث وسبعين في ألفي فارس منهم من آل الليحي مائة وستون شخصا واستخلف ولده أحمد المكرم فنزل بقرب المهجم بضيعة تسمى أم البهم وبئر أم معبد فهجمه سعيد الاحول بن نجاح الذي كان قتله بالسم ولم يشعر عسكره ونواحي جيشه إلا وقد قتل فانزعوا وفزعوا وكان أصحاب الأحول سبعين رجلا رجالة بيد كل واحد منهم جريدة في رأسها مسمار حديث تركوا جادة الطريق وسلكوا 348
الساحل فوصلوا في ثلاثة أيام وكان الصليحي قد سمع بهم وأرصد لهم نحو خمسة آلاف من الحبشة فاختلفت طريقهم ولما رآهم الصليحي مع ما هم فيه من التعب والجوع والحفاء ظن أنهم من جملة عسكره فقال له أخوه اركب فهذا والله الأحول فلم يبرح الصليحي من مكانه حتى وصل إليه الأحول فقتله وقتل أخاه وسائر الصليحيين وصالح بقية العسكر وقال إنما أخذت بثأرى ثم رفع راس الصليحي على رأس عود المظلمة وقرأ القارئ ( وفيها قتيبة العثمانين أبو رجا النسفي قتيبة بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان كان حافظا مشهورا قاله ابن ناصر الدين>
قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ) الآية ورجع الأحول إلى زبيد سالما غانما وكان قد قام بالدعوة الباطنية قبل الصليحي هلي بن فضل من ولد جنفر بن سبأ سنة سبعين ومائتين وملك تهامة وجبالها وطرد الناصر بن الهادي والله أعلم انتهى ما أورده ابن الأهدل اليمنى في تاريخه
وفيها قتيبة العثمانين أبو رجا النسفي قتيبة بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان كان حافظا مشهورا قاله ابن ناصر الدين
سنة خمس وسبعين وأربعمائة
فيها توفي محدث أصبهان ومسندها عبد الوهاب بن الحافظ أبي عبد الله محمد ابن اسحق بن مندة أبو عمرو والعبدي الاصبهاني الثقة المكثر سمع أباه وأبا خرشيد قوله وجماعة وتوفي في جمادي الآخرة
وفيها محمد بن أحمد بن علي السمسار أبو بكر الأصبهاني روى عن إبراهيم ابن خرشيد قوله وجماعة وتوفي في شوال وله مائة سنة روى عنه خلق كثير
وفيها أبو الفضل المطهر بن عبد الواحد البارني الاصبهاني توفي فيها أوفى حدودها روى عن ابن المرزبان الابهري جزء لوين وعن ابن منده وابن خرشيد قوله 349
وفيها عبد الرحمن بن محمد بن ثابت النابتي الخرقي منسوب إلى خرق بخاء معجمة مفتوحة ثم راء ساكنة بعدها قاف قرية من قرى المعروف بمفتي الحرمين تفقه أولا بمرو على البوراني ثم بمرو الروذ على القاضي الحسين ثم ببخارا على أبي سهل الابيوردى ثم ببغداد على الشيخ أبي اسحق الشيرازي وسمع الحديث وأسمع ثم حج وجاور بمكة سنة ثم رجع إلى وطنه وسكن قريته واشتغل بالزهد والفتوى إلى أن مات في شهر ربيع الأول
سنة ست وسبعين وأربعمائة
فيها عزم أهل حران وقاضيهم ابن جلبة الحنبلي على تسليم حران إلى جنق أمير التركمان لكونه سنيا وعصوا على مسلم بن قريش صاحب الموصل لكونه رافضيا ولكونه مشغولا بمحاصرة دمشق مع المصريين كانوا يحاصرون بها تاج الدولة تنش فأسرع إلى حران ورماها بالمجانيق وأخذها وذبح القاضي وولديه رحمهم الله تعالى قاله في العبر
وفيها توفي الشيخ أبو اسحق الشيرازي إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزا ياذى الشافعي جمال الدين أحد الأعلام وله ثلاث وثمانون سنة تفقه بشيراز وقدم بغداد وله اثنتان وعشرون سنة فاستوطنها ولزم الاضي أبا الطيب إلى أن صار معيده في حلقته وكان انظر أهل زمانه وأفصحهم وأورعهم وأكثرهم تواضعا وبشرا وانتهت إليه رياسة المذهب في الدنيا روى عن أبي علي بن شاذان والبرقاني ورحل إليه الفقهاء من الاقطار وتخرج به أئمة كبار ولم يحج ولا وجب عليه لأنه فقيرا متعففا قانعا باليسير ودرس بالنظامية وله شعر حسن توفي في الحادي والعشرين من جمادي الآخرة قاله في العبر وقال ابن قاضي شبهة قال الشيخ أبو اسحق كنت أعيد كل قياس ألف مرة فإذا فرغت أخذت قياسا أخر على هذا وكنت أعيد كل درس مائة مرة وإذا كان 350
في المسئلة بيت يستشهد به حفظت القصيدة التي فيها البيت وكانت الطلبة ترحل من الشرق والغرب إليه والفتاوي تحمل من البر والبحر إلى بين يديه قال رحمه الله لما خرجت في رسالة الخليفة إلى خراسان لم أدخل بلدا ولا قرية إلا وجدت قاضيها أو خطيبها أو مفتيها من تلامتي وبنيت له النظامية ودرس بها إلى حين وفاته ومع هذا فكان لا يملك شيئا من الدنيا لغ به الفقر حتى كان لا يجد في بعض الأوقات قوتا ولا لباسا وكان طلق الوجه دائم البشر كثير البسط حسن المجالسة يحفظ كثيرا من الحكايات الحسنة والأشعار وله شعر حسن قال أبو بكر الشاشي الشيخ أبو اسحق حجة الله تعالى على أئمة العصر وقال وابن السمعاني أن الشيخ أبا اسحق قال كنت نائما ببغداد فرأيت رسول الله ومعه أبو بكر وعمر فقلت يا رسول الله بلغني عند أحاديث كثيرة عن ناقلي الأخبار وأريد أن أسمع منك خبرا أتشرف به في الدنيا وأجعله ذخيرة للآخرة فقال لي يا شيخ وسماني شيخا وخاطبني به وكان يفرح بهذا ثم قال قل عني من أراد السلامة فليطلبها في سلامة غيره وقد أخذ هذا المعنى بعضهم فنظمه في أبيات هي كالشرح لهذا الخبر فقال
( إذا شئت أن تحيا ودينك سالم
وحظك موفور وعرضك صين )
( لسانك لا تذكر به عورة امرئ
فعندك عورات وللناس ألسن )
( وعينك أن أبدت إليك معايبا
قوم فقل يا عين للناس أعين )
( وصاحب بمعروف وجانب من اعتدى
وفارق ولكن بالتي هي أحسن )
وقال ابن الأهدل لما قدم الشيخ نيسابور رسولا من جهة المقتدر تلقاه الناس وحمل إمام الحرمين الغاشية بين يديه وناظره فغلبه الشيخ بقوة الجدل قيل له ما غلبتني إلا بصلاحك ولما شافهه المقتدر بالرسالة قال له وما يدريني أنك الخليفة ولم أرك قبلها فتبسم وطلب من عرفه به وتراكب الناس عليه في بلاد العجم حتى تمسحوا بأطراف ثيابه وتراب نعليه ومن شعره رضي الله عنه 351
( سألت الناس عن خل وفي
فقالوا ما إلى هذا سبيل )
( تمسك أن ظفرت بود حر
فإن الحر في الدنيا قليل )
وذكر النووي في تهذيبه أن الشيخ أبا اسحق كان طارحا للتكلف وروى انه بسؤال وهو عند دكان خباز أو بقال فأخذ قلمه ودواته وأجاب على السؤال ثم مسح بالقلم ثوبه وعلى الجملة فأنه ممن أطبق الناس على فضله وسعة علمه وحسن سمعته وصلاحه مع القبول التام من الخاص والعام وقد أثنى عليه علماء وقته بما يطول شرحه وقال فيه عاصم بن الحسين
( تراه من الذكاء نحيف جسم
عليه من توجده دليل )
( إذا كان الفتى ضخم المعاني
فليس يضره الجسم النحيل )
وله مؤلفات كثيرة شهيرة رحمه الله تعالى
وفيها أبو الوفاء طابر بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن القواس البغدادي الفقيه الحنبلي الزاهد الورع ولد سنة تسعين وثلثمائة وقرأ القرآن على أبي الحسن الحمامي وسمح الحديث من هلال الحفار وأبي الحسين بن بشرانن وغيرهم وتفقه أولا على القاضي أبي الطيب الطبري الشافعي ثم تركه وتفقه على القاضي أبي يعلى ولازمه حتى برع في الفقه وأفتى ودرس وكانت له حلقة بجامع المنصور للفتوى والمناظرة وكان يقلي المختصرات من تصانيف شيخة القاضي أبي يعلي ويلقى مسائل الخلاف وكان إليه المنتهى في العبادة والزهد والورع وذكره ابن السمعانيفي تاريخه فقال من أعيان فقهاء الحنابله وزهادهم كان قد أجهد نفسه في الطاعة والعبادة واعتكف في بيت الله خمسين سنة وكان يواصل الطاعة ليله بنهاره وكان قارئا للقرآن فقيها ورعا خشن العيش
انتهى وكانت له كرامات ظاهرة ذكر ابن شافع في ترجمة صاحبه أبي الفضل ابن العالمة الاسكاف المقرئ انه كان يحكي من كرامات الشيخ أبي الوفاء أشياء عجيبة منها أنه قال كنت أحمل معي رغيفين كل يوم فأعبر يعني في السفينة 352
برغيف وأمشي إلى مسجد الشيخ فأقرأ ثم اعود ماشيا إلى ذلك الموضع فأنزل بالرغيف الآخر فلما كان يوم من الأيام أعطيت الملاح الرغيف فرمى به واستقله فألقيت إليه الرغيف الآخر وتشوش قلبي لما جرى وجئت إلى الشيخ فقرأت عليه عادتي وقمت على العادة فقال لي قف ولم تجر عادته قط بذلك ثم أخرج من تحت وطائه قرصا فقال أعبر بهذا
وفيها عبد الله بن أحمد بن عبد الوهاب بن جلبة البغدادي ثم الحراني الخراز أبو الفتح قاضي حران اشتغل ببغداد وتفقه بها على القاضي أبي يعلى وسمع الحديث من البرقاني وأبي طالب العشاوي وأبي علي بن شاذان وغيرهم ثم استوطن حران وصحب بها الشريف أبا القسم الزيدي وأخذ عنه وتولى بها القضاء قال عنه ابن السمعاني كان فقيها واعظا فصيحا وقال ابن أبي يعلى كان يلي قضاء حران من قبل الوالد كتب له عهدا بولاية القضاء بحران وكان ناشر للمذهب داعيا إليه وكان مفتي حران وواعظها وخطيبها ومدرسها وقال ابن رجب له تصانيف كثيرة وسمع منه جماعة منهم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي ومكي الدميلي وغيرهما وفي زمانه كانت حران لمسلم بن قريش صاحب الموصل وكان رافضيا فعزم القاضي أبو الفتج على تسليم حران إلى حبق أمير التركمان لكونه سنيا فأسرع ابن قريش إلى حران وحصرها ورماها بالمجانيق وهدم سورها وأخذها ثم قتل القاضي أبا الفتح وولديه وجماعة من أصحابه وصلبهم على السور وقبورهم بحران تزار رحمه الله عليهم وذكر ابن تميمة في شرح العمدة أن أبا الفتح بن جلبة كان يختار استحباب مسح الأذنين بماء جديد بعد مسحها بماء الرأس وهو غريب جدا
وفيها أبو محمد عبد الله بن عطاء بن عبد الله بن أبي منصور بن الحسن ابن إبراهيم الإبراهيمي الهروي المحدث الحافظ أحد الحفاظ المشهورين الرحالين سمه بهراة من عبد الواحد المليحي وشيخ الإسلام الأنصاري 353
وبيوشنج من أبي الحسن الداودي وبنيسابور من أبي القسم القيشري وجماعة وببغداد من ابن النقور وطبقته وبأصبهان من عبد الوهاب وعبد الرحمن ابني منده وجماعة وكتب بخطه الكثير وخرج التاريخ للشيوخ وحدث وروى عنه أبو محمد سبط الخياط وابن الزعفراني وآخر من روى عنه أبو المعالي بن المحاس ووثقة طئفة منهم المؤتمن الساجي وقال شهردار اليدلمي عنه كان صدوقا حافظا متقنا واعظا حسن التذكير وقد تكلم فيه هبة الله السقطي والسقطي مجروح لا يقبل قوله وقد رد قوله ابن السمعاني وابن الجوزى وغيرهما وتوفي في طريق مكة بعد عوده منها على يومين من البصرة
وفيها أبو الخطاب علي بن أحمد بن عبد الله المقرئ الصوفي المؤدب البغدادي ولد سنة اثنتين وتسعين وثلثمائة وقرأ علي أبي الحسن الحمامي وغيره بالسبع وقرأ عليه خلق كثير منهم أبو الفضل بن المهتدي وروى عنه الحديث أبو بكر بن عبد الباقي وغيره وله مصنف في السبعة وقصيدة في السنة وقصيدة في عدد الآي وكان من شيوخ الاقراء ببغداد المشهورين ومن حنابلتها المجتهدين وكان سابقا شافعيا ثم رأى الأمام أحمد وسأله عن أشياء وأصبح وقد تحنبل وصنف في معتقدهم
وفيها أبو حليم الحنبري نسبة إلى خبر بنواحي شيراز كان فقيها صالحا وكان يكتب في مصحف فألقى القلم من يده واستند وقال والله أن هذا هو موت هنى طيب ثم مات رحمه الله تعالى قاله ابن الأهدل
وفيها البكري أبو بكر المقرئ الواعظ م دعاة الأشعرية وفد على نظام الملك بخراسان فنفق عليه وكتب له سجلا أن يجلس بجوامع بغداد فقدن وجلس ووعظ ونال من الحنابلة سبا وتكفيرا ونالوا منه ولم تطل مدته قال في العبر 354
وفيها أبو طاهر محمد بن أحمد بن محمد أبي الصقر اللخمي الانباري الخطيب في جمادي الآخرة وله ثمانون سنة سمع بالحجاز والشام ومصر وأكبر مشايخه ابن أبي نصر التميمي
وفيها مقرئ الأندلس في زمانه أبو عبد الله محمد بن شريج الرعيني الاشبيلي المقرئ مصنف كتاب الكافي و كتاب التذكير توفي في شوال وله أربع وثمانون سنة وقد حج وسمع من أبي ذر الهروي وجماعة
سنة سبع وسبعين وأربعمائة
فيها توفي إسماعيل بن مسعدة بن إسماعيل بن الأمام أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الجرجاني أبو القسم صدر عالم نبيل وافر يد في النظم والنثر روى عن حمزة السهمي وجماعة وعاش سبعين سنة وروى الكامل لابن عدي
وفيها بني بنت الصمد بن عي أم الفضل وأم عربي الهرثمية الهروية لها جزء مشهور ترويه عن عبد الرحمن بن أبي شريح توفيت في هذه السنة اوفي التي بعدها وقد استكملت تسعين سنة
وفيها أبو سعد عبد الله بن الأمام عبد الكريم بن هوزان القيشري النيسابوري أكبر الاخوة في ذي القعدة وله أربع وستون سنة روى عن القاضي أبي بكر الحيري وجماعة وعاشت أمه فاطمة بنت أبي علي الدقاق بعده أربعة أعوام قال ابن الأهدل الأمام الكبير البارع أبو سعيد كانت فيه أوصاف قل أن يحتويها إنسان أو يعبر عناه لسان وكان أبوه يحترمه ويعامله معاملة الأقران لما ظهر له منه
وفيها عبد الرحمن بن محمد بن عفيف البوشنجي آخر أصحاب عبد الرحمن ابن أبي شريح موتا وهو من كبار شيوخ أبي الوقت 355
وفيها أبو نصر بن الصباغ عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي الشافعي أحد الأئمة ومؤلف الشامل كان نظير الشيخ أبي اسحق ومنهم من يقدمه على أبي اسحق في نقل المذهب وكان ثبتا حجة دينا خيرا ولي النظامية بعد أبي اسحق ثم كف بصره وروى عن محمد بن الحسين القطان وأبي علي بن شاذان وكان مولده في سنة أربعمائة توفي في جمادي الأولى ببغداد ودفن في داره قال في العبر وقال ابن شهبة كان ورعا نزها ثبتا صالحا زاهدا فقيها أصوليا محققا قال ابن عقيل كملت له شرائط الاجتهاد المطلق وقال ابن خلكان كان ثبتا صالحا له كتاب الشامل وهو من أصح كتب أصحابنا وأتقنها أدلة قال ابن كثير وكان من أكابر أصحاب الوجوه ومن تصانيفه كتاب الكامل في الخلاف بيننا وبين الحنفية و كتاب الطريق السالم والعمدة في أصول الفقه
وفيها أبو علي الفارمذي بفتح الفاء والراء والميم ومعجمة نسبة إلى فارمذ قرية بطوس الفضل بن محمد الزهاد شيح خراسان قال ابن عبد الغافر هو شيخ الشيوخ في عصره المنفرد بطريقته في التذكير التي لم يسبق إليها في عبارته وتهذيبه وحسن آدابه ومليح إستعارته ورقة الفاظه دخل بنيسابور وصحب القشيري وأخذ في الاجتهاد البالغ إلى أن قال وحصل له عند نظام الملك خارج عن الحد روى عن أبي عبد الله بن باكويه وجماعة وعاش سبعين سنة توفي في ربيع الآخر قاله في لعبر وقال الشيخ عبد الرؤف المناوي في طبقات الأولياء كان عالما شافيعا عارفا بمذاهب السلف ذا خبرة بمناهج الخلف وأما التصوف فذاك عشه الذي منه درج وغابه الذي ألفه ليثه ودخل وخرج تفقه علي الغزالي الكبير وأبي عثمان الصابوني وغيرهما وأخذ عنه حجة الإسلام وجد واجتهد وكان ملحوظا من القشيري بعين العناية موفرا عليه منه طريق الهداية حتى فتح عليه لوامع من أنواع المجاهدة وصار من مذكورى الزمان ومشهورى المشايخ وكان لسان الوقت وقال السمعاني كان لسان خراسان وشيخها وصاحب 356
الطريقة الحسنة في تربية المريدين وكان مجلس روضة ذات أزهار
وفيها محمد بن عمار أبو بكر المهري ذو الوزارتين شاعر الأندلس كان هو وابن زيدون كفرسي رهان وكان ابن عمار قد اشتمل عليه المعتمد وبلغ الغاية إلى أن استوزره ثم جعله نائبا على مرسية فخرج عليه ثم ظفر به المعتمد فقتله قال ابن خلكان وكانت ملوك الأندلس تخاف ابن عمار لبذاءة لسانه وبراعة احسانه لا سيما حين اشتمل عليه المعتمد على الله بن عباد صاحب غرب الأندلس وأنهضه جليسا وسميرا وقدمه وزيرا ومشيرا ثم رجع إليه خاتم الملك ووجهه أميرا وقداتي عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا فتبعته المواكب والمضارب والجنائب والنجائب والكتائب وضربت خلفه الطبول ونشرت على رأسه الرايات والبنود فملك مدينة تدمير واصبح راقي منبر وسرير مع ما كان فيه من عدم السياسة وسوء التدبير ثم وثب على مالك رقة ومستوجب شكره ومستحقه فبادر إلى عقوقه وغش حقوقه فتحيل المعتمد عليه وسدد سهام امكايد إليه حتى حصل في يده قنيصا وأصبح لا يجد له محيطا إلى أن قتله المعتمد بيده ليلا في قصره بمدينة إشبيلية وكانت ولادته في سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة ولما قتله المعتمد رثاه صاحبه ابن وهبون الأندلسي بقوله من جملة قصيدة
( عجبا له ابكيه ملء مدامعي
وأقول لا شلت يمين القاتل )
ومن مشاهير قصائد ابن عمار
( ادر الزجاجة فالنسيم قد انبرى
والنجم قد صرف العنان عن السرى )
( والصبح قد أهدى لنا كافوره
لما استرد الليل منا العنبرا )
ومن مديحها وهي في المعتمد بن عباد
( ملك إذا ازدحم الملوك بمورد
ونحاه لا يردون حتى يصدرا )
( اندى على الأكباد من قطر الندى
وألذ في الأجفان من سنة الكرى )
( قداح زند المجد لا ينفك عن
نار الوغى إلا إلى نار القوى ) 357
ومن جملة ذنوبه بيتان هجاه وهجا ابنه المعتضد بهما وهما
( مما يقبحح عندي ذكر أندلس
سماع معتضد غيها ومعتمد )
( أمساء مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد )
وكان أقوى الأسباب عللا قتله انه هجاه بشعر ذكر فيه أم نبيه المعروفة بالرميكية منها
( تخيرها من بنات الهجان
رميكية لا تساوي عقالا )
( فجاءت بكل قصير الذراع
لئيم النجادين عما وخالا )
وهذه الرميكية كانت سرية المعتمد اشتراها من رميك بن حجاج فنسبت إليه وكان قد اشتراها في أيام أبيه المعتضد وأفرط في الميل إليها وغلبت عليه وأسمها اعتماد وهي التي أغرت المعتمد على قتل ابن عمار لكونه هجاها
وفيها مسعود بن ناصر الشحري أبو سعيد الركاب الحافظ رحل وصنف وحدث عن أبي حسان المزكي وعلي بن بشر بن الليثي وطبقتهما ورحل إلى بغداد وأصبهان قال الدقاق ولم أر أجود اتقانا ولا أحسن ضبطا منه توفي بنيسابور في جمادي الأولى
سنة ثمان وسبعين وأربعمائة
فيها أخذ الأدقيش لعنه الله مدينة طليطلة من الأندلس بعد حصار سبع سنين فطغى وتمرد وحلمت إليه ملوك الأندلس الضريبة حتى المعتمد بن عباد ثم استعان المعتمد على حربه باللثمين وأدخلهم الأندلس
وفيها توفي أبو العبا س العذري احمد نب عمر بن أنس بن دلهاث الاندلسي الدلائي ودلايه من عمل المرية كان حافظا محدثا متقنا مات في شعبان وله خمس وثمانون سنة حج سنة ثمان وأربعمائة مع أبويه فجاورا ثمانية أعوام 358
وصحب هو أبا ذر فتخرج به وروى عن أبي الحسن بن جهضم وطائفة ومن جلالته أن امامي الأندلس ابن عبد البر وابن حزم رويا عه وله كتاب دلائل النبوة
وفيها أبو سعد المتولي عبد الرحمن بن مأمون النيسابوري شيخ الشافعية وتلميذ القاضي الحسين وهو صاحب التتمة تمم به الإبانة لشيخه أبي القسم الفوراني تفقه بمرو علي الفوراني وبمرو الروذ علي القاضي حسين وببخارا علي أبي سهل الابيوردي وبرع في الفقه والأصول والخلاف قال الذهبي كان فقيها محققا وحبرا مدقا وقال ابن كثير هو أحد أصحاب الوجوه في المذهب كان فقيها محققا وحبرا مدققا وقال ابن كثير هو أحد أصحاب الوجوه في المذهب وصنف التتمة ولم يكمله وصل فيه إلى القضاء وأكمله غير واحد ولم يقع شيء من تكملتهم على نسبته وصنف كتابا في أصول الدين و كتابا في الخلاف ومختصرا في الفرائض ومولده بنيسابور سنة ست وقيل سبع وعشرين وأربعمائة وتوفي ببغداد في شوال قال ابن خلكان ولم أقف على المعنى الذي سمى به المتولى
وفيها أبو المعالي أحمد بن مرزوق بن عبد الرزاق الزعفراني الحنبلي المحدث سمع الكثير وطلب بنفسه وكتب بخطه قال أبو علي البرداني كان همته جمع الحديث وطلبه حدث باليسير عن أحمد بن عمر بن الأحصر وأبي الحسين العكبري وغيرهم وروى عنه البرداني وقاله انه مات ليلة الثلاثاء مستهل المحرم
وفيها أبو معشر الطبري عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري القطان المقرئ نزيل مكة وصاحب كتاب التخلي وغيره قرا بحران على أبي القسم الزيدي وبمكة على الكارزيني وبمصر على جماعة وروى عن أبي عبد الله ابن نظيف وجلس للأقراء بمكة
وفيها إمام الحرمين أبو المعالي الجويني عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف الفقيه الشافعي ضياء الدين أحد الأئمة الأعلام قال ابن الأهدل تفقه على والده في صباه واشتغل به مدته فلما توفي والده أتى على جميع مصنفاته 359
ونقلها ظهرا لبطن وتصرف فيها وخرج المسائل بعضها على بعض ولم يرض بتقليد والده من كل وجه حتى أخذ في تحقيق المذهب واخلاف وسلك طريق المباحثة والمناظرة وجمع الطرق بالمطالعة حتى أربى على المتقدمين وأنسى مصنفات الأولين توفي والده وهو دون العشرين سنة فأقعد مكانه للتدريس وكان يتردد إلى المشايخ في أنواع العلوم حتى ظهرت براعته ولما ظهر التعصب بين الأشعرية والمتبدعة خرج إلى مكة فجاور بها أربع سنين ينشر العلم ولهذا قيل له إمام الحرمين ثم رجع مضى نوبة التعصب إلى نيسابور في ولاية ألب أرسلان السجلوقي ثم قدم بغداد فتولى تدريس النظامية والخطابة والتذكير والإمامة وهجرت له المجالس وانغمر ذكر غيره من العلماء وشاعت مصنفاته وبركاته وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو ثلثمائة رجل من الطلبة والائمة وأولاد الصدور وحصل له من القبول عند السطان ما هو لائق بمنصبه بحيث لا يذكر غيره والمقبول من انتمى إليه وقرأ عليه وصنف النظامي والغياثي فقوبل بمل يليق به من الشكر والخلع الفائقة والمراكب الثمينة ثم قلد رعاية الأصحاب ورياسة الطائفة وفوض إليه أمر الأوقاف وسار إلى أصبهان بسبب مخالفة الأصحاب فقابله نظام الملك بما هو لائق بمنصبه وعاد إلى نيسابور وصار أكثر عنايته بنهاية المطب في دراية المذهب وأودعه من التدقيق والتحقيق ما تعلم به مكانته من العلم والفهم واعترف أهل وقته بأنه لم يصنف في المذهب مثله وصنف الشامل في أصول الدين والإرشاد والعقيدة النظامية وغياث الأمم في الإمامة ومغيث الخلق في اختيار الأحق والبرهان في أصول الفقه وغيرها وكان مع رفعة قدره وجلالته له حظ وافر من التواضع فمن ذلك انه لما قدم عليه أبو الحسن المجاشعي تلمذ له وقرأ عليه كتاب اكسير الذهب في صناعة الأدب من تصنيفه وقد تقدم انه حمل بين يدي 360
الشيخ أبي اسحق الغاشية وقد أثنى عليه علماء وقته بما يطول شرحه من ذلك قول الشيخ أبي اسحق تمتعوا بهذا الأمام فأنه نزهة هذا الزمان وقال له في أثناء كلامه با مفيد أهل المشرق والمغرب أنت إمام الأئمة اليوم وقال المجاشعي ما رأيت عاشقا للعلم في أي فن كان مثل هذا الأمام وكان لا يستصغر أحدا حتى يسمع كلامه ولا يستنكف أن يغزو الفائدة إلى قائلها ويقول استفدتها من فلان وإذا لم يرض كلامه زيفه ولو كان إذا شرع في حكايات الأحوال وعلوم الصوفية ومجلس الوعظ والتذكير بكى طويلا حتى يبكي غيره لبكائه وربما زعق ولحقه الاحتراق لعظيم لا سيما إذا أخذ في التفكير وسمع الحديث من جماعة كثيرة وأجاز له أبو نعيم صاحب الحلية وسمع سنن الدار قطني من ابن عليك وكان يعتمد تلك الأحاديث في مسائل الخلاف ويذكر الجرح والتعديل في الرواية وروى أن والده في ابتداء أمره كان ينسخ بالأجرة حتى اجتمع له شيء فاشترى به جارية صالحة ووطئها فلام وضعت أما الحرمين أوصاها أن لا ترضعه من غيرها فأرضعته يوما جارة لهم فاجتهد الشيخ في تقييئها حتى تقايأها وكان رما لحقته فترة بعد إمامته فيقول لعل هذه من بقايا تلك الرضعة ولما مات لحق الناس عليه ما لا يعهد لغيره وغلقت أبواب البلد وكشف الرءوس حتى ما اجترأ أحد من الأعيان يغطى رأسه وصلى عليه ولده أبو القسم بعد جهد عظيم من الزحام ودفن في داره بنيسابور ثم نقل بعد سني إلى مقبرة الحسين وكسر منبره في الجامع وقعد الناس للعزاء أياما وكان طلبته نحو أربعمائة يطوفون في البلد نائحين عليه وكان عمره تسعا وخمسين سنة وآثاره في الدين باقية وان انقطع نسله ظاهرا فنشر علمه يقوم مقام كل نسب ومن كلامه في كتابه الرسالة النظامية اختلف مسالك العلماء 361
في هذه الظواهر فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في أي الكتاب وما يصح من السنن وذهل أئمة السلف إلى الاكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على موادرها وتفويض معانيها إلى الرب قال والذي نرتضيه رايا وندين الله به عقدا ابتاع سلف الأمة والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة وهو مستند الشريعة وقد درج صحب رسول الله على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام والسمتقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها فول كان تأويل هذه الظواهر مشروعا أو محتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة وإذا انصرم عصرهم على الاضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المتبع فحق على كل ذي دين أن يعتقد تنزيه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب فليجر آية الاستواء والمجيء وقوله (
لما خلقت بيدي ) ( ( نهاية أقدام العقول عقال>
ويبقي وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) وقوله ( تجري بأعيننا ) وما صح من أخبار الرسول كخبر النزول وغيره على ما ذكرنا انتهى بحروفه ومن شعر أبي المعالي
( نهاية أقدام العقول عقال
وغاية آراء الرجال ضلال )
( وأرواحنا في وحشة من جسومنا
وغاية دنيانا أذى ووبال )
وذكر المناوي في شرحه على الجامع الصغير ما نصه وقال السمعاني في الذيل عن الهمذاني سمعت أبا المعالي يعني إمام الحرمين يقول قرأت خمسين آلفا في خمسن آلفا ثم حلبت أهل الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة وركبت البحر الخضم وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه كل ذلك في طلب الحلق وهو يأمن التقليد والان رجعت من العمل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطفه وأموت على دين العجائز وتختم عاقبة أمري على 362
الحق وكلمة الإخلاص وألا فالويل لابن الجويني انتهى بحروفه فرحمه الله ورضى عنه
وفيها أبو علي بن الوليد شيخ المعتزلة محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن الوليد الكرخي وله اثنتان وثمانون سنة أخذ عن أبي الحسين البصري وغيره وبه انحرف ابن عقيل عن السنة قليلا وكان ذا زاهد وورع وقناعة وتعبد وله عدة تصانيف ولما افتقر جعل ينقض داره ويبيع خشبها ويتقوت وكانت من حسان الدور ببغداد قاله في العبر
وفيها قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني محمد بن علي بن محمد الحنفي تفقه بخراسان ثم ببغداد على القدورى وسمع من الصورى وجماعة وعاش ثمانين سنة وكان نظير القاضي أبي يوسف في الجاه والحشمة والسؤدد وبفي في القضاء دهرا دفن في القبة إلى جانب الأمام أبي حنفية رحمهما الله تعالى
وفيها مسلم الملك شرف الدولة أبو المكارم بن الملك أبي المعالي قريش بن بدران بن مقلد العقيلي صاحب الجزيرة وخلب وكان رافضيا اتسعت ممالكه ودانت له العرب وطمع في الاسيلاء على بغداد عند موت طفر لبك وكان شجاعا فاتكا مهيبا ماكرا التقي هو الملك سلمان بن قتملش السجلوقي صاحب الروم على باب إنطاكية فقتل في المصاف
سنة تسع وسبعين وأربعمائة
فيها كانت وقعة الزلاقة بين الأدفوش والمعتمد بن عباد ومعه اللثمون فأتوا الزلاقة من عمل بطليوس فالتقى الجمعان فوقعت الهزيمة على الملاعين وكانت ملحمة عظيمة في أول جمعة من رمضان وجرح المعتمد عدة جراحات سليمة وطابت للملثمين فعمل أميرهم ابن تاشفين على ملكها 363
وفيها أعيدت الخطبة العباسية بالحرمين وقطعت خطبة العبيديين
وفيها كما قال السيوطي في تاريخ الخلفاء أرسل يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش إلى المعتمد أن يسلطنه وان يقلده ما بيده من البلاد فبعث إليه الخلع والاعلام والتقليد ولقبه بأمير المؤمنين ففرح بذلك وسربه فقهاء المغرب وهو الذي انشأ مدينة مراكش
وفيها توفي أبو سعيد النيسابوري شيخ الشيوخ ببغداد أحمد بن محمد بن دوست كان كبير الحرمة في الدولة له رباط مشهور ومريدون وكان نظام الملك يعظمه
وفيها أبو القاسم اسمعيل بن زاهر النوقاني بالفتح والسكون كما قال السيوطي وبالضم كما قال الاسنوي نسبة إلى نوقان مدينة بطوس النيسابوري الشافعي الفقيه وله اثنتان وثمانون سنة روى عن أبي الحسن العلوي وعبد الله بن يوسف وابن محمش وطائفة ولقى ببغداد أبا الحسن بن بشران وطبقته وأملى وأفاد
وفيها طاهر بن محمد أبو عبد الرحمن الشحامي المستملى والد زاهر روى عن الحيري وطائفة وكان فقيها صالحا ومحدثا عارفا بصر تام بالشروط توفي في جمادي الآخرة وله ثمانون سنة
وفيها أبو علي التستري علي بن أحمد بن علي البصري السقطي راوي السنن عن أبي عمر الهاشمي
وفيها أبو الحسن علي بن فضال المجاشعي القيرواني صاحب المصنفات في العربية والتفسير توفي في ربيع الأول وكان من أوعية العلم تنقل بخراسان وصحب نظام الملك
وفيها أبو الفضل محمد بن عبيد الله الصرام النيسابوري الرجل الصالح روى عن أبي نعيم الاسفراييني وأبي الحسن العلوي وطبقتهما وتوفي في شعبان 364
وفيها مسند العراق أبو نصر الزبيني محمد بن محمد بن علي الهاشمي العباسي آخر أصحاب المخلص ومحمد بن عمر الوراق توفي في جمادي الآخرة وله اثنتان وتسعون سنة وأربعة أشهر وكان ثقة خيرا
وفيها القاضي أبو علي ناصر بن إسماعيل النوقاني الحاكم قال عبد الغافر كان فاضلا كبيرا من وجوه أصحاب الشافعي حسن الكلام في المناظرة درس سنين بنوقان وأجرى بها القضاء على وجهه وقتل بها شهيدا قاله الأسنوي
سنة ثمانين وأربعمائة
فيها توفي مقرئ الأندلس عبد الله بن سهل الأنصاري المرسي اخذ القراءات عن أبي عمر الطلمنكي وأبي عبد الله محمد بن سفيان ومكي وجماعة
وفيها شافع بن صالح بن حاتم بن أبي عبد الله الجيلي أبو محمد قدم بغداد بعد الثلاثين وأربعمائة وسمع من أبي علي بن المذهب والعشاري وابن غيلان والقاضي أبي يعلى وعليه تفقه وكتب معظم تصانيفه في الأصول والفروع ودرس الفقه بمسجد الشريف أبي جعفر وخلفه أولاده من بعده في ذلك حتى عرف المسجد بهم قال ابن الجوزي كان متعففا متقشفا ذا صلاح وقال ابن السمعاني كتب التصانيف في مذهب الأمام احمد كلها ودرس الفقه وتوفي يوم الثلاثاء سادس عشرى صفر
وفيها عبد الله بن نصر الحجازي أبو محمد الزاهد قال ابن الجوزى سمع الحديث وصحب الزهاد وتفقه على مذهب أحمد وكان خشن العيش متعبدا وحج على قدميه بضع عشرة حجة وتوفي في ربيع الأول
وفي آخر يوم من هذه السنة وهو يوم الأحد سلخ ذي الحجة أبو بكر محمد ابن علي بن الحسين الحزار الحريمي الحنبلي ودفن بباب حرب طلب الحديث وسمع من أبي الغنائم بن المأمون والعشاري وغيرهما وكتب بخطه 365
الحديث والفقه وحدث باليسير وسمع منه أبو طاهر بن الرحبي القطان وأبو المكارم الظاهري
وفيها فاطمة بنت الشيخ أبي علي الحسن بن علي الدقاق الزاهد زوجة القشيري كانت كبيرة القدر عالية الإسناد من عوابد زمانها روت عن أبي نعيم الاسفراييني والعلوي والحاكم وطائفة توفيت في ذي القعدة عن تسعين سنة
وفهيا فاطمة بنت الحسن بن علي الاقرع أم الفضل البغدادية الكاتبة التي جودوا على خطها وكانت تنقل طريقة ابن البواب حكت أنها كتبت ورقة للوزير الكندري فأعطاها ألف دينار وقدروت عن أبي عمر بن مهدي الفارسي
وفيها السد المرتضي ذو الشرفين أبو المعالي محمد بن محمد بن زيد العلوي الحسيني الحافظ قتله الخاقان بما وراء النهر مظلوما وله خمس وسبعون سنة روى عن أبي علي بن شاذان وخلق وتخرج بالخطيب ولازمه وصنف التصانيف وحدث بسمر قند وأصبهان وبغداد وكان متمولا معظما وافر الحشمة كان يفرق في العام نحو العشرة آلاف دينارا ويقول هذه زكاة مالي
سنة إحدى وثمانين وأربعمائة
فيها توفي أبو بكر الغورجي بالضم وفتح الراء وجيم إلى غورة قرية بهراة أحمد بن عبد الصمد الهروي راوي جامع الترمذي عن الجراحي توفي في ذي الحجة
وفيها أبو اسحق الطيان إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الاصبهاني القفال صاحب ابارهيم بن خورشيد قوله توفي في صفر
وفيها أبو إسماعيل الأنصاري شيخ الإسلام عبد الله بن محمد بن علي الهروي الصوفي القدوة الحنبلي الحافظ أحد الأعلام توفي في ذي الحجة وله ثمانون سنة وأشهر سمع من بد الجبار الجراحي وأبي منصور محمد بن محمد الأزدي وخلق 366
كثير وبنيسابور من أبي سعيد الصيرفي وأحمد السليطي صاحبي الأصم وكان قذى في أعين المتبدعة وسيفا على الجهيمة وقد امتحن مرات وصنف عدة مصنفات وكان شيخ خراسان في زمانه غير مدافع قاله في العبر ومن شعره
( سبحان من أجمل الحسنى لطالبها
حتى إذا ظهرت في عبده مدحا )
( ليس الكريم الذي يعطي ليمدحه
أن الكريم الذي يثنى بما منحا )
وفيها عثمان بن محمد بن عبيد الله المحمى كالمرمي نسبة إلى محمد جد أبو عمرو المزكي بنيسابور في صفر روى عن أبي نعيم الاسفراييني والحاكم
وفيها ابن ماجه الابهري أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسن الاصبهاني وابهر أصبهان قرية وأما أبهر زنجان فمدينة عاش خمسا وتسعين سنة وتفرد في الدنيا بجزء لوين عن ابن المزربان الابهري
سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة
فيها توفي أحمد بن محمد بن صاعد بن محمد أبو نصر الحنفي رئيس نيسابور وقاضيها وكبيرها روى عن جده والقاضي أبي الحرى وطائفة وكان يقال له شيخ الإسلام وكان مبالغا في التعصب في المذهب فأغرى بعضا ببعض حتى لعنت الخطباء أكثر الطوائف في دولة طغر لبك فلما مات طغر لبك خمد هذا ولزم بيته مدة ثم ولى القضاء
وفيها أبو اسحق الحبال الحافظ إبراهيم بن سعيد النعماني مولاهم المصري عن تسعين سنة سمع أحمد بن بريال والحافظ عبد الغني ومنير بن أحمد وطبقتهم وكان يتجر في الكتب وكانت بنو عبيد قد منعوه من التحديث في أواخر عمره وكان ثقة صالحا حجة ورعا كبير القدر
وفيها الحسن بن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحم بن عثمان بن الوليد بن أبي الحديد أبو عبد الله السلمي الدمشقي الخطيب 367
نائب الحكم بدمشق روى عن عبد الرحمن بن الطيير وطائفة وعاش ستا وستين سنة
وفيها القاضي أبو منصور بن سمكويه محمد بن أحمد بن علي الأصبهاني الحافظ المكثر توفي في شعبان له تسع وثمانون سن وهو آخر من روى عن أبي علي البغدادي وابن خرشيد قوله ورحل واخذ بالبصرة من أبي عمر الهاشمي بعض السنن أو كله وفيه ضعف
وفيها أبو الخير محمد بن أحمد بن عبد الله بن زر الاصبهاني روى عن عثمان البرجي وطبقته وكان واعظا زاهدا وأم مدة بجامع أصبهان
وفيها الطبسي بفتح الطاء المهملة والموحدة التحتية ومهملة نسبة إلى طبس مدينة بين نيسابور وأصبهان وكرمان محمد بن أحمد بن أبي جعفر المحدث مؤلف كتاب بستان العارفين روى عن الحاكم وطائفة توفي في شهر رمضان وكان صوفيا عابدا ثقة صاحب حديث وسنة
سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة
فيها كانت فتنة هائلة لم يسمع بمثلها بين السنة والرافضة وقتل بينهم عدد كثير وعجز والى البلد واستظهرت السنة بكثرة من معهم من أعوان الخليفة واستكانت الشيعة وذلوا ولزموا التقية وأجابوا إلى أن كتبوا على مساجد الكرخ خير الناس بعد رسول الله أبو بكر
وفيها توفي خواهر زاده الحنفي شيخ الطائفة بما وراء النهر وهو أبو بكر محمد بن الحسين البخاري القديدي مصغرا نسبة إلى قديد بين مكة والمدينة شرفهما الله تعالى روى عن منصور الكاغدى وطائفة وبرع في المذهب وفاق الأقران وطريقته أبسط طريقة للأصحاب وكان يحفظها وتوفي في جمادي 368
الأولى ببخاري
وفيها عاصم بن الحسن أبو الحسين العاصمي الكرخي الشاعر المشهور روى عن ابن تميم وعن أبي عمر بن مهدي وكان شاعرا محسنا ظريفا صاحب ملح ونوادر مع الصلاح والعفة والصدق مرض في آخر عمره فغسل ديوان شعره ومات في جامدي الآخرة عن ست وثمانين سنة
وفيها أبو نصر الترياقي عبد العزيز بن محمد الهروي راوي الترمذي سوى آخر جزء منه الجراحي كان ثقة أديبا عاش أربعا وتسعين سنة وترياق من قرى هراة
وفيها أبو الحسن علي بن أحمد بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحسين الطبري الروياني نزل بخارا وبها مات وكان حافظا مكثرا أحد النقاد قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو بكر التفسلي بفتح فسكون وبعد اللام سين مهملة نسبة إلى تفليس بلد بأذر بيجان محمد بن إسماعيل بن محمد النيسابوري المولد الصوفي المقرئ روى عن حمزة المهلبي وعبد الله بن يوسف الاصبهاني وطائفة ومت في شوال
وفيها العلامة أبو بكر الخجندي بخاء معجمة مضمومة ثم جيم مفتوحة وسكون النون ومهملة نسبة إلى خجندة مدينة بطرف سيحون محمد بن ثابت ابن الحسن الشافعي الواعظ نزيل أصبهان ومدرس نظاميتها وشيخ الشافعية بها ورئيسها كان إليه النتهى في الوعط توفي في ذي القعدة قال الاسنوي له يد باطشة في النظر والأصول انتشر علمه في الآفاق وتخرج به وبكلامه جماعة وتفقه على أبي سهل الابيوردي وسمع الحديث من جماعة وحدث عنهم وكان حسن السيرة م رؤساء الأئمة حشمة ونعمة
وكان له ولد يقال له أبو سعيد أحمد تفقه على والده حتى برع في المذهب وسمع وحدث ولما مات أبوه فوض تدريس النظامية إلى غيره فلزم بيته إلى أن مات في شعبان سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة عن ثمان وثمانين سنة 369
قاله ابن السمعاني
وفيها أبو نصر محمد بن سهل السراج الشاذياخي بشين معجمة وسكون الذال المعجمة وتحتية وخاء معجمة نسبة إلى قرية بنيسابور أو إلى شاذخ ببلخ آخر أصحاب أبي نعيم عبد الملك الاسفراييني روى عن جماعة وكان ظريفا نظيفا لطيفا توفي في صفر عن تسعين سنة
وفيها أبو الغناءم أبي عثمان محمد بن علي بن حسن بغدادي متميز صدوق روى عن أبي عمر بن مهدي وجماعة
وفيها فخر الدولة بن جهير الوزير أبو نصر محمد بن محمد بن جهير الثعلبي ولي نظر حلب ثم وزر لصاحب ميافارقين ثم وزر للقائم بأمر الله مدة وكان من رجال العالم ودهاة بني آدم وكان رئيسا جليلا خرج من بيتهم جماعة من الوزراء والرؤساء ومدحهم أعيان الشعراء فمنهم صردر المتقدم ذكر وهي من غرر قصائده ومشاهيرها وأولها
( لجاجة قلب ما يفيق غرورها
وحاجة نفس ليس يقضي يسيرها )
( وقفنا صفوفا في الديار كأنها
صحفية ملقاة ونحن سطورها )
( يقول خليلي والظباء سوانح
أهذا الذي تهوى فقلت نظيرها )
( لئن شابهت أجيادها وعيونها
لقد خالفت أعجازها وصدورها )
( فيا عجبا منها يصيد أنيسها
ويدنو على ذعر إلينا نفورها )
( وأم ذاك إلا أن غزلان عامر
تيقن أن الزائرين صقورها )
( ألم يكفها ما قد جنته شموسها
على القلب حتى ساعدتها بدورها )
( نكصنا على الأعقاب خوف إناثها
فما بالها تدعو نزال ذكورها )
( ووالله ما أدري غداة نظرننا
أتلك سهام أم كؤوس تديرها )
( فإن كن من نبل فأين حفيفها
وإن كن من خمر فأين سرورها )
( أيا صاحبي استأذنا لي خمارها
فقد آذنت لي في الوصول خدورها ) 370
( فلا تحسبا قلبي طليقا فأنما
لها الصدر سجن وهو فيه أسيرها )
( أراك آلحمى قل لي بأي وسيلة
توسلت حتى قبلتك ثغورها )
( أعدت إلى جسم الوزارة روحه
وما كان يرجى بعثها ونشورها )
( أقامت زمانا عند غيرك ضامنا
وهذا رعاك الله وقت طهورها )
( من الحق أن يحيا بها مستحقها
وينزعها مرودة مستعيرها )
( إذا ملك الحسناء من ليس كفأها
أشار عليها بالطلاق مشيرها )
وكانت ولادة فخر الدولة المذكور سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة بالموصل وتوفي بها في رجب وقيل في المحرم ودفن في تل توبة وهو تل قبالة الموصل يفصل بينهما عرض الشط
واما ولده عميد الدولة فقد ذكره محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه فقال انتشر عنه الوقار والهيبة والعفة وجودة الرأي وخدم ثلاثة من الخلفاء ووزر لاثنين منهم وكان عليه رسوم كثيرة وصلات جماعة وكان نظام الملك يصفه دائما بالأوصاف العظيمة ويشاهده بعين المكافي الشهم ويأخذ رأيه في أهم الأمور ويقدمه على الكفاة والصدور ولم يكن يعاب بأشد من الكبر الزائد فإن كلماته كانت محفوظة مع ضنه بها ومن كلمة بكلمة قامت عنده مقام بلوغ الأمل فمن جملة ذلك أنه قال لولد الشيخ الأمام أبي نصر بن الصباغ اشتغل وادأب وألا كنت صباغا بغير أب انتهى كلام ابن الهمذاني وكان نظام الملك قد زوجه بنته زبيدة وكان قد عزل من الوزارة ثم أعيد إليها بسبب المصاهرة وفي ذلك يقول الشريف أبو يعلى بن الهبارية
( قل للوزير ولا تفزعك هيبته
وإن تعاظم واستولى لمنصبه )
( لولا ابنة الشيخ ما استوزرت ثانية
فاشكر حراصرت مولا الوزير به )
ولعميد الدولة شعر ذكره في الخمريدة لكنه غير مرضى وذكره ابن السمعاني في كتاب الذيل ومدحه خلق كثير من شعراء عصره وفيه يقول صردر قصيدته 371
العينية المشهورة التي أولها
( قد بان عذرك والخليط مودع
وهوى النفوس مع الهوادج يرفع )
( لك حيثما شمت الركائب لفته
أترى البدور بكل واد تطلع )
( في الظاغنين من الحمى بدر الأحشاء
مرعى والاماقي مكرع )
( ممنوع أطراف الجمال رقيبة
حذرا عليه من العيون البرقع )
( عهد الحبائل صائدات شبهة
فارتاع فهو لكل حبل يقطع )
( لم يدر حامي سر به أني إذا
حرم الكلام له لساني الأصبع )
( وإذا الطيوف إلى المضاجع أرسلت
بتحية منه فعيني تسمع )
وهي طويلة ومن غرر الشعر وعزل عميد الدولة عن الوزارة في شهر رمضان سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة وجهير بفتح الجيم وكسر الهاء وقال ابن السمعاني بضم الجيم وهو غلط يقال رجل جهير بين الجهارة أي ذو منظر ويقال رجل جهير الصوت بمعنى جهوري الصوت قاله ابن خلكان
سنة أربع وثمانين وأربعمائة
فيها توفي أبو الحسين أحمد بن عبد الرحمن الذكواني الأصبهاني يوم عرفة وله تسعون سنة روى عن جده ابن أبي علي وعثمان البرجي وطبقتهما وكان ثقة
وفيها أبو الحسن ظاهر بن منور المعافري الشاطبي تلميذ أبي عمر بن عبد البر كان من أئمة هذا الشأن مع الورع والتقي والاسبحار في العلم وعده ابن ناصر الدين من الحفاظ المكثر الضابطين وقال هو أخو عبد الله زاهد زمانه وتوفي ظاهر في شعبان وله خمس وخمسون سنة
وفيها عبد الملك بن علي بن شغبة أبو القسم الأنصاري البصري الحافظ الراهد استشهد بالبصرة وكان يروي جملة من سنن أبي داود عن أبي عمر الهاشمي 372
أملى عدة مجالس وكان من العبادة والخشوع بمحل
وفيها أبو طاهر بن دات عبد الرحمن بن أحمد بن علك بن دات بدال المهملة يليها ألف ثم مثناة فوق الشاوي الحافظ إمام أهل الحديث بسمر قندي في زمانه قال ابن ناصر الدين
وفيها أبو نصر الكركانجي بالضم والسكون آخره جيم نسبة إلى كرناج وهي مدينة خوارزم محمد بن أحمد بن علي شيخ المقرئين بمرو ومسند الآفاق توفي في ذي الحجة وله أربع وتسعون سنة وكان إماما في علوم القرآن كثير التصانيف متين الديانة انتهى إليه علو الإسناد قرأ ببغداد علي أبي الحسن الحمامي وبحران على الشريف الزيدي وبمصر على إسماعيل بن عمر الحداد ودمشق والموصل وخراسان
وفيها أبو منصور المقومي بالضم والفتح وكسر الواو المشددة محمد بن الحسين بن الهيثم القزويني راوي سنن ابن ماجه عن القسم بن المنذر توفي فيها أو بعدها عن يضع وثمانين سنة
وفي رجب قاضي القضاة محمد بن عبد الله بن الحسين النيسابوري روى عن أبي بكر الحيري وجماعة قال عبد الغافر هو أفضل عصره في أصحاب أبي حنيفة وأعرفهم بالمذهب وأوجههم في المناظرة مع حظ وافر من الأدب والطب ولم تحمد سيرته في القضاء قاله في العبر
وفيها المعتصم محمد بن معن بن محمد بن صمادح أبو يحيى التيبي الأندلسي صاحب المرية توفي وجيش ابن تاشقين محاصرون له قال ابن بسام في الذخيرة كانت المعتصم وبين الله عند الحمام يد مشكورة فمات وليس بينه وبين حلول الفاقرة به إلا أيام يسيرة في سلطانه وبلده وبين أهله وولده حدثني من لا أراد خبره عن اروى بعض حظايا أبيه قالت أني لعنده وهو يرضي بشأنه وقد غلب على أكثر يده ولسانه ومعسكر أمير المؤمنين يعني يوسف بن تاشفين يومئذ 373
بحي نعد خيامهم ونسمع اختلاط أوصواتهم إذ سمعت وجبة من وجباتهم فقال لا اله الله تغض علينا كل شيء حتى الموت قالت أروى فدمعت عيني فدفعت عيني فلا انسى طرفاً إلى يرفعه وإنشاده لي بصوت لا أكاد أسمعه
( ترفق بدمعك لاتفنه
فبين يديك بكاء طويل )
انتهى كلام ابن بسام ومات المعتصم في أثر ذلك عند طلوع الشمس يوم الخميس ثاني عشرى ربيع الأول بالمرية ودفن في تربة له عند باب الخوخة .
سنة همس وثمانين وأربعمائة
فيها توفي أبو الفضل جعفر بن يحيى الحكام محدث مكة وكان متقناً حجة صالحاً ورى عن أبي ذر الهروي وطائفة وعاش سبعين سنة
وفيها نظام الملك الوزير أبو علي الحسن بن علي بن اسحق الطوسي قوام الدين كان من جلة الوزراء ذكره ابن السمعاني فقال كعبة المجد ومنبع الجود وكان مجلسه عامراً بالقراء والفقهاء أنشأ المدارس بالأمصار ورغب في العلم وأملى وحدث عاش ثمانياً وسبعين سنة أتاه شاب صوفي الشكل من الباطنية ليلة عاشر رمضان فناوله قصة ثم ضربه بسكين في صدره فقضى عليه فيقال أن ملكشاه دس عليه هذا والله أعلم
وقال ابن السمعاني أيضا في كتاب الأنساب في ترجمة الراذ كان إنها بليدة صغيرة بنواحي طوس قيل نظام الملك كان من نواحيها
وكان من أولاد الدهاقين واشتغل بالحديث والفقه ثم اتصل بخدمة علي بن شاذان المعتمد عليه بمدينة بلخ وكان يكتب له فكان يصادره في كل سنة فهرب منه وقدص داود بن ميكائيل بن سلجوق والدالسطان ألب أرسلان وظهر له منه النصح والمحبة فسله إلى ولده ألب أرسلان وقال اتخذه والداً لا تخالفه فيما يشير به فلما ملك ألب ارسلان دبر أمهر فأحسن التدبير وبقى في خدمته عشر سنين فلما مات ألب أرسلان وطد المملكة لولده ملكشاه فصار الأمر 374
كله لنظام الملك وليس للسلطان إلا التخت والصيد وأقام على هذا عشر سنين ودخل على الأمام المقتدى بالله فأذن له بالجلوس بين يديه وقال له يا حسن رضي الله عنك برضى أمير المؤمنين عنك وكان مجلسه عامراً بالفقهاء والصوفية كثير الأنعام على الصوفية وسئل عن سبب ذلك فقا لأتاني صوفي وأنا في خدمة بعض الأمراء فوعظني وقال اخدم من تنفعك خدمته ولا تشتغل بمن تأكله الكلاب غداً فلم أعلم معنى قوله فشرب ذلك الأمير من الغد وكانت له كلاب كالسباع تفترس الغرباء بالليل فغلبه السكر فخرج وحده فلم تعرفه الكلاب فمزقته فعلمت أن الرجل كوشف بذل كفأنا أخدم الصوفية لعلي اظفر بمثل ذلك وكان إذا سمع الاذان امسك عن جميع ما هو فيه وكان إذا قدم عليه إمام الحرمين والمام القشيري بالغ في اكرامهما وأجلسهما في مستنده وبنى المساجد والربط وهو أول من أنشأ المدارس فاقتدى به وسمع نظام الملك الحديث وأسمعه وكان يقول أني أعلم أني لست أهلاً لذلك ولكني أريد اربط نفسي في قطار النقلة لحديث رسول الله ويروي له من الشعر قوله
( بعد الثمانين ليس قوة
قد ذهبت شرة الصبوة )
( كأنني والعصا بكفي
موسى ولكن لا نبوة )
وكان ولادة نظام الملك يوم الجمعة حادي عشرى ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة بنوقان إحدى مدينتي طوس و توجه صحبة ملكشاه إلى اصبهان فلما كانت ليلة السبت عاشر رمضان افطر وركب في محفته فلما بلغ إلى قرية قريبة من نهاوند يقال لها سحنة قال هذا الموضع قتل فيه خلق كثير من الصحابة زمن عمر ابن الخطاب فطوبى لمن كان منهم فاعترضه صبي ديلمي على هيئة الصوفية معه قصة فدعا له وسأله تناولها في يده ليأخذها فضربه بسكين في فؤاده لحمل إلى مضربه فمات وقتل القاتل في الحال بعد أن هرب فعثر في طنب 375
حيمة فوقع وركب السلطان إلى معسكره فسكنهم وعزاهم وحمل إلى اصبهان فدفن بها وقيل أن السلطان دس عليه من قتله فإنه سئم طول حياته واستكثر ما بيده من الاقطاعات ولم يعش السطان بعده سوى خمسة وثلاثين يوماً فرحمه الله فلقد كان من حسنات الدهر ورثاه أبو الهيجاء البكري وكانت ختنه لان نظام الملك زوجة ابنته فقال
( كان الوزير نظام الملك لؤلؤة
نفيسة صاغها الرحمن من شرف )
( عزت فلم تعرف الأيام قيمتها
فردها غيرة منه إلى الصدف ) وقد قيل أنه قتل بسبب تاج الملك أبي الغنايم المرزبان بن خسرو فيروز المعروف بانب دارست فإنه كان عدو نظام الملك وكان كبير المنزلة عند مخدومه ملكشاه فلما قتل رتبه موضعه في الوزارة ثم أن غلمان نظام الملك وثبوا عليه فقتلوه وقطعوه اربا ارباً في ليلة الثلاثاء ثاني عشر المحرم سنة ست وثمانين وأربعمائة وعمزه سبع وأربعون سنة وهو الذي بنى على قبر الشيخ أبي اسحق الشيرازي قاله ابن خلكان
وفيها أبو عبد الله بن المرابط قاضي المرية وعالمها محمد بن خلف بن سعيد الاندلسي روى عن المهلب بن أبي صفرة جماعة وصنف شرحاً للبخاري وكان رأساً في مذهب مالك ارتحل الناس إليه توفي في شوال قاله في العبر
وفيها أبو بكر الشاشي محمد بن علي بن حامد شيخ الشافعية وصاحب الطريقة المشهورة والمصنفات المليحة درس مدة بغزنة ثم بهراة ونيسابور وحدث عن منصور الكاغدي وتفقه ببلاده على أبي بكر السنجي وعاش نيفاً وتسعين سنة وتوفي بهراة قال ابن قاضي شهبة ولد سنة سبع وتسعين وثلثمائة وتفقه في بلاده على السنجي وكان من انظر أهل زمانه استوطن غزنة وهي في أوائل الهند فأقبلوا عليه واكرموه وبعد صيته وحدث وصنف تصانيف كثيرة ثم استدعاه نظام الملك إلى هراة فشق على أهل غزنة مفارقته ولكن لم يجدوا أبدا من ذلك فجهزوه فولاه تدريس النظامية وتوفي في شوال انتهى 376
وفيها محمد بن عيسى بن فرح أبو عبد الله التجيبي المغامي بالضم نسبة إلى مغامة مدينة بالأندلس الطليطلي مقرئ الأندلس أخذ عن أبي عمرو الداني ومكى بن أبي طالب وجماعة واقرأ الناس مدة
وفيها أبو عبد الله البانياسي مالك بن أحمد بن علي بن الفراء البغدادي احترق في الحريق العظيم الذي وقع في هذه السنة ببغداد واحترق فيه من الناس عدد كثير وكان في جمادي الآخرة وتوفي وله سبع وثمانون سنة وهو آخر من حدث عن أبي الحسن بن الصلت المجبر وسمع من جماعة
وفيها السلطان ملكشاه أبو الفتح جلال الدولة بن السلطان ألب أرسلان محمد بن داود السلجوقي التركي تملك بلاد ما وراء النهر وبلاد الهياطلة وبلاد الروم والجزيرة والشام والعراق وخراسان وغير ذلك قال في العبر مبك من مدينة كاشغر الترك إلى بيت المقدس طولا ومن القسطنطينية وبلاد الخزر إلى نهر الهند عرضا وكان حسن السيرة محسنا إلى الرعية وكانوا يلقبونه بالسلطان العادل وكان ذا غرام بالعمائر والصيد مات في شوال بعد وزيره النظام بشهر فقيل انه سم في خلال ونقل في تابوت فدفن بأصبهان في مدرسة كبيرة له وقال ابن الأهدل كان مغرما بالصيد حتى قيل انه صاد بيده عشرة آلاف أو أكثر حتى بنى من حوافر الحمر وقرون الظباء منارة على طريق الحاج تعرف بمنارة القرون وتصدق عن كل نسمة صادها بدينار وقال إني أخاف الله سبحانه وتعالى من إزهاق النفوس بغير فائدة ولا مأكلة وكان المقتدر قد تزوج بابنته وكان السفير في زواجها الشيخ أبو اسحق وزفت إليه سنة ثمانين ورزق منها ولديه ولما مات السلطان لم يفعل به كسائر السلاطين ولم يحضر جنازته أحد ظاهرا ولم تقطع أذناب الخيل لأجله ولما مات ملكشاه سار أخوه تتش بتاءين فوقيتين وشين معجمة من الشام فالتقاه إبراهيم العقيليي في ثلاثين آلفا فأسر إبراهيم وقتل صبرا وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء وفي سنة أربع وثمانين 377
قدم السلطان ملكشاه بغداد وأمر بعمل جامع كبير بها وعمل الأمراء حوله دورا ينزلونها ثم رجع إلى أصبهان وعاد إلى بغداد في سنة خمس وثمانين عازما على الشر وأرسل إلى الخليفة يقول لا بد أن تترك لي بغداد وتذهب إلى أي بلد شئت فانزعج الخليفة وقال أمهلني ولو شهرا قال ولا ساعة واحدة فأرسل الخليفة إلى وزراء السلطان يطلب المهلة عشرة أيام فاتفق مرض السلطان وموته وعد ذلك كرامة للخليفة وقيل أن الخليفة جعل يصوم فإذا أفطر جلس على الرماد ودعا على ملكشاه فاستجاب الله دعاءه وذهب إلى حيث ألقت ولما مات كتمت زوجته تركان موته وأرسلت إلى الأمراء سرا فاستحلفهم لولده محمود وهو ابن خمس سنين فحلفوا له وأرسلت إلى المقتدي في أن يسلطنه فأجاب ولقبه ناصر الدنيا والدين ثم خرج عليه أخوه بركياروق بن ملكلشاه فقلده الخليفة ولقبه بركن الدين وذلك في محرم سنة سبع وثمانين وعلم الخليفة على تقليده ثم مات الخليفة من الغد فجأة انتهى كلام السيوطي
سنة ست وثمانين وأربعمائة
فيها توفي حمد بن أحمد بن الحسن أبو الفضل الاصبهاني الحداد روى ببغداد وأصبهان عن علي بن ما شاذه وطائفة وروى الحلية ببغداد وتوفي في جمادي الأولى
وفيها الملنجي بالكسر نسبة إلى ملنجة بلد بأصبهان سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان الأصبهاني الحافظ قال السمعاني جمع وصنف وخرج على الصحيحين وروى عن محمد بن إبراهيم الجرجاني وأبي بكر بن مردويه وخلق ولقى ببغداد أبا بكر المنقي وطبقته وتكلم فيه ابن منده وهو مقبول لأنه قد قبله عدة وقال ابن ناصر الدين في بديعته
( الأصبهاني ذا الملنجي المكثر
تكملوا فيه وقوى الأكثر ) 378
وتوفي في ذي القعدة عن تسع وثمانين سنة وشهرين
وفيها أبو الضفل الدقاق عبد الله بن علي بن أحمد بن محمد بن زكري البغدادي الكاتب روى عن الحسين بن بشران وغيره وكان صالحا ثقة
وفيها الشيخ أبو الفرج الشيرازي الحنبلي عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد الشيرازي ثم المقدسي ثم الدمشقي الفقيه الزاهد الأنصاري السعدي العبادي الخزرجي شيخ الشام في وقته الواعظ الفقيه القدوة سمع بدمشق من أبي الحسن بن السمسار وأبي عثمان الصابوني وتفقه ببغداد زمانا على القاضي أبي يعلي ونشر بالشام مذهب أحمد وتخرج به الأصحاب وكان اماماً عارفاً بالفقه والأصول صاحب حال وعبادة وتأله وكان تتش صاحب الشام يعظمه لأنه كاشفه مرة وذلك أنه دعاه أخو السلطان وهو ببغداد فرعب وسأل أبا الفرج الدعاء له فقال لا تراه ولا تجتمع به فقال له تتش هو مقيم ببغداد ولا بد من المصير إليه فقال له لا تراه فعجب من ذلك وبلغ هيت فجاءه الخبر بوفاة السلطان ببغداد فعاد إلى دمشق وزادت حشمة أبي الفرج عنده ومنزلته لديه قال ابن رجب وكان أبو الفرج ناصراً لاعتقادنا متجرداً في نشره مبطلاً لتأويلات أخبار الصفات وله تصنيف في الفقه والوعظ الأصول ومات في مجلس وعظه شخص لوقع وعظه في القلوب ولاخلاصه وقال أبو يعلي بن القلانسي في تاريخه شخص لوقع وعظه في القلوب ولاخلاصه وقال أبو يعلي بن القلانسي في تاريخه كان وافر العلم متين الدين حسن المواعظ محمود السمت توفي يوم الأحد ثامن عرى ذي الحجة بدمشق ودفن بمقبرة الباب الصغير وقبره مشهور يزار وله ذرية فيهم كثير من العلماء يعرفون ببيت ابن الحنبلي وفيها أبو القسم عبد الواحد بن علي بن محمد بن فهد العلاف البغدادي الرجل الصالح روى عن أبي الفتح بن أبي الفوارس وأبي الفرج الغوري وبه ختم حديثهما وكان ثقة مأموناً خيراً وفيها شيخ الإسلام الهكاري أبو الحسن علي بن احمد بن يوسف الأموي 379
من ذرية عتبة بن أبي سفيان بن حرب وكان زاهداً عابداً ربانياً ذا وقار وهيبة واتباع ومريدين رحل في الحديث وسمع ابن نظيف الفرا وأبا القسم بن بشران قال ابن ناصر توفي في أول السنة وقال ابن عساكر لم يكن موثقاً في روايته وقال الذهبي ولد سنة تسع وأربعمائة
وفيها أبو الحسن الانباري علي بن محمد بن محمد بن الأخضر الخطيب في شوال عن أربع وتسعين وكان آخر من حدث عن أبي احمد الفرضي وسمع أيضا من أبي عمر بن مهدي وطائفة وتفقه لأبي حنيفة وكان ثقة نبيلاً عالي الإسناد
وفيها أبو المظفر موسى بن عمران الأنصاري النيسابوري مسند خراسان في ربيع الأول وله ثمان وتسعون سنة روى عن أبي الحسن العلوي والحاكم وكان من كبار الصوفية
وفيها أبو الفتح نصر بن الحسن السكشي بكسر السين الهملة والكاف ومعجمة نسبة إلى سكة سكش بنيسابور الشاشي نزيل سمرقند وله ثمانون سنة روى صحيح مسلم عن عبد الغافر وسمع بمصر من الطفال وجماعة ودخل الأندلس للتجارة فحدث بها وكان ثقة . وفيها هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي أبو القسم الحافظ محدث جوال سمع بخراسان والعراق وفارس واليمين ومصر والشام وحدث عن احمد بن عبد الباقي بن طوق وأبي جعفر بن المسلمة وطبقتهما ومات كهلاً وكان صوفياً صالحاً متقشفاً
سنة سبع وثمانين وأربعمائة
فيها توفي أبو بكر بن خلف الشيرازي ثم النيسابوري مسند خراسان أحمد ابن علي بن عبد الله بن عمر بن خلف روى عن الحاكم وعبد الله بن يوسف 380
وطائفة قال عبد الغافر هو شيخنا الأديب المحدث المتقن الصحيح السماع ما رأينا شيخاً أروع منه ولا أشد اتقاناً توفي في ربيع الأول وقد نيف على التسعين
وفيه أقسنقر قسيم الدولة أبو الفتح مولى ملكشاه السلطان وقيل هو لصيق به وقيل اسم أبيه آل ترعان لما افتتح ملكشاه حلب استناب عليها اق سنقر في سنة ثمانين وأربعمائة فأحسن اسياسة وضبط الأمور وتتبع المفسدين حتى صار دخله كل يوم الفاً وخمسمائة دينار رأس في المصاف ثم قتل ذبحه تتش صبراً ودفن هناك ثم نقله ولده الاتابك زنكي فدفنه بالمدرسة الزجاجية داخل حلب
وفيها أبو نصر الحسن بن أسد الفارقي الأديب صاحب النظم والنثر وله الكتاب المعروف في الالغاز توثب بميافارقين على الأمرة ونزل بقصر الامارة وحكم أياماً ضعف وهرب ثم قبض عليه وشنق
وفيها المقتدى بالله أبو القسم عبد الله بن الأمير ذخيرة الدين محمد بن القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله احمد بن الأمير اسحق بن المقتدر العباسي بويع بالخلافة بعد جده في ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وله تسع عشرة سنة وثلاثة اشهر قال السيوطي في تاريخ الخلفاء مات أبوه في حياة القائم وهو حمل فولد بعد وفاة أبيه بستة اشهر وأمه أم ولد اسمها ارجوان وبويع له بالخلافة عند موت جده وكانت البيعة بحضرة الشيخ أبي اسحق الشيرازي وابن الصباغ والدامغاني وظهر في أيامه خيرات كثيرة وآثار حسنة في البلدان وكانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة وافرة الحرمة بخلاف من تقدمه ومن محاسنه انه نفي المغنيات والحواظي ببغداد وأمر أن لا يدخل أحمد الحمام إلا بمئزر وخرب ابراج الحمام صيانة لحرم الناس وكان ديناً خيراً قوى النفس عالي الهمة من نحباء بني العباس انتهى
ومات فجأة في ثامن عشر المحرم عن تسع وثلاثين سنة وبويع بعده ابنه المستظهر بالله احمد وقيل أن جاريته سمته وقال ابن الجوزي 381
في الشذور توفي المقتدي وكان أصح ما كان بينما هو جالس قال لقهر مانته من هؤلاء الأشخاص الذين قد دخلوا علينا بلا إذن فالتفتت فلم تر أحدا فسقط إلى الأرض ميتا
وفيها الحسن بن عبد الملك بن الحسين بن علي بن موسى بن عمران بن اسرافيل النسفي الحافظ حصل العالي من الإسناد قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو القسم بن أبي العلاء المصيمي علي بن محمد بن علي بن أحمد قال الاسنوي كان فقيها فرضيا تفقه على القاضي أبي الطيب وروى الحديث عن جماعة بمصر والشام والعراق واستوطن دمشق ومات بها وروى عنه جماعة وأصله من المصيصة وولد بمصر في رجب سنة ألاربع وأربعمائة ومات في جمادي الآخرة ودفن بمقابر باب الفراديس قال الذهبي كان فقيها ثقة
وفيها ابن ماكولا الحافظ الكبير الأمام أبو نصر علي بن هبة الله بن علي ابن جعفر بن علي بن محمد بن دلف بن الأمير الجواد أبي دلف القسم بن عيسى العجلي الأمير سعد الملك أبو نصر بن ماكولا أصله من جرباذقان من نواحي أصبهان فهو الجرباذقاني ثم البغدادي النسابة صاحب التصانيف ولم يكن ببغداد بعد الخطيب احفظ منه ولد بعكبرا سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وزر أبوه للقائم بأمر الله وتولي عمه عبد الله قضاء القضاة وسمع هو من أبي طالب بن غيلان وطبقته قال الحميجي ما راجعت الخطيب في شيء إلا وأحالني على الكتاب وقال حتى أكشفه وما راجعت ابن ماكولا إلا وأجابني حفظا كأنه يقرأ من كتاب وقال ابن السمعاني كأن لبيبا عارفا ونحويا مجودا وشاعرا مبرزا وقال الذهبي اختلف في وفاته على أقوال وقال ابن خلكان للامير أبي نصر المذكور كتاب الاكمال وهو في غاية الافادة في رفع الالتباس والضبط والتقييد وعليهه اعتماد المحدثين وأرباب هذا الشأن فأنه لم يوضع مثله في المؤلف والمختلف ومشتبه النسب وهو في غاية الإحسان 382
وما يحتاج الأمير المذكور مع هذا الكتاب إلى فضيلة أخرى ففيه دلالة على كثرة إطلاعه وضبطه واتقانه ومن الشعر المنسوب إليه
( قوض خيامك عن أرض تهان بها
وجانب الذل أن الذل يجتنب )
( وأرحل إذا كان في الأوطان منقصة
فالمندل الرطب في أوطانه حطب )
وكانت ولادته في عبكرا في خامس شعبان سنة إحدى وعشرين وأربعمائة وقتله غلمانه بجرجان وقيل بخوزستان وقيل بالأهواز قال الحميدي خرج إلى خراسان ومعه غلمان له ترك فقتلوه بجرجان وأخذوا ماله وهربوا وطاح دمه هدرا رحمه الله
وفيها أبو عامر الازدي القاضي محمود بن القاسم بن القاضي أبي منصور محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد المهلبي الهروي الفقيه الشافهي راوي جامع الترمذي عن الجراحي قال أبو نصر الفامي هو عديم النظير زاهدا وصلاحا وعفه ولد سنة أربعمائة وتوفي في جمادي الآخرة
وفيها المستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر علي بن الحاكم بأمر الله منصور ابن العزيز بن المعز العبيدي الرافضي صاحب مصر وكانت أيامه ستين سنة وأربعة أشهر وقد خطب له ببغداد في سنة إحدى وخمسين ومات في ذي الحجة عن ثمان وستين سنة وبويع بعده ابنه المستعلى قاله في الهبر
وقال ابن خلكان اتفق للمستنصر هذا أمور لم تتفق لغيره وسردها منها انه أقام في الأمر سنين سنة وهذا شيء لم يبلغه أحد من أهل بيته ولا من بني العباس ومنها انه ولى وهوابن سبع سنين ومنها انه حدث في أيامه الغلاء العظيم الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف عليه السلام وأقام سبع سنين وأكل الناس بعضهم بعضا وكانت ولادته صبيحة يوم الثلاثاء سابع عشر جمادي الآخرة سنة عشرين وأربعمائة وتوفي في ليلة الخميس ثامن عشر ذي الحجة وهذه الليلة تسمى عيد الغدير أعني غدير خم بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم اسم مكان 383
بين مكة والمدينة فيه غدير ماء يقال انه غيض هناك فلما رجع النبي من حجة الوداع ووصل إلى هذا المكان وآخى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال ( على منى كهرون من موسى اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ) وللشيعة فيه تعلق كبير وهذا المكان موصوف بكثرة الوخامة وشدة الحمى
انتهى ملخاصا ويقال انه لم قدم المدينة توخمت على أصحابه فأنها كانت من أكثر بلاد الله تعالى حمى فأمر الحمى نا تخرج من المدينة إلى خم وحي يقال أن أكثر اله خم لم يتجاوزوا الحلم لكثرة الحمى بها وحتى انه قل م يمر بها ولا يحم
سنة ثمان وثمانين وأربعمائة
فيها قدن الأمام الغزالي دمشق متزهدا وصنف الأحياء واسمعه بدمشق وأقام بها سنتين ثم حج ورد إلى وطنه
وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون البغدادي الحافظ في رجب عن اثنتين وثمانين سنة وشهر روى عن أبي علي بن شاذان والبرقاني وطبقتهما وكتب مالا يوصف وكان ثقة ثبتا صاحب حديث قال أبو منصور ابن خيرون كتب عمي عن أبي علي بن شاذان ألف جزء وقال السلفي كان يحيى ابن معين وقته رحمه الله
وفيها أمير الجيوش بدر الأرمني ولي أمرة دمشق في سنة خمس وخمسين وأربعمائة وانفصل بعد عام ثم وليها والشام كله في سنة ثمان وخمسين ثم سار إلى الديار والمصرية والمستنصر في غاية الضعف فشيد دولته وتصرف في الممالك وولى وزارة السيف والقلم وامتدت أيامه ولما أيس منه ولى الأمر بعده ابنه الأفضل وتوفي في ذي القعدة 384
وفيها تتش السلطان تاج الدولة أبو سعيد بن السلطان ألب أرسلان بن داود بن مكائيل ابن سلجوقي التركي السلجوقي كان شهما شجاعا مقداما فاتكا واسع الممالك كاد أن يستولي على ممالك أخيه ملكشاه قتل بنواحي الري وتملك بعده ابناه بحلب ودمشق
وفيها رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحرث الأمام أبو محمد التميمي البغدادي الفقيه الواعظ شيخ النابلة قرأ القرآن على أبي الحسن الحمامي وتقدم في الفقه والأصول والتفسير والعربية واللغة وحدث عن أبي الحسين ابن المتيم وأبي مر بن مهدي والكبار وتوفي في نصف جمادي الأولى عن ثمان وثمانين سنة قال أبو علي بن سكرة قرأت عليه ختمة لقالون وكان كبير بغداد وجليلها وكان يقال كل الطوائف تدعيني قاله في العبر وقال ابن عقيل في فنونه ومن كبار مشايخى أبو محمد التميمي شيخ زمانه كان حسنه العالم وما شطة بغداد وقال كان سيد الجماعة من أصحاب أحمد بيتا ورياسة وحشمة أبو محمد التميمي وكان احلى الناس عبارة في النظر وأجراهم قلما في الفتيا وأحسنهم وعظا
وفيها يعقوب بن إبراهيم بن أحمد بن سطور العبكري البرزبيني بفتح الباء الموحدة أوله والزاي ثالثة ثم باء موحدة مكسورة وتحتية نسبة إلى برزبين قرية ببغداد القاضي أبو علي قاص باب الأزج قدم بغداد بعد الثلاثين والأربعمائة وسمع الحديث من أبي اسحق البرمكي وتفقه على القاضي أبي يعلى حتى برع في الفقه ودرس في حياته وشهد عند الدامغاني هو والشريف أبو جعفر في يوم واحد سنة ثلاث وخمسين وزكاهما شيخهما القاضي وتولى يعقوب القضاء بباب الأزج والشهادة سنة اثنتين وسبعين ثم عزل نفسه عنهما ثم عاد إليهما سنة ثمان وسبعين واستمرا لي موته وكان ذا معفرفة تامة بأحكام القضاء وانفاذ السجلات متعففا في القضاء متشددا في السنة وقال ابن عقيل كان أعرف قضاة الوقت بأحكام 385
القضاء والشروط وله المقامات المشهودة بالديوان حتى يقال انه كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة من الصحابة في معرفة الرأي وذكره ابن السمعاني فقال كانت له يد قوية في القرآن والحديث والمحاضرة قرأ عليه عامة الحنابلة ببغداد وانتفعوا به وكان حسن السيرة جميل الطريقة
وفيها أبو يوسف القزويني عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار شيخ المعتزلة وصاحب التفسير الكبير الذي هو أزيد من ثلثمائة مجلد درس شيخ علي القاضي عبد الجبار بالري وسمع منه ومن أبي عمر بن مهدي الفارسي وتنقل في البلاد ودخل مصر وكان صاحب كتب كثيرة وذكاء مفرط وتبحر في المعارف وإطلاع كثير إلا انه كان داعية إلى الاعتزال مات في ذب القعدة وله خمس وتسعون سنة وأشهر
وفيها أبو الحسن الحصري المقرئ الشاعر نزيل سبته علي بن عبد الغني الفهري وكان مقرئا محققا وشاعرا مفلقا مدح ملوكا ووزراء وكان ضريرا قال ابن بسام في حقه كان بحرت براعة ورأس صناعة وزعيم جماعه طرأ على جزيرة الأندلس منتصف المائة الخامسة من الهجرة بعد خراب وطنه من القيروان والأدب يومئذ بأفقنا نافق السوق معمور الطريق فتهادته ملوك طوائفها تهادى الرياض بالنسيم وتنافسوا فيه تنافس الديار في الأنس المقيم على إنه كان فيما بلغني ضيق العطن مشهور اللسن يتفلت إلى الهجاء تلفت الظمآن إلى الماء ولكنه طوى الطوائف بأفقنا اشتملت عليه مدينة طنجة وقد ضاقت ذرعه وتراجع طبعه وقال ابن خلكان وهذا أبو الحسن أي صاحب الترجمة ابن خالة أبي اسحق الحصري صاحب زهر الآداب وذكر ابن بشكوال في كتاب الصلة والحميدي أيضا وقال كان عالما بالقراءات وطرقها وأقرأ الناس 386
القرآن الكريم بسبته وغيرها وله قصيدة في قراءة نافع عدد ابياتها مائتان وتسعة وله
ديوان شعر فمن قصائده التي أولها
( ياليل الصب متى غده
أقيام الساعة موعده )
( رقد السماء فأرقه
أسف للبين يردده )
وله أيضا
( أقول له وقد حيا بكاس
لها من مسك ريقته ختام )
( أمن خديك تعصر قال كلا
متى عصرت من الورد المدام )
ولما كان بمدينة طنجة أرسل غلامه إلى المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية وأسمها في بلادهم حمص فأبطأ عنه وبلغه أن المعتمد ما احتفل به فقال
( نبه الركب الهجوعا
ولم الدهر الفجوعا )
( حمص الجنة قالت
لغلامي لا رجوعا )
( رحم الله غلامي
مات في الجنة جوعا )
وقد التزم في هذه الأبيات لزوم مالا يلزم رحمه الله تعالى
وفيها المعتمد على الله أبو القسم محمد ب المعتضد عباد بن القاضي محمد بن اسمعيل اللخمي الاندلسي صاحب الأندلس كان ملكيا جليلا وعالما ذكيا وشاعرا محسنا وبطلا شجاعا وجوادا ممدحا كان بابه محط الرحال وكعبة الآمال وشعره في الذروة العليا ملك من الأندلس من المدائن والحصون والمعاقل مئة وثلاثين سورا وبقى في المملكة نيفا وعشرين سنة وقبض عليه أمير المسلمين بعد أربع وستين سنة وخلع من مملكه عن ثمانمائة سرية ومائة وسبعين ولدا وكان راتبه في اليوم ثمانمائة رطل لحم قاله جميعه في العبر وقال ابن خلكان جعل خواص الأمير يوسف بن تاشفين يعظمون عنده بلاد الأندلس لأنهم كانوا بمراكش وهي 387
بلاد بربر وأجلاف العربان فجعلوا يحسنون له أخذ الأندلس ويوغرون قلبه على المعتمد بأشيائ نقلوها عنه فتغير عليه وقصده فلما انتهى إلى سبتة جهز إليه العساكر وقدم عليها سيرين بن أبي بكر الاندلسي فوصل إلى إشبيلية وبها المعتد فحاصره أشد محاصرة وظهر من مصابرة المعتمد وشدة بأشه وتراميه على الموت بنفسه ما لم يسمع بمثله والناس بالبلد دق استولى عليهم الفزع وخامرهم الجزع يقطعون سبلها سياحه ويخوضون نهرها سباحه ويترامون من شرفات الأسوار فلما كان يوم الأحد عشرى رجب سنة أربع وثمانين هجم عسكر الأمير يوسف البلد وشنوا فيه الغارات ولم يتركوا أحد شيئا وخرج الناس من منازلهم يسترون عوراتهم بأيديهم وقبض على المعتمد وأهله وكان قد قتل له ولدان قبل ذلك أحدهما المأمون كان ينوب عن والده في قرطبة فحصروه بها إلى أن أخذوه وقتلوه والثاني الراضي كان أيضا نائبا عن أبيه في رندة وهي من الحصون الممنتنعة فنازلوها وأخذوها وقتلوا الراضي ولأبيهما المعتمد فيهما مراث كثيرة وبعد ذلك جرى بإشبيلية على المعتمد ما ذكرناه ولما أخذ المعتمد قيدوه من ساعته وجعل مع أهله في سفينة قال ابن خاقان في قلائد العقيان ثم جمع هو وأهله وحملتهم الجواري المنشآت وضمتهم كأنهم أموات بعد أم ضاق عنهم القصر وراق منهم العصر والناس قد حشروا بضفتي الوادي وبكوا بدموع الغوادي فساروا والنوح يحدهم والبوح باللوعة لا يعدوهم وفي ذلك يقول ابن اللبانة
( تبكي السماء بدمع رائح غاد
على البهاليل من أبناء عباد )
( يا ضيف أقفر بيت المكرمات فخذ
في ضم رحلك واجمع فضلة الزاد )
وقال في هذه الحال وصفتها ابن حمد يس الصقلي
( ولما رحلتم بالندى في أكفكم
وقلقل رضوى منكم وثبير )
( رفعت لسان بالقيامة قد دنت
فهذي الجبال الراسيات تسير ) 388
وهي أبيات كثيرة وتألم المعتمد يوما من قيده وضيقه وثقله فأنشد
( تبدلت من ظل عز البنود
بذل الحديد وثقل القيود )
( وكان حديدي سنانا ذليقا
وعضبا رقيقا صقيل الحديد )
( وقد صاز ذاك وذا أدهما
يعضض ساقي عض الأسود )
ثم انهم حملوه إلى الأمير يوسف بمراكش فأمر بإرسال المعتمد إلى مدينة اغمات واعتقله بها فلم يخرج إلى الممات قال ابن خاقان ولما أجلى عن بلاده وأعرى من طارفه وتلاده وحمل في السفين وأحل في العدوة محل الدفين تندبه منابره وأعواده ولا تدنوا منه زواره لا عواده بقي آسفا تصعد زفراته وتذكر منازله فشاقته وتصور بهجتها وتخيل استيحاش أوطانه واجهاش قصره إلى قطانه وتطرد إطراد المذاب عبراته لا يخلو بمؤانس ولا يرى إلا غريبا بدلا عن تلك المكانس ولما لم يجد سلوا ولم يؤمل دنوا ولم يروجه مسرة مجلوا تذكر منازله ورأى اظلام وجوه من أقماره وخلوه م حراسه وسماره وفي اعتقاله يقول أبو بكر الداني قصيدته المشورة التي أولها
( لكل شيء من الاشياء ميقات
وللمنى من مناياهن غايات )
( والدهر في صبغة الحرباء منغمس
ألوان حالاته فيها استحالات )
( ونحن من لعب الشطرنج في يده وربما قمرت بالبيدق الشات )
انفض يديك من الدنيا وساكنها
فالأرض قد اقفزت والناس قد ماتوا )
( وقل لعلها الأرضي قد كتمت
سريرة العالم العلوي أغمات )
وهي طويلة ودخل عليه يوما بناته السجن وكان يوم عيد وكن يغزلن للناس بالأجرة في أغمات حتى أن أحداهن غزلت لبيت صاحب الشرطة الذي كان في خدمة أبيها وهو في سلطانه فرآهن في إطمار رثة وحالة سيئة فصدعن قلبه وأنشد
( فيما مضى كنت بالأعياد مسروا
فساءك العيد في أغمات مأسورا ) 389
( ترى بناتك في الاطمار جائعة
يغزلن للناس لا يملكن قمطيرا )
( يرزن نحوك للتسليم خاشعة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا )
( يطأن في الطين والأقدام حافية
كأنها تطأ مسكا وكافورا )
ومنها
( قد كان دهرك أن تأمره ممتثلا
فردك الدهر منهيا ومأمورا )
( من بات بعدك في دهر يسر به
فإنما بات بالأحلام مغرورا )
وله
( قالت لقد هنا هنا
مولاي أين جاهنا )
( قلت لها إلى هنا
صيرنا آلهنا )
ودخل عليه وهو في تلك الحال ولده أبو هاشم والقيود قد عضت بساقيه عض الأسود والتوت عليه التواء الاساور السود وهو لا يطيق أعمال قدم ولا يريق دمعا إلا ممتزجا بدم بعد ما عهد نفسه فوق منبر وسرير ووسط جنة وحرير تخفق عليه الألوية وتشرق منه إلا نديه فلما رآه بكى وأنشد
( قيدي أما تعملني مسلما
أبيت أن تشفق أو ترحما )
( دمي شراب لك واللحم قد
أكلته لا تهشم الأعظما )
( يبصرني فيك أبو هاشم
فينثني والقلب قد هشما )
( أرحم طفيلا طائشا لبه
لم يخش أن يأتيك مسترحما )
( وأرحم أخيات له مثله
جرعتهن السم والعلقما )
( منهن من يفهم شيئا فقد
خفنا عليه للبكاء العمى ) 3 ( والغير لا يغهم شيئا فما
يفتح إلا للرضاع الفما )
وكان قد اجتمع عنده جماعة من الشعراء وألحوا عليه في السؤال وهو على تلك الحال فأنشد
( سألوا اليسير من الأسير وإنه
بسؤالهم لأحق منهم فاعجب ) 390
لولا الحياء وعزة لخمية
طي الحشا لحاكهم في المطلب )
وأشعار المعتمد وأشعار الناس فيه كثيرة وكانت ولادته في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة بمدينة باجة من بلاد الأندلس وملك بعد وفاة أبيه هناك وتوفي في السجن باغمات حادي عشر شوال وقيل في الحجة رحمه الله ومن النادر الغريب انه نودى في جنازته بالصلاة على الغريب بعد عظم سلطانه وجلالة وشبأنه فتبارك من له البقاء والعزة والكبرياء واجتمع عند قبره جماعة من الشعراء الذين كانوا يقصدونه بالمدائح ويجزل لهم المنائح فرثوه بقصائد مطولات وأنشدوها عند قبره وبكوا عليه فمنهم أبو بحر عبد الصمد شاعره المختص به رثاه بقصيدة طويلة أجاد فيها أولها
( ملك الملوك أسامع فأنادي
أم عدتك من السماع عواد )
( لما نقلت عن القصور ولم تكن
فيها كما قد كنت بالأعياد )
( قبلت في هذا الثرى لك خاضعا
وجعلت قبرك موضع الإنشاد )
ولما فرغ من إنشادها قبل الثرى ومرغ جسمه وعفر خده فابكى كل من حضر ورأى أبو بكر الداني حفيد المعتمد وهو غلام وسيم قد اتخذ الصياغة صناعة وكان يلقب في أيام دولتهم فخر الدولة وهو من الألقاب السلطانية عندهم فنظر إليه وهو ينفخ في الفحم بقصبة الصائغ فقال من جملة قصيدة
( شكاتنا فيك يا فخر العلى عظمت
والرزء يعظم فيمن قدره عظما )
( طوقت من نائبات الدهر مخنقة
ضاقت عليك وكم طوقتنان نعما )
( وعاد طوقك في دكان فارغة
من بعدما كنت في قصر حكى أرما )
( صرفت في آلة الصياغ أنملة
لم تدر إلا الندى والسيف والقلما )
( يد عهدتك للتقبيل تبسطها
فتستقل الثريا أن تكون فما )
( يا صائغا كانت العليا تصاغ له
حليا وكان عليه الحلي منتظما )
( للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى
أني رايتك فيه تنفخ الفحما ) 391
( وددت أن نظرت عيني إليك به
لو أن عيني تشكو قبل ذاك عمى )
( ما حطك الدهر لما حط عن شرف
ولا تحيف من أخلاقك الكرما )
( لح في العلا كوكبا أن لم تلح قمرا
وقم بها ربوة أن لم تقم علما )
( والله لو أنصفت الشهب لانكسفت
ولو في لك دمع العين لانسجما )
( أبكى حديثك حتى الدهر حين غدا
يحيك رهطا وألفاظا ومتبسما )
ويكفي هذا المقدار ولو خوف الإطالة لبيضت الليالي بلآلي نظامه ولسودت سطور الطروص بمصابه ونكبة أيامه فرحمه الله عليه وعوضه بنعيم الفردوس لديه
وفيها محمد بن علي بن أبي صالح البغوي الدباس آخر من روى الترمذي عن الجراحي توفي بيشفور في ذي القعدة وكان من الفقهاء
وفيها قاضي القضاة المشامي أبو بكر محمد بن المظفر بن بكران الحموي الشافعي كان من أزهد القضاة وأروعهم وأتقاهم الله وأعرفهم بالمذهب وده بحماة سنة أربعمائة وسمع ببغداد من عثمان بن دوست وطائفة وولى بعد أبي عبد الله الدامغاني وكان من أصحاب القاضي أبي الطيب الطبري لم يأخذ على القضاء رزقا ولا غير ملبسه ولي القضاء سنة ثمان وسبعين بعدما ما امتنع فألحوا عليه فاشترط عليهم أن لا يأخذ عليه معلوما وان لا يقبل من أحد شفاعة ولا يغير ملبسه فأجابوه فأجابهم إلى ذلك وكان يقول ما دخلت في القضاء حتى وجب علي وقيل انه لم يتسبم قط وكان له أجور من أملاكه تبلغ في الشهر دينارا ونصفا ينتفع بذلك قال أبو علي بن سكرة أما العلم فكان يقال لو رفع المذهب أمكنه أن يمليه من صدره وقال السمعاني هو أحد المتقين لمذهب الشافعي وله إطلاع على أسرار الفقه وكان ورعا زاهد أجرت أحكامه على السداد وقال ابن النجار صنف كتاب البيان في أصول الدين وكان على طريقة السلف وقال غيره لم يقبل من سلطان عطية ولا من صديقه هدية وكان يعاب بالحدة وسوء الخلق توفي عاشر شعبان 392
ودفن قرب ابن سريج
وفيها أبو عبد الله الحميدي محمد بن فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن بطل الميورقي بفتح الميم وضم التحتية وسكون الراء وقاف نسبة إلى ميورقة جزيرة قرب الأندلس الحافظ الجة العلامة مؤلف الجمع بين الصحيحين توفي في ذي الحجة عن نحو سبعين سنة وكان أحد أوعية العلم وكان ظاهري المذهب أكثر من ابن حزم وابن عبد البر وحدث عن خلق ورحل في حدود الخمسين فسمع بالقيروان والحجاز ومصر والشام والعراق وكتب عن خلق كثير وكان دؤبا على الطلب للعلم كثير الاطلاع ذكيا فطنا صينا ورعا أخباريا متقنا كثير التصانيف حجة ثقة رحمه الله تعالى
وفيها محبب بن ميمون أبو سهل الواسطي ثم الهروي روى عن أبي علي الخالدي وجماعة وعاش بضعا وتسعين سنة
وفيها هبة الله بن علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عمر أبو نصر البغدادي الحافظ سمع وألف وجمع وصنف ومات كهلا عن ست وأربعين سنة
سنة تسع وثمانين وأربعمائة
فيها توفي أبو طاهر أحمد بن الحسن بن أحمد الباقلاني الكرخي ثم البغدادي توفي في ربيع الآخر وله ثلاث وسبعون سنة تفرد بسنن سعيد بن منصور علي أبي علي بن شاذان وكان صالحا زاهدا منقضبا عن الناس ثقة حسن السيرة
وفيها أبو منصور الشيحي عبد المحسنبن محمد بن علي البغدادي المحدث التاجر السفار روى عن ابن غيلان والعتيقي وطبقتهما ولد سنة إحدى وعشر وسمع بدمشق ومصر والرحبة وكتب وحصل الأصول
وفيها عبد الملك بن سراج أبو مروان الأموي مولاهم القرطبي لغوي الأندلس بلا مدافعة توفي في ذي الحجة عن تسعين روى عن يونس بن 393
مغيث ومكي بن أبي طالب وطائفة وكان أحد أوعية العلم
وفيها أبو عبد الله الثفي القسم بن الضفل بن أحمد رئيس أصبهان ومسندها عن اثنتين وتسعين سنة روى عن محمد بن إبراهيم الجرجاني وابن محمش وطبقتهما بإصبهان وبنيسابور وبغداد والحجاز
وفيها أبو بكر بن الخاضبة محمد بن أحمد بن عبد الباقي البغدادي الحافظ مفيد بغداد روى عن أبي بكر الخطيب وابن المسلمة وطبقتهما ورحل إلى الشام وسمع طائفة كان كبير القدر نقادا علامة محببا إلى الناس ملهم لدينه وتواضعه ومروءته ومسارعته في قضاء حوائج الناس مع الصدق والورع والصيانة التامة وطيب القراءة قال ابن طاهر ما كان في الدنيا أحد أحسن قراءة للحديث منه وقال أبو الحسن الفصيحي ما رأيت في الحديثين أقوام باللغة من ابن الخاضبة توفي في ربيع الأول
وفيها أبو القسم بن مظفر الشهرزورى ولي قضاء أر بل ثم سيحان وله أولاد وحفدة انجبوا ومن شعره
( همتي دونها السها والزبانا
قد علت جهدها فما تتواني )
وقيل انه لولده قاضي قاضي الخافقين وقيل له قاضي الخافقين لسعة ما تولى وشهرزور من أعمال اربل مات بها الاسكندر ذو القرنين وقيل مات بمدائن كسرى وحمل إلى الإسكندرية فدفن عنه أمه والله أعلم
وفيها الأمام العلامة أبو المظفر السمعاني منصور بن محمد التميمي المروزي الحنفي ثم الشافعي تفقه على والده وغيهر وكان إماما وقته وفي مذهب أبي حنيفة فلما حج ظهر له بالحجاز ما اقتضى انتقاله إلى مذهب الشافعي ولما عاد إلى مرو لقي أذى عظيما بسبب انتقاله وصنف في مذهب الشافهي كتبا كثيرة وصنف في الرد على المخالفين وله الطبقات أجاد فيه وأحسن وله تفسير جيد حسن وجمع في الحديث ألف جزء عن مائة شيخ وسمعان بطن من تميم ويجوز 394
كسر السين
وفيها أبو عبد الله العميري مكبرا نسبة إلى عميرة بطن من ربيعة محمد بن علي بن محمد الهروي العبد الصالح توفي في المحرم وله إحدى وتسعون سنة وأول سماعه سنة سبع وأربعمائة وقد رحل إلى نيسابور وبغداد وروى عن أبي بكر الحيري وطبقته وكان من أولياء الله تعالى قال الدقاق ليس له نظير بهراة وقال أبو النضر الفامي توحد عن إقرانه بالعلم والزهد في الدنيا والاتقان في الرواية والتجرد من الدنيا
سنة تسعين وأربعمائة
فيها قيل أرسلان ارغون بن السلطان ألب أرسلان السلجوقي صاحب مرو وبلخ ونيسابور وترمذ وكان جبارا عنيدا قتله غلام له وكان بركيا ورق قد جهز الجيش مع أخيه سنجر قتال عمه ارغون فبلغهم قتله بالدامغان فلحقهم بركيا روق قتسلم نيسابوروغيرها بلا قتال ثم تسلح بلخ وخطبوا له بسمر قند ودانت له الممالك واستخلف سنجر على خراسان وكان حدثا فرتب في خدمته من يسوس المملكة واستعمل على خوارزم محمد بن اتستكين مولى الأمير ميكائيل السلجوقي ولقبه خوارزم شاه وكان عادلا محبا للعلماء وولى بعده ابنه اسر
وفيها توفي أبو يعلى العبدي أجمد بن محمد بن ذرية الحسن البصري ويعرف بابن الصواف شيخ مالكية العراق وله تسعون سنة تفقه على القاضي على بن هرون وحدث عن البرقاني وطائفة وكان علامة زاهدا مجتهدا في العبادة عارفا بالحديث قال بعضهم كان إماما في عشرة أنواع من العلوم توفي في رمضان بالبصرة
وفيها الحسن بن أحمد بن محمد بن القاسم بن جعفر القاسمي أبو محمد السمر قندي 395
قوام السنة كان إماما حافظا جليلا رحالا ثقة نبيلا ومن مصنفانه بحر الاسانيد في صحاح المسانيد يشتمل على مائة ألف م الأخبار وهو في ثمانمائة جزء كبار قاله ابن ناصر الدين
وفيهات أبو نضر السمسار عبد الرحمن بن محمد الاصبهاني توفي في لمحمر وهو آخر من حث عن محمد بن إبراهيم الجرجاني
وفيها أبو الفتح عبدوس بن عبيد الله بن محمد بن عبدوس رئيس همذان ومحدثها أجاز له أبو بكر بن لال وسمع من محمد بن أحمد بن حمدويه الطوسي والحسين بن فتحويه مات في جمادي الآخرة عن خمس وتسعين سنة وروى عنه أبو زرعة
وفيها الفقيه نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود أبو الفتح المقدسي النابلسي الزاهد شيخ الشافعية بالشام وصاحب التصانيف كان إماما علامة مفتيا محدثا حافظا زاهدا متبتلا ورعا كبير القدر عديم النظر سمع بدمشق من عبد الرحمن بن الطبير وأبي الحسن السمسار وطائفة وبغزة من أبي جعفر الميماشي وبآمد وصور والقدس وأملى وصنف وكان يتقات من غلة تحمل إليه كمن ارض له بنابلس وهو بدمشق فتخبز له كل ليلة قرص في جانب الكانون وعاش أكثر من ثمانين سنة وتوفي يوم عاشوراء قاله في العبر وقال ابن شبهة تفقه على سليم بن أيوب الرازي وصحبه بصور أربع سنين وعلق عنه تعليقة قال الذهبي في ثلثمائة جزء وسمع الحديث الكثير وأملى وحدث أقام بالقدس مدة طويلة ثم قدم دمشق سنة ثمانين فسكنها وعظم شأنه مع العبادة والزهد الصادق والورع والعلم والعمل قال لحافظ ابن عساكر لم يقبل من أحد صلة بدمشق قال وخكى بعض أهل العلم قال صحبت أمما الحرمين ثم صحبت الشيخ أبا اسحق فرأيت طريقته أحسن طريقة صم صحبت الشيخ نصر فرأيت طريقته أحسن منهما ولما قدم الغزالي دمشق اجتمع به واستفاد منه وتفقه به جماعة 396
من دمشق وغيرها ودفن بباب الصغير وقبره ظاهر يزار قال النووي سمعنا الشيوخ يقولون الدعاء عند قبر يوم السبت مستجاب ومن تصانيفه التهذيب والتقريب و كتاب المقصود له وهو أحكام مجردة و كتاب الكافي وله شرح متوسط غي كتاب الإشارة لشيخه سليم وله كتاب الحجة على تارك الحجة وغير ذلك رحمه الله
وفيها أبو القاسم يحيى بن أحمد السبتي القصري المقرئ ببغداد دولة مائة وسنتان قرأ القرآن على أبي الحسن الحمامي وسمع أبا الحسن بن الصلت وأبا الحسين بن بشران وجماعة وختم عليه خلق وكان خيرا ثقة توفي في ربيع الآخر وكان يمشي ويتصرف في مصالحه في هذا السن
سنة إحدى وتسعين وأربعمائة
فيها خرج الفرنج في ألف ألف وحاصروا إنطاكية سبعة أشهر وأخذوا عنوة وخرج إليهم المسلمون وانكسروا وتبعهم الفرنج إلى المعرة وقتلوا وفتكوا وأقاموا بها وقتلوا فيها مائة ألف مسلم وبعد أربعين يوما ساروا إلى حمص فصالحهم أهلها توجهوا إلى القدس
وفيها توفي أبو العباس أحمد بن عبد الغفار بن اشته الاصبهاني روى عن علي ابن ميلة وأبي سعيد النقاش وطائفة وعاش اثنتين وثمانين سنة
وفيها سهل بن بشر أبو الفرج الاسفراييني ثم الدمشقي الصوفي المحدث سمع بدمشق من ابن سلوان وطائفة وبمصر من الطفال وطبقته ولد ببسطام في سنة تسع وأربعمائة ومات بدمشق في ربيع الأول
وفيها أبو الفوارس طراد بن محمد بن علي النقيب الكامل الهاشمي العباسي الزينبي البغدادي نقيب النقباء ومسند العراق روى عن هلال الحفار وابن رزقويه وأبي النرسي وجماعة وأملى مجالس كثيرة وازدحموا عليه ورحلوا 397
إليه وكان أعلى الناس منزلة عند الخليفة توفي في شوال وله ثلاث وتسعون سنة
وفسها أبو الحسن الكرخي مكي بن منصور بن محمد بن علان الرئيس بباب الكرخ ومعتمدها توفي بأصبهان في جمادي الأولى عن بضع وتسعين سنة رحل وسمع من الحيري والصيرفي وأبي الحسين بن بشران وجماعة وكان محمود السيرة وافر الحرمة
وفيها هبة الله بن عبد الرازق أبو الحسن الأنصاري البغدادي رئيس جليل خير توفي في ربيع الآخر عن تسع وثمانين سنة روى عن هلال وجماعة وهو آخر من حدث عن أبي الفضل عبد الواحد التميمي
وفيها محمد بن الحسين بن محمد الجرمي أبو سعد المكي نزيل هراة كان إماما حافظا من العلماء قدوة معدودا من الأولياء قال ابن ناصر الدين في بديعته
( محمد فتى الحسين الجرمي
تم صلاح أمره الأشم )
سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة
فيها انتشرت دعوة الباطنية بأصبهان وأعمالها وقويت شوكتهم وأخذت الفرنج بيت المقدس بكرة المعة لسبع يقين من شعبان بعد حصار شهر ونصف قال ابن الأثير قتلت الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين آلفا وقال ابن الجوزى في الشذور أخذوا من عند الصخرة نيفا وأربعين قنديلا فضة كل قنديل وزنه ثلاثة آلاف وستمائة درهم وأخذوا تنور فضة وزنه أربعون رطلا وأخذوا نيفا وعشرين قنديلا وعشرين قنديلا من ذهب
وفيها توفي أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن محمد بن ويوسف البغدادي اليوسفي ثقة جليل القدر روى عن ابن شاذان وطبقته وتوفي في شعبان وله إحدى وثمانون سنة
وفيها أبو القسم الخليلي أحمد بن محمد لدهقان عن مائة سنة وسنة حدث 398
ببلخ بمسند الهيثم بن كليب عن أبي القسم الخزاعي عنه وتوفي في صفر
( وفيها أبو تراب المراغي عبد الباقي بن يوسف نزيل نيسابور قال السمعاني عيدم النظير في فنه بهى النظر سليم النفس عامل بعلمه نفاع للخلق فقيه النفس قوى الحفظ تفقه ببغداد على أبي علي الطبري وسمع أبا علي بن شاذان وكان شافعيا وتوفي في ذي القعدة وله إحدى وتسعون سنة
وفيها القاضي الخلعي أبو الحسن علي بن الحسن المصري الفقيه الشافعي وله ثمان وثمانون سنة سمع عبد الرحمن بن عمر النحاس وأبا سعيد الماليني وطائفة وانتهى إليه علو الإسناد بمصر قال ابن سكرة فقيه له تصانيف ولي القضاء وحكم يوما واستعفى وانزوي بالقرافة توفي في ذي الحجة وكان يوصف بدين وعبادة وقال ابن قاضي شبهة ذكروا له كرامات وفضائل وأنه كان لا يبالي بالحر ولا بالبرد بسبب منام رآه قال ابن الانماطي قبره بالقرافة يعرف بإجابة الدعاء عنده وخرج له أبو نصر الشيرازي عشرين جزءا وسماها الخلعيات ومن تصانيفه المغني في الفقه في أربعة أجزاء وهو حسن
وفيها أوفى الي قبلها وجزم به ابن رجب عبد الوهاب بن رزق الله بن عبد الوهاب أبو الفضل التميمي ذكره ابن السمعاني فقال كان حنبليا فاضلا متقنا واعظا جمل المحيا سمع أبا طالب بن غيلان وذكر أبو الحسين في الطقبات انه كان يحضر بين يدي أبيه في مجالس وعظه بمقبرة الأمام احمد وينهض بعد كلامه قائما على قدميه ويورد فصولا مسجوعة
وفيها أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أيوب البزار ببغداد في يوم عرفة عن اثنتين وثمانين سنة روى عن أبي علي بن شاذان والحرقي
وفيها مكي بن عبد السلام أبو القسم بن الرميلي المدسي الحافظ أحد من استشهد بالقد رحل وجمع وعنى بهذا الشأن وكان ثقة متحريا روى عن محمد ابن ييحيى بن سلوان المازني وأبي عثمان بن ورقا وعبد الصمد بن المأمون 399
وطبقتهم وعاش ستين سنة
سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة
فيها توفي العباداني أبو طاهر جعفر بن محمد القرشي البصري روى عن أبي عمر الهاضمشي أجزاء ومجالس وكان شيخا صالحا أميا معمرا
وفيها النعالي أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة البغدادي الحمامي رجل عامي من أولاد المحدثين عمر دهرا وانفرد بأشياء وروى عن أبي عمر بن مهدي وأبي سعد الماليني وطائفة وتوفي في صفر
وفيها زياد بن هرون أبو القسم الجيلي الفقيه نزيل بغداد سمع بها من أبي مسلم الليثي البخاري وحدث عنه بكتاب الوجيز لابن خزيمة سمعه منه أبو الحسن بن الزاغوني وأبو الحسين بن الأبنوسي وتوفي زياد هذا في طاعون
وفيها سليمان بن عبد الله بن الفتى أبو عبد الله النهرواني النحوي اللغوي صاحب التصانيف من ذلك كتاب القانون في اللغة عشر مجلدات وكتاب في التفسير تخرج به أهل أصبهان وروى عن أبي طالب بن غيلان وغيره وهو والد الحسن مدرس النظامية
وفيها عبد الله بن جابر بن يس أبو محمد الحنائي الحنبلي تفقه على القاضي أبي يعلي وروى عن أبي علي بن شاذان وكان ثقة نبيلا قاله في العبر
وفيها عبد الباقي بن حمزة بن الحسين الحداد الحنبلي الفرضي أبو الفضل ولد سنة خمس وعشرين وأربعمائة قال ابن السمعاني شيخ صالح خير كان قد قرأ الفقه وكانت له يد في الفرائض والحساب سمع أبا محمد الجوهري وغيره وقال ابن ناصر هم ثقة خير وروى عنه سعيد بن الرزاز الفقيه وسبط الخياط وغيرهم وتوفي يوم السبت رابع عشر شعبان وله كتاب الإيضاح في الفرائض صنفه على مذهب أحمد وحرر فيه نقل المذهب تحريرا جيدا ومما ذكر فيه في 400
باب توريث ذوي الأرحام في ثلاث عمات مفترقات المال بينهن على خمسة قال وهذا هو المنصوص عن أحمد
وفيها عبد القاهر بن عبد السلام أبو الفضل العباسي النقيب المكي المقرئ اخذ القراءات عن أبي عبد الله الكارزيني وتصدر للاقراء ببغداد
وفيها أبو الفضل عبد الكريم بن المؤمل السلمي الكفر طابي ثم الدمشقي البزار روى جزءا عن عبد الرحمن بن أبي نصر
وفيها عميد الدولة أبو منصور محمد بن فخر الدولة محمد بن محمد بن جهير الوزير ابن الوزير وزر للمقتدي بالله سنة اثنتين وسبعين ثم عزل بعد خمس سنن بالوزير أبي شجاع ثم وزر سنة أربع وثمانين إلى أن مات وكان رئيسا كافيا شجاعا مهيبا فصيحا مفوها أحمق صودر قبل موته وحبس ثم قتل سرا قاله في العبر وقد تقدم ذكر عند ذكر أبيه
سنة أربع وتسعين وأربعمائة
فيها كثرت الباطنية بالعراق والجبل وزعيمهم الحسن بن صباح فملكوا القلاع وقطعوا السبيل وأهم الناس شأنهم واستفحل أمرهم لاشتغال أولاد ملكشاه بنفوسهم
وفيها حاصر كند فرى الذي أخذ القدس عكا فأصابه سهم فقتله
وفيها توفي ابن الفضل أحمد بن علي بن الفضل بن طاهر بن الفرات الدمشقي روى عن عبد الرحمن بن أبي نصر وجماعة ولكنه رافضى معتزلي وله كتب موقوفه بجامع دمشق قاله في العبر
وفيها أبو الفرج الزاز بالزاي المكررة عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن زاز ابن حميد الأستاذ السرخسي ثم المروزي فقيه مرو وتلميذ القاضي حسين مولده سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين وأربعمائة وتفقه على القاضي حسين قال ابن 401
لاسمعاني في الذيل كان أحد أئمة الإسلام وممن يضرب به المثل في الآفاق في حفظ مذهب الشافعي رحلت إليه الأئمة من كل جانب وكان دينا ورعا محتاطا في المأكول والملبوس قال وكان لا يأكل الأرز لأنه يحتاج إلى ماء كثير وصاحبه قل أن لا يظلم غيره ومن تصانيفه كتاب الأمالي قال الأسنوي في المهمات أن غالب نقل الرافعي من ستة تصانيف غير كلام الغزالي المشروح والتهذيب والنهاية والتتمة والشامل وتجريد ابن كج وأمالي أبي الفرج السرخسي يعني صاحب الترجمة
وفيها أبو سعيد عبد الواحد بن الأستاذ أبي القسم القشيري كان صالحا عالما كثير الفضل روى عن علي بن محمد الطرازي وجماعة وسماعه حضور في الرابعة من الطرازي توفي في جمادي الآخرة
وفيها أبو الحسن المديني علي بن أحمد بن الأحزم النيسابوري المؤذن الزاهد أملي مجالس عن أبي زكريا المزكي وأبي عبد الرحمن السلمي وأبي بكر الحيري وتوفي في المحرم
وفيها أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك بن منصور الجبلي القاضي المعروف بشيذ له الفقيه الشافعي الواعظ كان فقيها فاضلا واعظا ماهرا فصيح اللسان حلو العبارة كثير المحفوظات صنف في الفقه وأصول الدين والواعظ وجمع كثيرا من أشعار العرب وتولى القضاء بمدينة بغداد بباب الأزج ووكانت في أخلاقه حدة وسمع الحديث الكثير من جماعة كثيرة وكان يناظر بمذهب الأشعري ومن كلامه إنما قيل لموسى عليه السلام لن تراني لانه لما قيل له انظر إلى الجبل نظر إليه فقيل له يا طالب النظر إلينا لم تمظر إلى سوانا
( يا مدعي بمقاله
صدق المحبة والإخاء )
( لو كنت تصدق في المقال
لما نظرت إلى سوائي )
( فسلكت سبل محبتي
واخترت غيري في الصفاء ) 402
( هيهات أن يهوي الفؤاد
محبتين على استواء )
وقال أنشدني والدي عن خروجه من بغداد إلى الحج
( مددت إلى التودع كفا ضعيفة
وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي )
( فلا كان هذا العهد آخر عهدنا
ولا كان ذا التوديع آخر زادي )
وتوفي يوم الجمعة سابع عشر سابع صفر قاله ابن خلكان
وفيها أبو الخطاب نصر بن أحمد بن عبد الله بن النظر مسند بغداد روى عن أبي محمد بن البيع وابن رزقويه وطائفة وتوفي في ربيع الأول عن ست وتسعين سنة وكان صحيح السماع انفرد برواية عن جماعة
سنة خمس وتسعين وأربعمائة
فيها توفي المستعلى بالله أبو القاسم أحمد بن المنتصر صاحب مصر ولي الأمر بعد أبيه ثمان ستين ومات في صفر وله تسع وعشرون سنة وفي أيامه انقطعت دولته من الشام واستولى عليها الأتراك والفرنج لم يكن له مع الأفضل حل ولا ربط بل كان الأفضل أمير الجيوش هو الكل وفي أيامه هرب أخوه نزار الذي تنسب إليه الدعوة النزارية بقلعة إلا لموت فدخل الإسكندرية وبايعه أهلها وساعده قاضيها ابن عمار ومتوليها افتكين فنازلهم الأفضل فبرز لحربه افتكن وهزمه ثم نازلهم ثانيا وظفر بهم ورجع إلى القاهرة بافتكين ونزار فذبح أفتكين وبنى على نزار حائط فهلك
وفيها أبو العلاء صاعد بن سيار الكتاني قاضي هراة روى عن أبي سعيد الصيرفي والطرازي وطائفة
وفيها سعيد بن هبة الله أبو الحسن شيخ الأطباء بالعراق وكان صاحب تصانيف في الفلسفة والطب وله عدة أصحاب
وفيها عبد الواحد بن عبد الرحمن الزبيري الوركي الفقيه قال السمعاني عمر 403
مائة وثلاثين سنة وكتب إملاءا عن أبي ذر عمار بن محمد صاحب يحيى بن محمد ابن صاعد وقال زرت قبره بوركة على فرسخين من بخارا وقال الذهبي ما كان في الدنيا له نظير في علو الإسناد ولم يضعفه أحد انتهى
وفيها أبو عبد الله الكامخي محمد بن أحمد بن محمد روى عن أبي بكر الحيري وهبة الله اللالكائي وطائفة وتوفي بها ظنا قاله في العبر
وفيها أبو ياسر الحناط محمد بن عبد العزيز البغدادي رجل خير روى عن أبي علي بن شاذان وجماعة وتوفي في جمادي الآخرة
وفيها أبو الحجاج يوسف بن سليمان الاعلم النحوي رحل إلى قرطبة واخذ عن جماعة ورحل إليه الناس من كل وجه وممن أخذ عنه أبو علي الحسين بن محمد الغساني الجياني وشرح جمل الزجاجي وشرح شعره شرحا مفردا وكف بصره في آخر عمره وسمى الاعلم لكونه مشقوق الشفة العليا ويقال لمشقوق السلفي أفلح وكان عنترة العبسي المشهور يلقب بالفلحاء لفلحة كانت به وإنما أنثوا لأنهم أرادوا الشفقة وكان سهيل بن عمرو وأعمل ولذلك قال عمر يا رسول الله دعني أنزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيبا بعده لأنه كان مشقوق الشفة العليا وإذا نزعت ثنيته تعذر كلامه مع الفصاحة قاله ابن الأهدل
سنة ست وتسعين وأربعمائة
فيها توفي ابن سوار مقرئ العراق أبو طاهر أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر ابن سوار مصنف المستنصر في القراءات كان ثقة مجودا أقرأ خلقا وسمع الكثير وحدث عن ابن غيلان وطبقته
وفيها أبو داود سليمان بن نجاح الاندلسي مولى المؤيد بالله الأموي مقرئ الأندلس وصاحب أبي عمرو الداني وهو أنبل أصحابه وأعلمهم وأكثرهم 404
تصانيف توفي في رمضان عن ثلاث وثمانين سنة
وفيها أبو الحسن بن الروش علي بن عبد الرحمن الشاطي قرأ القراءات علي أبي عمرو الداني وسمع من ابن عبد البر وتوفي في شعبان
وفيها أبو الحسين بن البيار يحيى بن إبراهيم بن أبي زيد المرسي قرأ علي أبي عمرو الداني ومكي قال ابن بشكوال لقي بمصر القاضي عبد الوهاب واخذ عنه كتابه التلقين وأقرا الناس وعمر وأسن وسمعت بعضهم ينسبه إلى الكذب توفي في المحرم وقد اختلط في آخر عمره وعاش تسعين سنة
وفيها أبو العلاء محمد بن عبد الجبار الفرساني الاصبهاني روى عن أبي بكر بن أبي علي المعدل وجماعة
وفيها الفانيدي أبو سعد الحسين بن الحسين البغدادي روى عن أبي علي ب شاذان وتوفي في شوال
وفيها أبو ياسر محمد بن عبيد الله بن كادش الحنبلي المحدث كتب الكثير وتعب وكان قارئ أهل بغداد بعد ابن الخاضبة روى عن أبي محمد الجوهري وخلق
وفيها أبو البركات محمد بن المنذر بن طبيان الكرخي كنيته ابن ناصر وقد روى عن عبد الملك بن بشران ومات في صفر قاله في العبر
سنة سبع وتسعين وأربعمائة
فيها أخذت الفرنج جبل صلحا ونكثوا وأخذوا عكا بالسيف وهرب متوليها زهر الدولة بن الجيوشي وهرب في البحر ونزلت الفرنج حران فالتقاهم سقمان ومعه عشرة آلاف فانهزموا وتبعهم الفرنج فرسخين ثم نزل النصر وكبر المسلمون فقتلوهم كيف شاءوا وكان فتحا عظيما
وفيها توفي أبو ياسر أحمد بن بندار البقال أخو ثاتب روى عن بشرى الفاتني 405
وطائقة ومات في رجب قاله في العبر
وفيها أبو بكر الطريثيثي بضم المهملة أوله وفتح الراء وسكون التحتية ومثلثتين بينهما تحتية نسبة إلى طريثيث ناحية بنيسابور أحمد بن علي بن حسين بن زكريا ويعرف بابن زهر الصوفي البغدادي من اعيان الصوفية ومشاهيرهم روى عن أبي الفضل القطان واللالكائي وطائفة وهو ضعيف عاش ستا وثمانين سنة
وفيها أبو علي الجاجرمي بفتح الجيمين وسكون الراء نسبة إلى جاجرم بلد بين نيسابور وجرجان اسمعيل بن علي النيسابوري الزاهد القدوة الواعظ وله إحدى وتسعون سنة روى عن عبد الله بن باكوية وعدة قال السخاوي حضر درس زين الإسلام القشيري وخدمه مدة ثم اشتغل بالعزلة وكان يجلس في الاسبوع يوما للتذكير قال اسمعيل كان والدي دعا بمكة اللهم ارزقني ولدا لا يكون وصيا ولا صاحب وقف ولا قاضيا ولا خطيبا قال فقلت له يا ابت وما للخطيب قال يا بني أليس يدعو للظلمة وتوفي إسمعيل في عصر يوم الخميس ثامن عشر المحمر وصلى علبه يوم الجمعة العصر تاسع عشره ودفن في مشهد الأمام محمد بن خزيمة
وفيها دقاق شمس الملوك أبو نصر بن تاج الدولة تتش بن السلطان ألب أرسلان السلجوقي صاحب دمشق ولي دمشق بعد أبيه عشر سنين ومرض مدة ومات في رمضان وقيل سموه في عنب ودفن بخانكاه الطواويس
وفيها أبو عبد الله بن البسرى الحسين بن علي بن أحمد بن محمد البندار توفي في جمادي الأخرى وله ثمان وثمانون سنة قال السلفي لم يرو لنا عن عبد الله بن يحيى السكري سواه
وفيها أبو ياسر الطباخ ظاهر بن أسد الشيرازي ثم البغدادي المواقيتي روى عن عبد الملك بن بشران وغيره وتوفي في رجب
وفيها احمد بن بشرويه الأصبهاني كان صالحا من الأعيان قال ابن ناصر 406
الدين في بديعته ( وأحمد بن بشرويه صالح
إذا الأصبهاني زانه تصافح )
وفيها أبو مسلم السمناني عبد الرحمن بن عمر شيخ بغدادي روى عن أبي علي بن شاذان ومات في المحرم
وفيها أبو الخطاب بن الجراح علي بن عبد الرحمن بن هرون البغدادي الشافعي المقرئ الكاتب الرئيس روى عن عبد الملك بن بشران وكان لغوي زمانه له منظومة في القراءات توفي في ذي الحجة وقد قارب التسعين
وفيها أبو مكتوم عيسى بن الحافظ أبي ذر عبد الرحمن بن أحمد الهروي ثم السوري الحجازي ولد سنة خمس عشرة بسراة بني شبابة وروى عن أبيه صحيح البخاري وعن أبي عبد الله الصناعي جملة من تآليف عبد الرازق
وفيها أبو منصور الخياط محمد بن أحمد بن عبد الرزاق الشيرازي الأصل البغدادي الصفار الحنبلي المقرئ الزاهد ولد سنة إحدى وأربعمائة في شوال اوفي ذي القدة وقرأ القراءات علي اب نصر أحمد بن عبد الوهاب بن مسرور وغيره وسمع الحديث في كصرة من أبي القسم بن بشران وأبي منصور بن السواق وغيرهما وتفقه على القاضي أبي يعلى وصنف كتاب المهذب في القراءات وروى الحديث الكثير وروى عنه سبطه أبو محمد عبد الله بن علي المقرئ واخوه أبو عبد الله بن الحسين وابن الانماطي وابن ناصر السلفي وغيرهم وكان إماما بمسجد ابن حرده ببغداد بحريم دار الخلافة اعتكف فيه مدة طويلة يعلم العميان القرآن لوجه الله تعالى ويسأل لهم وينفق عليهم فختم عليه القرآن خلق كثير حتى بلغ عدد من أقرأهم القرآن م العميان سبعين آلفا قال ابن النجار هكذا رايته بخط أبي نصر اليونارتي الحافظ وقد زعم بعض الناس أن هذا كلام مستحيل وانه من سبق القلم وإنما أراد سبعين نفسا وهذا كلام ساقط فان أبا منصور قد تواتر عنه اقرأء الخلق الكثير ثي 407
السنين الطويلة قال ابن الجوزي أقرأ الخلق السنين الطويلة وختم عليه القرآن ألوف من الناس وقال القاضي أبو الحسين أقرأ بضعا وستين سنة ولقن أمما وهذا موافق لما قاله أبو نصر وهذا أمر مشهور عن أبي منصور قال ابن الجوزى كان أبو منصور من كبار الصالحين الزاهدين المتعبدين كان له ورد بين العشاءين يقرأ فيه سبعا من القرآن قائما وقاعدا حتى طعن في السن وقال ابن ناصر عنه كان شيخا صالحا لحازا هذا صائما أكثر وقته ذا كرامات ظهرت له بعد موته قال عبد الوهاب الانماطي توفي الشيخ الزاهد أبو منصور في يوم الأربعاء وقت الظهر السادس عشر من المحمر قال ابن الجوزى مات وسنة سبع وتسعون سنة ممتعا بسمعه وبصره وعقله وحضر جنازته مالا يعد من الناس قال السلفي وختم في ثاني جمعة من وفاة الشيخ على قبره مائتان واحدى وعشرون ختمة وحكى السلفي أيضا أن يهوديا استقبل جنازة الشيخ فرأى كثرة الزحام والخلق فقال أشهد أن هذا الدين هو الحق وأسلم وذكر ابن السمعاني أن الشيخ أبا منصور الخياط رؤي في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي بتعليم الصبيان فاتحة الكتاب والصحيح انه توفي سنة تسع وتسعين وأربعمائة قاله جميعه ابن رجب
وفيها عبد الله بن الطلاع محمد بن فرج مولى محمد بن يحيى الطلاع القرطبي المالكي مفتي الأندلس ومسندها وله ثلاث وتسعون سنة روى عن يونس بن مغيث ومكي القيسي وخلق وكان رأسا في العلم والعمل قوالا بالحق رحل الناس إليه من الاقطار لسماع الموطأ والمدونة
سنة ثمان وتسعين وأربعمائة
فيها توفي بركيا روق الملقب ركن الدين بن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان 408
ابن داود ميكاثيل بن سلجوقي أحد الملوك السلجوقية ولي المملكة بعد موت أبيه وكان أبو قد ملك ما لم يملكه غيره وكان بركيا ورق مسعودا عالي الهمة لم يكن فيه عيب سوى ملازمته للشراب والادمان عليه ومولده سنة أربع وسبعين وأربعمائة وتوفي في ثاني عشر ربيع الآخر وقيل الأول ببرد وجود واقام في السلطنة اثنتي عشرة سنة قاله ابن خلكان
وفيها الحافظ أبو علي البرداني بفتحات ودال مهملة نسبة إلى بردان قرية ببغداد أحمد بن محمد بن أحمد البغدادي الثقة المصنف الحننبلي مات على اثنتين وسبعين سنة في شوال روى عن ابن غيلان وأبي الحسن القزويني وطبقتهما وكان بصيرا بالحديث محققا حجة
وفيها أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن موسى بن مردويه الاصبهاني روى عن أبي بكر بن أبي علي وطائفة وكان ثقة نبيلا حدث قديما
وفيها ثابت بم بندار أبو المعالي البقال المقرئ ببغداد روى عن أبي علي ابن شاذان وطبقته وهو ثقة فاضل توفي في جمادي الآخرة
وفيها أبو عبد الله الطبري الحسين بن علي بن الحسين الفقيه الشافعي محدث مكة ونزيلها توفي في شعبان وله ثمانون سنة روى صحيح البخاري عن عبد الغافر بن محمد وكان فقيها مفتيا تفقه علي ناصر بن الحسين العمري وجرت له فتن وخطوب مع هياج ابن عبيد أهل السنة بمكة وكان عارفا بمذهب ألاشعري قاله في العبر وقال ابن قاضي شبهة تفقه علي ناصر العمري بخراسان وعلي القاضي أبي الطيب الطبري ببغداد ثم لازم الشيخ أبا اسحق الشيرازي حتى برع في المذهب والخلاف وصار من عظماء أصحابه ودرس بنظامية بغداد قبل الغزالي وكان يدعة إمام الحرمين لأنه جاور بمكة نحوا من ثلاثين سنة يدرس ويفتى ويسمع وتوفي بها في شعبان وكتابه العدة خمسة أجزاء ضخمة
وفيها أبو علي الغساني الحسين بن محمد الجياني بالفتح والتشديد ونون 409
نسبة إلى جيان بدل بالأندلس أحد اركان الحديث بقرطبة روى عن حكم الجذامي وحاتم بن محمد وحاتم بن محمد وابن عبد البر وطبقتهم وكان كامل الادوات في الحديث علامة في اللغة والشعر والنسب حسن التصنيف نقادا توفي في شعبان عن اثنتين وسبعين سنة وأصابته في الآخر زمانه
وفيها سقمان بن أرتق بن أكسب التركماني صاحب ما ردين وجد ملوكها كان أميرا جليلا فارسا موصوفا حضر عدة حروب وتوفي بالشام
وفيها محمد بن أحمد بن محمد بن منداس أبو طاهر التوثي بضم الفوقية وآخره مثلثة نسبة إلى توث قرية بمرو الخطاب أبا علي بن شاذان والحرقي وأجاز له أبو الحسين بن بشران وتوفي في المحرم
وفيها محمد بن عبد السلام الشريف أبو الفضل الأنصاري البزاز بغدادي جليل صالح روى عن البرقاني وابن شاذان وتوفي في ربيع الآخر
وفيها نصر الله بن أحمد بن عثمان الخشنامي النيسابوري ثقة صالح عالي الإسناد روى عن أبي عبد الرحمن السلمي والحيري وطائفة
سنة تسع وتسعين وأربعمائة
فيها ظهر بنها وند رجل ادعى النبوة وكان حاسرا صاحب مخاريق فتبعه خلق وكثرت عليهم الأموال وكان لا يدخر شيئا فأخذ وقتل ولله الحمد
وفيها ظفر طغتكين بالفرنج مرتين فأسر وقتل وزينت دمشق
وفيها أخذت الفرنج فامية وأما طرابلس ففتحت الحصار وجعل المسلمون يخرجون منها وينالون من الفرنج ومرض ملك الفرنج صخيل ومات وحمل ودفن بالقدس وأقامت الفرنج غيره
وفيها مات أبو القسم عبد الله بن علي بن اسحق الطوسي أخو نظام الملك سمع أبا حسان المزكي وأبا حفص بن مسرور وعاش خمسا وثمانين سنة 410
وفيها أبو البركات بن الوكيل محمد بن عبد الله بن يحيى الخباز الدباس الكرخي الشافعي قرأ بالروايات عن اب علي الواسطي والحسن بن الصقر وجماعة وتفقه علي اب الطيب الطبري وسمع من عبد الملك بن بشران وكان يتهم بالاعتزال ثم تاب وأناب وتوفي في ربيع الأول عن ثلاث وتسعين سنة قاله في العبر
وفيها أبو البقاء الجبال المعمر بن محمد بن علي الكوفي الخزاز روى عن جناح ابن نذير المحاربي وجماعة وتوفي في جمادي الآخرة بالكوفة
سنة خمسمائة
فيها غزا السلطان محمد بن ملكشاه الباطنية وأخذ قلعتهم بأصبان وقتل صاحبها أحمد بن عبد الملك بن عطاش وكان قد تملكها اثنتي عشرة سنة وهي من بناء ملكشاه بناها على رأس جبل وغرم عليها ألفي ألف دينار
وفيها غرق قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش صاحب قونية ووجد قد انتفخ
وفيها توفي أبو الفتح الحداد أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد الاصبهاني الشافعي التاجر الخوافي وخواف قرية من أعمال نيسابور كان ورعا دينا كثير الصدقات توفي في ذي القعدة عن اثنتين وتسعين سنة روى عن أبي مظفر الشافعي وكان من ملازمي الأمام وبه تفقه وحظى عنده وكان إمام الحرمين معجبا بفصاحته وحسن كلامه ثم درس في حياة الأمام وولى قضاء طوس ثم صرف وكما رزق الغزالي السعادة في حسن التصنيف رزق هذا السعادة في المناظرة والعبارة الحسنة المهذبة والتصنيف على الخصم قال الذهبي وكان اعلم أهل طوس مع الغزالي وكان من انظر أهل زمانه
وفيها أو بعدها الفقيه الأمام الفرضي اسحق بن يوسف بن يعقوب الصروفي نسبة إلى صروف بلد باليمن صنف كتاب الكافي في الفرائض وهو كتاب لم يسبق إلى تدريجه للمبتدئ وهو من الكتب المباركة النافعية قيل اشتري 411
مرة بوزنه واستغنى به عن كتب الفن جميعها وأصل الشيخ من المعافر وسكن صروف وكان له ابنتان زوج إحداهما واسمها ملكة الفقيه زيد بن عبد الله اليفاعي فأولدها هنده أم محمد بن سالم الأمام بجامع ذي اشرق ولذلك صارت كتب زيد اليفاعي بأيديهم لأنه لم يرثه غير أمهم هذه وتزوج الأخرى إمام مسجد الجند حسان بن محمد فأولدها ولدا فصار إليه بعض كتب جده اسحق قاله في الأهدل
وفيها جعفر بن أحمد بن حسين أبو محمد البغدادي الحنبلي السراج المعروف بالقاري كان حافظا عصره وعلامة زمانه وله التصانيف العجيبة منها كتاب مصارع العشاق وغيره وحدث عن أبي علي بن شاذان وأبي القاسم بن شاههين والخلال والبرمكي وغيرهم واخذ عنه خلق كثير وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي وكان يفتخر براويته عنه مع انه لقي أعيان ذلك الزمان وأخذ عنهم وله شعر حسن فمنه
( بان الخليط فأدمعي
وجدا عليهم تستهل )
( وحدا بهم حادي الفراق
عن المنازل فاستقلوا )
( قل للذين ترحلوا
عن ناظري والقلب حلوا )
( ودمي بلا جرم أتيت
غداة بينهم استحلوا )
( ما ضرهم لو أنهلوا
من ماء وصلهم وعلوا )
ومن شعهر أيضا
( وعدت بأن تزوري كل شهر
فزوري قد تقضي الشهرزورى )
( وشقة بيننا نهر المعلى
إلى البلد المسمى شهرزور )
( واشهر هجرك المحتوم صدق
ولكن شهر وصلك شهرزور )
وأورد له العماد الكاتب
( ومدع شرخ شباب وقد
عممه الشيب على وفرته )
( يخضب بالوثمة عثنونه
يكفيه أن يكذب في لحيته ) 412
وكان مولده ببغداد ستة ست عشرة وأربعمائة وتوفي ليلة الأحد الحادي والعشرين من صفر قاله ابن خلكان
وفيها أبو غال الباقلاقي محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن البغداي الفامي الرجل الصالح روى عن ابن شاذان والبرقاني وطائفة وتوفي في ربيع الآخر عن ثمانين سنة
وفيها أبو الحسين الطيوري المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن قاسم الصيرفي البغدادي المحدث سمع أبا علي بن شاذان فمن بعده قال ابن السمعاني كان مكثرا صالحا أمينا صدوقا صحيح الأصول دينا صينا وقورا كثير الكتابة وقال غيره توفي في ذي القعدة عن تسع وثمانين سنة وكان عنده ألف جزء بخط الدار قطني قاله في العبر
وفيها المبارك بن فاخر أبو الكرم الدباس الأديب من كبار أئمة اللغى والنحو ببغداد وله مصنفات روى عن القاضي أبي الطيب الطبري واخذ اللغة عن عبد الواحد بن براهان ورماه ابن ناصر بالكذب في الرواية وتوفي في ذي القعدة في سبعين سنة
وفيها يوسف بن تاشفين أبو يعقوب أمير المسلمين وملك الملثمين وهو الذي اختط مدينة مراكش وكان عظيم الشأن كبير السلطان معتدل القامة أسمر اللون نحيف الجسم خفيف العارضين دقيق الصوت وكان يخطب لبني العباس وهو أول من تسمى بأمير المسلمين ولم يزل على حاله وعزة سلطانه إلى أن توفي يوم الاثنين ثالث محرم هذه السنة وعاش تسعين سنة ملك منها خمسين سنة مقال ابن الأثير في تاريخ كان حسن السيرة خيرا عادلا يميل إلى أهل العلم والدين ويكرمهم ويحكمهم في بلاده ويصدر عن رأيهم وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام فمن ذلك أن ثلاثة نفرا اجتمعوا فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها وتمنى الآخر زوجته وكانت من أحسن النساء ولها الحكم 413
في بلاده وتمنى الآخر عملا فبلغه الخبر فأحضرهم وأعطى متمنى المال ألف دينارا واستعمل الآخر وقال للذي تمنى زوجته با جاهل ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه ثم أرسله إليها فتركته في خيمة ثلاثة أيام يحمل إليه في كلها طعام واحد ثم أحضرته وقالت له ما أكلت في هذه الثلاثة أيام فقال طعاما واحد فقالت كل النساء شيء واحد وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته وقال ابن الأهدل يوسف بن تاشفين أبو يعقوب البربري الملثم كان أعظم ملوك الدنيا في عصره وكان عديم الرفاهية تملك الأندلس واختط مراكش وجعلها دار الإمارة وفي آخر أيامه بعث إليه الخليفة من بغداد الخلع والتقليد واللواء فأقيمت الخطبة العباسية بملكته وكان أولا مقدم وأبي بكر بن عمر الصنهاجي وكان الصنهاجي مقدم الملثمين من ملوك حمير المغرب واختلف لم سموا بذلك وفيهم يقول الشاعر
( قوم لهم درك العلافي حمير
وإن انتموا صنهاجه فهم هم )
( لما علوا أحرار كل قبيلة
غلب الحياء عليهم فتلثموا )
وعهده ابن تاشفين بالأمر إلى والده أتو مرات انتهى
وفيها عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب بن محمد الفارسي الفامي أبو محمد الفقيه الشافعي المفتي ولد سنة أربع عشرة واشتغل في العلوم وصنف سبعين مصنفا وله تفسير ضمنه مائة ألف بيت شعر وكان بارعا في معرفة المذهب قدم بغداد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وقد أملى بجامع القصر وحفظت عليه غلطات في الحديث وإسقاط رجال وتصحيف فاحش أورد منه ابن السمعاني أشياء كثيرة وقال يحيى بن منده هو أحفظ من رأيناه لمذهب الشافعي صنف كتاب تاريخ الفقهاء ومات يشيراز في رمضان قاله ابن قاضي شبهة 2
بسم الله الرحمن الرحيم
سنة إحدى وخمسمائة
فيها كانت وقعة كبيرة بالعراق بين سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس أمير العرب وبين السلطان محمد فالتقيا فقتل صدقة يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة وقتل معه ثلاث آلاف فارس وأسر ابنه دبيس وصاحب جيشه سعيد بن حميد وكان صدقة شيعيا له محاسن ومكارم وحلم وجود ملك العرب بعد أبيه اثنتين وعشرين سنة وهو الذي اختط الحلة السيفية سنة خمس وتسعين وأربعمائة ومات جده دبيس سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة
وفيها توفي تميم بن المعز بن باديس السلطان أبو يحيى الحميري صاحب القيروان ملك بعد أبيه وكان حسن السيرة محبا للعلماء مقصدا للشعراء كامل الشجاعة وافر الهيبة عاش تسعا وسبعين سنة وامتدت أيامه وكانت دولته ستا وخمسين سنة وخلف أكثر من مائة ولد وتملك بعده ابنه يحيى قاله في العبر وساق العماد الكاتب في الخريدة نسبة إلى نوح عليه السلام وقال ابن خلكان ملك إفريقية وما والاها بعد أبيه المعز وكان حسن السيرة محمود الآثار ومن شعره
) إن نظرت مقلتي لمقلتها
تعلم مما أريد نجواه )
) كأنها في الفؤاد ناظرة
تكشف أسراره وفحواه )
وله أيضا
) سل المطر العام الذي عم أرضكم
أجاء بمقدار الذي فاض من دمعي ) 3
) إذا كنت مطبوعا على الصد والجفا
فمن أين لي صبر فاجعله طبعي )
وله
) فكرت في نار الجحيم وحرها
يا ويلتاه ولات حين مناص )
) فدعوت ربي أن خير وسيلتي
يوم المعاد شهادة الإخلاص )
وأشعاره وفضائله كثيرة وكان يجيز الجوائز السنية ويعطي العطاء الجزل وكانت ولادته بالمنصورية التي تسمى صبرة من بلاد إفريقية يوم الاثنين ثالث عشر رجب سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وفوض إليه أبوه ولاية المهدية في صفر سنة خمس وأربعين ولم يزل بها إلى أن توفي والده في شعبان سنة خمس وأربعين فاستبد بالملك ولم يزل إلى أن توفي ليلة السبت منتصف رجب وخلف من البنين أكثر من مائة ومن البنات ستين على ما ذكره حفيده عبد العزيز بن شداد في كتاب أخبار القيروان
وفيها أبو علي التككي الحسن بن محمد بن عبد العزيز البغدادي في رمضان روى عن أبي علي بن شاذان
وفيها أبو محمد الدوني بضم المهملة نسبة إلى دون قرية بهمذان عبد الرحمن بن محمد الصوفي الرجل الصالح راوي السنن عن أبي نصر الكسار كان زاهدا عابدا سفياني المذهب توفي في رجب
وفيها أبو سعد الأسدي محمد بن عبد الملك بن عبد القاهر بن أسد البغدادي المؤدب روى عن أبي علي بن شاذان وضعفه ابن ناصر
وفيها أبو الفرج القزويني محمد ابن العلامة أبي حاتم محمود بن حسن الأنصاري فقيه صالح استملى عليه السلفي مجلسا مشهورا وتوفي في المحرم 4
سنة اثنتين وخمسمائة
فيها قتلت الباطنية بهمذان قاضي قضاة أصبهان عبيد الله بن علي الخطيبي
وقتلت بأصبهان يوم عيد الفطر أبا العلاء صاعد بن محمد البخاري وقيل النيسابوري الحنفي المفتي أحد الأئمة عن خمس وخمسين سنة
وقتلت بجامع آمل يوم الجمعة في المحرم فخر الإسلام القاضي أبا المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني شيخ الشافعية وصاحب التصانيف وشافعي الوقت أملى مجالس عن أبي غانم الكراعي وأبي حفص بن مسرور وطبقتهما وعاش سبعا وثمانين سنة قال ابن قاضي شهبة كانت له الوجاهة والرياسة والقبول التام عند الملوك فمن دونها أخذ عن والده وجده وبميافارقين عن محمد بن بيان وبرع في المذهب حتى كان يقول لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي ولهذا كان يقال له شافعي زمانه ولى قضاء طبرستان وبنى مدرسة بآمل وكان فيه إيثار للقاصدين إليه ولد في ذي الحجة سنة خمس عشرة وأربعمائة واستشهد بجامع آمل عند ارتفاع النهار بعد فراغه من الإملاء يوم الجمعة حادي عشر المحرم ومن تصانيفه البحر وهو بحر كاسمه والكافي والحلية مجلد متوسط فيه اختيارات كثيرة وكثير منها موافق مذهب مالك وكتاب المبتدي بكسر الدال وكتاب القولين والوجهين مجلدان
انتهى ملخصا
وعظم الخطب بهؤلاء الملاعين وخافهم كل أمير وعالم لهجومهم على الناس
وفيها أبو القاسم الريفي علي بن الحسين الفقيه الشافعي المعتزلي ببغداد روى عن أبي الحسن بن مخلد وابن بشران وتوفي في رجب عن ثمان وثمانين سنة 5
وفيها محمد بن عبد الكريم بن حشيش أبو سعد البغدادي في ذي القعدة عن تسع وثمانين سنة روى عن ابن شاذان
وفيها أبو زكريا التبريزي الخطيب صاحب اللغة يحيى بن علي بن محمد الشيباني صاحب التصانيف أخذ اللغة عن أبي العلاء المعري وسمع من سليم بن أيوب بصور وكان شيخ بغداد في الأدب توفي في جمادى الآخرة عن إحدى وثمانين سنة وقال ابن خلكان سمع الحديث من سليم الرازي وغيره من الأعيان وروى عنه الخطيب الحافظ البغدادي صاحب تاريخ بغداد والحافظ ابن ناصر وغيرهما من الأعيان وتخرج عليه خلق كثير وتلمذوا له ذكره الحافظ أبو سعد السمعاني في كتاب الذيل وكتاب الأنساب وعدد فضائله ثم قال سمعت أبا منصور محمد بن عبد الملك بن الحسن بن خيرون المقري يقول أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي ما كان بمرضى الطريقة وذكر عنه أشياء ثم قال وتذاكرت أنا مع أبي الفضل محمد بن ناصر الحافظ بما ذكره ابن خيرون المقري فسكت وكأنه ما أنكر ما قال ثم قال ولكن كان ثقة في اللغة وما كان ينقله وصنف في الأدب كتبا مفيدة منها شرح الحماسة وشرح ديوان المتنبي وشرح سقط الزند وشرح اللمع لابن جني وشرح مقصورة ابن دريد وشرح المعلقات السبع وله تهذيب غريب الحديث وتهذيب الإصلاح والملخص في إعراب القرآن في أربع مجلدات وغير ذلك من الكتب الحسنة المفيدة وكان قد دخل مصر في عنفوان شبابه فقرأ عليه بها ابن بابشاذ النحوي شيئا من اللغة ثم عاد إلى بغداد واستوطنها إلى الممات وكان يروي عن أبي الحسن محمد بن المظفر بن محيريز 6
البغدادي جملة من شعره فمن ذلك قوله وهي من أشهر أشعاره
) خليلي ما أحلى صبوحي بدجلة
وأطيب منه بالصراة غبوقي )
) شربت على الماءين من مار كرمة
فكانا كدر ذائب وعقيق )
) على قمري أفق وأرض تقابلا
فمن شائق حلو الهوى ومشوق )
) فما زلت أسقيه واشرب ريقه
وما زال يسقيني ويشرب ريقي )
) وقلت لبدر التم تعرف ذا الفتى
فقال نعم هذا أخي وشقيقي )
وهذه الأبيات من أملح الشعر وأظرفه وكانت ولادة يحيى هذا سنة إحدى وعشرين وأربعمائة وتوفي فجاءة يوم الثلاثاء ثامن عشرى جمادى الآخرة ببغداد
سنة ثلاث وخمسمائة
فيها أخذت الفرنج طرابلس بعد حصار سبع سنين
وفيها توفي أحمد بن علي بن أحمد العلبي أبو بكر الزاهد الحنبلي قال ابن الجوزي في طبقاته هو أحد المشهورين بالزهد والصلاح سمع الحديث على القاضي أبي يعلى وقرأ عليه شيئا من المذهب وكان يعمل بيده تجصيص الحيطان ثم ترك ذلك ولازم المسجد يقرئ القرآن ويؤم الناس وكان عفيفا لا يقبل من أحد شيئا ولا يسأل أحدا حاجة لنفسه من أمر الدنيا مقبلا على شأنه ونفسه مشتغلا بعبادة ربه كثير الصوم والصلاة مسارعا إلى قضاء حوائج المسلمين مكرما عند الناس أجمعين وكان يذهب بنفسه كل ليلة إلى دجلة فيأخذ في كوز له ماءا يفطر عليه وكان يمشي بنفسه في حوائجه ولا يستعين بأحد وكان إذا حج يزور القبور بمكة ويجيء إلى قبر الفضيل بن عياض ويخط بعصاه ويقول يا رب ههنا يا رب ههنا فاتفق انه خرج في سنة ثلاث وخمسمائة إلى الحج وكان قد وقع من الجمل في الطريق دفعتين فشهد عرفة محرما ومعه 7
بقية من ألم الوقوع وتوفي عشية ذلك اليوم يوم الأربعاء يوم عرفة ي أرض عرفات فحمل إلى مكة فطيف به البيت ودفن يوم النحر إلى جنب قبر الفضيل بن عياض رضي الله عنهما وممن روى عنه ابن ناصر والسلفي قاله ابن رجب
وفيها أبو بكر أحمد بن المظفر بن سوسن التمار ببغداد روى عن الحرقي وابن شاذان وضعفه شجاع الذهلي وتوفي في صفر عن اثنتين وتسعين سنة
وفيها أبو الفتيان عمر بن عبد الكريم الدهستاني بكسر الدال المهملة والهاء وسكون المهملة وفوقية نسبة إلى دهستان مدينة عند مازندران الحافظ الرواسي طوف خراسان والعراق والشام ومصر وكتب ما لا يوصف وروى عن أبي عثمان الصابوني وطبقته وتوفي بسرخس قال ابن ناصر الدين كان ثقة في نقله لكنه حدث بطوس بصحيح مسلم من غير أصله
وفيها أبو سعد المطرز محمد بن محمد بن محمد الأصبهاني في شوال عن نيف وتسعين سنة سمع الحسين بن إبراهيم الحمال وأبا علي غلام محسن وابن عبد كويه وهو أكبر شيخ للحافظ أبي موسى المديني سمع منه حضورا
سنة أربع وخمسمائة
فيها أخذت الفرنج بيروت بالسيف ثم أخذوا صيداء بالأمان
وفيها توفي إسماعيل بن أبي الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي ثم النيسابوري أبو عبد الله روى عن أبي حيان المزكي وعبد الرحمن بن حمدان النصروي 8
وطبقتهما ورحل فأدرك أبا محمد الجوهري ببغداد توفي في ذي القعدة عن إحدى وثمانين سنة
وفيها أبو يعلى حمزة بن محمد بن علي البغدادي أخو طراد الزينبي توفي في رجب وله سبع وتسعون سنة والعجب كيف لم يسمع من هلال الحفار روى عن أبي العلاء محمد بن علي الواسطي وجماعة قاله في العبر
وفيها أبو الحسن الكيا الهراسي والكيا بهمزة مكسورة ولام ساكنة ثم كاف مكسورة بعدها ياء مثناة من تحت معناه الكبير بلغة الفرس والهراسي براء مشددة وسين مهملة لا تعلم نسبته لأي شيء علي بن محمد بن علي الطبرستاني الشافعي عماد الدين شيخ الشافعية ببغداد تفقه على إمام الحرمين وكان فصيحا مليحا مهيبا نبيلا قدم بغداد ودرس بالنظامية وتخرج به الأصحاب وعاش أربعا وخمسين سنة قال ابن خلكان ذكره الحافظ عبد الغافر في تاريخ نيسابور فقال كان من رؤس معيدي إمام الحرمين في الدرس وكان ثاني أبي حامد الغزالي بل أفضل وأصلح وأطيب في الصوت والنظر ثم اتصل بخدمة محمد الملك بركياروق بن ملكشاه السلجوقي وحظي عنده بالمال والجاه وارتفع شأنه وتولى القضاء بتلك الدولة وكان محدثا يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسته ومن كلامه إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح طارت رءوس المقاييس في مهاب الرياح وحدث الحافظ أبو طاهر السلفي استفتيت شيخنا الكيا الهراسي ما يقول الإمام وفقه الله تعالى في رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء أتدخل كتبة الحديث تحت هذه الوصية أم لا فكتب الشيخ تحت السؤال نعم كيف لا وقد قال النبي حفظ على أمتي أربعين حديثا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما وسئل ألكيا أيضا عن يزيد بن معاوية فقال أنه لم يكن من الصحابة لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأما قول السلف ففيه لأحمد 9
قولان تلويح وتصريح ولمالك فيه قولان تلويح وتصريح ولأبي حنيفة قولان تلويح وتصريح ولنا قول واحد تصريح دون التلويح وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد والمتصيد بالفهود ومدمن الخمر وشعره في الخمر معلوم ومنه قوله
) أقول لصحب ضمت الكأس شملهم
وداعي صبابات الهوى يترنم )
) خذوا بنصيب من نعيم ولدة
وكل وإن طال المدى يتصرم )
وكتب فصلا طويلا ثم قلب الورقة وكتب لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي في مثل هذه المسألة بخلاف ذلك قال ابن الأهدل أفتى الغزالي بخلاف جواب الكيا وتضمن جوابه أنه وإن غلب الظن بقرائن حاله أنه رضي قتل الحسين أو أمر به فلا يجوز لعنه ويجعل كمن فعل كبيرة وأفتى ابن الصلاح بنحوه وأقرهما اليافعي قلت الحاصل من ذلك أن يزيد إن صح عنه ما جرى منه على الحسين وآله من المثلة وتقليب الرأس الكريم بين يديه وإنشاده الشعر في ذلك مفتخرا فذلك دليل الزندقة والانحلال من الدين فإن مثل هذا لا يصدر من قلب سليم وقد كفره بعض المحدثين وذلك موقوف على استحلاله لذلك والله أعلم وقال الإمام التفتازاني أما رضا يزيد بقتل الحسين وإهانته أهل بيت رسول الله فمما يقطع به وإن كان تفصيله آحادا فلا يتوقف في كفره لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه
انتهى كلام ابن الأهدل
وقال ابن خلكان كانت ولادة الكيا في ذي القعدة سنة خمسين وأربعمائة وتوفي يوم الخميس وقت العصر مستهل المحرم سنة أربع وخمسمائة ببغداد ودفن في تربة الشيخ أبي إسحق الشيرازي وحصر دفنه الشريف أبو طالب الزيني وقاضي القضاة أبو الحسن بن الدمغاني وكانا مقدمي الطائفة الحنفية وكان بينه وبينهما في حال الحياة منافسة فوقف أحدهما 10
عند رأسه والآخر عند رجليه فقال ابن الدامغاني متمثلا
) وما تغني النوادب والبواكي
وقد أصبحت مثل حديث أمس )
وأنشد الزينبي متمثلا
) عقم النساء فلم يلدن شبيهه
إن النساء بمثله عقم )
انتهى ملخصا وقال السبكي له كتاب شفاء المسترشدين ونقض مفردات أحمد وكتب في أصول الفقه
وفيها أبو الحسين الخشاب يحيى بن علي بن الفرج المصري شيخ قرأ بالروايات على ابن نفيس وأبي الطاهر إسماعيل بن خلف وأبي الحسين الشيرازي وتصدر للإقراء
سنة خمس وخمسمائة
فيها توفي أبو محمد بن الأبنوسي عبد الله بن علي البغدادي الوكيل المحدث أخو الفقيه أحمد بن علي سمع من أبي القاسم التنوخي والجوهري وتوفي في جمادى الأولى
وفيها أبو الحسن العلاف علي بن محمد بن علي بن محمد البغدادي الحاجب مسند العراق وآخر من روى عن الحمامي وكان يقول ولدت في المحرم سنة ست وأربعمائة وسمعت من أبي الحسين بن بشران وتوفي في المحرم عن مائة إلا سنة وكان أبوه واعظا مشهورا
وفيها الإمام زين الدين حجة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي أحد الأعلام تلمذ لإمام الحرمين ثم ولاه نظام الملك تدريس مدرسته ببغداد وخرج له أصحاب وصنف التصانيف مع التصون والذكاء المفرط والاستبحار في العلم وبالجملة ما رأى الرجل مثل نفسه توفي في رابع عشر جمادى الآخرة بالطابران قصبة بلاد طوس وله خمس وخمسون 11
سنة
والغزالي هو الغزال وكذا العطاري والخبازي على لغة أهل خراسان قاله في العبر وقال الأسنوي في طبقاته الغزالي إمام باسمه تنشرح الصدور وتحيا النفوس وبرسمه تفتخر المحابر وتهتز الطروس وبسماعه تخشع الأصوات وتخضع الرؤس ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة وكان والده يغزل الصوف ويبيعه في حانوته فلما احتضر أوصى به وبأخيه أحمد إلى صديق له صوفي صالح فعلمهما الخط وأدبهما ثم نفذ منه ما خلفه أبوهما وتعذر عليه القوت فقال لكما أن تلجآ إلى المدرسة قال الغزالي فصرنا إلى المدرسة نطلب الفقه لتحصيل القوت فاشتغل بها مدة ثم ارتحل إلى أبي نصر الإسماعيلي بجرجان ثم إلى إمام الحرمين بنيسابور فاشتغل عليه ولازمه حتى صار أنظر أهل زمانه وجلس للإقراء في حياة إمامه وصنف وكان الإمام في الظاهر يظهر التبجح به وفي الباطن عنده منه شيء لما يصدر منه من سرعة العبارة وقوة الطبع وينسب إليه تصنيفان ليساله بل وضعا عليه وهما السر المكتوم والمضنون به على غير أهله وينسب إليه شعر فمن ذلك ما نسبه إليه ابن السمعاني في الذيل والعماد الأصبهاني في الخريدة
) حلت عقارب صدغه في خده
قمرا فجل به عن التشبيه )
) ولقد عهدناه يحل ببرجها
فمن العجائب كيف حلت فيه )
وأنشد العماد له أيضا
) هبني صبوت كما ترون بزعمكم
وحظيت منه بلثم ثغر أزهر )
) إني اعتزلت فلا تلوموا أنه
أضحى يقابلني بوجه أشعري )
فلما مات إمامه خرج إلى العسكر وحضر مجلس نظام الملك وكان مجلسه محط رحال العلماء ومقصد الأئمة والفصحاء فوقع للغزالي أمور تقتضي علو شأنه من ملاقاة الأئمة ومجاراة الخصوم اللد ومناظرة الفحول ومناطحة الكبار فأقبل عليه نظام الملك وحل منه محلا عظيما فعظمت 12
منزلته وطار اسمه في الآفاق وندب للتدريس بنظامية بغداد سنة أربع وثمانين فقدمها في تجمل كبير وتلقاه الناس ونفذت كلمته وعظمت حشمته حتى غلبت على حشمة الأمراء والوزراء وصرب به المثل وشدت إليه الرحال إلى أن شرفت نفسه عن رذائل الدنيا فرفضها وأطرحها وأقبل على العبادة والسياحة فخرج إلى الحجاز في سنة ثمان وثمانين فحج ورجع إلى دمشق واستوطنها عشر سنين بمنارة الجامع وصنف فيها كتبا يقال أن الإحياء منها ثم صار إلى القدس والإسكندرية ثم عاد إلى وطنه بطوس مقبلا على التصنيف والعبادة وملازمة التلاوة ونشر العلم وعدم مخالطة الناس ثم أن الوزير فخر الدين بن نظام الملك حضر إليه وخطبه إلى نظامية نيسابور وألح عليه كل الإلحاح فأجاب إلى ذلك وأقام عليه مدة ثم تركه وعاد إلى وطنه على ما كان عليه وابتنى إلى جواره خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين ولزم الانقطاع ووظف أوقاته على وظائف الخير بحيث لا يمضي لحظة منها إلا في طاعة من التلاوة والتدريس والنظر في الأحاديث خصوصا البخاري وإدامة الصيام والتهجد ومجالسة أهل القلوب إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى وهو قطب الوجود والبركة الشاملة لكل موجود وروح خلاصة أهل الإيمان والطريق الموصلة إلى رضا الرحمن يتقرب إلى الله تعالى به كل صديق ولا يبغضه إلا ملحد أو زنديق قد انفرد في ذلك العصر عن أعلام الزمان كما انفرد في هذا الفصل فلم يترجم فيه معه في الأصل لإنسان
انتهى كلام الأسنوي وقال ابن قاضي شهبة ومن تصانيفه البسيط وهو كالمختصر للنهاية والوسيط ملخص منه وزاد فيه أمورا من الإبانة للفوراني ومنها أخذ هذا الترتيب الحسن الواقع في كتبه وتعليق القاضي حسين والمهذب واستمداده منه كثير كما نبه عليه في المطلب ومن تصانيفه أيضا الوجيز والخلاصة مجلد دون التنبيه وكتاب الفتاوى له مشتمل 13
على مائة وتسعين مسئلة وهي غير مرتبة وله فتاوى أخرى غير مشهورة أقل من تلك وصنف في الخلاف المآخذ جمع مأخذ ثم صنف كتابا آخر في الخلاف سماه تحصيل المأخذ وصنف في المسئلة السريجية مصنفين اختار في أحدهما عدم وقوع الطلاق وفي الآخر الوقوع وكتاب الإحياء وهو الأعجوبة العظيم الشأن وبداية الهداية في التصوف والمستصفى في أصول الفقه والجام العوام عن علم الكلام والرد على الباطنية ومقاصد الفلاسفة وتهافت الفلاسفة وجواهر القرآن وشرح الأسماء الحسنى ومشكاة الأنوار والمنقذ من الضلال وغير ذلك انتهى وذكر الشيخ علاء الدين علي بن الصيرفي في كتابه زاد السالكين أن القاضي أبا بكر بن العربي قال رأيت الإمام الغزالي في البرية وبيده عكازة وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة وقد كنت رأيته ببغداد يحضر مجلس درسه نحو أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون عنه العلم قال فدنوت منه وسلمت عليه وقلت له يا إمام أليس تدريس العلم ببغداد خير من هذا قال فنظر إلى شزرا وقال لما طلع بدر السعادة في فلك الإدارة أو قال سماء الإرادة وجنحت شمس الوصول في مغارب الأصول
) تركت هوى ليلى وسعدي بمعزل
وعدت إلى تصحيح أول منزل )
) ونادت بي الأشواق مهلا فهذه
منازل من تهوى رويدك فانزل )
) غزلت لهم غزلا دقيقا فلم أجد
لغزلي نساجا فكسرت مغزلي )
انتهى
سنة ست وخمسمائة
فيها توفي أبو غالب أحمد بن محمد بن أحمد الهمداني العدل روى عن أبي 14
سعيد بن عبد الرحمن بن شبابة وجماعة أو توفي في العام الآتي
قاله في العبر
وفيها أبو القاسم إسماعيل بن الحسن السنجبستي بفتح السين المهملة والجيم والموحدة وسكون النون والمهملة الثانية وفوقية نسبة إلى سنجبست منزل بين نيسابور وسرخس الفرائضي توفي صفر بسنجبست روى عن أبي بكر الحيري وأبي سعيد الصيرفي وعاش خمسا وتسعين سنة
وفيها الفضل بن محمد بن عبيد القشيري النيسابوري الصوفي العدل روى عن أبي حسان المزكي وعبد الرحمن بن النصروي وطائفة وعاش خمسا وثمانين سنة وهو أخو عبيد القشيري
وفيها أبو سعد المعمر بن علي بن المعمر بن أبي عمارة البقال البغدادي الحنبلي الفقيه الواعظ ريحانة البغداديين ولد سنة تسع وعشرين وأربعمائة وسمع من ابن غيلان والخلال والجوهري والأزجي وغيرهم وكان فقيها مفتيا واعظا بليغا فصيحا له قبول تام وجواب سريع وخاطر حاد وذهن بغدادي وكان يضرب به المثل في حدة الخاطر وسرعة الجواب بالمجون وطيب الخلق وله كلمات في الوعظ حسنة ورسائل مستحسنة وجمهور وعظه حكايات السلف وكان يحصل بوعظه نفع كبير وكان في زمن أبي علي بن الوليد شيخ المعتزلة يجلس في مجلسه ويلعن المعتزلة وخرج مرة فلقي مغنية قد خرجت من عند تركي فقبض على عودها وقطع أوتاره فعادت إلى التركي فأخبرته فبعث من كبس دار أبي سعد وأفلت هو فاجتمع بسبب ذلك الحنابلة وطلبوا من الخليفة إزالة المنكرات كلها فأذن لهم في ذلك وكان أبو سعد يعظ بحضرة الخليفة والملوك ووعظ يوما نظام الملك الوزير بجامع المهدي فقال من جملة ما قال لما تقلدت أمور البلاد وملكت أزمة العباد اتخذت الأبواب والبواب والحجاب ليصدوا عنك القاصد ويردوا عنك الوافد فاعمر قبرك كما عمرت قصرك وانتهز الفرصة 15
ما دام الدهر يقبل عذرك وهذا ملك الهند وهو عابد صنم ذهب سمعه فقال ما حسرتي لذهاب هذه الجارحة من بدني ولكن تأسفي لصوت المظلوم لا أسمعه فأعينه ثم قال إن كان سمعي فما ذهب بصري فليؤمر كل ذي ظلامة أن يلبس الأحمر حتى إذا رأيته عرفته فأنصفه وهذا أنوشروان قال له رسول الروم لقد أقدرت عدوك عليك بتسهيل الوصول إليك فقال إنما أجلس هذا المجلس لأكشف ظلامة وأقضي حاجة وأنت يا صدر الإسلام أحق بهذه المأثرة وأولى بهذه وأحرى فأعد جوابا لتلك المسئلة فإن السائل الله تعالى الذي تكاد السموات يتفطرن منه في موقف ما فيه إلا خاشع أو خاضع أو مقنع فينخلع فيه القلب ويحكم فيه الرب ويعظم فيه الكرب ويشيب فيه الصغير ويعذل فيه الملك والوزير يوم يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا وقد استجلبت لك الدعاء وخلدت لك الثناء مع براءتي من التهمة فليس لي بحمد الله تعالى في أرض الله ضبعة ولا قرية ولا بيني وبين أحد خصومة ولا بي بحمد الله فقر ولا فاقة فلما سمع نظام الملك هذه الموعظة بكى بكاء شديدا وأمر له بمائة دينار فأبى أن يأخذها فقال فصلها إلى الفقراء فقال هم على بابك أكثر منهم على بابي ولم يأخذ شيئا
وتوفي أبو سعد يوم الاثنين ثامن عشرى ربيع الأول ودفن من الغد بمقبرة باب حرب رحمه الله تعالى
وفيها جعفر بن الحسن الدرزيجاني بفتح الدال المهملة وسكون الراء وكسر الزاي وتحتية ساكنة وجيم نسبة إلى درزيجان قرية ببغداد المقرئ الفقيه الزاهد ذكره القاضي أبو الحسين فيمن تفقه على أبيه وسمع الحديث وقال ابن شافع هو الأمار بالمعروف والنهاء عن المنكر ذو المقامات المشهودة في ذلك والمهيب بنور الأيمان واليقين لدى الملوك والمتصرفين صحب القاضي 16
أبا يعلى وتفقه عليه ثم تم على صاحبه الشريف أبي جعفر وختم عليه القرآن خلق لا يحصون كثرة وكان من عباد الله الصالحين لا تأخذه في الله لومة لائم مهيبا وقورا له حرمة عند الملوك والسلاطين ولا يتجاسر أحد أن يقدم عليه إذا أنكر منكرا وله المقامات المشهودة في ذلك مداوما للصيام واللتهجد والقيام وله ختمات كثيرة جدا كل ختمة منها في ركعة واحدة وسمع الحديث من أبي علي بن البناء وتوفي في الصلاة ساجدا في شهر ربيع الآخر بدرزيجان رحمه الله تعالى
سنة سبع وخمسمائة
فيها توفي أبو بكر الحلواني أحمد بن علي بن بدران ويعرف بحالوية ثقة زاهد متعبد روى عن القاضي أبي الطيب وطائفة
وفيها رضوان صاحب حلب بن تاج الدولة تتش بن الب أرسلان السلجوقي ومنه أخذت الفرنج أنطاكية وملك بعده ابنه الب أرسلان الأخرس
وفيها الحافظ شجاع بن فارس أبو غالب الذهلي السهرودي بضم السين المهملة وسكون الهاء وفتح الراء والواو وسكون الراء ومهملة نسبة إلى سهرورد بلد عند زنجان ثم البغدادي وله تسع وسبعون سنة نسخ ما لا يدخل تحت الحصر من التفسير والحديث والفقه وللناس حتى أنه كتب شعر ابن الحجاج سبع مرات وروى عن ابن غيلان وعبد العزيز الأزجي وخلق وتوفي في جمادى الأولى قال ابن ناصر الدين هو حافظ عمدة إمام
وفيها عبد الله بن مرزوق أبو الخير الأصم الهروي مولى شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري كان من الحفاظ الزهاد المتقنين
قاله ابن ناصر الدين
وفيها الشاشي المعروف بالمستظهري فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين شيخ الشافعية ولد بميافارقين سنة تسع وعشرين وتفقه على 17
محمد بن بيان الكازروني ثم لزم ببغداد الشيخ أبا إسحق وابن الصباغ وصنف وأفتى وولى تدريس النظامية وتوفي في شوال ودفن عند الشيخ أبي إسحق وقيل معه في قبر واحد ومن تصانيفه حلية العلماء وسماه المستظهري وغيره وانتهت إليه رياسة الشافعية بعد انقراض مشايخه فكان ينشد
) خلت الديار فسدت غير مسود
ومن العناء تفردي بالسؤدد )
ذكره في بعض دروسه ووضع المنديل على عينيه وبكى بكاء شديدا قال ابن شهبة كان مهيبا وقورا متواضعا ورعا وكان يلقب بين الطلبة في حداثته بالجنيد لشدة ورعه وله شعر حسن وقع بينه وبين الدامغاني فأنشأ فيه الشاشي
) حجاب وإعجاب وفرط تصلف
ومد يد نحو العلا بتكلف )
) ولو كان هذا من وراء كفاية
لهان ولكن من وراء تخلف )
ومن تصانيفه الشافي في شرح الشامل في عشرين مجلدا ومات وقد بقي منه نحو الخمس وكتاب الحلية في مجلدين وذكر فيه خلافا كثيرا للعلماء صنفه للخليفة المستظهر بالله ولذلك يلقب بالمستظهري وتصنيف لطيف في السريجية واختار فيه عدم الوقوع
انتهى ملخصا
وفيها أبو منصور علي بن محمد بن علي بن إسماعيل الأنباري القاضي الفقيه الحنبلي الواعظ ولد يوم الخميس خامس عشرى ذي الحجة سنة خمس وعشرين وأربعمائة وقرأ القرآن على ابن الشرمقاني وسمع الحديث من أبي طالب بن غيلان والجوهري وأبي إسحق البرمكي وأبي بكر بن بشران وغيرهم وسمع من القاضي أبي يعلى وتفقه عليه حتى برع في الفقه وأفتى ووعظ وكان مظهرا للسنة في مجالسه وشهد عند ابن الدامغاني وأبي بكر السامي وغيرهما وولى القضاء بباب الطلق وحدث وانتشرت الرواية عنه روى عنه عبد الرهاب الأنماطي والسلفي وغيرهما وتوفي يوم السبت رابع عشرى جمادى الآخرة ودفن من الغد بمقبرة باب حرب وتبعه من الخلق ما لا يحصى كثرة 18
ولا يعدهم إلا أسرع الحاسبين
قاله ابن رجب
وفيها أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي بن أحمد الشيباني المقدسي الحافظ القيسراني ذو الرحلة الواسعة والتصانيف والتعاليق عاش ستين سنة وسمع بالقدس أولا من ابن ورقاء وببغداد من أبي محمد الصريفيني وبنيسابور من الفضل بن المحب وبهراة من بيبي وبأصبهان وشيراز والري ودمشق ومصر من هذه الطبقة وكان من أسرع الناس كتابة وأذكاهم وأعرفهم بالحديث والله يرحمه ويسامحه
قاله الذهبي وقال إسماعيل محمد بن الفضل الحافظ أحفظ من رأيت محمد بن طاهر وقال السلفي سمعت ابن طاهر يقول كتبت البخاري ومسلم وأبا داود وابن ماجه سبع مرات بالوراقة وقال الحافظ ابن ناصر الدين كان حافظا مكثرا جوالا في البلاد كثير الكتابة جيد المعرفة ثقة في نفسه حسن الانتقاد ولولا ما ذهب إليه من إباحة السماع لانعقد على ثقته الإجماع
وفيها أبو المظفر الأيبوردي بفتح الهمزة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء التحتية وفتح الواو وسكون الراء وبعدها دال مهملة نسبة إلى أيبورد ويقال لها أبا ورد وباورد وهي بلدة بخراسان محمد بن أبي العباس أحمد بن إسحق الأموي المعاوي اللغوي الشاعر الأخباري النسابة صاحب التصانيف والبلاغة والفصاحة وكان رئيسا عالي الهمة ذا بأو وتيه وصلف وتوفي بأصبهان مسموما
قاله في العبر وقال ابن خلكان كان من الأدباء المشاهير راوية نسابة شاعرا ظريفا قسم ديوانه إلى أقسام منها العراقيات ومنها 19
الوجديات ومنها النجديات وغير ذلك وكان من أخبر الناس بعلم الأنساب نقل عنه الحفاظ الأثبات الثقات وقد روى عنه أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي في غير موضع من كتابه الذي وضعه في الأنساب وقال في حقه في ترجمة المعاوي أنه كان أوحد أهل زمانه في علوم عدة وقد أوردنا عنه في غير موضع من هذا الكتاب أشياء وكان يكتب في نسبه المعاوي وأليق ما وصف به بيت أبي العلاء المعري
) وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تستطعه الأوائل )
انتهى كلام المقدسي وذكره أبو زكريا بن مندة في تاريخ أصبهان فقال فخر الرؤساء أفضل الدولة حسن الاعتقاد جميل الطريقة يتصرف في فنون جمة من العلوم عارف بأنساب العرب فصيح الكلام حاذق في تصنيف الكتب وافر العقل كامل الفضل فريد دهره ووحيد عصره وكان فيه تيه وكبر وعزة نفس وكان إذا صلى يقول اللهم ملكني مشارق الأرض ومغاربها
وذكر عنه ابن السمعاني أنه كتب رقعة إلى أمير المؤمنين المستظهر بالله وعلى رأسها الخادم المعاوي فكره الخليفة النسبة إلى معاوية فحك الميم ورد الرقعة إليه فصار العاوي
ومن محاسن شعره
) ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت
لنا رغبة أو رهبة عظماؤها )
) فلما انتهت أيامنا علقت بنا
شدائد أيام قليل رجاؤها )
) وكان إلينا في السرور ابتسامها
فصار علينا في الهموم بكاؤها )
) وصرنا نلاقي النائبات بأوجه
رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها )
) إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت
علينا الليالي لم يدعنا حياؤها )
وقوله أيضا
) تنكر بي دهري ولم يدر أنني
أعز وأحداث الزمان تهون )
) فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه
وبت أريه الصبر كيف يكون ) 20
ومن شعره
) وهيفاء لا أصغي إلى من يلومني
عليها ويغريني بها أن أعيبها )
) أميل بإحدى مقلتي إذا بدت
إليها وبالأخرى أراعي رقيبها )
) وقد غفل الواشي فلم يدر أنني
أخذت لعيني من سليمى نصيبها )
ومن معانيه البديعة قوله من جملة أبيات في وصف الخمرة
) ولها من ذاتها طرب
فلهذا يرقص الحبب )
وله من قصيدة
) فسد الزمان فكل من صاحبته
راج ينافق أو مداج خاشي )
) وإذا اختبرتهم ظفرت بباطن
متهجم وبظاهر هشاش )
وله تصانيف كثيرة منها تاريخ ابيورد ونسا والمختلف والمؤتلف في أنساب العرب وله في اللغة مصنفات لم يسبق إلى مثلها وكان حسن السيرة جميل الأمر وكانت وفاته يوم الخميس بين الظهر والعصر عشرى ربيع الأول مسموما بأصبهان
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا
وفيها ابن اللبابة أبو بكر محمد بن عيسى اللخمي الأندلسي الأديب من جملة الأدباء وفحول الشعراء له تصانيف عديدة في الآداب وكان من شعراء دولة المعتمد بن عباد
قاله في العبر
وفيها المؤتمن بن أحمد بن علي بن نصر الربعي البغدادي الحافظ ويعرف بالساجي حافظ محقق واسع الرحلة كثير الكتابة متين الورع والديانة روى عن أبي الحسين بن النقور وأبي بكر الخطيب وطبقتهما بالشام والعراق وأصبهان وخراسان وتفقه وكتب الشامل عن مؤلفة ابن الصباغ وتوفي في صفر عن اثنتين وستين سنة وكان قانعا متعففا
وفيها كما قال السيوطي في تاريخ الخلفاء جاء صاحب الأندلس مودود 21
بعسكر ليقاتل ملك الفرنج الذي بالقدس فوقع بينهم معركة هائلة ثم رجع مودود إلى دمشق فصلى الجمعة يوما في الجامع وإذا بباطني وثب عليه فجرحه فمات من يومه فكتب ملك الفرنج إلى صاحب دمشق كتابا فيه وإن أمة قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها
انتهى كلام السيوطي ومودود هذا غير مودود الأعرج صاحب الموصل أيضا فإن ذاك توفي سنة خمس وستين وخمسمائة كما يأتي إن شاء الله تعالى
سنة ثمان وخمسمائة
فيها كما قال في الشذور ورد كتاب أنه حدث زلزلة فوقع من سور الرها ثلاثة عشر برجا وبعض سور حران وخسف بسميساط وتساقط في بالس نحو مائة دار وقلب نصف القلعة
وفيها هلك بغدوين صاحب القدس من جراحة أصابته يوم مصاف طبرية
وفيها مات أحمد بك صاحب مراغة وكان شجاعا جوادا وعسكره خمسة آلاف فتكت به الباطنية
وفيها أحمد بن محمد بن غلبون أبو عبد الله الخولاني القرطبي ثم الإشبيلي وله تسعون سنة سمعه أبوه معه من عثمان بن أحمد القيشاطي وطائفة وأجاز له 22
يونس بن عبد الله بن مغيث وأبو عمر الطلمنكي وأبو ذر الهروي والآبار وكان صالحا خيرا عالي الإسناد منفردا وفيها أبو حازم إسماعيل بن المبرك بن أحمد بن محمد بن وصيف البغدادي الفقيه الحنبلي ولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة وقرأ الفقه على القاضي أبي يعلى وسمع من أبي العشارى والجوهري وروى عنه ابن المعمري الأنصاري وبالإجازة ابن كليب وتوفي في رجب
وفيها أبو العباس المخلطي بالضم وفتح الخاء واللام المشددة نسبة إلى بيع المخلط وهو الفاكهة اليابسة أحمد بن الحسن بن أحمد البغدادي الفقيه الحنبلي صحب القاضي أبا يعلى وتفقه عليه ولازمه وسمع منه الحديث وكتب الخلاف وغيره من تصانيفه وسمع أيضا من أبي الحسين بن المهتدي وابن المسلمة وغيرهم وحدث عنهم قال ابن ناصر الحافظ وسمعت منه قال وكان رجلا صالحا من أهل القرآن والستر والصيانة ثقة مأمونا توفي ليلة الأربعاء ثاني عشر جمادى الأولى ودفن من الغد بمقبرة باب حرب رحمه الله تعالى
وفيها أبو علي إسماعيل بن محمد بن الحسن بن داود الأصبهاني الخياط الفقيه الحنبلي دخل بغداد سنة سبع وخمسمائة وحدث بها عن والده وعن أبي بكر محمد بن أحمد بن الحسن بن ماجه وأبي مطيع المصري وغيرهم سمع منه أبو منصور محمد بن ناصر البردني وقال كان من الأئمة الكبار وهو أخو أبي سعد محمد بن أحمد بن داود قال ابن النجار قرأت بخط أخيه أبي سعيد توفي أخي أبو علي إسماعيل في العشر الآخر من جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسمائة رحمه الله تعالى
وفيها ألب أرسلان صاحب حلب وابن صاحبها رضوان بن تتش السلجوقي التركي تملك وله ست عشرة سنة فقتل أخويه بتدبير الباب لولو وقتل جماعة من الباطنية وكانوا قد كثروا في دولة أبيه ثم قدم دمشق ونزل 23
بقلعتها ثم رجع وفي خدمته طغتكين وكان سيئ السيرة فاسقا فقتله البابا وأقام أخا له طفلا له ست سنين ثم قتل البابا سنة عشر
وفيها أبو الوحش سبيع بن المسلم الدمشقي المقرئ الضرير ويعرف بابن قيراط قرأ لابن عامر علي الأهوازي ورشأ وروى الحديث عنهما وعن عبد الوهاب بن برهان وكان يقرئ من السحر إلى الظهر توفي في شعبان عن تسع وثمانين سنة
وفيها النسيب أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس الحسيني الدمشقي الخطيب الرئيس المحدث صاحب الأجزاء العشرين التي خرجها له الخطيب توفي في ربيع الآخر عن أربع وثمانين سنة قرأ على الأهوازي وروى عنه وعن سليم ورشأ وخلق وكان ثقة نبيلا محتشما مهيبا سديدا شريفا صاحب حديث وسنة
وفيها السلطان علاء الدولة مسعود صاحب الهند وغزنة ولد السلطان إبراهيم بن السلطان مسعود بن السلطان الكبير محمود بن سبكتكين مات في شوال وتملك بعده ولده أرسلان شاه
سنة تسع وخمسمائة
فيها توفي ابن مسلمة أبو عثمان إسماعيل بن محمد الأصبهاني الواعظ المحتسب صاحب تلك المجالس قال ابن ناصر وضع حديثا وكان يخلط وقال الذهبي وروى عن ابن ريذة وجماعة
وفيها أبو شجاع الديلمي شيرويه بن شهردار بن شيرويه بن فناخسرو بفاء ونون وخاء معجمة وسين وراء مهملتين بعدهما واو الهمذاني الحافظ صاحب 24
كتاب الفردوس وتاريخ همذان وغير ذلك توفي في رجب عن أربع وسبعين سنة وغيره أتقن منه سمع الكثير من يوسف بن محمد المستملى وطبقته وقال ابن شهبة في طبقات الشافعية هو من ولد الضحاك بن فيروز الصحابي ذكره ابن الصلاح فقال كان محدثا واسع الرحلة حسن الخلق والخلق ذكيا صلبا في السنة قليل الكلام صنف تصانيف اشتهرت عنه منها كتاب الفردوس وكتاب في حكايات المنامات وكتاب في تاريخ همذان ولد سنة خمس وأربعين وأربعمائة وتوفي في رجب سنة تسع وخمسمائة
انتهى
وفيها غيث بن علي أبو الفرج الصوري الأرمنازي خطيب صور ومحدثها روى عن أبي بكر الخطيب ورحل إلى دمشق ومصر وعاش ستا وستين سنة
وفيها الشريف أبو يعلى بن الهبارية بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف راء نسبة إلى هبار جد أبي يعلى المذكور محمد بن محمد بن صالح الهاشمي الشاعر المشهور الهجاء الملقب نظام الدين البغدادي كان شاعرا مجيدا حسن المقاصد لكنه خبيث اللسان كثير الهجاء والوقوع في الناس لا يكاد يسلم من لسانه أحد ذكره العماد الكاتب في الخريدة فقال من شعراء نظام الملك غلب على شعره الهجاء والهزل والسخف وسبك في قالب ابن حجاج
وسلك أسلوبه وفاقه في الخلاعة والتلطف في شعره وشعره في غاية الحسن انتهى كلام العماد وكان ملازما لخدمة نظام الملك وولده ملكشاه
ومن معاني شعره الغريبة قوله
) قالوا أقمت وما رزقت وإنما
بالسير يكتسب اللبيب ويرزق )
) فأجبتهم ما كل سير نافعا
الحظ ينفع لا الرحيل المقلق )
) كم سفرة نفعت وأخرى مثلها
خسرت ويكتسب الحريص ويخفق )
) كالبدر يكتسب الكمال بسيره
وبه إذا حرم السعادة يمحق )
وله أيضا 25
) خذ جملة البلوى تفصيلها
ما في البرية كلها إنسان )
) وإذا البيادق في الدسوت تفرزنت
فالرأي أن يتبيدق الفرزان )
وله على سبيل الخلاعة والمجون
) يقول أبو سعيد إذ رآني
عفيفا منذ عام ما شربت )
) على يد أي شيخ تبت قل لي
فقلت على يد الأفلاس تبت )
وله في المعنى أيضا
) رأيت في الليل وهي ممسكة
ذقني وفي يدها شيء من الأدم )
) معوج الشكل مسود به نقط
لكن أسفله في هيئة القدم )
) حتى تنبهت محمر القذال ولو
طال المنام على الشيخ الأديب عمى )
وله كتاب تاريخ الفطنة في نظم كليلة ودمنة وديوان شعره يدخل في أربع مجلدات ومن غرائب نظمه كتاب الصادح والباغم نظمه على أسلوب كليلة ودمنة وهو أراجيز وعدد بيوته ألفا بيت نظمها في عشر سنين ولقد أجاد فيه كل الإجادة وسير الكتاب على يد ولده إلى الأمير أبي الحسن صدقة بن منصور الأسدي صاحب الحلة وختمه بهذه الأبيات
) هذا كتاب حسن
تحار فيه الفطن )
) أنفقت فيه مده
عشر سنين عده )
) منذ سمعت باسمكا
وضعته برسمكا )
) بيوته ألفان
جميعها معان )
) لفضل كل شاعر
وناظم وناثر )
) كعمر نوح التالد
في نظم بيت واحد )
) من مثله لما قدر
ما كل من قال شعر )
) أنفذته مع ولدي
بل مهجتي وكبدي )
) وأنت عند ظني
أهل لكل من ) 26
) وقد طوى إليكا
توكلا عليكا )
) مشقة شديده
وشقة بعيده )
) ولو تركت جئت
سعيا وما ونيت )
) إن الفخار والعلى
أرتك من دون الورى )
فأجزل صلته وأسنى جائزته وتوفي ابن الهبارية بكرمان
وفيها أبو البركات بن السقطي هبة الله بن المبارك البغدادي الحنبلي اتهمه بالوضع ابن حجر في كتابه تبيين العجب بما ورد في شهر رجب وقال عن السقطي هذا آفة يعني في وضع الأحاديث قال في العبر أحد المحدثين الضعفاء له معجم في مجلد كذبه ابن ناصر
وفيها أبو البركات العسال محمد بن سعد بن سعيد المقرئ الحنبلي ابن الحنبلي ولد في ربيع الآخر سنة ستين وأربعمائة وقرأ بالروايات على رزق الله التميمي وغيره وسمع من أبي نصر الزينبي وأبي الغنائم وغيرهما وعلق الفقه على ابن عقيل وكان من القراء المجودين الموصوفين بحسن الأداء وطيب النغمة يقصد في رمضان لسماع قراءته في صلاة التراويح من الأماكن البعيدة وكان دينا صالحا صدوقا وسمع منه ابن ناصر والسلفي وقال كتب الحديث الكثير معنا وقبلنا وهو حنبلي المذهب علق الفقه على ابن عقيل وتوفي يوم الثلاثاء سابع رمضان
وفيها يحيى بن تميم بن المعز بن باديس السلطان أبو طاهر الحميري صاحب إفريقية نشر العدل وافتتح عدة حصون لم يتهيأ لأبيه فتحها وكان جوادا ممدحا عالما كثير المطالعة توفي فجاءة يوم الأضحى وخلف ثلاثين ابنا فتملك بعده ابنه علي ستة أعوام ومات فملكوا بعده ابنه الحسن بن علي وهو مراهق فامتدت دولته إلى أن أخذت الفرنج طرابلس الغرب بالسيف سنة إحدى وأربعين وخمسمائة فخاف وفر من المهدية والتجأ عبد المؤمن
قاله في العبر 27
سنة عشر وخمسمائة
فيها توفي أبو الكرم خميس بن علي الواسطي الحوزي نسبة إلى الحوز قرية قرب واسط الحافظ محدث واسط رحل وسمع ببغداد من أبي القاسم بن البسري وكان عالما فاضلا ثقة شاعرا
وفيها أبو بكر الشيروي بالكسر والضم نسبة إلى شيرويه جد عبد الغافر بن محمد بن حسين بن علي بن شيرويه النيسابوري التاجر مسند خراسان وآخر من حدث عن الحيري والصيرفي صاحبي الأصم توفي في ذي الحجة عن ست وتسعين سنة قال السمعاني كان صالحا عابدا رحل إليه من البلاد
وفيها أبو القاسم الرزاز علي بن أحمد بن محمد بن بيان مسند العراق وآخر من حدث عن أبي مخلد البزار وطلحة الكتاني والحرقي توفي في شعبان عن سبع وتسعين سنة
وفيها الغسال أبو الخير المبارك بن الحسين البغدادي المقرئ الأديب شيخ الإقراء ببغداد قرأ على أبي بكر محمد بن علي الخياط وجماعة وبواسط على غلام الهراس وحدث عن أبي محمد الخلال وجماعة ومات في جمادى الأولى عن بضع وثمانين سنة
وفيها أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلواذي بفتح أوله والواو ومعجمة وسكون اللام نسبة إلى كلواذى قرية ببغداد ثم الأزجي شيخ الحنابلة صاحب التصانيف كان إماما علامة ورعا صالحا وافر العقل غزير العلم حسن المحاضرة جيد النظم تفقه على القاضي أبي يعلى وحدث عن الجوهري وتخرج به أئمة روى عنه ابن ناصر وأبو المعمر الأنصاري 28
وغيرهم وقرأ عليه الفقه جماعة من أئمة المذهب منهم عبد الوهاب بن حمزة وأبو بكر الدينوري والشيخ عبد القادر الجيلي الزاهد صاحب الغنيمة وغيرهم قال أبو بكر بن النقور كان الكيا الهراسي إذا رأى الشيخ أبا الخطاب مقبلا قال قد جاء الفقه وقال السلفي أبو الخطاب من أئمة أصحاب أحمد يفتي في مذهبه ويناظر وكان عدلا رضا ثقة وذكر ابن السمعاني أن أبا الخطاب جاءته فتوى في بيتي شعر وهما
) قل للإمام أبي الخطاب مسئلة
جاءت إليك وما يرجى سواك لها )
) ماذا على رجل رام الصلاة فمذ
لاحت لناظره ذات الجمال لها )
فكتب عليها أبو الخطاب
) قل للأديب الذي وافى بمسئلة
سرت فؤادي لما أن أصحت لها )
) أن التي فتنته عن عبادته
خريدة ذات حسن فانثني ولها )
) أن تاب ثم قضى عنه عبادته
فرحمة الله تغشى من عصى ولها )
توفي رحمه الله تعالى في آخر يوم الأربعاء عشرى جمادى الآخرة وترك يوم الخميس وصلى عليه يوم الجمعة في جامع القصر ودفن إلى جانب قبر الإمام أحمد قال ابن رجب قرأت بخط أبي العباس بن تيمية في تعاليقه القديمة رؤى الإمام أبو الخطاب في المنام فقيل له ما فعل الله بك فأنشد
) أتيت ربي بمثل هذا
فقال ذا المذهب الرشيد )
) محفوظ نم في الجنان حتى
ينقلك السائق الشهيد )
وفيها أبو نصر محمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء البغدادي الواعظ ولد في حادي عشرى صفر سنة أربع وثلاثين وأربعمائة وسمع من الجوهري وأبي بكر بن بشران والعشارى ووالده وغيرهم وتفقه على أبيه وروى عنه أبو المعمر الأنصاري وابن ناصر وأثنى عليه ووثقه وكان من أهل الدين والصدق والعلم والمعرفة وخلف أباه في حلقتيه بجامع القصر 29
وجامع المنصور وتوفي ليلة الأربعاء خامس عشر ربيع الأول ودفن بباب حرب
وفيها أبو طاهر الحناني محمد بن الحسين بن محمد الدمشقي من بيت الحديث والعدالة سمع أباه أبا القاسم ومحمد وأحمد ابني عبد الرحمن بن أبي نصر وابن سعدان وطائفة وتوفي في جمادى الآخرة عن سبع وسبعين سنة
وفيها أبي النرسي أبو الغنايم محمد بن علي بن ميمون الكوفي الحافظ القارئ لقب أبيا لجودة قراءته وكان ثقة مكثرا ذا إتقان روى عن محمد ابن علي بن عبد الرحمن العلوي وطبقته بالكوفة وعن أبي إسحق البرمكي وطبقته ببغداد وناب في خطابة الكوفة وكان يقول ما بالكوفة من أهل السنة والحديث إلا أنا وقال ابن ناصر كان حافظا متقنا ما رأينا مثله كان يتهجد ويقوم الليل وكان أبو عامر الغندري يثني عليه ويقول ختم به هذا الشأن توفي في شعبان عن ست وثمانين سنة وكان ينسخ ويتعفف
وفيها أبو بكر السمعاني تاج الإسلام محمد بن العلامة أبي المظفر منصور بن محمد التميمي المروزي الحافظ والد الحافظ أبي سعد كان بارعا في الحديث ومعرفته والفقه ودقائقه وكان شافعيا والأدب وفنونه والتاريخ والنسب والوعظ روى عن محمد بن أبي عمران الصفار ورحل فسمع ببغداد من ثابت بن بندار وطبقته وبنيسابور من نصر الله الخشنامي وطبقته وبأصبهان والكوفة والحجاز وأملى الكثير وتقدم على أقرانه وعاش ثلاثا وأربعين سنة قال عبد الغافر في الذيل هو الإمام ابن الإمام ابن الإمام ووالد الإمام شاب نشأ في عبادة الله تعالى وفي التحصيل من صباه حتى أرضى أباه حظي من الأدب والعربية وتميز فيهما نظما ونثرا بأعلى المراتب ثم برع في الفقه مستدرا خلافه من أبيه بالغا في المذهب والخلاف أقصى مراميه وزاد على أقرانه وأهل عصره بالتبحر في علم الحديث ومعرفة الرجال والأسانيد وحفظ المتون وجمعت فيه الخلال الجميلة من الإنصاف والتواضع والتودد وأطال في وصفه 30
كثيرا وذكره ولده في الذيل وقال من جملة كلام طويل صنف في الأحاديث تصانيف كثيرة ولد سنة ست وستين وأربعمائة وتوفي بمرو في صفر سنة عشر وخمسمائة وله شعر كثير قيل أنه غسله قبل موته وأن الذي ينسب إليه ما كان محفوظا عنه
سنة إحدى عشرة وخمسمائة
فيها كما قال في الشذور زلزلت بغداد يوم عرفة فكانت الحيطان تذهب وتجيء وكان عقيبها موت المستظهر
انتهى
وفيها كما قال في الدول جاء سيل عظيم عرم على سجار هدم أسوارها وغرق خلق وحمل باب البلد مسيرة نصف يوم وطمره السيل سنوات وحمل السيل سريرا فيه طفل فعلق بزيتونة وعاش الطفل وكبر
وفيها مات بغدوين الذي افتتح القدس وكان جبارا خبيثا شجاعا هم بأخذ مصر وسار في جموعه حتى وصل بلبيس ثم رجع عليلا فمات بصنجة بردويل فشقوه وصبروه ورموا حشوته هناك فهي ترجم إلى اليوم ودفن بقمامة وتملك القدس بعده القمص صاحب الرها وكان قدم القدس زائرا فوصى بغدوين له بالملك بعده
انتهى كلام صاحب الدول
وفيها كما قال في العبر ترحلت العساكر عن حصار الباطنية بالألموت لما بلغهم موت السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بن جعفر بيك بن ميكائيل بن سلجوق التركي غياث الدين أبو شجاع كان فارسا شجاعا فحلا ذا بر ومعروف استقل بالملك بعد موت أخيه بر كياروق وقد تمت لهما حروب عديدة وخلف محمد أربعة قد ولوا السلطنة محمود وسعود وطغرلبك وسليمان ودفن في ذي الحجة بأصبهان في مدرسة عظيمة للحنفية وقام بعده ابنه محمود ابن أربع عشرة سنة ففرق الأموال وقد خلف محمد أحد عشر ألف ألف دينار سوى ما يناسبها 31
من الحواصل وعاش وثمانين سنة سامحه الله تعالى
انتهى
وفيها توفي حمد بن نصر بن أحمد بن محمد بن عمر بن علي بن معروف الهمذاني الأعمش أبو العلاء كان ثقة عمدة حافظا
قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو نصر الكاساني بمهملة نسبة إلى كاسان بلد وراء الشاش أحمد بن إسماعيل بن نصر بن أبي سعيد أخذ عن جماعة من الأعيان بالعراق والحجاز وسمرقند وخراسان
وفيها أبو طاهر عبد الرحمن بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف اليوسفي البغدادي راوي سنن الدار قطني عن أبي بكر بن بشران عنه وكان رئيسا وافر الجلالة توفي في شوال عن ست وسبعين سنة
وفيها أبو القاسم غانم بن محمد بن عبيد الله البرجي وبرج من قرى أصبهان سمع أبا نعيم الحافظ وأجاز له ابن شاذان والحسين الحمال وكان صدوقا فاضلا توفي في ذي القعدة عن أربع وتسعين سنة
وفيها أبو علي بن نبهان الكاتب محمد بن سعيد بن إبراهيم الكرخي مسند العراق روى عن ابن شاذان وبشرى الفاتني وابن دوما وهو آخر أصحابهم قال ابن ناصر فيه تشيع وسماعه صحيح بقي قبل موته سنة ملقى على ظهره لا يعقل ولا يفهم وذلك من أول سنة إحدى عشرة وتوفي في شوال وله مائة سنة كاملة وله شعر وأدب
وفيها أبو الفضل محمد بن علي بن محمد بن زببيا الحرقي البزار الفقيه الحنبلي ولد في العشر الأخير من المحرم سنة ست وثلاثين وأربعمائة وسمع من القاضي أبي يعلى والجوهري وابن المذهب وغيرهم وحدث وروى عنه 32
السلفي وجماعة كثيرة منهم ابن ناصر وذكر عنه أنه يعتقد عقيدة الفلاسفة تقليدا عن غير معرفة نسأل الله العافية وقال ابن الجوزي قال شيخنا بن ناصر لم يكن بحجة على غير السمت المستقيم توفي ليلة السبت تاسع شوال سامحه الله ورحمه
وفيها أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن الحافظ محمد بن إسحق بن مندة العبدي الأصبهاني الحافظ الحنبلي صاحب التاريخ روى الكثير عن جماعة منهم أبوه وعماه وابن ريذة وسمع منه المعجم الكبير للطبراني وخلق وسمع منه الكبار منهم الحافظ أبو القاسم إسماعيل التميمي ومحمد بن عبد الواحد الدقاق وخلق لا يحصون وقدم بغداد حاجا في الشيخوخة فأملى وحدث بها وأسمع بها أبا منصور الخياط وأبا الحسين بن الطيوري وهما أسن منه وأقدم إسنادا وسمع منه بها أيضا ابن ناصر وعبد الوهاب الأنماطي والشيخ عبد القادر الجيلي وابن الخشاب والحافظ السلفي وقال فيه يمدحه
) أن يحيى فديته من إمام
حافظ متقن تقي حليم )
) جمع النبل والأصالة والعقل
وفي العلم فوق كل عليم )
وقال عبد الغافر في تاريخ نيسابور هو رجل فاضل من بيت العلم والحديث المشهور في الدنيا سمع من مشايخ أصبهان وسافر ودخل نيسابور وأدرك المشايخ وسمع منهم وجمع وصنف على الصحيحين وعاد إلى بلده وقال ابن السمعاني في حقه جليل القدر وافر الفضل واسع الرواية ثقة حافظ فاضل مكثر صدوق كثير التصانيف حسن السيرة بعيد التكليف أوحد بيته في عصره صنف تاريخ أصبهان وغيره من المجموع قال ابن رجب صنف مناقب العباس في أجزاء كثيرة ومناقب أحمد رضي الله عنه في مجلد كبير وتوفي في ذي الحجة وله أربع وسبعون وآخر أصحابه الطرسوسي 33
سنة اثنتي عشرة وخمسمائة
في الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر توفي الإمام المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المقتدي بالله عبد الله بن الأمير محمد بن القاسم العباسي وله اثنتان وأربعون سنة وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة وثلاثة أشعر وكان قوي الكتابة جيد الأدب والفضيلة كريم الأخلاق مسارعا في أعمال البر توفي الخوانيق وغسله ابن عقيل شيخ الحنابلة وصلى عليه ابنه المسترشد بالله وخلف جماعة أولاد وتوفيت جدته أرجوان بعده بيسير وهي سرية محمد الذخيرة
قاله في العبر وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء ولد في شوال سنة سبعين وأربعمائة وبويع له عند موت أبيه وله ست عشرة سنة قال ابن الأثير كان لين الجانب كريم الأخلاق يسارع في أعمال البر حسن الخط جيد التوقيعات لا يقاربه فيها أحد يدل على فضل غزير وعلم واسع سمحا جوادا محبا للعلماء والصلحاء ولم تصف له الخلافة بل كانت أيامه مضطربة كثيرة الحروب ومن شعره
) أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا
يوما مددت إلى رسم الوداع يدا )
) وكيف أسلك نهج الاصطبار وقد
أرى طرائق من يهوى الهوى قددا )
) إن كنت انقض عهد الحب يا سكنى
من بعد حبي فلا عاينتكم أبدا )
انتهى كلام السيوطي ملخصا
وفيها شمس الأئمة أبو الفضل بكر بن محمد بن علي الأنصاري الجابري الزرنجري بفتح الزاي والراء والجيم وسكون النون نسبة إلى زرنجري قرية ببخارى الفقيه شيخ الحنفية بما وراء النهر وعالم تلك الديار ومن كان يضرب به المثل في حفظ مذهب أبي حنيفة ولد سنة سبع وعشرين وأربعمائة وتفقه على شمس الأئمة محمد بن أبي سهل السرخسي وشمس الأئمة عبد العزيز بن أحمد 34
الحلواني وشمع من أبيه ومن أبي مسعود البجلي وطائفة وروى البخاري عن أبي سهل الأبيوردي عن ابن حاجب الكشاني
وفيها نور الهدى أبو طالب الحسين بن محمد الزينبي أخو طراد توفي في صفر وله اثنتان وتسعون سنة وكان شيخ الحنفية ورئيسهم بالعراق روى عن ابن غيلان وطبقته وحدث بالصحيح غير مرة عن كريمة المروزية وكان صدرا نبيلا علامة
وفيها أبو القاسم الأنصاري العلامة سلمان بن ناصر بن عمران النيسابوري الشافعي المتكلم تلميذ إمام الحرمين وصاحب التصانيف وكان صوفيا زاهدا من أصحاب القشيري روى الحديث عن أبي الحسين عبد الغافر الفارسي وجماعة وتوفي في جمادى الآخرة
قال ابن شهبة كان فقيها إماما في علم الكلام والتفسير زاهدا ورعا يكتسب من خطه ولا يخالط أحدا وشرح الإرشاد للإمام وله كتاب الغنية أصابه في آخر عمره ضعف في بصره ويسير وقر في أذنه
انتهى ملخصا
وفيها أبو البركات العاقولي طلحة بن أحمد بن طلحة بن أحمد بن الحسين بن سليمان الفقيه الحنبلي القاضي ولد يوم الجمعة بعد صلاتها ثالث عشرى شعبان سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة بدير العاقول وهي على خمسة عشر فرسخا من بغداد ودخل بغداد سنة ثمان وأربعين وأربعمائة واشتغل بالعلم سنة اثنتين وخمسين وسمع من أبي محمد الجوهري سنة ثلاث وخمسين ومن القاضي أبي يعلى وأبي الحسين بن حسنون وغيرهم قال ابن الجوزي قرأ الفقه على القاضي يعقوب وهو من متقدمي أصحابه وكان عارفا بالمذهب حسن المناظرة وقال ابن شافع سماعه صحيح وكان ثقة أمينا ومضى على السلامة والستر وقال ابن رجب روى عنه ابن ناصر والشيخ عبد القادر بالإجازة وتوفي طلحة العاقولي ليلة الثلاثاء ثاني 35
أو ثالث شعبان
وفيها عبيد بن محمد بن عبيد أبو العلاء القشيري التاجر مسند نيسابور روى عن أبي حسان المزكي وعبد الرحمن النصروي وطائفة ودخل المغرب للتجارة وحدث هناك توفي في شعبان وله خمس وتسعون سنة
وفيها أبو القاسم بن الشواء يحيى بن عثمان بن الحسين بن عثمان بن عبد الله البيع الأزجي الفقيه الحنبلي
ولد في شوال سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة وقرأ القرآن بالروايات وسمع من ابن المهتدي وابن المسلمة والجوهري والقاضي أبي يعلى وغيرهم وتفقه على القاضي أبي يعلى ثم على القاضي يعقوب وكان فقيها حسنا صحيح السماع وحدث بشيء يسير وروى عنه ابن المعمر الأنصاري في معجمه وتوفي ليلة الثلاثاء تاسع عشر جمادى الآخرة ودفن بمقبرة باب حرب رحمه الله تعالى
سنة ثلاث عشرة وخمسمائة
قال في العبر فيها ظهر قبر إبراهيم خليل الله عليه الصلاة والسلام وإسحق ويعقوب ورآهم جماعة لم تبل أجسادهم وعندهم في تلك المغارة قناديل من ذهب وفضة
قاله حمزة بن القلانسي في تاريخه
انتهى
وفيها توفي أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الطفري شيخ الحنابلة وصاحب التصانيف ومؤلف كتاب الفنون الذي يزيد على أربعمائة مجلد وكان إماما مبرزا كثير العلوم خارق الذكاء مكبا على الاشتغال والتصنيف عديم النظير روى عن أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان قال السلفي ما رأيت مثله وما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغوارة علمه وبلاغة كلامه وقوة حجته توفي في جمادى الأولى وله ثلاث وثمانون سنة
قاله جميعه 36
في العبر وقال ابن رجب في طبقاته ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة في جمادى الآخرة كذا نقله ابن ناصر والسلفي وحفظ القرآن وقرأ بالقراءات والروايات على أبي الفتح بن شيطا وفي الزهد أبو بكر الدينوري وأبو بكر بن زيدان وأبو الحسين القزويني وذكر جماعة غيرهم من الرجال والنساء وفي أدب التصوف أبو منصور صاحب الزيادة العطار وأثنى عليه وفي الحديث ابن النوري وأبو بكر بن بشران والعشاري والجوهري وغيرهم وفي الشعر والترسل ابن شبل وابن الفضل وفي الفرائض أبو الفضل الهمذاني وفي الوعظ أبو طاهر بن العلاف صاحب ابن سمعون وفي الأصول أبو الوليد وأبو القاسم بن التبان وفي الفقه القاضي أبو يعلى المملوء عقلا وزهدا وورعا قرأت عليه سنة سبع وأربعين ولم أخل بمجالسه وخلواته التي تتسع لحضوري والمشي معه ماشيا وفي ركابه إلى أن توفي وحظيت من قربه بما لم يحظ به أحد من أصحابه مع حداثة سني والشيخ أبو إسحق الشيرازي إمام الدنيا وزاهدها وفارس المناظرة وواحدها كان يعلمني المناظرة وانتفعت بمصنفاته ومن مشايخي أبو محمد التميمي كان حسنة العالم وماشطة بغداد ومنهم أبو بكر الخطيب كان حافظ وقته كان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء وكان ذلك يحرمني علما نافعا ثم قال وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة مع عفة وتقى ولا أزاحم فقيها في حلقة ولا تطلب نفسي رتبة من رتب أهل العلم القاطعة لي عن الفائدة وتقلبت على الدول فما أخذتني دولة سلطان ولا عامة عما اعتقد أنه ألحق فأوذيت من أصحابي حتى طلب الدم وأوذيت في دولة النظام بالطلب والحبس فيا من خفت الكل لأجله لا تخيب ظني فيك وعصمني الله تعالى في عنفوان شبابي بأنواع العصمة وقصر محبتي على العلم وأهله فما خالطت لعابا قط ولا عاشرت من أمثالي في طلبة العلم
والأذية 37
التي ذكرها من أصحابه له وطلبهم منه هجران جماعة من العلماء نذكر بعض شرحها وذلك أن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد وابن التباني شيخي المعتزلة وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة وتأول لبعض الصفات ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات رحمه الله ففي سنة إحدى وستين اطلعوا له على كتب فيها شيء من تعظيم المعتزلة والترحم على الحلاج وغير ذلك ووقف على ذلك الشريف أبو جعفر وغيره فاشتد ذلك عليهم وطلبوا أذاه فاختفى ثم التجأ إلى دار السلطان ولم يزل أمره في تخبيط إلى سنة خمس وستين فحضر في أولها إلى الديوان ومعه جماعة من الأصحاب واصطلحوا ولم يحضر الشريف أبو جعفر فمضى ابن عقيل إلى بيته وصالحه وكتب خطه بالتبري من موالاة أهل البدع والترحم على أمواتهم وعلى الحلاج وأمثاله وأشهد عليه جماعة كثيرة من الشهود والعلماء
قال ابن الجوزي وأفتى ابن عقيل ودرس وناظر الفحول واستفتى في الديوان في زمن القائم في زمرة من الكبار وجمع علم الفروع والأصول وصنف فيها الكتب الكبار وكان دائم التشاغل بالعلم حتى أني رأيت بخطه أني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي وأنا منطرح فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره وقال ابن الجوزي أيضا وكان ابن عقيل قوي الدين حافظا للحدود وكان كريما ينفق ما يجد فلم يخلف سوى كتبه وثياب بدنه وكانت بمقدار كفنه وأداء دينه
انتهى
وكان رحمه الله تعالى بارعا في الفقه وأصوله له في ذلك استنباطات عظيمة حسنة وتحريرات كثيرة مستحسنة وله تصانيف كثيرة في أنواع العلم وأكبر تصانيفه كتاب الفنون وهو كبير جدا فيه فوائد كثيرة جليلة في الوعظ والتفسير والفقه والأصلين والنحو واللغة 38
والشعر والتاريخ والحكايات وفيه مناظراته ومجلسه التي وقعت له وخواطره ونتائج فكره قيدها فيه قال ابن الجوزي وهذا الكتاب مائتا مجلد وقال عبد الرزاق الرسغي في تفسيره قال لي أبو البقاء اللغوي سمعت الشيخ أبا حكيم النهرواني يقول وقفت على السفر الرابع بعد الثلثمائة من كتاب الفنون وقال الحافظ الذهبي في تاريخه لم يصنف في الدنيا أكبر من هذا الكتاب حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة وقال بعضهم هو ثمانمائة مجلد وله في الفقه كتاب الفصول ويسمى كفاية المفتي في عشر مجلدات وله كتب كثيرة غير ذلك قال السلفي ما رأت عيناي مثل الشيخ أبي الوفاء بن عقيل ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه وحسن إيراده وبلاغة كلامه وقوة حججه ولقد تكلم يوما مع شيخنا أبي الحسن الكيا الهراسي في مسألة فقال له شيخنا ليس هذا بمذهبك فقال أنا لي اجتهاد متى طالبني خصمي بحجة كان عندي ما أدفع به عن نفسي وأقول له بحجتي
انتهى
وكان ابن عقيل كثير التعظيم للإمام أحمد وأصحابه والرد على مخالفيهم وله مسائل كثيرة ينفرد بها منها أن الربا لا يحرى إلا في الأعيان الستة المنصوص عليها ومنها أن المشروع في عطية الأولاد التسوية بين الذكور والإناث ومنها أنه يجوز استئجار الشجر المثمر تبعا للأرض لمشقة التفريق بينهما ومنها أن الزرع والثمار التي تسقى بماء نجس طاهرة مباحة وإن لم تسق بعده بما طاهر ومنها أنه لا يجوز وطء المكاتبة وإن اشترط وطئها في عقد الكتابة ومنها أنه لا زكاة في حلى المواشط المعد للكرا إلى غير ذلك وتوفي أبو الوفاء رحمه الله تعالى بكرة الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى وصلى عليه في جامعي القصر والمنصور وكان الجمع يفوت الإحصاء قال ابن ناصر خزرتهم بثلاثمائة ألف ودفن في دكة قبر الإمام أحمد رضي الله عنه وقبره ظاهر رضي الله عنه وقال ابن الجوزي حدثني بعض الأشياخ أنه لما احتضر ابن عقيل بكى النساء فقال قد وقعت عنه خمسين سنة 39
فدعوني أتهنأ بلقائه
انتهى ما أورد ابن رجب ملخصا كثيرا
ثم قال وكان لابن عقيل ولدان ما تا في حياته أحدهما أبو الحسن عقيل كان في غاية الحسن وكان شابا فهما ذا حظ حسن قال ابن القطيعي حكى والده أنه ولد ليلة حادي عشرى رمضان سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وحكى غيره أنه سمع من هبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري وعلي بن حسين بن أيوب وغيرهما وتفقه على أبيه وناظر في الأصول والفروع وسمع الحديث الكثير وشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن بن الدامغاني فقبل قوله وكان فقيها فاضلا يقول الشعر وكان يشهد مجلس الحكم ويحضر الموكب وتوفي رحمه الله يوم الثلاثاء منتصف محرم سنة عشر وقيل سنة ثلاث عشرة قبل والده بشهر واحد وكان له من العمر سبع وعشرون سنة ودفن في داره فلما مات أبوه نقل معه إلى دكة الإمام أحمد قال والده مات ولدي عقيل وكان قد تفقه وناظر وجمع أدبا حسنا فتعزيت بقصة عمرو ابن عبد ود الذي قتله علي رضي الله عنه فقالت أمه ترثيه
) لو كان قاتل عمرو غير قاتله
ما زلت أبكي عليه دائم الأبد )
) لكن قاتله من لا يقاد به
من كان يدعى أبوه بيضة البلد )
فأسلاها وعزاها جلالة القاتل وفخرها بأن ابنها مقتوله فنظرت إلى قاتل ولدي الحكيم المالك فهان علي القتل والمقتول لجلالة القاتل واكب عليه وقبله وهو في أكفانه وقال يا بني أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه الرب خير لك مني ثم مضى وصلى عليه ومن شعر عقيل هذا
) شاقه والشوق من غيره
طلل عاف سوى أثره )
) مقفر إلا معالمه
وأكف بالودق من مطره )
) فانثنى والدمع منهمل
كانسلال السلك عن درره ) 40
) طاويا كشحا على نوب
سيحات لسن من وطره )
) رحلة الأحباب عن وطني
وحلول الشيب في شعره )
) شيم للدهر سالفة
مستبينات لمختبره )
) وقبول الدر مبسمها
أبلج يفتر عن خصره )
) هز عطفيها الشباب كما
ماس غصن البان في شجره )
) ذات فرع فوق ملتمع
كدجى أبدي سنى قمره )
) خصرها يشكو روادفها
كاشتكاء الصب من سهره )
) نصبت قلبي لها غرضا
فهو مصمى بمعتوره )
والآخر أبو منصور هبة الله ولد في ذي الحجة سنة أربع وسبعين وأربعمائة وحفظ القرآن وتفقه وظهر منه أشياء تدل على عقل غزير ودين عظيم ثم مرض وطال مرضه وأنفق عليه أبوه مالا في المرض وبالغ قال أبو الوفاء قال لي ابني لما تقارب أجله يا سيدي قد أنفقت وبالغت في الأدوية والطب والأدعية ولله تعالى في اختيار فدعني مع اختياره قال فوالله ما أنطق الله سبحانه ولدي بهذه المقالة التي تشاكل قول إسحق لإبراهيم افعل ما تؤمر إلا وقد اختاره للحظوة توفي رحمه الله تعالى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وله نحو أربع عشرة سنة وحمل أبو الوفاء رحمه الله تعالى في نفسه من شدة الألم أمرا عظيما ولكنه تصبر ولم يظهر جزعا وكان يقول لولا أن القلوب توقن باجتماع ثان لانفطرت المرائر لفراق المحبوبين
انتهى ملخصا أيضا
وفيها قاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني علي بن قاضي القضاة أبي عبد الله الحنفي ولى القضاء بضعا وعشرين سنة وكان ذا حزم ورأي وسؤدد وهيبة وافرة وديانة ظاهرة روى عن أبي محمد الصريفيني وجماعة وتفقه على والده وتوفي في المحرم عن أربع وستين سنة
وفيها أبو سعد المخرمي المبارك بن علي بن الحسن بن بندار البغدادي 41
الفقيه الحنبلي روى عن القاضي أبي يعلى وابن المهتدي وابن المسلمة والصريفيني وابن النقور وغيرهم وسمع من القاضي أبي يعلى شيئا من الفقه ثم تفقه على صاحبه الشريف أبي جعفر ثم القاضي يعقوب ثم القاضي البرزبيني وأفتى ودرس وجمع كتبا كثيرة لم يسبق إلى جمع مثلها وكان حسن السيرة جميل الطريقة سديد الأقضية وتوفي عشر المحرم ودفن إلى جانب أبي بكر الخلال عند رجلي الإمام أحمد رضي الله عنه
وفيها أبو الفضل بن الموازيني محمد بن الحسن بن الحسين السلمي الدمشقي العابد أخي أبي الحسن روى عن أبي عبد الله بن سلوان وجماعة
وفيها أبو بكر محمد بن طرخان بن بلتكين بن مبارز التركي ثم البغدادي الشافعي المحدث النحوي أحد الفضلاء روى عن أبي جعفر بن المسلمة وطبقته وتفقه على الشيخ أبي إسحق وكان ينسخ بالأجرة وفيه زهد وورع تام
وفيها خوروست أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن الحسين الأصبهاني المجلد روى عن أبي الحسين بن فادشاه وابن ريذة وتوفي في جمادى الأولى
وفيها محمد بن عبد الباقي أبو عبد الله الدوري السمسار الصالح روى عن الجوهري وأبي طالب العشاري ومات في صفر عن تسع وسبعين سنة
سنة أربع عشرة وخمسمائة
فيها توفي أبو علي بن بليمة الحسن بن خلف القيرواني المقرئ مؤلف تلخيص العبارات في القراءات توفي في رجب في الإسكندرية وهو في عشر التسعين قرأ على جماعة منهم أبو العباس أحمد بن نفيس
وفيها الطغرائي الوزير مؤيد الدين أبو إسماعيل الحسين بن علي الأصبهاني 42
صاحب ديوان الإنشاء للسلطان محمد بن ملكشاه واتصل بابنه مسعود ثم أخذ الطغرائي أسيرا وذبح بين يدي الملك محمود في ربيع الأول وقد نيف على الستين وكان من أفراد الدهر وحامل لواء النظم والنثر وهو صاحب لامية العجم
قاله في العبر وقال ابن خلكان ذكره ابن السمعاني وأثنى عليه وأورد له قطعة من شعره في صفة الشمعة وللطغرائي المذكور ديوان شعر جيد ومن محاسن شعره قصيدته المعروفة بلامية العجم وكان عملها ببغداد في سنة خمس وخمسمائة يصف حاله ويشكو زمانه وهي التي أولها
) أصالة الرأي صانتني عن الخطل
وحلية الفضل زانتني لدى العطل )
ومن رقيق شعره قوله
) يا قلب مالك والهوى من بعدما
طاب السلو وأقصر العشاق )
) أو ما بدا لك في الأفاقة والأولى
نازعتهم كاس الغرام أفاقوا )
) مرض النسيم فصح والداء الذي
تشكوه لا يرجى له أفراق )
) وهدى خفوق البرق والقلب الذي
تطوي عليه أضالعي خفاق )
وله
) أجما البكا يا مقلتي فإننا
على موعد للبين لا شك واقع )
) إذا جمع العشاق موعدهم غدا
فواخجلتا إن لم تعني المدامع )
وذكر العماد الكاتب في كتاب نصرة الفترة وعصرة القطرة أن الطغرائي المذكور كان ينعت بالأستاذ وكان وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بالموصل وأنه لما جرى بينه وبين أخيه السلطان محمود المصاف بالقرب من همذان وكانت الظفرة لمحمود فأول من أخذ الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود فأخبر به وزير محمود وهو الكمال نظام الدين أبو طالب بن أحمد بن حرب السميري فقال الشهاب أسعد وكان طغرائيا في ذلك الوقت نيابة عن النصير الكاتب هذا الرجل ملحد يعني الأستاذ فقال وزير محمود من يكن ملحدا يقتل فقتل ظلما وقد كانوا خافوا منه وقتل سنة أربع عشرة وقيل 43
ثمان عشرة وقد جاوز ستين سنة وفي شعره ما يدل على أنه بلغ سبعا وخمسين سنة لأنه قال وقد جاءه مولود
) هذا الصغير الذي وافى على كبر
أقر عيني ولكن زاد في فكري )
) سبع وخمسون لو مرت على حجر
لبان تأثيرها في ذلك الحجر )
والله تعالى أعلم بما عاش بعد ذلك وقتل الكمال السميري الوزير المذكور يوم الثلاثاء سلخ صفر سنة ست عشرة وخمسمائة في السوق ببغداد عند المدرسة النظامية قيل قتله عبد أسود كان للطغرائي المذكور لأنه قتل أستاذه
والطغرائي بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة نسبة إلى من يكتب الطغراء وهي الطرة التي تكتب فوق البسملة في أعلى الكتب بالقلم الغليظ ومضمونها نعوت الملك الذي صدر الكتاب عنه وهي لفظة أعجمية
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا
وفيها أبو علي بن سكرة الحافظ الكبير حسين بن محمود بن فيره بن حيون الصدفي السرقسطي الأندلسي سمع من أبي العباس بن دلهاث وطائفة وحج سنة إحدى وثمانين فدخل على الحبال وسمع ببغداد من مالك البانياسي وطبقته وأخذ التعليقة الكبرى عن أبي علي الشاشي المستظهري وأخذ بدمشق عن الفقيه نصر التصانيف وقد أكره على القضاء فوليه ثم اختفى حتى أعفى واستشهد في مصاف قتندة في ربيع الأول وهو من أبناء الستين وأصيب المسلمون يومئذ قال ابن ناصر الدين هو حافظ متقن كبير ثقة مأمون
وفيها توفي بالجند كما قال ابن الأهدل الفقيه الإمام زيد بن عبد الله بن جعفر اليفاعي اليمني 44
نسبة إلى يفاعة مكان باليمن تفقه على الشيخ الإمام أبي بكر بن جعفر المخائي والمخامن سواحل اليمن وكانت وفاة المخائي سنة خمسمائة وقد تخرج به جماعة وكان يحفظ المجموع للمحاملي والجامع في الخلاف لأبي جعفر وتفقه زيد اليفاعي بأبي إسحق الصردفي وزوجه الصردفي ابنته كما تقدم ثم ارتحل زيد إلى مكة المرة الأولى فقرأ على تلميذ الشيخ أبي إسحق الشيرازي الحسين بن علي الشاشي مصنف العدة وغيره ثم رجع إلى الجند واجتمع عليه الموافق والمخالف من أهل اليمن وقرأ عليه الإمام يحيى صاحب البيان نكت الشيخ أبي إسحق في الخلاف وعدة كتب وقرأ عليه أيضا عبد الله الهمذاني وعبد الله بن يحيى الصعبي وذلك في دولة أسعد بن أبي الفتوح الحميري الذي قتله أصحابه بحصن تعز ودفنوه فيه ونبشه سيف الإسلام أبو أيوب ودفنه في مقابر المسلمين وكان زيد صغير الجسم وله مهابة عظيمة وسئل زيد عن الفقيه إبراهيم بن علي بن الإمام الحسين بن علي الطبري صاحب العدة كيف حاله في العلم فقال هو مجود لولا أنه اشتغل بالعبادة مع الصوفية فقيل له هذه طريقة غير ملومة فقال كان جده الحسين الطبري يكره ذلك ويقول اشتغال العالم بالعبادة فرار من العلم وقد نص الشافعي رحمه الله تعالى أن طلب العلم أفضل من صلاة النفل وحديث لأن يهدي الله بك رجلا واحدا دليل على ذلك وعلم الباطن هو نتيجة العلم الظاهر لأن الأنبياء قادة الخلق إلى الله والعلماء ورثتهم ولم يرثوا غير العلم الظاهر فمن استعمل رسوم الشريعة الظاهرة كما جاءت عن الأنبياء فقد اهتدى وهدى وهم المشار إليهم بقوله تعالى )
وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ) ولا شك أن العالم بأحكام الله إذا استبطن التقوى واستشعر العمل أورثه ذلك العلم بالله الذي هو أجل العلوم والمراد بالعلم بالله علم التوحيد الذي هو إثبات وحدانية بنفي الشريك والأضداد إيمانا جازما وآيات الصفات 45
والملائكة والأنبياء والكتب المنزلات وأفضل العلوم بعده علم الفقه الذي يستفاد من الكتاب والسنة اللذين ضمن الله العصمة في جانبهما ولم يضمنها في جانب الكشف والإلهام والمشاهد
كذا نقله صاحب الأصل عن غير واحد من المحققين منهم الشيخ القطب أبو الحسن الشاذلي نفه الله به
انتهى كلام ابن الأهدل بحروفه
وفيها أبو نصر عبد الرحيم بن الإمام عبد الكريم أبي القاسم بن هوازن القشيري وكان إماما مناظرا مفسرا أديبا علامة متكلما وهو الذي أصل الفتنة ببغداد بين الأشاعرة والحنابلة ثم فتر أمره وقد روى عن أبي حفص بن مسرور وطبقته وآخر من روى عنه سبطه أبو سعيد بن الصفار توفي في جمادى الآخرة وهو في عشر الثمانين وأصابه فالج في آخر عمره قاله في العبر وقال ابن الأهدل ولما توفي دفن بمشهدهم المعروف بهم وفيه يقول إمام الحرمين
) يميس بغصن إذا ما بدا
ويبدو كشمس ويرنو كريم )
) معاني النجابة مجموعة
لعبد الرحيم بن عبد الكريم )
وحكايته عنه في النهاية من أعظم الاتصاف ومنه قوله في ولده فضل الله
) كم حسرة لي في الحشا
من ولدي حين نشا )
) كنا نشا فلاحه
فما نشا كما نشا )
انتهى
وفيها أبو القاسم علي بن جعفر البغدادي الصقلي بن القطاع المصري الدار والوفاة اللغوي كان أحد أئمة الأدب خصوصا اللغة وله تصانيف نافعة منها كتاب الأفعال أحسن فيه كل الإحسان وهو أجدى من الأفعال لابن القوطية وكان ذلك قد سبقه إليه وله كتاب أبنية الأسماء جمع فيه فأوعى وفيه دلالة على كثرة اطلاعه وله عروض حسن جيد وله كتاب الدرة الخطيرة في المختار من شعراء الجزيرة وكتاب لمح الملح جمع فيه خلقا كثيرا من شعراء الأندلس وكانت ولادته في عاشر صفر سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة 46
بصقلية وقرأ الأدب على فضلائها كابن عبد البر وأمثاله وأجاد النحو غاية الإجادة ورحل عن صقلية لما أشرف على تملكها الفرنج ووصل إلى مصر في حدود سنة خمسين وبالغ أهل مصر في إكرامه وكان ينسب إلى التساهل في الرواية ونظم الشعر في سنة وأربعين ومن شعره في ألثغ
) وشادن في لسانه عقد
حلت عقودي وأوهنت جلدي )
) عابوه جهلا بها فقلت لهم
أما سمعتم بالنفث في العقد )
وله في غلام اسمه حمزة
) يا من رمى النار في فؤادي
وأمطر العين بالبكاء )
) اسمك تصحيفه بقلبي
وفي ثناياك برء دائي )
) اردد سلامي فإن نفسي
لم يبق منها سوى الدماء )
) وارفق بصب أتى ذليلا
قد مزج اليأس بالرجاء )
) أنحله في الهوى التجني
فصار في رقة الهواء )
وكانت ولادته في سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة
هكذا ذكره في كتابه الدرة الخطيرة في شعراء الجزيرة عند ذكر ترجمة نفسه رحمه الله تعالى في أواخر الكتاب المذكور وتوفي بمصر
قاله ابن خلكان
وفيها أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الملك بن شفيع الأندلسي المريي المقرئ تلميذ عبد الله بن سهل تصدر للإقراء مدة وحدث عن ابن عبد البر وجماعة وفي روايته عن ابن عبد البر كلام توفي في عشر التسعين
وفيها أبو الحسن بن الموازيني علي بن الحسن السلمي أخو محمد روى عن ابن سعدان وابني عبد الرحمن بن أبي نصر وطائفة وعاش أربعا وثمانين سنة
وفيها محمود بن إسماعيل أبو منصور الأصبهاني الصيرفي الأشقر راوي المعجم الكبير عن ابن فاد شاه عن مؤلفه الطبراني وله ثلاث وتسعون سنة توفي في ذي القعدة قال السلفي كان صالحا 47
سنة خمس عشرة وخمسمائة )
فيها احترقت دار السلطنة ببغداد وذهب ما قيمته ألف ألف دينار
وفيها توفي أبو علي الحداد الحسن الأصبهاني المقرئ المجود مسند الوقت توفي في ذي الحجة عن ست وتسعين سنة وكان مع علو إسناده أوسع أهل وقته رواية حمل عن أبي نعيم وكان خيرا صالحا ثقة
وفيها الأفضل أمير الجيوش شاه شاه أبو القاسم بن أمير الجيوش بدر الجمالي الأرمني كان في الحقيقة هو صاحب الديار المصرية ولى بعد أبيه وامتدت أيامه وكان شهما مهيبا بعيد الغور فحل الرأي ولى وزارة السيف والقلم للمستعلى ثم للآمر وكانا معه صورة بلا معنى وكان قد أذن للناس في إظهار عقائدهم وأمات شعار دعوة الباطنية فمقتوه لذلك وكان مولده بعكا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وخلف من الأموال ما يستحيا من ذكره وثب عليه ثلاثة من الباطنية فضربوه بالسكاكين فقتلوه وحمل بآخر رمق وقيل الآمر دسهم عليه بتدبير أبي عبد الله البطايحي الذي وزر بعده ولقب بالمأمون
قاله في العبر
وفيها أبو سعد عبد الوهاب بن حمزة بن عمر البغدادي الفقيه الحنبلي المعدل ولد في أحد الربيعين سنة سبع وخمسين وأربعمائة وسمع من ابن النقور والصريفيني وابن البسرى والحميدي وتفقه على أبي الخطاب وأفتى وبرع في الفقه وشهد عند قاضي القضاة أبي الحسن بن الدامغاني وكان مرضى الطريقة جميل السيرة من أهل السنة وهو من أهل السنة وهو شيخ أبي حكيم النهرواني الذي تفقه عليه وروى عنه حكاية ولم يحدث إلا باليسير توفي ليلة الثلاثاء ثالث شعبان ودفن بمقبرة الإمام أحمد
قاله ابن رجب
وفيها أبو بكر بن الدنف محمد بن علي بن عبيد بن الدنف البغدادي المقرئ الزاهد أبو بكر ولد في صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة وسمع الحديث من ابن 48
المسلمة وابن المهتدي والصريفيني وابن النقور وطبقتهم وتفقه على الشريف أبي جعفر وحدث بشيء يسير سمع منه ابن ناصر وروى عنه المبارك بن خضير وابن كامل وابن بوش وغيرهم وكان من الزهاد الأخيار ومن أهل السنة انتفع به خلق كثير ذكره ابن الجوزي وتوفي يوم الاثنين سابع شوال ودفن بمقبرة الإمام أحمد والدنف بفتح الدال المهملة وكسر النون وآخره فاء قاله ابن رجب
وفيها أبو علي بن المهدي محمد بن محمد بن عبد العزيز الخطيب روى عن ابن غيلان والعتيقي وجماعة وكان صدوقا نبيلا ظريفا توفي في شوال عن ثلاث وثمانين سنة
وفيها هزاراست بن عوض أبو الخير الهروي الحافظ توفي في ربيع الأول وكان عالما صاحب حديث وإفادة بليغة وحرص على الطلب سمع من طراد ومن بعده ومات قبل أوان الرواية
سنة ست عشرة وخمسمائة
فيها توفي إيل غازي بن رائق بن اكسب نجم الدين التركماني صاحب ماردين وليها بعد أخيه سقمان وكانا من أمراء تتش صاحب الشام وكان إيلغازي قد استولى على حلب بعد موت أولاد تتش واستولى على ميافارقين وكان فارسا شجاعا كثير الغزو كثير العطاء ولى بعده بماروين ابنه حسام الدين تمرتاش
وفيها الباقرحي بفتح القاف وسكون الراء ثم مهملة نسبة إلى باقرحا من قرى بغداد أبو علي الحسن بن محمد بن إسحق روى عن أبي الحسن القزويني والبرمكي وخلق وتوفي في رجب
وفيها البغوي محي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء ويعرف تارة بالفرا الشافعي المحدث المفسر صاحب التصانيف وعالم أهل خراسان 49
روى عن أبي عمر المليحي وأبي الحسن الداودي وطبقتهما وكان سيدا زاهدا قانعا يأكل الخبز وحده فليم في ذلك فصار يأكله بالزيت وكان أبوه يصنع الفراء وتوفي ركن الدين محي السنة بمرو الروذ في شوال ودفن عند شيخه القاضي حسين
قاله في العبر وقال ابن الأهدل هو صاحب الفنون الجامعة والمصنفات النافعة مع الزهد والورع والقناعة وتفقه بالقاضي حسين ولازمه وسمع الحديث على جماعة ثم برع فصنف التصانيف النافعة منها معالم التنزيل والجمع بين الصحيحين والمصابيح وغيرها وصنف في الفقه التهذيب وشرح السنة وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة ونسبته إلى بغ قرية بقرب هراة
انتهى
وقال السبكي في تكملة شرح المهذب قل إن رأيناه يختار شيئا إلا وإذا بحث عنه وجد أقوى من غيره هذا مع اختصار كلامه وهو يدل على نبل كثير وهو حري بذلك فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه
انتهى
قال الذهبي ولم يحج وأظنه جاوز الثمانين رحمه الله تعالى
وفيها أبو محمد السمرقندي الحافظ عبد الله بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث أخو إسماعيل ولد بدمشق وسمع بها من أبي بكر الخطيب وابن طلاب وجماعة وببغداد من أبي الحسين بن النقور ودخل إلى نيسابور وأصبهان وعنى بالحديث وخرج لنفسه معجما في مجلد وعاش اثنتين وسبعين سنة قال ابن ناصر الدين كان من الثقات النقاد
وفيها أبو القاسم بن الفحام الصقلي عبد الرحمن بن أبي بكر عتيق بن خلف مصنف التجريد في القراءات كان أسند من بقى بالديار المصرية في القراءات قرأ على ابن نفيس وطبقته ونيف على التسعين وتوفي في ذي القعدة
وفيها أبو طالب اليوسفي عبد القادر بن محمد بن عبد القادر البغدادي في ذي الحجة وهو في عشر التسعين روى الكتب الكبار عن ابن المذهب والبرمكي وكان ثقة عدلا رضيا عابدا
قاله في العبر 50
وفيها أبو طالب السمناني علي بن أحمد الوزير وزر ببغداد للسلطان محمود وظلم وفسق وتجبر ومرق حتى قتل على يدي الباطنية
قاله في العبر أيضا
وفيها أبو محمد الحريري صاحب المقامات القاسم بن علي بن محمد بن عثمان البصري الأديب حامل لواء البلاغة وفارس النظم والنثر وكان من رؤساء بلده روى الحديث عن أبي تمام محمد بن الحسين وغيره وعاش سبعين سنة وتوفي في رجب وخلف ولدين النجم عبد الله وضياء الإسلام عبيد الله قاضي البصرة قاله في العبر
وقال ابن خلكان كان أحد أئمة عصره ورزق الحظوة التامة في عمل المقامات واشتملت على شيء كثير من كلام العرب من لغاتها وأمثالها ورموز أسرار كلامها ومن عرفها حق معرفتها استدل بها على فضل هذا الرجل وكثرة اطلاعه وغزارة مادته وكان سبب وضعها ما حكاه ولده أبو القاسم عبد الله قال كان أبي جالسا في مسجد بني حرام فدخل شيخ ذو طمرين عليه أهبة السفر رث الحال فصيح الكلام حسن العبارة فسألته الجماعة من أين الشيخ فقال من سروج فاستخبروه عن كنيته فقال أبو زيد فعمل أبي المقامة المعروفة بالحرامية وهي الثامنة والأربعون وعزاها إلى أبي زيد المذكور واشتهرت فبلغ خبرها الوزير شرف الدين أنو شروان بن خالد بن محمد القاشاني وزير الإمام المسترشد بالله فلما وقف عليها أعجبته فأشار إلى والدي أن يضم إليها غيرها فأتمها خمسين وإلى الوزير المذكور أشار الحريري في خطبة المقامات بقوله فأشار من إشارته حكم وطاعته غنم إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع
فهذا كان مستنده في نسبها إلى أبي زيد السروجي وذكر القاضي جمال الدين بن الحسن بن علي الشيباني القفطي وزير حلب في كتابه المسمى أنباه الرواه على ألباب النحاه أن أبا زيد المذكور اسمه المطهر بن سلام 51
كان بصيرا نحويا لغويا صحب الحريري المذكور واشتغل عليه بالبصرة وتخرج به وروى عنه القاضي أبو الفتح محمد بن أحمد بن المندالي الواسطي ملحة الإعراب وذكر أنه سمعها منه عن الحريري وقال قدم علينا واسط سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة فسمعنا منه وتوجه منها مصعدا إلى بغداد فوصلها وأقام بها مدة يسيرة وتوفي بها وكذا ذكره السمعاني في الذيل والعماد في الخريدة وأما تسميته الراوي بالحارث بن همام فإنما عنى به نفسه وهو مأخوذ من قوله كلكم حارث وكلكم همام فالحارث الكاسب والهمام الكثير الاهتمام وما من شخص إلا وهو حاث وهمام لأن كل أحد كاسب ومتهم بأموره وقد اعتنى بشرحها خلق كثير فمنهم من طول ومنهم من اختصر ورأيت في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل المقامات عملها أربعين مقامة وحملها من البصرة إلى بغداد وادعاها فلم يصدقه جماعة من أدباء بغداد وقالوا أنها ليست من تعليقه بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات بالبصرة ووقعت أوراقه إليه فادعاها فاستدعاه الوزير إلى الديوان وسأله عن صناعته فقال أنا رجل منشئ فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عينها فانفرد في ناحية من الديوان وأخذ الدواه والورقة ومكث زمانا فلم يفتح الله عليه بشيء من ذلك فقام وهو خجلان وكان في جملة من أنكر دعوا في عملها أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر فلما لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها الوزير أنشد ابن أفلح
) شيخ لنا من ربيعة الفرس
ينتف عثنونه من الهوس )
) أنطقه الله بالمشان كما
رماه وسط الديوان بالخرس )
وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس وكان مولعا بنتف لحيته عند 52
الفكرة وكان يسكن في مشان البصرة فلما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات أخر وسيرها واعتذر من عيه وحصره بالديوان مما لحقه من المهابة
وللحريري تآليف حسان منها درة الغواص في أوهام الخراص ومنها ملحة الإعراب وشرحها وله ديوان رسائل وشعر كثير غير شعره الذي في المقامات فمن ذلك قوله وهو معنى حسن
) قال العواذل ما هذا الغرام به
أما ترى الشعر في خديه قد نبتا )
) فقلت والله لو أن المفند لي
تأمل الرشد في عينيه ما ثبتا )
) ومن أقام بأرض وهي مجدبة
فكيف يرحل عنها والربيع أتى )
وذكر له العماد الكاتب في الخريدة
) كم ظباء بحاجر
فتنت بالمحاجر )
) ونفوس نفائس
خدرت بالمخادر )
) وتثن لخاطر
هاج وجدا لخاطر )
) وعذار لأجله
عاذلي فيه عاذري )
) وشجون تظافرت
عند كشف الضفائر )
ويحكى أنه كان ذميما قبيح المنظر فجاءه شخص غريب يزوره ويأخذ عنه شيئا فلما رآه اشتزرى ففهم الحريري ذلك منه فلما التمس منه أن يملي عليه قال له اكتب
) ما أنت أول سار غره قمر
ورائد أعجبته خضرة الدمن )
) فانظر لنفسك غيري إنني رجل
مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترني )
فخجل الرجل منه وانصرف عنه وكانت ولادة الحريري في سنة ست وأربعين وأربعمائة وتوفي بالبصرة في سكة بني حرام وخلف ولدين قال أبو منصور الجواليفي أجازني المقامات نجم الدين عبد الله وقاضي قضاة البصرة ضياء الإسلام عبيد الله عن ابيهما منشئها
والمشان بليدة فوق البصرة كثيرة 53
النخل موصوفة بشدة الرخم وكان أهل الحريري منها ويقال أنه كان له بها ثمانية عشر ألف نخلة وأنه كان من ذوي اليسار
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا
ويحكى أن الحريري جاءه رجل يقرأ عليه مقاماته فلما وصل إلى قوله
) يا أهل ذا المغنى وقيتم شرا
ولا لقيتم ما بقيتم ضرا )
) قد دفع الليل الذي اكفهرا
إلى حماكم شعثا مغبرا )
فصحفها سغبا معترا فقال له الحريري الرواية شعثا مغبرا ولكن والله لولا إني كتبت خطى على أكثر من خمسمائة نسخة وطارت في الآفاق لأصلحت البيت وجعلته كما أنشدته أنت فإن الطارق ليلا المناسب له أن يكون سغبا معترا لا شعثا مغبرا وعكسه الآتي نهارا
وبالجملة فالشيخ رحمه الله تعالى كان أعجوبة الدهر ونادرة الزمان فرحمه الله تعالى وأجزل له الغفران آمين
وفيها الدقاق أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الأصبهاني الحافظ الرحال عن ثمانين سنة روى عن عبد الله بن شبيب الخطيب والباطرقاني وعبد الرحمن بن أحمد المراري وعنى بهذا الفن وكتب عمن دب ودرج وكان محدثا أثريا فقيرا متقللا توفي في شوال
سنة سبع عشرة وخمسمائة
في أولها التقى الخليفة المسترشد بالله ودبيس الأسدي وكان دبيس قد طغى وتمرد ووعد عسكره بنهب بغداد فجرد المسترشد يومئذ سيفه ووقف على تل فانهزم جمع دبيس وقتل خلق منهم وقتل من جيش الخليفة نحو العشرين وعاد مؤيدا منصورا وذهب دبيس فعاث ونهب وقتل بنواحي البصرة
وفيها توفي ابن الطيوري أبو سعد أحمد بن عبد الجبار الصيرفي ببغداد في رجب عن ثلاث وثمانين سنة وكان صالحا أكثر بإفادة أخيه المبارك 54
وروى عن ابن غيلان والخلال وأجاز له الصوري وأبو علي الأهوازي
وفيها ابن الخياط الشاعر المشهور أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة الثعلبي الدمشقي الكاتب كان من الشعراء المجيدين طاف البلاد وامتدح الناس ودخل بلاد العجم وامتدح بها ولما اجتمع بأبي الفتيان بن حيوس الشاعر بحلب وعرض عليه شعره قال قد نعاني هذا الشاب إلى نفسي فقلما نشأ ذو صناعة مهر فيها إلا وكان دليلا على موت الشيخ من أبناء جنسه وشعره في الذروة العليا ولو لم يكن له إلا قصيدته البائية لكفاه فكيف وأكثر قصائده غرر وهي
) خذا من صبا نجد أمانا لقلبه
فقد كاد رياها يطير بلبه )
) وإياكما ذاك النسيم فإنه
متى هب كان الوجد أيسر خطبه )
) خليلي لو أحببتما لعلمتما
محل الهوى من مغرم القلب صبه )
) تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى
يتوق ومن يعلق به الحب يصبه )
) غرام على يأس الهوى ورجائه
وشوقي على بعد المزار وقربه )
) وفي الركب مطوى الضلوع على جوى
متى يدعه داعي الغرام يلبه )
) إذا خطرت من جانب الرمل نفحة
تضمن منها داه دون صحبه )
) ومحتجب بين الأسنة معرض
وفي القلب من إعراضه مثل حجبه )
) أغار إذا آنست في الحي أنه
حذارا وخوفا أن تكون لحبه )
وهي طويلة وله بيتان من قصيدة
) وبالجزع حي كلما عن ذكرهم
أمات الهوى مني فؤادا وأحياه )
) تمنيهم بالرقمين ودارهم
بوادي الغضا يا بعد ما أتمناه )
قال صاحب العبر يعرف ابن الخياط بابن سناء الدولة الطرابلسي عاش سبعا وستين سنة وكتب أولا لبعض الأمراء ثم مدح الملوك والكبار وبلغ في النظم الذروة العليا أخذ يحدث عن أبي الفتيان محمد بن حيوس وأخذ عنه ابن 55
القيسراني قال السلفي كان شاعر الشام في زمانه قد اخترت من شعره مجلدة لطيفة فسمعتها منه قال ابن القيسراني وقع الوزير هبة الله بن بديع لابن الخياط مرة بألف دينار توفي في رمضان بدمشق
وفيها حمزة بن العباس العلوي أبو محمد الأصبهاني الصوفي روى عن أبي الطاهر بن عبد الرحيم وتوفي في جمادى الأولى
وفيها ظريف بن محمد بن عبد العزيز أبو الحسن الحيري النيسابوري روى عن أبي حفص بن مسرور وطائفة وكان ثقة من أولاد المحدثين توفي في ذي القعدة وله ثمان وثمانون سنة
وفيها أبو محمد الشنتريني بفتح المعجمة أوله والفوقية وسكون النون وكسر الراء نسبة إلى شنترين مدينة من عمل باجة
قاله السيوطي وقال ابن خلكان هي بلدة في غرب جزيرة الأندلس عبد الله بن محمد بن سارة البكري الشاعر المفلق اللغوي وله ديوان معروف قال ابن خلكان كان شاعرا ماهرا ناظما ناثرا إلا أنه كان قليل الحظ إلا من الحرمان لم يسعه مكان ولا اشتمل عليه سلطان ذكره صاحب قلائد العقيان وأثنى عليه ابن بسام في الذخيرة وقال أنه تتبع المحقرات وبعد جهد ارتقى إلى كتابة بعض الولاة فلما كان من خلع الملوك ما كان آوى إلى إشبيلية أوحش حالا من الليل وأعثر انفرادا من سهيل وتبلغ بالوراقة وله منها جانب وبها بصر ثاقب فانتحلها على كساد سوقها وخلق طريقها وفيها يقول
) أما الوراقة فهي أنكد حرفة
أوراقها وثمارها الحرمان )
) شبهت صاحبها بصاحب إبرة
تكسو العراة وجسمها عريان )
وله أيضا
) ومعذر راقت حواشي حسنه
فقلوبنا وجدا عليه رفاق )
) لم يكس عارضه السواد وإنما
نفضت عليه سوادها الأحداق ) 56
وله في غلام أزرق العينين
) ومهفهف أبصرت في أطرافه
قمرا بأطراف المحاسن يشرق )
) تقضي على المهجات منه صعدة
متألق فيها سنان أزرق )
وأورد له صاحب الحديقة
) أسنى ليالي الدهر عندي ليلة
لم أخل فيها الكاس من أعمالي )
) فرقت فيها بين جفني والكرى
وجمعت بين القرط والخلخال )
وله في الزهد
) يا من يصيح إلى داعي السقاة وقد
نادى به الناعيان الشيب والكبر )
) إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ثوى
في رأسك الواعيان السمع والبصر )
) ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل
لم يهده الهاديان العين والأثر )
) لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك الأعلى
ولا النيران الشمس والقمر )
) ليرحلن عن الدنيا وإن كرها
فراقها الثاويان البدو والحضر )
وله ديوان شعر أكثره جيد وكانت وفاته بمدينة المرية من جزيرة الأندلس
وفيها أبو نعيم عبيد الله بن أبي علي الحسن بن أحمد الحداد الأصبهاني الحافظ مؤلف أطراف الصحيحين كان عجبا في الإحسان إلى الرحالة وأفادتهم مع الزهد والعبادة والفضيلة التامة روى عن عبد الوهاب بن مندة ولقى بنيسابور أبا المظفر موسى بن عمران وطبقته وبهراة العميري وببغداد المتعالي توفي في جمادى الأولى عن أربع وخمسين سنة
وفيها أبو سعد محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسن بن داود الأصبهاني ويعرف بالخياط الحنبلي من أهل أصبهان قدم بغداد واستوطنها مدة طويلة وسمع من مشايخها وانتخب وعلق وكتب بخطه كثيرا وحصل الأصول والنسخ وجمع كثيرا جدا من الحديث والفقه وأنفذه إلى أصبهان 57
وأدركه أجله ببغداد حدث عن أبي القاسم بن مندة إجازة وعن غيره سماعا وكتب عنه ابن عامر الغندري وابن ناصر قال ابن النجار كان من أهل السنة المحققين المبالغين المشددين ظاهر الصلاح قليل المخالطة للناس كان حنبليا متعصبا لمذهبه مشددا في ذلك توفي يوم الخميس سادس عشرى ذي الحجة ودفن بباب حرب ولم يخلف وارثا ولم يتزوج قط
وفيها أبو الغنائم بن المهتدي بالله محمد بن محمد بن أحمد الهاشمي الخطيب روى عن أبي الحسن القزويني والبرمكي وطائفة وتوفي في ربيع الأول
وفيها أبو الحسن الزعفراني محمد بن مرزوق البغدادي الحافظ التاجر أكثر من ابن المسلمة وأبي بكر الخطيب وسمع بدمشق ومصر وأصبهان وتوفي في صفر عن خمس وسبعين سنة وكان متقنا ضابطا يفهم ويذاكر
وفيها أبو صادق مرشد بن يحيى بن القاسم المديني ثم المصري روى عن ابن خمصة وأبي الحسن الطفال وعلي بن محمد الفارسي وعدة وكان أسند من بقي بمصر مع الثقة والخير توفي في ذي القعدة عن سن عالية
سنة ثمان عشرة وخمسمائة
فيها أخذت الفرنج صور بالأمان وبقيت في أيديهم إلى سنة تسعين وستمائة
وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن محمد بن الفضل بن عبد الخالق المعروف بابن الخازن الكاتب الشاعر الدينوري الأصل البغدادي المولد والوفاة كان فاضلا نادر الخط أوحد وقته فيه وهو والد أبي الفتح نصر الله الكاتب المشهور ومن شعر أحمد صاحب الترجمة قوله
) من يستقم يحرم مناه ومن يزغ
يختص بالإسعاف والملكين )
) أنظر إلى الألف استقام ففاته
عجم وفاز به اعوجاج النون )
قال ابن خلكان وجل شعره مشتمل على معان حسان وكانت وفاته في 58
صفر سنة ثمان عشرة وخمسمائة وكان ولده أبو الفتح نصر الله المذكور حيا في سنة خمس وسبعين وخمسمائة ولم أقف على تاريخ وفاته
انتهى
وفيها أبو الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري الأديب اللغوي اختص بصحبة الواحدي المفسر وقرأ عليه وله في اللغة تصانيف مفيدة منها كتاب الأمثال لم يعمل مثله وكتاب السامي في الأسامي وسمع الحديث وكان ينشد
) تنفس صبح الشيب في ليل عارضي
فقلت عساه يكتفي بعذارى )
) فلما فشا عاتبته فأجابني
أيا هل ترى صبحا بغير نهار )
قاله ابن الأهدل وقال ابن خلكان توفي يوم الأربعاء خامس عشرى شهر رمضان سنة ثمان عشرة وخمسمائة رحمه الله بنيسابور ودفن على باب ميدان زياد والميداني بفتح الميم وسكون المثناة من تحتها وفتح المهملة وبعد الألف نون هذه النسبة إلى ميدان زياد وهي محلة في نيسابور
وابنه أبو سعد سعيد بن أحمد كان أيضا فاضلا دينا وله كتاب الأسمى في الأسمار وتوفي سنة تسع وثلاثين وخمسمائة رحمه الله
انتهى
وفيها داود ملك الكرخ الذي أخذ تفليس من قريب وكان عادلا في الرعية يحضر الجمعة ويسمع الخطبة ويحترم المسلمين
وفيها الحسن بن صباح صاحب الألموت وزعيم الإسماعيلية وكان داهية ماكرا زنديقا من شياطين الإنس
وفيها أبو الفتح سلطان بن إبراهيم بن المسلم المقدسي الشافعي الفقيه قال السلفي كان من أفقه الفقهاء بمصر عليه تفقه أكثرهم وقال الذهبي أخذ عن نصر المقدسي وسمع من أبي بكر الخطيب وجماعة وعاش ستا وسبعين سنة توفي في هذه السنة أوفى التي تليها وقال ابن شهبة تفقه على نصر المقدسي قال الأسنوي وعلى سلامة المقدسي وبرع في المذهب ودخل مصر بعد 59
السبعين وسمع بها وكان من أفقه الفقهاء بمصر وعليه قرأ أكثرهم
وروى عن السلفي وغيره وصنف كتابا في أحكام التقاء الختانين قال ابن نقطة توفي سنة خمس وثلاثين
انتهى
وفيها أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمام بن عطية المحاربي الغرناطي الحافظ توفي في جمادى الآخرة بغرناطة عن سبع وسبعين سنة روى عن الأندلسي ورحل سنة تسع وستين وسمع الصحيحين بمكة قال ابن بشكوال كان حافظا للحديث وطرقه وعلله عارفا برجاله ذاكرا لمتونه ومعانيه قرأت بخط بعض أصحابي أنه كرر البخاري سبعمائة مرة وكان أديبا شاعرا دينا لغويا
قاله في العبر
سنة تسع عشرة وخمسمائة
فيها توفي الإمام الحافظ ألب أرسلان أبو علي الحسن بن الحسين الزركراني كان إماما حافظا مؤتمنا وعاش مائة سنة وتسعا وثلاثين سنة قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو الحسن بن الفراء الموصلي ثم المصري علي بن الحسين بن عمر راوي المجالسة عن عبد العزيز بن الضراب وقد روى عن كريمة وطائفة وانتخب عليه السلفي مائة جزء مولده سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة
وفيها ابن عبدون الهذلي التونسي أبو الحسن علي بن عبد الجبار لغوي المغرب 60
وفيها أبو عبد الله بن البطائحي محمد بن المأمون وزير الديار المصرية للآمر كان أبوه جاسوسا للمصريين فمات وربى محمد هذا يتيما فصار يحمل في السوق فدخل مع الحمالين إلى دار أمير الجيوش فرآه شابا ظريفا فأعجبه فاستخدمه مع الفراشين ثم تقدم عنده ثم آل أمره إلى أن ولى الأمر بعده ثم إنه أخر عامل على قتل الآمر فأحس الآمر بذلك فأخذه وصلبه وكانت أيامه ثلاث سنين
وفيها أبو البركات بن البخاري يعني المبخر البغدادي المعدل هبة الله بن محمد بن علي توفي في رجب عن خمس وثمانين سنة روى عن ابن غيلان وابن المذهب والتنوخي
سنة عشرين وخمسمائة
فيها توفي أبو الفتوح الغزالي أحمد بن محمد الطوسي الواعظ شيخ مشهور فصيح مفوه صاحب قبول تام لبلاغته وحسن إيراده وعذوبة لسانه وهو أخو الشيخ أبي حامد وعظ مرة عند السلطان محمود فأعطاه ألف دينار ولكنه كان رقيق الديانة متكلما في عقيدته حضر يوسف الهمداني عنده فسئل عنه فقال مدد كلامه شيطاني لا رباني ذهب دينه والدنيا لا تبقى له
قاله في العبر وقال ابن قاضي شهبة كان فقيها غلب عليه الوعظ والميل إلى الانقطاع والعزلة وكان صاحب عبارات وإشارات حسن النظر درس بالنظامية ببغداد لما تركها أخوه زهدا فيها واختصر الأحياء في مجلد سماه لباب الأحياء وله مصنف آخر سماه الذخيرة في علم البصيرة توفي بقزوين سنة عشرين وخمسمائة وقد تكلم فيه غير واحد وجرحوه
انتهى بحروفه وذكره ابن النجار في تاريخ بغداد فقال كان قد قرأ القارئ بحضرته )
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) الآية فقال شرفهم بياء الإضافة إلى نفسه بقوله يا عبادي ثم أنشد
) وهان على اللوم في جنب حبها
وقول الأعادي إنه لخليع ) 61
) أصم إذا نوديت باسمي وإنني
إذا قيل لي يا عبدها السميع )
انتهى
وفيها اقسنقر البرسفي قسيم الدولة ولى إمرة الموصل والرحبة للسلطان محمود ثم ولى بغداد ثم سار إلى الموصل ثم كاتبه الحلبيون فملك حلب ودفع عنها الفرنج قتلته الإسماعيلية وكانوا عشرة وثبوا عليه يوم جمعة بالجامع في ذي القعدة وكان دينا عادلا عالي الهمة قتل خلقا من الإسماعيلية
وفيها أبو بحر الأسدي سفيان بن العاص الأندلسي محدث قرطبة روى عن ابن عبد البروابي العباس العذري وأبي الوليد الباجي وكان من جلة العلماء عاش ثمانين سنة
وفيها صاعد بن سيار أبو العلاء الإسحاقي نسبة إلى إسحق جد الهروي الدهان قرأ عليه ابن ناصر ببغداد جامع الترمذي عن أبي عامر الأزدي قال السمعاني كان حافظا متقنا كتب الكثير وجمع الأبواب وعرف الرجال وقال ابن ناصر الدين كان حافظا متقنا مكثرا حسن الحال
وفيها أبو محمد بن عتاب عبد الرحمن بن محمد بن عتاب القرطبي مسند الأندلسي أكثر عن أبيه وعن حاتم الطرابلسي وأجاز له مكي بن أبي طالب والكبار وكان عارفا بالقراءات واقفا على كثير من التفسير واللغة والعربية والفقه مع الحلم والتواضع والزهد وكانت الرحلة إليه توفي في جمادى الأولى عن سبع وثمانين سنة
وفيها أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان بفتح الباء الشافعي ولد ببغداد في شوال سنة تسع وسبعين وأربعمائة وتفقه على الغزالي والشاشي والكيا الهراسي وبرع في المذهب وفي الأصول وكان هو الغالب عليه وله فيه التصانيف المشهورة منها البسيط والوسيط والوجيز وغيرها درس بالنظامية شهرا واحدا وكان ذكيا يضرب به المثل في حل الإشكال قال المبارك بن كامل كان خارق الذكاء لا يكاد يسمع شيئا إلا حفظه ولم يزل يبالغ في الطلب 62
والتحقيق وحل المشكلات حتى صار يضربه به المثل في تبحره في الأصول والفروع وصار علما من أعلام الدين قصده الطلاب من البلاد حتى صار جميع نهاره وقطعه من ليله يستوعب في الأشغال وإلقاء الدروس توفي سنة عشرين وخمسمائة
كذا قاله ابن خلكان والمعروف أنه توفي سنة ثمان عشرة قيل في ربيع الأول وقيل في جمادى الأولى نقل عنه في الروضة في كتاب القضاء أن العامي لا يلزمه التقليد لمذهب معين ورجحه الإمام
قاله جميعه ابن قاضي شهبة
وفيها أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد المالكي قاضي الجماعة بقرطبة ومفتيها روى عن أبي علي الغساني وأبي مروان بن سراج وخلق وكان من أوعية العلم له تصانيف مشهورة عاش سبعين سنة
قاله في العبر
وفيها أبو عبد الله محمد بن بركات بن هلال الصعيدي المصري النحوي اللغوي البحر الحبر وله مائة سنة وثلاثة أشهر توفي في ربيع الآخر روى عن عبد العزيز الضراب والقضاعي وسمع البخاري من كريمة بمكة
قاله في العبر
وفيها أبو بكر الطرطوشي وطرطوشة من نواحي الأندلس محمد بن الوليد القرشي الفهري الأندلسي المالكي المعروف بابن أبي زيد نزيل الإسكندرية وأحد الأئمة الكبار أخذ عن أبي الوليد الباجب ورحل فأخذ السنن عن أبي علي التستري وسمع ببغداد من رزق الله التميمي وطبقته وتفقه على أبي بكر الشاشي قال ابن بشكوال كان إماما عالما زاهدا ورعا متقشفا متقللا راضيا باليسير وقال ابن خلكان كان يقول إذا عرض لك أمران أمر دنيا وأمر أخرى فبادر بأمر الأخرى يحصل لك أمر الدنيا والأخرى وسكن الشام مدة ودرس بها وكان كثيرا ما ينشد
) إن لله عبادا فطنا
طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا )
) فكروا فيها فلما علموا
أنها ليست لحي وطنا ) 63
) جعلوها لجة واتخذوا
صالح الأعمال فيها سفنا )
ولما دخل على الأفضل شاهان شاه بن أمير الجيوش بسط مئزرا كان معه تحته وجلس عليه وكان إلى جانب الأفضل رجل نصراني فوعظ الأفضل حتى بكى وأنشده
) يا ذا الذي طاعته قربة
وحقه مفترض واجب )
) إن الذي شرفت من أجله
يزعم هذا أنه كاذب )
وأشار إلى النصراني فأقامه الأفضل من موضعه وكان الأفضل قد أنزل الشيخ في مسجد شقيق الملك بالقرب من الرصد وكان يكرهه فلما طال مقامه ضجر وقال لخادمه إلى متى نصبر اجمع لي المباح فجمع له فأكله ثلاثة أيام فلما كان عند صلاة المغرب قال لخادمه رميته الساعة فلما كان من الغد ركب الأفضل فقتل وولى بعده المأمون ابن البطائحي فأكرم الشيخ إكراما كثيرا وصنف له كتاب سراج الملوك وهو حسن في بابه وله غيره وله طريقة في الخلاف ومن المنسوب إليه
) إذا كنت في حاجة مرسلا
وأنت بإنجازها مغرم )
) فأرسل بأكمه خلابة
به صمم أفطس أبكم )
) ودع عنك كل رسول سوى
رسول يقال له الدرهم )
وقال الطرطوشي كنت ليلة نائما في بيت المقدس فبينما أنا في جنح الليل إذ سمعت صوت حزين ينشد
) أخوف ونوم إن ذا لعجيب
ثكلتك من قلب فأنت كذوب )
) أما وجلال الله لو كنت صادقا
لما كان للأغماض منك نصيب )
قال فأيقظ النوام وأبكى العيون وكانت ولادة الطرطوشي المذكور سنة إحدى وخمسين وأربعمائة تقريبا وتوفي ثلث الليل الآخر سادس عشرى 64
جمادى الأولى سنة عشرين وخمسمائة بثغر الإسكندرية وصلى عليه ولده محمد
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا
سنة إحدى وعشرين وخمسمائة
فيها توفي أبو السعادات أحمد بن أحمد بن عبد الواحد الهاشمي العباسي المتوكلي شريف صالح خير روى عن الخطيب وابن المسلمة وعاش ثمانين سنة ختم التراويح ليلة سبع وعشرين في رمضان ورجع إلى منزله فسقط من السطح فمات رحمه الله تعالى
وفيها أبو الحسن الدينوري علي بن عبد الواحد روى عن القزويني وأبي محمد الخلال وجماعة وهو أقدم شيخ لابن الجوزي توفي في جمادى الآخرة
وفيها أبو الحسن بن الفاعوس علي بن المبارك بن علي البغدادي الحنبلي الاسكاف الزاهد كان يقص يوم الجمعة وللناس فيه عقيدة لصلاحه وتقشفه وإخلاصه روى عن القاضي أبي يعلى وغيره وسمع منه أبو المعمر الأنصاري وكان يأتي ساقي الماء في مجلس إملائه فيتناول منه ليوهم الحاضرين أنه مفطر وأنه يشرب ويكون صائما غالبا
توفي ابن الفاعوس ليلة السبت تاسع عشرى شوال وصلى عليه من الغد بجامع القصر وكان يوما مشهودا ودفن قريبا من قبر الإمام أحمد رضي الله عنه وغلقت في ذلك اليوم أسواق بغداد وكان أهل بغداد يصيحون في جنازته هذا يوم سني حنبلي رحمه الله تعالى
وفيها أبو العز القلانسي محمد بن الحسين بن بندار الواسطي مقرئ العراق وصاحب التصانيف في القراءات أخذ عن أبي يعلى غلام الهراس وسمع من أبي جعفر بن المسلمة وفيه ضعف وكلام توفي شوال عن خمس وثمانين سنة
وفيها أبو محمد عبد الله بن محمد البطليوسي بفتحتين وسكون اللام نسبة إلى بطليوس مدينة بالأندلس النحوي كان عالما بالآداب واللغات 65
متبحرا فيها متبحرا في معرفتها وإتقانها سكن مدينة بلنسية وكان الناس يجتمعون إليه ويقرءون عليه ويقتبسون منه وكان حسن التعليم جيد التفهيم ثقة ضابطا ألف كتبا نافعة ممتعة منها كتاب المثلث في مجلدين أتى فيه بالعجائب ودل على اطلاع عظيم فإن مثله قطرب في كراسة واحدة واستعمل فيها الضرورة وما لا يجوز وغلط في بعضها وله كتاب الاقتضاب في شرح أدب الكتاب وشرح أبي العلاء صاحب الديوان وله كتاب في الحروف الخمسة وهي السين والصاد والضاد والظاء والدال جمع فيه كل غريب له كتاب الحلل في شرح أبيات الجمل والخلل في أغاليط الجمل أيضا وكتاب التنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة وكتاب شرح الموطأ وغير ذلك وقيل أنه لم يخرج من المغرب وبالجملة فكل شيء تكلم فيه ففي غاية الجودة وله نظم حسن فمن ذلك قوله
) أخو العلم حي خالد بعد موته
وأوصاله تحت التراب رميم )
) وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى
يظن من الأحياء وهو عديم )
وله في طول الليل
) أرى ليلنا شابت نواصيه كرة
كما شبت أم في الجو روض بهار )
) كأن الليالي السبع في الجو جمعت
ولا فصل فيما بينها لنهار )
ومولده سنة أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس وتوفي في منتصف رجب بمدينة بلنسية
سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة
فيها توفي طغتكين أتابك ظهير الدين وكان من أمراء تتش السلجوقي بدمشق فزوجه بأم ولده دقاق ثم أنه صار أتابك دقاق ثم تملك دمشق وكان 66
شهما شجاعا مهيبا مدبرا سائسا له مواقف مشهورة مع الفرنج توفي في صفر ودفن بتربته قبل المصلى وملك بعده ابنه تاج الملوك بورى فعدل ثم ظلم
قاله في العبر
وفيها أبو محمد الشنتريني الإشبيلي الحافظ عبد الله بن أحمد روى الصحيح عن ابن منصور عن أبي ذر وسمع من حاتم بن محمد وجماعة قال ابن بشكوال كان حافظا للحديث وعلله عارفا برجاله وبالجرح والتعديل ثقة كتب الكثير واختص بأبي علي الغساني وله تصانيف في الرجال توفي في صفر عن ثمان وسبعين سنة
وفيها الوزير أبو علي الحسن بن علي بن صدقة جلال الدين وزير المسترشد كان ذا حزم وعقل ودهاء ورأي وأدب وفضل
وفيها أبو القاسم النشاوري موسى بن أحمد بن محمد النشادري الفقيه الحنبلي كان يذكر أنه من أولاد أبي ذر الغفاري رضي الله عنه سمع الحديث الكثير وقرأ بالروايات وتفقه على أبي الحسن بن الزاغوني وناظر قال ابن الجوزي رأيته يتكلم كلاما حسنا توفي رابع رجب ودفن بمقبرة الإمام أحمد
سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة
فيها قتل بدمشق نحو ستة آلاف ممن كان يرمي بعقيدة الإسماعيلية وكان قد دخل الشام بهرام الأسد أباذي وأضل خلقا ثم أن طغتكين ولاه بانياس فكان سيئة من سيئات طغتكين وأقام بهرام له داعيا بدمشق فكثر أتباعه بدمشق وملك هو عدة حصون بالشام منها القدموس وسلم بهرام بانياس للفرنج
وفيها توفي جعفر بن عبد الواحد أبو الفضل الثقفي الأصبهاني الرئيس روى عن ابن ريذة وطائفة وعاش تسعا وثمانين سنة
وفيها المردغاني الوزير كمال الدين طاهر بن سعد وزير تاج الملوك بورى 67
ابن طغتكين قتله وعلق رأسه على القلعة
وفيها أبو سعد النسفي عبد الله بن أبي المظفر بن أبي نعيم بن أبي تمام بن الحرث القاضي الحافظ أحد حفاظ سمرقند وما والاه
قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن الإمام أبي بكر البيهقي سمع الكتب من جده ومن أبي يعلى الصابوني وجماعة وحدث ببغداد وكان قليل الفضيلة توفي في جمادى الأولى وله أربع وسبعون سنة
وفيها يوسف بن عبد العزيز أبو الحجاج المنورقي الفقيه العلامة نزيل الإسكندرية وأحد الأئمة الكبار تفقه ببغداد على الكيا الهراسي وأحكم الأصول والفروع وروى البخاري عن واحد عن أبي ذر ومسلما عن أبي عبد الله الطبري وله تعليقة في الخلاف وفي آخر السنة قال السلفي حدث بالترمذي وخلط في إسناده
سنة أربع وعشرين وخمسمائة
فيها كما قال في العبر ظهرت ببغداد عقارب طيارة قتلت جماعة أطفال
وفيها أبو إسحق الغزي إبراهيم بن عثمان شاعر العصر وحامل لواء القريض وشعره كثير سائر متنقل في بلد الجبال وخراسان
وتوفي بناحية بلخ وله ثلاث وثمانون سنة قاله في العبر
وقال ابن النجار في تاريخ بغداد هو إبراهيم بن عثمان بن عياش بن محمد بن عمر بن عبد الله الأشهبي الغزي الكلي الشاعر المشهور شاعر محسن وذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق فقال دخل دمشق وسمع بها من الفقيه نصر المقدسي سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ورحل إلى بغداد وأقام بالمدرسة النظامية سنين كثيرة ومدح ورثى غير واحد من المدرسين بها وغيرهم ثم رحل إلى خراسان وامتدح بها جماعة من رؤسائها وانتشر شعره هناك وذكر له عدة مقاطيع من 68
الشعر وأثنى عليه
انتهى
وله ديوان شعر اختاره بنفسه وذكر في خطبته أنه ألف بيت وقال العماد الكاتب جاب البلاد وأكثر النقل والحركات وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان ولقي الناس ومدح ناصر الدين مكرم بن العلاء وزير كرمان بقصيدته البائية التي يقول فيها ولقد أبدع
) حملنا من الأيام ما لا نطيقه
كما حمل العظم الكسير العصائبا )
ومنها في قصر الليل وهو معنى لطيف
) وليل رجونا أن يدب عذاره
فما اختط حتى صار بالفجر شائبا )
ومن جيد شعره المشهور قوله
) قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة
باب الدواعي والبواعث مغلق )
) خلت الديار قلا كريم يرتجي
منه النوال ولا مليح يعشق )
) ومن العجائب أنه لا يشتري
ويخان فيه مع الكساد ويسرق )
ومن شعره وفيه صناعة حسنة
) وخز الأسنة والخضوع لناقص
أمران في ذوق النهى مران )
) والرأي أن يختار فيما دونه
المران وخز أسنة المران )
وله
) وجف الناس حتى لو بكينا
تعذر ما تبل به الجفون )
) فما يندي لممدوح بنان
ولا يندى لمهجو جبين )
ولد الغزي هذا بغزة هاشم سنة إحدى وأربعين وأربعمائة وتوفي ما بين مرو وبلخ من بلاد خراسان ونقل إلى بلخ ودفن بها ونقل عنه أنه كان يقول لما حضرته الوفاة أرجو أن يغفر لي ربي لثلاثة أشياء كوني من بلد الإمام الشافعي وأني شيخ كبير وأني غريب رحمه الله تعالى وحقق رجاءه
وفيها الإخشيد إسماعيل بن الفضل الأصبهاني السراج التاجر قرأ القرآن على جماعة وروى الكثير من ابن عبد الرحيم وأبي القاسم بن أبي بكر 69
الذكواني وطائفة وعمر ثمانيا وثمانين سنة
وفيها البارع وهو أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الوهاب البغدادي الدباس المقرئ الأديب الشاعر وهو من ذرية أبي القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد قرأ القرآن على أبي بكر محمد بن علي الخياط وغيره وروى عن أبي جعفر بن المسلمة وله مصنفات وشعر فائق قال ابن خلكان كان نحويا لغويا مقرئا حسن المعرفة بصنوف من الآداب وأفاد خلقا كثيرا خصوصا بإقراء القرآن الكريم وهو من بيت الوزارة فإن جده القاسم كان وزير المعتضد والمكتفي بعده وهو الذي سم ابن الرومي الشاعر وعبيد الله كان وزير المعتضد أيضا قبل ابنه القاسم وسليمان بن وهب الوزير تغني شهرته عن ذكره والبارع المذكور من أرباب الفضائل وله مؤلفات حسان وتآليف غريبة وديوان شعر جيد وكان بينه وبين ابن الهبارية مداعبات لطيفة فإنهما كانا رفيقين ومتحدين في الصحبة ومن شعر البارع
) أفنيت ماء الوجه من طول ما
أسأل من لا ماء في وجهه )
) أنهي إليه شرح حالي الذي
يا ليتني مت ولم أنهه )
) فلم ينلني كرما رفده
ولم أكد أسلم من جبهه )
) والموت من دهر نحاريره
ممتدة الأيدي إلى بلهه )
وكانت ولادته في عاشر صفر سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ببغداد وتوفي يوم الثلاثاء سابع جمادى الآخرة وقيل الأولى وكان قد عمى في آخر عمره رحمه الله
وفيها ابن الغزال أبو محمد عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن الغزال المصري المجاور شيخ صالح مقرئ قد سمع السلفي في سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة من إسماعيل الحافظ عنه سمع القضاعي وكريمة وعمر دهرا
وفيها فاطمة الجوزدانية أم إبراهيم بنت عبد الله بن أحمد بن القاسم بن 70
عقيل الأصبهانية سمعت من ابن ريذة معجمي الطبراني سنة خمس وثلاثين وعاشت تسعا وتسعين سنة وتوفيت في شعبان
وفيها أبو الأعز قراتكين بن الأسعد الأزجي روى عن الجوهري وجماعة وكان عاميا توفي في رجب ببغداد
وفيها أبو عامر العبدوي محمد بن سعدون بن مرجا الميورقي الحافظ الفقيه الظاهري نزيل بغداد أدرك أبا عبد الله البانياسي والحميدي وهذه الطبقة قال ابن عساكر كان فقيها على مذهب داود وكان أحفظ شيخ لقيته
وقال القاضي أبو بكر بن العربي هو أنبل من لقيه وقال ابن ناصر كان فهما عالما متعففا مع فقره وقال السلفي كان من أعيان علماء الإسلام متصرفا في فنون من العلوم وقال ابن عساكر بلغني أنه قال أهل البدع يحتجون بقوله )
ليس كمثله شيء ) أي في الإلهية فأما في الصورة فمثلنا ثم يحتج بقوله )
لستن كأحد من النساء إن اتقيتن ) أي في الحرمة وقال ابن ناصر الدين كان من أعيان الحفاظ لكن تكلم في مذهبه في القرآن ابن ناصر وحط عليه بما لا يثبت عنه ابن عساكر
وفيها محمد بن عبد الله بن تومرت المصمودي البربري المدعي أنه علوي حسني وأنه المهدي رحل إلى المشرق ولقي الغزالي وطائفة وحصل فنونا من العلم والأصول والكلام وكان رجلا ورعا ساكنا ناسكا في الجملة زاهدا متقشفا شجاعا جلدا عاقلا عميق الفكر بعيد الغور فصيحا مهيبا لذته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ولكن جره أقدامه وجرأته على حب الرياسة والظهور وارتكاب المحظور ودعوى الكذب والزور من أنه حسني وهو هرغي بربري وأنه معصوم وهو بالإجماع مخصوم فبدأ أولا في الإنكار بمكة فآذوه فقدم مصر وأنكر فطردوه فأقام بالثغر مدة فنفوه وركب البحر فشرع ينكر على أهل المركب 71
ويأمر وينهي ويلزمهم بالصلاة وكان مهيبا وقورا بزيق الفقر فنزل بالمهدية في غرفة فكان لا يرى منكرا أو لهوا إلا غيره بيده ولسانه فاشتهر وصار له زبون وشباب يقرءون عليه في الأصول فطلبه أمير البلد يحيى بن باديس وجلس له فلما رأى حسن سمته وسمع كلامه احترمه وسأله الدعاء فتحول إلى بجاية وأنكر بها فأخرجوه فلقي بقرية ملالة عبد المؤمن بن علي شابا مختطا مليحا فربطه عليه وأفضى إليه بسره وأفاده جملة من العلم وصار معه نحو خمس أنفس فدخل مراكش وأنكر كعادته فأشار مالك بن وهيب الفقيه على علي بن يوسف بن تاشفين بالقبض عليهم سدا للذريعة وخوفا من الغائلة وكانوا بمسجد داثر بظاهر مراكش فأحضرهم وعقد لهم مجلسا حافلا فواجهه ابن تومرت بالحق المحض ولم يحابه ووبخه ببيع الخمر جهارا وبمشي الخنازير التي للفرنج بين أظهر المسلمين وبنحو ذلك من الذنوب وخاطبه بكيفية ووعظ فذرفت عينا الملك وأطرق فقويت التهمة عند ابن وهيب وأشباهه من العقلاء وفهموا مرام ابن تومرت فقيل للملك إن لم تسجنهم وتنفق عليهم كل يوم دينارا وإلا أنفقت عليهم خزائنك فهون الوزير أمرهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا فصرفه الملك وطلب منه الدعاء واشتهر اسمه وتطلعت النفوس إليه وسار إلى أغمات وانقطع بحبل تينمل وتسارع إليه أهل الجبل يتبركون به فأخذ يستميل الشباب الاغتام والجهلة الشجعان ويلقى إليهم ما في نفسه وطالت مدته وأصحابه يكثرون وهم يأخذهم بالديانة والتقوى ويحصنهم على الجهاد وبذل النفوس في الحق وورد أنه كان حاذقا في ضرب الرمل قد وقع بجفر فيما قيل واتفق لعبد المؤمن أنه كان قد رأى أنه يأكل في صحفة مع ابن تاشفين ثم اختطف الصحفة منه فقال له المعبر هذه الرؤيا لا ينبغي أن تكون لك بل هي لرجل يخرج على ابن تاشفين ثم يغلب على الأمر وكانت تهمة ابن تومرت في إظهار العقيدة والدعاء إليها وكان أهل المغرب على طريقة 72
السلف ينافرون الكلام أهله ولما أكثرت أصحابه أخذ يذكر المهدي ويشوق إليه ويروي الأحاديث التي وردت فيه فتلهفوا على لقائه ثم روى ظمأهم وقال أنا هو وساق لهم نسبا ادعاه وصرح بالعصمة وكان على طريقة مثلى لا تنكر معها العصمة فبادروا إلى متابعته وصنف لهم مصنفات مختصرات وقوى أمره في سنة خمس عشرة وخمسمائة فلما كان في سبع عشرة جهز عسكرا من المصامدة أكثرهم من أهل تينمل والسوس وقال اقصدوا هؤلاء المارقين المرابطين فادعوهم إلى إزالة البدع والإقرار بالإمام المعصوم فإن أجابوكم وألا فقاتلوهم وقدم عليهم عبد المؤمن فالتقاهم الزبير ولد أمير المسلمين فانهزمت المصادمة ونجا عبد المؤمن ثم التقوهم مرة أخرى فنصرت المصامدة واستفحل أمرهم وأخذوا في شن الإغارات على بلاد ابن تاشفين وكثر الداخلون في دعوتهم وانضم إليهم كل مفسد ومريب واتسعت عليهم الدنيا وابن تومرت في ذلك كله لون واحد من الزهد والتقلل والعبادة وإقامة السنن والشعائر لولا ما أفسد القضية بالقول بنفي الصفات كالمعتزلة وبأنه المهدي وبتسرعه في الدماء وكان ربما كاشف أصحابه ووعدهم بأمور فتوافق فيفتنون به وكان كهلا أسمر عظيم الهامة ربعة حديد النظر مهيبا طويل الصمت حسن الخشوع والسمت وقبره مشهور معظم ولم يملك شيئا من المدائن إنما مهد الأمور وقرر القواعد فبغته الموت وكانت الفتوحات والممالك لعبد المؤمن
قاله في العبر
وفيها الآمر بأحكام الله أبو علي منصور بن المستعلى بالله أحمد بن المستنصر بالله معد بن الظاهر بن الحاكم العبيدي الرافضي صاحب مصر كان فاسقا مشتهرا ظالما امتدت دولته ولما كبر وتمكن قتل وزيره الأفضل وأقام في الوزارة البطائحي المأمون ثن صادره وقتله ولى الخلافة سنة خمس وتسعين وهو ابن خميس سنين فانظر إلى هذه الخلافة الباطلة من وجوه أحدها السنن الثاني عدم النسب فإن جدهم دعى في بني فاطمة بلا خلاف الثالث أنهم خوارج 73
على الإمام الرابع خبث المعتقد الدائر بين الرفض والزندقة الخامس تظاهره بالفسق وكانت أيامه ثلاثين سنة خرج في ذي القعدة إلى الجيزة فكمن له قوم بالسلاح فلما مر على الجسر نزلوا عليه بالسيوف ولم يعقب وبايعوا بعده ابن عمه الحافظ عبد المجيد بن الأمير محمد بن المستنصر فبقى إلى عام أربعة وأربعين وكان الآمر ربعة شديد الأدمة جاحظ العينين عاقلا ماكرا مليح الخط ولقد ابتهج الناس بقتله لفسقه وجوره وسفكه الدماء وإدمان الفواحش
وفيها أبو محمد بن الأكفاني هبة الله بن أحمد بن محمد الأنصاري الدمشقي الحافظ وله ثمانون سنة سمع أباه وأبا القاسم الحنائي وأبا بكر الخطيب وطبقتهم ولزم أبا محمد الكتاني مدة وكان ثقة فهما شديد العناية بالحديث والتاريخ كتب الكثير وكان من كبار العدول توفي في سادس المحرم
وفيها أبو سعد المهراني هبة الله بن القاسم بن عطاء النيسابوري روى عن عبد الغافر الفارسي وأبي عثمان الصابوني وطائفة وعاش ثلاثا وتسعين سنة وكان ثقة جليلا خيرا توفي في جمادى الأولى
سنة خمس وعشرين وخمسمائة
فيها توفي أبو السعود بن المجلي أحمد بن علي البغدادي البزاز شيخ مبارك عامي روى عن القاضي أبي يعلى وابن المسلمة وطبقتهما
وفيها أبو المواهب بن ملوك الوراق أحمد بن محمد بن عبد القاهر الفقيه نزيل الموصل تفقه على الشيخ أبي إسحق وسمع من عبد الصمد بن المأمون وطائفة
وفيها أبو نصر الطوسي أحمد بن محمد بن عبد القاهر الفقيه نزيل الموصل تفقه على الشيخ أبي إسحق وسمع من عبد الصمد بن المأمون وطائفة
وفيها الشيخ حماد بن مسلم بن ددوة الدباس أبو عبد الله الرحبي الزاهد شيخ الشيخ عبد القادر الكيلاني نشأ ببغداد وكان له معمل للدبس وكان أميا 74
لا يكتب له أصحاب واتباع وأحوال وكرامات دونوا كلامه في مجلدات وكان شيخ العارفين في زمانه وكان ابن عقيل يحط عليه ويؤذيه
قاله في العبر
وقال السخاوي كان قد سافر وتغرب ولقي المشايخ وجاهد نفسه بأنواع المجاهدات وزوال أكثر المهن والصنائع في طلب الحلال والتورع في الكسب والتحري ثم فتح له بعد ذلك خير كثير وأملى في الآداب والأعمال والعلوم المتعقلة بالمعرفة وتصحيح المعاملات شيئا كثيرا وكان كأنه مسلوب الاختيار مكاشفا بأكثر الأحوال ومن كلامه انظر إلى صنعة تستدل عليه ولا تنظر إلى صنع غيره فتعمى عنه اللسان ترجمان القلب والنظر فإذا زال في القلب والنظر من الهوى كان نطقه حكمة والحساب على أخذك من ماله وهو الحلال والعقاب على أخذك من مالهم وهو الحرام وقال رضي الله عنه من هرب من البلاء لا يصل إلى باب الولاء وقال رضي الله عنه ما لأحد في مأكول على منة فإني بالغت في طلب الرزق الحلال بكد يميني وعملت في كل شيء إلا أني ما كنت غلاما لقصاب ولا لوقاد ولا لكناس فإن هذه الحرف تؤدي إلى إسقاط المروءة وكان الشيخ يأكل من النذر كان يقول بعضهم إن سلم مالي أو ولدي أو قرابتي فلله على أن أعطى حمادا كذا تم ترك ذلك لأنه بلغه حديث النبي النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل فكره أكل مال البخيل وصار يأكل بالمنامات كان الإنسان يرى في النوم أن قائلا يقول له أعط حمادا كذا فيصبح ويحمل الذي قيل له إلى الشيخ توفي رحمه الله تعالى ليلة السبت الخامس من شهر رمضان ودفن في الشوينزية وكان مسلوب الاختيار تارة زيه زي الأغنياء وتارة زي الفقراء متلون كيف أدير دار أي شيء كان في يده جاد به وكانت المشايخ بين يديه كالميت بين يدي الغاسل
انتهى كلام السخاوي ملخصا
وفيها أبو العلاء زهر بن عبد الملك بن محمد بن مروان زهر الإيادي الإشبيلي 75
طبيب الأندلس وصاحب التصانيف أخذ عن أبيه وحدث عن أبي علي الغساني وجماعة ونال دنيا عريضة ورياسة كبيرة وله شعر رائق نكب في الآخر من الدولة قال ابن الأهدل له شعر رائق ورياسة عظيمة وأموال عميقة وهو أحد شيوخ أبي الخطاب بن دحية وكان يحفظ شعر ذي الرمة وهو ثلث اللغة مع معرفة الطب التامة وأهل بيته كلهم وزراء علماء
انتهى
وفيها عين القضاة الهمذاني أبو المعالي عبد الله بن محمد الميانجي بالفتح وفتح النون نسبة إلى ميانة بلد بأذربيجان الفقيه العلامة الأديب وأحد من كان يضرب به المثل في الذكاء دخل في التصوف ودقائقه ومعاني إشارات القوم حتى ارتبط عليه الخلق ثم صلب بهمذان على تلك الألفاظ الكفرية نسأل الله العفو
قاله في العبر
وفيها أبو عبد الله الرازي صاحب السداسيات والمشيخة محمد بن أحمد بن إبراهيم الشاهد المعروف بابن الحطاب مسند الديار المصرية وأحد عدول الإسكندرية توفي في جمادى الأولى عن إحدى وتعسين سنة سمعه أبوه الكثير من مشيخة مصر ابن حمصة والطفال وأبي القاسم الفارسي وطبقتهم
وفيها أبو غالب الماوردي محمد بن علي البصري في رمضان ببغداد وله خمس وسبعون سنة روى عن أبي علي التستري وأبي الحسن بن النقور وطبقتهما وكان ناسخا فاضلا صالحا رحل إلى أصبهان والكوفة وكتب الكثير وخرج المشيخة
وفيها الشيخ الفقيه محمد بن عبدوية المدفون بجزيرة كمران من اليمن ببحر القلزم تفقه بالشيخ أبي إسحق ببغداد وقرأ عليه كتابه المهذب ونكته 76
في الأصول والجدل وهو أول من دخل بالمهذب اليمن وكان سكن عدن ثم انتقل إلى زبيد في دولة الحبشة فلما دخل مفضل بن أبي البركات بعسكر من العرب انتهب مالا لابن عبدوية كان يتجر فيه في جملة من انتهب ثم خرج إلى كمران وأقام بها إلى أن توفي وقبره هناك مشهور مزور وكان زاهدا ورعا لا يأكل إلا رزا يأتي من بلاد الهند وكان عبيده يسافرون إلى الحبشة والهند ومكة وعدن للتجارة فأخلفه الله مالا عن ماله المنهوب وكان ينفق على طلبة العلم وكانت طريقته سنية سنية وله تصنيف في أصول الفقه يسمى الإرشاد وكان له ولد عالم في الأصول والفقه يسمى عبد الله تفقه بأبيه ومات قبله وله ذرية بمشهده أخيار أبرار وابتلى بذهاب بصره فأتى بقراح فأنشد
) وقالوا قد دهى عينيك سوء
فلا عالجته بالقدح زالا )
) فقلت الرب مختبري بهذا
فإن أصبر أنل منه النوالا )
) وإن أجزع حرمت الأجر منه
وكان خصيصتي منه الوبالا )
) وإني صابر راض شكور
ولست مغيرا ما قد أنالا )
) صنيع مليكنا حسن جميل
وليس لصنعه شيء مثالا )
) وربي غير متصف بحيف
تعالى ربنا عن ذا تعالى )
روى أنه لما قال هذه الأبيات أعاد الله عليه بصره
قاله ابن الأهدل
وفيها السلطان محمود بن السلطان محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي الملقب مغيث الدين ولى بعد أبيه سنة اثنتي عشرة وخطب له ببغداد وغيرها ولعمه سنبحر معا وكان له معرفة بالشعر والنحو والتاريخ وكان متوقدا ذكاء قوي المعرفة بالعربية حافظا للأشعار والأمثال عارفا بالتواريخ والسير شديد الميل إلى أهل العلم والخير وكان حيص بيص الشاعر قد قصده من العراق ومدحه بقصيدته الدالية المشهورة التي أولها 77
) ألق الحدائج تلق الضمر القود
طال السرى وتشكت وخدك البيد )
) يا ساري الليل لا جدب ولا فرق
فالنبت أغيد والسلطان محمود )
) قيل تألفت الأضداد خيفته
فالمورد الضنك فيه الشاء والسيد )
وهي طويلة من غرر القصائد وأجازه عليها جائزة سنية وكانت السلطنة في آخر أيامه قد ضعفت وقلت أموالها حتى عجزوا عن إقامة وظيفة الفقاعي فدفعوا له يوما بعض صناديق الخزانة حتى باعها وصرف ثمنها في حاجته وكان في آخر مدته قد دخل بغداد ثم خرج عنها فمرض في الطريق واشتد به المرض وتوفي يوم الخميس منتصف شوال بباب أصبهان ودفن بها
وفيها أبو القاسم بن الحصين هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن العباس بن الحسين الشيباني البغدادي الكاتب الأزرق مسند العراق ولد في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وسمع ابن غيلان وابن المذهب والحسن بن المقتدر والتنوخي وهو آخر من حدث عنهم وكان دينا صحيح السماع توفي في رابع عشر شوال
وفيها يحيى بن المسرف بن علي أبو جعفر المصري التمار روى عن أبي العباس بن نفيس وكان صالحا من أولاد المحدثين توفي في رمضان
سنة ست وعشرين وخمسمائة
فيها كانت الوقعة بناحية الدينور بين السلطان سنجر وبين ابن أخيه سلجوق ومسعود قال ابن الجوزي كان مع سنجر مائة وسبعون ألفا ومع مسعود ثلاثون ألفا وبلغت القتلى أربعين ألفا وقتلوا قتلة جاهلية على الملك لا على الدين وقتل ثرجا أتابك سلجوق وجاء مسعود لما رأى الغلبة إلى بين يدي سنجر فعفا عنه وأعاده إلى كنجه وقرر سلطنة بغداد لطغر بك ورجع إلى خراسان 78
-وفيها توفي الملك الأكمل أحمد بن الأفضل أمير الجيوش شاه شاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي المصري سجن بعد قتل أبيه مدة إلى أن قتل الآمر وأقيم الحافظ فأخرجوا الأكمل وولى وزارة السيف والقلم وكان شهما مهيبا عالي الهمة كأبيه وجده فحجر على الحافظ ومنعه من الظهور وأخذ أكثر ما في القصر وأهمل ناموس الخلافة العبيدية لأنه كان سنيا كأبيه لكنه أظهر التمسك بالإمام المنتصر وأبطل من الأذان حي على خير العمل وأبطل قواعد القوم فأبغضه الدعاة والقواد وعملوا عليه فركب للعب الكرة في المحرم فوثبوا عليه وطغنه مملوك الحافظ وأخرجوا الحافظ ونزل إلى دار الأكمل واستولى على خزائنه واستوزر يانس مولاه فهلك بعد عام
وفيها أبو العز بن كاوش أحمد بن عبيد الله بن محمد السلمي الكعبري في جمادى الأولى عن تسعين سنة وهو آخر من روى عن القاضي أبي الحسن الماوردي وروى عن الجوهري والعشاري والقاضي أبي الطيب وكان قد طلب الحديث بنفسه وله فهم قال عبد الوهاب الأنماطي كان مخلطا
وفيها تاج الملوك بورى صاحب دمشق وابن صاحبها طغتكين مملوك تاج الدولة تتش السلجوقي وكانت دولته أربع سنين قفز عليه الباطنية فجرح وتعلل أشهرا ومات في رجب وولى بعده ابنه شمس الملوك إسماعيل وكان شجاعا مجاهدا جوادا كريما سد مسد أبيه وعاش ستا وأربعين سنة
وفيها عبد الله بن أبي جعفر المرسي العلامة أبو محمد المالكي انتهت إليه رياسة المالكية وتوفي في رمضان وقد روى عن أبي حاتم بن محمد وابن عبد البر والكبار وسمع بمكة صحيح مسلم من أبي عبد الله الطبري
وفيها عبد الكريم بن حمزة أبو محمد السلمي الدمشقي الحداد مسند الشام روى عن أبي القاسم الحناني والخطيب وأبي الحسين بن مكي وكان ثقة توفي في ذي القعدة 79
وفيها القاضي أبو الحسين بن الفراء محمد بن القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين البغدادي الحنبلي وله أربع وسبعون سنة سمع أباه وعبد الصمد بن المأمون وطبقتهما وكان منتيا مناظرا عارفا بالمذهب ودقائقه صلبا في السنة كثير الحط على الأشاعرة استشهد ليلة عاشوراء وأخذ ماله وقتل قاتله وألف طبقات الحنابلة
قاله في العبر وقال ابن رجب كان عارفا بالمذهب متشددا في السنة وله تصانيف كثيرة في الفروع والأصول وغير ذلك منها المجموع في الفروع
رءوس المسائل
المفردات في الفقه
التمام لكتاب الروايتين والوجهين الذي لأبيه
المفردات في أصول الفقه
طبقات الأصحاب
إيضاح الأدلة في الرد على الفرق الضالة المضلة
الرد على زائغي الاعتقادات في منعهم من سماع الآيات
المفتاح في الفقه وغير ذلك وقرأ عليه جماعة كثيرة منهم عبد المغيث الحربي وغيره وحدث عنه وسمع منه خلق كثير من الأصحاب وغيرهم منهم ابن ناصر ومعمر بن الفاخر وابن الخشاب وأبو الحسين البراندسي الفقيه وابن المرحب البطائحي وابن عساكر الحافظ وغيرهم وبالإجازة أبو موسى المديني وابن كليب وكان للقاضي أبي الحسين بيت في داره بباب المراتب يبيت فيه وحده فعلم بعض من كان يخدمه ويتردد إليه بأن له مالا فدخلوا عليه ليلا وأخذوا المال وقتلوه ليلة الجمعة عاشوراء ودفن عند أبيه بمقبرة باب حرب وكان يوما مشهودا وقدر الله سبحانه وتعالى ظهور قاتليه فقتلوا كلهم
وفيها علي بن الحسن الدواحي أبو الحسن الواعظ تفقه على أبي الخطاب الكلوذاني وسمع منه الحديث وتوفي ليلة الجمعة خامس شوال ودفن بباب حرب
سنة سبع وعشرين وخمسمائة
فيها توفي أبو غالب بن البناء أحمد بن علي بن أحمد بن عبد الله البغدادي الحنبلي مسند العراق وله اثنتان وثمانون سنة توفي في صفر سمع الجوهري 80
وأبا يعلى بن الفراء وطائفة وله مشيخة مروية
وفيها أبو العباس بن الرطبي أحمد بن سلامة بن عبد الله بن مخلد الكرخي برع في مذهب الشافعي وغوامضه على الشيخين أبي إسحق وابن الصباغ حتى صار يضرب به المثل في الخلاف والمناظرة ثم علم أولاد الخليفة
قاله في العبر
وفيها العلامة مجد الدين أبو الفتح وأبو سعيد أسعد بن أبي النصر بن الفضل الميهنتي بكسر الميم وقيل بفتحها ثم مثناة ثم هاء مفتوحة ثم نون مفتوحة وفي آخره تاء التأنيث نسبة إلى ميهنة قرية بقرب طوس بين سرخس وأبيورد صاحب التعليقة تفقه بمرو وشاع فضله وبعد صيته وولى نظامية بغداد مرتين وخرج له عدة تلامذة وكان يتوقد ذكاء تفقه على أبي المظفر السمعاني والموفق الهروي وكان يرجع إلى دين وخوف ولد بميهنة سنة إحدى وستين وأربعمائة ورحل إلى غزنة بغين معجمة من نواحي الهند واشتهر بتلك النواحي وشاع فضله ثم ورد إلى بغداد وانتفع الناس به وبطريقته الخلافية ثم توجه من بغداد رسولا إلى همذان فتوفي بها
وفيها الحافظ أبو نصر اليونارتي بضم التحتية ونون مفتوحة وسكون الراء وفوقية نسبة إلى يونارت قرية بأصبهان الحسن بن محمد بن إبراهيم الحافظ فسمع أبا بكر بن ماجه وأبا بكر بن خلف الشيرازي وطبقتهما ورحل إلى هراة وبلخ وبغداد وعنى بهذا الشأن وكان جيد المعرفة متقنا توفي في شوال وقد جاوز الستين
وفيها ابن الزاغوني أبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر بن السري كذا نسبة إلى شافع وابن الجوزي الفقيه الحنبلي شيخ الحنابلة وزاعظهم وأحد أعيانهم ولد في جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وأربعمائة وقرأ القرآن بالروايات وطلب الحديث بنفسه وقرأ وكتب بخطه وسمع من أبي الغنائم بن المأمون وأبي جعفر بن المسلمة وابن النقور وغيرهم وقرأ الفقه على القاضي 81
يعقوب البرنشي وقرأ الكثير من كتب الفقه والنحو والفرائض وكان متقنا في علوم شتى من الأصول والفروع والوعظ والحديث وصنف في ذلك كله قال ابن الجوزي كان له في كل فن من العلم حظ وافر ووعظ مدة طويلة قال وصحبته زمانا فسمعت منه الحديث وعلقت عنه من الفقه والوعظ وكانت له حلقة بجامع المنصور يناظر فيها يوم الجمعة قبل الصلاة ثم يعظ فيها بعد الصلاة ويجلس يوم السبت أيضا وذكر ابن ناصر أنه كان فقيه الوقت وكان مشهورا بالصلاح والديانة والورع والصيانة وقال ابن السمعاني ذكر بعض الناس ممن يوثق بهم أنه رأى في المنام ثلاثة يقول واحد منهم اخسف وواحد يقول أغرق وواحد يقول أطبق يعني البلد فأجاب بعضهم لا لأن بالقرب منا ثلاثة أبو الحسن بن الزاغوني والثاني أحمد بن الطلاية والثالث محمد بن فلان من الحربية ولابن الزاغوني تصانيف كثيرة منها في الفقه الإقناع والواضح والخلاف الكبير والمفردات في مجلدين وهي مائة مسئلة وله التخليص في الفرائض ومصنف في الدور والوصايا وله الإيضاح في أصول الدين مجلد وغرر البيان في أصول الفقه مجلدات عدة وله ديوان خطب ومجالس في الوعظ وله تاريخ على السنين ومناسك الحج وفتاوي ومسائل في القرآن وغير ذلك قال الحافظ ابن رجب كان ثقة صحيح السماع صدوقا حدث بالكثير وروى عنه ابن ناصر وابن عساكر وابن الجوزي وابن طبرزد وغيرهم وتفقه عليه جماعة منهم صدقة بن الحسين وابن الجوزي وتوفي يوم الأحد سادس عشر المحرم ودفن بمقبرة الإمام أحمد وكان له جمع عظيم يفوت الإحصاء انتهى ملخصا
وفيها محمد بن الحسين بن علي بن إبراهيم بن عبيد الله الشيباني المرزقي المقرئ الفرضي أبو بكر ولد في سلخ سنة تسع وثلاثين وأربعمائة وقرأ القرآن بالروايات على جماعة من أصحاب الحمامي منهم أبو بكر بن موسى الخياط وسمع من ابن المسلمة وخلائق ذكر ابن ناصر أنه كان مقرئ زمانه قرأ القراءات عليه جماعة منهم 82
أبو موسى المديني الحافظ وعلي بن عساكر وغيرهما وحدث عنه ابن ناصر وابن عساكر وابن الجوزي وغيرهم قال ابن الجوزي كان ثقة عالما ثبتا حسن العقيدة حنبليا والمرزقي نسبة إلى المرزقة بين بغداد وعكبرا وهي بتقديم الزاي على الراء وبالقاف ولم يكن منها إنما نقل أبوه إليها أيام الفتنة فأقام بها مدة
وفيها محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن أحمد بن خلف بن الفراء الفقيه الحنبلي الزاهد أبو حازم ابن القاضي الإمام أبي يعلى وأخو القاضي أبي الحسين ولد في صفر سنة سبع وخمسين وأربعمائة وسمع الحديث من ابن المسلمة وابن المأمون وغيرهما وذكر ابن نقطة أنه حدث عن أبيه وما أظنه إلا بالإجازة فإنه ولد قبل موت والده بسنة وذكر أخوه أن والده أجاز له ولأخيه وقرأ محمد هذا الفقه على القاضي يعقوب ولازمه وعلق عنه وبرع في معرفة المذهب والخلاف والأصول وصنف تصانيف مفيدة وله كتاب التبصرة في الخلاف وكتاب رءوس المسائل وشرح مختصر الخرقي وغير ذلك وكان من الفقهاء الزاهدين والأخيار الصالحين وحدث وسمع منه جماعة منهم ابناه وأبو المعمر الأنصاري ويحيى بن يونس وتوفي يوم الاثنين تاسع عشرى صفر ودفن بداره بباب الأزج ونقل في سنة أربع وثلاثين إلى مقبرة الإمام أحمد فدفن عند أبيه وأبو خازم بالخاء والزاي المعجمتين
وفيها محمد بن أحمد بن صاعد أبو سعيد النيسابوري الصاعدي وله ثلاث وثمانون سنة وكان رئيس نيسابور وقاضيها وعالمها وصدرها روى عن أبي الحسين بن عبد الغافر وابن مسرور
سنة ثمان وعشرين وخمسمائة
فيها توفي أبو الوفاء أحمد بن علي الشيرازي الزاهد الكبير صاحب الرباط 83
والأصحاب والمريدين ببغداد وكان يحضر السماع
وفيها أبو الصلت أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الداني الأندلسي صاحب الفلسفة وكان ماهرا في علوم الأوائل الطبيعي والرياضي والإلهي كثير التصانيف بديع النظم عاش ثمانيا وستين سنة وكان رأسا في معرفة الهيئة والنجوم والموسيقى تنقل في البلاد ومات غريبا وذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى عليه وذكر شيئا من نظمه ومن جملة ما ذكر قوله
) وقائلة ما بال مثلك خاملا
أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز )
) فقلت لها ذنبي إلى القوم أنني
لما لم يحوزوه من المجد حائز )
) وما فاتني شيء سوى الحظ وحده
وأما المعالي فهي عندي غرائز )
وله أيضا
) جد بقلبي وعبث
ثم مضى وما أكثرت )
) واحربا من شادن
في عقد الصبر نفث )
) يقتل من شاء بعينيه
ومن شاء بعث )
) فأي ود لم يخن
وأي عهد ما نكث )
وله أيضا
) دب العذار بخده ثم انثنى
عن لثم مبسمه البرود الأشنب )
) لا غرو إن خشي الردى في لثمه
فالريق سم قاتل للعقرب )
ومن شعره أيضا
) ومهفهف تركت محاسن وجهه
ما مجه في الكأس من إبريقه )
) ففعالها من مقلتيه ولونها
من وجنتيه وطعمها من ريقه )
وأورد له أيضا في كتاب الخريدة
) عجبت من طرفك في ضعفه
كيف يصيد البطل إلا صيدا )
) يفعل فينا وهو في غمده
ما يفعل السيف إذا جردا ) 84
وشعره كثير وجيد وآخر شعر قاله أبيات أوصى أن تكتب على قبره وهي
) سكنتك يا دار الفناء مصدقا
بأني إلى دار البقاء أصير )
) وأعظم ما في الأمر أني صائر
إلى عادل في الحكم ليس يجور )
) فيا ليت شعري كيف ألقاه عندها
وزادي قليل والذنوب كثير )
) فإن أك مجزيا بذنبي فإنني
شر عقاب المذنبين جدير )
) وإن يك عفو منه عني ورحمة
فثم نعيم دائم وسرور )
ولما اشتد مرض موته قال لولده عبد العزيز
) عبد العزيز خليفتي
رب السماء عليك بعدي )
) أنا قد عهدت إليك ما
تدريه فاحفظ فيه عهدي )
) فلان عملت به فإنك
لا تزال حليف رشد )
) ولئن نكثت لقد ضللت
وقد نصحتك حسب جهدي )
وقال ابن خلكان وجدت في مجموع لبعض المغاربة أن أبا الصلت المذكور مولده في دانية مدينة من بلاد الأندلس في قران سنة ستين وأربعمائة وأخذ العلم عن جماعة من أهل الأندلس كأبي الوليد الوقشي قاضي دانية وغيره وقدم الإسكندرية مع أمه في يوم عيد الأضحى من سنة تسع وثمانين وأربعمائة ونفاه الأفضل شاهان شاه من مصر سنة خمس وخمسمائة وتردد بالإسكندرية إلى أن سافر سنة ست وخمسمائة فحل بالمهدية ونزل من صاحبها علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس منزلة جليلة وولد له بها ولد سماه عبد العزيز وكان شاعرا ماهرا له في الشطرنج يد بيضاء وتوفي هذا الولد ببجاية في سنة ست وأربعين وخمسمائة وصنف أمية وهو في اعتقال الأفضل بمصر رسالة العمل بالأسطر لاب وكتاب الوجيز في علم البيئة وكتاب الأدوية المفردة وكتابا في المنطق سماه تقويم الأذهان وغير ذلك وبها صنف الوجيز للأفضل عرضه على منجمه أبي عبد الله الحلبي فلما وقف 85
عليه قال له هذا الكتاب لا ينتفع به المبتدي ويستغني عنه المنتهى وله من أبيات
) كيف لا تبلى علائله
وهو بدر وهي كتان )
انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا
وفيها أبو علي الفارقي الحسن بن إبراهيم بن علي بن برهون شيخ الشافعية ولد بميافارقين سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وتفقه على محمد بن بيان الكازروني ثم ارتحل إلى الشيخ أبي إسحق وحفظ عليه المهذب وتفقه على ابن الصباغ وحفظ عليه الشامل وكان ورعا زاهدا صاحب حق مجودا لحفظ الكتابين يكرر عليهما وقد سمع من أبي جعفر بن المسلمة وجماعة وولى قضاء واسط مدة وبها توفي في المحرم عن خمس وتسعين سنة وعليه تفقه القاضي أبو سعد بن أبي عصرون
وفيها عبد الله بن المبارك ويعرف بعسكر بن الحسن العكبري المقرئ الفقيه أبو محمد ويعرف بابن نبال الحنبلي سمع من أبي نصر الزينبي وأبي الحسين العاصمي وغيرهما وتفقه على أبي الوفاء بن عقيل وأبي سعد البرداني وكان يصحب شافعا الجيلي فأشار عليه بشراء كتب ابن عقيل فباع ملكا له واشترى بثمنه كتاب الفنون وكتاب الفصول ووقفهما على المسلمين وكان خيرا من أهل السنة وحدث وتوفي ليلة الثلاثاء ثاني عشرى جمادى الأولى عن نيف وسبعين سنة ودفن بمقبرة الإمام أحمد
وفيها عبد الواحد بن شنيف بن محمد بن عبد الواحد الديلمي البغدادي الفقيه الحنبلي أبو الفرج أحد أكابر الفقهاء تفقه على أبي علي البرداني وبرع وكان مناظرا مجودا وأمينا من قبل القضاة ويباشر بعض الولايات وله دينا واسعة وكان ذا فطنة وشجاعة وقوة قلب وعفة ونزاهة وأمانة قال ابن النجار كان مشهورا بالديانة وحسن الطريقة ولم تكن له رواية في الحديث توفي رحمه الله تعالى ليلة السبت حادي عشرى شعبان وصلى عليه الشيخ عبد القادر ودفن بمقبرة الإمام 86
أحمد رضي الله عنه
وفيها أبو الحسن علي بن أبي القاسم بن أبي زرعة الطبري المقرئ المحدث الفقيه الحنبلي الزاهد من أهل آمل طبرستان ذكره ابن السمعاني فقال شيخ صالح خير دين كثير العبادة والذكر مستعمل السنن مبالغ فيها جهده وكان مشهورا بالزهد والديانة رحل بنفسه في طلب الحديث إلى أصبهان وسمع بها جماعة من أصحاب أبي نعيم الحافظ كأبي سعد المطرب وأبي علي الحداد وغيرهما وسمع ببلده آمل من أبي المحاسن الروياني الفقيه وأبي بكر بن الخطاب وتوفي بالعسيلة بعد فراغه من الحج والعمرة والزيارة في المحرم ودفن بها انتهى
وفيها أبو القاسم هبة الله بن أحمد الواسطي الشروطي روى عن الخطيب وابن المسلمة وتوفي في ذي الحجة
سنة تسع وعشرين وخمسمائة
فيها هجم على سرادق المسترشد بالله أبي منصور الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله عبد الله بن محمد بن القائم الهاشمي العباسي سبعة عشر من الباطنية فقتلوه وقتلوا بظاهر مراغة وكانت ولادته في ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة وبويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وكان ذا همة عالية وشهامة زائدة وإقدام ورأي وهيبة شديدة ضبط الأمور أي أمور الخلافة ورتبها أحسن ترتيب وأحيا رميمها ونشر عظامها وشيد أركان الشريعة وطرز أكمامها وباشر الحروب بنفسه وخرج عدة نوب إلى الحلة والموصل وطريق خراسان إلى أن خرج النوبة الأخيرة وكسر جيشه بقرب همذان وأخذ أسيرا إلى أذربيجان في هذه السنة وكان قد سمع الحديث من أبي القاسم بن بيان وعبد الوهاب بن هبة الله السبتي وروى عنه محمد بن عمر بن مكي الأهوازي ووزيره علي بن طراد وإسماعيل بن طاهر الموصلي 87
وذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعية وناهيك بذلك فإنه قال هو الذي صنف له أبو بكر الشاشي كتابه العمدة في الفقه وبلقبه اشتهر الكتاب فإنه كان حينئذ يلقب عمدة الدنيا والدين وذكره ابن السبكي في طبقات الشافعية فقال كان في أول أمره تنسك ولبس الصوف وانفرد في بيت للعبادة وكان مولده يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان سنة ست وثمانين وأربعمائة وخطب له أبوه بولاية العهد ونقش اسمه على السكة في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وكان مليح الحظ ما كتب أحد من الخلفاء قبله مثله يستدرك على كتابه ويصلح أغاليط في كتبهم وأما شهامته وهيبته وشجاعته وإقدامه فأمر أشهر من الشمس ولم تزل أيامه مكدرة بكثرة التشويش والمخالفين وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك إلى أن خرج الخرجة الأخيرة إلى العراق فكسر وأخذ ورزق الشهادة
وقال الذهبي مات السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه سنة خمس وعشرين فأقيم ابنه داود مكانه فخرج عليه عمه مسعود بن محمد فاقتتلا ثم اصطلحا على الاشتراك بينهما ولكل مملكة وخطب لمسعود بالسلطنة ببغداد ومن بعده لداود وخلع عليهما ثم وقعت بين الخليفة ومسعود وحشة فخرج لقتاله فالتقى الجمعان وغدر بالخليفة أكثر عسكره فظفر به مسعود وأسر الخليفة وخواصه فحسبهم بقلعة بقرب همذان فبلغ أهل بغداد ذلك فحثوا في الأسواق على رؤوسهم التراب وبكوا وضجوا وخرج النساء حاسرات يندبن الخليفة ومنعوا الصلاة والخطبة قال ابن الجوزي وزلزلت بغداد مرارا كثيرة ودامت كل يوم خمس مرات أو ست مرات والناس يستغيثون فأرسل السلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول ساعة وقوف الولد غياث الدنيا والدين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين ويقبل الأرض بين يديه ويسأله العفو والصفح ويتنصل غاية التنصل فقد ظهر عندنا من الآيات السماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها فضلا عن المشاهدة من العواصف والبروق والزلازل ودوام ذلك عشرين يوما وتشويش العساكر وانقلاب البلدان ولقد خفت على نفسي من جانب الله وظهور 88
آياته وامتناع الناس من الصلوات في الجوامع ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحمله فالله الله بتلافي أمرك وتعيد أمير المؤمنين إلى مقر عزه وتحمل الفاشية بين يديه كما جرت عادتنا وعادة آبائنا ففعل مسعود جميع ما أمر به وقبل الأرض بين يدي الخليفة ووقف يسأل العفو ثم أرسل سنجر رسولا آخر ومعه عسكر يستحث مسعود على إعادة الخليفة إلى مقر عزه فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية فذكر أن مسعودا ما علم بهم وقيل بل هو الذي دسهم فهجموا على الخليفة في مخيمه ففتكوا به وقتلوا معه جماعة من أصحابه فما شعر بهم العسكر إلا وقد فرغوا من شغلهم فأخذوهم وقتلوهم إلى لعنة الله وجلس السلطان للعزاء وأظهر المساءة بذلك ووقع النحيب والبكاء وجاء الخبر إلى بغداد فاشتد ذلك على الناس وخرجوا حفاة مخرقين الثياب والنساء ناشرات الشعور يلطمن ويقلن المراثي لأن المسترشد كان محببا فيهم بمرة شافية من الشجاعة والعدل والرفق بهم وقتل المسترشد بمراغة يوم الخميس سادس عشرى ذي القعدة وقال الذهبي وقد خطب المسترشد بالناس يوم عيد أضحى فقال الله أكبر ما سحت الأنواء وأشرق الضياء وطلعت ذكاء وعلت على الأرض السماء الله أكبر ما هع سحاب ولمع سراب وأنجح طلاب وسر قادما إياب وذكر خطبة بليغة ثم جلس ثم قام فخطب وقال اللهم أصلحني في ذريتي وأعني على ما وليتني وأوزعني شكر نعمتك ووفقني وانصرني فلما فرغ منها وتهيأ للنزول بدره أبو المظفر الهاشمي فأنشده
) عليك سلام اله يا خير من علا
على منبر قد حف أعلامه النصر )
) وأفضل من أم الأنام وعمهم
بسيرته الحسنى وكان له الأمر )
وهي طويلة وبالجملة فإنه كان من حسنات الخلفاء رحمه الله تعالى
وفيها أو في التي قبلها الحسن بن أحمد بن حكينا الشاعر المشهور قال العماد الكاتب أجمع أهل بغداد على أنه لم يرزق أحد من الشعراء لطافة طبعه وكان يلقب 89
بالبرغوث ومن شعره
) افتضاحي في عوارضه
سبب والناس لوام )
) كيف يخفى ما أكابده
والذي أهواه نمام )
وله أيضا
) لما بدا خط العذار
يزين عارضه بمشق )
) وظننت أن سواده
فوق البياض كتاب عتق )
) فإذا به من سوء حظي
عهدة كتبت برقي )
وفيها أو في التي قبلها علي بن عطية اللخمي البلنسي الشاعر المشهور عرف بابن الزقاق كان شاعرا مفلقا حسن السبك رشيق العبارة ومن شعره قوله في غلام أصابته جراحة في وجنته
) وما شق وجنته عابثا
ولكنها آية للبشر )
) جلاها لنا الله كيما نرى
بها كيف كان انشقاق القمر )
وفيها أو في التي قبلها وبه جزم ابن خلكان وابن شهبة محمد بن عبد الله بن أحمد أبو نصر الأرغياني بالفتح فالسكون فكسر المعجمة وفتح التحتية نسبة إلى أرغيان من نواحي نيسابور الشافعي صاحب الفتاوي المعروفة وهي في مجلدين ضخمين يعبر عنها تارة بفتاوي الأرغياني وتارة بفتاوي إمام الحرمين لأنها أحكام مجردة أخذها مصنفها من النهاية قرأ على إمام الحرمين وسمع من أبي الحسن الواحدي المفسر وروى عنه في تفسير قوله تعالى )
إني لأجد ريح يوسف ) فقال أن ريح الصبا استأذنت ربها أن تأتي يعقوب عليه السلام بريح يوسف عليه السلام قبل أن يأتيه البشير بالقميص فأذن لها فأتته بذلك يتروح كل مخزون بريح الصبا وهي من ناحية المشرق إذا هبت على الأبدان نعمتها ولينتها وهيجت الأشواق إلى الأوطان والأحباب
انتهى
قال ابن السمعاني ولد المذكور بأرغيان سنة أربع 90
وخمسين وأربعمائة وقدم نيسابور وتفقه على إمام الحرمين وبرع في الفقه وكان إماما متنسكا كثير العبادة حسن السيرة مشتغلا بنفسه توفي في ذي القعدة بنيسابور وله شعر
وفيها طراد السلمي السنبسي البلنسي عرف بزربول الأدب وفيه يقول بعضهم وقد أرسل معه كتاب جراب الدولة لصديق له يداعبه
) وما يهدي مع الزربول يوما
إلى خل بأظرف من جراب )
ومن شعره هو
) بادروا بالفرار من مقلتيه
قبل أن تخسروا النفوس عليه )
) واعلموا أن للغرام ديونا
ما لها الدهر منقذا من يديه )
وفيها شمس الملوك أبو الفتح إسماعيل بن تاج الملوك بورى بن طغتكين ولى دمشق بعد أبيه وكان وافر الحرمة موصوفا بالشجاعة كثير الإغارة على الفرنج أخذ منهم عدة حصون وحاصر أخاه ببعلبك مدة لكنه كان ظالما مصادرا جبارا رتبت أمه زمردخاتون من وثب عليه من قلعة دمشق في ربيع الأول وكانت دولته نحو ثلاث سنين وترتب بعده في الملك أخوه محمود وصار أتابكه معين الدين انزا الطغتكيني فبقي أربع سنين وقتله غلمانه قاله في العبر
وفيها الحسن بن الحافظ لدين الله عبد المجيد العبيدي المصري ولى عهد أبيه ووزيره ولى ثلاثة أعوام فظلم وغشم وفتك حتى أنه قتل في ليلة أربعين أميرا فخافه أبوه وجهز لحربه جماعة فالتقاهم واختبطت مصر ثم دس عليه أبوه من سقاه سما فهلك
وفيها دبيس بن صدقة ملك العرب نور الدولة أبو الأعز ولد الأمير سيف الدولة الأسدي صاحب الحلة كان فارسا شجاعا مقداما جوادا ممدحا أديبا كثير الحروب والفتن خرج على المسترشد بالله غير مرة ودخل خراسان والشام والجزيرة واستولى على كثير من العراق وكان مسعر حرب وجمرة وبلاء فتله السلطان 91
مسعود بمراغة في ذي الحجة وأظهر أنه قتله أخذا بثأر المسترشد فلله الحمد على قتله وله نظم حسن منه
) تمتع بأيام السرور فإنما
عذار الأماني بالهموم يشيب )
ونسب العماد الكاتب في الخريدة إليه الأبيات اللامية التي من جملتها
) أسلمه حب سليمانكم
إلى هوى أيسره القتل )
وفيها ظاهر بن الاسم بن منصور بن عبد الله بن خلف بن عبد الغني أبو المنصور الجذامي الإسكندري المعروف بالحداد الشاعر المشهور كان من الشعراء المجيدين وله ديوان شعر أكثره جيد ومدح جماعة من المصريين وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي وغيره من الأعيان ومن مشهور شعره قوله
) لو كان بالصبر الجميل ملاذه
ماسح وابل دمعه ورذاذه )
) ما لزال جيش الحب يغزو قلبه
حتى وهي وتقطعت أفلاذه )
) لم يبق فيه مع الغرام بقية
إلا رسيس يحتويه جذاذه )
) من كان يرغب في السلامة فليكن
أبدا من الحدق المراض عياذه )
) لا تخدعنك بالفتور فإنه
نظر يضر بقلبك استلذاذه )
) يا أيها الرشأ الذي من طرفه
سهم إلى حب القلوب نفاذه )
) در يلوح بفيك من نظامه
خمر يجول عليه من نباذه )
) وقناة ذاك القد كيف تقومت
وسنان ذاك اللحظ ما فولاذه )
) رفقا بجسمك لا يذوب فإنني
أخشى بأن يجفو عليه لاذه )
) هاروت يعجز عن مواقع سحره
وهو الإمام فمن ترى أستاذه )
) تالله ما علقت محاسنك امرأ
إلا وعز على الورى استنقاذه )
) أغريت حبك بالقلوب فأذعنت
طوعا وقد أودى بها استحواذه )
) مالي أتيت الحظ من أبوابه
جهدي فدام نفوره ولواذه )
) إياك من طمع المنى فعزيزه
كذليله وغنيه شحاذه ) 92
) ذالية بن دريد استهوى بها
قوم غداة نبت به بغداذه )
) دانت لزخرف قوله فتفرقت
طمعا بهم صرعا أو جذاذه )
) من قدر الرزق السني لك إنما
قد كان ليس يضره إنفاذه )
وهذه القصيدة من غرر القصائد ومن شعره
) رحلوا فلولا أنني
أرجو الإياب قضيت نحبي )
) والله ما فارقتهم
لكنني فارقت قلبي )
وذكره علي بن ظافر بن أبي المنصور في كتابه بدائع البداية وأثنى عليه وأورده فيه عن القاضي أبي عبد الله محمد بن الحسين الآمدي النائب كان في الحكم بثغر الإسسكندرية قال دخلت على الأمير السعيد بن ظفر أيام ولايته الثغر فوجدته يقطر دهنا على خنصره فسألته عن سببه فذكر ضيق خاتمه عليه وأنه ورم بسببه فقلت له الرأي قطع حلقته قبل أن يتفاقم الأمر به فقال اختر من يصلح لذلك فاستدعيت أبا المنصور ظافر الحداد فقطع الحلقة وأنشد بديها
) قصر عن أوصافك العالم
وأكثر الناثر والناظم )
) من يكون البحر له راحة
يضيق عن خنصره الخاتم )
فاستحسنه الأمير ووهب له الحلقة وكانت من ذهب وكان بين يدي الأمير غزال مستأنس وقد ربض وجعل رأسه في حجره فقال ظافر بديها
) عجبت لجرأة هذا الغزال
تخطى له واعتمد )
) وأعجب به إذا بدا جاثما
وكيف اطمأن وأنت الأسد )
فزاد الأمير والحاضرون في الاستحسان وتأمل ظافر شيئا على باب المجلس يمنع الطير من دخولها فقال
) رأيت ببابك هذا المنيف
شباكا فأدركني بعض شك )
) وفكرت فيما رأى خاطري
فقلت البحار مكان الشبك )
ثم انصرف وتركنا متعجبين من حسن بديهته رحمه الله تعالى وكانت وفاته 93
بمصر في المحرم قاله ابن خلكان
وفيها ثابت بن منصور بن المبارك الكيلي المقرئ المحدث الحنبلي أبو العز سمع من أبي محمد التميمي وأبي الغنائم بن أبي عثمان وغيرهما وعنى بالحديث وسمع الكثير وكتب الكثير وخرج تخاريج لنفسه عن شيوخه في فنون وحدث وسمع منه جماعة وروى عنه السلفي والمبارك بن أحمد وابن الجوزي وغيرهم وقال أبو الفرج كان دينا ثقة صحيح الإسناد ووقف كتبه قبل موته وقال السلفي عنه فقيه مذهب أحمد كتب كثيرا وسمع معنا وقبلنا على شيوخ وكان ثقة وعر الأخلاق وتوفي يوم الاثنين سابع عشر ذي الحجة قال ابن رجب قيل توفي سنة ثمان وعشرين ورأيت جماعة من المحدثين وغيرهم نعتوه في طباق السماع بالإمام الحافظ رحمه الله وهو منسوب إلى كيل قرية على شاطئ دجلة على مسيرة يوم من بغداد مما يلي طريق واسط ويقال لها جيل أيضا
انتهى ومنها الشيخ عبد القادر
وفيها أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل بن عبد الغافر بن محمد الفارسي الحافظ الأديب صاحب تاريخ نيسابور ومصنف مجمع الغرائب ومصنف المفهم في شرح مسلم كان إماما في الحديث واللغة والأدب والبلاغة فقيها شافعيا أكثر الأسفار وحدث عن جده لأمه أبي القاسم القشيري وطبقته وأجاز له أبو محمد الجوهري وآخرون وتفقه بإمام الحرمين لازمه أربع سنين وأخذ عنه الخلاف والفقه ورحل فأكثر الأسفار ولقى العلماء ثم رجع إلى نيسابور وولى خطابتها وأخذ التفسير والأصول عن خاليه أبي سعيد عبد الله وأبي سعيد عبد الواحد ابني أبي القاسم القشيري ومات بنيسابور عن ثمان وسبعين سنة
وفيها قاضي الجماعة أبو عبد الله بن الحاج التجيبي القرطبي المالكي محمد بن أحمد بن خلف روى عن أبي علي الغساني وطائفة وكان من جملة العلماء وكبارهم متبحرا في العلوم والآداب ولم يكن أحد في زمانه أطلب للعلم منه مع الدين والخشوع قتل 94
ظلما بجامع قرطبة في صلاة الجمعة عن إحدى وسبعين سنة
سنة ثلاثين وخمسمائة
فيها كبس عسكر حلب بلاد الفرنج بالساحل فأسروا وسبوا وغنموا وشرع أمر الفرنج يتضعضع
وفيها حصل بين السلطان مسعود وبين الخليفة الراشد بالله خلف وجمعت العساكر من الفريقين وذهب الخليفة إلى الموصل ودخل السلطان مسعود بغداد واحتوى على دار الخلافة واستدعى الفقهاء وأخرج خط والد الخليفة المسترشد أنه من خرج من بغداد لقتال السلطان فقد خلع نفسه من الخلافة فأفتى من أفتى من الفقهاء بخلعه فخلعه في يوم الاثنين سادس عشر ذي القعدة بحكم الحاكم وفتيا الفقهاء واستدعى بعمه المقتفى بن المستظهر بالله فبويع له بالخلافة
قال ابن الجوزي في الشذور وقد ذكر الصولي شيئا فتأملته فإذا هو عجيب قال الناس أن كل سادس يقوم بأمر الناس منذ أول الإسلام لا بد أن يخلع فاعتبرت أنا هذا فوجدته كذلك انعقد الأمر لنبينا محمد ثم قام أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن وخلع ثم معاوية ويزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد ومروان وعبد الملك وابن الزبير فخلع وقتل ثم لم ينتظم لبني أمية أمر فولى السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين فخلع وقتل ثم المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمتنصر والمستعين فخلع وقتل ثم وقتل ثم المعتز ثم المقتدي ثم المعتمد ثم المعتضد ثم المكتفي ثم المقتدر فخلع ثم رد ثم قتل ثم القاهر والراضي والمتقي والمستكفي والمطيع والطائع فخلع ثم القادر والقائم والمقتدي والمستظهر والمسترشد والراشد فخلع ثم ولى المقتفى
وفيها توفي أبو منصور البار كالقفال نسبة إلى عمل البئر إبراهيم بن الفضل الأصبهاني الحافظ روى عن أبي الحسين بن النقور وخلق قال ابن السمعاني رحل 95
وسمع وما أظن أحدا بعد ابن طاهر المقدسي رحل وطوف مثله أو جمع الأبواب كجمعه إلا أن البار لحقه الأدبار في آخر الأمر فكان يقف في سوق أصبهان ويروى من حفظه بسنده وسمعت أنه يضع في الحال وقال لي إسماعيل بن محمد الحافظ أشكر الله كيف ما لحقته وأما ابن طاهر المقدسي فجرب عليه الكذب مرات قاله في العبر
وفيها سلطان بن يحيى بن علي بن عبد العزيز زين القضاة أبو المكارم القرشي الدمشقي روى عن أبي القاسم بن أبي العلاء وجماعة وناب في القضاة عن أبيه ووعظ وأفتى
وفيها علي بن أحمد بن منصور بن قيس الغساني أبو الحسن المالكي النحوي الزاهد شيخ دمشق ومحدثها روى عن أبي القاسم السميساطي وأبي بكر الخطيب وعدة قال السلفي لم يكن في وقته مثله بدمشق كان زاهدا عابدا ثقة وقال ابن عساكر كان متحرزا متيقظا منقطعا في بيته بدرب النقاسة أو بيته الذي في المنارة الشرقية بالجامع مفتيا يقرئ الفرائض والنحو
وفيها أبو سهل محمد بن إبراهيم بن سعدويه الأصبهاني المزكي راوي مسند البرقاني عن أبي الفضل الرازي توفي في ذي القعدة
وفيها أبو عبد الله محمد بن حموية الجويني الزاهد شيخخ الصوفية بخراسان له مصنف في التصوف وكان زاهدا عارفا قدوة بعيد الصيت روى عن موسى بن عمران الأنصاري وجماعة وعاش اثنتين وثمانين سنة وهو جد بني حموية قال السخاوي دفن في داره ببحيراباذا إحدى قرى جوين وقرأ الفقه والأصول على إمام الحرمين ثم انجذب إلى الزهد وحج مرات وكان مستجاب الدعاء وصنف كتاب لطائف الأذهان في تفسير القرآن وسلوة الطالبين في سيرة سيد المرسلين وكتابا في علم الصوفية وغير ذلك ولد سنة تسع وأربعين وأربعمائة وأخذ طريقة التصوف عن أبي الفضل علي بن محمد الفارمذي عن أبي القاسم 96
الطوسي عن أبي عثمان سعيد بن سلام المغربي عن الزجاجي عن الجنيد انتهى
وفيها أبو بكر محمد بن علي بن شاذان الصالحاني مسند أصبهان في زمانه وآخر من حدث عن أبي طاهر بن عبد الرحيم الكاتب كان صالحا صحيح السماع توفي في جمادى الآخرة عن اثنتين وتسعين سنة وآخر أصحابه عين الشمس قاله في العبر
وفيها أبو عبد الله الفراوي بضم الفاء نسبة إلى فراوة بلد قرب خوارزم محمد بن الفضل بن أحمد الصاعدي النيسابوري راوي صحيح مسلم الفارسي ومسند خراسان وفقيه الحرم كان شافعيا مفتيا مناظرا صحب إمام الحرمين مدة وعاش تسعين سنة قال ابن شهبة يعرف بفقيه الحرم لأنه أقام بالحرمين مدة طويلة ينشر العلم ويسمع الحديث ويعظ الناس ويذكرهم أخذ الأصول والتفسير عن أبي القاسم القشيري وتفقه بإمام الحرمين وسمع من خلق كثير وتفرد بصحيح مسلم وقال ابن السمعاني هو إمام مفت مناظر واعظ حسن الأخلاق والمعاشرة جواد مكرم للغرباء ما رأيت في شيوخنا مثله ثم حكى عن بعضهم أنه قال الفراوي ألف راوي قال الذهبي وقد أملى أكثر من ألف مجلس توفي في شوال ودفن إلى جانب ابن خزيمة
وفيها كافور النبوي من خدام النبي كان أسود خصيا طويلا لا لحية له ومن شعره
) حتام همك في حل وترحال
تبغي العلا والمعالي مهرها غال )
) يا طالب المجددون المجد ملحمة
في طيها تلف للنفس والمال )
) ولليالي صروف فلما انجذبت
إلى مراد امرئ يسعى لآمال )
سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة
فيها توفي أبو البركات أحمد بن علي بن عبد الله بن الإيرادي البغدادي 97
الفقيه الحنبلي الزاهد سمع من أبي الغنائم بن أبي عثمان وأبي الحسن بن الأخضر الأنباري وخلق وقرأ الفقه على ابن عقيل وصحب الفاعوس وغيره من الصالحين وتعبد ووقف دارا بالبدرية شرقي بغداد على أصحاب أحمد وسمع منه جماعة منهم أبو المعمر الأنصاري وأبو القاسم بن عساكر ورويا عنه وتوفي ليلة الخميس ثاني عشر رمضان ودفن بباب ابرز
وفيها إسماعيل بن أبي القاسم الغازي أبو محمد النيسابوري روى عن أبي الحسين عبد الغافر وأبي حفص بن مسرور وكان صوفيا صالحا ممن خدم أبا القاسم القشيري ومات في رمضان وله اثنتان وتسعون سنة وقد روى صحيح مسلم كله
وفيها تميم بن أبي سعيد أبو القاسم الجرجاني روى عن أبي حفص بن مسرور وأبي سعيد الكنجرودي والكبار وكان مسند هراة في زمانه توفي في هذه السنة أو قبلها قاله في العبر
وفيها طاهر بن سهل بن بشر أبو محمد الاسفرائيني الدمشقي الصائغ عن إحدى وثمانين سنة سمع أباه وأبا بكر الخطيب وأبا القاسم الحنائي وطائفة وكان ضعيفا قال ابن عساكر حك اسم أخيه وكتب بدله اسمه
وفيها الحسن بن يحيى بن وربيل الدمشقي الأبار كان بديع الابر وكان صالحا ناسكا مغرى بهجاء زوجته لأنها أشارت عليه أن يمدح كبيرا فما نفع فهجاه فصفع فقال لولا زوجتي لما صفعت ولولا تعذيرها في لما وقعت
وفيها أبو جعفر الهمذاني محمد بن أبي علي الحسن بن محمد الحافظ الصدوق رحل وروى عن ابن النقور وأبي صالح المؤذن والفضل بن المحب وطبقتهم بخراسان والعراق والحجاز والنواحي قال ابن السمعاني ما أعرف أن أحدا في عصره سمع أكثر منه توفي في ذي القعدة وقال ابن ناصر الدين كان حافظا من المكثرين
وفيها أبو القاسم بن الطبر هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري البغدادي المقرئ 98
قرأ بالروايات على أبي بكر محمد بن موسى الحناط وهو آخر أصحابه وسمع من أبي إسحق البرمكي وجماعة وكان ثقة صالحا ممتعا بحواسه توفي في جمادى الآخرة عن ست وتسعين سنة
وفيها أبو عبد الله بن يحيى بن الحسن بن أحمد بن البناء البغدادي الحنبلي روى عن أبي الحسين بن الأبنوسي وعبد الصمد بن المأمون وكان ذا علم وصلاح وهو أخو أبي نصر المتقدم ذكره قال ابن رجب ولد يوم الجمعة رابع عشرى ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وبكر به أبوه في السماع فسمع من أبي الحسين بن المهتدي وابن الأبنوسي وابن النقور ووالده أبي علي بن البنا وغيرهم وحدث وروى عنه جماعة من الحفاظ منهم ابن عساكر وابن الجوزي وابن بوش وروى عنه ابن السمعاني إجازة وقال كان شيخا صالحا حسن السيرة واسع الرواية حسن الأخلاق متوددا متواضعا برا لطيفا بالطلبة مشفقا عليهم وتوفي ليلة الجمعة ثامن شهر ربيع الأول
سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة
فيها توفي أبو نصر الغازي أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني الحافظ قال ابن السمعاني ثقة حافظ ما رأيت في شيوخي أكثر رحلة منه سمع أبا القاسم ابن مندة وأبا الحسين بن النقور والفضل بن المحب وطبقتهم وكان جماعة من أصحابنا يفضلونه على إسماعيل التميمي الحافظ توفي في رمضان وقال الذهبي عاش ثلاثا وثمانين سنة
وفيها أحمد بن محمد بن أحمد بن مخلد بن عبد الرحمن بن أحمد بن الحافظ بقى ابن مخلد أبو القاسم القرطبي المالكي أحد الأئمة روى عن أبيه وابن الطلاع وأجاز له أبو العباس بن دلهاث وتوفي في سلخ العام عن سبع وثمانين سنة
وفيها الفقيه الحنبلي أبو بكر الدينوري أحمد بن أبي الفتح محمد بن أحمد من 99
أئمة الحنابلة ببغداد تفقه على أبي الخطاب وبرع في الفقه وتقدم في المناظرة على أبناء جنسه حتى كان أسعد الميهني شيخ الشافعية يقول ما اعترض أبو بكر الدينوري على دليل أحد إلا ثلم فيه ثلمة وله تصانيف في المذهب منها كتاب التحقيق في مسائل التعليق وتخرج به أئمة منهم أبو الفتح بن المنى والوزير ابن هبيرة قال ابن الجوزي حضرت درسه بعد موت شيخنا ابن الزاغوني نحوا من أربع سنين قال وأنشدني أي لنفسه
) تمنيت أن أمسي فقيها مناظرا
بغير عناء والجنون فنون )
) وليس اكتساب المال دون مشقة
تلقيتها فالعلم كيف يكون )
وقال ابن الجوزي كان يرق عند ذكر الصالحين ويبكي ويقول للعلماء عند الله قدر فلعل الله أن يجعلني منهم توفي يوم السبت غرة جمادى الأولى ودفن عند رجلي أبي منصور الخياط قريبا من قبر الإمام أحمد رضي الله عنه
وفيها إسماعيل بن أبي صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن الفقيه أبو سعد النيسابوري الشافعي روى عن أبيه وأبي حامد الأزهري وطائفة وتفقه على إمام الحرمين وبرع في الفقه ونال جاها ورياسة عند سلطان كرمان وتوفي ليلة الفطر وله نيف وثمانون سنة
وفيها سعيد بن أبي الرجاء محمد بن أبي بكر أبو الفرج الأصبهاني الصيرفي الخلال السمسار توفي في صفر عن سن عالية فإنه سمع سنة ست وأربعين من أحمد بن محمد بن النعمان القصاص وروى مسند أحمد بن منيع ومسند الغربي ومسند أبي يعلى وأشياء كثيرة وكان صالحا ثقة
وفيها عبد المنعم بن أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن أبو المظفر القشيري النيسابوري آخر أولاد الشيخ وفاة عاش سبعا وثمانين سنة وحدث عن سعيد البحيري والبيهقي والكبار وأدرك ببغداد أبا الحسين بن النقور وجماعة
وفيها أبو الحسن الجذامي علي بن عبد الله بن محمد بن سعيد بن موهوب الأندلسي 100
أحد الأئمة أجاز له أبو عمر بن عبد البر وأكثر عن أبي العباس بن دلهاث العذري وصنف تفسيرا وكتابا في الأصول وعمر إحدى وتسعين سنة
وفيها علي بن علي بن عبيد الله أبو منصور الأمين والد عبد الوهاب بن سكينة روى الجعديات عن الصريفيني وكان خيرا زاهدا يصوم صوم داود وكان أمينا على أموال الأيتام ببغداد عاش أربعا وثمانين سنة
وفيها فاطمة بنت علي بن المظفر بن دعبل أم الخير البغدادية الأصل النيسابورية المقرية روت صحيح مسلم وغريب الخطابي عن أبي الحسين الفارسي وعاشت سبعا وتسعين سنة وكانت تلقن النساء وقيل توفيت في العام المقبل قاله في العبر
وفيها أبو الحسن الكرجي محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر الفقيه الشافعي شيخ الكرج وعالمها ومفتيها قال ابن السمعاني إمام ورع فقيه مفت محدث أديب أفنى عمره في طلب العلم ونشره وروى عن مكي السلار وجماعة وله القصيدة المشهورة في السنة نحو مائتي بيت شرح فيها عقيدة السلف وله تصانيف في المذهب والتفسير وقال ابن كثير في طبقاته له كتاب الفضول في اعتقاد الأئمة الفحول حكى فيه عن أئمة عشرة من السلف الأئمة الأربعة وسفيان الثوري والأوزاعي وابن المبارك والليث وإسحق بن راهوية أقوالهم في أصول العقائد انتهى كذا قال ولم يذكر العاشر وله مختصر في الفقه يقال له الذرائع في علم الشرائع وله تفسير وكان لا يقنت في الفجر ويقول لم يصح في ذلك حديث وقد قال الشافعي إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وقال ابن شهبة ولد سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وتوفي في شعبان والكرجي بكاف وراء مفتوحتين وبالجيم انتهى
وفيها الراشد بالله أبو جعفر منصور بن المسترشد بالله الفضل بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله الهاشمي العباسي خطب له بولاية العهد أكثر أيام والده 101
وبويع بعده وكان شابا أبيض مليح الوجه تام الشكل شديد البطش شجاع النفس حسن السيرة جوادا كريما شاعرا فصيحا لم تطل دولته خرج من بغداد إلى الجزيرة وأذربيجان فخلعوه لذنوب ملفقة فدخل مراغة وعسكر منها وسار إلى أصبهان ومعه السلطان داود بن محمود فحاصرها وتمرض هناك فوثبت عليه جماعة من الباطنية فقتلوه وقتلوا وقيل قتلوه صائما يوم سادس عشر رمضان وله ثلاثون سنة وخلف نيفا وعشرين ابنا وقد غزا أهل همذان وعبرها في أيام عزله وظلم وعصف وقتل كغيره قاله في العبر
وفيها أنو شروان بن خالد الوزير أبو نصر الغاساني وزر للمسترشد والسلطان محمود وكان من عقلاء الرجال ودهاتهم وفيه دين وحلم وجود مع تشيع قليل وكان محبا للعلماء موصوفا بالجود والكرم أرسل إليه القاضي الأرجاني يطلب منه خيمة فلم يكن عنده فجهز له خمسمائة دينار وقال اشتر بهذه خيمة فقال
) لله در ابن خالد رجلا
أحيا لنا الجود بعد ما ذهبا )
) سألته خيمة ألوذ بها
فجاد لي ملء خيمة ذهبا )
وكان هو السبب في عمل مقامات الحريري وإياه عنى الحريري في أول مقاماته بقوله فأشار على من أشارته حكم وطاعته غنم
وفيها القاضي الأعز محمد بن هبة الله بن خلف التميمي ولى بانياس وكان ذا كرم ومروءة ومات بدمشق وهو الذي يكثر هجوه ابن منير الشاعر من ذلك قوله من قصيدة
) هو قاض كما يقول ولكن
ما عليه من القضاء علامه )
) عمة تملأ الفضاء عليه
فوق وجه كعشر عشر القلامه )
) وعليها من التصاوير ما لم
يجمع القدس مثله والقمامه )
وفيها أبو الحسن يونس بن محمد بن مغيث بن محمد بن يونس بن عبد الله بن مغيث القرطبي العلامة أحد الأئمة بالأندلس كان رأسا في الفقه واللغة 102
والأنساب والأخبار وعلو الإسناد روى عن أبي عمر بن الحذاء وحاتم بن محمد والكبار وتوفي في جمادى الآخرة عن خمس وثمانين سنة
سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة
فيها كما قال في الشذور كانت زلزلة بخبزه أتت على مائتي ألف وثلاثين ألفا فأهلكتهم وكانت الزلزلة عشرة فراسخ
وفيها توفي الشيخ أبو العباس أحمد بن عبد الملك بن أبي جمرة المرسي روى عن جماعة وانفرد بالإجازة من أبي عمرو الداني
وفيها زاهر بن طاهر أبو القسم الشحامي النيسابوري المحدث المستملى الشروطي مسند خراسان روى عن أبي سعيد الكنجرودي والبيهقي وطبقتهما ورحل في الحديث أولا وآخرا وخرج التاريخ وأملى نحوا من ألف مجلس ولكنه كان يخل بالصلوات فتركه جماعة لذلك توفي في ربيع الآخر قاله في العبر
وفيها جمال الإسلام أبو الحسن علي بن المسلم بن محمد بن علي السلمي الدمشقي الفقيه الشافعي الفرضي مدرس الغزالية والأمينية ومفتي الشام في عصره وهو أول من درس بالأمينية المنسوبة لأمين الدولة سنة أربع عشرة وخمسمائة وصنف في الفقه والتفسير وتصدر للاشتغال والرواية فحدث عن أبي نصر بن طلاب وعبد العزيز الكتاني وطائفة وتفقه على ابن عبد الجبار المروزي ثم على نصر المقدسي ولزم الغزالي مدة مقامه بدمشق ودرس في حلقة الغزالي مدة قال الحافظ ابن عساكر بلغني أن الغزالي قال خلفت بالشام شابا إن عاش كان له شأن قال فكان كما تفرس فيه سمعنا من الكثير وكان ثقة ثبتا عالما بالمذهب والفرائض وكان حسن الخط موفقا في الفتاوى وكان على فتاويه عمدة أهل الشام واكن يكثر من عيادة المرضى وشهود الجنائز ملازما للتدريس والإفادة حسن الأخلاق ولم يخلف بعده مثله انتهى 103
وفيها أبو جعفر الكلواذيس بفتح أوله والواو والمعجمة وسكون اللام نسبة إلى كلواذي قرية ببغداد محمد بن محفوظ بن محمد بن الحسن بن أحمد وهو ابن الإمام أبي الخطاب الحنبلي المتقدم ذكره ولد سنة خمسمائة وتفقه على أبيه وبرع في الفقه وصنف كتابا سماه الفريد قاله ابن القطيعي
وفيها أبو بكر محمد بن باجه السرقسطي عرف بابن الصائغ الفيلسوف الشاعر ذكره صاحب كتاب فرائد العقيان فقال هو رمد جفن العين وكمد نفوس المهتدين اشتهر سخفا وجنونا وهجا مفروضا ومسنونا فما يتشرع ولا يأخذ في غير الأباطيل ولا يشرع إلى غير ذلك من كلام كثير
وفيها محمود بن بوري بن طغتكين الملك شهاب الدين صاحب دمشق ولى بعد قتل أخيه شمس الملوك إسماعيل وكانت أمه زمرد هي الكل فلما تزوج بها الأتابك زنكي وسارت إلى حلب قام بتدبير المملكة معين الدين أنزا الطغتكيني ووثب على محمود هذا جماعة من المماليك فقتلوه في شوال وأحضروا أخاه محمدا من مدينة بعلبك فملكوه
وفيها هبة اله بن سهل السيدي أبو محمد البسطامي ثم النيسابوري فقيه صالح متعبد عالي الإسناد روى عن أبي حفص بن مسرور وأبي يعلى الصابوني والكبار وتوفي في صفر
وفيها هبة الله بن الحسن بن يوسف وقيل أحمد المنعوت بالبديع الاسطرلابي نسبة إلى الاسطرلاب بفتح الهمزة وسكون السين وضم الطاء كلمة يونانية معناها ميزان الشمس وقال بعضهم اللاب اسم الشمس بلسان اليونان فكأنه قيل أسطر الشمس إشارة إلى الخطوط التي فيه قيل أن أول من وضعه بطليموس صاحب المجسطي كان صاحب الترجمة شاعرا مشهورا أحد الأدباء الفضلاء وكان وحيد زمانه في عمل الآلات الفلكية متقنا لهذه الصناعة وحصل له من جهة عملها مال جزيل في خلافة المسترشد وذكره العماد في الخريدة وأثنى عليه وأورد له 104
مقاطيع من شعره فمن ذلك قوله
) أهدي لمجلسه الكريم وإنما
أهدي له ما حزت من نعمائه )
) كالبحر يمطره السحاب وما له
من عليه لأنه من مائه )
وقوله أيضا
) أذاقني حمرة المنايا
لما اكتسى خضرة العذار )
) وقد تبدي السواد فيه
كارتي بعد في العيار )
وقوله أيضا
) قال قوم عشقته أمر الخد
وقد قيل أنه نكريش )
) قلت فرخ الطاووس أحسن ما كان
إذا ما علا عليه الريش )
قوله نكريش لفظة أعجمية والأصل فيها نيك ريش معناه لحية جيدة فنيك جيد وريش لحية وله أيضا
) ولما بدا خط بخد معذبي
كظلمة ليل في ضياء نهار )
) خلعت عذاري في هواه فلم أزل
خليع عذار في جديد عذار )
قال ابن خلكان وكان كثير الخلاعة يستعمل المجون في أشعاره حتى يفضي به إلى الفاحش في اللفظ وكان ظريفا في جميع حركاته توفي بعلة الفالج ودفن بمقبرة الوردية من بغداد انتهى ملخصا
سنة أربع وثلاثين وخمسمائة
فيها كما قال في الشذور خسف بخبزه وصار مكان البلد ماء أسود وقدم التجار من أهلها فلزموا المقابر يبكون على أهلهم
وفيها توفي محمد بن أحمد بن علي ويعرف بزفره ويقال ابن زفره كان إماما جليلا حافظا عمدة قال ابن ناصر الدين في بديعته
) محمد بن أحمد بن زفره
در له ثناؤه المسره ) 105
وفيها عبد الجبار بن محمد الخواري بالضم والتخفيف وراء نسبة إلى خوار بلد بالري كان إماما جليلا سمع الواحدي وغيره
وفيها أبو الفضل محمد بن إسماعيل الفضيلي الهروي العدل روى عن أبي عمر المليحي ومحلم الضبي وتوفي في صفر
وفيها محمد بن بوري بن طغتكين جمال الدين كان ظالما سيئ السيرة ولى دمشق عشر أشهر ومات في شعبان وأقيم بعده ابنه آبق صبي مراهق
وفيها يحيى بن علي بن عبد العزيز القاضي المنتجب أبو الفضل القرشي زكي الدين قاضي دمشق وأبو قاضيها المعروف بابن الصائغ الدمشقي الشافعي قال الأسنوي كان فاضلا رحل إلى بغداد فتفقه على الشاشي وقرأ العربية على أبي علي الفارسي وتولى القضاء بدمشق وكان محمود السيرة ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة انتهى وتوفي في ربيع الأول
وكان له ولد يقال له منتجب الدين محمد خال الحافظ ابن عساكر ووالده القاضي الزكي تفقه على الشيخ نصر المقدسي وناب عن والده لما حج سنة عشر وخمسمائة ثم اشتغل بالحكم لما كبر والده وبعد موته أيضا وكان نزها عفيفا صلبا في الأحكام وقورا متوددا شفوقا حسن النظر ولد سنة سبع وستين وأربعمائة وتوفي في ربيع الأول سنة تسع وثلاثين وخمسمائة ذكره ابن عساكر في تاريخه
وفيها يحيى بن بطريق الطرسوسي الدمشقي روى عن أبي بكر الخطيب وأبي الحسين محمد بن مكي وتوفي في رمضان
سنة خمس وثلاثين وخمسمائة
فيها توفي إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ الكبير قوام السنة أبو القسم التميمي الطلحي الأصبهاني الشافعي روى عن أبي عمرو بن مندة وطبقته بأصبهان وأبي نصر الزينبي ببغداد ومحمد بن سهل السراج بنيسابور ذكره أبو موسى المديني 106
فقال أبو القسم إمام أئمة وقته وأستاذ علماء عصره وقدوة أهل السنة في زمانه أصمت في صفر سنة أربع وثلاثين ثم فلج بعد مدة وتوفي بكرة يوم عيد الأضحى وكان مولده سنة سبع وخمسين وأربعمائة وقال ابن السمعاني هو أستاذي في الحديث وعنه أحدث هذا القدر وهو إمام في التفسير والحديث واللغة والأدب عارف بالمتون والأسانيد أملى بجامع أصبهان قريبا من ثلاثة آلاف مجلس وقال أبو عامر الغندري ما رأيت شابا ولا شيخا قط مثل إسماعيل التميمي ذاكرته فرأيته حافظا للحديث عارفا بكل علم متفننا وقال أبو موسى صنف شيخنا إسماعيل التفسير في ثلاثين مجلدة كبار وسماه الجامع وله الإيضاح في التفسير أربع مجلدات والموضح في التفسير ثلاث مجلدات وله المعتمد في التفسير عشر مجلدات وتفسير بالعجمي عدة مجلدات رحمه الله تعالى وقال ابن شهبة له كتاب الترغيب والترهيب وشرح صحيح البخاري وصحيح مسلم وكان ابنه شرح فيهما فمات في حياته فأتممها وله كتاب دلائل النبوة وكتاب التذكرة نحو ثلاثين جزءا وغير ذلك وقال ابن مندة في الطبقات ليس في وقتنا مثله وكان أئمة بغداد يقولون ما رحل إلى بغداد بعد أحمد بن حنبل أفضل ولا أحفظ منه ولم ينكر أحد شيئا من فتاويه قط
وأما ولده فهو أبو عبد الله محمد ولد في حدود سنة خمسمائة ونشأ في طلب العلم فصار إماما مع الفصاحة والذكاء وصنف تصانيف كثيرة مع صغر سنة اخترته المنية بهمذان سنة ست وعشرين وخمسمائة
وفيها رزين بن معاوية أبو الحسن العبدري الأندلسي السرقسطي مصنف تجريد الصحاح روى كتاب البخاري عن أبي مكتوم بن أبي ذر وكتاب مسلم عن الحسين الطري وجاور بمكة دهرا وتوفي في المحرم
وفيها أبو منصور القزاز عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد الشيباني البغدادي ويعرف بابن زريق روى عن الخطيب وأبي جعفر بن المسلمة والكبار وكان صالحا كثير الرواية توفي في شوال عن بضع وثمانين سنة 107
وفيها عبد الوهاب بن شاه أبو الفتوح الشاذياخي النيسابوري التاجر سمع من القشيري رسالته ومن أبي سهل الحفصي صحيح البخاري ومن طائفة وتوفي في شوال
وفيها أبو نصر الفتح بن محمد بن خاقان القيسي الإشبيلي صاحب كتاب قلائد العقيان له عدة تصانيف منها الكتاب المذكور وقد جمع فيه من شعراء الغرب طائفة كثيرة وتكلم على ترجمة كل واحد منهم بأحسن عبارة وألطف إشارة وله أيضا كتاب مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس وهو ثلاث نسخ كبرى ووسطى وصغرى وهو كتاب كثير الفائدة لكنه قليل الوجود وكلامه في هذه الكتب يدل على فضله وغزارة مادته وكان كثير الأسفار سريع التنقلات وتوفي قتيلا بمدينة مراكش في الفندق قاله ابن خلكان وقال غيره مات بمراكش قتيلا ذبح بمسكنه في فندق من فنادقها وكان يتكلم على الشعراء في كتابه قلائد العقيان بألفاظ كالسحر الحلال والماء الزلال يقال أنه أراد أن يفضح الشعراء الذين ذكرهم بنشره وكان يكتب إلى المغاربة ورؤسائها يعرف كلا على انفراده أنه عزم على كتاب القلائد وأن يبعث إليه بشيء من شعره ليضعه في كتابه وكانوا يخافونه ويبعثون إليه الذي طلب ويرسلون له الذهب والدنانير فكل من أرضاه أثنى عليه وكل من قصر هجاه وثليه وممن تصدى له وأرسل إليه ابن باجة وزير صاحب المرية وهو أحد الأعيان في العلم والبيان يشبهونه في المغرب بابن سينا في المشرق فلما وصلته رسالة ابن خاقان تهاون بها ولم يعرها طرفه فذكره ابن خاقان بسوء ورماه بداهية
وفيها أبو الحسن بن توبة محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الجبار بن توبة الأسدي الطبري الشافعي المقرئ روى عن أبي جعفر بن المسلمة وأبي بكر الخطيب وطائفة وتوفي في صفر
وتوفي أخوه عبد الجبار بعده بثلاثة أشهر وروى عن أبي محمد الصريفيني وجماعة وكان الأصغر قاله في العبر 108
وفيها أبو بكر محمد بن عبد الباقي بن محمد يتصل نسبة بكعب بن مالك الأنصاري أحد الثلاثة الذين خلفوا ثم تاب الله عليهم القاضي أبو بكر الأنصاري البغدادي الحنبلي البزاز مسند العراق ويعرف بقاضي المارستان حضر أبا إسحق البرمكي وسمع من علي بن عيسى الباقلاني وأبي محمد الجوهري وأبي الطيب الطبري وطائفة وتفقه على القاضي أبي يعلى وبرع في الحساب والهندسة وشارك في علوم كثيرة وانتهى إليه علو الإسناد في زمانه توفي في رجب وله ثلاث وتسعون سنة وخمسة أشهر قال ابن السمعاني ما رأيت أجمع للفنون منه نظر في كل علم وسمعته يقول تبت من كل علم تعلمته إلا الحديث وعلمه قاله في العبر ومن سعره قوله
) احفظ لسانك لا تبح بثلاثة
سن ومال وما استطعت ومذهب )
) فعلى الثلاثة تبتلي بثلاثة
بمكفر وبحاسد ومكذب )
وكان يقول من خدم المحابر خدمته المنابر وقال ابن رجب في طبقاته ولد يوم الثلاثاء عاشر صفر سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين وسمع على خلائق وتفقه على القاضي أبي يعلى وقرأ الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة وبرع في ذلك وله فيه تصانيف وشهد عند الدامغاني وتفنن في علوم كثيرة قال ابن السمعاني كان حسن الكلام حلو المنطق مليح المحاورة ما رأيت أجمع للفنون منه نظر في كل علم وكان سريع النسخ حسن القراءة للحديث سمعته يقول ما ضيعت ساعة من عمري في لهو أو لعب قال وسمعته يقول أسرتني الروم وبقيت في الأسر سنة ونصفا وكان خمسة أشهر الغل في عنقي والسلاسل على يدي ورجلي وكانوا يقولون لي قل المسيح ابن الله حتى نفعل ونصنع في حقك فامتنعت وما قلت ووقت أن حبست كان ثم معلم يعلم الصبيان الخط بالرومية فتعلمت في الحبس الخط الرومي وسمعته يقول حفظت القرآن ولى سبع سنين وما من علم في عالم الله إلا وقد نظرت فيه وحصلت منه كله أو بعضه 109
ورحل إليه المحدثون من البلاد وقال ابن الجوزي ذكر لنا أن منجمين حضرا حين ولد أبو بكر بن عبد الباقي فأجمعا أن عمره اثنتان وخمسون سنة قال وها أنا قد تجاوزت التسعين قال ورأيته بعد ثلاث وتسعين صحيح الحواس لم يتغير منها شيء ثابت العقل يقرأ الخط الدقيق من بعد ودخلنا عليه قبل موته بمديدة فقال قد نزلت في أذني مادة فقرأ علينا من حديثه وبقي على هذا نحوا من شهرين ثم زال ذلك وعاد إلى الصحة ثم مرض فأوصى أن يعمق قبره زيادة على العادة وأن يكتب عليه )
قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ) وبقي ثلاثة أيام قبل موته لا يفتر من قراءة القرآن إلى أن توفي يوم الأربعاء ثاني رجب ودفن بباب حرب إلى جاني أبيه قريبا من بشر الحافي رحمه الله وقال ابن الخشاب كان مع تفرده بعلم الحساب والفرائض وافتنانه في علوم عديدة صدوقا ثبتا في الرواية متحريا فيها وقال ابن ناصر لم يخلف بعده من يقوم مقامه في علمه وقال ابن شافع ما رأيته ابن الخشاب يعظم أحدا من مشايخه تعظيمه له وقال ابن أبي الفوارس سمعت القاضي أبا بكر بن عبد الباقي يقول كنت مجاورا له بمكة حرسها الله تعالى فأصابني يوما جوع شديد لم أجد شيئا أدفع به عني الجوع فوجدت كيسا من إبرسيم مشدودا بشرابة إبرسيم أيضا فأخذته وجئت إلى بيتي فحللته فوجدت فيه عقدا من لؤلؤ لم أر مثله فخرجت فإذا شيخ ينادي عليه ومعه خرقة فيها خمسمائة دينار وهو يقول هذا لمن يرد علينا الكيس الذي فيه اللؤلؤ فقلت أنا محتاج وأنا جائع فآخذ هذا الذهب فانتفع به وأرد عليه الكيس فقلت له تعالى وجئت به إلى بيتي فأعطاني علامة الكيس وعلامة الشرابة وعلامة اللؤلؤ وعدده والخيط الذي هو مشدود به فأخرجته ودفعته إليه فسلم إلى خمسمائة دينار فما أخذتها وقلت يجب أن أعيده إليك ولا آخذ له جزاء فقال لي لا بد أن تأخذ وألح على كثيرا فلم أقبل فتركني ومضى وخرجت من مكة وركبت البحر فانكسر المركب وغرق الناس وهلكت أموالهم وسلمت أنا على قطعة من المركب فبقيت مدة في البحر لا أدري 110
أين أذهب فوصلت إلى جزيرة فيها قوم فقعدت في بعض المساجد فسمعوني أقرأ فلم يبق أحد إلا جاءني وقال علمني القرآن فحصل لي منهم شيء كثير من المال ثم رأيت أوراقا من مصحف فأخذتها فقالوا تحسن تكتب فقلت نعم فقالوا علمنا الخط وجاءوا بأولادهم من الصبيان والشباب وكنت أعلمهم فحصل لي أيضا من ذلك شيء كثير فقالوا لي بعد ذلك عندنا صبية يتيمة ولها شيء من الدنيا نريد أن تتزوج بها فامتنعت فقالوا لا بد وألزموني فأجبتهم فلما زفوها مددت عيني أنظر إليها فوجدت ذلك العقد بعينه معلقا في عنقها فما كان لي حينئذ شغل إلا النظر إليه فقالوا يا شيخ كسرت قلب هذه اليتيمة من نظرك إلى هذا العقد ولم تنظر إليها فقصصت عليهم قصة العقد فصاحوا بالتهليل والتكبير حتى بلغ إلى جميع أهل الجزيرة فقلت ما بكم فقالوا ذلك الشيخ الذي أخذ منك العقد أبو هذه الصبية وكان يقول ما وجدت في الدنيا مسلما كهذا الذي رد على هذا العقد وكان يدعو ويقول اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوجه بابنتي والآن قد حصلت فبقيت معها مدة ورزقت منها ولدين ثم إنها ماتت فورثت العقد أنا وولدي ثم مات الولدان فحصل العقد لي فبعته بمائة ألف دينار وهذا المال الذي ترون معي من بقايا ذلك المال
وقد تضمنت هذه القصة أنه لا يجوز قبول الهدية على رد الأمانات لأنه يجب عليه ردها بغير عوض وهذا إذا كان لم يلتقطها بنية أخذ الجعل المشروط وقد نص أحمد رضي الله عنه على مثل ذلك في الوديعة وأنه لا يجوز لمن ردها إلى صاحبها قبول هديته إلا بنية المكافأة انتهى ما أورده ابن رجب ملخصا
وفيها أبو يعقوب يوسف بن أيوب الهمذاني الزاهد شيخ الصوفية بمرو وبقية مشايخ الطريق العاملين تفقه على الشيخ أبي إسحق فأحكم مذهب الشافعي وبرع في المناظرة ثم ترك ذلك وأقبل على شأنه وروى عن الخطيب وابن المسلمة والكبار وسمع بأصبهان وبخارى وسمرقند ووعظ وخوف وانتفع به الخلق وكان صاحب أحوال وكرامات توفي في ربيع الأول عن أربع وتسعين سنة قاله في العبر 111
وقال السخاوي في طبقاته وابن الأهدل أبو يعقوب الهمذاني الفقيه الزاهد العالم العامل الرباني صاحب المقامات والكرامات قدم بغداد في صباه بعد ستين وأربعمائة ولازم الشيخ أبا إسحق الشيرازي وتفقه عليه حتى برع في الأصول والمذهب والخلاف ثم زهد في ذلك واشتغل بالزهد والعبادة والرياضة والمجاهدة حتى صار علما من أعلام الدين يهتدي به الخلق إلى الله ثم قدم بغداد في سنة خمس وخمسمائة وعقد بها مجلس الوعظ بالمدرسة النظامية وصادف بها قبولا عظيما من الناس وكان قطب وقته في فنه وذكر ابن النجار في تاريخه أن فقيها يقال له ابن السقا سأله من مسألة وأساء معه الأدب فقال له الإمام يوسف اجلس فإني أجد ويروى أشم من كلامك رائحة الكفر وكان أحد القراء حفظة القرآن فاتفق أنه تنصر ومات عليها نعوذ بالله من سوء الخاتمة وذلك أنه خرج إلى بلد الروم رسولا من الخليفة فافتتن بابنة الملك فطلب زواجها فامتنعوا إلا أن يتنصر فتنصر ورؤي في القسطنطينية مريضا وبيده خلق مروحة يذب بها الذباب عن وجهه فسئل عن القرآن فذكر أنه نسيه إلا آية واحدة وهي )
ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) وذكرت حكاية ابن السقا في البهجة المصنعة في مناقب الشيخ عبد القادر وان ابتلاؤه كان سبب إساءته إلى بعض الأولياء يقال له الغوث فالله أعلم
سنة ست وثلاثين وخمسمائة
فيها كانت ملحمة عظيمة بين السلطان سنجر وبين الترك الكفرة بما وراء النهر أصيب فيها المسلمون وأفلت سنجر في نفر يسير بحيث أنه وصل بلخ في ستة أنفس وأسرت زوجته وبنته وقتل من جيشه مائة ألف أو أكثر وكانت الترك في ثلاثمائة ألف فارس 112
وفيها توفي أبو سعد الزوزني بفتح الزايين وسكون الواو نسبة إلى زوزن بلد بين هراة ونيسابور أحمد بن محمد بن الشيخ أبي الحسن علي بن محمود بن ماخره الصوفي روى عن القاضي أبي يعلى وأبي جعفر بن المسلمة والكبار وتوفي في شعبان عن سبع وثمانين سنة قال ابن ناصر كان متسمحا فرأيته في النوم فقلت ما فعل الله بك قال غفر لي وأنا في الجنة
وفيها أبو العباس بن العريف أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي الأندلسي الصوفي الزاهد قال ابن بشكوال كان مشاركا في أشياء ذا عناية في القراءات وجمع الروايات والطرق وحملتها وكان متناهيا في الفضل والدين وكان الزهاد والعباد يقصدونه وقال الذهبي لما أكثر أتباعه توهم السلطان وخاف أن يخرج عليه فطلبه فأحضر إلى مراكش فتوفي في الطريق قبل أن يصل وقيل توفي بمراكش وله ثمان وسبعون سنة وكان من أهل المرية
وفيها أبو القسم إسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث أبو القسم بن السمرقندي الحافظ ولد بدمشق سنة أربع وخمسين وسمع بها من الخطيب وعبد الدائم الهلالي وابن طلاب والكبار وببغداد من الصريفيني فمن بعده قال أبو العلاء الهمذاني ما أعدل به أحدا من شيوخ العراق وهو من شيوخ ابن الجوزي توفي في ذي القعدة
وفيها أبو سعد إسماعيل بن عبد الواحد بن إسماعيل بن محمد الإمام أبو سعد البوسنجي نزيل هراة ولد سنة إحدى وستين وأربعمائة وكان شافعيا عالما بالمذهب درس وأفتى وصنف قال ابن السمعاني كان فاضلا غزير الفضل حسن المعرفة بالمذهب جميل السيرة مرضي الطريقة كثير العبادة ملازما للذكر قانعا باليسير خشن العيش راغبا في نشر العلم لازما للسنة غير ملتفت إلى الأمراء وأبناء الدنيا وقال عبد الغافر شاب نشأ في عبادة الله مرضي السيرة على منوال أبيه وهو فقيه مناظر مدرس زاهد وقال الرافعي في كتاب الجامع هو إمام غراص متأخر 113
لقيه من لقيناه توفي بهراة وله كتاب أسماه المستدرك وقف عليه الرافعي ونقل عنه في مواضع
قاله ابن قاضي شهبة
وفيها عبد الجبار بن محمد بن أحمد أبو محمد الخواري بضم الخاء والتخفيف وسمع البيهقي بلد بالري الشافعي المفتي إمام جامع نيسابور تفقه على إمام الحرمين وسمع البيهقي والقشيري وجماعة وتوفي في شعبان عن إحدى وتسعين سنة
وفيها ابن برجان أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن أبي الرجال اللخمي الإفريقي ثم الإشبيلي العارف شيخ الصوفية مؤلف شرح الأسماء الحسنى توفي غريبا بمراكش قال الأبار كان من أهل المعرفة بالقراءات والحديث والتحقيق بعلم الكلام والتصوف مع الزهد والاجتهاد في العبادة وقبره بإزاء قبر ابن العريف
وفيها شرف الإسلام عبد الوهاب بن الشيخ أبي الفرج الحنبلي عبد الواحد بن محمد الأنصاري الشيرازي ثم الدمشقي الفقيه الواعظ شيخ الحنابلة بالشام بعد والده ورئيسهم وهو باني مدرسة الحنابلة داخل باب الفراديس سكنها الشيخ محمد الاسطواني من سنة خمس وأربعين وتسعمائة إلى نيف وسبعين وتسعمائة
كذا رأيته على هامش طبقات ابن رجب
وقال ابن رجب في الطبقات توفي والد عبد الوهاب وهو صغير فاشتغل بنفسه وتفقه وبرع وناظر وأفتى ودرس الفقه والتفسير ووعظ واشتغل عليه خلق كثير وكان فقيها بارعا وواعظا فصيحا وصدرا معظما ذا حرمة وحشمة وسؤدد ورياسة ووجاهة وهيبة وجلالة كان ينشد على الكرسي بجامع دمشق إذا طاب وقته قوله
) سيدي علل الفؤاد العليلا
واحيني قبل أن تراني قتيلا )
) أن تكن عازما على قبض روحي
فترفق بها قليلا قليلا )
ولشرف الإسلام تصانيف في الفقه والأصول منها المنتخب في الفقه في مجلدين والمفردات والبرهان في أصول الدين وغير ذلك وحدث عن أبيه وغيره وسمع منه 114
ببغداد ابن كامل توفي رحمه الله في ليلة الأحد سابع عشر صفر سنة ست ودفن عند والده بمقابر الشهداء من مقابر الباب الصغير
وفيها أبو عبد الله المازري محمد بن علي بن عمر المالكي المحدث مصنف المعلم في شرح مسلم كان من كبار أئمة زمانه قال ابن الأهدل نسبة إلى مازر بفتح الزاي وكسرها بلدة بجزيرة صقلية وكان ذا فنون من أئمة المالكية وله المعلم بفوائد مسلم ومنه أخذ القاضي عياض شرحه الأكمال توفي بالمهدية عن ثلاث وثمانين سنة
وفيها هبة الله بن أحمد بن عبد الله بن طاووس أبو محمد البغدادي إمام جامع دمشق ثقة مقرئ محقق ختم عليه خلق وله اعتناء بالحديث روى عن أبي العباس بن قيس وأبي عبد الله بن أبي الحديد وببغداد من البانياسي وطائفة وبأصبهان من ابن سكرويه وطائفة وآخر أصحابه ابن أبي لقمة
وفيها يحيى بن علي أبو محمد بن الطراح المدير روى عن عبد الصمد بن المأمون وأقرانه وكان صالحا ساكنا توفي في رمضان
سنة سبع وثلاثين وخمسمائة
فيها توفي أحمد بن محمد بن أبي المختار الشريف العلوي النوبندجاني شاعر مفلق ومن شعره
) اخضر بالزغب المنمنم خده
فالخد ورد بالبنفسج معلم )
) يا عاشقيه تمتعوا بعذاره
من قبل أن يأتي السواد الأعظم )
وفيها توفي صاحب ملطية محمد بن الدانشمد واستولى على مملكة مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية
وفيها الحسين بن علي سبط الخياط البغدادي المقرئ أبو عبد الله قال ابن السمعاني شيخ صالح دين حسن الإقراء يأكل من كد يده سمع الصريفيني وابن 115
المأمون والكبار
وفيها أبو الفتح بن البيضاوي القاضي عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد أخو قاضي القضاة أبي القسم الزينبي لامه سمع أبا جعفر بن المسلمة وعبد الصمد بن المأمون وكان متحريا في أحكامه توفي في جمادى الأولى ببغداد
وفيها علي بن يوسف بن تاشفين أمير المسلمين صاحب المغرب كان يرجع إلى عدل ودين وتعبد وحسن طوية وشدة إيثار لأهل العلم وتعظيم لهم وذم للكلام وأهله ولما وصلت إليه كتب أبي حامد أمر بإحراقها وشدد في ذلك ولكنه كان مستضعفا مع رؤوس أمرائه فلذلك ظهرت مناكير وخمور في دولته فتغافل وعكف على العبادة وتوثب عليه ابن تومرت ثم صاحبه عبد المؤمن توفي في رجب عن إحدى وستين سنة وتملك بعده ابنه تاشفين قاله في العبر وقال ابن الأهدل كان من أئمة الهدى علما وعملا
وفيها عمر بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن لقمان النسفي السمرقندي الحنفي الحافظ ذو الفنون يقال له مائة مصنف روى عن إسماعيل بن محمد النوحي فمن بعده واه أوهام كثيرة قاله في العبر وقال غيره كان فاضلا مفسرا أديبا صنف كتبا في التفسير والفقه ونظم الجامع الصغير لمحمد بن الحسن وقدم بغداد وحدث بكتاب تطويل الأسفار لتحصيل الأخبار من جمعه وروى عنه عامة مشايخه
وفيها كوخان خال سلطان الترك والخطا الذي هزم المسلمين وفعل الأفاعيل في السنة الماضية واستولى على سمرقند وغيرها هلك في رجب ولم يمهله الله وكان ذا عدل على كفره وكان مليح الشكل حسن الصورة كامل الشجاعة لا يمكن أميرا من إقطاع بل يعطيهم من خزانته ويقول إن أخذوا الإقطاعات ظلموا الناس وكان يعاقب على السكر ولا ينكر الزنا ولا يستقبحه وتملكت ابنته بعده ولم تطل مدتها وتملكت أمه بعدها فحكمت على الخطا وما وراء النهر 116
وفيها محمد بن يحيى بن علي بن عبد العزيز القاضي المنتخب أبو المعالي القرشي الدمشقي الشافعي قاضي دمشق وابن قاضيها القاضي الزكي سمع أبا القسم بن أبي العلاء وطائفة وسمع بمصر من الخلعي وتفقه على نصر المقدسي وغيره وتوفي في ربيع الأول عن سبعين سنة
وفيها مفلح بن أحمد أبو الفتح الرومي ثم البغدادي الوراق سمع من أبي بكر الخطيب والصريفيني وجماعة وتوفي في المحرم
سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة
فيها توفي أبو المعالي عبد الخالق بن عبد الصمد بن البدن البغدادي الصفار المقرئ روى عن ابن المسلمة وعبد الصمد بن المأمون
وفيها أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد الأنماطي الحافظ الحنبلي مفيد بغداد سمع الصريفيني ومن بعده قال أبو سعد حافظ متقن كثير السماع وقال ابن رجب ولد في رجب سنة اثنتين وستين وأربعمائة وسمع الكثير من خلق كثير وكتب بخطه الكثير وسمع العالي والنازل حتى أنه قرأ على ابن الطيوري جميع ما عنده قال ابن ناصر عنه كان بقية الشيوخ وكان ثقة ولم يتزوج قط وقال الحافظ أبو موسى المديني في معجمه هو حافظ عصره ببغداد وذكره ابن السمعاني فقال حافظ ثقة متقن واسع الرواية دائم البشر سريع الدمعة عند الذكر حسن المعاشرة جمع الفوائد وخرج التخاريج لعله ما بقي جزء مروي إلا وقد قرأ وكان متفرغا للتحديث أما أن يقرأ عليه أو ينسخ وذكره تلميذه ابن الجوزي في عدة مواضع من كتبه كمشيخته وطبقات الأصحاب المختصرة والتاريخ وصفة الصفوة وصيد الخاطر وأثنى عليه كثيرا وقال كان ثقة ثبتا ذا دين وورع وكنت أقرأ عليه الحديث وهو يبكي فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته وكان على طريقة السلف وانتفعت به ما لم أنتفع بغيره ودخلت عليه في مرضه وقد بلى وذهب لحمه فقال أن الله عز وجل لا يتهم في قضائه 117
وما رأينا في مشايخ الحديث أكثر سماعا منه ولا أكثر كتابة للحديث منه مع المعرفة به ولا أصبر على الإقراء ولا أكثر دمعة وبكاء مع دوام البشر وحسن اللقاء وكان لا يغتاب أحدا ولا يغتاب عند أحد وكان سهلا في إعارة الأجزاء لا يتوقف توفي رحمه الله يوم الخميس حادي عشر المحرم ودفن من الغد بالشونيزية وهي مقبرة أبي القسم الجنيد غربي بغداد
وفيها علي بن طراد الوزير الكبير أبو القسم الزينبي العباسي وزير المسترشد والمقتفى سمع من عمه أبي نصر الزينبي وأبي القسم بن البسرى وكان صدرا مهيبا نبيلا كامل السؤدد بعيد الغور دقيق النظر ذا رأي ودهاء وإقدام نهض بأعباء بيعة المقتفى وخلع الراشد في نهار واحد وكان الناس يتعجبون من ذلك ولما تغير عليه المقتفى وهم بالقبض عليه احتمى منه بدار السلطان مسعود ثم خلص ولزم داره واشتغل بالعبادة والخير إلى أن مات في رمضان وكان يضرب المثل بحسنه في صباه
وفيها محمد بن الخضر بن أبي المهزول المعروف بالسابق من أهل المعرة كان شاعرا مجودا دخل بغداد وجالس ابن ماقيا والابيوردي وأبا زكريا التبريزي وأنشدهم ولقى ابن الهبارية وعمل رسالة لقبها تحية الندمان ومن شعره في مليح حلقوا رأسه
) وجهك المستنير قد كان بدرا
فهو شمس لنفي صدغك عنه )
) ثبتت آية النهار عليه
إذ محا القوم آية الليل منه )
وفيها أبو البركات محمد بن علي بن صدقة بن جلب الصائغ الحنبلي أمين الحكم بباب الأزج سمع من أبي محمد التميمي وقرأ الفقه على القاضي أبي حازم وذكر ابن القطيعي عن أبي الحسين بن أبي البركات الصائغ قال سمعت أبي قال جاءت فتوى إلى القاضي أبي حازم وفيها مكتوب
) ما يقول الإمام أصلحه الله
تعالى وللسبيل هداه ) 118
) في محب أتى إليه حبيب
في ليالي صيامه فأتاه )
) افتنا هل صباح ليلته
أفطر أم لا وقل لنا ما تراه )
قال فقال لي القاضي أبو خازم أجب يا أبا البركات فكتبت الجواب وبالله التوفيق
) أيها السائلي عن الوطء في ليلة
الصيام الذي إليه دعاه )
) وجده بالذي أحب وقد أحرق
نار الغرام منه حشاه )
) كيف يعصى ولو تفكر في قدرة
ربي مفكرا ما عصاه )
) أأمنت الذي دحى الأرض أن يطبق
دون الورى عليك سماه )
) ليس فيما أتيت ما يبطل الصوم
جوابي فاعلم هداك الله )
توفي ليلة الثلاثاء سابع عشر رجب ودفن بباب حرب وسبب موته أن زوجته سمته في طعام قدمته له وأكل معه منه رجلان فمات أحدهما من ليلته والآخر من غده وبقي أبو البركات مريضا مديدة ثم مات رحمه الله تعالى
وفيها أبو الفتوح الاسفرايني محمد بن الفضل بن محمد ويعرف أيضا بابن المعتمد الواعظ المتكلم روى عن أبي الحسن بن الأخرم المديني ووعظ ببغداد وجعل شعاره إظهار مذهب الأشعري وبالغ في ذلك حتى هاجت فتنة كبيرة بين الحنابلة والأشعرية فأخرج من بغداد فغاب مدة ثم قدم وأخذ ببلده فأدركه الموت ببسطام في ذي الحجة وكان رأسا في الوعظ أوحد في مذهب الأشعري له تصانيف في الأصول والتصوف قال ابن عساكر أجرأ من رأيته لسانا وجنانا وأسرعهم جوابا وأساسهم خطابا لازمت حضور مجلسه فما رأيت مثله واعظا ولا مذكرا قاله في العبر
وفيها أبو القسم الزمخشري محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي النحوي اللغوي من ابن الطبر وصنف عدة تصانيف وسقطت رجله فكان يمشي في حاون خشب وكان 119
داعية إلى الاعتزال كثير الفضائل قاله في العبر وقال ابن خلكان الإمام الكبير في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان كان إمام عصره من غير مدافع تشد إليه الرحال في فنونه أخذ النحو عن أبي مضر منصور وصنف التصانيف البديعة منها الكشاف في تفسير القرآن العظيم لم يصنف قبله مثله والفائق في الحديث وأساس البلاغة في اللغة وربيع الأبرار وفصوص الأخبار ومتشابه أسامي الرواة والنصائح الكبار والنصائح الصغار وضالة الناشد والرائض في علم الفرائض والمفصل في النحو وقد اعتنى بشرحه خلق كثير والأنموذج في النحو والمفر والمؤلف في النحو ورؤوس المسائل في الفقه وشرح أبيات سيبويه والمستقصي في أمثال العرب وصميم العربية وسوائر الأمثال وديوان التمثل وشقائق النعمان وشافي العيي من كلام الشافعي والقسطاس في العروض ومعجم الحدود والمنهاج في الأصول ومقدمة من الآداب وديوان الرسائل وديوان الشعر والرسالة الناصحة والأمالي في كل فن وغير ذلك وكان قد سافر إلى مكة حرسها الله تعالى وجاور بها زمانا فصار يقال له جار الله لذلك فكان هذا الاسم علما عليه وسمعت من بعض المشايخ أن إحدى رجليه كانت سقطت وكان يمشي في جاون خشب وكان سبب سقوطها أنه في بعض أسفاره في بلاد خوارزم أصابه ثلج كثير وبرد شديد في الطريق فسقطت منه رجله وأنه كان بيده محضر فيه شهادة خلق كثير ممن اطلعوا على حقيقة ذلك خوفا من أن يظن من يعلم الحال أنها قطعت لريبة ورأيت في تاريخ المتأخرين أن الزمخشري لما دخل بغداد واجتمع بالفقيه الحنفي الدامغاني سأله عن قطع رجله فقال دعاء الوالدة وذلك أنني في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله وأفلت من يدي فأدركته وقد دخل خرق فجذبته فانقطعت رجله في الخيط فقالت والدتي قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله فلما وصلت إلى سن الطلب دخلت إلى بخارى لطلب العلم فسقطت عن الدار فانكسرت رجلي وعملت على عمل أوجب قطعها وكان الزمخشري المذكور 120
معتزلي الاعتقاد متظاهرا به حتى نقل عنه أنه كان ذا قصد صاحبا له واستأذن عليه في الدخول يقول لمن يأخذ له الإذن قل له أبو القسم المعتزلي بالباب وأول ما صنف كتاب الكشاف استفتح الخطبة بقوله الحمد لله الذي خلق القرآن فيقال أنه قيل متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس ولا يرغب أحد فيه فغيره بقوله الحمد لله الذي جعل القرآن ودعل عندهم بمعنى خلق ورأيت في كثير من النسخ الحمد لله الذي أنزل القرآن وهذا إصلاح الناس لا إصلاح المصنف وكان الحافظ أبو الطاهر السلفي كتب إليه من الإسكندرية وهو يومئذ مجاور بمكة يستجيزه في مسموعاته ومصنفاته فرد جوابه بما لا يشفي الغليل فلما كان في العام الثاني كتب إليه أيضا مع بعض الحجاج استجازة أخرى ثم قال في آخرها ولا يحوج أدام الله توفيقه إلى المراجعة فالمسافة بعيدة وقد كاتبه في السنة الماضية فلم يجبه بما يشفي الغليل وفي ذلك الأجر الجزيل فكتب الزمخشري جوابه بأفصح عبارة وأبلغها ولم يصرح له بمقصوده ومن شعره السائر قوله
) ألا قل لسعدي ما لنا فيه من وطر
وما بطنين النحل من أعين البقر )
) فإنا اقتصرنا بالذين تضايقت
عيونهم والله يجزي من اقتصر )
) مليح ولكن عنده كل جفوة
ولم أر في الدنيا صفاء بلا كدر )
) ولم أنس إذ غازلته قرب روضة
إلى جنب حوض فيه للماء منحصر )
) فقلت له جئني بورد وإنما
أردت به ورد الخدود وما شعر )
) فقال انتظرني رجع طرفي أجيء به
فقلت له هيهات ما لي منتظر )
) فقال ولا ورد سوى الخد حاضر
فقلت له إني قنعت بما حضر )
ومن شعره يرثي شيخه أبا مضر منصور
) وقائلة ما هذه الدرر التي
تساقط من عينيك سمطين سمطين )
) فقلت لها الدر الذي كان قد حشى
أبو مضر أذني تساقط من عيني )
ومن شعره 121
) أقول لظبي مر بي وهو راتع
أأنت أخو ليلى فقال يقال )
) فقلت وفي حكم الصبابة والهوى
يقال أخو ليلى فقال يقال )
) فقلت وفي ظل الأراكة والحمى
يقال ويستسقى فقال يقال )
ومما أنشد لغيره في كتاب الكشاف في سورة البقرة عند قوله تعالى ) ) يا من يرى مد البعوض جناحها>
إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) فإنه قال أنشدت لبعضهم
) يا من يرى مد البعوض جناحها
في ظلمة الليل البهيم الأليل )
) ويرى مناط عروقها في نحرها
والمخ في تلك العظام النحل )
) اغفر لعبد تاب عن فرطاته
ما كان منه في الزمان الأول )
وكانت ولادة الزمخشري يوم الأربعاء سابع عشرى رجب سنة سبع وستين وأربعمائة بزمخشر وتوفي ليلة عرفة بجرجانية خوارزم بعد رجوعه من مكة انتهى ما أورده ابن خلكان ملخصا وقال ابن الأهدل كان من أئمة الحنفية معتزلي العقيدة عظم صيته في علوم الأدب وسلم مناظروه له انتهى ملخصا أيضا
سنة تسع وثلاثين وخمسمائة
فيها توفي أبو البدر الكرخي إبراهيم بن محمد بن منصور ثقة ذو مال حدث عن ابن سمعون وعن خديجة الساهجانية وسمع أيضا من الخطيب وطائفة وتوفي في ربيع الأول
وفيها تاشفين صاحب المغرب أمير المسلمين ولد علي بن يوسف بن تاشفين المصمودي البربري الملثم ولى بعد أبيه سنتين وأشهرا وكانت دولته في ضعف وانتقال وزوال مع وجود عبد المؤمن فتحصن بمدينة وهران فصعد ليلة في رمضان إلى مزار بظاهر وهران فبيته أصحاب عبد المؤمن فلما أيقن بالهلكة ركض فرسه فتردى به إلى البحر فتحطم وتلف ولم يبق لعبد المؤمن منازع فأخذ تلمسان
وفيها ولى جقر بالموصل رجلا ظالما يقال له القزويني فسار سيرة قبيحة وشكا 122
الناس إليه فوللا مكانه عمر بن شكله فأساء السيرة أيضا فقال الحسن بن أحمد الموصلي
) يا نصير الدين يا جقر
ألف قزويني ولا عمر )
) لو رماه الله في سقر
لاشتكت من ظلمه سقر )
وفيها توفي أبو منصور بن الرزاز سعيد بن محمد بن عمر البغدادي شيخ الشافعية ومدرس النظامية تفقه على الغزالي وأسعد الميهني والكيا الهراسي وأبي بكر الشاشي وأبي سعد المتولي وروى عن رزق الله التميمي وبرع وساد وصار إليه رياسة المذهب وكان ذا سمت ووقار وجلالة كان مولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة وتوفي في ذي الحجة ودفن بتربة الشيخ أبي إسحق الشيرازي
وفيها أبو الحسن شريح بن محمد بن شريح الرعيني الإشبيلي خطيب إشبيلية ومقرئها ومسندها روى عن أبيه وأبي عبد الله بن منظور وأجاز له ابن حزم وقرأ القراءات على أبيه وبرع فيها ورحل الناس إليه من الأقطار للحديث والقراءات ومات في شهر جمادى الأولى عن تسع وثمانين سنة
وفيها أو في التي قبلها كما جزم به ابن ناصر الدين أبو المعالي عبد الله بن أحمد بن أحمد بن محمد المروزي الحلواني بفتح الحاء نسبة إلى الحلوى البزاز كان حافظا فقيها عالما نبيها قاله ابن ناصر الدين
وفيها علي بن هبة الله بن عبد السلام أبو الحسن الكاتب البغدادي سمع الكثير بنفسه وكتب وجمع وحدث عن الصريفيني وابن النقور وتوفي في رجب عن ثمان وثمانين سنة
وفيها أبو البركات عمر بن إبراهيم بن محمد الزيدي الكوفي النحوي الحنفي أجاز له محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي وسمع من أبي بكر الخطيب وخلق وسكن الشام مدة وله مصنفات في العربية وكان يقول أفتى برأي أبي حنيفة ظاهرا وبمذهب جدي زيدين على تدينا وقال أبي النرسي كان جاروديا لا يرى الغسل 123
من الجنابة وقال في العبر قلت وقد اتهم بالرفض والقدر والتهجم توفي في شعبان وله سبع وتسعون سنة وشيعه نحو ثلاثين ألفا وكان مسند الكوفة انتهى
وفيها فاطمة بنت محمد بن أبي سعد البغدادية أم البهاء الواعظة مسندة أصبهان روت عن أبي الفضل المرازي وسبط نحرويه وأحمد بن محمود الثقفي وسمعت صحيح البخاري من سعيد العيار وتوفيت في رمضان ولها أربع وتسعون سنة
وفيها لاقسم بن المظفر علي بن القسم الشهرزوري والد قاضي الخانقين أبي بكر محمد والمرتضى أبي محمد عبد الله وأبي منصور المظفر وهو جد بيت الشهرزوري قضاة الشام والموصل والجزيرة وكلهم إليه ينتسبون كان حاكما بمدينة اربل مدة وبمدينة سنجار مدة وكان من أولاده وحفدته أولاد علماء نجباء كرماء نالوا المراتب العلية وتقدموا عند الملوك وتحكموا وقضوا ونفقت أسواقهم خصوصا حفيده القاضي كمال الدين محمد ومحيي الدين بن كمال الدين وقدم بغداد غير مرة وذكره جماعة وأثنوا عليه منهم أبو البركات المستوفي في تاريخ اربل وأورد له شعرا فمن ذلك قوله
) همتي دونها السها والزبانا
قد علت جهدها فما تتدانى )
) فأنا متعب معنى إلى أن
تتفانى الأيام أو نتفانى )
هكذا وجدت هذه الترجمة في تاريخ الإسلام لابن شهبة
والصحيح أن البيتين لولده أبي بكر محمد قاضي الخافقين فإنه المتوفى في هذا التاريخ
وأما والده القاسم فذكر ابن خلكان أن وفاته سنة تسع وثمانين وأربعمائة وهذا غاية البعد والوهم وكانت ولادة قاضي الخافقين باربل سنة ثلاث أو أربع وخمسين وأربعمائة وتوفي في جمادى الآخرة ببغداد ودفن بباب ابرز وإنما قيل له قاضي الخافقين لكثرة البلاد التي وليها وممن سمع منه السمعاني وقال في حقه أنه اشتغل بالعم على الشيخ أبي إسحق الشيرازي وولى القضاء بعدة بلاد ورحل إلى العراق وخراسان والجبال وسمع الحديث الكثير 124
وأما أخو قاضي الخافقين المرتضى فهو أبو محمد عبد الله بن القسم بن المظفر والد القاضي كمال الدين كان أبو محمد المذكور مشهورا بالفضل والدين مليح الوعظ مع الرشاقة والتجنيس أقام ببغداد مدة يشتغل بالحديث والفقه ثم رحل إلى الموصل وتولى القضاء وروى الحديث وله شعر رائق فمن ذلك قصيدته التي على طريقة الصوفية ولقد أحسن فيها ومنها
) لمعت نارهم وقد عسعس الليل
ومل الحادي وحار الدليل )
) فتأملتها وفكري من البين
عليل ولحظ عيني كليل )
) وفؤادي ذاك الفؤاد المعنى
وغرامي ذاك الغرام الدخيل )
) ثم قابلتها وقلت لصحبي
هذه النار نار ليلى فميلوا )
) فرموا نحوها لحاظا صحيحات
وعادت خواسئها وهي حول )
) ثم مالوا إلى الملام وقالوا
خلب ما رأيت أم تخييل )
) فتنحيتهم وملت إليها
والهوى مركبي وشوقي الزميل )
وهي طويلة ومن شعره قوله
) يا ليل ما جئتكم زائرا
إلا وجدت الأرض تطوي لي )
) ولا ثنيت العزم عن بابكم
إلا تعثرت بأذيالي )
وكانت ولادته في شعبان سنة خمس وستين وأربعمائة وتوفي في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة وخمسمائة بالموصل ودفن بالتربة المعروفة بهم
وأما أخوه المظفر فإن السمعاني ذكره في الذيل فقال ولد باربل ونشأ بالموصل وورد بغداد وتفقه بها على الشيخ أبي إسحق الشيرازي ورجع إلى الموصل وولى قضاء سنجار على كبر سنه وسكنها وكان قد أضر ثم قال سألته عن مولده فقال ولدت في جمادى الآخرة أو رجب سنة سبع وخمسين وأربعمائة باربل ولم يذكر وفاته والله أعلم
وفيها أبو المعالي محمد بن إسماعيل الفارسي ثم النيسابوري راوي السنن 125
الكبير عن البيهقي وراوي البخاري عن العيار توفي في جمادى الآخرة وله إحدى وتسعون سنة
وفيها محمد بن عبد العزيز السوسي الشاعر كان ظريفا له منظر حسن ورث من أبيه مالا جزيلا فأنفقه في اللهو وافتقر فعمل قصيدته الظريفة المعروفة بالسوسية التي أولها
) الحمد لله ليس بخت
ولا ثياب يضمها تخت )
وفيها أبو المنصور محمد بن عبد الملك بن الحسن بن محمد بن خيرون البغدادي المقرئ الدباس مصنف المفتاح والموضح في القراءات أدرك أصحاب أبي الحسن الحمامي وسمع الحديث من أبي جعفر بن المسلمة والخطيب والكبار وتفرد بإجازة أبي محمد الجوهري توفي في رجب وله خمس وثمانون سنة
وفيها أبو المكارم المبارك بن علي السمذي بكسرتين وتشديد الميم نسبة إلى السمذ وهو الخبز الأبيض يعمل للخواص البغدادي سمع الصريفيني وطائفة ومات يوم عاشوراء
سنة أربعين وخمسمائة
فيها توفي أبو سعد البغدادي الحافظ أحمد بن سعد أحمد بن الحسن الأصبهاني ولد سنة ثلاث وستين وأربعمائة وسمع من عبد الرحمن وعبد الوهاب ابني مندة وطبقتهما وببغداد من عاصم بن الحسن قال سعد بن السمعاني حافظ دين خير يحفظ صحيح مسلم وكان يملي من حفظه وقال الذهبي حج مارت ومات في ربيع الآخر بنهاوند ونقل إلى أصبهان وقال ابن ناصر الدين كان ثقة متقنا دينا خيرا واعظا وصحيح مسلم من بعض حفظه
وفيها أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبدر الحمن البحيري روى عن 126
القشيري وأحمد بن منصور المغربي توفي في جمادى الأولى عن سبع وثمانين سنة
وفيها محمد بن محمد بن الخشاب الكاتب أحد الفضلاء فمن شعره
) أراك اتخذت سواكا أراك
لكيما أراك وأنسى سواك )
) سواك فما أشتهي أن أرى
فهب لي رضايا وهب لي سواك )
ومن هنا أخذ القائل
) ما أردت الأراك إلا لأني
إن ذكرت الأراك قلت أراكا )
) وهجرت السواك إلا لأني
إن ذكرت السواك قلت سواكا )
وقال الآخر
) طلبت منك سواكا
وما طلبت سواكا )
) وما طلبت أراكا
إلا أردت أراكا )
وكان حسن الخط والترسل له حظ من العربية وكان يضرب به المثل في الكذب ووضع الخيالات والحكايات المستحيلات منهمكا على الشرب مع كبر سنه
وفيها محمد بن مزاح الأزدي من شعره في ثقيل
) لنا صديق زائد ثقله
فظفره كالجبل الراسي )
) تحمل منه الأرض أضعاف ما
تحمله من سائر الناس )
ولبعض الأندلسيين
) ليس بإنسان ولكنه
تحسبه الناس من الناس )
) أثقل في أنفس إخوانه
من جبل راس على راس )
وفيها أبو إسحق الضرير إبراهيم بن محمد الطليطلي وهو القائل
) أتاك العذار على غرة
فإن كنت في غفلة فانتبه )
) وقد كنت تأتي زكاة الجمال
فصار شجاعا تطوقت به )
وفيها أبو الحسن محمد بن الحسن أبو علي بن أبي جعفر الطوسي شيخ الشيعة وعالمهم وابن شيخهم وعالمهم رحلت إليه طوائف الشيعة من كل جانب إلى العراق 127
وحملوا إليه وكان ورعا عالما كثير الزهد وأثنى عليه السمعاني وقال العماد الطبري لو جازت على غير الأنبياء صلاة صليت عليه
وفيها أبو منصور بن الجواليقي موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن البغدادي الحنبلي قال ابن رجب هو شيخ أهل اللغة في عصره ولد في ذي الحجة سنة خمس وستين وأربعمائة وسمع الحديث الكثير من أبي القسم بن البسري وأبي طاهر بن أبي الصقر وابن الطيوري وخلق وبرع في علم اللغة والعربية ودرس العربية في النظامية بعد شيخه أبي زكريا مدة ثم قربه المقتفى لأمر الله تعالى فاختص بإمامته في الصلوات كان المقتفى يقرأ عليه شيئا من الكتب وانتفع به وبان أثره في توقيعاته وكان من أهل السنة المحامين عنها ذكر ذلك ابن شافع وقال ابن السمعاني في حقه إمام اللغة والأدب وهو من مفاخر بغداد وهو متدين ثقة ورع غزير الفضل كامل العقل مليح الخط كثير الضبط صنف التصانيف وانتشرت عنه وشاع ذكره ونقل بخطه الكثير وكذلك قال عنه تلميذه ابن الجوزي وقال وقرأت عليه كتابه المعرب وغيره من تصانيفه وقال ابن خلكان صنف التصانيف وانتشرت عنه مثل شرح كتاب أدب كاتب وكتاب المعرب وتتمة درة الغواص للحريري وكان يصلى بالمقتفى بالله فدخل عيه وهو أول ما دخل فما زاد على أن قال السلام على أمير المؤمنين فقال ابن التلميذ النصراني وكان قائما وله ادلال الخدمة والطب ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ فلم يتلفت إليه ابن الجواليقي وقال يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية وروى الحديث ثم قال يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفارة لأن الله تعالى ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان فقال صدقت وأحسنت وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع فضله وغزار أدبه وقال المنذري سمع منه جماعة منهم ابن ناصر وابن السمعاني وابن الجوزي وأبو اليمن الكندي وتوفي سحر يوم الأحد خامس عشر المحرم ودفن بباب حرب عند والده 128
رحمها الله تعالى
سنة إحدى وأربعين وخمسمائة
فيها أخذت الفرنج طرابلس المغرب بالسيف ثم عمروها
وفيها توفي أبو البركات إسماعيل بن الشيخ أبي أحمد بن محمد النيسابوري ثم البغدادي شيخ الشيوخ وله ست وسبعون سنة روى عن أبي القسم بن البسري وطائفة وكان مهيبا جليلا وقورا مصونا
وفيها حنبل بن علي أبو جعفر البخاري الصوفي سمع من شيخ الإسلام بهراة وصحبه وببغداد من أبي عبد الله النعالي توفي بهراة في شوال
وفيها زنك الأنابك عماد الدين صاحب الموصل وحلب ويعرف أبوه بالحاجب قسيم الدولة اق سنقر التركي ولي شحنكية بغداد في آخر دولة المستظهر بالله ثم نقل إلى الموصل وسلم إليه السلطان محمود ولده فرخشاه الملقب بالخفاجي ليريه ولهذا قيل له أتابك وكان فارسا شجاعا ميمون النقيبة شدي البأس قوي المراس عظيم الهيبة فيه ظلم وزعارة ملك الموصل وحلب وحماة وحمص وبعلبك والرها والمعرة قتله بعض غلمانه وهو نائم وهربوا إلى قلعة جعبر ففتح لهم صاحبها علي بن مالك العقيلي وكان زنكي سامحه الله حسن الصورة أسمر مليح العينين قد وخطه الشيب وجاوز الستين قتل في ربيع الآخر وتملك الموصل بعده ابنه غازي وتملك حلب وغيرها ابنه الآخر نور الدين محمود
وفيها أبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري الأندلسي البلنسي المحدث رحل إلى المشرق وسافر في التجارة إلى الصين وكان فقيها عالما متقنا سمع أبا عبد الله النعالي وطراد بن محمد وطائفة وسكن أصبهان مدة ثم بغداد وتفقه على الغزالي وتوفي في المحرم
وفيها سبط الخياط الإمام أبو محمد عبد الله بن علي البغدادي المقرئ الفقيه 129
الحنبلي النحوي شيخ المقرئين بالعراق وصاحب التصانيف ولد سنة أربع وستين وأربعمائة وسمع من أبي الحسين بن النقور وطائفة وقرأ القرآن على جده الزاهد أبي منصور والشريف عبد القادر وطائفة وبرع في العربية على ابن فاخر وأم بمسجد حرده بضعا وخمسين سنة وقرأ عليه خلق وكان من أندى الناس صوتا بالقرآن توفي في ربيع الآخر وكان الجمع في جنازته يفوت الإحصاء قاله في العبر وقال ابن الجوزي قرأت عليه القرآن والحديث الكثير ولم أسمع قارئا قط أطيب صوتا منه ولا أحسن أداءا على كبر سنه وكان كثير التلاوة لطيف الأخلاق ظاهر الكياسة والظرافة وحسن المعاشرة للعوام والخواص قوبا في السنة وكان طول عمره منفردا في مسجده وقال ابن شافع سار ذكر سبط الخياط في الأغوار والأنجاد ورأس أصحاب الإمام أحمد وصار واحد وقته ونسيج وحده لم أسمع في جميع عمري من يقرأ الفاتحة أحسن ولا أفصح منه وكان جمال العراق بأسره ظريفا كريما لم يخلف مثله في أكثر فنونه وقال ابن نقطة كان شيخ العراق يرجع إلى دين وثقة وأمانة وكان ثقة صالحا من أئمة المسلمين وله شعر حسن فمنه
) يا من تمسك بالدنيا ولذتها
وجد في جمعها بالكد والتعب )
) هلا عمرت لدار سوف تسكنها
دار القرار وفيها معدن الطلب )
) فغن قليل تراها وهي داثرة
وقد تمزق ما جمعت من نشب )
وقوله أيضا
) أيها الزائرون بعد وفاتي
جدثا ضمني ولحدا عميقا )
) سترون الذي رأيت من الموت
عيانا وتسلكون الطريقا )
وقوله أيضا
) الفقه علم به الأديان ترتفع
والنحو عز به الإنسان ينتفع )
) ثم الحديث إذا ما رمته فرج
من كل معنى به الإنسان يبتدع ) 130
) ثم الكلام فذره فهو زندقة
وخرقة فهو خرق ليس يرتفع )
قال ابن الجوزي توفي بكرة الاثنين ثاني عشر ربيع الآخر وتوفي في غرفته التي في مسجده فحط تابوته بالحبال من سطح المسجد وأخرج إلى جامع القصر فصلى عليه عبد القادر وما رأيت جمعا أكثر من جمعه ودفن في دكة الإمام أحمد عند جده أبي منصور
وفيها أبو بكر وجيه بن ظاهر بن محمد الشحامي أخو زاهر توفي في جمادى الآخرة عن ست وثمانين سنة سمع القشيري وأبا حامد الأزهري ويعقوب الصرفي وطبقتهم وطائفة بهراة وببغداد والحجاز وأملى مدة وكان خيرا متواضعا متعبدا لا كأخيه وتفرد في عصره قاله في العبر
سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة
فيها غزا نور الدين محمود بن زنكي فافتتح ثلاث حصون للفرنج بأعمال حلب وفيها كان الغلاء المفرط بل وقبلها بسنوات بإفريقية
وفيها توفي أبو الحسن بن الأبنوسي أحمد بن أبي محمد عبد الله بن علي البغدادي الشافعي الوكيل سمع أبا القاسم بن البسري وطبقته وتفقه وبرع وقرأ الكلام والاعتزال ثم لطف الله به وتحول سنيا توفي في ذي الحجة عن بضع وسبعين سنة
وفيها أبو جعفر البطروجي أحمد بن عبد الرحمن الأندلسي أحد الأئمة روى عن أبي عبد الله الطلاعي وأبي علي الغساني وطبقتهما وكان إماما عاقلا بصيرا بمذهب مالك ودقائقه إماما في الحديث ومعرفة رجاله وعلله له مصنفات مشهورة ولم يكن في وقته بالأندلس مثله ولكنه كان قليل العربية رث الهيئة خاملا توفي في المحرم 131
وفيها أبو بكر بن الأشقر أحمد بن علي بن عبد الواحد الدلال روى عن المهتدي بالله والصريفيني وكان خيرا صحيح السماع توفي في صفر
وفيها عوان بن علي بن حماد بن صدقة الجبائي ويقال له الجبي أيضا نسبة إلى قرية بسواد بغداد عند العفر على طريق خراسان المقرئ الفقيه الحنبلي أبو محمد ولد سنة ثلاث وستين وأربعمائة بالجبة المذكورة وقدم بغداد فسمع بها من أبي محمد التميمي وأبي عبد الله بن البسري وجماعة وقرأ بالروايات على الشريف عبد القاهر المكي وابن سوار وتفقه على أبي سعد المخرمي وأحكم الفقه وأعاد لشيخه المذكور وأقرأ القرآن وحدث وانتفع به الناس قرأ عليه جماعة وحدث عنه آخرون منهم ابن السمعاني قال ابن الجوزي كان خيرا دينا ذا ستر وصيانة وعفاف وطرائق محمودة على سبيل السلف الصالح توفي يوم الأحد سادس عشرى ذي القعدة ودفن من الغد بمقبرة أبي بكر غلام الخلال إلى جانبه
وفيها علي بن عبد السيد أبو القسم بن العلامة أبي نصر بن الصباغ الشاهد سمع من الصريفيني سبعة لابن مجاهد وعدة أجزاء وكان صالحا حسن الطريقة توفي في جمادى الأولى
وفيها عمر بن ظفر أبو حفص المغازلي مفيد بغداد سمع أبا القسم بن البسري فمن بعده وأقرأ القرآن مدة وكتب الكثير توفي في شعبان
وفيها أبو عبد اله الحداني القاضي محمد بن علي بن محمد بن محمد بن الطيب الواسطي المغازلي سمع من محمد بن محمد بن مخلد الأزدي والحسن بن أحمد الغندجاني وطائفة وأجاز له أبو غالب بن بشران اللغوي وطبقته وكان ينوب في الحكم بواسط
وفيها أبو الفتح نصر الله بن محمد بن عبد القوي المصيصي ثم اللاذقي ثم الدمشقي الفقيه الشافعي الأصولي الأشعري سمع من أبي بكر الخطيب 132
وتفقه على الفقيه نصر المقدسي وسمع ببغداد من رزق الله وعاصم وبأصبهان من ابن شكرويه ودرس بالغزالية ووقف وقوفا وأفتى وأشغل وصار شيخ دمشق في وقته توفي في ربيع الأول وله أربع وتسعون سنة وآخر أصحابه ابن أبي لقمة قال ابني شهبة كان منقبضا عن الدخول على السلاطين ودفن بمقابر باب الصغير
وفيها أبو السعادات بن الشجري هبة الله بن علي بن محمد بن حمزة الشريف العلوي الحسيني البغدادي النحوي صاحب التصانيف قال ابن خلكان كان إماما في النحو واللغة وأشعار العرب وأيامها وأحوالها كامل الفضائل متضلعا من الأدب صنف فيه عدة تصانيف فمن ذلك كتاب الأمالي وهو أكبر تآليفه وأكثرها إفادة أملاه في أربعة وثمانين مجلسا وهو يشتمل على فوائد جمة من فنون الأدب وختمه بمجلس قصره على أبيات من شعر المتنبي تكلم عليها وذكر ما قاله الشراح فيها وزاد من عنده ما سنح له وهو من الكتب الممتعة ولما فرغ من إملائه حضر إليه أبو محمد بن الخشاب والتمس منه سماعه عليه فلم يجبه إلى ذلك فعاداه ورد عليه في مواضع من الكتاب ونسبه فيها إلى الخطأ فوقف أبو السعادات على ذلك الرد فرد عليه في رده وبين وجوه غلطه وجمعه كتابا سماه الانتصار وهو على صغر حجمه مفيد جدا وسمعه عليه الناس وجمع أيضا كتابا سماه الحماسة ضاهى به حماسة أبي تمام وهو كتاب غريب أحسن فيه وله في النحو عدة تصانيف وله ما اتفق لفظه واختلف معناه وشرح اللمع لابن جني وشرح التصريف الملوكي وكان حسن الكلام حلو الألفاظ فصيحا جيد البيان والتفهيم وقرأ الحديث بنفسه على جماعة منهم ابن المبارك الصيرفي وابن نهبان الكاتب وغيرهما وحكى أبو البركات عبد الرحمن بن الأنباري في كتاب مناقب الأدباء أن العلامة الزمخشري لما قدم بغداد قاصدا للحج مضى إلى زيارته شيخنا أبو السعادات بن الشجري ومضينا إليه معه فلما اجتمع به أنشده قول المتنبي 133
) واستكبر الأخبار قبل لقائه
فلما التقينا صغر الخبر الخبر )
ثم أنشده بعد ذلك
) كانت مساءلة الركبان تخبرني
عن جعفر بن فلاح أحسن الخبر )
) حتى التقينا فلا والله ما سمعت
أذني بأطيب مما قد رأى بصري )
وهذان البيتان منسوبان لابن هانئ الأندلسي قال ابن الأنباري فقال العلامة الزمخشري روى عن النبي أنه لما قدم عليه زيد الخيل قال له يا زيد ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الإسلام إلا رأيته دون ما وصف لي غيرك قال ابن الأنباري فخرجنا من عنده ونحن نعجب كيف يستشهد الشريف بالشعر والزمخشري بالحديث وهو رجل أعجمي وكان أبو السعادات نقيب الطالبيين بالكرخ نيابة عن والده تالطاهر وله شعر حسن فمن شعره قوله في ابن جهير الوزير
) هذي السديرة والغدير الطافح
فاحفظ فؤادك أنني لك ناصح )
) يا سدرة الوادي الذي إن ضله
الساري هداه نشره المتفاوح )
) هل عائد قبل الممات لمغرم
عيش تقضي في ظلالك صالح )
) ما أنصف الرشأ الضنين بنظرة
لما دعى مصغي الصبابة طامح )
) شط المزار به وبوئ منزلا
بصميم قلبك فهو دان نازح )
) غصن يعطفه النسيم وفوقه
قمر يحف به ظلام جانح )
) وإذا العيون تساهمته لحاظها
لم يرو منه الناظر المتراوح )
) ولقد مررنا بالعقيق وشاقنا
فيه مراتع للمها ومسارح )
) ظللنا به نبكي فكم من مضمر
وجدا أذاع هواه دمع سافح )
) برت الشئون رسومها فكأنما
تلك العراص المقفرات نواضح )
) يا صاحبي تأملا حييتما
وسقى دياركما الملث الرائح )
) أدمى بدت لعيوننا أم ربرب
أم خردا كفا لهن رواجح ) 134
) أم هذه مقل الصرار بدت لنا
خلل البراقع أم قنا وصفائح )
) لم تبق جارحة وقد واجهننا
إلا وهن لبازهن جوارح )
) كيف ارتجاع القلب من أسر الهوى
ومن الشقاوة أن يراض القارح )
ثم خرج إلى المديح وكان بينه وبين ابن خلكان الشاعر تنافس جرت العادة به بين أهل الفضائل فلما وقف على شعره عمل فيه
) يا سيدي والذي أراحك من
نظم قريض يصدي به الفكر )
) مالك من جدك النبي سوى
أنك ما ينبغي لك الشعر )
وكانت ولادته في شهر رمضان سنة خمسين وأربعمائة وتوفي يوم الخميس ثاني عشرى رمضان ودفن من الغد في داره بالكرخ من بغداد رحمه الله تعالى
سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة
في ربيع الأول نازلت الفرنج دمشق في عشرة آلاف فارس وستين ألف رجل فخرج المسلمون من دمشق للمصاف فكانوا مائة وثلاثين ألف رجل وعسكر البلد فاستشهد نحو المائتين ثم برزوا في اليوم الثاني فاستشهد جماعة وقتل من الفرنج عدد كثير فلما كان في اليوم الخامس وصل غازي بن أتابك وأخوه نور الدين في عشرين آلفا إلى حماه وكان أهل دمشق في الاستغاثة والتضرع إلى الله تعالى وأخرجوا المصحف العثماني إلى صحن الجامع وضج الناس والنساء والأطفال فأغاثهم وركب قسيس الفرنج وفي عنقه صليب وفي يديه صليبان وقال أنا قد وعدني المسيح إلى أخذ دمشق فاجتمعوا حوله وحمل على البلد فحمل عليه المسلمون فقتلوه وقتلوا جماعة وأحرقوا الصلبان ووصلت النجدة فانهزمت الفرنج وأصيب منهم خلق
وفيها كان شدة القحط بإفريقية فانتهز رجال صاحب صقلية الفرصة فأقبل في مائتين وخمسين مركبا فهرب منه صاحب المهدية فأخذها الملعون بلا ضربة ولا طعنة وصار للفرنج من طرابلس المغرب إلى قريب تونس 135
وفيها توفي أبو تمام أحمد بن أبي العز محمد بن المختار بن المؤيد بالله الهاشمي العباسي البغدادي السفار نزيل خراسان سمع أبا جعفر بن المسلمة وغيره وتوفي في ذي القعدة بنيسابور عن بضع وتسعين سنة
وفيها أبو إسحق الغنوي نسبة إلى غنى بن أعصر إبراهيم بن محمد بن نبهان الرقي الصوفي الفقيه الشافعي سمع رزق اله التميمي وتفقه على الغزالي وغيره وكان ذا سمت ووقار وعبادة وهو راوي خطب ابن نباتة توفي في ذي الحجة عن خمس وثمانين سنة
وفيها قاضي العراق أبو القسم الزينبي علي بن نور الهدى أبي طالب الحسين بن محمد بن علي العباسي الحنفي سمع من أبيه وعمه طراد وكان ذا عقل ووقار ورزانة وعلم وشهامة ورأي أعرض عنه في الآخر المقتفي وجعل معه في القضاء ابن المرخم ثم مرض ومات يوم الأضحى
وفيها صالح بن شافع بن صالح بن حاتم بن أبي عبد الله الجيلي الحنبلي الفقيه المعدل أبو المعالي ولد ليلة الجمعة لست خلون من المحرم سنة أربع وسبعين وأربعمائة وسمع من أبي منصور الخياط والطيوري وغيرهما وصحب ابن عقيل وغيره من الأصحاب وتفقه ودرس قال ابن الميداني في تاريخ القضاة كان فقيها زاهدا من سروات الناس وقال المنذري كان أحد الفضلاء والشهود وحدث عنه الحافظان أبو القسم الدمشقي وأبو سعد بن السمعاني توفي يوم الأربعاء سادس عشر رجب ودفن في دكة الإمام أحمد وذكر ابن الجوزي أنه دفن على ابن عقيل
وفيها المبارك بن كامل بن أبي غالب محمد بن أبي طاهر الحسين بن محمد البغدادي الطغري المحدث الحنبلي مفيد العراق أبو بكر ويعرف أبوه بالخفاف ولد يوم الخميس ثاني عشر ذي الحجة سنة خمس وتسعين وأربعمائة وقرأ القرآن بالروايات وسمع الحديث الكثير وأول سماعه سنة ست وخمسمائة وعنى بهذا الشأن سمع 136
من أبي القسم بن بنان وابن نبهان وغيرهما قال ابن الجوزي وما زال يسمع العالي والنازل ويتبع الأشياخ في الروايات وينقل السماعات فلو قيل أنه سمع من ثلاثة آلاف شيخ لما رد القائل وجالس الحفاظ وكتب بخطه الكثير وانتهت إليه معرفة المشايخ ومقدار ما سمعوا والإجازات إلا أنه كان قليل التحقيق فيما ينقل من السماع مجازفة لكونه يأخذ عن ذلك ثمنا وكان فقيرا إلى ما يأخذ وكان كثير التزويج والأولاد وله كتاب سلوة الأحزان نحو ثلاثمائة جزء وأكثر وكان صدوقا توفي يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى ودفن بالشونيزية
وفيها الجوزقاني الحسين بن إبراهيم بن حسين بن جعفر الهمذاني كان حافظا عالما بما يحيوه
ومن مصنفاته كتاب الموضوعات أجاد فيه
قاله ابن ناصر الدين
وفيها ابن بجنك أحمد بن محمد بن الفضل بن عمر بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني حافظ مشهور عمدة نقله ابن ناصر الدين أيضا
وفيها أبو الدر ياقوت الرومي التاجر عتيق بن البخاري حدث بدمشق ومصر وبغداد عن الصريفيني بمجالس المخلص وغير ذلك توفي بدمشق في شعبان
وفيها أبو الحجاج القندلاوي يوسف بن دوباس المغربي المالكي كان فقيها عالما صالحا حلو المجالسة شديد التعصب للأشعرية صاحب تخرق على الحنابلة قتل في سبيل الله في حصار الفرنج لدمشق مقبلا غير مدبر بالنيرب أول يوم جاءت الفرنج وقبره يزار بمقبرة باب الصغير خرج راجلا مع أصحابه لقتال الفرنج فقال له معين الدين يا شيخ أن الله قد عزرك ليس لك قوة على القتال أنا أكفيك فقال قد بعت واشتري لا أقيله ولا أستقيله وقرأ )
إن الله اشترى ) الآية ومضى نحو الربوة فالتقاه طلب الفرنج فقتلوه وحمل إلى باب الصغير وقبره من جانب المصلى قريبا من الحائط وعليه بلاطة منقورة فيها شرح حاله ورآه بعض أصحابه في المنام فقال له ما فعل الله بك قال أنا في جنات مع قوم على سرر متقابلين 137
سنة أربع وأربعين وخمسمائة
فيها توفي القاضي ناصح الدين أبو بكر الأرجاني أحمد بن محمد بن الحسين -قاضي تستر وحامل لواء الشعر بالمشرق وله ديوان مشهور روى عن ابن ماجة الأبهري وتوفي في ربيع الأول وقد شاخ وأرجان مشددا بلد صغير من عمل الأهواز قاله في العبر وقال ابن خلكان منبت شجرته أرجان وموطن أسرته تستر وعسكر مكرم من خورستان وهو وإن كان في العجم مولده فمن العرب محتده سلفه القديم من الأنصار لم تسمح بنظيره سالف الأعصار أوسى الاس خزرجية قسي النطق إياديه فارسي القلم وفارس ميدانه وسلمان برهانه من أبناء فارس الذين نالوا العلم المتعلق بالثريا جمع بين العذوبة والطيب في الري والريا انتهى كلام العماد
وقال ابن خلكان أيضا وكان فقيها شاعرا وفي ذلك يقول
) أنا أشعر الفقهاء غير مدافع
في العصر أو أنا أفقه الشعراء )
) شعري إذا ما قلت دونه الورى
بالطبع لا بتكلف الألقاء )
) كالصوت في ظل الجبال إذا علا
للسمع هاج تجاوب الأصداء )
ومن شعره أيضا
) شاور سواك إذا نابتك نائبة
يوما وإن كنت من أهل المشورات )
) فالعين تنظر منها ما نأى ودنا
ولا ترى نفسها إلا بمرآة )
ومن شعره وهو معنى غريب
) رثا لي وقد ساويته في نحو له
خيالي لما لم يكن لي راحم )
) فدلس بي حتى طرقت مكانه
وأوهمت الفى أنه بي حالم )
) وبتنا ولم يشعر بنا الناس ليلة
أنا ساهر في جفنه وهو نائم )
وله أيضا
) لو كنت أجهل ما علمت لسرني
جهلي كما قد ساءني ما أعلم ) 138
) كالصقر يرتعه في الرياض وإنما
حبس الهزار لأنه يترنم )
وله ديوان شعر فيه كل معنى لطيف ومولده سنة ستين وأربعمائة وتوفي بمدينة تستر وقيل بعسكر مكرم رحمه الله تعالى
وفيها أبو المحاسن أسعد بن علي بن الموفق الهروي الحنفي العبد الصالح راوي الصحيح عن الدارمي وعن الداودي عاش خمسا وثمانين سنة
وفيها الأمير معين الدين انز الطغتكيني مقدم جيش دمشق ومدبر الدولة وكان عاقلا سايسا حسن الديانة ظاهر الشجاعة كثير الصدقات وهو مدفون بقبته التي بين دار البطيخ والشامية توفي في ربيع الآخر وله مدرسة بالبلد
وفيها الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن محمد بن المستنصر بالله العبيدي الرافضي صاحب مصر بويع يوم مصرع ابن عمه لأمر فاستولى عليه أحمد بن الأفضل أمير الجيوش وضيق عليه فعمل عليه الحافظ وجهز من قتله واستقل بالأمور وعاش سبعا وسبعين سنة وكان يعتريه القولنج فعمل شبر ماه الديلمي طبلا مركبا من المعادن السبعة إذا ضربه من بد داء القولنج خرج منه ريح متتابع واستراح مات في جمادى الأولى وكانت دولته عشرين سنة إلا خمسة أشهر وقام بعده ابنه الظافر
وفيها أبو الفضل القاضي عياض بن موسى بن عياض العلامة اليحصبي السبتي المالكي الحافظ أحد الأعلام ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة وأجاز له أبو علي الغساني وأبو محمد بن عتاب وطبقتهما ولى قضاء سبتة مدة ثم قضاء غرناطة وصنف التصانيف البديعة وسمع من أبي علي بن سكرة وغيره ومن مصنفاته الشفاء الذي لم يسبق إلى مثله ومنها مشارق الأنوار في غريب الصحيحين والموطأ وكان إمام وقته في علوم شتى مفرطا في الذكاء وله شعر حسن منه قوله
) الله يعلم أني منذ لم أركم
كطائر خانه ريش الجناحين )
) فلو قدرت ركبت البحر نحوكم
فإن بعدكم عني جنى حيني ) 139
) أنظر إلى الزرع وخاماته
تحكي وقد ماست أمام الرياح )
) كتيبة خضراء مهزومة
شقائق النعمان فيها جراح )
وبالجملة فإنه كان عديم النظير حسنة من حسنات الأيام شديد التعصب للسنة والتمسك بها حتى أمر بإحراق كتب الغزالي لأمر توهمه منها وما أحسن قول من قال فيه
) ظلموا عياضا وهو يحلم عنهم
والظلم بين العالمين قديم )
) جعلوا مكان الراء عينا في اسمه
كي يكتموه وإنه معلوم )
) لولاه ما فاحت أباطح سبتة
والنبت حول خبائها معدوم )
وفيها أبو بكر عبد الله بن عبد الباقي بن التبان الواسطي ثم البغدادي أبو بكر الفقيه الحنبلي ويسمى محمد وأحمد أيضا قال ابن الجوزي كان من أهل القرآن سمع من أبي الحسين بن الطيوري وتفقه على ابن عقيل وناظر وأفتى ودرس وكان أميا لا يكتب توفي في شوال عن تسعين سنة ودفن بمقبرة باب حرب رحمه الله تعالى انتهى وقال ابن شافع كان مذهبيا جيدا وخلافيا مناظرا ومن أهل القرآن بقي على حفظه لعلومه إلى أن مات وله تسعون سنة أو أزيد وقال ابن النجار سمع منه المبارك بن كامل وأبو الفضل بن شافع
وفيها غاز السلطان سيف الدين صاحب الموصل وابن صاحبها زنكي بن اق سنقر كان فيه دين وخير وشجاعة وإقدام توفي في جمادى الآخرة وقد نيف على الأربعين وتملك بعده أخوه قطب الدين مودود
سنة خمس وأربعين وخمسمائة
فيها أخذت العربان ركب العراق وراح للخاتون أخت السلطان مسعود ما قيمته مائة ألف دينار وتمزق الناس ومات خلق جوعا وعطشا
وفيها توفي الرئيس أبو علي الحسين بن علي الشحامي النيسابوري روى 140
عن الفضل بن المحب وجماعة توفي في شعبان
وفيها أبو المفاخر الحسن بن الليث الواعظ كان يعيد الدرس خمسين مرة ويقول لمن لم يعد كذلك لم يستقر جلس ببغداد وأنشد
) أهوى عليا وإيماني محبته
كم مشرك ذمه من سيفه وكفي )
) إن كنت ويحك لم تسمع مناقبه
فاسمعه من هل أتى يا ذا الغبي وكفى )
وفيها عبد الملك بن أبي نصر الجيلاني ثم البغدادي الشافعي كان صالحا يأوي الخرب ليس له مسكن معلوم ولا قوت مفهوم تفقه على الروياني وغيره قاله ابن الأهدل
وفيها أبو بكر محمد بن عبد العزيز بن علي الدينوري ثم البغدادي البيع سمع أبا نصر الزينبي وعاصم بن الحسن وجماعة وتوفي في شوال
سنة ست وأربعين وخمسمائة
فيها انفجر بثق النهروان الذي أصلحه بهزور
وفيها توفي أبو نصر الفامي عبد الرحمن بن عبد الحافظ محدث هراة وله أربع وسبعون سنة وكان خيرا متواضعا فاضلا ثقة مأمونا مؤرخا سمع شيخ الإسلام ونجيب بن ميمون وطبقتهما
وفيها زاكي بن علي القطيعي أبو الفضائل قتيل الريم وأسير الهوى من شعره
) عيتاك لحظهما أمضى من القدر
ومهجتي منهما أضحت على خطر )
) يا أحسن الناس لولا أنت أبخلهم
ماذا يضرك لو متعت بالنظر )
) جد بالخيال وإن ضنت يداك به
لا تبتلي مقلتي بالدمع والسهر )
وفيها أبو الأسعد هبة الرحمن بن عبد الواحد بن أبي القسم القشيري خطيب نيسابور ومسندها سمع من جده حضورا ومن جدته فاطمة بنت الشيخ أبي علي 141
الدقاق ويعقوب بن أحمد الصيرفي وطائفة روى الكتب الكبار كالبخاري ومسند أبي عوانة ومات في شوال عن سبع وثمانين سنة
وفيها القاضي أبو بكر بن العربي محمد بن عبد الله بن محمد الإشبيلي المالكي الحافظ أحد الأعلام وعالم أهل الأندلس ومسندهم ولد سنة ثمان وستين وأربعمائة ورحل مع أبيه سنة خمس وثمانين ودخل الشام فسمع من الفقيه نصر المقدسي وأبي الفضل بن الفرات وببغداد من أبي طلحة النعالي وطراد وبمصر من الخلعي وتفقه على الغزالي وأبي بكر الشاشي والطرطوشي وكان من أهل اليقين في العلوم والاستبحار فيها مع الذكاء المفرط ولى قضاء إشبيلية مدة وصرف فأقبل على نشر العلوم وتصنيفه في التفسير والحديث والفقه والأصول قاله في العبر وقال ابن ناصر الدين رحل مع أبيه أبي محمد الوزير فسمع من خلق كثير كان من الثقات الأثبات والأئمة المشهورين وله عدة مصنفات وقال ابن بشكوال في كتاب الصلة هو الإمام الحافظ المتبحر ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها لقيته بمدينة إشبيلية ضحوة يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة سنة ست عشرة وخمسمائة فأخبرني أنه رحل إلى الشرق مع أبيه يوم الأحد مستهل ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة وأنه دخل الشام ولقي أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشي وتفقه عنده ودخل بغداد وسمع بها من جماعة من أعيان مشايخها ثم دخل الحجاز فحج في موسم سنة تسع وثمانين ثم عاد إلى بغداد وصحب بها أبا بكر الشاشي وأبا حامد الغزالي وغيرهما من العلماء والأدباء ثم صدر عنهم ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدثين فكتب عنهم واستفاد منهم وأفادهم ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين وقدم إلى إشبيلية بعلم كثير لم يدخل به أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق وكان من أهل التفنن في العلوم والاستبحار فيها والجمع لها مقدما في المعارف كلها متكلما في أنواعها ناقدا في جميعها حريصا على أدائها ونشرها ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة ولين الكنف وكثرة 142
الاحتمال وكرم النفس وحسن العهد وثبات الود واستقضى ببلده فنفع الله به أهلها لصرامته وشدته ونفوذ أحكامه وكانت له في الظالمين صورة مرهوبة ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وبثه وسألته عن مولده فقال ولدت يوم الخميس ثاني عشرى شعبان سنة ثمانين وأربعمائة وتوفي بالغدوة ودفن بمدينة فاس في شهر ربيع الآخر رحمه الله تعالى انتهى وقال ابن خلكان وهذا الحافظ له مصنفات منها كتاب عارضة الأحوذي في شرح الترمذي وغيره من الكتب
وتوفي ولده بمصر منصرفا عن الشرق في السفرة التي كان والده المذكور صحبه وذلك في المحرم سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة وكان من أهل الآداب الواسعة والبراعة والكتابة رحمه الله تعالى ومعنى عارضة الأحوذي فالعارضة القدرة على الكلام يقال فلان شديد العارضة إذا كان ذا قدرة عىل الكلام والأحوذي الحنيفي في المشي لحذقه وقال الأصمعي الأحوذي المشمر في الأمور القاهر لها الذي لا يشذ عليه منها شيء انتهى كلام ابن خلكان ملخصا
وفيها نوشتكين الرضواني مولى ابن رضوان المرسي شيخ صالح متودد روى عن علي بن البسري وعاصم وتوفي في ذي القعدة عن اثنتين وثمانين سنة
وفيها أبو الوليد بن الدباغ يوسف بن عبد العزيز بن يوسف بن عمر بن فيره اللخمي الأندلسي الأندي بالضم وسكون النون نسبة إلى أندة مدينة بالأندلس محدث الأندلس كان حافظا متقنا مصنفا ثقة نبيلا متفننا إماما رأسا في الحديث وطرقه ورجاله وهو تلميذ أبي علي بن سكرة عاش خمسا وستين سنة
وفيها الجنيد بن يعقوب بن الحسن بن الحجاج بن يوسف الجيلي الفقيه الحنبلي الزاهد أبو القسم ولد سنة إحدى وخمسين وأربعمائة بناحية من أرض جيلا ثم قدم بغداد وأقام بباب الأزج وقرأ الفقه على يعقوب الزينبي والأدب على ابن الجواليقي وسمع الحديث من أبي محمد بن التميمي والقاضي أبي الحسين وغيرهما وحديث باليسير وكتب بخطه الكثير وكان فاضلا دينا حسن الطريقة جمع 143
كتابا كبيرا في استقبال القبلة ومعرفة أوقات الصلاة وروى عنه ابن عساكر والسمعاني قال ابن لبيدة عنه كان صادقا زاهدا ثبتا لم يعرف عليه الأخير وتوفي يوم الأربعاء سادس عشرى جمادى الآخرة وصلى عليه الشيخ عبد القادر
وفيها أو في التي قبلها وجزم به ابن رجب عبد الملك بن عبد الوهاب بن عبد الواحد بن محمد بن علي الأنصاري الشيرازي ثم الدمشقي القاضي بهاء الدين بن شرف الإسلام بن الشيخ أبي الفرج وقد تقدم ذكر أبيه وجده وتفقه ودرس وأفتى وناظر وكان إماما فاضلا مناظرا مستقلا متفننا على مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة بحكم ما كان عليه عند إقامته بخراسان لطلب العلم والتقدم وكان يعرف اللسان الفارسي مع العربي وهو حسن الحديث في الجد والهزل توفي يوم الاثنين سابع رجب وكان له يوم مشهود ودفن في جوار أبيه في مقابر الشهداء بالباب الصغير قاله حمزة بن القلانسي في ذيل تاريخ دمشق
وفيها عبد الله بن هبة الله بن محمد بن أحمد بن السامري الفقيه الحنبلي أبو الفتح ولد يوم الاثنين ثاني عشرى ذي الحجة سنة خمس وثمانين وأربعمائة وسمع الكثير من ثابت بن بندار وابن حشيش وجعفر السراج وغيرهم وتفقه على أبي الخطاب الكلواذاني وحدث اليسير وروى عنه جماعة توفي في ليلة الاثنين ثالث عشرى محرم سنة خمس وأربعين وخمسمائة ودفن من الغد بمقبرة باب حرب قاله ابن رجب
وفيها أبو علي الحسن بن محمد بن الحسن الأواني الراذاني بالراء والمعجمة نسبة إلى راذان قرية ببغداد ثم البغدادي الفقيه الحنبلي الواعظ الزاهد ولد بأوانا قرية على عشرة فراسخ من بغداد سمع من ابن بيان وابن حشيش وابن ناصر ولازمه إلى أن مات وتفقه على أبي سعد المخرمي ووعظ وتقدم ولما توفي ابن الزاغوني أخذ عنه حلقته بجامع المنصور في النظر والوعظ وطلبها ابن الجوزي فلم يعطها لصغر سنه وسمع منه ابن السمعاني وأثنى عليه قال ابن الجوزي توفي يوم الأربعاء 144
رابع صفر ودفن من الغد إلى جانب ابن شمعون بمقبرة الإمام أحمد وكان موته فجأة فإنه دخل إلى بيته ليتوضأ لصلاة الظهر فقاء فمات وكان قد تزوج وعزم تلك الليلة على الدخول بزوجته
وفيها أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الفتح محمد بن علي بن محمد الحلواني الفقيه الحنبلي الإمام وقد سبق ذكر أبيه ولد سنة تسعين وأربعمائة وتفقه على أبيه وأبي الخطاب وبرع في الفقه وله تفسير القرآن في أحد وأربعين جزءا وروى عن أبيه وعلي بن أيوب البزار والمبارك بن عبد الجبار وخلق وذكره ابن شافع وابن النجار وأثنيا عليه وذكره ابن الجوزي وقال كان يتجر في الخل ويقتنع به ولم يقبل من أحد شيئا وتوفي يوم الاثنين سلخ ربيع الأول وصلى عليه من الغد الشيخ عبد القادر
سنة سبع وأربعين وخمسمائة
فيها توفي أمية بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي نزيل إسكندرية كان أديبا فاضلا حكيما فيلسوفا ماهرا في الطب ورد القاهرة واتصل بوزير الآمر ثم نقم عليه وحبسه ثم أطلقه فقصد يحيى بن تميم صاحب القيروان فحسنت حاله عنده ومن تصانيفه كتاب الأدوية المفردة والانتصار في أصول الفقه وغير ذلك ومن شعره
) قد كنت جارك والأيام ترعبني
ولست أرهب غير الله من أحد )
) فنافستني الليالي فيك ظالمة
وما حسبت الليالي من ذوي الحسد )
وفيها أبو عبد الله بن غلام الفرس محمد بن الحسن بن محمد بن سعيد الداني المقرئ الأستاذ أخذ القراءات عن ابن داود وابن الدش وأبي الحسن بن شفيع وغيرهم وسمع من أبي علي الصدفي وتصدر للإقراء مدة ولتعليم العربية وكان مشاركا في علوم جمة صاحب تحقيق وإتقان وولى خطابة بلده ومات في المحرم عن خمس وسبعين سنة 145
وفيها القاضي الأرموي أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الفقيه الشافعي ولد ببغداد سنة تسع وخمسين وأربعمائة وسمع أبا جعفر بن المسلمة وابن المأمون وابن المهتدي ومحمد بن علي الخياط وتفرد بالرواية عنهم وكان ثقة صالحا تفقه على الشيخ أبي إسحق وانتهى إليه علو الإسناد بالعراق توفي في رجب وقد تولى قضاء دير العاقول في شبيبته وكان يشهد في الآخر
وفيها محمد بن منصور الحرضي النيسابوري شيخ صالح سمع القشيري ويعقوب الصيرفي والكبار ومات في شعبان
وفيها السلطان مسعود غياث الدين أبو الفتح بن محمد بن ملكشاه بن الب أرسلان بن جعفر بيك السلجوقي رباه بالموصل الأمير مودود ثم أفسق القرسقي ثم جوس بك فلما تمكن أخوه السلطان محمود طمعه جوس بك في السلطنة فجمع وحشد والتقى أخاه فانكسر مسعود ثم تنقلت به الأحوال واستقل بالملك سنة ثمان وعشرين وامتدت أيامه وكان منهمكا في اللهو واللعب كثير المزاح لين العريكة سعيدا في دنياه سامحه الله تعالى وعاش خمسا وأربعين سنة ومات في جمادى الآخرة وكان قد آذى المقتفى في الآخر فقنت عليه شهرا فمات قاله في العبر
سنة ثمان وأربعين وخمسمائة
فيها توفي ابن الطلاية أبو العباس أحمد بن أبي غالب بن أحمد البغدادي الحنبلي الوراق الزاهد العابد سمع من عبد العزيز الأنماطي وغيره وانفرد بالجزء التاسع من المخلصيات حتى أضيفت عليه وقد زاد السلطان مسعود في مسجده بالحربية فتشاغل عنه بالصلاة وما زاده على أن قال يا مسعود اعدل وادع لي الله أكبر وأحرم بالصلاة فبكى السلطان وأبطل المكوس والضرائب وتاب وكان الشيخ من أعاجيب دهره في الاستقامة لازم مسجده سبعين سنة لم يخرج منه 146
إلا للجمعة وكان متقلالا من الدنيا متعبدا لا يفتر ليلا ولا نهارا لم يكن في زمنه أعبد منه لازم ذلك حتى انطوى طاقين قانعا بثوب خام وجرة ماء وكسر يابسة رحمه الله تعالى
وفيها الرفاء عين النهار أبو الحسين أحمد بن منير بن أحمد بن مفلح الطرابلسي الشاعر المشهور كان شيعيا هجاء فائق النظم له ديوان شعر وكان أبوه ينشد الأشعار ويغني في أسواق طرابلس ونشأ أبو الحسين المذكور وحفظ القرآن الكريم وتعلم اللغة والآداب وقال الشعر وقدم دمشق فسكنها وكان شيعيا كثير الهجاء خبيث اللسان ولما كثر ذلك منه سجنه بورى بن أتابك طغتكين صاحب دمشق مدة وعزم على قطع لسانه ثم شفعوا فيه فنفاه وكان بينه وبين ابن القيسراني مكاتبات وأجوبة ومهاجاة وكانا مقيمين بحلب ومتنافسين في صناعتهما كما جرت عاد المتماثلين ومن شعره من جملة قصيدة
) وإذا الكريم رأى الخمول نزيله
في منزل فالحزم أن يترحلا )
) كالبدر لما أن تضاءل جد في
طلب الكمال فحازه متنقلا )
) سفها لحلمك إن رضيت بمشرب
زيف ورزق الله قد ملأ الملا )
) ساهمت عيسك مر عيشك قاعدا
أفلا فليت بهن ناصية الفلا )
) فارق ترق كالسيف سل فبان في
متنبه ما أخفى القراب وأخملا )
) لا تحسبن ذهاب نفسك ميتة
ما الموت إلا أن تعيش مذللا )
) للقفر لا للفقر هبها إنما
مغناك ما أغناك أن تتوسلا )
) لا ترض من دنياك ما أدناك من
دنس وكن طيفا جلا ثم انجلى )
وهي طويلة كلها حسن ومن محاسن شعره القصيدة التي أولها
) من ركب البدر في صدر الرديني
ومره السحر في حد اليماني )
) وأنزل النير الأعلى إلى فلك
مداره في القباء الخسرواني )
) طرف رنا أم قراب سل صارمه
وأغيد ماس أم أعطاف خطى ) 147
) أذلني بعد عز والهوى أبدا
يستعبد الليث للظبي الكناسي )
) أما وذائب مسك من ذوائبه
على أعالي القضيب الخيزراني )
) وما يحن عقيقي الشفاه من الريق
الرحيقي والثغر الجماني )
) لو قيل للبدر من في الأرض تحسده
إذا تجلى لقال ابن الفلاني )
) أربي على بشيء من محاسنه
تألفت بين مسموع ومرئي )
) أباء فارس في لين الشآم مع الظرف
العراقي والنطق الحجازي )
) وما المدامة بالألباب أفتك من
فصاحة البدو في ألفاظ تركي )
وله أيضا
) أنكرت مقبته سفك دمي
وعلا وجنته فاحترقت )
) لا تخالوا خاله في خده
قطرة من دم جفني نطفت )
) داك من نار فؤادي جذوة
فيه ساخت وانطفت ثم طفت )
وكانت ولادته سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة بطرابلس ووفاته في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة بحلب ودفن بجبل جوشن وزرت قبره ووجدت عليه مكتوبا
) من زار قبري فليكن موقنا
أن الذي ألقاه يلقاه )
) فيرحم الله امرءا زارني
وقال لي يرحمك الله )
ومنير بضم الميم وكسر النون وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها راء انتهى ما قاله ابن خلكان ملخصا
وفيها رحار الفرنجي صاحب صقلية هلك في ذي القعدة بالخوانيق وامتدت أيامه
وفيها حمد بن عبد الرحمن بن محمد الأزجي القاضي أبو علي سمع من أبي محمد التميمي وغيره وتفقه على أبي الخطاب الكلواذاني وولى قضاء المدائن وغيرها ذكره ابن السمعاني فقال أحد فقهاء الحنابلة وقضاتهم كتبت عنه يسيرا توفي 148
يوم السبت سابع عشر شعبان
وفيها أبو الفتح الكروخي بالفتح وضم الراء آخره معجمة نسبة إلى كروخ بلد بنواحي هراة عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل الهروي الرجل الصالح راوي جامع الترمذي كان ورعا ثقة كتب بالجامع نسخة ووقفها وكان يعيش من النسخ حدث ببغداد ومكة وعاش ستا وثمانين سنة توفي في ذي الحجة
وفيها أبو الحسن البلخي علي بن الحسن الحنفي الواعظ الزاهد درس بالصادرية ثم جعلت له دار الأمير طرخان مدرسة وقام عليه الحنابلة لأنه تكلم فيهم وكان خير العمل من حلب وكان معظما مفخما في الدولة درس أيضا بمسجد خاتون ومدرسته داخل الصدرية قاله في العبر
وفيها أبو الفرج عبد الخالق بن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف البغدادي محدث بغداد كان خيرا متواضعا متقنا مكثرا صاحب حديث وإفادة روى عن أبي نصر الزينبي وحلق وتوفي في المحرم عن أربع وثمانين سنة
وفيها القاضي أبو المعالي الحسن بن محمد بن أبي جعفر البلخي الشافعي تفقه على البغوي وروى عنه أبو سعد بن السمعاني وأثنى عليه وذكر أنه توفي في رمضان قاله الأسنوي
وفيها عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحسين بن محمد بن عمر بن زيد عماد الدين أبو محمد النيهي بكسر النون وسكون التحتية وهاء نسبة إلى نيه بلد صغيرة بين سجستان واسفرائن الشافعي قال ابن السمعاني في الأنساب كان إماما فاضلا عالما عاملا حافظا للمذهب راغبا في الحديث ونشره دينا مباركا كثير الصلاة والعبادة حسن الأخلاق تفقه على البغوي وتخرج عليه جماعة كثيرة من العلماء وروى الحديث عن جماعة وحضرت مجالس أماليه بمرو ومدة مقامي وقال غيره كان شيخ الشافعية بتلك الديار وله كتاب في المذهب وقف عليه ابن الصلاح 149
وانتخب منه غرائب وتوفي في شعبان
وفيها عبد الرحمن بن محمد البوشنجي الخطيبي الفقيه الشافعي تفقه على أبي نصر بن القشيري وغيره واحترق في فتنة الغز بمرو في المنارة قاله ابن الأهدل
وفيها الملك العادل علي بن السلار الكردي ثم المصري وزير الظافر أقبل من ولاية الإسكندرية إلى القاهرة ليأخذ الوزارة بالقهر فدخل وحكم ففر الوزير نجم الدين سليم بن مصال وجمع العساكر وجاء فجهز ابن السلار جيشا لحربه فالتقوه بدلاص
فقتل ابن مصال وطيف برأسه في سنة أربع وأربعين وكان ابن السلار سنيا شافعيا شجاعا مقداما بنى للسلفي مدرسة معروفة لكنه جبار عنيد ظالم شديد البأس صعب المراس وكان زوج أم عباس بن باديس فقتله نصر بن عباس هذا على فراشه بالقاهرة في المحرم وولى عباس الملك
وفيها الشهرستاني الأفضل محمد بن عبد الكريم بن أحمد أبو الفتح الشافعي المتكلم صاحب التصانيف أخذ علم النظر والأصول عن أبي القسم الأنصاري وأبي نصر بن القشيري ووعظ ببغداد وظهر له القبول التام قال في العبر واتهم بمذهب الباطنية وقال ابن قاضي شهبة صنف كتبا كثيرة منها نهاية الإقدام في علم الكلام وكتاب الملل والنحل وتلخيص الأقسام لمذاهب الأعلام وقال ابن خلكان كان إماما مبرزا فقيها متكلما واعظا توفي في شعبان وقال ابن الأهدل سمع الحديث من ابن المديني وكتب عنه ابن السمعاني وعظم صيته في الدنيا وشهرستان اسم لثلاث مدن الأولى بين نيسابور وخوارزم والثانية قصبة ناحية نيسابور والثالثة مدينة على نحو ميلين من أصبهان انتهى
وفيها أبو علي محمد بن عبد الله بن محمد البسطامي الشافعي المعروف بإمام بغداد كان فقيها مناظرا وشاعرا مجيدا تفقه على الكيا الهراسي وسمع من ابن العلاف ولم يحدث شيئا وتوفي سلخ ثمان وأربعين وخمسمائة ذكره ابن السمعاني 150
وفيها أبو طاهر السنجي بالكسر والسكون نسبة إلى سنج بجيم قرية بمرو محمد بن محمد بن عبد الله المروزي الحافظ خطيب مرو تفقه على أبي المظفر السمعاني وعبد الرحمن البزار وسمع من طائفة ولقى ببغداد ثابت بن بندار وطبقته ورحل مع أبي بكر بن السمعاني وكان ذا معرفة وفهم مع الثقة والفضل والتعفف توفي في شوال عن بضع وثمانين سنة
وفيها أبو الفتح محمد بن عبد الرحمن بن محمد الكشميهني المروزي الخطيب شيخ الصوفية ببلده وآخر من روى عن محمد بن أبي عمران صحيح البخاري عاش ستا وثمانين سنة
وفيها أبو عبد الله بن القيسراني محمد بن نصر بن صعير بن خالد الأديب حامل لواء الشعر في عصره تولى إدارة الساعات التي بدمشق مدة ثم سكن حلب وكان عارفا بالهيئة والنجوم والهندسة والحساب مدح الملوك والكبار وعاش سبعين سنة ومات بدمشق قال ابن خلكان كان ابن منير ينسب إلى التحامل على الصحابة رضوان الله عليهم ويميل إلى التشيع فكتب إليه ابن القيسراني وقد بلغه أنه هجاه قوله
) ابن منير هجوت مني
حبرا أفاد الورى صوابه )
) ولم تضيق بذاك صدري
فإن لي أسوة الصحابة )
ومن محاسن شعره قوله
) كم ليلة بت من كاسي وريقته
نشوان أمزج سلسا لا بسلسال )
) وبات لا تحتمي عنه مراشفه
كأنما ثغره ثغر بلا وال )
وقوله في مدح خطيب
) شرح المنبر صدرا
لتلقيك رحيبا )
) أترى ضم خطيبا
منك أم ضمخ طيبا )
وقوله في الغزل 151
) بالسفح من لبنان لي
قمر منازله القلوب )
) حملت تحيته الشمال
فردها عني الجنوب )
) فرد الصفات غريبها
والحسن في الدنيا غريب )
) لم أنس ليلة قال لي
لما رأى جسمي يذوب )
) بالله قل لي من أعلمك
يا فتى قلت الطبيب )
وكانت ولادته بعكا سنة سبع وثمانين وأربعمائة وتوفي ليلة الأربعاء حادي عشرى شعبان بدمشق ودفن بمقبرة باب الفراديس
وفيها محمد بن يحيى العلامة أبو سعد النيسابوري محي الدين شيخ الشافعية وصاحب الغزالي انتهت إليه رياسة المذهب بخراسان وقصده الفقهاء من البلاد وصنف التصانيف منها المحيط في شرح الوسيط وهو القائل
) وقالوا يصير الشعر في الماء حية
إذا الشمس لاقته فما خلته صدقا )
) فلما التوى صدغاه في ماء وجهه
وقد لسعا قلبي تيقنته حقا )
توفي في رمضان شهيدا على يد الغز قبحهم الله عن اثنتين وسبعين سنة ورثاه جماعة منهم علي البيهقي فقال
) يا سافكا دم عالم متبحر
قد طار في أقصى الممالك صيته )
) بالله قل لي يا ظلوم ولا تخف
من كان محيي الدين كيف تميته )
وفيها محمود بن الحسين بن بندار أبو نجيح الطلحي الواعظ المحدث الحنبلي سمع الحديث الكثير وطلبه بنفسه وقرأ وسمع بأصبهان كثيرا من يحيى بن مندة الحافظ وغيره ورحل إلى بغداد وسمع بها من ابن الحصين والقاضي أبي الحسين وكتب بخطه كثيرا وخطه حسن متقن ووعظ وقال الشعر وسمع منه ابن سعدون القرطبي وحدث عنه محمد بن مكي الأصبهاني بها وغيره
وفيها نصر بن أحمد بن مقاتل السوسي ثم الدمشقي روى عن أبي القسم بن أبي العلاء وجماعة وكان شيخا مباركا توفي في ربيع الأول 152
وفيها هبة الله بن الحسين بن أبي شريك الحاسب مات ببغداد في صفر سمع من أبي الحسين بن النقور وكان حشريا مذموما
وفيها أبو الحسين المقدسي الزاهد صاحب الأحوال والكرامات دون الشيخ الضياء سيرته في جزء وقبره بحلب يرار
سنة تسع وأربعين وخمسمائة
فيها في صفر أخذ نور الدين دمشق من مجير الدين ابق بن محمد بم بوري بن طغتكين على أن يعوضه بحمص فلم يتم وأعطاه بالس فغضب وسار إلى بغداد وبنى بها دارا فاخرة وبقي بها مدة وكانت الفرنج قد طمعوا في دمشق بحيث أن نوابهم استعرضوا من بدمشق من الرقيق فمن أحب المقام تركوه ومن أراد العود إلى وطنه أخذوه قهرا وكان لهم على أهل دمشق القطيعة كل سنة فلطف الله واستمال نور الدين أحداث دمشق فلما جاء ونازلها استنجد آبق بالفرنج وسلم إليه الناس البلد من شرقيه وحاصر آبق في القلعة ثم نزل بعد أيام وبعث المقتفى عهدا بالسلطنة لنور الدين وأمره بالمسير إلى مصر وكان مشغولا بحرب الفرنج
وفيها توفي الظافر بالله أبو منصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر العبيدي الرافضي بقي في الولاية خمسة أعوام ووزر له ابن مصال ثم ابن السلار ثم عباس ثم إن عباسا وابنه نصرا قتلا الظافر غيلة في دارهما وجحداه في شعبان وأجلس عباس في الدست الفائز عيسى بن الظافر صغيرا وكان الظافر شابا لعابا منهمكا في الملاهي والقصف فدعاه نصر إليه وكان يحب نصرا فجاءه متنكرا معه خويدم فقتله وطمره وكان من أحسن أهل زمانه عاش اثنتين وعشرين سنة وقال ابن شهبة في تاريخ الإسلام بنى الظافر الجامع الظافري داخل باب زويلة ودعاه عباس وكان خصيصا به إلى داره التي هي اليوم مدرسة الحنفية وتعرف بالسيفية فقتله ومن معه ليلا وأقام ولده الفائز عيسى ثم اطلع أهل القصر على القصة فكاتبوا 153
الصالح فقصد القاهرة ومعه جيش فهرب نصر بن عباس وأبوه وكان قد دبر ذلك أسامة بن منقذة فخرج معهما ودخل الصالح القاهرة وأتوا إلى الدار فأخرجوا الظافر من تحت بلاطه وحملوه إلى ترتبتهم التي في القصر وكاتبت أخت الظافر الفرنج بعسقلان وشرطت لهم مالا على إمساك عباس فخرجوا عليه فصادفوه فقتلوه وأمسكوا نصرا وجعلوه في قفص من حديد وأرسلوه إلى القاهرة فقطعوا يديه وقرضوا جسمه بالمقاريض وصلبوه على باب زويلة وبقي سنة ونصفا مصلوبا انتهى
وفيها أبو البركات عبد الله بن محمد بن الفضل الفراوي صفي الدين النيسابوري سمع من جده ومن جده لأمه طاهر الشحامي ومحمد بن عبيد الله الصرام وطبقتهم وكان رأسا في معرفة الشروط حدث بمسند أبي عوانة ومات من الجوع بنيسابور في فتنة الغز وله خمس وسبعون سنة قاله في العبر
وفيها عبيد الله بن المظفر الباهلي الأندلسي خدم السلطان محمد بن ملكشاه وأنشأ له مرستانا يحمل على الجمال في الأسفار وكان شاعرا خليعا له ديوان شعر سماه نهج الوضاعة يذكر فيه مثالب الشعراء الذين كانوا بدمشق وكان يهاجي أهل عصره ويرثي من يموت حبابا للمجون والهزل وكان يجلس على دكان بجيرون للطب ويدمن شرب الخمر ولما مات ابن القيسراني رثاه بقوله
) مذ توفي محمد القيسراني
هجرت لذة الكرا أجفاني )
) لم يفق بعده الفؤاد من الحزن
ولا مقلتي من الهملان )
في أبيات كثيرة فيها مجون ولما مات رثاه عرقلة الدمشقي بقوله
) يا عين سحى بدمع ساكب ودم
على الحكيم الذي يكنى أبا الحكم )
) قد كان لا رحم الرحمن شيبته
ولا سقى قبره من صيب الديم )
) شيخا يرى الصلوات الخمس نافلة
ويستحل دم الحجاج في الحرم )
وفيها عبد الخالق بن زاهر بن طاهر أبو منصور الشحامي الشروطي المستملى 154
سمع من جده وأبي بكر بن خلف وطبقتهما وهلك في العقوبة والمطالبة في فتنة الغز وله أربع وسبعون سنة وكان يملي ويستملي في الآخر
وفيها الحافظ دادا النجيب أبو جعفر محمد بن إبراهيم بن الحسين بن محمد بن دادا الجرباذقاني المنعوت بالمنتجب كان ذا علم ودين أثنى عليه ابن نقطة وغيره قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو العشائر محمد بن خليل بن فارس القيسي الدمشقي سمع أبا القسم المصيصي وسمع نصر المقدسي مدة
وفيها أبو الفتح الهروي محمد بن عبد الله بن أبي سعد الصوفي الملقب بالشيرازي أحد الذين جاوزوا المائة صحب شيخ الإسلام وغيره وكان من كبار الصالحين
وفيها أبو المعمر الأنصاري المبارك بن أحمد الأزجي الحافظ سمع أبا عبد الله النعالي فمن بعده وله معجم في مجلد وكان سريع القراءة معتنيا بالرواية
وفيها المظفر بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن جهير الوزير ابن الوزير بن الوزير أبو نصر بن أبي القسم ولى وزارة المقتفى سبع سنين وعزل سنة اثنتين وأربعين وتوفي في ذي الحجة عن نيف وستين سنة
وفيها مؤيد الدولة بن الصوفي الدمشقي وزير صاحب دمشق آبق كان ظلوما غشوما فسر الناس بموته ودفن بداره بدمشق
وفيها أبو المحاسن البرمكي نصر بن المظفر الهمذاني ويعرف بالشخص العزيز سمع أبا الحسين بن النقور وعبد الوهاب بن مندة وتفرد في زمانه وقصده الطلبة
سنة خمسين وخمسمائة
فيها توفي أبو العباس الإقليشي أحمد بن معد بن عيسى التجيبي الأندلسي الداني سمع أبا الوليد بن الدباغ وطائفة وبمكة من الكروخي وكان زاهدا عارفا علامة 155
متقنا صاحب تصانيف وله شعر في الزهد ومن تصانيفه كتاب النجم
وفيها أحمد الحريزي كان عاملا للمقتفى على نهر الملك وكان من أظلم العالم يظهر الدين ويجلس على السجادة وبيده مسبحة يسبح بها ويقرأ القرآن ويعذب الناس بين يديه يعلق الرجال بأرجلهم والنساء بثديهن ويومي إلى الجلاد الرأس الوجه دخل إلى الحمام فدخل عليه ثلاثة فضربوه بالسيوف حتى قطعوه فحمل إلى بغداد ودفن بها فأصبح وقد خسف بقبره قاله ابن شهبة
وفيها أبو عثمان الغضا يرى إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري روى عن طاهر بن محمد الشحامي وطائفة وكان ذا رأي وعقل عمر تسعين سنة
وفيها سعيد بن أحمد بن الإمام أبي محمد الحسن بن أحمد البغدادي أبو القسم الحنبلي سمع ابن البسري وأبا نصر الزينبي وعاش ثلاثا وثمانين سنة توفي في ذي الحجة
وفيها أبو الفتح محمد بن علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب سمع رزق الله التميمي والحميدي ومات في صفر
وفيها محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر الحافظ الثقة البغدادي السلامي أبو الفضل محدث العراق ولد سنة سبع وستين وأربعمائة وسمع علي بن البسري وأبا طاهر بن أبي الصقر والبانياسي وطبقتهم وأجاز له من خراسان أبو صالح المؤذن والفضل بن المحب وأبو القسم بن عليك وطبقتهم وعنى بالحديث بعد أن برع في الفقه وتحول من مذهب الشافعي إلى مذهب الحنابلة قال ابن النجار كان ثقة يبتا حسن الطريقة متدينا فقيرا متعففا نزها وقف كتبه وخلف ثيابا خلقة وثلاثة دنانير ولم يعقب وقال فيه أبو موسى المديني الحافظ هو مقدم أصحاب الحديث في وقته ببغداد وقال ابن رجب كان والده شابا تركيا محدثا فاضلا من أصحاب أبي بكر الخطيب الحافظ توفي في شبيبته وأبو الفضل هذا صغير فكفله جده لأمه أبو حكيم الحيري الفرضي فأسمعه في صغره شيئا يسيرا من الحديث وأشغله بحفظ القرآن 156
والفقه على مذهب الشافعي ثم أنه صحب أبا زكريا التبريزي اللغوي وقرأ عليه الأدب واللغة حتى مهر في ذلك ثم جد في سماع الحديث وصاحب ابن الجواليقي وكان من أول الأمر أبو الفضل أميل إلى الأدب وابن الجواليقي أميل إلى الحديث وكان الناس يقولون يخرج ابن ناصر لغوي بغداد وابن الجواليقي محدثها فانعكس الأمر فصار ابن ناصر محدث بغداد وابن الجواليقي لغويها وخالط ابن ناصر الحنابلة ومال إليهم وانتقل إلى مذهبهم لمنام رأى فيه النبي وهو يقول له عليك بمذهب الشيخ أبي منصور الخياط قال السلفي سمع ابن ناصر معنا كثيرا وهو شافعي أشعري ثم انتقل إلى مذهب أحمد في الأصول والفروع ومات عليه وله جودة حفظ وإتقان وهو ثبت إمام وقال ابن الجوزي كان حافظا ضابطا مفتيا ثقة من أهل السنة لا مغمز فيه وكان كثير الذكر سريع الدمعة وهو الذي تولى تسميعي الحديث وعنه أخذت ما أخذت من علم الحديث قرأت عليه ثلاثين سنة ولم أستفد من أحد كاستفادتي منه وقال ابن رجب ومن غرائب ما حكى عن ابن ناصر أنه كان يذهب إلى أن السلام على الموتى يقدم فيه لفظة عليكم فيقال عليكم السلام لظاهر حديث أبي حري الهجيمي وذكر في بعض تصانيفه أن الحداد على الميت بترك الطيب والزينة لا يجوز ويجوز للنساء على أقاربهن ثلاثة أيام دون زيادة عليها ويجب على المرأة على زوجها المتوفى أربعة أشهر وعشرا انتهى
وفيها عبد الملك بن محمد بن عبد الملك اليعقوبي المؤدب أبو الكرم ولد بعد السبعين والأربعمائة وسمع من أبي الثرى وأبي الغنائم بن المهتدي وغيرهما وحدث وسمع منه ابن الخشاب وابن شافع وكان رجلا صالحا من خيار أصحابنا الحنابلة تفقه على ابن عقيل وسمع الحديث الكثير ومن شعره
) يا أهل ودي وما أهلا دعوتكم
بالحق لكنها العادات والنوب )
) أشبهتم الدهر في تلوين صبغته
فكلكم حائل الألوان منقلب ) 157
وفيها أبو الكرم السهروردي المبارك بن الحسن البغدادي شيخ المقرئين ومصنف المصباح في القراءات العشر كان خيرا صالحا قرأ عليه خلق كثير أجاز له أبو الغنائم بن المأمون والصريفيني وطائفة وسمع من إسماعيل بن مسعدة ورزق الله التميمي إليه علو الإسناد في القراءات وتوفي في ذي الحجة
وقيها محلى بن جميع قاضي القضاة بالديار المصرية أبو المعالي القرشي المخزومي الشافعي الأرشوفي الأصل المصري تفقه على الفقيه سلطان المقدسي تلميذ الشيخ نصر وبرع وصار من كبار الأئمة وقال الحافظ زكي الدين المنذري أن أبا المعالي تفقه من غير شيخ وتفقه عليه جماعة منهم العراقي شارح المهذب وتولى قضاء الديار المصرية سنة سبع وأربعين ثم عزل لتغير الدول في أوائل سنة تسع وأربعين ومن تصانيفه الذخائر قال الأسنوي وهو كثير الفروع والغرائب إلا أن ترتيبه غير معهود متعب لمن أراد استخراج المسائل منه وفيه أيضا أوهام وقال الأذرعي أنه كثير الوهم قال ويستمد من كلام الغزالي ويعزوه إلى الأصحاب قال وذلك عادته ومن تصانيفه أيضا أدب القضاء سماه العمدة ومصنف في الجهر بالبسملة وله مصنف في المسألة السريجية اختار فيه عدم الوقوع وله مصنف في جواز اقتداء بعض المخالفين ببعض في الفروع قاله ابن شهبة وتوفي في ذي القعدة
سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
فيها كما قال في الشذور كثر الحريق ببغداد في المحال ودام
وفيها توفي أبو العباس أحمد بن الفرج بن راشد بن محمد المدني الوراق البغدادي الحنبلي الحجة القاضي من أهل المدينة قرية فوق الأنبار ولد في عشر ذي الحجة سنة تسعين وأربعمائة وقرأ القرآن بالروايات على مكي بن أحمد الحنبلي وغيره وتفقه على عبد الواحد بن سيف وسمع من أبي منصور محمد 158
ابن أحمد الخازن وغيره وشهد عند قاضي القضاة الزينبي وولى القضاء بدحيل مدة وحدث وروى عنه ابن السمعاني وغيره وتوفي يوم السبت سادس ذي الحجة ودفن من الغد بمقبرة باب حرب
وفيها أبو القسم الحمامي إسماعيل بن علي بن الحسين النيسابوري ثم الأصبهاني الصوفي مسند أصبهان وله أكثر من مائة سنة سمع تسع وخمسين وأربعمائة من أبي مسلم محمد بن مهر يرد وتفرد بالسماع من جماعة وسمع منه السلفي وقال يوسف بن أحمد الحافظ أخبرنا الشيخ المعمر الممتع بالعقل والسمع والبصر وقد جاوز المائة أبو القسم الصوفي ومات في سابع صفر
وفيها أبو القسم بن البن الحسين بن الحسن بن محمد الأسدي الدمشقي تفقه على نصر المقدسي وسمع من أبي القسم المصيصي والحسن بن أبي الحديد وجماعة وتوفي في ربيع الآخر عن خمس وثمانين سنة
وفيها عبد القاهر بن عبد الله الوأواء الحلبي الشاعر شرح ديوان المتنبي
وفيها أبو بكر عتيق بن أحمد الأزدي الأندلسي الأوز يولي حج فسمع من طراد الزينبي وهو آخر من حدث عنه بالمغرب توفي بأوزيولة وله أربع وثمانون سنة
وفيها القاضي أبو محمد بن عبد الله بن ميمون بن عبد الله الكوفن المالكاني وكوفن بكاف مضمومة وواو ساكنة بعدها نون قرية من ابيورد ومالكان قيل إنها اسم قرية أيضا وقال ابن السمعاني كان فقيها شافعيا فاضلا له باع طويل في المناظرة والجدل ومعرفة تامة بهما تفقه على والدي وسمع منه ولد في حدود سنة تسعين وأربعمائة قال ابن باطيش ومات بابيورد ليلة الاثنين ثامن ذي القعدة
وفيها أو في التي قبلها وبه جزم الأسنوي علي بن معصوم بن أبي ذر المغربي الشافعي قال ابن السمعاني إمام عالم بالمذهب بحر في الحساب ولد بقلعة بني 159
حماد من بلاد بجاية سنة تسع وثمانين وأربعمائة واستوطن العراق وتفقه على الفرنج الخريني ثم انتقل إلى خراسان ومات باسفرائن في شعبان
وفيها أبو الحسن علي بن أحمد بن محمويه البرذي الشافعي المقرئ الزاهد نزيل بغداد قرأ بأصبهان على أبي الفتح الحداد وأبي سعد المطرز وغيرهما وسمع من ابن مردويه وببغداد من أبي القسم الربعي وأبي الحسين بن الطيوري وبرع في القراءات والمذهب وصنف في القراءات والزهد والفقه وكان رأسا في الزهد والورع توفي في جمادى الآخرة وقد قارب الثمانين
وفيها علي بن الحسين الغزنوي الواعظ الملقب بالبرهان كان فصيحا وله جاه عريض وكان شيعيا وكان السلطان مسعود يزوره وبنى له رباطا بباب الأزج واشترى له قرية من المسترشد وأوقفها عليه قال ابن الجوزي سمعته ينشد
) كم حسرة لي في الحشا
من ولد إذا نشا )
) وكما أردت رشده
فما نشا كما نشا )
وكان يعظم السلطان ولا يعظم الخليفة فلما مات السلطان مسعود أهين الغزنوي ومنع من الوعظ وأخذ جميع ما كان بيده فاستشفع إلى الخليفة في القرية الموقوفة عليه فقال ما يرضى أن يحقن دمه وكان يتمنى الموت مما لاقى من الذل بعد العز وألقى كبده قطعا مما لاقى
وفيها الفقيه الزاهد الصالح عمر بن عبد الله بن سليمان بن السري اليمني توفي بمكة حاجا روى طاهر بن يحيى المعمراني أنه كان قد أصابه بثرات في وجهه فارتحل إلى جبلة متطببا فرأى ليلة قدومه إليها عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم فقال له يا روح الله امسح وجهي فمسحه فأصبح معافى قاله ابن الأهدل
وفيها أبو عبد الله بن الرطبي محمد بن عبيد الله بن سلامة الكرخي كرخ جدان المعدل روى عن أبي القسم بن البسري وأبي نصر الزينبي وتوفي في شوال عن ثلاث وثمانين سنة 160
وفيها أبو البيان نبا بن محمد بن محفوظ القرشي اللغوي الدمشقي الزاهد شيخ الطائفة البيانية بدمشق ويعرف بابن الحوراني كان كبير القدر عالما عاملا زاهدا تقيا خاشعا ملازما للعلم والعمل والمطالعة كثير العبادة والمراقبة سلفي المعتقد كبير الشأن بعيد الصيت ملازما للسنة صاحب أحوال ومقامات سمع أبا الحسن علي بن الموازيني وغيره وله تآليف ومجاميع ورد على المتكلمين وأذكار مسجوعة وأشعار مطبوعة وأصحاب ومريدون وفقراء بهديه يقتدون كان هو والشيخ رسلان شيخي دمشق في عصرهما وناهيك بهما قاله في العبر ودخل يوما إلى الجامع الأموي فرأى جماعة في الحائط الشمالي يثلبون أعراض الناس فقال اللهم كما أنسيتهم ذكرك فأنسهم ذكري وقال السخاوي قبره يزار بباب الصغير ولم يذكره ابن عساكر في تاريخه ولا ابن خلكان في الأعيان توفي في وقت الظهر يوم الثلاثاء ثاني ربيع الأول ودفن من الغد وشيعه خلق عظيم انتهى
سنة ثنتين وخمسين وخمسمائة
فيها كما قال في الشذور وقعت زلازل في الشام تهدمت منها ثلاثة بلدا من بلاد الإسلام حلب وحماه وشيزر وكفر طاب وفامية وحمص والمعرة وتل حران وخمسة من بلاد الكفر حسن الأكراد وعرقة واللاذقية وطرابلس وأنطاكية فأما حماة فهلك أكثرها وأما شيزر فما سلم منها إلا امرأة وخادم لها وهلك الباقون وأما حلب فهلك منها خمسمائة نفس وأما كفر طاب فما سلم منها أحد وأما فامية فهلكت وساخت قلعتها وهلك من حمص خلق كثير وهلك بعض المعرة وأما تل حران فإنه انقسم نصفين وظهر من وسطه نواويس وبيوت وأما حصن الأكراد وعرقة فهلكتا جميعا وهلكت اللاذقية فسلم منها نفر ونبع فيها جوعة ماء حمئة وهلك أكثر طرابلس وأكثر أنطاكية انتهى 161
وفيها كما قال في العبر خرجت الإسماعيلية على حجاج خراسان فقتلوا وسبوا واستباحوا الركب وصبح الضعفاء والجرحى إسماعيل شيخ ينادي يا مسلمين ذهبت الملاحدة فأبشروا ومن هو عطشان سقيته فبقي إذا كلمه أحد جهز عليه فهلكوا إلى رحمة الله كلهم واشتد القحط بخراسان وتخربت بأيدي الغز ومات سلطانها سنجر وغلب كل أمير على بلد واقتتلوا وتعثرت الرعية الذين نجوا من القتل
وفيها هزم نور الدين الفرنج على صفد وكانت وقعة عظيمة
وفيها انقرضت دولة الملثمين بالأندلس لم يبق منهم إلا جزيرة ميورقة
وفيها أخذ نور الدين من الفرنج غزة وبانياس وملك شيزر من بني منقذ
وفيها توفي القاضي أبو بكر بن محمد بن عبد الله اليافعي حضر موته صاحب البيان وقال ماتت المروءة أخذ الفقه عن ريد البقاعي وكان عالما شاعرا روى عن ابنه وخاله وكتاب رسالة الشافعي ومختصر المرني وولى قضاء اليمن وكان له ولد يقال له محمد مات في حياته فرثاه وقال
) جوار الله خير من جواري
له دار لكل خير دار )
وكان للقاضي أبو بكر جاه عظيم عند الملوك خلص فقهاء اليمن من الخراج والمظالم ولما قدم القاضي الرشيد من مصر الىاليمن أكرمه كرامة عظيمة قاله ابن الأهدل
وفيها أبو علي الخرار أحمد بن أحمد بن علي الحريمي سمع أبا الغنائم محمد بن الدقاق ومالكا البانياسي وتوفي في ذي الحجة وعوضه نصيبين فتملكها إلى أن مات في شعبان وطالت أيامه بها وخلف ذرية فخملوا
وفيها أحمد سنجر السلطان الأعظم معز الدين أبو الحرث ولد السلطان ملكشاه بن الب أرسلان بن جعفر بيك السلجوقي صاحب خراسان وأجل ملوك العصر وأعرقهم نسبا وأقدمهم ملكا وأكثرهم جيشا واسمه بالعربي أحمد بن الحسن بن محمد بن داود بن ميكائيل بن سلجوق وخطب له بالعراق والشام والجزيرة 162
وأذربيجان وأران والحرمين وخراسان وما وراء النهر وغزنة وعاش ثلاثا وسبعين سنة قال ابن خلكان أول ما ناب في المملكة عن أخيه بركيا روق سنة تسعين وأربعمائة ثم استقل بالسلطنة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة ولقب حينئذ بالسلطان وكان قبل ذلك يلقب بالملك المظفر وكان وقورا مهيبا ذا حياء وكرم وشفقة على الرعية وكان مع كرمه المفرط من أكثر الناس مالا اجتمع في خزانته من الجوهر ألف وثلاثون رطلا وهذا ما لم يملكه خليفة ولا ملك فيما نعلم توفي في ربيع الأول ودفن في قبة بناها وسماها دار الآخرة وقد تضعضع ملكه في آخر أيامه وقهرته الغر ورأى الهوان ثم من الله عليه وخلص قاله في العبر
وفيها أبو عبد الله بن خميس الحسين بن نصر الموصلي الجهني الملقب بتاج الإسلام أخذ الفقهعن الغزالي وقضى برحبة ملك بن طوق ثم رجع إلى الموصل وصنف كثيرا وسكن قرية في الموصل وراء القرية التي فيها العين المعروفة بعين الفتاوة التي ينفع الاستحمام بها من الفالج والريح البادر مشهورة هناك قاله ابن الأهدل
وفيها عبد الملك بن مسرة أبو مروان اليحصبي المستثمري ثم القرطبي أحد الأعلام قال ابن بشكوال كان ممن جمع الله له الحديث والفقه مع الأدب البارع والدين والورع والتواضع أخذ الموطأ عن أبي عبد الله بن الطلاع سماعا وغيره وتوفي في شعبان
وفيها عثمان بن علي السكندري أبو عمرو مسند بخارى كان إماما ورعا عالما عابدا متعففا تفرد بالرواية عن أبي المظفر عبد الكريم الأبرقي وسمع من عبد الواحد الزبيري المعمر وطائفة ومات في شوال عن سبع وثمانين سنة
وفيها عمر بن عبد الله الحري المقرئ أبو حفص سمع الكثير وروى عن طراد وطبقته وتوفي في شعبان 163
وفيها صدر الدين أبو بكر الخجندي محمد بن عبد اللطيف بن محمد المهلبي الأزدي ثم الأصفهاني كان إماما فاضلا مناظرا شافعيا صدر العراق في زمانه على الإطلاق جوادا مهيبا متقدما عند السلاطين يصدرون عن رأيه ورد بغداد وتولى تدريس النظامية ووعظ بها وبجامع القصر وكان كوزير ذا حشمة أشبه منه بالعلماء يمشي والسيوف حوله مشهورة خرج من بغداد إلى أصبهان فنزل بقرية بين همذان والكرخ فنام وهو في عافية فأصبح ميتا وذلك في شوال فحمل إلى أصبهان ودفن بسيلان ذكره ابن السمعاني والذهبي
وأما ولده عبد اللطيف بن محمد بن عبد اللطيف فكان رئيس أصبهان في العلم وكان فقيها فاضلا مقدما معظما عند الرعايا والسلاطين تفقه على أبيه ودرس بعده وأفتى ووعظ وأنشأ وسمع وحدث مات بهمذان بعد عوده من الحجاز في أحد الربيعين سنة ثمان وخمسمائة وهو ابن ثمان وأربعين سنة وحمل إلى أصبهان ودفن بها ذكره التفليسي
وأما حفيده فهو أبو بكر محمد بن عبد اللطيف الشافعي كان فقيها بارعا رئيسا كبيرا عريقا في الفضل والرياسة انتهى إليه رياسة الشافعية بأصبهان بعد موت أبيه وورد بغداد فأنعم عليه الخليفة بما لم ينعم به على أحد من أمثاله ورتب له ما يفوت الحصر وتولى نظر النظامية والنظر في أحوال الفقهاء ثم خرج مع الوزير إلى أصبهان واستولى عليها وولى الخليفة بها سنقر الطويل من أمراء بغداد وأذن لابن الخجندي في المقام بها فجرت بينه وبين الأمير سنقر وحشة فيقال أنه دس عليه من قتله وذلك في أحد الجمادين سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة وسمع شيئا من الحديث إلا أنه لم يبلغ سن الرواية عنه ذكره ابن باطيش وغيره
وفيها أبو المظفر محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن سعدان الحنبلي الأزجي الفقيه سمع الحديث من القاضي الحسين وأبي العز بن كادس وتفقه على القاضي أبي الحسين وأبي بكر الدينوري ولازمه وروى عنه أحمد بن طارق وكتب 164
عنه المبارك بن كامل بغير إسناد في معجمه قال صدقة بن الحسين في تاريخه كان فقيها كيسا من أصحاب أبي بكر الدينوري توفي في ذي القعدة ودفن بباب حرب
وفيها محمد بن خذداذ بن سلامة بن خذداذ العراقي الماموني المباردي الحداد الكاتب الفقيه الحنبلي الأديب أبو بكر أبي محمد ويعرف بنقاش المبارد سمع من نصر بن النضر والحسين بن طلحة وأبي نصر الزينبي وأبي الخطاب وكتب خطا حسنا قال ابن النجار كان فقيها مناظرا أصوليا تفقه على أبي الخطاب وعلق عنه مسائل الخلاف وقرأ الأدب وقال الشعر وكان صدوقا وتوفي ليلة الخميس مستهل جمادى الآخرة وصلى عليه من الغد ودفن بباب حرب وقيد ابن نقطة خذداذ بدال مهملة بين ذالين معجمتين
وفيها أبو بكر بن الزاغوني محمد بن عبيد الله بن نصر البغدادي المجلد سمع أبا القسم بن البسري وأبا نصر الزينبي والكبار وصار مسند العراق وكان صالحا مرضيا إليه المنتهى في التجليد اصطفاه الخليفة لتجليد خزانة كتبه توفي في ربيع الآخر وله أربع وثمانون سنة
وفيها أبو الحسن محمد بن المبارك وكنيته أبو البقاء بن محمد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الخل الفقيه الشافعي البغدادي تفقه على أبي بكر الشاشي وبرع في العلم وكان يجلس في مسجده الذي بالرحبة شرقي بغداد لا يخرج منه إلا بقدر الحاجة يفتي ويدرس وكان قد تفرد بالفتوى بالمسئلة السريجية ببغداد وصنف كتابا سماه توجيه التنبيه على صورة الشرح لكنه مختصر وهو أول من شرح التنبيه لكن ليس فيه طائل وله كتاب في أصول الفقه وسمع الحديث من أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن أبي طلحة وأبي عبد الله الحسين البسري وغيرهما وروى عنه الحافظ أبو سعد السمعاني وغيره وكان يكتب خطا جيدا منسوبا وكانت الناس يحتالون على أخذ خطه في الفتاوي من غير حاجة إليها بل لأجل الخط لا غير 165
فكثرت عليه الفتوى وضيقت عليه أوقاته ففهم ذلك فصار يكسر القلم ويكتب جواب الفتوى به فانصرفوا عنه وقيل أن صاحب الخط المليح هو أخوه والله أعلم وتوفي ببغداد ونقل إلى الكوفة ودفن بها
وكان أخوه أبو الحسين أحمد بن المبارك فقيها فاضلا وشاعرا ماهرا ذكره العماد الكاتب في كتابه خريدة القصر وأثنى عليه وأورد له مقاطيع من شعره ودو بيت فمن ذلك قوله في بعض الوعاظ
) ومن الشقاوة أنهم ركنوا إلى
نزغات ذاك الأحمق التمتام )
) شيخ يبهرج دينه بنفاقه
ونفاقه منهم على أقوام )
) وإذا رأى الكرسي تاه بنفسه
أي أن هذا منصبي ومقامي )
) ويدق صدرا ما انطوى إلا على
غل يواريه بكف عظام )
) ويقول إيش أقول من حصر به
لا لازدحام عبارة وكلام )
وله دو بيت
) هذا ولهى وقد كتمت الولها
صونا لوداد من هوى النفس لها )
) يا آخر محنتي ويا أولها
آيات غرامي فيك من أولها )
وله
) ساروا وأقام في وادي الكمد
لم يلق كما لقيت منهم أحد )
) شوق وجوى ونار وجد تقد
مالي جلد ضعفت مالي جلد )
وله
) ما ضر حداة عيسهم لو وقفوا
لم يبق غداة بينهم لي رمق )
) قلب قلق وأدمع تستبق
أو هي جلدي من الفراق الفرق )
وكانت ولادته سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة وتوفي في سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة قاله ابن خلكان 166
وفيها أبو القسم نصر بن نصر الطبري الواعظ روى عن أبي القسم بن البسري وطائفة وتوفي في ذي الحجة عن سبع وثمانين سنة
سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
فيها كما قال ابن الأثير نزل ألف وسبعمائة من الإسماعيلية على روق كبير التركمان فأسرع عسكر التركمان فأحاطوا بهم ووضعوا فيهم السيف فلم ينج منهم إلا تسعة أنفس فلله الحمد
وفيها توفي مسند الدنيا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي ثم الهروي الماليني الصوفي الزاهد سمع الصحيح ومسند الدارمي وعبد بن حميد من جمال الإسلام الداودي في سنة خمس وستين وأربعمائة وسمع من أبي عاصم الفضيل ومحمد بن أبي مسعود وطائفة وصحب شيخ الإسلام الأنصاري وخدمه وعمر إلى هذا الوقت وقدم بغداد فازدحم الخلق عليه وكان خيرا متواضعا متوددا حسن السمت متين الديانة محبا للرواية توفي سادس ذي القعدة ببغداد وله خمس وتسعون سنة قاله في العبر وقال ابن شهبة في تاريخ الإسلام حمله أبوه من هراة إلى بوشنج فسمع صحيح البخاري وغيره من جمال الإسلام الداودي عزم على الحج وهيأ ما يحتاج إليه فأصبح ميتا وكان آخر كلمة قالها )
يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ) ودفن بالشونيزية وعمر حتى ألحق الأصاغر بالأكابر انتهى
وفيها أبو الفتح سالم بن عبد الله بن عبد الملك الشيباني الفقيه الحنبلي الزاهد صحب أبا بكر الدينوري وسمع من الشريف أبي العر بن المختار وأبي الغنائم النرسي وغيرهما قال ابن شافع كان فقيها زاهدا مخمولا ذكره عند أبناء الدنيا رفيعا عند الله وصالحي عبادة توفي ليلة الأربعاء سابع شعبان ودفن بباب حرب
وفيها الإمام العلامة عبد الله بن يحيى الصعبي عن ثمان وسبعين أو إحدى 167
وثمانين سنة وكان مدرس سهقنه وقد تفقه عليه خلق باليمن وكان صاحب البيان يحبه ويقول له شيخ الشيوخ وحضر جنازته يوم مات روى أناسا وقعوا عليه في طريق فضربوه بالسيوف فلم تقطع سيوفهم فسئل عن ذلك فقال كنت أقرأ سورة يس قال ابن سمرة والمشهور أنه كان يقرأ قوله تعالى )
ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم ) فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين وحفظا من كل شيطان مارد وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم أن بطش ربك لشديد إلى آخر السورة وتسمى آيات الحفظ وسببه أنه وجدها معلقة في عنق شاة والذئاب تلاعبها لا تضرها صنف الصعبي كتاب التعريف في الفقه واحتراز المذهب وكان يقوم بكفايته وما يحتاج إليه رجل من مشايخ بني يحيى من يافع قال اليافعي رحمه الله تعالى يافع يقولون أهل يحيى وأهل عيسى وأهل موسى ثلاثة بطون لهم عز وشرف فأهل موسى أخوالي وفيهم الكرم والمشيخة وأهل يحيى أخوال بني عمي وفيهم العز والنجدة ولا يزال الحرب بينهم وبين أعدائهم وفيهم الفقيه الولي أبو بكر البحيري الذي كان السلطان المؤيد في طوعه واستدرك الفقيه حسين علي اليافعي وغلطه في ثنائه عليه ونسبه أي البحيري إلى الزندقة لكونه من أتباع ابن عربي والله أعلم بحاله قاله ابن الأهدل
وفيها كوتاه الحافظ أبو مسعود عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد الأصبهاني توفي في شعبان عن سبع وسبعين سنة وحدث عن رزق الله التميمي وأبي بكر ابن ماجة الأبهري وخلق قال أبو موسى المديني أوحد وقته في علمه وطريقته وتواضعه حدثنا لفظا وحفظا على منبر وعظه وقال غيره كان جيد المعرفة حسن الحفظ ذا عفة وقناعة وإكرام للغرباء وقال ابن ناصر الدين كان إماما حافظا من أولاد المحدثين كان ابن عساكر يفخم أمره وأثنى عليه ابن السمعاني وغيره انتهى
وفيها علي بن عساكر بن سرور المقدسي قم الدمشقي الخشاب صحب الفقيه نصر المقدسي وسمع منه سنة سبعين وأربعمائة ثم سمع بدمشق من أبي عبد الله 168
ابن أبي الحديد توفي في سن أبي الوقت صحيح الذهن والجسم وتوفي في شوال
وفيها العلامة أبو حفص الصفار عمر بن أحمد بن منصور النيسابوري روى عن أبي بكر بن خلف وأبي المظفر موسى بن عمران وطائفة ولقبه عصام الدين كان من كبار الشافعية يذكر مع محمد بن يحيى ويزيد عليه بالأصول قال ابن السمعاني إمام بارعا مبرز جامع لأنواع من العلوم الشرعية سديد السيرة مكثرا مات يوم عيد الأضحى
وفيها الفقيه الإمام الورع الزاهد عمر بن إسماعيل بن يوسف اليمني أخذ عن الإمام زيد بن الحسن الغايشي المهذب وأصول الفقه وصحب يحيى بن أبي الخير صاحب البيان في الطلب قاله ابن الأهدل
وفيها نصر بن منصور الحراني عرف بابن العطار كان تاجرا كبيرا كثير المال قارئا للقرآن يكسو العراة ويفك الأسرى ويسمع الحديث ويزور الصالحين قال العكبري رأيت النبي فقلت امسح بيدك على عيني فإنها تؤلمني فقال امض إلى أبي نصر بن العطار يسمح على عينك فقلت في نفسي أدع رسول الله وأروح إلى رجل من أبناء الدنيا وعاودته القول وقلت يا رسول الله امسح على عيني فقال أما سمعت الحديث أن الصدقة لتقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل وهذا نصر قد صافحت يده يد الحق سبحانه وتعالى امض إليه فانتبهت ومضيت إليه فلما رآني قام حافيا وقال ما الذي رأيته في المنام ومسح على عيني وقرأ المعوذات فذهب الألم قال وذهبت إحدى عيني نصر قال فخرجت يوما إلى جامع السلطان لأصلي الجمعة فجلست على جانب دجلة لأتوضأ وإذا نفقير عليه أطمار رثة فتقدمت إليه وقلت له امسح على عيني فمسح عليها فعادت صحيحة فدفعت إليه منديلا فيه دنانير فقال ما لي به حاجة إن كان معك رغيف خبز فقمت واشتريت له خبزا ورجعت فلم أره فكان نصر بعد ذلك لا يمشي إلا وفي كمه الخبز إلى أن مات
وفيها يحيى بن سلامة الحصكفي الخطيب صاحب ديوان الشعر والخطب 169
الفقيه الشافعي معين الدين المعروف بالخطيب قال ابن خلكان والحصكفي بكسر الحاء المهملة نسبة إلى حصن كيفا قلعة حصينة بطنزة بطاء مهملة مفتوحة ونون ساكنة وزاي معجمة وهي بلدة صغيرة بديار بكر فوق الجزيرة انتهى نشأ معين الدين هذا بحصن كيفا وقدم بغداد فقرأ الفقه حتى أجاد فيه وقرأ الأدب على الخطيب أبي زكريا التبريزي شارح المقامات ثم رجع إلى بلاده واستوطن ميافارقين وتولى بها الخطابة وانتصب للإفتاء والاشتغال وانتفع عليه الناس قال العماد في الخريدة كان علامة الزمان في علمه ومعري العصر في نثره ونظمه ولم يزل على ذلك إلى أن توفي في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة قاله الأسنوي وقال ابن شهبة في تاريخ الإسلام له الترصيع البديع والتجنيس والنفيس والتطبيق والتحقيق واللفظ الجزل الرقيق والمعنى السهل العميق والتقسيم المستقيم والفضل السائر المقيم فمن قوله في مليح في خصره زنار
) قد شد بالميم الألف
من جسمه ميم ألف )
) فقلت إذ مر بنا
بخوط بان منعطف )
وكان الحصفكي يتشيع وله الخطب المليحة والرسائل المنتقاة انتهى
سنة أربع وخمسين وخمسمائة
فيها كما قال في الشذور وقع في قرى بغداد برد كان في البردة خمسة أرطال ووزنوا واحدة فبلغت تسعة أرطال وانفتح القورح وجاء الماء فأحاط بالسور ثم فتح ودخل فأغرق كثير من محال من نهر معلا وهدم ما لا يحصى من الدور وغرقت مقبرة الإمام أحمد بن حنبل وكانت آية عجيبة
وفيها سار عبد المؤمن في مائة ألف فنازل المهدية برا وبحرا فأخذها من الفرنج بالأمان ولكن ركبوا البحر وكان شتاء فغرق أكثرهم 170
وفيها أقبلت الروم ي جموع عظيمة وقصدوا الشام فالتقاهم المسلمون وانتصروا ولله الحمد وأسر ابن أخت ملك الروم
وفيها توفي ابن قفرجل أبو القسم أحمد بن المبارك بن عبد الباقي البغدادي الذهبي القطان روى عن عاصم بن الحسن وجماعة
وفيها أبو جعفر العباسي أحمد بن محمد بن عبد العزيز المكي نقيب الهاشميين بمكة روى عن أبي علي الشافعي وحدث ببغداد وأصبهان وكان صالحا متواضعا فاضلا مسندا توفي في شعبان عن ست وثمانين سنة وثلاثة أشهر وسماعه في الخامسة من أبي علي
وفيها أحمد بن معالي ويسمى عبد اله أيضا ابن بركة الحربي الحنبلي تفقه على أبي الخطاب الكلواذاني وبرع في النظر قال ابن الجوزي كان له فهم حسن وفطنة في المناظرة وسمعت درسه مدة وكان قد انتقل إلى مذهب الشافعي ثم عاد إلى مذهب أحمد ووعظ وقال صدقة كان شيخا كبيرا وقد نيف على الثمانين فقيها مناظرا عارفا له مخالطة مع الفقهاء ومعاشرة مع الصوفية وكان يتكلم كلاما حسنا إلا أنه كان متلونا في المذهب توفي يوم الأحد ثامن عشر جمادى الأولى وصلى عليه الشيخ عبد القادر ودفن بمقبرة باب حرب وكان سبب موته أنه ركب دابة فانحنى في مضيق ليدخل فاتكأ بصدره على قربوس السرج فأثر فيه وانضم إلى ذلك اسهال فضعفت القوة وكان مرضه يومين أو ثلاثة رحمه الله تعالى وله تعليقة في الفقه
وفيها أحمد بن مهلهل بن عبيد الله بن أحمد البرداسي الحنبلي قال ابن النجار هو من قرية برداس بسكون الراء من بلد اسكاف المقرئ الزاهد الضرير أبو العباس كان من أهل القرآن والزهد والعبادة روى عن أبي طالب اليوسفي وغيره وكان أبو الحسن بن البرداسي يقول كان هذا الشيخ يصلي في كل يوم أربعمائة ركعة وتوفي يوم الخميس غرة جمادى الأولى ودفن بباب حرب وقال ابن النجار كان منقطعا في مسجد لا يخالط أحدا مشتغلا بالله عز وجل وكان الإمام المقتفى 171
يزوره وكذلك وزيره ابن هبيرة والناس كافة يتبركون به وكان قد قرأ طرفا صالحا من الفقه على أبي الخطاب الكلوذاني ثم على أبي بكر الدينوري وسمع الحديث من أبي غالب الباقلاني وغيره وحدث باليسير وروى عنه ابن شافع والباقداري قاله ابن رجب
وفيها أبو زيد جعفر بن زيد بن جامع الحموي الشامي مؤلف رسالة البرهان التي رواها عنه ابن الزبيدي وكان صالحا عابدا صاحب سنة وحديث روى عن ابن الطيوري واليوسفي وغيرهما وتوفي في ذي الحجة وقد شاخ
وفيها أبو علي الحسن بن جعفر بن عبد الصمد بن المتوكل على الله العباسي الهاشمي المقرئ الأديب الحنبلي ولد في حادي عشر شوال سنة سبع وسبعين وأربعمائة وقرأ القرآن وسمع قديما من أبي غالب البقال الباقلاني وابن العلاف وغيرهما وكان فيه لطف وظرف وأدب ويقول الشعر الحسن مع دين وخير وجمع سيرة المسترشد وسيرة المقتفى وجمع لنفسه مشيخة وجمع كتابا سماه سرعة الجواب ومداعبة الأحباب أحسن فيه وقال ابن النجار كان أديبا فاضلا صالحا متدينا صدوقا روى عنه ابن الأخضر وغيره وذكره ابن السمعاني ومن شعره ما كتبه
) أجزت للسادة الأخيار ما سألوا
فليروا عني بلا بخس ولا كذب )
) مما أحبوه من شعر ومن خبر
ومن جميع سماعاني من الكتب )
) وليحذروا السهو والتصحيف من غلط
ويسلكوا سنة الحفاظ في الأدب )
ومن شعره أيضا
) يا ذا الذي أضحى يصول ببدعة
وتشيع وتمشعر وتمعزل )
) لا تنكرن الحنبلي ونسبتي
فعليها يوم المعاد معولي )
) إن كان ذنبي حب مذهب أحمد
فليشهد الثقلان أني حنبلي )
قاله ابن رجب
وفيها أبو عبد الله سعيد بن الحسين بن شنيف بن محمد الديلمي الدار قزي 172
الأمين الحنبلي ولد سنة تسع وسبعين وأربعمائة وسمع من أبي عبد الله الحسين بن محمد السراج الفقيه والحسين بن طلحة النعالي وابن الطيوري وغيرهم لا من أبي الخطاب الكلوذاني وسمع الحديث من أبي غالب الباقلاني وغيره وحدث باليسير وروى عنه ابن شافع وتفقه في المذهب وكان إماما بجامع دار القز وأمينا للقاضي بمجلسه وكان شيخا صالحا ثقة وروى عنه جماعة منهم ابنه أبو عبد الله الحسين وتوفي ليلة السبت رابع عشر ذي الحجة ودفن من الغد بمقبرة باب حرب رحمه الله تعالى
وفيها أبو الحسن بن أبي البركات محمد بن أحمد بن علي بن عبد الله بن الابرادي البغدادي الفقيه الحنبلي تفقه على ابن عقيل وسمع منه ومن أبيه وابن الفاعوس وحدث باليسير وسمع من أبي الفضل بن شافع وتوفي يوم الجمعة خامس شعبان وقد اشتبه على بعض الناس وفاته بوفاة أبيه
وفيها محمد شاه ابن السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه أخو ملكشاه السلجوقي توفي بعلة السل وله ثلاث وثلاثون سنة وكان كريما عاقلا وهو الذي حاصر بغداد من قريب واختلف الأمراء من بعده فطائفة لحقت بأخيه ملكشاه وطائفة لحقت بسليمان شاه
سنة خمس وخمسين وخمسمائة
فيها تملك سليمان شاه همذان وذهب ملكشاه إلى أصبهان فمات بها
وفيها المقتفى لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بالله عبد الله بن الأمير محمد بن القائم العباسي أمير المؤمنين كان عالما فاضلا دينا حليما شجاعا مهيبا خليقا للإمارة كامل السؤدد كان لا يجري في دولته أمر وأن صغر إلا بتوقيعه وكتب أيام خلافته ثلاث ربعات ووزر له علي بن طراد ثم أبو نصر بن جهير ثم علي بن صدقة ثم ابن هبيرة وحجبه أبو المعالي بن الصاحب 173
ثم جماعة بعده وكان أدم اللون بوجهه أثر جدري مليح الشيبة عظيم الهيبة ابن حبشية كانت دولته خمسا وعشرين سنة توفي في ربيع الأول عن ست وستين سنة وقد جدد باب الكعبة واتخذ لنفسه من العقيق تابوتا دفن فيه قاله في العبر وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء بويع له بالخلافة عند خلع أخيه وعمره أربعون سنة وسبب تلقيه بالمقتفى أنه رأى في منامه قبل أن يستخلف بستة أيام رسول الله وهو يقول له سيصل هذا الأمر إليك فاقتف بي قلقب المقتفى لأمر الله وبعث السلطان محمود بعد أن أظهر العدل ومهد بغداد فأخذ جميع ما في دار الخلافة من داوب وأثاث وذهب وستور وسرادق ولم يترك في اصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس وثمانية أبغال برسم الماء فيقال انهم بايعوا المقتفى على أن لا يكون عنده خيل ولا آلة سفر وكان صاحب سياسة جدد معالم الإمامة ومهد رسوم الخلافة وباشر الأمور بنفسه وغزا غير مرة وامتدت أيامه وقال أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي في كتاب المناقب العباسية كانت أيام المقتفى نضرة بالعدل زهرة بفعل الخيرات وكان على قدم من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه وكان في أول أمره متشاغلا بالدين ونسخ العلوم وقراءة القرآن ولم ير مع سماحته ولين جانبه ورأفته بعد المعتصم خليفة في شهامته وصرامته وشجاعته مع ما خص به من زهده وورعه وعبادته ولم تزل جيوشه منصورة حيث يممت وقال ابن الجوزي من أيام المقتفى عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء ولم يبق لها منازع وقبل ذلك من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك وليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة ومن سلاطين دولته السلطان سنجر صاحب خراسان والسلطان نور الدين الشهيد محمود صاحب الشام وكان شجاعا كريما محبا للحديث وسماعه معتنيا بالعلم مكرما لأهله ولما دعا المقتفى الإمام أبا منصور بن الجواليقي النحوي ليجعله إماما يصلي به دخل عليه فما زاد على أن قال السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وكان ابن التلميذ النصراني 174
الطبيب قائما فقال ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي وقال يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية وروى الحدث ثم لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفارة لأن الله ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان فقال المقتفي صدقت وأحسنت وكأنما الجم ابن التلميذ بحجر مع غزارة أدبه
وفيها توفي الفائر صاحب مصر واقيم بعده العاضد
وفيها أبو بكر أحمد بن غالب بن أحمد بن غالب بن عبد الله الحربي الفقيه الحنبلي الفرضي المعدل سمع الحديث من ابن قريش وغيره وتفقه وبرع في المذهب قال ابن النجار كان أحد الفقهاء حاظفا لكتاب الله تعالى له معرفة بالفرائض والحساب والنجوم وأوقات الليل والنهار وشهد عند قاضي القضاة الزينبي وتولى قضاء دجيل مدة ثم عزل حدث باليسير وسمع منه عبد المغيث الحربي وغيره وتوفي يوم الأحد يوم عيد الاضحى ودفن بمقبرة الأمام أحمد
وفيها العميد بن القلانسي صاحب التاريخ ايو يعلى حمزة بن راشد التميمي الدمشقي الكاتب صاحب تاريخ دمشق انتهى به إلى هذه السنة حدث عن سهل ابن بشير الاسفرائني وولى رياسة البلد مرتين وكان يسمى أيضا المسلم توفي في ربيع الأول عن بضع وثمانين سنة
وفيها أبو يعلي بن الجبري حمزة بن علي بن هبة الله التغلبي الدمشقي البزار سمع أبا القسم المصيصي ونصر المقدسي مات في جمادي الأولى عن بضع وثمانين سنة وكان لا بأس به قاله في العبر
وفيها ثقة الملك الحلبي الحسن بن علي بن عبد الله بن أبي جرادة سافر إلى مصر وتقدم عند الصالح بن رزيل وناب فيها ومن شعره قوله من أبيات
) يفنى الزمان وآمالي مصرمة
ومن أحب على مطل وأملاق )
) واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به
ولا حصلت على شيء من الباقي ) 175
وفيها خسرو شاه سلطان غزنة تملك بعد أبيه بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم ابن مسعود بن محمود بن سبكتكين وكان عدلا سايسا مقربا للعلماء وكانت دولته تسع سنين وتملك بعده ولده ملكشاه
وفيها أبو جعفر الثقفي قاضي العراق عبد الواحد بن أحمد بن محمد وقد ناهز الثمانين ولي قضاء الكوفة مدة وسمع من أبي النشري ثم ولاه المستجد في هذا العام قاضي القضاة فتوفي في آخر العام ولي بعده ابنه جعفر
وفيها الفائز بنصر الله أبو القسم عيسى بن الظافر إسماعيل بن الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المستنصر العبيدي أقيم في الخلافة بعد قتل أبيه وله خمس سنين فحمله الوزير عباس على كتفه وقال يا أمراء هذا ولد مولاكم وقد قتل مولاكم أخواه فقتلهما كما ترون فبايعوا هذا الطفل فقالوا سمعنا وأطعنا وضجوا ضجة واحدة ففزع الصبي وبال واتل عقله فيما قيل من تلك الضجة وصار يتحرك ويصرع وتوفي في رجب في هذه السنة وكان الحل والربط لعباس فلما هرب عباس وقتل كان الأمر للصالح طلايع بن رزبك
وفيها علوي الاسكاف الحنبلي كان شيخا صالحا من أصحاب أبي الحسن بن الزاغوني وكان يقرأ في كتاب الخرقي توفي في يوم الجمعة رابع عشرى جمادي الآخرة
وفيها الشريف الخطيب أبو المظفر محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن النوبلي العباسي الهاشمي الحنبلي المعدل كان مولده سنة سبعين وأربعمائة وروى عن طراد وأبي نصر الزينبي والعاصمي وغيرهم وحدث وسمع منه جماعة وكان جليل القدر من رجالات الهاشميين ذا أدب وعلم وله نظم قاله ابن رجب
وفيها أبو الفتوح الطائي محمد بن أبي جعفر محمد بن علي الهمداني صاحب الأربعين سمع فند بن عبد الرحمن الشعراني واسمعيل بن الحسن الفرائضي وطائفة بخراسان والعراق والجبال وتوفي في شوال عن خمس وثمانين سنة 176
سنة ست وخمسين وخمسمائة
فيها توفي أبو حكيم النهرواني ابرايم بن دينار بن أحمد بن الحسين بن حامد ابن إبراهيم النهرواني الرزاز الفقيه الحنبلي الفرضي الزاهد الحكيم الورع ولد سنة ثمانين وأربعمائة وسمع الحديث من أبي الحسن بن العلاف وأبي عثمان بن ملة وأبي الخطاب وبرع في المذهب والخلاف والفرائض وأفتى وناظر وكانت له مدرسة
بناها بباب الازح وكان يدرس ويقيم بها وفي آخر عمره فوضت إليه المدرسة التي بناها ابن السمحل بالمأمونية ودرس بها أيضا وقرأ عليه العلم خلق كثير وانتفعوا به منهم ابن الجوزي وقال قرأت عليه القرآن والمذهب والفرائض وممن قرأ عليه السامري صاحب المستوعب ونقل عنه في تصانيفه قال ابن الجوزي وكان زاهدا عابدا كثير الصوم يضرب به المثل في الحلم والتواضع من العلماء العاملين مؤثرا للخمول ما رأينا له نظيرا في ذلك يقوم الليل ويصوم النهار ويعرف المذهب والمناظرة وله الورع العظيم وكان يكسب بيده وإذا خاط ثوبا فاعطى الأجرة مثلا قيراطا اخذ منه حبة ونصفا ورد الباقي وقال خياطتي لا تساوي أكثر من هذه ولا يقبل من أحد شيئا وقال ابن رجب صنف تصانيف في المذهب والفرائض وشرح الهداية كتب منه تسع مجلدات ولم يكمله وحدث وسمع منه جماعة منهم ابن الجوزي وعمر بن علي القرشي الدمشقي وله نظم حسن منه قوله
) يا دهر أن جارت ضروفك واعتدت
ورمتني في ضيقة وهوان )
) أني أكون عليك يوما ساخطا
وقد استفدت معارف الإخوان )
وتوفي يوم الثلاثاء بعد الظهر ثالث عشر جمادي الآخرة ودفن قريبا من بشر الحافي رحمهما الله تعالى
وفيها علاء الدين الحسين بن الحسين الغوري سلطان الغور وتملك بعده ولده سيف الدين محمد 177
وفيها سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي كان أهوج أخرق فاسقا بل زنديقا يشرب الخمر في نهار رمضان فقبض عليه الأمراء في العام الماضي ثم خنق في ربيع الآخر من السنة
وفيها إطلاع بن رزيك الارمني ثم المصري الملك الصالح وزير الديار المصرية غلب على الأمور في سنة تسع وأربعين وكان أديبا شاعرا فاضلا شيعيا جوادا ممدحا ولما بايع العاضد زوجه بابنته ونقص أرزاق الأمراء فعملوا عليه بإشارة العاضد وقتلوه في الدهليز في رمضان وكان في نصر التشيع كالسكة المحماة كان يجمع الفقهاء ويناظرهم على الإمامة وعلى القدر وله مصنف في ذلك سماه الاجتهاد في الرد على أهل العناد قرر فيه قواعد التشيع وجامع الصالح الذي بباب زويلة منسوب إليه وبنى آخر بالقرافة وتربة إلى جانبه وهو مدفون بها ومن شعره
) ومهفهف ثمل القوام سرت إلى
أعطافه النشوات من عينيه )
) ماضي اللحاظ كأنما سلت يدي
سفي غداةة الروع من جفنيه )
) قد قلت إذا خط العذار بمكسه
في خده ألفين لا لاميه )
) ما الشعر دب بعارضيه وإنما
أصداغه نفضت على خديه )
) الناس طوع يدي وأمري نافذ
فيهم وقلبي الآن طوع يديه )
) فأعجب لسلطان يعم بعدله
ويجوز سلطان الغرام عليه )
) والله لولا اسم الفرار وانه
مستقبح لفررت منه إليه )
وفيها أبو الفتح بن الصابوني عبد الوهاب بن محمد المالكي المقرئ الخفاف من قرية المالكية روى عن النعالي وابن البطر وطبقتهما وكتب وحصل وجمع أربعين حديثا وقرأ القراءات على زيدان الحلواني وتصدر للأقراء وكان قيما بالفن توفي في صفر عن أربع وسبعين سنة
وفيها الوزير جلال الدين أبو الرضا محمد بن أحمد بن صدقة وزر للراشد بالله وكان فيه خير ودين توفي في شعبان عن ثمان وخمسين سنة 178
وفيها ابن المارح أبو محمد محمد بن أحمد بن عبد الكريم التميمي البغدادي روى عن أبي نصر الزينبي وجماعة وتوفي في ذي القعدة
وفيها الخاقان محمود بن محمد التركي سلطان ما وراء النهر وابن بنت السلطان ملكشاه السلجوقي سار بالغزفي وسط السنة وغزا نيسابور شهرين وكان كالمقهور مع الغز فهرب منهم إلى صاحب نيسابور المؤيد ثم خلاه المؤيد قليلا وسمله وحبسه
سنة سبع وخمسين وخسممائة
فيها توفي أبو يعلي حمزة بن أحمد بن فارس بن كروس السلمي الدمشقي روى عن نصر المقدسي ومكي الزميلي وجماعة وكان شيخا مباركا حسن السمت توفي في صفر عن أربع وثمانين سنة وتفرد برواية الموطأ
وفيها زمرد خاتون المحترمة صفوة الملوكبنت الأمير جادلي أخت الملك دقاق صاحب دمشق لامه وزوجة تاج الملك بروي وأم ولديه شمس لملوك اسمعيل ومحمود سمعت من أبي الحسن بن قبيس واستنسخت الكتب وحفظت القرآن وبنت المدرسة الخاتونية بصنعاء دمشق ثم تزوجها أتا بك زنكب فبقيت معه تسع سننين فلما قتل حجت وجاورت بالمدينة ودفنت بالبقيع وهي التي ساعدت على قتل ولدها اسمعيل لما كثر فساده وسفكه للدماء ومواطأته الفرنج على بلاد المسلمين ولما جاورت بالمدينة المنورة قل ما بيدها فكانت تغربل القمح والشعير وتطحن وتتقوت بأجرتها وكانت كثيرة البر والصدقة والصلاة رحمها الله تعالى
وأما خاتون بنت انزز وجة الملك نور الدين فتأخرت ولها مدرسة بدمشق وخانقاه معروفة على نهر بانياس
وفيها عبد الرحمن بن سالم التنوخي الواعظ اجتمعت له الفصاحة والصباحة ومواعظه مبكية وكلماته بالوعد والوعيد مهلكة إذا وعظ كانت عباراته 179
أرق من عبرات الباكين وإذا أنشد كانت غرره مثل ثغور الضاحكين فهو كما قال الحريري يقرع الاسماع بزواحر وعظه ويطبع الاسجاع بجواهر لفظه وكان شحاذا حواشا قلما يخلو شركه من صيد حتى لو رآه الحريري لم يذكر أبا زيد أنشد في عزاء صدر الدين اسمعيل شيخ الشيوخ ببغداد
) با أخلاقي وحقكم
ما بقا من بعدكم فرح )
) أي صدر في الزمان لنا
بعد صدر الدين ينشرح )
قال ابن عساكر كان أبوه منجما وكان عبد الرحمن ينشد الشعر في الأسواق خرج إلى بغداد وأظهر الزهاد وعاد إلى دمشق وصعد إليه على المنبر طفل فامده على يديه وقال
) هذا ضغير ما جنى ضغيرة
فهل كبير يركب الكبائرا )
فضج الناس بالبكاء مات بدمشق ودفن بقاسيون قاله ابن شبهة في تاريخ الإسلام
وفيها أبو مروان عبد الملك بن زهير بن عبد الملك الاشبيلي طبيب عبد المؤمن وصاحب التصانيف أخذ عن والده وبرع في الصناعة وهو الذي صنف الدرياق السبعيني صفة لعبد المؤمن
وفيها الشيخ عدي بن مسافر بن اسمعيل الشامي ثم الهكاري الزاهد قطب المشايخ وبركة الوقت وصاحب الأحوال والكرامات صحب الشيخ عقيلا المنيحي والشيخ حماد الدباس وعاش تسعين سنة ولأصحابه فيه عقيدة تتجاوز الحد قاله في العبر وقال ابن الأهدل له كرامات عظيمة منها انه إذا ذكر على الأسد وقف وإذا ذكر على موج البحر سكن والى ذلك أشار الشيخ العارف الدصيق أبو محمد المقرئ المعروف والده بالمدوخ في وسيلته الجامعة فقال
) بحاه عدي ذلك ابن مسافر
به تسكن الأمواج في لجج البحر )
) وان قتلته لليث لم يخط خطوة
ولا الشبر من قاع ولا البعض من شبر ) 180
وقال السخاوي أصله من قرية بشوف الاكراد تسمى بيت فار ولد بها والبيت الذي ولد فيه يزار اليوم وصحب الشيخ عقيل المنيحي والشيخ حماد الدباس وأبا النجيب السهرودي وعبد القادر الحنبلي وأبا الوفاء الحلواني وأبا محمد الشنبكي وقال ابن شبهة في تاريخه كان فقيها عالما وهو أحد أركان الطريقة سلك في المجاهدة وأحوال البداية طريقا صعبا تعذر على كثير من المشايخ سلوكه وكان الشيخ عبد القادر يثنى عليه كثيرا ويشهد له بالسلطنة على الأولياء وكان في أول أمره في الجبال مجردا سائحا وانتمى إليه عالم عظيم قال عمر بن محمد خدمت الشيخ عدي سبع سنين شهدت له فيها خارقات أحدها انبي صببت على يديه ماء فقال لي ما أريد قلت أريد تلاوة القرآن ولا أحفظ من غير الفاتحة وسورة الإخلاص فضرب بيده في صدري فحفظت القرآن كله في وقتي وخرجت من عنده وأنا أتلوه بكماله وقال لي يوما اذهب إلى الجزيرة السادسة بالبحر المحيط تجد بها مسجدا فادخله ترفيه شيخا فقل له يقول لك الشيخ عدي بن مسافر احذر الاعتراض ولا تختر لنفسك أمر لك فيه إرادة فقلت يا سيدي وأني بالبحر المحيط فدفعني بين كتفي فإذا أنا بجزيرة والبحر محيط بها وثم مسجد فدخلته فرأيت شيخا مهيبا بفكر فسلمت عيه وبلغته الرسالة فبكى وقال جزاه الله خيرا فقلت يا سيدي ما الخبر فمقال اعلم أن أحد السبعة الخواص في النزع وطمحت نفسي وإرادتي أن أكون مكانه ولم تكمل خطرتي حتى أتيتني فقلت له يا سيدي وأني لي بالوصول إلى جبل هكار فدفعني بين كتفي فإذا أنا بزاوية الشيخ عدي فقال لي هو من العشرة الخواص ذكر ذلك القطب اليونيني في ذيله
وفيها أبو نصر محمد الفروخي الكاتب كان أديبا فاضلا من شعره
) يا رب عفوك أنني في معشر
لا أبتغي منهم سواك ملاذا )
) هذا ينافق ذا وذا ويغتاب ذا
ويسب هذا ذا ويشتم ذا ذا )
وفيها الشيخ الأمام المحدث سيد الحفاظ سراج الدين أبو الحسن علي بن أبي 181
بكر بن حمير اليمني الهمذاني روى عنه الأمام يحيى بن أبي الخير وجماعة من ذي أشرف البخاري وسنن أبي داود وانتشر عنه الحديث بقطر اليمن وعنه أخذ أحمد ابن عبد الله القريطي قال الأمام يحيى بن أبي الخير ما رأيت ولا سمعت بمثله وله كتاب الزلازل والأشراط قاله ابن الأهدل
وفيها هبة الله بن أحمد الشبلي بن المظفر القصار المؤذن توفي في سلخ السنة عن ثمان وثمانين سنة وبه ختم السماع من أبي نصر الزينبي
وفيها أبو بكر هبة الله بن أحمد الخفار روى عن رزق الله التميمي وتوفي في شوال كلاهما ببغداد
سنة ثمان وخمسين وخمسمائة
فيها سار جيش المتنجد فالتقوا آل دبيس الأسد بين أصحاب الحلة فالتقوهم فخذلت أسد وقتل من العرب نحو الأربعة آلاف وقطع دابرهم فلم تقم لهم بعدها قائمة
وفيها سار نور الدين الشهيد الفرنج وكانوا عزموا على حمص فترفعوا وفرق في يوم مائي ألف دينار وكتب إليه النواب أن الصدقات كثيرة للفقهاء والفقراء والصوفية فلو استعنت بها ثم تعوضهم عناه فغضب وكتب إليهم )
أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) وهل أرجو النصر إلا بهؤلاء وهل تنرون إلا بضعفائكم فكتبوا إليه فتقترض من أرباب الأموال ثم نوفيهم فبات مفكرا فرأى في منامه إنسانا ينشد
) احسنوا ما دام أمركم
نافذا في البدو والحضر )
) واغنموا أيام دولتكم
إنكم منها على خطر )
فقام مرعوبا مستغفرا مما خطر له وكطتب لا حاجة لي بأموال الناس وعاد الفرنج إلى بلادهم 182
وفيها توفي الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة الزاهد والد الشيخ أبي عمر والشيخ الموفق وله سبع وستون سنة وكان خطيب جماعيل ففر بدينه من الفرنج مهاجرا إلى الله ونزل بمسجد أبي صالح الذي بظاهر باب شرقي ثم صعد إلى الجبل لتوخم
ناحية باب شرقي عليهم ونزل هو وولداه بسفح قاسيون وكانوا يعرفون بالصالحية لنزولهم بمسجد أبي صالح فسميت الصالحية بهم وكانت تسمى أولا قرية الجبل وقيل قرية النخل كان بها كثيرا وكان زاهدا صالحا قاتنا الله صاحب جد وصدق وحرص على الخير وهو الذي بني الديار بالصالحية
وفيها أحمد بن جعفر والدبيثي مصغرا نسبة إلى دبيثا قرية بواسط البيع ابن عم الحافظ أبي عبد الله الدبيثي قدم بغداد وكان قد ضمن البيع بواسط ثم عطل عنه وصودر وروى ببغداد شيئا من شعره وأورد له ابن الجار في تاريخه قوله
) يروم صبرا وفرط الوجد يمنعه
وسلوه ودواعي الشوق تردعه )
) إذا استبان طريق الرشد واضحة
عن الغرام فيثنيه ويرجعه )
) مشحونة بالجوى والشوق أضلعه
ومفعم القلب بالأحزان مترعه )
ومنها
) عاثت يد البين في قلبي تقسمه
على الهوى وعلى الذكرى توزعه )
) كأنما آلت الأيام جاهدة
لما تبدد شملي لا تجمعه )
) روعت يا دهر قلبي كم تذوقه
من الأسى وفؤادي كم تجرعه )
وهي طويلة والظاهر انه عارض فيها قصيدة ابن زريق المشهورة
وفيها شهر دار بن شيرويه بن شهر دار بن شيرويه الديلمي المحدث الشافعي أبو منصور قال ابن السمعاني كان حافظا عارفا بالحديث فهما عارفا بالأدب ظريفا سمع أبا وعبدوس بن عبد الله ومكي السلا وطائفة وأجاز له أبو بكر بن خلف الشيرازي وعاش خمسا وسبعين سنة خرج أسانيد لكتاب والده المسمى بالفردوس في ثلاث مجلدات ورتبه ترتيبا الفردوس الكبير 183
وفيها عبد المؤمن الكومي التلمساني صاجب المغرب والأندلس كان أبوه صانعا في الفخار فصار أمره إلى ما صار وكان مليحا ذا جسم عم تعلوه وحمرة أسود الشعر معتدل القامة وضيئا جهوري الصوت فصيحا عذب المنطق لا يراه أحد إلا أحبه بديهة وكان في الآخر شيخا أنقى وقد سبق شيء من أخباره في ترجمة ابن تومرت وكان ملكا عادلا ساسيا عظيم الهيبة عالي الهمة كثير المحاسن متين الديانة قليل المثل وكان يقرأ كل يوم سبعا من القرآن العظيم ويجتنب لبس الحرير ويصوم الاثنين والخميس ويهتم بالجهاد والنظر في الملك كأنما خلق له وكان سفاكا لدماء من خالفه سأل أصحابه مسألة ألقاها عليهم فقالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا فلم ينكر ذلك عليهم فكتب بعض الزهاد هذين البيتين ووضعهما تحت سجادته وهما
) يا ذا الذي قهر الأنام بسيفه
ماذا يضرك أن تكون إلها )
) الفظ بها فيما لفظت فانه
لم يبق شيء من أن تقول سواها )
فلما رآها وجم وعظم أمرهما وعلم أن ذلك بكونه لم ينكر على أصحابه قولهم لا علم لمنا إلا ما علمتنا فكان عبد المؤمن يتزيا بزي لعامة ليقف على الحقائق فوقعت عيناه على شيخ عيه سيما الخير فتفرس فيه انه قائل البيتين فقال له أصدقني أنت قائل البيتين قال أنا هو قال لم فعلت ذلك قال قصدت إصلاح دينك فدفع إليه ألف دينار فلم يقبلها ومن شعره وقد كثر الثوار عليه
) ى تحفلن بما قالوا وما فعلوا
أن كنت تسمو إلى العليا من الرتب )
) وجرد السيف فيما أنت طالبه
فما تردد صدور الخيل بالكتب )
ومات عازيا بمدينة سلا في جمادي الآخرة رحمه الله تعالى
وفيها أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن عمار بن أحمد بن علي بن عبدوس الحراني الفقيه الحنبلي الزاهد العارف الواعظ ولد سنة عشر أو إحدى عشرة وخمسمائة 184
وسمع ببغداد من ابن ناصر وغيره وتفقه وبرع في الفقه والتفسير والوعظ والغالب على كلامه التذكير وعلوم المعاملات وله تفسيرا كبير مشحون بهذا الفن وله كتاب المذهب ومجالس وعظية فيها كلام حسن قرأ عليه قرنه أبو الفتح نصر الله بن عبد العزيز وجالسه الشيخ فخر الدين والاطلاع على علم التفسير وله فيه التصانيف البديعه والمبسوطات الوسيعة وسمع منه الحديث أبو المحاسن عمر بن علي القرشي الدمشقي بحران وقال هو إمام الجامع بحران من أهل الخير والصلاح والدين قال وانشدني لنفسه
) سألت حبيبي وقد زرته
ومثلي في مثله يرغب )
) فقلت حديثك مستظرف
ويعجب منه الذي تعجب )
) أراك ظريفا مليح الجواب
فصيح الخطاب فما تطلب )
) فهل فيك من خلة تزدري
بها الصد والهجر هل يقرب )
) فقال أما قد سمعت المقال
مغنية الحي ما تطرب )
وقوله
) قرة عين من صدف
بعزمه عن الصدف )
) ثم اقتنى الدر الذي
من ناله نال الشرف )
توفي رحمه الله تعالى في آخر نهار عرفة وقيل ليلة عيد النحر سنة تسع وخمسين وحمسمائة كما جزم به ابن رجب
) وقيها سديد الدولة ابن الانباري صاحب ديوان الانشاء ببغداد وهو محمد ابن عبد الكريم بن إبراهيم الشيباني الكاتب البليغ أقام في الانشاء خمسين سنة وناب في الوزارة ونفذ رسولا وكان ذار أي وحزم وعقل عاش نيفا وثمانين سنة وكانت رسائله بديعة المعاني متينة المباني عذبة المجاني ومدحته الشعراء منهم إلا رجاني بقصيدة أولها 185
) إلى خيال خيال في الظلام سرى
نظيره في خفاء الشخص إذ نظرا )
ومنها
) معقرب الصدغ تحكي نور غرته
بد بدا بظلام الليل معتكرا )
) منسافر القلب من صدري إليه هوى
ما عاد قط ولم أسمع له خبرا )
) وهو المسيء اختيارا إذا نوى سفرا
وقد رأى طالعا في العقرب القمرا )
وكانت بينه وبين الحريري مكاتبات ومراسلات
وفيها الجواد جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي الاصبهاني وزير صاحب الموصل أتابك زنكي رئيسا نبيلا مفخما دمث الأخلاق سمحا كريما مفضالا متنوعا في أعفال البر والقرب مبالغا في ذلك وقد وزر أيضا لود زنكي سيف الذين غازي ثم لأخيه قطب الدين مدة ثم قبض عليه في هذه السنة وحبسه ومات في العام الاتي فنقل ودفن بالبقيع ولقد حكى ابن الأثير في ترجمة الجواد هذا مآثر ومحاسن لم يسمع بمثلها
وفيها المؤيد محمد الالوسيبفتح الهمزة وضم اللام ومهملة نسبة إلى ألوس ناحية عند حديثه الفرات وقال ابن السمعاني عند طسوس كان يتزيا بزي الأجناد وله المعاني المتبكرة فمن ذلك قوله في قلم
) قلم بفل الجيش وهو عرمرم
والبيض ما سلت من الأغماد )
) وهبت له الآجام حين نشا بها
كرم السيول وهيبة الآساد )
وما أظن انه قيل في القلم أحسن منهما
وفيها يحيى بن سعيد النصراني أو حد زمانه في معرفة الطب والأدب له ستون مقامة ضاهي بها مقامات الحريري ومن شعره في للشيب
) نفرت هند من طلائع شبي
واعترتها سآمة من وجومي )
) هكذا عادة الشياطين ينفرن
إذا ما بدت رجوم النجوم )
) وفيها أبو الخير العمراني يحيى بن أبي الخير بن سالم اليماني صاحب البيان ولد 186
سنة تسع وثمانين وأربعمائة وتفقه على جماعات منهم زيد البقاعي وكان شيخ الشافعية ببلاد اليمن وكان إماما زاهدا ورعا عالما خيرا مشهور الاسم بعيد الصيت عارفا بالفقه وأصوله والكلام والنحو من أعرف أهل الأرض بتصانيف الشيخ أبي إسحق الشيرازي ويحفظ المهذب عن ظهر قل وقيل انه كان يقرؤه في كل ليلة وكان ورده في كل ليلة أكثر من مائة ركعة بسبع القرآن العظيم
ورحل إليه الطلبة من البلاد ومن تصانيفه البيان في نحو عشر مجلدات وهو كاسمه وفيه قيل
) لله شيخ من بني عمران
قد شاد قصر العلم بالأركان )
) يحيى لقد أحيا الشريعة هاديا
بزوائد وغرائب وبيان )
) هو درة اليمن الذي ما مثله
من أول في عصرنا أو ثان )
وكان حنبلي العقيدة شافعي الفروع كما قال ابن الأهدل كا جرى صاحب كتاب الشريعة قال ابن شبهة وغيره وله في علم الكلام كتاب الانتصار في الرد على القدرية الاشرار ينصر فيه عقيدته وتحامل فيه على الاشرار ينصر فيه عقيدته وتحامل فيه على الاشاعرة واختصر الأحياء وله كتاب السؤال عما في المهذب من الأشكال وانتقل في آخر أمره من سير إلى ذي سفال ثم مات بها مبطونا شهيدا وما ترك فريضة في جملة مرضه ونازع ليلتين وهو يسأل عن أوقات الصلاة ومحاسنه ومصنفاته كثيرة رحمه الله تعالى
سنة تسع وخمسين وخمسمائة
فيها كسر نور الدين الشهيد واسر صاحب إنطاكية وصاحب طرابلس وفتح حارم
وفيها سار أسد الدين شيركوه من دمشق إلى مصر بأمور نور الدين إعانة للأمير شاور ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب وهو الذي صار إليك ملك مصر كما سيأتي وكان نجم الدين أيوب بن شادي السعدي وأخوه شيركوه من بلد العجم أصلهم أكراد وكانوا من بلد من يقال له دوين ونجم الدي00ن إلا كبر 187
قدما العراق وخدما مجاهد الدين بهروز ولما لزنكي أمره ذهب إليه نور الدين وأخوه فلما قتل قتل زنكي وقصد نور الدين دمشق كاتبهما أن يساعداه وكانا صارا من أكابر أمراء دمشق ووعدهما بأشياء فساعداه على فتحها ووفي لها وصارا عنده في منزلته عاليه خصوصا نجم الدين فلما وصل إلى مصر بالعساكر وخرج أليهما ضرغام فالتقوا على باب القاهرة في هذه السنة فقتل ضرغام واستقام أمر شاور ثم ظهر من شاور الغدر وكتب إلى الفرنج يستنجدهم فجاؤا إلى بلبيس وحصروا أسد الدين شيركوه ولم يقدروا عليه خصوصا لما جاءهم الضريخ بما تم على دين الصليب بوقعة حارم فصالحوا أسد الدين وردوا ورجع هو إلى الشام ثم لا زالت تتنقل به وبابن أخيه الأحوال إلى أن صار ابن أخيه ملك مصر
وفيها توفي أبو سعد عبد الوهاب بن الحسن الكرماني بقية شيوخ نيسابور روى عن أبي بكر بن خلف وموسى بن عمران وأبي سهل عبد الملك الرسي وتفرد عنهم وعاش تسعا وتسعين وسبعين سنة
وفيها أبو المعالي الحسن الوركاني بالفتح والسكون نسبة إلى وركان محلة بأصبهان الفقيه الشافعي كان سريا مفتيا للفريقين وله طريقة في الخلاف
وفيها السيد أبو الحسن علي بن حمزة العلوي الموسوي مسند هراة سمع أبا عبد الله المعمري ونجيب بن ميمون وأبا عامر الازدي وطائفة وعاش نيفا وتسعين سنة
وفيها أبو الخر الباغبان بفتح الموحدتين وسكون المعجمة نسبة إلى حفظ الباغ وهو البستان محمد بن أحمد بن محمد الاصبهاني المقدر سمع عبد الوهاب بن مندة وجماعة وكان ثقة مكثرا توفي في وشوال
وفيها الزاغولي الحافظ محمد بن الحسين بن محمد بن الحسيم بن علي بن إبراهيم ابن عبد الله بن يعقوب المروزي كان حافظا ثقة عمدة له مؤلفات منها مؤلف واحد في أكثر من أربعمائة مجلد قاله ابن ناصر الدين والزاغولي بضم المعجمة نسبة إلى 188
زاغولة قرية من قرى بنج دية
وفيها نصر بن خلف السلطان أبو الفضل صاحب سجستان عمر مائة سنة ملك منها ثمانين سنة وكان عادلا حسن السيرة مطيعا للسلطان سنجر
سنة ستين وخمسمائة
فيها وقعت فتنة بأصبهان بين صدر الدين عبد اللطيف بن الخجندي وغيره من أصحاب المذاهب سببها التعصب للمذهب فخرجوا للقتال وبقى الشر والقتل ثمانية أيام قتل فيها خلق كثير وأحرقت وأماكن كثيرة
وفيها فوض نور الدين دمشق إلى صلاح الدين يوسف بن أيوب فأظهر السياسة وهذب الأمور
وفيها فتح نور الدين بانياس عنوة
وفيها توفي أبو العباس بن الحطية أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام اللخمي الفاسي المقرئ الصالح الناسخ ولد سنة ثمان وسبعين وحج وقرا القراءات على ابن الفحام وبرع فيها وكان لأهل مصر فيه اعتقاد كثير توفي في المحرم ودفن بالقرافة
وفيها أمير ميران أخو السلطان نور الدين أصابه سهم في عينه على حصار بانياس فمات بدمشق رحمه الله تعالى
وفيها أبو الندى حسان بن تميم الزيات رجل حاج صالح روى عن نصر المقدسي وتوفي في رجب عن بضع وثمانين سنة وروت عنه كريمة
وفيها أبو المظفر لعلكي سعيد بن سهل الوزير النيسابوري ثم الخوارزمي وزير خوارزم شاه روى مجالس عن أحمد المديني ونصر الله الخشنامي وحج وتزهد واقام بدمشق بالسمساطية وكان صالحا متواضعا توفي في شوال 189
وفيها أبو المعمر حذيفة بن سعد الازجي الوزان روى عن أبي الفضل ابن خيرون وجماعة وتوفي في رجب
وفيها رستم بن علي بن شهريار صاحب مازندران استولى في العام الماضي على بسطام وقومس واتسعت مملكته مات في ربيع الأول وتملك بعده ابنه علاء الدين حسن
وفيها عبد الله بن سعد بن الحسين بن الهاطر العطار الحنبلي وهو حذيفة المتقدم كان اسمه حذيفة فغيره وصار يكتب عبد الله قرأ القرآن بالروايات على أبي الخطاب بن الجراح وغيره وسمع الحديث من ابن طلحة وغيره وتفقه على أبي الخطاب الكلوذاني وحدث وروى عنه أبو جعفر السهرودي وغيره توفي يوم الاثنين ثامن رجب وصلى عليه الشيخ عبد القادر الكيلاني من الغد ودفن باب حرب
وفيها أبو الحسين اللباد علي بن أحمد الاصبهاني سمع أبا بكر بن ماجه ورزق الله التميمي وطائفة وأجاز له أبو بكر بن خلف وتوفي في شوال
وفيها أبو القسم بن البزري عمر بن محمد الشافعي جمال الإسلام إمام جزيرة ابن عمر وفقيهها ومفتيها ومدرسها رحل إلى بغداد وأخذ عن الغزالي والكبار وجماعة وبرع في المذهب ودقائقه وصنف كتابا في حل مشكلات المهذب وكان من أهل العلم والدين بمحل رفيع قال ابن خلكان كان أحفظ من بقي في الدنيا على ما يقال لمذهب الشافعي انتفع به خلق كثير ولم يخلف بالجزيرة مثله ولد سنة إحدى وسبعين وأربعمائة وتوفي في أحد الربيعين والبزري منسوب إلى عمل البزر وهو الدهن من حب الكتان
وفيها أبو عبد الله الحراني محمد بن عبد الله بن العباس المعدل ببغداد سمع رزق الله التميمي وهبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري وطراد بن محمد وكان أديبا فاضلا ظريفا توفي في جمادي الأولى 190
وفيها القاضي أبو يعلي الصغير الحنبلي محمد بن أبي حازم محمد بن القاضي أبي يعلى الكبير بن الفراء البغدادي شيخ المذهب تفقه على أبيه وعمه أبي الحسين وكان مناظرا فصيحا مفوها ذكيا ولي قضاء واسط مدة ثم عزل منها فلزم منزله وأضر بأخرة قال ابن رجب ولد يوم السبت لثمان عشرة من شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة وسمع الحديث من أبي البركات العاقولي وأبي علي الثكلي وغيرهما وأجازه الحريري صاحب المقامات ودرس وناظر في شبيبته وكان ذا ذكاء مفرط وذهن ثاقب وفصاحة حسن العبارة ظهر علمه في الآفاق ورأى من تلاميذه من ناظر ودرس وأفتى في حياته ومما كتبه إلى بعض العلماء فلو أن للكرم مقلة لكان هو انسانها أو للمجد لغة لكان هو لسانها أو لسؤدد دهرا لكان هو ربيع لزمانه وللشرف عمرا كان صفو ريعانه وللأجواد شبها لكان هو الشمس التي إذا ظهرت خفيت الكواكب لظهورها وإذا تأملها الراؤون ردت أبصارهم عن شعاعها ونورها ولابن الجوزي فيه مدائح كثيرة وله مصنفات كثيرة منها المفردات والتعيقة في مسائل الخلاف وشرح المذهب و كتاب النكت والإشارات وقرأ البقال العكبري ويحيى بن الربيع الشافعي وسمع منه جماعة كثيرة أيضا وتوفي ليلة السبت سحر خامس جمادي الأولى
وفيها أبو طالب العلوي الشريف محمد بن محمد بن أبي زيد الحسني البصري نقيب الطالبيت بالبصرة روى عن علي التستري وجعفر البعاداني وجماعة واستفاد به ابن هبيرة لسماع السنن توفي في ربيع الأول عن إحدى وتسعين سنة
وفيها أبو الحسن بن التلميذ أمين الدولة هبة الله بن صاعد المصري البغدادي شيخ قومه وقسيسهم لعنهم الله وشيخ الطب وجالينوس العصر وصاحب التصانيف مات في ربيع الأول وله أربع وتسعون سنة قاله في العبر وقال صاحب أنموذج 191
الأعيان كان شيخا زيني المنظر عذب المجتلي والمجتني لطيف الروح ظريف الشخص مصنف الفكر حازم الرأي والله يهدي من يشاء بفضله ويضل به يريد بعد له وله لغز في ميزان
) ما واحد مختلف الأسماء
يعدل في الأرض وفي السماء )
) يحكم بالقسط بلا مراء
أعمى يرى الإرشاد كل راء )
) اخرس لا من علية وداء
يغني عن التصريح بالإيماء )
) يجيب أن ناداه ذو امتراء
بالخفض والرفع عن النداء )
) يفصح أن علق في الهواء
)
وقوله مختلف الأسماء يعني ميزان الشمس الاسطرلاب وميزان الكلام النحو ومير أن الشعر العروض
وفيها باغي أرسلان بن الدار شمند صاحب ملطية جرى بينه وبين جاره قلج أسرلان حروب عديدة ثم مات وولى بعده ابن أخيه إبراهيم بن محمد فصالح قلج أرسلان
وفيها الوزير عون الدين أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد الشيباني وزير المقتفي وابنه ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة بالسواد ودخل بغداد شابا فطلب العلم وتفقه على مذهب الأمام أحمد بن حنبل وسمع الحديث وقرأ القراءات وشارك في الفنون وصار من فضلاء زمانه ثم احتاج فدخل في الكتابة وولى مشارفة الخزانة ثم ترقي وولى ديوان الخواص ثم استوزره المقتفي فبقي وزيرا إلى أن مات وكان شامة بين الوزراء لعدله ودينه وتواضعه ومعرفته روى عن أبي عثمان بن ملة وذا شيء لا يفعله قضاة زماننا ولا خطباؤهم وكان مجلسه معمورا بالعلماء والفقهاء والبحث وسماع الحديث شرح صحيح البخاري ومسلم وألف كتاب العبادات في مذهب أحمد شهيدا مسموما في جمادي الأولى ووززر بعده 192
شرف الدين أبو جعفر بن البلدي قاله في العبر
وقال ابن رجب صحب أنا عبد الله محمد بن يحيى الزبيدي الواعظ الزاهد من حداثته وكمل عليه فنونا من العلوم الادبية وغيرها واخذ عنه التأله والعبادة وانتفع بصحبته حتى أن الزبيدي كان يركب جملا ويعتم بفوطة ويلويها تحت حنكة وعليه جبة صوف وهو مخضوب بالحناء فيطوف بأسواق بغداد ويعظ الناس وزمام جملة بيد ابن هبيرة خام قصير معتم بفوطة من قطن قد لواها تحت حنكة وعليه قميص قطن خام قصير الكم والذيل وكلما وصل الزبيدي ابن هبيرة بمسبحته ونادى برفيع صوته لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير
وقال ابن الجوزي كانت له معرفة حسنة بالنحو واللغة والعروض وصنف في تلك العلوم وكان شديدا في اتباع السنة وسير السلف وقال ابن رجب صنف الوزير أبو المظفر كتاب الافصاح عن معاني الصحاح في عدة مجلدات وهو شرح صحبحي البخاري ومسلم ولما بلغ فيه إلى حديث ) من يرد الله يه خيرا يفقه في الدين ) شرح الحديث وتكلم على معنى الفقه وال به الكلام إلى ذكر مسائل الفقه المتفق عليها والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين وقد أفرده الناس من الكتاب وجعلوه بمفرده مجلدة وسموه بكتاب الافصاح وهو قطعة منه وهذا الكتاب صنفه في ولايته الوزارة واعتنى به وجمع عليه أئمة المذاهب وأوفدهم من البلدان إليه لأجله بحيث أنفق على ذلك مائة ألف دينار وثلاثة عشر ألف دينار وحدث به واجتمع الخلق العظيم لسماعه عليه واشتغل به الفقهاء في ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم واستدعاه المقتفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة إلى داره وقلده الوزارة وخلع عليه وخرج في أبهة عظيمة ومشى أرباب الدولة وأصحاب المناصب بين يديه وهو راكب وحضر القراء والشعراء وكان يوما مشهودا وقر عهده وخوطب فيه بالوزير العالم العادل عون الدين جلال الإسلام صفى الأمام 193
شرف الأنام معز الدول مجير الملة عماد الأمة مصطفى الخلافة تاج الملوك والسلاطين صدر الشرق والغرب سيد الوزراء وقال يوما لا تقولوا في ألقابي سيد الوزراء فان الله تعالى سمى هارون وزيرا وجاء عن النبي أن وزيريه من أهل السماء جبريل وميكائيل ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر وقال مرة في وزارته والله لقد كنت أسأل الله الدنيا لأخدم بما يرزقنيه منها العلم وأهله وكان سبب هذا انه ذكر في مجلسه مفردات الأمام احمد التي تفرج بها عن الثىلاثة فادعي أبو محمد الاشيري المالكي إنها رواية عن مالك ولم يوافقه على أحد وأحضر الوزير كتب مفردات أحمد وهي منها والمالكي مقيم على دعواه فقال له الوزير بهيمة أنت ما تسمع هؤلاء يشهدون بانفراد أحمد بها والكتب المصنفة وأنت تنازع وتفرق المجلس فلما كان المجلس الثاني وإجتمع الخلق للسماع أهذ ابن شافع في القراءة فمنعه الوزير وقال كان الفقيه أبو محمد جرى في مسأله أمس على ما لا يليق به من العدول عن الأدب والانحراف عن نهج النظر حتى قلت تلك الكلمة أي قوله أنت بهيمة وها أنا فليقل لي كما قلت له فلست بخير منكم ولا أنا إلا كأحدكم فضج المجلس بالبكاء وارتفعت الأصوات بالدعاء والثناء وأخذ الاشيري يعتذر ويقول أنا المذنب والاولى بالاعتذار من مولانا الوزير ويقول القصاص القصاص فقال يوسف الدمشقي إذا فالفداء فقال له الوزير له حكمه فقال الاشيري نعمك على كثيرة فأي حكم بقي لي فقال قد جعل الله لك الحكم علينا فقال علي بقية دين منذ كنت بالشام فقال الوزير يعطي مائة دينار لا براء ذمته وذكتي فأحضرت له وقال ابن الجوزى كان يتحدث بنعم الله عليه ويذكر في منصبه شدة فقرة القديم فيقول نزلت يوما إلى دجلة وليس معي رغيف أعبر به ودخل عليه يوما تركي فقال لحاجبه ما فلت لك أعط هذا عشرين دينارا وكرا من الطعام وقل له لا تحضر ههنا فقال قد أعطيناه فقال عد وأعطه وقل له لا تحضر ثم التفت إلى الجماعة فقال هذا كان سجنه في القرى فقتل 194
قتيل من قريتنا فآخذ مشايخ القرى وآخذني مع الجماعة وأمشاني مع الفرس وبالغ في أذاي وأوثقني وضربني على رأسي وهو مكشوف عدة مقارع ثم أخذ من واحد شيئا وأطلقته ثم قال أي شيء معك قلت ما معي شيء وما نقمت عليه إلا أني سألته في الطريق أن يمهلني حسبما أصلى الفرض فما أجابني وضربني وقال ابن الجوزى كنا نجلس إلى ابن هبيرة فيملى علينا كتابه الافصاح فبينا نحن كذلك إذ قدم علينا رجل ومعه رجل أدعى عليه انه قتل أخاه فقال له عون الدين أقتللته قال نعم جرى بيني وبينه كلام فقتلته فقال الخصم سلمه إلينا حتى نقتله فقد أمر بالقتل فقال عون الدين أطلقوه ولا تقتلوه قالوا كيف ذلك وقد قتل أخانا قال فتبيعونيه فاشتراه منهم بسستمائة دينارا وسلم الذهب إليهم وذهبوا وقال للقاتل اقعد عندنا لا تبرح قال فجلس عندهم وأعطاه الوزير خمسين دينرا قال فقلنا للوزير لقد أحسنت إلى هذا وعملت معه أمرا عظيما وبالغت في الإحسان إليه فقال للوزير منكم أحد يعلم أن عيني اليمنى لا أبصر بها شيئا فقلنا معاذ الله فقال بلى والله أتدرون ما سبب ذلك قلنا لا قال هذا الذي خلصته من القتل جاء إلى وأنا في الدور ومعي كتاب من الفقه اقرأ فيه ومعه لسة فاكهة فقال أحمل هذه السلة قلت له ما هذا شغلي فاطلب غيري فشاكلني ولكمني فقلع عيني ومضى ولم أره بعد ذلك إلى يومي هذا فذكرت ما صنع بي فأردت أن أقابل اساءته إلى بالإحسان مع القدرة وقال صاحب سيرته كنا
عنده يوما المجلس غاض بولاة الدين والدنيا وأعيان الاماثل وأين شافع يقرأ عليه الحديث إذا فجأنا من باب السنر وراء ظهر الوزير صراخ بشع وصياح مرتفع فاضطرب له المجلس فارتاع الحاضرون والوزير ساكن ساكت حتى أنهى ابن شافع قراءة الإسناد ومتنه ثم أشار الوزير إلى الجماعة أن على رسلكم وقام ودخل الستر ولم يلبث أن خرج فجلس وتقدم بالقراءة فدعا له ابن شافع والحاضرون وقالوا قد أزعجنا ذلك الصياح فإن رأى مولانا أن 195
يعرفنا سببه فقال الوزير حتى ينتهي المجلس وعاد ابن شافع إلى القراءة حتى غابت الشمس وقلوب الجماعة متعلقة بمعرفة الحال فعاودوه فقال كان لي ابن صغير مات حين سمعتم الصياح عليه ولولا تعين الأمر علي بالمعروف في الإنكار عليهم ذلك الصياح لما قمت عن مجلس رسول الله فعجب الحاضرون من صبره وقال في كتاب الافصاح في الخضر الذي لقيه موسى عليه السلام قيل كان ملكا وقيل بشرا وهو الصحيح ثم قيل انه عبد صالح ليس بني وقيل بل نبي هو الصحيح والصحيح عندنا انه حي وأنه يجوز أن يقف على باب أحدنا مستعطيا له أو غير ذلك وقال ابن الجوزى أنشدنا لنفسه
) بلد بهذا العيش من ليس يعقل
ويزهد فيه الالمعى المحصل )
) ما عجب نفس أن ترى الرأي إنما العجيبة
نفس مقتضى الرأي تفعل )
) إلى الله أشكو همة دنيوية
ترى النص إلا إنها تتأول )
) ينهنهها موت الشباب فترعوى
ويخدمها روح الحياة فتغفل )
) وقي كل جزء ينقضى من زمانها
من الجسم جزء مثله يتحلل )
) فنفس الفتى في سهوها وهي تنقضى
وجسم الفتى في شغله وهو يعمل )
) قال وأنشدنا لنفسه
) والوقت أنفس ما عنيت بحفظه
وأراه أسهل ما عليك يضيع )
) قال وأنشدنا لنفسه أيضا
) الحمد الله هذا العين لا الأثر
مما الذي باتباع الحق ينتظر )
) وقت يفوت وأشغال معوقة
وضعف عزم ودار شأنها الغير )
) والناس ركضى إلى مهوى مصارعهم
وليس عندهم من ركضهم خبر )
) تسعى بها خادعات من سلامتهم
فيبلغون إلى المهوى وما شعروا )
) والجهل اصل فساد الناس كلهم
والجهل اصل عليه يخاق البشر )
) إنما العلم عن ذي الرشد يطرحه
كما عن الطفل يوما تطرح السرر ) 196
) وأصعب الداء لا يحس به
كالدق يضعف حسا وهو يستعر )
) وإنما لم تحس النفس موبقها
لأن أجزاءه قد عمها الضرر )
وذكر ياقوت الحموي في معجمه بإسناد له أن الوزير عرضت عليه جارية فائقة الحسن وأظهر له في المجلس من أدبها وحسن كتابتها وذكائها وظرفها ما أعجبه فأمر فاشتريت له بمائة وخمسين دينارا وأمر أن يهيأ لها منزل وجارية وان يحمل لها من الفرش والآنية والثياب ما تحتاج إليه بعد ثلاثة أيام جاءه الذي بعها وشكا له ألم فراقها فضحك وقال له لعلك تريد ارتجاع الجارية قال إي والله وهذا الثمن بحاله لم أتصرف فيه وأبرزه فقال الوزير ولا نحن تصرفنا في المثمن ثم قال لخادمه ادفع إليه الجارية وما عليها وجميع ما في حجرتها ودفع إليه الخرفة التي فيها الثمن وقال استعينا به على شأنكما فاكثرا من الدعاء له فأخذها وخرج وحكى عنه انه كان إذا مد السماط أكثر ما يحضر الفقراء والعميان فلما كان ذات يوم وأكل الناس وخرجوا بقي رجل ضرير يبكي ويقول سرقوا متاعي ومالي غيره ووالله ما أقدر على ثمن مداس فقام الوزير من مجلسه ولبس مداسة وجاء إلى الضرير فوقف عنده وخلع مداسه والضرير لا يعرف وقال له البس هذا وابصره قدر رجلك فلبسه وقال نعم كأنه مداسي ومضى الضرير ورجع الوزير إلى مجلسه وهو يقول سلمت منه أن يقول أنت سرقته وأخبار الوزير رحمه الله تعالى ومناقبه كثيرة جدا وقد مدحه الشعراء فأكثروا منهم الحيض بيض وابن بختار الإبله وابن التعاويذي والعماد الكاتب وخلق كثير قال ابن الجوزى كان الوزير يتأسف على ما مضى من زمانه ويندم على ما دخل فيه ثم صار يسأل الله عز وجل الشهادة ونام ليلة الأحد ثالث عشر جمادي الأولى في عافية فلما كان وقت السحر حضر طبيب كان يخدمه فسقاه شيئا فيقال أنه سم فمات وسقى الطبيب بعده بنحو ستة أشهر يما فكان يقول سقيت كما سقيت وحملت جنازة 197
الوزير إلى جامع القصر وصلى عليه ثم حمل إلى مدرسته التي أنشأها بباب البصرة فدفن بها وغلقت يومئذ أسواق بغداد وخرج جمع لم نره لمخلوق قط وكثر البكاء عليه رحمه الله تعالى واسعة
سنة إحدى وستين وخمسمائة
وفيها ظهر ببغداد الرفض والسب وعظم الخطب
وفيها أخذ نور الدين من الفرنج حصن صافيتا
وفيها توفي القاضي الرشيد أبو الحسن أحمد بن القاضي الرشيد أبي الحسن علي الغساني الاسواني بضم الهمزة على الصحيح الشافعي كان من ذوي الفضل والرياسة وأسوان قرية بصعيد وله ديوان شعر ومصنفات ولأخيه القاضي المهذب ديوان شعر أيضا والمهذب أشع والرشيد أعلم بسائر الفنون قتله الوزير شاور ظلما وذلك أنه لما دخل اليمن رسولا مدح ملوكها فقال في علي بن حاتم الهمداني فصيدته إلى يقول فيها
) وإن جهلت حقى رعانف خندف
فقد عرفت فضلى غطاريف همدان )
فكتب بذلك داعي الإسماعيلية إلى صاحب مصر فأخذ جميع موجوده ثم قتله شاور
وفيها الحسن بن علي القاضي المهذب صنف كتاب الأنساب في عشرين مجلدا ومن شعره
) أقصر فديتك عن لومي وعن عذلي
أولا فخذلني أمانا من ظبي المقل )
) من كل طرف مريض الجفن ينشد لي
يا رب رام بنجد من بني ثعل )
) أن كان فيه لنا وهو السقيم شفا
فربما صحت الأجساد بالعلل )
) وفيها الحسن بن عبد الله الأصفهاني الشيخ الصالح كان كثير البكاء ولم يكن أصبهان أزهد منه قال وقفت على علي بن شاده وهو يتكلم على الناس فلما كان 198
الليل رأيت رب العزة في المنام فقال يا أبا حسن وقفت على مبتدع وسمعت كلامه لا حر منك النظر في الدنيا فاستيقظ وعيناه مفتوحان لا يبصر بهما شيئا ومات قال الحميدي سمعت الفضيل بن عياض يقول من وقر صاحب بدعة أو رثه الله العمى قبل موته
وفيها الحسن بن عباس الاصبهاني الفقيه الشافعي مسند أصبهان سمع أبا عمرو ابن مندة ومحمود الكوسج وطائفة وتفرد ورحل إليه وكان زاهدا ورعا بكاء خاشعا فقيها مفتيا محققا تفقه به جماعة
وفيها عبد الله بن رفاعة بن غدير الشافعي أبو محمد السعدي المصري قاضي الحيرة كان فقيها ماهرا في الفرائض والمقدرات صالحا دينا تفقه على القاضي الخلعي ولازمه وهو آخر من حدث عنه ثم ترك القضاء واعتزل في القرافة مشتغلا بها بالعبادة قال في العبر توفي في ذي القعدة عن أربع وتسعين سنة كاملة وقد ولى القضاء بمصر وطلب أن يعفى فأعفى
وفيها أبو محمد الاشيري كالكريمي نسبة إلى أشير حصن بالمغرب عبد الله ابن محمد المقرئ الصنهاجي الفقيه المالكي الحافظ روى عن أبي الحسن الجدامى والقاضي عياض وكان عالما بالحديث وطرقه وبالنحو واللغة والنسب كثير الفضائل وقبره ظاهر ببعلبك
وفيها أبو طالب ابن العجمي عبد الرحمن بن الحسن الحلبي الفقيه الشافعي تفقه ببغداد على الشاشي وأسعد الميهني وسمع من ابن بيان وله بحلب مدرسة كبيرة عاش إحدى وثمانين سنة ومات في شعبان
وفيها الشيخ عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله بن جنكى دوست بن أبي عبد الله عبد الله بن يحيى بن محمد بن داود بن موسى الحوزى ابن عبد الله المحصن بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب الجيلاني في نسبة إلى جبل وهي بلاد متفرقة من وراء طبرستان وبها ولد ويقال لها أيضا جيلاني 199
وكيلان وهو سبط أبي عبد الله الصومعي من جلة مشايخ جيلان أمه أم الخير بنت أبي عبد الله وأخوه الشيخ أبو أحمد عبد الله أصغر منه سنا نشأ في العلم والخير ومات بجيلان شابا وعمنه الصالحة أم عائشة استسقى بها أهل جيلان فلم يسقوا فكنست رحبة بيتها وقالت يا رب كنست رحبه بتي فرش أنت فمطروا كأفواه القرب كان شيخ الشيوخ الشيخ عبد القادر نحيف الجسم عريض الصدر عريض اللحية أسمر مدور الحاجبين ذا صوت جهوري وسمت بهي ولما ترعرع وعلم أن طلب العلم فريضة شمر ساق الاجتهاد في تحصيله وسازع في تحقيق فروعه وأصوله بعد أن اشتغل بالقرآن حتى أتقنه ثم تفقه في مذهب الأمام أحمد بن حنبل علي أبي الوفاء بن عقيل وأبي الخطاب وأبي الحسين محمد بن القاضي أبي يعلي والمبارك المخرمي وسمع الحديث من جماعة وعلوم الأدب من آخرين وصحب حماد الدباس وأخذ عنه علم الطريقة بعد أن لبس الخرقة من أبي سعد المبارك المخرمي وفاق أهل وقته في علوم الديانة ورقع له القبول التام مع القدم الراسخ في المجاهدة وقطع دواعي الهوى والنفس ولما أراد الله إظهاره أضف إلى مدرسة أستاذه أبي سعد المخرمي فعمرها وما حولها وأعانه الأغنياء بأموالهم والفقراء بأنفسهم فكملت في سنة ثمان وعشرين ثم تصدر فيها للتدريس والوعظ والتذكير وقصد بالزيارات والنذور من الآفاق وصنف وأملى وسارت بفضله الركبان ولقب بمجمع الفريقين وموضح الطريقين وكريم الجدين ومعلم العراقين وتلمذ له أكثر الفقهاء في ومنه ولبس منه الخرقة المشايخ الكبار وصار قطب الوجود وأكبر شيوخ اليمن وغيرها تنسب إليه وكراماته تخرج عن الحد وتفوت الحصر والعد وله نظم فائق رائق وتاب على يده معظم أهل بغداد وأسلم معظم اليهود والنصارى على يديه قال الشيخ موفق الدين وقد سئل عن الشيخ عبد القادر أدركناه في آخر عمره فأسكننا مدرسته إلى أن قال ولم اسمع عن أحد يحكي عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عنه ولا رأيت أحدا يعظمه الناس من أجل 200
الدين أكثر منه وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتواتر إلا الشيخ عبد القادر وقال ابن النجار قال الشيخ عبد القادر فتشت الأعمال كلها فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام أو دلو كانت الدنيا بيدي فأطعمها الجياع وقال الخلق حجابك عن نفسك ونفسك حجاب عن ربك ما دمت ترى الخلق لا ترى نفسك ومادمت ترى نفسك لا ترى ربك وقال ابن السمعاني هو إمام الحنابلة وشيخهم في عصره فقيه صالح دين خير كثير اذكر دائم الفكر سريع الدمعة كتبت عنه وكان يسكن بباب الازج في المدرسة التي بنيت له وقال ابن رجب ظهر الشيخ عبد القادر للناس وجلس للوعظ بعد العشرين وخمسمائة وحصل له القبول التام من الناس واعتقد واديانته وصلاحه وانتفعوا بكلامه وانتصر أهل السنة بظهوره واشتهرت أحواله وأقواله وكراماته ومكاشفاته وهابه الملوك فمن دونهم وصنف الشطنوفي المصري في أخبار عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات ذكر فيه بإسناده إلى موسى بن الشيخ عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات ذكر فيه بإسناده إلى موسى بن الشيخ عبد القادر قال سمعت والدي يقول خرجت في بعض سياحاتي ونزل على منها شيء يشبه الندى فرويت ثم رأيت نورا أضاء به الأفق وبدت لي صورة ونوديت منها يا عبد القادر نان ربك وقد أحللت لك المحرمات أو قال ما حرمت على غيرك فقلت أعوذ بالله من الشياطان الرجيم اخسأ يالعين فإذا ذلك النور ظلام وتلك الصورة دخان ثم خاطبني وقال يا عبد القادر نجوت مني بعلمك بحكم ربك وقوتك في أحوال منازلاتك ولقد أضللت بهذه الواقعة سبعين من أهل الطريق فلت لربي الفضل والمنة قال فقيل له كيف علمت انه شيطان قال بقوله قد حللت لك المحرمات وذكر فيه أيضا الحكاية المعروفة عن الشيخ عبد القادر انه قال قدمي هذه عى رقبة كل ولي لله ساقها عنه من طرق متعددة قال ابن رجب أحسن ما قيل في هذا الكلام ما ذكره السهرودي في عوارفه انه من شطحات الشيوخ التي لا يقتدى بهم فيها ولا تقدح في مقاماتهم ومنازلهم فكل 201
أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم وقال ابن رجب أيضا وكان الشيخ عبد القادر متمسكا في مسائل الصفات والقدر ونحوهما بالسنة مبالغا في الرد على من خالفهما قال في كتابه الغنيمة المشهورة وهو بجهة العلو مستو على العرش محتو على الملك يحيط علمه بالآشياء إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه يدبر الأمر في السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان بل يقال انه في السماء على العرض كما قال )
الرحمن على العرش استوى ) وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش قال وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف وذكر كلاما طويلا وذكر نحو هذا في سائر الصفات وذكر الشيخ أبو زكريا يحيى بن يوسف الصرصري الشاعر المشهور عن شيخه العارف علي بن إدريس أنه سأل الشيخ عبد القادر فقال يا سديي هل كان لله ولي غير اعتقاد أحمد بن حنبل فقال ما كان ولا يكون انتهى ما أورد ابن رجب ونقل عن الشيخ عبد القادر انه قال كنت اقتات الخرنوب والشوك وما قامة البقل وورق الخس من جانب النهر والشط وبلغت بي الضائقة في غلاء نزل ببغداد إلى أن بقيت أياما لم آكل فيها طعاما بل كنت أتتبع المنبوذات أطعمها فخرجت يوما من شدة الجوع إلى الشط لعلى أجد ورق الخس أو البقل أو غير ذلك فأتقوت به فما ذهبا إلى موضع إلا وغيري قد سبقني إليه وإذا وجدت الفقراء يتزاحمون عليه فأترك حياء فرجعت أمشي وسط البلد فلا أدرك منبوذا إلا وقد سبقت إليه حتى وصلت إلى مسجد بسوق الريحانيين ببغداد وقد أجهدني الضعف وعجزن عن التماسك فدخلت إليه وقعدت في جانب منه وقد كدت أصافح الموت إذا دخل شاب أعجمي ومعه خبز رصافي وشواء وجلس يأكل فكنت أكاد كلما رفع يده بالقمة أن افتح في من شدة الجوع حتى أنكرت ذلك على نفسي 202
0وقلت ما هذا إذا التفت إلى العجمي فرآني فقال بأسم الله يا أخي فأبيت فأقسم علي فبادرت نفسي فخالفتها وأقسم أيضا فأجبته فأكلت فأخذ يسائلني من أين أنت وبمن تعرف فقلت أنا متفقه من جيلان فقال وأنا من جيلان فهل تعرف شابا جيلانيا يسمى عبد القادر يعرف بأبي عبد الله الصومعي الزاهد فقلت أنا هو فاضطرب وتغير وجهه وقال والله لقد وصلت إلى بغداد ومعي بقية تفقه لي فسألت عنك فلم يرشدني أحد ونفدت نفقتي ولي ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلا مما كان لك معي وقد حلت لي الميتة وأخذت من وديعتك هذا الخبز والشواء فكل طيبا فأنما هو لك وأنا ضيفك الآن بعد أن كنت ضيفي فقلت له وما ذاك فقال أمك وجهت لك معي ثمانية دنانير فاشتريت منها هذا للاضرار واما معتذر إليك فسكنته وطيبت نفسه ودفعت إليه باقي الطعام وشيئا من الذهب برسم النفقة فقبله وانصرف قال وكنت أشتغل بالعلم فيطرقني الحال فأخرج إلى الصحاري ليلا ونهارا وأصرخ وأهج على وجهي فصرخت ليلة فسمعني العيارون ففزعوا فجاءوا فعرفوني فقالوا عبد القادر المجنون افزعتنا وكان ربما أغشى على فيلفوني ويحسبون أني مت من الحال التي تطرقني وربما أردت الخروج من بغداد فياق لي أرجع فان للناس فيك منفعة وقال ابن النجار سمعت عبد الرازق بن الشيخ عبد القادر يقول ولد والدي تسعا وأربعين ولدا سبع وعشرون ذكورا والباقي إناث ومات الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى بعد عتمة ليلة السبت عاشر ربيع الآخر وفرع من تجهيزه ليلا وصلى عليه ولده عبد الوهاب في جماعة من حضر من أولاده وأصحابه وتلامذته ثم دفن في رواق مدرسته ولم يتفح باب المدرسة حتى علا النهار وأهرع الناس للصلاة على قبره وزيارته وكان يوما مشهودا انتهى وبلغ تسعين سنة 203
سنة اثنتين وستين وخمسمائة
فيها سار أسد الدين المسير الثاني إلى مصر بمعظم جيش نور الدين فنازل الجزيرة شهرين و إستنجد وزير مصر ساور بالفرنج فدخلوا في النيل من دمياط و إلتقوا فانتصر أسد الدين وقتل ألوف من الفرنج قال إبن الأثير هو من اعجب ما ورخ أن ألفي فارس تهزم عساكر مصر والفرنج وقال في العبر ثم إستولى أسد الدين على الصعيد وتقوى بخراجها وأقامت الفرنج بالقاهرة حتى إستراشوا ثم قصدوا الأسكندرية وقد أخذها صلاح الدين فحاصروه أربعة أشهر ثم كر أسد الدين منجداً له فترحلت الملاعين وصالح شاور أسد الدين على خمسين ألف دينار اخذها ونزل الشام
وفيها على الصحيح توفي لأحمد بن علي الغساني الأسواني عرف بالرشيد وتقدم الكلام عليه في السنة الماضية والصحيح وفاته هنا الكاتب الشاعر الفقيه النحوي اللغوي المنطقي المهندس الطبيب الموسيقي المنجم كان مفتيا وألف تآليف التحق فيها بالأوائل منها كتاب منية الألمعي وبينة المدعي يشتمل على علوم كثيرة ومنها المقامات على نسق مقامات الحريري وغير ذلك قال ابن شبهة في تاريخ الإسلام وكان مع جلالته أسود الجلد ذا شفة غليظة سمج قصيرا حكى ياقوتت عه انه انقطع عن أصحابه يوما فحكى لهم أنه مر بموضع وإذا امرأة شابة حسنة نظرت إليه نظر مطمع له في نفسها فتوهم انه وقع منها بموقع فأشارت إليه بطرفها فتبعها حتى دخلت دارا وأشارت إليه فدخل وكشفت عن وجهها فإذا هي كالقمر ليلة تمامه ثم نادت ياست الدار فنزلت إليها طفلة كفلقة القمر فقالت لها أن عدت تبولين في الفراش خليت سيدنا القاضي يأكلك ثم قالت لا أعد مني الله فضلك يا سيدنا القاضي فخرجت وأنا خزيان قال فيه محمود بن قادوس
) أن قلت من نار خلقت وقفت كل الناس فهما
) 204
) قلنا صدقت فما الذي
أطفاك حتى صرت فحما )
ذهب رسولا إلى اليمن فأقام وتولى القضاء بها وضربت له السكة على الوجه الواحد قل هو الله أحمد وعلى الآخر الأمام أبو الخير أحمد ثم قبض عليه وأنفذ مكبلا في الحديث إلى قوص فحسبه ابن طرخان في المطبخ ثم ورد كتاب الصالح بالإحسان إليه وأحضره مكرما فلما نزل شيركوه بالأسكندرية خرج بين يدي صلاح الدين وقاتل بين يديه وبلغ ذلك شاور فطلبه فلما حضر أركبه على جمل وعلى رأسه طرطور ووراؤه نفاط ينادي عليه والرشيد ينشد
) إن كان عندك يا زمان بقية
مما تهين به الكرام فهاتها )
ثم يتلو القرآن ثم أمر به أن يصلب شنقا فلما أحضر للشنق جعل يقول للذي يولى ذلك عجل فلا رغبة لكريم في حياة بعد هذه الحال فصلب ثم بعد حين قتل شاور فلما أرادوا ودفنه حفروا له قبرا فوجدوا الرشيد مدفونا فيه فدفنا معا ثم نقل كل واحد منهما إلى تربة بالقرافة وكان الساعي في صلبه الفقيه عمارة اليمنى وقال هذا أبو الفتن ثم أن الفقيه عمارة صلب كما سيأتي فأن المجازاة من جنس العمل والمرء مقتول بما قتل به ولما كان باليمن كتب إليه أخوه المهذب
) يا ربع أين ترى الأحبة يمموا
هل انجدوا من بعدنا أم اتهموا )
) نزلوا من العين السواد وان نأوا
ومن الفؤاد مكان ما أتكلم )
) رحلوا وفي القلب المنى بعدهم
وجد على مر الزمان مخيم )
) رحلوا وقد لاح الصباح وإنما
تسرى إذا جن الظلام الأنجم )
وهي طويلة فأجابه الرشيد
) رحلوا فلا خلت المنازل منهم
ونأوا فلا سلت الجوانح عنهم )
) وسروا وقد كتموا الغداة مسيرهم
وضياء نور الشمس مالا يكتم )
) وتبدلوا ارض العقيق عن الحمى
روت جفوني أي ارض يمموا ) 205
) نزلوا العذيب وإنما هي مهجتي
نزلوا وفي قلبي المعنى خيموا )
) ما ضرهم لو ودعوا من أودعوا
نار الغرام وسلموا من أسلموا )
) هم في الحشا إن اعرقوا أو أشأموا
أو أيمنوا أو أنجدوا أو أتهموا )
) لا ذنب لي في البعد أعرفه سوى
أني حفظت العهد لما ختم )
) فأقمت حين ظغنتم وعدلت لما جرتم وسهرت لما بنتم
)
وفيها خطيب دمشق أبو البركات الخضر بن شبل بن عبد الحارثي الدمشقي الفقيه الشافعي درس بالغزالية والمجاهدية وبنى له نور الدين مدرسته التي عند باب الفرج فدرس بها وتعرف الآن بالعمادية لأنه درس بها بعده العماد الكاتب فاشتهرت به قرأ على أبي الوحش سبيع صاحب الاهوازي وسمع من أبي الحسن بن الموازيني وأخذ عنه ابن عساكر وقال كان سديد الفتوى واسع الحفظ ثبتا في الرواية ذا ثروة ظاهرة وكان عالما بالمذهب ويتكلم في الأصول والخلاف مولده سنة ست وثمانين وأربعمائة وتوفي في ذي القعدة ودفن بباب الفراديس
وفيها عبد الجليل بن اب أسعد الهروي أبو محمد المعدل مسند هراة تفرد بالرواية عن عبد الرحمن كلا وغيره وعاش اثنتين وتسعين سنة وهو أكبر شيخ للحافظ عبد القادر الرهاوي
وفيها الحافظ أبو سعد السمعاني تاج الإسلام عبد الكريم بن محمد بن منصور المروزي الشافعي محدث المشرق وصاحب التصانيف الكثيرة والفوائد الغزيرة والرحلة الواسعة عمل معجم شيوخه في عشر مجلدات كبار قال ابن النجار سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ وهذا شيء لم يبلغه أحد قال وكان ظريفا واسع الرحلة صدوقا ثقة دينا جميل 206
السيرة مليح التصانيف وسرد ابن النجار تصانيفه وذكر أنه وجدها بخطه فمنها الذيل على تاريخ الخطيب أربعمائة طاقة تاريخ مرو وخمسمائة طاقة طراز الذهب في أدب الطلب مائة وخمسون طاقة وغير ذلك
انتهى ولد في شعبان سنة ست وخمسمائة وتوفي في غرة ربيع الأول بمور
وفيها أبو شجاع البسطامي عمر بن محمد بن عبد الله الحافظ المفسر الواعظ المفتي الأديب المتفنن وله سبع وثمانون سنة سمع أبا القسم احمد بن محمد الخليلي وجماعة وانتهت إليه مشيخة بلخ وتفقه عليه جماعة مع الدين والورع تفرد براوية الشمائل ومسند الهيثم وابن كليب ومن تصانيفه كتاب لقطات العقول
وفيها قيس بن محمد بن عاصم السويقي الاصبهاني المؤذن الصوفي رحل وسمع ببغداد من أبي غالب بن الباقلاني وابن الطيوري وجماعة
وفيها ابن اللحاس أبو المعالي محمد بن محمد بن محمد بن الحيان الحريمي العطار سمع من طراد وطائفة وهو آخر من روى بالأجازة عن أبي القسم بن البسري وكان صالحا ثقة ظريفا لطيفا توفي في ربيع الآخر وله أربع وتسعون سنة
وفيها محمد بن الحسن بن حمدون صاحب التذكرة والحمدونية ولاه المستنجد ديوان الزمام ووقف المستنجد على كتابه فوجد فيه حكايات توهم غضاضة من الدولة فأخذ من دست منصبه وحبس إلى أن رمس
وفيها أبو طالب نب خضير المبارك بن علي البغدادي الصير في المحدث كتب الكثير عن أبي الحسن بن العلاف وطبقته وبدمشق عن هبة الله بن ألا كفاني وعاش ثمانين سنة وتوفي في ذي الحجة
وفيها مسند الآفاق مسعود الثقفي الرئيس المعمر أبو الفرج بن الحسن بن الرئيس المعتمد أبي عبد الله القسم بن الفضل الاصبهاني رحلة العصر توفي في رجب وله مائة سنة أجاز له عبد الصمد بن المأمون وأبو بكر الخطيب وسمع 207
من جده وعبد الوهاب وعبد الوهاب بن مندة وطبقتهما
وفيها هبة الله الحسن بن هلال الدقاق مسند العراق البغدادي سمع عاصم ابن الحسن وأبا الحسن الانباري وعمر نحوا من تسعين سنة توفي في المحرم وكان شيخا لا بأس به متدنيا قاله في العبر
وفيها الصاين العساكري هية الله بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الدمشقي الحافظ الفقيه الشافعي كان ثقة عمدة وجزم ابن ناصر الدين وبوفاته في التي بعدها قال قي بديعته
) ساد الفقيه الصاين العساكري
ثناؤه ذا جامع المآثر )
سنة ثلاث وستين وخمسمائة
فيها أعطى نور الدين حمص وأعمالها لنائبه أسد الدين فبقيت بيد أولاده مائة سنة
وفيها توفي الباجسرائي بكسر الجيم وسكون المهملة نسبة إلى باجسرا بلد بنواحي بغداد التاني بمثناة فوقية وبالنون نسبة إلى التنائية وهي الدهقنة ويقال لصاحب الضياع والعقار أحمد بن عبد الغني بن محمد بن حنيفة روى عن أبي البطر وطائفة توفي في رمضان وكان ثقة
وفيها أبو العباس أحمد بن عمر بن الحسين بن خلف القطيعي الفقيه الحنبلي الواعظ ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة تقريبا وسمع الحديث بنفسه بعدما كبر من عبد الخالق بن يوسف والفضل بن سهل الاسفرائيني وابن ناصر الحافظ وغيرهم وتفقه على القاضي أبي حازم ولازمه حتى برع في الفقه وأفتى وناظر ووعظ ودرس وأشغل الطلبة وأفاد وقال ابن النجار برع في الفقه وتكلم في مسائل الخلاف وكان حسن المناظرة جرئيا في الجدل ويعظ الناس على المنبر توفي في يوم الأربعاء ثامن عشر رمضان ودفن بالحلة شرقي بغداد وهو والد أبي 208
الحسن القطيعي صاحب التاريخ ولم يسمع من والده هذا إلا حديثا واحدا وذكر أن له مصنفات كثيرة قال ابن رجب منها كتاب الشمول في النزول
وفيها أبو بكر أحمد بن المقرب الكرخي روى عن النعالي وطراد وطائفة وكان ثقة متوددا توفي في ذي الحجة وله ثلاث وثمانون سنة
وفيها قاضي القضاة أبو البركات جعفر بن قاضي القضاة أبي جعفر عبد الواحد بن أحمد الثقفي ولي قضاء العراق سبع سنين ولما مات ابن هبيرة ناب في الوزارة مضافا إلى القضاء فاستفظع ذلك وقد روى عن أبي الحصين وعاش ستا وأربعين سنة وتوفي في جمادي الآخرة
وفيها شاكر بن أبي الفضل الاسواري الاصبهاني سمع أبا بالفتح السودرحاى وأبا مطيع وجماعة وتوفي في أواخر رمضان
وفيها أبو محمد الطامذي عبد الله بن علي الاصبهاني المقرئ العالم الزاهد المعمر روى عن طراد وجعفر بن محمد البعاداني والكبار وتوفي في شعبان والطامذي بفتح الطاء المهملة والميم وبمعجمة نسبة إلى طامذ قرية بأصبهان
وفيها أبو النجيب السهرودي عبد القاهر بن عبد الله بن محمد بن عموية والسهرودي بضم السين المهملة وسكون الهاء وفتح الراء والواو وسكون الراء الثانية ومهملة نسبة إلى سهرود بلد عند زنجان الصوفي القدوة الواعظ العارف الفقيه الشافعي أحد الأعلام قدم بغداد وسمع علي بن نبهان وجماعة وكان إماما في الشافعية وعلما في الصوفية قال ابن الأهدل هو الكبرى القرشي بنيه وبين أبي بكر الصديق اثنا عشر رجلا بلغ مبلغا في العلم حتى لقب مفتي العراقين وقدوة الفريقين وكان شرح أحوال القوم ويتطيلس ويلبس لباس العلماء ويركب البغلة وترفع بين يديه الغاشية مر يوما على جزار وقد علق شاة مسلوخة فوقف الشيخ وقال ابن هذه الشاة تقول إنها ميتة فغشى على الجواز وتاب على يد الشيخ انتهى وقال ابن قاضي شبهة حرر المذهب وأفتى وناظر 209
وروى الحديث عن جماعة ثم مال إلى المعاملة فصحب الشيخ حماد الدباس وأحمد الغزالي وبني ببغداد باطا ومدرسة واشتغل بالوعظ والتذكير والدعاء إلى الله تعالى والتحذير ودرس بالنظامية سنتين وكانت له محافيظ جيدة في التفسير وفي الفقه واصوله وأصول الدين وأخذ عند خلائق مولده في صفر سنة تسعين وأربعمائة تقريبا وتوفي في جمادي الآخرة انتهى وقال الأسنوي ظهرت بركته على أصحابه وصار شيخ العراق في وقته وبنى الخربة التي كان يأوى إليها رابطا وسكنه جماعة من صالحى أصحابه وبنى إلى جانبه مدرسة وصار ملاذا يعتصم به الخائف من الخليفة فمن دونه وتوجه إلى الشام سنة سبع وخمسين وخمسمائة لزيارة بيت المقدس فلم يتفق له ذلك لأنفساح الهدنة بين المسلمين والفرنج خذ لهم الله تعالى فأقام بدمشق مدة يسيرة وعقد له مجلس الوعظ وأكرم الملك العاجل مورده وعاد إلى بغداد فتوفي بها يوم الجمعة وقت العصر سابع جمادي الآخرة ودفن بكرة الغد في مدرسته انتهى
وفيها زين الدين صاحب اربل علب بن كوجك بن بكتكين التركماني الفارس المشهور والبطل المذكور ولقب بكوجك وهو بالعربي اللطيف القد والقصير وكان مع ذلك معروفا بالقوة المفرطة والشهامة وهو ممن حاصر المقتفي وخرج عليه ثم حسنت طاعته وكان جوادا معطاء فيه عدل وحسن سيرة ويقال إنه تجاوز المائة وتوفي في ذي الحجة
وفيها أبو الحسن بن تاج القراء علي بن عبد الرحمن الطوسي ثم البغدادي روى عن أبي عبد الله البانياسي وجماعة وكان صوفيا كبيرا توفي في صفر عن سن عالية
وفيها أبو الحسن بن الصابي بن إسحق بن محمد بن هلال بن الحسن البغدادي من بيت كتابه وأدب سمع النعالي وغيره وكان ثقة توفي في ربيع الاوىل عن اثنتين وثمانين سنة 210
وفيها أبو الفتح محمد بن عبد المجيد السمر قندي صاحب التعليقة والمعترض والمختلف على مذهب وكان من فرسان الكلام شحيحا بكلامه كانوا يوردون عليه الأسئلة وهو عالم بجوابها فلا يذكره شحا لئلا يستفاد منه وينقطع ولا يذكرها ترك المناظرة إلى أن مات
وفيهت الجياني أبو بكر محمد بن علي بن عبد الله بن ياسر الأنصاري الاندلسي تفقه بدمشق على نصر الله المصيصي وأدب بها قال ابن عساكر ثم زاملني إلى بغداد وسمع من ابن الحسين وبمرو من أبي منصور الكراعي وبنيسابور من سهل المسجدي وطائفة ثم سكن في الآخر حلب وكان ذا معرفة جيدة بالحديث
وفيها الشريف الخطيب أبو الفتوح ناصر بن الحسين الحسيني المصري شيخ الاقراء علي أبي الحسين الخشاب وغيره وتصدر للأقراء وحدث من محمد بن عبد الله بن أبي داود الفارسي وتوفي عيد الفطر وله إحدى وثمانون سنة
وفيها نفيسة البزازة وأسمها أيضا فاطمة بنت محمد بن علي البغدادية روت عن النعالي وطراد وتوفيت في ذي الحجة
وفيها الصائن أبو الحسين هبة الله بن محفوظ بن صصري الدمشقي التغلبي سمع الكثير ومات بدمشق ودفن بباب توما عند أهله وكان صالحا ثقة
وفيها هبة الله بن أبي عبد الله بن كامل بن حبيش البغدادي الصوفي الفقيه الحنبلي أبو علي سمع من القاضي أبي بكر بن عبد الباقي وغيره وتفقه علي أبي علي بن القاضي وتقدم على جماعة من المتصوفة وكان من أهل الدين توفي في المحمر ودفن بمقبرة الأمام قريبا من بشر الحافي ذكر ابن الجوزى وغيره 211
سنة أربع وستين وخمسمائة
فيها سار أسد الدين سيره الثالث إلى مصر وذلك أن الفرنج قصدوا الديار المصرية وملكوا بلبيس واستباحوها ثم حاصروا القاهرة وأخذوا كل ما كان خارج السور فبذل شاور لملك الفرنج مرى ألف ألف دينار ويعجل له بعضها فأجاب فحمل إليه مائة ألف دينار وكاتب نور الدين واستصرخ به وسود كتابة وجعل في طيه ذوائب نساء القصر وواصل الكتب يستحثه وكان بجلب فساق إليه أسد الدين من حمص فأخذ يجمع العساكر ثم توجه عسكر لجب يقال كانوا سبعين الفاا من بين فارس وراجل فتقهقر الفرنج ودخلوا القاهرة في ربعي الآخر وجلس أسد الدين في دست الحكم وخلع عليه العاضد خلع السلطنة وعهد إليه بوزارته وقبض على شاور فأرسل إليه العاضد يطلب رأس شاور فقطع وأرسل إليه فلم ينشب أسد الدين
شيركوه ومعناه بالعربي الجبل بن شادي بن مروان الملك المنصور بعد شهرين أقام في الوزارة شهرين وأياما وكان أحد الأبطال يضرب بشجاعته المثل وكان الفرنج يهابونه ولدق حاصروه وببلبيس ولها سور فلم يجسروا أن يناجزوه خوفا منه وكان كثير الأكل للحوم الغليظة فكانت تورث عليه التخم والخوانيق فاعتراه خانوق فمات منه فجأة ودفن بظاهر القاهرة إلى أن توفي أخوه نجم الدين أيوب فحملا جميعا إلى مدينة النبي وقلد العاضد منصبه ابن أخيه صلاح الدين بن يوسف بن نجم الدين ولقبه بالملك الناصر
وفيها آبق الملك المظفر محي الدين صاحب دمشق قبل نور الدين وابن صاحبها جمال الدين محمد بن تاج الملوك بورى التركي ثم الدمشقي ولد ببعلبك في أمرة أبيه عليها وولى دمشق بعد أبيه خمس عشرة سنة وملكوه وهو دون البلوغ وكان المدبر لدولته أنز فلما مان أنز انبسطت يد آبق ودبر الأمور 212
الوزير الرئيس أبو الفوارس المسيب بن علي بن الصوفي ثم غضب عليه وأبعده إلى صرخد واستوزره أخاه أبا البيان حيدرة مدة ثم أقدم عطاء بن حفاظ من بعلبك وقدمه على العسكر وقتل حيدرة ثم قتل عطاء ولما انفصل عن دمشق توجه إلى بالس ثم إلى بغداد فأقطعه المقتفي خبزا وأكرم مورده
وفيها شاور بن مجير بن نزار السعدي أبو شجعاع ولاده ابن رزبك أمرة الصعيد فتمكن وكان شهما شجاعا مقداما ذا هيبة فحشد وجمع وتوثب علي مملكة الديار المصرية وظفر بالعادل رزبك بن الصالح طلايع بنرزبك وزير العاضد فقتله ووزر بعده فلما خرج عليه ضرغام فر إلى الشام فأكرمه نور الدين وأعانه على عوده إلى منصبه فاستعان بالفرنج على دفع أسد الدين عنه وجرت له أمور طويلة وفي الآخر وثب عليه خرد بك النوري فقتله في جمادي الأولى لأن أسد الدين تمارض فعاده شاور فقبضوا عليه وقتلوه كما تقدم
وفيها أبو محمد عبد الخالق بن أسد الدمشقي الحنفي المحدث مدرس الصادرية والمعتبية روى عن عبد الكريم بن حمزة وإسماعيل بن السمر قندي وطبقتهما ورحل إلى بغداد وأصبهان وخرج لنفسه المعجم ومن شعره
) قال العواذل ما أسم من
أضنى فؤادك قلت أحمد )
) قالوا أتحمده وقد
أضنى فؤادك قلت أحمد )
وفيها سعد الله بن نصر بن سعيد المعروف بابن الدجاجي وبابن والحيواني الفقيه الحنبلي المقرئ الواعظ الصوفي الأديب أبو الحسن ويلقب مهذب الدين ولد في رجب سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة وقرأ بالروايات علي أبي الخطاب الكلوذاني وغيره وتفقه علي أبي الخطاب حتى برع وروى عن ابن عقيل كتاب الانتصار لأهل السنة قال ابن الخشاب هو فقيه واعظ حسن الطريقة سمعت منه وقال ابن الجوزى تفقه ودرس وناظر ووعظ 213
وكان لطيف الكلام حلو الإيراد ملازما لمطالعة العلم إلى أن مات وقال ابن نقطة حدثنا عنه جماعة من شيوخنا وكان ثقة وقال ابن الجوزى سئل في مجلس وعظه وأنا أسمغ عن أخبار الصفات فنهى عن التعرض وأمر بالتسليم وأنشد
) أبي الغائب الغضبان يا نفس أن يرضي
وأنت التي صيرت طاعته فرضا )
) فلا تهجري من لا تطيقين هجره
وان هم بالهجران خديك والارضا )
ومن شعره
) ملكتم مهجتي بيعا ومقدرة
فأنتم اليوم أغلالي وأغلى لي )
) علوت فخرا ولكني ضنيت هوى
وأنتم اليوم أعلالي وأعلا لي )
) أوصى لي البين أن أسقي بحبكم
فقطع البين أو صالى وأوصى لي )
توفي في يوم الاثنين ثاني عشر شعبان ودفن بمقبرة الرباط ثم نقل بعد خمسة أيام فدفن على والديه بمقبرة الأمام أحمد
وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن هذيل البلنسي شيخ المقرئين بالأندلس ولد سنة إحدى وسبعين وأربعمائة وقرأ القراءات علي ابن داود ولازمه أكثر من عشر سنين وكان زوج أمه فأكثر عنه وهو أثبت الناس فيه وروى الصحيحين وسنن أبي داود وغير ذلك قال الأبار كان منقطع القرين في الفضل والزهد والورع مع العدالة والتواضع والأعراض عن الدنيا والتقلل منها صواما قواما كثير الصدقة انتهت إليه الرياسة في صناعة الاقراء وحدث عن جلة لا يحصون وتوفي في رجب
وفيها القاضي ذكي الدين أبو الحسن علي بن القاضي المنتجب أن المعالي محمد بن يحيى القرشي قاضي دمشق هو أبوه وجده واستعفى من القضاء فاعفى وسار فحج من بغداد وعاد إليها فتوفي بها وله سبع وخمسون سنة
وفيها أبو الفتح بن البطي الحاجب محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان 214
البغدادي مسند العراق وله سبع وثمانون سنة أجاز أبو نصر الزينبي وتفرد بذلك وبالرواية عن البانياسي وعاصم بن الحسن وعلي بن محمد بن محمد الأنباري والحميدي وخلق وكان دينا عفيفا محبا للرواية صحيح الأصول توفي في جمادي الأولى
وفيها أبو عبد الله الفارقي الزاهد محمد بن عبد الملك نزيل بغداد كان يعظ ويذكر من كلفه ولناس فيه اعتقاد وكان صاحب أحوال وكرامات ومجاهدات ومقامات عاش ثمانين سنة
وفيها القاضي أبو المعالي محمد بن علي بن الحسن القرشي العثماني صاحب الفنون في أنواع العلم هنأ صلاح الدين بن أيوب بفتح حلب بقصيدة هائلة منها
) وفتحك القلعة الشهباء في صفر
مبشر بفتوح القدس في رجب )
فكان كما قال
قاله ابن الهدل
وفيها محمد بن المبارك بن الحسين بن إمساعيل البغدادي الفقيه الحنبلي القاضي أبو البركات المعروف وقرا القرآن وسمع الحديث من ابن البناء وغيره وتفقه علي القاضي أبي يعلى وناظر وولى القضاء بقرية عبد الله من واسط توفي رحمه الله تعالى فجأة في رجب
وفيها معمر بن عبد الواحد الحافظ أبو الحافظ أبو أحمد بن الفخر القرشي العبشمي الأصبهاني المعدل عاش سبعين سنة سمع من أبي الفتح الحداد وأبي المحاسن الروياني وخلق وببغداد من أبي الحصين وغنى بالحديث وجمعه ووعظ بأصبهان وأملى وقدم بغداد مرات يسمع أولاده وتوفي في ذي القعدة بطريق الحجاز وكان ذا قبول ووجاهة 215
سنة خمس وستين وخمسمائة
في شوال منها كانت الزلزل ة العظمي بالشام وقع معظم دمشق وشرفات جامع بني أمية ووقع نصف قلعة حلب والبلد وهلك من أهلها ثمانون والفا ووقعت قلعة حصن الاكراد ولم يبق لسورها أثر
وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع الجيلي ثم البغدادي الحافظ الفقيه الحنبلي أحد العلماء المعدلين والفضلاء والمحدثين سمع قاضي المارستان وطبقته وقرأ القراءات علي أبي محمد سبط الخياط وغيره ولازم أبا الفضل الحافظ ابن ناصر وكان يقتفي أثره ويسلك مسلكه قال ابن النجار كان حافظا متقنا ضابطا محققا حسن القراءة صحيح النقل ثبتا حجة نبيلا ورعا متدينا تقيا متمسكا بالسنة على طريق السلف صنف تاريخا على السنين بدأ فيه بالسنة التي توفي فيها أبو بكر الخطيب وهي سنة ثلاث وستين وأربعمائة إلى بعد الستين وخمسمائة انتهى
وتوفي يوم الأربعاء بعد الظهر ثالث أيام ودفن على أبيه في دكة الأمام أحمد وله خمس وأربعون سنة
وفيها أبو بكر بن القنور عبد الله بن محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد البغدادي البزاز ثقة محدث من أولاد الشيوخ سمع العلاف وابن الطيوري وطائفة وطلب بنفسه مع الدين والورع والتحري وتوفي في شعبان وله اثنتان وثمانون سنة
وفيها أبو المكارم بن هلال عبد الواحد بن أبي طاهر محمد بن المسلم بن الحسن بن هلال الازدي سمع من عبد الكريم الكوطائي ومن النسيب وغيرهما وكان رئيسا جليلا كثير العبادة والبر وتوفي في جمادي الآخرة وأجاز له الفقيه نصر 216
وفيها علي بن روان بن زيد بن الحسن بن سعيد بن عصمة بن حمير الكندي البغدادي النحوي الأديب الحنبلي شمس الدين سمع أبا الحسن ابن عم الشيخ تاج الدين وقرأ وكتب الطباق يخطه على يحيى بن البنا وغيره وقرأ النحو اللغة على إبن الجو اليقي ثم قدم دمشق وأدرك شرف الإسلام إبن الجيلي وصحبه وكان أعلم باللغة والنحو من إبن عمه أبي اليمن ومن شعره
) درت عليك غوادي المزن يا دارا
ولا عفت منك آيات وآثار )
) دعاء من لعبت أيدي الغرام به
وساعدتها صبابات وتذكار )
وفيها على ما قاله إبن الأهدل إبن عدي مصنف كتاب الكامل في الضعفاء كان حافظ وقته واليه المنتهى في فنه خلا أن فيه لحنا لأنه كان فيه عجمة ولا يعرف العربية انتهى
وفيها فورجة أبو القسم محمود بن عبد الكريم الأصبهاني التاجر روى عن أبي بكر بن ماجه وسليمان الحافظ وأبي عبد الله الثقفي وغيرهم وتوفي بأصبهان في صفر وبه ختم جزء لوين
وفيها مودود السلطان قطب الدين الأعرج صاحب الموصل وابن صاحبها أتابك زنكي تملك بعد أخيه سيف الدين غازي فدعل وأحسن السيرة توفي في شوال عن نيف وأربعين سنة وكانت دولته اثنتين وعشرين سنة وكان محببا إلى الرعية
سنة ست وستين وخمسمائة
فيها سار نور الدين إلى سنجار ففتحها وسلمها إلى ابن أخيه عماد الدين زنكي ثم سار وفتح الموصل وأعطى الشيخ عمر ستين ألف دينار وأمره بعمارة الجامع النوري وسط البلد
وفيها قتل الوزير أبو جعفر بن البلذي لأن المستضئ الخليفة لما ولى الخلافة 217
في هذا العام استوزر أبا محمد بن عبد الله بن رئيس الرؤاسء فانتقم من ابن البلدي وقتله وألفى في دجلةن
وفها أبو زرعة طاهر بن الحافظ محمد بن طاهر المقدسي ثم الهمذاني ولد بالري سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وسمع بها من المقومي وبالدون من عبد الرحمن بن أحمد الدوني وبهمذان من عبدوس وبالكرخ من السلارمكى وبساوه من الكامخي وروى الكثير وكان رجلا جيدا عربا من العلوم قاله في العبر توفي بهمذان في ربيع الآخر
وفيها أبو مسعود الحاجي عبد الرحيم بن أبي الوفاء بن أحمد الأصبهاني الحافظ المعدل سمع من جده غانم البرجي ورحل فسمع بنيسابور من السيروي وببغداد من ابن الحصين توفي في شوال في عشر الثمانين
وفيها محمد بن حامد بن حمد بن عبد الواحد بن علي بن أبي مسلم الأصبهاني الواعظ الحنبلي أبو سعيد ويعرف برمس سمع أبا مسعود السورحاني ويحيى ابن مندة وغيرهما وحدث ببغداد وغيرها وكان من أعيان الوعاظ وله القبول التام عند العوام توفي في سلخ شعبان
وفيها النفيس بن مسعود بن أبي الفتح بن سعيد ن علي المعروف بابن صعرة السلامي الفقيه الحنبلي أبو محمد قرأ القراءات وتفقه علي أبي ا لفتح بن المنى ووعظ واحتضر في شبابه فتوفي يوم الثلاثاء تاسع شوال ودفن بمقبرة الأمام أحمد قال المنذري تكلم في مسائل الخلاف وسمع من غير واحد قال وصعوة بفتح الصاد وسكون العين المهملتين وبعدها تاء تأنيث لقب لجده
وفيها فتيان بن مباح بن حمد بن حمد بن سليمان بن المبارك بن الحسين السلمي الحراني الضرير الفقيه الحنبلي أبو الكرم قدم بغداد وسمع الحديث من أبي البركات الانماطي وصالح بن شافع وغيرهما وتفقه بمذهب الأمام أحمد وعاد إلى بلده فأفتى ودرس به إلى أن مات وسمع منه أبو المحاسن القاضي القرشي وفخر 218
الدين بن تميمة وقال في أول تفسيره وقد ذكر شيوخه في العلم فأول كنت برهة مع شخنا الأمام الورع أبو اكرم فتيان بن مباح وكان طويل الباع في علم اللغة والإعراب لا يشق غباره في علم القرآن ومعاناة المعاني فهما في الأحكام مواقع الحلال والحرام انتهى
وفيها محمد بن أسعد بن محمد بن نصر الفقيه المعروف بابن الحكيم البغدادي الواعظ درس بالطرخانية والصادرية وبنى له معين الدين مدرسة شرح المقامات ودفن بباب الصغير ومن شعره
) الدهر يوضع عامدا
فيلا ويرفع قدر نملة )
) فإذا تنبه للمنام
وقام للنوام نم له )
وفيها أبو عبد الله بن محمد بن يسوف المرسي نزيل شاطبة مكثر عن أبي علي الصوفي واليه صارت عامة أصوله وسمع أيضا من أبي محمد بن أبي عتاب وحج فسمع من ابن غزال ورزين البعدري قال الأبار كان عارفا بالأثر مشاركا في التفسير حافظا للفروع بصيرا باللغة والكلام فصيحا مفوها مع الوقار والسمت والصيام والخشوع ولي قضاء شاطبة وحدث وصنف ومات في أول العام وله سبعون سنة
وفيها يحيى بن ثابت بن بندار أبو القسم البغدادي البقال سمع من طراد والنعالي وجماعة وتوفي في ربيع الأول وقد نيف على الثمانين
وفيها المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله محمد بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي العباسي خطب له أبوه بولاية العهد سنة سبع وأربعين واستخلف سنة خمس وخمسين وعاش ثمانيا وأربعين سنة وأمه طاووس الكرجبة أدركت دولته قال السيوطي في تاريخ الخلفاء كان موصوفا بالعدل والرفق أطلق من المكوس شيئا كثيرا بحيث لم يترك بالعراق مكسا وكان شديدا على المفسدين سجن رجلا كان يسعى بالناس مدة فحضر رجل وبذل 219
فيه عشرة آلاف درهم فقال أنا أعطيك عشرة آلاف دينارا ودلني على آخر مثله لأحبسه وألف شره وقال ابن النجار كان المستنجد موصوفا بالفهم الثاقب والرأي الصائب والذكاء الغالب والفضل الباهر والعدل الظاهر له نظم بديع ونثر بليغ ومعرفة بعمل آلات الفلك والأسطرلاب وغير ذلك ومن شعره في بخيل
) وباخل أشعل في بيته
تكرمة منه لنا شمعه )
) فما جرت من عينها دمعة
حتى جرت من عينه دمعة )
توفي في ثامن ربيع الآخر
وفيها ابن الخلال القاضي الأديب موفق الدين يوسف بن محمد المصري صاحب دواوين الانشاء للخلفاء وهو شيخ القاضي الفاضل ومن شعره
) عذبت ليال بالعذيب خوال
وحلت مواقف بالوصال حوال )
) ومضت لذاذات تقضي ذكرها
تصبي الخلى وتستهيم السالي )
) وجلت مووردة الخدود فأوثقت
في الصبوة الخالي بحسن الخال )
) قالوا سراة بني هلال أصلها
صدقوا كذاك البدر فرع هلال )
توفي في جمادي الآخرة وقد شاخ وولى بعده القاضي الفاضل
سنة سبع وستين وخمسمائة
فيها تجاسر صلاح الدين بن أيوب وقطع خطبة العاضد العبيدي وكان قبل هذا كالمتحكم له وخطب للخليفة العباسي المستضئ فمات العاضد عقيب ذلك قيل انه مات غبنا وأظهر صلاح الدين الحزن الحزن عليه وجلس للعزاء ثم تسلم القصر وما حوى ثم حول أولاد المعتضد وخاصته إلى مكان آخر ورتب لهم كفايتهم ولما وصل أبو سعد بن أبي عصرون رسولا بذلك إلى بغداد زينت وكان يوما مشهودا وكانت الخطبة العباسية قد قطعت من مصر منذ مائتي سنة 220
وتسع سنين بني عبيد أهل المذهب الردئ ثم أرسل الخليفة بالخلع الفائقة الرائقة لنور الدين محمود بن نزكي ولنائبه صلاح الدين وكان فيما أرسل لنور الدين طوق ذهب وزنه ألف مثقال وحصانان وسيفان قلد بهما إشارة إلى الجمع له بين مصر والشام
وفيها وقعت الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين وعزم على قصده فكتب إليه صلاح الدين بالطاعة فزالت الوحشة بينهما
وفيها توفي أحمد بن محمد الحريمي العطار روى عن النعالي وجماعة ومات في صفر عن خمس وثمانين سنة
وفيها حسان بن نمير عرف بعرقلة كان شيخا خليعا مطبوعا أعور العين منادما اختص بصلاح الدين وكان قد وعده صلاح الدين أنه إذا أخذ مصر يعطيه ألف دينارا فلما أخذها كتب إليه
) قل للصلاح معيني عند أعساري
يا ألف مولاي أين الألف دينار )
) أخشى من الأسرار أن حاولت أرضكم
وما تفي جنة الفردوس بالنار )
) فجد بها عاضديات موفرة
من بعض ما خلف الطاغي أخو العاري )
) حمرا كأسيافكم غرا كخيلكم
عتقا ثقالا كأعدائي وإطماري )
فجهز له ألفا وأخذ له من أخوته مثلها فجاءه الموت فجأة فلم ينتفع بفجأة الغناء ومن شعره
) ) يقولون لم أرخصت شعرك في الورى
فقلت لهم إذا مات أهل المكارم )
) أجازي على الشعر الشعير وأنه
كثير إذا حصلته من بهائم )
وفيها العلامة أبو محمد بن الخشاب عبد لله بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن 221 نصر البغدادي النحوي المحدث الفقيه الحنبلي ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وسمع من علي بن الحسين الربعي وابن النرسي ثم طلب بنفسه وأكثر عن أبي الحصين وطبقته وقرأ الكثير وكتب بخطه المليح المتقن وأخذ العربية عن ابن الشجري وابن الجواليقي وأتقن العربية واللغة والهندسة وغير ذلك وصنف التصانيف وكان إليه المنتهى في حسن القراءة وسرعتها وفصاحتها مع الفهم والعذوبة وانتهت إليه الإمامة في النحو وكان ظريفا مزاحا قذرا وسخ الثياب يستقى في جرة مكسورة وما تأهل قط ولا تسرى توفي في رمضان قاله في العبر وقال انب النجار كان أعلم أهل زمانه بالنحو حتى يقال انه كان في درجة أبي علي الفارسي قال وكانت له معرفة بالحديث واللغة والمنطق والفلسفة والحساب والهندسة وما من علم من العلوم إلا كانت له فيه يد حسنة وقال ياقوت الحموي رأيت قوما من نحاة بغداد يفضلونه على أبي علي الفارسي قال وسمع الحديث الكثير وتفقه فيه وعرف صحيحه من سقيمه وبحث عن أحكامه وتبحر في علومه وقال انب الأخضر دخلت عليه يوما وهو مريض وعلى صدره كتاب ينظر فيه قلت ما هذا ذكر ابن جبنى مسئلة في النحو واجتهد أن يستشهد عليها ببيت من الشعر فلم يحضره وأني لأعرف على هذه المسئلة سبعين بيتا من الشعر كل بيت من قصيدة وكان عالما بالتفسير والحديث الفرائض والحساب والقراءات وقال ابن القطيعي انتهى إليه معرفة علوم جمة أنهاها وشرح الكثير من علومه وكان ضنينا بها مع لطف مخالطة وعدم تكبر واطراح تكلف مع تشدد في السنة وتظاهر بها في محافل علومه ينتصر لمذهب أحمد ويصرح ببراهينه وحججه على ذلك وقال مسعود ووصل إليه برنا إلا ابن الخشاب فاعتذرت عنه بعذر اقتداء الحال ثم خرجت فعرفت ابن الخشاب ذلك فكتب إليه هذين البيتين 174
الطبيب قائما فقال ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي وقال يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية وروى الحدث ثم لو حلف حالف أن نصرانيا أو يهوديا لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفارة لأن الله ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان فقال المقتفي صدقت وأحسنت وكأنما الجم ابن التلميذ بحجر مع غزارة أدبه
وفيها توفي الفائر صاحب مصر واقيم بعده العاضد
وفيها أبو بكر أحمد بن غالب بن أحمد بن غالب بن عبد الله الحربي الفقيه الحنبلي الفرضي المعدل سمع الحديث من ابن قريش وغيره وتفقه وبرع في المذهب قال ابن النجار كان أحد الفقهاء حاظفا لكتاب الله تعالى له معرفة بالفرائض والحساب والنجوم وأوقات الليل والنهار وشهد عند قاضي القضاة الزينبي وتولى قضاء دجيل مدة ثم عزل حدث باليسير وسمع منه عبد المغيث الحربي وغيره وتوفي يوم الأحد يوم عيد الاضحى ودفن بمقبرة الأمام أحمد
وفيها العميد بن القلانسي صاحب التاريخ ايو يعلى حمزة بن راشد التميمي الدمشقي الكاتب صاحب تاريخ دمشق انتهى به إلى هذه السنة حدث عن سهل ابن بشير الاسفرائني وولى رياسة البلد مرتين وكان يسمى أيضا المسلم توفي في ربيع الأول عن بضع وثمانين سنة
وفيها أبو يعلي بن الجبري حمزة بن علي بن هبة الله التغلبي الدمشقي البزار سمع أبا القسم المصيصي ونصر المقدسي مات في جمادي الأولى عن بضع وثمانين سنة وكان لا بأس به قاله في العبر
وفيها ثقة الملك الحلبي الحسن بن علي بن عبد الله بن أبي جرادة سافر إلى مصر وتقدم عند الصالح بن رزيل وناب فيها ومن شعره قوله من أبيات
) يفنى الزمان وآمالي مصرمة
ومن أحب على مطل وأملاق )
) واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به
ولا حصلت على شيء من الباقي ) 175
وفيها خسرو شاه سلطان غزنة تملك بعد أبيه بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم ابن مسعود بن محمود بن سبكتكين وكان عدلا سايسا مقربا للعلماء وكانت دولته تسع سنين وتملك بعده ولده ملكشاه
وفيها أبو جعفر الثقفي قاضي العراق عبد الواحد بن أحمد بن محمد وقد ناهز الثمانين ولي قضاء الكوفة مدة وسمع من أبي النشري ثم ولاه المستجد في هذا العام قاضي القضاة فتوفي في آخر العام ولي بعده ابنه جعفر
وفيها الفائز بنصر الله أبو القسم عيسى بن الظافر إسماعيل بن الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المستنصر العبيدي أقيم في الخلافة بعد قتل أبيه وله خمس سنين فحمله الوزير عباس على كتفه وقال يا أمراء هذا ولد مولاكم وقد قتل مولاكم أخواه فقتلهما كما ترون فبايعوا هذا الطفل فقالوا سمعنا وأطعنا وضجوا ضجة واحدة ففزع الصبي وبال واتل عقله فيما قيل من تلك الضجة وصار يتحرك ويصرع وتوفي في رجب في هذه السنة وكان الحل والربط لعباس فلما هرب عباس وقتل كان الأمر للصالح طلايع بن رزبك
وفيها علوي الاسكاف الحنبلي كان شيخا صالحا من أصحاب أبي الحسن بن الزاغوني وكان يقرأ في كتاب الخرقي توفي في يوم الجمعة رابع عشرى جمادي الآخرة
وفيها الشريف الخطيب أبو المظفر محمد بن أحمد بن علي بن الحسين بن النوبلي العباسي الهاشمي الحنبلي المعدل كان مولده سنة سبعين وأربعمائة وروى عن طراد وأبي نصر الزينبي والعاصمي وغيرهم وحدث وسمع منه جماعة وكان جليل القدر من رجالات الهاشميين ذا أدب وعلم وله نظم قاله ابن رجب
وفيها أبو الفتوح الطائي محمد بن أبي جعفر محمد بن علي الهمداني صاحب الأربعين سمع فند بن عبد الرحمن الشعراني واسمعيل بن الحسن الفرائضي وطائفة بخراسان والعراق والجبال وتوفي في شوال عن خمس وثمانين سنة 176
سنة ست وخمسين وخمسمائة
فيها توفي أبو حكيم النهرواني ابرايم بن دينار بن أحمد بن الحسين بن حامد ابن إبراهيم النهرواني الرزاز الفقيه الحنبلي الفرضي الزاهد الحكيم الورع ولد سنة ثمانين وأربعمائة وسمع الحديث من أبي الحسن بن العلاف وأبي عثمان بن ملة وأبي الخطاب وبرع في المذهب والخلاف والفرائض وأفتى وناظر وكانت له مدرسة
بناها بباب الازح وكان يدرس ويقيم بها وفي آخر عمره فوضت إليه المدرسة التي بناها ابن السمحل بالمأمونية ودرس بها أيضا وقرأ عليه العلم خلق كثير وانتفعوا به منهم ابن الجوزي وقال قرأت عليه القرآن والمذهب والفرائض وممن قرأ عليه السامري صاحب المستوعب ونقل عنه في تصانيفه قال ابن الجوزي وكان زاهدا عابدا كثير الصوم يضرب به المثل في الحلم والتواضع من العلماء العاملين مؤثرا للخمول ما رأينا له نظيرا في ذلك يقوم الليل ويصوم النهار ويعرف المذهب والمناظرة وله الورع العظيم وكان يكسب بيده وإذا خاط ثوبا فاعطى الأجرة مثلا قيراطا اخذ منه حبة ونصفا ورد الباقي وقال خياطتي لا تساوي أكثر من هذه ولا يقبل من أحد شيئا وقال ابن رجب صنف تصانيف في المذهب والفرائض وشرح الهداية كتب منه تسع مجلدات ولم يكمله وحدث وسمع منه جماعة منهم ابن الجوزي وعمر بن علي القرشي الدمشقي وله نظم حسن منه قوله
) يا دهر أن جارت ضروفك واعتدت
ورمتني في ضيقة وهوان )
) أني أكون عليك يوما ساخطا
وقد استفدت معارف الإخوان )
وتوفي يوم الثلاثاء بعد الظهر ثالث عشر جمادي الآخرة ودفن قريبا من بشر الحافي رحمهما الله تعالى
وفيها علاء الدين الحسين بن الحسين الغوري سلطان الغور وتملك بعده ولده سيف الدين محمد 177
وفيها سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملكشاه السلجوقي كان أهوج أخرق فاسقا بل زنديقا يشرب الخمر في نهار رمضان فقبض عليه الأمراء في العام الماضي ثم خنق في ربيع الآخر من السنة
وفيها إطلاع بن رزيك الارمني ثم المصري الملك الصالح وزير الديار المصرية غلب على الأمور في سنة تسع وأربعين وكان أديبا شاعرا فاضلا شيعيا جوادا ممدحا ولما بايع العاضد زوجه بابنته ونقص أرزاق الأمراء فعملوا عليه بإشارة العاضد وقتلوه في الدهليز في رمضان وكان في نصر التشيع كالسكة المحماة كان يجمع الفقهاء ويناظرهم على الإمامة وعلى القدر وله مصنف في ذلك سماه الاجتهاد في الرد على أهل العناد قرر فيه قواعد التشيع وجامع الصالح الذي بباب زويلة منسوب إليه وبنى آخر بالقرافة وتربة إلى جانبه وهو مدفون بها ومن شعره
) ومهفهف ثمل القوام سرت إلى
أعطافه النشوات من عينيه )
) ماضي اللحاظ كأنما سلت يدي
سفي غداةة الروع من جفنيه )
) قد قلت إذا خط العذار بمكسه
في خده ألفين لا لاميه )
) ما الشعر دب بعارضيه وإنما
أصداغه نفضت على خديه )
) الناس طوع يدي وأمري نافذ
فيهم وقلبي الآن طوع يديه )
) فأعجب لسلطان يعم بعدله
ويجوز سلطان الغرام عليه )
) والله لولا اسم الفرار وانه
مستقبح لفررت منه إليه )
وفيها أبو الفتح بن الصابوني عبد الوهاب بن محمد المالكي المقرئ الخفاف من قرية المالكية روى عن النعالي وابن البطر وطبقتهما وكتب وحصل وجمع أربعين حديثا وقرأ القراءات على زيدان الحلواني وتصدر للأقراء وكان قيما بالفن توفي في صفر عن أربع وسبعين سنة
وفيها الوزير جلال الدين أبو الرضا محمد بن أحمد بن صدقة وزر للراشد بالله وكان فيه خير ودين توفي في شعبان عن ثمان وخمسين سنة 178
وفيها ابن المارح أبو محمد محمد بن أحمد بن عبد الكريم التميمي البغدادي روى عن أبي نصر الزينبي وجماعة وتوفي في ذي القعدة
وفيها الخاقان محمود بن محمد التركي سلطان ما وراء النهر وابن بنت السلطان ملكشاه السلجوقي سار بالغزفي وسط السنة وغزا نيسابور شهرين وكان كالمقهور مع الغز فهرب منهم إلى صاحب نيسابور المؤيد ثم خلاه المؤيد قليلا وسمله وحبسه
سنة سبع وخمسين وخسممائة
فيها توفي أبو يعلي حمزة بن أحمد بن فارس بن كروس السلمي الدمشقي روى عن نصر المقدسي ومكي الزميلي وجماعة وكان شيخا مباركا حسن السمت توفي في صفر عن أربع وثمانين سنة وتفرد برواية الموطأ
وفيها زمرد خاتون المحترمة صفوة الملوكبنت الأمير جادلي أخت الملك دقاق صاحب دمشق لامه وزوجة تاج الملك بروي وأم ولديه شمس لملوك اسمعيل ومحمود سمعت من أبي الحسن بن قبيس واستنسخت الكتب وحفظت القرآن وبنت المدرسة الخاتونية بصنعاء دمشق ثم تزوجها أتا بك زنكب فبقيت معه تسع سننين فلما قتل حجت وجاورت بالمدينة ودفنت بالبقيع وهي التي ساعدت على قتل ولدها اسمعيل لما كثر فساده وسفكه للدماء ومواطأته الفرنج على بلاد المسلمين ولما جاورت بالمدينة المنورة قل ما بيدها فكانت تغربل القمح والشعير وتطحن وتتقوت بأجرتها وكانت كثيرة البر والصدقة والصلاة رحمها الله تعالى
وأما خاتون بنت انزز وجة الملك نور الدين فتأخرت ولها مدرسة بدمشق وخانقاه معروفة على نهر بانياس
وفيها عبد الرحمن بن سالم التنوخي الواعظ اجتمعت له الفصاحة والصباحة ومواعظه مبكية وكلماته بالوعد والوعيد مهلكة إذا وعظ كانت عباراته 179
أرق من عبرات الباكين وإذا أنشد كانت غرره مثل ثغور الضاحكين فهو كما قال الحريري يقرع الاسماع بزواحر وعظه ويطبع الاسجاع بجواهر لفظه وكان شحاذا حواشا قلما يخلو شركه من صيد حتى لو رآه الحريري لم يذكر أبا زيد أنشد في عزاء صدر الدين اسمعيل شيخ الشيوخ ببغداد
) با أخلاقي وحقكم
ما بقا من بعدكم فرح )
) أي صدر في الزمان لنا
بعد صدر الدين ينشرح )
قال ابن عساكر كان أبوه منجما وكان عبد الرحمن ينشد الشعر في الأسواق خرج إلى بغداد وأظهر الزهاد وعاد إلى دمشق وصعد إليه على المنبر طفل فامده على يديه وقال
) هذا ضغير ما جنى ضغيرة
فهل كبير يركب الكبائرا )
فضج الناس بالبكاء مات بدمشق ودفن بقاسيون قاله ابن شبهة في تاريخ الإسلام
وفيها أبو مروان عبد الملك بن زهير بن عبد الملك الاشبيلي طبيب عبد المؤمن وصاحب التصانيف أخذ عن والده وبرع في الصناعة وهو الذي صنف الدرياق السبعيني صفة لعبد المؤمن
وفيها الشيخ عدي بن مسافر بن اسمعيل الشامي ثم الهكاري الزاهد قطب المشايخ وبركة الوقت وصاحب الأحوال والكرامات صحب الشيخ عقيلا المنيحي والشيخ حماد الدباس وعاش تسعين سنة ولأصحابه فيه عقيدة تتجاوز الحد قاله في العبر وقال ابن الأهدل له كرامات عظيمة منها انه إذا ذكر على الأسد وقف وإذا ذكر على موج البحر سكن والى ذلك أشار الشيخ العارف الدصيق أبو محمد المقرئ المعروف والده بالمدوخ في وسيلته الجامعة فقال
) بحاه عدي ذلك ابن مسافر
به تسكن الأمواج في لجج البحر )
) وان قتلته لليث لم يخط خطوة
ولا الشبر من قاع ولا البعض من شبر ) 180
وقال السخاوي أصله من قرية بشوف الاكراد تسمى بيت فار ولد بها والبيت الذي ولد فيه يزار اليوم وصحب الشيخ عقيل المنيحي والشيخ حماد الدباس وأبا النجيب السهرودي وعبد القادر الحنبلي وأبا الوفاء الحلواني وأبا محمد الشنبكي وقال ابن شبهة في تاريخه كان فقيها عالما وهو أحد أركان الطريقة سلك في المجاهدة وأحوال البداية طريقا صعبا تعذر على كثير من المشايخ سلوكه وكان الشيخ عبد القادر يثنى عليه كثيرا ويشهد له بالسلطنة على الأولياء وكان في أول أمره في الجبال مجردا سائحا وانتمى إليه عالم عظيم قال عمر بن محمد خدمت الشيخ عدي سبع سنين شهدت له فيها خارقات أحدها انبي صببت على يديه ماء فقال لي ما أريد قلت أريد تلاوة القرآن ولا أحفظ من غير الفاتحة وسورة الإخلاص فضرب بيده في صدري فحفظت القرآن كله في وقتي وخرجت من عنده وأنا أتلوه بكماله وقال لي يوما اذهب إلى الجزيرة السادسة بالبحر المحيط تجد بها مسجدا فادخله ترفيه شيخا فقل له يقول لك الشيخ عدي بن مسافر احذر الاعتراض ولا تختر لنفسك أمر لك فيه إرادة فقلت يا سيدي وأني بالبحر المحيط فدفعني بين كتفي فإذا أنا بجزيرة والبحر محيط بها وثم مسجد فدخلته فرأيت شيخا مهيبا بفكر فسلمت عيه وبلغته الرسالة فبكى وقال جزاه الله خيرا فقلت يا سيدي ما الخبر فمقال اعلم أن أحد السبعة الخواص في النزع وطمحت نفسي وإرادتي أن أكون مكانه ولم تكمل خطرتي حتى أتيتني فقلت له يا سيدي وأني لي بالوصول إلى جبل هكار فدفعني بين كتفي فإذا أنا بزاوية الشيخ عدي فقال لي هو من العشرة الخواص ذكر ذلك القطب اليونيني في ذيله
وفيها أبو نصر محمد الفروخي الكاتب كان أديبا فاضلا من شعره
) يا رب عفوك أنني في معشر
لا أبتغي منهم سواك ملاذا )
) هذا ينافق ذا وذا ويغتاب ذا
ويسب هذا ذا ويشتم ذا ذا )
وفيها الشيخ الأمام المحدث سيد الحفاظ سراج الدين أبو الحسن علي بن أبي 181
بكر بن حمير اليمني الهمذاني روى عنه الأمام يحيى بن أبي الخير وجماعة من ذي أشرف البخاري وسنن أبي داود وانتشر عنه الحديث بقطر اليمن وعنه أخذ أحمد ابن عبد الله القريطي قال الأمام يحيى بن أبي الخير ما رأيت ولا سمعت بمثله وله كتاب الزلازل والأشراط قاله ابن الأهدل
وفيها هبة الله بن أحمد الشبلي بن المظفر القصار المؤذن توفي في سلخ السنة عن ثمان وثمانين سنة وبه ختم السماع من أبي نصر الزينبي
وفيها أبو بكر هبة الله بن أحمد الخفار روى عن رزق الله التميمي وتوفي في شوال كلاهما ببغداد
سنة ثمان وخمسين وخمسمائة
فيها سار جيش المتنجد فالتقوا آل دبيس الأسد بين أصحاب الحلة فالتقوهم فخذلت أسد وقتل من العرب نحو الأربعة آلاف وقطع دابرهم فلم تقم لهم بعدها قائمة
وفيها سار نور الدين الشهيد الفرنج وكانوا عزموا على حمص فترفعوا وفرق في يوم مائي ألف دينار وكتب إليه النواب أن الصدقات كثيرة للفقهاء والفقراء والصوفية فلو استعنت بها ثم تعوضهم عناه فغضب وكتب إليهم )
أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) وهل أرجو النصر إلا بهؤلاء وهل تنرون إلا بضعفائكم فكتبوا إليه فتقترض من أرباب الأموال ثم نوفيهم فبات مفكرا فرأى في منامه إنسانا ينشد
) احسنوا ما دام أمركم
نافذا في البدو والحضر )
) واغنموا أيام دولتكم
إنكم منها على خطر )
فقام مرعوبا مستغفرا مما خطر له وكطتب لا حاجة لي بأموال الناس وعاد الفرنج إلى بلادهم 182
وفيها توفي الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة الزاهد والد الشيخ أبي عمر والشيخ الموفق وله سبع وستون سنة وكان خطيب جماعيل ففر بدينه من الفرنج مهاجرا إلى الله ونزل بمسجد أبي صالح الذي بظاهر باب شرقي ثم صعد إلى الجبل لتوخم
ناحية باب شرقي عليهم ونزل هو وولداه بسفح قاسيون وكانوا يعرفون بالصالحية لنزولهم بمسجد أبي صالح فسميت الصالحية بهم وكانت تسمى أولا قرية الجبل وقيل قرية النخل كان بها كثيرا وكان زاهدا صالحا قاتنا الله صاحب جد وصدق وحرص على الخير وهو الذي بني الديار بالصالحية
وفيها أحمد بن جعفر والدبيثي مصغرا نسبة إلى دبيثا قرية بواسط البيع ابن عم الحافظ أبي عبد الله الدبيثي قدم بغداد وكان قد ضمن البيع بواسط ثم عطل عنه وصودر وروى ببغداد شيئا من شعره وأورد له ابن الجار في تاريخه قوله
) يروم صبرا وفرط الوجد يمنعه
وسلوه ودواعي الشوق تردعه )
) إذا استبان طريق الرشد واضحة
عن الغرام فيثنيه ويرجعه )
) مشحونة بالجوى والشوق أضلعه
ومفعم القلب بالأحزان مترعه )
ومنها
) عاثت يد البين في قلبي تقسمه
على الهوى وعلى الذكرى توزعه )
) كأنما آلت الأيام جاهدة
لما تبدد شملي لا تجمعه )
) روعت يا دهر قلبي كم تذوقه
من الأسى وفؤادي كم تجرعه )
وهي طويلة والظاهر انه عارض فيها قصيدة ابن زريق المشهورة
وفيها شهر دار بن شيرويه بن شهر دار بن شيرويه الديلمي المحدث الشافعي أبو منصور قال ابن السمعاني كان حافظا عارفا بالحديث فهما عارفا بالأدب ظريفا سمع أبا وعبدوس بن عبد الله ومكي السلا وطائفة وأجاز له أبو بكر بن خلف الشيرازي وعاش خمسا وسبعين سنة خرج أسانيد لكتاب والده المسمى بالفردوس في ثلاث مجلدات ورتبه ترتيبا الفردوس الكبير 183
وفيها عبد المؤمن الكومي التلمساني صاجب المغرب والأندلس كان أبوه صانعا في الفخار فصار أمره إلى ما صار وكان مليحا ذا جسم عم تعلوه وحمرة أسود الشعر معتدل القامة وضيئا جهوري الصوت فصيحا عذب المنطق لا يراه أحد إلا أحبه بديهة وكان في الآخر شيخا أنقى وقد سبق شيء من أخباره في ترجمة ابن تومرت وكان ملكا عادلا ساسيا عظيم الهيبة عالي الهمة كثير المحاسن متين الديانة قليل المثل وكان يقرأ كل يوم سبعا من القرآن العظيم ويجتنب لبس الحرير ويصوم الاثنين والخميس ويهتم بالجهاد والنظر في الملك كأنما خلق له وكان سفاكا لدماء من خالفه سأل أصحابه مسألة ألقاها عليهم فقالوا لا علم لنا إلا ما علمتنا فلم ينكر ذلك عليهم فكتب بعض الزهاد هذين البيتين ووضعهما تحت سجادته وهما
) يا ذا الذي قهر الأنام بسيفه
ماذا يضرك أن تكون إلها )
) الفظ بها فيما لفظت فانه
لم يبق شيء من أن تقول سواها )
فلما رآها وجم وعظم أمرهما وعلم أن ذلك بكونه لم ينكر على أصحابه قولهم لا علم لمنا إلا ما علمتنا فكان عبد المؤمن يتزيا بزي لعامة ليقف على الحقائق فوقعت عيناه على شيخ عيه سيما الخير فتفرس فيه انه قائل البيتين فقال له أصدقني أنت قائل البيتين قال أنا هو قال لم فعلت ذلك قال قصدت إصلاح دينك فدفع إليه ألف دينار فلم يقبلها ومن شعره وقد كثر الثوار عليه
) ى تحفلن بما قالوا وما فعلوا
أن كنت تسمو إلى العليا من الرتب )
) وجرد السيف فيما أنت طالبه
فما تردد صدور الخيل بالكتب )
ومات عازيا بمدينة سلا في جمادي الآخرة رحمه الله تعالى
وفيها أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن عمار بن أحمد بن علي بن عبدوس الحراني الفقيه الحنبلي الزاهد العارف الواعظ ولد سنة عشر أو إحدى عشرة وخمسمائة 184
وسمع ببغداد من ابن ناصر وغيره وتفقه وبرع في الفقه والتفسير والوعظ والغالب على كلامه التذكير وعلوم المعاملات وله تفسيرا كبير مشحون بهذا الفن وله كتاب المذهب ومجالس وعظية فيها كلام حسن قرأ عليه قرنه أبو الفتح نصر الله بن عبد العزيز وجالسه الشيخ فخر الدين والاطلاع على علم التفسير وله فيه التصانيف البديعه والمبسوطات الوسيعة وسمع منه الحديث أبو المحاسن عمر بن علي القرشي الدمشقي بحران وقال هو إمام الجامع بحران من أهل الخير والصلاح والدين قال وانشدني لنفسه
) سألت حبيبي وقد زرته
ومثلي في مثله يرغب )
) فقلت حديثك مستظرف
ويعجب منه الذي تعجب )
) أراك ظريفا مليح الجواب
فصيح الخطاب فما تطلب )
) فهل فيك من خلة تزدري
بها الصد والهجر هل يقرب )
) فقال أما قد سمعت المقال
مغنية الحي ما تطرب )
وقوله
) قرة عين من صدف
بعزمه عن الصدف )
) ثم اقتنى الدر الذي
من ناله نال الشرف )
توفي رحمه الله تعالى في آخر نهار عرفة وقيل ليلة عيد النحر سنة تسع وخمسين وحمسمائة كما جزم به ابن رجب
) وقيها سديد الدولة ابن الانباري صاحب ديوان الانشاء ببغداد وهو محمد ابن عبد الكريم بن إبراهيم الشيباني الكاتب البليغ أقام في الانشاء خمسين سنة وناب في الوزارة ونفذ رسولا وكان ذار أي وحزم وعقل عاش نيفا وثمانين سنة وكانت رسائله بديعة المعاني متينة المباني عذبة المجاني ومدحته الشعراء منهم إلا رجاني بقصيدة أولها 185
) إلى خيال خيال في الظلام سرى
نظيره في خفاء الشخص إذ نظرا )
ومنها
) معقرب الصدغ تحكي نور غرته
بد بدا بظلام الليل معتكرا )
) منسافر القلب من صدري إليه هوى
ما عاد قط ولم أسمع له خبرا )
) وهو المسيء اختيارا إذا نوى سفرا
وقد رأى طالعا في العقرب القمرا )
وكانت بينه وبين الحريري مكاتبات ومراسلات
وفيها الجواد جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي الاصبهاني وزير صاحب الموصل أتابك زنكي رئيسا نبيلا مفخما دمث الأخلاق سمحا كريما مفضالا متنوعا في أعفال البر والقرب مبالغا في ذلك وقد وزر أيضا لود زنكي سيف الذين غازي ثم لأخيه قطب الدين مدة ثم قبض عليه في هذه السنة وحبسه ومات في العام الاتي فنقل ودفن بالبقيع ولقد حكى ابن الأثير في ترجمة الجواد هذا مآثر ومحاسن لم يسمع بمثلها
وفيها المؤيد محمد الالوسيبفتح الهمزة وضم اللام ومهملة نسبة إلى ألوس ناحية عند حديثه الفرات وقال ابن السمعاني عند طسوس كان يتزيا بزي الأجناد وله المعاني المتبكرة فمن ذلك قوله في قلم
) قلم بفل الجيش وهو عرمرم
والبيض ما سلت من الأغماد )
) وهبت له الآجام حين نشا بها
كرم السيول وهيبة الآساد )
وما أظن انه قيل في القلم أحسن منهما
وفيها يحيى بن سعيد النصراني أو حد زمانه في معرفة الطب والأدب له ستون مقامة ضاهي بها مقامات الحريري ومن شعره في للشيب
) نفرت هند من طلائع شبي
واعترتها سآمة من وجومي )
) هكذا عادة الشياطين ينفرن
إذا ما بدت رجوم النجوم )
) وفيها أبو الخير العمراني يحيى بن أبي الخير بن سالم اليماني صاحب البيان ولد 186
سنة تسع وثمانين وأربعمائة وتفقه على جماعات منهم زيد البقاعي وكان شيخ الشافعية ببلاد اليمن وكان إماما زاهدا ورعا عالما خيرا مشهور الاسم بعيد الصيت عارفا بالفقه وأصوله والكلام والنحو من أعرف أهل الأرض بتصانيف الشيخ أبي إسحق الشيرازي ويحفظ المهذب عن ظهر قل وقيل انه كان يقرؤه في كل ليلة وكان ورده في كل ليلة أكثر من مائة ركعة بسبع القرآن العظيم
ورحل إليه الطلبة من البلاد ومن تصانيفه البيان في نحو عشر مجلدات وهو كاسمه وفيه قيل
) لله شيخ من بني عمران
قد شاد قصر العلم بالأركان )
) يحيى لقد أحيا الشريعة هاديا
بزوائد وغرائب وبيان )
) هو درة اليمن الذي ما مثله
من أول في عصرنا أو ثان )
وكان حنبلي العقيدة شافعي الفروع كما قال ابن الأهدل كا جرى صاحب كتاب الشريعة قال ابن شبهة وغيره وله في علم الكلام كتاب الانتصار في الرد على القدرية الاشرار ينصر فيه عقيدته وتحامل فيه على الاشرار ينصر فيه عقيدته وتحامل فيه على الاشاعرة واختصر الأحياء وله كتاب السؤال عما في المهذب من الأشكال وانتقل في آخر أمره من سير إلى ذي سفال ثم مات بها مبطونا شهيدا وما ترك فريضة في جملة مرضه ونازع ليلتين وهو يسأل عن أوقات الصلاة ومحاسنه ومصنفاته كثيرة رحمه الله تعالى
سنة تسع وخمسين وخمسمائة
فيها كسر نور الدين الشهيد واسر صاحب إنطاكية وصاحب طرابلس وفتح حارم
وفيها سار أسد الدين شيركوه من دمشق إلى مصر بأمور نور الدين إعانة للأمير شاور ومعه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن نجم الدين أيوب وهو الذي صار إليك ملك مصر كما سيأتي وكان نجم الدين أيوب بن شادي السعدي وأخوه شيركوه من بلد العجم أصلهم أكراد وكانوا من بلد من يقال له دوين ونجم الدي00ن إلا كبر 187
قدما العراق وخدما مجاهد الدين بهروز ولما لزنكي أمره ذهب إليه نور الدين وأخوه فلما قتل قتل زنكي وقصد نور الدين دمشق كاتبهما أن يساعداه وكانا صارا من أكابر أمراء دمشق ووعدهما بأشياء فساعداه على فتحها ووفي لها وصارا عنده في منزلته عاليه خصوصا نجم الدين فلما وصل إلى مصر بالعساكر وخرج أليهما ضرغام فالتقوا على باب القاهرة في هذه السنة فقتل ضرغام واستقام أمر شاور ثم ظهر من شاور الغدر وكتب إلى الفرنج يستنجدهم فجاؤا إلى بلبيس وحصروا أسد الدين شيركوه ولم يقدروا عليه خصوصا لما جاءهم الضريخ بما تم على دين الصليب بوقعة حارم فصالحوا أسد الدين وردوا ورجع هو إلى الشام ثم لا زالت تتنقل به وبابن أخيه الأحوال إلى أن صار ابن أخيه ملك مصر
وفيها توفي أبو سعد عبد الوهاب بن الحسن الكرماني بقية شيوخ نيسابور روى عن أبي بكر بن خلف وموسى بن عمران وأبي سهل عبد الملك الرسي وتفرد عنهم وعاش تسعا وتسعين وسبعين سنة
وفيها أبو المعالي الحسن الوركاني بالفتح والسكون نسبة إلى وركان محلة بأصبهان الفقيه الشافعي كان سريا مفتيا للفريقين وله طريقة في الخلاف
وفيها السيد أبو الحسن علي بن حمزة العلوي الموسوي مسند هراة سمع أبا عبد الله المعمري ونجيب بن ميمون وأبا عامر الازدي وطائفة وعاش نيفا وتسعين سنة
وفيها أبو الخر الباغبان بفتح الموحدتين وسكون المعجمة نسبة إلى حفظ الباغ وهو البستان محمد بن أحمد بن محمد الاصبهاني المقدر سمع عبد الوهاب بن مندة وجماعة وكان ثقة مكثرا توفي في وشوال
وفيها الزاغولي الحافظ محمد بن الحسين بن محمد بن الحسيم بن علي بن إبراهيم ابن عبد الله بن يعقوب المروزي كان حافظا ثقة عمدة له مؤلفات منها مؤلف واحد في أكثر من أربعمائة مجلد قاله ابن ناصر الدين والزاغولي بضم المعجمة نسبة إلى 188
زاغولة قرية من قرى بنج دية
وفيها نصر بن خلف السلطان أبو الفضل صاحب سجستان عمر مائة سنة ملك منها ثمانين سنة وكان عادلا حسن السيرة مطيعا للسلطان سنجر
سنة ستين وخمسمائة
فيها وقعت فتنة بأصبهان بين صدر الدين عبد اللطيف بن الخجندي وغيره من أصحاب المذاهب سببها التعصب للمذهب فخرجوا للقتال وبقى الشر والقتل ثمانية أيام قتل فيها خلق كثير وأحرقت وأماكن كثيرة
وفيها فوض نور الدين دمشق إلى صلاح الدين يوسف بن أيوب فأظهر السياسة وهذب الأمور
وفيها فتح نور الدين بانياس عنوة
وفيها توفي أبو العباس بن الحطية أحمد بن عبد الله بن أحمد بن هشام اللخمي الفاسي المقرئ الصالح الناسخ ولد سنة ثمان وسبعين وحج وقرا القراءات على ابن الفحام وبرع فيها وكان لأهل مصر فيه اعتقاد كثير توفي في المحرم ودفن بالقرافة
وفيها أمير ميران أخو السلطان نور الدين أصابه سهم في عينه على حصار بانياس فمات بدمشق رحمه الله تعالى
وفيها أبو الندى حسان بن تميم الزيات رجل حاج صالح روى عن نصر المقدسي وتوفي في رجب عن بضع وثمانين سنة وروت عنه كريمة
وفيها أبو المظفر لعلكي سعيد بن سهل الوزير النيسابوري ثم الخوارزمي وزير خوارزم شاه روى مجالس عن أحمد المديني ونصر الله الخشنامي وحج وتزهد واقام بدمشق بالسمساطية وكان صالحا متواضعا توفي في شوال 189
وفيها أبو المعمر حذيفة بن سعد الازجي الوزان روى عن أبي الفضل ابن خيرون وجماعة وتوفي في رجب
وفيها رستم بن علي بن شهريار صاحب مازندران استولى في العام الماضي على بسطام وقومس واتسعت مملكته مات في ربيع الأول وتملك بعده ابنه علاء الدين حسن
وفيها عبد الله بن سعد بن الحسين بن الهاطر العطار الحنبلي وهو حذيفة المتقدم كان اسمه حذيفة فغيره وصار يكتب عبد الله قرأ القرآن بالروايات على أبي الخطاب بن الجراح وغيره وسمع الحديث من ابن طلحة وغيره وتفقه على أبي الخطاب الكلوذاني وحدث وروى عنه أبو جعفر السهرودي وغيره توفي يوم الاثنين ثامن رجب وصلى عليه الشيخ عبد القادر الكيلاني من الغد ودفن باب حرب
وفيها أبو الحسين اللباد علي بن أحمد الاصبهاني سمع أبا بكر بن ماجه ورزق الله التميمي وطائفة وأجاز له أبو بكر بن خلف وتوفي في شوال
وفيها أبو القسم بن البزري عمر بن محمد الشافعي جمال الإسلام إمام جزيرة ابن عمر وفقيهها ومفتيها ومدرسها رحل إلى بغداد وأخذ عن الغزالي والكبار وجماعة وبرع في المذهب ودقائقه وصنف كتابا في حل مشكلات المهذب وكان من أهل العلم والدين بمحل رفيع قال ابن خلكان كان أحفظ من بقي في الدنيا على ما يقال لمذهب الشافعي انتفع به خلق كثير ولم يخلف بالجزيرة مثله ولد سنة إحدى وسبعين وأربعمائة وتوفي في أحد الربيعين والبزري منسوب إلى عمل البزر وهو الدهن من حب الكتان
وفيها أبو عبد الله الحراني محمد بن عبد الله بن العباس المعدل ببغداد سمع رزق الله التميمي وهبة الله بن عبد الرزاق الأنصاري وطراد بن محمد وكان أديبا فاضلا ظريفا توفي في جمادي الأولى 190
وفيها القاضي أبو يعلي الصغير الحنبلي محمد بن أبي حازم محمد بن القاضي أبي يعلى الكبير بن الفراء البغدادي شيخ المذهب تفقه على أبيه وعمه أبي الحسين وكان مناظرا فصيحا مفوها ذكيا ولي قضاء واسط مدة ثم عزل منها فلزم منزله وأضر بأخرة قال ابن رجب ولد يوم السبت لثمان عشرة من شعبان سنة أربع وتسعين وأربعمائة وسمع الحديث من أبي البركات العاقولي وأبي علي الثكلي وغيرهما وأجازه الحريري صاحب المقامات ودرس وناظر في شبيبته وكان ذا ذكاء مفرط وذهن ثاقب وفصاحة حسن العبارة ظهر علمه في الآفاق ورأى من تلاميذه من ناظر ودرس وأفتى في حياته ومما كتبه إلى بعض العلماء فلو أن للكرم مقلة لكان هو انسانها أو للمجد لغة لكان هو لسانها أو لسؤدد دهرا لكان هو ربيع لزمانه وللشرف عمرا كان صفو ريعانه وللأجواد شبها لكان هو الشمس التي إذا ظهرت خفيت الكواكب لظهورها وإذا تأملها الراؤون ردت أبصارهم عن شعاعها ونورها ولابن الجوزي فيه مدائح كثيرة وله مصنفات كثيرة منها المفردات والتعيقة في مسائل الخلاف وشرح المذهب و كتاب النكت والإشارات وقرأ البقال العكبري ويحيى بن الربيع الشافعي وسمع منه جماعة كثيرة أيضا وتوفي ليلة السبت سحر خامس جمادي الأولى
وفيها أبو طالب العلوي الشريف محمد بن محمد بن أبي زيد الحسني البصري نقيب الطالبيت بالبصرة روى عن علي التستري وجعفر البعاداني وجماعة واستفاد به ابن هبيرة لسماع السنن توفي في ربيع الأول عن إحدى وتسعين سنة
وفيها أبو الحسن بن التلميذ أمين الدولة هبة الله بن صاعد المصري البغدادي شيخ قومه وقسيسهم لعنهم الله وشيخ الطب وجالينوس العصر وصاحب التصانيف مات في ربيع الأول وله أربع وتسعون سنة قاله في العبر وقال صاحب أنموذج 191
الأعيان كان شيخا زيني المنظر عذب المجتلي والمجتني لطيف الروح ظريف الشخص مصنف الفكر حازم الرأي والله يهدي من يشاء بفضله ويضل به يريد بعد له وله لغز في ميزان
) ما واحد مختلف الأسماء
يعدل في الأرض وفي السماء )
) يحكم بالقسط بلا مراء
أعمى يرى الإرشاد كل راء )
) اخرس لا من علية وداء
يغني عن التصريح بالإيماء )
) يجيب أن ناداه ذو امتراء
بالخفض والرفع عن النداء )
) يفصح أن علق في الهواء
)
وقوله مختلف الأسماء يعني ميزان الشمس الاسطرلاب وميزان الكلام النحو ومير أن الشعر العروض
وفيها باغي أرسلان بن الدار شمند صاحب ملطية جرى بينه وبين جاره قلج أسرلان حروب عديدة ثم مات وولى بعده ابن أخيه إبراهيم بن محمد فصالح قلج أرسلان
وفيها الوزير عون الدين أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة بن سعيد الشيباني وزير المقتفي وابنه ولد سنة تسع وتسعين وأربعمائة بالسواد ودخل بغداد شابا فطلب العلم وتفقه على مذهب الأمام أحمد بن حنبل وسمع الحديث وقرأ القراءات وشارك في الفنون وصار من فضلاء زمانه ثم احتاج فدخل في الكتابة وولى مشارفة الخزانة ثم ترقي وولى ديوان الخواص ثم استوزره المقتفي فبقي وزيرا إلى أن مات وكان شامة بين الوزراء لعدله ودينه وتواضعه ومعرفته روى عن أبي عثمان بن ملة وذا شيء لا يفعله قضاة زماننا ولا خطباؤهم وكان مجلسه معمورا بالعلماء والفقهاء والبحث وسماع الحديث شرح صحيح البخاري ومسلم وألف كتاب العبادات في مذهب أحمد شهيدا مسموما في جمادي الأولى ووززر بعده 192
شرف الدين أبو جعفر بن البلدي قاله في العبر
وقال ابن رجب صحب أنا عبد الله محمد بن يحيى الزبيدي الواعظ الزاهد من حداثته وكمل عليه فنونا من العلوم الادبية وغيرها واخذ عنه التأله والعبادة وانتفع بصحبته حتى أن الزبيدي كان يركب جملا ويعتم بفوطة ويلويها تحت حنكة وعليه جبة صوف وهو مخضوب بالحناء فيطوف بأسواق بغداد ويعظ الناس وزمام جملة بيد ابن هبيرة خام قصير معتم بفوطة من قطن قد لواها تحت حنكة وعليه قميص قطن خام قصير الكم والذيل وكلما وصل الزبيدي ابن هبيرة بمسبحته ونادى برفيع صوته لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير
وقال ابن الجوزي كانت له معرفة حسنة بالنحو واللغة والعروض وصنف في تلك العلوم وكان شديدا في اتباع السنة وسير السلف وقال ابن رجب صنف الوزير أبو المظفر كتاب الافصاح عن معاني الصحاح في عدة مجلدات وهو شرح صحبحي البخاري ومسلم ولما بلغ فيه إلى حديث ) من يرد الله يه خيرا يفقه في الدين ) شرح الحديث وتكلم على معنى الفقه وال به الكلام إلى ذكر مسائل الفقه المتفق عليها والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين وقد أفرده الناس من الكتاب وجعلوه بمفرده مجلدة وسموه بكتاب الافصاح وهو قطعة منه وهذا الكتاب صنفه في ولايته الوزارة واعتنى به وجمع عليه أئمة المذاهب وأوفدهم من البلدان إليه لأجله بحيث أنفق على ذلك مائة ألف دينار وثلاثة عشر ألف دينار وحدث به واجتمع الخلق العظيم لسماعه عليه واشتغل به الفقهاء في ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم واستدعاه المقتفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة إلى داره وقلده الوزارة وخلع عليه وخرج في أبهة عظيمة ومشى أرباب الدولة وأصحاب المناصب بين يديه وهو راكب وحضر القراء والشعراء وكان يوما مشهودا وقر عهده وخوطب فيه بالوزير العالم العادل عون الدين جلال الإسلام صفى الأمام 193
شرف الأنام معز الدول مجير الملة عماد الأمة مصطفى الخلافة تاج الملوك والسلاطين صدر الشرق والغرب سيد الوزراء وقال يوما لا تقولوا في ألقابي سيد الوزراء فان الله تعالى سمى هارون وزيرا وجاء عن النبي أن وزيريه من أهل السماء جبريل وميكائيل ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر وقال مرة في وزارته والله لقد كنت أسأل الله الدنيا لأخدم بما يرزقنيه منها العلم وأهله وكان سبب هذا انه ذكر في مجلسه مفردات الأمام احمد التي تفرج بها عن الثىلاثة فادعي أبو محمد الاشيري المالكي إنها رواية عن مالك ولم يوافقه على أحد وأحضر الوزير كتب مفردات أحمد وهي منها والمالكي مقيم على دعواه فقال له الوزير بهيمة أنت ما تسمع هؤلاء يشهدون بانفراد أحمد بها والكتب المصنفة وأنت تنازع وتفرق المجلس فلما كان المجلس الثاني وإجتمع الخلق للسماع أهذ ابن شافع في القراءة فمنعه الوزير وقال كان الفقيه أبو محمد جرى في مسأله أمس على ما لا يليق به من العدول عن الأدب والانحراف عن نهج النظر حتى قلت تلك الكلمة أي قوله أنت بهيمة وها أنا فليقل لي كما قلت له فلست بخير منكم ولا أنا إلا كأحدكم فضج المجلس بالبكاء وارتفعت الأصوات بالدعاء والثناء وأخذ الاشيري يعتذر ويقول أنا المذنب والاولى بالاعتذار من مولانا الوزير ويقول القصاص القصاص فقال يوسف الدمشقي إذا فالفداء فقال له الوزير له حكمه فقال الاشيري نعمك على كثيرة فأي حكم بقي لي فقال قد جعل الله لك الحكم علينا فقال علي بقية دين منذ كنت بالشام فقال الوزير يعطي مائة دينار لا براء ذمته وذكتي فأحضرت له وقال ابن الجوزى كان يتحدث بنعم الله عليه ويذكر في منصبه شدة فقرة القديم فيقول نزلت يوما إلى دجلة وليس معي رغيف أعبر به ودخل عليه يوما تركي فقال لحاجبه ما فلت لك أعط هذا عشرين دينارا وكرا من الطعام وقل له لا تحضر ههنا فقال قد أعطيناه فقال عد وأعطه وقل له لا تحضر ثم التفت إلى الجماعة فقال هذا كان سجنه في القرى فقتل 194
قتيل من قريتنا فآخذ مشايخ القرى وآخذني مع الجماعة وأمشاني مع الفرس وبالغ في أذاي وأوثقني وضربني على رأسي وهو مكشوف عدة مقارع ثم أخذ من واحد شيئا وأطلقته ثم قال أي شيء معك قلت ما معي شيء وما نقمت عليه إلا أني سألته في الطريق أن يمهلني حسبما أصلى الفرض فما أجابني وضربني وقال ابن الجوزى كنا نجلس إلى ابن هبيرة فيملى علينا كتابه الافصاح فبينا نحن كذلك إذ قدم علينا رجل ومعه رجل أدعى عليه انه قتل أخاه فقال له عون الدين أقتللته قال نعم جرى بيني وبينه كلام فقتلته فقال الخصم سلمه إلينا حتى نقتله فقد أمر بالقتل فقال عون الدين أطلقوه ولا تقتلوه قالوا كيف ذلك وقد قتل أخانا قال فتبيعونيه فاشتراه منهم بسستمائة دينارا وسلم الذهب إليهم وذهبوا وقال للقاتل اقعد عندنا لا تبرح قال فجلس عندهم وأعطاه الوزير خمسين دينرا قال فقلنا للوزير لقد أحسنت إلى هذا وعملت معه أمرا عظيما وبالغت في الإحسان إليه فقال للوزير منكم أحد يعلم أن عيني اليمنى لا أبصر بها شيئا فقلنا معاذ الله فقال بلى والله أتدرون ما سبب ذلك قلنا لا قال هذا الذي خلصته من القتل جاء إلى وأنا في الدور ومعي كتاب من الفقه اقرأ فيه ومعه لسة فاكهة فقال أحمل هذه السلة قلت له ما هذا شغلي فاطلب غيري فشاكلني ولكمني فقلع عيني ومضى ولم أره بعد ذلك إلى يومي هذا فذكرت ما صنع بي فأردت أن أقابل اساءته إلى بالإحسان مع القدرة وقال صاحب سيرته كنا
عنده يوما المجلس غاض بولاة الدين والدنيا وأعيان الاماثل وأين شافع يقرأ عليه الحديث إذا فجأنا من باب السنر وراء ظهر الوزير صراخ بشع وصياح مرتفع فاضطرب له المجلس فارتاع الحاضرون والوزير ساكن ساكت حتى أنهى ابن شافع قراءة الإسناد ومتنه ثم أشار الوزير إلى الجماعة أن على رسلكم وقام ودخل الستر ولم يلبث أن خرج فجلس وتقدم بالقراءة فدعا له ابن شافع والحاضرون وقالوا قد أزعجنا ذلك الصياح فإن رأى مولانا أن 195
يعرفنا سببه فقال الوزير حتى ينتهي المجلس وعاد ابن شافع إلى القراءة حتى غابت الشمس وقلوب الجماعة متعلقة بمعرفة الحال فعاودوه فقال كان لي ابن صغير مات حين سمعتم الصياح عليه ولولا تعين الأمر علي بالمعروف في الإنكار عليهم ذلك الصياح لما قمت عن مجلس رسول الله فعجب الحاضرون من صبره وقال في كتاب الافصاح في الخضر الذي لقيه موسى عليه السلام قيل كان ملكا وقيل بشرا وهو الصحيح ثم قيل انه عبد صالح ليس بني وقيل بل نبي هو الصحيح والصحيح عندنا انه حي وأنه يجوز أن يقف على باب أحدنا مستعطيا له أو غير ذلك وقال ابن الجوزى أنشدنا لنفسه
) بلد بهذا العيش من ليس يعقل
ويزهد فيه الالمعى المحصل )
) ما عجب نفس أن ترى الرأي إنما العجيبة
نفس مقتضى الرأي تفعل )
) إلى الله أشكو همة دنيوية
ترى النص إلا إنها تتأول )
) ينهنهها موت الشباب فترعوى
ويخدمها روح الحياة فتغفل )
) وقي كل جزء ينقضى من زمانها
من الجسم جزء مثله يتحلل )
) فنفس الفتى في سهوها وهي تنقضى
وجسم الفتى في شغله وهو يعمل )
) قال وأنشدنا لنفسه
) والوقت أنفس ما عنيت بحفظه
وأراه أسهل ما عليك يضيع )
) قال وأنشدنا لنفسه أيضا
) الحمد الله هذا العين لا الأثر
مما الذي باتباع الحق ينتظر )
) وقت يفوت وأشغال معوقة
وضعف عزم ودار شأنها الغير )
) والناس ركضى إلى مهوى مصارعهم
وليس عندهم من ركضهم خبر )
) تسعى بها خادعات من سلامتهم
فيبلغون إلى المهوى وما شعروا )
) والجهل اصل فساد الناس كلهم
والجهل اصل عليه يخاق البشر )
) إنما العلم عن ذي الرشد يطرحه
كما عن الطفل يوما تطرح السرر ) 196
) وأصعب الداء لا يحس به
كالدق يضعف حسا وهو يستعر )
) وإنما لم تحس النفس موبقها
لأن أجزاءه قد عمها الضرر )
وذكر ياقوت الحموي في معجمه بإسناد له أن الوزير عرضت عليه جارية فائقة الحسن وأظهر له في المجلس من أدبها وحسن كتابتها وذكائها وظرفها ما أعجبه فأمر فاشتريت له بمائة وخمسين دينارا وأمر أن يهيأ لها منزل وجارية وان يحمل لها من الفرش والآنية والثياب ما تحتاج إليه بعد ثلاثة أيام جاءه الذي بعها وشكا له ألم فراقها فضحك وقال له لعلك تريد ارتجاع الجارية قال إي والله وهذا الثمن بحاله لم أتصرف فيه وأبرزه فقال الوزير ولا نحن تصرفنا في المثمن ثم قال لخادمه ادفع إليه الجارية وما عليها وجميع ما في حجرتها ودفع إليه الخرفة التي فيها الثمن وقال استعينا به على شأنكما فاكثرا من الدعاء له فأخذها وخرج وحكى عنه انه كان إذا مد السماط أكثر ما يحضر الفقراء والعميان فلما كان ذات يوم وأكل الناس وخرجوا بقي رجل ضرير يبكي ويقول سرقوا متاعي ومالي غيره ووالله ما أقدر على ثمن مداس فقام الوزير من مجلسه ولبس مداسة وجاء إلى الضرير فوقف عنده وخلع مداسه والضرير لا يعرف وقال له البس هذا وابصره قدر رجلك فلبسه وقال نعم كأنه مداسي ومضى الضرير ورجع الوزير إلى مجلسه وهو يقول سلمت منه أن يقول أنت سرقته وأخبار الوزير رحمه الله تعالى ومناقبه كثيرة جدا وقد مدحه الشعراء فأكثروا منهم الحيض بيض وابن بختار الإبله وابن التعاويذي والعماد الكاتب وخلق كثير قال ابن الجوزى كان الوزير يتأسف على ما مضى من زمانه ويندم على ما دخل فيه ثم صار يسأل الله عز وجل الشهادة ونام ليلة الأحد ثالث عشر جمادي الأولى في عافية فلما كان وقت السحر حضر طبيب كان يخدمه فسقاه شيئا فيقال أنه سم فمات وسقى الطبيب بعده بنحو ستة أشهر يما فكان يقول سقيت كما سقيت وحملت جنازة 197
الوزير إلى جامع القصر وصلى عليه ثم حمل إلى مدرسته التي أنشأها بباب البصرة فدفن بها وغلقت يومئذ أسواق بغداد وخرج جمع لم نره لمخلوق قط وكثر البكاء عليه رحمه الله تعالى واسعة
سنة إحدى وستين وخمسمائة
وفيها ظهر ببغداد الرفض والسب وعظم الخطب
وفيها أخذ نور الدين من الفرنج حصن صافيتا
وفيها توفي القاضي الرشيد أبو الحسن أحمد بن القاضي الرشيد أبي الحسن علي الغساني الاسواني بضم الهمزة على الصحيح الشافعي كان من ذوي الفضل والرياسة وأسوان قرية بصعيد وله ديوان شعر ومصنفات ولأخيه القاضي المهذب ديوان شعر أيضا والمهذب أشع والرشيد أعلم بسائر الفنون قتله الوزير شاور ظلما وذلك أنه لما دخل اليمن رسولا مدح ملوكها فقال في علي بن حاتم الهمداني فصيدته إلى يقول فيها
) وإن جهلت حقى رعانف خندف
فقد عرفت فضلى غطاريف همدان )
فكتب بذلك داعي الإسماعيلية إلى صاحب مصر فأخذ جميع موجوده ثم قتله شاور
وفيها الحسن بن علي القاضي المهذب صنف كتاب الأنساب في عشرين مجلدا ومن شعره
) أقصر فديتك عن لومي وعن عذلي
أولا فخذلني أمانا من ظبي المقل )
) من كل طرف مريض الجفن ينشد لي
يا رب رام بنجد من بني ثعل )
) أن كان فيه لنا وهو السقيم شفا
فربما صحت الأجساد بالعلل )
) وفيها الحسن بن عبد الله الأصفهاني الشيخ الصالح كان كثير البكاء ولم يكن أصبهان أزهد منه قال وقفت على علي بن شاده وهو يتكلم على الناس فلما كان 198
الليل رأيت رب العزة في المنام فقال يا أبا حسن وقفت على مبتدع وسمعت كلامه لا حر منك النظر في الدنيا فاستيقظ وعيناه مفتوحان لا يبصر بهما شيئا ومات قال الحميدي سمعت الفضيل بن عياض يقول من وقر صاحب بدعة أو رثه الله العمى قبل موته
وفيها الحسن بن عباس الاصبهاني الفقيه الشافعي مسند أصبهان سمع أبا عمرو ابن مندة ومحمود الكوسج وطائفة وتفرد ورحل إليه وكان زاهدا ورعا بكاء خاشعا فقيها مفتيا محققا تفقه به جماعة
وفيها عبد الله بن رفاعة بن غدير الشافعي أبو محمد السعدي المصري قاضي الحيرة كان فقيها ماهرا في الفرائض والمقدرات صالحا دينا تفقه على القاضي الخلعي ولازمه وهو آخر من حدث عنه ثم ترك القضاء واعتزل في القرافة مشتغلا بها بالعبادة قال في العبر توفي في ذي القعدة عن أربع وتسعين سنة كاملة وقد ولى القضاء بمصر وطلب أن يعفى فأعفى
وفيها أبو محمد الاشيري كالكريمي نسبة إلى أشير حصن بالمغرب عبد الله ابن محمد المقرئ الصنهاجي الفقيه المالكي الحافظ روى عن أبي الحسن الجدامى والقاضي عياض وكان عالما بالحديث وطرقه وبالنحو واللغة والنسب كثير الفضائل وقبره ظاهر ببعلبك
وفيها أبو طالب ابن العجمي عبد الرحمن بن الحسن الحلبي الفقيه الشافعي تفقه ببغداد على الشاشي وأسعد الميهني وسمع من ابن بيان وله بحلب مدرسة كبيرة عاش إحدى وثمانين سنة ومات في شعبان
وفيها الشيخ عبد القادر بن أبي صالح بن عبد الله بن جنكى دوست بن أبي عبد الله عبد الله بن يحيى بن محمد بن داود بن موسى الحوزى ابن عبد الله المحصن بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب الجيلاني في نسبة إلى جبل وهي بلاد متفرقة من وراء طبرستان وبها ولد ويقال لها أيضا جيلاني 199
وكيلان وهو سبط أبي عبد الله الصومعي من جلة مشايخ جيلان أمه أم الخير بنت أبي عبد الله وأخوه الشيخ أبو أحمد عبد الله أصغر منه سنا نشأ في العلم والخير ومات بجيلان شابا وعمنه الصالحة أم عائشة استسقى بها أهل جيلان فلم يسقوا فكنست رحبة بيتها وقالت يا رب كنست رحبه بتي فرش أنت فمطروا كأفواه القرب كان شيخ الشيوخ الشيخ عبد القادر نحيف الجسم عريض الصدر عريض اللحية أسمر مدور الحاجبين ذا صوت جهوري وسمت بهي ولما ترعرع وعلم أن طلب العلم فريضة شمر ساق الاجتهاد في تحصيله وسازع في تحقيق فروعه وأصوله بعد أن اشتغل بالقرآن حتى أتقنه ثم تفقه في مذهب الأمام أحمد بن حنبل علي أبي الوفاء بن عقيل وأبي الخطاب وأبي الحسين محمد بن القاضي أبي يعلي والمبارك المخرمي وسمع الحديث من جماعة وعلوم الأدب من آخرين وصحب حماد الدباس وأخذ عنه علم الطريقة بعد أن لبس الخرقة من أبي سعد المبارك المخرمي وفاق أهل وقته في علوم الديانة ورقع له القبول التام مع القدم الراسخ في المجاهدة وقطع دواعي الهوى والنفس ولما أراد الله إظهاره أضف إلى مدرسة أستاذه أبي سعد المخرمي فعمرها وما حولها وأعانه الأغنياء بأموالهم والفقراء بأنفسهم فكملت في سنة ثمان وعشرين ثم تصدر فيها للتدريس والوعظ والتذكير وقصد بالزيارات والنذور من الآفاق وصنف وأملى وسارت بفضله الركبان ولقب بمجمع الفريقين وموضح الطريقين وكريم الجدين ومعلم العراقين وتلمذ له أكثر الفقهاء في ومنه ولبس منه الخرقة المشايخ الكبار وصار قطب الوجود وأكبر شيوخ اليمن وغيرها تنسب إليه وكراماته تخرج عن الحد وتفوت الحصر والعد وله نظم فائق رائق وتاب على يده معظم أهل بغداد وأسلم معظم اليهود والنصارى على يديه قال الشيخ موفق الدين وقد سئل عن الشيخ عبد القادر أدركناه في آخر عمره فأسكننا مدرسته إلى أن قال ولم اسمع عن أحد يحكي عنه من الكرامات أكثر مما يحكى عنه ولا رأيت أحدا يعظمه الناس من أجل 200
الدين أكثر منه وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام ما نقلت إلينا كرامات أحد بالتواتر إلا الشيخ عبد القادر وقال ابن النجار قال الشيخ عبد القادر فتشت الأعمال كلها فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطعام أو دلو كانت الدنيا بيدي فأطعمها الجياع وقال الخلق حجابك عن نفسك ونفسك حجاب عن ربك ما دمت ترى الخلق لا ترى نفسك ومادمت ترى نفسك لا ترى ربك وقال ابن السمعاني هو إمام الحنابلة وشيخهم في عصره فقيه صالح دين خير كثير اذكر دائم الفكر سريع الدمعة كتبت عنه وكان يسكن بباب الازج في المدرسة التي بنيت له وقال ابن رجب ظهر الشيخ عبد القادر للناس وجلس للوعظ بعد العشرين وخمسمائة وحصل له القبول التام من الناس واعتقد واديانته وصلاحه وانتفعوا بكلامه وانتصر أهل السنة بظهوره واشتهرت أحواله وأقواله وكراماته ومكاشفاته وهابه الملوك فمن دونهم وصنف الشطنوفي المصري في أخبار عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات ذكر فيه بإسناده إلى موسى بن الشيخ عبد القادر ومناقبه ثلاث مجلدات ذكر فيه بإسناده إلى موسى بن الشيخ عبد القادر قال سمعت والدي يقول خرجت في بعض سياحاتي ونزل على منها شيء يشبه الندى فرويت ثم رأيت نورا أضاء به الأفق وبدت لي صورة ونوديت منها يا عبد القادر نان ربك وقد أحللت لك المحرمات أو قال ما حرمت على غيرك فقلت أعوذ بالله من الشياطان الرجيم اخسأ يالعين فإذا ذلك النور ظلام وتلك الصورة دخان ثم خاطبني وقال يا عبد القادر نجوت مني بعلمك بحكم ربك وقوتك في أحوال منازلاتك ولقد أضللت بهذه الواقعة سبعين من أهل الطريق فلت لربي الفضل والمنة قال فقيل له كيف علمت انه شيطان قال بقوله قد حللت لك المحرمات وذكر فيه أيضا الحكاية المعروفة عن الشيخ عبد القادر انه قال قدمي هذه عى رقبة كل ولي لله ساقها عنه من طرق متعددة قال ابن رجب أحسن ما قيل في هذا الكلام ما ذكره السهرودي في عوارفه انه من شطحات الشيوخ التي لا يقتدى بهم فيها ولا تقدح في مقاماتهم ومنازلهم فكل 201
أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم وقال ابن رجب أيضا وكان الشيخ عبد القادر متمسكا في مسائل الصفات والقدر ونحوهما بالسنة مبالغا في الرد على من خالفهما قال في كتابه الغنيمة المشهورة وهو بجهة العلو مستو على العرش محتو على الملك يحيط علمه بالآشياء إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه يدبر الأمر في السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان بل يقال انه في السماء على العرض كما قال )
الرحمن على العرش استوى ) وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل وأنه استواء الذات على العرش قال وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف وذكر كلاما طويلا وذكر نحو هذا في سائر الصفات وذكر الشيخ أبو زكريا يحيى بن يوسف الصرصري الشاعر المشهور عن شيخه العارف علي بن إدريس أنه سأل الشيخ عبد القادر فقال يا سديي هل كان لله ولي غير اعتقاد أحمد بن حنبل فقال ما كان ولا يكون انتهى ما أورد ابن رجب ونقل عن الشيخ عبد القادر انه قال كنت اقتات الخرنوب والشوك وما قامة البقل وورق الخس من جانب النهر والشط وبلغت بي الضائقة في غلاء نزل ببغداد إلى أن بقيت أياما لم آكل فيها طعاما بل كنت أتتبع المنبوذات أطعمها فخرجت يوما من شدة الجوع إلى الشط لعلى أجد ورق الخس أو البقل أو غير ذلك فأتقوت به فما ذهبا إلى موضع إلا وغيري قد سبقني إليه وإذا وجدت الفقراء يتزاحمون عليه فأترك حياء فرجعت أمشي وسط البلد فلا أدرك منبوذا إلا وقد سبقت إليه حتى وصلت إلى مسجد بسوق الريحانيين ببغداد وقد أجهدني الضعف وعجزن عن التماسك فدخلت إليه وقعدت في جانب منه وقد كدت أصافح الموت إذا دخل شاب أعجمي ومعه خبز رصافي وشواء وجلس يأكل فكنت أكاد كلما رفع يده بالقمة أن افتح في من شدة الجوع حتى أنكرت ذلك على نفسي 202
0وقلت ما هذا إذا التفت إلى العجمي فرآني فقال بأسم الله يا أخي فأبيت فأقسم علي فبادرت نفسي فخالفتها وأقسم أيضا فأجبته فأكلت فأخذ يسائلني من أين أنت وبمن تعرف فقلت أنا متفقه من جيلان فقال وأنا من جيلان فهل تعرف شابا جيلانيا يسمى عبد القادر يعرف بأبي عبد الله الصومعي الزاهد فقلت أنا هو فاضطرب وتغير وجهه وقال والله لقد وصلت إلى بغداد ومعي بقية تفقه لي فسألت عنك فلم يرشدني أحد ونفدت نفقتي ولي ثلاثة أيام لا أجد ثمن قوتي إلا مما كان لك معي وقد حلت لي الميتة وأخذت من وديعتك هذا الخبز والشواء فكل طيبا فأنما هو لك وأنا ضيفك الآن بعد أن كنت ضيفي فقلت له وما ذاك فقال أمك وجهت لك معي ثمانية دنانير فاشتريت منها هذا للاضرار واما معتذر إليك فسكنته وطيبت نفسه ودفعت إليه باقي الطعام وشيئا من الذهب برسم النفقة فقبله وانصرف قال وكنت أشتغل بالعلم فيطرقني الحال فأخرج إلى الصحاري ليلا ونهارا وأصرخ وأهج على وجهي فصرخت ليلة فسمعني العيارون ففزعوا فجاءوا فعرفوني فقالوا عبد القادر المجنون افزعتنا وكان ربما أغشى على فيلفوني ويحسبون أني مت من الحال التي تطرقني وربما أردت الخروج من بغداد فياق لي أرجع فان للناس فيك منفعة وقال ابن النجار سمعت عبد الرازق بن الشيخ عبد القادر يقول ولد والدي تسعا وأربعين ولدا سبع وعشرون ذكورا والباقي إناث ومات الشيخ عبد القادر رحمه الله تعالى بعد عتمة ليلة السبت عاشر ربيع الآخر وفرع من تجهيزه ليلا وصلى عليه ولده عبد الوهاب في جماعة من حضر من أولاده وأصحابه وتلامذته ثم دفن في رواق مدرسته ولم يتفح باب المدرسة حتى علا النهار وأهرع الناس للصلاة على قبره وزيارته وكان يوما مشهودا انتهى وبلغ تسعين سنة 203
سنة اثنتين وستين وخمسمائة
فيها سار أسد الدين المسير الثاني إلى مصر بمعظم جيش نور الدين فنازل الجزيرة شهرين و إستنجد وزير مصر ساور بالفرنج فدخلوا في النيل من دمياط و إلتقوا فانتصر أسد الدين وقتل ألوف من الفرنج قال إبن الأثير هو من اعجب ما ورخ أن ألفي فارس تهزم عساكر مصر والفرنج وقال في العبر ثم إستولى أسد الدين على الصعيد وتقوى بخراجها وأقامت الفرنج بالقاهرة حتى إستراشوا ثم قصدوا الأسكندرية وقد أخذها صلاح الدين فحاصروه أربعة أشهر ثم كر أسد الدين منجداً له فترحلت الملاعين وصالح شاور أسد الدين على خمسين ألف دينار اخذها ونزل الشام
وفيها على الصحيح توفي لأحمد بن علي الغساني الأسواني عرف بالرشيد وتقدم الكلام عليه في السنة الماضية والصحيح وفاته هنا الكاتب الشاعر الفقيه النحوي اللغوي المنطقي المهندس الطبيب الموسيقي المنجم كان مفتيا وألف تآليف التحق فيها بالأوائل منها كتاب منية الألمعي وبينة المدعي يشتمل على علوم كثيرة ومنها المقامات على نسق مقامات الحريري وغير ذلك قال ابن شبهة في تاريخ الإسلام وكان مع جلالته أسود الجلد ذا شفة غليظة سمج قصيرا حكى ياقوتت عه انه انقطع عن أصحابه يوما فحكى لهم أنه مر بموضع وإذا امرأة شابة حسنة نظرت إليه نظر مطمع له في نفسها فتوهم انه وقع منها بموقع فأشارت إليه بطرفها فتبعها حتى دخلت دارا وأشارت إليه فدخل وكشفت عن وجهها فإذا هي كالقمر ليلة تمامه ثم نادت ياست الدار فنزلت إليها طفلة كفلقة القمر فقالت لها أن عدت تبولين في الفراش خليت سيدنا القاضي يأكلك ثم قالت لا أعد مني الله فضلك يا سيدنا القاضي فخرجت وأنا خزيان قال فيه محمود بن قادوس
) أن قلت من نار خلقت وقفت كل الناس فهما
) 204
) قلنا صدقت فما الذي
أطفاك حتى صرت فحما )
ذهب رسولا إلى اليمن فأقام وتولى القضاء بها وضربت له السكة على الوجه الواحد قل هو الله أحمد وعلى الآخر الأمام أبو الخير أحمد ثم قبض عليه وأنفذ مكبلا في الحديث إلى قوص فحسبه ابن طرخان في المطبخ ثم ورد كتاب الصالح بالإحسان إليه وأحضره مكرما فلما نزل شيركوه بالأسكندرية خرج بين يدي صلاح الدين وقاتل بين يديه وبلغ ذلك شاور فطلبه فلما حضر أركبه على جمل وعلى رأسه طرطور ووراؤه نفاط ينادي عليه والرشيد ينشد
) إن كان عندك يا زمان بقية
مما تهين به الكرام فهاتها )
ثم يتلو القرآن ثم أمر به أن يصلب شنقا فلما أحضر للشنق جعل يقول للذي يولى ذلك عجل فلا رغبة لكريم في حياة بعد هذه الحال فصلب ثم بعد حين قتل شاور فلما أرادوا ودفنه حفروا له قبرا فوجدوا الرشيد مدفونا فيه فدفنا معا ثم نقل كل واحد منهما إلى تربة بالقرافة وكان الساعي في صلبه الفقيه عمارة اليمنى وقال هذا أبو الفتن ثم أن الفقيه عمارة صلب كما سيأتي فأن المجازاة من جنس العمل والمرء مقتول بما قتل به ولما كان باليمن كتب إليه أخوه المهذب
) يا ربع أين ترى الأحبة يمموا
هل انجدوا من بعدنا أم اتهموا )
) نزلوا من العين السواد وان نأوا
ومن الفؤاد مكان ما أتكلم )
) رحلوا وفي القلب المنى بعدهم
وجد على مر الزمان مخيم )
) رحلوا وقد لاح الصباح وإنما
تسرى إذا جن الظلام الأنجم )
وهي طويلة فأجابه الرشيد
) رحلوا فلا خلت المنازل منهم
ونأوا فلا سلت الجوانح عنهم )
) وسروا وقد كتموا الغداة مسيرهم
وضياء نور الشمس مالا يكتم )
) وتبدلوا ارض العقيق عن الحمى
روت جفوني أي ارض يمموا ) 205
) نزلوا العذيب وإنما هي مهجتي
نزلوا وفي قلبي المعنى خيموا )
) ما ضرهم لو ودعوا من أودعوا
نار الغرام وسلموا من أسلموا )
) هم في الحشا إن اعرقوا أو أشأموا
أو أيمنوا أو أنجدوا أو أتهموا )
) لا ذنب لي في البعد أعرفه سوى
أني حفظت العهد لما ختم )
) فأقمت حين ظغنتم وعدلت لما جرتم وسهرت لما بنتم
)
وفيها خطيب دمشق أبو البركات الخضر بن شبل بن عبد الحارثي الدمشقي الفقيه الشافعي درس بالغزالية والمجاهدية وبنى له نور الدين مدرسته التي عند باب الفرج فدرس بها وتعرف الآن بالعمادية لأنه درس بها بعده العماد الكاتب فاشتهرت به قرأ على أبي الوحش سبيع صاحب الاهوازي وسمع من أبي الحسن بن الموازيني وأخذ عنه ابن عساكر وقال كان سديد الفتوى واسع الحفظ ثبتا في الرواية ذا ثروة ظاهرة وكان عالما بالمذهب ويتكلم في الأصول والخلاف مولده سنة ست وثمانين وأربعمائة وتوفي في ذي القعدة ودفن بباب الفراديس
وفيها عبد الجليل بن اب أسعد الهروي أبو محمد المعدل مسند هراة تفرد بالرواية عن عبد الرحمن كلا وغيره وعاش اثنتين وتسعين سنة وهو أكبر شيخ للحافظ عبد القادر الرهاوي
وفيها الحافظ أبو سعد السمعاني تاج الإسلام عبد الكريم بن محمد بن منصور المروزي الشافعي محدث المشرق وصاحب التصانيف الكثيرة والفوائد الغزيرة والرحلة الواسعة عمل معجم شيوخه في عشر مجلدات كبار قال ابن النجار سمعت من يذكر أن عدد شيوخه سبعة آلاف شيخ وهذا شيء لم يبلغه أحد قال وكان ظريفا واسع الرحلة صدوقا ثقة دينا جميل 206
السيرة مليح التصانيف وسرد ابن النجار تصانيفه وذكر أنه وجدها بخطه فمنها الذيل على تاريخ الخطيب أربعمائة طاقة تاريخ مرو وخمسمائة طاقة طراز الذهب في أدب الطلب مائة وخمسون طاقة وغير ذلك
انتهى ولد في شعبان سنة ست وخمسمائة وتوفي في غرة ربيع الأول بمور
وفيها أبو شجاع البسطامي عمر بن محمد بن عبد الله الحافظ المفسر الواعظ المفتي الأديب المتفنن وله سبع وثمانون سنة سمع أبا القسم احمد بن محمد الخليلي وجماعة وانتهت إليه مشيخة بلخ وتفقه عليه جماعة مع الدين والورع تفرد براوية الشمائل ومسند الهيثم وابن كليب ومن تصانيفه كتاب لقطات العقول
وفيها قيس بن محمد بن عاصم السويقي الاصبهاني المؤذن الصوفي رحل وسمع ببغداد من أبي غالب بن الباقلاني وابن الطيوري وجماعة
وفيها ابن اللحاس أبو المعالي محمد بن محمد بن محمد بن الحيان الحريمي العطار سمع من طراد وطائفة وهو آخر من روى بالأجازة عن أبي القسم بن البسري وكان صالحا ثقة ظريفا لطيفا توفي في ربيع الآخر وله أربع وتسعون سنة
وفيها محمد بن الحسن بن حمدون صاحب التذكرة والحمدونية ولاه المستنجد ديوان الزمام ووقف المستنجد على كتابه فوجد فيه حكايات توهم غضاضة من الدولة فأخذ من دست منصبه وحبس إلى أن رمس
وفيها أبو طالب نب خضير المبارك بن علي البغدادي الصير في المحدث كتب الكثير عن أبي الحسن بن العلاف وطبقته وبدمشق عن هبة الله بن ألا كفاني وعاش ثمانين سنة وتوفي في ذي الحجة
وفيها مسند الآفاق مسعود الثقفي الرئيس المعمر أبو الفرج بن الحسن بن الرئيس المعتمد أبي عبد الله القسم بن الفضل الاصبهاني رحلة العصر توفي في رجب وله مائة سنة أجاز له عبد الصمد بن المأمون وأبو بكر الخطيب وسمع 207
من جده وعبد الوهاب وعبد الوهاب بن مندة وطبقتهما
وفيها هبة الله الحسن بن هلال الدقاق مسند العراق البغدادي سمع عاصم ابن الحسن وأبا الحسن الانباري وعمر نحوا من تسعين سنة توفي في المحرم وكان شيخا لا بأس به متدنيا قاله في العبر
وفيها الصاين العساكري هية الله بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين الدمشقي الحافظ الفقيه الشافعي كان ثقة عمدة وجزم ابن ناصر الدين وبوفاته في التي بعدها قال قي بديعته
) ساد الفقيه الصاين العساكري
ثناؤه ذا جامع المآثر )
سنة ثلاث وستين وخمسمائة
فيها أعطى نور الدين حمص وأعمالها لنائبه أسد الدين فبقيت بيد أولاده مائة سنة
وفيها توفي الباجسرائي بكسر الجيم وسكون المهملة نسبة إلى باجسرا بلد بنواحي بغداد التاني بمثناة فوقية وبالنون نسبة إلى التنائية وهي الدهقنة ويقال لصاحب الضياع والعقار أحمد بن عبد الغني بن محمد بن حنيفة روى عن أبي البطر وطائفة توفي في رمضان وكان ثقة
وفيها أبو العباس أحمد بن عمر بن الحسين بن خلف القطيعي الفقيه الحنبلي الواعظ ولد سنة اثنتي عشرة وخمسمائة تقريبا وسمع الحديث بنفسه بعدما كبر من عبد الخالق بن يوسف والفضل بن سهل الاسفرائيني وابن ناصر الحافظ وغيرهم وتفقه على القاضي أبي حازم ولازمه حتى برع في الفقه وأفتى وناظر ووعظ ودرس وأشغل الطلبة وأفاد وقال ابن النجار برع في الفقه وتكلم في مسائل الخلاف وكان حسن المناظرة جرئيا في الجدل ويعظ الناس على المنبر توفي في يوم الأربعاء ثامن عشر رمضان ودفن بالحلة شرقي بغداد وهو والد أبي 208
الحسن القطيعي صاحب التاريخ ولم يسمع من والده هذا إلا حديثا واحدا وذكر أن له مصنفات كثيرة قال ابن رجب منها كتاب الشمول في النزول
وفيها أبو بكر أحمد بن المقرب الكرخي روى عن النعالي وطراد وطائفة وكان ثقة متوددا توفي في ذي الحجة وله ثلاث وثمانون سنة
وفيها قاضي القضاة أبو البركات جعفر بن قاضي القضاة أبي جعفر عبد الواحد بن أحمد الثقفي ولي قضاء العراق سبع سنين ولما مات ابن هبيرة ناب في الوزارة مضافا إلى القضاء فاستفظع ذلك وقد روى عن أبي الحصين وعاش ستا وأربعين سنة وتوفي في جمادي الآخرة
وفيها شاكر بن أبي الفضل الاسواري الاصبهاني سمع أبا بالفتح السودرحاى وأبا مطيع وجماعة وتوفي في أواخر رمضان
وفيها أبو محمد الطامذي عبد الله بن علي الاصبهاني المقرئ العالم الزاهد المعمر روى عن طراد وجعفر بن محمد البعاداني والكبار وتوفي في شعبان والطامذي بفتح الطاء المهملة والميم وبمعجمة نسبة إلى طامذ قرية بأصبهان
وفيها أبو النجيب السهرودي عبد القاهر بن عبد الله بن محمد بن عموية والسهرودي بضم السين المهملة وسكون الهاء وفتح الراء والواو وسكون الراء الثانية ومهملة نسبة إلى سهرود بلد عند زنجان الصوفي القدوة الواعظ العارف الفقيه الشافعي أحد الأعلام قدم بغداد وسمع علي بن نبهان وجماعة وكان إماما في الشافعية وعلما في الصوفية قال ابن الأهدل هو الكبرى القرشي بنيه وبين أبي بكر الصديق اثنا عشر رجلا بلغ مبلغا في العلم حتى لقب مفتي العراقين وقدوة الفريقين وكان شرح أحوال القوم ويتطيلس ويلبس لباس العلماء ويركب البغلة وترفع بين يديه الغاشية مر يوما على جزار وقد علق شاة مسلوخة فوقف الشيخ وقال ابن هذه الشاة تقول إنها ميتة فغشى على الجواز وتاب على يد الشيخ انتهى وقال ابن قاضي شبهة حرر المذهب وأفتى وناظر 209
وروى الحديث عن جماعة ثم مال إلى المعاملة فصحب الشيخ حماد الدباس وأحمد الغزالي وبني ببغداد باطا ومدرسة واشتغل بالوعظ والتذكير والدعاء إلى الله تعالى والتحذير ودرس بالنظامية سنتين وكانت له محافيظ جيدة في التفسير وفي الفقه واصوله وأصول الدين وأخذ عند خلائق مولده في صفر سنة تسعين وأربعمائة تقريبا وتوفي في جمادي الآخرة انتهى وقال الأسنوي ظهرت بركته على أصحابه وصار شيخ العراق في وقته وبنى الخربة التي كان يأوى إليها رابطا وسكنه جماعة من صالحى أصحابه وبنى إلى جانبه مدرسة وصار ملاذا يعتصم به الخائف من الخليفة فمن دونه وتوجه إلى الشام سنة سبع وخمسين وخمسمائة لزيارة بيت المقدس فلم يتفق له ذلك لأنفساح الهدنة بين المسلمين والفرنج خذ لهم الله تعالى فأقام بدمشق مدة يسيرة وعقد له مجلس الوعظ وأكرم الملك العاجل مورده وعاد إلى بغداد فتوفي بها يوم الجمعة وقت العصر سابع جمادي الآخرة ودفن بكرة الغد في مدرسته انتهى
وفيها زين الدين صاحب اربل علب بن كوجك بن بكتكين التركماني الفارس المشهور والبطل المذكور ولقب بكوجك وهو بالعربي اللطيف القد والقصير وكان مع ذلك معروفا بالقوة المفرطة والشهامة وهو ممن حاصر المقتفي وخرج عليه ثم حسنت طاعته وكان جوادا معطاء فيه عدل وحسن سيرة ويقال إنه تجاوز المائة وتوفي في ذي الحجة
وفيها أبو الحسن بن تاج القراء علي بن عبد الرحمن الطوسي ثم البغدادي روى عن أبي عبد الله البانياسي وجماعة وكان صوفيا كبيرا توفي في صفر عن سن عالية
وفيها أبو الحسن بن الصابي بن إسحق بن محمد بن هلال بن الحسن البغدادي من بيت كتابه وأدب سمع النعالي وغيره وكان ثقة توفي في ربيع الاوىل عن اثنتين وثمانين سنة 210
وفيها أبو الفتح محمد بن عبد المجيد السمر قندي صاحب التعليقة والمعترض والمختلف على مذهب وكان من فرسان الكلام شحيحا بكلامه كانوا يوردون عليه الأسئلة وهو عالم بجوابها فلا يذكره شحا لئلا يستفاد منه وينقطع ولا يذكرها ترك المناظرة إلى أن مات
وفيهت الجياني أبو بكر محمد بن علي بن عبد الله بن ياسر الأنصاري الاندلسي تفقه بدمشق على نصر الله المصيصي وأدب بها قال ابن عساكر ثم زاملني إلى بغداد وسمع من ابن الحسين وبمرو من أبي منصور الكراعي وبنيسابور من سهل المسجدي وطائفة ثم سكن في الآخر حلب وكان ذا معرفة جيدة بالحديث
وفيها الشريف الخطيب أبو الفتوح ناصر بن الحسين الحسيني المصري شيخ الاقراء علي أبي الحسين الخشاب وغيره وتصدر للأقراء وحدث من محمد بن عبد الله بن أبي داود الفارسي وتوفي عيد الفطر وله إحدى وثمانون سنة
وفيها نفيسة البزازة وأسمها أيضا فاطمة بنت محمد بن علي البغدادية روت عن النعالي وطراد وتوفيت في ذي الحجة
وفيها الصائن أبو الحسين هبة الله بن محفوظ بن صصري الدمشقي التغلبي سمع الكثير ومات بدمشق ودفن بباب توما عند أهله وكان صالحا ثقة
وفيها هبة الله بن أبي عبد الله بن كامل بن حبيش البغدادي الصوفي الفقيه الحنبلي أبو علي سمع من القاضي أبي بكر بن عبد الباقي وغيره وتفقه علي أبي علي بن القاضي وتقدم على جماعة من المتصوفة وكان من أهل الدين توفي في المحمر ودفن بمقبرة الأمام قريبا من بشر الحافي ذكر ابن الجوزى وغيره 211
سنة أربع وستين وخمسمائة
فيها سار أسد الدين سيره الثالث إلى مصر وذلك أن الفرنج قصدوا الديار المصرية وملكوا بلبيس واستباحوها ثم حاصروا القاهرة وأخذوا كل ما كان خارج السور فبذل شاور لملك الفرنج مرى ألف ألف دينار ويعجل له بعضها فأجاب فحمل إليه مائة ألف دينار وكاتب نور الدين واستصرخ به وسود كتابة وجعل في طيه ذوائب نساء القصر وواصل الكتب يستحثه وكان بجلب فساق إليه أسد الدين من حمص فأخذ يجمع العساكر ثم توجه عسكر لجب يقال كانوا سبعين الفاا من بين فارس وراجل فتقهقر الفرنج ودخلوا القاهرة في ربعي الآخر وجلس أسد الدين في دست الحكم وخلع عليه العاضد خلع السلطنة وعهد إليه بوزارته وقبض على شاور فأرسل إليه العاضد يطلب رأس شاور فقطع وأرسل إليه فلم ينشب أسد الدين
شيركوه ومعناه بالعربي الجبل بن شادي بن مروان الملك المنصور بعد شهرين أقام في الوزارة شهرين وأياما وكان أحد الأبطال يضرب بشجاعته المثل وكان الفرنج يهابونه ولدق حاصروه وببلبيس ولها سور فلم يجسروا أن يناجزوه خوفا منه وكان كثير الأكل للحوم الغليظة فكانت تورث عليه التخم والخوانيق فاعتراه خانوق فمات منه فجأة ودفن بظاهر القاهرة إلى أن توفي أخوه نجم الدين أيوب فحملا جميعا إلى مدينة النبي وقلد العاضد منصبه ابن أخيه صلاح الدين بن يوسف بن نجم الدين ولقبه بالملك الناصر
وفيها آبق الملك المظفر محي الدين صاحب دمشق قبل نور الدين وابن صاحبها جمال الدين محمد بن تاج الملوك بورى التركي ثم الدمشقي ولد ببعلبك في أمرة أبيه عليها وولى دمشق بعد أبيه خمس عشرة سنة وملكوه وهو دون البلوغ وكان المدبر لدولته أنز فلما مان أنز انبسطت يد آبق ودبر الأمور 212
الوزير الرئيس أبو الفوارس المسيب بن علي بن الصوفي ثم غضب عليه وأبعده إلى صرخد واستوزره أخاه أبا البيان حيدرة مدة ثم أقدم عطاء بن حفاظ من بعلبك وقدمه على العسكر وقتل حيدرة ثم قتل عطاء ولما انفصل عن دمشق توجه إلى بالس ثم إلى بغداد فأقطعه المقتفي خبزا وأكرم مورده
وفيها شاور بن مجير بن نزار السعدي أبو شجعاع ولاده ابن رزبك أمرة الصعيد فتمكن وكان شهما شجاعا مقداما ذا هيبة فحشد وجمع وتوثب علي مملكة الديار المصرية وظفر بالعادل رزبك بن الصالح طلايع بنرزبك وزير العاضد فقتله ووزر بعده فلما خرج عليه ضرغام فر إلى الشام فأكرمه نور الدين وأعانه على عوده إلى منصبه فاستعان بالفرنج على دفع أسد الدين عنه وجرت له أمور طويلة وفي الآخر وثب عليه خرد بك النوري فقتله في جمادي الأولى لأن أسد الدين تمارض فعاده شاور فقبضوا عليه وقتلوه كما تقدم
وفيها أبو محمد عبد الخالق بن أسد الدمشقي الحنفي المحدث مدرس الصادرية والمعتبية روى عن عبد الكريم بن حمزة وإسماعيل بن السمر قندي وطبقتهما ورحل إلى بغداد وأصبهان وخرج لنفسه المعجم ومن شعره
) قال العواذل ما أسم من
أضنى فؤادك قلت أحمد )
) قالوا أتحمده وقد
أضنى فؤادك قلت أحمد )
وفيها سعد الله بن نصر بن سعيد المعروف بابن الدجاجي وبابن والحيواني الفقيه الحنبلي المقرئ الواعظ الصوفي الأديب أبو الحسن ويلقب مهذب الدين ولد في رجب سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة وقرأ بالروايات علي أبي الخطاب الكلوذاني وغيره وتفقه علي أبي الخطاب حتى برع وروى عن ابن عقيل كتاب الانتصار لأهل السنة قال ابن الخشاب هو فقيه واعظ حسن الطريقة سمعت منه وقال ابن الجوزى تفقه ودرس وناظر ووعظ 213
وكان لطيف الكلام حلو الإيراد ملازما لمطالعة العلم إلى أن مات وقال ابن نقطة حدثنا عنه جماعة من شيوخنا وكان ثقة وقال ابن الجوزى سئل في مجلس وعظه وأنا أسمغ عن أخبار الصفات فنهى عن التعرض وأمر بالتسليم وأنشد
) أبي الغائب الغضبان يا نفس أن يرضي
وأنت التي صيرت طاعته فرضا )
) فلا تهجري من لا تطيقين هجره
وان هم بالهجران خديك والارضا )
ومن شعره
) ملكتم مهجتي بيعا ومقدرة
فأنتم اليوم أغلالي وأغلى لي )
) علوت فخرا ولكني ضنيت هوى
وأنتم اليوم أعلالي وأعلا لي )
) أوصى لي البين أن أسقي بحبكم
فقطع البين أو صالى وأوصى لي )
توفي في يوم الاثنين ثاني عشر شعبان ودفن بمقبرة الرباط ثم نقل بعد خمسة أيام فدفن على والديه بمقبرة الأمام أحمد
وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن هذيل البلنسي شيخ المقرئين بالأندلس ولد سنة إحدى وسبعين وأربعمائة وقرأ القراءات علي ابن داود ولازمه أكثر من عشر سنين وكان زوج أمه فأكثر عنه وهو أثبت الناس فيه وروى الصحيحين وسنن أبي داود وغير ذلك قال الأبار كان منقطع القرين في الفضل والزهد والورع مع العدالة والتواضع والأعراض عن الدنيا والتقلل منها صواما قواما كثير الصدقة انتهت إليه الرياسة في صناعة الاقراء وحدث عن جلة لا يحصون وتوفي في رجب
وفيها القاضي ذكي الدين أبو الحسن علي بن القاضي المنتجب أن المعالي محمد بن يحيى القرشي قاضي دمشق هو أبوه وجده واستعفى من القضاء فاعفى وسار فحج من بغداد وعاد إليها فتوفي بها وله سبع وخمسون سنة
وفيها أبو الفتح بن البطي الحاجب محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان 214
البغدادي مسند العراق وله سبع وثمانون سنة أجاز أبو نصر الزينبي وتفرد بذلك وبالرواية عن البانياسي وعاصم بن الحسن وعلي بن محمد بن محمد الأنباري والحميدي وخلق وكان دينا عفيفا محبا للرواية صحيح الأصول توفي في جمادي الأولى
وفيها أبو عبد الله الفارقي الزاهد محمد بن عبد الملك نزيل بغداد كان يعظ ويذكر من كلفه ولناس فيه اعتقاد وكان صاحب أحوال وكرامات ومجاهدات ومقامات عاش ثمانين سنة
وفيها القاضي أبو المعالي محمد بن علي بن الحسن القرشي العثماني صاحب الفنون في أنواع العلم هنأ صلاح الدين بن أيوب بفتح حلب بقصيدة هائلة منها
) وفتحك القلعة الشهباء في صفر
مبشر بفتوح القدس في رجب )
فكان كما قال
قاله ابن الهدل
وفيها محمد بن المبارك بن الحسين بن إمساعيل البغدادي الفقيه الحنبلي القاضي أبو البركات المعروف وقرا القرآن وسمع الحديث من ابن البناء وغيره وتفقه علي القاضي أبي يعلى وناظر وولى القضاء بقرية عبد الله من واسط توفي رحمه الله تعالى فجأة في رجب
وفيها معمر بن عبد الواحد الحافظ أبو الحافظ أبو أحمد بن الفخر القرشي العبشمي الأصبهاني المعدل عاش سبعين سنة سمع من أبي الفتح الحداد وأبي المحاسن الروياني وخلق وببغداد من أبي الحصين وغنى بالحديث وجمعه ووعظ بأصبهان وأملى وقدم بغداد مرات يسمع أولاده وتوفي في ذي القعدة بطريق الحجاز وكان ذا قبول ووجاهة 215
سنة خمس وستين وخمسمائة
في شوال منها كانت الزلزل ة العظمي بالشام وقع معظم دمشق وشرفات جامع بني أمية ووقع نصف قلعة حلب والبلد وهلك من أهلها ثمانون والفا ووقعت قلعة حصن الاكراد ولم يبق لسورها أثر
وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن صالح بن شافع الجيلي ثم البغدادي الحافظ الفقيه الحنبلي أحد العلماء المعدلين والفضلاء والمحدثين سمع قاضي المارستان وطبقته وقرأ القراءات علي أبي محمد سبط الخياط وغيره ولازم أبا الفضل الحافظ ابن ناصر وكان يقتفي أثره ويسلك مسلكه قال ابن النجار كان حافظا متقنا ضابطا محققا حسن القراءة صحيح النقل ثبتا حجة نبيلا ورعا متدينا تقيا متمسكا بالسنة على طريق السلف صنف تاريخا على السنين بدأ فيه بالسنة التي توفي فيها أبو بكر الخطيب وهي سنة ثلاث وستين وأربعمائة إلى بعد الستين وخمسمائة انتهى
وتوفي يوم الأربعاء بعد الظهر ثالث أيام ودفن على أبيه في دكة الأمام أحمد وله خمس وأربعون سنة
وفيها أبو بكر بن القنور عبد الله بن محمد بن أبي الحسين أحمد بن محمد البغدادي البزاز ثقة محدث من أولاد الشيوخ سمع العلاف وابن الطيوري وطائفة وطلب بنفسه مع الدين والورع والتحري وتوفي في شعبان وله اثنتان وثمانون سنة
وفيها أبو المكارم بن هلال عبد الواحد بن أبي طاهر محمد بن المسلم بن الحسن بن هلال الازدي سمع من عبد الكريم الكوطائي ومن النسيب وغيرهما وكان رئيسا جليلا كثير العبادة والبر وتوفي في جمادي الآخرة وأجاز له الفقيه نصر 216
وفيها علي بن روان بن زيد بن الحسن بن سعيد بن عصمة بن حمير الكندي البغدادي النحوي الأديب الحنبلي شمس الدين سمع أبا الحسن ابن عم الشيخ تاج الدين وقرأ وكتب الطباق يخطه على يحيى بن البنا وغيره وقرأ النحو اللغة على إبن الجو اليقي ثم قدم دمشق وأدرك شرف الإسلام إبن الجيلي وصحبه وكان أعلم باللغة والنحو من إبن عمه أبي اليمن ومن شعره
) درت عليك غوادي المزن يا دارا
ولا عفت منك آيات وآثار )
) دعاء من لعبت أيدي الغرام به
وساعدتها صبابات وتذكار )
وفيها على ما قاله إبن الأهدل إبن عدي مصنف كتاب الكامل في الضعفاء كان حافظ وقته واليه المنتهى في فنه خلا أن فيه لحنا لأنه كان فيه عجمة ولا يعرف العربية انتهى
وفيها فورجة أبو القسم محمود بن عبد الكريم الأصبهاني التاجر روى عن أبي بكر بن ماجه وسليمان الحافظ وأبي عبد الله الثقفي وغيرهم وتوفي بأصبهان في صفر وبه ختم جزء لوين
وفيها مودود السلطان قطب الدين الأعرج صاحب الموصل وابن صاحبها أتابك زنكي تملك بعد أخيه سيف الدين غازي فدعل وأحسن السيرة توفي في شوال عن نيف وأربعين سنة وكانت دولته اثنتين وعشرين سنة وكان محببا إلى الرعية
سنة ست وستين وخمسمائة
فيها سار نور الدين إلى سنجار ففتحها وسلمها إلى ابن أخيه عماد الدين زنكي ثم سار وفتح الموصل وأعطى الشيخ عمر ستين ألف دينار وأمره بعمارة الجامع النوري وسط البلد
وفيها قتل الوزير أبو جعفر بن البلذي لأن المستضئ الخليفة لما ولى الخلافة 217
في هذا العام استوزر أبا محمد بن عبد الله بن رئيس الرؤاسء فانتقم من ابن البلدي وقتله وألفى في دجلةن
وفها أبو زرعة طاهر بن الحافظ محمد بن طاهر المقدسي ثم الهمذاني ولد بالري سنة إحدى وثمانين وأربعمائة وسمع بها من المقومي وبالدون من عبد الرحمن بن أحمد الدوني وبهمذان من عبدوس وبالكرخ من السلارمكى وبساوه من الكامخي وروى الكثير وكان رجلا جيدا عربا من العلوم قاله في العبر توفي بهمذان في ربيع الآخر
وفيها أبو مسعود الحاجي عبد الرحيم بن أبي الوفاء بن أحمد الأصبهاني الحافظ المعدل سمع من جده غانم البرجي ورحل فسمع بنيسابور من السيروي وببغداد من ابن الحصين توفي في شوال في عشر الثمانين
وفيها محمد بن حامد بن حمد بن عبد الواحد بن علي بن أبي مسلم الأصبهاني الواعظ الحنبلي أبو سعيد ويعرف برمس سمع أبا مسعود السورحاني ويحيى ابن مندة وغيرهما وحدث ببغداد وغيرها وكان من أعيان الوعاظ وله القبول التام عند العوام توفي في سلخ شعبان
وفيها النفيس بن مسعود بن أبي الفتح بن سعيد ن علي المعروف بابن صعرة السلامي الفقيه الحنبلي أبو محمد قرأ القراءات وتفقه علي أبي ا لفتح بن المنى ووعظ واحتضر في شبابه فتوفي يوم الثلاثاء تاسع شوال ودفن بمقبرة الأمام أحمد قال المنذري تكلم في مسائل الخلاف وسمع من غير واحد قال وصعوة بفتح الصاد وسكون العين المهملتين وبعدها تاء تأنيث لقب لجده
وفيها فتيان بن مباح بن حمد بن حمد بن سليمان بن المبارك بن الحسين السلمي الحراني الضرير الفقيه الحنبلي أبو الكرم قدم بغداد وسمع الحديث من أبي البركات الانماطي وصالح بن شافع وغيرهما وتفقه بمذهب الأمام أحمد وعاد إلى بلده فأفتى ودرس به إلى أن مات وسمع منه أبو المحاسن القاضي القرشي وفخر 218
الدين بن تميمة وقال في أول تفسيره وقد ذكر شيوخه في العلم فأول كنت برهة مع شخنا الأمام الورع أبو اكرم فتيان بن مباح وكان طويل الباع في علم اللغة والإعراب لا يشق غباره في علم القرآن ومعاناة المعاني فهما في الأحكام مواقع الحلال والحرام انتهى
وفيها محمد بن أسعد بن محمد بن نصر الفقيه المعروف بابن الحكيم البغدادي الواعظ درس بالطرخانية والصادرية وبنى له معين الدين مدرسة شرح المقامات ودفن بباب الصغير ومن شعره
) الدهر يوضع عامدا
فيلا ويرفع قدر نملة )
) فإذا تنبه للمنام
وقام للنوام نم له )
وفيها أبو عبد الله بن محمد بن يسوف المرسي نزيل شاطبة مكثر عن أبي علي الصوفي واليه صارت عامة أصوله وسمع أيضا من أبي محمد بن أبي عتاب وحج فسمع من ابن غزال ورزين البعدري قال الأبار كان عارفا بالأثر مشاركا في التفسير حافظا للفروع بصيرا باللغة والكلام فصيحا مفوها مع الوقار والسمت والصيام والخشوع ولي قضاء شاطبة وحدث وصنف ومات في أول العام وله سبعون سنة
وفيها يحيى بن ثابت بن بندار أبو القسم البغدادي البقال سمع من طراد والنعالي وجماعة وتوفي في ربيع الأول وقد نيف على الثمانين
وفيها المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله محمد بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي العباسي خطب له أبوه بولاية العهد سنة سبع وأربعين واستخلف سنة خمس وخمسين وعاش ثمانيا وأربعين سنة وأمه طاووس الكرجبة أدركت دولته قال السيوطي في تاريخ الخلفاء كان موصوفا بالعدل والرفق أطلق من المكوس شيئا كثيرا بحيث لم يترك بالعراق مكسا وكان شديدا على المفسدين سجن رجلا كان يسعى بالناس مدة فحضر رجل وبذل 219
فيه عشرة آلاف درهم فقال أنا أعطيك عشرة آلاف دينارا ودلني على آخر مثله لأحبسه وألف شره وقال ابن النجار كان المستنجد موصوفا بالفهم الثاقب والرأي الصائب والذكاء الغالب والفضل الباهر والعدل الظاهر له نظم بديع ونثر بليغ ومعرفة بعمل آلات الفلك والأسطرلاب وغير ذلك ومن شعره في بخيل
) وباخل أشعل في بيته
تكرمة منه لنا شمعه )
) فما جرت من عينها دمعة
حتى جرت من عينه دمعة )
توفي في ثامن ربيع الآخر
وفيها ابن الخلال القاضي الأديب موفق الدين يوسف بن محمد المصري صاحب دواوين الانشاء للخلفاء وهو شيخ القاضي الفاضل ومن شعره
) عذبت ليال بالعذيب خوال
وحلت مواقف بالوصال حوال )
) ومضت لذاذات تقضي ذكرها
تصبي الخلى وتستهيم السالي )
) وجلت مووردة الخدود فأوثقت
في الصبوة الخالي بحسن الخال )
) قالوا سراة بني هلال أصلها
صدقوا كذاك البدر فرع هلال )
توفي في جمادي الآخرة وقد شاخ وولى بعده القاضي الفاضل
سنة سبع وستين وخمسمائة
فيها تجاسر صلاح الدين بن أيوب وقطع خطبة العاضد العبيدي وكان قبل هذا كالمتحكم له وخطب للخليفة العباسي المستضئ فمات العاضد عقيب ذلك قيل انه مات غبنا وأظهر صلاح الدين الحزن الحزن عليه وجلس للعزاء ثم تسلم القصر وما حوى ثم حول أولاد المعتضد وخاصته إلى مكان آخر ورتب لهم كفايتهم ولما وصل أبو سعد بن أبي عصرون رسولا بذلك إلى بغداد زينت وكان يوما مشهودا وكانت الخطبة العباسية قد قطعت من مصر منذ مائتي سنة 220
وتسع سنين بني عبيد أهل المذهب الردئ ثم أرسل الخليفة بالخلع الفائقة الرائقة لنور الدين محمود بن نزكي ولنائبه صلاح الدين وكان فيما أرسل لنور الدين طوق ذهب وزنه ألف مثقال وحصانان وسيفان قلد بهما إشارة إلى الجمع له بين مصر والشام
وفيها وقعت الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين وعزم على قصده فكتب إليه صلاح الدين بالطاعة فزالت الوحشة بينهما
وفيها توفي أحمد بن محمد الحريمي العطار روى عن النعالي وجماعة ومات في صفر عن خمس وثمانين سنة
وفيها حسان بن نمير عرف بعرقلة كان شيخا خليعا مطبوعا أعور العين منادما اختص بصلاح الدين وكان قد وعده صلاح الدين أنه إذا أخذ مصر يعطيه ألف دينارا فلما أخذها كتب إليه
) قل للصلاح معيني عند أعساري
يا ألف مولاي أين الألف دينار )
) أخشى من الأسرار أن حاولت أرضكم
وما تفي جنة الفردوس بالنار )
) فجد بها عاضديات موفرة
من بعض ما خلف الطاغي أخو العاري )
) حمرا كأسيافكم غرا كخيلكم
عتقا ثقالا كأعدائي وإطماري )
فجهز له ألفا وأخذ له من أخوته مثلها فجاءه الموت فجأة فلم ينتفع بفجأة الغناء ومن شعره
) ) يقولون لم أرخصت شعرك في الورى
فقلت لهم إذا مات أهل المكارم )
) أجازي على الشعر الشعير وأنه
كثير إذا حصلته من بهائم )
وفيها العلامة أبو محمد بن الخشاب عبد لله بن أحمد بن أحمد بن عبد الله بن 221 نصر البغدادي النحوي المحدث الفقيه الحنبلي ولد سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة وسمع من علي بن الحسين الربعي وابن النرسي ثم طلب بنفسه وأكثر عن أبي الحصين وطبقته وقرأ الكثير وكتب بخطه المليح المتقن وأخذ العربية عن ابن الشجري وابن الجواليقي وأتقن العربية واللغة والهندسة وغير ذلك وصنف التصانيف وكان إليه المنتهى في حسن القراءة وسرعتها وفصاحتها مع الفهم والعذوبة وانتهت إليه الإمامة في النحو وكان ظريفا مزاحا قذرا وسخ الثياب يستقى في جرة مكسورة وما تأهل قط ولا تسرى توفي في رمضان قاله في العبر وقال انب النجار كان أعلم أهل زمانه بالنحو حتى يقال انه كان في درجة أبي علي الفارسي قال وكانت له معرفة بالحديث واللغة والمنطق والفلسفة والحساب والهندسة وما من علم من العلوم إلا كانت له فيه يد حسنة وقال ياقوت الحموي رأيت قوما من نحاة بغداد يفضلونه على أبي علي الفارسي قال وسمع الحديث الكثير وتفقه فيه وعرف صحيحه من سقيمه وبحث عن أحكامه وتبحر في علومه وقال انب الأخضر دخلت عليه يوما وهو مريض وعلى صدره كتاب ينظر فيه قلت ما هذا ذكر ابن جبنى مسئلة في النحو واجتهد أن يستشهد عليها ببيت من الشعر فلم يحضره وأني لأعرف على هذه المسئلة سبعين بيتا من الشعر كل بيت من قصيدة وكان عالما بالتفسير والحديث الفرائض والحساب والقراءات وقال ابن القطيعي انتهى إليه معرفة علوم جمة أنهاها وشرح الكثير من علومه وكان ضنينا بها مع لطف مخالطة وعدم تكبر واطراح تكلف مع تشدد في السنة وتظاهر بها في محافل علومه ينتصر لمذهب أحمد ويصرح ببراهينه وحججه على ذلك وقال مسعود ووصل إليه برنا إلا ابن الخشاب فاعتذرت عنه بعذر اقتضاه الحال ثم خرجت فعرفت ابن الخشاب ذلك فكتب إليه هذين البيتين 222
) ورد الورى سلسال جودك فارتووا
فوقفت دون الورد وقفة حائم )
) ظمآن اطلب خفة من زحمة
والورد لا يزداد غير تزاحم )
) قال ابن البادر فعرضتهما على المستضئ فأرسل إليه بمائتي دينار وقال لو زادنا زدناه وقال ابن رجب ويقال انه كان بخيلا مقترا على نفسه وكان يعتم العمة فيبقي معتما أشهرا تتسخ أطرافها من عرفة فتسود وتتقطع من الوسخ وترمي عليها العصافير ذرقها وكان إذا رفعها عن رأسه ثم أراد لبسها تركها على رأسه كيف اتفق فتجئ عذبتها تارة من تلقاء وجهه وتارة عن يمينه وتارة عن شماله ولا يغيرها فإذا قيل له في ذلك يقول ما استوت العمة على رأس عاقل قط وكان رحمه الله تعالى ظريفا مزاحا ذا نوادر فمن نوادره أن بعض أصحابه سأله يوما فقال القفا يمد أو يقصر فقال يمد ثم يقصر ولابن الخشاب شعر كثير حسن فمنه ما ألغزه في كتاب
) وذي أوجع لكنه غير بائح
بسر وذو الوجهين ليس يطهر )
) تناديك بالأسرار أسرار وجهه
فتسمعها مادمت بالعين تبصر )
ومنه لغز في شمعة
) صفراء لا من سقم مسها
كيف وكانت أمها الشافيه )
) عارية باطنها مكتس
فأعجب لها عارية كاسية )
قال ابن الجوزى مرض ابن الخشاب نحوا من عشرين يوما فدخلت عليه قبل موته بيومين وقد ئيس من نفسه فقال لي عند الله أحتسب نفسي وتوفي يوم الجمعة ثالث رمضان ودفن بمقبرة الأمام أحمد قريبا من بشر الحافي رضى الله عنهما
وفيها أبو محمد عبد الله بن منصور بن الموصلي البغدادي المعدل سمع من النعالي وتفرد بديوان المتنبي عن أبي البركات الوكيل وعاش ثمانين سنة
وفيها العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله عبد 223
المجيد بن محمد بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم العبيدي المصري الرافضي خاتمة خلفاء الباطنية ولد في أول سنة ست وأربعين وخمسمائة وأقامه الصالح ابن رزبك بعد هلاك الفائز وفي أيامه قدم حسين بن نزار بن المستنصر العبيدي في جموع من العرب فلما قرب غدر به أصحابه وقبضوا عليه وحملوه إلى العاضد فذبحه صبرا ورد أن موت العاضد كان بإسهال مفرط وقيل مات غما لما سمع بقطع خطبته وقيل بل كان له خاتم مسموم فامتصه وخسر نفسه وعاش إحدى وعشرين سنة
وفيها أبو الحسن بن النعمة علي بن عبد الله بن خلف الأنصاري الاندلسي المربي ثم البلنسي أحد الأعلام توفي في رمضان وهو في عشر الثمانين روى عن أبي علي بن سكرة وطبقته وتصدر ببلنسية لأقراء القراءات والفقه والحديث والنحو قال الأبار كان عالما حافظا للفقه والتفاسير ومعاني الآثار مقدما في علم اللسان فصيحا مفوها ورعا فاضلا معظما دمث الأخلاق انتهت إليه رياسة الفتوى والاقراء وصنف كتابا كبيرا في شرح سنن النسائي بلغ فيه الغاية وكان خاتمة العلماء بشرق الأندلس
وفيها أبو المطهر القسم بن الفضل بن عبد الواحد بن الفضل الأصبهاني الصيدلاني بفتح أوله وسكون الياء التحتية نسبة إلى بيع الأدوية والعقاقير روى عن رزق الله التميمي والقسم بن الفضل الثقفي وتوفي في جمادي الأولى وقد نيف على التسعين
وفيها أبو عبد الله بن الفرس محمد بن عبد الرحيم كالانصاري الخزرجي الغرناطي تفقه على أبيه وقرأ عليه القراءات وسمع أبا بكر بن عطية وسمع بقرطبة من أبي محمد بن عتاب وطبقته وصار رأسا في الفقه والحديث والقراءات كتوفي في شوال ببلنسية وله ست وستون سنة 224
وفيها أبو حامد البروي الطوسي الفقيه الشافعي محمد بن محمد تلميذ محمد ابن يحيى وصاحب التعليقة المشهورة في الخلاف كان إليه المنتهى في معرفة الكلام والنظر والبلاغة والجدل وبارعا في معرفة مذهب الأشعري قدم بغداد وشغب على الحنابلة وأثار الفتنة ووعظ بالنظامية وبعد صيته فأصبح ميتا فيقال أن الحنابلة أهدوا له مع امرأة صحن حلوى مسمومة وقيل أن البروي قال لو كان لي أمر لوضعت على الحنابلة الجزية قاله في العبر والبروي بفتح الموحدة وتشديد الراء المضمومة نسبة إلى بروية جد
وفيها أبو المكارم الباوراى المبارك بن محمد بن المعمر الرجل الصالح روى عن ابن البطر والطرثيثي وتوفي في جمادي الآخرة
وفيها أبو جعفر مكي بن محمد بن هبيرة البغدادي الأديب الحنبلي كان فاضلا عارفا بالأدب نظم مختصر الخرقي وقرأ ممرات بنواحي الموصل قال ابن رجب وأظنه أخو الوزير أبي المظفر وكان يلقب فخر الدولة وكأنه خرج من بغددا بعد موت الوزير
وفيها أبو الفتح نصر الله بن عبد الله بن مخلوف بن ملامس الأزهري الأسكندري الملقب القاضي الأغر كان سناطا لا لحية وكان شاعرا مجيدا مدحه السلفي وصحب السلفي وانتفع بصحبته ودخل اليمن وامتدح أمير عدن فأجزل عطيتة ثم غرق ما معه وعاد إليه عريانا فأنشده قصيدته التي أولها
) صدرنا وقد نادي السماح
ببادئ
فعدنا إلى مغناك والعود أجمل )
فأحسن إليه أيضا ومن شعره
) الفكر في الرزق يأتي
شيء به تتعب القلوب )
) وحامل الهم ذو دعاء
في علم ما تحجب الغيوب )
) فإن ألمت بك الرزايا
أو قرعت بابك الخطوب )
) فجنب الناس وادع من لا
تكشف إلا به الكروب ) 225
) من يسأل الناس يحرموه
وسائل الله لا يخيب )
وفيها الأمام أبو بكر يحيى بن سعدون الأزدي القرطبي المقرئ النحوي نزيل الموصل وشيخها قرأ القراءات على جماعة منهم ابن الفحام بالأسكندرية وسمع بقرطبة من أبي محمد بن عتاب وبمصر من أبي صادق المديني وببغداد من ابن كالحصين وقد أخذ عن الزمخشري وبرع في العربية والقراءات وتصدر فيهما وكان ثقة ثبتا صاحب عبادة وورع وتبحر في اللوم توفي يوم الفطر عن اثنتين وثمانين سنة
سنة ثمان وستين وخمسمائة
فيها دخل قراوش مملوك تقى الدين عمر بن شاه شاه ابن أخي السلطان صلاح الدين بن أيوب المغرب فنازل طرابلس المغرب وافتتحها وكانت للفرنج
وفيها سار شمس الدولة أخو صلاح و الدين فافتتح اليمن وقبض على المتغلب عليها عبد النبي الزنديق وقام صيت الدولة الأيويبة قال في السمط الغالي الثمن في إخبار ملوك اليمن وهم أي بنو أيوب سبعة الملك المعظم توران بن أيوب والملك الغرير أخوه سيف الإسلام طغتكين بن أيوب والملك المغر ولده إسمعيل وسيف الإسلام أتابك سنقر بحكم الاتابكية لولد سيده الملك الناصر أيوب ثم الملك الناصر أيوب بعده ثم الملك المعظم سليمان بن تقي الدين ثم الملك المسعود صلاح الدين يوسف بن الملك الكامل فهؤلاء سبعة ستة منهم من بني أيوب والسابع مملوكهم انتهى
وفيها التقي قلج بن لاون الأرمني والروم فهزمهم وكان نور الدين قد استخدم ابن لاون وأقطعه سيس وظهر له نصحه وكان الكلب شديد النصح 226
لنور الدين معينا له على الفرنج ولما ليم نور الدين في إعطائه سيس قال استعين به وأريح عسكري وأجعله سدا بيننا وبين صاحب القسطنطينية
وفيها سار نور الدين فافتتح مرعش ثم دخل الموصل قلج أرسلان
وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن محمد بن شنيف الدار قزي نسبة إلى دار القز محلة ببغداد الحنبلي المقرئ أسند من بقى في القراءات لكنه لم يكن ماهرا بها قرأ علي ابن سوار وثابت بن بندار وعاش ستا وتسعين سنة
وفيها أرسلان خوارزم شاه بن أنس خوارزم شاه ابن محمد رد من قتال الخطا فمرض ومات فتملك بعده ابنه محمود فغضب ابنه الأكبر خوارزم شاه علاء الدين تكس وقصد ملك الخطا فبعث مه جيشا فهرب محمود واستولى هو على خوارزم فالتجأ محمود إلى صاحب نيسابور المؤيد فنجده فالتقيا فانهزم هؤلاء وأسر المؤيد وذبح بين يدي تكس صبرا وقتل أم أخيه وذهب محمود إلى غياث الدين صاحب الفور فأكرمه
وفيها الدكز ملك اذريبجان وهمذان كان عاقلا حميد السيرة واسع المملكة وكان ابن امرأته أرسلان شاه بن طغرل السلجوقي هو السلطان والدكز أتا بكه لكنه كان من تحت حكمه وولى بعده ابنه محمد البهلوان
وفيها الأمير نجم الدين أيوب بن شادي الدويني بضم الدال المهملة وكسر الواو وتحتية ونون نسبة إلى مدينة بأذربيجان وهو والد الملوك صلاح الدين وسيف الدين وشمس الدولة وسيف الإسلام وشاه شاه وتاج الملوك بورى وست الشام وربيعة خاتون وأخو الملك أسد الدين شب به فرسه فحمل إلى داره ومات بعد أيام في ذي الحجة وكان يلقب بالأجل الأفضل وكان أول ولاية تولاها قلم تكريت بتولية عتاب بن مسعود السلجوقي فقتل أخوه أسد الدين رجلا فأخرجها منها فخرجا إلى الموصل فأحسن أليهما عماد الدين بن زنكي الأتابك والأتابك اسم لمن يربى الملك وهو والد نور الدين وهو يومئذ متحكم 227
السلجوقية فولى نجم الدين قلعة بعلبك فبنى بها نجم الدين خانقاه للصوفية وهي المعروفة اليوم بالمنجمية وكان نجم الدين صالحا حسن السيرة كريم السريرة ولما تولى ولده صلاح الدين مصر استدعى أباه وكان بدمشق في خدمة نور الدين محمود بن زنكي فاستأذنه فأذن له فلما قدم على ولده صلاح الدين أراد أن يخلع الأمر إليه فكره ولما مات نجم الدين دفن عند أخيه بالقاهرة ثم نقلا سنة تسع وسبعين إلى المدينة والنبوية
وفيها المؤيد أبي به عبد الله السنجري صاحب نيسابور قتل في هذا العام
وفيها جعفر بن عبد الله بن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد بن علي الدامغاني الحنفي أبو منصور روى عن أبي مسلم السمناني وابن الطيوري وتوفي في جمادي الآخرة
وفيها ملك النحاة أبو نزار الحسن بن صافي البغدادي الفقيه الاصولي المصنف في الأصلين والنحو وفنون الأدب استوطن دمشق اخرا وتوفي بها عن ثمانين سنة وكان لقب نفسه ملك النحاة ويغضب على من لا يدعوه بذلك وله ديوان شعر ومدح النبي بقصيدة طنانة واتفق أهل عصره على فضله ومعرفته وقال في العبر كان نحويا بارعا وأصوليا متكلما وفصيحا متفوها كثير العجب والتيه قدم دمشق واشتغل بها وصنف في الفقه والنحو والكلام وعاش ثمانين سنة وكان رئيسا ماجدا انتهى وكان شافعيا قال ابن شهبة تفقه على أحمد الأشنهى تلميذ المتولي وقرأ أصول الفقه علي ابن برهان وأصول الدين علي أبي عبد الله القيرواني والخلاف على أسعد الميهني والنحو على الفصيحي وبرع فيه وسافر إلى خراسان والهند ثم سكن أسد مدة وأخذ عنه جماعة من أهلها ثم استوطن دمشق وصنف في النحو كتبا كثيرة وصنف في الفقه كتابا سماه الحاكم ومختصرين في الأصلين وتوفي بدمشق في شوال 228
ودفن بباب الصغير
وفيها الحافظ عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن حمدان بن موسى الأصبهلني أبو الخير كان من الأئمة الحفاظ الامجاد ومن محفوظه فيما قيل الصحيحان بالإسناد تكلم فيه أبو موسى المديني وغيره من النقاد قاله ابن ناصر الدين
وفيها أبو جعفر الصيدلاني محمد بن الحسن الأصبهاني له إجازة من بيني الهريثمة تفرد بها وسمع من شيخ الإسلام وطبقته بهراة ومن سليمان الحافظ وطبقته بأصبهان توفي في ذي القعدة قاله في العبر
سنة تسع وستين وخمسمائة
فيها ثارت الفرنج لموت نور الدين الملك العادل أبو القسم محمود بن زنكي ابن أق سنقر تملك حلب بعد أبيه ثم أخذ دمشق فملكها عشرين سنة وكان مولده في شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة وكان أجل ملوك زمانه وأعد لهم وأدينهم وأكثرهم جهادا وأسعدهم في دنياه وآخرته هزم الفرنج غير مرة وأخافهم وجرعهم المر وكان أولا متحكما الملوك السلاجقة ثم استقل وكان في الإسلام زيادة ببقائه افتتح من بلاد الروم عدة حصون ومن بلاد الفرنج ما يزيد على خمسين حصنا وكان أسمر طويلا مليحا تركي اللحية نقي الخد شديد المهابة حسن التواضع طاهر اللسان كامل العقل والرأي سليما من التكبر خائفا من الله قل أن يوجد في الصلحاء مثله فضلا عن الملوك ختم الله له بالشهادة ونوله الحسنى أن شاء وزيادة وخطب له في الدنيا وأزال الأذان بحي على خير العمل وبنى المدارس وسور دمشق وأسقط ما كان يؤخذ من جميع المكوس وبنى المكاتب للأيتام ووقف علها الأوقاف وبنى الربط والبيمارستان واقطع العرب الاقطاعات لئلا يتعرضوا للحاج وبنى الخانات والربط وكان حسن الخط كثير المطالعة مواظبا على الصلوات الخمس كثير تلاوة القرآن لم تسمع منه 229
كلمة فحش ذو عقل متين يحب الصالحين ويزورهم في أماكنهم قال ابن الأثير طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام والى يومنا هذا فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكا أحسن سيرة منه ولا أكثر تحريا للعدل والإنصاف ثم ذكر زهده وعدله وفضله وجهاده واجتهاده وكان لا يأكل ولا يشرب ولا يتصرف في شيء يخصه إلا من ملك اشتراه من سهمه من غنائم الكفار ولم يلبس حريرا قط ولا ذهبا ولا فضة كان كثير الصيام وله أوراد في النهار والليل وكان يقدم أشغال المسلمين عليها ثم يتمم وكان يلعب بالكرة في ميدان دمشق فجاء رجل فوقف بإزائه فقال للحاجب سله ما حاجته فقال لي مع نور الدين حكومة فرمى الصولجان من يده وجاء إلى مجلس القاضي كمال الدين الشهرزورى وقاله له لا تنزعج وأسلك معي ما تسلكه مع آحاد الناس فلما حضر سوى بين وبين خصمه وتحاكما فلم يثبت للرجل عليه حق وكان يدعى ملكا في يد نور الدين فقال نور الدين للقاضي هل ثبت له على حق قال لا قال فاشهدوا أني قد وهبت الملك له وقد كنت أعلم انه لا حق له عندي وإنما حضرت معه لئلا يقال عني أني طلبت إلى مجلس الشرع فأتيت وبنى دار العدل وكان يجلس في كل أسبوع أربعة أيام وحضر عنده الفقهاء ويأمر بإزالة الحجاب والبواب حتى يصل اله الشيخ الكبير والضعيف ويسأل الفقهاء عما أشكل وإذا حضر الحرب شد تركاشين وحمل قوسين وبنى جامعه بالموصل وفوض أمره إلى الشيخ عمر الملا وكان من الأخيار وإنما قيل الملا لأنه كان يملأ أتون الآجر ويتقوت بالأجرة وليس عليه غير ميص ولا عمامة ولا يملك شيئا فقيل له أن هذا لا يصح لمثل هذا العمل فقال إذا وليت بعض الأجناد لا يخلو
من الظلم وهذا الشيخ لا يظلم فإن ظلم كان الظلم عليه فدفع إلى الشيخ ستين ألف دينار وقيل ثلثمائة ألف دينار فتم بناؤه في ثلاث سنين فلما دخل نور الدين إلى الموصل دخله وصلى فيه ووقف عليه قرية فدخل عليه الملا وهو 230
جالس على دجلة وترك بين يديه دفاتر الخرج وقال يا مولانا أن تنظر فيها فقال نور الدين يا شيخ نحن عملنا هذا الله تعالى دع الحساب ليوم الحساب ثم رمى الورق إلى دجلة ووقع في يده ملك من ملوك الفرنج فبذل في نفسه مالا عظيما فشاور الأمراء فأشاروا ببقائه في الأسر خوفا من شره فقال له نور الدين احضر المال فأحضر ثلثمائة ألف دينار فأطلقه فلما وصل إلى بلده مات وطلب الأمراء سهمهم فقال ما تستحقون شيئا لأنكم أشرتم بغير الفداء وقد جمع الله تعالى بين الحسنين الفداء وموت اللعين فبنى بذلك الفداء المارستان الذي بدمشق والمدرسة ودار الحديث ووقف عليها الأوقاف وذكر المطري في كتابه تاريخ المدينة أن السلطان محمود رأى النبي في ليلة واحدة ثلاث مرات وهو يقول له في كل واحدة منها يا محمود انقذني من هذيم الشخصين لشخصين أشقرين تجاهه فاستحضر وزيره قبل الصبح فأخبره فقال له هذا الأمر حدث في مدينة النبي ليس له غيرك فتجهز وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من خيل وغير ذلك حتى دخل المدينة على غفلة فلما زار طلب الناس عامة للصدقة وقال لا يبقي بالمدينة أحد إلا جاء فلم يبق إلا رجلان مجاروان من أهل الأندلس نازلان في الناحية التي قبلة حجرة النبي من خارج المسجد عند دار آل عمر بن الخطاب التي تعرف اليوم بدار العشرة رضي الله عنهم قالا نحن في كفاية فجد في طلبهما حتى جيء بهما فلما رآهما قال للوزير هما هذان فسألهما عليهما حتى أفضي إلى العقوبة فأقرا أنهما من النصاري وصلا لكي ينقلا النبي من هذه الحجرة الشريفة ووجدهما قد حفرا نقبا تحت الأرض من تحت حائط المسجد القبلي يجعلان التراب في بئر عندهما في البيت فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة 231
النبي خارج المسجد ثم أحرقا وركب متوجها إلى الشام راجعا فصاح به من كان نازلا خارج السور واستغاثوا وطلبوا أن يبنى لهم سوار يحفظهم فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم ومثل هذا لا يجري إلا علي يد ولي الله تعالى توفي رحمه الله تعالى بعله الخوانيق وأشار عليه الأطباء بالفصد فامتنع وكان مهيبا فما روجع ودفن في بيت كان يخلو فيه بقلعة دمشق ثم نقل إلى مدرسته التي عند سوق الخواصين وروى أن الدعاء عند قبره مستجاب ويقال انه دفن معه ثلاث شعرات من شعر لحيته فينبغي لمن زاره أن يقصد زيارة شيء منه ولما مات كان عمره نيفا وخمسين سنة وقام بعده بالملك ولده الصالح إسماعيل ولما استظهر السلطان صلاح الدين بن أيوب على بلاد الشام كلها تركه في حلب حتى توفي سنة سبع وسبعين وكان لموته وقع عظيم في قلوب الناس لصلاحه أيضا
وفيها النقيب أبو عبد الله أحمد بن علي الحسيني الأديب نقيب الطالبين روى عن أبي الحسين بن الطيوري وجماعة وتوفي في جمادي الأولى
وفيها أبو اسحق بن قرقول الحافظ إبراهيم بن يوسف الوهراني الجمري وجمرة اسم قريته سمع الكثير وعاش أربعا وستين سنة وكان من أئمة أهل المغرب فقيها مناظرا متفننا حافظا للحديث بصيرا بالرجال قال ابن ناصر الدين كان ثقة مأمونا
وفيها الحافظ أبو العلاء العطار الحسن بن أحمد الهمذاني المقرئ الحنبلي الأستاذ شيخ همذان وقارئها وحافظها رحل وحمل القراءات والحديث عن الحداد وقرأ بواسط على القلانسي وببغداد على جماعة وسمع من ابن بيان وطبقته وبخراسان من الفراوي وطبقته قال الحافظ عبد القادر الرهاوي شيخنا أبو العلاء أشهر من أن يعرف بل يتعذر وجود مثله في أعصار كثيرة 232
وأول سماعه من الدونى في سنة خمس وتسعين وأربعمائة برع على حفاظ زمانه في حفظ ما يتعلق بالحديث من الأنساب والتواريخ والأسماء والكنى والقصص والسير وله التصانيف في الحديث والرقائق وله في ذلك مجلدات كبيرة منها كتاب زاد المسافر في الحديث والقراءات وخمسون مجلدا قال وكان إماما في العربية سمعت أن من جملة ما حفظ في اللغة كتاب الجمهرة وخرج له تلامذة في العربية أئمة منهم إنسان كان يحفظ كتاب الغريبين للهروي ثم أخذ عبد القادر يصف مناقب أبي العلاء ودينه وكرمه وجلالته وأنه أخرج جميع ما ورثه وكان أبوه تاجرا وانه سافر مرات ماشيا يحمل كتبه على ظهره ويبيت في المساجد ويأكل خبز الدخن إلى أن نشر الله ذكره في الآفاق وقال ابن رجب ولد بكرة يوم السبت رابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وقال ابن السمعاني في حقه حافظ متقن مقرئ فاضل حسن السيرة مرضى الطريقة عزيز النفس سخي بما يملك مكرم للغرباء يعرف القراءات والحديث والأدب معرفة حسنة سمعت منه وذكره ابن الجوزى في طبقات الأصحاب وذكر في آخر كتابه التلقيح أن أبا العلاء كان هو محدث عصره ومقرئه وكان لا يغشى السلاطين ولا تأخذه في الله لومة لائم ولا يمكن أحدا أن يعمل في محلته منكرا ولا شماعا وتوفي ليلة الخميس لسبع عشرة بقيت من جمادي الأولى ببغداد
وفيها دهبل بن علي بن منصور بن إبراهيم بن عبد الله المعروف بابن كاره البغدادي الحريمي الخباز أبو الحسن الحنبلي ولد سنة خمس وتسعين وأربعمائة وسمع من ابن البسرى وابن نبهان وغيرهما قال الشيخ موفق الدين كان فقيها من فقهاء أصحابنا وكان شيخا صالحا وقال أبو المحاسن العرسي كان فقيها حسنا فاضلا زاهدا صادقا ثقة وذكر غيره أنه أضر بآخره وقال ابن رجب روى عنه ابن الأخضر وجماعة وتوفي ليلة الثلاثاء لليلتين خلتا من المحمر ودفن بمقبرة باب حرب 233
وفيها أبو محمد بن الدهان سعيد بن المبارك البغدادي النحوي ناصح الدين صاحب التصانيف الكثيرة ألف شرحا للإيضاح في ثلاث وأربعين مجلدة وسكن الموصل وأضر بآخره وكان سيبويه زمانه تصر للاشتغال خمسين سنة وعاش بضعا وسبعين سنة
وفيها أبو محمد عبد الصمد بن بديل بن الحنبل الجيلي المقرئ الحنبلي قال ابن القطيعي قدم بغداد ونزل باب الازج وقرئ عليه القرآن بروايات الكثيرة ورواها عن أبي العلاء الهمداني وكان عالما ثقة ثبتا فقيها مفتيا وكان اشتغاله بالفقه على والدي رحمه الله وناظر ودرس وأفتى وكتب إلي وأنا مسافر كتابا ذكر لي فيه ما أحببت ذكره لبركته الله الله كن مقبلا مديما على شئونك مشتغلا بما أنت بصدده ولا تكن مضيعا أنفاسا معدودة وأعمارا محسوبة واجعل مالا يعنيك دبر أذنك وأغمض عينك عما ليس من حظها وأطلب من ريحانه ما حل لك ودع ما حرم عليك وبذلك تغلب شيطانك وتحوز مطالبك والسلام توفي رحمه الله سنة تسع وستين وخمسمائة ودفن بمقبرة أحمد بالقرب من بشر الحافي رضي الله عنهما انتهى
وقال ابن النجار صحب القاضي أبا يعلى وتفقه عيه وكنا خصيصا به وأنه توفي يوم السبت سلخ ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وخمسمائة
وفيها أبو بكر عبد الرحمن المقرئ بن الأسعد الغياثي الفقيه الحنبلي ويعرف بالأعز البغدادي كان في ابتداء أمره يغني وله صوت حسن ثم تاب وحسنت توبته وقرأ القرآن في زمن يسير وتعلم الخط في أيام قلائل وحفظ كتاب الخرقي وأتقنه وقرأ مسائل الخلاف على جماعة من الفقهاء وكان ذكيا جدا يحفظ في يوم واحد مالا يحفظ غيره في شهر وسمع من عبد الوهاب الانماطي وسعد الخير الانماطي وتكلم في مسائل الخلاف وسافر إلى الشام وسكن دمشق مدة وأم بالحنابلة في جامعها ثم توجه إلى ديار مصر فاستوطنها إلى 234
حين وفاته وكان فقيها فاضلا قارئا طيب النغمة قال ابن الليثي كان قويا في دين الله متمسكا بالآثار ر يرى منكرا أو يسمع به إلا غيره لا يحابي في قول الحق أحد قال وصحبته وسمعت عليه معتقدا في السنة قاله ابن رجب
وفيها عبد النبي بن المهدي الذي كان تغلب على اليمن ويلقب بالمهدي وكان أبوه أيضا قد استولى على اليمن فظلم وغشم وذبح الاطفال وكان باطنيا من دعاة المصريين فهلك سنة ست وستين وقام بعده ولده هذا فاستباح الحرائر وتمرد على الله فقتله شمس الدولة كما ذكرنا
وفيها أبو الحسن علي بن أحمد بن حنين الكنانس القرطبي نزيل فاس سمع الموطأ من أبي عبد الله بن الطلاع وأخذ القراءات عن أبي الحسن العبسي وسمع من حازم بن محمد والكبار وحج السنة خمسمائة ولقي الكبار وعمر دهرا ولد سنة ست وسبعين وأربعمائة وتصدر للأقراء مدة
وفيها الفقيه عمارة بن علي بن زيدان أبو محمد الحكمي المذحجي اليمني الشافعي الفرضي نجم الدن نزيل مصر وشاعر العصر قال ابن خلكان كان شديد التعصب وللسنة أديبا ماهرا لم يزل ماشي الحال في دولة المصريين إلى أن ملك صلاح الدين فمدحه ثم انه شرع في أمور وأخذ في اتفاق مع الرؤساء في التعصب للعبيديين وإعادة دولتهم فنقل أمرهم وكانوا ثمانية إلى صلاح الدين فشنقهم في رمضان انتهى
وقال الاسنوي حج سنة تسع وأربعين وسيره قاسم ابن هاشم أمير مكة شرفها الله تعالى رسولا إلى ديار المصرية فدخلها في ربع الأول سنة خمسين وخمسمائة والخليفة يومئذ الفائز بن الظافر والوزير الصالح بن رزيك فمدحهما بقصيدة منها
) الحمد للعيس بعد العزم والهم
حمدا يقوم بما أولت من النعم )
) لا أجحد الحق عندي للركاب يد
تمنت اللجم فيها رتبة الخطم )
) قربن بعد مزار العز من نظري
حتى رأيت إمام العصر من أمم ) 235
ورحن من كعبة البطحاء مجتهدا
وفدا إلى كعبة المعروفة والكرم )
) حيث الخلافة مضروب سرادقها
بين النقيضين من عفو ومن نقم )
فاستحسنا قصيدته وأجزلا صلته وأقام إلى شوال من سنة خمسين في أرغد عيش وأعز جانب ثم فارق مصر وتوجه إلى مكة حرسها الله تعالى ثم إلى زبيد في صفر سنة إحدى وخمسين ثم حج من عامة فأرسله قاسم صاحب مكة إلى مصر في رسالة ثانية فاستوطنها ولم يفارقها بعد فأحسن إليه الصالح ومن يتعلق به كل الإحسان وصحبوه مع اختلاف العقيدة وشدة التعصب للسنة ولما لطف الله بإزالة ملك الدولة كان عمارة مقيما بها فرثاهم بقصيدة لامية طنانة ثم شرع في الاتفاق مع جماعة من رؤساء البلد على إعادة الدولة المصرية فعلم بهم السلطان وكانوا ثمانية من الأعيان ومن جملتهم الفقيه عمارة المذكور فأمر بشنق الجميع فشنقوا في يوم السبت ثاني شهر رمضان وكفى الله شرهم ولما قبض على المذكور وأخذ للشنق تحيل على المرور على باب القاضي الفاضل فغيب عنه وامتنع من رؤيته فأنشذ
) عبد الرحيم قد احتجب
أن الخلاص من العجب )
وكان ذلك آخر شيء نظمه انتهى ما ذكره الاسنوي وقيل انه صلب منكسا وانه أنشد في هذه الحالة
) وما تعلق بالسرياق متنكسا
لعلة أوجبت تعذيب ناسوتي )
) لكنني مذ نفثت السحر من كلمى
عذبت تعذيب هاروت وماروت )
فالله أعلم
وفيها هبة الله بن كامل المصري التنوخي قاضي القضاة وداعي الدعاة أبو القسم قاضي الخليفة العاضد كان أحد الثمانية الذين سعوا في إعادة دولة بني عبيد فشنقهم صلاح الدين رحمه الله تعالى 236
وفيها أبو البركات يحيى بن نجاح بن مسعود بن عبد الله اليوسفي المؤدب الأديب الشاعر الحنبلي سمع من أبي العز كادش وغيره وقال ابن الجوزى سمع الحديث الكثير ثم قرأ النحو واللغة وكان غزير الفضل يقول الشعر الجسن وقال ابن القطيعي كان من أهل الأدب والعلم له خط حسن وشعر رقيق سمع منه جماعة من الطلبة وكان حنبلي المذهب حسن الاعتقاد ومن شعره
) أقلى منك ذا الجفا أم دلال
كل يوم يروعني منك حال )
) أعذول يغريك أم عزة المعشوق أم هكذا يتيه الجمال
)
) نظرة كنت يوم ذاك فأني
صرت في القلب عثرة لا يقال )
) أنا عرضت يوم سلع بنفسي
للهوى فالغرام داء عضال )
) عبثا تقتل النفوس ولا تحسب إلا أن الدماء حلال
)
) من عجيب أن لا يطيش لها سهم ولم تدر قط كيف النضال
)
من عجيب أن لا يطيش لها سهم ولم تدر قط كيف النضال وهي طويلة توفي رحمه الله تعالى يوم السبت لإحدى عشرة مضت من شوال ودفن من الغد بمقبرة الأمام أحمد
سنة سبعين وخمسمائة
فيها قدم صلاح الدين فأخذ دمشق بلا ضربة ولا طعنة وسار الصالح اسمعيل بن نور الدين الشهيد في حاشيته إلى حلب ثم سار صلاح الدين فحاصر حمص بالمجانيق ثم سار فأخذ حماة في جمادس الآخرة ثم سار فحاصر حلب وأساء العشرة في حق آل نور الدين ثم رد وتسلم حمص ثم عطف إلى بعلبك فتسلمها ثم كر فالتقى هز الدين مسعود بن مودود بن صاحب الموصل وأخو صاحبها فانهزم المواصلة على قرون جماة أسوأ هزيمة ثم استناب أخاه بدمشق سيف الإسلام وكان بمصر أخوه العادل 237
وفيها توفي أحمد بن المبارك الرقعاتي روى عن جده لأمه ثابت بن بندار وكان يبسط المرقعة للشيخ عبد اقلادر على الكرسي توفي في صفر
وفيها خديجة بنت أحمد بن السين النهرواني روت عن أبي عبد الله النعالي وكانت صالحة توفيت في رمضان
وفيها حامد بن محمود بن حامد بن محمد بن أبي عمرو الحراني الخطيب الفقيه الحنبلي الزاهد أبو الفضل المعروف بابن أبي الحجر ويلقب تقي الدين شيخ حران وخطيبها ومدرسها ومفتيها ولد سنة ثلاث عشرة وخمسمائة بحران كما قال ابن تميمة ورحل إلى بغداد وسمع بها من عبد الوهاب الانماطي الحافظ وغيره وتفقه بها وبرع وناظر ولقى بها الشيخ عبد القادر كأني بك وقد دست على بساط السلطان فكان كما قال وقال ابن الجوزى صديقنا قدم بغداد وتفقه وناظر وعاد إلى حران وأفتى ودرس وكان ورعا به وسوسة في الطهارة وذكر ابن القطيعي نحوا من ذك وقال كان تاليا للقرآن كنت عنه وكان ثقة انتهى
وقال ابن الحنبلي كان شيخ حران في وقته بني نور الدين محمود المدرسة في حران لأجله ودفعها إليه ودرس بها وتولى عمارة جامع حران فما قصر فيه وقال ابم رجب أخذ عنه العلم جماعة من أهل حران منهم الخطيب فخر الدين بن تميمة وابن عبدوس وغيرهما وسمع منه الحديث بحران جماعة منهم أبو المحاسن القرشي الدمشقي وابن القطيعي وروى عنه في تاريخه وقال توفي لسبع خلون من شوال بحران
وفيها سلمة التركماني تملك بلاد فارس وجدد قلاعا وحارب الملوك ونهب المسلمين وكان يخطب للخليفة التقاه البهلوان ومعه عسكر من التركماني لهم ثأر على سملة فانهزم جيشه وأصابه سهم وأسر فمات وكان ظالما جبارا فرح الناس بمصرعه وكانت أيامه عشرين سنة
قاله في العبر 238
وفيها قليماز الملك قطب الدين المستنجدي عظم في دولة مولاه وصار مقدم الجيش في دولة المستضئ واستبد بالأمور إلى أن هم بالخروج فسار بعسكره نحو الموصل فمات في ذي الحجة وكان فيه كرم وقلة ظلم
وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن خليل القيسي الليل نزيل فاس ثم مراكش روى عن ابن الطلاح وحازم بن محمد وسمع صحيح مسلم من أبي على الغساني قال الأبار كان من أهل الرواية والدراية لازم مالك بن وهيب مدة
وفيها أبو شجاع عمر بن محمد البسطامي البلخي كان فقيها فاضلا ومن شعهر
) وجربت أبناء الزمان بأسرهم
فأيقنت أن القل في عدهم كثر )
) وخبرت طغواهم ولوم فعالهم
فلما التقينا صغر الخبر الخبر )
وفيها أبو الفضل يحيى بن جعفر صاحب المخزن ونائب الوزارة وكان حافظا للقرآن فاضلا عادلا محبا للصالحين والعلماء وذكره مأوى لهم سمع الحديث الكثير قام إليه الحيص بيص وهو في نيابة الوزارة فقال
) لكل زمان من أماثل أهله
برامكة يمتارهم كل معشر )
) أبو الفضل يحيى مثل يحيى بن خالد
ندى وأبوه جعفر مثل جعفر )
فقام ناشب الواعظ فأنشد
) وفي الجانب الشرقي يحيى بن جعفر
وفي الجانب الغربي موسى بن جعفر )
) فذاك إلى الله الكريم شفيعنا
وهذا إلى المولى الكريم المطهر )
أراد جعفر الصادق
سنة إحدى وسبعين وخمسمائة
فيها صلاح الدين فأخذ منبج ثم نازل قلعة عزاز مدة وقفز على 239
الإسمعيلية فجرحوه في فخذع وأخذوا فقتلوا وافتتح القلعة
وفيها توفي الحافظ ابن عساكر صاحب التاريخ الثمانين مجلدة أبو القسم علي ابن الحسن بن هبة الله الدمشقي محدث الشام ثقة الدين قال ابن شبهة فخر الشافعية وإمام أهل الحديث في زمانه وحامل لوائهم صاحب تاريخ دمشق وغيره من المؤلفات المفيدة المشهولاة مولده في مستهل سنة تسع وتسعين وأربعمائة رحل إلى بلاد كثيرة وسمع الكثير من نحو ألف وثلثمائة شيخ وامثنين امرأة وتفقه بدمشق وبغداد وكان دينا خيرا في كل جمعة وأما في رمضان ففي كل يوم معرضا عن المناصب بعد عرضها عليه كثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قليل الالتفات إلى الأمراء وأبناء الدنيا قال الحافظ أبو سعد السمعاني في تاريخه هو كثير العلم غزير الفضل حافظ ثقة متقن دين خير حسن السمت جميع بين معرفة المتون والأسانيد صحيح القراء مثبت محتاط رحل وبالغ في الطلب إلى أن جمع ما لم يجمع غيره وصنف التصانيف وخرج التخاريج وقال أبو محمد عبد القادر الرهاوي رأيت الحافظ السلفي والحافظ أبا العلاء الهمداني والحافظ أبا ومسى المديني ما رأيت فيهم مثل عساكر توفي في رجب ودفن بمقبرة باب الصغير شرقي الحجرة التي فيها معاوية رضي الله عنه ومن تصانيفه المشهورة التاريخ الكبير ثمانمائة جزء في ثمانين مجلدا الموافقات اثنان وسبعون جزءا الأطراف للسنن الأربعة ثمانية وأربعون جزءا معجم شيوخه اثنا عشر جزءا مناقب الشبان خمسة عشر جزءا فضل أصحاب الحديث أحد عشرا جزءا تبيين كذب المفتري على الشيخ أبي الحسن الأشعري مجلدة وقال الذهبي ومن تصفح تاريخه عرف منزلة الرجل في الحفظ وله شعر حسن منه
) إلا أن الحديث اجل علم
وأشرفه الأحاديث العوالي )
) وانفع كل يوم منه عندي
وأحسنه الفوائد والأمالي ) 240
) وأنك لن ترى للعلم شيئا
يحققه كأفواه الرجال )
) فكن يا صاح ذا حرص عليه
وخذه من الرجال بلا ملال )
) ولا تأخذه من صحف فترمي
من التصحيف بالداء العضال )
وفيها حفدة العطاري الأمام مجد الدين أبو منصور محمد بن أسعد بن محمد الطوسي الفقيه الشافعي الاصولي الواعظ تلميذ محي السنة البغوي وراوي كتابه شرح السنة ومعالم التنزيل وقد دخل إلى بخاري وتفقه بها ثم عاد إلى أذربيجان والجزيرة وبعد صيته في الوعظ أنشد يوما على الكرسي من جملة أبيات
) تحية صوت المزن يقرؤها الرعد
على منزل كانت تحل به هند )
) نأت فأعارتها القلوب صبابة
وعارية العشاق ليس لها رد )
قال ابن خلكان توفي في ربيع الآخر ثم قال وقيل سنة ثلاث وسبعين
وفيها أبو النجم المبارك بن الحسن بن طراد الباماوردي الفرضي الحنبلي المعروف بابن القابلة ولد سنة خمس وخمسمائة تقريبا وسمع من طلحة العاقولي سنة عشر وهو أقدم سماع وجدله ومن القاضي أبي الحسين بن الفراء وأبي غالب الماوردي وغيرهم قال ابن الجوزى كان عارفا بعلم الفرائض والحساب والدور حسن العلم بالجبر والمقابلة وغامض الوصايا والمناسخات امارا بالمعروف شديدا على أهل البدع عارفا بمواقيت الشمس والقمر توفي ليلة السبت لعشر بقين من جمادي الأولى ودفن بمقبرة الطبري بقرية الزادمان ظاهر بغداد
وفيها أبو المحاسن المجمعي محمد بن عبد البقاي بن هبة الله بن حسين بن شريف المجمعي الموصلي الحنبلي ذكره ابن القطيعي فقال أحد فقهاء الحنابلة المواصلة ورد بغداد وتفقه على القاضي أبي يعلى وسمع بها الحديث والأدب وكان 241
ناليا لكتاب الله تعالى وجمع كتابا اشتمل على طبقات الفقهاء من أصحاب الأمام أحمد قال وكان بالموصل معمر الملا مقدما في بلده فاتهم بشيء من ماله وكان خصيخا به فضربه إلى أن أشفى على التلف ثم أخرجه إلى بيته وبقى أياما بسيرة وتوفي في رجب أو شعبان بالموصل وهذا عمر كان يظهر الزهد والديانة وأظنه كان يميل إلى المبتدعة وقد تبين بهذه الحكاية أيضا ظلمه وتعديه قاله ابن رجب
سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة
فيها أمر صلاح الدين ببناء السور الكبير المحيط بمصر والقاهرة من البر وطوله تسعة وعشرون ألف ذراع وثلثمائة ذراع بالقاسمي فلم يزل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدين وأنفق عليه أموالا لا تحصى وكان مشيد بنائه فراقوش وأمر أيضا بإنشاء قلعة الجبل ثم توجه إلى الإسكندرية وسمع الحديث من السلفي قاله في العبر
وفيها كانت وقعة الكنز جمع الكنز الأسود مقدم السودان خلقا وجيش بالصعيد ليعيد دولة البعيديين وسار إلى القاهرة في مائة ألف فخرج لحربه نائب مصر سيف الدين أبو بكر العادل فالتقوا فانكسر الكنز وقتل في المصاف قال أبو المظفر بن الجوزي قيل انه قتل منهم ثمانون آلفا يعني من السودان
وفيها توفي أبو محمد صالح ابن البمارك بن الرخلة الكرخي المقرئ القزاز سمع النعالي وغيره وتوفي في صفر
وفيها العثماني أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى الأموي الديباجي محدث الإسكندرية بعد السلفي في الرتبة روى عن أبي القسم بن الفحام وغيره ويعرف بابن أبي اليابس كان ثقة صالحا يقرئ النحو واللغة وكان السلفي 242
يؤذيه ويرميه بالكذب فكان يوقل كل من بني وبينه شيء فهو في حل إلا السلفي فبيني وبينه وقفة بين يدي الله تعالى توفي في شوال عن ثمان وثمانين سنة قاله في العبر
وفيها أبو الحسن معلي بن عساكر بن المرحب بن العوام البطائحي الضرير المقرئ الحنبلي الأستاذ قرأ القراءات على أبي العز القلانسي وأبي عبد الله البارع وطائفة وتصدر للاقراء وأتقن الفن وحدث عن أبي طالب بن يوسف وطائفة قال الشيخ موفق الدين بن قدامة كان مقرئ أهل بغداد في وقته وكان عالما بالعربية إماما في الي السنة قرا عليه القراءات جماع من الكبار منهم عبد العزيز بن دلف وابن الحميري وحدث عنه جماعة منهم ابن الأخضر وعبد الغني المقدسي وعبد القادر الرهاوي وغيرهم توفي ليلة الثلاثاء ثامن عشرى شعبان وصلى عليه من الغد الجواليقي ودفن بباب حرب
وفيها محمد بن أحمد بن ما ساده أبو بكر الاصبهاني المقرئ المحقق قرأ القراءات وتفرد بالسماع من سليمان بن إبراهيم الحافظ ومات في عشر المائة
وفيها الأديب الرفاء أبو عبد الله محمد بن غالب الاندلسي الشاعر المشهور ديوانه كله ملح ومن شعره في غلام نساج
) قالوا وقد أكثروا في حبه عذلي
لم ذا تهيم بمذال ومبتذل )
) فقلت لو كان أمرى في الصبابة لي
لا خترت ذاك ولكن ليس ذلك لى )
) أحببته حبي الثغر عاطره
حلو اللمى ساحر الاجفان والمقل )
) غزيل لم يزل في الغزل جائلة
بنانه جولان الفكر في الغزل )
) جذلان تلعب بالمحراك أنمله
على السدي لعب الأيام بالدول )
) جذبا بكفيه أو فحصا بأخمصه
تخبط الظبي في إشراك محتبل )
وفيها أبو المعالي محمد بن مسعود خرج إلى الحج فمات ومن شعره 243
) ولما أن توليت القضايا
وفاض الجور من كفيك فيضا )
) ذبحت بغير سكين وأني
لأرجو الذبح بالسكين أيضا )
وفيها أبو الضفل بن الشهرزورى قاضي القضاة كمال الدين محمد بن عبد الله ابن القسم بن المظفر الموصلي الشافعي ولد سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وتفقه ببغداد على أسعد المهيني وسمع من نور الهدى الزينبي وبالموصل من جده لأمه على بن طوق وولى قضاء بلده لا تابك زنكي ثم وفد علي نور الدين فبالغ في تبجيله وركن إليه وصار قاضيه ووزيره ومشيره ومن جلالته أن السلطان صلاح الدين لما أخذ دمشق وتمنعت عليه القلعة أياما مشى إلى دار القاضي كمال الدين فانزعج وخرج لتلقيه فدخل وجلس وقال طب نفسا فالأمر أمرك والبلد قال ابن قاضي شبهة ولاه نور الدين قضاء دمشق سنة خمس وخمسين وهو الذي أحدث الشباك الكمالي الذي يصلي فيه نواب السلطنة اليوم وبنى مدرسة بالوصل ومدرستين ينصبيين ورباطا بالمدينة المنورة ووقف الهامة على الحنابلة وحكم في البلاد الشامية واستناب ولده محي الدين بحلب وابن أخيه أبي القسم في قضاء حماة وابن أخيه الآخر في قضاء حمص قال ابن عساكر وكان يتكلم في الأصول كلاما حسنا وكان أديب شاعرا فكله المجالسة وقال صاحب المرآة لما قدم أحمد بن قدامة والد الشيخ أبي عمر إلى دمشق خرج إليه القاضي كمال الدين ومعه ألف دينار فعرضها عليه فلم يقبلها فاشترى بها قرية الهامة ووقف نصفها على الشيخ أحمد والمقادسة ونصفها على الشيخ أحمد والمقادسة ونصفها على الأساري انتهى
ومن شعر الشهرزورى
) وجاءوا عشاء يهرعون وقد بدا
بجسمي من داء الصبابة ألوان )
) فقالوا ولك معظم بعض ما يرى
أصابتك عين قل أن وأجفان )
) وفيها مسلم بن ثابت بن زيد بن القسم بن أحمد بن النحاس البزار البغدادي المأموني الفقيه الحنبلي أبو عبد الله بن أبي البركات ويعرف بابن جوالق بضم 244
الجيم ولد سنة أربع وتسعين وأربعمائة وسمع من أبي علي بن نبهان وتفقه علي أبي الخطاب الكلوذاني وناظر وروى عنه ابن الأخضر توفي في يوم الأحد دعشر ذي الحجة ودفن بمقبرة باب حرب
وفيها أبو الفتح نصر بن سيار بن صاعد بن سيار الكتاني الهروي الحنفي القاضي شرف الدين كان بصيرا بالمذهب مناظرا دينا متواضعا سمع الكير من جده القاضي أبي العلاء والقاضي أبي عامر الازدي ومحمد بن علي العميري والكبار وتفرد في زمانه وعاش سبعا وتسعين سنة وتوفي يوم عاشوراء
سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
فيها كانت وقعة الرملة سار صلاح الدين من مصر فسبى وغنم ببلاد عسقلان وسار إلى الرملة فالتقى الفرنج فحملوا على المسلمين وهزموهم وثبت السلطان وابن أخيه تقي الدين عمر ودخل اللي واحتوت الفرنج على المعسكر بما فيه وتمزق العسكر وعطشوا في الرمال واستشهد جماعة ونجا والله الحمد وقتل ولد لتقي الدين عمر وله عشرون سنة وأسر الأمير الفقيه عيسى الهكاري وكانت نوبة صعبة ونزلت الفرنج على حماة وحاصرتها أربعة أشهر لاشتغال السلطان بلم شعث العسكر
وفيها توفي أرسلان بن طغر بك بن محمد بن ملكشاه السلجوقي سلطان أذربيجان كان له السكة والخطبة والقائم بدولته زوج أمه الزكر ثم ابنه البهلوان فلما توفي خطبوا لولده طغر بك الذي قتله خوارزم شاه
وفيها أبو العباس أحمد بن محمد بن المبارك بن أحمد بن بكروس بن سيف الدينوري ثم البغدادي ويعرف بابن أبي العز وبابن الحمامي الفقيه الحنبلي الزاهد العابد قرأ بالروايات على جماعة وسمع من ابن كادش وغيره وتفقه 245
علي أبي بكر الدينوري وكان رفيق ناصح الإسلام بن المنى وبنى مدرسة ببغداد ودرس بها وتفقه عليه جماعة منهم الشيخ فخر الدين بن تيمية وروى عنه الشيخ موفق الدين وكان متزوجا بابنة ابن الجوزى وتوفي يوم الثلاثاء خامس صفر وكان له يوم مشهود وتوفي شابا
وفيها صدقة بن الحسين بن بختيار بن الحداد البغدادي الفقيه الحنبلي الأديب الشاعر المتكلم الكاتب المؤرخ أبو الفرج ولد سنة سبع وسبعين وأربعمائة وقرأ بالروايات وسمع الحديث من أبي السعادات المتوكل وغيره وتفقه على ابن عقيل وابن الزاغوني وبرع في الفقه وفروعه وأصوله وقرأ علم الكلام والمنطق والفلسفة والحساب ومتعلقاته من الفرائض وغيرها وكتب خطا حسنا صحيحا وقال الشعر الحسن وأفتى وتردد إليه الطلبة في فنون العلم وروى عنه ابن شافع وابن ريحان وغيرهما قال ابن النجار وله مصنفات حسنة في الأصول وجمع تاريخا على السنين بدأ فيه من وفاة شيخه ولم يزل يكتب فيه إلى قريب وفاته وكان قوته من أجرة نسخه ولم يزل قليل الحظ منغص العيش وحط عليه ابن الجوزى في تاريخه ونسبه إلى الحيرة والشاك
وفيها الوزير أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء الوزير أبي القسم علي بن المسلمة روى عن ابن الحصين وجماعة ووزر للمستضئ ولقب عضد الدين وكان جوادا سريا معظما مهيبا خرج للحج في تجمل عظم فوثب عليه واحد ومن الباطنية فقتله في أوائل ذي القعدة عن تسع وخمسين سنة
وفيها أبو محمد بن المأمون الأديب صاحب التاريخ هرون بن البعاس ابن محمد البعاسي المأموني البغدادي الأديب روى عن قاضي المارستان 246
وشرح مقامات الحريري توفي في ذي الحجة كهلا
وفيها لاحق بن علي بن كاره أخو دهبل البغدادي روى عن أبي القسم ابن بيان وغيره وتوفي في نصف شعبان عن ثمان وسبعين سنة
وفيها أبو شاكر السفلاطوني يحيى بن يوسف بن بالان الخباز روى عن ثابت بن بندار والحسين بن البسرى وجماعة وتوفي في شعبانخ
سنة أربع وسبعين وخمسمائة
فيها أخذ ابن قرايا الرافضي الذي ينشد في الأسواق ببغداد فوجدوا في بيته سب الصحابة فقطعت يده ولسانه ورجمته العامة فهرب وسبح فألحوا عليه بالأجر فغرق فأخرجوه وحرقوه ثم وقع التقبيح على الرافضة وأحرقت كتبهم وانقمعوا حتى صاروا في ذلة اليهود وهذا شيء لم يتهيأ ببغداد من نحو مائتين وخمسين
وفيها خرج نائب دمشق فرخ شاه ابن أخي السلطان فالتقى الفرنج فهزمهم وقتل مقدمهم هنقري الذي كان يضرب به المثل في الشجاعة
وفيها توفي أحمد بن أسعد بن بلدرك البغدادي البواب المعمر في ربيع الأول عن مائة وأربع سنين ولو سمع في صغره لبقى مسند العالم سمع من أبي الخطب بن الجراح وأبي الحسين بن العلاف
وفيها أبو العباس أحمد بن أبي غالب بن أبي عيسى بن شيخون الابرودي الجبابيني نسبة إلى الجبابين بكسر الموحدة الثانية وتحتية ونون قرية ببغداد الفقيه الحنبلي الضرير دخل بغداد في صباه وحفظ القرآن وقرا بالروايات علي أبي محمد سبط الخياط وسمع منه الحديث ومن سعد الخير الأنصاري ومن جماعة دونهما وقرأ الفقه وحصل منه طرفا صالحا وكان صالحا صدوقا توفي يوم الجمعة عاشر رجب وصلى عليه يومئذ ودفن بمقبرة الأمام أحمد عن نيف وأربعين سنة 247
وفيها الحيص بيص شهاب الدين أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد ابن صيفي التميمي الشاعر المشهور وله ديوان معروف كان وافر الأدب متضلعا من اللغة بصيرا بفقه الشافعية والمناظرة قال ابن خلكان كان لا يخاطب أحدا إلا باللغة العربية ويلبس علي زي العرب ويتقلد سيفا فرأى الناس في حركة مزعجة فقال ما للناس حيص بيص فلقب بذلك وقال تفقه بالري على القاضي محمد بن عبد الكريم المعروف بالوزان وتميز فيه وتكلم في الخلاف إلا انه غلب علهي الشعر سمع الحديث وحدث وقال توفي في سادس شعبان ودفن من الغد غربي بغداد بمقابر قريش انتهى
وقال ابن شبهة في تاريخ الإسلام وسموا ابنه هرج مرج وابنته دخل خرج حكى نصر بن مجلى وكان من أهل السنة انه رأى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في النوم فقال له يا أمير المؤمنين تفتحون مكة فتقولون من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ثم يتم علي ولدك الحسين يوم الطف ما تم فقال أما سمعت أبيات ابن صيفي في هذا المعنى فقلت لا قال اسمعها منه فاستيقظت فأتت إلى دار الحيص بيص فذكرت له المنام فشهق وبكى وحلف إنها ما خرجت من فمه لأحد ولم ينظمها إلا في ليلته ثم أنشدني
) ملكنا فكان العفو منا سجية
فلما ملكتم سال بالدم أبطح )
) وحللتم قتل الأساري وطالما
غدونا على الأسرى نمن ونصفح )
) وحسبكم هذا التفاوت بيننا
وكل دعاء بالذي فيه ونصفح )
وقال غيره خرج حيص بيص ليلة ثملا فرأى في طريقه جرو كلب فضربه بسيفه فقتله فعمد بعض الظرفاء إلى أبيات وعلقها في عنق أمه وأدخلها ديوان الوزير هيئة مثتكية ففضت الورقة فإذا فيها 248
) يا أهل بغداد أن الحيص بيص أتى
بخزية أكتسبه العار في البلد )
) أبدي شجاعته في الليل مجتئا
على جرى ضعيف البطش والجلد )
) فأنشدت أمه من بعد ما احتسبت
دم الإبيلق عند الواحد الصمد )
) ) لا أعتب الدهر والايام ما صنعت
كلتا يدي أصابتني ولم أرد )
) كلاهما خلف من فقد صاحبه
هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي )
يشير إلى قتل أعرابية قتل أخوها ولدها والله أعلم
وفيها شهدة بنت أبي نصر أحمد بن الفرج الدينوري ثم البغدادي الكاتبة المسندة فخر النساء كانت دينة عابدة صالحة سمعها ابوها الكثير وصارت مسندة العراق وروت عن طراد وابن البطر وطائفة وكانت ذات برو خير توفيت في أربع عشر المحرم عن نيف وتسعين سنة
وفيها أبو رشيد عبد الله بن عمر الأصبهلني آخر من بقي بأصبهان من أصحاب الرئيس الثقفي
وفيها أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفي أخو عبد الحق روى عن ابن بيان وجماعة وكان خياطا دينا توفي بمكة وله سبعون سنة
وفيها أبو الخطاب العليمي عمر بن محمد بن عبد اله الدمشقي التاجر السفار طلب بنفسه وكتب الكثير في تجارته بالشام ومصر والعراق وما وراء النهر روى عن نصر الله المصيصي وعبد الله بن الفراوي وطبقتهما وتوفي في شوال عن أربع وخمسين سنة
وفيها أبو عبد الله بن المجاهد الزاهد القدوة محمد بن أحمد بن عبد الله الأنصاري الاندلسي عن بضع وثمانين سنة قرأ العربية ولزم أبا بكر بن العربي مدة قال الآبار كان المشار إليه في زمانه بالصلاح والورع والعبادة وإجابة الدعوة وكان أحد أولياء الله الذين تذكر به رؤيتهم آثاره مشهورة وكراماته معروفة مع الحظ الوافر من الفقه والقراءات 249
وفيها محمد بن عبد نسيم العيشوني روى عن ابن العلاف وابن نبهان وقع من سلم فمات في الحال في جمادي الآخرة قاله في العبر
سنة خمس وسبعين وخمسمائة
فيها كما قال في الشذور وقعت زلزلة فوق بلاد اربل فتصادمت منها الجبال وكان هناك نهر أحمر ماؤه من دماء الهالكين
وفيها نزل صلاح الدين علي بانياس وأغارت سراياه على الفرنج ثم أخبر بمجيء الفرنج فبادر في الحال وكبسهم فإذا هم في ألف قنطارية وعشرة آلاف راجل فحملوا على المسلمين فثبتوا لهم ثم حمل المسلمون فهزموهم ووضعوا فيهم السيف ثم أسروا مائتين وسبعين أسيرا منهم مقدم الديويه فاستفك نفسه ألف أسير وبجملة من المال واما ملكهم فانهزم جريما
وفيها توفي أحمد بن أبي الوفاء عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الصمد بن محمد ابن الصائغ البغدادي الفقيه الحنبلي الأمام أبو الفتح نزيل حران ولد ببغداد سنة تسعين وأربعمائة ولم أبا الخطاب الكلوذاني وخدمه وتفقه عليه وسمع منه ومن ابن بيان وسافر إلى حلب وسكنها ثم استوطن حران إلى حين وفاته وكان هو المفتي والمدرس بها وقرأ عليه الفقه ماعة منهم الشيخ فخر الدين ابن تيمية وسمع منه جماعة منهم ابن عبدوس والعماد المقدسي وأبو الحسن ابن القطيعي وروى عنه في تاريخه قال وأنشدني أبو الخطاب الكلوذاني لنفسه
) أنا شيخ وللمشايخ بالآداب
علم يخفى على الشبان )
) فإذا ما ذكرتني فتأدب
فهو فرض يرد بالميزان )
وفيها إسمعيل بن موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن بن محمد ابن الجواليقي الأديب بن الأديب أبو محمد بن أبي منصور الحنبلي ولد في شعبان سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وسمع من أبي الحصين وأبي الحسين بن الفراء 250
وغيرهما وقرأ القرآن والأدب على أبيه عالما باللغة والعربية والأدب وله سمت سحن وقام مقام أبيه في دار الخلافة قال ابن الجوزى ما رأينا ولدا أشبه إياه مثله حتى في مشيه وافعاله وتوفي يوم الجمعة منتصف شوال ودفن بمقبرة الأمام أحمد وقال ابن النجار كان من أعيان العلماء بالأدب صحيح النقل كثير المحفوظ حجة ثقة نبيلا مليح الخط
وفيها أبو يحيى اليسع بن عيسى بن حزم الغافقي المقرئ أخذ القراءات عن أبيه وأبي الحسن شريح وطائفة وأقرأ بالاسكندرية والقاهرة واستملى عليه السلطان صلاح الدين وقربه وإحترمه وكان فقيها مفتيا محدثا مقرئا نسابة أخباريا بديع مالخط وقيل هو أول من خطب بالدعوة العباسية بمصر توفي في رجب
وفيها تجني الوهبانية أم عتب آخر من روى في الدنيا بالسماع عن طراد والنعالي توفيت في شوال
وفيها المستضئ بأمر الله أبو محمد الحسن بن السمتنجد بالله يوسف بن المقتفي محمد بن المستظهر أحمد بن المقتدي العباسي بويع بعد أبيه في ربيع الآخر سنة ست وستين ونهض بخلافته الوزير عضد الدين بن رئيس الرؤساء فاستوزره وكان ذا دين وحلم واناه ورأفة ومعروف زائد وأمه أرمنية عاش خمسا وأربعين سنة وخلف ولدين أحمد الناصر وهاشما قال ابن الجوزى في المنتظم أظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا وفرق مالا عظيما في الهاشمين وفي المدارس وكان ليس للمال عنده وقع وقال الذهبي كان يطلب ابن الجوزى ويأمر بعقد مجلس الوعظ ويجلس الوعظ ويجلس بحيث يسمع ولا يرى وفي أيامه اختفى الرفض ببغداد ووهي وأما بمصر والشام فتلاشي وزالت دولة العبيديين أولى الرفض وخطب له بديار مصر وبعض المغرب واليمن وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء ولما استخلف خلع على أرباب الدولة وغيرهم 251
فحكى خياط المخزن انه فضل ألفا وثلثمائة قباء ابريسم وخطب له على منابر بغداد ونثرت الدنانير كما جرت العادة وولى روح الحديثي القضاء وأمر سبعة عشر مملوكا وللحيص بيص فيه
يا إمام الهدى علوت عن الجود
بمال وفضة ونضار )
) فوهبت الاعمار والامن والبلدان في ساعة مضت من نهار
)
) فماذا ثنى عليك وقد جاوزت
فضل البحور والأمطار )
) إنما أنت معجز مستقل
خارق للعقول والأفكار )
) جمعت نفسك الشريفة باليأس
وبالجود بين ماء ونار )
قال ابن الجوزى واحتجب المستضئ عن اكثر الناس فلم يركب إلا مع الخدم ولم يدخل عليه غير قيماز وفي خلافته انقضت دولة بني عبيد وخطب له بمصر وضربت السكة بأسمه وجاء البشير بذلك فغلقت الأسواق ببغداد وعملت القباب وصنفت كتابا سميته النصر على مصر هذا كلام ابن الجوزى وللعماد الكاتب قصيدة في ذلك منها
) قد خطبنا للمستضئ بمصر
نائب المصطفى إمام العصر )
) وخذ لنا لنصره العضد العاضد
ضد والقاصر الذي بالقصر )
) وتركنا الدعي يدعو ثبورا
وهو بالذل تحت حجر وحصر )
وتوفي المستضئ في ذي القعدة عن ست ثلاثين سنة
وفيها أبو الحسين عد الحق بن عبد الخالق بن أحمد اليوسفي الشيخ الثقة عن إحدى وثمانين سنة أسمعه أبوه الكثير من أبي القسم الربعي وابن الطيوري وجعفر السراج وطائفة ولم يحدث بما سمعه حضورا تورعا وكان فقيرا صالحا متعففا كثير التلاوة جدا في جمادي الأولى
وفيها أبو الفضل عبد المحسن بن نزيك الازجي البيع روى عن ابن بيان 252
وجماعة توفي يوم عرفة
وفيها أبو المحاسن عمر بن علي بن الخضر بن عبد الله بن علي القرشي الزبيري الدمشقي القاضي الحافظ نزيل بغداد ومع من أبي الدر ياقوت الرومي وطائفة بدمشق ومن أبي القوت والناس ببغداد وصحب أبا التجيب السهروردي وولى قضاء الحريم توفي في ذي الحجة وله خمسون سنة قال ابن ناصر الدين هو حافظ رحال ثقة مأمون
وفيها أبو هاشم الدوشابي بضم الدال المهملة ومعجمة وباء موحدة نسبة إلى الدوشاب وهو الدبس عيسى بن أحمد الهاشمي البعاسي البغدادي الهراس روى عن الحسين بن البسرى وغيره وتوفي في رجب
وفيها أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة اللمتوني الاشبيلي المقرئ الحافظ صاحب شريح فاق الأقران في ضبط القراءات وسمع الكثير من أبي مروان الباجي وابن العربي وخلق وبرع أيضا في الحديث واشتهر بالإتقان وسعة المعرفة بالعربية توفي في ربيع الأول عن ثلاث وسبعين سنة قال ابن ناصر الدين لم يكن له نظير في الإتقان
وفيها أبو بكر الباقداري بكسر القاف بعد الموحدة والألف وبإهمال الدال والراء نسبة إلى باقدارى بالقصر من قرى بغداد محمد بن أبي غالب بن أحمد بن أحمد بن مرزوق بن أحمد الضرير سمع أبا محمد سبط الخياط فمن بعده وبرع في الحديث حتى صار ابن ناصر يسأله ويرجع إلى قوله وكان حنبلي المذهب قال ابن الزينبي انتهى إليه معرفة رجال الحديث وحفظه وعليه كان المعتمد فيه توفي كهلا الخمس بقين من ذي الحجة ببغداد
وفيها أبو عبد الله الوهراني محمد بن محرز ركن الدين وقيل جمال الدين المقرئ الأديب الكاتب صاحب المزاح والدعابة والمنام الطويل الذي جمع أنواعا من المجون والأدب مات في رجب بدمشق قاله في العبر وقال ابن 253
خلكان هو أحد الفضلاء الظرفاء قدم من بلاده إلى البلاد المصرية في أيام السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى وفنه الذي يمت به صناعة الإنشاء فلما دخل البلاد رأي بها القاضي الفاضل وعماد الدين الاصبهاني الكاتب وتلك الحلبة علم من نفسه انه ليس في طبقتهم ولا تنفق سلعته مع وجودهم فعدل عن طريق الجد وسلك طريق الهزل وعمل المنامات والرسائل المشهورة والمنسوبة إليه وهي كثيرة بأيدي الناس وفيها دلالة على خفة روحه ورقة حاشيته وكمال ظرفه ولو لم يكن فيها إلا المنام الكبير لكفاه فأنه أتى فيه بكل حلاوة ولولا طوله لذكرته ثم أن الوهراني المذكور تنقل في البلاد واقام بدمشق زمانا وتوفي في رجب ونقلت من خط القاضي الفاضل وردت الأخبار من دمشق في سابع عشر رجب بوفاة الوهراني رحمه الله تعالى والوهراني بفتح الواو وسكون الهاء وفتح الراء وبعد الألف نون هذه النسبة إلى وهران مدينة كبيرة على أرض القيروان بينها وبين تلمسان مسافة يوم وهي على البحر الشامي خرج جماعة من العلماء وغيرهم وفي بعض نسخ ابن خلكان ثم أن الوهراني المذكور تنقل في البلاد وأقام بدمشق زمانا وتولى الخطابة بداريا ودفن على باب دمشق في الغوطة وتوفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة بداريا ودفن على باب تربة الشيخ أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى
انتهى ما أورده ابن خلكان
وفيها أبو محمد بن الطباخ المبارك بن علي بن الحسين بن عبد الله بن محمد البطاخ البغدادي نزيل مكة وإمام الحنابلة بالحرم المحدث الحافظ سمع الكثير ببغداد من ابن الطيوري وابن كادس وغيرهما وتفقه بالقاضي أبي الحسين وابن الزاغوني وكان صالحا دينا ثقة حافظ مكة في زمانه والمشار إليه بالعلم بها وأخذ عنه ابن عبدوس وغيره وتوفي في ثاني شوال بمكة وكان يوم جنازته مشهودا رحمه الله تعالى 254
وفيها أبو الفضل متوجهر بن محمد بن تركانشاه الكاتب كان أديبا فاضلا مليح الانشاء حسن الطريقة كتب للأمير قايماز المستنجدي وروى المقامات عن الحريري مرارا وروى عن هبة الله بن أحمد الموصلي وجماعة وتوفي في جمادي الأولى وله ست وثمانون سنة
وفها أبو منصور المظفر بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن محمد ابن خلف بن الفراء ولد سنة ست وثلاثين وخمسمائة وسمع الحديث وبرع في مذهب الحنابلة أصولا وفروعا وناظر وتأدب وقال الشعر الجيد ومن شعره
) لست أنسى من سليمى قولها
يوم جد البين مني وبكت )
) قطع الله بد الدهر لقد
قرطست إذ بالنوى شملى رمت )
) فجرى دمعي لما قد سمعت
ووعت أذناي منها ما وعت )
) يا لها من قوله عن ناظري
نومه طول حياتي قد نفت )
توفي في عنفوان شبابه يوم الجمعة الخمس عشرة خلت من شوال ودفن بمقبرة الأمام أحمد
وفيها أبو عمر بن عباد الأستاذ المقرئ المحقق يوسف بن عبد الله بن سعد الاندلسي الحافظ قدم بلنسية وأخذ القراءات عن أبي مروان بن الصقيل وابن هذيل وسمع من طارق بن يعيش وجماعة وعنى بصناعة الحديث وكتب العالي والنازل وبرع في معرفة الرجال وصنف التصانيف الكثيرة وعاش سبعين سنة
سنة ست وسبعين وخمسمائة
فيها نزل السلطان صلاح الدين على حصن من بلاد الأرمن فافتتحه وهدمه ثم رجع فوافاه التقليد وخلع السلطنة بحمص من الناصر لدين الله فركب 255
بها هناك وكان يوما مشهودا
وفيها أبو طاهر السلفي الحافظ العلامة الكبير مسند الدنيا ومعمر الحفاظ أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم الاصبهاني الحرواني وحروان محلة بأصبهان وسلفة بكسر المهملة لقب جده أحمد ومعناه غليظ الشفة سمع من أبي عبد الله الثقفي وأحمد بن عبد الغفار بن أشته ومكي السلار وخلق كثير بأصبهان خرج عنهم في معجم وحدث بأصبهان في سنة اثنتين وتسعين قال وكنت ابن سبع عشرة سنة أكثر أو اقل ورحل سنة ثلاث فأدرك باب الخطاب بن البطر ببغداد وتفقه بها بالكيا الهراسي وأبي بكر الشاشي وغيرهما وعمل معجما لشيوخ بغداد ثم حج وسمع بالحرمين والكوفة والبصرة وهمذان وزنجان والري والدينور وقزوين وأذربيجان وزنجان والشام ومصر فأكثر بالروايات واس