1 اسم المدخل : تمام عباس محمد اسم الكتاب : شذارت الذهب في أخبار من ذهب اسم المؤلف : أبي الفلاح عبد الحي بن العماد الحنبلي 2 بسم الله الرحمن الرحيم
سنة إحدى وثمانمائة
وهي أول القرن التاسع من الهجرة قال ابن حجر دخلت وسلطان مصر والشام والحجاز الملك الظاهر أبو سعيد برقوق وسلطان الروم أبو يزيد بن عثمان وسلطان اليمن من نواحي تهمامة الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل بن المجاهد وسلطان اليمن من نواحي الجبال الإمام الزيدي الحسني علي بن صلاح وسلطان المغرب الأوسط أبو سعيد عثمان المريني وسلطان المغرب الأقصى ابن الأحمر وصاحب البلاد الشرقية تيمور كوركان المعروف باللنك وصاحب بغداد أحمد بن أويس وأمير مكة حسن بن عجلان بن رميثة الحسني وبالمدينة ثابت بن نفير والخليفة العباسي أبو عبد الله محمد المتوكل على الله بن المعتضد بالله أبي بكر ويدعى أمير المؤمنين ونازعه في هذا الاسم الإمام الزيدي وبعض ملوك المغرب وصاحب اليمن لكن خطيبها يدعو في خطبته للمستعصم العباسي أحد الخلفاء ببغداد وكان نائب دمشق يومئذ تنم الحسنى وبتحلب أرغون شاه وبطرابلس أقبغ الحمالي وبحماة يونس الغلمطاوي وبصفد شهاب الدين بن الشيخ علي وبغزة طيفورا انتهى
وقال الحافظ السخاوي قد أفردت تراجم أهله في ست مجلدات
وفيها غزا اللنك بلاد الهند واستولى على دلى وسبى منها خلقا كثيرا ولما رجع إلى سمرقند بيع السبي الهندي برخص عظيم لكثرته
وفيها توفي العلامة برهان الدين أبو محمد إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها نون وفي آخره سين نسبة إلى أبناس قرية 3 صغيرة بالوجه البحري ولد على ما نقل من خطه بابناس سنة خمس وعشرين وسبعمائة تقريبا وقدم القاهرة وله بضع وعشرون سنة وسمع بها وبدمشق من جماعة وخرج له الحافظ ولي الدين بن العراقي مشيخة وتخرج في فقه الشافعية على الشيخين جمال الدين الأسنائي وولي الدين المنفلوطي وغيرهما وتخرج في الحديث بمغلطاي قال المؤرخ ناصر الدين بن الفزات كان شيخ الديار المصرية مربيا للطلبة وله مصنفات في الحديث والفقه والأصول والعربية وحج وجاور مرات وقال الحافظ ابن حجر مهر في الفقه والأصول والعربية وشغل فيها وبنى زاوية بالمقس ظاهر القاهرة وأقام بها يحسن إلى الطلبة ويجمعهم على التفقه ويرتب لهم ما يأكلونه ويسعى لهم في الرزق خصوصا الواردين من النواحي فصار أكثر الطلبة بالقاهرة تلامذته وتخرج به خلق كثير وكان حسن التعليم لين الجانب متواضعا بشوشا متعبدا متقشفا مطرح التكلف وقد عين للقضاء فتوارى وذكر أنه فتح المصحف فخرج ( وفيها شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد العزيز بن علي الموصلي الأصل الدمشقي ابن الخباز نزيل الصالحية قال في أنباء الغمر سمع من أبي بكر بن الرضى وزينب بنت الكمال وغيرهما وحدث سمع منه صاحبنا الحافظ غرس الدين وأظنه استجازه لي ومات في شهر ربيع الأول عن بضع وثمانين وسنة انتهى>
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ) ولم يزل مستمرا على طريقته وإفادته ونقعه إلى أن حج فمات راجعا في المحرم بعيون القصب بالقرب من عقبة أيلة ودفن هناك
وفيها شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد العزيز بن علي الموصلي الأصل الدمشقي ابن الخباز نزيل الصالحية قال في أنباء الغمر سمع من أبي بكر بن الرضى وزينب بنت الكمال وغيرهما وحدث سمع منه صاحبنا الحافظ غرس الدين وأظنه استجازه لي ومات في شهر ربيع الأول عن بضع وثمانين وسنة انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن محمد العبادي الحنفي تفقه على السراج الهندي وفضل ودرس وشغل ثم صاهر القليجي وناب في الحكم ووقع على القضاء ودرس بمدرسة الناصر حسن وكان يجمع الطلبة ويحسن إليهم 4 وحصلت له محنة مع السالمي وأخرى مع الملك الظاهر وتوفي في ثامن أو تاسع عشر ربيع الآخر
وفيها أحمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن مروان الشيباني البعلبكي ثم الصالحي أحد رواة الصحيح عن الحجار وسمع أيضا منه غيره وله إجازة من أبي بكر بن محمد بن عنتر السلمي وغيره وحدث ومات في ذي الحجة
وفيها القاضي برهان الدين أحمد بن عبد الله السيواسي الحنفي قاضي سيواس قدم حلب واشتغل بها ودخل القاهرة ورجع إلى سيواس فصاهر صاحبها ثم عمل عليه حتى قتله وصار حاكما بها وقد قتل في المعركة لما نازله التتار الذين كانوا بأذربيجان وكان جوادا فاضلا وله نظم
وفيها القاضي عماد الدين أبو عيسى أحمد بن عيسى بن موسى بن جميل المعيري بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح التحتية وآخره راء نسبة إلى معير بطن من بني أسد الكركي العامري الأزرقي الشافعي ولد في شعبان سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وحفظ المنهاج واشتغل بالفقه وغيره وسمع الحديث من التباني وغيره وسمع بالقاهرة من أبي نعيم بن الحافظ تقي الدين عبيد الأسعردي وغيره وحدث ببلده قديما سنة ثمان وثمانين ولما قدم القاهرة قاضيا خرج له الحافظ أبو زرعة مشيخة سمعها عليه الحافظ ابن حجر وكان أبوه قاضي الكرك فلما مات استقر مكانه وقدم القاهرة سنة اثنتين وسبعين ثم قدمها سنة اثنتين وثمانين وكان كبير القدر في بلده محببا إلى أهلها بحيث لا يصدرون إلا عن رأيه فاتفق أن الظاهر لما سجن في الكرك قام هو وأخوه علاء الدين علي في خدمته فحفظ لهما ذلك فلما تمكن أحضرهما إلى القاهرة وولي عماد الدين قضاء الشافعية وعلاء الدين كتابة السر وذلك في رجب سنة اثنتين وسبعين فباشر بحرمة ونزاهة واستكثر من النواب وشدد في رد رسائل الكبار وتصلب في الأحكام فتمالؤا عليه فعزل في أواخر سنة أربع وتسعين واستمرت عليه 5 وظائف كثيرة ثم شغرت خطابة الأقصى وتدريس الصلاحية سنة تسع وتسعين فقررهما عليه السلطان وباشرهما بالقدس وانجمع عن الناس وأقبل على العبادة والتلاوة إلى أن مرض فنزل عن خطابة القدس لولده شرف الدين عيسى ثم مات في سابع عشرى ربيع الأول
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن السلار الصالحي ابن أخي الشيخ ناصر الدين إبراهيم ولد سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة وأحضر على أبي العباس بن الشحنة وأجاز له أيوب بن نعمة الكحال والشرف بن الحافظ وعبد الله بن أبي التايب وآخرون وحدث فسمع منه الحافظ غرس الدين والمعازفي وتوفي في أواخر ذي الحجة
وفيها تاج الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الرحمن البلبيسي الشافعي الخطيب ولد سنة ثمان وعشرن وسبعمائة واشتغل وتفقه ولم يحصل له من سماع الحديث ما يناسب سنه لكنه لما جاور بمكة سمع من الكمال بن حبيب عدة كتب حدث عنه بها كمعجم ابن قانع وأسباب النزول وجزء ابن ماجه وولي أمانة الحكم بالقاهرة ودرس بالجامع الخطيري وخطب به وناب في الحكم ببولاق ومات في ربيع الأول
وفيها ناصر الدين أحمد بن جمال الدين محمد بن شمس الدين محمد بن رشيد الدين محمد بن عوض الأسكندراني الزبيري نسبة إلى الزبير بن العوام المالكي قال ابن حجر بهر وفاق الأقران في العربية وولي قضاء بلده ثم قدم القاهرة وظهرت فضائله وولي قضاء المالكية بها فباشره بعفة ونزاهة وناب عنه البدر الدماميني وقال فيه من أبيات
( وأجاد فكرك في بحار علومه
سبحا لانك من بني العوام )
وكان عاقلا متوددا موسعا عليه في المال سليم الصدر طاهر الذيل قليل الكلام لم يؤذ أحدا بقول ولا فعل وعاشر الناس بجميل فأحبوه شرح 6 التسهيل ومختصر ابن الحاجب وتوفي في أول شهر رمضان
وفيها الملك الظاهر برقوق بن أنس بن عبد الله الجركسي العثماني ذكر الخواجا عثمان الذي أحضره من بلاد الجركس أنه اشتراه منه يلبغا الكبير واسمه حينئذ الطنبغا فسماه برقوقا لنتوء في عينيه فكان في خدمة يلبغا من جملة المماليك الكتابية ثم كان فيمن نفى إلى الكرك بعد قتل يلبغا ثم اتصل بخدمة منجك نائب الشام ثم حضر معه إلى مصر ثم اتصل بخدمة الأشرف شعبان فلما قتل الأشرف ترقى برقوق إلى أن أعطي إمرة أربعين وكان هو وجماعة من إخوته في خدمة اينبك شم لما قام طلعتمر على اينبك وقبض عليه ركب بركة وبرقوق ومن تابعهما على المذكور وأقاما طشتمر العلائي مدبرا للملكة اتابكا واشتهروا في خدمته إلى أن قام عليه مماليكه في أواخر سنة تسع وسبعين فآل الأمر إلى استقلال بركة وبرقوق في تدبير المملكة بعض القبض على طشتمر فلم تطل الأيام حتى اختلفا وتباينت أغراضهما وقد سكن برقوق في الاصطبل السلطاني وأول شيء صنعه أن قبض على ثلاثة من أكابر الأمراء كانوا من أتباع بركة فبلغه ذلك فركب على برقوق ودام الحرب بينهما أياما إلى أن قبض على بركة وسجنه بالأسكندرية وانفرد برقوق بتدبير المملكة إلى أن دخل شهر رمضان سنة أربع وثمانين تم له الأمر استقلالا بالملك فجلس على تخت الملك ولقب الملك الظاهر وبايعه الخليفة وهو المتوكل محمد بن المعتضد والقضاة والأمراء ومن تبعهم وخلعوا الصالح حاجي بن الأشرف وأدخل به إلى دور أهله بالقلعة واستمر في الملك إلى وفاته وجرت عليه أتعاب وكان شهما شجاعا ذكيا خبيرا بالأمور عارفا بالفروسية خصوصا اللعب بالرمح يحب الفقراء ويتواضع لهم ويتصدق كثيرا ولا سيما إذا مرض وأبطل في ولايته كثيرا من المكوس وضخم ملكه حتى خطب له على منابر توريز وضربت الدنانير والدراهم فيها باسمه وعلى منابر ماردين والموصل وسنجار وغير ذلك وكان جهوري 7 الصوت كبير اللحية واسع العينين محبا لجمع المال طماعا جدا ومن آثاره المدرسة القائمة بين القصرين بالقاهرة لم يتقدم بناء مثلها وعمل جسر الشريعة وانتفع به المسافرون كثيرا وفي ذلك يقول شمس الدين محمد المزين
( بنى سلطاننا للناس جسرا
بأمر والوجوه له مطيعه )
( مجازا في الحقيقة للبرايا
وأمرا بالسلوك على الشريعة )
وبالجملة فإنه كان أعظم ملوك الجراكسة بلا مدافعة بل المتعصب يقول أنه أعظم ملوك الترك قاطبة وتوفي على فراشه ليلة نصف شوال بالقاهرة عن نحو ستين سنة وترك من الذهب العين ألفي ألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار ومن الأثاث وغيره ما قيمته ألف ألف دينار وأربعمائة ألف دينار قاله المقريزي وعهد بالسلطنة إلى ابنه فرج وله يومئذ عشر سنين
وفيها الشيخ الصالح عبد الله بن سعد بن عبد الكافي المصري ثم المكي المعروف بالحرفوش صاحب كتاب الحريفيش في الوعظ كان رجلا عالما زاهدا صوفيا واعظا مشهورا بالخير وللناس فيه اعتقاد زائد ويخبر بأشياء فتقع كما يقول وجاور بمكة أكثر من ثلاثين سنة ومات في أول هذه السنة
وفيها ست القضاة بنت عبد الوهاب بن عمر بن كثير ابنة أخي الحافظ عماد الدين حدثت بالإجازة عن القسم بن عساكر وغيره من شيوخ الشام وعن علي الواني وغيره من شيوخ مصر وخرج لها صلاح الدين أربعين حديثا عن شيوخها وتوفيت في جمادى الآخرة وقد جاوزت الثمانين
وفيها صفية بنت القاضي عماد الدين إسمعيل بن محمد بن العز الصالحية ولي أبوها القضاء وحدثت هي بالإجازة عن الحجار وأيوب الكحال وغيرهما وسمعت من عبد القادر الأيوبي وماتت في المحرم
وفيها جمال الدين عبد الله بن شهاب الدين أحمد بن صالح بن أحمد بن خطاب الزهري الشافعي ولد في جمادى الآخرة سنة تسع وستين وحفظ التمييز وأذن 8 له أبوه في الافتاء ودرس بالقليجية وغيرها وناب في الحكم وكان عالي الهمة توفي في المحرم
وفيها جمال الدين عبد الله بن أبي عبد الله السكوني بفتح السين المهملة وضم الكاف وفي آخره نون نسبة إلى سكون بطن من كندة المالكي أحد المدرسين في مذهبه كان بارعا في العلم مع الدين والخير ودرس بالأشرفية وتوفي في ربيع الآخر
وفيها عبد الرحمن بن أحمد بن الموفق إسمعيل بن أحمد الصالحي المعروف بابن الذهبي الحنبلي ناظر المدرسة الصلاحية بالصالحية حدث عن ابن أبي التايب ومحمد بن أيوب بن حازم وزينب بنت الكمال وأجاز له الحجار وأجاز هو للشهاب بن حجر وقال بلغني أنه تغير بآخره ولم يحدث في حال تغيره وتوفي في جمادى الأولى وقد جاوز السبعين
وفيها صدر الدين عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن داود الكفري الشافعي عنى بالفقه وناب في الحكم في دمشق ومات بها في المحرم عن أربعين سنة وكانت له همة في طلب الرياسة قاله ابن حجر
وفيها عبد الرحمن بن موسى بن راشد بن طرخان الملكاوي ابن أخي الشيخ شهاب الدين الشافعي اشتغل بالفقه وحفظ المنهاج ونظر في الفرائض واعترته في آخر أمره غفلة وكان مع ذلك حافظا لأمره وتوفي في المحرم ولم يكمل الخمسين
وفيها علي بن أحمد بن الأمير بيبرس الحاجب المعروف بأمير علي بن الحاجب المقرىء تلا بالسبع وكان حسن الأداء مشهورا بالمهارة في العلاج يقال عالج بمائة وعشرة أرطال مات في ربيع الآخر وقد شاخ قاله ابن حجر
وفيها علي بن أيبك بن عبد الله الدمشقي الشاعر اشتهر بالنظم وكان له إلمام بالتاريخ وعلق تاريخا لحوادث زمانه ومن شعره
( كأن الراح لما راح يسعى
بها في الراح مياس القوام ) 9
( سنا المريخ في كف الثريا
يحيينا به بدر التمام )
ومنه
( مليح قام يجذب غصن بان
فمال الغصن منعطفا عليه )
( وميل الغصن نحو أخيه طبع
وشبه الشيء منجذب إليه )
وأجاز ابن حجر العسقلاني وتوفي في ثاني عشر ربيع الأول عن اثنتين وسبعين سنة
وفيها عمر بن سراج الدين عبد اللطيف بن أحمد المصري الفيومي الشافعي نزيل حلب تفقه بالقاهرة على السراج البلقيني وغيره ثم رحل إلى حلب فولي بها قضاء العسكر ثم عزل وكان فقيها بارعا في الفرائض مشاركا في بقية العلوم وله نثر ونظم وخمس البردة ومن شعره
( دع منطقا فيه الفلاسفة الأولى
ضلت عقولهم ببحر مغرق )
( واجنح إلى نحو البلاغة واعتبر
أن البلاء موكل بالمنطق )
ومنه فيما يحيض من الحيوان الناطق وغيره
( المرأة والخفاش ثم الأرنب
والضبع الرابع ثم المراب )
وفي كتاب الحيوان يذكر للحاحظ أنقل عنه ما لا ينكر قتل في أواخر المحرم في خان غباغب خارج دمشق وهو قاصد للديار المصرية
وفيها قنبر بن عبد الله العجمي الشرواني الأزهري الشافعي اشتغل في بلده وقدم الديار المصرية فأقام بالجامع الأزهر وكان معرضا عن الدنيا قانعا باليسير يلبس صيفا وشتاء قميصا ولبادا وعلى رأسه كوفية لبد لا غير وكان لا يتردد إلى أحد ولا يسأل من أحد شيئا وإذا فتح عليه بشيء ما أنفقه على من حضر وكان يحب السماع والرقص ويتنزه في أماكن النزهة على هيئته ومهر في الفنون العقلية وتصدر بالجامع الأزهر واشتغل وكان حسن التقرير جيد التعليم قال ابن حجر اجتمعت به مرارا وسمعت درسه وكان يذكر بالتشيع وشوهد مرارا 10 يمسح على رجليه من غير خف وتوفي في شعبان
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي العز بن أحمد بن أبي العز بن صالح بن وهب الأذرعي الأصل الدمشقي الحنفي المعروف بابن النشو ولد سنة إحدى وعشرين وأسمع من الحجار وإسحق الآمدي وعبد القادر بن الملوك وغيرهم وحدث وكان أحد العدول بدمشق وتوفي في صفر
وفيها شرف الدين أبو بكر محمد بن عمر العجلوني نزيل حلب المعروف بابن خطيب سرمين أصله من عجلون ثم سكن أبوه عزاز وولي خطابة سرمين وقرأ المترجم بحلب على الباريني وسمع من ابن العجمي وغيره ووعظ على الكرسي بحلب وحج وجاور بمكة مرارا وسمع منه في مجاورته في هذه السنة ابن حجر وكتب هو عن أبي عبد الله بن جابر الأعمى المغربي قصيدته البديعة وحدث بها عنه وسمعها منه ابن حجر وتوفي بمكة في سادس عشر صفر
وفيها بدر الدين محمد بن أحمد بن موسى الدمشقي الرشادي الفقيه الشافعي اشتغل كثيرا ونسخ بخطه الكثير ودرس بالعصرونية وكان منجما قليل الشر أفتى ودرس وتوفي في ربيع الأول وقد جاوز الأربعين
وفيها الملك المنصور محمد بن الملك المظفر حاجي بن الناصر محمد بن قلاوون الصالحي ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة وولي السلطنة عبد عمه الناصر حسن في جمادى الأولى سنة اثنتين وستين ودبر دولته يلبغا وسافر معه إلى الشام وكان عمره إذ ذاك نحو خمس عشرة سنة فترعرع بعد أن رجع من السفر وكثر أمره ونهيه فخشي يلبغا منه فأشاع أنه مجنون وخلعه من السلطنة في شعبان سنة أربع وستين فكانت مدة سلطنته ثلاث سنين وشهرين وخمسة أيام واعتقل بالحوش في المكان الذي به ذرية الملك الناصر إلى أن مات في تاسع محرم هذه السنة وخلف عشرة أولاد وقرر لهم الملك الظاهر مرتبا
وفيها نسيم الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد بن مسعود بن محمد بن علي النيسابوري 11 ثم الكازروني الفقيه الشافعي نشأ بكازرون وكان يذكر أنه من ذرية أبي علي الدقاق وأنه ولد سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وأن المزي أجاز له واشتغل بكازرون على أبيه وبرع في العربية وشارك في الفقه وغيره مشاركة حسنة مع عبادة ونسك وخلق رضي وحج وأقام بمكة مدة طويلة ثم حج سنة اثنتين وثمانين وجاور بمكة أيضا نحو ست عشرة سنة وكان حسن التعليم غاية في الورع وانتفع به أهل مكة وغيرهم قال السيوطي وروى لنا عنه جماعة من شيوخنا المكيين وتوفي ببلده في هذه السنة
وفيها أمين الدين محمد بن علي بن عطا الدمشقي كان فاضلا فارعا في التصوف والعقليات درس بالأسدية وكان يسجل على القضاة وإليه النظر على وقف جده الصاحب شهاب الدين بن تقي الدين مات في ذي الحجة
وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن علي بن ضرغام بن عبد الكافي البكري بن سكر بضم المهملة وتشديد الكاف الحنفي المصري نزيل مكة ولد سنة ثمان عشرة وسبعمائة وطلب الحديث والقراءات وسمع ما لا يحصى ممن لا يحصى وجمع شيئا كثيرا بحيث كان لا يذكر له جزء حديثي إلا ويخرج سنده من ثبته عاليا أو نازلا وذكر أن سبب كثرة مروياته وشيوخه أنه كان إذا قدم الركب مكة طاف على الناس في رحالهم ومنازلهم يسأل من له رواية أو حظ من علم فيأخذ عنه مهما استطاع وكتب بخطه ما لا يحصى من كتب الحديث والفقه والأصول والنحو وغيرها وخطه رديء وفهمه بطيء وأوهامه كثيرة قال ابن حجر سمعت منه بمكة وقد أقرأ القراءات بها وتغير بآخره تغيرا يسيرا وكان ضابطا للوفيات محبا للمذاكرة مات في صفر انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن يعقوب الشافعي النابلسي الأصل نزيل حلب ولد سنة بضع وخمسين وسبعمائة وكان فقيها مشاركا في العربية والميقات وحفظ أكثر المنهاج والتمييز للمازري وأكثر الحاوي والعمدة والشاطبية 12 والتسهيل ومختصر ابن الحاجب ومنهاج البيضاوي وغيرها وكان يكرر عليها قال البرهان المحدث بحلب كان سريع الإدراك محافظا على الطهارة سليم اللسان صحيح العقيدة لا أعلم بحلب أحدا من الفقهاء على طريقته مات في تاسع عشر ربيع الآخر
وفيها بدر الدين محمد بن جمال الدين محمد بن أحمد بن طوق الطواويسي الكاتب سمع بعناية زوج أخته الحافظ شمس الدين الحسيني من أصحاب الفخر وغيرهم وحدث عن زينب بنت الخباز وغيرها وأجاز له جماعة وباشر ديوان الإنشاء مع الشهرة بالأمانة وتوفي في آخر ذي الحجة وقد قارب التسعين
وفيها بدر الدين محمود بن عبد الله الكلستاني نسبة إلى الكلستان لأنه كان في مبدأ أمره يقرأ كتاب سعد العجمي المعروف بالكلستاني السرائي نسبة إلى مدينة من مدن الدشت الحنفي كاتب السر بالديار المصرية اشتغل ببلاده ثم ببغداد وقدم دمشق خاملا ثم قدم مصر فحصل هل نوع يسر وظهور لقربه عند الجوباني فلما ولي نيابة الشام قدم معه وولي تدريس الظاهرية ثم ولي مشيخة الأسدية بعد الياسوفي وأعطى تصدير الجامع الأموي ثم رجع إلى مصر فأعطاه الظاهر وظائف كانت لجمال الدين محمود القشيري فلما رضي عن جمال الدين استعاده بعضها منها تدريس الشيخونية ثم لما سار السلطان إلى حلب احتاج إلى من يقرأ له كتابا بالتركي ورد عليه من اللنك فلم يجد من يقرؤه فاستدعى به وكان قد صحبهم في الطريق فقرأه وكتب الجواب فأجاد فأمره السلطان أن يكون صحبته إلى أن ولاه كتابة السر وباشرها بحشمة ورياسة وكان يحكي عن نفسه أنه أصبح ذلك اليوم لا يملك الدرهم الفرد فما أمسى ذلك اليوم إلا وعنده من الخيل والبغال والجمال والمال والمماليك والملبوس والآلات ما لا يوصف كثرة وكان حسن الخط جدا مشاركا في النظم والنثر والفنون مع طيش وخفة وتوفي في خامس جمادى الأولى وخلف أموالا جمة يقال أنها 13 وجدت بعده مدفونة في كراسي المستراح قاله ابن حجر
سنة اثنتين وثمانمائة
في آخر شوال وقع بالحرم المكي حريق عظيم أتى على نحو ثلثه واحترق من العمد الرخام مائة وثلاثون عمودا صارت كلسا والذي احترق من باب العمرة إلى باب حزورة
وفيها توفي إبراهيم بن عبد الرحمن بن سليمان السرائي الشافعي قدم القاهرة وولي مشيخة الرباط بالبيرسية وكان يعرف بإبراهيم شيخ واعتنى بالحديث كثيرا ولازم الشيخ زين الدين العراقي وحصل النسخ الحسنة واعتنى بضبطها وتحسينها وكان يحفظ الحاوي ويدرس غالبه مع الخير والدين ومن لطائف قوله كان أول خروج تمرلنك في سنة عذاب يشير أن ظهوره سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة وكان يحسن عمل صنائع عديدة مع الدين والصيانة وتوفي في ربيع الأول
وفيها إبراهيم بن محمد بن عثمان بن إسحق الدجوي بضم الدل المهملة وسكون الجيم وبالواو نسبة إلى دجوة قرية على شط النيل الشرقي على بحر رشيد ثم المصري النحوي قال ابن حجر أخذ عن الشهاب بن المرحل والجمال ابن هشام وغيرهما ومهر في العربية وأشغل الناس فيها وكان جل ما عنده حل الألفية وفيه دعابة مات في ربيع الأول وقد بلغ الثمانين
وفيها برهان الدين أبو محمد إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي الشافعي نزيل القاهرة ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة وسمع من الوادي آشي وأبي الفتح الميدومي ومغلطاي وبه تخرج وغيرهم واشتغل في الفقه والحديث والأصول والعربية وتفقه بالأسنوي والمنفلوطي وغيرهما ودرس بعدة أماكن واتخذ بظاهر القاهرة مدرسة فأقام بها يحسن إلى الطلبة ويجمعهم على الفقه ورتب 14 لهم ما يأكلون وسعى لهم في الأرزاق حتى صار كبار الطلبة بالقاهرة من تلامذته وممن أخذ عنه الفقه ابن حجر العسقلاني وكان متقشفا عابدا طارحا للتكلف وعين للقضاء فتوارى وتفاءل بالمصحف فخرج له (
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ) الآية ولم يزل على طريقته الحسنة إلى حج فتوفي راجعا في المحرم ودفن بعيون القصب ورثاه الزين العراقي بأبيات دالية
وفيها القاضي برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن قاضي القضاة نصر الله ناصر الدين أبي الفتح بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح بن هاشم بن نصر الله بن أحمد العسقلاني الأصل ثم المصري الكناني الحنبلي الإمام العالم ولد في رجب سنة ثمان وستين وسبعمائة وأخذ العلم عن أبيه وغيره ونشأ على طريقة حسنة وناب عن والده ثم استقل بالقضاء في الديار المصرية بعد وفاة والده في شعبان سنة خمس وتسعين وسلك مسلك والده في العقل والمهابة والحرمة وكان الظاهر برقوق يعظمه قال ابن حجر كان خيرا صينا وضيء الوجه ولم يزل على ولايته إلى أن توفي يوم السبت تاسع ربيع الأول ودفن عند والده بتربة القاضي موفق الدين وهو والد قاضي القضاة عز الدين الكناني
وفيها جلال الدين أحمد بن نظام الدين إسحق بن مجد الدين محمد بن أسعد الدين عاصم الأصبهاني الحنفي المعروف بالشيخ اصلم ولد في حدود الستين وسبعمائة ونشأ بالقاهرة وتفقه بوالده وغيره وولي مشيخة سرياقوس وسار فيها سيرة جيدة إلى الغاية وكان جميلا فصيحا مهابا بهيا وله فضل وافضال ومكارم وكان له خصوصية عند الملك الظاهر برقوق أولا ثم تنكر له وعزله عن مشيخة سرياقوس ثم أعيد إليها بعد موته إلى أن مات قال العيني كان ينسب إلى معرفة علم الحرف وليس بصحيح وكان يجمع من أموال الخانقاه ويطعم 15 الناس من غير استحقاق وكان يجمع في مجلسه ناسا أراذل وأصحاب ملاهي انتهى وتوفي بالخانقاه المذكورة خامس عشرى ربيع الآخر
وفيها أبو الخير أحمد بن خليل بن كيكلدي العلائي المقدسي قال ابن حجر سمع بإفادة أبيه من الكبار كالحجار وغيره من المسندين والمزي وغيره من الحفاظ بدمشق ورحل به إلى القاهرة فأسمعه من أبي حيان ومن عدة من أصحاب النجيب وسكن بيت المقدس إلى أن صار من أعيانه وكانت الرحلة في سماع الحديث بالقدس إليه فحدث بالكثير وظهر له في أواخر عمره سماع ابن ماجه على الحجار رحلت إليه من القاهرة بسببها في هذه السنة فبلغني وفاته وأنا بالرملة فعرجت عن القدس إلى الشام وكان موته في ربيع الأول وله ست وسبعون سنة وقد أجاز لي غير مرة انتهى
وفيها أحمد بن عبد الخالق بن محمد بن خلف الله المجاصي بفتح الميم والجيم مخففا إحدى قرى العرب وكان شاعرا ماهرا طاف البلاد وتكسب بالشعر وله مدايح وأهاجي كثيرة مات بالقاهرة في ربيع الآخر وقد ناهز الثمانين
وفيها جمال الدين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن يوسف الدمشقي الحنفي المعروف بابن عبد الحق ويعرف قديما بابن قاضي الحصن وعبد الحق هو جده لأمه وهو ابن خلف الحنبلي سمع الكثير بإفادة جده لأمه من محمد بن أبي النايب وعائشة بنت المسلك الحرانية والمزي وخلق كثير من أصحاب ابن عبد الدايم قال ابن حجر سمعت عليه كثيرا وكان قد تفرد بكثير من الروايات وكان عسرا في التحديث مات في ثاني ذي الحجة وقد جاوز السبعين
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة المقدسي الحنبلي قال ابن حجر سمع من العز محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر وغيره ولي منه إجازة وتوفي في المحرم وله إحدى وستون سنة 16
وفيها أبو طاهر أحمد بن محمد الأخوي الخجندي الحنفي نزيل المدينة الإمام العلامة حدث بجزء عن عز الدين بن جماعة وأشغل الناس بالمدينة أربعين سنة وانتفع به لدينه وعلمه وتوفي وقد جاوز الثمانين
وفيها القاضي مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم بن محمد بن علي بن موسى قاضي القضاة الكناني البلبيسي الحنفي قاضي مصر ولد ليلة السابع من شعبان سنة تسع وعشرين وسبعمائة وسمع من عبد الرحمن بن عبد الهادي وعبد الرحمن بن الحافظ المزي وصدر الدين الميدومي وخلائق وتفقه فبرع في الفقه والأصلين والفرائض والحساب والأدب وشارك في عدة علوم كالحديث والنحو والقراءات وباشر في مبدأ أمره توقيع الحكم مدة طويلة ثم ولي نيابة الحكم بالقاهرة مرارا ثم استقل بقضاء قضاة الحنفية بها وكان إماما بارعا متفننا فكه المحاضرة بهج الزي له يد في النظم والنثر وله ديوان شعر في مجلد منه
( إن كنت يوما كاتبا رقعة
تبغي بها نجح وصول الطلب )
( إياك أن تغرب ألفاظها
فتكتسي حرفة أهل الأدب )
ومنه
( لا تحسبن الشعر فضلا بارعا
ما الشعر إلا محنة وخبال )
( فالهجو قذف والرثاء نياحة
والعتب ضغن والمديح سؤال )
قال المقريزي وشعره كثير وأدبه غزير وفضله جم غير يسير ولقد صحبته مدة أعوام وأخذت عنه فوائد وكان لي به أنس وللناس بوجوده جمال إلا أنه امتحن بالقضاء في دنياه كما امتحن به ابن ميلق في دينه وكان في ولايتهما كما قال الآخر
( تولاها وليس له عدو
وفارقها وليس له صدوق )
انتهى وتوفي في أول ربيع الأول
وفيها بركة بنت سليمان بن جعفر الأسنائي زوج القاضي تقي الدين 17 الأسنائي سمعت علي عبد الرحمن بن عبد الهادي وحدثت وماتت في سلخ المحرم
وفيها خديجة بنت العماد أبي بكر بن يوسف بن عبد القادر الجينية ثم الصالحية قاله ابن حجر روت عن عبد الله بن قيم الضيائية وماتت في أواخر السنة ولي منها إجازة
وفيها سليمان بن أحمد بن عبد العزيز الهلالي المغربي ثم المدني المعروف بالسقا قال ابن حجر سمع من محمد بن علي الجزري وفاطمة بنت العز إبراهيم وابن الخباز وغيرهم وحدث سمعت منه بالمدينة الشريفة وكان باشر أوقاف الصدقات بالمدينة وسيرته مشكورة ثم أضر بآخره ومات في أواخر هذه السنة وقد ناهز الثمانين انتهى
وفيها سراج الدين عبد اللطيف بن أحمد الفوي الشافعي نزيل حلب ولد سنة أربعين وسبعمائة تقريبا وقدم القاهرة واشتغل بالفقه على الأسنوي وغيره وأخذ الفراض عن صلاح الدين العلائي فمهر فيها ثم دخل حلب فولي قضاء العسكر ثم عزل ثم ولي تدريس الظاهرية ثم نوزع في نصفها وكان يقرىء في محراب الجامع الكبير ويذكر الميعاد بعد صلاة الصبح في محراب الحنابلة وكان ماهرا في علم الفرائض مشاركا في غيرها وله نظم ونثر ومجاميع طارح الشيخ زاده لما قدم عليهم بنظم ونثر فأجابه ولم يزل مقيما بحلب إلى أن خرج منها طالبا القاهرة فلما وصل خان غباغب أصبح مقتولا وذهب دمه هدرا
وفيها عبد اللطيف بن أبي بكر بن أحمد بن عمر الشرجي بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها جيم نزيل زبيد كان عارفا بالعربية مشاركا في الفقه ونظم مقدمة ابن بابشاذ في ألف بيت وشرح ملحة الأعراب وله تصنيف في النجوم قال ابن حجر كان حنفي المذهب اجتمعت به بزبيد وسمع علي شيئا من الحديث وكان السلطان الأشرف يشتغل عليه وأنجب ولده أحمد انتهى
وفيها عبد المنعم بن عبد الله المصري الحنفي اشتغل بالقاهرة ثم قدم حلب 18 فقطنها وعمل المواعيد وكان يحفظ ما يلقيه في الميعاد دائما من مرة أو مرتين شهد له بذلك البرهان المحدث قال وكان يجلس مع الشهود ثم دخل إلى بغداد فأقام بها ثم عاد إلى حلب فمات بها في ثالث صفر
وفيها علاء الدين علي بن محمود بن أبي بكر بن إسحق بن أبي بكر بن سعد الدين بن جماعة الكناني الحموي بن القباني اشتغل بحماة قدم دمشق في حدود الثمانين وسبعمائة وولي إعادة البادرائية ثم تدريسها عوضا عن شرف الدين الشريشي وكان ربما أم وخطب بالجامع الأموي وكان يفتي ويدرس ويحسن المعاشرة وكان طويلا بعيد ما بين المنكبين حج مرارا وجاور وتوفي في ذي القعدة وقد شارك علاء الدين بن مقلى قاضي حماة في اسمه واسم أبيه وجده ونسبه حمويا وليس هو ابن مغلى فليعلم
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي الفتح بن إدريس الدمشقي بن الساج أخو المحدث عماد الدين سمع من الحجار الصحيح ومن محمد بن حازم والمزي والبرزالي والجزري وغيرهم وتوفي في رجب وقد قارب الثمانين
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن محمد المعري ويعرف بابن شيخ السنيين الحنفي برع في المذهب ودرس وأفتى وناب في الحكم وأحسن في إيراد مواعيده بجامع الحاكم وكتب الخط الحسن وخرج الأربعين النووية وجمع مجاميع مفيدة وتوفي في سلخ صفر في الأربعين وتأسف الناس عليه
وفيها أبو السعود محمد بن حسين بن علي بن أحمد بن عطية بن ظهيرة المخزومي المكي الشافعي ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة واشتغل بالفقه والفرائض ومهر فيها وناب في الحكم عن صهره القاضي شهاب الدين وهو والد أبي البركات وتوفي في صفر
وفيها محمد بن عبد الله بن نشابة الحرض بفتح المهملتين ومعجمة ثم العريشي بعين مهملة وراء وشين معجمة نسبة إلى قرية يقال لها عريش من عمل حرض 19 وحرض آخر بلاد اليمن من جهة الحجاز بينها وبين جلا مفازة كان عمد المذكور فقيها شافعيا ذكره ابن الأهدل في ذيل تاريخ الحميدي
وقال خلفه ولده عبد الرحمن وكان مولده سنة أربع وسبعين وتفقه بأبيه وبأحمد مفتي مور وذكر أنه اجتمع به بعد الثلاثين وثمانمائة بأبيات حسين وهو مفتي بلده ومدرسها وينوب في الحكم انتهى ملخصا
وفيها بدر الدين محمد بن عسال الدمشقي الشافعي ولد قبل الخمسين وسبعمائة وتفقه بالسراج البلقيني وأجازه بالإفتاء وشهد عند الحكام وولي قضاء بعلبك عن البرهان بن جماعة ثم ولي قضاء حمص وتوفي في ربيع الأول
وفيها شمس الدين محمد بن جمال الدين عمر بن إبراهيم بن العجمي الحلبي الشافعي ولد سنة أربع وثلاثين وسبعمائة واشتغل في شبيبته وحفظ الحاوي ونزل في المدارس وجلس مع الشهود ثم ولي بعض المدارس بعد والده ونازعه الأذرعي ثم الفوي ثم استقر ذلك بيده وكان سمع المسلسل بالأولية من الشيخ تقي الدين السبكي ومن محمد بن يحيى بن سعد وحدث به عنهما وله إجازة حصلها له أبوه فيها المزي وتلك الطبقة ولكنه لم يحدث بشيء منها وكان سليم الفطرة نظيف اللسان خيرا لا يغتاب أحدا رحمه الله
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن علي بن عبد الرزاق الغماري ثم المصري المالكي قال ابن حجر أخذ العربية عن أبي حيان وغيره وسمع الكثير من مشايخ مكة كاليافعي والفقيه خليل وسمع بالأسكندرية من النويري وابن طرخان وحدث بالكثير وكان عارفا باللغة العربية كثير المحفوظ للشعر لا سيما الشواهد قوى المشاركة في فنون الأدب تخرج به الفضلاء وقد حدثنا بسماعه من أبي حيان عن ناظمها وأجاز لي غير مرة وقال السيوطي في طبقات النحاة تفرد على رأس الثمانمائة خمسة علماء بخمسة علوم البلقيني بالفقه والعراقي بالحديث والغماري هذا بالنحو والشيرازي صاحب القاموس باللغة ولا استحضر الخامس 20 انتهى وتوفي في شعبان عن اثنتين وثمانين سنة
وفيها نجم الدين محمد بن محمد بن عبد الدايم الباهي نسبة إلى باهة بالموحدة التحتية قرية من قرى مصر من الوجه القبلي المصري الحنبلي قال ابن حجر اشتغل كثيرا وسمع من شيوخنا ونحوهم وعنى بالتحصيل ودرس وأفتى وكان له نظر في كلام ابن عربي فيما قيل انتهى وقال ابن حجي كان أفضل الحنابلة بالديار المصرية وأحقهم بولاية القضاء توفي في شعبان عن ستين سنة
وفيها محمد بن محمد بن محمد بن عثمان الغلفي بضم المعجمة وسكون اللام ثم فاء بن شيخ المعظمية قال ابن حجر سمع الحجار وحضر على إسحق الآمدي وأجاز له أيوب الكحال وغيره وأجاز لي غير مرة وتوفي في جمادى الآخرة
وفيها محمد بن محمد الجريدي القيرواني تفقه ثم تزهد وانقطع وظهرت له كرامات وكان يقضي حوائج الناس وكان ورعه مشهورا وحج سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة فجاور بمكة إلى أن مات
وفيها مقبل بن عبد الله الرومي الشافعي عتيق الناصر حسن طلب العلم واشتغل في الفقه وتعمق في مقالة الصوفية الاتحادية وكتب الخط المنسوب إلى الغاية وأتقن الحساب وغيره ومات في أوائل السنة وقد جاوز الستين قاله ابن حجر
وفيها ملكة بنت الشريف عبد الله بن العز إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر المقدسي الصالحي قال ابن حجر أحضرت على الحجار وعلى محمد بن الفخر البخاري وعلى أبي بكر بن الرضي وزينب بنت الكمال وغيرهم وأجاز لها ابن الشيرازي وابن عساكر وابن سعد وإسحق الآمدي وغيرهم وحدثت بالكثير وأجازت لي وتوفيت في تاسع عشر جمادى الأولى وقد جاوزت الثمانين
وفيها عز الدين يوسف بن الحسن بن الحسن بن محمود السراي ثم التبريزي الحلاوي الحنفي ظنا ويعرف بالحلوائي أيضا قال في تاريخ حلب قال ولده بدر 21 الدين لما قدم علينا ولد أي صاحب الترجمة سنة ثلاثين وسبعمائة وأخذ عن العضد وغيره ورحل إلى بغداد فقرأ على الكرماني ثم رجع إلى تبريز فأقام بها ينشر العلم ويصنف إلى أن بلغه أن ملك الدعدع قصد تبريز لكون صاحبها أساء السيرة مع رسول أرسله إليه في أمر طلبه منه وكان الرسول جميل الصورة إلى الغاية فتولع به صاحب تبريز فلما رجع إلى صاحبه أعلمه بما صنع معه وأنه اغتصبه نفسه أياما وهو لا يستطيع الفلت منه فغضب أستاذه وجمع عسكره وأوقع بأهل تبريز فأخربها وكان أول ما نازلها سأل عن علمائها فجمعوا له فآواهم في مكان وأكرمهم فسلم معهم ناس كثير ممن اتبعهم ثم لما نزح عنهم تحول عز الدين إلى ماردين فأكرمه صاحبها وعقد له مجلسا حضره فيه علماؤها مثل شريح والهمام والصدر فأقروا له بالفضل ثم لما ولي إمرة تبريز أمير زاده بن اللنك طلب عز الدين المذكور وبالغ في إكرامه وأمره بالاستقرار عنده فأخبره بما كان شرع في تصنيفه واستعفاه ثم انتقل بآخره إلى الجزيرة فقطنها إلى أن مات بها في هذه السنة ومن سيرته أنه لم تقع منه كبيرة ولما لمس بيده دينارا ولا درهما وكان لا يرى إلا مشغولا بالعلم أو التصنيف وشرح منهاج البيضاوي وعمل حواشي على الكشاف وشرح الأسماء الحسنى قاله ابن حجر
وفيها يوسف بن عثمان بن عمر بن مسلم بن عمر الكتاني بالمثناة الفوقية من الثقيلة الصالحي سمع من الحجار حضورا ومن الشرف بن الحافظ وأحمد بن عبد الرحمن الصرخدي وعائشة بنت مسلم الحرانية وغيرهم وأجاز له الرضى الطبري وهو خاتمة أصحابه وأجاز له أيضا ابن سعد وابن عساكر وآخرون وحدث بالكثير وكان خيرا وأجاز لابن حجر وغيره وتوفي في نصف صفر عن ثلاث وثمانين سنة 22
سنة ثلاث وثمانمائة
دخلت والناس في أمر مزيج من اضطراب البلاد الشمالية بطروق تمرلنك وفيها كائنته بدمشق وما والاها وسيأتي ذلك مفصلا في ترجمته في سنة سبع وثمانائة إن شاء الله تعالى
وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن الشيخ عماد الدين إسمعيل النقيب بن إبراهيم المقدسي النابلسي الحنبلي أقضى القضاة تفقه على جماعة منهم ابن مفلح وكان فقيها جيدا متقنا للفرائض وناب عن قاضي القضاة شمس الدين النابلسي فباشر مباشرة حسنة وله تعليفة على المقنع توفي بالصالحية في خامس رمضان وقد ناهز الستين ودفن بالروضة
وفيها برهان الدين أبو سالم إبراهيم بن محمد بن علي التادلي بالمثناة الفوقية وفتح المهملة نسبة إلى تادلة من جبال البربر بالمغرب المالكي قاضي المالكية بدمشق ولد سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وكان قوي العين مصمما في الأمور ملازما لتلاوة القرآن والأسباع شجاعا جريئا ولي قضاء الشام سنة ثمان وسبعين إلى هذه المدة عشر مرار يتعاقب هو والقفصي وغيره وولي أيضا قضاء حلب وتوفي في جمادى الأولى من جراحات جرحها لما حضر وقعة اللنكية
وفيها برهان الدين وتقي الدين أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن مفلح بن مفرج الراميني الأصل ثم الدمشقي الحنبلي الحافظ شيخ الحنابلة ورئيسهم وقاضي قضاتهم ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة وحفظ كتبا عديدة وأخذ عن جماعة منهم والده وجده قاضي القضاة جمال الدين المرداوي وقرأ على البهاء السبكي واشتغل وأشغل وأفتى ودرس وناظر وصنف وشاع اسمه واشتهر ذكره وبعد صيته ودرس بدار الحديث الأشرفية بالصالحية والصاحبية وغيرهما وأخذ عنه جماعات منهم ابن حجر العسقلاني ومن تصانيفه كتاب 23 فضل الصلاة على النبي وكتاب الملائكة وشرح المقنع ومختصر ابن الحاجب وطبقات أصحاب الإمام أحمد وتلف غالبها في فتنة تيمور وناب في الحكم لابن المنجا وغيره وانتهت إليه مشيخة الحنابلة وكان له ميعاد في الجامع الأموي بمحراب الحنابلة بكرة نهار السبت يسرد فيه نحو مجلد ويحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب ثم ولي القضاء بدمشق ولما وقعت فتنة التتار كان ممن تأخر بدمشق ثم خرج إلى تيمور ومعه جماعة ووقع بينه وبين عبد الجبار المعتزلي امام تيمور مناظرات والزامات بحضرة تمرلنك فأعجبه ومال إليه فتكلم معه في الصلح فأجاب إلى ذلك ثم غدر فتألم صاحب الترجمة إلى أن توفي في يوم الثلاثاء سابع عشرى شعبان ودفن عند رجل والده بالروضة
وفيها عز الدين أبو جعفر أحمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين بن إسحق بن جعفر الصادق بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الحسيني الإسحاقي الحلبي الشافعي الرئيس الجليل نقيب الأشراف ولد سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وسمع من جده لأمه الجمال إبراهيم بن الشهاب محمود والقاضي ناصر الدين بن العديم وغيرهما وأجاز له بمصر أبو حيان والوادي آشي والميدومي وآخرون من دمشق وغيرها واشتغل كثيرا واعتنى بالأدب ونظم الشعر فأجاد قال القاضي علاء الدين كان من حسنات الدهر زهدا وورعا ووقارا ومهابة وسخاء لا يشك من رآه أنه من السلالة النبوية حتى انفرد في زمانه برياسة حلب وتردد إليه القضاة فمن دونهم وحدث بالإجازة من الوادي آشي وأجاز لابن حجر وغيره ومن شعره
( يا رسول الله كن لي
شافعا يوم عرضي )
( فأولو الأرحام نصا
بعضهم أولى ببعض ) 24 وكان تحول في كائنة تيمور إلى تبريز من أعمال حلب بينهما مرحلتان من جهة الفرات فمات بها في رجب ونقل إلى حلب فدفن عند أهله
وفيها أحمد بن آقبرس بن يلغان بن كنجك الخوارزمي ثم الصالحي قال ابن حجر سمع من إسحق بن يحيى الآمدي ومحمد بن عبد الله بن المحب وزينب بنت الكمال أخذت عنه بالصالحية كثيرا وكان خيرا مات في الفتنة انتهى
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن راشد بن طرخان المكاوي الدمشقي الشافعي أقضى القضاة كان أحد العلماء الأئمة المعتبرين اشتغل في الفقه والحديث والنحو والأصول قال الزهري ما في البلد من أخذ العلوم على وجهها غيره وكان ملازما للاشتغال وتخرج به جماعة وناب في القضاء ودرس في الدماغية وناب في الشامية الجوانية وقصد بالفتاوى من سائر الأقطار وكان يكتب عليها كتابة حسنة وخطه جيد كان في ذهنه وقفة وعبارته ليست كقلمه وكان يميل إلى ابن تيمية كثيرا ويعتقد رجحان كثير من مسائله وفي أخلاقه حدة وعنده نفرة من الناس انفصل من الوقعة وهو متألم مع ضعف بدنه السابق وحصل له جوع فمات في رمضان وهو في عشر السبعين ظنا ودفن بمقبرة باب الفراديس بطرفها الشمالي من جهة الغرب قاله ابن قاضي شهبة
وفيها أحمد بن ربيعة المقرىء أحد المجودين للقراءة والعارفين بالعلل أخذ عن ابن اللبان وغيره وانتهت إليه رياسة هذا الفن بدمشق ومع ذلك كان عاملا لمعاناة ضرب المندل واستحضار الجن توفي في شعبان وقد جاوز السبعين
وفيها القاضي شهاب الدين أحمد بن عبد الله النحريري المالكي قدم القاهرة وهو فقير جدا فاتشغل وأقرأ الناس في العربية ثم ولي قضاء طرابلس فسار إليها ونالته محنة من منطاش ضربه فيها وسجنه بدمشق فلما فر منطاش رجع 25 إلى القاهرة وقد تمول فسعى إلى أن ولي قضاء المالكية في محرم سنة أربع وتسعين فلم تحمد سيرته فصرف في ذي القعدة منها واستمر إلى أن مات معزولا في رجب
وفيها سعد الدين أحمد بن عبد الوهاب بن داود بن علي المحمدي القوصي ولد بقوص وتفقه ثم دخل القاهرة واشتغل ثم دخل الشام فأقام بها ثم دخل العراق فأقام بتبريز وأصبهان ويزد وشيراز ثم استمر مقيما بشيراز بالمدرسة البهائية إلى أن مات في ربيع الآخر
وفيها أحمد بن علي بن يحيى بن تميم الحسيني الدمشقي وكيل بيت المال بها سمع الكثير من الحجار وابن تيمية والمزي وغيرهم وولي نظر المارستان النوري قديما ووكالة بيت المال ونظر الأوصياء وكان مشكورا في مباشراته ثم ترك ذلك وانقطع في بيته يسمع الحديث إلى أن مات قال ابن حجر قرأت عليه كثيرا فكان ناصر الدين بن عدنان يطعن في نسبه مات في ربيع الآخر وله سبع وثمانون سنة واستراح من رعب الكائنة العظمى
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عمر الأيلي الفارسي نزيل بيت المقدس ثم الرملة يلقب زغلش بزاي أوله ومعجمتين بينهما لام الحنبلي ويعرف بابن العجمي وبابن المهندس سمع من ابن الميدومي فمن بعده بالقدس والشام ثم طلب بنفسه وحصل كثيرا من الأجزاء والكتب وتمهر ثم افتقر قال ابن حجر سمعت منه بالرملة فوجدته حسن المذاكرة لكنه عانى الكدية واستطابها وصار زري الملبس والهيئة سمعت منه في ثاني عشر رمضان سنة اثنتين وثمانمائة وقد سمع أبوه من الفخر علي وحدث ومات شهاب الدين هذا في وسط السنة وتمزقت كتبه مع كثرتها انتهى
وفيها موفق الدين أبو العباس أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح بن هاشم بن نصر الله بن أحمد الكناني الحنبلي العسقلاني قاضي الحنابلة 26 بالديار المصرية استقر فيها بعد موت أخيه برهان الدين في يوم الإثنين ثامن عشر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانمائة وتفقه على والده وعلى الشيخ مجد الدين سالم وقرأ العربية على البرهان الواحدي وسمع الحديث من والده وابن الفصيح وأجاز له ابن أميلة وغيره ولم يحدث وكان حسن الذات جميل الصفات كثير الحياء حسن السيرة وتوفي بمصر في حادي عشر رمضان عن أربع وثلاثين سنة
وفيها جلال الدين أسعد بن محمد بن محمود الشيرازي الحنفي قدم بغداد صغيرا فاشتغل على الشيخ شمس الدين السمرقندي والشمس الكرماني وقرأ عليه صحيح البخاري أكثر من عشرين مرة وجاور معه بمكة سنة خمس وسبعين وكان يقرىء ولديه ويشغلهما ويشغل في النحو والصرف وغيرهما ودرس وأعاد وحدث وأفاد وكانت عنده سلامة باطن ودين وتعفف وتواضع ويكتب خطا حسنا كتب البخاري في مجلد وأخرى في مجلدين وكتب الكشاف والبيضاوي وغير ذلك وولي آخر إمامة السميساطية بدمشق ومات بها في جمادى الآخرة وقد جاوز الثمانين
وفيها الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل عباس بن المجاهد علي بن المؤيد داود بن المظفر عمر بن المنصور علي بن رسول اليمني ممهد الدين قال ابن حجر التركماني الأصل ولي السلطنة بعد أبيه فأقام بها خمسا وعشرين سنة وكان في ابتداء أمره طائشا ثم توقر وأقبل على العلم والعلماء وأحب جمع الكتب وكان يكرم الغرباء ويبالغ في الإحسان إليهم امتدحته لما قدمت بلده فأثابني أحسن الله جزاءه توفي في ربيع الأول بمدينة تعز ودفن بمدرسته التي أنشأها بها ولم يكمل الستين انتهى
وفيها إسماعيل بن عبد الله المغربي المالكي نزيل دمشق كان بارعا في مذهبه وناب في الحكم وأفتى وتفقه به الشاميون ومات في شعبان عن نحو سبعين 27 سنة وقد ضعف بصره
وفيها عماد الدين أبو بكر إبراهيم بن العز محمد بن العز إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر المقدسي ثم الصالحي الحنبلي المعروف بالفرائضي سمع الكثير على الحجار وابن الزراد وغيرهما وأجاز له أبو نصر بن الشيرازي والقسم بن عساكر
وآخرون قال ابن حجر أكثرت عليه وكان قبل ذلك عسرا في التحديث فسهل الله تعالى له خلقه مات عام الحصار عن نحو ثمانين سنة انتهى
وفيها شرف الدين أبو بكر بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الحموي الأصل ثم المصري الشافعي سمع الكثير من جده والميدومي ويحيى بن فضل الله وغيرهم وأجاز له مشايخ مصر والشام إذ ذاك بعناية أبيه واشتغل مدة وناب عن أبيه في الحكم والتدريس ثم ترك وخمل لاشتغاله بما لا يليق بأهل العلم قال ابن حجر وكان يدري أشياء عجيبة رأيته يجعل الكتاب في كمه ويقرأ ما فيه من غير أن يكون شاهده مات في رابع عشر جمادى الأولى بمصر عن خمس وسبعين
وفيها عز الدين الحسن بن محمد بن علي العراقي المعروف بأبي أحمد الشاعر المشهور نزيل حلب قال ابن خطيب الناصرية كان من أهل الأدب وله النظم الجيد وكان خاملا وينسب إلى التشيع وقلة الدين وكان يجلس مع العدول للشهادة بمكتب داخل باب النيرب ومن نظمه
( ولما اعتنقنا للوداع عشية
وفي كل قلب من تفرقنا جمر )
( بكيت فأبكيت المطي توجعا
ورق لنا من حادث السفر السفر )
( جرى در دمع أبيض من جفونهم
وسالت دموع كالعقيق لنا حمر )
( فراحوا وفي أعناقهم من دموعنا
عقيق وفي أعناقنا منهم در )
وله مؤلف سماه الدر النفيس من أجناس التجنيس يشتمل على سبع قصائد وله عدة قصائد في مدح النبي مرتبة على حروف المعجم 28 وتوفي بحلب في سابع عشر المحرم
وفيها خديجة بنت أبي بكر بن علي بن أبي بكر بن عبد الملك الصالحية المعروفة ببنت الكوري قال ابن حجر حدثتنا عن زينب بنت الكمال وماتت في حصار دمشق
وفيها بهاء الدين أبو الفتح رسلان بن أبي بكر بن رسلان بن نصير بن صالح البلقيني الشافعي ابن أخي سراج الدين اشتغل بالفقه كثيرا ومهر وشارك في غيره وناب في الحكم وتصدى للافتاء والتدريس وانتفع به في جميع ذلك وكان كثير كالمنازعة لعمه في اعتراضاته على الرافعي قال ابن حجي كان من أكابر العلماء وحمدت سيرته في القضاء وتوفي في آخر جمادى الاولى وله سبع وأربعون سنة وكثر تأسف الناس عليه
وفيها زينب بنت العماد أبي بكر بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عباس بن جعوان قال ابن حجر سمعت من الحجار وعبد القادر بن الملوك وغيرهما وماتت في شوال وسمعت عليها أيضا
وفيها ست الكل بنت أحمد بن محمد بن الزين القسطلانية ثم المكية حدثت بالإجازة عين يحيى بن فضل الله ويحيى بن البصري وابن الرضى وغيرهم من الشاميين والمصريين وسمع منها ابن حجر بمكة
وفيها شرف الدين شعبان بن علي بن إبراهيم المصري الحنفي سمع من أصحاب الفخر وكان بصيرا بمذهبه ودرس في العربية وحصل له خلل في عقله ومع ذلك يدرس ويتكلم في العلم وتوفي في شوال
وفيها شمس الملوك بنت ناصر الدين محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن يعقوب ابن الملك العادل الدمشقية قال ابن حجر روت عن زينب بنت الكمال وماتت في شعبان ولي منها إجازة انتهى
وفيها تقي الدين عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن 29 عبيد الله القدسي ثم الصالحي سمع من الحجار وغيره وقال ابن حجر قرأت عليه الكثير بالصالحية مات بعد الوقعة
وفيها تقي الدين أبو الفتح عبد الله بن يوسف بن أحمد بن الحسين بن سلمان بن فزارة بن بدر بن محمد بن يوسف قاضي القضاة الكفري الدمشقي الحنفي ولد بدمشق سنة ست وأربعين وسبعمائة وسمع على أصحاب ابن عبد الدايم وغيرهم وتفقه بوالده وغيره وبرع في الفقه والأصول والعربية وغير ذلك وتولى قضاء قضاة الحنفية بدمشق هو وأخوه زين الدين عبد الرحمن وأبوه وجده وكان مشكور السيرة محمود الطريقة وتوفي في عشرى ذي القعدة في أسر الطاغية تيمور
وفيها تقي الدين عبد الله بن أحمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الحنبلي المعروف بابن عبيد الله كان إماما علامة رحلة سمع على الحجار ومن ابن الرضى وبنت الكمال والجزري وغيرهم وسمع من ابن حجر سمع من لفظه المسلسل بالأولية وسمع عليه غير ذلك وتوفي بالصالحية بعد كائنة تيمور
وفيها عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن الفخر عبد الرحمن البعلي الدمشقي الحنبلي قال ابن حجر حدثنا عن المزي وغيره مات في رجب
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم بن لاجين الرشيدي الشافعي ولد سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وأسمع على جماعة وسمع بدمشق من جماعة وحدث وكان عنده علم بالميقات وولي رياسة المؤذنين قال الحافظ ابن حجي كان بارعا في الحساب والفرائض والميقات شرح الجعبرية والأشنهية والياسمينية وله مجاميع حسنة انتهى وأخذ عنه ابن حجر وتوفي في مستهل جمادى الأولى
وفيها عز الدين عبد العزيز بن محمد بن محمد بن الخضر بن الخضري الطيبي بتشديد التحتانية بعدها موحدة ولد قبل ثلاثين وسبعمائة وأسمع على يحيى بن 30 فضل الله وصالح بن مختار وآخرين ووقع في الحكم عند أبي البقاء فمن بعده وباشر نظر الأوقاف قال ابن حجر سمعت عليه شيئا وخرجت له جزءا ومات في ثالث عشر المحرم
وفيها عبد القادر بن محمد بن علي بن عمر بن نصر الله الدمشقي الفراء المعروف بابن القمرسبط الحافظ الذهبي سمع بإفادة جده منه ومن زينب بنت الكمال وأحمد بن علي الجزري في آخرين قال ابن حجر حدثنا في حانوته وكان نعم الرجل مات في الكائنة
وفيها كريم الدين أبو الفضائل عبد الكريم بن عبد الرزاق بن إبراهيم ابن مكانس ولي الوزارة وغيرها مرارا وكان مهابا مقداما متهورا وقبض عليه بسبب تهوره وصودر ثم ضرب بالمقارع ولم يكن فيه ما في أخيه فخر الدين من الانسانية والأدب إلا أنه كان مفضالا كثير الجود لأصحابه قال في المنهل كان من أعاجيب الزمان في الخفة والطيش وقلة العقل وسرعة الحركة يقال أنه لما أعيد إلى الوزارة بعد أن ضرب بالمقارع قال لمن معه وهو في موكبه بالحلقة والناس بين يديه يا فلان ما هذه الركبة غالية بعلقة مقراع وتوفي يوم الثلاثاء رابع عشرى جمادى الآخرة
وفيها فخر الدين عثمان بن محمد بن عثمان بن محمد بن موسى بن جعفر الأنصاري السعدي العبادي بالضم والتخفيف الكركي ثم الدمشقي الشافعي الكاتب المجود ولد بالكرك سنة سبع وعشرين وسبعماية وقدم دمشق سنة إحدى وأربعين فسمع بها من أحمد بن علي الجزري والسلاوي ثم عاد إلى بلده ثم استوطن دمشق من سنة خمس وأربعين واشتغل في الفقه وسمع أيضا من زينب ومحمد ابني إسمعيل بن الخباز وفاطمة بنت العز ثم دخل مصر فأقام بها مدة وتزوج بنت العلامة جمال الدين بن هاشم ثم جاو ربمكة ثم عاد إلى دمشق وحدث سمع منه الياسوفي وغيره ومات في شعبان 31
وفيها علاء الدين علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمود المرداوي ثم الصالحي الحنبلي سبط أبي العباس بن المحب ولد سنة ثلاثين وسبعمائة وكان أقدم من بقي من شهود الحكم بدمشق فإنه شهد عند قاضي القضاة جمال الدين المرداوي وكان رجلا خيرا سمع من ابن الرضى وزينب بنت الكمال وعائشة بنت المسلم وقرأ عليه الشهاب بن حجر وغيره وتوفي في رمضان
وفيها علي بن أيوب الماحوزي النساج الزاهد كان يسكن بقرية قبر عاتكة وينسج بيده ويباع ما ينسجه بأغلى ثمن ويتقوت منه هو وعائلته ولا يزور أحدا وكانت له مشاركة في العلم قال ابن حجي هو عندي خير من يشار إليه بالصلاح في وقتنا وكان طلق الوجه حسن العشرة له كرامات ومكاشفات توفي في عاشر ربيع الآخر
وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عباس بن شيبان البعلي ثم الدمشقي الحنبلي المعروف بابن اللحام شيخ الحنابلة في وقت اشتغل على الشيخ زين الدين بن رجب قال البرهان بن مفلح في طبقاته وبلغني أنه أذن له في الافتاء وأخذ الأصول عن الشهاب الزهري ودرس وناظر واجتمع عليه الطلبة وانتفعوا به وصنف في الفقه والأصول فمن مصنفاته القواعد الأصولية والاخبار العلمية في اختيارات الشيخ تقي الدين بن تيمية وتجريد العناية في تحرير أحكام النهاية وناب في الحكم عن قاضي القضاة علاء الدين بن المنجا رفيقا للشيخ برهان الدين بن مفلح ثم ترك النيابة وتوجه إلى مصر وعين له وظيفة القضاء بها فلم ينبرم ذلك واستقر مدرس المنصورية إلى أن توفي يوم عيد الفطر وقي الأضحى وقد جاوز الخمسين
وفيها علاء الدين علي بن محمد بن يحيى الصرخدي الشافعي نزيل حلب تفقه بالموضعين وسمع من المزي وغيره وجالس الأزرعي وكان يبحث معه ولا يرجع إليه وكان يلازم بيته غالبا ولا يكتب على الفتاوى الانادارا ثم 32 درس بجامع تغرى بردى قال القاضي علاء الدين قاضي حلب في تاريخه قرأت عليه وانتفعت به كثيرا وناب في الحكم عن ابن أبي الرضا وغيره وكان البلقيني لما قدم حلب وجالسه يثني عليه وتوفي بأيدي اللنكية
وفيها نور الدين علي بن يوسف بن مكي بن عبد الله الدميري ثم الغزي ابن الجلال المالكي أصله من حلب وكان جده مكي يعرف بابن نصر ثم قدم مصر وسكن دميرة فولد له بها يوسف فاشتغل بفقه المالكية وسكن القاهرة وناب عن البرهان الأخنائي وعرف بجلال الدميري وولد له هذا فاشتغل حتى برع في مذهب مالك ولم يكن يدري من العلوم شيئا سوى الفقه وكان كثير النقل لغرايب مذهبه شديد المخالفة لأصحابه إلى أن اشتهر صيته في ذلك وناب في الحكم مدة ثم ولي القضاء استقلالا في أول هذه السنة وعيب بذلك لأنه اقترض مالا بفائدة حتى بذله للولاية وكان منحرف المزاج مع المعرفة التامة بالأحكام وسافر مع العسكر إلى قتال اللنك فمات قبل أن يصل في جمادى الآخرة ودفن باللجون
وفيها زين الدين عمر بن محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد المقدسي الحنبلي الشيخ المسند المعمر أحضر على زينب بنت الكمال وأسمع على أحمد بن علي الجزري وعبد الرحيم بن أبي اليسر وهو ابن أخت الشيخة فاطمة بنت محمد بن عبد الهادي الآتي ذكرها توفي في شعبان في فتنة التيمور
وفيها زين الدين عمر بن براق الدمشقي الحنبلي كان سريع الحفظ قوي الفهم على طريقة ابن تيمية وكان له طلبة وأتباع وكان ممن أوذي في الفتنة وأخذ ماله وأصيب في أهله وولده فصبر واحتسب ثم مات في عاشر شوال
وفيها زين الدين عمر بن جمال الدين عبد الله بن داود الكفري الفقيه الشافعي قال ابن حجر اشتغل كثيرا حتى قيل أنه كان يستحضر الورضة وعرض عليه الحكم فامتنع وأفتى بدمشق ودرس وتصدر بالجامع وكان قوي النفس 33 يرجع إلى دين ومروءة قتل في الفتنة التمرية
وفيها زين الدين عمر بن محمد بن أحمد بن سلمان البالسي ثم الصالحي الملقن أسمعه أبوه الكثير من المزي والذهبي والبرزالي وزينب بنت الكمال وخلق كثير وكان مكثرا جدا كثير البر للطلبة شديد العناية بأمرهم يقوم بأحوالهم ويؤدبهم وكان لا يضجر من التسميع قال ابن حجر قرأت عليه الكثير وسمعت عليه ومعه مات في شعبان وقد جاوز السبعين
وفيها عائشة بنت أبي بكر بن الشيخ أبي عبد الله محمد بن عمر بن قوام البالسية ثم الصالحية قال ابن حجر روت لنا عن أبي بكر بن أحمد بن أبي بكر المغار وماتت في ثالث عشر شعبان
وفيها عمران بن ادريس بن معمر بالتشديد الجلجلولي ثم الدمشقي الشافعي ولد سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وعنى بالقراءات فقرأت على ابن اللبان وغيره ولازم القاضي تاج الدين السبكي وقرأ وحصل وكان في لسانه ثقل فكان لا يفصح بالكلام إلا إذا قرأ وكان يحج على قضاء الركب الشامي وسمع من بعض أصحاب الفخر قال ابن حجي لم يكن مشكورا في ولايته ولا شهاداته وكان يلبس دلقا ويرخي عذبة عن يساره وكان فقير النفس لا يزال يظهر الفاقة وإذا حصلت له وظيفة نزل عنها وكان كثير الأكل جدا وكان يقرأ حسنا مات بعد الكائنة العظمى
وفيها فاطمة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي المقدسية ثم الصالحية الحنبلية أم يوسف كان أبوها محتسب الصالحية وهو عم الحافظ شمس الدين أسمعت الكثير على الحجار وغيره وأجاز لها أبو نصر بن الشيرازي وآخرون من الشام وحسين الكردي وعبد الرحيم المنشاوي وآخرون من مصر قال ابن حجر قرأت عليها الكثير من الكتب والأجزاء بالصالحية ونعم الشيخة كانت ماتت في شعبان وقد جاوزت الثمانين 34
وفيها قاضي القضاة صدر الدين أبو المعالي محمد بن إبراهيم بن إسحق بن إبراهيم بن عبد الرحمن السلمي المناوي ثم القاهري الشافعي ولد في رمضان سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة وأبوه حينئذ ينوب في القضاء عن عز الدين بن جماعة وأمه بنت قاضي القضاة زين الدين عمر البسطامي فنشأ في حجر السعادة وحفظ التنبيه وأسمع من الميدومي وابن عبد الهادي وغيرهما تجمعهم مشيخته التي خرجها له أبو زرعة في خمسة أجزاء وناب في الحكم وهو شاب ودرس وأفتى وولي إفتاء دار العدل وتدريس الشيخونية والمنصورية وخرج أحاديث المصابيح قال ابن حجر سمعت منه وكتب على جامع المختصرات ثم ولي القضاء استقلالا وكان كثير التودد إلى الناس معظما عند الخاص والعام محببا إليهم وكان له عناية بتحصيل الكتب النفيسة على طريق ابن جماعة فحصل منها شيئا كثيرا وسافر مع العسكر فأسرع مع اللنكية فلم يحسن المداراة مع عدوه فأهانه وبالغ في إهانته حتى مات وهو معهم في القيد غريقا غرق في نهر الفرات في شوال بعد أن قاسى أهوالا عسى الله أن يكون كفر بها عنه ما جباه عليه القضاء انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي الجزري ثم الدمشقي بن الظهير سمع من ابن الخباز وغيره وأكثر عن أصحاب الفخر بطلبه وكان خيرا يتغالى في مقالات ابن تيمية توفي في تاسع عشر شوال عن ستين سنة
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن علي بن سليمان المعري ثم الحلبي بن الركن الشافعي كان ينسب إلى أبي الهيثم التنوخي عم أبي العلاء المعري ولد سنة تسع وثلاثين وسبعمائة تفقه وأخذ عن الزين الباريني والتاج بن الدريهم وبدمشق عن التاج السبكي وكتب كثيرا وخطب بجامع حلب مدة وكان حاد الخلق مع كثرة البر والصدقة وله ديوان خطب ونظم وسط وأخذ عنه القاضي علاء الدين وابن الرسام وتوفي في الكائنة العظمى
وفيها شمس الدين محمد بن إسمعيل بن الحسن بن صهيب بن خميس البابي ثم 35 الحلبي ولد بالباب ثم قدم حلب وكان يسمى سالما فتسمى محمدا وقرأ على عمه العلامة علاء الدين علي البابي والزين الباريني وبرع في الفرائض والنحو وشارك في الفنون وأشغل الطلبة وأفتى ودرس وكان دينا عفيفا وولاه القاضي شرف الدين الأنصاري قضاء ملطية فلما حاصرها ابن عثمان عاد إلى حبل إلى أن عدم في الكائنة التيمورية
وفيها بدر الدين محمد بن الحافظ عماد الدين إسمعيل بن عمر بن كثير البصروي ثم الدمشقي الشافعي ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة واشتغل وتميز وطلب وسمع الكثير من بقية أصحاب الفخر ومن بعدهم قال ابن حجر وسمع معي بدمشق ثم رحل إلى القاهرة فسمع من بعض شيوخنا وتمهر في هذا الشأن قليلا وتخرج بابن النجيب وشارك في الفضائل مع خط حسن ودرس في مشيخة الحديث بعد أبيه بتربة أم الصالح مات في ربيع الآخر فارا عن دمشق بالرلمة وكان قد علق تاريخا للحوادث التي في زمنه انتهى وقال ابن حجي لم يكن محمود السيرة
وفيها محمد بن حسن بن عبد الرحيم الصالحي الدقاق قال ابن حجر حدثنا عن الحجار سمعت منه أجزاء انتهى
وفيها شمس الدين أبو عبيد الله محمد بن خليل بن محمد بن طوغان الدمشقي الحريري الحنبلي المعروف بابن المنصفي ولد سنة ست وأربعين وسبعمائة واشتغال في الفقه وشارك في العربية والأصول وسمع الكثير من أصحاب ابن البخاري وسمع بمصر أيضا وحصلت له محنة بسبب مسألة الطلاق المنسوبة إلى ابن تيمية ولم يرجع عن اعتقاده وكان خيرا دينا قاله ابن حجر وقال سمعت منه شيئا ومات في شعبان بعد أن عوقب واستمر متألما انتهى وقال ابن حجي كان فقيها محدثا حافظا قرأ الكثير وضبط وحرر وأتقن وألف وجمع مع المعرفة التامة تخرج بابن المحب وابن رجب وكان يفتي ويتقشف مع الانجماع ولم تكن الحنابلة ينصفونه وأقام بالضيائية ثم بالجوزية انتهى 36
وفيها شمس الدين محمد بن سليم بن كامل الحوراني ثم الدمشقي الشافعي تفقه ومهر واعتنى بالأصول والعربية وكان من عدول دمشق وقرأ الروضة على علاء الدين حجي وكتب عليها حواشي مفيدة وأذن له في الافتاء ودرس وأجاد وتصدر وأفاد وكان أكثر أقرانه استحضارا للفقه وكان أسمر شديد السمرة وكان يكتب المحكم وكتب من مصنفات التاج السبكي له كثيرا وتوفي في رجب بعد أن عوقب بأيدي اللنكية وقد قارب الستين
وفيها شمس الدين محمد بن عبد الله بن عثمان بن شكر البعلي الحنبلي الشيخ الإمام سمع الحديث من جماعة وروى وألف وجمع وكانت كتابته حسنة وعباراته جيدة في التصنيف حدث بمعجم ابن جميع وتوفي بغزة
وفيها الحافظ ناصر الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن أبي عمر الحنبلي المعروف بابن زريق الشيخ الإمام تفقه وطلب الحديث فسمعه من صلاح الدين بن أبي عمر وتخرج بابن المحب وتمهر في فنون الحديث وسمع العالي والنازل وخرج ورتب المعجم الأوسط على الأبواب وصحيح ابن حبان قال ابن حجر استفدت منه كثيرا وسمع معي على الشيوخ بالصالحية وغيرها ولم أر في دمشق من يستحق اسم الحافظ غيره وتوفي في ذي القعدة أسفا على ولده أحمد ولك يكمل الخمسين وكان اللنكية قد أسروه وله نحو عشر سنين انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الحافظ أبي عبد الله الذهبي الكفر بطناوي سمع بإفادة جده منه ومن زينب بنت الكمال وغيرهما قال ابن حجر سمعت منه وكان من شيوخ الرواية قتل بالعقوبة في حادي عشرى جمادى الأولى وقيل بل ضب عنقه صبرا وكان ببلده كفر بطنا فأخذه العسكر التمري وقتلوه
وفيها شمس الدين محمد بن عثمان بن عبد الله بن شكر بضم المعجمة وسكون 37 الكاف البعلي ثم الدمشقي الحنبلي النبحالي بفتح النون وسكون الموحدة بعدها مهملة سمع من ابن الخباز وغيره وأجاز له الميدومي وغيره وكان خيرا صالحا دينا متواضعا أفاد وحدث وجمع مجاميع حسنة منها كتاب في الجهاد وكان خطه حسنا ومباشرته محمودة وجمع وألف بعبارة جيدة توفي بغزة في رمضان عن ثمان وسبعين سنة
وفيها بدر الدين محمد بن محمد بن مقلد المقدسي الحنفي قاضي قضاة دمشق وليه فحسنت سيرته وكان فقيها بارعا ذكيا أفتى ودرس وأقرأ وتوفي بغزة فارا من تيمور في ربيع الأول
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن إسماعيل بن مكين المالكي العلامة مدرس ظاهرية برقوق كان إماما فقيها بارعا أفتى ودرس وأشغل عدة سنين وانتهت إليه رياسة المالكية في زمنه وتوفي بالقاهرة في عشرى ربيع الآخر
وفيها شرف الدين محمد بن معين الدين محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن محمد المخزومي الدماميني ثم الأسكندراني الشافعي تفقه واشتغل بالعربية والمعقول وكان دينا يعاني الكتابة وباشر في أعمال الدولة بالأسكندرية ثم سكن القاهرة وكان حديد الذهن وبرع في الفقه والأصول وولي حسبة القاهرة مرارا ووكالة بيت المال مع الكسوة ثم نظر الجيش وسعى في القضاء فلم يتم له ودفع في كتابة السر قنطارا من الذهب وهو عشرة آلاف دينار فلم يتفق له وقبض عليه ثم أفرج عنه وولي قضاء الأسكندرية فلم يلبث أن مات بها مسموما في المحرم
وفيها بدر الدين محمد بن محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي بن تمام السبكي الخزرجي الشافعي أسمع في صغره من ابن أبي اليسر ونفيسة بنت الخباز وعلي ابن العز غمر وغيرهم واشتغل بالفقه والأصول وولي القضاء مرارا وفرض 38 له قضاء الشام لكن عزل قبل أن يتوجه إليه وولي خطابة الجامع بعد ابن جماعة ودرس بالأتابكية بدمشق وكان لين الجانب قليل الحرمة في مباشرته وكان بخيلا بالوظائف وغيرها مع حسن خلق وفكاهة كثير الانصاف وإذا وقع عليه البحث لا يغضب بخلاف والده واستقر في يده تدريس الشافعي إلى أن مات في ربيع الآخر وقد جاوز السبعين
وفيها أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي المالكي شيخ الإسلام بالمغرب سمع من ابن عبد السلام الهواري والوادي آشي وابن سلمة وغيرهم واشتغل بالفنون قال ابن ظهيرة في معجمه إمام علامة ولد بتونس سنة ست عشرة وسبعمائة وقرأ بالروايات على ابن سلمة وغيره وبرع في الأصول والفروع والعربية والمعاني والبيان والفرائض والحساب وسمع من الوادي آشي الصحيحين وكان رأسا في العبادة والزهد والورع ملازما للشغل بالعلم رحل إليه الناس وانتفعوا به ولم يكن بالعربية من يجري مجراه في التحقيق ولا من اجتمع له في العلوم ما اجتمع له وكانت الفتوى تأتي إليه من مسافة شهر وله مؤلفات مفيدة منها المبسوط في المذهب في سبعة أسفار ومختصر الحوفي في الفرائض وقال ابن حجر أجاز لي وكتب لي خطه لما حج وعلق عنه بعض أصحابه كلاما في التفسير كثير الفوائد في مجلدين وتوفي ليلة الخميس الاربع والعشرين من جمادى الآخرة ولم يخلف بعده مثله
وفيها بدر الدين محمد بن محمد بن محمد بن عمر بن الفقيه أبي بكر بن قوام الصالحي قال ابن حجر كان دينا خيرا به طرش كثير سمع الكثير من الحجار وإسحق الآمدي وغيرهما فقرأنا عليه شبيها بالأذان وكنا نتحقق أنه يسمع ما نقرؤه بامتحانه تارة وبصلاته على النبي أخرى وبالرضا عن الصحابة كذلك مات في شعبان محترقا بدمشق وقد جاوز الثمانين انتهى
وفيها محب الدين محمد بن محمد بن محمد بن منيع الصالحي الموقت المعروف 39 بالوراق قال في أنباء الغمر سمع من ابن أبي التائب وابن الرضا وغيرهما سمعت منه الكثير ومات في رمضان بدمشق
وفيها بدر الدين محمد بن محمد بن مقلد المقدسي ثم الدمشقي الحنفي ولد سنة أربع وأربعين وسبعمائة وبرع في الفقه والعربية والمعقول ودرس وأفتى وناب في الحكم ثم ولي القضاء استقلالا نحو سنة ثم عزل ولم تحمد مباشرته ثم سار إلى القاهرة فسعى في العود فأعيد فوصل إلى الرملة فمات بها في ربيع الآخر
وفيها محمد بن محمد البصروي ثم الدمشقي الضرير قرأ بالروايات واشتغل في الفقه ومات في رجب
وفيها محمد بن محمود بن أحمد بن رميثة بن أبي نمي الحسيني المكي من بيت الملك وقد ناب في إمرة مكة وكان خاله علي بن عجلان لا يقطع أمرا دونه وكانت لديه فضيلة وينظم الشعر مع كرم وعقل مات في شوال وقد جاوز الأربعين
وفيها القاضي شرف الدين موسى بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن جمعة الأنصاري الشافعي قاضي حلب ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ونشأ في حجر عمه شهاب الدين خطيب حلب قال في المنهل تفقه على شمس الدين محمد العراقي شارح الحاوي وعلى الشيخ شهاب الدين الأذرعي وقدم القاهرة فأخذ عن الجمال الأسنوي والولي الملوي وسمع من الحافظ مغلطاي وغيره وبدمشق من ابن المهندس وأحمد الأيكي المعروف بابن زغلش ثم عاد إلى حلب وقد برع في فنون وتولى خطابة الجامع ثم استقر قاضي قضاة حلب وفي أيامه قدم تيمور إلى البلاد الشامية وحضر مجلس تيمور ورسم عليه ثم أفرج عنه وكان عالما كبيرا مشكور السيرة وله شرح الغاية القصوى للبيضاوي وتوفي بحلب 40 في شهر رمضان
وفيها يوسف بن إبراهيم بن عبد الله الأذرعي نزيل حلب اشتغل كثيرا في الفقه وغيره بدمشق ثم قدم حلب فقرر في قضاء الباب ثم قضاء سرمين وكان فاضلا في الفقه مقتصرا عليه مات في الكائنة العظمى قاله القاضي علاء الدين في تاريخ حلب
وفيها جمال الدين يوسف بن موسى بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الله الملطي ثم الحلبي الحنفي أصله من خرت برت وولد سنة ست وعشرين وسبعمائة ونشأ بملطية واشتغل بحلب حتى مهر ثم رحل إلى الديار المصرية وهو كبير فأخذ عن علمائها وسمع من العز بن جماعة ومغلطاي وحدث عنه بالسيرة النبوية وذكر انه سمعها منه سنة ستين واشتغل وحصل وأفتى ودرس وكان يستحضر الكشاف والفقه على مذهبهم فاستدعاه برقوق لما مات شمس الدين الطرابلسي فحضر من حلب سنة ثمانمائة واستقر في قضاء الحنفية مدة قدرها مائة وعشرة أيام فباشر مباشرة عجيبة فإنه قرب الفساق واستكثر من استبدال الأوقاف وقتل مسلما بنصراني ثم لما مات الكسلتاني استقر بعده في تدريس الصرغتمشية واشتهر أنه كان يفتي بأكل الحشيش وبوجوه من الحيل في أكل الربا وأنه كان يقول من نظر في كتاب البخاري تزندق قاله ابن حجر وقد أثنى ابن حجي على علمه وقال العيني كان عنده بعض شح وطمع وتغفل وكان قد حصل بحلب مالا كثيرا فنهب في الفتنة وكان ظريفا ربع القامة قال وهو أحد مشايخي قرأت عليه بحلب سنة ثمانين انتى وقال القاضي علاء الدين الحلبي في تاريخه لما هجم اللنكية البلاد عقد مجلس بالقضاة والعلماء لمشاطرة الناس في أموالهم فقال الملطي إن كنتم تعملون بالشكوة فالأمر لكم وأما نحن فلا نفتي بهذا ولا يحل أن يعمل فوقفت الحال وكانت من حسناته ولما طلب إلى مصر على رأس القرن قال لي أنا الآن ابن خمس وسبعين ومات 41 بالقاهرة في ربيع الآخر انتهى
وقال في التاريخ المذكور مات في هذه السنة من الفقهاء الشافعية في الكائنة وبعدها علاء الدين الصرخدي وشرف الدين الداديخي وشهاب الدين بن الضعيف وشمس الدين البابي وبهاء الدين داود الكردي وشمس الدين بن الزكي الجعبري انتهى
سنة أربع وثمانمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن راشد الملكاوي الشافعي اشتغل بدمشق وحصل ومهر في القراءات وكان يشغل بالفرائض بالجامع بين العشاءين وتوفي في جمادى الآخرة
وفيها شهاب الدين أحمد بن الحسن بن محمد بن زكريا بن يحيى المقدسي ثم المصري السويدائي نسبة إلى السويداء قرية من أعمال حوران الشافعي اعتنى به أبوه فأسمعه الكثير من يحيى بن المصري وجماعة من أصحاب ابن عبد الدايم والنجيب وغيرهم وأكثر له من الشيوخ والمسموع واشتغل في الفقه وبحث في الروضة وكان يتعانى الشهادات ثم أضر بآخره وانقطع بزاوية الست زينب خارج باب النصر قال ابن حجر قرأت عليه الكثير ونعم الشيخ كان وتفرد بروايات كثيرة وكان الشيخ جمال الدين الحلاوي يشاركه في أكثر مسموعاته مات في تاسع عشر ربيع الآخر وقد قارب الثمانين أو أكملها
وفيها شهاب الدين أحمد بن عبد الخالق بن علي بن حسن بن عبد العزيز بن محمد بن الفرات المالكي اشتغل بالفقه والعربية والأصول والطب والأدب ومهر في الفنون ونظم الشعر الحسن ومنه
( إذا شئت أن تحيا حياة سعيدة
ويستحسن الأقوام منك التقبحا )
( تزيا بزي النرك واحفظ لسانهم
وإلا فجانبهم وكن متصولحا )
وفيها نور الدين أحمد بن علي بن أبي الفتح الدمشقي نزيل حلب المعروف 42 بالمحدث سمع الكثير من أصحاب الفخر وغيرهم بدمشق وحلب واشتغل في علم الحديث وأقرأ فيه مدة بحلب ودمشق وأخذ الأدب عن الصلاح الصفدي وكان حسن المحاضرة
وفيها القاضي تقي الدين أحمد بن محمد بن محمد بن المنجا بن عثمان بن أسعد بن محمد ابن المنجا الحنبلي الشيخ الإمام حصل ودأب وكان له شهامة ومعرفة وذهن مستقيم وناب لأخيه القاضي علاء الدين ثم اشتغل بقضاء قضاة دمشق بعد فتنة تيمور مدة أشهر وذكر عنه الشيخ شرف الدين بن مفلح أنه ابتدأ عليه قراءة الفروع لوالده فلما انتهى في القراءة إلى الجنائز حضره أجله ومات معزولا في ذي الحجة ولم يكمل الخمسين سنة
فيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد المصري نزيل القرافة ابن الناصح قال ابن حجر سمع من الميدومي وذكر أنه سمع من ابن عبد الهادي وحدث عنه بمكة بصحيح مسلم وحدث عن الميدومي بسنن أبي داود وجامع الترمذي سماعا أخذت عنه قليلا وكان للناس فيه اعتقاد ونعم الشيخ كان سمتا وعبادة ومروءة مات في أواخر رمضان وتقدم في الصلاة عليه الخليفة انتهى
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن المهندس المقدسي الحنبلي المتقن الضابط ولد سنة أربع وأربعين وسبعمائة ورحل وكتب وسمع على الحفاظ وروى عنه جماعة من الأعيان منهم القاضي سعد الدين الديري الحنفي وتوفي بالقدس الشريف في شهر رمضان
وفيها تقي الدين أبو بكر بن عثمان بن خليل الجوراني المقدسي الحنفي سمع من الميدومي وحدث عنه وناب في الحكم وتوفي في أواخر السنة ببيت المقدس
وفيها عماد الدين أبو بكر بن أبي المجد بن ماجد بن أبي المجد بن بدر بن سالم السعدي الدمشقي ثم المصري الحنبلي ولد سنة ثلاثين وسبعمائة وسمع من المزي 43 والذهبي وغيرهما وأحب الحديث فحصل طرفا صالحا منه وسكن مصر قبل الستين فقرر في طلب الشيخونية فلم يزل بها حتى مات وجمع الأوامر والنواهي من الكتب الستة واختصر تهذيب الكمال قال ابن حجر واجتمعت به وأعجبني سمته وانجماعه وملازمته للعبادة وحدث عن الذهبي ومات في أواخر جمادى الأولى
وفيها بركة السيد الشريف المعتقد المعروف بالشريف بركة قال في المنهل الصافي كان لتيمور فيه اعتقاد كثير إلى الغاية وله معه ماجريات من ذلك أن تيمور لما أخذ السلطان حسين صاحب بلخ سنة إحدى وسبعين وسبعمائة ثم سار لحرب القان تقتمش ملك التتار وتلاقيا على أطراف تركستان واشتد الحرب بينهما حتى قتل أكثر أصحاب تيمور وهم تيمور بالفرار وظهرت الهزيمة على عسكره ووقف في حيرة وإذا بالسيد هذا قد أقبل على فرس فقال له تيمور يا سيدي انظر حالي فقال له لا تخف ثم نزل عن فرسه ووقف على رجليه يدعو ويتضرع ثم أخذ من الأرض ملء كفه من الحصباء ورمى بها في وجوه عسكر تغتمش خان وصرخ بأعلى صوته باغي قجتي ومعناه باللغة التركية العدو هرب فرصخ بها مع تيمور وعسكره وحمل بهم على القوم فانهزموا أقبح هزيمة وظفر تيمور بعساكر تقتمش وقتل وأسر على عادته القبيحة وله معه أشياء من هذا النمط ولهذا كانت منزلته عند تيمور إلى الغاية ودام معه إلى أن قدم دمشق سنة ثلاث وثمانمائة وقد اختلف في أصل هذا الشريف فقيل أنه كان مغربيا حجاما بالقاهرة ثم سافر إلى سمرقند وادعى أنه شريف علوي وقيل أنه من أهل المدينة النبوية وقيل من أهل مكة وعلى كل حال فأنا لا أعتقد عليه لمصاحبته وإعانته لتيمور على أغراضه الكفرية فأمره إلى الله تعالى انتهى باختصار
وفيها صالح بن خليل بن سالم بن عبد الناصر بن محمد بن سالم الغزي الشافعي سمع من الميدومي وحدث عنه وناب في الحكم وتوفي في ذي القعدة 44 ببيت المقدس
وفيها زين الدين عبد اللطيف بن تقي الدين محمد بن الحافظ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي ثم المصري قال ابن حجر أحضر على ابن عبد الهادي وسمع من الميدومي وسمعت منه وكان وقورا خيرا مات في وسط صفر
وفيها عبد المؤمن العينتابي المعروف بمؤمن الحنفي قال العيني في تاريخه كان فاضلا في عدة علوم منها الفقه وكان حسن الوجه مليح الشكل درس بعينتاب ثم تحول إلى حلب فأقام بها إلى أن مات
وفيها فخر الدين عثمان بن عبد الرحمن المخزومي البلبيسي ثم المصري الشافعي المقرىء الضرير إمام الجامع الأزهر تصدى للاشتغال بالقراءة فأتقن السيع وصار أمة وحده قال ابن حجر وأخبرني أنه لما كان ببلبيس كان الجن يقرؤن عليه قرأ عليه خلق كثير وكان صالحا خيرا أقام بالجامع الأزهر يؤم فيه مدة طويلة وقد حدث عنه خلق كثير في حياته انتفع به ما لا يحصى عددهم في القراءة وانتهت إليه الرياسة في هذا الفن وعاش ثمانين سنة وتوفي في ثاني ذي القعدة
وفيها سراج الدين أبو حفص عمر بن أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الأندلسي الوادي آشي ثم المصرف المعروف بابن الملقن قال في المنهل رحل أبوه نور الدين من الأندلس إلى بلاد الترك وأقرأ أهلها هناك القرآن الكريم فنال منهم مالا جزيلا فقدم به إلى القاهرة واستوطنها فولد له بها سراج الدين هذا في يوم السبت رابع عشرى ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة وتوفي والده وله من العمر سنة واحدة وأوصى إلى الشيخ شرف الدين عيسى المغربي الملقن لكتاب الله بالجامع الطولوني وكان صالحا فتزوج أم الشيخ سراج الدين ورباه فعرف بابن الملقن نسبة إليه وقرأه القرآن ثم العمدة ثم أراد أن يشغله على مذهب الإمام مالك فقال له بعض أولاد 45 ابن جماعة أقرئه المنهاج فأقرأه وأسمعه على الحافظين ابن سيد الناس وقطب الدين الحلبي وأجاز له الحافظ المزي وغيره من دمشق ومصر وحلب وطلب الحديث بنفسه وعنى به وسمع الكثير من حفاظ عصره كابن عبد الدايم وغيره وتخرج بابن رجب ومغلطاي ورحل إلى دمشق في سنة سبع وسبعين فسمع بها من تأخري أصحاب الفخر بن البخاري وبرع وأفتى ودرس وأثنى عليه الأئمة ووصف بالحافظ ونوه بذكره القاضي تاج الدين السبكي وكتب له تقريظا على شرحه للمنهاج وتصدى للافتاء والتدريس دهرا طويلا وناب في الحكم ثم طلب للاستقلال بوظيفة القضاء فامتحن بسبب ذلك في سنة ثمانين ولزم داره وأكب على الاشغال والتصنيف حتى صار أكثر أهل زمانه تصنيفا وبلغت مصنفاته نحو ثلاثمائة مصنف وكان جماعة للكتب جدا ثم احترق غالبها قبل موته وكان ذهنه مستقيما قبل أن تحترق كتبه ثم تغير حاله بعد ذلك وهو ممن كان تصنيفه أحسن من تقريره وبالغ بعضهم فقال انه أحضر إليه بعض تصانيفه فعجز عن تقرير ما تضمنه وقام من المجلس ولم يتكلم وأخذ عنه جماعات من الحفاظ وغيرهم منهم حافظ دمشق ابن ناصر الدين ووصفه بالحفظ والاتقان وقال ابن حجر كان موسعا عليه في الدنيا مديد القامة حسن الصورة يحب المزاح والمداعبة مع ملازمة الاشتغال والكتابة حسن المحاضرة جميل الأخلاق كثير الانصاف شديد القيام مع أصحابه وربما اشتهر بابن النحوي وربما كتب بخطه كذلك ولذلك اشتهر بها ببلاد اليمن وتغير حاله بآخره فحجبه ولده نور الدين إلى أن مات في سادس شهر ربيع الأول بالقاهرة ودفن على والده بحوش الصوفية خارج باب النصر
وفيها نجم الدين محمد بن نور الدين علي بن العلامة نجم الدين محمد بن عقيل بن محمد بن الحسن بن علي البالسي ثم المصري الشافعي قال ابن حجر تفقه كثيرا ثم تعانى الخدم عند الأمراء ثم ترك ولزم بيته ودرس بالطيبرسية إلى أن مات 46 وأضر قبل موته بيسير ونعم الشيخ كان خيرا واعتقاد ومروءة وفكاهة لازمته مدة وحدثني عن ابن عبد الهادي ونور الدين الهمداني وغيرهما مات في عاشر المحرم وله أربع وسبعون سنة انتهى
وفيها أبو جعفر محمد بن محمد بن عنقه بنون وقاف وفتحات البسكري بفتح الموحدة وبعدها مهملة نسبة إلى بسكرة بلد بالمغرب ثم المدني كان يسكن المدينة ويطوف البلاد وقد سمع من جمال الدين بن نباتة قديما ثم طلب بنفسه فسمع الكثير من بقية أصحاب الفخر بدمشق وحمل عن ابن رافع وابن كثير وحصل الأجزاء وتعب كثيرا ولم ينجب قال ابن حجر سمعت منه يسيرا وكان متوددا رجع من أسكندرية إلى مصر فمات بالساحل غريبا رحمه الله تعالى
وفيها عز الدين يوسف بن الحسن بن محمود السرائي الأصل التبريزي الشهير بالحلوائي بفتح أوله وسكون اللام مهموز الفقيه الشافعي ولد سنة ثلاثين وسبعمائة وتفقه ببلاده وقرأ على القاضي عضد الدين وغيره وأخذ ببغداد عن شمس الدين الكرماني الحديث وشرحه للبخاري ومهر في أنواع العلوم وأقبل على التدريس وشغل الطلبة وعمل على البيضاوي شرحا وتحول من تبريز لما خربه الدعادعة وهم أصحاب طغتمش خان إلى ماردين فأقام بها مدة ثم أرسله مرزا ابن اللنك وقدم عليه تبريز فبالغ في إكرامه فأقام بها وكتب على الكشاف حواشي وشرح الأربعين النواوية وكان زاهدا عابدا معرضا عن أمور الدنيا مقبلا على العلم حج وزار المدينة وجاور بها سنة وكان لا يرى مهموما قط ورجع إلى الجزيرة لما كثر الظلم في تبريز فقطنها إلى أن توفي بها وخلف ولدين بدر الدين محمد وجمال الدين محمد
وفيها يوسف بن حسين الكردي الشافعي نزيل دمشق كان عالما صالحا معتقدا تفقه وحصل قال الشيخ شهاب الدين الملكاوي قدمت من حلب سنة أربع وستين وسبعمائة وهو كبير يشار إليه وكان يميل إلى السنة وينكر على 47 الأكراد في عقائدهم وبدعتهم وكان له اختيارات منها المسح على الجوربين مطلقا وكان يفعله وله فيه مؤلف لطيف جمع فيه أحاديث وآثارا ومنها تزويج الصغيرة التي لا أب لها ولا وجد وقال ابن حجي كان يميل إلى ابن تيمية ويعتقد صواب ما يقول في الفروع والأصول وكان من يحب ابن تيمية يجتمع إليه وكان قد ولي مشيخة الخانقاه الصالحية وأعاد بالظاهرية وقد وقع بينه وبين ولده الشيخ زين الدين عبد الرحمن الواعظ بسبب العقيدة وتهاجرا مدة إلى أن وقعت فتنة اللنك فتصالحا ثم جلس مع الشهود وأحسن إليه ولده في فاقته ولم يلبث أن مات في شوال
سنة خمس وثمانمائة
فيها استولى تمرلنك على أبي زيد بن عثمان وأسر ولده موسى ثم مات أبو يزيد في الأسر إما من القهر أو من غيره وكان أبو يزيد من خيار ملوك الأرض ولم يكن يلقب ولا أحد من أبنائه وذريته ولا دعى بسلطان ولا ملك وإنما يقال الأمير تارة وخوند خان تارة أخرى وكان مهابا يحب العلم والعلماء ويكرم أهل القرآن وكان يجلس بكرة النهار في مراح من الأرض متسع ويقف الناس بالبعد منه بحيث يراهم فمن كانت له ظلامة رفعها إليه فأزالها في الحال وكان الأمن في بلاده فاشيا للغاية وكان يشرط على كل من يخدمه أن لا يكذب ولا يخون إلى غير ذلك من الأوصاف الحسنة وترك لما مات سلمان ومحمدا وموسى وعيسى فاستقل بالملك سلمان وسيأتي شيء من ذكره في ترجمة تيمور
وفيها استولى تيمور على غالب البلاد الرومية ورجع إلى بلاده في شعبان من هذه السنة
وفيها استشهد سعد الدين أبو البركات محمد بن أحمد بن علي بن صبر الدين ملك الحبشة استقر في مملكة الحبش بعد أخيه حق الدين فسار سيرته في جهاد 48 الكفر وكانت عنده سياسة وكسرت عساكره وتعددت غاراته واتسعت مملكته حتى وقع له مرة أن بيع الأسرى الذين أسرهم من الحبشة كل عبدين بتفصيلة وبلغ سهمه من بعض الغنايم أربعين ألف بقرة لم تبت عنده بقرة واحدة بل فرقها وله في مدة ولايته وقايع وأخبار يطول ذكرها فلما كان في هذه السنة جمع الحطى صاحب الحبشة جمعا عظيما وجهز عليه أميرا يقال له باروا فالتقى الجمعان فاستشهد من المسلمين جمع كثير منهم أربعمائة شيخ من الصلحاء أصحاب العكاكيز وتحت يد كل واحد منهم عدة فقرأ واستبحر القتل في المسلمين حتى هلك أكثرهم وانهزم من بقي ولجأ سعد الدين إلى جزيرة زيلع في وسط البحر فحصروه فيها إلى أن وصولا إليه فأصيب في جبهته بعد وقوعه في الماء ثلاثة أيام فطعنوه فمات وكانت مدة ملكه ثلاثين سنة واستولى الكفار على بلاد المسلمين وخربوا المساجد وبنوا بدلها الكنايس وأسروا وسبوا ونهبوا وفر أولاد سعد الدين وهم صبر الدين علي ومعه تسعة من إخوته إلى البر الآخر فدخلوا مدينة زبيد فأكرمهم الناصر أحمد بن الأشرف وأنزلهم وأعطاهم خيولا ومالا فتوجهوا إلى مكان يقال له سيارة فلحق بهم بعض عساكرهم واستمر صبر الدين على طريقة أبيه وكسر عدة من جيوش الحطى وحرق عدة من الكناس وغنم عدة غنايم قاله ابن حجر
وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن الحسن البوصيري الشافعي تفقه ولازم الشيخ ولي الدين الملوي وبرع في الفنون ودرس مدة وأفاد وتعانى التصوف وتكلم على مصطلح المتأخرين فيه وكان ذكيا وسمع منه ابن حجر ومات في جمادى الأولى
وفيها شهاب الدين أحمد بن عبد الله الحلبي ثم الدمشقي قاضي كرك نوح قال ابن حجي كان من خيار الفقهاء وقد ولي قضاء القدس وولي الخطابة والقضاء بكرك نوح ثم القدس وناب في الخطابة بالجامع الأموي وفي تدريس البادرائية 49 وتوفي في ذي الحجة
وفيها أحمد بن محمد بن عثمان بن عمر بن عبد الله الحنبلي نزيل غزة سمع من الميدومي ومحمد بن إبراهيم بن أسد وأكثر عن العلائي وغيرهم وكان صالحا دينا خيرا بصيرا ببعض المسائل سكن غزة واتخذ بها جامعا وكان للناس فيه اعتقاد ونعم الشيخ كان وقرأ عليه ابن حجر عدة أجزاء ومات في صفر وله اثنتان وسبعون سنة
وفيها أحمد بن محمد بن عيسى بن الحسن الياسوفي ثم الدمشقي المعروف بالثوم بمثلثة مضمومة قال ابن حجر روى عن أحمد بن علي بن الجزري وغيره وكان له مال وثروة ثم افتقر بعد الكائنة وتوفي في جمادى الآخرة عن ست وستين سنة
وفيها شهاب الدين أحمد بن يحيى بن أحمد بن مالك العثماني الصرميني من معرة صرمين الشافعي اشتغل ومهر وكان قاضي بلده مدة ثم ولي قضاء حلب بعد الفتنة العظمى دون الشهر فاغتيل بعد صلاة الصبح ضرب في خاصرته فمات ثالث عشر شوال وكانت سيرته حسنة وفيه سكون
وفيها تاج الدين بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز قاضي القضاة ابن الديري المالكي كان إماما في الفقه والعربية وغيرهما وتصدر للافتاء والتدريس عدة سنين وانتفع به الطلبة ثم ولي قضاء قضاة المالكية بالديار المصرية فحمدت سيرته ولم يزل ملازما للاشتغال والاشغال وقد انتهت إليه رياسة السادة المالكية في زمنه وتوفي يوم الإثنين سابع جمادى الآخرة
وفيها سعد الدين سعد بن يوسف بن إسماعيل بن يوسف بن يعقوب بن سرور بن نصر بن محمد النووي ثم الخليلي الشافعي ولد سنة تسع وعشرين وسبعمائة وقدم دمشق بعد الأربعين فاشتغل بها ومهر وأخذ عن الذهبي وشمس الدين ابن نباتة وغيرهما وحمل عن التاج المراكشي وابن كثير وقرأ عليه مختصره في علم الحديث وأذن له وحدث وأفتى ودرس قال ابن حجي كان ذا ثروة جيدة 50 فاحترقت داره في الفتنة وأخذ ماله فافتقر فاحتاج أن يجلس مع الشهود ثم ولي قضاء بعض القرى وقضاء بلد الخليل عليه السلام فمات هناك في جمادى الأولى
وفيها سارة بنت علي بن عبد الكافي السبكي قال ابن حجر أسمعت من أحمد بن علي الجزري وزينب بنت الكمال وسمعت على أبيها أيضا وتزوجها أبو البقاء فلما مات تحولت إلى القاهرة ثم رجعت إلى دمشق في أيام سرى الدين وكان صاهرها ثم رجعت إلى القدس ثم إلى القاهرة فسمعنا منها قديما ثم في سنة موتها ماتت بالقاهرة في ذي الحجة وقد جاوزت السبعين
وفيها عبد الله بن خليل بن الحسن بن طاهر بن محمد بن خليل بن عبد الرحمن الحرستاني ثم الصالحي المؤذن سمع من الشرف بن الحافظ وغيره وأجاز له الحجار وسمع منه ابن حجر
وفيها عبد الجبار بن عبد الله المعتزلي الحنفي الخوارزمي عالم الدشت صاحب تيمورلنك وإمامه وعالمه ولد في حدود سنة سبعين وسبعمائة وكان إماما عالما بارعا متقنا للفقه والأصلين والمعاني والبيان والعربية واللغة انتهت إليه الرياسة في أصحاب تيمور وكان هو عظيم دولته ولما قدم تيمور البلاد الحلبية والشامية كان عبد الجبار هذا معه وباحث وناظر علماء البلدين وكان فصيحا باللغات الثلاثة العربية والعجمية والتركية وكانت له ثروة ووجاهة وعظمة وحرمة زائدة إلى الغاية وكان ينفع المسلمين في غالب الأحيان عند تيمور وكان يتبرم من صحبة تيمور ولا يسعه إلا إلا موافقته ولم يزل عنده حتى مات في ذي القعدة
وفيها أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي الخير محمد بن أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسيني الفاسي ثم المكي المالكي سمع من تاج الدين ابن بنت أبي سعد وشهاب الدين الهكاري وغيرهما وعنى بالفقه فمهر فيه إلى 51 الغاية وشارك في غيره ودرس وأفتى أكثر من أربعين سنة وتوفي بمكة في نصف ذي القعدة عن خمس وستين سنة
وفيها تاج الدين عبد الوهاب بن الشيخ عفيف الدين عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي المكي الشافعي اشتغل بالفقه وأذن له الأبناسي وسمع من أبيه وجماعة بمكة ورحل إلى دمشق فسمع من ابن أميلة وغيره وتفقه بالأميوطي وغيره وكان خيرا عابدا ورعا قليل الكلام فيما لا يعنيه وسمع منه ابن حجر وتوفي في رجب عن خمس وخمسين سنة
وفيها الحافظ سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير بن صالح وصالح هذا أول من سكن بلقينة ابن شهاب الدين بن عبد الخالق بن مسافر بن محمد البلقيني الكناني الشافعي شيخ الإسلام ولد ليلة الجمعة ثاني عشر شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة وحفظ القرآن العظيم وهو ابن سبع سنين وحفظ المحرر في الفقه والكافية لابن مالك في النحو ومختصر ابن الحاجب في الأصول والشاطبية في القراءات وأقدمه أبوه إلى القاهرة وله اثنتا عشرة سنة فطلب العلم واشتغل على علماء عصره وأذن له في الفتيا وهو ابن خمس عشرة سنة وسمع من الميدومي وغيره وقرأ الأصول على شمس الدين الأصفهاني والنحو على أبي حيان وأجاز له من دمشق الحافظان المزي والذهبي وغيرهما وفاق الأقران واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها فقيل أنه مجدد القرن التاسع وما رأى مثل نفسه وأثنى عليه العلماء وهو شاب وانفرد في آخره برياسة العلم وولي إفتاء دار العدل وقضاء دمشق سنة تسع وستين وسبعمائة فباشره مدة يسيرة ثم عاد إلى القاهرة وسافر إلى حلب سنة ثلاث وتسعين صحبة الظاهر برقوق واشتغل بها ثم عاد صحبة السلطان وعظم وصار يجلس في مجلس السلطان فوق قضاة القضاة وأكب على الاشغال والتصنيف وانتفع به عامة الطلبة وأتته الفتاوى من الأقطار ومن تصانيفه شرحان على الترمذي تصحيح المنهاج لكنه لم يكمل وكان أعجوبة زمانه حفظا واستحضارا 52 قال برهان الدين المحدث رأيته فريد دهره فلم تر عيني أحفظ للفقه ولأحاديث الأحكام منه ولقد حضرت دروسه وهو يقرىء مختصر مسلم للقرطبي يتكلم على الحديث الواحد من بكرة إلى قريب الظهر وربما أذن الظهر ولم يفرغ من الحديث الواحد واعترفت له علماء جميع الأقطار بالحفظ وكثرة الاستحضار انتهى وتزوج بنت ابن عقيل ولازمته في شبيبته وممن أخذ عنه حافظ دمشق ابن ناصر الدين وأثنى عليه بالحفظ وغيره والحافظ ابن حجر وقال خرجت له أربعين حديثا عن أربعين شيخا حدث بها مرارا وقرأت عليه دلائل النبوة للبيهقي فشهد لي بالحفظ في المجلس العام وقرأت عليه دروسا من الروضة وأذن لي وكتب خطه بذلك انتهى وتوفي بالقاهرة نهار الجمعة حادي عشر ذي القعدة وصلى عليه ولده جلال الدين عبد الرحمن ودفن بمدرسته التي أنشأها
وفيها عميد بن عبد الله الخراساني الحنفي قاضي تمرلنك مات بعد رجوعه من الروم في هذه السنة قاله ابن حجر
وفيها أم عمر كليم بنت الحافظ تقي الدين محمد بن رافع السلامي الدمشقية سمعت من عبد الرحيم بن أبي اليسر حضورا وغيره وأجازت لابن حجر وتوفيت في ربيع الأول
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد بن محمود النابلسي الحنبلي الشيخ الإمام العلامة تفقه على الشيخ شمس الدين بن عبد القادر وقرأ عليه العربية وأحكمها ثم قدم دمشق بعد السبعين فاستمر في طلب العلم في حلقة بهاء الدين السبكي ثم جلس يشهد واشتهر أمره وعلا صيته وقصد في الاشغال ولم يزل يترقى حتى ولي قضاء قضاة الحنابلة بدمشق وعزل وتولى مرارا وكانت له حلقة لإقراء العربية يحضرها الفضلاء ودرس بعدة مدارس وكان ذا عظمة وبهجة زائده لكن باع من الأوقاف كثيرا بأوجه واهية سامحه الله وتوفي بمنزله 53 بالصالحية ليلة السبت ثاني عشر المحرم
وفيها جمال الدين محمد بن أحمد البهنسي ثم الدمشقي الشافعي اشتغل بالقاهرة وحفظ المنهاج واتصل بالقاضي برهان الدين بن جماعة ولما ولي قضاء الشام استنابه واعتمد عليه في أمور كثيرة وكان حسن المباشرة مواظبا عليها وعنده ظرف ونوادر وكان مقلا مع العفة ولما وقعت الكائنة العظمى بدمشق فر إلى القاهرة فاستنابه القاضي جلال الدين ومات في ذي القعدة
وفيها علم الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن محمد الدمشقي القفصي المالكي كان أبوه جنديا ثم ألبس ولده كذلك ثم شغله بالعلم وهو كبير ودار في الدروس واشتغل كثيرا لكن مع قصور فهم وقلة عقل وعناية بالعلم ولي قضاء دمشق إحدى عشرة مرة في مدة خمس وعشرين سنة أولها سنة تسع وسبعين وولي قضاء حلب وحماة مرارا وكان عفيفا قال القاضي علاء الدين في ذيل تاريخ حلب أصيب في الوقعة الكبرى بماله وأسرت له ابنة وسكن عقب الفتنة بقرية من قرى سمعان إلى أن نزخ التتر عن البلاد رجع إلى حلب على ولايته قال وكان بيننا صحبة وكان يكرمني وولاني عدة وظايف علمية ثم توجه إلى دمشق فقطنها وولي قضاءها ومات بها في المحرم ولم يكمل الستين وهو قاضي دمشق انتهى
وفيها محمد بن يوسف الأسكندراني المالكي قال ابن حجر كان فقيه أهل الثغر درس وأفتى وانتهت إليه الرياسة في العلم وكان عارفا بالفقه مشاركا في غيره مع الدين والصلاح انتهى
وفيها محمود بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد المجيد بن هلال الدولة عمر بن منير الحارثي الدمشقي موقع الدست بدمشق كان كاتبا مجودا ناظما ناثرا مشهورا بالخفة والرقاعة والضنانة بنفسه أخذ عن صلاح الدين الصفدي وغيره وسمع من إبراهيم بن الشهاب محمود وأجازت له زينب بنت الكمال ومن عيون 54 شعره ما قاله في فرجية خضراء أعطاه إياها بعض الرؤساء
( مدحت إمام العصر صدقا بحقه
وما جئت فيما قلت بدعا ولا وزرا )
( تبعت أبي ذر بمصداق لهجتي
فمن أجل هذا قد أظلتني الخضرا )
وتوفي بالقاهرة فجأة وله فوق الستين
وفيها بدر الدين محمود بن محمد بن عبد الله العينتابي الحنفي العابد الواعظ أخذ في بلاد الروم عن الشيخ موفق الدين وجمال الدين الأقصرائي ثم قدم عينتاب فنزل بجامع مؤمن مدة يذكر الناس وكان يحصل للناس في مجلسه دقة وخشوع وبكاء وتاب على يده جماعة ثم توجه إلى القدس زائرا فأقام مدة ثم رجع إلى حلب فوعظ الناس في الجامع العتيق قال البدر العينتابي أخذت عنه في سنة ثمانين تصريف العزى والفرائض السراجية وغير ذلك وذكرته في هذه السنة تبركا انتهى
وفيها أم عيسى مريم بنت أحمد بن أحمد بن قاضي القضاة شمس الدين محمد بن إبراهيم الأذرعي قال ابن حجر سمعت الكثير من علي بن عمر الواني وأبي أيوب الدبوسي والحافظ قطب الدين الحلبي وناصر الدين بن مسعون وغيرهم وأجاز لها التقي الصائغ وغيره من المسندين بمصر والحجاز وغيره من الأئمة بدمشق خرجت لها معجما في مجلدة وقرأت عليها الكثير من مسموعاتها وأشياء كثيرة بالإجازة وهي أخت شمس الدين المتقدم ذكره في هذه السنة عاشت أربعا وثمانين سنة ونعمت الشيخة كانت ديانة وصيانة ومحبة في العلم وهي آخر من حدثت عن أكثر مشايخها المذكورين وقد سمع أبو العلاء الفرضي مني وسف الدبوسي وسمعت هي منه وبينهما في الوفاة مائة وبضع سنين انتهى
سنة ست وثمانمائة
وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن صديق بن إبراهيم بن يوسف المؤذن المعروف 55 بالرسام كان أبوه بواب الظاهرية مسند الدنيا من الرجال سمع صاحب الترجمة الكثير من الحجار وإسحق الآمدي والشيخ تقي الدين بن تيمية وطائفة وتفرد بالرواية عنهم ومتع بسمعه وعقله قال ابن حجر سمعت منه بمكة وحدث بها بسائر مسموعاته وقد رحل في السنة الماضية إلى حلب ومعه ثبت مسموعاته فأكثروا عنه وانتفعوا به وألحق جماعة من الأصاغر بالأكابر ورجع إلى دمشق ولم يتزوج فمات في شوال وله خمس وثمانون سنة وأشهر انتهى
وفيها أحمد بن إبراهيم بن علي العسلقي نسبة إلى عسالق عرب قال ابن الأهدل في تاريخ اليمن كان فقيها نحويا لغويا مفسرا محدثا وله معرفة تامة بالرجال والتواريخ ويد قوية في أصول الدين تفقه بأبيه وغيره ولم يكن يخاف في الله لومة لائم في إنكار ما أنكره الشرع لازم التدريس وإسماع الحديث والعكوف على العلم وعليه نور وهيبة وأضر بآخره قاله السيوطي في طبقات النحاة
وفيها أحمد بن علي بن محمد بن علي البكري العطاردي المؤذن بالمعروف بابن سكر سمع بإفادة أخيه شمس الدين من يحيى بن يوسف بن المصري وغيره وحدث بالقاهرة فسمع منه ابن حجر وغيره وتوفي في رجب وقد جاوز السبعين
وفيها عبد الله بن عبد الله الأكاري المغربي المالكي نزيل المدينة أقرأ بها ودرس وأفاد وناب في الحكم عن بعض القضاة وكان يتجرأ على العلماء سامحه الله قاله ابن حجر
وفيها الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم المهراني المولد العراقي الأصل الكردي العراقي الشافعي حافظ العصر قال في أنباء الغمر ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة وحفظ التنبيه واشتغل بالقراءات ولازم المشايخ في الرواية وسمع في غضون ذلك من عبد الرحيم بن شاهد الجيش وابن عبد الهادي وعلاء الدين التركماني وقرأ بنفسه على الشيخ شهاب الدين بن الباب وتشاغل بالتخريج ثم تنبه للطلب 56 بعد أن فاته السماع من مثل يحيى المصري آخر من روى حديث السلفي عاليا بالإجازة ومن الكثير من أصحاب ابن عبد الدايم والنجيب بن علاق وأدرك أبا الفتح الميدومي فأكثر عنه وهو من أعلى مشايخه إسنادا وسمع أيضا من ابن الملوك وغيره ثم رحل إلى دمشق فسمع من ابن الخباز ومن أبي عباس المرداوي ونحوهما وعنى بهذا الشأن ورحل فيه مرات إلى دمشق وحلب والحجاز وأراد الدخول إلى العراق ففترت همته من خوف الطريق ورحل إلى الأسكندرية ثم عزم على التوجه إلىتونس فلم يقدر له ذلك وصنف تخريج أحاديث الأحياء واختصره في مجلد وبيضه وكتبت منه النسخ الكثيرة وشرع في إكمال شرح الترمذي لابن سيد الناس ونظم علوم الحديث لابن الصلاح وشرحها وعمل عليه نكتا وصنف أشياء أخر كبارا وصغار وصار المنظور إليه في هذا الفن من زمن الشيخ جمال الدين الأسنائي وهلم جرا ولم نر في هذا الفن أتقن منه وعليه تخرج غالب أهل عصره ومن أخصهم به نور الدين الهيتمي وهو الذي دربه وعلمه كيفية التخريج والتصنيف وهو الذي يعمل له خطب كتبه ويسميها له وصار الهيتمي لشدة ممارسته أكثر استحضار للمتون من شيخه حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه وليس كذلك لأن الحفظ المعرفة ولي شيخنا العراقي قضاء المدينة سنة ثمان وثمانين فأقام بها نحو ثلاث سنين ثم سكن القاهرة وأنجب ولده قاضي القضاة ولي الدين لازمت شيخنا عشر سنين تخلل في أثنائها رحلاتي إلى الشام وغيرها وقرأت عليه كثيرا من المسانيد والأجزاء ويحثت عليه شرحه على منظومته وغير ذلك وشهد لي بالحفظ في كثير من المواطن وكتب لي خطه بذلك مرارا وسئل عند موته من بقي بعده من الحفاظ فبدأ بي وثنى بولده وثلث بالشيخ نور الدين وتوفي عقب خروجه من الحمام في ثاني شعبان وله إحدى وثمانون سنة وربع سنة نظير عمر شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين وفي ذلك أقول في المرثية 57
( لا ينقض عجبي من وفق عمرهما
العام كالعام حتى الشهر كالشهر )
( عاشا ثمانين عاما بعدها سنة
وربع عام سوى نقص لمعتبر )
انتهى باختصار
وفيها القاضي بل السلطان برهان الدين أبو العباس أحمد صاحب سيواس وقاضيها وسلطانها ولد بها وبها نشأ ثم قدم حلب وقرأ بها مدة قليلة وقدم القاهرة وأقام بها مدة ثم عاد إلى سيواس قال المقريزي أحمد حاكم قيصرية وتوقات وسيواس اعلم أن ممالك الروم كانت أخيرا لبني قلج أرسلان الذين أقاموا بها دين الإسلام لما انتزعوها من يد ملك القسطنطينية وكان كرسيهم قونية وأعمالهم كثيرة جدا إلى أن اتخذت سيواس كرسي ملكهم ثم إن صاحب الترجمة قدم القاهرة وأخذ بها عن شيوخ زمانه فعرف بالذكاء حتى حصل على طرف من العلم فبشره بعض الفقراء بأنه يتملك بلاد الروم وأشار إليه بعوده إليها فمضى إلى سيواس ودرس بها وصنف ونظم الشعر وهو يتزيا بزي الاجناد وسلك طريقة الأمراء فيركب بالجوارح والكلاب إلى الصيد ويلازم الخدم السلطانية إلى أن مات ابن ارثنا صاحب سيواس عن ولد صغير اسمه محمد فأقيم بعده وقام الأمر بأمره وأكبرهم الذي يرجعون إليه في الرأي قاضي سيواس والد البرهان هذا فدبر الأمر المذكورون مدة حياة القاضي فلما مات ولي ابنه برهان الدين هذا مكانه فسد مسده وأربى عليه بكثرة علمه وحسن سياسته وجودة تدبيره وأخذ في أحكام أمره فأول ما بدأ به بعد تمهيد قواعده أن فرق أعمال ولايته على الأمراء وبقي من الأمراء اثنان فريدون وغضنفر فثقلا عليه فتمارض ليقعا في قبضته فدخلا عليه يعودانه فلما استقر بهما الجلوس خرج عليهما من رجاله جماعة أقعدهم في مخدع فقبضوا عليهم وخرج من فوره فملك الأمر من غير منازع ولقب بالسلطان ثم خرج فاستولى على مملكة قرمان وقاتل من عصى عليه ونزع توقات واستمال إليه تتار الروم وهم جمع كبير لهم بأس ونجدة وشجاعة وانضاف إليه الأمير عثمان 58 قرانبك بتراكمينه فعز جانبه ثم إن قرانبك خالف عليه ومنع تقادمه التي كان يحملها إليه فلم يكترث به القاضي برهان الدين احتقارا له فصار قرانبك يتردد إلى أماسية وأرزن جان إلى أن قصد ذات يوم مصيفا بالقرب من سيواس ومر بظاهر المدينة فشق على القاضي برهان الدين كونه لم يعبأ به وركب عجلا بغير أهبة ولا كثرة جماعة وساق في أثره ليوقع به فكر عليه قرانبك بجماعته فأخذه قبضا باليد وتفرقت عسكره شذر مذر وكان قرانبك عزم أن يعيده إلى مملكته فنزل عليه شيخ نجيب فما زال به حتى قتله وكان رحمه الله فقيها فاضلا كريما جوادا قريبا من الناس شديد البأس أديبا شاعرا ظريفا لبيبا مقداما يحب العلم والعلماء ويدني إليه أهل الخير والفقراء وكان دائما يتخذ يوم الإثنين والخميس والجمعة لأهل العلم خاصة لا يدخل عليه سواهم وأقلع قبل موته وتاب ورجع إلى الله تعالى ومن مصنفاته كتاب الترجيح على التلويح وكان للأدب وأهله عنده سوق نافق وقتل في ذي القعدة انتهى كلام المقريزي باختصار
وفيها الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله تعالى الشيخ أبو بكر بن داود الصالحي الحنبلي المسلك المخلص الفقيه المتين قال الشهاب بن حجي كان معدودا في الصالحين وهو على طريقة السنة وله زاوية حسنة بسفح قاسيون فوق جامع الحنابلة وله إلمام بالعلم ومات في سابع عشرى رمضان انتهى أي ودفن بحوش تربته من جهة الشمال قريبا من الطريق قال الشيخ إبراهيم بن الأحدب في ثبته والدعاء عند قبره مستجاب وقال فيه أيضا له التصانيف النافعة منها قاعدة السفر ومنها الوصية الناصحة لم يسبق إلى مثلها ومنها النصيحة الخالصة وغير ذلك من التصانيف النافعة الدالة على فقهه وعلمه وبركته له مغارة في زاويته انقطع عن الخلق فيها انتهى
وفيها عبد الصادق بن محمد الحنبلي الدمشقي كان من أصحاب ابن المنجا ثم ولي قضاء طرابلس وسكرت سيرته وقدم دمشق فتزوج بنت السلاوي زوجة مخدومه تقي الدين بن المنجا وسعى في قضاء دمشق وتوفي في المحرم سقط عليه سقف 59 بيته فهلك تحت الردم
وفيها نور الدين أبو الحسن علي بن خليل بن علي بن أحمد بن عبد الله الحكري المصري الفقيه الحنبلي العالم الواعظ قاضي القضاة ولد سنة تسع وعشرين وسبعمائة واشتغل في الحديث والفقه وولي القضاء بالديار المصرية عبد عزل القاضي موفق الدين في جمادى الآخرة سنة اثنتين وثمانمائة وقدم مع السلطان الناصر الفرج إلى دمشق وكان يجلس بمحراب الحنابلة يعظ الناس وكانت مدة ولايته للقضاء خمسة أشهر واستمر معزولا إلى ان مات في تاسع المحرم
وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن عمر بن سلمان الخوارزمي وكان أبوه من الأجناد فنشأ هو على أجمل طريق وأحسن سيرة وأكب على الاشتغال بالعلم ثم طالع في كتب ابن حزم فهوى كلامه واشته رفي محبته والقول بمقالته وتظاهر بالظاهر وكان حسن العبادة كثير الاقبال على التضرع والدعاء والابتهال ونزل عن اقطاعه سنة بضع وثمانين وأقام بالشام ثم عاد إلى مصر وباشر عند بعض الأمراء وتوفي في تاسع صفر
وفيها نور الدين علي بن عبد الوارث بن جمال الدين محمد بن زين الدين عبد الوارث بن عبد العظيم بن عبد المنعم بن يحيى بن حسين بن موسى بن يحيى ابن يعقوب بن محمد بن عيسى بن شعبان بن عيسى بن داود بن محمد بن نوح ابن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق القرشي البكري التيمي الشافعي ظنا اشتغل بالعلم ومهر في الفقه خاصة وكان كثير الاستحضار قائما بالأمر بالمعروف شديدا على من يطلع منه على أمر منكر فجره الاكثار من ذلك إلى أن حسن له بعض أصحابه أن يتولى الحسبة فولي حسبة مصر مرارا وامتحن بذلك حتى أضر ذلك به ومات في ذي القعدة مفصولا وله ثلاث وستون سنة
وفيها زين الدين عمر بن إبراهيم بن سلميان الرهاوي الأصل ثم الحلبي كاتب الانشاء بحلب قرأ على الشيخ شمس الدين الموصلي وأبي المعالي بن عشاير وتعانى 60 الأدب وبرع في النظم وصناعته الانشاء وحسن الخط وولي كتابة السر بحلب ثم ولي خطابة جامع الأموي بعد وفاة أبي البركات الأنصاري وكان فاضلا ذا عصبية ومروءة وهو القائل
( يا غائبين وفي سرى محلهم
ذم الفؤاد بسهم البين مسفوك )
( أشتاقهم ودموع العين جارية
والقلب في ربقة الأشواق مملوك )
ومن شعره
( وحائك يحكيه بدر الدجى
وجها ويحكيه القناقدا )
( ينسج أكفانا لعشاقه
من غزل جفنيه وقد سدا )
توفي في ثاني ربيع الآخر
وفيها أبو حيان محمد بن فريد الدين حيان بن العلامة أثير الدين أبي حيان محمد بن يوسف الغرناطي ثم المصري ولد سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وسمع من جده ومن ابن عبد الهادي وغيرهما وكان حسن الشكل منور الشيبة بهي المنظر حسن المحاضرة أضر بآخره وسمع منه ابن حجر وغيره وتوفي في ثالث رجب
وفيها شمس الدين محمد بن سعد بن محمد بن علي بن عثمان بن إسمعيل الطائي الشافعي ابن خطيب الناصرية ولد سنة ثلاث وأربعين وحفظ التنبيه وتفقه على أبي الحسن البابي والكمال بن العجمي والجمال بن الشريشي وسمع من بدر الدين بن حبيب وغيره وولي خطابة الناصرية واشتهر بها أيضا وكان كثير التلاوة والعبادة سليم الصدر وهو والد قاضي قضاة حلب وتوفي في جمادى الأولى
وفيها شمس الدين محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحراني الشافعي الحموي نزيل حلب أصله من الشرق وأقدمه أبوه طفلا فسكن حماة وعلمه صناعة الحرف ثم ترك وأقبل على الاشتغال وأخذ عن شرف الدين يعقوب خطيب القلعة 61 والجمال يوسف بن خطيب المنصورية وصاهره ثم رحل إلى دمشق وأخذ عن بدر الدين القرشي ورأس وحصل وشارك في الفنون ثم قدم حلب في ثلاث وسبعين وناب في الحكم ثم قضاء الرها ثم قضاء بزاعة ثم ناب في الحكم بحلب أيضا وولي عدة تداريس وكان فاضلا تقيا مشكورا في أحكامه وتوفي في سابع ربيع الأول بالفالج
وفيها محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن حسن المصري القمني الصوفي سمع من شمس الدين بن القماح صحيح مسلم بفوت وسمع من غيره وحدث فسمع منه ابن حجر وغيره وتوفي عن سبع وسبعين سنة
وفيها أبو بكر يحيى بن عبد الله بن عبد الله بن محمد بن محمد بن زكريا الغرناطي كان إماما في الفرائض والحساب وشارك في الفنون وصنف في الفرائض كتاب المفتاح وولي القضاء ببلده وتوفي في ربيع الأول
سنة سبع وثمانمائة
فيها توفي محي الدين أبو اليسر أحمد بن تقي الدين عبد الرحمن بن نور الدين محمد بن محمد بن محمد بن الصائغ الأنصاري نزيل الصالحية ولد سنة تسع وثلاثين وسبعمائة وسمع من الوادي آشي وأحمد بن علي الجزري وزينب بنت الكمال بعناية أبيه فأكثر وسمع من زين الدين بن الوردي وعنى بالآداب وطلب بنفسه وكتب الطباق وتخرج بابن سعد وتفرد بأشياء سمعها وسمع منه ابن حجر وغيره بدمشق وكان عسرا في الرواية توفي في شهر رمضان
وفيها شهاب الدين أحمد بن كندغدي بضم الكاف وسكون النون ودال مضمومة وغين معجمة ساكنة ودال مهملة مكسورة لفظ تركي معناه بالعربية 62 ولد النهار الإمام العلامة الفقيه الحنفي ولد بالقاهرة وكان أبوه علاء الدين استادار للأمير اقتمر وكان شهاب الدين هذا يتزيا بزي الجند وطلب العلم واشتغل على علماء عصره وبرع في الفقه والأصول والعربية وغير ذلك وتفقه به جماعة وصحب الأمير شيخ الصفوي ثم اختص عند الملك الظاهر برقوق وعظم في الدولة بذلك قال المقريزي وكان يتهم بأنه هو الذي رخص للسلطان في شرب النبيذ على قاعدة مذهبه فأفضى ذلك إلى أن تعاطى ما أجمع على تحريمه وقد شافهته بذلك فلم ينكره مني فلما كانت أيام الناصر فرج بعثه رسولا إلى تيمور بعد أن عينت أنا فمات بحلب في شهر ربيع الأول وقد قارب الخمسين أو بلغها وكان من أذكياء الناس وفضلائهم انتهى
وفيها تاج الدين تاج بن محمود الأصفهندي العجمي الشافعي نزيل حلب قدم من بلاد العجم حاجا ثم رجع فسكن في حلب بالمدرسة الرواحية وأقرأ بها النحو ثم أقبلت عليه الطلبة فلم يكن يتفرغ بغير الاشتغال بل يقرىء من بعد صلاة الصبح إلى الظهر بالجامع ومن الظهر إلى العصر بجامع منكلي بغا ويجلس من العصر إلى المغرب بالرواحية وكان عفيفا ولم يكن له حظ ولا يطلع على أمر من أمور الدنيا وأسر مع اللنكية فاستنقذه الشيخ إبراهيم صاحب شماخي وأحضره إلى بلده مكرما فاستمر عنده إلى أن مات في ربيع الأول وأخذ عنه غالب أهل حلب وانتفعوا به وشرح المحرر في الفقه وتوفي عن ثمان وسبعين سنة
وفيها تمر وقيل تيمور كلاهما يجوز ابن ايتمش قنلغ بن زنكي بن سيبا بن طارم طر بن طغربك بن قليج بن سنقور بن كنجك بن طغر سبوقا الطاغية تيمور كوركان ومعناه باللغة العجمية صهر الملوك ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بقرية تسمى خواجا ابغار من عمل كش أحد مداين ما وراء النهر وبعد هذه البلدة عن سمرقند يوم واحد يقال أنه رؤي ليلة ولد كأن 63 شيئا يشبه الخودة اءى طائرا في جو السماء ثم وقع إلى الأرض في فضاء فتطاير منه شرر حتى ملأ الأرض وقيل أنه لما خرج من بطن أمه وجدت كفاه مملوءتين دما فزجروا أنه تسفك على يديه الدماء وقيل أن والده كان اسكافا وقيل بل كان أميرا عند السلطان حسين صاحب مدينة بلخ وكان أحذ أركان دولته وأن أمه من ذرية جينكز خان وقيل إن أول ما عرف من حاله أنه كان يتحرم فسرق في بعض الليالي غنمة وحملها ليمر بها فانتبه الراعي ورماه بسهم فأصاب كتفه ثم ردفه بآخر فلم يصبه ثم بآخر فأصاب فخذه وعمل عليه الجرح الثاني حتى عرج منه ولهذا يسمى تمرلنك فإن لنك باللغة العجمية أعرج ثم أخذ في التحرم وقطع الطريق وصحبه في تحرمه جماعة عدتهم أربعون رجلا وكان تيمور يقول لهم في تلك الأيام لا بد أن أملك الأرض وأقتل ملوك الدنيا فيسخر منه بعضهم ويصدقه البعض لما يروه من شدة حزمه وشجاعته قال ابن حجر كان من أتباع طقتمش خان آخر الملوك من ذرية جنكز خان فلما مات وقرر في السلطنة ولده محمود استقر تيمور أتابك وكان أعرج وهو اللنك بلغتهم فعرف بتمر اللنك ثم خفف وقيل تمرلنك وتزوج أم محمود وصار هو المتكلم في المملكة وكانت همته عالية ويتطلع إلى الملك فأول ما جمع عسكرا ونازل صاحب بخارى فانتزعها من يد أميرها حسن المغلى ثم نازل خوارزم فاتفق وفاة أميرها حسن المغلى واستقر أخوه يوسف وانتزعها اللنك أيضا ولم يزل إلى أن انتم له ملك ما وراء النهر ثم سار إلى سمرقند وتملكها ثم زحف إلى خراسان وملكها ثم ملك هراة ثم ملك طبرستان وجرجان بعد حروب طويلة سنة أربع وثمانين فلجأ صاحبها شاه وتعلق بأحمد بن أويس صاحب العراق فتوجه اللنك إليهم فنازلهم بتبريز وأذربيجان فهلك شاه في الحصار وملكها اللنك ثم ملك أصبهان وفي غضون ذلك خالف عليه أمير من جماعته يقال له قمر الدين وأعانه طقتمش خان صاحب صراي فرجع إليهم 64 ولم يزل يحاربهم إلى أن أبادهم واستقل بمملكة المغل وعاد إلى أصبهان سنة أربع وتسعين فملكها ثم تحول إلى فارس وفيها أعيان بني المظفر اليزدي فملكها ثم رجع إلى بغداد سنة خمس وتسعين فنازلها إلى أن غلب عليها وفر أحمد بن أويس صاحبها إلى الشام واتصلت مملكة اللنك بعد بغداد بالجزيرة وديار بكر فبلغته إخباره الظاهر برقوق فاستعد له وخرج بالعساكر إلى حلب فرجع إلى أذربيجان فنزل بقراباغ فبلغه رجوع طقتمش إلى صراي فسار خلفه ونازله إلى أن غلبه على ملكه في سنة سبع وتسعين ففر إلى بلغار وانضم عسكر المغل إلى اللنك فاجتمع معه فرسان التتار والمغل وغيرهم ثم رجع إلى بغداد وكان أحمد فر منها ثم عاد إليها فنازلها إلى أن ملكها وهرب أحمد ثانيا وسار إلى أن وصل سيواس فملكا ثم حاصر بهنسامدة وبلغ ذلك أهل حلب ومن حولها فانجفلوا ونازل حلب في ربيع الأول فملكها وفعل فيها الأفاعيل الشنيعة ثم تحول إلى دمشق في ربيع الآخر أي سنة ثلاث وثمانمائة وسار حتى أناخ على ظاهر دمشق من داريا إلى قطنا والحوله وما يلي تلك البلاد ثم احتاط بالمدينة وانتشرت عساكره في ظواهرها تتخطف الهاربين وقال صاحب المنهل الصافي وصار تيمور يلقي من ظفر به تحت أرجل الفيلة حتى خرج إليه أعيان المدينة بعد أن أعياه أمرهم يطلبون منه الأمان فأوقفهم ساعة ثم أجلسهم وقدم إليهم طعاما وأخلع عليهم وأكرمهم ونادى في المدينة بالأمان والاطمئنان وأن لا يعتدي أحد على أحد فاتفق أن بعض عسكره نهب شيئا من السوق فشنقه وصلبه برأس سوق البزوريين فمشى ذلك على الشاميين وفتحوا أبواب المدينة فوزعت الأموال التي كان فرضها عليهم لأجل الأمان على الحارات وجعلوا دار الذهب هي المستخرج ونزل تيمور بالقصر الأبلق من الميدان ثم تحول منه إلى دار وهدمه وحرقه وعبر المدينة من باب الصغير حتى صلى الجمعة بجامع بني أمية وقدم القاضي الحنفي محمود بن الكشك 65 للخطبة والصلاة ثم جرت مناظرة بين إمامه عبد الجبار وفقهاء دمشق وهو يترجم عن تيمور بأشياء منها وقائع علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع معاوية وما وقع ليزيد بن معاوية مع الحسين وأن ذلك كله كان بمعاونة أهل دمشق له فإن كانوا استحلوه فهم كفار وإلا فهم عصاة بغاة وأثم هؤلاء على أولئك فأجابوه بأجوبة قبل بعضها ورد البعض ثم قام من الجامع وجد في حصار القلعة حتى أعياه أمرها ولم يكن بها يومئذ إلا نفر يسير جدا ونصب عليها عدة مناجيق وعمر تجاهها قلعة عظيمة من خشب فرمى من بالقلعة على القلعة التي عمرها بسهم فيه نار فاحترقت عن آخرها فأنشأ قلعة أخرى ثم سلموها له بعد أربعين يوما بالأمان ولما أخذ تيمور قلعة دمشق أباح لمن معه النهب والسلب والقتل والإحراق فهجموا المدينة ولم يدعوا بها شيئا قدروا عليه وطرحوا على أهلها أنواع العذاب وسبوا النساء والأولاد وفجروا بالنساء جهارا ولا زالوا على ذلك أياما وألقوا النار في المباني حتى احترقت بأسرها ورحل عنها يوم السبت ثالث شعبان سنة ثلاث وثمانمائة ثم اجتاز بحلب وفعل بأهلها ما قدر عليه ثم على الرها وماردين ثم على بغداد وحصرها أيضا حتى أخذها عنوة في يوم عيد النحر من السنة ووضع السيف في أهلها وألزم جميع من معه أن يأتي كل واحد منهم برأسين من رؤس أهلها فوقع القتل حتى سالت الدماء أنهارا وقد أتوه بما التزموه فبنى من هذه الرؤس مائة وعشرين مأذنة ثم جمع أموالها وأمتعتها وسار إلى قرى باغ فجعلها خرابا بلقعا ثم قال ابن حجر فلما كان سنة أربع وثمانمائة قصد بلاد الروم فغلب عليها وأسر صاحبها أي أبا يزيد بن عثمان ومات معه في الاعتقال ودخل الهند فنازل مملكة المسلمين حتى غلب عليها وكان مغرى بقتل المسلمين وغزوهم وترك الكفار وكان شيخا طوالا شكلا مهولا طويل اللحية حين الوجه بطلا شجاعا جبارا ظلوما غشوما سفاكا للدماء مقداما على ذلك وكان أعرج سلت رجله في أوائل أمره وكان يصلي عن قيام وكان جهوري 66 الصوت يسلك الجد مع القريب والبعيد ولا يحب المزاح ويحب الشطرنج وله فيها يد طولى وزاد فيهاجملا وبغلا وجعل رقعته عشرة في أحد عشر وكان ماهرا فيه لا يلاعبه فيه إلا الأفراد وكان يقرب العلماء والصلحاء والشجعان والأشراف وينزلهم منازلهم ولكن من خالف أمره أدنى مخالفة استباح دمه وكانت هيبته لا تدانى بهذا السببب وما أخرب البلاد إلا بذلك وكان من أطاعه في أول وهلة أمن ومن خالفه أدنى مخالفة وهن وكان له فكر صائب ومكايد في الحرب وفراسة قل أن تخطىء وكان عارفا بالتواريخ لإدمانه على سماعها لا يخلو مجلسه عن قراءة شيء منها سفرا ولا حضرا وكان مغرى بمن له صناعة ما إذا كان حاذقا فيها وكان أميالا يحسن الكتابة وكان حاذقا باللغة الفارسية والتركية والمغلية خاصة وكان يقدم قواعد جنكز خان ويجعلها أصلا ولذلك أفنى جمع جم بكفره مع أن شعائر الإسلام في بلاده ظاهرة وكان له جواسيس في جميع البلاد التي ملكها والتي لم يملكها وكانوا ينهون إليه الحوادث الكائنة على جليتها ويكاتبونه بجميع ما يروم فلا يتوجه إلى جهة إلا وهو على بصيرة من أمرها وبلغ من دهائه أنه كان إذا قصد جهة جمع أكابر الدولة وتشاوروا إلى أن يقع الرأي على التوجه في الوقت الفلاني إلى الجهة الفلانية فيكاتب جواسيس تلك الجهات فيأخذ أهل تلك الجهة المذكورة حذرها ويأنس غيرها فإذا ضرب بالنفير وأصبحوا سائرين ذات الشمال عرج بهم ذات اليمين فلا يصل الخبر الثاني إلا ودهم الجهة التي يريد وأهلها غافلون وكان أنشأ بظاهر سمرقند بساتين وقصورا عجيبة وكانت من أعظم النزه وبنى عدة قصاب سماها بأسماء البلاد الكبار كحمص ودمشق وبغداد وشيراز انتهى وقال في المنهل وكان يستعمل المركبات والمعاجين ليستعين بها على افتضاض الأبكار وخرج من سمرقند في شهر رجب أي من هذه السنة قاصدا بلاد الصين والخطا وقد اشتد البرد حتى نزل على سيحون وهو جامد فعبره ومر سائرا واشتد عليه وعلى من 67 معه الرياح والثلج وهلكت دوابهم وتساقط الناس هلكى ومع ذلك فلا يرق لأحد ولا يبالي بما نزل بالناس بل يجد في السير فلما وصل إلى مدينة انزار أمر أن يستقطر له الخمر حتى يستعمله بأدوية حارة وأفاوية لدفع البرد وتقوية الحرارة وشرع يتناوله ولا يسأل عن أخبار عسكره وما هم فيه إلى أن أثرت حرارة ذلك في كبده وأمعائه فالتهب مزاجه حتى ضعف بدنه وهو يتجلد ويسير السير السريع وأطباؤه يعالجونه بتدبير مزاجه إلى أن صاروا يضعون الثلج على بطنه لعظم ما به من التلهب وهو مطروح مدة ثلاثة أيام فتلفت كبده وصار يضطرب ولونه يحمر إلى أن هلك في يوم الأربعاء تاسع عشر شعبان وهو نازل بضواحي انزار ولم يكن معه من أولاده سوى حفيده خليل بن أميران شاه بن تيمور فملك خزائن جده وتسلطن وعاد إلى سمرقند برمة جده إلى أن دفنه على حفيده محمد سلطان بمدرسته وعلق بقبته قناديل الذهب من جملتها قنديل زنته عشرة أرطال دمشقية وتقصد تربته بالنذور للتبرك من البلاد البعيدة لا تقبل الله ممن يفعل ذلك وإذا مر على هذه المدرسة أمير أو جليل خضع ونزل عن فرسه إجلالا لقبره لما له في صدورهم من الهيبة وتوفي عن نيف وثمانين سنة وخلف من الأولاد أميارن شاه والقان معين الدين شاه رخ صاحب هراة وبنتا يقال لها سلطان بخت وعدة أحفاد انتهى باختصار
وفيها جمال الدين أبو المعالي عبد الله بن عمر بن علي بن مبارك الهندي السعودي الأزهري المعروف بالحلاوي بمهملة ولام خفيفة ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وسمع الكثير من يحيى المصري وأحمد بن علي المستولي وإبراهيم الخيمي وجمع جم من أصحاب النجيب وابن علان وابن عبد الدايم فأكثر قال ابن حجر كان ساكتا خيرا صبورا على الاسماع قل أن يعتريه نعاس قرأت عليه مسند أحمد في مدة يسيرة في مجالس طوال وكان لا يضجر وفي الجملة لم يكن في شيوخ الرواية من شيوخنا أحسن أداء منه ولا أصغى للحديث وتوفي في صفر وقد قارب الثمانين 68
وفيها جمال الدين عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن إدريس بن نصر النحريري المالكي ولد سنة أربعين وسبعمائة واشتغل بالعلم بدمشق وبمصر وسمع من الظهير ابن العجمي وغيره ثم ناب في الحكم بحلب ثم ولي قضاء حلب سنة سبع وستين ثم أراد الظاهر إمساكه لما قام عليه فأحس بذلك فهرب إلى بغداد فأقام بها على صورة فقيل فلم يزل هناك إلى أن وقعت الفتنة اللنكية ففر إلى تبريز ثم إلى حصن كيفا فأكرمه صاحبها فأقام عنده وكان صاحب الترجمة يحب الفقهاء الشافعية وتعجبه مذاكرتهم ثم رجع إلى حلب ثم توجه إلى دمشق سنة ست فحج ورجع قاصدا الحصن وكان إماما فاضلا فقيها يستحضر كثيرا من التاريخ ويحب العلم وأهله وكان من أعيان الحلبيين وتوفي بسرمين راجعا من الحج بكرة يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الأول
وفيها عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن لاجين الرشيدي قال ابن حجر سمع الميدومي وابن الملوك وغيرهما وكان يلازم قراءة صحيح البخاري وسمعت لقراءته وكان حسن الأداء وسمعت منه من المعجم الكبير أجزاء مات في رجب وقد جاوز السبعين بأشهر انتهى
وفيها أبو بكر عبد الرحمن بن عبد العزيز بن أحمد بن عثمان بن أبي الرجال ابن أبي الأزهر الدمشقي المعروف بابن السعلوس سمع من زينب بنت الخباز وحدث عنها وأجاز لابن حجر
وفيها شرف الدين عبد المنعم بن سليمان بن داود البغدادي ثم المصري الحنبلي ولد ببغداد قدم إلى القاهرة وهو كبير فحج وصحب القاضي تاج الدين السبكي وأخاه الشيخ بهاء الدين وتفقه على قاضي القضاة موفق الدين وغيره وعين لقضاء الحنابلة بالقاهرة فلم يتم ذلك ودرس بمدرسة أم الأشرف شعبان وبالمنصورية وولي افتاء دار العدل ولازم الفتوى وانتهت إليه رياسة الحنابلة بها وانقطع نحو عشر سنين بالجامع الأزهر يدرس ويفتي ولا يخرج منه إلا في النادر وأخذ عنه جماعات وأنشد قبل موته من نظمه 69
( قرب الرحيل إلى ديار الآخرة
فاجعل بفضلك خير عمري آخره )
( وارحم مقيلي في القبور ووحدتي
وارحم عظامي حين تبقى ناخره )
( فأنا المسيكين الذي أيامه
ولت بأوزار غدت متواترة )
( لا تطردن فمن يكن لي راحما
وبحار جودك يا إلهي ذاخره )
( يا مالكي يا خالقي يا رازقي
يا راحم الشيخ الكبير وناصره )
( مالي سوى قصدي لبابك سيدي
فاجعل بفضلك خير عمري آخره )
وتوفي بالقاهرة في ثامن عشر شوال
وفيها جلال الدين عبد الله بن عبد الله الأردبيلي الحنفي لقي جماعة من الكبار بالبلاد العراقية وغيرها وقدم القاهرة فولي قضاء العسكر ودرس بمدرسة الأشرف بالتبانة وغير ذلك وتوفي في أواخر شهر مضان
وفيها علاء الدين علي بن إبراهيم بن علي القضاعي الحموي الحنفي تفقه بالقاضي صدر الدين بن منصور وأخذ النحو عن سرى الدين المالكي وبرع في الأدب وكتب في الحكم عن البارزي ثم ولي القضاء بحماة وكان من أهل العلم والفضل والذكاء مع الدين والخير والرياسة وسمع منه ابن حجر لما قدم القاهرة في آخر سنة ثلاث وثمانمائة ومن شعره
( عين على المحبوب قد قال لي
راح إلى غيرك يبغي اللجين )
( فجئته بالتبر مستدركا
وقلت ما جئتك إلا بعين )
وتوفي ثامن عشر ربيع الأول
وفيها نور الدين علي بن سراج الدين عمر بن الملقن الشافعي ولد في سابع شوال سنة ثمان وستين وسبعمائة وتفقه قليلا وسمع من أبيه وبعض المشايخ بالقاهرة ورحل مع أبيه إلى دمشق وحماة وأسمعه هناك وناب في الحكم ودرس بمدارس أبيه بعده وكان عنده سكون وحياء وتمول في الآخر وكثرت معملاته وتوفي في شعبان 70
وفيها نور الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر الهيثم الشافعي الحافظ ولد في رجب سنة خمس وثلاثين وسبعمائة وصحب الشيخ زين الدين العراقي وهو صغير فسمع معه من ابتداء طلبه على أبي الفتح الميدومي وابن الملوك وابن القطرواني وغيرهم من المصريين ومن ابن الخبار وابن الحموي وابن قيم الضيائية وغيرهم من الشاميين ثم رحل جميع رحلاته معه أي مع العراقي وحج معه حجاته ولم يكن يفارقه حضرا ولا سفرا وتزوج بنته وتخرج به في الحديث وقرأ عليه أكثر تصانيفه فكتب عنه جميع مجالس املائه وسمع بنفسه وعنى بهذا الشأن وكتب وجمع وصنف فمن تصانيفه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد جمع فيه زوائد المعاجم الثلاثة الطبراني ومسند الإمام أحمد بن حنبل ومسند البزار ومسند أبي يعلى وحذف أسانيدها وجمع ثقات ابن حبان ورتبها على حروف المعجم وكذا ثقات العجلي ورتب الحلية على الأبواب وصار كثير الاستحضار للمتون جدا لكثرة الممارسة وكان هينا لينا خيرا محبا لأهل الخير لا يسأم ولا يضجر من خدمة الشيخ وكتابة الحديث كثير الخير سليم الفطرة قال ابن حجر قرأت عليه الكثير قرأنا للشيخ ومما قرأت عليه بانفراده نحو النصف من منجمع الزوائد له وغير ذلك وكان يشهد لي بالتقدم في الفن جزاه الله عني خيرا وكنت قد تتبعت أوهامه في كتابه مجمع الزوائد فبلغني أن ذلك شق عليه فتركته رعاية له انتهى وتوفي بالقاهرة ليلة الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان ودفن خارج باب البرقوقية
وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن وفا قال في المنهال الصافي الشيخ الواعظ المعتقد الصالح الأديب الأستاذ المعروف بسيد علي بن وفا الأسكندري الأصل المالكي الشاذلي صاحب النظم الفائق والألحان المحزنة الحسنة والحزب 71 المعروف عند بني وفا ولد بالقاهرة سنة تسع وخمسين وسبعمائة ومات أبوه وتركه صغيرا ونشأ هو وأخوه أحمد تحت كنف وصيهما العبد الصالح شمس الدين محمد الزيلعي فأدبهما وفقههما فنشآ على أحسن حال وأجمل طريقة ولما صال عمر سيدي على هذا سبع عشرة سنة جلس موضع أبيه وعمل الميعاد وأجاد وأفاد وشاع ذكره وبعد صيته واشتهر أعظم من شهرة أبيه قال المقريزي وتعددت أتباعه وأصحابه ودانوا بحبه واعتقدوا رؤيته عبادة وتبعوه في أقواله وأفعاله وبالغوا في ذلك مبالغة زائدة وسمعوا ميعاده المشهد وبذلوا رغائب أموالهم هذا مع تحجبه وتحجب أخيه والتحجب الكثير إلا عند عمل الميعاد والبروز لقبر أبيهما أو تنقلهما في الأماكن فنالا من الحظ ما لا ناله من هو في طريقتهما وكان أي صاحب الترجمة جميل الطريقة مهابا معظما صاحب كلام بديع ونظم جيد انتهى ثم قال في المنهل وكان فقيها عارفا بفنون من العلوم بارعا في التصوف مستحضرا لتفسير القرآن الكريم وله تآليف منها كتاب الباحث على الخلاص في أحوال الخواص وتفسير القرآن العزيز وكتاب الكوثر المترع في الأبحر الأربع في الفقه وديوان شعر معروف منه
( ترفق فسهم الوجد في مهجتي رشق
ملكت فأحسن فالتجلد قد ابق )
( وطال على الهجر واتصل الضني
وقصر عني الصبر وانعدم الرمق )
وهي طويلة انتهى ملخصا وقال ابن حجر في أنباء الغمر كان له نظم كثير واقتدار على جلب الخلق مع خفة ظاهرة اجتمعت به مرة في دعوة فأنكرت على أصحابه إيمائهم إلى جهته بالسجود فتى هو وهو في وسط السماع يدور فأينما تولوا فثم وجه الله فنادى من كان حاضرا من الطلبة كفرت كفرت فترك المجلس وخرج هو وأصحابه وكان أبوه معجيا به وأذن له في الكلام على الناس وكان أكثر إقامته بالروضة قريب المشتهى وشعره ينعق بالاتحاد المفضي إلى الالحاد وكذا نظم والده ونصب في أواخر أمره منبرا في داره 72 وصار يصلي الجمعة هو من يصاحبه مع أنه مالكي المذهب يرى أن الجمعة لا تصح في البلد وإن كبر إلا في المسجد العتيق من البلد انتهى باختصار وتوفي بالروضة يوم الثلاثاء ثاني عشرى ذي الحجة ودفن عند أبيه في القرافة
وفيها شمس الدين محمد بن عبد الرحيم بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد العزيز بن محمد الحنفي المعروف بابن الفرات المصري سمع من أبي بكر بن الصباح راوي دلائل النبوة وتفرد بالسماع منه وسمع الشفاء للقاضي عياض من الدلاصي وأجاز له أبو الحسن البندنيجي وتفرد إجازته في آخرين وكان لهجا بالتاريخ فكتب تاريخا كبيرا جدا بيض بعضه فأكمل منه المائة الثامنة ثم السابعة ثم السادسة في نحو عشرين مجلدا ثم شرع في تبييض الخامسة والرابعة فأدركه أجله وكتب شيئا يسيرا منه أول القرن التاسع وتاريخه هذا كثير الفائدة إلا أنه بعبارة عامية جدا وكان يتولى عقود الأنكحة ويشهد في الحوانيت ظاهر القاهرة مع الخير والدين والسلامة مات ليلة عيد الفطر وله اثنتان وسبعون سنة
وفيها أبو الطيب محمد بن عمر بن علي السحولي بضم المهملتين اليمني ثم المكي المؤذن ولد سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة في رمضان وسمع الشفاء على الزبير بن علي الأسواني وهو آخر من حدث عنه وسمع على الجمال المطري وغيره وأجاز له عيسى الحجي وآخرون وسمع منه ابن حجر في آخرين وتوفي يوم التروية وقد أضر بآخره وكان حسن الخط جيد الشعر
وفيها شمس الدين محمد بن قرموز الزرعي تفقه قليلا وحصل ومهد ونظم الشعر الحسن وولي قضاء القدس وغيره ثم توجه إلى قضاء الكرك فضعف فرجع إلى دمشق فمات بها في رجب وقد بلغ السبعين
وفيها سراج الدين أبو الطيب محمد بن محمد بن عبد اللطيف بن أحمد بن محمود 73 الربعي المعروف بابن الكويك قال ابن حجر سمع من الميدومي وغيره وهو أخو شيخنا شرف الدين أبو الطيب الأصغر توفي في وسط السنة
وفيها شرف الدين عيسى بن حجاج السعدي المصري الحنبلي الأديب الفاضل المعروف بعويس العالية كان فاضلا في النحو واللغة وله النظم الرايق وله بديعية في مدح النبي مطلعها
( سل ما حوى القلب في سلمى من العبر
فكلما خطرت أمسى على خطر )
وله أشياء كثيرة وسمى عويس العالية لأنه كان عالية في لعب الشطرنج وكان يلعب به استدبارا وتوفي في أوائل المحرم ذكره العليمي في طبقاته
سنة ثمان وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن عماد بن محمد بن يوسف الأقفهسي بفتح الهمزة وسكون القاف وفتح الفاء وسكون الهاء المعروف بابن العماد أحد أئمة الفقهاء الشافعية ولد قبل الخمسين وسبعمائة واشتغل في الفقه والعربية وغير ذلك وأخذ عن الجمال الأسنوي وغيره وصنف التصانيف المفيدة نظما ونثرا ومتنا وشرحا منها أحكام المساجد وأحكام النكاح وحوادث الهجرة وكتاب التبيان فيما يحل ويحرم من الحيوان ورفع الألباس عن دهم الوسواس وشرح حوادث الهجرة له والقول التام في أحكام المأموم والإمام وغير ذلك وسمع منه ابن حجر وكتب عنه برهان الدين محدث حلب
وفيها أبو هشام أحمد بن محمد بن إسماعيل بن عبد الرحيم بن يوسف بن شمير ابن حازم المصري المعروف بابن البرهان الظاهري التيمي ولد بين القاهرة ومصر في ربيع الأول سنة أربع وخمسين وسبعمائة وهو أحد من قام على الظاهر برقوق وكان أبوه من العدول ونشأ أحمد بالقاهرة واشتغل بالفقه على 74 مذهب الشافعي ثم صحب شخصا ظاهري المذهب فجلبه إلى النظر في كلام أبي محمد بن حزم فأحبه ثم نظر في كلام ابن تيمية فغلب عليه حتى صار لا يعتقد أن أحدا أعلم منه وكانت له نفس أبية ومروءة وعصبية ونظر كثيرا في أخبار الناس فكانت نفسه تطمح إلى المشاركة في الملك وليس له قدم فيه لا من عشيرة ولا من وظيفة ولا من مال ثم رحل إلى الشام والعراق يدعو إلى طاعة رجل من قريش فاستقرأ جميع المملاك فلم يلغ قصدا ثم رجع إلى الشام فاستغوى كثيرا من أهلها ومن أهل خراسان وآخر الأمر قبض عليه وعلى جماعة من أصحابه بحمص وحمل الجميع في القيود إلى الديار المصرية فأوقفه الظاهر برقوق بين يديه ووبخه على فعله وضرب أصحابه بالمقارع ثم حبسه مدة طولة ثم أطلقه في سنة إحدى وتسعين وطال خموله إلى أن توفي وأطنب المقريزي في الثناء عليه وأمعن وزاد لكونه كان ظاهريا وذكر أنه كان فقيرا عادما للقوت وتوفي يوم الخميس السادس والعشرين من جمادى الأولى
وفيها شيخ زاده العجمي الحنفي قدم من بلاده إلى حلب سنة أربع وتسعين وسبعمائة وهو شيخ ساكن يتكلم في العلم بسكون ويتعانى حل المشكلات فنزل في جوار القاضي محب الدين بن الشحنة فشغل الناس قال ابن حجر وكان عالما بالعربية والمنطق والكشاف وله اقتدار على حل المشكلات من هذه العلوم ولقد طارحه سراج الدين الفوي بأسئلة من العربية وغيرها نظم ونثر منها في قول الكشاف أن الاستثناء في قوله تعالى (
إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين إلا آل لوط ) متصل او منقطع فأجابه جوابا حسنا بأنه إن كان يتعلق بقوم يكون منقطعا لأن القوم صفتهم الإجرام أو عن الضمير في صفتهم فيكون متصلا واستشكل أن الضمير هو الموصوف المقيد بالصفة فلو قلت مررت بقوم مجرمين إلا رجلا صالحا كان الاستثناء منقطعا فينبغي أن يكون الاستثناء منقطعا في الصورتين فأجاب بأنه لا إشكال قال وغاية ما يمكن أن يقال أن الضمير المستكن في المجرمين 75 وإن كان عائدا إلى القوم بالإجرام إلا أن إسناد الإجرام إليه يقتضي تجرده عن اعتبار اتصافه بالإجرام فيكون إثباتا للنائب إلى آخر كلامه ثم دخل القاهرة وولي بعد ذلك تدريس الشيخونية ومشيختها فأقام مدة طويلة إلى أن كان في أواخر هذه السنة فإنه طال ضعفه فسعى عليه القاض كمال الدين بن العديم أنه خرف ورتب على الوظيفة فاستقر فيها بالجاه فتألم لذلك هو وولده ومقت أهل الخير ابن العديم بسبب هذا الصنع ومات الشيخ زاده عن قرب ودفن بالشيخونية
وفيها أمين الدين سالم بن سعيد بن علوي الحساني الشافعي قدم القدس وهو ابن عشرين سنة فتفقه بها ثم قدم دمشق في حياة السبكي واشتغل ودوام على ذلك وتفقه بعلاء الدين حجي وغيره وأخذ النحو عن الكسكي وغيره وقدم القاهرة فقرأ في النحو على ابن عقيل وفي الفقه على البلقيني وقدم معه دمشق ولما ولي قضاءها ولاه قضاء بصري ثم لم يزل ينتقل في النيابة بالبلاد إلى أن مات في جمادى الأولى وقد جاوز السبعين
وفيها زين الدين أبو العز طاهر بن الحسن بن عمر بن الحسن بن حبيب بن شريح الحلبي الحنفي ولد بعد الأربعين وسبعمائة بقليل واشتغل بالعلم وتعانى الأدب ولازم الشيخين أبا جعفر الغرناطي وابن حازم وسمع من إبراهيم بن الشهاب محمود وغيره وأجاز له أبو العباس المرداوي خاتمة أصحاب ابن عبد الدايم وجماعة وحصل وبرع في الأدب وغيره وصنف وكتب في ديوان الانشاء بحلب ثم رحل إلى دمشق وأقام بها مدة ثم توجه إلى القاهرة وكتب بها في ديوان الإنشاء وولي عدة وظائف وكان يكتب الخط المنسوب وله نظم ونثر نظم تلخيص المفتاح في المعاني والبيان وشرح البردة للبوصيري وخمسها وذيل على تاريخ والده ومن شعره
( قلت له إذ ماس في أخضر
وطرفه ألبابنا يسحر ) 76
( لحظك ذا أو أبيض مرهف
فقال هذا موتك الأحمر )
وتوفي في القاهرة يوم الجمعة سابع عشر ذي الحجة
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن علي بن خلف الفارسكوري الشافعي العلامة ولد سنة خمس وخمسين وسبعمائة وقدم القاهرة ولازم الاشتغال وتفقه على الشيخ جمال الدين والشيخ سراج الدين وغيرهما وسمع الحديث فأكثر وكتب بخطه المليح كثيرا ثم تقدم وصنف وعمل شرحا على شرح العمدة لابن دقيق العيد وجمع فيه أشياء حسنة وكان له حظ من العبادة والمروءة والسعي في قضاء حوائج الغرباء لا سيما أهل الحجاز وقد ولي قضاء المدينة ولم تتم له مباشرة ذلك واستقر في سنة ثلاث وثمانمائة في تدريس المنصورية ونظر الظاهرية ودرسها فعمرها أحسن عمارة وجد في مباشرته وقد جاور بمكة وصنف بها شيئا يتعلق بالأحكام قال ابن حجر وكان يودني وأوده وسمع بقراءتي وسمعت بقراءته وأسفت عليه جدا وقد سئل في مرض موته أن ينزل عن بعض وظائفه لبعض من يحبه من رفقته فقال لا أتقيد بها حيا وميتا وتوفي في رجب وله ثلاث وخمسون سنة
وفيها ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الرحيم الحضرمي الأشبيلي المالكي المعروف بابن خلدون ولد يوم الأربعاء أول شهر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة بمدينة تونس ونشأ بها وطلب العلم وسمع من الوادي آشي وغيره وقرأ القرآن على عبد الله بن سعد بن نزال أفراد وجمعا وأخذ العربية عن أبيه وأبي عبد الله السايري وغيرهما وأخذ الفقه عن قاضي الجماعة ابن عبد السلام وغيره وأخذ عن عبد المهيمن الحضرمي ومحمد بن إبراهيم الأربلي شيخ المعقول بالمغرب وبرع في العلوم وتقدم في الفنون ومهر في الأدب والكتابة وولي كتابة السر بمدينة فاس لأبي عنان ولأخيه أبي سالم ورحل إلى غرناطة 77 في الرسيلة سنة تسع وستين وكان ولي بتونس كتابة العلامة ثم ولي الكتابة بفاس ثم اعتقل سنة ثمان وخمسين نحو عامين ودخل بجاية فراسله صاحبها فدبر أموره ثم رحل بعد أن مات إلى تلمسان باستدعاء صاحبها فلم يقم بها ثم استدعاه عبد العزيز بفاس فمات قبل قدومه فقبض عليه ثم خلص فسار إلى مراكش وتنقلت به الأحوال إلى أن رجع إلى تونس سنة ثمانين فأكرمه سلطانها فسعوا به عند السلطان إلى أن وجد غفلة ففر إلى الشرق وذلك في شعبان سنة أربع وثمانين ثم ولي قضاء المالكية بالقاهرة ثم عزل وولي مشيخة البيبرسية ثم عزل عنها ثم ولي القضاء مرارا آخرها في رمضان من هذه السنة فباشره ثمانية أيام فأدركه أجله وكان ممن رافق العسكر إلى تمرلنك وهو مفصول عن القضاء واجتمع بتمرلنك وأعجبه كلامه وبلاغته وحسن ترسله إلى أن خلصه الله من يده وصنف التاريخ الكبير في سبع مجلدات ضخمة أظهرت فيه فضائله وأبان فيه عن براعته وكان لا يتزيا بزي القضاء بل هو مستمر على طريقته في بلاده قال لسان الدين بن الخطيب في تاريخ غرناطة رجل فاضل جم الفضائل رفيقع القدر أسيل المجد وقور المجلس عالي الهمة قوي الجأش متقدم في فنون عقلية ونقلية كثير الحفظ صحيح التصور بارع الحظ حسن العشرة فخر من مفاخر الغرب قال هذا كله في ترجمته والمترجم في حد الكهولة وتوفي وهو قاض فجأة يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر وله ست وسبعون سنة وخمسة وعشرون يوما
وفيها قوام الدين قوام بن عبد الله الرومي الحنفي قال ابن حجر قدم الشام وهو فاضل في عدة فنون فأشغل وأفاد وصاهر بدر الدين بن مكتوم وولي تصديرا بالجامع وصحب النواب وكان سليم الباطن كثير المروءة والمساعدة للناس مات في ربيع الآخر بدمشق 78
وفيها شمس الدين محمد بن أبي بكر بن إبراهيم الجعبري الحنبلي العابر كان يتعاطى صناعة القبان وتنزل في دروس الحنابلة وتنزل في سعيد السعداء وفاق في تعبير الرؤيا ومات في جمادى الآخرة
وفيها أمير المؤمنين المتوكل على الله أبو عبد الله محمد بن المعتضد أبي بكر ابن المستكفي سليمان بن الحاكم أحمد العباسي ولد سنة ست وأربعين وسبعمائة أو نحوها وتولى الخلافة في سنة ثلاث وستين بعهد من أبيه إليه واستمر في ذلك إلى أن مات في شعبان من هذه السنة سوى ما تخلل من السنين التي غضب عليه فيها الظاهر برقوق واستقر بعده في الخلافة ولده أبو الفضل العباسي ولقب المستعين بالله بعهد من أبيه
وفيها شمس الدين محمد بن شرف الدين أبي بكر بن محمد بن الشهاب محمود بن سليمان بن فهد الحلبي الأصل الدمشقي ولد في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وحضر على البرزالي وأبي بكر بن قوام وشمس الدين بن السراج والعلم سليمان المنشد بطريق الحجاز في سنة تسع وثلاثين وسمع في سنة ثلاث وأربعين من عبد الرحيم بن أبي اليسر ويعقوب بن يعقوب الجزري وغيرهما وحدث وكان شكلا حسنا كامل الثغر مفرط السمن ثم ضعف بعد الكائنة العظمى وتضعضع حاله بعد ما كان مثريا وكان يكثر الانجماع عن الناس مكبا على الاشغال بالعلم ودرس بالبادرائية نيابة وكان كثير من الناس يعتمد عليه لأمانته ونقله توفي في خامس عشرى جمادى الأولى وكان أبوه موقع الدست بدمشق وكان قد ولي قبل ذلك كتابة السر
وفيها شمس الدين محمد بن الحسن بن الأسيوطي كان عالما بالعربية حسن التعليم لها انتفع به جماعة وكان يعلم بالأجرة وله في ذلك وقائع عجيبة تنبىء عن دناءة شديدة وشح مفرط وكان منقطعا إلى القاضي شمس الدين بن الصاحب الموقع 79 ونبغ له ولده شمس الدين محمد لكن مات شابا قبله رحمهما الله تعالى قاله ابن حجر
وفيها محمد بن عبد الرحمن بن عبد الخالق بن سنان البرشسي بفتح الموحدة التحتية وسكون الراء وفتح المعجمة بعدها سين مهملة الشافعي اشتغل قديما وسمع من القلانسي ونحوه وحدث وأفاد ودرس مع الدين والخير وله منظومة في علم الحديث وشرحها وشرح أسماء رجال الشافعي وله كتاب في فضل الذكر وغير ذلك وسمع عليه ابن حجر وتوفي عن سبعين سنة
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن الخضري الزبيدي العيزري الغزي الشافعي ولد في ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة وتفقه بالقاهرة على ابن عدلان وأحمد بن محمد العطار ومحي الدين ولد مجد الدين الزنكلوني وقرأ على البرهان الحكري ورجع إلى غزة سنة أربع وأربعين وسبعمائة فاستقر بها ودخل دمشق وأخذ عن البهاء المصري والتقي والتاج السبكيين وغيرهم وأذن له البد رمحمود بن علي بن هلال في الافتاء وأخذ عن القطب التحتاني وصنف تصانيف في عدة فنون وكتب على أسئلة من عدة علوم وله مناقشة على جمع الجوامع وذكر أنه شرحه واختصر القوت للأذرعي وله تعليق على الشرح الكبير للرافعي ونظم في العربية أرجوزة سماها قضم الضرب في نظم كلام العرب وتوفي في نصف ذي الحجة
وفيها كمال الدين أبو البقاء محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدميري بالفتح والكسر نسبة إلى دميرة قرية بمصر الشافعي العلامة ولد في أوائل سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة وتفقه على الشيخ بهاء الدين أحمد السبكي والشيخ جمال الدين الأسنوي والقاضي كمال الدين النويري المالكي وأجازه بالفتوى والتدريس وأخذ الأدب عن الشيخ برهان الدين القيراطي وبرع في الفقه والحديث والتفسير والعربية وسمع جامع الترمذي على المظفر العطار المصري وعلى علي بن أحمد الفرضي الدمشقي مسند أحمد بن حنبل بفوت يسير وسمع بالقاهرة 80 من محمد بن علي الحراوي وغيره ودرس في عدة أماكن وكان ذا حظ من العبادة تلاوة وصياما ومجاورة بالحرمين ويذكر عنه كرامات كان يخفيها وربما أظهرها وأحالها على غيره وصنف شرح المنهاج في أربع مجلدان ونظم في الفقه أرجوزة طويلة وله كتاب حياة الحيوان كبرى وصغرى ووسطي أبان فيها عن طول باعه وكثرة اطلاعه وشرع في شرح ابن ماجه فكتب مسودة وبيض بعضه ودرس بالأزهر وبمكة المشرفة وتزوج بها في بعض مجاوراته ورزق فيها أولادا وتوفي بالقاهرة في ثالث جمادى الأولى
وفيها شمس الدين محمد الحنبلي المعروف بابن المصري قال ابن حجر كان من نبهاء الحنابلة يحفظ المقنع وهو آخر طلبة القاضي موفق الدين موتا وكان قد ترك وصار يتكسب في حانوت بالصاغة
وفيها محي الدين محمود بن نجم الدين أحمد بن عماد الدين إسماعيل بن العز الحنفي ابن الكشك اشتغل قليلا وناب عن أبيه واستقل بالقضاء وقتا ولما كانت فتنة تيمور دخل معهم في المنكرات وولي القضاء من قبلهم ولقب قاضي المملكة واستخلف بقية القضاة من تحت يده وخطب بالجامع ودخل في المظام وبالغ في ذلك فكرهه الناس ومقتوه ثم اطلع تمر على أنه خانه فصادره وعاقبه وأسره إلى أن وصل تبريز فهرب ودخل القاهرة فكتب توقيعا بقضاء الشام فلم يمضه نائب الشام شيخ واستمر خاملا وتفرق أخوه وأولاده وظائفه ثم صالحوه على بعضها وتوفي في ذي الحجة قاله ابن حجر وهو والد رئيس الشام شهاب الدين
سنة تسع وثمانمائة
فيها قويت فتن جكم وشيخ ونوروز حتى بويع جكم بالسلطنة بالشام ولقب بالعادل ثم قتل في أثناء ذلك كبابه فرسه فمات
وفيها توفي صارم الدين إبراهيم بن محمد بن ايدمر بن دقماق الحنفي ولد بمصر في حدود خمسين وسبعمائة وتزيا بزي الجند وطلب العلم وتفقه يسيرا ومال 81 إلى الأدب ثم حبب إليه التاريخ فمال إليه بكليته وكتب الكثير وصنف قال الشيخ تقي الدين المقريزي مال إلى فن التاريخ فأكب عليه حتى كتب نحو مائتي سفر من تأليفه وغيره وكتب تاريخا كبيرا على السنين وآخر على الحروف وإخبار الدولة التركية في مجلدين وأفرد سيرة الملك الظاهر برقوق وكتب طبقات الحنفية وامتحن بسببها وكان عارفا بأمور الدولة التركية ومذاكرا بجملة إخبارها مستحضرا لتراجم أمرائها ويشارك في إخبار غيرها مشاركة جيدة وكان جميل العشرة فكه المحاضرة كثير التودد حافظا للسانه من الوقيعة في الناس لا تراه يذم أحدا من معارفه بل يتجاوز عن ذكر ما هو مشهور عنهم مما يرمي به أحدهم ويعتذر عنهم بكل طريق صحبته مدة وجاورني سنين انتهى كلام المقريزي قال ابن حجر ولي في آخر الأمر إمرة دمياط فلم تطل مدته فيها ورجع إلى القاهرة وكان مع اشتغاله بالأدب عريا عن العربية عامي العبارة مات بالقاهرة في أواخر ذي الحجة وقد جاوز الستين
وفيها شهاب الدين أحمد بن خاص التركي الحنفي أحد الفضلاء المتميزين من الحنفية أخذ عن بدر الدين العيني المحتسب وكان يطريه وتوفي بالقاهرة قاله ابن حجر
وفيها شهاب الدين أحمد بن عبد الله العجمي الحنبلي أحد الفضلاء الأذكياء قال ابن حجر أخذ عن كثير من شيوخنا ومهر في العربية والأصول وقرأ في علوم الحديث ولازم الاشغال في الفنون مات عن ثلاثين سنة بالطاعون في شهر رمضان بالقاهرة انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن عمر بن علي بن عبد الصمد البغدادي الجوهري ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة وقدم من بغداد قديما مع أخيه عبد الصمد فسمعا من المزي والذهبي وداود بن العطار وغيرهم وسمع بالقاهرة من شرف الدين بن عسكر وكان يحب التواجد في السماع مع المروؤة التامة 82 والخبر والمعرفة بصنف الجوهر قال ابن حجر قرأت عليه سنن ابن ماجه بجامع عمرو بن العاص وقرأت عليه قطعة كبيرة من طبقات الحفاظ للذهبي وقطعة كبيرة من تاريخ بغداد للخطيب مات في ربيع الأول وقد جاوز الثمانين وتغير ذهنه قليلا
وفيها أحمد بن محمد بن عبد الغالب الماكسيني ولد في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة وسمع من جماعة وحدث وهو من بيت رواية وكان يكتب القصص ثم جلس مع الشهود بالعادلية وكان يكتب خطا حسنا وتوفي في صفر
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن قماقم وقماقم لقب أبيه الدمشقي الفقاعي الشافعي كان أبوه فقاعيا واشتغل هو بالعلم وأخذ هو عن علاء الدين ابن حجي وقرأ بالروايات على ابن السلار قدم القاهرة في سنة الكائنة العطمى فأقام بها مدة ورجع إلى دمشق وسمع على البلقيني في الفقه والحديث قال ابن حجي كان يستحضر البويطي سمعت البلقيني يسميه البويطي الكبير في استحضاره له ودرس بالأمجدية وتوفي بدمشق في جمادى الآخرة
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن نشوان بن محمد بن نشوان بن محمد بن أحمد الشافعي قال ابن قاضي شهبة الإمام العالم أبو العباس الحواري الدمشقي مولده سنة سبع وخمسين وسبعمائة وقدم دمشق وقرأ القرآن ثم أقرأ ولدي الشيخ شهاب الدين الزهري واشتغل في العلم معهما وبسببهما على الشيخ شهاب الدين ولازمه كثيرا وحضر عند مشايخ العصر إلى أن تنبه وفضل وانتهى في الشامية البرانية سنة خمس وثمانين وظهر فضله وأذن له الشيخ شهاب الدين الزهري بالإفتاء ثم نزل له الشيخ شهاب الدين بن حجي عن إعادة الشامية البرانية بعوض وجلس للاشغال بالجامع ولما كان بعد الفتنة ناب في القضاء ولازم الجامع للاشغال وانتفع به الطلبة وقصد بالفتاوى وكان يكتب عليها 83 كتابة حسنة ودرس في آخر عمره بالعذراوية وكان عاقلا ذكيا يتكلم في العلم بتؤدة وسكون عند انصاف وله محاضرة حسنة ونظم وكان في يده جهات كثيرة ومات ولم يحج مرض بالاستسقاء وطال مرضه حتى رأى العب رفي نفسه وتوفي بالبيمارستان النوري في جمادى الأولى ودفن بمقابر الصوفية عند شيخه انتهى باختصار
وفيها بدر الدين أحمد بن محمد بن عمر بن محمد الطنبذي بضم الطاء والموحدة بينهما نون ساكنة آخره معجمة نسبة إلى طنبذا قرية بمصر الشافعي العالم الأوحد قال ابن قاضي شهبة أحد مشاهير الشافعية الأعلام بالقاهرة اشتغل كثيرا ولازم أبا البقاء والأسنوي والبلقيني وغيرهم وأفتى ودرس ووعظ ومهر في العربية والتفسير والأصول والفقه وسمع الحديث من جماعة وكان ذكيا فصيحا يلقى على الطلبة دروسا حافلة وتخرج به جماعة كثير لكنه لم يكن مرضى الديانة سامحه الله توفي في ربيع الأول
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد البالسي الأصل ثم الدمشقي الحنفي الحواشي اشتغل في صباه وصاهر أبا البقاء على ابنته وأفتى ودرس وناب في الحكم وولي نظر الأوصياء ووظائف كثيرة بدمشق وكان حسن السيرة ثم ناب في الحكم وسعى في القضاء استقلالا فباشر قليلا جدا ثم عزل ثم سعى فلم يتم له ذلك وتوفي في جمادى الآخرة
وفيها بدر الدين حسن بن علي بن عمر الأسعردي قال ابن حجر صاحبنا كان من بيت نعمة وثروة فأحب سماع الحديث فسمع الكثير وكتب الطباق وحصل الأجزاء وسمع من أصحاب التقي سليمان وغيرهم وأحب هذا الشأن وذهبت اجزاؤه في قصة تمرلنك وقد رافقني في السماع وأعطاني أجزاء بخطه وبلغني أنه حدث في هذه السنة بدمشق ببعض مسموعاته ومات بدمشق في ربيع الأول 84
فويها خير الدين خليل بن عبد الله الفايزي الحنفي كان فاضلا في مذهبه محبا للحديث وأهله مذاكرا بالعربية كثيرا المروءة وقد عين لقضاء الحنفية مرة فلم يتم ذلك وولي قضاء القدس
وفيها شهاب الدين رسول بن عبد الله القيصري ثم الغزي الحنفي قدم دمشق في حدود السبعين وسبعمائة وهو فاضل وسمع من ابن أميلة وابن حبيب ثم ولي نيابة الحكم بدمشق في أول دولة الظاهر ثم ولي قضاء غزة في أيام ابن جماعة وحصل مالا كثيرا بعد فقر شديد ثم مات بدمشق في جمادى الأولى وقد شارخ
وفيها شرف الدين صديق بن علي بن صديق الأنطاكي ولد سنة بضع وأربعين وقدم من بلاده بعد الستين فاشتغل بالعلم وتنزل في المدارس ورافق الصدر الياسوفي في السماع فأكثر عن ابن رافع وسمع من بقية أصحاب الفخر وغيرهم وكان على دين وصيانة ولم يتزوج ثم سكن القاهرة وصا رأحد الصوفية بالبيبرسية وأجاز لابن حجر وكان يتردد إلى دمشق توفي بمصر بالطاعون في رمضان
وفيها جمال الدين عبد الله بن خليل بن يوسف المارداني الحاسب أبو أم سبط المارديني وانتهت إليه الرياسة في علم الميقات في زمانه وكان عارفا بالهيئة مع الدين المتين وله أوضاع وتأليف وانتفع به أهل زمانه وكان أبوه من الطبالين ونشأ هو مع قراء الجوق وكان له صوت مطرب ثم مهر في الحساب وكان شيخ الخاصكي قد قدمه ونوه به ومات في جمادى الآخرة
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن يوسف بن الكفري الحنفي قال ابن حجر ولد سنة إحدى وخمسين وتفقه على ابن الخبار وأسمعه أبوه من جماعة سمعت منه في الرحلة وولي القضاء غير مرة بعد الفتنة ولم يكن محمود السيرة وكان متحريا لكتبه ويعرف أسماءها مع وفور جهل بالفقه وغيره ومات في يوم 85 الأحد ثالث ربيع الآخر
وفيها قطب الدين عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي ثم المصري سمع من الحسن الأربلي وأحمد بن علي المستولي وغيرهما وتصرف بأبواب القضاة وسمع منه ابن حجر وتوفي في نصف السنة عن ثلاث وسبعين سنة
وفيها علاء الدين علي بن إبراهيم القضاعي الحموي الحنفي أحد الفضلاء أخذ العربية عن سرى الدين أبو هاني المالكي والفقه عن أثير الدين بن وهبان وتمهر وبهرت فضائله وولي قضاء بلده وقدم القاهرة سنة الكائنة العظمى فاشتهرت فضائله وعرفت فنونه وحدث وأفاد فسمع منه ابن حجر وغيره وتوفي في ربيع الآخر
وفيها علي بن أحمد اليمني الملقب بالأزرق قال ابن حجر من أهل أبيات حسين كان كثير العناية بالفقه فجمع فيه كتابا كبيرا انتهى
وفيها سراج الدين عمر بن منصور بن سليمان القرمي الحنفي المعروف بالعجمي قال في المنهل كان فقيها بارعا فاضلا قدم إلى الديار المصرية فنوه قاضي القضاة جمال الدين محمود القيصري العجمي بذكره فولي حسبة مصر وعدة وظائف ودرس التفسير بالقبة المنصورية وغيرها وتصدر للإقراء والتدريس وكان مشكور السيرة في دينه ودنياه وله عبادة وأوراد وصلاة وقراءة وصدقات وكان يغلب عليه الخير وسلامة الباطن وكانت العامة تسميه فلق فإنه كان إذا أراد تأديب أحد يقول هات فلق يعني الفلقة وكان جميل الصورة مليح الشكل عنده بشاشة وطلاقة وتوفي يوم الإثنين خامس عشر جمادى الأولى انتهى
وفيها أبو اليمن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر الطبري المكي الشافعي إمام المقام ولد في شعبان سنة ثلاثين وسبعمائة وسمع من عيسى الحجي والزين أحمد بن محمد بن المحب الطبري وابن عم أبيه 86 عثمان بن الصفي الطبري وقطب الدين بن مكرم وعثمان بن شجاع بن عيسى الدمياطي وعيسى بن الملك المعظم وأجاز له يحيى بن فضل الله وأبو بكر ابن الرضى وزينب بنت الكمال ونحوهم وولي إمامة المقام نيابة ثم استقلالا وسمع منه ابن حجر وغيره وكان خيرا سليم الباطن معتقدا وهو آخر من حدث عن عيسى ومن ذكر بعده بالسماع وعن يحيى بالإجازة وتوفي في صفر وقد ناهز الثمانين
وفيها شمس الدين محمد بن تقي الدين إسماعيل بن علي القلقشندي المصري ثم القدسي الشافعي ولد سنة خمس وخمسين وسبعمائة وسمع من الميدومي وغيره وأخذ عن الشيخ صلاح الدين وعن والده تقي الدين ومهر وبهر وساد حتى صار شيخ بيت المقدس في الفقه وعليه مدار الفتوى وتوفي بها في رجب
وفيها ناصر الدين محمد بن أنس الحنفي الطنبذاوي نزيل القاهرة كان عارفا بالفرائض وأقرأ بالجمع وانتفعوا به وكان حسن السمت كثير الديانة محبا للحديث قال ابن حجر كتبت عنه الكثير وسمع من نصار الدين الجرداوي وغيره ومات وله دون الأربعين
وفيها محمد بن أبي بكر بن أحمد النحريري المالكي أخو خلف ناب في الحكم وتنبه في الفقه ودرس ومات في صفر
وفيها تقي الدين أبو بكر محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن حيدة الشافعي الدجوي بضم الدال المهملة وسكون الجيم نسبة إلى دجوة قرية على شط النيل الشرقي على بحر رشيد ولد سنة سبع وثلاثين وسبعمائة وسمع من ابن عبد الهادي والميدومي وغيرهما وتفقه واشتغل وتقدم ومهر وكان ذاكرا للعربية واللغة والغريب والتاريخ مشاركا في الفقه وغيره وكان بيده عمالة المودع الحكمي فشانته هذه الوظيفة وكان كثير الاستحضار سمع منه 87 ابن حجر وغيره ونوه السالمي بذكره وقرره مستمعا عند كثير من الأمراء وحدث مرارا بصحيح مسلم وقرأ عليه طاهر بن حبيب وغيره توفي ليلة الأحد ثامن عشر جمادى الأولى
وفيها محمد بن معالي بن عمر بن عبد العزيز الحلبي نزيل القاهرة ومكة جاور كثيرا وسكن القاهرة زمانا وحدث عن أحمد بن محمد الجوخي ومحمود بن خليفة وابن أبي عمر وغيرهم وسمع منه ابن حجر وتوفي بمكة
وفيها يحيى بن محمد التلمساني الأصبحي المالكي النحوي قال السيوطي في طبقات النحاة ولد سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة تقريبا وكان ماهرا في العربية والشعر وسمع صحيح مسلم من أبي عبد الله بن مرزوق والموطأ من أبي القسم العنبري وأجاز له الوادياشي وأبو القسم بن يربوع واشتغل في عدة فنون وأجاز لابن حجر قدم حاجا سنة تسع وثمانمائة ومات راجعا من الحج في ذي الحجة من السنة
وفيها جمال الدين يوسف بن الحسن بن محمد بن الحسن بن مسعود بن عبد الله بن خطيب المنصورية الحموي الشافعي القاضي ولد في ذي الحجة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة واشتغل بحماة فأخذ عن بهاء الدين الأخميمي المصري وبدمشق على صدر الدين الخابوري وتاج الدين السبكي وجمال الدين الشريشي وجد ودأب وحصل إلى أن تميز ومهر وفاق أقرانه في العربية وغيرها من العلوم وشرح الاهتمام مختصر الالمام في ست مجلدات وألفية ابن مالك وفرائض المنهاج وغير ذلك وله نظم حسن وشهرة ببلده وغيرها وانتهت إليه مشيخة العلم بالبلاد الشمالية ورحل الناس إليه وفاق الأقران وكان ساكنا خيرا وتوفي بحماة في تاسع شوال 88
سنة عشر وثمانمائة
فيها توفي أحمد بن محمد المغربي المالكي نزيل مكة جاور بها مدة وكان خيرا فاضلا عارفا بالفقه تذكر له كرامات وتوفي في رمضان
وفيها سيف الدين سيف وقيل يوسف وبه سماه المقريزي ابن عيسى السيرافي الحنفي نزيل القاهرة قال ابن حجر كان منشأه بتبريز ثم قدم حلب لما حرقها تمرنك ثم استدعاه الظاهر من حلب فقرره في المشيخة بمدرسته عوضا عن علاء الدين السيرامي سنة تسعين ثم ولاه مشيخة الشيخونية بعد وفاة عز الدين الرازي مضافة إلى الظاهرية وأذن له أن يستنيب في الظاهرية ولده الكبير وهو محمود فباشر مدة ثم ترك الشيخونية واختصر على الظاهرية وكان دينا خيرا كثير العبادة وكان شيخنا عز الدين بن جماعة يثني على فضائله وتوفي في ربيع الأول وولي المشيخة بعده ولده يحيى
وفيها أبو المعالي عبد الله بن المحدث شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن قاسم العرياني الشافعي ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة وأحضره أبوه على الميدومي وأسمعه على القلانسي والفرضي وغيرهما وطلب بنفسه فسمع الكثير وحصل الأجزاء ثم ناب في الحكم وفتر علن الاشتغال وتوفي في عاشر رمضان
وفيها عبد الله بن أبي يحيى الدويري اليماني الشافعي أحد الفضلاء من أهل تعز أفتى ودرس بالمظفرية وكان مشكور السيرة
وفيها عبد الله بن محمد الهمداني الحنفي مدرس الجوهرية بدمشق كان يدري القراءات ويقرىء وكان خيرا عارفا بمذهبه توفي في جمادى الأولى وقد بلغ السبعين
وفيها جلال الدين أبو المعالي محمد بن أحمد بن سليمان بن يعقوب الأنصاري 89 النيسابوري الأصل ثم الدمشقي المعروف بابن خطيب داريا قال ابن حجر ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة وعنى بالأدب ومهر في اللغة وفنون الأدب وقال الشعر في صباه ومدح جماعات من الأمراء والعلماء وتقدم في الإجادة إلى أن صار شاعر عصره من غير مدافع وقد طلب الحديث بنفسه كثيرا وسمع من القلانسي ومن بعده ولازم الشيخ مجد الدين الشيرازي صاحب اللغة وصاهره وسمعت من شعره ومن حديثه وطارحني وطارحته ومدحني وكان بعد الفتنة أقام بالقاهرة مدة في كنف ابن غراب ثم رجع إلى بيسان من الغور الشامي فسكنها وكان له بها وقف وتوفي بها في ربيع الأول
وفيها موسى بن عطية المالكي الفقيه قال ابن حجر سمع من إبراهيم الزيتاوي سنن ابن ماجه وقرأ عليه الكلوتاتي بعضا وهو والد شمس الدين محمد صاحبنا
سنة إحدى عشرة وثمانمائة
في عاشر شعبانها جاءت زلزلة عظيمة في نواحي بلاد حلب وطرابلس فخرب من اللاذقية وجبلة وبلاطنس أماكن عديدة وسقطت قلعة بلاطنس فمات تحت الردم خمسة عشر نفسا وخربت شغر كاس كلها وقلعتها ومات جميع أهلها إلا خمسين نفسا وانتقلت بلد قدر ميل بأشجارها وأبنيتها وأهلها لم يشعورا بذلك وخرب من قبرص أماكن كثيرت وشوهد بلح على رأس الجبل الأقرع وقد نزل البحر وطلع وبينه وبين البحر عشرة فراسخ وذكر أهل البحر أن المراكب في البحر المالح وصلت إلى الأرض لما انحسر البحر ثم عاد الماء كما كان قاله ابن حجر
وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن الحسن بن طوغان ابن عبد الله الأوحدي المقرىء الأديب ولد في المحرم سنة إحدى وستين 90 وقرأ بالسبع على التقي البغدادي ولازم الشيخ فخر الدين البلبيسي قال ابن حجر وسمع معي من بعض مشايخي وكان لهجا بالتاريخ وكتب مسودة كبيرة لخطط مصر والقاهرة وبيض بعضه وأفاد فيه وأجاد وله نظم كثير منه
( أني إذا ما نابني
أمر نفى تلذذي )
( واشتد مني جزعي
وجهت وجهي للذي )
وتوفي في تاسع عشر جمادى الآخرة
وفيها تاج الدين أحمد بن علي بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى البلبيسي الأصل المقري المالكي المعروف بابن الظريف سمع من ناصر الدين بن التونسي وغيره وطلب العلم فأتقن الشروط ومهر في الفرائض وانتهى إليه التمييز في فنه مع حظ كبير من الأدب ومعرفة حل المترجم وفك الألغاز مع الذكاء البالغ وقد وقع للحكام وناب في الحكم وقد نقم عليه بعض شهاداته وحكمه ثم نزل عن وظائفه بآخره وتوجه إلى مكة فمات بها في شهر رجب
وفيها أحمد بن محمد بن ناصر بن علي الكناني المكي الحنبلي ولد قبل الخمسين وسبعمائة ورحل إلى الشام فسمع من ابن قوالح وابن أميلة بدمشق ومن بعض أصحاب ابن مزهر بحماة وتفقه وكان خيرا فاضلا جاور بمكة فحصل له مرض العقدة فعجز عن المشي حتى مات
وفيها تقي الدين أبو بكر بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز الدمشقي الحنفي ابن شيخ الربوة اشتغل في الفقه ومهر في المذهب ودرس بالمقدمية وأفتى وكان اشتغل على الشيخ صدر الدين بن منصور وغيره وتوفي في ربيع الأول 91 عن ستين سنة
وفيها أبو بكر بن محمد بن صالح الجبلي بكسر الجيم وسكون الموحدة وباللام نسبة إلى جبلة مدينة باليمن اليمني الشافعي نشأ بتعز وتفقه بجماعة من أئمة بلده ومهر في الفقه ودرس بالأشرفية وغيرها من مدارس تعز وتخرج به جماعة وكان يقرر من الرافعي وغيره بلفظ الأصل ويشارك في غير الفقه وله أجوية كثيرة على مسائل شتى وولي القضاء مكرها مدة يسيرة ثم استعفى وتوفي في شهر رضمان
وفيها الجنيد بن محمد البلباني الأصل نزيل شيراز قال ابن حجر سمع مع أبيه بمكة من ابن عبد المعطي والشها ببن ظهيرة وأبي الفضل النويري وجماعة وبالمدينة وبلاده وأجاز له القاضي عز الدين بن جماعة ومن دمشق عمر بن أميلة وحسن بن هبل والصلاح ابن أبي عمر في آخرين خرج له عنهم الشيخ شمس الدين الجزري مشيخة وحدث بها وصار عالم شيراز ومحدثها وفاضلها وتوفي بها
وفيها صدر الدين سليمان بن عبد الناصر بن إبراهيم الأبشيطي الشافعي ولد قبل الثلاثين وسبعمائة واشتغل قديما وسمع من الميدومي وغيره وبرع في الفقه وغيره وناب في الحكم بالقاهرة وغيرها وكانت فيه سلامة وكان الصدر المناوي يعظمه وعجز بآخره وتغير قليلا مع استحضاره للعلم جيدا جاوز الثمانين قاله ابن حجر
وفيها زين الدين أبو هريرة عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد بن الحسن بن سليمان بن فزارة بن محمد بن يوسف الكفري الحنفي قاضي القضاة قال في المنهل الصافي ولد سنة خمسين وسبعمائة تقريبا وأحضر على محمد بن إسماعيل بن الخباز وسمع على بشر بن إبراهيم بن محمود البعلي وتفقه بعلماء عصره حتى برع في الفقه والأصلين والعربية وشارك في عدة فنون وأفتى ودرس وتولي 92 قضاء القضاة بدمشق هو وأبوه وأخوه وجده وهم بيت علم وفضل ورياسة ثم قدم القاهرة بعد سنة ثلاث وثمانمائة وولي قضاءها مدة وحمدت سيرته وأفتى ودرس بها ولازم الاشتغال والاشغال إلى أن توفي ثالث ربيع الآخر انتهى
وفيها جمال الدين أبو حفص عمر بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز ابن أبي جرادة قاضي القضاة ابن العديم الحنفي العقيلي الحلبي ولد بحلب سنة ستين أو إحدى وستين وسبعمائة ونشأ بها وتفقه وبرع وتولى قضاء العسكر بها ثم استقل بقضائها سنة أربع وتسعين وأفتى ودرس وشارك في العربية والأصول والحديث وسمع من ابن حبيب وابنه وباشر القضاء بحرمة وافرة وكان رئيسا محترما من بيت علم وفضل ورياسة قال ابن حجر قدم القاهرة غير مرة وفي الآخر استوطنها لما طرق التتار البلاد الشامية وأسر مع من أسر ثم خلص بعد رجوع اللنك فقدم القاهرة في شوال أي سنة ثلاث وثمانمائة ثم سعى وولي قضاء القضاة بها في سادس عشرى رجب سنة خمس وثمانمائة ودرس بالشيخونية والمنصورية ثم نزل عنهما لولده محمد وباشرهما في حياته وكان عمر هذا من رجال الدنيا دهاء ومكرا ماهرا في الحكم ذكيا خبير بالسعي في أموره يقظا غير متوارن في حاجته كثير العصبية لمن يقصده لا يتحاشى من جمع المال من أي وجه كان انتهى ملخصا وقال صاحب المنهل وحط عليه المقريزي وذكر له مساوىء وقوله فيه غير مقبول لأمور جرت بينهما وتوفي قاضيا بمصر ليلة السبت ثاني عشر جمادى الآخرة
وفيها أبو القسم قاسم بن علي بن محمد بن علي الفاسي المالكي سمع من أبي جعفر الطحالي الخطيب والقاضي أبي القسم بن سلمون والحسين بن محمد بن أحمد التلمساني في آخرين وتلا بالسيع على جماعة وقرأ الأدب وتعانى النظم وجاور بمكة فخرج له غرس الدين خليل الأقفهسي مشيخة وحدث بها وكان يذكرانها سرقت منه بعد رجوعه من الحج ويكثر التأسف عليها ومن شعره 93
( معاني عياض اطلعت فجر فخره
لما قد شفى من مؤلم الجهل بالشفا )
( مغاني رياض من إفادة ذكره
شذا زهرها يحيى من أشفى على شفى )
توفي بالبيمارستان المنصوري
وفيها شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عقبد الله الكردي القدسي نزيل القاهرة الشافعي ولد سنة سبع وأربعين وسبعمائة وصحب الصالحين ولازم الشيخ محمد القرمي ببيت المقدس وتلمذ له ثم قدم القاهرة فقطنها وكان لا يضع جنبه إلى الأرض بل يصلي في الليل ويتلو فإذا نعس أغفى إغفاءة وهو محتبي ثم يعود وكان يواصل الأسبوع كاملا وذكر أن السبب فيه أنه تعشى مع أبويه قديما فأصبح لا يشتهي أكلا فتمادى على ذلك ثلاثة أيام فلما رأى أنه له قدرة على الطي تمادى فيه فبلغ أربعينا ثم اقتصر على سبع وكان فقيها وكان يكثر في الليل من قول سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا وكان يذكر انه يقيم أربعة أيام لا يحتاج إلى تجديد وضوء ومن شعره
( لم يزل الطامع في ذلة
قد شبهت عندي بذل الكلاب )
( وليس يمتاز عليهم سوى
بوجهه الكالح ثم الثياب )
توفي بمكة في ذي القعدة
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الله القزويني ثم المصري قال ابن حجر سمع من مظفر الدين بن العطار وغيره وكان على طريقة الشيخ يوسف الكوراني المعروف بالعجمي لكنه حسن المعتقد كثير الإنكار على مبتدعه الصوفية اجتمع بي مرارا وسمعت منه أحاديث كان كثير الحج والمجاورة بالحرمين ومات في شعبان بمكة
وفيها رضي الدين أبو حامد محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن خلف الخزرجي المديني الشافعي ابن الطبري ولد سنة ست وأربعين وسبعمائة وسمع من العز بن جماعة وأجاز له يوسف القاضي والميدومي وغيرهما من مصر وابن 94 الخباز وجماعة من دمشق وكان نبيها في الفقه له حظ من حسن خط ونظم وجرس وكان مؤذن الحرم النبوي وبيده نظر مكة قال ابن حجر ثم نازع صهره شيخنا زين الدين بن الحسين في قضاء المدينة فوليه في أول سنة إحدى عشرة فوصلت إليه الولاية وهو بالطائف فرجع إلى مكة وسار إلى المدينة فباشره بقية السنة وحج فتمرض فمات في خامس عشر ذي الحجة عن اثنتين وستين سنة
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن محمود بن يحيى بن عبد الله بن منصور السلمي الدمشقي الحنفي المعروف بابن خطيب زرع كان جد والده خطيب زرع فاستمرت بأيديهم وولد هذا في ذي الحجة سنة أربع وسبعين وسبعمائة وكان حنفيا فتحول شافعيا وناب في قضاء بلده ثم تعلق على فن الأدب ونظام الشعر وباشر التوقيع عند الأمراء ثم اتصل بابن غراب وامتحده وقدم معه إلى القاهرة وكان عريض الدعوى جدا واستخدمه ابن غراب في ديوان الإنشاء وصحب بعض الأمراء وحصل وظائف ثم رقت حاله بعد موت ابن غراب ومن شعره
( وأشقر في وجهه غرة
كأنها في نورها فجر )
( بل زهرة الأفق لأني أرى
من فوقها قد طلع البدر )
وله فيما يقرأ مدحا فإذا صحف كان هجوا
( التاج بالحق فوق الرأس يرفعه
إذ كان فردا حوى وصفا مجالسه )
( فضلا وبذلا وصنعا فاخرا وسخا
واسأل الله يبقيه ويحرسه )
وتصحيفه هجو كما قال
( الباخ بالخف فوق الرأس يرقعه
إذ كان قردا حوى وضعا مخالسه )
( فصلا ونذلا وضيعا فاجرا وسخا
فأسأل الله ينفيه ويخرسه )
وفيها نجم الدين محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن فهد القرشي 95 الهاشمي المكي الشافعي ولد بمكة سنة ستين وسبعمائة تقريبا وسمع من العز بن جماعة ما لا يحصى ومن ابن حبيب سنن ابن ماجه بفوت ومقامات الحريري وغير ذلك وأجاز له عدة مشايخ من الشام ومصر والأسكندرية وحدث وكان رحل إلى القاهرة وسكن بالصعيد ببلدة يقال لها أصفون لأن جده لأمه الشيخ نجم الدين الأصفوني كان له بها رزق ودور موقوفة على ذريته فأقام بها مدة ثم عاد إلى مكة وتوفي بها يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول
وفيها جلال الدين محمد بن بدر الدين محمد بن أبي البقاء محمد بن عبد الله بن يحيى بن علي بن تمام السبكي الشافعي المصري ولد سنة سبعين وسبعمائة واشتغل في صباه قليلا وكان جميل الصورة قال ابن حجر لكنه صار قبيح السيرة كثير المجاهرة بما أذرى بأبيه في حياته وبعد موته بل لولا وجوده لما ذم أبوه وقد ولي تدريس الشافعي بعد أبيه بجاه ابن غراب بعد أن بذل في ذلك دارا تساوي ألف دينار وولي تدريس الشيخونية بعد صدر الدين المناوي بعد أن بذل النوروز مالا جزيلا وكان ناظرها مات في جمادى الأولى انتهى
وفيها يلبغا بن عبد الله السالمي الظاهري قال ابن حجر كان من مماليك الظاهر ثم صيره خاصكيا وكان ممن قام له بعد القبض عليه في أخذ صفد فحمد له ذلك ثم ولاه النظر على خانقاه سعيد السعداء سنة سبع وتسعين وتنقلت به الأحوال فعمل الأستدارية الكبرى والإشارة وغير ذلك وكان طول عمره يلازم الاشتغال بالعلم ولم يفتح عليه بشيء سوى أنه يصوم يوما بعد يوم ويكثر التلاوة وقيام الليل والذكر والصدقة وكان يحب العلماء والفضلاء ويجمعهم وقد لازم سماع الحديث معنا مدة وكتب بخطه الطباق وأقدم علاء الدين بن أبي المجد من دمشق حتى سمع الناس عليه صحيح البخاري مرارا وكان يبالغ في حب 96 ابن العربي وغيره من أهل طريقته ولا يؤذي من ينكر عليه مات مخنوقا وهو صائم في رمضان بعد صلاة عصر يوم الجمعة انتهى ملخصا والله أعلم
سنة اثنتي عشرة وثمانمائة
في ثالث عشر شعبانها قتل بالقاهرة شريف لأنه ادعى عليه أنه عوتب في شيء فعله فعزر بسببه فقال قد ابتلى الأنبياء فزجر عن ذلك فقال قد جرى على رسول الله صلى اليه عليه وسلم في حارة اليهود أكثر من هذا فاستفتى في حقه فأفتوا بكفره فضربت عنقه بين القصرين بحكم القاضي المالكي شمس الدين المدني قاله ابن حجر
وفيها قتل محمد بن أميرزا شيخ ابن عم تمرلنك صاحب فارس قام عليه أخوه اسكندر شاه فغلبه وكان محمد كثير العدل والإحسان فيما يقال فتمالأ عليه بعض خواصه فقتله تقربا إلى خاطر أخيه اسكندر واستولى اسكندر على ممالك أخيه فاتسعت مملكته
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد اللطيف بن أبي بكر بن عمر الشرجي بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وبالجيم نسبة إلى شرجة موضع بنواحي مكة ثم الزبيدي قال السيوطي النحوي ابن النحوي الشتغل كثيرا ومهر في العربية ودرس بصلاحية زبيد وقال ابن حجر اجتمعت به وسمع على شيئا من الحديث وسمعت من فوائده مات بحرض عن أربعين سنة انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن محمد قال في المنهل الشيخ الزاهد الصالح المعروف بابن وفاء الشاذل يالمالكي ولد بظاهر مدينة مصر سنة ست وخمسين وسبعمائة ونشأ على قدم جد ولزم الخلوة وقام أخوه سيدي على بعمل الميعاد وتربية الفقراء كل ذلك وسيدي أحمد هذا ملازم للخلوة قليل الاجتماع 97 بالناس إلى أن توفي يوم الأربعاء ثاني عشر شوال ودفن بالقرافة عند أبيه وأخيه وترك أولادا عدة كبيرهم سيدي أبو الفضل عبد الرحمن غرق في النيل سنة ثلاث عشرة وثمانمائة وله شعر جيد إلى الغاية وسيدي أبو الفتح محمد وهو عالمهم ورئيسهم رحمه الله وسيدي أبو المكارم إبراهيم ومات سنة ثلاث وثلاثين عن خمس وثلاثين سنة وسيدي أبو الجود حسن ومات سنة ثمان وثمانمائة عن تسع عشرة سنة وسيدي أبو السيادات يحيى وهو باق إلى الآن ومولده سنة ثمان وتسعين وسبعمائة انتهى
وفيها أبو بكر بن عبد الله بن ظهيرة المخزومي الشافعي أخو الشيخ جمال الدين اشتغل قليلا وسمع من عز الدين بن جماعة وغيره وتوفي بمكة في جمادى الأولى
وفيها أبو بكر بن عبد الله بن قطلوبك المنجم الشاعر تعانى التنجيم والآداب وكان بارعا في النظم والمجون وله مطارحات مع أدباء عصره أولهم شمس الدين المزين ثم خطيب زرع ثم على البهائي واشتهر بخفة الروح والنوادر المطربة وهو القائل
( حنفي مدرس حاز خدا
كرياض الشقيق في التنميق )
( لو رآه النعمان في مجلس الدرس
لقال النعمان هذا شقيقي )
وتوفي في صفر
وفيها عبد الله بن أحمد اللخمي التونسي الفرياني بضم الفاء وتشديد الراء بعدها تحتانية خفيفة وبعد الألف نون نسبة إلى فريانة قرية قرب سفاقس المالكي كان فاضلا مشاركا في الفقه والعربية والفرائض مع الدين والخير توفي راجعا من مكة إلى مصر ودفن بعد عقبة أيلة
وفيها موفق الدين أبو الحسن علي بن الحسين بن أبي بكر بن الحسن بن علي بن وهاس الخزرجي الزبيدي مؤرخ اليمن اشتغل بالأدب ولهج بالتاريخ فمهر فيه وجمع لبلده تاريخا كبيرا على السنين وآخر على الأسماء وآخر على الدول 98 وكان ناظما ناثرا وعلي بن وهاس جد جده هو الذي يقول فيه الزمخشري صاحب الكشاف ولولا ابن وهاس وسابق فضله رعيت هشيما واستقيت مصردا
وتوفي المترجم في أواخر هذه السنة وقد جاوز السبعين
وفيها موفق الدين علي بن محمد بن إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله بن عمر بن عبد الرحمن الناشري الزبيدي الشاعر المشهور اشتغل بالأدب ففاق أقرانه ومدح الأفضل ثم الأشرف ثم الناصر وكانوا يقترحون عليه الأشعار في المهمات فيأتي بها على أحسن وجه وكانت طريقة شعره الانسجام والسهولة دون تعاين المعاني التي لهج بها المتأخرون حج في سنة إحدى عشرة ورجع فمات بنواحي حرض في المحرم أو في الذي بعده وقد جاوز الستين
وفيها شمس الدين محمد بن عبد الله بن أبي بكر القليوبي الشافعي العالم الكبير تلمذ للشيخ ولي الدين الملوي قال ابن حجر رأيت سماعه على العرضى ومظفر الدين بن العطار في الجامع الترمذي وما أظنه حدث عنهما واشتهر بالدين والخير وكان متقللا جدا إلى أن قرر في مشيخة الخانقاه الناصرية بسرياقوس فباشرها إلى أن مات في جمادى الأولى وكان متواضعا لينا انتهى
وفيها ناصر الدين محمد بن عبد الرحمن بن يوسف الحلبي المعروف بابن سحلول كان عمه عبد الله وزيرا بحلب وسمع محمد المسلسل بالأولية من عبد الكريم وسمع عليه الأربعين المخرجة من صحيح مسلم بسماعه من زينب الكندية عن المؤيد وسمع من ابن الحبال جزء المناديلي وولي مشيخة خانقاه والده ثم في مشيخة الشيوخ بعد موت الشيخ عز الدين الهاشمي وكان أهل حلب يترددون إليه لرياسته وحشمته وسؤدده ومكارم أخلاقه وكان مواظبا على إطعام من يرد عليه ثم عظم جاهه لما استقر جمال الدين الأستادار في التكلم في المملكة فإنه كان قريبه من قبل الأم وسافر من حلب إلى القاهرة فبالغ جمال الدين في إكرامه وجهزه إلى الحجاز في أبهة زائدة وأحمد ولد جمال الدين يومئذ أمير 99 الركب فحج وعاد فمات بعقبة أيلة في شهر الله المحرم وسلم مما آل إليه أمر قريبه جمال الدين وآله
وفيها ناصر الدين محمد بن عمر بن إبراهيم بن القاضي العلامة شرف الدين هبة الله البارزي الشافعي الحموي قاضي حماة هو وأسلافه كان موصوفا بالخير والمعرفة فاضلا عفيفا مشكورا في الحكم باشر القضاء مدة ومات بحماة
وفيها جلال الدين أبو الفتح نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر التستري الأصل ثم البغدادي الحنبلي نزيل القاهرة ولد في حدود الثلاثين وسبعمائة ومات أبوه وهو صغير فرباه الشيخ الصالح أحمد السقا وأقرأه القرآن واشتغل بالفقه فمهر وسمع الحديث من جمال الدين الحضري وكمال الدين الأنباري وآخرين وقرأ الأصول على بدر الدين الأربلي وأخذ عن الكرماني شارح البخاري شرح العضد على ابن الحاجب وباشر عدة مدارس ببغداد وصنف في الفقه وأصوله ونظم الوجيز في الفقه في ستة آلاف بيت وذكر صاحب الانصاف أنه من جملة الكتب التي نقل منها في أنصافه ونظم أرجوزة في الفرائض مائة بيت جيدة في بابها واختصر ابن الحاجب وله غير ذلك وذكر ببغداد وانتفع الناس به وخرج منها لما قصدها اللنك فوصل إلى دمشق فبالغوا في إكرامه ثم قدم القاهرة وتقرر في تدريس الحنابلة بمدرسة الظاهر برقوق وحدث بالقاهرة بجامع المسانيد لابن الجوزي وتوفي في عشرى صفر
وفيها جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جعفر بن قاسم البيري ثم الحلبي نزيل القاهرة ولد سنة اثنتين وخمسن وسبعمائة وكان أبوه خطيب البيرة فصاهر الوزير شمس الدين عبد الله بن سحلول فنشأ جمال الدين في كنف خاله وكان أولا بزي الفقهاء وحفظ القرآن وكتبا في الفقه والعربية وسمع من ابن جابر الأندلسي قصيدته البديعية وعرض عليه ألفية ابن معطي وأخذ عنه 100 شرحها له بحلب ثم قدم مصر بعد سنة سبعين وهو بزي الجند فتنقلت به الأحوال بها إلى أن باشر الوزارة مع عدة وظائف كبار وصار هو مرجع الإقليمين المصري والشامي لا يتم أمر من أمورهما وإن قل إلا بمعرفته وإرادته ولم يبق فوق منصبه إلا الملك مع أنه كان ربما مدح باسم السلطنة فلا يغير ذلك ولا ينكره ثم آل أمره إلى أن قتل في جمادى الآخرة قال ابن حجر ولقد رأيت له مناما صالحا بعد قتله حاصله أني ذكرت وأنا في النوم ما كان فيه وما صار إليه وما ارتكب من الموبقات فقال لي قائل أن السيف محاء للخطايا فلما استيقظت اتفق أني نظرت هذا اللفظ بعينه في صحيح ابن حبان في أثناء حديث فرجوت له بذلك الخير
سنة ثلاث عشرة وثمانمائة
في ليلة الحادي والعشرين من محرمها اجتمع رجلان من العوام بدمشق فشربا الخمر فأصبحا محروقين ولم يوجد بينهما نار ولا أثر حريق في غير بدنهما وبعض ثيابهما وقد مات أحدهما وفي الآخر رمق فأقبل الناس أفواجا إلى رؤيتهما والاعتبار بحالهما
وفيها كانت الحادثة العظيمة بفاس من بلاد المغرب حتى خربت
وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عمر بن رضوان الحريري الدمشقي المعروف بالسلاوي الشافعي ولد سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة أو نحوها وسمع من ابن رافع وابن كثير وتفقه على علاء الدين ابن حجي والتقي الفارقي وسمع الحديث بنفسه فأخذه عن جده محمد بن عمر السلاوي وتقي الدين بن رافع وابن كثير ثم أخذ في قراءة المواعيد وقرأ الصحيح مرارا على عدة مشايخ وعلى العامة وكان صوته حسنا وقراءته جيدة وولي قضاء بعلبك سنة ثمانين ودرس وأفتى ثم ولي قضاء المدينة ثم تنقل في 101 ولاية القضاء بصفد وغزة والقدس وغيرها وكان كثير العيال وتوفي في صفر
وفيها غياث الدين أحمد بن أويس بن الشيخ حسن بن حسين بن أقبغا ابن إيلكان سلطان بغداد وتبريز وغيرهما من بلاد العراق قال في المنهل الصافي ملك بعد موت أخيه الشيخ حسين بن أويس سنة أربع وثمانين وسبعمائة وكان سلطانا فاتكا له سطوة على الرعية مقداما سجاعا مهابا سفاكا للدماء وعنده جور وظلم على أمرائه وجنده وكانت له مشاركة في عدة علوم ومعرفة تامة بعلم النجامة ويد في معرفة المويسقى وفي تأديته يجيد ذلك إلى الغاية منهمكا في اللذات التي تهواها الأنفس فأكرمه برقوق غاية الإكرام وأنعم عليه أجل الإنعام وأعطاه تقليد نيابة السلطنة ببغداد فأهوى ابن أويس لتقبيل الأرض فلم يمكنه الظاهر من ذلك إجلالا له ثم سار إلى بغداد فدخلها بعد ذهاب التتار منها بعد وفاة تيمور واستمر بها حاكما على عادته إلى أن تغلب قرايوسف على التتار وأخذ منهم تبريز وما والاها فوقع الخلف بينه وبين ابن أويس فتقابلا للقتال فكانت الكرة على ابن أويس وأخذ أسيرا ثم قتل يوم الأحد آخر شهر ربيع الآخر
وفيها تقي الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الناصر بن تاج الرياسة المحلي الزبيري الشافع ولد سنة أربع وثلاثين وسبعمائة واشتغل قديما ووقع على القضاة وصاهر القاضي موفق الدين الحنبلي على ابنته وكان قد سمع من الميدومي وحدث عنه ثم ناب في الحكم مدة طويلة وكانت معه عدة جهات من الضواحي ينوب فيها وقرره الملك الظاهر في القضاء سنة تسع وتسعين في جمادى الأولى فباشره إلى أثناء رجب سنة إحدى وثمانمائة واستمر بطالا خاملا إلى أن مات وكان عارفا بالشروط والوثائق مطرحا للتكلف وفوض له تدريس الناصرية والصالحية فباشرهما مباشرة حسنة ولم يذم في مدة قضائه وكتب قطعة على التنبيه وعمل تاريخا حسنا نقل منه ابن حجر كثيرا وتوفي في أول شهر رمضان 102
وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن إبراهيم ابن المؤرخ شمس الدين محمد بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد العزيز الجزري ثم الدمشقي الشافعي المعروف بابن الجزري ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ومات أبوه وله سنة فرباه عمه نصير الدين وأسمعه من جماعة من أصحاب الفخر وحضر على المرداوي صاحب عمر الكرماني وقرأ وأعاد بالتقوية وحدث وباشر نظر الأيتام مع خفض جناح وطهارة لسان ولين عريكة وحج غير مرة وجاور وعلق وفيات وأصيب بماله في فتنة اللنك ولم يكن ما يعاب به إلا مباشرته مع قضاة السوء وبرع في مذهبه وعمل الميعاد وأقرأ الحديث بجامع بني أمية وتوفي بدمشق في ذي الحجة
وفيها علي بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الله الأدمي الشافعي سمع من الطيالسي وحدث عنه ولازم الشيخ ولي الدين المنفلوطي ونحوه واشتغل كثيرا وتنبه وأشغل وأفاد ودرس وأعاد وأفتى وشارك في العلوم وانتفع به أهل مصر كثيار مع الدين المتين والسكون والتقشف والانجماع وكان يتكلم على الناس بجامع عمرو وتحول إلى القاهرة وسكن جوار جامع الأزهر ومات رابع شعبان عن سبعين سنة
وفيها أبو زيد علي بن زيد بن علوان بن صبرط بن مهدي بن حريز الردماوي الزبيدي تسمى بآخره عبد الرحمن ولد بردما وهو مشارق اليمن دون الأحقاف في جمادى سنة إحدى وأربعين وسبعمائة ونشأ بها وجال في البلاد ثم حج وجاور مدة وسكن الشام ودخل العراق ومصر وسمع من اليافعي والشيخ خليل وابن كثير وابن خطيب يبرود وبرع في فنون من حديث وفقه ونحو وتاريخ وأدب وكان يستحضر من الحديث كثيرا ومن الرجال ويذاكر من كتاب سيبويه ويميل إلى مذهب ابن حزم وتحول إلى البادية فأقام بها نحو عشرين سنة يدعو إلى الكتاب والسنة ثم قدم القاهرة وقد ضعف بصره وكان شهما قوي النفس له معرفة بأحوال الناس على اختلاف طبقاتهم 103
ومن شعره
( ما العلم إلا كتاب الله والأثر
وما سوى ذاك لا عين ولا أثر )
( إلا هوى وخصومات ملفقة
فلا يغرنك من أربابها هدر )
توفي بالقاهرة في أول ذي القعدة قاله المقريزي
وفيها نور الدين علي بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد الربعي الرشيدي نزيل القاهرة الشافعي قدم القاهرة فاشتغل بالعلم ولازم البلقيني ثم الدميري ودرس بعده في الحديث بقبة بيبرس وكان قد فاق في استحضار الفقه فصار كبير النقل كثير البحث وكان يقظا نبيها كثير العصبية توفي في رجب وقد جاوز الخمسين ودرس بعده بالقبة المذكورة ابن حجر
وفيها نور الدين علي بن عبد الرحمن الصريحي قال ابن حجر سمع صحيح مسلم على ابن عبد الهادي وسنن أبي داود علي عبد القادر بن أبي الدر سمعت منه قديما وحديثا وحدث في العام الماضي مع الشيخ نور الدين الأنباري بالسنن في البيبرسية وكان صوفيا بها مات في شعبان انتهى
وفيها علاء الدين علي بن محمد بن علي الدمشقي الجزيري الحنفي ولد سنة تسع وثلاثين وسبعمائة وتفقه وتعانى حفظ السير والمغازي فكان يستحضر شيئا كثيرا منها وكان كثير اليسار فتزوج الشيخ شهاب الدين الغزي ابنته فماتت بعد أمها بقليل قاله ابن حجر
وفيها أبو الحسن علي بن مسعود بن علي بن عبد المعطي المالكي المكي الخزرجي ولد سنة أربعين وسبعمائة وسمع من عثمان بن الصفي الطبري سنن أبي داود ومن إبراهيم بن محمد بن نصر الله الدمشقي مشيخته وحدث بمكة وكان مشاركا في الفقه مع الديانة والمروءة وتوفي في تاسع المحرم
وفيها أم الحسن فاطمة بنت أحمد بن محمد علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن زيد الحسنية الحلبية أخت نقيب الأشراف ولدت 104 سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين وسبعمائة وسمعت على جدها لأمها جمال الدين إبراهيم بن الشهاب محمود وأجاز لها المزي وجماعة وحدثت بحلب وتوفيت في العشر الأول من المحرم وقد جاوزت الثمانين سنة
وفيها بدر الدين محمد بن خاص بك السبكي الحنفي كان ينسب إلى الظاهر بيبرس من جهة النساء اشتغل في مذهب الحنفية فبرع وأخذ عن أكمل الدين وغيره وكان يجيد البحث مع الديانة والمروءة والعصبية لمذهبه وأهله وتوفي في خامس رجب وقد جاوز الخمسين
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن عمر بن عيسى المصري الشافعي المعروف بابن القطان كان أبوه قطانا وأخوه كذلك واشتغل هذا بالعلم ومهر ولازم الشيخ بهاء الدين بن عقيل وصاهره على بنت له من جارية وسكن مصر ودرس وأفتى وصنف قال ابن حجر قرأت عليه وأجاز لي ولم يحصل له سماع في الحديث على قدر سنه وقد حدث بصحيح مسلم بإسناد نازل وسمع معنا على بعض شيوخنا كثيرا وبقراءتي وكان ماهرا في القراءات والعربية والحساب وناب في الحكم بآخره فتهالك على ذلك إلى أن مات انتهى أي وتوفي في أواخر شوال عن نيف وثمانين سنة
وفيها شمس الدين محمد بن سعد الدين بن محمد بن نجم الدين محمد البغدادي نزيل القاهرة الزركشي مهر في القراءات وشارك في الفنون وتعانى النظم وله قصيدة حسنة في العروض وشرحها ونظم العواطل الحوالي ست عشرة قصيدة على ستة عشر بحرا ليس فيها نقطة وسمع منه ابن حجر وسمع هو أيضا من ابن حجر ورافقه في السماع وجرت له في آخر عمره محنة وتوفي في ذي الحجة
وفيها شمس الدين محمد بن محمد الشوبكي الحنبلي قدم دمشق وتفقه بها وتولى وظائف وخطابة وتوفي في المحرم
وفيها شمس الدين محمد بن محمود بن نون الخوارزمي الحنفي المعروف 105 بالمعيد نزيل مكة وإمام مقام الحنفية بها جاور بمكة زيادة على أربعين سنة وسمع الحديث وتفقه وبرع وأفتى ودرس واستقر معيدا بدرس الحنفية للأتابك يلبغا العمري بمكة فعرف بالمعيد وكان بارعا في الفقه والأصول والعربية وتصدر للأقراء بالمسجد الحرام عدة سنين وانتقع الناس به مع الديانة والصيانة وحدث عن الوادي آشي وغيره ومن شعره
( أفنى بكل وجودي في محبته
وأنثني ببقاء الحب ما بقيا )
( لا خير في الحب إن لم يغن صاحبه
وكيف يوجد صب بعد ما لقيا )
وتوفي بمكة المشرفة في آخر جمادى الأولى وقد جاوز الثمانين
سنة أربع عشرة وثمانمائة
في رجبها رجم رجل تركماني بدمشق تحت قلعتها اعترف بالزنا وهو محصن فأقعد في حفرة ورجم حتى مات
وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن حسين الموصلي ثم المصري نزيل مكة المشرفة المالكي قام بمكة ثلاثين سنة وكان يتكسب بالنسخ بالأجرة مع العبادة والورع والدين المتين وكان يحج ماشيا من مكة وأثنى عليه المقريزي وتوفي بمكة
وفيها محي الدين أحمد بن إبراهيم بن أحمد الشيخ الإملام العلامة القدوة ابن النحاس الدمشقي الشافعي صنف في الجهاد كتابا حافلا سماه مصارع العشاق استجاب الله فيه دعاءه فإنه قال في أول سجعة فيه أحمدك اللهم وأسألك أعلى رتب الشهادة واختصره هو بنفسه وله تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين في الحوادث والبدع نفيس في بابه قتل بدمياط لما دهمها الفرنج فخرج هو وجماعة من أهلها وجرت وقعة كبيرة فقتل في المعركة مقبلا غير مدبر 106
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن مفلح بن مفرج الراميني ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي أخو الشيخ تقي الدين ولد سنة أربع وخمسين وسبعمائة واشتغل على أخيه الشيخ برهان الدين وغيره وحصل ودأب وأجاز له جده قاضي القضاة جمال الدين المرداوي وقاضي القضاة شرف الدين بن قاضي الجبل وناب في الحكم بدمشق مدة ثم ترك ذلك وأقبل على الله تعالى وكان فقيها صالحا متعبدا توفي بالصالحية وصلى عليه بالجامع المظفري ودفن بالروضة عند رجل والديه
وفيها بدر الدين حسين بن علي بن محمد بن عبد الرحمن الأذرعي ثم الصالحي الشافعي المعروف بابن قاضي أذرعات تفقه في صباه على الشرف ابن الشريشي والنجم بن الجابي وتعانى الأدب وفاق الأقران ومهر في الفنون ودرس وأفتى وناظر وناب في الحكم ثم تركه تورعا وولي عدة إعادات وأذن له البلقيني بالإفتاء لما قدم الشام سنة ثلاث وتسعين وكان يثني عليه كثيرا ودخل القاهرة بعد الكائنة العظمى واجتمع بابن حجر فسمع كل منهما من الآخر وتوفي بدمشق بالطاعون في المحرم أو صفر ودفن بمقبرة الشيخ رسلان
وفيها أبو الفضل عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي الوفا الشاذلي المالكي المصري اشتغل في صباه قليلا وتعانى النظم فقال الشعر الفائق وكان ذكيا حسن الأخلاق لطيف الطباع ومن نظمه في مرثية محبوب له
( مضت قامة كانت أليفة مضجعي
فلله ألحاظ لها ومراشف )
( ولله أصداغ حكين عقاربا
فهن على الحكم المعني سوالف )
( وما كنت أخشى أمس الأمن الجفا
وإني على ذاك الجفا اليوم آسف )
( رعى الله أياما وناسا عهدتهم
جيادا ولكن الليالي صيارف )
غرق في بحر النيل هو ومحمد بن عبيد البشكالسي وعبد الله بن أحمد التنسي 107 جمال الدين قاضي المالكية وابن قاضيهم
وفيها علي بن سند بن علي بن سليمان اللواتي الأصل الأيباري النحوي الشافعي المصري نزيل دمشق ولد سنة بضع وخمسين وسبعمائة بالقاهرة ونشأ بغزة يتيما فقيرا فحفظ التنبيه ثم دخل دمشق فعرضه على تاج الدين السبكي فقرره في بعض المدارس واستمر في دمشق وأخذ عن العنابي وغيره ومهر في العربية وأشغل الناس وأدب أولاد ابن الشهيد وقرأ عليه التيسير وسمع الكمال بن حبيب وابن أميلة وغيرهما وكان خازن كتب السميساطية وحصل كثيرا من الكتب والوظائف وفاق في حفظ اللغة وعنى بالأصول فقرأ مختصر ابن الحاجب دروسا على المشايخ وأكثر مطالعة كتب الأدب ولم يتزوج قط ونهب ما حصله في فتنة اللنك ودخل القاهرة بعد الكائنة العظمى فأقام بها وحصل كتبا ثم قدم دمشق ثم رجع ففوضت له مشيخة البيبرسية ثم قرر في تدريس الشافعي وحدث بالبيبرسية بسنن أبي داود وجامع الترمذي عن ابن أميلة وبغير ذلك وسمع منه ابن حجر قال وكان فقير النفس شديد الشكوى وكلما حصل له شيء اشترى به كتبا ثم تحول بما جمعه إلى دمشق في هذه السنة وجمع جزءا في الرد على تعقبات أبي حيان لابن مالك وتوفي بدمشق في ذي الحجة وتفرقت كتبه شذر مذر
وفيها شمس الدين محمد بن خليل بن محمد العرضي الغزي الشافعي ولد قبل الستين وسبعمائة واشتغل بالفقه فمهر فيه إلى أن افق الأقارن وصار يستحضر أكثر المذهب مع المعرفة بالطب وغيره توفي في جمادى الأولى
وفيها فتح الدين محمد بن محمد بن الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن الجزري الدمشقي الشافعي نزيل بلاد الروم ثم دمشق باشر الأتابكية بدمشق إلى أن مات قال ابن حجي كان ذكيا جيد الذهن يستحضر التنبيه ويقرأ بالروايات أخذ ذلك عن أبيه وعن الشيخ صدقة 108 وغيرهما وعاش والده بعده دهرا وباشر تدريس الأتابكية بدمشق ونظرها إلى أن توفي في صفر مطعونا
وفيها محمد الشبراوي قال ابن حجر اشتغل كثيرا وكان مقتدرا على الدرس فدرس كتاب الشفا وعرضه ثم درس مختصر مسلم للمنذري ولم يكن بالماهر مات في سلخ السنة انتهى
وفيها يحيى بن محمد بن حسن بن مرزوق المرزوقي الجبلي بكسر الجيم وسكون الباء الموحدة اليماني الشافعي تفقه على رضى الدين بن أبي داود وسمع من علي بن شداد واشتغل كثيرا وكان عبادا خيرا دينا يتعانى السماعات على طريق الصوفية ويجتمع الناس عنده لذلك توفي في جمادى الآخرة وقد بلغ ثمانين سنة
سنة خمس عشرة وثمانمائة
فيها تسلطن شيخ المحمودي ولقب بالمؤيد وكني بأبي نصر وذلك بعد خلع الناصر وسلطنة المستعين الخليفة وخلعه وقتل الناصل فرج
وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن حسين الموصلي المالكي تفقه واحترف بتأديب الأطفال بالقاهرة ثم حج وجاور وسلك طريق الورع والنسك وصار يتكسب بالنسخ ويحج ماشيا وكان غاية في الورع والتحري مات في عشر التسعين
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العال قاضي القضاة الدمشقي الشافعي المعروف بابن الحسباني ولد سنة ثمان وأربعين وسبعماية قال المقريزي وتفقه بأبيه وغيره وسمع من أصحاب الفخر وطلب بنفسه فأكثر جدا بدمشق والقاهرة ولم يزل يسمع حتى سمع من هو دون شيوخه مع ذكاء وتفنن وكتب تفسيرا أجاد فيه لو كمل وعلق على الحاوي في الفقه شرحا وخرج أحاديث الرافعي وشرح الفية ابن مالك 109 في النحو وناب في الحكم بدمشق مدة ثم ولي قضاء القضاة بها غير مرة فلم تحمد سيرته وكان لا يزال يخرج على السلطان ويترامى على الشر ويلج في مضايق الفتن حبا في الرياسة انتهى كلام المقريزي وعده ابن ناصر الدين في الحفاظ وأثنى عليه وتوفي بدمشق في يوم الأربعاء عشر ربيع الآخر عن خمس وستين سنة وسبعة أشهر وأيام
وفيها شهاب الدين أحمد بن رضي الدين أبي بكر بن موفق الدين علي بن محمد الناشري الزبيدي اليمني الشافعي قال ابن حجر في أنباء الغمر عنى بالعلم وبرع في الفقه وشارك في غيره وتخرج به أهل بلده مدة طويلة وولي قضاء زبيد فراعى الحق في أحكامه فتعصبوا عليه فعزل وانتهت إليه رياسة الفتوى ببلده وكان شديد الحط على صوفية زبيد المنتمين إلى كلام ابن العربي وكان يستكثر من كلام من يرد عليه فجمع من ذلك شيئا كثيرا في فساد مذهبه ووهاء عقيدته اجتمعت به بزبيد ونعم الشيخ كان مات في خامس عشرى المحرم وقد جاوز السبعين انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن عماد بن علي المصري ثم المقدسي الشافعي الفرضي الحاسب ابن الهايم ولد سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة واشتغل بالقاهرة وحصل طرفا صالحا من الفقه وعنى بالفرائض والحساب حتى فاق الأقارن ورحل إليه الناس من الآفاق وصنف التصانيف النافعة في ذلك ودرس بالقدس في أماكن وناب عن القمني في تدريس الصلاحية مدة فلما قدم نوروز القدس في هذه السنة لملاقاة زوجته بنت الظاهر قرر الهروي في الصلاحية ثم قسمها بينه وبين ابن الهائم لقيام أهل البلد معه وسمع منه ابن حجر وتوفي في بيت المقدس في جمادى الآخرة
وفيها تغرى بردى بن عبد الله ومعنى تغرى بردى بلغة التتار ألله أعطى الظاهري نائب الشام قال ولده في المنهل الصافي كان والدي رومي الجنس اشتراه 110 الملك الظاهر برقوق في أوائل سلطنته تقريبا وأعتقه وجعله في يوم عتقه خازكيا ثم صار ساقيا وأنعم عليه فجعله رأس نوبة الجمدارية وتنقلت به الأحوال إلى أن ولي نيابة دمشق غير مرة وقال ابن حجر ولي نيابة حلب فسار فيها سيرة حسنة وأنشأ بها جامعا ثم ولي نيابة دمشق قال القاضي علاء الدين في تاريخه كان عنده عقل وحياء وسكون حليما عاقلا مشارا إليه بالتعظيم في الدول وكان جميلا حسن الصورة جدا وكان يلهو لكن في سترة وحشمة وأفضال والله يسمح له انتهى وقال ولده استقر في نيابة دمشق ثالث مرة على كره منه وذلك سنة ثلاث عشرة وثمانمائة وتوفي واليا بها يوم الخميس سادس عشر المحرم وصلى عليه الملك الناصر فرج لأنه كان يومئذ في دمشق وشهد دفنه يوم الجمعة بتربة الأمير تنم نائب الشام بميدان الحصا ثم قتل الناصر بعد أيام في صفر من السنة المذكورة وخلف والدي عشرة أولاد ستة ذكور وأربع إناث وخلف أموالا كثيرة استولى عليها الملك الناصر فرج منها ألف مملوك إلا ثلاثين مملوكا
وفيها جار الله بن صالح بن أحمد بن عبد الكريم الشيباني المكي سمع على تاج الدين ابن بنت أبي سعد ونور الدين الهمداني وعز الدين بن جماعة وشهاب الدين الهكاري وحدث عنهم قال ابن حجر قرأت عليه أحاديث من جامع الترمذي بمدينة ينبع وكان خيرا عاقلا مات في هذه السنة وهو الذي قال فيه صدر الدين بن الآدمي البيتين المشهورين وسنذكرهما في ترجمته انتهى
وفيها رقية بنت العفيف عبد السلام بن محمد بن مزروع المدنية حدثت بالإجازة عن شيوخ مصر والشام كالختنى وابن المصري وابن سيد الناس من المصريين والمزى وغيره من الشاميين وتوفيت عن سبع وثمانين سنة
وفيها طنبغا الشريفي عتيق الشريف شهاب الدين نقيب الأشراف بحلب 111 قال القاضي علاء الدين في تاريخه سمع من أولاد مولاه من الجمال بن الشهاب محمود وتعلم الخط معهم ففاق في الخط الحسن وكتب الناس عليه واستقر في وظيفة تعليم الخط بالجامع الكبير وتسمى عبد الله وأجلسه الكمال بن العديم مع الشهود العدول وفر في الكائنة العظمى إلى القاهرة فأقام بها مدة وحدث بها وعلم الخط كتبت عليه بحلب وقرأت عليه الحديث بالقاهرة في سنة ثمان وثمانمائة وتوفي في آخر هذه السنة انتهى
وفيها عائشة بنت علي بن محمد بن عبد الغني بن منصور الدمشقية سمعت مع زوجها الحافظ شمس الدين الحسني من ابن الخباز والمرداوي ومن بعدهما وحدثت وتوفيت في رمضان عن بضع وستين سنة
وفيها جمال الدين عبد الله بن محمد بن طيمان بفتح الطاء المهملة وسكون الياء التحتانية المصري الطيماني الشافعي نزيل دمشق ولد قبل السبعين وسبعمائة بيسير وحفظ الحاوي الصغير ولازم البلقيني وعز الدين بن جماعة واشتغل بالقاهرة ونبغ في الفقه وشارك في الفنون ثم نزل دمشق وأفتى ودرس وكان يلبس قريبا من زي الترك وكان ذكيا ماهرا لا يتكلم إلا معربا ويتعانى طريق الصوفية وكان يتردد إلى دمشق بسبب وقف له وحضر عند شيوخها وشهدوا له بالتقدم في الفقه وأقام بدمشق يفتي ويشغل ويصنف ويدرس وشرع في جمع أشياء لم تكمل واختصر شرح الشيخ شرف الدين الغزي على المنهاج ولخص من كلام الأذرعي وغيره أشياء على المنهاج لم تشتهر لغلاقة لفظه واختصاره وأثنى عليه ابن حجي وأخبر أنه أخذ عنه وقتل بمنزله بالتعديل في الفتنة التي بين الناصر وغرمائه في صفر عن نحو سبع وأربعين سنة ودفن بمقابر الحموية بالقرب من قبر عاتكة إلى جانب الشيخ الزاهد علي بن أيوب رحمهما الله تعالى
وفيها سراج الدين عمر بن عبد الله الهندي المعروف بألفاظا قال ابن 112 حجر كان عارفا بالفقه والأصول والعربية أقام بمكة أزيد من أربعين سنة فأفاد الناس في هذه العلوم ومات في ذي الحجة عن سبعين سنة
وفيها الملك الناصر فرج بن برقوق بن أنس ولد سنة إحدى وتسعين وسبعمائة وسماه أبوه بلغاق ثم سماه فرجا وأجلس على التخت يوم الجمعة نصف شوال سنة إحدى وثمانمائة بعهد من أبيه وعمره عشر سنين وستة أشهر وقتل بمصر سلطانا ليلة السبت سادس عشر صفر
وفيها زين الدين أبو الخير محمد بن زين الدين أبي الطاهر أحمد بن جمال الدين محمد بن الحافظ محب الدين عبد الله الطبري سمع من الفخر القونوي وابن بنت سعد وابن جماعة والعلائي وأجاز له أحمد بن علي الجزري وابن القماح وابن عالي والمستوري وغيرهم وتفرد بإجازة الجزري بمكة وحدث بأشياء كثيرة بالإجازة عن جماعة من المصريين والشاميين وبرع في العلم وعرف بالمروءة وتوفي في رمضان
وفيها بهاء الدين أبو حامد محمد بن أبي الطيب أحمد بن بهاء الدين محمد بن علي بن سعيد بن إمام المشهد الشافعي ظنا ولد سنة سبع وستين وسبعمائة وأحضره أبوه وأسمعه على أصحاب الفخر وابن القواس ونحوهم وتوفي أبوه وهو صغير فأدبه رجل أعمى وبرع من صباه وكان صحيح الفهم دينا عاقلا نشأ نشأة حسنة وأفتى ودرس وعرض عليه حموه شهاب الدين الحسباني النيابة في الحكم فامتنع وتوفي في ذي القعدة بعلة الاستسقاء
وفيها جمال الدين محمد بن الحسن بن عيسى بن محمد بن أحمد بن مسلم المكي الحلوي بفتح المهملة وسكون اللام نسبة إلى حلى كظبي مدينة باليمن المعروف بابن العليف بمهملة ولام وفاء مصغر ولد بحلى سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة ونزل بمكة وسمع من العز بن جماعة وكان غاليا في التشيع وتعانى النظم فمهر فيه وفاق أقارنه إلا أنه كان عريض الدعوى 113 ومدح ملوك اليمن وأمراء مكة وينبع وانقطع إلى حسن ابن عجلان بمكة ومن مدائحه في الناصر لدين الله صلاح الدين بن علي بن محمد صاحب صنعا
( جادك الغيث من طلول بوالي
كبروج من النجوم خوالي )
( فقدت بيض انسها فتساوى
بيض أيامها وسود الليالي )
( قاسمتني وجدي بها فتساوى
حالها بعد من أحب وحالي )
وهي طويلة وله فيه من أخرى
( يا وجه آل محمد في وقته
لم يبق بعدك منهم إلا قفا )
( لو كانت الأشراف آل محمد
كتب العلوم لكنت فيها المصحفا )
( أو كانت الأسباط آل محمد
يابن النبي لكنت فيها يوسفا )
وتوفي في سابع رجب
وفيها جمال الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد البعلبكي المعروف بابن اليونانية ولد أول سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة وسمع الحديث وقرأ ودرس وأفتى وشارك في الفضائل وكان عارفا بأخبار أهل بلده
وفيها محب الدين أبو الوليد محمد بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي بن أيوب بن الشحنة محمود والشحنة جده الأعلى محمود الشهير بابن الشحنة التركي الأصل الحلبي الحنفي ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة وحفظ القرآن العظيم وعدة متون وتفقه وبرع في الفقه والأصول والنحو والأدب وأفتى ودرس وتولى قضاء قضاة الحنفية بحلب ثم دمشق إلى أن قبض عليه الظاهر برقوق في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة وقدم به إلى القاهرة ثم أفرج عنه ورجع إلى حلب فأقام بها إلى أن قبض عليه الملك الناصر فرج سنة ثلاث عشرة وثمانمائة لقيامه مع جماعة على الناصر ثم أفرج عنه فقدم القاهرة ثم عاد إلى دمشق صحبة الملك الناصر المذكور سنة أربع عشرة وثمانمائة فلما انكسر الناصر وحوصر بدمشق ولاه قضاء الحنفية بالقاهرة 114 فلم يتم لأنه لما أزيلت دولة الناصر أعيد ابن العديم لقضاء الديار المصرية واستقر ابن الشحنة في قضاء حلب وأعطى تداريس بدمشق قال ابن حجر كان كثير الدعوى والاستحضار عالي الهمة وعمل تريخا لطيفا فيه أوهام عديدة وله نظم فائق وخط رائق ومن نظمه
( ساق المدام دع المدام فكل ما
في الناس من وصف المدامة فيكا )
( فعل المدام ولونها ومذاقها
في مقلتيك ووجنتيك وفيكا )
وله
( أسير بالجرعى أسيرا ومن
همي لا أعرف كيف الطريق )
( في منحنى الأضلع وأدى الغضا
وفوق سفح الخد وادي العقيق )
انتهى وقال القاضي علاء الدين في ذيل تاريخ حلب وله ألفية رجز تشتمل على عشرة علوم وألفية اختصر فيها منظومة النسفي وضم إليها مذهب أحمد وله تآليف أخرى في الفقه والأصول والتفسير انتهى وتوفي بحلب يوم الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر
وفيها شرف الدين مسعود بن عمر بن محمود بن أنمار الأنطاكي النحوي نزيل دمشق قدم إلى حلب وقد حصل طرفا صالحا من العربية ثم قدم دمشق فأخذ عن الصفدي وابن كثير وغيرهما وتقدم في العربية وفاق في حسن التعليم حتى كان يشارط عليه إلى أمد معلوم بمبلغ معلوم وكان يكتب حسنا وينظم جيدا وكان يتعانى الشهادة ولو لم يكن بالمحمود فيها وكان مزاحا قليل التضون مات في تاسع شعبان وهو في عشر الثمانين قاله ابن حجر 115
سنة ست عشرة وثمانمائة
في ربيعها الأول ظهر الخارجي الذي ادعى أنه السفياني وهو رجل عجلوني يسمى عثمان بن ثقالة اشتغل بالفقه قليلا بدمشق ثم قدم عجلون فنزل بقرية الجيدور ودعا إلى نفسه فأجابه بعض الناس فأقطع الإقطاعات ونادى أن مغل هذه السنة مسامحة ولا يؤخذ من أهل الزراعة بعد هذه السنة التي سومح بها سوى العشر فاجتمع عليه خلق كثير من عرب وعشير وترك وعمل له ألوية خضراء وسار إلى وادي الياس وبث كتبه إلى النواحي ترجمتها بعد البسملة السفياني إلى حضرة فلان أن يجمع فرسان هذه الدولة السلطانية الملكية الإمامية الأعظمية الربانية المحمدية السفيانية ويحضر بخيله ورجاله مهاجرا إلى الله ورسوله ومقاتلا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا فسار عليه في أوائل ربيع الآخر غانم الغزاوي وجهز إليه طائفة وطرقوه وهو بجامع عجلون فقاتلهم فقبضوا عليه وعلى ثلاثة من أصحابه فاعتقل الأربعة وكتب إلى المؤيد بخبره فأرسلهم إلى قلعة صرخد
وفيها توفي إبراهيم بن أحمد بن خضر الصالحي الحنفي ولد في رمضان سنة أربع وأربعين وسبعمائة واشتغل على أبيه وناب في القضاء بمصر ودرس وأفتى وولي إفتاء دار العدل وكان جريئا مقداما ثم ترك الاشتغال بآخره وافتقر وتوفي في ربيع الأول وكات وفاة أبيه سنة خمس وثمانين وسبعمائة
وفيها برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن بهادر بن أحمد الشافعي الغزي القرشي النوفلي الشهير بابن زقاعة بضم الزاي وفتح القاف المشددة وألف وعين مهملة وهاء قال في المنهل كان إماما بارعا مفننا في علوم كثيرة 116 لا سيما معرفة الأعشاب والرياضة وعلم التصوف مولده سنة أربع وعشرين وسبعمائة على الصحيح قال المقريزي عانى صناعة الخياطة وأخذ القراءات عن الشيخ شمس الدين الحكري والفقه عن بدر الدين القونوي والتصوف عن الشيخ عمر حفيد الشيخ عبد القادر وسمع الحديث من نور الدين علي الفوي وقال الشعر ونظر في النجوم وعلم الحرف وبرع في معرفة الأعشاب وساح في الأرض وتجرد وتزهد فاشتهر ببلاد غزة وعرف بالصلاح انتهى اختصارا قلت بالجملة كانت رياسته في علوم كثيرة وله حظ وافر عند ملوك مصر ونال من الحرمة والوجاهة ما لم ينله غيره من أبناء جنسه فإنه كان يجلس فوق قضاة القضاة ومن شعره اللطيف
( ومن عجبي أن النسيم إذا سرى
سحيرا بعرف البان والرند والآس )
( يعيد على سمعي حديث احبتى
فيخطل لي أن الأحبة جلاسي )
ومنه أيضا
( ووردى خد نرجسي لواحظ
مشايخ علم السحر عن لحظه رووا )
( وواوات صدغيه حكين عقاربا
من المسك فوق الجلنار قد التووا )
( ووجنته الحمرا تلوح كجمرة
عليها قلوب العاشقين قد انكووا )
( وودى له باق ولست بسامع
لقول حسود والعواذل أن عووا )
( ووالله لا أسلو ولو صرت رمة
وكيف وأحشائي على حبه انطووا )
وتوفي بالقاهرة في ثامن عشر ذي الحجة ودفن خارج باب النصر انتهى ما قاله صاحب المنهل باختصار
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علاء الدين حجي بن موسى بن أحمد بن سعد بن غشم بن غزوان بن علي بن مسرور بن تركي الحسباني الدمشقي الشافعي الحافظ مؤرخ الإسلام قال ابن قاضي شهبة في طبقاته ولد في المحرم سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وحفظ التنبيه وغيره وسمع 117 الحديث من خلائق وأجاز له خلق من بلاد شتى وقرأ بنفسه الكثير وكتب الكثير وقد كتب أسماء مشايخه مجردا في بعض مجاميعه على حروف المعجم وأخذ الفقه عن والده والشيخ شمس الدين بن قاضي شهبة وقاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء وغيرهم واستفاد من مشايخ العصر منهم الأذرعي والحسباني وابن قاضي الزبداني وابن خطيب يبرود والغزي والقاضي تاج الدين السبكي وشمس الدين الموصلي وتخرج في علوم الحديث بالحافظين ابن كثير وابن رافع وأخذ النحو عن أبي العباس العناني وغيره ودرس وأفتى وأعاد وناب في الحكم وصنف وكتب بخطه الحسن ما لا يحصى كثرة فمن ذلك شرح على المحرر لابن عبد الهادي كتب منه قطعة ورد على مواضع من المهمات للأسنوي وعلى مواضع من الألغاز له بين غلطه فيها وجمع فوائد في علوم متعددة في كراريس كثيرة سماها جمع المفترق وكتابا سماه الدارس من أخبار المدارس يذكر فيه ترجمة الواقف وما شرطه وتراجم من درس بالمدرسة إلى آخر وقت وهو كتاب نفيس يدل على اطلاع كثير وقد وقفت على كراريس منه وكتب ذيلا على تاريخ ابن كثير وغيره بدأ فيه من سنة إحدى وأربعين يذكر فيه حوادث الشهر ثم من توفي فيه وهو مفيد جدا كتب منه ست سنين ثم بدأ من سنة تسع وستين فكتب إلى قبيل وفاته بيسير وكان قد أوصاني بتكميل الخرم المذكور فأكملته وأخذت التاريخ المذكور وزدت عليه حوادث من تواريخ المصريين وغيرهم بقدر ما ذكره الشيخ وتراجم أكثر من التراجم التي ذكرها بكثير وبسطت الكلام في ذلك وجاء إلى آخر سنة أربعين وثمانمائة في سبع مجلدات كبار ثم اختصرته في نحو نصفه وقد ولي الشيخ في آخر عمره الخطابة ومشيخة الشيوخ شريكا لغيره وانتهت المشيخة في البلاد الشامية إليه وكان يكتب على الفتاوى كتابة حسنة وخطه مليح وكان يضرب المثل بجودة ذهنه وحسن أبحاثه وكان حسن الشكل دينا خيرا له أوراد 118 من صلاة وصيام وعند أدب كثير وحشمة وحسن معاشرة وعنه أخذت هذا الفن واستفدت منه كثيرا توفي في المحرم ودفن عند والده على جادة الطريق انتهى كلام ابن قاضي شهبة
وفيها أحمد بن علي بن النقيب المقدسي الحنفي قال ابن حجر ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وتقدم في فقه الحنفية وشارك في فنون وكان يؤم بالمسجد الأقصى
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن الناصري الباعوني الشافعي قال ابن قاضي شهبة فيه الشيخ الإمام العالم المفنن قاضي القضاة خطيب الخطابة إمام البلغاء ناصر الشرع ولد بقرية الناصر من البلاد الصفدية سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة وحفظ القرآن وله عشر سنين وحفظ المنهاج في مدة يسيرة ثم المنهاج للبيضاوي والألفية وغير ذلك وقدم دمشق وعرض كتبه على جماعة من العلماء منهم القاضي تاج الدين السبكي والمشايخ ابن خطيب يبرود وابن قاضي الزبداني وابن قاضي شهبة وابن الشريشي والزهدي وغيرهم وأخذ عنهم وسمع الحديث من جماعة من المسندين وقرأ النحو على الشيخ أبي عبد الله المالكي وغيره ومهر في ذلك وكتب الخط الحسن ثم رجع إلى صفد وقد أجيز وأخذ من طلب العلم أربه فاشتغل بالعلم وأفتى وفاق في النظم والنثر وصحب الفقراء والصالحين ثم توجه إلى الديار المصرية واجتمع بالملك الظاهر فولاه خطابة بالجامع الأموي فقدم في ذي القعدة سنة اثنتين وتسعين ثم لما قدم السلطان في سنة ثلاث وتسعين ولاه القضاء في ذي الحجة فباشر بعفة ومهابة زائدة وتصميم في الأمور مع نفوذ لحكمه وكان يكاتب السلطان بما يريد فيرجع الجواب بما يختاره وانضبطت الاوقاف في أيامه وحصل للفقهاء معاليم كثيرة ودرس الفقه والتفسير في مدارس 119 كثيرة وولي مشيخة الشيوخ ثم وقعت له أمور أوجبت تغير خاطر السلطان عليه منها أنه طلب أن يقرضه من مال الأيتام شيئا فامتنع فعزله بعد ما باشر سنتين ونصفا وكشف عليه وعقدت له مجالس وحصل في حقه تعصب ولفقت عليه قضايا باطلة أظهر الله براءته منها ولم يسمع عنه مع كثرة أعدائه أنه ارتشى في حكم من الأحكام ولا أخذ شيئا من قضاة البر كما فعله من بعده من القضاة ثم ولي خطابة القدس مدة طويلة ثم خطابة دمشق ومشيخة الشيوخ ثم ولاه الناصر القضاء في صفر سنه اثنتي عشرة وثمانمائة ولم يمكنه إجراء الأمور على ما كان أولا لتغير الأحوال واختلاف الدول ثم صرفه الأمير شيخ عند استيلائه على دمشق في جمادى الآخرة من السنة وفي فتنة الناصر ولي قضاء الديار المصرية مدة الحصار ثم انتقض وكان خطيبا بليغا له اليد الطولى في النظم والنثر مع السرعة في ذلك وكان من أعظم أنصار الحق وأعوانه أعز الله تعالى به الدين وكف به أكف المفسدين وكان ظاهر الديانة كثير البكاء وكتب الكثير بخطه وجمع أشياء انتهى باختصار وقال ابن حجر اجتمعت به ببيت المقدس والقاهرة وأنشدني من نظمه وسمعت عليه وهو القائل
( ولما رأت شيب رأسي بكت
وقالت عسى غير هذا عسى )
( فقلت البياض لباس الملوك
وإن السواد لباس الأسى )
( فقالت صدقت ولكنه
قليل النفاق بسوق النسا )
وله في العقيدة قصيدة أولها
( أثبت صفات العلى وأنف الشبيه فقد
أخطا الذين على ما قد بدا جمدوا )
( وضل قوم على التأويل قد عكفوا
فعطلوا وطريق الحق مقتصد )
انتهى وتوفي في أوائل المحرم ودفن بسفح قاسيون بحوش زاوية الشيخ أبي بكر بن داود 120
وفيها زين الدين هو زين الدين أبو بكر بن حسين بن عمر بن محمد بن يونس العثماني المراغي ثم المصري الشافعي نزيل المدينة ولد سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وأجاز له أبو العباس بن الشحنة فكان آخر من حدث عنه في الدنيا بالإجازة وأجاز له أيضا المزي والبرزالي والحجار وآخرون من دمشق وحماة وحلب وغيرها وتفرد بالرواية عن أكثرهم وسمع بالقاهرة من جماعة وخرج له الحافظ ابن حجر أربعين حديثا عن أربعين شيخا وقرأ على الشيخ تقي الدين السبكي شيئا من محفوظاته عرضا قبل أن يلي القضاء ولازم الشيخ جمال الدين الأسنوي وولي قضاء المدينة وخطابتها سنة تسع وثمانمائة وأخذ عن مغلطاي وغيره من المحدثين وشرح المنهاج الفقهي واختصر تاريخ المدينة وحصل للمدينة جهات تقوم بحاله ولازم الاشغال والتحديث بالروضة الشريفة إلى أن صار شيخها المشار إليه ثم عزل عن قضائها فتألم لذلك وتوفي بالمدينة المنورة في ذي الحجة
وفيها رضي الدين أبو بكر بن يوسف بن أبي الفتح العدني بن المستأذن قال ابن حجر حج كثيرا وقدم القاهرة وتعانى النظر في الأدب ومهر في القراءات وتكلم على الناس بجامع عدن وخطب ولم ينجب سمعت من نظمه وسمع مني كثيرا مات وقد جاوز السبعين انتهى
وفيها حسام الدين حسن بن علي بن محمد الأبيوردي بفتح الهمزة والواو وسكون التحتية وكسر الباء وسكون الراء نسبة إلى باورد بلدة بخراسان الشافعي الخطيب نزيل مكة وأخذ عن السعد التفتازاني وغيره وبرع في المعقولات ودخل اليمن واجتمع بالناصر ففوض إليه تدريس بعض المدارس بتعز فعاجلته المنية بها وصنف ربيع الجنان في المعاني والبيان وغير ذلك
وفيها عائشة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي بن 121 يوسف بن محمد بن قدامة المقدسي الأصل أبوها الصالحية الحنبلية المذهب المحدثة محدثة دمشق ولدت سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة وحضرت في أوائل الرابعة من عمرها جميع صحيح البخاري على مسند الآفاق الحجار وروت عن خلق وروى عنها لحافظ ابن حجر وقرأ عليها كتبا عديدة وكانت في آخر عمرها أسند أهل زمانها مكثرة سماعا وشيوخا قاله العلموي في طبقات الحنابلة وتوفيت في أحد الربيعين ودفنت بالصالحية قال ابن حجر تفردت بالسماع من الحجار ومن جماعة وسمع منها الرحالة فأكثروا وكانت سهلة في الأسماع سهلة الجانب ومن العجائب أن ست الوزراء كانت آخر من حدثت عن ابن الزبيدي بالسماع ثم كانت عائشة آخر من حدثت عن صاحبه الحجار بالسماع وبين وفاتيهما مائة سنة
وفيها عبد القوي بن محمد بن عبد القوي المالكي البجائي المغربي الأصل والمولد والمنشأ نزميل مكة قال ولده قطب الدين أبو الخير ولد والدي سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة بيجاية من بلاد الغرب ورحل من بلده وعمره ثمان عشرة سنة وقدم القاهرة وحج سنة أربع وستين ثم عاد إلى القاهرة ثم حج في سنة سبعين وقطن بمكة إلى أن مات وقال الشيخ تقي الدين الفاسي قدم ديار مصر في شبيبته فأخذ بها عن الشيخ موسى المراكشي وغيره وسمع بها من المناوي وسعد الدين الأسفراييني وغيرهما ودرس بالحرم الشريف وأفتى باللفظ تورعا وكان ذا معرفة بالفقه قال ابن حجر تفقه وأفاد ودرس وأعاد وأفتى وتوفي بمكة في شوال ودفن بالمعلاة
وفيها فخر الدين عثمان بن إبراهيم بن أحمد الشيخ الإمام البرماوي الشافعي شيخ قراء مدرسة الظاهر برقوق قال في المنهل كان إماما بارعا في 122 معرفة القراءات عالما بالفقه والحديث والعربية تصدر للأقراء عدة سنين إلى أن توفي فجأة بعده خروجه من الحمام يوم الإثنين تاسع عشر شعبان والبرماوي نسبة إلى برمة بلدة بالغربية من أعمال القاهرة بالوجه البحري وإليها ينسب جماعة كثيرة من الفقهاء وغيرهم انتهى
وفيها فتح الدين فتح الله بن معتصم بن نفيس الداودي التبريزي الحنفي الطبيب ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة وقدم مع أبيه إلى القاهرة فمات أبوه وهو صغير فكفله عمه بديع بن نفيس فتميز في الطب وقرأ المختار في الفقه وتردد إلى مجالس العلم وتعلم الخط وباشر العلاج وكان بارع الجمال فانتزعه برقوق وصار من أخص المماليك عنده وشاتهر وشاع ذكره واستقر في رياسة الطب بعد موت عمه بديع ثم عالج برقوق فأعجبه وكان يدري كثيرا من الألسن ومن الأخبار فراج عند برقوق وباشر رياسة الطب بعفة ونزاهة قال البقاعي كان ذا باع طويل في الطب حتى أنه مر يوما في سوق الكتبيين فرأى شخصا ينسخ في كتاب وليس به مرض فتأمله وقال هذا يموت اليوم فكان كذلك وقال المقريزي كان له فضائل جمة غطاها شحه حتى اختلق عليه أعداؤه معايب برأه الله منها فأنى صحبته مدة طويلة تزيد على العشرين ورافقته سفرا وحضرا فما علمت عليه إلا خيرا بل كان من خير أهل زمانه عقلا وديانة وحسن عبادة وتأله ونسك ومحبة للسنة وأهلها وانقياد إلى الحق وصبر على الأذى وجودة للحافظة وكان يعاب بالشح بماله فإنه كان يخذل صديقه أحوج ما يكون إليه وقد جوزي بذلك فإنه لما نكب في هذه السنة تخلى عنه كل أحد عن الزيارة فلم يجد مغنيا ولا معينا فلا قوة إلا بالله
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن خليل المصري الغراقي بفتح المهملة وتشديد الراء وبعد الألف قاف نسبة إلى بعض قرى الديار المصرية الشافعي 123 اشتغل كثيرا وتمهر في الفرائض وأشغل الناس فيها بالجامع الأزهر وكثرت طلبته وأم بالجامع المذكور نيابة مع الدين والخير وحسن السمت والتواضع والصبر على الطلبة وكان يقسم التنبيه والمنهاج فيقرن بينهما جميعا في مدلة لطيفة وقد سمع من العز بن جماعة بمكة وحدث وجاور كثيرا وكان يعتمر في كل يوم أربع عمر ويختم كل يوم ختمة وتوفي في خامس شعبان
وفيها محمد بن عبد الله الحجبي الحنفي الملقب بالقطعة قال ابن حجر كان من أكثر الحنفية معرفة باستحضار الفروع مع جمود ذهنه وكان خطه رديئا إلى الغاية وكان رث الثياب والهيئة خاملا مات في رمضان انتهى
وفيها جمال الدين محمد بن عمر العواري بفتح المهملة وتخفيف الواو التعزي الشافعي اشتغل ببلده وأشغل الناس كثيرا واشتهر وأفتى ودرس ونفع الناس وكثرت تلامذته وولي القضاة ببلده فباشر بشهامة وترك مراعاة لأهل الدولة فتعصبوا عليه حتى عزل وقد أراق في مباشرته الخمور وأزال المنكرات والزم اليهود بتغيير عمائمهم ثم بعد عزله أقبل على الاشتغال والنفع للناس إلى أن مات
وفيها شهاب الدين موسى بن أحمد بن موسى الرمثاوي ثم الدمشقي الشافعي ولد تقريبا سنة ستين وسبعمائة واشتغل على الشيخ شرف الدين الغزي ولازمه وأذن له في الافتاء وأخذ الفرائض عن محب الدين المالكي وفضل فيها وأخذ بمكة عن ابن ظهيرة وأخذ طرفا من الطب عن الرئيس جمال الدين وكتب بخطه ومهر وتعانى الزراعة ثم تزوج بنت شيخه فماتت معه فورث منها مالا ثم بذل ما لا حتى ناب في الحكم واستمر ثم ولي قضاء الكرك قال ابن قاضي شهبة في تاريخه كان سيء السيرة وفتح أبوابا من الأحكام الباطلة فاستمرت 124 بعد وكان عنده دهاء وصاهر الأخنائي وقد امتحن ومات بدمشق في ربيع الأول وقيل إنه سم والله أعلم
سنة سبع عشرة وثمانمائة
في سابع شعبانها دخل الفرنج مدينة سبتة من بلاد المغرب وخربوها وأخذوا ما كان بها من الأموال والذخائر حتى الكتب العلمية وتركوها قاعا خرابا ومع ذلك فهي بأيديهم فلا قوة إلا بالله وكان أهلها وهم محاصرون أرسلوا قصيدة طنانة يستنجدون فيها أهل الإسلام من أهل مصر وغيرها مطلعها
( حماة الهدى سبقا وإن بعد المدى
فقد سألتكم نصرها ملة الهدى )
فلم تفدهم شيئا غير أن أجيبوا بقصيدة من نظم لابن حجة ويا ليتها مثلها
وفيها توفي تقي الدين أبو بكر بن علي بن سالم بن أحمد الكناني العامري نسبة إلى قرية كفر عامر من قرى الزبداني ابن قاضي الزبداني الشافعي ولد في ذي الحجة سنة خمسين وسبعمائة واشتغل بدمشق فبرع في الحساب وشارك في الفقه وقرأ في الأصول وولي قضاء بعلبك وبيرت وقدم القاهرة بعد الفتنة الكبرى وكان قد أسر مع التمرية ثم تخلص وأخبر عن بعض من أسره أنه قال له علامة وقوع الفتنة كثرة نباح الكلاب وصياح الديكة في أول الليل قال وكان ذلك قد كثر بدمشق قبل مجيء تمرلنك وكان يقرأ في المحراب جيدا وولي قضاء كفر طاب وتقدم في معرفة الفرائض والحساب وكان دينا خيرا يتعانى المتجر توفي بدمشق في ذي الحجة
وفيها سعد الدين سعد بن علي بن إسماعيل الهمداني الحنفي ثم العيني نزيل حلب كان فاضلا عاقلا دينا له مروءة ومكارم أخلاق وله وقع في النفوس لخيره ونفعه للطلبة وإحسانه إليهم بعلمه وجاهه مات في أول شعبان 125 وخلف ولده سعد الدين سعد الله ولم تطل مدته بل مات سنة إحدى وعشرين ولم يكتهل
وفيها عبد الله بن صالح بن أحمد بن عبد الكريم ابن أبي المعالي الشيباني المكي سمع من عثمان بن الصفي الطبري والسراج الدمنهوري وغيرهما وتفرد بالرواية عنهم بمكة وكان خطيبا جدة توفي في ربيع الآخر وقد قارب الثمانين
وفيها جمال الدين عبد الله بن علاء الدين علي بن محمد بن علي بن عبد الله الكناني العسقلاني الحنبلي المعروف بالجندي سبط أبي الحرم بن القلانسي ولد سنة خمسين وسبعمائة وأحضر على الميدومي وسمع من الأتقوي والعرض والبسه الميدومي خرقة التصوف وحدث باليسير في آخر عمره وأحب الرواية وأكثروا عنه وكان ذا سمت حسن وديانة ونادرة حسنة ويتكلم في مسائل الفقه وسمع منه ابن حجر جزءا من حديث أبي الشيخ بسماعه على جده أبي الحرم القلانسي بسنده وقرأ عليه أيضا سباعيات مونسة خاتون بنت الملك العادل بسماعه على جده أيضا عنها سماعا وتوفي في القاهرة في رجب
وفيها زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن يوسف بن الحسن بن محمود المدني الزرندي بالزاي والراء والنون نسبة إلى زرند بلد بأصبهان الحنفي ولد في ذي القعدة سنة ست وأربعين وسبعمائة بالمدينة النبوية وسمع على العز بن جماعة والصلاح العلائي وأجاز له الزبير الأسواني وهو آخر من حدث عنه وتفقه وبرع في الفقه وغيره وولي قضاء الحنفية بالمدينة النبوية نحوا من ثلاث وثلاثين سنة مع حسبتها وحمدت سيرته لعفته ودينه ولم يزل بالمدينة إلى أن توفي بها في ربيع الأول
وفيها الحافظ جمال الدين أبو حامد محمد بن عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عبد الله بن عطية بن ظهيرة بن مرزوق بن محمد بن سليمان المخزومي المكي الشافعي ولد سنة خمسين وسبعمائة تقريبا وعنى بالحديث فرحل 126 فيه إلى دمشق وحماة وحلب والقدس ومصر وغيرها وحصل الأجزاء ونسخ وكتب الكثير بخطه الدقيق الحسن وبرع في الفقه والحديث وأخذ عن ابن أميلة وصلاح الدين بن أبي عمر وجمع من أصحاب التقى سليمان ومن بعدهم وتفقه بعمه أبي الفضل النويري وبالبهاء السبكي وبالأذرعي والبلقيني ولزم العراقي في الحديث وانتفع الناس به بمكة وأشغلهم نحوا من أربعين سنة وخرج له غرس الدين خليل معجما عن شيوخه بالسماع والإجازة في مجلدة وشرح هو قطعة من الحاوي وله عدة ضوابط نظما ونثرا وله أسئلة تدل على باع واسع في العلم استدعى الجواب عنها من البلقيني فأجابه عنها وهي معروفة تلقب بالأسئلة المكية وحدث بكثير من مروياته بالمسجد الحرام وسمع منه ابن حجر وقال وهو أول شيخ سمعت الحديث بقراءته بمصر في سنة ست وثمانين وولي قضاء مكة وعزل وأعيد مرارا وكان كثير العبادة والأوراد مع السمت الحسن والسكون والسلامة وتوفي قاضيا بمكة في شهر رمضان
وفيها مجد الدين أبو الطاهر محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن عمر الفيروزابادي اللغوي الشافعي العلامة قال السخاوي في الضوء اللامع ولد في ربيع سنة تسع وعشرين وسبعمائة بكازرون ونشأ بها وحفظ القرآن وهو ابن سبع وانتقل إلى شيراز وهو ابن ثمان وأخذ الأدب واللغة عن والده وغيره من علماء شيراز وانتقل إلى العراق فدخل واسط وأخذ عن الشرف عبد الله بن بكتاش وهو قاضي بغداد ومدرس النظامية بها وولي بها تداريس وتصادير وكثرت فضائله وظهرت وكثر الآخذون عنه فكان ممن أخذ عنه الصفدي والفهامة ابن عقيل والجمال الأسنوي وابن هشام ثم قدم القاهرة وأخذ عن علمائها وجال في البلاد الشرقية والشامية ودخل الروم والهند ولقي جمعا من 127 الفضلاء وحمل عنهم شيئا كثيرا تجمعه مشيخته تخريج الجمال بن موسى المراكشي وفيه أن مروياته الكتب الستة وسنن البيهقي ومسند أحمد وصحيح ابن حبان ومصنف ابن أبي شيبة وغير ذلك على مشايخ عديدة وجم غفير ثم دخل زبيد في رمضان سنة ست وتسعين بعد وفاة قاضي الأقضية باليمن كله الجمال الريمي شارح التنبيه فتلقاه الأشرف إسماعيل وبالغ في إكرامه وصرف له ألف دينار سوى ألف أخرى أمر صاحب عدن أن يجهزه بها واستمر مقيما في كنفه على نشر العلم وكثر الانتفاع به وأضيف إليه قضاء اليمن كله في ذي الحجة سنة سبع وتسعين بعد ابن عجيل فارتفق بالمقام في تهامة وقصده الطلبة وقرأ السلطان فمن دونه عليه واستمر بزبيد مدة عشرين سنة وهي بقية أيام الأشرف ثم ولده الناصر وكان الأشرف قد تزوج ابنته لمزيد جمالها ونال منه رفعة وبرا بحيث أنه صنف كتابا وأهداه له على طباق فملأها له دراهم وفي أثناء هذه المدة قدم مكة مرارا وجاور بالمدينة والطائف وعمل بها مآثر حسنة وكان يحب الانتساب إلى مكة ويكتب بخطه الملتجىء إلى حرم الله تعالى ولم يدخل بلدا إلا وأكرمه متوليها وبالغ في تعظيمه مثل شاه منصور ابن شجاع صاحب تبريز والأشرف صاحب مصر والسلطان بايزيدخان بن عثمان متولي الروم وابن أويس صاحب بغداد وتمر لنك وغيرهم واقتنى كتبا كثيرة حتى نقل عنه أنه قال اشتريت بخمسين ألف مثقال كتبا وكان لا يسافر إلا وفي صحبته منها أحمال ويخرجها في كل منزل وينظر فيها لكنه كان كثير التبذير وإذا أملق باع منها وإذا أيسر اشترى غيرها وصنف كتبا كثيرة منها بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز مجلدان وتنوير المقباس في تفسير ابن عباس أربع مجلدات تيسير فاتحة الإهاب بتفسير فاتحة الكتاب مجلد كبير والد رالنظيم المرشد إلى فضائل القرآن العظيم وحاصل كورة الخلاص في فضائل سورة الإخلاص وشرح خطبة الكشاف وشوارق الأسرار العلية 128 في شرح مشارق الأنوار النبوية مجلدان وفتح الباري بالسيل الفسيح الجاري في شرح صحيح البخاري كمل ربع العبادات منه في عشرين مجلدا والأسعاد بالأصغاد إلى درجة الاجتهاد ثلاثة مجلدات والنفحة العنبرية في مولد خير البرية والصلات والبشر في الصلاة على خير البشر والوصل والمنى في فضل منى والمغانم المطابة في معالم طابة وتهييج الغرام إلى البلد الرحام وإثارة الشجون لزيارة الحجون عمله في ليلة وأحاسن اللطائف في محاسن الطايف وفصل الدرة من الخرزة في فضل السلامة على الخبرة وروضة الناظر في ترجمة الشيخ عبد القادر والمرقاة الوفية في طبقات الحنفية والبلغة في ترجمة أئمة النحاة واللغة والفضل الوفي في العدل الأشرفي ونزهة الأذهان في تاريخ أصبهان مجلد وتعيين الغرفات للمعين على عين عرفات ومنية السول في دعوات الرسول والتجاريح في فوائد متعلقة بأحاديث المصابيح وتسهيل طريق الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول والأحاديث الضعيفة والدر الغالي في الأحاديث العوالي وسفر السعادة والمتفق وضعا المختلف صقعا واللامع المعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب قدر تمامه في مائة مجلد يقرب كل مجلد منه صحاح الجوهري كمل منه خمس مجلدات والقاموس المحيط والقابوس الوسيط ومقصود ذوي الألباب في علم الأعراب مجلد وتحبير الموشين فيما يقال بالسين والشين تبع فيه أوهام المجمل لابن فارس في ألف موضع والمثلث الكبير في خمس مجلدات والروض المسلوف فيما له اسمان إلى الوف وتحفة القماعيل فيمن تسمى من الناس والملائكة بإسماعيل وأسماء السراح في أسماء النكاح والجليس الأنيس في أسماء الخندريس مجلد وأنواء الغيث في أسماء الليث وترقيق الأسل في تضعيف العسل كراسين وزاد المعاد في وزن بانت سعاد وشرحه في مجلد والنخب الطرائف في النكت الشرائف وغير ذلك من مختصر ومطول 129 وقال الخزرجي في تاريخ اليمن أنه لم يزل في ازياد من علو الجاه والمكان ونفوذ الشفاعات والأوامر على القضاة في الأمصار ورام في عام تسع وتسعين الوصول إلى مكة شرفها الله تعالى فكتب إلى السلطان ما مثاله ومما ينهيه إلى المعلوم الشريف ضعف العبد ورقة جسمه ودقة بنيته وعلو سنه وآل أمره إلى أن صار كالمسافر الذي تحزم وانتقل إذ وهن العظم والرأس اشتعل وتضعضع السن وتقعقع الشن فما هو إلا عظام في جراب وبنيان قد أشرف على الخراب وقد ناهز العشر التي تسميها العرب دقاقة الرقاب وقد مر على المسامع الشريفة غير مرة في صحيح البخاري من قول النبي إذا بلغ المرء ستين سنة فقد أعذر الله إليه فكيف من نيف على السبعين وأشرف على الثمانين ولا يجمل بالمؤمن أن يمضي عليه أربع سنين ولا يتجدد له شوق إلى رب العالمين وزيادة سيد المرسلين وقد ثبت في الحديث النبوي ذلك والعبد له ست سنين عن تلك المسالك وقد غلب عليه الشوق حتى فاق عمرة بن طوق ومن أقصى أمنيته أن يجدد العهد بتلك المعاهد ويفوز مرة أخرى بتلك المشاهد وسؤاله من المراحم العلية الصدقة عليه بتجهيزه في هذا العام قبل اشتداد الحر وغلبة الأوام فإن الفصل أطيب والريح أزيت وأيضا كان من عادة الخلفا سلفا وخلفا أنهم كانوا يبردون البريد لتبليغ سلامتهم إلى حضرة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه فاجعلني جعلني الله فداك ذلك البريد فلا أتمنى شيئا سواه ولا أريد
( شوقي إلى الكعبة الغراء قد زادا
فاستحمل القلص الوخادة الزادا )
( واستأذن الملك المنعام زيد على
واستودع الله أصحابا وأولادا )
فلما وصل كتابه إلى السلطان كتب على طرته ما مثاله إن هذا الشيء ما ينطق به لساني ولا يجري به قلمي فقد كانت بلاد اليمن عمياء فاستنارت 130 فكيف يمكن أن نتقدم وأنت أعلم أن الله قد أحيا بك ما كان ميتا من العلم فبالله عليك إلا ما وهبتنا بقية هذا العمر والله يا مجد الدين يمينا بارة إني أرى فراق الدنيا ونعيمها ولا فراقك أنت اليمن وأهله وقال الفاسي وله شعر كثير ونثر أعلى وكان كثير الاستحضار لمستحسنات العشر والحكايات وله خط جيد مع السرعة وكان كثير الحفظ حتى قال ما كنت أنام حتى أحفظ مائتي سطر وكانت له دار بمكة على الصفا عملها مدرسة للأشرف صاحب اليمن وقرر بها مدرسين وطلبة وفعل بالمدينة كذلك وله بمنى دور وبالطائف بستان وقد سارت الركبان بتصانيفه سيما القاموس فإنه أعطى قبولا كثيرا قال الأديب المفلق نور الدين بن العفيف المكي الشافعي لما قرأ عليه القاموس
( مذ مد مجد الدين في أيامه
من فيض بحر علومه القاموسا )
( ذهبت صحاح الجوهري كأنها
سحر المدائن حين ألقى موسا )
ومن شعره هو
( أحبتنا الأماجد أن رحلتم
ولم ترعوا لنا عهدا وإلا )
( نودعكم ونودعكم قلوبا
لعل الله يجمعنا وإلا )
وقال المقري في كتاب زهر الرياض في أخبار عياض قلت ومن أغرب ما منح الله به المجد مؤلف القاموس أنه قرأ بدمشق بين باب النصر والفرج تجاه نعل النبي على ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن جهبل صحيح مسلم في ثلاثة أيام وتبجح بذلك فقال
( قرأت بحمد الله جامع مسلم
بجوف دمشق الشام جوف لإسلام )
( على ناصر الدين الإمام بن جهبل
بحضرة حفاظ مشاهير أعلام )
( وتم بتوفيق الإله وفضله
قراءة ضبط في ثلاثة أيام )
فسبحان المانح الذي يؤتي فضله من يشاء وكان يرجو وفاته بمكة فما قدر له 131 ذلك بل توفي بزبيد ليلة العشرين من شوال وهو متمتع بحواسه وقد ناهز التسعين
وفيها أو في التي قبلها وبه جزم في المنهل الصافي صدر الدين أبو الحسن علي بن محمد قاضي القضاة الدمشقي الحنفي المعروف بابن الأدمي ولد بدمشق سنة سبع وستين وسبعمائة ونشأ بها وحفظ القرآن الكريم وطلب العلم حتى تفقه وبرع وشارك في عدة فنون ومهر في الأدب وقال الشعر الفائق الرائض وولي كتابة سر دمشق ثم عزل وولي قضاءها وكان خصيصا بالأمير شيخ المحمودي نائب دمشق وامتحن من أجله فلما تسلطن شيخ المذكور عرف له ذلك وولاه قضاء قضاة الحنفية بالديار المصرية فلم تطل مدته بل باشر أقل من سنة ومن شعره
( يا متهمي بالسقم كن مسعفي
ولا تطل رفضي فإني على ل )
( أنت حليلي فبحق الهوى
كن لشجوني راحما يا خلي ل )
ومنه
( قد نمق العاذل يا منيتي
كلامه بالزور عند الملام )
( وما درى جهلا بأني فتى
لم يرع سمعي عاجلا فيك لام )
ومنه قصيدته الرائية المشهورة
( عدمت غداة البين قلبي وناظري
فيا مقلتي حاكي السحاب وناظري )
وتوفي ليلة السبت ثامن شهر رمضان
سنة ثمان عشرة وثمانمائة
فيها كان بمصر طاعون وغلاء وعظيمين وفي أولها كانت كائنة الشيخ سليم بفتح السين وذلك أنه كان بالجيزة بالجانب الغربي من النيل كنيسة للنصارى فقيل أنهم جددوا فيها شيئا كثيرا فتوجه الشيخ سليم من الجامع الأزهر 132 ومعه جماعة فهدموها فاستعان النصارى بأهل الديوان من القبط فسعوا عند السلطان بأن هذا الشيخ افتات على المملكة وفعل ما أراد بيده بغير حكم حاكم فاستدعى بالمذكور فأهين فاشتد ألم المسلمين لذلك ثم توصل النصارى ببعض قضاة السوء إلى أن أذن لهم في إعادة ما تهدم فجر ذلك إلى أن شيدوا ما شاؤا بعلة إعادة المتهدم الأول فلله الأمر
وفيها كانت كائنة شمس الدين بن عطاء الله الرازي المعروف بالهروي الذي شاع عنه أنه يحفظ اثنى عشر ألف حديث وأنه يحفظ صحيح مسلم بأسانيده ويحفظ متون البخاري فجرت مناظرة بينه وبين ابن حجر بحضرة الملك المؤيد وظهر زيفه ومن جملتها أنه سأله أن يزيد على السبعة الذين يظلهم الله في ظله فعجز فزاد ابن حجر سبعة أخرى بأحاديث حسان وأربعة عشر بأحاديث ضعاف وذكر ذلك في أنباء الغمر فراجعه قلت أوصلهم بعضهم إلى تسع وثمانين وممن أوصلهم إلى هذا المقدار العلامة ابن علان المكي المدرك في كتابة شرح رياض الصالحين للنووي
وفيها توفي أيوب بن سعد بن علوي الحسباني الشاغوري الدمشقي الشافعي ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة وحفظ التنبيه وعرض على ابن جملة وطبقته وأخذ عن العماد الحسباني وذويه ثم فتر عن الطلب واعتذر بأنه لم يحصل له نية خالصة وكان ذا أوراد من تلاوة وقيام وقناعة واقتصاد في الحال وفراغ عن الرياسة مع سلامة الباطن توفي في صفر
وفيها خلف بن أبي بكر النحريري المالكي أخذ عن الشيخ خليل في شرح ابن الحاجب وبرع في الفقه وناب في الحكم وأفتى ودرس ثم توجه إلى المدينة المنورة فجاور بها معتنيا بالتدريس والإفادة والانجماع والعبادة إلى أن مات بها في صفر عن ستين سنة
وفيها جمال الدين عبد الله بن أبي عبد الله الدمشقي الفرخاوي نسبة 133 إلى فرخا بفاء وخاء معجمة مفتوحتين بينهما راء ساكنة قرية من عمل نابلس قال ابن حجر عنى بالفقه والعربية والحديث ودرس وأفاد وكان قد أخذ عن العنابي فمهر في النحو وكان يعتني بصحيح مسلم ويكتب منه نسخا وقد سمع من جماعة من شيوخنا بدمشق ومات في عمل الرملة
وفيها موفق الدين علي بن أحمد بن علي بن سالم الزبيدي الشافعي أصله من مكة ولد بها سنة سبع وأربعين وسبعمائة وعنى بالعلم فبرع في الفقه والعربية ورحل إلى مصر والشام وأخذ عن جماعة ثم رجع إلى مكة وتحول إلى زبيد فمات بها في ذي القعدة
وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن العفيف النابلسي الحنبلي ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة وولي قضاء نابلس قال العليمي في طبقاته كان من أئمة الحديث وهو من مشايخ شيخنا شيخ الإسلام تقي الدين القرقشندي توفي بنابلس انتهى
وفيها عز الدين محمد بن أحمد بن محمد بن جمعة بن مسلم الدمشقي الحنفي الصالحي المعروف بابن خضر ولد سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة واشتغل ومهر وأذن له في الافتاء وناب في الحكم وصار المنظور إليه في أهل مذهبه بالشام وتوفي في شوال
وفيها شمس الدين محمد بن جلال بن أحمد بن يوسف التركماني الأصل التباني بالمثناة الفوقية وتشديد الموحدة نسبة إلى بيع التبن الحنفي ولد في حدود السبعين وسبعمائة وأخذ عن أبيه وغيره ومهر في العربية والمعاني وأفاد ودرس ثم اتصل بالملك المؤيد وهو حينئذ نائب الشام فقرره في نظر الجامع الأموي وفي عدة وظائف وباشر مباشرة غير مرضية ثم ظفر به الناصر فأهانه وصادره فباع ثيابه واستعطى بالسيد فأحضره إلى القاهرة ثم أفرج عنه فلما قدم المؤيد القاهرة عظم قدره ونزل له القاضي جلال الدين البلقيني عن درس التفسير 134 بالجمالية واستقر في قضاء العسكر ثم رحل مع السلطان في سفرته إلى نوروز فاستقر قاضي الحنفية بالشام فباشره مباشرة لا بأس بها ولم يكن يتعاطى شيئا من الأحكام بنفسه بل له نواب يفصلون القضايا بالنوبة على بابه وتوفي بدمشق في تاسع عشرى رمضان
وفيها نجم بن عبد الله القابوني أحد الفقراء الصالحين انقطع بالقابون ظاهر دمشق مدة وكان صحب جماعة من الصالحين وكان ذا اجتهاد وعبادة وتحكي عنه كرامة وللناس فيه اعتقاد وتوفي في صفر
سنة تسع عشرة وثمانمائة
استهلت والغلاء والطاعون باقيين زائدين بمصر وطرابلس حتى قيل مات بطرابلس في عشرة أيام عشرة آلاف نفس وتواتر انتشار الطاعون في البلاد حتى قيل أن أهل أصبهان لم يبق منهم إلا النادر وأن أهل فاس أحصوا من مات منهم في شهر واحد فكانوا ستة وثلاثين ألاف حتى كادت البلدان تخلو من أهلها
وفيها أمر السلطان الخطباء إذا وصلوا إلى الدعاء له في الخطبة أن يهبطوا من المنبر درجة أدبا ليكون اسم الله ورسوله في مكان أعلى من المكان الذي يذكر فيه السلطان فصنع ذلك واستمر
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد ابن قاضي المالكية بمكة تقي الدين علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن السيد الشريف الحسني الفاسي محتدا المكي مولدا ومنشأ ووفاة المالكي مذهبا والد الحافظ المؤرخ تقي الدين الفاسي قال ولده المذكور في تاريخه ولد والدي في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة أربع وخمسين وسبعمائة بمكة وسمع بها على قاضيها شهاب الدين الطبري تساعيات جده الرضى الطبري وتفرد بها عنه وعلى الشيخ خليل 135 المالكي صحيح مسلم خلا المجلد الرابع من تجزئة أربعة وسمعه بكماله على الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي وعلى القاضي عز الدين بن جماعة الأربعين التساعية له ومنسكه الكبير وغير ذلك وعلى القاضي موفق الدين الحنبلي قاضي الحنبالة بمصر وسمع بالقاهرة من قاضيها أبي البقاء السبكي صحيح البخاري ومن غيره وسمع بحلب وأجاز له جماعة من أصحاب ابن البخاري وطبقته وغيرهم وحفظ كتبا علمية في صغره واشتغل في الفقه والمعاني والبيان والعربية والأدب وغير ذلك وكان ذا فضل ومعرفة تامة بالأحكام والوثائق وله نظم كثير ونثر ويقع له في ذلك أشياء حسنة إلى أن قال وتوفي بأثر صلاة الصبح من يوم الجمعة الحادي والعشرين من شوال بمكة ودفن بالمعلاة
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن نشوان بن محمد بن نشوان بن محمد بن أحمد الحوراني ثم الدمشقي الشافعي ولد سنة سبع وخمسين وسبعمائة وقدم دمشق من بلده وقرأ القرآن ثم أقرأ ولدي الشيخ شهاب الدين الزهري واشتغل في العلم معهما وبسببهما على الشيخ شهاب الدين ولازمه كثيرا وحضر عند مشايخ العصر إلى أن تنبه وفضل ومهر واشتهر بالفضل وناب في الحكم بدمشق وأفتى ودرس ولازم الجامع لاشغال وانتفع به الطلبة وقصد بالفتاوى وكان يكتب عليها كتابة حسنة ودرس في آخر عمره بالعذراوية وكان عاقلا ذكيا يتكلم في العلم بتؤدة وسكون وعنده انصاف وله محاضرة حسنة ونظم رائق منه قوله
( واخجلتي وفضيحتي في موقف
صعب المسالك والخلائق تعرض )
( وتوقعي لمهدد لي قائل
أصحيفة سودا وشعرك أبيض )
وتوفي في جمادى الأولى من هذه السنة ووهم من أرخه سنة تسع
وفيها ظهيرة بن حسين بن علي بن أحمد بن عطية بن ظهيرة القرشي المخزومي المكي ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة وسمع بمكة من العز بن جماعة 136 وغيره وأجاز له من شيوخ مصر الجزايري وأبو الحرم القابسي وجماعة وروى عن القلانسي جزء الغطريف بسماعه له من ابن خطيب المزة وأخذ عنه حافظ العصر ابن حجر جزء الغطريف لغرابة اسمه وتوفي بمكة ليلة الخميس عاشر صفر
وفيها عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن حمزة المقدسي الحنبلي قال ابن حجر من بيت كبير ولد في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وسمع من عبد الرحمن بن إبراهيم بن علي بن بقاء الملقن وأحمد بن عبد الحميد بن عبد الهادي وغيرهما وحدث ومات بالصالحية انتهى
وفيها زين الدين أبو هريرة عبد الرحمن بن محمد بن علي بن عبد الواحد بن يوسف بن عبد الرحيم الدكالي بفتح الدال المهملة والكاف المشددة وباللام نسبة إلى دكالة بلد بالمغرب ثم المصري الشافعي ابن النقاش قال ابن حجر ولد رابع عشر ذي الحجة سنة سبع وأربعين وسبعمائة بالقاهرة واشتغل بالعلم ودرس بعد وفاة أبيه وله بضع عشرة سنة وسمع من محمد بن إسماعيل الأيوبي والقلانسي وغيرهما واشتهر بصدق اللهجة وجودة الرأي وحسن التذكير والأمر بالمعروف مع الصرامة والصدع بالوعظ في خطبه وقصصه وصارت له وجاهة عند الخاصة والعامة وانتزع خطابة جامع ابن طولون من ابن بهاء الدين السبكي فاستمرت بيده وكان مقتصدا في ملبسه مفضالا على المساكين كثير الإقامة في منزله مقبلا على شأنه عارفا بأمر دينه ودنياه يتكسب من الزراعة وغيرها ويبر أصحابه مع المحبة التامة في الحديث وأهله وله حكايات مع أهل الظلم وامتحن مرارا ولكن ينجو سريعا بعون الله وقد حج مرارا وجاور وكانت بيننا مودة تامة مات ليلة الحادي عشر من ذي الحجة ودفن عند باب القرافة وكان الجمع 137 في جنازته حافلا جدا فرحمه الله تعالى انتهى
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن يوسف الكردي الدمشقي الشافعي حفظ التنبيه في صباه وقرأ على الشرف بن الشريشي ثم تعانى عمل المواعيد فنفق سوقه فيها واستمر على ذلك أكثر من أربعين سنة وصار على ذهنه من التفسير والحديث وأسماء الرجال شيء كثير وكان رائجا عند العامة مع الديانة وكثرة التلاوة وكان ولي قضاء بعلبك ثم طرابلس ثم ترك واقتصر على عمل المواعيد بدمشق وقدم مصر وجرت له محنة مع القاضي جلال الدين البلقيني ثم رضي عنه وألبسه ثوبا من ملابسه واعتذر إليه ورجع إلى بلده وكان يعاب بأنه قليل البضاعة في الفقه ومع ذلك لا يسأل عن شيء إلا بادر بالجواب ولم يزل بينه وبين الفقهاء منافرات قال ابن حجر ويقال أنه يرى حل المتعة على طريقة ابن القيم وذويه ومات مطعونا في ربيع الآخر وهو في عشر السبعين
وفيها أمين الدين عبد الوهاب بن محمد بن أحمد بن أبي بكر الحنفي الطرابلسي نزيل القاهرة القاضي ابن القاضي ولد سنة أربع وسبعين وسبعمائة واشتغل في حياة أبيه وولي القضاء استقلالا بعد موت الملطي فباشره بعفه ومهابة وكان مشكور السيرة إلا أنه كان كثير التعصب لمذهبه مع إظهار محبته للآثار عار من أكثر الفنون إلا استحضار شيء يسير من الفقه توفي بالطاعون في خامس عشرى ربيع الأول
وفيها علاء الدين أبو الحسن علي عيسى الفهري البسطي اشتغل ببلاده ثم حج ودخل الشام ونزل بحلب على قاضيها الجمال النحريزي واقرأ بحلب التسهيل وعمل المواعيد وكان يذكر في المجلس بنحو سبعمائة سطر يرتبها أولا ثم يلقيها ويطرزها بفوائد ومجانسات ثم رحل إلى الروم وعظم قدره ببرصا وكان فاضلا ذكيا أديبا يعمل المواعيد بالجامع ثم دخل الروم فسكنها وحصل له ثروة ثم دخل القرم وكثر ماله واستمر هناك إلى أن مات 138
وفيها شمس الدين أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن بن حمزة بن محمد بن ناصر الحسيني الدمشقي الشافعي المحدث الشهير مات أبوه سنة خمس وستين وسبعمائة وهو صغير فحفظ القرآن والتنبيه وقرأ على ابن السلار وابن اللبان ومهر في ذلك حتى صار شسخ الأقراء بالقرمية وكتب الخط المنسوب وجلس مع الشهود مدة ووقع وكان عين البلد في ذلك وكان مشكورا في ذلك وولي نقابة الأشراف مدة يسيرة وولي نظر الأوصياء أيضا ومات في شوال
وفيها جلال الدين غانم بن محمد بن محمد بن يحيى بن سالم الخشبي بمعجمتين مفتوحتين ثم موحدة المدني الحنفي ولد سنة إحدى وأربعين وسبعمائة وسمع من ابن أميلة وغيره بدمشق وسمع منه ابن حجر وكان نبيها في العلم ثم خمل وانقطع بالقاهرة وتوفي بالطاعون
وفيها محمد بن أحمد بن أبي بكر البيري بن الحداد الشافعي أخذ عن أبي جعفر وأبي عبد الله الاندلسيين وتمهر في العربية وحفظ المنهاج وكان يستحضر أشياء حسنة وحدث عن شرف الدين بن قاضي الجبل وغيره وتوفي في البيرة
وفيها أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن عمر التونسي المالكي المعروف بالوانوغي بتشديد النون المضمومة وسكون الواو بعدها معجمة وقال السيوطي ولد بتونس سنة تسع وخمسين وسبعمائة ونشأ بها وسمع من مسندها أبي الحسن بن أبي العباس البواني خاتمة أصحاب ابن الزبير بالإجازة وسمع أيضا من ابن عرفة وأخذ عنه الفقه والتفسير والأصلين والمنطق وعن الولي بن خلدون الحساب والهندسة والأصلين والمنطق والنحو عن أبي العباس البصار وكان شديد الذكاء سريع الفهم حسن الأداء للتدريس والفتوى وإذا رأى شيئا وعاه وقرره وإن لم يعتن به وله تآليف على قاعدة ابن عبد السلام وعشرون سؤالا في فنون من العلم تشهد بفضله بعث بها إلى القاضي جلال الدين البلقيني 139 وقد وقفت على الأسئلة وجوابها ولم أقف على الرد وكان يعاب عليه إطلاق لسانه في العلماء ومرعاة السائلين في الافتاء أجاز لغير واحد من شيوخنا المكين ومات بمكة المشرفة سحر يوم الجمعة تاسع عشرى ربيع الآخر
وفيها محمد بن أيوب بن سعيد بن علوي الحسباني الأصل الدمشقي الشافعي ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة واشتغل وحفظ المنهاج الفقهي والمحرر لابن عبد الهادي وغيرهما وأخذ عن الزهري والشريشي والصرخدي وغيرهم ولازم الملكاوي ومهر في الفقه والحديث للاشتغال بالجامع والنفع إلى الطلبة وكان قليل الغيبة والحسد بل حلف أنه ما حسد أحدا توفي مطعونا في ربيع الأول
وفيها عز الدين محمد بن شرف الدين أبي بكر بن عز الدين عبد العزيز بن بدر الدين محمد بن برهان الدين إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة بمدينة ينبع قال السيوطي في ترجمته العلامة المفنن المتكلم الجدلي النظار النحوي اللغوي البياني الخلافي استاذ الزمان وفخر الأوان الجامع لأشتات جميع العلوم وقال ابن حجر سمع من القلانسي والعرضي وغيرهما وحفظ القرآن في شهر واحد كل يوم حزبين واشتغل بالعلوم على كبر وأخذ عن السراج الهندي والضياء القرمي والمحب ناظر الجيش والركن القرمي والعلاء السيرامي وجار الله والخطابي وابن خلدون والحلاوي والتاج السبكي وأخيه البهاء والسراج البلقيني والعلاء بن صفير الطبيب وغيرهم وأتقن العلوم وصار بحيث يقضي له في كل فن بالجميع حتى صار المشار إليه بالديار المصرية في الفنون العتلية والمفاخر به علماء العجم في كل فن والمعول عليه وأقرأ وتخرج به طبقات من الخلق وكان أعجوبة زمانه في التقرير وليس له في التأليف حظ مع كثرة مؤلفاته حتى جاوزت الألف فأن له على كل كتاب أقرأه التاليف والتاليفين والثلاثة وأكثر ما بين شرح مطول ومتوسط ومختصر 140 وحواش ونكت إلى غير ذلك وكان قد سمع الحديث على جده والبياني والقلانسي وغيرهم وأجاز له أهل عصره مصرا وشاما وكان ينظم شعرا عجيبا غالبه بلا وزن وكان منجمعا عن بني الدنيا تاركا للتعرض للمناصب بارا بأصحابه مبالغا في إكرامهم يأتي مواضع النزه ويحضر حلق المنافقين وغيرهم ويمشي بين العوام ولم يحج ولم يتزوج وكان لا يحدث إلا متوضئا ولا يترك أحدا يستغيب عنده مح محبته المزاح والمفاكهة واستحسان النادرة وكان يعرف علوما عديدة منها الفقه والتفسير والحديث والأصلان والجدل والخلاف والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق والهيئة والحكمة والزيج والطب والفروسية والرمح والنشاب والدبوس والتفاف والرمل وصناعة النفط والكيمياء وفنون آخر وعنه أنه قال أعرف ثلاثين علما لا يعرف أهل عصري أسماءها وقال في رسالته ضوء الشمس سبب ما فتح به على من العلوم منام رأيته قال السيوطي وقد علقت أسماء مصنفاته في نحو كراسين ومن عيونها في الأصول شرح جمع الجوامع مع نكت عليه وثلاث نكت على مختصر ابن الحاجب وحاشية على شرح البيضاوي للأسنوي وحاشية على المغني وثلاثة شروح على القواعد الكبرى وثلاث نكت عليها وثلاثة شروح على القواعد الصغرى وثلاث نكت عليها وإعانة الإنسان على أحكام اللسان وحاشية على الألفية وحاشية على شرح الشافية للجاربردي وغير ذلك وأخذ عنه جمع منهم الكمال بن الهمام وابن قزيل والشمس القاياتي والمحب بن الأقرائي وابن حجر وقال لازمته من سنة تسعين إلى أن مات وكنت لا أسميه في غيبته إلا إمام الأئمة وقد أقبل في الأخير على النظر في كتب الحديث وكان ينهى أصحابه عن دخول الحمام أيام الطاعون فقدر أن الطاعون ارتفع أو كاد فدخل هو الحمام وخرج فطعن عن قرب ومات وقال العلامة البقاعي حدثني الشيخ محب الدين الأقصرائي وكان ممن لازم الشيخ عز الدين 141 أنه رأى رجلا تكروريا اسمه الشيخ عثمان ماغفا بالغين المعجمة والفاء ورد إلى القاهرة وله عشرة بنين رجال أتى بهم إلى الشيخ عز الدين للاستفادة فقرأ عليه كتابا فكان إذا قرر له مسألة وقف ودار ثلاث دورات على هيئة الراقص ثم انحنى للشيخ على هيئة الراكع وجلس فإذا جلس قام بنوه العشرة ففعلوا مثل فعله وقال ابن حجر وكان يعاب الشيخ عز الدين بالتزي بزي العجم من طول الشارب وعدم السواك حتى سقطت أسنانه وتوفي في عشرى ربيع الآخر واشتد أسف الناس عليه ولم يخلف بعده مثله
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن محمد المشهدي بن القطان قال ابن حجر أخذ عن الشيخ ولي الدين الملوي ونحوه واعتنى بالعلوم العقلية واشتغل كثيرا حتى تنبه وكان يدري الطب ولكن ليست له معرفة بالعلاج سمعت من فوائده ومات في الطاعون عن نحو ستين سنة انتهى
وفيها محمد بن علي بن معبد القدسي المالكي المعروف بالمدني ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة واشتغل قليلا وأخذ عن جمال الدين بن خير ولازمه وسمع الحديث من محي الدين بن عبد القادر الحنفي وحدث ثم ولي تدريس الحديث بالشيخونية فباشره مع قلة عمله به مدة ثم نزل عنه ثم ولي القضاء في الأيام الناصرية ثم صرف وأعيد مرارا وكان مشكورا في أحكامه ووقعت له كائنة صعبة مع شريف حكم بقتله فأنكر عليه ذلك أهل مذهبه ولم يكن بالماهر في مذهبه وتوفي في عاشر ربيع الأول
وفيها ناصر الدين محمد بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن عبد العزيز بن محمد بن أبي جرادة العقيلي الحلبي نزيل القاهرة ابن العديم الحنفي ولد سنة اثنتين وتسعين وسبعمائة بحلب وأسمع علي عمر بن ايدغمش مسند حلب وعلى غيره وقدم القاهرة مع أبيه وهو شاب فشغله في عدة فنون على عدة مشايخ وقرأ بنفسه على العراقي قليلا من منظومته وكان يتوقد ذكاء 142 مع هوج ومحبة في المزاح والفكاهة إلى أن مات أبوه وأوصاه أن لا يترك منصب القضاء ولو ذهب فيه جميع ما خلفه فقبل الوصية ورشا على الحكم إلى أن وليه ثم صار يرشي أهل الدولة بأوقاف الحنفية بأن يؤجرها لمن يخطر منه ببال بأبخس أجرة ليكون عونا له على مقاصده إلى أن كاد يخربها ولو دام قليلا لخربت كلها وصار في ولايته القضاء كثير الوقيعة في العلماء قليل المبالاة بأمر الدين كثير التظاهر بالمعاصي ولا سيما الربا سيء المعاملة جدا أحمق أهوج متهورا وقد امتحن وصودر وهو مع ذلك قاضي الحنفية ثم قام في موجب قتل الناصر قياما بالغا ولم ينفعه ذلك لأنه ظن أن ذلك يبقيه في المنصب فعزل عن قرب ثم لما وقع الطاعون في هذه السنة ذعر منه ذعرا شديدا وصار دأبه أن يستوصف ما يدفعه ويستكثر من ذلك أدوية وأدعية ورقى ثم تمارض لئلا يشاهد ميتا ولا يدعي إلى جنازة لشدة خوفه من الموت فقدر الله أنه سلم من الطاعون وابتلى بالقولنج لصفراوي فتسلسل به الأمر إلى أن اشتد به الخطب فأوصى ثم مات في ليلة السبت تاسع ربيع الآخر قاله ابن حجر
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن مؤذن الزنجبيلية الحنفي اشتغل وهو صغير فحفظ مجمع البحرين والألفية وغيرهما وأخذ الفقه عن البدري المقدسي وابن الرضى ومهر في الفرائض وأخذها عن الشيخ محب الدين واحتاج الناس إليه فيها وجلس للاشتغال بالجامع الأموي وكان خيرا دينا وتوفي في شوال
وفيها نجم الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الدايم الباهي الحنبلي برع في الفنون وتقرر مدرسا للحنابلة في مدرسة جمال الدين برحبة باب العيد وكان عاقلا صينا كثير التأدب توفي ليلة الجمعة رابع عشرى ربيع الأول بالطاعون عن بضع وثلاثين سنة 143
وفيها قطب الدين محمد الأبرقوهي أحد الفضلاء ممن قدم القاهرة في رمضان سنة ثماني عشرة فأقرأ الكشاف والعضد وانتفع به الطلبة ومات في آخر صفر مطعونا
وفيها مساعد بن ساري بن مسعود بن عبد الرحمن الهواري المصري نزيل دمشق الشافعي ولد سنة بضع وثلاثين وسبعمائة وطلب بعد أن كبر فقرأ على الشيخ صلاح الدين العلائي والولي المنفلوطي والبهاء بن عقيل والأسنوي وغيرهم ومهر في الفرائض والميقات وكتب بخطه الكثير لنفسه ولغيره ثم سكن دمشق وانقطع بقرية عقربا وكان الرؤساء يزورونه وهو لا يدخل البلد مع أنه لا يقصده أحد إلا أضافه وتواضع معه وكان متدينا متقشفا سليم الباطن حسن الملبس مستحضرا لكثير من الفوائد وتراجم الشيوخ الذين لقيهم وله كتاب سماه بدر الفلاح في أذكار المساء والصباح وتوفي بقرية عقربا شهيدا بالطاعون وكان ذميم الشكل جدا رحمه الله
وفيها همام الدين همام بن أحمد الخوارزمي الشافعي اشتغل في بلاده ثم جاء إلى حلب قبل اللنكية فأنزله القاضي شرف الدين في دار الحديث البهائية ثم قدم القاهرة في الدولة الناصرية وحصل له بها حظ وجاه كبير وسماع كلمة وأقبل عليه الطلبة لأجل الجاه وأقرأ الحاوي والكشاف ثم طال الأمر فاقتصر على الكشاف وكان ماهرا في أقرائه إلا أنه بطىء العبارة جدا بحيث يمضي قدر درجة حتى ينطق بقدر عشر كلمات وكانت له مشاركة في العلوم العقلية مع أطراح التكلف وكان يمشي في السوق ويتفرج في الحلق في بركة الرطلي وغيرها وكانت له ابنة ماتت أمها فصار يلبسها بزي الصبيان ويحلق شعرها ويسميها سيدي علي وتمشي معه في الأسواق إلى أن راهقت وهي التي تزوجها الهروي فحجبها بعد ذلك وتوفي في العشر الأخير من ربيع الأول 144 وقد جاوز السبعين قاله ابن حجر
وفيها صلاح الدين يوسف ابن أخي الملك العادل سليمان قال البرهان البقاعي كان إماما عالما صالحا ذكيا جدا زاهدا حتى قال شيخنا ما رأيت مثله وكان قد عزفت نفسه عن الدنيا فتركها ورحل إلى القاهرة لقصد الاشتغال بالعلم ثم التوجه إلى بعض الثغور للجهاد فاخترمته المنية في الطاعون
وفيها يوسف بن عبد الله المارديني الحنفي قدم القاهرة ووعظ الناس بالجامع الأزهر وحصل كثيرا من الكتب مع لين الجانب والتواضع والخير والاستحضار لكثير من التفسير والمواعظ توفي بالطاعون وقد جاوز الخمسين وخلف تركة جيدة ورثها أخوه أبو بكر ومات بعده بقليل
سنة عشرين وثمانمائة
فيها قتل الشيخ نسيم الدين التبريزي نزيل حلب وهو شيخ الحروفية سكن حلب وكثر أتباعه ونشأت بدعته وشاعت فآل أمره إلى أن أمر السلطان بقتله فضربت عنقه وسلخ جلده وصلب
وفيها كما قال ابن حجر وضعت جاموسة ببلبيس مولودا برأسين وعينين وأربع أيد وسلستي ظهر ودبر واحد ورجلين اثنتين لا غير وفرج واحد أنثى والذنب مفروق باثنين فكانت من بديع صنع الله تعالى
وفي أواخرها مالت المأذنة التي بنيت على البرج الشمالي بباب زويلة بمصر من جامع المؤيد وكادت تسقط واشتد خوف الناس منها وتحولوا من حواليها فأمر السلطان بنقضها فنقضت بالرفق إلى أن أمنوا شرها وعامل السلطان من ولي بناءها بالحلم وكان ناظر العمارة ابن البرجي فقال تقي الدين بن حجة في ذلك
( على البرج من بابي زويلة أنشئت
منارة بيت الله والمعبد المنجي ) 145
( فأخنى بها البرج الخبيث أمالها
ألا صرحوا يا قوم باللعن للبرجى )
وقال الشهاب بن حجر العسقلاني
( لجامع مولانا المؤيد رونق
منارته بالحسن تزهو وبالزين )
( تقول وقد مالت عن القصد أمهلوا
فليس على جسمي أضر من العين )
فغضب الشيخ بدر الدين العيني وظن أن ابن حجر عرض به فاستعان بالنواجي الأبرص فنظم له بيتين معرضا بابن حجر ونسبهما العيني لنفسه
( منارة كعروس الحسن إذ جليت
وهدمها بقضاء الله والقدر )
( قالوا أصيبت بعين قلت ذا غلط
ما أوجب الهدم إلا خسة الحجر )
وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن أحمد المغراوي المالكي قال ابن حجر اشتغل كثيرا وبرع في العربية وغيرها وشارك في الفنون وشغل الناس وقد عين مرة للقضاء فلم يتم ذلك مات في تاسع عشر شعبان انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن يهودا الدمشقي الطرابلسي النحوي الحنفي ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة وتعانى العربية فمهر في النحو واشتهر به وأقرأ فيه ونظم التسهيل في تسعمائة بيت وكان تحول بعد فتنة اللنك إلى طرابلس فقطنها فانتفع به أهلها إلى أن مات في آخر هذه السنة وكان يتكسب بالشهادة
وفيها برهان الدين حيدرة الشيرازي ثم الرومي قال السيوطي كان علامة بالمعاني والبيان والعربية أخذ عن التفتازاني وشرح الإيضاح للقزويني شرحا ممزوجا وقدم الروم وأخذ عنه شيخنا العلامة محي الدين الكافيجي انتهى
وفيها داود بن موسى الغماري المالكي عنى بالعلم ثم لازم العبادة وتزهد وجاور بالحرمين أكثر من عشرين سنة وكانت إقامته بالمدينة المنورة أكثر منها بمكة وتوفي في مستهل المحرم 146
وفيها جمال الدين عبد الله بن إبراهيم بن خليل البعلبكي الدمشقي المعروف بابن الشرايحي الشافعي قال ابن حجر ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة وأخذ عن الشيخ جمال الدين بن بردس وغيره ثم دخل دمشق فأدرك جماعة من أصحاب الفخر وأحمد بن سنان ونحوهم فسمع منهم ثم من أصحاب ابن القواس وابن عساكر ثم من أصحاب القاضي والمطعم ومن أصحاب الحجار ونحوه ومن أصحاب الجزري وبنت الكمال والمزي فأكثر جدا وهو مع ذلك أمي وصار أعجوبة دهره في معرفة الأجزاء والمرويات ورواتها ولديه مع ذلك محفوظات وفضائل ومذكرات حسنة وكان لا ينظر إلا نظرا ضعيفا وقد حدث بمصر والشام وسمعت منه وسمع معي الكثير في رحلتي وأفادني أشياء وكان شهما شجاعا مهابا جدا كله لا يعرف الهزل قدم القاهرة بعد الكائنة العظمى فقطنها مدة طويلة ثم رجع إلى دمشق وولي تدريس الحديث بالأشرفية إلى أن مات في هذه السنة انتهى وقال ابن ناصر الدين الحافظ المفيد الضرير كان فقيها فرضيا آية في حفظ الرواة المتأخرين حدث بصحيح مسلم وثاني ليلة ختمه مات انتهى
وفيها جمال الدين عبد الله بن أحمد بن عبد العزيز بن موسى بن أبي بكر البشيتي بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة وتحتية وفوقية نسبة إلى بشيت قرية بأرض فلسطين ولد عاشر شعبان سنة اثنتين وستين وسبعمائة وتفقه بسراج الدين بن الملقن وأخذ العربية عن الشمس الغماري واختص به وبرع في الفقه والعربية واللغة وكتب الخط المنسوب وصنف كتابا جليلا في الألفاظ المعربة وكتابا استوعب فيه أخبار قضاة مصر وكتابا في شواهد العربية أوسع الكلام فيه وتوفي بالأسكندرية في رابع ذي القعدة
وفيها فراج الكفل الحنبلي قال العليمي في طبقاته هو الشيخ الإمام العلام الفقيه توفي في هذه السنة انتهى 147
وفيها عز الدين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد العزيز النويري ثم المكي العقيلي الشافعي ولد سنة أربع أو خمس وسبعين وسبعمائة واشتغل وهو صغير وناب لأبيه في الخطابة والحكم ثم استقل بعد وفاته في رمضان سنة تسع وتسعين إلى أن صرف في ذي الحجة سنة ثمانمائة ثم وليها مرارا ثم استقرت بيده الخطابة وغيرها ثم استقر في الخطابة ونظر الحرم والحسبة حتى مات وكان مشكور السيرة في غالب أموره وتوفي في ربيع الأول
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن جعفر البلالي نسبة إلى بلالة من أعمال عجلون نشأ هناك وسمع الحديث واشتغل بالعلم وسلك طريق الصوفية وصحب الشيخ أبا بكر الموصلي ثم قدم القارة فاستوطنها بضعا وثلاثين سنة واستقر في مشيخة سعيد السعدا مدة متطاولة مع التواضع الكامل والخلق الحسن وإكرام الوراد وصنف مختصر الأحياء فأجاد فيه وطار اسمه في الآفاق ورحل إليه بسببه ثم صنف تصانيف أخرى وكانت له مقامات وأوراد وله محبون معتقدون ومبغضون منتقدون توفي في رابع شوال وقد جاوز السبعين
وفيها عز الدين محمد بن بهاء الدين علي بن عز الدين عبد الرحمن بن محمد بن التقي سليمان المقدسي الحنبلي خطيب الجامع المظفري بالصالحية وابن خطيبه ولد سنة أربع وستين وسبعمائة وحفظ المقنع وسمع الحديث وبرع في الفقه والحديث وأخذ عن ابن رجب وابن المحب وكان له النظم الرائق وباشر القضاء وحج وأكثر المجاورة بمكة ودرس بدار الحديث الأشرفية بالجبل وكان في آخره عين الحنابلة وألف مؤلفات حسنة منها نظم المفردات سماه النظم المفيد الأحمد في مفردات الإمام أحمد واقترح عليه صاحب مجد الدين عمل مؤلف على نمط عنون الشرف لابن المقرى فعمل قطعة نظما أولها
( أشار المجد مكتمل المعاني
بأن أحدو على عدو اليماني ) 148 وتوفي مغرب ليلة الأحد سابع عشرى ذي القعدة
وفيها كمال الدين أبو البركات محمد بن أبي السعود محمد بن حسين بن علي بن ظهيرة المخزومي المكي الشافعي قاضي مكة ولد سنة خمس وستين وسبعمائة وأحضر في سنة سبع وستين على العز بن جماعة وسمع من غير واحد وولي قضاء مكة ونظر الأوقاف بها والربط وباشر ذلك ثم عزل واستمر معزولا إلى أن توفي بمرض ذات الجنب ليلة الخميس ثالث عشر ذي الحجة ودفن صبيحتها بالمعلاة وخلف عدة أولاد صغار قاله في المنهل
وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبادة السعدي الأنصاري الحنبلي قاضي قضاة دمشق أخذ عن ابن رجب وابن اللحام وكان فردا في زمنه في معرفة الوقائع والحوادث استقل بقضاء دمشق بعد وفاة ابن المنجا وكانت وظيفة القضاء دولا بينه وبين القاضي عز الدين ناظم المفردات إلى أن لحق بالله تعالى ليلة الخميس خامس رجب وله خمسون سنة
وأما ولده قاضي القضاة شهاب الدين أبو العباس أحمد فولده في صفر سنة ثمان وثمانين وسبعمائة وكان من خيار المسلمين كثير التلاوة لكتاب الله العزيز ناب لأبيه في القضاء ثم استقل بعد وفاة والده في ربيع الأول سنة إحدى وعشرين ثم عزل في صفر سنة ثلاث وعشرين ثم عرض عليه المنصب مرارا فلم يقبله وحصلت له الراحة الوافرة إلى أن توفي ودفن عند والده بالروضة قريبا من الشيخ موفق الدين ولم أطلع على تاريخ وفاته
وفيها شرف الدين نعمان بن فخر بن يوسف الحنفي ولد سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة وكان والده عالما فأخذ عنه وقدم دمشق وجلس بالجامع بعد اللنك للاشغال ودرس في أماكن وكان ماهرا في الفقه بارعا في ذلك مات في شعبان قاله ابن حجر 149
سنة إحدى وعشرين وثمانمائة
فيها كما قال برهان الدين البقاعي ومن خطه نقلت في ليلة الأحد تاسع شعبان أوقع ناس من قريتنا خربة روحا من الباقع يقال لهم بنو مزاحم بأقاربي بني حسن من القرية المذكورة فقتلوا تسعة أنفس منهم أبو عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر وأخواه محمد سويد شقيقه وعلى أخوهما لأبيهما وضربت أنا بالسيف ثلاث ضربات إحداها في رأسي فجرحتني وكنت إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فخرجنا من القرية المذكورة واستمرينا ننقل في قرى وادي التيم والعرقوب وغيرهما إلى أن أراد الله تعالى بإقبال السعادتين الدنيوية والأخروية فنقلني جدي لأمي علي بن محمد السليمي إلى دمشق فجودت القرآن وجددت حفظه وأفردت القراآت وجمعتها على بعض المشايخ ثم على الشمس بن الجزري لما قدم إلى دمشق سنة سبع وعشرين وثمانمائة واشتغلت بالنحو والفقه وغيرهما من العلوم وكان ما أراد الله من التنقل في البلاد والفوز بالعز والحج أدام الله نعمه آمين ومن ثمرات ذلك أيضا الإراحة من الحروب والوقائع التي أعقبتها هذه الواقعة فإنها استمرت أكثر من ثلاثين سنة ولعلها زادت على مائة وقعة كان فيها ما قاربت القتلى فيها الفا انتهى بحروفه
وفيها توفي القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي الشافعي نزيل القاهرة تفقه ومهر وتعانى الأدب وكتب في الانشاء وناب في الحكم وكان يستحضر الحاوي وكتب شيئا على جامع المختصرات وصنف كتابا حافلا سماه صبح الأعشى في معرفة الانشا وكان مستحضرا لأكثر ذلك وصنف غير ذلك وكان مفضالا وقورا في الدول إلى أن توفي ليلة السبت عاشر جمادى الآخرة عن خمس وستين سنة
وفيها بدر الدين أبو عمر حسن بن علي بن محمد بن داود البيضاوي 150 الأصل المكي المعروف بالزمزمي ولد قبل السبعين وسبعمائة وأجاز له الصلاح بن أبي عمر وابن أميلة وحسن بن الهبل وجماعة من قادمي مكة واشتغل بالعلم ومهر في الفرائض والحساب وفاق الأقران في معرفة الهيئة والهندسة وحدث باليسير وتوفي في ذي الحجة
وفيها صلاح الدين وغرس الدين أبو الصفا خليل بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الأقفهسي المصري المحدث الحافظ ولد سنة ثلاث وستين وسبعمائة تقريبا واشتغل بالفقه قليلا وبالفرائض والحساب والأدب ثم أحب الحديث فسمع بنفسه من غرس الدين المليجي وصلاح الدين البلبيسي وصلاح الدين الزفتاوي وغيرهم ثم حج سنة خمس وتسعين وجاور فسمع بمكة من شيوخها ثم قدم دمشق سنة سبع وتسعين للسماع فسمع من ابن الذهبي وغيره وأكثر عن ابن العز وسمع الكثير قال ابن حجر ثم قدم إلى مصر سنة ثمان وتسعين فلازمنا في الأسمعة وسافر صحبتي إلى مكة في البحر فجاور بها ثم رحل إلى دمشق مرة ثانية فأقام بها ورافقني في السماع في سنة اثنتين وثمانمائة بدمشق ورجع معي إلى القاهرة ثم حج سنة أربع وجاور سنة خمس فلقيته في آخرها مشمرا على ما أعهده من الخير والعبادة والتخريج والإفادة وحسن الخلق وخدمة الأصحاب واستمر مجاورا إلى أن خرج إلى المدينة وتوجه في ركب العراق ثم ركب البحر إلى كنبابة من بلاد الهند ثم رجع إلى هرمز ثم جال في بلاد المشرق فدخل هراة وسمرقند وغيرها وقد خرج لشيخنا مجد الدين الحنفي مشيخة ولشيخنا جمال الدين بن ظهيرة معجما وخرج لنفسه المتباينات فبلغت مائة حديث وخرج أحاديث الفقهاء الشافعية ونظم الشعر وتوفي بيزد خرج من الحمام فمات فجأة انتهى
وفيها سعد الله بن سعد بن علي بن إسماعيل الهمداني الحنفي قدم حلب مع والده وهو شاب واشتغل بالعلم وتفقه ومهر ودرس في حلب بمدارس 151 منها فاتفق أن فجأه الموت في رابع جمادى الأولى وأسف الناس عليه
وفيها عبد الله بن إبراهيم بن أحمد الحراني ثم الحلبي الحنبلي كان يذكر أنه من ذرية ابن أبي عصرون وكان شافعي الأصل وولي قضاء الثغر شافعيا وكانت له وظائف في الشافعية ثم انتقل حنبليا وولي قضاء الحنابلة بحلب قال القاضي علاء الدين في تاريخ حلب كان حسن السيرة ولي القضاء ثم صرف ثم أعيد مرارا ثم صرف قبل موته بعشرة أشهر فمات في شعبان
وفيها عبد الرحمن بن هبة الله الملحاني اليماني قال ابن حجر جاور بمكة وكان بصيرا بالقراآت سريع القراءة قرأ في الشتاء في يوم ثلاث ختمات وثلث ختمة وكان دينا عابدا مشاركا في عدة علوم مات في رجب انتهى
وفيها كمال الدين محمد بن حسن بن محمد بن محمد بن خلف الله الشمني بضم المعجمة والميم وتشديد النون نسبة إلى شمنة مزرعة بباب قسطنطينية ثم الأسكندري المالكي ولد سنة بضع وستين واشتغل بالعلم في بلده ومهر ثم قدم القاهرة فسمع بها من شيوخها وسمع في الأسكندرية وتقدم في الحديث وصنف فيه وتخرج بالبدر الزركشي والزين العراقي ونظم الشعر الحسن ثم استوطن القاهرة وأصيب في بعض كتبه وتوفي في ربيع الأول
وفيها غياث الدين محمد بن علي بن نجم الكيلاني التاجر ولد في حدود سبعين وسبعمائة وكان أبوه من أعيان التجار فنشأ ولده هذا في عز ونعمة طائلة ثم شغله أبوه بالعلم بحيث كان يشتري له الكتاب الواحد بمائة دينار وأزيد ويعطي معلميه فيفرط فمهر في أيام قلائل واشتهر بالفضل ونشأ متعاظما ثم لما مات أبوه التهى عن العلم بالتجارة وتنقلت به الأحوال فصعد وهبط وغرق وسلم وزاد ونقص إلى أن تزوج جارية من جواري الناصر يقال لها سمراء فهام بها وأتلف عليها ماله وروحه وطلق لأجلها زوجته ابنة عمه وأفرطت هي في بغضه إلى أن قيل أنها سقته السم فتعلل مدة ولم تزل بها 152 حتى فارقها فتدله عقله من حبها إلى أن مات ولها بها ويحكى أنها تزوجت بعده رجلا من العوام فأذاقها الهوان وأحبته وأبغضها عكس ما جرى لها مع غياث الدين ويحكى أنها زارته في مرضه واستحللته فحاللها من شدة حبه لها ومن شعره فيها
( سلوا سمراء عن حربي وحزني
وعن جفن حكى هطال مزن )
( سلوها هل عراها ما عراني
من الجن الهواتف بعد جن )
( سلوا هل هرت الأوتار بعدي
وهل غنت كما كانت تغني )
ويقول في آخرها
( سأشكوها إلى مولى حليم
ليعفو في الهوى عنها وعني )
قال ابن حجر وهذا آخر من عرفنا خبره من المتيمين مات في سابع عشر شوال
وفيها شرف الدين أبو الطاهر محمد بن عز الدين أبي اليمن محمد بن عبد اللطيف بن أحمد بن محمود المعروف بابن الكويك الربعي التكريتي ثم الأسكندري نزيل القاهرة الشافعي المسند المحدث ولد في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة وأجاز له فيها المزي والبرزالي والذهبي وبنت الكمال وإبراهيم بن القريشة وابن المرابط وعلي بن عبد المؤمن في آخرين وهو آخر من حدث عنهم بالإجازة في الدنيا وسمع بنفسه من الأسعردي وابن عبد الهادي وغيرهما ولازم القاضي عز الدين بن جماعة وتعانى المباشرات فكان مشكورا فيها وتفرد بآخره بأكثر مشايخه وتكاثر عليه الطلبة ولازموه وحبب إليه التحديث ولازمه قال ابن حجر قرأت عليه كثيرا من المرويات بالإجازة والسماع من ذلك صحيح مسلم في أربعة مجالس سوى مجلس الختم وقال في المنهل تصدر للأسماع عدة سنين وأضر بآخره وكان شيخا دينا ساكنا كافا عن الشر من بيت رياسة ولم يشتهر بعلم وتوفي يوم السبت سادس عشرى ذي القعدة 153
وفيها جمال الدين يوسف بن محمد بن عبد الله الحميدي نسبة إلى امرأة ربته كانت تعرف بأم عبد الحميد الحنفي نشأ بالأسكندرية وتفقه وبرع في عدة علوم وكانت له ثروة ويتعانى المتجر وتولى قضاء الأسكندرية فحمدت سيرته وكانت له ديانة وصيانة وأفتى ودرس بالثغر إلى أن توفي بالأسكندرية ليلة خمس وعشرين من جمادى الآخرة وقد أناف على الثمانين
سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة
في ربيع الآخر منها كما قال ابن حجر اتفق أن شخصا له أربعة أولاد ذكور فلما وقع الموت في الأطفال سألت أمهم أن تختنهم لتفرح بهم قبل أن يموتوا فجمع الناس لذلك على العادة وأحضر المزين فشرع في ختن واحد بعد آخر وكل من يختن يسقى شرابا مذابا بالماء على العادة فمات الأربعة في الحال عقب ختنهم فاستراب أبوهم بالمزين وظن أن مبضعه مسموم فجرح المزين نفسه ليبرىء ساحته وانقلب فرحهم عزاء ثم ظهر في الزير الذي كان يذاب منه الشراب حية عظيمة ماتت فيه وتمزعت فكانت سبب هلاك الأطفال ولله الأمر
وفيها توفي شهاب الدين أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن بدر بن مفرج بن يزيد بن عثمان بن جابر العامري الغزي ثم الدمشقي الشافعي ولد سنة بضع وستين وسبعمائة بغزة وأخذ عن الشيخ علاء الدين بن خلف وحفظه التنبيه وقدم دمشق بعد الثمانين وهو فاضل فأخذ عن الشريشي والزهري وشرف الدين الغزي بلديه وغيرهم ومهر في الفقه والأصول وجلس بالجامع يشغل الناس في حياة مشايخه وأفتى ودرس وأعاد ثم أصيب بماله وكتبه بعد الفتنة اللنكية وناب في القضاء وعين مرة مستقلا فلم يتم وولي إفتاء دار العدل واختصر المهمات اختصارا حسنا وكتب على الحاوي وجمع الجوامع ودرس 154 بأماكن وأقبل على الحديث حتى لم يبق بالشام في آخر عمره من يقاربه في رياسة فقه الشافعية إلا ابن نشوان وكان يرجع إلى دين وعفة من صغره وعلو همة ومروءة ومساعدة لمن يقصده مع عجلة فيه وحسن عقيدة وسلامة باطن وجاور في أواخر أمره بمكة فمات بها مبطونا في شوال وله اثنتان وستون سنة
وفيها أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد المطري المدني سمع من العز ابن جماعة وعنى بالعلم وكان يذاكر بأشياء حسنة ثم تزهد ودخل اليمن فأقام بها نحوا من عشرة أعوام وكان ينسب إلى معاناة الكيمياء توفي في أول ذي الحجة
وفيها أحمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن علي بن عياش الجوخي الدمشقي نزيل تعز ولد سنة سعت وأربعين وسبعمائة وتعانى بيع الجوخ فرزق منه دنيا طائلة وعنى بالقراآت فقرأ على جماعة وكان يقرأ في كل يوم نصف ختمة وكان قد أسمع في صغره على علي بن العز عمر حضورا جزء ابن عرفة وحدث به عنه وقرأ بدمشق على شمس الدين بن اللبان وابن السلار وغيرهما وتصدى للقراآت فانتفع به جمع من أهل الحجاز واليمن وكان غاية في الزهد في الدنيا فإنه ترك بدمشق أهله وماله وخيله وخدمه وساح في الأرض وحدث وهو مجاور بمكة واستمر في إقامته باليمن في خشونة العيش حتى مات وكان بصيرا بالقراآت كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنجب ولده المقرىء عبد الرحمن مقرىء الحرم
وفيها أحمد بن يوسف بن محمد الدمشقي الشاعر المشهور عرف بابن الزعيفريني قال في المنهل الصافي كانت له فضيلة ويكتب الخط المنسوب وينظم الشعر ويشتغل بعلم الحرف ويزعم أن له فيه اليد الطولى وحصل له حظ بهذا المعنى عند جماعة من أعيان الأمراء وغيرهم إلى أن ظفر بعض 155 أعيان الدولة بأبيات من نظمه بخطه نظمها للأمير جمال الدين الأستادار يوهمه أنه سيملك مصر ويملك بعده ابنه فقطع الملك الناصر فرج لسانه وعقدتين من أصابعه ورفق به عند القطع فلم يمنعه ذلك من النطق لكنه أظهر الخرس مدة أيام الناصر ثم تكلم بعد ذلك وأخذ في الظهور والكتابة بيده اليسرى فلم يرج في الأيام المؤيدية وانقطع إلى أن مات ومن شعره ما كتبه بيده اليسرى إلى قاضي القضاة صدر الدين علي بن الأدمي الحنفي
( لقد عشت دهرا في الكتابة مفردا
أصور منها أحرفا تشبه الدرا )
( وقد صار خطى اليوم أضعف ما ترى
وهذا الذي قد يسر الله لليسرى )
فأجابه صدر الدين المذكور
( لئن فقدت يمناك حسن كتابة
فلا تحتمل هما ولا تعتقد عسرا )
( وأبشر ببشر دائم ومسرة
فقد يسر الله العظيم لك اليسرى )
وتوفي ابن الزعيفريني يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول
وفيها تندو بنت حسين بن أويس كانت بارعة الجمال وقدمت مع عمها أحمد بن أويس إلى مصر فتزوجها الظاهر برقوق ثم فارقها فتزوجها ابن عمها شاه ولد ابن شاه زاده بن أويس فلما رجعوا إلى بغداد ومات أحمد أقيم شاه ولد في السلطنة فدبرت مملكته حتى قتل وأقيمت هي بعده في السلطنة ثم ملكت تستر وغيرها واستقلت بالمملكة مدة وصار في ملكها الحويزة وواسط يدعى لها على منابرها وتضرب السكة باسمها إلى أن ماتت في هذه السنة وقام بعدها ابنها أويس بن شاه ولد قاله ابن حجر
وفيها علم الدين أبو الربيع سليمان بن نجم الدين فرج بن سليمان الحجي الحنبلي بن المنجا ولد سنة سبع وستين وسبعمائة واشتغل على ابن الطحان وغيره ورحل إلى مصر فأخذ عن ابن الملقن وغيره ثم عاد بعد فتنة اللنك فناب في القضاء وشارك في الفقه وغيره وأشغل الناس بالجامع الأموي 156 وبمدرسة أبي عمر وتوفي في ربيع الآخر
وفيها عز الدين عبد العزيز بن مظفر بن أبي بكر البلقيني قريب شيخ الإسلام سراج الدين الشافعي اشتغل على الشيخ سراج الدين وكان يشارك في الفنون ويذاكر بالفقه مذاكرة حسنة قال ابن حجر رافقنا في سماع الحديث كثيرا وناب في الحكم وكان سيء السيرة في القضاء جماعة للمال من غير حله في الغالب زرى الملبس مقترا على نفسه إلى الغاية توفي في ثاله عشرى جمادى الأولى وخلف مالا كثيرا جدا فحازه ولده
وفيها نجم الدين عبد اللطيف بن أحمد بن علي الفاسي الشافعي قال ابن حجر سمع معنا كثيرا من شيوخنا ولازم الاشتغال في عدة فنون وأقام في القاهرة مدة بسبب الذب عن منصب أخيه تقي الدين قاضي المالكية إلى أن مات مطعونا في هذه السنة انتهى
وفيها مجد الدين فضل الله بن القاضي فخر الدين عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن إبراهيم الشهير بابن مكانس القبطي المصري الحنفي الشاعر المشهور ولد في سابع شعبان سنة سبع وستين وسبعمائة ونشأ في كنف والده الوزير فخر الدين وعنه أخذ الأدب وقرأ النحو والفقه والأدب على علماء مصره إلى أن برع ومهر ونظم الشعر وهو صغير السن جدا وكتب في الإنشاء وتوقيع الدست مدة في حياة أبيه بدمشق وكان أبوه وزيرا بها ثم قدم القاهرة وساءت حالته بعد أبيه ثم خدم في ديوان الإنشاء وتنقلت رتبته فيه إلى أن جاءت الدولة المؤيدية فأحسن إليه القاضي ناصر الدين البارزي كثيرا واعتنى به ومدح السلطان بقصائده فأثابه ثوابا حسنا وشعره في الذؤوة العليا وكذلك منثوره وجمع هو ديوان أبيه ورتبه وفيه يقول والده
( أرى ولدي قد زاده الله بهجة
وكمله في الخلق والخلق مذ نشا )
( سأشكر ربي حيث أوتيت مثله
وذلك فضل الله يؤتيه من يشا ) 157
ومن شعره هو
( تساومنا شذا أزهار روض
تحير ناظري فيه وفكري )
( فقلت نبيعك الأرواح حقا
بعرف طيب منه ونشر )
ومنه
( جزى الله شيبي كل خير فإنه
دعاني لما يرضى الإله وحرضا )
( فأقعلت عن ذنبي وأخلصت تائبا
وأسكت لما لاح لي الخيط أبيضا )
قال ابن حجر وكانت بيننا مودة أكيدة اتصلت نحوا من ثلاثين سنة وبيننا مطارحات وكان قليل البضاعة من العربية فربما وقع له اللحن الظاهر وأما الخفي فكثيرا جدا مات في يوم الأحد خامس عشرى ربيع الآخر انتهى
وفيها الخواجا محمد الزاهد البخاري قال في المنهل الصافي في ترجمة تيمور اجتمع في أيامه أي تمرلنك بسمرقند ما لم يجتمع لغيره من الملوك فمن ذلك الفقيه عبد الملك من أولاد صاحب الهداية الفقهية فإنه كان بلغ الغاية في الدروس والفتيا ونظم القريض ويعرف النرد والشطرنج ويلعب بهما جيدا في حالة واحدة دائما مدى الأيام والخواجا محمد الزاهد البخاري أي صاحب الترجمة المحدث المفسر صنف تفسيرا للقرآن العظيم في مائة مجلد ومات بالمدينة النبوية سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة انتهى
وفيها محمد بن عبد الله بن شوعان الزبيدي الحنفي قال ابن حجر انتهت إليه الرياسة في مذهب أبي حنيفة بزبيد ودرس وأفاد انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن عبد الماجد العجيمي سبط العلامة جمال الدين بن هشام الشافعي أخذ عن خاله الشيخ محب الدين بن هشام ومهر في الفقه والأصول والعربية ولازم الشيخ علاء الدين البخاري لما قدم القاهرة وكذلك الشيخ بدر الدين الدماميني وكان كثير الأدب فائقا في معرفة 158 العربية ملازما للعبادة وقورا ساكنا توفي في العشرين من شعبان
وفيها نظام الدين محمد بن عمر الحموي الأصل الحنفي المعروف بالتفتازاني لعله تشبيها لنفسه بالسعد قال ابن حجر كان أبوه حصريا فنشأ هذا بين الطلبة وقرأ في مذهب أبي حنيفة وتعانى الآداب واشتغل في بعض العلوم الآلية وتعلم كلام العجم وتزيا بزيهم وتسمى نظام الدين التفتازاني وغلب عليه الهزل والمجون وجاد خطه وقرر موقعا في الدرج وكان عريض الدعوى وله شعر وسط وقال محب الدين الحنبلي كان حسن المنادمة لطيف المعاشرة ولم يتزوج قط وكان متهما بالولدان وكان يأخذ الصغير فيربيه أحسن تربية فإذا كبر وبلغ حد التزويج زوجه انتهى وتوفي في رابع عشرى ذي القعدة عن نحو الستين
وفيها أبو البركات محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن فرحون اليعمري المالكي قاضي المدينة مات بها في المحرم قاله ابن حجر
وفيها فتح الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد النحريري المعروف بابن أمين الحكم قال ابن حجر سمع على جماعة من شيوخنا وعنى بقراءة الصحيح وشارك في الفقه والعربية وأكثر المجاورة بالحرمين ودخل اليمن فقرأ الحديث بصنعاء وغيرها ثم قدم القاهرة بآخره فوعك ومات بالمارستان عن نحو من خمسين سنة انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن محمود الجعفري البخاري اشتغل ببلاده ثم قدم مكة فجاور بها وانتفع الناس به في علوم المعقول وتوفي بمكة في العشر الأخير من ذي الحجة عن ست وسبعين سنة
وفيها يوسف ابن شريكار العنتابي المقري قال العنتابي في تاريخه ولد بعنتاب وتعانى القراآت فمهر فيها وانتفعوا به وكان يتكلم على الناس بلسان الوعظ 159 وكان فصيح اللسان حلو المنطق مليح الوجه له يد في التفسير وعاش خمسا وستين سنة انتهى
سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة
في ثالث رمضان ذبح جمل بغزة فأضاء لحمه كما تضيء الشموع وشاع ذلك وذاع حتى بلغ حد التواتر قاله ابن حجر
وفيها توفي صارم الدين إبراهيم بن شيخ المحمودي الظاهري الملك المؤيد أبوه قال في المنهل ولد بالبلاد الشامية في أوائل القرن تقريبا وأمه أم ولد جاركسية تسمى نوروز وكان ملكا شجاعا شابا حسنا مقداما كريما ساكنا وعنده أدب وحشمة ملوكية وكان يميل إلى الخير والعدل والعفة عن أموال الرعية إلا أنه كان مسرفا على نفسه سامحه الله انتهى وقال ابن حجر أغرى والده عليه بأنه كان يتمنى موته ويعد الأمراء بمواعيد إذا وقع ذلك فحقد عليه ودس بعض خواصه أن يعطيه ما يكون سببا لقتله من غير إسراع فدسوا عليه من سقاه من الماء الذي يطفأ فيه الحديد فلما شربه أحس بالمغص في جوفه فعالجه الأجباء مدة وندم السلطان على ما فرط منه فتقدم الأطباء بالمبالغة في علاجه فلازموه نصف شهر إلى أن كاد يتعافى فدسوا إليه ثانيا من سقاه بغير علم أبيه فانتكس واستمر إلى ليلة الجمعة خامس عشر جمادى الآخرة فمات فاشتد جزع السلطان عليه إلا أنه تجلد وأسف الناس كافة على فقده ولم يعش أبوه بعده إلا ستة أشهر تزيد أياما لدأب من قتل أباه أو ابنه على الملك قبله عادة مستقرة وطريقة مستقرأة انتهى
وفيها زين الدين أبو المحاسن تغري برمش بن يوسف بن عبد الله التركماني الحنفي قدم القاهرة شابا وقرأ على الجلال التباني وغيره وتفقه بجماعة من 160 أعيان العلماء وكان كثير الاستحضار لفروع مذهبه ويحفظ بعض مختصرات قال في المهل وكان يميل إلى الصوفية مع أنه يبالغ في ذم ابن عربي واتباعه وأحرق كتبه وأرسله المؤيد شيخ إلى الحجاز وعلى يده مراسيم تتضمن النظر في أحوال مكة المشرفة وجاور بها وأخذ بالأمر فيها بالمعروف والنهي عن المنكر ومع المؤذنين من المدائح النبوية فوق المنابر ليلا ومنع المداحين من الإنشاد في المسجد الحرام وجرى له مع أهل مكة أمور بسبب ذلك يطول شرحها ثم عاد إلى القاهرة وكان يميل إلى دين وخير انتهى وقال ابن حجر كان يكثر الحط على ابن العربي وغيره من متصوفي الفلاسفة وبالغ في ذلك وصار يحرق ما يقدر عليه من كتب ابن العربي وربط مرة كتاب الفصوص في ذنب كلب وصارت له بذلك سوق نافقة عند جمع كثير وقام عليه جماعة من أضداده فما بالى بهم وقال المقريزي ذاما له رضي من دينه وأمانته بالحط على ابن العربي مع عدم معرفته بمقالته وكان يتعاظم مع دناءته ويتمصلح مع رذالته حتى انكشف للناس سيرته وانطلقت الألسن بذمه بالدال العضال مع عدم مداراته وشدة انتقامه ممن يعارضه في أغراضه ولم يزل على ذلك حتى مات بمكة ليلة الأربعاء مستهل المحرم
وفيها جمال الدين عبد الله بن مقداد بن إسماعيل قاضي القضاة الأقفهسي المالكي قاضي الديار المصرية نشأ بالقاهرة وطلب العلم وتفقه بالشيخ خليل وغيره إلى أن برع في الفقه والأصول وأفتى ودرس وناب في الحكم ثم استبد به ثم صرف ثم ولي وكان مشكور السيرة في أحكامه دينا خيرا وشرح رسالة الشيخ خليل وتوفي على القضاء في اربع عشر جمادى الأولى
وفيها محمد بن مورمه البخاري الحنفي قال ابن حجر يلقب نبيرة بنون وموحدة وزن عظيمة ذكر أنه من ذرية حافظ الدين النسفي ونشأ ببلاده وقرأ الفقه وسلك الزهد وحج في هذه السنة وأراد أن يرجع إلى بلاده فذكر أنه رأى 161 النبي في النوم فقال له إن الله قد قبل حج كل من حج في هذا العام وأنت منهم وأمره أن يقيم بالمدينة فأقام فاتفقت وفاته يوم الجمعة ودفن بالبقيع انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن حسين المخزومي البرقي الحنفي كان مشهورا بمعرفة الأحكام مع قلة الدين وكثرة التهتك وقد باشر عدة أنظار وتداريس مات في جمادى الأولى قاله ابن حجر
وفيها شمس الدين محمد بن العلامة شمس الدين محمد بن سليمان بن الخراط الحموي الشاعر المنشىء الموقع أخذ عن أبيه وغيره وقال الشعر فأجاد ووقع في ديوان الإنشاء وكان مقربا عند ابن البارزي ومات ولم يكمل الخمسين وعاش أخوه زين الدين عبد الرحمن بعده وهو أسن منه إلى سنة أربعين
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد الصغير بالتصغير الطبيب المشهور ولد في خامس عشر جمادى الأولى سنة خمس وأربعين وسبعمائة وكان أبوه فراشا فاشتغل هو بالطب وحفظ الموجز وشرحه وتصرف في العلاج فمهر وصحب البهاء الكازروني وكان حسن الشكل له مروءة مات بعد مرض طويل في عاشر شوال قاله ابن حجر
وفيها القاضي ناصر الدين محمد بن محمد بن عثمان البارزي الشافعي كاتب السر ولد في شوال سنة تسع وستين وسبعمائة وحفظ الحاوي في صغره واستمر يكرر عليه ويستحضر منه وتعانى الشعر والشأدب وكتب الخط الجيد ثم ولي قضاء بلده وكتابة السر بها وقضاء حلب وكتابة السر بالقاهرة طول دولة المؤيد وكان لطيف المنادمة كبير الرياسة ذا طلاقة وبشر وإحسان للعلماء والفضلاء على طريقة قدماء الكرماء وتوفي بالقاهرة يوم الأربعاء ثامن شوال
وفيها الحافظ جمال الدين أبو المحاسن محمد بن موسى بن علي بن عبد الصمد بن محمد بن عبد الله المراكشي الأصل ثم المكي ولد في ثالث رمضان سنة سبع وثمانين 162 وسبعمائة وحفظ القرآن العظيم وأجاز له وهو صغير قبل التسعين وبعدها أبو عبد الله بن عرفة وتقي الدين بن حاتم وناصر الدين بن الميلقي وجماعة وتفقه وحبب إليه الطلب فسمع بمكة على مشايخ مكة كابن صديق ومن دونه وعلى القادمين عليها وأخذ علم الحديث عن الشيخ جمال الدين بن ظهيرة والحافظ تقي الدين الفاسي والحافظ صلاح الدين الأقفهسي وتخرج به في معرفة العالي والنازل ورحل إلى الديار المصرية فسمع من شيوخها ثم رحل إلى الشام فأدرك عائشة بنت عبد الهادي خاتمة أصحاب الحجار وجال في رحلته فسمع بحلب وحماة وحمص وبعلبك والقدس والخليل وغزة والرملة والأسكندرية وغيرها ورجع وقد كمل معرفته وخرج لغير واحد من مشايخه وعمل تراجم مشايخه فأفاد وخرج لنفسه أربعين متباينة لكن لم يلتزم فيها السماع ورحل إلى اليمن فسمع بها ومدح الناصر أحمد فأجازه وولاه مدرسة هناك فأقام بتلك البلاد وصار يحج كل سنة وكان حافظا ذا مروءة وقناعة وصبر على الأذى باذلا كتبه وفوائده موصوفا بصدق اللهجة وقلة الكلام قدم في هذه السنة حاجا فعاقهم الريح فخشي فوات الحج فركب البحر وأجهد نفسه فأدرك الحج لكنه توعك واستمر مريضا إلى أن مات بمكة في ثامن عشر ذي الحجة ودفن بالمعلاة
وفيها القاضي شرف الدين أبو الفتح موسى بن محمد بن نصر البعلبكي المعروف بابن السقيف تصغير سقف الشافعي ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة وأخذ الفقه عن الخطيب جلال الدين والحديث عن عماد الدين ابن بردس وغيرهما واشتغل بدمشق على ابن الشريشي والزهري وغيرهما جرا وولي قضاء بلده مرارا فحمدت سيرته وكان كثير البر للطلبة سليم الباطن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وله أوراد وعبادة وانتهت إليه رياسة الفقه ببلده إلى أن توفي في جمادى الآخرة 163
وفيها جمال الدين يوسف بن الشيخ إسمعيل الأنبابي قال ابن حجر ابن القدوة إسمعيل أخذ الكثير عن شيوخنا وقرأ في الفقه والأصول والعربية وأكثر جدا ثم انقطع بزاوية أبيه بانبابة وأحبه الناس واعتقدوه وحج مرارا وكان يذكر لنفسه نسبا إلى سعد بن عبادة ومات في شوال وخلف مالا كثيرا جدا انتهى
وفيها السلطان قرا يوسف بن محمد قرا التركماني ملك العجم كان في أول أمره من التركمان الرحالة النزالة فتنقلت به الأحوال إلى أن استولى بعد اللنك على عراق العرب والعجم ثم ملك تبريز وبغداد وماردين وغيرها واتسعت مملكته وكان ينتمي إلى أحمد بن أويس وتزوج أحمد أخته ثم وقع بينهما وتقابلا فهرب أحمد منه فملك بغداد سنة خمس وثمانمائة فأرسل إليه اللنك عسكرا فهرب إلى دمشق واجتمع مع أحمد بن أويس وتصالحا ثم تنقلت به الأحوال إلى أن قتل مرزاشاه بن اللنك في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة واستبد بملك العراق وسلطن ابنه محمد شاه ببغداد ثم نهب سنجار والموصل وأوقع بالأكراد واختلف الحال بينه وبين شاه رخ ثم تصالحا وتحالفا وتصاهرا ثم انتقض الصلح سنة سبع عشرة وتحاربا وفي سنة إحدى وعشرين سبى أهل عنتاب وقتل وأسر وأفحش في القتل والسبي بحيث أبيع صغير واحد بدرهمين وحرق المدينة وأخذ أموالها وتوجه إلى البيرة فنهبها ثم بلغه أن ولده محمد شاه عصى عليه ببغداد فتوجه إليه وحصره واستصفى أمواله وعاد إلى تبريز وكان شديد الظلم قاسي القلب لا يتمسك بدين واشتهر عنه أنه في عصمته أربعين امرأة وقد خربت في أيامه وأيام أولاده مملكة العراقين وتوفي بتبريز في ذي القعدة وقام بعده ابنه اسكندر 164
سنة أربع وعشرين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن هلال الحلبي اشتغل قديما على الشيخ شمس الدين بن الخراط وغيره وكان مفرط الذكاء وأخذ التصوف عن شمس الدين البلالي ثم توغل في مذهب أهل الوحدة ودعا إليه وصار كثير الشطح وجرت له وقائع وكان أتباعه يبالغون في اطرائه ويقولون هو نقطة الدائرة إلى غير ذلك من مقالاتهم المستبشعة قاله ابن حجر
وفيها جقمق كان من أبناء التركمان فاتفق مع بعض التجار أن يبيعه ويقسم ثمنه بينهما ففعل فتنقل في الخدم حتى تقرر دويدار ثانيا عند الملك المؤيد قبل سلطنته ثم استمر وكان يتكلم بالعربية لا يشك من جالسه أنه من أولاد الأحرار ثم استقر دويدارا كبيرا إلى أن قرره الملك المؤيد في نيابة الشام فبنى السوق المعروف بسوق جقمق وأوقفه على المدرسة التي بناها قرب الأموي ثم أظهر العصيان لما مات الملك المؤيد قال المقريزي كان سيء السيرة شديدا في دواداريته على الناس حصل أموالا كثيرة وكان فاجرا ظلوما غشوما لا يكف عن قبح انتهى قتله ططر بدمشق بعد أن صادره في أمواله في أواخر شعبان ودفن بمدرسته لصيق الكلاسة
وفيها الملك المؤيد شيخ بن عبد الله المحمودي قدم القاهرة وهو ابن اثنتي عشرة سنة وكان جميل الصورة فمات جالبه فاشتراه محمود تاجر المماليك وانتسب إليه وقدمه لبرقوق وفأعجبه وجعله خاصكيا ثم جعله من السقاة ونشأ ذكيا فتعلم الفروسية من اللعب بالرمح ورمى النشاب والضرب بالسيف وغير ذلك ومهر في جميع ذلك مع جمال الصورة وكمال العشرة والتهتك وضرب بسبب ذلك ثم تنقلت به الأحوال من الإمارة على الحاج وغير ذلك إلى أن ولي نيابة الشام ثم تسلطن يوم الإثنين مستهل شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة قال في المنهل 165 وكان ملكا شجاعا مقداما مهابا سيوسا عارفا بالحروف والوقائع جوادا على من يستحق الأنعام بخيلا على من لا يستحقه إلى الغاية طويلا بطينا واسع العينين أشهلهما كث اللحية جهوري الصوت فحاشا سبابا ذا خلق سيء وسطوة وجبروت وهيبة زاردة يرجف القلب عند مخاطبته محبا لأهل العلم مبجلا للشرع مذعنا له غير مائل إلى شيء من البدع إلا أنه كان مسرفا على نفسه متظاهرا بذلك وبنى أماكن تقام فيه الخطبة منها جامعه المؤدي داخل باب زويلة الذي ما عمر في الاسلام أكثر زخرفة وأحسن ترخيما منه بعد جامع دمشق وتوفي يوم الإثنين تاسع المحرم وسلطنوا ولده المظفر أبا السعادات وعمره سنة واحدة وثمانية أشهر وسبعة أيام قال المقريزي واتفق في موته موعظة وهو أنه لما غسل لم يوجد له منشفة ينشف بها فنشف في منديل لبعض من حضر من الأمراء ولا وجد له مئزر يستره حتى أخذ له مئزر صوف صعيدي من فوق رأس بعض جواريه ولا وجد له طاسة يصب بها عليه الماء وهو يغسل مع كثرة ما خلف من الأموال انتهى ودفن بقبته التي أنشاها بالجامع المؤيدي بباب زويلة
وفيها أبو الفتح ططر بن عبد الله الظاهري ملك الديار المصرية والشامية كان من جملة مماليك الظاهر برقوق ولا زال يترقى حتى صار أمير مائة مقدم ألف بالديار المصرية وتنقلت به الأحوال إلى أن مرض الملك المؤيد وأوصى له بالتكلم على ابنه أحمد فلما مات المؤيد خرج ططر إلى البلاد الشامية بالسلطان والخليفة والقضاة والعساكر وعزل وولي ثم دخل حلب ثم عاد إلى دمشق واستمال الخواطر وتحبب إلى الأمراء ثم عزم على خلع الملك المظفر لصغره فخلعه في تاسع عشرى شعبان من هذه السنة وتسلطن هو ولقب بالملك الظاهر أبي الفتح وجلس على كرسي الملك ثم في سابع عشر شهر رمضان برز من دمشق إلى الديار المصرية فوصلها يوم الخميس رابع شوال فمرض ولزم بيته إلى يوم الثلاثاء أول ذي القعدة نصل ودخل الحمام وتباشر الناس بعافيته ثم أخذ مرضه يتزايد إلى 166 ثاني ذي الحجة فجمع الخليفة المعتضد بالله داود والقضاة وعهد لولده محمد وأن يكون الأمير جانبك الصوفي متكلما في الأمور وحلف الأمراء على ذلك كما حلف هو غير مرة لابن الملك المؤيد وتوفي ضحى يوم الأحد رابع ذي الحجة وله نحو خمسين سنة ودفن بالقرافة بجوار الإمام الليث بن سعد وكانت مدة سلطنته أربعة وتسعين يوما وفي هذه المدة اليسيرة لا يستقل ما فعل من الانتقام والجور وسفك الدماء فأتعب نفسه ومهد لغيره وكان ملكا عارفا فطنا عفيفا عن المنكرات مائلا إلى العدل يحب الفقهاء وأهل العلم ويذاكر بالفقه ويشارك فيه وله فيهم وذوق في البحث بارعا في حفظ الشعر التركي عارفا بمعانيه وعنده إقدام وجرأة وكرم مفرط مع طيش وخفة وكان قصيرا جدا كبير اللحية أسودها مليح الشكل يتكلم بأعلى حسه وفي صوته بحة شنعة كثير التعصب لمذهب الحنفية يريد أن لا يدع أحدا من الفقهاء غير الحنفية قاله في المنهل الصافي
وفيها جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني الشافعي ولد في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة وأمه بنت القاضي بهاء الدين بن عقيل النحوي ونشأ بالقاهرة وحفظ القرآن وعدة متون في عدة علوم وتفقه بوالده وغيره وبرع في الفقه والأصول والعربية والتفسير والمعاني والبيان وأفتى ودرس في حياة والده وتولى قضاء العسكر بالديار المصرية في حياة والده أيضا قال المقريزي لم يخلف بعده مثله في كثرة علومه بالفقه وأصوله والحديث والتفسير والعربية والنزاهة عما ترمي به قضاة السوء انتهى وممن أثنى عليه جلال الدين بن ظهيرة المكي وأنشد فيه لنفسه
( هنيئا لكم يا أهل مصر جلالكم
عزيز فكم من شبهة قد جلا لكم )
( ولولا اتقاء الله جل جلاله
لقلت لفرط الحب جل جلالكم )
وقال ابن تغرى بردى بعد أن أثنى عليه أحسن الثناء وأنا أعرف به من غيري فإنه كان تأهل بكريمتي وما نشأت إلا عنده وقرأت عليه غالب القرآن الكريم 167 وكان إذا توجه إلى منتزه يأخذني صحبته إلى حيث سار فإذا أقمنا بالمكان يطلبني ويقول اقرأ الماضي من محفوظك فأقرأ عليه ما شاء الله أن أقرأه وتوفي ليلة الخميس بعد العشاء الآخرة بساعة الحادي عشر من شوال
وفيها تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن أحمد بن صالح بن أحمد بن خطاب البقاعي الفاري بالفاء والراء الخفيفة نسبة إلى قرية بالبقاع تسمى بيت فار الدمشقي الشافعي ولد سنة سبع وستين وسبعمائة وحفظ التمييز وغيره واشتغل على والده وعلى النجم بن الجابي والشريشي وغيرهم ونشأ هو وأخوه عبد الله على خير وتصون ودرس في حياة أبيه بالعادلية الصغرى واستمرت بيده إلى أن مات ودرس بعد أبيه بالشامية البرانية وولي افتاء دار العدل وناب في الحكم مدة طويلة وولاه الأمير نوروز القضاء باتفاق الفقهاء عليه بعد موت الأخنائي فباشره مباشرة حسنة فلما غلب المؤيد على نوروز صرفه ولم يعزله بسوء فلزم الشباك الكمالي بجامع دمشق يفتي وبالشامية يدرس وكان حسن الرأي والتدبير دينا له حظ من عبادة إلا أنه لم يكن مشكورا في مباشرة الوظائف وكان عاقلا ساكنا كثير التلاوة يقوم الليل كثير الأدب والحشمة طاهر اللسان توفي في أحد الربيعين قاله ابن حجر
وفيها قتل أبو سعيد عثمان بن أحمد بن إبراهيم بن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الخالق المريني قتله مدبر مملكته عبد العزيز الكناني وقتل إخوته وأولاده وأكابر البلد وأبطالها وشيوخها وكانت فتنة كبيرة انقطعت فيها دولة بني مرين من فاس وأقام محمد بن أبي سعيد في المملكة واستبد هو بتدبير الأمور فسبحان من لا يزول ملكه
وفيها شمس الدين محمد بن إبراهيم البوصيري الشافعي قال ابن حجر كان خيرا دينا كثير النفع للطلبة يحج كثيرا ويقصد الأغنياء لنفع الفقراء 168 وربما استدان للفقراء على ذمته ويوفي الله عنه وكانت له عبادة وتؤثر عنه كرامات مات في سادس ربيع الآخر انتهى
وفيها عز الدين محمد بن خليل بن هلال الحاضري الحلبي الحنفي ولد في أحد الجمادين سنة سبع وأربعين وسبعمائة ورحل إلى دمشق فأخذ بها عن جماعة منهم ابن أميلة قرأ عليه سنن أبي داود والترمذي ودخل القاهرة فأخذ عن الشيخ ولي الدين المنفلوطي والجمال الأسنوي ورحل إلى القاهرة مرة أخرى وتفقه ببلده وحفظ كتبا نحو الخمسة عشر كتابا في عدة فنون وقرأ على العراقي في علوم الحديث وأجاز له ولازم العلم إلى أن انفرد وصار المشار إليه ببلاده وولي قضاء بلده ودرس وأفتى وكان محمود السيرة مشكور الطريقة قال البرهان المحدث لا أعلم بالشام كلها مثله ولا بالقاهرة مثل مجموعه الذي اجتمع فيه من العلم الغزير والتواضع والدين المتين والذكر والتلاوة انتهى وتوفي في أحد الجمادين
وفيها رضي الدين أبو حامد محمد بن عبد الرحمن بن أبي الخير محمد بن أبي عبد الله الفاسي الحسني المكي المالكي ولد في رجب سنة خمس وثمانين وسبعمائة وسمع الحديث وتفقه وأفتى ودرس وولي قضاء المالكية ثم عزل فناب عن القاضي الشافعي وكان خيرا ساكنا متواضعا ذاكرا للفقه توفي في ربيع الأول
وأخوه محب الدين أبو عبد الله محمد كان أسن منه أجاز له ابن أميلة وغيره ومهر في الفقه
سنة خمس وعشرين وثمانمائة
فيها كما قال ابن حجر ولدت فاطمة بنت القاضي جلال الدين البلقيني من بعلها تقي الدين رجب بن العماد قاضي الفيوم ولدا خنثى له ذكر وفرج أنثى 169 وقيل أن له يدين زائدتين نابتتان في كتفيه وفي رأسه قرنان كقرني الثور فيقال ولدته ميتا ويقال مات بعد أن ولدته انتهى
وفيها أخذ الفرنج مدينة سبتة من أيدي المسلمين وفيها كان الطاعون الشديد بحلب حتى خلى أكثر البلد من الناس
وفيها برهان الدين إبراهيم بن أحمد البيجوري الشافعي ولد في حدود الخمسين وسبعمائة وأخذ عن الأسنوي ولازم البلقيني ورحل إلى الأذرعي بحلب سنة سبع وسبعين وبحث معه وكان الأذرعي يعترف له بالاستحضار وشهد له الشيخ جمال الدين الحسباني عالم دمشق بأنه أعلم الشافعية بالفقه في عصره وقال محي الدين المصري فارقته سنة خمس وثمانين وهو يسرد الروضة حفظا وكان دينا خيرا متواضعا لا يتردد إلى أحد سليم الباطن لا يكتب على الفتوى تورعا وولي بآخره مشيخة الفخرية بين السورين وكان الطلبة يصححون عليه تصانيف العراقي نقلا وفهما وكانوا يراجعون العراقي في ذلك فلا يزال يصلح في تصانيفه ما ينقلونه له عنه ولم يخلف بعده من يقارنه وكان فقيرا جدا مع قلة وظائف وتوفي يوم السبت رابع عشر رجب رحمه الله تعالى
وفيها برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن عيسى بن عمر بن زياد العجلوني الدمشقي الشافعي الشهير بابن خطيب عذرا ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة بعجلون وحفظ المنهاج في صغره واشتغل على مشايخ عصره ودأب في الفقه خصوصا الروضة وتصدر للأشغال مدة طويلة وولي قضاء صفد في أيام الظاهر برقوق سنة ثلاث وثمانمائة وقدم دمشق سنة ست وثمانمائة وولي نيابة الحكم وأقام على ذلك سنين ثم تنزه عن ذلك كله وأكب على الأشغال وصار يفتي ويدرس إلى أن حصل له فالج فلزم منه الفراش من غير أن يتكلم إلى أن توفي سابع عشرى المحرم 170 وفيها صدر الدين أبو بكر بن تقي الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي الأصل ثم الدمشقي الحنبلي ولد سنة ثمانين وسبعمائة وتفقه قليلا واستنابه أبوه وهو صغير واستنكر الناس منه ذلك ثم ناب لابن عبادة وشرع في عمل المواعيد بجامع الأرموي وشاع اسمه وراج بين العوام وكان على ذهنه كثير من التفسير والأحاديث والحكايات مع حضور شديد في الفقه وولي القضاء استقلالا في شوال سنة سبع عشرة فباشر خمسة أشهر ثم عزل وتوفي في جمادى الآخرة قاله ابن حجر
وفيها نفيس الدين سليمان بن إبراهيم بن عمر التعزي الشافعي الفقيه العلوي نسبة إلى علي بن بلي بن وائل سمع أباه وابن شداد وغيرهما وعنى بالحديث وأحب الرواية واستجيز له من جماعة من أهل مكة قال ابن حجر وسمع مني وسمعت منه وكان محبا في السماع والرواية محثا على ذلك مع عدم مهارة فيه فذكر لي أنه مر على صحيح البخاري مائة وخمسين مرة ما بين قراءة وسماع وأسماع ومقابلة وحصل من شروحه كثيرا وحدث بالكثير وكان محدث أهل بلده مات في ذي الحجة وقد جاوز الثمانين
وفيها صدقة بن سلامة بن حسين بن بدران بن إبراهيم بن جملة الجيدوري ثم الدمشقي المقرىء عنى بالقراآت وأتقنها وأقرأ بالجامع الأموي وأدب خلقا وانتفعوا به وله تآليف في القراآت توفي في عاشر جمادى الأولى
وفيها أسد الدين عبد الرحمن بن محمد بن طولوبغا التنكزي مسند الشام قال ابن حجر تفرد وحدث وحج في سنة أربع وعشرين وثمانمائة بمكة ورجع فمات بدمشق في ثاني عشر ذي القعدة وكان مسند الشام
وفيها عثمان بن سليمان الصنهاجي قال ابن حجر في أنباء الغمر من أهل الجزائر الذين بين تلمسان وتونس رأيته كهلا وقد جاوز الخمسين وقد شاب 171 أكثر لحيته وطوله إلى رأسه ذراع واحد بذراع الآدميين لا يزيد عليه شيئا وهو كامل الأعضاء وإذا قام قائما يظن من رآه أنه صغير قاعد وهو أقصر آدمي رأيته وذكر لي أنه صحب أبا عبد الله بن الغمار وأبا عبد الله بن عرفة وغيرهما ولديه فضيلة ومحاضرة حسنة انتهى
وفيها علي بن أحمد بن علي المارديني سمع من ابن قواليح صحيح مسلم بدمشق وحدث عنه وتوفي بمكة في شوال
وفيها صبر الدين علي بن سعد الدين محمد ملك المسلمين بالحبشة كان شجاعا فارسا شديدا على كفرة الحبشة وجرت له معهم وقائع عديدة وتوفي مبطونا واستقر بعده أخوه
وفيها شمس الدين أبو المعالي محمد بن أحمد بن معال الحبتي بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة وفوقية نسبة إلى حبتة بنت ملك بن عمرو بن عوف الحنبلي المحدث ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة وسمع من عمر بن أميلة والعماد بن كثير وغيرهما ومهر في فنون كثيرة وتفقه بابن قاضي الجبل وابن رجب وغيرهما وتعانى الآداب فمهر وقدم القاهرة في رمضان سنة أربع وثمانمائة وحدث بها ببعض مسموعاته وقص على الناس في عدة أماكن وناب في الحكم وكان يحب جمع المال مع مكارم الأخلاق وحسن الخلق وطلاقة الوجه والخشوع التام قال ابن حجر سمعنا بقراءته صحيح البخاري في عدة سنين بالقلعة وسمعنا من مباحثه وفوائده ونوادره وماجرياته وتوفي فجأة ليلة الخميس وقت العشاء ثامن عشرى المحرم بالقاهرة
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن خالد الشافعي المعروف بابن البيطار سمع من مشايخ ابن حجر معه وغيره وكان وقورا ساكنا حسن الخلق كثير التلاوة
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الزراتيتي الحنبلي المقرىء إمام 172 الظاهرية البرقوقية ولد سنة سبع وأربعين وسبعمائة وعنى بالقراآت ورحل فيها إلى دمشق وحلب وأخذ عن المشايخ واشتهر بالدين والخير قال ابن حجر سمع معنا الكثير وسمعت منه شيئا يسيرا ثم أقبل على الطلبة بآخره فأخذوا عنه القراآت ولازموه وأجاز للجماعة وانتهت إليه الرياسة في الاقراء بمصر ورحل إليه من الأقطار ونعم الرجل كان توفي يوم الخميس سادس جمادى الآخرة بعد أن أضر
وفيها السلطان محمد جلبي بن أبي يزيد بن مراد بن أورخان بن عثمان كان يلق بكرشي كان شجاعا مقداما مجاهدا فتح عدة قلاع وبلاد وبنى المدارس وعمر العماير وهو أول من عمل الصر للحرمين الشريفين من آل عثمان رحمه الله تعالى
وفيها بدر الدين محمود بن العلامة شمس الدين الأقصرائي الأصل المصري المولد والدار والوفاة الحنفي ولد سنة بضع وتسعين وسبعمائة ونشأ بالقاهرة وطلب العلم فبرع في الفقه والعربية وشارك في عدة فنون ورأس على أقرانه وجالس الملك المؤيد شيخ ثم اختص بالملك الظاهر ططر اختصاصا زائدا وتردد الناس إلى باب وتحدثوا برفعته فعوجل بمنيته ليلة الثلاثاء خامس المحرم
سنة ست وعشرين وثمانمائة
فيها كان طاعون مفرط بالشام حتى قيل أن جملة من مات في أيام يسيرة زيادة على خمسين ألفا ووقع أيضا بدمياط طاعون عظيم
وفيها توفي إبراهيم بن مبارك شاه الأسعردي الخواجا التاجر المشهور صاحب المدرسة بالجسر الأبيض كان كثير المال واسع العطاء كثير البذل قاله ابن حجر 173
وفيها الحافظ ولي الدين أبو زرعة أحمد بن حافظ العصر شيخ الإسلام عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي الإمام ابن الإمام والحافظ ابن الحافظ وشيخ الإسلام ابن شيخ الإسلام الشافعي ولد في ذي الحجة سنة اثنتين وستين وسبعمائة وبكر به أبوه فأحضره عند المسند أبي الحرم القلانسي في الأولى وفي الثانية واستجاز له من أبي الحسن العرضي ثم رحل به إلى الشام في سنة خمس وستين وقد طعن في الثالثة فأحضره عند جمع كثير من أصحاب الفخر بن البخاري وأنظارهم ثم رجع فطلب بنفسه وقد أكمل أربع عشرة سنة فطاف على الشيوخ وكتب الطباق وفهم الفن واشتغل في الفقه والعربية والمعاني والبيان وأحضر على جمال الدين الأسنوي وشهاب الدين بن النقيب وغيرهما وأقبل على التصنيف فصنف أشياء لطيفة في فنون الحديث ثم ناب في الحكم وأقبل على الفقه فصنف النكت على المختصرات الثلاثة جمع فيها بين التوشيح للقاضي تاج الدين السبكي وبين تصحيح الحاوي لابن الملقن وزاد عليهما فوائد من حاشية الروضة للبلقيني ومن المهمات للأسنوي وتلقى الطلبة هذا الكتاب بالقبول ونسخوه وقرأوه عليه واختصر أيضا المهمات وأضاف إليها حواشي البلقيني على الروضة وكان لما مات أبوه تقرر في وظائفه فدرس بالجامع الطولوني وغيره ثم ولي القضاء الأكبر وصرف عنه فحصل له سوء مزاج من كونه صرف ببعض تلامذته بل ببعض من لا يفهم عنه كما ينبغي فكان يقول لو عزلت بغير فلان ما صعب على وكان من خير أهل عصره بشاشة وصلابة في الحكم وقياما في الحق وطلاقة وجه وحسن خلق وطيب عشرة وتوفي في يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر رمضان عن ثلاث وستين سنة وثمانية أشهر ودفن عند والده 174 رحمهما الله تعالى
وفيها مجد الدين أبو البركات سالم بن سالم بن أحمد المقدسي ثم المصري الحنبلي قاضي القضاة بالديار المصرية وشيخ الإسلام بها ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة وقدم القاهرة في سنة أربع وستين واستقر في القضاء بعد وفاة القاضي موفق الدين بن نصر الله المتقدم ذكره وكان يعد من فقهاء الحنابلة وأخيارهم باشر القضاء نيابة واستقلالا أكثر من ثلاثين سنة بتواضع وعفة وعزل بابن مغلي فقال بعضهم عند عزله
( قضى المجد قاضي الحنبلية نحبه
بعزل وما موت الرجال سوى العزل )
( وقد كان يدعى قبل ذلك سالما
فخالطه فرط انسهال من المغلى )
وتوفي يوم الخميس تاسع عشرى ذي القعدة بعد أن ابتلي بالزمانة والعطلة عدة سنين
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن الشيخ شمس الدين محمد بن إسماعيل القلقشندي الشافعي سبط الشيخ صلاح الدين العلائي اشتغل على أبيه وغيره وأحب الحديث وطلبه وكتب الطباق بخطه وصنف ونظم وكان فاضلا نبيها قال ابن حجر سمع معي في الرحلة إلى دمشق كثيرا بها وبنابلس والقدس وغيرها وصار مفيد بلده في عصره وقدم القاهرة في هذه السنة فأسمع ولده بها من جماعة وكان حسن العقل والخط حاذقا رجع إلى بلده فمات بها وأسفنا عليه رحمه الله تعالى انتهى
وفيها عز الدين عبد العزيز بن علي بن أحمد النويري ثم المكي الشافعي العقيلي ولد سنة ثمان وسبعين وسبعمائة وتفقه ومهر وقرأ سنن أبي داود علي السراج البلقيني سنة اثنتين وثمانمائة وكان أبوه مالكي المذهب فخالفه وأقام بالقاهرة مدة وأخذ عن شيوخها وأذن له الشيخ برهان الدين الأنباسي وبدر الدين الطنبدي ثم دخل اليمن وولي القضاء بتعز ثم رجع إلى مكة فتوفي بها في 175 حادي عشرى ذي الحجة
وفيها عبد القادر ويدعى محمدا ابن قاضي الحنابلة علاء الدين علي بن محمود ابن المغلي السليماني ثم الحموي الحنبلي نشأ على طريقة حسنة ونبغ وحفظ المحرر وغيره وتوفي مراهقا في نصف ذي القعدة وأسف أبوه عليه جدا ولم يكن له ولد غيره
وفيها نور الدين علي بن رمح بن سنان بن قنا الشافعي سمع من عز الدين بن جماعة وغيره ولم ينجب وصار بآخره يتكسب في حوانيت الشهود وهو أحد الصوفية بالخانقاه البيبرسية وتوفي عن أزيد من ثمانين سنة
وفيها زين الدين وسراج الدين عمر بن عبد الله بن علي بن أبي بكر الأديب الشاعر الأنصاري الأسواني نزيل القاهرة ولد بأسوان سنة اثنتين وستين وسبعمائة وقدم القاهرة فأقام بها مدة ثم توجه إلى دمشق وأخذ الأدب عن الشيخ جلال الدين بن خطيب داريا ثم عاد إلى القاهرة واستوطنها إلى أن مات بها قال المقريزي كان يقول الشعر ويتقن شيئا من العربية مع تعاظم وتطاول وإعجاب بنفسه وإطراح جانب الناس لا يرى أحدا وأن جل شيئا بل يصرح بأن أبناء زمانه كلهم ليسوا بشيء وأنه هو العالم دونهم وأنه يجب على الكافة تعظيمه والقيام بحقوقه وبذل أموالهم كلها له لا لمعنى فيه يقتضي ذلك بل سوء طباع وكان يمدح فلا يجد من يوفيه حقه بزعمه فيرجع إلى الهجاء فلذلك كان مشنوءا عند الناس ومن شعره
( إن دهري لقد رماني بقوم
هم على بلوتي أشد حثيثا )
( إن أفه بينهم بشيء أجدهم
لا يكادون يفقهون حديثا )
وتوفي يوم الجمعة حادي عشر ربيع الأول
وفيها زين الدين عمر بن محمد الصفدي ثم النيني بنون مفتوحة ثم ياء تحتية ساكنة ثم نون الشافعي اشتغل قديما ومهر حتى صار يستحضر الكفاية لابن 176 الرفعة وأخذ بدمشق عن علاء الدين حجي وأنظاره وسمع من ابن قوالح وناب في الحكم في بلاد عديدة في معاملات حلب ثم قدم القاهرة قبل العشرين وثمانمائة ونزل بالمؤيدية في طلبة الشافعية وكان كثير التقتير على نفسه وتوفي بمصر في جمادى الأولى وقد قارب الثمانين ووجد له مبلغ عند بعض الناس فوضع يده عليه ولم يصل لوارثه منه شيء عفا الله عنه
وفيها شمس الدين محمد بن عبد الله بن عمر بن يوسف المقدسي الصالحي الحنبلي المعروف بابن المكي ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وتفقه قليلا وتعانى الشهادة ولازم مجلس القاضي شمس الدين بن التقي وولي رياسة المؤذنين بجامع الأموي وكان من خيار العدول عارفا جهوري الصوت حسن الشكل طلق الوجه منور الشيبة أصيب بعدة أولاد له كانوا أعيان عدول البلدة مع النجابة والوسامة فماتوا بالطاعون ثم توفي هو في جمادى الأولى
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الغزي الحلبي المقرىء المعروف بابن الركاب ولد سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة بغزة وتعانى الاشتغال بالقراآت فمهر وقطن بحلب واشتغل في الفقه بدمشق مدة ثم أقبل على التلاوة والاقراء فانتفع به أهل حلب وأقرأ أكابرهم وفقراءهم بغير أجرة وممن قرأ عليه قاضي حلب علاء الدين بن خطيب الناصرية وكان قائما بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومواظبة الاقراء مع الهرم وتوفي في تاسع عشر ربيع الأول
وفيها محمد بن الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الدايم البرماوي كان قد مهر وحفظ عدة كتب وتوجه مع أبيه إلى الشام فمات بالطاعون ولم يكمل العشرين سنة وأسف عليه أبوه ولم يقم بالشام بعده بل قدم القاهرة 177
سنة سبع وعشرين وثمانمائة
فيها توفي الملك الناصر أحمد بن الأشرف إسماعيل بن الأفضل عباس بن المجاهد على صاحب المين استقر في المملكة بعد أبيه سنة ثلاث وثمانمائة وجرت له كائنات وكان فاجرا جائرا قال ابن حجر مات بسبب صاعقة سقطت على حصنه من زجاج فارتاع من صوتها فتوعك ثم مات في سادس عشر جمادى الأخرة قال الله تعالى (
ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) انتهى بحروفه
وفيها شهاب الدين أحمد بن عبد الله البوتيجي الشافعي تفقه ومهر وحفظ المنهاج وكان يتكسب بالشهادة ثم تكرها تورعا
وفيها شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد النويري المكي المالكي قاضي مكة وإمام المالكية بحرمها الشريف وابن إمامهم ولد في صفر سنة ثمانين وسبعمائة وسمع على والده والعفيف عبد الله وبقراة أخيه عبد العزيز المذكور في السنة التي قبلها على الشيخ نصر الله بن أحمد البغدادي الحنبلي ومن جماعة أخر بمكة وحفظ رسالة ابن أبي زيد المالكي وتفقه على الشريف أبي الخير الفاسي وغيره وأفتى ودرس وولي بعد وفاة والده بمدة إمامة المالكية بالحرم ثم بعد مدة طوية ولي القضاء فلم يتم أمره ودام مصروفا إلى أن توفي قبيل العصر من يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر ودفن بالمعلاة وكان له ثروة
وفيها القاضي محب الدين أحمد بن الشيخ جمال الدين محمد بن عبد الله بن ظهرية المخزومي الشافعي قاضي مكة وابن قاضيها ومفتيها وابن مفتيها ولد في جمادى 178 الأولى سنة تسع وثمانين وسبعمائة وحفظ المنهاج وعدة كتب وتفقه بوالده وغيره وأذن له في الافتاء الشهاب الغزي والشهاب بن حجي وغيرهما وكان ماهرا في الفقه والفرائض حسن السيرة في القضاء ولي من سنة ثماني عشرة إلى أن مات وتوفي في جمادى الأولى وخلت مكة بعده ممن يفتي فيها على مذهب الشافعي قاله ابن حجر
وفيها زين الدين أبو بكر بن عمر بن محمد الطريني ثم المحلى المالكي الشيخ الفاضل المعتقد كان صالحا ورعا حسن المعرفة بالفقه قائما في نصر الحق وله اتباع وصيت كبير وتوفي في حادي عشر ذي الحجة وقد جاوز الستين
وفيها الملك العادل فخر الدين أبو المفاخر سليمان بن الملك الكامل غازي بن محمد بن أبي بكر بن شادي صاحب حصن كيفا وابن صاحبه تسلطن في الحصن بعد موت أبيه وحسنت أيامه وكان مشكور السيرة محببا للرعية مع الفضيلة التامة والذكاء والمشاركة الحسنة وله نظم ونثر وديوان شعر لطيف ومن شعره
( أريعان الشباب عليك مني
سلام كلما هب النسيم )
( سروري مع زمانك قد تناءى
وعندي بعده وجد مقيم )
( فلا برحت لياليك الغوادي
وبدر التم لي فيها نديم )
( يغازلني بغنج والمحيا
يضيء وثغره در نظيم )
( وقد مثل لدن أن تثني
وريقته بها يشفى السقيم )
( إذا مزجت رحيق مع رضاب
ونحن بليل طرته نهيم )
( ونصبح في ألذ العيش حتى
تقول وشاتنا هذا النعيم )
( ونرتع في رياض الحسن طورا
وطورا للتعانق نستديم )
واستمر في مملكة الحصن إلى أن توفي وأقيم بعده ولده الملك الأشرف 179 أحمد المقتول بيد أعوان قرايلك في سنة ست وثلاثين وثمانمائة
وفيها عبيد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن زبد بالزاي والباء الموحدة البعلبكي الشافعي المعروف بابن زبد وله سنة ستين وسبعمائة تقريبا وتفقه على ابن الشريشي والقرشي وغيرهما بدمشق ثم ولي قضاء بلده قبل اللنك ودرس وأفتى ثم ولي قضاء طرابلس في سنة عشر ثم ولاه المؤيد قضاء دمشق عوضا عن نجم الدين بن حجي في سنة تسع عشرة ثم في سنة ست وعشرين في أيام الأشرف وكانت مدته في الولايات يسيرة جدا الأولى ستة أشهر والثانية شهرا ونصفا ولما صرف في النوبة الثانية حصل له ذل كبير وقهر زائد وذهب غالب ما كان حصله في عمره ولحقه فالج فاستمر به إلى أن مات في ربيع الأول قاله ابن حجر
وفيها أبو محمد عبد الله بن مسعود بن علي الحلبي المعروف بابن القرشية أخذ عن أبيه عن الوادياشي وعن أبي عبد الله بن عرفة وأبي علي عمر بن قداح الهواري وأحمد بن إدريس الزواوي شيخ بجاية أخذ عنه المسلسل بالأولية ومصافحة المعمرين وأبي عبد الله بن مرزوق في آخرين تتضمنهم فهرسته التي أجاز فيها لابن أخيه أبي الفرج سرور بن عبد الله القرشي وتوفي بتونس على ما ذكره ابن أخيه سرور
وفيها زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن يوسف بن الحسن بن محمد الزرندي المدني الحنفي قاضي الحنفية بالمدينة المنورة ولد في ذي القعدة سنة ست وأربعين وسبعمائة بالمدينة وسمع على عز الدين بن جماعة وصلاح الدين العلائي وأجاز له الزبير بن علي الأسواني فكان خاتمة أصحابه وتوفي في ربيع الأول
وفيها محي الدين عبد القادر بن أبي الفتح محمد بن أبي المكارم أحمد بن أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن الشريف الحسني الفاسي الأصل المكي الحنبلي أخو قاضي سراج الدين عبد اللطيف الحنبلي ولد سنة إحدى وتسعين 180 وسبعمائة وقرأ وتفقه وناب في الحكم عن أخيه شقيقه سراج الدين المذكور وتوفي بمكة في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان ودفن بالمعلاة قاله تقي الدين الفاسي في تاريخه
وفيها نور الدين علي بن عبد الكريم الفوي قال ابن حجر سمع من الشيخ جمال الدين بن نباتة وأحمد بن يوسف الخلاطي وغيرهما وحدث بالكثير سمعت عليه السيرة النبوية لابن هشام ونعم الشيخ كان مات في خامس ذي الحجة وبلغ الستين
وفيها نور الدين علي بن لولو قال ابن حجر كان عالما متورعا لا يأكل إلا من عمل يده ولم يتقلد وظيفة قط ولازم الاقراء بالجامع الأزه روغيره وانتفع الناس به وله مقدمة في العربية سهلة المأخذ مات في عشر الستين انتهى
وفيها عيسى بن يحيى الريغي براء ومثناة تحية وغين معجمة نسبة إلى ريغة إقليم بالمغرب المغربي المالكي نزيل مكة قال الفاسي كان خيرا متعبدا معتنيا بالعلم نظرا وإفادة وله في النحو وغيره يد وسمع الحديث بمكة على جماعة من شيوخها والقادمين إليها وكان كثير السعي في مصالح الفقراء والطرحاء وجمعهم من الطرقات إلى البيمارستان المستنصري بالجانب الشامي من المسجد الحرام وربما حمل الفقراء المنقطعين بعد الحج إلى مكة من منى وجاو ربمكة سنين كثيرة تقارب العشرين وتأهل فيها بنساء من أعيان مكة ورزق بها أولادا وبها توفي ليلة الإثنين سلخ المحرم ودفن بالمعلاة وهو في عشر الستين ظنا
وفيها محمد بن أحمد بن المبارك الحموي بن الخرزي الحنفي ولد قبل سنة ستين وسبعمائة واشتغل على الصدر منصور من أشياخ الحنفية بدمشق ثم سكن حماة وتحول إلى مصر بعد اللنك وناب في الحكم ثم تحول إلى دمشق ودرس وكان مشاركا في عدة فنون إلا أن يده في الفقه ضعيفة وكان كثير المرض وتوفي في شعبان 181
وفيها بدر الدين محمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن سليمان بن جعفر القرشي المخزومي الأسكندراني المالكي النحوي الأديب قال السيوطي في طبقات النحاة ولد بالأسكندرية سنة أربع وستين وسبعمائة وتفقه وتعانى الأدب ففاق في النحو والنظم والنثر والخط والمعرفة الشروط وشارك في الفقه وغيره وناب في الحكم ودرس بعدة مدارس وتقدم ومهر واشتهر ذكره وتصدر بالجامع الأزهر لأقراء النحو ثم رجع إلى الأسكندرية واستمر يقرىء بها ويحكم ويتكسب بالتجارة ثم قدم القاهرة وعين للقضاء فلم يتفق له ودخل دمشق سنة ثمانمائة وحج منها وعاد إلى بلده وتولى خطابة الجامع وترك الحكم وأقبل على الاشتغال ثم أقبل على أشغال الدنيا وأمورها فتعانى الحياكة وصار له دولاب متسع فاحترقت داره وصار عليه مال كثير ففر إلى الصعيد فتبعه غرماؤه وأحضره مهانا إلى القاهرة فقام معه الشيخ تقي الدين بن حجة وكاتب السر ناصر الدين البارزي حتى صلحت حاله ثم حج سنة تسع عشرة ودخل اليمن سنة عشرين ودرس بجامع زبيد نحو سنة فلم يرج له بها أمر فركب البحر إلى الهند فحصل له إقبال كثير وعظموه وأخذوا عنه وحصل له دنيا عريضة فبغته الأجل ببلد كلبرجة من الهند في شعبان قتل مسموما وله من التصانيف شرح الخزرجية وجواه رالبحور في العروض وتحفة الغريب في شرح مغنى اللبيب وشرح البخاري وشرح التسهيل والفواكه البدرية من نظمه ومقاطع الشرب ونزول الغيث وهو حاشية على الغيث الذي اسنجم في شرح لأمية العجم للصفدي وعين الحياة مختصر حياة الحيوان للدميري وغير ذلك روى لنا عنه غير واحد ومن شعره
( رماني زماني بما ساءني
فجاءت نحوس وغابت سعود )
( وأصبحت بين الورى بالمشيب
غليلا فليت الشباب يعود ) 182
وله في امرأة جبانة
( مذ تعانت لصنعة الجبن خود
قتلتنا عيونها الفتانه )
( لاتقل لي كم مات فيها قتيل
كم قتيل بهذه الجبانة )
انتهى كلام السيوطي بحروفه ومن نظمه أيضا
( قلت له والدجى مول
ونحن بالأنس في التلاقي )
( قد عطس الصبح يا حبيبي
فلا تشمته بالفراق )
وله ملغزا في غزال
( ان من قد هويته
محنتي في وقوفه )
( فإذا زال ربعه
زال باقي حروفه )
وفيها نجم الدين محمد بن أبي بكر بن علي بن يوسف الذروي الأصل الصعيدي ثم المكي الشافعي المعروف بالمرجاني ولد سنة ستين وسبعمائة بمكة وأسمع على العز بن جماعة وغيره وقرأ في الفقه والعربية وتصدى للتدريس والإفادة وله نظم حسن ونفاذ في العربية وحسن عشرة ورحل في طلب الحديث إلى دمشق فسمع من ابن خطيب المزة وابن المحب وابن الصيرفي وغيرهم بإفادة الياسوفي وغيره وكان يثني عليه وعلى فضائله وحدث قليلا فسمع منه ابن حجر وتوفي في رجب
وفيها شمس الدين محمد بن سعد بن محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي بكر بن مصلح بن أبي بكر بن سعد المقدسي الحنفي المعروف بابن الديري نسبة إلى مكان بمردا من جبل نابلس ولد سنة اثنتين أو ثلا وأربعين وسبعمائة وتعانى الفقه والاشتغال في الفنون وعمل المواعيد ثم تقدم في بلده حتى صار مفتيها والمرجوع إليه فيها وكانت له أحوال مع الأمراء وغيرهم يقوم فيها عليهم ويأمرهم بكف الظلم واشتهر اسمه فلما مات ناصر الدين بن العديم في سنة تسع عشرة استدعاه المؤيد فقرره في قضاء الحنفية بالقاهرة وكان 183 قدمها مرارا فباشرها بصرامة وشهامة وقوة نفس ثم انمزج مع المصريين ومازج الناس وكان منقادا لما يأمر ويروم ابن البارزي ولما كملت المؤيدية قرر في مشيختها وظن أن السلطان لا يخرج عنه القضاء فجاء الأمر بخلاف ظنه فإنه لما قرره في المشيخة قال له استرحنا واسترحت يشير بذلك إلى كثرة الشكاوى عليه من الأمراء وكان ابن الديري كثير الازدراء بأهل عصره لا يظن أن أحدا منهم يعرف شيئا مع دعوى عريضة وشدة إعجاب مع شدة التعصب لمذهبه والحط على مذهب غيره سامحه الله وكان يأسف على بيت المقدس ويقول سكنته أكثر من خمسين سنة ثم أموت في غيره فقدرت وفاته به في سابع ذي الحجة واستقر ولده سعد الدين في مشيخة المؤيدية
وفيها المولى حافظ الدين محمد بن محمد الكردي الحنفي المشهور بابن البزازي له كتاب مشهور من الفتاوى اشته ربالفتاوى البزازية وكتاب في مناقب الإمام الأعظم وكتاب في المطالب العالية نافع جدا ولما دخل بلاد الروم ذاكر وباحث المولى الفناري وغليه في الفروع وغلبه الفناري في الأصول وتوفي في أواسط رمضان
وفيها شرف الدين يعقوب بن جلال واسم جلال رسولا ويسمى أيضا أحمد الرومي الحنفي العجمي الأصل المصري المولد والدار والوفاة المعروف بالتباني بفتح المثناة الفوقية وتشديد الموحدة التحتية لسكنه بالتبانة خارج القاهرة نشأ بالقاهرة وتفقه بوالده وغيره وبرع في الفقه والأصلين والعربية والمعاني والبيان وأفتى ودرس سنين وولي وكالة بيت المال ونظر الكسوة ومشيخة خانقاه شيخون وكان ذا همة عالية ومكارم وبرا وإيثار وصدقة وحرمة في الدولة وكلمة مسموعة وصلة بالأمراء والأكابر واختص بالملك المؤيد شيخ اختصاصا كثيرا وعظم وضخم وتردد الناس إلى بابه وهو مع 184 ذلك ملازم للاشتغال والاشغال مع الديانة والصيانة قاله في المنهل الصافي وشرع في شرح المشارق وتوفي بالقاهرة فجأة يوم الأربعاء سادس عشر صفر عن نيف وسبعين سنة واستقر بعده في الشيخونية سراج الدين قاري الهداية
سنة ثمان وعشرين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن عبد الله الأسدي العبشمي الشهير جده بالطواشي ولد بعد الستين وسبعمائة وأحضر في الثالثة على ابن جماعة وأسمع على الضياء الهندي وغيره وأجاز له الكمال بن حبيب ومحمد بن جابر وأبو جعفر الرعيني وأبو الفضل النويري والزرندي والأميوطي وغيرهم وكان خيرا دينا منقطعا عن الناس توفي بمكة يوم الجمعة سابع عشر شعبان
وفيها الإمام في الأدب وفنونه الزين شعبان بن محمد بن داود المصري الأثار يقاله في ذيل دول الذهبي
وفيها الحافظ نور الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن سلامة بن عطوف الشافعي المكي السلمي المعروف بابن سلامة ولد في سابع شوال سنة ست وأربعين وسبعمائة بمكة وسمع بها من الشيخ خليل المالكي والعز ابن جماعة وغيرهما ورحل إلى بغداد فسمع بها على جماعة ورحل إلى البلاد الشامية والمصرية فسمع بها على من لا يحصى ما لا يحصى وسمع ببيت المقدس وبلد الخليل ونابلس والأسكندرية وعدة من البلاد وأجاز له جماعة كثيرة وله مشيخة شيوخه بالسماع والإجازة وفهرست ما سمعه وقرأه من الكتب والأجزاء تخريج الإمام تقي الدين بن فهد وتفقه بجماعة وأذن له بالافتاء والتدريس جماعة منهم سراج الدين بن الملقن وبرهان الدين 185 الأبناسي وكان له حظ من العبادة وله عناية كثيرة بالقراآت ومن نظمه وقد أهدى للشيخ شمس الدين بن الجزري من ماء زمزم
( ولقد نظرت فلم أجد يهدي لكم
غير الدعاء المستجاب الصالح )
( أو جرعة من ماء زمزم قد سمت
فضلا على مد الفرات السائح )
( هذا الذي وصلت له يد قدرتي
والحق قلت ولست فيه بمازح )
فأجابه الشيخ شمس الدين بن الجزري
( وصل المشرف من إمام مرتضى
نور الشريعة ذي الكمال الواضح )
( وذكرت أنك قد نظرت فلم تجد
غير الدعاء المستجاب الصالح )
( أو جرعة من ماء زمزم حبذا
ما قد وجدت ولست فيه بمازح )
( أما الدعاء فلست أبغي غيره
ما كنت قط إلى سواه بطامح )
وتوفي ابن سلامة بمكة المشرفة يوم السبت رابع عشرى شوال
وفيها القاضي علاء الدين أبو الحسن علي بن محمود بن أبي بكر بن مغلى الحنبلي أعجوبة الزمان الحافظ قال في المنهل ولد بحماة وقيل بسلمية سنة إحدى وسبعين وسبعمائة ونشأ بحماة وطلب العلم وقدم دمشق فتفقه بابن رجب الحنبلي وغيره وسمع مسند الإمام أحمد وغيره وبرع في الفقه والنحو والحديث وغير ذلك وتولى قضاء حماة وعمره نحو عشرين سنة ثم قضاء حلب وعاد إلى بلده حماة وولي قضاءها وحمدت سيرته إلى أن طلبه السلطان المؤيد شيخ إلى الديار المصرية وولاه قضاء قضاتها وحمدت سيرته إلى أن طلبه السلطان المؤيد شيخ إلى الديار المصرية وولاه قضاء قضاة الحنابلة بها مضافا إلى قضاء حماة وكان إماما عالما حافظا يحفظ في كل مذهب من المذاهب الأربعة كتابا يستحضره في مباحثه وكان سريع الحفظ إلى الغاية ويحكي عنه في ذلك غرائب منها ما حكى بعض الفقهاء قال استعار مني أوراقا نحو عشرة كراريس فلما أخذها مني احتجت إلى مراجعتها في اليوم فرجعت إليه 186 بعد ساعة هينة وقلت أريد أنظر في الكراريس نظرة ثم خذها ثانيا فقال ما بقي لي فيها حاجة قد حفظتها ثم ردها من حفظه وتوفي بالقاهرة قاضيا يوم الخمسي العشرين من المحرم ودفن بتربة باب النصر وخلف مالا جما ورثه ابن أخيه محمود انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الحريري البيري الشافعي أخو جمال الدين الأستادار ولد في حدود الخمسين وسبعمائة وتفقه على أبي البركات الأنصاري وسمع من أبي عبد الله بن جابر وأبي جعفر الغرناطي نزيل البيرة بحلب وولي قضاء البيرة مدة ثم قضاء حلب سنة ست وثمانمائة ثم تحول إلى القاهرة في دولة أخيه وتوجه إلى مكة فجاور بها ثم قدم فعظم قدره وعين للقضاء ثم ولي مشيخة البيبرسية ثم درس بالمدرسة المجاورة للشافعي ثم انتزعتا منه بعد كائنة أخيه ثم أعيدت إليه البيبرسية في سنة ست عشرة ثم صرف عنها بابن حجر في سنة ثماني عشرة ثم قرر في مشيخة سعيد السعداء وكان قد ولي خطابة بيت المقدس وتوفي في سحر يوم الجمعة رابع عشرى ذي الحجة
وفيها شمس الدين محمد بن القاضي شهاب الدين أحمد الدمزي المالكي ولد سنة بضع وستين وسبعمائة وتفقه وأحب الحديث فسمعه وطاف على الشيوخ قال ابن حجر وسمع معنا كثيرا من المشايخ وكان حسن المذاكرة جيد الاستحضار ودرس بالناصرية الحسنية وغيرها وكان قليل الحظ مات في العشرين من جمادى الأولى انتهى
وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن المحب عبد الله السعدي المقدسي الأصل ثم الدمشقي الحنبلي المحدث الإمام ولد في شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة وأحضره والده في السنة الأولى من عمره مجالس الحديث وأسمعه كثيرا على عدة شيوخ منهم عبد الله بن القيم وأحمد 187 ابن الحوفي وعمر بن أميلة وست العز ابنة محمد بن الفخر بن البخاري وحدث قبل فتنة تمر لنك وبعدها وصنف شرحا على البخاري وله نظم ونثر وكان يقرأ الصحيحين في الجامع الأموي وحصل به النفع العام توفي بطيبة في رمضان وقد رأى في نومه من نحو عشرين سنة ما يدل على موته هناك
وفيها شمس الدين محمد الحموي النحوي المعروف بابن العيار قال ابن حجر كان في أول أمره حائكا ثم تعانى الاشتغال فمهر في العربية وأخذ عن ابن جابر وغيره ثم سكن دمشق ورتب له على الجامع تصدير بعناية البارزي وكان حسن المحاضرة ولم يكن محمودا في تعاطي الشهادات مات في ذي القعدة انتهى
سنة تسع وعشرين وثمانمائة
في رمضان كان فتح قبرس وعمل زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن الخراط موقع الدست بالقلعة قصيدة طويلة فائية أولها
( بشراك يا ملك الملوك الأشرف
بفتح قبرس بالحسام المشرفي )
( فتح بشهر الصوم تم قتاله
من أشرف في أشرف في أشرف )
( قالت دما تلك البلاد وقد عفا
إنجيلهم أهلا بأهل المصحف )
وفي آخرها
( لم تخلف الأيام مثلك فاتكا
ملكا ومثلي شاعرا لم تخلف )
( فيك التقى والعدل والإحسان في
كل الرعية والوفا والفضل في )
وبيع السبي والغنايم وحمل الثمن إلى الخزانة السلطانية وفرق في الذين جاهدوا منه بعضه
وفيها نهب المدينة المنورة عاملها عجلان بن ثابت لما بلغه أنه عزل بابن عمه حسن بن جماز وهدم أكثر بيوتها وحرق وسلم منه بيوت الرافضة وأقام 188 قاضيا رافضيا بها يقال له الصيقل ولم يسلم منه من أرباب الخدم إلا القاضي الشافعي لأنه استجار بقريب لعجلان يقال له مانع فأجاره
وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن محمد القطوي الشافعي ولد بقطية سنة تسع وسبعين وسبعمائة وأبوه إذ ذاك الحكم بها ونشأ نشأة حسنة وحفظ الحاوي واشتغل في الفرائض ولازم الشيخ شمس الدين العراقي في ذلك وكان يستحضر الحاوي وكثيرا من شرحه واشتغل في العربية قليلا ثم ولي قضاء قضية بعد أبيه ثم ولي قضاء غزة في أول الدولة المؤيدية ثم استقر في دمياط في غاية الأعزاز والإكرام وكان كثير الاحتمال حسن الأخلاق وصاهر ابن حجر على ابنته رابعة ودخل بها وهي بكر سنة خمس عشرة وولدت منه بنتا ثم مات عنها في شهر رمضان وكثر الأسف عليه
وفيها الشيخ تقي الدين أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن بن حريز بن معلى بن موسى بن حريز بن سعيد بن داود بن قاسم بن علي بن علوي بن ناشي بن جوهر بن علي بن أبي القسم بن سالم بن عبد الله بن عمر بن موسى بن يحيى بن علي الأصغر بن محمد المتقي بن حسن بن علي بن محمد الجواد بن علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الحصني نسبة إلى الحصن قرية من قرى حوران ثم الدمشقي الفقيه الشافعي ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة وتفقه بالشريشي والزهري وابن الجابي والصرخدي والغزي وابن غنوم وأخذ عن الصدر الياسوفي ثم انحرف عن طريقته وحط على ابن تيمية وبالغ في ذلك وتلقى ذلك عنه الطلبة بدمشق وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة وكان يميل إلى التقشف ويبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وللناس فيه اعتقاد زائد ولخص المهمات في مجلد وكتب على التنبيه قال القاضي تقي الدين الأسدي كان خفيف الروح منبسطا له نوادر ويخرج إلى النزه 189 ويبعث الطلبة على ذلك مع الدين المتين والتحري في أقواله وأفعاله متزوج عدة نساء ثم انقطع وتقشف وانجمع كل ذلك قبل القرن ثم ازداد بعد الفتنة تقشفه وانجماعه وكثرت مع ذلك أتباعه حتى امتنع من مكالمة الناس ويطلق لسانه في القضاة وأصحاب الولايات وله في الزهد والتقلل من الدنيا حكايات تضاهى ما نقل عن الأقدمين وكان يتعصب للأشاعرة وأصيب في سمعه وبصره فضعف وشرع في عمارة رباط داخل باب الصغير فساعده الناس بأموالهم ونفسهم ثم شرع في عمارة خان السبيل ففرغ في مدة قريبة وكان قد جمع تآليف كثيرة قبل الفتنة وكتب بخطه كثيرا في الفقه والزهد وقال السخاوي شرح التنبيه والمنهاج وشرح مسلم في ثلاث مجلدات ولخص المهمات في مجلدين وخرج أحاديث الأحياء مجلد وشرح النواوية مجلد وأهوال القيامة مجلد وجمع سير نساء السلف العبادات مجلد وقواعد الفقه مجلد وتفسير القرآن إلى الأنعام آيات متفرقة مجلد وتأديب القوم مجلد وسير السالك مجلد وتنبيه السالك على مظان المهالك ست مجلدات وشرح الغاية مجلد وشرح النهاية مجلد وقمع النفوس مجلد ودفع الشبه مجلد وشرح أسماء الله الحسنى مجلد والمولد مجلد وتوفي بخلوته بجامع المزاز بالشاغور بعد مغرب ليلة الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة وصلى عليه بالمصلى صلى عليه ابن أخيه ثم صلى عليه ثانيا عند جامع كريم الدين ودفن بالقبيبات في أطراف العمارة على جادة الطريق عند والدته وحضر جنازته علام لا يحصيهم إلا الله مع بعد المسافة وعدم علم أكثر الناس بوفاته وازدحموا على حمله للتبرك به وختم عند قبره ختمات كثيرة وصلى عليه أمم ممن فاتته الصلاة على قبره ورؤيت له منامات صالحة في حياته وبعد موته انتهى
وفيها شمس الدين شمس بن عطاء الهروي الرازي الأصل القاضي 190 الشافعي كان يكتب أيام قضائه محمد بن عطا قال ابن حجر كان شيخا ضخما طوالا أبيض اللحية مليح الشكل إلا أن في لسانه مسكة وقال الحافظ تاج الدين محمد بن الغرابيلي ما نصه كما نقله عنه البرهان البقاعي محمد بن عطا شمس الدين أبو عبد الله الهروي شيخنا الإمام العالم أحد عجائب الوقت في كل أموره حتى في كذبه وزوره ولم ير مثل نفسه ولا والله ما رأى من أهل عصره أحد مثله في كل شيء من العلوم الظلم والمخرقة ولولا أني كنت أشاهد جوارحه في كل وقت لقلت أنه شيطان خرج إلى الناس في زي إنسان أفردت ترجمة تشتمل على عجائبه في نحو كراسة مات رحمه الله وأرضى عنه خصومه يوم الإثنين بعد الفجر تاسع عشر ذي الحجة من جمرة طلعت بين كتفيه وصلى عليه بعد الظهر بالمسجد الأقصى وحمل إلى تربة ماملا فدفن إلى جوار شيخنا العلامة أحد الزهاد عمر البلخي رحمه الله تعالى انتهى بحروفه
وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن عبد الله بن محمد بن الحسين بن علي بن إسحق بن سلام بن عبد الوهاب بن الحسن بن سلام الدمشقي الشافعي ولد سنة خمس أو ست وخمسين وسبعمائة وحفظ القرآن والتنبيه والألفية ومختصر ابن الحاجب وتفقه على علاء الدين بن حجي وابن قاضي شهبة وغيرهما وأخذ الأصول عن الضيا القرمي وارتحل إلى القاهرة فقرأ المختصر على الركراكي وكان يطريه حتى كان يقول يعرفه أكثر من مصنفه فاشتهر وتميز ومهر وأصيب في الفتنة الكبرى بماله وفي يده بالحرق وأسروه فسار معهم إلى ماردين ثم انفلت منهم وقرره ابن حجي في الظاهرية البرانية ونزل له التاج الزهري عن العذراوية ودرس بالركنية وكان يقرىء في الفقه والمختصر أقراء حسنا وله يد في الأدب والنظم والنثر وكان بحثه أقوى من تقريره وكان مقتصدا في ملبسه وغيره شريف النفس حسن 191 المحاضرة ينسب إلى نصرة مقالة ابن العربي وكان يطلق لسانه في جماعة من الكبار واتفق أنه حج في هذه السنة فلما رد من الحج والزيارة مات في وادي بني سالم في أواخر ذي الحجة وحمل إلى المدينة فدفن بالبقيع وقد شاخ
وفيها سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن فارس المصري الحنفي المعروف بقاري الهداية قال في المنهل شيخ الإسلام وعلم زمانه ولد بالحسينية ظاهر القاهرة ونشأ بالقاهرة وحفظ القرآن العظيم وطلب العلم وتفقه بجماعة من علماء عصره وجد ودأب حتى برع في الفقه وأصوله والنحو والتفسير وشارك في عدة علوم وصار إمام عصره ووحيد دهره وتصدى للأقراء والتدريس والفتوى عدة سنين وانتهت إليه رياسة السادة الحنفية في زمانه وانتفع به غالب الطلبة وصار المعول عليه في الفتوى بالديار المصرية وشاع ذكره وبعد صيته وتولى عدة مدارس ووظائف دينية وكان مهابا وقورا أوقاته مقسمة للطلبة وعلى دروسه خفر ومهابة هذا مع اطراح الكلفة والاقتصاد في ملبسه والتعاطي لشراء ما يحتاج من الأسواق بنفسه وكان يسكن بين القصرين ويذهب لتدريس الشيخونية على حمار ولم يركب الخيل انتهى ملخصا
وفيها كمال الدين أبو الفضل محمد بن أحمد بن ظهيرة المخزومي المكي الشافعي ابن عم الشيخ جمال الدين محمد ولد في ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبعمائة وسمع من عز الدين بن جماعة والشيخ خليل المالكي والموفق الحنبلي وابن عبد المعطي وناب في الخطابة وحدث وأضر بآخره وتوفي في صفر
وفيها القاضي جمال الدين يوسف بن خالد بن أيوب الحفناوي بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء ونون نسبة إلى حفنا قرية بمصر الشافعي نشأ بحلب وقرأ الفقه على ابن أبي الرضى وقرأ عليه القراآت ثم سافر إلى ماريدين فأخذ 192 عن زين الدين سريجا وولي قضاء ملطية مدة ثم دخل القاهرة وتولى قضاء حلب ثم قضاء طرابلس ثم كتابة السر بصفد وكان حسن الشكل فائق الخط قوي النظم وتوفي بطرابلس في ثالث عشر المحرم
سنة ثلاثين وثمانمائة
في عاشر جمادى الآخرة منها قبض على تغرى بردى المحمودي وهو يومئذ رأس نوبة وهو يلعب مع السلطان بالأكرة في الحوض وذكر أن ذنبه أنه اختلس من أموال قبرس وشيع في الحال إلى الأسكندرية مقيدا
ومن عجائب ما اتفق له في تلك الحال أن شاهد ديوانه شمس الدين محمد بن الشامية لحقه قبل أن يصل إلى البحر فقال له وهو يبكي يا خوند هل لك عندي مال وقصد أن يقول لا فينفعه ذلك بعده عند السلطان وغيره فكان جوابه له أنا لا مال لي بل للسلطان فلما سمعها ابن الشامية دق صدره واشتد حزنه وسقط ميتا من غير ضعف ولا علة قاله ابن حجر
وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن يوسف الزعيفريني الدمشقي ثم القاهري قال ابن حجر كان أديبا بارعا
وفيها شهاب الدين أحمد بن موسى بن نصير المتبولي الشافعي القاضي أحد نواب الحكم قال افي المنهل ولد في حدود سنة خمس وأربعين وسبعمائة وكان فقيها محدثا سمع الكثير وحدث عن محمد بن أزبك وعمر بن أميلة وست العرب وآخرين وتوفي يوم الأربعاء ثاني ربيع الأول انتهى
وفيها أويس بن شاه در بن شاه زاده بن أويس صاحب بغداد قتل في الحرب بينه وبين محمد شاه بن قرا يوسف واستولى محمد شاه على بغداد مرة أخرى
وفيها الملك المنصور عبد الله بن الناصر أحمد بن الأشرف صاحب اليمن 193 توفي في جمادى الأولى واستقر بعده الأشرف إسمعيل بن الناصر أحمد
وفيها نجم الدين أبو الفتوح عمر بن حجي بن موسى بن أحمد بن سعد السعدي الحسباني الأصل الدمشقي الشافعي ولد بدمشق سنة سبع وستين وسبعمائة وقرأ القرآن ومات والده وهو صغير فحفظ التنبيه في ثمانية أشهر وحفظ كثيرا من المختصرات وأسمعه أخوه الشيخ شهاب الدين من ابن أميلة وجماعة واستجاز له من جماعة وسمع هو بنفسه من جماعة كثيرة وأخذ العلم عن أخيه وابن الشريشي والزهري وغيرهم ودخل مصر سنة تسع وثمانين فأخذ عن ابن الملقان والبدر الزركشي والعز بن جماعة وغيرهم وأذن له ابن الملقن ولازم الشرف الأنطاكي قال ابن حجر تعلم العربية وكان قليل لاستحضار إلا أنه حسن الذهن جيد التصرف وحج سنة ست وثمانين ثم ولي إفتاء دار العدل سنة اثنتين وتسعين وجرت له كائنة مع الباعوني هو والغزي وغيرهما فضربهم وطوفهم وسجنوا بالقلعة وذلك في رمضان سنة خمس وتسعين ثم حج سنة تسع وتسعين وجاور وولي قضاء حماة مرتين ثم قضاء الشام مرارا وقال في المنهل ثم طلب لقضاء الديار المصرية فامتنع ولما كانت دولة الأشرف برسباي طلبه إلى الديار المصرية وخلع عليه باستقراره في كتابة السر في حادي عشر جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين وثمانمائة وباشر ذلك بتجمل وحزمة وافرة وعدم التفات إلى رفقته من مباشري الدولة فعمل عليه بعضهم حتى عزل وأخرج من القاهرة وعلى وجه شنع في جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين إلى دمشق ثم جهز غليه تقليد بقضاء دمشق فباشر وكان حاكما صارما مقداما رئيسا فاضلا ذا حرمة وإحسان لأهل العلم والخير واستمر قاضيا إلى أن قتل ببستانه في النيرب خارج دمشق ولم تدر زوجته إلا وهو يضطرب في دمه وذلك في ليلة الاحد مستهل ذي القعدة ولم يعرف قاتله 194
وفيها فتح الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمود بن غازي بن أيوب بن محمود بن ختلو الحلبي بن الشحنة أخو العلامة محب الدين الحنفي كان أصغر سنا من أخيه واشتغل كثيرا في الفقه وناب عن أخيه في الحكم ثم تحول بعد الفتنة العظمى مالكيا وولي القضاء ثم عزل وحصل له نكد لاختلاف الدول ثم عاد إلى القضاء مرارا قال القاضي علاء الدين الحلبي رافقته في القضاء وكان صديقي وصاحبي وعنده مروءة وحشمة وأنشد له من نظمه
( لا تلوموا الغمام إن صب دمعا
وتوالت لأجله الأنواء )
( فالليالي أكثرن فينا الرزايا
فبكت رحمة علينا السماء )
وفيها تاج الدين أبو عبد الله محمد بن المحدث عماد الدين إسمعيل بن محمد بن نصر بن بردس بن رسلان البعلبكي الحنبلي ولد يومالسبت تاسع عشرى جمادى الآخرة سنة خمس وأربعين وسبعمائة ببعلبك وسمع من والده وأسمعه أيضا من عدة منهم أبو عبد الله بن الخباز سمع منه صحيح مسلم وجزء ابن عرفة وهو آخر من حدث عنه وسمع من أبي عبد الله محمد بن يحيى بن السعر جميع مسند الإمام أحمد وتفرد برواية المسند عنه ومن ابن الجوخي وابن أميلة وجماعة من أصحاب ابن البخاري وحدث ورحل الناس إليه وانتفع به جماعة منهم الشيخ تقي الدين بن قندس وكان ملازما للاشغال في العلم ورواية الحديث ولا يخل بتلاوة القرآن مع قراءته لمحفوظاته وكان طلق الوجه حسن الملتقى كثير البشاشة ذا فكاهة ولين مع عبادة وصلاح وصلابة في الدين مبالغا في حب الشيخ تقي الدين بن تيمية وكان كثير الصدقة سرا ملازما لقيام الليل وله نظم ونثر ومن نظمه ما كتب على استدعاء إجازته لجماعة
( أجزت للأخوان ما قد سألوا
مولهم رب العلي في الأثر ) 195
( وذاك بالشرط الذي قرره
أئمة النقل رواة الأثر )
وتوفي ببعلبك في شوال
وفيها بدر الدين محمد بن إبراهيم بن محمد الدمشقي الأصل البشتكي كان أبوه فاضلا فنزل بخانقاه بشتاك الناصري فولد له بدر الدين هذابها وكان جميل الصورة فنشأ محبا في العلم وحفظ القرآن وعدة مختصرات وتعانى الأدب فمهر فيه ولازم ابن أبي حجرة وابن الصايغ ثم قدم ابن نباتة فلازمه ثم رافق جلال الدين بن خطيب داريا وأخذ عن البهاء السبكي وغيره قال ابن حجر وبالجملة كان عديم النظير في الذكاء وسرعة الإدراك إلا أنه تبلد ذهنه بكثرة النسخ سمعت منه كثيرا من شعره وفوائده ومن نظمه
( وكنت إذا الحوادث دنستي
فزعت إلى المدامة والنديم )
( لأغسل بالكؤوس الهم عني
لأن الراح صابون الهموم )
وكانت وفاته فجأة دخل الحمام فمات في الحوض يوم الإثنين ثالث عشرى جمادى الآخرة
وفيها شمس الدين محمد بن خالد بن موسى الحمصي القاضي الحنبلي المعروف بابن زهرة بفتح الزاي أول حنبلي ولي قضاء حمص كان أبوه خالد شافعيا فيقال أن شخصا رأى النبي وقال له أن خالدا ولد له ولد حنبلي فاتفق أنه كان ولد له هذا فشغله لما كبر بمذهب الحنابلة وقرأ على ابن قاضي الجبل وزين الدين بن رجب وغيرهما وولي قضاء حمص
وفيها تقي الدين محمد بن عبد الواحد بن العماد محمد بن القاضي علم الدين أحمد بن أبي بكر الأخنائي المالكي نائب الحكم قال ابن حجر كان من خيار القضاة مات في سادس ذي الحجة بمكة وكان قد جاور بها في هذه السنة انتهى 196
وفيها محي الدين أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الإمام أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الشافعي الطوسي قدم من بلاده إلى حلب في شهر رمضان من هذه السنة بعد أن كان دخل الشام قديما وسمع من مسند الوقت ابن أميلة وحدث عنه في هذه القدمة قال في ذيل تاريخ حلب رأيت أتباعه يذكرون عنه علما كثيرا وزهدا وورعا وأخبر عنه بعض الطلبة أنه حج مرارا منها واحدة ماشيا على قدم التجريد وكان معظما في بلاده وأخذ عنه إبراهيم بن علي الزمزمي المكي وتوفي بحلب في العشر الأخير من شهر رمضان وكانت جنازته مشهودة انتهى والله أعلم
سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة
فيها ولد السخاوي تلميذ ابن حجر
وفيها توفي شمس الدين محمد بن أحمد بن موسى بن عبد الله الكفيري الشافعي العجلوني الأصل ثم الدمشقي ولد في العشر الأول من شوال سنة سبع وخمسين وسبعمائة وحفظ التنبيه وأخذ عن ابن قاضي شهبة وغيره ولازم الشيخ شمس الدين الغزي مدة طويلة واشتهر بحفظ الفروع وكتب بخطه الكثير وناب في الحكم وولي بعض التداريس وحج مرارا وجاور وولي مرة قضاء الركب وجمع شرحا على البخاري في ست مجلدات وكان قد لخص شرح ابن الملقن وشرح الكرماني ثم جمع بينهما وسمع علي بن أميلة وابن قوالح وابن المحب وابن عوض وخلائق وصنف عين النبيه في شرح التنبيه واختصر الروض الأنف للسهيلي وسماه زهر الروض وتوفي في ثالث عشر المحرم
وفيها تاج الدين أبو حامد محمد بن بهادر بن عبد الله قال البرهان البقاعي 197 الإمام العلامة القدوة سبط ابن الشهيد كان يعرف علوما كثيرة ويحل أي كتاب قرىء عليه سواء كان عنده له شرح أم لا وكان فصيح العبارة حسن التقرير صحيح الذهن دينا شديد الانجماع عن الناس مع خفة الروح ولطافة المزاج والصبر على الطلبة وعدم الميل إلى الدنيا وكثرة التلاوة لكتاب الله تعالى وإيثار العزلة والانقطاع في الجامع مع التجمل في اللباس والهيئة وتوفي صبح يوم الثلاثاء تاسع شهر رمضان بدمشق عن ثلاث وثلاثين سنة ولم أر جنازة أحفل من جنازته ووالله لم يحصل لي بأحد من النفع ما حصل لي به انتهى ملخصا
وفيها شمس الدين محمد بن عبد الدايم بن عيسى بن فارس البرماوي الشافعي ولد في نصف ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبعمائة وكان اسم والده فارسا فغيره البرماوي وتفقه وهو شاب وسمع من إبراهيم بن إسحق الآمدي وعبد الرحمن بن القاري وغيرهما قال الحافظ تاج الدين بن الغرابيلي الكركي ما نصه هو أحد الأئمة الأجلاء والبحر الذي لا تكدره الدلاء فريد دهره ووحيد عصره ما رأيت أقعد منه بفنون العلوم مع ما كان عليه من التواضع والخير وصنف التصانيف المفيدة منها شرح البخاري شرح حسن ولخص المهمات والتوشيح ونظم الفية في أصول الفقه لم يسبق إلى مثل وضعها وشرحها شرحا حافلا نحو مجلدين وكان يقول أكثر هذا الكتاب هو جملة ما حصلت في طول عمري وشرح لأمية ابن مالك شرحا في غاية الجودة واختصر السيرة وكتب الكثير وحشى الحواشي المفيدة وعلق التعاليق النفيسة والفتاوى العجيبة وكان من عجائب دهره جاور بمكة سنة ثم قدم إلى القاهرة فوافى موت شيخنا شمس بن عطا الهروي فولي الصلاحية وقدم القدس فأقام بها قريب سنة غالبها ضعيف بالقرحة وتوفي بها يوم الخميس ثامن عشرى أحد الجمادين ودفن بتربة ماملا بجوار 198 الشيخ أبي عبد الله القرشي انتهى وكان بينه وبين ابن حجر نوع وقفة والله أعلم
سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة
فيها توفي أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب المرشدي المكر أخو محمد وعبد الواحد قال ابن حجر ولد سنة ستين وسبعمائة وسمع من محمد بن أحمد بن عبد المعطي صحيح ابن حبان ومن عبد الله بن أسعد اليافعي صحيح البخاري ومن عز الدين بن جماعة وغيرهم وأجاز له الصلاح ابن أبي عمر وابن أميلة وابن هبل وابن قواليح وغيرهم وحدث وتوفي بمكة يوم الخميس رابع ذي القعدة
وفيها شهاب الدين أبو العباس محمد بن عمر بن أحمد وقيل عبد الله المعروف بالشاب التائب الشافعي قال في المنهل الصافي الفقيه الشافعي الواعظ المذكر بالله تعالى مولده بالقاهرة في حدود الستين وسبعمائة وبها نشأ وطلب العلم وتفقه ومال إلى التصوف وطاف البلاد وحج مرارا ودخل اليمن مرتين والعراق والشام وكثيرا من البلاد الشرقية وكان ماهرا في الوعظ وللناس فيه اعتقاد زائد وبنى زوايا بعدة بلاد كمصر والشام وغيرهما واستوطن دمشق فمات بها يوم الجمعة ثامن عشر رجب انتهى ملخصا
وفيها نور الدين علي بن عبد الله قال في المنهل الشيخ الأديب المعتقد النحريري المولد والمنشأ والدار والوفاة الشهير بابن عامرية كان أديبا شاعرا فاضلا وأكثر شعره في المدائح النبوية توفي بالنحريرية في يوم الخميس سادس عشر ربيع الآخر
وفيها شمس الدين محمد بن إبراهيم بن عبد الله الشطنوفي بفتح الشين المعجمة وتشديد الطاء المهملة نسبة إلى شطنوف بلد بمصر النحوي قال السيوطي ولد بعد الخمسين وسبعمائة وقدم القاهرة شابا واشتغل بالفقه ومهر 199 في العربية وتصدر بالجامع الطولوني في القراآت وفي الحديث بالشيخونية وانتفع به الطلبة وسمع الحديث وحدث ولم يرزق الإسناد العالي وكان كثير التواضع مشكور السيرة أخذ عنه النحو جماعة منهم شيخنا تقي الدين الشمني وحدثنا عنه خلق منهم شيخنا علم الدين البلقيني وتوفي ليلة الإثنين سادس عشر ربيع الأول
وفيها الحافظ تقي الدين أبو الطيب محمد بن أحمد بن علي الفاسي ثم المكي المالكي مفيد البلاد الحجازية وعالمها ولد سنة خمس وسبعين وسبعمائة وأجاز له بإفادة الشيخ نجم الدين المرجاني بن عوض وابن السلار وابن المحب وجماعة من الدماشقة وعنى بالحديث فسمع بعد التسعين من جماعة ببلده ورحل إلى القاهرة والشام مرارا وولي قضاء بلده للمالكية وهو أول مالكي ولي القضاء بها استقلالا وصنف أخبار مكة وأخبار ولاتها وأخبار من نبل بها من أهلها وغيرهم عدة مصنفات طوال وقصار وذيل على العبر للذهبي وعلى التقييد لابن نقطة وعمل الأربعين المتباينة وفهرست مروياته وكان لطيف الذات حسن الأخلاق عارفا بالأمور الدينية والدنيوية له تمور ودهاء وتجرية وحسن عشرة وحلاوة لسان يخلب القلوب بحسن عبارته ولطيف إشارته قال ابن حجر رافقني في السماع كثيرا بمصر والشام واليمن وغيرها وكنت أوده وأعظمه وأقوم معه في مهماته ولقد ساءني موته وأسفت على فقد مثله فلله الأمر وكان قد أصيب ببصره وله في ذلك أخبار ومكن من قدحه فما أطاق ذلك ولا أفاده انتهى ومن مصنفاته العقد الثمين في أخبار البلد الأمين وغاية المرام في أخبار البلد الحرام وتوفي بمكة في رابع شوال
وفيها ناصر الدين محمد بن عبد الوهاب بن محمد البارنباري بالباء الموحدة وبعد الألف راء ثم نون ثم موحدة نسبة إلى بارنبار قرية قرب دمياط الشافعي النحوي قال السيوطي ولد قبيل سبعين وسبعمائة وقدم القاهرة 200 فاشتهر ومهر في الفقه والعربية والحساب والعروض وغير ذلك وتصدر بالجامع الأزهر تبرعا ودرس وأفتى مدة وأقرأ وخطب وناب في الجمالية عن حفيد الشيخ ولي الدين العراقي ثم انتزعها منه الشيخ شمس الدين البرماوي وأصابه فالج أبطل نصفه واستمر موعكا إلى أن مات ليلة الأحد حادي عشر ربيع الأول
وفيها محمد ويدعى الخضر بن علي بن أحمد بن عبد العزيز بن القسم النويري الشافعي ولد في ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبعمائة وتفقه قليلا وأسمع على العز بن جماعة وابن حبيب وابن عبد المعطي والأميوطي ومن بعدهم وأجاز له البهاء بن خليل والجمال الأسنوي وأبو البقاء السبكي وغيرهم وناب في الحكم عن قريبه عز الدين بن محب الدين وولي قضاء المدينة مدة يسيرة ولم يصل إليها بل استناب ابن المطري وصرف وكان ضخما جدا وانصلح بآخره وهو والد أبي اليمن خطيب الحرم وتوفي في رابع عشر ذي الحجة
سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة
فيها كما قال البرهان البقاعي أخبرني الفاضل البارع بدر الدين حسين البيري الشافعي أنه سكن آمد مدة وأنها أمطرت بها ضفادع وذلك في فصل الصيف وأخبرني أن ذلك غير منكر في تلك الناحية بل هو أمر معتاد وأن الضفادع تستمر إلى زمن الشتاء فتموت وأخبرني أن أهل المدينة وهي آمد أخبروه أنها أمطرت عليهم مرة حيات ومرة أخرى دما انتهى
وفيها كان الغلاء الشديد بحلب ودمشق والطاعون المفرط بدمشق وحمص ومصر حتى قال ابن حجر ركب أربعون فسا مركبا يقصدون الصعيد فما وصلت إلى الميمون حتى مات الجميع وأن ثمانية عشر صيادا اجتمعوا في مكان فمات منهم في يوم واحد أربعة عشر فجهزهم الأربعة فمات منهم وهم 201 مشاة ثلاثة فلما وصل بهم الآخر إلى المقبرة مات انتهى
وفيها مات صاحب الحبشة إسحق بن داود بن سيف أرغد الحبشي الأمحري توفي في ذي القعدة وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة
وأقيم بعده ولده اندراس فملك أربعة أشهر وهلك فأقيم عمه خرنباي ابن داود فهلك في سبعة أشهر فأقيم سلمون بن إسحق بن داود المذكور فهلك سريعا فأقيم بعده صبي صغير إلى أن هلك في طاعون سنة تسع وثلاثين
وفيها صارم الدين إبراهيم بن ناصر الدين بن الحسام الصقري نشأ طالبا للعلم فتأدب وتعلم الحساب والكتابة والأدب والخط البارع وولي حسبة القاهرة في أواخر أيام المؤيد وتوفي مطعونا في ثامن عشر جمادى الآخرة
وفيها زين الدين أبو بكر بن عمر بن عرفات القمني الشافعي الشيخ الإمام العالم ولد بناحية قمن من ريف مصر وقدم القاهرة وتفقه بها على جماعة من علماء عصره وبرع في المذهب وصحب أعيان الأمراء فأثرى بعد فقر وتولى تدريس الصلاحية بالقدس الشريف ودرس بعدة مدارس وكتب على الفتاوى وأشغل وتوفي ليلة الجمعة ثالث عشر رجب عن نحو ثمانين سنة
وفيها شهاب الدين أحمد بن علي بن إبراهيم بن عدنان الشريف الحسيني الدمشقي الأصل والمولد والمنشأ المصري الوفاة الشافعي ولد في سنة أربع وسبعين وسبعمائة ومع والده نقابة الأشراف قال ابن حجر وكان فيه جراءة وإقدام ثم ترقى بعد موت أبيه فولي نقابة الأشراف بدمشق ثم كتابة السر في سلطنة المؤيد ثم ولي القضاء بدمشق في سلطنة الأشرف انتهى وقال في المنهل تفقه على مذهب الشافعي وولي بدمشق عدة وظائف سنية وتكرر قدومه إلى القاهرة إلى أن طلبه الأشرف برسباي إلى الديار المصرية وولاه كتابة سرها فباشرها مباشرة حسنة وسار فيها أجمل سيرة على أنه لم تطل أيامه فإن قدومه إلى القاهرة كان في ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين وتوفي 202 ليلة الخميس ثامن عشرى جمادى الآخرة بالطاعون
وتولى كتابة السر بعده أخوه أبو بكر الملقب عماد الدين ولم تطل أيامه فمات ليلة الجمعة ثالث عشر رجب من هذه السنة بعد أخيه بسة عشر يوما قدم مصر لزيارة أخيه فطعن ومات
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي بن محمد بن عبد الله بن علي بن حاتم الشيخ الإمام الرحلة قاضي القاضة ابن الحبال البعلي الحنبلي ولد سنة تسع وأربعين وسبعمائة وتفقه وسمع الحديث وولي قضاء طرابلس ثم قضاء دمشق سنة أربع وعشرين وثمانمائة إلى أن صرف سنة اثنتين وثلاثين في شعبان بسبب ما اعتراه من ضعف البصر والارتعاش وكان مع ذلك كثير العبادة ملازما على الجمعة والجماعة منصفا لأهل العلم قال الشاب التائب كان أهل طرابلس يعتقدون فيه الكمال بحيث أنه لو جاز أن يبعث الله نبيا في هذا الزمان لكان هو توفي بطرابلس بعد قدومه إليها في يوم واحد وذلك في ربيع الأول
وفيها صدر الدين أحمد بن محمود بن محمد بن عبد الله القيسري المعروف بابن العجمي الحنفي ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة بالقاهرة ونشأ بها واعتنى به أبوه في صغره وصلى بالناس التراويح بالقرآن أول ما فتحت الظاهرية سنة ثمان وثمانين وهو ابن إحدى عشرة سنة لم يكملها وبرع في الفقه والأصول والعربية وباشر التوقيع في ديوان الإنشاء ثم ولي الحسبة مرارا ونظر الجوالي وغير ذلك إلى أن تمت له عشر وظائف نفيسة وأفتى ودرس وكان كريما حسن المحاضرة متواضعا فصيحا بحاثا طلق اللسان مستحضرا ذكيا توفي بالطاعون يوم السبت رابع عشر رجب
وفيها تاج الدين إسحق بن إبراهيم بن أحمد بن محمد التدمري الشافعي خطيب الخليل قال ابن حجر ذكر أنه عن قاضي حلب شمس الدين محمد بن 203 أحمد بن المهاجر وعن شيوخنا العراقي وابن الملقن وغيرهما وأجاز له ابن الملقن في الفقه ومات ليلة عيد رمضان انتهى
وفيها أمير المؤمنين المستعين أبو الفضل العباس بن المتوكل بن المعتضد استقر في الخلافة بعهد من أبيه في رجب سنة ثمان وثمانمائة وقرر أيضا سلطانا مع الخلافة مدة إلى أن تسلطن المؤيد فعزله من الخلافة وقرر فيها أخاه داود ولقب المعتضد واعتقل المستعين بالأسكندرية فلم يزل بها إلى أن تكلم ططر في المملكة فأرسل في إطلاقه وأذن له في المجيء إلى القاهرة فاختار الاستمرار بالأسكندرية لأنه استطابها وحصل له مال كثير من التجارة إلى أن توفي بها شهيدا بالطاعون وخلف ولده يحيى
وفيها جمال الدين عبد الله بن محب الدين خليل بن فرح بن سعيد القدسي الأصل الدمشقي البرماوي المعروف بالقلعي قال البرهان البقاعي هو شيخنا الرباني الصوفي العارفي كان إماما عارفا مسلكا مربيا قدوة ذا قدم راسخ في علم الباطن مشاركا في الفقه والنحو مشاركة جيدة استاذا في علم الكلام ذا حافظة قوية مفتوحا عليه في الكلام في الوعظ يحفظ حديثا كثيرا ويعزوه إلى مخرجيه وله مصنفات منها منار سبل الهدى وعقيدة أهل التقى بحثت عليه بعضه وأقمت عنده مدة بزاويته بالعقيبة الصغرى ومات بدمشق يوم الجمعة عاشر شهر ربيع الأول انتهى
وفيها نسيم الدين عبد الغني بن جلال الدين عبد الواحد بن إبراهيم المرشدي المكي اشتغل كثيرا ومهر وهو صغير وأحب الحديث فسمع الكثير وحفظ وذاكر ودخل اليمن فسمع من الشيخ مجد الدين الفيروزبادي وكتب عن ابن حجر الكثير وتوفي مطعونا بالقاهرة
وفيها علي بن عنان بن معافس بن رميثة بن أبي نمى الحسيني المكي الشريف ولي إمرة مكة مدة ودخل المغر ببعد عزله عنها فأكرمه أبو 204 فارس متولي تونس ثم عاد إلى القاهرة فتوفي بها مطعونا في ثالث جمادى الآخرة وكان عنده فضيلة ومعرفة ويحاضر بالأدب وغيره
وفيها فاطمة بنت خليل بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح الشيخة المسندة المعمرة الحنبلية الأصيلة بنت الشيخ صلاح الدين وهي بنت أخي قاضي القضاة ناصر الدين نصر الله بن أحمد الحنبلي شاركت الشيخ زين الدين القبابي في أكثر مروياته وهي التي ذكرها شيخ الإسلام ابن حجر في المشيخة المخرجة للقبابي التي سماها بالمشيخة الباسمة للقبابي وفاطمة توفيت في آخر يوم الجمعة الأول من جمادى الأولى بالقاهرة وصلى عليها باب النصر ودفنت هناك
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن سليمان الأذرعي الحنفي أخذ عن ابن الرضى والبدر المقدسي وتفقه حنفيا ثم بعد اللنك انتقل إلى مذهب الشافعي وولي قضاء بعلبك وغيرها ثم عاد حنفيا وناب في الحكم ودرس وأفتى وكان يقرىء البخاري جيدا ويكتب على الفتوى كتابة حسنة بخط مليح وتوجه إلى مصر في آخر عمره فعند وصوله طعن فمات غريبا شهيدا في جمادى الآخرة
وفيها السلطان الصالح محمد ططر خلع في خامس عشر ربيع الأول سنة خمس وعشرين وأقام عند السلطان الملك الأشرف مكرما إلى أن طعن ومات في سابع عشرى جمادى الآخرة
وفيها الحافظ شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف المعروف بابن الجزري الشافعي مقرىء الممالك الإسلامية ولد بدمشق ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وتفقه بها ولهج بطلب الحديث والقراآت وبرزقيهما وعمر للقراء مدرسة سماها دار القرآن واقرأ الناس وعين لقضاء الشام 205 مرة ولم يتم ذلك لعارض وقدم القاهرة مرارا وكان شكلا حسنا مثريا فصيحا بليغا وكان باشر عند قطلبك استادار ايتمش فاتفق أنه نقم عليه شيئا فتهدده ففر منه فنزل البحر إلى بلاد الروم في سنة ثمان وتسعين فاتصل بأبي يزيد بن عثمان فعظمه وأخذ أهل البلاد عنه علم القراآت وأكثروا عنه ثم كان فيمن حضر الوقعة مع ابن عثمان واللنكية فلما أسر ابن عثمان اتصل ابن الجزري باللنك فعظمه وفوض له قضاء شيراز فباشره مدة طويلة وكان كثير الإحسان لأهل الحجاز وأخذ عنه أهل تلك البلاد القراآت والحديث ثم اتفق أنه حج سنة اثنتين وعشرين فنهب ففاته الحج وأقام بينبع ثم بالمدينة المنورة ثم بمكة إلى أن حج ورجع إلى العراق ثم عاد سنة ست وعشرين وحج ودخل القاهرة سنة سبع فعظمه الملك الأشرف وأكرمه وحج في آخرها وأقام قليلا ودخل اليمن تاجرا فأسمع الحديث عند صاحبها ووصله ورجع ببضاعة كثيرة فدخل القاهرة في سنة سبع وأقام بها مدة إلى أن سافر على طريق الشام ثم على طريق البصرة إلى أن وصل شيراز قال ابن حجر وقد انتهت إليه رياسة علم القراآت في الممالك وكان قديما صنف الحصن الحصين في الأدعية ولهج به أهل اليمن واستكثروا منه وسمعوه على قبل أن يدخل هو إليهم فأسمعهم وحدث بالقاهرة بمسند أحمد ومسند الشافعي وغير ذلك وسمع بدمشق وبمصر من ابن أميلة وابن الشيرجي ومحمود بن خليفة وعماد الدين بن كثير وابن أبي عمر وخلائق وبالأسكندرية من عبد الله بن الدماميني وببعلبك من أحمد بن عبد الكريم وطلب بنفسه وكتب الطباق وعنى بالنظم وكانت عنايته بالقراآت أكثر وذيل طبقات القراء للذهبي وأجاد فيه ونظم قصيدة في قراآت الثلاثة وجمع النشر في القراآت العشر وقد سمعت بعض العلماء يتهمه بالمجازفة في القول وأما الحديث فما أظن ذلك به إلا أنه كان إذا رأى للعصريين شيئا أغار عليه ونسبه لنفسه وهذا أمر 206 قد أكثر المتأخرون منه ولم ينفرد به وكان يلقب في بلاده الإمام الأعظم ولم يكن محمود السيرة في القضاء وأوقفني بعض الطلبة من أهل تلك البلاد على جزء فيه أربعون حديثا عشاريات فتأملتها فوجدته خرجها بأسانيده من جزء الأنصاري وغيره وأخذ كلام شيخنا العراقي في أربعينه العشاريات انتهى باختصار وبالجملة فإنه كان عديم النظير طائر الصيت انتفع الناس بكتبه وسارت في الآفاق مسير الشمس وتوفي بشيراز في ربيع الأول ودفن بمدرسته التي بناها بها رحمه الله تعالى
وفيها جلال الدين نصر الله بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسمعيل المعروف بالشيخ نصر الله العجمي الحنفي الأنصاري البخاري الروياني الكحوري ولد بكحول إحدى قرى رويان من بلاد العجم سنة ست وستين وسبعمائة تقريبا ونسبته إلى أنس بن مالك وتجرد وبرع في علم الحكمة والتصوف وشارك في الفنون وكتب الخط الفائق ودخل القاهرة على قدم التجريد وصحب الأمراء والأكابر وحصل له قبول زائد ونالته السعادة وجمع الكتب النفيسة وكان يتكلم في علم التصوف على طريقة ابن عربي وفاق في علم الحرف وما أشبهه قال ابن تغرى بردى وكانت له تصانيف كثيرة في عدة فنون وصنع مرة للوالد خاتما يضعه على الثعبان فيفر منه أو يموت فأعجب به الوالد إعجابا كثيرا وأنعم عليه برزقة في بر الجيزة نحو مائة فدان وأظنها إلى الآن وقفا على زاويته بقرب خان الخليلي وكانت له وجاهة في الدولة ولم يزل وافر الحرمة إلى أن توفي بالقاهرة ليلة الجمعة سادس رجب ودفن ببيته وأوصى أن يكون زاوية فوقع ذلك وفتح لها شباك على الطريق بالقرب من خان الخليلي
وفيها القاضي تقي الدين يحيى بن العلامة شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني البغدادي ولد في رجب سنة اثنين وستين وسبعمائة وسمع من أبيه وغيره ونشأ ببغداد وتفقه بأبيه وغيره وشارك في عدة علوم وقدم 207 القاهرة هو وأخوه في حدود الثمانمائة بشرح أبيهما على البخاري فابتهج الناس به وكتبت منه نسخ عديدة وعرف تقي الدين هذا بالفضيلة وتقرب غاية التقرب من السلطان شيخ في خال إمارته وسلطنته وكان عالما فاضلا شرح البخاري ومسلم واختصر الروض الأنفق وله مصنف في الطب وغير ذلك وتوفي بالقاهرة في الطاعون يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة قاله في المنهل
وفيها نظام الدين يحيى بن يوسف وقيل سيف وهو الأشهر ابن عيسى السيرامي الأصل والمولد المصري الدار والوفاة الحنفي شيخ الشيوخ بمدرسة الظاهر برقوق وابن شيخها قدم مع والده وإخوته في السابعة من عمره إلى القاهرة عبد موت العلاء السيرامي ونشأ بالقاهرة تحت كنف والده وبه تفقه حتى برع في الفقه والأصلين واللغة والعربية والمعاني والبيان والجبر والمقابلة والمنطق والطب والحكمة والهندسة والهيئة وشارك في عدة فنون وتصدر للافتاء والتدريس والاشغال عدة سنين وتفقه به جماعة من أعيان الناس وانتفعوا به في المعقول والمنقول وكان إماما دينا وافر الحرمة مهابا وقورا معظما في الدول محببا للملوك كثير الخير حاد الذهن جيد التصور مليح الشكل فصيح العبارة بحاثا مناظرا مقداما شهما قويا في ذات الله كثير العبادة توفي بالقاهرة في الطاعون في جمادى الآخرة
وفيها يعقوب بن إدريس بن عبد الله الشهير بقرا يعقوب الرومي الحنفي النكدي نسبة إلى نكدة من بلاد ابن قرمان ولد سنة تسع وثمانين وسبعمائة واشتغل في بلاده ومهر في الأصول والعربية والمعاني والبيان وكتب على المصابيح شرحا وعلى الهداية حواشي ودخل البلاد الشامية وحج سنة تسع عشرة ثم رجع وأقام بلارندة يدرس ويفتي ثم قدم القاهرة فاجتمع بمدبر المملكة ططر فأكرمه إكراما زائدا ووصله بمال جزيل فاقتنى كتبا كثيرة ورجع إلى بلاده فأقام بلارندة إلى أن مات في شهر ربيع الأول بها 208
سنة أربع وثلاثين وثمانمائة
فيها توفي مجد الدين إسمعيل بن أبي الحسن علي بن محمد البرماوي المصري الشافعي ولد في حدود الخمسين وسبعمائة ودخل القاهرة وقديما وأخذ عن المشايخ وسمع ومهر في الفقه والفنون وتصدى للتدريس وخطب بجامع عمرو بمصر وتوفي في نصف ربيع الآخر
وفيها شرف الدين أبو محمد عبد الله بن القاضي شمس الدين محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الراميني ثم الدمشقي الحنبلي الإمام علامة الزمان شيخ المسلمين قال ابن حجر ولد في ربيع الأول سنة خمسين وسبعمائة وتوفي أبوه وهو صغير فحفظ القرآن وصلى به وكان يحفظه إلى آخر عمره ويقوم به في التراويح في كل سنة بجامع الأفرم وله محفوظات كثيرة منه المقنع في الفقه يستحضر غالب فروع والده أستاذا في الأصول بارعا في التفسير والحديث مشاركا فيما سوى ذلك وكان شيخ الحنابلة بالمملكة الإسلامية وأثنى عليه أئمة عصره كالبلقيني والديري وسمع من جده لأمه جمال الدين المرداوي وابن قاضي الجبل وغيرهما وأفتى ودرس وناظر وأشغل وتوفي ليلة الجمعة ثاني ذي القعدة ودفن عند والده وإخوته بالروضة
وفيها وحيد الدين عبد الرحمن بن الجمال المصري ولد بزبيد وتفقه وتزوج بنت عمه النجم المرجاني وقطن مكة وأشغل الناس بها في الفقه واشتهر بمعرفته وتوفي في سابع عشر رجب
وفيها سراج الدين عمر بن منصور بن عبد الله البهادري الحنفي أحد خلفاء الحكم بالقاهرة ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة وكان إماما بارعا في 209 الفقه والنحو واللغة انتهى إليه الرياسة في علم الطب وتقدم على أقرانه في ذلك لغزير حفظه وكثرة استحضاره ونقول أقوال الحكماء قديما وحديثا وكان شيخا معتدل القامة مصفر اللون جدا وكان مع تقدمه في علم الطب غير ماهر بالمداواة يفوقه أقل تلامذته لقلة مباشرته لذلك فإنه لم يتكسب بهذه الصناعة وناب في الحكم وتوفي يوم السبت ثاني عشر شوال ولم يخلف بعده مثله
وفيها شمس الدين محمد بن الحسن بن محمد الحسني الحصني ابن أخي الشيخ تقي الدين الشافعي اشتغل على عمه ولازم طريقته في العبادة والتجرد ودرس بالشامية وقام في عمارة البادرائية وكان شديد التعصب على الحنابلة وتوفي في ربيع الأول
وفيها شمس الدين محمد بن حمزة بن محمد بن محمد الرومي بن الفنري بالفاء والراء المهملة بالنسبة إلى صنعة الفنيار الحنفي قال السيوطي كان عارفا بالعربية والمعاني والقراآت كثير المشاركة في الفنون ولد في صفر سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وأخذ عن العلامة علاء الدين الأسود شارح المغنى والجمال محمد بن محمد بن محمد بالأقصرائي ولازم الاشتغال ورحل إلى مصر وأخذ عن الشيخ أكمل الدين وغيره ثم رجع إلى الروم فولي قضاء برصة وارتفع قدره عند ابن عثمان جدا واشتهر ذكره وشاع فضله وكان حسن السمت كثير الفضل والأفضال غير أنه لعاب بنحلة ابن العربي وبأقراء الفصوص ولما دخل القاهرة لم يتظاهر بشيء من ذلك واجتمع به فضلاء العصر وذاكروه وباحثوه وشهدوا له بالفضيلة ثم رجع وكان قد أثرى وصنف في الأصول كتابا أقام في عمله ثلاثين سنة وأقرأ العضد نحو العشرين مرة وأخذ عنه ولازمه شيخنا العلامة الكافيجي وكان يبالغ في الثناء عليه ومات في رجب انتهى كلام السيوطي
وفيها محمد بن الشيخ بدر الدين الحمصي المعروف بابن العصياني قال ابن 210 حجر اشتغل كثيرا وكان في أول أمره جامد الذهن ثم اتفق أنه سقط من مكان فانشق رأسه نصفين ثم عولج فالتأم فصار حلفظة ومهر في العلوم العقلية وغيرها وكان يرجع إلى دين وينكر المنكر ويوصف بحدة ونقص عقل مات في صفر انتهى
وفيها قاضي القضاة نور الدين أبو الثناء محمود بن أحمد بن محمد الهمداني الفيومي الشافعي المعروف بابن خطيب الدهشة أصله من الفيوم وولد والده بالفيوم وكان يعرف بابن ظهير ثم رحل إلى حماة واستوطنها وولي خطابة الدهشة وولد له ابنه هذا في حدود سنة خمسين وسبعمائة وبها نشأ وحفظ القرآن الكريم وعدة متون وتفقه على جماعات من علماء حماة وغيرهم وبرع في الفقه والعربية والأصول واللغة وغير ذلك وأفتى ودرس مع الدين المتين والورع والعفة واشتهر ذكره وعظم قدره وانتفع به عامة أهل حماة إلى أن نوه بذكره القاضي ناصر الدين بن البارزي كاتب السر بالديار المصرية عند الملك المؤيد شيخ فولاه قضاء حماة وحسنت سيرته وأظهر في ولايته من العفة والصيانة ما هو مشهو رعنه ودام في الحكم إلى أن صرف في دولة الأشرف برسباي فلزم داره على أجمل طريقة وأخذ في الأقراء والاشغال ومن تصانيفه مختصر القوت للأذرعي في أربع مجلدات سماه لباب القوت وتكملة شرح منهاج النووي في الفقه للسبكي في ثلاث عشرة مجلدة وكتاب التحفة في المبهمات وكتاب تحرير الحاشية في شرح الكافية لابن مالك في النحو ثلاث مجلدات وكتاب تهذيب المطالع في اللغة الواردة في الصحيحين والموطأ ست مجلدات واختصره في جزءين وسماه التقريب ومنظومة في صناعة الكتابة نحو تسعين بيتا وشرحها وكتاب اليواقيت المضية في المواقيت الشرعية وغير ذلك ومن شعره
( غصن النقا لا تحكه
فما له في ذا شبه )
( فرامه قلت اتئد
ما أنت إلا حطبه ) 211 ومنه
( وصل حبيب خبر
لأنه قد رفعه )
( بنصب قلبي غرضا
إذ صار مفعولا معه )
وتوفي بحماة يوم الخميس سابع شوال قيل لما احتضر تبسم ثم قال لمثل هذا فليعمل العاملون
سنة خمس وثلاثين وثمانمائة
فيها خرب الشرق من بغداد إلى تبريز من فرط الغلاء وعمومه حتى أكلوا الكلاب والميتة
وفيها أجريت عيون مكة حتى دخلتها وامتلأت برك باب المعلى ومرت على الصفا وسوق الليل وعم النفع بها
وفيها كما قال ابن حجر ثارت فتنة عظيمة بين الحنابلة والأشاعرة بدمشق وتعصب الشيخ علاء الدين البخاري نزيل دمشق على الحنابلة وبالغ في الحط على ابن تيمية وصرح بتكفيره فتعصب جماعة من الدماشقة لابن تيمية وصنف صاحبنا الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين جزءا في فضل ابن تيمية وسرد أسماء من أثنى عليه وعظمه من أهل عصره فمن بعدهم على حروف المعجم مبينا لكلامهم وأرسله إلى القاهرة فكتب عليه غالب المصريين التصويب وخالفوا علاء الدين البخاري في إطلاق القول بتكفيره وتكفير من أطلق عليه أنه شيخ الإسلام وخرج مرسوم السلطان إلى أن كل أحد لا يعترض على مذهب غيره ومن أظهر شيئا مجمعا عليه سمع منه وسكن الأمر انتهى
وفيها توفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن إسمعيل الأبشيطي قال ابن حجر تفقه قليلا ولزم قريبه الشيخ صدر الدين الأبشيطي وأدب جماعة من أولاد الأكابر ولهج بالسيرة النبوية فكتب منها كثيرا إلى أن شرع في جمع 212 كتاب حافل في ذلك وكتب منه نحوا من ثلاثين سفرا تحتوي على سيرة ابن إسحق وما وضع عليها من كلام السهيلي وغيره وعلى ما احتوت عليه المغازي للواقدي وضم إلى ذلك ما في السيرة للعماد بن كثير وغير ذلك وعنى بضبط الألفاظ الواقعة فيها ومات في سلخ شوال وقد جاوز السبعين انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن علي المعروف ببواب الكاملية الحنبلي قال العليمي في طبقاته الشيخ الإمام العالم القدوة عنى بالحديث كثيرا وسمع وكان يتغالى في حب الشيخ تقي الدين ويأخذ بأقواله وأفعاله وكتب بخطه تاريخ ابن كثير وزاد فيه أشياء حسنة وكان يؤم في مسجد ناصر الدين تجاه المدرسة التي أنشأها نور الدين الشهيد وكان قليل الاجتماع بالناس وعنده عبادة وتقشف وتقلل من الدنيا وكان شافعيا ثم انتقل إلى عند جماعة الحنابلة وأخذ بمذهبهم وتوفي يوم السبت تاسع عشر صفر وقد قارب الثمانين ودفن بسفح قاسيون
وفيها شهاب الدين أحمد بن تقي الدين عبد الرحمن بن العلامة جمال الدين بن هشام المصري النحوي اشتغل كثيرا بمصر وأخذ عن الشيخ عز الدين ابن جماعة وغيره وفاق في العربية وغيرها وكان يجيد لعب الشطرنج وانصلح بآخره قال البرهان البقاعي كان شريف النفس لم يتدنس بشيء من وظائف الفقهاء وكان ثاقب الذهن نافذ الفكر فاق جميع أقرانه في هذا الشأن مع صرف غالب زمانه في لعب الشطرنج انتهى سكن دمشق فمات بها في رابع جمادى الآخرة
وفيها شهاب الدين أحمد بن عثمان بن محمد بن عبد الله الكلوتاتي الحنفي قال في المنهل الصافي المسند المعمر المحدث ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة واعتنى بالحديث وسمع الكثير وقرأ من سنة تسع وسبعين بنفسه على المشايخ فأكثر حتى قرأ صحيح البخاري نحوا من خمسين مرة ودأب وحصل وأفاد الطلبة وحدث سنين بالقاهرة إلى أن توفي يوم الإثنين الرابع والعشرين من 213 جمادى الآخرة انتهى
وفيها حسين بن علاء الدولة بن أحمد بن أويس آخر ملوك العراق من ذرية أويس كان اللنك أسره وأخاه حسنا وحملهما إلى سمرقند ثم أطلقا فساحا في الأرض فقيرين مجردين فأما حسن فاتصل بالناصر فرج وصار في خدمته ومات عنده قديما وأما حسين هذا فتنقل في البلاد إلى أن دخل العراق فوجد شاه محمد بن شاه ولد بن أحمد بن أويس وكان أبوه صاحب البصرة فمات فملك ولده شاه محمد فصادفه حسين قد حضره الموت فعهد إليه بالمملكة فاستولى على البصرة وواسط وغيرها ثم حاربه أصبهان شاه بن قرا يوسف فانتهى حسين إلى شاه رخ بن اللنك فتقوى بالانتماء إليه وملك الموصل وأربل وتكريت وكانت مع قرا يوسف فقوى أصبهان شاه واستنقذ البلاد وكان يخرب كل بلد ويحرقه إلى أن حاصر حسينا بالحلة منذ سبعة أشهر ثم ظفر به عبد أن أعطاه الأمان فقتله خنقا
وفيها زين الدين خالد بن قاسم العاجلي ثم الحلبي ولد في رمضان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة ولازم القاضي شرف الدين بن فياض وولده أحمد وأخذ عن شمس الدين بن اليونانية وأحب مقالة ابن تيمية وكان من رءوس القائمين مع أحمد بن البرهان على الظاهر وهو آخر من مات منهم وتنزل بالآثار النبوية وكان قد غلب عليه حب المطالب فمات ولم يظفر بطائل ونزله المؤيد بمدرسته في الحنابلة ومات في ثالث ذي الحجة قاله ابن حجر
وفيها قط بالدين وجمال الدين عبد الله بن نور الدين محمد بن قطب الدين عبد الله بن حسن بن يوسف بن عبد الحميد بن أبي الغيث البهنيسي ولد في رجب سنة خمس وخمسين وسبعمائة واشتغل وسمع الحديث وقال الشعر وكان موسرا لكنه أكثر التقتير على نفسه جدا وأصيب في عقله بآخره 214 وأكمل الثمانين سنة ومن شعره
( إذا الخل قد ناجاك بالهجر فاصطبر
وسامح له واغفر بنصح وداره )
( فإن عاد فاقله ثم لا تذكر اسمه
وحول طريق القصد عن باب داره )
توفي في شهر رمضان
وفيها القاضي زين الدين عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن علي بن هاشم التفهني بفتح المثناة الفوقية وكسر الفاء وسكون الهاء ونون نسبة إلى تفهن قرية بمصر الحنفي ولد سنة بضع وستين وسبعمائة ومات أبوه وهو صغير فانتقل إلى القاهرة وهو شاب وتنزل في مكتب اليتامى بمدرسة صرغتمش ثم ترقى إلى أن صار عريفا وتنزل في الطلبة هناك ولازم الاشتغال ودار على الشيوخ فمهر في الفقه والعربية وجاد خطه وشهر اسمه وخالط الأتراك وصحب بدر الدين محمود الكلستاني كاتب السر فاشتهر ذكره وناب في الحكم وولي تدريس الصرغتمشية وولاه المؤيد شيخ قضاء الحنفية في سنة اثنتين وعشرين فباشره مباشرة حسنة وكان حسن العشرة كثير العصبية لأصحابه عارفا بأمور الدنيا على أنه يقع منه في بعض الأمور لجاج شديد يعاب به ولا يستطيع يتركه وصرف عن القضاء سنة تسع وعشرين بالعيني ثم أعيد في سنة ثلاث وثلاثين ثم صرف قبل موته في جمادى الآخرة وتوفي ليلة الأحد تاسع شوال ويقال ان أم ولده دست عليه سما لأنه لما توفيت زوجته ظنت أم ولده أنها تنفرد به فتزوج امرأة وأخرج أم ولده فحصلت لها غيرة والعلم عند الله
وفيها زين الدين عمر بن أبي بكر بن عيسى بن عبد الحميد المغربي الأصل البصروي قدم دمشق فاشتغل بالفقه والعربية والقراآت وفاق في النحو وشغل الناس وهو بزي أهل البر وكان قانعا باليسير حسن العقيدة موصوفا بالخير والدين سليم الباطن فراغا من الرياسة توفي في رابع جمادى الآخرة
وفيها شرف الدين عيسى بن محمد بن عيسى الأقفهسي الشافعي أحد نواب 215 الحكم تفقه بالجمال الأسنوي ولازم البلقيني وأذن له بالتدريس قيل والفتوى وناب في الحكم عن البرهان بن جماعة وغيره مدة طويلة ومات في جمادى الآخرة وقد جاوز الثمانين
وفيها جمال الدين محمد بن سعد الدين ملك الحبشة للمسلمين ولي بعد فقد أخيه منصور في سنة ثمان وعشرين وكان شجاعا بطلا مديما للجهاد وأسلم على يديه خلائق من الحبشة قتله بنو عمه في جمادى الآخرة واستقر بعده أخوه شهاب الدين أحمد
وفيها الحافظ تاج الدين محمد بن ناصر الدين محمد بن محمد بن محمد بن مسلم بن علي بن أبي الجود الكركي بن الغرابيلي سبط العماد الكركي قال ابن حجر ولد سنة ست وتسعين بالقاهرة حيث كان جده لأمه حاكما ونقله أبوه إلى الكرك حيث عمل مأمرتها ثم تحول به إلى القدس سنة سبع عشرة فاشتغل وحفظ عدة مختصرات كالكافية لابن الحاجب والمختصر الأصلي والإلمام والألفية في الحديث ولازم الشيخ عمر البلخي فبحث عليه في العضد والمعاني والمنطق وتخرج أيضا بنظام الدين قاضي العسكر وبابن الديري الكبير ومهر في الفنون إلا الشعر ثم أقبل على الحديث بكليته فسمع الكثير وعرف العالي والنازل وقيد الوفيات وغيرها من الفنون وشرع في شرح على الإلمام ونظر في التواريخ والعلل وسمع الكثير ببلده ورحل إلى الشام والقاهرة فلازمني وكان الأكابر يتمنون رؤيته والاجتماع به لما يبلغهم من جميل أوصافه فيمتنع انتهى باختصار وألف مجلدا لطيفا في الحمام يرحل إليه وتوفي بالقاهرة في جمادى الآخرة
سنة ست وثلاثين وثمانمائة
في ثامن عشرى شوالها كسفت الشمس كسوفا عظيما من بعد العصر 216 إلى قرب المغرب وصلوا الكسوف وظنوا أنها غربت كاسفة فانجلت قبيل الغروب انجلاء تاما
وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن حجاج الأبناسي الشافعي قال البرهان البقاعي كان علامة وقته ومحقق زمانه ملازما لابن حجر ومعظما له ونفعه كثيرا وكان إماما عالما بالمعقولات فقيها نحويا مفوها جريئا في قوله شهم النفس حديد الذهن فحل المناظرة ثابتا عند المضايق وتوفي بالمغس في زاوية شيخه وسميه البرهان الأنباسي ودفن بباب الشعرية بمكان هناك كأنه زاوية انتهى
وفيها الملك الأشرف أحمد بن العادل سليمان الأيوب صاحب حصن كيفا قال ابن حجر كان دينا فاضلا له شعر حسن وقفت على ديوانه وهو يشتمل على نوائح في أبيه وغزل وزهديا وغير ذلك وكان جوادا محبا في العلماء خرج في عسكره لملاقاة السلطان على حصار آمد فاتفق أنه نزل لصلاة الصبح فوقع به فريق من التركمان فأوقعوا به على غرة فقتل ووصل بقية أصحابه وولده خليل فقرر ولده في مملكلة أبيه ولقب بالصالح
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمود بن محمد المعروف بابن خازوق الحنبلي قاضي القضاة قال العليمي ولي قضاء حلب ثم عزل عنها فولي قضاء طرابلس ثم أعيد إلى قضاء حلب وتوفي بها في آخر السنة
وفيها زين الدين أبو بكر الأنبابي الشافعي أحد نواب الحكم كان كثير الاشتغال وأخذ عن الشيخ علاء الدين الأقفهسي وابن العماد والبلقيني وغيرهم وكان خيرا مات في شعبان
وفيها قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن قاضي القضاة محي الدين المعروف بابن الكشك الدمشقي الحنفي قاضي قضاة دمشق ورئيسها من بيت علم ورياسة وعرافة ولد بدمشق ونشأ بها وطلب العلم وتفقه وولي قضاءها مرارا وجمع في بعض الأحيان بين قضائها ونظر جيشها وقدم القاهرة غير مرة 217 وكانت له ثروة وأفضال وتوفي بدمشق ليلة الخميس سابع ربيع الأول
وفيها بدر الدين حسن بن شرف الدين أبي بكر بن أحمد القدسي المشهور بابن بقيرة بالتصغير وإمالة الراء الحنفي اشتغل قديما من سنة ثمانين وهلم جرا بالقدس ثم بالشام ثم بالقاهرة وكان مفوها عرافا بالعربية وغيرها وولي مشيخة الشيخونية وتوفي يوم الخميس ثالث ربيع الآخر وقد قارب السبعين
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن محمد القزويني الشافعي المعروف بالحلالي بمهملة ولام مشددة من أهل جزيرة وابن عمر وهو ابن أخت العالم نظام الدين عالم بغداد ولد سنة بضع وسبعين وسبعمائة وأخذ عن أبيه وغيره وبرع في الفقه والقراءات والتفسير وحج وقدم حلب لزيارة القدس فزاره ثم رجع إلى حلب وهو في سن الكهولة فظهرت فضائله ودخل القاهرة في سنة أربع وثلاثين وأخذوا عنه ثم رجع فلما وصل إلى بلده مات بعد أربعة أشهر
وفيها شمس الدين محمد بن عبد الرحيم بن أحمد المنهاجي الشافعي المعروف بسبط ابن اللبان ولد بعد السبعين وسبعمائة واشتغل قديما فأخذ عن العز بن جماعة وشمس الدين بن القطان ومشايخ العصر قال ابن حجر قرأ على ابن القطان البخاري بحضوري وقرأ على ترجمة البخاري يوم الختم وتعانى نظم الشعر فمهر فيه ومهر في الفقه والأصول وعمل المواعيد وشغل الناس وكان واسع المعرفة بالفنون حج في هذه السنة من البحر فسلم ودخل مكة في شهر رجب فجاور إلى زمن إقامة الحج فحج وقضى نسكه ورمى جمرة العقبة ثم رجع فمات بمنى قبل أن يطوف طواف الإفاضة
وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الحق بن إسمعيل السبتي المالكي قال ابن حجر ولد سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة وأخذ عن الحاج أبي القسم بن أبي حجة ببلده ووصل إلى غرناطة وتفرد بالأدب وقدم القاهرة سنة اثنتين 218 وثلاثين فحج وحضر عندي في الاملاء وأوقفني على شرح البردة له وله آداب وفضائل مات في صفر انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن موسى الدمشقي الشافعي المعروف باين قديدار ولد سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة وتقريبا وقرأ القرآن في صغره وحفظ المنهاج والعمدة والألفية وتلا بالسبع على جماعة منهم ابن اللبان وصحب الشيخ أبا بكر الموصلي وغيره وأقبل على العبادة واشتهر من بعد سنة تسعين حتى أن اللنك لما طرق الشام أرسل من حماة وحمى من معه وكان السلطان شيخ يعظمه وكان سهل العريكة لين الجانب متواضعا جدا محبا في العلماء والمحدثين يتردد إلى بيروت للمرابطة وله بها زاوية فيها سلاح كثير وكلمته نافذة عند الفرنج ويكتب إليهم بسبب المسلمين فيقبلون ما يكتب به وحصل له في آخر عمره ضعف في بدنه وثقل سمعه وتوفي ليلة عيد الفطر
سنة سبع وثلاثين وثمانمائة
فيها أحصى من بالأسكندرية من الحاكة فكان فيها ثمانمائة نول وكان ذلك وقع آخر القرن الثامن فكانت أربعة عشر ألف نول ومن ذلك أن كتاب الجيش أحصوا قرى مصر قبليها وبحريها فكانت ألفين ومائة وسبعين قرية بعد أن كانت في أوائل دولة الفاطميين عشرة آلاف قرية
وفيها هبت بدمياط رياح عاصفة فتقصف نخيل كثير وتلفت أشجار الموز وقصب السكر من الصقيع وانهدمت عدة دور وفزع الناس من شدة الريح حتى خرجوا إلى ظاهر البلد وسقطت صاعقة فأحرقت شيئا كثيرا ثم نزل المطر فدام طويلا
وفي ليلة الجمعة الحادي والعشرين من جمادى الأولى وقع بمكة سيل عظيم ارتفع في المسجد الحرام أربعة أذرع وتهدمت منه دور كثيرة ومات تحت الردم جماعة 219
وفيها توفي إبراهيم بن داود بن محمد بن أبي بكر العباسي ولد أمير المؤمنين المعتضد بن المتوكل العباسي الشافعي كان رجلا حسنا كبير الرياسة قرأ القرآن وحفظ المنهاج واشتغل كثيرا وخلف أباه لما سافر خلافة حسنة شكر عليها ومات بمرض السل في ليلة الأربعاء ثالث عشر ربيع الأول بالقاهرة ولم يكمل الثلاثين ولم يبق لأبيه ولا ذكر وذكر انه تمام عشرين ولدا ذكرا
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمود بن أحمد بن إسمعيل الدمشقي الحنفي المعروف بابن الكشك قال ابن حجر انتهت إليه رياسة أهل الشام في زمانه وكان شهما قوي النفس يستحضر الكثير من الأحكام ولي قضاء الخنفية استقلالا مدة ثم أضيف إليه نظر الجيش في الدولة المؤيدية وبعدها ثم صرف عنها معا ثم أعيد لقضاء الشام وكان بينه وبين نجم الدين بن حجي معاداة فكان كل منهما يبالغ في الآخر لكن كان ابن الكشك أجود من حجي سامحهما الله تعالى وتوفي ابن الكشك بالشام في صفر عن بضع وخمسين سنة
وفيها تقي الدين أبو بكر بن علي بن حجة الحموي الأديب البارع الحنفي شارع الشام المعروف بابن حجة ولد بحماة سنة سبع وسبعين وسبعمائة وبها نشأ وحفظ القرآن الكريم وطلب العلم وعانى علم الحرير يعقد الأزر وينظم الأزجال ثم مال إلى الأدب ونثر ونظم ثم سافر إلى دمشق ومدح أعيانها واتصل بخدمة نائبها الأمير شيخ المحمودي ثم قدم صحبته إلى القاهرة فلما تسلطن قربه وأدناه وجعله من ندمائه وخواصه وصار شاعره وله فيه عدة مدائح وعظم في الدولة وصارت له ثروة وحشمة وسئل الحافظ ابن حجر من شاعر العصر فقال الشيخ تقي الدين بن حجة انتهى ونظم بديعيته المشهورة على طريقة شيخه الشيخ عز الدين الموصلي وشرحها شرحا حافلا عديم النظير وجمع مجاميع أخرى مخترعة ولما توفي الملك المؤيد تسلط عليه جماعة من شعراء عصره وهجوه لأنه كان ظنينا بنفسه وشعره مزريا بغيره من الشعراء 220 ينظر شعراء عصره كأحد تلامذته ولا زالوا به حتى خرج من مصر وسكن وطنه حماة ومات بها ومن قولهم فيه
( زاد ابن حجة بالاسهال من فمه
وصار يسلح منثورا ومنطوما )
( وظن أن قد تنبا في ترسله
لو صح ذلك قطعا كان معصوما )
ومن شعره هو
( سرنا وليل شعره منسدل
وقد غدا بنومنا مظفرا )
( فقال صبح ثغره مبتسما
عند الصباح يحمد القوم السري )
ومنه
( في سويداء مقلة الحب نادى
جفنه وهو يقتض الأسد صيدا )
( لا تقولوا ما في السويدا رجال
فأنا اليوم من رجال السويدا )
ومنه
( أرشفني ريقه وعانقني
وخصره يلتوي من الدقه )
( فصرت من خصره وريقته
أهيم بين الفرات والرقة )
ومنه وقد بدا به مرضه الذي مات فيه وكان بريدة وسخونة
( بردية بردت عظمى وطابقها
سخونة ألفتها قدرة الباري )
( فامنن بتفرقة الضدين من جسدي
ياذا المؤلف بين الثلج والنار )
وتوفي بحماة في خامس عشرى شعبان على حالة حسنة
وفيها شرف الدين أبو محمد إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله المقري ابن علي بن عطية الشاوري اليمني الشافعي عالم البلاد اليمنية وإمامها ومفننها المعروف بابن المقري ولد سنة خمس وستين وسبعمائة بأبيات حسين وبها نشأ وتفقه على الكاهلي وغيره ثم انتقل إلى زبيد فأكمل تفقهه على العلامة جمال الدين شارح التنبيه وغيره وبرع في العربية والفهق وبرز في المنظوم والمنثور وأقبل عليه ملوك اليمن وولاه الأشرف صاحب اليمن تدريس المجاهدية وبتعز والنظامية بزبيد ولما مات مجد الدين الفيروز بادي طمع المذكور 221 في ولاية القضاء فلم يتم له واستمر على ملازمة العلم والتصنيف والأقراء ومن مصنفاته مختصر الروضة للنووي سماه الروض ومختصر الحاوي الصغير وشرحه وكتاب عنوان الشرف الوافي وهو كتاب حسن لم يسبق إلى مثله يحتوي على خمسة فنون وفيه يقول بعضهم
( لهذا كتاب لا يصنف مثله
لصاحبه الجزء العظيم من الحظ )
( عروض وتاريخ ونحو محقق
وعلم القوافي وهو فقه أولى الحفظ )
( فأعجب به حسنا وأعجب أنه
بطين من المعنى خميص من اللفظ )
وله مع ذلك النظم الرائق والنثر الفائق ونظم بديعية على نمط بديعية العز الموصلي وشرحها شرحا حسنا التزم في البديعية في كل بيت تورية مع التورية باسم النوع البديعي وعمل مرة ما يتفرع من الخلاف في مسئلة الماء المشمس فبلغت آلافا وشهد بفضله علماء عصره منهم ابن حجر وقد اجتمع به بمكة المشرفة وأنشده
( مد الشهاب بن علي بن حجر
سورا على مودتي من الغير )
( فسور ودى فيك قد بنيته
من الصفا والمروتين والحجر )
فأجابه ابن حجر بقصيدة أولها
( يا أيها القاضي الذي مراده
يأتي على وفق القضاء والقدر )
ومن شعر ابن المقري
( يا من لدمع مارقي وحبيبه
ولو جد قلب ما انقضى ولهيبه )
( ومتيم قد هذبته يد الهوى
بصحيح وجد غير ما تهذيبه )
( خانته مهجته فما تمشي على
عاداته الأولى ولا تجريبه )
( وحشا تعسفه الغرام وحله
قسرا وليس بكفئه وضريبه )
( يا هند قد أضرمت من ذكر الجفا
في القلب ما لا ينطفي وغريبه )
( أنا من عرفت غرامه فاستخبري
عن حال مأخوذ الحجا وسليبه ) 222 توفي بزبيد يوم الأحد آخر صفر
وفيها عبد الله بن مسعود التونسي المالكي الشيخ الجليل المعروف بابن القرشية قال ابن حجر أخذ عن والده وقرأت بخطه أن من شيوخه شيخنا بالإجازة أبا عبد الله بن عرفة وقاضي الجماعة أبا العباس أحمد بن محمد بن جعدة وأبا القسم أحمد الغبريني وأحمد بن إدريس الزواوي شيخ بجاية وأبا عبد الله بن مرزوق ومنهم أبو الحسن محمد بن أبي العباس الأنصاري البطرني وذكر أنه قرأ عليه القرآن وسمع عليه كثيرا من الحديث وألبسه خرقة التصوف انتهى باختصار
وفيها السلطان أبو فارس عبد العزيز بن أبي العباس أحمد صاحب تونس قال أبو عبد الله محمد بن عبد الحق السبتي كان لا ينام من الليل إلا قليلا وليس له شغل إلا النظر في مصالح ملكه وكان يؤذن بنفسه ويؤم بالناس في الجماعة ويكثر من الذكر ويقرب أهل الخير وقد أبطل كثيرا من المفاسد بتونس منها الصالة وهو وكان يباح فيه الخمر للفرنج ويحصل منه في السنة شيء كثير ولم يكن ببلاده كلها شيء من المكوس لكنه يبالغ في أخذ الزكاة والعشر وكان محافظا على عمارة الطرق حتى أمنت القوافل في أيامه في جميع بلاده وكان يرسل الصدقات إلى القاهرة والحرمين وغيرها ولا يلبس الحرير ولا يتختم بالذهب ويسلم على الناس وكتب إليه ابن عرفة مرة والله لا أعلم يوما يمر إلا وأنا داع لكم بخير الدنيا والآخرة فإنكم عماد الدين ونصرة المسلمين وتوفي وهو قاصد تلمسان
وفيها أبو الحسن علي بن حسين بن عروة المشرقي ثم الدمشقي الحنبلي المعروف بابن زكنون قال ابن حجر ولد قبل الستين وكان في ابتداء أمره جمالا وسمع على يحيى بن يوسف الرحبي ويوسف الصيرفي ومحمد بن محمد بن داود وغيرهم وكان يذكر أنه سمع من ابن المحب ثم أقبل على العبادة 223 والاشتغال فبرع وأقبل على مسند أحمد فرتبه على الأبواب ونقل في كل باب ما يتعلق بشرحه من كتاب المغني وغيره وفرغ في مجلدات كثيرة وكان منقطعا في مسجد يعرف بمسجد القدم خارج دمشق وكان يقرىء الأطفال ثم انقطع ويصلي الجمعة بالجامع الأموي ويقرأ عليه بعد الصلاة في الشرح وثار بينه وبين الشافعية شر كبير بسبب الاعتقاد وكان زاهدا عابدا قانتا خيرا لا يقبل لأحد شيئا ولا يأكل إلا من كسب يده توفي في ثاني عشر جمادى الآخرة وكانت جنازته حافلة انتهى
وفيها بدر الدين محمد بن أبي بكر بن محمد بن سلامة المارديني الحلبي الحنفي اشتغل ببلده مدة ولقي أكابر المشايخ وحفظ عدة مختصرات ومهر في الفنون وشغل الناس وقدم إلى حلب مرارا فاشتغل بها ثم درس في أماكن وأقام بها مدة عشرين سنة ثم رجع ولما غلب قرا ملك على ماردين نقله إلى آمد فأقام مدة ثم أفرج عنه فرجع إلى حلب فقطنها ثم حصل له فالج قبل موته بنحو عشر سنين فانقطع ثم خف عنه وصار يقبل الحركة وكان حسن النظم والمذاكرة فقيها فاضلا صاحب فنون من العربية والمعاني والبيان وتوفي بحلب عن اثنتين وثمانين سنة ولم يخلف بعده مثله
وفيها تاج الدين محمد بن أبي بكر بن محمد المقرىء بابن تمريه ولد قبل الثمانين وسبعمائة بيسير وكان أبوه تاجرا بزازا فنشأ هو محبا في الاشتغال مع حسن الصورة والصيانة وتعانى القراءات فمهر فيها ولازم الشيخ فخر الدين بالجامع الأزهر والشيخ كمال الدين الدميري وصار شيخ الاقراء بالقاهرة وتوفي يوم الجمعة عاشر صفر
وفيها جمال الدين أبو المحاسن محمد بن علي بن محمد بن أبي بكر العبدري الشيبي الشافعي قاضي مكة ولد في رمضان سنة تسع وسبعين وسبعمائة وسمع على برهان الدين بن صديق وغيره وأجازه الحافظ العراقي وغيره ورحل 224 إلى شيراز وبغداد ونظر في التواريخ وصنف حوادث زمانه وطيب الحياة مختصر حياة الحيوان مع زوائد وتعاليق على الحاوي وولي قضاء مكة وحجابة البيت وتوفي ليلة الجمعة ثامن عشرى ربيع الآخر
وفيها القاضي بدر الدين أبو اليمن محمد بن العلامة نور الدين علي الحكري المصري الحنبلي ناب في الحكم بالقاهرة دهرا طويلا وكان من أعيانهم وأعاد ببعضه المدارس ومهر في الفقه والفنون وكان شكلا حسنا وكان يستشرف أن يلي قضاء الحنابلة بالديار المصرية ولو فسح في أجله لوصل ولكن اخترمته المنية ثالث ربيع الأول بالقاهرة في حياة شيخ المذهب قاضي القضاة محب الدين أبو نصر الله
وفيها أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن القماح التونسي المالكي المحدث بتونس سمع من ابن عرفة وجماعة وحج فسمع من تاج الدين بن موسى خاتمة من كان عنده السلفي بالعلو بالسماع المتصل بالقاهرة من حافظ العصر الزين العراقي ومن مسند القاهرة برهان الدين السامي ومن جماعة وحدث بالإجازة العامة عن البطرني الأندلسي مسند تونس وخاتمة أصحاب ابن زبير بالإجازة وعن غيره من المشارقة وحدث بالكثير وكان حسن الأخلاق محبا للحديث وأهله وتوفي بتونس في أواخر ربيع الآخر
وفيها شمس الدين محمد بن شفشيل الحلبي قال ابن حجر أحد الفقهاء بها اشتغل كثيرا وفضل سمعت من نظمه بحلب وكتب عنى كثيرا مات في جمادى الأولى انتهى
وفيها ناصر الدين محمد بن الفخ رالمصري المعروف بابن النيدي قال ابن حجر كان أبوه تاجرا فنشأ هو محبا في العلم فمهر في العربية وصاهر شيخنا العراقي على ابنته ثم ماتت معه فتزوج بركة بنت الشيخ ولي الدين أخي زوجته 225 الأولى وماتت في عصمته وخلف ولدين وكان معروفا بكثرة المال فلم يظهر له شيء وله بضع وستون سنة انتهى
وفيها جلال الدين أبو المظفر محمد بن فندو ملك بنجالة ويلقب بكاس كان أبوه كافرا فثار على شهاب الدين مملوك سيف الدين حمزة بن غياث الدين أعظم شاه بن اسكندر شاه فغلبه على بنجاية وأسره وكان أبو المظفر قد أسلم فثار على أبيه واستملك منه البلاد وأقام شعار الإسلام وجدد ما خربه أبوه من المساجد وراسل صاحب مصر بهدية واستدعى بعهد من الخليفة وكانت هداياه متواصلة بالشيخ علاء الدين البخاري نزيل مصر ثم دمشق وعمر بمكة مدرسة هائة وكانت وفاته في ربيع الآخر وأقيم بعده ولده المظفر أحمد شاه وهو ابن أربع عشرة سنة
وفيها ناصر الدين محمد بن عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الدمشقي الحنبلي ولد سنة سبع وخمسين وسبعمائة وكان يتعانى التجارة وولي قضاء الأسكندرية مدة وكان عرافا بالطب وله دعاو في الفنون أكثر من علمه وتوفي بالقاهرة يوم الأحد سابع شهر رمضان
سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة
فيها كان وباء عام في بلاد المسلمين والكفار مات به من لا يحصى كثرة
وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن عبد الخالق بن عبد المحي بن عبد الخالق بن عبد العزيز الأسيوطي سمع من أبيه ومن عبد الرحمن بن القاري وأجاز له وكان يواظب التكسب بالشهادة في جامع ظاهر الوراقين ومات في ثاني عشر ربيع الآخر
وفيها شهاب الدين أحمد بن ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن رسلان بن نصير البلقيني الشافعي ابن أخي سراج الدين البلقيني ولد سنة ست وتسعين 226 وسبعمائة وقرأ القرآن وحفظ كتبا ودربه أبوه في توقيع الحكم واشتغل في القراآت والعربية وكان حسن الصوت بالقرآن أم بالمدرسة المالكية بالقرب من مشهد الحسين ووقع في الحكم ثم ناب في القضاء بآخره وخدم ابن الكوين وهو كاتب السر ثم ابن مزهر فأثرى وصارت له وجاهة وحصل جهات ثم تمرض أكثر من سنة وتوفي في السادس والعشرين من رجب بعلة السل ودفن عند أبيه بمقابر الصوفية
وفيها مجد الدين أبو الطاهر إسمعيل بن علي بن محمد بن داود بن شمس بن عبد الله بن رستم البيضاوي الزمزي المؤذن بمكة قال ابن حجر ولد سنة ست وستين وسبعمائة وأجاز له صلاح الدين بن أبي عمر وعمر بن أميلة وأحمد بن النجم وابن مقبل وآخرون وكان يتعانى النظم وله نظم مقبول ومدائح نبوية من غير اشتغال بآلاته ثم أخذ العروض عن الشيخ نجم الدين المرجاني ومهر وكان فاضلا ورحل إلى القاهرة فسمع من بعض شيوخنا وكان قليل الشر مشتغلا بنفسه وعياله مشكور السيرة ملازما لخدمة قبة العباس وله سماع من قدماء المكيين وحدث بشيء يسير سمعت من نظمه
وأخوه إبراهيم ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة وأجاز له في سنة سبع وثمانين الشهاب بن ظهيرة وآخرون واشتغل في عدة فنون وأخذ عن أخيه حسين علم الفرائض والحساب فمهر فيها انتهى كلام ابن حجر
وفيها زكي الدين أبو بكر بن أحمد بن عبد الله بن الهليس المهجمي الأصل ثم المصري قال ابن حجر رفيقي ولد بعد السبعين وسبعمائة بيسير ونشأ في حال بزة وترفه ثم اشتغل بالعلم بعد أن جاوز العشرين ولازم الشيوخ وسمع معي من عوالي شيوخي مثل ابن الشحنة وابن أبي المجد وبنت الأذرعي وغيرهم فأكثر جدا وأجاز له عامة من أخذت عنه في الرحلة الشامية ورافقني في الاشتغال على الأبناسي والبلقيني والعراقي وغيرهم ثم دخل اليمن سنة ثمانمائة 227 فاستمر بالمهجم وبعدن إلى أن عاد من قرب فسكن مصر ثم ضعف بالدرب واختل عقله جدا وسئم منه جيرانه فنقلوه إلى المارستان فأقام به نحو شهرين ومات وصليت عليه ودفنته بالتربة الركنية ببيبرس في سلخ المحرم انتهى
وفيها الشيخ تقي الدين أبو بكر اللوبياني الفقيه الشافعي أحد الفضلاء الشافعية بدمشق باشر تدريس الشامية الجوانية وغيرها وتوفي في شوال
وفيها شرف الدين وبدر الدين حسين بن علي بن سبع المالكي البوصيري قال ابن حجر ولد سنة خمس وأربعين وسبعمائة وسمع على المحب الخلاطي أكثر الدارقطني أنا الدمياطي وصفة التصوف لابن طاهر خلا من أول زهد إلى آخر الكتاب وسمع أيضا على عز الدين بن جماعة غالب الأدب المفرد للبخاري وعرض على مغلطاي شيئا من محفوظه وأجاز له وكان من الطلبة بالشيخونية وحدث سمع منه رضوان وابن فهد والبقاعي وغيرهم وأجاز لابني محمد ومن معه ومات في ربيع الأول انتهى
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن سليمان بن حمزة المقدسي الحنبلي المعروف بابن زريق ولد في رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة وأسمعه عمه الكثير من ابن المحب وابن عوض وابن داود وابن الذهبي وابن العز ومن مسموعه على ابن العز السادس من مسند أنس من المختارة للضياء والثاني والسبعين منها وسمع علي بن داود من أمالي المحاملي رواية أبي عمر بن مهدي أنا سليمان بن حمزة وتوفي فجأة ليلة الثلاثاء ثالث عشر ربيع الآخر
وفيها زين الدين أبو زيد وأبو هريرة عبد الرحمن بن نجم الدين عمر بن عبد الرحمن بن حسين بن يحيى بن عمر بن عبد المحسن القبابي نسبة إلى القباب الكبرى من قرى أشمون الرمان بالوجه الشرقي من أعمال القاهرة ثم المقدسي الحنبلي المسند ولي في ثالث عشر شعبان سنة تسع وأربعين وسبعمائة وأجاز 228 له أبو الفتح الميدومي وجل شيوخ العراقي وسمع من الشيخ تقي الدين السبكي وصلاح الدين بن أبي عمر وابن أميلة وصلاح الدين العلائي والتباني وابن رافع والخلاطي وابن جماعة ومغلطاي وابن هبل وخلائق تجمعهم مشيخة خرجها له ابن حجر سماها المشيخة الباسمة للقبابي وفاطمة وكان أحد الفقهاء المبجلين بالقدس الشريف وقد أكثر عنه الرحالة وغيرهم وقصد لذلك وتفرد بأكثر مشايخه وأخذ عنه خلق منهم ابن حجر وتوفي ببيت المقدس في سابع ربيع الآخر
وفيها جلال الدين أبو المحامد عبد الرحمن بن إبراهيم بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الوهاب الفوي الأصل ثم المكي العلامة النحوي الشهير بالمرشدي قال ابن حجر ولد في جمادى الآخرة سنة ثمانين وسبعمائة بمكة وأسمع علي الشاوري والأميوطي والشهاب بن ظهيرة وغيرهم ورحل إلى القاهرة فسمع بها من بعض شيوخنا ومهر في العربية وقرأ الأصول والمعاني والفقه وكان نعم الرجل مروءة وصيانة ومات في يوم الجمعة رابع عشرى شعبان وكثر الأسف عليه انتهى
وفيها علاء الدين علي بن طيبغا بن حاجي بك التركماني العينتابي الحنفي كان فاضلا وقورا مهر في الفنون وقرره السلطان الأشرف مدرسا وخطيبا بالتربة التي أنشاها بالصحراء وتوفي بطريق الحجاز ودفن بالقرب من الينبع
وفيها نور الدين علي بن محمد بن موسى بن منصور المحلى ثم المدني قال ابن حجر ولد في جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وسبعمائة بالمدينة المنورة وسمع علي ابن حبيب وابن خليل وابن القاري وأبي البقاء السبكي وغيرهم وأجاز له ابن أميلة وابن الهبل وابن أبي عمر وحدث باليسير وأجاز لنا وليس ببلاد الحجاز أسند منه يوم مات وتوفي في ثالث شوال
وفيها نجم الدين محمد بن عبد الله بن عبد القادر الواسطي السكاكيني 229 الشافعي قرأ على العاقولي وصدر الدين الأسفراييني مصنف ينابيع الاحكام في مذاهب الأربعة الأعلام ومهر في النظم والقراءات والفقه يقال أنه أقرأ الحاوي ثلاثين مرة وله شرح على منهاج البيضاوي ونظم بقية القراءات العشر وتكملة للشاطبي على طريقه حتى يغلب على سامعه أنه نظم الشاطبي وخمس البردة وبانت سعاد وتوفي بمكة في سادس عشرى ربيع الآخر
وفيها تقي الدين محمد بن بدر الدين محمد بن سراج الدين عمر البلقيني الشافعي ولد سنة تسع وثمانين وسبعمائة ومات أبوه وهو طفل فرباه جده وحفظ القرآن وصلى بالناس وهو صغير نحو عشرة سنين ودرس في المنهاج ولازم الكمال الدميري وغيره وكان ذكيا حسن النغمة ونشأ في املاق ولما ولي عمه القضاء نبه قليلا وولي بآخره نيابة الحكم بميمنة الأمل وغيرها من الضواحي ودرس بعد موت عمه جلال الدين بجامع طولون وتمول بملازمة ناظر الجيوشي عبد الباسط وحصل وظائف وإقطاعات وصار كثير المال جدا في مدة يسيرة وحدث عن جده بشيء يسير وتوفي بالقاهرة ليلة الثاني عشر من شوال ودفن على أبيه وجده وخلف ولدا كبيرا وآخر صغيرا وابنتين
سنة تسع وثلاثين وثمانمائة
فيها وقع ببرصا طاعون عظيم واستمر أربعة أشهر
وفيها وقع الوباء ببلاد كرمان وفشا الطاعون بهراة حتى قيل أن عدة من مات بهراة ثمانمائة ألف وكذلك نشا الوباء في بلاد اليمن جميعها وفي بلاد البربر والحبشة
وفيها توفي أميرزاه إبراهيم بن شاه رخ صاحب شيراز وكان قد ملك البصرة وكان فاضلا حسن الخط جدا توفي في رمضان
وفيها أحمد بن شاه رخ ملك الشرق مات في شعبان بعد أن رجع من 230 بلاد الجزيرة ثم فرار الروم فحزن عليه أبوه واتفق أنه مات له في هذه السنة ثلاثة أولاد كانوا ملوك الشرق بشيراز وكرمان وهذا كان أشدهم ويقال له أحمد جوكي قاله ابن حجر
وفيها همام الدين أحمد بن عبد العزيز السبكي ثم الشيرازي قال ابن حجر قرأ على الشريف الجرجاني المصباح في شرح المفتاح وقدم مكة فنزل في رباط فاتفق أنه كان يقرىء في بيته فسقط بهم البيت إلى طبقة سفلى فلم يصب أحدا منهم شيء وخرجوا يمشون فلما برزوا سقط السقف الذي كان فوقهم وكان حسن التقرير قليل التكلف مع لطف العبارة وكثرة الورع عارفا بالسلوك على طريق كبار الصوفية وكان يحذر من مقالة ابن عربي وينفر عنها مات في خامس عشرى شهر رمضان انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن إسمعيل بن علي بن محمد بن محمد الزاهدي الحفار المعمر العابد خادم ضريح الشيخ رسلان بدمشق ولد سنة سبع وثلاثين وسبعمائة وأسمع من زينب بنت الكمال وغيرها وقرأ الناس عليه بإجازتها وتوفي في تاسع جمادى الأولى وله مائة سنة وسنتان
وفيها الأمير حسين بن أمير المسلمين أبي فارس الحفصي قال ابن حجر الإمام العلامة المفتي الأمير ابن الأمير كان أخوه لما مات في العام الماضي استقر ولده في المملكة أي مملكة المغرب ثم أراد الحسين هذا الثورة فظفر به وقتله وقتل أخوين له وعظمت المصيبة بقتل الحسين فإنه كان فاضلا مناظرا ذكيا رحمه الله
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن الفخر محمد بن علي المصري ثم الدمشقي تفقه قليلا وأسمعه أبوه الكثير من مشايخ عصره فسمع على الكمال بن حبيب سنن ابن ماجه وعلى ابن المحب جزء العالي أنا الحجار 231 وعشرة الحداد أنا إبراهيم بن صالح وعلي الصلاح بن أبي عمر مسند عائشة من مسند أحمد وتوفي في جمادى الآخرة
وفيها ركن الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الحلبي الحنفي الشريف المعروف بالدخان اشتغل بدمشق فمهر في المذهب وناب في الحكم مدة ثم ولي القضاء استقلالا بعد موت ابن الكشك وتوفي ليلة الأحد سابع المحرم
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد العدناني الشهير بالبرشكي المحدث الرحال الفاضل أخذ ببلاده عن جماعة ورحل إلى المشرق سنة ست عشرة فحج وحمل عن المشايخ وأجاز له البرهان الشامي وكان حسن الأخلاق لطيف المجالسة كريم الطباع رحمه الله تعالى قاله ابن حجر
وفيها عبد الملك بن علي بن عبد الملك بن عبد الله بن عبد الباقي بن عبد الله بن أبي المنا البابي نزيل حلب الشافعي الضرير النحوي المعروف بالشيخ عبيد ولد في حدود سنة ست وستين وسبعمائة واشتغل على شرف الدين الأنصاري وشمس الدين النابلسي وغيرهما وتقدم فيهما وأخذ عنه جمع جم وناب في الإمامة والخطابة بالجامع إلى أن مات في جمادى الآخرة وكانت جنازته حافلة جدا
وفيها ولي الدين عبد الولي بن محمد بن الحسن الخولاني اليمني الشافعي ولد بقرب تعز ولازم بها الإمام رضي الدين بن الخياط والإمام جمال الدين محمد بن عمر العوادي وغيرهما ولازم الشيخ مجد الدين الفيروز بادي وأخذ عنه النحو واللغة وجاور معه بمكة والطائف ومهر إلى أن صار مفتي تعزمع ابن الخياط وتوفي بالطاعون
وفيها الحافظ جمال الدين محمد بن الإمام رضي الدين أبي بكر بن محمد بن الخياط اليمني الشافعي حافظ البلاد اليمنية قال ابن حجر تفقه بأبيه وغيره حتى مهر ولازم الشيخ نفيس الدين العلوي في الحديث فما مضى إلا اليسير 232 حتى فاق عليه حتى كان لا يجاريه في شيء وتخرج بالشيخ تقي الدين الفاسي وأخذ عن القاضي مجد الدين الشيرازي أي صاحب القاموس واغتبط به حتى كان يكاتبه فيقول إلى الليث ابن الليث والماء ابن الغيث ودرس جمال الدين بتعز وأفتى وانتهت إليه رياسة العلم بالحديث هناك وأخذ عن الشيخ شمس الدين الجزري لما دخل اليمن بآخره ومات بالطاعون في هذه السنة انتهى
وفيها تاج الدين أبو الفتح محمد بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن علي بن الشرابيشي الشافعي طلب الفقه وسمع من ابن خليل وأكثر عنه وسمع الكثير من أصحاب أصحاب السبط وهذه الطبقة ولازم ابن الملقن والعراقي قال ابن حجر وسمع معي كثيرا وأجاز لي في استدعاء أولادي غير مرة وتصدى للأسماع وأكثر عنه الطلبة من بعد سنة ثلاث وثمانمائة إلى أن مات وكان يعلق الفوائد التي يسمعها في مجالس المشايخ والأئمة حتى حصل من ذلك جملة كبيرة ثم تسلط عليه بعض أهله يسرقون المجلدات مفرقات من عدة كتب قد أتقنها وحررها فيبيعونها تفاريق والتي لم تجلد يبيعونها كراريس وتغير عقله بآخره وتوفي يوم الأحد تاسع عشر جمادى عن بضع وثمانين سنة
وفيها المنتصر أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي فارس صاحب تونس لم يتهن في أيام ملكه لطول مرضه وكثرة الفتن وتوفي في حادي عشرى صفر واستقر بعده شقيقه عثمان ففتك في أقاريه وغيرهم بالقتل والأسر وخرج عليه عمه أبو الحسن صاحب بجاية
وفيها محي الدين أبو زكريا يحيى بن يحيى بن أحمد بن حسن العبابي نسبة إلى عباب بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة جد الشافعي المصري ولد في آخر سنة ستين وسبعمائة وقدم القاهرة فاشتغل بها وحفظ التنبيه والألفية ومختصر ابن الحاجب وحضر دروس البلقيني وابن الملقن والأبناسي وغيرهم واشتغل في علم الحديث علي العراقي ولازم العز بن جماعة في قراءة 233 المختصر ومحب الدين بن هشام في العربية وطاف على الشيوخ ثم ارتحل إلى دمشق وهو فاضل فلازم الزهري وأثنى على فضائله حتى قال ما قدم علينا من طلبة مصر مثله وأذن له وتكلم على الناس بالجامع وسكن بعد الفتنة بيت روحا فأقام بها ودخل إلى مصر مع الشاميين ثم عاد فلازم عمل الميعاد واجتمع عليه العامة وانتفعوا به وقرأ صحيح البخاري عند نوروز ثم ناب في الحكم عن ابن حجي سنة إحدى عشرة وثمانمائة واستمر في ذلك قال ابن حجر ولم يكن في أحكامه محمودا وكان في بصره ضعف فتزايد إلى أن أضر وهو مستمر على الحكم وكان يؤخذ بيده فيعلم بالقلم وكان فصيحا ذكيا جيد الذهن مشاركا في عدة فنون مفتيا وأقبل في آخره على اقراء الفقه والتدريس وسمع على شيئا وتوفي في ثامن عشر صفر انتهى باختصار
وفيها الشيخ أبو الطاهر بن عبد الله المراكشي المالكي قال ابن حجر الشيخ المغربي نزيل مكة كان قرأ على عبد العزيز الحلماوي قاضي مراكش وغيره وكان خيرا دينا صالحا توفي بمكة في شوال
سنة أربعين وثمانمائة
فيها توفي إبراهيم بن عبد الكريم الكردي الحلبي قال ابن حجر دخل بلاد العجم وأخذ عن الشريف الجرجاني وغيره وأقام بمكة وكان حسن الخلق كثير البشر بالطلبة انتفعوا به كثيرا في عدة فنون وجلها المعاني والبيان وكان يقررها تقريرا واضحا مات في آخر المحرم انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسمعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان بن عمر البوصيري الشافعي ولد في المحرم سنة اثنتين وستين وسبعمائة وسكن القاهرة ولازم العراقي على كبر فسمع منه الكثير ولازم ابن حجر فكتب عنه لسان الميزان والنكت على الكاشف والكثير من التصانيف 234 ثم أكب على نسخ الكتب الحديثية وكان كثير السكون والعبادة والتلاوة مع حدة الخلق وجمع أشياء منها زوائد سنن ابن ماجه على الكتب الأصول الستة وعمل زوائد المسانيد العشرة وزوائد السنن الكبير للبيهقي وكتاب تحفة الحبيب للحبيب بالزوائد في الترغيب والترهيب لم يبيضه ولم يزل مكبا على الاشتغال والنسخ إلى أن توفي ليلة ثامن عشرى المحرم بالقاهرة
وفيها شهاب الدين أحمد بن صلاح بن محمد بن محمد بن عثمان بن علي بن السمسار الشافعي المعروف بابن المحمرة ويعرف أبوه بابن البحلاق ولد في صفر سنة سبع وستين وسبعمائة وحفظ القرآن وهو صغير والعمدة والمنهاج وسمع من عبد الله بن علي الباجي وتقي الدين بن حاتم ونحوهما وأكثر عن البرهان الشامي وابن أبي المجد وناب في الحكم وباشر عدة مدارس قال ابن قاضي شهبة في طبقاته ناب في القضاء مدة ودخل في قضايا كبار وفضلها وولي بعض البلاد فحصل منها مالا وصار يتجر بعد أن كان مقلا يتكسب من شهادة المخبز بالخانقاه الصلاحية ولما ولي قضاء الشام سار سيرة مرضية بحسب الوقت ولم يعدم من يفتري عليه إلا أنه كان متساهلا بحيث لا يتجنب عن القضايا الباطلة وكان لا يتولى الحكم بنفسه ولا يفصل شيئا ولا ينكر على ما يصدر من نوابه مع اطلاعه على حالهم انتهى وقال ابن حجر استمر بالقاهرة إلى أن شغرت مشيخة الصلاحية بصرف الشيخ عز الدين القدسي عنها فسار إليها في ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين فباشرها إلى أن مات في شهر ربيع الآخر انتهى
وفيها ست العيش أم عبد الله وأم الفضل عائشة بنت القاضي علاء الدين علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن أبي الفتح بن هاشم بن إسمعيل بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد الكاتبة الفاضلة الصالحة الكنانية العسقلانية الأصل ثم المصرية الحنبلية سبطة القلانسي ولدت سنة إحدى وستين وسبعمائة وحضرت 235 على جدها فتح الدين القلانسي أكثر العلامات وغيرها وسمعت من العز ابن جماعة والقاضي موفق الدين الحنبلي وناصر الدين الحراوي ولها إجازة من محب الدين الخلاطي وجماعة من الشاميين والمصريين وأكثر عنها الطلبة آخرا وكانت خيرة تكتب خطا جيدا وهي والدة القاضي عز الدين ابن قاضي المسلمين برهان الدين إبراهيم بن نصر الله الحنبلي
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن سليمان بن عبد الله المروزي الأصل نزيل القاهرة المعروف بابن الخراط الأديب الشاعر موقع الدست ولد بحماة في سنة سبع وسبعين وسبعمائة وقدم مع والده إلى حلب فنشأ بها واشتغل على والده وغيره في الفقه وغيره ثم تولع بالأدب واشتهر وأكثر من مدح أكابر أهل حلب ومدح جكم بقصائد طنانة فأجازه واختص به ونادمه ثم بعد إقامته بمصر مدح ملوكها ورؤساءها وقدم أخوه شمس الدين إلى القاهرة صحبة ابن البارزي فسعى له في كتابة السر بطرابلس فوليها ثم قدم الديار المصرية فقطنها وقرر في كتابة الإنشاء وكانت بيده وظائف كثيرة وولي قضاء الباب بعد والده فاستمر معه إلى أن مات واعتراه في آخر عمر انحراف بعد أن كان في غاية اللطافة والكياسة وتوفي ليلة الثلاثاء مستهل المحرم
وفيها تاج الدين عبد الرحمن بن عمر بن محمود بن محمد الشافعي الحلبي المعروف بابن الكركي ولد بحلب سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وسمع من جماعات وولي قضاء حلب مدة ثم نزل عن ذلك واستمرت بيده جهات قليلة يتبلغ منها قال ابن حجر سكن القاهرة مدة وناب عني في الحكم وحج وتوجه فلقيته بحلب لما توجهت إليها وأجاز لأولادي وتوفي في ثاني عشرى شهر رمضان
وفيها شمس الدين محمد بن إسماعيل بن أحمد الضبي الشافعي قال ابن حجر كان خطيبا بجامع يونس بالقرب من قنطرة السباع وكان دينا خيرا مقبلا على شأنه لازمني نحو الثلاثين سنة وكتب أكثر تصانيفي منها أطراف المسند 236 وما كمل من شرح البخاري وهو أحد عشر سفرا والمشتبه ولسان الميزان والأمالي وهي في قدر أربع مجلدات وتخريج الرافعي وكتب لنفسه من تصانيف غيري واشتغل بالعربية ولم تكن له همة في غير الكتابة وكان متقللا من الدنيا قانعا بالسير صابرا توفي يوم الثلاثاء ثاني عشرى رمضان
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد المناوي الأصل الجوهري الشافعي المعروف بابن الريفي قال ابن حجر حصلت له ثروة من قبل بعض حواشي الناصر من النساء وأكثر من القراءة على الشيخ برهان الدين البيجوري فقرأ عليه الروضة وفي الرافعي الكبير وفي الرافعي الصغير وغير ذلك ولازم دروس الولي العراقي وكان كثير التلاوة والإحسان للطلبة توفي يوم الخميس خامس شوال وكانت جنازته مشهودة
وفيها مجد الدين أبو الطاهر محمد بن محمد بن علي بن إدريس بن أحمد بن محمد بن عمر بن علي بن أبي بكر بن عبد الرحمن العلوي نسبة إلى بني علي بن بلي بن وائل التعزي الشافعي ولد في أول شوال سنة ست وثمانمائة وقرأ القرآن وحصل طرفا من العربية ونظم الشعر وأحب طلب الحديث فأخذ عن الجمال بن الخياط بتعز وحضر عند الفيروزبادي وأجاز له وحج سنة تسع وثلاثين فسمع بمكة ثم قدم القاهرة فأكثر على ابن حجر السماع ليلا ونهارا وكتب بخطه كثيرا ثم بغته الموت فتوعك أياما وتوفي يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الآخرة
وفيها شمس الدين محمد المغربي الأندلسي النحوي قال ابن حجر ولي قضاء حماة وأقام بها مدة ثم توجه إلى الروم فأقام بها وأقبل الناس عليه وكان شعلة نار في الذكاء كثير الاستحضار عارفا بعدة علوم خصوصا العربية وقد قرأ في علوم الحديث علي وكان وكان حسن الفهم مات في شعبان ببرصا من بلاد الروم
وفيها شرف الدين موسى بن أحمد بن موسى بن عبد الله بن سليمان السبكي الشافعي ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة تقريبا في شبك العبيد 237 وكان متصديا لشغل الطلبة بالفقه جميع نهاره وأقام على ذلك نحو عشرين سنة ولم يخلف بعده نظيره في ذلك وتوفي بمرض السل يوم الخميس سابع عشر ذي القعدة
وفيها شهاب الدين أبو الخير نعمة الله بن الشيخ شرف الدين محمد بن عبد الرحيم البكري الجرهي بكسر الجيم وفتح الراء الخفيفة ولد بشيراز سنة خمس عشرة وثمانمائة وسمع الكثير وحبب إليه الطلب قال ابن حجر سمع من أبيه وجماعة بمكة ثم قدم القاهرة فأكثر عنى وعن الشيوخ وفهم وحصل كثيرا من تصانيفي ومهر فيها وكتب الخط الحسن وعرف العربية
ثم بلغه أن أباه مات في العام الماضي فتوجه في البحر فوصل إلى البلاد
ورجع هو وأخوه قاصدين مكة فغرق نعمة الله في نهر الحسا في رجب أو شعبان ظنا ونجا أخوه فلما وصل إلى اليمن ركب البحر إلى جده فاتفق وقوع الحريق بها فاحترق مع من احترق لكنه عاش وفقد رجليه معا فإنهما احترقا والله أعلم
سنة إحدى وأربعين وثمانمائة
فيها وقع الطاعون في نصف الشتاء في البلاد الشامية فأكثر بحماة وحلب وحمص ثم تحول إلى دمشق أواخر الشتاء ثم اتصل بالبلاد المصرية
وفيها توفي الحافظ برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن محمد بن خليل الشيخ الإمام الحافظ الحلبي المعروف بالقوف سبط ابن العجمي قال في المنهل الصافي مولده في ثاني عشرى رجب سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وبها نشأ وطلب العلم وقرأ الحديث على الشيخ كمال الدين عمر بن العجمي وشرف الدين بن حبيب والظهير بن العجمي وخلق وقرأ النحو على الشيخين أبي جعفر وأبي عبد الله الأندلسيين وغيرهما واشتغل في الفقه والقراآت والتصريف 238 والبديع والتصوف ورحل فسمع بحماة ودمشق والقاهرة من الحافظ ابن المحب وصلاح الدين بن أبي عمر والحافظ زين الدين العراقي والحافظ سراج الدين بن الملقن وغيرهم وسمع بالأكسندرية والقدس وغزة وسمع منه جماعة كثيرون منهم ابن حجر وابن ناصر الدين حافظ دمشق وغيرهما ورحلت إليه الطلبة وكان إماما حافظا بارعا مفيدا سمع الكثير وألف التآليف المفيدة الحسنة وكتب على صحيح البخاري وعلى سيرة ابن سيد الناس وعلى كتاب الشفا للقاضي عياض وصنف نهاية السول في رواية الستة الأصول وشرح سنن ابن ماجه وذيل على كتاب الميزان للذهبي وتوفي بحلب ضحى يوم الإثنين السادس والعشرين من شوال انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن أحمد بن عبد الرحمن المادح المعروف بالقرداح الواعظ ولد سنة ثمانين وسبعمائة قال ابن حجر قد انتهت إليه رياسة الفن ولم يكن في مصر والشام من يدانيه وكان طيب النغمة عارفا بالمويسيقي يجيد الأعمال ويتقنها ولا ينشد غالبا إلا معربا ومهر في علم الميقات وكان ينظم نظما وسطا سمعت منه ومدحني مرارا وكان يعمل الألحان وينقل كثيرا منها إلى ما ينظمه فإذا اشتهر وكثر استعمل غيره وهو أحد مفاخير الديار المصرية ولم يخلف بعده مثله وخلف كتبا كثيرة تزيد على ألف مجلد وخلف مالا جزيلا خفى غالبه على ورثته انتهى
وفيها الملك الأشرف برسباي بن عبد الله أبو النصر الدقماقي الظاهر الجاركسي سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والأقطار الحجازية الثاني والثلاثون من ملوك الترك والثامن من ملوك الجراكسة أخذ من بلاد الجركس وأبيع بالقرم ثم اشتراه بعض التجار وقدم به إلى الجهة الشامية فلما وصل إلى مدينة ملطية اشتراه نائبها الأمير دقماق المحمدي ثم أرسله إلى الملك الظاهر برقوق في جملة تقدمة هائلة ثم أعتقه برقوق وتنقلت به الأيام إلى أن 239 صار ساقيا في دولة الناصر فرج ثم انحرف إلى جهة الأميرين شيخ ونوروز وصار معهما إلى أن قتل الناصر وقدم صحبة الأمير شيخ إلى الديار المصرية وصار من جملة الأمراء بها ولا زال يترقى إلى أن صار أمير مائة مقدم ألف ثم ولي نيابة طرابلس سنة إحدى وعشرين وثمانمائة ثم عزل وقبض عليه وحبس بالمرقب ثم أفرج عنه وصار أمير مائة ومقدم ألف بدمشق ثم عاد إلى الديار المصرية صحبة الملك الظاهر ططر سنة أربع وعشرين ثمتنقلت به الأحوال إلى أن بويع بالسلطنة في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين فساس الملك أحسن سياسة ونالته السعادة وفتحت في أيامه عدة فتوحات منها ما غوصة قبرص ثم بقية جزيرة قبرص وأسر ملكها جينوس ولم يقتل من المسلمين إلا القليل ثم عرض عليه جينوس ومن معه من الأسرى وهو يرفل في قيوده على برسباي فذرفت عيناه وأعلن بالحمد والشكر ورتب له ما يكفيه ثم أطلقه وأعاده بعد أن ضرب عليه الجزية واستمرت وكان برسباي ملكا جليلا مهابا عارفا سيوسا متواضعا حسن الخلق شهما شجاعا ذا شيبة نيرة وهيئة حسنة متجملا في حركاته حريصا على ناموس الملك لا يتعاطى شيئا من المسكرات محبا لجمع المال مكثرا من المماليك شرها في جمع الخيول والجمال وغيرها وكانت أيامه في غاية الحسن مرض في أوائل شعبان وتطاول به المرض ولما قوي عليه المرض وسط طبيبه العفيف الأسلمي رئيس الأطباء وزين الدين خضر في يوم السبت رابع شوال ولما قدم العفيف للتوسيط استسلم وثبت حتى صار قطعتين وقدم خضر فراع وجزع جزعا شديدا ودافع عن نفسه وصاح وبكى فتكاثروا عليه ووسطوه توسيطا معذبا لتلويه واضطرابه فساءت القالة في السلطان وقوى مرضه من حينئذ وابتلى بالصرع المهول إلى أن توفي قبيل عصر يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة عن نيف وستين سن وتسلطن بعده ولده العزيز بويسف بعهد منه وكانت مدة سلطنته 240 ست عشرة سنة وثمانية شهور وخمسة أيام وهو الذي أنشأ المدرسة الأشرفية في القاهرة بين القصرين وغيرها من الآثار الجميلة
وفيها قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن أقضى القضاة ناصر الدين محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن حمزة الشيخ الإمام العالم المحدث الحنبلي الشهير بابن زريق قرأ القرآن واشتغل فقرأ الخرقي وأخذ الفقه عن جماعة منهم الشيخ شرف الدين بن مفلح قرأ عليه قطعة كبيرة من فروع والده ويقال أنه كان يحفظ ثلث الفروع والشيخ شمس الدين بن القباقبي وأذن له في الافتاء وكان له ذهن جيد ومحاضرة حسنة وناب في الحكم ثم ترك وأقبل على عمل الميعاد بالجامع المظفري وقرأ صحيح البخاري فيه مع تقشف وديانة إلى أن لحق بالله تعالى في الطاعون ودفن بالروضة قريا من الشيخ موفق الدين وتأسف الناس على فقده
وفيها أحمد بن يحيى الشاوي اليمني الصوفي قال المناوي في طبقاته كان كبير القدر سريا رفيع الذكر سنيا صاحب أحوال وكرامات منها أنه قصده جمع من الزيدية ممن لا يثبت الكرامات وقصدوا امتحانه وكان عنده جب فيه ماء فجعل يغرف منه تارة لبنا وتارة سمنا وأخرى عسلا وغير ذلك بحسب ما اقترحوا عليه ودخل على القاضي عثمان بن محمد الناشري وقد أرجف بموته ثم خرج وعاد إليه وقال لأهله قد استمهلت له ثلاث سنين فأقام القاضي بعدها ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص وكان يحصل له وجد عظيم عند السماع فيتكلم بغرائب من العلوم والمعارف والحقائق انتهى
وفيها القاضي تاج الدين أبو محمد عبد الرحيم بن محمد بن أبي بكر الطرابلسي الحنفي سمع علي ابن مناع الدمشقي بعض الأجزاء الحديثية بسماعه من عيسى المطعم وسمع على البرهان الشامي وغيره وحدث قليلا وناب في الحكم عن أخيه أمير الدين وغيره وولي افتاء دار العدل وكان يصمم في 241 الأحكام ولا يتاسله كغيره وأقعد في أواخر عمره وحصلت هل رعشة ثم فلج فحجب وأقام على ذلك إلى أن مات ليلة الثاني والعشرين من المحرم
وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن مصلح الدين موسى بن إبراهيم الرومي الحنفي الشيخ الإمام العلامة ولد سنة ست وخمسين وسبعمائة وكان فقيها باعرا مفننا في علوم شتى تخرج بالشريف الجرجاني والسعد التفتازاني وحضرا أبحاثهما بحضرة تيمور وغيره فكان يحفظ تلك الأسئلة والأجوبة المفحمة ويتقنها وقدم مصر مرات ونالته الحرمة الوافرة من الملك الأشرف برسباي وولاه مشيخة الصوفية بمدرسته التي أنشأها وتدريسها فباشرها مدة ثم تركها وتوجه إلى الحج وكان دأبه الانتقال من بلد إلى بلد وكان متضلعا من العلوم عالما مفننا محققا عارفا بالجدل بارعا في علوم كثيرة إلا أنه يستخف بكثير من علماء مصر وانضم إليه طلبتها لما قدم آخرا وأخذ في الاشغال فلم تطل مدته وتوفي يوم الأحد العشرين من شهر رمضان
وفيها علاء الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد البخاري العجمي الحنفي العلامة علامة الوقت قال ابن حجر ولد سنة تسع وسبعين وسبعمائة ببلاد العجم ونشأ ببخارى فتفقه بأبيه وعمه العلاء عبد الرحمن وأخذ الأدبيات والعقليات عن السعد التفتازاني وغيره ورحل إلى الأقطار واجتهد في الأخذ عن العلماء حتى برع في المعقول والمنقول والمفهوم والمنطوق واللغة والعربية وصار إمام عصره وتوجه إلى الهند فاستوطنه مدة وعظم أمره عند ملوكه إلى الغاية لما شاهدوه من غزير علمه وزهده وورعه ثم قدم مكة فأقام بها ودخل مصر فاستوطنها وتصدر للأقراء بها فأخذ عنه غالب من أدركناه من كل مذهب وانتفعوا به علما وجاها ومالا ونال عظمة بالقاهرة مع عدم تردد إلى أحد من أعيانها حتى ولا السلطان والكل يحضر إليه وكان ملازما للاشغال والأمر بالمعروف والنهي 242 عن المنكر والقيام بذات الله تعالى مع ضعف كان يعتريه وآل أمره إلى أن توجه إلى الشام فسار إليها بعد أن سأله السلطان الإقامة بمصر مرارا فلم يقبل وسار إليها فأقام بها حتى مات في خامس شهر رمضان ولم يخلف بعده مثله في العلم والزهد والورع واقماع أهل الظلم والجور
سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة
فيها خلعوا الملك العزيز بن برسباي بعد أن كان له في السلطنة ثلاثة أشهر وأقيم الملك الظاهر أبو سعيد جقمق
وفيها توفي إبراهيم بن حجي الحنبلي الكفل حارسي الشيخ الإمام العلامة برهان الدين قاله العليمي في طبقتاته
وفيها شهاب الدين أحمد بن تقي الدين محمد بن أحمد الدميري المالكي المعروف بابن تقي وكانت أمه أخت القاضي تاج الدين بهرام فكان ينتسب إليها ولا ينتسب لأبيه ويكتب بخطه في الفتاوي وغيرها أحمد بن أخت بهرام قال ابن حجر كان فاضلا مستحضرا للفقه والأصول والعربية والمعاني والبيان وغيرها فصيحا عارفا بالشروط والأحكام جيد الخط قوي الفهم لكنه كان زر يالهيئة مع ما ينسب إليه من كثرة المال وقد عين للقضاء مرارا فلم يتفق وكان في صباه آية في سرعة الحفظ بحيث يحفظ الورقة من مختصر ابن الحاجب من مرتين أو ثلاث وتوفي في ثاني عشر ربيع الأول ولم يكمل الستين وخلف ذكرين وأنثى
وفيها علم الدين أحمد بن القاضي تاج الدين محمد بن القاضي علم الدين محمد بن القاضي كمال الدين محمد بن القاضي برهان الدين محمد الأخنائي المالكي أحد نواب الحكم بالقاهرة قال في المنهل كان فقيها فاضلا مستحضرا لفروع مذهبه من بيت علم ورياسة وفضل ناب في الحكم عدة سنين وكان مشكور السيرة في أحكامه وله ثروة وحشمة مات بعد مرض طويل بالقاهرة في يوم 243 الأربعاء خامس عشرى شهر رمضان
وفيها الملك الظاهر هزبر الدين عبد الله وقيل يحيى بن إسمعيل بن علي بن داود بن يوسف بن عمر بن علي بن رسول صاحب اليمن بن الأشرف ملك اليمن في رجب سنة ثلاثين وثمانمائة وضعفت مملكته وخربت ممالك اليمن في أيامه لقلة محصوله بها من استيلاء العربان على أعمالها ولم يزل على ذلك إلى أن توفي يوم الخميس سلخ رجب وملك بعده ابنه الملك الأشرف إسمعيل وله نحو العشرين سنة فساءت سيرته
وفيها علي بن عبد الرحمن بن محمد الشلقامي الشافعي قال ابن حجر ولد في الطاعون الكبير سنة تسع وأربعين وسبعمائة أو في حدودها وهو أسن من بقي من الفقهاء الشافعية حضر دروس الجمال الأسنائي وكان من أعيان الشهود وله فضيلة ونظم مات راجعا من الحج بالقرب من السويس
وفيها موفق الدين علي بن محمد بن قحر بضم القاف وسكون المهملة بعدها راء الشافعي الزبيدي قال في المنهل الإمام العامل المفنن عالم زبيد ومفتيها ولد سنة ثمان وخمسين وسبعمائة وانتهت إليه رياسة العلم والفتوى بزبيد إلى أن توفي بها في ثاني شوال انتهى
وفيها حافظ دمشق شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن مجاهد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن علي القيسي الدمشقي الشهير بابن ناصر الدين الشافعي وقيل الحنبلي ولد في أواسط محرم سنة سبع وسبعين وسبعمائة بدمشق وبها نشأ وحفظ القرآن العزيز وعدة متون وسمع الحديث في صغره من الحافظ أبي بكر بن المحب وتلا بالروايات على ابن البانياسي ثم أكب على طلب الحديث ولازم الشيوخ وكتب الطباق وسمع من خلق منهم بدر الدين بن قوام ومحمد بن عوض والعز الأبناسي وابن غشم المرداوي 244 والصدر المناوي ونجم الدين بن العز وبرهان الدين بن عبد الهادي وأبو هريرة بن الذهبي وخلائق يطول ذكرهم وأخبر السخاوي أنه قرأ على ابن حجر وابن حجر قرأ عليه ومهر في الحديث وكتب وخرج وعرف العالي والنازل وخرج لنفسه ولغيره وصار حافظ الشام بلا منازع وأخذ العربية عن البانياسي وغيره والفقه عن ابن خطيب الدهشة والسراج البلقيني وأجاز له من القاهرة الحافظ الزين العراقي والسراج بن المقن وغيرهما واشتهر اسمه وبعد صيته وألف التآليف الجليلة منها توضيح مشتبه الذهبي في ثلاث مجلدات كبار وجرد منه كتاب الأعلام بما وقع في مشتبه الذهبي من الأوهام وبديعة البيان عن موت الأعيان نظما وشرحها في مجلد سماه التبيان وقصيدة في أنواع علوم الحديث سماها عقود الدرر في علوم الأثر وشرحها شرحين مطول ومختصر وكتاب السراق من الضعفاء وكشف القناع عن حال من افترى الصحبة والأتباع واتحاف السالك برواية الموطأ عن مالك وجامع الآثار في مولد المختار ثلاثة أسفار كبار ومورد الصادي في مولد الهادي واختصر منه اللفظ الرائق في مولد خير الخلائق وله مصنفات في المعراج وكذا في الوفاة النبوية وافتتاح القاري لصحيح البخاري وتحفة الأخباري بترجمة البخاري ومنهاج السلامة في ميزان القيامة والتنقيح لحديث التسبيح وجزء في فضل يوم عرفة وجزء في فضل يوم عاشوراء وبرد الأكباد عن موت الأولاد ونفحات الأخيار في مسلسلات الأخبار والأربعون المتباينة الأسانيد والمتون ومسند تميم الداري وترجمته وعرف العنبر في وصف المنبر والروض الندى في الحوض المحمدي مجلد ذكر فيه طرق حديث الحوض من ثمانين طريقا وربع الفرع في شرح حديث أم زرع ورفع الدسيسة بوضع الهريسة وجزء فيه أحاديث ستة عن حفاظ ستة في معان ستة من مشايخ الأئمة الستة بين مخرجيها وبين رواتها ستة ونيل الأمنية بذكر الخيل النبوية والاملاء الأنفسي في ترجمة 245 عسعسي وأعلام الرواة بأحكام حديث القضاة والأعلام الواضحة في أحكام المصافحة واطفاء حرقة الحوبة بالباس خرقة التوبة ومختصر في مناسك الحج وعدة مصنفات أخر وتوفي بدمشق في ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الآخر ودفن بمقبرة باب الفراديس
وفيها تاج الدين عبد الوهاب بن أحمد بن محمد بن عبد القادر الجعفري النابلسي الحنبلي قال العليمي الشيخ الإمام العالم القاضي كان من أهل الفضل وهو من بيت علم ورياسة وكان يكتب على الفتوى عبارة حسنة تدل على فضله وصنف مناسك الحج وهو حسن وله رواية في الحديث وخط حسن ولي قضاء الحنابلة بنابلس وباشر مدة طويلة وتوفي بها
وتوفي ولده زين الدين جعفر في سنة أربع وأربعين وولده الثاني القاضي زين الدين عمر في سنة ست وأربعين وثمانمائة
وفيها قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن نعيم بن محمد بن حسن بن غنام البساطي المالكي النحوي قال السيوطي ولد في جمادى الأولى سنة ستين وسبعمائة ببساط وانتقل إلى مصر واشتغل بها كثيرا في عدة فنون وكان نابغة الطلبة في شبيبته واشتهر أمره وبعد صيته وبرع في فنون المعقول والعربية والمعاني والبيان والأصلين وصنف فيها وفي الفقه وعاش دهرا في بؤس بحيث انه كان ينام على قشر القصب ثم تحرك له الحظ فولي تدريس المالكية بمدرسة جمال الدين الاستادار ثم مشيخة تربة الملك الناصر ثم تدريس البرقوقية وتدريس الشيخونية وناب في الحكم عن ابن عمه ثم تولي القضاء بالديار المصرية سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة فأقام فيه عشرين سنة متوليا لم يعزل منه وكان سمع الحديث من التقى البغدادي وغيره ولم يعتن به ومن تصانيفه المغنى في الفقه وشفاء الغليل في مختصر الشيخ خليل وشرح ابن الحاجب الفرعي وحاشية على المطول وحاشية 246 على شرح المطالع للقطب وحاشية على المواقف للعضد ونكت على الطوالع للبيضاوي ومقدمة في أصول الدين وأخذ عنه جماعة من أئمة العصر منهم شيخنا الإمام الشمني وقاضي القضاة محي الدين المالكي قاضي مكة وحدثنا عنه غير واحد ومات بالقولنج ثاني عشر شهر رمضان وأمطرت السماء بعد دفنه مطرا غزيرا أي وكانت وفاته بالقاهرة
وفيها جمال الدين محمد بن سعيد بن كبن بفتح الكاف وشدة الموحدة بعدها نون اليمني قاضي عدن كان فاضلا مشاركا في علوم كثيرة ولي القضاء بعدن نحوا من أربعين سنة تخللتها ولاية للقاضي عيسى اليافعي مددا مفرقة وتوفي بعدن وأسف الناس عليه لما كان فيه من المداراة وخفض الجناح ولين الجانب والاصلاح بين الخصوم وقد قارب الثمانين
وفيها شرف الدين أبو التون يونس بن حسين بن علي بن محمد بن زكريا الزبيري بن الجزار الألواحي نزيل القاهرة الشافعي ولد بالقاهرة سنة خمس وستين وسبعمائة وسمع من عبد الرحمن بن القاري وناصر الدين الطبردار وغيرهما وحدث بالكثير وعرض العمدة على الجمال الأسنوي ولازم السراج البلقيني قال ابن حجر وجمع لنفسه مجاميع مفيدة لكنه كان عريا من العربية فيقع له اللحن الفاحش وكان كثير الابتهال والتوجه ولا يعدم في طول عمره عاميا يتسلط عليه وخصوصا ممن يجاوره وسمع منه خلق وتوفي ليلة الخميس رابع عشر ذي الحجة
سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة
فيها توفي برهان إبراهيم بن فلاح النابلسي الحنبلي كان من العلماء العاملين توفي بصالحية دمشق
وفيها تقي الدين عبد اللطيف بن القاضي بدر الدين محمد بن الأمانة قال 247 ابن حجر درس في الحديث بالمنصورية وفي الفقه بالمدرسة الهكارية مكان أبيه أياما ومات وهو شاب في يوم الأحمد ثامن عشرى ذي القعدة وكان مشكور السيرة على صغر سنه انتهى
وفيها القاضي علاء الدين علي بن محمد بن سعد بن محمد بن علي بن عمر بن إسمعيل بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب بن علي بن هبة الله بن ناجية الطائي الشافعي الحلبي قاضي حلب وفقيهها المعروف بابن خطيب الناصرية ولد سنة أربع وسبعين وسمع من أحمد بن عبد العزيز بن المرحل وهو أقدم شيخ له ومن عمر بن أيدغمش خاتمة أصحاب إبراهيم بن خليل وكان إماما عالما مفنا شديد الحب للقضاء حتى بلغ من غيرته عليه أنه أوصى بأن يسعى به لابن بنته أثير الدين بن الشحنة في قضاء الشافعية بحلب مع أنه حنفي المذهب توفي يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة بحلب ولم يخلف بعده مثله ولا قريبا منه
وفيها جمال الدين محمد بن عبد الله الكازروني المدني الشيخ الإمام العالم انتهت ِإليه رياسة العلم بالمدينة النبوية وولي قضاءها وخطابتها ثم صرف ودخل القاهرة مرارا ولم يخلف بعده من يقارنه بالمدينة المنورة
وفيها شمس الدين محمد بن يحيى بن علي بن محمد بن أبي بكر المصري الصالحي نسبة إلى قرية يقال لها مينة أم صالح بناحية مليج الغربية وإلى حارة الصالحية بالبرقية داخل القاهرة الشافعي المذهب ولد قبل الستين وسبعمائة وعنى بالقراءات فأتقن السبع على جماعة ورحل إلى دمشق واشتغل بالفقه وتولى تدريس الفقه بالبرقوقية عن الشيخ أوحد بحكم نزوله له عنه بمبلغ كبير من الذهب واتصل بالأمير قطلوبغا الكركي فقرره إماما بالقصر وناب بجاهه في الحكم أحيانا وأم قطلوبغا المذكور ثم ولي مشيخة القراءات بالمدرسة المؤيدية لما فتحت وما تزوج وكان مولعا بالمطالب ينفق ما يتحصل له فيها مع 248 التقتير على نفسه وكف بصره في أواخر عمره واختل ذهنه عفا الله عنه قاله ابن حجر
وفيها صلاح الدين خليل بن أحمد الأديب المعروف بابن الفرس المصري الشاعر المشهور قال في المنهل الصافي كان أديبا ذكيا فاضلا يلبس لبس أولاد الأتراك واشتغل في ابتداء أمره بفقه الحنفية ثم غلب عليه الأدب حتى صار معدودا من الشعراء المجيدين وكان ضخما جسيما إلا أنه كان لطيفا حاذقا حلو المحاضرة حسن البديهة ومن شعره
( عجوزة حدباء عاينتها
تبسمت قلت استري فاكي )
( سبحان من بدل ذاك البها
بقبح أشداق وأحناك )
ومنه أيضا
( خليل ابسطالي الانس أني
فقير مت في حب الغواني )
( وأن تجدا مداما أو قيانا
خذان للمدامة والقيان )
توفي في شعبان وقد نيف على الخمسين
سنة أربع وأربعين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن رسلان بن نصير بن صالح الشافعي لمعروف بالعجيمي قاضي المحلة قال في المنهل كان فقيها عالما فاضلا ولي نيابة الحكم بالمحلة وغيرها عدة سنين وكثر ماله من ذلك وكانت له وجاهة واستمر على ذلك إلى أن توفي يوم الثلاثاء رابع عشرى جمادى الأولى عن أكثر من ثمانين سنة
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حسين بن أرسلان المقدسي الشافعي الصوفي الشيخ الإمام العالم الصالح القدوة ولد برملة فلسطين سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ثم رحل لأخذ العلوم فسمع الحديث على جماعة كثيرة 249 وبرع في الفقه حتى أجازه قاضي القضاة الباعوني بالافتاء وتصدى للأقراء وما قرأ عليه أحد إلا انتفع وكان يكنى جماعته بكنى كأبي طاهر وأبي المواهب فلا يتخلف أثرها ولزم الافتاء والتدريس مد ثم ترك ذلك وسلك طريق الصوفية القويم وجد واجتهد حتى صار منارا يهتدي به السالكون وشعارا يقتدي به الناسكون وغرست محبته في قلوب الناس فأثمر له ذلك الغراس ومن تصانيفه النافعة شرح سنن أبي داود والبخاري وعلق على الشفا وشرح مختصر ابن الحاجب وجمع الجوامع ومنهاج البيضاوي وشرح أرجوزته الزبد في كبير وصغير وتصحيح الحاوي ومختصر الروضة والمنهاج وأدب القاضي للغزي والأذكار وحياة الحيوان ونظم في علم القراآت وأعرب الألفي وشرح الملحة وعمل طبقات الشافعية ونظم من علوم القرآن ستين نوعا ومن نظمه في المواضع التي لا يجب فيها رد السلام
( رد السلام واجب إلا على
من في صلاة أو بأكل شغلا )
( أو شرب أو قراءة أو أدعية
أو ذكر أو في خطبة أو تلبية )
( أو في قضاء حاجة الإنسان
أو في إمام أو الأذان )
( أو سلم الطفل أو السكران
أو شابة يخشى به افتتان )
( أو فاسق أو ناعس أو نائم
أو حالة الجماع أو محاكم )
( أو كان في الحمام أو مجنونا
هي اثنتان بعدها عشرونا )
قال المناوي في طبقات الأولياء وله كرامات لا تكاد تحصى منها أنه شفع عند طوغان كاشف الرملة فلم يقبل شفاعته وقال طولتم علينا يا ابن رسلان إن كان له سر فليرم هذه النخلة لنخلة بقربه فما تم كلامه إلا وهبت ريح عاصفة فألقتها فبادر إلى الشيخ معتذرا ومنها أنه لما أتم كتاب الزبد أتى به إلى البحر وثقله بحجر وألقاه في قعره وقال اللهم إن كان خالصا لك فأظهره وإلا فأذهبه فصعد من قعر البحر حتى صار على وجه الماء ولم يذهب منه حرف ومنها أنه سمع 250 عند إنزاله القبر يقول ( وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن صالح المحلى الشافعي قال في المنهل الشيخ الإمام العلامة كان إماما بارعا في الفقه والأصول والفرائض والنحو والتصريف وتصدر لتلدريس عدة سنين وخطب مدة مع سلوك ونسك وعبادة وصلاح وكان للناس فيه اعتقاد حسن ولم يزل على ذلك إلى أن توفي يوم الأربعاء ثامن عشرى ذي الحجة انتهى>
رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ) وكان صائما قائما قلما يضطجع بالليل وتوفي بالقدس يوم الإثنين لثمان بقين من شهر رمضان عن إحدى وسبعين سنة وارتجت الدنيا لموته ولم يخلف بعده بتلك الديار مثله
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن صالح المحلى الشافعي قال في المنهل الشيخ الإمام العلامة كان إماما بارعا في الفقه والأصول والفرائض والنحو والتصريف وتصدر لتلدريس عدة سنين وخطب مدة مع سلوك ونسك وعبادة وصلاح وكان للناس فيه اعتقاد حسن ولم يزل على ذلك إلى أن توفي يوم الأربعاء ثامن عشرى ذي الحجة انتهى
وفيها قاضي القضاة محب الدين أبو الفضل أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي ثم المصري الحنبلي شيخ الإسلام وعلم الأعلام المعروف بابن نصر الله شيخ المذهب ومفتي الديار المصرية ولد ببغداد في ضحوة يوم السبت سابع عشر رجب سنة خمس وستين وسبعمائة وسمع بها من والده الشيخ نصر الله ومن نجم الدين أبي بكر بن قاسم ونور الدين علي بن أحمد المقري وعنى بالحديث ثم قدم القاهرة مع والده وأخذ عن مشايخ منهم سراج الدين البلقيني وزين الدين العراقي وابن الملقن وأخذ عن الشيخ زين الدين بن رجب بالشام وسمع بحلب من الشهاب بن المرحل وولي تدريس الظاهرية البرقوقية وغيرها وناب في الحكم عن ابن المغلي وناظر وأفتى وانتفع به الناس وكان متضلعا بالعلوم الشرعية من تفسير وحديث وفقه وأصول قال برهان الدين بن مفلح في طبقاته وهو من أجل مشايخنا وانتهت إليه مشيخة الحنابلة بعد موت مستخلفه علاء الدين بن مغلى وله عمل كثير في شرح مسلم وله حواش على المحرر حسنة وعلى الفروع وكتابة على الفتوى نهاية وأفتى بصحة الخلع حيلة وعدم وقوع الطلاق بفعل المحلوف عليه في 251 زمن البينونة ويأيت نظير ذلك في ترجمة نور الدين الشيشيني ومن فوائده أن من اشترى حصة مبلغها النصف مثلا من بناء على أرض محتكرة فليس لشريكه طلب الشفعة في البناء المبيع دون الأرض ومنها قوله كثيرا ما يقع في سجلات القضاة الحكم بالموجب تارة والحكم بالصحة أخرى وقد اختلف كلام المتأخرين في الفرق بينهما وعدمه ولم أجد لأحد من أصحابنا كلاما منقولا في ذلك والذي نقوله بعد الاستعصام بالله تعالى وسؤاله التوفيق أن الحكم بالصحة لا شك أنه يستلزم ثبوت الملك والحيازة قطعا فإذا ادعى رجل أنه ابتاع من آخر عينا واعترف المدعى عليه بذلك لم يجز للحاكم الحكم بصحة البيع بمجرد ذلك حتى يدعى المدعي أنه باعه العين المذكورة وهو مالك لها ويقيم البينة بذلك فأما لو اعترف له البائع بذلك لم يكن جواز الحكم بالصحة لأن اعترافه يقتضي ادعاء ملك العين المبيعة وقت البيع ولا يثبت ذلك بمجرد دعواه فلا بد من بينة تشهد بملكه وحيازته حال البيع حتى يسوغ للحاكم الحكم بالصحة وأما الحكم بالموجب بفتح الجيم فمعناه الحكم بموجب الدعوى الثابتة بالبينة أو علم القاضي أو غيرهما هذا هو معنى الموجب ولا معنى للموجب غير ذلك وكان لا ينظر بإحدى عينيه مع حسن شكله وأبهته واستقل بقضاء مصر مددا وأجازه الشمس الكرماني بإجازة عظيمة ووصفه بالفضيلة مع صغر السن وتمثل فيه بقول الشاعر
( إن الهلال إذا رأيت نموه
أيقنت أن سيصير بدرا كاملا )
وتوفي بالقاهرة صبيحة يوم الأربعاء النصف من جمادى الآخرة عن ثمان وسبعين سنة وعشرة أشهر إلا يومين واستقر ولده يوسف بعده في تدريس المنصورية والأشرفية
وفيها قاضي القضاة موفق الدين علي بن أبي بكر اليمني الشافعي الشهير بالناشري كان عالم مدينة تعز باليمن وقاضيها ومفتيها وبها توفي في خامس 252 عشرى صفر عن تسعين سنة
وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن عثمان بن عمر بن صالح الدمشقي الشافعي الشهير بابن الصيرفي ولد بدمشق سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة وبها نشأ وطلب العلم وسمع الحديث على أبي الحسن علي بن أبي المجد والزين عمر البالسي وفاطمة بنت المنجا والكمال بن النحاس وغيرهم وحفظ عدة متون في مذهبه وتفقه على الشرف الغزي والشهاب الملكاوي وبرع في الفقه والأصول والعربية والحديث وقدم القاهرة سنة ثلاث وثمانمائة فأخذ عن السراج البلقيني والحافظ الزين العراقي وقرأ الأصول على العز بن جماعة ثم عاد إلى دمشق واشتهر في آخر عمره وتصدر بجامع بني أمية وأفتى ودرس بالشامية البرانية وبدار الحديث الأشرفية وصنف عدة تصانيف منها كتاب الوصول إلى ما في الرافعي من الأصول مجلد وكتاب نتائج الفكر في ترتيب مسائل المنهاج على المختصر في أربع مجلدات وكتاب ذهن الفقيه الساري في ترتيب مسائل المنهاج على أبواب البخاري وهو كبير جدا وكتاب خطب في في مجلد وكتاب زاد السائرين في فقه الصالحين وهو شرح للتنبيه وناب في الحكم في أواخر عمره وكان دينا سليم الصدر متواضعا متقشفا في ملبسه ملازما للاشتغال والاشغال إلى أن توفي بدمشق ليلة الإثنين حادي عشر رمضان ودفن بمقابر الصوفية
وفيها برهان الدين إبراهيم بن البجلاق البعلي الحنبلي شيخ الحنابلة ومدرسهم ومفتيهم بمدينة بعلبك له سماع كثير للحديث وتوفي ببعلبك في أواسط شوال
وفيها قاضي القضاة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي بكر بن أحمد بن علي بن إسمعيل الحنبلي المعروف بابن الرسام ولد تقريا سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة وولي قضاء حماة ثم قضاء حلب وقدم الشام والقاهرة مرارا 253 وأسمع الصحيح من شمس الدين بن اليونانية وسمع من العراقي وأجاز له جماعة منهم ابن المحب وابن رجب وكان يعمل المواعيد وله كتاب في الوعظ على نمط كتاب شيخه ابن رجب المعروف بلطائف المعارف وتوفي في شوال
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الكرم الحنبلي المعروف بأبي شعر الشيخ الإمام العلامة القدوة الحافظ نشأ على خير ودين واشتغل على الشيخ علاء الدين بن اللحام وأذن له بالإفتاء شمس الدين القباقبي وحضر زين الدين بن رجب وعنى بالحديث وعلومه وكان أستاذا في التفسير وله مشاركة جيدة في الفقه والأصلين والنحو وكان متبحرا في كلام الشيخ تقي الدين بن تيمية إلى أن وقع له كائنة مع بعض الناس فلزم بيته بصالحية دمشق وعكف عليه جماعة كثيرا وانتفعوا به وكانت هيئتة تذكر بالسلف الصالح وله كشف سريع وصبر في حق الله تعالى توفي في ثامن عشرى شوال ودفن بالروضة قريبا من الشيخ موفق الدين
وتوفي قبله ولده برهان الدين إبراهيم في الطاعون سنة إحدى وأربعين وكان شابا حسنا دينا فاضلا تأسف الناس عليه
وفيها نور الدين أبو الحسن علي بن عمر بن حسن بن حسين بن علي بن صالح التلواني الشافعي أصله من الغرب وسكن والده بجروان قرية بالمنوفية بالوجه البحري من أعمال القاهرة فولد له بها الشيخ نور الدين هذا بعد سنة ستين وسبعمائة فنشأ بها وحفظ القرآن العزيز ثم سكن تلوانة بالمنوفية أيضا فعرف بالتلواني ثم قدم القاهرة وطلب العلم وأكب على الاشتغال ولازم السراج البلقيني وغيره وأجازه البلقيني بالفتوى والتدريس وتصدر لهما وانتفع به جماعة وحضر دروسه غالب علماء العصر وتولى عدة وظائف دينية وتداريس عديدة منها تدريس قبة الشافعي إلى أن توفي يوم الإثنين ثالث عشرى ذي القعدة وقد أناف على الثمانين وحواسه سليمة 254
وفيها شمس الدين محمد بن عمار بن محمد المالكي الإمام العالم العلامة ولد في حدود الستين وسبعمائة واشتغل قديما ولقي المشايخ وسمع من كثيرين وقرأ بنفسه قال ابن حجر وسمع معي بالقاهرة والأسكندرية وكان صاحب فنون وقد جمع مجاميع كثيرة وشرح العمدة وكتب على التسهيل واختصر كثيرا من الكتب المطولة وسكن بمصر بجوار جامع عمرو بن العاص وانتفع به المصريون وسكن تربة الشيخ أبي عبد الله الجبرتي بالقرافة مدة وكان حسن المحاضرة محبا في الصالحين حسن المعتقد وتوفي ليلة السبت رابع عشرى ذي الحجة وقد أكمل ستا وثمانين سنة انتهى
سنة خمس وأربعين وثمانمائة
فيها توفي تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد المقريزي الحنفي البعلي الأصل المصري المولد والدار والوفاة الإمام العالم البارع عمدة المؤرخين وعين المحدثين ولد بعد سنة ستين وسبعمائة ونشأ بالقاهرة وتفقه على مذهب الحنفية وهو مذهب جده العلامة شمس الدين محمد بن الصايغ ثم تحول شافعيا بعد مدة طويلة وسمع الكثير من البرهان النشاوري والبرهان الآمدي والسراج البلقيني والزين العراقي وسمع بمكة من ابن سكر وغيره وله إجازة من الشيخ شهاب الدين الأذرعي والجمال الأسنوي وغيرهما وكان علما من الأعلام ضابطا مؤرخا مفننا محدثا معظما في الدول ولي حسبة القاهرة غير مرة 255 وعرض عليه قضاء دمشق فأبى وكتب الكثير بخطه وانتقى وحصل الفوائد واشتهر ذكره في حياته وبعد موته في التاريخ وغيره حتى صار يضرب به المثل وكان منقطعا في داره ملازما للخلوة والعبادة قل أن يتردد لأحد إلا لضرورة إلا أنه كان كثير التعصب على السادة الحنفية وغيرهم لميله إلى مذهب الظاهر قال ابن تغرى بردى قرأت عليه كثيرا من مصنفاته وكان يرجع إلى قولي فيما أذكره له من الصواب وأجاز لي جميع ما تجوز له وعنه روايته ومن مصنفاته امتاع الأسماع فيما للنبي من الحفدة والمتاع في ست مجلدات وكتاب الخبر عن البشر ذكر فيه القبائل لأجل نسب النبي في أربع مجلدات وعمل له مقدمة في مجلد وله كتاب السلوك في معرفة دول الملوك في عدة مجلدات يشتمل على ذكر الحوادث إلى يوم موته ذيلت عليه في حياته من سنة أربعين وثمانمائة وسميته حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور ولم ألتزم فيه ترتيبه وله كتاب درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ذكر فيه من مات بعد مولده إلى يوم وفاته وكتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار في عدة مجلدات وهو في غاية الحسن وكتاب مجمع الفرائد ومنبع الفوائد كمل منه نحو الثمانين مجلدا كالتذكرة وله غير ذلك وتوفي يوم الخميس سادس عشر رمضان بالقاهرة ودفن بمقبرة الصوفية خارج باب النصر انتهى
وفيها أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو الفتح داود بن المتوكل على الله كانت خلافته ثمانية وعشرين سنة وشهرين وتوفي يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول وقد قارب التسعين واستقر بعده شقيقه المستكفي بالله أبو الربيع سليمان بعهد منه
وفيها جمال الدين عبد الله بن محمد بن الجلال نائب الحكم الزيتوني الشافعي 256 قال ابن حجر أخذ عن شيخنا برهان الدين الأبناسي وغيره واشتغل كثيرا وتقدم ومهر ونظم الشعر المقبول الجيد وأفاد وناب في الحكم وتصدر وكان قليل الشر كثير السكون والكلام وتوفي في يوم الخميس سادس عشر رجب وأظنه قارب السبعين
وفيها جمال الدين عبد الله بن محمد بن الدماميني نسبة إلى دمامين قرية بالصعيد الأسكندراني قاضي الأسكندرية وليها أكثر من ثلاثين سنة وكان قليل البضاعة في العلم لكنه كثير البذل ضخم الرياسة سخي النفس أفنى مالا كثيرا في قيام صورته في المنصب ودفع من يعارضه وركبه الدين ثم توفي يوم الأحد ثاني عشر القعدة عن نحو خمس وستين سنة
وفيها زين الدين أبو ذر عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد الزركشي المصري الحنبلي المسند العلامة بن الإمام العلامة شمس الدين أبي عبد الله المتقدم ذكره ولد في سابع عشر رجب سنة خمسين وسبعمائة وسمع الكثير وانفرد في آخر عمره بسماع مسلم من البياني بسنده فإنه آخر من روى عنه بالسماع وكان خيرا فاضلا ناب في الحكم بمصر مدة طويلة واستقر في تدريس الأشرفية المستجدة بالقاهرة في رمضان سنةن ثلاث وثلاثين وثمانمائة وروى عنه خلق من الأعيان منهم القاضي عز الدين الكناني الآتي ذكره وقاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي وكمال الدين بن أبي شريف الشافعي وخلق من العلماء وغيرهم وتوفي بالقاهرة في أحد الجمادين
وفيها زين الدين أبو محمد وأبو الفرج عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد بن سليمان بن داود بن سليمان بن قريج بقاف وجيم مصغرا بن الطحان الحنبلي الصالحي المسند ولد في خامس عشر محرم سنة ثمان وستين وسبعمائة على الصحيح واعتنى به أبوه فأسمعه على صلاح الدين بن أبي عمر وعلي ابن علي الصحيح واعتنى به أبوه فأسمعه على صلاح الدين بن أبي عمر وعلي ابن أميلة جامع الترمذي والسنن لأبي داود ومشيخة الفخر بن البخاري وعمل اليوم 257 والليلة لابن السني وعلى زينب بنت قاسم ما في المشيخة من جزء الأنصاري وصحيح مسلم وغيرهم وقرأ بنفسه على ابن المحب وسمع على أبي الهول علي بن عمر الجزري كتاب الذكر لابن أبي الدنيا وقرأ على أحمد بن العماد وأبي بكر بن العز ومحمد بن الرشيد وغيرهم وأكثر من الرواية والمشايخ بحيث صار من كبار المسندين المشار إليهم وأخذ عنه خلق كثير وقدم مصر فأسمع سنن أبي داود وقطعة كبيرة من المسند وتوفي بقلعة الجبل يوم الإثنين سابع عشرى صفر
وفيها عبد المؤمن بن المشرقي الشافعي قال البرهان البقاعي نزيل القدس الشريف مات يوم الجمعة يوم عرفة بالقدس وكان يوما مشهودا وكان فاضلا وله يد طولى في الوعظ وله صوت عال بحيث أنه إذا وعظ في باب حطة سمعه من تحت الزيتون انتهى
وفيها علاء الدين علي بن إسماعيل بن محمد بن بردس البعلي الحنبلي الشيخ الإمام المسند المحدث ولد سنة اثنين وستين وسعبمائة وبكر به أبوه إلى السماع فأسمعه كثيرا وعمر وصار إليه المنتهى في علو الإسناد في الدنيا ورحل إليه الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي بجماعة من أهل الشام للسماع عليه ببعلبك وتوفي يوم الثلاثاء العشرين من ذي الحجة قاله العليمي
وفيها شمس الدين محمد بن عمر بن عبد الله بن محمد بن غازي الدنجاوي الشافعي الإمام البارع المفنن الأديب ولد بثغر دمياط سنة اثنين وثمانمائة تقريبا واشتغل في الفقه والغربية فبرع فيهما وتعانى الأدب فمهر وقرره شرف الدين يحيى بن العطار في خزانة الكتب بالمؤيدية وكان خفيف ذات اليد توعك يسيرا فرأى في توعكه أنه يؤم بناس كثيرة وأنه قرأ سورة نوح ووصل إلى قوله تعالى (
أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ) فاستيقظ وجلا فقص المنام 258 على بعض أصحابه وقال هذا دليل أنني أموت في هذا الضعف وكان كما قال وتوفي بالقاهرة يوم الثلاثاء حادي عشرى ذي القعدة وصلى عليه بالأزهر الشمس القاياتي
وفيها ضياء الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق بن عيسى بن عبد المنعم بن عمران بن حجاج الأنصاري الصفطي قال ابن حجر هو ابن شيخنا ناصر الدين شيخ الآثار النبوية على شاطىء النيل كان خيرا فاضلا مشهورا بالخير والديانة وولي المشيخة بعد أبيه فأقام فيها نيفا وثلاثين سنة وتوفي في شوال
وفيها شمس الدين محمد بن محمود بن محمد البالسي ثم القاهري ولد سنة أربع وخمسين وسبعمائة وسمع الكثير من ابن الملقن وصاهره على ابنته وسمع من غيره أيضا واستجاز له ابن الملقن من مسندي الشام منهم عمر بن أميلة وأحمد بن السيف وصلاح الدين بن أبي عمر وأحمد بن المهندس وآخرون وحدث في أواخر عمره وكان سحن الخط أحد رؤساء القاهرة ناب في الحكم في عدة بلاد تمرض مدة ومات صحيح السمع والبصر والاسنان
سنة ست وأربعين وثمانمائة
فيها توفي زين الدين عبادة بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة بن علي بن صالح بن عبد المنعم بن سراج بن نجم بن فضل الله بن فهد بن عمرو الأنصاري الخزرجي المالكي النحوي قال السيوطي مشهور باسمه ولد في جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وسبعمائة ومهر في الفقه والعربية وسمع الحديث من التنوخي والحلاوي وغيرهما وصار رأس المالكية وعين للقضاء بعد موت الدمياطي فامتنع وولي تدريس الأشرفية والشيخونية والظاهرية وانقطع في آخر عمره إلى الله تعالى وأعرض عن الاجتماع بالناس وامتنع 259 من الافتاء وانتفع به جماعة وسمع منه صاحبنا النجم بن فهد وغيره وتوفي في رمضان وقيل شوال انتهى
وفيها جمال الدين عبد الله السنباطي الشافعي الواعظ قال ابن حجر لازم مجلس الشيخ سراج الدين البلقيني يقرأ عليه من كلامه وكلام غيره وكان يتكلم على الناس بالجامع الأزهر من نحو سبعين سنة ومع ذلك يشتغل بالعلم ويستحضر في الفقه وقد ناب في الحكم عن القاضي جلال الدين وغيره وتوفي في رمضان بعد مرض طويل
وفيها قاضي الأقاليم عز الدين أبو البركات عبد العزيز بن الإمام العلامة علاء الدين أبي الحسن علي بن العز بن عبد العزيز بن عبد المحمود البغدادي مولدا ثم المقدسي الحنبلي الشيخ الإمام العالم المفسر ولد ببغداد في سنة سبعين وسبعمائة واشتغل بها ثم قدم دمشق فأخذ الفقه عن ابن اللحام وعرض عليه الخرقي واعتنى بالوعظ وعلم الحديث ودرس وأفتى وله مصنفات منها مختصر المغنى وشرح الشاطبية وصنف في المعاني والبيان وجمع كتابا سماه القمنر المنير في أحاديث البشير النذير وولي قضاء بيت المقدس بعد فتنة اللنك في سنة أربع وثمانمائة وهو أول حنبلي ولي القدس وطالت مدته وجرى له فصول ثم ولي المؤيدية بالقاهرة ثم ولي قضاء الديار المصرية في جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين ثم ولي قضاء دمشق في دفعات يكون مجموعها ثمان سنين وكان يسمى بقاضي الأقاليم لأنه ولي قضاء بغداد والعراق وبيت المقدس ومصر والشام وكان فقيها دينا متقشفا عديم التكلف في ملبسه ومربكه له معرفة تامة ولما ولي قضاء مصر صار يمشي لحاجته في الأسواق ويردف عبده على بلغته وأشياء من هذا النسق وكانت جميع ولاياته من غير سعي وتوفي بدمشق ليلة الأحد مستهل ذي القعدة ودفن عند قبر والده بمقابر باب كيسان إلى جانب الطريق قاله العليمي 260
وفيها القاضي جمال الدين محمد بن عمر بن علي الطنبذي المعروف بابن عرب الشافعي ولد بعد الخمسين وسبعمائة بيسير واشتغل وحفظ التنبيه ووقع على القضاة في العشرين من عمره شهد على أبي البقاء السبكي سنة ثلاث وسبعين فأداها بعد نيف وسبعين سنة وولي حسبة القاهرة ووكالة بيت المال غير مرة وناب في الحكم وجرت له خطوب وانقطع بآخره في منزله مع صحة عقله وقوة جسده وكان أكثر إقامته ببستان له بجزيرة الفيل سقط من مكان فانكسرت ساقه فحمل في محفة من جزيرة الفيل إلى القاهرة فأقام نحو أربعة أشهر ثم توفي ليلة الخميس الثامن من شهر رمضان
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن محمد البدري ثم القاهري الشافعي كان إماما عالما توفي في شوال عن نحو ستين سنة
سنة سبع وأربعين وثمانمائة
فيها توفي زين الدين أبو بكر بن إسحق بن خالد الكختاوي المعروف بالشيخ باكير النحوي قال السيوطي ولد في حدود السبعين وسبعمائة وكان إماما عالما بارعا متفننا في علوم وتفرد بالمعاني والبيان وفي لسانه لكنة مع سكون وعقل زائد وحسن شكل وشيبة منورة وجلالة عند الخاص والعام ولي قضاء حلب فحمدت سيرته وأفتى ودرس بها واستدعاه الملك الأشرف برسباي إلى مص روولاه مشيخة الشيخونية بحكم وفاة البدر القدسي وانتفع به جماعة وممن أخذ عنه والدي رحمة الله تعالى مات ليلة الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى انتهى
وفيها نور الدين علي بن أحمد بن خليل بن ناصر بن علي بن طيىء المشهور قديما بابن السقطي وأخيرا بابن بصال الأسكندراني الأصل ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة قال ابن حجر واشتغل كثيرا في عدة فنون ولم يكن 261 بالماهر وكان يتعانى توقيع الإنشاء وسمع من سراج الدين بن الملقن وغيره وكتب بخطه كثيرا من تصانيف ابن الملقن وحدث باليسير ولازم مجالس الإملاء عندي نحوا من عشرين سنة وتوفي آخر يوم الأربعاء ثالث عشرى جمادى الأولى انتهى
وفيها نور الدين أبو المعالي محمد بن السلطان الظاهر جقمق ولد في رجب سنة ست عشرة وثمانمائة وقرأ القرآن واشتغل بالعلم وحفظ كتبا ومهر في مدة يسيرة ولازم الشيخ سعد الدين بن الديري قبل أن يلي القضاء وأخذ عن الكافيجي وغيره وكان محبا في العلم والعلماء وولي الإمرة بعد سلطنة أبيه بقليل وجلس رأس الميسرة وأصابه مرض السل ثم بعده توفي ليلة السبت الثاني عشر من ذي الحجة بعلة البطن في القاهرة
وفيها جمال الدين يوسف بن محمد بن أحمد بن المجبر التزمنتي بكسر المثناة الفوقية وسكون الزاي والنون وفتح الميم آخره فوقية نسبة إلى تزمنت قرية من عمل البهنسا ولد سنة سبعين وسبعمائة قال ابن حجر كان فاضلا اشتغل ودار على الشيوخ ودرس في أماكن وناب في الحكم عن علم الدين البلقيني وكان صديقه وتوفي ليلة الجمعة خامس عشر رجب انتهى أي واختلط قبل موته والله تعالى أعلم
سنة ثمان وأربعين وثمانمائة
فيها كان بالقاهرة الطاعون العظيم بحيث كان يخرج في اليوم والحد ما يزيد على الألف
وفيها توجه الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد الفرياني بضم الفاء وكسر الراء المشددة نسبة إلى فريانة قرية قرب سفاقس المغربي إلى جبال حميدة بالأرض المقدسة وهي جبال شاهقة صعبة المرتقى ليس لها مسلك يسع أكثر 262 من واحد وبأعلى جبل منها سهلة بها مزدرع وعيون وماء وكروم وأقوام في غاية المنعة والقوة من التجأ إليهم أمن ولو حاربه السلطان فمن دونه فنزل الفرياني عندهم وادعى أنه المهدي وقيل ادعى أنه القحطاني وراج أمره هناك وكان قدم القاهرة وأكثر التردد إلى المقريزي وواظب الجولان في قرى الريف الأدنى يعمل المواعيد ويذكر الناس وكان يستحضر كثيرا من التواريخ والأخبار الماضية ويدعي معرفة الحديث النبوي ورجاله وتحول عن مذهب مالك وادعى أنه يقلد الشافعي وولي قضاء نابلس إلى أن ظهر منه ما ظهر
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم الفيشي بالفاء والشين المعجمة بينهما تحتية مثناة الحنائي بكسر المهملة وتشديد النون مع المد النحوي المالكي ولد في شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمائة قال ابن حجر سمع من جماعة قبلنا وسمع معنا من شيوخنا وقرأ بنفسه وطلب وولي نيابة الحكم ودرس في أماكن وكان من الصوفية البيبرسية وكان وقورا ماكنا قليل الكلام كثير الفضل انتفع به جماعة في العربية وغيرها وقال السيوطي ألف في النحو وسمع منه صاحبنا ابن فهد وتوفي ليلة ثامن عشر جمادى الأولى
وفيها زين الدين عبد الرحيم بن علي الحموي الواعظ المعروف بابن الآدمي قال ابن حجر تعانى عمل المواعيد فبرع فيها واشتهر وأثرى وقدم القاهرة بعد اللنكية فاستوطنها إلى أن مات وولي في غضون ذلك خطابة المسجد الأقصى ثم صرف واستمر في عمل المواعيد والكلام في المجالس المعدة لذلك واشتهر اسمه وطار صيته وكان غالبا لا يقرأ إلا من كتاب مع نغمة طيبة وأداء صحيح وكان يقرأ صحيح البخاري في شهر رمضان في عدة أماكن إلى أن مات فجأة في الثاني من ذي القعدة بعد أن عمل يوم موته الميعاد في موضعين وقد جاوز الثمانين وترك أولادا أحدهم شيخ يقرب من الستين
وفيها زين الدين عبد الخلاق بن أحمد بن الفرزان الحنبلي الشيخ الإمام 263 توفي بنابلس في هذه السنة
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن عمر بن كميل المنصوري الشافعي الشهير بابن كميل قال ابن حجر اشتغل كثيرا وحفظ الحاوي ونظم الشعر ففاق الأقران عرفته سنة أربع وعشرين حججنا جميعا وكنا نجتمع في السير ونتذاكر في الفنون وكان يتناوب نيابة الحكم بالمنصورة هو وابن عمه شمس الدين محمد بن خلف بن كميل ويتعاهد السفر للقاهرة في كل سنة مرة أو مرتين وله مدائح نبوية مفلقة وقصائد في جماعة من الأعيان ثم استقل بقضاء المنصورة وضم إليه سلمون ثم زدته مينة بني سلسيل فباشر ذلك كله وكان مشكور السيرة ونشأ له ولد اسمه أحمد فنبغ واغتبط به مات أي في ذي القعدة شمس الدين فجأة وذلك أنه توجه إلى سلمون فنزل في المسجد وله فيه خلوة فوقها طبقة وللطبقة سطح مجاور المأذنة فاتفق هبوب ريح عاصف في تلك الليلة واشتد في آخرها وفي أول النهار فصلى الصبح ودخل خلوته فقصف الريح نصف المأذنة فوقع على سطح الطبقة فنزل به إلى سطح الخلوة فنزل الجميع على الخلوة وشمس الدين لم يشعر بذلك حتى نزل الجميع عليه وجاء الخبر إلى ولده فتوجه من المنصورة مسرعا فنبش عنه فوجد الخشب مصليا عله ولم يخش شيء من جسمه بل تبين أنه مات غما لعجزه عن التخلص
وفيها الخواجا الكبير الشمس محمد بن علي بن أبي بكر بن محمد الحلبي ثم الدمشقي ويعرف بابن المزلق كان ذا ثروة كبيرة ومآثر حسنة بالشام وغيرها
سنة تسع وأربعين وثمانمائة
فيها في ليلة الجمعة ثامن المحرم سقطت بالقاهرة المنارة التي بالمدرسة الفخرية في سويقة الصاحب التي أنشئت بعد الستمائة بقليل وهلك في الروم جماعة كثيرة
وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسمعيل بن 264 أحمد بن محمد الذهبي المعروف بابن ناظر الصاحبية الحنبلي المسند المعدل الضابط ولد سنة ست وستين وسبعمائة قال ابن حجر وسمع على محمد بن الرشيد وعبد الرحمن المقدسي جزء أبي الجهم أنا الحجار وسمع على والده شيخنا وعلى ابن المهندس الحنفي جميع رسالة الحسن البصري إلى عبد الرحمن الرفادي يرغبه في المقام بمكة وعلى العماد الخليلي قالا أنا الحجار وسمع على الشهاب أحمد بن العز وذكر لي شيخنا الإمام المحدث الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن ناصر الدين رحمه الله غير مرة أنه قال ذكر لي يعني زين الدين بن ناظر الصاحبة أنه قال ما فرحت بشيء أعظم من أني أحضرت ولدي هذا يعني أحمد المذكور جميع مسند الإمام أحمد علي البدر أحمد بن محمد بن محمود بن الزقاق بن الجوخي أنا زينب بنت مكي أنا حنبل قال شيخنا ابن ناصر الدين وكان شيخنا زين الدين بن ناظر الصاحبة من الثقات قدم القاهرة فحدث بها بالمسند وغيره ثم رجع إلى بلده فمات في هذه السنة انتهى كلام ابن حجر
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن عمر بن محمد بن عمر النحريري المعروف بالسعودي الشافعي ولد سنة ست وخمسين وسبعمائة وحفظ القرآن والتنبيه وغير ذلك وطلب العلم وجلس مؤدبا للأولاد مدة ثم قدم القاهرة في حدود التسعين فأجلس مع الشهود ولازم البلقيني الكبير وخدمه وصار يجمع له أجرة أملاكه وهو مع ذلك يؤدب الأولاد وخرج من تحت يده جماعة فضلاء وكان كثير المذاكرة وحج فأخذ عن جماعة هناك ودخل بيت المقدس فسمع من شهاب الدين بن الحافظ صلاح الدين العلائي ومن ابن خاله شمس الدين القلقشندي وغيرهما ومرض مرضا شديدا في حدود سنة ثلاثين فلما عوفي منه عمى وتنوعت عليه في آخر عمره الأمراض حتى ثقل سمعه جدا وأقعد ولسانه 265 لا يفتر عن التلاوة إلى أن توفي فجأة في العشر الأخير من شهر رمضان
وفيها شمس الدين محمد بن إسماعيل بن محمد بن أحمد الونائي يفتح الواو والنون نسبة إلى ونا قرية بصعيد مصر القرافي الشافعي ولد سنة ثمان وثمانين وسبعمائة واشتغل بالعلم وأخذ عن الشيخ شمس الدين البرماوي وطبقته واشتهر بالفضل وتزوج إلى الشيخ نور الدين التلواني وصحب جماعة من الأعيان ونزل في المدارس طالبا ثم تدريسا وولي تدريس الشيخونية ثم ولي قضاء الشام مرتين ثم رجع بعد أن استعفى من القضاء فأعفى وذلك سنة سبع وأربعين فسعى في تدريس الصلاحية بجوار الشافعي فباشرها سنة ونيفا ثم ضعف نحو الشهرين إلى أن توفي في يوم الثلاثاء سابع عشر صفر
وفيها شمس الدين محمد بن خليل بن أبي بكر الحلبي الأصل الغزي القدسي كان مقرئا بارعا صاحب فضائل وله بديعية عارض بها الصفى الحلى وتوفي في رجب وقد جاوز السبعين
وفيها القاضي شمس الدين محمد بن قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن بن علي التفهني الحنفي ولد قبيل القرن واشتغل كثيرا ومهر وكان صحيح الذهن حسن المحفوظ كثير الأدب والتواضع عارفا بأمور دنياه مالكا لزمام أمره ولي في حياة والده قضاء العسكر وإفتاء دار العدل وتدريس الحديث بالشيخونية وولي بعد وفاة والده تدريس الفقه بها ومشيخة البهائية الرسلانية وتدريس الفانبيهية بالرميلة وحصلت له محن من جهة تغرى بردى الدويدار مع اعترفاه بإحسان والده له ومرض مرضا طويلا إلى أن مات في ثامن شهر رمضان
وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن أحمد الواسطي الأصل ثم الغمري ثم المحلى الشافعي المعروف بالغمرى ولد سنة ست وثمانين وسبعمائة بمينة غمر ونشأ بها فحفظ القرآن والتنبيه ثم قدم القاهرة فأقام بالجامع الأزهر للاشتغال مدة وأخذ الفقه عن شيوخ الجامع وعن المارديني في الميقات 266 وتدرب بغيره في الشهادة وتكسب بها قليلا وكان في غاية التقلل حتى كان يقع له أنه يطوي أسبوعا كاملا ويتقوت بقشر الفول وقشر البطيخ ونحو ذلك وتكسب ببلده وببلبيس بالعطر حرفة أبيه وكان يطلب منه الشيء فيبذله لطالبه مجانا فيجيء والده فيسأله ما بعت فيقول كذا وكذا بلاش فيحمده ويدعو له ثم أعرض عن جميع ذلك ولازم التجرد والتعبد واعتزل دهرا طويلا بعد ما تفقه وصحب غير واحد من سادات الصوفية حتى فتح له وأذن له في التربية والإرشاد وتصدى لذلك بكثير من النواحي وقطن المحلة الكبرى ووسع المدرسة الشمسية وأحكم بناءها ثم عمر بالقاهرة بخط سوق أمير الجيوش جامعا كانت الخطة مفتقرة إليه جدا واشتهر صيته وكثر اتباعه وذكرت له أحوال وخوارق وجدد عدة مواضع بكثير من الأماكن يعجز عنها السلطان وقصد للزيارة والتبرك من جميع الأقطار كل جميع ذلك مع الزهد والتحذير من البدع والحوادث والاعراض عن أبناء الدنيا وأرباب المناصب وحج مرارا وجاور وزار بيت المقدس ومن تصانيفه كتاب النصرة في أحكام الفطرة ومحاسن الخصال في بيان وجوه الحلال والعنون في تحريم معاشرة الشباب والنسوان والمحكم المضبوط في تحريم عمل قوم لوط والانتصار لطريق الاخيار والرياض المزهرة في أسباب المغفرة وقواعد الصوفية والحكم المشروط في بيان الشروط جمع فيه شروط أبواب الفقه ومنح المنة في التلبس بالسنة في أربع مجلدات والوصية الجامعة والمناسك ومن كراماته أنه دخل عليه أحمد النحال فوجد له سبع أعين فغشى عليه فلما أفاق قال له الشيخ إذا كمل الرجل صار له سبع أعين على عدد أقاليم الدنيا ومنها أنه كان يقعد في الهواء متربعا أخبر القاضي زكريا أنه رآه كذلك وتوفي يوم الثلاثاء آخر يوم من شعبان بالمحلة الكبرى ودفن في جامعه
وفيها شمس الدين محمد بن أمين الدين محمد بن أحمد المنهاجي الشافعي وأبوه 267 سبط الشيخ شمس الدين بن اللبان ولد سنة سبعين وسبعمائة وحفظ القرآن والتنبيه وولي حسبة مصر وكان مثريا وناب في الحكم مرارا ولا زال ينخفض ويرتفع إلى أن مات
سنة خمسين وثمانمائة
فيها تم تاريخ ابن حجر أنباء الغمر
وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن رضوان الحلبي الشافعي قال ابن حجر كان ممن اشتغل بالفقه ومهر وتميز ونزل في المدارس بحلب وولي بعض التداريس وناب في الحكم ثم صحب ولد السلطان الظاهر جقمق لما أقام مع والده بحلب فاختص به ثم قدم عليه القاهرة فلازمه حتى صار إماما له وكان ممن مرضه في ضعفه الذي مات فيه وقررت له بجاهه وظائف وندبه السلطان في الرسيلة إلى حلب في بعض المهمات فلما مات ولد السلطان رقت حاله واستعيد منه التدريس الذي كان استقر فيه بحلب ثم توجه إلى الحج في العام الماضي فسقط عن الجمل فانكسر منه شيء ثم تداوى فلما رجع سقط مرة أخرى فدخل القاهرة مع الركب وهو سالم إلى أن مات وكان ينسب إلى شيء يستقبح ذكره والله أعلم بسريرته انتهى
وفيها تقريبا برهان الدين إبراهيم بن عبد الخالق السيلي الحنبلي شيخ الحنابلة بنابلس قال العليمي كان من أهل العلم ويقصده الناس للكتابة على الفتوى وعبارته حسنة جدا لكن خطه في غاية الضعف وتوفي بمكة المشرفة ودفن بباب المعلاة
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يوسف المرداوي الحنبلي الإمام الحفاظ المفنن العلامة أحد مشايخ المذهب أخذ الفقه عن الشيخ علاء الدين ابن اللحام باشر القضاء بمردا مدة طويلة وكان يقصد بالفتاوى من كل إقليم 268 ومن تلامذته الأعيان شمس الدين العليمي وغيره وعرض عليه قضاء حلب فامتنع واختار قضاء مردا وكان يكتب على الفتاوى بخط حسن وعبارته جيدة تدل على تبحره وسعة علمه وكان إماما في النحو يحفظ محرر الحنابلة ومحرر الشافعية وإذا سئل عن مسئلة أجاب عنها على مذهبه ومذهب غيره وتوفي بمردا في صفر وقد جاوز السبعين
وفيها شهاب الدين أحمد بن رجب بن طيبغا الشهير بابن المجدى الشافعي الفرضي العلامة ولد بالقاهرة سنة سبع وستين وسبعمائة ونشأ بها ولازم علماء عصره وجد في الطلب إلى أن برع في الفقه والفرائض والحساب والعربية وشارك في علوم كثيرة غيرها كالهندسة والميقات وفاق فيها أهل عصره وانفرد بها ومازل مستمرا على الاشتغال والاشغال وصنف تصانيف كثيرة مشهورة منها شرح الجعبرية في الفرائض إلى أن توفي ليلة السبت حادي عشر ذي القعدة
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن يعقوب القاياتي بالقاف وبعد الألف الأولى ياء تحتية وبعد الثانية مثناة فوقية نسبة إلى قايات بلد قرب الفيوم ثم القاهري الشافعي قاضي القضاة ومحقق الوقت وعلامة الآفاق ولد سنة خمس وثمانين وسبعمائة تقريبا وحضر دروس السراج البلقيني وأخذ عن البدر الطنبذي والعز بن جماعة والعلاء البخاري وغيرهم وبرع في الفقه العربية والأصلين والمعاني وسمع الحديث وحدث باليسير وولي تدريس البرقوقية والأشرفية والشافعي والشيخونية وقضاء الشافعية بمصر فباشره بنزاهة وعفة وأقرأ زمانا وانتفع به خلق وشرح المنهاج توفي ليلة الإثنين ثامن عشرى المحرم بالقاهرة رحمه الله تعالى
سنة إحدى وخمسين وثمانمائة
في أثناء شوالها وقعت صاعقة هائلة ببيت المقدس 269
وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن محمد بن محمد بن محمد الخجندي المدني العالم وقد جاوز السبعين
وفيها الشيخ تقي الدين أبو بكر بن شهاب الدين أحمد بن محمد بن قاضي شهبة الشافعي صاحب طبقات الشافعية كان إماما علامة تفقه بوالده وغيره وسمع من أكابر أهل عصره وأفتى ودرس وجمع وصنف من مصنفاته شرح المنهاج ولباب التهذيب والذيل على تاريخ ابن كثير والمنتقى من تاريخ الأسكندرية للنويري والمنتقى من الانساب لابن السمعاني والمنتقى من نخبة الدهر في عجائب البر والبحر والمنتقى من تاريخ ابن عساكر وغير ذلك وتوفي بدمشق فجأة يوم الخميس حادي عشر ذي القعدة
وفيها القان معين الدين شاه رخ بن تيمورلنك صاحب سمرقند وبخارى وغيرهما
وفيها القاضي عز الدين عبد الرحيم بن القاضي ناصر الدين علي بن الحسين الحنفي الإمام المسند المعمر المحدث الرحلة المؤرخ المعروف بابن الفرات 270 ولد سنة تسع وخمسين وسبعمائة بالقاهرة وسمع بها من والده والحسين بن عبد الرحمن بن سباع التكريتي وغيرهما وأجاز له العز بن جماعة والصلاح الصفدي وابن قاضي الجبل وغيرهم تجمعهم مشيخة تخريج الإمام المحدث سراج الدين عمر بن فهد وحدث سنين وتفرد بأشياء عوال وسمع منه الأعيان والفضلاء وصار رحلة زمانه قال ابن تغرى بردى وأجاز لي بجميع مسموعاته ومروياته وكانت له معرفة تامة بالفقه والأحكام وناب في الحكم بالقاهرة سنين إلى أن توفي بها في أواخر ذي الحجة
وفيها ركن الدين عمر بن قديد الحنفي النحوي قال السيوطي كان علامة بارعا فاضلا عالما بالأصول والنحو والصرف وغيرها لازم الشيخ عز الدين بن جماعة وأخذ عنه عدة فنون وتصر للأقراء وتخرج به جماعة وله حواش وتعاليق فوائد وكان منقطعا عن أبناء الدنيا طارحا للتكلف متقشفا في ملبسه انتهى
سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة
فيها توفي شيخ الإسلام علم الأعلام أمير المؤمنين في الحديث حافظ العصر شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد الشهير بابن حجر نسبة إلى آل حجر قوم تسكن الجنوب الآخر على بلاد الجريد وأرضهم قابس الكناني العسقلاني الأصل المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة الشافعي ولد في ثاني عشرى شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ومات والده وهو حدث السن فكفله بعض أوصياء والده إلى أن كبر وحفظ القرآن الكريم وتعانى المتجر وتولع بالنظم وقال الشعر الكثير المليح إلى الغاية ثم حبب الله إليه طلب الحديث فأقبل عليه وسمع الكثير بمصر وغيرها 271 ورحل وانتقى وحصل وسمع بالقاهرة من السراج البلقيني والحافظين ابن الملقن والعراقي وأخذ عنهم الفقه أيضا ومن البرهان الأبناسي ونور الدين الهيثمي وآخرين وبسرياقوس من صدر الدين الأبشيطي وبغزة من أحمد بن محمد الخليلي وبالرملة من أحمد بن محمد الأيكي وبالخليل من صالح بن خليل بن سالم وببيت المقدس من شمس الدين القلقشندي وبدر الدين بن مكي ومحمد المنبجي ومحمد بن عمر بن موسى وبدمشق من بدر الدين بن قوام البالسي وفاطمة بنت المنجا التنوخية وفاطمة بنت عبد الهادي وعائشة بنت عبد الهادي وغيرهم وبمنى من زين الدين أبي بكر بن الحسين ورحل إلى اليمن بعد أن جاور بمكة وأقبل على الاشتغال والاشغال والتصنيف وبرع في الفقه والعربية وصار حافظ الإسلام قال بعضهم كان شاعرا طبعا محدثا صناعة فقيها تكلفا انتهى إليه معرفة الرجال واستحضارهم ومعرفة العالي والنازل وعلل الأحاديث وغير ذلك وصار هو المعول عليه في هذا الشأن في سائر الأقطار وقدوة الأمة وعلامة العلماء وحجة الأعلام ومحي السنة وانتفع به الطلبة وحضر دروسه وقرأ عليه غالب علماء مصر ورحل الناس إليه من الأقطار وأملى بخانقاة بيبرس نحوا من عشرين سنة ثم انتقل لما عزل عن منصب القضاء بالشمس القاياتي إلى دار الحديث الكاملية بين القصرين واستمر على ذلك وناب في الحكم عن جماعة ثم ولاه الملك الأشرف برسباي قضاء القضاة الشافعية بالديار المصرية عن علم الدين البلقيني بحكم عزله وذلك في سابع عشرى محرم سنة سبع وعشرين ثم لازال يباشر القضاء ويصرف مرارا كثيرة إلى أن عزل نفسه سنة مات في خامس عشرى جمادى الآخرة وانقطع في بيته ملازما للاشغال والتصنيف ومن مصنفاته تعليق التعليق وصل فيه تعليقات البخاري وهو أول تصانيفه وهو كتاب نفيس وشرح البخاري في نيف وعشرين مجلدا سماه فتح الباري وصنف له مقدمة في مجلد وكتاب فوائد الاحتفال في بيان أحوال 272 الرجال المذكورين في البخاري زيادة على تهذيب الكمال في مجلد ضخم وكتاب تجريد التفسير من صحيح البخاري على ترتيب السور وكتاب تقريب الغريب واتحاف المهرة بأطراف العشرة في ثمان مجلدات ثم أفرد منه أطراف مسند الإمام أحمد وسماه أطراف المسند المعتلى بأطراف المسند الحنبلي في مجلدات وأطراف الصحيحين وأطراف المختارة للضياء مجلد ضخم وتهذيب تهذيب الكمال للحافظ المزي في ست مجلدات ومختصره تقريب التهذيب مجلد ضخم وكتاب تعجيل المنفعة برواية رجال الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب والإصابة في تمييز الصحابة خمس مجلدات ولسان الميزان وتحرير الميزان وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه مجلد ضخم وطبقات الحفاظ في مجلدين والدرر الكامنة في المائة الثامنة وأنباء الغمر بأبناء العمر وقضاة مصر مجلد ضخم والكاف الشاف في تحرير أحاديث الكشاف مجلد والاستدراك عليه مجلد آخر والتمييز في تخريج أحاديث الوجيز مجلدين والدراية في منتخب تخريج أحاديث الهداية والإعجاب ببيان الأسباب مجلد ضخم والأحكام لبيان ما في القرآن من الابهام والزهر المطول في بيان الحديث المعدل وشفاء الغلل في بيان العلل وتقريب النهج بترتيب الدرج والأفنان في رواية القرآن والمقترب في بيان المضطرب والتعريج على التدريج ونزهة القلوب في معرفة المبدل من المقلوب ومزيد النفع بما رجح فيه الوقف على الرفع وبيان الفصل بما رجح فيه الإرسال على الوصل وتقويم السناد بمدرج الإسناد والإيناس بمناقب العباس وتوالى التأسيس بمعالى ابن إدريس والمرجة الغيثية عن الترجمة الليثية والاستدراك على الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الأحياء مجلد وتخريج أحاديث مختصر ابن الحاجب الأصلي مجلدين وتحفة الظراف بأوهام الأطراف مجلد والمطالب العالية من رواية المسانيد الثمانية والتعريف الأوحد بأوهام 273 من جمع رجال المسند وتعريف أولى التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس وكتاب الأعلام بمن ولي مصر في الإسلام وتعريف الفئة بمن عاش مائة من هذه الأمة والقصد الأحمد فيمن كنيته أبو الفضل وسامه أحمد وإقامة الدلائل على معرفة الأوائل والخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة والشمس المنيرة في معرفة الكبيرة والاتقان في فضائل القرآن مجلد والأنوار بخصائص المختار والآيات النيرات للخوارق المعجزات والنبأ الأنبه في بناء الكعبة والقول المسدد في الذب عن المسند وبلوغ المرام بأدلة الأحكام وبذل الماعون بفضل الطاعون والمنحة فيما علق به الشافعي القول على الصحة والأجوبة المشرقة على الأسئلة المفرقة ومنسك الحج وشرح مناسك المنهاج وتصحيح الروضة كتب منه ثلاث مجلدات ونخبة الفكر في مصلطح أهل الأثر وشرحها نزهة النظر بتوضيح نخبة الفكر والانتفاع بترتيب الدارقطني على الأنواع ومختصر البداية والنهاية لابن كثير وتخريج الأربعين النووية بالأسانيد العلية والأربعين المتباينة وشرح الأربعين النووية وترجمة النووي وغير ذلك وله ديوان شعر ومن شعره
( أحببت وقادا كنجم طالع
أنزلته برضا الغرام فؤادي )
( وأنا الشهاب فلا تعاند عاذلي
إن ملت نحو الكوكب الوقاد )
وكان رحمه الله تعالى صبيح الوجه للقصر أقرب ذا لحية بيضاء وفي الهامة نحيف الجسم فصيح اللسان شجي الصوت جيد الذكاء عظيم الحذق راوية للشعر وأيام من تقدمه ومن عاصره هذا مع كثرة الصوم ولزوم العبادة واقتفاء السلف الصالح وأوقاته مقسمة للطلبة مع كثرة المطالعة والتأليف والتصدي للافتاء والتصنيف وتوفي ليلة السبت ثامن عشرى ذي الحجة ودفن بالرميلة وكانت جنازته حافلة مشهورة
وفيها الأمير سيف الدين أبو محمد تغرى برمش بن عبد الله الجلال المؤيدي 274 الفقيه الحنفي نائب القلعة بالديار المصرية قال هو قدم بي الخواجا جلال الدين من بلادي إلى حلب فاشتراني جقمق بحلب ولي سبع أو ثمان سنين وأتى بي إلى الديار المصرية وقدمني إلى أخيه الأمير جاركس القاسمي المصارع فأقمت عنده إلى أن خرج عن طاعة الملك الناصر فرج واستولى الناصر على مماليكه فأخذني فيمن أخذ وجعلني من جملة المماليك السلطانية الكتابية بالطبقة بقلعة الجبل إلى أن قتل الناصر واستولى المؤيد شيخ على الديار المصرية اشتراني فيمن اشتراه من المماليك الناصرية وأعتقني وجعلني جمدارا مدة طويلة قال صاحب المنهل استمر تغرى برمش إلى أول رجب سنة أربع وأربعين وثمانمائة فأنعم عليه بإمرة عشرة ونيابة القلعة فباشر ذلك بحرمة وافرة وصار معدودا من أعيان الدولة وقصدته الناس لقضاء حوائجهم ثم أخذ أمره في انتقاص لسوء تدبيره وصار يتكلم في كل وظيفة ويداخل السلطان فيما لا يعنيه فتكلم فيه من له رأس عند السلطان وهو لا يعلم إلى أن أمر بنفيه إلى القدس في السنة التي قبل هذه فذهب إلى القدس وأقام به إلى أن توفي به وكان له فضل ومعرفة بالحديث لا سيما أسماء الرجال فإنه كان بارعا في ذلك وكانت له مشاركة جيدة في الفقه والتاريخ والأدب محسنا لفنون الفروسية فصيحا باللغة العربية والتركية مقداما محبا لطلبة العلم وأهل الخير متواضعا كثير الأدب جهوري الصوت أشقر ضخما للقصر أقرب كث اللحية بادره الشيب قرأ صحيح البخاري على القاضي محب الدين بن نصر الله الحنبلي وصحيح مسلم على الزين الزركشي والسنن الصغرى للنسائي على الشهاب الكلوتاتي وسنن ابن ماجه على شمس الدين محمد المصري وسنن أبي داود على الحافظ ابن حجر وقرأ ما لا يحصى على من لا يحصى وتفقه بسراج الدين قارىء الهداية وبسعد الدين الديري وتوفي في ثالث شهر رمضان عن نيف وخمسين سنة
وفيها زين الدين أبو النعيم بفتح النون المشددة رضوان بن محمد بن يوسف 275 ابن سلامة بن البهاء بن سعيد الصغير الشافعي المستملي المصري مفيد القاهرة ولد في رجب سنة تسع وستين وسبعمائة بمينة عقبة بالجيزة ونشأ بها ثم دخل القاهرة واشتغل بها في عدة علوم وتلا بالسبع على الإمام نور الدين الدميري المالكي سبع ختمات ثم بالسبع وقراءة يعقوب على الشمس الغماري وأجاز له ثم بالثمان المذكورة على ركن الدين الأشعري المالكي وتفقه بالشمس العراقي والشمس الشطنوفي والشمس القليوبي والصدر الأمشيطي والعز بن جماعة وغيرهم وأخذ النحو عن شمس الدين الشطنوفي والغماري والشمس البساطي وكتب عن الزين العراقي مجالس كثيرة من أماليه وسمع الحديث من التقى بن حاتم والبرهان الشامي وابن الشحنة وخلائق ثم حبب إليه الحديث فلازم السماع من أبي الطاهر بن الكويك فأكثر عنه ولازم الحافظ ابن حجر وكتب عنه الكثير وتفقه به أيضا وحج ثلاث حجات وجاور مرتين وسمع بمكة من الزين المراغي وغيره وخرج لبعض الشيوخ ولنفسه الأربعين المتباينات وغير ذلك وكان دينا خيرا متواضعا غزير المروءة رضي الخلق ساكنا بشوشا طارحا للتكلف سليم الباطن توفي عصر يوم الإثنين ثالث رجب بالقاهرة
وفيها قطب الدين محمد بن عبد القوي بن محمد بن عبد القوي البجائي ثم المكي المالكي شاعر مكة كان إماما أديبا ماهرا توفي في ذي الحجة وقد جاوز التسعين والله أعلم
سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة
فيها توفي ألوغ بك بن القان معين الدين شاه رخ صاحب هراة ابن الطاغية تيمورلنك وقيل اسمه تيمور على اسم جده وقيل محمد صاحب سمرقند فريد دهره ووحيد عصره في العلوم العقلية والهيئة والهندسة طوسي زمانه 276 الحنفي المذهب ولد في حدود تسعين وسبعمائة ونشأ في أيام جده وتزوج في أيامه أيضا وعمل له جده العرس المشهور ولما مات جده تيموي وآل الأمر إلى أبيه شاه رخ ولاه سمرقند وأعمالها فحكمها نيفا وثلاثين سنة وعمل بها رصدا عظيما انتهى به إلى سنة وفاته وقد جمع لهذا الرصد علماء هذا الفن من سائر الأقطار وأغدق عليهم الأموال وأجزل لهم الرواتب الكثيرة حتى رحل إليه علماء الهيئة والهندسة من البلاد البعيدة وهرع إليه كل صاحب فضيلة وهو مع هذا يتلفت إلى من يسمع به من العلماء في الأقطار ويرسل يطلب من سمع به هذا مع علمه الغزير وفضله الجم واطلاعه الكبير وباعه الواسع في هذه العلوم مع مشاركة جيدة إلى الغاية في فقه الحنفية والأصلين والمعاني والبيان والعربية والتاريخ وأيام الناس قيل أنه سأل بعض حواشيه ما تقول الناس عني وألح عليه فقال يقولون أنك ما تحفظ القرآن الكريم فدخل من وقته وحفظه في أقل من ستة أشهر حفظا متقنا وكان أسن أولاد فدخل من وقته وحفظه في أقل من ستة أشهر حفظا متقنا وكان أسن أولاد أبيه واستمر بسمرقند إلى أن خرج عن طاعته ولده عبد اللطيف وسببه أنه لما ملك المترجم هراة طمع عبد اللطيف أن يوليه هراة فلم يفعل وولاه بلخ ولم يعطه من مال جده شاه رخ شيئا وكان ألوغ بك هذا مع فضله وغزي رعلمه مسيكا فسأمته أمراؤه لذلك وكاتبوا ولده عبد اللطيف في الخروج عن طاعته وكان في نفسه ذلك فانتهز الفرصة وخرج عن الطاعرة وبلغ أباه الخبر فتجرد لقتاله والتقى معه وفي ظنه أن ولده لا يثبت لقتاله فلما التقى الفريقان وتقابلا هرب جماعة من أمراء الوغ بك إلى ابنه فانكسر الوغ بك وهرب على وجهه وملك ولده سمرقند وجلس على كرسي والده أشهرا ثم بدا لألوغ بك العود إلى سمرقند ويكون الملك لولده ويكون كآحاد الناس واستأذن ولده في ذلك فأذن له ودخل سمرقند وأقام بها إلى أن قبض عبد اللطيف على أخيه عبد العزيز وقتله صبرا في حضرة والده ألوغ بك فعظم 277 ذلك عليه فإنه كان في طاعته وخدمته حيث سار ولم يمكنه الكلام فأذن ولده عبد اللطيف في الحج فأذن له فخرج قاصدا للحج إلى أن كان عن سمرقند مسافة يوم أو يومين وقد حذر بعض الأمراء ابنه منه وحسن له قتله فأرسل إليه بعض أمرائه ليقتله فدخل عليه مخيمه واستحيا أن يقول جئت لقتلك فسلم عليه ثم خرج ثم دخل ثانيا وخرج ثم دخل ففطن ألوغ بك وقال له لقد علمت بما جئت به فافعل ما أمرك به ثم طلب الوضوء وصلى ثم قال والله لقد علمت أن هلاكي على يد ولدي عبد اللطيف هذا من يوم ولد ولكن أنساني القدر ذلك والله لا يعيش بعدي إلا خمسة أشهر ثم يقتل أشر قتلة ثم سلم نفسه فقتله المذكور وعاد إلى ولده وقتل ولده عبد اللطيف بعد خمسة أشهر
وفيها زين الدين أبو محمد عبد الرحمن بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن يوسف بن علي بن عياش المقرىء المسند الزاهد المعمر الشهير بابن عياش ولد بدمشق في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة وأخذ القراءات عن أبيه إفرادا وجمعا وقرأ عليه ختمة جامعة للقراءات العشرة بما تضمنه كتاب ورقات المهرة في تتمة قراءات الأئمة العشرة تأليف والده وقرأ على الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد العسقلاني القراءات العشرة فساوى والده في علو السند وذلك لما رحل إلى القاهرة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ثم رحل إلى مكة المشرفة واستوطنها وانتصب بها لأقراء القراءات بالمسجد الحرام كل يوم وانتفع به عامة الناس وصار رحلة زمانه وتردد إلى المدينة المنورة وجاور بها غير مرة وتصدى بها أيضا للأقراء وأقام بها سنين ثم عاد إلى مكة واستمر إلى أن مات بها في هذه السنة
وفيها قاضي قضاة الحرمين الشريف الحسيب سراج الدين أبو المكارم عبد اللطيف بن أبي الفتح محمد بن أحمد بن أبي عبد الله محمد الحسني الفاسي 278 الأصل المكي الحنبلي ولد في شعبان سنة تسع وثمانين وسبعمائة بمكة المشرفة ونشأ بها وسمع الحديث على العفيف النشاوري والجمال الأميوطي وإبراهيم ابن صديق وغيرهم وأجاز له السراج البلقيني والحافظان الزين العراقي والنور الهيثمي والسراج بن الملقن والبرهان الشامي وأبو هريرة بن الذهبي وأبو الخير بن العلائي وجماعة وخرج له التقى بن فهد مشيخة وولي إمامة الحنابلة بالمسجد الحرام وقضاء مكة المشرفة ثم جمع له بين قضاء الحرمين الشريفين مكة والمدينة سنة سبع وأربعين وثمانمائة واستمر إلى أن مات وهو أول من ولي قضاء الحنابلة بالحرمين ودخل بلاد العجم غير مرة وكان له حظ وافر عند الملوك والأعيان وتوفي بعلة الإسهال ورمي الدم في ضحى يوم الإثنين سابع شوال بمكة المشرفة ودفن بالمعلاة
وفيها قاضي القضاة أمين الدين أبو اليمن محمد بن محمد بن علي النويري المكي الشافعي قاضي مكة وخطيبها باشر خطابة مكة عدة سنين ثم ولي قضاءها في سنة اثنتين وأربعين ثم عزل ثم ولي ومات قاضيا وخطيبا بمكة في هذه السنة
وفيها شرف الدين يحيى بن أحمد بن عمر الحموي الأصل الكركي القاهري ويعرف بابن العطار الشافعي المفنن توفي في ذي الحجة عن أزيد من أربع وستين سنة
وفيها شرف الدين يحيى بن سعد الدين محمد بن محمد المناوي المصري الشافعي قاضي القضاة ولد بالقاهرة وبها نشأ تحت كثف والده وكان والده يتعانى الخدم الديوانية وتزوج ولي الدين العراقي بابنته أخت المترجم فحبب لصاحب الترجمة طلب العلم لصهارته بالولي العراقي فاشتغل وتفقه بجماعة 279 من علماء عصره وأخذ المعقول عن الكمال بن الهمام وغيره وبرع في الفقه وشارك في غيره وأفتى ودرس وعرف بالفضيلة والديانة واشتهر ذكره وولي تدريس الصلاحية ثم ولي قضاء قضاة الشافعية بعد علم الدين البلقيني فلم يمتنع بل ابتهج بذلك وأظهر السرور ثم غير ملبسه ومركبه وترك ما كان عليه أولا من التقشف والتواضع وسلك طريق من تقدمه من القضاة من مراعاة الدولة وامتثال ما يأمرونه به ومال إلى المنصب ميلا كليا بخلاف ما كان يظن به واستكثر من النواب وولي جماعة كثيرة وانقسم الناس في أمره إلى قادح ومادح وكانت ولايته القضاء قبيل موته بيسير وتوفي بالقاهرة في ثاني رجب
وفيها أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن إسمعيل المغربي الأندلسي ثم القاهرية ويعرف بالراعي المالكي وكان إماما عالما ولد بغرناطة سنة نيف وثمانين وسبعمائة واشتغل بالفقه والأصول والعربية ومهر فيها واشتهر اسمه بها وسمع من أبي بكر بن عبد الله بن أبي عامر وأجاز له جماعة ودخل القاهرة سنة خمس وعشرين وثمانمائة واستوطنها وحج ثم رجع إلى القاهرة وأقرأ بها وانتفع به جماعة وأم بالمؤيدية وله نظم حسن وشرح الألفية والجرومية وحدث عنه ابن فهد وغيره وأضر بآخره وتوفي في سابع عشرى ذي الحجة
وفيها بل في اللتي قبلها كما جزم به السيوطي زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن يحيى السندبيسي بفتح السين المهملة وسكون النون وفتح الدال المهملة وكسر الموحدة وسكون التحتية آخره سين مهملة النحوي ابن النحوي ولد سنة ثمان وثمانين وسبعمائة تقريبا وبرع في الفنون لا سيما في العربية وكان أخذها عن الزين الفارسكوري وأخذ الحديث عن الولي العراقي وسمع من الحلاوي وابن الشحنة والسويداوي وجماعة وأجاز له ابن العلاء وابن الذهبي وخلق وكان فاضلا بارعا مواظبا على الاشتغال حسن الديانة كثير التواضع أقرأ الناس وحدث بجامع الحاكم وسمع منه النجم بن فهد وغيره وتوفي ليلة 280 الأحد سابع عشر صفر
سنة أربع وخمسين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم قال ابن تغرى بردى الإمام العالم العلامة المفنن الأديب الفقيه اللغوي النحوي المؤرخ الدمشقي الحنفي المعروف بابن عربشاه كان إمام عصره في المنظوم والمنثور تردد إلى القاهرة غير مرة وصحبني في بعض قدومه إلى القاهرة وانتسج بيننا صحبة أكيدة ومودة وأسمعني كثيرا من مصنفاته نظما ونثرا بل غالب ما نظمه ونثره وألفه وكان له قدرة على نظم العلوم وسبكها في قالب المديح والغزل وسيظهر لك فيما كتبه لي لما استجزته كتبه بخطه وأسمعنيه من لفظه غير مرة وهو هذا بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي زين مصر الفضائل بجمال يوسفها العزيز وجعل حقيقة ذراه مجاز أهل الفضل فحل به كل مجاز ومجيز أحمده حمد من طلب إجازة كرمه فأجاز وأشكره شكرا أوضح لمزيد نعمه علينا سبيل المجاز وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله يجيب سائله ويثيب آمله ويطيب لراجيه نائله وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد من روى عن ربه وروى عنه والمقتدى لكل من أخذ عن العلماء وأخذ منه صلى الله عليه ما رويت الأخبار ورؤيت الآثار وخلدت أذكار الأبرار في صحائف الليل والنهار وعلى آله وأصحابه وتابعيه وأحزابه وسلم وكرم وشرف وعظم وبعد فقد أجزت الجناب الكريم العالي ذا القدر المنيف الغالي والصدر الذي هو بالفضائل حالي وعن الرذائل خالي المولوي الأميري الكبيري الأصيلي العريقي الكاملي الفاضلي المخدومي أبا المحاسن الذي ورد فضائله وفواضله غير آسن يوسف بن المرحوم المقر الأشرف الكريم العالي المولوي الأميري الكبيري المالكي المخدومي السيفي تغرى بردى الملكي 281 الظاهري أدام الله جماله وأبلغه من المرام كماله وهو ممن تغذى بلبان الفضائل وتربى في حجر قوابل الفواضل وجعل اقتناء العلوم دأبه ووجه إلى مدين الآداب ركابه وفتح إلى دار الكمالات بابه وصير أحرازها في خزائن صدره اكتسابه فحاز بحمد الله تعالى حسن الصورة والسيرة وقرن بضياء الأسرة صفاء السريرة وحوى السماحة والحماسة والفروسية والفراسة ولطف العبارة والبراعة والعرابة واليراعة والشهامة والشجاعة فهو أمير الفقهاء وفقيه الأمراء وظريف الأدباء وأديب الظرفاء
( فمهما تصفه صف وأكثر فإنه
لأعظم مما قلت فيه وأكبر )
فأجزت له معولا عليه أحسن الله إليه أن يروي عني هذه المنظومة المزبورة المرقومة التي سميتها جلوة الأمداح الجمالية في حلتي العروض والعربية عظم الله تعالى شأن من أنشئت فيه وحرسه بعين عنايته وذويه وسائر ما تجوز لي وعنى روايته وينسب إلى علمه ودرايته من منظوم ومنثور ومسموع ومسطور بشروطه المعتبرة وقواعده المحررة عموما وما أذكر لي من مصنفات خصوصا فمن ذلك مرآة الأدب في علمي المعاني والبيان منها بعد ذكر الخطبة في تقسيم العربية وذكر فائدته وأقسامه
( بدا بتاج جمال في حلى أدب
تسربل الفضل بين العجب والعجب )
( بدر تأدب حتى كله أدب
يقول من يهو وصلى يكتسب أدبي )
( يصن كلامي وخطى في معاهدتي
عن الخطا أنني بدر من العرب )
( هذا وقدر علومي كالبروج علا
فمن ينلها يصرفي الفضل كالشهب )
( أصولها مثل أبواب الجنان زهت
ينال من نالها ما رام من رتب )
( خذ بكر نظم تجلت وجهها غزل
وروحها العلم والجثمان من أدب )
( فريد لفظي إذا ما رمت جوهره
ترى الصحاح كثغر زين بالشنب ) 282
( وإن تصرف من عقد ومن عقد
إلى عقود فهذا الصرف كالذهب )
( لفظي من الشهد مشتق بخطى ذا
سيف فدونك علم الضرب والضرب )
( أصل المعاني إذا ما رمت من كلمي
فقل هي الدر واقصد نحونا تصب )
( معناي زاد على حسني فصنف في
علم المعاني وفي حسني وفي حسبي )
( طورا أبين كما طورا أبين لذا
فن البيان غدا مرآة مطلبي )
( طبعي وشعري وأوزاني يناط بها
علم العروض مناط الود بالسبب )
( حسني وظرفي وأدابي قد انتظمت
نظم القوافي فخذ علمي وسل نسبي )
( قد خلف البان قدى حين خط على
خدي لريحان خط ليس في الكتب )
( هذا على أصل حسني يستزاد فلا
تعب ودونك علم الخط لا تخب )
( في وصفي النظم والنثر البديع فخذ
علم القريض مع الانشاء والخطب )
( وإن تحاضر فحاضر في مغازلتي
واحفظ تواريخ ما أمليه من نخب )
( واقصد بديع معاني التي بهرت
عند البيان عقول العجم والعرب )
( أني أنا البدر سار في منازله
مكمل الحسن بين الرأس والذنب )
ومن ذلك العقد الفريد في علم التوحيد وأوله بعد الخطبة
( سبى القلب ظبي من بني العلم أغيد
له مقلة كحلي وخد مورد )
( أوحد من أنشاه للخلق فتنة
فيسأل ما التوحيد وهو يعربد )
( فقلت له الإيمان بالله من يرى
لحاظك باري الخلق والكون يشهد )
( فبالكتب والأملاك والرسل صا فتى
براه هواك القاتل المتعمد )
( وإن تفنني هجرا أقم يوم بعثتي
وقد نشر الأموات والحوض يورد )
( وقد كورت شمس وشققت السما
ولك الورى نحو القصاص تحشدوا )
( وقد نصب الميزان وامتد جسرهم
وأقبلت في ثوب الجمال تردد )
( أنادي وقد شبثت كفي بذيله
وتضريج أكفاني ولحظك يشهد )
( حبيب بما استحللت قتل مبرأ
وما ذنبه إلا ضنى فيك مكمل ) 283
( فقال أما هذا بتقدير من قضى
وحكم مضى ما فيه قط تردد )
( فقلت بلى والخير والشر قدرا
وكل بتقدير المهيمن مرصد )
( فقال فمن هذا الذي ذاك حكمه
وتقديره صفه لكيما أوحد )
( فقلت إله واحد لا مشارك
له لم يلد كلا ولا هو والد )
واستطردت من ذلك إلى ذكر الصفات وتنزيه الذات إلى أن قلت
( هو الله من أنشاك للخلق فتنة
ليسفك من جفنيه سيف مهند )
ومن مصنفاتي المنثورة تاريخ تمرلنك عجائب المقدور في نوائب تيمور ومنها فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء ومنها خطاب الإهاب الناقب وجواب الشهاب الثاقب ومنها الترجمان المترجم بمنتهى الأرب في لغة الترك والعجم والعرب ومن النظم القصيدة المسماة بالعقود النصيحة أولها
( لك الله هل ذنب فيعتذر الجاني
بلى صدق ما أنها أني بكم فإني )
( ومن سوء حظ الصب أن يلعب الهوى
بأحشائه والحب يومي بولعان )
( ومن شيم الأحباب قتل محبهم
إذا علموه فيهم صادقا عانى )
ومن ذلك غرة السير في دول الترك والتتر وكان عند كتابة هذه الإجازة لم يتم واقتصر في التذكرة على هذه المصنفات العشرة للوجازه لا للإجازة هذا وأما مولدي فداخل دمشق ليلة الجمعة الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة تسعين وسبعمائة ثم ذكر ترجمة طويلة لنفسه قال صاحب المنهل ومن نظمه معمى
( وجهك الزاهي كبدر
فوق غصن طلعا )
( واسمك الزاكي كمشكاة
سناها لمعا )
( في بيوت أذن الله
لها أن ترفعا )
( عكسه صحفه تلقى
الحسن فيه أجمعا )
وتوفي يوم الإثنين خامس رجب بالقاهرة عن اثنتين وستين سنة وستة أشهر 284 وعشرين يوما انتهى
وفيها كمال الدين محمد بن صدقة المجذوب الصاحي الولي المكاشف الدمياطي الأصل ثم المصري الشافعي اشتغل وحفظ التنبيه والألفية وتكسب بالشهادة بمصر ثم حصل له جذب وظهرت عليه الأحوال الباهرة والخوارق الظاهرة وتوالت كراماته وتتابعت آياته واشتهر صيته وعظم أمره وهرع الأكابر لزيارته وانقاد له الأماثل حتى الفقهاء كالكمال إمام الكاملية وغيره ومن كراماته أن رجلا سأله حاجة فأشار بتوقفها على خمسين دينارا فأرسلها إليه فوصل القاصد إليه بها فوجده قاعدا بباب الكاملية فبمجرد وصوله إليه أمره بدفعها لامرأة مارة بالشارع لا تعرف فأعطاها إياها فانكشف بعد ذلك أن ولدها كان في الترسيم على ذلك المبلغ بعينه لا يزيد ولا ينقص عند من لا رحمة عنده بحيث خيفة عليه التلف توفي بمصر وصلى عليه في محفل حافل ودفن بالقرافة بجوار قبر الشيخ أبي العباس الخراز قاله المناوي في طبقات الأولياء
سنة خمس وخمسين وثمانمائة
في خامسها بويع بالخلافة القائم بأمر الله حمزة بن المتوكل على الله بعد وفاة أخيه المستكفي بالله سليمان بن المتوكل على الله بويع سليمان هذا بالخلافة يوم موت أخيه المعتضد بالله وذلك في سنة خمس وأربعين وثمانمائة وأقام في الملك عشر سنين وبلغ من العز فوق أخيه وحمل السلطان نعشه
وفيها توفي كمال الدين أبو المناقب أبو بكر بن ناصر الدين محمد بن سابق الدين أبي بكر بن فخر الدين عثمان بن ناصر الدين محمد بن سيف الدين خضر ابن نجم الدين أيو ببن ناصر الدين محمد بن الشيخ العارف بالله همام الدين الهمامي الخضيري السيوطي الشافعي قال ولده في طبقات النحاة ولد 285 في أوائل القرن بسيوط واشتغل بها ثم قدم القاهرة بعد عشرين وثمانمائة فلازم الشيوخ شيوخ العصر إلى أن برع في الفقه والأصلين والقراآت الحساب والنحو والتصريف والمعاني والبيان والمنطق وغير ذلك ولازم التدريس والافتاء وكان له في الانشاء اليد الطولى وكتب الخط المنسوب وصنف حاشية على شرح الألفيه لابن المصنف حافلة في مجلدين وكتابا في القراآت وحاشية على العضد وتعليقا على الإرشاد لابن المقرى وكتابا في صناعة التوقيع وغير ذلك أخبرني بعض أصحابه أن الظاهر جقمق عينه مرة لقضاء القضاة بالديار المصرية وأرسل يقول للخليفة المستكفى بالله قل لصاحبك يطلع نوليه فأرسل الخليفة قاصدا إلى الوالد يخبره بذلك فامتنع قال الحاكي فكلمته في ذلك فأنشدني
( وألذ من نيل الوزارة أن ترى
يوما يريك مصارع الوزراء )
ومن نجباء تلامذته الشيخ فخر الدين المقدسي وقاضي مكة برهان الدين بن ظهيرة وقاضيها نور الدين بن أبي اليمن وقاضي المالكية محي الدين بن تقي والعلامة محي الدين بن مصيفح في آخرين مات ليلة الإثنين وقت أذان العشاء خامس صفر ودفن بالقرافة قريا من الشمس الأصفهاني انتهى
وفيها أمير المدينة أميان بن مانع بن علي بن عطية الحسيني توفي في جمادى الآخرة واستقر بعده زيرى بن قيس
وفيها جمال الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ الإمام العالم محب الدين أبي عبد الله محمد بن هشام الأنصاري المصري الحنبلي القاضي كان من أهل العلم ومن أعيان فقهاء الديار المصرية وقضاتها باشر القضاء نيابة عن قاضي القضاة محب الدين بن نصر الله ثم عن قاضي القضاة بدر الدين البغدادي فوقعت حادثة أوجبت تغير خاطر بدر الدين المذكور عليه فعزله عن القضاء ثم صار يحسن إليه ويبره إلى أن توفي بمصر في المحرم الحرام 286
وفيها الشيخ عبد الواحد البصير المقرى الحنبلي الوفاتي توفي بدرب الحجاز الشريف في عوده من الحج بالعلا
وفيها قاضي القضاة شمس الدين محمد بن أحمد بن سعيد المقدسي الحنبلي قاضي مكة المشرفة ولد بكفر لبد من أعمال نابلس في سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وسكن مدينة حلب قديما ودمشق وسمع على الأعيان وقرأ على ابن اللحام والتقي بن مفلح والحافظ زين الدين بن رجب وكان عالما خيرا كتب الشروط ووقع على الحكام دهرا طويلا وتفرد بذلك وصنف التصانيف الجيدة منها سفينة الأبرار الحاملة للآثار والأخبار ثلاث مجلدات في الوعظ وكتاب الآداب وكتاب المسائل المهمة في ما يحتاج إليه العاقل في الخطوي المدلهمة وكتاب كشف الغمة في تيسير الخلع لهذه الأمة والمنتخب الشافي من كتاب الوافي اختصر فيه الكافي للموفق وجاور بمكة مرارا وجلس بالحضرة النبوية بالمدينة الشريفة بالروضة واستجازه الأعيان وآخر مجاوراته سنة ثلاث وخمسين فمات قاضي مكة في تلك السنة فجهز إليه الولاية في أوائل سنة أربع وخمسين فاستمر بها قاضيا نحو سنة وتوفي في أوائل هذه السنة وخلف دنيا ولا وارث له رحمه الله تعالى
وفيها القاضي شمس الدين محمد بن محمد بن خالد بن زهر الحمصي الحنبلي قرأ المقنع وشرحه على والده وأصول ابن الحاجب وألفية ابن مالك على غيره وأذن له القاضي علاء الدين بن المغلى بالافتاء وولي القضاء بحمص بعد وفاة والده واستمر قاضيا إلى أن توفي بها في ذي القعدة ودفن بباب تدمر
وفيها بدر الدين أبو الثناء وأبو محمد محمود بن القاضي شهاب الدين أحمد بن القاضي شرف الدين موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العينتابي الأصل والمولد والمنشأ المصري الدار والوفاة الحنفي المعروف بالعيني قال تلميذه ابن تغرىبردى هو العلامة فريد عصره وحيد دهره عمدة المؤرخين 287 مقصد الطالبين قاضي القضاة ولد سادس عشرى شهر رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة في درب كيكن ونشأ بعينتاب وحفظ القرآن العظيم وتفقه على والده وغيره وكان أبوه قاضي عينتاب وتوفي بها في سنة أربع وثمانين وسبعمائة ورحل صاحب الترجمة إلى حلب وتفقه بها أيضا وأخذ عن العلامة جمال الدين يوسف بن موسى الملطي الحنفي وغيره ثم قدم القدس فأخذ عن العلاء السرامي لأنه صادفه زائرا به ثم صحبه معه إلى القاهرة في سنة ثمان وثمانين وسبعمائة وأخذ عنه علوما جمة ولازمه إلى وفاته وأقام بمصر مكبا على الاشتغال والاشغال وولي حسبة القاهرة بعد محن جرت له من الحسدة وعزل عنها غير مرة وأعيد إليها ثم ولي عدة تداريس ووظائف دينية واشتهر اسمه وبعد صيته وأفتى ودرس وأكب على الاشتغال والتصنيف إلى أن ولي نظر الاحباس ثم قضاء قضاة الحنفية بالديار المصرية يوم الخميس سابع عشرى ربيع الآخر سنة تسع وعشرين وثمانمائة فباشر ذلك بحرمة وافرة وعظمة زائدة لقربه من الملك الأشرف برسباي واستمر فيه إلى سنة اثنتين وأربعين وكان فصيحا باللغتين العربية والتركية وقرأ وسمع ما لا يحصى من الكتب والتفاسير وبرع في الفقه والتفسير والحديث واللغة والنحو التصريف والتاريخ ومن مصنفاته شرح البخاري في أكثر من عشرين مجلدا وشرح الهداية وشرح الكنز وشرح مجمع البحرين وشرح تحفة الملوك في الفقه وشرح الكلم الطيب لابن تيمية وشرح قطعة من سنن أبي داود وقطعة كبيرة من سيرة ابن هشام وشرح العوامل المائة وشرح الجاربردى وله كتاب في المواعظ والرقائق في ثمان مجلدات ومعجم مشايخه مجلد ومختصر الفتاوى الظهيرية ومختصر المحيط وشرح التسهيل لابن مالك مطولا ومختصرا وشرح شواهد ألفية ابن مالك شرحا مطولا وآخر مختصرا وهو كتاب نفيس احتاج إليه صديقه وعدوه وانتفع به غالب علماء عصره فمن 288 بعدهم وشرح معاني الآثار للطحاوي في اثنتي عشرة مجلدة وله كتاب طبقات الشعراء وطبقات الحنفية والتاريخ الكبير على السنين في عشرين مجلدا واختصره في ثلاث مجلدات والتارخي الصغير في صمان مجلدات وعدة تواريخ أخر وله حواش على شرح ألفية بن مالك وحواش على شرح السيد عبد الله وشرح عروض ابن الحاجب واختصر تاريخ ابن خلكان وله غير ذلك وكان أحد أوعية العلم وأخذ عنه من لا يحصى ولما أخرج عنه نظر الأحباس في سنة ثلاث وخمسين عظيم عليه ذلك لقلة موجوده وصار يبيع من أملاكه وكتبه إلى أن توفي ليلة الثلاثاء رابع ذي الحجة بالقاهرة وصلى عليه بالجامع الأزهر ودفن بمدرسته التي بقرب داره وكثر أسف الناس عليه رحمه الله تعالى
سنة ست وخمسين وثمانمائة
فيها توفي زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ تقي الدين أبي الصدق أبي بكر بن الشيخ نجم الدين أبي سليمان داود بن عيسى الحنبلي الدمشقي الصالحي الصوفي القادري البسطامي شيخ الطريقة وعلم الحقيقة العالم الناسك ولد سنة اثنتين وثمانين وسبعمائة وتفقه بجماعة منهم برهان الدين وأكمل الدين ابنا شرف الدين بن مفلح صاحب الفروع وتخرج بجماعة منهم والده ونشأ على طريقة حسنة ملازما للذكر وقراءة القرآن والأوراد التي رتبها والده وكان محببا إلى الناس يتردد إليه النواب والقضاة والفقهاء من كل مذهب اشتغل في فنون كثيرة وكتب بخطه الحسن كثيرا وألف كتبا عديدة منها الكنز الأكبر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أجلها وكتاب نزهة النفوس والأفكار في خواص النبات والحيوان والأحجار وكتاب الدر المنتقى المرفوع في أوراد اليوم والليلة والأسبوع والمولد الشريف وكان بشوشا 289 يتعبد بقضاء الحوائج مسموع الكلمة في الدولة الأشرفية والظاهرية وتكلم على مدرسة الشيخ أبي عمر والبيمارستان القيمري فحصل له به النفع من عمارة جهاتهما وعمل مصالحهما ورغب الناس في نفع الفقراء بكل ممكن وتوفي ليلة الجمعة سلخ ربيع الآخر ودفن بالتربة التي أنشأها قبلي زاويته المشرفة على الطريق يمين الداخل أخبرني أخي في الله الشيخ أحمد بن علي بن أبي سالم أنه سلم عليه فرد عليه السلام من قبره رحمه الله تعالى
وفيها القاضي أمين الدين عبد الرحمن بن قاضي القضاة شمس الدين محمد وأخو شيخ الإسلام سعد الدين بن عبد الله بن الديري العبسي المقدسي الحنفي ناظر حرمى القدس والخليل ولد بالقدس في شعبان سنة سبع عشرة وثمانمائة وحفظ القرآن العزيز وبعض مختصرات في مذهبه وتفقه بأخيه سعد الدين وغلب عليه الأدب وقال الشعر الجيد وكان له خفة وزهو ويتزيا بزي الأمراء وله كرم وأفضال على دويه وربما يتحمل من الديون جملا بسبب ذلك وتوفي على نظر القدس الشريف في أوائل ذي الحجة
وفيها علاء الدين أبو الفتوح علي بن أحمد بن إسمعيل بن محمد بن إسمعيل بن علي القلقشندي الشافعي القرشي ولد بالقاهرة في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وسبعمائة ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم وعدة متون في مذهبه وتفقه بعلماء عصره كالسراج البلقيني وولده جلال الدين والعز بن جماعة وسراج الدين بن الملقن وغيرهم وأخذ الحديث عن الزين العراقي والنور الهيثمي وسمع على جماعة منهم البرهان الشامي والعلاء بن أبي المجد والجمال الحلاوي وبرع في الفقه والأصول والعربية والمعاني والبيان والقراآت وشارك في عدة علوم وتصدى للافتاء والتدريس والاشغال وانتفع به الطلبة وتفقه به جماعة من الأعيان وولي تدريس الشافعي وطلب إلى قضاء دمشق فامتنع ورشح لقضاء القضاة بالديار المصرية غير مرة وتصدر للتدريس وسنه دون العشرين 290 وولي عدة مدارس وتوفي أول يوم من هذه السنة
وفيها القاضي كمال الدين محمد بن محمد بن محمد بن عثمان بن محمد الجهني الأنصاري الحموي ثم القاهري الشافعي أوحد الرؤساء كاتب السر بمصر كان إماما علاما ناظما ناثرا ولد بحماة في ذي الحجة سنة ست وتسعين وسبعمائة ونشأ بها تحت كنف والده وحفظ القرآن العظيم والتمييز في الفقه وقرأه على الحافظ برهان الدين الحلبي المعروف بالقوف ثم قدم الديار المصرية مع والده فتفقه بالولي العراقي والعز بن جماعة وأخذ عنهما العقليات وعن القاضي شمس الدين البساطي المالكي وغيرهم وأخذ النحو عن الشيخ يحيى المغربي العجيسي واجتهد في التحصيل وساعده فرط ذكائه واستقامة ذهنه حتى برع في المنطوق والمفهوم وصارت له اليد الطولى في المنثور والمنظوم ومن شعره ما كتبه به على سيرة ابن ناهض تهكما بعد كتابة والده
( مرت على فهمي وحلو لفظها
مكرر فما عسى أن أصنعا )
( ووالدي دام بقا سؤدده
لم يبق فيها للكمال موضعا )
وولي قضاء قضاة دمشق وحج قال في المنهل وكان أعظم من رأينا في هذه العصر وتوفي بالقاهرة يوم الأحد سادس عشرى صفر
وفيها يوسف بن الصفي الكركي ثم القاهري كان فاضلا أديبا ومن شعره
( كل يوم إلى ورا
بدل البول بالخرا )
( فزمانا تهودا
وزمانا تنصرا )
( وستصبو إلى المجوس
أن الشيخ عمرا )
توفي في رجب عن نحو تسعين سنة
سنة سبع وخمسين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن أبي بكر الناشري الإمام 291 العالم توفي في حياة أبيه عن بضع وأربعين سنة
وفيها الملك الظاهر أبو سعيد جقمق بن عبد الله العلائي الظاهري سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والأقطار الحجازية الرابع والثلاثون من ملوك الترك والعاشر من الجراكسة جلب من بلاد الجركس إلى الديار المصرية وآل أمره بعد تنقلات وتقلبات إلى أن ولي السلطنة وتوطدت له الدولة خصوصا بعد أن قتل نائب حلب ونائب الشام لما خرجا عن طاعته وصفاله الوقت وغزا في أيامه رودس ولم يفتحها وعمر في أيامه أشياء كثيرة من مساجد وجوامع وقناطر وجسور وغير ذلك مما فعله هو وأرباب دولته وعمر عين حنين وأصلح مجاريها وعمر مسجد الخيف بمنى وجدد في الحرم الشريف مواضع ورم الكعبة وصرف مالا عظيما في جهات الخير وله مآثر حميدة وكان مغرما بحب الأيتام والإحسان إليهم وإلى غيرهم متواضعا محبا للعلماء والفقهاء والأشراف والصالحين يقوم لمن يدخل عليه منهم جوادا برا طاهر الفم والذيل فقيها فاضلا شجاعا عارفا بأنواع الفروسية لم يزن ولم يلط ولم يسكر عفيفا عن المنكرات والفروج لا نعلم أحدا من ملوك مصر في الدولة الأيوبية والتركية على طريقته من العفة والعبادة مرض في أواخر ذي الحجة سنة ست وخمسين وطالب به المرض إلى أن خلع نفسه من السلطنة في يوم الخميس الحادي والعشرين من محرم هذه السنة وسلطن ولده الملك المنصور عثمان ثم توفي ليلة الثلاثاء ثالث صفر بعد خلعه باثني عشر يوما عن نيف وثمانين سنة وكانت مدة سلطنته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر ثم خلع ولده المنصور بعد أربعين يوما من ولايته وحبس بالأسكندرية وتولى السلطنة الملك الأشرف اينال قلت وجقمق هذا غير باني الجقمقية بقرب دمشق فإن ذاك كان أمير دوادارا ثم ناب في دمشق وتقدم ذكره 292 في سنة أربع وعشرين وثمانمائة
وفيها أبو القسم محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن جعمان الصوفي وبنو جعمان بيت علم وصلاح قل أن يوجد لهم نظير في اليمن قال المناوي في طبقات الأولياء في حق صاحب الترجمة كان إماما عالما عرافا محققا عابدا زاهدا مجتهدا أخذ عن الناشري وغيره وانتهت إليه الرياسة في العلم والصلاح في اليمن وله كرامات منها أنه كان يخاطبه الفقيه أحمد بن موسى عجيل من قبره وإذا قصده أحد في حاجة توجه إلى قبره فيقرأ عنده ما تيسر من القرآن ثم يعلمه فيجيبه انتهى
وفيها أبو القسم محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد النويري القاهري المالكي اشتغل على علماء عصره ومهر وبرع ونظم ونثر وكان علامة وتوفي بمكة في جمادى الأولى
وفيها أكمل الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ شرف الدين أبي عبد الله بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج الشيخ الإمام العلامة المفتي الحنبلي اشتغل بعد فتنة تمرلنك ولازم والده ومهر على يديه وكان له فهم صحيح وذهن مستقيم وسمع من والده والشيخ تاج الدين بن بردس وأفتى في حياة والده وبعد وفاته وناب في الحكم عن القاضي محب الدين بن نصر الله بالقاهرة وعين لقضاء دمشق فلم ينبرم ذلك وكان له سلطنة على الأتراك ووعظ ووقع له مناظرات مع جماعة من العلماء والأكابر وحصل له في سنة ثلاث وأربعين داء الفالج وقاسى منه أهوالا ثم عوفي منه ولكن لم يتخلص بالكلية وتوفي بدمشق ليلة السبت سادس عشر شوال ودفن بالروضة على والده إلى جانب جده صاحب الفروع رحمهم الله تعالى
وفيها قاضي القضاة بدر الدين أبو المحاسن محمد بن ناصر الدين محمد بن شرف الدين عبد المنعم بن سليمان بن داود البغدادي الأصل ثم المصري الحنبلي 293 الإمام العالم ولد بالقاهرة سنة إحدى وثمانمائة ونشأ بها واشتغل بالعلم وناب في القضاء بالديار المصرية وأشغل ودرس وناظر وأفتى ثم استقل بقضاء القاضة يوم الإثنين عشرى جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثمانمائة فباشر على أحسن وجه وكان عفيفا في ولايته لا يقبل رشوى ولا هدية وبهذا ظهر أمره واشتهر اسمه في الآفاق وكان مقصدا وانتهت إليه في آخر عمره رياسة المذهب بل رياسة عصره وكان معظما عند الملك الظاهر جقمق مسموع الكلمة عند أركان الدولة وكانت له معرفة تامة بأمور الدنيا ويقوم مع غير أهل مذهبه ويحسن إليهم ويرتب لهم الأموال ويأخذ لهم الجوائز ويعتني بشأنهم خصوصا أهل الحرمين الشريفين وكان عنده كرم ويميل إلى محبة الفقراء وفتح عليه بسبب ذلك قال البرهان بن مفلح ولقد شاهدته وهو في أبهته وناموسه بمسجد الخيف يقبل يد شخص من الفقراء ويمرها على وجهه توفي يوم الخميس ثامن شهر جمادى الأولى
وكان ولد شرف الدين محمد توفي قبله وكان دينا عفيفا فاضلا له معرفة بالأمور كأبيه وباشر نيابة الحكم عن والده وانقطع نسله ودفن خارج باب النصر في تربة جد والده الشيخ عبد المنعم ووجد عليه والده والناس
سنة ثمان وخمسين وثمانمائة
فيها تقريبا توفي الشيخ عفيف الدين أبو المعالي علي بن عبد المحسن بن الدواليبي البغدادي ثم الشامي الحنبلي الخطيب شيخ مدرسة أبي عمر ولد ببغداد في حادي عشرى المحرم سنة تسع وسبعين وسبعمائة وسمع بها من شمس الدين الكرماني صحيح البخاري في سنة خمس وثمانمائة وقدم دمشق فاستوطنها وولي خطابة الجامع المظفري ومشيخة مدرسة الشيخ أبي عمر وكان إماما عالما ذا سند عال في الحديث وتوفي بصالحية دمشق ودفن بالسفح 294
سنة تسع وخمسين وثمانمائة
فيها وقع سيل عظيم بمكة ودخل الحرم حتى قارب الحجر الأسود
وفيها توفي أمير مكة الزين أبو زهير بركات بن البدر أبي المعالي حسن ابن عجلان بن رميثة ولم يكمل ستين سنة
وفيها صاحب حصن كيفا حسن بن عثمان بن العادل الأيوبي
وفيها عز الدين عبد السلام بن أحمد بن عبد المنعم بن محمد بن أحمد القيلوي بالقاف ثم تحتانية ساكنة ثم لام مفتوحة وبعد الواو ياء النسب نسبة إلى قرية بأرض بغداد يقال لها قيلويه مثل نفطويه نزيل القاهرة الحنفي الإمام العلام قال البرهان البقاعي في عنوان الزمان ولد سنة ثمانين وسبعمائة تقريبا بالجانب الشرقي من بغداد وقرأ به القرآن برواية عاصم وحفظ كتبا في الفقه والأصول والنحو والمعاني وغير ذلك فأكثر من المحفوظات جدا ثم سمع البخاري على الشيخ محمد بن الجاردي وأخذ عنه فقه الحنابلة وعن الشيخ عبد الله بن عزيز بالزايين والتثقيل المصغر وعن الشيخ محمود المعروف بكريكر بالتصغير وغيرهم وبحث في فقه الشافعية أيضا ثم تحنف وأخذ الأصول عن الشيخ أحمد الدواليبي والنحو عن الشيخ أحمد بن المقداد وغيره والطب عن الموفق الهمذاني والفرائض عن الشيخ عبد القادر الواسطي وانتفع به في غير ذلك ثم ارتحل إلى العجم لما نجاه الله تعالى من فتنة تمرلنك العظى فلازم ضياء الدين الهروي الحنفي وأخذ عنه فقه الحنفية بعد أن حفظ مجمع البحرين وقرأ على غيره وقرأ في عدة علوم على من لا يحصى ثم ارتحل إلى أرزنجان من بلاد الروم فأخذ التصوف عن الشيخ يار على السيواسي ثم دخل بلاد الشام وحلب وبيت المقدس فاجتمع بالقدوة العلامة شهاب الدين بن الهايم ثم رحل إلى القاهرة فأخذ الحديث عن الولي العراقي والجمال الحنبلي الجندي 295 والشمس الشامي وهذه الطبقة فأكثر جدا ودرس في القاهرة بعدة أماكن ولازمه الناس وانتفعوا به جدا وهو رجل خير زاهد مؤثر للانقطاع عن الناس والعفة والتقنع بزراعات يزرعها ولم يحصل له إنصاف من رؤساء الزمان في أمر الدنيا وعنده رياضة زائدة وصبر على أشغال الناس له واحتمال جفاهم ولم يعتن بالتصنيف ومن شعره
( شرابك المختوم في آنيه
وخمر أعدائك في آنيه )
( فليت أيامك لي آنيه
قبل انقضاء العمر في آنيه )
انتهى ملخصا أي وتوفي في رمضان بالقاهرة وقد تجاوز الثمانين
وفيها معين الدين عبد اللطيف بن أبي بكر بن سليمان القاضي بن القاضي الحلبي الأصل المصري المولد والمنشأ الشافعي قال في المنهل الصافي ولد بالقاهرة سنة اثنتي عشرة وثمانمائة تخمينا ونشأ بها تحت كنف والده وحفظ القرآن العزيز وصلى بالناس في سنة أربع وعشرين وحفظ عدة مختصرات وتفقه على الشرف السبكي وقرأ المعقول على التقي الشمني وعلى الشمس الرومي وكتب الخط المنسوب وتدرب بوالده وغيره وكتب في التوقيع بديوان الإنشاء بالديار المصرية ثم ولي كتابة سر حلب بعد عزل والده في آخر الدولة الأشرفية فباشرها على أحسن وجه وحظى عند نائبها ثم عزل وعاد إلى توقيع دست القاهرة واستمر على ذلك إلى أن توفي والده سنة أربع وأربعين وثمانمائة فاستقر مكانه في كتابة السر بمصر
وفيها شمس الدين محمد بن حسن بن علي بن عثمان النواجي الشافعي المصري الإمام العلامة الأديب قال في عنون الزمان ولد بالقاهرة بعد سنة خمس وثمانين وسبعمائة تقريبا وقرأ بها القرآن وتلا ببعض السبع على الشيخ أمير حاج والشمس الزراتيني وعلى شيخنا الشمس الجزري وحفظ العمدة والتنبيه والشاطبية والألفية وعرض بعضها على الشيخ زين الدين العراقي وذكر أنه 296 أجاز له وغيره ثم أقبل على التفهم فأخذ الفقه عن الشمس البرماوي والبرهان البيجوري وغيرهما والنحو وغيره من المعقول عن الشيخ عز الدين بن جماعة والشمس البساطي والشمس بن هشام العجيمي وحج مرتين ودخل دمياط وأسكندرية وتردد إلى المحلة وأمعن النظر في علوم الأدب وأنعم حتى فاق أهل العصر فما رام بديع معنى إلا أطاعه وأنعم وأطال الاعتناء بالأدب فحوى فيه قصب السبق إلى أعلى الرتب ومن مصنفاته حاشية على التوضيح في مجلدة وبعض حاشية على الجاربردى وكتاب تأهيل الغريب يشتمل على قصائد مطولات كلها غزل والشفافي بديع إلا كتفا وخلع العذار في وصف العذار وصحائف الحسنات وروضة المجالس في بديع المجانسة ومراتع الغزلان في وصف الحسان من الغلمان وحلية الكميت في وصف الخمر وكان سماه أولا الحبور والسرور في وصف الخمور فحصلت له بسببه محنة عظيمة واستفتى عليه فغير تسميته ومن شعره ما ذكره في الشفا
( بعد صباح الوجه عيشى مضى
فيا رعى الله زمان الصباح )
( وبت أرعى النجم لكنني
أهفو إذا هب نسيم الصباح )
ومنه
( عسى شربة من ماء ريقك تنطفي
بها كبدي الحرى وتبرى من الظما )
( فختام لا أحظى بها وإلى متى
أقضى زماني في عسى ولعلما )
ومنه
( لقد تزايد همي مذ نأى فرج
عني وصدري أضحى ضيقا حرجا )
( ورحت أشكو الأسى والحال ينشدني
يا مشتكي الهم دعه وانتظر فرجا )
ثم ذكر له أشياء حسنة وأخرى بضدها وأظهر تحاملا عليه فلذلك لم أذكر شيئا من ذلك فرحمهما الله تعالى 297
سنة ستين وثمانمائة
فيها توفي المولى سيد علي العجمي الحنفي قال في الشقائق حصل العلوم في بلاده ويقال أنه قرأ على السيد الشريف ثم أتى بلاد الروم فأتى بلدة قسطموني وواليها إذ ذاك إسمعيل بك فأكرمه غاية الإكرام ثم أتى إلى مدينة أدرنة فأعطاه السلطان مرادخان مدرسة جده السلطان بايزيدخان بمدينة بروسا وعاش إلى زمن السلطان محمد واجتمع عنده مع علماء زمانه وبحث معهم وظهر فضله بينهم وله من التصانيف حواش على حاشية شرح الشمسية للسيد الشريف وحواش على حاشية شرح المطالع للسيد الشريف أيضا وحواش على شرح المواقف للسيد الشريف وكان له خط حسن انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن نصير الدمشقي ثم القاهري كان ممن تعانى الأدب ومهر في عمل المواليا وغيره وصار قيما
وفيها منصور بن الحسين بن علي الكازروني الشافعي الإمام العلامة كان إماما عالما مصنفا مفيدا صحيح العقيدة صنف حجة السفرة البررة على المبتدعة الفجرة الكفرة وتوفي بمكة المشرفة
سنة إحدى وستين وثمانمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن محمد بن محمد بن سليمان بن علي البعلي الشافعي المعروف بابن المراحلي كان إماما فاضلا نبيلا توفي في ذي الحجة عن أربع وثمانين سنة
وفيها أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الغني السوسي الحنفي العارف بالله تعالى المسلك العالم العامل القط بالغوث قال المناوي في طبقاته كان من أفراد الصلحاء المسلكين بالقاهرة عالي الرتبة جدا حتى يقال أن الشيخ محمد الحنفي إنما نال ما وصل إليه بلحظه وكان تفقه على ذوي المذاهب الأربعة وله كرامات ومكاشفات منها أن الكمال بن الهمام لما دخل مكة سأل العارف 298 عبد الكريم الحضرمي أن يريه القطب فوعده لوقت معين ثم دخل معه فيه إلى المطاف وقال له ارفع رأسك فرفع فوجد شيخا على كرسي بين السماء والأرض فتأمله فإذا هو صاحب الترجمة فدهش وصار يقول من دهشته بأعلى صوته هذا صاحبنا ولم نعرف مقامه فاختفى عنه ولما رجع الكمال إلى مصر بادر للسلام عليه وقبل قدميه أكتم ما رأيته وتوفى بالقاهرة عن نحو ثمانين سنة ودفن بالقرافة
وفيها القاضي قاسم بن القاضي جلال الدين أبي عمر التلفيتي الشافعي الإمام العالم توفي في شوال عن خمس وستين سنة قاله في ذي الدول
وفيها كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد بن مسعود السيواسي ثم الأسكندري المعروف بابن الهمام الحنفي الإمام العلامة قال في بغية الوعاة ولد سنة تسعين وسبعمائة وتفقه بالسراج قاري الهداية ولازمه في الأصول وغيرها وانتفع به وبالقاضي محب الدين بن الشحنة لما دخل القاهرة سنة ثلاث عشرة ولازمه ورجع معه إلى حلب وأقام عنده إلى أن مات وأخذ العربية عن الجمال الحميدي والأصول وغيره عن البساطي والحديث عن أبي زرعة ابن العراقي والتصوف عن الخوافي والقراآت عن الزراتيتي وسمع الحديث عن الجمال الحنبلي والشمس الشامي وأجاز له المراغي وابن ظهيرة وتقدم على أقرانه وبرع في العلوم وتصدى لنشر العلم فانتفع به خلق وكان علامة في الفقه والأصول والنحو والتصريف والمعاني والبيان والتصوف والمويسيقى وغيرها محققا جدلا نظارا وكان يقول لا أقلد في المعقولات أحدا وقال البرهان الأبناسي من أقرانه طلبت حجج الدين ما كان في بلدنا من يقوم بها غيره وكان للشيخ نصيب وافر مما لأرباب الأحوال من الكشف 299 والكرامات وكان تجرد أولا بالكلية فقال له أهل الطريق ارجع فإن للناس حاجة بعلمك وكان يأتيه الوارد كما يأتي الصوفية لكنه يقعل عنه بسرعة لأجل مخالطته بالناس أخبرني بعض الصوفية من أصحابه أنه كانه عنده في بيته الذي بمصر فأتاه الوارد فقام مسرعا قال الحاكي وأخذ بيدي يجرني وهو يعدو في مشيه وأنا أجري معه إلى أن وقف علي المراكب فقال ما لكم واقفين ههنا فقالوا أوقفنا الريح وما هو باختيارنا فقال هو الذي يسيركم وهو الذي يوقفكم قالوا نعم قال الحاكي وأقلع عنه الوارد فقال لعلي شققت عليك قال فقلت أي والله وانقطع قلبي من الجري فقال لا تأخذ علي فإني لم أشعر بشيء مما فعلته وكان الشيخ يلازم لبس الطيلسان كما هو السنة ويرخيه كثيرا على وجهه وقت حضور الشيخونية وكان يخفف الحضور جدا ويخفف صلاته كما هو شأن الأبدال فقد نقلوا أن صلاة الأبدال خفيفة وكان الشيخ أفتى برهة من عمره ثم ترك الافتاء جملة وولي من الوظائف تدريس الفقه بالمنصورية وبقبة الصالح وبالأشرفية والشيخونية فباشرها مدة أحسن مباشرة غير ملتفت إلى أحد من الأكابر وأرباب الدولة ثم رغب عنها لما جاور بالحرمين واستقر بعده شيخنا العلامة محي الدين الكافيجي وكان حسن اللقاء والسمت والبشر والبزة طيب النغمة مع الوقار والهيبة والتواضع المفرط والمحاسن الجمة وكان أحد الأوصياء علي وله تصانيف منها شرح الهدياة سماه فتح القدير للعاجز الفقير وصل فيه إلى أثناء الوكالة والتحرير في أصول الفقه والمسايرة في أصول الدين وكراسة في اعراب سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وله مختصر في الفقه سماه زاد الفقير وله نظم نازل مات يوم الجمعة سابع رمضان انتهى
سنة اثنتين وستين وثمانمائة
فيها وقع في بولاق حريق لم يسمع بمثله 300
وفيها توفي إبراهيم الزيات المجذوب قال المناوي في طبقاته كان معتقدا عند الخاصة والعامة يزوره الأكابر والأصاغر وله خوارق وكرامات كثيرة وقصد للزيارة من الآفاق وكان غالب أكله اللوز مات في القعدة بموضع مقامه بقنطرة قديدار انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن حسين القاهري السيفي يشبك الحنفي الصوفي ويعرف بابن مبارك شاه قال في ذيل الدول كان إماما علامة انتهى
وفيها أو في التي قبلها وبه جزم العلموي في طبقاته تقي الدين أبو الصدق أبو بكر بن إبراهيم بن يوسف بن قندس البعلي الحنبلي الإمام العلامة ذو الفنون ولد على ما كتبه بخطه قرب سنة تسع وثمانمائة وسمع على التاج بن بردس وغيره وتفقه في المذهب وحفظ المقنع وعنى بعلم الحديث كثيرا وقرأ الأصول على ابن العصياتي بحمص وأذن له بالافتاء والتدريس جماعة منهم الشيخ شرف الدين بن مفلح ثم قرأ المعاني والبيان على الشيخ يوسف الرومي والنحو على ابن أبي الجوف وكان مفننا في العلوم ذا ذهن ثاقب ثم بعد وفاة شيخه ابن مفلح طلبه الشيخ عبد الرحمن بن داود وأجلسه في مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر فتصدى لأقراء الطلبة ونفعهم ثم ولي نيابة الحكم عن العز البغدادي مدة ثم ترك ذلك وأقبل على الاشتغال في العلم وكسب يده وأخذ عنه العلم جماعة وانتفعوا به منهم شيخ المذهب علاء الدين المرداوي والشيخ تقي الدين الجراعي وغيرهما من الأعلام وكان من عباد الله الصالحين وله حاشية على الفروع وحاشية على المحرر وتوفي يوم عاشوراء ودفن بالروضة قريبا من الشيخ موفق الدين
وفيها تقريبا داود بن محمد بن إبراهيم بن شداد بن المبارك النجدي الأصل الربيعي النسب الحموي المولد الحنبلي المعروف بالبلاعي نسبة إلى بلدة تسمى البلاعة الفقيه الفرضي أخذ العلم عن قاضي القضاة علاء الدين بن المغلى 301 وكان له يد طولى في الفرائض والحساب ومن تلامذته الأعيان من قضاة طرابلس وغيرها وتوفي بحماة
وفيها القاضي نور الدين علي بن محمد بن اقبرس الشافعي الإمام العلامة قال في العنون ولد سنة إحدى وثمانمائة بالقاهرة وأخبرني أنه تلا بالسبع على الشمس الزراتيني والشيخ أمير حاج وأنه أخذ الفقه عن الشيخ شمس الدين الأبوصيري والشيخ عز الدين بن جماعة والشمس البرماوي والمنطق وكان رفيقه الكمال بن الهمام عن الجلال الهندي وأثنى على علمه به ولازم الشمس البساطي فانتفع به في النحو والتصريف والمعاني والبيان والأصلين والمنطق وغير ذلك وعنده فضيلة وكلامه أكثر من فضيلته وعنده جراءة وطلاقة لسان وقدرة على الدخول في الناس وعلى صحبة الأتراك صحب جقمق العلائي ولازمه حتى عرف به فلما ولي السلطنة حصل له منه حظ وولاه وظائف منها نظر الأوقاف ووسع في دنياه جدا وناب في القضاء للشمس الهروي وغيره وله نظم وسط ربما وقع فيه الجيد وكذا نثره وسمع شيخنا ابن حجر وغيره وحج وجاور وسافر إلى دمشقي وزار القدس ودخل ثغر اسكندرية ودمياط ومن نظمه
( يا رب مالي غير رحمتك التي
أرجو النجاة بها من التشديد )
( مولاي لا علمي ولا عملي إذا
حوسبت ما عندي سوى التوحيد )
انتهى ملخصا وتوفي بالقاهرة في صفر وقد جاوز الستين
وفيها نور الدين أبو الحسن علي بن محمد المتبولي الشهير بابن الرزاز الحنبلي الإمام العلامة كان من أعيان فقهاء الديار المصرية وقضاتها باشر نيابة القضاء عن ابن المغلى ومن بعده وكان يكتب على الفتوى عبارة حسنة وتوفي بالقاهرة في حادي عشر ربيع الأول ودفن بتربة الشيخ نصر المنبجي
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن زهر الحنبلي 302 الحمصي كان من أهل الفضل قرأ المقنع على والده وروى الحديث بسند عال روى عن الشيخ شمس الدين بن اليونانية عن الحجار وكان ملازما للعبادة والخشوع والصلاح
سنة ثلاث وستين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن محمد بن صالح بن عثمان الأسليمي ثم الحسيني القاهري الشافعي الإمام العلامة
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن المجد المخزومي الحنبلي النابلسي الإمام العالم توفي بنابلس
وتوفي فيها أيضا في هذه السنة زين الدين عبد المغيث بن الأمير ناصر الدين محمد بن عبد المغيث الحنبلي
وفيها برهان الدين أبو الخير إبراهيم بن أحمد بن عبد الكافي الطباطبي المقرىء الصوفي الشافعي السيد الشريف قال المناوي كان يطلق بكل صالحة يده ولسانه ويطوي على المعارف اليقينية جنانه ولا يلتفت إلى الدنيا ولا يقبلها ويشتري حاجته من السوق ويحملها أخذ عن المحب الطبري والكمال الكازروني والحافظ ابن حجر وتصدى للأقراء بالحرمين وأخذ عنه الأماثل وله اليد الطولى في التصوف وعنه أخذ جدنا الشرف المناوي التصوف واستمر ملازما طريقته المرضية إلى أن حان أجله وأدركته المنية وتوفي بمكة انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن عبد الله بن خليل بن أحمد البلاطنسي ثم الدمشقي الشافعي الإمام العالم توفي في صفر عن أربع وستين سنة
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن علي بن أحمد الحموي ثم الحلبي 303 الشافعي الصوفي ويعرف بابن الشماع كان إماما عالما عاملا زاهدا علامة توفي بطيبة المشرفة في ذي القعدة عن بضع وسبعين سنة ودفن بالبقيع
سنة أربع وستين وثمانمائة
فيها كان الطاعون العظيم بغزة ثم الشام والقدس ومات فيه من لا يحصى
وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن داود البيضاوي ثم المكي الشافعي ويعرف بالزمزي الإمام العلامة توفي في ربيع الأول عن ست وثمانين سنة
وفيها شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد الشحام الحنبلي المؤذن بالجامع الأموي ولد في خامس عشرى المحرم سنة إحدى وثمانين وسبعمائة وسمع من جماعة وروى عنه جماعة من الأعيان وتوفي بالقدس الشريف في نهار الثلاثاء تاسع جمادى الآخر
وفيها تقريبا قاضي القضاة تقي الدين أبو الصدق أبو بكر بن محمد بن الصدر البعلي الحنبلي ولد سنة سبع وسبعين وسبعمائة وروى عمن روى عن الحجار وسمع على الشيخ شمس الدين بن اليونانية البعلي ببعلبك وولي قضاء طرابلس مدة طويلة وكان حسن السيرة وأجاز الشيخ نور الدين العصياتي وأخذ عنه جماعات
وفيها جلال الدين محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم المحلى الشافعي تفتازاني العرب الإمام العلامة قال في حسن المحاضرة ولد بمصر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة واشتغل وبرع في الفنون فقها وكلاما وأصولا ونحوا ومنطقا وغيرها وأخذ عن البدر محمود الأقصرائي والبرهان البيجوري والشمس البساطي والعلاء البخاري وغيرهم وكان علامة آية في الذكاء والفهم كان بعض أهل عصره يقول فيه أن ذهنه يثقب الماس وكان هو يقول عن نفسه إن فهمي لا يقبل الخطأ ولم يك يقدر على الحفظ وحفظ كراسا من بعض الكتب 304 فامتلأ بدنه حرارة وكان غرة هذا العصر في سلوك طريق السلف على قدم من الصلاح والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكام ويأتون إليه فلا يلتفت إليهم ولا يأذن لهم في الدخول عليه وكان عظيم الحدة جدا لا يراعي أحدا في القول يؤسى في عقود المجالس على قضاة القضاة وغيرهم وهم يخضعون له ويهابونه ويرجعون إليه وظهرت له كرامات وعرض عليه القضاء الأكبر فامتنع وولي تدريس الفقه بالمؤيدية والبرقوقية وقرأ عليه جماعة وكان قليل الأقراء يغلب عليه الملل والسآمة وسمع الحديث من الشرف بن الكويك وكان متقشفا في مركوبه وملبوسه ويتكسب بالتجارة وألف كتبا تشد إليها الرحال في غاية الاختصار والتحرير والتنفيح وسلاسة العبارة وحسن المزج والحل وقد أقبل عليها الناس وتلقوها بالقبول وتداولوها منها شرح جمع الجوامع في الأصول وشرح المنهاج في الفقه وشرح بردة المديح ومناسك وكتاب في الجهاد ومنها أشياء لم تكمل كشرح القواعد لابن هشام وشرح التسهيل كتب منه قليلا جدا وحاشية على شرح جامع المختصرات وحاشية على جواهر الأسنوي وشرح الشمسية في المنطق وأجل كتبه التي لم تكمل تفسير القرآن كتب منه من أول الكهف إلى آخر القرآن وهو ممزوج محرر في غاية الحسن وكتب على الفاتحة وآيات يسيرة من البقرة وقد كملته بتكملة على نمطه من أول البقرة إلى آخر الأسرار وتوفي في أول يوم من سنة أربع وستين وثمانمائة انتهى
سنة خمس وستين وثمانمائة
في صفرها كان بمكة سيل عظيم
وفيها توفي الملك الأشرف سيف الدين أبو النصر اينال العلائي تسلطن في صبيحة يوم الإثنين لثمان مضين من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثمانمائة 305 وهو الثاني عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم وهو جركسي جلبه الخواجا علاء الدين إلى مصر فاشتراه الظاهر برقوق وأعتقه الناصر فرج بن برقوق وتنقل في الدولة إلى أن صار في أيام الأشرف برسباي أمير مائة مقدم ألف وولاه الظاهر جقمق الدوادارية الكبرى إلى أن جعله أتابكا واستمر إلى أن تسلطن وتم أمره في الملك وطالت أيامه نحو ثمان سنين وشهرين وأياما وكان طويلا خفيف اللحية بحيث اشتهر باينال الأجرود وكان قليل الظلم قليل سفك الدماء متجاوزا عن الخطا والتقصير إلا أن ممالكيه ساءت سيرتهم في الناس واستمر سلطانا إلى أن خلع نفسه من السلطنة وعقدها لولده الملك المؤيد شهاب الدين أبي الفتح أحمد بن إينال العلائي في يوم الأربعاء رابع عشر ليلة خلت من جمادى الأولى وتوفي والده بعد ذاك بيوم واحد ثم خلعه أتابكه خشقدم بعد خمسة أشهر وخمسة أيام وولي السلطنة عوضه الملك الظاهر خشقدم يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان
وفيها القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن عمر البلقيني الإمام العالم توفي في ذي القعدة عن ثلاث وخمسين سنة
وفيها عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم الكناني الحموي المعروف بابن جماعة توفي في ذي القعدة عن خمس وثمانين سنة
وفيها باعلوي عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن اليمني الصوفي كان شيخ حضر موت وركنها وصوفيها وزاهدها له أتباع وخدخم مع الولاية الظاهرة والأسرار الباهرة وتوفي في رمضان
سنة ست وستين وثمانمائة
فيها توفي السيد حسين بن محمد بن أيوب الحسني الشافعي المعروف بالسيد النسابة كان إماما عالما أخباريا توفي في مستهل صفر وقد قارب المائة 306
وفيها السلطان خلف الأيوبي صاحب حصن كيفا وهو آخر ملوك الحصن من بني أيوب
وفيها شمس الدين أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي بكر القاهري الشافعي الصوفي الإمام الزاهد توفي في ربيع الأول عن نحو ثمانين سنة
سنة سبع وستين وثمانمائة
في ربيع الآخر وقع بمكة سيل عظيم حتى دخل المسجد الحرام وارتقى الماء إلى نحو قفل باب الكعبة
وفي حدودها توفي برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن التاج عبد الوهاب بن عبد السلام بن عبد القادر البغدادي الحنبلي ولد في ثالث ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة وقرأ على علماء عصره وجد واجتهد حتى صار إماما عالما محدثا زاهدا يشار إليه بالبنان
وفيها أبو بكر بن محمد بن إسمعيل بن علي القلقشندي المقدسي الشافعي كان إماما عالما عاملا محدثا فقيها توفي ببيت المقدس في جمادى الآخرة عن بضع وثمانين سنة
وفيها أبو السعادات بن محمد بن عبد الله بن سعد النابلسي الأصل المقدسي نزيل القاهرة الحنفي كان إماما علامة شيخ مذهب النعمان في زمنه توفي في ربيع الآخر عن نحو مائة سنة
وفيها تقريبا زين الدين أبو عبد الله بلال بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم القادري الحنبلي الفقيه الإمام العالم
وفي حدودها شمس الدين محمد بن عبد الله المتبولي الحنبلي المشهور بابن الرزاز كان إماما عالما فقيها 307
سنة ثمان وستين وثمانمائة
فيها توفي قاضي القضاة علم الدين صالح بن شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني الشافعي الإمام العلامة قال السيوطي في حسن المحاضرة وهو شيخنا حامل لواء مذهب الشافعي في عصره ولد سنة إحدى وتسعين وسبعمائة وأخذ الفقه عن والده وأخيه والنحو عن الشطنوفي والأصول عن العز بن جماعة وسمع على أبيه جزء الجمعة وختم الدلائل وغير ذلك وعلى الشهاب ابن حجي جزء ابن نجيد وحضر عند الحافظ أبي الفضل العراقي في الاملاء وتولى مشيخة الخشابية والتفسير بالبرقوقية بعد أخيه وتدريس الشريفية بعد القمني وتولى القضاء الأكبر سنة ست وعشرين بعزل الشيخ ولي الدين وتكرر عزله وإعادته وتفرد بالفقه وأخذ عنه الجم الغفير وألحق الأصاغر بالأكابر والأحفاد بالأجداد وألف تفسير القرآن وكمل التدريب لأبيه وغير ذلك قرأت عليه الفقه وأجازني بالتدريس وحضر تصديري وقد أفردت ترجمته بالتأليف ومات يوم الأربعاء خامس رجب انتهى
وفيها جمال الدين عبد الله بن أبي بكر بن خالد بن زهرا الحمصي الحنبلي الإمام العلامة قرأ الفروع على ابن مغلى وله عليه حاشية لطيفة وقرأ تجريد العناية على مؤلفه القاضي علاء الدين بن اللحام والأصول له أيضا وأخذ عن عمه القاضي شمس الدين وعلماء دمشق وكان من أكابر الفضلاء وتوفي في هذه السنة عن أكثر من مائة سنة
وفيها أبو الحسن علي بن سودون البشبغاوي القاهري الحنفي الإمام العلامة أخذ عن علماء عصره وتفنن في العلوم وكان مملقا فأخذ في رواج أمره بالمجون ويقال أنه أول من أحدث خيال الظل وألف كتابا حافلا صدره نظم فائق في مديح المصطفى وغيره وعجزه خرافات 308 ويقال أن والده كان قاضيا بمصر وأنه سمع بأن ولده تعاطى التمسخر مع الأراذل تحت قلعة دمشق فأتى إلى الشام ووقف على حلقة فيها ولده يتعاطى ذلك فلما رأى والده أنشد
( قد كان يرجو والدي
بأن أكن قاضي البلد )
( ما تم إلا ما يريد
فليعتبر من له ولد )
وبالجملة فقد كان من أعاجيب الزمان وتوفي بدمشق في رجب عن ثمان وخمسين سنة
وفيها السيد يحيى بن السيد بهاء الدين الشرواني الحنفي الصوفي الخلوتي قال في الشقائق ولد بمدينة شماخي وهي أم مدائن ولاية شروان وكان أبوه من أهل الثروة وكان هو صاحب جمال وكمال يلعب بالصولجان فبينا هو يلعب فيه إذ مر عليه الشيخ بيرزاده الخلوتي فلما رأى أدبه وجماله دعا له بالفوز بطريق الصوفية فالتجأ المترجم إلى خدمة الشيخ صدر الدين الخلوتي ولازم خدمته فكره والده ذلك لدخوله الخلوة مع الصوفية مع هذا الجمال وأنكر على الشيخ صدر الدين لإذنه له في ذلك ونصح ولده فلم ينقع حتى قيل أنه قصد إهلاك الشيخ صدر الدين واتفق أن السيد يحيى لم يحضر الجماعة في صلاة العشاء لاشتغاله بالتنور وكان الوقت باردا فدخل الشيخ بيته من كوة الدار وأخذ بيده وقال قم يا ولدي فقال له والده لأي شيء دخل شيخك من الكوة ولم يدخل من الباب وأنت تعتقد أنه متشرع فقال خاف من الشوك في الطريق فقال وأي شوك هو قال إنكارك فعند ذلك زال إنكاره ولازم أيضا خدمة الشيخ المذكور ثم أن السيد يحيى انتقل بعد موت شيخه من شماخي إلى بلدة باكو من ولاية شروان وتوطن هناك واجتمع عليه الناس حتى زادت جماعته على عشرة آلاف ونشر الخلفاء إلى أطراف الممالك 309 وكان هو أول من سن ذلك وكان يقول بجواز إكثار الخلفاء لتعليم الآداب للناس وأما المرشد فلا يكون إلا واحدا وحكى أنه لم يأكل طعاما في آخر عمره مقدار ستة أشهر وتوفي في بلدة باكو انتهى ملخصا
وفيها العزيز يوسف بن الأشرف برسباي توفي بالأسكندرية في المحرم عن أربعين سنة
وتوفي بعده أخوه الشهابي أحمد عن نحو سبع وعشرين سنة في هذه السنة أيضا ولم يكن بينهما ثلاثة أشهر
سنة تسع وستين وثمانمائة
فيها توفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن الحسين العباسي السيد الحسيب النسيب الحنبلي الإمام العلامة ولد سنة خمس وتسعين وسبعمائة وأخذ عن ابن المغلى وابن زهرا الحمصي وولي قضاء حماة فباشره فوق ثلاثين سنة بعفة وديانة وكان يروم الخلافة وربما تكلم له فيها لأنه كان من ذرية العباس رضي الله عنه وكان من أهل العلم والفضل وتوفي بحماة في أوائل هذه السنة
وولي قضاء حماة بعده ولد ولده قاضي القضاة محي الدين عبد القادر بن القاضي موفق الدين بن القاضي شهاب الدين واستمر بها نحو عشر سنين إلى أن توفي رحمه الله
وفيها السلطان عبد الحق بن أبي سعيد المريني صاحب فاس توفي في رمضان
سنة سبعين وثمانمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن ناصر بن خليفة المقدسي الشافعي الناصري الباعوني الدمشقي الإمام العالم العلامة توفي في ربيع الأول 310 عن بضع وتسعين سنة
وتوفي بعده في رمضان هذه السنة أخوه شمس الدين محمد بن أحمد الإمام العالم الناظم الناثر
وفيها شهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى المنوفي الشافعي المعروف بابن أبي السعود كان إماما فاضلا عالما توفي بطيبة في شوال عن ست وخمسين سنة
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر بن زيد الحنبلي الإمام العلامة النحوي المفسر المحدث قال العليمي اعتنى بعلم الحديث كثيرا ودأب فيه وكان أستاذا في العربية وله يد طولى في التفسير وانتفع به الناس وكان يقرأ على الشيخ علي بن زكنون ترتيب مسند الإمام أحمد له وكذلك غيره من كتب الحديث وكان أستاذا في الوعظ وله كتاب خطب في غاية الحسن وتوفي في سلخ صفر
وفيها بيرنصع بن جهان شاه بن قرا يوسف بن قرا محمد التركماني صاحب بغداد توفي في ثاني ذي القعدة
وفيها أبو الفضل عبد الرحمن بن علي بن عمر بن علي الأنصاري الأندلسي ثم القاهري الشافعي المعروف بابن الملقن كان إماما علامة توفي في شوال عن ثمانين سنة قاله في ذيل الدول
وفيها القاضي نور الدين أبو الحسن علي بن شهاب الدين أحمد الشيشيني الحنبلي الإمام العلامة قال العليمي كان من أهل العلم فقيها مفتيا باشر نياببة الحكم بالديار المصرية وكان يكتب على الفتوى كتابة جيدة وأفتى في خلع الحيلة إن العمل على صحته ووقوعه ورأيت خطه بذلك وتقدم نظير ذلك في ترجمة ابن نصر الله البغدادي انتهى ملخصا
وفيها ملك صنعاء عامر بن طاهر العدني اليماني 311
وفيها قاضي القضاة نظام الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح الراميني المقدسي ثم الصالحي الحنبلي الإمام العلامة الواعظ الأستاذ ولد ظنا سنة ثمانين وسبعمائة فإن له حضور على الشيخ الصامت سنة أربع وثمانين وسمع من والده وعمه الشيخ شرف الدين وجماعة وحضر عند ابن البلقيني وابن المغلى وغيرهما من الأئمة وكان رجلا دينا يعمل الميعاد يوم السبت بكرة النهار على طريقة والده وقرأ البخاري على الشيخ شمس الدين بن المحب وأجازه وباشر نيابة الحكم بدمشق مدة ثم استقل بالوظيفة بعد عزل ابن الحبال سنة اثنتين وثلاثين واستمرت الوظيفة بينه وبين العز البغدادي دولا إلى أن مات البغدادي وتوفي المترجم بصالحية دمشق ودفن بالروضة قريبا من والده وجده
وفيها شمس الدين محمد بن علي الدمشقي ثم القوصي القاهري الشافعي ويعرف بابن الفالاتي كان إماما عالما توفي في ذي القعدة عن ست وأربعين سنة
سنة إحدى وسبعين وثمانمائة
في حدودها توفي أحمد بن عروش المغربي التونسي قال المناوي في طبقات الأولياء كان من أكابر الأولياء من أهل الجذب بتونس له كرامات ظاهرة وأحوال باهرة منها أنه كانت الطيور الوحشية تنزل عليه وتأكل من يده ومنها أنه كان عنده جمع وافر من الفقراء فكان يمد يديه في الهواء ويحضر لهم ما يكفيهم من القوت وكان مهابا جدا لا يقدر على لقائه كل أحد يقشعر البدن لرؤسته وكان جالسا على سطح فندق بتونس ليلا ونهارا ولم يزل كذلك حتى مات
وفيها شهاب الدين أحمد البيت لبدي الحنبلي الإمام العلامة 312
وفيها القاضي وجيه الدين أسعد بن علي بن محمد بن المنجا التنوخي الحنبلي قال العليمي كان من أهل الفضل ورواة الحديث الشريف وهو من بيت مشهور بالعلماء وتقدم ذكر أسلافه باشر نيابة الحكم بدمشق عن بني مفلح وكانت سيرته حسنة انتهى
وفيها أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن أحمد الخجندي المدني الحنفي الإمام العالم توفي في صفر ولم يكمل الثلاثين
وفيها قاضي القضاة شرف الدين أبو زكريا يحيى بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن مخلوف بن عبد السلام المناوي المصري الشافعي جد الشيخ عبد الرؤف المناوي شارح الجامع الصغير ذكره في طبقاته وأثنى عليه بما لا مزيد عليه وقال السيوطي في حسن المحاضرة هو شيخنا شيخ الإسلام ولد سنة ثمان وتسعين وسبعمائة ولازم الشيخ ولي الدين العراقي وتخرج به في الفقه والأصول وسمع الحديث عليه وعلى الشرف بن الكويك وتصدر للأقراء والأفتاء وتخرج به الأعيان وولي تدريس الشافعي وقضاء الديار المصرية وله تصانيف منها شرح مختصر المزني وتوفي ليلة الإثنين ثاني جمادى الآخرة وهو آخر علماء الشافعية ومحققيهم وقد رثيته بقولي
( قلت لما مات شيخ العصر
حقا باتفاق )
( حين صار الأمر ما بين
جهول وفساق )
( أيها الدنيا لك الويل
إلى يوم التلاق ) انتهى
سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة
قال في ذيل الدول في أواخرها ربيعها الأول أمطرت السماء وقت العصر حصى أبيض زنة الحصاة ما بين رطل وأكثر وأقل مع برق ورعد وظلمة ثم وقع في عصر الذي يليه مطر على العادة انتهى 313
وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن زهرا الحمصي الحنبلي الإمام العالم قرأ المقنع على عمه القاضي شمس الدين وألفية ابن مالك وبحثها عليه وقرأ الأصول على الشيخ بدر الدين العصياتي وتوفي بحمص
وفيها تقي الدين أبو العباس أحمد بن العلامة كمال الدين محمد بن محمد بن علي بن يحيى بن محمد بن خلف الله الشمني بضم المعجمة والميم وتشديد النون القسطنطيني الحنفي هو المالكي والده وجده قال السيوطي في بغية الوعاة هو شيخنا الإمام العلامة المفسر المحدث الأصولي المتكلم النحو البياني إمام النحاة في زمانه وشيخ العلماء في أوانه شهد بنشر علومه العاكف والبادي وارتوى من بحار علومه الظمآن والصادي وأما التفسير فبحره المحيط وكشاف دقائقه بلفظه الوجيز الفائق على الوسيط والبسيط وأما الحديث فالرحلة في الرواية والدراية إليه والمعول في حل مشكلاته وفتح مقفلاته عليه وأما الفقه فلو رآه النعمان لأنعم به عينا أو رام أحد مناظرته لأنشد
( وألفى قولها كذبا ومينا
) وأما الكلام فلو رآه الأشعري لقربه وقربه وعلم أنه نصير الدين ببراهينه وحججه المهذبة المرتبة وأما الأصول فالبرهان لا يقوم عنده بحجة وصاحب المنهاج لا يهتدي معه إلى محجة وأما النحو فلو أدركه الخليل لاتخذه خليلا أو يونس لآنس به وشفى منه غليلا وأما المعاني فالمصباح لا يظهر له نور عند هذا الصباح وما يفعل المفتاح مع من ألقت إليه المقاليد أبطال الكفاح إلى غير ذلك من علوم معدودة وفضائل مأثورة مشهودة
( هو البحر لا بل دون ما علمه البحر
هو البدر بل ما دون طلعته البدر )
( هو النجم لا بل دونه النجم رتبة
هو الدر لا بل دون منطقه الدر )
( هو الكامل الأوصاف في العلم والتقى
فطاب به في كل ما قطر ذكر )
( محاسنه جلت عن الحصر وازدهى
بأوصافه نظم القصائد والنثر )
ولد بأسكندرية في رمضان سنة إحدى وثمانمائة وقدم القاهرة مع والده وكان 314 من علماء المالكية فتلا على الزراتيتي وأخذ عن الشمس الشطنوفي ولازم القاضي شمس الدين البساطي وانتفع به في الأصلين والمعاني والبيان وأخذ عن الشيخ يحيى السيرامي وبه تفقه وعن العلاء البخاري وأخذ الحديث عن الشيخ ولي الدين العراقي وبرع في الفنون واعتنى به والده في صغره وأسمعه الكثير من التقى الزبيري والجمال الحنبلي والشيخ ولي الدين وغيرهم وأجاز له السراج البلقيني والزين العراقي والجمال بن ظهيرة والهيثمي والكمال الدميري والحلاوي والجوهري والمراغي وآخرون وخرج له صاحبنا الشيخ شمس الدين السخاوي مشيخة وحدث بها وبغيرها وخرج له جزءا فيه الحديث المسلسل بالنحاة وحدث به وهو إمام علامة مفنن منقطع القرين سريع الإدراك قرأ التفسير والحديث والفقه والعربية والمعاني والبيان والأصلين وغيرها وانتفع به الجم الغفير وتزاحموا عليه وافتخروا بالأخذ عنه مع العفة والخير والتواضع والشهامة وحسن الشكل والأبهة والانجماع عن بني الدنيا أقام بالجمالية مدة ثم ولي المشيخة والخطابة بتربة قايتباي الجركسي بقرب الجبل وطلب لقضاء الحنفية بالقاهرة سنة ثمان وستين فامتنع وصنف شرح المغنى لابن هشام وحاشية علي الشفا وشرح مختصر الوقاية في الفقه وشرح نظم النخبة في الحديث ولوالديه وله النظم الحسن ولم يزل الشيخ يودني ويحبني ويعظمني ويثني علي كثيرا وتوفي رحمه الله تعالى قرب العشاء ليلة الأحد سابع عشرى ذي الحجة انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن صالح بن عمر المرعشي الحلبي الإمام العالم العلامة توفي في ذي الحجة
وفيها شهاب الدين أحمد بن أسد بن عبد الواحد الأميوطي الشافعي الإمام العالم توفي في ذي الحجة أيضا بين الحرمين قاله في ذيل الدول
وفيها لملك جهان شاه بن قرا يوسف بن قرا محمد التركماني صاحب العراقين 315
وفيها السلطان الملك الظاهر سيف الدين أبو سعيد خشقدم الناصري قال في الأعلام ولي السلطنة يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة خمس وستين وثمانمائة وهو رومي جلبه الخواجا ناصر الدين وبه عرف واشتراه المؤيد شيخ وأعتقه وصار خاصكيا عنده وتقلب في الدولة إلى أن جعله الأشرف إينال أتابكا لولده فخلعه وتسلطن مكانه وكان محبا للخير وكسا الكعبة الشريفة في أول ولايته على العادة ولكن كانت كسوة الجانب الشرقي والجانب الشامي بيضاء بجامات سود وفي الجامات التي بالجانب الشرقي بعض ذهب وأرسل في سنة ست وستين منبرا وكانت مدة سلطنته ست سنين ونصفا تقريبا ومرض فطال مرضه وتوفي يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول
وتسلطن في ذلك اليوم الملك الظاهر أبو النصر بلباي المؤيدي وهو الرابع عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم وكان ضعيفا عن تدبير الملك وتنفيذ الأمور فخلعه الأمراء من السلطنة في يوم السبت لسبع مضين من جمادى الأولى فكانت مدة سلطنته شهرين إلا أربعة أيام
وتسلطن بعد خلعه عوضا عنه الملك الظاهر أبو سعيد تمربغا الظاهري وهو الخامس عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بمصر وكان له فضل وصلاح وتودد للناس وحذق ببعض الصنائع بحيث صار يعمل القسي الفائقة بيده ويعمل السهام عملا فائقا ويرمي بها أحسن رمي مع الفروسية التامة ومع ذلك ماصفا له دهره يوما ورماه عن كبد قوسه أبعد مرمى وما زال به الأمر إلى أن خلعوه ونفوه إلى الأسكندرية
وولي السلطنة الملك الأشرف قايتباي المحمودي في ظهر يوم الإثنين سادس رجب سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة وهو السادس عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بمصر انتهى أي وكانت سلطنة الظاهر تمربغا شهرين إلا يوما واحدا 316
وفيها عبد الأول بن محمد بن إبراهيم بن أحمد المرشدي المكي الحنفي الإمام العالم توفي في ربيع الأول عن أربع وخمسين سنة
وفيها نور الدين علي بن نردبك الفخري الحنفي الإمام الفاضل أحد الأفراد توفي في رمضان عن ثلاث وثلاثين سنة
وفيها القاضي محب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن الجناق القرشي الحنبلي الإمام العلامة اشتغل ودأب وقرأ على الشيخ تقي الدين بن قندس ثم على الشيخ علاء الدين المرداوي وأذن له في الافتاء وولي نيابة الحكم بالديار المصرية فباشره بعفة وكان يلقى الدروس الحافلة ويشتغل عليه الطلبة ولما استخلفه القاضي عز الدين في سنة ست وستين وثمانمائة أنشد لنفسه
( آلهي ظلمت النفس إذ صرت قاضيا
وأبدلتها بالضيق من سعة الفضا )
( وحملتها مالا تكاد تطيقه
فأسألك التوفيق واللطف في القضا )
وفيها قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد العمري العليمي نسبة إلى سيدنا علي بن عليل المشهور عند الناس بعلي بن عليم والصحيح أنه عليل باللام وهو من ذرية عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحنبلي المقدسي قال ولده في طبقات الحنابلة ولد في سنة سبع وثمانمائة بالرملة ونشأ بها ثم توجه إلى مدينة صفد فأقام بها وقرأ القرآن وحفظه برواية عاصم وأتقنها وأجيز بها من مشايخ القراءة ثم عاد إلى مدينة الرملة واشتغل بالعلم على مذهب الإمام أحمد وحفظ الخرقي وكل أسلافه شافعية لم يكن فيهم حنبلي سواه وهو من بيت كبير ثم اجتهد في تحصيل العلم وسافر إلى الشام ومصر وبيت المقدس وأخذ عن علماء المذهب وأئمة الحديث وفضل في فنون من العلم وتفقه بالشيخ يوسف المرداوي وبرع في المذهب وأفتى وناظر وأخذ الحديث عن جماعة من أعيان العلماء وقرأ البخاري مرارا والشفا كذلك وكتب بخطه الكثير وكان بارعا في العربية خطيبا بليغا وصنف في الخطب وولي قضاء الرملة استقلالا ولم يعلم 317 أن حنبليا قبله وليها ثم ولي قضاء القدس مدة طويلة ثم أضيف إليه قضاء بلد الخليل عليه السلام ثم ولي قضاء الرملة تسعة وخمسين يوما إلى أن دخل الوباء فتوفي بالطاعون يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة انتهى ملخصا
سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة
فيها توفي جمال الدين محمد بن أبي بكر الناشري الصامت قال المناوي في طبقاته برع في الفقه وشارك في عدة فنون ثم أقبل على التعبد والتزهد وترك الرياسة وحب الخمول والعزلة واستقل بخويصة نفسه حتى مات ولم يخلف بعده مثله
سنة أربع وسبعين وثمانمائة
فيها توفي جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن الأمير الكبير سيف الدين تغرى بردى الحنفي الإمام العلامة ولد بالقاهرة سنة اثنتي عشرة وثمانمائة ورباه زوج أخته قاضي القضاة ناصر الدين بن العديم الحنفي إلى أن مات فتزوج بأخته جلال الدين البلقيني الشافعي فتولى تربيته وحفظ القرآن العزيز ولما كبر اشتغل بفقه الحنفية وحفظ القدوري وتفقه بشمس الدين محمد الرومي وبالعيني وغيرهما وأخذ النحو عن التقي الشمني ولازمه كثيرا وتفقه به أيضا وأخذ التصريف عن الشيخ علاء الدين الروم يوغيره وقرأ المقامات الحريرية على قوام الدين الحنفي وأخذ عنه العربية أيضا وقطعة جيدة من علم الهيئة وأخذ البديع والأدبيات عن الشهاب بن عربشاه الحنفي وغيره وحضر على ابن حجر العسقلاني وانتفع به وأخذ عن أبي السعادات ابن ظهيرة وابن العليف وغيرهما ثم حبب إليه علم التاريخ فلازم مؤرخي عصره مثل العيني والمقريزي واجتهد في ذلك إلى الغاية وساعدته جودة ذهنه 318 وحسن تصوره وصحة فهمه ومهر وكتب وحصل وصنف وانتهت إليه رياسة هذا الشأن في عصره وسمع شيئا كثيرا من كتب الحديث وأجازه جماعات لا تحصى مثل ابن حجر والمقريزي والعيني ومن مصنفاته كتاب المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي في ست مجلدات ومختصره المسمى بالذيل الشافي على المنهل الصافي ومختصر سماه مورد اللطافة في ذكر من ولي السلطنة والخلافة والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة وذيل على الإشارة للحافظ الذهبي سماه بالبشارة في تكملة الإشارة وكتاب حلية الصفات في الأسماء والصناعات مرتبا على الحروف وغير ذلك ومن شعره
( تجارة الحب غدت
في حب خود كاسده )
( ورأس مالي هبة
لفرحتي بفائدة )
ومنه مواليا في عدة ملوك الترك
( أيبك قطن يعقبو بيبرس ذوالا كمال
بعدو قلاوون بعدو كتبغا المفضال )
( لاجين بيبرس برقوس شيخ ذو الأفضال
ططر برسباي جقمق ذو العلا اينال )
وتوفي في ذي الحجة
وفيها زين الدين عمر بن محمد بن أحمد بن عجيمة الحنبلي الإمام العالم الفقيه الصالح توفي بمردا في هذه السنة رحمه الله
وفي حدودها زين الدين عبد الرحمن بن إبراهيم بن الحبال الحنبلي الطرابلسي قال العليمي في طبقاته سكن بصالحية دمشق مدة يقرىء بها القرآن والعلم وكان يباشر نيابة الحكم عن قاضي القضاة شهاب الدين بن الحبال ثم تركها وأقبل على الاشتغال بالعلم وأخبرت أنه كان يأكل في كل سنة مشمشة واحدة ومن الخوخ سبعة ولا يأكل طعاما بملح انتهى
وفي حدودها أيضا شمس الدين محمد بن محمد اللولوي الحنبلي ولد سنة أربع وثمانين وسبعمائة وكان من الصالحين وله سند عال في الحديث الشريف قاله العليمي أيضا 319
سنة خمس وسبعين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدين أبو الطيب أحمد بن محمد بن علي بن حسن بن إبراهيم الأنصاري الخزرجي القاهري الشافعي المعروف بالشهاب الحجازي الشاعر المفلق ولد في شعبان سنة تسعين وسبعمائة وسمع على المجد الحنفي والبرهان الأبناسي وأجاز له العراقي والهيثم وعنى بالأدب كثيرا حتى صار أوحد أهل زمانه وصنف كتبا أدبية منها روض الآداب والقواعد والمقامات والتذكرة وغير ذلك ونظم ونثر وطارح وكتب الخط الحسن وتميز في فنون لكنه هجر ما عدا الأدب منها وأثنى عليه الأكابر مع المداومة على التلاوة والكتابة وحسن العشرة والمجالسة وحلو الكلام وطرح التكلف والمحاسن الوافرة وتوفي في شهر رمضان
وفيها المولى علاء الدين علي بن محمود بن محمد بن مسعود بن محمود بن محمد بن محمد بن محمد بن عمر الشاهرودي نسبة إلى قرية قريبة من بسطام البسطامي وبسطام بلدة من بلاد خراسان الهروي الرازي العمري البكري الحنفي الشهير بمصنفك لقب بذلك لاشتغاله بالتصنيف في حداثة سنة والكاف للتصغير في لغة العجم وهو من أولاد الإمام فخر الدين الرازي فإن صاحب الترجمة قال في بعض تصانيفه كان للإمام الرازي ولد اسمه محمد وكان الإمام يحبه كثيرا وأكثر مصنفاته صنفه لأجله وقد ذكر اسمه في بعضها ومات محمد في عنفوان شبابه وولد له ولد بعد وفاته وسموه أيضا محمدا وبلغ رتبة أبيه في العلم ثم مات وخلف ولدا اسمه محمود وبلغ أيضا رتبة الكمال ثم عزم على سفر الحجاز فخرج من هراة فلما وصل بسطام أكرمه أهلها لمحبتهم للعلماء سيما 320 أولاد فخر الدين الرازي فأقام هناك بحرمة وافرة وخلف ولدا اسمه مسعود وسعى في تحصيل العلم لكنه لم يبلغ رتبة آبائه وقنع برتبة الوعظ لأنه لم يهاجر وخلف ولدا اسمه محمد فحصل من العلوم ما يقتدي به أهل تلك البلاد ثم خلف ولدا اسمه مجد الدين محمود فصار هو أيضا مقتدى الناس في العلم وهو والدي انتهى وولد مصنفك في سنة ثلاث وثمانمائة وسافر مع أخيه إلى هراة لتحصيل العلوم في سنة اثنتي عشرة وثمانمائة وقرأ على المولى جلال الدين يوسف الأوبهي تلميذ التفتازاني وعلى قطب الدين الهروي وقرأ فقه الشافعي على الإمام عبد العزيز الأبهري وفقه الحنفية على الإمام فصيح الدين بن محمد ولما أتى بلاد الروم وصار مدرسا بقونية ثم عرض له الصمم فأتى قسطنطينية فعين له السلطان محمد كل يوم ثمانين درهما وروى عنه أنه قال لقيت بعض المشايخ من بلاد العجم وجرى بيننا مباحثة وأغلظت القول في أثنائها ولما انقطع البحث قال لي أسأت الأدب عندي وإنك تجازى بالصمم وبأن لا يبقى بعدك عقب وكان إماما عالما علامة صوفيا أجيز له بالإرشاد من بضع خلفاء زين الدين الخوافي وكان جامعا بين رياستي العلم والعمل ذا شيبة عظيمة نيرة وكان يلبس عباء وعلى رأسه تاج وحضر هو وحسن جلبى الفناري عند محمود باشا الوزير فذكر حسن جلبى تصانيف المولى مصنفك وقال قد رددت عليه في كثير من المواضع ومع ذلك فقد فضلته علي في المنصب وكان حسن جلبي لم ير مصنفك قبل فقال له الوزير هل تعرف مصنفك قال لا فقال هذا هو وأشار إليه فخجل حسن جلبي فقال له الوزير لا تخجل فإن به صما لا يسمع أصلا وكان سريع الكتابة يكتب كل يوم كراسا من تصنيفه وكان يقرر للطلبة بالكتابة ومن تصانيفه شرح الإرشاد وشرح المصباح في النحو وشرح آداب البحث وشرح اللباب وشرح المطول وشرح شرح المفتاح للتفتازاني وحاشية على التلويح وشرح البزدوي وشرح القصيدة الروحية لابن 321 سينا وشرح الوقاية وشرح الهداية وحدائق الإيمان لأهل العرفان وشرح المصابيح للبغوي وشرح شرح المفتاح للسيد وحاشية على حاشية شرح المطالع وشرح بعضا من أصول فخر الإسلام البزدوي وشرح الكشاف وصنف باللسان الفارسي أنوار الأحداق وحدائق الإيمان وتحفة السلاطين والتحفة المحمودية والتفسير الفارسي أجاد في ترتيبه واعتذر عن تأليفه بهذا اللسان أنه أمره بذلك السلطان محمد خان والمأمور معذور وله أيضا شرح الشمسية باللسان الفارسي وحاشية على شرح الوقاية لصدر الشريعة وحاشية على شرح العقائد وغير ذلك وتوفي رحمه الله تعالى بالقسطنطينية ودفن قرب مزار أبي أيوب الأنصاري
وفيها القاضي شمس الدين محمد بن محمد بن الإمام النابلسي الحنبلي ولي قضاء نابلس وباشر قضاء الرملة وكان إماما عالما وتوفي بنابلس في جمادى الآخرة وتوفي ولده عبد المؤمن قبله في سنة سبعين
سنة ست وسبعين وثمانمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن محمد بن مفلح الحنبلي الكفل حارسي الإمام العالم الخطيب المقرىء توفي يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة بكفل حارس ودفن بحرم المسجد الكبير عند قبر جده
وفيها قاضي القضاة عز الدين أبو البركات أحمد بن إبراهيم بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح بن هاشم بن نصر الله بن أحمد الكناني العسقلاني الأصل ثم المصري الحنبلي الإمام العالم العامل المفنن الورع الزاهد المحقق المتقن شيخ عصره وقدوته ولد في ذي القعدة سنة ثمانمائة وتوفي والده وهو رضيع فنشأ هو واشتغل بالعلم وبرع ولقي المشايخ وروى الكثير ودأب 322 في الصغر وحصل أنواعا من العلوم ثم باشر نيابة الحكم بالديار المصرية عن ابن سالم ثم عن ابن المغلى ثم عن المحب بن نصر الله ثم ولي قضاء الديار المصرية وكان ورعا زاهدا باشر بعفة ونزاهة وصيانة وحرمة مع لين جانب وتواضع وعلت كلمته وارتفع أمره عند السلاطين وأركان الدولة والرعية وكتب الكثير في علوم شتى ولكن لم ينتفع بما كتبه لاخماله لذلك ودرس وأفتى وناظر وله من التصانيف مختصر المحرر في الفقه وتصحيحه ونظمه ومنظومات متعددة في علوم عديدة فقها ونحوا وأصولا وتصريفا وبيانا وبديعا وحسابا وغير ذلك وله من غير النظم توضيح الألفية وشرحها شروح غالب هذه المنظومات وتوضيحاتها إلى غير ذلك من التواريخ والمجاميع واختصر تصحيح الخلاف المطلق في المقنع للشيخ شمس الدين بن عبد القادر النابلسي وكان ينظم الشعر الحسن وكان مرجع الحنابلة في الديار المصرية إليه ولم يزل كذلك إلى أن توفي ليلة السبت حادي عشر جمادى الأولى وصلى عليه السلطان قايتباي والقضاة وأركان الدولة وكانت جنازته حافلة ودفن بالصحراء من القاهرة
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد القلقشندي القاهري الشافعي الإمام العالم توفي في ربيع الأول عن نحو ثمانين سنة
وفيها نجم الدين محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد الزرعي ثم الدمشقي الشافعي الإمام العلامة المفنن المعروف بابن قاضي عجلون أخذ عن علماء عصره وبرع ومهر وأخذ عنه من لا يحصى وتوفي في شوال عن خمس وأربعين سنة
وفي حدودها أم عبد الله نشوان بنت الجمال عبد الله بن علي الكنانية ثم المصرية الحنبلية الرئيسة روت عن العفيف النشاوري وغيره وروى عنها جماعة من الأعيان منهم القاضي كمال الدين الجعفري النابلسي وغيره 323 وكانت خيرة صالحة وتقدم ذكر والدها جمال الدين المعروف بالجندي وهي من أقارب القاضي عز الدين الكناني وكانت على طريقته في العفة والزهد حتى في قبول الهدية وتوفيت بالقاهرة
سنة سبع وسبعين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أحمد بن منصور العامري الرملي الشافعي الإمام العالم العلامة توفي ليلة نصف شعبان عن بضع وسبعين سنة
وفيها علي بن أحمد بن عثمان بن محمد بن إسحاق السالمي المناوي الأصل القاهري الإمام العالمي توفي يوم الجمعة سلخ ربيع الأول عن أربع وستين سنة
سنة ثمان وسبعين وثمانمائة
فيها توفي إبراهيم بن عبد ربه الصوفي قال المناوي في طبقاته زاهد مشهور بالصلاح معدود من ذوي الفلاح أخذ عن الشيخ محمد الغمري والشيخ مدين وغيرهما وكان مقيما في خلوة بجامع الزاهد وللناس فيه اعتقاد وربما لقن الذكر وسلك بل كان من أرباب الأحوال دخل مرة بيت الشيخ مدين في مولده فأكل طعام المولد كله وأكل مرة لحم بقرة كاملة ثم طوى بعدها سنة ومن كراماته ما حكاه الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري أنه قال له بعدك نسأل في مهماتنا من قال من بينه وبين أخيه ذراع من تراب فاسألني أجيبك فمرضت بنته فالتمسوا لها بطيخة فما وجدت فجاء إلى قبره وقال الوعد ثم رجع بعد العشاء فوجد في سلم بيته بطيخة لم يعلم من أين جاءت ومناقبه كثيرة وتوفي في صفر ودفن بباب جامع الزاهد
وفيها بدر الدين حسن بن أحمد بن عبد الهادي المشهور بابن المبرد 324 الحنبلي الإمام العالم القاضي باشر نيابة الحكم بدمشق مدة وتوفي بها في رجب
وفيها خطاب بن عمر بن مهنا الغزاوي العجلوني الدمشقي الشافعي الإمام العالم توفي بدمشق في رمضان وقد قارب السبعين
وفيها زين الدين عبد القادر بن عبد الله بن العفيف الحنبلي الشيخ الإمام العالم توفي بنابلس في ذي الحجة
وفيها نور الدين علي بن إبراهيم بن البدرشي المالكي القاهري الأصل القاضي الإمام العالم توفي ببيت المقدس في مستهل جمادى الأولى قاضيا بها
سنة تسع وسبعين وثمانمائة
فيها تقريا توفي المولى حسن جلبي بن محمد شاه الفناري الحنفي الإمام العلامة قال في الشقائق كان عالما فاضلا قسم أيامه بين العلم والعبادة وكان يلبس الثياب الخشنة ولا يركب دابة للتواضع وكان يحب الفقراء والمساكين ويعاشر الصوفية وكان مدرسا بالمدرسة الحلبية بأدرنة وكان ابن عمه المولى على الفناري قاضيا بالعسكر في أيام السلطان محمد خان فدخل عليه وقال استأذن من السلطان أني أريد أن أذهب إلى مصر لقراءة مغنى اللبيب في النحو على رجل مغربي سمعته بمصر يعرف ذلك الكتاب غاية المعرفة فعرضه على السلطان فأذن له وقال قد اختل دماغ ذلك المرء وكان السلطان محمد لا يحبه لأجل أنه صنف حواشيه على التلويح باسم السلطان بايزيد في حياة والده ثم أنه دخل إلى مصر وكتب كتاب مغنى اللبيب بتمامة وقرأه على ذلك المغربي قراءة تحقيق وإتقان وكتب ذلك المغربي بخطه على ظهر كتابه إجازة له في ذلك الكتاب وقرأ هناك صحيح البخاري على بعض تلامذة ابن حجر وحصل له منه إجازة في ذلك الكتاب وفي رواية الحديث عنه ثم أنه حج وأتى بلاد الروم وأرسل كتاب مغنى اللبيب إلى السلطان محمد فلما نظر فيه 325 زال عند تكدر خاطره عليه وأعطاه مدرسة أزنيق ثم إحدى الثمان وكان يذهب بعد الدرس إلى زيارة قاضي زادة وفي الغد يزوره قاضي زاده ثم عين له في كل يوم ثمانين درهما وسكن ببرسا إلى أن مات وله حواش على المطول وحواش على شرح المواقف للسيد الشريف وحواش على التلويح للعلامة التفتازاني وكلها مقبولة متداولة
وفيها المولى خير الدين خليل بن قاسم بن حاجي صفارح الحنفي قال في الشقائق وهو جدي لوالدي كان جده الأعلى أتى من بلاد العجم إلى بلاد الروم هاربا من فتنة جنكزخان وتوطن في نواحي قصطموني وكان صاحب كرامات يستجاب الدعاء عند قبره وولد له ولد اسمه محمود حصل شيئا من الفقه والعربية ولم يترق إلى درجة الفضيلة وولد له ولد اسمه أحمد وهو أيضا كان عارفا بالعربية والفقه ولم يبلغ مبلغ الفضيلة وولد له ولد اسمه حاجي صفا كان فقيها عابدا صالحا ولم تكن له فضيلة زائدة وولد له ولد اسمه قاسم مات وهو شاب في طلب العلم وولد له صاحب الترجمة وقد بلغ مبلغ الفضيلة قرأ في بلاده مباني العلوم ثم سافر إلى مدينة برسا وقرأ هناك على ابن البشير ثم سافر إلى أدرنة وقرأ هناك على أخي مولانا خسرو وقرأ الحديث والتفسير على المولى خير الدين العجمي ثم أتى مدينة برسا وقرأ على المولى يوسف بالي بن المولى شمس الدين الفناري ثم وصل إلى خدمة المولى بكان واشتهر عنده بالفضيلة التامة وأرسله إلى مدرسة مظفر الدين الواقعة في بلدة طاش كبرى من نواحي قصطموني وعين له كل يوم ثلاثون درهما لوظيفة التدريس وخمسون درهما من محصول كرة النحاس وعاش هناك في نعمة وافرة وعزة متكاثرة ثم عزله السلطان محمد لما أخذ تلك البلاد من يد إسمعيل بك فذهب إلى كرة النحاس فكان يعظ الناس هناك في كل جمعة وتوفي هناك انتهى ملخصا 326
وفيها زين الدين قاسم بن قطلوبغا بن عبد الله الجمال المصري نزيل الأشرفية الحنفي العلامة المفنن قال البرهان البقاعي في عنوان الزمان ولد سنة اثنتين وثمانمائة تقريبا بالقاهرة ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم ثم أخذ في الجد حتى شاع ذكره وانتشر صيته وأثنى عليه مشايخه وصنف التصانيف المفيدة فمن تصانيفه شرح درر البحار وتخريج أحاديث الاختيار بيض في جزءين ورجال شرح معاني الآثار للطحاوي بيض في مجلد وتخريج أحاديث البزدوي في الأصول مجلد لطيف وأحاديث الفرائض كذلك وتخريج أحاديث شرح القدوري للأقطع مجلد لطيف وثقات الرجال كمل في أربع مجلدات وتصحيح على مجمع البحرين لابن الساعاتي وشرح فرائض المجمع وحاشية على التلويح وصل فيها إلى أثناء بحث السنة في مجلد وشرح منظومة ابن الجزري في علم الحديث المسماة بالهداية وغير ذلك مما غالبه في المسودات إلى الآن انتهى ملخصا وأخذ عن ابن الهمام وغيره من علماء عصره وأخذ عنه من لا يحصى كثرة وبالجملة فهو من حسنات الدهر رحمه الله تعالى وتوفي في ربيع الآخر عن سبع وسبعين سنة
وفيها الظاهر أبو سعيد تمر بغا الرومي الظاهري الجقمقي ولي السلطنة قليلا ثم خلع مع مزيد عقله وتودده ورياسته وفصاحته توفي بالأسكندرية في ذي الحجة وقد جاوز الستين
وفيها العادل خشقدم خير بك الدوادار خلع المترجم قبله وتسلطن ليلا ولقب بالعادل ثم أمسك وصودر وسجن بالأسكندرية وتوفي في ربيع الثاني ببيت المقدس
وفيها محي الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن سعد بن مسعود الرومي البرعمي الحنفي المعروف بالكافيجي لقب بذلك لكثرة اشتغاله بكتاب الكافية في النحو قال السيوطي في بغية الوعاة شيخنا العلامة أستاذ الأستاذين ولد سنة 327 ثمان وثمانين وسبعمائة واشتغل بالعلم أول ما بلغ ورحل إلى بلاد العجم والتتر ولقي العلماء الأجلاء فأخذ عن الشمس الفنري والبرهان حيدرة والشيخ واجد وابن فرشته شارح المجمع وغيرهم ورحل إلى القاهرة أيام الأشرف برسباي فظهرت فضائله وولي المشيخة بتربة الأشرف المذكور وأخذ عنه الفضلاء والأعيان ثم ولي مشيخة الشيخونية لما رغب عنها ابن الهمام وكان الشيخ إماما كبيرا في المعقولات كلها والكلام وأصول الفقه والنحو والتصريف والأعراب والمعاني والبيان والجدل والمنطق والفلسفة والهيئة بحيث لا يشق أحد غباره في شيء من هذه العلوم وله اليد الحسنة في الفقه والتفسير والنظر في علوم الحديث وألف فيه وأما تصانيفه في العلوم العقلية فلا تحصى بحيث أني سألته أن يسمى لي جميعا لأكتبها في ترجمته فقال لا أقدر على ذلك قال ولي مؤلفات كثيرة أنسيتها فلا أعرف الآن أسماءها وأكثر تصانيف الشيخ مختصرات وأجلها وأنفعها على الاطلاق شرح قواعد الاعراب وشرح كلمتي الشهادة وله مختصر في علوم الحديث ومختصر في علوم التفسير يسمى التيسير قدر ثلاث كراريس وكان يقول أنه اخترع هذا العلم ولم يسبق إليه وذلك لأن الشيخ لم يقف على البرهان للزركشي ولا على مواقع العلوم للجلال البلقيني وكان الشيخ رحمه الله تعالى صحيح العقيدة في الديانات حسن الاعتقاد في الصوفية محبا لأهل الحديث كارها لأهل البدع كثير التعبد على كبر سنه كثير الصدقة والبذل لا يبقى على شيء سليم الفطرة صافي القلب كثير الاحتمال لأعدائه صبورا على الأذى واسع العلم جدا لأزمته أربع عشرة سنة فما جئته من مرة إلا وسمعت منه من التحقيقات والعجائب ما لم أسمعه قبل ذلك قال لي يوما ما اعراب زيد قائم فقلت قد صرنا في مقام الصغار ونسأل عن هذا فقال لي في زيد قائم مائة وثلاثة عشر بحثا فقلت لا أقوم من هذا المجلس حتى 328 أستفيدها فأخرج لي تذكرتها فكتبتها منها وما كنت أعد الشيخ إلا والدا بعد والدي وكان يذكر أنه كان بينه وبين والدي صداقة تامة وأن والدي كان منصفا له بخلاف أكثر أهل مصر توفي الشيخ شهيدا بالاسهال ليلة الجمعة رابع جمادى الأولى انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن محمد السيلي الإمام الحنبلي العالم الفرضي قال العليمي قدم من السيلة إلى دمشق في سنة سبع عشرة وثمانمائة فاشتغل وقرأ المقنع وتفقه على الشيخ شمس الدين بن القباقبي وقرأ علم الفرائض والحساب على الشيخ شمس الدين الحواري وصار أمة فيه وله اطلاع على كلام المحدثين والمؤرخين ويستحضر تاريخا كثيرا وله معرفة تامة بوقائع العرب ويحفظ كثيرا من أشعارهم أفتى ودرس مدة انقطع في آخر عمره في ببيته توفي يوم السبت سابع عشر شوال ودفن بالروضة انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن الحسن المعروف بابن أمير حاج الحلبي الحنفي عالم الحنفية بحلب وصدرهم كان إماما عالما علامة مصنفا صنف التصانيف الفاخرة الشهيرة وأخذ عنه الأكابر وافتخروا بالانتساب إليه وتوفي بحلب في رجب عن بضع وخمسين سنة
وفيها أمين الدين يحيى بن محمد الأقصرائي الحنفي قال في حسن المحاضرة هو شيخ الحنفية في زمانه أي بالقاهرة ولد سنة نيف وتسعين وسبعمائة وانتهت إليه رياسة الحنفية في زمانه انتهى أي ومات في أواخر ذي الحجة راجعا من الحج
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد المصري الشافعي المعروف بابن القطان الإمام العالم العلامة توفي في ذي القعدة وقد جاوز الستين
وفيها يحيى بن محمد بن أحمد الدمياطي ثم القاهري الشافعي الإمام العالم 329 توفي ليلة سابع المحرم عن نحو ثمانين سنة
سنة ثمانين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد السلفيتي الحنبلي الشيخ الإمام العلام الزاهد الورع
وفيها قاضي القاضي محي الدين عبد القادر بن أبي القسم بن أحمد بن محمد بن عبد المعطي الأنصاري العبادي المالكي النحوي نحوي مكة قال في بغية الوعاة أما التفسير فإنه كشاف خفياته وأما الحديث فإليه الرحلة في رواياته وأما الفقه فإنه مالك زمامه وناصب أعلامه وأما النحو فإنه محي ما درس من رسومه ومبدي ما أبهم من معلومه وإذا ضل طالبوه عن محجته اهتدوا إليه بنجومه ورثه لا عن كلالة ثم قام به أتم قيام فلو رآه سيبويه لأقر له لا محالة أما آدابه ومحاضراته فحدث عن البحر ولا حرج وأما مجالساته فأبهى من الروض الأنف إذا انفتح زهره وأرج وأما زهده في قضاياه فقد سارت به الركبان وأما غير ذلك من محاسنه فكثير يقصر عن سردها اللسان ولد في ثامن عشر ربيع الآخر سنة أربع عشرة وثمانمائة بمكة ونشأ بها صينا وسمع بها من التقي الفاسي وأبي الحسن بن سلامة وجماعة وأجازت له عائشة بنت عبد الهادي وابن الكويك وعبد القادر الأرموي والبدر الدماميني وتفقه على جماعة وأجاز له البساطي بالافتاء والتدريس وأخذ عنه العربية وبرع فيها وفي الفقه وكتب الخط المنسوب وتصدر بمكة للافتاء وتدريس الفقه والتفسير والعربية وغير ذلك وهو إمام علامة بارع في هذه العلوم الثلاثة بل ليس بعد شيخي الكافيجي والشمني أنحى منه مطلقا ويتكلم في الأصول كلاما حسنا حسن المحاضرة كثير الحفظ للآداب والنوادر والأشعار والأخبار وتراجم الناس وأحوالهم فصيح العبارة طلق 330 اللسان قادر على التعبير عن مراده بأحسن عبارة وأعذبها وأفصحها لا تمل مجالسته كثير العبادة والصلاة والقراءة والتواضع ومحبة أهل الفضل والرغبة في مجالستهم ولم ينصفني في مكة أحد غيره ولم أتردد لسواه ولم أجالس سواه وكتب لي على شرح الألفية تقريظا بليغا وقد دخل القاهرة واجتمع بفضلائها وولي قضاء المالكية بمكة بعد موت أبي عبد الله النويري في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين فباشره بعفة ونزاهة وعزل وأعيد مرارا ثم أضر بآخره فأشار بأن يولي تلميذه ظهيرة بن أبي حامد بن ظهيرة ثم قدر أن ظهيرة المذكور توفي في آخر سنة ثمان وستين وقدح قاضي القضاة محي الدين فأبصر فأعيد إلى الولاية واستمر وله تصانيف منها هداية السبيل في شرح التسهيل لم يتم وحاشية على التوضيح وحاشية على شرح الألفية للمكودي وقرأت عليه جزء الأماني لابن عفان وأسندت حديثه في الطبقات الكبرى ومات في مستهل شعبان انتهى
وفيها علي بن محمد بن علي بن محمد بن عمر المصري المكي الشافعي ويعرف بابن الفاكهاني الإمام العالم العلامة توفي في رمضان عن بضع وأربعين سنة
وفيها زين الدين عمر بن إسمعيل المؤدي الحنبلي قال العليمي كان رجلا مباركا يحفظ القرآن ويقرىء الأطفال بالمسجد الأقصى بالمجمع المجاور لجامع المغاربة من جهة القبلة والناس سالمون من لسانه ويده توفي بالقدس الشريف في شهر رجب انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد التبريزي الأيجي الشيرازي الشافعي الشيد الشريف الحسني الحسيني الإمام العالم توفي بمكة عن خمس وستين سنة
وفيها القاضي يوسف بن أحمد بن ناصر بن خليفة الباعوني المقدسي ثم الصالحي الدمشقي قاضي الشافعية بدمشق توفي في ربيع الثاني عن 331 أربع وسبعين سنة
سنة إحدى وثمانين وثمانمائة
فيها توفي كما قال في ذيل الدول شيخ فضلاء العصر أبو بكر بن محمد بن شادي الحصني الشافعي الإمام العلامة توفي في ربيع الأول عن خمس وستين سنة
وفيها القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن محمد النويري الغزي المالكي قاضي المالكية الإمام العالم توفي بغزة في جمادى الآخرة
وفيها تقريبا الشيخ جمال الدين بير جمال الشيرازي العجمي الشافعي الصوفي الإمام القدوة المسلك العارف قال المناوي كان من كبار العابدين المسلكين ومن أهل العلم والدين المتين قدم مكة ثم القاهرة وصحبته نحو أربعين من مريديه ما بين علماء أكابر وصوفية أماثل وأبناء رؤساء منهم الإمام عميد الدين قاضي شيراز ترك الدنيا وتبعه وكان أتباعه على قلب واحد في طاعته والانقياد التام إليه وكلهم على طهر دائما وكان طريقه مداومة الذكر القلب لا اللساني وإدامة الطهارة ولبس المسوح من وبر الإبل وملازمة كل إنسان حرفته وكانت جماعته على أقسام فالعلماء والطلبة يشغلهم بالكتابة ومن دونهم كل بحرفته ما بين غزل ونسج وخياطة وتجليد كتب وغيرها وكان دائم النصيحة والتسليك موصلا إلى الله تعالى من أراده وله كرامات منها أن السيد علي بن عفيف الشيرازي عارضه وأنكر عليه فأصابه خراج في جنبه فمات فورا وتوفي صاحب الترجمة ببيت المقدس انتهى
وفيها داود بن بدر الحسيني الصوفي قال المناوي كان من الأولياء المشهورين وأكابر العارفين نشأ بشرافات قرية بقرب بيت المقدس وله كرامات منها أن القرية التي كان بها أهلها كلهم نصارى ليس فيهم مسلم إلا الشيخ وأهل بيته 332 وكانت حرفة أهل القرية عصر العنب وبيعه فشق ذلك عليه فتوجه بسببهم فصار كل شيء عملوه خلا وماء وعجزوا فارتحلوا منها ولم يبق فيها إلا الشيخ وجماعته فشق على مقطعها فاستأجرها منه وبنى بها زاوية لفقرائه ومنها أنه لما عقد القبة التي على القبر الذي أعده ليدفن فيه أتى طائر فأشار إليها فسقطت فأمر الشيخ بإعادتها ففعل كذلك فأمر ببنائها ثالثا وحضر الشيخ فلما انتهت أتى الطائر ليفعل فعله فأشار إليه الشيخ فسقط ميتا فنظروا إليه فإذا هو رجل عليه أبهة وشعر رأسه مسدول طويل فغسله وكفنه وصلى عليه ودفنه وقال بعث لحتفه وهو ابن عمي اسمه أحمد الطير غارت همته من همتنا وأراد طفي الشهرة بهدم القبة ويأبى الله إلا ما أراده فكان أول من دفن فيها وتوفي المترجم في هذه السنة ودفن بالقبة أيضا انتهى
وفيها سيف الدين محمد بن محمد بن عمر بن قطلوبغا البكتمري القاهري الحنفي النحوي قال السيوطي في كتابيه حسن المحاضرة وطبقات النحاة شيخنا الإمامة العلامة سيف الدين الحنفي ولد تقريبا على رأس ثمانمائة وأخذ عن السراج قاري الهداية والزين التفهني ولزم العلامة كمال الدين بن الهمام وانتفع به وبرع في الفقه والأصول والنحو وغير ذلك وكان شيخه ابن الهمام يقول عنه هو محقق الديار المصرية مع ما هو عليه من سلوك طريق السلف والعبادة والخير وعدم التردد إلى أبناء الدنيا والانقباض عليهم لازم التدريس ولم يفت واستنابه ابن الهمام في مشيخة الشيخونية لما حج أول مرة وولي مشيخة مدرسة زين الدين الأستادار ثم تركها ودرس التفسير بالمنصورية والفقه بالأشرفية العتيقة وسئل تدريس الحديث في مدرسة العيني لما رتبت فيها الدروس في سنة سبعين فامتنع مع الإلحاح عليه وله حاشية مطولة على توضيح ابن هشام كثيرة الفوائد وتوفي يوم الثلاثاء ثاني عشرى ذي القعدة وهو آخر شيوخي موتا لم يتأخر بعده أحد ممن أخذت عنه العلم الأرجل 333 قرأت عليه ورقات المنهاج وقلت أرثيه
( مات سيف الدين منفردا
وغدا في اللحد منغمدا )
( عالم الدنيا وصالحها
لم تزل أحواله رشدا )
( إنما يبكي على رجل
قد غدا في الخير معتمدا )
( لم يكن في دينه وهن
لا ولا للكبر منه ردا )
( عمره أفناه في نصب
لإله العرش مجتهدا )
( من صلاة أو مطالعة
أو كتاب الله مقتصدا )
( لا يوافيه لمظلمة
بشره أو مدع فندا )
( في الذي قد كان من ورع
لم يخلف بعده أحدا )
( دانت الدنيا لمنصرم
ورحيل الناس قد أفدا )
( ليت شعري من نؤمله
بعد هذا الحبر ملتحدا )
( ثلمة في الدين موتته
ما لها من جابر أبدا )
( قد روينا ذاك في خبر
وهو موصول لنا سندا )
( فعليه هامعات رضا
ومن الغفران سحب ندى )
( وبعثنا ضمن زمرته
مع أهل الصدق والشهدا ) انتهى
وفيها القاضي شمس الدين محمد بن محمود بن خليل الحلبي الحنفي المعروف بابن أجا الإمام العالم توفي بحلب في جماد الآخرة عن ستين سنة
وفيها محمد بن يعقوب بن المتوكل العباسي أخو أمير المؤمنين توفي في جمادى الثانية عن أربع وستين
وفيها قاضي القاضة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن قاضي القضاة شرف الدين عبد القادر بن العلامة المحقق شمس الدين أبي عبد الله محمد الجعفري النابلسي الحنبلي تقدم ذكر والده وجده ولد سنة اثنتين وقيل إحدى وتسعين وسبعمائة 334 ونشأ على طريقة حسنة وهو من بيت علم ورياسة وسمع من جده وابن العلائي وجماعة وباشر القضاء بنابلس نيابة عن ابن عمه القاضي تاج الدين عبد الوهاب المتقدم ذكره ثم وليها استقلالا بعد الأربعين والثمانمائة عوضا عن القاضي شمس الدين بن الإمام المتقدم ذكره ثم أضيف إليه قضاء القدس مدة ثم عزل من القدس واستمر قاضيا بنابلس وولي أيضا قضاء الرملة ونيابة الحكم بالديار المصرية وكان حسن السيرة عفيفا في مباشرة القضاء له هيبة عند الناس حسن الشكل عليه أبهة ووقار رزق الأولاد وألحق الأحفاد بالأجاد ومتع بدنياه وعزل عن القضاء في أواخر عمره واستمر معزولا إلى أن توفي بنابلس يوم الخميس سادس عشر شهر رمضان وله نحو التسعين سنة
سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة
فيها توفي تقي الدين أبو الصدق أبو بكر بن محمد الحمصي المنبجي الحنبلي قال العليمي قرأ العمدة للشيخ الموفق والنظم للصرصري ثم قرأ المقنع وأصول الطوفي وألفية ابن مالك وحفظ القرآن واشتغل بالمنطق والمعاني والبيان وأتقن الفرائض والجبر والمقابلة وتفقه على ابن قندس وأذن له في الافتاء وكان مشتغلا بالعلم ويسافر للتجارة وصحب القاضي عز الدين الكناني وكان مشتغلا بالعلم ويسافر للتجارة وصحب القاضي عز الدين الكناني بالديار المصرية وتوفي بالقاهرة في رجب عن نحو ثلاث وستين سنة ودفن بالقرب من محب الدين بن نصر الله البغدادي
وفيها حسن بك بن علي بك بن قرابلوك متملك العراقين وأذربيجان وديار بكر توفي في جمادى الآخرة أو رجب
وفيها العلمي شاكر بن عبد الغني بن شاكر بن ماجد بن عبد الوهاب القاهري الشهير بابن الجيعان توفي في ربيع الآخر وقد جاوز التسعين 335
وفيها عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عمر العقيلي الحنفي المعروف بابن العديم الإمام العالم توفي في ذي الحجة وقد جاوز السبعين
وفيها قاضي القضاء علاء الدين أبو الحسن بن قاضي القضاة صدر الدين أبي بكر بن قاضي القضاة تقي الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح الحنبلي الإمام العلامة شيخ الإسلام ولد سنة خمس عشرة وثمانمائة وكان من أهل العلم والرياسة ولي قضاء حلب وباشره مدة طويلة ثم قضاء الشام وأضيف إليه كتابة السر بها ثم أعيد إلى قضاء حلب ثم عزل واستمر معزولا إلى الموت ولم يكن له حظ من الدنيا وكان موصوفا بالسخاء والشهامة وتوفي بحلب في صفر
وفيها علاء الدين علي بن محمد بن عبد الله بن الزكي الغزي الحنبلي الإمام العالم توفي بنابلس في جمادى الآخرة في حياة والده ودفن بمقبرة القلاس
وفيها القاضي علاء الدين علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن عبد العزيز النويري المكي قاضي المالكية بها وابن قاضي الشافعية بها كان إماما عالما توفي في ربيع الأول عن ست وستين سنة
وفيها أبو المواهب محمد بن أحمد بن محمد بن الحاج التونسي ثم القاهري المالكي الصوفي ويعرف بابن زغدان بمعجمتين ونون آخره البرلسي نسبة لقبيلة قال المناوي صوفي حبر كلامه مسموع وحديث قدره مرفوع إمام الورعين كنز العارفين علم الزاهدين ولد سنة عشرين وثمانمائة بتونس فحفظ القرآن وكتبا وأخذ العربية عن أبي عبد الله الرملي وغيره والفقه عن البرزالي وغيره والمنطق عن الموصلي والأصلين والفقه عن إبراهيم الأخضري ثم قدم مصر فأخذ الحديث عن ابن حجر والتصوف عن يحيى بن أبي وفاء وصار آية في فهم كلام الصوفية وكان له اقتدار تام على التقرير وبلاغة في التعربي وكان جميل الصورة والملبس والتعطر وأغلب أوقاته 336 مستغرق في الله ومع الله وكان له خلوة بسطح جامع الأزهر مكان المنارة التي عملها الغوري وكان يغلب عليه سكر الحال فيتمايل في صحن الجامع فيتكلم الناس فيه بحسب ما في أوعيتهم حسنا وقبحا وله تصانيف منها مراتب الكمال في التصوف وشرح الحكم لم يتم ولا نظير له في شروحها ومواهب المعارف وكتاب فوائد حكم الإشراق إلى صوفية جميع الآفاق قال الشعراوي ولم يؤلف في الطريق مثله وكان داعية إلى ابن عربي شديدا في المناضلة عنه والانتصار له وله مؤلف في حل سماع العود ومن كلامه ما اعترض أحد على أهل الطريق فأفلح ومنه إنما نزلت سورة (
ألم نشرح ) عقب (
وأما بنعمة ربك فحدث ) إشارة إلى من حدث بالنعمة فقد شرح الله صدره كأنه قال إذا حدثت بنعمتي ونشرتها شرحت لك صدرك قال فاعقلوه فإنه لا يسمع إلا من رباني وقال حكم الملك القدوس أن لا يدخل حضرته أحدا من أهل النفوس توفي بالقاهرة ودفن بمقبرة الشاذلية مع أصحاب الشيخ أبي الحسن الشاذلي انتهى ملخصا
وفيها الكمالي أبو البركات قاضي جدة محمد بن علي بن محمد بن محمد بن حسين القرشي المكي الشافعي المعروف بابن ظهيرة الإمام العالم الأصيل توفي سلخ ربيع الآخر عن ستين سنة
وفيها جمال الدين يوسف بن محمد المرداوي السعدي الحنبلي المعروف بابن التنبالي الإمام الفقيه العلامة قال العليمي كان من أهل العلم والدين اختصر كتاب الفروع للعلامة شمس الدين بن مفلح وكان يحفظ الفروع وجمع الجوامع وغيرهما ويكتب على الفتوى وتلمذ له جماعات من الأفاضل وتوفي بدمشق انتهى
سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن إسماعيل بن أبي بكر بن عمر بن خالد 337 الأبشيطي بكسر الهمزة وسكون الموحدة وكسر المعجمة آخره طاء مهملة الشافعي ثم الحنبلي الصوفي الإمام العلامة البارع المفنن قال العليمي مولده بأبشيط في سنة اثنتين وثمانمائة وكان من أهل العلم والدين والصلاح مقتصدا في مأكله وملبسه وكان يلبس قميصا خشنا ويلبس فوقه في الشتاء فروة كباشية وإذا اتسخ قميصه يغسله في بركة المؤيدية بماء فقط وكان بيده خلوة له بقعة منها فيها برش خوص وتحت رأسه طوبتان وإلى جانبه قطعة خشب عليها بعض كتب له وبقية الخلوة فيها حبال الساقية والعليق بحيث لا يختص من الخلوة إلا بقدر حاجته وكان له كل يوم ثلاثة أرغفة يأكل رغيفا واحدا ويتصدق بالرغيفين وكان معلومه في كل شهر نحو أشرفي يقتات منه في كل شهر بنحو خمسة أنصاف فضة وهي عشرة دراهم شامية أو أقل والباقي من الأشرفي يتصدق به وكان هذا شأنه دائما لا يدخر شيئا يفضل عن كفايته مع الزهد ووقع له مكاشفات وأحوال تدل على أنه من كبار الأولياء وانقطع في آخر عمره بالمدينة الشريفة أكثر من عشرين سنة وتواتر القول بأنه كان يقرىء الجان وتوفي بالمدينة المشرفة في شهر رمضان
وفيها تقي الدين أبو بكر بن زيد الجراعي الحنبلي الإمام العلامة الفقيه القاضي كان من أهل العلم والدين وهو رفيق الشيخ علاء الدين المرداوي في الاشتغال على الشيخ تقي الدين بن قندس وباشر نيابة القضاء بدمشق وتوجه إلى الديار المصرية فاستخلفه القاضي عز الدين الكناني في الحكم وباشر عنه بالمدرسة الصالحية وله غاية المطلب في معرفة المذهب وتصحيح الخلاف المطلق مجلد لطيف والألغاز الفقهية مجلد لطيف وشرح أصول ابن اللحام مجلد وكان يحد السكران بمجرد وجود الرائحة على إحدى الروايتين وسئل عن دير قائم البناء تهدم من حيطانه المحيطة به هدما صارت الحيطان منه قريبة من الأرض فطلع لأهله حرامية لصوص وقتلوا راهبا فهل للرهبان 338 رفع الحيطان كما كانت تحرزا من اللصوص وهل لهم أن يبنوا على باب الدير فرنا وطاحونا والحالة أن هذا الدير بعيد من المدينة غير مشرف على عمارة أحد من المسلمين فما الحكم في ذلك فأجاب الجواز في بناء الحائط المتهدم قال وأما بناء الفرن والطاحون فإن كانت الأرض مقرة في أيديهم فلهم البناء لأنهم إنما يمنعون من أحداث المتعبدات لا من غيرها والله أعلم توفي بدمشق
وفيها شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن العماد الحموي الحنبلي رحل في ابتداء أمره إلى القاهرة واشتغل بالعلم على القاضي جمال الدين بن هشام ثم اشتغل بدمشق على الشيخ جمال الدين يوسف المرداوي وتفقه على ابن قندس وأذن له بالافتاء وباشر نيابة الحكم بحلب ثم قدم القاهرة وأقام بها مدة يحترف بالشهادة ثم أتى مدينة حمادة فتوفي بها في شعبان
وفيها علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحمن بن عمر البلقيني القاهري الشافعي الإمام العالم توفي في شعبان وقد زاحم الثمانين
وفيها ملك اليمن علي بن طاهر بن تاج الدين توفي في ربيع الثاني عن بضع وسبعين سنة
وفيها قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن الزكي الغزي الحنبلي ولي قضاء الحنابلة بغزة في دولة الملك الظاهر جقمق فباشر مباشرة حسنة وكان شكلا حسنا عليه أبهة ووقار واستمر في الولاية إلى أن توفي بغزة في شوال
سنة أربع وثمانين وثمانمائة
فيها توفي أقضى القضاة برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الحنبلي الشيخ الإمام البحر الهمام العلامة القدوة الرحلة الحافظ المجتهد الأمة شيخ الإسلام سيد العلماء والحكام ذو الدين المتين 339 والورع واليقين شيخ العصر وبركته اشتغل وحصل ودأب وجمع وسلم إليه القول والفعل من أرباب المذاهب كلها وصار مرجع الفقهاء والناس والمعول عليه في الأمور وباشر قضاء دمشق مرارا مع الدين والورع ونفوذ الكلمة وصنف شرح المقنع في الفقه وطبقات الأصحاب مرتبة على حروف المعجم سماه المقصد الأرشد في ترجمة أصحاب الإمام أحمد وصنف كتابا في الأصول وغير ذلك وتوفي بدمشق في خامس شعبان بمنزله بالصالحية ودفن بالروضة عند أسلافه
وفيها موفق الدين أحمد بن إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي الشافعي الإمام العالم توفي في ذي القعدة عن ست وستين سنة
وفيها شرف الدين عبد القادر بن قاضي القضاة بدر الدين محمد بن عبد القادر الجعفري النابلسي الحنبلي الإمام العالم الصوفي كان أكبر أولاد أبيه وشيخ الفقراء الصمادية وكان يحترف بالشهادة بمجلس والده بنابلس وبمجلس أخيه القاضي كمال الدين بالقدس وكان رجلا خيرا على طريقة حسنة توفي بنابلس في شوال
وفيها أمير المؤمنين المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المتوكل على الله أبي بكر بن سليمان الهاشمس العباسي آخر الأخوة الخمسة المستقرين في الخلافة توفي في المحرم عن ست وثمانين سنة وبويع بالخلافة ولد أخيه العزى عبد العزيز بن الشرفي يعقوب بن المتوكل
سنة خمس وثمانين وثمانمائة
فيها توفي الإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط البقاعي الشافعي المحدث المفسر الإمام العلامة المؤرخ ولد سنة تسع وثمانمائة قال هو في ليلة الأحد تاسع شعبان سنة إحدى وعشرين وثمانمائة أوقع ناس من 340 قريتنا خربة روحا من البقاع يقال لهم بنو مزاحم بأقاربي بني حسن من القرية المذكورة فقتلوا تسعة أنفس منهم أبي عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر وأخواه محمد سويد وعلى أخوهما لأبيهما وضربت أنا بالسيف ثلاث ضربات إحداها في رأسي فجرحتني وكنت إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فخرجنا من القرية المذكورة واستمرينا نتنقل في قرى وادي التيم والعرقوب وغيرهما إلى أن أراد الله تعالى بإقيال السعادتين الدنيوية والأخروية فنقلني جدي لأبي علي بن محمد السليمي إلى دمشق فجودت القرآن وجددت حفظه وأفردت القراآت وجمعتها على بعض المشايخ ثم على الشمس بن الجزري لما قدم إلى دمشق سنة سبع وعشرين وثمانمائة واشتغلت بالنحو والفقه وغيرهما من العلوم وكان ما أراد الله تعالى من التنقل في البلاد والفوز بالغزو والحج أدام الله نعمه آمين ومن ثمرات ذلك أيضا الاراحة من الحروب والوقائع التي أعقبتها هذه الواقعة فإنها استمرت أكثر من ثلاثين سنة ولعلها زادت على مائة وقعة كان فيها ما قاربت القتلى فيه ألفا انتهى بحروفه وأخذ المترجم عن أساطين عصره كابن ناصر الدين وابن حجر وبرع وتميز وناظر وانتقد حتى على شيوخه وصنف تصانيف عديدة من أجلها المناسبات القرآنية وعنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران وتنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن عربي وانتقد عليه بسبب هذا التأليف وتناولته الألسن وكثر الرد عليه فممن رد عليه العلامة السيوطي بكتابه تنبيه الغبي بتبرئة ابن العربي وبالجملة فقد كان من أعاجيب الدهر وحسناته وتوفي بدمشق في رجب عن ست وسبعين سنة
وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي السعدي ثم الصالحي الحنبلي الشيخ الإمام العلامة المحقق المفنن أعجوبة الدهر شيخ المذهب وإمامه ومصححه ومنقحه بل شيخ الإسلام على الإطلاق ومحرر العلوم بالاتفاق ولد سنة سبع عشرة وثمانمائة وخرج من بلده مردا في 341 حال الشبيبة فأقام بمدينة سيدنا الخليل عليه الصلاة والسلام بزاوية الشيخ عمر المجرد رحمه الله وقرأ بها القرآن ثم قدم إلى دمشق ونزل بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر بالصالحية واشتغل بالعلم فلاحظته العناية الربانية واجتمع بالمشايخ وجد في الاشتغال وتفقه على الشيخ تقي الدين بن قندس البعلي شيخ الحنابلة في وقته فبرع وفضل في فنون من العلوم وانتهت إليه رياسة المذهب وباشر نيابة الحكم دهرا طويلا فحسنت سيرته وعظم أمره ثم فتح عليه في التصنيف فصنف كتبا كثيرة في أنواع العلوم أعظمها الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف أربع مجلدات ضخمة جعله على المقنع وهو من كتب الإسلام فإنه سلك فيه مسلطا لم يسبق إليه بين فيه الصحيح من المذهب وأطال فيه الكلام وذكر في كل مسئلة ما نقل فيها من الكتب وكلام الأصحاب فهو دليل على تبحر مصنفه وسعة علمه وقوة فهمه وكثرة اطلاعه ومنه التنقيح المشبع في تحريم القنع وهو مختصر الانصاف والتحرير في أصول الفقه ذكر فيه المذاهب الأربعة وغيرها وشرحه وجزء في الأدعية والأوراد سماه الحصون المعدة الواقية من كل شدة وتصحيح كتاب الفروع لابن مفلح وشرح الآداب وغير ذلك وانتفع الناس بمصنفاته وانتشرت في حياته وبعد وفاته وكانت كتابته على الفتوى غاية وخطه حسن وتنزه عن مباشرة القضاء في أواخر عمره وصار قوله حجة في المذهب يعول عليه في الفتوى والأحكام في جميع مملكة الإسلام ومن تلامذته قاضي القضاة بدر الدين السعدي قاضي الديار المصرية وغالب من في المملكة من الفقهاء والعلماء وقضاة الإسلام وما صحبه أحد إلا وحصل له الخير وكان لا يتردد إلى أحد من أهل الدنيا ولا يتكلم فيما لا يعنيه وكان الأكابر والأعيان يقصدونه لزيارته والاستفادة منه وحج وزار بيت المقدس مرارا ومحاسنه أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر وتوفي بصالحية دمشق يوم الجمعة سادس جمادى الأولى ودفن بسفح 342 قاسيون قرب الروضة
وفيها سراج الدين عمر بن حسين بن حسن بن علي العبادي القاهري الشافعي الأزهري الإمام العلامة شيخ الشافعية في عصره توفي في ربيع الأول وقد جاوز الثمانين سنة
وفيها تقريبا المولى عز الدين عبد اللطيف بن الملك الحنفي الشهير ابن فرشته قال في الشقائق كان عالما فاضلا ماهرا في جميع العلوم الشرعية شرح مجمع البحرين شرحا حسنا جامعا للفوائد مقبول في بلادنا وشرح أيضا مشارق الأنوار للإمام الصاغاني شرحا لطيفا وشرح كتاب المنار في الأصول وله رسالة في علم التصوف تدل على أن له حظا عظيما من معارف الصوفية انتهى ملخصا
وفيها نجم الدين عمر بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد الهاشمي المكي الشافعي المعروف بابن فهد الإمام فهد الإمام العالم العريق توفي في رمضان عن ثلاث وسبعين سنة
وفيها المولى خسرو محمد بن قراموز الرومي الحنفي الإمام العلامة وكان والده روميا من أمراء الفراسخة تشرف بالإسلام وكان له بنت زوجها من أمير آخر مسمى بخسرو فلما مات كان صاحب الترجمة في حجره فاشتهر بخسرو وأخذ العلوم عن برهان الدين حيدر الرومي المفتي في البلاد الرومية ثم صار مدرسا بمدينة أدرنة بمدرسة شاه ملك وكان له أخ مدرس بالمدرسة الحلبية وتقيد المولى خسرو بأدرنة على المولى يوسف بالي بن شمس الدين الفناري مدرس مدرسة السلطان محمد بمدينة برسا وكتب المولى خسرو حواشيه على المطول في المدرسة المذكورة ثم صار مدرسا بمدرسة أخيه بعد وفاته ثم صار قاضيا بالعسكر المنصور ولما جلس السلطان محمد خان على سرير السلطنة ثانيا جعل له كل يوم مائة درهم ولما فتح قسطنطينية جعل المرتجم قاضيا بها بعد وفاة المولى خضر بك وضم إليه قضاء غلطة واسكدار وتدريس 343 أياصوفيا وكان مربوع القامة عظيم اللحية يلبس الثياب الدنية وعلى رأسه عمامة صغيرة وكان السلطان محمد يجله كثيرا ويفتخر به ويقول لوزرائه هذا أبو حنيفة زمانه وكان متخشعا متواضعا صاحب أخلاق حميدة وسكينة ووقار يخدم بنفسه مع ماله من العبيد والخدم الذين لا يحصون كثرة وكان مع اشتغاله بالمناصب والتداريس يكتب كل يوم ورقتين من كتب السلف بخط حسن وآل به الأمر إلى أن صار مفتيا بالتخت السلطاني وعظم أمره وطار ذكره وعمر عدة مساجد بقسطنطينية ومن مصنفاته حواش على المطول وحواشي التلويح وحواش على أول تفسير البيضاوي ومرقاة الوصول في علم الأصول وشرحه والدرر والغرر ورسالة في الولاء ورسالة متعلقة بتفسير سورة الأنعام وغير ذلك وتوفي بقسطنطينية وحمل إلى مدينة برسا فدفن بها في مدرسته رحمه الله تعالى
وفيها المولى محمد بن قطب الدين الأزنيقي الحنفي الإمام العالم العامل قرأ العلوم الشرعية والعقلية على المولى الفناري وتمهر وفاق أقرانه ثم سلك مسلك التصوف فجمع بين الشريعة والطريقة والحقيقة وصنف شرحا لمفتاح الغيب للشيخ صدر الدين القونوي وهو في غاية الحسن وشرح أيضا فصوص الصدر القونوي رحمهما الله تعالى
وفي حدودها المولى سنان الدين يوسف المشهور بقراسنان الحنفي الإمام العلامة قال في الشقائق كانت له مهارة في العلوم العربية الأدبية صنف شرحا لمراح الأرواح في الصرف وشرحا للشافية في الصرف أيضا وله شرح الملخص الجغميني في علم الهيئة وحواش على شرح الوقاية لصدر الشريعة انتهى ملخصا
سنة ست وثمانين وثمانمائة
في رمضانها كانت الصاعقة التي احترق بنارها المسجد الشريف النبوي 344 سقفه وحواصله وخزائن كتبه وربعاته ولم يبق من قناطره وأساطنيه إلا اليسير وكانت آية من آيات الله تعالى وقال بعضهم فيه
( لم يحترق حرم النبي لريبة
تخشى عليه وما به من عار )
( لكنما أيد الروافض لامست
تلك الرسوم فطهرت بالنار )
وفيها في سابع عشر المحرم كانت بمكة زلزلة هائلة لم يسمع بمثلها
وفي حدودها توفي المولى شمس الدين أحمد بن موسى الشهير بالخيالي الحنفي الإمام العلامة قرأ على أبيه وعلى خضر بك وهو مدرس الشهير بالخيالي الحنفي الإمام العلامة قرأ على أبيه وعلى خضر بك وهو مدرس بسلطانية برسا ومهر وبرع وفاق أقرانه وسلك طريق الصوفية وتلقن الذكر وله حواش على شرح العقائد النسفية تمتحن بها الأذكياء لدقتها وحواش على أوائل حاشية التجريد وشرح لنظم العقائد لأستاذه المولى خضر بك أجاد فيه كل الإجادة وغير ذلك من الحواشي والتعاليق رحمه الله تعالى
وفيها علاء الدين علي بن محمد بن عيسى بن عطيف العدني اليمني الشافعي الإمام العالم الفقيه توفي بمكة المشرفة في جمادى الأولى عن بضع وسبعين سنة
وفيها سابع ملوك بن عثمان السلطان محمد بن السلطان مرادخان ولد سنة خمس وثلاثين وثمانمائة وولي السلطنة سنة ست وخمسين وكانت مدة ولايته إحدى وثلاثين سنة قال في الأعلام كان من أعاظم سلاطين بني عثمان وهو الملك الضليل الفاضل النبيل العظيم الجليل أعظم الملوك جهادا وأقواهم إقداما واجتهادا وأثبتهم جأشا وقوادا وأكثرهم توكلا على الله واعتمادا وهو الذي أسس ملك بني عثمان وقنن لهم قوانين صارت كالأطواق في أجياد الزمان وله مناقب جميلة ومزايا فضالة جليلة وآثار باقية في صفحات الليالي والأيام ومآثر لا يمحوها تعاقب السنين والأعوام وغزوات كسر بها أصلاب الصلبان والأصنام من أعظمها أنه فتح القسطنطينية الكبرى وساق إليها السفن تجري رخاءا برا وبحرا وهجم عليها بجنوده وأبطاله وأقدم عليها بخيوله 345 ورجاله وحاصرها خمسين يوما أشد الحصار وضيق على من فيها من الكفار الفجار وسل على أهلها سيف الله المسلول وتدرع بدرع الله الحصين المسبول ودق باب النصر والتأييد ولج من قرع بابا ولج ولج وثبت على متن الصبر إلى أن أتاه الله تعالى بالفرج ونزلت عليه ملائكة الله القريب الرقيب بالنصر العزيز من الله تعالى والفتح القريب ففتح اصطنبول في اليوم الحادي والخمسين من أيام محاصرته وهو يوم الأربعاء العشرون من جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وثمانمائة وصلى في أكبر كنائس النصارى صلاة الجمعة وهي أياصوفيا وهي قبة تسامي قبة السماء وتحاكي في الاستحكام قبب الأهرام ولا وهت ولا وهنت كبرا ولا هرما وقد أسس في اصطنبول للعلم أساسا راسخا لا يخشى على شمسه الأفول وبنى بها مدارس كالجفان لها ثمانية أبواب سهلة الدخول وقنن بها قوانين تطابق المعقول والمنقول فجزاه الله خيرا عن الطلاب ومنحه بها أجرا وأكبر ثواب فإنه جعل لهم أيام الطلب ما يسد فاقتهم ويكون به من خمار الفقر إفاقتهم وجعل بعد ذلك مراتب يترقون إليها ويصعدون بالتمكم والاعتبار عليها إلى أن يصلوا إلى سعادة الدنيا ويتوسلون بها أيضا إلى سعادة العقبى وأنه رحمه الله تعالى استجلب العلماء الكبار من أقصى الديار وأنعم إليهم وعطف بإحسانه إليهم كمولانا علي القوشجي والفاضل الطوسي والعالم الكوراني وغيرهم من علماء الإسلام وفضلاء الأنام فصارت اصطنبول بهم أم الدنيا ومعدن الفخار والعليا واجتمع فيها أهل الكمال من كل فن فعلماؤها إلى الآن أعظم علماء الإسلام وأهل حرفها أدق الفطناء في الأنام وأرباب دولتها هم أهل السعادة العظام فللمرحوم المقدس قلادة منن لا تحصى في أعناق المسلمين لا سيما العلماء الأكرمين انتهى ملخصا أي واستقر بعده في المملكة ابنه الأكبر أبو يزيد يلدرم ومعناه البرق 346
سنة سبع وثمانين وثمانمائة
فيها في أثناء ذي القعدة كان بمكة السيل الهائل الذي لم يسمع بمثله خرب نحو ربع بيوت مكة وجاز في المسجد الحرام حلقتي باب الكعبة ومات من الخلق من لا يحصيهم إلا الله تعالى
وفيها توفي برهان الدين إبرهيم بن علي بن إبراهيم بن يوسف الحسيني العراقي الشافعي المعروف بابن أبي الوفا الإمام العالم توفي في جمادى الأولى عن ست وسبعين سنة
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن محمد السلمي المنصوري الشافعي ثم الحنبلي ويعرف بابن الهايم وبالشهاب المنصوري وبالقائم كان شاعر زمانه ولد سنة تسع وتسعين وسبعمائة واشتغل وفهم شيئا من العلم وبرع في الشعر وفنونه وتفرد في آخر عمره وله ديوان كبير منه
( شجاك بربع العامرية معهد
به أنكرت عيناك ما كنت تعهد )
( ترحل عنه أهله بأهلة
بأحداجها غير من العين خرد )
( كواكب أتراب حسان كأنها
برود بأغصان النقا تتأود )
وهي طويلة وجميع شعره في غاية الحسن وتوفي في جمادى الآخرة
وفيها الصدر سليمان بن عبد الناصر الأبشيطي ثم القاهري الشافعي الصوفي قال المناوي تعبد قديما وحدث واشتغل بالفقه وغيره ودرس وأفاد وأفتى وخطب ونزل بالشيخونية ثم تصوف وحج قاضي المحمل مرارا وشرح ألفية ابن مالك وغيرها ورام الاشتغال بالمنطق لكثرة معارضة من يبحث معه فيه فأخذ الشمسية في كمه ودخل على الشيخ الحر يفيش مستشيرا له بالحال فبمجرد رؤيته قال من الله تعالى علينا بكتابه العزيز والنحو والأصول فمالنا وللمنطق وكرر ذلك فرجع وعد ذلك من كراماتها ومن كراماته أيضا أنه كان 347 يجيء لحضور الشيخونية فينزل عن بغلته ويرسلها ليس معها أحد فتذهب للرميلة فتقمقم مما تراه هناك ثم ترجع عند فراغ الدرس سواء بلا زيادة ولا نقص توفي رحمه الله تعالى عن نحو ثمانين سنة انتهى
وفيها فقيه اليمن عمر بن محمد بن معبيد اليماني الزبيدي الشافعي الإمام العلامة توفي في صفر عن ست وثمانين سنة
سنة ثمان وثمانين وثمانمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن أحمد بن علي بن زكريا الجديدي البدراني الشافعي الإمام العالم توفي في ربيع الآخر عن نحو سبعين سنة
وفيها كريم الدين أبو المكارم عبد الكريم بن علي البويطي الحنبلي العدل قال العليمي كان رجلا خيرا وكان في ابتداء أمره يباشر عند الأمراء بالقاهرة ثم احترف بالشهادة ولما ولي ابن أخته بدر الدين السعدي قضاء الديار المصرية ولاه العقود والفسوخ وكان يجلس لتحمل الشهاب بباب المدرسة الصالحية في حانوت الحكم المنسوب للحنابلة وتوفي بالقاهرة
وفيها نور الدين علي بن محمد المناوي المصري الحنبلي العدل المشهور بباهو الإمام العالم ولاه القاضي بدر الدين البغدادي العقود والفسوخ بالديار المصرية ولم يزل إلى أيام القاضي بدر الدين السعدي وتوفي في أيامه
وفيها شمس الدين محمد بن عثمان الجزيري الحنبلي الإمام العالم اشتغل بالعلم على القاضي محب الدين بن الجناق المتقدم ذكره وعلى القاضي بدر الدين السعدي والعز الكناني وفضل وتميز وكان يحترف بالشهادة وصار من أعيان موقعي الحكم وكان أعجوبة توفي في شوال بالقاهرة
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن محمد بن قاسم القاهري الشافعي 348 المعروف بابن المرخم الإمام العالم توفي في جمادى الأولى عن ثمانين سنة
وفيها كمال الدين محمد بن علي بن الضياء المصري الخانكي الحنبلي الإمام العلامة أصله مت الخانكاه السرياقوسية وكان يسكن بالقاهرة وباشر عقود الأنكحة والفسوخ في أيام القاضي عز الدين الكناني ثم لما ولي بدر الدين السعدي استخلفه في الحكم وأجلسه بباب البحر وكان يميل إليه بالمحبة وتوفي في أيامه بالقاهرة
سنة تسع وثمانين وثمانمائة
فيها في جمادى الآخرة كان إجراء عين عرفات
وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن يحيى بن شاكر بن عبد الغني بن الجيعان توفي في شعبان عن أربعين سنة
وفيها تقي الدين أبو بكر بن خليل بن عمر بن السلم النابلسي الأصل ثم الصفدي الحنبلي المشهور بابن الحوائج كاش قاضي مدينة صفد وابن قاضيها اشتغل بالعلم ومهر وباشر القضاء بمدينة صفد مدة وعزل وولي مرات وكان في زمن عزله يحترف بالشهادة إلى أن توفي بصفد
وفيها الشمس محمد بن عبد المنعم بن محمد بن محمد الجوجري ثم القاهري الشافعي الإمام العالم سليل العلماء توفي في رجب عن سبع وستين سنة
وفيها قاضي القضاة كمال الدين أبو الفضل محمد بن قاضي القضاة بدر الدين أبي عبد الله محمد بن قاضي القضاة شرف الدين أبي حاتم عبد القادر الجعفري النابلسي الحنبلي المعروف بابن قاضي نابلس ولد سنة نيف وثلاثين وثمانمائة ودأب وحصل وسافر البلاد وأخذ عن المشايخ وأذن له الشيخ علاء الدين المرداوي بالإفتاء وأذن له أيضا الشيخ تقي الدين بن قندس وبرع في المذهب وأفتى وناظر وباشر القضاء بنابلس نيابة عن والده ثم باشره بالديار المصرية عوضا عن العز الكناني ثم باشره ببيت المقدس عوضا عن الشمس 349 العليمي ثم أضيف إليه قضاء الرملة ونابلس ثم عزل وأعيد مرارا وكان له معرفة ودربة بالأحكام ثم قطن في دمشق ثلاث سنين ثم توجه إلى ثغر دمياط وباشر نيابة الحكم ثم سافر منه فورد خبر موته إلى القاهرة بأسكندرية في هذه السنة
وفيها القاضي جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن قاضي القضاة شيخ الإسلام محب الدين أبي الفضل أحمد المتقدم ذكره ابن نصر الله البغدادي الأصل ثم المصري الحنبلي الإمام العلامة تفقه بوالده وغيره وفضل وبرع في حياة والده وشهد له بالفضل ونزل له عن تدريس البرقوقية وباشر نيابة الحكم بالديار المصرية في أيام العز الكناني ثم ترك واستمر خاملا إلى قبيل وفاته بيسير ففوض إليه القاضي بدر الدين السعدي نيابة الحكم فما كان إلا القليل وكان يكتب على الفتاوى كتابة جيدة إلى الغاية إلا أنه لم يكن له حظ من الدنيا وتوفي بالقاهرة في أحد الربيعين
سنة تسعين وثمانمائة
فيها توفي قاضي الشافعية شمس الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عمر بن رسلان البلقيني القاهري الشافعي الإمام العالم الأصيل توفي بالقاهرة عن نحو سبعين سنة
وفيها قاضي الحنفية بالديار المصرية شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمود بن الشهاب غازي الحلبي الحنفي المعروف كسلفه بابن الشحنة الإمام العالم الناظم الناثر سليل العلماء الأجلاء ومن نظمه
( قلت له لما وفى موعدي
وما بقلبي لسواه نفاق )
( وجاد بالوصل على وجهه
حتى سما كل حبيب وفاق )
وتوفي في المحرم عن خمس وثمانين سنة 350
وفيها شمس الدين محمد بن يوسف بن عبد الكريم القاهري الشافعي سبط ابن البارزي الإمام العالم توفي بمكة في شعبان
سنة إحدى وتسعين وثمانمائة
فيها توفي عالم الحجاز برهان الدين إبراهيم بن علي بن محمد بن محمد بن حسين بن علي بن أحمد بن عطية بن ظهيرة المكي القرشي الشافعي الإمام العلامة توفي ليلة الجمعة سادس ذي القعدة عن ست وستين سنة
وفيها تقريبا أبو علي حسين الصوفي المدفون بساحل بولاق قال المناوي في طبقاته هو من أهل التصريف صوفي كامل وشيخ لأنواع اللطف والكمال شامل بهي الصورة كأن عليه مخايل الولاية مقصورة وكان كثير التطور يدخل عليه إنسان فيجده سبعا ثم يدخل عليه آخر فيجده جنديا ثم يدخل عليه آخر فيجده فلاحا أو فيلا وهكذا وقال آخرون كان التطور دأبه ليلا ونهارا حتى في صورة السباع والبهائم ودخل عليه أعداؤه ليقتلوه فقطعوه بالسيوف ليلا ورموه على كوم بعيد فأصبحوا فوجدوه قائما يصلي بزاويته ومكث بخلوة في غيط خارج باب البحر أربعين سنة لا يأكل ولا يشرب وباب الخلوة مسدود ليس له إلا طاق يدخل منه الهواء فقال الناس هو يعمل الكيمياء والسيميا ثم خرج بعدها وأظهر الكرامات والخوارق وكان إذا سأله أحد شيئا قبض من الهواء وأعطاه إياه وكان جماعته يأخذون أولاد النموس ويربونهم فسموا بالنموسية وضرب قايتباي رقاب بعضهم لما شطحوا ونطقوا بما يخالف الشريعة انتهى كلام المناوي
وفيها قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن عبد الكريم بن محمد بن عبادة السعدي الأنصاري الدمشقي الصالحي الحنبلي كان صدرا رئيسا من رؤساء دمشق وهو من بيت علم ورآسة وتقدم ذكر أسلافه ولي قضاء دمشق عن البرهان 351 ابن مفلح ولم تطل مدته ثم عزل فلم يلتفت إلى المنصب بعد ذلك واستمر في منزله بالصالحية معظما وكان عنده سخاء وحسن لقاء وإكرام لمن يرد عليه وتوفي بمكة المشرفة يوم الخميس ثالث شعبان ودفن بالمعلاة
وفيها القاضي شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن قدامة المقدسي الأصل الدمشقي الصالحي الحنبلي المشهور بابن زريق تقدم ذكر أسلافه وكان من أهل الفضل إماما عالما بارعا في الفرائض أذن له الشيخ تقي الدين بن قندس بالتدريس والإفتاء توفي في ثامن ذي الحجة بدمشق
وفيها المولى سنان الدين يوسف بن خضر بك بن جلال الدين الحنفي قال في الشقائق كان فاضلا كثير الاطلاع على العلوم عقلياتها وشرعياتها وكان ذكيا للغاية يتوقد ذكاءا وفطنة وكان لحدة ذهنه وقوة فطنته غل بعلى طبعه إيارد الشكوك والشبهات وقلما يلتفت إلى تحقيق المسائل حتى أن والده لامه على ذلك وقال له يوما وهو يأكل معه لحما بلغ بك الشك إلى مرتبة يمكن أن تشك في أن هذا الظرف من نحاس قال يمكن ذلك لأن للحواس أغاليط فغضب والده وضرب بالطبق رأسه ولما مات والده كان مناهزا للعشرين سنة فأعطاه السلطان محمد إحدى المدارس الثمان ثم أعطاه دار الحديث بأدرنة ثم جعله معلما لنفسه ومال إلى صحبته وكان لا يفارقه ولما جاء المولى على القوشجي أخذ عنه العلوم الرياضية ولازمه بإشارة من السلطان محمد وكتب حواش على شرح الجغميني لقاضي زاده ثم جعله السلطان محمد وزيرا في سنة خمس وسبعين ثم وقع بينه وبين السلطان أمر كان سببا لعزله وحبسه فاجتمع علماء البلدة وقالوا لا بد من إطلاقه وإلا نحرق كتبنا في الديوان العالي ونترك مملكتك فأخرج وسلم إليهم ولما سكنوا أعطاه قضاء سفري حصار مع مدرسته وأخرده في ذلك اليوم من قسطنطينية فلما وصل إلى أزنيق أرسل خلفه طبيبا وقال عالجه فإن عقله قد اختل فكان الطبيب المذكور 352 يدفع إليه كل يوم شربة ويضربه خمسين عصا فلما سمع المولى ابن حسام الدين بذلك أرسل إلى السلطان كتابا بأن ترفع عنه هذا الظلم أو أخرج من مملكتك فرفع عنه ذلك وذهب إلى سفري حصار وأقام بها بما لا يمكن شرحه من الكآبة والحزن ومات السلطان محمد وهو فيها فلما جلس السلطان بايزيد خان على سرير الملك أعطاه مدرسة دار الحديث بأدرنة وعين له كل يوم مائة درهم فكتب هناك حواش على مباحث الجواهر من شرح المواقف وأورده أسئلة كثيرة على السيد الشريف وله كتاب بالتركية في مناجاة الحق سبحانه وكتاب في مناقب الأولياء بالتركية أيضا وتوفي بأدرنة ولم يوجد في بيته حطب يسخن به الماء وذلك لفرط سخائه انتهى ملخصا
وفيها تقريبا المولى يعقوب باشا من المولى خضر بك بن جلال الدين الحنفي أخو المترجم قبله كان إماما عالما صالحا محققا صاحب أخلاق حميدة وكان مدرسا بسلطانية بروسا ثم صار مدرسا بإحدى الثمان ثم ولي قضاء برسة ومات وهو قاض بها وله حواش على شرح الوقاية لصدر الشريعة أورد فيها دقائق وأسئلة مع الإيجاز والتحرير وله غير ذلك رحمه الله تعالى
سنة اثنتين وتسعين ثومانمائة
فيها كان الغلاء المفرط
وفيها توفي القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي بن موسى الأبشيهي المحلي الشافعي الإمام العالم توفي بالرحبة في ذي القعدة
وفيها فخر الدين عثمان بن علي التليلي الحنبلي الإمام العلامة الخطيب أخذ الحديث عن الحافظ ابن حجر والفقه عن الشيخ عبد الرحمن أبي شعر وولي الإمامة والخطابة بجامع الحنابلة بصالحية دمشق مدة تزيد على ستين سنة وكان صالحا معتقدا توفي يوم الجمعة سابع عشرى شعبان ودفن بالروضة 353 وله سبع وتسعون سنة وكان لجنازته يوم مشهود
وفيها الشيخ مدين خليفة الأشموني الزاهد قال المناوي أصله من ذرية الشيخ أبي مدين فرحل من المغرب جده الأدنى وهو مغربي فقير فأقام بطبلاي بالمنوفية فولد له بها علي ودفن بطبلية ثم انتقل إلى أشمون فولد له بها مدين هذا فاشتغل بالعلم حتى صار يفتي ثم تحرك لطلب الطريق فخرج يطلب شيخا بمصر فوافق خروجه خروج الشيخ محمد الغمري يطلب مطلوبه فلقيهما رجل من أرباب الأحوال فقال اذهبا إلى أحمد الزاهد ففتحكما على يديه ولا تطلبا الأبواب الكبار يعني الشيخ محمد الحنفي فدخلا على الزاهد فلقيهما وأخلاهما ففتح على مدين في ثلاثة أيام وعلى الغمري بعد خمس عشرة سنة وكان صاحب الترجمة صاحب همة وله عز في الطريق وعزمه وكان له في التصوف يد طولي وإذا تكلم في الطريق بلغ المريد مراما وسؤلا انتفع به خلق كثير من العلماء والصلحاء والفقراء والفقهاء والأجناد وغيرهم وكانت له كرامات منها أنها مالت منارة زاويته فقيل له لا بد من هدمها فصعد مع المهندس وقال أرني محل الميل فأراه ذلك فألصق ظهره إليه فاستقام ومنها أن الحر يفيش جاءه بعد موت شيخه الغمري فوجده يتوضأ وعبد حبشي يصب عليه وآخر واقف بالمنيشفة فسأله عن نفسه لكونه لم ير عليه ملابس الفقراء بل الأكابر فقال أنا مدين قال فقلت في نفسي من غير لفظ لاذا بذاك ولا عتب على الزمن بفتح التاء فقال عتب بسكون التاء قال فقلت في سرى الله أكبر على نفسك الخبيثة أتيت لتزن على الفقراء أحوالهم بميزانك الخاسرة قال فتبت وعلمت أنه من الأولياء ومنها أنه لما ضاقت النفقة على السلطان جقمق أرسل يأخذ خاطره فأرسل له نصف عمود من معدن يثاقل به الفضة فجعل ثمنه في بيت المال واتسع الحال فقال السلطان الملوك حقيقة هؤلاء ومنها أنه أتاه رجل طعن في السن فقال أريد حفظ القرآن قال ادخل الخلوة واشتغل 354 بذكر الله تحفظه فدخل فأصبح يحفظه وكان لا يخرج من بيته إلا لصلاة أو بعد عصر كل يوم ولم يزل دأبه ذلك إلى أن حومت عليه المنية وعظمت على المسلمين الرذية فتوفي يوم الأربعاء تاسع ربيع الأول ودفن بزاويته انتهى ملخصا
وفيها جمال الدين يوسف بن محمد الكفرسبي الحنبلي الفقيه الصالح كان من أهل الفضل ومن أخصاء الشيخ علاء الدين المرداوي وقد أسند وصيته إليه عند موته وتوفي بدمشق رحمه الله تعالى
سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة
فيها توفي الملك المؤيد الشهاب أبو الفتح أحمد بن الملك الأشرف أبي النصر اينال العلائي الظاهري ثم الناصري وهو من ذرية الظاهر بيبرس ولي السلطنة بعهد من أبيه يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الاولى سنة خمس وستين وثمانمائة وتوفي والده بعد ذاك بيوم واحد ثم خلعه أتابكه خشقدم بعد خمسة أشهر وخمسة أيام واستمر خاملا إلى أن توفي في صفر عن سبع وخمسين سنة
وفيها المتوكل على الله أبو عمرو عثم بن الأمير محمد بن عبد العزيز أحمد الهنتاتي صاحب المغرب توفي ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان وقد جاوز السبعين
وفيها المولى مصلح الدين مصطفى بن يوسف بن صالح البرساوي الحنفي المعروف بخواجه زاده كان والده من التجار صاحب ثروة عظيمة وكان أولاده في غاية الرفاهية وعين للمترجم في شبابه كل يوم درهما واحدا وكان ذلك لاشتغاله بالعلم وتركه طريقة والده فإنه سخط عليه لذلك ثم دأب المترجم في الطلب واتصل بخدمة المولى ابن قاضي اياثلوغ فقرأ عنده الأصلين والمعاني 355 والبيان ثم وصل إلى خدمة خضر بك بن جلال وقرأ عليه علوما كثيرة وكان يكرمه إكراما عظيما وكان يقول إذا أشكلت عليه مسألة لتعرض على العقل السليم يريد به خواجه زاده ثم تنقل في المدارس مع الفقر الشديد وحفظ شرح المواقف ثم جعله السلطان محمد معلما لنفسه وقرأ عليه تصريف العزي للزنجاني في الصرف فكتب عليه حاشية نفيسة وتقرب عند السلطان غاية القرب إلى أن صار قاضيا للعسكر وكان والده وقتئذ في الحيف والاحتياج فسار إلى ولده من برسا إلى أدرنة وخرج ولده للقائه ومعه علماء البلد وأشرافه ونزل خواجه زاده له عن فرسه وعانقه وعمل له ولإخوته ضيافة عظيمة وجمع فيها العلماء والأكابر وجلس هو في صدر المجلس ووالده عنده وسائر الأكابر جلوس على قدر مراتبهم فلم يمكن إخوته الجلوس لازدحام الأكابر فقاموا مع الخدم بعد ما كانوا فيه من الرفاهية وما هو فيه من الفقر والاحتياج فسبحان المانح لا مانع لما أعطى ثم أن السلطان محمد أعطاه تدريس سلطانية برسا وعين له كل يوم خمسين درهما وهو إذ ذاك ابن ثلاث وثلاثين سنة ثم أعطاه مدرسته بقسطنطينية وصنف هناك هناك كتاب التهافت بأمر السلطان ثم استقضى بمدينة أدرنة ثم استفتى بمدينة قسطنطينية ثم أعطى بكرم من الوزير قضاء الزنيق وتدريسها فذهب إليها وترك القضاء وبقي على التدريس إلى أن مات السلطان محمد فأتى إلى قسطنطينية ثم أعطاه السلطان بايزيد سلطانية برسا وعين له كل يوم مائة درهم ثم أعطاه فتيا برسا وقد اختلت رجلاه ويده اليمنى فكان يكتب باليد اليسرى وكتب حاشية على شرح المواقف بأمر السلطان بايزيد إلى أثناء مباحث الوجود ثم توفاه الله تعالى وله أيضا حواش على شرح هداية الحكمة لمولانا زاده وشرح على الطوالع وحواش على التلويح وغير ذلك
وكان له ابنان اسم الكبير منهما شيخ محمد كان فاضلا عالما مدرسا باشر التداريس والقضاء وترك الكل ورغب في التصوف ثم ذهب مع بعض 356 العجم إلى بلاد العجم وتوفي هناك سنة اثنتين أو ثلاث وتسعمائة وكان محققا مدققا
واسم الأصغر منهما عبد الله كان صاحب ذكاء وفطنة ومشاركة حسنة وتوفي وهو شاب رحمهم الله تعالى
سنة أربع وتسعين وثمانمائة
فيها توفي الشريف أبو سعد بن بركات بن حسن بن عجلان صاحب الحجاز توفي في ربيع الثاني
وفيها الشيخ عبد الله المشهور بحاجي خليفة أصله من ولاية قصطموني واشتغل بالعلوم الظاهرة أولا فأتقنها ثم اتصل بخدمة الشيخ تاج الدين بن بخشى وحصل عنده طريقة الصوفية حتى أجازه بالإرشاد وأقامه مقامه بعد وفاته وكان جامعا للعلوم والمعارف متواضعا متخشعا صاحب أخلاق حميدة وآثار سعيدة مظهرا للخيارت والبركات صاحب كرامات مرجعا للعلماء والفضلاء مربيا للفقراء والصلحاء آية في الكرم والفتوى كثير البشرجميل الخلق والخلق وتوفي في سلخ جمادى الآخرة رحمه الله تعالى
وفيها المنصور عبد الوهاب بن داود صاحب اليمن توفي في جمادى الأولى
وفيها شمس الدين محمد بن شهاب الدين أحمد بن عز الدين عبد العزيز المرداوي الحنبلي الأصيل العريق سليل الأعلام كان من فضلاء الحنابلة بارعا في الفرائض مستحضرا في الفقه وأصوله والحديث والنحو حافظا لكتاب الله تعالى أذن له الشيخ تقي الدين بن قندس والشيخ علاء الدين المرداوي والبرهان بن مفلح بالافتاء والتدريس وولي القضاء ببلده مردامدة وتوفي بصالحية دمشق يوم الخميس ثالث عشر ذي القعدة ودفن بالروضة إلى جانب القاضي علاء الدين المرداوي من جهة القبلة
وفيها القاضي محب الدين أبو اليسر محمد بن الشيخ فتح الدين محمد بن الجليس 357 المصري الحنبلي ولد في حدود العشرين والثمانمائة ظنا وكان والده من أعيان الحنابلة بالقاهرة وكان هو من أخصاء القاضي بدر الدين البغدادي وكان في ابتداء أمره يتجر ثم احترف بالشهادة وجلس في خدمة نور الدين الشيشيني المتقدم ذكره وحفظ مختصر الخرقي وقرأ على العز الكناني وغيره وأذن له القاضي عز الدين المذكور في العقود والفسوخ ثم استخلفه في الحكم واستمر على ذلك إلى أن توفي في أحد الربيعين
وفيها المتوكل على الله يحيى بن محمد بن مسعود بن عثمان بن محمد صاحب المغرب توفي في رجب
سنة خمس وتسعين وثمانمائة
فيها توفي السيد أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد الحسيني الشيرازي الأيجي الإمام العالم توفي في جمادى الأولى عن إحدى وسبعين سنة
وفيها عبيد الله بن محمد المدعو حافظ عبيد الأبيوردي الإمام العلامة
وفيها قاضي القضاة عبد الرحمن بن الكازروني الحنبلي الإمام العلامة المقرىء المحدث كان من أهل العلم ومشايخ القراءة وله سند عال في الحديث الشريف ولي قضاء حماة مدة طويلة ووقع له العزل والولاية وكانت سيرته حسنة وللناس فيه اعتقاد توفي بحماة وقد جاوز الثمانين
وفيها أمين الدين أبو اليمن محمد بن محب الدين أبي اليسر محمد المنصوري المصري الحنبلي اشتغل في ابتداء أمره على الشيخ جمال الدين بن هشام واحترف بالشهادة وأذن له البدر البغدادي في العقود والفسوخ وكذا العز الكناني ثم فوض إليه نيابة الحكم فباشر في أيامه مدة طويلة ثم استمر على ما هو عليه 358 في أيام البدر السعدي وكان يباشر على أوقاف الحنابلة وعنده استحضار في الفقه وخطه حسن وله معرفة تامة بمصطلح القضاء والشهادة وكان يلازم مجالس الأمراء بالديار المصرية لفصل الحكومات وتوفي بالقاهرة في أواخر السنة
سنة ست وتسعين وثمانمائة
فيها توفي القاضي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن محمد بن عمر بن يوسف اللقاني المالكي الإمام العالم توفي في المحرم
وفيها العارف بالله تعالى الشيخ عبد الله الإلهي الصوفي الحنفي قال في الشقائق ولد بقصبة سماو من ولاية أناضولي واشتغل أول أمره بالعلوم وسكن مدة بقسطنطينية بمدرسة زيرك ولما ارتحل المولى على الطوسي إلى بلاد العجم ارتحل هو أيضا فلقيه بمدينة كرمان واشتغل عليه بالعلوم الظاهرة ثم غلبت عليه داعية الترك فقصد حرق كتبه أو إغراقها ولما كان في هذا التردد دخل عليه فقير وقال له بع الكتب وتصدق بثمنها إلا هذا الكتاب فإنه يهمك فإذا هو كتاب فيه رسائل المشايخ ففعل ذلك وذهب إلى سمرقند وخدم العارف بالله خواجه عبد الله السمرقندي وتلقن منه الذكر ثم ذهب بإشارة منه إلى بخارى واعتكف هناك عند قبر خواجه بهاء الدين النقشبندي وتربى بروحانيته ثم عاد إلى سمرقند وصحب خواجه عبيد ثم ذهب بإشارته إلى بلاد الروم فم رببلادة هراة وصحب المولى عبد الرحمن الجامي وغيره من مشايخ خراسان ثم أتى إلى وطنه واشتهر حاله في الآفاق واجتمعت عليه العلماء والطلاب ووصلوا إلى مآربهم وبلغ صيته إلى قسطنطينية وطلبه علماؤها وأكابرها فلم يلتفت إليهم إلى زمن السلطان محمد فظهرت الفتن في 359 وطنه فأتى قسطنطينية وسكن بجامع زيرك واجتمع عليه الأكابر والأعيان ثم لما تزاحم عليه الناس تشوش من ذلك وارتحل إلى ولاية رملي فتوفي هناك رحمه الله تعالى
وفيها المولى مصلح الدين مصطفى الشهير بابن وفاء الحنفي العارف بالله تعالى وكان يكتب على ظهر كتبه الفقير مصطفى بن أحمد الصدري القونوي المدعو بوفاء أخذ التصوف أولا عن الشيخ مصلح الدين المشتهر بإمام الدباغين ثم اتصل بأمر منه إلى خدمة الشيخ عبد اللطيف القدسي وأكمل عنده الطريق وأجازه بالإرشاد وكان صاحب الترجمة إماما عالما محققا جامعا بين علمي الظاهر والباطن له شأن عظيم من التصرفات الفائقة عارفا بعلم الوفق بليغا في الشعر والإنشاء خطيبا مصقعا منقطعا عن الناس لا يخرج إلا في أوقات معينة وإذا خرج ازدخم الأكابر وغيرهم عليه للتبرك لا يلتفت إلى أرباب الدنيا ويؤثر صحبة الفقراء عليهم قصد السلطان محمد وبعده السلطان أبو يزيد الاجتماع به فلم يرض بذلك توطن القسطنطينية وله بها زاوية وجامع ولما توفي حضر السلطان أبو يزيد في جنازته وأمر بكشف وجهه لينظر إليه اشتياقا إليه وتبركا به رحمهما الله تعالى
وفيها يعقوب بك بن حسن بك سلطان العراقين
سنة سبع وتسعين وثمانمائة
فيها كان الطاعون العام العجيب الذي لم يسمع بمثله حتى قيل أن ربع أهل الأرض ماتوا به
وفيها توفي صدر الدين عبد المنعم بن القاضي علاء الدين علي بن أبي بكر بن مفلح الحنبلي الإمام العلامة تقدم ذكر أسلافه وأخذ هو العلم عن والده وغيره وكان من أهل العلم والدين أفتى ودرس وأفاد بحلب وغيرها وكان 360 خيرا متواضعا لكنه لم يكن له حظ من الدنيا كوالده وتوفي بحلب في ربيع الآخر
سنة ثمان وتسعين وثمانمائة
فيها وقعت صاعقة بالمسجد النبوي قبيل ظهر يوم الأربعاء ثامن عشرى صفر أصابت المنارة الرئيسية بحيث تفطرت خودة هلالها وسقط جانب دورها السفلى
وكان فيها الطاعون العجيب ببرسا واحترق نحو نصفها أيضا
وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن أبي بكر الشنويهي ثم المصري الحنبلي العدل كان إماما عالما حفظ القرآن العظيم ومختصر الخرقي والعمدة للموفق وكان من أخصاء القاضي بدر الدين البغدادي وإمامه وله رواية في الحديث وأخذ عنه العلامة غرس الدين الجعبري شيخ حرم سيدنا الخليل وذكره في أول معجم شيوخه واحترف بالشهادة أكثر من ستين سنة لم يضبط عليه ما يشينه وتوفي بالقاهرة يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان وقد جاوز الثمانين
وفيها برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن بن حسين بن حسن المدني الشافعي المعروف بابن القطان الإمام العالم توفي في ذي القعدة عن تسع وسبعين سنة
وفيها الإمام العارف بالله تعالى عبد الرحمن بن أحمد الجامي ولد بجام من قصبات خراسان واشتغل بالعلوم العقلية والشرعية فأتقنها ثم صحب مشايخ الصوفية وتلقن الذكر من الشيخ سعد الدين كاشغري وصحب خواجه عبيد الله السمرقندي وانتسب إليه أتم الانتساب وكان يذكر في كثير من 361 تصانيفه أوصاف خواجه عبيد الله ويذكر محبته له وكان مشتهرا بالفضائل وبلغ صيت فضله الآفاق وسارت بعلومه الركبان حتى دعاه السلطان بايزيد خان إلى مملكته وأرسل إليه جوائز سنية فكان يحكي من أوصلها أنه تجهز للسفر وسافر من خراسان إلى همذان ثم قال للذي أوصل الجائزة أني امتثلت أمره الشريف حتى وصلت إلى همذان والآن أتشبث بذيل الاعتذار وأرجو العفو منه أني لا أقدر على الدخول إلى البلاد الروم لما أسمع فيها من الطاعون وكان رحمه الله تعالى أعجوبة دهره علما وعملا وأدبا وشعرا وله مؤلفات جمة منها شرح فصوص الحكم لابن عربي وشرح الكافية لابن الحاجب وهو أحسن شروحها وكتب على أوائل القرآن العظيم تفسيرا أبرز فيه بعضا من بطون القرآن العظيم وغوامضه وله كتاب شواهد النبوة بالفارسية وكتاب نفحات الأنس بالفارسية أيضا وكتاب سليلة الذهب حط فيه على الرافضة وكتاب الدرة الفاخرة وتسميه أهل اليمن حط رحلك إشارة إلى أنه كتاب تحط الرحال عنده ورسالة في المعمى والعروض والقافية وله غير ذلك وكل تصانيفه مقبولة وتوفي بهراة وجاء تاريخ وفاته (
ومن دخله كان آمنا ) ولما توجهت الطائفة الطاغية الأردبيلية إلى خراسان أخذ ابنه ميتته من قبره ودفنه في ولاية أخرى فأتت الطائفة المذكورة إلى قبره وفتشوه فلم يجدوا جسده فأحرقوا ما فيه من الأخشاب
وفيها قاضي القضاة محي الدين أبو صالح عبد القادر بن قاضي القضاة سراج الدين أبي المكارم عبد اللطيف بن محمد الحسيني الفاسي الأصل المكي الحنبلي الشريف الحسيب النسيب الإمام العالم العلامة المقرىء المحدث ولد غروب شمس يوم الثلاثاء سادس عشرى شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة بمكة المشرفة وحفظ بها القرآن العظيم وصلى به بمقام الحنابلة التراويح وحفظ قطعة من محرر ابن عبد الهادي والشاطبية ومختصر ابن 362 الحاجب الأصلي وكافيته وتلخيص المفتاح وتلا بالروايات السبع على الشيخ عمر الحموي البخاري نزيل مكة وأخذ الفقه عن العز الكناني والعلاء المرداوي وأذن له في الافتاء والتدريس والأصول عن الأمين الأقصراني الحنفي والتقي الحصني وأذنا له وأخذ عن الأخير المعاني والبيان والعربية وأصول الدين وسمع الحديث على أبي الفتح المراغي والتقي بن فهد والشهاب الزفتاري وأجاز له والده وعمته أم الهدى وقريبه عبد اللطيف بن أبي السرور وزينب ابنة اليافعي وأبو المعالي الصالحي المكيون ومن أهل المدينة الشريفة المحب الطبري وعبد الله بن فرحون والشهاب المحلى ومن القاهرة ابن حجر والمحب بن نصر الله والتقى المقريزي والزين الزركشي والعز بن الفرات وسارة بنت عمر بن جماعة والعلاء بن بردس وأبو جعفر ابن العجمي في آخرين ورحل في الطلب وجد واجتهد ثم أقام بمكة للاشغال وولي قضاء الحنابلة بها سنة ثلاث وستين ثم أضيف إليه قضاء المدينة سنة خمس وستين ودرس بالمسجد الحرام وغيره وحدث وأفتى ونظم وأنشأ وكان له ذكاء مفرط وكثرة عبادة وصوم وحسن قراءة وطيب نغمة فيها وكان يزور النبي في كل عام وزار بيت المقدس والخليل وباشر القضاء أحسن مباشرة بعفة وصيانة ونزاهة وورع مع التواضع ولين الجانب وتوجه إلى المدينة الشريفة للزيارة على عادته فأدركته المنية بها في يوم الجمعة النصف من شعبان وصلى عليه بمسجد النبي ودفن بالبقيع
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن علي بن أحمد بن محمد بن سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الصالحي الحنبلي الشيخ الصالح الخطيب المسند المعمر الأصل ولد بصالحية دمشق عشية عيد الفطر سنة خمس وثمانمائة واشتغل بالعلم وفضل وتميز وأفتى ودرس وحدث وباشر نيابة الحكم بالديار المصرية وبالمملكة 363 الشامية وكان له وجاهة عند الناس وتوفي بالقاهرة في يوم الأربعاء خامس عشرى ذي القعدة وله أربع وتسعون سنة
وفيها المولى سنان الدين يوسف المعروف بقول سنان الحنفي قال في الشقائق كان من عبيد بعض وزراء السلطان مردا وقرأ في صغره مباني العلوم واشتغل على علماء عصره ثم وصل إلى خدمة المولى على القوشجي ثم تنقل في المدارس حتى صار مدرسا بإحدى الثمان وعين له كل يوم ثمانون درهما وكان كثير الاشتغال بالعلم نشرا وإفادة وتصنيفا وصنف شرحا للرسالة الفتحية في الهيئة لأستاذه على القوشجي وهو شرح نافع للغاية وعلق حواشي على مشكلات البيضاوي من أوله إلى آخره وحشى غيره من الكتب رحمه الله تعالى
سنة تسع وتسعين وثمانمائة
فيها تقريبا توفي إسماعيل بن محمد بن عيسى البرلسي المغربي الفاسي المالكي المعروف بزروق الإمام العلامة الصوفي قال المناوي في طبقاته عابد من بحر العبر يغترف وعالم بالولاية متصف تحلى بعقود القناعة والعفاف وبرع في معرفة الفقه والتصوف والأصول والخلاف خطبته الدنيا فخاطب سواها وعرضت عليه المناصب فردها وأباها ولد سنة ست وأربعين وثمانمائة ومات أبوه قبل تمام أسبوعه فنشأ يتيما وحفظ القرآن العظيم وعدة كتب وأخذ التصوف عن القوري وغيره وارتحل إلى مصر فحج وجاور بالمدينة وأقام بالقاهرة نحو سنة واشتغل بها في العربية والأصول على الجوجري وغيره وأخذ الحديث عن السخاوي ثم غلب عليه التصوف فكتب على الحكم نيفا وثلاثين شرحا وعلى القرطبية في شرح المالكية وعلى رسالة ابن أبي زيد القيرواني عدة شروح كلها مفيدة نافعة وعمل فصل السالمي 364 أرجوزة وشرح كتاب صدور الترتيب لشيخه الحضرمي بن عقبة وشرح حزب البحر للشاذلي وشرح الأسماء الحسني جمع فيه بين طريقة علماء الظاهر والباطن وكتاب قواعد الصوفية وأجاده جدا ومن كلامه المؤمن يلتمس المعاذير والمنافق يتتبع المعايب والمعاثير والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه وقال مقام النبوة معصوم من الجهل بمولاه في كل حال من أول شئونه إلى أبد الآبدين وقال ما اتفق اثنان قط في شيء واحد من جميع الوجوه وإن اتفقا في أصل الأمر أو فروعه أو بعض جهاته ولذلك قالوا الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق وقال كل علم بلا عمل وسيلة بلا غاية وعمل بلا علم جهالة انتهى ملخصا
وفيها القاضي تقي الدين أبو بكر بن شمس الدين محمد العجلوني الحنبلي المشهور بابن البيدق كان من أهل الفضل وأعيان الحنابلة بدمشق أخذ العلم عن ابن قندس والعلاء المرداوي والبرهان بن مفلح وناب في الحكم بدمشق وأفتى وكانت سيرته حسنة وتوفي يوم الجمعة ثالث ذي الحجة
وفيها المولى قاسم الشهير بقاضي زاده الحنفي الإمام العالم كان أبوه قاضيا بقسطموني ونشأ ولده نشأة حسنة واشتغل بالعلم والعبادة واتصل إلى خدمة خضر بك بن جلال الدين وحصل عنده علوما كثيرة وتنقل في المدارس إلى أن صار قاضيا ببرسا فحمدت سيرته ثم أعيد إلى إحدى المدارس الثمان ثم ولي برسا ثانيا وتوفي قاضيا بها وكان مشتغلا بالعلم ذكي الطبع جيد القريحة متصفا بالأخلاق الحميدة صحيح العقيدة سليم النفس له يد طولى في العلوم الرياضية رحمه الله تعالى
وفيها المولى محي الدين الشهير بأخوين الحنفي الإمام العالم قرأ على علماء عصره وتنقل في المدارس حتى صار مدرسا بإحدى الثمان وكان من أعيان العلماء له حاشية على شرح التجريد للشريف الجرجاني ورسالة في أحكام 365 الزنديق ورسالة في شرح الربع المجيب رحمه الله تعالى
وفيها تقريبا المولى يوسف بن حسين الكرماستي الحنفي الإمام العلامة قرأ على خواجه زاده وبرع في العلوم العربية والشرعية وتنقل في المدارس وصار قاضيا بمدينة برسا ثم بمدينة قسطنطينية وكان في قضائه مرضى السيرة محمود الطريقة سيفا من سيوف الله لا يخاف في الله لومة لائم ومن مصنفاته خاشية على المطول وشرح الوقاية والوجيز في أصول الفقه وكتاب في علم المعاني توفي بمدينة القسطنطينية ودفن بجانب مكتبه الذي بناه عند جامع السلطان محمد
سنة تسعمائة
فيها توفي برهان الدين الناجي إبراهيم بن محمد بن محمود بن بدر الحلبي القبيباتي الشافعي الإمام العالم توفي بدمشق عن أزيد من تسعين سنة
وفيها عبد الرحمن بن حسين بن محمد الدميري الشافعي الإمام العالم توفي في ربيع الثاني عن خمس وسبعين سنة
وفيها قاضي القضاة علاء الدين أبو الحسن علي بن شمس الدين محمد بن العطار الشيبي الحموي الحنبلي المشهور بابن ادريس كان إماما علامة له سند عال في الحديث ناب في القضاء بحماة مدة ثم ولي قضاء طرابلس نيفا وعشرين سنة وكانت له معرفة بطرق الأحكام ومصطلح الزمان وتوفي بطرابلس وقد جاوز الثمانين
وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن البهاء البغدادي الحنبلي الإمام العلامة الفقيه المحدث ولد سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة تقريبا في جهة العراق 366 وقدم من بلاده إلى مدرسة شيخ الإسلام أبي عمر بصالحية دمشق في سنة سبع وثلاثين وأخذ الحديث عن الأمين الكركي والشمس بن الطحان وابن ناظر الصاحبة وأخذ العلم عن الشيخ تقي الدين بن قندس والنظام والبرهان ابني مفلح وصار من أعيان الحنابلة أفتى ودرس وصنف كتاب فتح الملك العزيز بشرح الوجيز في خمس مجلدات وتوجه إلى القاهرة فاجتمع عليه حنابلتها وقرأوا عليه وأجاز بعضهم بالافتاء والتدريس وزار بيت المقدس والخليل عليه السلام وباشر نيابة القضاء بدمشق وكان معتقدا عند أهلها وأكابرها ورعا متواضعا على طريقة السلف وتوفي بها يوم السبت ثالث عشرى جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون
وفيها القاضي ناصر الدين أبو البقاء محمد بن القاضي عماد الدين أبي بكر بن زين الدين عبد الرحمن المعروف بابن زريق الصالحي الحنبلي الإمام العالم المحدث تقدم ذكر أسلافه ولد بصالحية دمشق في شوال سنة اثنتي عشرة وثمانمائة وهو من ذرية شيخ الإسلام أبي عمر قرأ على علماء عصره وبرع ومهر وأفاد وعلم وروى عنه خلق من الأعيان وكان منور الشيبة شكلا حسنا على طريقة السلف الصالح وولي النظر على مدرسة جده أبي عمر مدة طويلة وناب في الحكم ثم تنزه عن ذلك وتوفي بالصالحية عشية يوم السبت تاسع جمادى الآخرة
وفيها القاضي شمس الدين محمد بن عمر الدورسي الحنبلي الإمام العالم كان من أصحاب البرهان بن مفلح وباش رعنده نيابة الحكم مدة ولايته وكانت نيفا وثلاثين سنة ثم باشر عند ولده نجم الدين ثم فوض إليه الحكم في آخر عمره واستمر إلى أن توفي
وفيها بدر الدين أبو المعالي قاضي القضاة محمد بن ناصر الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن خالد بن إبراهيم السعدي المصري الحنبلي شيخ الإسلام 367 الإمام العلامة الرحلة ولد بالقاهرة سنة خمس أو ست وثلاثين وثمانمائة وسمع على الحافظ ابن حجر وغيره واشتغل في الفقه على عالم الحنابلة جمال الدين ابن هشام ولازمه ثم لازم العز الكناني وجد واجتهد وقرأ كثيرا من العلوم وحققها وحصل أنواعا من الفنون وأتقنها وبرع في المذهب وصار من أعيانه وأخذ عن علماء الديار المصرية وغيرهم ممن ورد إلى القاهرة وأتقن العربية وغيرها من العلوم الشرعية والعقلية وتميز وفاق أقرانه ولزم خدمة شيخه القاضي عز الدين وفضل عليه فاستخلفه في الأحكام الشرعية وهو شاب ابن خمس وعشرين سنة أو نحوها وأذن له في الافتاء والتدريس وشهد بأهليته وندبه للوقائع المهمة والأمور المشكلة فساد على أبناء جنسه وعظم أمره وعلا شأنه واشتهر صيته وأفتى ودرس وحج إلى بيت الله الحرام وقرأ على القاضي علاء الدين المرداوي لما توجه إلى القاهرة كتابه الانصاف وغيره ولازمه فشهد بفضله وأذن له بالافتاء والتدريس أيضا ولم يزل أمره في ازدياد وعلمه في اجتهاد وباشر نيابة الحكم أكثر من خمس عشرة سنة وصار مفتي دار العدل وكانت مباشرته بعفة ونزاهة ثم ولي قضاء القضاة بالديار المصرية بعد موت شيخه العز الكناني فحصل بتوليته الجمال لممالك الإسلام وسلك أحسن الطرق من النزاهة والعفة حتى في قبول الهدية وصنف مناسك الحج على الصحيح من المذهب وهو كتاب في غاية الحسن وبالجملة فقد كان آية باهرة من حسنات الدهر ذكره تلميذه العليمي في طبقاته وهو آخر من ذكرهم فيها إلا أنه قال توفي فجألة ليلة الثلاثاء ثالث ذي القعدة والله أعلم
تم بحمد الله تعالى وحسن توفيقه الجزء السابع من شذرات الذهب ويليه الجزء الثامن وهو الأخير وأوله
سنة إحدى وتسعمائة
1 8 بسم الله الرحمن الرحيم
سنة إحدى وتسعمائة
فيها قدم إلى مدينة زبيد بكتاب فتح الباري شرح البخاري للحافظ ابن حجر من البلد الحرام وهو أول دخوله اليمن كان سلطان اليمن عامر أرسل لاشترائه فاشترى له بمال جزيل وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن شيخ الإسلام برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحيم الأنصاري المحاملي المقدسي الشافعي ولد في سنة ست وأربعين وثمانمائة واشتغل في العلم على والده والكمال ابن أبي شريف وغيرهما وباشر نيابة الحكم بالقدس في حياة والده وكان خيرا متواضعا توفي في حدود هذه السنة بالقدس
وفي حدودها أيضا شهاب الدين أحمد بن عثمان الشهير بمنلا زادة السمرقندي الخطابي نسبة إلى الخطاب جد الشافعي كان إماما علامة فقيها مقرئا عالي السند في القراءات بينه وبين الشاطبي أربعة رجال ودخل بلاد العرب وحلب ودمشق وأخذ عنه أهلها وله مؤلفات عديدة منها كتاب جمع فيه من الهداية والمحرر وشرح هداية الحكمة قال النجم الغزي في الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة أخذ عنه شيخ الإسلام الجد وقرأ عليه المتوسط وشرح الشمسية وغيرهما وأخذ عنه السيوفي مفتي حلب تفسير البيضاوي وأثنى عليه وكان يخبر عنه أنه كان يقول عجبت لمن يحفظ شيئا كيف ينساه انتهى وفيها شهاب الدين أبو المكارم أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الشهير بالشارعي المالكي المصري نزيل دمشق القاضي ولد في ثاني عشر ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وثمانمائة بالشارع الأعظم قرب باب زويلة وتوفي 3 بدمشق ليلة الخميس ثاني عشر ربيع الأول وفي حدودها أحمد بن يوسف المقري المالكي المغربي الشيخ العارف بالله تعالى أحد رجال المغرب وأوليائها من أصحابه سيدي أحمد البيطار وفيها إسمعيل بن عبد الله الصالحي الشيخ الصالح الموله جف دماغه بسبب كثرة التلاوة للقرآن في مدرسة الشيخ أبي عمر فزال عقله وقيل عشق فعف وكان في جذبه كثير التلاوة ويتكلم بكلمات حسنة وللناس جميعا فيه اعتقاد زائد وكان يلازم الجامع الجديد وجامع الأفرم بالصالحية قال ابن طولون أنشدني
( إذا المرء عوفي في جسمه
وملكه الله قلبا قنوعا )
( وألقى المطامع عن نفسه
فذاك الغنى وإن مات جوعا )
توفي تاسع عشر رمضان وفيها عماد الدين إسمعيل بن محمد بن علي العلامة الشافعي السيوفي الشهير بخطيب جامع السقيفة بباب توما بدمشق ولد في مستهل ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة وحفظ التنبيه ومنهاج البيضاوي والشاطبية وعرض على التقي الحريري والبرهان الباعوني والعلاء البخاري وسمع على الخردفوشي وابن بردس وابن الطحان وغيرهم وجلس في أول أمره بمركز الشهود وخط ببجامع السقيفة
وهو والد العلامة شمس الدين الشهير بابن خطيب السقيفة بينه وبينه في السن إحدى عشرة سنة لا تزيد ولا تنقص وتوفي ولده قبله سنة سبع وتسعين وثمانمائة وتوفي المترجم بدمشق يوم الخميس ثاني عشرى ربيع الأول ودفن عند ولده جوار الشيخ أرسلان
وفي حدودها المولى حسام العالم الرومي الحنفي المعروف بابن الدلال كان خطيبا بجامع السلطان محمد خان بقسطنطينية وكان ماهرا في العربية والقراآت حسن الصوت حسن التلاوة وفيها بدر الدين حسن بن أحمد الكبيسي ثم الحلبي الشيخ الصالح سمع ثلاثة أحاديث بقراءة الشيخ أبي بكر الحبشي 4 على الشيخ محمد بن مقبل الحلبي وأجاز لهما وكان معتقدا شديد الحرص على مجالس العلم والذكر قال الزين بن الشماع لم تر عيني مثله في ضبطه للسانه وتمسكه بالشريعة وقال ابن الحنبلي لم يضبط عنه أنه حلف يوما على نفي ولا اثبات وفيها المولى حسن بن عبد الصمد الساموني قال في الشقائق كان عالما فاضلا محبا للفقراء والمساكين ومريد المشايخ المتصوفة قرأ على علماء الروم ثم وصل إلى خدمة المولى خسرو وحصل جميع العلوم أصليها وفرعيها وعقليها وشرعيها ثم صار مدرسا ببعض المدارس ثم انتقل إلى إحدى المدارس الثمان ثم صار معلما للسلطان محمد خان ثم جعله قاضيا بالعسكر المنصور ثم قاضيا بمدينة قسطنطينية وكان مرضي المسيرة محمود الطريقة في قضائه سليم الطبع قوي الإسلام متشرعا متورعا كتب بخطه كثيرا وله حواش على المقدمات الأربع وحواش على شرح المختصر انتهى
وفي حدودها المولى حسن جلبي بن محمد شاه الفناري كان عالما فاضلا قسم أيامه بين العلم والعبادة يلبس الثياب الخشنة ولا يركب دابة متواضعا رحل إلى مصر فقرأ هناك صحيح البخاري على بعض تلامذة ابن حجر وأجازه وقرأ مغنى اللبيب قراءة بحث وإتقان وحج وأتى بلاد الروم وباشر إحدى المدارس الثمان ومن مصنفاته حواشيه على التلويح وحاشية المطول وحواش على شرح المواقف للسيد الشريف كلها مقبولة متداولة رحمه الله تعالى
وفيها تقريبا أبو الوفاء خليل بن أبي الصفا إبراهيم بن عبد الله الصالحي الحنفي المحدث ولد سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة وأخذ عن الحافظ ابن حجر والسعد الديري والعيني والقاياتي والعلم البلقيني وغيرهم وأجاز لابن طولون والكفرسوسي وابن شكم وغيرهم ثم أجاز لمن أدرك حياته رحمه الله تعالى
وفيها أبو زيد عبد الرحمن بن علي بن صالح المكودي نسبا الفاسي المكي شارح الألفية والأجرومية وفي حدودها المولى عبد الكريم بن 5 عبد الله الرومي الحنفي العالم الفاضل المشهور كان من الأرقاء ثم من الله عليه بالعتق وجد في طلب العلم وحصل فنونا عدة وفضائل جمة وقرأ على المولى الطوسي والمولى سنان العجمي تلميذ المولى محمد شاه الفناري ثم صار مدرسا ببعض المدارس الثمان التي بناها محمد خان عند فتح قسطنطينية ثم ولي قضاء العسكر ثم صار مفتيا زمن السلطان محمد المذكور واستمر بها إلى أن مات وله حواش على أوائل التلويح رحمه الله تعالى
وفيها قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن العلامة شهاب الدين أحمد بن محمد بن عرب شاه الحنفي ولد سنة ثلاث عشرة وثمانمائة وكان في ابتداء أمره شاهدا وبلغ في صناعة الشهادة غاية الدهاء وكان فقيرا فحصلت له ثروة وجاه ونظم في مذهب الحنفية كتابا كبيرا ثم ولي قضاء قضاة دمشق في رجب سنة اربع وثمانين ثم عزل في شوال سنة خمس ثم سافر إلى مصر فولي مشيخة الصرغتمشية بها إلى أن توفي في خامس عشر رجب بها
وفيها المولى علاء الدين علي العربي العالم الفاضل كان أصله من نواحي حلب وقرأ على علماء حلب ثم قدم إلى بلاد الروم وقرأ على المولى الكوراني قال في الشقائق حكى الوالد رحمه الله تعالى أنه قال له المولى الكوراني يوما أنت عندي بمنزلة السيد الشريف عند مبارك شاه المنطقي وقص عليهما قصتهما ثم اتصل العربي بخدمة المولى خضر بك جلال الدين وحصل عنده علوما كثيرة ثم صار معيدا بمدرسة دار الحديث بأدرنة وصنف هناك حواشي شرح العقائد ثم تنقل في المدارس إلى أن تولى مدرسة ببلده مغنيسا فاشتغل هناك بالعلم غاية الاشتغال واشتغل أيضا بطريقة التصوف فجمع بين رياستي العلم والعمل ويحكى عنه أنه سكن فوق جبل هناك في أيام الصيف فزاره يوما رجل من أئمة بعض القرى فقال المترجم أني أجد منك رائحة النجاسة ففتش الإمام ثيابه فلم يجد شيئا فلما أراد أن يجلس سقط من 6 حضنه رسالة هي واردات الشيخ بدر الدين بن قاضي سماوة فنظر فيها المولى المذكور فوجد فيها ما يخالف الاجماع فقال كان الريح المذكور لهذه الرسالة وأمر بإحراقها وكان يختلي خلوات أربعينيات ثم صار مفتيا بقسطنطينية إلى أن مات بها وكان رجلا عالما علامة سيما بالتفسير طويلا عظيم اللحية قوي المزاج جدا حتى كان يجلس للدرس في أيام الشتاء مكشوف الرأس وكان له ذكر قلبي يسمع من بعد وربما يغلب صوت قلبه على صوته وله حواش على المقدمات الأربع وهو أول من حشى عليها انتهى ملخصا
وفيها علاء الدين علي بن علي بن يوسف بن خليل النووي ثم الدمشقي الشافعي الإمام العلامة ولد في حادي عشر شوال سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة واشتغل في العلم فبرع ودرس وأفتى وكان يتكسب بالشهادة في مركز باب الشامية البرانية خارج دمشق وتوفي ليلة الخميس عاشر صفر ودفن بمقبرة النخلة غربي سوق صاروجا وفيها المولى قاسم البغدادي الكرماني ثم القسطنطيني العالم الفاضل الحنفي ابن أخت المولى شيخي الشاعر الحنفي أحدموا إلى الروم اشتغل في العلم واتصل بخدمة الولي عبد الكريم ثم صار مدرسا ببلدة أماسية ثم بمدرسة أبي أيوب الأنصاري ثم بإحدى المدارس الثمان وكان ذكيا سليم القلب وافر العقل يدرس كل يوم سطرين أو ثلاثة ويتكلم عليها بجميع ما يمكن إيراده من نحو وصرف ومعان وبيان ومنطق وأصول مع رفع جميع ما أشكل على الطلبة على أحسن الوجوه وألطفها وله حواش على شرح المواقف وأجوبة عن السبع الشداد التي علقها المولى لطفي واستعار لطيفة تركية وفارسية رحمه الله
وفيها السلطان أبو النصر قايتباي الملك الأشرف الجركسي الظاهري نسبة إلى ظاهر جقمق الحادي والأربعون من ملوك الترك والسادس عشر من الجراكسة ولد سنة ست وعشرين وثمانمائة ثم اتصل بالملك الظاهر فأعتقه 7 ولم يزل عنده يترقى من مرتبة إلى مرتبة إلى أن آل أمره إلى أن بويع له بالسلطنة يوم الإثنين سادس رجب سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة ولم يكن له في زمنه مناع ولا مدافع وسار في الناس السيرة الحميدة واجتهد في بناء المشاعر العظام وكان له في الشيخ عبد القادر الدشطوتي غاية الاعتقاد وكان يتولى تربيته وارشاده كلما مر عليه ويمتثل هو أمره وربما نزل إليه فقبل يديه وقال له الشيخ يوما والذباب منعكف عليه يا قايتباي قل لهذا الذباب يذهب عني فحار وقال له يا سيدي كيف يسمع الذباب مني فقال كيف تكون سلطانا ولا يسمع الذباب منك ثم قال الشيخ يا ذباب اذهب عني فلم تبق عليه ذبابة وكان قايتباي محتاطا في الوظائف الدينية كالقضاء والمشيخة والتدريس لا يولي شيئا من ذلك إلا الأصلح بعد التروي والتفحص قال ابن العيدروس في كتابه النور السافر عن أعيان القرن العاشر وقع له في بناء المشاعر العظام ما لم يقع لغيره من الملوك كعمارة مسجد الخيف بمنى وحفر بمنمرة صهريجا ذرعه عشرون ذراعا وعمر بركة خليص وأجرى العين الطيبة إليها وأصلح المسجد الذي هناك وأجرى عين عرفة بعد انقطاعها أزيد من قرن وعمر سقاية سيدنا العباس وأصلح بئر زمزم والمقام وجهز في سنة تسع وسبعين للمسجد منبرا عظيما وكان يرسل للكعبة الشريفة كسوة فائقة جدا في كل سنة وأنشأ بجانب المسجد الحرام مدرسة عظيمة وبجانبها رباطا مع إجراء الخيرات لأهلها كل يوم وسبيلا عظيما للخاص والعام ومكتبا للأيتام وكذا أنشأ بالمدينة النبوية مدرسة بديعة بل بنى المسجد الشريف بعد الحريق وعمل ببيت المقدس مدرسة كبيرة وقال النجم الغزي في كتابه الكواكب السائرة بمناقب أعيان المائة العاشرة كان بين السلطان قايتباي وبين الجد رحمه الله غاية الاتحاد ولكل منهما في الآخر مزيد الاعتقاد وكان الجد يقطع له بالولاية وكتب ديوانا لطيفا من نظمه وإنشائه في منابه ومآثره سماه بالدرة المضية في المآثر الأشرفية وذكر فيه أن بعض 8 أولياء الله تعالى أظهره على مقام الملك الأشرف قايتباي في الولابة اجتمع الجد بالولي المذكور في حجر إسمعيل وقت السحر فعرفه بمقامه وأمره باعتقاده ونظم في مآثره وعمايره قصيدة رائية ضمنها الديوان المذكور فمنها أنه عمر حصنا بالأسكندرية ومدرسة بالقرب منه وحصن ثغر دمياط وحصونا برشيد ورم الجامع الأموي بدمشق وعمر بغزة مدرسة وجامعا بالصالحية المعزية وجامع الروضة وجامع الكبش وتربة بصحراء مصر وقبة الإمام في مآثر أخرى ولم ينتقد عليه أحد عظيم أمر سوى ما كان من أمره بإعادة كنيسة اليهود بالقدس الشريف بعد هدمها وعقوبته لعالم القدس البرهان الأنصاري وقاضيها الشهاب بن عبية وغيرهم بسبب هدم الكنيسة حتى حملوا إليه وضرب بعضهم بين يديه وقد شنع ابن عبية عليه في ذلك وبالغ في حقه وهو تحامل منه بسبب تعزيره له وقال السخاوي وبالجملة فلم يجتمع لملك ممن أدركناه ما اجتمع له ولا حوى من الحذق والذكاء والمحاسن مجمل ما اشتمل عليه ولا مفصله وربما مدحه الشعراء ولا يلتفت إلى ذلك ويقول لو اشتغل بالمديح النبوي كان أعظم وترجمته تحتمل مجلدات قال وله تهجد وتعبد وأوراد وأذكار وتعفف وبكاء من خشية الله تعالى وميل لذوي الهيئات الحسنة ومطالعة في كتب العلم والرقائق وسير الخلفاء والملوك والاعتقاد فيم يثبت عنده صلاحه من العلماء والصلحاء وتكرر توجهه لبيت المقدس والخليل وثغور دمياط والأسكندرية ورشيد وأزال كثيرا من الظلامات الحادثات وحج في طائفة قليلة سنة أربع وثمانين ووهب وتصدق وأظهر من التواضع والخشوع في الطواف والعبادة ما عد من حسناته وأنفق أموالا عظيمة في غزو الكفار ورباط الثغور وحفظ الأمصار رحمه الله انتهى وقال الشيخ مرعي في كتابه نزهة الناظرين وأخبار الماضين كان ملكا جليلا وسلطانا نبيلا وله اليد الطولى في الخيرات والطول الكامل في إسداء المبرات وكانت 9 أيامه كالطراز المذهب وهو عقد ملوك الجراكسة وأطولهم مدة وأقام في السلطنة تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر وعشرين يوما وتوفي آخر نهار الأحد سابع عشر ذي القعدة ودفن يوم الإثنين بقبة بناها بتربة الصحراء شرقي القاهرة وقبره ظاهر يزار وتولى ولده الناصر محمد أبو السعادات قبل موته بيوم وهو في سن البلوغ فأقام ستة أشهر ويومين ثم خلع في ثامن عشرى جمادى الأولى بعد هبوت عجزه عن السلطنة
وفيها المولى محي الدين محمد بن إبراهيم بن حسن النكشاري الرومي الحنفي الإمام العالم كان عالما بالعربية والعلوم الشرعيبة والعقلية ماهرا في علوم الرياضة أخذ عن المولى فتح الله الشرواني وقرأ على الحسام التوقاتي والمولى يوسف بالي بن محمد الفناري والمولى يكان وكان حافظا للقرآن العظيم عارفا بالقراآت ماهرا في التفسير يذكر الناس كل جمعة تارة بأياصوفيا وتارة بجامع السلطان محمد وكان سحن الأخلاق قنوعا راضيا بالقليل من العيش مشتغلا بإصلاح نفسه منقطعا إلى الله تعالى صنف تفسير سورة الدخان وكتب حواش على تفسير القاضي البيضاوي وحاشية على شرح الوقاية لصدر الشريعة ولما آن أوان القضاء مدته ختم التفسير في أياصوفيا ثم قال أيها الناس إني سألت الله تعالى أن يمهلني إلى ختم القرآن العظيم فلعل الله تعالى يختم لي بالخير والإيمان ودعا فأمن الناس على دعائه ثم أتى بيته بالقسطنطينية فمرض وتوفي
وفيها المولى محي الدين محمد بن إبراهيم الرومي الحنفي الشهير بابن الخطيب العالم العلامة كان من مشاهير موالي الروم قرأ على والده المولى تاج الدين وعلى العلامة على الطوسي والمولى خضر بك وتولى المناصب وترقى فيها حتى جعله السلطان محمد بن عثمان معلما لنفسه وألف حواش على شرح التجريد للسيد الشريف وحواش على حاشية الكشاف للسيد أيضا وغير ذلك
وفيها قاضي القضاة شيخ الإسلام نجم الدين أبو البقاء محمد بن برهان 10 الدين إبراهيم بن جمال الدين عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الله بن علي بن جماعة الكناني المقدسي الشافعي ولد في أواخر صفر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة بالقدس الشريف ونشأ به واشتغل في صغره بالعلم على جده وغيره وأذن له تقي الدين بن قاضي شهبة بالافتاء والتدريس مشافهة حين قدم إلى القدس وتعين في حياة والده وجده وولي تدريس الصلاحية عن جده فباشره أحسن مباشرة وحضره الأعيان وجمع له في صفر سنة اثنتين وسبعين بين قضاء القضاة وتدريس الصلاحية وخطابة الأقصى ولم يلتمس على القضاء ولا الدرهم الفرد حتى تنزه عن معاليم الانتظار مما يستحقه شرعا ثم صرف عن القضاء والتدريس بالعز الكناني فانقطع في منزله بالمسجد الأقصى يفتي ويدرس وله من المؤلفات شرح على جمع الجوامع سماه بالنجم اللامع وتعليق على الروضة إلى أثناء الحيض في مجلدات وتعليق على المنهاج في مجلدات والدر النظيم في أخبار موسى الكليم وغير ذلك وتوفي بالقدس في حدود هذه السنة وفيها أبو المواهب محمد بن أحمد الشيخ الإمام المدقق التونسي الشاذلي نزيل مصر وهو الذي كان متصدرا في قبالة رواق المغاربة بالجامع الأزهر وكان صاحب أوراد وأحوال
وفيها تقريبا شمس الدين محمد بن إبراهيم بن محمد الحنفي المقرىء عرف ابن أبي عامر أخذ عن الشهاب الحجازي المحدث وأخبره أنه يروي ألفية الحديث والقاموس عن مؤلفيها وتلخيص المفتاح عن إبراهيم الشامي عن المؤلف وفيها محمد بن داود النسيمي المنزلاوي الشيخ الصالح أحد لمتمسكين بالسنة المحمدية في أقوالهم وأفعالهم ألف رسالة سماها طريقة الفقر المحمدي ضبط فيها أقوال النبي وأحواله التي ظهرت لأمته وكان يقول ليس لنا شيخ إلا رسول الله وكان يقري الضيوف ويخدم الفقراء والمنقطعين عنده يونظف ما تحتهم من بول 11 أو عائط ولا يتخصص عنهم بشيء وكان ربما طرقه الضيف ليلا ولم يكن عنده ما يقريه فيرفع القدر على النار ويضع فيه الماء ويوقد عليه فتارة يرونه أرزا ولبنا وتارة أرزا وحلواء وتارة لحما ومرقا وربما وجدوا فيه لحم الدجاج ومناقبه كثيرة توفي ببلدة النسيمية ودفن بجوار زاويته وقبره بها ظاهر يزار
وفيها تقريبا شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن علي الإمام العالم العلامة إمام الكاملية بين القصرين لبس الخرقة من الشيخ الإمام العلامة شمس الدين بن الجزري المقرىء صاحب النشر في تسع وعشرين وثمانمائة وتوفي في أول هذا القرن
وفيها القاضي شمس الدين محمد بن عمر الدورسي الدمشقي الحنبلي ولد سنة ست عشرة وثمانمائة وكان نقيبا لقاضي القضاة برهان الدين بن أكمل الدين بن شرف الدين بن مفلح ثم فوض إليه ولده قاضي القضاة نجم الدين بن مفلح نيابة القضاء قال النعيمي لقلة النواب فدخل في القضاء مدخلا لا يليق وتوفي يوم الجمعة عشرى جمادى الأولى وفيها مصلح الدين مصطفى القسطلاني الرومي الحنفي أحد موالي الروم العالم العامل قرأ على موالي الروم وخدم المولى خضر بك ودرس في بعض المدارس ثم لما بنى السلطان محمد خان ابن عثمان المدارس الثمان بقسطنطينية أعطاه واحدة منها وكان لا يفتر عن الاشتغال والدرس وكان يدعى أنه لو أعطى المدارس الثمان كلها لقدر أن يدرس في كل واحدة منها كل يوم ثلاثة دروس ثم ولي قضاء بروسا ثلاث مرات ثم قضاء أدرنة كذلك ثم القسطنطينية كذلك ثم ولاه السلطان محمد قضاء العسكر وكان لا يداري الناس ويتكلم بالحق على كل حاف فضاق الأمر على الوزير محمد باشا القرماني فقال للسلطان أن الوزراء أربعة فلو كان للعسكر قاضيان أحدهما في ولاية روم أيلي والآخر في ولاية أناضولي كان أسهل في اتمام مصالح المسلمين ويكون زينة لديوانك فمال إلى ذلك وعين المولى 12 المعروف بالحاجي حسن لقضاء أناضولي فأبى القسطلاني ذلك فلما مات السلطان محمد وتولى بعده ولده السلطان أبو يزيد خان عزل القسطلاني وعين له كل يوم مائة درهم ثم صار قضاء العسكر ولايتين بعد ذلك قال في الكواكب السائرة وكان القسطلاني يداوم أكل الحشيش والكيف وكان مع ذلك ذكيا في أكثر العلوم حسن المحاضرة وأخبر عن نفسه أنه طالع الشفا لابن سينا سبع مرات وكان المولى خواجه زاده صاحب كتاب التهافت إذا ذكر القسطلاني يصرح بلفظ المولى ولا يصرح بذلك لأحد سواه من أقرانه وكان يقول أنه قادر على حل المشكلات وإحاطة العلوم الكثيرة في مدة يسيرة ولم يهتم بأمر التصنيف لاشتغاله بالدرس والقضاء لكنه كتب حواشي على شرح العقائد ورسالة ذكر فيها سبع إشكالات وشرحها وحواش على المقدمات الأربع التي أبدعها صدر الشريعة ورد فيها على حواشي المولى على العربي وتوفي في هذه السنة بقسطنطينية ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري
وفيها شرف الدين موسى بن علي الشيخ العالم الصالح الشهير بالحوراني الشافعي كان يحفظ القرآن العظيم والمنهاج ويدرس فيه وفي القراءات بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر وتفقه على النجم بن قاضي عجلون وسمع على البرهان الباعوني وغيره وولي نظر الشبلية والإمامة بها وكان يقرىء بها سيرة ابن هشام كل يوم بعد العصر ودرس بمدرسة أبي عمر سنين وانتفع الناس به قال ابن طولون وحضرت عنده مرار وتوفي بمنزله بمحلة الشبلية في أحد الجمادين ودفن بالصالحية رحمه الله تعالى
سنة اثنتين وتسعمائة
فيها أمر السلطان عامر بن عبد الوهاب بتقييد رئيس الإسمعيلية وعالمها سليمان بن حسن بمدينة تعز وأودعه دار الأدب لأنه كان يتكلم بما لا يعنيه 13 من المغيبات وأمر بإتلاف كتبه فأتلف ولله الحمد
وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن القاضي شمس الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن يعقوب بن المعتمد القرشي الدمشقي الصالحي الشافعي ولد في ثالث عشر ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة وحفظ المنهاج وعرضه على جماعة من الأفاضل وكتب له الشيخ بدر الدين ابن قاضي شهبة في الشامية أربعين مسئلة كتب عليها في سنة ثمان وستين وفوض إليه القضاء في سنة سبعين ثم درس في المجاهدية والشامية الجوانية والأتابكية وتصدر بالجامع وله حاشية على العجالة في مجلدين وحج وجاور في سنة اثنتين وثمانين ولازم النجم بن فهد وسمع عليه وعلى غيره بمكة وكان حسن المحاضرة جميل الذكر يحفظ نوادر كثيرة من التاريخ وذيل على طبقات ابن السبكي وأكثر فيه من شعر البرهان القيراطي وقرأ عليه القاضي برهان الدين الأخنائي والشيخ تقي الدين القاري وغيرهما وتوفي عشية يوم الأحد ثالث عشر شعبان بدمشق ودفن بالروضة وخلف دنيا عريضة
وفيها أحمد ولي الدين العالم الفاضل المولى ابن المولى الحسيني الرومي الشهير بأحمد باشا قرأ على علماء عصره وفضل وتنقل في المناصب حتى صار قاضي عسكر وجعله السلطان محمد خان معلما لنفسه واشتد ميله إليه حتى استوزره ثم عزله عن الوزارة لأمر وجعله أميرا على أنقرة وبروسا وكان رفيع القدر عالي الهمة كريم الطبع سخي النفس ولم يتزوج لعنة كانت به وكان له نظم بالعربية والتركية وتوفي أميرا ببروسا ودفن بها بمدرسة وعلى قبره قبة كتب على بابها محمد بن أفلاطون تاريخ وفاته وهو
( هذه أنوار مشكاة لمن
عده الرحمن من ممدوحه )
( فر من أدناس تلك الناس إذ
كان مشتاقا إلى سبوحه )
( قال روح القدس في تاريخه
إن في الجنات مأوى روحه ) 14
وفيها أم الخير أمة الخالق الشيخة الأصلية المعمرة ولدت سنة إحدى عشرة وثمانمائة وحضرت على الجمال الحنبلي وأجاز لها الشرف بن الكويك وغيره وهي آخر من يروي البخاري عن أصحاب الحجاز نزل أهل الأرض درجة في رواية البخاري بموتها رحمها الله تعالى
وفيها حبيب القرماني العمري من جهة الأب البكري من جهة الأم العارف بالله تعالى أحد شيوخ الروم اشتغل في أول عمره بالعلم وقرأ في شرح العقائد ثم ارتحل إلى خدمة السيد يحيى بن السيد بهاء الدين الشيرازي فلقي في طريقه جماعة من مريديه فقال لهم هل يقدر شيخكم أن يريني الرب في يوم واحد فلطمه أحدهم لطمة خر مغشيا عليه فعلم السيد يحيى بهذه القصة فدعا الشيخ حبيب وقال له لا بأس عليك أن الصوفية تغلب الغيرة عليهم وأن الأمر كما ظننت وأمره بالجلوس في موضع معين وأن يقص عليه ما يراه ثم قال لمريديه أنه من العلماء فحكى عنه أنه قال لما دخلت هذا الموضع جاءتني تجليات الحق مرة بعد أخرى وفنيت عن كل مرة ثم داوم خدمة السيد يحيى اثنتي عشرة سنة ثم استأذنه وعاد إلى بلاد الروم وصحب الأكابر من سادات الروم وكان له أشراف على الخواطر ولم يره أحد راقدا ولا مستندا إلا في مرض موته توفي بأماسية ودفن بعمارة محمد باشا وفيها شمس الدين أبو الجود محمد بن شيخ الإسلام برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحيم الأنصاري الخليلي الشافعي الإمام العلامة ولد بمدينة الخليل عليه الصلاة والسلام في شعبان سنة خمس وأربعين وثمانمائة وحفظ القرآن والمنهاج وألفية بن مالك والجزرية وبعض الشاطبية واشتغل على والده ثم أخذ العلم عن جماعة من علماء مصر أجلهم الشرف المناوي والكمال بن إمام الكاملية الشافعيان وأخذ العلوم عن التقي الشمني الحنفي وفضل وتميز وأجيز بالافتاء والتدريس وله تصانيف منها شرح الجرومية وشرح الجزرية وشرح مقدمة الهداية في علم 15 الراواية لابن الجزري ومعونة الطالبين في معرفة إصلاح المعربين وقطعة من شرح تنقيح اللباب للولي العراقي وغير ذلك رحمه الله
وفيها الحافظ شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي الأصل القاهري المولد الشافعي المذهب نزيل الحرمين الشريفين ولد في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة وحفظ القرآن العظيم وهو صغير وصلى به في شهر رمضان وحفظ عمدة الأحكام والتنبيه والمنهاج وألفية ابن مالك وألفية العراقي وغالب الشاطبية والنخبة لابن حجر وغير ذلك وكلما حفظ كتابا عرضه على مشايخه وبرع في الفقه والعربية والقراءات والحديث والتاريخ وشارك في الفرائض والحساب والتفسير وأصول الفقه ولاميقات وغيرها وأما مقروآته ومسموعاته فكثيرة جدا لا تكاد تنحصر وأخذ عن جماعة لا يحصون يزيدون على أربعمائة نفس وأذن له غير واحد بالافتاء والتدريس والاملاء وسمع الكثير على شيخه الحافظ ابن حجر العسقلاني ولازمه أشد الملازمة وحمل عنه ما لم يشاركه فيه غيره وأخذ عنه أكثر تصانيفه وقال عنه هو أمثل جماعتي وأذن له وكان يروي صحيح البخاري عن أزيد من مائة وعشرين نفسا ورحل إلى الآفاق وجاب البلاد ودخل حلب ودمشق وبيت المقدس وغيرها واجتمع له من المرويات بالسماع والقراءة ما يفوق الوصف وكان بينه وبين النبي عشرة أنفس وحج بعد وفاة شيخه ابن حجر مع والديه ولقي جماعة من العلماء وأخذ عنهم كالبرهان الزمزي والتقى بن فهد وأبي السعادات بن ظهيرة وخلائق ثم رجع إلى القاهرة ولازم الاشتغال والاشغال والتأليف لم يفتر أبدا ثم حج سنة سبعين وجاور وحدث هناك بأشياء من تصانيفه وغيرها ثم حج في سنة خمس وثمانين وجاور سنة ست وسبع وأقام منهما ثلاثة أشهر 16 بالمدينة النبوية ثم حج سنة اثنتين وتسعين وجاور سنة ثلاث وأربع ثم حج سنة ست وتسعين وجاور إلى أثناء سنة ثمان فتوجه إلى المدينة فأقام بها أشهرا وصام رمضان بها ثم عاد في شوالها إلى مكة وأقام بها مدة ثم رجع إلى المدينة وجاور بها إلى أن مات وحمل الناس من أهلهما والقادمين عليهما عنه الكثير جدا وأخذ عنه من لا يحصى كثرة وألف كتبا إليها النهاية لمزيد علوه وفصاحته من مصنفاته الجواهر والدرر في ترجمة الشيخ ابن حجر وفتح المغيث بشرح ألفية الحديث لا يعلم أجمع منه ولا أكثر تحقيقا لمن تدبره والضوء اللامع لأهل القرن التاسع في ست مجلدات ذكر فيه لنفسه ترجمة على عادة المحدثين والمقاصد الحسنة في الأحاديث الجارية على الألسنة وهو أجمع وأتقن من كتاب السيوطي المسمى بالجواهر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة وفي كل واحد منهما ما ليس في الآخر والقول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيه وعمدة المحتج في حكم الشطرنج والإعلان بالتوبيخ على من ذم علم التوريخ وهو نفيس جدا والتاريخ المحيط على حروف المعجم وتلخيص تاريخ اليمن والأصل الأصيل في تحريم النقل من التوراة والانجيل وتحرير الميزان وعمدة القارىء والسامع في ختم الصحيح الجامع وغنية المحتاج في ختم صحيح مسلم بن الحجاج وغير ذلك وانتهى إليه علم الجرح والتعديل حتى قيل لم يكن بعد الذهبي أحد سلك مسلكه وكان بينه وبين البرهان البقاعي والجلال السيوطي ما بين الأقران حتى قال السيوطي فيه
( قل للسخاوي إن تعروك نائبة
علمي كبحر من الأمواج ملتطم ) 17
( والحافظ الديمي غيث السحاب فخذ
غرفا من البحر أو رشفا من الديم )
وتوفي بالمدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام يوم الأحد الثامن والعشرين من شعبان وصلى عليه بعد صلاة صبح يوم الإثنين ووقف بنعشه تجاه الحجرة الشريفة ودفن بالبقيع بجوار مشهد الإمام مالك ولم يخلف بعده مثله
وفيها العلامة محمد بن مصطفى بن يوسف بن صالح البرسوي الحنفي الصوفي المشهور بخواجه زاده صاحب كتاب التهافت والده ولي القضاء والتدريس ببعض مدارس بروسا ثم تركها في حياة والده ورغب في طريق التصوف واتصل بخدمة العارف بالله الحادي خليفة ثم ذهب مع بعض ملوك العجم إلى بلاده وتوفي هناك
سنة ثلاث وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد الشهير بابن شكم العالم العلامة الشافعي الصالح الناصح الدمشقي الصالحي اشتغل على البدر بن قاضي شهبة والنجم ابن قاضي عجلون وغيرهما وكان على طريقة حميدة ساكنا في أموره مطرحا للتكليف نحيف البدن على وجهه أثر العبادة وانتفع به جماعة من أهل الصالحية وغيرهم لاسيما في علوم العربية وتوفي يوم الأربعاء ثامن عشر رمضان وفيها جمال الدين جمال بن خليفة القرماني الحنفي العالم العارف بالله كان مشتغلا بالعلم فاضلا في فنونه قرأ على قاضي زاده وخدم المولى مصلح الدين القسطلاني وكان خطه حسنا استكتبه السلطان محمد خان كافية ابن الحاجب وأجازه بمال حج به ثم رجع إلى قسطنطينية وصحب الشيخ حبيب القرماني ولزم خدمته واشتغل بالرياضات والمجاهدات حتى أجازه بالإرشاد وأقام مدة في بلاد قرمان ثم دخل القسطنطينية وبنى له الوزير بيري باشا بها زاوية فأقام بها حتى مات وكان يتكلم في التفسير ويعظ الناس 18 ويذكرهم ويلحقه عند ذلك وجد وحال وربما غلب عليه الحال فألقى نفسه من على المنبر ولا يسمعه أحد إلا ويحصل له حال وتاب على يديه جماعة وأسلم كافر وكان عابدا زاهدا ورعا متضرعا يستوي عنده الغني والفقير يغسل أثوابه بنفسه مع ماله من ضعف المزاج ويقول أن مبنى الطريقة على رعاية الأحكام الشرعية رحمه الله تعالى وفيها عز الدين عبد العزيز ابن ناصر الدين محمد الجرباوي البغدادي نزيل دمشق الشيخ الصالح كان من أولياء الله تعالى وسمع على محدثي بغداد وقطن دمشق وبها مات ليلة الخميس خامس عشرى جمادى الأولى وفيها زين الدين عبد القادر بن محمد ابن منصور بن جماعة الصفدي ثم الدمشقي الشافعي الفرضي الحيسوب المعروف في صفد بابن المصري وفي دمشق ببواب الشامية البرانية لأنه نزلها حين دخل دمشق وكان بوابها سنين ثم سكن السميساطية ولد بصفد سنة أربع وثلاثين وثمانمائة وأخذ عن الشمس بن حامد الصفدي والشمس البلاطنسي والبدر بن قاضي شهبة وزين الدين خطاب والنجم بن قاضي عجلون والشمس الشرواني وغيرهم وكان له يد طولى في الحساب والفرائض وقلم الغبار لم يكن له نظير بدمشق وكان نحيف البدن ضعيف البصر شرس الأخلاق انتفع به جماعة ولما توفي شيخه ابن حامد أخذ عنه نظر المدرسة الصارمية داخل باب الجابية وتدريسها وسكن بها وانقطع عن الناس وبها توفي سادس عشر ذي الحجة ودفن ببا الفراديس وفيها علاء الدين علي بن يوسف بن أحمد الرومي الحنفي سبط المولى شمس الدين الفناري رحل في صباه إلى بلاد العجم فدخل هراة وقرأ على علمائها ثم سمرقند وبخارى وقرأ على علمائها أيضا وبرع في العلوم حتى جعلوه مدرسا ثم غلب عليه حب الوطن فعاد إلى بلاد الروم في أوائل سلطنة محمد خان بن عثمان وكان المولى الكوراني يقول له لا تتم سلطنتك إلا أن يكون عندك واحد من أولاد 19 الفناري فلما دخل المترجم بلاد الروم أعطاه السلطان محمد مدرسة بمدينة بروسا بخمسين درهما ثم درسة والده مراد خان بها بستين ثم ولاه قضاءها ثم قضاء العسكر ومكث فيه عشر سنين وارتفع قدر العلماء في زمن ولايته إلى أوج الشرف وكانت أيامه تواريخ ثم لما تولى أبو يزيد جعله قاضيا بالعسكر في ولاية روم ايلي ومكث فيه ثمان سنين وكان شديد الاهتمام بالعلم لا ينام على فراش وإذا غلبه النوم استند والكتب بين يديه فإذا استيقظ نظر فيها وشرح الكافية وكتابا في الحساب وكان ماهرا في سائر العلوم ثم خدم العارف بالله حاج خليفة ودخل الخلوة عنده وحصل له في علم التصوف ذوق لكنه كان مغري بصحبة السلاطين بحيث كان يغلب عليه الصمت إلا إذا ذكر له صحبة سلطان يورد الحكايات اللطيفة والنوادر وحكى عنه تلميذه الخيالي أنه قال ما بقي من حوائجي إلا ثلاث الأولى أن يكون أول من يموت في داري والثانية أن لا يمتد بي مرض والثالثة أن يختم لي بالإيمان قال الخيالي فكان أول من مات في داره وتوضأ بها للظهر ثم حم ومات مع أذان العصر فاستجيب له
وفيها جمال الدين محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد الشهير بابن علي بأفضل السعدي نسبة إلى سعد العشيرة الحضرمي ثم العدني قال في النور السافر المتفق على جلالة قدره علما وعملا وورعا ولد بحضرموت بتريم سنة أربعين وثمانمائة ثم ارتحل إلى عدن وأخذ عن الإمامين محمد بن مسعود باشكيل ومحمد بن أحمد باحميش وجد في الطلب ودأب حتى برع في العلوم وانتصب للتدريس والفتوى وكان من أعلام الدين والتقوى إماما كبيرا عالما عاملا محققا ورعا زاهدا مقبلا على شأنه تاركا لما لا يعنيه ذا مقامات وأحوال وكرامات حسن التعليم لين الجانب متواضعا صبورا مثابرا على السنة معظما لأهل العلم وكان هو وصاحبه عفيف الدين بامخر عمدة الفتوى بعدن وكان بينهما من 20 التودد والتناصف ما هو مشهور حتى كأنهما روحان في جسد وأفرد المترجم بالترجمة وله تصانيفه نافع منها مختصر الأنوار المسمى نور الأبصار وشرح تراجم البخاري واختصر قواعد الزركشي وشرحه وكتاب العدة والسلاح لمتولى عقود النكاح وشرح المدخل وشرح البرماوية وغير ذلك ومن شعره
( إن العيادة يوم بعد يومين
واجلس قليلا كلحظ العين بالعين )
( لا تبر من مريضا في مساءلة
يكفيك من ذاك تسآل بحرفين )
وتوفي يوم السبت خامس عشر شوال بعدن وفيها بدر الدين الحسين ابن الصديق بن الحسين بن عبد الرحمن الأهدل اليمني الشافعي ولد في ربيع الثاني سنة خمس وثمانمائة بأبيات حسين من اليمن ونشأ بنواحيها واشتغل بها في الفقه على الفقيهين أبي بكر بن قصيص وأبي القسم بن مطير وغيرهما وفي النحو على أولهما وغيره ثم دخل زبيد فاشتغل بها ثم حج سنة اثنتين وسبعين وجاور التي تليها وأخذ عن علمائها وزار النبي وسمع بالمدينة من أبي الفرج المراغي ثم رجع إلى بلاده وكان إماما فقيها حافظا محدثا بارعا في أشتات العلوم ومن شعره
( أما لهذا الهم من منتهى
أما لهذا الحزن من آخر )
( أما لهذا الضيق من فارج
أما لناب الخطب من كاسر )
( أما لهذا العسر من دافع
باليسر عن هذا الشجي العاثر )
( بلى بلى مهلا فكن واثقا
بالواحد الفرد العلي القادر )
توفي ببندر عدن ليلة الإثنين سلخ ذي القعدة
وفيها عبد الرحمن بن أحمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم بامخرمة الحميري الشيباني الهجراني الحضرمي العدني الشافعي ولد ليلة الأربعاء ثامن عشر رجب سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة بالهجرين وحفظ القرآن بها ثم ارتحل إلى عدن وتفقه بالإمامين محمد باشكيل ومحمد بأحميس ودأب واجتهد وأكب 21 على الاشتغال ليلا ونهارا وكان فقيرا لا يملك شيئا وقاسى في أيام طلبه من الجوع والمكابدة ما هو مشهور عنه وبرع في سائر العلوم وحقق الفنون وساد الأقران وسارت بفضله الركبان ووقع على تقدمه الاجماع وابتهجت بذكره النواظر والاسماع وصار عمدة يرجع إلى قوله وفتواه في زمن مشايخه وقرت به عيونهم وزوجه شيخه أبو شكيل بابنته ورزق منها أولادا فضلاء نجباء وكان مهابا جدا تخضع له الملوك آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر لا يراعى أحدا في دين الله تعالى ولا يخاف في الله لومة لائم وكلفه علي بن طاهر قضاء عدن فدام قريب أربعة أشهر ثم ترك وتوجه لنفع الطلبة خاصة وعمل على جامع المختصرات نكتا في مجلدة وكذا على ألفية النحو وشرح الملحة شرحا حسنا ولخص شرح ابن الهائم على هائميته إلى غير ذلك من الرسائل في علم الهندسة وغيرها قاله السخاوي وممن تخرج به عفيف الدين ابن الحاج ومحمد باقضام والعلامة محمد بحرق وغيرهم وله نظم كثير جدا منه
( اعط المعية حقها
واحفظ له حسن الأدب )
( واعلم بأنك عبده
في كل حال وهو رب )
وتوفي بعدن يوم السبت حاجي عشرى المحرم وفيها جمال الدين محمد بن إبراهيم المكدش بفتح الميم وسكون الكاف وكسر الدال المهملة آخره شين معجمة فقيه اللامية ومفتيها ببلده سامر وكان له بها مشهد عظيم وبنو المكدش هؤلاء أخيار صالحون اشتهر منهم جماعة بالولاية التامة وظهور الكرامات وقريتهم يقال لها الأنفة بفتح الهمزة وفتح النون والفاء آخره تاء تأنيث جهة بوادي سهام وهي محلة مقصودة للزيارة والتبرك ونسبهم في الغنميين وهم قبيلة مشهورة من قبائل عك بن عدنان ومسكنهم فيما بين وادي سهام ووادي سردد قاله في النور السافر وفيها جمال الدين محمد بن حسين بن محمد بن حسين القماط الزبيدي الشافعي ولد بزبيد في صفر 22 سنة ثمان وعشرين وثمانمائة ونشأ بها واشتغل بالعلم ولازم القاضي الناشري صاحب الإيضاح وغيره وبرع في الفقه وأفتى ودرس وكان لا يمل الاشتغال والاشغال إماما عالما توفي بزبيد في سحر ليلة الأربعاء سادس عشر جمادى الأولى وفيها جمال الدين محمد النور بن عمر الجبرتي الفقيه الصالح المعمر من بقية أصحاب الشيخ إسمعيل الجبرتي توفي يوم الإثنين ثاني ربيع الآخر عن خمس وثمانين سنة ودفن قريبا من ضريح شيخه
وفيها رضى الدين الصديق بن محمد الحكم الشهير بالوزيغي كان فقيها علامة متقنا متفننا توفي بزبيد ليلة الجمعة ثالث جمادى الأولى ودفن بتربة القضاة الناشريين
سنة أربع وتسعمائة
فيها توفي غرس الدين أبو القسم خليل بن خليل الفراديسي الصالحي الحنبلي قال ابن طولون حفظ القرآن ثم قرأ المحرر للمجد بن تيمية وأخذ عن النظام بن مفلح والشهاب بن زيد والشيخ صفي الدين ولازم شيخنا القاضي ناصر الدين بن زريق وأكثر من الأخذ عنه ثم أقبل على الشهادة والمباشرة لأوقاف مدرسة أبي عمر وغيرها وأجاز لنا وكتبنا عنه وتوفي في حبس كرتباي الأحمر ملك الأمراء بدمشق وفيها زين الدين شعبان الصورتاني الحنبلي أحد عدول دمشق سكن الصالحية وولي قضاء صفد وأخذ عن النظام بن مفلح وابن زيد وأكثر عن أبي البقاء بن أبي عمر وكان لا بأس به وتوفي في شوال وفيها الملك الناصر أبو السعادات محمد ابن قايتباي بويع بالسلطنة بعد موت أبيه بيوم واحد وهو في سن البلوغ 23 فأقام ستة أشهر ويومين ثم خلع وتولى الملك الأشرف قانصوه مملوك قايتباي فأقام نحو أحد عشر يوما وتحرك عليه العسكر فهرب إلى غزة ثم فقد في وقعة خان يونس ولم يعرف موته ولا حياته ثم عاد الملك الناصر بعد ثبوت رشده فأقام سنة وستة أشهر ونصف شهر ثم شرع في اللهو واللعب والشعبذة ومخالطة الأوباش وارتكاب الفواحش وأمور لا يليق ذكرها فقتل شر قتلة قبل غروب شمس يوم الأربعاء خامس عشرى ربيع الأول قال القطبي في تاريخ مكة يحكي عنه أمور قبيحة منها أنه كان إذا سمع بامرأة حسناء هجم عليها وقطع دائر فرجها ونظمه في خيط أعده لنظم فروج النساء ومنها أو والدته وكانت من أعقل النساء وأجملهن هيئة هيأت له جارية جميلة جدا وجمعتها به في بيت مزين أعدته لهما فدخل بها وقفل الباب على نفسيه وعليها وربطها وشرع يسلخ جلدها عنها كالجلادين وهي حية فلما سمعوا صوت بكائها أرادوا الهجوم عليه فما أمكنهم لأنه قفل الباب من داخل فاستمر كذلك إلى أن سلخها وحشا جلدها بالثياب وخرج يظهر لهم استاذيته في السلخ وأن الجلادين يعجزون عن كماله في صنعه انتهى
وفيها المولى لطف الله الشهير بمولانا لطفي التوقاني الرومي الحنفي العالم الفاضل قال في الكواكب تخرج بالمولى سنان وقرأ على القوشنجي العلوم الرياضية بإشارة المولى سنان ولما كان المولى سنان وزيرا عند السلطان محمد خان جعله السلطان أمينا على خزانة الكتب فاطلع على الغرائب منها ثم لما ولي السلطان أبو يزيد أعطاه مدرسة السلطان مراد بمدينة بروسا ثم أعطاه إحدى الثمان ثم ولاه مدرسة مراد خان ثانيا وأقام ببرسا وكان ذكيا عالما خاشعا قرىء عليه صحيح البخاري إلى آخره وكان حال الاقراء يبكي حتى تسقط دموعه غير أنه كان يطيل لسانه على أقرانه حتى أبغضه علماء الروم 24 نسبوه إلى الإلحاد والزندقة وفتش عليه واستحكم في قتله المولى أفضل الدين فلم يحكم فحكم المولى خطيب زاده بإباحة دمه فقتلوه وكان يكرر كلمتي الشهادة وينزه عقيدته عما نسبوه إليه من الإلحاد حتى قيل أنه تكلم بالشهادة بعدما سقط رأسه على الأرض وقيل في تاريخه ولقد مات شهيدا وله من المؤلفات شرح المطالع وحواشي على شرح المفتاح للسيد الشريف ورسالة سماها بالسبع الشداد مشتملة على سبعة أسئلة على السيد الشريف في بحث الموضوع ولو لم يؤلف إلا هذه الرسالة لكفته فضلا ورسالة ذكر فيها أقسام العلوم الشرعية والعربية بلغ فيها مقدار مائة علم أورد فيها غرائب وعجائب رحمه الله تعالى
وفيها قاضي القضاة نور الدين أبو الفضل محمد بن محمد بن يوسف الخزرجي الدمشقي الحنفي الصالحي المعروف بابن منعة ولد بصالحية دمشق رابع شعبان سنة ست وثلاثين وثمانمائة وحفظ القرآن العظيم ودرر البحار للقونوي والمنار للنسفي وسمع بعض مسانيد أبي حنيفة على قاضي القضاة حميد الدين وتصحيح القدوري على الشيخ قاسم قطلوبغا وتفقه بالشيخ عيسى القلوجي وولي تدريس الجمالية وكانت سكنه وبها ميلاده والجوهرية والشبلية الجوانية والمرشدية وأفتى ودرس وناب في الحكم زمانا وكانت سيرته فيه حسنة يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أمينا صابرا وحصل كتبا وانفرد في آخره برياسة مذهب أبي حنيفة بدمشق وولي في أواخر عمره قضاء قضاة الحنفية بعد أن أكره عليه واعتقل بقلعة دمشق ثم أطلق وتوفي مطعونا بقرية الفيجة في مستهل الحجة وفيها الإخوان قوام الدين أبو الخير محمد وشهاب الدين أبو المكارم أحمد ابنا القاضي رضى الدين الغزي قال حفيده في الكواكب السائرة الشابان الفاضلان توفيا شهيدين بالطاعون في دمشق ثانيها وهو الأصغر قيل أولها وهو الأكبر وكان بينهما اثنان وعشرون يوما وكان والدهما 25 إذ ذاك بمصر ولم يبق له بعدها ولد فبشره القطب كما قيل بأن يعوضه الله تعالى بولد صالح فعوضه الوالد الشيخ بدر الدين ولد في هذه السنة
وفيها كمال الدين موسى بن عبد المنعم الضجاعي اليمني الفقيه العلامة الخطيب مرض طويى ودفن إلى جنب قبر جده الفقيه الصالح علي بن قاسم الحكمي
وفيها كمال الدين موسى بن أحمد اليمني الدوالي المعروف بالمكشكش قال في النور السافر كان إماما علامة توفي قرب مدينة تعز ليلة الأربعاء سلخ ربيع الأول ودفن بمقبرة زبيد
سنة خمس وتسعمائة
فيها طلع من مشرق نجد نجم ذو ذؤابة وكان طلوعه من برج الحمل وذؤابته في اليمن وسيره في الشام فسبحان القادر على ما يشاء
وفيها القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر بن عبية المقدسي الأثري الشافعي الشهير بابن عبية نزيل دمشق ولد في ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة واشتغل بالقدس الشريف وحصل وولي قضاء بيت المقدس وامتحن بسبب القمامة ثم رحل إلى دمشق وقطن بها ووعظ وذكر الناس وكان إماما عالما ومن شعره
( وناعورة أنت فقلت لها اقصري
أنينك هذا زاد للقلب في الحزن )
( فقالت أنيني إذ ظننتك عاشقا
ترق لحال الصب قلت لها أني )
توفي بدمشق ليلة السبت ثالث جمادى الأولى ودفن بباب الصغير شمالي ضريح الشيخ حماد رحمه الله تعالى وفيها أبو العباس أحمد بن محمد الغمري الصوفي كان رضي الله عنه جبلا راسيا وطودا راسخا في العلوم والمعارف وكان يحب بناء المساجد والجوامع حتى قيل أنه بنى خمسين جامعا منها جامعه المعروف به بمصر المدفون فيه وكان معانا على نقل العمد والرقام 26 وغيرها من الكيمان والبلاد الكفرية حتى أن عمد جامعيه بمصر والمحلة يعجز عن نقلها سلطان ذكر عنه إمام جامعه بمصر الشيخ أمين الدين بن النجار أنه أقام صف العمد التي على محراب الجامع المذكور كلها في ليلة واحدة والناس نائمون وذكر المناوي أنه عمر هذا الجامع من عثماني وضعه تحت سجادته وصار يأخذ منه ويصرف وكراماته رضي الله عنه كثيرة مستفيضة وأطنب الشعراوي في ذكره وتوفي بالقاهرة في رابع عشر صفر ودفن في جامعه وفيها سراج الدين أبو بكر بن علي بن عمران اليمني كان إماما علامة وولي قضاء قضاة تعز وتوفي بزبيد يوم الإثنين الثاني عشر من جمادى الأولى وفيها بركات بن حسين الفيجي المقرىء أخذ عن والده وغيره وأجازه البدري حسن بن الشويخ وتوفي في هذه السنة ظنا
وفيها زين الدين خالد بن عبد الله بن أبي بكر المصري الأزهري الوقاد به النحوي اشتغل بالعلم على كبر قيل كان عمره ستا وثلاثين سنة فسقطت منه يوما فتيلة على كراس أحد الطلبة فشتمه وعيره بالجهل فترك الوقادة وأكب على الطلب وبرع وأشغل الناس وصنف شرحا حافلا على التوضيح ما صنف مثله وإعراب ألفية ابن مالك وشرحا على الجرومية نافعا وآخر على قواعد الأعراب لابن هشام وآخر على الجزرية في التجويد وآخر على البردة والمقدمة الأزهرية وشرحها وكثر النفع بتصانيفه لإخلاصه ووضوحها توفي ببركة الحاج خارج القاهرة راجعا من الحج
وفيها زين الدين خطاب بن محمد بن عبد الله الكوكبي ثم الصالحي الحنبلي حفظ القرآن في مدرسة الشيخ أبي عمر وأخذ عن الشيخ صفر والنظام بن مفلح والشهاب بن زيد وغيرهم واشتغل في العربية على الشهاب بن شكم وحل عليه ألفية العراقي في علم الحديث واعتنى بهذا الشأن وأنشد له ابن طولون 27
( بطشت يا موت في دمشق
وفي بنيها أشد بطش )
( وكم بنات بها بدورا
كانت فصارت بنات نعش )
وقال عرض له ضعف في بعض الأحيان وكان عند الناس أنه فقير فأوصى بملبغ من الذهب له كمية جيدة ثم برأ من ذلك الضعف فشنق نفسه بخلوته بالضيائية في سابع عشر جمادى وفيها الملك العادل سيف الدين طومان باي كان من أعيان مماليك قايتباي بويع بالسلطنة بعد خلع جان بلاط الآتي ذكره في السنة التي بعد هذه في الشام وجلس على السرير بعد ظهر يوم السبت ثامن عشرى جمادى الآخرة من هذه السنة وكانت مدته من حين تغلبه بالشام أربعة أشهر وخمسة عشر يوما ومن حين بويع بقلعة الجبل ثلاثة أشهر وثلاثة وعشرون يوما وبنى مدرسة العادلية وتربته خارج باب النصر ثم هجم عليه العسكر وقتلوه قاله في نزهة الناظرين
وفيها علاء الدين علي بن يوسف بن أحمد الدمشقي العاتكي الشافعي الشهير بالبصروي الإمام العلامة ولد سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين وثمانمائة واشتغل في العلم على الشيخ رضي الدين الغزى ولازمه وأخذ عن غيره وبرع في الفقه وغيره وهو والد الخطيب جلال الدين البصروي وتوفي في نهار الأربعاء سادس عشر شهر رمضان وفيها شمس الدين محمد بن عثمان بن إسماعيل البابي المعروف بابن الدغيم قاضي قضاة حلب وكاتب سرها وناظر جيوشها كان ذكيا فقيها متمولا قاله النجم الغزي
وفيها نور الدين محمود بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن أيوب بن محمد الحمصي ثم الدمشقي الشافعي الشهير بابن العصباتي الإمام العلامة ولد في ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة وأخذ عن والده والتقي بن الصدر الطرابلسي وقدم دمشق سنة تسعمائة فاستوطنها ووعظ بالجامع وغيره وتوفي راجعا من الحج بمنزلة رابع يوم الجمعة مستهل المحرم 28
سنة ست وتسعمائة
فيها توفي الملك الأشرف جان بلاط بن عبد الله أبو النصر سلطان مصر اشتراه بشتك الدوادار وقدمه للأشرف قايتباي بعد طلبه له فجعله خاصكيا وقربه إليه وعلمه القرآن والحساب والرمي وصار رئيسا محتشما ثم رقاه حتى أعطاه تقدمة ألف ثم ولي الدوادارية الكبرى في زمن ولده الناصر ثم أنعم عليه بنيابة حلب فأقام بها سنة ثم نقله إلى نيابة الشام فأقام بها سبعة أشهر ثم قدم القاهرة في زمن الظاهر فولاه الإمرة الكبرى وزوجه بأخته وصار العادل طومان باي يرمي الفتنة بينه وبين الظاهر إلى أن تنافرا وقدر جان بلاط على الظاهر فخرج من قلعة مصر وتركها له فتسلطن في ضحوة يوم الإثنين ثاني القعدة سنة خمس وتسعمائة فأقام نصف سنة وستة عشر يوما وبنى المدرسة الجنبلاطية خارج باب النصر وخلع ونفى إلى الأسكندرية وقتل بها خنقا ودفن فيها نحو شهر ثم نقل إلى القاهرة ودفن بتربة استاذه قايبتاي ثم رد إلى تربته التي أعدها لنفسه خارج باب النصر فنقل إليها ولم تتغير جثته ثم تولى الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري يوم الإثنين عيد الفطر من هذه السنة
وفيها زين الدين حامد بن عبد الله العجمي الحنفي العلامة قال ابن طولون هو شيخنا اشتغل ببلاده وحصل وبرع وقدم دمشق فدرس بها وكان فقيها بارعا توفي يوم السبت سابع عشر ذي الحجة ودفن بباب الصغير
وفيها تقريبا بدر الدين حسن بن محمد العلامة المقرىء الصوفي المقدسي الشافعي المعروف بابن الشويخ أخذ القراآت ولبس خرقة التصوف من الشمس إمام الكاملية بحق لباسه لها من ابن الجزري المقرىء ولبسها أيضا من 29 الشيخ محمد البسطامي وأخذ عليه العهد ولقنه الذكر بمكة في السنة التي قبلها وأخذ الحديث عن الحافظ الديمي وكان إماما عالما صالحا رحمه الله تعالى
وفيها غرس الدين أبو سعيد خليل بن عبد القادر بن عمر الجعبري الأصل الخليلي الشافعي سبط الشهاب القلقشندي ولد في محرم سنة تسع وستين وثمانمائة بالقدس الشريف واشتغل في العلم على جماعة منهم الكمال بن أبي شريف والشيخ برهان الدين الخليلي الأنصاري وغيرهما وجمع معجما لا سيما شيوخه وولي حصة من مشيخة حرم الخليل عن والده المتوفى في محرم سنة سبع وتسعين وثمانمائة وكان رجلا خيرا إماما عالما متواضعا توفي في أحد الربيعين وفيها علاء الدين علي بن أبي عمرو عبد الله الخطيب الحنبلي المؤذن بجامع بني أمية بدمشق الشهير بعليق بضم العين المهملة وتشديد اللام المفتوحة وبعد المثناة التحتية قاف ولد سنة إحدى وثلاثين وثمانمائة قال النعيمي وهو آخر من سمع صحيح مسلم كاملا على الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين في سنة ست وثلاثين وتوفي في هذه السنة
وفيها كمال الدين أبو المعالي محمد بن الأمير ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن علي بن أبي شريف المقدسي الشافعي المري سبط الشهاب العميري المالكي الشهير بابن عوجان الشيخ الإمام شيخ الإسلام ملك العلماء الأعلام ولد ليلة السبت خامس ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة بالقدس الشريف ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم والشاطبية والمنهاج الفقهي وعرضهما على ابن حجر العسقلاني والمحب بن نصر الله الحنبلي والسعد الديري والعز المقدسي في سنة تسع وثلاثين وثمانمائة ثم حفظ ألفية ابن مالك وألفية الحديث وقرأ القرآن بالروايات على أبي القسم النويري وسمع عليه وقرأ عليه في العربية والأصول والمنطق والعروض واصطلاح أهل الحديث 30 وأذن له بالتدريس فيها وتفقه على العلامة زين الدين ماهر والعماد بن شرف وحضر عند الشهاب بن أرسلان والعز القدسي ورحل إلى القاهرة سنة أربع وأربعين وأخذ عن علمائها منهم ابن حجر وكتب له إجازة وصفه فيها بالفاضل البارع الأوحد والشمس القاياني والعز البغدادي وغيرهم وسمع الحديث على ابن حجر والزين الزركشي الحنبلي والعز بن الفرات الحنفي وغيرهم وحج فسمع بالمدينة المنورة على المحب الطبري وغيره وبمكة على أبي الفتح المراغي وغيره ودرس وأفتى وأشير إليه ثم توجه في سنة إحدى وثمانين إلى القاهرة واستوطنها وانتفع به أهلها وارتفعت كلمته وعظمت هيبته ثم عاد إلى بيت المقدس وتولى بها عدة مدارس وقد استوفى ترجمته تلميذه صاحب الانس الجليل فيه ومن مصنفاته الاسعاد بشرح الارشاد لابن المقرىء والدرر اللومع بتحرير جمع الجوامع في الأصول والفرائد في حل شرح العقائد والمسامرة بشرح المسايرة وقطعة على تفسير البيضاوي وقطعة على المنهاج وقطعة على صفوة الزبد لشيخه ابن أرسلان وغير ذلك ومن شعره ما أنشده في بيت المقدس
( أحيى بقاع القدس ما هبت الصبا
فتلك رباع الأنس من معهد الصبا )
( وما زلت من شوقي إليها مواصلا
سلامي على تلك المعاهد والربى )
وتوفي يوم الخميس خامس عشرى جمادى الآخرة عن أخويه شيخ الإسلام البرهاني وكان حينئذ بمصر والعلامة جلال الدين وكان عنده بالقدس وخلف دنيا طائلة وفيها شمس الدين أبو الفتح محمد بن محمد بن علي بن صالح العوفي يتصل نسبه بعبد الرحمن بن عوف أحد العشرة رضي الله عنهم الأسكندري المولد الأفاقي المنشأ العاتكي المزي الشافعي الصوفي المحدث الفقيه اللغوي المرشد ولد بالأسكندرية في أول محرم سنة ثمان عشرة وثمانمائة ولما حملت به والدته دخل والده الشيخ بدر الدين العوفي 31 على الشيخ الإمام العارف بالله الشيخ عبد الرحمن الشبريسي وسأله لها الدعاء فقال له أن زوجتك آمنة معها ولدان أحدهما يموت بعد سبعة أيام والآخر يعيش زمنا طويلا وسمه بأبي الفتح وسيكون له فتح من الله تعالى وتوكل على الله وسيره إلى الله يعيش سعيدا ويموت شهيدا يخرج من الدنيا كيوم ولدته أمه يضع قدمه على جبل قاف المحيط يسوح زمانا وينال من الله أمانا فاستوص به خيرا واصبر عليه وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا فلما وضعته أمه كان الأمر كما قال الشيخ عبد الرحمن فصنع والده وليمة بعد تمام أربعين يوما من ولادته ودعا الشيخ عبد الرحمن وجماعة من الفقراء والصالحين وأضافهم فلما رفعوا السماط حمله أبوه ووضعه بين أيديهم فأخذه الشيخ عبد الرحمن وحنكه بتمرة مضغها وعصرها في فيه ثم طلب شيئا من العسل فأحضر له فلعق الشيخ ثلاث لعقات ثم ألعق المولود ثلاثا ثم وضعه بين يدي الفقراء وأمرهم فلعقوا منه ثم قرأ الفاتحة سبع مرات ثم قال لوالده ارفع هذا لأمه لا يشاركها فيه أحد ولا تخش على الولد المبارك فوالله إني لأرى روحه تجول حول العرش ثم خرج من ساعته وكان والد الشيخ أبي الفتح يقول ما بات الا بشبريس ذكر ذلك صاحب الترجمة في كتابه المسمى بالحجة الراجحة قال ثم أني رأيته يعني الشيخ عبد الرحمن بعد مدة فلما أقبلت عليه قبل بين عيني ونظر بعين لطفه إلي ثم لقنني الذكر وأخذ علي العهد ثم قال عش في أمان الله مؤيدا بالله هائما بالله فانيا عما سواه باقيا به أنت إمام زمانك وفريد أوانك مقدما على أقرانك مباركا على أحوالك رعاك الله حفظ الله أواك الله فرحين بما آتاهم الله من فضله الآية قال ثم ألبسني الخرقة الشريفة ثم قال أيامنا انقضت وساعاتنا انقرضت قال فلما تم لي سبع سنين لبستها من يد الشيخ الإمام الورع العارف أبي الحسن الدمنهوري الصوفي ومن يد الشيخ أبي إسحق إبراهيم الأتكاوي بلباسهما من الشبريسي ثم نشأ الشيخ أبو الفتح وطلب العلم والحديث وتفقه 32 بجماعة أولهم جده لأبيه القاضي نور الدين أبو الحسن علي وسمع الحديث علي ابن حجر والتقى الرسام وعائشة بنت عبد الهادي ومريم بنت أحمد الأذرعي والعز بن الفرات الحنفي وغيرهم وقرأ على الحافظ شمس الدين أبي الخير المقدسي الحموي صحيحي البخاري ومسلم وعوارف المعارف للسهروردي وكتاب ارتقاء الرتبة في اللباس والصحبة للقطب القسطلاني والسيرة لابن هشام وسنن ابن ماجه وجامع الترمذي ومسند الرافعي ومجالس من مسند ابن حيان ومن الموطأ وسنن أبي داود وغير ذلك وأجازه بجميع ما تجوز له روايته وألبسه خرقة التصوف أيضا ولبسها من جماعة متعددة قال في الكواكب السائرة وممن أخذ عن الشيخ أبي الفتح شيخ الإسلام الجد واستجازه لشيخ الإسلام الوالد وأحضره إليه وهو دون السنتين فلقنه الذكر وألبسه الخرقة وأجازه بكل ما تجوز له روايته والشيخ أبو المفاخر النعيمي وتلميذه الشيخ شمس الدين بن طولون والشيخ شمس الدين الوفائي وغيرهم وألف كتابا حافلا في اللغة وآخر سماه بالحجة الراجحة في سلوك المحجة الواضحة وآخر في آداب اللباس والصحبة وغير ذلك ومن شعره
( يا ناظرا منعما فيما جمعت وقد
أضحى يردد في أثنائه النظرا )
( سألتك الله إن عاينت من خطأ
فاستر علي فخير الناس من سترا )
ومنه
( لم أنس مذ قالوا فلان لقد
أضحى كبير النفس ما أجهله )
( فقلت لا أصل لهذا وقال
الناس لم يكبر سوى المزبله )
ومنه
( من كان حقا مع الرحمن كان معه
نعم ومن ضر فيه نفسه نفعه )
( ومن تذلل للمولى فيرفعه
ومن يفرق فيه شمله جمعه )
وأخبرت عن شيخ الإسلام الوالد أنه كان يحكي عن شيخه الشيخ أبي 33 الفتح المزي أنه ذكر عن بعض شيوخه بدمشق أنه قال له يوما تعال إلى عند صلاة العشاء فجاء إليه فصلى معه العشاء ثم خرج الشيخ المذكور وخرج معه أبو الفتح حتى كانا بالربوة خرج به من المكان المعروف بالمنشار وتعلقا بسفح قاسيون فلما أشرفا على الجبل قال الشيخ للشيخ أبي الفتح أنظر إلى هذه المشاعل وعدها واحفظ عددها ثم سار به على السفح حتى وصلا إلى مقام إبراهيم الخليل عليه السلام ببرزة فلما كانا هناك قال الشيخ لأبي الفتح كم عددت مشعلا قال ثمانمائة قال تلك أرواح الأنبياء المدفونين بهدا السفح المبارك عليهم الصلاة والسلام وتوفي الشيخ أبو الفتح ليلة الأحد ثامن عشر ذي الحجة بمحلة قصر الجنيد قرب الشويكة ودفن بالجانب الغربي في الأرض التي جعلت مقبرة وأضيفت لمقبرة الحمرية رحمه الله تعالى انتهى ملخصا وفيها القاضي جمال الدين محمد بن عبد السلام الناشري اليمنى الشافعي كان إماما عالما عاملا عابدا من عباد الله الصالحين وهو خاتم القضاة الناشريين بزبيد وتوفي بها ليلة الإثنين ثامن عشرى المحرم
سنة سبع وتسعمائة
فيها توفي أبو بكر بن عبد الله المعروف بفغيس اليمنى العلامة الفقيه الشافعي توفي بزبيد يوم الخميس تاسع عشر شوال ودفن بتربة المرجاني
وفيها القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حجي الحسباني الدمشقي الأطروش الشافعي ولد ليلة الأربعاء خامس ذي الحجة سنة ثمان عشرة وثمانمائة وسمع قبل طرشه على الحافظ ابن حجر والمسند علاء الدين بن بردس البعلي وغيرهما وأذن للنعيمي في الرواية عنه وأجازه بكل ما تجوز له روايته وتوفي يوم الأربعاء سابع رمضان ودفن بمقبرة باب الفراديس
وفيها شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الكريم النابلسي ثم 34 الدمشقي الشهير بابن مكية الشافعي ولد سنة أربع وأربعين وثمانمائة واشتغل على الشمس بن حامد الصفدي وكان أول دخوله إلى دمشق سنة ست وتسعين فوعظ بها في جامع دمشق على كرسي ابن عبية وكان حاضرا إذ ذاك فتكلم المترجم على البسملة وأسماء الفاتحة ونقل كلام العلماء في ذلك فأحسن وصار من مشاهير الوعاظ بالجامع الأموي وتوفي بدمشق في آخر أيام التشريق ودفن عند قبر الشيخ إبراهيم الناجي غربي سيدنا معاوية رضي الله تعالى عنه بمقبرة باب الصغير
وفيها شهاب الدين أحمد بن نور الدين علي بن شهاب الدين الشعراوي الشافعي والد الشيخ عبد الوهاب اشتغل في العلم على والده ووالده حمل العلم عن الحافظ ابن حجر والعلم صالح البلقيني والشرف يحيى المناوي وكان المترجم عالما صالحا فقيها نحويا مقرئا وله صوت شجي في قراءة القرآن يخشع القلب عند سماع تلاوته بحيث صلى خلفه القاضي كمال الدين الطويل فكاد أن يخر إلى الأرض من فرط الخشوع وقال له أنت لا يناسبك إلا إمامة جامع الأزهر وكان ماهرا في علم الفرائض وعلم الفلك وكان يعمل الدواير ويشد المناكيب وكان له شعر وقوة في الإنشاء وربما أنشأ الخطبة حال صعود المنبر وكان مع ذلك لا يخل بأمر معاشه من حرث وحصاد وغير ذلك وكان له توجه صادق في قضاء حوائج الناس ويشهد بينهم ويحسب ويكتب محتسبا في ذلك وكان يقوم كل ليلة بثلث القرآن أو بأكثر قال ولده الشيخ عبد الوهاب وقد كنت أقرأ عليه يوما في سورة الصافات فلما بلغت قوله تعالى (
فاطلع فرآه في سواء الجحيم قال تالله إن كدت لتردين ) بكى حتى أغمي عليه وصار يتمرغ في الأرض كالطير المذبوح قال وصنف عدة مؤلفات في علم الحديث والنحو والأصول والمعاني والبيان فنهبت مؤلفاته كلها فلم يتغير وقال لقد ألفناها لله فلا علينا أن ينسبها الناس إلينا أم لا توفي في هذه 35 السنة ودفن في بلدته بناحية ساقية أبي شعرة بزاويتهم إلى جانب قبر والده
وفيها القاضي شهاب الدين أحمد ابن العلامة الوي المقرب جمال الدين محمد الطاهر بن أحمد جعمان قاضي مدينة حيس الشافعي كان إماما مفتيا مفننا صالحا توفي سحر ليلة الثلاثاء سلخ السنة ودفن ببيت الفقيه عند قبر أبيه وجده بوصية منه ولم يخلف بعده مثله في بني جعمان علما ومعرفة
وفيها عماد الدين إسمعيل النحاس الشهير بالشويكي الشافعي ولد سنة ست وعشرين وثمانمائة وكانت وفاته في عشرى رمضان
وفيها الشيخ الصالح حسن الحلبي الشافعي الشهير بالشيخ حسن الطحينة قرأ في الفقه على الشيخ عبد القادر الأبار الحلبي ثم صار من مريدي الشيخ موسى الأريحاوي وانقطع بالجامع الكبير بحلب بالرواق المعروف يومئذ بمصطبة الطحينة نحو أربعين سنة بحيث لا يتغير من مكانه صيفا ولا شتاء وحكيت عنه مكاشفات وهرع الناس إليه بالأموال وغيرها فيصرفها في وجوه الخير من عمل بعض الركايا واصلاح كثير من الطرقات وإزالة ما فيها وكان يخلط المآكل المنوعة إذا وضعت له فإذا قيل له في ذلك قال الكل يجري في مجرى واحد رحمه الله تعالى وفيها عفيف الدين عبد العليم بن أبي القسم بن إقبال القربتي نسبة إلى باب قربت باليمن أو إلى أبي قربتة جد الحنفي ولد سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة وكان إماما فقيها نبيها توفي بزبيد يوم الجمعة خامس ذي الحجة وفيها جمال الدين محمد بن بدير بن بدير المقرىء قال في النور السافر كانت إليه النهاية في القراءات السبع وتوفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من رجب عن تسعين سنة ممتعا بسمعه وبصره وعقله انتهى وفيهاجمال الدين محمد بن علي الطيب اليمني الحنفي إمام الحنفية بجامع زبيد كان إماما علامة فقيها توفي ليلة الأربعاء ثامن عشر شوال ودفن إلى جنب أبيه وأخيه بمقبرة باب سهام 36
وفيها محب الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن هشام النحوي المصري الحنفي نزيل دمشق ولد في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وثمانمائة وتفقه بالعلامة قاسم بن قطلوبغا والتقي الشمني وغيرهما وأخذ النحو عنهما والحديث عن ابن حجر وغيره وكان إماما علامة توفي بدمشق يوم السبت رابع القعدة ودفن بباب الصغير جوار مزار سيدي بلال الحبشي رضي الله تعالى عنه
سنة ثمان وتسعمائة
فيها حصل بمدينة عدن زلازل عظيمة تواترت ليلا ونهارا ووقع بها حريق عظيم احترقت فيه دور كثيرة بلغ عدتها تسعمائة بيت وذهب من الأموال والأنفس ما لا يعلمه إلا الله تعالى
وفيها توفي الإمام أبو السعود قاضي مكة المشرفة قتله الشريف بركات
وفيها برهان الدين أبو الطيب إبراهيم بن محمود بن أحمد بن حسن الأقصرائي الأصل القاهري الشافعي الحنفي المواهبي نسبة لتلميذه أبي المواهب التونسي قرأ طرفا من العلم على شيوخ عصره كالسخاوي وغيره وصحب الشيخ الكامل أبا الفتوح محمد الشهير بابن المغربي وأخذ عند التصوف ثم أخذ بإذنه عن الولي الكبير أبي المواهب محمد التونسي فعادت عليه بركات عوارفه وانهلت على قلبه أمطار ذوارفه وفتح الله له على يديه قال جار الله بن فهد أقول وقد جاور صاحب الترجمة بمكة سنة أربع وتسعمائة وأقام بها ثلاث سنين وألف بها شرحا على الحكم لابن عطاء الله سماه أحكام الحكم لشرح الحكم وشرح رسالته المسماة أصول مقدمات الوصول وشرح كلمات علي بن محمد وفا المعروف يا مولانا يا واحد يا أحد سماء شرح التمويل في بيان مشاهد يا مولانا يا واحد يا أحد وشرح الرسالة السنوسية في أصول الدين وله ديوان 37 نظم وعدة رسائل وسبعة أحزاب ومؤلفات في الزيارات النبوية وغير ذلك وأخذ الناس عنه التصوف رحمه الله انتهى وتوفي ليلة الخميس ثامن عشرى جمادى الثانية وفيها شهاب الدين أحمد بن يوسف بن حميد الصفدي ثم الدمشقي الحنفي الشيخ المفيد الزاهد قال ابن طولون اشتغل وحصل بعد أن حفظ القرآن وكان له يد في القراآت والرسم وكتب عدة مصاحف والكشف الكبير المسمى بكشف الأسرار وهو شرح على كتاب أصول الفقه المنسوب إلى أبي الحسن علي بن محمد البزوري تصنيف الإمام عبد العزيز بن أحمد البخاري والكشف الصغير وهو شرح على المنار في أصول فقهنا كلاهما للزاهد حافظ الدين عبد الله بن أحمد النسفي قرأت عليه المختار والمنار والخلاصة الألفية وتلخيص المفتاح حفظا واستفدت منه أشياء وقطن بالسميساطية المعدة للعزبان إلى أن توفي في سادس رمضان ودفن بباب الصغير انتهى وفيها رضي الدين أبو بكر بن عمر البليما كان فقيها لغويا نحويا توفي ليلة الأربعاء الثالث من شوال بزبيد ودفن عند أخواله بني الناشري
وفيها قاضي القضاة عماد الدين إسمعيل بن إبراهيم بن علي الناصري أخو محي الدين كبش العجم قال ابن طولون اشتغل على القاضي حميد الدين النعماني وغيره وتعانى الشهادة ثم ولي نيابة الحكم لابن قاضي عجلون ثم ولي قضاء دمشق مرات وفي آخرها أهين بالقاهرة ثم عاد إلى دمشق واستمر معزولا إلى أن مات بالمدرسة المعينية داخل دمشق وكانت سكنه يوم الخميس سابع عشرى ربيع الأول ودفن قرب قبر سيد بلال الحبشي بمقبرة باب الصغير انتهى
وفيها القاضي بدر الدين حسن بن علي المنوفي المصري ثم الدمشقي المالكي الشهير بابن مشعل قال ابن طولون حدث بدمشق عن جماعة منهم الحافظ شمس الدين السخاوي وقرأت عليه في دار الحديث وغيرها قطعا من كتب وأربعينيات وأجزاء ومنه وصلت المسلسل بالمالكية سنة سبع وتسعمائة 38 رحمه الله انتهى وفيها حميد الدين حمد الله بن أفضل الدين الحسيني الحنفي العالم العلامة قرأ على والده وكان والده عالما صالحا زاهدا قانعا صبورا وقرأ على غيره ثم خدم المولى يكان ثم ولي تدريس مدرسة السلطان مرادخان ببروسا وعزل عنها في أوائل دولة السلطان محمد خان فأتى القسطنطينة فبينما هو مار في طرقاتها لقي السلطان محمد وهو ماش مع عدة من غلمانه وكان ذلك عادته قال فعرفته ونزلت عن فرسي ووقفت فسلم علي وقال أنت ابن أفضل الدين قلت نعم قال احضر الديوان غدا قال فحضرت فلما دخل الوزراء عليه قال جاء ابن أفضل الدين قالوا نعم قال أعطيته مدرسة والدي السلطان مرادخان ببروسا وعينت له كل يوم خمسين درهما وطعاما يكفيه من مطبخ عمارته قال فلما دخلت عليه وقبلت يده أوصاني بالاشتغال بالعلم وقال أنا لا أغفل عنك ثم أعطاه السلطان محمد إحدى المدارس الثمانية ثم جعله قاضيا بالقسطنطينية ثم صار مفتيا بها في أيام السلطان أبي يزيد خان واستمر حتى مات وكان عالما كبيرا ذكر تلميذه المولى محي الدين الفناري أنه لم يجد مسألة شرعية أو عقلية إلا وهو يحفظها وهذه مبالغة وكان حليما صبورا لا يكاد يغضب حتى تحاكم إليه وهو قاض رجل وامرأة فحكم للرجل فاستطالت عليه المرأة وأساءت القول في حقه فلم يزدها على أن قال لا تتعبي نفسك حكم الله لا يغير وإن شئت أن أغضب عليك فلا تطعمي وله حواش مقبولة متداولة على شرح الطوالع للأصبهاني وحواش مقبولة أيضا على شرح المختصر للسيد الشريف وتوفي في هذه السنة
وفيها خليل بن نور الله المعروف بمنلا خليل الشافعي نزيل حلب تلميذ منلا على القوشجي قطن حلب وأكب على القراءة عليه بها جماعة منهم الشمس السفيري وكتب على الفتوى وكان يختمها بخاتم له على طريقة الأعجام وكانت له مواعيد حسنة بالجامع الكبير وكان علامة ألف رسالة في المحبة ورسالة 39 الفتوح في بيان ماهية النفس والروح ورسالة في بيان نكتة التثنية في قوله تعالى (
رب المشرقين ورب المغربين ) مع الافراد في قوله (
رب المشرق والمغرب ) والجمع في (
رب المشارق والمغارب ) وتوفي بحلب وحمل سريره برسباي الجركسي كافل حلب ودفن خارج باب المقام وفيها سراج الدين عبد اللطيف بن محمد بن يحيى الجهمي صاحب قرية المصباح من أصاب كان معتمد أهل أصاب ومرجعهم وعالمهم وحاكمهم قرأ على الفقيه أبي بكر البليما والقاضي جمال الدين القماط وغيرهما وكان فقيها علامة صالحا توفي ليلة الأربعاء التاسع عشر من رجب ببلده قرية المصباح قاله في النور السافر
وفيها القاضي فخر الدين عثمان بن يوسف الحموي ثم الدمشقي الشافعي ولد سنة أربع وأربعين وثمانمائة واشتغل بحل الحاوي الصغير على العلامة مفلح الحبشي وكان يحوكه ثم صار بوابا بالبدرائية ثم تعانى صنعة الشهادة بخدمة شرف الدين بن عيد الحنفي ثم فوض إليه نيابة الحكم القاضي شهاب الدين بن الفرفور وتوفي بدمشق يوم الإثنين ثامن عشر القعدة ودفن بمقبرة باب الفراديس
سنة تسع وتسعمائة
فيها توفي الشيخ الصالح العارف بالله تعالى أبو بكر بن عبد الله الشاذلي المعروف بالعيدوس مبتكر القهوة المتخذة من البن المجلوب من اليمن وكان أصل اتخاذه لها أنه مر في سياحته بشجر البن فاقتات من ثمره حين رآه متروكا مع كثرته فوجد فيه تجفيفا للدماغ واجتلابا للسهر وتنشيطا للعبادة فاتخذه قوتا وطعاما وشرابا وأرشد أتباعه إلى ذلك ثم انتشرت في اليمن ثم في بلاد الحجاز ثم في الشام ومصر ثم سائر البلاد واختلف العلماء في أوائل 40 القرن العاشر في القهوة حتى ذهب إلى تحريمها جماعة منهم الشيخ شهاب الدين العيثاوي الشافعي والقطب بن سلطان الحنفي والشيخ أحمد بن عبد الحق السنباطي تبعا لأبيه والأكثرون ذهبوا إلى أنها مباحة قال النجم الغزي في الكواكب السائرة وقد انعقد الاجماع بعد من ذكرناه على ذلك وأما ما ينضم إليها من المحرمات فلا شبهة في تحريمه ولا يتعدى تحريمه إلى تحريمها حيث هي مباحة في نفسها قلت وقد ذكر أخوه العلامة الشيخ أبو الطيب الغزي في مؤلف له بخصوص القهوة أن ابتداء ظهورها كان في زمن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام قال ما ملخصه كان سليمان صلى الله عليه وسلم إذا أراد سيرا إلى مكان ركب البساط هو ومن أحب من جماعته وظلتهم الطير وحملتهم الريح فإذا نزل مدينة خرج إليه أهلها طاعة له وتبركا به فنزل يوما مدينة فلم يخرج إليه أحد من أهلها فأرسل وزيره على الجن الدمرياط فرأى أهل المدينة يبكون قال ما يبكيكم قالوا نزل بنا نبي الله وملك الأرض ولم نخرج إلى لقائه قال ما منعكم من ذلك قالوا لأن بنا جميعا الداء الكبير وهو داء من شأنه أن يتطير منه وتنفر منه الطباع خوف العدوى فرجع وأخبر سليمان بذلك فدعا ابن خالته آصف بن برخيا الله تعالى باسمه الأعظم أن يعلم سليمان ما يكون سببا لبرئهم من ذلك فنزل جبريل على سليمان وأمره أن يأمر الجن أن تأتيه بثمر البن من بلاد اليمن وأن يحرقه ويطبخه بالماء ويسقيهم ففعل ذلك فشفاهم الله تعالى جميعا ثم تناسى أمرها إلى أن ظهرت في أوائل القرن العاشر انتهى ملخصا ثم قال النجم الغزي وأما مبتكرها صاحب الترجمة فإنه في حد ذاته من سادات الأولياء وأئمة العارفين وقد ألف كتابا في علم القوم سماه الجزء اللطيف في علم التحكيم الشريف وذكر فيه أنه لبس الخرقة الشاذلية من الشيخ الفقيه الصوفي العارف بالله تعالى جمال الدين محمد بن أحمد الدهماني المغربي القيراوي الطرابلسي المالكي في المحرم سنة أربع وتسعمائة 41 كما لبسها من الشيخ إبراهيم بن محمود المواهبي بمكة في صفر سنة ثلاث وتسعمائة كما لبسها من شيخه الكامل محمد أبي الفتوح الشهير بابن المغربي كما لبسها من الشيخ أبي عبد الله محمد بن حسين بن علي التيمي الحنفي كما أخذ من الشيخ ناصر الدين بن الميلق الأسكندري الأصولي عن الشيخ تاج الدين بن عطاء الله الأسكندري عن الشيخ أبي العباس المرسي عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنهم انتهى بحروفه
وفيها أبو الخير الكليباتي قال النجم الغزي الشيخ الصالح الولي المكاشف الغوث المجذوب كان رجلا قصيرا يعرج بإحدى رجليه وله عصا فيها جلق وخشاخيش وكان لا يفارق الكلاب في أي مجلس كان فيه حتى في الجامع والحمام وأنكر عليه شخص ذلك فقال رح وإلا جرسوك على ثور دائر مصر فشهد ذلك النهار زورا فجرسوه على ثور دائر مصر وأنكر عليه بعض القضاة ذلك فقال هم أولى بالجلوس في المسجد منك فإنهم لا يأكلون حراما ولا يشهدون زورا ولا يستغيبون أحدا ولا يدخرون عندهم شيئا من الدنيا ويأكلون الرمم التي تضر رائحتها الناس وكان كل من جاءه في ملمة يقول له اشتر لهذا الكلب رطل لحم شواء وهو يقضي حاجتك فيفعل فيذهب ذلك الكلب ويقضي تلك الحاجة قال الشعراوي أخبرني سيدي على الخواص أنهم لم يكونوا كلابا حقيقة وإنما كانوا جنا سخرهم الله تعالى له يقضون حوائج الناس وقال الحمصي بعد ترجمته بالقطب الغوق كان صالحا مكاشفا وظهرت له كرامات دلت على ولايته وكان يصحو تارة ويغيب أخرى وكان يسعى له الأمراء والأكابر فلا يلتفت إليهم وتوفي في ثالث جمادى الآخرة وحمل جنازته القضاة والأمراء ودفن بالقرب من جامع الحاكم بالقاهرة وبنى عليه عمارة وقبة وفيها شهاب الدين أحمد بن شقير المغربي التونسي المالكي النحوي الإمام العلامة المحقق المتقن الفهامة 42 المعروف بابن شقير وربما عرف بشقير نزيل القاهرة قال النجم الغزي عده شيخ الإسلام الجد ممن اصطحب بهم من أولياء الله تعالى من العلماء وهو من مشاهير المحققين من علماء القاهرة أخذ عنه السيد عبد الرحيم العباسي وغيره وتوفي يوم الإثنين سادس القعدة بمصر
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد العالم الزاهد المعروف بإمام الكاملية توفي بالقدس الشريف في هذه السنة
وفيها المولى أمر الله بن محمد بن حمزة الشيخ العارف بالله تعالى المعروف باق شمس الدين الدمشقي الأصل الرومي المولد والمنشأ الحنفي قرأ على علماء عصره ثم اتصل بخدمة الخيالي ولما توفي والده أخذت أوقافه من يده فجاء شاكيا إلى السلطان محمد خان فعوضه الوزير محمد باشا القرماني عن أوقاف والده بتولية أوقاف الأمير البخاري بمدينة بروسا وصار متوليا على أوقاف السلطان مراد خان بها أيضا ثم ابتلي بمرض النقرس واختلت منه رجلاه وإحدى يديه وأقعد سنين كثيرة حتى مات وأعطى تقاعدا وكان يبكي ويقول ما أصابتني البلية إلا بترك وصية والدي فإنه كان يوصي أولاده أن لا يقبلوا منصب القضاء والتولية وفيها غرس الدين خليل القاضي الأوسي الرملي الشافعي العالم قاضي الرملة المعروف بابن المدققة توفي بالقاهرة يوم الجمعة خامس شوال وفيها زين الدين المقدسي الأصل الدمشقي عبد الرزاق بن أحمد بن أحمد بن محمود بن موسى المعروف جده أحمد بالعجيمي وجده الأعلى موسى بالتركماني كان إماما فاضلا مقرئا مجودا شافعيا ولد في سادس عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة وأخذ القراآت وغيرها عن والده وغيره وتوفي بدمشق ودفن بمقبرة المزرع المعروف الآن بالجورة عند ميدان الحصى عند أخيه الشيخ إبراهيم القدسي رحمه الله
وفيها عفيف الدين عبد المجيد بن عبد العليم إقبال المعروف بالقربتي الحنفي 43 قال في النور السافر كان إماما فقيها علامة صالحا رأس المفتين بمدينة زبيد توفي بها يوم الإثنين الرابع والعشرين من شهر رمضان انتهى وفيها علاء الدين علي البكاي الرومي الحنفي قرأ على علماء عصره وصار مدرسا ببعض مدارس الروم ثم درس في سلطانية بروسا ثم بإحدى الثمان ثم نصب مفتيا ببروسا وكان عالما سليم الطبع شديد الذكاء انتفع به كثيرون وتوفي في هذه السنة وقيل في تاريخه وحيد مات مرحوما سعيدا
وفيها الشيخ الإمام العلامة يس الشافعي شيخ المدرسة البيبرسية توفي في سادس عشرى ذي الحجة واستقر عوضه في المشيخة العلامة كمال الدين الطويل
وفيها جمال الدين يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي الشهير بابن المبرد الصالحي الحنبلي ولد سنة أربعين وثمانمائة وقرأ على الشيخ أحمد المصري الحنبلي والشيخ محمد والشيخ عمر العسكريين وصلى بالقرآن ثلاث مرات وقرأ المقنع على الشيخ تقي الدين الجراعي والشيخ تقي الدين بن قندس والقاضي علاء الدين المرداوي وحضر دروس خلائق منهم القاضي برهان الدين بن مفلح والبرهان الزرعي وأخذ الحديث عن خلائق من أصحاب ابن حجر وابن العراقي وابن البالسي والجمال بن الحرستاني والصلاح بن أبي عمر وابن ناصر الدين وغيرهم وكان إماما علامة يغلب عليه علم الحديث والفقه ويشارك في النحو والتصريف والتصوف والتفسير وله مؤلفات كثيرة وغالبها أجزاء ودرس وأفتى وألف تلميذه شمس الدين بن طولون في ترجمته مؤلفا ضخما وتوفي يوم الإثنين سادس عشر المحرم ودفن بسفح قاسيون
وفيها شمس الدين محمد بن عبد الكافي المصري الخطيب بجامع القلعة الشهير بالدمياطي قال الشعراوي كان يقضي خارج باب القوس والناس يقرأون عليه العلم وكان لا يأخذ على القضاء أجرا وكان طويلا سمينا جدا ومع ذلك يتوضأ لكل صلاة من الخمس قال وما سمعته مدة قراءتي عليه يذكر 44 أحدا من أقرانه الذين يرون نفوسهم عليه إلا بخير وكان كثير الصمت كثير الصيام طالبا للهزال فيزيد سمنه حلو المنطق حلو المعاشرة كريم النفس انتهى توفي بالقاهرة في ثاني عشر جمادى الآخرة ودفن بالقرافة
وفيها قاضي القضاة محب الدين أبو الفضل محمد بن علي بن أحمد بن جلال بن عثمان بن عبد الرحمن المعروف بابن القصيف الدمشقي الحنفي ولد سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة بمنزلة ذات حج من درب الحجاز وحفظ القرآن العظيم والمختار وعدة كتب واشتغل وبرع وأفتى ودرس بالمدرسة القصاعية عدة سنين وسمع الحديث على أبي الفتح المدني والتقي بن فهد وغيرهما وصنف كتاب دليل المحتار إلى مشكلات المختار ولم يتم وولي قضاء الشام مرات قال ابن طولون وظلم نفسه بأمور سامحه الله فيها وتوفي يوم الخميس سادس ربيع الأول وفيها شمس الدين محمد بن شرف الدين موسى بن عيسى العجلوني الدمشقي الصالحي الشافعي ولد بالصالحية سنة ثمان وأربعين وثمانمائة وكان عالما صالحا توفي يوم الخميس ثاني ربيع الأول ودفن بمسكنه بزاوية محمد الخوام الشهير بالقادري بالصالحية
وفيها ولي الدين محمد بن محمد الشيخ الفاضل ابن الشيخ العالم محب الدين المحرقي المباشر بالبيمارستان المنصوري بالقاهرة توفي بها في هذه السنة ختام ربيع الأول وفيها أقضى القضاة ولي الدين محمد بن فتح الدين محمد النحريري المصري المالكي الإمام العلامة توفي سابع ربيع الأول بالقاهرة ودفن بالصحراء
سنة عشر وتسعمائة
فيها حصل بمدينة زبيد ومدينة زيلغ زلزلة عظيمة شديدة هائلة وقع منها دور وخرج أهل زيلع إلى الصحراء خوفا وفيها انقض كوكب 45 عظيم وقت العشاء من اليمن في الشام وتشظى منه شطايا عظيمة ثم حصل بعده هدة عظيمة وفيها وجد بمدينة عدن كنز ذهب وبقرية هقدة بين مدينتي عدن وموزع كنز آخر من ذهب أعظم من الأول كان بها مسجد قد خرب فأراد رجل عمارته فوجد الحفارون في الأساس الكنز شخوصا من ذهب مضروبة بسكة لا تشبه سكة الإسلام وزن كل شخص ربع وقية
وفيها توفي العلامة شهاب الدين أحمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عمر بن حسين الشهير بابن المهندس الشيرازي الأصل الدمشقي العاتكي الشافعي ولد سنة أربع وثلاثين وثمانمائة قال النعيمي رافقناه على جماعة من العلماء ثم انتهى إليه الأتقان في كتابه الوثائق والتواقيع حتى صار أكبر من يشار إليه في ذلك وكان عالما مورقا متقنا توفي ليلة الخميس سادس عشرى رجب
وفيها قاضي القضاة عفيف الدين أبو الطيب حسين بن محمد بن محمد القاضي ابن القاضي ابن القاضي ابن الشحنة الحنفي وقيل الشافعي ولد سنة ثمان وخمسين وثمانمائة وحصل بالقاهرة طرفا من العلم وأخذ البخاري عن الشهاب الشاوي المصري الحنفي الصوفي وهو خاتمة من يروي عن ابن أبي المجد الخطيب الدمشقي وقرأ شرح جمع الجوامع للمحلى بحلب على العلامة المنلا درويش الخوارزمي قراءة تحقيق وتدقيق وولي قضاء حلب وكتابة السر بها وتوفي بالقاهرة مطعونا يوم الثلاثاء حادي عشرى شوال
وفيها السلطان العادل عبد الله بن جعفر الكثيري سلطان الشحر من بلاد اليمن كان عادلا مشهورا بأفعال الخير وإقامة الشرع سيرته من أحمد السير وأحسنها توفي بالشحر يوم الأحد سلخ المحرم وفيها شمس الدين عبد الله بن محمد السبتي المالكي قاضي المالكية بصفد وابن قاضيها ولد سنة إحدى وأربعين وثمانمائة وكان إماما علامة وتوفي بصفد يوم الأربعاء ثامن عشر رجب وفيها الحافظ تقي الدين عبد الرحيم بن الشيخ محب الدين 46 محمد الأوجاقي المصري الشافعي قرأ القرآن على والده وسمع منه وأخذ عنه العلوم الشرعية وغيرها وقرأ على خلائق منهم العلامة ابن حجر والولي بن العراقي والشمس القاياتي وصالح البلقيني ولازم الشرف المناوي في المنهاج والتنبيه والبهجة وغيرها قال وهو آخر شيخ قرأت عليه العلوم الشرعية وسمع من مسندي عصره وروى صحيح البخاري عن جمع كثير يزيد عددهم على مائة وعشرين نفسا ما بين قراءة وسماع ومناولة لجميعه مقرونة بالإجازة ولبس الخرقة القادرية من جماعة وكان إماما علامة مسندا رحلة حافظا حجة ناقدا ومن شعره
( تقول نفسي أتخشي
من هول ذنب عظيم )
( لا تختشي من عقاب
وأنت عبد الرحيم )
ومنه
( يا راحمي ورحيمي
ومانحي كل نعمه )
( ابن الوقاجي عبد
مراده منك رحمة )
ومنه
( إذا كنت الرحيم فلست أخشى
وإن قالوا عذاب النار يحمي )
( وكم عبد كثير الذنب مثلي
بفضلك من عذاب النار يحمي )
وقال في مرضه الذي مات فيه
( لما مرضت من الذنوب وثقلها
وأيست من طب الطبيب النافع )
( علقت أطماعي برحمة سيدي
وأتيته متوسلا بالشافعي )
وتوفي بالقاهرة يوم الإثنين ثاني أو ثالث جمادى الآخرة
وفيها تقي الدين عبد السلام بن القاضي محمد بن عبد السلام الناشري الشافعي الفقيه الصالح توفي بمدينة زبيد ضحى يوم الخميس العشرين من ذي القعدة وفيها محي الدين عبد القادر بن محمد بن عمر بن عيسى بن سابق بن هلال بن يونس بن يوسف بن جابر بن إبراهيم 47 ابن مساعد المزي ثم الصالحي الحنبلي المعروف بابن الرجيحي وجده الأعلى الشيخ يونس هو العارف بالله تعالى شيخ الطائفة اليونسية ولد صاحب الترجمة في ثاني عضر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وحفظ القرآن العظيم والخرقي واشتغل في العلم ثم تصوف ولبس الخرقة من جماعة منهم والده والعلامة أبو العزم المقدسي نزيل القاهرة والشيخ أبو الفتح الأسكندري ولازمه كثيرا وانتفع به وأخذ عنه الحديث وقرأ عليه الترغيب والترهيب للمنذري كاملا وقرأ عليه غير ذلك وسمع منه وعليه أشياء كثيرة وناب في الحكم عن النجم بن مفلح وكانت سيرته حسنة وسكن آخرا بالسهم الأعلى من الصالحية وبنى به زاوية وحماما وسكنا وكان من كبار العارفين بالله تعالى وتوفي ليلة الخميس رابع عشر المحرم ودفن بسفح قاسيون عند صفة الدعاء وفيها علاء الدين علي بن السيد ناصر الدين أبي بكر الشهير بابن نقيب الأشراف بدمشق الحنفي الدمشقي ولد في نصف شوال سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وهو اليوم الذي ولد فيه قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور وكان إماما علامة توفي ليلة الإثنين رابع عشر ذي الحجة ودفن بتربتهم لصيق مسجد الذبان بدمشق
ومات في أوائل هذه السنة شهاب الدين بن الفرفور المذكور
وفيها علاء الدين علي بن أحمد بن عربشاه الإمام العالم أخو قاضي القضاة بدمشق تاج الدين عبد الوهاب بن عربشاه وأخو بدر الدين حسن أحد الشهود المعتبرين بدمشق ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة وتوفي يوم الثلاثاء حادي عشر شوال ودفن بالروضة بسفح قاسيون
وفيها زين الدين عمر الشيخ العلامة الأبشيمي الشافعي قاضي قلعة الجبل بالقاهرة كان له فضيلة تامة وتوفي يوم السبت ثاني عشر شعبان قاله النجم 48 الغزي وفيها أقضى القضاة زين الدين محمد بن عبد الغني الشيخ العلامة الشهير بابن تقي المالكي المصري قال الحمصي كان شابا عالما صالحا توفي في حادي عشري المحرم ودفن بالقرافة وفيها قاضي القضاة بهاء الدين محمد بن محمد بن قدامة المقدسي الصالحية ثم المصري الحنبلي ولد في ربيع الأول سنة ثلاثين وثمانمائة واشتغل في العلم وحصل وبرع وأفتى ودرس ثم ولي قضاء الحنابلة بالشام فلم تحمد سيرته لكن كان عنده حشمة وتوفي يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر وصلى عليه بجامع الحنابلة بسفح قاسيون ودفن بالروضة
وفيها بهاء الدين محمد بن قاضي القضاة جمال الدين يوسف بن أحمد الباعوني الشافعي ولد سنة سبع أو تسع وخمسين وثمانمائة بصالحية دمشق وقرأ القرآن العظيم وحفظ المنهاج وأخذ عن البرهان الباعوني والبرهان بن مفلح والبرهان المقدسي الأنصاري والبرهان الأذرعي وولده شهاب الدين وغيرهم وغلب عليه الأدب وجمع عدة دواوين وكان قليل الفقه وتوفي ليلة السبت حادي عشر شهر رمضان المعظم قاله النجم الغزي
وفيها إمام الزيدية محمد بن علي إمام أهل البدعة ورئيسهم قال في النور السافر أسر في جمع عظيم أمره السلطان عامر بن عبد الوهاب في وقعة عظيمة على باب صنعاء اليمن وتوفي أسيرا في يوم الجمعة رابع عشر ذي الحجة بمدينة صنعاء
سنة إحدى عشرة وتسعمائة
فيها كما قال في النور السافر حصل بمدينة زبيد وسائر جهاتها ريح شديدة اقتلعت أشجارا كثيرة وكسرتها وهدمت بعض البيوت وفيها توفي بامخرمة أحمد بن عبد الله بن أحمد اليمني ولد بعدن بعد وقت طلوع فجر يوم 49 الأربعاء أول يوم من صفر سنة ست وستين وثمانمائة وأخذ عن والده وبرع في الفقه وغيره من العلوم لا سيما الفرائض والحساب فإنه لم يكن له فيهما نظير حتى أن والده مع تمكنه من هذين الفنين كان يقول هو أمهر مني فيهما وكان يحفظ جامع المختصرات في الفقه وممن أخذ عنه من الأئمة الأعيان الفقيه العلامة محمد بن عمر باقضام وانتفع به كثيرا توفي عشية الجمعة عاشر جمادى الآخرة وفيها قاضي القضاة شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمود بن عبد الله بن محمود الشهير بابن الفرفور الدمشقي الشافعي ولد في نصف شوال سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وأخذ عن البرهان الباعوني وأبي الفرج بن الشيخ خليل والنجم بن قاضي عجلون والشمس محمد بن محمد السعدي وأبي المحاسن بن شاهين وغيرهم وبرع وتميز على أقرانه وكان جامعا بين العلم والرياسة والكرم وحسن العشرة بحيث أن الحمصي قال أنه ختام رؤساء الدنيا على الإطلاق وسلطان الفقهاء والرؤساء ولي قضاء قضاة الشافعية بدمشق ثم جمع له بينه وبين قضاء مصر يوم الخميس رابع ربيع الأول سنة عشر وتسعمائة وأبيح له أن يستنيب في قضاء دمشق من يختار فعين ولده القاضي ولي الدين واستمرت عليه هاتان الوظيفتان إلى أن مات وكان له شعر متوسط منه قصيدته التي مدح به سلطان مصر الأشرف قانصوه الغوري التي مطلعها
( لك الملك بالفتح المبين مخلد
لأنك بالنصر العزيز مؤيد )
( وأنت العزيز الظاهر الكامل الذي
هو الأشرف الغوري وهو المسدد )
( تملكته والسيف كاللحظ هاجع
بأجفانه والرمح هاد ممدد )
وهي طويلة فلما وقف عليها لسلطان الغوري ابتهج بها وقرأها بنفسه على من حضر وكافأه عنها بقصيدة من نظمه وجهزها إليه مطلعها
( أجاد لنا القاضي ابن فرفور أحمد
مديحا به أثنى عليه وأحمد ) 50
ومنها
( وقاضي قضاة الشام جاء يزورنا
ويثبت دعوى حبنا ويؤكد )
وهي طويلة أيضا وأقرب إلى الحسن من الأولى ومدح المترجم علاء الدين ابن مليك وغيره وتوفي بالقاهرة في سابع جمادى الآخرة قال الحمصي ضرع في وضوء صلاة الصبح فتوفي وهو يتوضأ وكان مستسقيا وحمل تابوته الأمراء وكانت جنازته حافلة ودفن بالقرافة بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه وفيها أم الهنا بنت محمد الشيخة المباركة الصالحة بنت القاضي ناصر الدين البدراني المصرية قال الحمصي كانت فاضلة ولها رواية في الحديث وتوفيت بالقاهرة في ثامن جمادى الأولى وفيها نور الدين أبو الحسن علي بن القاضي عفيف الدين عبد الله بن أحمد بن علي بن عيسى بن محمد بن عيسى بن محمد بن عيسى بن جلال الدين أبي العلياء بن أبي الفضل جعفر بن علي بن أبي الطاهر بن الحسن بن أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن حسن بن محمد بن إسحق بن محمد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى ابن الحسن الأكبر بن علي بن أبي طالب الحسني ويعرف بالسمهودي نزيل المدينة المنورة وعالمها ومفتيها ومدرسها ومؤرخها الشافعي الإمام القدوة الحجة المفنن ولد في صفر سنة أربع وأربعين وثمانمائة بسمهود ونشأ بها وحفظ القرآن والمنهاج الفرعي وكتبا ولازم والده حتى قرأه عليه بحثا مع شرحه للمحلى وشرح البهجة وجمع الجوامع وغالب ألفية ابن مالك وسمع عليه بعض كتب الحديث وقدم القاهرة معه غير مرة ولازم الشمس الجوجري في الفقه وأصوله والعربية وقرأ على الجلال المحلى بعض شرحيه على المنهاج وجمع الجوامع ولازم الشرف المناوي وقرأ عليه الكثير وألبسه خرقة التصوف وقرأ على النجم بن قاضي عجلون تصحيحه للمنهاج وعلى الشمس البامي تقاسيم المنهاج وغيره وعلى الشيخ زكريا في الفقه والفرائض وعلى السعد الديري وأذن له 51 في التدريس هو واليامي والجوجري وقرأ على من لا يحصى ما لا يحصى قال السخاوي وسمع مني مصنفي الابتهاج وغيره وكان على خير كثير وقطن بالمدينة المنورة من سنة ثلاث وسبعين ولازم فيها الشهاب الأبشيطي وقرأ عليه تصانيفه وغيرها وأذن له في التدريس وأكثر من السماع هناك على أبي الفرج المراغي وسمع بمكة من كمالية بنت النجم المرجاني وشقيقها الكمال والنجم عمر بن فهد في آخرين وانتفع به جماعة الطلبة في الحرمين وألف عدة تآليف منها جواهر العقدين في فضل الشرفين واقتفاء الوفا بأخبار دار المصطفى احترق قبل تمامه ومختصر الوفا ومختصر خلاصة الوفا لما يجب لحضرة المصطفى وحاشية على الإيضاح في مناسك الحج للإمام النووي سماها الإفصاح وكذا على الروضة وسماها أمنية المعتنين بروضة الطالبين وصل فيها إلى باب الربا وجمع فتاويه في مجلد وهي مفيدة جدا وحصل كتبا نفيسة احترقت كلها وهو بمكة في سنة ست وثمانين وزار بيت المقدس وعاد إلى المدينة مستوطنا وتزوج بها عدة زوجات ثم اقتصر على السراري وملك الدور وعمرها قال السخاوي قل أن يكون أحد من أهلها لم يقرأ عليه وبالجملة فهو إمام مفنن متميز في الأصلين والفقه مديم العلم والجمع والتأليف متوجه للعبادة والمباحثة والمناظرة قوي الجلادة طلق العبارة مع قوة يقين وعلى كل حال فهو فريد في مجموعه انتهى وتوفي بالمدينة النبوية يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة وفيها الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن ابن أبي بكر بن محمد بن ساق الدين أبي بكر بن عثمان بن محمد بن خضر بن أيوب بن محمد بن الشيخ همام الدين الخضيري السيوطي الشافعي المسند المحقق المدقق صاحب المؤلفات الفائقة النافعة ولد بعد مغرب ليلة الأحد مستهل رجب سنة تسع وأربعين وثمانمائة وعرض محافيظه على العز الكناني الحنبلي فقال له ما كنيتك فقال لا كنية لي فقال أبو الفضل وكتبه بخطه وتوفي والده وله 52 من العمر خمس سنوات وسبعة أشهر وقد وصل في القرآن إذ ذاك إلى سورة التحريم وأسند وصايته إلى جماعة منهم الكمال بن الهمام فقرره في وظيفة الشيخونية ولحظه بنظره وختم القرآن العظيم وله من العمر دون ثمان سنين ثم حفظ عمدة الأحكام ومنهاج النووي وألفية ابن مالك ومنهاج البيضاوي وعرض ذلك على علماء عصره وأجازوه وأخذ عن الجلال المحلى والزين العقبي وأحضره والده مجلس الحافظ ابن حجر وشرع في الاشتغال بالعلم من ابتداء ربيع الأول سنة أربع وستين وثمانمائة فقرأ على الشمس السيرامي صحيح مسلم إلا قليلا منه والشفا وألفية ابن مالك فما أتمها إلا وقد صنف وأجازه بالعربية وقرأ عليه قطعة من التسهيل وسمع عليه الكثير من ابن المصنف والتوضيح وشرح الشذور والمغنى في أصول فقه الحنفية وشرح العقائد للتفتازاني وقرأ على الشمس المرزباني الحنفي الكافية وشرحها للمصنف ومقدمة ايساغوجي وشرحها للكاتي وسمع عليه من المتوسط والشافية وشرحها للجاربردي ومن ألفية العراقي ولزمه حتى مات سنة سبع وستين وقرأ في الفرائض والحساب على علامة زمانه الشهاب الشارمساحي ثم دروس العلم البلقيني من شوال سنة خمس وستين فقرأ عليه ما لا يحصى كثرة ولزم أيضا الشرف المناوي إلى أن مات وقرأ عليه ما لا يحصى ولزم دروس محقق الديار المصرية سيف الدين محمد بن محمد الحنفي ودروس العلامة التقي الشمني ودروس الكافيجي وقرأ على العز الكناني وفي الميقات على مجد الدين ابن السباع والعز بن محمد الميقاتي وفي الطب على محمد بن إبراهيم الدواني لما قدم القاهرة من الروم وقرأ على التقي الحصكفي والشمس البابي وغيرهم وأجيز بالافتاء والتدريس وقد ذكر تلميذه الداودي في ترجمته أسماء شيوخه 53 إجازة وقراءة وسماعا مرتبين على حروف المعجم فبلغت عدتهم أحدا وخمسين نفسا واستقصى أيضا مؤلفاته الحافلة الكثيرة الكاملة الجامعة النافعة المتقنة المحررة المعتمدة المعتبرة فنافت عدتها على خمسمائة مؤلف وشهرتها تغني عن ذكرها وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في أقطار الأرض شرقا وغربا وكان آية كبرى في سرعة التأليف حتى قال تلميذه الداودي عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا وكان مع ذلك يملي الحديث ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالا وغريبا ومتنا وسندا واستنباطا للأحكام منه وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث قال ولو وجدت أكثر لحفظته قال ولعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك ولما بلغ أربعين سنة أخذ في التجرد للعبادة والانقطاع إلى الله تعالى والاشتغال به صرفا والاعراض عن الدنيا وأهلها كأنه لم يعرف أحدا منهم وشرع في تحرير مؤلفاته وترك الافتاء والتدريس واعتذر عن ذلك في مؤلف سماه بالتنفيس وأقام في روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات ولم يفتح طاقات بيته التي على النيل من سكناه وكان الأمراء والأغنياء يأتون إلى زيارته ويعرضون عليه الأموال النفيسة فيردها وأهدى إليه الغوري خصيفا وألف دينار فرد الألف وأخذ الخصى فأعتقه وجعله خادما في الحجرة النبوية وقال لقاصد السلطان لا تعد تأتينا بهدية قط فإن الله تعالى أغناها عن مثل ذلك وطلبه السلطان مرارا فلم يحضر إليه ورؤى النبي في المنام والشيخ السيوطي يسأله عن بعض الأحاديث والنبي يقول له هات يا شيخ السنة ورأى هو بنفسه هذه الرؤيا والنبي يقول له هات يا شيخ الحديث وذكر الشيخ عبد القادر الشاذلي في كتاب ترجمته أنه كان يقول رأيت النبي يقظة فقال لي يا شيخ الحديث فقلت له يا رسول الله أمن أهل الجنة أنا 54 قال نعم فقلت من غير عذاب يسبق فقال لك ذلك وقال الشيخ عبد القادر قلت له كم رأيت النبي يقظة فقال بضعا وسبعين مرة وذكر خادم الشيخ السيوطي محمد بن علي الحباك أن الشيخ قال له يوما وقت القيلولة وهو عند زاوية الشيخ عبد الله الجيوشي بمصر بالقرافة أتريد أن تصلي العصر بمكة بشرط أن تكتم ذلك على حتى أموت قال فقلت نعم قال فأخذ بيدي وقال غمض عينيك فغمضتهما فرحل بي نحو سبع وعشرين خطوة ثم قال لي افتح عينيك فإذا نحن بباب المعلاة فزرنا أمنا خديجة والفضيل بن عياض وسفين ابن عيينة وغيرهم ودخلت الحرم فطفنا وشربنا من ماء زمزم وجلسنا خلف المقام حتى صلينا العصر وطفنا وشربنا من زمزم ثم قال لي يا فلان ليس العجب من طي الأرض لنا وإنما العجب من كون أحد من أهل مصر المجاورين لم يعرفنا ثم قال لي إن شئت تمضي معي وإن شئت تقيم حتى يأتي الحاج قال فقلت اذهب مع سيدي فمشينا إلى باب المعلاة وقال لي غمض عينيك فغمضتهما فهرول بي سبع خطوات ثم قال لي افتح عينيك فإذا نحن بالقرب من الجيوشي فنزلنا إلى سيدي عمر بن الفارض وذكر الشعراوي عن الشيخ أمين الدين النجار إمام جامع الغمري أن الشيخ أخبره بدخول ابن عثمان مصر قبل أن يموت وأنه يدخلها في افتتاح سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة وأخبره أيضا بأمور أخرى فكان الأمر كما قال ومناقبه لا تحصر كثرة ولو لم يكن له من الكرامات إلا كثرة المؤلفات مع تحريرها وتدقيقها لكفى ذلك شاهدا لمن يؤمن بالقدرة وله شعر كثير جيده كثير ومتوسطه أكثر وغالبه في الفوائد العلمية والأحكام الشرعية فمه وأجاد فيه
( فوض أحاديث الصفات
ولا تشبه أو تعطل )
( الا رمت إلا الخوض في
تحقيق معضله فأول )
( إن المفوض سالم
مما تكلفه المؤول ) 55
وقال
( حدثنا شيخنا الكناني
عن أبه صاحب الخطاب )
( أسرع أخا العلم في ثلاث
الأكل والمشي والكتابة )
وقال
( عاب الاملاء للحديث رجال
قد سعوا في الضلال سعيا حثيثا )
( إنما ينكر الأمالي قوم
لا يكادون يفقهون حديثا )
وقال
( لم لا نرجى العفو من ربنا
وكيف لا نطمع في حلمه )
( وفي الصحيحين أتى أنه
بعبده أرحم من أمه )
وتوفي في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى في منزله بروضة المقياس بعد أن تمرض سبعة أيام بورم شديد في ذراعه الأيسر عن إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة وفيها علاء الدين علي بن أحمد الإمام العلامة الحنفي نقيب أشراف دمشق كان عالما مفننا ذكيا بارعا في العلوم العقلية والنقلية توفي يوم الإثنين سادس عشرى ذي القعدة وفيها الشيخ العارفي بالله تعالى الصوفي محمد بن سلامة الهمذاني الشافعي قال الحمصي ضرب بالمقارع إلى أن مات بسبب أنه تزود بامرأة خنثى واضح ودخل بها وأزال بكارتها وكان لها ابن عم مغربي أراد أن يتزوجها فلم تقبل عليه فذهب إلى رأس نوبة الأمير طرباي واشتكى عليهما فأحضرهما وضربهما بالمقارع وجرسهما على ثورين وأشهرهما في القاهرة فما وصل إلى باب المقشرة حتى مات ولم يسأل عنه ولا حول ولا قوة إلا بالله قال وتأسف الناس عليه كثيرا وكان موته في حادي عشر شهر رمضان رحمه الله تعالى وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن أبي بكر الشيخ العلامة الموقت التيزيني الدمشقي الحنفي ولد في رجب 56 سنة ثمان وعشرين وثمانمائة وكان عنده عقل وتؤدة وحسن تصرف وكان رئيس الموقتين بالجامع الأموي وتوفي يوم السبت ثالث صفر
وفيها شمس الدين محمد بن مصطفى بن الحاج حسن المولى الفاضل الرومي الحنفي قرأ على علماء عصره واتصل بخدمة المولى يكان وولي التدريس والولايات وتنقلت به الأحوال إلى أن ولاه السلطان محمد بن عثمان قضاء العسكر الأناضولية ولما تولى السلطان أبو يزيد أقره في منصبه ثم جعله قاضيا بالعساكر الروميلية وبقي فيه حتى توفي قال في الشقائق وكان رجلا طويلا عظيم اللحية طلق الوجه محبا للمشايخ بحرا في العلوم محبا للعلم والعلماء ألف حاشية على سورة الأنعام من تفسير القاضي البيضاوي وحاشية على المقدمات الأربع في التوضيح وكتابا في الصرف سماه ميزان التصريف وكتابا في اللغة جمع فيه غرائب اللغات ولم يتم وبنى مدرسة بالقسطنطينية ومسجدا ودارا للتعليم وبها دفن وقد جاوز التسعين
وفيها جمال الدين يوسف الحمامي المصري المالكي القاضي الإمام العلامة قال الحمصي كان صالحا مباركا وباشر نيابة الحكم العزيز بمصر القاهرة وتوفي بها سابع عشر شعبان وفيها يوسف الحميدي المشهور بشيخ بستان الرومي الحنفي العالم الفاضل اشتغل بالعلم أشد الاشتغال ولم يكن ذكيا لكن كان طبعه خالصا من الأوهام وصار معيدا عند قاضي زاده ثم وصل إلى خدمة خواجه زاده ثم صار مدرسا ببعض المدارس ولي مدرسة أحمد باشا ابن ولي الدين ببروسا وكان ساكنا ببروسا في بعض رباطاتها متجردا عن العلائق راضيا بالقليل من العيش ولم يتزوج وله حواش على شرح المفتاح للسيد مقبولة وتوفي ببروسا
سنة اثنتي عشرة وتسعمائة
وفيها توفي شهاب الدين أحمد بن عبد الرحيم بن حسن التلعفري الدمشقي 57 القبياتي الشافعي العلامة الشهير بابن المحوجب ولد في ربيع الأول سنة إحدى أو اثنتين وأربعين وثمانمائة وطلب العلم وكان له خط حسن كتب به كثيرا وكان مهابا عند الملوك والأمراء وله كرم وافر وسماطه من أفخر الأطعمة يأكل منه الخاص والعام حتى نائب دمشق وقاضيها وكانت له كلمة نافذة يأوي إليه كل مظلوم وكان قد جزأ الليل ثلاثة أثلاث ثلثا للسمر والكتابة وثلثا للنوم وثلثا للتهجد والتلاوة وكان يتردد إليه أكابر الناس العلماء والأمراء وغيرهم خصوصا شيخ الإسلام زين الدين خطاب وبالجملة فقد انتهت إليه الرياسة والسيادة بالشام وتردد إلى مصر كثيرا ووجه إليه السلطان قايتباي خطابة القدس وهو بمصر فقبلها ثم نزل عنها لبعض المقادسة لما رأى من شدة عنايتهم بطلبها وكان كث اللحية والحاجبين أشعر الأذنين واسع الصدر توفي بدمشق يوم السبت ثالث عشرى ربيع الأول ودفن قبلي قبر الشيخ تقي الدين الحصني وفيها شهاب الدين أحمد بن العسكري الصالحي الدمشقي الحنبلي مفتي الحنابلة بها كان صالحا دينا زاهدا مباركا يكتب على الفتاوى كتابة عظيمة ولم يكن له في زمنه نظير في العلم والتواضع والتقشف على طريقة السلف منقطعا عن الناس قليل المخالطة لهم ألف كتابا في الفقه جمع فيه بين المقنع والتنقيح مات قبل تمامه في ذي الحجة ودفن بالصالحية وفيها حسين بن أحمد بن حسين الموصلي الأصل العزازي الحلبي الشافعي المعروف بابن الأطعاني قال ابن الحنبلي كان صالحا فاضلا حسن الخط له اشتغال على البدر السيوفي في العربية والمنطق توفي في هذه السنة بمكة قال بعض السقائين طلبوا له مني ماء من سبيل الجوخي لقلة الماء بمكة إذ ذاك فذكرت أني الآن فارقته خاليا من الماء فصمموا على في الذهاب إليه فذهبت لآتي بالماء من غيره فمررت به فإذا هو ممتلىء فملأت قربتي وعدت وعد ذلك من كراماته رحمه الله تعالى 58
وفيها نور الدين حمزة المولى العالم الروم الحنفي الشهير بليس جلبي قرأ على علماء عصره وخدم المولى خواجه زاده ثم صار حافظا لدفتر بيت المال والديوان في زمن السلطان محمد هان ثم صار مدرسا بمدرسة السلطان مراد خان ببروسا ثم صار حافظا لدفتر بيت المال أيضا في زمن السلطان أبي يزيد خان ثم عزل وبقي متوطنا ببروسا وبنى بها زاوية للفقراء ومات بها ودفن بزاويته المذكورة وفيها علم الدين سليمان البحيري المصري المالكي العلامة شيخ المالكية ومفتيهم بمصر توفي في ثامن شعبان ودفن بالصحراء بالقاهرة وفيها الشرف بن وهيب الإمام العالم العلامة مفتي مدينة تعز باليمن توفي عشية الثلاثاء عشرى شوال
وفيها عبد الله بن عمر بن سليمان بن عمر بن نصر الكناوي الصفدي الشافعي جد موسى الكناوي لأمه كان عالما عاملا مؤثرا للصمت والعزلة عن الناس لا يحضر مجالسهم إلا لحضور الصلوات والجنائز والتدريس وقراءة صحيح البخاري على كرسي بصوت حسن ونغمة طيبة وترتيل وتأن وحضور قلب وسكون جوارح وكان يقرر معاني الأحاديث لمن يحضر مجلسه وكان إماما بالمسجد الذي يجري إليه الماء خارج كفركنا وكان يفتي أهل تلك البلاد ويقرىء الطلبة في الحديث والفقه والفرائض والنحو ومكث على ذلك نحو خمسين سنة وكان صوته في القرآن لطيفا ومع ذلك كان يسمعه من يتسمع لقراءته وهو يتهجد في هدوء الليل من نحو ميل وانتفع كثيرا بابن أرسلان ولازمه بالقدس الشريف مدة وتوفي ببلده كفركنا في غرة شوال وهو في عشر التسعين وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن حسن الشاوي الشافعي الشيخ الإمام شيخ الإسلام توفي يوم الجمعة سابع عشر شعبان وفيها محب الدين أبو الفضل محمد بن عرب المصري الشافعي الإمام العلامة أقضى القضاة خليفة الحكم العزيز 59 بالديار المصرية قال الحمصي كان عالما فاضلا مفننا ذكيا فقيها كثير الأدب توفي بالقاهرة ثامن عشرى المحرم وفيها أقضى القضاة شمس الدين محمد بن عيسى الدمشقي الحنفي الإمام العلامة قاضي دمشق ومفتيها قال الحمصي كان عالما فاضلا مفننا يعرف صناعة التوريق والشهادة معرفة تامة ذكيا متضلعا من العلوم محجاجا لا يجاري في بحثه توفي بدمشق في رجب ودفن بالصالحية وتأسف الناس عليه وفيها أقضى القضاة بدر الدين محمد بن الشيخ العلامة شمس الدين محمد القرافي المالكي خليفة الحكم بالديار المصرية كان إماما علامة توفي بالقاهرة يوم الثلاثاء ثالث عشر ذي القعدة ودفن بالصحراء وكانت جنازته حافلة
وفيها أمين الدين محمد بن شيخ الإسلام شمس الدين محمد الجوجري المصري الشافعي شارح الإرشاد والده كان هو شابا عالما فاضلا بارعا مفننا توفي بالقاهرة مستهل صفر وفيها شمس الدين محمد بن أبي عبيد المقرىء الشافعي الإمام العالم العلامة خليفة الحكم العزيز بالقاهرة قال الحمصي كان فاضلا ذكيا مفننا توفي بالقاهرة يوم الجمعة ثالث عشرى شهر رمضان وكانت جنازته حافلة وفيها تقريبا بدر الدين محمود بن محمد الرومي الحنفي العالم الفاضل كان إماما للسلطان أبي يزيد خان ثم ولاه قضاء العسكر بولاية أناضولي سنة إحدى عشرة بعد أن ولاه قضاء بروسا أكثر من عشر سنين ثم عزل عن قضاء العسكر وأعطى تقاعدا عنه كل يوم مائة عثماني ومات بعد زمن يسير قال في الشقائق كان كريم النفس حميد الأخلاق محبا للعلماء والصلحاء رحمه الله تعالى
وفيها شرف الدين موسى بن عبد الغفار المالكي خليفة الحكم العزيز بالقاهرة وكاتب مستندات السلطان الغوري كان إماما علامة توفي يوم الجمعة خامس عشرى رجب 60
سنة ثلاث عشرة وتسعمائة
فيها غلب الفرنج على مدينة هرموز وأخذوها
وفيها توفي السيد الشريف برهان الدين إبراهيم بن محمد الحسني نقيب الأشراف بدمشق ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة قال الحمصي وكان رجلا شجاعا مقداما على الملوك ووقع له مع السلطان الأشرف قايتباي وقائع يطول شرحها ومات بالقاهرة وهو يومئذ نقيب الأشراف بدمشق في يوم الخميس خامس المحرم وأسند الوصايا على أولاده لكاتب الأسرار المحب بن أجا قال ابن طولون وتقلد أمورا في حياته وبعد موته رحمه الله تعالى وفيها برهان الدين إبراهيم الدميري المالكي قاضي قضاة المالكية بالقاهرة كان إماما علامة توفي ببيته بالقرب من الصالحية بين القصرين من القاهرة في يوم الأربعاء ثالث عشرى رمضان وكان سبب موته خطبته بين يدي السلطان الغوري لما أراد أن يسمع الخطباء
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن خليل الحاضري الأصل ثم الحلبي الحنفي عرف بابن خليل أخذ عن الحافظ برهان الدين الحلبي سبط ابن العجمي وكان إماما علامة يفتي بحلب ويعظ بجامعها وكان وعظه نافعا يكاد يغيب فيه لفرط خشوعه وكان دينا خيرا تلمذ له شيخ الشيوخ بحلب الموفق بن أبي ذر المحدث قال ابن الحنبلي وأخبرني أنه كان يتمثل بقول القائل
( وكان فؤادي خاليا قبل حبكم
وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح )
( فلما دعا قلبي هواك أجبته
فلست أرى قلبي لغيرك يصلح )
وتوفي بحلب وتأسف الناس عليه وفيها شهاب الدين أحمد بن علي المقرىء القاهري شيخ القراء بها كان إماما عالما توفي يوم الأحد 61 عاشر القعدة وفيها شهاب الدين أحمد الأعزازي الدمشقي الصالحي كان صالحا مباركا دينا ناب في القضاء بدمشق وتوفي بها في نهار الجمعة ثالث عشر ربيع الأول وصلى عليه بالأموي بعد صلاة الجمعة ودفن بمقبرة باب الصغير وفيها شهاب الدين أحمد الخشاب الدمشقي العلامة الشافعي كان خطيبا بجامع القصب وتوفي في ذي الحجة وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد الزهيري الصالحي ثم الدمشقي الشاب الفاضل قال ابن طولون اشتغل معنا على الشيخ محمد بن رمضان وغيره وبحث وتوفي يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الأول ودفن بمقابر باب الصغير انتهى
وفيها نجم الدين طلحة بن محمد بن يحيى الجهمي صاحب المصباح كان أماما فقيها جليلا توفي باليمن ببلدة من أصاب ودفن هناك بجوار جده يحيى بن أحمد الجهمي وكثر عليه الأسف وفيها زين الدين عبد الغفار المصري الضرير الشافعي الإمام العلامة المفنن قال الحمصي مات قتلا ببلدة يقال لها مطبوس بالقرب من الأسكندرية قال وسبب ذلك أن هذه كانت جارية في أقطاع الأمير طرباي رأس نوبة النوب وبها رجل متدارك لمالها اسمه ابن عمرو فوقع بينه وبين أهل البلدة لفسقه وظلمه فشكوا حالهم للأمير طرباي فأرسل أخاه للبلد يحرر ذلك فلما حضر شكا أهل البلدة إليه ظلم ابن عمرو فضرب أخو طرباي واحدا من أهل البلدة بالدبوس فرجمه أهل البلدة فأمر بضرب السيف فيهم فقتل منهم ما يزيد على ثلاثين نفرا فقال الشيخ عبد الغفار هذا ما يحل فضربت عنقه وألقى في البحر فساقه البحر إلى قرية تسمى كوم الأفراح بها جمع من الأولياء فدفن بها وكانت له جنازة لم يشهد مثلها وكان قتله رحمه الله تعالى يوم الجمعة سادس المحرم
سنة أربع عشرة وتسعمائة
فيها كان حريق عظيم بمدينة عدن احترق به من الآدميين نحو ثلاثين 62 نفسا وتلف من الأموال والبيوت ما لا يحصى وفيها توفي الشيخ العارف بالله تعالى إبراهيم الشاذلي المصري كان ينفق نفقة الملوك ويلبس ملابسهم وذلك من غيب الله تعالى لا يدري أحد له جهة معينة تأتيه منها الدنيا ولم يطلب الطريق حتى لحقه المشيب فجاء إلى سيدي محمد المغربي الشاذلي وطلب منه التربية فقال له يا إبراهيم تريد تربية بيتية والأسوقية فقال له ما معنى ذلك قال التربية السوقية هي أن أعلمك كلمات في الفناء والبقاء ونحوهما وأجلسك على السجادة وأقول لك خذ كلاما وأعط كلاما من غير ذوق ولا انتفاع والتربية البيتية بأن تفنى اختيارك في اختياري وتشارك أهل البلاء وتسمع في حقك ما تسمع فلا تتحرك لك شعرة اكتفاء بعلم الله تعالى فقال أطلب التربية البيتية قال نعم لكن لا يكون فطامك إلا بعدي على يد الشيخ أبي المواهب وكان الأمر كذلك ولذلك لم يشتهر إلا بالمواهبي ثم قال له الشيخ محمد قف غلاما اخدم البيت والبغلة وحسن الفرس وافرش تحتها الزبل وكب التراب فقال سمعا وطاعة فلم يزل يخدم عنده حتى مات فاجتمع على سيدي أبي المواهب ولم يزل عنده يخدم كذلك ولم يجتمع مع الفقراء في قراءة حزب ولا غيره حتى حضرت سيدي أبا المواهب الوفاة فتطاول جماعة من فقرائه إلى الاذن فقال الشيخ هاتوا إبراهيم فجاءه فقال افرشوا له السجادة فجلس عليها وقال له تكلم على إخوانك في الطريق فأبدى الغرائب والعجائب فأذعن له الجماعة كلهم وكان له ديوان شعر وموشحات وشرح حكم ابن عطاء الله شرحا حسنا وتوفي في هذه السنة ودفن بزوايته بالقرب من قنطرة سنقر وقبره بها ظاهر يزار وفيها القطب الرباني شمس الشموس أبو بكر بن عبد الله باعلوي قال في النور السافر ولد بتريم وتريم بتاء مثناة فوقية ثم راء مكسورة ثم تحتية ثم ميم على وزن عظيم بلدة من حضرموت اعدل أرض الله هواء وأصحها تربة وأعذبها ماء وهي قديمة معشش الأولياء 63 ومعدنهم ومنشأ العلماء وموطنهم وهي مسكن الأشراف آل باعلوي روى أن الفقيه محمد بن أبي بكر عباد رحمه الله تعالى كان يقول إذا كان يوم القيامة أخذ أبو بكر الصديق رضي الله عنه آل تريم كلهم قبضة في يده ورمى بهم في الجنة قال في النور ولما كانت خير بلاد الله بعد الحرمين وبيت المقدس أكرمها الله تعالى بخير عباده وأكرمهم عليه الذين زينهم باتباع السنة الغراء مع صحة نسبهم المتصل بالسيدة الزهراء ويذكر أنها تنبت الصالحين كما تنبت الأرض البقل واجتمع بها في عصر واحد من العلماء الذين بلغوا رتبة الافتاء ثلثمائة رجل وأن بتربتها ممن شهد بدرا مع رسول الله وغيرهم من الصحابة سبعين نفرا انتهى ملخصا ثم قال في النور ولد المترجم بتريم سنة إحدى وخمسين وثمانمائة وأخذ عن عمه الشيخ علي والفقيه محمد بن أحمد بافضل وقرأ الكثير وأجازه علماء الآفاق كالسخاوي والشيخ يحيى العامري اليمني وغيرهما وعده جار الله بن فهد في معجمه من شيوخه في الحديث وقد ذكر العلامة محمد بن عمر بحرق في كتابه مواهب القدوس في مناقب ابن العيدروس من مناقبه جملة كافية شافية تنشرح بمطالعتها الصدور ثم قال في النور وكان من أكابر الأولياء بل هو قطب زمانه كما شهد به العارفون بالله تعالى شرقا وغربا ولم يمتر في ذلك ذو بصيرة من أهل الطريق وكان في الجود آية من آيات الله تعالى يذبح لسماطه في رمضان كل يوم ثلاثين كبشا ولذلك بلغت ديونه مائتي ألف دينار فقضاها الأمير الموفق ناصر الدين باحلوان في حياته فإنه كان يقول إن الله وعدني أن لا أخرج من الدنيا إلا وأدى عني ديني وحكى من مجاهداته أنه هجر النوم بالليل أكثر من ثلاثين سنة ومن كراماته أنله ما رجع من الحج دخل زليع وكان الحاكم بها يومئذ محمد بن عتيق فاتفق أنه ماتت أم ولد للحاكم المذكور وكان مشغوفا بها فكاد عقله يذهب لموتها فدخل عليه سيدي لما بلغه عنه من شدة الجزع ليعزيه 64 ويأمره بالصبر وهي مسجاة بين يديه بثوب فعزاه وصبره فلم يفد فيه ذلك وأكب على قدمي الشيخ يقبلهما وقال يا سيدي إن لم يحي الله هذه مت أنا أيضا ولم تبق لي عقيدة في أحد فكشف سيدي عن وجهها وناداها باسمها فأجابته لبيك ورد الله روحها وخرج الحاضرون ولم يخرج سيدي الشيخ حتى أكلت مع سيدها الهريسة وعاشت مدة طويلة قال وقد صنف في مناقبه غير واحد من العلماء الأعلام وله مؤلفات منها ثلاثة أوراد بسيط ووسيط ووجيز وديوان شعر منه
( أنا الجواد ابن عبد الله إن عرضت
للجود مكرمة أني لها الشاري )
( وأني العيدروس ابن البتول إذا
حر تسلسل من أصلاب أطهار )
( أما ترى أنني قضيت دين أبي
وكان ذاك ثلاثون ألف دينار )
( مجدي قديم أخير لا يسايره
مجد لما حزت من صبر وإيثار )
توفي ليلة الثلاثاء رابع عشر شوال بعدن وقبره بها أشهر من الشمس الضاحية يقصد للزيارة والتبرك من الأماكن البعيدة انتهى ملخصا قلت ولعله هو مبتكر القهوة المتقدم ذكره في سنة تسع وتسعمائة فليحرر والله سبحانه وتعالى أعلم وفيها شهاب الدين أحمد بن كرك الصالحي الحنفي العدل قال ابن طولون اشتغل على شيخنا الزيني بن العيني وغيره وذهب إلى مصر صحبة التاج نائب ديوان القلعة فمرض في بيت أمير مجلس سودون العجمي فتوفي يوم السبت تاسع عشر شوال وأوقف وقفا على ذريته وعتقائه وقراءة بخارى انتهى وبخط القاضي أكمل بن مفلح هذا جد والدتي أبو أمها وهو حلبي الأصل يعرف بابن شموا معلم دار الضرب بها ولابن شموا وقف بحلب وفي آخره كتبه أكمل بن ستيته بنت آمنة بنت أحمد بن كرك انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن عيد الحنفي ولي نيابة القضاء بالقاهرة وسافر إلى دمشق وولي بها نيابة القضاء عن ابن يوسف وتزوج بدمشق زوجة 65 القاضي إسماعيل الحنفي وطلع هو وهي إلى البستان بالمزاز فنزل عليه السراق ليلا فقتلوه وقتلوا غلامه فأصبح نائب الشام سيباي رسم على زوجته بسببه وكان ذلك يوم الخميس ثاني عشرى ذي الحجة قاله في الكواكب
وفيها محي الدين عبد القادر بن محمد بن عثمان بن علي المارديني الأصلي الحلبي المولد والمنشأ والدار والوفاة الشافعي الشهير بالأبار هو وأبوه لأنه كان يصنع الابر بحانوت له ثم اشتغل بالعلم ورحل في طلبه وأخذ الحديث عن السخاوي وكتب له إجازة حافلة وسمع منه المسلسل بالأولية وغيره وأخذ الفقه وغيره عن الشمس الجوجري وغيره وأجازه وأذن له بالافتاء وأثنى عليه ومدحه وأنشده لنفسه ملمحا ومضمنا
( كانت مساءلة الركبان تخبرنا
عن علمكم ثم عنكم أحسن الخبر )
( ثم التقينا وشاهدت العجاب من
غزير علم حمته دقة النظر )
( فقلت حينئذ والله ما سمعت
أذناي أحسن مما قد رأى بصري )
وبالجملة فقد بزع وساد وأكب واجتهد حتى صار فقيه حلب ومفتيها وأخذ عنه فضلاؤها كالبرهان العمادي والزين بن الشماع وكان مع البراعة حسن العبارة شديد التحري في الطهارة طارح التكلف ظاهر التقشف حسن المحادثة حلو المذاكرة اتفق على محبته الخاص والعام وكانت علامة القبول والصدق ظاهرة في أقواله وأفعاله قال ابن الحنبلي وكان يقول نحن من بيت بماردين مشهور ببيت رسول وجدنا الشيخ أرسلان الدمشقي غير أني لا أحب بيان ذلك خوفا من أن أنسب إلى تحميل نسبي على الغير وأن يقدح في بذلك وتوفي في يوم الثلاثاء خامس عشر ذي القعدة
وفيها بدر الدين محمد بن جمعة الفيومي الحنفي أحد أعيان علما مصر ومشاهيرهم دخل إلى الروم مرتين ودخل فيهما دمشق قال النجم الغزي وكتب بدمشق عند جوازه بها قاصدا للملك أبي يزيد بن عثمان في نصف 66 صفر سنة ست وتسعين وثمانمائة لغزا صورته
( يا من له أدب وفضل لا يحد
ومحاسن فوق الحساب فلا تعد )
( ويحل أن نفث البليغ معانيا
في مبهمات اللفظ فهي لها عقد )
( ما اسم تركب من حروف مثلما
قد قامت الأركان منا بالجسد )
( فاعجب لها من أربع قد ركبت
فردين مع زوجين في اللفظ انعقد )
( فرد وزوج أولان اتصلا
كأن ذا وذاك روح وجسد )
( وآخران انفصلا بعدهما
كعاشق معشوقه عنه انفرد )
( فبين فردين أتى زوج كذا
ما بين زوجين لنا فرد ورد )
( والأول النصف لثان عده
والثالث النصف لرابع العدد )
( والثالث الثلث لأول كما
رابعه ثلث لثانيه يعد )
( وعد حرف منه ساوى عدد الباقي
لمن قابل ذا بذا وعد )
( حرف له نصف وحرف ثلث
وحرف السدس حسابا لن يرد )
( ذاك ثلاثة وهذا اثنان
والآخران تطلبه واحد أحد )
( يلقى الذي يلقاه أو لم يلقه
جوى بقلب واجب طول الأبد )
( قد بان ما قد بان من لغز يرى
طردا وعكسا في نظام اطرد )
( فهاك لغزي إن ترد جوابه
تجده دونه بدا ياذا الرشد )
( فأت به مبينا مفصلا
وحل ما في النظم حل وانعقد )
فأجابه شيخ الإسلام الجد بقوله
( يا سيدا حاز الفضائل وانفرد
بمعارف قد جد فيها واجتهد )
( مازلت تبدي كل حين تحفة
بعجائب من بحر عرفان ثمد )
( أرسلت لي لغزا بديعا وصفه
عقدته بنوادر لا تنتقد )
( في اسم تركب من حروف أربع
معلومة مثل الطبائع في العدد )
( فردين مع زوجين فيها ركبا
من أول مع آخر أيضا ورد ) 67
( مع ما ذكرت به من الألغاز في
نظم ببحر كامل منه استمد )
( وطلبت فيه جواب ما ألغزته
مني بتفصيل يحلل مع انعقد )
( وجواب لغزك بين أوضحته
بصريح لفظ فيه بالمعنى اتحد )
( النصف منه الربع أو إن شئت قل
نصف وربع نصفه من غير رد )
( والربع نصف ربعه أو ضعفه
من طرده أو عكسه حيث اطرد )
( والربع نصف سدسه أو سدسه
هندسة ما ثم من لها جحد )
( والقلب واجبا إذا انتدبته
لذا وليس خافيا على أحد )
( وهو الصوابان حذفت أولا
عوضته بسورة بلا فند )
( وهو الجوي بحذف آخر وان
يبدل بدال فجواد ذو مدد )
( وأنه المسئول عنه ظاهرا
فدم بجنة الرضا إلى الأبد )
توفي الشيخ بدر الدين بن جمعة صاحب الترجمة في يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة انتهى
وفيها محمد بن زرعة المصري أحد أتباع الشيخ إبراهيم المتبولي قال المناوي في طبقاته كان مشمولا بالبركة مقبولا في السكون والحركة أعلام ولايته مشهورة وألوية مصارفه منشورة وكان زمنا أقعده الفقراء بقنطرة قد يدار ولم يزل قاعدا بالشباك الذي دفن فيه وكان يتكلم ثلاثة أيام ويسكت ثلاثة أيام ويتكلم على الخواطر انتهى توفي في هذه السنة ودفن في الشباك الذي كان يجلس فيه وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن إسمعيل الشيخ الإمام العالم العلامة الصالح الشهير بالقيراطي الدمشقي الشافعي ولد في سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة قال الحمصي وكان فاضلا مفننا حفظ المنهاج للنووي والتصحيح الكبير عليه للشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون وتوفي ليلة الثلاثاء ثاني عشر رمضان وفيها أقضى القضاة محي الدين يحيى بن شهاب الدين أحمد بن حسن بن عثمان الزرعي الشهير بالأخنائي 68 الشافعي خليفة الحكم العزيز بدمشق ولد في خامس عشر رمضان سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة وخطب مرة بالجامع الأموي عن قريبه قاضي القضاة نجم الدين بن شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون لضعف حصل للخطيب سراج الدين فحصل له ارتعاد في الخطبة وكان ذلك تاسع شوال هذه السنة ثم توفي يوم الإثنين سابع القعدة ودفن بباب الصغير عند أبيه وأخيه غربي القلندرية
سنة خمس عشرة وتسعمائة
فيها كما قال في النور ظهر في السماء في آخر الليل من مطلع العقرب على هيئة قوس قزح أبيض له شعاع وهو أزج له رأس مائل نحو مطلع سهيل واستدام يطلع كل ليلة في الوقت المذكور نحو ثلاث عشرة ليلة ثم اضمحل
وفيها توفي برهان الدين إبرهيم بن حسن الشيخ العلامة النبيسي الشيشري ونبيس قرية في حلب والشيشر من بلاد العجم قاله النجم وقال كان من فضلاء عصره وله مصنفات في الصرف وقصيدة تائية في النحو لا نظير لها في السلاسة وله تفسير من أول القرآن إلى سورة يوسف ومصنفات في التصوف وقتل في أرزنجان قتله جماعة من الخوارج انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن أحمد الإمام العالم المحدث الدمشقي الشافعي الشهير بابن طوق ولد في ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وثمانمائة وتوفي يوم الأحد ثالث أو رابع رمضان بدمشق
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن عثمان الشيخ الإمام الفرضي الشهير بابن أمير غفلة الحلبي الحنفي قال ابن الحنبلي كان عالما عاملا منور الشيبة حسن السمت فقيها فرضيا حيسوبا تلمذ للعلامة الفرضي الحيسوب جمال الدين يوسف الأسعردي ثم الحلبي وعلق على نزهة الحساب تعليقا حمله على وضعه 69 شيخنا العلامة الموصلي كما نبه على ذبلك في ديباجته ولم يزل على ديانته يتعاطى صنعة التجارة إلى أن مات وكان الناس مضطرين إلى الغيث فأنزله الله في أول ليلة مكث في قبره رحمه الله تعالى انتهى وفيها فقيه بيت الفقيه باليمن عبد الله بن الخطيب بن أحمد بن حشيبر اليمني قال في النور توفي ببلده يوم الإثنين خامس عشر ربيع الآخر وكان فقيه بلده وعالمها
وفيها زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن إبراهيم الشيخ الإمام القدوة الزاهد الرباني الدمشقي الصالحي الحنبلي حفظ القرآن العظيم ثم قرأ المقنع وغيره واشتغل وحصل وأخذ الحديث عن ابن زيد وابن عبادة وغيرهما وكان يقرىء الأطفال في مكتب مسجد ناصر الدين غربي مدرسة أبي عمر وكان يقرأ البخاري في البيوت والمساجد وجامع الحنابلة بسفح قاسيون وكان إذا ختم البخاري في الجامع المذكور يحضر عنده خلائق فإنه كان فصيحا وله في الوعظ مسلك حسن ثم انجمع في آخر عمره عن الناس وقطن بزاوية المحيوي الرجيحي بالسهم الأعلى إماما لها وقارئا للبخاري وتوفي في هذه السنة ودفن بالروضة وفيها العارف بالله تعالى عبد القادر ابن محمد بن عمر بن حبيب الصفدي الشافعي صاحب التائية المشهورة قال في الكواكب أخذ العلم والطريق عن الشيخ العلامة الصالح شهاب الدين بن أرسلان الرملي صاحب الصفوة وعن غيره وكان خامل الذكر بمدينة صفد مجهول القدر عند أهلها لا يعرفون محله من العلم والمعرفة وكان يقرىء الأطفال ويباشر وظيفة الأذان حتى لقيه سيدي علي بن ميمون فسمع شيئا من كلامه فشهد له بالذوق وأنه من أكابر العارفين وأعيان المحبين فهنالك نشر ذكره وعرف الناس قدره كما ذكر ذلك الشيخ علوان الحموي في أول شرح تائية ابن حبيب قال النجم وحدثني بعض الصالحين الثقات أن السيد علي بن ميمون كان سبب رحلته من المغرب طلب لقى جماعة أمره بعض رجال المغرب 70 بلقيهم منهم ابن حبيب وأنه لا يزال يتطلع ويتنشق ويتصفح البلاد والناس حتى دخل صفد فتنشق أنفاس ابن حبيب فدخل عليه المكتب فأضافه الشيخ عبد القادر وأكرمه ثم لما أطلق الأولاد قال لابن ميمون يا رجل أني أريد أن أغلق باب المكتب فنظر إليه سيدي علي وقال أعبد القادر أما كفاك ما أتعبتني حتى تطردني الآن فقال له يا أخي استرني قال بل والله لأفضحنك وأشهرنك فما زال به حتى أشهره انتهى ملخصا وقال الشيخ علوان هذا وهو متسبب بأسباب الخمول متلبس بأمور لا تسلمها علماء النقول ولا تسعها منهم العقول إذ كان ممن أقيم في السماع وكشف القناع والضرب ببعض الآلات والبسط والخلاعات ثم اعتذر عن ضربه بالآلات بما هو مذكور في شرح التائية وبالجملة فكان ابن حبيب رضي الله عنه متسترا بالخلاعة والنفخ في المواصيل والضرب على الدف على الإيقاع حيثما كان في الأسواق والمحافل كل ذلك لأجل التستر ويأبى الله إلا أن يتم نوره ويظهر أمره حتى رسخ في النفوس أنه من أكمل العارفين وكان حيثما سمع الأذان وقف وأذن وكان ربما مشى بدبوس أمام نائب صفد وكان لا يمكن أحدا من تقبيل يده وإنما يبادىء بالمصافحة ويطوف على أهل السوق فيصافحهم في حوانيتهم واحدا واحدا وكان يداعب الناس ويباسطهم وكان يقول يأتون فيقولون سلكنا وغزلهم معرقل وكان يقول لو جاءني صادق لطبخته في يومين وكان في ابتدائه يثور به الغرام وتسري فيه المحبة والشوق حتى يفيض على رأسه المال في إناء كبير فلا يصل إلى سرته من شدة الحرارة الكائنة في بدنه وكان ينفرد الأيام والليالي في البراري والصحاري حتى فجأته العناية ووافقته الهداية وجاءته الفيوض العرفانية والمواهب الربانية وكان لا يتكلم في رمضان إلا بالإشارة خوفا من النطق بما لا يعني وكان لا يقبل هدايا الأمراء وإذا جاءته رسالة من إخوانه لا يأخذها إلا وهو متوضىء وقال مرة لبعض أصحابه تقدم فامش 71 أمامي ثم أخبره عن سبب ذلك أنه كان معه كتاب فيه بسم الله الرحمن الرحيم ففعل ذلك تعظيما وكان مبتلى بأمراض وعلل خطيرة حتى عمت سائر جسده وربما طرحته في الفراش وهو على وظائفه ومجاهداته وكان يعاقب نفسه إذا اشتهت شيئا بإحضار الشهوة ومنعها إياها أياما وكان يعتقد ابن عربي اعتقادا زائدا ويؤول كلامه تأويلا حسنا ومن شعره الدال على علو همته وسمو رتبته التائية التي ذيل بها على أبيات الشافعي رضي الله تعالى عنه التي أولها
( لما عفوت ولم أحقد على أحد
أرحت نفسي من حمل المشقات )
وقد تلقاها الناس بالقبول وأداروا أبياتها فيما بينهم إدارة الشمول وخدمت بالشروح وهي جديرة بذلك وقد اتفق لناظمها أنه رأى روحانية النبي وهو يقظان وعرضها عليه وأصلح له بعض أبيات وكان إذا ذكر فيها وصفا حسنا قال له بلغك الله ذلك يا عبد القادر وإذا نفر من وصف قبيح قال له أعاذك الله من ذلك يا عبد القادر ومن شعره أيضا
( أنا الضيغم الضرغام صمصام عزمها
على كل صعب في الغرام مصمم )
( وما سدت حتى ذقت ما الموت دونه
كذا حسن عشقي في الأنام يترجم )
وتوفي بصفد يوم الأحد عاشر جمادى الأولى
وفيها تقريبا زين الدين عبد القادر المنهاجي الإمام العلامة المقرىء الشافعي المعروف بالمنهاجي نزيل مكة المشرفة قرأ على البرهان العمادي أحاديث من الكتب الستة وأجازه برباط العباس
وفيها عبد الودود الصواف الشيخ الصالح العابد الزاهد المقيم بنواحي قلعة الجبل بالقاهرة وكان ينسج الصوف ويتقوت منه وكانت عمامته قطعة من الصوف الأحمر وكان سيدي محمد بن عنان يقصده بالزيارة وكانت له مكاشفات وعليه أنس عظيم وفيها علاء الدين علي بن ناصر المكي الإمام العلامة الشافعي أخذ صحيح البخاري عن المسند زين الدين عبد الرحيم 72 المكي الأسيوطي وعن غيره وتفقه بالشرف المناوي عن الولي بن العراقي عن أبيه عن ابن النعماني عن النووي ومن مؤلفاته مختصر المنهاج وشرحه وتأليف في الحديث والتفسير والأصول وأجاز البراهن العمادي
وفيها شرف الدين موسى بن أحمد النحلاوي الأصل الحلبي الدار الأردبيلي الخرقة الشافعي المذهب الشهير بالشيخ موسى الأريحاوي لسكناه بأريحا قديما وكان إماما عالما زاهدا صوفيا فتح الله تعالى عليه من غير تعب بل من فضل الله تعالى وتوفي في أواخر ذي الحجة بحلب ودفن بتربة الخشابين داخل باب قنسرين وفيها تقريبا شمس الدين محمد بن علي الصمودي المالكي القاضي كان فقيها فاضلا ناب عن العفيف بن حنبل قاضي المالكية بحلب وكتب بها على الفتوى وفيها محي الدين يحيى بن كمال الدين محمد بن سلطان الحنفي كان عالما فاضلا توفي بمكة المشرفة رابع عشر ذي الحجة
وفيها جمال الدين محمد الطيب بن إسماعيل مبارز اليمني قال في النور كان فقيها إماما عالما عاملا علامة فهامة مدققا توفي عشية يوم الإثنين خامس شهر ربيع الآخر انتهى والله تعالى أعلم
سنة ست عشرة وتسعمائة
فيها كما قال في النور انقض كوكب عظيم من نصف الليل آخذا في الشام وأضاءت الدنيا لذلك إضاءة عظيمة حتى لو أن الإنسان حاول رؤية الذر لم يمتنع عليه ثم غاب في الجهة الشامية وبقي أثره في السماء ساعة طويلة
وفيها زلزت مدينة زبيد زلزالا شديدا ثم زلزلت مرة أخرى ثم ثالثة وانقض في عصر ذلك اليوم كوكب عظيم من جهة المشرق آخذا في جهة الشام ورئى نهارا وحصل عقبه رجفة عظيمة كالرعد الشديد وزلزت مدينة موزع ونواحيها زلزالا عظيما ما سمع بمثله واستمرت تتردد ليلا ونهارا 73 زلازل صغار وزلازل كبار وقد أضرت بأهل الجهة إضرارا عظيما حتى تصدعت البيوت ولم يسلم بيت من تشعث وتشققت الأرض المعدة للزراعة وتهدمت القبور واختلطت الآبار انتهى
وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن سليمان بن عون بن مسلم بن مكي بن رضوان الهلالي الدمشقي الحنفي المعروف بابن عون مفتي الحنفية بدمشق ولد سنة خمس وخمسين وثمانمائة وأخذ الحديث عن جماعة منهم الحافظان السخاوي والديمي وترجمه الثاني في إجازته بالشيخ الإمام الأوحد المقرىء المجود العالم المفيد وتفقه بجماعة منهم ابن قطلوبغا وأخذ عنه ابن طولون وتوفي ليلة الأحد سادس عشر شوال بدمشق ودفن بباب الصغير قبلي جامع جراح وفيها شهاب الدين أحمد بن شعبان بن علي بن شعبان الإمام العلامة العمدة قال في الكواكب أخذ العلم والحديث عن الشهاب الحجازي والشرف المناوي والجلال أبي هريرة وعبد الرحمن القمصي والمسند الشمس الملتوني الوفائي وتلقن الذكر من العارف بالله زين الدين الحافي الشبريسي والجمال بن نظام الشيرازي بجامع الأزهر وغيرهما ولبس الخرقة القادرية والسهرودية والأحمدية من جماعات وتوفي بغزة
وفيها السلطان العادل المجاهد أبو الفتح أحمد بن محمد صاحب كجرات من بلاد الهند قال السخاوي في الضوء ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة تقريبا أسلم جده مظفر على يد محمد شاه صاحب دلى وكان عاملا له على فتن من كجرات فلما وقعت الفتن في مملكة دلى وتقسمت البلاد كان الذي خص مظفرا كجرات ثم وثب عليه ابنه وسجنه ولم يلبث أن استفحل أمر الأب بحيث قتل ولده ثم بعد سنين انتصر أحمد لأبيه وقتل جده واستقر في كجرات وخلفه ابنه غياث الدين ثم ابنه قطب الدين ثم أخوه داود فلم يلبث سوى أيام وخلع واستقر أخوهم أحمد شاه صاحب الترجمة وذلك في سنة ثلاث 74 وستين حين كان ابن خمس عشرة سنة ودام في المملكة إلى الآن وأخذ من الكفار قلعة الشبابانير فابتناها مدينة وسماها أحمد أباد ومن جملة ممالكه كنباية انتهى وقال في النور قال جار الله بن فهد أقول وعمر بمكة رباطا مجاور باب الدربية عرف بالكنباتية وقرر به جماعة ودروسا وغير ذلك وكان يرسل لهم مع أهل الحرمين عدة صدقات ثم قطعها لما بلغه استيلاء النظار عليها واستمر على ويلاته إلى أن توفي يوم الأحد ثاني رمضان بأحمد أباد
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد الفرغاني الإمام العلامة الصالح القاضي توفي يوم الأربعاء ثامن عشرى المحرم بمدينة تعز
وفيها محب الدين أبو بكر أحمد بن شرف الدين أبي القسم محمد بن محمد بن أحمد بن محمد الشيخ الإمام خطيب الخطباء بالمسجد الحرام وإمام الموقف الشريف القرشي الهاشمي العقيلي النويري المكي الشافعي أخذ عن أبي الفتح المراغي وسمع ثلاثيات البخاري على جدته لأمه أم الفضل خديجة وتدعى سعادة بنت وجيه الدين عبد الرحمن بن أبي الخير محمد بن فهد المكي وعلى العلامة البرهان الزمزمي وعلى أخيه المحب الزمزمي كلهم عن أبي إسحق إبراهيم بن محمد الرسام عن الحجار وله شيوخ آخرون وأجاز البرهان العمادي في السنة التي قبلها وتوفي في هذه السنة ظنا وفيها القاضي بدر الدين حسن بن القاضي زين الدين أبي بكر بن مزهر كاتب أسرار القاهرة قال في الكواكب صودر وحبس ثم ضرب بحضرة السلطان الغوري ثم عصر ثم لف القصب والمشاق على يديه وأحرقت ثم عصر رأسه ثم أحمى له الحديد ووضع على يديه وقطع ثديه وأطعم لحمه واستمر في العذاب إلى أن مات بقلعة مصر وعذب عذابا شديدا رحمه الله تعالى وكانت وفاته يوم الأربعاء رابع رجب سنة ست عشرة وتسعمائة انتهى قلت الصحيح موته في اليوم المذكور من الشهر المذكور لكن سنة عشر والله أعلم وفيها بدر الدين 75 أبو علي حسن بن علي بن عبيد بن أحمد بن عبيد بن إبراهيم المرداوي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي حفظ القرآن العظيم وعدة كتب واشتغل على جماعة من آخرهم الشيخ زين الدين بن العيني وقرأ عليه شرحية على الألفية والخزرجية وأخذ الحديث عن ابن السلمي وابن الشريفة والنظام بن مفلح ورحل مع الجمال بن المبرد إلى بعلبك فسمع بها غالب مسموعاته وسمع على جماعة كثيرين وكان له خط حسن وكان يتكسب بالشهادة وهو من شيوخ ابن طولون ومجيزيه توفي يوم الخميس تاسع رمضان وفيها رضى الدين الصديق بن عبد العليم إقبال القربتي قال في النور كان فقيها نبيلا سريا توفي عصر يوم الثلاثاء من عشر ذي الحجة ودفن بمجنة باب القرتب بجوار مشهد الفقيه أبي بكر بن علي الحداد انتهى وفيها شمس الدين علي بن موسى المشرع عجيل كان فقيها خيرا توفي بزبيد ليلة الإثنين خامس جمادى الأولى وفيها تقريبا زين الدين عبد الرحيم بن صدقة المكي الشافعي كان إماما علامة ورعا زاهدا قرأ عليه البرهان العمادي الحلبي أحاديث من الكتب الستة وأجازه برباط العباس تجاه المسجد الحرام في العشر الأول من الحجة سنة خمس عشر وتسعمائة قاله في الكواكب
وفيها القاضي جلال الدين محمد بن عمر بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد القادر بن هبة الله النصيبي الحلبي الشافعي سبط المحب أبي الفضل بن الشحنة ولد في ربيع الأول سنة إحدى وخمسين وثمانمائة بحلب وحفظ المنهاجين والألفيتين وجمع الجوامع وعرض ذلك على الجمال الباعوني وأخيه البرهان والبدر بن قاضي شهبة والنجم بن قاضي عجلون وأخيه التقوي وأخذ الفقه عن أبي ذر والأصول والنحو عن السلامي وولده الزيني عمر ثم قدم القاهرة على جده لامه سنة ست وسبعين وثمانمائة فأخذ عن الجوجري وغيره وقرأ شرح الألفية لابن أم قاسم على الشمني وقرأ على السخاوي بعض مؤلفاته وبرع 76 وتميز وناب في القضاء بالقاهرة ودمشق وحلب وولي قضاء حماة وقضاء حلب أنشد فيه بعضهم لما ولي قضاء حماة
( حماة مذ صرت بها قاضيا
استبشر الداني مع القاصي )
( وكل من فيها أتى طائعا
إليك وانقاد لك العاصي )
وكان ذا فطنة وحافظة مع رفاهية وجمع تعليقا على المنهاج سماه الابتهاج في أربع مجلدات واختصر جمع الجوامع وجمع كتابا كبيرا فيه نوادر وأشعار وله شعر حسن منه تخميس الأبيات المشهورة لابن العفيف
( غبتم فطرفي من الهجران ما غمضا
ولم أجد عنكم لي في الهوى عوضا )
( فيا عذولا بفرط اللوم قد نهضا
للعاشقين بأحكام الغرام رضا )
( فلا تكن يا فتى بالعذل معترضا
)
( أنا الوفي بعهد ليس ينتقض
وإن هم نقضوا عهدي وإن رفضوا )
( فقلت لما بقتلي بالأسى فرضوا
روحي الفداء لأحبابي وإن نقضوا )
( عهد الوفاء الذي للعهد ما نقضا
)
( أحبابنا ليس لي عن عطفكم بدل
وعن غرامي ووجدي لست انتقل )
( يا سائلي عن أحبائي وقد رحلوا
قف واستمع سيرة الصب الذي قتلوا )
( فمات في حبهم لم يبلغ الغرضا
)
( قد حملوه غراما فوق ما يسع
وعذبوا قلبه هجرا وما انتفعوا )
( دعى أجاب توالي سهده هجعوا
رأى فحب فرام الصبر فامتنعوا )
( فسام صبرا فاعيا نيله فقضى
)
وتوفي في ثالث عشر رمضان وفيها بدر الدين محمد بن محمد الشهير بابن الياسوفي الدمشقي الشافعي المفتي المدرس ولد سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وسافر إلى القاهرة مرارا آخرها مطلوبا مع جماعة مباشري الجامع الأموي في جمادى الآخرة سنة ست عشرة وتسعمائة فحصل له قبل دخول القاهرة توعك واستمر إلى رابع يوم من وصوله إليها فتوفي يوم الإثنين تاسع 77 رجب منها وفيها شرف الدين موسى بن عبد الله بن عبد الله الشهير بابن جماعة القدسي الشافعي الإمام العلامة خطيب المسجد الأقصى ولد في حادي عشرى رجب سنة خمس وأربعين وثمانمائة وأجازه الشيخ زين الدين ابن الشيخ خليل وغيره قال في الأنس الجليل اشتغل في العلم على والده وغيره وخطب بالمسجد الأقصى وله نحو خمس عشرة سنة واستقر في الخطابة مشاركا لبقية الخطباء هو وأخوه الخطيب بدر الدين محمد قال وأعاد الخطيب شرف الدين بالمدرسة الصلاحية وفضل وتميز وصار من أعيان بيت المقدس وهو رجل خير من أهل العلم وعنده فصاحة في الخطبة وعلى صوته الأنس والخشوع والناس سالمون من لسانه ويده انتهى ودخل دمشق مع والده حين أسمع والده بها غالب مسموعاته وكان والده من الأكابر يرحل للأخذ عنه وكان صاحب الترجمة رجلا مهيبا وتوفي ببيت المقدس في رجب أو شعبان
سنة سبع عشرة وتسعمائة
فيها كما قال في النور السافر ولدت مولودة بقرية النويدرة من اليمن وطلب من يؤذن في أذنها فحين بلغ أشهد أن محمدا رسول الله سمع الطفلة تقول الله أكبر الله أكبر ثلاث مرات وفيها خسف بفيل السلطان عامر بن عبد الوهاب المسمى مرزوق بقرية يقال لها الركز من زوايا الشيخ شهاب الدين قطب زمانه احمد بن علوان قريبا من قرية يغرس وكان قد أدخله بيت بعض فقراء الشيخ كرها وسألهم ما لا طاقة لهم بتسليمه فلم يشعروا حتى غاب أكثر الفيل في الأرض من قبل رجليه فصرح صرخات ومات لا رحم الله سايسه فكان عبرة لمن رأى ولم يقدر أحد على إخراج شيء منه من موضع الخسف انتهى وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج بن عبد الله الحنبلي مفتي الحنابلة الإمام العلامة ولد في ربيع الأول سنة ست وخمسين وثمانمائة 78 وأخذ عن أبيه وغيره وتوفي بقرية مضايا من الزبداني ليلة الجمعة سادس عشر شعبان وحمل ميتا إلى منزله بالصالحية ودفن بالروضة قرب والده
وفيها تقي الدين أبو بكر بن الحافظ ناصر الدين محمد بن زريق الحنبلي الدمشقي الصالحي كان إماما علامة توفي يوم السبت ثاني عشر صفر
وفيها تقريبا أبو الخير بن نصر قال في الكواكب هو شيخ البلاد الغربية من أعمال مصر ومحيى السنة بها توفي في أواسط حدود هذه الطبقة رحمه الله تعالى انتهى وفيها صفي الدين أحمد بن عمر المزجدالي قال في النور كان فقيها إماما عاملا صالحا مفتيا مدرسا توفي ضحى يوم الخميس رابع المحرم وأسف عليه والده أسفا كثيرا وصبر انتهى
وفيها أبو القسم بن علي بن موسى المشرع قال في النور كان فقيها صالحا حصل له في ليلة الجمعة حادي عشر ربيع الأول وهو قاعد في بيته بين الناس لقراءة مولد النبي من ضربه على رأسه فانكسر فأقام تسعة أيام ثم مات ولم يعلم قاتله ودفن بمرجام إلى جنب أبيه وجده انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد الفيومي قال في الكواكب هو الشيخ العلامة خطيب جامع بردبيك بدمشق وهو المعروف بالجامع الجديد خارج بأبي الفراديس والفرج أي وهو المعروف الآن بجامع المعلق توفي ثاني رمضان وأخذ عنه الخطابة صاحب والد الشيخ يونس العيثاوي واستمرت في يده إلى أن مات وفيها المولى باشا جلبي العالم ابن المولى زيرك الرومي الحنفي كان من الأفاضل وله ذكاء تام ولطف محاورة وتخرج عنده كثير من الطلبة وكان من مشاهير المدرسين وتنقل في التدريس حتى ولي إحدى المدرستين المتجاورتين بادرنة وتوفي وهو مدرس بها في حدود هذه السنة وله شريك في اسمه سيأتي إن شاء الله تعالى
وفيها السيد الشريف الحسين بن عبد الله العيدورس ولد سنة إحدى 79 وستين وثمانمائة وكان عالما بالكتاب والسنة حافظا لكتاب الله تعالى مواظبا على تلاوته ليلا ونهارا قائما بما جرى عليه سلفه من الأوراد والأذكار وإكرام الوافدين والفقراء والمساكين وبذل الجاه في الشفاعات للمسلمين وإصلاح ذات بينهم ولله در من قال فيه ِ
( إن الحسين تواترت أخباره
في فضله عن سادة فضلاء )
( غيث يسح على العفاة سحابه
سحا إذا شحت يد الأنواء )
( تال لآثار النبي محمد
متمسك بالسنة البيضاء )
( ورث المكارم والعلى عن سادة
ورثوا عن الآباء فالآباء )
وروى عن والده أنه كان يقول كنت كثير الدعاء في سجودي أن يرزقني الله ولدا عالما سنيا وأرجو أن يكون هو الحسين قال في النور وكان مشاركا في جميع العلوم المنطوق منها والمفهوم ومن مشايخه الفقيه عبد الله ابن أحمد باكثير والقاضي إبراهيم بن ظهيرة والشيخ عبد الهادي السودي قبل أن ينجذب وكانت له اليد الطولى في علم الفلك وحج وجاور بمكة سنتين وزار قبر جده مرتين وتوفي بتريم في سادس عشر المحرم ودفن عند أبيه انتهى
وفيها خليل العالم الفاضل المولى الرومي الحنفي المشهور بمنلا خليل كان حليما كريما متواضعا متخشعا إلا أنه كان يغلب عليه الغفلة في سائر أحواله درس في بعض مدارس الروم ثم بإحدى الثمانية ثم بمدرسة أدرنة ثم أعطى قضاء القسطنطينية في دولة السلطان أبي يزيد ثم قضاء العسكر الأناضولي ثم الروم أيلي ومات على ذلك في أوائل دولة السلطان سليم خان قاله في الكواكب
وفيها العارف بالله تعالى رستم خليفة الرومي البرسوي الحنفي أصله من قصبة كونيك من ولاية أناضولي وأخذ الطريق عن العارف حاجي خليفة الرومي وكان له خوارق ويتستر بتعليم الأطفال ولا يتكلم إلا عن ضرورة وله أنعام تام على الأغنياء والفقراء وإذا أهدى إليه أحد شيئا كافأه 80 بأضعافه ولم يكن له منصب ولا مال وحكى عن نفسه أنه رمد مرة فلم ينفعه الدواء فرأى رجلا فقال له يا ولدي اقرأ المعوذيتين في الركعتين الأخيرتين من السنن المؤكدة قال فداومت على ذلك فشفى بصري وكان بعض جماعته يرى أن ذلك الرجل هو الخضر عليه السلام وتوفي ببروسا ودفن بها
وفيها تقريبا المولى عبد الوهاب بن عبد الكريم الفاضل ابن الفاضل المولى ابن المولى الرومي الحنفي قرأ على جماعة منهم المولى عذارى والمولى لطفي التوقاتي والمولى خطيب زاده والمولى القسطلاني وكان ذكيا عارفا بالعلوم الشرعية والعقلية مهيبا طارحا للتكلف مع أصحابه ودرس بالقسطنطينية ثم صار حافظا لدفتر الديوان السلطاني ثم ولي قضاء بعض البلاد قاله في الكواكب
وفيها علاء الدين علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن مليك الحموي ثم الدمشقي الفقاعي الحنفي الشاعر ولد بحماة سنة أربعين وثمانمائة وأخذ الأدب عن الفخر عثمان بن الصد التنوخي وغيره وأخذ النحو والعروض عن بهاء الدين بن سالم وقدم دمشق فتسبب ببيع الفقاع عند قناة العوني ثم تركه وصار يتردد إلى دروس الشيخ برهان الدين بن عون وأخذ عنه فقه الحنفية وصارت له فيه يد طولى وشارك في اللغة والنحو والصرف وكان له معرفة بكلام العرب وبرع في الشعر حتى لم يكن له نظير في فنونه وجمع لنفسه ديوانا في نحو خمس عشرة كراسة وخمس المنفرجة ومدح النبي بعدة قصائد ومن لطائفه قوله
( لم أجعل الفقاع لي حرفة
إلا لمعنى حسنك الشاهد )
( أقابل الواشي بالحد
والعاذل أسقيه من البارد )
ومنها
( ولما احتمت منا الغزالة في السما
وعزت على قناصها أن تنالها )
( نصبنا شباك الماء في الأرض حيلة
عليها فلم نقدر فصدنا خيالها ) 81
ومن لطائفه
( يا من به رق شعري
وزاد بالنعث وصفه )
( قد مزق الشعر شاشي
والقصد شيء ألفه )
وكان له صوف عتيق فقلبه وقال
( قد كان لي صوف عتيق طالما
قد كنت ألبسه بغير تكلف )
( والآن لي قد قال حين قلبته
قلبي يحدثني بأنك متلفي )
وحكى عنه أنه مر بالمرجة على قوم جلوس للشرب وكانوا يعرفونه فدعوه إلى الزاد فقعد عندهم يذاكرهم فبينما هم كذلك إذ جاءهم جماعة الوالي فأخذوهم وأخذوه معهم فلما وصلوا للقاضي للتسجيل عليهم عرفه القاضي فلامه فقال
( والله ما كنت رفيقا لهم
ولا دعتني للهوى داعيه )
( وإنما بالشعر نادمتهم
لأجل ذا ضمتني القافية )
( فخلوا عنه وله دوبيت
( الطرف يقول قد رماني القلب
والقلب لناظري يقول الذنب )
( والله لقد عجبت من حالهما
هذا دنف ودمع هذا صب )
وشعره كله جيد وتوفي في شوال بدمشق ودفن بمقبرة باب الفراديس
وفيها العارف بالله سيدي علي بن ميمون بن أبي بكر بن علي بن ميمون ابن أبي بكر بن يوسف بن إسماعيل بن أبي بكر بن عطاء الله بن حسون بن سليمان بن يحيى بن نصر الشيخ المرشد المربي القدوة الحجة ولي الله تعالى السيد الحسيب النسيب الشريف أبو الحسن بن ميمون الهاشمي القرشي المغربي الغماري التباسي أصله من جبل غمارا بالغين المعجمة من معاملة فاس وسكن مدينة فاس واشتغل بالعلم ودرس ثم ولي القضاء ثم ترك ذلك ولازم الغزو على السواحل وكان رأس العسكر ثم ترك ذلك أيضا وصحب مشايخ الصوفية منهم الشيخ عرفة القيرواني فأرسله إلى أبي العباس أحمد 82 التوزي الدباسي ويقال التباسي بالتاء ومن عنده توجه إلى المشرق قال الشيخ موسى الكناوي فدخل بيروت في أول القرن العاشر وكان اجتماع سيدي محمد بن عراق به أولا هناك ولما دخل بيروت استمر ثلاثة أيام لم يأكل شيئا فاتفق أن ابن عراق كان هناك فأتي بطعام فقال لبعض جماعته أدع لي ذلك الفقير فقام السيد علي وأكل وقال ابن عراق لأصحابه قوموا بنا نزور الإمام الأوزاعي فصحبهم ابن ميمون لزيارته ففي أثناء الطريق لعب ابن عراق على جواده كعادة الفرسان فعاب عليه ابن ميمون فقال له أتحسن لعب الخيل أكثر مني قال نعم فنزل ابن عراق عن فرسه فتقدم إليها ابن ميمون فحل الحزام وشده كما يعرف وركب ولعب على الجواد فعرفوا مقداره في ذلك ثم انفتح الأمر بينهما إلى أن أشهر الله تعالى سيدي علي بن ميمون وقال في الشقائق أنه دخل القاهرة وحج منها ثم دخل البلاد الشامية وربى كثيرا من الناس ثم توطن مدينة بروسا ثم رجع إلى البلاد الشامية وتوفي بها قال وكان لا يخالف السنة حتى نقل عنه أنه قال لو أتاني السلطان أبو يزيد بن عثمان لا أعامله إلا بالسنة وكان لا يقوم للزائرين ولا يقومون له وإذا جاءه أحد من أهل العلم يفرش له جلد شاة تعظيما له وكان قوالا بالحق لا يخاف في الله لومة لائم وكان له غضب شديد إذا رأى في المريدين منكرا يضربهم بالعصا قال وكان لا يقبل وظيفة ولا هدايا الأمراء والسلاطين وكان مع ذلك يطعم كل يوم عشرين نفسا من المريدين وله أحوال كثيرة ومناقب عظيمة انتهى وكان من طريقته ما حكاه عنه سيدي محمد بن عراق في كتابه السفينة أنه لا يرى لبس الخرقة ولا الباسها وذكر الشيخ علوان أنه كان لا يرى الخلوة ولا يقول بها وكان يقول جواب الزفوت السكوت ومن وصاياه اجعل تسعة أعشارك صمتا وعشرك كلاما وكان يقول الشيطان له وحي وفيض فلا تغتروا بما يجري في نفوسكم وعلى ألسنتكم من الكلام في التوحيد والحقائق 83 حتى تشهدوه من قلوبكم وكان ينهى أصحابه عن الدخول بين العوام وبين الحكام ويقول ما رأيت لهم مثلا إلا الغار والحيات فإن كلا منهما مفسد في الأوض وكان شديد الإنكار على علماء عصره ويسمى القضاة القصاة ومن كلامه لا ينفع الدار إلا ما فيها ومنه لا تشتغل بعد أموال التجار وأنت مفلس ومنه أسلك ما سلكوا تدرك ما أدركوا ومنه عجبت لمن وقع عليه نظر المفلح كيف لا يفلح ومنه كنزك تحت جدارك وأنت تطلبه من عند جارك وله من المؤلفات شرح الجرومية على طريقة الصوفية وكتاب غربة الإسلام في مصر والشام وما والاهما من بلاد الروم والإعجام ورسائل عدة منها رسالة لطيفة سماها تنزيه الصديق عن وصف الزنديق ترجم فيها الشيخ محي الدين ابن العربي ترجمة في غاية الحسن والتعظيم وذكر ابن طولون أنه دخل دمشق في أواخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة ونزل بحارة السكة بالصالحية وهرع الناس إليه للتبرك به وممن صعد إليه للأخذ عنه الشيخ عبد النبي شيخ المالكية والشيخ شمس الدين بن رمضان شيخ الحنفية وتسلكا على يديه هم وخلق من الفضلاء وقال سيدي محمد بن عراق في سفينته أنه لم يشتهر في بلاد العرب بالعلم والمشيخة والإرشاد إلا بعد رجوعه من الروم إلى حماة سنة إحدى عشرة ثم قدم منها إلى دمشق في سابع عشري رجب سنة ثلاث عشرة وتسعمائة قال وأقام في قدمته هذه ثلاث سنوات وخمسة أشهر وأربعة عشر يوما يربي ويرشد ويسلك ويدعو إلى الله على بصيرة قال واجتمع عليه الجم الغفير ثم دخل عليه قبض وهو بصالحية دمشق واستمر ملازما له حتى ترك مجلس التأديب وأخذ يستفسر عن الأماكن التي في بطون الأودية ورؤس الجبال حتى ذكر له سيدي محمد بن عراق مجدل معوش فهاجر اليهافي ثاني عشر محرم هذه السنة قال سيدي محمد بن عراق ولم يصحب غيري والولد علي وكان سنة عشر سنين وشحص آخر عملا بالسنة وأقمت معه خمسة 84 أشهر وتسعة عشر يوما وتوفي ليلة الإثنين حادي عشر جمادى الآخرة ودفن بها في أرض موات بشاهق جبل حسبما أوصى به قال ودفن خارج حضرته المشرفة رجلان وصبيان وامرأتان وأيضا امرأتان وبنتان الرجلان محمد المكناسي وعمر الأندلسي والصبيان ولدي عبد الله وكان عمره ثلاث سنين وموسى بن عبد الله التركماني والإمرأتان أم إبراهيم وبنتها عائشة زوجة الذعري والإمرأتان الأخريتان مريم القدسية وفاطمة الحموية وسألته عند وفاته أين أجعل دار هجرتي فقال مكان يسلم فيه دينك ودنياك ثم تلا قوله تعالى (
الذين تتوفاهم الملائكة ) الآية
وفيها سراج الدين أبو حفص عمر بن عبد العزيز الفيومي الأصل الدمشقي قال في الكواكب كانت له مشاركة جيدة وقال الشعر الحسن ولد ديوان شعر في مجلد ضخم ومدح الأكابر والأعيان وخمس البردة تخميسا حسنا ورزق فيه السعادة التامة واشتهر في حال حياته وكتبه الناس لحسنه وعذوبة ألفاظه ومن شعره
( إن كان هجري لذنب حدثوك به
عاتب به ليبين العبد أعذاره )
( وإن يكن حظ نفس ماله سبب
فلا تطعها فإن النفس أمارة )
وتوفي بدمشق ودفن بمقبرة باب السريجة على والده
وفيها شمس الدين أبو الفضل محمد بن صارم الدين إبراهيم الرملي الشافعي الشهير بابن الذهبي الإمام العالم أحد الشهود المعتبرين بدمشق ذكر النعيمي أنه كان قائما بخدمة الشيخ رضى الدين الغزي وأن ميلاده كان سنة تسع وخمسين وثمانمائة وقال البدر الغزي كان يعرف القراءات وتوفي بدمشق ليلة الجمعة ثالث عشر المحرم بعد عوده من القاهرة
وفيها عز الدين محمد بن شهاب الدين أحمد الكوكاجي الحموي ثم الدمشقي الحنبلي أقضى القضاة ولد بعد الأربعين وثمانمائة وتوفي عشية الثلاثاء تاسع 85 عشر ذي القعدة بدمشق وصلى عليه بالجامع الأموي ودفن بالروضة من سفح قاسيون
وفيها جمال الدين محمد بن إسمعيل المشرع عجيل اليمني قال في النور كان إماما عالما صالحا توفي بمدينة زبيد ضحى يوم الخميس الثالث عشر من شهر رمضان ودفن إلى جنب أبيه قبلي تربة الشيخ إسمعيل الجبرتي انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن خليل الشيخ الإمام العالم الطرابلسي الشافعي خليفة الحكم بمدينة طرابلس دخل إلى دمشق في ضرورة له فتوفي بها غريبا يوم الأربعاء سابع شعبان ودفن بباب الفراديس وفيها محمد بن عبد الرحمن الأسقع باعلوي اليمني الشافعي قال في النور حفظ الحاوي ومنظومة البرماوي في الأصول وألفية ابن مالك وقرأ الكثير ودأب في الطب وأخذ عن الكثير من الأعلام منهم إبراهيم بن ظهيرة والسخاوي وله منه إجازة ومكث في مكة مدة لطلب العلم وحصل الكثير من العلوم وأقبل على نفع الناس إقراء وإفتاء مع الدين المتين والتحقيق والإتقان وشدة الورع والزهد والعبادة والخمول وكان حسن التقرير أخذ عنه غير واحد وتوفي بتريم في شوال ومن كراماته أن بعض خدمه سرق داره فقال له اذهب إلى المكان الفلاني تجد ما أخذ لك ففعل فوجد ما سرق له في ذلك المكان الذي عينه انتهى وفيها تقريبا المولى قوام الدين يوسف العالم الفاضل الشهير بقاضي بغداد كان من بلاد العجم من مدينة شيراز وولي قضاء بغداد مدة فلما حدثت فيه فتنة ابن أردبيل ارتحل إلى ماردين وسكن بها مدة ثم رحل إلى بلاد الروم فأعطاه السلطان أبو يزيد سلطانية بروسا ثم إحدى الثمانية وكان عالما متشرعا زاهدا وقورا صنف شرحا عظيما على التجريد وشرحا على نهج البلاغة وكتابا جامعا لمقدمات التفسير وغير ذلك رحمه الله تعالى 86
سنة ثمان عشرة وتسعمائة
فيها توفي العلامة برهان الدين إبراهيم بن علي القرصلي ثم الحلبي كان من قرصة بفتح القاف وسكون الراء وضم الصاد المهملة قرية من القصير وكان من جملة فلاحيها فتعلم الخط ثم رأى في المنام أنه على لوح في البحر وبيده عصى يحركه فأول له ذلك بأنه يكون من أهل الملم وكان كما أول له من العلماء ودرس بمسجد العناتبة بحلب وغيره قال ابن الحنبلي وأكب على دروسه جماعة في العقليات لمهارته فيها وإن كان في النقليات أمهر وفضله فيها أظهر انتهى وفيها السلطان الأعظم أبو يزيد خان بن السلطان محمد خان ابن السلطان مراد خان بن السلطان محمد خان بن السلطان بايزيد خان ابن السلطان مراد خان بن السلطان أورخان بن السلطان عثمان خان سلطان الروم وهو الثامن من ملوك بني عثمان ولد سنة ست وخمسين وثمانمائة قال الشيخ مرعي في كتابه نزهة الناظرين ولي السلطنة سنة سبع وثمانين وثمانمائة وكان محبا للعلماء والمشايخ والأولياء وله رياضات وفي أيامه تزايد الفتح ببلاد الروم وفتح عدة قلاع وحصون وبنى المدارع والجوامع والتكايا والزوايا والخوانق ودار الشفاء والحمامات والجسور ورتب للمفتي الأعظم ومن في رتبته من العلماء لكل واحد في كل عام عشرة آلاف عثماني وكان يرسل للحرمين في كل سنة أربعة عشر ألف دينار نصفها لمكة ونصفها للمدينة وفي أيامه قاتله أخوه السلطان جم على السلطنة ثم انهزم جم إلى مصر وحج في زمن السلطان قايتباي ثم عاد فأكرمه قايتباي إكراما عظيما ثم رجع إلى الروم وقاتل أخاه ثانيا فهزمه فهرب جم إلى بلاد النصارى فأرسل بايزيد إليه من سمه فحلق رأسه بموسى مسموم فمات وفي أيامه كان ظهور إسمعيل شاه فاستولى على ملوك العجم وأظهر مذهب الإلحاد والرفض وغير 87 اعتقاد أهل العجم إلى يومنا هذا وفي أيامه قدم عليه خطيب مكة الشيخ محي الدين عبد القادر بن عبد الرحمن العراقي والشيخ شهاب الدين أحمد بن الحسين شاعر البطحاء وامتدحه بقصيدته التي أولها
خذوا من ثنائي موجب الحمد والشكر ومن در لفظي أطيب النظم والنثر فأجازه عليها ألف دينار ورتب له في دفتر الصر كل سنة مائة دينار فكانت تصل إليه ثم إلى أولاده من بعده انتهى وقال في الكواكب وكان قد استولى على المرحوم السلطان أبي يزيد في آخر عمره مرض النقرس وضعف عن الحركة وترك الحروب عدة سنين فصارت عساكره يتطلبون سلطانا شابا قوي الحركة كثير الأسفار ليغازي بهم فرأوا أن السلطان سليم خان من أولاد أبي يزيد أقوى أخوته وأجلدهم فمالوا إليه وعطف عليهم فخرج إليه أبوه محاربا فقاتله وهزمه أبوه ثم عطف على أبيه ثانيا لما رأى من ميل العساكر إليه فلما رأى السلطان أبو يزيد توجه أركان الدولة إليه استشار وزراءه وأخصاءه في أمره فأشاروا أن يفرغ له عن السلطنة ويختار التقاعد في أدرنة وأبرموا عليه في ذلك فأجابهم حين لم ير بدا من إجابتهم وعهد إليه بالسلطنة ثم توجه مع بعض خواصه إلى أدرنة فلما وصل إلى قرب جورا وكان فيها حضور أجله فتوفي بها ووصل خبر موته هو وسلطان مكة قايتباي بن محمد بن بركات الشريف وسلطان اليمن الشيخ عامر بن محمد إلى دمشق في يوم واحد وهو يوم الأحد ثامن عشرى ربيع الأولى من هذه السنة انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن منجك الأمير الدمشقي قال في الكواكب لم يحمد ابن طولون سيرته في أوقافهم وكانت وفاته بطرابلس وحمل إلى دمشق في محفة ودخلوا به دمشق يوم الأحد سابع عشر المحرم ودفن بتربتهم بميدان الحصا وتولى أوقافهم بعده الأمير عبد القادر بن منجك انتهى 88
وفيها شهاب الدين أحمد بن حسن مفتي مدينة تعز من اليمن توفي بها يوم الأربعاء ثالث عشر جمادى الأولى
وفيها الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر بأفضل الحضرمي قال في النور ولد سنة خمسين وثمانمائة وارتحل لطلب العلم إلى عدن وغيرها وأخذ عن الإمامين محمد بن أحمد بأفضل وعبد الله بن أحمد مخرمه ولازم الثاني وتخرج به وانتفع به كثيرا وأخذ أيضا عن البرهان بن ظهيرة وتميز واشتهر ذكره وبعد صيته وأثنى عليه الأئمة من مشايخه وغيرهم وكان حريا بذلك وكان إماما عالما عاملا عابدا ناسكا ورعا زاهدا شريف النفس كريما سخيا مفضالا كثير الصدقة حسن الطريقة لين الجانب صبورا على تعليم العلم متواضعا حسن الخلق لطيف الطباع آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر له حرمة وافرة عند الملوك وغيرهم حافظا أوقاته لا يرى إلا في تدريس علم أو مطالعة كتاب أو اشتغال بعبادة وذكر ولي التدريس بجامع الشحر وانتصب فيها للاشغال والفتوى وصار عمدة القطر وانتهت إليه رايسة الفقه في جميع تلك النواحي ولم يزل على ذلك حتى توفي يوم الأحد خامس شهر رمضان ودفن في طرف بلد الشحر من جهة الشمال في موضع موات وهو أول من دفن هناك ودفن الناس إلى جانبه حتى صارت مقبرة كبيرة انتهى وفيها زين الدين عبد الحق بن محمد البلاطنسي الشافعي الإمام العلامة ولد في سنة ست وخمسين وثمانمائة وتوفي فجأة يوم الأربعاء سابع شعبان وصلى عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثالث رمضان قاله في الكواكب
وفيها عفيف الدين عبد العليم بن القاضي جمال الدين محمد بن حسين القماط اليمنى قال في النور كان نعم الرجل فقها وصلاحا ودينا وأمانا وعفة وصيانة قدم في السنة التي قبلها من مدينة أب متوعكا إلى زبيد بعد طلوع ولده عفيف الدين عبد الله إليه فجعله نائبا له وقدم المدينة فلم يزل بها مريضا 89 إلى أن وصل ابنه عبد الله باستدعائه إليه فمات بعد قدومه في ليلة الإثنين سادس عشر المحرم ودفن إلى جنب والده بمجنة باب سهام انتهى
وفيها المولى مظفر الدين علي بن محمد الشيرازي العمري الشافعي قطن حلب سنة ست عشرة وتسعمائة وأخذ بها عن جماعة منهم الشمس بن بلال وكتب حواشي على الكافية وكان صهرا لمنلا جلال الدواني وكان ماهرا في المنطق حتى كان يقول عنه منلا جلال الدين لو كان المنطق جسما لكان هو منلا مظفر الدين وذكر في الشقائق أنه دخل بلاد الروم وكان المولى ابن المؤيد قاضيا بالعسكر وكان المنلا مظفر الدين مقدما عليه حال قراءتهما على الدواني فأكرمه ابن المؤيد إكراما عظيما وعرضه على السلطان أبي يزيد فأعطاه مدرسة مصطفى باشا بالقسطنطينية فدرس بها مدة ثم أعطاه إحدى المدارس الثمان فدرس بها مدة أيضا ثم أضرت عيناه فعجز عن إقامة التدريس فعين له السلطان سليم خان كل يوم ستين درهما بطريق التقاعد وتوطن مدينة بروسا قال وكانت له يد طولى في الحساب والهيئة والهندسة وزيادة معرفة بعلم الكلام والمنطق خاصة في حاشية التجريد وحواشي شرح المطالع قال ورأيت على كتاب اقليدس من فن الهيئة أنه قرأه من أوله إلى آخره على الفاضل أمير صدر الدين الشيرازي قال وكتب عليه حواشي محال مشكلات قال وكان سليم النفس حسن العقيدة صالحا مشتغلا بنفسه راضيا من العيش بالقليل واختار الفقر على الغنى وكان يبذل ماله للفقراء والمحاويج وقال ابن الحنبلي أنه مات مطعونا في هذه السنة وقال في الشقائق أنه مات بمدينة بروسا سنة اثنتين وعشرين فالله أعلم وفيها القاضي علاء الدين علي الرملي الفاضل خليفة الحكم العزيز بدمشق قال في الكواكب قتل بين المغرب والعشاء ليلة السبت حادي جمادى الآخرة بسوق الرصيف بالقرب من الجامع الأموي وهو السوق المعروف الآن بدرويش باشا عند باب البريد خرج عليه جماعة 90 فقتلوه ولم يعرف قاتله واتهم بقتله القاضي شهاب الدين الرملي إمام الجامع الأموي لما كان بينهما من المخاصمات الشديدة انتهى
وفيها محمد بن أحمد بن أبي بكر بن عبد الله العيدروس باعلوي الشافعي قال في النور كان مشاركا في العلوم وقرأ المنهاج الفقهي ومن محفوظاته الإرشاد وملحة الإعراب وتوفي بتريم ودفن بمشهد جده الشيخ عبد الله انتهى
سنة تسع عشرة وتسعمائة
فيها توفي الشيخ المعتقد إبراهيم بن محمد بن عبد الرحمن الدسوقي الشافعي الصوفي الرباني ولد في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة ولبس خرقة التصوف من الشيخ شهاب الدين بن قرا وتفقه به ولقنه الذكر أبو العباس القرشي وأخذ عليه العهد عن والده عن جده قال الحمصي وكان صالحا مباركا مكاشفا وقال ابن طولون كان شديد الإنكار على صوفية هذا العصر المخالفين له خصوصا الطائفة العربية قال ولم تر عيناي متصوفا من أهل دمشق أمثل منه لبست منه الخرقة ولقنني الذكر وأخذ على العهد الجميع يوم السبت سادس عشرى ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وتسعمائة انتهى وذكره الجمال يوسف ابن عبد الهادي في كتابه الرياض اليانعة في أعيان المائة التاسعة فقال اشتغل وتصوف مشاع ذكره وعنده ديانة ومشاركة وللناس فيه اعتقاد انتهى وتوفي بدمشق ليلة الإثنين ثالث شعبان ودفن بمقبرة باب الصغير
وفيها برهان الدين إبراهيم بن عثمان بن محمد بن عثمان بن موسى بن يحيى المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي المعروف بجابي بن عبادة ولد في رمضان سنة سبع وأربعين وثمانمائة وسمع على البرهان بن الباعوني والنظام بن مفلح والشهاب بن زيد وكان من الأفاضل وتوفي يوم الخميس مستهل رجب
وفيها القاضي تقي الدين أبو بكر الشيخ العلامة الدمشقي الشافعي المعروف بابن قاضي زرع كان أحد خلفاء الحكم بدمشق وتوفي يوم الثلاثاء عاشر شهر رمضان 91
وفيها شهاب الدين أحمد بن صدقة الشيخ الفاضل الشافعي أحد العدول بدمشق توفي وهو متوجه إلى مصر بالعريش في أواخر جمادى الآخرة
وفيها قاضي القضاة العلامة شهاب الدين أحمد الشيشي المصري الحنبلي ولي قضاء الحنابلة بمصر سنين وكان إماما علامة وتوفي في صفر وولي قضاء الحنابلة عوضه ولده قاضي القضاة عز الدين وفيها زين الدين ومحب الدين بركات بن إبراهيم بن محمد بن إبرهيم الأذرعي الدمشقي العاتكي الشافعي الشهير بابن سقط الشيخ الإمام الفاضل ولد في سابع عشر شعبان سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة وكان أحد عدول دمشق وتوفي ليلة الجمعة ثاني عشر شوال
وفيها تقريبا شرف الدين شرف الصعيدي الشيخ الصالح الورع الزاهد دخل مصر في أيام الغوري وأقام بها حتى مات وكان يصوم الدهر ويطوي أربعين يوما فأكثر وبلغ الغوري أمره فحبسه في بيت وأغلق عليه الباب ومنعه الطعام والماء ثم أخرجه فصلى بالوضوء الذي دخل به فاعتقده الغوري اعتقادا عظيما وكان يكاشف بما يقع للولاة وغيرهم قاله في الكواكب
وفيها شيخ بن عبد الله بن العيدروس الشريف اليمني الشافعي قال حفيده في النور السافر كان من أعيان عباد الله الصالحين وخلاصة المقربين حسن الأخلاق والشيم جميل الأوصاف معروفا بالمعروف والكرم سليم الصدر رفيع القدر صح بغير واحد من الأكابر كأبيه الشيخ عبد الله العيدروس وعمه الشيخ علي وعمه الشيخ أحمد وأخيه الشيخ أبي بكر ومن في طبقتهم وأخذ عنهم وتخرج بهم وصار وحيد عصره ومن المشار إليهم في قطره ومحاسنه كثيرة وبحار فضائله غزيرة لا سبيل إلى حصرها والأولى الآن طيها دون نشرها وفيه يقول حفيده وسميه سيدي الشيخ الوالد قدس الله روحه
( وفي شيخ ابن عبد الله جدي
معاشرة لحسن الخلق تبدي )
( له قلب منيب ذو صفاء
سليم الصدر بالإنفاق يسدي ) 92
( له في الأولياء حسن اعتقاد
كريم الأصل ذو فخر ومجد )
( تربي بالولي القطب حقا
أبوه العيدروس الخير يهدي )
انتهى بحروفه وفيها قاضي القضاة نجم الدين عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح الراميني الأصل الدمشقي الصالحي الحنبلي ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة وأخذ عن والده وغيره وولي قضاء قضاة الحنابلة بدمشق مرارا آخرها سنة عشر وتسعمائة واستمر فيه إلى أن توفي ليلة الجمعة ثاني شوال ودفن بالصالحية على والده وكانت له جنازة حافلة حضرها نائب الشام سيباي والقضاة الثلاثة وخلائق لا يحصون وفيها سراج الدين عمر بن شيخ الإسلام علاء الدين علي بن عثمان بن عمر بن صالح الشهير بابن الصيرفي في الدمشقي الشافعي ولد سنة أربع أو خمس وعشرين وثمانمائة وقيل سنة ثلاثين وكان إماما عالما علامة خطيبا مصقعا له أسانيد عالية بالحديث النبوي وولي نيابة القضاء بدمشق مدة طويلة والعرض والتقرير وباشر خطابة الجامع الأموي نحو أربعين سنة وتوفي ليلة الأحد سابع شوال وصلى عليه السيد كمال الدين بن حمزة بالأموي ودفن بمقبرة باب الصغير على والده الحافظ علاء الدين الصيرفي غربي مسجد النارنج
وفيها أبو حفص عمر البجائي المغربي المالكي الإمام العلامة القدوة الحجة الفهامة ولي الله تعالى والعارف به قدم إلى مصر في زمان السلطان الغوري وصار له عند الأكابر وغيرهم القبول التام وكان له كشف ظاهر يخبر بالوقائع الآتية في مستقبل الزمان فتقع كما أخبر وهو ممن أخبر بزوال دولة الجراكسة وقتالهم لابن عثمان وقال أن الدولة تكون للسلطان سليم ومر على المعمار وهو يعمر القبة الزرقاء للغوري تجاه مدرسته فقال ليس هذا قبر الغوري فقالوا له وابن قبره فقال يقتل في المعركة فلا يعرف له قبر وكان الأمر كما قال وكان شابا طويلا جميل الصورة طيب الرائحة على الدوام حفظ المدونة الكبرى للإمام مالك وسمع الحديث الكثير وكان يصوم الدهر وقوته في الغالب الزبيب ولم يكن على رأسه 93 عمامة إنما كان يطرح ملاءة عريضة على رأسه وظهره ويلبس جبة سوداء واسعة الأكمام وسكن جامع الملك بالحسينية ثم انتقل إلى جامع محمود ثم عاد إلى قبة المارستان بخط بين القصرين وبقي بها إلى أن مات ولما سكن بجامع محمود قال فيه الشيخ شمس الدين الدمياطي أبياتا منها
( سألتني أيها المولى مديح أبي
حفص وما جمعت أوصافه الغرر )
( مكمل في معانيه وصورته
كمال من لابه نقص ولا قصر )
( مطهر القلب لا غل يدنسه
ولا له قط في غير التقى نظر )
( فهن جامع محمود بساكنه
لإنه الآن محمود ومفتخر )
( وقل له فيك بحر العلم ليس له
حد فيا لك بحرا كله درر )
وتوفي في هذه السنة أو التي بعدها ودفن بالقرافة في حوش عبد الله بن وهب بالقرب من قبر القاضي بكار وفيها أو في التي بعدها مصلح الدين مصطفى الرومي الحنفي الشهير بابن البركي الإمام العالم طلب العلم وخدم المولى قاسم الشهير بقاضي زاده ثم صار معيدا لدرسه ثم درس في بعض المدارس ثم جعله السلطان أبو يزيد معلما لولده السلطان أحمد وهو أمير باماسية ثم أعطاه إحدى الثمانية ثم قضاء أدرنة وكان في قضائه حسن السيرة محمود الطريقة واستم رقاضيا بها مدة طويلة إلى أن عزله السلطان سليم في أوائل سلطنته وعين له كل يوم مائة وثلاثين عثمانيا وكان مفننا فصيح اللسان طلق الجنان رحمه الله تعالى
وفيها نجم الدين محمد بن أحمد الشهير بابن شكم الدمشقي الشافعي الإمام العلامة قال الحمصي كان عالما صالحا زاهدا وقال ابن طولون كتب على أربعين مسئلة بالشامية سأله عنها مدرسها شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون فكتب عليها وعرضها عليه يوم الأربعاء سادس عشرى ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة عند ضريح الواقفة فأسفر عن استحضار حسن وفضيلة تامة وتوفي 94 يوم الإثنين خامس عشر شوال ودفن بصالحية دمشق وفيها محي الدين محمد بن حسن بن عبد الصمد الساموني الرومي الحنفي العالم العامل الزاهد قرأ على والده وعلى المولى علاء الدين العربي ثم ولي التدريس وترقى فيه ثم صار قاضي أدرنة من قبل السلطان سليم وتوفي وهو قاض بها قال في الشقائق كان مشتغلا بالعلم غاية الاشتغال بحيث لا ينفك عن حل الدقائق ليلا ونهارا وكان معرضا عن مزخرفات الدنيا يؤثر الفقراء على نفسه حتى يختار لأجلهم الجوع والعرى راضيا من العيش بالقليل له محبة صادقة للصوفية وله حواش على شرح المفتاح للسيد الشريف وحواش على حاشية التجريد للسيد أيضا وحواش على التلويح للتفاتازاني انتهى وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن حسن بن محمد بن أبي بكر البابي المولد الحلبي المنشأ الشافعي المعروف بابن البيلوني الإمام العالم العامل لازم الشيخ بدر الدين بن السيوفي وحدث عنه وقرأ على الكمال محمد بن الناسخ الطرابلسي وهو نزيل حلب في شعبان سنة خمس وتسعمائة من أول صحيح البخاري إلى أول تفسير سورة مريم وأجازه ومن معه وأجازه جماعة آخرون منهم الحافظ السخاوي وألبسه الطاقية وصافحه وأسمعه الحديث المسلسل بالمصافحة ومنهم الكمال والبرهان ابنا أبي شريف المقدسيان وذلك عن اجتماع وقراءة عليهما وحدث بجامع حلب على الكرسي بصحيح البخاري وغيره وولي إمامة السفاحية والحجازية بجامع حلب دهرا وكان متقشفا متواضعا يعبر عن نفسه بلفظ عبيدكم كثيرا وتوفي بحلب يوم السبت ثاني عشرى القعدة
وفيها شمس الدين محمد بن جلال الدين محمد بن فتح الدين عبد الرحمن ابن وجيه الدين حسن المصري المالكي ويعرف كسلفه بابن سويد قال في النور ولد في سادس شعبان سنة ست وخمسين وثمانمائة ونشأ في كنف أبيه فحفظ القرآن وابن الحاجب الفرعي والأصلي والفية النحو وغير ذلك وعرض على 95 خلق واشتغل قليلا على والده وورث عنه شيئا كثيرا فأتلفه في أسرع وقت ثم أملق وذهب إلى الصعيد ثم إلى مكة وقرأ هناك على الحافظ السخاوي الموطأ ومسند الشافعي وسنن الترمذي وابن ماجه وسمع عليه شرحه للألفية وغير ذلك من تصانيفه ولازمه مدة وذكره السخاوي في تاريخه فقال كان صاحب ذكاء وفضيلة في الجملة واستحضار وتشدق في الكلام وكانت سيرته غير مرضية وأنه توجه إلى اليمن ودخل زيلع ودرس وحدث ثم توجه إلى كنباية وأقبل عليه صاحبها وقال الشيخ جار الله بن فهد وقد عظم صاحب الترجمة في بلاد الهند وتقرب من سلطانها محمود شاه ولقبه بملك المحدثين لما هو مشتمل عليه من معرفة الحديث والفصاحة وهو أول من لقب بها وعظم بذلك في بلاده وانقاد له الأكابر في مراده وصار منزله مأوى لمن طلبه وصلاته واصلة لأهل الحرمين واستمر كذلك مدة حياة السلطان المذكور ولما تولى ولده مظفر شاه أخرج بعض وظائفه عنه بسبب معاداة بعض الوزراء فتأخر عن خدمته إلى أن مات قال ولم يخلف ذكرا بل تبنى ولدا على قاعدة الهند فورثه مع زوجته ولم يحصل لابنته التي بالقاهرة شيئا من ميراثها لغيبتها ودفن بأحمداباد من كجرات انتهى
سنة عشرين وتسعمائة
فيها توفي المولى إبراهيم الرومي الحنفي الشهير بابن الخطيب العالم الفاضل أحد الموالي العثمانية قرأ على أخيه المولى خطيب زاده وعلى غيره وولي التداريس وترقى فيها حتى صار مدرسا بمدرسة السلطان مراد خان ببروسا وتوفي وهو مدرس بها قال في الشقائق كان سليم الطبع حليم النفس منجمعا عن الخلق مشتغلا بنفسه أديبا لبيبا إلا أنه لم يشتغل بالتصنيف لضعف دائم في مزاجه انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن حمزة الشيخ الإمام العالم العلامة الصالح التركي الطرابلسي الدمشقي الشافعي الصوفي ولد في شوال سنة 96 أربع وثلاثين وثمانمائة وكان إماما لكل طرابلس الشام ولما جاء من كفالة طرابلس إلى كفالة دمشق صحبه المترجم وكان على طريقة حسنة قال الحمصي كان رجلا عالما صالحا ومن محاسنه أنه صلى بالجامع الأموي في شهر رمضان بالقرآن جميعه في ركعتين وقال النعيمي أصيب في بصره سنة خمس عشرة وتسعمائة بعد أن أصيب في أواخر القرن التاسع بأولاد نجباء وصبر ثم انقطع عن الناس بالمدرسة التقوية إلى أن توفي يوم الخميس خامس ذي القعدة
وفيها تقريبا شهاب الدين أحمد بن عمر بن سليمان الجعفري الدمشقي الشافعي الصوفي الوفائي له كتاب لطيف شرح فيه حكم ابن عطاء الله وضعه على أسلوب غريب كلما تكلم على حكمة اتبعها بشعر عقدها فيه فمن ذلك قوله
( أجل أوقات عارف زمن
يشهد فيه وجود فاقته )
( متصفا بالذي يقربه
من ربه من وجود زلته )
عقد فيه قول ابن عطاء الله خير أوقاتك وقت شهدت فيه وجود فاقتك وترد إلى وجود زلتك وقال أيضا
( خير ما تطلب منه
هو ما يطلب منكا )
( فاطلب التوفيق منه
للذي يرضيه عنكا )
عقد فيه قول ابن عطاء الله خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك وقال أيضا
( إن وسع الكون صغير جرم جثما نيتك
)
( فإنه يضيق عن عظيم روحانيتك
)
عقد فيه قول ابن عطاء الله وسعك الكون من حيث جثمانيتك ولم يسعك من ثبوت روحانيتك وفرغ من تأليف هذا الكتاب يوم الجمعة ثالث عشرى القعدة من السنة التي قبلها بمكة المشرفة تجاه البيت الحرام وفيها أحمد الشيخ الصالح المعتقد المعروف بأبي عراقية أصله من العجم وأقام بدمشق وكان للأروام فيه اعتقاد زائد قال ابن طولون وهو ممن أخذ عنه وقد أخبرنا 97 كثيرا عن استيلائهم على هذه البلاد وعمارتهم على قبر المحيوي بن العربي وعنده تكية قبل موته وقد وقع ذلك بعد موته بسنتين كما قال انتهى توفي في هذه السنة ودفن عند صفة الدعاء أسفل الروضة من سفح قاسيون
وفي حدودها صاحب خزانة الفتاوى وهو القاضي جكن بضم الجيم وفتح الكاف وسكون النون وهي كلمة هندية جعلت علما ومعناها بلسان الهند كثير المال كان رحمه الله تعالى أحد إخوة أربعة كلهم فقهاء فضلاء ولوا القضاء بنهر واله من إقليم الكجرات واسم القصبة التي نشأوا بها كرى بفتح الكاف وكسر الراء آخره ياء مثناة تحت وكان في أواخر سلطنة السلطان محمود شاه بن محمد شاه بن أحمد شاه الكجراتي وفيها حسام الدين حسين بن عبد الرحمن الرومي الحنفي العالم الفاضل قرأ على علماء عصره ودخل إلى خدمة المولى أفضل زاده ثم قرأ على المولى عبد الرحمن بن المؤيد ثم خدم المولى خواجه زاده ثم ولي التداريس حتى صار مدرسا بمدرسة السلطان محمد ببروسا ثم بمدرسة أبي يزيد باماسية ثم بإحدى الثمانية ومات وهو مدرس بها وكان فاضلا بارعا حسن الصوت لطيف المعاشرة له أدب ووقار وله حواش على أوائل حاشية التجريد وكلمات متعلقة بشرح الوقاية لصدر الشريعة ورسالة في جواز استخلاف الخطيب ورسالة في جواز الذكر الجهري وغير ذلك قاله في الكواكب وفيها عمر بن معوضة الشرعي قال في النور كان فقيها عالما صالحا مات يوم الأربعاء ثاني عشر شوال بزبيد انتهى
وفيها أبو الوفا محمد بن عبد الله بن محمد بن محمد الموصلي الأشعري الشافعي الشيخ الصالح المسلك المربي قال في الكواكب كان من أعيان الصوفية بدمشق وأصلائهم أبا عن جد توفي في ثامن عشر شهر رمضان ودفن بمقبرة القبيبات رحمه الله تعالى وفيها جمال الدين محمد بن الصديق الصائغ قال في النور كان فقيها إماما علامة توفي بمدينة زبيد ليلة السبت الحادي عشر من 98 شهر ربيع الأول ودفن غربي مشهد الشيخ أحمد الصياد انتهى
سنة إحدى وعشرين وتسعمائة
في حدودها توفي الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حسين بن محمد العليني المكي نزيل المدينة الشافعي ولد سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وسمع على جماعة وأجازه آخرون قال ابن طولون أجازني في استدعاء بخط شيخنا النعيمي مؤرخ في سنة عشرين وتسعمائة قال وربما اجتمعت به انتهى
وفيها بدر الدين حسن بن ثابت بن إسمعيل الزمزمي المكي خادم بئر زمزم وسقاية العباس نزيل دمشق الشافعي الإمام الحيسوب المفيد قال في الكواكب أخذ العلم عن قريبه الشيخ إبراهيم الزمزمي وغيره ثم اعتنى بعلم الزيارج وبتصانيفه الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى وتوفي بالمدرسة البادرائية داخل دمشق في سابع عشر ربيع الأول تقريبا سنة إحدى وعشرين وتسعمائة تحقيقا ودفن بمقبرة باب الصغير انتهى
وفيها قاضي القضاة سرى الدين أبو البركات عبد البر بن قاضي القضاة محب الدين أبي الفضل محمد بن قاضي القضاة محب الدين أيضا أبي الوليد محمد بن الشحنة الحنفي ولد بحلب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة ورحل إلى القاهرة فاشتغل في علوم شتى على شيوخ متعددة ذكرهم السخاوي في ترجمته في الضوء اللامع منهم والده وجده ودرس وأفتى وتولى قضاء حلب ثم قضاء القاهرة وصار جليس السلطان الغوري وسميره قال الحمصي كان عالما متقنا للعلوم الشرعية والعقلية وقال ابن طولون ولم يثن الناس عليه خيرا وذكر الحمصي أن عبيد السلموني شاعر القاهرة هجاه بقصيدة قال في أولها
( فشا الزور في مصر وفي جنباتها
ولم لا وعبد البر قاضي قضاتها )
وعقد على السلموني بسبب ذلك مجلس في مستهل محرم سنة ثلاث عشرة 99 بحضرة السلطان الغوري وأحضر في الحديد فأنكر ثم عزر بسببه بعد أن قرئت القصيدة بحضرة السلطان وأكابر الناس وهي في غاية البشاعة والشناعة والسلموني المذكور كان هجاء خبيث الهجو ما سلم منه أحد من أكابر مصر فلا يعد هجوه جرحا في مثل القاضي عبد البر وقد كان له في ذلك العصر حشمة وفضل وكان تليمذه القطب بن سلطان مفتي دمشق يثني عليه خيرا ويحتج بكلامه في مؤلفاته وكان ينقل عنه أنه أفتى بتحريم قهوة البن وله رحمه الله تعالى مؤلفات كثيرة منها شرح منظومة ابن وهبان في فقه أبي حنيفة النعمان ومنها شرح الوهبانية في فقه الحنفية وشرح منظومة جده أبي الوليد بن الشحنة التي نظمها في عشرة علوم وكتاب لطيف في حوض دون ثلاثة أذرع هل يجوز فيه الوضوء أولا وهل يصير مستعمل التوضى فيه أولا ومنها الذخائر الأشرفية في ألغاز الحنفية وله شعر لطيف منه
( أضاروها مناقبي الكبار
وبي والله للدنيا الفخار )
( بفضل شائع وعلوم شرع
لها في سائر الدنيا انتشار )
( ومجد شامخ في بيت علم
مفاخرهم بها الركبان ساروا )
( وهمة لوذع منهم تسامى
وفوق الفرقدين لها قرار )
( وفكر صائب في كل فن
إلى تحقيقه أبدا يصار )
وقال ناظما لأسماء البكائين في غزوة تبوك وهم الذين نزلت فيهم (
ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تورعا وأعينهم تفيض من الدمع )
( ألا إن بكاء الصحابة سبعة
لكونهم قد فارقوا خير مرسل )
( فعمرو أبو ليلى وعلية سالم
كذا سلمة عرباص وابن مغفل )
وذيل عليه البدر الغزي فقال
( كثعلبة عمرو وصخر وديعة
وعبد ابن عمرو بن أزرق معقل ) 100 قال البدر المذكور وكنت قبل أن أقف على بيتي القاضي عبد البر المذكور قد استوفيت أسماءهم ونظمتها في هذه الأبيات
( وفي الصحب بكاءون بضعة عشر قد
بكوا حزنا إذ فارقوا خير مرسل )
( فمنهم أبو ليلى وعمرو بن عتمة
وصخر بن سلمان وربع بمعقل )
( كذلك عبد الله وهو ابن أزرق
كذاك ابن عمرو ثم نجل مغفل )
( وثعلبة وهو ابن زيد وسالم
هو ابن عمير في مقال لهم جلي )
( أبو علية أو علية ووديعة
وبالأمجد العرباض للعد أكمل )
وذكر ابن الحنبلي في تاريخه أن القاضي عبد البر نظم أبياتا في أسماء البكائين المذكورين وبين فيها اختلاف المفسرين وأهل السير فيهم وشرحها رسالة لطيفة ومن لطائفه قوله
( حبشية ساءلتها عن جنسها
فتبسمت عن در ثغر جوهري )
( وطفقت أسأل عن نعومة ما طفى
قالت فما تبغيه جنسي امحري )
وتوفي يوم الخميس خامس شعبان بحلب وفيها تقريبا عز الدين عبد العزيز بن عبد اللطيف بن أحمد بن جار الله بن زايد بن يحيى بن محيا بن سالم المكي الشافعي المعروف كسلفه بابن زايد وله سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة بمكة وحفظ القرآن العظيم وسافر مع أبيه في التجارة إلى الهند واليمن وسواكن وغيرها وسمع على أبي الفتح المراغي جميع البخاري خلا أبواب وبعض مسلم وكتبا كثيرة منه السنن الأربعة وسمع على الحافظ تقي الدين بن فهد ومنه أشياء كثيرة وعلى الشهاب الزفتاوي المسلسل بالأولية وجزء أيوب السختياني والبردة للبوصيري وغير ذلك وأجاز له جماعة منهم الحافظ ابن حجر وأحمد بن محمد بن أبي بكر الدماميني والعز عبد الرحيم بن الفرات والسعد الديري وجماعة آخر وفيها تقريبا أيضا الحافظ عز الدين أبو الخير أبو فارس عبد العزيز بن العمدة المؤرخ الرحال نجم الدين 101 أبي القسم وأبي حفص عمر بن العلامة الرحلة الحافظ تقي الدين أبي الفضل محمد بن محمد بن محمد الشريف العلوي الشهير كسلفه بابن فهد المكي الشافعي ولد في الثلث الأخير من ليلة السبت سادس عشرى شوال سنة خمسين وثمانمائة بمكة المشرفة وحفظ القرآن العظيم والأربعين النووية والإرشاد لابن المقري والفية ابن مالك والنخبة لابن حجر والتحفة الوردية والجرومية وعرضها جميعها على والده وجده والثلاثة الأولى على جماعة غيرهما واستجاز له والده جماعة منهم ابن حجر وأسمعه على المراغي والزين الأسيوطي والبرهان الزمزمي وغيرهم ثم رحل بنفسه إلى المدينة المنورة ثم إلى الديار المصرية وسمع بهما وبالقدس وغزة ونابلس ودمشق وصالحيتها وبعلبك وحماة وحلب وغيرها ممن لا يحصى وجد واجتهد وتميز ثم عاد إلى بلده ثم رجع إلى مصر بعد نحو أربع سنوات وذلك في سنة خمس وسبعين وقرأ على شيخ الإسلام زكريا والشرف عبد الحق السنباطي في الإرشاد وعلى السخاوي الفية الحديث وغيرها ورجع إلى بلده ثم سافر في موسم السنة التي تليها إلى دمشق وقرأ بها على الزين خطاب والمحب البصروي وكان قد أخذ عنه بمكة أيضا وحضر دروس التقوى بن قاضي عجلون وسافر إلى حلب ثم رجع وسافر إلى القاهرة ثم عاد إلى بلده ثم عاد إلى القاهرة ولازم السخاوي وحضر دروس إمام الكاملية والسراج العبادي ثم رجع إلى بلده وأقام بها ملازما للاشتغال والاشغال ولازم فيها عالم الحجاز البرهان ابن ظهيرة في الفقه والتفسير وأخاه الفخر والنور الفاكهي في الفقه وأصوله وأخذ النحو عن أبي الوقت المرشدي والسيد السنهوري مؤرخ المدينة والنحو والمنطق عن العلامة يحيى المالكي وبرع في علم الحديث وتميز فيه بالحجاز مع المشاركة في الفضائل وعلو الهمة والتخلق بالأخلاق الجميلة وصنف عدة كتب منها معجم شيوخه نحو ألف شيخ وفهرست مروياته وجزء في 102 المسلسل بالأولية وكتاب فيه المسلسلات التي وقعت له ورحلة في مجلد وكتاب الترغيب والاجتهاد في الباعث لذوي الهمم الغلية على الجهاد وترتيب طبقات القراء للذهبي وتاريخ على السنين ابتدأ فيه من سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة وذكر ابن طولون أنه أجازه مرارا وسمع منه الحديث المسلسل بالأولية ثم المسلسل بالمحمدين ثم المسلسل بحرف العين وذلك يوم الإثنين سادس ذي الحجة سنة عشرين وتسعمائة بزيارة دار الندوة انتهى
وفيها جمال الدين محمد بن محمد النظاري قال في النور كان نعم الرجل فقها وعقلا وصيانة ودينا وأمانة وبذلا للمعروف كافا للأذى معينا للملهوف له صدقات جليلة سرا وعلانية وكان قطب رحى المملكة السلطانية الظافرية وعين الأعيان في الجهة اليمانية ومن آثاره بناء المسجد ببيت الفقيه عجيل عمره عمارة متقنة إلى الغاية وبنى مدرسة بمدينة اب ووقف عليها وقفا جليلا وجملة من الكتب النفيسة وله من الآثار الحسنة ما يجل عن الوصف وتوفي يوم الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى بمدينة اب بعد أن طلع إليها متوعكا من نحو شهر وترك ولده الفقيه عبد الحق عوضا عنه بزبيد انتهى
سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة
فيها زالت دولة الجراكسة بملوك بني عثمان خلد الله دولتهم وأبد سيادتهم وفيها توفي القاضي برهان الدين إبراهيم السمديسي المصري الحنفي قال في الكواكب ولي نيابة القضاء والوظائف الدينية بالقاهرة وناب عن عمه القاضي شمس الدين السمديسي في إمامة الغورية وتوفي يوم الإثنين سادس عشر جمادى الأولى وصلى عليه في الجامع الأزهر انتهى
وفيها برهان الدين أبو الوفا إبراهيم بن زين الدين أبي هريرة عبد الرحمن ابن شمس الدين محمد بن مجد الدين إسمعيل الكركي الأصل القاهري 103 المولد والدار والوفاة الحنفي إمام السلطان ويعرف بابن الكركي قال في النور السافر ولد وقت الزوال من يوم الجمعة تاسع شهر رمضان سنة خمس وثلاثين وثمانمائة بالقاهرة وأمه أم ولد جركسية وحفظ القرآن وأربعين النووي والشاطبية ومختصر القدوري والفية ابن مالك وغيرها وعرض محفوظاته على أئمة عصره كالشهاب بن حجر والعلم البلقيني والقلقشندي واللولوي السقطي وابن الديري وابن الهمام وجماعة آخرين وكتبوا كلهم له وسمع صحيح مسلم أو أكثره على الزين الزركشي وأقبل على العلم وتحصيله فأخذ الفقه والعربية عن الشمس إمام الشيخونية وكذا أخذ عن النجم الغزي والعز عبد السلام البغدادي وسمع عليه الشفا وقرأ الصحيحين على الشهاب بن العطار وحضر دروس الكمال بن الهمام ولازم التقي الحصني والتقي الشمني والكافيجي وعظم اختصاصه بهم وأخذ عن الشمني التفسير وعلوم الحديث والفقه والأصلين والعربية والمعاني والبيان ورتبت له الوظائف الكثيرة من جملتها دينار كل يوم ونوه به في قضاء الحنفية وكان شأنه أعلى من ذلك إذ كان القضاة وغيرهم يترددون إليه ومال الأفاضل من الغرباء وغيرهم من الاستفادة منه والمباحثة معه ولم يزل يزيد اختصاصه بالسلطان قايتباي بحيث لم يتخلف عنه في سفر ولا غيره قال السخاوي أنه تمنى بحضرته الموت فانزعج من ذلك وقال بل أنا أتمناه لتقرأ عند قبري وتزورني وصنف وأفتى وحدث وروى ونظم ونثر ونقب وتعقب وخطب ووعظ وقطع ووصل وقدم وأخر ومن تصانيفه فتاوى في الفقه مبوبة في مجلدين وحاشية على توضيح ابن هشام هذا كله مع الفصحاة والبلاغة وحسن العبارة والضبط وجودة الخط ولطف العشرة والميل إلى النادرة واللطف ومزيد الذكاء وسرعة البديهة والاعتراف بالنعمة والطبع المسقتيم إلى أن تنكد خاطر 104 السلطان من جهته في سنة ست وثمانين فمنعه من الحضور في حضرته فتوجه للاقراء في بيته فنون العلم والفتيا وحج ثلاث حجات وأخذ عن أهل الحرمين وأخذوا عنه انتهى كلام صاحب النور وقال ابن فهد أنه تولى قضاء الحنفية بالقاهرة في زمن الأشرف بن قايتباي في سنة ثلاث وتسعمائة ثم عزل سنة ست واستمر معزولا إلى أن مات وقال في الكواكب السائرة كانت وفاته يوم الثلاثاء خامس شعبان غريقا تجاه منزله من بركة الفيل بسبب أنه كان توضأ بسلالم قيطونه فانفرك به القبقاب فانكفأ في البركة ولم يتفق أحد يسعفه فاستبطأوه وطلبوه فوجدوا عمامته عائمة وفردة القبقاب على السلم فعلموا سقوطه في البركة فوجدوه ميتا ونال الشهادة ودفن من الغد بفسقيته التي أنشأها بتربة الأتابك يشبك بقرب السلطان قايتباي وتردد الأمير طومان باي الذي صار سلطانا بعد موت الغوري إلى بيته وذهب ماشيا إلى جنازته هو ومن بمصر من الأعيان انتهى وفيها برهان الدين أبو الفتح إبراهيم بن علي بن أحمد القلقشندي الشيخ الإمام العلامة المحدث الحافظ الرحلة القدوة الشافعي القاهري أخذ عن جماعة منهم الحافظ ابن حجر والمسند عز الدين بن الفرات الحنفي وغيرهما وخرج لنفسه أربعين حديثا قال البدر العلائي أنه آخر من يروي عن الشهاب الواسطي وأصحاب الميدومي والتاج الشرابشي والتقي الغزنوي وعائشة الكنانية وغيرهم وقال الشعراوي كان عالما صالحا زاهدا قليل اللهو والمزاح مقبلا على الأعمال الآخرة حتى ربما يمكث اليومين والثلاثة لا يأكل انتهت إليه الرياسة وعلو السند في الكتب الستة والمسانيد والأقراء قال وكان لا يخرج من داره إلا لضرورة شرعية وليس له تردد إلى أحد من الأكابر وكان إذا ركب بغلته وتطيلس يصير الناس كلهم ينظرون إليه من شدة الهيبة والخفر الذي عليه وتوفي فقيرا بحصر البول يوم الثلاثاء عاشر جمادى الآخرة عن إحدى وتسعين سنة لا تزيد 105 يوما ولا تنقص يوما وصلى عليه بالجامع الأزهر ودفن بتربة الطويل خارج باب الحديد من صحراء القاهرة قال الشعراوي وكأن الشمس كانت في مصر فغربت أي عند موته وفيها برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أبي بكر بن الشيخ علي الطرابلسي ثم الدمشقي نزيل القاهرة الحنفي الإمام العلامة أخذ عن السخاوي والديمي وغيرهما وكان منقطعا في خلوة بالمؤيدية عند الشيخ صلاح الدين الطرابلسي ثم طل بالعلم واشتغل وترقى في مقامه عند الأتراك بواسطة اللسان ثم صار شيخ القجماسية وتوفي في آخر هذه السنة وصلى عليه وعلى البرهانين ابن الكركي المتقدم وابن أبي شريف الآتي في السنة التي بعد هذه غائبة بجامع دمشق وفيها أحمد بن أبي بكر العيدروس الشيخ الصالح الولي العجيب قال في النور أمه بهية بنت الشيخ علي بن أبي بكر بن الشيخ عبد الرحمن الشقاف وأمها فاطمة بنت الشيخ عمر المحضار بن الشيخ عبد الرحمن الشقاف فولده الشيخ عمر من الجهتين كما ولده أيضا الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن مرتين وقد تميز بهذا عن غيره من بني عمه كما أشار إليه العلامة بحرق حيث يقول فيه
( أصيل السيادة لا ينتمي
إلى جد الا هو السيد )
( لئن شاركته بنو العيدروس
بفخر هو الشمس لا يجحد )
( فقد خصه الله من بينهم
بآيات مجد له تشهد )
( حوى سر جديه من أمه
فطاب له الفرع والمحتد )
فهو الوارث لأبيه وجده وحامل الراية من بعده وولي عهده فقد قام بالمقام أتم قيام ونهض بما نهض به آباؤه الكرام فساد وجاد وبنى معاقل المجد وشاد وأحيا الرواتب التي أسسها أبوه والأوراد وواظب على إطعام الطعام وصلة الأرحام والإحسان إلى الفقراء والأيتام باذلا جاهه وماله في إيصال النفع إلى أهل الإسلام واتفق أن ثمن الكسوة التي اشتراها في 106 آخر ختمة لرمضان صلاها بلغ خمسة آلاف دينار أو أكثر وحكى أن خبز مطبخه كان إذا ركموه يبلغ إلى سطح الدارودور عدن عالية جدا بحيث أنها تكون على ثلاثة قصور غالبا قال الراوي فعجبت وقلت ما كان بعدن إذ ذاك سائل قالوا لا ما كان في زمنه وزمن والده في عدن سائل أصلا ومحاسنه رحمه الله تعالى أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر ورثاه العلامة بحرق بمرثية حسنة منها
( لمن تبنى مشيدات القصور
وأيام الحياة إلى قصور )
إلى أن قال
( وروعت الأنام بفقد شخص
رزيته على بشر كثير )
( شهاب ثاقب من نور بدر
تبقى من شموس من بدور )
وهي طويلة وتوفي في سلخ المحرم بعدن ودفن بها في قبة أبيه وعمره يومئذ أربعون سنة تقريبا انتهى ملخصا وفيها السيد أحمد البخاري العارف بالله تعالى الشريف الحسيني قال في الكواكب صحب في بدايته الشيخ العارف بالله تعالى خواجه عبيد الله السمرقندي ثم صحب بأمره الشيخ الالهي وسار معه إلى بلاد الروم وترك أهله وعياله ببخارى وكان الشيخ الالهي يعظمه غاية التعظيم وعين له جانب يمينه وكان يقول أن السيد أحمد البخاري صلى بنا الفجر بوضوء العشاء ست سنين وسئل السيد أحمد عن نومه في تلك المدة قال كنت آخذ بغلة الشيخ وحماره في صبيحة كل يوم وأصعد الجبل لنقل الحطب إلى مطبخ الشيخ وكنت أرسلهما ليرتعا في الجبل واستند إلى جبل وأنام ساعة وذهب بإذن شيخه إلى الحجاز على التجريد والتوكل وأعطاه الشيخ حمارا وعشرة دراهم وأخذ من سفرة الشيخ خبزة واحدة ولم يصحب سوى ذلك إلا مصحفا ونسخة من المثنوي فسرق المصحف وباع المثنوي بمائة درهم وكان مع ذلك على حسن حال وسعة نفقة 107 وجاور بمكة المشرفة قريبا من سنة ونذر أن يطوف بالكعبة كل يوم سبعا ويسعى بين المروتين سبعا وكان كل ليلة يطوف تارة ويجتهد أخرى وتارة يستريح ولا ينام ساعة مع ضعف بنيته وزار القدس الشريف وسكنه مدة ثم رجع إلى شيخه وخدمته ببلدة سيما ثم وقع في نفسه زيادة مشايخ القسطنطينية فاستأذن من شيخه فأذن له فذهب إليها ثم كتب إلى شيخه يرغبه في سكناها فرحل إليه شيخه ثم لما مات شيخه كان خليفة في مقامه ورغب الناس في خدمته حتى تركوا المناصب واختاروا خدمته وكان على مجلسه الهيبة والوقار وكان له أشراف على الخواطر ولا يجري في مجلسه ذكر الدنيا أصلا وكانت طريقته الأخذ بالعزيمة والعمل بالسنة والتجنب عن البدعة والعزلة والجوع والصمت وإحياء الليل وصوم النهار والمحافظ على الذكر الخفي وتوفي بقسطنطينية ودفن عند مسجده وقبره يزار ويتبرك به قيل ولما وضع في قبره توجه هو بنفسه إلى القبلة وصلى على النبي انتهى
وفيها أحمد الزواوي الشيخ الصالح العباد أخذ الطريق عن الشيخ شعبان البلقطري وكان ورده في اليوم والليلة عشرين ألف تسبيحة وأربعين ألف صلاة على النبي قال المناوي في طبقات الأولياء كان عابدا زاهدا جزل الألفاظ لطيف المعاني يفعل قوله في النفوس ما لا تفعله المثالث والمثاني ولما سافر الغوري إلى قتال ابن عثمان جاء إلى مصر ليرد ابن عثمان عنها فعارضه بعض أوليائها فلحقه داء البطن فتوجه إلى دمنهور الوحش فمات في الطريق ودفن بدمنهور انتهى وفيها بدر الدين حسن بن عطية بن محمد بن فهد العلوي الهاشمي المكي الشافعي الإمام المسند ولد يوم الأربعاء تاسع المحرم سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة وأخذ عن والده وعمه الحافظ تقي الدين وأبي الفتح المراغي وعبد الرحيم الأسيوطي وابن حجر العسقلاني واجتمع به ابن طولون في سنة عشرين وأجازه ولم يسمع 108 منه وتوفي في هذه السنة وفيها حسام الدين حسين بن حسن بن عمر البيري ثم الحلبي الشافعي الصوفي قال في الكواكب وصفه شيخ الإسلام الوالد في رحلته وغيرها بالشيخ الإمام الكبير العلامة المفتي العارف بالله تعالى ولد ببيرة الفرات ثم انتقل إلى حلب وجاور بجامع الطواشي ثم بالالجيهية ثم ولي في سنة أربع وتسعمائة النظر والمشيخة بمقام سيدي إبراهيم ابن أدهم وكان له ذوق ونظم ونثر بالعربية والفارسية والتركية وله رسالة في القطب والإمام وعرب شيئا من المثنوي من الفارسية وشيئا من منطق الطير من التركية منه
( اسمعوا يا سادتي صوت اليراع
كيف يحكي عن شكايات الوداع )
ومنه
( ما ترى قط حريصا قد شبع
ما حوى الدر الصدف حتى قنع )
ومن شعره رضي الله عنه
( بقايا حظوظ النفس في الطبع أحكمت
كذلك أوصاف الأمور الذميمة )
( تحيرت في هذين والعمر قد مضى
إلهي فعاملنا بحسن المشيئة )
انتهى ملخصا وفيها المولى سعدي بن ناجي بيك أخو المولى جعفر جلبي بن ناجي بيك الرومي الحنفي العالم الفاضل قرأ على جماعة من الموالي منهم المولى قاسم الشهير بقاضي زاده والمولى محمد بن الحاج حسين وبرع واشتهرت فضائله ودرس في مدرسة السلطان مرادخان الغازي ببروسا ثم أعطى مدرسة الوزير علي باشا بقسطنطينية ثم إحدى الثمانية ثم حج وعاد فأعطى تقاعدا بثمانين عثمانيا وكان فاضلا في سائر الفنون خصوصا العربية وله باللسان العربي إنشاء وشعر في غاية الجودة وله حواش على شرح المفتاح للسيد الشريف وحاشية على باب الشهيد من شرح الوقاية لصدر الشريعة ونظم عقائد النسفي بالعربية وله رسائل أخرى قاله في الكواكب 109
وفيها المولى عبد الرحمن بن علي المعروف بابن المؤيد الأماسي الرومي الحنفي العالم العلامة المحقق الفهامة ولد بأماسية في صفر سنة ستين وثمانمائة واشتغل بالعلم بللده ولما بلغ سن الشباب صحب السلطان أبا يزيد خان حين كان أميرا بأماسية فوشى به المفسدون إلى السلطان محمد خان والد السلطان أبي يزيد فأمر بقتله فبلغ السلطان أبا يزيد ذلك قبل وصول أمر والده فأعطاه عشرة آلاف درهم وخيلا وسائر أهبة السفر وأخرجه ليلا من أماسية ووجه إلى بلاد حلب وكانت إذ ذاك في أيدي الجراكسة فدخلها سنة ثمان وثمانين وثمانمائة فأقام هناك مدة واشتغل بها في النحو فقرأ في الفصل ثم أشار عليه بعض تجار العجم أن يذهب إلى المولى جلال الدين الدواني ببلدة شيراز ووصف له بعض فضائله فخرج مع تجار العجم وقصد المنلا المذكور فقرأ عليه زمانا كثيرا وحصل عنده من العلوم العقلية والعربية والتفسير والحديث كثيرا وأجازه وشهد له بالفضل التام بعد أن أقام عنده سبع سنين فلما بلغه جلوس السلطان أبي يزيد على تخت السلطنة سافر إلى الروم فصحب موالي الروم وتكلم معهم فشهدوا بفضله وعرضوه على السلطان فأعطاه مدرسة قلندرخانه بالقسطنطينية ثم إحدى الثمانية ثم قضاء القسطنطينية ثم أدرنه ثم قضاء العسكر بولاية أناضولي ثم بولاية روم إيلي ثم عزل وجرت له محنة ثم لما تولى السلطان سليم خان أعاده إلى قضاء العسكر في سنة تسع عشرة وسافر معه إلى بلاد العجم لمحاربة الشاه إسمعيل ثم عزل عن قضاء العسكر بسبب اختلال حصل في عقله في شعبان سنة عشرين وعين له كل يوم مائتي درهم ورجع إلى القسطنطينية معزولا وكان قبل اختلاله بالغا الغاية القصوى في العلوم العقلية والعربية ماهرا في التفسير مهيبا حسن الخط جدا ينظم الشعر بالفارسية والعربية وله 110 مؤلفات بقي أكثرها في المسودات منها رسالة لطيفة في المواضع المشكلة من علم الكلام ورسالة في تحقيق الكرة المدحرجة وتوفي بالقسطنطينية ليلة الجمعة خامس عشر شعبان وقيل في تاريخ وفاته
( نفسي الفداء لحبر حل حين قضى
في روضة وهو في الجنات محبور )
( مقامه في علا الفردوس مسكنه
أنيسه في الثرى الولدان والحور )
( قل للذي يبتغي تاريخ رحلته
نجل المؤيد مرحوم ومغفور )
وفيها قاضي القضاة محي الدين عبد القادر المعروف بابن النقيب القاهري الشافعي الإمام العلامة قرأ على جماعة من الأعلام منهم الكمال بن أبي شريف وزكريا الأنصاري وتولى قضاء مصر مرات وكان لا يصلي الصبح صيفا ولا شتاء إلا في الجامع الأزهر يمشي كل يوم من المدرسة الناصرية إليه وكان متواضعا سريع الدمعة وكان بيده مشيخة الخانقاة الصلاحية سعيد السعداء وتدريس الظاهرية الجديدة برقوق بين القصرين وكان مارا بالقصبة ليلة الإثنين حادي عشر ربيع الأول فرفسه بغل فانكسر ضلعه أو فخذه ومات في اليوم الثاني وفيها تاج الدين عبد الوهاب الذاكر المصري الشيخ الصالح المسلك المربي المجد الداعي إلى الله تعالى ربى يتيما بمكتب مدرسة الحسامي فلما ترعرع تعلق على صنعة البناء ثم وفقه الله تعالى للاجتماع على الشيخ نور الدين بن خليل عرف بابن عين الغزال فلازمه وصار يحضر المحافل ويتردد إلى الشيخ تقي الدين الأوجاقي حتى اشتهر فجمع الناس ولازم الذكر والخير وأقرأ البخاري والشفا والعوارف بروايته لها عن العز بن الفرات وعن التقي الأوجاقي ونازع العلائي أن يكون سمع من العز بن الفرات وكان نير الوجه حسن السمت كثير الشفاعات شديد الإهتمام بقضاء حوايج الناس مجدا في العبادة دائم الطهارة لا يتوضأ عن حدث إلا كل سبعة أيام وسائر طهاراته تجديد وانتهى أمره آخرا إلى أنه كان يمكث اثنى عشر 111 يوما لا يتوضأ عن حدث ولم يعرض ذلك لأحد في عصره إلا الشيخ أبي السعود الجارحي وامتحنه قوم دعوه وجعلوا يطعمونه سبعة أيام ولم يحدث ثم علم أنهم امتحنوه فدعا عليهم فانقلبت بهم المركب فقيل له في ذلك فقال لا غرق وإنما هو تأديب وينجون فكان كذلك ثم ندم على الدعاء عليهم وقال لا بد لي من المؤاخذة فمرض أكثر من أربعين يوما ومكث خمسا وعشرين سنة لم يضع جنبه على الأرض إنما ينام جالسا على حصير وقال عند موته لي أربعون سنة أصلي الصبح بوضوء العشاء وقد طويت سجادتي من بعدي وتوفي يوم الخميس ثالث عشرى جمادى الآخرة ودفن بزاويته قريبا من حمام الدود قاله في الكواكب وفيها عز الدين الصابوني الحلبي الحنفي المعروف بابن عبد الغني ابن عم أبي بكر بن الموازيني كان خطيبا جيد الخطبة ولي خطابة جامع الأطروش بحلب فلما دخل السلطان سليم خان حلب في هذه السنة صلى الجمعة بالجامع المذكور خلف المذكور فحظي بسبب ذلك ولم يلبث أن توفي في هذه السنة وكان في قدميه اعوجاج بحيث لا يتردد في الشوارع إلا راكبا وفيها عاشرة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر بنت الباعوني المعروفة بالباعونية الشيخة الصالحة الأريبة العالمة العاملة أم عبد الوهاب الدمشقية أحد أفراد الدهور ونوادر الزمان فضلا وأدبا وعلما وشعرا وديانة وصيانة تنسكت على يد السيد الجليل إسمعيل الخوارزمي ثم على خليفة المحيوي يحيى الأرموي ثم حملت إلى القاهرة ونالت من العلوم حظا وافرا وأجيزت بالافتاء والتدريس وألفت عدة مؤلفات منها الفتح الحنفي يشتمل على كلمات لدنية ومعارف سنية وكتاب الملامح الشريفة والآثار المنيفة يشتمل على إنشادات صوفية ومعارف ذوقية وكتاب در الغائص في بحر المعجزات والخصائص وهو قصيدة رائية وكتاب الإشارات الخفية في المنازل العلية وهي أرجوزة اختصرت فيها منازل 112 السائرين للهروي وأرجوز أخرى لخصت فيها القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع لسخاوي وبديعية وشرحتها وغير ذلك ومن كلامها وكان مما انعم الله به على أنني بحمده لم أزل أتقلب في أطوار الإيجاد في رفاهية لطائف البر الجواد إلى أن خرجت إلى هذا العالم المشحون بمظاهر تجلياته الطافح بعجائب قدرته وبدائع إرادته المشوب موارده بالأقدار والأكدار الموضع بكمال القدرة والحكمة للابتلاء والاختبار دار ممر لا بقاء لها إلى دار القرار فرباني اللطف الرباني في مشهد النعمة والسلامة وغذاني بلبان مداد التوفيق لسلوك سبيل الاستقامة وفي بلوغ درجة التمييز أهلني الحق لقراءة كتابه العزيز ومن على بحفظه على التمام ولي من العمر حينئذ ثمانية أعوام ثم لم أزل في كنف ملاطفات اللطيف حتى بلغت درجة التكليف في كلام آخر ولما دخلت القاهرة ندبت لقضاء مآرب لها تتعلق بولد لها كان في صحبتها المقر أبو الثنا محمود بن اجا الحلبي صاحب دواوين الانشاء بالديار المصرية فأكرمها وولدها وأنزلها في حريمه وكانت قد مدحته بقصيدة أولها
( روى البحر أصباب العطا عن نداكم
ونشر الصبا عن مستطاب ثناكم )
فعرضها على شيخ الأدباء السيد عبد الرحيم العباسي القاهري فأعجب بها وبعث إليها بقصيدة من بديع نظمه فأجابت عنها بقصيدة مطلعها
( وافت تترجم عن حبر هو البحر
بديعة زانها مع حسنها الخفر )
ومن شعرها
( نزه الطرف في دمشق ففيها
كلما تشتهي وما تختار )
( هي في الأرض جنة فتأمل
كيف تجري من تحتها الأنهار )
( كما سما في ربوعها كل قصر
اشرقت من وجوهها الأقمار )
( وتناغيك بينها صارخات
خرصت عند نطقها الأوتار )
( كلها روضة وماء زلال
وقصور مشيدة وديار ) 113 وذكر ابن الحنبلي أنها دخلت حلب في هذه السنة والسلطان الغوري بها لمصلحة لها كانت عنده فاجتمع بها من وراء حجاب البدر السيوفي وتلميذه الشمس السفيري وغيرهما ثم عادت إلى دمشق وتوفيت بها في هذه السنة
وفيها السلطان الملك الأشرف أبو النصر قانصوه بن عبد الله الجركسي المشهور بالغوري وسماه ابن طولون جندب وجعل قانصوه لقبا له والغوري نسبة إلى طبقة الغور أحد الطبقات التي كانت بمصر معدة لتعليم المؤدبين قال ابن طولون كان يذكر أن مولده في حدود الخمسين وثمانمائة وترقى في المناصب حتى صار نائب طرسوس فانتزعها منه جماعة السلطان أبي يزيد بن عثمان فهرب منها وعاد إلى حلب فلما انتصر عسكر مصر على الأروام عاد إلى طرسوس مرة ثانية ثم اخذها الأروام مع ما والاها فهرب منها أيضا إلى حلب ثم نصر عسكر مصر ثانيا فعاد إليها مرة ثالثة ثم أعطى نيابة ملطية فلما مات الملك الأشرف قايتباي رجع إلى مصر ووقعت له أمور في دولة الملك الناصر بن قايتباي ثم أعطاه تقدمة ألف ثم في دولة جان بلاط أعطاه رأس نوبة النوب ثم تنقلت به الأحوال إلى أن صار سلطانا قال الشيخ مرعي الحنبلي في كتابه نزهة الناظرين تولى الملك يوم الإثنين عيد الفطر مستهل شوال سنة ست وتسعمائة بعد أن هاب أمر الجلوس على تخت الملك وجعل بعضهم يحيل على بعض في الجلوس عليه فاتفقوا على الغوري لأنهم يروه لين العريكة سهل الإزالة أي وقت أرادوا وليس الأمر كما ظنوا فقال لهم أقبل ذلك بشرط أن لا تقتلوني بل إذا أردتم خلعي وافقتكم فاستوثق منهم وبويع بقلعة الجبل بحضرة الخليفة المستنصر بالله القضاة الأربع وأصحاب الحل والعقد فأقام سلطانا خمس عشر سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوما وكان إذا رأى وفطنة كثير الدهاء والعسف قمع الأمراء وأذل المعاندين حتى اشتد ملكه وهيبته فهادته الملوك وأرسلت 114 قصادها إليه كملك الهند واليمن والمغرب والروم والمشرق والعبد والزنج وفك الأسرى منهم وكان له المواكب الهائلة ومهد طريق الحج بحيث كان يسافر فيه النفر اليسير وكانت فيه خصال حسنة وكان يصرف لمطبخ الجامع الأزهر في رمضان ستمائة وسبعين دينارا ومائة قنطار عسل وخمسمائة أردب قمح للخبز المفرق فيه وفي أيامه بني دائرة الحجر الشريف وبعض أروقة المسجد الحرام وباب إبراهيم وجعل علوه قصرا شاهقا وتحته ميضأة وبنى عدة خانات وآبار في طريق الحج المصري منها خان في العقبة والأزلم وأنشا مدرسة بسوق الجملون بالقاهرة والتزبة المقابلة لها والمأذنة المعتبرة بالجامع الأزهر والبستان تحت القلعة والمنتزه العجيب بالملقة وأنشأ مجرى الماء من مصر إلى القلعة وعمر بعض أبراج الأسكندرية وغير ذلك من جوامع وقصور ومنتزهات إلا أنه كان شديد الطمع كثير الظلم والعسف مصادرا للناس في أخذ أموالهم وبطل الميراث في أيامه بحيث كان إذا مات أحد أخذ ماله جميعا كذا قال القطبي فجمع أموالا عظيمة وخزائن وأمتعة وافتتح اليمن واتخذ مماليك لنفسه فصاروا يظلمون الناس وأظهروا الفساد وأضروا العباد وهو يغضي عنهم ويحكي أن بعض مماليكه اشترى متاعا ولم يرض صاحبه بقيمته فقال له شرع الله فضربه بالدبوس فشج رأسه وقال هذا شرع الله فسقط مغشيا عليه وذهب بالمتاع ولم يقدر أحد يتكلم فرفع بعض الصالحين يديه ودعا على الجندي وعلى سلطانه بالزوال ثم قالت له نفسه كيف يزول ملك هذا السلطان العظيم الذي ملأت جنوده وسطوته الأرض فلم يمض إلا قليل ثم وقعت بينه وبين السلطان سليم ملك الروم بسبب إسمعيل شاه فقصد كل منهما الآخر في عسكرين عظيمين فالتقيا بموضع يسمى مرج دابق شمالي حلب بمرحلة خامس عشرى رجب فانهزم عسكر الغوري بمكيدة خير بك والغزالي من جماعته وفقد الغوري تحت سنابك 115 الخيل في مرج دابق وأقام السلطان سليم بعد الوقعة في بلاد الشام أشهرا وأمر بعمارة قبر الشيخ محي الدين بن عرب بصالحية دمشق
ثم تولى في تلك المدة بمصر الملك الأشرف طومان باي الجركسي ابن أخي الغوري ووقع بينه وبين السلطان سليم حروب يطول ذكرها ثم سلم نفسه طائعا فقتل بباب زويلة وأمر السلطان سليم بدفنه بجانب مدفن الغوري المشهور وبه انقرضت دولة الجراكسة وفي آخر أيام الغوري في حدود العشرين ظهرت الفرنج البرتقال على بنادر الهند استطرقوا إليها من بحر الظلمات من وراء جبال القمر منابع النيل فعاثوا في أرض الهند ووصل أذاهم وفسادهم إلى جزيرة العرب وبنادر اليمن وجدة فلما بلغ السلطان الغوري ذلك جهز إليهم خمسين غرابا مع الأمير حسين الكردي وأرسل معه عسكرا عظيما من الترك والمغاربة واللوند وجعل له جدة أقطاعا وأمره بتحصينها فلما وصل حسين الكردي شرع في بناء سورها وأحكام أبراجها وهدم كثيرا من بيوت الناس مع عسف وشدة ظلم بحيث بنى السور جميعه في دون عام ثم توجه بعساكره إلى الهند في حدود سنة إحدى وعشرين فاجتمع بسلطان كجرات خليل شاه فأكرمه وعظمه وهر بالفرنج عن البنادر لما سمعوا بوصوله ثم عاد حسين الكردي على اليمن فافتتحها من بني طاهر ملوكها وقتل سلاطينها في هذه السنة وترك بها نائبا في زبيد اسمه برسباي الجركسي وتم الأمر الذي لا مزيد عليه له وللسلطان الغوري وإذا تم أمر بدا نقصه ثم عاد حسين إلى جدة وقدم مكة فبلغه زوال دولة الغوري
وورد أمر السلطان سليم بقتل حسين الكردي فأخذه شريف مكة بغتة وقيده وشمت به وأرسله لبحر جده فغرقه فيه فائدة تولى مصر اثنان وعشرون سلطانا مسهم الرق من الجراكسة وغيرهم أيبك التركماني وقطز المعزي والظاهر بيبرس وقلاوون وكتبغا ولاجين وبيبرس الجاشنكير وبرقوق 116 والمؤيد شيخ وططر وبرسباي وجقمق وإينال وخشقدم وبلباي وتمربغا وقايتباي وقانصوه وطومان باي وجنبلاط والغوري وطومان باي ابن أخيه آخر الدولة المصرية الجركسية ومما قيل فيه
( وكان شخصا حسن المجالسه
وهو انتهاء مدة الجراكسة )
وعدد سلاطين الجراكسة اثنان وعشرون أيضا ومدتهم مائة وثمان وأربعون سنة والله أعلم وفيها القاضي بدر الدين محمد بن أبي العباس أحمد البهوتي المصري العالم الشافعي كان من أعيان المباشرين بمصر وكان ذا ثروة ووجاهة زائدة حتى هابه بنو الجيعان وغيرهم من أرباب الديوان وكان قد عرض بعض الكتب في حياة والده على الشرف المناوي والجلال البكري والمحب بن الشحنة والسراج العبادي وغيرهم وكان ملازما للشيخ محمد البكري النازل بالحسينية وله فيه اعتقاد زائد ولما دخل السلطان سليم مصر وتطلب الجراكسة ببيوت مصر وجهاتها خشي القاضي بدر الدين على نفسه وعياله فحسن عنده أن يتوجه بهم إلى مصر القديمة عند صهره نور الدين البكري فأنزلهم في الشختور فاختلت به فسقط في النيل فغرق فاضطربوا لغرقه فانحدر الشختور إلى الوطاق العثماني فظنوا أنهم من الجراكسة المتشبهين بالنساء فأحاطوا بهم وسلبوهم ما معهم بعد التفتيش فبينما هم كذلك إذ أتى زوجة القاضي بدر الدين المخاضر فرحمها شخص بقرب قنطرة قيدار فوضعت ولدا ذكرا في منزله وكان القاضي بدر الدين يتمنى ذلك وينذر عليه النذور فلم يحصل إلا على هذا الوجه وأحيط بماله وبما جمعه فاعتبروا يا أولي الأبصار وكان ذلك في آخر هذه السنة وفيها محمد بن حسن الشهير بابن عنان الشيخ العالم صالح الناسك العارف بالله تعالى الشافعي الجامع بين علمي الشريعة والحقيقة قال المناوي في طبقاته إمام تقدم في جامع الإيمان وعارف أشرقت بضوء شمسه الأكوان كثير التعبد غزير التهجد وافر الجلالة عليه 117 القبول أي دلالة عالي الرتبة لا يقاس به غيره ولا يشبه عظيما في الديانة ممدودا من الله بالإعانة سلك طريق الهداية واعتنى بالتصوف أتم عناية أخذ عنه الشعراوي وقال ما رأيت مثله وكان مشايخ عصره بين يديه كالأطفال وله كرامات منها أنه أشبع خمسمائة فقير من عجين أمه وكان وصف ويبة ومنها أنه كان بالأسكندرية رجل إذا غضب على رجل قال يا قمل رح إليه فيمتلىء قملا فلا ينام ويعجز عن تنقيته فذهب إليه وقال ما تعمل يا شيخ القمل وأخذه بيده ورماه في الهواء فلم يعرف له خبر ومنها أنه سافر هو والشيخ أبو العباس الغمري فاشتد الحر وعطش الغمري وليس هناك ماء فأخذ ابن عنان طاسة وغرف بها من الأرض اليابسة وقال اشرب فقال الغمري الظهور يقطع الظهور فقال لولا خوف الظهور جعلتها بركة يشرب منها إلى يوم القيامة ومنها أنه أتى برجل أكل محارتين فسيخا وحملين تمرا في ليلة واحدة فوضع له رغيفا صغيرا في فمه فلم تزل تلك أكلته كل يوم حتى مات وكانت أوقاته مضبوطة لا يصغي لكلام أحد ويقول كل نفس مقوم على صاحبه بسنة وغضب من أهل بلاده لعدم قبولهم الأمر بالمعروف فقدم مصر وسكن بسطح جامع الغمري وكان كل مسجد أقام به لا يقيم إلا على سطحه شتاء وصيفا وكان يقول لصحبه احرصوا على إيمانكم في هذا الزمان فإنه لم يبق مع غالب الناس عمل يعتمد عليه وأما الأعمال الصالحة فقد تودع منها لكثرة العلل فيها وقال من أراد أن يسمع كلام الموتى في قبورهم فليعمل على كتم الأسرار فإن المانع من سماعه عدم القدرة على الكتمان ولما احتضر بسطح جامع باب البحر مات بنصفه الأسفل فصلى وهو قاعد فاضجعوه لما فرغ فما زال يهمهم بشفتيه والسبحة في يده حتى صعدت روحه وذلك في شهر ربيع الأول عن نحو مائة وعشرين سنة ودفن خلف محراب جامع المقسم وبنى عليه والده الشيخ أبو الصفا قبة وزاوية وفيها شمس الدين 118 محمد بن رمضان الشيخ الإمام العالم العلامة الدمشقي مفتي الحنفية بها قال الحمصي كان قد انعزل عن الناس وتنصل من حرفة الفقهاء ولازم العزلة إلى أن مات قال النجم الغزي وكان سبب عزلته انقطاعه إلى الله تعالى على يد سيدي علي بن ميمون وكانت وفاة صاحب الترجمة في تاسع ربيع الآخر بدمشق وفيها أبو الفتح محمد بن عبد الرحيم بن صدقة الشيخ الواعظ المصر يقال في الكواكب كان يعظ بالأزهر وغيره إلا أنه تزوج بامرأة زويلية فافتتن بها فيما ذكره العلائي حتى باع فتح الباري والقاموس وغيرهما من النفائس وركبته ديون كثيرة ثم خالعها وندم وأراد المراجعة فأبت عليه إلا أن يدفع إليها خمسين دينارا فلم يقدر إلا على ثلاثين منها فلم تقبل فبعث بها إليها وبعث معها سما قاتلا وقال إن لم تقبلي الثلاثين وإلا اتحسي هذا السم فردتها عليه فتحسى السم فمات من ليلته في ربيع الأول انتهى وفيها جمال الدين محمد بن الفقيه موسى الضجاعي أحد المدرسين بمدينة زبيد قال في النور كان فقيها عالما فاضلا توفي بزبيد يوم الخميس الثاني من صفر انتهى
سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدين أبو إسحق إبراهيم بن الأمير ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن علي بن أيوب المعروف بابن أبي شريف المقدسي المصري الشافعي الشيخ الإمام والحبر الهمام العلامة المحقق والفهامة المدقق شيخ مشايخ الإسلام ومرجع الخاص والعام ولد بالقدس الشريف سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة ونشأ بها واشتغل بفنون العلم على أخيه الكمال بن أبي شريف ورحل إلى القاهرة فأخذ الفقه عن العلم البلقيني والشمس القاياتي والأصول عن الجلال المحلى وسمع عليه في الفقه أيضا وأخذ الحديث عن شيخ الإسلام 119 ابن حجر وغيره وتزوج بابنة قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوي وناب عنه في القضاء ودرس وأفتى ونظم ونثر وصنف وترجمه صاحب أنس الجليل فيه في حياته وقال ولي المناصب السنية وغيرها من الأنظار بالقاهرة المحروسة واشتهر أمره وبعد صيته وصار الآن المعول عليه في الفتوى بالديار المصرية قال وهو رجل عظيم الشأن كثير التواضع حسن اللقاء فصيح العبارة ذو ذكاء مفرط وحسن نظم ونثر وفقه نفس وكتابة على الفتوى نهاية في الحسن ومحاسنه كثيرة وترجمته وذكر مشايخه يحتمل الإفراد بالتأليف ولو ذكرت حقه في الترجمة لطال الفصل ثم قال قدم من القاهرة إلى بيت المقدس سنة ثمان وتسعين وثمانمائة بعد غيبة طويلة ثم عاد إلى وطنه بالقاهرة انتهى وقال ابن طولون قدم دمشق يوم الجمعة ثاني الحجة سنة ثمان وتسعين وثمانمائة ونزل بالسميساطية وقرأنا عليه فيها وقال النعيمي فوض إليه قضاء مصر في تاسع عشر ذي الحجة سنة ست وتسعمائة عوض محي الدين بن النقيب أي وبقي في القضاء إلى سنة عشر وتسعمائة فعزل بالشهاب بن الفرفور كما ذكره الحمصي ثم أنعم عليه الغوري بمشيخة قبته الكائنة قبالة مدرسته الغورية بمصر واستمر في المشيخة إلى سنة تسع عشرة فوقعت حادثة بمصر وهي أن رجلا اتهم أنه زنى بامرأة فرفع أمرهما إلى حاجب الحجاب بالديار المصرية الأمير انسباي فضربهما فاعترفا بالزنا ثم بعد ذلك رفع أمرهما إلى السلطان الغوري فأحضرا بين يديه فذكرا أنهما رجعا عما أقرا به من الزنا قبل فعقد السلطان لذلك مجلسا جمع فيه العلماء والقضاة الأربع فأفتى صاحب الترجمة بصحة الرجوع فغضب السلطان لذلك وكان المستفتي القاضي شمس الدين الزنكلوني الحنفي وولده فأمر السلطان بهما فضربا في المجلس حتى ماتا تحت الضرب وأمر بشنق المتهمين بالزنا على باب صاحب الترجمة فشنقا وعزل صاحب الترجمة من مشيخة القبة الغورية والقضاة الأربعة 120 الكمال الطويل الشافعي والسري بن الشحنة الحنفي والشرف الدميري المالكي والشهاب الشيشني الحنبلي واستمر صاحب الترجمة ملازما لبيته والناس يقصدونه للأخذ عنه والاشتغال عليه في العلوم العقلية والنقلية قال الشعراوي وكان من المقبلين على الله عز وجل ليلا ونهارا لا يكاد يسمع منه كلمة يكتبها عليه كاتب الشمال وكان لا يتردد لأحد من الولاة أبدا وكان يتقوت من مصبنة له بالقدس ولا يأكل من معاليم مشيخة الإسلام شيئا وكان قوالا بالحق آمرا بالمعروف لا يخاف في الله لومة لائم وكان الناس يقولون جميع ما وقع للغوري بسر الشيخ انتهى ومن فوائده ما ذكره الزين بن الشماع في عيون الأخبار قال وقد حضرت دروسه بالقاهرة سنة إحدى عشرة فأتى بفوائد كثيرة وختم المجلس بنكتة فيها بشارة جليلة فقال ما حاصله اختم المجلس ببشارة عظيمة ظهرت في قوله تعالى (
نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم ) قال قوله تعالى نبىء أي يا محمد عبادي شرفهم بياء الإضافة إلى تقدس ذاته فأوقع ذكره بينه وبين نبيه فعباد وقع ذكرهم بين ذكر نبيهم وذكر ربهم لا ينالهم إن شاء الله تعالى ما يضرهم بل المرجو من كرم الله تعالى أن يحصل لهم ما يسرهم انتهى ومن مؤلفاته شرح المنهاج في أربع مجلدات كبار وشرح الحاوي وكتاب في الآيات التي فيها الناسخ والمنسوخ وغير ذلك ومن شعره من قصيدة ختم بها صحيح البخاري
( دموعي قد نمت بسر غرامي
وباح بوجدي للوشاة سقامي )
( فأضحى حديثي بالصباية مسندا
ومرسل دمعي من جفوني هامي )
وتوفي في فجر يوم الجمعة ليومين بقيا من المحرم ودفن بالقرب من ضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه وفيها شمس الدين أحمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن زهير بن خليل الرملي ثم الدمشقي 121 الشافعي الإمام العلامة ولد بالرملة في ربيع الأول سنة أربع وخمسين وثمانمائة ونشأ بها وكان يعرف قديما بابن الحلاوي وبابن الشقيع ثم تحول إلى دمشق وحفظ المنهاج وألفية النحو والحديث والشاطبيتين والدرة في القراءات الثلاث وعرض على جماعة وأخذ عن ابن نبهان وابن عراق وأبي زرعة المقدسي وابن عمران وعمر الطيبي والزين الهيثمي والمحب بن الشحنة وابن الهائم وجعفر السنهوري وآخرين وسمع علي الجمال عبد الله بن جماعة خطيب المسجد الأقصى المسلسل بالأولية وغيره وناب في الحكم بدمشق فحسنت سيرته وولي مشيخة الإقراء بجامع بني أمية وبدار الحديث الأشرفية وبتربة الأشرفية وبتربة أم الصالح بعد البقاعي وكان لازمه حين إقامته بدمشق وأخذ عنه كثيرا وعادى أهل بلده أو الكثير منهم بسببه قال السخاوي وقصدني في بعض قدماته إلى القاهرة وأخذ عني وأنشدني قصيدة من نظمه امتدح فيها الخيضري وكان نائبه في إمامة مقصورة جامع بني أمية قال وبالجملة فهو خفيف مع فضيلة انتهى وقال في الكواكب ناب في إمامة الجامع الأموي عن العلامة غرس الدين اللدي ثم لما مات استقل بها فباشرها سنين حتى مات وانتهت إليه مشيخة الإقراء بدمشق وكان له مشاركة جيدة في عدة من العلوم وله نظم حسن وتوفي يوم السبت عشرى ذي الحجة ودفن بمقبرة باب الصغير وفيها الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد بن محمد بن حسين بن علي القسطلاني المصري الشافعي الإمام العلامة الحجة الرحلة الفقيه المقرىء المسند قال السخاوي مولده ثاني عشر ذي القعدة سنة إخدى وخمسين وثمانمائة بمصر ونشأ بها وحفظ القرآن وتلا للسبع وحفظ الشاطبية والجزرية والوردية وغير ذلك وذكر له عدة مشايخ منهم الشيخ خالد الأزهر يالنحوي والفخر المقسمي والجلال البطري وغيرهم وأنه قرأ صحيح البخاري في خمسة مجالس 122 على الشاوي وتلمذ له أيضا وأنه قرأ عليه أعنى السخاوي بعض مؤلفاته وأنه حج غير مرة وجاور سنة أربع وثمانين وسنة أربع وتسعين وأنه أخذ بمكة عن جماعة منهم النجم بن فهد وولي مشيخة مقام سيدي الشيخ أحمد الحرار بالقرافة الصغرى وعمل تأليفا في مناقب الشيخ المذكور سماه نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار وكان يعظ بالجامع الغمري وغيره ويجتمع عنده الجم الغفير ولم يكن له نظير في الوعظ وكتب بخطه شيئا كثيرا لنفسه ولغيره وأقرأ الطالبة وتعاطى الشهادة ثم انجمع وأقبل على التأليف وذكر من تصانيفه العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية والكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز وشرحا على الشاطبية زاد فيه زيادات ابن الجزري مع فوائد غريبة وشرحا علي البردة سماه الأنوار المضية وكتاب نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس والروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر وتحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري ورسائل في العمل بالربع المجيب انتهى ما ذكره السخاوي ملخصا وقال في النور ارتفع شأنه بعد ذلك فأعطى السعادة في قلمه وكلمه وصنف التصانيف المقبولة التي سارت بها الركبان في حياته ومن أجلها شرحه على صحيح البخاري مزجا في عشرة أسفار كبار لعله أجمع شروحه وأحسنها وألخصها ومنها المواهب اللدنية بالمنح المحمدية وهو كتاب جليل المقدار عظيم الوقع كثير النفع ليس له نظير في بابه ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه ويستمد منها ولا ينسب النقل إليها وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد مواضع قال أنه نقل فيها عن البيهقي وقال أنه للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ذكره في أي مؤلفاته لنعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته وكان الواجب عليه أن يقول نقل السيوطي عن البيهقي وحكى الشيخ جار الله بن فهد أن الشيخ رحمه الله قصد إزالة ما في 123 خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة إلى باب السيوطي ودق الباب فقال له من أنت فقال أنا القسطلاني جئت إليك حافيا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي فقال له قد طاب خاطري عليك ولم يفتح له الباب ولم يقابله قال في النور وبالجملة فإنه كان إماما حافظا متقنا جليل القد رحسن التقرير والتحرير لطيف الإشاة بليغ العبارة حسن الجمع والتأليف لطيف الترتيب والترصيف زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره ولا يقدح فيه تحامل معاصر به عليه فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر توفي ليلة الجمعة سابع المحرم بالقاهرة ودفن بالمدرسة العينية جوار منزله انتهى وقال في الكواكب كان موته بعروض فالج نشأ له من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاء الله المكي بحيث سقط عن دابته وأغمي عليه فحمل إلى منزله ثم مات بعد أيام انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي الرملي ثم الدمشقي الشافعي الشهير بابن الملاح ولد سنة تسع وخمسين وثمانمائة وكان على جانب كبير من العلم والديانة وصفاء القلب إماما في القراءات تولى مشيخة الإقراء بالمدرسة السيبائية والإمامة بها وناب في إمامة الأموي مرات وتوفي يوم الإثنين تاسع عشر شهر رمضان وفيها المولى شجاع الدين الياس العالم الفاضل الرومي كان من نواحي قسطموني واشتغل بالعلم وتقدم في الفضل حتى صار معيدا للمولى خواجه زاده ثم اشتغل بالتدريس حتى صار مدرسا بإحدى الثمانية ثم أعطى تقاعدا وكان كريم النفس متخشعا مشتغلا بنفسه منقطعا عن الخلق يقال أنه تجاوز التسعين وتوفي في هذه السنة
وفيها نور الدين أبو الفتح جعفر بن الشيخ صارم الدين أبو إسحاق إبراهيم السنهوري المصري الشافعي المقرىء البصير الإمام العلامة أخذ القراءات عن الشيخ شهاب الدين أبي جعفر الكيلاني المعروف بالحافظ وغيره
وفيها أو في التي بعدها المولى خضر بك بن المولى أحمد باشا الرومي الحنفي 124 الشيخ العارف تربى في حجر والده وحصل فضيلة وافرة من العلم وصار مدرسا بمدرسة السلطان مراد الغازي ببروسا وانتفع به الطلبة وفضلوا عنده ثم مال إلى التصوف وتهذيب الأخلاق وصار خاشعا وقورا ساكنا مهيبا متأدبا متواضعا مراعيا لجانب الشريعة حافظا لآداب الطريقة مقبوى عند الخاص والعام إلى أن توفي قاله في الكواكب
وفيها السلطان الملك الظافر عامر بن عبد الوهاب سلطان اليمن قال في النور كان على جانب عظيم من الدين والتقوى والمشي في طاعة الله تعالى لا تعلم له صبوة وكان ملازما للطهارة والتلاوة والأوراد لا يفتر عن ذلك آناء الليل وأطراف النهار كثير الصدقات وفعل المبرات ومآثره بأرض اليمن من بناء المساجد والمدارس وغير ذلك مخلدة لذكره على الدوام وموجبة لحلوله دار السلام في جوار الملك العلام استمر ملكا تسعا وعشرين سنة وفيه وفي أخيه صلاح الدين يقول العلامة الديبع
( تحطم من ركن الصلاح مشيده
وقوض من بنيانه كل عامر )
( فما من صلاح فيه بعد صلاحه
ولا عامر والله من بعد عامر )
وتوفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من ربيع الآخر شهيدا رحمه الله تعالى انتهى وفيها المولى حليمي عبد الحليم بن علي القسطموني المولد الرومي الحنفي العالم الفاضل اشتغل بالعلم وخدم المولى علاء الدين العربي ثم ارتحل إلى بلاد العرب وقرأ على علمائها وحج ثم سافر إلى بلاد العجم وقرأ على علمائها وصحب الصوفية وتربى عند شيخ يقال له المخدومي ثم عاد إلى بلاد الروم واستقر بها ثم طلبه السلطان سليم الفاتح قبل جلوسه على سرير السلطنة وجعله إماما له وصاحبا فرآه متفننا في العلوم متحليا بالمعارف فلما جلس على سرير السلطنة نصبه معلما لنفسه وعين له كل يوم مائة عثماني وأعطاه قرى كثيرة ودخل معه بلاد الشام ومصر وتوفي بدمشق بعد عوده 125 في صحبة سلطانه إليها من مصر يوم الجمعة عشرى شوال ودفن بتربة الشيخ محي الدين بن عربي إلى جانب الشيخ محمد البلخشي من القبلة
وفيها العارف بالله تعالى عبد الرحمن بن الشيخ علي بن أبي بكر العيدروس الشافعي ولد سنة خمسين وثمانمائة وقرأ على والده وغيره من الأعلام فمن جملة ما قرأ على والده الأحياء أربعين مرة وكان يغتسل لكل فرض ومن مجاهداته وهو صغير أنه كان يخرج هو وابن عمه إلى شعب من شعاب تريم يقال له النعير بعد مضي نصف الليل فينفرد كل منهما يقرأ عشرة أجزاء في صلاة ثم يرجعان إلى منازلهما وكان يحفظ الحاوي في الفقه والوردية في النحو وكان يغطي إحدى يديه فلا يكشفها فألح عليه بعضهم أن يخبره بالسبب فقال كنت شاعرا وامتدحت النبي بجملة قصائد ثم اتفق أن قلت قصيدة في مدح بعض أهل الدنيا فرأيت النبي في النوم وهو يعاتبني على ذلك ثم أمر بقطع يدي فقطعت فشفع في الصديق فعادت والتحمت فانتبهت والعلامة ظاهرة في يدي ثم كشف له عن يده فإذا محل القطع نور يتلألأ وممن أخذ عنه من أكابر العلماء الفقيه عبد الله باقشير والفقيه عمر باشيبان وتوفي في المحرم بتريم ودفن بها قاله في النور
وفيها زين الدين عبد الرحمن الصالحي الشافعي الإمام العالم الصالح المحدث توفي بالقاهرة في صفر وفيها عبد الفتاح بن أحمد بن عادل باشا الحنفي العجمي الأصل ثم أحد موالي الروم كان عالما محققا وله خط حسن قرأ على جماعة منهم المولى محي الدين الأسكليبي والمولى عبد الرحمن بن المؤيد ثم صار مدرسا بمدرسة المولى يكان ببروسا ثم بمدرسة أحمد باشا بن ولي الدين بها بمدرسة إبراهيم باشا بالقسطنطينية ومات وهو مدرس بها
وفيها كريم الدين عبد الكريم بن الأكرم الدمشقي الحنفي القاضي الشيخ العلامة توفي بمنزله بالعنابة خارج دمشق يوم الخميس سادس عشر صفر ودفن 126 بمقبرة الشيخ أرسلان قاله في الكواكب وفيها الشيخ عبد النبي المغربي المالكي الشيخ الإمام العلامة الحجة القدوة الفهامة مفتي السادة المالكية بدمشق أحد إخوان سيدي علي بن ميمون توفي بدمشق يوم الجمعة ثالث عشرى شهر رمضان ووافق حضور جنازته بالجامع الأموي حضور السلطان سليم فصلى عليه مع الجماعة وفيها ولي الله عبد الهادي الصفوري ثم الدمشقي الشافعي الشيخ الصالح الصوفي المسلك المربي توفي بمنزله بمحلة قبر عاتكة يوم الأحد سادس عشر شوال ودفن بتربة بالقرب من مسجد الطالع بالمحلة المذكورة وتعرف الآن بالدقاقين وقبره الآن ظاهر يزار
وفيها محب الدين المقدسي إمام المسجد الأقصى الشيخ العلامة قاله في الكواكب وفيها شمس الدين محمد بن حسين الداديخي ثم الحلبي الشافعي المقرىء المجود كان دينا خيرا له أخلاق حسنة أخذ القراءات عن مغربي كان بداديخ وبرع فيها وفي غيرها وأخذ عن البازلي بحماة وعن البدر السيوفي بحلب وهما أجل شيوخه وكان يشغل الطلبة في قبة بجامع عيسى ويؤدب الأطفال وفيها كمال الدين محمد بن العلامة شمس الدين محمد ابن داود البازلي الكردي الأصل الحموي الشافعي الإمام العالم العلامة قال الحمصي باشر نيابة القضاء بدمشق ومشيخة المدرسة الشامية وكان عالما مفننا توفي بدمشق يوم السبت تاسع عشري شوال وكان والده إذ ذاك حيا انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن نصير الدمشقي الميداني الضرير المقرىء المجود العلامة النحوي كان من أهل العلم بالقراآت وله في النحو مؤلفات منها كتاب مطول سماه ذخر الطلاب في علم الاعراب وكتاب مختصر سماه تنقيح اللباب فيما لا بد أن يعتني به في فن الاعراب وكان فقيرا من الدنيا وكان ابن طولون يتردد إليه كثيرا وانتفع به جماعة وتوفي يوم الخميس قبل المغرب سابع عشرى صفر ودفن بمقبرة الجوزة بمحلة الميدان قال في 127 الكواكب وفيها سادات كالشيخ إبراهيم القدسي كاتب المصاحف وكانت وفاته قبل المغرب العاشر في ثاني رمضان سنة أربع وتسعين وثمانمائة انتهى
وفيها محي الدين محمد بن يعقوب الرومي الحنفي الشهير باجه زاده الإمام العالم قرأ على علماء عصره ثم وصل إلى خدمة المولى خطيب زاده ثم ولي الولايات وتنقل فيها حتى صار قاضي بروسا ثم عزل ومات معزولا قال في الشقائق كان عالما فاضلا ذكيا سليم الطبع مبارك النفس مقبلا على الخير متواضعا متخشعا صاحب كرم وأخلاق انتهى
وفيها مفتي زبيد وعالمها كمال الدين موسى بن زين العابدين بن أحمد بن أبي بكر الرداد البكري لصديقي الشافعي الجهبذ المصقع المدقق قال في النور كان شافعي زمانه ورئيس أقرانه علما وعملا بحرا من بحار العلم وجبلا من جبال الدين له القدم الراسخة في المذهب والباع الطويل في كل مشرب رحل إليه الطالبون ورغب في الأخذ عنه الراغبون وتفقه بالقاضي الطيب الناشري ونجم الدين المقري الجبائي وغيرهما وروى فقه الإمام الشافعي من طريق العراقيين والمراوزة عن الإمام علي بن عطيف نزيل مكة وأهل طبقته وأفتى ودرس وانتشر صيته في جميع الآفاق واعترف له الأكابر بالإمامة وقصد للفتوى من كل نجد وتهامة وتفقه به الجلة منهم ابنه المحقق فخر الدين أبو بكر وأبو العباس الطنبذاوي وغيرهما وله الأجوبة الرائقة والبحوث الفائقة والمصنفات المقبولة والشروح المتداولة المنقولة منها الكوكب الوقاد شرح الإرشاد في أربع وعشرين مجلدا وله شرح صغير على الإرشاد وفتاوى جمعها ولده ورتبها 128 ترتيبا حسنا وزاد عليها زيادات لا غناء عنها قال تلميذه الناشري اتفق له ما لم يتفق لأحد قبله وذلك أنه زرع البر في أرضه واستغله وحرث غيره وكان غالب قوته في غالب الأحوال اللوز والعسل ومن نعم الله عليه أنه مكث أربعين سنة ما رزىء بأحد من بيته ولم تخرج من بيته جنازة وتوفي عصر يوم الجمعة التاسع والعشرين من المحرم انتهى وفيها نصوح الطوسي العارف بالله تعالى قال في الكواكب كان عالما صالحا يحفظ القرآن العظيم ويكتب الخط الحسن ثم انتسب إلى الطريقة الزينبية وخدم الشيخ تاج الدين القرماني وبلغ عنده رتبة الإرشاد وقعد على سجادة التربية بعد وفاة الشيخ صفي الدين في زاوية شيخه المذكور ومات في وطنه انتهى
وفيها شرف الدين يونس بن إدريس بن يوسف الحلبي ثم الدمشقي الشافعي الصوفي الهمداني الخرقة الصالح المسلك ولد بمدينة حلب سنة سبع وستين وثمانمائة واشتغل على جماعة في عدة فنون وتوجه إلى مكة ثلاث مرات وجاور في حدود الثمانين وسمع بها الحديث على السخاوي والمحب الطبري وولده أبي السعادات وقرأ عليه في النحو ولبس الخرقة الهمدانية وتلقن الذكر من السيد عبيد الله التستري الهمداني وصار له أتباع كثيرون يتداولون الأوراد الصحيحة بالمدرسة الرواحية بحلب وهاجر إلى دمشق وأقام بدار الحديث بقرب قلعة دمشق وتوفي بدمشق يوم الإثنين عشرى
سنة أربع وعشرين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن قاسم بن محمد الشهير بابن الكيال الدمشقي الشافعي الفاضل المحدث توفي يوم الثلاثاء حادي عشر صفر ودفن بمقبرة باب الصغير قاله في الكواكب وفيها شهاب الدين أحمد بن 129 علي بن إبراهيم الباعوني الأصل من قرية باعونة بالموصل الحلبي المولد والدار والوفاة الشاعر المعروف بابن الصواف والمعروف أبوه بالصغير بالتصغير كان أديبا شاعرا ذكره جار الله بن فهد في رحلته إلى حلب سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة وذكره في معجم الشعراء الذين سمع منهم الشعر وأنشد له
( روحي الفداء لذي لحاظ قد غدت
بسوادها البيض الصحاح مراضا )
( كالغصن قدا والنسيم لطافة
والياسمين براقة وبياضا )
وله قصيدة التزم فيها واوين أول كل بيت وآخره مطلعها
( وواد به الغيد الحسان قد استووا
وورد ظباء الحي في ظله ثووا )
توفي بالحريق في داره بحلب وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن أبي بكر الشهير بابن بري الخالدي البابي الحلبي ثم الدمشقي الحنفي الصوفي ولد في ثالث صفر سنة أربعين وثمانمائة وكان من أعيان الناس الصلحاء وتوفي بدمشق يوم الاحد سادس عشر رجب ودفن بمقبرة الحمرية
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن جماعة المقدسي الشافعي العلامة شيخ الصلاحية بالقدس الشريف توفي بالقدس في هذه السنة وصلى عليه وعلى الشيخ عبد القادر الدشطوطي غائبة بجامع بني أمية بدمشق يوم الجمعة ثاني عشر رمضان قاله في الكواكب وفيها الشيخ زين الدين عبد القادر بن محمد الشيخ الصالح المعمر المعتقد المجرد العفيف العارف بالله تعالى الدشطوطي كذا ضبطه العلائي وضبطه السخاوي في الضوء الطشطوطي بطاءات مهملات بينهما شين معجمة وواو نسبة إلى دشطوط من قرى الصعيد قال الشيخ عبد الرءوف المناوي في طبقاته هو المعروف بالكرامات المشهورة بخوارق الآيات البينات والكشف العام والقبول التام عند الملوك فمن سواهم من الأعلام ذوو الصفات التي اشتهرت والعجائب التي بهرت عند مظهرا كان ضريرا وعمر جوامع بمصر وقراها ووقف الناس عليه أوقافا كثيرة ومن كلامه 130 أوصيك بعدم الالتفات لغير الله تعالى في شيء من أمر الدارين فإن جميع الأمور لا تبرز إلا بأمره فارجع فيها لمن قدرها وقال إذا استحكمت هيبة الله في قلب عبد أخذ عن إدراك التكليف وقامت به حالة حالت بينه وبين الحركة والصلاة وصار عليه كل بلاء أهون من صلاة ركعتين وقال في بعض الكتب المنزلة يقول الله يا عبدي لو سقت لك ذخائر الكونين فنظرت بقلبك إليها طرفة عين فأنت مشغول عنا لا بنا وكان صاحيا لكن حافيا مكشوف الرأس عليه جبة حمراء وكان لقبة بين الأولياء صاحب مصر توقف النيل ثم هبط أيام الوفاء ثلاثة أذرع فخاض في البحر وقال اطلع بإذن الله فطلع فورا فاقتتل الناس عليه يتبركون به وحج ماشيا حافيا طاويا فلما وصل باب السلام وضع خده على العتبة فما أفاق إلا بعد ثلاث وكان يرى مع الدليل تارة ومع الساقة أخرى ويخفى ويظهر وكان قايتباي إذا زاره يمرغ وجهه على أقدامه وقال طلبت من الله مقام الحضور بين يديه فتجلى لي من حضرته أمر ذابت منه مفاصلي وصرت أطلب طلوع روحي فما أجاب فتوسلت بالمصطفى فرحمني وأسدل على الحجاب ولما عمر القبة التي دفن بها بزاويته صار يقول للشيخ جلال الدين البكري أسرع فالوقت قرب وقال له لا تجعل لأحد من الشهود والقضاة وظيفة في زاويتي إنما جعلتها وقفا لمكشفي الركب من كل مقيم ووارد انتهى وبالجملة فمناقبه كثيرة وترجمه الحافظ السيوطي بالولاية وألف بسببه تأليفا في تطور الولي ذكر في أوله أن سبب تأليفه أن رجلين من أصحاب الشيخ المذكور حلف كل واحد منهما أن الشيخ عبد القادر بات عنده ليلة كذا فرفع إليه سؤال في حكم المسئلة قال فأرسلت إلى الشيخ عبد القادر وذكرت له القصة فقال لو قال أربعة أني بت عندهم لصدقوا قال السيوطي فأجبت بأنه لا يحنث واحد منهما ثم حمل ذلك على تطور الولي وهو جزء لطيف حافل نقل فيه كلام فحول العلماء كابن السبكي والقونوي وابن أبي المنصور وعبد الغفار 131 القوصي واليافعي رضي الله تعالى عنهم وعنه وفيها قوام الدين أبو يزيد محمد بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن نصر بن عمر بن هلال الحبيشي الأصل الحلبي الشافعي العلامة قال في الكواكب كان عالما فاضلا مناظرا له حدة في المناظرة وذكاء مفرط وحفظ عجيب حفظ الشاطبية وعرضها بحلب سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة وسافر مع أبيه إلى بيت المقدس فعرض أماكن منها ومن الرائية على إمام الأقصى عبد الكريم بن أبي الوفا ثم جاور بمكة سنين واشتغل بها وسمع مع أبيه على الحافظ السخاوي ثم عاد من مكة إلى حلب واشتغل على عالمها البدر السيوفي فقرأ عليه الإرشاد لابن المقري وسمع بقراءته الشيخ زين الدين بن الشماع ودرس بجامع حلب ووعظ به وكان يأتي في وعظه بنوادر الفوائد وسرد مرة النسب النبوي طردا وعكسا ثم أعرض عن ذلك وصار صوفيا بسطاميا كأبيه يلف المئزر ويرخي له عذبة رعاية للسنة وكانت وفاته في حياة أبيه في شوال بحلب انتهى
سنة خمس وعشرين وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن القاضي محي الدين عبد القادر النبراوي المصري الحنبلي الشاب الفاضل توفي يوم الخميس خامس عشرى ربيع الأول
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الملك بن علي بن عبد الله الموصلي الشيباني المقدسي ثم الدمشقي الشافعي الصوفي الصالح الورع الزاهد العابد المحقق المسلك أحد مشايخ الصوفية بدمشق والقدس وشيخ زاويتي جده بهما ولد بالقدس في ربيع الأول سنة أربع وأربعين وثمانمائة وأخذ عن القطب الخيضري وغيره ولبس الخرقة من ابن عمه الشيخ زين الدين عبد القادر بلباسه لها من والده الشيخ إبراهيم بلباسه لها من يد والده الشيخ العارف بالله تعالى سيدي أبي بكر الموصلي وهو جد المترجم أيضا قال ابن طولون 132 جالسته كثيرا بالجامع الأموي وانتفعت به وأجاز لي شفاها غير مرة وكتبت عنه أشياء انتهى وتوفي يوم الإثنين حادي عشرى ذي القعدة ودفن جوار قبر الشيخ إبراهيم الناجي بباب الصغير وفيها شهاب الدين أحمد الحسامي القاهري الشافعي النحوي الإمام العلامة المحقق المجد الصوفي كان بارا بأمه قائما بمصالحها صابرا متواضعا يخدم نفسه ويشتري حوائجه من السوق ويحملها بنفسه ولا يمكن أحدا يحملها عنه وكان يتعمم بالقطن من غير قصارة وثيابه قصيرة اقتداءا بالسلف وكان ملازما للطهارة لا يكاد يدخل عليه وقت وهو محدث وكان كثير الصمت قليل الكلام تجلس معه اليوم واليومين فلا تسمع منه كلمة لغو كثير الصيام والقيام يقوم النصف الثاني من الليل كل ليلة وكان يتورع عن صدقات الناس ولا يقبل هدية من أحد وأخذ التصوف عن الشيخ علي المرصفي وكان يذهب إلى مجلسه كل يوم جمعة وكان العلماء مع ذلك يرجعون إليه في المعقولات ويعدلونه في العربية بابن مالك وابن هاشم وتوفي بالقاهرة يوم الثلاثاء خامس عشر ربيع الثاني وفيها تقريبا المولى إدريس بن حسام الدين العجمي ثم الرومي الحنفي العالم الفاضل قال في الشقائق كان موقعا لديوان أمراء العجم ولما حدثت فتنة ابن أردويل ارتحل إلى الروم فأكرمه السلطان أبو يزيد غاية الإكرام وعين له مشاهرة ومسانهة وعاش في كنف حمايته عيشة راضية وأمره أن ينشىء تواريخ آل عثمان بالفارسية فصنفها وكان عديم النظير فاقد القرين بحيث أنسى الأقدمين ولم يبلغ إنشاءه أحد من المتأخرين وله قصائد بالعربية والفارسية تفوت الحصر وله رسائل عجيبة في مطالب متفرقة وبالجملة كان من نوادر الدهر ومفردات العصر انتهى
وفيها بدر الدين حسن بن إبراهيم بن أحمد بن خليل بن أحمد بن عيسى بن عثمان بن عمر بن علي بن سلامة العجمي الأصل المقدسي 133 ثم الصالحي الحنبلي حفظ المحرر للمجد بن تيمية وحله على شارحه الشيخ علاء الدين البغدادي ولازم شيخ الحنابلة الشهاب العسكري في الفقه وقرأ توضيح ابن هشام على الشهاب بن شكم ولازمه مدة طويلة وتسبب بالشهادة في مركز العشر وتوفي يوم الخميس حادي عشر المحرم بالصالحية ودفن بتربة القاضي علاء الدين الزواوي
وفيها بدر الدين حسن بن علي بن يوسف بن المختار الأربلي الأصل الحصكفي الحلبي الشافعي الشهير بابن السيوفي العلامة شيخ الإسلام ولد تقريبا كما ذكره السخاوي في الضوء اللامع في سنة خمسين وثمانمائة بحصن كيفا ونشأ به وحفظ القرآن العظيم والمنهاج للنووي والإرشاد لابن المقري وألفيتي العراقي في الحديث وفي السيرة ومنهاج البيضاوي الأصلي والطوالع له أيضا والشاطبية والكافية لابن الحاجب والألفية لابن مالك وتصريف العزى والشمسية وقرأ الشاطبية والقرآن العظيم بمضمونها على ابن مبارك شاه الهروي وهو على الجلال الهروي وهو على ابن الجزري وقرأ على الهروي المذكور في العروض وأنهى عليه كتاب القسطاس للزمخشري قرأه بحلب وقرأ أيضا بعض السبع على أبي الحسن الجبرتي نزيل سطح الجامع الأزهر في دخلته إلى القاهرة وقرأ ثمن حزب أو دونه للأربعة عشر على الزين جعفر السنهوري وأخذ الفقه وغيره بها عن الشمس الجوجري وسمع عليه وأخذ بالقدس عن الكمال بن أبي شريف وأجازه وأخذ الفقه والحديث أيضا عن الشمس السلامي الحلبي بها والأصول والمنطق والمعاني والبيان عن علي قرا درويش والحديث أيضا عن البرهان الحلبي وقرأ عليه الصحيحين والشفا وعن الشيخ نصر الله كافية ابن الحاجب وعن منلا زادة تفسير البيضاوي والنحو عن المنلا عبد الرحمن الجامي وحج سنة ست وستين وثمانمائة فأخذ بمكة عن التقي بن فهد وسمع بدمشق على الشيخ عبد الرحمن بن خليل 134 الأذرعي وأخذ عن البرهان البقاعي وأجازه بالافتاء والتدريس جماعة وصار أعجوبة زمانه وواسطة عقد أقرانه ثم تصدر ببلده للإفادة وانتفع الناس به وصار شيخ بلده ومفتيها ومحققها ومدققها مع الديانة والصيانة قال في الكواكب غير أنه كان يكثر الدعوى والتبجح والمشاححة لطلبة العلم في الألفاظ وغيرها وكان طويل القامة نير الشيبة مهيبا يخضب لحيته بالسواد في أول شيبه ثم ترك آخرا ومن مؤلفاته حاشية على شرح المنهاج للمحلى وحاشية على شرح الكافية المتوسط ومن شعره
( إذا ما نالت السفهاء عرضي
ولم يخشوا من العقلاء لوما )
( كسوت من السكوت فملي لثاما
وقلت نذرت للرحمن صوما )
وتوفي بحلب في ربيع الأول بعد أن ألمت به كائنة بغير حق من قبل قاضي حلب زين العابدين محمد بن الفناري وفي تاريخ ابن طولون أنه مات قهرا بسبب تلك الكائنة ولم تطل مدة القاضي بعده وفيها شيخ الإسلام قاضي القضاة زين الدين الحافظ زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا الأنصاري السنيكي ثم القاهري الأزهري الشافعي قال في النور ولد سنة ست وعشرين وثمانمائة بسنيكة من الشرقية ونشأ بها وحفظ القرآن وعمدة الأحكام وبعض مختصر التبريزي ثم تحول إلى القاهرة سنة إحدى وأربعين فقطن في جامع الأزهر وكمل حفظ المختصر ثم حفظ المنهاج الفرعي والألفية النحوية والشاطبية والرائية وبعض المنهاج الأصلي ونحو النصف من ألفية الحديث ومن التسهيل إلى كاد وأقام بالقاهرة يسيرا ثم رجع إلى بلده وداوم الاشتغال وجد فيه وكان ممن أخذ عنه القاياتي والعلم البلقيني والشرف السبكي والشموس الوفائي والحجازي والبدرشي والشهاب بن المجدي والبدر النسابة والزين البوشنجي والحافظ ابن حجر والزين رضوان في آخرين وحضر دروس الشرف المناوي وأخذ عن الكافيجي وابن الهمام ومن لا يحصى كثرة ورجع 135 إلى القاهرة فلم ينفك علن الاشتغال والاشغ ال مع الطريقة الجميلة والتواضع وحسن العشرة والأدب والعفة والانجماع عن أبناء الدنيا مع التقلل وشرف النفس ومزيد العقل وسعة الباطن والاحتمال والمداراة وأذن له غير واحد من شيوخه في الافتاء والأقراء منهم شيخ الإسلام ابن حجر وتصدى للتدريس في حياة شيوخه وانتفع به الفضلاء طبقة بعد طبقة وشرح عدة كتب وألف ما لا يحصى كثرة فلا نطيل بذكرها إذ هي أشهر من الشمس وقصد بالفتاوى وزاحم كثيرا من شيوخه فيها ورويته أحسن من بديهته وكتابته أمتن من عبارته وعدم مسارعته إلى الفتاوى يعد من حسناته وله الباع الطويل في كل فن خصوصا التصوف وولي تدريس عدة مدارس إلى أن رقي إلى منصب قضاء القضاة بعد امتناع كثير وذلك في رجب سنة ست وثمانين واستمر قاضيا مدة ولاية الأشرف قايتباي ثم بعد ذلك إلى أن كف بصره فعزل بالعمى ولم يزل ملازم التدريس والافتاء والتصنيف وانتفع به خلائق لا يحصون منهم ابن حجر الهيتمي وقال في معجم مشايخه وقدمت شيخنا زكريا لأنه أجل من وقع عليه بصري من العلماء العاملين والأئمة الوارثين وأعلى من عنه رويت ودريت من الفقهاء الحكماء المهندسين فهو عمدة العلماء الأعلام وحجة الله على الأنام حامل لواء المذهب الشافعي على كاهله ومحرر مشكلاته وكاشف عويصاته في بكره وأصائله ملحق الأحفاد بالأجداد المتفرد في زمنه بعلو الإسناد كيف ولم يوجد في عصره إلا من أخذ عنه مشافهة أو بواسطة أو بوسائط متعددة بل وقع لبعضهم أنه أخذ عنه مشافهة تارة وعن غيره ممن بينه وبينه نحو سبع وسائط تارة أخرى وهذا لا نظير له في أحد من أهل عصره فنعم هذا التمييز الذي هو عند الأئمة أولى به وأحرى لأنه حاز به سعة التلامذة والأتباع وكثرة الآخذين عنه ودوام الانتفاع انتهى وتوفي رحمه الله تعالى يوم الجمعة رابع ذي الحجة بالقاهرة ودفن بالقرافة 136 بالقرب من الإمام الشافعي رضي الله عنه وجزم في الكواكب بوفاته في السنة التي بعدها وقال عاش مائة وثلاث سنين انتهى
وفيها عبد الله بن أحمد بن با كثير بفتح الكاف وكسر المثلثة الحضرمي ثم المكي الشافعي قال في النور ولد في سنة ست أو سبع وأربعين وثمانمائة بحضرموت ونشأ بها سبع سنين ونقله والده إلى غيل باوزير فحفظ القرآن في سنة وعمره ثمان سنين وحفظ المنهاج والبهجة لابن الوردي وخلاصة ابن ظفر وألفية ابن مالك وغيرها ثم سأل والده الاجتماع بشيخ من الصوفية فأشار عليه بالشيخ عبد الله العيدروس فتوجه إلى تريم وأخذ عنه وتربى على يديه وكان يقول لو اجتمع شيوخ الرسالة في جانب الحرم وأنا في جانبه الآخر ما كنت أهتز إلى عندهم لما ملأني به الشريف يعني الشيخ عبد الله ورحل إلى مكة وأقام بها إلى أن مات ولقي جماعة من العلماء وأجيز بالافتاء ورحل إلى مكة وأقام بها إلى أن مات ولقي جماعة من العلماء وأجيز بالإفتاء والتدريس فتصدى لذلك وانتفع الناس به ونثر ونظم من ذلك الدرر اللوامع في نظم جمع الجوامع وتتمة التمام وسفك المدام في عقائد الإسلام ومن شعره
( من كان يعلم أن كل مشاهد
فعل الاله فما له أن يغضبا )
( بل واجب أن يرتضي ما شاهدت
عيناه من ذاك الفعال ويطربا )
وكان كثير الفوائد عالما عاملا عين المدرسين بمكة مع الزهد والصلاح والعفة والاحتمال والسكون والانجماع عن أبناء الدنيا وتوفي بمكة ليلة السبت الثالث عشر ربيع الثاني ودفن بالمعلاة وخلف نحو عشرة أولاد ذكورا وإناثا انتهى وفيها السيد تاج الدين عبد الوهاب بن أحمد السيد الشريف ابن نقيب الأشراف وأمه الفاضلة البارعة زينب بنت الباعوني أخذ الفقه عن الشيخ برهان الدين الطرابلسي الحنفي المصري بها وقرأ عليه مصنفه في الفقه على طريقة المجمع وتردد إلى سيدي محمد بن عراق إلى أن توفي ليلة 137 السبت في ربيع الأول بصالحية دمشق عن نحو ثلاثين سنة وصلى عليه بمدرسة أبي عمر ودفن بالروضة وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد بن علي بن إبراهيم بن مسعود بن محمد الحصكفي الموصلي الشافعي العلامة المفنن المتقن قطن دمشق أولا مع أبيه وقرأ بها على الشيخ عماد الدين المعروف بخطيب السقيفة والبرهان بن المعتمد وغيرهما وحج ماشيا ثم قطن حلب وقرأ بها على الفخر عثمان الكردي والبدر السيوفي والشمس البازلي وغيرهم ودرس بها وأفاد وأفتى وجلس بمكتب الشهادة بحلب تحت قلعتها وتردد الطلبة إليه وتلقى منه جمع جم من الأفاضل حتى ترقى بعضهم إلى الإفادة ثم لما أبطلت الدولة العثمانية مكاتب الشهود ترك ذلك وأقبل على الاشتغال والاشغال وكان له يد طولى في النحو والصرف والمنطق والعروض والقوافي وله تقرير حسن في الفقه ومشاركة كلية في الأدب وشعره لطيف منه
( تمر الليالي والحوادث تنقضي
كأضغاث أحلام ونحن رقود )
( وأعجب من ذا أنها كل ساعة
تجد بنا سيرا ونحن قعود )
وله ملغزا
( يا إماما في النحو شرقا وغربا
من له باب سره المكنون )
( أيما اسم قد جاء ممنوع صرف
وأتى الجر فيه والتنوين )
وأجاب هو عنه بقوله
( علم كان للمؤنث جمعا
سالما جمع ذين فيه يكون )
وأجاب عن قول بعض فضلاء النحو
( سلم على شيخ النحاة وقل له
عندي سؤال من يجبه يعظم )
( أنا إن شككت وجدتموني جازما
وإذا جزمت فإنني لم أجزم )
بقوله 138
( قل في الجواب بأن إن في شرطها
جزمت ومعناها التردد فاعلم )
( وإذا بجزم الحكم إن شرطية
وقعت ولكن شرطها لم يجزم )
وتوفي يوم الثلاثاء سابع شوال وفيها فاطمة بنت يوسف التادفي الحنبلي الحلبي قال ابن الحنبلي وهو ابن أخيها كانت من الصالحات الخيرات وكان لها سماع من الشيخ المحدث برهان الدين وكانت قد حجت مرتين ثم عادت إلى حلب وأقلعت عن ملابس نساء الدنيا بل عن الدنيا بالكلية ولبست العباءة وزارت بيت المقدس ثم حجت ثالثة وتوفيت بمكة المشرفة انتهى
وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن داود البازلي الكردي ثم الحموي الشافعي شيخ الإسلام مفتي المسلمين العلامة ولد في ضحوة يوم الجمعة سنة خمس وأربعين وثمانمائة في جزيرة ابن عمر ونشأ بها وانتقل إلى أذربيجان فحفظ بها كثيرا من الكتب منها الحاوي الصغير وعقائد النسفي وعروض الأندلسي والشمسية وكافية ابن الحاجب وتصريف العزي وأخذ المعقولات عن منلا ظهير ومنلا محمد القتجفاني ومولانا عثمان الباوي والمنقولات عن والده وغيره وقدم الشام سنة تسعين وثمانمائة وحج سنة خمس وتسعين وعاد من الحجاز إلى حماة فقطنها وكان زاهدا متقشفا كثير العبادة يصوم الدهر ويلازم التدريس وألف عدة مؤلفات منها حاشية شرح جمع الجوامع للمحلى وكتاب سماه غاية المرام في رجال البخاري إلى سيد الأنام وكتاب تقدمة العاجل لذخيرة الآجل وأجوبة شافية عن إشكالات كانت ترد عليه وأسئلة ترفع إليه وتوفي بحماة رحمه الله تعالى وفيها شمس الدين محمد بن علي بن الدهن الحلبي الشافعي المعمر شيخ القراء والاقراء بحلب وإمام الحجازية بجامعها الكبير قرأ على جماعة منهم منلا سليمان بن أبي بكر المقري الهروي وغيره وكان من العلماء المنورين وفيها قاضي القضاة جلال الدين محمد بن قاسم المصري المالكي العلامة قال الشعراوي كان كثير المراقبة لله 139 في أحواله وكانت أوقاته كلها معمورة بذكر الله تعالى وشرح المختصر والرسالة وانتفع به خلائق لا يحصون وولاه الغوري القضاء مكرها وكان حسن الاعتقاد في طائفة القوم قال وكان أكثر أيامه صائما لا يفطر في السنة إلا العيدين وأيام التشريق وكان حافظا للسانه في حق أقرانه لا يسمع أحدا يذكرهم الا ويبجلهم توفي بمصر في هذه السنة وفيها محب الدين أبو الثناء محمود بن محمد بن محمود بن خليل بن أجا التدمري الأصل الحلبي ثم القاهري الحنفي كاتب الأسرار الشريفة بالممالك الإسلامية المعروف بابن أجا قال السخاوي ولد سنة أربع وخمسين وثمانمائة بحلب واشتغل بالعلم في القاهرة إلى سنة ثمان وثمانين ثم زار بيت المقدس ورجع إلى حلب وتميز بالذكاء ولطف العشرة وولي قضاء حلب في شهر رمضان سنة تسعين وحج سنة تسعمائة ثم رجع إلى حلب وطلبه السلطان الغوري وولاه كتابة السر بالقاهرة عوضا عن ابن الجيعان في أول ولايته سنة ست وتسعمائة واستمر فيها إلى آخر الدولة الجركسية وهو آخر من ولي كتابة السر ثم حج في دولته سنة عشرين فقرأ عليه المسند جار الله بن فهد عشرين حديثا عن عشرين شيخا وخرجها له في جزء سماه تحقيق الرجا لعلو المقر بن أجا ثم عاد إلى القاهرة فشكا مدة فركب إليه السلطان وزاره لمحبته له ثم سافر صحبة الغوري إلى حلب سنة اثنتين وعشرين وأقام بها حتى قتل الغوري فرجع إلى القاهرة فولاه السلطان طومان باي كتابة السر بها ثم لما دخل السلطان سليم إليها أكرمه وعرض عليه وظيفته فاستعفى منها واعتذر بكبر سنه وضعف يديه ثم سأل السلطان سليم الإقامة بحلب فأجابه وعاد معه إلى حلب واستقر في منزله إلى أن توفي بها وكان ذا هيبة وشكالة حسنة وشيبة نيرة ظريفا كيسا يحب التواريخ ويرغب في خلطة الأكابر ومدحه الناس كثيرا بالمدائح الحسنة منهم عائشة الباعونية حين قدمت عليه القاهرة بقصيدتها الرائية التي أولها 140
( حنيني لسفح الصالحية والجسر
أهاج الهوى بين الجوانح والصدر )
وتوفي بحلب في العشر الأول من شهر رمضان
وفيها أو في التي بعدها نهالي بن عبد الله الرومي الحنفي المولى الفاضل المشتهر بهذا اللقب قال في الشقائق ولم نعرف اسمه وكان عتيقا لبعض الأكابر وقرأ في صغره مبادىء العلوم ثم خدم العلماء وفاق على أقرانه ومهر في العربية والأصول والتفسير وكان له نظم بالعربية والتركية والفارسية ووصل إلى خدمة المولى محمد بن الحاج حسن ودرس بالمدرسة التي بناها المولى المذكور بالقسطنطينية ثم بمدرسة مصطفى باشا بالقسطنطينية أيضا ثم فرغ عن التدريس وسافر إلى الحج فلما أتم الحج مرض فعاهد الله تعالى إن صح من مرضه لم يعاود التدريس وندم على ما مضى من عمره في الاشتغال بغير الله تعالى فأدركته المنية في مرضه ذلك بمكة المشرفة ودفن بها
سنة ست وعشرين وتسعمائة
فيها توفي أبو النور التونسي المالكي نزيل المدرسة المقدمية بحلب كان حافظا لكتاب الله تعالى مقرئا يؤدب الأطفال بالمدرسة المذكورة وكان من عادته أنه يقرأ ثلث القرآن بعد المغرب وثلثه بعد العشاء ومن غريب ما اتفق له أنه لما ركب البحر من تونس إلى أسكندرية حصل لملاح السفينة وكان فرنجيا حمى غب أشغلته عن مصلحة السفينة وعجز ركابها عن علاج ينفعه وطلب من الشيخ أبي النور ما يكتب للحمى فكتب له في ورقة (
خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ) ولف الورقة ودفعها له فوضعها في رأسه فما مضت تلك الليلة حتى ذهبت عنه الحمى وتوفي الشيخ بحلب ودفن بمقبرة الرحبي وفيها الشيخ أحمد بن بترس الصفدي الشيخ العارف بالله تعالى المكاشف بأسرار غيب الله كان 141 ظاهر الأحوال بصفد مسموع الكلمة عند حكامها وكان الناس يترددون إليه فيشفع لهم ويقضي حوائجهم ويقربهم ويضيفهم وكان ذا شيبة نيرة وكان إذا أراد أن يتكلم بكشف يطرق رأسه إلى الأرض ثم يرفعه وعيناه كالجمرتين يلهث كصاحب الحمل الثقيل ثم يتكلم بالمغيبات وكان في بدايته ذا رياضة ومجاهدة وتوفي بصفد قال ابن طولون صلى عليه غائبة بجامع دمشق يوم الجمعة ثامن عشرى ذي القعدة سنة ست وعشرين وتسعمائة انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن عيسى بن محمد بن أحمد بن مسلم الشهاب بن البدر المكي ويعرف كأبيه بابن العليف بضم العين المهملة تصغير علف الشافعي قال في النور ولد بمكة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة ونشأ بها وحفظ القرآن والألفية النحوية والأربعين النووية والكثير من المنهاج وسمع بمكة على التقي بن فهد وولده النجم والزين عبد الرحمن الأسيوطي وأبي الفضل المرجاني ولازم النور الفاكهي في دروسه الفقهية والنحوية وبالقاهرة من الجوجري وغيره ودخل القاهرة مرارا قال السخاوي وكنت ممن أخذ عنه بها وبالحرمين وتكسب بالنساخة مع عقل وتودد وحسن عشرة وتميز ومع ذلك فلم يسلم ممن يعاديه بل كاد أن يفارق المدينة لذلك قال وأغل بإقامته الآن بطيبة على خير وانجماع وتقلل ونعم الرجل انتهى وألف لسلطان الروم بايزيد بن عثمان الدر المنظوم في مناقب سلطان الروم ومدحه وغيره من أمرائه فرتب له خمسين دينارا في كل سنة ومدح السيد بركات الحسني صاحب مكبة واقتصر على مدحه وحظى عنده لبلاغته حتى صار متنبي زمانه ثم أصيب بكثرة الأمراض في آخره ومن نظمه الفائق القصيدة العجيبة التي منها
( خذ جانب العليا ودع ما يترك
فرضا البرية غاية لا تدرك )
( واجعل سبيل الذل عنك بمعزل
فالعز أحسن ما به تتمسك ) 142
( وامنح مودتك الكرام فربما
عز الكريم وفات ما يستدرك )
( وإذا بدت لك في عدو فرصة
فافتك فإن أخا العلا من يفتك )
( ودع الأماني للغبي فإنما
عقبى المنى للحر داء مهلك )
( من يبتغي سببا بدون عزيمة
ضلت مذاهبه وعز المدرك )
( تعست مداراة العدو فإنها
داء تحول به الجسوم وتوعك )
وهي طولة وتوفي بمكة المشرفة يوم الثلاثاء من ذي الحجة ودفن بالمعلاة
وفيها تقي الدين باكير الرومي الشيخ الفاضل ناظر التكية السليمية وولي نظارة الجامع الأموي قال في الكواكب نزل عند شيخ الإسلام الجد وكان من أصحابه وتلاميذه وترجمه بالولاية والفضل ثم عزل من الجامع الأموي وأعطى تولية التكية السليمية ثم عزل عنها بالشيخ أبي الفتح بن مظفر الدين المكي ثم سافر إلى الروم وعاد بتولية الجامع والتكية معا ودخل دمشق عاشر رجب هذه السنة فصرفه نائب الشام في تولية التكية دون الجامع وتوفي ليلة الجمعة خامس ذي الحجة الحرام ودفن بالقرب من الشيخ محي الدين ابن عربي تحت السماء
وفيها المولى التوقاتي الحنفي العالم المدرس ببلدة أماسية قال النجم الغزي كان فاضلا منقطعا عن الناس بالكلية مشتغلا بالدرس والعبادة وكان لا يقدر على الحضور بين الناس وحشة منهم وحياءا وكان صالحا مباركا مات بأماسية في أوائل سلطنة السلطان سليمان خان انتهى وفيها حمزة بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي بكر بن علي بن محمد الناشري اليمني الشافعي قال في النور ولد ثالث عشر شوال سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة وأخذ الفقه والحديث عن العلامة قاضي القضاة الطيب بن أحمد الناشري مصنف الإيضاح على الحاوي وعن والده قاضي القضاة عبد الله وغيرهما وروى عن القاضي مجد الدين الفيروزابادي صاحب القاموس وغيره وأجازه شيخ الإسلام ابن حجر 143 العسقلاني وكتب له بالإجازة هو وعلماء مصر كالشيخ زكريا الأنصاري والجوجري والسيوطي وابن أبي شريف وغيرهم ومن الحجاز أبو الخير السخاوي واشتهر باللطافة والعلم وكان كثير الزواج قارب المائة وهو يفتض الأبكار ورزق كثيرا من الأولاد مات غالبهم وتفقه به خلائق كثيرون كالحافظ ابن الديبع وأبي البركات الناشري وله مصنفات حسنة غريبة منها الأربعون التهليلية ومسالك التحبير من مسائل التكبير ومختصره التحبير في التكبير وانتهاز الفرص في الصيد والقنص وكتاب النبات العظيم الشان المسمى حدائق الرياض وغوصة الفياض وعجائب الغرائب وغرائب العجائب وسالفة العذار في الشعر المذموم والمختار وغير ذلك وله شعر لطيف منه
( إذا نظرت إلى العيناء تحسبها
جاما من التتر فيه فص ياقوت )
( أو خد غانية يحمل من خجل
أو قرص عاشقة أدماه كالتوت )
وتوفي يوم الخميس تاسع عشر ذي الحجة بمدينة زبيد ودفن بمقبرة سلفه الصالح بباب سهام قريبا من قبر الشيخ إسماعيل الجبرتي انتهى
وفيها السلطان سليم بن أبي يزيد بن محمد السلطان المفخم والخاقان المعظم سليم خان بن عثمان تاسع ملوك بني عثمان هو من بيت رفع الله على قواعده فسطاط السلطنة الإسلامية ومن قوم أبرز الله تعالى لهم ما ادخره من الاستيلاء على المدائن الإيمانية رفعوا عماد الإسلام وأعلوا مناره وتواصوا باتباع السنة المطهرة وعرفوا للشرع الشريف مقداره وصاحب الترجمة منهم هو الذي ملك بلاد العرب واستخلصها من أيدي الجراكسة بعد ما شتت جمعهم فانفلوا عن مليكهم وجدوا في الهرب ولد بأماسية في سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة وجلس على تخت السلطنة وعمره ست وأربعون سنة بعد أن خلع والده نفسه عن السلطنة وسلمها إليه وكان السلطان سليم ملكا قهارا وسلطانا جبارا قوي البطش كثير السفك شديد التوجه إلى أهل النجدة والباس 144 عظيم التجسس عن أخبار الناس وربما غير لباسه وتجسس ليلا ونهارا وكان شديد اليقظة والتحفظ يحب مطالعة التواريخ وأخبار الملوك وله نظم بالفارسية والرومية والعربية منه ما ذكره القطب الهندي المكي أنه رآه بخطه في الكوشك الذي بنى له بروضة المقياس بمصر ونصه
( الملك لله من يظفر بنيل غنى
يردده قسرا ويضمن عنده الدركا )
( لو كان لي أو لغيري قدر أنملة
فوق التراب لكان الأمر مشتركا )
قال الشيخ مرعي الحنبلي في كتابه نزهة الناظرين وفي أيامه تزايد ظهور شأن إسمعيل شاه واستولى على سائر ملوك العجم وملك خراسان وأذربيجان وتبريز وبغداد وعراق العجم وقهر ملوكهم وقتل عساكرهم بحيث قتل ما يزيد على ألف ألف وكان عسكره يسجدون له ويأتمرون بأمره وكاد يدعي الربوبية وقتل العلماء وأحرق كتبهم ومصاحفهم ونبش قبور المشايخ من أهل السنة وأخرج عظامهم وأحرقها وكان إذا قتل أميرا أباح زوجته وأمواله لشخص آخر فلما بلغ السلطان سليم ذلك تحركت همته لقتاله وعدد ذلك من أفضل الجهاد فالتقى معه بقرب تبريز بعسكر جرار وكانت وقعة عظيمة فانهزم جيش إسمعيل شاه واستولى سليم على خيامه وسائر ما فيها وأعطى الرعية الأمان ثم أراد الإقامة بالعجم للتمكن من الإستيلاء عليها فما أمكنه ذلك لشدة القحط بحيث بيعت العليقة بمايتي درهم والرغيف بمائة درهم وسببه تخلف قوافل الميرة التي كان أعدها السلطان سليم وما وجد في تبريز شيئا لأن إسمعيل شاه عند انهزامه أمر بإحراق أجران الحب والشعير فاضطر سليم للعود إلى بلاد الروم
وفي أيامه كانت وقعة الغوري وذلك أن سليم لما رجع من غزو إسمعيل شاه تفحص عن سبب انقطاع قوافل الميرة عنه فأخبر أن سببه سلطان مصر قانصوه الغوري فإنه كان بينه وبين إسمعيل شاه محبة ومراسلات وهدايا فلما تحقق سليم ذلك صمم علي قتال الغوري أولا ثم بعده يتوجه لقتال إسمعيل 145 شاه ثانيا فتوجه بعسكره إلى جهة حلب سنة اثنتين وعشرين كما تقدم فخرج الغوري بعساكر عظيمة لقتاله ووقع المصاف بمرج دابق شمالي حلب ورمى عسكر سليم عسكر الغوري بالبندق ولم يكن في عسكر الغوري شيء منه فوقعت الهزيمة على عسكر الغوري بعد أن كانت النصرة له أولا ثم فقد تحت سنابك الخيل كما مر عند ذكره وكان ذلك بمخامرة خير بك والغزالي بعد أن عهد إليهما السلطان سليم بتوليتهما مصر والشام ثم بعد الوقعة أخليا له حلب لأنهما معه في الباطن فأقبل سليم إلى حلب فخرجوا إلى لقائه يطلبون الأمان ومعهم المصاحف يتلون جهارا (
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) فقابلهم بالإجلال والإكرام ثم حضرت صلاة الجمعة فلما سمع الخطيب خطب باسمه وقال خادم الحرمين الشريفين سجد لله شكرا على أن أهله لذلك ثم ارتحل للشام بعد أن أخلاها له خير بك والغزالي فخرجوا للقائه ودعوا له فأكرمهم وأقام بها لتمهيد أمر المملكة وأمر بعمارة قبة على الشيخ محي الدين بن عربي بصالحية دمشق ورتب عليها أوقافا كثيرة ثم توجه إلى مصر فلما وصل إلى خان يونس بقرب غزة قتل فيه وزيره حسام باشا ثم لما دخل مصر وقع بينه وبين طومان باي سلطان الجراكسة حروب يطول ذكرها وقتل بها وزير سليم يوسف باشا سنان باشا وكان مقداما ذا رأي وتدبير فأسف سليم عليه بحيث قال أي فائدة في مصر بلا يوسف وقاتل طومان باي ومن معه من الأمراء قتالا شديدا وظهر لطومان باي شجاعة قوية عرف بها وشهد له بها الفريقان وأوقع الفتك بعسكر السلطان سليم ولولا شدة عضده بخير بك والغزالي ومكيدتهما ما ظفر بطومان باي ثم لما ظفر به أراد أن يكرمه ويجعله نائبا عنه بمصر فعارضه خير بك وخاف عاقبة فعله وقال لسليم أنك إن فعلت ذلك استولى على السلطنة ثانيا وحسن له قتله فقتله وصلبه بباب زويلة ودفنه كما أسلفنا ونزل السلطان سليم بالمقياس مدة 146 إقامته بمصر بعدا عن روائح القتلى وحذرا من المكيدة إلى أن مهدها ثم ولي خير بك أمير الأمراء على مصر وولي الغزالي على الشام وولي بمصر القضاة الأربع وهم قاضي القضاة كمال الدين الشافعي وقاضي القضاة نور الدين علي بن يس الطرابلسي الحنفي وقاضي القضاة الدميري المالكي وقاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن النجار الحنبلي واستولى على الأرض الحجازية وغيرها ورتب الرواتب وأبقى الأوقاف على حالها ورتب لأهل الحرمين في كل سنة سبعة آلاف أردب حب ثم عاد للقسطنطينية وقد أصرف غالب خزائنه فأخر السفر عن بلاد العجم ليجمع ما يستعين به على القتال فظهر له في ظهره جمرة منعته الراحة وحرمته الاستراحة وعجزت في علاجه حذاق الأطباء وتحيرت في أمره عقول الألباء ولا زالت به حتى حالت بينه وبين الأمنية وخلت بينه وبين المنية فتوفي رحمه الله تعالى في رمضان أو شوال بعد علة نحو أربعين يوما وذكر العلائي في تاريخه أنه خرج من القسطنطينية إلى جهة أدرنة وقد خرجت له تلك الجمرة تحت إبطه وأضلاعه فلم يفطن بها حتى وصل إلى المكان الذي بارز فيه أباه السلطان أبا يزيد حين نازعه في السلطنة فطلب له الجرايحية والأطباء فلم يدركوه إلا وقد تأكلت ووصلت إلى الأمعاء فلم يستطيعوا دفعا عنه ولا نفعا ومات بها ودفن بأدرنة عند قبر أبيه انتهى وفيها تقريبا عبد الله بن إبراهيم الفاضل العلامة الشهير بابن الشيشري الحنفي قال في الكواكب قرأ على علماء العجم وبرع هناك في العربية والمعقولات ثم دخل بلاد الروم وعين له السلطان سليم كل يوم ثلاثين عثمانيا وعمل قصيدة بالفارسية نحو ثلاثين بيتا أحد مصراعي كل بيت تاريخ لسلطنة السلطان سليمان والمصراع الثاني من كل بيت تاريخ فتح رودس وله حواش على حاشية شرح المطالع للسيد الشريف وشرح على الكافية ورسالة في المعمى فارسية انتهى وفيها تقريبا أيضا جمال الدين عبد الله بن أحمد 147 الشنشوري المصري الشافعي الإمام العلامة له شرح التدريب للسراج البلقيني رحمهما الله تعالى وفيها جمال الدين عبد الله بن عبد الله بن رسلان البويضي من قرية البويضة من أعمال دمشق ثم الدمشقي الشافعي الشيخ الإمام العلامة ولد سنة إحدى وخمسين وثمانمائة وكان رفيقا للشيخ تقي الدين البلاطنسي على مشايخه وأخذ عنه الشيخ موسى الكناوي صحيح البخاري وغيره توفي بالبيمارستان النوري يوم الخميس سادس أو سابع ذي القعدة وصلى عليه إماما رفيقه البلاطنسي ودفن بمقبرة باب الصغير جوار الشيخ نصر المقدسي بصفة الشهداء وفيها قاضي القضاة بدر الدين أبو البقاء محمد بن محمد بن عبد الله بن الفرفور الدمشقي الحنفي قال في الكواكب اشتغل يسيرا في الفقه على البرهان بن عون ثم ولي كتابة السر عوضا عن أمين الدين الحسباني ثم استنزل له عمه قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور قاضي القضاة محب الدين القصيف عن نظر القصاعية وتدريسها وأسمعه الحديث على جماعة من الدمشقين ثم ولي قضاء قضاة الحنفية بالشام مرارا عزل عن آخرها في شوال سنة ثلاث عشرة وتسعمائة
وفيها المولى زين الدين وقيل زين العابدين محمد بن محمد الفناري الرومي الحنفي العالم الفاضل أول قضاة القضاة بدمشق من الدولة العثمانية قرأ على علماء عصره منهم المولى الفاضل علاء الدين الفناري ثم وصل إلى خدمة المولى ابن المعرف معلم السلطان أبي يزيد ثم تنقلت به الأحوال إلى أن صار قاضيا بدمشق ثم بحلب قال في الشقائق كان عالما فاضلا ذكيا صاحب طبع وقاد وذهن نقاد قوي الجنان طلق اللسان صاحب مروءة وفتوة محبا للفقراء والمساكين يبرهم ويرعى جانبهم وكان في قضائه مرضي السيرة محمود الطريقة انتهى وذكر ابن طولون أن سيرته بدمشق كانت أحسن منها بحلب وتوفي وهو قاض بحلب في أول ربيع الأول 148
وفيها قاضي القضاة صلاح الدين محمد بن أبي السعود بن إبراهيم الشيخ الإمام قاضي قضاة مكة المشرفة ابن ظهيرة المكي الشافعي جرت له محنة في أيام الجراكسة وهي أن السلطان الغوري حبسه بمصر من غير جرم ولا ذنب بل للطمع في مال يأخذه منه على عادته ولما خرج بعساكره من مصر لقتال السلطان سليم بن عثمان أطلق كل من في حبسه من أرباب الجرائم وغيرهم ولم يطلق صاحب الترجمة فلما قتل الغوري أطلقه طومان باي ثم لما وصل السلطان سليم إلى مصر جاء إليه القاضي صلاح الدين فأكرمه وعظمه وخلع عليه وجهزه إلى مكة معزوزا مكرما مع الإحسان إليه وجعله نائبه في تفرقة الصدقات السليمية في تلك السنة وخطب عامئذ في الموقف الشريف خطبة عرفة وبقي بمكة إلى أن توفي بها في أواخر هذه السنة
وفيها نبهان بن عبد الهادي الصفوري الشافعي العالم الفاضل العارف بالله تعالى قال في الكواكب ذكره شيخ الإسلام الوالد في معجم تلامذته قال وكان من عباد الله الصالحين سريع الدمعة خاشع القلب ساكن الحواس قرأ على الوالد ألفيته في التصوف كاملة وحضر دروسي كثيرا واستجازني فأجزته انتهى
سنة سبع وعشرين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن أبي الوفاء بن أبي بكر بن أبي الوفاء الأرمنازي ثم الحلبي الشافعي الشيخ الصالح المعمر كان من حفاظ كتاب الله تعالى وكان إماما للسلطان الغوري حين كان حاجب الحجاب بحلب فلما تسلطن توجه الشيخ إبراهيم إليه إلى القاهرة وحج منها في سنة ست وتسعمائة ثم عاد إليها واجتمع به فأحسن إليه وأمره بالإقامة لاقراء ولده فاعتذر إليه فقبل عذره ورتب له ولأولاده من الخزينة في كل سنة ثلاثين دينارا ثم عاد 149 إلى حلب قال ابن الحنبلي واتفق له أنه قرأ في طريق الحاج ذهابا وإيابا وفي إقامته بمصر قدر شهرين ما يزيد على ثلثمائة وخمسين ختمة قيل وكان راتبه في الإقامة مع قضاء مصالحه في اليوم والليلة ختمة وبدونه ختمة ونصفا وكان يمشي في الأسواق فلا يفتر عن التلاوة وتوفي بحلب رحمه الله تعالى
وفيها تقي الدين أبو بكر الظاهري المصري نزيل دمشق الشيخ الفاضل العالم توفي بدمشق في مستهل رمضان
وفيها المولى أحمد باشا بن خضر بك بن جلال الدين الرومي الحنفي قال في الكواكب كان عالما متواضعا للفقراء ولما بنى السلطان محمد خان المدارس الثمانية أعطاه واحدة منها وسنه يومئذ دون العشرين ثم تنقل في المناصب حتى صار مفتيا بمدينة بروسا في سلطنة السلطان بايزيد وأقام بها مدة متطاولة وله مدرسة هناك بقرب الجامع الكبير منسوبة إليه وله كتب موقوفة على المدرسة وتوفي في هذه السنة قال في الشقائق وقد جاوز التسعين
وفيها شهاب الدين أحمد بن القاضي علاء الدين علي بن البهاء بن عبد الحميد بن إبراهيم البغدادي ثم الدمشقي الصاحلي الحنبلي الإمام العلامة ولد ليلة الإثنين عاشر ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة وأخذ العلم عن أبيه وغيره وانتهت إليه رياسة مذهبه وقصد بالفتاوى وانتفع الناس به فيها وفي الاشغال وتعاطى الشهادة على وجه اتقان لم يسبق إليه وفوض إليه نيابة القضاء في الدولة العثمانية زين العابدين الفناري ثم ترك ذلك وأقبل على العلم والعبادة ومن تلاميذه البدر الغزي وللبدر عليه مشيخة أيضا وهو الذي أشار عليه بالكتابة على الفتوى بمحضر من والده الشيخ رضى الدين وكان يمنعه أولا من الكتابة في حياة شيوخه فاستأذنه له فيها وتوفي صاحب الترجمة بدمشق بكرة نهار الجمعة حادي عشرى رجب ودفن بتربة باب الفراديس
وفيها شهاب الدين أحمد المعروف بابن نابتة المصري الحنفي حضر في 150 الفقه على العلامة الشمس قاسم بن قطلوبغا والجلال الطرابلسي والقراءات عن الشمس الحمصاني وكان متزهدا متقللا وأقبلت عليه الطلبة واشتغل الناس عليه وأصيب بالفالج أشهرا ثم توفي ليلة الأربعاء حادي عشر ربيع الثاني وهو في أواخر الثمانين ودفن بتربة الجلال السيوطي
وفيها شهاب الدين أحمد الموفي الشيخ الفاضل المحصل المعتقد الشافعي متولي الظاهرية القديمة بمصر ولي قضاء بلده منوف العليا فباشر القضاء بعفة ونزاهة وطرد البغايا من تلك الناحية وأزال المنكرات واستخلص الحقوق بحيث كانت تأتيه الخصوم من بلاد بعيدة أفواجا وتستخلص بهمته وعدله حقوقا كانت قد ماتت قال العلائي وقد أوقفني على عدة مختصرات له في الفقه والفرائض والحساب والعربية حوت مع الاختصار فوائد وفرائد خلت منها كثير من المختصرات والمطولات وتوفي في مستهل شوال
وفيها صدر الدين إدريس المارديني القاهري الإمام العالم المؤرخ المنشىء توفي بالقاهرة في هذه السنة وفيها جان بردى بن عبد الله الجركسي الشهير بالغزالي السخيف الرأي كان في الدولة الجركسية كافل حماة ثم دمشق ثم خامر على الغوري كما تقدم ووعده السلطان سليم بنيابة دمشق ومع هذا فإنه لما فر من ميسرة الغوري بمرج دابق مخامرة رجع إلى مصر ولحق بطومان باي وأعانه على السلطان سليم ولما افتتح السلطان سليم مصر ثبت على ميثاقه ووعده وولاه نيابة الشام وخرج في ركابه من مصر إلى دمشق ثم خرج في وداعه ثم عاد إلى دمشق وقد ولي السلطان سليم قاضي القضاة ابن الفرفور بعد أن تحنف وكان شافعيا وأبطل القضاة الأربعة إلا ابن فرفور فكان قاضيا وكان الغزالي نائبا فأعاد الشهود إلى مراكزهم على عادتهم في الدولة الجركسية ووقع بينه وبين ابن فرفور بهذا السبب غير أن الغزالي نشر العدل في دمشق وأعمالها وأبطل ما كان حدث بها من اليسق ومنع البوابين أن يأخذوا شيئا من الداخلين 151 إلى المدينة وجرد السيف على كل من تعرض من الأروام لامرأة أو صبي وكتب بذلك إلى السلطان سليم وأخبره بأن دمشق غير معتادة لشيء من هذه المناكير فأجيب بأنا قلدناك أمر الرعية فافعل ما هو الشرع وعرض بالقضاء لقاضي القضاة شرف الدين بن مفلح بدلا عن ابن فرفور فأجيب إلى ذلك فباشر الغزالي النيابة وابن مفلح القضاء بسيرة حسنة إلى سنة ست وعشرين فكان الغزالي ببيروت وجاءه الخبر بموت السلطان سليم فركب من ساعته إلى دمشق وحاصر قلعتها ثم سلمها إليه أهلها ونفي نائبها إلى بيت المقدس وجعل نيابتها للأمير إسمعيل بن الأكرم وأمر الخطباء أن ينوهوا بسلطنته ويدعوا له على المنابر وفرح بذلك جهلة العوام دون عقلاء الناس ثم توجه إلى طرابلس وحمص وحماة وحلب وحاصر قلاعها ولم يظفر بطائل لكنه قبض على كافل حمص وقتله ثم دخل حماة وقد فر كافلها وقاضيها إلى حلب فأخذ من كان معه في النهب وقتل من كان له غرض في قتله وكان فر ابن فرفور أيضا إلى حلب خوفا من معرته ولما بلغ السلطان سليمان خبره جهز إليه جيشا فصار الغزالي يحصن قلعة دمشق وما حولها ونصب بها منجنيقا ليرمي به المحاصرين وصار يركب من دار السعادة إلى القلعة ومن القلعة إلى دار السعادة وضاقت عليه الأرض وهم بالهرب فثبت جأشه جهلة عساكره الذي جمعهم من القرى وقالوا نحن فينا كفاية قال الحمصي وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر صفر أمر جان بردى الغزالي أن يخطبوا له بالسلطنة ويلقبوه بالأشرف وصلى بالجامع الأموي في المقصورة وخطب له بالأشرف ووقف على المقصورة بساط في اليوم المذكور قال وفي يوم السبت جمع مشايخ الحارات بالجامع الأموي وحلفهم أن لا يخونوه وأن يكونوا معه على كلمة واحدة ثم خرج يوم الثلاثاء سابع عشريه هو والعساكر وأهل الحارات إلى مسطبة السلطان بالقابون ووصل العسكر العثماني إلى القصير وعدته اثنان وستون 152 ألفا باشهم الوزير الثالث فرحات وصحبته نائب حلب قراجا باشا والأمير شاه سوار وقاضي القضاة ولي الدين بن فرفور وقد أعيد إلى القضاء على عادته وكان صحبة الغزالي الأمير يونس بن القواس بعشيره والأمير عمر بن العزقي بعشيره فالتقى العسكران بين دوما وعيون فاسريا والقصير ففر ابن القواس بعشيره وثبت الغزالي وقليل ممن معه فقتلوا وقتل معه عمر بن العزقي واستأصل جميع عسكره الأسافل وذكروا أن عدة القتلى كانت سبعة آلاف ثم دخل العسكر العثماني دمشق فرأوا الأبواب مفتحة وسلمهم ابن الأكرم مفاتيح القلعة ولو قصدوا قتل العوام لفعلوا وكان ذلك يوم الثلاثاء سابع عشرى صفر وفيها بدر الدين حسن بن عيسى بن محمد الفلوجي البغدادي الأصل العالم الحنفي قال في الكواكب اشتغل قليلا على الزيني ابن العيني واعتنى بالشهادة ثم تركها وحصل دنيا واسعة وحج سنة عشرين وجاور وولي نظر الماردانية والمرشدية ونزل له أخوه شمس الدين عن تدريسها وعدة مدارس ولم يكن فيه أهلية فتفرقها الناس مع أنه كان كثير الشر كما قال ابن طولون ومات يوم الثلاثاء تاسع عشر صفر ودفن يوم الأربعاء بالسفح وفيها سيدي ابن محمود المولى العالم الصالح الرومي الحنفي الشهير بابن المجلد كان أصله من ولاية قوجه ايلي واشتغل بالعلم وحصل وصار مدرسا بمدرسة عيسى بيك ببروسا ثم رغب في التصوف وعين له كل يوم خمسة عشر درهما بالتقاعد ثم صحب الشيخ العارف بالله تعالى السيد البخاري وكان فاضلا مدققا حسن الخط صالحا دينا يخدم بيته بنفسه ويشتري حوائجه ويحملها من السوق بنفسه ملازما للمسجد منعزلا عن الناس وتوفي في حدود هذه السنة تقريبا وفيها القاضي محب الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الشيخ العابد الدين الصالح الدسوقي ولد في ذي الحجة سنة ثمان وستين وثمانمائة وكان ناظر الأيتام بدمشق وفوض إليه نيابة القضاء 153 في سنة ست عشرة وتسعمائة وتوفي ليلة السبت سابع ربيع الآخر فجأة ودفن بمقبرة باب الصغير عند والده وفيها محي الدين أبو المفاخر عبد القادر بن محمد بن عمر بن محمد بن يوسف بن عبد الله بن نعيم بضم النون النعيمي الدمشقي الشافعي الشيخ العلامة الرحلة مؤرخ دمشق وأحد محدثيها ولد يوم الجمعة ثاني عشر شوال سنة خمس وأربعين وثمانمائة ولازم الشيخ إبراهيم الناجي والعلامة زين الدين عبد الرحمن بن خليل وزين الدين خطاب الغزاوي وزين الدين مفلح بن عبد الله الحبشي المصري ثم الدمشقي ولبس منه خرقة التصوف وأخذ عن البدر بن قاضي شهبة والشهاب بن قرا وقرأ على البرهان البقاعي مصنفه المسمى بالإيذان وأجاز له به وبما تجوز له وعنه روايته وشيوخه كثيرة ذكرهم في تواريخه وألف كتبا كثيرة منها الدارس في تواريخ المدارس ومنها تذكرة الاخوان في حوادث الزمان والتبيين في تراجم العلماء والصالحين والعنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان والقول المبين المحكم في اهداء القرب للنبي وتحفة البررة في الأحاديث المعتبرة وإفادة النقل في الكلام على العقل وغير ذلك وتوفي كما قال ولده المحيوي يحيى وقت الغداء يوم الخميس رابع جمادى الأولى ودفن بالحمرية رحمه الله تعالى وفيها وقيل في سنة عشر وتسعمائة وقيل سبع عشرة ولعله الصحيح على النبتيتي الشافعي الشيخ الإمام العلامة ولي الله تعالى العارف به البصير بقلبه المقيم ببلدته نبتيت من أعمال مصر كان رفيقا للقاضي زكريا في الطلب والاشتغال وبينهما أخوة أكيدة وأخذ العلم عن جماعة منهم الكمال إمام الكاملية وكان النبتيتي من جبال العلم متضلعا من العلوم الظاهرة والباطنة وله أخلاق شريفة وأحوال منيفة ومكاشفات لطيفة وكان يغلب عليه الخوف والخشية حتى كأن النار لم تخلق إلا له وحده وكان الناس يقصدونه للعلم والافتاء والافادة والتبرك 154 والزيارة من سائر الآفاق وكانت ترفع إليه المسائل المشكلة من مصر والشام والحجاز فيجيب عنها نظما ونثرا وكانت نصوص الشافعي وأصحابه كأنها نصب عينيه وكان مخصوصا في عصره بكثرة الاجتماع بالخضر قال الشعراي كان وقته كله معمورا بالعلم والعبادة ليلا ونهارا وكان يقول لا يكمل الرجل في العقل إلا أن كاتب الشمال لا يجد شيئا من أعماله يكتبه وله مناقب كثيرة ومن شعره رضي الله تعالى عنه
( ومالي لا أنوح على خطائي
وقد بارزت جبار السماء )
( قرأت كتابه وعصيت سرا
لعظم بليتي ولشؤم رائي )
( بلائي لا يقاس به بلاء
وأعمالي تدل على شقائي )
( فياذلي إلى ما قال ربي
إلى النيران سوقوا ذا المرائي )
( فهذا كان يعصيني جهارا
ويزعم أنه من أوليائي )
( تصنع للعباد ولم يردني
وكان يريد بالمعنى سوائي )
في أبيات أخر توفي يوم عرفة ببلده ودفن بها وقبره بها يزال
وفيها المولى غياث الدين الشهير بباشا جلبي الرومي الحنفي العالم الفاضل ابن أخي آق شمس الدين الرومي قرأ على المولى الخيالي والمولى خواجه زاده وغيرهما وصحب الصوفية ثم أعطى مدرسة المولى الكوراني بالقسطنطينية ثم إحدى الثمانية ثم ترك ذلك واختار مدرسة أبي أيوب الأنصاري ثم أعطى سلطانية أماسية مع منصب الفتوى ثم تركها وأعطى تقاعدا بسبعين عثمانيا كل يوم ثم طلب مدرسة القدس الشريف فمات قبل السفر إليها وله رسائل كثيرة لكنه لم يدون كتابا رحمه الله تعالى
وفيها شرف الدين قاسم بن عمر الزواوي المغربي القيرواني المالكي الشيخ الفاضل الصالح المعتقد كان أولا مقيما في صحبة رفيقه الشيخ العابد الزاهد محمد الزواوي بمقام الشيخ تاج الدين بن عطاء الله الأسكندري 155 ثم أقام بمقام الإمام الشافعي رضي الله عنه خادما لضريحه وصحب الشيخ جلال الدين السيوطي وارتبط به وقلده في ملازمة لبس الطيلسان صيفا وشتاء وكان يتردد إلى التقي الأوجاقي وغيره وأخذ عنه البدر الغزي وتوفي يوم الثلاثاء رابع عشرى شعبان
وفيها كمال الدين محمد بن الشيخ غياث الدين أحمد بن الشيخ كمال الدين الشماخي الأصل والمولد وشماخي أم المدائن بولاية شروان أخذ عن السيد يحيى بن السيد بهاء الدين الشرواني الشماخي ثم الباكوي وباكو بلدة من ولاية شروان أيضا وبها توفي السيد يحيى سنة ثمان أو تسع وستين وثمانمائة وكان السيد يحيى هذا جليل المقدار انتشرت خلفاؤه إلى أطراف الممالك وأما صاحب الترجمة فذكر العلائي أنه دخل القاهرة بعد فتنة الطاغية إسمعيل شاه فلم يظهر مشيخة ولا سلوكا ولا تقرب من أرباب الدنيا بل جلس في حانوت بقرب خان الخليلي يشتغل فيه الأقماع والكوافي على أسلوب العجم بحسن صناعة وجميل دربة واتقان صنع وكان حافظا لعبارات كثير من المشايخ وآدابهم وأخلاقهم وحسن سيرتهم مما خلا منه كثير من المتصدرين مع عدم التكثر والتبجح وتوفي ليلة الإثنين ثالث ربيع الأول قال العلائي عن مائة وثلاث عشرة سنة وفيها شمس الدين محمد بن عبيد الضرير الشيخ الإمام العلامة المقرىء المجود ولد سنة خمس وأربعين وثمانمائة وكان قفافيا بميدان الحصى بدمشق ثم اشتغل بالعلم وأم وأقرأ بمسجد الباشورة بالباب الصغير وكان عالما صالحا يقرىء الشاطبية وغيرها من كتب القراءات والتجويد وانتفع به خلق كثير وتوفي يوم الأربعاء تاسع عشرى القعدة ودفن بمقبرة باب الصغير بالقرب من ضريح الشيخ حماد رحمهما الله تعالى وفيها شمس الدين محمد بن ليل الزعفراني التونسي القاطن بالقاهرة قال في الكواكب كان يحفظ أنواع الفضائل وكان يتأنق 156 في إيراد أنواع التحميدات والتسبيحات والصلوات ويعرف الألسن العربية المتنوعة والخواص العجيبة وكان يذكر أنه عارف بالصنعة مات بالقاهرة يوم الأربعاء تاسع عشرى جمادى الآخرة ودفن بتربة المجاورين
وفيها محي الدين محمد بن محمد بن محمد البردعي الحنفي أحد موالي الروم العالم الفاضل كان من أولاد العلماء واشتغل على والده وغيره ثم دخل شيراز وهراة وقرأ على علمائها وحصل علما كثيرا ثم ارتحل إلى بلاد الروم وصار مدرسا بمدرسة أحمد باشا بمدينة بروسا ثم بإحدى المدرستين المتلاصقتين بادرنة وتوفي وهو مدرس بها وله حواش على تفسير البيضاوي وحواش على شرح التجريد للسيد الشريف وحواش على التلويح وشرح على آداب البحث للعضد وكان له حظ وافر من العلوم ومعرفة تامة بالعربية والتفسير والأصول والفروع وكان حسن الأخلاق لطيف الذات متواضعا متخشعا له وجاهة ولطف ويكتب الخط الحسن مع سرعة الكتابة وتوفي بأدرنة في هذه السنة رحمه الله تعالى
وفيها الأمير مرجان بن عبد الله الظافري الذي عمر قبة العيدروس بعدن وهو مدفون معه فيها قال في حقه العلامة بحرق الأمير المؤيد بتوفيق الله وعنايته المسدد بحفظ الله ورعايته الذي فتح الله بنور الإيمان عين بصيرته وطهر عن سوء العقيدة باطن سريرته وصار معدودا من الأولياء لموالاته لهم باطنا وظاهرا وحاز من بين الولاة والحكام من التواضع لله والرفق بالفقراء والمساكين حظا وافرا مرجان بن عبد الله الظافري لا زال على الأعداء ظافرا وإلى مرضاة مولاه مبادرا انتهى وفيها نسيم الدين قاضي مكة الحنفي قال العلائي كان فاضلا ذكيا مستحضرا لكثير من المسائل حافظا لمتن المجمع دينا فصيحا لطيفا عفيفا لا يتناول على القضاء شيئا البتة وأخذ الفقه عن الشمس بن الضياء وعن جماعة من المصريين وغيرهم وتوفي 157 بمكة سنة سبع وعشرين وتسعمائة انتهى
سنة ثمان وعشرين وتسعمائة
فيها توفي تقي الدين أبو الصدق أبو بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن شرف بن منصور بن محمود بن توفيق بن عبد الله المعروف بابن قاضي عجلون الزرعي ثم الدمشقي الشافعي الإمام العلامة القدوة الرحلة الأمة العمدة ولد بدمشق في شعبان سنة إحدى وأربعين وثمانمائة واشتغل على والده وأخيه شيخ الإسلام نجم الدين وعلى شيخ الإسلام زين الدين خطاب وسمع الحديث على المسند أبي الحسن بن بردس البعلي والحافظ شمس الدين بن ناصر الدين وغيرهما وأخذ عن ابن حجر مكاتبة والعلم صالح البلقيني والشمس المناوي والجلال المحلى وكان إماما بارعا في العلوم وكان أفقه أهل زمانه وأجل معاصريه وأقرانه ودرس بالجامع الأموي والشامية البرانية والعمرية وبالقاهرة دروسا حافلة وألف منسكا لطيفا وكتابا حافلا سماه أعلام النبيه مما زاد على المنهاج من الحاوي والبهجة والتنبيه وانتهت إليه مشيخة الإسلام ورياسة الشافعية ببلاد الشام بل وبغيرها من بلاد الإسلام وحصل له من السعد في العلم والرياسة وكثرة التلامذة وقرة العين بهم في دمشق ما حصل لشيخ الإسلام زكريا بالقاهرة إلا أن القاضي زكريا زاد عليه في السعادة بكثرة التصانيف مع تحريرها وتحقيقها رحمهما الله تعالى وبرع أكثر تلاميذ صاحب الترجمة في حياته كالشيخ شمس الدين الكفرسوسي والشيخ تقي الدين البلاطنسي والسيد كمال الدين بن حمزة والقاضي رضي الدين الغزي والبدر الغزي والشيخ بهاء الدين الفصي البعلي والشيخ تقي الدين القاري والشيخ علاء الدين القيمري والشرف العيثاوي وغيرهم ولما قدم العلامة برهان الدين البقاعي دمشق في سنة ثمانين 158 وثمانمائة تلقاه الشيخ تقي الدين هو وجماعة من أهل العلم إلى القنيطرة ثم لما ألف كتابه في الرد على حجة الإسلام الغزالي في مسألة ليس في الإمكان أبدع مما كان وبالغ في الإنكار على ابن العربي وأمثاله حتى أكفر بعضهم كان الشيخ تقي الدين ممن أنكر على البقاعي ذلك وهجره بهذا السبب خصوصا بسبب حجة الإسلام مع أنه كان ينهى عن مطالعة كتب ابن العربي قال الحمصي في تاريخه وامتحن شيخ الإسلام مرارا منها مرة في أيام الغوري بسبب فتياه في واقعة ابن محب الدين الأسلمي المعارضة لفتيا تلميذه وابن أخيه السيد كمال الدين بن حمزة وطلب هو والسيد وجماعة إلى القاهرة وغرم بسبب ذلك أموالا كثيرة حتى باع أكثر كتبه وانتهى الأمر آخرا على العمل بفتياه واعادة تربة ابن محب الدين المهدومة بفتوى السيد كما كانت عملا بفتوى الشيخ تقي الدين وأعاد الشيخ تقي الدين هو وولده الشيخ نجم الدين إلى دمشق وقد ولي ولده قضاء قضاة الشافعية بها وقال في الكواكب أخبرنا شيخ الإسلام الوالد قال أخبرنا شيخنا شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون عن أخيه شيخ الإسلام نجم الدين أن جميع أسماء الذين أفتوا في عهد رسول الله في قوله
( لقد كان يفتي في زمان نبينا
مع الخلفاء الراشدين أئمة )
( معاذ وعمار وزيد بن ثابت
أبي ابن مسعود وعوف حذيفة )
( ومنهم أبو موسى وسلمان حبرهم
كذاك أبو الدرداء وهو تتمة )
( وأفتى بمرآه أبو بكر الرضى
وصدقه فيها وتلك مزية )
وتوفي صاحب الترجمة ضحوة يوم الإثنين حادي عشر رمضان ودفن بمقبرة باب الصغير وفيها شهاب الدين أبو السعود أحمد بن عبد العزيز السنباطي المصري الشافعي العلامة المحدث ولد سنة سبع وثلاثين 159 وثمانمائة وكان أحد العدول بالقاهرة وسمع صحيح البخاري على المشايخ المجتمعين بالمدرسة الظاهرية القديمة بين القصرين بالقاهرة وكانوا نحو أربعين شيخا منهم العلامة علاء الدين القلقشندي وابن أبي المجد والتنوخي ومن مشايخه أبو السعادات البلقيني والشهاب الأبدي صاحب الحدود في النحو والعلامة ناصر الدين بن قرقماس الحنفي صاحب زهر الربيع في شواهد البديع أخذه عنه وممن أخذ عن صاحب الترجمة الشيخ نجم الدين الغيطي قرأ عليه جميع صحيح البخاري وتوفي في هذه السنة رحمه الله تعالى
وفيها شهاب الدين أحمد قال في الكواكب الشيخ الفاضل العريق ابن الشيخ العالم المعروف بالراعي شارح الجرومية قال العلائي وهو ممن سمع على شيخ الإسلام ابن حجر وتقدم في صناعة التوريق والتسجيل واعتبر وله فيه مصنفات وتوفي تاسع جمادى الأولى وفيها القاضي غرس الدين خليل بن محمد بن أبي بكر بن خلفان بفتح المعجمة والفاء وإسكان اللام بينهما وبالنون آخره الدمشقي الحنبلي المعروف بالسروجي ولد في ربيع الأول سنة ستين وثمانمائة بميدان الحصا واشتهر بالشهادة ثم فوض إليه نيابة الحكم مدة يسيرة وتوفي يوم الخميس سابع شهر رمضان ودفن بتربة الجورة بالميدان
وفيها القاضي محي الدين عبد القادر النبراوي الحنبلي كان أقدم الحنابلة بمصر وأعرفهم بصناعة التوريق والقضاء والفقاهة مع سماع له ورواية وكان أسود اللون وله مع ذلك تمتع بحسان النساء للطف عشرته ودماثة أخلاقه وكان يصبغ بالسواد مع كبر سنه مات ليلة الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة عن نيف وتسعين سنة وفيها زين الدين عبد القادر المكي الشيباني الحنفي دخل مصر متوجها إلى بلاد الروم لطلب قضاء الحنفية بمكة ثم رحل من القاهرة في قافلة صحبة الأمير جانم الحمزاوي ليلة الإثنين سادس 160 جمادى الآخرة فتوفي في أم الحسن وفيها عبد الكريم بن محمد بن يوسف المباهي الأموي الدمشقي الشافعي المقرىء كان فاضلا صالحا قرأ على البدر الغزي كثيرا قاله في الكواكب وفيها جلال الدين محمد بن أسعد الدواني بفتح المهملة وتخفيف النون نسبة لقرية من كازرون الكازروني الشافعي الصديقي القاضي بإقليم فارس قال في النور السافر هو المذكور بالعلم الكثير والعلامة في المعقول والمنقول وممن أخذ عنه المحيوي اللاري وحسن بن البقال وتقدم في العلوم سيما العقليات وأخذ عنه أهل تلك النواحي وارتحلوا إليه من الروم وخراسان وما وراء النهر ذكره السخاوي في ضوئه فقال وسمعت الثناء عليه من جماعة ممن أخذ عني واستقره السلطان يعقوب في القضاء وصنف الكثير من ذلك شرح على شرح التجريد للطوسي عم الانتفاع به وكذا كتب على العضدي مع فصاحة وبلاغة وصلاح وتواضع وهو الآن حي في سنة تسع وتسعين ابن بضع وسبعين انتهى كلام الضوء وفيها المولى محمد بن خليل قال في الكواكب العالم الفاضل المولى محمد الرومي الحنفي قاضي أدنة توجه إلى الحج الشريف فتوفي بالمدينة قبل وصوله إلى مكة في ذي القعدة انتهى
وفيها خير الدين أبو الخير محمد بن عبد القادر بن جبريل الغزي ثم الدمشقي المالكي قاضي القضاة العلامة ولد بغزة في ثاني عشرة شوال سنة اثنتين وستين وثمانمائة واشتغل وبرع ثم قدم دمشق وحضر دروس الشيخ عبد النبي المالكي وظهرت فضيلته خصوصا في علم الفرائض والحساب ثم ولي قضاء المالكية بالشام في سنة إحدى عشرة وتسعمائة وسار في القضاء سيرة حسنة بعفة وزهد وقيام في نصرة الحق واستمر حتى عزل في رمضان سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة فتوجه إلى بلده ثم مكة المشرفة وبها توفي في صفر ودفن بالمعلاة 161
وفيها شمس الدين محمد بن الشيخ العلامة علاء الدين علي المحلي المصري الشافعي المفتي المعروف بابن قرينة تلقى عن أبيه تدريس التفسير بالبرقوقية وتدريس الفقه بالمؤيدية والأشرفية وكان ذا علم وعقل وتؤدة توفي في ثامن ربيع الثاني وخلف ولدا صغيرا أسند الوصاية عليه إلى جماعة منهم السيد كمال الدين بن حمزة الشامي وفيها زين الدين محمد بن عمر البحيري العلامة فقيه السلطان الغوري توفي بمرض الاستسقاء سادس عشر شعبان بعد أن نزل عن وظائفه ووقف كتبه وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن علي بن أبي اللطف الحصكفي ثم المقدسي سبط العلامة تقي الدين القلقشندي توفي والده شيخ الإسلام أبو اللطف وهو حمل في عاشر جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وثمانمائة فنشأ بعده واشتغل بالعلم على علماء بيت المقدس منهم الكمال بن أبي شريف ورحل إلى القاهرة فأخذ عن علمائها منهم الشمس الجوجري وسمع الحديث وقرأه على جماعة وأذن له بالافتاء والتدريس وصار إماما علامة من أعيان العلماء الأخيار الموصوفين بالعلم والدين والتواضع وكان عنده تودد ولين جانب وسخاء نفس وإكرام لمن يرد عليه وأجمع الناس على محبته وتوفي ليلة السبت ثالث عشر القعدة ببيت المقدس وفيها ولي الدين محمد بن القاضي شمس الدين محمد بن عمر الدورسي الصالحي الحنبلي الإمام العالم توفي بصالحية دمشق يوم السبت تاسع عشر ذي الحجة ودفن بها وفيها قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله الطولقي المالكي سمع على العلامة جمال الدين الطمطامي قال ابن طولون قدم علينا دمشق واتجر بحانوت بسوق الذراع ثم ولي قضاء دمشق عوضا عن قاضي القضاة شمس الدين المرني وعزل عن القضاء ثم وليه مرارا ثم استمر معزولا مخمولا إلى أن توفي يوم الأربعاء ثاني عشرى شعبان فجأة وكان له مدة قد أضر وصار يستعطي 162 ويتردد إلى الجامع الأموي وكان يكتب عنه على الفتوى بالأجرة له ودفن بمقبرة باب الصغير انتهى وفيها أو في التي بعدها المولى يعقوب الحميدي العلامة الشهير باجه خليفة أحد الموالي الرومية خدم المولى علاء الدين الفناري ودرس في عدة مدارس آخرها مدرسة مغنيسا وهو أول مدرس بها ومات عنها وكان فاضلا صالحا متصوفا له مهارة في الفقه ومشاركة في غيره ذو سمت حسن صحيح العقيدة رحمه الله تعالى
سنة تسع وعشرين وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن اسكندر بن يوسف وقيل ابن يوسف ابن اسكندر المعروف بابن الشيخ اسكندر الحلبي نزيل دمشق الشافعي قال النجم الغزي هو جد أخي لوالدي لأمه الشيخ العلامة العارف بالله تعالى شهاب الدين أحمد الغزي أخذ عن جماعة منهم جدي ووالدي وكان علامة قال والدي وكان له يد في علم الهيئة والمنطق والحكمة وغير ذلك وكان مدرس السيبائية بتقرير من واقفها سيباي نائب دمشق وناظرا على وقف سيدي إبراهيم ابن أدهم رضي الله عنه قتله اللصوص بدرب الروم انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بالحاج الشافعي بأفضل قال في النور ولد يوم الجمعة خامس شوال سنة سبع وسبعين وثمانمائة وتفقه بوالده وبالفقيه محمد بن أحمد فضل وأخذ عن قاضي القضاة يوسف ابن يونس المقري وغيره وبرع وتميز وتصدر للافتاء والتدريس في زمن والده وكان إماما عالما علامة فقيها حسن الاستنباط قوي الذه شريف النفس وكان والده يعظمه ويثني عليه وحج مرارا واجتمع في حجته الأخيرة بسيدي محمد بن عراق فصحبه ولازمه وتسلك على يديه وكان سخيا كثير الصدقة وفعل المعروف محبا للصالحين والفقراء حسن العقيدة ولم يزل على 163 ذلك حتى استشهد في معركة الكفار لما دخل الإفرنج الشحر وقتلوا وأسروا ونبهوا وذلك بعد فجر يوم الجمعة عاشر ربيع الثاني ودفن عند والده وله من التصانيف نكت على روض ابن المقري في مجلدين ونكت على الإرشاد ومشكاة الأنوار قال مؤلفه عليك بالأوراد التي علقتها في كراريس سميتها مشكاة الأنوار فإني ضمنتها والله الاسم الأعظم الذي هو اكسير الأولياء وله وصية مختصرة ومن كلامه من كان همه المعالف فاتته المعارف انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد البحيري المصري المالكي العلامة المفنن السالك الشاعر المعمر حفظ القرآن العظيم وسلك في شبوبيته على الشيخ العالم أبي العباس الشربيني وأخذ عن الشيخ مدين واشتغل في العلم وأمعن في العربية ولا سيما التصريف وألف فيه شرحا جيدا على المراح وأخذ الفقه عن الشيخ يحيى العلمي وكتب بخطه كثيرا وله نظم جيد وألغاز وكان قانعا متقللا وتزوج وهو شاب ثم تجرد وتوفي في خامس شوال
وفيها إدريس بن عبد الله قال في الكواكب الشيخ الفاضل اليمني الشافعي نزيل دمشق كان من أصحاب شيخ الإسلام الوالد حضر دروسه وشملته إجازته وكان قد عزم على قراءة المنهاج عليه وعلى غيره فعاجلته المنية
وفيها المولى الفاضل بالي الأيديني الرومي الحنفي أخذ العلم عن علماء عصره واتصل بخدمة المولى خطيب زادة ثم بخدمة المولى سنان جلبي ثم تنقل في التداريس حتى صار مدرسا بإحدى الثمانية ثم تقاعد عنها بثمانين عثمانيا ثم أعطى قضاء بروسا ثم أعيد إلى إحدى الثمانية ثم ولي قضاء بروسا ثانيا ثم أعيد إلى إحدى الثمانية واستمر بها إلى أن مات وكانت له مشاركة جيدة في سائر العلوم قادرا على حل غوامضها قوي الحفظ مكبا على الاشتغال حتى سقط مرة عن فرسه فانكسرت رجله فاستمر ملقى على ظهره أكثر من شهرين ولم يترك الدرس وألف رسالة أجاب فيها عن إشكالات سيدي 164 الحميدي وتوفي في هذه السنة ودفن عند مسجده بالقسطنطينية
وفيها زين الدين بركات بن أحمد بن محمد بن يوسف الشهير بابن الكيال الشافعي الصالح الواعظ كان في ابتداء أمره تاجرا ثم ترك التجارة بعد أن ترتبت عليه ديون كثيرة ولازم الشيخ برهان الدين الناجي زمانا طويلا وانتفع به قال الحمصي قرأ عليه صحيح البخاري كاملا وكتبا من مصنفاته ودرس بالجامع الأموي في علم الحديث وكان متقنا محررا وخرج أحاديث مسند الفردوس وانتفع الناس به وبوعظه وحديثه قال ابن طولون رأس بعد موت شيخه ولازم الجامع الأموي تجاه محراب الحنابلة ووعظ بمسجد الأقصاب وجامع الجوزة وغيرهما وخطب بالصابونية سنين وحصل دنيا كثيرة وصنف عدة كتب أي منها كتاب حياة القلوب ونيل المطلوب في الوعظ ومنها الكواكب الزاهرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات ومنها أسنى المقاصد في معرفة حقوق الولد على الوالد والجواهر الزواهي في ذم الملاعب والملاهي والانجم الزواهر في تحريم القراءة بلحون أهل الفسق والكبائر وتوفي يوم الأحد ثامن ربيع الأول بسبب أنه خرج من بيته لصلاة الصبح بالجامع الأموي فلقيه اثنان فأخذا عمامته عن رأسه وضربه أحدهما على صدره فانقطع مدة ثم أراد الخروج إلى الجامع فما استطاع فتوضأ وصلى الصبح والضحى وتوفي بعد صلاة الضحى ودفن بمقبرة باب الصغير
وفيها منلا بدر الدين حسن بن محمد الرومي الحنفي قدم دمشق مع الدفتردار الزيني عمر الفيقي وكان يقرىء ولده فأخذ له تدريس الحنفية بالقصاعية فدرس بها وكان أولاد العرب منهم القطب بن سلطان مدرس الظاهرية الجوانية وحج في السنة التي قبلها وتوفي يوم الأربعاء ثامن عشرى جمادى الآخرة قادما من الحج وفيها زين الدين عبد الرحمن شيخ الصوابية بصالحية دمشق كان صالحا مسلكا توفي بها يوم الخميس ثامن عشرى 165 رجب وفيها علاء الدين علي بن أبي القسم الأخميمي القاهري قاضي قضاة الشافعية العدل العفيف السخي قال العلائي كان له انقطاع عن الناس وانجماع بالكلية وكان له معرفة في الصناعة وتصميم في المهمات وإن كان قليل العلم توفي سادس عشر القعدة وصلى عليه بالأزهر
وفيها علاء الدين علي بن حسن السرميني ثم الحلبي الشافعي الفرضي الحبسوب كان يعرف بالنعش المخلع وهذا على عادة الحلبيين في الألقاب أخذ الفرائض والحساب عن الجمال الأسعردي ومهر فيهما واشتهر بهما وكان له في الدولة الجركسية مكتب على باب العدل بحلب يطلب منه لكتابة الوثائق ثم لما أبطلت الدولة العثمانية مكاتب الشهود أخذ في كتابة المصاحف والانتفاع بثمنها وتأديب الأطفال بمكتب داخل باب أنطاكية بحلب وبه قرأ عليه ابن الحنبلي القرآن العظيم سنة سبع وعشرين وتسعمائة وتوفي صاحب الترجمة في رمضان هذه السنة بحلب
وفيها تقريبا نور الدين أبو الحسن على الأشموني الشافعي الفقيه الإمام العالم العامل الصدر الكامل المقرىء الأصول يأخذ القراءات عن ابن الجزري قال الشعراوي ونظم المنهاج في الفقه وشرحه ونظم جمع الجوامع في الأصول وشرحه وشرح ألفية ابن مالك شرحا عظيما وكان متقشفا في مأكله وملبسه وفرشه قاله في الكواكب وفيها أمين الدين أبو الجود محمد بن أحمد ابن عيسى بن النجار الشافعي الدمياطي ثم المصري الإمام الأوحد العلامة الحجة ولد سنة خمس وأربعين وثمانمائة وأخذ العلم عن صالح البلقيني والتقي الشمني وزينب بنت عبد الرحيم العراقي وغيرهم وأخذ عنه النجم الغيطي والبدر الغزي وغيرهما وكان ممن جمع بين العلم والعمل إماما في علوم الشرع وقدوة في علوم الحقيقة متواضعا يخدم العميان والمساكين ليلا ونهارا ويقضي حوائجهم وحوائج الأرامل ويجمع لهم أموال الزكاة ويفرقه عليهم ولا 166 يأخذ لنفسه منه شيئا ويلبس الثياب الزرق والجبب السود ويتعمم بالقطن غير المقصور ولا يترك قيام الليل صيفا ولا شتاء وكان ينام بعد الوتر لحظة ثم يقول وينزل إلى الجامع الغمري فيتوضأ ويصلي والباقي للفجر نحو سبعين درجة ثم يصعد الكرسي ويتلو نحو القرآن سرا فإذا أذن الصبح قرأ جهرا قراءة تأخذ بجوامع القلوب ومر نصراني من مباشر القلعة يوما في السحر فسمع قراءته فرق قلبه وأسلم على يديه وكان يأتيه الناس للصلاة خلفه من الأماكن البعيدة لحسن صوته وخشوعه وكثرة بكائه حتى يبكي غالب الناس خلفه وكان الشيخ أبو العباس الغمري يقول الجامع جثة والشيخ أمين الدين روحها وكان يقري ويضيف كل وارد ويخدم بنفسه ومع هذا فله هيبة عظيمة يكاد من لا يعرفه يرعد من هيبته وانتهت إليه الرياسة بمصر في علوم السنة في الكتب الستة وغيرها ويقرأ للأربعة عشر ومناقبه كثيرة وتوفي ليلة السابع والعشرين من ذي القعدة
وفيها أبو السعود محمد بن دغيم الجارحي القاهري الفقيه الصوفي المتعبد المتنسك المعتقد عند الملوك فمن دونهم وكان والده من أعيان كوم الجارح والمتسببين به في أنواع المتاجر فنشأ الشيخ أبو السعود على خير وحفظ القرآن العظيم واشتغل في الفقه والنحو ثم أقبل على العبادة والمجاهدة ومكث عشرين سنة صائما لا يدري بذلك أهله وكان يصلي مع ذلك بالقرآن في ركعة أو ركعتين في تلك المدة وأخذ في التقليل من الأكل فانتهى أكله إلى لوزة وربما تركها قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في طبقاته هو عارف علوم جمة وصوفي ذو أحوال وكرامات بين الأمة قدوة في علمه ودينه فريد في عصره وحينه اجتهد وترقى في المقامات وأخذ عن الشيخ أحمد المرحومي عن الشيخ مدين عن الزاهد وارتفعت روحه وسمت عن مقعر فلك القمر وارتفع 167 إلى الحضرة التي لا ليل فيها ولا نهار وضوءها وضاح كحال أهل الجنة في الجنة ولما دخلها صار يكتب الكراريس العديدة حال ظلمة الليل كما يكتب نهارا بغير فرق وكان له قبول تام عند الأكابر تقف الأمراء بين يديه فلا يأذن لهم بالقعود وحملوا في عمارة زاويته الحجر والتراب وشق السلطان طومان باي وعليه جبة من جبب الشيخ وكان يقول لا يفلح الفقير القانع بالزي أبدا لقصور همته وكان يقول ينبغي للعارف أن يجعل في بيته دائما شيئا من الدنيا ولو كيميا خوفا أن يقع في رائحة الاتهام لله في أمر الرزق وكثيرا ما كان ينظر للمريد بحال فيتمزق لوقته ومحاسنه وكراماته أكثر من أن تحصر وتوفي ليلة الأربعاء مستهل جمادى الأولى وصلى عليه بجامع عمرو بن العاص ودفن بزاويته بكوم الجارح بالقرب من جامع عمرو في السرداب الذي كان يتعبد فيه وقبره مشهور يزار
وفيها المولى محي الدين محمد بن علي بن يوسف بالي الفناري الإسلامبولي الحنفي العالم الكامل قاضي قضاة العساكر بالولاية الأناضولية ثم بالولاية الروميلية المشهور بمحمد باشا قال في الشقاشق كان رحمه الله تعالى ذا أخلاق حميدة وطبع زكي ووجه بهي وكرم وفي وعشرة حسنة ووقار عظيم وله حواش على شرح المواقف وشرح الفرائض كلاهما للسيد الشريف وحواش على أوائل شرح الوقاية لصدر الشريعة توفي وهو قاضي العسكر الروم ايلي ودفن عند قبره جده المولى شمس الدين بمدينة بروسا
وفيها جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن محمد أو ابن أحمد الشهير بابن المبيض الحمصي الأصل ثم المقدسي ثم الدمشقي الشافعي أحد الوعاظ بدمشق العلامة المحدث ومن شعره ما كتبه عنه ابن طولون من إملائه عاقدا للحديث المسلسل بالأولية
( جاءنا فيما روينا أننا
يحرم الرحمن منا الرحما ) 168
( فارحموا جملة من في الأرض من
خلقه يرحمكم من في السما )
توفي بدمشق يوم الإثنين ثاني عشر شوال ودفن بباب الصغير
وفيها قاضي القضاة جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن اسكندر بن محمد بن محمد الحلبي الحنفي المشهور والده بالخواجا ابن الجق وهو ابن أخت المحب بن أجا كاتب السر اشتغل بالفقه وغيره على الزينبي عبد الرحمن بن فخر النساء وغيره وسمع على الجمال إبراهيم القلقشندي وعلى المحب أبي القسم محمد بن جرباش سيرة ابن هشام وأجاز له كل منهما ما يجوز له وعنه روايته وتولى القضاء بحلب بعناية خاله ثم ولي في الدولة الرومية تدريس الحلاوية ووظائف أخرى ثم رحل إلى القاهرة وتولى مدرسة المؤيدية بها وسار فيها السيرة المرضية وكان له شكل حسن وشهامة ورياسة وفخامة وألف رسالة في تقوية مذهب الإمام الأعظم في عدم رفع اليدين قبل الركوع وبعده وحج من القاهرة ثم قدمها موعكا فتوفي بها ليلة الأربعاء ثامن عشر صفر وفيها شرف الدين يونس بن محمد المعروف بابن سلطان الحرافيش بدمشق قال ابن طولون كان علامة من المتعقلين في المجالس ولكن حصل به النفع في آخر عمره بملازمته المشهد الشرقي بالجامع الأموي لاقراء الطلبة وكان في ابتداء أمره شاهدا تجاه باب المؤيدية وتوفي يوم الأربعاء حادي عشرى جمادى الآخرة ودفن بباب الصغير رحمه الله تعالى
سنة ثلاثين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن عمر بن إبراهيم اليمني الحرابي القحطاني الحاتمي الشافعي نزيل دمشق المقرىء الوقور أخذ عن شيخ الاقراء بدمشق الشيخ شهاب الدين الطيبي وغيره قال في الكواكب وتلمذ لشيخ الإسلام 169 الوالد قرأت بخط والدي رضي الله تعالى عنه بعد أن ترجم الشيخ برهان الدين المذكور ما نصه قرأ على البخاري كاملا قراءة اتقان وكتب له به إجازة مطولة وكان أحد المقتسمين للمنهاج في مرتين وللتنبيه وأجزته بهما وقرأ بعض الألفية وقرأ علي شيئا من القرآن العظيم وصلى بي وبجماعة التراويح ثلاث سنين بالكاملية ختم فيها نحو خمس وحضر دروسا كثيرة ولزمني إلى أن مات شهيدا بالطاعون ثاني عشر جمادى الثانية ودفن بباب الفراديس انتهى وفيها تقي الدين أبو بكر بن محمد بن أبي بكر الحبيشي ينتهي نسبه إلى زيد الخيل الصحابي الحبيشي الأصل الحلبي الشافعي البسطامي ذكره السخاوي في الضوء اللامع فقال ولد سنة ثمان وأربعين وثمانمائة في مستهل جمادى الأولى بحلب ولازم والده في النسك وقرأ وسمع على أبي ذر بن البرهان الحافظ وتدرب في كثير من المهمات والغريب والرجال بل وتفقه به وبالشمس البابي وأبي عبد الله بن القيم وابن الضعيف في آخرين بل أجاز له ابن حجر والعلم البلقيني وغيرهما وزار بيت المقدس وحج في سنة ست وثمانين وجاور ولازم الشمس السخاوي وحمل عنه مؤلفاته وتوفي في رجب وفيها شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب بن عبد القادر الدمشقي الحنفي سبط زين الدين العيني حفظ القرآن العظيم والمختار والأجرومية وغيرها وقرأ على الشمس بن طولون بدمشق وعلى عمه الجمال ابن طولون بمكة وقرأ على القطب بن سلطان بدمشق وسمع على علماء عصره وحضر بالجامع الأموي وتوفي بمطعونا يوم الثلاثاء ثالث عشر رجب وتقدم للصلاة عليه السيد كمال الدين بن حمزة وفيها صفي الدين وشهاب الدين أبو السرور أحمد بن عمر بن محمد بن عبد الرحمن القاضي ابن القاضي ينتسب إلى سيف بن ذي يزن المذحجي السيفي المرادي الشهير بالمزجد بميم مضمومة ثم زاي مفتوحة ودال مهملة الشافعي الزبيدي 170 العلامة ذو التصانيف المجمع على جلالته وتحريه قال في النور ولد سنة سبع وأربعين وثمانمائة بجهة قرية الزيدية ونشأ بها وحفظ جامع المختصرات ثم اشتغل فيها على أبي القاسم أبي محمد مريغد ثم انتقل إلى بيت الفقيه ابن عجيل فأخذ فيها على شيخ الإسلام إبراهيم بن أبي القسم جعمان وغيره ثم ارتحل إلى زبيد واشتغل فيها بالفقه على العلامة أبي حفص الفتى ونجم الدين المقري بن يونس الجبائي وبهما تخرج وانتفع وأخذ الأصول عن الشيفكي والجبائي والحديث عن الحافظ يحيى العامري وغيره والفرائض عن الموفق الناشري وغيره وبرع في علوم كثيرة وتميز في الفقه حتى كان فيه أوحد وقته ومن مصنفاته العباب في الفقه وهو كاسمه اشتهر في الآفاق وكثر الاعتناء به وشرحه غير واحد من الأعلام منهم ابن حجر الهيثمي ومنها تجريد الزوايد وتقريب الفوائد وكتاب تحفة الطلاب ومنظومة الإرشاد في خمسة آلاف وثمانمائة وأربعين بيتا وزاد على الإرشاد شيئا كثيرا وله غير ذلك وتفقه به خلائق كثيرون منهم أبو العباس الطنبذاوي والحافظ الديبع والعلامة بحرق وله شعر حسن منه
( لا تصحب المرء إلا في استكانته
تلقاه سهلا أديبا لين العود )
( واحذره إن كانت الأيام دولته
لعل يوليك خلقا غير محمود )
( فإنه في مهاو من تغطرسه
لا يرعوي لك إن عادى وإن عودي )
ومنه
( قلت للفقر أين أنت مقيم
قال لي في محابر العلماء )
( إن بيني وبينهم لإخاء
وعزيز على قطع الإخاء )
وتوفي فجر يوم الأحد سلخ ربيع الآخر بمدينة زبيد
وفيها الشهاب أحمد بن سليمان بن محمد بن عبد الله الكناني الحوراني 171 المقرىء الحنفي الغزي نزيل مكة ولد في حدود الستين وثمانمائة بغزة ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم ومجمع البحرين وطيبة النشر وغيرها واشتغل بالقراءات وتميز فيها وفهم العربية وقطن بمكة ثلاث عشرة سنة وتردد إلى المدينة واليمن وزيلع وأخذ عن جماعة فيها وفي القاهرة قال السخاوي قد لازمني في الدراية والرواية وكتبت له إجازة وسمعته ينشد من نظمه
( سلام على دار الغرور لأنها
مكدرة لذاتها بالفجائع )
( فإن جمعت بين المحبين ساعة
فعما قليل أردفت بالموانع )
قال ثم قدم القاهرة من البحر في رمضان سنة تسع وثمانين وأنشدني في الحريق والسيل الواقع بالمدينة وبمكة قصيدتين من نظمه وكتبهما لي بخطه وسافر لغزة لزيارة أمه وأقبل عليه جماعلة من أهلها انتهى أي وتوفي بها
وفيها أبو العباس أحمد بن محمد المغربي التونسي المشهور بالتباسي بفتح المثناة الفوقية وتشديد الموحدة ويقال الدباسي بالدال المهملة المالكي العارف بالله تعالى شيخ سيدي علي بن ميمون كان والده من أهل الثروة والنعمة فلم يلتفت إلى ذلك بل خرج عن ماله وبلاده وتوجه إلى سيدي أبي العباس أحمد بن مخلوف الشابي بالمعجمة والموحدة الهدلي القيرواني والد سيدي عرفة فخدمه وأخذ عنه الطريق ثم أقبل على العبادة والاشتغال والاشغال حتى صار شيخ ذلك القطر وتوفي بنفزاوة بالنون والفاء والزاي من معاملة الجناح الأخضر من المغرب في ذي القعدة وقد جاوز المائة
وفيها الأمير عماد الدين أبو الفداء إسمعيل بن الأمير ناصر الدين بن الأكرم العنابي الدمشقي سمع شيئا من البخاري على البدر بن نبهان والجمال بن المبرد وولي إمرة التركمان في الدولتين الجركسية والعثمانية ونيابة القلعة في أيام خروج الغزالي على ابن عثمان وكان في مبدأ أمره من أفقر بني الأكرم فحصل دنيا عريضة وجهات كثيرة وفي آخر عمره انتقل من 172 العنابة وعمر له بيتا غربي المدرسة الفدمية داخل دمشق وكان عنده تودد لطلبة العلم ومحبة لهم واعتقاد في الصالحين وبعض إحسان إليهم وخرج مع نائب دمشق إلى قتال الدروز فتضعف بالبقاع ورجع منه في شقدوف إلى أن وصل إلى قرية دمر فمات بها وحمل إلى دمشق وهو ميت فغسل بمنزله الجديد وصلى عليه بالأموي ودفن بالعنابة صبيحة يوم الخميس حادي عشر المحرم عن نحو سبعين سنة وفيها الشريف بركات بن محمد سلطان الحجاز والد الشريف أبي نمي وفيها أمين الدين جبريل بن أحمد بن إسمعيل الكردي ثم الحلبي الشافعي الإمام العلامة أحد معتبري حلب ومدرسيها كان له القدم الراسخ في الفقه والكتابة الحسنة المعربة على رقاع الفتاوى أخذ الحديث عن السيد علاء الدين الأيجي وأجاز له جميع ما يجوز له وعنه روايته وأخذ الصحيحين عن الكمال بن الناسخ وصحيح مسلم قراءة على نظام الدين بن التادفي الحنبلي وكان دينا خيرا متواضعا مشغولا بإقراء الطلبة في الفقه والعربية وغيرهما وتوفي في هذه السنة بحلب
وفيها خديجة بنت محمد بن حسن البابي الحلبي المعروف بابن البيلوني الشافعي الشيخة الصالحة المتفقهة الحنفية أجاز لها الكمال بن الناسخ الطرابلسي وغيره رواية صحيح البخاري واختارت مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه مع أن أباها وأخوتها شافعيون حفظا لطهارتها عن النتقاض بما عساه يقع من مس الزوج لها وحفظت فيه كتابا وكانت دينة صينة متعبدة مقبلة على التلاوة إلى أن توفيت في شهر رمضان
وفيها السلطان صالح بن السلطان سيف متملك بلاد بني جبر كان من بيت السلطنة هو وأبوه وجده وهو خال السلطان مقرن وقد وقع بينهما وقعدة عظيمة تشهد لصالح بالشجاعة التي لا توصف فإنه كر على مقرن وعسكره وكانوا جما غفيرا بنفسه وكان خارجا لصلاة الجمعة لا أهبة معه 173 ولا سلاح فكسرهم ثم كان الحرب بينهما سجالا وقدم دمشق في سنة سبع وعشرين وتسعمائة فأخذ عن علمائها وأجازه منهم الرضى الغزي وولده البدر وكان في قدمته متسترا مختفيا غير منتسب إلى سلطنة وسمى نفسه إذ ذاك عبد الرحيم ثم حج وعاد إلى بلاده وكان مالكي المذهب فقيها متبحرا في الفقه والحديث وله مشاركة جيدة في الأصول والنحو وكان محبا للعلماء والصلحاء شجاعا مقداما عادلا في ملكه صالحا كاسمه توفي ببلاده قاله في الكواكب
وفيها المولى ظهير الدين الأردبيلي الحنفي الشهير بقاضي زاده قرأ في بلاد العجم على علمائها ولما دخل السلطان سليم إلى مدينة تبريز لقتال شاه إسمعيل الصوفي أخذه معه إلى بلاد الروم وعين له كل يوم ثمانين درهما قال في الشقائق كان عالما كاملا صاحب محاورة ووقار وهيبة وفصاحة وكانت له معرفة بالعلوم خصوصا الإنشاء والشعر وكان يكتب الخط الحسن وذكل العلائي أنه استمال أحمد باشا إلى اعتقاد إسمعيل شاه الصوفي طلبا لاستمداده واستظهاره معه بمكاتبات وغيرها وعزم على إظهار شعار الرفض واعتقاد الإمامية على المنبر حتى قال أن مدح الصحابة على المنبر ليس بفرض ولا يخل بالخطبة فقبض عليه مع أحمد باشا الوزير يوم الخميس عشرى ربيع الثاني وقطع رأس صاحب الترجمة وعلق على باب زويلة بالقاهرة
وفيها زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن يوسف بن عبد الله الكبيسي الأصل الحلبي المولد والدار والوفاة الحنفي العلامة ولد بعد الستين وثمانمائة واشتغل في النحو والصرف ثم حج ولازم السخاوي بمكة وسمع من لفظه الحديث المسلسل بالأولية وغيره وسمع عليه البخاري ومعظم مسلم وكثيرا من مؤلفاته وأجاز له في ذي القعدة سنة ست وثمانين وفي هذه 174 السنة أجازت له أيضا المسند زينب الشويكية ما سمعه عليها بمكة من سنن ابن ماجه من باب صفة الجنة والنار إلى آخر الكتاب وأذنت له في رواية سائر مروياتها وأذن له الشمس البازلي بحماة بالافتاء والتدريس وأجاز له بعد أن وصفه بالإمام العالم العلامة الجامع بين المعقول والمنقول المتبحر في الفروع والأصول وأجاز له الكمال بن أبي شريف سنة خمس وتسعمائة أن يروى عنه سائر مؤلفاته ومروياته ثم أجاز له الحافظ عثمان الديمي في سنة سبع وكان قصير القامة نحيف البدن لطيف الجثة حسن المفاكهة كثير الملاطفة له إلمام بالفارسية والتركية واعتناء بالتنزهات مع الديانة والصيانة وتوفي بحلب في ذي القعدة
وفيها محي الدين أبو المفاخر عبد القادر بن أحمد بن عمر بن محمد بن إبراهيم الدمشقي الحنفي المعروف بابن يونس قاضي قضاة الحنفية بدمشق سنين إلى أن عزل عنه في سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة وتوفي بدمشق يوم الخميس ثالث عشر ذي القعدة ودفن بباب الصغير عند ضريح سيدنا بلال
وفيها زين الدين عرفة بن محمد الأرموي الدمشقي الشافعي العلامة المحقق الفرضي الحيسوب كان خبيرا بعلم الفرائض والحساب ويعرف ذلك معرفة تامة وله فيه شهرة كلية وهو الذي رتب مجموع الكلائي وأخذ الفرائض عن الشيخ شمس الدين الشهير بابن الفقيرة عن العلامة شهاب الدين بن أرسلان الرملي عن العلامة شهاب الدين بن الهايم وأخذ عنه الفرائض شهاب الدين الكنجي وغيره وتوفي يوم الأحد حادي عشرى شوال
وفيها نور الدين علي بن خليل المرصفي العارف بالله تعالى الصوفي قال المناوي في طبقات الأولياء كان أبوه إسكافيا يخيط النعال ونشأ هو تحت كنفه كذلك فوفق للاجتماع بالشيخ مدين وهو ابن ثمان سنين فلقنه الذكر ثم أخذ عن ولد أخته محمد وأذن له في التصدر للمشيخة وأخذ 175 العهد على المريد في جملة من أجاز وكانوا بضعة عشر رجلا فلم يثبت ويشتهر منهم إلا هو وأخذ عنه خلق وأذنت له مشايخ عصره واختصر رسالة القشيري قال الشعراوي لقنني الذكر ثلاث مرات بين الأولى والثانية سبع عشرة سنة وذلك أني جئت وأنا أمرد وكنت أظن أن الطريق نقل كلام كغيرها ثم قعدت بين يديه وقلت يا سيدي لقني بحال فقال اجلس متربعا وغمض عينيك واسمع مني لا إله إلا الله ثلاثا ثم اذكر أنت ثلاثا ففعلت فما سمعت منه إلا المرة الأولى وغبت من العصر إلى المغرب وعاش حتى انقرض جميع أقرانه ولم يبق بمصر من يشار إليه في الطريق غيره ومن كلامه أجمع أهل الطريق على أن الملتفت لغير شيخه لا يفلح وقال إذا ذكر المريد ربه بشدة طويت له مقامات الطريق بسرعة وربما قطع في ساعة مالا يقطعه غيره في شهر وقال السالك من طريق الذكر كالطائر المجد إلى حضرات القرب والسالك من غير طريقه كالصلاة والصوم كمن يزحف تارة ويسكن أخرى مع بعد المقصد فربما قطع عمره ولم يصل وكان الجنيد إذا دعى لفقير قال أسأل الله أني دلك عليه من أقرب الطرق وقال إياك والأكل من طعام الفلاحين فإنه مجرب لظلمة القلب وقال الشعراوي دخل سيدي أبو العباس الحريثي يوما فجلس عندي بعد المغرب إلى أن دخل وقت العشاء فقرأ خمس ختمات وأنا أسمع فذكرت ذلك لسيدي علي المرصفي فقال يا ولدي أنا قرأت مرة حال سلوكي ثلثمائة وستين ختمة في اليوم والليلة كل درجة ختمة وتوفي يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى بمصر ودفن بزاويته بقنطرة أمير حسين ولم يخلف بعده مثله
وفيها نور الدين علي بن سلطان المصري الحنفي الشيخ الفاضل الناسك السالك كان متجردا منقطعا وله أخلاق حسنة دمثة وتوعك مدة وتوفي يوم الثلاثاء حادي عشر القعدة بمصر عن غير وارث وفيها محمد بن عز 177 الأذكار النووية ومختصر الترغيب والترهيب للمنذري والحديثة الأنيقة في شرح العروة الوثقبة وعقد الدرر في الإيمان بالقضاء والقدر والقول الثمين في ابطال القول بالتقبيح والتحسين والحسام المسلول على منتقصي أصحاب الرسول ومختصر المقاصد الحسنة ومتعة الأسماع بأحكام السماع مختصر من كتاب الامتاع وشرح الملحة في النحو وشرح لأمية ابن مالك في الصرف شرحا مفيدا جيدا وله غير ذلك في الحساب والطب والأدب والفلك مما لا يحصى ومن شعره
( أنا في سلوة على كل حال
إن أتاني الحبيب أوان أباني )
( اغنم الوصل إن دنا في أمان
وإذا ما نأى اعش بالأماني )
قال السخاوي وصاهر صاحبنا حمزة الناشري وأولدها وتولع بالنظم انتهى ملخصا وله هذا اللغز اللطيف وشرحه نثر
( يا متقنا كلمات النحو أجمعها
حدا ونوعا وأفرادا ومنتظمه )
( ما أربع كلمات وهي أحرفها
أيضا وقد جمعتها كلها كلمه )
ثم قال هذا في تمثيل الوقف على هاء السكت أي قولك لمه فالكاف في قولك كلمه للتمثيل واللام للجر والميم أصلها ما الاستفهامية حذفت ألفها والهاء للسكت وله كرامات كثيرة وكان في غاية الكرم كثير الإيثار ومما قيل فيه
( لاي المعاني زيدت القاف في اسمكم
وما غيرت شيئا إذا هي تذكر )
( لأنك بحر العلم والبحر شأنه
إذا زيد فيه الشيء لا يتغير )
وتوفي رحمه الله تعالى بالهند شهيدا قيل أن الوزراء حسدوه لحظوته عند السلطان فسموه وذلك في ليلة العشرين من شعبان
وفيها موسى بن الحسن الشيخ الزاهد العالم المعروف بالمنلا موسى الكردي اللالاني بالنون الشافعي نزيل حلب اشتغل ببلاده على جماعة منهم المنلا محمد 178 الخبيصي وأخذ عن الشمس البازلي نزيل حماة وعن المنلا إسمعيل الشرواني أحد مريدي خواجه عبيد النقشبندي أخذ عنه بمكة تفسير البيضاوي وأخذ عن الشهاب أحمد بن كلف بأنطاكية شرح التجريد مع حاشيته ومتن لجغميني في الهيئة ثم قدم حلب وأكب على المطالعة ونسخ الكتب العلمية لنفسه ولازم التدريس بزاوية الشيخ عبد الكريم الحافي بها مع كثرة الصيام والقيام والزهد والسخاء والصبر على الطلبة وممن أخذ عنه علم البلاغة ابن الحنبلي وتوفي مطعونا بحلب في شعبان ودفن بتربة أولاد ملوك
سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة
فيها توفي الشاب الفاضل شهاب الدين أحمد بن عبد الرحمن بن عمر الشويكي الأصل النابلسي ثم الصالحي الحنبلي حفظ القرآن العظيم ثم المقنع ثم شرع في حله على ابن عمه العلامة شهاب الدين الشويكي الآتي ذكره وقرأ الشفا للقاضي عياض على الشهاب الحمصي وقرأ في العربية على ابن طولون وكان له سكون وحشمة وميل إلى فعل الخيرات وتوفي يوم الأربعاء تاسع شعبان ودفن بالسفح وتأسف الناس عليه وصبر والده واحتسب ومات وهو دون العشرين سنة وفيها المولى الفاضل بخشى خليفة الأماسي الرومي الحنفي اشتغل في العلم بأماسية على علمائها ثم رحل إلى ديار العرب فأخذ عن علمائهم وصارت له يد طولى في الفقه والتفسير وكان يحفظ منه كثيرا وكان له مشاركة في سائر العلوم وكان كثيرا ما يجلس للوعظ والتذكير وغلب عليه التصوف فنال منه منالا جليلا وفتح عليه بأمور خارقة حتى كان ربما يقول رأيت في اللوح المحفوظ مسطورا كذا وكذا فلا يخطيء أصلا وله رسالة كبيرة جمع فيها ما اتفق له من رؤية النبي في المنام وكان خاضعا خاشعا متورعا متشرعا 179 يلبس الثياب الخشنة ويرضى بالعيش القليل قاله في الكواكب
وفيها العلامة عبد الحق بن محمد بن عبد الحق السنباطي القاهري الشافعي ويعرف كأبيه بابن عبد الحق قال في النور ولد في إحدى الجمادين سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة بسنباط ونشأ بها وحفظ القرآن والمنهاج الفرعي ثم أقدمه أبوه القاهرة في ذي القعدة سنة خمس وخمسين فحفظ بها العمدة والألفيتين والشاطبيتين والمنهاج الأصلي وتلخيص المفتاح والجعبرية في الفرائض والخزرجية وعرض على خلق منهم الجلال البلقيني وابن الهمام وابن الديري والولي السنباطي وجد في الاشتغال وأخذ عن الأجلاء وانتفع بالتقي الحصني ثم بالشمني وأجاز له ابن حجر العسقلاني والبدر العيني وآخرون بالتدريس والافتاء وولي المناصب الجليلة في أماكن متعددة وتصدى للأقراء بالجامع الأزهر وغيره وكثر الآخذون عنه وحج مع أبيه وسمع هناك ثم حج أيضا وجاور بمكة ثم بالمدينة ثم بمكة وأقرأ الطلبة بالمسجدين متونا كثيرة ثم رجع إلى القاهرة فاستمر على الأقراء والافتاء هذا ملخص ما ذكره السخاوي ثم قال في النور وكان شيخ الإسلام وصفوة العلماء الأعلام على أجمل طريق من العقل والتواضع وأقام بمكة بأولاده وعائلته وأقاربه وأحفاده ليموت بأحد الحرمين فانتعشت به البلاد واغتبط به العباد وأخذ الناس عنه طبقة بعد أخرى وألحق الأحفاد بالأجداد واجتمع فيه كثير من الخصال الحميدة كالعلم والعمل والتواضع والحلم وصفاء الباطن والتقشف وطرح التكلف بحيث علم ذلك من طبعه ولا زال على ذلك إلى أن توفي بمكة المشرفة عند طلوع فجر يوم الجمعة مستهل شهر رمضان ودفن بالمعلاة وكثر التأسف عليه رحمه الله تعالى انتهى وفيها تقريبا عبد الحليم بن مصلح المنزلاوي الصوفي قال في الكواكب المتخلق بالأخلاق المحمدية كان متواضعا كثير الأزراء بنفسه والحط عليها وجاءه مرة رجل فقال له يا سيدي 180 خذ على العهد بالتوبة فقال والله يا أخي أنا إلى الآن ما تبت والنجاسة لا تطهر غيرها وكان إذا رأى من فقير دعوى فارغة بالأدب قرأ عليه شيئا من آداب القوم بحيث يعرف ذلك المدعى أنه عار منها ثم يسأله عن معاني ذلك بحيث يظن المدعي أنه شيخ وأن الشيخ عبد الحليم هو المريد أو التلميذ وجاءه مرة شخص من اليمن فقال له أنا أذن لي شيخي في تربية الفقراء فقال الحمد لله الناس يسافرون في طلب الشيخ ونحن جاء الشيخ لنا إلى مكاننا وأخذ عن اليماني ولم يكن بذاك وكان الشيخ يربيه في صورة التلميذ إلى أن كمله ثم كساه الشيخ عبد الحليم عند السفر وزوده وصار يقبل رجل اليماني وعمر عدة جوامع في المنزلة ووقف عليها الأوقاف وله جامع مشهور في المنزلة له فيه سماط لكل وارد وبنى بيمارستان للضعفاء قريبا منه وكان يجذب قلب من يراه أبلغ من جذب المغناطيس للحديد وكان لا يسأله فقير قط شيئا من ملبوسه إلا نزعه له في الحال ودفعه إليه وربما خرج إلى صلاة الجمعة فيدفع كل شيء عليه ويصلي الجمعة بفوطة في وسطه ومناقبه كثيرة مشهورة بدمياط والمنزلة وتوفي ببلده ودفن بمقبرتها الخربة وقبره بها ظاهر يزار رحمه الله تعالى
وفيها تقريبا أيضا عبد الخالق الميقاتي الحنفي المصري الشيخ الإمام العالم الصالح كان له الباع الطويل في علم المعقولات وعلم الهيئة وعلم التصوف وكان كريم النفس لا ينقطع عنه الواردون في ليل ولا نهار وكان للفقراء عنده في الجمعة ليلة يتذاكرون فيها أحوال الطريق إلى الصباح وكان له سماط من أول رمضان إلى آخره وكان دائم الصمت لا يتكلم إلى لضرورة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وفيها تقريبا أيضا عبد العال المجذوب المصري قال في الكواكب كان مكشوف الرأس لا يلبس القميص وإنما يلبس الإزار صيفا وشتاء وسواكه مربوط في إزاره وكان محافظا على الطهارة خاشعا في صلاته مطمئنا فيها متألها وكان يحمل ابريقا عظيما يسقي به الناس 181 في شوارع مصر وكان يطوف البلاد والقرى ثم يرجع إلى مصر وكان يمدح النبي فيحصل للناس من إنشاده عبرة ويبكون قال الشعراوي ولما دنت وفاته دخل لنا الزاوية وقال الفقراء يدفنوني في أي بلد فقلت الله أعلم فقال في قليوب قال فكان الأمر كما قال بعد ثلاثة أيام ودفن قريبا من القنطرة التي في شط قليوب وبنوا عليه قبة وفيها المولى السيد الشريف عبد العزيز بن يوسف بن حسين الرومي الحنفي الشهير بعايد جلبي خال صاحب الشقائق قرأ على المولى محي الدين الساموني ثم علي المولى قطب الدين حفيد قاضي زاده الرومي ثم المولى أخي جلبي ثم المولى علي بن يوسف الفناري ثم صار مدرسا بمدرسة كليبولي ثم قاضيا ببعض النواحي ومات بمدينة كفه قاضيا بها
وفيها جمال الدين أبو عبد الله عبد القادر أو عبيد بن حسن الصاني بصاد مهملة ونون نسبة إلى صانية قرية داخل الشرقية من أعمال مصر القاهري الشافعي الإمام العلامة قال العلائي سمع على الملتوني وابن حصن وغيرهما وأخذ عن القاضي زكريا وكان رجلا معتبرا وجيها وثابا في المهمات حتى أن قيام دولة القاضي زكريا وصمدته كانت منه وكان قوي البدن ملازما للتدريس والاقراء والافتاء انتهى وقال الشعراوي كان قوالا بالمعروف ناهيا عن المنكر يواجه بذلك الملوك فمن دونهم حتى أداه ذلك إلى الحبس الضيق وهو مصمم على الحق انتهى وأخذ عنه الشيخ نجم الدين الغيطي وغيره وتوفي ليلة الأحد تاسع شوال
وفيها محي الدين عبد القادر بن عبد القادر بن عبد العزيز بن جماعة المقدسي الشافعي القادري خطيب الأقصى الإمام العارف بالله تعالى أخذ عن والده وعن العماد ابن أبي شريف وعن العارف بالله سيدي أبي العون الغزي وأخذ عنه الشيخ نجم الدين الغيطي حين ورد القاهرة في السنة التي قبلها وهو والد الشيخ عبد النبي بن جماعة وفيها علاء الدين علي بن خير الحلبي 182 نزيل القاهرة الحنفي الفقيه شيخ الشيخونية بمصر قال العلائي كان لين العريكة أخذ عن ابن أمير حاج وتوفي ليلة الثلاثاء رابع عشرى ربيع الأول
وفيها نور الدين علي الجارحي المصري شيخ مدرسة الغوري كان مبجلا عند الجراكسة وكان من قدماء فقهاء طباقهم يكتب الخط المنسوب وظفر منهم بعز وافر قال الشعراوي كان قد انفرد بمصر بعلم القراءات هو والشيخ نور الدين السمنهودي وكان يقرىء الأطفال تجاه جامع الغمري وكان مذهب الإمام الشافعي نصب عينيه وما دخل عليه وقت وهو على غير طهارة وقال أنه كان ليله ونهاره في طاعة ربه وكان يتهجد كل ليلة بثلث القرآن انتهى وتوفي في شعبان وفيها المولى محي الدين محمد بن محمد القوجوي الرومي الحنفي كان عالما بالتفسير والأصول وسائر العلوم الشرعية والعقلية وأخذ العلم عن والده وكان والده من مشاهير العلماء ببلاد الروم ثم قرأ على المولى عبدي الدرس باماسية ثم على المولى حسن جلبي بن محمد شاه الفناري وولي التدريس والولايات حتى صار قاضي العسكر بولاية أناضولي ثم استعفى منه فأعفى وأعطى إحدى المدارس الثمان ثم صار قاضيا بمصر فأقام بها سنة ثم حج وعاد إلى القسطنطينية وبها مات في هذه السنة قاله في الكواكب
سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة
فيها توفي زين الدين أبو بكر بن عبد المنعم البكري الشافعي أحد أعيان قضاة مصر القديمة وأصلائها كان فقيها فاضلا ذا نباهة وعقل وحياء توفي في منتصف الحجة عن نحو خمسين سنة من غير وارث إلا شقيقه عمر محتسب القاهرة يومئذ وصلى عليه بجامع عمرو ودفن بالقرافة عند والده بقرب مقام الشافعي رضي الله عنه وفيها شهاب الدين أحمد بن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن أحمد الأقباعي الدمشقي الشافعي الصوفي العارف بالله 183 تعالى قال في الكواكب القطب الغوث ولد في سنة سبعين تقريبا واشتغل في العلم على والده وابن عمته الشيخ رضي الدين وأخذ الطريق عن أبيه وقرأ على شيخ الإسلام الوالد جانبا من عيون الأسئلة للقشيري وحضر بعض دروسه وتولى مشيخة زاوية جده بعد أبيه وكان على طريقة حسنة وتوفي صبيحة يوم الأربعاء سادس عشرى ربيع الأول قال الشيخ الوالد ووقفت على غسله وحملت تابوته وتقدمت في الصلاة عليه قال النعيمي ودفن على والده بمقبرة سيدي الشيخ رسلان انتهى كلام الكواكب
وفيها شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد الباني المصري الشافعي الأصم كأبيه صنف تفسيرا من سورة يس إلى آخر القرآن وباعه مع بقية كتبه لفقره وفاقته ووالده الشيخ شمس الدين الباني أحد شيوخ الشيخ جلال الدين السيوطي وخرج له السيوطي مشيخة وقرأها عليه وكانت وفاة ولده صاحب الترجمة يوم الجمعة سادس عشر المحرم وفيها السلطان العظيم مظفر شاه أحمد بن محمود شاه صاحب كجرات قال في النور كان عادلا فاضلا محبا لأهل العلم حسن الخط وكتب بيده جملة مصاحف أرسل منها مصحفا إلى المدينة الشريفة وخرجت روحه وهو ساجد والظاهر أنه هو الذي وفد عليه العلامة بحرق وصنف بسببه السيرة النبوية وإن كان اسم الكتاب يشعر بغير ذلك فإنه ما كان في ذلك الزمان أحد ممن ولي السلطنة غيره ولم يزل عنده مبجلا مكرما إلى أن مات وفيها بدر الدين حسين بن سليمان بن أحمد الأسطواني الصالحي الحنبلي قال ابن طولون حفظ القرآن بمدرسة أبي عمر وقرأ على شيخنا ابن أبي عمر الكتب الستة وقرأ وسمع ما لا يحصى من الأجزاء الحديثية عليه قال وسمعت بقراءته عدة أشياء وولي إمامة محراب الحنابلة بالجامع الأموي في الدولة العثمانية انتهى وقال البدر الغزي حضر بعض دروسي وشملته إجازتي وسألني وقرأ علي في الفقه وذاكرني فيه وقرر في 184 سبع الكاملية إلى أن توفي في صفر ودفن بباب الفراديس
وفيها زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الكتبي الدمشقي الحنفي قال في الكواكب كان عنده فضيلة وله قراءة في الحديث وكان لطيفا يميل إلى المجون والمزاح رحمه الله تعالى انتهى
وفيها تاج الدين عبد الوهاب الدنجيهي المصري الشافعي الكاتب النحوي السالك الصالح المجرد القانع حفظ القرآن العظيم وصحب الشيخ العارف بالله تعالى سيدي إبراهيم المتبولي وجود حتى حسن خطه وكتب كتبا نفيسة واشتغل في الصرف والنحو والمعاني والبيان والمنطق والأصلين والفقه على العلامة علاء الدين بن القاضي حسين الحصن كيفى وسمع عليه المطول وشرح العقائد وشرح الطوالع وغاية القصد والمتوسط وشرح الشمسية وحضر غالب دروس شيخ الإسلام زكريا الأنصاري وتصانيفه وقرأ شرح قاضي زاده في علم الهيئة على العلامة عبد الله الشرواني وقرأ على غير هؤلاء وتمرض في البيمارستان شهرا وتوفي به يوم الجمعة حادي عشرى جمادى الأولى
وفيها العلامة علاء الدين علي بن أحمد الرومي الحنفي الجمالي قال في الكواكب قرأ على المولى علاء الدين بن حمزة القرماني وحفظ عند القدوري ومنظومة النسفي ثم دخل إلى القسطنطينية وقرأ على المولى خسرو ثم بعثه المذكور إلى مصلح الدين بن حسام وتعلل بأنه مشتغل بالفتوى وبأن المولى مصلح الدين يهتم بتعليمه أكثر منه فذهب إليه وهو مدرس سلطانية بروسا فأخذ عنه العلوم العقلية والشرعية وأعاد له بالمدرسة المذكورة وزوجه ابنته وولدت له ثم أعطى مدرسة بثلاثين وتنقلت به الأحوال على وجه يطول شرحه فترك التدريس واتصل بخدمة العارف بالله تعالى مصلح الدين بن أبي الوفا ثم لما تولى أبو يزيد السلطنة رآه في المنام فأرسل إليه الوزراء ودعاه إليه فامتنع فأعطاه تدريسا بثلاثين جبرا ثم رقاه حتى أعطاه 185 إحدى الثمانية فدرس بها مدة طويلة ثم توجه بنية الحج إلى مصر فأقام بمصر سنة ثم حج وعاد إلى الروم وكان توفي المولى أفضل الدين المفتي فولاه السلطان أبو يزيد منصب الفتوى وعين له مائة درهم ثم لما بنى مدرسته بالقسطنطينية ضمها له إلى الفتوى وعين له خمسين درهما زائدة على المائة وكان يصرف جميع أوقاته في التلاوة والعبادة والتدريس والفتوى ويصلي الخمس في الجماعة وكان كريم الأخلاق لا يذكر أحدا بسوء وكان يغلق باب داره ويقعد في غرفة له فتلقى إليه رقاع الفتاوي فيكتب عليها ثم يدليها يفعل ذلك لئلا يرى الناس فيميز بينهم في الفتوى وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويصدع بالحق ويواجه بذلك السلطان فمن دونه حتى أن السلطان سليم أمر بقتل مائة وخمسين رجلا من حفاظ الخزينة فذهب صاحب الترجمة إلى الديوان ولم يكن من عادتهم أن يذهب المفتي إلى الديوان إلا لأمر عظيم فلما دخل تحيروا وقالوا أي شيء دعا المولى إلى المجيء فقال أريد ألاقي السلطان فلي معه كلام فعرضوا أمره على السلطان فأمر بدخوله وحده فدخل وسلم وجلس وقال وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان وقد سمعت بأنك أمرت بقتل مائة وخمسين رجلا من أرباب الديوان لا يجوز قتلهم شرعا فغضب السلطان سليم وكان صاحب حدة وقال له لا تتعرض لأمر السلطنة وليس ذلك من وطيفتك فقال بل أتعرض لأمر آخرتك وهو من وظيفتي فإن عفوت فلك النجاة وإلا فعليك عقاب عظيم فانكسرت سورة غضبه وعفا عن الكل ثم تحدث معه ساعة ثم سأله في إعادة مناصبهم فأعادها لهم وحكى أن السلطان سليم أرسل إليه مرة أمرا بأن يكون قاضي العسكر وقال له جمعة لك بين الطرفين لأني تحققت أنك تتكلم بالحق فكتب إليه وصل إلى كتابك سلمك الله تعالى وأبقاك وأمرتني بالقضاء وأني أمتثل أمرك إلا أن لي مع الله تعالى عهدا أن لا تصدر عني لفظة حكمت فأحبه السلطان محبة 186 عظيمة ثم زاد في وظيفته خمسين عثمانيا فصارت مائتي عثماني وتوفي رحمه الله تعالى في هذه السنة
وفيها علاء الدين علي بن عبد الله العشاري نسبة إلى عشارة بضم المهملة بلدة قريبة من الدير الحلبي الشافعي القاضي المعروف بابن القطان قرأ على الجلال النصيبي وحرص على اقتناء الكتب النفيسة وولي قضاء اعزاز وسرمين وتوفي في العشر الآخر من رجب وفيها بدر الدين محمد بن أبي بكر المشهدي المصري الشافعي العلامة المسند ولد سنة اثنتين وستين وثمانمائة وسمع على المسند أبي الخير الملتوتي وابن الجزري والخيضري وأخذ عن الشهاب الحجازي الشاعر والرضي الاوجاقي وغيرهما وأجاز له ابن بلال المؤذن في آخرين من حلب وسمع على جماعة من أصحاب شيخ الإسلام ابن حجر وابن عمه شعبان وغيرهما ودرس وأسمع قليلا وناب في مشيخة سعيد السعداء الصلاحية عن ابن نسيبه وكان علامة عاقلا دينا دمث الأخلاق غير أنه كان ممسكا حتى عن نفسه وفي مرض موته كما قال العلائي وقال الشعراوي كان عالما صالحا كثير العبادة محبا للخمول إن رأى أحدا يقرأ عليه وإلا أغلق باب داره قال فقلت له يوما ما أصبرك يا سيدي على الوحدة فقال من كان مجالسا لله فما ثم وحدة قال وكان يقول مدح الناس للعبد قبل مجاوزته للصراط كله غرور انتهى وتوفي يوم الإثنين سابع القعدة ودفن في تربة الصلاحية بباب النصر وهو آخر ذرية ابن خلكان فيما يعلم ولم يعقب وفيها شمس الدين محمد السروي المشهور بابن أبي الحمايل قال المناوي في طبقاته العارف الكبير الكامل الغيث الهامع الشامل زاهد قطف كروم الكرامات وعارف وصل إلى أعلى المقامات كان طودا عظيما في الولاية وملجأ وملاذا لطالب الهداية أخذ عنه خلق كالثناوي والحديدي والعدل واضرابهم وكان عالي الهمة كثير الطيران من بلد لآخر 187 وكان يغلب عليه الحال ليلا فيتكلم بألسنة غير عربية من عجم وهند ونوبة وغيرها وربما قال قاق قاق طول الليل ويزعق ويخاطب قوما لا يرون وإذا قال شيئا في غلبة الحال نفذ وكان مبتلى بالأذى من زوجته مع قدرته على إهلاكها وربما أدخل فقيرا الخلوة فتخرجه قبل تمام المدة وتقول له قال لك فلان أنا ما أعمل شيخا فلا يتكلم وقدم مصر فسكن الزاوية الحمراء ثم زاوية إبراهيم المواهبي وبها مات وكان يكره للمريد قراءة أحزاب الشاذلية ويقول ما ثم جلاء للقلوب مثل لا إله إلا الله وقارىء أحزاب الشاذلية كزبال خطب بنت سلطان وصار يقول للسلطان أعطني بنتك واجعلني جليسك وهو لا يعرف شيئا من آداب حضرته ومن كراماته أنه شكا له أهل بلد كبير الفأر في مقات البطيخ فقال لرجل ناد في الغيط رسم لكم محمد بن أبي الحمائل أن ترحلوا فلم يبق فيها فأر فسأله أهل بلد آخر في ذلك فقال الأصل الاذن ولم يفعل وكان إذا اشتد به الحال في مجلس الذكر يحمل الرجلين وأكثر ويحمل التيغار الذي يسع ثلاثة قناطير ويجري بذلك قال الشعراوي لقنني الذكر وأنا صغير سنة اثنتي عشرة وتسعمائة ومات بمصر في هذه السنة ودفن بزاويته بين السورين
وفيها شمس الدين بن الشيخ الصالح شهاب الدين أحمد بن محمد الكنجي الدمشقي الشافعي ولد في ربيع الأول سنة ست وخمسين وثمانمائة وقرأ العربية على الشيخ محمد التونسي المغربي ثم قدم دمشق وصار من أصحاب البدر الغزي ووالده وقرأ عليهما وكانت له يد طولى في النحو والحساب والميقات وكان حافظا لكتاب الله تعالى مجودا وولي مشيخة الكلاسة وتوفي يوم الجمعة خامس عشرى ذي القعدة ودفن بباب الصغير وكان ينشد كثيرا في معنى الحديث
( والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا
حتى يروا عنده آثار إحسان )
وفيها كمال الدين محمد بن الزيني سلطان الدمشقي الصالحي الحنفي القاضي 188 ولد في شعبان سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة واشتغل وحصل وبرع وناب في الحكم وجمع منسكا في مجلد سماه تشويق الاسجد إلى زيارة أشرف المساجد وتوفي ليلة الأربعاء ثامن عشر ربيع الآخر ودفن بالصالحية بتربتهم تحت المعظمية
وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الكفرسوسي الشافعي الفقيه المفتي العلامة تفقه بالنجم بن قاضي عجلون وأخيه التقي وغيرهما من الدمشقيين وأخذ عن القاضي زكريا وأخذ عنه جماعة منهم العلامة الشهاب الطيبي وأشار إلى ذلك في إجازته للشيخ أحمد القابوني بعد أن ذكر جماعة من شيوخه بقوله
( ومنهم ولي الله شيخي محمد
هو الكفرسوسي الإمام المحبر )
( بعلم واخلاص يزين ولم يزل
معينا لخلق الله للحق ينصر )
( وعن زكرياء المقدم قد روى
وعن غيره ممن له الفضل يغزر )
وأثنى عليه ابن طولون في مواضع من تاريخه وألف شرحا على فرائض المنهاج ومجالس وعظية وتوفي ليلة السبت الثامن والعشرين من ربيع الأول ودفن بمقبرة باب الفراديس وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد السودي نسبة إلى قرية تسمى سودة شغب على ثلاث مراحل من صنعاء اليمن الشهير بعبد الهادي اليمني الشافعي قطب العارفين وسلطان العاشقين قال في النور كان من العلماء الراسخين والأئمة المتبحرين درس وأفتى ثم طرأ عليه الجذب وذلك أنه كان يقرأ في الفقه على بعض العلماء فلما وصل إلى هذه المسألة والعبد لا يملك شيئا مع سيده كرر هذا السؤال على شيخه كالمستفهم واعترته عند ذلك هيبة عظيمة وبهت وحصل له الجذب وبالجملة فإنه كان آية من آيات الله تعالى وأقواله تدل على تفننه في العلوم الظاهرية واطلاعه على الأخبار السالفة 189 والأمثال السائرة حتى كأن جميع العلوم ممثلة بين عينيه يختار منها الذي يريد ولا يعدل عن شيء إلا إلى ما هو خير منه وكان مولعا بشرب القهوة ليلا ونهارا وكان يطبخها بيده ولا يزال قدرها بين يديه وقد يجعل رجله تحتها في النار مكان الحطب وكان كلما أتى إليه من النذور إن كان من المأكولات طرحه فيها وإن كان من غيرها قذفه تحتها من ثوب نفيس أو عود أو غير ذلك وقيل إن عامر بن عبد الوهاب السلطان بعث إليه بخلعة نفيسة فألقاها تحتها فاحترقت فبلغ ذلك السلطان فغضب وأرسل يطلبها منه فأدخل يده في النار وأخرجها كما كانت ودفعها إليهم وقد أشار إلى هذا الشيخ عبد المعطي ابن حسن باكثير في موشحته التي عارض فيها شيخ الإسلام أبا الفتح المالكي وكلاهما قد مدح القهوة فقال
( قهوة البن جل مقصودي
في الخفا والعلن )
( هام فيها إمامنا السودي
قطب أهل اليمن )
( وطبخها بالند والعود
وبغالي الثمن )
( من ثياب حرير مع قطن
فاخر الملبس )
( وبذاكم خوارق تثنى
عليه لم تدرس )
ولما طرأ عليه الجذب صدرت عنه أمور وكرامات تدل على أنه من العارفين بالله تعالى وأخذ ينظم حينئذ فإنه ما وقع له نظم إلا بعد الجذب حتى حكى أنه ما كان يقوله إلا في حال الوارد مثل ابن الفارض فكان يكتب بالفحم على الجدران فإذا أفاق محى ما كان كتبه من ذلك فكان فقراؤه بعد أن علموا منه ذلك يبادرون بكتب ما وجدوه من نظمه على الجدران فيجمعونه وحكى أن بعض المنشدين أنشد بين يديه قصيدة من نظمه فطرب لها وتمايل عليها ثم سأل عن قائلها فقيل أنها من نظمك فأنكر ذلك وقال حاشا ما قلت شيئا حاشا ما قلت شيئا ومن شعره الرائق 191 وعليه قبة عظيمة وكان للشيخ ولدان أحدهما عبد القادر والآخر محمد مات عبد القادر في حياة أبيه وخلف بنتا ولم يبق للشيخ عبد الهادي نسل إلا منها وأما محمد فعاش بعد والده وصار قاضيا بتعز ولما استولت الأروام على تعز لزموه وبعثوه إلى مصر فمات هناك في حدود الستين وتسعمائة وفيها القاضي أفضل الدين محمد بن محمد الرومي المصريي الحنفي الإمام العلامة قرأ الفقه على ابن قاسم وأجازه جماعة في استدعاء سبط شيخ الإسلام ابن حجر وكان دينا عاقلا وحج صحبته الشيخ أمين الدين الأقصرائي وتوفي بمصر في المحرم وفيها محب الدين محمد بن محمد الزيتوني العوفي نسبة إلى سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه المصري الشافعي الفاضل البارع دخل إلى دمشق وأخذ عن البدر الغزي وأجازه بصحيح البخاري وبالتنبيه والمنهاج بعد أن قرأ عليه أكثرها
وفيها شمس الدين محمد بن محمد الشهير بابن الغرس بالمعجمة المصري الحنفي العلامة ابن العلامة كان ذا يد في النحو والأعاريب وله شعر وافتقر في آخر عمره وسقم سنين بعد عز وترف ووجاهة فكان صابرا شاكرا وتوفي في ذي القعدة وفيها القاضي شمس الدين محمد السمديسي الحنفي أخذ عن رضوان العقبي وعبد الدايم والأزهري والشمس محمد بن أسد والقراءات عن جعفر السمنودي وأخذ عنه الشيخ بهاء الدين القليعي والشيخ علاء الدين المقدسي نزيل القاهرة الفقه والقراءات وسمعا منه كثيرا وهو صاحب فيض الغفار شرح المختار وتوفي في هذه السنة
وفيها نور الدين محمود بن أبي بكر بن محمود قاضي القضاة المصري الأصل الحموي ثم الحلبي الشافعي سبط الشيخ أبي ذر بن الحافظ برهان الدين الحلبي ولي قضاء حماة إلى آخر دولة الجراكسة فلما مر السلطان سليم على حماة ولاه قضاء حماة إلى آخر دولة الجراكسة فلما مر السلطان سليم على حماة ولاه قضاءها أيضا ثم لما رجع السلطان سليم بدا لصاحب الترجمة أن يترك 192 القضاء في هذه الدولة تورعا عما أحدثوه من المحصول والرسم فتركه وترك غيره من المناصب الحموية فأخرجت له براءة واحدة بنحو ثلاثين منصبا ما بين تدريس وتولية ثم أنه قطن حلب هو وولده وأخوه المقر أحمد وسكن بالمدرسة الشمسية بمحلة سويقة حاتم فلم يلبثوا إلا قليلا حتى ماتوا وكانت وفاة القاضي نور الدين في هذه السنة قاله في الكواكب
سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن أحمد بن يعقوب الكردي القصيري الحلبي الشافعي العلامة المعروف بفقيه اليشبكية بحلب لتأديبه الأطفال بها قال في الكواكب ولد بقرية عاده بمهملتين من القصير من أعمال حلب وانتقل مع والده إلى حلب صغيرا فقطن بها وحفظ القرآن العظيم ثم الحاوي ودخل إلى دمشق فعرضه على البدر بن قاضي شهبة والنجمي والتقوى ابني قاضي عجلون وسمع الحديث بها وبالقاهرة على جماعة وبحلب على الموفق أبي ذر وغيره وأجازه الشيخ خطاب وغيره قال ابن الشماع ولم يهتك بالحديث كما ظهر لي من كلامه وإنما اشتغل في القاهرة بالعلوم العقلية والنقلية وقال ابن الحنبلي كان دينا خيرا كثير التلاوة للقرآن معتقدا عند كل إنسان طارحا للتكلف سراحا في طريق التقشف مكفوف اللسان عن الاغتياب مثابرا على إفادة الطلاب إلى أن قال وقد انتفع به كثيرون في فنون كثيرة منها العربية والمنطق والحساب والفرائض والفقه والقراءات والتفسير قال وكنت ممن انتفع به في العربية والمنطق والتجويد قال ولما كف بصره رأى النبي في المنام فوضع يده الشريفة على إحدى عينيه قال فكانت لها بعد ذلك رؤية ما كما نقل لنا عنه صاحبنا الشيخ الصالح برهان الدين إبراهيم الصهيوني قال ثم كانت وفاته ليلة الثلاثاء رابع عشر جمادى الآخرة انتهى 193
وفيها تقريبا تقي الدين أبو بكر بن عبد المحسن البغدادي الأصل الدمشقي الموقت بالجامع الأموي كان من أهل العلم وأخذ عن البدر الغزي وغيره
وفيها بدر الدين أحمد بن قاضي القضاة تقي الدين أبي بكر بن محمود الحموي ثم الحلبي الشافعي الأصيل العريق ناظر أوقاف الحرمين الشريفين بحلب كان له حشمة ورياسة وذكاء عجيب واستحضار جيد لفرائد أصلية وفرعية غير أنه انضم إلى قرا قاضي مفتش أوقاف حلب وأملاكها وداخل أمور السلطنة وصار له عنده اليد النافذة وهرع الناس إليه فلما قتل قرا قاضي في هذه السنة في جامع حلب قتل معه وأراد العامة حرقه فاستخلصه منهم أهله وجماعته فغسلوه وكفنوه ودفنوه بمقبرة أقربائه وفيها عبد الرحمن ابن موسى المغربي التادلي المالكي نزيل دمشق قال في الكواكب كان رجلا فاضلا صالحا اختص بصحبة شيخ الإسلام الوالد وجعل نفسه كالنقيب لدرسه وقرأ عليه مختصر الشيخ خليل على مذهب الإمام مالك وقرأ عليه غير ذلك ثم سافر إلى الحجاز فمات في الطريق وفيها محي الدين عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن يحيى بن نصر بن عبد الرزاق بن سيدي الشيخ عبد القادر الكيلاني السيد الشريف الحموي القادري الشافعي نقل ابن الحنبلي عن ابن عمه القاضي جلال الدين التادفي أنه ترجمه في كتابه قلائد الجواهر فقال كان صالحا مهيبا وقورا حسن الخلق كريم النفس جميل الهيئة مع كيس وتواضع وبشر وحلم وحسن ملتقى لطيف الطبع حسن المحاضرة مزاحا لا يزال متبسما معظما عند الخاص والعام له حرمة وافرة وكلمة نافذة وهيبة عند الحكام وغيرهم انتهى وتوفي في أحدى الجمادين بحماة وفيها تقريبا كريم الدين عبد الكريم بن عبد القادر بن عمر بن محمد إبراهيم الجعبري صاحب الشرح والمصنفات المشهورة قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة قاله في الكواكب 194
وفيها علاء الدين علي بن سلطان الحوراني الشافعي نزيل صالحية دمشق الشيخ الصالح الزاهد كان من أصحاب الشيخ محمد العمري بالمهملة والشيخ أبي الصفا الميداني صاحب الزاوية المشهورة به بميدان الحصا وكان قد قطن بالصالحية مدة يتعبد بها وكان لشيخ الإسلام كمال الدين بن حمزة فيه اعتقاد زائد وأوصى له بشيء عند موته وتوفي صاحب الترجمة في يوم الخميس مستهل ذي الحجة وفيها السيد كمال الدين محمد بن حمزة بن أحمد بن علي ابن محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني الدمشقي الشافعي الشهير بأبيه ولد في جمادى الأولى سنة خمسين وثمانمائة واستجاز له والده من ابن حجر واشتغل في العلم على والده وخاليه النجمي والتقوى ابني قاضي عجلون وعلى غيرهم وبرع وفضل وتردد إلى مصر في الاشتغال ثم صار أحد شيوخ الإسلام المعول عليهم بدمشق فقها وأصولا وعربية وغير ذلك وولي افتاء دار العدل بدمشق وقصده الطلبة وكان إماما علامة جامعا لأشتات العلوم مع جلالة ومهابة وهيئة حسنة وكان يقرر دروسه بسكينة ووقار وتؤدة واحتشام مع حل المشكلات وانتفع به الطلبة مصرا وشاما وما والاهما وكان يدرس ويفتي وترك الافتاء آخرا بسبب محنة حصلت له من الغوري بسبب سؤال رفع إليه فيمن بنى بنيانا في مقبرة مسبلة هل يهدم أولا فكتب أنه يهدم فهدم على الفور وكان الحق في جوابه وأجاب خاله التقوى بن قاضي عجلون بعدم الهدم وهو غير المنقول وكأنه أدخل عليه في السؤال ما دعاه إلى الافتاء بذلك وشرح القصة يطول وولي المترجم مع تدريس البقعة بالجامع الأموي تدريس الشاميتين بدمشق والعزيزية والتقوية والأتابكية وكان مجلس درسه بالجامع الأموي شرقي مقصورته وممن حمل عنه الفقه وغيره من العلماء العلامة تقي الدين بن القاري والعلامة بهاء الدين بن سالم والعلامة كمال الدين الكردي إمام الشامية البرانية وخطيبها والعلامة شمس الدين 195 ابن الكيال والعلامة برهان الدين الأخنائي والعلامة جلال الدين البصروي والعلامة زين الدين بن قاضي عجلون والعلامة جمال الدين ابن حمدان والعلامة برهان الدين بن حمزة والعلامة يعقوب الواعظ والعلامة شمس الدين الوفائي الواعظ والعلامة يونس العيثاوي والعلامة شهاب الدين الطيبي وغيرهم قال الشيخ يونس العيثاوي وكان السيد كمال الدين سبب ظهور شرح المنهاج للجلال المحلى بدمشق قال وأول اجتماعي بالسيد المذكور سألني عن محل إقامتي فقلت بميدان الحصا فقال لي هذه المحلة خصها الله تعالى بثلاثة أباريه كل منهم انفرد بفن لا يشاركه فيه غيره الشيخ إبراهيم الناجي بعلم الحديث والشيخ إبراهيم القدسي بفن القراءات والشيخ إبراهيم بن قرا في التصوف انتهى ومدح المترجم أفاضل عصره منهم العلامة علاء الدين بن صدقة بقصيدة طنانة مطلعها
( لي في المحبة شاهد بفنائي
عند الأحبة وهو عين بقائي )
وهي طويلة وتوفي رحمه الله تعالى نهار الإثنين ثالث عشر رجب الفرد وصلى عليه بالجامع الأموي وصلى عليه أيضا الشيخ أبو الفضل بن أبي اللطف عند باب جامع جراح في جماعة ممن لم يكن صلى ودفن إلى جانب خاله شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون بمقبرة باب الصغير وقال تلميذه تقي الدين القاري يرثيه
( توفي قرة العين الكمالي
وصرنا بعده في سوء حال )
( ولكنا صبرنا واحتسبنا
وليس القلب بعد الصبر سال )
( ومهما كان في الدنيا جميعا
فإن مصير ذاك إلى الزوال )
وفيها بهاء الدين محمد بن عبد الله بن علي بن خليل العاتكي الدمشقي الشافعي الإمام العالم البارع ولد سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة وأخذ عن التقي بن قاضي عجلون والكمال بن حمزة وغيرهما وتوفي بالقاهرة في رجب 196
وفيها شمس الدين أبو علي محمد بن علي بن عبد الرحمن الشهير بابن عراق الدمشقي نزيل المدينة المنورة الإمام العلامة العارف بالله تعالى المجمع على ولايته وجلالته القطب الرباني أحد أصحاب سيدي علي بن ميمون قال في الشقائق كان رحمه الله تعالى من أولاد أمراء الجراكسة وكان من طائفة الجند على زي الأمراء وكان صاحب مال عظيم وجشمة وافرة ثم ترك الكل واتصل بخدمة الشيخ العارف بالله تعالى السيد علي بن ميمون المغربي واشتغل بالرياضة عنده حتى حكي أنه لم يشرب الماء مدة عشرين يوما في الأيام الحارة حتى خر يوما مغشيا عليه من شدة العطش وقرب من الموت فقالوا للشيخ أن ابن عراق قرب من الموت من شدة العطش فقال الشيخ إلي رحمة الله تعالى فكرروا عليه القول فلم يأذن في سقيه وقال صبوا على راحتيه الماء ففعلوا فقام على ضعف ودهشة فلم يمض على ذلك أيام إلا وقد انفتح عليه الطريق ونال ما يتمناه انتهى وذكر هو عن نفسه في كتابه المسمى بالسفينة العراقية في لباس خرقة الصوفية أنه ولد في سنة ثمان وسبعين وثمانمائة وقرأ القرآن بالتجويد على الشيخ عمر الداراني قرأ عليه ختمات وعلى الشيخ إبراهيم القدسي قرأ عليه يويمات ثم اشتغل في الحساب على الشيخ زين الدين عرفة ثم جود ختمة لابن كثير وأفرد لرواييه على الشيخ عمر الصهيوني وجود عليه الخط أيضا وأخذ عنه علم الرماية ولزمه فيه ثلاث سنوات كاملات وفي أثنائها مات والده في سنة خمس وتسعين وثمانمائة وتزوج في تلك السنة ثم توجه إلى بيروت بنية استيفاء اقطاع والده فسمع وهو ببيروت برجل من الأولياء فيها يسمى سيدي محمد الرائق فزاره ودعا له وقال له لا خيب الله سعيك ثم رجع إلى دمشق واشتغل بالفروسية والرمي والصيد ولعب الشطرنج والنرد والنقاف والتنعم بالمأكولات والملبوسات وإنشاء الاقطاع والفدادين ولم يزل مع هذه الأمور مواظبا على الصلوات وزيارة الصالحين وحب الفقراء 197 والمساكين حتى تم له خمسة أعوام ولم ييسر له من يوقظه من هذا المنام حتى كان يوم جمعة صادف فيه الشيخ إبراهيم الناجي في جبانة الباب الصغير وهو راجع من ميعاده فنزل سيدي محمد عن فرسه إجلالا للشيخ وسلم عليه فقال الشيخ من يكون هذا الإنسان فقيل له فلان ابن فلان فأهل به ورحب وترحم على والده فسأله سيدي محمد أن يدعو له أن ينقذه الله مما هو فيه فقال له لو حضرت الميعاد ولازمتنا لحصل الخير فكان بعد ذلك يحضر مواعيد الشيخ وحصلت له بركته واستمر في صحبته حتى مات ولبس منه خرقة التصوف وأخذ عنه وعن الشيخ أبي الفضل بن الإمام وعن الشهاب بن مكية النابلسي علم التفسير والحديث والفقه وأخذ الأصول والنحو والمعاني والبيان عن جماعة منهم الشيخ أبو الفتح المزي والشيخ محمد بن نصير والشيخ علي المصري وكان مع ذلك يصحب الصالحين والفقراء الصادقين مثل الشيخ محمد بن البزة والشيخ محمد يعقوب وأضرا بهما إلى أن لاحت له ناصية الفلاح وجاءه المرشد سيدي علي بن ميمون إلى باب داره عند الصباح وذلك مستهل سنة أربع وتسعمائة فكان كماله على يديه ودخل مصر سنة خمس فاجتمع بجماعة من الأعلام من أعلمهم وأفضلهم القاضي زكريا والجلال السيوطي والدمياطي واجتمع بجماعة من الألياء منهم الشيخ عبد القادر الدشطوطي وأبو المكارم الهيتي وابن حبيب الصفدي واضرابهم وحصلت له بركتهم ثم عاد في بحر النيل إلى دمياط واجتمع فيها بعلماء أخيار منهم الشيخ أحمد البيجوري وحضر دروسه وألف له منسكا جامعا وحصل من العلم في البلدتين المذكورتين ما لم يحصله غيره في مدة طويلة ثم رجع إلى الشام وأقام بها حتى قدم سيدي علي بن ميمون من الروم إلى حماة سنة إحدى عشرة وتسعمائة فبعث إليه كتابا يدعوه فسار إليه مسرعا وأقام عنده بحماة أربعة أشهر وعشرة أيام كل يوم يزداد علما من الله وهدى ثم أذن له بالمسير إلى بيروت فسار إليها وقعد لتربية 198 المريدين وألف في مدة إقامته بها أربعة وعشرين كتابا في طريق القوم فلما بلغ شيخه ذلك تطور عليه وكتب إليه أن يلقاه بالكتب إلى دمشق وقدم على شيخه وهو عند والدته بدمشق في سابع عشرى رجب سنة ثلاث عشرة وتسعمائة ونزل بالصالحية فسار إليه سيدي محمد وتلقاه بالسلام والإكرام غير أنه استدعاه في ذلك المجلس وقال له يا خائن يا كذاب عمن أخذت هذا القيل والقال فقال له سيدي محمد يا سيدي قد أتيناك بالموبقات فافعل فيها ما تشاء فغسلها سيدي علي ولم يبق منها سوى القواعد والتأديب ثم لزمه سيد محمد هو ووالدته وأهله وسكن بهم عنده بالصالحية وقدمه شيخه على بقية جماعته في الإمامة وافتتاح الورد والذكر بالجماعة وبقي عنده هو وأهله على قدم التجريد حتى انتقل سيدي علي إلى مجدل مغوش فسافر معه وبقي عنده حتى توفي وفي سنة ثلاث وعشرين عاد إلى ساحل بيروت وبنى بها دارا لعياله ورباطا لفقرائه ثم انتقل إلى غوطة دمشق ونزل بقرية سقبا وانقطع بها عنده جماعة ثم ذهب سيدي محمد بعياله إلى الحج ماشيا سنة أربع وعشرين وقطن بالمدينة وتردد بين الحرمين مرارا وحج مرات وقصد بالمدينة للإرشاد والتربية واشتهر بالولاية بل بالقطبية وبالجملة فقد كان في عصره مفردا علما وإماما في علمي الحقيقة والشريعة مقدما وليثا على النفس قادرا وغيثا لبقاع الأرض ماطرا قال بعضهم مكث أربع عشرة سنة ما أكل اللحم ومن آثاره بدمشق لما كان قاطنا بصالحيتها عمارته للرصفان بدرب الصالحية وكان يعمل في ذلك هو وأصحابه رضي الله عنهم وممن أخذ عنه أولاده الثلاثة سيدي والشيخ عبد النافع والنعمان والشيخ قطب الدين عيسى الأيجي الصفوي وصاحبه الشيخ محمد الأيجي ثم الصالحي والعارف بالله تعالى الشيخ أحمد الداجاني المقدسي والشسخ موسى الكناوي ثم الدمشقي والشيخ محمد البزوري وغيرهم قال الشيخ موسى الكناني ولما حججت سنة ثلاثين وتسعمائة 199 اجتمعت به بالحرم النبوي الشريف ودعا لي وأعطاني شيئا من التمر وكان ذلك آخر العهد به إلى أن قال وكان في صفته الظاهرة حسن الصورة أبيض الوجه لحيته إلى شقرة مربوع القامة وقال أبو البركات البزوري رضي الله عنه اجتمعت بمكة المشرفة بالشيخ القطب الغوث العارف بالله تعالى شمس الدين محمد بن عراق فسألني ما اسمك قلت بركات فقال بل أنت محمد أبو البركات ثم صافحني ولقنني الذكر ودعا لي وحرضني على قراءة قصيدته اللامية الجامعة لأسماء الله الحسنى التي أولها
( بدأت ببسم الله والحمد أولا
على نعم لم تحص فيما تنزلا )
قال في كل ليلة أحسبه قال بين المغرب والعشاء قال النجم الغزي قلت لشيخنا أبي البركات هذه القصيدة اللامية هي من نظم سيدي محمد بن عراق قال نعم هي من نظمه وأنا أخذتها عنه فلازم على قراءتها فإنها نافعة قلت له يا سيدي فنحن نرويها عنكم عن سيدي محمد بن عراق قال نعم ومن مؤلفات سيدي محمد بن عراق كتاب المنح الغنائية والنفحات المكية وكتاب هداية الثقلين في فضل الحرمين وكتاب مواهب الرحمن في كشف عورات الشيطان ورسالة كتبها إلى من انتسب إلى الطريقة المحمدية في سائر الآفاق خصوصا بمكة العلية والمدينة المرضية وكتاب السفينة العراقية وكتاب سفينة النجاه لمن إلى الله التجاه ورسالة في صفات أولياء الله تعالى وما ينسب تأليفه إليه حزب الاشراق ومن شعره
( كلام قديم لا يمل سماعه
تنزه عن قولي وفعلي ونيتي )
( به أشتفي من كل داء وأنه
دليل لعلمي عند جهلي وحيرتي )
( فيا رب متعني بحفظ حروفه
ونور به قلبي وسمعي ومقلتي )
وتوفي على المعتمد بمكة المشرفة يوم الثلاثاء رابع عشرى صفر ودفن من الغد بباب المعلى عن أربع وخمسين سنة تقريبا وفيها بهاء الدين محمد 200 ابن الشيخ العالم علاء الدين علي بن خليل بن أحمد بن سالم بن مهنا بن محمد بن سالم العاتكي الدمشقي الشافعي المعروف بابن سالم الإمام العلامة ولد سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة وأخذ العلم عن أبيه وعن التقوى بن قاضي عجلون والسيد كمال الدين بن حمزة وغيرهم وكان عالما عاملا خيرا حج وجاور وتوفي بالقاهرة في رجب وفيها شمس الدين محمد بن علي المعروف بابن هلال الشافعي النحوي العرضي الأصل ثم الحلبي اشتغل بحلب على الشيخ محمد الدايخي والعلاء الموصلي فلم يبلغ مطلوبه فارتحل إلى القاهرة ولزم الشيخ خالد مدة طويلة إلى أن مات الشيخ خالد فقدم حلب ودرس بجامعها وألف عدة كتب منها حاشية على تفسير البيضاوي وشرح على المراح وشرح على تصريف الزنجاني سماه بالتظريف على التصريف ورسالة أثبت فيها أن فرعون موسى آمن إيمانا مقبولا وغض منه ابن الحنبلي كثيرا وقال كان له شعر يابس وفيه هجو فاحش وتوفي يوم الأربعاء سادس عشر القعدة
سنة أربع وثلاثين وتسعمائة
فيها كما قال في النور أخذ الإمام الجراد أحمد مدينة هرمز من بلاد الحبشة وضعف عن مقاومته سلطانها ولم يزل أمره يعظم حتى صار إلى ما صار إليه واستفتح كثيرا من بلاد الحبشة وقهر الكفار وواظب على الجهاد والغزو في سبيل الله تعالى ونقل عنه في ذلك ما يبهر العقول حتى قيل ما تشبه فتوحاته إلا بفتوحات الصحابة وناهيك بمن يكون بهذه المثابة وحكى من أمر شجاعته واجراء أموره على قوانين الشريعة المطهرة شيء كثير انتهى
وفيها توفي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن عبد العزيز الدمشقي المالكي ابن أخي القاضي شعيب الشافعي قال في الكواكب كان من رؤساء المؤذنين بالجامع الأموي وكانت عنده تواضع قال ابن طولون وأوقفني على منظومة 201 في علم المعاني والبيان حج في آخر عمره ورجع من الحج متضعفا واستمر مدة إلى أن توفي ليلة الجمعة خامس عشر المحرم ودفن بباب الصغير
وفيها القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن أبي بكر ابن عثمان الأنصاري الحمصي الدمشقي الشافعي الإمام العلامة الخطيب البليغ المحدث المؤرخ يتصل نسبه بعبد الله بن زيد الأنصاري ولد سنة إحدى أو ثلاث وخمسين وثمانمائة واعتنى بالحديث والعلم وأخذ عن جماعة من الشاميين والمصريين وفوض إليه القضاء قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور ثم سافر إلى مصر وفوض إليه القضاء أيضا قاضي القضاة زكريا الأنصاري وكان يخطب مكانه بقلعة الجبل وكان الغوري يميل إلى خطبته ويختار تقديمه لفصاحته ونداوة صوته ثم رجع إلى دمشق في شعبان سنة أربع عشرة وتسعمائة وخطب بجامعها عن قاضي قضاة الشافعية اللولوي بن الفرفور وتوفي يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الآخرة ودفن بباب الفراديس
وفيها تقريبا شهاب الدين أحمد بن محمد بن محمد بن عمران المقدسي الحنفي سمع بقراءة الشهابي أحمد بن عبد الحق السنباطي على البرهان القلقشندي وحصل وبرع وفيها تقريبا شهاب الدين أحمد بن الصايغ المصري الحنفي أخذ عن الشيخ أمين الدين الأقصرائي والشيخ تقي الدين الشمني والكافيجي والأمشاطي وغيرهم وأجازوه بالفتيا والتدريس وكان إماما بارعا علامة في العلوم الشرعية والعقلية وله باع في الطب ولم يتعلق بشيء من الوظائف وعرضت عليه عدة وظائف فلم يقبلها وكان يؤثر الخمول ويقول أحب شيء إلي أن ينساني الناس فلا يأتوني وكان حسن الأخلاق حلو اللسان متواضعا قليل التردد إلى الناس يدرس في البيضاوي وغيره رحمه الله تعالى
وفيها تقريبا أيضا شهاب الدين أحمد المسري المصري الشافعي الإمام العلامة كان بارعا في العلوم الشرعية والعقلية رث الهيئة مع الهيبة والوقار صغير 202 العمامة يقصده الناس في الشفاعات وقضاء الحوائج عند الأمراء والأكابر وكان مسموع الكلمة عندهم ينقادون إليه ولا يردون له شفاعة لزهده فيما في أيديهم وكان كثيرا ما يأتيه الفقير يسأله الشفاعة وهو يدرس فيترك الدرس ويقوم معه ويقول هذه ضرورة ناجزة وضرورة الحاجة إلى العلم متراخية رحمه الله تعالى وفيها عماد الدين إسماعيل بن مقبل بن محمد الغزاوي الحنفي الشيخ المفيد العالم المصري قال ابن طولون صاحبنا حفظ القرآن ببلده غزة وتلا للسبع ثم مجمع البحرين وقدم دمشق في سن الطفولة فحله على الشمسي بن رمضان شيخ القجماسية وكان نازلا بها وسمع عليه أشياء وعلى غيره ثم عاد إلى غزة إلى أن توفي والده فعاد إلى دمشق وأم بالجامع التنكزي إلى أن مات يوم الخميس تاسع عشرى صفر ودفن بتربة باب الصغير انتهى
وفيها عبد الله بن محمد بن أحمد المدرني الحنفي الفاضل المرشد أحد مشايخ الروم ومواليها مات والده الشيخ محمد شاه وهو شاب في تحصيل العلم وقرأ على المولى عبد الرحيم بن علاء الدين العربي والمولى محمد القرماني وكان في بدايته تابعا لهوى نفسه فرأى ليلة أباه في منامه قد ضربه ضربا شديدا ووبخه على فعله فلما أصبح ذهب إلى الشيخ رمضان المتوطن بأدرنة وتاب على يديه ودخل الخلوة وارتاض وجاهد ونال منالا عظيما حتى أجازه بالإرشاد فرجع إلى وطنه وأقام هناك يرشد ويدرس ويعظ وكان له مشاركة في سائر العلوم وله خط حسن وكان من محاسن الأيام رحمه الله تعالى
وفيها محي الدين عبد القادر بن أبي بكر بن سعيد الحلبي الشافعي المشهور بابن سعيد كان جده سعيد هذا يهوديا فأسلم واشتغل صاحب الترجمة بالعلم في حلب على العلاء الموصلي ومنلا حبيب الله العجمي وأخذ عن الكمال بن أبي شريف ببيت المقدس وكان ذا همة عالية في النسخ ورحل إلى دمشق 203 والقاهرة قال ابن طولون قدم دمشق إماما لقصروه نائب حلب فقرأ عليه صاحبنا العلامة نجم الدين الزهيري المتوفى قبله وكانت له شهرة ولديه رياسة ثم عاد إلى حلب وصار مفتي دار العدل بها في الدولة الجركسية وولي المناصب في الدولة العثمانية مشيخة التغرمشية ومشيخة الزينبية ونظرها ونظر جامع الأطروش وتوفي بحلب في رجب وفيها تاج الدين عبد الوهاب ابن أحمد بن محمد الكنجي الدمشقي الشيخ الفاضل أخو الشيخ الإمام شمس الدين الكنجي المتقدم ذكره عني بالفرائض والحساب قال في الكواكب ولزم شيخ الإسلام الوالد كثيرا وقرأ عليه في شرح المنهاج للمحلى وغالب ترتيب المجموع في الفرائض مع أنه قرأه على مؤلفه الشيخ بدر الدين المارديني قال شيخ الإسلام الوالد وذكره في فهرست تلاميذه وهو وأخوه عماي من الرضاع قال وهو ممن أذهب عمره في الحساب مع جمود فيه وغالب عليه الحمق وقلة العقل وعدم حساب العواقب ثم قال توفي يوم الإثنين تاسع عشر شوال انتهى وفيها أبو الفضل علي بن محمد بن علي بن أبي اللطف المقدسي الشافعي نزيل دمشق الإمام العالم العلامة ولد في جمادى الأولى سنة ست وخمسين وثمانمائة ببيت المقدس وأخذ الفقه عن الشهاب الحجازي والسيد علاء الدين الأيجي والشيخ ماهر المصري وهو أعلى شيوخه في الفقه وتفقه أيضا بالكمال ابن أبي شريف ورحل إلى مصر فأخذ عن علمائها الفقه والحديث منهم شيخ الإسلام زكريا والتاج العبادي ورحل إلى دمشق واستوطنها وحضر دروس شيخ مشايخ الإسلام زين الدين خطاب والنجم بن قاضي عجلون وغيرهما ورافق الشيخ تقي الدين البلاطنسي والبهاء الفصي البعلي وغيرهما من الأجلة وجاور بمكة مع الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون وتزوج بمكة وحضر دروس قاضي القضاة ابن ظهيرة الشافعي وعاد إلى دمشق مستوطنا بعياله يفتي ويدرس بالجامع الأموي وبيض التحرير للنجم بن قاضي عجلون 204 وزاد فيه فوائد مهمة وله كتاب مر النسيم في فوائد التقسيم وكان حافظا لكتاب الله تعالى له همة مع الطلبة ومهابة ومودة للخاص والعام ونفس غنية وكان متقللا من الوظائف وتمنى الموت لفتنة حصلت له لما دخلت الدولة العثمانية ومن شعره يشير إلى ذلك
( ليت شعري من على الشام دعا
بدعاء خالص قد سمعا )
( فكساها ظلمة مع وحشة
فهي تبكينا ونبكيها معا )
( قد دعا من مسه الضر
من الظلم والجور اللذين اجتمعا )
( فعلا الحجب الدعا فانبعثت
غارة الله بما قد وقعا )
( فأصاب الشام ما حل بها
سنة الله الذي قد أبدعا )
وتوفي نهار الأحد خامس عشر صفر ودفن بباب الصغير
وفيها السيد علاء الدين علي بن محمد الحسيني العجلوني ثم البروسوي المعروف بالحديدي خليفة الشيخ العارف بالله تعالى أبي السعود الجارحي توطن بروسا من بلاد الروم نحو ثلاثين سنة ثم حج وعاد إلى القاهرة وكان له عبث بعلم الوفق والأسماء وصناعة الكيميا وكان له أسانيد عالية رحمه الله تعالى وفيها محي الدين محمد بن سعيد الشيخ الإمام العلامة المعروف بابن سعيد قدم دمشق فصار إماما لنائبها قصروه وقرأ عليه عدة من الأفاضل وصارت له كلمة مسموعة وتوفي بحلب في هذه السنة
وفيها شمس الدين محمد بن علي الحريري الحلبي الحنفي المعروف بابن السيوفي تعلم القراءة والكتابة على كبر وتفقه بالزين بن فخر النساء وأخذ عن الزين بن الشماع قال ابن الحنبلي وكان يترجى أن يعمل كتابا في فقه الحنفية يرتب فيه ذكر المسائل على ترتيب منهاج النووي قال وكان عبدا صالحا ملك كتبا كثيرة انتهى
وفيها القاضي نجم الدين محمد الزهيري الحنفي الشيخ الفاضل كان نائب 205 الباب بدمشق وكان بيده تدريس الريحانية والمرشدية والمقدسية البرانية والعزية البرانية وقد كان عمرها وجدد قاعة المدرس بها وأقام فيها الجمعة وكان لها سنون بطالة نحو ثلاثين سنة مع إحسانه إلى مستحقيها ولما مات بطل ذلك وتوفي في سلخ ربيع الأول وفيها محي الدين محمد الرومي المولى الفاضل الشهير بابن المعمار الحنفي خدم المولى محمد بن الحاج حسن ثم درس باسكوب ثم بمدرسة الوزير محمود باشا ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة ثم بإحدى الثمانية ثم ولي قضاء حلب ثم أعيد إلى إحدى الثمانية وعين له كل يوم ثمانون عثمانيا ثم أعيد إلى قضاء حلب ومات بها
وفيها مجير الدين الرملي الشيخ الفاضل أحد العدول بدمشق قال ابن طولون كان صالحا وعنده فضيلة وببصره بعض تكسر مات رحمه الله يوم الثلاثاء ثامن عشرى ربيع الأول وفيها نور الدين محمود بن أحمد بن محمد بن أبي بكر القرشي البكري الحلبي الشافعي الأصيل المعمر الجليل خطيب المقام بقلعة حلب وابن خطيبه أخذ عن الحافظ أبي ذر بن الحافظ برهان الدين الحلبي وأخذ عنه ابن الحنبلي ووالده الحديث المسلسل بالأولية واستجازاه فأجاز لهما وتوفي نهار الأحد حادي عشرى ربيع الآخر بحلب ودفن بمقابر الصالحين وفيها المولى مصلح الدين مصطفى المشهور بحاكي الحنفي أحد الموالي الرومية كان رحمه الله تعالى حائكا ولما بلغ سن الأربعين رغب في العلم وبرع فيه وصار مدرسا ببلده تيره وصحب العارف بالله تعالى محمد الجمالي والعارف بالله أمير البخاري ثم انقطع عن التدريس وتقاعد بثلاثين عثمانيا وكان يكتب على الفتوى ويأخذ عليها أجرا وكان يحيى أكثر الليل وربما غلب عليه الحال في الصلاة
سنة خمس وثلاثين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر البقاعي 206 الحنبلي ثم الشافعي العارف بالله تعالى ولد في ربيع الأول سنة خمس وثمانين وثمانمائة وقرأ على البدر الغزي في الأصول والعربية وغير ذلك وقرأ عليه البخاري كاملا في ستة أيام أولها يوم السبت حادي عشر شهر رمضان سنة ثلاثين وتسعمائة وصحيح مسلم كاملا في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين في خمسة أيام متفرقة في عشرين يوما وقرأ عليه نصف الشفا الأول وغير ذلك وترجمه البدر بأنه كان من الأولياء الذين لا يعلمون بأنفسهم وتوفي شهيدا بالبطن يوم الثلاثاء حادي عشر شعبان
وفيها المولى برهان الدين إبراهيم الحسيب النسيب أحد موالي الروم الحنفي كان والده من سادات العجم رحل إلى الروم وتوطن قرية من قرى أماسية يقال لها قريكجه وكان من أكابر أولياء الله تعالى وله كرامات وخوارق منها أنه كف بصره في آخر عمره فكشف ولده السيد إبراهيم المذكور رأسه بين يديه يوما فقال له يا ولدي لا تكشف رأسك ربما يضرك الهواء البارد فقال له ولده كيف رأيتني وأنت بهذه الحالة قال سألت الله أن يريني وجهك فمكنني من ذلك فصادف نظري انكشاف رأسك ونشأ ولده المذكور في حجره بعفة وصيانة ورحل في طلب العلم إلى مدينة بروسا فقرأ على الشيخ سنان الدين ثم اتصل بخدمة المولى حسن الساموني ثم رغب في خدمة المولى خواجه زاده ثم ولي التدريس حتى صار مدرسا بمدرسة السلطان بايزيد كل يوم بمائة عثماني على وجه التقاعد ولما جلس السلطان سليم على سرير الملك اشترى له دارا في جوار أبي أيوب الأنصاري والآن هي وقف وقفها السيد إبراهيم على من يكون مدرسا بمدرسة أبي أيوب وكان مجردا لم يتزوج في عمره بعد أن أبرم عليه والده في التزوج وكان منقطعا عن الناس للعلم والعبادة زاهدا ورعا يستوي عنده الذهب والمدر ذا عفة ونزاهة وحسن سمت وأدب واجتهاد ما رؤي إلا جاثيا على ركبتيه ولم يضطجع 207 أبدا مع كبر سنه وكان طويل القامة كبير اللحية حسن الشيبة يتلألأ وجهه نورا متواضعا خاشعا يرحم الصغير ويجل الكبير ويكثر الصدقة وكف في آخر عمره ثم عولج فأبصر ببعض بصره وتوفي في هذه السنة ودفن عند جامع أبي أيوب الأنصاري رحمه الله تعالى
وفيها المولى جلال الدين الرومي الحنفي الفاضل خدم المولى محمد بن الحاج حسن ثم صار مدرسا بمدرسة المولى المذكور بالقسطنطينية ثم صار قاضيا بعدة من البلاد ثم تقاعد بخمسة وثلاثين عثمانيا وصرف جميع أوقاته في العلم والعبادة وكان محققا مدققا ذا شيبة نيرة بقية من الصالحين
وفيها داود بن سليمان القصيري الشافعي الفقيه البارع أخو الشيخ عبد وأخذ الفقه عن جماعة وبرع فيه وفيها عبد الرزاق الترابي المصري الشيخ الصالح الورع الزاهد أخذ الطريق عن سيدي علي النبتيتي وسيدي أحمد الترابي والشيخ نجا النبتيتي وكان على قدم عظيم من الزهد والورع وأقبل الناس عليه بالاعتقاد بعد موت شيخه الشيخ نجا وله رسالة في الطريق ونظم لطيف انتقل من الريف إلى مصر وأقام بها مدة ثم انتقل إلى الجيزة فأقام بها إلى أن مات ومن كراماته أنه طلع مرة إلى الأمير خير بك وإلى مصر في شفاعة فلم يقبلها وأغلظ على الشيخ فخرجت له تلك الليلة جمرة ومات منها بعد سبعة أيام
وفيها الشيخ عبيد الدنجاوي ثم البلقيني المصري العارف بالله تعالى أحد أصحاب الشيخ محمد الكركبي الحلبي دخل مصر من قبل الشام في زمن السلطان قايتباي وكان يعتقده أشد الاعتقاد وكان وظيفته خدمة شيخه المذكور حتى كان في كاهله أثر من حمل الماء وغيره على ظهره وكان مشغولا بالخدمة لا يحضر مع أصحاب شيخه أو رادهم قط فلما حضرت شيخه الوفاة تطاول ذو الهيئات للأذن فلم يلتفت إلى أحد منهم وقال هاتوا عبيد فلأذن له بحضرتهم فحسدوه وكادوا يقتلونه فسافر إلى مصر ودخلها مجذوبا عريان 208 ليس عليه سوى سراويل وطرطور وكلاهما من جلد ثم ذهب إلى الصعيد وأقام بها مدة ثم سكن بلقين وعمر بها زاوية وأقبل الناس عليه من سائر الآفاق ونزل السلطان إلى زيارته ثم سكن في مصر في الزاوية الحلاوية عمرها له الغوري وكان ينزل هو وولده إلى زيارته ثم ترك لباس الجلد وصار يلبس الملابس الفاخرة كملابس الملوك وكان له سبعة نقباء لقضاء حوايج الناس عند السلطان فمن دونه وكان لا ترد له كلمة ولا شفاعة وكان لا يرد سائلا قط ومن سأله درهما أعطاه ما يساوي خمسين دينارا أو ما يقرب منها وتوفي في جمادى الآولى
وفيها قاضي القضاة نجم الدين محمد بن شيخ مشايخ الإسلام تقي الدين أبي بكر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن شرف بن قاضي عجلون الشافعي الإمام العلامة ولد بدمشق سابع عشر شوال سنة أربع وسبعين وثمانمائة واشتغل على والده ودرس عنه نيابة بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر وولي خطابة جامع يلبغا وفوض إليه قاضي القضاة شهاب الدين بن الفرفور نيابة الحكم يوم الخميس حادي عشر جمادى الأولى سنة أربع وتسعمائة ولما رجع مع أبيه إلى القاهرة في حادثة محب الدين ناظر الجيوش ولاه الغوري قضاء القضاة بالشام استقلالا وذلك في سنة أربع عشرة واعتقل بقلعة دمشق في جامعها عشية الخميس تاسع عشرى جمادى الآخرة سنة خمس عشرة ثم عزل في ثاني القعدة منها وأعيد القاضي ولي الدين بن الفرفور وتوفي القاضي نجم الدين ليلة الثلاثاء عاشر ربيع الثاني ودفن عند والده بتربة باب الصغير
وفيها شمس الدين محمد بن علي بن أحمد بن سالم الجناجي بجيمين الأولى مضمومة بينهما نون خفيفة نسبة لجناج قرية بين البحرارية وسنهور من الغربية ثم القاهري الأزهري المكي المالكي وربما عرف بمكة بابن وحشي ولد سنة ستين وثمانمائة تقريبا وحفظ القرآن العظيم ونحو النصف الأول 209 من مختصر الشيخ خليل ومن ألفية النحو واشتغل في الفقه والعربية على السنهوري وغيره وقرأ على الديمي البخاري وسمع على الكمال بن أبي شريف في مسلم وعلى الشاوي في البخاري بحضرة الخيضري كذا ذكره السخاوي قال وحج غير مرة ولقيني في سنة سبع وتسعين بمكة فقرأ على الموطأ ونحو النصف من الشفا بسماع باقيه ولازمني في غير ذلك سماعا وتفهما انتهى باختصار وتوفي بمكة المشرفة في ربيع الثاني ودفن بالمعلاة
وفيها القاضي رضى الدين أبو الفضل محمد بن رضى الدين محمد بن أحمد بن عبد الله بن بدر بن بدري بن عثمان بن جابر بن ثعلب بن ضوى بن شداد ابن عاد بن مفرج بن لقيط بن جابر بن وهب بن ضباب بن جحيش بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب كذا ساق نسبه حفيده النجم في الكواكب وقال الشيخ الإمام شيخ الإسلام المحقق المدقق العمدة العلامة الحجة الفهامة الغزي الأصل الدمشقي المولد والمنشأ والوفاة العامري القرشي الشافعي جدي لأبي ولد في صبيحة اليوم العاشر من ذي القعدة سنة اثنتين وستين وثمانمائة وتوفي والده شيخ الإسلام زين الدين خطاب بن عمر بن مهنا الغزاوي الشافعي شيخ الشافعية بدمشق فرباه أحسن تربية إلى أن ترعرع وطلب العلم بنفسه مشمرا عن ساق الاجتهاد مؤثرا لطريقة التصوف ومنعزلا عن الناس في زاوية جده لأمه سيدي الشيخ أحمد الأقباعي بعين اللؤلؤة خارج دمشق إلى أن برع في علمي الشريعة والحقيقة ولازم الشيخ خطاب مدة حياته وتفقه عليه وانتفع به ثم تزوج ابنته بالتماس منه ولزم أيضا الشيخ محب الدين محمد البصروي فأخذ عنه الفقه والحديث والأصول والعروض ثم لزم الشيخ برهان الدين الزرعي وأخذ عنه الحديث وغيره وولده الشيخ شهاب الدين أحمد وأخذ عنه المعقولات والمعاني والبيان والعربية وتفقه أيضا بالبدر بن قاضي شهبة والشيخ شمس الدين محمد بن حامد الصفدي وغيرهم وكان رحمه الله تعالى 210 ممن قطع عمره في العلم طلبا وإفادة وجمعا وتصنيفا أفتى ودرس وولي القضاء نيابة عن قريبه القطب الخيضري وسنه إذ ذاك دون العشرين سنة ثم عن الشهاب بن الفرفور ثم عن ولده القاضي ولي الدين بعد أن تنزه عن الحكم ثم ألزم به من قبل السلطان سليم خان وباشر مدة ولايته القضاء بعفة ونزاهة وطهارة يد ولسان وقيام في الحق لا يحابى أحدا ولا تأخذه في الله لومة لائم وهو آخر قضاة العدل وممن أخذ عنه ولده شيخ الإسلام بدر الدين وأبو الحسن البكري وأمين الدين بن النجار المصري والسيد عبد الرحيم العباسي والبدر العلائي وغيرهم ومن مؤلفاته الدرر اللوامع نظم جمع الجوامع في الأصول وألفية في التصوف سماها الجوهر الفريد في أدب الصوفي والمريد وألفية في اللغة نظم فيها فصيح ثعلب وألفية في علم الهيئة وألفية في علم الطب ومنظومة في علم الخط ونظم رسالة السيد الشريف في علمي المنطق والجدل ووضع على نظمه شرحا نفيسا وألف مختصرا في علمي المعاني والبيان سماه بالافصاح عن لب الفوائد والتلخيص والمفتاح ووضع عليه شرحا حافلا وشرح أرجوزة البارزي في المعاني والبيان وشرح عقيدة جمع الجوامع ونظم عقائد الغزالي وعقائد لبعض الحنفية نخبة الفكر لابن حجر في علم الحديث وقلائد العقيان في مورثات الفقر والنسيان للشيخ إبراهيم الناجي وألف كتاب الملاحة في علم الفلاحة وغير ذلك ومن شعره
( ما كان بكر علومي قط يخطبها
إلا ذوو جدة بالفضل أكفاء )
( وغض منه ذوو جهل معازرة
والجاهلون لأهل العلم أعداء )
وتوفي في شوال عن ثلاث وسبعين سنة ودفن بمقبرة الشيخ رسلان انتهى باختصار
وفيها شمس الدين أبو البركات محمد بن العلامة شمس الدين محمد بن حسن 211 البابي الأصل الحلبي الشهير كأبيه بابن البيلوني وبإمام السفاحية سمع بقراءة أبيه على الكمال بن الناسخ من أول صحيح البخاري إلى تفسير سورة مريم وسمع على الزين بن الشماع الشمايل للترمذي وأجازا له وقرأ على العلاء الموصلي في شرح الألفية لابن عقيل ودرس بالحجازية وكان له حظوة عند قاضي حلب عبيد الله سبط ابن الفناري وكان له حركة وسعى في تحصيل الدنيا فعرض له شيخه ابن الشماع في ذلك فذكر أنه إنما يطلب الدنيا للاكتفاء عن الحاجة إلى الناس والاستعانة على الاشتغال بالعلم والتوسعة على المحتاجين في وجوه البر وتوفي بمنبج وهو دون الأربعين ودفن وراء ضريح سيدي عقيل المنبجي وفيها شهاب الدين محمد الحلبي المصري الإمام العالم توفي في أوائل هذه السنة وفيها محي الدين محمد الشهير بابن قوطاس المولى الفاضل الرومي الحنفي كان أبوه من بلاد العجم ودخل الروم وصار قاضيا ببعض بلادها واشتغل ابنه هذا على جماعة منهم المولى ابن المؤيد والمولى محمد بن الحاج حسن ثم ولي التداريس حتى درس باسحاقية اسكوب ثم بمدرسة محمود باشا بالقسطنطينية وتوفي وهو مدرس بها وكان فاضلا محققا مجتهدا في العبادة ملازما تلاوة القرآن طارحا للتكلف رحمه الله تعالى
وفيها شمس الدين محمد الحصني السيد الحسيب النسيب قريب شيخ الإسلام تقي الدين الحصني رحل إلى القاهرة وأقام بها مدة وتوفي بها وكان إماما علامة صالحا رحمه الله تعالى وفيها محمود بن مصطفى بن موسى بن طليان القصيري الأصل الحلبي المولد الحنفي المشهور بابن طليان ولي خطابة الجامع الكبير بحلب في أوائل الدولة العثمانية وكان فقيها جيدا يصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم لكن كان عنده حدة وحج في آخر عمره وتوفي في شهر رمضان وفيها المولى مصلح الدين مصطفى بن 212 خليل والد صاحب الشقائق النعمانية ولد ببلدة طاش كبرى سنة خمس وخمسين وثمانمائة وهي السنة التي فتحت فيها قسطنطينية وقرأ على والده ثم على خاله المولى التكشاري ثم على المولى درويش بن المولى خضر شاه المدرس بسلطانية بروسا ثم على المولى بهاء الدين المدرس بإحدى الثمانية ثم على المولى ابن مغيسا ثم على المولى قاضي زاده ثم على المولى علاء الدين العربي ثم على المولى خواجه زاده ثم درس بالأسدية ببروسا ثم بالمدرسة البيضاء بأنقرة ثم بالسيفية بها ثم باسحاقية اسكوب ثم بحلبية أدرنة ثم صار معلما للسلطان سليم خان ثم أعطى تدريس السلطانية ببروسا ثم إحدى الثمانية وثم صار قاضيا بحلب ثم استعفى من القضاء وعرض وصية والده له في ذلك على السلطان وكان عالما زاهدا عابدا متأدبا مشتغلا بنفسه معرضا عن الدنيا وله رسائل وحواش على نبذ من شرح المفتاح ورسالة في الفرائض وغير ذلك رحمه الله تعالى
سنة ست وثلاثين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن يوسف بن خليل اليمني الزبيدي ثم الحسوي المالكي الإمام العلامة قال في الكواكب لازم شيخ الإسلام الوالد سنين وقرأ عليه في الفقه على مذهب الشافعي وفي ألفية ابن مالك وقرأ عليه شرحه المنظوم على الألفية انتهى
وفيها برهان الدين إبراهيم بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن حمزة الدمشقي الشافعي الإمام العلامة قال الشيخ يونس العيثاوي كان رفيقا في الاشتغال ووالده من أهل العلم الكبار وكان هو شابا مهيبا له يد طولى في المعقولات دأب وحصل وجمع بين طرفي المنهاج على شيخنا البلاطنسي ورافقنا على السيد كمال الدين بن حمزة مع الأجلة الأكابر وله أبحاث عالية وهمة سامية طارح للتكلف سكن المدرسة ومات بها ليلة الثلاثاء سابع ربيع الأول 213 ودفن بباب الفراديس انتهى وفيها تقي الدين أبو بكر بن محمد ابن محمد بن عبد الله بن أبي بكر بن أبي بكر البلاطنسي الشافعي الحافظ شيخ مشايخ الإسلام العلامة المحقق الناقد المجتهد ولد يوم الجمعة عاشر رجب سنة إحدى وخمسين وثمانمائة وأخذ العلم عن والده وعن الزين خطاب والبدر ابن قاضي شهبة وشيخي الإسلام النجمي والتقوى ابني قاضي عجلون والجمال ابن الباعوني والعلاء الأيجي والبرهان الناجي والشهاب الأذرعي وغيرهم قال الشيخ يونس العيثاوي وهو تلميذه هو من بيت صلاح وعلم سمعت مدحه بذلك من السيد كمال الدين بن حمزة ودخل دمشق في طلب العلم وأخذ عن علمائها المشار إليهم ثم استوطنها ولم يتناول من أوقافها شيئا وكان يجلس في البادرائية وأرسل إليه بأموال ووظائف فلم يقبل وكان عالما عاملا ورعا كاملا له مهابة في قلوب الفقهاء والحكام يرجع إليه في المشكلات لا يتردد إلى أحد لغناه وله همة مع الطلبة ونصيحة واعتناء بالعلم أمارا بالمعروف نهاء عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم لا يداهن في الحق له حالة مع الله تعالى يستغاث بدعائه ويتبرك بلحظه قائما بنصرة الشريعة حاملا لواء الإسلام مجدا في العبادة مجانبا للرياء لا يحب أن يمدحه أحد يختم القرآن في كل يوم جمعة ويختم في شهر رمضان كل ليلة ختمتين وأكب في آخره على التلاوة وله شعر متوسط منه قصيدة نونية مدح فيها السلطان سليمان وتعرض فيها لما حصل في زمنه من الفتوحات كرودس وغيرها وتوفي ليلة الإثنين ثاني المحرم ودفن بباب الصغير جوار بلديه شيخ الإسلام شمس الدين البلاطنسي وقبرهما في آخر التربة من جهة الشمال وفيها أحمد بن منلا شيخ المعروف بخجا كمال العجمي اللالأئى نسبة إلى لالا قرية من أعمال تبريز الشافعي قال في الكواكب كان له فضيلة ومشاركة وهو أول من ولي نظارة النظار بدمشق وتولى الجامع الأموي والتكية السليمية والبيمارستان إلى جانبها أخذ عن شيخي الإسلام الجد والوالد 214 وعن غيرهما وربما انتقد عليه بعض الناس أمورا ولكن لو لم يكن له من المكرمة إلا مصاهرة شيخ الإسلام الجد له كما صاهر القاضي برهان الدين الأخنائي والقاضي أمين الدين بن عبادة لكفاه توثيقا وتعديلا قال ثم أن والد شيخنا أثنى على صاحب الترجمة لما أن حرق سوق باب البريد واحترق أبواب الجامع معه قال وكان المتكلم عليه الخجا العجمي من قبل حزم باشا وأحسن النظر فيه وعمر ما احترق من مال الوقف الذي كان مرصدا عنده والحال أنه سرق له مال من منزله وتحدث الناس أنه يدعي سرقة المال المرصد ولو ادعاه لصدقوه لكنه قال مال الجامع محفوظ لم يسرق فازداد الناس في مدحه وذكر عفته قال وكان كذلك فإنه لم يقطع على المستحقين شيئا بل هو الذي رتب القراء تحت القبة واستمر وتوفي ليلة الخميس تاسع عشرى ربيع الآخر ودفن بباب الصغير انتهى ملخصا وفيها شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن عمر بن عبد الله بن أبي بكر الفاكهي الأصل المصري المكي الشافعي ابن أخت السراج البلقيني قال في النور ولد في شعبان سنة ثمان وستين وثمانمائة بمكة ونشأ بها فحفظ القرآن وأربعين النواوي وارشاد ابن المقري وألفية ابن مالك وعرض على البرهان بن ظهيرة والمحب الطبري والعلمي وعمر بن فهد في آخرين قال السخاوي سمع مني بمكة والمدينة أشياء بل قرأ علي بالقاهرة في سنن أبي داود وتكرر قدومه لها وهو حاذق فطن منور وقال جار الله بن فهد واستمر على حاله في التردد والحذق وكثرة دخول القاهرة ومخالطة الأكابر مع الحرص على تحصيل الوظائف وتزوج واحدة بعد واحدة ورزق جملة أولاد أنجبهم عبد الله بن حبيشة وله غيره من مكية ومدنية وحصل الأملاك وعمرها ثم ضعف في آخر عمره وطلع له فتق في بدنه وانقطع في بيته نحو جمعة بالاسهال ثم مات بمكة يوم الجمعة تاسع عشر المحرم بعد وصية وحصل له بالاسهال الشهادة 215 ووقى فتنة القبر بموته يوم الجمعة ودفن على قبر أبيه وجده جوار الفضيل ابن عياض وفيها المولى شمس الدين أحمد بن يوسف القسطنطيني المولد الحنفي المعروف بابن الجصاص اشتغل ثم خدم المولى ابن المؤيد ثم درس وترقى في المدارس حتى أعطى سلطانية بروسا ثم ولي قضاء الشام ثم عزل منها بعد إقامته بها شهرين وأربعة أيام ثم أتاه أمر باستمراره في دمشق مفتشا على الأوقاف وكان محافظا على الصلاة بالجماعة في الجامع الأموي لا يحب أحدا يمشي أمامه على هيئة الأكابر وصار بعد عوده إلى الروم مدرسا بإحدى الثمانية بثمانين درهما وكان عالما عاملا مدققا ماهرا في العلوم العقلية بعيدا عن التكلف صحيح العقيدة رحمه الله تعالى
وفيها ظناجان التبريزي الشافعي المعروف بميرجان الكبابي القاطن بحلب قال في الكواكب كان عالما كبيرا سنيا صوفيا قصد قتله شاه إسمعيل صاحب تبريز لتسننه فخلع العذار وطاف في الأزقة كالمجنون ثم صار على أسلوب الدراويش وقال ابن الحنبلي زرته بحلب في العشر الرابع من القرن وهو بحجرة ليس فيها إلا الحصير ومن لطيف ما سمعته منه السوقية كلاب سلوقية وفي تاريخ ابن طولون المسمى مفاكهة الأخوان وفي يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان يعني سنة أربع وثلاثين قدم دمشق عالم الشرق مرجان القبالي التبريزي الشافعي وقيل أنه كان إذا طلع محل درسه نادى مناد في الشوارع من له غرض في حل اشكال فليحضر عند المنلا فلان قال ووقفت له على تفسير عدة آيات على طريقة نجم الدين الكبرى في تفسيره قال وعنده اطلاع انتهى ثم ذكر أنه سافر راجعا إلى بلاده من دمشق حادي عشر محرم سنة خمس وثلاثين قال وكان شاع عنه أنه يمسح على الرجلين من غير خف وأنه يقدم عليا رضي الله عنه وأنه استخرج ذلك من آية من القرآن العظيم انتهى
وفيها عفيف الدين عبد الله بن عبد اللطيف بن أبي بدرون السيد الشريف 216 الحسيني الفاسي المكي قريب مؤرخ مكة القاضي تقي الدين ولد في شوال سنة سبع وأربعين وثمانمائة وأجازه الحافظ بن حجر ومن في طبقته باستدعاء المحدث نجم الدين عمر بن فهد في سنة خمسين وله سماع على الشيخ أبي الفتح المراغي العثماني وغيره وتوفي في شوال عن ثمان وثمانين سنة
وفيها تقريبا عبد الرحمن الشامي المدرس بخانقاة سعيد السعدا بالقاهرة قال في الكواكب الشيخ الإمام الفقيه النحوي الصوفي كان يتعمم بالصوف وله تحقيق في العلوم الشرعية والعقلية أقبلت عليه الأكابر والأمراء واعتقدوه وكانوا يجلسون بين يديه متأدبين وهو يخاطبهم بأسمائهم من غير تعظيم ولا تلقيب مات في حدود هذه الطبقة ودفن قريبا من تربة السلطان اينال ورؤيت الوحوش تنزل من الجبل فتقف على باب تربته في الليل فيخرج إليها ويكلمها فترجع ذكره الشعراوي انتهى وفيها زين الدين عبد القادر بن أحمد الحمصي المعروف بابن الدعاس الشيخ الفاضل العالم قال في الكواكب دخل دمشق وحضر دروس شيخ الإسلام الوالد وكتب نسختين من مؤلفه المسمى بالدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد واجتمع به في ذهابه إلى الروم سنة ست وثلاثين ثم رجع الوالد سنة سبع وثلاثين فوجده قد مات بحمص انتهى
وفيها المولى عبيد الله بن يعقوب المولى الفاضل الحنفي أحد الموالي الرومية سبط الوزير أحمد باشا بن الفناري قال في الشقائق قرأ على علماء عصره واشتغل بالعلم غاية الاشتغال ثم وصل إلى خدمة الفاضل مصلح الدين البارحصاري ثم انتقل إلى خدمة الشيخ محمود قاضي العسكر المنصور ثم صار قاضيا بحلب وكان فاضلا ذكيا له مشاركة في العلوم ومعرفة تامة بعلم القراءات قوي الحفظ حفظ القرآن العظيم في ستة أشهر صاحب أخلاق حميدة جدا من الكرم في غاية لا يمكن المزيد عليها ملك كتبا كثيرة وهي على 217 ما يروى عشرة آلاف مجلد قال ورأيت له شرحا للقصيدة المسماة بالبردة وقال ابن الحنبلي وكان له مدة إقامته بحلب شغف بجمع الكتب سمينها وغثها جديدها ورثها حتى جمع منها ما يناهز تسعة آلاف مجلد وجعل فهرستها مجلدا مستقلا ذكر فيه الكتاب ومن ألفه وكان مع أصالته فاضلا سيما في القراءات عارفا باللسان العربي سخيا معتقدا في الصوفية كثير التردد إلى مجلس الشيخ علي الكيزواني لتقبيل يده من غير حائل ولا يتغالى في ملبسه ولا يبالي به وكان يقول من تعاطى الأوقاف فقد تحمل أحدا أوقاف انتهى ملخصا وفيها الشيخ علوان علي بن عطية بن الحسن بن محمد بن الحداد الهيتي الحموي الشافعي الصوفي الشاذلي الإمام العلامة الفهامة شيخ الفقهاء والأصوليين وأستاذ الأولياء العارفين سمع على الشمس البازلي كثيرا من البخاري ومسلم وعلى نور الدين بن زهرة الحنبلي الحمصي وأخذ عن القطب الخيضري والبرهان الناجي والبدر حسن بن شهاب الدمشقيين وغيرهم من أهلها وعن ابن السلامي الحلبي وابن الناسخ الطرابلسي والفخر عثمان الديمي المصري وقرأ على محمود بن حسن البزوري الحموي ثم الدمشقي الشافعي وأخذ طريقة التصوف عن سيدي علي بن ميمون المغربي قال المترجم اجتمعت به بحماة وكنت أعظ من الكراريس بأحاديث الرقائق ونوادر الحكم فقال يا علوان عظ من الراس ولا تعظ من الكراس فلم أعبأ به فأعاد القول ثانيا وثالثا فتنبهت عند ذلك وعلمت أنه من أولياء الله تعالى فأتيت في اليوم القابل فإذا بالسيد في قبالتي قال فابتدأت غيبا وفتح الله علي واستمر الفتح إلى الآن قال وأمرني بمطالعة الأحياء وأخذت عنه طريق الصوفية وبالجملة فقد كان سيدي علوان ممن أجمع الناس على جلالته وتقدمه وجمعه بين 218 العلم والعمل وانتفع الناس به وبتآليفه في الفقه والأصول والتصوف وتآليفه مشهورة منها المنظومة الميمية المسماة بالجوهر المحبوك في علم السلوك وكتاب مصباح الهداية ومفتاح الدراية في الفقه وكتاب النصائح المهمة للملوك والأئمة وبيان المعاني في شرح عقيدة الشيباني وعقيدة مختصرة وشرحها ورسالة سماها فتح اللطيف بأسرار التصريف على نهج رسالة شيخه التي في إشارات الجرومية وشرح يائية ابن الفارض وتائية ابن حبيب وهو أشهر كتبه وكتاب مجلى الحزن في مناق بشيخه السيد الشريف أبي الحسن والنفحات القدسية في شرح الأبيات الششترية وهي التي نقلها سيدي أحمد زروق في شرح الحكم العطائية ومن نظمه في النفحات المذكورة
( القتل في الحب أسنى منية الرجل
طوبى لمن مات بين السيف والأسل )
( سيف اللحاظ ورمح القد كم قتلا
من مستهام فقاداه إلى الأجل )
( لو تعلم الروح فيمن أهدرت تلفا
أضحت ومقدارها في نيل ذاك على )
( أن الغرام وإن أشقى السقيم به
على الهلاك لدرياق من العلل )
( ياحبذا سقمي فيهم وسفك دمي
به ارتفعت بلا شك على زحل )
( أحباب قلبي بعيش قد مضى بكم
جودوا بوصل فأنتم غاية الأمل )
( أشكو انقطاعي وهجري والصدود لكم
إن تقطعوا بانصرام الود ماحيلي )
( وحق معنى جمال يجتلي أبدا
من حسن طلعتكم قدما من الأزل )
( ما حلت عنكم ولا أبغي بكم بدلا
فليس من شيمتي ميل إلى البدل )
( هيهات إن أنثني يوما إلى أحد
وليس غيركم في الكون يصلح لي )
وتوفي رضي الله عنه بحماة في جمادى الأولى قال ولده سيدي محمد في تحفة الحبيب ولقد أخبرني بموته قبل حلول مرضه وعرف بأمور تصدر في بلدته وغيرها بعد موته من أصحابه وغيرهم فجاءت مواعيده التي أشار بها كفلق الصبح
وفيها زين الدين أبو حفص عمر بن أحمد بن علي بن محمود بن الشماع 219 الحلبي الشافعي الإمام العلامة المسند المحدث ولد سنة ثمانين وثمانمائة تقريبا واشتغل على محي الدين بن الأبار والجلال النصيبي وغيرهما من علماء حلب وأخذ الحديث عن التقي الحبيشي الحلبي وغيره بحلب وعن الجلال السيوطي والقاضي زكريا والبرهان بن أبي شريف بالقاهرة وقد زادت شيوخه بالسماع على مائتين وبالإجازة العامة دون السماع والإجازة الخاصة على مائة وحج وجاور بمكة مرات وصافر في طلب الحديث إلى حماة وحمص ودمشق وبيت المقدس وصفد والقاهرة وبلبيس والحرمين الشريفين وغيرها وصحب بمكة سيدي محمد بن عراق ولبس منه الخرقة وتلقن منه الذكر وأخذ الطريق أيضا عن الشيخ علوان الحموي وصحبه وأخذ عنه الشيخ علوان أيضا وكان إماما عالما أمارا بالمعروف نهاءا عن المنكر لا يقبل هدايا أهل الدنيا ولا يتولى شيئا من الوظائف والمناصب بل يقنع بما يحصل له من ربح مال كان يضارب به رجلا من أصحابه وله مؤلفات كثيرة منها مورد الظمآن في شعب الإيمان ومختصره تنبيه الوسنان إلى شعب الإيمان ومختصر شرح الروض سماه مغنى الراغب في روض الطالب وكتاب بلغة المقتنع في آداب المستمع والدر الملتقط من الرياض النضرة في فضائل العشرة والعذب الزلال في فضائل الآل واللآلىء اللامعة في ترجمة الأئمة الأربعة والمنتخب من النظم الفائق في الزهد والرقائق وعرف الند في المنتخب من مؤلفات ابن فهد والفوائد الزاهرة في السلالة الطاهرة والمنتخب المرضي من مسند الشافعي ولقط المرجان من مسند النعمان واتحاف العابد الناسك بالمنتقى من موطأ مالك والدر المنضد من مسند أحمد واليواقيت المكللة في الأحاديث المسلسلة والقبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي والمواهب الملكية وتحفة الأمجاد والتذكرة المسماة سفينة نوح والسيرة الموسومة بالجواهر والدرر وكتاب محرك همم القاصرين لذكر الأئمة المجتهدين المتعبدين 220 والنبذة الزاكية فيما يتعلق بذكر أنطاكية وعيون الأخبار فيما وقع له في الإقامة والأسفار ومن شعره في معنى الحديث المسلسل بالأولية
( كن راحما لجميع الخلق منبسطا
لهم وعاملهم بالبشر والبشر )
( من يرحم الناس يرحمه الاله كذا
جاء الحديث به عن سيد البشر )
وتوفي بحلب صبح يوم الجمعة قبيل أذانه ثاني عشر صفر ودفن تحت جبل الجوشن عند الجادة التي يرد عليها من يرد من أنطاكية
وفيها كمال الدين محمد بن علي القاهري الشافعي قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية الشهير بالطويل الإمام العلامة شيخ الإسلام ولد سنة ست وأربعين وثمانمائة قال الشعراوي كان من أولاد الترك وبلغنا أنه كان في صباه يلعب بالحمام في الريدانية فمر عليه سيدي إبراهيم المتبولي وهو ذاهب إلى بركة الحاج فقال له مرحبا بالشيخ كمال الدين شيخ الإسلام فاعتقد الفقراء أنه يمزح معه إذ لم يكن عليه أمارة الفقهاء ففي ذلك اليوم ترك لعب الحمام واشتغل بالقراءة والعلم وعاش جماعة الشيخ إبراهيم حتى رأوه تولى مشيخة الإسلام وهي عبارة عن قضاء القضاة أخذ الشيخ كمال الدين العلم والحديث عن الشرف المناوي والشهاب الحجازي وغيرهما وسمع صحيح مسلم وغيره على القطب الخيضري وألفية العراقي وغيرها على الشرف المناوي قال الشعراوي وكان إماما في العلوم والمعارف متواضعا عفيفا ظريفا لا يكاد جليسه يمل من مجالسته انتهت إليه الرياسة في العلم ووقف الناس عند فتاويه وكانت كتب مذهب الشافعي كأنها نصب عينيه لا سيما كتب الأذرعي والزركشي وقدم دمشق وحلب وخطب بدمشق لما كان صحبة الغوري وأخذ بحلب عنه الشمس السفيري والمحيوي بن سعيد وعاد إلى القاهرة فتوفي بها ورؤى في ليلة وفاته أن أعمدة مقام الشافعي سقطت ودفن بتربته خارج باب النصر
وفيها شمس الدين محمد بن علاء الدين علي بن شهاب الدين أحمد الحريري 221 الدمشقي الشهير بابن فستق الشافعي الحافظ لكتاب الله تعالى مع الاتقان قال في الكواكب كان فاضلا صالحا مقرئا مجودا في خدمة الجد شيخ الإسلام رضى الدين الغزي ومن أخصائه ثم لازم شيخ الإسلام الوالد وحضر دروسه كثيرا انتهى
وفيها أبو الفتح محمد القدسي الشافعي الإمام العلامة كان شيخ الخانقاه السميساطية جوار جامع بني أمية بدمشق وولي نظر العذراوية وكان له سكون وله شرح على البردة توفي يوم الجمعة عشرى جمادى الآخرة
وفيها شمس الدين محمد البانقوسي الحلبي عرف بابن طاش بفطي تفقه على ابن فخر النساء ودرس بالأتابكية البرانية بحلب وكان صالحا مباركا قليل الكلام حسن الخط كبير السن كثير التهجد رحمه الله تعالى
سنة سبع وثلاثين وتسعمائة
فيها توفي المولى سليمان الرومي أحد مواليهم ترقى في التدريس حتى درس بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة ومات وهو مدرس بها وكانت وفاته في مجلس غاص بالعلماء في وليمة الختان لأولاد السلطان سليمان سقط مغشيا عليه فحمل إلى خيمته فمات بها وكان فاضلا مشتغلا بنفسه
وفيها عبد الله المجذوب المصري كان يصحن الحشيش في خرائب الأزبكية بالقاهرة وكان من كرامته أن من أخذ من حشيشه وأكل منه يتوب لوقته ولا يعود إليها أبدا قال الشعراوي وكان من الراسخين قال وكان كثير الكشف سمعته مرة يقول وعزة ربي ما أخذها أحد من هذه اليد وعاد إليها يعني الحشيشة مات في هذه السنة ودفن في خرائب الأزبكية مع الغرباء
وفيها تقريبا فخر الدين عثمان السنباطي الشافعي الإمام العلامة أخذ عن القاضي زكريا والبرهان بن أبي شريف والكمال الطويل وصحب محمد الشناوي 222 وكان من العلماء العاملين قليل الكلام حسن السمت ولما ضرب القانون على القضاة عزل نفسه وكان يقضي في بلده احتسابا رحمه الله تعالى
وفيها ظنا عز الدين المازندراني العجمي جاور بمكة ثم قدم حلب سنة إحدى وثلاثين وظهر له فضل في علوم شتى لا سيما القراآت فإنه كان فيها أمة وألف فيها كتابا في وقف حمزة وهشام وله شرح على الجرومية أجاد فيها وأتى بعبارات محكمة لكنها مغلقة على المبتدىء ثم رحل إلى بلاده فمات بها
وفيها أو ما يقرب منها علاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن موسى بن محمد الديري ثم الجوبري الدمشقي الشافعي الأديب ولد بقرية الشوبك ببلاد نابلس في جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وثمانمائة وكان مؤذنا بالجامع الأموي متسببا باب البريد فاضلا بارعا شاعرا له ديوان شعر ولم يشتهر ومن شعره تخميس أبيات ابن حجر
( أمر يطول ومدة متقاصره
وبصائر عميت وعين باصره )
( فإلى متى يا نفس ويحك صابره
قرب الرحيل إلى ديار الآخره )
( فاجعل إلهي خير عمري آخره
)
( فالعيش في الدنيا كلذة حالم
وسواك يا مولاي ليس بدائم )
( وإليك مرجعنا بأمر جازم
فلئن رحمت فأنت أكرم راحم )
( وبحار جودك يا إلهي زاخره
)
( يا رب إن الدهر أبلى جدتي
وعصيت في جهل الشباب وجدتي ) 223
( فإذا تصرم ما بقي من مدتي
آنس مبيتي في القبور ووحدتي )
( وارحم عظامي حين تبقى ناخره
)
( إن كنت ترحم من مضت أعوامه
في لهوه حتى نمت آثامه )
( والعفو منك رجاؤه ومرامه
فأنا المسيكين الذي أيامه )
( ولت بأوزار عدت متواتره
)
( فبوجهك الباقي وعز جلاله
ومحمد سر الوجود وآله )
( رفقا بمن أنت العليم بحاله
وتوله باللطف عند مآله )
( يا مالك الدنيا ورب الآخرة
)
توفي يوم الأربعاء سابع عشر صفر وفيها أقضى القضاة علاء الدين علي بن أحمد بن محمد بن عز الدين الصغير بن عز الدين بن محمد الكبير ابن خليل الحاضري الأصل الحنفي أخذ عن الشمس الدلجي وغيره وجلس بمكتب العدول على باب جامع حلب الشرقي وناب بمحكمة الجمالي يوسف ابن اسكندر الحنفي وكتب بخطه كثيرا من الكتب العلمية ووعظ بجامع حلب وكان صالحا عفيفا سليم الصدر وتوفي في شوال وفيها تقريبا قاضي القضاة فضيل بن مفتي المملكة الرومية علاء الدين علي بن أحمد بن محمد الأقصرائي الحنفي كان ينسب إلى الشيخ جمال الدين محمد الأقصرائي صاحب موجز الطب والإيضاح البياني وغيرهما وكان الشيخ جمال الدين هذا ينسب إلى الفخر الرازي الذي هو من ذرية أبي بكر الصديق رضي الله عنه كذا قال ابن الحنبلي وذكر أنه قدم حلب في ذي القعدة سنة ستين متوليا قضاء بغداد فاجتمع به واستجازه ثم ولي قضاء حلب ثم في سنة إحدى وستين دخلها متوليا ووهبه رسالة له سماها إعانة الفارض في تصحيح واقعات الفرائض ولم يؤرخ وفاته وفيها قصير الحنفي مفتي بخاري قال ابن طولون دخل دمشق في أثناء جمادى الأولى سنة سبع وثلاثين وتسعمائة ومعه جماعة 224 وزار بيت المقدس ثم عاد إلى دمشق وحج منها وكان عالما بالعربية نزل بالشامية البرانية وتردد إليه الشيخ عبد الصمد الحنفي والشيخ تقي الدين القاري وقرأ عليه الثاني في المصابيح انتهى وفيها شمس الدين محمد بن إبراهيم بن محمد بن مقبل البلبيسي ثم المقدسي ثم الدمشقي الوفائي الشافعي الإمام العلامة واعظ دمشق أخذ عن الشيخ أبي الفتح المزي وغيره وكان أسن من البدر الغزي ومع ذلك أخذ عنه قال في فهرست تلاميذه أجزته ببعض مؤلفاتي وأشعاري وحضر دروسا من دروسي انتهى وكان مجاورا في خلوة بالسميساطية وانقطع بها خمس سنوات وقد تعطل شقه الأيسر وفي يوم السبت عاشر رجب سنة خمس وثلاثين وتسعمائة دخل عليه اثنان من المناحيس وهو على هذه الحال فأخذا منه منديل النفقة بما فيه وعدة من كتب وذهبا كان عنده وكان ذلك قبل صلاة الصبح فأقام الصوت عليهما فلم يدركا وكان ذلك سببا في زيادة ابتلائه وكان من عباد الله الصالحين وتوفي في رجب هذه السنة
وفيها تقريبا شمس الدين محمد بن إبراهيم الثنائي المالكي العلامة قاضي القضاة بالديار المصرية كان ممن جمع بين العلم والعمل صواما قواما له شرح عظيم على الرسالة وعدة تصانيف مشهورة وأجمع الناس على جلالته وتحريره لنقول مذهبه وممن أخذ عنه السيد عبد الرحيم العباسي رحمه الله تعالى
وفيها ظنا شمس الدين محمد بن إبراهيم بن بلبان البعلي المعروف بجده الشيخ الصالح ولد تاسع عشر المحرم سنة إحدى وسبعين وثمانمائة وأخذ ورد ابن داود عن الشيخ عبد القادر بن أبي الحسن البعلي الحنبلي بحق روايته عن ولد المصنف سيدي عبد الرحمن بن أبي بكر بن داود عن أبيه
وفيها قاضي القضاة ولي الدين محمد بن قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن محمود بن عبد الله بن محمود بن الفرفور الدمشقي الشافعي قال في الكواكب 225 ولد في ثامن عشر جمادى الأولى سنة خمس وتسعين بتقديم التاء وثمانمائة وحفظ القرآن العظيم والمنهج في الفقه لشيخه شيخ الإسلام القاضي زكريا وجمع الجوامع لابن السبكي وألفية ابن مالك وأخذ الفقه بدمشق عن شيخ الإسلام تقي الدين بن قاضي عجلون وبالقاهرة عن القاضي زكريا والبرهان ابن أبي شريف وأخذ الحديث بدمشق عن الحافظ برهان الدين الناجي والشيخ أبي الفتح المزي والشيخ أبي الفضل بن الإمام والجمال بن عبد الهادي وبمصر عن المحدث التقي الأوجاقي وغيره وأجاز له جماعات في استدعاءات وولي قضاء قضاة الشافعية بدمشق بعد وفاة أبيه وعزل عنه وأعيد إليه مرارا آخرها سنة ثلاثين وتسعمائة وولي قضاء حلب سنة ست وعشرين وكان آخر قاض تولى حلب من أولاد العرب ومع توليته بدمشق وحلب في الدولة العثمانية لم ينتقل عن مذهبه وصار لنائب دمشق عيسى باشا عليه حقد آخرا فسافر من دمشق في رمضان سنة ست وثلاثين ودخل حلب وعيد بها وفي ثالث شوال حضر أولا قان من جهة عيسى باشا نائب الشام ومعهما مكاتبات يخبر فيها بحضور مرسوم سلطاني بعود القاضي ابن الفرفور محتفظا للتفتيش عليه وتحرير ما نسب إليه من المظالم وأن المتولي لذلك عيسى باشا وقاضي الشام ابن إسرافيل المتولي مكانه فرجع ابن الفرفور إلى دمشق فوصلها تاسع عشر شوال ووضع فيه قلعتها ونودي من الغد بالتفتيش عليه أياما في نحو خمسة عشر مجلسا وخرج عليه من كان داخلا فيه وراكنا إليه وشدد عليه في الحساب من كان يعده من الأجباب فأتاه الخوف من جانب الا ومن حيث أمل الربح جاءه الغبن وبقي مسجونا بالقلعة إلى أن توفي بها يوم الثلاثاء سلخ جمادى الآخرة ودفن بتربته التي أنشأها شمالي ضريح الشيخ أرسلان ورثاه جماعة انتهى ملخصا
وفيها تقريبا شمس الدين محمد بن خليل بن الحاج علي بن أحمد بن ناصر 226 الدين محمد بن قنبر العجمي وبه اشتهر الحلبي الإمام العالم العلامة العامل الأوحد البارع الكامل ولد سنة إحدى وتسعمائة قال في الكواكب قال شيخ الإسلام الوالد حضر بعض مجالسي في قراءة الحاوي ومغنى اللبيب في سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة بدمشق ثم رحل إلى بلده حلب قلت ثم اجتمع به في حلب في رحلته إلى الروم سنة ست وثلاثين انتهى
وفيها شمس الدين محمد بن عبد الرحيم بن المنير البعلي الشافعي الإمام العالم الفاضل الزاهد ولي الله تعالى كان رفيقا وصاحبا لشيخ الإسلام بهاء الدين الفصي وكان يحضر درسه كثيرا وكان يحترف بعمل الاسفيداج والسيرقون والزنجار ويبيع ذلك وسائر أنواع العطر في حانوت ببعلبك وفي كل يوم يضع من كسبه من الدنانير والدراهم والفلوس في أوراق ملفوفة وإذا وقف عليه فقير أعطاه من تلك الأوراق ما يخرج في يده لا ينظر في الورقة المدفوعة ولا في الفقير المدفوع إليه وكان كثير الصدقة معاونا على البر والتقوى يعمر المساجد الخراب ويكفن الفقراء وكان له مهابة عند الحكام يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ناصحا للطلبة في الإفادة له أوراد ومجاهدات وكرامات توفي يوم الأحد ثاني صفر ودفن ببعلبك
وفيها جلال الدين محمد بن قاسم المالكي شيخ الإسلام قال الشعراوي كان كثير المراقبة لله تعالى وكانت أوقاته كلها معمورة بذكر الله تعالى شرح المختصر والرسالة وانتفع به خلائق لا يحصون وولاه السلطان الغوري القضاء مكرها وكان أكثر أيامه صائما وكان حافظا للسانه في حق أقرانه لا يسمع أحدا يذكرهم إلا ويبجلهم وكان حسن الاعتقاد في الصوفية رحمه الله تعالى انتهى وفيها تقريبا محي الدين محمد مفتي كرمان الشافعي الإمام العلامة حج سنة خمس وثلاثين وتسعمائة وقدم مع الحاج الشامي إلى دمشق حادي عشر صفر سنة ست وثلاثين وزار الشيخ محي الدين بن عربي وصحب 227 بها الشيخ تقي القاري وأكرمه قاضي دمشق وجماعة من أهلها وأحسنوا إليه وأخبر عن نفسه أن له تفسيرا على القرآن العظيم وحاشية على كتاب الأنوار للأردبيلي وغير ذلك وكان صحب ذلك معه فخاف عليه من العرب فرده إلى بلاده كرمان وفيها المولى بدر الدين محمود بن عبيد الله أحد موالي الروم كان من عتقاء الوزير علي باشا وقرأ على جماعة منهم ابن المؤيد ودرس بعدة مدارس ثم صار قاضيا بأدرنة ومات وهو قاضيها في هذه السنة
وفيها تقريبا بدر الدين محمود بن الشيخ جلال الدين الرومي الحنفي أحد الموالي الرومية قرأ وحصل ودرس وترقى في التدريس حتى درس بإحدى الثمانية ومات مدرسا بها قال في الشقائق كان عالما فاضلا ذا كرم ومروءة اختلت عيناه في آخر عمره انتهى وفيها أبو زكريا يحيى بن علي وقيل ابن حسين المعروف بابن الخازندار الحنفي الحلبي العالم العامل إمام الحنفية بالجامع الكبير بحلب ذكره البدر الغزي في المطالع البدرية وأحسن الثناء عليه وقال ابن الحنبلي كان دينا خيرا قليل الكلام كثير السكينة أخذ الحديث رواية عن الزين بن الشماع والتقي أبي بكر الحبيشي قال وكان جده قجا فيما سمعت من مسلمي التتار الأحرار الذين لم يمسهم الرق وتوفي في هذه السنة انتهى
وفيها القاضي جمال الدين يوسف بن محمد بن علي بن طولون الزرعي الدمشقي الحنفي ترجمه ابن أخيه الشيخ شمس الدين بالفضل والعلم وذكر عن مفتي الروم عبد الكريم أنه لم ير في هذه المملكة أمثل منه في مذهب الإمام أبي حنيفة وتوفي ليلة الأحد رابع المحرم بعلة الاسهال ودفن بتربته بالصالحية
سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن بدر بن إبراهيم الطيبي الشافعي المقرىء والد الإمام بالجامع الأموي وواعظه شيخ الإسلام الطيبي المشهور تلا 228 بالسبع على العلامة إبراهيم بن محمود القدسي كاتب المصاحف وعلى غرس الدين خليل وانتهى إليه علم التجويد في زمانه وكان يتسبب بحانوت بباب البريد ويقرىء الناس وتوفي ليلة الخميس سادس جمادى الأولى ودفن بباب الفراديس وفيها شهاب الدين أحمد البخاري المكي السيد الشريف الإمام العلامة إمام الحنفية بالمسجد الحرام توفي ببندر جدة وهو قاض بها عن مستنيبه فحمل إلى مكة على أعناق الرجال فوصلها حادي عشر ربيع الثاني ودفن على أبيه بالمعلى وفيها شهاب الدين أحمد النشيلي المصري الشافعي الإمام العالم العلامة توفي بمكة في هذه السنة
وفيها شهاب الدين أحمد الزبيدي المكي قال ابن طولون كان مترجما بالعلم ودخل دمشق متوجها إلى الروم فمات بحلب أي في هذه السنة
وفيها تاج الدين عبد الوهاب بن عبد القادر العنابي الدمشقي القاضي الأسلمي أبوه كان ديوانيا بقلعة دمشق هو ووالده من قبله ثم تولى عدة وظائف منها امرة التركمان واستمر على ذلك في الدولة الجركسية ثم أخذه السلطان سليم إلى اسلامبول ثم أطلقه فحج وجاور ثم عاد إلى دمشق وبقي بها إلى الممات قال ابن طولون وسمع في صغره على جماعة عدة أجزاء ولذلك استجزته لجماعة ومدحه الشعراء الأفاضل منهم شيخنا علاء الدين بن مليك وأكثر منه الشيخ شهاب الدين الباعوني وتوفي ليلة الجمعة ثاني ربيع الأول ودفن بتربتهم لصيق الصابونية من جهة القبلة ولم يحتفل الناس بجنازته انتهى
وفيها علاء الدين علي القدسي الشافعي نزيل دمشق العالم الورع قال الشيخ يونس العيثاوي كان رفيقنا على الشيخ أبي الفضل بن أبي اللطف ثم من بعده رافقنا على الإمام تقي الدين البلاطنسي إلى أن مات قال وكان يتعاطى البيع والشراء برأس مال يسير بورك له فيه مع التعفف عن الوظائف على طريقة السلف وتوفي نهار الخميس ثاني القعدة ودفن بباب الصغير 229
وفيها زين الدين عمر بن أحمد بن أبي بكر المرعشي العالم كان في أول أمره يتكسب بالشهادة بحلب على فقر كان له وقناعة ثم انقادت إليه الدنيا فرأس وصار عينا من أعيان حلب ولم تستهجن رياسته لأنه كان حفيدا للشيح الإمام العلامة المفنن شهاب المرعشي المتوفى سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة وكان الشيخ زين الدين يتجمل بمصاحبة شيخ الإسلام البدر بن السيوفي وأحبه قاضي قضاة حلب زين العابدين بن الفناري وكان يكتب على الفتاوى وامتحن في واقعة قرا قاضي وسيق فيمن سيق هو وأولاده إلى رودس ثم أعيد إلى حلب باقيا على رياسته وشهامته ومناصبه إلى أن مات في هذه السنة وهو يحث من حضره على الذكر وتلاوة القرآن
وفيها زين الدين عمر الصعتري الحنفي الإمام العلامة إمام الصخرة المعظمة بالقدس الشريف قال ابن طولون كان من أهل العلم والعمل وقرأ بمصر على جماعة منهم البرهان الطرابلسي وتوفي في جمادى الأولى
وفيها المولى شاه قاسم بن الشيخ شهاب الدين أحمد الحنفي الشهير بمنلا زاده أصله من هراة وكان هو وأبوه واعظين وتوطن المترجم تبريز ولما دخلها السلطان سليم أخذه معه إلى بلاد الروم وعين له كل يوم خمسين درهما وكان عالما فاضلا أديبا بليغا له حظ من علم التصوف وخط حسن ومهارة في الانشاء أنشأ تواريخ آل عثمان فمات قبل إكمالها في هذه السنة أو في التي بعدها وفيها شمس الدين محمد بن زين الدين بركات بن الكيال الشيخ الواعظ ابن الواعظ الشافعي أسمعه والده على جماعة منهم البرهان الناجي وزوجه ابنته واشتغل ووعظ بالجامع الأمور وغيره وكان خطيب الصابونية وكان عنده تودد للناس وتوفي يوم السبت عشرى شوال
وفيها محمد بن سحلول بلامين الجديثي البقاعي الشافعي قال ابن طولون كان صالحيا يحفظ القرآن حفظا جديا ويقرؤه في كل ثلاثة أيام قال وكان أفادني 230 عن بعض المصريين الصلحاء في دفع الفواق أن يقبض الإنسان بإبهاميه على ظهر أصلي بنصريه بقوة توفي فجأة يوم الأحد ثاني عشر جمادى الأولى
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن أحمد الشهير بابن العجيمي المقدسي الشافعي الصوفي العلامة المحدث الواعظ أخذ عن مشايخ الإسلام البرهان ابن أبي شريف والجلال السيوطي والقاضي زكريا والشمس السخاوي وناصر الدين بن زريق وتوجه إلى الروم وحصل له به الاقبال وعاد وتردد إلى دمشق مرارا ووعظ بالجامع الأموي ودرس بالفصوص فيه أيضا وكان يعتم بعمامة سوداء قال ابن الحنبلي دخل إلى حلب مرتين ووعظ بها واجتمع في سنة تسع وعشرين بمحدثها الشيخ زين الدين بن الشماع وقرئت عليهما ثلاثيات البخاري ثم أجاز كل منهما للآخر وقال فيه ابن الشماع هو خادم التفسير والسنن المنتصب لنصح المسلمين والمرغب لأهدى سنن بل هو العلم الفرد الذي رفع خبر الأولياء والعلماء ونصب حالهم ليقتدي بهم وخفض شأن أهل البطالة من الصوفية الجهلة وحذر من يدعهم واتباع طريقهم انتهى وتوفي ببت المقدس في رمضان وفيها أبو زكريا يحيى بن علي بن أحمد بن شرف الدين الرحبي الأصل المكي المالكي ويعرف كأبيه بالمغربي ولد ليلة الأربعاء رابع عشرى ربيع الأول سنة خمس وستين بمكة ونشأ بها وحفظ القرآن والأربعين النووية والشاطبية والرسالة وألفية النحو وعرض في سنة تسع وسبعين على قضاة مكة الأربعة وعمر بن فهد وحضر عند الفخر بن ظهيرة وأخيه البرهان مع ذكاء وفهم ثم تعانى التجارة بعد أن أثبت البرهان رشده وسلمه ماله وسافر في التجارة لدمشق وتلقن في القاهرة الذكر من ابن عبد الرحيم الأبناسي قال السخاوي وله تردد إلي وسماع علي ولي إليه زائد الميل ونعم هو تواضعا وأدبا وفهما وذكاء وحسن عشرة بحيث صار بيته بمكة وغيرها مألفا لأحبابه مع عدم اتساع دائرته وقال ابن فهد 231 طال مرضه حتى توفي بمكة ليلة السبت سادس عشرى شوال ودفن بالمعلاة ولم يخلف غير بنت واحدة ملكها جميع مخلفه وأثبت ذلك في حياته
سنة تسع وثلاثين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم الصفوري الإمام العالم توفي بصفوريا في هذه السنة وفيها أبو الهدى بن محمود النقشواني الحنفي المنلا العالم المتبحر أخذ عن جماعة منهم منلا طالشي الدريعي ومنلا مزيد القرماني وابن الشاعر وكان يميزه على شيخيه الأولين قال ابن الحنبلي دخل حلب وسكن فيها بالكناوية وبها صحبته ثم بالأتابكية البرانية وكان عالما عامى محققا مدققا منقطعا عن الناس قليل الأكل خاشعا إذا توجه إلى الصلاة لم يلتفت يمينا ولا شمالا ينظم الشعر بالعربية والفارسية وتوفي بعين تاب في هذه السنة وفيها شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد الشويكي النابلسي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي مفتي الحنابلة بدمشق العلامة الزاهد ولد سنة خمس أو ست وسبعين وثمانمائة بقرية الشويكة من بلاد نابلس ثم قدم دمشق وسكن صالحيتها وحفظ القرآن العظيم بمدرسة أبي عمر والخرقي والملحة وغير ذلك ثم سمع الحديث على ناصر الدين بن زريق وحج وجاور بمكة سنتين وصنف في مجاورته كتاب التوضيح جمع فيه بين المقنع والتنقيح وزاد عليهما أشياء مهمة قال ابن طولون وسبقه إلى ذلك شيخه الشهاب العسكري لكنه مات قبل اتمامه فإنه وصل فيه إلى الوصايا وعصريه أبو الفضل بن النجار ولكنه عقد عبارته انتهى وتوفي بالمدينة المنورة في ثامن عشرى صفر ودفن بالبقيع ورؤى في المنام يقول أكتبوا على قبري هذه الآية (
ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) وفيها تقريبا المولى بير أحمد أحد الموالي الرومية 232 الحنفي خدم المولى أحمد باشا المفتي بن المولى خضر بك وترقى في التداريس إلى مدرسة مراد خان ببروسا ثم أعطى قضاء حلب ثم عزل وأعطى تقاعدا بثمانين عثمانيا وكان له مشاركة في العلوم وعلق تعليقات على بعض المباحث
وفيها باشا جلبي البكالي الحنفي الفاضل أحد موالي الروم خدم المولى مؤيد زاده وترقى في التداريس إلى دار الحديث بالمدينة المنورة وكان حليما كريما ينظم الأشعار التركية لكن كان في مزاجه اختلال وتوفي بالمدينة المنورة وفيها المولى الشهير بأمير حسن أحد موالي الروم الحنفي برع وفضل ودرس وترقى في التداريس حتى أعطى دار الحديث بأدرنة ومات عنها وكان مشتغلا بالعلم وله حواش على شرح الرسالة في آداب البحث لمسعود الرومي وحواش على شرح الفرائض للسيد وغير ذلك
وفيها زين العابدين بن العجمي الرومي الشافعي نزيل دمشق قال ابن طولون أصله من بغداد واشتغل بتبريز وولي تدريسا بمدينة طوقات ورتب له أربعون عثمانيا ثم تركه وتصوف على طريقة النقشبندية ثم ورد دمشق وأقرأ فيها الأفاضل ومات شهيدا بالطاعون يوم الخميس خامس عشر شوال
وفيها تقريبا محي الدين عبد القادر بن عبد العزيز بن جماعة المقدسي الشافعي الصوفي القادري الإمام العارف بالله تعالى أخذ عنه العلامة نجم الدين الغيطي حين ورد عليهم القاهرة سنة ثلاثين أخذ عنه علم الكلام وتلقن منه الذكر قاله في الكواكب وفيها تقريبا كريم الدين عبد الكريم بن عبد القادر بن عمر بن محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم الجعبري المقرىء الإمام العلامة صاحب الشرح على الشاطبية والمصنفات المشهورة قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وأخذ عنه الشيخ شهاب الدين الطيبي الحديث ومصنفات ابن الجزري رحمه الله تعالى قاله في الكواكب أيضا وأقول العبري المشهور شارح الشاطبية هو برهان الدين توفي سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة وتقدمت ترجمته هناك 233
وفيها المولى عبد اللطيف الرومي الفاضل أحد موالي الرومي اشتغل بالعلم ووصل لخدمة المولى مصلح الدين البارحصاري وترقى حتى صار مدرسا بإحدى الثمانية ثم بمدرسة أبي يزيد خان بأدرنة ثم صار قاضيا بها ثم ترك القضاء وعين له كل يوم ثمانون درهما وكان عالما عاملا عابدا زاهدا صالحا تقيا نقيا مقبلا على المطالعة والأوراد والأذكار ملازما للمساجد في الصلوات الخمس معتكفا في أكثر أوقاته مجاب الدعوة صحيح العقيدة لا يذكر أحدا إلا بخير اهتمامه بالآخرة رحمه الله تعالى وفيها سيدي على الخواص البرلسي أحد العارفين بالله تعالى وأستاذ الشيخ عبد الوهاب الشعراوي الذي أكثر اعتماده في مؤلفاته على كلامه وطريقه قال المناوي في طبقاته الامي المشهور بين الخواص بالخواص كان من أكابر أهل الاختصاص ومن ذوي الكشف الذي لا يخطىء والاطلاع على الخواطر على البديهة فلا يبطىء وكان عليه للولاية أمارة وعلامة متبجرا في الحقائق أشبه البحر اطلاعه والدر كلامه وكان في ابتداء أمره يبيع الجميز عند الشيخ إبراهيم المتبولي بالبركة ثم أذن له أن يفتح دكان زيات فمكث أربعين سنة ثم ترك وصار يضفر الخوص حتى مات وكان يسمى بين الأولياء النسابة لكونه أميا ويعرف نسب بني آدم وجميع الحيوان وكان معه تصرف ثلاثة أرباع مصر والربع مع محيسن المجذوب وكان إذا شاوره أحد لسفر يقول قل بقلبك عند الخروج من السور أو العمران دستور يا أصحاب النوبة اجعلوني تحت نظركم حتى أرجع فإنهم يحبون الأدب معهم ولهم اطلاع على من يمر في دركهم وكان إذا نزل بالناس بلاء لا يتكلم ولا يأكل ولا يشرب ولا ينام حتى ينكشف وله كلام في الطريق كالبحر الزاخر ومن كلامه الكمل لا تصريف لهم بحال بخلاف أرباب الأحوال وقال كل فقير لا يدرك سعادة البقاع وشقاوتها فهو والبهائم سواء وقال إياك أن تصغي لقول منكر على أحد الفقراء فتسقط 234 من عين رعاية الله وتستوجب المقت توفي في جمادى الآخرة ودفن بزاوية الشيخ بركات خارج باب الفتوح من القاهرة انتهى ملخصا
وفيها أبو الحسن محمد بن العارف بالله تعالى أبي العباس أحمد الغمري المصري الشافعي الصوفي الصالح الورع قال الشعراوي جاورت عنده ثلاثين سنة ما رأيت أحدا من أهل العصر على طريقته في التواضع والزهد وخفض الجناح وكان يقول إذا سمعت أحدا يعد ذهبا يضيق صدري وكان لا يبيت وعنده دينار ولا درهم ويعطي السائل ما وجد حتى قميصه وكان يخدم في بيته ما دام فيه ويساعد الخدام بقطع العجين وغسل الأواني ويقد تحت القدر ويغرف للفقراء بنفسه وكان شديد الحياء لا ينام بحضرة أحد أبدا وكان جميل المعاشرة خصوصا في السفر لا يتخصص بشيء عن الفقراء وكان كثير التحمل للبلاء لا يشكو من شيء أصلا وكان حلسا من أحلاس بيته لا يخرج منه إلا للصلاة أو حاجة ضرورية وإذا خرج إلى موضع ترك الأكل والشرب لئلا يحتاج إلى قضاء الحاجة في غير منزله توفي في هذه السنة ودفن عند والده في المقصورة عند أخريات الجامع انشاء أبيه انتهى ملخصا وفيها المولى محمد شاه ابن المولى الحاج حسن الرومي الحنفي الفاضل قال في الكواكب قرأ على والده وغيره ثم درس بمدرسة داود باشا بالقسطنطينية ثم بإحدى الثمان وله شرح على القدوري وشرح على ثلاثيات البخاري وكان مكبا على الاشتغال بالعلم في كل أوقاته وله مهارة في النظم والنثر انتهى
وفيها القاضي عز الدين محمد بن حمدان الصالحي ثم الدمشقي الحنفي أحد رؤساء المؤذنين بالجامع الأموي ناب في الحكم لعدة من القضاة منهم ابن يونس وكان ناظرا على كهف جبريل بقاسيون وله حشمة وتأدب مع الناس توفي في أوائل ربيع الأول ودفن بتربة باب الفراديس 235
وفيها سعد الدين محمد بن محمد بن علي الذهبي المعري الشافعي الإمام العلامة ولد سنة خمسين وثمانمائة وكان من العلماء المشهورين بدمشق أخذ عنه جماعة منهم الفلوجيان قال الشعراوي كان ورده كل يوم ختما صيفا وشتاء وكان خلقه واسعا إذا تجادل عنده الطلبة يشتغل بتلاوة القرآن حتى ينقضي جدالهم وكان يحمل حوائجه بنفسه ويتلو القرآن في ذهابه وإيابه كثير الصدقة حتى أوصى بمال كثير للفقراء والمساكين لا يقبل من أحد صدقة انتهى ملخصا وفيها شمس الدين محمد الدواخلي نسبة إلى الدواخل قرية من المحلة الكبرى المصري الشافعي الإمام العلامة المحقق المحدث كان مخصوصا بالفصاحة في قراءة الحديث وكتب الرقائق والسير كريم النفس حلو اللسان كثير العبادة يقوم الليل ويحيى ليالي رمضان كلها مؤثرا للخمول وهو مع ذلك من خزائن العلم أخذ عن البرهان بن أبي شريف والكمال الطويل والشمس بن قاسم والشمس الجوجري والشمس بن المؤيد والفخر القسي والزين الأبناسي وغيرهم ودرس بجامع الغمري وغيره وانتفع به خلائق توفي بالقاهرة ودفن بتربة دجاجة خارج باب النصر
وفيها المولى محمود بن عثمان بن علي المشهور باللامع يالحنفي أحد موالي الروم كان جده من بروسا ولما دخلها تيمورلنك أخذه معه وهو صغير إلى ما وراء النهر وتعلم صنعة النقش وهو أول من أحدث السروج المنقوشة في بلاد الروم وابنه عثمان كان سالكا مسلك الأمراء وصار حافظا للدفتر السلطاني بالديوان العالي وأما ولده صاحب الترجمة فقرأ العلم على جماعة منهم المولى أخوين والمولى محمد بن الحاج حسن ثم تصوف وخدم السيد أحمد البخاري ونال عنده المعارف والأحوال ثم تقاعد بخمسة وثلاثين عثمانيا وسكن بروسا واشتغل بالعلم والعبادة ونظم بالتركية أشياء كثيرة مقبولة مشهورة وتوفي ببروسا وفيها المنى مسعود بن عبد الله العجمي 236 الشيرازي الواعظ نزيل حلب كان له مطالعات في الحديث والتفسير وكان يتكلم فيهما باللسان العربي لكن انتقد عليه ابن الحنبلي أنه كان يلحن فيه ووعظ بجامع حلب الكبير فنال من الناس قبولا وصارت له فيه يوم الجمعة المجالس الحافلة توفي مطعونا في هذه السنة وفيها موسى بن الحسين الملقب بعوض بن مسافر بن الحسن بن محمود الكردي طائفة اللالأئي ناحية السرسوي قرية الشافعي نزيل حلب أخذ العلم عن جماعة منهم منلا محمد المعروف ببرقلعي وعمرت في زمانه مدرسة بالعمارية فجعل مدرسها ثم تركها وأقبل على التصوف فرحل إلى حماة وأخذ عن الشيخ علوان مع الانتفاع بغيره ثم قدم حلب لمداواة مرض عرض له ونزل بالمدرسة الشرفية فقرأ عليه غير واحد قال ابن الحنبلي وكنت ممن فاز بالقراءة عليه بها في علم البلاغة ثم ذهب إلى حماة فلما توفي الشيخ علوان عاد إلى حلب واستقر في مشيخة الزينبية وأخذ يربي فيها المريدين ويتكلم فيها على الخواطر مع طيب الكلام وإطعام الطعام وإكرام الواردين إليه من الخواص والعوام وحسن السمت ولين الكلمة وفصاحة العبارة والتكلم في التفسير والحديث وكلام الصوفية وتوفي بها مطعونا ودفن في مقابر الصالحين بوصية منه
سنة أربعين وتسعمائة
فيها توفي إبراهيم العجمي الصوفي المسلك العالم نزيل مصر كان رفيقا للشيخ دمرداش والشيخ شاهين في الطريق على سيدي عمر روشني بتبريز العجم ثم دخل مصر في دولة ابن عثمان وأقام بمدرسة بباب زويلة فحصل له القبول التام وأخذ عنه خلق كثير من الأعجام والأروام وكان يفسر القرآن العظيم ويقرىء في رسائل القوم مدة طويلة حتى وشى به إلى السلطان لكثرة مريديه وأتباعه وقيل له نخشى أن يملك مصر فطلبه السلطان إلى الروم بسبب ذلك 237 ثم رجع إلى مصر وطرد من كان عنده من المريدين والأتباع امتثالا لأمر السلطان ثم بنى له تكية مقابل المؤيدية وجعل له فيها مدفنا وبنى حوله خلاوي للفقراء وكان له يد طولى في المعقولات وعلم الكلام ونطم تائية جمع فيها معالم الطريق وكان ينهى جماعته أن يحج الواحد منهم حتى يعرف الله المعرفة الخاصة عند القوم وتوفي بمصر
وفيها إبراهيم المجذوب المصري الشهير بأبي لحاف قال في الكواكب كان في أول جذبه مقيما في البرج الأحمر من قلعة الجبل نحو عشرين سنة فلما قرب زوال دولة الجراكسة أرسل إلى الغوري يقول له تحول من القلعة واعط المفاتيح لأصحابها فلم يلق الغوري إلى كلامه بالا وقال هذا مجذوب فنزل الشيخ إبراهيم إلى مصر فزالت دولة الجراكسة بعد سنة وكان حافيا مكشوف الرأس وأكثر إقامته في بيوت الأكابر وكان يكشف له عما ينزل بالإنسان من البلاء في المستقبل فيأتي إليه فيخبره أنه نازل به في وقت كذا وكذا ويطلب منه مالا فإذا دفعه إليه تحول البلاء عنه وإلا وقع كما أخبر وكان يمكث الشهر وأكثر لا ينام بل يجلس يهمهم بالذكر إلى الفجر صيفا وشتاء توفي في هذه السنة ودفن بقنطرة السد في طريق مصر العتيقة انتهى
وفيها تقي الدين أبو بكر الشريطي الصالحي الشيخ الصالح تلميذ الشيخ أبي الفتح المزي أخذ عنه ولبس منه الخرقة وتوفي بغتة يوم الأربعاء خامس جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون وفيها تقريبا أبو الفتح الخطيب بن القاضي ناصر الدين خطيب الحرم بها دخل دمشق قاصدا بلاد الروم وخطب بجامع دمشق يوم الجمعة سلخ صفر من هذه السنة قاله في الكواكب وفيها شهاب الدين أحمد بن أحمد الباجي بالموحدة الأنطاكي الحلبي المشهور بابن كلف العلامة ولي قضاء العسكر بماردين في زمن السلطان قاسم بك ثم ترك ذلك وعاد إلى نشر العلم بأنطاكية ثم درس بحلب ثم ارتحل إلى 238 بيت المقدس فأعطى تدريس الفنارية وكان عالما عاملا مفننا طارحا للتكلف يلبس الصوف ويلف على رأسه المئزر توفي في هذه السنة ببيت المقدس
وفيها شمس الدين أحمد بن سليمان الحنفي الشهير بابن كمال باشا العالم العلامة الأوحد المحقق الفهامة صاحب التفسير أحد الموالي الرومية كان جده من أمراء الدولة العثمانية واشتغل هو بالعلم وهو شاب ثم ألحقوه بالعسكر فحكى هو عن نفسه أنه كان مع السلطان بايزيد خان في سفر وكان وزيره حينئذ إبراهيم باشا بن خليل باشا وكان في ذلك الزمان أمير ليس في الأمراء أعظم منه يقال له أحمد بك بن أورنوس قال فكنت واقفا على قدمي قدام الوزير وعنده هذا الأمير المذكور جالسا إذ جاء رجل من العلماء رث الهيئة دنيء اللباس فجلس فوق الأمير المذكور ولم يمنعه أحد من ذلك فتحيرت في هذا الأمر وقلت لبعض رفقائي من هذا الذي تصدر على مثل هذا الأمير قال هو عالم مدرس يقال له المولى لطفي قلت كم وظيفته قال ثلاثون درهما قلت وكيف يتصدر على هذا الأمير ووظيفته هذا المقدار فقال رفيقي العلماء معظمون لعلمهم فإنه لو تأخر لم يرض بذلك الأمير ولا الوزير فتفكرت في نفسي فوجدت أني لا أبلغ رتبة الأمير المذكور في الإمارة وأني لو اشتغلت بالعلم يمكن أن أبلغ رتبة ذلك العالم فنويت أن أشتغل بالعلم الشريف فلما رجعنا من السفر وصلت إلى خدمة المولى المذكور وقد أعطى عند ذلك مدرسة دار الحديث بأدرنة وعين له كل يوم أربعون درهما فقرأت عليه حواشي شرح المطالع وكان قد اشتغل في أول شبابه في مبادىء العلوم كما سبق ثم قرأ على المولى القسطلاني والمولى خطيب زادة والمولى معرف زادة ثم صار مدرسا بمدرسة علي بك بمدينة أدرنة ثم بمدرسة أسكوب ثم ترقى حتى درس بإحدى الثمانية ثم بمدرسة السلطان بايزيد بأدرنة ثم صار قاضيا بها ثم أعطى قضاء العسكر الأناضولي ثم عزل وأعطى دار الحديث 239 بادرنة وأعطى تقاعدا كل يوم مائة عثماني ثم صار مفتيا بالقسطنطينية بعد وفاة المولى علي الجمالي وبقي على منصب الافتاء إلى وفاته قال في الشقائق كان من العلماء الذين صرفوا جميع أوقاتهم إلى العلم وكان يشتغل ليلا ونهارا ويكتب جميع ما سنح بباله وقد فتر الليل والنهار ولم يفتر قلمه وصنف رسائل كثيرة في المباحث المهمة الغامضة وعدد رسائله قريب من مائة رسالة وله من التصانيف تفسير لطيف حسن قريب من التمام اخترمته المنية ولم يكمله وله حواش على الكشاف وشرح بعض الهداية وله متن في الفقه وشرحه وكتاب في علم الكلام سماه تجريد التجريد وشرحه وكتاب في المعاني والبيان كذلك وكتاب في الفرائض كذلك وحواش على شرح المفتاح للسيد الشريف وحواش على التلويح وحواش على التهافت للمولى خواجه زادة وتوفي في هذه السنة
وفيها المولى محي الدين أحمد بن المولى علاء الدين علي الفناري الحنفي أحد الموالي الرومية الإمام العلامة قرأ على علماء عصره ثم رحل إلى العجم وقرأ على علماء سمرقند وبخارى ثم عاد إلى الروم فأعطاه السلطان سليم مدرسة الوزير قاسم باشا وكان محبا للصوفية سيما الوفائية مكبا على العلم اطلع على كتب كثيرة وحفظ أكثر لطائفها ونوادرها وكان يحفظ التواريخ وحكايات الصالحين وصنف تهذيب الكافية في النحو وشرحه وحاشية على شرح هداية الحكمة لمولانا زادة وحواش على شرح التجريد للسيد وتفسيرا لسورة الضحى سماه تنوير الضحى وغير ذلك من الرسائل والتعليقات وتوفي في هذه السنة
وفيها شهاب الدين أحمد بن محمد المرداوي ثم الصالحي الحنبلي المعروف بابن الديوان الإمام العالم إمام جامع المظفري بسفح قاسيون قال ابن طولون كان مولده بمردا ونشأ هناك إلى أن عمل ديوانها ثم قدم دمشق فقرأ القرآن 240 بها على الشيخ شهاب الدين الذويب الحنبلي لبعض السبعة وأخذ الحديث عن الجمال بن المبرد وغيره وتفقه عليه وعلى الشهاب العسكري وولي إمام جامع الحنابلة بالسفح نيفا وثلاثين سنة وتوفي ليلة الجمعة سابع عشر المحرم فجأة بعد أن صلى المغرب بجامع الحنابلة ودفن بصفة الدعاء وولي الإمامة بعده بالجامع المذكور الشيخ موسى الحجاوي وفيها عز الدين أحمد بن محمد بن عبد القادر المعروف بابن قاضي نابلس الجعفري الحنبلي أحد العدول بدمشق ولد سنة أربع وستين وثمانمائة قال في الكواكب وأخذ عن جماعة منهم شيخ الإسلام الوالد سمع منه كثيرا ونقل ابن طولون عنه أن من أشياخه الكمال بن أبي شريف والبرهان البابي والشيخ علي البغدادي وأجاوز له الشيخ البارزي وكان ممن انفرد بدمشق في جودة الكتابة وإتقان صنعة الشهادة وتوفي ليلة الإثنين مستهل ربيع الآخر ودفن بالروضة
وفيها شهاب الدين أحمد البقاعي الشافعي الضرير نزيل دمشق حفظ القرآن العظيم بمدرسة أبي عمر وحفظ الشاطبية وتلا ببعضها على الشيخ علي القيمري وحل البصروية وغيرها في النحو على ابن طولون وبرع وفضل وحج وصار يقرىء الأطفال بمكتب الحاجبية بصالحية دمشق وتوفي بغتة يوم الجمعة تاسع عشرى رجب وفيها السيد شرف الدين الشريف الشافعي العلامة المدرس بزاوية الحطاب بمصر كان صامتا معتزلا عن الناس وقته معمور بالعلم والعبادة وتلاوة القرآن ورده كل ليلة قبل النوم ربع القرآن ما تركه صيفا ولا شتاء وكان على مجلسه الهيبة والوقار وله صحة اعتقاد في الصوفية يتواجد عند سماع كلامهم ذكره الشعراوي
وفيها الأمير زين الدين عبد القادر بن الأمير أبي بكر بن إبراهيم بن منجك اليوسف الحنفي أحد أصلاء دمشق وأمرائها حفظ القرآن العظيم وتفقه على الشيخ برهان الدين بن عوف الحنفي وغيره وحصل كتبا نفيسة 241 قال ابن طولون ترددت إليه كثيرا وولي النظر على أوقافهم وحصل دنيا وكان سمحا تمرض وطالت علته إلى أن توفي يوم الأربعاء خامس ذي الحجة ودفن بتربتهم بجامع ميدان الحصا وفيها كريم الدين عبد الكريم ابن عبد اللطيف بن علي بن أبي اللطف المياهي الشافعي القادري الصوفي الصالح قال في الكواكب كان من أعيان جماعة شيخ الإسلام الوالد وتلاميذه ومعتقديه وسمع الحديث على الشيخ سراج الدين الصيرفي وكان يتسبب هو ووالده ببيع المياه المستخرجة وإليه ينسبان عمر صاحب الترجمة زاوية بحذاء الجسر الأبيض وكانت قديما مسجدا ثم أخذ يقيم الأوقات فيها سنين وكان يكثر من شهود الجنائز ومجالس الفقراء ويزور الصلحاء والضعفاء وله شعر منه
( ولقد شكوتك بالضمير إلى الهوى
ودعوت من حنقي عليك فأمنا )
( منيت نفسي من وصالك قبلة
ولقد يضر المرء بارقة المنى )
توفي ليلة السبت سادس عشر ربيع الآخر ودفن تحت كهف جبريل تجاه تربة السبكيين وفيها علاء الدين علي بن محمد بن حسن الحموي الشافعي نزيل دمشق الإمام العلامة الشهير بابن أبي سعيد قيل أنه نسب إلى المتولي من أصحاب الشافعي ولد سنة ست وستين وثمانمائة وقرأ على جماعة من العلماء ولزم البدر الغزي وقرأ عليه شرحه على المنهاج قراءة بحث وتحقيق واتقان وقرأ عليه كتبا كثيرة في علوم متعددة وكان بارعا ذا يد في الأصول والفقه ومشاركة جيدة في البيان والنحو والمنطق وغير ذلك مع اطراح زائد وتوفي بدمشق في هذه السنة وفيها شمس الدين محمد بن محمد الديري الأصل الحلبي الشافعي الإمام العلامة الحجة الفهامة المعروف بابن الخناجري وولده بابن عجل كان له يد طولى في الفقه والفرائض والحساب مع المشاركة في فنون أخرى قرأ في الحساب على الجمال بن النجار المقدسي 242 الشافعي صاحب بغية الرائض في علم الفرائض وكان لطيف المحاضرة حسن المعاشرة كثير المفاكهة والممازحة معتقدا في الصوفية قال تلميذه ابن الحنبلي كان يسمع الآلات ويقول أنا ظاهري أعمل بقول ابن حزم الظاهري وقال في الكواكب وذكره شيخ الإسلام الوالد في رحلته فقال الشيخ الإمام والحبر الهمام شيخ المسلمين أبو عبد الله محمد شمس الدين الخناجري الشافعي شيخ الفواضل والفضائل وإمام الأكابر والأفاضل وبدر الإنارة المشرق لسرى القوافل وشمس الحقائق التي مع ظهورها النجوم أوافل له المناقب الثواقب والفوائد الفرائد والمناهج المباهج وله بالعلم عناية تكشف العماية ونباهة تكسب النزاهة ودراية تقصد الرواية ومباحثة تشوق ومناقشة تروق مع طلاقة وجه وتمام بشر وكمال خلق وحسن سمت وخير هدى وأعظم وقار وكثرة صمت ثم أنشد
( ملح كالرياض غازلت الشمس
رابها وافتر عنها الربيع )
( فهو للعين منظر مونق الحسن
وللنفس سؤدد مجموع )
ومن لطائف القاضي جابر متغزلا موريا باسم صاحب الترجمة والبدر السيوفي شيخي حلب
( سللن سيوفا من جفون لقتلتي
وأردفنها من هدبها بالخناجر )
( فقلت أيفتي في دمى قلن لي أجل
أجاز السيوفي ذاك وابن الخناجري )
وتوفي في يوم عرفة بعد وفاة الشيخ شهاب الدين الهندي بأشهر فقال ابن الحنبلي يرثيهما
( ثوى شيخنا الهندي في رحب رمسه
ففاضت دموعي من نواحي محاجري )
( ومن بعده مات الإمام الخناجري
وبان فكم من غصة في الحناجر )
وفيها المولى محي الدين محمد بن قاسم الرومي الحنفي الإمام العلامة أحد موالي الروم ولد بأماسية وترقى في التداريس حتى درس بإحدى الثمان ثم 243 أعطى مدرسة السلطان بايزيد باماسية ثم السليمانية بجوار أياصوفيا وهو أول مدرس بها ثم أعيد إلى إحدى الثمان ومات وهو مدرس بثمانين عثمانيا وكان عالما صالحا محبا للصوفية مشتغلا بنفسه قانعا مقبلا على العلم والعبادة وله مهارة في القراآت والتفسير واطلاع على العلوم الغريبة كالأوفاق والجفر والمويسقى مع المشاركة في كثير من العلوم وكان له يد في الوعظ والتذكير وصنف كتاب روضة الأخبار في علوم المحاضرات وحواشي على شرح الفرائض للسيد وحواشي على أوائل شرح الوقاية لصدر الشريعة وتوفي في هذه السنة وصلى عليه وعلى ابن كمال باشا بجامع دمشق يوم الجمعة ثاني القعدة
وفيها شمس الدين محمد بن يحيى بن أبي بكر بن عبد الغني الزحلي الشافعي الفاضل أحد مباشري الجامع الأموي قال في الكواكب حضر دروس شيخ الإسلام الوالد وسمع عليه رسالة القشيري قال ابن طولون وكان لا بأس به وكان قد باع عقاره وخرج إلى الحج عازما على المجاورة فمات في طريق الحجاز في الذهاب في الاقيرع المعروفة بمفارش الرز
وفيها شمس الدين محمد بن يونس بن يوسف بن المنقار الأمير المولوي الحلبي الأصل ولي نيابة صفد ووطن دمشق قال ابن طولون كان عنده حشمة وتوفي بدمشق يوم الثلاثاء رابع ربيع الأول ودفن بالخوارزمية تحت كهف جبريل بوصية منه وفيها المنلا شمس الدين محمد الأنطاكي الإمام العلامة توفي بالقدس الشريف في هذه السنة
وفيها شمس الدين محمد بن الطلحة الشافعي العجلوني الصالح العابد المحدث البسامي نسبة إلى أحد أجداده بسام دخل دمشق وأم بالجامع نيابة وكان له سند بالمصافحة والمشابكة وإرسال العذبة أخذ عنه ابن طولون وغيره ثم عاد إلى عجلون ومات بها في إحدى الجمادين وفيها قاضي القضاة محب الدين محمد بن ظهيرة الشافعي الإمام العالم العلامة قاضي مكة توفي بها في ذي القعدة 244
وفيها مخلص الشيخ الصالح العابد محي السنة في بلاد الغربية من بلاد مصر بعد موت شيخه أبي الخير بن نصر بمحلة منوف كان مقيما بابشيه الملق وكان سيدي محمد الشناوي يكرمه ويجله قال الشيخ عبد الوهاب الشعراوي صحبته نحو ثلاث سنين بعد موت شيخي الشيخ محمد الشناوي قال وحصل لي منه دعوات صالحة وجدت بركتها وأوصاني بإيثار الخمول على الظهور وبعدم التعرف بأركان الدولة قال ولم يزل على المجاهدة التقشف على طريقة الفقراء إلى أن توفي ودفن بابشيه الملق وقبره بها ظاهر يزار
وفيها نور الدين بن عين الملك الصالح يالشيخ الصالح كان محبا لطلبة العلم ملازما لعمل الوقت بزاوية جده عين الملك بسفح قاسيون توفي يوم الجمعة سادس شعبان
سنة إحدى وأربعين وتسعمائة
فيها توفي القاضي تقي الدين أبو بكر بن شهلا الأسمر الدمشقي المتصوف تولى نيابة القضاء مرارا وصار له صيت عند قضاة الأروام خصوصا ابن اسرافيل ثم انحرف عليه وعزله واستمر معزولا إلى أن توفي يوم الخميس ثاني صفر ودفن بتربة الشيخ أرسلان وخلف دنيا كثيرة قيل أنها سبعة عشر ألف دينار وفيها المولى أحمد وقيل عبد الأحد بن عبد الله وقيل ابن عبد الأحد الحنفي الشهير بقراأوغلى الفاضل أحد الموالي الرومية قال صاحب الشقائق كان من عتقاء السيد إبراهيم الأماسي أحد الموالي فقرأ على مولاه المذكور ثم درس ببعض نواحي أماسية ثم بمدرسة أماسية ثم بأبي أيوب الأنصاري ثم بإحدى الثمانية ثم اعطى قضاء دمشق ودخلها في إحدى الجمادين سنة أربعين وهو شيخ كبير وكان الغالب عليه محبة الصوفية والفقراء ونادى بدمشق أن لا تخرج امرأة طفلة إلى الأسواق قال وكان محبا للعلماء وقورا 245 صاحب شيبة حسنة صحيح العقيدة محمود الطريقة أديبا لبيبا وقال ابن طولون بعد أن وصفه بالعلامة وسماه أحمد بن عبد الأحد وكان منور الشيبة محبا للصالحين غير أن فوق يده أيديا فكان ذلك يمنعه من سماع كلمته ونفوذ أمره وتوفي وهو قاض بدمشق يوم الثلاثاء حادي عشرى ذي الحجة ودفن بباب الصغير عند سيدي بلال وفيها السيد تاج الدين عبد الوهاب الصواف الدمشقي الشافعي الشريف المقرىء قال ابن طولون سمع معي بمكة على محدثها الشيخ عز الدين بن فهد وغيره وبدمشق على مؤرخها القاضي محي الدين النعيمي وغيره وكان يقرأ للأموات خصوصا بتربة باب الصغير وكان يدعو في المحافل أدعية لطيفة وكان صالحا فقيرا توفي يوم الثلاثاء ثاني عشر شوال ودفن باب الصغير وفيها نور الدين علي البحيري الشافعي أحد علماء القاهرة قال في الكواكب بلغني أن المولى ابن كمال باشا لما كان بمصر كان يباحثه ويشهد له بالفضل التام ويقول لا تقولوا البحيري ولكنه البحري يشير إلى تبحره في العلم وتوفي بمصر في شعبان وترجمه ابن طولون بأنه خر شيوخ المصريين وفيها المنلا عماد بن محمود الطارمي قال في النور مولده بطارم قرية من خراسان ونشأ بها واشتغل بتحصيل فنون العلوم حتى برع ثم جاء إلى كجرات وأقام بها إلى أن مات وكان بارعا في كثير من العلوم سيما العقليات وكانت له يد طولى في علم السيميا ويحكى عنه فيها حكايات مشهورة وممن أخذ عنه من الأعلام مولانا وجيه الدين ومولانا العلامة القاضي عيسى انتهى وفيها بهاء الدين محمد بن محمد بن علي الفصي البعلي الشافعي مفتي بعلبك الإمام العلامة المدقق الفهامة ولد ببعلبك سنة سبع وخمسين وثمانمائة وعرض المنهاج على البدر بن قاضي شهبة ثم جد في الاشتغال في سنة إحدى وسبعين على جماعة منهم الزين خطاب وندم الدين وتقي الدين ابنا قاضي عجلون وأذن له الشيخ تقي الدين بالافتاء 246 والتدريس وقرأ على القاضي زكريا الأنصاري وأذن له أيضا بالافتاء والتدريس في سنة خمس وثمانين وكان عنده ذكاء وشاب سريعا وكان ألثغ قاله النعيمي وقال في الكواكب كان من اخوان شيخ الإسلام الجد وشيخ الإسلام الوالد ومشاركيهما في الشيوخ وإن كان الشيخ الوالد دونه في السن وتوفي ببعلبك يوم الأربعاء رابع عشرى المحرم قال ابن طولون ولم يخلف بعده مثله ولا في دمشق في فقه الشافعية وفيها محي الدين محمد بن بير محمد باشا الحنفي أحد موالي الروم الإمام العلامة قرأ على والده ثم خدم المولى ابن كمال باشا ثم المولى علاء الدين الجمالي وصار معيدا لدروسه ثم درس بمدرسة مصطفى باشا بالقسطنطينية ثم بإحدى الثمان ثم صار قاضي أدرنة ومات قاضيا بها وكان عالي الهمة رفيع القدر ذا أدب ووقار وحظ وافر من العلوم المتداولة
سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة
فيها توفي إبراهيم المصري المجذوب الصالح المعروف بعصيفير قال في الكواكب كان من أهل الكشف الكامل وأصله من نواحي الصعيد وكان ينام مع الذئاب في القفار ويمشي على الماء جهارا قال الشعراوي وأخبرني بحريق يقع في مكان فوقع فيه تلك الليلة ومر عليه شخص بإناء فيه لبن فرماه منه فانكسر فإذا فيه حية ميتة وأحواله عجيبة توفي بمصر ودفن تجاه زاوية أبي الحمايل وفيها أبو الفضل الأحمدي صاحب الكشوفات الربانية والمواهب الصمدانية أخذ الطريق عن سيدي على الخواص والشيخ بركات الخواص وغيرهما قال في الكواكب وكان من أهل المجاهدات وقيام الليل والتخشن في المأكل والملبس وكان يخدم إخوانه ويقدم لهم نعالمهم ويهيىء الماء لطهارتهم وكان له كشف عجيب بحيث يرى بواطن 247 الخلق وما فيها كما يرى ما في داخل البلور وقال سألت الله تعالى أن يحجب ذلك عني فأبى علي وكان يقول أعطاني الله تعالى أن لا يقع بصري على حب فيسوس وجرب ذلك فيه وقال الشعراوي وقع بيني وبينه اتحاد عظيم لم يقع لي قط مع أحد من الأشياخ وكنت إذا جالسته وسرى ذهني إلى مكان أو كلام يقول ارجع بقلبك من الشيء الفلاني فيعرف ما سرح قلبي إليه وكنت إذا ورد على شيء من الحقائق وأردت أقوله له يقول لي قف لا تخبرني حتى أسمعك ما ورد عليك فيقوله حرفا بحرف وقال في الطبقات الكبرى حج مرات على التجريد فلما كان آخر حجة كان ضعيفا فقلت له في هذه الحال تسافر فقال لترابي فإن طينتي مرغوها في تربة الشهداء ببدر فكان كما قال وتوفي ببدر وفيها إسمعيل الشرواني الحنفي الإمام العلامة المحقق المدقق الصالح الزاهد العارف بالله تعالى قرأ على علماء عصره منهم الجلال الدواني ثم خدم العارف بالله خواجه عبيد الله السمرقندي وصار من كمل أصحابه ولما مات خواجه عبيد الله ارتحل المترجم إلى مكة المشرفة وتوطنها ودخل الروم في ولاية السلطان أبي يزيد ثم عاد إلى مكة وأقام بها إلى أن مات قال في الشقائق كان رجلا معمرا وقورا مهيبا منقطعا عن الناس مشتغلا بنفسه طارحا للتكلف حسن المعاشرة له فضل عظيم في العلوم الظاهرة وألف حاشية على تفسير البيضاوي وكان يدرس بمكة فيه وفي البخاري وتوفي بها في عشر ذي الحجة عن نحو أربع وثمانين سنة
وفيها بديع بن الضيا قاضي مكة المشرفة وشيخ الحرم بها قال ابن طولون كان من أهل الفضل والرياسة قدم دمشق ثم سافر إلى مصر فبلغه تولية قضاء مكة للشيخ زين الدين عبد اللطيف بن أبي كثير فرجع إلى دمشق وأقام بها مدة ثم سافر إلى الروم سنة إحدى وأربعين بعد أن حضر عند الشيخ علي الكيزواني تجاه مسجد العفيف بالصالحية وسمع المولد وشرب 248 هو والشيخ علي وجماعته القهوة المتخذة من البن ولا أعلم أنها شربت في بلدنا هذه يعني دمشق قبل ذلك فلما وصل القاضي بديع إلى الروم أعيد إليه قضاء جدة ثم رجع فتوفي بمدينة بدليس من أطراف ديار بكر انتهى ملخصا وفيها جابر بن إبراهيم بن علي التنوخي القضاعي الشافعي القاطن بجبل الأعلى من معاملة حلب ولي نيابة القضاء به وكان شاعرا عارفا بالعروض والقوافي وطرفا من النحو مستحضرا لكثير من اللغة ونوادر الشعراء حافظا لكثير من مقامات الحريري حضر دروس العلاء الموصلي بحلب وذاكره ومن نظمه
( طاب الزمان وراقت الصهباء
وشدت على أوراقها الورقاء )
وهي طويلة وتوفي في جمادى الآخرة
وفيها عبد الله بن محمد بن أحمد بافضل العدني الشافعي قال في النور تفقه بوالده وانتصب بعده للتدريس بعدن وكان فقيها محدثا فاضلا حسن الأخلاق شريف النفس مخالقا للناس حسن السعي في حوائج المسلمين محببا إليهم سليم الصدر عمي في آخر عمره وتطبب فرد الله عليه بصره ولم يزل على الحال المرضى إلى أن توفي ضحى يوم الخميس حادي عشر شعبان بعدن
وفيها زين الدين أبو هريرة عبد الرحمن بن حسن الشهير بابن القصاب الكردي الحلبي الشافعي الإمام العالم العامل الكامل أحد المدرسين بحلب أخذ عن البدر بن السيوفي وغيره وتوفي بحلب وفيها زين الدين عبد الرحمن بن جلال الدين محمد البصروي الحنفي الشافعي والده وهو أي المترجم سبط العلامة زين الدين عبد الرحمن بن العيني الحنفي قال ابن طولون رأيته يدرس في المختار وتوفي بالحسا أحد منازل الحاج
وفيها زين الدين عبد القادر بن اللحام البيروتي الشافعي العلامة توفي ببيروت قاله في الكواكب وفيها نور الدين علي بن يس الطرابلسي 249 الحنفي الشيخ الإمام شيخ الإسلام شيخ الحنفية بمصر وقاضي قضاتها اشتغل على الشمس الغزي والصلاح الطرابلسي وكان دينا متقشفا مفننا في العلوم ولي قضاء القضاة في الدولة السليمانية إلى أن جاء قاض لمصر رومي من قبل السلطان سليمان فاستمر معزولا يفتي ويدرس إلى أن مات وهو ملازم على النسك والعبادة قال الشعراوي كان كثير الصدقة سرا وجهرا وأنكر عليه قضاة الأروام بسبب افتائه بمذهبه الراجح عنده وكاتبوا فيه السلطان وجرحوه بما هو برىء منه فأرسل السلطان يأمر بنفيه أو قتله فوصل المرسوم يوم موته بعد أن دفناه وكانت هذه كرامة له انتهى وفيها قاسم بن زلزل بن أبي بكر القادري أحد أرباب الأحوال المشهورين بحلب قال ابن الحنبلي كان في أول أمره ذا شجاعة حمى بها أهل محلته المشارفة بحلب من اللصوص وكان يعارضهم ليلا في الطرقات ويقول لهم ضعوا ما سرقتم وفوزوا بأنفسكم أنا فلان فلا يسعهم إلا وضعه ثم صار مريدا للشيخ حسين بن أحمد الأطعاني كما كان أبوه مريدا لأبيه ثم صار مريدا لابن أرسلان الرملي وعلى يده حصلت له حال وهو الذي حمله على سقاية الماء فكان يسقي الماء في الطرقات وهو يذكر الله تعالى وتحصل له الحال الصادقة فيرفع رجله ويبطش بها على الأرض وذكر له كرامات كثيرة قال وتوفي في أواخر السنة
وفيها القاضي شمس الدين محمد بن يوسف الدمشقي الحنفي ناب في القضاء عن قاضي القضاة ابن الشحنة وعن قاضي القضاة يونس بدمشق ثم ثبت عليه وعلى رجل يقال له حسين البقسماطي عند قاضي دمشق أنهما رافضيان فحرقا تحت قلعة دمشق بعد أن ربطت رقابهما وأيديهما وأرجلهما في أوتاد وألقى عليهما القنب والبواري والحطب ثم أطلقت النار عليهما حتى صار رمادا ثم ألقى رمادهما في بردى وكان ذلك يوم الثلاثاء تاسع رجب قال ابن 250 طولون وسئل الشيخ قطب الدين بن سلطان مفتي الحنفية عن قتلهما فقال لا يجوز في الشرع بل يستتابان
وفيها بدر الدين محمد العلائي الحنفي المصري العلامة المسند المؤرخ قال في الكواكب أخذ عن شيخ الإسلام الجد وغيره وأثنى عليه العلامة جار الله ابن فهد وغيره انتهى وفيها الشيخ شمس الدين محمد الشامي قال العلامة الشعراني في ذيله على طبقاته ما نصه ومنهم الأخ الصالح العام الزاهد الشيخ شمس الدين محمد الشامي المتمسك بالسنة المحمدية نزيل التربة البرقوقية وكان عالما صالحا مفننا في العلوم وألف السيرة النبوية المشهورة التي جمعها من ألف كتاب وأقبل الناس على كتابتها ومشى فيها على أنموذج لم يسبق إليه أحد كان عزبا لم يتزوج قط وإذا قدم عليه المضيف يعلق القدر ويطبخ له كان حلو المنطق مهيب النظر كثير الصيام والقيام بت عنده الليالي فما كنت أراه ينام في الليل إلا قليلا كان إذا مات أحد من طلبة العلم وخلف أولادا قاصرين وله وظائف يذهب إلى القاضي ويتقرر فيها ويباشرها ويعطي معلومها للأيتام حتى يصلحوا للمباشرة كان لا يقبل من مال الولاة وأعوانهم شيئا ولا يأكل من طعامهم وذكر لي شخص من الذين يحضرون قراءة سيرته في جامع الغمري أن أسأله في اختصار السيرة وترك ألفاظ غريبها وأن يحكي السير على وجهها كما فعل ابن سيد الناس فرأيته بين القصرين وأخبرته الخبر فقال قد شرعت في اختصارها من مدة كذا فرأيت ذلك هو الوقت الذي سألني فيه ذلك الرجل وكانت عمامته نحو سبعة أذرع على عرقية لم يزل غاضا طرفه سواء كان ماشيا أو جالسا رحمه الله وأخلاقه الحسنة كثيرة مشهورة بين أصحابه ورفقائه انتهى كلام الشعراوي وقال سيد أحمد العجمي المتولي سنة ست وثمانين وألف أنه توفي يوم الإثنين رابع عشر شعبان أي 251 من هذه السنة وله من المؤلفات عقود الجمان في مناقب أبي حنيفة النعمان الجامع الوجيز الخادم للغات القرآن العزيز مرشد السالك إلى ألفية ابن مالك النكت عليها اقتضبه من نكت شيخه السيوطي عليها وعلى الشذور والكافية والشافية والتحفة وزاد عليه يسيرا والآيات العظيمة الباهرة في معراج سيد أهل الدنيا والآخرة ومختصره المسمى بالآيات البينات في معراج سيد أهل الأرض والسموات رفع القدر ومجمع الفتوة في شرح الصدر وخاتم النبوة كشف اللبس في رد الشمس شرح الجرومية الفتح الرحماني شرح أبيات الجرجاني الموضوعة في الكلام وجوب فتح ان وكسرها وجواز الأمرين اتحاف الراغب الواعي في ترجمة أبي عمرو الأوزاعي النكت المهمات في الكلام على الأبناء والبنين والبنات تفصيل الاسفتادة في بيان كلمتي الشهادة اتحاف الأريب بخلاصة الأعاريب الجواهر النفائس في تحبير كتاب العرائس الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة عين الإصابة في معرفة الصحابة انتهى
وفيها المولى محيى الدين محمد القرماني الحنفي أحد الموالي الرومية قرأ على علماء العجم ثم دخل الروم فقرأ على المولى يعقوب بن سيدي علي شارح الشريعة وصار معيدا لدرسه ثم درس ببعض المدارس ثم أعطى مدرسة أزنيق ومات عنها وكان مشتغلا بالعلم ليلا ونهارا علامة في التفسير والأصول والعربية له تعليقات على الكشاف والقاضي والتلويح والهداية وشرح رسالة اثبات الواجب الوجود للدواني وله حواش على شرح الوقاية لصدر الشريعة وكتاب في المحاضرات سماه جالب السرور وفيها جمال الدين يوسف بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد الأنصاري السعدي العبادي الحلبي الحنفي كان فرضيا حيسوبا فقيها ولي نيابة القضاء في الدولتين 252 ومات فقيرا بأنطاكية
سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة
في ثالث رمضانها قتل السلطان بهادر بن السلطان مظفر صاحب كجرات من بلاد الهند قتل في بندر الديو وجاء تاريخ قتله قتل سلطاننا بهادر
وفيها توفي شهاب الدين أبو النجيب أحمد بن أبي بكر الحبيشي الحلبي قال ابن الحنبلي وبموته انقرض الذكور من بيت الحبيشي
وفيها السيد الحاضري المغربي المالكي نزيل دمشق بالتربة الأشرفية شمالي الكلاسة جوار الجامع الأموي تزوج بابنة القاضي كمال الدين البقاعي الشافعي ثم سافر من دمشق إلى الروم وحصل له إقبال زائد من السلطان والوزير اياس باشا وأعطى دنيا ووظائف منها إمامة المالكية بالجامع ثم عاد فمات بحلب وفيها عفيف الدين عبد الله بن أحمد سرومي الشحري اليمني الفقيه الشافعي ولد بالشحر ونشأ بها وقرأ القرآن ثم ارتحل إلى زبيد لطلب العلم فأخذ عن إمامها الفقيه كمال الدين موسى بن الزين والعلامة جمال الدين القماط وغيرهما ثم رجع إلى بلده الشحر فأخذ عن عالمها عفيف الدين المعروف بالحاج ولازمه ثم سعى له في وظيفة القضاء بها فاستمر قاضيا بها إلى أن عزم على الحج وكان رحمه الله يحب الطلبة ويؤهلهم ويحب الإفادة والاستفادة لطيفا قريب الجناب سليم الباطن قوي الصبر على الطاعة والأوراد النبوية كثير التعظيم للأكابر من العلماء والصالحين واعتنى بحاشية على الروضة لكن عدمت وذلك أن أحد أولاده دخل بها الهند فعدمت هناك وتوفي بمكة المشرفة في ذي القعدة قبل أن يحج بالمعلاة
وفيها عبد الغني العجلوني الأربدي الجمحي بضم الجيم وإسكان الميم وبالحاء المهملة نسبة إلى قرية جمحي كقربى من قرى اربد قال في الكواكب 253 كان من أولياء الله تعالى حسن الطريقة صحيح العقيدة ضابطا للشريعة كافا للسانه تردد إلى دمشق مرارا وكان سيدي محمد بن عراق يجله ويعظمه وكان قانعا زاهدا متواضعا ملاحظا للإخلاص ليس له دعوى حافظا لجوارحه ولسانه مقبلا على شأنه مات ببلده جمحي انتهى ملخصا وفيها شمس الدين محمد بن ولي الدين الحنفي الحلبي المقرىء المجود الشهير بابيه كان من تلاميذ العلامة شمس الدين بن أمير حاج الحلبي الحنفي ومن مريدي الشيخ عبد الكريم الحافي وكان له خط حسين وهيئة مقبولة وسكينة وصلاح وكان يؤدب الأطفال داخل باب قنسرين وله في كل سنة وصية وفي سنة موته أوصى مرتين ومات مسموما رحمه الله تعالى وفيها صدر الدين محمد ابن الناسخ الإمام العلامة شيخ مدينة طرابلس الشام توفي بها رحمه الله تعالى وفيها شمس الدين محمد الأويسي البعلي الحنفي خليفة الشيخ أويس وكان أجل خلفائه يعرف التصوف معرفة جيدة وله مشاركة في غيره توفي ببعلبك رحمه الله وفيها القاضي جمال الدين يوسف بن يونس بن يوسف بن المنقار الحلبي الأصل الدمشقي الصالحي قطن بصالحية دمشق وولي قضاء صفد ثم خرت برت ولم يذهب إليها وولي نظر الماردانية والمعزية بالشرف الأعلى وأثبت أنه من ذرية واقفيها ثم لما توفي نازع ولديه في العزية يحيى بن كريم الدين وأثبت أنه من ذرية واقفيها وقد ذكر الطرسوسي في أنفع الوسائل أن ذرية محمد الواقف قد انقرضت وولي المذكور نظر البيمارستان القيمري وغيره ثم أنه أثبت أنه منسوب إلى الخلفاء العباسيين قاله في الكواكب
سنة أربع وأربعين وتسعمائة
فيها توفي المولى أبو الليث الرومي الحنفي أحد موالي الروم خدم المولى 254 الشهير بضميري وبه اشتهر وصار معيدا لدرسه ثم صار مدرسا بمدرسة الوزير محمود باشا بالقسطنطينية ثم بأبي أيوب ثم بإحدى الثمان ثم صار قاضيا بحلب قال ابن الحنبلي أنه كان علائي الأصل نسبة إلى العلائية قصبة قريب أدنة قال وكان له إلى إحسان برقم بعض العروض في بعض المناصب الحلبية حتى نظمت له ما نظمت وأنا بمجلسه وقد دفع إلى عرضا وكان على وفق المراد فقلت
( أتمحل أرض أو يشيب بناتها
وأنت لأرض يا أخا الغيث كالغيث )
( محال وما من همة قسورية
تفوت أخا عدم وأنت أبو الليث )
ثم ولي قضاء دمشق ودخلها يوم الخميس تاسع شعبان سنة أربع وأربعين وتسعمائة ثم توفي بها يوم الأربعاء حادي عشر رمضان من السنة المذكورة ودفن بباب الصغير
وفيها المولى إسحق بن إبراهيم الأسكوبي وقيل البروصاوي أحد موالي الروم طلب العلم وأخذ عن جماعة وخدم المولى بالي الأسود ثم صار مدرسا بمدرسة إبراهيم باشا بأدرنة ثم بمدرسة اسكوب إلى أن درس بإحدى الثمان ثم أعطى قضاء دمشق فدخلها في ثامن ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ولما دخلها قال لا يدخل علي أحد إلى ثلاثة أيام لأستريح فإني شيخ كبير مسفور ثم برز للناس واجتمعوا به وحكم بينهم فشكر في أحكامه واشتهرت عفته واستقامته وتوفي ليلة الإثنين خامس عشرى ربيع الثاني بدمشق ودفن بباب الصغير وفيها كما قال في النور توفي جدي الشريف عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس ولد سنة سبع وثمانين وثمانمائة وكان من كبار الأولياء صحب عمه الشيخ الكبير فخر الدين أبا بكر بن عبد الله العيدروس صاحب عدن واختص به وكذا صحب عمه الشيخ حسين وأباه الشيخ شيخ وغيرهما من الأكابر وأخذ عنهم وتخرج بهم إلى أن بلغ المرتبة التي تعقد عليها الخناصر وكان له جاه عظيم في قطر اليمن وقبول كثير عند الخاص والعام 255 خصوصا في ثغر عدن ولبس منه الخرقة جماعة منهم ابن حجر المكي وكان حسن الأخلاق كثير الإنفاق شريف النفس والأوصاف نقيب السادة الاشراف وافر العقل ظاهر الفضل غني النفس قانعا بالكفاف وضىء الوجه أخضر اللون طويل القامة كثير المناقب عظيم المواهب ليس له في زمانه نظير ذا كرامات ظاهرة كثيرة توفي ليلة الأربعاء رابع عشر شعبان بتريم ودفن بها انتهى وفيها الحافظ وجيه الدين أبو محمد عبد الرحمن ابن علي الديبع الشيباني العبدري الزبيدي الشافعي قال رحمه الله في آخر كتابه بغية المستفيد بأخبار زبيد كان مولدي بمدينة زبيد المحروسة في يوم الخميس الرابع من المحرم الحرام سنة ست وستين وثمانمائة في منزل والدي منها وغاب والدي عن مدينة زبيد في آخر السنة التي ولدت فيها ولم تره عيني قط ونشأت في حجر جدي لأمي العلامة الصالح العارف بالله تعالى شرف الدين أبي المعروف إسماعيل بن محمد بن مبارز الشافعي وانتفعت بدعائه لي وهو الذي رباني جزاه الله عني بالإحسان وقابله بالرحمة والرضوان وقال في النور هو الإمام الحافظ الحجة المتقن شيخ الإسلام علامة الإمام الجهبذ الإمام مسند الدنيا أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين خاتمة المحققين ملحق الأواخر بالأوائل أخذ عمن لا يحصى وأخذ عنه الأكابر كالعلامة ابن زياد والسيد الحافظ الطاهر بن حسين الأهدل والشيخ أحمد بن علي المزجاجي وغيرهم وأجاز لمن أدرك حياته أن يروى عنه فقال
( أجزت لمدركي وقتي وعصري
رواية ما تجوز روايتي له )
( من المقروء والمسموع طرا
وما ألفت من كتب قليله )
( ومالي من مجاز من شيوخي
من الكتب القصيرة والطويله )
( وأرجو الله يختم لي بخير
ويرحمني برحمته الجزيلة )
وكان ثقة صالحا حافظا للأخبار والآثار متواضعا انتهت إليه رياسة الرحلة 256 في علم الحديث وقصده الطلبة من نواحي الأرض ومن مصنفاته تيسير الوصول إلى جامع الأصول في مجلدين ومصباح المشكاة وشرح دعاء ابن أبي حربة وغاية المطلوب وأعظم المنة فيما يغفر الله به الذنوب ويوجب به الجنة وبغية المستفيد في أخبار مدينة زبيد وكتاب قرة العيون في أخبار اليمن الميمون وله مولد شريف نبوي وكتاب المعراج إلى غير ذلك ومن شعره قوله في صحيح البخاري ومسلم
( تنازع قوم في البخاري ومسلم
لدي وقالوا أي ذين يقدم )
( فقلت لقد فاق البخاري صنعة
كما فاق في حسن الصياغة مسلم )
ومنه فيهما
( قالوا لمسلم سبق
قلت البخاري جلى )
( قالوا تكرر فيه
قلت المكرر أحلى )
ولم يزل على الإفادة وملازمة بيته ومسجده لتدريس الحديث والعبادة واشتغاله بخويصته عما لا يعنيه إلى أن توفي ضحى يوم الجمعة السادس والعشرين من رجب وفيها المولى عبد الرحيم بن علي بن المؤيد المشهور بحاجي جلبي الرومي القسطنطيني الحنفي عرف بابن المؤيد الفاضل العلامة أحد الموالي الأصلاء قال في الشقائق كان أولا من طلبة العلم الشريف وقرأ على المولى الفاضل سنان باشا وعلى المولى خواجه زادة وكان مقبولا عندهما ثم سلك مسلك التصوف واتصل بالشيخ العارف بالله محي الدين الأسكليبي ونال عنده غاية متمناه وحصل له شأن عظيم وجلس للارشاد في زاوية شيخه الشيخ مصلح الدين السروري وربى كثيرا من المريدين قال وبالجملة فقد كان جامعا بن الفضيلتين العلم والعمل وكان فضله وذكاؤه في الغاية لا سيما في العلوم العقلية وأقسام العلوم الحكمية وقد ظهرت له كرامات وقال في الكواكب ذكره والده فقال استفدت منه واستفاد مني وأخذت عنه وأخذ 257 عني واستجزته لولدي أحمد ولمن سيحدث لي من الأولاد ويوجد على مذهب من يرى ذلك ومما أخذ عني كثير من مؤلفاتي وأن كتابة خلاق عليم ينفع لدفع الطاعون فإنه مجرب كما رواه لنا الأئمة الواعون ومما أفادني أن الإنسان إذ قال ربنا خمس مرات ودعا استجيب له واحتج بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام (
ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ) إلى قوله (
ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب ) قال فاستحضرت في الحال دليلا آخر ببركته وهو قوله تعالى (
ربنا ما خلقت هذا بطلا سبحانك ) إلى قوله (
ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) الآية وهي تمام الخمس ثم عقبها بقوله (
فاستجاب لهم ربهم ) فسر بذلك انتهى ويؤيد هذا ما روى عن جعفر الصادق من حزبه أمر من قال خمس مرات ربنا أنجاه الله تعالى مما يخاف وأعطاه ما أراد وقرأ (
ربنا ما خلقت هذا باطلا ) الآيات انتهى ملخصا
وفيها عبد الواحد المغربي المالكي نزيل دمشق الشيخ الصالح قرأ على ابن طولون عدة مقدمات في النحو ثم الألفية وشرحها لابن المصنف وسمع عليه في الحديث كثيرا وبرع في فقه المالكية تخرج فيه على أبي الفتح المالكي ودرس بالجامع الأموي حسبة وكان يقرىء الأطفال بالكلاسة ثم بالأمينية وتوفي في البيمارستان النوري يوم الإثنين ثاني عشرى صفر
وفيها عبد الواسع المولى الفاضل العلامة الحنفي الديمتوقي المولد أحد موالي الروم كان والده من الأمراء واشتغل هو بالعلم وقرأ على المولى شجاع الدين الرومي ثم على المولى لطفي التوقاتي وغيرهما ثم ارتحل إلى بلاد العجم ووصل إلى هراة من بلاد خراسان وقرأ هناك على العلامة حفيد السعد التفتازاني حواشي شرح العضد للسيد الشريف ثم عاد إلى الروم في أواخر دولة السلطان سليم فأنعم عليه بمدرسة علي بك بأدرنة إلى أن وصل إلى إحدى الثمان ثم ولاه قضاء بروسا ثم ولاه السلطان سليمان قضاء القسطنطينية وبعد 258 يومين جعله قاضيا بالعسكر الأناضولي ثم عين له كل يوم مائة عثماني بطريق التقاعد ثم صرف جميع ما في يده في وجوه الخيرات وبنى مكتبين ومدرسة ووقف جميع كتبه على العلماء بأدرنة وكان عنده جارية فأعتقها وزوجها من رجل صالح ثم ارتحل إلى مكة المشرفة وانفرد بها عن الأهل والمال والولد واشتغل بالعبادة إلى أن توفي وفيها فخر الدين أبو النور عثمان بن شمس الآمدي ثم الدمشقي الحنفي الإمام العلامة المفنن الخطيب ولي خطابة السليمية بصالحية دمشق ومشيخة الجقمقية بالقرب من جامع الأموي ودرس بالجامع المذكور وكان ساكنا يجيد تدريس المعقولات وله يد طولى في علم النغمة وله كتابة حسنة وحوى كتبا نفيسة وتوفي يوم الإثنين ثاني عشرى ربيع الأول وهو في حدود السبعين ودفن في طرف تربة باب الفراديس الشمالي وفيها نور الدين على الشوني الشافعي الصالح المجمع على جلالته وصلاحه أول من عمل طريقة المحيا بالصلاة على النبي بمصر ولد بشونى قرية بناحية طندتا من غربية مصر ونشأ في الصلاة على النبي وهو صغير ببلده ثم انتقل إلى مقام سيدي أحمد البدوي فأقام فيه مجلس الصلاة على النبي ليلة الجمعة ويومها فكان يجلس في جماعة من العشاء إلى الصبح ثم من صلاة الصبح إلى أن يخرج إلى صلاة الجمعة ثم من صلاة الجمعة إلى العصر ثم من صلاة العصر إلى المغرب فأقام على ذلك عشرين سنة ثم خرج يودع رجلا من أصحابه في المراكب أيام النيل كان مسافرا إلى مصر ففات المركب بهم وما رضي الريس يرجع بالشيخ فدخل مصر فأقام بالتربة البرقوقية بالصحراء وكان يتردد إلى الأزهر للصلاة على النبي فاجتمع عليه خلق كثير منهم الشيخ عبد الوهاب الشعراوي لازمه نحو خمس سنين ثم أذن له أن يقيم الصلاة في جامع الغمري ففعل وكان الشيخ عبد القادر بن سوار يتردد إلى مصر في التجارة والطلب فلازم 259 الشوني ورجع إلى دمشق بهذه الطريقة ثم اصطلح على تسمية هذه الطريقة بالمحيا وانتشرت طريقة الشوني ببركته في الآفاق وتوفي بالقاهرة ودفن بزاوية مريده الشيخ عبد الوهاب الشعراوي
وفيها مبارك بن عبد الله الحبشي الدمشقي القابوني الشيخ الصالح المربي قال ابن المبرد في رياضه الشيخ مبارك ظهر في سنة سبع وتسعين وثمانمائة وصار له مريدون وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر من إراقة الخمور وغيرها بعد ما أبطل ذلك وقام على الأتراك وقاموا عليه وقال ابن طولون قرأ الشيخ مبارك في غاية الاختصار على التقي بن قاضي عجلون وبنى له زاوية بالقرب من القابون التحتاني وأقام هو جماعته بها وكان يتردد إليه شيخ الإسلام المذكور وكان هو وجماعته يترصدون الطريق على نقلة الخمر فيقطعون ظروفها ويريقونها فبلغ الحكام ذلك فقبض النائب على بعض اجماعة الشيخ وحبسهم في سجن باب البريد فنزل الشيخ مبارك ليشفع فيهم فحبس معهم فأرسل ابن قاضي عجلون يشفع فيه فأطلق ثم هجم بقية جماعة الشيخ مبارك على السجن وكسروا بابه وأخرجوا من فيه من رفاقهم فبلغ النائب فأرسل جماعة من مماليكه فقتلوا منهم نحو سبعين نفسا عند باب البريد وقرب الجامع الأموي ثم ترك الشيخ مبارك ذلك ولازم حضور الزوايا كزاوية الشيخ أبي بكر بن داود بالسفح ووقت سيدي سعد بن عبادة بالمنيحة وكان شديد السواد عظيم الخلقة له همة عظيمة وقوة بأس وشدة وله معرفة تامة بالنغمة والصيد والسباحة يغوص في تيار الماء ويخرج وبين أصابع يديه ورجليه السمك وحج ومعه جماعة من أصحابه فلما دخلوا مكة فرغت نفقتهم فقال لبعض أصحابه خذ بيدي إلى السوق واقبض ثمني واصرفه على بقية الجماعة ففعل ذلك واشتراه بعض تجار العجم ثم أعتقه قال ابن طولون والشيخ مبارك هو الذي أحدث اللهجة في الذكر قال وحقيقتها أنه يذكرون إلى أن يقتصروا من الجلالة على 260 الهمزة والهاء الكنهم يبدلون الهاء حاء مهملة فيقولون اح اح وتوفي يوم الخميس مستهل ربيع الأول ودفن بتربة القابون التحتاني
وفيها شمس الدين محمد بن عبد القادر بن أبي بكر بن الشحام العمري الحلبي الموقت الفقيه سمع الحديث المسلسل بالأولية على المحدث عبد العزيز بن فهد المكي وكان دينا خيرا رئيسا بجامع حلب قال ابن الحنبلي قرأت عليه في الميقات سافر إلى دمشق فمرض بها وتوفي ببيمارستانها وفيها شمس الدين محمد الظني الشافعي العالم المعتقد كان يؤدب الأطفال وفي آخر عمره استمر مؤدبا لهم بالقيمرية الجوانية وأعطى مشيخة القراء بالشامية البرانية وباشرها أشهرا ثم مات عنها يوم الخميس رابع المحرم وفي حدودها الشيخ تقي الدين أبو بكر الأبياري المصري الصوفي كان فقيها زاهدا عابدا يعرف الفقه والأصول والحديث والقراآت والنحو والهيئة وكان يقرىء الأطفال احتسابا ولم يتناول على التعليم شيئا وما قرأ عليه أحد إلا انتفع وكان موردا للفقراء ببلده ابيار لا ينقطع عنه الضيف ومع ذلك لا راتب له ولا معلوم بل ينفق من حيث لا يحتسب وأخذ الطريق عن الشيخ محمد الشناوي وأذن له في تربية المريدين فلم يفعل احتقارا لنفسه رحمه الله تعالى
سنة خمس وأربعين وتسعمائة
فيها توفي الشيخ تقي الدين أبو بكر بن محمد بن يوسف القاري ثم الدمشقي الشافعي الشيخ الإمام العالم العلامة المحقق المدقق الفهامة شيخ الإسلام أخذ عن البرهان بن أبي شريف والقاضي زكريا وغيرهما من علماء مصر وبالشام عن الحافظ برهان الدين الناجي وغيره وتفقه بالتقي بن قاضي عجلون وابن أخته السيد كمال الدين بن حمزة والتقي البلاطنسي وولي إمامة المقصورة بالأموي شريكا للقاضي شهاب الدين الرملي وولي نظر الحرمين وغيره وتدريس الشامية 261 البرانية آخرا مدة يسيرة واخترمته المنية ولزم المشهد الشرقي بالجامع الأموي بعد شيخه ابن قاضي عجلون وردت المشكلات إليه وعكف الطلبة عليه وممن أخذ عنه الشهاب الطيبي والعلاء بن عماد الدين وتزوج بنت مفتي الحنفية قطب الدين بن سلطان ورزق منها ابنا مات بعده بمدة يسيرة وكان محققا مدققا واقفا مع المنقول عالما بالنحو والقراآت والفقه والأصول نظم أرجوز لطيفة في عقيدة أهل السنة وله شعر حسن وتوفي ليلة الأربعاء ثالث عشر ربيع الأول ودفن بمقبرة باب الصغير
وفيها تقريبا المنلا أبو بكر العلوي الحنفي نسبة إلى محمد بن الحنيفية رضي الله عنه الحنفي المذهب المعروف بشيخ زاده كان من كبار الفضلاء الأذكياء مع ماله من المال والرزق والكتب النفيسة وكان صالحا متواضعا لا يحب التصنع من نفسه ولا من غيره وكان جليل القدر بسمرقند بواسطة أن خالته كانت زوجا لملكها ودخل حلب سنة ثلاث وثلاثين ورافق ابن الحنبلي في صدر الشريعة على الشهاب الأنطاكي ثم سافر إلى مكة وجاور بها سنين ثم عاد إلى حلب ثم سافر منها إلى بلده وهي في الهند وقطن بها إلى أن مات
وفيها أبو العباس الحريثي المصري نشأ في العبادة والاشتغال بالعلم وقرأ القرآن بالسبع ثم خدم سيدي محمد بن عنان وأخذ عنه الطريق وزوجه بابنته وقربه أكثر من جميع أصحابه ثم صحب بعده سيدي على المرصفي وأذن لله أن يتصدى للارشاد ولم يرشد حتى سمع الهواتف تأمره بذلك فدعا إلى طريق الله تعالى ولقن نحو عشرة آلاف مريد ولما حضرته الوفاة قال خرجنا من الدنيا ولم يصح معنا صاحب في الطريق وبنى له زاوية بمصر وعدة مساجد بدمياط والمحلة وغيرهما قال الشعراوي ووقع له كرامات كثيرة منها أنه جلس عندي بعض المغرب في رمضان فقرأ قبل أذان العشاء خمس ختمات وطوى أربعين يوما وكان كثير التحمل لهموم الخلق حتى صار كأنه شن بال وكان 262 مع ذلك لا يعد نفسه من أهل الطريق وتوفي بثغر دمياط ودفن بزاوية الشيخ شمس الدين الدمياطي وقبره بها ظاهر يزار وفيها المولى نور الدين حمزة الشهير باوج باشا الحنفي أحد موالي الروم اشتغل وخدم المولى معرف زاده ثم درس بمدرسة مغنيسا ثم بمدرسة أزنيق ثم بمدرسة أبي أيوب ثم بإحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة ثم بإحدى الثمان ثم بمدرسة السلطان بايزيد باماسية ونصب مفتيا بها وعين له كل يوم سبعون عثمانيا بالتقاعد ومات بها وكان حريصا على جمع المال يتقلل في معاشه ويلبس الثياب الدنية ولا يركب دابة حتى جمع أموالا عظيمة وبنى في آخر عمره مسجدا بالقسطنطينية قريبا من داره وبنى بها حجرا لطلبة العلم ووقف عليها أوقافا كثيرة قال له الوزير إبراهيم باشا يوما أني سمعت بأنك تحب المال فكيف صرفته في الأوقاف قال هو أيضا من غاية محبتي في المال حيث لم أرض أن أخلفه في الدنيا فأريد أن يذهب معي إلى الآخرة قاله في الكواكب
وفيها سليمان الصواف الشيخ الصالح العارف بالله تعالى والد الشيخ أحمد ابن سليمان قال في الكواكب كان قادريا لحق سيدي علي بن ميمون وأخذ عن شيخ الإسلام الجد وعده شيخ الإسلام الوالد ممن تلمذ لوالده من أولياء الله تعالى وأخبرني ولده الشيخ أحمد أن ابن طولون كان يتردد إلى والده ويعتقده وأنه توفي في هذه السنة انتهى ملخصا وفيها تقريبا محيي الدين عبد القادر بن أحمد بن الجبرتي الدمشقي الشافعي الفاضل أخذ عن جماعة منهم البدر الغزي قرأ عليه شرح جمع الجوامع قراءة تحقيق وتدقيق وشهد له أنه كان من أهل الفضل والذكاء والصلاح وفيها علاء الدين علي التميمي الشافعي الشيخ العلامة عالم بلاد الخليل أخو القاضي محمود التميمي نزيل دمشق توفي المترجم ببلد الخليل قاله في الكواكب وفيها المولى سعد الدين عيسى بن أمير خان الحنفي المعروف بسعدى جلبي الإمام العامل العلامة أحد 263 موالي الروم المشهورين بالعلم والدين والرياسة كان أصله من ولاية قسطموني ثم دخل القسطنطينية مع والده ونشأ في طلب العلم وقرأ على علماء ذلك العصر ووصل إلى خدمة الساموني ثم صار مدرسا بمدرسة محمود باشا بالقسطنطينية ثم سلطانية بروسا ثم صار قاضيا بالقسطنطينية ثم عزل وأعيد إلى إحدى الثمان ثم صار مفتيا مدة طويلة قال في الشقائق كان فائقا على أقرانه في تدريسه وفي قضائه مرضى السيرة محمود الطريقة وكان في افتائه مقبول الجواب مهتديا إلى الصواب طاهر اللسان لا يذكر أحدا إلا بخير صحيح العقيدة مراعيا للشريعة محافظا على الأدب من جملة الذين صرفوا جميع أوقاتهم في الاشتغال بالعلم الشريف وقد ملك كتبا كثيرة واطلع على عجائب منها وكان ينظر فيها ويحفظ فوائدها وكان قوي الحفظ جدا وله رسائل وتعليقات وكتب حواشي مفيدة على تفسير البيضاوي وهي متداولة بين العلماء وله شرح مختصر مفيد للهداية وبنى دارا للقراء بقرب داره بمدينة قسطنطينية انتهى وكان السيد عبد الرحيم العباسي خليل السعدى جلبي ولكل منهما بالآخر مزيد اختصاص وللسيد عبد الرحيم فيه مدائح نفيسة وقال ابن طولون توفي عند صلاة الجمعة ثاني عيد الفطر بعلة النقرس وأقيم مفتيا عوضه جوى زاده وفيها المولى آشق قاسم الحنفي أحد الموالي الرومية كان من أزنيق واشتغل بالعلم وخدم المولى عبد الكريم ثم درس بالحجرية بمدينة أدرنة وتقاعد بثلاثين عثمانيا قال في الشقائق كان ذكيا مقبول القول صاحب لطائف ونوادر متجردا عن الأهل والولد كثير الفكر مشتغلا بذكر الله تعالى خاشعا في صلاته بلغ قريبا من المائة توفي بأدنة انتهى
وفيها جلال الدين محمد بن أحمد بن محمد بن أبي الفتح بن مولانا جلال الدين الخالدي البكشي ثم السمرقندي الحنفي المشهور بمنلا محمد شاه العجمي 264 كان شيخا معمرا نحيف البدن محققا متفقها متواضعا سخيا قرأ على أكابر علماء العجم كالمنلا عبد الغفور اللاري أحد تلامذة منلا عبد الرحيم الجامي وقدم حلب في هذه السنة وولده منلا عبد الرحيم قال ابن الحنبلي اجتمعت به مرارا وانتفعت به واستفدت منه وتوفي بحلب ودفن بمقبرة الصالحين
وفيها شمس الدين محمد بن حسان الدمشقي الشافعي أحد الفضلاء البارعين قال ابن طولون كان الغالب عليه التنزه توفي يوم الإثنين ثالث القعدة ودفن بباب الفراديس وفيها شمس الدين محمد الداودي المصري الشافعي وقيل المالكي الشيخ الإمام العلامة المحدث الحافظ كان شيخ أهل الحديث في عصره أثنى عليه المسند جار الله بن فهد والبدر الغزي وغيرهما قال ابن طولون وضع ذيلا على طبقات الشافعية للتاج السبكي وقال النجم الغزي جمع ترجمة شيخه الحافظ السيوطي في مجلد ضخم ورأيت على ظهر الترجمة المذكورة بخط بعض فضلاء مصر أن مؤلفها توفي قبل الزوال بيسير من يوم الأربعاء ثامن عشرى شوال ودفن بتربة فيروز خارج باب النصر وفيها شمس الدين محمد بن مكية النابلسي الشافعي الإمام العلامة توفي بنابلس في هذه السنة كما قاله في الكواكب
وفيها المولى سنان الدين يوسف بن المولى علاء الدين على البكالي الرومي الحنفي أحد موالي الروم قرأ على والده وعلى غيره وترقى في التدريس حتى درس بإحدى الثمان وتقاعد عنه بثمانين عثمانيا وبقي على ذلك إلى أن مات وكان مشتغلا بالعلم يحب الصوفية وله لطف وكرم وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان وله حواش على شرح المواقف للسيد ورسائل كثيرة رحمه الله تعالى
سنة ست وأربعين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن أبي بكر الأريحاوي الأصل 265 الحلبي الدار الصيرفي الشافعي قال في الكواكب كان يحب خدمة العلماء بالمال واليد وكان يجمع نفائس الكتب الحديثية والطبية وغيرها ويسمح بإعارتها وقرأ على البرهان العمادي وابن مسلم وغيرهما وولي وظيفة تلقين القرآن العظيم بجامع حلب وغيرها قال ابن الحنبلي وأعرض في آخره عن حرفته وقنع بالقليل وأكب على خدمة العلم ورافقنا في أخذ العلم عن الزيني عبد الرحمن بن فخر النساء وغيره رحمه الله وفيها تقريبا تقي الدين أبو بكر بن فهد الحنفي المكي الإمام العلامة قال في الكواكب قدم دمشق من مكة صحبة الوزير الطواشي ثم عاد إليها مع الحاج مبشرا للسلطان سليمان عنه انتهى
وفيها ظنا المولى أبو السعود الشهير بابن بدر الدين زادة الحنفي أحد موالي الروم ولد ببروسا وتزوجت أمه بعد أبيه بالمولى سيدي الحميدي فقرأ عليه مبادىء العلوم وقرأ على غيره وخدم المولى ركن الدين ثم أعطى قضاء بعض البلاد وله كتاب بالتركية سماه سليم نامه وهو مقبول عند أربابه وله ديوان بالتركية أيضا وكان فاضلا صاحب ذكاء وفطنة رحمه الله تعالى
وفيها شهاب الدين أحمد بن بركات بن الكيال الدمشقي الشافعي الفاضل خطيب الصابونية بعد أخيه وناظر أوقاف سيدي سعد بن عبادة رضي الله عنه توفي يوم الأربعاء خامس رمضان وفيها خليل المصري المالكي الإمام العلامة مفتي المالكية بالديار المصرية توفي بالقاهرة وتأسف الناس عليه وفيها بعد الحميد بن الشرف القسطموني الرومي الحنفي العالم العامل الواعظ طلب العلم ثم رغب في التصوف فصحب الشيخ مصلح الدين الطويل النقشبندي ثم اختار بعد وفاته طريقة الوعظ فكان يعظ الناس بالقسطنطينية وعين له في كل يوم ثلاثون 266 عثمانيا وكانت له يد طولى في التفسير وكان يدرس في بيته ويفسر القرآن بتقريرات واضحة بليغة وعبارات رائقة فصيحة واستفاد منه كثير من الناس وكان فراغ الهم من أشغال الدنيا مقبلا على صلاح حاله طويل الصمت كثير الفكر وقورا مهيبا رحمه الله تعالى وفيها تقريبا عبد الوهاب بن إبراهيم العرضي الحلبي الشافعي مفتي الشافعية بحلب قال في الكواكب ذكره الوالد في رحلته ووصفه بالشيخ الفاضل والعالم الكامل البارع في فنون العلم وأنواع الأدب انتهى
وفيها زين الدين عمر بن معروف الجبرتي المعروف بأبيه معروف ثم الدمشقي إمام الصابونية كان فاضلا عالما علامة من نوادر الزمان في الحفظ فإنه كان يقرأ القرآن من أوله إلى آخره كلما ختم آية افتتح الآية التي قبلها قال ابن طولون تردد إلى مرات وفي كل مرة نستفيد منه في علم التفسير غرائب وتوفي في أواخر شعبان رحمه الله تعالى
وفيها القاضي جلال الدين محمد بن القاضي علاء الدين بن يوسف بن علي البصروي الدمشقي الإمام العلامة شيخ التبريزية بمحلة قبر عاتكة وخطيب الجامع الأموي ولد عاشر رجب سنة تسع وستين وثمانمائة واشتغل على والده وغيره وولي خطابة الثابتية وتدريس الغزالية ثم العادلية وفوض إليه نيابة الحكم الولولي بن الفرفور وخطب في الأموي نيابة ثم استقلالا إلى أن مات وكان لخطبته وقع في القلوب وتذرف منه العيون وكان يقرأ سيرة ابن هشام في الجامع الأموي في كل عام بعد صلاة الصبح شرقي المقصورة وكان من العلم والصلاح له محفوظات في الفقه وغيره وقيام في الليل حافظا لكتاب الله تعالى مواظبا على تلاوته راكبا وماشيا وفي آخر خطبة خطبها بالأموي وكانت في ثامن ربيع الآخر من هذه السنة وكان مريضا سقط عن المنبر مغشيا عليه قال ابن طولون ولولا أن المرقي احتضنه 267 لسقط إلى أسفل المنبر قال ولم يكمل الخطبة الثانية فصلى الجمعة إمام الجامع يومئذ الشيخ عبد الوهاب الحنفي وتوفي المترجم ليلة الثلاثاء رابع عشرى جمادى الأولى ودفن بمقبرة باب الصغير تجاه الشيخ نصر المقدسي
وفيها تقريبا محي الدين محمد الأشتيتي الرومي الصالح كان عابدا صالحا متورعا يربي المريدين بزاويته بأشتيت في ولاية روم ايلي رحمه الله
وفيها المولى بدر الدين محمود أحد الموالي الرومية الحنفي الشهير ببدر الدين الأصفر قرأ على المولى الفناري والمولى لطفي وغيرهما ثم درس بمدرسة بالي كبرى وترقى إلى إحدى الثمان ثم درس بايا صوفيا ثم تقاعد بمائة عثماني ومات على ذلك وكان الغالب عليه العلوم العقلية وله مشاركة في سائر العلوم وله تعليقات لم يدونها وكان يحب الصوفية قاله في الكواكب
وفيها شرف الدين موسى البيت لبدي الصالحي الحنبلي قال ابن طولون كان يسمع معنا على الشيخ أبي الفتح المزي والمحدث جمال الدين بن المبرد ولبس خرقة التصوف من شيخنا أبي عراقية وقرأ على محنة الإمام أحمد جمع ابن الجوزي وأشياء أخرى وتوفي يوم الجمعة سلخ ربيع الثاني
سنة سبع وأربعين وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر الشهير بابن المؤيد أحد العدول بدمشق بل عين الموقعين بالشام قال في الكواكب كان من أخصاء شيخ الإسلام الوالد وأعيان طلبته مولده سنة ثمان وستين وثمانمائة وتوفي مستهل القعدة انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن يونس المصري الحنفي المعروف بابن الشلبي الإمام العالم العلامة الأوحد المحقق المدقق الفهامة كان عالما كريم النفس كثير الصدقة له اعتقاد في الصالحين والمجاذيب ذا حياء وحلم وعفو وكان رفيقا لمفتي دمشق القطب بن سلطان في الطلب على قاضي 268 القضاة شرف الدين ابن الشحنة والبرهان الطرابلسي ثم المصري في الفقه وعلى الشيخ خالد الأزهري في النحو وتوفي بالقاهرة ودفن خارج باب النصر وله من العمر بضع وستون سنة
وفيها الطيب بن عفيف الدين عبد الله بن أحمد مخرمة اليمني العدني الشافعي الإمام العلامة المحدث قال في النور ولد بعدن ليلة الأحد ثاني عشر ربيع الثاني سنة سبعين وثمانمائة وأخذ عن والده وعن الفقيه محمد بن أحمد فضل وانتفع به كثيرا ولازمه وكذلك أخذ عن محمد بن حسين القماط وأحمد بن عمر المزجد وغيرهم وتفنن في العلوم وبرع وتصدر للفتوى والاشغال وكان من أصح الناس ذهنا وأذكاهم قريحة وأقربهم فهما وأحسنهم تدريسا حتى يذكر أنه لم ير مثله في حسن التدريس وحل المشكلات في الفقه وصار في آخره عمدة الفتوى بعدن وكان يقول أني أقرىء أربعة عشر علما وولي القضاء بعدن ومن مؤلفاته شرح صحيح مسلم وأسماء رجال مسلم وتاريخ مطول مرتب على الطبقات والسنن ابتدأ به من أول الهجرة وكتاب في النسبة إلى البلدان مفيد جدا وتوفي بعدن في سادس المحرم ودفن في قبر جده لأمه القاضي العلامة محمد بن مسعود أبي شكيل بوصية ودفن في قبة الشيخ جوهر
وفيها زين الدين عبد القادر بن الشيخ شمس الدين محمد القويضي الدمشقي الصالحي الحنفي الطبيب الحاذق أخذ الطب عن الرئيس خشمش الصالحي وكان أستاذا في الطب يذهب إلى الفقراء في منازلهم ويعالجهم ويفاقرهم وربما لم يأخذ شيئا وقد يعطى الدواء من عنده أو يزكيه من كيسه وكان في آخره يتلو القرآن في ذهابه وإيابه من الصالحية إلى دمشق وكان ساكنا بالصالحية بالقرب من الجامع الجديد وكان حسن المحاضرة جميل المذاكرة وله شعر وسط وتوفي ثامن عشر جمادى الأولى بالصالحية ودفن تجاه تربة السبكيين وتأسف الناس عليه وفيها الشيخ على المعروف بالذويب 269 الصالح المكاشف أقام بمصر نحو عشرين سنة ثم نزل إلى الريف وظهرت له كرامات وخوارق أخذ عن الشيخ محمد العدل الطناخي وغيره وكان ملاميا يلبس تارة لباس الحمالين وتارة لباس التراسين ولما مات وجدوا في داره نحو ثمانين ألف دينار مع أنه كان متجردا من الدنيا قال الشعراوي اجتمعت به مرة واحدة عقب منام رأيته وذلك أني سمعت قائلا يقول لي في المنام الشيخ علي الذويب قطب الشرقية ولم أكن أسمع به أبدا فسألت الناس عنه فقالوا لي هذا رجل من أولياء الله تعالى قال وكان يمشي كثيرا على الماء فإذا أبصره أحد اختفى وكان يرى كل سنة بعرفة ويختفي من الناس إذا عرفوه انتهى
وفيها زين الدين عمر التنائي المالكي الشيخ العلامة المصري توفي بها في هذه السنة قاله في الكواكب وفيها تقريبا سراج الدين عمر العبادي المصري الشافعي الإمام العلامة المعلم بالبرقوقية من الصحراء خارج القاهرة كان على قدم عظيم في العبادة والزهد والورع والعلم وضبط النفس وكانت نقول مذهب الشافعي نصب عينيه وشرح قواعد الزركشي في مجلدين أخذ عن سميه وبلديه السراج العبادي الكبير وعن الشمس الجوجري ويحيى المناوي وغيرهم وأجازوه وكان مجاب الدعوة ولما حج وزار رسول الله فتحت له الحجرة الشريفة والناس نيام من غير فاتح فدخلها وزار ثم خرج فعادت الأقفال كما كانت رحمه الله تعالى
وفيها شمس الدين محمد بن أحمد بن الشويكي الصالحي الحنبلي العلامة كان إماما فقيها أفتى مدة ثم امتنع من الافتاء في الدولة الرومية وكان إماما بالحاجبية وكان أستاذا في الفرائض والحساب وله يد في غير ذلك توفي يوم الإثنين عاشر المحرم ودفن بالروضة إلى جانب قبر العلامة علاء الدين المرداوي
وفيها المولى محي الدين محمد بن إدريس الحنفي الشهير بمعلول أفندي أحد موالي الروم تنقل في المدارس والمناصب إلى أن ولي قضاء مصر وكان 270 سيدا شريفا فاضلا وفيها نجم الدين محمد بن علي بن النعيل الغزي الشافعي الإمام العالم العامل توفي بالقدس رحمه الله تعالى
وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الدلجي العثماني الشافعي الإمام العلامة ولد سنة ستين وثمانمائة بدلجة وحفظ القرآن العظيم بها ثم دخل القاهرة فقرأ التنبيه وغيره على علمائها ثم رحل إلى دمشق وأقام بها نحو ثلاثين سنة وأخذ عن البرهان البقاعي والحافظ برهان الدين الناجي والقطب الخيضري والقاضي ناصر الدين بن زريق الحنبلي والإمام المحدث شمس الدين السخاوي وسافر إلى بلاد الروم واجتمع بسلطانها أبي يزيد وحج من بلاد بالشام ثم عاد إلى القاهرة وكتب شرحا على الخزرجية وشرحا على الأربعين النواوية وشرحا على الشفا للقاضي عياض وشرحا على المنفرجة واختصر المنهاج والمقاصد وسماه مقاصد المقاصد وشرحه وأخذ عنه جماعة منهم النجم الغيطي قال سمعت عليه كثيرا وأجاز لنا وتوفي بالقاهرة رحمه الله تعالى
وفيها شمس الدين محمد بن محمد التونس المالكي الملقب بمغوش بمعجمتين الإمام المحقق المدقق العلامة اشتغل على علماء المغرب وسمع الصحيحين والموطأ والترمذي والشفا وقرأ البعض على الإمام العلامة أبي العباس أحمد الأندلسي المعروف بالمشا وسمع على غيره وفضل في بلاده وبرع وتميز وولي قضاء عسكر تونس ثم قدم من طريق البحر إلى القسطنطينية في دولة السلطان سليمان فعظمه وأكرم مثواه ورتب له علوفة حسنة وشاع فضله بين أكابرها وأخذ عنه جماعة من أعيانها حتى قاضيا العسكر إذ ذاك ولم يزل بها معظما مبجلا ينشر الفوائد وينثر الفرائد وأملى بها أمالي على شرح الشاطبية للجعبري ثم استأذن من السلطان في الرحلة إلى مصر واعتذر بعدم صبره على شتاء الروم وشدة بردها فأذن له وأمر له أن يستوفي ما عين له من خزينتها فتوجه إليها من طريق البر سنة أربع وأربعين فدخل حلب فانتدب 271 للقراءة عليه والأخذ عنه جماعة من أهلها منهم ابن الحنبلي ثم دخل طرابلس ثم دمشق وانتفع به أهلها وشهدوا له بالعلم خصوصا في التفسير والعربية والمنطق والكلام والعروض والقراآت والمعاني والبيان وقرأ عليه العلاء بن عماد الدين الشافعي في أوائل تفسير البيضاوي فأفاد وأجاد حتى أذهل العقول وقرأ عليه القاضي معروف رسالة الوجود للسيد الشريف وبعض شرح آداب البحث للمسعودي وقرأ عليه الشهاب الطيبي في القراآت وأجازه إجازة حافلة ثم سافر من دمشق في يوم الإثنين سادس عشر جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وألف تليمذه الشيخ شهاب الدين الطيبي مؤلفا في تاريخ سفره بالكسور العددية سماه بالسكر المرشوش في تاريخ سفر الشيخ مغوش وقال ابن الحنبلي في ترجمته كان عالما علامة متقنا متفننا ذا إدراك عجيب واستحضار غريب حتى أنه كان في قوته أنه يقرىء مثل العضد المرة بعد المرة من غير مطالعة قال وكان دأبه الاستلقاء على القفا ولو حالة التدريس وعدم النهوض لمن ورد عليه من الأكابر كل ذلك لما كان عنده من حب الرفاهية والارحة والانبساط والشهامة انتهى وكان يطالع من حفظه كلما أراد من العلوم ولم يكن عنده كتاب ولا ورقة أصلا وكان يحفظ شرح التلخيص مع حواشيه وشرح الطوالع وشرح المواقف وشرح المطالع كما قاله في الشقائق وبالجملة فإنه كان من أعاجيب الدنيا وتوفي في العشر الأواخر من شعبان بالقاهرة ودفن بجوار الإمام الشافعي رضي الله عنه وكتب على قبره
( ألا يا مالك العلماء يا من
به في الأرض أثمر كل مغرس )
( لئن أوحشت تونس بعد بعد
فأنت بمصر ملك الحسن تونس )
وفيها شمس الدين محمد الدمنهوري المصري المالكي الشيخ العلامة توفي بمصر في أواخر ربيع الثاني وفيها محي الدين يحيى بن إبراهيم بن قاسم ابن الكيال الإمام المحدث سمع على والده في مسند الإمام أحمد وباشر في 272 الجامع الأموي وكان له فيه قراءة حديث وكان عنده حشمة وأجازه البدر الغزي وتوفي يوم الإثنين سلخ القعدة
سنة ثمان وأربعين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن نجم الدين محمد بن برهان الدين إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن جماعة الإمام العلامة المحدث المقدسي الشافعي ولد يوم الإثنين خامس عشر المحرم سنة سبعين وثمانمائة وسمع على والده الكتب الستة وغيرها وأجاز له البرهان بن قاضي عجلون والتقي الشمني والقاضي أبو العباس بن نصر الله والتقي بن فهد والشمس بن عمران وأمين الدين الأقصرائي والشرف المناوي والبدر بن قاضي شهبة والجمال الباعوني وأخوه البرهان وولي تدريس الصلاحية ببيت المقدس سنين ثم قطن دمشق وحدث بها كثيرا عن والده وغيره وولي تدريس الشامية البرانية سنين ثم تدريس التقوية ونظرها وسافر من دمشق فمات بقرية سعسع في آخر ليلة الثلاثاء خامس عشرى شوال بعد أن بقي سنين مستلقيا على ظهره من زلقة حصلت له بسبب رش الماء بداخل دمشق فانفك فخذه ولم يمكنه الصبر على علاجه لنحافة بدنه ولطف مزاجه ثم حمل من سعسع وأعيد إلى دمشق وغسل بمنزله ودفن بباب الصغير
وفيها تقريبا برهان الدين إبراهيم بن المبلط شاعر القاهرة من شعره في القهوة
( يا عائبا لسواد قهوتنا التي
فيها شفاء النفس من أمراضها )
( أو ما تراها وهي في فنجانها
تحكي سواد العين وسط بياضها )
وفيها شهاب الدين أحمد الطيب بن شمس الدين الطنبذاوي البكري الصديقي الشافعي قال في النور هو شيخ الإسلام الحبر الإمام العارف بالله القانت الأواه ولد بعد السبعين وثمانمائة تقريبا وتفقه بالنور السمهودي 273 والقاضي أحمد المزجد وغيرهما وكان في أهل عصره بمنزلة الشمس من النجوم وتميز في معرفة المنطق والمفهوم وكان شديد التصلب في الدين والصدع بالحق لا يخاف في الله لومة لائم وكان يقول لتلميذه ابن زياد أنتم نفعكم أحمد المزجد ونحن بلحظه ولفظه وأخذ عنه خلق منهم شيخ الإسلام ابن زياد والحافظ شهاب الدين أحمد الخزرجي والغريب الأكسع وعبد الملك بن النقيب وعبد الرحمن البجلي وصالح النماري وغيرهم وانتهت إليه رياسة الفتوى والتدريس وانتفع به الخاص والعام ومن مصنفاته فتاوى مشهورة عليها الاعتماد بزبيد وشرح التنبيه في أربع مجلدات وله حاشية مفيدة على العباب قال الشيخ صالح النماري ومن عجيب ما سمعته منه أنه قال طالعت جميع الإيضاح شرح الحاوي للناشري في ليلة واحدة وهو مجلدان ضحمان وعلقت من كل باب فائدة وهذا خرق عادة وقال الخولاني سمعته يقول كانت الفوائد التي كتبتها تلك الليلة ثلاثة كراريس وكان مفرط الذكاء يحفظ الأرشاد ومن نظمه
( ومذ كنت ما أهديت للحب خاتما
ومسكا وكافورا ولابست عينه )
( ولا القلم المبري أخشى عداوة
تكون مدى الأيام بيني وبينه )
ولا أعلم لهذه الخصال أصلا من كتاب ولا سنة انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن الشمس محمد بن القطب محمد بن السراج البخاري الأصل المكي الحنفي ولد بمكة في صفر سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة واشتغل بالعلم فقرأ على السخاوي في سنن أبي داود والشفا ودخل القاهرة مرارا وسمع الحديث فيها على جماعة منهم الحافظ الديمي والجلال السيوطي ولبس خرقة التصوف من بعض المشايخ وولي المناصب الجليلة كالقضاء والإمامة والمشيخة وأجازه بعضهم وقرأ الكتب الستة وغيرها وسمع كثيرا من الفقه والحديث مع قوة حافظة حسن كتابة وناطقة وتوفي بجدة ظهر يوم السبت عاشر ربيع الثاني وحمل إلى مكة فدفن بالمعلاة 274
وفيها شهاب الدين أحمد بن قطب الدين محمد الصفوري الصالحي الشافعي الشيخ الفاضل كان ذكيا ينظم الشعر الحسن وسمع على ابن طولون في الحديث وأضر قبل بلوغه وكان يقرأ في البخاري في المواعيد عن ظهر قلب بعد أن أضر وتوفي يوم الإثنين سادس عشر رجب ودفن عند جده بتربة السبكيين
وفيها عماد الدين إسمعيل بن زين الدين عبد الرحمن بن إبراهيم الذنابي الصالحي الحنبلي خطيب الجامع المظفري سمع على أبي بكر بن أبي عمرو وأبي عمر بن عبد الهادي وأبي الفتح المزي وقرأ على ابن طولون في العربية وتوفي يوم السبت تاسع عشرى شعبان ودفن بوصية منه شمالي صفة الدعاء أسفل الروضة
وفيها القاضي زين الدين عبد الرحمن بن عبد الملك بن الموصلي الدمشقي الميداني الشافعي درس بالجامع الأموي والظاهرية الجوانية والقيمرية الكبرى وولي نيابة القضاء بالصالحية وغيرها ثم ترك ذلك وتوفي يوم السبت مستهل ربيع الأول ودفن بزاويتهم بميدان الحصا
وفيها عز الدين عبد العزيز المقدسي الحنفي الضرير الإمام العلامة مفتي بلاد القدس وأحد الأصلاء بها كان يكتب عنه الفتوى ويتناول الكاتب خاتمة ليختم على السؤال خوفا من التدليس وتوفي بالقدس في أواسط شوال وفيها علاء الدين علي بن محمد بن عثمان بن إسماعيل البابي الحلبي الحنبلي المعروف بابن الدغيم قال ابن الحنبلي ولي تدريس الحنابلة بجامع حلب وكان هينا لينا صبورا على الأذى مزوحا وتوفي يوم الجمعة ثاني عشر رمضان ودفن بجوار مقابر الصالحين بوصية منه
وفيها شرف الدين أبو الوفا وأبو السعادات قاسم بن خليفة بن أحمد ابن محمد الحلبي الشافعي المعروف بابن خليفة ولد بحلب ليلة عيد الأضحى سنة سبع وسبعين وثمانمائة ونشأ بها وحمله والده على طلب العلم واشترى له نفائس الكتب فلزم كثيرا من العلماء منهم البدر السيوفي ومنلا عرب والمظفر 275 ابن علي الشيرازي والبرهان العمادي وغيرهم وباشر في أول أمره صنعة الشهادة وجلس بمكتب العدل خراج باب النصر وولي إعادة العصرونية للبرهان العمادي ووظائف أخرى واستنيب في الدولة العثمانية كثيرا في فسوخ الأنكحة وجلس لتعاطي الأحكاز الشرعية برهة من الزمان وكان يخدم العلماء ويبذل الماء في خدمتهم وكان له تواضع طارحا للتكلف وتوفي بحلب في ذي الحجة ودفن بمقبرة السيد علي بالهزازة ومازال يقول في نزعه الله الله حتى مات
وفيها شمس الدين محمد بن خليل بن علي بن عيسى بن أحمد بن صالح بن حميس بن محمد بن عيسى بن داود بن مسلم الصمادي ثم الدمشقي القادري الشيخ الصالح المعتقد المسلك المربي ولي الله تعالى العارف به شيخ الطائفة الصمادية بالشام كان من أولياء الله تعالى تظهر منه في حال الذكر أمور خارقة للعادة وكانت عمامته وشده من صوف أحمر وله مجالسة حسنة وللناس فيه اعتقاد خصوصا أعيان الأروام وسافر إلى الروم واجتمع بالسلطان سليم فاعتقده اعتقادا زائدا وأعطاه قرية كتيبة رأس الماء ثم استقر الأمر على أن عين له قرية كنا كر تابع وادي العجم وغلالها إلى الآن تستوفيه الصمادية بعضه لزاوية الشيخ محمد المذكور بمحلة الشاغور وبعضه لذريته وشاتهر أمره وأمر آبائه من قبل بدق الطبول عند هيمان الذاكرين واشتداد الذكر واستفتى فيه ابن قاضي عجلون والشمس بن حامد والبدر الغزي فأفتوا بإباحته قياسا على طبل الحجيج وطبل الحرب قال في الكواكب وبالجملة أن مجالسهم مهيبة عليها الوقار والأنس تخشع القلوب لسماع طبولهم وإنشادهم خالون عن التصنع واشتهرت عن بعض آباء صاحب الترجمة قصة عجيبة هي أن جماعة الصمادية كانوا يضربون الطبول قديما بين يدي الشيخ في حلقتهم يوم الجمعة بعد الصلاة فأمر بعض الحكام بمنعهم من ذلك فأخرج الطبل إلى خارج الجامع فدخل الطبل محمولا يضرب عليه ولا يرون له حاملا ولا عليه ضاربا واستمر في 276 هواء الجامع من باب البريد حتى انصدم ببعض عواميد الجامع مما يلي باب جيرون وتوفي المترجم يوم الجمعة خامس عشرى جمادى الأولى ودفن بايوان زاويته وخلف ثمانة عشر ولدا ذكورا وإناثا ودنيا عريضة انتهى ملخصا
وفيها القاضي شمس الدين محمد بن رجب البهنسي الحنفي والد الشيخ نجم الدين البهنسي مفتي الحنفية بدمشق قال ابن طولون كان نقيب الحكم ثم فوض إليه قاضي قضاة الحنفية زين الدين بن يونس نيابة القضاء وتوفي يوم الأربعاء عشرى رجب وفيها القاضي كمال الدين محمد بن قاضي القضاة قطب الدين محمد بن محمد الخيضري الدمشقي الشافعي ولي القضاء بميدان الحصا وغيره في أيام قاضي دمشق ابن اسرافيل وكان عنده حشمة وفضيلة وكان أحد المدرسين بالجامع الأموي إلا أنه كان يستعمل الأفيون وكان في الغالب مستغرقا وربما حدث له ذلك وهو ماش في الطريق فدخل يوم السبت مستهل ربيع الثاني إلى ميضأة العنبرانية بالقرب من الجامع الأموي لقضاء الحاجة وأغلق عليه الباب فكأنه سرد على عادته فسقط على رأسه في الخلا فلما أحسوا به أخرجوه فخرجت روحه في الحال فحمل إلى بيته فغسل وكفن وصلى عليه بالأموي ودفن بمقبرة باب الصغير قاله في الكواكب
سنة تسع وأربعين وتسعمائة
فيها توفي قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن عبد العزيز بن علي الفتوحي الحنبلي المعروف بابن النجار الإمام العلامة شيخ الإسلام ولد سنة اثنتين وستين وثمانمائة ومشايخه تزيد على مائة وثلاثين شيخا وشيخة وكان عالما عاملا متواضعا طارحا للتكلف سمع منه ابن الحنبلي حين قدم حلب مع السلطان سليم سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة المسلسل بالأولية وقرأ عليه في الصرف وأجاز له ثم أجاز له بالقاهرة اجازة ثانية بجميع ما تجوز له وعنه 277 روايته بشرطه كما ذكره في تاريخه وقال في الكواكب ذكر والد شيخنا أنه لما دخل دمشق صحبة الغوري هو وقاضي القضاة كمال الدين الطويل الشافعي وقاضي القضاة عبد البر بن الشحنة الحنفي وقاضي القضاة المالكي هرع إليهم جماعة للأخذ عنهم لعلو أسانيدهم وكان ذلك في أوائل جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وتسعمائة وذكر الشعراوي أن صاحب الترجمة لم يل القضاء إلا بعد إكراه الغوري له المرة بعد الأخرى ثم ترك القضاء في الدولة العثمانية وأقبل على العبادة وأكب على الاشتغال في العلم حتى كأنه لم يشتغل بعلم قط مع أنه انتهت إليه الرياسة في تحقيق نقول مذهبه وفي علوم السنة في الحديث والطب والمعقولات وكان في أول عمره ينكر على الصوفية ثم لما اجتمع بسيدي علي الخواص وغيره أذعن لهم واعتقدهم وصار بعد ذلك يتأسف على عدم اجتماعه بالقول في أول عمره ثم فتح عليه في الطريق وصار له كشف عظيم قبيل موته وتوفي بمصر انتهى
وفيها بدر الدين حسن بن علي الطبراني من بلدة عند بركة طبرية الشافعي المقرىء نزيل دمشق حفظ القرآن العظيم بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر ثم تلاه بعدة روايات على الشيخ علاء الدين القيمري واشتغل بالنحو على ابن طولون وتسبب بقراءة الأطفال في مكتب عز الدين غربي المدرسة المذكورة وصلى عدة ممن أقرأه بالقرآن وكان أحد شقيه بطالا لا يمشي إلا بعكاز وتوفي ليلة الأحد ليلة عيد الفطر وفيها عرفة القيرواني المغربي المالكي العارف بالله تعالى شيخ سيدي علي بن ميمون وسيدي أحمد بن البيطار من كراماته ما حكاه سيدي محمد بن الشيخ علوان في كتابه تحفة الحبيب أن سلطان المغرب كان قد حبسه بنقل واش كاذب فوضعه في السجن وقيده بالحديد فكان الشيخ عرفة إذا حضر وقت من أوقات الصلوات أشار إلى القيود فتتساقط فيقوم ويصلي فقال له بعض من كان معه في السجن إذا كان 278 مثل هذا المقام لك عند الله فلأي شيء ترضى ببقائك في السجن فقال لا يكون خروجي إلا في وقت معلوم لم يحضر إلى الآن واستمر على حاله حتى رأى سلطان المغرب رسول الله فقال له عجل بإطلاق عرفة من السجن مكرما وإياك من التقصير تكن مغضوبا عليك فإنه من أولياء الله تعالى فلما أصبح أطلقه مكرما مبجلا رحمه الله تعالى
وفيها علاء الدين علي بن حسن بن أبي مشعل الجراعي ثم الدمشقي الشافعي المشهور بالقيمري لكونه كان يسكن بمحلة القيمرية تجاه القيمرية الكبرى كان إماما مقرئا علامة قرأ في علم القراآت على الشمس بن الملاح وفيه وفي العربية على الجمال البويضي وتفقه بالتقي القاري وأجازه بالتدريس والافتاء وأم للشافعية بالأموي توفي شهيدا بعلة البطن يوم السبت حادي عشرى جمادى الأولى ودفن بوصية منه في باب الصغير إلى جانب أخ له في الله صالح وفيها قاضي علي بن عبد اللطيف بن قطب بن عبد الله بن محمد بن محمد بن أحمد الحسيني القزويني الشافعي المعروف بقاضي علي كان من بيت علم وقضاء وولي قضاء قزوين ثم تركه وكتب على الفتوى ثم دخل بلاد الشام وحج وأخذ الحديث عن التقي القاري وغيره ثم عاد إلى بلاده فدخل حلب فاستجازه ابن الحنبلي فأجاز له وتوفي ببلاده في هذه السنة
وفيها شمس الدين محمد بن شعبان بن أبي بكر بن خلف بن موسى الضيروطي المصري الشافعي المشهور بابن عروس الإمام العلامة ولد سنة سبعين وثمانمائة بسندبون تجاه ضيروط وأخذ العلم عن الشهاب بن شقير المغربي التونسي وعن النور المحلى وأجاز له تدريس العلوم المتعارفة لتضلعه منها وصحب سيدي الشيخ أبا العون المغربي ودعا له وقرأ ثلاثيات البخاري على أمة الخالق بنت العقبى بحق جازتها من عائشة بنت عبد الهادي عن الحجار وكان ذكيا متواضعا طارحا للتكلف يصل إلى المدارك الدقيقة بفهم ثاقب وكان يحفظ كتبا كثيرة 279 يسردها عن ظهر قلب حتى كأنها لم تغب عنه وجمع الله له بين الحفظ والفهم وكان مدرسا بمقام الإمام الشافعي بمصر فأخذه عنه رجل أعجمي فرحل إلى الروم واسترده مضموما إليه تدريس الخشابية بمصر المشروطة لأعلم علماء الشافعية ودخل في رحلته إلى الروم دمشق وحلب وأخذ عنه بهما جماعة من أهلهما منهم ابن الحنبلي وأجازه بسائر مروياته ثم دخل دمشق ثانيا في العود واجتمع بأعيان علمائها وأضافوه وأكرموه وشهدوا له بالفضل الباهر وتوفي بالقاهرة ليلة الجمعة سابع عشرى شوال وفيها شمس الدين محمد بن عبد الرحمن الصهيوني الشافعي الإمام العلامة خطيب جامع الأطروش بطرابلس توفي بها في ذي القعدة وفيها هداية الله بن بار علي التبريزي الأصل القسطنطيني الحنفي أحد موالي الروم كان فصيحا مقتدرا على التعبير بالعربية يغلب عليه علم الكلام ويميل إلى اقتناء الكتب النفيسة وكان عارفا بالأصلين والفقه مشاركا في غيرهما قرأ على المولى بير أحد والمولى محي الدين الفناري وابن كمال باشا وغيرهم ثم تنقل في المدارس إلى أن عطي قضاء مكة فقدم حلب ودمشق ذاهبا إليها سنة ست وأربعين ثم رحل من مكة إلى مصر وترك القضاء لعلة ألمت به بعينيه وأخذ في علاجها بمصر فلم يبرأ فبقي بها إلى أن مات وفيها تقريبا شرف الدين يحيى الرهاوي المصري الحنفي الإمام العلامة كان نازلا بدمشق وسافر مع الشيخ الضيروطي إلى مصر سنة اثنتين وأربعين وتوفي بها
وفيها جمال الدين يوسف بن يحيى الجركسي الحنفي ابن الأمير محي الدين ابن الأمير أزبك الفاضل قرأ شرحي الشيخ خالد على الجرومية والقواعد على ابن طولون ثم أخذ في حل الألفية عليه وكتب له إجازة وحل الكنز على القطب بن سلطان ثم عرض له السفر إلى مصر لأجل استحقاقه في وقف جده فتوفي بها غريقا ودفن بتربة جده المنسوب إليه الأزبكية 280
سنة خمسين وتسعمائة
فيها توفي المولى أحمد بن المولى حمزة الرومي الحنفي المعروف بعرب جلبي العالم الفاضل اشتغل وحصل وخدم ابن أفضل زادة ثم رحل إلى مصر في دولة السلطان بايزيد وقرأ على علمائها في الكتب الستة والتفسير والفقه والأصول والهندسة والهيئة وقرأ المطول بتمامه وأجازه ودرس بمصر وأقرأ المطول والمفصل ثم عاد إلى بلاد الروم فبنى له الوزير قاسم باشا مدرسة بالقرب من مدرسة أبي أيوب الأنصاري ودرس بها مدة عمره وكان أكثر أشغاله بالفقه وتفسير البيضاوي وكان عالما عابدا صحيح العقيدة حسن السمت انتفع به كثير من الناس رحمه الله تعالى
وفيها شهاب الدين أحمد بن حمزة القلعي الحلبي الحنفي ثم الشافعي المشهور بابن قيما اعتنى بالقراآت وتزوج بابنة الشيخ نور الدين البكري الشافعي خطيب المقام فانتقل إلى مذهبه فصار شافعيا بعد أن كان حنفيا هو وأبوه وقرأ عليه بحلب وأخذ أيضا بالقاهرة عن النشار المقري صاحب التآليف المشهورة وتوفي بحلب في أوائل ذي الحجة
وفيها شهاب الدين أحمد بن عبد الحق بن محمد السنباطي المصري الشافعي الواعظ بالجامع الأزهر الإمام العالم العلامة أخذ عن والده وغيره وكان معه بمكة في مجاورته بها سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة ووعظ بالمسجد الحرام في حياة أبيه وفتح عليه في الوعظ حينئذ وهو الذي تقدم للصلاة على والده حين توفي بمكة قال الشعراوي لم نر أحدا من الوعاظ أقبل عليه الخلائق مثله وكان إذا نزل عن الكرسي يقتتل الناس عليه قال وكان مفننا في العلوم الشرعية وله الباع الطويل في الخلاف ومذاهب المجتهدين وكان من رؤس أهل السنة والجماعة واشتهر في أقطار الأرض كالشام والحجاز واليمن والروم وصاروا يضربون به المثل وأذعن له علماء مصر الخاص منهم 281 والعام وولي تدريس الخشابية بمصر بعد الضيروطي وهي مشروطة لأعلم علماء الشافعية كالشامية البرانية بدمشق وكان يقول بتحريم قهوة البن ثم انعقد الآن الاجماع على حلها في ذاتها وتوفي في أواخر صفر قال الشعراوي ولما مات أظلمت مصر لموته وانهدم ركن عظيم من الدين وما رأيت في عمري كله أكثر خلقا من جنازته الا جنازة الشهاب الرملي
وفيها شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن عبد القادر البغدادي الأصل الصالحي الحنفي الشهير بابن الحصري قال ابن طولون هو أخونا وابن شيخنا العلامة جمال الدين حفظ القرآن والمختار وغيرهما وسمع الحديث على شيخنا ابن عبد الهادي وأخيه الشهاب أحمد وولده واشتغل وحصل وألف ثم سلك طريق السلف الصالح وحضر كثيرا عندي وتوفي ليلة الأحد خامس عشر رجب عن نحو خمس وستين سنة ودفن عند والده أي بسفح قاسيون لصيق تربة العم من جهة الشرق انتهى وفيها المولى إسحق الرومي أحد موالي الروم الطبيب كان نصرانيا طبيبا وكان يعرف علم الحكمة معرفة تامة وقرأ على المولى لطفي التوقاتي المنطق والعلوم الحكمية وباحث معه فيها ثم أنجز كلامهم إلى العلوم الإسلامية وقرر عنده حقيقة الإسلام فاعترف وأسلم ثم ترك الطب واشتغل بتصانيف الإمام حجة الإسلام الغزالي والإمام فخر الدين الرازي وداوم على العمل بالكتاب والسنة وصنف شرحا على الفقه الأكبر لأبي حنيفة رضي الله عنه
وفيها الشيخ شيخ بن إسمعيل بن إبراهيم بن الشيخ عبد الرحمن السقاف اليمني السيد الجليل صاحب الكرامات الخارقة والآيات الصادقة كان من كبار مشايخ اليمن حكى عنه أنه قيل له ههنا رجل تحصل له حالة عظيمة عند السماع فقال ليس الرجل الذي يحتاج إلى محرك يحركه إنما الرجل الذي لا يغيب عنه الشهود حتى في حالة الجماع فضلا عن غيره توفي بالشحر ودفن بها 282
وفيها عبد الرحمن بن المناوي المصري الشيخ الصالح العالم العابد الورع أحد تلامذة سيدي محمد الشناوي كان رضي الله عنه جميل الأخلاق كريم النفس حمالا للأذى صبارا على البلاء كثير الحياء لا يكاد يرفع بصره إلى السماء ولا إلى جليسه أقام في طنتدا ثم انتقل إلى الجامع الأزهر فأقام به مدة وانتفع به خلائق ثم رجع إلى بلده المناوات ومات بها وفيها زين الدين عبد اللطيف بن علم الدين سليمان بن أبي كثير المكي الإمام العلامة قدم دمشق وأقام بها مدة وقرأ الشفا على الشمس بن طولون الصالحي في مجلسين في رجب سنة ثمان وثلاثين ثم سافر إلى السلطان سليمان حين كان ببغداد فولاه قضاء مكة عن البرهان بن ظهيرة وأضيف إليه قضاء جده ونظر الحرم الشريف ثم رجع إلى دمشق وتوجه إلى مكة مع الحاج هو والشيخ أبو الفتح المالكي وتوفي بها وكان له شعرحسن منه الموشح المشهور في القهوة الذي مطلعه
( قهوة البن مرهم الحزن
وشفا الأنفس )
( فهي تكسو شقائق الحسن
من لها يحتسي )
وقد عارضه الشيخ أبو الفتح المالكي المغربي بموشح على وزنه وقافيته
وفيها عبد اللطيف بن عبد المؤمن بن أبي الحسن الخراساني الجامي الأحمدي الهمداني الطريقة العارف بالله تعالى خرج من بلاده يريد الحج في جم غفير من مريديه فدخل القسطنطينية في دولة السلطان سليمان فأكرم مثواه هو وأركان دولته وتلقن السلطان منه الذكر ثم دخل حلب وقرأ بها الأوراد الفتحية على وجه خشعت له القلوب وذرفت منه العيون قال ابن الحنبلي وسألته عن وجه قوله في نسبته الأحمدي فقال هي نسبة إلى جدي مير أحمد أحد شيوخ جام في وقته قال ونسبي متصل بجابر بن عبد الله البجلي قال واستخبرته عن شيخه في الطريق فقال هو حاجي محمد الجوشاني قال 283 وسألته تلقين الذكر فلقنني إياه وكتب لي دستور العمل ولكن بالفارسية ثم حج وتوجه إلى بلاده وتوفي ببخارى قال ابن الحنبلي وكان محدثا مفسرا مستحضرا للأخبار معدودا من أرباب الأحوال والصواب أنه توفي سنة ثلاث وستين
وفيها عبد اللطيف الخراساني الحنفي العالم العلامة دخل دمشق سنة تسع وثلاثين حاجا فنزل بالصالحية وظهر علمه وعمله خصوصا في التفسير
وفيها عيسى باشا بن إبراهيم الرومي الحنفي أمير أمراء دمشق كان له أولا اشتغال بالعلم وصار مدرسا بعدة مدارس حتى اتصل إلى إحدى الثمان ثم صار موقعا بالديوان السلطاني ثم ولي الإمارة في بعض البلاد ثم إمارة حلب فأحسن فيها السيرة ثم إمارة دمشق وعزل منها ثم أعيد إليها ورسخ فيها وكان عالما بعدة من العلوم ولم يترك المطالعة أيام الإمارة وكان له حسن أدب ولطف معاشرة إلا أنه كان إذا اشتد غضبه خمش يديه فيدميها وهو لا يدري وأبطل كثيرا من الظلامات وعاش أهل القرى أيام ولايته عيشة طيبة وكان مكرما لأهل العلم ومشايخ الصوفية ولبس الخرقة القادرية من الشيخ حسن الكيلاني لما قدم دمشق في يوم الأحد تاسع صفر وأوصى أن يلقن فلقنه الشيخ أبو الفتح المالكي وأوصى أن يسحب على الأرض قبل الدفن إلى قبره تعزيزا لنفسه فحمل سريره إلى الصالحية فلما قرب من قبره سحب على الأرض قليلا تنفيذا لوصيته ودفن في حوش الشيخ محي الدين العربي عند شباكه الشرقي بوصية منه وفيها قطب الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمر بن سلطان الدمشقي الصالحي الحنفي شيخ الإسلام مفتي بلاد الشام الإمام العلامة ولد ليلة ثاني عشر ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة وأخذ عن القاضي عبد البر بن الشحنة وغيره وكان بيده تدريس القصاعية المختصة بالحنفية وتدريس الظاهرية التي هي مسكنه والنظر 284 عليها وكان له تدريس في الجامع الأموي وغير ذلك من المناصب العلية وولي القضاء بمصر في زمن الغوري نيابة عن شيخه ابن الشحنة وكف بصره من بعد مع بقاء جمال عينيه بحيث يظن أنهما بصيرتان وكان حسن الوجه والذات جليل المقدار مهيبا معظما نافذ الكلمة عند الدولة يردون الأمراء إليه في الفتوى ماسك زمام الفقهاء وكان يملي من يكتب الجواب على الأسئلة التي ترفع إليه واتخذ ختما منقوشا يختم به على الفتوى خوفا من التلبيس عليه وكان يقول بتحريم القهوة وصنف مؤلفا في الفقه ورسالة في تحريم الأفيون والبرق اللامع في المنع من البركة في الجامع وغير ذلك وتوفي ليلة الثلاثاء سابع عشرى ذي القعدة ودفن داخل تربة القلندرية من باب الصغير في بيت مسقف معد للعلماء والصلحاء من الموتى
وفيها نجم الدين محمد بن أحمد بن عمر البابي الحلبي الشافعي المعروف في مدينة الباب بابن صليلة وفي حلب بالنجم الإمام لأنه كان إماما لخير بك الأشرفي كافل حلب الإمام الفقيه الأصولي الخطيب ابن الخطيب كانت له قراءة حسنة وصوت جهور وتوفي في أواخر الحجة
وفيها المولى محي الدين محمد بن عبد الله أحد موالي الروم الحنفي الشهير بمحمد بيك كان من مماليك السلطان أبي يزيد ورغب في العلم وترك طريق الإمارة وقرأ على جماعة منهم المولى مظفر الدين العجمي والمولى محي الدين الفناري وغيرهما ثم خدم ابن كمال باشا وصار معيدا لدرسه ثم تنقل في المدارس ثم اختل دماغه ثم برىء فسافر إلى مصر في البحر فأسرته النصارى فاشتراه بعض أصدقائه منهم ثم عاد إلى قسطنطينية فأعطاه السلطان سليمان سلطانة بروسا ثم مدرسة أبي يزيدخان بأدرنة ثم قضاء دمشق فدخلها حادي عشر صفر سنة ست وأربعين وعزل عنها في صفر سنة تسع وأربعين فعاد إلى الروم واختل مزاجه غاية الاختلال وأعطى في أثناء المرض قضاء مصر 285 فسافر إليها في أيام الشتاء فأدركته المنية في الطريق وكان محبا للعلم وأهله وللصوفية وله مهارة في العلوم العقلية ومعرفة بالعلوم الرياضية وله تعليقات على بعض الكتب وتوفي في بلدة كوتاهية
وفيها أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد الرعيني الأندلسي الأصل الطرابلسي المولد المالكي نزيل مكة ويعرف هناك كسلفه بالحطاب ويتميز عن شقيق له أكبر منه اسمه محمد أيضا بالرعيني وذلك بالحطاب ويتميز عن شقيق له أكبر منه اسمه محمد أيضا بالرعيني وذلك بالحطاب ويعرف في مكة بالطرابلسي ولد في سفر سنة إحدى وستين وثمانمائة بطرابلس ونشأ بها فحفظ القرآن والرائية والجزرية وتفقه فيها يسيرا على محمد القابسي وعلى أخيه ثم تحول مع أبويه وأخيه وجماعتهم إلى مكة سنة سبع وسبعين فحجوا ورجعوا وقد توفي بعضهم فأقاموا بها سنين ومات كل من أبويه في أسبوع واحد في ذي الحجة سنة إحدى وثمانين بالطاعون واستمر هو وأخوه بها إلى أن عادا لمكة في موسم سنة أربع وثمانين فحجا ثم جاورا بالمدينة النبوية التي تليها وعاد الأخ بعد حجه منها إلى بلاده وهو إلى المدينة وقرأ على الشمس العوفي في العربية وعلى السراج معمر في الفقه وغيره وعاد لمكة فلازم الشيخ موسى الحاجبي وقرأ فيها القراآت على موسى المراكشي وصاهر ابن حزم على ابنته وسمع من الحافظ السخاوي كل ذلك مع الفاقة والعفة ونعم الرجل كان قال جار الله ابن فهد وقد فتح الله عليه في آخر عمره وصار من المعتقدين في العلم والدين وظهر له ثلاثة من الأولاد هم الجمال محمد وزينى بركات والشهاب أحمد وزوجهم في حياته ورأى أولادهم مع نجابتهم وصار أكثرهم من المفتين والمدرسين بحرم الله الأمين وانقطع بمنزله عدة سنين وهو نيدرس فيه ورتب له مرتب في الجوالي واعتقده الناس في الآفاق وقصد بالفتوحات والودائع وناله الضرر من الدولة بسببها وهو متقنع متعفف مجتهد في عمارة الأوقاف التي تحت نظره وكذلك ولده الأكبر وتحمل لذلك كثيرا من الديون وقاسى 286 شدة في مرضه حتى توفي ليلة السبت ثاني عشر صفر عن تسعين سنة
وفيها شمس الدين محمد بن عبدو الشيخ الصالح الزاهد المعمر الخاقوني الأردبيلي الخرقة الحنفي ولد بسرة الفرات في جمادى الآخرة سنة خمس وستين وثمانمائة وحملته أمه إلى الشيخ محمد الكواكبي الحلبي فأمر خليفته الشيخ سليمان العيني أن يربيه ولم يزل يتعاطى الذكر والفكر حتى فتح عليه وكان يتردد إليه الزوار فلا يرى نفسه إلا ذليلا ولا يطلب أحد منه الدعاء إلا سبقه إلى طلبه منه وكان زاهدا متعففا عما في أيدي الناس وعن أموال عظيمة كانت تدفعها إليه الحكام وكان يؤثر العزلة وشاع عنه أنه كان ينفق من الغيب وكانت مكاشفاته ظاهرة وكان كثيرا يقول لست بشيخ ولا خليفة وتوفي بحلب في أواخر شوال
وفيها المولى محي الدين محمد بن مصطفى القوجوي الحنفي الإمام العلامة اشتغل وحصل ثم خدم المولى ابن فضل الدين ثم درس بمدرسة خواجه خير الدين بالقسطنطينية ثم آثر العزلة فترك التدريس وتقاعد بخمسة عشر عثمانيا وكان يستكثرها على نفسه ويقول يكفيني منها عشرة ولازم بيته وأقبل على العلم والعبادة وكان متواضعا يحب أهل الصلاح وكان يروى التفسير في مسجده فيجتمع إليه أهل البلد يسمعون كلامه ويتبركون بأنفاسه وانتفع به كثيرون وكان يقول إذا شككت في آية من القرآن أتوجه إلى الله تعالى فيتسع صدري حتى يصير قدر الدنيا ويطلع فيه قمران لا أدري هما أي شيء ثم يظهر نور فيكون دليلا إلى اللوح المحفوظ فاستخرج منه معنى الآية وممن أخذ عنه صاحب الشقائق قال وهو من جلة من افتخرت به وما اخترت منصب القضاء إلا بوصية منه وله حواش على البيضاوي جامعة لما تفرق من الفوائد في كتب التفسير سهة قريبة وشرح على الوقاية في الفقه وشرح الفرائض السراجية وشرح المفتاح للسكاكي وشرح البردة
وفيها تقريبا شمس الدين محمد بن يوسف الحريري الأنطاكي ثم الحلبي 287 الحنفي عرف بابن الحمصاني ولد بأنطاكية سنة تسعين وثمانمائة وجود القرآن على الشيخ محمد الداديخي وغيره وقرأ الجزرية على البدر السيوفي وغيره والسراجية على الزين بن فخر النساء وسمع عليه صدر الشريعة وقرأ على الشيخ عبد الحق السنباطي كتاب الحكم لابن عطاء الله وأجاز له إسماعيل الشرواني وابن فخر النساء وحج أربع مرات منها ثنتان في المجاورة وزار بيت المقدس ودخل القاهرة وغيرها وطاف البلاد واجتمع بمشاهير العلماء والصوفية ثم قطن بعد أسفاره العديدة المديدة بحلب وصحب بها ابن الحنبلي ثم توفي بالرملة
وفيها المولى محمد المعروف بشيخي جلبي أحد موالي الروم كان فاضلا ذكيا متواضعا محبا لأهل الخير خدم المولى محي الدين الفناري ثم المولى بالي الأسود ثم درس بمدرسة مولانا خسرو ثم بمدرسة ابن ولي الدين ثم بمدرسة بيري باشا ثم بأبي أيوب ثم بإحدى الثمان ومات على ذلك
وفي حدودها المولى محمد وقيل مصطفى الشهير بمرحبا أحد الموالي الرومية كان يعرف بابن بيري محمد جلبي وكان محققا مدققا محبا للفقراء قرأ على المولى ركن الدين بن زيرك والمولى أمير جلبي ثم خدم المولى خير الدين معلم السلطان سليمان ثم تنقل في المدارس حتى درس بإحدى الثمان ثم صار قاضيا بدمشق فدخلها في رابع عشرى محرم سنة خمس وأربعين وعزل عنها في عشرى ذي القعدة من السنة المذكورة وأعطى قضاء بروسا ومات وهو قاض بها
وفيها السيد الشريف محمود العجمي الشافعي العلامة مدرس الأتابكية بصالحية دمشق وكان مقيما بالبادرائية داخل دمشق وكان مقصدا للطلبة ينتفعون به وكانت له يد طولى في المعقولات وتوفي يوم السبت ثالث عشر ربيع الآخر ودفن بباب الصغير 288
سنة إحدى وخمسين وتسعمائة
فيها توفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن داود المنزلاوي الشافعي الشيخ الصالح الزاهد الورع كان محدثا فقيها صوفيا كريما يخدم الفقراء بنفسه كما كان والده ويقري الضيوف وتظهر عليه خوارق في ذلك فربما يجعل الماء والأرز في القدر فيجعل الله فيه الدسم من لبن وغيره حتى يقول الضيف ما ذقت ألذ منه وربما ملأ الابريق من البئر شيرجا أو عسلا وكانت له هيبة عند الحكام وكان قائما بشعار السنة في بلاد المنزلة ودمياط بحيث لا يقدر أحد أن يتظاهر فيهما بمعصية أو ترك صلاة توفي بالمنزلة عن نيف وثمانين سنة ودفن عند والده وفيها تقريبا شهاب الدين أحمد بن العلامة سراج الدين عمر البارزي الحموي الشافعي المعمر الإمام الفاضل
وفيها أمير شريف العجمي المكي العلامة في الطب قدم دمشق سنة تسع وأربعين وتسعمائة متوجها إلى الروم قال ابن طولون وبلغني أنه شرح رسالة الوجود للسيد الشريف وشرح الفصوص للمحيوي ببن العربي انتهى
وفيها بدر الدين حسن بن اسكندر بن حسن بن يوسف بن حسن النصيبي الحلبي ثم المصري الضرير الشافعي المعروف بالشيخ حسن ولد سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة وكان عالما بارعا في الفقه والقراآت والنحو والتجويد قال الشعراوي شيخي وقدوتي إلى الله تعالى العلامة الورع الزاهد كان عالما عاملا حافظا لمتون الكتب الشرعية وآلاتها على ظهر قلب حافظا للسانه ملازما لشأنه مواظبا على الطهارة الظاهرة والباطنة غزير الدمعة لا يسمع آية أو حديثا أو شيئا من أحوال الساعة وأهوال يوم القيامة إلا بكى حتى أرحمه من شدة البكاء قال وكان كريم النفس جميل المعاشرة أمارا بالمعروف لا يداهن أحدا في دين الله تعالى وهو أكثر أشياخه نفعا لي قرأت عليه القرآن والمنهاج والألفية والشاطبية والتوضيح وجمع الجوامع وتلخيص المفتاح وقواعد 289 الأعراب وتوفي بمصر ودفن خارج باب النصر انتهى ملخصا
وفيها المولى عبد العزيز بن زين العابدين الحنفي أحد موالي الروم الشهير بابن أم ولد شهرة جده لأمه اشتغل بالعلم وحصل واتصل بخدمة المولى ابن المؤيد ودرس بمدرسة داود باشا بالقسطنطينية ثم بدار الحديث بادرنة ثم ولي قضاء حلب ثم صار مفتيا ومدرسا باماسية ثم ترك المناصب وتقاعد فعين له كل يوم سبعون عثمانيا وكان عالما كاملا شاعرا لطيفا ومن شعره ما كتبه على وثيقة وهو قاض بمغنيسا
( هذه حجة مباينها
أسست بالوثاق تأسيسا )
( صح عندي جميع فحواها
لن ترى في السطور تلبيسا )
( ثم عبد العزيز ورقعها
قاضيا في ديار مغنيسا )
قال ابن الحنبلي كان فاضلا فصيحا حسن الخط لطيف الشعر باللسان العربي بديع المحاضرة جميل المذاكرة انتهى وتوفي بالقسطنطينية
وفيها الشيخ زين الدين عمر العقيبي العارف بالله تعالى المربي المسلك الحموي الأصل ثم العقيبي الدمشقي المعروف بالاسكاف كان في بدايته اسكافا يصنع النعال الحمر ثم صحب الشيخ علوان الحموي وبقي على حرفته غير أنه كان ملازما للذكر أو الصمت ثم غلبت عليه الأحوال فترك الحرفة وأقبل على المجاهدات ولزم خدمة أستاذه الشيخ علوان حتى أمره أن يذهب إلى دمشق ويرشد الناس وكان كثير المجاهدات شديد التقشف ورعا وكان أميا لكن ببركة صدقه فتح الله عليه في الكلام في طريق القوم والتكلم على الخواطر التي يشكوها إليه الفقراء وكان مدة إقامته بدمشق يسافر لزيارة شيخه في كل سنة مرة يقيم بحماة ثلاثة أيام ويرجع قال الشيخ إبراهيم بن الأحدب وأخذت عنه الطريق وانتفعت به وانتفع به كثير من الناس انتهى وكان يعامل أصحابه ومريديه بالمجاهدات الشاقة على النفوس وكان ربما أمر بعضهم بالركوب على 290 بعير ويعلق في عنقه بعض الأمتعة ويأمر آخر أن يقود به البعير وهما يجهران بذكر الله تعالى كما هو المشهور من طريقته وله أحوال خارقة ومن جملة مريديه وملازميه الشيخ محمد الزغبي المجذوب المعتقد وكان للشيخ عمر ولدان وكان عيسى باشا كافل دمشق من جملة معتقديه وأخذ عنه الطريق وتوفي الشيخ عمر في هذه السنة ودفن بزاويته بمحلة العقيبة وظهر في الشمس تغير وظلمة شبه الكسوف يوم موته وفيها أقضى القضاة محب الدين محمد بن قاضي القضاة سرى الدين عبد البر بن محمد بن الشحنة المصري المولد والمنشأ الحنفي كان أسمر من سرية أبيه المسماة غزال واشتغل بالعلم على أبيه وغيره وولي نيابة الحكم عنده ثم نيابة الحكم عنه ثم قدم حلب عند انقضاء الدولة الجركسية بعد أن حج وجاور وكان مقداما محتشما حسن الملبس لطيف العمامة حسن المطارحة لطيف الممازحة رقيق الطبع سريع الشعر مع حسنه ورقته في الجملة ومن شعره في مليح اسمه إبراهيم
( يا حبيبي صل معنى
ذاب وجدا وغراما )
( وارحمن صبا كساه
غزل عينيك سقاما )
( ورماه عن قسى الحاجب
اللحظ سهاما )
( انحلته رقة الخصر
نحولا حيث هاما )
( لا يرى إلا خيالا
ان تقل فيه نظاما )
( لم يذق من يوم غبتم
عنه لا أكلا ولاما )
( أطلقت عيناه نهرا
طلقت منه المناما )
( أوقدت حشى حشاه
نار خديك ضراما )
( عجبا للنار فيه
وبه حزت المقاما )
( إن بعد الوصل عادت
بك بردا وسلاما )
وتوفي بحلب ليلة الأحد تاسع شعبان قبيل الفجر ودفن بتربة موسى الحاجب 291 خارج باب المقام وفيها قاضي القضاة عفيف الدين محمد بن علي بن عمر بن علي بن جنغل بضم الجيم والغين المعجمة بينهما نون ساكنة الحلبي المالكي آخر قضاة المالكية بحلب وابن قضاتها ولد يوم الأربعاء تاسع عشرى شوال سنة أربع وسبعين وثمانمائة وتفقه بالشيخ علي الكناسي المغربي المالكي وولي القضاء من قبل السلطان الأشرف قايتباي تاسع عشرى شوال سنة سبع وتسعين وهو ابن نيف وعشرين سنة ثم انكف عن المناصب في الدولة العثمانية ولزم بيته آخرا في رفاهية وطيب عيش والمسلمون سالمون من يده ولسانه ولم يكن يخرج من بيته إلا لصلاة الجمعة والعيدين وربما شهد بعض الجنائز وتوفي في نهار الأربعاء ثاني شوال
وفي حدودها عصام الدين إبراهيم بن محمد بن عرب شاه من ذرية أبي إسحق الأسفراييني قرية من قرى خراسان كان أبوه قاضيا بها وجده في أيام أولاد تيمور وهو من بيت علم ونشأ هو طالبا العلم فحصل وبرع وفاق أقرانه وصار مشارا إليه بالبنان وكان بحرا في العلوم له التصانيف الحسنة النافعة في كل فن خرج في أواخر عمره من بخارى إلى سمرقند لزيارة الشيخ العارف وخواجه عبيد الله النقشبندي فمرض بها مدة اثنين وعشرين يوما ثم قضى نحبه عن اثنتين وسبعين سنة وكان آخر ما تلفظ به الله وازدحم الناس للصلاة عليه ودفن بسمرقند قرب الشيخ المذكور
وفيها جمال الدين أبو مخرمه محمد بن عمر باقضام الفروعي الشافعي يجتمع مع الفقيه عبد الله بن أحمد مخرمه في الأب السادس ولد ببلدة الهجرين من اليمن ونشأ بها ثم ارتحل إلى عدن لطلب العلم فأخذ عن إماميها الفقيه عبد الله بن أحمد مخرمه والفقيه محمد بن أحمد فضل ثم ارتحل إلى زبيد وأخذ عن علمائها ثم رجع إلى عدن ولازم الإمام عبد الله بن أحمد مخرمه وولده العلامة شهاب الدين أحمد وانتفع بهما وتخرج عليهما ولما وصل العلامة 292 محمد بن الحسين القماط قاضيا على عدن ثم بعده العلامة أحمد بن عمر المزجد قاضيا أيضا لازم كلا منهما ولم يزل مجتهدا حتى فاق أقرانه في الفقه وصار في عدن هو المشار إليه والعلم المعول عليه واحتاج الناس إلى علمه وقصدوه بالفتوى من النواحي البعيدة لكنه كان قد يتساهل في الفتاوى ويترك المراجعة لا سيما في أواخر عمره فاختلفت أجوبته وتناقضت فتاويه وكان ذلك مما عيب عليه ثم كان السلطان عامر بن داود وهو آخر ملوك بني طاهر بعدن استماله في آخر عمره وأحسن إليه لأغراض فاسدة عزم عليها فكان إذا عزم على أمر فاسد يتعلق بالشرع أرسل إليه من يشاوره في كتب سؤال في القضية فيجيبه إلى ذلك ويكتب على سؤالاتهم أجوبة توافق أغراضهم فيتوصلون بها إلى مفاسد لا تحصى فلا حول ولا قوة إلا بالله وتوفي ببلدة الهجرين سامحه الله تعالى
سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة
فيها توفي المولى بير أحمد بن حمزة الشهير بابن بليس الحنفي الفاضل اشتغل بالعلم وحصل ودرس ببعض المدارس ثم بمدرسة أسكوب ثم وصل إلى إحدى الثمان ثم صار قاضيا بمصر ثم أعطي تقاعدا عنها بمائة عثماني ومات على ذلك وخلف دنيا طائلة وكتبا نفيسة وفيها علاء الدين أبو الحسن علي بن جلال الدين محمد البكري الصديقي الشافعي الشيخ الإمام المحدث نادرة الزمان وأعجوبة الدهر الصوفي الأستاذ أخذ الفقه والعلوم عن القاضي زكريا والبرهان بن أبي شريف وغيرهما وأخذ التصوف عن الشيخ رضى الدين الغزي العامري والشيخ عبد القادر الدشطوطي قال الشعراوي أخذ العلم عن جماعة من مشايخ الإسلام والتصوف عن الشيخ رضى الدين الغزي وتبحر في علوم الشريعة من فقه وتفسير وحديث وغير ذلك وكان 293 إذا تكلم في علم منها كأنه بحر زاخر لا يكاد السامع يحصل من كلامه على شيء ينقله منه لوسعه إلا أن يكتبه قال وأخبرني من لفظه ونحن بالمطاف أنه بلغ درجة الاجتهاد المطلق وقال إنما أكتم ذلك عن الأقران خوفا من الفتنة بسبب ذلك كما وقع للجلال السيوطي قال وكانت مدة اشتغاله على الأشياخ نحو سنتين ثم جاء الفتح من الله فاشتغل بالتأليف انتهى ومن مؤلفاته شرح المنهاج وشرح الروض وشرح العباب للمزجد وحاشية على شرح المحلى قال الشعراوي وهو أول من حج من علماء مصر في محفة ثم تبعه الناس قال وحججت معه مرة فما رأيت أوسع خلقا ولا أكثر صدقة في السر والعلانية منه وكان لا يعطي أحدا شيئا نهارا إلا نادرا وأكثر صدقته ليلية وكان له الاقبال العظيم من الخاص والعام وشاع ذكره في أقطار الأرض مع صغر سنه وكان له كرامات كثيرة وخوارق وكشوفات وترجمه الناس بالقطبية العظمى ويدل على ذلك ما أخبرنا به الشيخ خليل الكشكاوي قال رأيت الشيخ أبا الحسن البكري وقد تطور فكان كعبة مكان الكعبة ولبس سترها كما يلبس الإنسان القميص قال وكان له النظم السائغ في علوم التوحيد وأطلعني مرة على تائية عملها نحو خمسة آلاف بيت أوائل دخوله في طريق القوم ثم أنه غسلها وقال أن أهل زماننا لا يحتملون سماعها لقلة صدقهم في طلب الطريق انتهى ومن شعره التائية المشهورة التي أولها
( بوجودكم تتجمل الأوقات
وبجودكم تتنزل الأقوات )
وهي طويلة مشهورة وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة ودفن بجوار الإمام الشافعي رضي الله عنهما وفيها تقريبا المولى محي الدين محمد بن بهاء الدين بن لطف الله الصوفي الحنفي الإمام العلامة المحقق المعمر المنور أحد الموالي الرومية الشهير ببهاء الدين زادة قرأ على المولى مصلح الدين القسطلاني ثم على المعرف معلم السلطان أبي يزيد ثم مال إلى التصوف فخدم العارف 394 محي الدين الأسكليبي وأجازه بالارشاد وجلس مدة في وطنه بالي كسرى ثم عاد إلى القسطنطينية وجلس في زاوية شيخه المذكور بعد موت المولى عبد الرحيم ابن المريد وكان عالما بالعلوم الشرعية والفرعية ماهرا في العلوم العقلية عارفا بالتفسير والحديث والعربية زاهدا ورعا ملازما لحدود الشريعة مراعيا لآداب الطريقة جامعا بين علوم الشرع ومعارف الحقيقة أمارا بالمعروف لا تأخذه في الله لومة لائم ومن تصانيفه شرح الأسماء الحسنى وتفسير القرآن العظيم وشرح الفقه الأكبر للإمام الأعظم جمع فيه بين طريق الكلام وطريق التصوف وله في التصوف رسائل كثيرة وحج في سنة إحدى وخمسين فدخل بلاد الشام وتوفي ببلدة قيصرية ودفن بها عند قبر الشيخ إبراهيم القيصري وهو شيخ شيخه وفيها شمس الدين محمد بن علي بن الفلوجي الدمشقي الشافعي الواعظ المقرىء أخو الشيخ أحمد القلوجي الآتي وأسن منه إلا أنه توفي شابا أخذ عن البدر الغزي والتقي القاري والسعد الذهبي وغيرهم ومكث في القاهرة سنين في الاشتغال ثم قدم دمشق يوم السبت ثاني عشرى رمضان سنة تسع وثلاثين وتسعمائة ثم شرع يعظ تحت قبة النسر بالأموي عقب صلاة الجمعة وابتدأ يوم عيد الفطر وتكلم على أول الأعراف وكان شابا ذكيا واعظا يفتي ويدرس في الشامية البرانية وأم بمقصورة الأموي شريكا للشهاب الطيبي وكان عارفا بالقراآت وتوفي بدمشق ليلة السبت سادس عشر رمضان ودفن بباب الصغير وتأسف الناس عليه
سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة
فيها توفي الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد الأنطاكي الحلبي الحنفي المعروف بابن حمارة الإمام العلامة الورع ولد بأنطاكية سنة إحدى وسبعين وثمانمائة ونشأ بها وحفظ القرآن العظيم وتخرج في صنعة 295 التوقيع بجده وأخذ النحو والصرف عن الشيخ علاء الدين العداسي الأنطاكي والمنطق والكلام والأصول عن منلا محي الدين بن عرب الأنطاكي الحنفي ثم قدم حلب ولازم فيها البدر السيوفي واشتغل في القراآت على الشيخ محمد الداديخي وتعاطى صنعة الشهادة ثم صار مدرسا في توسعة جامع الضروي بحلب وحج وأجاز له بمكة المحدث عبد العزيز بن الحافظ نجم الدين بن فهد وبالقاهرة القاضي زكريا والشيخ شهاب الدين القسطلاني ولم يزل مكبا على التدريس والتحديث والتكلم على الأحاديث النبوية بالعربي والتركي بالجامع المذكور وعرض عليه تدريس السلطانية بحلب فأعرض عنه وولي خطابة الجامع المذكور والحلاوية والافتاء بحلب ثم حج ثانيا فتحرك عليه وجع النقرس وهو بدمشق وكان يعتريه أحيانا واستمر به حتى دخل المدينة فخف عنه قال ابن الحنبلي وكان له الخط الحسن والتحشية اللطيفة على حواشي الكتب ولم تكن له خبرة بأساليب أهل الدنيا مع الصلاح الزائد وله من التآليف منسك لطيف وتوفي يوم عرفة طلوع الفجر وهو يتلو القرآن
وفيها بدر الدين حسن الشهير بابن الينابيعي الحلبي الشافعي المقرىء قال ابن الحنبلي كان عالما فاضلا تلميذا للبدر السيوفي وغيره وأدرك الشيخ جاكير صاحب الزاوية المشهورة بسرمين وأخذ عنه القراآت وكان من العارفين بها وتوفي في هذه السنة وقد قارب المائة وقوته محفوظة
وفيها تقريبا السيد عفيف الدين حسين بن عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن يحيى بن أحمد بن محمد بن نصر بن عبد الرزاق بن القطب الكبير سيدي عبد القادر الكيلاني الحلبي ثم الحموي الشافعي سبط النظام التادفي الحنبلي ولد بحلب سنة ست وعشرين وتسعمائة ثم قطن حماة وقرأ في الفقه وسمع الحديث على الشهاب البازلي وسافر إلى دمشق فتلقاه الفقراء والمشايخ وبعض الأعيان ولبس منه الخرقة جماعة وحصل له القبول من عيسى باشا نائب دمشق 296 وصار له حلقة في الجامع الأموي بعد صلاة الجمعة ثم عاد إلى حماة فودعه الناس في يوم مشهود ثم سافر إلى الروم فطلبه السلطان سليمان فدخل عليه فأمره بالجلوس وأمر له بعشرين عثمانيا في زوائد عمارة والده بدمشق فأبى ثم قبل بعد التصميم عليه ثم عاد فدخل حلب سنة اثنتين وخمسين وتوفي بحماة وفيها سعد الدين سعد بن علي بن الدبل بالدال المهملة ثم الموحدة من تحت الأنصاري الحلبي ثم الدمشقي الحنفي قال ابن طولون هو مدرس الماردانية بالجسر الأبيض بسفح قاسيون اشتغل وحصل وبرع وتفقه وولي القضاء بحلب نيابة ثم قدم دمشق ونزل بالخانقاة السميساطية ونظم الشعر بالعربي والتركي والفارسي ونظم قصيدة في قاضي دمشق السيد عربية ملمعة باللسانين وشكره عليها وتوفي يوم السبت سلخ صفر سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة وجد مرميا على باب الخانقاة المذكورة تحت روشن خلوته بها وإبهاماه مربوطان وهو مخنوق ولم يعلم له غريم ودفن بتربة باب الفراديس ولعله في عشر السبعين انتهى وفيها ظنا المولى سنان جلبي أحد الموالي الرومية الحنفي الإمام العلامة ترقى في التداريس ثم أعطى قضاء دمشق فدخلها في صفر سنة تسع وأربعين وتسعمائة وحكم فيها نحو ثلاث سنين وحمدت سيرته في قضائها وفيها عبد الوهاب بن أبي بكر الليموني الغزي الأصل الحلبي المولد الشافعي الصوفي الهمداني الخرقة أحد أكابر حفاظ القرآن العظيم بحلب لبس الخرقة وتلقن الذكر من الشيخ يونس بن إدريس وألم بالشاطبية وأقرأ فيها وأم بجامع حلب وتوفي في رمضان وفيها الشيخ علي البحيري قال المناوي في طبقاته هو ذو العلم الكثير والزهد الجم الغفير والخوف الذي ليس له في عصره نظير لا يكاد يغيب شيء من أحوال القيامة عنه وكثيرا ما يقول نسأل الله السلامة ومنذ نشأ لم يضع له زمان ولا وضع جنبه على الأرض مدى الأزمان ولا 297 ظفر الفراغ منه بأمان وقال الشعراوي صحبته نحو عشرين سنة وكان جامعا بين الشريعة والحقيقة أخذ علم الظاهر عن جمع منهم ابن الأقطع وكان أكثر إقامته بالريف يدور البلاد فيعلم الناس دينهم ويرشدهم وكان يفتي في الوقائع التي لا نقل فيها بأجوبة حسنة فيعجب منها علماء مصر وكان يهضم نفسه وإذا زاره عالم أو فقير يبكي ويقول يزورك مثل فلان يا فضيحتك بين يدي الله وإذا سئل الدعاء يقول كلنا نستغفر الله ثم يدعو وكان يلام على كثرة الدعاء فيقول وهل خلقت النار إلا لمثلي وحكى عنه مناقب كثيرة وتوفي في شوال ودفن بزاوية سيدي محمد المنير خارج الخانقاة السرياقوسية
وفيها زين الدين عمر بن نصر الله الشيخ العالم الزاهد العارف بالله تعالى الصالحي الدمشقي الحنفي وكان من أهل العلم والصلاح طارحا للتكلف يلبس العباءة قانعا باليسير يرجع إليه في مذهبه وكان القطب بن سلطان يستعين به في تأليف ألفه في فقه الحنفية وتوفي مقهورا لما رآه من ظهور المنكرات وحدوث المحرمات وضرب اليسق على الأحكام وكانت وفاته في سادس رجب ودفن بسفح قاسيون بالصالحية
وفيها السيد قطب الدين أبو الخير عيسى بن محمد بن عبيد الله بن محمد الشريف العلامة المحقق المدقق الحسني الحسيني الأيجي الشافعي الصوفي المعروف بالصفوي نسبة إلى جده لأمه السيد صفي الدين والد الشيخ معين الدين الأيجي الشافعي صاحب التفسير ولد سنة تسعمائة واشتغل في النحو والصرف على أبيه وتفقه به وأخذ عنه الرسالة الصغرى والكبرى للسيد الشريف في المنطق ثم لازم الشيخ أبا الفضل الكازواني صاحب الحاشية على تفسير البيضاوي والشرح على ارشاد القاضي شهاب الدين الهندي بكجرات من بلاد الهند فقرأ عليه المختصر والمطول وغيرهما وأجاز له ثم فارقه وسمع بالهند أيضا على أبي الفضل الاستراباذي أشياء بقراءة غيره ورحل إلى دلى 298 وحضر مجالس علمائها وبحث معهم فظهر فضله وأكرمه السلطان إبراهيم بن سكندرشاه وأدرك الجلال الدواني وأجاز له ثم حج وجاور بمكة سنين وزار قبر النبي وصحب بالمدينة الشيخ الزاهد أحمد بن موسى الشيشني المجاور بها وأرخى له العذبة وأذن له في ذلك ثم دخل بلاد الشلام في حدود سنة تسع وثلاثين وأخذ عنه جماعة من أهل دمشق وحلب ودرس بدمشق في شرح الكافية للرضى وكان يعتمد على كلام الشيخ جمال الدين بن مالك ما لا يعتمد على كلام ابن هشام وزار بدمشق قبور الصالحين وزار بيت المقدس وسافر إلى الروم مرتين وأنعم عليه السلطان سليمان بخمسين عثمانيا في خزينة مصر ثم رجع إلى حلب فقدمها الشيخ محمد الأيجي للقائه وعادا جميعا إلى دمشق وأخذ عنه بحلب ابن الحنبلي ولبس منه الخرقة وتلقن الذكر ثم دخل مصر واستوطنها وله مؤلفات منها شرح مختصر على الكافية وشرح الغرة في المنطق للسيد الشريف وشرح الفوائد الضيائية في المعاني والبيان قال ابن الحنبلي وهو مما لم يكمله ومختصر النهاية لابن الأثير في نحو نصف حجمها وتفسير من سورة عم إلى آخر القرآن وكان من أعاجيب الزمان رحمه الله تعالى
وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد الشهير بابن طولون الدمشقي الصالحي الحنفي الإمام العلامة المسند المؤرخ ولد بصالحية دمشق بالسهم الأعلى قرب مدرسة الحاجبية سنة ثمانين وثمانمائة تقريبا وسمع وقرأ على جماعة منهم القاضي ناصر الدين بن زريق والسراج بن الصيرفي والجمال ابن المبرد والشيخ أبو الفتح المزي وابن النعيمي في آخرين وتفقه بعمه الجمال ابن طولون وغيره وأخذ عن السيوطي إجازة مكاتبة في جماعة من المصريين وآخرين من أهل الحجاز وكان ماهرا في النحو علامة في الفقه مشهورا بالحديث وولي تدريس الحنفية بمدرسة شيخ الإسلام أبي عمر وإمامة السليمية بالصالحية وقصده الطلبة في النحو ورغب الناس في السماع منه وكانت 299 أوقاته معمورة بالتدريس والإفادة والتأليف وكتب بخطه كثيرا من الكتب وعلق ستين جزءا سماها بالتعليقات كل جزء منها يشتمل على مؤلفات كثيرة أكثرها من جمعه ومنها كثير من تأليفات شيخه السيوطي وكان واسع الباع في غالب العلوم المشهورة حتى في التعبير والطب وأخذ عنه جماعة من الأعيان وبرعوا في حياته كالشهاب الطيبي شيخ الوعاظ والمحدثين والعلاء ابن عماد الدين والنجم البهنسي خطيب دمشق ومن آخرهم الشيخ إسمعيل النابلسي مفتي الشافعية والزين بن سلطان مفتي الحنفية والشهاب العيثاوي مفتي الشافعية والشهاب بن أبي الوفا مفتي الحنابلة والقاضي أكمل بن مفلح وغيرهم ومن شعره
( ارحم محبك يارشا
ترحم من الله العلي )
( فحديث دمعي من جفاك
مسلسل بالأول )
ومنه
( ميلوا عن الدنيا ولذاتها
فإنها ليست بمحموده )
( واتبعوا الحق كما ينبغي
فإنها الانفاس معدوده )
( فأطيب المأكول من نحلة
وأفخر الملبوس من دودة )
وتوفي يوم الأحد حادي عشر جمادى الأولى ودفن بتربتهم عند عمه القاضي جمال الدين بالسفح قبلي الكهف والخوارزمية ولم يعقب أحدا
وفيها محي الدين محمد الحنفي الرومي المعروف بإمام خانة لكونه إمام قلندر خانة كان بارعا في العلم أصولا وفروعا وعربية وتفسيرا ثم تصوف فصحب الشيخ حبيب القرماني والشيخ ابن أبي الوفاء والسيد أحمد البخاري ثم صار إمام وخطيب جامع قلندرخان وانقطع إلى الله تعالى ولازم بيته وكان مباركا صحيح العقيدة محافظا على حدود الشريعة قال في الشقائق وكان شيخا هرما سألته عن سنه فقال مائة أو أقل سنين وعاش بعد ذلمك مقدار ثمان سنين رحمه الله تعالى 300
وفي حدودها شمس الدين محمد القهستاني الحنفي المفتي ببخارا وهو من شركاء المولى عصام الدين وكان إماما عالما زاهدا فقيها متبحرا جامعا يقال أنه ما نسي قط ما طرق بسمعه وله شرح لطيف على الوقاية ألفه برسم الملك البطل الشجاع العالم العامل المستنصر السلطان ابن السلطان أبي المغازي عبيد الله خان السيبكي وقهستان قصبة من قصبات خراسان
سنة أربع وخمسين وتسعمائة
فيها توفي القاضي برهان الدين إبراهيم بن أحمد الأخنائي الشافعي الدمشقي الإمام العلامة كان من العلماء والرؤساء ماسكا زمام الفقهاء أحد قضاة العدل يلبس أحمد الثياب وأفخرها ويركب حسان الخيل اشتغل أولا على القاضي برهان الدين بن المعتمد ورافق تقي الدين القاري عليه وعلى غيره في الاشتغال وأخذ عن الكمال بن حمزة وكانت له ديانة ومهابة ووقار وتوفي ليلة الأربعاء سابع رجب ودفن بتربته المعمورة قرب جامع جراح
وفيها برهان الدين إبراهيم بن العلامة زين الدين حسن بن عبد الرحمن بن محمد الحلبي الشافعي الشهير بابن العمادي الشيخ الإمام ولد بحلب بعد الثمانين وثمانمائة ونشأ بها وأخذ العلوم عن جماعة من أهلها وممن ورد إليها منهم والده والشمس البازلي والشيخ أبو بكر الحبيشي ومظفر الدين الشيرازي نزيل حلب وقرأ المطول وبعض العضد على البدر بن السيوفي والفقه وغيره عن المحيوي عبد القادر الأبار وغيرهم وجد واجتهد حتى فضل في فنون ودرس وأفتى ووعظ مع الديانة والسكون ولين الجانب وحسن الخلق وحج من طريق القاهرة وأخذ عن جماعة من أهلها كالقاضي زكريا والبرهان بن أبي شريف والنور المحلى والشهاب القسطلاني قرأ عليه شرحه على البخاري والمواهب اللدنية وغيرهما وأخذ بمكة عن العز بن فهد وابن عمه الخطيب وغيرهما ولقي 301 بها من مشايخ القاهرة عبد الحق السنباطي وعبد الرحيم بن صدقة وأخذ عنهما وأخذ بغزة عن شيخها الشهاب بن شعبان ثم أكب على إفادة الوافدين إليه في العربية والقراآت والفقه وأصوله والحديث وعلومه والتفسير وغير ذلك وكان لا يرد أحدا من الطلبة وإن كان بليدا وأفتى وكان لا يأخذ على الفتوى شيئا وانتهت إليه رياسة الشافعية بحلب وتوفي يوم الجمعة في رجب ودفن وراء المقام الإبراهيمي خارج باب المقام
وفيها جار الله بن عبد العزيز بن عمر بن محمد بن محمد بن فهد الهاشمي المكي الشافعي الإمام العلامة المسند المؤرخ ولد ليلة السبت العشرين من رجب سنة إحدى وتسعين وثمانمائة بمكة ونشأ بها في كنف أبويه فحفظ القرآن العظيم وكتبا منها الأربعين النواوية والمنهاج الفقهي وسمع من السخاوي والمحب الطبري وأجاز له جماعة كعبد الغني البساطي وغيره ولازم والده في القراءة والسماع وتوجه معه للمدينة وجاورا بها سنة تسع وتسعمائة وسمع بها من لفظ والده تجاه الحجرية الشريفة الكتب الستة والشفا لعياض وغيرها وعلى السيد السمهودي بعضها وتاريخه الوفا وفتاواه وألبسه خرقة التصوف ولما عاد إلى مكة أكثر على والده من قراءة الكتب الكبار والأجزاء الصغار وانتفع بإرشاده وخرج الأسانيد والمشيخات لجماعة من مشايخه وغيرهم واستوفى ما عند مشايخ بلده من السماع ورحل إلى مصر والشام وبيت المقدس وحلب واليمن وأخذ بها وبغيرها من البلدان عن نحو السبعين من المسندين وأجازه خلق كثيرون جمعهم في مجمع حافل ولازم الشيخ عبد الحق السنباطي وخرج له مشيخة اغتبط بها وكذا المحب النويري وغيرهما من الأكابر وبرع في العلوم العقلية والشرعية ودخل بلاد الروم ورزق الأولاد وحدث بالحرمين وغيرهما وتوفي ليلة الثلاثاء خامس عشر جمادى الآخرة 302
وفيها ظنا المولى داود بن كمال أحد موالي الروم قال في الشقائق كان عالما فاضلا ذكيا مدققا له يد طولى في العلوم كريم الطبع مراعيا للحقوق قوالا بالحق لا يخاف في الله لومة لائم اشتغل في طلب العلم حتى توصل إلى خدمة المولى الفاضل ابن الحاج حسن ثم انتقل إلى خدمة المولى ابن المؤيد ثم ولي التداريس ثم صار قاضيا بمدينة بروسا مرتين ثم اختار التقاعد فعين له كل يوم مائة درهم عثماني ولم يشتغل بالتصنيف ومات على ذلك
وفيها شاهين بن عبد الله الجركسي العابد الزاهد بل الشيخ العارف بالله تعالى الدال عليه والمرشد إليه كان من مماليك السلطان قايتباي وكان مقربا عنده فسأل السلطان أن يعتقه ويخليه لعبادة ربه ففعل وساح إلى بلاد العجم وغيرها وأخذ الطريق عن سيدي أحمد بن عقبة اليمني المدفون بحوش السلطان برقوق فلما مات صحب نحو ستين شيخا ولما دخل العجم أخذ عن سيدي عمر روشني بتبريز ثم رجع إلى مصر وأقام بالمحل الذي دفن فيه من جبل المقطم وبنى له فيه معبدا وكان لا ينزل إلى مصر إلا لضرورة شديدة ثم انقطع لا ينزل من الجبل سبعا وأربعين سنة واشتهر بالصلاح في الدولتين وكان أمراء مصر وقضاتها وأكابرها يزورونها ويتبركون به وكان يغتسل لكل صلاة ومن كراماته أنه قام للوضوء بالليل فلم يجد ماء فبينما هو واقف وإذا بشخص طائر في الهواء وفي عنقه قربة ماء فأفرغها في الخابية ثم رجع طائرا نحو النيل وتوفي في شوال ودفن بزاويته في الجبل وبنى السلطان عليه قبة ووقف على مكانه أوقافا
وفيها السيد عبد الرحمن بن حسين الرومي الحسيني الحنفي أحد الموالي الرومية ولد سنة أربع وستين وثمانمائة وقرأ في شبابه على المولى محي الساموني والمولى على الفناري وغيرهما ثم صار مدرسا بمدرسة جندبك بمدينة بروسا وكان بارعا في العلوم العقلية مشاركا في غيرها من العلوم محققا مدققا زاهدا ورعا راضيا من العيش بالقليل ثم غلب عليه الانقطاع إلى الله والتوجه إلى 303 الحق وترك التدريس فعين له كل يوم خمسة عشر عثمانيا فقنع بها ولم يقبل الزيادة عليها وانقطع بمدينة بروسا وحكى عن نفسه أنه مرض في مدينة أدرنة وهو ساكن في بيت وحده وليس عنده أحد فكان في كل ليلة ينشق له الجدار ويخرج منه رجل يمرضه ثم يذهب فلما برىء من المرض قال له الرجل لا أجيء إليك بعد هذا وتوفي بمدينة بروسا
وفيها محي الدين محمد الياس الحنفي أحد الموالي الرومية الشهير بجوى زاده المولى العالم العلامة قرأ على علماء عصره ووصل إلى خدمة سعدى جلبى وبالي الأسود وصار معيدا لدرسه ثم تنقل في المدارس حتى أعطى إحدى الثمان ثم صار قاضيا بمصر وعاد منها وقد أعطى قضاء العساكر الأناضولية ثم صار مفتيا بالقسطنطينية ثم تقاعد من الفتيا وعين له كل يوم مائتا عثماني وكان سبب عزله عن الفتوى انحراف الملك عليه بسبب انكاره على الشيخ محي الدين العربي ثم صار بعد التقاعد مدرسا بإحدى الثمان ثم قاضيا بالعساكر الروم ايلية وكان مرضي السيرة محمود الطريقة طارحا للتكلف متواضعا مقبلا على الاشتغال بالعلم مواظبا على الطاعات مثابرا على العبادات قوالا بالحق لا يخاف في الله لومة لائم حافظا للقرآن العظيم له يد طولى في الفقه والتفسير والأصول ومشاركة في سائر العلوم سيفا من سيوف الحق قاطعا فاصلا بين الحق والباطل حسنة من حسنات الأيام وله تعليقات ولكنها لم تشتهر مرض رحمه الله تعالى بعد صلاة العشاء فلم يمض نصف الليل حتى مات
وفيها المولى محمد بن عبد الأول التبريزي أحد موالي الروم الحنفي رأى الجلال الدواني وهو صغير وقرأ على والده قاضي حنفية مدينة تبريز ودخل في حياة والده الروم فعرضه المولى ابن المؤيد على السلطان أبي يزيد لسابقة بينه وبين والده فأعطاه مدرسة ثم تدريس إحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنة ثم بإحدى الثمان وعزل ثم أعطى إحداهن ثانيا ثم أضرت عيناه فأعطى تقاعدا بثمانين 304 درهما وكان فاضلا زاهدا صحيح العقيدة له حاشية على شرح هداية الحكمة لمولانا زادة وفيها شمس الدين محمد بن علي بن عطية الحموي الشافعي الإمام العلامة الأوحد المحقق الفهامة شيخ الإسلام ابن شيخ الإسلام العارف بالله ابن العارف بالله أخذ العلوم الظاهرة والباطنة عن أبيه وعن كثير من الواردين إليه ولقنه والده الذكر وألبسه الخرقة وكان قد ابتلى في صغره بسوء الفهم والحفظ حتى ناهز الاحتلام وفهمه في ادبار فبينما هو ليلة من الليالي عند السحر إذا هو بوالده قد أخذته حالة فأخذ في إنشاد شيء من كلام القوم فلما سرى عنه خرج من بيته وأخذ في الوضوء في إناء واسع من نحاس فلما فرغ والده من وضوئه أخذ الشيخ شمس الدين ماء وضوء والده وشربه فوجد بركته وتيسر عليه الفهم والحفظ من يومئذ ولم يتوقف عليه بعد ذلك شيء من المطالب القلبية كما ذكر ذلك صاحب الترجمة في رسالته التي ألفها في علم الحقيقة وأكملها في سنة ثلاث وأربعين وسماها تحفة الحبيب وكان يعظ بحماة بعد والده ويدرس في العلوم الشرعية والعقلية وتشكي إليه الخواطر فيجيب عنها وكان في وعظه وفصاحته وبلاغته آية وحج هو وأخوه أبو الوفا سنة ثمان وثلاثين وعمل مجلسه بعد عوده في مجلس القصب خارج دمشق وهرعت أهل دمشق إليه قال ابن الحنبلي ومما من الله به على صاحب الترجمة سرعة الانشاء بحيث لو أخذ في وضوء صلاة الجمعة وطلب منه أن يخطب لعمل على البديهة في سره خطبة عجيبة وخطب بها حالا ولم يتوقف على رسمها ورقمها مآلا قال وكان دمث الأخلاق جمالي المشرب عنده طرف جذب وبالجملة فقد كان من أخيار الأخيار وآثاره من بديع الآثار ولله دره فيما أنشدنيه من شعره
( تنفس قلب الصب في كل ساعة
لا كؤس هم ذا الزمان أدارها )
( إلى الله أشكو أن كل قبيلة
من الناس قد أفنى الحمام خيارها ) 305 وتوفي بمدينة حماة في أوائل رمضان رحمه الله تعالى
وفيها المولى شمس الدين محمد بن العلامة علي الفناري الحنفي أحد الموالي الرومية قرأ على والده في شبابه وبعد وفاته على المولى خطيب زادة والمولى أفضل الدين وترقى في المدارس حتى صار مفتيا أعظم واشتغل باقراء التفسير والتصنيف وألف عدة رسائل وحواش على شرح المفتاح للسيد وغير ذلك وكان آية في الفتوى باهرا فيها وله احتياط في المعاملة مع الناس متحرزا عن حقوق العباد محبا للفقراء والصلحاء لا تأخذه في الله لومة لائم توفي بالقسطنطينية ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه
وفيها شمس الدين محمد بن يعقوب الصفدي الشافعي الشيخ الإمام شيخ الإسلام عالم صفد ومفتيها سبط ابن حامد قرأ وحصل في بلده وغيرها ورحل إلى دمشق للطلب فقرأ على الكمال بن حمزة والكمال العيثاوي وغيرهما ورحل إلى مصر فأخذ عن أكابر علمائها وكان كثير الرحلة إلى دمشق شديد المحبة لأهلها عالما عاملا ذا مهابة وجلالة وكلمة نافذة توفي في أواخر الحجة بصفد وفيها شرف الدين يحيى بن أبي بكر بن إبراهيم بن محمد العقيلي الحلبي الحنفي المعروف بابن أبي جرادة نسبة إلى أبي جرادة حامل لواء أمير المؤمنين على رضي الله عنه يوم النهروان وكان اسم أبي جرادة عامرا كان صاحب الترجمة حسن الشكل نير الشيبة كثير الرفاهية ولي عدة مناصب بحلب مولده سنة إحدى وسبعين وثمانمائة ووفاته في هذه السنة
سنة خمس وخمسين وتسعمائة
فيها توفي بدر الدين حسن بن قاضي القضاة جلال الدين عمر بن محمد الحلبي الشافعي المعروف بابن النصيبي ولد سنة سبع وتسعمائة واشتغل بالعلم مدة على العلاء الموصلي والبرهان اليشبكي وغيرهما ثم رحل لأجل المعيشة 306 إلى الروم فصار يكتب القصص التي ترفع للسلطان بالتركية على أحسن وجه ثم تقرب إلى نيشانجي الباب العالي فقربه وأحبه وتولى بهيبته نظر الأوقاف بحلب ونظر الحرمين والبيمارستان الأرغوني ثم وشى به إلى عيسى باشا لما دخل حلب مفتشا على ما بها من المظالم وقيل له أن عليه ما ينوف على عشر كرات فاختفى منه مدة وشدد عيسى باشا في طلبه فتمثل بين يديه ملقيا سلاحه ثم عاد من عنده سليما وتولى نظر الأمور السلطانية بحلب بعد وفاة عيسى باشا فهابه الأمراء والكتاب حتى تولى أسكندر بيك دفتر دارية حلب فأظهر عليه أموالا كثيرة بمعونة أهل الديوان وأخذها منه حتى لم يبق معه ولا الدرهم الفرد وتوفي مسموعا ودفن بمقبرة سيدي على الهروي خارج باب المقام بحلب وفيها تقريبا المولى شعثل أمير الحنفي أحد الموالي الرومية العلامة كان مدرسا بإحدى الثمان ثم ولي قضاء دمشق فدخلها في ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين واستمر قاضيا بها نحو سنتين وحمدت سيرته وكانت له صلابة في أحكامه وحرمة وافرة رحمه الله تعالى
وفيها المولى صالح جلبى بن جلال الدين الأماسي الجلدي بفتحتين نسبة إلى جلد من أعمال أماسية الحنفي أحد الموالي الرومية العلامة ترقى في التدريس إلى إحدى الثمان ثم أعطى قضاء حلب فدخلها يوم الخميس ثالث شوال سنة إحدى وخمسين ثم عزل منها في ثاني عشرى ذي القعدة منها ثم ولي قضاء دمشق فدخلها في رجب سنة أربع وخمسين وباشر الأحكام بها نحو سنة وكان محمود السيرة ذا تواضع وأخلاق حسنة قال ابن الحنبلي وكان ممن منع شرب القهوة بحلب على الوجه المحرم من الدور المراعي في شرب الخمر وغيره وكنت عنده يوم منع ذلك فسأل أيشربونها بالدور فقلت نعم والدور كما شاع باطل وأنشدته من نظمي
( قهوة البن أضحى
بها الحمى غير عاطل ) 307
( لكنهم شربوها
بالدور والدور باطل )
وفيها أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد الكيزواني الحموي الصوفي المسلك المربي العارف بالله تعالى منسوب إلى كازوا فقياس النسبة الكازواني لكن اشتهر بالكيزواني وكان يقول أنا مالكي زواني ولد تقريبا في عاشر رجب سنة ثمان وثمانين وثمانمائة وتوجه صحبة الشيخ علوان الحموي إلى بروسا من بلاد الروم وأقام في صحبته عند سيدي علي بن ميمون وانتفع به وتهذب بأخلاقه ودخل حلب وجلس في مجلس التسليك فاجتمع عليه خلق كثير ودخل دمشق ونزل بالصالحية وكان له اطلاع على الخواطر عابدا قانتا قال ابن الحنبلي وتوفي بين مكة والطائف أي في هذه السنة وحمل إلى مكة فدفن بها وأورد له الشعراوي في الطبقات الكبرى
( القصد رمز فكن ذكيا
والرسم ستر على الأشاير )
( فلا تقف مع حروف رسم
كل المظاهر لها ستاير )
وفيها شمس الدين محمد بن إسماعيل بن محمد بن علي بن إدريس العجلوني الديموني الشافعي قاضي عجلون قال في الكواكب كان من أخص جماعة شيخ الإسلام الوالد وتلاميذه قسم عليه المنهاج والتنبيه والمنهج وغير ذلك وسمع عليه جانبا من صحيح البخاري بقراءة الشيخ برهان الدين البقاعي وقرأ عليه شيئا كثيرا وقال عنه أنه من الفضلاء المتمكنين ذو يد طولى في القراآت والفقه ومشاركة حسنة في الحديث والأصول والنحو وغير ذلك وكتب له إجازة مطولة أذن له فيها بالافتاء والتدريس انتهى
وفيها أقضى القضاة أبو اليمن محمد بن القاضي محب الدين محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن قاضي عجلون الشافعي الإمام العالم قال في الكواكب كان من العلماء الكمل والصلحاء الكبار له في اليوم والليلة ختمات لكتاب الله تعالى لا يفتر عن القراءة في ممشاه وقعوده نير الوجه حسن الشكل ولي 308 القضاء مدة يسيرة نيابة عن ابن عمه قاضي القضاة نجم الدين بن قاضي عجلون وكان يباشر عنه الخطابة بالجامع الأموي وكان يلبس الثياب الحسنة وفي آخر عمره طرح التكلف ولبس الثياب الخشنة واستوى عنده كلاهما وتوفي بعد عشاء ليلة الخميس سابع عشر جمادى الآخرة ودفن بباب الصغير بمقبرة أهله قريبا من عمه شيخ الإسلام تقي الدين
وفيها مروان المجذوب كان في أول أمره قاطع الطريق ببلاد الشرقية من مصر وكان مشهورا بالفروسية ثم لما جذب كان يدور في أسواق دمشق وتظهر عليه للناس كرامات وخوارق وكان إذا خطر لأحد ممن يصادفه معصية أو عمل بمعصية يصكه حتى يدع خاطره وربما منعه بعضهم فشلت يده وتوفي بمصر ودفن بجانب البنهاوي خارج باب الفتوح
وفيها السيد الشريف ولي بن الحسين العجمي الشرواني الشافعي المعروف بوالده حج من بلاده وعاد فدخل دمشق وحلب سنة تسع وعشرين وتسعمائة وقرأ بحلب صحيح البخاري على البرهان العمادي تاما وقرأ عليه بها جماعة منهم ابن الحنبلي قال قرأت عليه في متن الجغميني في الهيئة وانتفعت به وهو أول أشغالي بهذا الفن ثم رحل إلى بلاده وحدث بها واشتهر بالمحدث وكان يعرف البيان معرفة حسنة وتوفي ببلاده
سنة ست وخمسين وتسعمائة
فيها توفي المولى إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي الحنفي الإمام العلامة قال في الشقائق كان من مدينة حلب وقرأ هناك على علماء عصره ثم ارتحل إلى مصر وقرأ على علمائها في الحديث والتفسير والأصول والفروع ثم إلى بلاد الروم وقطن بقسطنطينية وصار إماما ببعض الجوامع ثم صار إماما وخطيبا بجامع السلطان محمد ومدرسا بدار القراء التي بناها سعدى جلبى المفتي قال وكان إماما عالما بالعلوم العربية والتفسير والحديث وعلوم القراآت وله 309 يد طولى في الفقه والأصول وكانت مسائل الفروع نصب عينيه وكان ملازما لبيته مشتغلا بالعلم لا يرى إلا في بيته أو المسجد ولم يسمع أحد منه أنه ذكر أحدا بسوء ولم يلتذ بشيء من الدنيا إلا بالعلم والعبادة والتصنيف والكتابة وقال ابن الحنبلي كان سعدى جلبى مفتي الديار الرومية يعول عليه في مشكلات الفتاوى إلا أنه كان منتقدا على ابن العربي كثير الحط عليه ومن مؤلفاته شرح منية المصلى وملتقى الأبحر ونعم التأليف هو ومات في هذه السنة
وفيها إسمعيل الكردي الشافعي نزيل دمشق الإمام العلامة قال في الكواكب قال والد شيخنا كان من أهل العلم والعمل والصلاح والورع والمجاهدة والتوكل صحبني ثم حج وجاور بمكة وتزوج بامرأة من العمادية وعاد وهي معه ورزق منها ولدا صالحا سماه سليمان ثم رجع إلى بلاده وتزوج امرأة أخرى من الأكراد وعاد إلى دمشق بزوجتيه ورزق من الأخرى أولادا وسكن بهما في بيت من بيوت الشامية الجوانية وصار يتردد إليه الطلبة يشتغلون عليه في المعقولات مع تردده إلى قال وقرأ على بعض المنهاج قراءة تحقيق وتدقيق وتوفي ليلة السبت خامس جمادى الأولى بالطاعون بعد أن صلى المغرب والعشاء جماعة ودفن بمقبرة باب الصغير ومن علامة صلاحه أنه استخرج من قبره المحفور له حجر عليه (
يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم )
وفيها جهانكير بن السلطان سليمان بن سليم كان بحلب مع والده في هذه السنة فتوفي بها وصلى عليه أبوه في مشهد عظيم وحمل إلى الفردوس ثم شق بطنه وصبر وحمل إلى الروم وفيها محي الدين عبد القادر ابن لطف الله بن الحسن بن محمد بن سليمان بن أحمد الحموي ثم الحلبي السعدي العبادي الشافعي المقرىء ابن المقرىء ابن المقرىء ويعرف بابن المحوجب أحد 310 أكابر حفاظ القرآن العظيم ورئيس قراءته بالجماعة بحلب ولد سنة تسع وستين وثمانمائة وقرأ القرآن العظيم بحماة برواية أبي عمرو سبع مرات على عالمها ومحدثها ومقرئها عبد الرحمن البرواني قاضي الحنابلة بها ثم قطن حلب فأقرأ بها مماليك نائب قلعتها ثم انحصرت فيه رياسة القراء بها وكان البدر السيوفي يحب قراءته ويميل إليه ويعظمه حتى تلا عليه الفاتحة برواية أبي عمرو واستجازه مع جلالته لما علم له من السند العالي قال ابن الحنبلي وكان مبتلى بعلم جابز مشغوفا بالتزوج حتى تزوج أكثر من ثلاثين امرأة
وفيها المولى عبد الكريم الملقب بمفتي شيخ الرومي الحنفي مفتي التخت السلطاني الإمام العلامة العارف بالله تعالى ولد بمدينة كرماسي وحفظ القرآن العظيم واشتغل على علماء عصره ووصل إلى خدمة المولى بالي الأسود ثم سلك طريقة التصوف وصحب العارف إمام زادة ثم جلس باياصوفيا بقسطنطينية مشتغلا بالإرشاد والفقه حتى أتقن مسائله وعين له السلطان سليمان كل يوم مائة عثماني ونصبه مفتيا فأفتى وظهرت مهارته في الفقه وملك كتبا كثيرة وكان يطالع فيها غالب أوقاته وكان يعظ الناس ولكلامه تأثير في القلوب وله في كل سنة خلوة أربعين يوما يحفر له سربا كالقبر ويصلي فيه ولا يخرج للناس وتحكى عنه كرامات كثيرة وكان معطل الحواس جملة من شدة الرياضة وكان مع ذلك حلو المحاضرة حافظا لنوادر الأخبار وعجائب المسائل كريم الأخلاق متواضعا حج في سنة ثلاثين وتسعمائة ورجع على الطريق المصري ودخل دمشق فنزل ببيت الكاتب بمأذنة الشحم وتردد إليه الأفاضل ورفعت إليه أسئلة فكتب عليها كتابة عجيبة وتوفي مفتيا بالقسطنطينية وفيها على العياشي قال المناوي في طبقاته هو المعروف بالتعبد المشهور بالتزهد أجل أصحاب الشيخ أبي العباس الغمري 311 والشيخ إبراهيم المتبولي مكث نحو سبعين سنة لا يضع جنبه إلى الأرض إلا عن غلبة ويصوم يوما ويفطر يوما ولم يمس بيده دينارا ولا درهما ولا يغسل عمامته إلا من العيد إلى العيد وكان إذا ذكر ينطق قلبه مع لسانه فلا يقول السامع إلا أنهما اثنان يذكران قال الشعراوي أول اجتماعي به رأيته يذكر ليلا فاعتقدت أنهما اثنان فقربت منه فوجدته واحدا وكان كثيرا ما يرى ابليس فيضربه فيقول له لست أخاف من العصا إنما أخاف من النور الذي في القلب مات بالمنزلة انتهى وفيها تقريبا علي الأثميدي المصري المالكي الإمام العالم الصالح المحدث أخذ الطريق عن سيدي محمد بن عنان واختصر كثيرا من مؤلفات الشيخ جلال الدين السيوطي ومؤلفات حسنة وكان يعظ الناس في المساجد مقبلا على الله تعالى حتى توفي ويده تتحرك بالسبحة ولسانه مشغول بذكر الله تعالى
وفيها ظنا المولى محي الدين محمد بن حسام أحد الموالي الرومية الحنفي المعروف بقرا جلبي ترقى في التداريس ثم صار قاضيا بدمشق فدخلها في ربيع الأول سنة خمس وخمسين وتسعمائة ولم تطل مدة ولايته بها
وفيها المولى محي الدين محمد بن المولى علاء الدين علي الجمالي الحنفي أحد موالي الروم قرأ على جده لأمه حسام الدين زادة ثم على والده ثم على سويد زادة ثم درس بمدرسة الوزير مراد باشا بالقسطنطينية ثم بإحدى الثمان ثم تقاعد وعين له كل يوم مائة درهم وكان مشتغلا بنفسه حسن السمت والسيرة محبا للمشايخ والصلحاء له معرفة تامة بالفقه والأصول
وفيها شمس الدين محمد بن الشيخ زين الدين عمر بن ولي الله الشيخ شهاب الدين السفيري الحلبي الشافعي الإمام العلامة ولد بحلب سنة سبع وسبعين وثمانمائة ولازم العلاء الموصلي والبدر السيوفي في فنون شتى وقرأ على الكمال ابن أبي شريف في حاشيته على شرح العقائد النسفية ورسالة العذبة له وقدم 312 مع أخيه الشيخ إبراهيم بن أبي شريف إلى دمشق فأجاز له ولبعض الدمشقيين ثم إلى حلب فقرأ عليه بها مختصر الرسالة القشيرية وقرأ على البازلي وأبي الفضل الدمشقي والشيخ محمد الداديخي وغيرهم أنواع العلوم ودرس بالجامع الكبير بحلب والعصرونية والسفاحية وسافر إلى القاهرة واجتمع بها بالقاضي زكريا وصلى عليه لما مات واجتمع بآخرين كالنور البحيري والشهاب الأنطاكي وتوفي بحلب في هذه السنة وفيها عفيف الدين أبو اليمن محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن فضل بن عميرة الغزي الأصل الحلبي المولد والدار والوفاة الحنفي العالم أخذ بحلب عن الشمسين ابن هلال وابن بلال وله شيوخ آخرون بها وبغيرها واجتمع بالشيخ أبي العون الغزي وكان يدرس ويفتي بحلب وكف بصره فكان يأمر بالكتابة على الفتوى وأمر آخرا أن يكتب في نسبه الأنصاري لما بلغه أنه من ذرية خباب بن المنذر بن الجموح الخزرجي وكان من العلماء العاملين
وفيها حميد الدين محمد بن يحيى بن أحمد بن محمد بن خليل الحاضري الأصل الحلبي ثم القاهري الحنفي جاور بمكة المشرفة وقرأ بها الفقه ثم أخذ بحلب عن الشهاب الأنطاكي ثم دخل القاهرة فاستنابه بالمنزلة القاضي جلال الدين التادفي فأحبه أهلها واستوطن بها وتزوج من نسائها وولد له بنون وكان فقيها فاضلا حسن الشكل والهيئة ساكنا محتشما وتوفي بالمنزلة
وفيها قاضي القضاة كمال الدين أبو اللطف محمد بن يوسف بن عبد الرحمن الربعي الحلبي التادفي الشافعي قال في الكواكب ذكره شيخ الإسلام الوالد في الرحلة فقال في وصفه الشيخ الأوحد والأصيلي الأمجد ذو النسب الذي طارت مناقب نزاهته كل مطار وانتظمت أسلاك أصالته في أجياد الأسطار وسرت سمات فضيلته مسمار نسيمات باسمات الأزهار إلى أن قال تصطفيه الرتب العلية السنية وتستأنس به الخطط الشرعية السنية فطورا مقدما في أندية الأمراء والأعيان 313 وتارة صدرا في قضاة العدل والإحسان القضائي الكمالي التادفي قاضي حلب ثم مكة كان صحبني من حلب إلى البلاد الرومية فأسفر عن أعذب أخلاق وأكرم أعراق وأحسن طويلة وولد كما قال ابن أخيه ابن الحنبلي سنة أربع وسبعين وثمانمائة وتفقه على الفخري عثمان الكردي والجلال النصيبي وغيرهما وأجاز له باستدعاء والده المحب بن الشحنة وولده الأثير محمد والسرى عبد البر بن الشحنة الحنفيون والقاضي زكريا والجمال القلقشندي والقطب الخيضري والفخر الديمي في آخرين ولبس الخرقة القادرية من الشيخ عبد الرزاق الحموي الشافعي الكيلاني ثم ترك مخالطة الناس ولف المئزر وأقدم على خشونة اللباس وأخذ في مخالطة الفقراء والصوفية فلما بلغ السلطان الغوري ذلك أرسل له توقيعا بأن يكون شيخ الشيوخ بحلب ثم ولي قضاء الشافعية بطرابلس وبحلب وفوض إليه الجمال القلقشندي قضاء القضاة بالممالك الإسلامية ونيابة الحكم بالديار المصرية ومضافاتها مضافا إلى قضاء حلب بسؤاله ثم ولي في الدولة العثمانية وتدريس العصرونية والحاجبية ونظر أوقاف الشافعية بحلب وولاه خير بك كافل الديار المصرية قضاء الشافعية بمكة وجدة وسائر أعمالهما ونظر الحرمين وكان أول قاض ولي ذلك من غير أهل مكة في الدولة العثمانية وبقي في دولة القضاء حتى مات خير بك خرج بعد مدة من مكة معزولا سنة إحدى وثلاثين وكان إماما عالما كاملا شاعرا ومن شعره
( لولا رجائي أن الشمل يجتمع
ما كان لي في حياتي بعدكم طمع )
( يا جيرة قطعوا رسلي وما رحموا
قلبا تقطع وجدا عند ما قطعوا )
( أواه وأطول شوقي للأولى سكنوا
في الصرح يا ليت شعري ما الذي صنعوا )
( لا عشت إن كنت يوما بعد بعدكم
أملت أني بطيب العيش أنتفع )
( هم أطلقوا أدمعي والنار في كبدي
كذاك نومي وصبري في الهوى منعوا ) 314
( دع يفعلوا ما أرادوا في عبيدهم
لا واخذ الله أحبابي بما صنعوا )
وتوفي رحمه الله تعالى في أواسط الحجة وفيها كمال الدين محمد البقاعي ثم الدمشقي الشافعي الإمام الفاضل كان يحب الإصلاح بين الأخصام والتودد إلى الناس ويتردد إلى المتصوفة توفي فجأة بعد خروجه من الحمام في نهار الأربعاء ثاني ربيع الآخر ودفن بمقبرة باب الفراديس
وفيها محب الدين أبو السعود محمود بن رضى الدين محمد بن عبد العزيز بن عمر بن أحمد الحلبي الشافعي الموقع والده بديوان الإنشاء في الدولة الجركسية ولد بالقاهرة سنة اثنتين وتسعمائة وحفظ بها كتبا وجود الخط بها وعرض بها في سنة خمس عشرة مواضع من ألفية ابن مالك والشاطبية والمنهاج الفقهي على الشهاب الشيشيني الحنبلي والبرهان بن أبي شريف وغيرهما وأجازوا له وأجازه القاضي زكريا وكان شهما حسن الملبس والعمامة توفي بحلب في ذي الحجة
سنة سبع وخمسين وتسعمائة
فيها توفي برهان الدين إبراهيم بن محمد بن علي المعروف بابن البيكار المقدسي الأصل ثم الدمشقي نزيل حلب العلامة البصير المقرىء المجود ولد بقرية القابون من غوطة دمشق سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة وقرأ القرآن بدمشق بالروايات على جماعات ثم رحل إلى مصر سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة فقرأ على الشمس السمديسي وأبي النجا النحاس والنور السمهودي قال ابن الحنبلي ومما يحكى عنه أنه كان كثيرا ما يمرض فيرى رسول الله في المنام فيشفى من مرضه وكان مجتهدا في أن لا ينام إلا على طهارة وتوفي بحلب وفيها القاضي باعلوي أحمد شريف بن علي بن علوي خرد الشافعي اليمني الشريف العلامة قال في النور ولد يوم الجمعة تاسع ذي الحجة سنة أربع أو خمس وتسعماية واشتغل بالفقه على جماعة 315 منهم العلامة عبد الله بن عبد الرحمن بافضل صاحب المختصر المشهور والعلامة محمد الأصفع وغيرهما وجد واجتهد حتى برع وأشير إليه بالرياسة والفتوى وذكره أخوه المعلم في طبقات فقهاء آل باعلوي قال وولي قضاء وادي ابن راشد وهو مشتمل على مدن متعددة من أرض حضرموت أشهرها تريم لم يعارضه معارض ولم ينقض عليه ناقض ولم يل أحد من آل باعلوي القضاء غيره رحمه الله وبلغني أنه لم يكن من القضاة الورعين سامحه الله وإيانا وفي تاريخ سنبل أنه وأخاه عبد الله شريف ولدا توأمين في بطن وعزل من القضاء فقال أنا لا أعزل وإن عزلني السلطان بسبب أنه ليس في الجهة من هو أعلم مني وهذا الذي ذكره أحمد شريف لا أدري أهو وجه ضعيف له في المسألة أو أراد به التنكيت والمطايبة وأن سيادته ثابتة قاضيا كان أو غير ذلك كقول بعضهم
( أن الأمير هو الذي
يضحى أميرا يوم عزله )
( إن زال سلطان الولاية
لم يزل سلطان فضله )
وما أحسن قوله إن أردت أن لا تعزل فلا تتول انتهى
وفيها أحمد الشبيني المصري كان مجذوبا غارقا لا يصحو إلا وقت الوضوء والصلاة وإذا صلى أذن للصلاة ورفع صوته وكان إذا رأى مجذوبا لم يصل يقول هذا قليل الدين ووقع من المنارة العالية التي في مدينة منوف إلى الأرض فلم ينكسر من أعضائه شيء ونزل واقفا ومشى مسرعا على الأرض
وفيها تقريبا المولى شمس الدين أحمد المشهور بورق جلبي أحد الموالي الرومية ترقى في التداريس إلى مدرسة أبي أيوب الأنصاري وكان فاضلا 316 مفيدا صالحا طيب الأخلاق وانتفع به كثير من الناس
وفيها ظنا الشيخ الإمام العالم أحمد الأنقروي الرومي ثم الحلبي اشتغل في شبابه بالعلم ثم رغب في التصوف وانتسب إلى الخلوتية وكان في أول أمره يدور البلاد ويعظ الناس ثم توطن في بلده في شيخوخته وأقبل على الوعظ إلى أن توفي وفيها شهاب الدين أحمد البرلسي المصري الشافعي الملقب بعميرة الإمام العلامة المحقق أخذ العلم عن الشيخ عبد الحق السنباطي والبرهان بن أبي شريف والنور المحلى وكان عالما زاهدا ورعا حسن الأخلاق يدرس ويفتي وانتهت إليه الرياسة في تحقيق المذهب
وفيها شهاب الدين أحمد الرملي المنوفي المصري الأنصاري الشافعي الإمام العلامة الناقد الجهبذ شيخ الإسلام والمسلمين أخذ عن القاضي زكريا ولازمه وانتفع به وكان يجله وأذن له بالافتاء والتدريس وأن يصلح في كتبه في حياته وبعد مماته ولم يأذن لأحد سواه في ذلك وأصلح عدة مواضع في شرح البهجة وشرح الروض في حياة شيخ الإسلام وكتب شرحا عظيما على صفوة الزبد في الفقه وله مؤلفات أخرى وجمع الشيخ شمس الدين الخطيب الشربيني فتاويه فصارت مجلدا وأخذه عنه ولده سيدي محمد والخطيب الشربيني والشهاب الغزي وغيرهم وانتهت إليه الرياسة في العلوم الشرعية بمصر حتى صارت علماء الشافعية كلهم تلامذته إلا النادر وجاءت إليه الأسئلة من سائر الأقطار ووقف الناس عند قوله وكان جميع علماء مصر وصالحيهم حتى المجاذيب يعظمونه وكان يخدم نفسه ولا يمكن أحدا أن يشتري له حاجة إلى أن كبر سنه وعجز وتوفي يوم الجمعة مستهل جمادى الآخرة وصلوا عليه في الأزهر قال الشعراوي وما رأيت في عمري جنازة أعظم من جنازته ودفن بتربته قريبا من جامع الميدان وأظلمت مصر وقراها بعد موته
وفيها إسمعيل الشيخ الصالح العابد الورع إمام جامع الجوزة خارج باب 317 الفراديس بدمشق قال في الكواكب قال والد شيخنا كان له مكاشفات وحالات مع الله تعالى وكان لا نظير له في الملازمة للخيرات توفي في أوائل الحجة ودفن بمقبرة باب الفراديس وفيها حسام الدين جلبي الفراصوي أحد موالي الروم قرأ على العلماء وخدم المولى عبد الكريم بن المولى علاء الدين العربي وتنقل في المدارس حتى درس بإحدى الثمان ثم صار قاضيا بأدرنة ثم بالقسطنطينية ثم أعطى إحدى الثمان أيضا وعين له كل يوم مائة عثماني إلى أن توفي وكان سخي النفس حليما صبورا على الشدائد طارحا للتكليف منصفا من نفسه رحمه الله تعالى وفيها شمس بن عمر بن اق شمس الدين البرسوي الحنفي خواجة السلطان سليم المشهور شمس جلبي دخل حلب واجتمع به ابن الحنبلي وأثنى عليه بالفضل والعلم ثم دخل دمشق قاصدا للحج الشريف فمات في طريق الحج قبله عند المعظم
وفيها عبد الله بن منلا صدر الدين بن منلا كالي الهندي الحنفي اشتغل بحلب في كبره بالعلم واعتنى بالقراءات فجمع للسبعة وللعشرة وأخذ بها عن إبراهيم اليشبكي وإبراهيم الصيرفي وابن قيما ثم رجع إلى القاهرة فأخذ عن الناصر الطبلاوي وغيره ثم رجع إلى حلب ولزم الطلبة في القراآت وحج في هذه السنة فتوفي وهو راجع في الطريق
وفيها أقضى القضاة محي الدين عبد القادر بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن عمر بن علي بن عبيد الفريابي المدني المالكي ناب عن أبيه في قضاء المدينة وكان فقيها فاضلا لطيفا ماجنا توفي بالمدينة المنورة
وفيها القاضي محي الدين عبد القادر بن عمر بن إبراهيم بن مفلح الراميني الأصل الدمشقي الحنبلي أخو القاضي برهان الدين بن مفلح ناب في القضاء ببر الشام ثم بالمؤيدية وقناة العوني والميدان والصالحية وطالت إقامته بها نحو خمس وثلاثين سنة وكانت له معرفة تامة بأحوال القضاء وتوفي 318 بدمشق ودفن بمقبرة الفراديس وفيها كمال الدين التبريزي العجمي الشيخ العالم الصالح المحقق العارف بالله تعالى الصوفي نزيل دمشق كان يأكل الطيب ويلبس الحسن ولا يخالط إلا من يخدمه وله باع في العلوم وغلب عليه التصوف وتوفي بسكته العزيزية شمالي الكلاسة في سادس عشر ربيع الآخر ودفن بباب الفراديس
وفيها حافظ الدين محمد بن أحمد بن عادل باشا الحنفي أحد الموالي الرومية الشهير بالمولى حافظ أصله من ولاية بردعة في حدود العجم قرأ في صباه على مولانا مزيد بتبريز وحصل عنده وبرع عليه واشتهرت فضائله وبعد صيته ولما وقعت في العجم فتنة إسمعيل بن أردبيل ارتحل إلى الروم وخدم عبد الرحمن بن المؤيد وبحث معه وعظم اعتقاده فيه ورباه عند السلطان أبي يزيد فأعطاه تدريسا بأنقرة فأكب على الاشتغال هناك وكان حسن الخط سريع الكتابة كتب الكثير ودرس هناك شرح المفتاح للسيد وكتب عليه حواشي ثم رحل إلى القسطنطينية وعرض ما حشاه على ابن المؤيد فابتهج به ثم صار مدرسا بمدرسة علي باشا بالقسطنطينية وكتب بها حواشي على مواضع من شرح المواقف للسيد ثم صار مدرسا بمدينة أزنيق وكتب هناك رسالة في الهيولي عظيمة الشأن ثم أعطى إحدى الثمان وكتب بها شرحا على التجريد ثم درس بأياصوفيا وألف كتابا سماه مدينة العلم ثم تقاعد وعين له كل يوم سبعون عثمانيا وأكب على الاشتغال والاشغال ليلا ونهارا لا يفتر وأتقن العلوم العقلية ومهر في الأدبية ورسخ في التفسير وألف رسائل كثيرة منها نقطة العلم ومنها السبعة السيارة وكان له أدب ووقار رحمه الله تعالى
وفيها شمس الدين أبو اللطف محمد بن خليل القلعي الدمشقي الشافعي إمام جامع الجوزة بالقرب من قناة العوني كان فاضلا صالحا زاهدا ورعا كوالده متعففا يعتزل الناس ويخدم نفسه سالكا طريق السلف مؤثرا 319 لخشونة العيش يلبس العباءة له زاوية يقيم بها الوقت يذكر الله على طريقة حسنة وكانت له خطبة بليغة نافعة وموعظة من القلوب واقعة وتوفي يوم الإثنين ثالث جمادى الأولى وفيها شمس الدين محمد بن عمر البقاعي الشافعي المذوخي بمعجمتين نسبة لقرية مذوخا بالضم من عمل البقاع حفظ القرآن العظيم واشتغل بالعلم وحصل وفضل وكره الأكل من الأوقاف فرجع إلى بلدته المذكورة وتعاطى الزراعة فأثرى وتمول ورحل إلى مصر فاشتغل بها قليلا ثم رجع إلى بلده فأم بها وخطب وصار يدعو أهلها إلى طاعة الله تعالى إلى أن توفي بها ليلة الجمعة خامس المحرم
وفيها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن محمد العيني الأصل الحلبي الحنفي عرف بابن بلال الإمام العلامة ولد بحلب سنة خمس أو ست وسبعين وثمانمائة وقرأ على العلا قل درويش أربع سنوات في علوم شتى وقرأ أيضا على منلا مظفر الدين الشيرازي والبرهان العرضي والبدر السيوفي وغيرهم ثم لازم الافتاء والتدريس والتأليف بجامع حلب حتى أسن فانقطع بمنزله وأكب على التصنيف في علوم متنوعة إلا أنه كان لا يسمح بتآليفه ولم تظهر بعده وكان كثير الصيام والقيام لا يمسك بيده درهما ولا دينارا وكان وقورا مهيبا نير الشيبة كثير التواضع له قوة ذكاء ومزيد حفظ ورسوخ قدم في العربية والمعقولات وحج وجاور ودخل القاهرة وأصابه فالج وعوفي منه وتوفي بحلب ودفن بمقابر الحجاج وأوصى أن يغسله شافعي وأن يلقن في قبره
وفيها نظام الدين محمد بن محمد بن إبراهيم بن علي بن كوجك الحموي المولد الحنفي ثم الحنبلي عرف بالكوكاجي رديف الكوجكي ولد في ربيع الأول سنة سبعين وثمانمائة وقرأ الكنز على ابن رمضان الدمشقي وغيره ثم قلد الإمام أحمد وولي قضاء الحنابلة بمدينة طرابلس الشام وناب عن 320 النظام التادفي الحنبلي بحلب وفيها محي الدين محمد بن محمد الحنفي أحد موالي الروم المعروف بابن قطب الدين قرأ على الشيخ مظفر الدين العجمي ثم على سيدي جلبي القوجوي وغيرهما وترقى في التداريس إلى أن ولي قضاء حلب ثم بروسا ثم إسلام بول ثم قضاء العساكر الأناضولية ثم ذهب إلى الحج بعد العزل ثم رجع إلى القسطنطينية وتقاعد بمائة وخمسين عثمانيا كل يوم قال في الشقائق وكان عالما فاضلا صالحا ورعا محبا للصوفية سالكا طريقهم واعتزل الناس واشتغل بخويصة نفسه له معاملة مع الله تعالى رحمه الله تعالى وفيها المولى حسام الدين يوسف القراصوي الحنفي أحد موالي الروم قرأ على علماء عصره وخدم المولى عبد الكريم ثم درس بعدة مدارس حتى أعطى إحدى الثمان ثم صار قاضيا بأدرنة ثم بالقسطنطينية ثم أعيد إلى إحدى الثمان وعين له كل يوم مائة عثماني إلى أن مات وكان سخي النفس حليما طارحا للتكلف منصفا من نفسه
سنة ثمان وخمسين وتسعمائة
فيها كانت وقعة الجرب بجيم وموحدة بينهما راء ساكنة وقعة مشهورة باليمن حتى صارت تاريخا عند أهل حضر موت يقولون سنة وقعة الجرب
وفيها توفي تقي الدين أبو بكر بن عبد الكريم الخليصي الأصل الحلبي الشافعي المشهور بالزاهد وهو سبط العالم المفتي أبي بكر الخليصي كان شيخا صالحا منورا زاهدا ورعا ذا تهجد وبكاء لا يراه أهل محلته إلا أوقات الصلوات وفي غيرها يتردد إلى المقابر والمزارات وكان كثيرا ما يقصده الزوار يسمعون ما يقرؤه عليهم من رياض الصالحين وغيره وتوفي بحلب
وفيها حسين بن أحمد بن إبراهيم الخوارزمي العباد الصوفي كان شيخا معمرا مهيبا ذكر أن له من الاتباع نحو مائة ألف ما بين خليفة ومريد وكان 321 من أحواله إذا ذكر في المسجد الذي هو فيه مع مريديه يطول حتى يراه من كان خارج المسجد من غير منفذ من منافذه ودخل بلاد الشام حاجا فحج ورجع إلى دمشق فأعجبته فعمر بها خانقاة للفقراء من ماله وكان متمولا جدا حتى عمر عدة خوانق في بلاد عديدة ثم عاد إلى حلب وأراد أن يعمر بها عمارة فمرض بها وتوفي في عشر شعبان ودفن بها في تابوت ثم نقل بعد أربعة أشهر إلى دمشق ولم يتغير أصلا ودفن بها قاله في الكواكب
وفيها باقشير عبد الله بن محمد الشافعي اليمني الحضرمي الفقيه ابن الفقيه قال في النور أخذ العلم عن جماعة منهم الشيخ أبو بكر العيدروس والشيخ عبد الرحمن بن علي باعلوي والشيخ عبد الله بن الحاج وكان من الأئمة المحققين والعلماء العاملين والفقهاء البارعين له تصانيف مفيدة وحيد زمانه علما وعملا وزهدا وورعا جمع بين معالم الشيعة وسلوك الطريقة وعلوم الحقيقة ومن تصانيفه كتاب قلائد الخرائد وفرائد الفوائد في الفقه مجلد ضخم نافع جدا والقول الموجز المبين وكتاب السعادة والخير في مناقب السادة بني قشير ورسالة في الفرج وله كرامات وأحوال وتوفي في شعبان ببلده قسم من أرض حضرموت وقبره بها معروف يزار وفيها تاج الدين عبد الوهاب بن شرف الدين يونس بن عبد الوهاب العيثاوي الشافعي الإمام العلامة أخو الشيخ شهاب الدين لأبيه ولد ليلة الأربعاء ثالث عشرى رمضان سنة إحدى وعشرين وتسعمائة وقرأ على والده وحصل له بركة أشياخه منهم الشيخ تقي الدين البلاطنسي وابن أبي اللطف المقدسي وأجازاه وأجازه بالمكاتبة مفتي بعلبك البهاء بن الفصي واجتمع بالجمال الديروطي وأجازه وقرأ على آخرين وسافر إلى حلب فحضر دروس التاج العرضي واجتمع بقاضي قضاة العساكر المولى سنان بن حسام الدين فعظمه وأثنى عليه ونشأ من صغره في طاعة الله تعالى متأدبا متواضعا سليم الفطرة منور الطلعة أقرأ ودرس في الفقه والنحو والتفسير والحديث 322 وانتفع به الطلبة وولي تدريسا بالأموي وبمدرسة أبي عمر وبالظاهرية وأم وخطب نيابة عن أبيه بالجامع الجديد خارج باب الفراديس وكان يود أن يموت قبل أبيه فبلغه الله أمنيته وتوفي نهار الأربعاء خامس عشرى رجب عن سبع وثلاثين سنة وشهر وثمانية عشر يوما وخرجت روحه قائلا الله الله الله لا إله إلا الله
وفيها المولى محب الدين ويقال محب الله التبريزي الشافعي الصوفي المشهور نزيل دمشق رحل من بلاده إلى بلاد الشام وحج منها وجاور ثم عاد إليها ومكث بالتكية السليمية بسفح قاسيون لمزيد شغفه بالشيخ محي الدين بن عربي واعتقاده وكثرة تعلقه بكلامه وحله وتشديد النكير على من ينكر عليه وصار يقرأ عليه بها جماعة في التفسير وغيره وكان يجمع إلى تفسير الآية تأوليها على طريقة القوم ويورد على تأويلها ما يحضره من كلام المسنوي وتوفي بدمشق قاله في الكواكب
وفيها أبو الفتح محمد بن صالح الكيلاني الشافعي الإمام العلامة خطيب المدينة المنورة وإمامها قدم دمشق وحلب واجتمع بعلمائها وشهدوا له بالفضل والتقدم وتوفي بالمدينة المنورة وفيها قطب الدين محمد بن عبد الرحمن الصفوري ثم الصالحي الشافعي الإمام الفاضل قال الشيخ يونس العيثاوي أخذ عن والده والجلال السيوطي وغيرهما وكان له وعظ حسن وخطبة بليغة وهو من بيت علم وصلاح ودين توفي تاسع عشر ربيع الآخر ودفن بسفح قاسيون
وفيها السيد جمال الدين يوسف بن عبد الله الحسني الأرميوني الشافعي الإمام العلامة تلميذ الجلال السيوطي وغيره وأخذ عنه العلامة منلا على الشهرزوري نزيل دمشق وغيره
سنة تسع وخمسين وتسعمائة
فيها كان ترميم عمارة البيت الشريف زاده الله تعظيما وأرخ ذلك الشيخ عبد العزيز الزمزمي فقال 323
( وقد أتى تاريخ ترميمه
رمم بيت الله سلطاننا )
وفيها توفي برهان الدين إبراهيم بن قاضي القضاة أبي المحاسن يوسف بن قاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن الحلبي الحنفي الشهير بابن الحنبلي وهو والد الشيخ شمس الدين بن الحنبلي المؤرخ المشهور وسبط قاضي القضاة أثير الدين بن الشحنة قال ولده في در الحبب ولد بحلب سنة سبع وسبعين وثمانمائة واشتغل بها في الصرف والنحو والعروض والمنطق على العلاء بن الدمشقي المجاور بجامع المهمندار وعلى الفخر عثمان الكردي والزين بن فخر النساء وغيرهم وجود الخط على الشيخ أحمد أخي الفخر المذكور وألم بوضع الأوفاق العددية وتلعق بأذيال القواعد الرملية والفوائد الجفرية وأجازه البرهان الرهاوي رواية الحديث المسلسل بالأولية بعد أن سمعه منه بشرطه وجميع ما تجوز له وعنه روايته ثم ذكر أنه أستجيز له باستدعاء والده جماعة كثيرون من المصريين كالمحب بن الشحنة والقاضي زكريا وغيرهما وأنه سمع على البرهان بن أبي شريف ما اختصره من رسالة القشيري وأنه لبس الخرقة القادرية من الشيخ عبد الرزاق الكيلاني الحموي قال ثم لبستها أنا من يده وذكر عنه أنه رأى في المنام شخصا باديا نصفه الأعلى من ضريح وهو يقول له إذا وقعت في شدة فقل يا خضير يا خضير وأنه كان إذا حزبه أمر قال ذلك ففرج عنه وذكر من تأليفه كتابه المسمى ثمرات البستان وزهرات الأغصان والسلسل الرائق المنتخب من الفائق وكتابا انتخبه من آداب الرياسة سماه مصابيح أرباب الرياسة ومفاتيح أبواب الكياسة وغير ذلك وأنه توفي ليلة الأحد حادي عشر ذي القعدة
وفيها زين الدين زكريا المصري العلامة الشافعي حفيد شيخ الإسلام القاضي زكريا الأنصاري أخذ العلم عن جده المذكور والبرهان بن أبي شريف والشيخ عبد الحق والكمال الطويل ولبس خرقة التصوف من جده ومن سيدي علي المرصفي وغيرهما وكان جده يحبه محبة عظيمة وكان ذكيا فطنا 324 خاشعا أفتى ودرس قال الشعراوي سافرت معه إلى مكة سنة سبع وأربعين وهو قاضي المحمل فكان يقضي بالنهار ولا يمل من الطواف بالليل كثير الصدقة والافتقاد لفقراء الركب وتوفي في شوال بالقاهرة ودفن خارج باب النصر تجاه مقام السيدة زينب
وفيها عثمان بن عمر الشيخ المعمر الحلبي الشافعي المعروف بابن شيء لله حفظ القرآن العظيم وتفقه على الفخر عثمان الكردي والبرهاني فقيه اليشبكية وحج وانتفع به الطلبة وفيها شمس الدين محمد بن محمد بن حسن الدمشقي المعروف بابن الشيخ حسن كان من أهل الفضل والعلم والصلاح وكان خطيبا بجامع الأفرم وأخذ عن جماعة منهم البدر الغزي حضر دروسه بالشامية وغيرها كثيرا وفيها نجم الدين محمد بن محمد بن عبيد الشيخ الفاضل الصالح الواعظ ابن الشيخ الصالح المقرىء المجيد الضرير إمام مسجد الباشورة توفي يوم الجمعة بعد العصر سادس عشرى القعدة
وفيها قاضي القضاة نظام الدين أبو المكارم يحيى بن يوسف بن عبد الرحمن الحلبي التادفي الحنلي القادري سبط الأثير بن الشحنة وهو عم ابن الحنبلي شقيق والده ولد سنة إحدى وسبعين وثمانمائة وتفقه على أبيه وبعض المصريين وأجاز له باستدعاء من أبيه وأخيه جماعة من المصريين منهم المحب بن الشحنة والقاضي زكريا والبرهان القلقشندي والديمي والخيضري وغيرهم وقرأ بمصر على المحب بن الشحنة والجمال بن شاهين سبط بن حجر جميع مجلس البطاقة سنة سبع وثمانين ثم لما عاد والده إلى حلب متوليا قضاء الحنابلة ناب عنه فيه وسنه دون العشرين فلما توفي والده أوائل سنة تسعمائة استقل بالقضاء بعده وبقي إلى أن انصرمت دولة الجراكسة وكان آخر قاض حنبلي بها بحلب ثم ذهب بعد ذلك إلى دمشق وبقي بها مدة ثم استوطن مصر وولي بها نيابة قضاء الحنابلة بالصالحية النجمية وغيرها وحج منها وجاور ثم عاد إلى حكمه وكان 325 لطيف المعاشرة حسن الملتقى حلو العبارة جميل المذاكرة يتلو القرآن العظيم بصوت حسن ونغمة طيبة وتوفي بالقاهرة رحمه الله تعالى
سنة ستين وتسعمائة
فيها وقع عمارة ميزاب الرحمة من البيت الشريف وقال في ذلك أبو بكر اليتيم المكي مؤرخا
( يا أيها المولى الجليل ومن له المجد الأثيل الفائق المريخا
)
( ميزاب بيت الله جدد فاقتبسنا رحمة من ربك التاريخا
)
وفيها توفي الأمير برهان الدين إبراهيم بن والي بن نصر خجا بن حسين الذكرى المقدسي الفقيه الحنفي قال ابن الحنبلي قدم حلب سنة ست وأربعين واردا من بغداد لتيمار كان له بها وكان لطيف المذاكرة حسن المحاضرة اشتغل بالعربية وغيرها وتعاطى الأدب وله منظومة في النحو سماها البرهانية وقرض عليها سيدي محمد بن الشيخ علوان وغيره ووضع رسالة في الصيد وما يتعلق بالخيل برسم وزير السلطنة السليمانية وقدمها إليه بالروم ومن شعره
( قال الفؤاد مقالات يوبخني
لما رآني على طول من الأمل )
( أن ليس تنفع أقوال تقررها
ما لم تكن عاملا بالفعل يا ابن ولي )
عاد إلى وطنه من غير الطريق المعتاد ففقد في الطريق في هذه السنة
وفيها إبراهيم بن يوسف بن سوار الكردي البياني الخاتوني ثم الحلبي الشافعي قال ابن الحنبلي فقيه صوفي سليم الصدر معمر اجتمع بالسيد علي بن ميمون بعد أن رآه في المنام فألبسه ثوبا أبيض قال وكان مغرما بالكيميا توفي بحلب ودفن خارج باب قنسرين وفيها تقي الدين أبو بكر بن شيخ الإسلام شمس الدين محمد بن أبي اللطف المقدسي الشافعي الإمام العلامة 326 أخذ عن والده وغيره وحضر هو وأخوه الشيخ عمر إلى دمشق فقرأ على البدر الغزي جميع شرح جمع الجوامع للمحلى ثم برع صاحب الترجمة في فنون من العلم خصوصا الأصول حتى كان يعرف بالشيخ أبي بكر الأصولي وسكن دمشق آخرا وتزوج بها وتوفي بها في هذه السنة تقريبا
وفيها زين الدين رجب بن علي بن الحاج أحمد بن محمود اليعفوري الحموي الشافعي الشهير بالعزازي الإمام العلامة قال في الكواكب وهو جد صاحبنا العلامة تاج الدين القطان النحوي الشافعي لأبيه أخذ عن البازلي الكردي الحموي وبمصر عن العلامة عبد الحق السنباطي وتفقه به وبالشمس النشيلي والشهاب الرملي وغيرهم ثم دخل دمشق فقرأ على شيخ الإسلام الوالد واعتنى بجمع المهم من فتاواه فجمع منها ثلاث مجلدات ثم عاد إلى بلده حماة مستقرا مفتيا مدرسا وكان مخلصا في محبة الوالد ومصافاته ووصفه شيخ الإسلام الوالد بالفضل والصلاح وفي تاريخ ابن الحنبلي أنه مر بحلب سنة إحدى وخمسين متوجها إلى إسلام بول لعزله عن عصرونية حماة وأنه أنشد للبهاء الفصي البعلي الشافعي
( إن صار عبدك حيث شئت تواضعا
لجلال قدرك ما تعدى الواجبا )
( فلئن تأخر كان خلفك خادما
ولئن تقدم كان دونك حاجبا )
ثم توجه إليه مرة أخرى فتوفي بالقسطنطينية في المحرم ودفن بالقرب من ضريح أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وفيها عبد القادر السبكي المصري المجذوب قال في الكواكب كان مجذوبا ثم أفاق في آخر عمره وصار يصلي ويقرأ كل يوم ختمة مع بقاء أحواله من الكشف ورؤى وهو راكب حمارته يسوقها على الماء أيام وفاء النيل وكان يخدم الأرامل ويشتري لهم الحوائج ويضع كل ما يشتريه في إناء واحد من زيت وشيرج وعسل ورب وغير ذلك ثم يعطي كل واحدة حاجتها من غير اختلاط وكان تارة يلبس 327 زي الجند وتارة زي الريافة وتارة زي الفقراء وكان يعطب من ينكر عليه مات في جمادى الآخرة انتهى وفيها الشريف الفاضل جمال الدين محمد بن علي بن علوي صاحب كتاب غرر البهاء قاله في النور
وفيها الأمير نجم الدين محمد بن محمد القرشي الدمشقي كان فاضلا يقرأ القرآن ويبكي عند التلاوة وكان بينه وبين الشيخ علاء الدين بن عماد الدين الشافعي مودة ومحبة مات في هذه السنة أو التي بعدها
ومات بعده ولده الأمير شمس الدين محمد بتسعة أشهر وهو والد محمد جلبي القرمشي رحمهم الله تعالى وفيها تقريبا نجم الدين محمد الماتاني الحنبلي الإمام العالم الفقيه المحدث الصالحي أخذ الحديث عن الشيخ أبي الفتح المزي وغيره وتفقه بفقهاء الشاميين وكان ينسخ بخطه كثيرا وكتب نسخا كثيرة من الاقناع وفيها شرف الدين أبو النجا موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي ثم الصالحي الحنبلي الإمام العلامة مفتي الحنابلة بدمشق وشيخ الإسلام بها كان إماما بارعا أصوليا فقيها محدثا ورعا من تأليفه كتاب الاقناع جرد فيه الصحيح من مذهب الإمام أحمد لم يؤلف أحد مؤلفا مثله في تحرير النقول وكثرة المسائل ومنها شرح المفردات وشرح منظومة الآداب لابن مفلح وزاد المستقنع في اختصار المقنع وحاشية على الفروع وغير ذلك وتوفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ربيع الأول ودفن بأسفل الروضة تجاه قبر المنقح من جهة الغرب يفصل بينهما الطريق وفيها محي الدين يحيى الذاكر الشيخ الصالح قال في الكواكب هو أحد أصحاب الشيخ تاج الدين الذاكر الدين أذن لهم في افتتاح الذكر كان معتزلا عن الناس ذاكرا خاشعا عابدا صائما أقبل عليه أمراء الدولة إقبالا عظيما ثم تظاهر بمحبة الدنيا والتجارة فيها طلبا للستر حتى اعتقد فيه غالب أهل الدنيا أنه يحب الدنيا مثلهم قال الشعراوي 328 قال لي مرات ما بقي الآن لظهور الفقر فائدة بأحوال القوم قال وقد عوضني الله تعالى بدل ذلك مجالسته سبحانه في حال تلاوتي كلامه ومجالسة نبيه في حال قراءتي لحديثه فلا تكاد تراه إلا وهو يقرأ القرآن والحديث قال وأخبرني أن النبي أذن له يعني في المنام أن يربي المريدين ويلقن الذكر انتهى
سنة إحدى وستين وتسعمائة
قال في النور في ليلة ثلاثة عشر من ربيعها الأول قتل السلطان محمود شاه بن لطيف شاه صاحب كجرات شهيدا وسببه أن بعض خدمه سولت له نفسه قتله فدبر الحيلة وواطأ بعض الوزراء والحرس فقيل دس له سما في شرابه وفي حلواه فشكا السلطان عقب تناوله حرارة عظيمة اشتعلت بباطنه فاستغاث فقيل بل له سكرا نباتا ودس له سما ليعجل موته قبل أن يشعر به وقيل بل طلب السلطان الطبيب فبادر ذلك الشقي وذبح السلطان والطبيب ولم يشعر أحد ثم أرسل رسل السلطان المعتادين إلى وزرائه وطلبوهم على لسان السلطان فقدم كل على انفراده من غير شعور له بشيء فكل من دخل من الوزراء قتلوه فلما كثر القتل وقع الإحساس ببعض ما جرى انتهى
وفيها توفي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن أحمد الشماع الحلبي الشافعي الشهير بابن الطويل العالم الزاهد قرأ في سنة سبع عشرة وتسعمائة على الحافظ عبد العزيز بن فهد المكي شيئا من كتب الحديث وسمع عليه غالب البخاري وأجازه له وألبسه خرقة التصوف وكان شيخا صالحا حسن السمت يميل إلى كلام القوم وكتب الوعظ وكان يأكل الخبز اليابس منقوعا بالماء وإذا حصل له مأكل نفيس آثر به الفقراء وترك أكل قوت حلب قدر ست عشرة سنة لما بلغه من بيع ثمرها قبل بدو صلاحه
وفيها السيد أحمد بن أبي نمي صاحب مكة قال في النور وهو الذي داس 329 بساط سلطان الروم سليمان ولم يدس غيره من سلاطين مكة وشوكته استقوت في حياة أبيه وحكاياته مشهورة انتهى وفيها السلطان بايزيد بن سليمان العثماني قتله شاه طهمان بأمر أبيه السلطان سليمان وفيها برهان نظام شاه سلطان الدكن وفيها سليم شاه بن شير شاه قال في النور فهؤلاء خمسة سلاطين أي محمود شاه وابن أبي نمى وهؤلاء الثلاثة اتفق موتهم في هذه السنة فقال بعضهم مؤرخا لذلك زوال خسروان انتهى وفيها بشر المصري الحنفي الإمام العلامة الصالح أخذ العلم عن البرهان والنور الطرابلسيين وعن شيخ الإسلام عبد البر بن الشحنة وأجازه بالافتاء والتدريس فدرس وأفتى وانتفع به خلائق وغلب عليه في آخره محبة الخفاء والخمول وعدم التردد إلى الناس وناب في القضاء مدة ثم ترك ذلك وأقبل على العبادة وكان يديم الصيام والقيام رحمه الله تعالى وفيها حسن الدنجاوي ذكره الشعراوي وأشار إلى أنه كان من أصحاب النوبة والتصرف بمصر وتوفي في جمادى الأولى وفيها تقريبا سليمان الخضيري المصري الشافعي الشيخ الصالح الفاضل العارف بالله تعالى أخذ العلم عن الجلال السيوطي والقطب الأوجاقي وأخذ الطريق عن الشهاب المرحومي وأذن له أن يربي المريدين ويلقنهم الذكر فتلمذ له خلائق لا يحصون وكان زاهدا دينا لا ينتقص أحدا من أقرانه ويقول لا يتعرض لنقائص الناس إلا كل ناقص قال الشعراوي أدركت الأشياخ وهم يضربون به وبجماعته المثل في الاجتهاد في العبادات وصحب بعد موت شيخه مشايخ لا يحصون كسيدي محمد بن عنان وسيدي علي المرصفي وسيدي محمد المنزلاوي وغيرهم وكانوا يحبونه وغلب عليه في آخر عمره الخفاء لعلو مقامه وكان له مكاشفات وكرامات قال الشعراوي أخبرني في سنة تسع وخمسين وتسعمائة أن عمره مائة سنة وثمان سنين انتهى
وفيها زين الدين عبد الرحمن الأجهوري المالكي الشيخ الإمام العلامة 330 الزاهد الخاشع مفتي المسلمين تلا على الشهاب القسطلاني للأربعة عشر وحضر عليه قراءة كتابه المواهب اللدنية وأخذ الفقه وغيره عن شمس الدين اللقاني وعن أخيه ناصر الدين وغيرهما وأجازوه بالافتاء والتدريس فأفتى ودرس وصنف كتبا نافعة منها شرح مختصر الشيخ خليل وسارت الركبان بمصنفاته حتى إلى المغرب والتكرور وكان الشيخ ناصر الدين اللقاني إذا جاءته الفتيا يرسلها إليه من شدة اتقانه وحفظه للنقول وكان كريم النفس قليل الكلام واللغو حافظا لجوارحه كثير التلاوة والتهجد قال الشعراوي لما مرض دخلت إليه فوجدته لا يقدر يبلع الماء من غصة الموت فدخل عليه شخص بسؤال فقال اجلسوني قال فأجلسناه وأسندناه فكتب على السؤال ولم يغب له ذهن مع شدة المرض وقال لعل ذلك آخر سؤال نكتب عليه فمات تلك الليلة ودفن بالقرافة وكان كلما مر على موضع قبره يقول أنا أحب هذه البقعة فدفن بها وقبره ظاهر يزار وفيها علي البرلسي المجذوب المصري قال في الكواكب كان نحيف البدن يكاد يحمله الطفل وكان يتردد بين مدينة قليوب ومصر لا بد له كل يوم من الدخول إلى قليوب ورجوعه إلى مصر وكان من أصحاب الخطوة وكثيرا ما يمر عليه صاحب البغلة الناهضة وهو نائم تحت الجيزة بقليوب فيدخل مصر فيجده ماشيا أمامه وكان كثيرا ما يغلقون عليه الباب فيجدونه خارج الدار قال وما رؤى قط في معدية إنما يرونه في ذلك البر وهذا البر وربما رآه في البرلس وفي دسوق وفي طندتا وفي مصر في ساعة واحدة وهذه صفة الأبدال وأما رؤيته بعرفة كل سنة فكثير توفي في ربيع الأول ودفن في زاويته المرتفعة داخل باب الشعرية
وفيها شمس الدين محمد بن يوسف الحلبي ثم القسطنطيني الشافعي الإمام العلامة إمام عمارة محمود باشا أخذ عن البدر السيوفي وغيره من علماء حلب 331
وطن القسطنطينية حتى مات وكان حسن السمت والمبلبس وكان يعظ المواعظ الحسنة وله حظوة تامة عند أكابر الدولة وذكر ابن الحنبلي أن أباه كان جمالا
سنة اثنتين وستين وتسعمائة
فيها توفي قاضي قضاة الشافعية بمكة المشرفة برهان الدين إبراهيم بن ظهيرة ميلاده سنة خمس عشرة وتسعمائة وتوفي في هذه السنة كذا بخط ابن صاحب العنوان وفيها أبو الفتح السبستري ثم التبريزي الشافعي نزيل دمشق الإمام العلامة المحقق المدقق الفهامة انتفع به الطلبة وهرعوا إليه ورغبوا فيما عنده وكان ذا علم جزل وأخلاق حسنة وآداب جميلة أخذ عنه النجم البهنسي والشيخ إسمعيل النابلسي والشيخ عماد الدين والشمس المنقاري والمنلا أسد والقاضي عبد الرحمن بن الفرفور وغيرهم وكان له خلوة في السميساطية يدرس العلوم فيها وتوفي بالصالحية شهيدا بالطاعون في هذه السنة ودفن بسفح قاسيون
وفيها حامد بن محمود نزيل مكة المشرفة الإمام الهمام العلامة قال في النور كان إليه النهاية في العلم والعبادة ورثاه الشيخ عبد العزيز الزمزمي بقصيدة طنانة مطلعها
( أيها الغافل الغبي تنبه
إن بالنوم يقظة الناس أشبه )
ومنها
( قد مضى حامد حميدا فما لي
بعده في الحياة والعيش رغبه )
( صاحبي من قريب خمسين عاما
ما تراءيت في محياه غضبه )
ومنها
( من جميع العلوم حاز فنونا
فتسامى بها لارفع رتبه )
وهي طويلة جيدة انتهى وفيها عبد الله بن عبد الرحمن بن اصفهان الكردي الشافعي المنسوب إلى بزين بالموحدة والتصغير قبيلة من الأكراد قرأ في الصرف وغيره على أبيه الفقيه المحرر عبد الرحمن والنحو على مولانا 332 حسين العمادي المقيم بسمرقند والمنطق على منلا نصير الاستراباذي والكلام على منلا الكردي الحوزي بحاء مهملة وواو ساكنة وزاي ومن سنة تسع وأربعين لزم ابن الحنبلي في علم البلاغة قال ابن الحنبلي وكان فاضلا ذكيا كتب بخطه تفسير منلا عبد الرحمن الجامي وطالعه وتوفي ببلد القصير مطعونا في هذه السنة وفيها عبد الرؤوف اليعمري المصري الأزهري أحد شعراء مصر قال في الكواكب قدم حلب هو وصاحبه الشيخ نور الدين العسيلي ونزل بالمدرسة الشرفية وكان حسن الشعر لطيف الطباع مات بالقاهرة انتهى
وفيها شرف الدين عبد القادر بن محمد بن محمد بن محمد بن قاضي سراسيق الصهيوني ثم الطرابلسي ثم الدمشقي الشافعي الإمام العلامة قال في الكواكب أخذ عن شيخ الإسلام الوالد قرأ عليه في البهجة جانبا صالحا وفي صحيح مسلم وفي الأذكار وغير ذلك وولي إعادة الشامية البرانية بدمشق وقدم حلب في حياة الشهاب الهندي فقرأ عليه في شرح الشمسية للقطب وسمع عليه في غيره ثم عاد إلى طرابلس فدرس بجامع العطار وانتفع به الطلبة وكان الثناء عليه جميلا في الديانة وحسن الخلق إلا أنه كان ينكر على ابن العربي وتوفي بطرابلس انتهى ملخصا
وفيها شرف الدين أبو حمزة عبد النافع بن محمد بن علي بن عبد الرحمن بن عراق الدمشقي الأصل الحجازي الحنبلي ثم الحنفي القاضي الفاضل المفنن أحد أولاد القطب الكبير سيدي محمد بن عراق ولد بمجدل مغوش سنة عشرين وتسعمائة وكان فاضلا لبيبا أديبا حسن المحاضرة مأنوس المعاشرة دخل بلاد الشام مرات وتولى قضاء زبيد باليمن وله مؤلف سماه بيان ما تحصل في جواب أي المسجدين أفضل أهو القائم بالعبادة المعمور أم الداثر العادي المهجور وله شعر حسن منه 333
( إن الغرام حديثه لي سنة
مذ صح أني فيه غير مدافع )
( يا حائزا لمنافعي ومملكا
رقى تهن برق عبد النافع )
ومنه
( ورشيق مليح قد وصوره
قال إن القلوب لي مأموره )
( رام كشفا لما حوته ضلوعي
قلت بالله خلها مستوره )
ومنه
( يا رب أثقلني ذنب أقارفه
فهل سبيل إلى الاقلاع عن سببه )
( وأنت تعلمه فاغفره لي كرما
وخذ بناصيتي عن سوء مكتسبه )
توفي بمكة المشرفة رحمه الله تعالى وفيها شمس الدين أبو اليسر محمد بن محمد بن حسن بن البيلوني الحلبي المقرىء الخير سمع على ابن الناسخ كأخيه بقراءة أبيه ولا أجاز له ولازم شيخ القراء المحيوي عبد القادر الحموي ثم الشيخ تقي الدين الأرمنازي وكانت له معرفة جيدة بالطب وكان صالحا متواضعا أثوابه إلى أنصاف ساقيه كأبيه وربما حمل طبق العجين على عاتقه مع جلالته توفي مطعونا ودفن عند والده وفيها شمس الدين أبو الطيب محمد بن محمد بن علي الحساني الغماري الأصل المدني المولد والمنشأ والوفاة المالكي عرف بابن الأزهري كان كثير الفضائل حسن المحاضرة صوفي المشرب له ميل إلى كتب ابن العربي من غير غلو وله نثر ونظم منه أرجوزة سماها لوامع تنوير المقام في جوامع تفسير المنام دخل بلاد الشام قاصدا الروم فدخل دمشق وحلب واجتمع فيها بابن الحنبلي فأخذ كل منهما عن الآخر وأجاز كل منهما الآخر وتوفي بالمدينة المنورة وفيها نصر الله بن محمد العجمي الخلخالي الشافعي الفقيه ابن الفقيه درس بالعصرونية بحلب وكان ذكيا فاضلا صالحا متواضعا ساكنا ملازما على الصلوات في الجماعة حسن العبارة باللسان العربي توفي مطعونا في هذه السنة رحمه الله
وفيها السلطان همايون بن بابور وكان سبب موته سقوطه من سقف فقال مؤرخ وفاته بالفارسي همايون بادشاه ازبام افتاد قاله في النور 334
سنة ثلاث وستين وتسعمائة
فيها توفي أحمد بن حسين بن حسن بن محمد المعروف بابن سعد الدين الشامي القبيباتي الجبائي الصالح القدوة العارف بالله تعالى شيخ بني سعد الدين بدمشق قال في الكواكب كان له أوقات يقيم فيها الذكر والسماع ويكتب النشر والحجب على طريقة أهله المعروفة وكان له الكشف التام والكرامات الكثيرة وكان له سخاء وقرى للواردين على عادتهم وتوفي يوم الجمعة من شهر شعبان ودفن بتربة الشيخ تقي الحصني خارج باب الله وخلفه في المشيخة أخوه الشيخ سعد الدين وفيها تقريبا شهاب الدين أحمد بن حسين بن حسن بن عمر البيري الأصل الحلبي الشافعي العلامة الصوفي ولد سنة سبع وتسعين وثمانمائة ولقنه الذكر وهو صغير الشيخ علاء الدين الأنطاكي الخلوتي سنة ست وتسعمائة وألبسه الخرقة والتاج الأدهميين الشيخ عبد الله الأدهمي وكان عنده وسوسة زائدة في الطهارة ولا يلبس الملبس الحسن قال في الكواكب ذكره شيخ الإسلام الوالد في فهرست تلاميذه وأثنى عليه كثيرا وذكر أنه اجتمع به في رحلته من حلب إلى دمشق وقرأ عليه مدة في الفقه والنحو والأصول والحديث شيئا كثيرا وكتب له إجازة حافلة بما قرأه وبالاذن بالافتاء والتدريس انتهى ملخصا وفيها شهاب الدين أحمد بن الشيخ مركز الإمام العالم العامل قرأ في العربية والتفسير والحديث على والده واشتغل بالوعظ والتذكير فانتفع الناس به وله رسائل في بعض المسائل قاله في الكواكب
وفيها صدر الدين إسمعيل بن إبراهيم بن محمد بن سيف الدين بن عربشاه الشافعي ولد منلا عصام البخاري المشهور بالحواشي على شرح الكافية للجامي قدم حلب سنة ثمان وأربعين وقرأ شيئا من البخاري على شيخ الشيوخ الموفق ابن أبي بكر وأجاز له وظهر له فضل حسن وتوفي بين الحرمين الشريفين وهو ذاهب من المدينة إلى مكة وفيها أقضى القضاة سعد الدين 335 الأنصاري ابن القاضي علاء الدين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الواحد الأنطاكي الحلبي الدمشقي قال ابن طولون لازم شيخنا العلاء المرحل في قراءة قطر الندى والوافية وعروض الأندلسي وغير ذلك واشتغل على الجلال النصيبي وغيره وعنى بالأدب وتولع بمقامات الحريري فحفظ غالبها وخط الخط الحسن وأخذ في صنعة الشهادة وناب في القضاء بأنطاكية فلم يشك منه أحد وتزوج ثم ترك التزوج مع الديانة والصيانة ومن شعره
( نظري إلى الأعيان قد أعياني
وتطلبي الأدوان قد أدواني )
( من كل إنسان إذا عاينته
لم تلق الا صورة الإنسان )
انتهى وكان فاضلا ناظما ناثرا يعرف باللسان التركي والفارسي وكان ساكنا في خلوة بالسميساطية فأصبح مخنوقا ملقى على باب الخانقاة المذكورة يوم السبت ختام صفر ودفن بباب الفراديس وفيها بدر الدين أبو الفتح عبد الرحيم بن أحمد السيد شريف العباسي الشافعي القاهري ثم الاسلامبولي ولد في سحر يوم السبت رابع عشرى شهر رمضان سنة سبع وستين وثمانمائة بالقاهرة وأخذ بالعلم بها عن علمائها فأول مشايخه الشمس النشائي وأخذ عن محي الدين الكافيجي وأمين الدين الأقصرائي والمحب بن الشحنة والشريف بن عيدو البرهان اللقاني والسراج العبادي والشمس الجوجري والجلال البكيري والشمس بن قاسم والفخر الديمي والبرهان بن ظهيرة والمحب بن الفرس البصروي وسمع صحيح البخاري على المسندين العز الصحراوي وعبد الحميد الحرستاني بالأزهر وقرأه على البدر بن نبهان ثم لازم آخرا الرضى الغزي قال في الشقائق كانت له يد طولى وسند عال في علم الحديث ومعرفة تامة بالتواريخ والمحاضرات والقصائد الفرائد وكان له إنشاء بليغ ونظم حسن وخط مليح وبالجملة كان من مفردات العالم صاحب خلق عظيم وبشاشة ووجه بسام لطيف المحاورة عجيب النادرة متواضعا متخشعا أديبا لبيبا يبجل الصغير ويوقر الكبير كريم الطبع سخي 336 النفس مباركا مقبولا انتهى باختصار وأتى إلى القسطنطينية في زمن السلطان بايزيد ومعه شرح له على البخاري أهداه إلى السلطان فأعطاه بايزيد جائزة سنية ومدرسته التي بناها بالقسطنطينية ليقرىء فيها الحديث فلم يرض ورغب في الذهاب إلى الوطن ثم لما انقرضت دولة الغوري أتى القسطنطينية وأقام بها وعين له كل يوم خمسون عثمانيا على وجه التقاعد ومن مؤلفاته شرح البخاري شرحه في القاهرة وآخر مبسوط ألفه بالروم والظاهر أنه لم يتم وشرح على مقامات الحريري حافل جدا وقطعة على الارشاد في فقه الشافعي وشرح على الخزرجية في علم العروض وشرح على شواهد التلخيص واختصره في مختصر لطيف جدا ومن شعره
( إن رمت أن تسبر طبع امرىء
فاعتبر الأقوال ثم الفعال )
( فإن تجدها حسنت مخبرا
من حسن الوجه فذاك الكمال )
ومنه
( حال المقل ناطق
عما خفى من عيبه )
( فإن رأيت عاريا
فلا تسل عن ثوبه )
ومنه
( يا من بنى داره لدنيا
عاد بها الربح منه خسرا )
( لسان أقوالها ينادي
عمرت دارا لهدم أخرى )
ومنه
( دع الهوى واعزم على
فعل التقى ولا تبل )
( فآفة الرأي الهوى
وآفة العجز الكسل )
ومنه
( أرعشني الدهر أي رعش
والدهر ذو قوة وبطش )
( قد كنت أمشي ولست أعيا
والآن أعيا ولست أمشي )
وتوفي رحمه الله تعالى في هذه السنة
وفيها تقريبا عز الدين عبد العزيز بن علي بن عبد العزيز المكي الزمزمي الشافعي الإمام العالم المفنن ولد سنة تسعمائة ودخل بلاد الشام مارا بها إلى الروم سنة اثنتين وخمسين وله مؤلفان سمى أحدهما بالفتح المبين والثاني 337 بفيض الجود على حديث شيبتني هود ومن شعره وفيه تورية من ثلاثة أوجه
( وقال الغواني ما بقي فيه فضلة
لشيء وفي ساقيه لم يبق من مخ )
( وفي ظل دوح المرخ مرخي غصونه
فحيث انثنى أعرضن عن ذلك المرخي )
قال في الكواكب هو والد شيخنا شيخ الإسلام شمس الدين محمد الزمزمي أخذت عنه واستجزت منه لنفسي ولولدي البدري والسعودي في سنة سبع وألف وتوفي سنة تسع وألف أخذ عن والده المذكور وعن العلامة شهاب الدين بن حجر المكي انتهى
وفيها محي الدين عبد القادر بن أحمد القيصري البكراوي شهرة الشافعي تفقه بالسيد كمال الدين بن حمزة والبرهان العمادي الحلبي وأخذ عن غيرهما أيضا وكان علامة عارفا بالفقه والفرائض والأصول ولي مشيخة خانقاة أم الملك الصالح بحلب ودرس بالفردوس وولي تدريس الجامع الكبير بها وتوفي وهو يذكر اسم الله تعالى ذكرا متواليا ودفن بمقابر الصالحين بحلب وفيها سعد الدين علي بن محمد بن علي بن عبد الرحمن بن عراق ولد سيدي محمد الفقيه المقرىء الشامي الحجازي الشافعي ولد كما ذكره والده في السفينة العراقية سنة سبع وتسعمائة بساحل بيروت وحفظ القرآن العظيم وهو ابن خمس سنين في سنتين ولازم والده في قراءة ختمة كل جمعة ست سنين فعادت بركة الله عليه وحفظ كتبا عديدة في فنون شتى وأخذ القراآت عن تلميذ أبيه الشيخ أحمد بن عبد الوهاب خطيب قرية مجدل مغوش وعن غيره وكان ذا قدم راسخة في الفقه والحديث والقراآت ومشاركة جيدة في غيرها وله اشتغال في الفرائض والحساب والميقات وقوة في نظم الأشعار الفائقة واقتدار على نقد الشعر وكان ذا سكينة ووقار لكنه أصم صمما فاحشا وولي خطابة المسجد النبوي ودخل دمشق وحلب في رحلته إلى الروم قال ابن طولون وعرض له الصمم في البلاد الرومية قال وذكر لي 338 أنه عمل شرحا على صحيح مسلم كصنيع القسطلاني على صحيح البخاري وشرع في شرح على العباب في فقه الشافعية قال وسافر من دمشق في عوده من الروم لزيارة بيت المقدس يوم الخميس ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وأربعين ثم انصرف إلى مصر وذكر أنه في مدة إقامته بدمشق كان يزور قبر ابن العربي ويبيت عنده وأنه أشهر شرب القهوة بدمشق فكثرت من يومئذ حوانيتها قال ومن العجيب أن والده كان ينكرها وخرب بيتها بمكة وتوفي المترجم بالمدينة المنورة وهو خطيبها وإمامها وفيها قاضي القضاة شمس الدين محمد بن عبد الأول السيد الشريف الحسيني الجعفري التبريزي الشافعي ثم الحنفي صدر تبريز وأحد الموالي الرومية المعروف بشصلى أمير اشتغل على والده وعلى منلا محمد البرلسي الشافعي وغيرهما ودرس في حياة أبيه الدرس العام سنة ست عشرة ثم دخل الروم وترقى في مدارسها إلى أن وصل إلى إحدى الثمان ثم ولي قضاء حلب في أواخر سنة تسع وأربعين ثم قضاء دمشق فدخلها في ربيع الثاني سنة اثنتين وخمسين ووافق القطب بن سلطان والشيخ يونس العيثاوي في القول بتحريم القهوة ونادى بإبطالها ثم عرض بإبطالها إلى السلطان سليمان فورد أمره بإبطالها في شوال سنة ثلاث وخمسين وأشهر النداء بذلك وكان عالما فصيحا حسن الخط قال ابن الحنبلي وكان له ذؤابتان يخضبهما ولحيته بالسواد وذكر ابن طولون أنه كان محمود السيرة له حرمة زائدة وتوفي بالقسطنطينية
وفيها تقريبا شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن علي بن أبي بكر العلقمي الشافعي الإمام العلامة ولد خامس عشر صفر سنة سبع وتسعين وثمانمائة وأخذ عن جماعة منهم البدر الغزي والشهاب الرملي وغيرهما وأجيز بالتدريس والافتاء وكان أحد المدرسين بجامع الأزهر وله حاشية حافلة على الجامع الصغير للحافظ السيوطي وكتاب سماه ملتقى البحرين وكان متضلعا من 339 العلوم العقلية النقلية قوالا بالحق ناهيا عن المنكر له توجه عظيم في قضاء حوائج اخوانه وعمر عدة جوامع في بلاد الريف رحمه الله تعالى
وفيها محمد بن عبد القادر أحد الموالي الرومية أخذ عن جماعة منهم المولى محي الدين الفناري وابن كمال باشا والمولى حسام جلبي والمولى نور الدين ثم خدم خير الدين معلم السلطان سليمان ثم تنقل في المدارس حتى أعطى إحدى الثمان ثم ولي قضاء مصر ثم قضاء العساكر الأناضولية ثم تقاعد بمائة عثماني لاختلال عرض له برجله منعه من مباشرة المناصب ثم ضم له في تقاعده خمسون درهما وكان عارفا بالعلوم العقلية والنقلية وله ثروة بنى دارا للقراء بالقسطنطينية ودارا للتعليم في قرية قرملة رحمه الله تعالى
وفيها شمس الدين محمد بن محمود الطنيخي المصري الشافعي الإمام العلامة المجمع على جلالته إمام جامع الغمري أخذ عن الشيخ ناصر الدين اللقاني والشهاب الرملي والشمس الدواخلي وأجازوه بالافتاء والتدريس وكان كريم النفس حافظا للسانه مقبلا على شأنه زاهدا خاشعا سريع الدمعة لم يزاحم قط على شيء من وظائف الدنيا رحمه الله تعالى
وفيها المولى محمد بن محمود المغلوي الوفائي الحنفي أحد الموالي الرومية المعروف بابن الشيخ محمود خدم المولى سيدي القرماني وصار معيدا لدرسه وتنقل في المدارس ثم اختار القضاء فولي عدة من البلاد ثم عاد إلى التدريس حتى صار مدرسا بإحدى الثمان ثم أعطى قضاء القسطنطينية ثم تقاعد بمائة عثماني إلى أن مات وكان عارفا بالعلوم الشرعية والعربية له إنشاء بالتركية والعربية والفارسية يكتب أنواع الخط وله تعليقات على بعض الكتب وكان له أدب ووقار ولا يذكر أحدا إلا بخير رحمه الله تعالى
وفيها قاضي القضاة جلال الدين أبو البركات محمد بن يحيى بن يوسف الربعي التادفي الحلبي الحنبلي ثم الحنفي ولد في عاشر ربيع الأول سنة تسع 340 وتسعين وثمانمائة وأخذ عن أحمد بن عمر البارزي وأجاز له وعن الشمس السفيري والشمس بن الدهن المقرىء بحلب والشهابي بن النجار الحنبلي بالقاهرة وغيرهم وبرع ونظم ونثر وولي نيابة قضاء الحنابلة بحلب عن أبيه وعمره ست عشرة سنة إلى آخر الدولة الجركسية ثم لم يزل يتولى المناصب السنية في الدولتين بحلب وحماة ودمشق فإنه تولى بها نظر الجامع الأموي عن والده ثم ضم إليه نظر الحرمين الشريفين ثم سافر إلى القاهرة فناب للحنابلة بمحكمة الصالحية النجمية ثم بباب الشعرية ثم ولي نظر وقف الإشراف بالقاهرة ثم استقل بقضاء رشيد ثم تولى قضاء المنزلة مرتين ثم ولي قضاء حوران من أعمال دمشق ثم عزل عنه سنة تسع وأربعين فذهب إلى حماة وألف بها قلائد الجواهر في مناق بالشيخ عبد القادر وضمنه أخبار رجال أثنوا عليه وجماعة ممن لهم انتساب إليه من القاطنين بحماة وغيرهم ومن شعره
( يا رب قد حال حالي
والدين أثقل ظهري )
( وقد تزايد مابي
والهم شتت فكري )
( ولم أجد لي ملاذا
سواك يكشف ضري )
( وعافني واعف عني
وامنن بتيسير أمري )
( بباب عفوك ربي
أنخت أنيق فقري )
( فلا ترد سؤالي
واجبر بحقك كسرى )
وتوفي بحلب قال ابن عمه ابن الحنبلي في تاريخه ولم يعقب ذكرا
وفيها تقريبا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن جلال الدين الخجندي المدني الحنفي قاضي الحنفية بالمدينة الشريفة وإمامهم بها بالمحراب الشريف النبوي كان عالما عاملا فاضلا عالي الإسناد معمرا ولي القضاء بغير سعي ثم عزل عنه فلم يطلبه ثم عزل عن الإمامة وكان معه ربعها فصبر على لأواء 341 المدينة مع كثرة أولاده وعياله ثم توجه إلى القاهرة فعظمه كافلها وعلماؤها وأخرج له من حواليها شيئا ثم عرض له بحيث يستغني عن القضاء ثم قدم حلب في حدود سنة ثلاث وخمسين والسلطان سليمان بها واجتمع به ابن الحنبلي وغيره من الأعيان قال ابن الحنبلي وكنت قد اجتمعت به في المدينة عائدا من الحج وتبركت به انتهى
سنة أربع وستين وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي المزجاجي الحنفي الإمام العلامة قال في النور ولد سنة سبع وتسعين وثمانمائة وحفظ القرآن وسمع الحديث على جماعة منهم الشيخ عبد الرحمن الديبع وكتب له الإجازة والأسانيد بخطه وتفقه بجماعة من الحنفية وكتب في كتب الرقائق وسمع على الشيخين الوليين الكاملين المحققين يحيى بن الصديق النور وبه تخرج وانتفع والشيخ أبي الضياء وجيه الدين العلوي ولبس الخرقة من والده ثم ألبسه مرة أخرى أخوه لأمه الشيخ إسماعيل المزجاجي وأذن له في إلباسها وكان إماما علامة محققا عارفا مدققا بحرا من بحار الحقيقة والشريعة مرشدا مسلكا بلغ من كل فضل الأمل له اليد الطولى في كتب القوم وتخرج به جماعة منهم ولده العلامة المجتهد الحافظ شيخنا ومولانا أبو الحسن شمس الدين علي والشريف حاتم بن أحمد الأهدل وخلائق لا تحصى وبالجملة فقد كان فريد دهره ونادرة عصره ونسيج وحده ولازم بده علما وعملا وإفادة وسيادة وله كلام في الحقائق يشهد له بذلك وكان علماء وقته يجلونه غاية الاجلال ويشهدون له بالتقدم على الامثال وتوفي في جمادى الأولى بقرية الظاهر التي أنشأها جده الشيخ الصديق بن عبد الله المزجاجي الصوفي انتهى
وفيها القاضي شهاب الدين أحمد بن محمد بن علي البصروي الحنفي خلاف أبيه وجده فإنهما شافعيان العالم ابن العالم ابن العالم قرأ على والده والبدر الغزي 342 وغيرهما وولي قضاء فارا ثم الصلت وعجلون وتوفي في هذه السنة وتاريخ وفاته قاضي أحمد وفيها عبد الرحمن بن رمضان القصار والده اشتغل في العلم على ابن الحنبلي والجمال بن حسن ليه وكان صالحا دينا عفيفا طارح التكلف قانعا بأجرة أزرار كان يصنعها وكان له ذوق صوفي ومشرب صفي حج وجاور ومرض ثم شفي وعاد إلى حلب ومات بها في شعبان قاله في الكواكب وفيها عبد العزيز بن عبد الواحد بن محمد بن موسى المغربي المكناسي المالكي الإمام العالم الأديب شيخ القراء بالمدينة المنورة كان فاضلا علامة مفننا شاعرا صالحا دمث الأخلاق كثير التواضع له عدة منظومات في علوم شتى منها منهج الوصول ومهيع السالك للأصول في أصول الدين ونظم جواهر السيوطي في علم التفسير ودرر الأصول في أصول الفقه ونتائج الأنظار ونخبة الأفكار في الجدل ونظم العقود في المعاني والبيان وتحفة الأحباب في الصرف وغنية الأعراب في النحو ونزهة الألباب في الحساب والدر في المنطق وقدم دمشق بعد أن زار بيت المقدس من جهة المدينة في سنة إحدى وخمسين وأنشد
( قالوا دمشق جنة زخرفت
من كل ما تهوى نفوس البشر )
( أما ترى الأنهار من تحتها
تجري فقلت مجاوبا بل سقر )
( لأنها حفت بما تشتهي
فهي إذا نار كما في الخبر )
ودخل حلب واستجاز بها الشمس السفيري والموفق بن أبي ذر ومن شعره أيضا
( ذوو المناصب إما أن يكون لهم
نصب وإلا فهم فيها ذوو نصب )
( فلا تعرج عليها ما بقيت وكن
بالله محتسبا في تركها تصب )
( لا سيما منصب القاضي فإنك إن
تزغ عن الحق فيه كنت ذا عطب )
( فإن قضى الله يوما بالقضاء أخي
عليك فاعدل ولكن لا إلى الذهب ) 343 وتوفي بالمدينة المنورة رحمه الله تعالى وفيها محي الدين عبد القادر ابن حسن العجماوي الشافعي العالم الفاضل أخذ عن علماء عصره وبرع ومهر وأخذ عنه جماعات منهم شيخ الإسلام بدر الدين محمد بن حسن البيلوني وأجازه في خامس عشر جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وتوفي في هذه السنة ظنا
وفيها محب الدين محمد بن عبد الجليل بن أبي الخير محمد المعروف بابن الزرخوني المصري الأصل الدمشقي الشافعي الإمام العلامة الأستاذ ابن الأستاذ القواس قال في الكواكب ولد سنة خمس وتسعين وثمانمائة وطلب العلم على كبر وحصل عدة فنون وكان من أخصاء الشيخ الوالد ومحبيه وكان ينوب عنه في إمامة الجامع الأموي قال الوالد ولزمني كثيرا وقرأ على ما لا يحصى كثرة انتهى وفيها محمد بن عمر بن سوار الدمشقي العاتكي الشافعي العبد الصالح الورع والد الشيخ عبد القادر بن سوار شيخ المحيا بدمشق أخذ الطريق عن الشيخ عبد الهادي الصفوري وكان صواما قواما ينسج القطن ويأكل من كسب يمينيه وما فضل من كسبه تصدق به وتعاهد الأرامل واليتامى قال في الكواكب وأخبرني بعض جماعته قال كان ربما سقى الشاش العشرة أذرع بكرة النهار ونسجه فيفرغ من نسجه وقت الغداء من ذلك اليوم فيمد له في الزمان انتهى
سنة خمس وستين وتسعمائة
فيها توفي شهاب الدين أحمد بن عثمان بن محمد بن عثمان بن أحمد بن محمد بن عثمان بن عمر بن محمد العمودي اليمني الشافعي الإمام العلامة الفقيه ابن الفقيه قال في النور ولد بزبيد سنة خمس عشرة وتسعمائة تقريبا واشتغل في العلوم وبرع وكان من كبار أهل العلم والفتيا والتدريس مع الورع التام والزهد العظيم والاقبال على الطاعة وكثرة العبادة والسلوك على نهج السلف الصالح ولزوم الخمول وترك ما لا يعني والإحسان الدائم إلى الفقراء والمحتاجين 344 والطلبة وكان يعرف اسم الله الأعظم وينفق من الغيب وتعظمه الأكابر ومن محفوظاته الارشاد في الفقه وكانت تأتيه الفتاوى من البلاد البعدية فيجيب عنها وتوفي يوم السبت حادي عشر المحرم بتعز وبنيت على قبره قبة عظيمة انتهى وفيها شهاب الدين أحمد بن ناصر الأعزازي الأصل الشافعي إمام الثانية بجامع المهمندار تفقه على البرهان العمادي كأبيه وأشغل بعض الطلبة قاله في الكواكب وفيها القاضي شهاب الدين أحمد ابن العلاوي قال في الكواكب كان يعرف الفرائض والحساب وكان يتولى القضاء في بر الشام فقتل في بعض القرى وهو والد يوسف الشاعر انتهى
وفيها المولى نور الدين حمزة الكرماني الرومي الحنفي الصوفي طلب العلم ثم رغب في التصوف وخدم العارف بالله تعالى سنبل سنان ثم العارف بالله تعالى محمد بن بهاء الدين وصار له عنده القبول التام وكان خيرا دينا قوالا بالحق مواظبا على آداب الشيعة مراعيا لحقوق الاخوان توفي بالقسطنطينية رحمه الله تعالى وفيها عبد الصمد بن الصالح المرشد محي الدين محمد العكاري الحنفي نزيل دمشق الإمام العلامة قال الشيخ يونس العيثاوي كان رجلا صالحا وانتهت إليه الفتيا في مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه وحصل له محنة من نائب دمشق سنان الطواشي والقاضي السيد المعروف بشصلي أمير قال وحصل الانكار عليه بسكنه في المدرسة العادلية المقابلة للظاهيرة وكان له تدريس مدرسة القصاعية وحصل له ثروة وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان في الجامع الأموي وكان والده يربي الفقراء على طريقة حسنة وتوفي عبد الصمد يوم الإثنين ثامن رجب وفيها كريم الدين عبد الكريم ابن إبراهيم بن مفلح الحنبلي الشيخ الفاضل كان كاتبا في المحكمة الكبرى بدمشق ومات فجأة فإنه بيض أربعة أوراق مساطير ثم خرج فبينما هو في الطريق سقط لوجهه وحمل إلى منزله فلما وضع مات ودفن بالقلندرية بباب 345 الصغير وصبر والده واحتسب وفيها عبد الملك بن عبد الرحمن ابن رمضان بن حسن الحلبي الشافعي المعروف بابن القصاب قال ابن الحنبلي تفقه على والده وحبس بعده لشكاية الخواطر على حسب حاله وحدث على كرسي جامع دمرداش انتهى وفيها محمد بن سويدان الحلبي الصوفي قال في الكواكب كان شيخا صالحا منورا همذاني الخرقة أدرك السيد عبد الله التستري الهمذاني وتلقن منه الذكر وذكر في حلقته كوالده الشيخ سويدان وتوفي عن نحو مائة سنة رحمه الله تعالى انتهى
وفيها أبو الفتح محمد بن فتيان المقدسي الشافعي الإمام العلامة كان إمام الصخرة بالمسجد الأقصى أربعين سنة وتوفي في ربيع الآخر رحمه الله تعالى وفيها أبو البقاء محمد البقاعي الحنفي خطيب الجامع الأموي بدمشق وكان خادم سيدي الشيخ أرسلان ميلاده يوم الإثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة تسعين وثمانمائة وتوفي فجأة ليلة الخميس عاشر ذي القعدة كذا بخط ابن صاحب العنوان
سنة ست وستين وتسعمائة
فيها توفي تقريبا برهان الدين إبراهيم بن بخشي بالموحدة بن إبراهيم الحنفي المشهور بدادة خيلفة مفتي حلب قيل كان في الأصل دباغا فمن الله تعالى عليه بطلب العلم حتى صار من موالي الروم وهو أول من درس بمدرسة خضر باشا بحلب وأول من أفتى بها من الأروام قال ابن الحنبلي صحبناه فإذا هو مفنن ذو حفظ مفرط ترجمة عبد الباقي العربي وهو قاضيها لأنه انفرد في المملكة الرومية بذلك مع غلبة الرطوبة على أهلها واستيلاء النسيان عليهم بواسطتها قال وذكر هو عن نفسه أنه كان بحيث لو توجه إلى حفظ التلويح في شهر لحفظه إلا أنه كان واظب على صوم داود عليه السلام ثمان سنوات فاختلف دماغه 346 فقل حفظه ولم يزل في حلب على جد في المطالعة وديانة في الفتوى حتى ولي منصب الافتاء بأزنيق من بلاد الروم وكان يقول لو أعطيت بقدر هذا البيت ياقوتا ما حلت عن الشرع شبرا وألف رسالة في تحريم اللواط وأخرى في أقسام أموال بيت المال وأحكامها ومصارفها وثالثة في تحريم الحشيش والبنج انتهى
وفيها شهاب الدين أحمد بن القاضي برهان الدين إبراهيم الأخنائي الشافعي أحد أصلاء دمشق كان قليل المخالطة ملازما للأموي توفي يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول ودفن عند والده بالقرب من جامع جراح
وفيها شهاب الدين أحمد بن عبد الأول القزويني المشهور في دياره بالسعيدي الإمام العلامة المفنن المحقق سئل عن مولده فأخبر أنه ولد سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة وأن له نسبا إلى سعيد بن زيد الأنصاري أحد العشرة وذكر أنه ختم القرآن وهو ابن ست سنين وأربعة أشهر وأربعة أيام وأنه أخذ الفرائض عن أبيه وأفتى فيها صغيرا سنة إحدى وتسعمائة وله مؤلفات منها شرح ايساغوجي ألفه ببلاده ثم دخل بلاد العرب واستوطن دمشق وحج منها ثم س