1

عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة للمحدث البارع الشيخ حسين البحراني آل عصفور 1216 ه‍.

ق الجزء الاول مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة


2

الكتاب: عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة (ج 1) المؤلف: الفقيه المحدث الشيخ حسين بن محمد آل عصفور البحراني الموضوع: فقه اللغة: عربي عدد الاجزاء: جزءان عدد الصفحات: 460الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة الطبع: مطبعة مؤسسة النشر الاسلامي الطبعة: الاولى التاريخ: 1410 ه‍.

ق المطبوع: 2000 نسخة


3

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين المنتجبين.

لا يخفى على ذوي الألباب ما لعلم الفقه من الأهمية في نظر الدين الاسلامي باعتباره القانون الالهي الذي يعني بتنظيم شؤون الحياة بجميع أبعادها، وعلماء الدين وفقهاء المذهب قد بذلوا في مختلف جوانب الفقه جهودا جباره ومساعي مشكورة، حيث ألفوا العديد من المصنفات والموسوعات في هذا الحقل، ومن جملتها كتاب الحدائق الشهير للمحدث البحراني قدس سره الذي حال الأجل بينه وبين إتمامه، فقام بتتميمه ابن أخيه وتلميذه العلامة الخبير الشيخ حسين بن محمدآل عصفور تغمده الله برحمته بأكمل به ما نقص من كتاب الظهار الى آخر الكفارات وسمى كتابه ب‍ " عيون الحقائق الناظرة في تتمه الحدائق الناضرة ".

ولما كانت مؤسسة النشر الاسلامي قد قامت بنشر كتاب الحدائق ضمن خمسة وعشرين مجلدا، وتعميما للفائدة تصدت لنشر كتاب العيون حيث بذلت الوسع في تحقيقه واستخراج مصادره، وقد بذل الأخ الألمعلي الحاج كمال الكاتب حفظه الله تعالى جهودا مضنية لاخراجه بهذه الصورة سائلة الله أن يوفقه وإياها لخدمة العلم وأهله، وما توفيقنا إلا بالله العزيز.

مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة


4

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على جزيل نواله، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله.

وبعد، فهذه لمحة خاطفة عن مصنف هذا الكتاب على أبلغ ما يكون به الايجاز جاز فنقول:أمانسبه: فهو العلامة العارف والآية العظمى فخر الملة والشريعة الشيخ حسين ابن المحقق البارع الشيخ محمد ابن الآية الفاخرة والحجة الباهرة الشيخ أحمد ابن الشيخ إبراهيم ابن الحاج أحمد بن صالح بن أحمد بن عصفور بن أحمد بن عبد الحسين بن عطية بن شيبة الدرازي ابن الأمير هلال ابن الأمير موسى ابن الأمير حسين ابن الأمير مانع ابن الأمير عصفور ابن الأمير راشد بن عميرة بن سنان بن غفيلة بن شبانة بن عامر ابن عوف بن مالك بن عوف بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان جد النبي صلى الله عليه واله وهو ابن أخ الشيخ يوسف - قدس سره - مصنف كتاب " الحدائق الناضرة " وتلميذه وأحد المجازين بإجازته المبسوطة الموسومة ب‍ " لؤلؤة البحرين ".


5

وأما كلمات الاطراء والثناء عليه: فلم يكد يخلو كتاب من كتب التراجم إلا النزر الشاذ من جمل الثناء عليهوإطرائه والاشادة بعلو كعبه في المعقول والمنقول وسمو درجته في الفقه والحديث والاصول حتى عده بعضهم من المجددين للمذهب على رأس المائة الثانية بعد الألف كما ألمح إليه العلامة الأميني في شهداء الفضيلة قال في ترجمته المحقق المتبحر السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة: كان متبحرا في الفقه والحديث طويل الباع كثيرا الاطلاع، انتهت إليه الرئاسة والتدريس.

وقال عنه العلامة البحاثة الشيخ آقا بزرك الطهراني في الكرام البررة: كان من المصنفين المكثرين المتبحرين في الفقه والاصول والحديث غيرها.

إلى غير ذلك من الأقوال التي يقف عليها المتتبع.

مؤلفاته ومصنفاته: كان - قدس سره - من المكثرين المجيدين والمصنفين والمتبحرين حيث نمقت براعته في أكثر العلوم الشرعية كالتفسير والحديث والأدب والشعر واللغة والكلام والمراثي، كما هو مثبت في تراجم مترجميه ما يعد من الرعيل الأول، حيث أتى ببنات فكره الصائب ودقة ذهنه الوقاد ما يبهر العقول ويخلب الأنظار، ومن عجائب أمره أنه كان يملي كتبه الاستدلالية الموسعة كأنوار اللوامع فيشرح مفاتيح الشرائع للفيض الكاشاني ورواشح العناية الربانية في شرح الكفاية الخراسانية وكتاب السوانح النظرية في شرح البداية الحرية للحر العاملي على بعض تلامذته الذين اختصهم لهذا الغرض اعتمادا على حفظه للأقوال وأدلة كل مسألة بجزئياتها التفصيلية في سابق عهده بها من دون تجشم الرجوع إليها عند التصنيف والتأليف، وتؤيد هذه الدعوى النسخ الخطية الموروثة عن مكتبته، حيث نجد كيف أنها كتبت بخط تلامذته وختمت أجزاؤها بخاتمه الشريف وإمضائه فقط.

ومما يدخل في هذا المضمار إملاؤه كتاب " النفحة القدسية " في ثلاثة أيام


6

على تلامذته من دون سبق تبويب أو ترتيب، وكذا ما حكى عنه الشيخ علي البلادي في أنوار البدرين ما ملخصه: إنه أتى لبلاد القطيف مسافرا لحج بيت الله الحرام فاجتمع فيها بالسيد محمد الصنديد، وكان عند الأخير من الكتب النادرة النفيسة ما لا توجد عند غيره وكان ضنينا بها فاستعار منه أحدها ثلاثة أيام ثم أرجعه إليه وسافر إلى مكة وبعد قضاء مناسكه عاود كرته بالقطيف، فأمر السيد المزبور بأن يأتي بذلك الكتاب فأخرجإليه نسخة منه جديدة وأخبره بأمرها، وأنه إنما أملاها في سفرته تلك اعتمادا على حفظه له مدة استعارته فتعجب منه مع جملة الحاضرين فقابلوه فلم يجدوا شيئا منه يخالف الأصل إلا يسيرا لا يذكر.

وأما وفاته ومدفنه: توفي - قدس سره - شهيدا سنة 1216 ه‍ بعد مضي ثلاثة أيام على أثر ضربة ضربها إياه ملعون من أعداء الدين بحربة في ظهر قدمه، وقد أرخ ذلك بعضهم بقوله: قلت فيه لما يقولون أرخ: (غروي) (تاريخه) (غادره) وقال آخر: (طود الشريعة قد وهى وتهدما.

) وقال ثالث: (قمر الشريعة قد أفل).

ودفن بقريته الشاخورة وقبره اليوم مزار معروف، وقد جدد بناؤه أخيرا بفن معماري بديع.

ختام: ونهيب في ختام هذه الأسطر بجهود مؤسسة النشر الاسلامي المضنية ومساعيها المشكورة على إحياء هذا الأثر مضافا لأصله " الحدائق " راجين من العلي القدير أن يأخذ بيدها إلى ما فيه إنهاض الفكر الشيعي الأصيل وخدمة الدين الحنيف.

حرره حفيدا المصنف الميرزا محسن آل عصفور والشيخ أبو أحمد آل عصفور


7

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المحمود لآلائه المشكور لنعمائه المعبود لكماله المرهوب لجلاله الذي ارتفع شأنه عن مشابهة الأنام وتقدس بكمال ذاته عن إحاطه دقائق الأفهام، وتعالى في عظمته أن تبلغ كنهه حقيقة الأوهام، وأفاض سحاب الأفضال على جميع البرية فشملهم بسوابغ الأنعام.

أحمده على ما منحه من إرشاده وهدايته وأسأله العصمة من الشيطان الرجيم وغوايته، واصلي على أشرف من بعثه ببرهانه وآياته، وجعله سيد متحمل رسالاته، سيدنا محمد صاحب شريعته ودلالاته، وعلى ابن عمه علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه المختار لوصيته وخلافته، وعلى الأئمة من ذريته وسلالته.

وبعد فإن أحق الفضائل بالتعظيم وأجراها باستحقاق التقديم وأتمها في استجلاب ثوابه الجسيم هو العلم بالأحكام الشرعية والوظائف الدينية إذبه تحصلالسعادة الأبدية والتخلص من الشقاوة السرمدية، فوجب على كل مكلف صرف الهمة إليه بقدر القابلية وإنفاق هذه المهلة اليسيرة.

ولما نظرت أن قلم البحر الخضم العم الشيخ شيخ يوسف - قدس سره - قصر عن تتمه كتابه المسمى ب‍ " الحدائق " من حيث عاجله القضاء المحتوم الذي جارى على العموم عمدت على تتمته مستعينا بالله وبنبيه وبعترته الطاهرين صلوات


8

الله عليهم أجمعين وذلك لما جف منه قلم الناسخ وهو هذا: وقد ورد في الأخبار أنه مع اختلافهم في الحكم يؤخذ بخلاف ما إليه قضاتهم وحكامهم أميل (1) كما وقع في المقبولة الحنظلية، فيجوز أن يكون ذلك الوقت متلبسا بهذا المرجح لكنه لا يكون على سبيل التحقيق على أنه يمكن أن يكون الحامل للشيخ على ارتكاب التقية في أحد الطرفين دون الآخر لقوة المشهور وضعف ما قابله فتوى ودليلا لأن صحيحة بريد العجلي (2) كما في الفقيه وخبر الكناسي (3) كما في التهذيب والكافي مؤيدان بأطلاق صحيحة محمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألته عن رجل ظاهر من امرأته ثم طلقها قبل أن يواقعها فبانت منه، عليه الكفارة ؟ قال: لا ".

وصحيح جميل (5) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " قال: سألناه عن الظهار متى يقع على صاحبه الكفارة ؟ قال: إذا أراد أن يواقع امرأته، قلت: فإن طلقها قبل أن يواقعها، أعليه كفارة ؟ قال: لا، سقطت عنه الكفارة ".

وصحيحته الاخرى وابن بكير وحماد بن عثمان " (6) كلهم عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: المظاهر إذا طلق سقطت عنه الكفارة ".

فيكون هذا موجبا لاختصاص التقية بصحيح علي بن جعفر المذكور إن أبقيناه على ظاهره، واحتمل فيه العلامة حمله على فساد النكاح لأنه عقيب تزويجها بعد طلاقها بشهر أو شهرين فيكون قد وقع في العدة فيكون باطلا.

واستحسنه بعضهم وأيده بأمرين: " أحدهما " تعقيب التزويج بالفاء المقتضية

(1) هذا آخر ما سطره صاحب الحدائق - قدس سره -.

(2) الفقيه ج 3 ص 342 ح 6، الوسائل ج 15 ص 518 ب 10 ح 2.

(3) الكافي ج 6 ص 161، ح 34، التهذيب ج 8 ص 16 ح 26، الوسائل ج 15 ص 518 ب 10 ح 2.

(4) الكافي ج 6 ص 161 ح 35، الوسائل ج 15 ص 518 ب 10 ح 3.

(5) الكافي ج 6 ص 155 ح 10.

الوسائل ج 15 ص 518 ب 10 ح 4.

(6) الكافي ج 6 ص 158 ح 23، الوسائل ج 15 ص 519 ب 10 ح 5.


9

للفورية وذلك يقتضي عدم الخروج من العدة " وثانيهما " أنه حكاية الحديث تشعر به حيث قال " فراجعها الأول " ولم يقل تزوجها، ولا يخفى عليك ما في هذا التنزيل والتأييد، لأن إطلاق التزويج محمول على الصحيح والشهر والشهران مختلفان بين الظهار والطلاق لا بين الطلاق والتزويج، ثم تعقيب التزويج بالفاء يقتضي التعقيب والفورية بحسب الممكن لا مطلقا كما نبه عليه أهل العربية وصححوه في قولهم: تزوج فلان فلانة فولدت، فإن المراد به وجود الولادة في أول أوقات الامكان وذلك بعد مضي مدة الحمل لاعقيب التزويج بلا فصل، وكذلك قول القائل: دخلت بغداد فالبصرة، وأمثال ذلك كثير حينئذ.

فيكون المراد من الخبر أنه تزوجها في أوقات الامكان شرعا وهو بعد انقضاء العدة بلا فصل.

هذا إذا سلمنا دلالتها في مثل هذا المقام على الفورية.

وعلى تقدير تسليم وقوع الشهر والشهرين بين التزويج والطلاق فيمكن انقضاء العدة بهما وبأقل منهما كما مربيانه في تحقيق أقل المدة التي يمكن خروج المطلقة فيها باعتبار عدة الظهار.

وأما قوله " ثم طلقها فراجعها " فالكلام في الفاء هنا كالكلام في الاولى، فإن المراجعة بعد الطلاق ليس المراد بها هو العود إلى نكاحها بالعقد الإول وإنما المراد به التزويج، وأطلق عليه المراجعة من حيث إنها كانت زوجة له أولا فأقام عوده لها بعقد جديد مقام الرجوع وهو رجوع لغة، ولهذا جاء في مواضع عديدة من الأخبار إطلاق المراجعة إلى الزوجة في الطلاق النسبي بالمعنى الأخص بأن يراجعها بعقد جديد.

فحمله في هذا الخبر على الرجوع الشرعي وإبقاء العدة الاولى في غاية السماجة (1) والبعد، على إنه يلزم ارتكاب المجاز في قوله " ثم طلقها " لأن الطلاق لا يتعقب النكاح الفاسد لأن تزوجها الثاني في العدة مما يوجب فساده والتحريم المؤبد إن كان دخل بها، أو كان عالما بذلك وإن لم يدخل بها كما تقدم في مباحث النكاح.

(1) السماجة: القبح.


10

ثم استظهر شيخنا ثاني الشهيدين في المسالك حمل الكفارة في هذا الصحيحعلى الاستحباب جمعا، لأن الأخبار الاول النافية للكفارة إذا أمضى الطلاق ولم يراجع في العدة كما عليه المشهور أكثر عددا وأصح سندا فيوجب صرف هذه الحسنة إلى الاستحباب، وحينئذ فتسلم من الاطراح وتجامع لمؤدات تلك الصحاح هذا على تقدير تحقق التعارض للاغماض عن مرجحات الاولى.

ونقل الفاضل الهندي في كشف اللثام عن ابن حمزة قولا ثالثا وهو أنه إن جدد العقد المظاهر بعد العدة لم تلزم الكفارة كالمشهور رجعيا أو بائنا.

ويلزمه إن جدده على البائن في العدة - ولعله لعموم النصوص - خرج ما لو خرجت من العدة لصحيحة بريد وخبر يزيد الكناسي (1)، فيبقى الباقي، وليس هذا ببعيد لأن المراجعة في العدة سواء كانت مراجعة شرعية أو لغوية الشاملة للعقد عليها في العدة مما تترتب عليه الكفارة في أخبار المراجع في العدة، وإن كان المشهور لا يرضون به لأن المتبادر من الرجعة حيث تطلق هي المراجعة الشرعية لظاهر صحيحة بريد وخبر يزيد الكناسي، وقد سمعتهما حيث قال فيهما " قال: إذا طلقها تطليقة فقد بطل الظهار وهدم الطلاق الظهار، قلت: فله أن يراجعها ؟ قال: نعم هي امرأته، فإن راجعها وجب عليه ما يجب على المظاهر من قبل أن يتماسا " وهي كما ترىفي المراجعة الشرعية.

وكذلك ما دل على إطلاق المراجعة مثل صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله والحسن بن زياد (2) عن أبي عبد الله عليه السلام كما في التهذيب " قال: إذا طلق المظاهر ثم راجع فعليه الكفارة " يجب حمله على المراجعة الشرعية حملا للمطلق على المقيد، ومع هذا كله لا تجب الكفارة بمجرد المراجعة بل لابد من إرادة المسيس والجماع لما تقدم من ترتب الكفارة على ذلك في الأصح.

(1) الوسائل ج 15 ص 518 ب 10 ح 2.

(2) التهذيب ج 8 ص 18 ح 30، الوسائل ج 15 ص 519 ب 10 ح 7.


11

ويدل عليه هنا بخصوصه صحيحة الحلبي (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يظاهر من امرأته ثم يريد أن يتم على طلاقها، قال: ليس عليه كفاره، قلت: فإن أراد أن يمسها ؟ قال: لا يمسها حتى يكفر ".

وكأن قوله " ثم يريد أن تيم على طلاقها " مؤذن بأنه قد طلق بعد المظاهرة، وهذا من القرائن المقالية الواضحة، وكذا قوله " فإن أراد أن يسمها " قرينة على المراجعة في ذلكالطلاق ولو بالامساس، فيكون قوله " لا يمسها حتى يكفر " يعني بعد المراجعة أو بما إذا أراد المراجعة بنفس المسيس، أما ما جاء في خبر موسى بن بكير النمري (2) المرسل عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل ظاهر ثم طلق، قال: سقطت عنه الكفارة إذا طلق قبل أن يعاود المجامعة، قيل: فإنه راجعها، قال: إن كان طلق لاسقاط الكفارة عنه ثم راجعها فإن الكفارة لازمة له أبدا إذا عاود المجامعة، وإن كان طلقها وهو لا ينوي شيئا من ذلك فلا بأس أن يراجع ولا كفارة عليه " فهو من الأخبار المشكلة حيث لم يذهب ذاهب إلى تفصيله المذكور، ولم يطابقه شئ الأخبار الواردة في هذا المضمار، وقد احتمل فيه محدث الوسائل حمل المراجعة المنفية الكفارة معها عند إرادة مطلق الطلاق على المراجعة بعد العدة بعقد جديد لما تقدم في صحيحة بريد وغيرها، ويتحمل صدره أن الطلاق إذا وقع بقصد الفرار عن أثر الظهار غير عامل عمله بدليل قوله " إن كان طلق لاسقاط الكفارة عنه " فلم يحصل قصد البينونة فيكون لاغيا، كما أن الطلاق بقصد أن يراجع يقع لاغيا أو أنه وإن حصلت به البينونة لكن الغاية الموجبة له غير حاصلة به عقوبة من الشارع.

ولا ينافي هذا ما سيجئ عن قريب في المسائل والفروع من أن المظاهر يلزم بالطلاق أو الرجوع بعد المرافعة للحاكم الشرعي بعد ثلاثة أشهر من المرافعة،

(1) التهذيب ج 8 ص 18 ح 31، الوسائل ج 15 ص 519 ب 10 ح 8.

(2) الكافي ج 6 ص 159 ح 28، الوسائل ج 15 ص 519 ب 10 ح 6 وفيهما " بن اكيل النميري ".


12

لأن ذلك الطلاق الملزوم به ليس لاسقاط الكفارة بل لتسريح المرأة بإحسان ولهذا يخير بينه وبين المراجعة والتكفير ولوجوب الوطء عليه بعد أربعة أشهر لبقائها على الزوجية.

وقد ألحق جماعة من الأصحاب كالمحقق والعلامة بالطلاق في إسقاطه الكفارة إذا بانت منه لو عاودها بعد العدة الارتداد إذا كان عن ملة وقد صدر منه، وكذلك لو كان منها مطلقا.

أما لو راجعها معه بعد التوبة منه أو منها في العدة حيث يصح الرجوع وجبت الكفارة لأنه كالطلاق الرجعي.

وأوجب ابن الجنيد الكفارة في الارتداد إذا جدد العقد بناء على وجوبها بمجرد التربص وعدم الطلاق، وكذا لو ماتت أو مات أحد هما فلا كفارة إذا كان قبل المس، إلا على قول الاسكافي، أما لو وطأها بعد موتها فالظاهر أن عليه كفارتين للعموموالاستصحاب لأن الموت لم يخرجها عن الزوجية، ولهذا يغسلها وتغسله، وإن حرم وطؤها في تلك الحالة عليه فإن محرمات الأزواج أسباب الكثيرة كالحيض والاحرام والصيام والظهار والايلاء وكالمنكوحة قبل التسع إذا أفضاها لبقائها على الزوجية وإن حرم وطؤها، وأمثال ذلك في الأحكام كثيرة.

المسألة الرابعة: لو ظاهر من زوجته الأمة ثم اشتراها من مولاها فقد بطل العقد، فلو وطأها بالملك لم تجب الكفارة لما تقدم من أن البضع لايستباح بسببين، والسبب الطارئ أقوى.

وكذا لو ملكها بالارث أو بسائر الأسباب المملكة لأن العقد لا يجامع ملك اليمين، وقد تقدم ما يدل عليه من الأخبار في نكاح الأمة مثل موثقة سماعة (1) " قال: سألته عن رجلين بينهما أمة فزوجاها من رجل ثم إن الرجل اشترى بعض السهمين، قال: حرمت عليه " وفي موثقته (2) الاخرى عنه عليه السلام مثله، إلا أنه قال " حرمت عليه باشترائه إياها وذلك أن بيعها طلاقها ".

(1) الكافي ج 5 ص 482 ح 4، الوسائل ج 14 ص 553 ب 46 ح 1.

(2) الكافي ج 5 ص 484 ح 6 وفيه (بشرائه)، الوسائل ج 14 ص 553 ب 46 ح 2.


13

وإذا ثبت ذلك بمقتضى الاجماع والأدلة زال التحريم المترتب على العقد واستباحها بالملك، وكان ذلك كما لو طلقها أو تزوجها بعد انقضاء العدة، بل هنا أقوى لاختلاف جنس السبب الذاهب والعائد بخلاف ما لو تزوجها بعد البينونة، فإن السبب وإن تعدد إلا أنه متحد في الجنس وإن اختلف في الشخص وفي معناه عندهم ما لو اشتراها غيره ثم فسخ النكاح وزوجه إياها بعقد مستأنف، وقد تقدم في أحكام نكاح الأمة ما يدل على أن له الفسخ كما في صحيحة محمد بن مسلم (1) وخبر الحسن بن زياد وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2) وغيرها من الأخبار.

نعم، لو أقرها على نكاحه وجبت الكفارة لاستقرار النكاح المترتب عليه الظهار، ثم إنه على الأول لا يتوقف صحة العقد على الاستبراء ولا الاعتداد لأن الماء الواحد.

ومثله أيضا ما لو طلقها بائنا ثم تزوجها في العدة كما تقدم خلافا لابن حمزة وللاسكافي وعلى المشهور، فتحصل الحيلة بهذا في إسقاط حكم الظهار بغير تكفير، لكنه لا ينطبق بما دل عليه خبر موسى بن اكيل النمري (3)، حيث إن طلاقه وقع فرارا عن كفاره الظهار، وقد عرفت الكلام فيه لكنه لا ينطبقعلى المذهب المشهور بل لاعامل بها.

ولو قلنا بوقوع الظهار بملك اليمين كما هو الحق لدلالة المعتبرة المستفيضة عليه وضعف المعارض لها وهو خبر حمزة بن حمران كما تقدم في كلام جامع الأصل - قدس الله سره - فيمن ظاهر من أمته ثم باعها من غيره بطل حكم الظهار، فإن اشتراها منه لم يعد الظهار كما لو طلق بائنا ثم تزوجها، وأولى منه ما لو أعتقها ثم تزوجها لاختلاف السبب ولبينونتها من النكاح الأول بالعتق.

(1) الكافي ج 6 ص 161 ح 35، الوسائل ج 15 ص 518 ب 10 ح 3.

(2) التهذيب ج 8 ص 18 ح 30، الوسائل ج 15 ص 519 ب 10 ح 7.

(3) والصحيح " موسى بن اكيل النميري


14

فروع

الاول: لو ظاهر من زوجته الأمة ثم عاد ثم قال لمالكها: اعتقها عن ظهاري،

ففعل وقع عتقها عن كفارته وانتقلت لملكه آنا ما يستحق العتق عنه وانفسخ النكاح بينهما لأن إعتاقها عنه بإذنه يتضمن تمليكه - كما سيأتي فيالكفارات وفي كتاب العتق - وقد تقرر بالنص والاجماع أنه إذا ملك زوجته انفسخ النكاح، ومثله‌ما لو أعتقها عنه باستدعائه عن كفاره اخرى ولو ملكها بعدما ظاهر منها وعاد فانفسخ النكاح بينهما ثم إعتقها عن ظهاره عنها، ومثله لو آلى من زوجته الأمة ووطأها وحنث ولزمته الكفارة فقال لسيدها: اعتقها عن كفارة عني، ففعل فإنه يجوز وينفسخ النكاح لملكه لها بهذا الأمر بعتقها كما في مسألة الظهار السابقة.

ولو ظاهر من زوجته الذمية بناء على جواز نكاحها ثم نقضت المرأة العهد فاسترقت فملكها ذلك الزوج المظاهر فأسلمت فأعتقها عن كفارة ظهاره أو غيرها جاز.

الثاني: لو ظاهر من أربع نسوة له بلفظ واحد

وجب عليه عن كل واحدة كفارة لانعقاد الظهار من الأربع بكلمة واحدة بحيث يقول: أنتن علي كظهر امي، فيصير بذلك مظاهرا منهن إجماعا، والنصوص بذلك مستفيضة وسيأتي ذكرها ثم إن فارقهن بما يجب البينونة من طلاق ونحوه ورفع به الظهار فلا كفارة وإن عاد إليهن جمع، فالمسألة موضع خلاف، فالمعظم بل حكى عليه الاجماع في الخلاف عن كل واحدة كفارة لأصالة تعدد المسبب بتعدد السبب وخالف الاسكافيفلم يوجب سوى واحدة، واحتج للمشهور بصحيحة حفص بن البختري (1) عن أبي عبد الله عليه السلام وأبي الحسن عليه السلام " في رجل كان له‌عشر جوار فظاهر منهن جميعا كلهن بكلام واحد، فقال: عليه عشر كفارات ".

(1) التهذيب ج 8 ص 21 ح 42، الوسائل ج 15 ص 525 ب 14 ح 1 وفيه " أو أبى الحسن ".


15

وصحيحة صفوان (1) " قال: سأل الحسين بن مهران أبا الحسن الرضا عليه السلام عن رجل ظاهر من أربع نسوة، قال: يكفر لكل واحدة كفارة.

وسأله رجل ظاهر من امرأته وجاريته، ما عليه ؟ قال: عليه لكل واحدة منهما كفارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا " ولعل لفظة " أو " للتقسيم أو للتخيير لما يأتي إن شاء الله تعالى عن قريب من أن كفارة الظهار مرتبة لامخيرة.

واحتج لابن الجنيد بموثقة غياث بن إبراهيم (2) عن الصادق عن أبيه عن علي عليهم السلام كما في التهذيب والنهاية " في رجل ظاهر من أربع نسوة، قال: عليه كفارة واحدة " وحمله الشيخ في كتابي الأخبار على أن الوحدة فيه جنسيتهولا ينافي تعددها بالشخص.

واحتمل فيها محدث الوسائل الحمل على الانكار وفيه بعد، وربما طعن عليها بضعف سندها بناء على ضعف الموثق وترجيح الحسن عليه، لأن صحيحة حفص حسنة بالاصطلاح الجديد لاشتمالها على إبراهيم بن هاشم، وحيث يطعن على رواية حفص بالحسن بناء على أنه دون الموثق أو لأن حفص بن البختري قد ضعفه محقق المعتبر في مواضع عديدة ورمى بلعب الشطرنج.

يجاب عن ذلك بأن مضمونه موافق للتعليل الموجب للوحدة مع أنه معتضد بالشهرة، وربما بني الخلاف على أن الغالب في الظهار مشابهة الطلاق أو الأيمان، فإن غلبنا مشابهة الطلاق لزمته أربع كفارات ولم يكن يختلف الحال بين أن يظاهر بكلمة أو كلمات كما لو شرك بينهن بالطلاق بكلمة أو كلمات بالاتفاق، وإن غلبنا مشابهة الأيمان كما احتج به الاسكافي لم يجب إلا كفارة واحدة كما لو حلف أن لا يكلم جماعة فكلمهم فليس عليه إلا كفارة واحدة باتفاق، والظهار يمكن رجوعه إلى الأصلين، لكن هذا البناء مهدوم الأساس لعدم ثبوت الظهار إلى شئ من الأصلين المذكورين، وعلى تقدير

(1) الكافي ج 6 ص 158 ح 20، الوسائل ج 15 ص 525 ب 14 ح 2.

(2) التهذيب ج 8 ص 21 ح 43، الوسائل ج 15 ص 525 ب 14 ح 2.


16

الاغماض عن هذا كله فالمناسب إلحاقه بالطلاق لما ثبت أن شرائطه كشرائطه لأنه لا يكون إلا في طهر لم يقربها فيه - كما سمعت - ولا بد من شاهدي عدل يسمعان الطلاق ولا بد من القصد وارتفاع الغضب، وللأخبار الدالة على أنه لا يقع إلا فيما يقع فيه الطلاق، على أنا لو سلمنا حسن خبر حفص ولا ينجبر بالشهرة لكان الترجيح له حاصلا لأن صحيحة صفوان التي سمعتها لا يلحقها شئ من هذه المطاعن فتكون هي الأساس والأصل في الاستدلال، على أنا في راحة من هذا كله لعدم ثبوت هذا الاصطلاح الجديد - كما قررناه غير مرة - فعلى الأشهر من وجوب أربع كفارات، ولو حمل العود في بعضهن دون بعض كان الكفارة بعدد من حصل فيها العود، وعلى القول بوجوب وحدة الكفارة كذلك يكون الحكم لوجوب الكفارة بالعود لواحدة حتى لو طلق ثلاثا وجب الكفارة للرابعة واحتمل شهيد المسالك على هذا أن لا تجب الواحدة لتفريعه على اليمينكما لو حلف أن لا يكلم جماعة فلا تلزمه الكفارة بتكليم بعضهم، ويمكن الفرق بينه وبين اليمين أن كفارة اليمين سببها الحنث والحنث لا يحصل إلا بتكلم الجميع بخلاف الظهار، فإن سبب كفارته الامساك مع المخالفة لقوله والمخالفة تحصل بإمساك واحدة منهن بلا كلام كما تحصل بإمساك الجميع، وإنما قيدنا الخلاف بالمظاهرة بلفظ واحد، لأنه لو ظاهرعنهن بأربعة ألفاظ فإن الكفارة تتعدد بتعدد هن بلا خلاف.

الثالث: لو ظاهر من امرأة واحدة مرارا متعددة

ففي تعدد الظهار أقوال، المشهور بين الأصحاب التعدد سواء كان فرق الظهارأو تابعه، اتحدت المشبه بها أم تعددت لأصالة عدم التداخل، وللأخبار المستفيضة.

منها: صحيحة محمد بن مسلم (1) عن أحدهما عليهما السلام " قال: سألته عن رجل

(1) الكافي ج 6 ص 156 ح 12، الوسائل ج 15 ص 523 ب 13 ح 1.


17

ظاهر من امرأته خمس مرات أو أكثر، قال: قال علي عليه السلام: مكان كل مرة كفارة ".

وصحيحة الحلبي (1) كما في الفقيه والكافي والتهذيب " قال: سألت أبا عبد اللهعليه السلام عن رجل ظاهر من امرأته ثلاث مرات، قال: يكفر ثلاث مرات " الحديث.

وصحيحة جميل (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في من ظاهر من امرأته خمس عشرة مرة، قال: عليه خمسة عشر كفارة ".

وصحيحة محمد بن مسلم (3) الاخرى كما في التهذيب عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألته عن رجل ظاهر من امرأته خمس مرات أو أكثر، فقال عليه السلام: عليه لكل مرة كفارة ".

وخبر محمد بن مسلم (4) كما في الفقيه نحوه.

وموثقة أبي بصير (5) بل صحيحته كما في التهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام.

ومثله خبر أبي الجارود زياد بن المنذر (6) " قال: سأل أبو الورد أبا جعفر عليه السلام وأنا عنده عن رجل قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي مائة مرة، فقال عليه السلام: يطيق لكل مرة عتق نسمة، قال: فيطيق إطعام ستين مسكينا مائة مرة ؟ قال: لا: قال: فيطيق صيام شهرين متتابعين مائة مرة ؟ قال: لا، قال: يفرق بينهما ".

وفي المبسوط: إن والى ونوى التأكيد أو أطلق لم يلزمه أكثر من كفارة، وإن

(1) الكافي ج 6 ص 156 ح 14، التهذيب ج 8 ص 18 ح 34، الفقيه ج 3 ص 343ح 8، الوسائل ج 15 ص 523 ب 13 ح 2.

(2) التهذيب ج 8 ص 22 ح 44 وفيه " عن رجل عن أبى عبد الله "، الوسائل ج 15 ص 523 ب 13 ح 3.

(3) التهذيب ج 8 ص 22 ح 45، الوسائل ج 15 ص 524 ب 13 ح 4 وفيهما " أو أكثر ما عليه ؟ قال: عليه مكان كل مرة كفارة ".

(4) الفقيه ج 3 ص 343 ح 9 وفيه " فقال: قال على عليه السلام: مكان " كل مرة كفارة.

(5) التهذيب ج 8 ص 22 ح 46 مع اختلاف يسير.

(6) التهذيب ج 8 ص 22 ح 47، الوسائل ج 15 ص 524 ب 13 ح 5.


18

نوى الاستئناف وفرق تعددت، تخلل التكفير أولا.

ونفى الخلاف عن الواحدة إذا نوى التأكيد والتعدد إذا فرق وتخلل التكفير، ونحوه ابن حمزة في الوسيلة والعلامة في التحرير صريحا.

وفي الخلاف للشيخ نحوه مفهوما فإنه حكم بالتعدد إذا نوى الاستئناف لكنهلم يفرق فيه بين التوالي والتفريق، ويمكن أن يكون المراد النهاية، فإنه ذكر فيه أنه إذا ظاهر منها مرة بعد اخرى تعددت الكفارة، وعند نية التأكيد لم يظاهر مرة بعد اخرى، وهو ظاهر عبارة القواعد وكثير من عبارت كعبارات النافع والشرايع والجامع لاشعار لفظ التكرار بذلك وذهب ابن الجنيد لقول ثالث مفصل لتعدد المشبه بها كالام والاخت فتعدد الكفارة واتحادها كالام فتتحد الكفارة وإن فرق إلا أن يتخلل التكفير فتعدد محتجا على ذلك لأنهما حرمتان هتكهما فيجب لكل واحد كفارة ومع الاتحاد بأنه واحد والكفارة متعلقه على مطلق الظهار وهي تتناول الواحد والكثير، وبصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) عن الصادق عليه السلام " في رجل ظاهر من امرأته أربع مرات في مجلس واحد، قال، عليه كفارة واحد ".

وحمله الشيخ على أن ذ المراد كفارة واحدة في الجنس، واحتمل فيها فاضل الوسائل المظاهرة بلفظ واحد كأن يقول: أنت علي كظهر امي أربعا بخلاف ما لو كرر الصيغة.

ثم قال: وأقرب منه الحمل على مالو كرر الصيغة بقصد تأكيد الظهار الأول لاإنشاء ظهارآخر، فإن القصد والارادة شرط في الظهار كما مر.

ثم قال: ويحتمل الحمل على الانكاروإنما خص التفصيل بالتأكيد وعدمه في المبسوط بالتوالي لأن التأكيد بالمتفرق غير معهود، وابن أبي عقيل وابن إدريس وابن زهرة أطلقوا تكرير كلمة الظهار، وفي المختلف: نفي البأس عما في المبسوط من الفرق بعد أن رجح التعدد، قصد

(1) التهذيب ج 8 ص 23 ح 48، الوسائل ج 15 ص 524 ب 13 ح 6 وفيه " في مجلس واحدة ".


19

التأكيد أو لا واستدل للفرق بالأصل والاتحاد مع قصد التأكيد، وعورض الأصل بالاحتياط ومنع الاتحاد، فإن المؤكد غير المؤكد والأقوى ما ذهب إليه المشهور لاطلاق أخباره وصحتها وتعددها، وإمكان حمل خبر ابن الحجاج على التقية.

أو تقييده بالمجلس الواحد اقتصار على مورده، لكنه لاقابلية له لهذا التخصيص.

ويظهر من القيود المنفية في صدر العبارة المنقولة عن الأكثر امور: الأول: الرد بقوله " فرق الظهار أو تابعه " الرد على من

فصل

وفرق من فقهائنا، بين ما لو تابع وفرق فحكم بتعدد الكفارة في الثاني دون الأول.

وفي صحيحة ابن الحجاج ما يرشد إليه لأنه حكم بالاتحاد عند اتحاد المجلس، وتلكالأخبار الدالة على تعددها مطلقة فيمكن حملها على اختلاف المجلس جمعا بين الأخبار، وهذا قول موجه بالنسبة إلى دلالة الأخبار عند الجمع بينها لو كانت متكافئة، إلا أن تكافؤها كما ترى غير ثابت، ومع ذلك لم نقف على ذلك القائل من أصحابنا.

نعم نقله شيخ المبسوط عن بعضهم، ومقتضى طريقته في ذلك الكتاب نقل أقوال العامة في مقابلة أقوالنا سيما إذا لم يصرح بقائله قد يكون هذا القول لنا.

والثاني: إطلاق القول بتعدد الكفارة في كلام اولئك يقتضي عدم الفرق بين ما إذا قصد بالثاني وما بعده التأكيد للأول وما إذا قصد الظهار أو أطلق كما هو الظاهر والمتبادر.

وقد سمعت ما قلناه عن المختلف مما أجاب به عن حجة الشيخ باتحاد الظهار مع إرادة التأكيد، حيث قال: ونمنع الوحدة فإن التأكيد غير المؤكد والمطلق موجود في كل فرد وهو يستلزم تعدد المعلول بحسب تعدد العلة.

لكنه جزم بعده بعدم وجوبها كما لو قصد التأكيد كما سمعت.

وبالجملة: أن كلام العلامة وكلام الشيخ لا يخلو عن اضطراب واختلاف بالنسبة إلى تخلف هذه القيود، لكن الأخبار ليس سوى المطلق منها المنطبق على المذهب المشهور ولا معارض لها سوى ما سمعت من صحيحة ابن الحجاح


20

فهي إنما تخالفها في صورة واحدة وهي عند اتحاد المجلس وهي ضعيفة عن المقاومة ومحتملة للتقية كما هو قديم قول الشافعية.

الثالث: قولهم " بما إذا لم يتخلل التكفير " فيه إشارة إلى أنه لو كفر عن السابق ثم جدد الظهار فلا شبهة في وجوب الكفارة به فيكون موضع الخلاف مخصوصا بذلك، فيظهر بذلك وجه المخالفة بينه وبين من أطلق، والأخبار لا تساعد على هذا التقييد بل شاملة لمن كفر ومن لم يكفر.

وأما توجيهه بأن حكم الأول قد يسقط بالتكفير فلا يتوجه الاجتزاء بتلك الكفارة عن الظهار المتأخر عنها مع أنه سبب قام في إيجابها مع العود، والكفارة المتقدمة على سبب الوجوب لا تجزي قطعا، فلا يكون من معرض الخلاف في شئ مدفوع بالدليل المقرر للقول بالوحدة المؤيد بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، لكنك قد عرفت في هذه التعاليل مما لا يشفي العليل ولايبرد الغليل.

الرابع: قد عرفت مما سبق أن الظهار قابل للتعليق على شرط وللاطلاق وإذا أطلق حرم عليه الوطء حتى يكفر بالنصوص والاجماع وظاهر الكتاب،ولو علقه بشرط جاز الوطء ما لم يحصل الشرط، فلو وطأ قبله لم يكفر، ولو كان الوطء هو الشرط ثبت الظهار بعد فعله ولا تستقر الكفارة حتى يعود، هذا هو المشهور، وقال الشيخ - رحمه الله - في النهاية والصدوق في الفقيه والمقنع والهداية: يجب بنفس الوطء الأول بناء على كون الاستمرار وطئا ثانيا.

وليس بجيد، لأنه متحد وإن طال الزمان، مع أنه لا يكون مظاهرا إلا بهذا الوطء، وعلى هذا فإنما يبيح عندهم مسماه وتجب الكفارة على قولهم ولو بالنزع بعد المسمى بل هو من أضعف الضعيف، فإن الوطء أمر واحد عرفا من ابتدائه إلى النزع كما سمعت، والاطلاق منزل عليه، والمشروط عدم عند عدم شرطه.

نعم لو نزع كاملا ثم عاد وجبت الكفارة وإن كان في حالة واحدة.

وأما الأخبار الدالة عليه


21

فقد تقدم شطر منها.

فمنها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: الظهار ضربان أحد هما فيه الكفارة قبل المواقعة و الآخر بعده، فالذي يكفر قبل المواقعةالذي يقول: أنت علي كظهر امي ولا يقول: إن فعلت بك كذا وكذا، والذي يكفر بعد المواقعة الذي يقول: أنت علي كظهر امي إن قاربتك ".

ومثلها صحيحته (2) الاخرى كما في التهذيب.

وصحيحته زرارة (3) كما في الكافي " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل ظاهر ثم واقع قبل أن يكفر، فقال لي: أو ليس هكذا يفعل الفقيه ".

وموثقة عبد الرحمن بن الحجاج (4) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " قال: إن كان منه ظهار في غير يمين فإنما عليه الكفارة بعد ما يواقع ".

وصحيحة ابن الحجاج (5) أيضا: قال: الظهار على ضربين في أحد هما الكفارة إذ قال: أنت علي كظهر امي ولا يقول: أنت علي كظهر امي إن قاربتك ".

وخبر زرارة (6) " قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إني ظاهرت من ام ولدي ثم وقعت عليها ثم كفرت، فقال، هكذا يصنع الفقيه إذا وقع كفر ".

وصحيحة حريز (1) عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: الظهار ظهاران أحد هما أن

(1) الكافي ج 6 ص 160 ح 32، وفيه " هو الذى يقول: وان قربتك "، الوسائل ج 15 ص 529 ب 16 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 12 ح 15، الوسائل ج 15 ص 529 ب 16 ح 1.

(3) الكافي ج 6 ص 159 ح 30، الوسائل ج 15 ص 530 ب 16 ح 5.

(4) الكافي ج 6 ص 160 ح 33 وفيه " وان كان منه الظهار "، الوسائل ج 15 ص 531 ب 16 ح 6.

(5) التهذيب ج 8 ص 13 ح 16، الوسائل ج 15 ص 531 ب 16 ح 8 وفيهما " ان قربتك ".

(6) الكافي ج 6 ص 159 ح 29 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 529 ب 16 ح 2.


22

يقول: أنت علي كظهر امي ثم يسكت فذلك الذي يكفر، فإذا قال: أنت علي كظهر امي إن فعلت كذا وكذا ففعل فعليه الكفارة حين يحنث ".

ومرسلة ابن بكير (2) " قال، قلت لأبي الحسن عليه السلام: إني قلت لامرأتي: أنت علي كظهر امي إن خرجت من باب الحجرة، فخرجت، قال: ليس عليك قويت أم لم تقو ".

وصحيحة محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: الظهار لا يقع إلا علىالحنث فإذا حنث فليس له أن يواقعها حتى يكفر ".

فهذه الأخبار وإن اطلق بعضها في نفي الكفارة، لكنه يجب رده وحمله على ما لو علق الظهار على الوقاع كما فعله شيخ التهذبين ويرشد إليه قوله في كثير منها " أو ليس هذا يفعل الفقيه " بمعنى أن الفقيه هو الذي يعلق ظهاره على الجماع فلا تجب عليه الكفارة بمجرد جماعه الأول وإنما يجب بالعزم على المعاودة بعد جماعة الأول.

وقد دلت صحيحة محمد بن مسلم وغيرها على أن الظهار لا يقع إلا على الحنث، وذلك لا يكون إلا إذا علق على شئ ووقع ذلك الشئ، فهناك ليس له أن يواقع حتى يكفر، وقد كشف عن ذلك كله مجموع تلك الأخبار بعد ضم بعضها إلى بعض، وأما حمل هذه الأخبار على بطلان الظهار بكونه معلقا على شرط فانتفاء الكفارة لانتفاء انعقاده فيرده ما فصلته صحاح عبد الرحمن بن الحجاج وقولهم في الأخبار المطلقة " أو ليس هكذا يعفل الفقيه ".

وبالجملة أنه لامستند لكلام الصدوق والشيخ في إيجاب الكفارة في المعلق

(1) التهذيب ج 8 ص 12 ح 14 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 530 ب 16 ح 7.

(2) الكافي ج 6 ص 154 ح 4، التهذيب ج 8 ص 13 ح 18 وفيهما " ابن بكير عن رجلمن أصحابنا عن رجل قال " مع زيادة في الحديث، الوسائل ج 15 ص 529 ب 16 ح 3 وفيه " عن رجل " مع زيادة.

(3) التهذيب ج 8 ص 11 ح 12، الوسائل ج 15 ص 531 ب 16 ح 9 مع زيادة فيهما.


23

على الجماع بمجرد جماعه الأول كما تلوناه عليك سوى إجمال بعضها، وهو مردود إلى المفصل المحكم، وهذا هو الذي تقتضيه القواعد العامة.

ثم إنه يتفرع على هذا الحكم امور: منها: ما لو علقه بفعل مثل دخول دار وتكلم زيد فإنه يقع بعد الدخول والتكليم سواء طال زمانه أم قصر ولا يقع قبله اتفاقا كما عرفت من الفتوى والأدلة أما لو علقه بنفي فعله كقوله: إن لم تدخل الدار لم يقع إلا عند اليأس من الدخول كأن مات أحد هما قبله فيحكم بوقوعه قبيل الموت، ومن هذا الباب ما لو قال: إن لم أتزوج عليك فأنت علي كظهر امي، فإنها تصير مظاهرا عند اليإس وذلك بالموت فيتبين أنه قبيل الموت صار مظاهرا ولا كفارة عليه لعدم العود بعده لأنالموت عقيب صيرورته مظاهرا، ولوعلق النفي ب‍ " إذا " كقوله: إذا لم تدخلي وقع عند مضي زمن يمكن فيه ذلك الفعل من وقت التعليق فلم يفعل، والفرق بين الأداتين أن حرف الشرط لا إشعار له بالزمان، و (إذا) ظرف زمان كمتى في التناول للأوقات، فإذا قيل: متى ألقاك صح أن يقال: متى شئت أو إذا شئت، فلا يصح: إن شئت، فقوله " إن لم تدخلي الدار " معناه إن فاتك دخولها وفواته بالموت، وقوله " إذا لم تدخلي الدار " معناه أي وقت فاتك الدخول فيقع الظهار بمضي زمان يمكن فيه الدخول به.

ومنها: ما لو علقه بالحمل فقال: إن كنت حاملا فأنت كظهر امي، فإن كان بها حمل ظاهر وقع في الحال، وإلا فإن ولدت لدون ستة أشهر من التعليق بأن وقوعه حين التعليق لوجود الحمل حينئذ وإن ولدت لأكثر من أقصى مدة الحمل أو بينهما أو وطئت بعد التعليق وأمكن حدوثه به بأن كان بين الوطء والوضع ستة أشهر فأكثر لم يقع لتبين انتفاء الحمل في الأول واحتمال حدوثه بعد التعليق في الثاني وإن لم يطأها بعد التعليق بحيث يمكن حدوثه به،ففى وقوعه وجهان من احتمال حدوثه بغير الوطء كاستدخال المني والأصل عدم


24

تقدمه، ومن أن ذلك نادر والظاهر وجوده عند التعليق، وهذا هو ا لأقوى.

ومنها: ما لو علقه بالحيض فقال: إن حضت حيضة فأنت علي كظهر امي لم يقع حتى ينقضي حيض تام.

ولو قال: إن حضت واقتصر وقع إذا رأت دما محكوما بكونه حيضا، فإن كان معتادة ورأت في عادتها وقع برؤية الدم وإلا فبمضي ثلاثة أيام على المشهور، وعلى القول بتحيضها برؤية الدم كما هو المختار يقع كذلك، ويحتمل توقفه على ثلاثة مطلقا إذ به يتحقق أنه ليس بدم فساد والفرق بينه وبين العبادة والتحريم عليه أن الظهار لا يقع إلا بيقين، وأحكام الحيض مبنيه على الظاهر، ولهذا تقضي العبادة التي تركتها لو نقصت عن الثلاثة ولو في ضمن عشرة، ولو قال لها ذلك وهي حائض لم يقع إلا بحيضة مستأنفة، ومهما قالت حضت فالقول قولها بخلاف ما لو علقها على دخول الدار فقالت دخلتها فإنه يحتاج إلى البينة، والفرق عسر إقامة البينة على الحيض.

وغاية اطلاع غيرها مشاهدة الدم وذلك لايعرف إذا لم تعرف عادتها، وقد تقدم في الطلاق مايدل من النصوص والفتوى أن العدة والحيض للنساء.

ومثله ما لو قال: إن أضمرت بغضي فأنت علي كظهر امي، لعسر الاطلاع عليه من غير قولها بخلاف الأفعال الظاهرة.

ومنها: مالو تعدد الشرط كقوله: إن دخلت دار زيد أو كلمت عمرا فأنت علي كظهر امي وقع بأي واحد من الشرطين وجد، ثم لا يقع بالآخر شئ لأنه ظهار واحد، وكذا لو قدم الجزاء عليهما، وكذا إن قال: إن دخلت الدار وكلمت زيدا أو قال: أن دخلت هذه الدار وإن دخلت الاخرى فأنت كظهر امي.

أما لو قال: إن دخلت هذه الدار فأنت كظهر امي وإن دخلت الاخرى فأنت كظهر امي وقع الظهاران لتعدد الشرط والجزاء، ولو قال: إن دخلت الدار وكلمت زيدا فلا بد من وجود هما معا لوقوعه، ولافرق أن يتقدم الكلام أو يتأخر لأن الواو لمطلق الجمع على أصح القولين، والفروع بهذا المعنى كثيرة مما يطول بها الاملاء،


25

وعند مراجعة القواعد المقررة في الاصول والعربية تستخرج أحكام المعلق من الظهار على التفصيل، وليس هذا التفريع من الاجتهادات المنهي عنها فيالأخبار لأنها مأخوذة من الصحاح الناطقة " إنما علينا أن نلقي إليكم الاصول وعليكم أن تفرعوا عليها " كما في صحيحة البزنطي (1) وصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (2)، وحيث قد ثبت التعليق في الظهار كان مترتبا على ما علق عليه كائنا ما كان.

الخامس: قد ثبت مما سبق في الدليل والفتوى أن الظهار حيث تستكمل شرائطه يحرم الوطء على المظاهر ما لم يكفر سواء كفر بالعتق أو الصيام أو الاطعام، أما تحريم الوطء قبل العتق والصيام فموضع وفاق بين المسلمين لقوله تعالى " فتحرير رقبة من قبل) ثم قال " فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا " (3) وأما تحريمه قبل الاطعام على تقدير عجزه عن الأولين فعليه الأكثر منا ومن الجمهور لأن الله تعالى جعله بدلا عنهما، وللأخبار النبوية وغيرها من الخاصية والعامية.

فمنها: صحيحة زرارة كما في الكافي عن غير واحد عن أبي بصير (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا واقع المرة الثانية قبل أن يكفر فعليه كفارة اخرى ".

وصحيحة الحلبي (5) كما رواه المحمدون الثلاثة عن أبي عبد الله عليه السلام في حديثقال " فإن واقع - يعني المظاهر - قبل أن يكفر قال: يستغفر الله ويمسك حتى يكفر ".

وصحيحة الحلبي (6) الاخرى كما في التهذيب وقد تقدمت " قال: سألت

(1) بحار الانوار ج 2 ص 245 ح 54 وليس فيها " عليها ".

(2) عوالي اللئالى ج 4 ص 63 ح 17 وفيه: عن زرارة وأبى بصير وليس فيه " عليها ".

(3) سورة المجادلة - آية 3 و 4.

(4) الكافي ج 6 ص 157 ح 17، الوسائل ج 15 ص 526 ب 15 ح 1.

(5) الكافي ج 6 ص 156 ح 14، الوسائل ج 15 ص 526 ب 15 ح 2.

(6) التهذيب ج 8 ص 18 ح 31، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 4 وفيهما " ان أراد أن يمسها ".


26

أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يظاهر من امرأته ثم يريد أن يتم على طلاقها، قال: ليس عليه كفارة، قلت: فإن أراد أن يمسها ؟ قال: لا يسمها حتى يكفر، قلت: فإن فعل فعليه شئ ؟ قال: إي والله إنه لآثم ظالم، قلت: عليه كفارة غير الاولى ؟ قال: نعم يعتق أيضا رقبة ".

وصحيحة حفص بن البختري عن أبي بصير (1) " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: متى تجب الكفارة على المظاهر ؟ قال: إذا أراد أن يواقع، قال: قلت: فإن واقع قبل أن يكفر ؟ قال: فقال: عليه كفارة اخرى ".

وصحيحة ابن مسكان عن الحسن الصيقل (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: رجل ظاهر من أمراته فلم يف، قال: عليه كفارة من قبل أن يتماسا، قلت: فإنه أتاها قبل أن يكفر، قال: بئس ما صنع، قلت: عليه شئ ؟ قال: أساء وظلم، قلت: فيلزمه شئ ؟ قال: رقبة أيضا ".

وقال ابن الجنيد منا وبعض العامة: أنه إذا انتقل فرضه إلى الاطعام لم يحرم الوطء قبله لأن الله تعالى شرط في العتق والصيام أن يكون قبل العود ولم يشترط ذلك في الاطعام.

ويرده ما ذكرناه من ثبوت البدلية في الاطعام عنها وإطلاق هذه الأدلة.

وربما احتج لابن الجنيد بخبر زرارة (3) المروي من الصحيح وغيره كما سبق عن قريب حيث قال " إني ظاهرت من ام ولدى ثم وقعت عليها ثم كفرت قال: هكذا يصنع الرجل الفقيه إذ وقع كفر " وقال في حسنته (4) " رجل ظاهر

(1) التهذيب ج 8 ص 20 ح 39، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 6.

(2) التهذيب ج 8 ص 18 ح 32 وفيه " يعتق أيضا رقبة "، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 5 وفيهما " عليه الكفارة ".

(3) الكافي ج 6 ص 159 ح 29 مع تفاوت يسير، الوسائل ج 15 ص 529 ب 16 ح 2.

(4) الكافي ج 6 ص 159 ح 30، الوسائل ج 15 ص 530 ب 16 ح 5 وفيهما " فقال لى: أو ليس ".


27

ثم واقع قبل أن يكفر، فقال: أليس هكذا يفعل الفقيه " بحملهما على مالو كان فرضه الاطعام لعجزه عن الأولين.

واجيب عن ذلك بأنهما منزلان على الظهار المشروط بالمواقعة، ويمكن الحمل على الانكار خصوصا الأول أو المزاح كقوله صلى الله عليه واله (1) لعمار: هكذا يتمرغ الحمار، على أن الاولى لاتدل إلا على التكفير إذا وقع.

وأما جواز التأخير وتعدد الكفارة به أو عدمه فلا دلالة على شئ من ذلك، وإن اعتمدنا على الثاني كان التأخير أفضل، وهو لا يقول به.

بقي هنا شئ وهو أن الأخبار السابقة قد تضمنت وجوب كفارة اخرىلو جامع قبل التكفير كما هو مجمع عليه إذا كانت الكفارة صوما أو عتقا وقد جاءت بإزائها أخبار بأنه ليس عليه إلا كفارة واحدة.

فلا بد من الجمع بينها بوجه يدفع التنافي عنها مثل رواية زرارة (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " إن الرجل إذا ظاهر من امرأته ثم غشيها قبل أن يكفر فإنما عليه كفارة واحدة ويكف عنها حتى يكفر ".

وخبر السكوني (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال أمير المؤمنين عليه السلام: أتى رجل من الأنصار من بني النجار إلى رسول الله صلى الله عليه واله فقال: إني ظاهرت من امرأتي فواقعتها قبل أن اكفر، قال، وما حملك على ذلك ؟ قال: رأيت بريق خلخالها وبياض ساقها في القمر فواقعتها، فقال له النبي صلى الله عليه واله: لاتقربها حتى تكفر، وأمره بكفارة واحدة ".

وخبر علي بن جعفر (4) كما في التهذيب وصحيحه كما في كتاب المسائل

(1) الفقيه ج 1 ص 57 ح 2، الوسائل ج 2 ص 977 ب 11 ح 8 و فيهما " كذلك يتمرغ الحمار ".

(2) التهذيب ج 8 ص 20 ح 37، الوسائل ج 15 ص 528 ب 15 ح 9.

(3) الكافي ج 6 ص 159 ح 27 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 7.

(4) التهذيب ج 8 ص 19 ح 35، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 7 وفيهما " وأمره بكفارة الظهار ".


28

عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السلام في حديث ثم ذكر مثل خبر السكوني إلا أنه قال " فأمره بكفارة الظهار وأن يستغفر الله تعالى ".

وقد حملها الشيخ على أنه أمر بكفارتين وإنما أفردها للنوع أو الجنس، واحتمل فيها أن الوحدة لمكان الجهل لمعذورية الجاهل، واستدل على ذلك بصحيحة محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: الظهار لا يقع إلا على الحنث، فإذا حنث فليس له‌أن يواقعها حتى يكفر، فإن جهل وفعل فإنما عليه كفارة واحدة ".

ويمكن حمل أخبار الوحدة على التقية لأنه مذهب الشافعية في أحد قوليهما كما نقله شيخ الخلاف، ويشهد بذلك رواية السكوني (2) له لأنه عامي، وكذلك إسناد الرواية إلى علي عليه السلام.

السادس: لو وطإها خلال الصوم الذي للكفارة استأنف في المشهور سواء كان بعد أن صام شهرا ومن الثاني صام يوما أم لا، لأنه صادق عليه أنه وطأها قبل أن يكفر فلا يحصل الامتثال بالا كمال على هذا الوجه، لأن المأمور به هو صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، ولافرق بين كون الجماع مفسدا للصوم كما لو وقع نهارا أم لا، كما إذا وقع ليلا.

وذهب ابن إدريس إلى عدم البطلان بالوطء ليلا مطلقا لأن التتابع عبارة عن إيقاع صوم اللاحق بعد السابق من غير فارق، وهو متحقق إن وطأ ليلا، ولا يستأنف الكفارة لأنه لم يبطل من الصوم شئ وعليه إتمامه وكفارة اخرى للوطء.

وقد قر به ثاني الشهيدين في المسالك، إذ غاية ما استدلوا به أن يكون قد أثم بالوطء خلال الصوم كما يأثم به لو فعله قبل الشروع في الكفارة وإيجابه كفارة اخرى، أما وجوب استئناف هذه فلا.

وقولهم " إن المأمور به صيام شهرين متتابعين قبل المسيس " لا ينفعهم

(1) التهذيب ج 8 ص 11 ح 12، الوسائل ص 531 ب 16 ح 9.

(2) الكافي ج 6 ص 159 ح 27، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 7.


29

لأن الاستئناف لا يوجب كون الشهرين واقعين بعد التماس وإذا لم يوجبه كان بعض الشهرين قبل التماس، وهذا أقرب مما هو مأمور به من الأولين.

ولئن سلمنا لكن بمخالفته يحصل الاثم وا لكفارة كما لو واقع قبل الشروع فإنه إذا صام بعده فقد صدق عليه أنه لم يأت بالمأمور به قبل أن يتماسا ومع ذلك يقع مجزيا، فالأقوى إذا مختار ابن إدريس، ووافقه عليه العلامة في القواعد والشهيد في الدروس ويحيى بن سعيد في الجامع.

وبالجملة: فإنه لادليل على الاستئناف، وعلى الأول كما هو المشهور هل يكفي الاستئناف عن كفارة الوطء قبل كمال التكفير على القول بلزوم كفارتين إن وطأ قبل التكفير ؟ إشكال، من التردد في كون الوطء قبل التكفير لاحتمال أن يراد قبل الشروع فيه وقبل الاتمام.

وعلى الثاني فالأقرب أن الوطء إن وقع ليلا وجب الاتمام لاغير دون الاستئناف مطلقا قبل إتباع الشهر الأول بيوم وبعده، وفاقا لاولئك الجماعة المذكورين لما عرفت من قوة دليلهم، ووجب التكفير ثانيا وفاقا للجامع لابن سعيد لصدق الوطء قبل التكفير إذ لاتكفير بعد تمام الصيام.

وكذاإن واقع نهارا بعد أن صام من الثاني شيئا في الأصح، وإن واقع نهارا وكان قبله استأنف لفقد التتابع وكفر ثانيا بعد الاستئناف، فإن تقدم الوطء على التكفير هاهنا أظهر.

السابع: هل يحرم عليه ما دون الوطء كالملامسة والقبلة وغير ذلك من الاستمتاعات غير الجماع كما يحرم الجماع ؟ فيه خلاف، فقال بعضهم بالأول، وجماعة على الثاني، وظاهر الآية وأكثر الأخبار الواردة قصره على المسيس لأنه حقيقة فيه، واحتج الآخرون بأن المسيس يطلق على ما هو أعم من الجماع ولاطلاق الأخبار الدالة على تحريم المظاهر منها عليه الشامل لبقية الاستمتاعات وإن كانت الكفارة مترتبة على إرادة الجماع.

وممن ذهب إلى التحريم الشيخ وجماعة، وإلى الجواز ابن إدريس لادعائه الاتفاق على إرادة الجماع بالمسيس هاهنا لاتحريمها عليه للأصل من غير معارض فإن تشبهت بغيرها حتى وطأها أو استدخلت


30

ذكره وهو نائم لم تفعل حراما.

ومبنى هذا الخلاف على المراد من المسيس في الآية والرواية لأن المسيسلغة شامل لسائر الاستمتاعات حقيقة لأنه تلاقي الأبدان، والأصل بقاؤه على ما كان لأن الأصل عدم النقل والاشتراك، ومن قال باختصاصه بالجماع فقد تمسك بأن المسيس يطلق على الوطء في قوله تعالى " من قبل أن تمسوهن " والأصل في الاطلاق الحقيقة واجب باستلزامه النقل أو الاشتراك، إذ لا خلاف في عموم معناه لغة، فجاز استعماله في بعض أفراده مجازا، والمجاز خير منهما كما تقرر في محله، وكثيرا ما يعدل في القرآن عما يستهجن التصريح به إلى المجاز لذلك ولأن مقتضى تشبيهها بالام كون تحريمها على حد تحريمها إلى أن يكفر وهو متناول لغير الوطء من ضروبه، ويشكل بأن ذلك يقتضي تحريم النظر بشهوة والآية لاتدل عليه.

وظاهر بعض الأصحاب أنه غير محرم لعدم الدليل عليه، وأن الكلام فيما يدخل في مفهوم التماس لغة من ضروب الاستمتاع، وبأنها لم تخرج عن ملكه الاستمتاع بالظهار فاشبه الصوم والحيض، فاستصحاب الحمل فيما عدا موضع الوفاق هو الوجه.

واعلم أن تحريم المرأة شرعا تارة تختص بالوطء كحالة الحيض والصوم وتارة يعم كحالة الاحرام والاعتكاف وتارة يقع فيه الاختلاف كحالة الاستبراءوالظهار واستمتاع المالك بالجارية المرهونة، ومن قسم العموم الاستمتاع بالمعتدة والمرتدة والأمة المزوجة بغير المالك بالنسبة إليه والمعتدة عن وطء الشبهة، ويلحق في الصوم النظر واللمس لمن يخشى الانزال بالوطء في التحريم.

الثامن: إذا عجز المظاهر عن الكفارة بخصالها الثلاث فهل لها بدل يتوقف عليه حل الوطء ؟ قيل: نعم، وهو المشهور، وقيل: لابدل لها في الظهار، وهو أحد أقوال الشيخ الثلاثة، وهو مذهب المفيد وابن الجنيد، فعند تعذر الخصال الثلاث لابدل لها أصلا بل يحرم عليه وطؤها إلى أن يؤدي الواجب منها، وسيجئ دليل


31

هذا القول.

ثم إن القائلين بالبدل اختلفوا في المراد منه.

فشيخ النهاية أن للاطعام بدلا وهو صيام ثمانية عشر يوما، فإن عجز عنها حرم عليه وطؤها إلى أن يكفر.

وقال ابنا بابويه: إنه مع العجز عن إطعام الستين يتصدق بما يطيق ثم يجامع.

وقال ابن حمزة: إذا عجز عن صوم شهرين متتابعين صام ثمانية عشر يوما، فإن عجز تصدق عن كل يوم بمدين من طعام.

وقال ابن إدريس: إذا عجز عن الخصالالثلاث فبدلها الاستغفار ويكفي في حال الوطء، ولا يجب عليه قضاء الكفارة بعد ذلك وإن تجددت قدرته عليها.

وللشيخ قول آخر بذلك لكن تجب الكفارة إن قدر.

وقد احتج في المختلف للاجتزاء بالاستغفار بعد العجز عن الخصال الثلاث لأصالة براءة الذمة و إباحة الوطء، وإيجاب الكفارة مع العجز تكليف ما لا يطاق، والأصل عدم وجوب الطلاق، وبمعتبرة إسحاق بن عمار (1) المعدودة عندهم في الموثق وعندنا في الصحيح عن الصادق عليه السلام " قال: الظهار إذا عجز صاحبه عن الكفارة فليستغفر ربه وينوي أن لا يعود قبل أن يواقع، وقد أجزأ ذلك عنه من الكفارة، فإذا وجد السبيل إلى ما يكفر به يوما من الأيام فليكفر، وإن تصدق بكفه وأطعم نفسه وعياله فإنه يجزيه إذا كان محتاجا، وإن لا يجد ذلك فليستغفر ربه وينوي أن لا يعود، فحسبه ذلك والله كفارة " وبخبر داود بن فرقد (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قال " إن الاستغفار توبة وكفارة لكل من لم يجد السبيل إلى شئ من الكفارة ".

وأورد على هذا الاستدلال بأن أصالة البراءة وإباحة الوطء انقطعا بالظهار، فإنه

(1) الكافي ج 7 ص 461 ح 6، الوسائل ج 15 ص 555 ب 6 ح 4 وفيهما " وانتصدق وأطعم ".

(2) التهذيب ج 8 ص 320 ح 4 وفيه " فان الاستفغار "، الوسائل ج 15 ص 555 ب 6 ح 3.


32

حرم الوطء بإجماع المسلمين وأوجب الكفارة مع العود، فإسقاطهما بعد ذلك يحتاج إلى الدليل القاطع.

ثم قال ثاني الشهيدين في المسالك بعد الرد بذلك: ومن العجب من هذا الفاضل مثل هذا الاستدلال، أما الرواية فدلالتها لا يخلوا من اضطراب لتضمن صدرها وجوب الكفارة إذا قدر عليه بعد الاستغفار وآخرها عدمه، مع أن العمل بمضمونها موقوف على قبول الموثق خصوصا مع معارضته القرآن وما هو أقوى دلالة، والعلامة - رحمه الله - كالشيخ لا ينضبط مذهبه في العمل بالرواية مع أنه في اصول الفقة اشترط في الراوي الايمان والعدالة، وفي فروع الفقة له آراء متعددة منهاقبول الموثق - كما هنا - بل ما هو أدنى مرتبة منه.

وفيه نظر من وجوه:أما أولا: فلأن قطعية تحريم الوطء بإجماع المسلمين وكذا إيجاب الكفارة مع العود لا ينفيان الاجتزاء بما دل الدليل الخاص على بدليته عن الكفارة عند العجز عنها - أعنى الاستغفار - على وجه يكون مراعى إجزاءه بعدم القدرة ثم يجب القضاء بعد ذلك، ولا يضر هذا في اعتبار البدلية لأن هذا بدل مسوغ للمواقعة المضطر إليها، وفيه جمع بين الحقين لأنه لم يستحل ذلك المحرم بغير كفارة أصلا بل الاستغفار كفارة لكل ذنب، كما دلت عليه تلك الروايات المعتبرة وخبر داود بن فرقد وخبر أبي بصير الآتي الدال بعمومه في كل حق وإن أخرج الظهار منها مبالغة في عقوبة الظهار لئلا يتهاون الناس به، فلا معنى إذا لبقاء قطعية تحريم الوطء ووجوب الكفارة.

وأما ثانيا: فلأن ما طعن به العلامة من علمه بالموثق خصوصا مع معارضته القرآن وما هو أقوى دلالة فهو طعن بما وقع منه - قدس سره - غير مرة، فقد عمل بالموثق في مسائل عديدة في غير بيان ما يجبره، وأين المعارضة بين القرآن وبين هذا الموثق ؟ لأن القرآن إنما أوجب عليه الكفارة عند إرادة المسيس عند


33

القدرة على ذلك وإلا لكان تكليفا بما لا يطاق، وهكذا في كل مقام تجب فيه الكفارة ولو كانت كفارة قتل النفس، على أن الحق أن إسحاق بن عمار مما تبتت وثاقته في كلام النجاشي من غير تعرض لفطحيته، وإنما ثبتت الفطحية له في كلام الشيخ، وليس في إسحاق بن عمار الثابت وثاقته، بل لابن عمار بن موسى الساباطي، وذلك ابن حيان الصيرفي، و لكن توهم جماعة الاتحاد فجمعوا بين التوثيق والفطحية في روايات إسحاق بن عمار بقول مطلق، مع أنا لم نقف على رواية لابن عمار الساباطي، فالحق عد حديثه في الصحيح.

وأما ما قرره في اصول الفقة من اشتراطه في الراوي الايمان والعدالة فذلك مما لا يلتزمه في كل رواية هذا المعترض لأنه يلزمه قصر عمله على الصحيح وحده، مع أن ظاهر هم الاطباق على العمل بالموثقات والحسان بل الأخبار الضعاف إذا كانت معضودة بالقرائن.

وأما ثالثا: فلأنه لااضطراب في الحقيقة في هذه الروايات فإن صدرها إنما دل على وجوب الصدقة في الجملة إذا قدر عليها بعد الاستغفار، وأما عجزها فلا يدل على كفاية الاستغفار مطلقا بل مقيد إطلاقه بما في صدرها حيث قال " وإنلا يجد ذلك فليستغفر ربه وينوي أن لا يعود وحسبه بذلك و الله كفارة " وهو كما ترى لا يبقى وجوب ذلك القدر من الصدقة بكفه بحيث يجزيه الاستغفار عنه وإن قدر عليه مع إمكان حمل ذلك القدر على الاستحباب.

واحتج الشيخان ومن تبعهما على إيجاب ثمانية عشر يوما بدلا مع العجز عن الخصال بخبر أبي بصير (1) عن الصادق عليه السلام كما في التهذيب والكافي " قال: سألته عن رجل ظاهر من امرأته فلم يجد ما يعتق ولا ما يتصدق ولا يقوى على الصيام، قال: يصوم ثمانية عشر يوما لكل عشرة مساكين ثلاثة أيام ".

وبما رواه في الهداية

(1) لم نعثر عليه في الكافي، التهذيب ج 8 ص 23 ح 49، الوسائل ج 15 ص 558 ب 8 ح 1.


34

للصدوق (1) مرسلا " قال: قد روي أنه يصوم ثمانية عشر يوما " وقدح على الاستدلال بهذه الرواية بضعف سندها بوهب بن حفص وباشتراك أبي بصير.

وفيه أن هذا غير قادح لأنه معضود بعمل هؤلاء الأجلاء وبما ورد في كفارة غير الظهار، كما تقدم في كفارة شهر رمضان وغيره من الكفارات من بدلية الثمانية عشر عن صيام الشهرين المتتابعين.

وقد رواه الصدوق في الهداية مرسلا في خصوص الظهارويمكن حمله على الاستحباب أيضا لمعارضتة لما دل على جواز الاكتفاء بالاستغفار.

وأما أدلة بقية الأقوال فيمكن أن يستدل للصدوق بأنه يتصدق بما يطيق مع العجز عن إطعام الستين بقوله عليه السلام في خبر أبي بصير (2) " إذا وجد السبيل إلى ما يكفر به يوما من الأيام فليكفر، وإن تصدق بكفه فأطعم نفسه وعياله فإنه يجزيه إذا كان محتاجا ".

وبما رواه في كتاب الهداية (3) والفقيه (4) مرسلا حيث قال " إن لم يجد ما يطعم ستين مسكينا صام ثمانية عشر يوما ".

وروي (5) " أنه يتصدق بما يطيق " وكأنه يختار في الفقيه الجمع في الأخبار بين صوم الثمانية عشر يوما أو يتصدق بما يطيق فيكون مخيرا بينهما، إلا أنه في الفقيه عين الثمانية عشر ابتداء، وأسند التصدق بما يطيق إلى الرواية وعكس في الهداية.

وفي النهاية للشيخ اقتصر على صيام ثمانية عشر يوما.

وفي الشرايع والقواعد للمحقق والعلامة يصوم ثمانية عشر يوما فإن عجز تصدق عن كل يوم بمد.

وكأنهما جمعا بالترتيب بين الأخبار، ولا بأس به وإن كان الأول أقوى.

وأما تفصيل ابن حمزة بأنه أذا عجز عن صوم الشهرين المتتابعين كان بدله صوم ثمانية عشر يوما، فإن عجز تصدق

(1) الجوامع الفقهية ص 60.

(2) الكافي ج 7 ص 461 ح 6، الوسائل ج 15 ص 555 ب 6 ح 4 وفيهما " وان تصدق وأطعم " ولعل سهو قد وقع في اسم الراوى فالصحيح اسحاق بن عمار.

(3) الجوامع الفقهية ص 60.

(4) و (5) الفقيه ج 3 ص 341.


35

عن كل يوم بمدين من طعام فلا أعرف له مستندا ولامأخذا من الجمع بين الأخبار لأن الجميع خالية عن هذا المقدار.

وأما القول الأخير أعني قول المفيد وابن الجنيد والشيخ في قوله الثالث بأن هذه الخصال الثلاث لابدل لها أصلا بل يحرم عليه وطؤها إلا أن يؤدي الواجب أخذا بظاهر القرآن وبرواية أبي بصير (1) عن الصادق عليه السلام " قال: كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه من صوم أو عتق أو صدقة في يمين أو نذر أو قتل أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة فالاستغفار له كفارة ما خلا يمين الظهار فإنه إذا لم يجد ما يكفر به حرم عليه أن يجامعها وفرق بينهما إلى أن ترضىالمرأة أن يكون معها ولا يجامعها " وهذه الرواية من الصحيح كما في التهذيب وإن أرسلها في الكافي إلا أنها من مراسيل ابن أبي عمير وهي بمنزلة الصحاح عندهم، والعجب من فقهائنا المتأخرين كيف لم ينظموها في سلك الصحيح ! ! وكأنهم لم يراعوا طريقها من التهذيب.

وخبر محمد بن سنان عن أبي الجارود بن المنذر (2) " قال: سأل أبو الورد أبا جعفر عليه السلام عن رجل قال لامرأته: أنت علي كظهر امي مائة مرة، فقال أبو جعفر عليه السلام: يطيق لكل مرة عتق رقبة ؟ فقال: لا، فقال: يطيق إطعام ستين مسكينا مائة مرة ؟ قال: لا، قال: فيطيق صيام شهرين متتابعين مائة مرة ؟ قال: لا، قال: يفرق بينهما ".

وهذا القول أقوى الأقوال لو لا مخالفة المشهور وأخبار الاستغفار، وحمله على الاستحباب لا بأس به كما احتمله فاضل الوسائل.

واعلم أن المراد بالاستغفار في هذا الباب ونظائره كما هو مؤدى الأخبار هو أن يقول: أستغفر الله مقترنا بالتوبة التي هي الندم على فعل الذنب والعزم

(1) الكافي ج 7 ص 461 ح 5، التهذيب ج 8 ص 16 ح 25، الوسائل ج 15 ص 554 ب 6ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.

(2) التهذيب ج 8 ص 22 ح 47، الوسائل ج 15 ص 554 ب 6 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.


36

على ترك المعاودة على الذنب أبدا، ولا يكفى اللفظ المجرد عن ذلك وإنما جعله الشارع كاشفا عما في القلب، كما جعل الاسلام في اللفظ كاشفا عما في القلب لكن اللفظ كاف في البدلية ظاهرا، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فإن لم يقترن بالتوبة التي هي من الامور الباطنية لم يترتب عليه أثر فيما بينه وبين الله تعالى بل كان الوطء معه كالوطء قبل التكفير فيجب عليه كفارة اخرى في نفس الأمر وإن لم نحكم عليه ظاهرا.

التاسع: قد ثبت مما سبق من وجوب التكفير قبل المجامعة وجوب تكرر الكفارة بتكرر الوطء في المشهور، بل كاد أن يكون إجماعيا.

ويدل عليه صدق الوطء قبل التكفير على كل منهما، وكل وطء قبل التكفير سبب للكفارة، والأصل عدم التداخل.

وصحيحة أبي بصير (1) المستفيضة عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا واقع المرةالثانية قبل أن يكفر فعليه كفارة اخرى ليس في هذا اختلاف ".

وصحيحة الحلبي (2) التي مر ذكرها " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام - وساق الحديث إلى أن قال: - قلت: إن أراد أن يمسها ؟ - يعني المظاهر - قال: لا يمسها حتى يكفر، قلت: فإن فعل فعليه شئ ؟ قال: أي والله إنه لآثم ظالم قلت: عليه كفارة دون الاولى ؟ قال: نعم يعتق أيضا رقبة ".

وحسنة أبي بصير (3) " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: متى تجب الكفارة على المظاهر ؟ قال: إذا أراد أن يواقع، قال: قلت: فإن أراد أن يواقع قبل أن يكفر ؟ قال: فقال: عليه كفارة اخرى ".

ومثلهما أيضا صحيحة ابن مسكان عن الحسن الصيقل (4) عن أبي عبد الله عليه السلام

(1) التهذيب ج 8 ص 18 ح 33، الوسائل ج 15 ص 526 ب 15 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 18 ح 31، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 4 وعبارة " يعنى المظاهر " زيادة من المؤلف - قدس سره -.

(3) التهذيب ج 8 ص 20 ح 39، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 6 وفيهما اختلاف يسير.

(4) التهذيب ج 8 ص 18 ح 32، الوسائل ج 15 ص 527 ب 15 ح 5 وفيهما اختلاف يسير.


37

" قال: قلت له: رجل ظاهر من أمراته فلم يف، قال: عليه كفارة من قبل أن يتماسا قلت: فإن أتاها قبل أن يكفر ؟ قال: بئس ما صنع، قلت: عليه شئ ؟ قال: أساء وظلم، قلت: فليزمه شئ ؟ قال: رقبة أيضا ".

وظواهر هذه الأخبار كما ترى التعميم ومن هنا اخذ بها المشهور، وخالف ابن حمزة ففصل بين ما لو كفر عن الوطء الأول وبين عدمه، فعلى الأول يتكرر وعلى الثاني فلا، محتجا بأن الأخبار الموجبة لكفارة اخرى للوطء تشمل الوطء الواحد والمتعدد والأصل البراءة من التكرير، فإذا وطأ مرات التكفير لم يكن عليه سوى كفارة.

وأما إذا كفر عن الأول، فإذا وطأ ثانيا صدق عليه أنه وطأ قبل التكفير فلزمته كفارة اخرى، وفيه نظر لأن الأخبار المذكورة قد علقت التكفير عن تكفير الظهار على المواقعة قبل التكفير أعم من أن يكون متحدا أو مكررا، والأخبار وإن لم تكن نصا في ذلك لكنها ظاهرة فيه.

فما ادعاه الفاضل المحقق السيد محمد باقر المشهور بالهندي في كشف اللثام من قوة قول ابن حمزة لعدم التنصيص في خبر أبي بصير في إيجاب التكرار مطلقا من أعجبالعجيب منه لأن الأحكام الشرعية أكثرها مأخذها الظواهر، فكيف يجوز العدول عنها والخلود إلى مجرد التعليل، فقول المشهور هو المعتمد.

العاشر: لو صبرت المظاهرة على ظهار زوجها ولم تعارضه فلا اعتراض عليها في ذلك ولا على الزوج، وإن رفعت أمرها إلى الحاكم خيره بين العود والتكفير وبين الطلاق، فإن أبى عنهما أنظره ثلاثة أشهر من حين المرافعة لينظر في أمره، فإذا انقضت المدة ولم يختر أحدهما حبسه وضيق عليه في المطعم والمشرب بأن يمنعه مما زاد على ما يسد الرمق ويشق معه الصبر إلى أن يختار أحد الأمرين، ولا يجبره على أحد هما عينا بل يخيره بينهما - كما مر - لا من حيث الطلاق الاجباري لا يصح، لأن الاجبار يتحقق على التقديرين، فإنه أحد الأمرين المحمول عليهما بجبر فهو محمول عليه في الجملة، بل لأن الشارع لم يجبره إلا كذلك،


38

ولو أمر بإجباره على الطلاق بخصوصه لجاز كما جاء في الأخبار والفتوى في مواضع عديدة، ولم يناف صحة الفعل وظاهر الأصحاب - رضوان الله عليهم - الاتفاق على هذا الحكم.

ويدل عليه‌بعد الاتفاق خبر أبي بصير (1) المتقدم المشتمل على وهيب بن حفص " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ظاهر من أمراته، قال: إن أتاها فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين - وساق الحديث إلى أن قال: - وإلا ترك ثلاثة أشهر، فإن فاء وإلا أوقف حتى يسأل: ألك حاجة في امرأتك أو تطلقها ؟ فإن فاء فليس عليه شئ وهي امرأته، وإن طلق واحدة فهو أملك برجعتها ".

وهذا الخبر كما ترى مع ضعف أسناده واشتمال متنه على التخيير في الكفارة بين الخصال الثلاث لا يفي ببقية الأحكام، لكن الأصحاب استدلوا به على ذلك وهو استدلال في غير محله، وكأنهم قاسوه على الايلاء، حيث إنه سيأتي فيه هذا الالزام بهذه الأحكام والتضييق عليه لو امتنع لكنهما متخالفان في المدة لأن مدة الايلاء مقدرة بالأشهر وهذا بالثلاثة، ومن هنا استشكل جماعة من متأخري المتأخرين التقدير بها لنقصانها عن مدة الجماع الواجب للزوجة، فيكون الحكم بإطلاقه مشكل لشموله لما إذا رافعته عقيب الظهار بغير فصل بحيث لا يفوت الواجب لها من الوطء بعد مضي المدة المضروبة، فإن الواجب وطؤها في كل أربعة أشهر، وأما غيره من الحقوق فلا يفوت بالظهار، أذ لا يحرم غير الوطء كما تقدم.

وتدل عليه صحيحة بريد العجلي (2) المروية في الفقيه وخبر يزيد الكناسي (2) كما في الكافي والتهذيب حيث قال فيهما " قلت له: فإن ظاهر منها

(1) التهذيب ج 8 ص 24 ح 55، الوسائل ج 15 ص 533 ب 18 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 342 ح 6، الوسائل ج 15 ص 532 ب 17 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 6 ص 161 ح 34، التهذيب ج 8 ص 16 ح 26، الوسائل ج 15 ص 532 ب 17 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.


39

ثم تركها لا يسمها إلا أنه يراها متجردة من غير أن يمسها، هل عليه شئ في ذلك ؟ قال: هي امرأته وليس يحرم عليه مجامعتها، ولكن يجب عليه ما يجب على المظاهر قبل أن يجامع وهي امرأته، قلت: فإن رفعته إلى السلطان وقالت: هذا زوجي وقد ظاهر مني وقد أمسك مني مخافة ما يجب عليه ما يجب على المظاهر ؟ فقال: ليس عليه أن يجبر على العتق والصيام والاطعام إذا لم يكن له ما يعتق ولم يقو على الصيام ولم يجد ما يتصدق به، فإن كان يقدر على أن يعتق فإن على الامام أن يجبره على العتق أو الصدقة من قبل أن يماسها ".

ويستفاد من عجز هاتين الروايتين وصدرهما أنه لاجبر مع العجز عن الكفارة ومع القدرة يجبر عليها، ولكن يجمع بينه وبين خبر أبي بصير المتقدم بأن الخبر على الكفارة عند القدرة جبر على جهة التخيير لاعلى جهة التعيين، كما قررناه فيما سبق من فتوى الأصحاب ومن الأخبار.

الحادي عشر: لا يقع ظهار على طلاق ولاطلاق على ظهار، بمعنى أنه لا يقع أحد هما مع إرادة الآخر فيكون وقوع كل واحد بصيغته المعدة له مع إرادته فيقع على الآخر كما تفتي به العامة، لأنهم جعلوا الظهار طلاقا وبالعكس عند قصد أحد هما من الآخر.

ويدل على هذا الحكم ما رواه الصدوق في الفقيه (1) مرسلا عن الصادق عليه السلام " قال: لا يقع ظهار على طلاق ولاطلاق على ظهار " فيكون " على " بمعنى " مع " كما في قوله تعالى " ويطعمون الطعام على حبه " (2) " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " (3).

ويمكن أن يراد من صدر الخبر أن الظهار لا يقع إلا على غير المطلقة،

(1) الفقيه ج 3 ص 345 ح 19، الوسائل ج 15 ص 534 ب 20 ح 1.

(2) سوره الدهر - آية 8.

(3) سورة الرعد - آية 6.


40

فعند نقدم الطلاق لا يقع به الظهار.

وأما عجزه فيمكن أن يكون صدر تقية حيث إن الظهار عندهم طلاق فلا يقع طلاق على طلاق بغير رجعة.

وبالجملة: فقه هذا الحديث من المتشابهات وما ذكرناه في معناه وإن كان مقربا له إلى الفقه الصحيح من وجه لكنه مبعدله من وجه آخر، إلا أنه محتمل التقية.

الثاني عشر: قد جاء في خبر السكوني (1) المروي في الفقيه " قال: قال علي عليه السلام في رجل آلى في امرأته وظاهر منها في مرة واحدة، قال: عليه كفارة واحدة ".

ورواه في الجعفريات (2) بأسنادها المشهور عن علي عليه السلام مثله، وحكمه لا يخلو عن إبهام وإشكال، ولهذا كثر فيه الاحتمال، فاحتمل فيه محدث الوسائل في تعليقاته عليها أن المراد من اجتماع الايلاء والظهار أن يقول: والله أنت علي كظهر امي لا اجامعك، واحتمل العموم في جميع الصور، سواء تقدم الايلاء أو تأخر، إلاأن في قوله عليه السلام " في كلمة واحدة " إيماء لباقي الصور إن حملت الكلمة على ظاهرها، ويحتمل حمل الكلمة على الكلام التام مثل قوله تعالى " كلا إنها كلمة هو قائلها " (3) وكذا في قوله عليه السلام " كفارة واحدة " أشد إجمالا لأنه محتمل لتداخل الكفارتين لأن العتق منطبق عليهما، أو أنه إشارة إلى انعقاد الأول منهما، فإن قدم الظهار فكفارته، كفارته وإن قدم الايلاء كانت الكفارة كفارته، ويحتمل التداخل بأن تكون الكفارة عنهما سواء جعلها كفارة ظهار أو كفارة إيلاء.

ولكن هذه الفروع والاحتمالات المذكورة لم يتعرض لها أحد من فقهائنا بنفى ولا إثبات ولاحكم اجتماعهما وما الذي يصح منه وما لا يصح، لكن ظاهر

(1) الفقيه ج 3 ص 344 ح 14، الوسائل ج 15 ص 534 ب 19 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) قرب الاسناد ص 115 وفيه " وظاهر في ساعة واحدة " (3) سورة المؤمنون - آية 100.


41

فقيه الفقيه العمل بهذه الرواية لايراده لهاساكتا عليها، والأقرب حملها على التقية، وتؤيده رواية السكوني (1) لها عن على عليه السلام.

الثالث عشر:

لو صدرت المظاهرة من الزوجة للزوج

وقع لاغيا لأنها وظيفة الرجل كالطلاق والايلاء، وهذا مجمع عليه.

وتدل عليه بالخصوص روايتا السكوني (2) عن أمير المؤمنين عليه السلام كما هما في الفقيه والكافي " قال: إذا قالت المرأة: زوجي علي كظهر امي فلا كفارة عليهما ".

و أما بيان أحكام كفارة الظهار فسيأتي في كتاب الكفارات إن شاء الله تعالى.

(1) الفقيه ج 3 ص 344 ح 14، الوسائل ج 15 ص 534 ب 19 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 159 ح 27 وفيه " زوجي على حرام "، الفقيه ج 3 ص 346 ح 22 وفيهما " فلا كفارة عليها "، الوسائل ج 15 ص 534 ب 21 ح


43

كتاب الايلاء وهو لغة الحلف مأخوذ من آلى يؤلي إيلاء والية والجمع الألايا مثل عطية وعطايا ويقال ائتلا يأتلي ائتلاء، ومنه قوله تعالى " ولا يأتل اولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا اولي القربى " (1).

وشرعا الحلف على الامتناع من وطء الزوجة مطلقا أو أكثر من أربعة أشهروقد جاء القرآن به كما في قوله تعالى " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر " إلى قوله " وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم " (2).

وقد جاءت الأخبار في تفسير هذه الآية شاهدة بأن المراد بالايلاء هو المعنى الشرعي، وهو من باب تسمية الجزء باسم الكل، وقد كان طلاقا في الجاهلية كالظهار فغير الشارع حكمه وجعل له أحكاما خاصة، فإن جمع الشرائط وإلا فهو يمين يعتبر فيه ما يعتبر في اليمين ويلحقه حكمه.

وقد اشتمل هذا الكتاب على مقصدين: الاول: في أركانه وهي أربعة: الاول الحالف: وهو المؤلي، ويعتبر فيه العقل والبلوغ والاختيار والقصد، ولا يراعى فيه

(1) وسرة النور - آيه 22.

(2) سورة البقرة - آية 226 و 227.


44

الحرية، فيقع من المملوك لعموم الكتاب والسنة سواء كانت زوجته حرة أو أمة لمولى أو لغيره، لكن إذا كانت أمة للمولى أو لغيره وشرط مولاه رقية الولد فقد ينقدح عدم وقوع الايلاء منه لأن الحق فيه لمولاه فيتوقف على إذنه، ووجه الوقوع عموم الآية، وأن المولى ليس له إجباره على الوطء مطلقا.

والأقوى عندي اشتراط رضا المولى وإذنه في أصل الايلاء، لأنه إن كان يمينا فلا يمين لمملوك مع سيدة كما دلت عليه النصوص والاجماع من غير فرق بين اليمين المطلقة أو الخاصة، وإن كان إيقاعا خاصا كالطلاق والظهار فقد دل الكتاب والسنة على الحجر عليه في نفسه وماله لأنه عبد مملوك لا يقدر على شئ والايلاء شئ، وقد تقدمت تلك الأخبار الصحاح في الطلاق وإن كان الأكثر قيدوها بما إذا كان أمة للمولى وجعلوا طلاق الحرة بيده، والأقوى أن طلاقه موقوف على رضا المولى كما جاء في صحيح زرارة (1) عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام " قال: المملوك لا يجوز طلاقه ولانكاحه إلا بإذن سيده، قلت: فإن السيد زوجه بيد من الطلاق، قال: بيد السيد " ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ " (2) أفشئ الطلاق ؟ " وظاهر استدلاله عليه السلام بالآية اعتبار عمومحكمها فيكون إطلاق الحكم في الايلاء مقيدا بهذه الآية وبهذه الأخبار، وكذلك بالأخبار الواردة في اليمين وهي مستفيضة، والعجب من الأصحاب هنا كيف غفلوا عن ذلك وأطلقوا الحكم كما ترى.

وكذلك يقع من الذمي وغيره من الكفار المقرين بالله ولا ينحل بالاسلام خلافا لمالك من العامة، ولم يخالف هناالشيخ في صحته من الذمي وقد خالف في الظهار مع أن المقتضي واحد، وقد وافق الشيخ هناك القاضي ابن البراج

(1) التهذيب ج 7 ص 347 ح 50، الفقيه ج 3 ص 350 ح 2، الوسائل ج 15 ص 343 ب 45 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.

(2) سورة النحل - آية 75.


45

وظاهر ابن الجنيد وابن شهر اشوب وظاهر المبسوط أيضا الاجماع على المنع في ذلك، وقد استدل على المنع بأنه حكم شرعي فكيف يصح بمن لايقر به وبأن من لوازمه التكفير إذا عاد وهو عبادة لا تصح منه ! فكان عليه أن يقول بالمنع هنا للمشاركة في هذا المقتضى وإن كان ضعيفا حذرا من التحكم.

ويقع أيضا من الخصي السالم الانثيين، ففي الأخبار أنه يولج أشد من إيلاج الفحل، ومن المجبوب إن بقي له ما يطأ به على القطع، أما لو لم يبق له ففيه إشكال من العموم فيدخل، ومن عدم إمكان الوطء فينتفي لعدم إجباره بالفئة هنا، ومن انتفاء الاضرار من كونه مبتنيا على ترك الممتنع والمستحيل كأن يحلف لايصعدن السماء، والأول خيرة المبسوط والتحرير والارشاد والتبصرة والتخليص (1) والشرايع، والثاني خيرة المختلف، وعلى الأول - وهو الأقوى - تكون فئته كالعاجز عن الفئة ويكفي في فئته بأن يقول باللسان إني لو قدرت لفعلت، إلا أن المريض يقول إذا قدرت فعلت لأن قدرته متوقعة، وأورد عليه أن شرط الصحة مفقود فيه وهو مخصوص لعموم الآية مع ظهور الفرق بينه وبين المريض لتوقع زوال عذره دونه ولامكان مرافعته وضرب المدة له، وقوله باللسان، ذلك غير نافع لأنه في حكم العبث الذي لا يليق بمحاسن الشرع.

وأما الأشل ومن بقي من ذكره بعد الجب ما دون قدر الحشفة فهو كالمجبوب جميعه، ولو عرض الجب بعد الايلاء فوجهان، وهنا أولى بالوقوع لوجود الشرط حالة الايلاء وكان قصد الاضرار والايلاء صحيحا منه في الابتداء.

وقوى ثاني الشهيدينهنا بطلان اليمين لاستحالة بقائها مع استحالة الحنث ومجرد المطالبة باللسان، وضرب المدة لذلك قبيح كالمجبوب ابتداء، والاحتياط في جميع هذه الصور الأخذ بحكم الايلاء في وجوب التكفير عند إمكان الفئة وإن تخلف بعض اللوازم.

أما العنن فهو داخل في المرض ويقع من المطلق رجعيا، كما في المبسوط

(1) كذا، والظاهر (التلخيص).


46

ناقلا عليه الوفاق لبقاء الزوجية، ويحتسب زمان العدة من زمان التربص كما ذكره في المبسوط والخلاف والشرايع، وإنما يتم إن كان ابتداؤها من اليمين - كما هو أحد القولين في المسألة - فإنه أذا كانت من المرافعة لم يتصور أذا لم تستحق الاستمتاع بدون المراجعة فلا يحتسب مدة العدة منها كما أفتى به في التحرير، وسيجئ تحقيق هذا الحكم في أحكام الايلاء المتفرعة على أركانه.

وكذا لو طلق رجعيا بعد الايلاء ثم راجع فيحتسب زمان العدة من المدة إن ابتدأت المدة من اليمين أو رفعت أمرها قبل الطلاق، ويقع عند جماعة من علمائنا من المظاهر فإنه أولى من المطلق لتمام الزوجية، وعند هؤلاء يقع الظهار منالمولى أيضا، وقد تكلموا على المسألة في الايلاء وتركوها في الظهار، وقد سمعت الخبرين المرويين عن علي عليه السلام كما في الفقيه والجعفريات، وقد تقدم الكلام عليهما إلا أنه قبل الوقوف على كلامهم في الايلاء.

وسنذكره إن شاء الله تعالى في الفروع الآتية.

الثاني في المحلوف عليه: ويدخل فيه المولى منها وهو ترك جماع زوجته الدائمة قبلا للاضرار أكثر من أربعة أشهر أو مطلقا، وسيجئ بيان فائدة هذه القيود في هذا الفصل، ويشترط كونها منكوحة بالعقد الدائم فلا يقع بالمستمتع بها على الأقوى.

وقد تقدم الكلام في نكاح المتعة ولا بالموطوءة بالملك وكذلك المحللة له من الاماء.

ويدل على اعتبار هذه الشروط قوله تعالى " للذين يؤلون من نسائهم " (1) لأن المتبادر من النساء الدائمات ولتخصيصها بقوله " فإن عزموا الطلاق " بعد قوله " للذين يؤلون من نسائهم " وللأخبار المفسرة للايلاء في الآية وغيرها.

ففي صحيحة أبي بصير (2) كما في تفسير القمي عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: الايلاء

(1) سورة البقرة - آية 226.

(2) تفسير القمى ج 1 ص 73، الوسائل ج 15 ص 541 ب 8 ح 6.


47

هو أن يحلف الرجل على امرأته أن لا يجامعها، فإن صبرت عليه فلها أن تصبر وإن رفعته الى الامام إنظره أربعة أشهر ثم يقول له بعد ذلك إما أن ترجع إلى المناكحة وإما أن تطلق، فإن أبى حسنة أبدا ".

وفي صحيحته الاخرى (1) وموثقته (2) كما في الكافي والتهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن الايلاء ما هو ؟ قال: هو أن يقول الرجل لامرأته والله لا اجامعك كذا وكذا، ويقول والله لأغيظنك فيتربص بها أربعة أشهر ثم يؤخذ فيوقف بعد الأربعة الأشهر، فإن فاء - وهو أن يصالح أهله - فإن الله عفور رحيم، فإن لم يف جبر على أن يطللق، فلا يقع طلاق فيما بينهما ولو كان بعد أربعة أشهر ما لم ترفعه إلى الامام ".

وصحيحة بريد العجلي (3) كما في الكافي والتهذيب والعياشي " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في الايلاء: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته ولا يمسها ولايجمع رأسه ورأسها فهو في سعة ما لم تمض أربعة أشهر، فإن مضتأربعة أشهر وقف، فإما أن يفئ فيمسها وإما أن يعزم على الطلاق فيخلي عنها " الحديث.

وفي موثقته (4) كما في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام " أنهما قالا: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأتة فلس لها قول ولاحق في أربعة إشهر، ولا إثم عليه في كفه عنها في إربعة أشهر، فإن مضت أربعة أشهر قبل أن يمسها فسكتت

(1) الكافي ج 6 ص 132 ح 9، التهذيب ج 8 ص 3 ح 4، الوسائل ج 15 ص 541 ب 9 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 131 ح 3، التهذيب ج 8 ص 2 ح 2، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 2 وما في المصادر اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 6 ص 130 ح 1، التهذيب ج 8 ص 3 ح 3، تفسير العياشي ج 1 ص 113 ح 342، الوسائل ج 15 ص 543 ب 10 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.

(4) الكافي ج 6 ص 131 ح 3، الوسائل ج 15 ص 536 ب 2 ح 1.


48

ورضيت فهو في حل وسعة، فإن رفعت أمرها قيل له إما أن تفئ فتمسها وإما أنتطلق وعزم الطلاق أن تخلي عنها ".

وصحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " قال: أيما رجل آلى من امرأته - والايلاء أن يقول والله لا اجامعك كذا وكذا، والله لأغيظنك - ثم يغاضبها فإنه يتربص أربعة فيوقف، فإذا فاء - وهو أن يصالح أهله - فإن الله غفور رحيم، وإن لم يف اجبر على الطلاق، ولا يقع بها الطلاق حتى يوقف ".

ومثلها حسنته (2) وخبر أبي الصباح الكناني (3) وخبر سماعة (4) وخبر أبي بصير (5) كلها بهذه المنزلة في الدلالة على اشتراط الزوجية.

وأما ما يدل على انتفائه عن الأمة المملوكة صريحا فصحيحة أبي نصر البزنطي (6) كما في قرب الأسناد عن الرضا عليه السلام " قال: سألته عن الرجل يؤلي من من أمته ؟ قال: كيف يؤلي وليس لها طلاق ".

ويشترط أن يكون مدخولا بها كما عليه إجماع الطائفة، وليس هو موضع خلاف كما في الظهار، ويدل عليه صحيح محمد بن مسلم (7) عن أحد هما عليهما السلام " قال: في غير المدخول بها: لا يقع عليها الايلاء ولاظهار ".

ورواية أبي الصباح الكناني (8) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا يقع الايلاء إلا علىامرأة قد دخل بها زوجها ".

(1) الكافي ج 6 ص 130 ح 2، الوسائل ج 15 ص 539 ب 8 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 3 ص 339 ح 1، الوسائل ج 15 ص 539 ب 8 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 6 ص 132 ح 7، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 3.

(4) التهذيب ج 8 ص 8 ح 24، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 4.

(5) التهذيب ج 8 ص 2 ح 2، الوسائل ج 15 ص 442 ب 9 ح 2.

(6) قرب الاسناد ص 160، الوسائل ج 15 ص 539 ب 7 ح 1.

(7) التهذيب ج 8 ص 21 ح 40، الوسائل ج 15 ص 516 ب 8 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(8) التهذيب ج 8 ص 7 ح 16، الوسائل ج 15 ص 538 ب 6 ح 2.


49

وصحيحة زرارة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا يكون مؤليا حتى يدخل ".

وخبر أبي الصباح الكناني (2) أيضا " قال: سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن رجل آلى من امرأته ولم يدخل بها، فقال: أرأيت لو أن رجلا حلف أن لايبني بأهله سنتين أو أكثر من ذلك كان يكون إيلاء ؟ ".

وموثقة أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: الرجل يؤلي من امرأته قبل أن يدخل بها، فقال: لا يقع الايلاء حتى يدخل بها ".

وصحيحة الفضل بن يسار (4) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مملك ظاهر من امرأته، فقال: لا يكون ظهار ولا إيلاء حتى يدخل بها ".

وخبر محمد بن مسلم (5) عن أبي جعفر عليه السلام " لا تكون الملاعنة ولا الايلاء إلا بعد الدخول ".

والعجب من أصحابنا كيف يختلفون في الظهار ولا يختلفون في الايلاء مع اشتراكهما في الاخبار الصحيحة المعتبرة الدالة على اشتراط الدخول مع أن المانع من اشترطه استند إلى عموم الآية وهو وارد في الايلاء أيضا ولكن لم ينقلوا فيه خلافا ! والمناسب إما نفي الخلاف عنهما أو إنباته فيهما.

ونقل في المسالك عن بعضهم الخلاف أيضا هنا لكنه نادر ولعله للعامة.

واعتذر الفاضل الهندي عن ذلك في كتابه شرح القواعد بأنه لما كانت الأخبار المشترطة للدخول في الايلاء أكثر منها في الظهار اوجبت ذلك، وليس بعيد من الاعتذار، وأيضا لقوله

(1) الكافي ج 6 ص 134 ح 3، الوسائل ج 15 ص 538 ب 6 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 134 ح 4، الوسائل ج 15 ص 538 ب 6 ح 3 وفيهما " ولم يدخل بها، قال: لا ايلاء حتى يدخل بها، فقال: أرأيت لو - أكان يكون ".

(3) الكافي ج 6 ص 134 ح 2، الوسائل ج 15 ص 539 ب 6 ح 4.

(4) الكافي ج 6 ص 158 ح 21 وفيه " الفضيل بن يسار "، الوسائل ج 15 ص 516 ب 8 ح 1.

(5) الكافي ج 6 ص 162 ح 2، الوسائل ج 15 ص 591 ب 2 ح 5.


50

تعالى فإن فاءوا " فإن الله غفور رحيم " (1) فإن المراد بالفئة الرجوع إلى النكاح كما تدل عليه الأخبار وكلام المفسرين، ولا يتأتى فيمن لم يدخل بها فتكون الأخبار الواردة في الايلاء مطابقة للقرآن بخلافها في الظهار لعدم دلالة آيتها على الدخول.

ويقع بالزوجة الحرة والمملوكة لعموم الأخبار والآية، وحيث كانت الزوجة أمة للغير فحق المطالبة بضرب المدة وبالفئة إليها لأن حق الاستمتاع بها لها لا للمولى، ويعتبر في الكافرة أن تكون ذمية، ومن هنا قيدبها لأنه لا يحلالتزويج بغير الذمية لتحريم نكاح غيرها على المسلم ابتداء واستدامة.

نعم يمكن فرضه في غير الكتابية كما إذا آلى منها بعد ان أسلم قبلها وهي في العدة، لكنه نادر، فتلحقها أحكام الايلاء هنا لمكان إسلامه وإسلامها.

وأما اشتراط تقييد الايلاء والامتناع من الوطء بالتأبيد والاطلاق أو التقييد بمدة تزيد على أربعة أشهر كما هو المتفق عليه لا ما دون الأربعة ولابقدرها بعد الاجماع والأخبار الواردة في بيان ذلك وبيان إطلاق الآية مثل صحيحة الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام

في حديث " قال: أيما رجل آلى من امرأته فإنه يتربص بها أربعة أشهر

ثم يؤخذ بعد أربعة أشهر ".

وساق الحديث إلى أن قال: " فإن لم يف جبر على الطلاق ".

ومثله صحيحته الاخرى كما في الفقيه (3) وخبر القاسم بن عروة (4) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: قلت له: رجل آلى أن لا يقرب امرأته ثلاثة أشهر، قال: فقال: لا يكون إيلاء حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر ".

(1) سورة البقرة - آية 226.

(2) الكافي ج 6 ص 130 ح 2، الوسائل ج 15 ص 539 ب 8 ح 1.

(3) الفقيه ج 3 ص 339 ح 1.

(4) التهذيب ج 8 ص 6 ح 12، الوسائل ج 15 ص 538 ب 5 ح 2.


51

وصحيحة بريد بن معاوية العجلي (1) عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام أنهما قالا: " إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته فليس لها قول ولاحق في أربعة أشهر، ولا إثم عليه في كفه عنها في أربعة أشهر، فإن مضت الأربعة الأشهر قبل أن يمسها فسكتت ورضيت فهوفي حل وسعة، فإن رفعت أمرها قيل له إما أن تفئ فتمسها وإما أن تطلق " الحديث.

ومثلها صحيحة أبي بصير ليث المرادي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام كما في تفسير القمي " قال: الايلاء هو أن يحلف الرجل على امرأته أن لا يجامعها، فإن صبرت عليه فلها أن تصبر وإن رفعته إلى الامام أنظره أربعة أشهر ".

وعلى هذا فيكون لفظ " كذا وكذا " في صحيحة ليث المرادي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام حيث قال في تعريف الايلاء " هو أن يقول الرجل لامرأته لا اجامعك كذا و كذا " كناية عن المدة الزائدة عن أربعة أشهر.

وكذا في رواية أبي بصير (4) المتقدمةوفي كل خبر عبر بهذه العبارة بدليل قوله أخيرا فيها " فيتربص به أربعة أشهر ثم يؤخذ فيوقف بعد أربعة أشهر " وهكذا في خبر أبي بصير أيضا.

كما أن التعبير في خبر أبي الصباح الكناني (5) وغيره بإطلاق الايلاء غير مقيد بمدة زائدة عن الأربعة ولامحدودة بالدوام، والتأبيد مجز في ذلك كما انطبق عليه الفتوى وأكثر أخبار الباب.

(1) الكافي ج 6 ص 131 ح 4، الوسائل ج 15 ص 536 ب 2 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) تفسير القمى ج 1 ص 73، الوسائل ج 15 ص 541 ب 8 ح 6.

(3) الكافي ج 6 ص 132 ح 9، التهذيب ج 8 ص 3 ح 4، الوسائل ج 15 ص 541 ب 9 ح 1.

(4) الكافي ج 6 ص 131 ح 1، التهذيب ج 8 ص 2 ح 2، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 2.

(5) الكافي ج 6 ص 134 ح 4، الوسائل ج 15 ص 538 ب 6 ح 3.


52

فتلخص من هذا أن المؤلي إما أن يطلق الامتناع فيحمل على التأبيد فيه فيكون مؤليا، وإما أن يقيده بالتأبيد فهو ضرب من التأكيد، وإما أن يقيده بالتوقيت إما بزمان مقدر أو بالتعليق بأمر مستقبل لا يتعين وقته، فهاهنا أيضا قسمان: الأول، أن يقدره بزمان، فإن كان أربع فلينظر، فإن كان أربعة أشهر فما دونها لم يكن مؤليا والذي جرى يمين ويتحلل بعد المدة وليس لها المطالبة كما إذا امتنع من غير يمين بالكلية، والحكمة في تقدير المهلة بهذه المدة وعدم توجه المطالبة إذا حلف على الامتناع أربعة أشهر فما دونها أن المرأة تصبر عن الزوج مدة أربعة أشهر بعد ذلك يفنى صبرها، أو ليس عليها الصبر، ويكفي في الزيادة عن الأربعة مسماها ولولحظة، ولا يشترط كون الزيادة بحيث تتأتى المطالبة في مثلها، لكن إذا قصرت كذلك لم تتأتى المطالبة لأنها إذا مضت تنحل اليمين ولا مطالبة بعد انحلالها، وأثر كونه مؤليا في هذه الصورة أنه يأثم بإيذائها، والاضرار بها يقطع طمعها بالتخلف عن الوطء في المدة المذكورة، ولو فرض كونه تاركا وطؤها مدة قبل الايلاء فعل حراما بالنسبة إلى ما زاد عن أربعة أشهر من حينالوطء لأنه لا يجوز ترك وطء الزوجة أكثر من ذلك، ولا تنحل بذلك اليمين لأن الايلاء لا ينحل بذلك.

الثاني: أن يقيد الامتناع عن الوطء بأمر مستقبل لا يتعين وقته، وحينئذ فينظر فيه فإن كان المعلق به أمرا يعلم عادة التأخر فيه عن أربعة أشهر كما لو قال حتى يقدم فلان أو حتى يأتي مكة والمسافة بعيدة لا تقطع في أربعة أشهر أو يستعبد في الاعتقاد أن حصوله في أربعة أشهر وإن كان محتملا، كذا لو قال حتى يخرج الدجال أو يأجوج ومأجوج أو تطلع الشمس من المغرب فهو مؤول قطعا نظر إلى التعيين بحصول الشرط وهي مضي أربعة أشهر قبل مجئ الغاية في الأول وغلبة الظن بوجوده في الثاني وإن كان محتملا في نفسه، ومثله قوله ما بقيت


53

فإنه وإن كان محتملا لموته في كل وقت ولاظن يقتضي بقاء أربعة أشهر إلا أن ذلك موجب لحصول اليأس مدة العمر، فهو كما لو قال لا اجامعك أبدا فإن أبد كل إنسان عمره.

ولو قال ما بقي فلان فو جهان: (أحد هما) أنه كذلك لأن الموت المعجل كالمستبعد في الاعتقادات فيلحق بتعليقه على خروج الدجال ونحوه " والثاني "عدمه لأنه كالتعليق بالمرض ودخول الدار وهو ممكن على السواء في كل وقت.

وينبغي الفرق بين من يغلب على الظن بقاؤه أو موته في المدة فما دون أو تساوي الاحتمالان بحسب القرائن الحالية، وإن كان المعلق به مما يتحقق وجوده قبل أربعه أشهر كذبول البقل وجفاف الثوب وتمام الشهر، أو يغلب على الظن وجوده كمجئ المطر في وقت غلبه الإمطار ومجئ زيد من القرية ومن عادته حضور الجمعات أو قدوم القافلة والغالب ترددها في كل شهر لم يقع الايلاء الشرعي ولكن تنعقد اليمين بشروطها، ولو كان المعلق ما لايستعبد حصوله في أربعة أشهر ولا يتحقق ولا يظن حصوله كما لو قال حتى أدخل الدار وأخرج من البلد أو أمرض أو يمرض فلان أو يقدم وهو على مسافة قريبة قد يقدم فيها وقدلايقدم لم يحكم بكونه مؤليا وإن اتفق مضي الأربعة ولم يوجد المعلق به بل يكون يمينا لأنه لم يتحقق قصد المضارة في الابتداء وأحكام الايلاء لا بمجرد اتفاق الضرر للامتناع من الوطء كما لو امتنع من غير يمين، وحينئذ فيرتفع اليمين لو وجد المعلق به قبل الوطء، وتجب الكفارة لو وطأ قبل وجوده حيث ينعقد اليمين، وربما قيل إن التعليق بخروج الدجال ونحوه يلحق بالامور المحتملة للأمرينفلا يقع به أيلاء والاقوى الاول لكون المرء متعبدا بظنه ومعتقداته وقرائن الاحوال والعادات، ولو قال والله لا اوطئنك حتى أدخل هذه الدار لم يكن إيلاء لأنه يمكنه التخلص من الوطء بالدخول لأن الايلاء موجب بالتحريم إلى أن يكفر، والاضرار بالمرأة لم يتحقق حيث قد علقه على شرط يمكنه فعله ورفعه كقوله لا اوطئنك حتى أدخل الدار فإنه يمكنه في كل وقت دخول الدار


54

فيتخلص من اليمين ولا يحصل لها الاضرار بذلك.

نعم لو كان دخوله الدار ممتنعا عادة لعارض لا يزول قبل أربعة أشهر ولو ظنا وقع الايلاء كما سبق، وإنما أطلق من أطلق هذا الحكم بناء على الغالب من عدم المانع من دخول الدار، وأما أنه لا يقع إلا في إضرار كما هو متفق عليه، فلو أنه لو وقع لصلاح اللبن أو التدبير في مرض لم يكن إيلاء وكان كالأيمان، وهذا الحكم دليله الاجماع المدعى كما نقله غير واحد وإن أسنده المتأخرون إلى المشهور بين الأصحاب حيث لم يظهر في الحكم مخالف يعتد به.

ويدل عليه من الأخبار رواية السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال:أتى رجل أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إن امرأتي أرضعت غلاما وإني قلت لها لاأقربك حتى تفطميه، فقال: ليس في الاصلاح إيلاء ".

ومثله ما في كتاب الجعفريات (2) بإسناده المشهور إلى علي عليه السلام قال: وذكر مثله.

ويدل عليه أيضا ما تقدم في صحيحة الحلبي (3) عن ابي عبد الله عليه السلام " قال: الايلاء أن يقول والله لا اجامعك كذا وكذا، والله لاغيظنك ثم يغاضبها ".

ومثلها صحيحة بريد (4) وصحيحة ليث المرادي (5) وصحيحة أبي الصباح الكناني (6) وقد تقدمتا، فإن الاغضاب قرينة الاضرار وهو الذي بني عليه حكم الايلاء، وأما ضعف المستند على الاصطلاح الجديد فهو عندهم منجبر بالشهرة

(1) الكافي ج 6 ص 132 ح 6، الوسائل ج 15 ص 537 ب 4 ح 1 وفيهما " وانى قلت: لا أقربك ".

(2) قرب الاسناد ص 115 مع اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 6 ص 130 ح 2، الوسائل ج 15 ص 539 ب 8 ح 1.

(4) الكافي ج 6 ص 130 ح 1، الوسائل ج 15 ص 543 ب 10 ح 1.

(5) الكافي ج 6 ص 131 ح 3، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 2.

(6) الكافي ج 6 ص 132 ح 7، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 3.


55

والاجماع كما ذكره ثاني الشهيدين في المسالك وهاهنا

فروع: الأول: لو قال لأربع

نساء عنده " والله لا وطأتكن " لم يكن مؤليا في في الحال، فإنه إنما التزم عدم جمعهن في الوطء ولأن المؤلي لا يجامع إلا بضرر ولاضرر عليه هنا الآن بل له وطء ثلاث من غير حنث، فإذا وطأهن تعين التحريم في الرابعة، ويثبت لها الايلاء بعد وطئهن ولها المرافعة حينئذ، وليس لهن ولا لأحد منهن المرافعة قبل ذلك إذ لا يتعين للايلاء إلا الرابعة وهي غير معينة قبل ذلك، ولا إيلاء من البواقي، وتجب الكفارة بوطء الجميع، ولو وطأ واحدة قرب من الحنث وهو محذور غير محظور فلا يصير به مؤليا خلافا لبعض العامة، ولو ماتت إحداهن قبل الوطء انحلت اليمين بخلاف ما لو طلق إحداهن أو ثلاثا لأن حكم اليمين ثابت البواقي ولامكان وطء المطلقات ولو بالشبهة، ولو وطأهن أو بعضهن حراما فالأقرب ثبوت الايلاء في البواقي لصدق الجمع في الوطء، ويحتملالعدم تنزيلا للاطلاق على المقصود شرعا بخلاف ما لو وطأ الميتة إذ لاحكم لوطئها لالتحاقها با لجمادات، ولذا لا يوجب المصاهرة على إشكال في ذلك وخروجها عن الدخول في الخطاب لتركب الانسان من جزءين والعمدة في الخطاب هو الجزء العاقل وإن كان الوطء يتعلق بالبدن وهو خيرة المبسوط و الشرايع ومن الاطلاق الواقع في الفتوى والأدلة.

الثاني: لو قال " لا وطأت واحدة منكن " وأراد لزوم الكفارة بوطء أي واحدة كانت بأن أراد عموم التزام السبب تعلق الايلاء بالجميع وضربت المدة لهن عاجلا من غير أن ينتظر وطء واحدة، فإن وطأ واحدة حنث وانحلت اليمين في البواقي لأن الحنث لا يتكرر، فظهر أن المؤلي منها هي التي وطأها أولا، ولو طلق واحدة أو اثنتين أو ثلاثة قبل الوطء كان الايلاء ثابتا في الباقي، وكذا إن مات بعضهن قبل الوطء بقي الايلاء في الباقية لتعلقه بكل منهن، ولا يحنث بوطء الميتة ولا تنحل يمينه في غيرها على الأظهر، ويحتمل الحنث به فتنحل


56

يمينه في غيرها.

ولو قال هنا " أردت واحدة معينة " قبل قوله في تعينهالاحتمال اللفظ له وهو أعرف بنيته، ويحتمل عدم القبول في الظاهر لوقوع المختار على كل منهن واتهامه في التعيين، وعلى القبول يؤمر بالبيان فإن بين ولم تنازعه الباقيات اختص حكم الايلاء بالمعينة وإلا فالقول قوله مع اليمين، وإن صدق الاخرى اخذ بإقراره ولم يقبل رجوعه عنها ولاعن الاولى، ولو أراد واحدة مبهمة ففي كونه مؤليا إشكال من العموم ومن الأصل، وأن حكم الايلاء أن يكون للمؤلي منها المطالبة وهو هنا مفقود، فإن أثبتناه كان له أن يعين واحده فيخص الايلاء بها كما في الطلاق عند من جوزه فلا يقع الايلاء إلا من حين التعيين فالمدة تحسب من حين اليمين لا التعيين لما مر في الطلاق المبهم لأنه يقع من حين الايقاع ويقول في التعيين " هي التي أردتها الآن أو أنشأت تعيينها عن الابهام " ويجوز تعلقه بكل من الارادة والانشاء، ويحتمل أن لا يكون مؤليا بنفس الحلف بل بعد التعيين إذا أراد مبهمة كما في طلاق المبهمة، بل وإذا أراد معينة أيضا لأن كل واحدة منهن ترجو أن لا تكون هي المعينة بعد الابهام أو في اليمين فلا يمكنها المطالبة ما لم تتعين ومن حكم الايلاء المطالبة، ولو أطلق اللفظ فعلى أي الاحتمالين من عموم السلب يحصل إشكال من ظهور النكرةفي سياق النفي في العموم ومن الأصل والاحتمال.

الثالث: لو قال " لا وطأت كل واحدة منكن " كان مؤليا من كل واحدة كما لو آلى من كل واحدة بانفرادها فمن طلقها وفاها حقها ولم ينحل اليمين عن البواقي فإنها بمنزلة أن يؤلي من كل منهن منفردة، وكذا لو وطأها قبل الطلاق لزمته الكفارة وكان الايلاء باقيا في البواقي، كذا ذكر الأصحاب وغيرهم وهو مبني على أن يكون دخول (كل) بعد النفي يفيد عموم النفي مثل " إن الله لا يحب كل مختال فخور " (1) لكنه خلاف الظاهر لا يصار إليه إلا بالقرائن، فلا يفيد إلا

(1) سورة لقمان - آية 18.


57

نفي العموم كقوله (لا وطأتكن).

ولو قال (لا وطأتك سنة إلا مرة) لم يكن عندنا مؤليا في الحال لأن له الوطء من غير تكفير، والايلاء لا ينعقد إلا إذا كان بحيث إذا وطأ لزمته الكفارة، خلافا لبعض العامة، فإن وطأ وقد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر صح الايلاء وكان لها المرافعة وإلا بطل حكمه، ووحدة المرة وتعددها مبني على الايلاج والنزعالكامل، ولو لم يطأها في السنة أصلا لم تلزمه كفارة، فإنه إنما خلف على عدم الوطء أكثر من مرة، واحتمل الوجوب بناء على أنه حلف على كل من النفي والاثبات.

الرابع: لو قال " لا جامعتك إلا عشر مرات " لم يكن مؤليا ما لم يستوف العدد، فإذا استوفى كان مؤليا إن بقيت من السنة المدة أي أزيد من أربعة أشهر.

ولو قال " والله لا جامعتك مدة كذا إن شئت " فقال شئت انعقد الايلاء عند مجوزي تعليقه بالشرط، والأقوى عدمه، وعلى الجواز فهل تختص المشيئة بالمجلس ؟ ففي المبسوط: أنه الأقوى عندنا ليكون جوابا لكلامه كالقبول في البيع.

وفيه نظر، لأنه ليس الايلاء مشروطا فلا يتوقف إلا على تحقق شرطه، ولا دليل على اتحاد المجلس، فمتى وجد الشرط تحقق الايلاء، وأما احتمال تعلق المشيئة ببقية المدة عندنا خيرها فلا يتحقق الشرط، مثلا إذا قال " لا جامعتك سنة إن شئت " كان المعنى إن شئت لااجامعك في السنة، فإن مضت أيام أو شهور ثم قالت " شئت أن لاتجامعني " لم يفهم منه تعلق المشيئة بما مضى من الزمان، وإن قالت " كنت قد شئت ذلك حين قلت وإن لم اصرح به " لم يقبل منه لأنه إقرار في حق الغير، وهذا هو المختاروفاقا لتحرير.

الركن الثالث في الصيغة: ولا ينعقد عندنا إلا بأسماء الله تعالى

لقوله صلى الله على واله في المستفيضة (1) (من كان

(1) صحيح مسلم ج 11 ص 106 ح 3.


58

حالفا فليحلف بالله أو فليصمت ".

وفي صحيحة محمد بن مسلم (1) كما في العياشي " قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا تتبعوا خطوات الشيطان، قال: كل يمين بغير الله فهو من خطوات الشيطان ".

وفيه في الصحيح عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: كل يمين بغير الله فهو من خطوات الشيطان ".

وفي خبر السكوني (3) عن علي عليه السلام " قال: إذا قال الرجل: أقسمت أو حلفت فليس بشئ حتى يقول أقسمت بالله أو حلفت ".

وفي صحيحة علي بن مهزيار (4) كما في الفقيه عن أبي جعفر الثاني عليه السلامفي حديث " قال: إن الله عز وجل يقسم من خلقه بما شاء وليس لخلقه أن يقسموا إلا به عز وجل ".

وفي صحيحة محمد بن مسلم (5) كما في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام " قال في حديث: إن لله عز وجل أن يقسم من خلقه بما شاء وليس لخلقه أن يقسموا إلا به ".

وصحيحة الحلبي (6) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا أرى للرجل أن يحلف إلا بالله ".

وفي خبر سماعة (7) عن أبي عبد الله عليه السلام: " قال: لا أرى للرجل أن يحلف إلا بالله ".

تفسير العياشي ج 1 ص 74 ح 150، الوسائل ج 16 ص 142 ب 16 ح 4 وفيهما " فهى من خطوات ".

(2) تفسير العياشي ج 1 ص 73 ح 249 وفيه " سألت أبا عبد الله عن رجل حلف أن ينحر ولده، فقال: ذلك من خطوات الشيطان "، الوسائل 16 ص 142 ب 15 ح 5.

(3) التهذيب ج 8 ص 301 ح 111، الوسائل ج 16 ص 142 ب 15 ح 3.

(4) الفقيه ج 3 ص 236 ح 51، لوسائل ج 16 ص 159 ب 30 ح 1.

(5) الكافي ج 7 ص 449 ح 1، الوسائل ج 16 ص 160 ب 30 ح 3.

(6) الكافي ج 7 ص 449 ح 2، الوسائل ج 16 ص 160 ب 30 ح 4.

(7) الكافي ج 7 ص 450 ح 3، الوسائل ج 16 ص 160 ب 30 ح 5.


59

وهذه الأخبار مستفيضة، وقد دلت بعمومها على المنع في الايلاء وغيره من الأقسام أن يقع بغير الله، ويدل عليه بالخصوص في الايلاء صحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام أنه " قال: والايلاء أن يقول والله لااجامعك كذا وكذا والله لأغضبنك ثم يغاضبها ".

ورواية أبي الصباح الكناني (2) " قال: الايلاء ان يقول الرجل لامرأته والله لأغضبنك ولأسوأنك ثم يغضبها ولا يجامعها ".

وصحيحة ليث المرادي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام وقد تقدمت مرارا " قال: سألته عن الايلاء ما هو ؟ قال: أن يقول الرجل لامرأته والله لا اجامعك كذا وكذا، ويقول والله لاغضبنك فيتربص ".

وخبر أبي بصير (4) " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا آلى الرجل من امرأته - والايلاء أن يقول والله لا اجامعك كذا وكذا - ثم يغاضبها ".

والنصوص بهذا مستفيضة، فيحمل ما اطلق فيه الحلف من الأخبار على ذلك ولابد من التلفظ بالجملة القسمية، فلو قال لأتركن وطؤك لم يقع وإن أتى باللام الموطية إتباعا للمنصوص، ويقع بأي لسان كان للعموم، ولا يقع إلا مع القصد لأن الأعمال بالنيات ولخبر رفع الخطأ والنيسان وما استكر هو اعليه، ولو حلف بغير الله تعالى أو بغير أسمائه المختصة أو الغالبة لم ينعقد كما لو حلف بالعتاق والظهار والصدقة والتحريم.

(1) الكافي ج 6 ص 130 ح 2 وفيه " لا والله لااجامعك ويقول والله "، الوسائل ج 15 ص 539 ب 8 ح 1 وفيهما " والله لاغيضنك ".

(2) الكافي ج 6 ص 132 ح 7، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 3 وفيهما " لاغيضنك ثم يهجرها ".

(3) الكافي ج 6 ص 132 ح 9، الوسائل ج 15 ص 541 ب 9 ح 1 وفيهما " فقال: هو أن - لاغيضنك ".

(4) الكافي ج 6 ص 131 ح 3، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 2 وفيهما " والله لاغيضنك ".


60

ويدل على الأول خبر أبي الصباح الكناني (1) 0 قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في إيمانكم " (2) قال: هو لا والله وبلى والله وكلا والله لا يعقد عليها أو لا يعقد على شئ ".

وخبر مسعدة بن صدقة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سمعته يقول في قول الله عز وجل " لا يؤاخذ كم الله باللغو في إيمانكم " اللغو قول الرجل لا والله وبلى والله ولا يعقد على شئ ".

وصحيحة عبد الله بن سنان (4) كما في تفسير العياشي عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

ويدل على الثاني ما في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى (5) في الصحيح عن أبي الحسن عليه السلام " قال: سألته عن الرجل يستكره على اليمين ويحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك ؟ فقال: لا، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله، وضع عن امتي ما اكرهوا عليه وما لا يطيقون وما اخطأوا ".

وفي رواية السكوني (6) كما في التهتذيب عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: كل يمين فيها كفارة إلا ما كان من طلاق أو عتاق أوأو عهد أو ميثاق ".

وفي صحيحة الحلبي (7) كما في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " قال: سألته

(1) تفسير العياشي ج 1 ص 112 ح 341، الوسائل ج 16 ص 145 ب 17 ح 5.

(2) سورة البقرة - آية 225.

(3) الكافي ج 7 ص 443 ح 1، الوسائل ج 16 ص 144 ب 17 ح 1.

(4) تفسير العياشي ج 1 ص 336 ح 163 وفيه " هو قول الرجل - ولا يعقد قلبه "، الوسائل ج 16 ح 144 ب 17 ح 1.

(5) الوسائل ج 16 ص 144 ب 16 ح 6.

(6) التهذيب ج 8 ص 292 ح 73، الوسائل ج 16 ص 140 ب 14 ح 7.

(7) الكافي ج 7 ص 441 ح 12، الوسائل ج 16 ص 141 ب 15 ح 1 وفيهما " الذى يوفى به ".


61

عن امرأة جعلت مالها هديا لبيت الله إن أعارت متاعها لفلانة، فأعار بعض أهلها بغير أمرها، فقال: ليس عليه هدي، إنما الهدي ما جعل الله هديا للكعبة، فذلكالذي يؤتى به إذا جعل لله " وساق الحديث إلى أن قال: " وعن الرجل يقول علي ألف بدنة وهو محرم بألف حجة، قال: ذلك من خطوات الشيطان ".

أما لعمر الله وقوله لاها الله فذلك داخل في اليمين، ومثله وأيم الله فينعقد به الايلاء لصحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عيله السلام قال: لاأرى للرجل أن يحلف إلا بالله " وساق الحديث إلى أن قال: " فأما قوله لعمر الله وقوله لاها الله فإنما ذلك بالله تعالى).

وفي صحيحتة الاخرى (2) كما في الفقيه " فأما قولك لرجل لعمر الله وايم الله فإنما هو بالله ".

ومثله رواية علي بن جعفر (3) وصحيحته كما في قرب الأسناد وكتاب المسائل له.

وكذا لا ينعقد بالكعبة والنبي صلى الله عليه واله والأئمة عليهم السلام وإن أثم بهتكه حرمة أسمائهم، وكذا بالتزام صوم أو صلاة أو صدقة وغير ذلك كأن يقول: إن أوطأتك فعلي صوم لم ينعقد الايلاء ولاوجب ما التزمه إذ ليس من صيغ الالتزام.

وكذا لا ينعقد إن أتى بصيغة الالتزام بأن يقول مثلا: إن وطأتك علي صلاةأو صوم فإنه ليس من الايلاء في شئ، لكن يلزمه ما التزمه حيث يكون هذا النذر مستجمع الشرائط، ولو قال: إن وطأتك فعبدي حر عن الظهار لم يكن إيلاء قصد به إنشاء التحرير معلقا بالوطء أولا ظاهرأم لا، لكن لو وطأ الزم بعتق العبد لاقراره بعتقه عن الظهار، فإن كلامه في صورة الخبر فهو إقرار بالظهار وبأنه التزم

(1) الكافي ج 7 ص 449 ح 2، الوسائل ج 16 ص 160 ب 30 ح 4.

(2) الفقيه ج 3 ص 230 ح 16، الوسائل ج 16 ح 160 ب 30 ح 4.

(3) قرب الاسناد ص 121، الوسائل ج 16 ص 160 ب 30 ح 4.


62

عتق العبد عنه إن وطأها فيؤاخذ بإقراره.

وهل يلزم بعتقه معجلا بعد الوطء ؟ الأقرب المنع وفاقا للقواعد لأن الظهار لا يوجب الالتزام بالتكفير إلا مع مطالبتها، وإذا وطأ لم تبق مطالبة ثم لا يوجب الالتزام بعتق عبد بعينه، والتزام الاعتاق إن وطأها لا يفضى إليه بعبده، ويحتمل الالتزام لأن كفارة الظهارة تصير معجلة بالوطء، وقد تعينت هنا في عتق هذا العبد بالالتزام، ولأن الالتزام إذا تعلق بحق الغير لزمت المبادرة إليه والعتقكذلك، ويجوز أن يريد بالتعجيل الايقاع بعد الوطء بعد مدة التربص للظهار أو عند العزم على الوطء.

ووجه القرب أنه لا يتعين عليه بالظهار عتق هذا العبد وإنما التزم عتقه بعد الوطء فإنما يتعين بعده، واحتمال أن لا يكون ظاهرا إلا معلقا بالوطء.

وهل يشترط تجريد هذه الصيغة عن الشرط ؟ قولان، أقواهما العدم وفاقا للمبسوط والمختلف أخذا بعموم الكتاب والسنة، فهو أشبه شئ بالظهار، وقد ثبت فيه جواز التعليق، ولا يقاس على الطلاق والعتاق حيث لا يقعان معلقين بصفة معينة لأنه منعنا منه النص والاجماع، وليس هاهنا ما يمنع منه، والظواهر تتناوله ولأنهما إيقاعان والتعليق ينافي الايقاع والايلاء يمين والتزام.

والقول الآخر للشيخ في الخلاف وابن حمزة وابن زهرة وابن إدريس وابن سعيد والعلامة في التحرير والارشاد والتلخيص للاجماع المنقول في الخلاف وللأخبار التي ادعاها فيه أيضا ولأصالة البراءة عند التعليق، ولعل المراد بالأخبار ما تضمنت تفسير الايلاء وليس في شئ منها تعليقه بشرط أو صفة، وبالاجماع للاجماع على وقع غير معلق، ولا دليل على وقوعه مشروطا، لكن ابن زهرة ادعى الاجماع على اشتراط التجريد وهو ظاهر السرائر، ولو آلى من زوجة مستكملا للشرائط وقال للاخرىشركتك معها لم يكن إيلاء في الثانية وإن نواه لعدم نطقه بالله تعالى، ولاعبرة بالكناية في الوطء إذ لا يمين إلا بصريح اسمه تعالى.


63

الركن الرابع في متعلق الصيغة: ولفظه الصريح بالنسبة إلى المحلوف عليه وهو تغييب الحشفة أو الفرج أو مرادفاته في الفرج و هو القبل وذكر الحشفة اختصارا على أقل المسمى والايلاج كذلك أو مرادفاته ومثله النيك، وتختص البكر بالافتضاض، ونفاه في المبسوط والخلاف بناء على اشتراط الدخول، وفيه أن الدخول المشترط يحصل بالوطء في الدبر ولا دليل على اشتراط القبل.

نعم يجوز المناقشة فيه بنفي صراحة لكون الافتضاض يعم ما بالوطء أو الاصبع ونحوه ذلك.

أما الجماع والوطء فإنه صريح في العرف وإن لم يكن حقيقة في الأصل في ذلك فيقع معه الايلاء إن قصد، والأخبار الناطقة بالجماع كثيرة، و قد مر كثير منها.

ففي صحيحة ابن مسكان كما في تفسير القمي عن ليث المرادي (1) عن أبي عبد اللهعليه السلام " قال: الايلاء هو أن يحلف الرجل على امرأته أن لا يجامعها " الحديث.

ومثلها صحيحته الاخرى (2) وقد تقدمت أيضا وفيها " الايلاء هو أن يقول الرجل لامرأته والله لااجامعك كذا وكذا ".

وخبر أبي بصير (3) وفيه " والايلاء هو أن يقول والله لا اجامعك كذا وكذا ثم يغاضبها ".

وخبر سماعة (4) وقد تقدم وفيه " الايلاء أن يقول الرجل لامرأته لا اجامعك كذا وكذا ".

وصحيحة الحلبي (5) " قال: الايلاء أن يقول والله لا اجامعك كذا وكذا ".

(1) تفسير القمى ج 1 ص 73، الوسائل ج 15 ص 541 ب 8 ح 6.

(2) الكافي ج 6 ص 132 ح 9، الوسائل ج 15 ص 541 ب 9 ح 1.

(3) الكافي ج 6 ص 131 ح 3، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 2.

(4) التهذيب ج 8 ص 8 ح 24، الوسائل 15 ص 542 ب 9 ح 4.

(5) الكافي ج 6 ص 130 ح 2، الوسائل ج 15 ص 539 ب 8 ح 1.


64

ومثلها صحيحته الاخرى (1) كما في الفقيه.

وبالجملة: فالأخبار بهذا المضمون مستفيضة.

أما المباضعة والملامسة والمباشرة مع النية ففيها خلاف أقربه الوقوع وفاقا للمبسوط والخلاف والسرائر لاشتهارها في ذلك المعنى وورود الأخبار بالوقوع بأخفى منها كما سيجئ، ويحتمل العدم للأصل الخفاء فإنها وإن اشتهرت في ذلك لكنها ليست نصا فيه، أما الأخيرتان فظاهرتان، وأما الاولى فلأنها من البضع أي الشق أو البضعة أي الطائفة من اللحم لما في الجماع من نوع شق ومباشرة بضعة ببضعة.

وفيه نظر فإنها وإن أشتقت من ذلك لكنها لا تستعمل إلا في الجماع فلا تكون أخفى من الجماع، ولو قال " لاجمع رأسي ورأسك مخدة أو لاساقفتك أو لاطيلن غيبتي عنك ولأسوأنك " ففي المبسوط والشرايع يقع مع القصد وهو خيرة التحرير والتلخيص والمختلف كصحيحة بريد بن معاوية (2) عن الصادق عليه السلام " قال: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته ولا يمسها ولا يجتمع رأسه ورأسها فهو في سعة ما لم تمض أربعة أشهر " الحديث.

وفي خبر الصباح الكناني (3) عن الصادق عليه السلام " قال: الايلاء أن يقولالرجل لامرأته: والله لاغيضنك ولأسوانك ".

وفي صحيحة الحلبي (4) وخبر أبي بصير (5) المتقدمين " الايلاء أن يقول: لا والله لا اجامعك كذا وكذا والله لاغيضنك ".

وفي السرائر أنه لا يقع، وهو خيرة الارشاد للأصل مع الخفاء وخصوص

(1) الفقيه ج 3 ص 339 ح 1، الوسائل ج 15 ص 539 ب 8 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 130 ح 1، الوسائل ج 15 ص 543 ب 10 ح 1.

(3) الكافي ج 6 ص 132 ح 7، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 3.

(4) الكافي ج 6 ص 130 ح 2، الوسائل ج 15 ص 539 ب 8 ح 1.

(5) الكافي ج 6 ص 131 ح 3، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 2.


65

اللفظ الأول، وزاد في التحرير الوقوع بقوله لا أجنبت منك أو لا أغتسل منك وأراد لا أجامعك لأغتسل أولا اجامعك إلا في الدبر ولا اغب الحشفة أجمع، ولو قال " لا وطأتك في الحيض ولا في النفاس أو في دبرك " فهو محسن وليس بمؤول وما على المحسنين من سبيل.

المقصد الثاني: في أحكامه وفيه مسائل: الاولى: إذا وقع الايلاء على الوجه المعتبر الجامع للشرائط المعتبرة كما دلت عليه الصحاح المعتبرة فإن صبرت فلا بحث، وإن رفعت أمرها إلى الحاكم أنظره أربعة أشهر لينظر في أمره، فإن وطأ لزمته الكفارة وخرج عن الايلاء فلا يجب عليه بالوطء مرة اخرى كفارة، وإن أتى به مؤبدا أو كان الوطء الثاني في مدة الايلاء اتفاقا لحصول الحنث فلا يحصل مرة اخرى وإن أمكن أن يقال تعلق اليمين بكل جزء من أجزاء المدة والحنث في الوطء في جزء غيره بالوطء في جزء آخر، وكذا يخرج عنه إن طلقها وليس للزوجة مطالبته بالفئة أو الطلاق في هذه المدة، وهذه الأحكام كلها متفق عليها، وقد دلت عليها الأخبار الكثيرة وقد تقدم طائفة منها.

ففي صحيحة بريد بن معاوية العجلي (1) عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام " إنهما قالا: إذا آلى أن لا يقرب من امرأته فليس لها قول ولا حق في أربعة أشهر ولا إثم عليه في كفه عنها في الأرآبعة الأشهر، فإن مضت الأربعة الأشهرقبل أن يمسها فسكتت ورضيت فهوفي حل وسعة، فإن رفعت أمرها قيل له: إما أن تفئ فتمسها وإما أن تطلق، وعزم الطلاق أن يخلي عنها، فإذا حاضت وطهرت طلقها وهو أحق برجعتها ما لم تمض ثلاثة قروء لهذا الايلاء الذي أنزل الله تعالى

(1) الكافي ج 6 ص 131 ح 4، الوسائل ج 15 ص 536 ب 2 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.


66

في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه واله ".

وفي صحيحة الحلبي (1) المروية في طرق عديدة وقد تقدمت عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث قد مر صدره وفيه " فإنه يتربص به أربعة أشهر، فإذا فاء - وهو أن يصالح أهله - فإن الله غفور رحيم، وإن لم يف اجبر على الطلاق، ولا يقع بها طلاق حتى يوقف وإن كان أيضا بعد الأربعة الأشهر، ثم يجبر على أن يفئ أو يطلق ".

وصحيحة أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام كما في تفسير القمي " قال: الايلاء هو أن يحلف الرجل على امرأته أن لا يجامعها، فإن صبرت عليه فلها أن تصبر، وإن رفعته إلى الامام أنظره أربعة أشهر، ثم يقول له بعد ذلك: إما أن ترجعإلى المناكحة " الحديث.

وصحيحة الاخرى (3) كما في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام " قال سألته عن الايلاء ما هو ؟ " فساق الحديث كما تقدم إلى أن قال: " فيتربص بها أربعة أشهر ثم يؤخذ فيوقف بعد الأربعة أشهر، فإن فاء - وهو أن يصالح أهله - فإن الله غفور رحيم، وإن لم يف اجبر على الطلاق " الحديث.

وخبر أبي بصير (4) " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا آلى الرجل من امرأته " وساق الحديث كما تقدم إلى أن قال: " ثم يتربص بها أربعة أشهر، فإن فاء والايفاء أن يصالح أهله أو يطلق عند ذلك ".

وخبر أبي الصباح الكناني (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجل

(1) الكافي ج 6 ص 130 ح 2، الوسائل ج 15 ص 539 ب 8 ح 1 وفيهما " ولا يقع بينهما " مع اختلاف يسير.

(2) تفسير القمى ج 1 ص 73، الوسائل ج 15 ص 541 ب 8 ح 6.

(3) الكافي ج 6 ص 132 ح 9، الوسائل ج 15 ص 541 ب 9 ح 1.

(4) الكافي ج 6 ص 131 ح 3، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 2.

(5) الكافي ج 6 ص 132 ح 7، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 3.


67

آلى من امرأته " وساق الحديث إلى أن قال: " إذا مضت أربعة أشهر وقف وإن كان بعد حين، فإن فاء فليس بشئ وهي امرأته، وإن عزم الطلاق فقد عزم.

وقال: الايلاء أن يقول الرجل لامرأته والله لاغيضنك ولأسوأنك ثم يهجرها ولا يجامعها حتى تمضي أربعة أشهر فقد وقع الايلاء، وينبغي للامام أن يجبره على أن يفئ أو يطلق ".

ومثله خبر سماعة (1) وفيه " والايفاء أن يصالح أهله أو يطلق، فإن لم يفعل جبر على ذلك ".

وفي خبر أبي مريم (2) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: المؤلي يوقف بعد الأربعة الأشهر فإن شاء أمسك بمعروف أو أسرح بإحسان، فإن عزم الطلاق فهي واحدة ".

وأما ما جاء في خبر أبي الجارود (3) " أنه سمع أبا جعفر عليه السلام يقول في الايلاء: يوقف بعد سنة، فقلت: بعد سنة ؟ فقال: نعم يوقف بعد سنة " فلا ينافي ما قدمناه لأنه لم يذكر أنه قبل ذلك لم يوقف وإنما يدل بمفهوم الخطاب، ودليلالخطاب لا يعارض الصريح.

وكذا ما في خبر أبي مريم (4) " أنه سأله عن رجل آلى من امرأته أنه قال: يوقف قبل الأربعة الأشهر وبعدها " فيجب حمله على ما قاله الشيخ من أنه يوقف قبل أربعة أشهر لضرب المدة لا لالزامه بالطلاق والفئة، وجوز حمله على اجتماع الظهار والايلاء لأنه مدة الظهار ثلاثة أشهر.

وأما ما في خبر عثمان بن عيسى (5) عن أبي الحسن عليه السلام " أنه سأله عن رجل

(1) التهذيب ج 8 ص 8 ح 24، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 4 وفيهما " أن يصالح أهله فان الله غفور رحيم وان لم يف بعد أربعة أشهر حتى يصالح أهله أو يطلق جبر ".

(2) التهذيب ج 8 ص 5 ح 8، الوسائل ج 15 ص 543 ب 10 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(3) التهذيب ج 8 ص 5 ح 9، الوسائل ج 15 ص 540 ب 8 ح 2.

(4) التهذيب ج 8 ص 5 ح 10، الوسائل ج 15 ص 540 ب 8 ح 3.

(5) التهذيب ج 8 ص 8 ح 23، الوسائل ج 15 ص 540 ب 8 ح 4.


68

آلى من امرأته متى يفرق بينهما ؟ قال: إذا مضت أربعة أشهر ".

الثانية: لو وطأ في مدة التربص وهي الأربعة الأشهر المضروبة له لزمته الكفارة إجماعا، وكذا بعدها وفاقا للخلاف والنهاية والشرايع والبيان ومجمع البيان وتفسير روض الجنان وأحكام القرآن للراوندي وهو ظاهر الأكثر.

وحكى الشيخ في الخلاف عليه الوفاق المخالفة اليمين فتشمله العمومات ولخبر منصور بن حازم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل آلى من امرأته أربعة أشهر يوقف فإن طلق بانت منه وعليها عدة المطلقة، وإلا كفر عن يمينه وأمسكها ".

ومرسل تفسير العياشي (2) عن أبي عبد اله عليه السلام " سئل: إذا بانت المرأة من الرجل هل يخطبها مع الخطاب ؟ قال: يخطبها على تطليقتين ولا يقربها حتى يكفر عن يمينه ".

وما ارسل عن الصادق عليه السلام كما في الكتب المعتمدة " قال: إذا فاء المؤلي فعليه الكفارة ".

وخالف الشيخ في المبسوط فنفى الكفارة بعد الأربعة، وربما كان وجهه أن المؤلي قد صار بعد المدة مأمورا بالوطء ولو تخيرا فلا تجب بفعله كفارة، لأن المحلوف عليه إذا كان تركه أرجح جازت المخالفة من غير كفارة، ويضعف بأن يمين الايلاء تخالف غيرها من الأيمان في هذا المعنى ومن ثم انعقدت ابتداءوإن كان تركه أرجح أو كان واجبا كما لو آلى في وقت يجب فيه الوطء.

الثالثة: لو وطأ ساهيا أو مجنونا أو مشتبهة بغيرها بطل الايلاء وانحل يمينه - كما في المبسوط - لحصول المخالفة واشتراط القصد غير معلوم وإن لم يحنث بذلك، وجعله في المبسوط نظير أن الذمية إذا كانت تحت مسلم وانقطع

(1) التهذيب ج 8 ح 21، الوسائل ج 15 ص 547 ب 12 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.

(2) تفسير العياشي ج 1 ص 113 ح 347، الوسائل ج 15 ص 547 ب 12 ح 4 وفيهما " يكفر يمينه ".


69

حيضها كلفت الاغتسال، فإذا فعلت حل له وطؤها وإن كان هذا الغسل لا يجزيها في حق الله وإن أجزأ في حق الآدمي، وقد يقال بعدم الانحلال لخروج مثل ذلك من متعلق اليمين كخروج الوطء في الدبر ولا كفارة عليه بهذا الحلف اتفاقا لعدم الحنث ولا بما يفعله بعده عامدا على ما اختاره لانحلال اليمين، وربما يقال عليه الكفارة بعد ذلك وإن قلنا ببطلان الايلاء بناء على بناء بطلان الايلاء على أنه ليس لها المطالبة بالفعل لأنه وفاها حقها لكنه لم يحنث وعليه الكفارة إذاحنث.

الرابعة: لافرق بين الحر والعبد ولا بين الحرة والأمة في مدة التربص في إطلاق الكتاب والسنة والاجماع عندنا، خلافا لمالك في العبد ولأبي حنيفة في الأمة فينصفان المدة وهي حق للزوج كما تدل عليه الآية والرواية، فليست محلا للفئة كما دلت عليها الأخبار المتقدمة المستفيضة فإن فارقها فيها فقد أحسن وإنما وقت الفئة ما بعدها، ثم إنها إذا انقضت لم تطلق بانقضائها، خلافا لأبي حنيفة فقد جعل المدة وقت الفئة وقال: إذا لم يف فيها طلقت تطليقة بائنة.

وكأن موثقة أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام كما في التهذيب " في الرجل يؤلي من امرأته فمكث أربعة أشهر فلم يف فهي تطليقة ثم يوقف، فإن فاء فهي عنده على تطليقتين، فإن عزم فهي بائنة منه " وخبر منصور بن حازم (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: المؤلي إذا وقف فلم يف طلق تطليقة بائنة " قد جاءتا تقية لموافقتهما مذهب أبي حنيف في كل من الأمرين، أعني أن انقضاء المدة تطليقة والطلاق الذي يوقعه بعد المدة لا يكون إلا بائنا.

وقد سمعت في صحيحة بريد العجلي (3) التي مر صدرها ما ينفي ذلك كله

(1) التهذيب ج 8 ص 4 ح 7، الوسائل ج 15 ص 544 ب 10 ح 4.

(2) التهذيب ج 8 ص 4 ح 6، الوسائل ج 15 ص 544 ب 10 ح 5.

(3) التهذيب ج 8 ص 3 ح 3، الوسائل ج 15 ص 543 ب 10 ح 1.


70

حيث قال: " فهو في سعة ما لم تمض الأربعة الأشهر فإذا مضت أربعة أشهر وقف، فإما يفي فيمسها وإما أن يعزم على الطلاق فيخلي عنها، حتى إذا حاضت وتطهرت من حيضها طلقها تطليقة قبل أن يجامعها بشهادة عدلين، ثم هو أحق برجعتها ما لم تمض الثلاثة الأقراء ".

وكذلك خبر أبي مريم (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: المؤلي يوقف بعد الأربعة أشهر، فإن شاء أمسك بمعروف أو سرح بإحسان، فإن عزم الطلاق فهي واحدة وهو أملك برجعتها ".

وأما ما في صحيحة منصور بن حازم (2) " قال: إن المؤلي يجبر على أن يطلق تطليقة بائنة " وفي الكافي بعد هذا الكلام وعن غير منصور " أنه يطلق تطليقة يملك الرجعة، فقال له بعض أصحابه: إن هذا منتقض، فقال: لا، التي تشكو فتقولتخيرني وتمنعني من الزوج يجبر على أن يطلقها تطليقة بائنة، والتي تسكت ولا تشكوا إن شاء طلق فيها تطليقة يملك فيها الرجعة ".

ورواه الشيخ في الخلاف واقتصر على رواية منصور وحذف الرواية الاخرى والتوجيه، ثم حمله على من يرى الامام إجباره على طلاق بائن بأن يباريها ثم يطلقها، وأن يكون مختصا بمن تكون عند الرجل على تطليقة واحدة فيكون طلاقها بائنا.

واحتمل محدث الوسائل كون لفظ البائن مستعملا في المعنى اللغوي فإن كل طلاق فهو بائن يوجب التحريم على الزوج ما لم يرجع.

وهذه المحامل كلها بعيدة، فالأليق بها الحمل على التقية.

الخامسة: يستفاد من صحيحة الحلبي وصحيحة ليث المرادي ورواية أبي بصير وغيرها من الأخبار بأن المؤلي لو أراد طلاق الزوجة لم يكن له ذلك إلا بعد

(1) التهذيب ج 8 ص 5 ح 8، الوسائل ج 15 ص 543 ب 10 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الكافي ج 6 ص 131 ح 5، الوسائل ج 15 ص 544 ب 10 ح 3.


71

المرافعة وإن كان بعد الأربعة الأشهر، حيث قال في الاولى (1) " ولا يقع بها طلاق حتى يوقف وإن كان بعد الأربعة الأشهر ثم يجبر على أن يفئ أو يطلق ".

وفي صحيحة ليث المرادي (2) " ولا يقع طلاق فيما بينهما ولو كان بعد أربعة أشهر ما لم ترفعه إلى الامام ".

وفي رواية أبي بصير (3) " ولا يقع بينهما طلاق حتى يوقف وإن كان بعد الأربعة الأشهر ".

وفي رواية سماعة (4) " ولا يقع طلاق فيما بينهما حتى يوقف وإن كان بعد الأربعة الأشهر، فإذا أبى فرق بينهما الامام ".

السادسة: لو آلى مدة ودافع بعد المرافعة حتى انقضت سقط الايلاء وإن أثم ولا كفارة مع الوطء بعدها، ولو أسقطت حقها من المطالبة لم تسقط بالكلية حتى لا يجوز لها تجديدها لتجدده في كل وقت، وهي إنما أسقطت ما مضى أذ لا معنى لا سقاط ما لم يثبت في الذمة.

السابعة: قد اختلفت كلمة الأصحاب في مبدأ المدة المضروبة للايلاء وهي الأربعة أشهر، ففي النهاية والمبسوط والغنية والسرائر والجامع وظاهر غيرها أ يضا أنها من حين الترافع لامن حين الايلاء، وظاهر المبسوط الاجماع عليه.

وقال ابن أبي عقيل وابن الجنيد إنها من حين الايلاء، واختاره في المختلف وولده في شرحالقواعد وإليه مال المحقق واختاره في المسالك.

واحتج للأول بخبر العباس بن هلال (5) المروي في العياشي عن الرضا عليه السلام " قال: إن أجل الايلاء أربعة أشهر بعدما يأتيان السلطان ".

(1) الكافي ج 6 ص 130 ح 2، الوسائل ج 15 ص 539 ب 8 ح 1 وفيهما " ولا يقع بينهما " مع اختلاف يسير.

(2) الكافي ج 6 ص 132 ح 9، الوسائل ج 15 ص 541 ب 9 ح 1.

(3) الكافي ج 6 ص 131 ح 3، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 2.

(4) التهذيب ج 8 ص 8 ح 24، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 4.

(5) تفسير العياشي ج 1 ص 113 ح 346، الوسائل ج 15 ص 541 ب 8 ح 7 وفيهما " قال: ذكر لنا أن أجل ".


72

وبصحيحة أبي بصير (1) كما في تفسير القمي عن الصادق عليه السلام وقد تقدمت لقوله عليه السلام فيها " وإن رفعته إلى الامام أنظره أربعة أشهر، ثم يقول له بعد: إما أن تراجع إلى المناكحة وإما أن تطلق، فإن أبى حبسه أبدا ".

وصحيحة البزنطي (2) كما في قرب الأسناد عن الرضا عليه السلام " قال: سألته عن الايلاء فقال عليه السلام: أن يوقف إذا قدمته إلى السلطان فيوقفه السلطان أربعة أشهر ثم يقول له: أما أن تطلق وأما أن تمسك ".

واحتج للقول الثاني بإطلاق القرآن وإطلاق الأخبار وبخصوص صحيحة بريد بن معاوية (3) عن الصادق عليه السلام قال: لا يكون إيلاء " وساق الخبر إلى أن قال: " وهو في سعة ما لم تمض الأربعة الأشهر، فإذا مضت أربعة أشهر وقف، فإما أن يفئ وإما أن يعزم على الطلاق ".

وصحيحة الحلبي (4) وقد مر ذكرها بطرق عديدة عن أبي عبد الله عليه السلام وفيهما " لكنه يتربص به أربعة أشهر فيوقف فإذا فاء - وهوأن يصالح أهله - فإن الله غفور رحيم وإن لم يف اجبر على الطلاق ".

وخبر أبي الصباح الكناني (5) وفيه " ولا يجامعها حتى تمضي أربعة أشهر فقد وقع الايلاء، وينبغي للامام أن يجبره أما أن يفئ أو يطلق ".

وقال فيه أيضا بعد ما

(1) تفسير القمى ج 1 ص 73، الوسائل ج 15 ص 541 ب 8 ح 6 وفيهما " له بعد ذلك " مع اختلاف يسير.

(2) قرب الاسناد ص 159، الوسائل ج 15 ص 541 ب 8 ح 5 وفيهما " سأله صفوان وأنا حاضر ".

(3) الكافي ج 6 ص 130 ح 1، الوسائل ج 15 ص 543 ب 10 ح 1 وفيهما " فاما أن يفئ فيمسها واما ".

(4) الكافي ج 6 ص 130 ح 2، الوسائل ج 15 ص 539 ب 8 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(5) الكافي ج 6 ص 132 ح 7، الوسائل ج 15 ص 532 ب 9 ح 3.


73

سئل عن رجل آلى من امرأته بعد ما دخل بها " قال: إذا مضت أربعة أشهر وقف وإن كان بعد حين ".

وخبر أبي بصير (1) " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الايلاء أن يقول والله لا اجامعك كذاوكذا ثم يغاضبها، ثم يتربص بها أربعة أشهر، فإن فاء وهو وهو أن يصالح أهله‌أو يطلق عند ذلك ".

وصحيحة ليث المرادي (2) كما في التهذيب والكافي قد تقدم صدرها مراراوفيها بعد صدور الايلاء " فيتربص بها أربعة أشهر ثم يؤخذ فيوقف بعد الأربعة أشهر فأن فاء وهو أن يصالح أهله " الحديث.

وخبر سماعة (3) وفيه " الايلاء أن يقول الرجل والله لا اجامعك كذا وكذا فإنه يتربص أربعة أشهر، فإن فاء والايفاء أن يصالح أهله أو يطلق ".

وصيححة منصور (4) وخبره " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل آلى من امرأته فمرت أربعة أشهر، قال: يوقف فإن عزم الطلاق بانت منه وعليها عدة المطلقة وإلا كفر عن يمينه وأمسكها ".

ومرسلة تفسير القمي (5) " قال: وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه بنى حظيرة من قصب وجعل فيها رجلا آلى من امرأته بعد أربعة أشهر وقال: إما أن ترجع إلى المناكحة وإما أن تطلق ".

(1) الكافي ج 6 ص 131 ح 3، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 2.

(2) الكافي ج 6 ص 132 ح 9، التهذيب ج 8 ص 3 ح 4، الوسائل ج 15 ص 541 ب 9 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 8 ح 24، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 4.

(4) التهذيب ج 8 ص 8 ح 21، الوسائل ج 15 ص 547 ب 12 ح 3.

(5) تفسير القمى ج 1 ص 73، الوسائل ج 15 ص 546 ب 11 ح 6 وفيهما اختلاف يسير.


74

وخبر أبي مريم (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: المؤلي يوقف بعد الأربعة الأشهر فإن شاء أمسك بمعروف أو سرح بإحسان ".

وصحيحة الحلبي الاخرى (2) قال: أيما رجل آلى من امرأته فإنه يتربص به أربعة أشهر ثم يؤخذ بعد الأربعة الأشهر " إلى أن قال: " فإن لم يف اجبر على الطلاق ".

وفي الجعفريات (3) بإسنادها المشهور عن علي عليه السلام " أنه كان يقول: إذا آلى الرجل من امرأته فلا شئ عليه حتى تمضي أربعة أشهر، فإن قامت المرأة تطلب إذا مضت الأربعة الأشهر وقف، فإما أن يفئ أو يطلق مكانه، وإن لم تقم المرأة تطلب حقها فليس لها شئ ".

وفي صحيحة بريد بن معاوية (4) أيضا عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام" أنهما قالا: إذا آلى الرجل أن لا يقرب امرأته فليس لها قول ولاحق في أربعة أشهر ولا إثم عليه في كفه عنها في أربعة أشهر، فإن مضت الأربعة الأشهر قبل أن يسمها فسكتت ورضيت فهو في حل وسعة، وإن رفعت أمرها قيل له أما أن تفي فتمسها وإماأن تطلق، وعزم الطلاق أن يخلي عنها " الحديث.

وأما ما تقدم في خبر يونس بن يعقوب عن أبي مريم (5) من قوله عليه السلام " قال: يوقف قبل الأربعة أشهر وبعدها " فقد عرفت الجواب عنها من أنه يوقف لضرب المدة لا لالزامه.

(1) التهذيب ج 8 ص 5 ح 8، الوسائل ج 15 ص 543 ب 10 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 3 ص 339 ح 1، الوسائل ج 15 ص 539 ب 8 ح 1.

(3) قرب الاسناد ص 115، مستدرك الوسائل ج 3 ص 30 ب 5 ح 1.

(4) الكافي ج 6 ص 131 ح 4، الوسائل ج 15 ص 536 ب 2 ح 1.

(5) التهذيب ج 8 ص 5 ح 10، الوسائل ج 15 ص 540 ب 8 ح 3.


75

ومثل هذا الأخبار في الدلالة على أن الأربعة من الايلاء خبر عثمان بن عيسى (1) عن أبي الحسن عليه السلام " أنه عن رجل آلى من امرأته متى يفرق بينهما ؟ قال: إذا مضت أربعة أشهر وقف ".

وبالجملة: فالأخبار بهذا المذهب مستفيضة مع مساعدتها بظاهر القرآن ولمطابقتها للمدة المضروبة في إيجاب النكاح للمرأة وهو الأربعة أشهر في غير الايلاء ولهذا يلزم بالنكاح بعد الأربعة أشهر وإن لم يكن مؤليا، وأما الأخبار الاولة فيمكن رجوعها إلى هذا المعنى لأنها لم تكن نصا في الأول.

والذي يدل على إلزامه بذلك وإن لم يكن مؤليا صحيحة حفص بن البختري (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا غاضت المرأة الرجل فلم يقربها من غير يمين أربعة أشهر استعدت عليه، فإما أن يفئ وإما أن يطلق، فإن تركها من غير مغاضبة أو يمين فليس بمؤل ".

وأما ما احتجوا به من أن ضرب المدة حكم شرعي فهو باق على العدم الأصلي فيتوقف ثبوته على حكم الحاكم ولأصالة عدم التسلط على الزوج بحبس أو غيره لأجل الفئة أو الطلاق إلا مع تحقق سببه فمدفوع بمنع احتياج المدة إلىالضرب، بل مقتضى الحكم الشرعي الثابت بالآية والرواية ترتبه على مضي المدة المذكورة من حين الايلاء، وإثبات توقفها على المرافعة متوقف على الدليل وهو منفي لقبوله للتأويل، وهذا الدليل الصريح أخرجه عن حكم العدم الأصلي، وأصالة عدم التسليط قد انقطعت بالايلاء المقتضي له بالآية والرواية والاجماع، فتوقفه على أمر آخر خلاف الأصل.

الثامنة:

لو اختلفنا في انقضاء المدة

فالقول قول من يدعي بقاءها للأصل في عدم انقضائها، لأن مرجع دعوى انقضائها إلى تقدم زمان الايلاء إن جعلنا المدة من حينه أو زمان المرافعة إن جعلناها منها، والأصل عدم تقدم كل منهما.

(1) التهذيب ج 8 ص 8 ح 23، الوسائل ج 15 ص 540 ب 8 ح 4.

(2) الكافي ج 6 ص 133 ح 12، الوسائل ج 15 ص 535 ب 1 ح 2 وفيهما " إذا غاضب الرجل امرأته ".


76

ومثله ما لو اختلفنا في زمان إيقاع الايلاء فالقول قول مدعي تأخره لأصالة عدم التقدم وفائدته حيث يجعل المدة من حينه أو يكون الايلاء مقدرا بمدة،فمدعي تقدمه يحاول انحلال اليمين، وليس هذه المسائل منصوصة بالخصوص وإنما رجعت إلى القواعد الكلية في الدعوى وهي ثابته لا يجوز التخلف عنها إلا بدليل خاص، وليس فليس.

التاسعة: المفهوم من الأخبار والفتوى أن الفئة الواجبة على الزوج بعد الايلاء وانقضاء المدة من القادر هو غيبوبة الحشفة في القبل فلا يكفي الدبر هنا لأنه الفرد الظاهر من الوطء الواجب المزوجة وإن قام مقامه في مواضع لاطلاق النصوص، وفئة العاجز إظهار العزم على الوطء عند القدرة على ذلك بأن يقول أو يكتب أنه يفي إذا قدر أو يشير إليه إشارة مفهمة، ويمهل العاجز إلى زوال عذره والقادر إن استمهل ما جرت العادة بإمهاله كخفة المأكول والأكل إذا كان جائعا أو في حال الأكل والراحة والتعب ومنه السهر والانتباه إذا كان نائما، وما قضى الشرع بإمهاله كالفراغ من الصوم والصلاة والاحرام والتقدير بثلاثة أيام من أقوال العامة وليس هو مذهبا لأحد من أصحابنا، وقد عبر الشارع عن هذا الوطء بالصلح، ولهذا رتب عليه الكفارة كما مر في الفتوى والأدلة لا مجرد الامساك بمعروف فإنها باقية على الزوجية، وإنما منع من النكاح لأن الايلاء على خلاف الأصلعقوبة إليه بإرادته الاضرار كما وقع في الظهار وإن كان حقه أن لا ينعقد.

العاشرة: لو انقضت مدة التربص وهناك ما يمنع من وطئها وهي عالمة بذلك كالحيض والمرض لم يكن لها المطالبة - عند الشيخ - فيما إذا كان العذر من جهتها فلا يطالب بالفئة القولية كالعاجز عنده.

وقال المحقق في الشرايع وتبعه جماعه من المتأخرين، يجب عليه فئة العاجز لأنه لامانع منها بل هي ممكنة وإنما المانع من الله تعالى، وعلى كل تقدير فلا يجب لها المطالبة بالفئة فعلا إجماعا لمعذوريته والحال هذه ولامضارة، ومثله ما لو كانت محرمة أو حائضا أو نفساء أو صائمة أو


77

معتكفه برضائه.

ولو تجددت إعذارها في إثناء العدة قال في المبسوط: تنقطع الاستدامة كذلك إلاالحيض والمراد بانقطاعها عدم احتسابها من المدة، فإذا زال ذلك العذر ثبت على ما مضى من المدة قبل العذر.

ووجهه أن الحق لها والعذر من قبلها ومدة التربص حق له فلا يحتسب له منها ما لا يقدر على الفئة فيها، وإنما استثني من ذلك الحيض حيث إنه لا يقطعها إجماعا لأنه لو قطع لم تسلم مدة التربص أربعة أشهر لتكرره في كل شهر غالبا، والأكثر لا يفرقون بينه وبين غيره فيعدم قطع الاستدامة لقيام فئة العاجز مقام الوطء من القادر وهو في حكم العاجز، وهذا أقوى من أعذار الرجل، فلا يقطع المدة ابتداء ولا استدامة إجماعا لاطلاق النصوص في الانتظار أربعة أشهر من غير استفصال لأن حق المهلة له والعذر منه، وكذا لايمنع المرافعة له

لو اتفقت على رأس المدة

فيؤمر بفئة العاجز أو الطلاق كما تقدم، وسيجئ أيضا.

الحادية عشرة: إذا جن المؤلي بعد ضرب المدة احتسب المدة عليه وإن كان مجنونا، فإذا انقضت المدة والجنون باق لم يرافع ولم يكلف بأحد الأمرين لارتفاع القلم عنه بل يتربص به حتى يفيق ثم يحكم عليه بذلك، بخلاف ما لو انقضت المدة وبه عذر آخر غيره لا يرفع التكليف كالمرض فإنه يؤمر بفئة العاجز إذا انقضت المدة وهو محرم ألزمه نفسه الزم بفئة المعذور، وكذا لو اتفق صائما، ولو واقع أتى بالفئة وإن أثم، وكذا في كل وطء محرم كالوطء في الحيض لكنه لا يلزم بالوطء المحرم وإن أثم بفعله من نفسه وحصلت له الفئة لحصول الغرض سواء وافقته على ذلك أم أكرهها، ولا يجوز له موافقته لأنها معاونة على العدوان المنهي عنه، واحتمل بعضهم جوازه لها لأنه ليس محرما من طرفها، ومثله مالو مكنت المسافرة ومن طهرت من حيضها في أثناء النهار للصائم، ولو ارتد لاعن فطرة احتسب زمان الردة عليه وفاقا للمحقق وجماعة لتمكنه من الوطء بالرجوع إلى الاسلام فهى ليست عذرا، خلافا للشيخ وجماعة لجريانها إلى البينونة فليست


78

كأهلية الزوجية، وزمان عدتها مخالف لزمان التربص، فإن انقضاءه يقتضي البينونة وانقضاء زمان التربص يقتضئ المطالبة بالفئة وتضاد الأثرين يقتضي تضاد المؤثرين، ولأن الامتناع من الوطء للردة لا للايلاء، ويندفع جميع ذلك بما ذكرنا وبعموم النصوص مع أن انقضاء العدة إنما يقتضي البينونة إذا استمر الارتداد.

الثانية عشرة: إذا رفعت أمرها إلى الحاكم بعد ضرب المدة لها خيرها بين الفئة والطلاق، فإن طلق خرج من حقها ويقع الطلاق رجعيا إن لم يكن ما يقتضي البينونة للأصل والعمومات والخصوصات، وهي كثيرة جدا كصحيحتي بريد العجلي (1) وقد تقدمتا وفيهما " إذا مضت الأربعة أشهر ووقف فإما أن يفي فيمسها وإما أن يعزم على الطلاق فيخلي عنها، حتى إذا حاضت وطهرت من محيضها طلقها قبل أن يجامعها بشهادة عدلين، ثم هو أحق برجعتها ما لم تمض الثلاثةالأقراء ".

وفي خبر أبي مريم (2) المتقدم عن أبي جعفر عليه السلام " قال: المؤلي يوقف بعد الأربعة أشهر، فإن شاء أمسك بمعروف أو تسريح بأحسان، فإن عزم الطلاق فهي واحدة وهو.

أملك برجعتها ".

وربما بان طلاقها لا يكون إلا بائنا وإن كان أول طلقة لصحيحة منصور (3) وغيرها، وقد مر الجواب عنها، وحملها على التقية هو أقرب محاملها.

ثم إنه إن فاء أيضا خرج من حقها كما تضمنته الآية والروايات المستفيضة ووجب عليه الكفارة، وقد مر جميع ذلك وبينا ما فيه من الخلاف، ولو امتنع من الأمرين

(1) الكافي ج 6 ص 130 ح 1 وص 131 ح 4، الوسائل ج 15 ص 543 ب 10 ح 1 وص 536 ب 2 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 132 ح 8، الوسائل ج 15 ص 543 ب 10 ح 2 وفيهما " امساك بمعروف ".

(3) التهذيب ج 8 ص 4 ح 6، الوسائل ج 15 ص 544 ب 10 ح 5.


79

حبس وضيق عليه في المطعم والمشرب على وجه لا يمكنه الاقامة عليه والصبر عادة حتى يفي أو يطلق، وسيأتي في الأخبار ما يدل على أنه يطعمه ربع القوت فإن أبى بعد ذلك إذا كان الأمر عليه إمام المسلمين وامتنع ضربت عنقه أو اضرم عليه النار في الحظيرة التي احبس فيها.

وهذا الحكم مجمع عليه في الجملة والأخبار به مستفيضة.

فمنها خبر حماد بن عثمان (1) كما في الكافي والتهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام " قال في المؤلي إذا أبى أن يطلق قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يجعل له خطيرة من قصب ويحسبه فيها ويمنعه من الطعام والشراب حتى يطلق ".

وصحيحة خلف بن حماد (2) المرفوعة إلى أبي عبد الله عليه السلام كما في الكافي والتهذيب " في المؤلي إما أن يفئ أو يطلق، فإن فعل وإلا ضربت عنقه ".

ومنها خبر غياث بن إبراهيم (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا أبى المؤلي أن يطلق جعل له حظيرة من قصب وأعطاه ربع قوته حتى يطلق ".

ومرسلة صفوان (4) الصحيحة إليه كما في العياشي عن أبي عبد الله عليه السلام " فيالمؤلي إذا أبى أن يطلق، قال: كان علي عليه السلام يجعل له حظيرة من قصب ويحسبه فيها ويمنعه من الطعام والشراب حتى يطلق ".

(1) الكافي ج 6 ص 133 ح 10، التهذيب ج 8 ص 6 ح 13، الوسائل ج 15 ص 545 ب 11 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 133 ح 11، التهذيب ج 8 ص 6 ح 14، الوسائل ج 15 ص 545 ب 11 ح 2.

(3) الكافي ج 6 ص 133 ح 13، التهذيب ج 8 ص 6 ح 15، الوسائل ج 15 ص 545 ب 11 ح 3.

(4) تفسير العياشي ج 1 ص 114 ح 348، الوسائل ج 15 ص 546 ب 11 ح 7.


80

ومرسل الفقيه (1) " قال: روي أنه إن فاء وهو أن يراجع الجماع وإلا حبس في حظيرة من قصب وشدد عليه في المأكل والمشرب حتى يطلق ".

وفيه مرسلا (2) " قال: روي أنه متى أمره إمام المسلمين بالطلاق فامتنع ضربت عنقه لامتناعه على إمام المسلمين ".

ومرسلة تفسير القمي (3) عن أمير المؤمنين عليه السلام " أنه بنى حظيرة من قصب وجعل فيها رجلا آلى من امرأته أربعة أشهر، فقال: إما أن ترجع إلى المناكحة وإما أن تطلق وإلا أحرقت عليك الحظيرة ".

وينبغي حمل الأخبار الدالة على القتل على ما لو جحد الحكم من أصله بعد خطاب إمام الزمان إليه به، ولا يجبره الامام على أحدهما عينا بل تخيرا كما تقدم في الظهار، ولا ينافي الاجبار الشرعي عينا أو تخييرا وقوع الطلاق كما سبق، وقد روي أنه إن أبى فرق بينهما الامام، ويمكن أن لا يريد به الطلاق، وقد وقع التصريح بذلك أيضا في خبر سماعة (4).

الثالثة عشرة: وجوب العدة على هذه المطلقة بالايلاء إذا كانت من أهل الاعتداد، متفق عليه في النصوص والفتوى، ففي صحيحة محمد بن مسلم (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجل آلى من امرأته حتى مضت أربعة أشهر، قال: يوقف فإن عزم الطلاق اعتدت كما تعتد المطلقة، وإن أمسك فلا بأس ".

(1) الفقيه ج 3 ص 339 ح 2 وفيه " يرجع الى الجماع "، الوسائل ج 15 ص 545 ب 11 ح 4.

(2) الفقيه ج 3 ص 340 ح 3، الوسائل ج 15 ص 545 ب 11 ح 5.

(3) تفسير القمى ج 1 ص 73 مع اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 546 ب 11 ح 6.

(4) التهذيب ج 8 ص 8 ح 24، الوسائل ج 15 ص 542 ب 9 ح 4.

(5) التهذيب ج 8 ص 7 ح 20، الوسائل ج 15 ص 546 ب 12 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.


81

وصحيحة عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن الايلاء، قال: إذا مضت أربعة أشهر ووقف، فإما أن يفئ وإما أن يطلق، قلت: فإن طلق تعتد عدة المطلقة ؟ قال: نعم ".

وصحيحة منصور بن حازم (2) وروايته كما في الفقيه والتهذيب " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل آلى من امرأته فمرت أربعة أشهر، قال: يوقف فإن عزم الطلاق بانت منه وعليها عدة المطلقة وإلا كفر عن يمينه وأمسكها ".

ويدل عليه أيضا ما تقدم في صحيحتي بريد العجلي (3) و (4) حيث قال في آخر هما " ثم هو أحق برجعتها ما لم تمض الثلاثة الاقراء ".

الرابعة عشرة: إذا ادعى الاصابة منها في الأربعة أو بعدها فأنكرت فالقول قوله مع يمينه لتعذر البينة، وهذا الحكم مما خولف فيه القواعد المقررة من تقديم قول المدعي، وإنما أخرجوه منها لتعذر إقامة البينة عليه أو لتعسرها غالبا مع كونه من فعله الذي لا يعلم إلا من جهته وأصالة بقاء النكاح وعدم التسلط على الاجبار على الطلاق، ولخبر إسحاق بن عمار (5) عن الباقر عليه السلام " أن عليا عليه السلام سئل عن المرأة تزعم أن زوجها لا يمسها ويزعم أنه يمسها، قال: يحلف ويترك.

ويقول الصادق عليه السلام فيما ارسل عنه كما في بعض الكتب المعتمدة " قال: في فئة المؤلي: إذا قال قد فعلت وأنكرت المرأة فالقول قول الرجل ولا إيلاء ".

(1) التهذيب ج 8 ص 7 ح 19، الوسائل ج 15 ص 546 ب 12 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 2 ص 340 ح 4 مع زيادة، التهذيب ج 8 ص 8 ح 21، الوسائل ج 15 ص 547 ب 12 ح 3.

(3) التهذيب ج 8 ص 3 ح 3، الوسائل ج 15 ص 543 ب 10 ح 1.

(4) الكافي ج 6 ص 131 ح 4، الوسائل ج 15 ص 536 ب 2 ح 1.

(5) التهذيب ج 8 ص 8 ح 25، الوسائل ج 15 ص 547 ب 13 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.


82

ومثله في تقديم قوله في الاصابة مع مخالفة الأصل المذكور مالو ادعى العنين إصابتها في المدة أو بعدها ثم إذا حلف على الاصابة وطلق وأراد الرجعة بدعوى الوطء الذي حلف عليه، قال في التحرير: الأقرب أنه لا يمكن وكان القول قولها في نفي العدة الوطء على قياس الخصومات من أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وإنما خالفناه في دعوى الاصابة لما ذكر من العلة وهي منتفية هنا كما لو اختلفنا في الرجعة ابتداء.

وهذا التفريع لابن الحداد من الشافعية ووافقه الأكثر واستقر به العلامة في التحرير، وأورد عليه شهيد المسالك أنه مشتمل على الجمع بين المتناقضين وهو غير تام على اصولنا من اشتراط الدخول في صحة الايلاء، ولهذا قال الشهيد الأول - رحمه الله - في نكت الارشاد: ما سمعنا فيه خلافا، وإنما فرعوه على أصلهم من عدم اشتراطهم الدخول، ومع ذلك فلهم وجه آخر لأنه يمكن من الرجعة ويصدق في الاصابة في الرجعة،كما يصدق فيها لدفع التفريق لأن في الرجعة استيفاء ذلك النكاح أيضا، وهذا أوجه.

الخامسة عشرة: إذا ظاهر ثم آلى صح الأمران عند جماعة وكذلك بالعكس فيكون هذا الفرع مرتبا على مطلق الجمع بين الظهار والايلاء فيلزمه حكمهما سواء قدم الظهار على الايلاء - كما وقع في كلام الأكثر - أم أخره لبقاء الزوجية الصالحة لايقاع كل منهما عليه وإن كانت قد حرمت بالسبب المتقدم فتحرم بالجهتين ولاتستباح بدون الكفارتين، لكن قد عرفت اختلاف المدتين في إمهاله لهما، فإن مدة الظهار ثلاثة أشهر ومدة الايلاء أربعة أشهر، فإذا انقضت مدة الظهار فرافعته الزم بحكم الظهار خاصة، فإن اختار الطلاق فقد خرج من الأمرين، وإن اختار العود وعزم على الوطء لزمته كفارة الظهار، فإذا كفر ووطأ لزمته كفارة الايلاء أيضا بحنثه في يمينه، وإن توقفت كفارة الظهار على مدة تزيد على مدة الايلاء كما لو كان فرضه التكفير


83

بالصوم أو لم يتفق له التكفير بإحدى الخصلتين إلى أن انقضت مدة الايلاء أو كانالظهار متأخرا عنه بحيث انقضت منه قبل التخلص منه طولب بالأمرين معا ولزمه حكمهما، لكن قد يختلف حكمهما فيما لو انقضت مدة الايلاء ولما يكمل كفارة الظهار فإن حكم الايلاء إذا لم يختر الطلاق إلزامه يفئة العاجز لأن الظهار مانع شرعي من الوطء قبل التكفير، فتجمع الكفارتان بالعزم على الوطء إحداهما للفئة والاخرى للعزم عليه، ولو أراد الوطء في هذه قبل التكفير للظهار حرم عليه تمكينها منه كما سبق وإن ابيح لها من حيث الايلاء، ولو فعل حراما ووطأ حصلت الفئة ولزمته كفارة الظهار.

والأخبار خالية عن تفاصيل هذا الحكم إذا لم يرد في هذه المسألة إلا الخبران المتقدمان في أحكام الظهار أحد هما خبر السكوني (1) عن علي عليه السلام كما في النهاية والآخر خبر الجعفريات (2) عنه عليه السلام أيضا، إلا أنهما مجملان متشابهان لأنهما صورتهما هكذا " في رجل آلى من امرأته وظاهر منها في كلمة واحدة، قال: عليه كفارة واحدة " وهما كما ترى مشعران بوحدة الكفارة، وقد احتملنا فيهما محامل كثيرة ويمكن ردهما إلى هذا التفصيل ويكون وحدتهما باعتبار كل واحد منهما عند حصول فئة والأخذ بما فصلوه أنسب وأظهر.

السادسة عشرة: لو آلى من الأمة المتزوج بها ثم اشتراها انهدم النكاح كما تقدم في الظهار، فلو نكحها بملك اليمين لم يكن عليه شئ لخروجه من حكم الايلاء لبينونة هذه، وكذا لو أعتقها وتزوجها لم يعد إيلاء عندنا لأنه تابع للزوجية فيزول بزوالها، وكذا لو اشترته الزوجة حيث يكون مملوكا وأعتقته ثم تزوجت به، وللعامة قول بعود الايلاء فيهما، أما لو طلق رجعيا فرجع بها في العدة عاد حكم الايلاء ووجبت عليه الكفارة بالفئة بعد المراجعة، وقد تقدم ما يدل عليه

(1) الفقيه ج 3 ص 344 ح 14، الوسائل ج 15 ص 534 ب 19 ح 1.

(2) الجعفريات ص 115، مستدرك الوسائل ج 3 ص 29 ب 14 ح 1.


84

من خبر منصور وصحيحة، أما لو بانت وعقد عليها بعد العدة فليس عليه حكم الايلاء، وأما ما جاء في مرسل العياشي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل إذا بانت المرأة من الرجل هل يخطبها مع الخطاب ؟ قال: يخطبها على تطليقتين ولا يقربها حتى يكفر " فهو محمول على الاستحباب أو التقية.

السابعة عشرة:

لا تتكرر الكفارة بتكرر الايلاء

هنا سواء قصد الثانيةالتأكيد للاولى أو المغايرة مع اتحاد الزمان كأن يقول والله لا وطأتك، أو يصرح بالتأبيد فيهما أو قال والله لا وطأتك خمسة أشهر والله لا وطأتك خمسة أشهر فإن اليمين إنما هي مبالغة في الفعل أو الترك المحلوف عليه وإنما تغايرا بتغاير المحلوف عليه فإذا كررها على فعل واحد محلوف عليه فإنما زاد في التأكيد والمبالغة ولا يجدي نفعا قصد المغايرة، والأصل البراءة من التكليف.

ويصدق الايلاء بالواحد والمتعدد على السواء وإن اختلف الزمان كأن يقول والله لا أصبتك خمسة أشهر فإذا انقضت فو الله لا أصبتك خمسة أشهر والله لا أصبتك ستة، فإن أوقعنا الايلاء معلقا فهما إيلاءان ويتداخلان في الأول في خمسة وينفرد الثاني بباقي السنة أو الستة فيتربص به أربعة أشهر، ثم إن فاء أو دافع حتى انقضت السنة انحل وليس عليه بالفئة إلا كفارة واحدة، وإن دافع حتى انقضت مدة الأول بقي حكم مدة الثاني وإن طلق ثم راجع أو جدد العقد عليها وأبطلنا مدة التربص بالطلاق، فإن لم يبق من مدة الثاني بعد الرجعة إلا الأربعة أشهر أو أقل انحل الثاني أيضا وإلا طالبته بعد التربص.

وفي المبسوط وجمله أن مدة الايلاء إذا طالت ووقف بعد أربعة أشهر، فإنطلقها طلقة رجعية فقدوفاها حقها لهذه المدة، فإن راجعها ضربنا له مدة اخرى، فإذا انقضت وقف أيضا، فإن طلق ثم راجع ضربنا له مدة اخرى، فإذا مضت أوقفناه، فإن طلقها بانت منه لأنه قد استوفى الثلاث، وعلى هذا أبدا وفي الثاني

(1) العياشي ج 1 ص 113 ح 347، الوسائل ج 15 ص 547 ب 12 ح 4.


85

لا تداخل بل هما إيلاءان متباينان لكل منهما حكم، فإن انقضت أربعة أشهر طالبته، فإن فاء في الخامس أو طلق وفاها حقها من الأول، وبقي الثاني إن واقع حتى انقضى الخامس انحل الأول وبقي الثاني، ئم له التربص في الثاني أربعة أشهر إن لم يكن طلقها أو راجعها واحتسبنا العدة من المدة أو بقي أزيد من أربعة أشهر.

الثامنة عشرة: لا خلاف في أن كفارة الايلاء كفارة يمين كما دل عليها الكتاب والسنة والاجماع، وسيجي بيانها في كتاب الكفارات إن شاء الله تعالى.


87

كتاب اللعانوهو لغة مصدر لاعن يلاعن، وقد يستعمل جمعا للعن وأصله الطرد والابعاد، وشرعا كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف فراشه أو إلى نفي ولده، وسميت لعانا لاشتمالها على كلمة اللعن، وخصت بهذه الصيغة القسمية لأن اللعن كلمة غريبة في مقام الحجج من الشهادات والأيمان والشئ يشتهر بما وقع فيه الغريب، وعلى ذلك جواز معظم تسمية سور القرآن.

ولم يسم بما يشتق من الغضب لأن لفظ الغضب يقع في جانب المرأة وجانب الرجل أقوى، وأيضا فلعانه يسبق لعانها قد ينفك عن لعانها، أو لأن كلا من المتلاعنين يبعد عن الآخر بها ويطرده أو يحرم النكاح بينهما أبدا، وقد جاء بذلك الكتاب، قال الله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " (1) الآية، وسبب نزولها مما اختلف فيه الروايات عندنا وعند العامة، ولا حاجة لنا في التعريض لما روته العامة وإن كان أكثر أصحابنا قد اقتصروا على رواياتهم كما هي عادتهم وطريقتهم، فروى الصدوق في الفقيه في الصحيح والشيخ في التهذيب في الصحيح أيضا والكليني في الكافي في الحسن عن عبد الرحمن بن الحجاج (2) " قال: إن عباد البصري سأل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده حاضر: كيف يلاعن الرجل المرأة ؟ فقال: إن رجلا من المسلمين أتى رسول الله

(1) سورة النور - آية 6.

(2) الكافي ج 6 ص 163 ح 4، الفقيه ج 3 ص 349 ح 9، التهذيب ج 8 ص 184 ح 3، الوسائل ج 15 ص 586 ب 1 ح


88

صلى الله عليه واله فقال: يا رسول الله أرأيت لو أن رجلا دخل منزله فرأى مع امرأته رجلا يجامعها ما كان يصنع به ؟ فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه واله فانصرف الرجل، وكان الرجل هو الذي ابتلي بذلك من امرأته، قال: فنزل الوحي من عند الله عز وجل بالحكم فيها، فأرسل رسول الله صلى الله عليه واله إلى ذلك الرجل فدعاه فقال صلى الله عليه واله: أنت الذي رأيت مع امرأتك رجلا ؟ فقال: نعم، فقال صلى الله عليه واله: انطلق فائتني بامرأتك فإن الله عز وجل قد أنزل الحكم فيك وفيها، قال: فأحضرها زوجها فأوقفها عند رسول الله صلى الله عليه واله ثم قال للزوج: اشهد أربع شهادات بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به، فشهد، قال: ثم قال رسول الله صلى الله عليه واله: أمسك، ووعظه ثم قال له: اتق الله فإن لعنة الله شديدة، ثم قال له: اشهد الخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين: قال: فشهد فأمر به فنحى، ثم قال صلى الله عليه واله للمرأة: اشهدي أربع شهاداتبالله إن زوجك لمن الكاذبين فيما رآك به، قال: فشهدت ثم قال لها: أمسكي، فوعظها ثم قال لها: اتقي الله فإن غضب الله شديد، ثم قال لها: اشهدي الخامسة أن غضب الله عليك إن كان زوجك من الصادقين فيما رماك به، قال: فشهدت ففرق بينهما وقال لهما: لا تجتمعا بنكاح أبدا بعدما تلاعنتما ".

وفي رسالة المحكم والمتشابه (1) للمرتضى نقلا عن تفسير النعماني بإسناده عن علي عليه السلام وفي تفسير القمي (2) مرسلا عنهم عليهم السلام " قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله لما رجع من غزاة تبوك قام إليه عويمر بن الحارث فقال: إن امرأتي زنت بشريك ابن الشمحاط، فأعرض عنه، فأعاد عليه القول فأعرض عنه، فأعاد عليه ثالثة، قال: فدخل فنزل اللعان فخرج إليه فقال: ائتني بأهلك فقد أنزل الله فيكما قرآنا، فمضى فأتاه بأهله وأتى معها قومها فوافوا رسول الله صلى الله عليه واله وهو يصلي العصر، فلما

(1) المحكم والمتشابه ص 72 ط دار الشبسترى - قم، الوسائل ج 15 ص 589 ب 1 ح 9 مع اختلاف يسير.

(2) تفسير القمى ج 2 ص 98، الوسائل ج 15 ص 589 ب 1 ح 9 مع اختلاف يسير.


89

فرغ أقبل عليهما فقال لهما: تقدما إلى المنبر فتلاعنا، فتقدم عويمر فتلا عليهما رسول الله صلى الله عليه واله آية اللعان " والذين يرمون أزواجهم " الآية، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن غضب الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم شهدت بأربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: العني نفسك الخامسة فشهدت، وقالت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه واله: اذهبا فلن تحل لك ولن تحلي له أبدا، فقال عويمر: يا رسول الله صلى الله عليه واله فالذي أعطيتها ؟ فقال: إن كنت صادقا فهو لها بما استحللت فرجها، وإن كنت كاذبا فهو أبعد لك منه ".

وأما العامة فرووا عن ابن عباس أن القضية نزلت في هلال بن امية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه واله بشريك بن شمحاط، وفي روايتهم عن سهل بن سعد الساعدي أنها نزلت في عويم العجلان، وليس في أخبارنا ما يطابق هاتين الروايتين، وعلى كل تقدير فليس الحكم مختصا بموضع النزول لأن قضية النزول لا تخصص الحكم الكلي، ولهذا جاء في تفسير الآية ما يدل على تعميمها وإعطاء الحكم الكلى.

فما جاء في رواية زرارة (1) " قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل" والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " (2) قال: هو القاذف الذي يقذف امرأته، فإذا قذفها ثم أقر أنه كذب عليها جلد الحد وردت إليه امرأته وإن أبى، إلا أن يمضي فليشهد عليها أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة يلعن فيها نفسه إن كان من الكاذبين، وإن أرادت أن تدرأ عن نفسها العذاب - والعذاب هو الرجم - شهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فإن لم تفعل رجمت، فإن فعلت درأت عن نفسها

(1) الكافي ج 6 ص 162 ح 3، الوسائل ج 15 ص 588 ب 1 ح 7.

(2) سورة النور - آية 6.


90

الحد ثم لا تحل له إلى يوم القيامة " الحديث.

وقد اشتمل هذا الكتاب على ثلاثة مقاصد: المقصد الاول: في سببه وهو أمران: القذف وإنكار الولد للنصوص من الكتاب والسنة خلافا للصدوق في الفقيه والهداية وظاهر المقنع، فقال: لالعان إلا بنفي الولد، وإذا قذفها ولمينتف من ولدها جلد ثمانين جلدة.

واحتج له بخبر محمد بن مسلم (1) عن أحد هما عليهما السلام " قال: لا يكون لعان إلا بنفي الولد، وقال: إذا قذف الرجل من امرأته لاعنها ".

وبخبر أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا يقع اللعان إلا بنفي الولد ".

وأجاب الشيخ عن ذلك في كتابي الأخبار بعد الطعن بالضعف والمعارضة لكتاب الله والأخبار المستفيضة، لأنه محمول على ما لو قذفها بدون دعوى المشاهدة فإنه لا ينعقد اللعان إلا بنفي الولد.

وأجاب غيره بإضافة الحصر بالنسبة إلى مقتضى المقام، ويكون المراد أنه لا لعان بمجرد الشبهة واحتمال كون الولد من الغير، ويدل عليه نصه عليه السلام في الخبر الأول بعد الحصر المذكور باللعان إذا قذفها، فيتناقض الكلام لو أبقينا الحصر على حقيقته.

وهذا المقصد مشتمل على فصلين: الاول: أن القذف إنما يكون سببا في اللعان لو رمى زوجته المحضة الظاهرة بالعفة المدخول بها الزنا قبلا أودبرا لعموم الأدلة والاجماع كما نقله شيخ

(1) الكافي ج 6 ص 166 ح 16، الوسائل ج 15 ص 604 ب 9 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 185 ح 5، الوسائل ج 15 ص 604 ب 9 ح 2 وفيهما " لا يقع اللعان حتى يدخل الرجل بامرأته ولايكون الا.

".


91

الخلاف، ولم يحك خلافا إلا عن أبي حنيفة في الدبر مع دعوى المشاهدة وعدم إقامة البينة، وفلو رمى الأجنبية أو أمته أو زوجته المشهورة بالزنا أو رمى غير المدخول بها أورماها بغير الزنا من مقدماته أو لم يدع المشاهدة فلا لعان.

(أما) الأول فبالأصل والآية والنصوص والاجماع وهي كثيرة، بل قضية النزول واضحة جلية.

(وأما) الثاني أعني كونها محصنة فلأن رمي المشهورة بالزنا لا يوجب اللعان بل ولا حد القذف وإن اوجب التعزير - كما سيأتي في الحدود - لأنه إنما شرع صونا لعرضهامن الانتهاك، وعرض المشهورة بالزنا منتهك، ولم أر من اشترطه من الأصحاب إلا المحقق والعلامة في الشرايع والقواعد، والمراد بالمحضنة - بفتح الصاد وكسرها - من العفيفة عن وطء محترم لا يصادف ملكا وإن اشتمل على عقدلا ما صادفه، وإن حرم كوقت الحيض والاحرام والظهار فلا يخرج به عن الاحصان وكذا وطء الشبهة ومقدمات الوطء مطلقا، أما التقييد بالدخول بها فليس بمتفق عليه لأنه موضع خلاف عندنا وعند العامة، وأما اشتراط دعوى المشاهدة ليخرج ما إذا اطلق أو صرح بعدمها، وهذا الشرط مجمع عليه بين أصحابنا، واختاره بعض العامة ووجهه مع إطلاق الآية أنه شهادة وهي مشروطة بالمشاهدة، والأخبار الواردة في النزول كما قد سمعت شاهدة بذلك، وكذلك الأخبار المستفيضة في غير النزول.

فمنها صحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا قذف الرجل امرأته فإنه لا يلاعنها حتى يقول رأيت بين رجليها رجلا يزني بها ".

ومثله صحيحة محمد بن مسلم (2) عنها أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن الرجل

8 (1) الكافي ج 6 ص 163 ح 6، الوسائل ج 15 ص 594 ب 4 ح 4.

(2) الكافي ج 6 ص 166 ح 15، الوسائل ج 15 ص 593 ب 4 ح 2 وفيهما " أنى رأيتك ".


92

يفتري على امرأته، قال: يجلد ثم يخلى بينهما ولا يلاعنها حتى يقول أشهد أني قد رأيتك تفعلين كذا وكذا ".

وصحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله " قال: إذا قذف الرجل امرأته، قال: لا يلاعنها حتى يقول رأيت بين رجليها رجلا يزني بها ".

وموثقة أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال في الرجل يقذف امرأته: يجلد ثم يخلى بينهما ولا يلاعنها حتى يقول إنه قد رأى بين رجليها من يفجر بها ".

وصحيحة سليمان بن خالد (3) عن أبي جعفر الثاني عليه السلام " قال: قلت له: كيف صار الرجل إذا قذف امرأته كانت شهادته أربع شهادات بالله، وإذا قذف غيره أب أو أخ أو ولد أو غريب جلد الحد أو يقيم البينة على ما قال ؟ قد سئل أبو جعفر عليه السلام عن ذلك فقال: إن الزوج إذا قذف امرأته فقال رأيت ذلك بعيني كانت شهادته أربع شهادات بالله، وإذا قال إنه لم يره قيل له أقم البينة على ما قلت وإلا كان بمنزلة غيره، وذلك أن الله جعل للزوج مدخلا لا يدخله غيره والد ولاولد يدخل بالليل والنهار فجاز له أن يقول، ولو قال غيره رأيت قيل له وما أدخلك المدخل الذي ترى هذا فيه وحدك، أنت متهم ولا بد من أن يقامعليك الحد الذي أو حب الله عليك ".

ومثلها رواية محمد بن سليمان (4) كما في الفقيه، ومرسلة محمد بن أسلم الجبلي (5) كما في العلل عن بعض أصحابه عن الرضا عليه السلام وزاد " وإنما صار شهادة

(1) الكافي ج 6 ص 163 ح 6، الوسائل ج 15 ص 549 ب 4 ح 4.

(2) الكافي ج 7 ص 212 ح 9، الوسائل ج 15 ص 593 ب 4 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 192 ح 29، الوسائل ج 15 ص 594 ب 4 ح 5 وفيهما " عن محمد بن سليمان ".

(4) الفقيه ج 3 ص 348 ح 8، الوسائل ج 15 ص 594 ب 4 ح 5.

(5) علل الشرايع ص 545 ب 336 ح 1 طبع النجف الاشرف، الوسائل ج 15 ص 594 ب 4 ح 6 وفيهما اختلاف يسير.


93

الزوج أربع شهادات بالله لمكان الأربعة الشهداء مكان كل شاهد يمين ".

وخبر أبي خالد الهيثمي الفارسي (1) كما في المحاسن " قال: سئل أبو الحسن عليه السلام " وذكر نحو مع الزيادة.

ورواه الكليني عن الحسن بن يوسف عن محمد بن سليمان (2) نحوه وذكر الزيادة أيضا.

ومرسلة أبان عن رجل (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا يكون لعان حتى يزعم أنه قد عاين ".

ويلزم على هذا الشرط أن الأعمى لو قذف زوجته حد لعدم إمكان اللعان في حقه لعدم إمكان المشاهدة وإنما يتوجه لعانه بسبب نفي الولد.

واستشكل ثاني الشهيدين الحكم بإمكان علمه بدون المشاهدة، واحتمل في إمكان المشاهدة في لأخبار الشاهدة بذلك تخصيصها بمن يمكن في حقه أو يجعله كناية عن العلم بذلك.

وفيه نظر إذ قد عرفت من صراحة تلك الأخبار وأنها معلقة على العلم الخاص، وعلى كل تقدير فلا يكفي الظن المقترن إلى القرائن أو الشياع المجرد وينبه عليه سقوط اللعان بقذف المشهورة بالزنا، وقد أيد ثاني الشهيدين ذلك التأويل بعموم قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " وفيه ما فيه، حيث إن الأخبار، التي جاءت في سبب النزول مشتملة على دعوى المشاهدة، وكذلك فتوى الأصحاب قد أطلقوا اشتراط المعاينة نظرا إلى ظواهر تلك النصوص.

وأما اشتراط عدم البينة فلظاهر قوله تعالى " ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " فإن مفهومه أنه لو كان له بينة لا يلاعن لامكان نفي الحد، إلا أن

(1) المحاسن ص 302 ح 11، الوسائل ج 15 ص 549 ب 4 ح 6.

(2) الكافي ج 7 ص 403 ح 6 وفيه " الحسين بن سيف "، الوسائل ج 15 ص 594 ب 4 ح 6.

(3) الكافي ج 6 ص 167 ح 21، الوسائل ج 15 ص 593 ب 4 ح 3.


94

الأصحاب قد اختلفوا في ذلك، فذهب في الخلاف والمختلف إلى عدم اشتراطه للأصل ولأن النبي صلى الله عليه واله لاعن بين عويمر العجلاني وزوجته كما روته العامة ولم يسألهما عن البينة، فلو كان عدمها شرطا لسأل.

وقوى في المبسوط الاشتراط واختاره المحقق في الشرايع وهو مذهب الأكثر لظاهر الآية وظاهر الأخبار التي قدمناها سيما الأخبار المعللة بإقامة شهادته أربع شهادات بالله مقام الأربعة الشهود.

وأما اشتراط الدخول فيما إذا كان سببه القذف فهو مذهب الأكثر، وخالف ابن إدريس في ذلك لاطلاق الآية وكثير من الروايات، إلا أن مذهب الأكثرهو الأصح لصراحة الأخبار الواردة في ذلك بالخصوص مثل رواية أبي بصير (1) عن الصادق عليه السلام " قال: لا يقع اللعان حتى يدخل الرجل بامرأته، ولايكون لعان إلا بنفي الولد ".

وروايته الاخرى (2) أيضا عنه عليه السلام " قال: لا يقع اللعان حتى يدخل الرجل بأهله ".

وخبر محمد بن مضارب (3) المروي بطرق عديدة كما رواه المحمدون الثلاثة عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: من قذف امرأته قبل أن يدخل بها جلد الحد ".

وخبر محمد بن مسلم (4) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: لا تكون الملاعنة ولا الايلاء إلا بعد الدخول ".

وصحيحة أبي بصير ليث المرادي (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجل تزوج امرأة غائبة لم يرها فقذفها، قال: يجلد ".

(1) التهذيب ج 8 ص 185 ح 5، الوسائل ج 15 ص 604 ب 9 ح 2.

(2) التهذيب ج 8 ص 192 ح 30، الوسائل ج 15 ص 604 ب 9 ح 2.

(3) الكافي ج 7 ص 213 ح 14، ولم نعثر عليه في الفقيه، التهذيب ج 8 ص 196 ح 45، الوسائل ج 15 ص 591 ب 2 ح 4.

(4) الكافي ج 6 ص 162 ح 2، الوسائل ج 15 ص 591 ب 2 ح 5.

(5) التهذيب ج 10 ص 78 ح 68، الوسائل ج 15 ص 591 ب 2 ح 7.


95

ومرسلة ابن أبي عمير (1) الصحيحة إليه " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يقذف امرأته قبل أن يدخل بها، قال: يضرب الحد ويخلى بينه وبينها ".

وخبر محمد بن مضارب (2) أيضا " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل لاعن امرأته قبل أن يدخل بها ؟ قال: لا يكون ملاعنا إلا بعد أن يدخل بها يضرب حدا وهي امرأته ويكون قاذفا " وربما قدح في هذه الأخبار بضعف طرقها حيث اقتصروا على روايتي أبي بصير ومحمد بن مضارب وذلك جريا على الاصطلاح الجديد.

ومن هنا استحسن ثاني الشهيدين في المسالك مذهب ابن إدريس لقوة دليله عنده وهو إطلاق الآية وما اطلق من صحاح الاخبار.

وفيه نظر لما سمعت أن هذه الأخبار فيها الصحيح وغيره وإطلاق الآية مقيد بها مع ما يضاف إلى ذلك من عمل الطائفة سوى ابن أدريس بها، وكأن ابن إدريس حمل الأخبار المشترطة للدخول على أنه إذا كان السبب له نفيالولد.

وفيه نظر لأن الروايات التي ذكرناها المشترطة للدخول صريحة في أن سببه القذف، ويظهر من محقق الشرايع وغيره ممن تأخر عنه أن من الأصحاب وإن لم يعرف بخصوصه من قال بعدم اشتراط الدخول في اللعان مطلقا لأنه جعل التفصيل قولا ثالثا، وهو غير متوجه لما عرفت من أن الدخول شرط في لحوق الولد بالاجماع والأخبار فلا يتوقف انتفاؤه على اللعان على تقدير عدمه فالحق انحصار الخلاف في قولين، فالمشهور اشتراطه فيهما، والثاني التفصيل المنسوب لابن إدريس.

نعم يمكن أن يكون ذلك القول للعامة حيث لم يشترط في اللحقوق الدخول كما مضي في حكم الأولاد، وهاهنا مسائل: الاولى: لو قذفها بزنا إضافة إلى ما بعد النكاح ففيه خلاف، ففي الخلاف

(1) الكافي ج 7 ص 211 ح 2، الوسائل ج 15 ص 591 ب 2 ح 3.

(2) التهذيب ج 8 ص 197 ح 51 وفيه " حتى يدخل بها "، الوسائل ج 15 ص 592 ب 2 ح 8.


96

ليس له اللعان اعتبارا بحالة الزنا، وفي المبسوط له ذلك، واختاره الأكثر لاطلاقالآية وإطلاق جملة من الروايات وأخبار خصوص الواقعة التي هي سبب الشرعية لا يخصص العام وأما التعليل باعتبار حال القذف أو الزنا فهو تعيين لمحل النزاع لاعلة برأسه، ولايجوز قذفها مع الشبهة ولا مع غلبة الظن ولا بإخبار الثقة ولا بشياع أن فلانا زنى بها فإن الأصل تحريم قذف الزوجة كالأجنبي وإنه يلزمه الحد، إلا أنه لما كان في بعض الحالات التي لا يصل إليه الأجنبي قد ابيح له ذلك القذف بل قد يجب التخليص النسب جعل له الشارع طريقا مخلصا عن الحد باللعان، والأجنبي لا يتخلص عن الحد إلا ببينة تقوم على المقذوف أو بإقرار المقذوف.

وبالجملة: فمقتضي هذا التعليل ووجه الحكمة أنه لو قذفها بزنا متقدم على نكاحه لها أن لا يكون لعان بينهما وإن كان الاطلاق في الكتاب والسنة يؤيد القول المشهور.

الثانية: لو قذفها بغير الزنا كالسحق لم يثبت اللعان في المشهور وإن أثبت حتى لو ادعى المشاهدة لأنه مشروط بالرمي بالزنا أو نفي الولد، وأما ثبوت الحد به فلأنه قذف بفاحشة توجب الحد كالزنا واللوط، وفي باب الحدود حصروا موجب الحدود بالقذف في الرمي بالزنا أو اللوط وهو يقتضي عدم ثبوت الرميبالسحق بل التعزير خاصة، وبه صرح أبو الصلاح الحلبي وقربه في المختلف لأصالة البراءة من وجوب الحد، كما لو قذفه بإتيان البهائم.

واستوجهه ثاني الشهيدين، قال في المسالك: لأن النص لم يجئ بالحد إلا على الرمي بالزنا واللوط وهو متجه، وسيجئ إن شاء الله تعالى في الحدود الكلام عليه منقحا.

الثالثة: إذا قذف زوجته في العدة الرجعية كان له اللعان لأنها زوجة يثبت بها الاحصان فله أن يلاعنها، كما يجوز أن يطلقها ويؤلي منها ويظاهر، فيصح لعانه في الحال من غير مراجعة، وتترتب عليه أحكامه بخلاف ما إذا ظاهر


97

عنها وآلى، حيث يتوقف أمر هما على الرجعة، لأن حكم الايلاء منوط بالمضارة ولامضارة مع الطلاق والكفارة بالظهار، و إنما تتعلق بالعود وإنما يحصل العود بالرجعة.

وأما اللعان فمداره على الفراش، ولحوق النسب والرجعة في ذلك كالمنكوحة بالفعل، وفي التأخير خطر بالموت فلم يتوقف أمره على الرجعة.

أما لو كان الطلاق بائنا أو قذفها بعد استيفاء العدة الرجعية وإن أضافة إلىزمن الزوجية فلا لعان بل يثبت الحد لأنها ليست زوجة حينئذ، والحكم مترتب في الكتاب والسنة وإجماع الأصحاب على رمي الزوجة، ولأنها في هذا الحال أجنبية فلا ضرورة إلى قذفها.

الرابعة: لو قذف زوجته المجنونة بالزنا فإن أطلق أو نسبه إلى زمان إفاقتها وجب عليه الحد لتحقق القذف بالفاحشة المحرمة، وإن نسبه إلى حالة الجنون فلا حد لانتفاء قذفها بالزنا المحرم منها حنيئذ.

ولو كانت المقذوفة عاقلة حال القذف ولكن أضافة إلى حالة جنونها فإن علم أن لها حالة الجنون واحتمل ذلك في حقها فلا حد لانتفاء الزنا المحرم منها حينئذ، لكن يجب تعزيره للايذاء، وإن علم استقامة عقلها فمقتضى أطلاق عباراتهم أنه كذلك لتحقق القذف الصريح فتلغى الاضافة إلى تلك الحالة، واحتمل ثاني الشهيدين في المسالك العدم لأنه نسبها إلى الزنا في تلك الحالة.

وإذا علم انتفاؤها لم تكن زانية فيكون ما أتى به لغوا من الكلام و محالا في العادة، فأشبه ما إذا قال زنيت وأنت رتقاء، فالأصح الأول، ثم التعزير والحد مترتبان على مطالبتها في حال الصحة، فإن أفاقت وطالبت بالحد أو التعزير كان له أن يلاعن لانتفائهما، وليس لوليها المطالبةبها ما دامت حية لأن طريق إسقاطه من جانب الزوج الملاعنة وهو لا يصح من الولي، وكذا ليس له مطالبة زوج أمته بالتعزير في قذفها ما دامت حية، فإن ماتت كان موضع خلاف، فالشيخ على أن له ذلك، واستحسنه المحقق لأن الولي بالنسبة إلى المملوك بمنزلة الوارث، وحق الحد والتعزير يورث كالمال،


98

وربما استشكل ذلك من حيث إن انتقاله إلى المولى إن كان بحق الملك اقتضى ثبوته له في حال الحياة وليس كذلك.

وإن كان بحق الارث فالمملوك لا يورث اتفاقا.

ورد بأنه حق ثبت بالقذف فلا وجه لسقوطه، ويكون السيد أحق به لا على جهة الميراث بل لأنه أولى من غيره وبأنه إنما لا يورث عنه المال، وأما غيره من الحقوق المختصة به فإنه يورث عنه، وتنظر ثاني الشهيدين في هذا الجواب، وذلك ظاهر لا يخفى، ومن هنا ذهب الأكثر إلى عدم انتقال ذلك الحق إلى المولى.

الخامسة:

لفظه الصريح نحويا زانية أو قد زنيت أو

زنى فرجك أو قبلك أودبرك أو بدنك دون عينيك ويدك ونحو هما، فإن المتبادر من زنائهم النظر واللمس ولا لعان عندنا بجنايات القذف، فلو قال: أنت أزنى الناس أو أزنى من فلان حتىيقول في الناس زناة وأنت أزنى منهن.

أما الأول فلأن ظاهره التفضيل على جميع الناس في الزنا، ومعلوم أن الناس كلهم ليسوا زناة، وكما يحتمل أن يريد أزنى زناة الناس يحتمل إرادة نفي الزنا عنها، بمعنى أنه لو كان الناس كلهم زناة فأنت أزنى منهم، وكلاهما خلاف الظاهر، إلا أنه أراد أن يصرح أنها أزنى من زناة الناس فيكون قاذفا كما في المبسوط.

وأما في الثاني فلأنه إنما يتيقن إرادة النسبة إلى الزنا إذا نسب فلانا إليها، ولما لم يصرح به احتمل إرادة النفي، أي لو كان فلانا زانيا فأنت أزنى منه إلا أن يفسره بإرادة القذف، وقوى الشيخ في الخلاف كونه قذفا لهما بظاهره، وقواه شارح القواعد في شرحه كشف اللثام لأن حقيقة لفظ التفضيل يقتضي التشريك في أصل الفعل مع زيادة في المفضل وإرادة النفي مجاز لا يصار إليه إلا مع القرينة الصارفة عن الحقيقة، وعلى المشهور لو ثبت زنا فلان بالبينة أو الاقرار والقاذف جاهل حين قال لها هذا القول - أعني أنت أزنى منهم - لم يكن قاذفا، وإن كان عالما بذلك فهو قاذف، ولو قال لها: يازان بالتذكير فهو قاذف لصحة إطلاق الزاني عليها، بمعنى ذات الزنا، على أنه لو سلم كونه لحنا فلا يضر لتحقق القذف نسبته


99

مع تعينها إلى الزنا وإن وقع اللحن في اللفظ، وربما وجه بالترخيم وأورد عليه بأنه يختص بالأعلام واجيب بشياع يا صاح في تركيب يا صاحب، وبأن الترخيم إنما يسقط هاء التأنيث كقوله أفاطم مهلا بعض هذا التذلل، وقد اسقطت هنا مع الياء، واجيب بأن ذلك هو القياس إذا كان في آخر الكلمة حرف صحيح قبله مدة، ويمكن إسقاط الهاء هنا للترخيم والياء للوقف على أحد اللغتين في الوقف على الناقص.

وللعامة قول بأنه ليس بقذف مطلقا، وآخر بأنه إن كان من أهل العربية فليس بقذف وإلا فهو قذف.

وفي الخلاف للشيخ: أن الذي يقتضيه مذهبنا الرجوع إليه، فإن أراد القذف فهو قاذف وإلا فلا لأصالة البراءة وانتفاء الدليل على حكم القذف، ولو قال: رأيتك تزني فهو قاذف وإن كان أعمى لأنه صرح بنسبتها إلى الزنا وإن كذب في دعوى المشاهدة، نعم لا يثبت في طرفه اللعان كما قدمنا عن قريب، ولو قذف أجنبية ثم تزوجها وجب الحد ولالعان، فلو نسبها إلى زنا هي مستكرهة عليه أو مشتبهة أو نائمة ففى كونه قذفا إشكال من أنه إنما نسبها إلى أمر غير ملوم عليه ولامأثوم فيه، وبه قطع الشيخ وهو الوجه لأنه لا يسمى بالزنا في عرف الشارع، ثم ظاهر الشيخ التردد في التعزير، والأقرب التعزير للايذاء بالعار وانتهاك الأستار ولا لعان على الوجهين إلا لنفي الولد، أما على الثاني فظاهر، وأما على الأول فلأن اللعان على خلاف الأصل، والمتبادر من الرمي بالزنا الرمي بما لم يكن عن إكراه فيقتصر عليه، ولأنه الذي يوجب الانتقام منها.

وكذا لا لعان لو كان وطء شبهة من الجانبين إلا لنفي الولد وفي الحد والتعزير ما قد عرفت فيما تقدم، ولو قذف نسوة بلفظ واحد تعدد اللعان لأنه يمين واليمين لا يتداخل في حق الجماعة بلا خلاف، فإن تراضين بمن يبدأ بلعانها بدئ بها وإن تشاححن اقرع بينهما أو بدأ الحاكم بمن شاء ولا يتحد برضاهن بلعان واحد كما لو رضي المدعون بيمين واحدة.


100

ولو قال زنيت وأنت صغيرة وجب التعزير للايذاء دون الحد إذا لا إثم عليها، وفي المبسوط أنه إن فسره بما لا يحتمل القذف كأن يقول زنيت ولك سنتان أو ثلاث كان كاذبا بيقين ولا حد عليه ولا تعزير قذف ولكن تعزير سب وشتم وليسله إسقاطه باللعان، وإن فسره بما يحتمله كأن يقول زنيت ولك تسع سنين أو عشر فهذه يتأتى فيها الزنا لكن لا حد عليه لأن الصغيرة الناقصة لا يجب الحد برميها ويعزر تعزير قذف وله إسقاطه باللعان.

وإن قال: زنيت وأنت مشركة كان عليه التعزير إن عهد لها ذلك أي حال شرك وإلا يعهد ذلك لها فالحد، فإنه لم يقذف المشركة كما قلنا في المجنونة بل قذف المسلمة العاقلة، وما ذكره من القيد يكون لغوا، ويحتمل هنا سقوطه رأسا إذا لم يعهد لأنه لم يلزمها بزنا يلزمه إثمه وإنما جاء بمحال، فكان كلامه بتمامه لغوا، ولو ادعت عليه القذف فأنكر فأقامت شاهدين فله أن يلاعن إن ظهر لانكاره تأويلا كأن يقول: إني كنت قلت لها زنيت وبذلك شهد الشاهدان ولكنه ليس بقذف لأني صدقت في ذلك وإلا فلا لعان ووجب الحد لأنه باللعان يكذب نفسه فإن أنشأ قذفا آخر كأن يقول: ما قذفتها ولكنها زانية فله اللعان واندفع فذلك الحد أي الحد الذي شهدت به البينة أيضا لأنه لا يتكرر الحد إذا تكرر القذف بزنا واحد، فهنا أولى، إلا إذا كانت صورة إنكاره: ما قذفت ولا زنيت، فإن قذفه بعده ينافي شهادة الابراء أعني شهادته ببراءتها إلا أن تمضي مدة يحتمل فيها طريانالزنا فله اللعان حينئذ، ولو امتنعا عن اللعان فلما عرضا للحد أو استوفى بعض الجلدات رجعا إليه جاز للعموم واللعان وإن كان يمينا، ولا رجوع إلى اليمين بعد النكول لكنه الحق هنا بالبينة لمفارقته لليمين في أن النكول عن اليمين يوجب انتقالها إلى الآخر، وليس كذلك اللعان، ومشابهة لعانه للبينة إثبات الحد عليها، ولو حد فأراد أن يلاعن بعده مكن منه إن أضاف نفي الولد إليه وإلا فلا، إذ لا فائدة فيه، لأن فائدته درء الحد وقد اخذ، وكذا لا تمكن


101

المرأة منه بعد إن حدت.

السادسة:

لو شهد أربعة على امرأة بالزنا وكان أحدهم زوجها

ثبتت الملاعنة على الزوج وجلدت ثلاثة حد القاذف ودرئ الحد عنها كما هو مذهب جماعة من القدماء، وذهب الأكثر إلى ثبوت الحد عليها بذلك لأن الزوج أحد الشهود الأربعة.

ويدل على القول الأول خبر إبراهيم بن نعيم عن أبي يسار مسمع بن عبد الملك (1) في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن أربعة شهدوا على امرأة بالزناأحدهم زوجها: قال: يجلدون الثلاثة ويلاعنها زوجها ويفرق بينهما ولا تحل له أبدا ".

ومثله خبر زرارة (2) عن أحد هما عليهما السلام " قال في أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحدهم زوجها، قال: يلاعن الزوج ويجلد الآخرون ".

وتمسك الأكثر بخبر أبراهيم بن نعيم الآخر (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن أربعة شهدوا على امرأة بالزنا أحد هم زوجها، قال: تجوز شهادتهم ".

وبما رواه الصدوق في الفقيه (4) مرسلا " قال: روي أن الزوج أحد الشهود " وقد رجح الشيخ وجماعة هذه الأخبار لموافقتها لظاهر القرآن، أعني قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم " ومقتضاها ما قد عرفت من اشتراط اللعان بنفي شهادة من سواه، وبالأحاديث الدالة على على ثبوت الزنا بشهادة أربع مطلقا.

وحملوا الأخبار الاولة على فسق الشهود، وسيجئ زيادة تحقيق لهذه المسألة في الحدود إن شاء الله تعالى.

(1) التهذيب ج 10 ص 79 ح 71 وفيه " نعيم بن ابراهيم "، الوسائل ج 15 ص 606 ب 12 ح 3 وفيهما " أبى سيار مسمع " وكذلك " بفجور " بدل " بالزنا ".

(2) و (3) التهذيب ج 6 ص 282 ح 182 و 181، الوسائل ج 15 ص 606 ب 12 ح 2 و 1 (4) الفقيه ج 4 ص 37 ح 17، الوسائل ج 15 ص 606 ب 12 ح 4.


102

السابعة: إن من قال لامرأته: لم أجدك عذراء لم يثبت اللعان بذلك بينهما بل عليه التعزير لأنه ليس بقذف صريح وإنما يترتب عليه الايذاء.

ويدل على هذا الحكم من الأخبار بعد الفتوى صحيحة زرارة وروايته عن أبي عبد الله عليه السلام وأبي جعفر عليه السلام قالا " في رجل قال لامرأته: لم تأتني عذراء، قال: ليس بشئ لأن العذرة تذهب بغير جماع " والخبر الأول من التهذيب (1) والثاني من العلل (2).

وخبر إسحاق بن عمار عن أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: في رجل قال في إمرأته: لم أجدك عذراء، قال: يضرب، قلت: فإذا قاذف ؟ قال: يضرب فإنه يوشك أن ينتهي ".

وروى الكليني هذا الحديث من طريق العبيدي عن يونس (4) وزاد فيه" قال يونس: يضرب ضرب أدب ليس بضرب حد لئلا يؤذي امرأة مؤمنة بالتعريض ".

أما ما في صحيحة الحلبي (5) عن أبي عبد الله عليه السلام كما في التهذيب " قال: إذا قال الرجل لامرأته لم أجدك عذراء وليس له بينة، قال: يجلد الحد ويخلى بينه وبين أمراته " وحمل الشيخ الحد هنا على التعزير لما مر ويأتي، وحمله غيره على التصريح بالقذف من غير دعوى المعاينة.

(1) التهذيب ج 8 ص 196 ح 48، الوسائل ج 15 ص 609 ب 17 ح 1.

(2) علل الشرايع ص 500 ب 261 ح 1 وفيه " ما أتيتى وأنت عذراء، قال: ليس عليه شئ قد تذهب العذرة من غير جماع ".

(3) التهذيب ج 8 ص 196 ح 49، الوسائل ج 15 ص 609 ب 17 ح 2 وفيهما " لامرأته - فان عاد ؟ ".

(4) الكافي ج 7 ص 212 ح 11 وفيه " فانه عاد - بضرب الحدود "، الوسائل ج 15 ص 609 ب 17 ح 2 وفيهما " لامراته ".

(5) التهذيب ج 8 ص 195 ح 43، الوسائل ج 15 ص 610 ب 17 ح 3.


103

ويدل على نفي الحد صريحا خبر حماد عن زياد بن سليمان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل قال لامرأته بعد ما دخل بها: لم أجدك عذراء، قال: لاحد عليه " وأسند الصدوق هذه الرواية إلى حماد بن زياد بن سليمان.

وأما ما في صحيحة عبد الله بن سنان (2) " قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا قال الرجل لامرأته: لم أجدك عذراء وليست له بينة يجلد الحد ويخلي بينه وبينها " ويحتمل مثل ما احتملته صحيحة الحلبي وإن كان التأويل الأخير بها أشبه بدليل قوله " وليست له بينة ".

المقصد الثاني: (3) في بيان السبب الثاني في اللعان وهو إنكار الولد، فإنما يثبت اللعان بنفي الولد إذا كان يلحقه ظاهرا ولا ينتفي عنه بنفيه، وذلك بأن تضعه الزوجة الدائم بستة أشهر فصاعدا من حين وطئه لم يتجاوزا أقصى مدة الحمل كما تقدم في أحكام الأولاد، وكل ولد لا يمكن كونه منه في النكاح لم يلحقه نسبه ولم يحتج انتفاؤه منه إلى لعان، كما لو ولدته لأقل من ستة من حين وطئه في النكاح أو لأكثر من أقصى مدة الحمل فإنه لا يلحق به، وإذا نفاه انتفى لغير لعان، فلو تزوج المشرقي بمغربية كذلك وأتت بولد لستة أشهر من العقد خاصة لم يلحق به لعدم الامكانعادة، ولا لعان عندنا ولا إلحاق، خلافا لبعض العامة، وفرعوا عليه فروعا واهية هي أضعف من بيت العنكبت لأن ذلك لما يفضي إلى المحال، ولو دخل بها الزوج وله أقل من عشر سنين فولدت لم يلحق به لأنه لم تجر العادة بإنزاله وإحباله كما لو ولدت لأقل من ستة أشهر.

(1) الفقيه ج 4 ص 34 ح 2 وفيه " حماد بن زياد عن سليمان بن خالد - بعد ما دخلت عليه "، التهذيب ج 10 ص 78 ح 66 وفيه " حماد عن زياد عن سليمان "، الوسائل ج 15 ص 610 ب 17 ح 4.

(2) التهذيب ج 10 ص 78 ح 67، الوسائل ج 15 ص 610 ب 17 ح 5.

(3) والصحيح " الفصل الثاني ".


104

ويظهر من الشيخ والفاضلين أن الأمكان يحصل باستكمال عشر سنين، وربما قيل بالاكتفاء بالطعن فيها ولو ساعة واحدة، والأخبار والعادة لم تشهد بشئ من المذهبين.

ثم إذا حكمنا بثبوت النسب الحصول الامكان بسبب البلوغ فلا إشكال، وإن لم يثبت بالبلوغ مع إمكانه ثبت النسب دون البلوغ لان النسب يثبت الاحتمالوالامكان والبلوغ لا يكفي فيه الاحتمال، فلا يصح ملاعنة في تلك الحال لو نفاه، لأن شرط الملاعنة الكمال بالبلوغ والعقل، لكن لو قال: أنا بالغ بالاحتلام وكان رشيدا فله اللعان لأن ذلك مما يرجع إليه فيه ولا يعلم إلا من قبله غالبا.

ثم إن مات قبل البلوغ شرعا لحقه الولد وورث منه وإن كان قد أنكره صغيرا، وإن بلغ فإن اعترف به أو لم ينكره ثبت نسبه، وإن أنكره عقيب البلوغ ولا عن انتفى عنه كغيره.

ولو وطأ الزوج دبرا فحملت الحق به في المشهور لأن الوطء في الدبر بمنزلة الوطء في القبل بالنسبة إلى كثير من أحكام الوطء لاطلاق الأدلة ومنها إلحاق الولد، فإنه وإن لم يكن مسلك مجرى المني الطبيعي إلى الرحم لكن لقربه منه يمكن استرسال المني في الفرج من غير شعور وإن كان نادرا، وظاهر هم الاتفاق على هذا الحكم.

وظاهر الأخبار النافية لحبل الذكر بأن لهم أرحاما منكوسة لأجل ذلك لا تحبل مما يدل على الاسترسال وإن وقع الوطء في دبر النساء، وظاهر الأصحاب الاتفاق على هذا الحكم.

وقد تنظر في أصل الحكم جماعة منهم ثاني الشهيدين في المسالك ومنهم العلامة في التحرير لكنه خصه بحالة العزل.

قال ثاني الشهيدين في مسالكه: وتحرير موضع الحكم فيه لا يخلوا من خفاء لأن ظاهره التعليل ما إذا وطأ دبرا وأنزل فحملت على وجه يمكن تولده من ذلك الوطء فإنه لا ينتفي عنه إلا باللعان، بل لا يجوز له نفيه أيضا بمجرد ذلك لامكان استرسال المني إلى الفرج.

وعلى هذا فلو وطأ دبرا ولم ينزل لم يلحق فيما بينه وبين الله تعالى ووجب عليه نفيه كما لو لم يطأ أصلا، ولكن يبقى فيه أنهم


105

حكموا بأنه لو وطأ في الفرج ولم ينزل ثم أتت بولد يمكن تولده من ذلك الوطء لحق به، وعللوه بإمكان أن يسبقه المني ولا يشعر به، ويدل عليه ما تقدم في أحكام الأولاد من الأخبار الشاهدة للالحاق ولو عزل عنها معللا بذلك التعليل.

ففي كتاب قرب الأسناد عن أبي البختري (1) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهم السلام " قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فقال: إني كنت أعزل عن جاريتي فجاءت بولد، فقال صلى الله عليه واله: الوكاء قد ينفلت، فألحق به الولد ".

وهذا الاحتمال والخبر بأطلاقه يجرى في الدبر أيضا إلا أنه على بعد لأن الماء المستنزل من غير شعور المنزل يكون قليلا جدا لا يمكن عادة استرساله من الدبر إلى القبل على وجه يتولد منه، إلاأن إلحاق الوطء في الدبر بالقبل يقتضي ذلك، والتعليل المذكور مجرد توجيه للامكان وليس هو مستند الحكم.

وبالجملة: فالاستبعاد قائم في الجميع والامكان مشترك فيهما وإن تفاوتت مراتبه.

فروع الاول: لا يلحق ولد الخصي المجبوب ويلحق ولد الخصي والمجبوب، ولا ينتفي ولد أحد هما إلا باللعان تنزيلا على الاحتمال وإن بعد.

وتحرير فروع هذه المسألة إن من لم يسلم ذكره وأنثياه إما أن يفقد هما جميعا أو يفقد الذكر دون الانثيين أو بالعكس.

ففي الأول لا يلحق الولد به في الأشهر من المذهب ولا يحتاج إلى اللعان لأنه لا ينزل ولم تجر العادة بأن يخلق الله من مثله وربما قيل بإلحاقه به لاطلاق أخبار الفراش، وإن الولد له ولأن معدن الماء الصلب وإنه ينتقل من ثقبه إلى الظاهر وهما باقيان.

وفي الثاني يلحق به قطعا لوجود أوعية المني وما فيها من القوة المحيلة

(1) قرب الاسناد ص 65، الوسائل ج 15 ص 113 ب 15 ح 1 وفيهما اختلاف يس


106

للدم، والذكر آلة توصل الماء إلى الرحم بواسطة الايلاج وقد يفرض وصول الماء يغير إيلاج كالمساحقة مع عدم وصول الهواء إلى الماء، كما دلت عليه الأخبار الواردة في أن المرأة المجامعة لو ساحقت البكر فحبلت منه الحق الولد بصاحب الماء، وسيجي في الحدود، وكذلك الخبر الدال على أن من أراق المني على ظاهر فرج المرأة من غير إيلاج وكانت بكرا فحملت الحق به الولد ولم يجزله نفيه، و هو ما رواه في كتاب قرب الأسناد عن أبي البختري (1) عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهم السلام " أن رجلا أتى علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: إن امرأتي هذه حامل وهي جارية حدثة وهي عذراء وهي حامل في تسعة أشهر ولا أعلم إلا خيرا وأنا شيخ كبير ما اقترعتها وإنها لعلى حالها، فقال له على عليه السلام: نشدتك بالله هل كنت تهريق على فرجها ؟ قال: نعم، فقال علي عليه السلام: إن لكل فرج ثقبين ثقب يدخل فيه ماء الرجل وثقب يخرج منه البول " وساق الحديث إلى أن قال: " وقد ألحقت بك ولدها، فشق عنها القوابل فجاءت بغلام فعاش ".

ومثلها ما في كتاب إرشاد المفيد (2) مرسلا من طريق العامة والخاصة فيالقضية التي التبس على عثمان حكمها حيث إن امرأة نحكها شيخ كبير فحملت وزعم الشيخ أنه لم يصل إليها وأنكر حملها، فالتبس الأمر على عثمان وسأل المرأة هل افتضك الشيخ ؟ وكانت بكرا، فقالت: لا، فقال عثمان: أقيموا الحد عليها، فقال: أمير المؤمنين عليه السلام: إن للمرأة سمين سم البول وسم المحيض، فلعل الشيخ كان ينال منها فسال ماؤه في سم الحيض فحملت منه، فسألوا الرجل عن ذلك فقال: قد كنت انزل الماء في قبلها من غير وصول إليها بالافتضاض، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: الحمل له والولد ولده، وأراد عقوبته على الانكار له فصار عثمان إلى قضائه.

وفي الثالث يلحق أيضا على ما اختاره الشيخ والمحقق من غير تردد لأن

(1) قرب الاسناد ص 69، الوسائل ج 15 ص 114 ب 16 ح 1 وليس فيهما " قال: نعم ".

(2) الارشاد ص 112، الوسائل ج 15 ص 114 ب 16 ح 2.


107

آلة الجماع باقية وقد يبالغ في الايلاج ويلتذ ووينزل ماء رقيقا، ومدار الحكم على الوطء - وهو سبب الظاهر - أولى من إرادته على الانزال الخفي ولأنه سبب الفراش، وقيل لا يلحق هنا لأن التولد موقوف على تولد المني ومحله الخصيتانوهذا هو الغالب لكن لا ينفي الأول وإن بعد.

الثاني: إذا كان الزوج حاضرا وقت الولادة ولم ينكر الولد مع ارتفاع الأعذار لم يكن له إنكاره بعد ذلك إلا أن يؤخر بما جرت به العادة كالسعي إلى الحاكم، ولو قيل له إنكاره ما لم يعترف به كان حسنا، ولو أمسك عن نفي الحمل حتى وضعت جاز له نفيه بعد الوضع على القولين لاحتمال أن يكون التوقف لتردده بين أن يكون حملا أوريحا، وإذا أتت امرأته بولد فإن أقر بنسبه لم يكن له النفي بعد ذلك لأن للمولود حقا في النسب وقد التزم تلك الحقوق، ولا يجوز إنكاره بعد لأنه حق آدمي، ثم الاقرار قد يكون صريحا وهو ظاهر وقد يكون فحوى مثل أن يهنى به فيقال له: بارك الله لك في مولودك، أو: متعك الله به، أو: جعله لك ولدا صالحا، فيقول آمين، أو: استحباب الله دعاءك.

ففي رواية السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام " قال: إذا أقر الرجل بالولد ساعة لم ينتف عنه أبدا وإن لم يقر بنسبه وإراد نفيه ".

ففى كونه على الفور والتراخي قولان (أحد هما) وهو المشهور أن حقالنفي على الفور لأنه خيار يثبت لدفع ضرر التحقيق فيكون على الفور كالرد بالعيب، ولأن الولد إذا كان منفيا وجب إظهار نفيه حذرا من استلحاق من ليس منه، وقد يعرض بالتأخير عوارض مانعة منه كالموت فجأة فيفوت التدارك وتختلط الأنساب.

(والقول الثاني) للمحقق في الشرايع أنه لا يشترط وقوعه على الفور لأصالة

(1) التهذيب ج 8 ص 183 ح 63، الوسائل ج 15 ص 214 ب 102 ح 1.


108

عدم الاشتراط ولوجود المقتضي للعان وهو نفي الولد وانتفاء المانع إذ ليس إلا السكوت، وذلك أعم من كونه إقرار فلا يدل عليه، ولأن أمر النسب خطير، وقد ورد الوعيد في نفي من هو منه وفي استلحاق من ليس منه، وقد يحتاج إلى نظر وتأمل فتجب له المهلة.

وهذا أقوى.

وظاهر المحقق عدم تحديد الامهال بمدة وعليه فلا يسقط إلا بالاعتراف به أو بالاسقاط.

وإذا قلنا بفوريته فأخره بلا عذر سقط عذره ولزمه الولد، وإن كان معذورا لعدم الحاكم أو لتعذر الوصول إليه أو ببلوغ الخبر ليلا فأخر حتى يصبح أو حضرت الصلاة فقدمها أو احتاجلا حراز ماله أولا أو كان ذا جوع أو عاريا فأكل أو لبس أولا أو كان محبوسا أو مريضا لم يبطل حقه، وهل يجب عليه الاشهاد على النفي ؟ وجهان، وقد سبق له نظائره كثيرة، ولو أمكن المريض أن يرسل إلى الحاكم أو يعلمه بالحال أو يستدعي منه أن يبعث إليه نائبا من عنده فلم يفعل بطل حقه لأن مثل هذا متيسر له ومثله ملائم غريمه ومن يلزمه غريمه.

أما الغائب عن بلد التولد فإن كان في الموضع الذي غاب إليه قاض ونفى الولد عند وصول خبره إليه عند وصول المطلوب ولو أراد التأخير إلى أن يرجع إلى بلده جوازه وجهان: من منافات الفورية اختيارا ومن أن للتأخير غرضا ظاهرا وهو الانتقال منها بإظهار خبرها في بلدها وعند قومها، وحينئذ فإن لم يمكن المسير في الحال لعدم أمن الطريق ونحوه فينبغي أن يشهد على ذلك، وإن أمكنه فليأخذ في السفر وعند التأخير يبطل حقه، فإن لم يكن هناك قاض فالحكم كما لو كان وأراد التأخير إلى بلده وجوزناه.

ومن الأعذار المسوغة لذلك التأخير عند معتبري الفورية ما لو ظهر حمل، فإنه مما يجوز له معه أن يؤخر نفيه إلى الوضع فإن متوهم الحمل مما كونهريحا فيفسد فله أن يصبر إلى أن ينفصل الحمل وحينئذ فله النفي.

وإن قال: عرفت أنه ولد ولكن أخرته طمعا في أن تجهض وتسقط فلا أحتاج إلى كشف الأمر


109

ورفع الستر عنها ففيه وجهان، والأقوى جواز التأخير.

ومن الأعذار ما لو أخر وقال: إني لم أعلم بولادتها وكان ذلك بحيث يمكن توجه تلك الدعوى على حقه وذلك مما يختلف باختلاف المحال قربا وبعدا.

ومثله ما لو قال: لم اصدق المخبر حيث إن مخبره فاسق أو صبي فيصدق بيمينه في هذا العذر، وإن أخبره عدلان لم يعذر فإنهما مصدقان شرعا، ولو أخبره من تقبل شهادته وانثى ففيه وجهان: (أحدهما) أنه يصدق ويعذر لأنه أخبره بمن لا يثبت بشهادته الحق.

(والثاني) أنه لا يصدق ويسقط حقه لأن روايته مقبولة، وسبيل هذا الخبر سبيل المخبر لا سبيل الشهادة.

ولو قال: عرفت الولادة ولم أكن أعلم أن لي حق النفي فإن كان ممن لا يخفى عليه ذلك عادة لم يقبل، وإن أمكن بأن كان حديث العهد بالاسلام أو ناشئا في البوادي البعيدة عن أهل الشرع قيل: وإن كان منالعوام الناشئين من بلاد الاسلام فو جهان أجود هما القول بيمينه مع إمكان صدقه.

الثالث:

إذا طلق الرجل امرأته وأنكر الدخول فادعته وادعت أنها حامل منه

فإن أقامت بينة أنه أرخى سترا لاعنها وحرمت عليه وكان عليه المهر، وإن لم تقم بينة كان عليه نصف المهر ولا لعان عليه وعليها مائة سوط وفاقا للشيخ في النهاية، وخالف في المبسوط ونفى إثبات الدخول بالخلوة ولا يتوجه عليه الحد لأنه لم يقذف ولا أنكر ولدا يلزمه الاقرار به.

واختار هذا القول ابن إدريس والمحقق والعلامة.

ومستند القول الأول صحيحة علي بن جعفر وخبره (1) كما في كتاب التهذيب

(1) التهذيب ج 8 ص 193 ح 36 وفيه " قال: ان قامت "، بحار الانوار ج 10 ص 262 وفيه " فادعت أنها حامل منه ما حالها ؟ "، قرب الاسناد ص 110 وفيه " فادعت أنها حامل ما حالها ؟ قال: إذا قامت البينة "، الوسائل ج 15 ص 590 ب 2 ح 1 وفيه " فقال: ان قامت ".


110

والمسائل وقرب الأسناد عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن رجل طلق امرأتهقبل أن يدخل بها فادعت أنها حامل، فإن أقامت البينة على أنه أرخى سترا ثم أنكر الولد لا عنها ثم بانت منه وعليه المهر كملا " وهي كما ترى قد دلت على أنه بتقدير إقامة البينة بإرخاء الستر يلزمه ثلاثة أشياء: اللعان والتحريم ووجوب المهر عملا بظاهر الصحيح عند الخلوة بالحليلة، ولا مانع من الوطء فيثبت المهر واللعان تقديما للظاهر على الأصل مع أن الخلوة وإرخاء الستر قد أثبت جماعة بها حكم الدخول والوطء، وحينئذ فيترتب على اللعان التحريم، فأما على تقدير عدم إرخاء الستر فأثبت به الشيخ ثلاثة أحكام ووجوب نصف المهر وبقي اللعان وهما لازمان لعدم الدخول ووجوب الحد عليها كملا.

وهذا لا يظهر من صريح الرواية ولا من ظاهرها، ومن هنا قال المحقق: لم نظفر بمستنده.

فلو علل باعترافها بالوطء والحمل وعدم ثبوت السبب المحلل الذي ادعته لم يجد نفعا في ذلك لأن هذا لا يستلزم كونه عن زنا لأنه أعم، ولا يلزم من انتفاء السبب الخاص المحلل انتفاء غيره من الأسباب وإن لم تدعه.

واحتج أهل القول الثاني بأن فائدة اللعان من الزوج إما نفي الولد الذي يحكم بلحوقه شرعا وهو موقوف على ثبوت الوطء لتصير فراشا ولم يحصل،وإما لنفي حد القذف عنه ولم يقذف، وإما لاثبات حد على المرأة وهو هنا منتف بالشبهة ويلزمه ثبوت نصف المهر خاصة لما تقدم من أن الخلوة لا توجب المهر كملا في الأصح كما هو المشهور في الفتوى والأخبار، وهذا وإن كان متوجها نظرا إلى القواعد الكلية في هذه الأحكام كلها إلا أن الرواية صحيحة متكررة في الاصول المعتبرة، فردها مطلقا مشكل بل ينبغي أن يقيد بها تلك الأخبار العامة وتخصص بها تلك الكليات لوجوب تقديم الخاص على العام.

الرابع:

إذا قذف امرأته بالزنا ونفى ولدها

فقد جمع بين السببين الموجبين للعان فيثبت عليه الحد للقذف وله إسقاطه باللعان، أما الولد فلا ينتفي بدونه


111

لأن زنا الزوجة لا يوجب نفي الولد عن الفراش، فإن لاعن عنهما سقط الحد وانتفى الولد، وإن لاعن لأحد هما خاصة ترتب عليه حكمه وبقي ملزوما بحكم الآخر، وإن أقام بينة بزناها سقط عنه حد القذف لسقوط إحصانها ويعزر للايذاء بتجديد الفاحشة، وهل له إسقاطه باللعان ؟ فيه وجهان بل قولان: (أحد هما) ثبوت الملاعنة دفعا للعقوبة ولقطع النكاح ورفع العار.

(والثاني) المنع، وهو الذي اختاره الشيخ في المبسوط لأن اللعان لاظهار الصدق وإثبات الزنا، والصدق ظاهر والزنا ثابت فلا معنى للعان، وهذا الذي دلت عليه الأخبار السابقة وتقدم تحقيقه وهو المنطبق عليه ظاهر الآية، وأيضا فإن التعزير هنا للسب والايذاء، فأشبه قذف الصغيرة التي لا يوطأ مثلها، ومثله ما لو ثبت زناها بإقرارها، والأجود هنا عدم اللعان أيضا فيعزر ويلاعن لنفي الولد، وكذا لو طلقها بائنا فأتت بولد يلحق به في الظاهر لم ينتف إلا باللعان، فإن ولد المطلقة كغير المطلقة متى أمكن كونه منه لحق به لكونها فراشا له وإن زال الآن إلا أن يعارضه فراش جديد يمكن إلحاقه، فإذا ولدته لأقصى الحمل فما دون من وطء المطلق ولم يكن تزوجت أو تزوجت ولم يمض لها أقل الحمل من وطء الثاني الحق بالأول ولم ينتف عنه إلا باللعان، كما لو نفاه في وقت النكاح ولا يقدح فيه زوال الزوجية إذ لا طريق إلى نفي الولد اللاحق به ظاهرا بدون اللعان بخلاف ما لو قذفها بعد البينونة فإنه يحد ولا لعان عملا بظاهر قوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " وهي الآن ليست بزوجة خلافا لبعض العامة، وقد تقدمت جملة من الأخبار في أحكام الأولاد.

ففي رواية أبان بن تغلب (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تزوج امرأة فلم تلبث بعدما اهديت إليه إلا أربعة أشهر حتى ولدت جارية فأنكر ولدها

(1) الفقيه ج 3 ص 301 ح 27، التهذيب ج 8 ص 167 ح 4، الوسائل ج 15 ص 117 ب 17 ح 10.


112

وزعمت أنها حبلت منه، قال: لا يقبل ذلك منها، وإن ترافعا إلى السلطان تلاعنا ".

وفي موثقة أبي العباس (1) " قال: إذا جاءت بولد لستة أشهر فهو للأخير، وإن كان أقل من ستة أشهر فهو للأول ".

ومرسلة جميل (2) عن بعض أصحابنا عن أحد هما عليهما السلام " في المرأة تتزوج في عدتها، قال: يفرق بينهما وتعتد عدة واحدة منهما، فإن جاءت بولد لستة أشهر أو أكثر فهو للأخير، فإن جاءت بولد لأقل من ستة أشهر فهو للأول ".

ومثلها صحيحته (3) المروية في من لا يحضره الفقيه، والأخبار بهذا الحكم مستفيضة جدا.

الخامس: لو ولدت المرأة تو أمين من زوج واحد فأقر بأحد هما ونفىالآخر لم يسمع نفيه بل يلزمه الاقرار بهما معا، فلا ملاعنة بينهما في هذا الانكار.

ويدل عليه من الأخبار خبر أبي البختري (4) كما في كتاب قرب الأسناد عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " أنه رفع إلى علي عليه السلام امرأة ولدت جارية وغلاما في بطن وكان زوجها غائبا فأراد أن يقر بواحد وينفي الآخر، فقال: ليس ذلك له، إما أن يقربهما جميعا وإما أن ينفيهما جميعا ".

وحيث ينكر هما جميعا ثبتت الملاعنة ولم يحتج إلى اللعان إلى أكثر من لعان واحد، وكذا لو نفى أولادا متعددين في الولادة دفعة واحدة فليس عليه سوى لعان واحد، نعم لو نفاهم متفرقين كان عليه لكل واحد لعان.

السادس: لو قال الزوج: لم تزن امرأتي هذه وهذا الولد ليس مني فلا حد

(1) التهذيب ج 8 ص 167 ح 7، الوسائل ج 15 ص 117 ب 17 ح 12.

(2) التهذيب ج 8 ص 168 ح 8، الوسائل ج 15 ص 117 ب 17 ح 13.

(3) الفقيه ج 3 ص 301 ح 24.

(4) قرب الاسناد ص 71، الوسائل ج 15 ص 602 ب 7 ح 1 وفيهما " أمر امرأة " وكذلك " واما أن ينكر هما ".


113

فلا لعان للقذف لأنه لم يقذفها ووجب اللعان لنفي الولد، ولو قال: هذا الولد من زنا أو: زنت فأتت بهذا الولد منه وجب الحد للقذف وثبت اللعان له وللنفي ويكفي لهما لعان واحد، ولو قال: ما ولدتيه وإنما التقطتيه أو استعرتيه فقالت: بل هو ولدي منك لم يضرب الحد ولم يحكم عليه - أي الولد - بالولادة إلا بالبينة لامكان إقامتها على الولادة، والأصل عدمها فهي المدعية فكانت عليها البينة، ويقبل فيها شهادة النساء منفردات ومنضمات لأنه أمر لم تطلع عليه الرجال غالبا، فإن لم يكن لها بينة حلف وانتفى عنه النسب بغير لعان إذ لم تثبت الولادة على فراشه، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين عليها، فإذا حلفت ثبتت الولادة على الفراش ولحقه إلا أن ينفيه باللعان، وإن نكلت احتملت الوقوف إلى أن يبلغ الولد، فإن هذا اليمين تعلق به حقها وحق الولد جمعيا، فإذا بلغ فإن انتسب وحلف لحق به إلا أن ينفيه باللعان واحتمل عدم الوقوف لأنها حقها، فإذا نكلت سقطت فلا يثبت بعد.

المقصد الثالث (1): في أركانهوفيه ثلاثة فصول:

الاول في الملاعن: ويشترط فيه البلوغ والعقل لعدم الاعتداد بعبارة غير هما، ولأن اللعان إما أيمان أو شهادات، ولا يصح شئ منهما من غير هما، ولصراحة الأخبار الواردة في تفسير الآية وفي أحكام اللعان أجمع لتعليق الحكم فيها على الرجل والمرأة، ولايجاب الحد عليه بهذا القذف لو لم يلاعن، ولا يجب إلا بالبلوغ والعقل أما باعتبار الولد فالأمر واضح لتنافي اولادة من غير البالغ لأنه لا يتخلق إلا من منيه وهو شاهد بالبلوغ، ولا تشترط العدالة ولا الحرية ولا انتفاء الحد من قذف أو غيره

(1) والصحيح " المقصد الثاني ".


114

عنه لعموم النصوص، وكون اللعان أيمان عندنا وهي تصح من الكل خلافا لبعض العامة بناء على كون اللعان شهادات فيعتبر في الملاعن ما يعتبر في الشاهد، وخص الحد عن كونه عن قذف للنص على عدم قبول شهادته في الآية وبخصوص الملوك أخبار كثيرة مثل:صحيحة جميل بن دراج (1) كما في التهذيب والكافي عن الصادق عليه السلام " قال: سألته عن الحر بينه وبين المملوكة لعان ؟ فقال: نعم، وبين المملوك والحرة وبين العبد والأمة وبين المسلم واليهودية والنصرانية ".

وصحيحة محمد بن مسلم (2) عن أحد هما عليهما السلام " أنه سئل عن عبد قذف امرأته، قال: يتلاعنان كما يتلاعن الأحرار ".

وصحيحة الحلبي (3) كما في التهذيب والكافي عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " قال: سألته عن المرأة الحرة يقذفها زوجها وهو مملوك، قال: يلاعنها، وعن الحر تحته أمة فيقذفها، قال: يلاعنها ".

وصحيحة منصور بن حازم (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قلت له في عبد قذف امرأته وهي حرة، فقال: يتلاعنان، فقلت: أبمنزلة الحر سواء ؟ قال: نعم ".

ومرسلته (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: مملوك كان تحته حرة فقذفها، فقال: ما يقول فيها أهل الكوفة ؟ قلت: يقولون يجلد، قال: لا، ولكن يلاعنها ".

(1) الكافي ج 6 ص 164 ح 7، التهذيب ج 8 ص 188 ح 11، الوسائل ج 15 ص 596 ب 5 ح 2.

(2) الكافي ج 6 ص 165 ح 14، التهذيب ج 8 ص 188 ح 10.

(3) الكافي ج 6 ص 164 ح 6، التهذيب ج 8 ص 187 ح 9، الوسائل ج 15 ص 595 ب 5 ح 1.

(4) التهذيب ج 10 ص 78 ح 69، الوسائل ج 15 ص 597 ب 5 ح 7.

(5) التهذيب ج 8 ص 189 ح 15، الوسائل ج 15 ص 597 ب 5 ح 9 وفيهما " كما يلاعن الحرة ".


115

وصحيحة هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن المرأة الحرة يقذفها زوجها وهو مملوك، والحر يكون تحته المملوكة فيقذفها، قال: يلاعنها ".

وظاهر الأصحاب الاطباق على نفي اشتراطه الحرية، وربما يفهم من النافع وجود قائل باعتبار الحرية.

ويظهر من الشرايع وجود الرواية بذلك، ولعله إشارة إلى ما رواه السكوني (2) عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام " أن عليا عليه السلام قال: ليس بين خمس من النساء وأزواجهن ملاعنة: اليهودية تكون تحت المسلمفيقذفها والنصرانية والأمة تكون تحت الحر فيقذفها، والحرة تكون تحت العبد فيقذفها، والمجلود في الفرية لأن الله تعالى يقول " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا " (3) والخرساء ليس بينها وبين زوجها لعان باللسان ".

وفي الخصال عن سليمان بن جعفر البصري (4) عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام مثله.

وفي قرب الأسناد عن الحسين بن علوان (5) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهم السلام " قال: أربع ليس بينهن لعان: ليس بين الحر والمملوكة، ولا بين الحرة والمملوك، ولا بين المسلم واليهودية، ولا النصرانية ".

والعجب من ثاني الشهيدين في المسالك حيث أنكر رواية المنع في المملوك والحرة، وقال أيضا: ولا به قائل معلوم.

والظاهر أنه أراد به ما في النافع حيث إن

(1) التهذيب ج 8 ص 189 ح 16 وفيه " تحته الامة "، الوسائل ج 15 ص 597 ب 5 ح 10.

(2) التهذيب ج 8 ص 197 ح 52، الوسائل ج 15 ص 598 ب 5 ح 12 وفيهما " لعان انما اللعان باللسان ".

(3) سورة النور - آية 4.

(4) الخصال ج 1 ص 304 ح 83، الوسائل ج 15 ص 598 ب 5 ح 12 وفيهما اختلاف يسير.

(5) قرب الاسناد ص 42، الوسائل ج 15 ص 598 ب 5 ح 13 وفيهما اختلاف يسير.


116

ظاهره وجود القائل إلا أنه غير معلوم.

ولا يشترط الاسلام فيه في المشهور للأصل والعموم، ويكون اللعان أيمانا فيقبل لعان الكافر ويترتب عليه أثره، خلافا لأبي علي الاسكافي فاشترطه بناء على كون اللعان شهادات ولا تقبل شهادة الكافرة وقد عرفت الجواب عن ذلك، وظاهر عبارة الشرايع أن في لعان الكافرة روايتين بالجواب والمنع.

قال شهيد المسالك في شرحه لهذا الكلام: ولم نقف عليهما بالخصوص، وربما حمله بعضهم على أن الروايتين في لعان الكافر مطلقا الشامل للرجل والمرأة، فإن الروايات المختلفة إنما وردت في لعان الكافرة - ثم قال: - " وفيه أن البحث هنا في الملاعن دون الملاعنة، وسيأتي البحث بخصوصها وفي شرائطهما، ويمكن أن تجعل الأخبار الدالة على صحة لعان الكافرة وعدمه دالا على مثله في الزوج الكافر منحيث وجه المنع كونه شهادة وهي مشتركة بينهما، ويتصور لعان الكافر فيما إذا كان الزوجان ذميين فترافعا إلينا ويمكن فرضه الزوجة مسملة والزوج كافرا فيما إذا أسلمت وأتت بولد يلحقه شرعا فأنكره " فالحق قبول لعان الكافر لزوجته المسلمة والكافرة.

وأما الأخبار الآتية في شرائط الملاعنة المانعة من لعان المسلم للكافرة كما تضمنة خبر السكوني وخبر الخصال وخبر قرب الأسناد وسيأتي أيضا خبر الجعفريات فسبيلها التقية لأنه مذهب أولئك العامة، ولهذا اشتملت على العبد والحرة وعلى المجلود في الفرية والتعليل بعدم قبول الشهادة وذلك أمارة التقية.

وأما الخرس فليس بمانع من لعان الزوج وإن منع من لعان الخرساء كما سيجئ وتقدم فإن عقلت إشارته قبل لعانه بالاشارة في المشهور كما يصح منه الاقرار والعقود والايقاعات لعموم النصوص من الكتاب والسنة ولأن اللعان إما يمين أو شهادة وكلاهما ومن الأخرس مقبول كالصحيح، وقد حكى في الخلاف عليه الاجماع والوفاق، وتوقف فيه ابن إدريس والعلامة في التحرير والمختلف، وقد أسنده


117

في الخلاف أيضا إلى الأخبار ولعله أراد بها العمومات.

قال ابن إدريس (1): لا أقدم على أن الأخرس المذكور يصح لعانه لأن أحدا من أصحابنا غير من ذكرناه - وعبر به الشيخ في المبسوط والخلاف حيث أجازه - لم يورد في كتابه ولا وقفت على خبر بذلك ولاجماع عليه، والقائل بهذا غير معلوم للمتمسك بالآية بعيد لأنه لا خلاف في أنه غير قاذف ولارام على الحقيقة، فالنطق منه بالشهادات في حال اللعان متعذر والأصل براءة الذمة، واللعان حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، وأيضا لو رجع عن اللعان عند من جوزه له وجب عليه الحد، والرسول صلى الله عليه واله قال: ادرأوا الحدود بالشبهات ومن المعلوم أن في أيمانه وإشاراته بالقذف شبهة، فإن أراد به القذف أو غيره وهو غير معلوم يقينا بلا خلاف - ثم قال: - فإن قلنا يصح منه اللعان كان قويا معتمدا لأنه يصح منه الاقرار والأيمان وأداء الشهادات وغير ذلك من الأحكام.

وهذا الكلام كما ترى ينادي وباضطرابه في الفتوى وتردده فيها.

ومن ثم قال المحقق: وربما توقف فيه شاذ منا.

وقد أجاب عنه المحقق بأن إشارته مقبولة فيما هو أقوى من اللعان كالاقرار بالقتل وغيره إجماعا فيكون في اللعانكذلك، على أن فرض المسألة فيما إذا كانت إشارته مفهمة للمطلوب وإلا لسلمنا عدم صحته، وحينئذ فما استند إليه من عدم العلم بإشارته في القذف والشهادة خلاف الغرض، ودعوى الاتفاق على أنه قاذف ولارام فاسدة، إذ القذف مرجعه إلى الرمي، فإن معناه لغة الرمي وهو غير مختص بلفظ، بل بما دل على الرمي بالزنا في معرض التعبير.

نعم يمكن أن يفرق بين الاقرار وغيره من العقود والمعاملات من الأخرس وبين اللعان من حيث إنه يتعين التأدية بلفظ الشهادة والغضب، واللعن وإشارته لا تفي بتفصيل الصيغ ولا ترشد إليه وإن أدت معناها، وإنهما يتوجه أن يصح منه

(1) السرائر ص 331.


118

ما لا يختص بصيغة ولا يمتنع إقامة الاشارة منه مقام العبارة المؤدية له دون ما يختص.

أما النكاح والبيع ونحو هما من العقود اللازمة بصيغ خاصة فحقها المشاركة اللعان في المنع إلا أنه لما كان المقصود منها ما دل على المطلوب صريحا إذ لانص على الاختصاص.

فإذا أفادت إشارته ذلك كفت.

ويمكن الجواب أيضابأنه قد ثبت عن الشارع والاكتفاء بإشارته فيما علم اختصاصه بصيغة خاصة كتكبيرة الاحرام في الصلاة وقراءة الحمد فيها ونحو هما من الأذكار المعينة فليكن هنا كذلك لأن الفرق بين الأمرين لا يخلو من إشكال، فالقول بوقوع اللعان من الأخرس هو المذهب وإن كان الشك فيه منقدحا.

ويمكن الاستدلال للمانعين المترددين بما اشتملت عليه الروايات الثلاث التي مر ذكرها من التهذيب عن السكوني ومن الخصال ومن قرب الأسناد بل ومن الجعفريات أيضا من تعليل نفي اللعان عن الخرساء بينها وبين زوجها من أن اللعان باللسان، وبما روي في بعض الكتب عن أمير المؤمنين عليه السلام كما فشرح القواعد للفاضل الهندي أنه قال: الخرساء والأخرس ليس بينهما لعان لأن اللعان لا يكون إلا باللسان.

لكن يمكن تخصيص التعليل بالخرساء أو بهما معا عند اجتماعهما فلا يمنع في ملاعنة الأخرس الصحيحة عند إفهامه، وعلى كل تقدير فلا خلاف في نفي لعانه إذا لم تكن إشارة مفهمة.

واعلم أنه كما يمكن وقوع القذف واللعان معا من الأخرس يمكن وقوع القذف منه صحيحا ثم يعرض له الخرس قبل اللعان، ومعه يزول الاشكال الذى وجههابن إدريس من عدم تحقق القذف والرمي منه، ويبقى الكلام في اللعان خاصة وهو منحصر في الشهادة أو اليمين كما عرفت، وكلاهما يقعان من الأخرس، ولو كان يحسن الكتابة فهي من جملة إشاراته بل ربما كانت أوضح، فإذا لاعن بالكتابة وأشار بما يدل على قصدها كان أكمل، وليكتب حينئذ كلمة الشهادة وكلمة اللعن والغضب ويشير إليهما أربع مرات ولا يكلف أن يكتب أربع


119

مرات، ولو قذف ولا عن بالاشارة ثم عاد نطقه وقال: لم أرد اللعان بإشارتى قبل قوله فيما عليه حتى يلحقه النسب ويلزمه الحد.

ولا يقبل فيما له حتى لا ترتفع الفرقة ولا التحريم المؤبد، وله أن يلاعن في الحال لاسقاط الحد ولنفي النسب إذا لم يمض من الزمان ما يسقط فيه حد النفي.

ولو قال: لم أرد القذف أصلا لم يقبل قوله لأن إشارته أثبت القذف لافهامها ذلك وهو حق لغيره، ولو انقطع كلام الصحيح بعد القذف وقبل اللعان صار كالأخرس لعانه بالاشارة وإن لم يحصل اليأس من نطقه لأنه فوري والأصل البراءة من التربص إلى البرء، وللعامة قولبالتربص إن رجئ البرء، وهاهنا فروع: الاول: لا بد من الزوجية في الملاعن، فلا يقبل لعان الأجنبي بل يجب عليه حد القذف إن لم يأت بالبينة وإن كان ذا قرابة ورحم لصيق.

ويدل عليه خبر محمد بن سليمان (1) المتقدم عن أبي جعفر الثاني عليه السلام حيث قال " قلت له: كيف صار الرجل إذا قذف امرأته كانت شهادته أربع شهادات بالله وإذا قذفها غيره أب أو أخ أو ولد أو غريب جلد الحد أو اقيم البينة على ما قال ؟ فقال: قد سئل أبو جعفر عليه السلام عن ذلك فقال: إن الزوج إذا قذف امرأته فقال رأيت ذلك بعيني كانت شهادته أربع شهادات بالله، وإذا قال له إنه لم يره قيل له أقم البينة على ما قلت وإلا كان بمنزلة غيره، وذلك لأن الله عز وجل جعل للزوج مدخلا لم يدخله غيره لا والد ولا ولد بالليل والنهار فجاز له أن يقول رأيت ولو قال غيره رأيت قيل له ما أدخلك هذا المدخل الذي ترى فيه هذا وحدك ؟ أنت متهم ولا بد أن يقام عليك الحد الذي أوجبه الله عليك ".

ومثلها رواية محمد بن أسلم الجبلي (2) وقد تقدمت أيضا، وخبر أبي الهيثم

(1) الفقيه ج 3 ص 348 ح 8، الوسائل ج 15 ص 594 ب 4 ح 5.

(2) علل الشرايع ص 545 ب 336 ح 1، الوسائل ج 15 ص 594 ب 4 ح 6.


120

الفارسي (1) كما تقدم، وخبر الحسين بن سيف (2) كما في الكافي.

لو أدعى عليه الولد المشبهة فأنكره انتفى عنه ولم يثبت اللعان وإن اعترف بالوطء لأنه نفى ولد من غير الزوجة، أما لو اعترف بالوطء ونفى وطء غيره واستدخال المني من غيره سقط اللعان والحق به وإن كان إنكاره لغوا.

الثاني: لو قذف الطفل زوجته فلا حد ولا لعان وكذا المجنون لرفع القلم عنهما حتى يبلغ ويفيق.

وفي الخبر عن أمير المؤمنين عليه السلام " لالعان بين الصبيين حتى يدركا وإن أردكا لم يتلاعنا فيما رمى امرأته وهما صغيران " ولو أتت امرأة لمجنون بولد لحق به نسبه، ولا سبيل إلى نفيه مع زوال عقله، فإذا عقل كان له نفيه حينئذ واستلحاقه، ولو ادعى أن القذف كان حال جنونه صدق إن عرف منه ذلك مع يمينه لأصالة البراءة، وادرأوا الحد بالشبهات، وإلا فلا، فالقول قول المقذوفة مع يمينها لأن الظاهر معها.

الثالث: لو ارتد الزوج فلاعن ثم عاد إلى الاسلام في العدة عرف صحتهبظهور بقاء الزوجية، وإن أصر على الكفر ظهر بطلانه لظهور البينونة فلا تحرم عليه إن رجع إلى الاسلام، ولو ظن صحة النكاح الفاسد فلاعن لم يندفع الحد باللعان الفاسد على إشكال لفساد اللعان وظهور الأجنبية ومن الحكم بالسقوط حين لاعن، ولعله يكفي في درء الحد، وكذا لا يندفع عن المرتد المصر الملاعن في ارتداده على إشكال من جهة أنها في العدة كالمطلقة الرجعية لتمكن الزوج إلى الاسلام ومن أنها كالبائن لكشف الاصرار عن البينونة بالارتداد فتكون كالأجنبية في تلك الحال.

الفصل الثاني في الملاعنة: ويعتبر فيها البلوغ وكمال العقل والسلامة من الصمم والخرس.

أما الأولان

(1) المحاسن ص 302 ح 11، الوسائل ج 15 ص 594 ب 4 ح 6.

(2) الكافي ج 7 ص 403 ح 6، الوسائل ج 15 ص 594 ب 4 ح 6.


121

فللأخبار التى قد سمعتها في الملاعن، وأن متعلق اللعان فيهما الرجل والمرأة وهما لا يكونان إلا بالغين عاقلين لالزامهما في الأيمان والشهادات ودرء الحد، ولا يكلفبذلك إلا البالغ العاقل.

وأما السلامة من الصمم والخرس فالأخبار بهما مستفيضة، وقد تقدم كثير منها في النكاح فيما لو حرم على التأييد مثل صحيح أبي بصير (1) " قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل قذف امرأته بالزنا وهي خرساء أو صماء، قال: إن كان لها بينة تشهد عند الامام جلد الحد وفرق بينه وبينها ولا تحل له أبدا، وإن لم تكن لها بينة فهي حرام عليه ما أقام معها و لا إثم عليها منه ".

كذا في كتاب النكاح من التهذيب، وفي كتاب اللعان منه من الكافي " وهي خرساء صماء " بحذف لفظة " أو " فالخبر واحد متنا وسندا، فالظاهر زيادة لفضة " أو " في كتاب النكاح، وحينئذ لا يكون لنا خبر يدل على نفي اللعان إذا كانت صماء خاصة إلا أن يفهم من قوله عليه السلام " لا تسمع ما قال " أو يكون انعقد الاجماع على عدم الفرق بين الخرس والصمم وللفقيه الواحد في الكتاب الواحد اضطراب في هذا الحكم، ففي النكاح ربما اكتفى بأحد هما في التحريم المؤبد ونفي الملاعنة، وفي اللعان اعتبر اجتماعهما وربما كان العكس، وكل ذلك من اضطراب خبر أبي بصير فيذلك التعبير.

ومن هنا قال شهيد المسالك في اللعان عند شرحه لعبارة الشرايع حيث اشترط السلامة من الصمم والخرس: مقتضى العبارة أن السلامة منهما معا شرط في صحة لعانها مطلقا، فلو كانت متصفة بأحد هما صح لعانها لأن الشرط وهو السلامة منها حاصل، وقد تقدم في باب التحريم المؤبد من النكاح أن أحد هما كاف في تحريمهما مع القذف، ففى الفتوى اختلاف في الموضعين مع إمكان تكلف

(1) الكافي ج 6 ص 166 ح 18، التهذيب ج 8 ص 193 ح 34، الوسائل ج 15 ص 603 ب 8 ح 2 وما في المصادر اختلاف يسي


122

الجمع بينهما بحمل هذه على تلك، وقد تقدم المختار في ذلك.

ثم قال: ومقتضى هذه العبارة أيضا لا يصح لعانها للقذف ولالنفي الولد لأنه جعل السلامة منهما معا شرطا في صحة لعانها مطلقا الشامل لذلك، وقد تقدم جعل قذفها موجبا لغير تحريمها بلا لعان، فنفي الولد غير داخل فيه لأن اللعان سببين كما تقدم القذف ونفي الولد وأحد هما غير الآخر وقد يجتمعان كما لو قذفهابالزنا ونفي ولدها، وقد ينفرد كل منهما عن الآخر بأن يقذفها بالزنا ويعترف بولدها، أو ينفي ولدها ويبرئها من الزنا بأن يجعله ولد شبهة أو نكاح صحيح سابق حيث يمكن، والموجود في النصوص تحريمها بمجرد القذف بدون اللعان وأنه يحد للقذف، ثم ذكر صحيحة أبي بصير المتقدمة.

ثم قال: والوجه اختصاص الحكم بالقذف وقوفا فيما خالف الأصل على محل الوفاق ولعموم الآية الشامل للزوجة مطلقا خرج منه المقذوفة فيبقى الباقي ولأنه على تقدير علمه بانتفاء الولد عنه لو نفاه فحرمت عليه بدون لعان، فإن انتفى الولد بذلك لزم انتفاء ولد الزوجة الملحق به ظاهرا بمجرد النفي وهو باطل بالاجماع، وإن لم ينتف عنه ولم يجعل له طريق إليه لزم الحرج والضرر به المنفيان شرعا آية ورواية.

نعم في رواية إسماعيل بن أبي زياد السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " أن عليا عليه السلام قال: ليس بين خمس من النساء وبين أزواجهن ملاعنة - وعد منها الخرساء، وقال: - إنما اللعان باللسان " وهو يقتضي نفي اللعان للأخرس، لكنها قاصرة من إفادة المطلوب لضعف سندها فلا يقاوم بعموم ما ثبت بالآية والروايةبل الاجماع، وإنما يقتصر فيه على ما ذكرناه من محل الوفاق، وأيضا فإنه أومى إلى العلة بكون اللعان إنما يكون باللسان المقتضية لنفي لعان الأخرس بالاشارة وقد مر ما يدل على خلافه، وحينئذ يلاعنها لنفيه بالاشارة كما مر في الأخرس

(1) التهذيب ج 8 ص 197 ح 52، الوسائل ج 15 ص 598 ب 5 ح 12.


123

ويحد للقذف إن لم يقم عليها البينة وتحرم بغير لعان عليه مؤبدا، وإن أقام بينة سقط الحد وحرمت عليه أيضا كما دلت عليه الرواية السابقة.

وربما قيل إنها لا تحرم لعدم قذفها بما يوجب اللعان، ويثبت عليها الحد بالبينة ولا ينتفي عنها بلعانها، والرواية تنافي ذلك وهي معتبرة الأسناد، لكن في الاكتفاء بها في إثباب هذا الحكم نظر، وعبارات الأصحاب في باب التحريم مصرحة باشتراط قذفها بما يوجب اللعان للآية المذكورة، فيخرح منها ما لو أقام البينة وما لو لم يدع المشاهدة، وإطلاق هذه الرواية وغيرها يتناول الجميع، والأولى الرجوع في كل موضع يحصل منه الاشتباه إلى الحكم العام.

انتهى كلامه رفع في أعلا عليين مقامه، وإنما نقلناه بطوله لكثرة فوائده ومحصوله.

لكن بقي هنا شئ وهو أنه لم يتعرض لسوى رواية السكوني وهي ليست منفردة بذلك، لأنك قد سمعت أن المعاضد لها من أخبار الباب ثلاثة أخبار اخر أحد ها خبر الخصال والثاني خبر قرب الأسناد عن الحسين بن علوان والثالث خبر الجعفريات، إلا أن الثلاثة مشتركة في ضعف السند أيضا على الاصطلاح الجديد، لكن قد عرفت غير مرة أن هذا الاصطلاح الجديد غير معتبر إلا عند تعارض الأخبار، وفي الحقيقة لا تعارض هنا بينها وبين خبر صحيحة أبي بصير إلا في حالة القذف دون حالة نفي الولد إذ لا معارض لها سوى العموم وكونها لضعفها غير مقابلة لتقييد غيرها، لكن يبقى فيها الطعن باحتمال التقية لاشتمالها على أصناف لا يمكن القول بها، وقد تقدم الكلام عليه منقحا فلا حاجة إلى إعادته.

ويشترط فيها أيضا أن تكون منكوحة بالعقد الدائم الصحيح، أما اشتراطه مع القذف فهو مشهور بين الأصحاب، وقد ذهب إليه أكثر المتقدمين وجميع المتأخرين حتى لم ينقل المحقق هنا فيه خلافا، وكذا العلامة، لكن قد نقل الخلاف في نكاح المنقطع عن المفيد والمرتضى لعموم الآية، وسيجئ الكلام عليهما وعلى ما احتجا به، وأما بالنسبة إلى نفي الولد فالظاهر أنه موضع وفاق لأن


124

ولد المتمتع بها ينتفي لغير لعان اتفاقا كما تقدم في حكم الأولاد، لكن ظاهر المفيد في الرسالة الغرية أن خلافه في الجميع، وكذلك ظاهر يحيى بن سعيد، وبين الكلامين تدافع.

ويدل على المشهور ما تقدم في نكاح المتعة من الأخبار التي أوردها جامع الأصل من صحيحة ابن أبي يعفور (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا يلاعن الرجل المرأة التي يتمتع منها ".

وصحيحة عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا يلاعن الحر الأمة ولا الذمية ولا التي يتمتع بها ".

وصحيحة علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى عليه السلام مثلها.

واحتج المفيد والمرتضى ويحيى بن سعيد بعموم الآية، ولا ينافيه ورودها في الدائم لأن خصوصية السبب لا تخصص العام، واجيب أن عمومها مخصوص بالروايات الصحيحة بناء على ما ثبت من أن خبر الواحد يخصص الكتاب، والعجب من شهيد المسالك في مباحث المتعة حيث طعن في خبر عبد الله بن سنان بعدم الصحةلاشتراك ابن سنان بين عبد الله ومحمد بالضعف، ثم قال: والاشتراك يمنع الوصف بالصحة.

وفيه نظر لما عرفت أن لااشتراك لأن محمدا لا يروي عن أبي عبد الله عليه السلام بغير واسطة والقرينة العقلية معينة له، ومن هنا جزم في اللعان بالصحة وغفل عما أورده هناك في المتعة.

وأما رواية علي بن جعفر وإن ضعف طريقها في التهذيب لكنها في كتاب المسائل له صحيحة.

(1) الكافي ج 6 ص 166 ح 17، التهذيب ج 8 ص 189 ح 18 وفيهما " يتمتع بها "، الوسائل ج 15 ص 605 ب 10 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 188 ح 12، الوسائل ج 15 ص 605 ب 10 ح 2.

(3) قرب الاسناد ص 109، الوسائل ج 15 ص 599 ب 5 ح 14.


125

وأما اعتبار اشتراك الدخول بها تقدم الكلام عليه مستوفى فلا حاجة إلى إعادته، ودليل اشتراطه قد مر مفصلا، وأن المخالف فيه غير معلوم وإنما تؤذن به بعض العبارات.

نعم خلاف ابن إدريس بالنسبة إلى التفصيل حيث اشترطهفي لعان نفي الولد دون الرمي بالقذف، وقد عرفت ما يدفعه إذ لامستمسك له سوى العمومات آية ورواية، وقد قيدتها الأخبار المستفيضة المشترطة للدخول، ويثبت اللعان بين الحر والمملوكة كما هو المشهور، وصور هذه المسألة أربع لأن الزوجين إما أن يكونا حرين أو مملوكين أو الزوجة حرة والزوج عبدا وبالعكس.

والثلاثة الاول لا خلاف في ثبوت اللعان بينهما فيها، وإنما الخلاف في الرابع، فجوزه الأكثر الشيخ وأتباعه والمحقق والعلامة وعليه المتأخرون قاطبة، ومنعه المفيد وسلار مطلقا، وفصل ابن إدريس فصححه في نفي الولد دون القذف.

حجة المشهور صحيحة جميل (1) عن الصادق عليه السلام وقد تقدمت في شرائط الملاعن " أنه سئل هل يكون بين الحر والمملوكة لعان ؟ فقال: نعم، وبين المملوك والحرة وبين العبد والأمة وبين المسلم واليهودية والنصرانية ".

وصحيحة الحلبي (2) وقد تقدمت أيضا " قال: سألته عن المرأة الحرة يقذفها زوجها وهو مملوك، قال: يلاعنها.

وعن الحر تحته أمة فيقذفها ".

وصحيحة محمد بن مسلم (3) " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الحر يلاعن المملوكة ؟قال: نعم إذا كان مولاها الذي زوجها إياه ".

وصحيحة حريز (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " في العبد يلاعن الحرة ؟ قال: نعم

(1) التهذيب ج 8 ص 188 ح 11، الوسائل ج 15 ص 596 ب 5 ح 2.

(2) الكافي ج 6 ص 163 ح 6، الوسائل ج 15 ص 595 ب 5 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 188 ح 13، الوسائل ج 15 ص 596 ب 5 ح 5.

(4) التهذيب ج 8 ص 189 ح 14 وفيه " ولاعنها "، الوسائل ج 15 ص 597 ح 6 وفيهما " زوجه اياها ".


126

إذا كان مولاه زوجها إياها لاعنها بأمر مولاه كان ذلك، وقال: بين الحر والأمة والمسلم والذمية لعان ".

وصحيحة محمد بن مسلم الاخرى (1) " قال: سألته عن الحر يلاعن المملوكة ؟ قال: نعم ".

وصحيحة هشام بن سالم (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن امرأة الحرة يقذفها زوجها وهو مملوك الحر تكون تحته المملوكة فيقذفها، قال:يلاعنها ".

وحجة المانعين عموم قوله تعالى: " ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات " (3) والمملوكة ليست من أهل الشهادة.

وبصحيحة عبد الله بن سنان (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا يلاعن الحر أمته ولا الذمية ولا التي يتمتع بها ".

ورواية على بن جعفر (5) كما في التهذيب وصحيحته كما في المسائل عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام " قال: سألته عن رجل مسلم تحته يهودية أو نصرانية أو أمة ينفي ولدها ويقذفها، هل عليه لعان ؟ قال: لا ".

وبخبر السكوني (6) وقد مر وفيه " أن عليا عليه السلام قال: ليس بين خمس من النساء وبين أزواجهن ملاعنة " وساق الحديث إلى أن قال: " والأمة تكون تحت الحر فيقذفها "

(1) التهذيب ج 10 ص 78 ح 70، الوسائل ج 15 ص 597 ب 5 ح 8.

(2) التهذيب ج 8 ص 189 ح 16 وفيه " يكون تحته الامة "، الوسائل ج 15 ص 597 ب 5 ح 10.

(3) سورة النور - آية 6.

(4) التهذيب ج 8 ص 188 ح 12، الوسائل ج 15 ص 596 ب 5 ح 4.

(4) التهذيب ج 8 ص 188 ح 12، الوسائل ج 15 ص 596 ب 5 ح 4.

(5) التهذيب ج 8 ص 189 ح 17 وفيه " أو أمة فأولدها وقذفها فهل "، قرب الاسناد ص 109، الوسائل ج 15 ص 598 ب 5 ح 1 1 وفيهما اختلاف يسير.

(6) التهذيب ج 8 ص 197 ح 52، الوسائل ج 15 ص 598 ب 5 ح 12.


127

ومثلها خبر سليمان بن جعفر البصري (1) كما في الخصال عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام وقد تقدم أيضا.

وخبر الحسين بن علوان (2) كما في قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهم السلام " قال: أربع ليس بينهن لعان: ليس بين الحر والمملوكة ولابين الحرة والمملوك ".

ومثلهاما في كتاب الجعفريات (3) بإسنادها المشهور عن علي عليه السلام.

وقد قدح على هذه الروايات بضعف أسنادها سوى الاولى، وبأنها مشتملةعلى تلك الأفراد التي قد ثبتت بالصحاح والفتوى الملاعنة فيها وبأنها مطابقة للتقية وباحتمال أن تكون الأمة مملوكة غير مزوجة وبما إذا تزوجها بغير إذن مولاها.

وأما إطلاق الآية فمخصص بتلك الأخبار الصحاح التي قد سمعتها مع صراحتها في التزويج واحتمال هذه للملك.

واحتج ابن إدريس على تفصيله بأن قذف المملوكة لا يوجب الحد فلا يتوقف نفيه على اللعان، بخلاف نفي ولدها إذا كانت زوجة وبأن اللعان حكم شرعي فيقتصر فيه على المتيقن والثاني باق على الأصل.

واجيب عن ذلك بأن عموم " والذين يرمون أزواجهم " أخرجه عن حكم الأصل مضافا إلى النصوص المستفيضة من الصحاح وغيرها، وكما جاز اللعان لنفي الحد جاز لنفي التعزير إذ ليس في اشتراط كونه للحد وإن كان السبب موجبا له لأن العبرة بعموم اللفظ لا لخصوص السبب، وقد ظهر أن مختار الأكثر هو الأظهر، ويتعين حمل هذه الأخبار على التقية ولا يشترط فيها الاسلام كما هو مذهب الأكثر.

وذهب جماعة منهم ابن الجنيد إلى اشتراط إسلامها فلا يلاعن

(1) الخصال ج 1 ص 304 ح 83، الوسائل ج 15 ص 598 ب 5 ح 12.

(2) قرب الاسناد ص 42، الوسائل ج 15 ص 598 ب 5 ح 13 وفيهما اختلاف يسير.

(3) الجعفريات ص 114.


128

المسلم الكافرة، وابن إدريس على التفصيل كما في الحر والمملوكة.

وقد احتج المشهور بما قدمناه من الأخبار المشتملة على التعميم وصحيحة جميل لقوله فيها " وبين المسلم واليهودية والنصرانية ولا يتوارثا ".

وبصحيحة حريز عن أبي عبد الله عليه السلام وقد تقدمت أيضا فيها " بين الحر والأمة والمسلم والذمية لعان ".

وبصحيحة أبي ولاد الحناط (1) كما في مستطرفات السرائر نقلا من كتاب المشيخة للحسن بن محبوب " قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن نصرانية تحت مسلم زنت وجاءت بولد فأنكره المسلم، قال: فقال: يلاعنها، قيل: والولد ما يصنع به ؟ قال: هو مع امه ويفرق بينهما ولا تحل له أبدا ".

واحتج المانعون بما ذكروا في اشتراط الحرية فيها وبالأخبار التي قدمناهامثل خبر علي بن جعفر وصحيحه حيث قال فيه " عن رجل مسلم تحته يهودية أو نصرانية أو أمة تنفي ولدها وتقذفه، (2) هل عليه لعان ؟ قال: لا ".

وكذلك بخبر السكوني وبخبر الخصال عن سليمان بن جعفر البصري وقد مر عن قريب، وبخبر الحسين بن علوان كما في قرب الأسناد، وبخبر علي بن جعفر كما فيه، أيضا وبصحيحه كما في كتاب المسائل.

وحملت هذه الأخبار في المشهور بعد الطعن فيها بما مر من ضعف أسنادها سوى ما شذ منها وصحيحة عبد الله بن سنان وصحيحة علي بن جعفر بما لو أقر بالولد ثم نفاه أو بكون تزويج المسلم بها غير مشروع أو بحملها على التقية بقرينة التعليل في كثير منها بعدم قبول شهادة هؤلاء وعلى كون الذمية مملوكة وما سوى التقية متكلف.

وأما ما احتج به ابن إدريس على التفصيل هو عين ما احتج به على اشتراط الحرية.

وظهر بهذا التحقيق قوة ما ذهب إليه المشهور من جواز الملاعنة مع الكافرة

(1) السرائر ص 481، الوسائل ج 15 ص 599 ب 5 ح 5 وفيهما اختلاف يسير.

(2) كذا والصحيح " ينفى ولدها ويقذفها " كما تقدم قريبا.


129

وأنه من باب اليمين لا من باب الشهادات، ومما اختلف في اشتراطه أن لا تكون حاملا، والمشهور عدم اشتراطه، وذهب المفيد وسلار وأبو الصلاح إلى عدم جواز اللعان ما دامت حاملا، والأقوى الأول لعموم الآية سواء كان لعانها عن نفي الولد أو القذف لشموله لهما ولوجود المقتضي وانتقاء المانع، إذ ليس مانع إلا كونها حاملا وهو لا يصلح للمانعية، لأن شهادة الحامل ويمينها حال الحمل غير مناف له، والحمل غير مسوغ لتأخير ما يتوجه عليها في الحد، ولأن النبي صلى الله عليه واله وسلم لاعن بين هلال بن امية وزوجته وكانت حاملا ونفى هلال الحمل، ولما ولدت جاء على صفات من قذفها به، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: لو لا الأيمان لكان لي ولها شأن.

وبصحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سأله عن رجل لاعن امرأته وهي حبلى وقد استبان حملها وأنكر ما في بطنها، فلما وضعت ادعاه وأقر به وزعم أنه منه، فقال: يرد عليه ولده ويرثه ولا يجلد لأن اللعان بينهما قد مضى ".

ورواه الكليني (2) بطريقين أحد هما من الضعيف والآخر من الصحيح عن الحلبي مثله.

واحتج المانع برواية أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال أمير المؤمنينعليه السلام: يلاعن على كل حال إلا أن تكون حاملا " وطعن على الخبر بضعف الأسناد فلا يعارض الصحيح ولا يقيد إطلاق الكتاب وعمومه.

واحتمل فيه الشيخ نفي ما يجب باللعان على الحد على تقدير نكولها أو على أن الحمل غير متيقن واللعان إنما يترتب على ما كان يقينا، ويمكن حمله على التقية أيضا لأنه مذهب

(1) التهذيب ج 8 ص 190 ح 19، الوسائل ج 15 ص 600 ب 6 ح 4.

(2) الكافي ج 6 ص 165 ح 13 وج 7 ص 161 ح 7، الوسائل ج 15 ص 600 ب 6 ح 4 وج 17 ص 559 ب 2 ح 3 وما في المصادر اختلاف يسير.

(3) التهذيب ج 8 ص 190 ح 20، الوسائل ج 15 ص 607 ب 13 ح 3 وفيهما " كان أمير المؤمنين عليه السلام يلاعن في كل ".


130

العامة لاشتراطهم أن تكون حاملا، فالأصح إذا الجواز، ويتأخر الحد مع لنكول عن الوضع للأخبار النافية لحد الحامل وبعد ثبوته إلى أن تضع، وهذا مجمع عليه أيضا.

وفي خبر سماعة بن حمران (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا كانت المرأةحبلى لم ترجم ".

تتمة لا تصير الأمة فراشا بالملك،

فلا يلحقه الولد الذي تأتي به وإن خلت له وخلابها، وأمكن أن يكون منه بخلاف النكاح حيث يلحق الولد بمجرد الامكان كما تقدم في أحكام الأولاد، لأن المقصود بالنكاح والتزويج هو الولد، وملك اليمين قد يقصد به ذلك وقد يقصد به التجارة والاستخدام، ولهذا لا يزوج من لا تحل له ويملك باليمين من لا تحل له، وإذا كان المقصود في النكاح ذلك اكتفى فيه بمجرد الامكان.

وقد اختلف الاصحاب في صيرورة الأمة فراشا في الوطء بالفعل إلى قولين وكأن منشأهما اختلاف الروايات، فذهب الشيخ في المبسوط والمحقق والعلامة وسائر المتأخرين إلى أن الأمة لا تصير فراشا لسيدها مطلقا، وذهب الباقون إلى صيرورتها فراشا بالوطء، إلا أنهم اتفقوا على انتفاء ولدها بمجرد النفي كما سيجئ تحقيقه، وقد تقدم في أحكام الأولاد الكلام على هذا الحكم أيضا وذكر طائفة من أدلته، وإنما أعدناه هنا لزيادة التحقيق واقتداء بالمحقق في شرايعه.

واستند أهل القول الأول إلى صحيحة عبد الله بن سنان (2) عن أبى عبد الله عليه السلام " أن رجلا من الأنصار أتى أبا عبد الله عليه السلام فقال: إني ابتليت بأمر عظيم،

(1) التهذيب ج 8 ص 190 ح 21، الوسائل ج 15 ص 607 ب 13 ح 2.

(2) الكافي ج 5 ص 488 ح 1، الوسائل ج 14 ص 563 ب 55 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.


131

أن لي جارية كنت أطأها، فوطأتها يوما فخرجت إلى حاجة لي بعد ما اغتسلت منها ونسيت نفقة لي فرجعت إلى المنزل لأخذها فوجدت غلاما لي على بطنها، فعددت لها من يومي ذلك تسعة أشهر، فولدت جارية، قال: فقال لي عليه السلام: لا ينبغي لك أن تقربها ولاتبيعها ولكن أنفق عليها من مالك ما دمت حيا، ثم أوص لها عند موتك من مالك يجعل الله عز وجل لها منخرجا ".

ومثلها خبر حريز (1) عن أبي عبد الله عليه السلام ومرسلة آدم بن إسحاق (2) عن رجل من أصحابنا عن عبد الحميد بن إسماعيل.

وفي معنى هذه أخبار اخر قد تقدمت في أحكام الأولاد إلا أنها ضعيفة الأسناد.

واحتج من أثبت الفراش بالوطء بأخبار عامية تركنا التعرض لها لعدمالفائدة في نقلها، وبرواية سعيد بن يسار (3) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل وقع على جارية له تذهب وتجئ ولقد عزل عنها، ما تقول في الولد ؟ قال: أرى لا يباع هذا الولد يا سعيد.

قال: وسألت أبا الحسن عليه السلام فقال: أتتهمها ؟ فقلت: أما تهمة ظاهرة فلا، فقال، فيتهمها أهلك ؟ فقلت: أما شئ ظاهر فلا، فقال: فكيف تستطيع أن لا يلزمك الولد ؟ ".

وبصحيحته (4) أيضا " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الجارية تكون للرجل يطيف بها وهي تخرج فتعلق، فقال: يتهمها الرجل أو يتهمها أهله ؟ قلت: أما ظاهرة فلا، قال: إذا لزمه الولد ".

وصحيحة سعيد الأعرج (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجلين

(1) التهذيب ج 8 ص 182 ح 59، الوسائل ج 14 ص 565 ب 56 ح 3.

(2) التهذيب ج 8 ص 180 ح 54، الوسائل ج 14 ص 565 ب 56 ح 4.

(3) التهذيب ج 8 ص 181 ح 58، الوسائل ج 14 ص 566 ب 56 ح 5 وفيهما اختلاف يسير.

(4) التهذيب ج 8 ص 181 ح 57، الوسائل ج 14 ص 565 ب 56 ح 2.

(5) التهذيب ج 8 ص 169 ح 13، الوسائل ج 14 ص 568 ب 58 ح 4.


132

وقعا على جارية في طهر واحد، لمن يكون الولد ؟ قال: للذي عنده، لقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر ".

وفي معناها رواية الحسن بن زياد الصيفل (1) عنه عليه السلام والطريق إلى الحسن صحيح وفيها " الولد للذي عند الجارية وليصر لقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر ".

وهذه الأخبار صريحة في أن الأمة تصير فراشا للمولى بالوطء، وفي معناها غيرها، والظاهر أنها مرجحة على الأخبار السابقة لصحة السند وكثرة العدد.

وإذا تقرر ذلك الحكم فنقول مما يترتب على كون الموطوءة فراشا أن ولدها الذي يمكن تولده من الوطء بأن تلده لستة أشهر، فما زاد من حين الوطء إلى أقصى مدة الحمل يلحق به ولا يتوقف على اعترافه به بل لا يجوز له نفيه فيما بينه وبين الله تعالى وإن ظن أنه ليس منه لتهمة امه بالفجور لأن الله تعالى قد حكم بأن الولد للفراش، فإذا كان الفراش زوجة دائمة تحقق بالاشهاد من حينالعقد وإمكان وصوله إليها.

ثم لها بالنسبة إلى الولد حكمان أحد هما في ظاهر الأمر وهو أنه يحكم بإلحاق الولد الذي تلده بعد العقد وإمكان الوصول إليها فيما بين أقل الحمل وأكثره بالزوج وإن لم يعترف به ولم يعلم وطؤه لها، وسواء كان من أهل الاعتراف كالبالغ العاقل أم لا كالمجنون والصبي الذى يمكن تولده منه كابن العشرة قبل أن يحكم ببلوغه على ما سبق، ولو علمنا انتفاءه عنه إن كان غائبا عنه غيبة لا يمكن وصوله إليها سرا ولا جهرا في المدة التي يمكن تولده منه ثم ولدته في زمان إمكان كونه منه وجب عليه أن يلحقه بنفسه وإن احتمل وظن خلاف ذلك كما قلناه.

وإن تيقن انتفاؤه عنه لكون تولده بدون ستة أشهر من حين وطئه أو لأكثر من أقصى الحمل وجب عليه نفيه كما قررناه سابقا وإن كان في ظاهر الحال محكوما بإلحاقه

(1) التهذيب ج 8 ص 169 ح 12، الوسائل ج 14 ص 568 ب 58 ح 3.


133

به بأن كان قريبا منها بحيث يمكنه إصابتها، وإذا توقف ذلك النفي على اللعان وجب عليه ذلك من باب مقدمة الواجب، وإن أمكن إقامة البينة على ما يوجبانتفاؤه عنه حكم بموجبها من غير لعان إذا شهدت بذلك على وجه منضبط بأن لازمته ليلا ونهارا بحيث علمت انتفاء مجامعته لها قطعا وإن عسر ذلك وشذ.

وأما الأمة فقد عرفت مما ذكر عدم كونها فراشا بمجرد الملك قطعا، ثم إذا وطأها وحكمنا بصيرورتها فراشا به فحكمه في لحوق ولدها في الحالتين كما سبق، لكنه يفارق ولد الزوجة في أمرين: (أحد هما) عدم الحكم بلحوقه به إلا بثبوت وطئه لها أما بالاقرار منه أو بالبينة المطلقة على ذلك، بخلاف ولد الزوجة، فيكفي فيه كما عملت إمكان الوطء، والوجه ما سمعت من تعليل النصوص والفتوى أن المعتبر فيها ثبوت الفراش، ولما كان في الزوجة متحققا بمجرد العقد وإمكان وصوله إليها كان المرتب على ذلك ثبوت ذلك الانتساب، ولما كانت فراشية الأمة غير متحققة إلا بالوطء اعتبر ثبوته، فمرجع الأمر فيها إلى شئ واحد وهو ثبوت الفراش إلا أنه في الزوجة يظهر غالبا لغير الزوج بحضور العقد وعلمه بإمكان وصوله إليها، وفي الأمة لا يظهر في الغالب إلا منه لأن الوطء من الامور المستورة فلا يكشف إلا عنه الاقرار به إن لم يتفق الاطلاع عليه بالبينة نادرا.

(والثاني) أن ولد الزوجة حيث كان محكوما به للزوج ظاهرا لم ينتف عنه بنفيه بل لابد من اللعان وولد الأمة ينتف بغير لعان، والسر فيه أن الولد الذي يظهر للزوج كونه منفيا عنه يليق بالحكمة الالهية أن يجعل له الشارع الحكيم منهجا واضحا إلى نفيه ليخرج عنه من ليس منه ولما جعل الولد الزوجة طريقا إلى النفي باللعان وخصه بالزوجين بقوله تعالى " والذين يرمون أزواجهم " فلا بد من طريق آخر يتوصل به لنفي ولد الأمة حيث يقتضي الحال نفيه، فإذا لم يمكن باللعان وبقي على الأصل الالحاق كما لو تعذر اللعان حيث أشرع لزم


134

أن يكون ولد الأمة أقوى اتصالا وأحسن حالا من ولد الزوجة الدائمة، فشرع لذلك انتفاؤه بمجرد نفيه من غير لعان إذ ليس هناك طريق آخر.

ومخالفونا لما وافقوانا على أن ولد ملك اليمين لا ينتفى باللعان واختلفوا في طريق نفيه إذا علم انتفاؤه، فمنهم من سد الطريق عن نفيه نظرا إلى أن الولد للفراش وليس هناك طريق إلى النفي، ومنهم من أجرى فيه اللعان للضرورة حذرا من أن يكون أقوى من ولد الزوجة، ومنهم من نفاه بيمينه.

وعلى تقديرصيرورتها فراشا بالوطء - كما هو القول الثاني - هل يستمر ذلك مادامت على ملكه ؟ أم يختص الحكم بالولد الذي يمكن تولده من ذلك الوطء خاصة حتى لو أتت بولد بعد أقصى الحمل من الوطء الذي ثبت بإقراره أو بالبينة لا يتحقق الالحاق به من غير الاعتراف ؟ وجهان بل قولان: من حصول شرط الفراش وهو الوطء، فينزل منزلة العقد الدائم على الحرة، لأن وطء الأمة إما تمام السبب للفراشية أو شرط فيها، فعلى التقديرين فيصير الفراش به كالعقد، فيستمر الحكم حنيئذ كاستمرار حكم الفراش في العقد، ولا يشترط بعد ذلك ظهور وطء يلحق به الولد.

ومن ضعف فراشية الأمة دلالة تلك النصوص الموجبة لالحاق الولد به على كونه مولودا في زمن يمكن تولده من ذلك الوطء فيبقى غيره على الأصل ولا إشكال في انتفائه عنه بنفيه، وتظهر الفائدة لو لم ينفه، فهل يتحقق الالحاق به ظاهرا بسببيه الوطء السابق ؟ أم يتوقف على الاقرار به ؟ يبنى على الوجهين، والأقوى الثاني وإن لم يحكم بفراشيتها بالوطء، فمقتضى كلام المحقق والعلامة ومن تبعهما وقبلهما الشيخ أنه لا يلحق ولدها به إلا بالاقرار به وإن أقر بوطئها أوما أقامت عليه البينة، وهذا الذي يناسب الحكم بعدم الفراش لأن الأصل عدم انتسابه إليه بدون الاقرار.

وقال فخر المحققين في شرح قواعد أبيه: إن معنى كونها ليست فراشا أنه لا يلحق به الولد إلا بإقراره به أو بوطئها وإمكان اللحوق به.

وكأنه حاول


135

بذلك الجمع بين كلام الأصحاب وحكمهم بعدم فراشيتها مطلقا وبين حكمهم في باب أحكام الأولاد بلحوق ولد الأمة بالمولى الواطئ، وأنه يلزمه الاعتراف به حيث يمكن كونه منه.

ولو وطأها غيره الحق به دون الغير من غير تقييد بالاقرار به، فجعل مستند ذلك الوطء الواقع من المولى مجريا له مجرى الاقرار به من غير أن يعلم بكونه واطئا، وضعف بأن إلحاقه مع وطئه لها من لوازم الفراش كما سبق، فعند جعله مرتبا على عدمه بلزوم الفرق بين الفراش وغيره إلا إذا جعل هذا الوطء الموجب للفراش كافيا في إلحاق الولد به بعد ذلك، وإن لم يمكن استناده إلى ذلك الوطء الشخصي الثابت كما هو أحد الاحتمالين في المسألة فيجعل هذا الوطء القائم مقام الاقرار هو الوطء الذي يمكن استناده إلى الولد إليه (1)ومع ذلك ففيه مخالفة لما ذكروه الجميع في معنى الفراش لاطباقهم على أن فائدة لحقوق الولد به مع إمكانه وإن لم يعترف به وعدم لحوقه بمن لم تكن فراشا إلا بإقراره.

والوجه أن الاكتفاء بالوطء في هذا القسم ليس في محله وأنما محله على تقدير كونها فراشا لان الوطء لابد من العلم به ليتحقق كون الأمة فراشا.

وأما ما ذكروه في باب إلحاق الأولاد فهو منزل على أن ذلك الحكم الذي يلزم المولى فيما بينه وبين الله تعالى بمعنى أنه إذا وطأ الأمة وطء يمكن إلحاق الولد به يجب عليه الاعتراف به واستلحاقه ولايجوز له نفيه عنه بتهمة إلا على تلك الرواية الشاذة.

وأما بالنسبة إلينا فلا يحكم بإلحاقه به ما لم يعترف به حيث لانحكم بكونها فراشا.

وهكذا القول فيما لو وطأها المولى وغيره فإنه نحكم به للمولى دون الغير حيث يكون وطؤه فجورا، ولكن بالنسبة إلينا لانحكم به له إلا باعترافه به.

وكذا القول في ولد المتعة فإنه لا تجتمع النصوص الدالة على الالحاق، وتحتمه بمجرد العقد والوطء وبكونها ليست فراشا إلا بالاقرار والوطء وإلا يلزم

8 (1) كذا ولعل الصحيح " استناده الولد إليه ".
136

زيادة ولد المتعة على ولد الزوجة لنفي اللعان فيها كما سمعت من تلك النصوص وقد سرى هذه الوهم والاشكال في نفوس أقوام من مشايخنا منهم شيخنا صاحب هذا الكتاب في أحكام المتعة.

فحكم بخصوصية المتعة بالالحاق على كل حال، وأنه لا ينتفي عنه أبدا لعدم صلاحية اللعان فيها، ولاعلان تلك الصحاح بالتغليظ في الألحاق مثل صحيحة محمد بن مسلم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: أرأيت إن حملت - يعني المتمتع بها - قال: هو ولده ".

وصحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (2) " قال: سأل رجل الرضا عليه السلام وأنا أسمع عن الرجل يتزوج المرأة متعة ويشترط عليها أن لا يطلب ولدها، فتأتي بعد ذلك بولد فينكر الولد، فشدد في ذلك وقال: يجحد ! وكيف يجحد ؟ إعظاما لذلك، قال: فإن اتهمتها ؟ قال: لا ينبغي لك أن تتزوج إلا مأمونة ".

وفي صحيحة ابن أبي عمير (3) وغيره فيها " قال: الماء ماء الرجل يضعه حيث يشاء، إلا أنه إذا جاء ولد لم ينكره، وشدد في إنكار الولد ".

والجمع بما ذكرناه أوجه وأحسن لئلا يطرح أحد الدليلين.

ومن شرائطه أيضا أنه لا يصح إيقاعه إلا عند السلطان العادل أو من ينصبه لذلك ولو عموما.

ولو تراضيا برجل فلاعن بينهما ففي وقوع اللعان صحيحا جاريا عليهما بنفس الحكم أو يعتبر رضاهما بعد الحكم في لزومه قولان، المشهور جوازه، والمراد بالعامي هنا هو الفقيه الجامع لشرائط الفتوى حال حضور الامام لكنه منصوبا من قبله لاعموما ولاخصوصا، وسماه عاميا بالاضافة إلى المنصوب لأنه خاص بالنسبة إليه

(1) التهذيب ج 7 ص 269 ح 79، الوسائل ج 14 ص 488 ب 33 ح 1 وفيه اختلاف يسير.

(2) التهذيب ج 7 ص 269 ح 82، الوسائل ج 14 ص 488 ب 33 ح 3 وفيهما " فان اتهمها ".

(3) الكافي ج 5 ص 464 ح 2، الوسائل ج 14 ص 489 ب 23 ح 5.


137

ويدل على أصل الحكم عندهم الأخبار الواردة في القضاء النافية للتحاكم عند غير الامام ومن نصبه الامام لأنه حكم شرعي يتعلق به كيفيات وأحكام وهيئات فتناط بالامام وخليفته لأنه المنسوب لذلك كما في المختلف، ولأن الحد يقيمهالحاكم فكذا ما يدرأه.

ولصحيح محمد بن مسلم (1) " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الملاعن والملاعنة كيف يصنعان ؟ قال: يجلس الامام مستدبر القبلة " الحديث.

وصحيح البزنطي (2) وحسنه عن الرضا عليه السلام " قال: قلت له: كيف الملاعنة ؟ قال: يعقد الامام ويجعل ظهره إلى القبلة ويجعل الرجل عن يمينه والمرأة عن يساره ".

وما روي مرسلا (3) في بعض الاصول المعتمدة عن الصادق عليه السلام من قوله " واللعان أن يقول الرجل لامرأته عند الوالي: إني رأيت رجلا مكان مجلسي منها، أو ينتفي من ولدها فيقول ليس مني، فإذا فعل ذلك تلاعنا عند الوالي ".

وقوله عليه السلام (4) " والملاعنة أن يشهد بين يدي الامام أربع شهادات ".

وكذا ما ارسل (5) عنه صلى الله عليه واله وعن أمير المؤمنين عليه السلام من قولهما " إذا تلاعن المتلاعنان عند الامام فرق ينهما ".

أما ما ذهب إليه المشهور من أنهما لو تراضيا بالفقيه الجامع حال الحضور فلاعن بينهما جاز فربما يستدعي عليه بعمومات الأخبار وبإطلاق لفظ الامام علىالفقيه الجامع لشرائط الفتوى حال الحضور والغيبة، إلا أنه لم يصرح في المبسوط

(1) الكافي ج 6 ص 165 ح 10، الوسائل ج 15 ص 587 ب 1 ح 4.

(2) الفقيه ج 3 ص 346 ح 2 وفيه " أصلحك الله كيف "، الوسائل ج 15 ص 587 ب 1 ح 2 وفيهما " والمرأة والصبى ".

(3) دعائم الاسلام ج 2 ص 281 ح 1059 وفيه " ليس هذا معنى ".

(4) دعائم الاسلام ج 2 ص 281 ح 1060.

(5) دعائم الاسلام ج 2 ص 282 ح 1061.


138

والوسيلة بكونه عن العامة، وزاد في المبسوط أنه يجوز عندنا وعند جماعة، وقال بعضهم لا يجوز، وهو مشعر بالاتفاق، مع أنه قال قبل ذلك: اللعان لا يصح إلا عند الحاكم أو من يقوم مقامه من خلفائه.

وقال أيضا: اللعان لا يصح إلا عند الحاكم أو خليفته إجماعا فلعله إذا لم يحصل التراضي بغيره، والمراد بالحاكم الامام وخلفاؤه، فيعم الفقهاء في الغيبة وبمن تراضيا عليه من الفقيه في الغيبة إذ لا يجوز عند كل من تراضيا عنده إلا إذا لم يمكن الحاكم أو منصوبه.

وجعلهما فيالمختلف قولين واختار عدم الجواز إلا عند الحاكم أو من ينصبه، وتردد في التحرير.

وبالجملة: فينبغي القول بصحة إيقاعه من الفقيه في زمن الغيبة لأنه المنصوب من قبل الامام للأحكام والحوادث والحدود وأخذ الحقوق لعموم النصوص من الكتاب والسنة، والوالي بل الامام له، على أن خبري الامام بالتعريف من النصوصية في امتناعه من غيره بل الظاهر العدم، فيثبت حكم اللعان إذا تلاعنا عند مستكمل الشرائط في زمن الحضور وإن لم يكن منصوبا لجعله له حاكما فليزمان بحكمه ولا يعتبر رضاهما بعد الحكم، وسيجئ تحقيق هذه المسألة في أحكام القضاء.

الفصل الثالث في الكيفية:

وصورته أن يقول الرجل أربع مرات: اشهد بالله إني لمن الصادقين فيما قذفتها به، مع تعيينها بحيث تتميز عن الغير بالاشارة إن كانت حاضرة وبالأوصاف مع الغيبة إن كان اللعان للقذف.

وإن كان لنفي الولد خاصة فليقل في أن هذا الولد ليس مني وإن جمع بينهما، ثم يعظه الحاكم ويخوفه من لعنة الله إذا تمت الأربع ويقول له: إن كان حملك على ما قلتغيره أو سبب فراجع التوبة، فإن عقاب الدنيا أهون من عقاب الآخرة، ثم يقول له: إن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين، فإذا قال ذلك انتفى عنه


139

الحد وانتفى عنه النسب.

ثم يقول الحاكم للمرأة: قولي - إن لم تقر بما رماها به - اشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به أربع مرات، وعليها تعيين الزوج بحيث يمتاز عن غيره، ولا حاجة بها إلى ذكر الولد فإنه ا بنتفى بأيمان الزوج وشهاداته، وإنما تلاعنه لدرء الحد والعذاب عن نفسها، فإذا قالت ذلك وعظها خوفا من عذاب الله وقال لها: إن عقاب الله في الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فإن رجعت إلى الاقرار ونكلت عن اليمين رجمها أو حدها بالجلد إن لم تستكمل شرائط الرجم، وإن أصرت قال لها: قولي إن غضب الله علي إن كان من الصادقين فيما رماني به، وحينئذ فيعتبر في اللعان امور: الاول: التلفظ بالشهادة على الوجه الذي ذكرناه، فلو أبدل صيغة الشهادة بغيرها كشهدت بالله أو أنا شاهد أو أحلف بالله أو اقسم بالله أو أولى أو أبدل لفظالجلالة بقوله اشهد بالرحمن أو بالخالق ونحو هما لم يقع لأنه خلاف المنقول شرعا.

وكذا لو أبدل كلمة الصدق والكذب بغيرها وإن كان بمعناها، كقوله: إني لصادق أو من الصادقين بغير لام التوكيد أو لبعض الصادقين أو أنها زنت.

أو قالت المرأة: إنه كاذب أو لكاذب، أو ابدل اللعن بالابعاد أو الطرد ولفظ الغضب بالسخط أو أحدهما بالآخر وإن كان الغضب أشد من اللعن، ولذلك خص بجانب المرأة لأن جريمة الزنا منها أقبح من جريمة القذف، ولأن كل مغضوب عليه ملعون ولا ينعكس.

وتدل على هذه الأحكام والتفاصيل النصوص التي جاءت في بيان الكيفية، وقد تقدم منها الأخبار التي ذكرناها في سبب النزول مثل صحيحة ابن الحجاج (1).

وأما ما وقع من التعبير عن الشهادات بالله لمرسلة الفقيه (2) حيث قال: وفي خبر آخر " ثم يقوم الرجل فيحلف أربع مرات بالله إنه لمن الصادقين فيما رماها

(1) الفقيه ج 2 ص 349 ح 9، الوسائل ج 15 ص 586 ب 1 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 347 ح 3، الوسائل ج 15 ص 587 ب 1 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.


140

به، ثم يقول له الامام: اتق الله فإن لعنة الله شديدة، ثم يقول للرجل: قل لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به، ثم تقوم المرأة فتحلف أربع مرات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به، ثم يقول لها الامام: اتقي الله فإن غضب الله شديد، ثم تقول المرأة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به، فإن نكلت رجمت ويكون الرجم من ورائها ويتقى الوجه والفرج، وإن كانت المرأة حبلى لم ترجم، وإن لم تنكل درئ عنها الحد وهو الرجم، ثم يفرق بينهما فلا تحل له أبدا " الحديث، فمنزل على الشهادات المذكورة إرجاعا للمطلق لما يقيده والمجمل لما يفسره.

وقد تقدم خبر زرارة (1) في تفسير الآية وفيه " وإن أبى إلا أن يمضي فيشهد عليها أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة يلعن فيه نفسه إن كان من الكاذبين، وإن أرادت أن تدرأ عن نفسها العذاب - والعذاب هو الرجم - شهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين فإن لم تفعل رجمت وإن فعلت درأت عن نفسها الحد ثم لا تحل له إلى يوم القيامة ".

وفي رواية الفضيل (2) المعتبرة بل الصحيحة " قال: سألته عن رجل افترىعلى امرأته، قال: يلاعنها، فإن أبى أن يلاعنها جلد الحد " وساق الحديث إلى أن قال: " والملاعنة أن يشهد عليها أربع شهادات بالله إني رأيتك تزني والخامسة يلعن فيها نفسه إن كان من الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ".

(1) الكافي ج 6 ص 162 ح 3، الوسائل ج 15 ص 588 ب 1 ح 7.

(2) التهذيب ج 8 ص 187 ح 8، الوسائل ج 15 ص 589 ب 1 ح 8 وفيهما " رأيتك تزنين " وفي التهذيب " والخامسة يلعن نفسه ان كان من الكاذبين، فان أقرت رجمت، وان أرادت أن تدرأ عن نفسها العذاب شهدت أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين والخامسة.

".

وكذا في الوسائل مع اختلاف يسير.


141

وفي رواية تفسير النعماني (1) التي مر ذكرها في سبب النزول مسندة إلى علي عليه السلام ومرسلة كما في تفسير القمي (2) كما قد سمعت وفيها " أن رسول الله صلى الله عليه واله قال لعويمر الذي هو سبب النزول: اشهد أربع شهادات، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين و الخامسة أن غضب الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم شهدتأربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به، فقال لها رسول الله صلى الله عليه واله: العني نفسك في الخامسة، وشهدت وقالت في الخامسة أن لعنة الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه واله: اذهبا ".

الثاني: قيام كل منهما عند لفظه كما عليه جماعة من القيام (3) منهم الشيخ في المبسوط والصدوق قبله، لما رواه الصدوق في الصحيح عن البزنطي (4) عن الرضا عليه السلام " قال له: أصلحك الله كيف الملاعنة ؟ قال: يقعد الامام و يجعل ظهره إلى القبلة ويجعل الرجل عن يمينه والمرأة والصبي عن يساره ".

قال: وفي خبر آخر (5) " ثم يقوم الرجل فيحلف أربع مرات " إلى أن قال: " ثم تقوم المرأة فتحلف أربع مرات ".

وبقضية عويمر فيما روته العامة والخاصة حيث قال: إنه صلى الله عليه واله أمر عويمرا بالقيام فلماتت شهادته أمر امرأته بالقيام.

والمشهور بين الأصحاب وإليه ذهب الشيخ في الفقيه والمفيد وأتباعهما وأكثر المتأخرين إلى أنهما يكونان قائمين عند تلفظ كل منهما لصحيحة عبد الرحمن ابن الحجاج (6) التي مر ذكرها في نزول الآية وفيها " قال أبو عبد الله عليه السلام: " وحكى قصة الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه واله و أخبره عن أهله إلى أن قال:

(1) المحكم والمتشابه ص 72 ط دار الشبسترى - قم، الوسائل ج 15 ص 589 ب 1 ح 9.

(2) تفسير القمى ج 2 ص 98.

(3) كذا ولعل الصحيح " القوم ".

(4) الفقيه ج 3 ص 346 ح 2، الوسائل ج 15 ص 587 ب 1 ح 2.

(5) الفقية ج 3 ص 347 ج 3، الوسائل ج 15 ص 587 ب 1 ح 3.

(6) التهذيب ج 8 ص 184 ح 3، الوسائل ج 15 ص 586 ب 1 ح 1.


142

" فأوقفهما رسول الله صلى الله عليه واله ثم قال للزوج: اشهد أربع شهادات ".

وصحيحة محمد بن مسلم (1) " قال: سألته عن الملاعن والملاعنة كيف يصنعان ؟ قال: يجلس الامام مستدبر القبله فيقيمهما بين يديه مستقبلا بحذائه ويبدأ بالرجل " وليسا بنصين على اجتماعهما في القيام.

وفي صحيحة علي بن جعفر (2) عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن الملاعنة قائما يلاعن أو قاعدا ؟ فقال: الملاعنة وما أشبهها من قيام " فهو دال على وجوب القيام في الجملة كما هو مذهب الأكثر.

ونص ابن سعيد على استحبابه ولم يتعرض له الصدوق في الهداية والمحقق في النافع، فربما لم يوجباه أيضا، ولعله للأصل وعدم نصوصية ما ذكر في الوجوب وقد ارسل في بعض الكتب (3) عن الصادق عليه السلام " أنه قال: والسنة أن يجلس الامام للمتلاعنين ويقيمهما بين يديه كل واحد منهما مستقبل القبلة ".

لكن في صحيحة البزنطي (4) " جعل الرجل عن يمينه والمرأة والصبي عن يساره ".

وباقي الأخبار كونهما بين يديه، ولا منافاة لأن كونهما بين يديه لا ينافي كون أحد هما عن اليمين والآخر على اليسار.

الثالث: النطق بالعربية مع القدرة كلا أو بعضا، موافقة للنوص وظاهر القرآن وظاهر الأصحاب، ويجوز مع التعذر النطق بغيرها للضرورة وحصول الغرض من الأيمان، فيقتصر الحاكم إن لم يعرف لغتهما إلى مترجمين عدلين، ولا يكفي الواحد ولاغير العدل كما في سائر الشهادات، ولا يشترط الزائد فإن الشهادة هنا إنما هي على قولهما لاعلى الزنا، خصوصا في حقها فإنها تدفعه عن نفسها،

(1) الكافي ج 6 ص 165 ح 10، الوسائل ج 15 ص 587 ب 1 ح 4.

(2) الكافي ج 6 ص 165 ح 12، الوسائل ج 15 ص 588 ب 1 ح 6.

(3) دعائم الاسلام ج 2 ص 281 ح 1060.

(4) الفقيه ج 3 ص 346 ح 2، الوسائل ج 15 ص 587 ب 1 ح 2.


143

وللعامة قول باشتراط أربعة شهود.

الرابع الترتيب، فيبدأ الرجل أولا بالشهادات ثم اللعن وتعقب المرأة، للنصوص المتقدمة المستفيضة.

فمنها صحيحة محمد بن مسلم وفيها " ويبدأ الرجل ثم المرأة " وكذا صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج وخبر تفسير النعماني وغير هما من الأخبار الحاكية للكيفية، فما اطلق يحمل على المفصل، فلو بدأت المرأة لم يجز للنصوص ولأنها إنما تلاعن لدرء الحد عن نفسها ولاحد عليها ما لم يلاعنها الزوج، وللعامة قول بجواز تقديمها.

الخامس: الموالاة بين الكلمات أي الشهادة، فإن تخلل

فصل

طويل لم يعتد بها اقتصارا في خلاف الأصل على الواقع بحضرته، وللأخبار الحاكية للكيفية، نعم يفصل الخامسة بوعظ الامام وكذلك لها.

السادس: إتيان كل منهما باللعان بل إلقاؤه عليه، فلو بادر قبل أن يلقيه عليه الامام لم يصح لأنه يمين، فلو بادر به كان لغوا كما لو حلف قبل الاحلاف، وللأخبار المبينة لكيفية الملاعنة فإنها تضمنت ولأن الحد لا يقيمه إلا الحاكم فكذا ما يدرأه.

السابع: أن يبدأ أولا بالشهادات ثم باللعن على الترتيب المذكور في الأخبار، وكذا المرأة مقدمة الشهادات على الغضب، فلو قدم على الشهادة أو قدمت الغضب عليها لغي لما ذكر، ولأن المعنى إن كان من الكاذبين في الشهادات الأربع فاعتبر تقديمها خلافا لبعض العامة.

وأما المندوبات فامور سبعة: الاول: جلوس الحاكم مستدبر القبلة ليكون وجههما إليها فيكون أدخل في التغليظ، وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم وصحيحة البزنطي، حيث قال في الاولى " يجلس الامام مستدبر القبلة فيقيمهما بين يديه مستقبلي القبلة " وفي


144

الثانية " ويجعل ظهره إلى القبلة " وأما وجههما إليها فيدل عليه ذلك الصحيحانأيضا والمرسل عن الصادق عليه السلام.

الثاني: وقوف الرجل عن يمين الحاكم والمرأة عن يمين الرجل، وظاهر صحيحة البزنطي كما سمعت كون المرأة عن يساره أي يسار الامام والصبي معها أيضا، واحتمل بعضهم في الضمير أن يكون عائدا للرجل فيتخالف الضمائر، وهذا إن قاما معا.

الثالث: وعظ الحاكم وهو ثقة بعد الشهادات قبل اللعن للرجل وكذا المرأة قبل الغضب كما فعله صلى الله عليه واله في قضية النزول وغيرها من الأخبار.

الرابع: التغليظ بالمكان بأن يلاعن بينهما في أشرف البقاع وفي أرض الملاعنة، فإن كان بمكة فبين الركن والمقام وهو الحطيم لدلالة الأخبار على أنه أشرف البقاع، وإن كان في المدينة فعند منبر الرسول ويدل عليه تفسير النعماني عن علي عليه السلام ومرسل تفسير القمي حيث أمر عويمر أن يتقدم مع امرأته إلى المنبر، والعامة قد رووا أنه على المنبر، ولاعبرة بما رووه، قالوا: وإن كان في سائر الأمصار ففي الجامع، ولم نقف لهذا التعميم على مستند.

الخامس: التغليظ بالزمان بأن يلاعن بعد صلاة العصر، قال في المبسوط: لقولهتعالى " تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله " (1) قيل في التفسير: بعد العصر.

وروي (2) " أن النبي صلى الله عليه واله قال: من حلف بعد العصر يمينا كاذبة ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان " وفي هذا الاستدلال نظر.

والأولى الاستدلال بما رواه النعماني في تفسيره (3) عن علي عليه السلام والقمي (4)

(1) سورة المائدة - آية 106.

(2) الفقيه ج 4 ص 7 في المناهى، الوسائل ج 16 ص 121 ب 4 ح 14 وفيهما " بيمين كاذبة صبرا " وليس فيهما " بعد العصر ".

(3) المحكم والمتشابه ص 72، الوسائل ج 15 ص 589 ب 1 ح 9.

(4) تفسير القمى ج 2 ص 98.


145

في تفسيره مرسلا كما في قضية النزول لقوله " فوافوا رسول الله صلى الله عليه واله وهو يصلي العصر فلما فرغ أقبل عليهما وقال لهما: تقدما إلى المنبر فتلاعنا ".

وأيضا قد جاء في تفسير تلك الآية - أي آية الوصية - تفسير الصلاة بصلاة العصر كما في بصائر الدرجات (1) لسعد بن عبد الله وفي تفسير النعماني (2) أيضا عنعلي عليه السلام (3).

السابع: جمع الناس لهما من التغليظ الموجب للارتداع ولأنه قائم مقام الحدود، وقد أمر فيه بأن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ولأنه صلى الله عليه واله لاعن بين عويمر وزوجته في المسجد بعد فراغه من صلاة العصر بمحشد من الناس.

المقصد الثالث: في الاحكام وهو مشتمل على مسائل: الاول: إذا قذف زوجته المدخول بها بزنا قد عاينه حيث يثبت اللعان مستكمل الشرائط ولم يقم البينة تعلق به وجوب الحد عليه لدخوله في عموم " الذين يرمون المحصنات " فإذا لاعن تعلق بلعانه بعد كماله وقبل لعان المرأة سقوط الحد عنه ووجوبه في حق المرأة لقوله تعالى " ويدرأ عنها العذاب " والعذاب هو الحد كما تضمنته الأخبار السابقة مثل رواية زرارة الواردة في تفسير الآية، وغيرها من الأخبار، وسنذكرها، وقد تضمنت ذلك الايجاب.

وعن أبي حنيفة: إن قذف الزوج يوجب اللعان، فإن امتنع حبس حتى يلاعن، فإذا لاعن وجب عليها اللعان فإن امتنعت حبست حتى تلاعن.

ويدل على هذا الحكم على مذهبنا رواية زرارة (4) التي مر ذكرها في

(هاش)

(1) بصائر الدرجات ص 554.

(2) المحكم والمتشابه ص 76.

(3) والظاهر وقع سقط هنا وهو " التغليظ بالقول " بقرينة ترك الامر السادس.

(4) التهذيب ج 8 ص 184 ح 1، الوسائل ج 15 ص 588 ب 1 ح 7.


146

تفسير الآية حيث قال فيها " فإذا قذفها ثم أقر أنه كذب عليها جلد الحد وردت إليه امرأته.

فإن أبى إلا أن يمضي فيشهد عليها أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن يلعن فيها نفسه إن كان من الكاذبين، وإن أرادت أن تدرأ عن نفسها العذاب - والعذاب هو الرجم - وشهدت أربع شهادات " وقال فيها أيضا " فإن لم تفعل رجمت وإن فعلت درأت عن نفسها الحد ".

وفي صحيحة الفضيل (1) المتقدمة " فإن أبى أن يلاعنها جلد الحد وردت إليه أمراته " وقال فيها " فإن أقرت رجمت، وإن أرادت أن تدرأ عنها العذاب شهدت أربع شهادات بالله ".

وفي مرسلة (2) الفقيه المتقدمة " فإن نكلت رجمت، فيكون الرجم من ورائها " وقال فيها أيضا " فإذا كانت المرأة حبلى لم ترجم وإن لم تنكل درئ عنها الحد وهو الرجم ".

وفي خبر محمد بن الفضيل (3) عن أبي الحسن عليه السلام " قال: سألته عن رجل لاعن امرأته وانتفى من ولدها ثم أكذب نفسه، فقال: يرد عليه ولده، وقال: إذا كذب نفسه جلد الحد ".

وهذا وإن كان ظاهره عود الحد عليه إذا كذب نفسه ولو بعد اللعان لكن يجب حمله على قبل اللعان كما حمله شيخ التهذيبين أو يحمل الحد فيه على التعزير.

الثانية: أنه يتعلق بلعانهما معا بالاجماع امور أربعة: الفرق فلا تصير فراشا ولا يغني عنه ذكر التحريم المؤبد إذ تحرم مؤبدا ولافراغ كالمفضاة قبل التسع والتحريم المؤبد فلا تحل عليه أبدا، وسقوط الحدين عنهما، وانتفاء الولد عن

(1) التهذيب ج 8 ص 187 ح 8، الوسائل ج 15 ص 589 ب 1 ح 8.

(2) الفقيه ج 3 ص 347 ح 3، الوسائل ج 15 ص 587 ب 1 ح 3.

(3) التهذيب ج 8 ص 194 ح 40، الوسائل ج 15 ص 601 ب 6 ح 6 وفيهما " هل يرد عليه ولده ؟ فقال: إذا أكذب نفسه


147

الرجل أإن كان نفاه دون المرأة، ولو كان الزوج عبدا وشرط مولاه رقية الولد من زوجته المرأة الحرة وأجزنا الشرط كما هو المشهور أو على مذهب الاسكافي ففي حريته اولا عن الأب لنفيه إشكال من انتفائه عنه شرعا، ومن أنه حق لغير المتلاعنين فإنه يؤثر فيه اللعان مع ثبوت حكم الفراش ظاهرا، وكذا الاشكال في العكس إذا كانت الزوجة أمة والزوج حرا لغير شرط الرقية مع انتفائه عنه شرعا مع كونه نماء مملوكة فيكون رقا لمالكها ومن أن اللعان إنما أثر في انتفاء نسبه من الملاعن، وأما تأثيره في الحرية التي هي حق الله وحق الولد فغير معلوم مع تغليب الحرية، ولاتفتقر الفرقة فيه إلى تفريق الحاكم بينهما بل تحصل عندنا، وكذا سائر الأحكام واللوازم بنفس اللعان.

وتدل على هذه الأحكام ما قدمناه من الأخبار وغيرها مثل قوله في روايةزرارة " وإن فعلت عن نفسها الحد، ثم لا تحل له إلى يوم القيمة، قلت: أرأيت إن فرق بينهما ولهما ولد فمات، قال: ترثه امه، وإن ماتت امه ورثه أخواله ".

وقال في صحيحة الفضيل " وإن لاعنها فرق بينهما ولن تحل له إلى يوم القيامة " وقال أيضا فيها " فإن كان انتفى من ولدها الحق بأخواله ".

وقال في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج بعد ذكر الملاعنة بينهما في قضية النزول قال " ففرق بينهما وقال لهما: لا تجتمعا بنكاح أبدا بعدما تلاعنتما ".

وقال أيضا في مرسلة الفقيه " ثم يفرق بينهما لا تحل له أبدا ".

وقال في رواية تفسير النعماني ومرسلة القمي في قضية عويمر بعد أن لاعن بينهما صلى الله عليه واله " اذهبا فلن تحل لك ولن تحلي له أبدا ".

وقد تقدم في محرمات النكاح على سبيل التأبيد أخبار كثيرة من الصحاح وغيرها أن الملاعنة لا تحل له أبدا، ولا تحصل الفرقة عندنا بلعان الزوج خاصة لتعليقه على التلاعن في الأخبار، بل هي مصرحة بردها إليه بعد إقامة الحد عليها


148

خلافا لعبض العامة، فرتب على لعانه وحدة الفرق والحرمة أبدا وانتفاء النسب.

ولو فرق بينهما قبل إكمال لعانهما كان التفريق لغوا عندنا وإن كان بعد لعان ثلاث مرات من كل منهما أربعة تمام لعانه وثلاث من لعانها أو بعد اختلال شئ من ألفاظ اللعان الواجبة خلافا لأبي حنيفة فاكتفى بالأكثر.

الثالثة: فرقة اللعان عندنا فسخ لاطلاق لانتفاء ألفاظه خلافا لأبي حنيفة، ولو كان طلاقا لوجبت فيه ألفاظه واعتبرت شرائطه من الطهر والسلامة من الحيض وشهادة الشاهدين ولم تحرم مؤبدا ابتداء، ولا يعود الفراش عندنا لو أكذب نفسه بعد كمال اللعان لاعلان النصوص بزواله بالتلاعن وخصوص صحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن الملاعنة التي يرميها زوجها وينتفي من ولدها ويلاعنها ويفارقها ثم يقول بعد ذلك الولد ولدي ويكذب نفسه، فقال: أما المرأة فلا ترجع إليه أبدا، وأما الولد فإني أرده إليه إذا ادعاه ".

وخبر محمد بن الفضيل (2) عن أبي عبد الله عليه السلام وقد تقدم عن قريب، وفيه " أنه إذا أكذب نفسه جلد الحد ورد عليه ابنه ولا ترجع إليه امرأته أبدا ".

وخبر أبي الصباح الكناني (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجل لاعن امرأته وانتفى من ولدها ثم أكذب نفسه بعد الملاعنة وزعم أن الولد ولده، قال:لا ولاكرامة، لايرد عليه ولا تحل له إلى يوم القيامة " وحمل الشيخ عدم رد الولد لما ثبت من رده عليه بالرجوع على الرد الصحيح من الطرفين بحيث يتوارثان، وليس كذلك هنا كما سيجئ.

وخبر أبي بصير (4) عن أبي عبد الله عليه السلام وفيه بعد السؤال عن ولد الملاعنة ومن

(1) التهذيب ج 8 ص 187 ح 9، الوسائل ج 15 ص 599 ب 6 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 194 ح 40، الوسائل ج 15 ص 601 ب 6 ح 6 وفيهما " عن أبى الحسن عليه السلام ".

(3) التهذيب ج 8 ص 194 ح 39، الوسائل ج 15 ص 601 ب 6 ح 5.

(4) التهذيب ج 8 ص 195 ح 44، الوسائل ج 15 ص 601 ب 6 ح 7.


149

يرثه " قلت: أرأيت إن ادعاه أبوه بعدما لاعنها، فقال: أرده عليه ولا تحل له امه إلى يوم القيامة " فلا يحل له بتكذيبه نفسه تجديد العقد عليها لصراحة الأخبار بالتأبيد خلافا لأبي حنيفة.

الرابعة: لو أكذب نفسه في أثناء اللعان أو نكل عنه أو عن إتمامه ثبت عليهالحد بالقذف ولم يثبت شئ من أحكام اللعان من سقوط الحد عنه والأحكام الباقية.

ففي صحيحة علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن رجل لاعن امرأته فحلف أربع شهادات بالله ثم نكل في الخامسة، قال: إن نكل في الخامسة فهي امرأته وجلد الحد، وإن نكلت المرأة عن ذلك إذا كانت اليمين عليها فعليها مثل ذلك ".

وموثقة عباد بن صهيب (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل أوقفه الامام للعان، فشهد شهادتين ثم نكل وأكذب نفسه قبل ان يفرغ من اللعان، قال: يجلد حد القاذف ولا يفرق بينه وبين امرأته ".

وصحيحة الحلبي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " سئل عن الرجل يقذف امرأته، قال: يلاعنها ثم يفرق بينهما فلا تحل له أبدا، فإن أقر على نفسه قبل الملاعنة جلد حدا وهي امرأته ".

الخامسة: لو أكذب نفسه بعد اللعان سقط الحد وبقيت هي على التحريم المؤبد ولحق به الولد لأخذه بإقراره، لكن فيما له لاقراره أولا بالانتفاء منه، ولذا يرثه الولد ولا يرثه الاب ولا من يتقرب به، وترثه الام ومن يتقرب بهاأكذب نفسه أم لا.

وفي صحيحة الحلبي المتقدمة وغيرها من الأخبار التي قدمناها " أما الولد

(1) الكافي ج 6 ص 165 ح 12، الوسائل ج 15 ص 592 ب 3 ح 3 وفيهما " عن أخيه أبى الحسن ".

(2) و (3) الكافي ج 6 ص 163 ح 5 و 6، الوسائل ج 15 ص 592 ب 3 ح 1 و 2.


150

فإني أرده إليه إذا ادعاه ولا أدع ولده وليس له ميراث، ويرث الابن الأب ولا يرث الأب الابن، يكون ميراثه لأخواله، فإن لم يدعه أبوه فإن أخواله يرثونه ولا يرثهم " إلى غير ذلك من الأخبار وهي كثيرة.

وقوله عليه السلام " ولا يرثهم " موافق لعدة من الأخبار، وقد عمل بها الشيخ وجماعة.

وفي عدة اخرى " يرثونه ويرثهم " وعمل عليها المشهور، وتحقيق ذلك سيجئ في الميراث.

أمكن في ثبوت الحد عليه بالتكذيب بعد اللعان قولان لاختلاف الروايات، ففي صحيح الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام " في رجل لاعن امرأته وهي حبلى قداستبان حملها وأنكر ما في بطنها، فلما وضعت ادعاه وأقربه وزعم أنه منه، فقال: يرد عليه ابنه ويرثه ولا يجلد لأن اللعان قد مضى " وكذا جاء في خبرين آخرين للحلبي من الحسن والآخر من الموثق أو من الضعيف، وهذا خيرة النهاية والتهذيب.

وفي خبر محمد بن الفضيل (2) " أنه سأل الكاظم عليه السلام عن رجل لاعن امرأته وانتفى من ولدها ثم أكذب نفسه هل يرد عليه ولدها ؟ قال: إذا أكذب نفسه جلد الحد ويرد عليه ابنه ولا ترجع إليه امرأته ".

وقد اختار هذا المذهب شيخنا في المقنعة والمبسوط واستقربه العلامة في القواعد لما فيه من زيادة هتكها وتكرار قذفها وظهور كذب لعانه مع أنه ثبت عليه الحد بالقذف، فيستصحب إلى أن يعلم المزيل ولا يعلم زواله بلعان ظهر كذبه، والأخبار الاولة إنما نفت الحد إذا أكذب فيما رماها به من الزنا كما هو صريح المبسوط، وفيه نظر، لما عرفت من أن تلك الصحاح إنما نفت الحد عنه لمكان اللعان، فلا معنى لهذا التخصيص، فإن عاد عن إكذاب نفسه وقال لي

(1) الكافي ج 6 ص 165 ح 13، الوسائل ج 15 ص 600 ب 6 ح 4.

(2) التهذيب ج 8 ص 194 ح 40، الوسائل ج 15 ص 601 ب 6 ح 6.


151

بينه اقيمها أو لاعن ثانيا لم يقبل منه، لأن البينة واللعان لتحقيق ما قاله وقد أقر بكذب نفسه، والعقلاء مأخوذون بإقرارهم على أنفسهم، والبينة إنما تسمع إذا لم يكذبها قوله أو فعله، ولو اعترف بالولد بعد موته لم يرث منه كما لو اعتر ف به في حياته ثم مات، ولا يفيد هذا الاعتراف في حق الولد شيئا، ولو لم يكذب نفسه ولا لاعن ثبت عليه الحد كما سمعت، فإن اقيم عليه بعضه فبذل اللعان اجيب إليه الخبر " ادرأوا الحد بالشبهات " وكما أن اللعان يدرأ تمام الحد فأولى أن يدأ بعضه.

السادسة:

لو قذفها فأقرت قبل اللعان

سقط الحد عنه بالمرة ولا يجب عليها الحد إلا بأربع مرات ولو كان هنا نسب لم ينتف إلا باللعان، وللزوج أن يلاعن بنفيه على إشكال إن لم تدع الزوجة النسب فإنه لا ينافي الاقرار بالزنا، و إذا ادعته فلا إشكال في ثبوت اللعان وإنما يشكل الأمر إذا صادقته على الانتفاء أو سكتت أو اعترفت بالجهل واحتمال الأمرين.

فعلى هذا إذا تصادقا على الزنا وعلى كون الولد ليس منه لا يوجب نفي النسب لثبوته بالفراش، وتصادقهما إقرار في حق الغير، فلا يؤثر سقوط اللعان للقذف سقوطه للنسب.

ومنشأ الاشكال كون اللعان على خلاف الأصل ولم يظهر لنا ثبوته إلا إذا تكاذبا، ولا تكاذب هنا، ومن أنه إذا علم انتفاء الولد منه وجب عليه نفيه، ولا طريق إلى انتفائه إلا اللعان والصبر إلى بلوغ الولد، واللعان معه لا يجوز إذ ربما مات أو مات الولد قبله أو قبل التمكن من اللعان، وحينئذ إنما يلتعن الزوج لأنها لا يمكنها الالتعان، ولو قذفها فاعترفت ثم أنكرت فأقام شاهدين على اعترافها ففي القبول بها أو بالأربعة إشكال من عموم قوله تعالى " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " و (1) وأن الغرض إثبات الزنا لهتك العرض ودفع الحد واللعان عنه، وهو خيرة المختلف والمبسوط هنا،

(1) سورة النور - آية 4.


152

وفيه أيضا أنه مذهبنا أقر به القبول بها لأنه شهادة على الاقرار لا الزنا، وهو خيرة السرائر والخلاف وموضع آخر من المبسوط لكنه إنما يقبل في سقوط الحدعنه إذ يكفى فيه ثبوت الاقرار لا في ثبوت الحد عليها، فإنه لا يثبت إلا بثبوت الزنا ولا يثبت إلا بأربعة شهود أو الاقرار أربعا.

السابعة: لو قذفها فماتت قبل اللعان سقط اللعان وورث لعدم التلاعن الموجب للبينونة وعليه الحد للوارث لأنه حق آدمي وحقوق الآدميين تورث له وله دفعه باللعان، وفاقا للشيخ وجماعة، ولعلهم أرادوا به التعانه فإنه ربما لا يكون للوارث الالتعان فإنه يمكنه إذا قذفها بمحصور يمكن الوارث العلم بكذبه والدليل على جواز دفعه باللعان لأنه لاتعلق بسقوط الحد بالتعان الزوجة ليفوت بموتها وإنما يتعلق بالتعانه فله الدفع به.

وفي النهاية والخلاف إنه لو لاعنه رجل من أهلها فلا ميراث له ولا حد عليه للاجماع المدعى في الخلاف ولخبر أبي بصير (1) كما في التهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل قذف امرأته وهي في قرية من القرى، فقال السلطان: ما لي بهذا علم عليكم بالكوفة، فجاءت إلى القاضي لتلاعن فماتت قبل أن يتلاعنا، فقالوا هؤلاء: لا ميراث لك، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن قام رجل من أهلها مقامها فلا عنه فلا ميراث له، فإن أبى أحد من أوليائها أن يقوم مقامها أخذ الميراث زوجها ".

وخبر عمر وبن خالد بن زيد بن علي (2) عن آبائه عن علي عليهم السلام " في رجل قذف فخرج فجاء وقد توفيت، فقال، يخير واحدة من اثنتين، فيقال له: إن شئت التزمت نفسك بالذنب فيقام فيك الحد فتعطى الميراث، وإن شئت أقررت فلاعنت أدنى قرابتها إليها فلا ميراث لك ".

(1) التهذيب ج 8 ص 190 ح 23، الوسائل ج 15 ص 608 ب 15 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 194 ح 38، الوسائل ج 15 ص 608 ب 15 ح 2 وفيهما " قذف امرأته ثم خرج " مع اختلاف يسير.


153

والأقرب وفاقا للسرائر والمبسوط لا لعان بينه وبين الوارث لأنه خلاف الأصل فيقتصر على موضع اليقين، والخبران ضعيفان يمكن ورود هما مورد التقية فيثبت الميراث وإن لاعن الوارث لعموم آية الارث، وإنما علم سقوطه لتلاعن الزوجين ولو ماتت قبل إكمال لعانها، شرعت فيه أم لا، فهو كالموت قبل اللعان في الميراث لعدم التلاعن.

ويأتي على قول النهاية ومقتضى هذين الخبرين أنه إن أقام الوارثمقامها ولاعن انتفى الارث، ولو مات حينئذ ورثت.

الثامنة: لو قذفها ولم يلاعن فحد ثم قذفها به - أعني بعين ما قذفها به أولا - ففي الخلاف والمبسوط لا حد عليه لاتحاد القذف وإن تكرر لفظه فإنما هو تأكيد، ولأصالة البراءة وللاجماع المنقول في الخلاف، والأقرب ما ذهب إليه المحقق من ثبوت الحد لتعدد القذف وإن اتحد المقذوف به، وكذا الخلاف لو تلاعنا، والأقرب سقوطه وفاقا للشيخ والمحقق لأن اللعان بمنزلة البينة والاقرار والنكول، ويحتمل ثبوت الحد لعموم الآية وانتفاء دليل على السقوط، فإن اللعان إنما أسقط الحد بالقذف السابق ولم يسقط المقذوف به بالبينة ولا بالاقرار.

ويدل على الحكم الأول وثبوت الحد ثانيا صحيحة شعيب (1) عن أبي عبد الله عليه السلام كما في الكافي والتهذيب " قال: سألته عن رجل قذف امرأته فتلاعنا ثم قذفها بعدما تفرقا أيضا بالزنا، عليه حد ؟ قال: نعم عليه حد ".

أما لو قذفها به الأجنبي فإنه يحد لأن اللعان حجة تختص بالزوج، وإنما تسقط الحصانة في حقه وإن صار فيها باللعان أجنبيا.

ولو قذفها فأقرت ولو مرة ثم قذفها به الزوج أو الأجنبي فلا حد لأنها بإقرارها أسقطت الحصانةوالحد، والعقلاء يؤخذون بإقرارهم.

ولو لاعنها فنكلت ثم قذفها الأجنبي به

(1) الكافي ج 7 ص 212 ح 10 وفيه " أعليه "، التهذيب ج 8 ص 196 ح 47، الوسائل ج 15 ص 611 ب 18 ح 1 وما في المصادر " عن شعيب عن أبى بصير " (


154

ففي المبسوط والخلاف لاحد أيضا لأن اللعان والنكول كالبينة، ولاحد في القذف لما ثبت بالبينة، والأقرب وفاقا للمحقق ثبوته لعموم آية الرمي ومنع سقوط الحصانة مطلقا.

التاسعة: إذا كانت المرأة غير برزة لا تخرج إلى مجالس الرجال أنفذ الحاكم إليها من يستوفي في الشهادات عليها في منزلها ولم يكلفها الخروج، وكذا لو كانت حائضا واللعان في المسجد.

وفي المبسوط: ويستحب أن يبعث معه بأربعة شهود أو ثلاثة لقوله تعالى " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ".

وروى أصحابنا - كما سيجئ في الحدود - أن أقله واحد، وهذا بناء على عدم حضور هما معا، فلو لاعن في المسجد وهي على بابه من خارج أو في منزلها جاز، إلا على القول الأظهر من قيامهما عند الحاكم واشتراط حضور هما كما اقتضته الأدلة التي قدمناها في آية النزول،و كذلك ما قدمنا من وجوب قيامها عند الحاكم عند لعان كل منهما.

العاشرة: اختلف في اللعان هل هو أيمان أو شهادات ؟ فذهب الشيخ وجماعة بل هو المشهور إلى الأول لصحته من الفاسق والكافر لقوله تعالى " بالله إنه لمن الصادقين " و قولها " بالله إنه لمن الكاذبين " ولأن كلا منهما يلاعن لنفسه ولم يشهد شهادة أحد لنفسه ولأنه لا معنى لكونه من المرأة شهادة وكذا منه، ولصحته من الأعمى لو اتفقت له المشاهدة قبل العمى، ولو كان من الشهادات لم يصح منه حال عمائه.

وخالف ابن جنيد فجعله من الشهادات وفاقا للعامة، لظاهر قوله تعالى " فشهادة أحدهم أربع شهادات " الآية، ولخبر محمد بن سليمان الديلمي (1) المتقدم مرارا بطرق عديدة حيث " سأل الجواد عليه السلام: كيف صار الزوج إذا قذف امرأته كانت شهادته أربع شهادات بالله ؟ فكيف لا يجوز لغيره صار إذا قذفها غير الزوج جلد الحد ولو كان ولدا أو أخا ؟ فقال: قد سئل أبو جعفر عليه السلام عن هذا فقال:

(1) التهذيب ج 8 ص 192 ح 29، الوسائل ج 15 ص 594 ب 4 ح 5 و 6 وفيهما اختلاف.


155

ألا ترى إذا قذف الزوج امرأته قيل له: كيف علمت أنها فاعلة ؟ قال: رأيت ذلك منها يعني (1) كانت شهادته أربع شهادات بالله، وذلك أنه قد يجوز للزوج أن يدخل المدخل التي لا تصلح لغيره أن يدخلها ولايشهدها ولد ولا والد في الليل والنهار، و لذلك صارت شهادته أربع شهادات " وساق الحديث إلى أن قال: " وإنما صارت شهادة الزوج أربع شهادات لمكان أربع شهداء كان مكان كل شاهدين ".

وللأخبار الناطقة بلفظ الشهادة كقوله صلى الله عليه واله للرجل: اشهد أربع شهادات بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به، وللمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله إن زوجك لمن الكاذبين.

وقول الصادق عليه السلام فيما مضى من الأخبار كخبر السكوني وخبر الخصال وخبر الجعفريات وخبر الحسين بن علوان في قرب الأسناد: ليس بين خمس نساء وأزواجهن ملاعنة - إلى قوله - والمجلود في الفرية لأن الله تعالى يقول " لا تقبلوا لهم شهادة أبدا " ولوجوب التصريح بلفظ الشهادة ولأنه يدرأ الحد ولا شئ من اليمين، كذلك لأن الله تعالى يقول " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا " ولأنه إن نكل عنه ثم عاد إليه مكن واليمين ليست كذلك.

والجواب عن هذا كله أن لفظ الشهادة في الأصل حقيقة عرفية أو مجاز مشهود في اليمين، وقد جاء التعبير في هذه الشهادات باليمين أيضا، ولمخالفته لسائر الأيمان في بعض الأحكام.

وخبر النفي عن خمس وأزواجهن مع كونها ضعيفة الأسناد ليست نصا في كون اللعان شهادة بل الذي ينص عليه أنه لاتقبل الشهادة منه عليها بالزنا وإن أكده باللعان.

الحادية عشرة: أنه إذا قذف الزوجة توجه وجوب الحد عليه كما سمعت أنه لا يسقطه باللعان ولا يجب عليه اللعان هنا ولا يطالبه أحد بأحد هما - أعني البينة أو اللعان - إلا الزوجة فإن الحد حق لها واللعان لاسقاطه.

نعم لوارثها

(1) في المصدرين " بعينى ".


156

المطالبة بالحد، وقيل باللعان أيضا كما سبق بعد موتها وعدم استيفائها له لما عرفت من الانتقال بالارث لهم ولو أراد اللعان هو من غير مطالبة لم يكن له ذلك عندنا إن لم يكن لنسب يريد نفيه.

ولو طلب نفي النسب احتمل أن يلاعن بينهما الحاكم بأن يطلب المرأة باللعان لانحصار طريق انتفاء النسب فيه، واحتمل عدمه لأنهخلاف الأصل فيقتصر على موضع اليقين.

وأما قصة حكم نزول اللعان كما سمعت وأنه أتاه عليه السلام فرماها فأمره بأن يأتي بزوجته فلا دلالة فيها على الابتداء باللعان من غير طلبها، وإنما دلت على إحضارها مجلس الحكم.

المقصد الرابع: في اللواحق

الاول: لو شهد الشاهدان متهمان بقذفه الزوجة لم تقبل لمكان التهمة.

فإن خرجا من التهمة ثم أعادا الشهادة لم تقبل أيضا لأنها ردت التهمة فلا تقبل بعد.

ولو ادعيا قذفها خاصة ثم زالت التهمة والعداوة كأن مضت مدة عرف صلاح الحال بينهم ثم شهدا بقذف زوجة اخرى قبلت لأنها لم يردا في هذه الشهادة.

ولو شهدا بقذف زوجة ثم ادعيا قذفه لهما فإن أضافا الدعوة إلى ما قبل الشهادة بطلت لاعترافهما بأنه كان عدوا لهما حين الشهادة، وإن لم يضيفاها إليه فإن كان ذلك قبل الحكم لم يحكم لأنه لا يحكم بشهادة أحد عدوين على آخر، وإن كان بعده لم يبطل لأنه لم يظهر تقدم العداوة على الحكم.

ولو شهدا عليه أنه قذف زوجته وامه بطلت في حق الام للتهمة، وببطلانهابطلت بالكلية لأنها إذا ردت في البعض للتهمة ردت للجميع كما كانت ترد شهادتهما بقذفها وقذف الزوجة.

وفي المبسوط: فإن شهادتهما لامهما عندنا تقبل وعندهم لاتقبل لأنه متهم في حق الام وشهادتهما في حق الزوجة غير متهم فتقبل، ولو شهد أحد هما أنه أقر


157

بالقذف والاقرار بالعربية والآخر أنه أقر بغير ذلك بالعجمية أو في وقتين بأن شهد أحد هما بإقراره يوم الخميس وآخر به يوم الجمعة قلت: لاتحاد مقريه.

ولو شهدا بالقذف كذلك بطلت لأن ما شهد به أحد هما غير ما شهد به الآخر ولم يستكمل شئ من القذفين عدد البينة.

الثاني: لو ولدت توأمين بينهما أقل من ستة أشهر واستلحق أحد هما لحقه الآخر ولا يقبل نفيه لأنهما في حكم الولد الواحد، حتى أنه لو كان نفى الأول ثم استلحق الثاني لحقه الأول أيضا، وكذا لو نفى أحد هما وسكت عن الآخر لحقاه، لأنه لما سكت عن الآخر لحقه واستلزم لحوق الآخر.

ولو ولدت الأول فنفاه باللعان ثم ولدت الاخر لأقل من ستة أشهر افتقرانتفاؤه إلى لعان آخر على إشكال من الحكم بإنتفاء الأول باللعان، وهذا يستلزم انتفاء الثاني مع أصل البراءة من اللعان ثانيا ومن أصل اللحوق إلا مع التصريح بالنفي واللعان وعدم الاكتفاء بالالتزام، وهذا خبر شيخ المبسوط.

وإن أقر بالثاني لحقه وتبعه الأول أيضا لاستلزام لحوقه به كما عرفت وهو لا يرث الأول لانكاره أولا، فيكون بمنزلة من أقر به بعد اللعان.

وهل يرث الثاني ؟ إشكال من استلزام انتفائه من الأول انتفاءه من الثاني، فكأنه أقر بأنه لا يرث منه كما أقر به من الأول، ومن أنه لا عبرة بنفي النسب بالالتزام، والأصل اللحوق والتوارث، ولو كان بينهما ستة أشهر فصاعدا كان لكل واحد حكم نفيه لامكان تعدد الحمل، فلا يستلزم لحوق أحد هما لحوق الآخر ولا نفيه نفيه، فإن لاعن الأول بعد وضعه واستلحق الثاني أو ترك نفيه الحق به وإن كان قد بانت امه من الزوج باللعان لامكان وطئه بعد وضع الأول قبل اللعان، ولو لاعنها قبل وضع الأول فأتت بآخر بعد ستة أشهر لم يلحقه الثاني لأنهما بانت باللعان وانقضت عدتها بوضع الأول، فلا يمكنه وطؤها بالنكاح بعده، وذكرنا انقضاء العدة لتأكيد الحجة وإلا فهذه العدة كعدة الطلاق البائن، ولو مات أحد


158

التوأمين قبل اللعان لنفيهما فله أن يلاعن لنفيهما خلافا لبعض العامة.

الثالث: القذف قد يجب وذلك بأن يرى امرأته قد زنت في طهر لم يطأها فيه فإنه يلزمه حذرا من اختلاط الماءين واعتزالها حتى تنقضي العدة أي عدة الحمل بالوضع وهو مضي أقصاها، فأن أتت بولد لستة أشهر من حين الزنا ولأكثر من أقصى مدة الحمل من وطئه لزمه نفيه ليتخلص من الالحاق المستلزم للتوارث وللنظر إلى بناته وأخواته.

ويلزم إذا رأى منها الزنا إن يقذفها بالزنا مبادرة إلى نفي من يحتمل ولادتها له إذ ربما لا يتمكن من اللعان إذا ولدت فليحق به الولد.

الرابع: لو أقرت بالزنا وظن صدقها فالأقرب أنه لا يجب القذف وإن أقرت أربعا للأصل ولعدم العلم وانتفاء المشاهدة، ولأن اللعان إما يمين أو شهادة ولا يتعلقان إلا بمعلوم ويحتمل الوجوب لثبوت العلم الشرعي بالاقرار فيجب القذف لقطع امتزاج الماءين، ولا يحل له القذف بدون الرؤية إن شاء أن فلانا يزني بها وإن وجدهما مجردين، خلافا للعامة فلهم قول بالحل إذا غلب الظن أو بإخبارثقة يسكن إلى قوله.

وإذا عرف انتفاء الحمل منه لاختلال بعض شرائط الالحاق به وجب الانكار كما قدمناه لك وإن لم يرها تزني، ولاقذفها بالزنا للتخلص من الالحاق المستلزم للتوارث والنظر إلى بناته وأخواته كما تقدم، ويمكن فهم وجوب النفي من قوله عليه السلام " أيما امرأة ادخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله من شئ ولا أن يدخلها جنته ".

الخامس: لا يحل الانكار للشبهة والظن بعد ثبوت النسب كما لا يحل القذف لذلك ولالمخالفة صفة الولد صفات الواطئ حتى لو كان من الأمة وشك في وطئها المتفرع عنه الولد إصغاء لقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم " الولد للفراش وللعاهر الحجر " ولما عرفت من التشديد والتخويف من عقوبة من نفى من يمكن انتسابه له.


159

ففي كتاب إكمال الدين عن أبي طاهر البلالي (1) " قال: كتب جعفر بن حمدان وخرجت إليه هذه المسائل: استحلت بجارية وشرطت عليها أن لا أطلب ولدها ولم الزمها منزلي، فلما أتى لذلك مدة قالت لي: قد حبلت، ثم أتت بولدفلم أنكره " وساق الحديث إلى أن قال: " فخرج جوابها من صاحب الزمان عليه السلام: وأما الرجل الذي استحل بالجارية وشرط عليها أن لا يطلب ولدها، فسبحان من لا شريك له في قدرته، شرطه على الجارية شرط على الله تعالى، هذا ما لا يؤمن أن يكون وحيث عرض له في هذا لشك وليس يعرف الوقت الذي أتاها فليس ذلك بموجب للبراءة من ولده ".

وفي خبر عبد الله بن سنان (2) المرسل عن بعض أصحابه عن أبي جعفر عليه السلام " قال: أتى رجل من الأنصار رسول الله صلى الله عليه واله فقال: هذه ابنة عمي وأمرأتي لاأعلم منها إلا خيرا وقد أتتني بولد شديد السواد منتشر المنخرين جعد قطط أفطس الأنف لا أعرف شبه في أخوالي ولا في أجدادي، فقال لامرأته: ما تقولين ؟ قالت: لا، والذي بعثك بالحق نبيا ما أقعدت مقعده مني منذ ملكني غيره، قال: فنكس رأسه رسول الله صلى الله عليه واله مليا ثم رفع رأسه إلى السماء ثم أقبل على الرجل فقال: يا هذا إنه ليس من أحد إلا بينه وبين آدم تسعة وتسعون عرقا كلها تضرب في النسب، فإذا وقعت النطفة في الرحم اضطربت تلك العروق تسأل الله الشبه لها، فهذا من تلك العروق التي لم يدركها أجدادك ولا أجداد أجدادك، خذي إليكابنك، فقالت المرأة: فرجت عني يا رسول الله صلى الله عليه واله ".

وفي خبر ابن مسكان (3) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله " قال: إن رجلا أتى بامرأته إلى عمر فقال: إن امرأتي هذه سوداء وأنا أسود وأنها ولدت غلاما

(1) كمال الدين ص 500 ح 25 طبع مؤسسة النشر الاسلامي وفيه اختلاف يسير.

(2) الكافي ج 5 ص 561 ح 23، الوسائل ج 15 ص 218 ب 105 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 5 ص 566 ح 46، الوسائل ج 15 ص 219 ب 105 ح 2.


160

أبيض، فقال لمن بحضرته: ما ترون ؟ قالوا: نرى أن ترجمها فإنها سوداء وزوجها أسود وولدها أبيض، قال: فجاء أمير المؤمنين عليه السلام وقد وجه بها لترجم فقال: ما حالكما ؟ فحدثاه، فقال للأسود، أتتهم امرأتك ؟ فقال: لا، قال: أفأتيتها وهي طامث، قال: قد قالت لي ليلة من الليالي أنا طامث فظننت أنها تتقي البرد فوقعت عليها، فقال للمرأة: هل أتاك وأنت طامث ؟ قالت: نعم سله قد حرجت عليه وأبيت، قال: قال: فانطلقا فإنه ابنكما فإنما غلب الدم النطفة فابيض ولو قدتحرك اسود، فلما أيفع اسود ".

وفي الفقيه (1) مرسلا " قال: قال النبي صلى الله عليه واله: من نعم الله على الرجل أن يشبه ولده ".

" قال: (2) الصادق عليه السلام: إن الله تعالى إذا أراد أن يخلق خلقا جمع كل صورة بينه وبين آدم ثم خلقه على صورة إحداهن، فلا يقول أحدكم لولده هذا لا يشبهني ولا يشبه شيئا من آبائي ".

وقد جاء تحريم انتفاء النسب على سبيل المبالغة والتغليظ، ففي موثقة أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق ".

ومثلها موثقة ليث المرادي (4).

وفي مستفيضة ابن فضال (5) عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام " أنهما قالا: كفر بالله العظيم من انتفى من حسب وإن دق ".

السادس: لا تجوز الملاعنة بين الزوج والزوجة إذا كان مجلودا في الفرية، وقد تقدم في ذلك خبر السكوني وخبر الخصال وخبر الجعفريات وخبر قرب الأسناد

(1) الفقيه ج 3 ص 312 ح 22، الوسائل ج 15 ص 219 ب 105 ح 3.

(2) الفقيه ج 3 ص 312 ح 23، الوسائل ج 15 ص 219 ب 105 ح 6 وفيهما " فلا يقولن أحد ".

(3) الكافي ج 2 ص 350 ح 1، الوسائل ج 15 ص 221 ب 107 ح 1.

(4) الكافي ج 2 ص 350 ح 2، الوسائل ج 15 ص 222 ب 107 ذيل ح 1.

(5) الكافي ج 2 ص 350 ح 3 وفيه " الانتفاء "، الوسائل ج 15 ص 222 ب 107 ح 2.


161

حيث قال في جميعها: ولا المجلود في الفرية لأن الله تعالى يقول " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا " هكذا أفتى به ابن الجنيد وتبعه محدث الوسائل، والمشهور على رده، حيث إن اللعان ليس بشهادة على الحقيقة فتتوجه التقيه في هذه الأخبار كما سمعت سابقا.

السابع: يثبت الحد على قاذف اللقيط وابن الملاعنة لبراءة ساحته من المقذوف به لملاعنة امه إياه ودرئها العذاب عنها بذلك.

ويدل عليه من النصوص بالخصوص مرسلة الحسن بن محبوب (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال في قاذف اللقيط: بحد ويحد قاذف ابن الملاعنة ".

تتمةيستحب التباعد من مجلس المتلاعنين عند اللعان إلا لمن امر بشهادته، لما رواه محمد بن الحسن الطوسي (2) في مجالسه عن زريق عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا تلاعن اثنان فتباعد منهما فإن ذلك مجلس تنفر منه الملائكة، ثم قال: اللهم لا تجعل إلي منهما مساغا، واجعلهما برأس من يكايد دينك ويضاد وليك ويسعى في الأرض فسادا ".

ولحبس جري القلم في تتمة هذا المجلد الأتم من مجلدات شيخنا الأفخم وهو المجلد العاشر (3) من كتابه الموسوم بالحدائق الناضرة، متعه الله بثمارها في الجنان، وأسبل عليه رواشحها الماطرة في السر والعيان، ونسأل الله سبحانه أن يوقفنا لاتمام مجلداتها القاصرة وأن ينجيها من العيوب والنقصان، وأن يعاملنا بالامداد من ألطافه ما يكون لنا وسيلة في البيان والتبيان، إنه كريم منان، وعوائده الفضل والاحسان.

(1) التهذيب ج 8 ص 191 ح 28، الوسائل ج 15 ص 609 ب 16 ح 1 وفيهما " يحد قاذف اللقيط ويحد قاذف ابن الملاعنة ".

(2) أمالى الشيخ الطوسى ج 2 ص 311 طبع النجف الاشرف، الوسائل ج 15ص 611 ب 19 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(3) حسب تجزئه صاحب الحدائق - قدس سره -.


163

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أتم علينا نعمته بإتمام الدين وإكمال النعمة بما أفاض علينا من رواشح جوده الغزار، ودفع عنا علائق عوائق ما يوجب النقمة في دار البوار، والصلاة والسلام على محمد وآله الغارسين لحدائق علوم الله وتلك الأسرار، و المحيين لما دثر من رسوم ساحة قواعد الدين في جميع الأعصار.

وبعد، فيقول أفقر عباد الله لربه الغفار: إني لما أوصى علي والدي الروحاني وشقيق والدي الروحاني والجسماني في إجازته إلي المفصلة بأن اتمم ما نقص من مؤلفاته واشيد ما نقص من تلك المباني والمعاني، فنظرت لقصود همتي عن تجشم هذه اللجة التي تعجز عن سياحتها العلماء السابقون من القاضي والداني، ويقف جواد شأوهم عن الجري في ميدان رهان قصبات حلبتهم عن نيل تلك الأماني، قعدت كما قعد من له القدح المعلى والنصيب الأوفر في تشييدمنازل هذه المعاني، ثم طفقت أنظر لما أوصى به علي وأنها واجبة الامتثال لا يجوز أن ينثني عنها ثاني، ولا يحيدني عنها محيد محب ولا شاني، فجردت حسام عزميتي وأغمضت النظر عن قصوري ونقصاني، و امتثلت ما جاء عن الأئمة المعصومين عليهم السلام من الخبر المأثور أنه لا يسقط الميسور بالمعسور فهتف بي ذلك وناداني أن شمر الذيل واسهر الليل وتدارك ما بقي من العمر بصرفه في هذه المقاصد فإن


164

الأعمار مشرفة للموت على التداني، فاستعنت بالله وبالأئمة المعصومين عليهم السلام على إكمال أعز كتبه وأجمعها للمعاني والألفاظ والمباني ولأحكام الله المقرونة بالبراهين والدقائق وهي الباهرة، وهو كتابه الموسوم ب‍ " الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة " فكملت ما نقص من الجزء العاشر من أجزائها وهو كتاب الظهار إلى آخر ذلك الجزء المختوم بكتاب اللعان، ثم شرعت في هذا الجزء وهو الجزء الحادي عشر حيث إنها مجزية من مؤلفها على أربعة عشر جزء سالكا فيها ترتيب كتاب الشرايع للمحقق - قدس الله روحه وتابع فتوحه - فبقيت على مجراه الذي بنى عليه جاريا مبتدئا ومنتهيا إلى أن نصل إلى ختامه ويوفقنا اللهإلى إتمامه، وقد وسمت هذه الأزجزاء الباقية ب‍ " عيون الحقائق الناظره في تتمة الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة " مستعينا بفيض الخيرات والنعم الخفية والظاهرة ومستشفعا بمحمد وآله العترة الفاخرة والحجج الغامرة والسحائب الماطرة للرحمة الناشرة والنعمة الزاهرة، فها أنا أقول:


165

كتاب العتق وهو بالفتح مصدر وبالكسر اسم للمصدر، وهما لغة الخلوص ومنه سمي البيت الشريف عتيقا والخيل الجياد عتاقا، وشرعا خلوص المملوك الآدمي أو بعضه من الرق بالنسبة إلى مطلق العتق وبالنسبة إلى المباشرة الذي هو مقصود الكتاب الذاتي تخلص الآدمي أو بعضه من الرق منجزا بصيغة مخصوصة، وهو مشتمل على مقاصد ومباحث: المقصد الاول في بيان فضله وشرفه وثمرته وفضله ورجحانه، متفق عليه كتابا وسنة وإجماعا من جميع فرق الاسلام،وقد روت العامة والخاصة مستفيضا بل متواترا عنه صلى الله عليه واله وأنه قال: من أعتق مؤمنا أعتق الله بكل عضو عضوا له من النار.

وقد اتفق أهل الاسلام على صحة هذه الرواية لكنها قد جاءت بعبارات مختلفة.

أما ما جاء من طريقنا عن أئمتنا عليهم السلام فهي كثيرة بالغة حد التواتر المعنوي فمنها صحيحة معاوية بن عمار وحفص بن البختري (1) كما في التهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال في الرجل يعتق المملوكة، قال: يعتق الله عز وجل بكل عضو منه عضوا منه النار ".

(1) التهذيب ج 8 ص 216 ح 1، الوسائل ج 16 ص 2 ب 1 ح 1 وفيهما " يعتق المملوك ".


166

وصحيحة الحلبي ومعاوية بن عمار وحفص بن البختري (1) كلهم عن أبي عبد الله عليه السلام نحوه.

وصحيحة ربعي بن عبد الله عن زرارة (2) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من أعتق مسلما أعتق الله العزيز الجبار بكل عضو منه عضوا من النار ".

وصحيحته الاخرى عن زرارة (3) أيضا عن جعفر عليه السلام مثله إلا أنه أسقط " العزيز الجبار ".

وخبر بشير النبال (4) " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: من أعتق نسمة صالحة لوجه الله كفر عنه مكان كل عضو منه عضوا من النار ".

وموثقة سماعة (5) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من أعتق مسلما أعتق الله بكل عضوا منه عضوا من النار ".

وخبر الحكم بن أبي نعيم (6) كما في أمالي محمد بن الحسن الطوسي " قال: سمعت فاطمة بنت علي تحدث عن أبيها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من أعتق رقبة مؤمنة كان له بكل عضو فكاك عضو منه من النار ".

وخبر محمد بن جمهور (7) المرسل عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " إن فاطمة بنت أسد قالت لرسول الله صلى الله عليه واله يوما: إني أريد أن أعتق جاريتي هذه، فقال لها: إن فعلت أعتق الله بكل عضو منها منك من النار ".

(1) الكافي ج 6 ص 180 ح 1، الوسائل ج 16 ص 2 ب 1 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 216 ح 2، الوسائل ج 16 ص 3 ب 1 ح 2.

(3) الكافي ج 6 ص 180 ح 2، الوسائل ج 16 ص 3 ب 1 ح 2.

(4) الكافي ج 6 ص 180 ح 4، الوسائل ج 16 ص 4 ب 1 ح 4 وفيهما " كفر الله عنه ".

(5) ثواب الاعمال ص 166 ح 1، الوسائل ج 16 ص 4 ب 1 ح 7.

(6) أمالى الطوسى ج 2 ص 4 طبع النجف الاشرف وفيه " فاطمة بنت محمد "، الوسائل ج 16 ص 5 ب 1 ح 8.

(7) الكافي ج 1 ص 453 ح 2، الوسائل ج 16 ص 4 ب 1 ح 5.


167

وروى الشيخ بإسناده عن إبراهيم بن أبي البلاد عن أبيه (1) مرسلا عن النبي صلى الله عليه واله " أنه قال: من أعتق مؤمنا أعتق الله العزيز الجبار بكل عضو له عضوا منه من النار، فإن كانت انثى أعتق الله العزيز الجبار بكل عضوين منها عضوا من النار، لأن المرأة نصف الرجل ".

فهذه جملة من ألفاظ الرواية المذكورة على اختلافهما طرقا ودلالة ومتونا ليس فيها اللفظ الذي ذكره المحقق في شرايعه سوى ما في خبر إبراهيم بن أبي البلاد لأنه قد نقلها بهذا اللفط وهو " من أعتق مؤمنا أعتق الله بكل عضو عضواله من النار " وهي كما ترى لاتناسبها في اللفظ، والعبارة سوى تلك المرسلة وإن كان فيها زيادة " العزيز الجبار " فكأنه تصرف فيها نظر إلى المعنى في كل هذه الروايات.

وخص المؤمن في كثير منها إما لأن المراد به الامامي وهو الاسلام بالمعنى الأخص، فتتوافق الأخبار المذكورة في الوصف المعلق عليه معنى، ولا حاجة إلى ما تكلفه ثاني الشهيدين من أن المراد به المسلم كما في صحيحة زرارة، أو حمل المطلق على المقيد كحمل لفظ المملوك في الرواية على المسلم والمؤمن ثم جواز بقاء كل واحد من الثلاثة على أصله لعدم وجوب التقييد لحصول الثواب المذكور على عتق كل مملوك مؤمن أو مسلم أو مطلقا ذكرا وانثى، واحتمل أن يخص ذلك بالذكر بقرينة تذكير اللفظ ولتقييده بمرسلة إبراهيم بن أبي البلاد إلا أن تقييد الصحيح بالمرسل لا يخلو من نظر.

إلى هنا كلامه في مسالكه، وفي نظره نظر لأن إطلاق الصحيح الذي أبى تقييده بالمرسل لا يشمل إطلاقه الانثى لتعليقه على الذكر فيكون موافقا للمرسل.

وروت العامة في صحاحها (2) عنه صلى الله عليه واله " أنه قال: أيما رجل أعتق امرء

(1) التهذيب ج 8 ص 216 ح 3، الوسائل ج 16 ص 6 ب 3 ح 1، وفيهما " بكل عضومنه عضوا من النار " مع اختلاف يسير.

(2) صحيح مسلم ج 10 ص 152 وفيه اختلاف يسير وليس فيه " حتى الفرج بالفرج ".


168

مسلما استنقذ الله بكل عضو منه عضوا منه من النار حتى الفرج بالفرج ".

وفي هذه الرواية التعليق على الاسلام كما في تلك الصحاح لكن يجب أن يحمل على الاسلام الخالص الذي هو الايمان، وفيها دلالة على كون المعتق رجلا لأن المرء مذكر المرأة فلا يتناول الانثى.

وفي بعض ألفاظ رواياتهم (1) عنه صلى الله عليه واله " من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجها بفرجه " وهذه شاملة للذكر والانثى إلا أنها قابلة للتقييد بذلك المرسل.

ومن الأخبار الدالة على فضيلته بغير هذه العبارة ما رواه في الصحيح الكليني عن معاوية بن وهب (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث طويل " ولقد أعتق علي ألف مملوك لوجه الله تربث فيهم يداه ".

ومثله خبر زيد الشحام (3) عن أبي عبد الله عليه السلام كما في الكافي والمحاسن وثوابالأعمال " أن أمير المؤمنين عليه السلام أعتق ألف مملوك من كد يده ".

وفي المحاسن عن أبي عبد الله البجلي (4) عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: أربع من أتى بواحدة منهن دخل الجنة: من سقى هامة ظامئة أوأشبع كبدا جائعة أوكسى جلدة عارية أو أعتق رقبة عانبة ".

وفي المحاسن عن محمد بن مروان (5) أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام أن أبا جعفر عليه السلام

(1) الجامع الصغير ص 165 وفيه " من اعتق رقبة مسلمة - حتى فرجه بفرجه ".

(2) الكافي ج 8 ص 145 ح 175 وفيه " والله لقد أعتق ألف مملوك لوجه الله عز وجل دبرت فيهم يداه "، الوسائل ج 16 ص 3 ب 1 ح 3 وفيه " دبرت ".

(3) الكافي ج 5 ص 74 ح 4، المحاسن ص 624 ح 80، لم نعثر عليه في ثواب الاعمال، الوسائل ج 16 ص 4 ب 1 ح 6 (4) المحاسن ص 294 ح 456، الوسائل ج 16 ص 5 ب 1 ح 9 وفيه " أبى عبد الله المحلى - رقبة عائية ".

(5) المحاسن ص 624 ح 81، الوسائل ج 16 ص 5 ب 1 ح 10.


169

مات وترك ستين مملوكا فأعتق ثلثهم عند موته ".

ويتأكد العتق في شهر رمضان سيما العشر الأواخر منه وعشية عرفة ويومها ففي خبر محمد بن عجلان (1) كما في كتاب الاقبال وكتاب المناقب لابن شهر اشوب " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان علي بن الحسين عليه السلام إذا دخل شهر رمضان لا يضرب عبدا له ولا أمة " وساق الحديث وهو طويل إلى أن قال فيه: " إنه كان يكتب جناياتهم في كل وقت ويعفو عنهم آخر ليلة من الشهر ثم يقول: اذهبوا فقد عفوت عنكم وأعتقت رقابكم، قال: وما من سنة إلا وكان يعتق فيها آخر ليلة من شهر رمضان ما بين عشرين ونيف إلى أقل أو أكثر، وكان يقول: إن لله في كل ليلة من شهر رمضان عند الافطار سبعين ألف ألف عتيق من النار كل قد استوجب النار، فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق فيها مثل ما أعتق في جميعه، وإني لأحب أن يراني الله قد أعتقت رقابا من ملكي في دار الدنيا رجاء أن يعتق رقبتي من النار، وما استخدم خادما فوق حول، وكان إذا ملك عبدا في أول السنة أو وسط السنة فإذا كان ليلة الفطر أعتق واستبدل سواهم في الحول الثاني ثم أعتق، كذلك كان يفعل حتى لحق بالله، ولقد كان يشتري السودان وما به إليهم من حاجة يأتي بهم عرفةفيسد بهم تلك الفرج والخلال، فإذا أفاض أمر بعتق رقابهم وأمر بجوائز لهم من المال ".

وفي صحيحة الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام كما في الفقيه " قال: يستحب للرجل أن يتقرب في عشية عرفة بالعتق والصدقة ".

وفي صحيحة معاوية بن عمار وحفص بن البختري (3) عن أبي عبد الله عليه السلام

(1) الاقبال ص 477، المناقب ج 4 ص 158 أورد قطعة من الرواية مع تفاوت يسير، بحار الانوار ج 46 ص 103 ح 93.

(2) الفقيه ج 3 ص 66 ح 2، الوسائل ج 16 ص 6 ب 2 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 216 ح 1، الوسائل ج 16 ص 6 ب 2 ح 2.


170

في حديث " أنه قال: يستحب للرجل أن يتقرب عشية عرفة ويوم عرفة بالعتق والصدقة ".

وفي صحيحة الحلبي ومعاوية بن عمار وحفص بن البختري (1) كما في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

ومما يدل على فضيلة العتق أيضا جعل الله تعالى له لقتل المؤمن والوطءفي رمضان وللاثم في مخالفة الله تعالى فيما عاهد عليه ونذره وحلف عليه، وقد جعله النبي صلى الله عليه واله موجبا للعتق من النار فقال صلى الله عليه واله في غير مرة: أيما رجل أعتق رجلا مسلما كان ذلك فكاكه من النار، ولأنه يخلص الآدمي المعصوم الدم من حرز الرق وتملك منافعه وبه تكمل أحكامه.

ويدل على فضيلته أيضا من الكتاب قوله تعالى " فلا اقتحم العقبة

وما أدرلك ما العقبة

فك رقبة

أو إطعام في يوم ذي مسغبة " (2).

وفي صحيحة معمر بن خلاد (3) " قال: كان أبو الحسن الرضا عليه السلام إذا أكل أتى بصحفة فتوضع بقرب مائدته، فيعمد إلى أطيب الطعام مما يؤتى به، فيأخذ من كل شئ شيئا فيوضع في تلك الصحفة فيؤمر بها للمساكين، ثم يتلو هذه الآية " فلا اقتحم العقبة " ثم يقول: علم الله عز وجل أنه ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة فجعل لهم سبيلا إلى الجنة ".

وفي خبر محمد بن عمر بن يزيد (4) " قال: أخبرت أبا محمد الحسن عليه السلام أني اصبت بابنين وبقي لي ابن صغير، فقال: تصدق عنه، ثم قال حين حضر قيامي:

(1) الكافي ج 6 ص 180 ح 1، الوسائل ج 16 ص 6 ب 2 ح 2.

(2) سورة البلد آية 11 - 14.

(3) الكافي ج 4 ص 52 ح 12، الوسائل ج 6 ص 329 ب 48 ح 1 وفيهما " فيضع - ثم يأمر بها ".

(4) الكافي ج 4 ص 4 ح 10، الوسائل ج 6 ص 261 ب 4 ح 1 وفيهما " وبقى لى بنى ".


171

مر الصبي فليتصدق بيده بالكسر " ثم ساق الحديث إلى أن قال: " فلا اقتحم العقبة

وما أدراك ما العقبة - إلى قوله - أو مسكينا ذامتربة، علم الله عز وجل أن كل أحد لا يقدر على فك رقبة، فجعل إطعام اليتيم والمسكين مثل ذلك تصدق عنه ".

والمراد بالعقبة في الآية كما رواه ابن شهر اشوب من طريق العامة عن أنس (1) " قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله في قوله تعالى " فلا اقتحم العقبة ": أن العقبة فوق الصراط عقبة كؤودا طولها ثلاثة آلاف عام، ألف عام هبوط وألف عام شوك وحسك وعقارب وحيات وألف عام صعود، أنا أول من يقطع تلك العقبة وثاني من يقطع تلك العقبة علي بن أبي طالب عليه السلام " وقال بعد كلام طويل: لا يقطعها في غير مشقةإلا محمد وأهل بيته ".

المقصد الثاني فيما يتحقق به الرق المترتب عليه الملك

المترتب عليه العتق يختص الرق بالحربي وإن كان كتابيا لم يقم بشرائط الذمة، ثم يسري الرق في عقبه وإن أسلموا حتى يعرض المحرر لهم من ملك أو عتق أو تدبير أو كتابه أو استيلاد أو جذام أو عمى أو برص عند ابن حمزة، أو إقعاد أو تنكيل في المشهور خلافا لابن إدريس فيه أو لارث أو إسلام العبد قبل مولاه في دار الحرب وخروجه قبله أو كون أحد الأبوين حرا إلا أن يشترط عليه الرق فيصح عند الأكثر، وسيجئ تفاصيل هذه الأسباب والكلام على أحكامها مفصلة الدليل والفتوى عند الأصحاب، فيشتمل هذا المقصد على مسائل: الاولى:

في تحقيق ما يختص به الرق

وإن كان كتابيا على الأشهر، وقد اتفقت كلمة الأصحاب على اختصاص الرق لأهل الحرب وهو من يجوز قتالهم ومحاربتهم إلى أن يسلموا، سواء انحصرت الغاية في إسلامهم كمن عدا اليهود

(1) المناقب ج 2 ص 155 طبع قم وفيه " إن فوق الصراط عقبة "


172

والنصارى والمجوس من فرق الكفار أم كان الاسلام أحد الغايتين كالفرق الثلاث فإنهم يقاتلون إلى أن يسلموا أو يلتزموا بشرائط الذمة من الجزية وغيرها.

وقد أفصحت عبارة المحقق في شرايعه وكذلك العلامة في قواعده بأن هذه الفرق الثلاث إذا أخلوا بشرائط الذمة دخلوا في قسم أهل الحرب، وتدل عليه صحيحة زرارة الآتي ذكرها، وربما أطلق كثير من الفقهاء أهل الحرب على القسم الأول خاصة وإن جاز قتال الثاني في الجملة.

والوجه في هذا أن التسمية منتفية عنهم ماداموا قائمين على شرائط الذمة وإن كان في الأصل مشاركين للحربيين في الكفر وجواز القتال، إلا أن لهم عن الاسلام بدلا وهو القيام بشرائط الذمة بخلاف الحربي المحض، فمن هنا أخرجوا عن إطلاق الحربي عليهم.

وعلى الاعتبارين فالمراد بأهل الحرب بالنسبة إلى هذا الحكم وهو جواز استرقاقهم معناه الأعم للاتفاق على جواز استرقاق من عدا الفرق الثلاث الملتزمين بشرائط الذمة، ولافرق في جواز استرقاقهم بين أن ينصب الحرب للمسلمين ويستقل بأمرهم أو يكونون تحت حكم الاسلام وقهره كمن بينالمسلمين من عبدة الأوثان والنيران والغلاة وغيرهم، إلا أن يكونوا مهادنين للمسلمين بشرائطها المقررة في كتاب الجهاد، فيجب حينئذ الكف عنهم.

وتدل على هذا الحكم صحيحة رفاعة (1) " قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: إن الروم يغيرون على الصقالبة فيسرقون أولادهم من الجواري والغلمان فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم ثم يبعثون بهم إلى بغداد إلى التجار، فما ترى في شرائهم ونحن نعلم أنهم قد سرقوا وإنما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم ؟ فقال: لا بأس بشرائهم، إنما أخرجوهم من الكفر إلى دار الاسلام ".

(1) الكافي ج 5 ص 210 ح 9، الوسائل ج 13 ص 27 ح 1 وفيهما " من الشرك الى دار الاسلام ".


173

وصحيحته الاخرى (1) كما في التهذيب أيضا عن أبي الحسن عليه السلام مثله.

وموثقة إبراهيم بن عبد الحميد (2) عن أبي الحسن عليه السلام " في شراء الروميات فقال: اشرتهن وبعهن ".

وخبر زكريا بن آدم (3) " قال: سألت الرضا عليه السلام عن قوم من العدو " إلىأن قال: " وسألته عن سبي الديلم يسرق بعضهم من بعض ويغير المسلمون عليهم بلا إمام، أيحل شراؤهم ؟ قال: إذا أقروا لهم بالعبودية فلا بأس بشرائهم ".

وكذلك يجوز شراؤهم من آبائهم وامهاتهم فيملكون بذلك لخبر عبد الله اللحام (4) الموثق " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يشتري من رجل من أهل الشرك ابنته فيتخذها، قال: لا بأس ".

وخبر الآخر (5) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يشتري امرأة رجل من أهل الشرك يتخذها، قال: لا بأس ".

وفي خبره الثالث (6) الذي يقرب من الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

فأما ما رواه الشيخ والكليني عن زكريا بن آدم (7) " قال: سألت الرضا عليه السلام عن قوم من العدو " إلى أن قال: " وسألته عن أهل الذمة أصابهم جوع فأتاه

(1) التهذيب ج 6 ص 162 ح 6، الوسائل ج 13 ص 27 ب 2 ح 1 وفيهما " من الشرك الى دار الاسلام ".

(2) الكافي ج 5 ص 210 ح 6، الوسائل ج 13 ص 27 ب 2 ح 2.

(3) الكافي ج 5 ص 210 ح 8، الوسائل ج 13 ص 27 ب 2 ح 3.

(4) التهذيب ج 7 ص 77 ح 44، الوسائل ج 13 ص 28 ب 3 ح 2.

(5) التهذيب ج 7 ص 77 ح 43 وفيه " يتخذها ام ولد "، الوسائل ج 13 ص 28 ب 3 ح 3.

(6) التهذيب ج 8 ص 200 ح 8، الوسائل ج 13 ص 28 ب 3 ح 3.

(7) الكافي ج 5 ص 210 ح 8، التهذيب ج 7 ص 77 ح 45 وفيهما اختلاف يسير، الوسائل ج 13 ص 28 ب 3 ح 1.


174

رجل بولده فقال: هذا لك أطعمه وهو لك عبد، فقال: لاتبتع حرا فإنه لا يصلح لك ولا من أهل الذمة ".

ومثلها روايته الاخرى، فيجب حملها على ما لو كانوا قائمين بشرائط الذمة حيث إنهم بمنزلة الأحرار، وإليه يرشد قوله عليه السلام " لاتبتع حرا ".

وكذا كل من استرق عن أهل الذمة ولم يقم بشرائطها، لما عرفت من أنهم في تلك الحال حربيون لا ذمة لهم وإن كان المسترق لهم ناصبيا أو باغيا.

ففي صحيحة العيص بن القاسم (1) كما في التهذيب " قال: سألت أبا عبد اللهعليه السلام عن قوم مجوس خرجوا على اناس من المسلمين في أرض الاسلام، هل يحل قتالهم ؟ قال: نعم وسبيهم ".

وصحيحة البزنطي عن محمد بن عبد الله (2) " قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قوم خرجوا وقتلوا اناسا من المسلمين وهدموا المساجد، وأن المتولي هارون بعث إليهم فاخذوا وقتلوا وسبى النساء والصبيان، هل يستقيم شراء شئ منهن ويطأهن أم لا ؟ قال: لا بأس بشراء متاعهم وسبيهن ".

وخبر زكريا بن آدم (3) " قال: سألت الرضا عليه السلام عن قوم من العدو صالحوا ثم خفروا، لعلهم إنما خفروا لأنهم لم يعدل عليهم، أيصلح أن يشتري من سبيهم ؟ قال: إن كان من عدو قد استبان عداوتهم فاشتر منهم، وإن كان قد خفروا وظلموا فلا يبتاع من سبيهم ".

وفي خبر إسماعيل بن الفضل (4) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سبي الأكراد

(1) التهذيب ج 6 ص 161 ح 3، الوسائل ج 11 ص 99 ب 50 ح 3.

(2) التهذيب ج 6 ص 161 ح 4 وفيه " وأن المستوفى "، الوسائل ج 11 ص 99 ب 50 ح 4 وفيهما " متاعهن ".

(3) التهذيب ج 7 ص 76 ح 41 وفيه " لانه لم يعدل عليهم "، الوسائل ج 13 ص 28 ب 3 ح 1.

(4) التهذيب ج 6 ص 161 ح 1، الوسائل ج 11 ص 99 ب 5 ح 1 وفيهما " ومن حارب من المشركين "


175

إذا حاربوا من حارب من المشركين، هل يحل نكاحهم وشراؤهم ؟ قال: نعم ".

وخبر عمران (1) " قال: سألته عن سبي الديلم وهم يسرقون بعضهم من بعض ويغير عليهم المسلمون بلا إمام، هل يحل نكاحهم وشراؤهم ؟ قال: نعم ".

وفي صحيحة زرارة (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: إن رسول الله صلى الله عليه واله قبل الجزية من أهل الذمة على أن لا يأكلوا الربا ولا يأكلوا لحم الخنزير ولا ينكحوا الأخوات ولا بنات الأخ ولا بنات الاخت، فمن فعل ذلك منهم برئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه واله قال: وليست لهم اليوم ذمة ".

أما مماليك أهل الذمة فلا كلام في جواز ملكيتهم إذا أقروا لهم بالعبودية وكذا ممالك أهل الحرب.

ففي موثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (3) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رقيق أهل الذمة أشتري منهم شيئا ؟ فقال: اشتروا إذا أقروا لهم بالرق ".

وموثقة زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، وصحيحته (4) كما في التهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

وخبر إسماعيل بن الفضل (5) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن شراء مملوك أهل الذمة ؟ قال: إذا أقروا لهم بذلك فاشتر وانكح ".

وصحيحته (6) كما في الفقيه مثله.

وموثقته (7) كما في التهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

(1) التهذيب ج 6 ص 161 ح 2 " وهم يسرق "، الوسائل ج 11 ص 99 ب 50 ح 2 وفيهما " عن المرزبان بن عمران " وكذلك " أيحل شراؤهم ؟ فكتب: إذا أقروا بالعبودية فلا بأس بشرائهم ".

(2) التهذيب ج 6 ص 158 ح 1، الوسائل ج 11 ص 95 ب 48 ح 1.

(3) التهذيب ج 7 ص 70 ح 14، الوسائل ج 13 ص 26 ب 1 ح 1 وفيهما " فقال: اشتراذا ".

(4) التهذيب ج 7 ص 70 ح 15.

(5 و 6 و 7) الكافي ج 5 ص 210 ح 7 وفيه " مملوكي "، الفقيه ج 3 ح 139 ح 48، التهذيب ج 7 ص 70 ح 13، الوسائل ج 13 ص 26 ب 1 ح 1.


176

وكذا كل من أقر على نفسه بالرق مع جهالة حريته حكم برقة، ويعتبر في نفوذ إقراره كونه بالغا عاقلا كما هو المعتبر في قبول الاقرار مطلقا، وهل يعتبر مع ذلك رشده ؟ الأكثر ومنهم المحقق على عدم اعتباره لأن السفه إنما يمنع مع التصرف المالي، والاقرار بالرقية ليس إقرارا بمال لأنه قبل الاقرار محكوم بحريته ظاهرا، فيكون إقراره مسموعا.

ولصحيحة عبد الله بن سنان (1) " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية " وهو مدرك من عبد أو أمة، فاعتبر البلوغ ولم يعتبر الرشد.

وربما قيل باعتبار الرشد، لأن إقراره وان لم يتعلق بالمال ابتداء لكنه قد كشف عن كونه مالا قبل الاقرار فإنه إخبار عن حق سابق عليه لا إنشاء من حينه، ولامكان أن يكون بيده مال، فإن إقراره على نفسه يستتبع ماله فيكونإقرارا بمال محض ولو بالتبعية.

ورد الأول بأن ذلك لو منع قبول الاقرار لأدى إلى قبوله لأنه إذا لم يقبل بقي على أصل الحرية فينفذ إقراره فيصير مالا فيرد حرا وذلك دور، والمال جاز دخوله تبعا وإن لم يقبل الاقرار به مستقلا، كما لو استلحق واجب النفقة، فقد قيل إنه ينفق عليه من ماله نظرا إلى كونه تابعا لا بالأصالة أو يقال يصح في الرقية دون المال لوجود المانع فيه دونها كما سمع في الاقرار بالزوجة دون المهر، وحيث يقبل إقراره لا يقبل رجوعه عن إقراره بعد ذلك لأنه يفضي إلى تكذيب كلامه السابق ودفع ما ثبت عليه بغير موجب.

وكذا لو أقام بينة لم تسمع لتكذيبه لها بإقراره السابق إلا أن يذكر لاقراره تأويلا يندفع به التناقض فيقول القبول، كما لو قال: لا أعلم بكوني قد تولدت بعد حرية أحد الأبوين فجرى إقراري على الظاهر حينئذ ثم انكشف لي سبق العتق على الاقرار ببينة

(1) الكافي ج 6 ص 195 ح 5، الوسائل ج 16 ص 39 ب 29 ح 1 وفيهما " سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان على بن أبى طالب عليه السلام يقول: ".


177

أو شياع مفيد للعلم بذلك.

ولو أنكر له رقيته بقى على الرقية المجهولة ويتجه حينئذ جواز رجوعه لأنه مال لا يدعيه أحد، وإقراره السابق قد سقط اعتباره برد المقر له، فإذا لم يصر حرا بذلك لا أقل من سماع دعواه الحرية بعد ذلك.

ووجه عدم قبول الاقرار الثاني مطلقا استلزام كونه رقا، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز وتكذيب المقر له لا يرفع الاقرار في نفس الأمر وإنما ينتفي عنه ظاهرا، ومتى صار رقا بإقراره لا ينفذ إقراره بعد ذلك لأنه حينئذ ممنوع من التصرف المترتب على الحرية، ولو لم يكن قد عين المقر له ابتداء ثم رجع وأظهر تأويلا محتملا فأولى بالقبول، وفي حكم الاقرار الشهادة عليه بالرق صغيرا كان أو كبيرا كما تضمنته صحيحة عبد الله بن سنان (1) المتقدمة المسند حكمهما إلى علي عليه السلام أو لأبي عبد الله عليه السلام بغير واسطة إلى علي ابتداء كما في الفقيه حيث قال فيها بعد قوله من عبد أو أمة " ومن شهد عليه بالرق صغيرا كان أو كبيرا " ولا يسمع دعواه الحرية بعد ثبوت العبودية علية بأي طريق كان إلا بالبينة بل يؤخذ بكلامه السابق.

ففي صحيحة العيص بن القاسم (2) كما في التهذيب والفقيه عن أبي عبد اللهعليه السلام " قال: سألته عن مملوك ادعى أنه حر ولم يأت ببينة على ذلك، أشتريه ؟ قال: نعم ".

وقد جاءت أخبار كثيرة في الاقرار وأنه يؤخذ به مثل خبر محمد بن الفضل الهاشمي (3) " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل حر أقر بأنه عبد، فقال أبو

(1) الفقيه ج 3 ص 84 ح 1 وفيه " عليه شاهدان "، الوسائل ج 16 ص 39 ب 29 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 140 ح 55، التهذيب ج 7 ص 74 ح 31، الوسائل ج 16 ص 39 ب 29 ح 4.

(3) التهذيب ج 8 ص 235 ح 80، الوسائل ج 16 ص 39 ب 29 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.


178

عبد الله عليه السلام: تأخذه بما قال أو يؤدي المال ".

وخبر الفضل (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل حر أقر بأنه عبد قال: يؤخذ بما أقر به ".

ورواه الصدوق (2) في الموثق نحوه إلا أنه أسقط لفظ " حر " وقال: " أويرد المال ".

وخبر إسماعيل بن الفضل (3) الموثق أيضا " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: حر أقر على نفسه بالعبودية، أستعبده على ذلك ؟ قال: هو عبد إذا أقر على نفسه ".

الثانية: لما ثبت أن الحربي فئ في الحقيقة للمسلمين جاز تملكه للمسلم مطلقا، وجاز التوصل إليه بأي سبب من الأسباب ومنها شراؤه ممن يبيعه سواء كان البائع أبا أو زوجا أم غير هما من الأرحام، وليس هذا في الحقيقة بيعا حقيقيا إذ ليس هو ملكا له وإنما هو وسيلة إلى وصول المسلم إلى حقه، فلا تلحقه أحكام البيع ولا تشترط فيه شرائطه، و إنما السبب المملك له القهر والاستيلاء.

وفي الدروس جوز للمسلم الرد بالعيب وأخذ الأرش نظرا إلى أنه وإن لم يكن بيعا حقيقيا لكنه إنما بدل العوض في مقابلته صحيحا.

ويشكل بأن الأرش عوض الجزء الفائت في المبيع ولا مبيع هنا، وبأنه قد ملكه بالاستيلاء فكيف يبطله مجرد الرد، وليس من الأسباب الناقلة للملك شرعا في غير البيع الحقيقي وربما دفع هذا الاشكال بأن قدوم الحربي على البيع التزامه، ومن جملة تلكاللوازم الرد بالعيب أو أخذ أرشه فرده عليه ينزل منزلة الاعراض عن المال، والثمن غايته أن يكون قد صار ملكا للحربي، والتوصل إلى أخذه جائز بكل (1) التهذيب ج 8 ص 235 ح 79، الوسائل ج 16 ص 39 ب 29 ح 2.

(2) الفقيه ج 3 ص 84 ح 2، الوسائل ج 16 ص 39 ب 29 ح 3.

(3) التهذيب ج 7 ص 237 ح 57، الوسائل ج 16 ص 40 ب 29 ح 5 وفيهما اختلاف يسير.


179

سبب، وهذا منه بل أولى بأنه مقتضى حكم البيع.

وهذا كله إذا لم يكن مال الحربي معصوما، فإن دخل إلى دار الاسلام بأمان فلا يحل أخذ ماله بغير سبب مبيح له شرعا، وحينئذ يتجه صحة البيع ولزوم أحكامه التي من جملتها رده معيبا وأخذ أرشه.

الثالثة: قد عرفت مما سبق من الأخبار والفتوى أنه يستوي في ذلك سبي المؤمنين وأهل الضلال، والمراد بأهل الضلال ما يشمل المسلمين منهم والكافرين، فلو سبى كافر مثله ملكه وجاز شراءه منه كما جاء في أخبار اللحام وغيره، وقد جاء في عدة من

الأخبار الواردة في غنيمة أهل الحرب

بأن ما في أيديهم من العبيدتغنم كأموالهم إلا ما ثبت بعد ذلك أنه مما غنموه من مال المسلمين وكانوا معروفين، أو ما استرقوه من أنفس المسلمين فإنهم يرجعون إلى الحرية وترجع أموالهم المغتنمة منهم.

ففي مرسلة هشام بن سالم (1) عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله عليه السلام " في السبي يأخذه العدو من المسلمين من الأولاد المسلمين أو من مماليكهم فيحوزونهم، ثم إن المسلمين بعد قاتلوهم فظفروا بهم فسبوهم وأخذوا منهم ما أخذوا من مماليك المسلمين وأولادهم الذين كانوا أخذوهم من المسلمين، فكيف يصنع فيما أخذوه من أولاد المسلمين ومماليكهم ؟ قال: فقال: أما أولاد المسلمين فلا يقام في سهام المسلمين ولكن يرد إلى أبيه أو أخيه أو إلي وليه بشهود، وأما المماليك فإنهم يقومون في سهام المسلمين فيباعون ويعطى مواليهم قيمة أثمانهم من بيت مال المسلمين ".

وفي صحيحته (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سأله رجل عن الترك يغيرون

(1) الكافي ج 5 ص 42 ح 1، الوسائل ج 11 ص 73 ب 35 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) التهذيب ج 6 ص 159 ح 2، الوسائل ج 11 ص 74 ب 35 ح 3.


180

على المسلمين فيأخذون أولادهم فيسرقون منهم، أيرد عليهم ؟ قال: نعم المسلم أخو المسلم، والمسلم أحق بماله أينما وجده ".

وفي صحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجل لقيه العدو فأصابوا منه مالا أو متاعا ثم إن المسلمين أصابوا ذلك، كيف يصنع بمتاع الرجل ؟ فقال: إن كانوا أصابوه قبل أن يحوزوا متاع الرجل رد عليه، وإن كانوا أصابوه بعد ما أحرزوه فهو فئ للمسلمين وهو أحق بالشفعة ".

وفي مرسلة جميل (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل كان له عبد فادخل دار الشرك ثم اخذ سبيا إلى دار الاسلام، قال: إن وقع عليه قبل القسمة فهو له، وإن جرى عليه القسمة فهو أحق بالثمن ".

وهذه الأخبار بعد رد مطلقها إلى مفصلها يحكم للمسلمين بعين أموالهم قبل أن تقسم الغنيمة بين المسلمين وبعدها يرد عليهم القيمة لكي لا تنقض القسمة، بل يجوز أن يقال يرد عليهم على كل حال ويرجع المشتري على الامام بثمن ذلك.

لصحيحة علي بن رئاب (4) عن طربال عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سأل عن رجل كانت له جارية فغار عليه المشركون فأخذوها منه، ثم إن المسلمين بعد غزوهم أخذوها فيما غنموا منهم، فقال: إن كانت في الغنائم وأقام البينة أن المشركين غاروا عليهم وأخذوها منه ردت عليه، وإن كان قد اشتريت وخرجت من المغنم فأصابها ردت عليه برمتها واعطي الذي اشتراها الثمن من المغنم من جميعه، فقيل له: فإن لم يصبها حتى تفرق الناس واقتسموا جميع الغنائم فأصابها بعد ؟ قال: يأخذها

(1) التهذيب ج 6 ص 160 ح 3، الوسائل ج 11 ص 74 ب 35 ح 2.

(2) التهذيب ج 6 ص 160 ح 4 وفيه " القسم " في الموردين، الوسائل ج 11 ص 47 ب 35 ح 4 وفيه " وان جرى عليه القسم ".

(3) التهذيب ج 6 ص 160 ح 5، الوسائل ج 11 ص 75 ب 35 ح 5 وفيهما اختلاف.


181

من الذي في يده، فإذا أقام البينة فيرجع الذي هي في يده إذا أقام البينة على أمير الجيش بالثمن ".

وبالجملة: أن ما في أيديهم من ملك سواء كان بسبيهم أو بشرائهم فلا كلامفي جواز شرائه منهم كما جاز شراء ولدهم وأزواجهم، وكذا لو كان الكافر ذميا أو مسلما مبدعا فلا إشكال في تملكه، وقد أباحت الأئمة عليهم السلام - كما سمعت من الأخبار - شراء ذلك منهم وكذا غير ذلك من ضروب التملكات وإن كانت جميعها للامام أو بعضها من غير اشتراط إخراج الحصة المذكورة، وقد تقدم الكلام على ذلك في مباحث الخمس، وأنهم قد حللوه لشيعتهم لتطيب ولادتهم.

الرابعة: إن الملتقط من دار الحرب مما يجوز استرقاقه تبعا للدار إذا لم يكن فيها مسلم أو مسالم كما تقدم في أحكام اللقطة، لأنه يحكم بكونه رقا بمجرد وجوده في دار الحرب لأنه لا يقصر عن كونه من جملة ذراريهم وهم لا يملكون إلا بالتملك، وإنما يجوز استرقاق اللقيط في دار الحرب عند نية التملك.

وأما ما ورد في عدة الأخبار مثل موثقة زرارة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: اللقيط لا يشترى ولا يباع ".

ومثل صحيحة عبد الرحمن العرزمي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عليه السلام " قال: المنبوذ حر فإذا كبر فإن شاء توالى الذي لقطه وإلا فليرد عليه النفقة وليذهب فليوال من شاء ".

وصحيحة البزنطي (3) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اللقطة، فقال: لاتباع

(1) الكافي ج 5 ص 224 ح 1، الوسائل ج 17 ص 371 ب 22 ح 1.

(2) الكافي ج 5 ص 225 ح 3 وفيه " تولى "، الوسائل ج 17 ص 371 ب 22 ح 3 وفيهما " الى الذى التقطه ".

(3) الكافي ج 5 ص 225 ح 4، الوسائل ج 17 ص 372 ب 22 ح 4 وفيهما " عن اللقطية ".


182

ولا تشترى ولكن نستخدمها بما أنفقت عليها ".

وصحيحة محمد بن مسلم (1) " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن اللقيط، فقال، حر لا يباع ولا يوهب ".

إلى غير ذلك من الأخبار الجارية في هذا المضمار، مما دل على أن اللقيط حر لا يحل تملكه، فيجب أن تحمل على لقطة بلاد الاسلام أو بلاد الكفر الذي فيها مسلم أو مسالم جمعا بين الأدلة.

المقصد الثالثفي الأسباب الموجبة للعتق وبيان شرائطها وتفاصيل تلك الأسباب وقد عرفت فيما سبق على سبيل الاجماع عدد تلك الأسباب، وقد ذكر حكم بعضها في أحكام النكاح والأولاد وبعضها في الوصايا، وسيجئ بعضها في الارث وبعضها قد تقدم في البيوع في حكم بيع الحيوان، ولنذكر الآن بقية الأسباب على سبيل التفصيل وهو يستدعي مسائل: الاولى: في سبب المباشرة وهو الاعتاق بالصيغة، ولا بد له من صيغ الايقاع وعبارته الصريحة التحرير وهو ما اتفق عليه في النصوص والفتوى كأن يقول حررتك أو أنت حرة أو أنت حر لوجه الله.

ولقد استعملت هذه اللفظة في قوله تعالى في آيات الكفارات القرآنية المشتملة على العتق كالأيمان والظهار والقتل حيث قال فيها " فتحرير رقبة " (2) وقد اتفقوا أيضا على عدم وقوعه بالكنايات المحتملة له ولغيره وإن قصده بها كفككت رقبتك أو أنت سائبة ولا سبيل لي عليك، وإن كان القرآن أتى ببعضها كآية فك رقبة أو إطعام، فإن الاستعمال أعم من الصريح بل من الحقيقة.

كما استعمل الطلاق بمعنى التسريح والفراق ولم يستعملا في الطلاق بالاتفاق

(1) الكافي ج 5 ص 225 ح 5، الوسائل ج 17 ص 372 ب 22 ح 5.

(2) سورة النساء - اية 92.


183

وهو قوله تعالى " أو تسريح بإحسان " (1) وقد أشارت الأخبار في تفسيرها أن المراد بها الطلقة الثالثة، ومثل قوله " أو فارقوهن بمعروف " (2) فإن المراد به الطلاق وقد اختلفوا في لفظ الاعتاق كأعتقتك وأنت معتق أو عتيق للشك في كونه صريحا به أو كناية، والأصح القطع بوقوعه به لدلالته عليه لغة وعرفا وشرعا، بل استعماله فيه أكثر من التحرير.

كما لا يخفى على من اطلع على عبارات الفقهاء وكلام النبي والأئمة النجباء عليهم السلام وصيغهم ومحاوراتهم ووصاياهم ومواضع مواريثهم، كما هو غير خفي على من تأمل الأخبار الواردة في حكم من تزوج بمملوكته وجعل عتقها صداقها مثل صحيحة علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام " قال: سألته عن رجل قال لأمتة: أعتقتك وجعلت عتقك مهرك، فقال: عتقت وهي بالخيار إن شاءت تزوجته وإن شاءت فلا ".

ومثلها خبر محمد بن آدم (4) عن الرضا عليه السلام " في الرجل يقول لجاريته: أعتقتك وجعلت صداقك عتقك، قال: جاز العتق والأمر إليها إن شاءت زوجته نفسها وإن شاءت لم تفعل ".

وصحيحة عبيد بن زرارة (5) " أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا قال الرجل لأمته: أعتقك وأتزوجك وأجعل مهرك عتقك وهو جائز ".

وصحيحة الحلبي (6) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن الرجل يعتق الأمة ويقول مهرك عتقك، فقال: حسن ".

(1) سورة البقرة - آية 229.

(2) سورة الطلاق - آية 2.

(3) التهذيب ج 8 ص 201 ح 16، الوسائل ج 14 ص 510 ب 12 ح 1.

(4) التهذيب ج 8 ص 201 ح 15، الوسائل ج 14 ص 511 ب 12 ح 2.

(5) الكافي ج 5 ص 476 ح 3، الوسائل ج 14 ص 509 ب 11 ح 1.

(6) الكافي ج 5 ص 475 ح 1، الوسائل ج 14 ص 509 ب 11 ح 3.


184

وموثقة عبيد بن زرارة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: رجل قال لجاريته: أعتقك وجعلت مهرك عتقك، قال: فقال: جائز ".

والأخبار بهذا المعنى بالغة حد التواتر المعنوي.

وفي صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2) كما في الفقيه " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام في رجل قال لغلامه: أعتقك أن ازوجك جاريتي هذه فإن نكحت لزوجه عليها فعليك مائة دينار فأعتقه على ذلك فنكح أو تسرى، يجوز شرطه ؟ قال: يجوز عليه شرطه ".

ومثلها صحيحة محمد بن مسلم (3) عن أحد هما عليهما السلام " في الرجل يقول لعبده: أعتقتك أن ازوجك ابنتي، فإن تزوجت عليها أو تسريت فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك فتسرى أو تزوج، قال: عليه شرطه ".

وفي كتب العتق المروية عنهم التي يستحب أن تكتب للعبد المحرر كصحيحة إبراهيم بن أبي البلاد (4) " قال: قرأت عتق أبي عبد الله عليه السلام فإذا هو: هذا ما أعتق جعفر بن محمد أعتق فلانا غلامه لوجه الله " إلى آخره كما سيجئ.

وصحيحة عبد الله بن سنان (5) عن غلام أعتقه أبو عبد الله عليه السلام " هذا ما أعتقجعفر بن محمد، أعتق غلامه السندي على أنه يشهد أن لا إله إلا الله " وساق الكتاب

(1) التهذيب ج 8 ص 201 ح 13، الوسائل ج 14 ص 510 ب 11 ح 6.

(2) الفقه ج 3 ص 69 ح 15، الوسائل ج 16 ص 17 ب 12 ح 1 وفيهما هكذا " سأله عبد الرحمن بن أبى عبد الله عن رجل قال لغلامه: أعتقك على أن ازوجك جاريتي هذه فان نكحت عليها أو تسريت فعليك مائة دينار فأعتقه على ذلك فنكح أو تسرى، أعليه مائة دينار ويجوز شرطه ؟ قال: يجوز عليه شرطه ".

(3) الكافي ج 6 ص 179 ح 4، الوسائل ج 16 ص 18 ب 12 ح 4 وفيهما اختلاف يسير.

(4) الكافي ج 6 ص 181 ح 2، الوسائل ج 16 ص 10 ب 6 ح 1.

(5) الكافي ج 6 ص 181 ح 1 وفيه " محمد بن سنان "، الوسائل ج 16 ص 10 ب 6 ح 2 وفيهما " غلامه السندي فلانا ".


185

إلى أن قال: " أعتقه لوجه الله ".

وكذلك أخبار الشرائط المصححة للعتق مثل صحيحة منصور بن حازم (1)عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لاطلاق قبل نكاح ولاعتق قبل ملك ".

وقد جاء هذا اللفظ بعد أخبار يطول المقام بذكرها.

وكذلك الأخبار الواردة عنهم عليهم السلام في اشتراط نية التقرب في العتق مثل قوله في المستفيض " لاعتق إلا ما اريد به وجه الله " فقد رواه هشام بن سالم ومعاوية ابن عمار وابن اذينة وابن بكير (2) وغير واحد عن أبي عبد الله عليه السلام.

وكذا أخبار الوصية وأخبار عتق السراية.

وبالجملة: أن من تتبع أخبار العتق وأحكامها وبيان شرائطها وصيغها لم يقف على ما دل على لفظ التحرير من الصيغ والاستعمال إلا نوادر من المواضع أكثرها في النذور هي مثل أن يقول وينذر عتق أول مملوك يملكه كما جاءت به صحيحة الحلبي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر، فورث سبعة جميعا، قال: يقرع بينهم ".

ومثلها خبر عبد الله بن سليمان (4) وخبر الصيقل (5).

وبالجملة: فالاتيان على المواضع التي جاءت بلفظ العتق مما يلحق بالمستحيل وعلى هذا فيضعف قول من ذهب إلى المنع أو تردد في ذلك كما وقع للمحققفي الشرايع، فإنه تردد أولا في الاجتزاء بها ثم قطع بالعدم، وهو كما ترى رد للأخبار التي بلغت حد الاستفاضة بل التواتر المعنوي، وقد فسر العلامة الصيغة

(1) الكافي ج 6 ص 179 ح 1، الوسائل ج 16 ص 8 ب 5 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 178 ح 1، الوسائل ج 16 ص 7 ب 4 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 225 ح 44، الوسائل ج 16 ص 69 ب 57 ح 1.

(4) التهذيب ج 8 ص 225 ح 43، الوسائل ج 16 ص 70 ب 57 ح 2.

(5) التهذيب ج 8 ص 226 ح 45، الوسائل ج 16 ص 70 ب 57 ح 3.


186

الصريحة التي لا تجزي ولا يقع العتق بها فك الرقبة وإزالة قيد الملك، وفي صراحتهما نظر إذا قضى ما ورد التعبير بهما على سبيل الكناية عن العتق في الآيتين المتقدمتين، ولم يجعلو هما صريحين فيه، ولو سلمنا كونهما صريحين لالتزمنا بوقوعه بهما لعدم المانع منه شرعا.

وأما السائبة فهو المعتق يطلق على الذكر والانثى.

قال ابن الأثير في نهايته: قد تكرر ذكر السائبة والسوائب، كان الرجل إذا أعتق عبدا يقال هو سائبة فلا عقد بينهماولا ميراث.

ومعناه الحقيقي أنه لاولاء لمعتقه عليه كما سيجئ مصرحا به في الأخبار.

واختلفوا فيما لو قال لأمته يا حرة وقصد العتق، ففي تحريرها بذلك وجهان بل قولان، منشأهما أن حرف الاشارة إلى المملوك غير معتبر بخصوصه وإنما الغرض به تميزه وهو حاصل بالنداء، وصيغة التحرير حاصلة بقوله حر أو ما في معناها ومن النداء عن شبه الانشاء لأن الأصل فيه عرفا صيغة الاخبار باللفظ الماضي، والجملة الاسمية في بعض الموارد كأنت حر، وغاية استعمال النداء فيه أن يكون كناية، والعتق لا يقع بها عندنا، وهذا هو الأقوى، ومن أوقعه بالكناية من العامة قطع بوقوعه في النداء بقصد الاعتاق قطعا ومع الاطلاق أو قصد النداء بالاسم على خلاف، بمعنى أنه لا يقبل منه دعوى النداء ظاهرا على أحد الوجهين.

وأنت قد سمعت من الأخبار الواردة في هذه الصيغة إنما دل على الجملة الاسمية أو الفعلية الصريحتين في الانشائية، فكلما سواهما منحسر عن الاجزاء وإن قصد الانشاء، وعلى هذا بطل ما فرعوه من الخلاف فيما لو كان اسمها حرة أو اسمه حرا أو عتيقا فقال أنت حرة أو أنت حر أوعتيق ولم يدل دليل على قصد الانشاء.

أما لو قصد الانشاء فلا شبهة في وقوعه لصراحته فيه كما قد سمعت، وقد انضم إليه القصد فكان آكد.

وإن قصد الأخبار باسمه دون الانشاء انتفى العتق باطنا قطعا وقبل قوله في عدم قصد العتق ظاهرا لاشتراك اللفظ بين معنيين، فهو مرجع صرفه إلى أحد هما كما في كل مشترك، فإن اشتبه الحال بموته أو غيره


187

ففي الحكم بعتقه عند هم وجهان بل قولان، وهذه الصورة هي موضع الخلاف ومنشئه كون اللفظ صريحا فيه، والصريح لا يحتاج إلى الاخبار عن قصده كما قد علم واحتمال إرادة الاخبار عن الاسم المخرج له عن الصراحة، وإذا قام الاحتمال استصحب بقاء الرق، وهذا هو الأولى ما لم تحصل قرينة خارجية يرجح جانب الانشاء، فإن ترجحه بحسب حال اللفظ قريب الأمر، فإن انضم إليه قرينة اخرى زاد قوة وتعين العمل به.

وبعد ذلك الاحتمال ولو لم يكن اسمها حرة فقال أنت حرة ثم ادعى أنها أراده عفيفة ففي قبوله منه وجهان من احتمال الأمرين، فلا يعلم ذلك إلا من جهته فيقبل قوله في إرادته.

وبهذا قطع العلامة في القواعد ومن أنه خلاف الظاهرفينفذ العتق نظرا إلى الظاهر ولا يصدق في هذا التأويل لأنه خلاف ما هو كالنص لمجازية هذا المعنى، ولا إشكال هنا في الحكم بالعتق لو لم يدع إرادة خلافه، بخلاف ما لو لم يكن اسم المملوك كذلك فإنه لا يحكم بالعتق إلا مع اعترافه بقصده، والفارق ظهور اللفظ في العتق هنا واحتماله للأمرين على السواء هناك لمكان الاشتراك.

ولو ادعى المملوك في هذه الصورة إرادة العتق فله إحلاف مولاه على عدم قصده، وهاهنا فروع: الاول: لا يكفي عن اللفظ المذكور في الصيغ الاشارة مع القدرة على النطق ولا الكتابة لأصالة بقاء الملك إلى أن يثبت المزيل شرعا، ولم يرد في النصوص والفتوى ما يدل على وقوع العتق بذلك.

هذا كله مع القدرة، أما مع العجز للخرس أو المرض فتكفي الاشارة المفهمة كما تجزي في غيره من العقود اللازمه والايقاعات.

ففي صحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " أن أباه حدثه أن أمامة بنت

(1) التهذيب ج 8 ص 258 ح 169، الوسائل ج 16 ص 59 ب 44 ح 1 وفيهمااختلاف يسير.


188

أبي العاص بن الربيع وامها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه واله فتزوجها بعد علي عليه السلام المغيرة بن نوفل، وأنها وجعت وجعا شديدا حتى اعتقل لسانها، فأتاها الحسن والحسين عليهما السلام وهي لا تستطيع الكلام، فجعلا يقولان - والمغيرة كاره لما يقولان -: أعتقت فلانا وأهله ؟ فتشير بذلك أن نعم وكذا وكذا، فتشير برأسها نعم أولا، قلت: فأجازا ذلك لها ؟ قال: نعم ".

وموثقة يونس بن يعقوب (1) عن أبي مريم ذكره عن أبيه " أن أمامة بنت أبي العاص " وساق الحديث إلى أن قال: " فجعلا يقولان لها - والمغيرة كاره لذلك -: أعتقت فلانا وآله ؟ وجعلت تشير برأسها، فأجازا ذلك لها ".

وخبر علي بن جعفر وصحيحته (2) كما في قرب الأسناد وكتاب المسائل عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن رجل اعتقل لسانه عند الموت أو امرأة، فجعل أهلهما يسائله: أعتقت فلانا وفلانا ؟ فيؤمي برأسه أو تؤمي برأسها في بعض نعم وفي بعض لا، وفي الصدقة مثل ذلك، أيجوز ذلك ؟ قال: نعم هو جائز ".

وخبر محمد بن جمهور (3) المرسل عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إن فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين كانت أول امرأة هاجرت إلى رسول صلى الله عليه واله من مكة إلى المدينة على قدميها " إلى أن قال: " قالت لرسول الله صلى الله عليه واله يوما: إنى اريد أعتق جاريتي هذه، فقال: إن فعلت أعتق الله بكل عضو منها عضوا منك من النار، فلما مرضت أوصت إلى رسول الله صلى الله عليه واله وأمرت أن يعتق خادمها واعتقل لسانها فجعلت تؤمي إلى رسول الله صلى الله عليه واله إيماء، فقبل رسول الله صلى الله عليه واله وصيتها ".

(1) التهذيب ج 9 ص 241 ح 28، الوسائل ج 13 ص 437 ب 49 ح 1 وفيهما " فلانا وأهله " مع اختلاف يسير.

(2) قرب الاسناد ص 119، الوسائل ج 13 ص 437 ب 49 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 1 ص 453 ح 2، الوسائل ج 13 ص 438 ب 49 ح 3.


189

والكتابة غير مجزية اختيارا لأنها من جملة الاشارة بل هي من أقواها وتجزي مع الاضطرار، ويدل على إجزائها اختيارا خبر زرارة (1) " قال:سألت أبا عبد الله عليه السلام في رجل كتب إلى امرأته بطلاقها، وكتب بعتق مملوكه ولم ينطق به لسانه، قال: ليس بشئ حتى ينطق به لسانه ".

وقد تقدم في الطلاق ما يدل على الاكتفاء بالكتابة مع الغيبة فيه، وفي صحيحة الثمالي (2) " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قال لرجل: اكتب يا فلان إلى امرأتي بطلاقها أو اكتب إلى عبدي بعتقه، يكون ذلك طلاقا أو عتقا ؟ قال: لا يكون طلاقا ولا عتقا حتى ينطق به لسانه أو يخطه بيده وهو يريد الطلاق أو العتق ويكون ذلك منه بالأهله والشهور ويكون غائبا عن أهله ".

وهو كما ترى معارض لما سبق، ويمكن حمله على التقية أو على من لا يقدر على النطق كالأخرس أو على أن علم الزوجة بالطلاق والغلام بالعتق إما بسماع العتق أو بالكتابة أو بانضمام التلفظ إليها ولو بالاشارة المفهمة.

وقد تقدم في كتاب الطلاق صحيحتان إلى زرارة أيضا، أحد هما في التهذيب والاخرى في الكافي، وصورتهما في التهذيب (3) " سألته عن رجل كتب إلى امرأته بطلاقها أو كتب بعتق مملوكه ولم ينطق به لسانه، قال: ليس بشئ حتى ينطق به لسانه ".

وصورتهما في الكافي (4) " قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل كتب بطلاق امرأته أو عتق غلامه ثم بدا له، قال: ليس ذلك بطلاق ولا اعتاق حتى يتكلم به ".

(1) التهذيب ج 8 ص 248 ح 132، الوسائل ج 16 ص 60 ب 45 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 64 ح 1، الوسائل ج 15 ص 291 ب 14 ح 2.

(3) التهذيب ج 7 ص 453 ح 23، الوسائل ج 15 ص 290 ب 14 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(4) الكافي ج 6 ص 64 ح 2، الوسائل ج 15 ص 291 ب 14 ح 2 وفيهما " بعتق غلامه - بدا له فمحاه - عتاق ".


190

ومما يدل على جواز الكتابة عند الضرورة صحيحة البزنطي (1) " أنه سأل أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الرجل تكون عنده المرأة يصمت ولا يتكلم، قال: أخرس هو ؟ قلت: نعم ويعلم منه بغض لامرأته وكراهة لها، أيجوز أن يطلق عنه ولية ؟ قال: لا، ولكن يكتب ويشهد على ذلك، قلت: فإنه لا يكتب ولا يسمع كيف يطلقها ؟ قال: بالذي يعرف منه من أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه بها ".

ومثله حسنه وخبره (2) كما في الكافي والتهذيب " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام " وذكر مثله.

وكذلك يدل على الاكتفاء مع تعذر النطق خبر سدير (3) كما في الفقيه والتهذيب وكتاب إكمال الدين وإتمام النعمة عن أبي جعفر عليه السلام " قال: دخلت على محمد بن علي بن الحنيفة وقد اعتقل لسانه فأمرته بالوصية فلم يجب، قال: فأمرت بطشت فجعل فيه الرمل فوضع، فقلت: خط بيدك، فخط وصيته في الرمل ونسختها أنا في صحيفة ".

وكذا إذا تعسر النطق بالعربية ومع الامكان لا تجزي سائر اللغات كما تقدم في خبرة مسعدة بن صدقة (4) المروي في كتاب قرب الأسناد، وقد أورده جامع الأصل غير مرة في الكتب المتقدمة، ومع العجز يقع بأي لغة اتفق مع صراحتهما فيه في تلك اللغة، وقد تقدم في كتاب الطلاق خبر وهب بن وهب (5) وفيه إطلاق

(1) الفقيه ج 3 ص 333 ح 1 وفيه " فيعلم منه بغضا - قلت: أصلحك الله "، الوسائل ج 15 ص 299 ب 19 ح 1 وفيهما " يعرف به من أفعاله ".

(2) الكافي ج 6 ص 128 ح 1، التهذيب ج 8 ص 74 ح 166، الوسائل ج 15 ص 299ب 19 ح 1.

(3) الفقيه ج 4 ص 146 ح 1، التهذيب ج 9 ص 241 ح 27، كمال الدين ص 36 طبع مؤسسة النشر الاسلامي - قم، الوسائل ج 13 ص 436 ب 48 ح 1.

(4) قرب الاسناد ص 24، الوسائل ج 4 ص 802 ب 59 ح 2.

(5) التهذيب ج 8 ص 38 ح 31، الوسائل ج 15 ص 297 ب 17 ح 1.


191

جواز الطلاق بكل لسان، وحمل على ما لو تعذرت العربية، كما يدل عليه خبر قرب الأسناد المشار إليه لقوله فيه " سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول: إنك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح، وكذا الأخرس في القراءة وفي التشهد أو ما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم، والمحرم لايراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح ".

الثاني: لا بد من تجريد الصيغة المذكورة عن الشرط، فلو علقه على شرط متوقع أو صفة لم يصح كما هو المشهور بين الأصحاب.

وجوزه القاضي ابن البراج وابن الجنيد من أصحابنا معلقا على شرط كانأو صفة وجوز الرجوع فيه قبل حصولهما كالتدبير وهو مذهب العامة.

واستشهدوا عليه بالتدبير فإنه عتق معلق، وباقي الأصحاب خصوه بمورده، ومنع بعضهم كونه عتقا معلقا بل هو وصيته بالعتق كما سيجئ تحقيقه.

وادعى في المختلف الاجماع على بطلان العتق المعلق على شرط، وليس هذا الاجماع في محله، فإن الخلاف كما سمعت متحقق، ومعلومية نسب المخالف على الوجه قادحة، وقد تقدم الفرق بين الشرط والصفة، وأن المراد بالشرط ما جاز وقوعه في الحال وعدمه كمجئ زيد والصفة ما لا يحتمل وقوعها في الحال ويتيقن وقوعها عادة كطلوع الشمس، ولم يذكر الأصحاب في هذا المقام دليلا على المنع والبطلان سوى الاجماع المدعى، وقد عرفت ما فيه.

وكذا لم يذكروا دليلا على الجواز سوى ما ذكرناه عنه، وأن أصالة الجواز وعدم ما يدل على المنع يقتضي عدم وقوعه.

ومن هنا استظهر السيد في شرح النافع الجواز استنادا للدليل المذكور، ولا فرق عند مانعه بين أن يكون التعليق وقع يمينا أو غيرها، وكذا من جوز ذلك.

والذي يدل عليه من الأخبار صحيحة محمد بن مسلم (1) كما في الفقيه عن

(1) الفقيه ج 3 ص 228 ح 2، الوسائل ج 16 ص 157 ب 11 ح 2 وفيهما " فليس هذا بشئ انما هذا ".


192

أحد هما عليهما السلام " أنه سئل عن امرأة جعلت مالها هديا وكل مملوك لها حر إن كلمت اختها ابدا، قال: تكلمها فليس هذا شيئا، إن هذا وشبهه من خطوات الشيطان ".

وصحيحة زرارة (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألته عن الرجل يقول: إن اشتريت فلانا أو فلانة فهو حر، وإن اشتريت هذا الثوب فهو في المساكين، وإن نكحت فلانة فهي طالق، قال: ليس ذلك كله بشئ، لا يطلق إلا ما يملك، ولا يتصدق إلا بما يملك، ولا يعتق إلا بما يملك ".

وصحيحة على بن جعفر (2) كما في كتابه عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن رجل يقول: إن اشتريت فلانا فهو حر، وإن اشتريت هذا الثوب فهو صدقة، وإن نكحت فلانة فهي طالق، قال: ليس ذلك بشئ ".

وصحيحة سعد بن أبي خلف (3) " قال: قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام: إنيكنت اشتريت جارية سرا من امرأتي وأنه بلغها ذلك فخرجت عن منزلي وأبت أن ترجع إلى منزلي وبقيت في منزل أهلها، فقال لها: إن الذي بلغك باطل، وإن الذي أتاك لهذا عدو لك أراد أن يستفزك، فقالت: لا والله لا يكون بيني وبينك شئ حتى تحلف لي بعتق كل جارية لك وبصدقة مالك إن كنت قد اشتريت جارية وهي في ملكك اليوم، فحلفت لها بذلك فأعادت اليمين، فقالت: قل كل جارية لي الساعة فهي حرة، فقلت لها: كل جارية لي الساعة فهى حرة، وقد اعتزلت جاريتي وهممت أن أعتقها وأتزوجها لهواي فيها، قال: ليس عليك فيما أحلفتك شئ ".

(1) التهذيب ج 8 ص 289 ح 61، الوسائل ج 16 ص 168 ب 14 ح 6 وفيهما " ولا يصدق ".

(2) بحار الانوار ج 10 ص 267، الوسائل ج 16 ص 9 ب 5 ح 7.

(3) الكافي ج 7 ص 442 ح 18، الوسائل ج 16 ص 172 ب 16 ح 2.


193

واعلم أنه لا يجوز عتق ولا صدقة إلا ما اريد به وجه الله وثوابه، وصحيحةمنصور بن حازم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " عن امرأة حلفت لزوجها بالعتاق والهدي إن هو مات لم تتزوج بعده أبدا ثم بدا لها أن تتزوج، فقال: تبيع مملوكها، فإني أخاف عليها من الشيطان.

وليس عليها في الحق شئ، وإن شاءت أن تهدي هديا فعلت ".

وصحيحته الاخرى (2) " قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: أما سمعت بطارق ؟ إن طارقا كان نخاسا بالمدينة، فأتى أبا جعفر عليه السلام فقال: يا أبا جعفر إني هالك حلفت بالطلاق والعتاق والنذور، فقال: يا طارق هذا من خطوات الشيطان ".

وربما احتج لابن الجنيد والقاضي ومن قال بمقالتهما بما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي علي بن راشد (3) " قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك إن امرأة اعتل صبي لها فقالت: اللهم إن كشفت عنه ففلانة حرة، والجارية ليست بعارفة، فأيما أفضل جعلت فداك تعتقها أو تصرف ثمنها في وجوه البر ؟ فقال: لا يجوز إلا عتقها ".

وصحيحة البزنطي (4) عن أبي الحسن عليه السلام " قال: قال: إن أبي عليه السلام كان حلف على بعض امهات أولاده أن لا يسافر بها، فإن سافر بها فعليه أن يعتق نسمةتبلغ مائة دينار، فأخرجها يوما فأمرني فاشتريت نسمة بمائة دينار، فأعتقها ".

(1) التهذيب ج 8 ص 289 ح 59، الوسائل ج 16 ص 212 ب 45 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) التهذيب ج 8 ص 287 ح 50، الوسائل ج 16 ص 168 ب 14 ح 4 وفيهما " انى حلفت ".

(3) التهذيب ج 8 ص 314 ح 46، الوسائل ج 16 ص 229 ب 7 ح 2 وفيهما " لابي جعفر الثاني - ففلانة جاريتي حرة " وليس فيهما " جعلت فداك ".

(4) التهذيب ج 8 ص 302 ح 113، الوسائل ج 16 ص 176 ب 18 ح 6 وفيهما اختلاف يسير.


194

فاجيب عن هذين الحديثين: (أما) عن الأول فجعله من باب النذر كما هو الظاهر من سياقه، ولا إشكال في جواز التعليق فيه كما هو متفق عليه، حيث وقع شكرا في مقابلة نعمة الله التي هي الشفاء، وهو وإن لم يصرح بكونه لله لكونه ليس في مقام الحكاية لصورة عبارة النذر وإنما أتى بما يدل على كونه نذرا، ومنهنا حمله شيخ التهذيبين ومحدثا الوافي والوسائل على ذلك.

(وأما) الخبر الثاني فليس فيه تعليق العتق على شرط كما هو الظاهر ولاغيره، نعم فيه الحلف بالعتاق والتزامه له عليه السلام فسبيله التقية لاجماع العامة على ذلك ولتصريح تلك الأخبار بأنه من خطوات الشيطان، فيكون داخلا في آية " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " (1).

ويحتمل هذا الحمل الأول أيضا إن أخرجناه من باب النذر.

والعجب من المحدثين والمجتهدين حيث أعرضوا عن هذه الأدلة في البين وكانهم جعلوا وجه الفساد فيها هو جعلها يمينا لا من جهة التعليق، وهذا في الحقيقة وإن أمكن لكن المانعين من التعليق لا يفرقون بين ما ليس يمينا أو كان من اليمين، وكذلك المجوزون فيكون الاستدلال بهذه الأخبار في محله خصوصا فيما لم يشتمل على بيان منها، فلا يستثنى من هذه القاعدة سوى التدبير والنذر والوصايا، وكل خبر اشعر بجواز ذلك والتزامه فسبيله التقية.

الثالث: لو أسند الحرية في هذه الايقاعات لأحد الجوارح مما لا تقال على النفس إلا بتجوز بعيد كيدك أو رجلك أو وجهك أو رأسك حر أو حرة وقصدالعتق لم ينعقد.

أما لو قال بدنك أو جسدك فذلك موضع خلاف وإشكال، ولهذا صار في وقوعه قولان: من جهة أن معناه اللغوي غير الذات، ومن دلالته عليه عرفا عاما وهو مقدم على العرف الخاص الذي لا يعرفه إلا الآحاد، والأقوى وقوعه في الثاني دون

(1) سورة البقرة - آية 208.


195

الأولين، والرأس والوجه وإن اطلقا على الذات عرفا في بعض الأحيان إلا أنه خلاف المتبادر بخلاف البدن والجسد لأن أهل العرف لا يعرفون من معنى الذات سواهما، وأما مخالفتها النفس الناطقة فذلك موكول إلى دقائق الحكماء والمتكلمين والفلاسفة ومع ذلك فإطلاق هذين الشيئين على النفس إطلاق شايع ولو من المجازات المشهورة.

واعلم أنه قد تقدم في كتاب الكفالة وقوع الخلاف المشهور في تعلقها بالوجه والرأس، والمشهور جوازه، معللين ذلك بأنه قد يعبر بهما على الجملة عرفا، وقد عللوه هنا بالعكس، وكأن وجه الفرق في الاستعمالين أن المقصد الذاتي في الكفالة إحضار البدن والذات تابعد عرفا، وهنا بالعكس، فإن الحرية المقصودةمن العتق متعلقها الذات والبدن تابع حيث تثبت المغايرة بينهما وتلاحظ.

وأما الفرق بينهما بأن المعتبر في الكفالة العرف وفي العتق الشرع فهو تحكم محض وإن كان العرف متصرفا في الفرق الأول أيضا.

الرابع: هل يشترط تعيين المعتق بصيغة المفعول والقصد إليه معينا ؟ قولان، للأصحاب والأكثر على العدم، والقول الآخر عدم الجواز للجهالة، وقد مضى مثل هذا الخلاف في الطلاق والظهار والايلاء، والوجه فيها واحد، غير أن اشتراط عدم التعيين هنا أشهر، وهناك بالعكس، ولا وجه له إلا مراعاة الاحتياط في الفروج وبناء العتق على التغليب.

ويمكن الاحتياج للمشهور بمثله من أعتق ثلث عبيده ولم يعين الثلث فإنه يصح ويستخرج بالقرعة كما سيجئ، وقد اتفق عليه الفتوى والدليل، وهو ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مروان (1) عن موسى بن جعفر عليه السلام عن أبيه عليه السلام " أن أبا جعفر عليه السلام مات وترك ستين مملوكا فأعتق ثلثهم فاقرعت بينهم فأعتق الثلث ".

(1) الفقيه ج 4 ص 159 ح 13، التهذيب ج 8 ص 234 ح 76 وفيه " وأوصى بعتقثلثهم " بدل " فأعتق ثلثهم "، الوسائل ج 16 ص 77 ب 65 ح 2 وليس فيه " فأعتق ثلثهم " وفي المصدرين الاخيرين " فأخرجت عشرين فأعتقتهم " بدل " فأعتق الثلث ".


196

وكذلك ما سيجئ جواز عتق أول مملوك يملكه فيملك جماعة فإنه يتخير أو يستخرج أحدهم بالقرعة كما تضمنته صحيحة الحلبي (1) الآتي ذكرها في المسألة عن أبي الله عليه السلام " في رجل قال: أول مملوك أملكه مهو حر، فورث سبعة جميعا، قال: يقرع بينهم ويعتق الذي قرع ".

وفي رواية الصيقل (2) أنه له الخيار حيث قال " في رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر، فأصاب ستة، قال: إنما كان لله عليه واحد فليختر أيهما شاء فليعتقه ".

وهذا الحكم قريب من المختار المشهور في هذه المسألة حيث إن المعتق غير معين بل غير موجود في الملك الآن، وهذا دليل على بناء العتق على التغليب ولم أر من الأصحاب من استدل على هذين القولين بشئ من الأدلة المنصوصة عليها في الأخبار سوى ما ذكرناه من التقريبات والاعتبار.

ثم إنه على القول بصحته اختلفوا في مرجع تعينه، فقيل: يرجع إلى القرعة لأنها لكل أمر مشكل.

واسضعفه جماعة من المتأخرين حيث لا معين في نفس الأمر حتى يستخرج بالقرعة.

وفيه نظر، لأن هذا وارد فيما لو ملك أول مملوك يعتقه ولا معين هناك، وقد سمعت أن صحيحة الحلبي قد حكمت باستخراج المعين بالقرعة.

وهل يقع العتق على هذا التقدير بالصيغة ؟ أو هو التزام عتق في الذمة منحصر في عبيده الذين اطلق فيهم ؟ وجهان، تقدم مثلها في الطلاق، ويتخرج عليهما ما لو مات أحدهم بعينه هل يصح إن قلنا بحصول العتق عند التعيين ؟ لم يصح لأن الميت لم يقبل العتق، وعلى هذا فلو كان الايهام في عبدين وقلنا

(1) التهذيب ج 8 ص 225 ح 44، الوسائل ج 16 ص 69 ب 57 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 226 ح 45، الوسائل ج 16 ص 70 ب 57 ح 3 وفيهما " انما كان نيته على واحد - أيهم ".


197

ببطلان التعيين في الميت تعين الآخر ولا حاجة إلى لفظه.

وإن قلنا بالوقوععند الايهام صح تعيينه، وحيث يتعين لا يصح له العدول عن المعين.

فلو قال: عينت هذا بل هذا عتق الأول ولغى الثاني لأن التعيين حصل بالأول ولم يبق للعتق محل، بخلاف قوله، عتقت هذا بل هذا، وهذا كله عند العدول عند القرعة إلى تعينه كما هو المشهور.

وكأن دليلهم على ذلك خبر الحسن بن زياد الصيقل الوارد في مسألة عتق أول ما يملكه، وفي وجوب الاتفاق على الجميع قبل التعيين والمنع من استخدامهم وجهان بل قولان، أحوطهما ذلك.

ولو جرى ذلك في أمتين أو أكثر حرم الوطء حتى يتعين المعتقة، فإن فعل ففي كون فعله تعيينا لغير الموطوءة وجهان سبق مثلهما في الطلاق، فإن لم نجعله تعيينا وعين العتق في الموطوءة فلا حد عليه.

وفي وجوب المهر وجهان مبنيان على وقوع العتق بالتعيين والصيغة، فعلى الثاني يجب دون الأول.

ولو مات قبل التعيين فلهم في المسألة قولان، أحد هما أن التعيين للوارث لقيامه مقام الموروث كما يخلفه في خيار البيع والشفعة والحدود وكل حق موروث.

وقال الشيخ وجماعة بتعين القرعة هنا لأن الوارث غير مطلع على قصدمورثه فلا يمكن التعيين.

وفيه نظر، لأن معرفة قصده غير شرط، ولأن تعيين المورث مجرد تشهير لا يفتقر إلى شئ آخر، ووارثه قائم مقامه، إذ ليس هناك معتق معين في نفس الأمر حتى يشتبه على الوارث بعينه ومقصود المورث.

وربما اجيب عن ذلك بأن التعيين وإن كان راجعا إلى الاختيار إلا أنه مختص باختيار مبهم، وقد فات بالموت، ولأنه في حكم تكميل اللفظ فلا يؤخذ إلا من التلفظ، ولا ريب أن القرعة على ذلك متعينة، والقرعة كما وضعت لتعين المتعين في نفس الأمر كذلك جاءت لتعيين المختار عند الله.

أما لو أعتق معينا ثم اشتبه ارجئ حتى يذكر، فإن ذكر عمل بقوله،


198

ولو عدل بعد ذلك لم يقبل منه، فإن لم يذكر لم يقرع ما دام حيا لاحتمال التذكر.

فأما لو ادعى الوارث العلم رجع إليه، وإن جهل أقرع بين عبيده لتحقق الاشكال واليأس من زواله.

هكذا قرر الحكم الأكثر ولم يذكروا له مستندا من الأخبار.

ومقتضى عمومات أخبار القرعة وأنها لكل أمر مشكل استعمالها هنا، ولا يعتبر إمهالهللتذكر إلا بما يحصل به في العادة التذكر كما في سائر الأحكام.

ويدل عليه ما رواه الكليني والشيخ عن يونس (1) مقطوعا " قال في رجل كان له عدة مماليك فقال: أيكم علمني آية من كتاب الله تعالى فهو حر، فعلمه واحد منهم ولم يدر أيهم الذي علمه، أنه قال: يستخرج بالقرعة، قال: ولا يستخرجه إلا إمام لأنه له على القرعة كلاما ودعاء لا يعلمه غيره ".

ولعله أراد بالامام هنا ما هو أعم من المعصوم ومن خلفائه من الفقهاء المتولين للأحكام، ومع ذلك فيحمل هذا الاختصاص على سبيل الأولوية لتعذر معرفة وظائف القرعة غالبا من غير الفقيه.

ويحتمل أن يكون هذا من كلام يونس فتوى منه، والحمل الأول أولى لأنه مستبعد أن يورده مثل الكليني والشيخ حجة ودليلا على شئ من الأحكام وإن لم يسنده إلى الامام، فاعتماد هؤلاء على مثل هذه الروايات المقطوعة دليل على قطعهم بأن ذلك عن الامام لأنها الطريقة المستعملة في الصدر الأول.

فالقول بالرجوع إلى تعيين الوارث هنا بعيد، لأن التعيين هنا ليس إنشاء بل إخبار عما وقع من المورث، فلا مدخل لتعيين الوارث حيث يدعي العلم.

ثم على تقدير تعيين المعتق أو الوارث لو ادعى المماليك الذي لم يعينهم أنه المراد فالقول قول المالك مع يمينه لأن ذلك لا يعلم إلا من قبله، وإنما

(1) الكافي ج 6 ص 197 ح 14، التهذيب ج 8 ص 230 ح 63، الوسائل ج 16 ص 44 ب 32 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.


199

توجهت عليه اليمين لامكان اطلاع المملوك على الحال فتسمع دعواه بحيث يتوجه بها اليمين، فإن نكل على اليمين قضى عليه بعتق المدعي مضافا إلى ما عينه إن قضينا بالنكول وإلا أحلف المملوك وأعتق.

ثم إنه استمر الاشتباه لانتظار التذكر أو لعدم تأتي القرعة منع من الوطء والاستخدام لتحريم ذلك من الحر واشتباهه بمحصور، وعلى الانفاق على الجميع من باب مقدمة الواجب من وجوب الانفاق على المملوك، ولا يتم إلا بالانفاق على جميعهم، فإن مات فهل التذكر قام الوارث مقامه وخوطب بجميع خطاباته ؟ فإن ادعى إطلاقه على المعتق قبل موته لأنه خليفته وربما ذكر له ذلك وأطلعه عليه، وإن لم يدع العلم فلا طريق سوى القرعة لأن المعتق هنا معينعند الله ومجهول عندنا، فيستخرج بالقرعة لا غير، ولا طريق إلى تعيين الوارث هنا مع عدم دعواه العلم الثانية: في شرائط المعتق المباشر، يعتبر فيه في المشهور البلوغ وكمال العقل والاختيار والقصد إلى العتق والتقرب إلى الله تعالى كونه غير محجور عليه.

(أما) الأول فقد خالف فيه الشيخ واكتفى في جواز العتق ببلوغ الصبي عشر كما في الصدقات والعطايا، بل أسند في الدروس جواز ذلك في العطايا والصدقات إلى المشهور.

ويمكن أن يحتج للمشهور بخبر حمزة بن حمران عن حمران (1) كما في التهذيب والكافي وفي مستطرفات السرائر " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام قلت له: متى يجب على الغلام أن يؤخذ بالحدود التامة وتقام عليه ويؤخذ بها ؟ قال: إذا خرج عن اليتم وأدرك، قلت: فلذلك حد يعرف به ؟ فقال: إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة أو أنبت أو أشعر قبل ذلك اقيمت عليه الحدود التامة واخذ بها واخذت له " وساق

(1) الكافي ج 7 ص 197 ح 1، التهذيب ج 10 ص 37 ح 132، السرائر ص 482، الوسائل ج 1 ص 30 ب 4 ح 2 وما في المصادر اختلاف يسير.


200

الحديث إلى أن قال: " إن الجارية ليست مثل الغلام، إن الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم ودفع إليها مالها وجاز أمرها في البيع والشراء واقيمت عليها الحدود التامة واخذ لها وبها، قال: والغلام لا يجوز له في الشراء والبيع ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك ".

وصحيحة هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: انقطاع يتم اليتيم الاحتلام وهو أشده، وإن احتلم ولم يؤنس منه رشده وكان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله ".

وخبر أبي الحسين الخادم عن أبي عبد الله عليه السلام كما في الخصال (2) " قال: سأله أبي وأنا حاضر عن اليتيم متى يجوز أمره ؟ فقال: حتى يبلغ أشده ؟ قال: وما أشده ؟ قال: احتلامه، قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثماني عشرة أو أقل أو أكثر ولم يحتلم، قال: إذا بلغ وكتب عليه الشئ جاز أمره إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا ".

إلى غير ذلك من الأخبار التي تقدمت في العبادات والمعاملات وفي الحجر.

وقد احتج الشيخ ومن تبعه على ما ذهبوا إليه من الاكتفاء بالعشر كما في الهبات والعطايا برواية زرارة (3) كما في الكافي والتهذيب عن أبي جعفر عليه السلام " قال: إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز من ماله ما اعتق وتصدق على وجه المعروف

الكافي ج 7 ص 68 ح 2 وفيه " بالاحتلام "، الوسائل ج 13 ص 430 ب 44 ح 9 وفيهما " منه رشد ".

(2) الخصال ص 495 ح 3 طبع مؤسسة النشر الاسلامي وفيه عن أبى الحسين الخادم يباع اللؤلؤ عن عبد الله بن سنان، الوسائل ج 13 ص 143 ب 2 ح 5.

(3) الكافي ج 7 ص 28 ح 1 وفيه " لا يجوز له في "، التهذيب ج 8 ص 248 ح 131، الوسائل ج 16 ص 68 ب 56 ح 2 وفي الاخيرين " يجوز له من " وفى الكافي والوسائل " وتصدق وأوصى على حد معروف وحق ".


201

فهو جائز " وفي نسخ التهذيب (1) " على حد المعروف حق فهو جائز ".

وربما وجد هذا الاستدلال بصحيحة محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر عليه السلام" قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أيما رجل ترك سرية - إلى أن قال: - وقضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل ترك جارية قد ولدت منه بنتا وهي صغيرة غير أنها تبين الكلام، فاعتقت امها، فخاصم فيها موالي ابن الجارية، فأجاز عتقها الام ".

ومثلها حسنته وموثقته (3).

وقد وصف المحقق خبر العشر في النافع بالحسن، وقال شارحه السيد: لم نقف على هذه الرواية حسنته كما ذكرها المصنف، والموجود في كتب الأخبار والاستدلال ما رواه الشيخ عن موسى بن بكر عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: " قال: إذا أتى الغلام عشر سنين " ثم ذكر الحديث المتقدم ثم قال: وبمضمونها أفتى الشيخ وجماعة، وضعفها بالارسال وغيرها يمنع من التمسك بها في إثبات هذا الحكم، وكأنه حمل الحسن على الاصطلاح الجديد الذي حدث بعد المحقق لأنه لم يصطلح على هذا التقسيم في الدراية إلا في زمن ابن طاووس صاحب البشرى والعلامة، وهذا منه عجيب، وأعجب منه قوله بأن الرواية مرسلة مع أن الشيخ قد رواها تارة معلقة على صفوان بن يحيى وتارة على موسى بن بكر وليس فيها مع الطرفين إرسال، أما إلى صفوان فطريقه من الصحيح، وإنما ضعفت بموسى بن بكر،وأما تعليقها على موسى بن بكر فلا يوجب الارسال أيضا لأن طريقه إليه في المشيخة ليس من المراسيل في شئ، ومع ذلك فقد رواها الكليني في الكافي متصلة الاسناد بمشيخته إلى صفوان ثم عن موسى بن بكر ثم عن زرارة.

(1) والصحيح الكافي وفيه " معروف ".

(2) الكافي ج 6 ص 192 ح 3، الوسائل ج 16 ص 69 ب 56 ح 3 وفيهما " موالى أبى الجارية فأجاز عتقها للام ".

(3) الفقيه ج 3 ص 83 ح 7، التهذيب ج 8 ص 238 ح 93 وفيهما اختلاف يسير.


202

وأعجب منه ما وقع لجده في المسالك حيث قال بعد ذكره لرواية زرارة عن الباقر عليه السلام مريدا بها هذه الرواية المذكورة: وفي طريق الرواية ضعف بموسى ابن بكر فإنه واقفي غير ثقة وابن فضال فإنه فطحي وإن كان ثقة.

مع أنه في باب الوصايا من التهذيب أوقفها على زرارة في موضع وأسندها إلى الباقر عليه السلام في آخر، فكيف مع هذه القوادح تثبت حكما مخالفا لاصول المذهب بل لاجماع المسلمين.

وفي هذا الكتاب أوصلها - يعني المصنف - إلى الباقر عليه السلام.

وفي نكت النهاية قال: إنها موقوفة على زرارة، وفي النافع جعلها حسنة، ولعله أراد غير الحسن المصطلح عليه بين أهل الحديث وهو أن تكون رواتها إمامية وفيهم من الممدوح غير المعدل، فإن أمرها ليس كذلك لما عرفت من حال رواتها، فهي ضعيفة لاحسنة، فإطراحها متعين.

ووجه التعجب يظهر مما سبق في كلامنا على السيد، فإن ابن فضال إنما كان في بعض طرقها لأن الشيخ قد رواها من ثلاثة طرق، ليس في الطريقين المذكورين في كلامنا ذكر لابن فضال، ولا في طريق الكافي أيضا، وفي الثلاثة مصرح بإمامها بأنه أبو جعفر عليه السلام، فإيراده لها مقطوعة في بعض المواضع غير مضر مع أن هذا لا يعد قطعا بل إضمارا، والاضمار غير مضر لأن الاضمار عائد إلى الامام متعين حتى لو لم يصرح به في بقية هذه الطرق لحكمنا بكونه الامام، فإن الاضمار في الأدلة إنمانشأ من اقتطار الأدلة بعضها من بعض، حيث إنهم في تلك الاصول كانوا يصدرون بالاسم الامام مظهرا ثم يحيلون عليه بالاضمار، هذا إذا لم يصرح فكيف إذا صرح به في هذه الطرق كلها، فالترام الاضمار فيه والقدح به في غاية البعد من أمثالهم، فالحق أن الرواية متكررة الأسانيد في اصول المعتبرة وهو الذيأوجب وصفها بالحسن على طريقة القدماء لأن مدار الحسن والصحة على القرائن التي من جملتها تعدد طرقها في الاصول المتعددة فهي بريئة من القدح المذكور.

والعجب من هؤلاء المتأخرين حيث قبلوا مثل هذه الأخبار وجعلوها الحجة


203

في مثل العطايا والهبات، والمعروف ورودها في العتق مع اشتمالها كما ترى على الجميع، فالأقوى الاكتفاء بذلك في العتق كما في العطايا والهبات، وهو مريد بتلك الصحيحة المذكورة لابن قيس وكذلك حسنته وموثقته.

وأعجب من هذا قوله - قدس سره - بعد ذلك الكلام: ويمكن حملها وحمل ما ورد في معناها من جواز هبته وصدقته ووصيته، على أن ابن العشر محل إمكان البلوغ لما تقدم من أن الولد يلحق به في هذا السن بإمكان بلوغه بالمني، بسبب أنه في وقت إمكان البلوغ بمعنى أنه من حيث السن لا مانع من جهته وإن توقف على أمر آخر، وهذا خير من إطراح الروايات الكثيرة.

وهو كلام مضطرب لا يخفى اضطرابه على أدنى من له مسكة في فهم الأخبار وضبط قواعد الفقه.

وقد صرح هو في غير موضع لأن احتمال التولد منه وإن بنى عليه في الانتسابلمكان الضرورة، لكن لا يبنى عليه ما يتوقف على البلوغ على التحقيق بل يبقى محجورا عليه ممنوعا من التصرفات كلها إلى أن يتحقق عليه بلوغه، إلا فيما اكتفى فيه بسن العشر أو بسن دون البلوغ كما ثبت في الوصايا والعطايا والهبات عند المشهور، وما تكلفه من الجمع حذرا من الاطراح في الحقيقة إطراح لها وإن كا نت من الصحاح وهدم للقواعد المقررة، لأن تلك مشروطة بتحقق تلك العلامات لا بمجرد الاحتمال، سيما خبر حمزة بن حمران وأخبار عبد الله بن سنان وغيرها من الأخبار مما ورد في علامات البلوغ الذي بنى عليه الأحكام من المعاملات وغيرها.

فالأقوى إذا التزام تلك القواعد إلا إذا ثبت الدليل المخصص على سبيل التحقيق ويكون مخرجا من قاعدة اشتراط البلوغ لا أنها تجعل دليلا على البلوغ، كيف وسن البلوغ أقله ثلاثة عشر سنة كما ذهب إليه ابن الجنيد والصدوق وجملة من مشايخنا من متأخري المتأخرين.

(وأما) اشتراط العقل والتميز فلبطلان المعاملات والعبادات الواقعة عليه من المجنون.


204

ويدل عليه بالخصوص صحيحة الفضلاء وهو زرارة وبكير ومحمد بن مسلم وبريد وفضيل بن يسار وإسماعيل الأزرق ومعمر بن يحيى (1) عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام " أن المدله ليس له طلاق ولاعتقه عتق ".

والمدله - كمعظم - الساهي القلب الذاهل العقل من عشق ونحوه وما لا يحصى ما فعل وما فعل به.

ويؤيده أيضا ما قدمناه من الأخبار الصحاح الصراح من أن السفيه والضعيف باطلا التصرف، والمجنون هو الضعيف.

وخبر الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن المرأة المعتوهة الذاهبة العقل يجوز بيعها وهبتها وصدقتها ؟ قال: لا ".

(وأما) شرط القصد فتدل عليه الأخبار الواردة في نفي صحة عتق السكران مثل صحيحة زرارة (3) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألته عن طلاق المكره وعتقه، فقال: ليس طلاقه بطلاق ولا عتقه بعتق ".

وخبر الحلبي (4) الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن طلاق السكران، فقال: لا يجوز ولا عتقه ".

وموثقته الاخرى (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا يجوز عتق السكران ".

وخبره (6) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن طلاق السكران وعتقه، فقال: لا يجوز ".

(وأما) شرط الاختيار فيدل عليه ما دل على بطلان عتق المكره بقول مطلق

(1) الكافي ج 6 ص 191 ح 3 وفيه " أن المدله ليس عتقه بعتق "، الوسائل ج 16 ص 29 ب 20 ح 1 وفيه " أن الوله ليس عتقه عتقا ".

(2) الكافي ج 6 ص 191 ح 2 وفيه " بيعها وصدقتها "، الوسائل ج 16 ص 30 ب 21 ح 3.

(3) الكافي ج 6 ص 127 ح 2، الوسائل ج 16 ص 29 ب 19 ح 2.

(4) الكافي ج 6 ص 126 ح 2، الوسائل ج 16 ص 30 ب 21 ح 1.

(5) الكافي ج 6 ص 191 ح 2، الوسائل ج 16 ص 31 ب 21 ح 2.

(6) الكافي ج 6 ص 191 ح 2، الوسائل ج 16 ص 31 ب 21 ح 3.


205

وإن بقي معه القصد مثل صحيحة زرارة المتقدمة عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألته عن طلاق المكره وعتقه، ليس طلاقه بطلاق ولا عتقه بعتق ".

وصحيحته الاخرى (1) كما في التهذيب أيضا عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألتهعن عتق المكره، فقال: ليس عتقه بعتق ".

وصحيحتي عبد الله بن مسكان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سمعته بقول: لو أن رجلا مسلما مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى تخوف نفسه أن يعتق أو يطلق ففعل ليس عليه شئ ".

(وأما) المحجور عليه لسفه فلا يجوز عتقه للأخبار المانعة من تصرفاته كلها، كالأخبار الواردة في تفسير الآية " إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا " وما تقدم من صحيحة هشام بن سالم (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام وهو أشده، وإن احتلم ولم يؤنس عنه رشده وكان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله ".

وخبر أبي الحسين الخادم (4) كما في الخصال وقد تقدم عن قريب وفيه " إذا بلغ وكتب عليه الشئ جاز أمره إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا ".

(وأما) اشتراط نية التقرب في صحة العتق هو أن يكون قاصدا به وجه الله تعالى، وثوابه على حد ما يعتبر في غيره من العبادات وإن لم يتلفظ به، بخلاف صيغة الاعتاق فإن اللفظ معتبر فيها، وحينئذ فيكفي أنه حر وما في معناهقاصدا به القربة فالأخبار به مستفيضة وعليه الاجماع.

(1) الكافي ج 6 ص 191 ح 1، الوسائل ج 16 ص 29 ب 19 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 126 ح 1، الوسائل ج 15 ص 331 ب 37 ح 2 وفيهما " عبد الله ابن سنان - حتى يتخوف على نفسه - ففعل لم يكن عليه شئ ".

(3) الكافي ج 7 ص 68 ح 2 وفيه " منه رشد "، الوسائل ج 13 ص 143 ب 2 ح 5.

(4) الخصال ج 1 و 2 ص 495 ح 3، الوسائل ج 13 ص 143 ب 2 ح 5.


206

فمن تلك الأخبار صحيحة هشام بن سالم وحماد وابن اذنية وابن بكير وغير واحد (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال: لاعتق إلا ما اريد به وجه الله تعالى ".

ورواه الصدوق (2) مرسلا.

وخبر علي بن أبي حمزة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لاعتق إلا ما طلب به وجه الله عز وجل ".

وصحيحة حماد بن عثمان (4) عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: لا صدقة ولا عتق إلا ما اريد به وجه الله عز وجل ".

وصحيحة الفضلاء (5) " قال أبو عبد الله عليه السلام: ما صدقة ولا عتق إلا ما اريد به وجه الله عز وجل ".

وصحيحة سعد بن أبي خلف (6) عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام " أنه قال: لا يجوز عتق ولا صدقة إلا ما تريد به الله عز وجل وثوابه ".

وعلى هذا اختلف أصحابنا في جواز عتق الكافر حيث إن تأتي القربة منه غير معلوم.

فقيل: لا يصح مطلقا، واختاره ابن إدريس لأنه عبادة شرعية، وعليه المحقق والعلامة وجماعة محتجين بذلك وباشتراطه نية القربة وهو متعذر من الكافر، ومن ثم أجمعوا على بطلان عبادته المشروطة بالنية لا أن العبادة مشروطة

(1) الكافي ج 6 ص 178 ح 1، الوسائل ج 16 ص 7 ب 4 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 68 ح 10.

(3) الكافي ج 6 ص 178 ح 2، الوسائل ج 16 ص 7 ب 4 ح 2.

(4) الكافي ج 7 ص 30 ح 1، الوسائل ج 13 ص 319 ب 13 ح 2.

(5) الكافي ج 8 ص 30 ح 2 وفيه " لاصدقة "، الوسائل ج 13 ص 320 ب 13 ح 3.

(6) الكافي ج 7 ص 442 ذيل ح 18، التهذيب ج 8 ص 286 ذيل ح 46، الوسائل ج 16 ص 172 ب 16 ذيل ح 2 وما في المصادر " ما اريد ".


207

بالثواب حيث تقع صحيحة وهي مشروطة بدخول الجنة يثاب بها وفيها وذلك تمنع في حق الكافر (1).

ويدل على كونه عبادة مشروطة بنية القربة ما قدمناه من الأخبار من قولهم " لا عتق إلا ما اريد به وجه الله تعالى " والمراد نفي الصحة لأنه أقرب المجازات إلى نفي الحقيقة حيث كانت الحقيقة غير مراده.

وثاني الأقوال: عدم الاشتراط مطلقا، وهو مختار الشيخ في كتابي الفروع، واحتج على ذلك بأن العتق أصله فك ملك وتصرف مالي ونفع للغير، والكافر أهل لهذا كله، بل إن ملكه أضعف من ملك المسلم، ففكه أسهل، ولأن العتق مبني على التغليب، وجاز حمل الخبر على نفي الكمال كقوله صلى الله عليه واله (2) " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " ومن ثم انعقد الاجماع على بطلان عبارة الكافر المحضة دون عتقه، ونحوه من تصرفاته المالية المشتملة على العبادات كالوقف والصدقةترجيحا لجانب المالية على العبادة.

وثالثها: القول بالتفصيل، واختاره جماعة من الأصحاب فيهم العلامة في المختلف فحكموا بصحة عتق الكافر إن كان كفره بغير جحود الخالق من جحد نبي أو كتاب أو غير ذلك، وبطلانه ممن كان كفره بجحد الخالق لتعذر حصول القربة و وجه الله تعالى منه بخلاف الأول، لأن قوله عليه السلام في المستفيضة " لا عتق إلا ما اريد به وجه الله " يقتضي اشتراط إرادة التقرب المتوقفة على الاقرار بالتقرب إليه، وهذا هو المعتمد لأن حمله على نفي الصحة أولى لأنه الأقرب إلى المراد، فيتفق وجود المقتضي وهو عتق الجامع للشرائط التي منها إرادة وجه الله سبحانه وتعالى به، فإن الكافر إذا كان مقرا بالله عز وجل أمكن وقوع ذلك منه، ولا يلزم من اشتراطه بالارادة المذكورة حصول المراد لأن ذلك أمر آخر خارج عن الشرط المعتبر.

(1) كذا في النسخة.

(2) التهذيب ج 1 ص 92 ح 93، الوسائل ج 3 ص 478 ب 2 ح 1 وفيهما " الا في مسجده ".


208

وقولهم " إن العتق عبادة فيشترط في صحته الاسلام ليترتب الثواب على فعله ممنوع لانتفاء الدليل عليه، وحينئذ فالبطلان في الأول وهو الكافر الجاحد للالهية، فوجهه عدم تصور كونه مريدا بعتقه وجه الله تعالى، وقد ثبت اشتراط ذلك بالأخبار المستفيضة، وأن المراد به نفي الصحة وحملها على نفي الكمال لا يلتزمه الشيخ في جمع الأحوال.

الثالثة: في شرائط المعتق، يعتبر في المعتق كونه مملوكا للمعتق بالفعل كما هو المشهور بين الأصحاب، فلو أعتق غير المالك لا يقع صحيحا وإن أجازه المالك لقوله صلى الله عليه واله في الخبر النبوي (1) المروي من الطرفين " لاعتق إلا بعد ملك " وهو مقتضي لوجود الملك بالفعل فلا يجري على مملوك الغير، حتى لو علقه على الملك لم يفد شيئا وكان لاغيا ".

و الأخبار بهذا عن أئمتنا عليهم السلام مستفيضة منها صحيحة منصور بن حازم (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: لاطلاق قبل نكاح ولاعتق قبل ملك ".

وموثقة أبي بصير (3) عن أبى عبد الله عليه السلام " قال: كان الذين من قبلنا يقولون:لاعتاق ولا طلاق إلا بعد ما يملك الرجل ".

وموثقته الاخرى (4) كما في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى مثله وزاد " كل من أعتق ما لا يملك فهو باطل ".

وصحيحة عبد الله بن مسكان (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: من أعتق ما لا يملك فلا يجوز ".

(1) الكافي ج 6 ص 179 ح 2، سنن أبى داود ج 2 ص 285.

(2) الكافي ج 6 ص 179 ح 1، الوسائل ج 16 ص 8 ب 5 ح 1.

(3) الكافي ج 6 ص 63 ح 3، الوسائل ج 16 ص 9 ب 5 ح 3.

(4) الوسائل ج 16 ص 9 ب 5 ح 3.

(5) التهذيب ج 8 ص 249 ح 135، الوسائل ج 16 ص 9 ب 5 ح 4.


209

وخبر مسمع (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لاعتق إلا بعد ملك ".

وخبر الحسين بن علوان (2) كما في كتاب قرب الأسناد عن جعفر بن محمدعن أبيه عن علي عليهم السلام " أنه كان يقول: لاطلاق لمن لا ينكح ولا عتق إلا ما يملك.

وقال علي عليه السلام: ولو وضع يده على رأسها ".

وخبر الآخر (3) أيضا كما في قرب الأسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام " قال: لاطلاق إلا من بعد نكاح ولاعتق إلا من بعد ملك ".

وصحيحة علي بن جعفر (4) كما في كتاب الرسائل له عن أخيه عن موسى عليه السلام " قال: سألته عن رجل يقول: إن اشتريت فلانا فهو حر وإن اشتريت هذا الثوب فهو صدقة وإن نكحت فلانة فهي طالق، قال: ليس ذلك بشئ ".

وصحيحة الحلبي (5) عن أبي عبد الله عليه السلام كما في الفقيه " أنه سئل عن رجل قال: كل امرأة أتزوجها ما دامت أم عاشت امي فهي طالق، فقال: لا طلاق إلا بعد نكاح ولاعتق إلا بعد ملك ".

ومثلها مرسلة المقنع (6) عن النبي صلى الله عليه واله.

وصحيحة محمد بن قيس (7) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألته عن رجل قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق وإن اشتريت فلانا فهو حر وإن اشتريت هذا الثوب

(1) الكافي ج 6 ص 179 ح 2، الوسائل ج 16 ص 8 ب 5 ح 2.

(2) قرب الاسناد ص 42 وفيه " ولا عتاق "، الوسائل ج 16 ص 9 ب 5 ح 5 وفيهما " لمن لا يملك ".

(3) قرب الاسناد ص 113، الوسائل ج 16 ص 9 ب 5 ح 6.

(4) بحار الانوار ج 10 ص 267، الوسائل ج 16 ص 9 ب 5 ح 7.

(5) الفقيه ج 3 ص 321 ح 3، الوسائل ج 15 ص 286 ب 12 ح 1.

(6) المقنع ص 38، الوسائل ج 15 ص 286 ب 12 ح 1.

(7) الكافي ج 6 ص 63 ح 5، الوسائل ج 15 ص 287 ب 12 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.


210

فهو في المساكين، فقال: ليس بشئ، لاطلاق إلا ما يملك ولا عتق إلا ما يملك ولا صدقة إلا ما يملك ".

وخبر النضر بن قرواش (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث " قال: لاطلاق قبل نكاح ولاعتق قبل ملك ".

وخبر زرارة (2) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: من قال فلانة طالق إن تزوجتها وفلانا حر إن اشتريته فليتزوج ويشتري فإنه ليس يدخل عليه طلاق ولاعتق ".

وموثقة معمر بن يحيى (3) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألناه عن الرجل يقول: إن اشتريت فلانا أو فلانة فهو حر وإن اشتريت هذا الثوب فهو في المساكين وإن نكحت فلانة فهي طالق، قال: ليس ذلك بشئ، لا يطلق الرجل إلا ما ملك ولا يعتق إلا ما ملك ولا يتصدق إلا بما يملك ".

وموثقته الاخرى (4) " أنه سمع أبا جعفر عليه السلام يقول: لا يطلق الرجل إلا ما ملك ولا يعتق إلا ماملك ولا يتصدق إلا بما ملك ".

فهذه الأخبار كما ترى تنادي بأن اشتراط الملك بالفعل شرط في صحة العتق، وأن الفضولي منه باطل، وأن المعلق على الملك منه باطل لأمرين: وقوعه من غير المالك وتعليقه على الشرط، وقد استثني من ذلك ما لو جعله نذرا أو ما في معناه من العهد واليمين، مثل: لله علي إعتاقه إن ملكته، فيجب عتقه عند حصول الشرط لعموم الأمر بالوفاء بالنذر، ولا ينعتق بنفسه عند حصول الشرط ولو آنا ما،

(1) الكافي ج 8 ص 196 ح 234، الوسائل ج 15 ص 287 ب 12 ح 4.

(2) التهذيب ج 8 ص 51 ح 84، الوسائل ج 15 ص 288 ب 12 ح 9 وفيهما " وفلان حر - وليشتر ".

(3) التهذيب ج 8 ص 52 ح 85، الوسائل ج 15 ص 289 ب 12 ح 10 وفيهما اختلاف يسير.

(4) التهذيب ج 8 ص 52 ح 86 وفيه في الموارد الثلاثة " ما يملك "، الوسائل ج 15 ص 289 ب 12 ح 11.


211

فلو عتق بمجرد ملكه لزم العتق في غير ملك.

هكذا استدل المحقق.

واجيب بجواز الاكتفاء بالعتق الضمني كملك القريب الموجب للعتق آنا ثم يعتق، إذ لا عتق قبل ملك.

هذا إذا كانت الصيغة: لله علي أنه حر إن ملكته، أما إن كانت: لله على إعتاقه، فلا إشكال في افتقار إعتاقة إلى الصيغة، ولو جعل نفس العتق يمينا لم يقع لأن اليمين لا ينعقد بالعتاق ولا بالطلاق ولا بالظهار كما سيجئ في مباحث كتاب الأيمان، ولاستلزامه التعليق في غير النذر، وقد سمعت فيما سبق أن التعليق مفسد له، وأكثر الأخبار الواردة في فساد المعلق والحاكمة به إنما جاءت في اليمين.

والفرق بين التعليق في اليمين والتعليق في غيره موكول إلى النية، فإن كان الغرض من التعليق البعث على الفعل إن كان طاعة أو الزجر عنه إن كان معصية كقوله إن حججت فأنت حر أو إن زنيت كذلك قصدا للبعث في الأول والزجر في الثاني فهو يمين وإن كان الغرض مجرد التعليق كإن قدم زيد أو دخلت الدار أو طلعت الشمس فهو شرط أو صفة، والعتق لا يقع معلقا في الجميع كما تقدم.

ويتفرع على ما قلناه من اشتراط سبق الملك على العتق مما لو أعتق الأب والجد لأبيه مملوك ولده الصغير من غير أن يقومه على نفسه ويشتريه، أو كان الولد بالغا رشيدا ولم يشتر منه لم يصح، لأنه ما لم يقومه على نفسه مع صغر الولد وما لم يشتره من الكبير يكون عتقه فضوليا، وعتق الفضولي قد عرفت بطلانه لتصريح تلك الأخبار ببطلانه صريحا، وبأنه لم يجز بعد اشتراط سبق الملكية فيها.

وهذا الحكم مجمع عليه إلا في مسألة واحدة وهو ما لو أعتق الأب مملوك الولد الصغير بدون تقويم، أو كان الولد كبيرا أيضا، فإن للشيخ هنا خلافا تفرد


212

به في كتابه النهاية والتهذيب حيث صححه استنادا إلى رواية حسين بن علوان (1)عن زيد بن علي عن آبائه عليهم السلام عن على عليه السلام " قال: أتى النبي صلى الله عليه واله وسلم رجل فقال: يا رسول الله صلى الله عليك وآلك إن أبي قصد عمدا إلى مملوكي فأعتقه كهيئة المضرة لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت ومالك من هبة الله لأبيك، أنت سهم من كنانته، يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ويجعل من يشاء عقيما، جازت عتاقة أبيك، يتناول من ولدك ومالك وبدنك، وليس لك أن تتناول من ماله ولابدنه شيئا إلا بإذنه " فقدم على تخصيص تلك الأخبار المعتبرة الصحيحة المجمع على مضمونها بهذه الرواية الشاذة الضعيفة برجال العامة والزيدية، فالأولى ارتكاب تأويلها بحسب ما يمكن، فإن تعذر ذلك فالواجب إطراحها وحملها على التقية.

وقد حملها جماعة على الاستحباب بمعنى أنه يستحب للولد أن يجيز ويمضي ما أمره به أبوه بأن يعمد إلى ما يعتقه الأب فيعتقه.

واحتمل في محدث الوسائل كون الأب شريكا فيه ويشهد إليه قوله " كهيئة المضرة لي " بأن كان للولد فيه أكثره.

واحتمل فيه ممن كونه ينعتق على الولد.

وأما على شراء الأب له مع صغر الولد واحتياجه إلى بيعه وعتقه إلى غير ذلكمن التأويلات واحتمل فيه الشيخ أيضا.

ولا يمكن أن يؤيد بالأخبار الواردة في جواز تصرف الأب في مال الولد في نفقاته ومؤونته وتوسعته، لأن تلك قابلة أيضا للتقييد ومعارضة بما هو أقوى منها سندا ودلالة، وأن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إنما قال ذلك في قضية مخصوصة حيث ادعى الأب إنفاق مال الولد على الولد فأنكره الولد بعد بلوغه فجادله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتي هي أحسن لأن القول

(1) التهذيب ج 8 ص 235 ح 82 وفيه " ان أبى عمد الى مملوك لى "، الوسائل ج 16 ص 78 ب 67 ح 1 وفيه " ان أبى عمد الى مملوكي " وفيهما " يتناول والدك من مالك وبدنك " وليس فيهما " صلى الله عليك وآلك


213

هنا قول الأب كما مر تحقيقة في المكاسب وفي كتاب الحج.

الثاني: الاسلام عند الأكثر، ومنهم شيخ التهذيب والمفيد والمرتضى والأتباع وابن إدريس والمحقق والعلامة لقوله تعالى " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " (1) نهى في هذه الآية في قصد الخبيث بالانفاق، والأصل فيه التحريم المقتضي لفساد العبادة، وللأخبار الكثيرة التي مر ذكرها في اشتراط القربة لقوله عليه السلام فيها " لاعتقإلا ما اريد به وجه الله تعالى ".

ولخصص رواية سيف بن عميرة (2) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: أيجوز للمسلم أن يعتق مملوكا مشركا ؟ قال: لا ".

والقول بصحة عتقه مطلقا - كما هو للشيخ في كتابي الفروع وقواه أول الشهيدين في شرح نكت الارشاد - هو ثاني الأقوال في المسألة للأصل وعمومات الأخبار.

وما روي عن الحسن بن صالح (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إن عليا أعتق عبدا له نصرانيا فأسلم حين أعتقه ".

وبما رواه في كتاب قرب الأسناد عن البختري (4) عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام " أن عليا عليه السلام أعتق عبدا نصرانيا.

ثم قال: ميراثه ما بين المسلمين عامة إن لم يكن له ولي ".

وثالث الأقوال التفصيل وهو صحته مع النذر وبطلانه مع التبرع، وهو للشيخ في النهاية والاستبصار جمعا بين الخبرين السالفين بحمل صحة فعل علي عليه السلام

(1) سورة البقرة - آية 267.

(2) التهذيب ج 8 ص 218 ح 15، الوسائل ج 16 ص 24 ب 17 ح 5.

(3) الكافي ج 6 ص 182 ح 1، الوسائل ج 16 ص 23 ب 17 ح 5.

(4) قرب الاسناد ص 66، الوسائل ج 16 ص 24 ب 17 ح 6 وفيهما " ميراثه بين المسلمين ".


214

على أنه كان قد نذر عتقه لئلا ينافي في النهي عن عتقه في خبر سيف، وهو جمع بعيد كما سنطلعك عليه، وقد طعن في دليل الأول.

أما الآية فلأنها إنما دلت على النهي عن إنفاق مال الخبيث - وهو المال الردئ أو الحرام من المال - على ما استفاضت به الأخبار في تفسير الآية كما مر في الزكاة والصدقات وذكره المفسرون، ولا يلزم منه تحريم عتق الكافر لأن الانفاق في المالية لا لاعتاق الخبيث، وربما كانت ماليته خيرمن مالية العبد المسلم، فهو من هذه الحيثية ليس بخبيث، مع أن إطلاق الانفاق على مثل ذلك تجوز بعيد لا يصار إليه إلا بدليل، ولو سلم تناوله للكافر منعنا من عموم النهي عن إنفاق الردئ مطلقا، بل في الصدقة الواجبة للاجماع في النصوص والفتوى على جوازالصدقة المندوبة بالردئ من المال والجيد.

وإن كان الردئ أقل فضلا والمعتبرة الدالة على أنه مأمور بالصدقة ولو بشق تمرة ومذقة من لبن وكراع من شاة.

وأما الخبر الأول فقد تقدم تحقيقه والمراد منه، وأن ليس المعتبر فيه إلا إرادة وجه الله تعالى وهي ممكنة في حق المعتق الكافر المقر بالله تعالى من مثله ومن المسلم إذا رجي بعتقه الخير واستجلابه إلى الاسلام، ونحو ذلك من المقاصد الجميلة التي يمكن معها إرادة وجه الله تعالى.

ويؤيده فعل علي عليه السلام حيث أعتق ذلك العبد النصراني حيث علم أنه يترتب على عتقه استجلابه إلى الاسلام ولهذا أسلم.

وأما رواية سيف فهي ضيعفة السند بأبي حمزة البطائني مع أنها أخص من المدعى لأن موردها المشرك فلا يدل عليه بالعموم.

نعم، يمكن أن يستدل لهم على المنع بخبر صباح المزني عن ناجية (1) " قال: رأيت رجلا عند أبي عبد الله عليه السلام فقال له: جعلت فداك إنى أعتقت خادما

(1) الكافي ج 6 ص 196 ح 9 وفيه " عليها غذا "، الوسائل ج 16 ص 23 ب 17 ح 3 وفيهما " ما فعلت الخادم ؟ قال: حية، قال: ردها الى مملوكتها ".

مع اختلاف يسير.


215

لي وها أنا أطلب شراء خادم لي فما أقدر عليها، فقال: ما فعلت بالخادم ؟ فقال: بعته، فقال: ردها في مملكتك ما أغنى الله عن عتق أحدكم، تعتقون اليوم وتكونون علينا غدا، لا يجوز لكم أن تعتقوا إلا عارفا ".

والمراد بالعارف هنا المؤمن أو المستضعف لما يأتي من جواز عتقه.

وبخبر علي بن أبي حمزة (1) وقد تقدم في كتاب الوصية " قال: سألت عبدا صالحا عليه السلام عن رجل هلك فأوصى بعتق نسمة مسلمة بثلاثين دينارا فلم يوجد ما الذي سمى، قال: ما أرى لهم أيزيدوا على الذي سمى ! قلت: فإن لم يجدوا ؟ قال: فليشروا من عرض الناس ما لم يكن ناصبيا ".

ولا ينافي هذا صحيحة علي بن مهزيار عن أبي علي بن راشد (2) " قال: قلت: لأبي جعفر عليه السلام: إن امرأة من أهلنا اعتل صبي لها، فقالت: اللهم إن كشفت عنه ففلانة حرة والجارية ليست بعارفة، فأيهما أفضل جعلت فداك تعتقها أو تصرف ثمنها في وجه الله ؟ قال: لا يجوز إلا عتقها " لاحتمال أن يكون المراد بغير العارفة المستضعفة لصدقه عليها، ولا يستلزم سلب المعرفة النصب لأن نقيض الأخص أعم من نقيض الأعم،والكفر إنما يستلزمه النصب، فلا تحصل المعارضة بين هذا الخبر وما تقدم لتعليق المنع على النصب لاشعار خبر الأول لقوله عليه السلام " ما أغنى " إلى قوله " وغدا تكونون علينا ".

أما الأخبار التي احتج بها المجوز مطلقا فالعام منها مقيد بهذا الخاص، وما دل على عتق علي عليه السلام للنصراني فلعلمه عليه السلام أنه يؤول له من ترغيبه في الاسلام ودخوله فيه.

وأما حديث قرب الأسناد فيمكن حمله على التقية لمطابقته لفتوى كثير منهم ولأنه من مروياتهم.

(1) الكافي ج 7 ص 18 ح 10، الوسائل ج 13 ص 462 ب 73 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(2) التهذيب ج 8 ص 228 ح 56، الوسائل ج 16 ص 74 ب 63 ح 1.


216

وأما دليل القول المفصل فقد عرفت أنه نفس الجمع بين الخبرين ولا دلالة في شئ من الخبرين على ذلك.

وأما الاستدلال بصحيحة علي بن مهزيار فقد عرفت ما يرد عليها من قبولهاللتأويل، بل ينبغي أن يقال بالمنع في النذر، والجواز في غيره لقيام الدليل على اشتراط الرجحان في النذر سيما إذا كان المنذور العتق، ألا ترى إلى خبر على ابن أبي حمزة الذي مورده بالوصية قد أذن في شرائه من عرض الناس حيث لا يوجد المسلمة، واشترط أن لا يكون ناصبيا.

فالأقوى إذا المنع من عتق الكافر وسيما إذا كان مشركا أو ناصبيا وما أوهم الجواز يجب حمله على التقية أو على ما لو كان مستضعفا.

أما ولد الزنا فهو موضع خلاف لاختلافهم في أن الأصل إسلامه لاكفره إذا لم يظهر كلمة الكفرة، والمشهور جواز عتقه على كراهة ما لم يظهر كلمة الكفر أو يشرط أن يظهر كلمة الاسلام لما ثبت من التلازم الغالبي بين البغض لعلي عليه السلام وبين كونه ولد زنا، والقول بعدم صحة عتقه بناء على كفره وإن أظهر الاسلام للمرتضى وابن إدريس، والحق جواز عتقه إذا أظهر كلمة الاسلام بعد بلوغه، وأما قبل ذلك فالأصل كفره، وقد جمعنا بين الأخبار في كثير من مزبوراتنا.

ويدل على جواز عتقه صحيحة سعيد بن يسار (1) كما في الفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: لا بأس بأن يعتق ولد زنا ".

ومثله خبره (2) كما في الكافي والتهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام مثله ".

وكذلك ولده لموثقة سعيد بن يسار (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل

(1) الفقيه ج 3 ص 86 ح 1، الوسائل ج 16 ص 22 ب 16 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 182 ح 2، التهذيب ج 8 ص 218 ح 13.

(3) التهذيب ج 7 ص 448 ح 1، الوسائل ج 16 ص 23 ب 16 ح 2 وفيهما " فيولد لهما ولدا يعتق ".


217

يكون عنده العبد ولد زنا فيزوجه الجارية فيولد له ولد يعتق ولده يلتمس به وجه الله ؟ قال: نعم لا بأس فليعتق إن أحب.

ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: لا بأس فليعتق إن أحب ".

وأما حديث " أن ولد الزنا لاينجب " فهو لا يدل على كفره، فلا يجوز التمسك به في المنع لأن النجابة المنفية مغايرة للاسلام لغة وعرفا، وقد جاء نفي النجابة عن جماعة من آحاد المؤمنين ولو كان باعتبار صناعته كما جاء في الحايك أنه لا ينجب إلى سبعة آباء مثل ما ورد في ولد الزنا.

وجاء في خبر سعيد بن جناح (1) كما في الخصال رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام " قال: ستة لاينجبون: السندي والزنجي والتركي والكردي والخوزي ونبك الري " والخوزي أهل خوزستان والنبك المكان المرتفع، ويحتمل أن يكون إضافته إلى الري بيانية وفي بعض النسخ تقديم الباء على النون وهو بالضم أصل الشئ وخالصه.

وقد جاء فيهم أيضا أنه لايدخل الايمان في قلوبهم كما جاء في خبر مطرق (2) مولى معن كما في الخصال عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال: لايدخل حلو الايمان في قلب سندي ولا زنجي ولاخوزي ولاكردى ولابربري ولانبك الري ولا من حملته امه من الزنا ".

وفي مرفوعة داود بن فرقد (3) عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام " قال: ثلاثة لا ينجبون: أعور يمين وأزرق كالفص ومولد السند ".

إلى غير ذلك من الأخبار الشاهدة لمجامعة هذه الصفات المؤمن وإن لم يكن

(1) الخصال ج 1 و 2 وص 328 ح 21 طبع مؤسسة النشر الاسلامي - قم.

(2) الخصال ج 1 و 2 ص 352 وفيه " الايمان قلب ".

الخصال ج 1 و 2 ص 110 ح 80 وفيه " أبى جعفر أو أبى عبد الله "، الوسائل ج 14 ص 55 ب 31 ح 3 وفيه " أعور عين ".


218

إيمانه كاملا.

الرابعة: لو شرط المعتق في عتقه على المملوك شرطا سائغا من خدمة أو غيرها لم ينافي القربة لزمه الوفاء به، وفاقا للأكثر، فليزم العبد به.

أما لو شرط إعارته في الرق مع المخالفة فهو موضع خلاف، فالمشهور أنه كذلك، وقيل: يبطل العتق لأنه اشتراط للاسترقاق ممن ثبت حريته.

وقيل: يبطل، بل قد نقل جماعة عليه الاجماع الشرط خاصة.

و يدل على الحكم الأول المستفيضة من النبوية وغيرها، ومنها الصحيحة وغيرها (1) " المؤمنون عند شروطهم ".

وما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (2) عن أحد هما عليهما السلام " في الرجل يقول لعبده: أعتقك على أن ازوجك ابنتي فإن تزوجت عليها أو تسريت فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك فيتزوج أو يتسرى، قال: عليه مائة دينار ".

ورواه في الصحيح عن يعقوب بن شعيب (3) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أعتق جاريته وشرط عليها أن تخدمه خمس سنين فأبقت ثم مات الرجل فوجدها ورثته، ألهم أن يستخدموها ؟ قال: لا ".

وما رواه ابن بابويه في الصحيح عن أبي العباس البقباق (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال سألته عن رجل قال: غلامي حر وعليه عمالة كذا وكذا، قال: هو حر وعليه العمالة ".

وموثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: أوصى أمير

(1) الفقيه ج 3 ص 29 ح 21 وص 75 ح 8، الوسائل ج 16 ص 103 ب 4 ح 3 و 5 و 7 وفيهما " المسلمون ".

(2) الكافي ج 6 ص 179 ح 4، الوسائل ج 16 ص 18 ب 12 ح 4 وفيهما اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 6 ص 179 ح 2، الوسائل ج 16 ص 17 ب 11 ح 1.

(4) الفقيه ج 3 ص 75 ح 7، الوسائل ج 16 ص 16 ب 10 ح 2 وفيهما " كذا وكذا سنة ".

(5) الكافي ج 6 ص 179 ح 1 وفيه " أبا نيزر "، الوسائل ج 16 ص 16 ب 10 ح 1.


219

المؤمنين عليه السلام فقال: إن أبا نيروز ورباحا وجبيرا اعتقوا أن يعملوا في المال خمس سنين ".

وموثقة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) عن أبي عبد الله عليه السلام بل صحيحته كما في التهذيب (2) " قال: سألته عن رجل قال: غلامي حر وعليه عمالة كذا وكذا سنة، قال: هو حر وعليه العمالة ".

وصحيحته الاخرى (3) كما في الفقيه مثله، وزاد " قلت: إن ابن أبي ليلى يزعم أنه حر وليس عليه شئ، قال: كذب، إن عليا عليه السلام أعتق أبا نيروز وعياضا ورياحا وعليهم عمالة كذا وكذا سنة ولهم كسوتهم ورزقهم بالمعروف في تلك السنين ".

وصحيحة إسحاق بن عمار (4) وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن الرجل يعتق مملوكه وغيره ويزوجه بابنته، ويشترط عليه إن هو أغارها أن يرده في الرق، قال: له شرطه ".

وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (5) " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال لغلامه: أعتقك على أن ازوجك جاريتي هذه، فإن تزوجت عليها أو تسريتفعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك، فنكح أو تسرى، أعليه مائة دينار ويجوز شرطه ؟ قال: يجوز عليه شرطه ".

" قال: وقال أبو عبد الله عليه السلام في رجل أعتق مملوكه على أن يزوجه ابنته وشرطه عليه إن تزوج أو تسرى عليها فعليه كذا وكذا، قال: يجوز ".

(1) في الفقيه والتهذيب والوسائل " عن أبى العباس عن أبى عبد الله ".

(2) التهذيب ج 8 ص 237 ح 90، الوسائل ج 16 ص 16 ب 10 ح 2.

(3) الفقيه ج 3 ص 75 ح 7 وفيه " أبا نيزر "، الوسائل ج 16 ص 16 ب 10 ح 3.

(4) الكافي ج 6 ص 179 ح 3، الوسائل ج 16 ص 18 ب 12 ح 3 وليس فيهما " وغيره ".

(5) الفقيه ج 3 ص 69 ح 15 و 16، الوسائل ج 16 ص 17 ب 12 ح 1 و 2 وفيهما " فان نكحت ".


220

وهل يشترط في لزوم الشرط على القول به قبول المملوك ؟ قيل: لا، وهو ظاهر اختيار المحقق، لأن المولى مالك العبد ومنافعه وله الضريبة عليه وهي إلزامه بمال من كسبه، فإذا شرط عليه خدمة أو مالا فقد فك ملكه عنه وعنمنافعه واستثنى بعضها فكان له ذلك.

وقيل - والقائل العلامة في التحرير -: ويشترط مطلقا لاقتضاء التحرير تبعية المنافع فلا يشترط شيئا منها إلا برضا المملوك.

وفصل العلامة في القواعد ما اشترط في اشتراط المال دون الخدمة.

واختاره فخر المحققين في شرحه على القواعد واستدلا على اشتراط قبوله في المال بما رواه حريز (1) في الصحيح " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل قال لمملوكه: أنت حر ولي مالك، قال: لا يبدأ بالحرية قبل المال فيقول له: لي مالك وأنت حر إلا أن يرضى المملوك " فالمال للسيد، وفي وصفه الرواية بالصحة ونسبتها إلى حريز نظر لأن حريز بن عبد الله السجستاني تأبى روايته هنا القبلية والبعدية، مع مخالفته لما هو موجود في التهذيب لأن الراوي أبو حريز (2) وهو غير موثق لأنه واقفي فلا تكون الرواية من الصحيح، ومع ذلك فليست مما نحن فيه من شئ لأن موردها مال العبد عند عتقه، لأنه لا يصير للسيد إلا باشتراطه حيث يكون عالما به، وإذا كان غير عالما به فالمال للسيد كما جاء في عدة أخبار معتبرة، فعرفه عليه السلام طريق الاشتراط بأن يكون سابقا على العتق لامن باب اشتراط المال فيمقابلة عتقه أو مخالفته لشرطه كما علمت من الأخبار السابقة ومحل ذلك الخلاف.

(1) الفقيه ج 3 ص 92 ح 1 وفيه " قال: يبدأ بالمال قبل العتق - برضا من المملوك ".

التهذيب ج 8 ص 224 ح 39 وفيه " أبى جرير قال: سألت أبا الحسن - برضا المملوك ".

الوسائل ج 16 ص 34 ب 24 ح 5 وفيه " أبى جرير قال: سألت أبا جعفر عليه السلام - برضا المملوك فان ذلك أحب الى ".

(2) وفي التهذيب " أبو جرير ".


221

فمن تلك الأخبار المشار إليها موثقة زرارة (1) كما في الكافي والتهذيب والفقيه عن أبي جعفر عليه السلام " قال: إذا كان للرجل مملوك فأعتقه وهو يعلم أن له مالا ولم يكن استثنى السيد حين أعتقه المال فهو للعبد ".

وصحيحة زرارة وحسنته (2) عن أحد هما عليهما السلام كما في الفقيه والكافي " في رجل أعتق عبدا له وله مال، لمن مال العبد ؟ قال: إن كان علم أن له مالا تبعه ماله وإلا فهو للمعتق " وزاد في الفقيه " وقال في رجل باع مملوكا وله مال: إن علم مولاه الذي باعه أن له مالا فالمال للمشتري، وإن لم يعلم البائع فالمال للبائع ".

وخبره (3) " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل أعتق عبدا وللعد مال، لمن المال ؟ فقال: إن كان يعلم أن له مالا تبعه ماله وإلا فهو له ".

وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجل أعتق عبدا له وللعبد مال وهو يعلم أن للعبد مالا فتوفي الذي أعتقه، لمن يكون مال البعد ؟ يكون للذي أعتق العبد أو للعبد، قال: إذا أعتقه وهو يعلم أن له مالا فماله له وإن لم يعلم فماله لولد سيده ".

وحيث كان مؤدى هذه الأخبار كما ترى وأنه لا يصير المال إذا كان معلوما للمولى إلا بالشرط عرفه طريقه الشرط ليصير ذلك المال له، فأمره أن يذكره

(1) الكافي ج 6 ص 190 ح 2، الفقيه ج 3 ص 69 ح 19، التهذيب ج 8 ص 223 ح 37، الوسائل ج 16 ص 33 ب 24 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.

(2) الكافي ج 6 ص 190 ح 3، الفقيه ج 3 ص 69 ح 18 وفيه " عبدا له مال لمن مال العبد ؟ - قال: ان علم مولاه " الوسائل ج 16 ص 34 ب 24 ح 2 و 3.

(3) التهذيب ج 8 ص 223 ح 36 وفيه " أعتق عبدا له "، الوسائل ج 16 ص 34 ب 24 ح 4.

(4) التهذيب ج 8 ص 223 ح 38، الوسائل ج 16 ص 35 ب 24 ح 6 وفيهما " أن له مالا - أيكون ".


222

أولا فلا يمكن الاحتجاج به على هذه الدعوى، إذ لو كان كذلك لالتزم ذكره أولا قبل العتق كما هو مقتضى هذا الخبر، والعجب من غفلة علمائنا عن مؤاده حتى احتجوا به لقول العلامة ومن تبعه.

وأعجب من هذا غفلة السيد في شرحه على النافع حتى قال بعد طعنه في صحة الرواية: لكن لا بأس بالمصير إلى هذا القول اقتصارا في الحكم بإلزام العبد شيئا لسيده بدون رضاه على موضع اليقين.

فالحق لزوم ذلك الشرط مطلقا، سواء قدمه أو أخره، رضي به العبد أم لم يرض لاطلاق تلك النصوص.

أما الشرط الثاني وهو اشتراط إعادته في الرق إن خالف وهو موضع الخلاف المتعلق بصحة العتق والشرط أو بطلانها معا أو صحة العتق خاصة وبطلان الشرط فالأخبار بالنسبة إلى هذه الأقوال كلها منتفية سوى القول بصحتهالعموم المؤمنين عند شروطهم.

ولمعتبرة إسحاق بن عمار (1) المتقدمة عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن الرجل يعتق مملوكه ويزوجه ابنته ويشترط عليه إن أغارها أن يرده في الرق، قال: له شرطه ".

وقد ضعف المحقق هذه الرواية في النكت لشذوذها وضعف سندها ومنافاتها لاصول المذهب.

وفيه نظر، لأن الخبر ليس بضعيف إلا من جهة رميهم لاسحاق بن عمار بالفطحية ولم يثبت، وأما الشذوذ فلا معارض لها في الأخبار بل عمل المشهور عليها مع تأييدها ب‍ " المؤمنون عند شروطهم ".

أما ما استندنا إليه في البطلان بأن صحة الشرط يستلزم عود من ثبت حريته إلى الرق وهو غير جائز ولامعهود

(1) الكفى ج 6 ص 179 ح 3، الوسائل ج 16 ص 18 ب 12 ح 3 وفيهما " ان هو أغارها ".


223

ففيه: أن هذه الكلية لم تثبت، وعلى تقدير ثبوتها فيجوز تخصيصها بالنص علىأنه لم يعتق عتقا مطلقا بل عتقا مشروطا بقيامه بالشرط، ومع المخالفة يعود في الرق كما جاء في عتق المكاتبة المشروطة، وليس ذلك إلا من جهة الشرط.

وأما القول الثالث الذي هو مختار ابن إدريس وقواه فخر المحققين في شرح القواعد - وهو صحة العقد وبطلان الشرط - فوجهه: أن العتق مستكمل الشرائط فتثبت صحته، وأما الشرط ففساده مختص به لأنه مخالف لمقتضى العتق، إذ من شأن العتق الصحيح أن لا ينتقض وفساد الشرط لا يتعدى إلى العتق إلا بدليل، كما ثبت في كثير من شرائط النكاح والبيوع الباطلة مع صحة الأنكحة والبيوع كما تقدم في كتاب البيع والنكاح لأنهما شيئان، ولا يلزم من فساد أحد هما لعارض وهو مخالفته المشروع بطلان الآخر لأن بناء العتق على التغليب كما قررناه غير مرة.

وبالجملة: أن المتبع في هذا كله هو الدليل الخاص، ولا دليل من النصوص لما سوى القول المشهور.

وأما ما وجهه ثاني الشهيدين في المسالك بطلانهما معا بأن العتق مجردا عن الشرط غير مقصود وبناء العتق على التغليب لا يدل على صحته من دون القصد فهو من باب معارضة الدليل من الأخبار بالاعتبار.

تتمة لو كان المشهور في العتق خدمة زمان معين وأخل المعتق بالخدمة المشترطة عليه تلك المدة لم يعد إلى الرق بذلك الاخلال، وليس للمشروط له مطالبته بالخدمة في مثل ذلك المدة للأصل وعدم كون الخدمة مثليا.

وكذا ليس لورثته إلزامه بالخدمة لو مات المعتق المشترط لفوات الخدمة المعينة بالزمان.

وقد اختلفوا في أنه هل تثبت مثل اجرة الخدمة المشروطة للمالك أو ورثته ؟ "


224

قال الشيخ في نهايته وأتباعه وابن الجنيد: لا، لصحيحة يعقوب بن شعيب (1) التي رواها المحدثون الثلاثة " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أعتق جاريته و شرط عليها أن تخدمه خمس سنين فأبقت ثم مات الرجل فوجدها ورثته، ألهم أن يستخدموها ؟ قال: لا ".

وقال ابن إدريس والمحقق والمتأخرون: إنه يجب عليه اجرة مثل تلك الخدمة لأنها حق متقدم بالمال فيثبت في الذمة قيمته وهو اجرة المثل.

وهذه الروايات الصحيحة غير منافية لذلك لأنها إنما نفت مماثل الخدمة، ونحن نقولبه لأن مدة الخدمة المعينة قد فاتت وهي ليست مثلية حتى تلزم الخدمة في مثلها وإنما عليه اجرة مثلها لأنها مستحقة عليه وقد فوتها عليهم، ونفي الاستخدام لا يقتضي نفي الاجرة الثانية لهم عوضا عما فوت عليهم من الحق.

وهذا حسن وقد تقدم له في أحكام المهور من النكاح ما يماثله كمن تزوج على تعليم سورة ثم طلقها قبل الدخول وقبل أن يعلمها أو بعد أن علمها فإن المهر ينتصف هنا بنصف اجرة المثل على تعليمها.

ففي خبر زرارة (2) عن أبي جعفر عليه السلام كما في الكافي والتهذيب " في رجل تزوج امرأة على تعليم سورة من كتاب الله ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فبم يرجع عليها ؟ قال: بنصف ما يتعلم به تلك السورة ".

وهاهنا فروع

الاول: لو نذر عتق أول مملوك يملكه فاتفق ملكه جماعة دفعة واحدة

فلا كلام في صحة النذر للدليل، وإن كان المنذور مبهما فإنه جائز فيه كما يجوز

(1) الكافي ج 6 ص 179 ح 2، الفقيه ج 3 ص 69 ح 17، التهذيب ج 8 ص 222 ح 30، الوسائل ج 16 ص 17 ب 11 ح 1.

(2) الكافي ج 5 ص 382 ح 14 وفيه " على سورة - فبما - يعلم به مثل "، التهذيب ج 7 ص 364 ح 38 وفيه " بم يرجع "، الوسائل ج 15 ص 27 ب 17 ح 1.


225

نذر العين الأصل والنصوص.

ثم إنه إن اتفق ملك واحد ببيع أو هبة أو ميراث أو غيرها من الأسباب عتق، وهل يشترط في عتقه أن يملك آخر بعده ؟ وجهان، بل قولان مبنيان من أن الأولوية من الامور النسبية التي تقتضي أمرين: أحد هما ثبوتي وهو سبقه لغيره، والآخر عدمي وهو عدم سبق غيره له، وعلى الشك في اقتضائه الأمر الأول عرفا، والأظهر عدم الاشتراط وإن ملك جماعة كما هو فرض المسألة المذكورة ثم ملكهم دفعة واحدة، ففيه أقوال: أحدها: لزوم عتق واحد منهم ويخرج بالقرعة، أما لزوم العتق فالمقتضي النذر لوجود شرطه، فوجب الوفاء به لأن الأولية موجودة في كل واحد منهم لأنه بملكه الجماعة صدق أنه ملك واحد لأنه من جملة الجماعة.

وأما إخراجه بالقرعة فلانتفاء الأولية عن أحدهم، ولصحيحة الحلبي (1) التي مر ذكرها عنالصادق عليه السلام " في رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر، فورث سبعة جميعا، قال: يقرع بينهم ويعتق الذي يخرج سهمه ".

وهذا مختار الشيخ في النهاية وقبله الصدوق وجماعة.

ومثل صحيحة الحلبي خبر عبد الله بن سليمان (2) " قال: سألته عن رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر، فلم يلبث أن ملك ستة، أيهم يعتق ؟ قال: يقرع بينهم ثم يعتق واحد ".

وربما استشكل انعقاد النذر هنا لأنه إنما تعلق بعتق مملوك واحد يصدق عليه أنه أول، فإذا ملك جماعة لم يوجد الشرط.

وفيه: أن الأولية صادقة مع الوحدة والتعدد إلا أنها هنا محتملة التعلق

(1) التهذيب ج 8 ص 225 ح 44، الوسائل ج 16 ص 69 ب 57 ح 1 وفيهما " ويعتق الذى قرع ".

(2) التهذيب ج 2 ص 225 ح 43، الوسائل ج 16 ص 70 ب 57 ح 2 وفيهما " واحدا ".


226

بكل واحد منهم، ولهذا حكم الشارع باستخراجه بالقرعة ليعلم ما عند الله فيماهو متساو بحسب الظاهر.

وقال ابن الجنيد: يتخير الناذر مع بقائه وقدرته إلا فالقرعة.

واختاره الشيخ في التهذيب والمحقق في نكت النهاية.

واستدل عليه في التهذيب بما رواه عن الحسن الصيقل (1) وكذلك الصدوق في الفقيه " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال: أول مملوك أملكه فهو حر، فأصاب ستة، فقال: إنما كان لله عليه واحد فليتخير أيها شاء فليعتقه ".

فأجاب عن رواية القرعة بالحمل على أن ذلك هو الأولى والأحوط وإن كان التخير جائزا.

واستجوده السيد في شرح النافع لو تكافأ السندان لكنه قال: إن رواية القرعة صحيحة السند وفي طريق هذه الرواية عدة من الضعفاء فلا تصلح لمعارضة تلك الرواية.

وكأنه - قدس سره - أراد بالضعف ما يشمل إهمال الحال، وإلا فليس في طريقها من حكم بضعفه سوى إسماعيل بن يسار الهاشمي، وإلا فعبد الله ابن غالب الذي هو في طريقها الظاهر أنه الأسدي الشاعر أخو إسحاق بن غالب وهو ثقة، وأما الحسن الصيقل راويها فهو مهمل ولم يكن مقدوحا عليه، هذاإن لم يكن متحدا بالعطار أو الضبي، وإلا كان ثقة فلم تتعدد الضعفاء فيها كما ترى.

ولهذا قال جده في المسالك: وهذه - يعني رواية الصيقل - ضعيفة السند فإن في طريقها إسماعيل بن يسار وهو ضعيف والحسن الصيقل مجهول الحال.

فكان على السيد متابعة جده في هذا القدح والتحرز عن هذه العبارة الموهمة، وكأنه - قدس سره - لم يراجع كلام جده هنا كمال المراجعة.

(1) الفقيه ج 3 ص 92 ح 2 وفيه " انما كانت نيته "، التهذيب ج 8 ص 226 ح 45 وفيه " انما كان نيته "، الوسائل ج 14 ص 70 ب 57 ح 3 وما في المصادر " نيته على واحد فليختر أيهم ".


227

ومع هذا كله فالرواية الناطقة بالقرعة المؤيدة بخبر عبد الله بن سليمان - وقد مر ذكره - وهذه الرواية لا مؤيد لها، فحملها على تعذر القرعة حسن وعند إمكانها فلا تخيير.

وأما الجمع بينهما بالاستحباب كما فعله العاملون بهذه الرواية الضعيفة بحمل صحيحة الحلبي على الاستحباب ففيه نظر، لعدم التكافؤ في العدد والسند،فالعمل بها متعين لعدم المعارض في الحقيقة، وتحمل هذه الضعيفة على ما قلناه من تعذر القرعة، ويمكن حملها على التقية لعدم اعتبار القرعة عند هم وإن رووها في صحاحهم لأنهم خصوا جوازها بزمن النبي صلى الله عليه واله.

وقد ذهب ابن إدريس إلى بطلان هذا النذر من أصله لعدم تحقق محله لأنه لا يتحقق إلا مع الوحدة، لأن من يملك جماعة في أول وهلة لا أول لها لينعقد نذره، وقد عرفت الجواب عنه.

واحتمل العلامة في القواعد حرية الجميع لتحقق الأولية في كل واحد، كمن قال من سبق فله عشرة، ثم ضعفه بوجود الفرق بين الصيغتين بأن " من " للعموم و " مملوك " للخصوص لأن المراد منها حال الايجاب فردا بعينه.

وقال شهيد الدروس: إنه لو أراد بمملوك الجنس ملغي فيه اعتبار الفردية ساوى " من " في الحكم والعموم، وهو مشكل، لأن الجنس يتحقق بالواحد فلا يعتق ما عداه، بخلاف " من " فإنها في اللفظ موصولة وهي من صيغ العموم.

ولو عبر في هذا النذر بصيغة الموصول بأن يقول أول ما أملكه من المماليك فهو حر وجب عتق الجميع بغير إشكال.

الثاني: لو نذر عتق أول ما تلده أمته وكان ما تلده مملوكا له فولدت تو أمينعتقا جميعا، والوجه في ذلك أن " ما " في " ما تلده " موصولة فتتناول الجميع بخلاف لفظ المملوك في المسألة السابقة فإنه نكرة في الاثبات فلا تعم.

ويدل عليه من الأخبار خبر عبد الله بن الفضل الهاشمي (1) عن أبيه رفعه " قال:

(1) الكافي ج 6 ص 195 ح 7، الوسائل ج 16 ص 42 ب 31 ح


228

قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل نكح وليدة رجل أعتق ربها أول ولده تلده فولدت توأما، فقال: اعتق كلاهما ".

لكن مورد الرواية كما ترى إنما هو النكرة في سياق الاثبات.

وظاهر كلام جملة من المتأخرين اعتبار عتقهما معا متوقف على التعبير بالموصول، وأنه لو تعلق النذر هنا بأول ولد تلده المرأة لم يتناول المتعدد وكأنهم لم يلتفتوا إلى هذا النص إما لعدم الوقوف عليه أو لضعفه بالارسال ومخالفته للقواعد.

وفيه نظر، لأن التوأمين إن دخلا في الأولية لتنزيلهما منزلة الولد الواحد فلا إشكال في صدق الأولية عليهما، وإن نظر إلى كونهما متعددين تعلق العتق بمن تلده أولا، وإن خرجا دفعة أو اشتبه حاله فالمحكم فيه القرعة أو التخييرفي المسألة الاولى، فالحق اتباع النص في ذلك.

وقد حكم بعتقها معا إما لصدق الأولية عليهما معا أو لأنهما بمنزلة الولد الواحد.

وقد اعتبر جماعة من المتأخرين في عتقهما معا عند التعبير ب‍ " ما " الواردة دفعة واحدة، وإن كان نادرا قالوا: إذ لو سبق خروج أحد هما لكان هو الأول.

وإطلق الأكثر الحكم من غير تقييد بالدفعة تبعا لاطلاق الرواية المذكورة.

قال فاني الشهيدين في المسالك بعد نسبته هذا الكلام إلى الأكثر: وهو حسن لو صلحت الرواية لاثبات الحكم، وهذا ظن منهم بأن التعبير وقع فيها بلفظ " ما " ولم نقف عليها كذلك.

هذا كله إذا ولدت الأول حيا وإلا عتق الثاني لأن الميت لا يصلح للعتق ونذره صحيحا يدل على موته التزاما وقيل: يبطل هنا لفوات متعلقه.

ولو ولدته مستحقا للعتق كالمقعد والأعمى فالو جهان، وأولى بعدم عتق الثاني هنا لصلاحية الأول العتق، غاية الأمر اجتماع سببين لعتقه، وهذا غير مضر.

أما لو قال في نذره " أول حمل " عتق التوأمان مطلقا بغير إشكال الحمل اسم


229

التوأمين معا.

الثالث: لو أعتق بعض مماليكه فقيل له: هل أعتقت مماليكك ؟ فقال: نعم

لم ينعتق بهذا الاقرار إلا من سبق عتقه وإن كان ظاهر الصيغة العموم.

والأصل في هذه المسألة موثقة سماعة (1) كما رواه شيخ التهذيبين " قال: سألته عن رجل قال لثلاثة مماليك له: أنتم أحرار وكان له أربعة، فقال له رجل من الناس: أعتقت مماليكك ؟ فقال: نعم أيجب العتق للأربعة حينئذ جميعهم ؟ أو هو للثلاثة الذين أعتق ؟ فقال: إنما يجب العتق لمن أعتق ".

وقد رواها الصدوق (2) أيضا من الموثق، وهى مستند المشهور.

والظاهر أن مرادهم لا ينعتق في نفس الأمر إلا من سبق عتقه لأن قوله " نعم " في جواب ذلك السؤال لا يكفي في حصول العتق.

أما في الظاهر فالحكم مشكل لأنه يجب عليه الحكم بعتق الجميع لأن قوله " نعم " عقيب الاستفهام عن عتق عبيده الذي هو جمع مضاف مفيد للعموم، فيفيد الاقرار بعتق جميع عبيده.

ويمكن أن يكون الاستفهام عن عبيده الذي سمع المستفهم بعتقهم فتكون الاضافةعمدية فيلغى العموم عنها، فلا يدخل في الظاهر والواقع إلا من أجرى العتق عليهم لأن الاقرار إنما يجري على الظواهر عموما وخصوصا حيث يجرد عن القرينة وإلا فعند وجودها فلا يحكم إلا بما دلت عليه.

وبهذا اندفع ما أورده ثاني الشهيدين في المسالك من البحث والاشكال حيث قال: وفي هذا الحكم بحث، وفيه على إطلاقه إشكال، لأن الحكم إن كان جاريا على ما في نفس الأمر من دون أن يعتبر لفظه إقرارا بالعتق ظاهرا فالحكم كذلك، ولا فرق فيه بين كون من أعتقهم بالغين حد الكثرة أو عدمه، فلو كان قد أعتق واحدا منهم وعين بذلك لم يعتق سوى من كان قد أعتقه، لأن الاقرار ليس من الأسباب

(1) التهذيب ج 8 ص 226 ح 46، الوسائل ج 16 ص 70 ب 58 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 3 ص 68 ح 12.


230

الموجبة لانشاء العتق في الحال وإنما هو إخبار فيما سبق، فلا يصح إذا لم يكن [ له ] مطابق [ في ] الخارج سابق عليه مستند إلى سبب اقتضائه، فما كان وقع عليه العتق انصرف إليه وغيره يبقي على أصل الرق، قليلا كان أم كثيرا.

وإن كان جاريا على ظاهر الاقرار فمقتضاه الحكم بانعتاق جميع مماليكه، لأن " مماليك " جمع مضاف وهو يفيد العموم، و " نعم " يقتضي تقرير السؤال وإعادته فيكون إقرار بعتق الجميع، والرواية قاصرة عن إفادة قصر الحكم على ما في نفس الأمر وإطراح الاقرار ظاهرا من حيث إنها مقطوعة ضعيفة السند، إلا أن الشيخ لا يراعي في علمه تصحيح الرواية خصوصا في النهاية، وتبعه الجماعة زاعمين انجبار الضعف بالشهرة بل بصيغة جمع الكثرة، فكيف ينصرف الاقرار إلى ما أعتقه خاصة وتحصل المطابقة بين عتقه لواحد وبين قوله عتقت مماليكي.

ولأجل ذلك استقرب العلامة في القواعد اشتراط الكثرة في المعتق ليطابق لفظ الاقرار، والاشكال فيه أقوى من الاطلاق لأنه لا يجري على الظاهر ولا على ما في نفس الأمر.

أما الظاهر فلما ذكرناه من استلزام الاقرار عتق الجميع من حيث إن " مماليك " جمع مضاف وقد أقره بالاقرار به.

وأما في نفس الأمر فلأن العتق لم يقع فيه إلا على من باشر عتقه خاصة، وصيغة الاقرار ليست من الأسباب المسببة لعتق باقي العدد المعتبر في الكثرة منهلما وقع عليه العتق.

واعتذر له ولده فخر الدين - رحمه الله - بأنه إذا أعتق ثلاثة من ممالكيه يصدق قوله هؤلاء مماليكي حقيقة.

فإذا قيل له: أعتقت مماليكك ؟ فقال: نعم وهو يقتضي إعادة السؤال وتقريره، فيكون إقراره بعتق المماليك الذين انعتقوا فلا يلزم هم لأصالة البراءة، ولأن الاقرار إنما يحصل على التحقيق والمتيقن لا على ما فيه احتمال.


231

ثم قال: وهل يشترط في الاقتصار على كثيرة بحيث يصدق عليه الجمع حقيقة أم لا ؟ قولان ومنشأهما: أن اللفظ إنما يحمل على الاقرار على أصل الحقيقة ومن حيث أصل البراءة ومن جواز التجوز به، فعلى عدم الاشتراط يكتفي بالواحد على الاشتراط ويلزم بعتق ما يصدق عليه الجمع، ويكون في الباقي كالمشتبه، ثم جعل هذا البحث مبتنيا على الحكم بمجرد الاقرار ظاهرا، أما البحث عما في نفس الأمر فلا ينعتق إلا ما وقع عليه العتق.

ثم قال - قد سره - بعد انتهاء الكلام إلى هذا المقام من كلام العلامة وابنه:وفيه نظر من وجوه: الأول: ظهور الفرق بين المتنازع فيه وهو قوله " أعتقت مماليكي " الذي هو مقتضى قوله " نعم " جوابا لمن (1) " أعتقت مماليكك " وبين قوله عن ثلاثة من مماليكه " هؤلاء مماليكي وإن اشتركا في صيغة العموم، لأن لفظ العموم يستغرق ما يصلح له ويدخل فيه دون غيره، فقوله " أعتقت مماليكي " يصلح الجميع من هو داخل في ملكه وإن بلغوا ألفا فيتناولهم العموم، وقوله " هؤلاء مماليكي " إنما يتناول المشار إليهم دون غير هم فلا يلزم من صدق قوله من الثلاثة هؤلاء مماليكي اختصاص الحكم بعتق الثلاثة إذا قال أعتقت مماليكي الدال بلفظه على الجميع.

الثاني: قوله " فيكون إقرارا بعتق المماليك الذين انعتقوا فلا يلزم بغيرهم " لا يتم إلا بحسب نفس الأمر، أما بحسب الظاهر فقد وجد الاقرار بالعتق الدال بالوضع على الجميع فلا يختص بالبغض، وبهذا يقطع أصل البراءة، وقد اعترف بأن الحكم مبني على الظاهر لا على نفس الأمر حينئذ.

الثالث: قوله " إن الاقرار إنما نحمله على التحقيق والمتيقق في نفس الأمرلا على ما فيه احتمال " إن أراد به المتيقن بحسب مدلول اللفظ فمسلم، لكن لا

(1) والصحيح " لمن قال ".


232

ينفعه في الاقتصار على الثلاثة لأن مدلول اللفظ والمتيقن منه يتناول لجميع مماليكه بالنظر إلى عموم لفظة الاقرار، وإذا أراد المتيقن في نفس الأمر ويبقي المحتمل خروجه وإن دل عليه لفظ الاقرار فظاهر فساده لأن الانسان مؤاخذ بما دل عليه لفظه وإن احتمل في نفس الأمر براءته منها.

وكذا لو قال أعتقت عبيدي ولم يكن أعتق أحد منهم فإنه يؤخذ بإقراره ويحكم عليه بعتق الجميع أو البعض على حسب ما قد علم.

الرابع: ترتيب الخلاف في الحكم على عتق واحد خاصة أو أقل الجمع على الظاهر مع وجود اللفظ الدال على الجميع، والعموم غير مطابق، بل اللازم من العمل بالظاهر الحكم عليه بعتق الجميع أو الجمع.

أما الاختصار على الواحد فلا يقتضيه اللفظ بوجه، ولا يقول أحد بأن من أقر بشئ بصيغة الجمع فضلا عن العموم يلزم واحد خاصة، وإنما الخلاف فيحمل الجمع على اثنين أو على ثلاثة فصاعدا، أما على الواحد فليس محل نظر أصلا.

ثم قال: والحق في هذه المسألة العمل بالظاهر والحكم بعتق الجميع نظر إلى مدلول لفظه قوله، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فلا يحكم عليه إلا بعتق من أعتقه خاصة ولا يزيد عنه إلى أقل الجمع ولو كان أقل منه قطعا.

نعم لو دلت القرائن على أنه لا يريد باللفظ مدلوله كما لو مر على عشار وأراد أن يأخذ عليهم مظلمة فأقر بذلك مع ظاهر إرادته بخلاف مدلول لفظه اتجه عدم الحكم عليه به ظاهرا كما لا يحكم به باطنا.

وعليه دلت رواية الوليد بن هشام (1) " قال: قدمت من مصر ومعي رقيق فمررت بالعاشر فسألني فقلت، هم أحرار كلهم، فقدمت المدينة فدخلت على أبي الحسن عليه السلام فأخبرته بقولي للعشار، فقال لي: ليس عليك شئ ".

فلم يحكم عليه السلام بظاهر إقراره، وأقره على ما في نفس الأمر.

وكذلك الرواية السابقة ظاهرة في إرادة ما في نفس الأمر لا الظاهر بقوله عليه السلام

(1) التهذيب ج 8 ص 227 ح 48، الوسائل ج 16 ص 71 ب 60 ح 1.


233

" إنما يجب العتق لمن أعتق " إلى هنا كلامه - قدس سره -.

وفيه نظره من وجوه: أما (أولا) ففي قوله " والرواية قاصرة عن إفادة أصل الحكم " إلى قوله " زاعمين انجبار الضعف بالشهرة " لأن الرواية لا قصور فيها بل هي واضحة فيما قلناه من قصر الحكم على ما في نفس الأمر، وليس فيها إطراح للاقرار لأنه أقر بما استفهم عنه السائل المطلع على ما أعتقه من الاقرار، وأراد بهذا السؤال معلومية ما أخبر به بالاستظهار عليه من جهته فيكون بمنزلة المثال الذي ذكره العلامة، فالصيغة وإن كانت من صيغ العموم إلا أن القرينة خصصتها وجعلت إضافتها عهدية كما أن اسم الاشارة في قوله " هؤلاء مماليكي " مشيرا بها إلى ما أعتقه من الثلاثة صار مخصصا لهذه الصيغة.

(وثانيا) بأن الرواية لاقطع فيها ولا إرسال لأنها من باب الاخبار، وقد أسمعناك فيما سبق أن هذا الاضمار إنما وقع على معين وهو المسؤول عن الأئمة عليهم السلام في صدر الاسؤلة، وإنما نشأ الاضمار من اقتطاع الأخبار بعضها من بعض، وكذلك ليس مقدوحا عليها بالضعف كما زعمه، لأنها بالاصطلاح الجديد من الموثق لأن رجاله ثقات إلا أنهم غير إماميين، وأما على طريقة القدماء فليس ببعيد أنتكون من الصحيح لأن مدار الصحة عندهم على القرائن لا على وثاقة الرجل وكونه إماميا كما يعلم من طريقة الشيخ بل من تأخر عنه كالمحقق كما مضى الكلام عليه من قريب.

(وثالثا) في قوله " بل بصيغة جمع الكثرة، فكيف ينصرف الاقرار إلى ما أعتقه خاصة فتحصل المطابقة " إلى قوله " ولأجل ذلك استقرب العلامة في القواعد " لأن جموع الكثرة وصيغها لاتحمل على ذلك الاصطلاح الخاص في الأقارير ولا في الوصايا لابتناء هذه الأحكام على العرف العام، وقد حقق هو هذا الحكم في كثير من المسائل في الكتاب وغيره، فإن قاعدة جمع الكثرة والقلة غير معتبرة وإنما هما مشتركتان في القلة والكثرة نعم الخلاف إنما وقع في تحديد القلة من كونها ثلاثة أو اثنين.


234

وأما (رابعا) فلأن قوله في الاعتراض على العلامة من ظهور الفرق بين المتنازعين فيه وهو قوله " أعتقت مماليكي " الذي هو مقتضى قوله " نعم " جوابا لمن قال " أعتقت مماليكك " وكذا قوله " فيدخل فيه دون غيره " لأن هذا الفرق غير ظاهر فيما نحن فيه، لأن كلامن الصيغتين من صيغ العموم وجموع الكثرة، وإنماادعى الفرق بينهما بحصول التخصيص في الثانية دون الاولى.

وأنت قد عرفت أنه لافرق بينهما لوجود القرينة في كل منهما.

نعم، أن استدلالهم على هذا الحكم فيما لو كان المعتوق واحدا أم اثنين بهذه الرواية في غير محله، لأنها إنما تدل على أن موضع هذا الحكم فيما لو كان المعتوق ثلاثة فصاعدا ويكون المملوك أكثر عنه عددا فينصرف المقر به وإن كان بصيغة العموم الشاملة لجميع لأفراد إلى ما وقع عليه العتق خاصة، لكن بشرط أن لا ينقص عن الثلاثة ليتطابق الظاهر والواقع بعد تخصيص الظاهر.

بالقرينة، وهذا الذي قصده العلامة - قدس سره - ووجه به ابنه كلامه في الجملة.

فالواجب قصر هذا الحكم على مدلول الرواية وموردها، وقد عرفت البحث أن موردها الثلاثة فلا يجري فيما لو كان المعتوق واحد أو اثنين، لأن تخصيص صيغة الجمع التي ظاهرها العموم وإرجاعها إلى الواحد من المجازات البعيدة التي لا يصار إليها إلا في مواضع نادرة كقولهم " بنو فلان قتلوا زيدا " و إنما قتله واحد منهم أو عند قصد التعظيم كآية " الذين يؤتون الزكاة وهم راكعون " (1) حيث نزلت في علي عليه السلام.

وبهذا يتبين لك وجه النظر في الوجوه التي تنظر بها على الشيخوالعلامة.

والعجب منه أنه قد ذكر في آخر كلامه أنه لو دلت القرائن على أنه لا يريد باللفظ مدلوله كمرور المالك على العاشر و إقراره بأن مماليكه أحرار حذرا من المظلمة فيلغي ذلك الاقرار ويعتمد على القرائن ونفس الأمر، ويلغي

(1) سورة المائدة - آية 55.


235

الاقرار بالمرة، ويمنع ذلك في الرواية التي هي مورد هذا الحكم مع اشتمالها على تلك القرينة.

ولهذا قال في آخر كلامه " وكذلك الرواية السابقة ظاهرة في إرادة ما في نفس الأمر ".

نعم في قوله " لا الظاهر " نظر لأن الظاهر هنا مطابق لما في نفس الأمر حيث إن السؤال مخصص للجواب وصارف الاضافة عن الاستغراق إلى العهدية كما سمعت، فبطلت هذه المناقشات و المؤاخذات من أصلها.

الخامسة: لو نذر كل عبد قديم أو أوصى بعتقه كذلك انصرف إلى من مضى عليه من ملكه ستة أشهر فصاعدا كما ذكره الشيخ في النهاية وتبعه عليه جماعةمن المتأخرين، حتى ابن إدريس الذي من شأنه القدح في أخبار الآحاد والرد لها، وما ذاك إلا لصحة هذا المستند عنده.

والأصل في هذا الحكم خبر داود النهدمي (1) عن بعض أصحابنا " قال: دخل أبو سعيد المكاري على أبي الحسن الرضا عليه السلام " وساق الحديث إلى أن قال: فقال له: رجل قال عند موته كل مملوك لي قديم فهو حر لوجه الله، قال: نعم إن الله يقول في كتابه " حتى عاد كالعرجون القديم " (2) فما كان من مماليكه أتى له ستة أشهر فهو قديم حر ".

ورواه الشيخ بهذا الاسناد كما في الكافي (2) وبإسناد آخر لا يخلو عن شائبة الارسال أيضا.

ورواه في عيون أخبار الرضا عليه السلام (4) بطريق معتبر " قال: دخل أبو سعيد (1) التهذيب ج 8 ص 231 ح 68 وفيه " فقال: رجل "، الوسائل ج 16 ص 40 ب 30 ح 1.

(2) سورة يس - آية 39.

(3) الكافي ج 6 ص 195 ح 6.

(4) عيون أخبار الرضا ج 1 ص 231 طبع قم، الوسائل ج 16 ص 40 ب 30 ح 1.


236

المكاري " وذكر الحديث.

ورواه المفيد في إشاره (1) مرسلا: قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أوصى فقال: اعتق عني كل عبد قديم في ملكي فلما مات لم يعرف الوصي، بم يصنع ؟ فسئل عن ذلك فقال: يعتق عنه كل عبد في ملكه ستة أشهر، وتلا قوله تعالى " والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم " وقد ثبت أن العرجون إنما ينتهي بالشبه بالهلال في تقوسه بعد ستة أشهر من أخذ الثمرة منه ".

والروايات الاولى كما ترى قد اشتملت على لفظ " المملوك " الشامل للذكر والانثى ولكن الشيخ عبر بلفظ " العبد " وتبعه من تأخر عنه.

حتى أن العلامة في القواعد استشكل الحكم في الآية، وأورد عليه ولده في الشرح الموسوم بالايضاح بأن في خبر أبي سعيد المكاري كل مملوك وهو يتناول الأمة فيكون منصوصا عليها.

ثم أجاب عنه بأن المصنف - يعني والده - لم يستند في قوله إلى هذهالرواية بل إلى إجماع الأصحاب وهو بلفظ العبد، وفيه ضعف لأن المسألة لم تكن إجماعية، لأن كثيرا من العلماء كابن الجنيد والصدوق وسلار لم يتعرضوا لها، وإنما الأصل فيها الشيخ وطريقه في النهاية الاستناد إلى مجرد الروايات من غير بحث عن طرقها أو ندورها كما هو المعلوم من عادته، ولكن اتباع ابن إدريس له مع تصلقه (2) في الأخبار حملهم على شبهة الاجماع، حيث إنه لا يعتمد على أخبار الآحاد مطلقا، فعلمه بمضمونها مما يدل على فهمه أنه مجمع عليه.

هذا أقصى ما أمكن أن يوجه به كلامهم.

وأنت قد عرفت من الأخبار التي أوردناها في هذه المسألة بعضها بلفظ " المملوك "

(1) ارشاد المفيد ص 118 طبع بيروت، الوسائل ج 16 ص 41 ب 30 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) كذا، ولعله " تصلبه ".


237

وبعضها بلفظ " العبد " وفي إطلاق كل من اللفظين على آخر في أماكن متعددة دالة على أنهما مترادفان، وأنه في مقام التعميم والكلية يعتبر فيه تغليب الذكرعلى الانثى، فالأمة داخلة على التقديرين، والفرق تحكم وإن كان العموم في المملوك أظهر وأشهر.

واعلم أن المتأخرين اختلفوا في تعدي هذا الحكم من النذر الوصية بالملك إلى النذر بالصدقة بالمال القديم، وكذلك في الاقرار وإبراء كل غريم قديم ونحو ذلك، لشبهة أن القديم من الحقائق الشرعية في ذلك القدر فيعتدى معتضدا بتعليل الرواية واستدلالها بقوله " حتى عاد كالعرجون القديم " فإنه يقتضي ثبوت القدم بالمدة المذكورة مطلقا ومن معارضة اللغة والعرف ومنع تخصيصه شرعا لضعف المستند العاجز عن إثبات الحقائق الشرعية وقصر الاجماع المدعى لوتم على مورده، وهذا هو الأقوى.

ولو قصر الجميع عن ستة أشهر ففي عتق أولهم تملكا اتحد أم تعدد، وبطلان النذر وجهان، وعلى الصحة لو اتفق ملك الجميع دفعة ففي انعتاق الجميع أو البطلان لفقد الوصف الوجهان أيضا، والأقوى الرجوع في غير موضع النصوص والوفاق المدعى من العرف، فإن لم يدل على اتصاف شي من متعلق النذر بالقدم بطل إتباعا للنصوص المخرجة هذا اللفظ عن حقيقته اللغوية والعرفية إلى الحقيقةالشرعية، وهو قصره على المماليك من عبد أو أمة في النذور والوصية، وفيما سواها فليس إلا القواعد اللغوية والعرفية.

السادسة: لو نذر عتق أمته إن وطأها فخرجت عن ملكه انحل النذر واليمين وإن عادت له بملك مستأنف كما هو مجمع عليه بين الإصحاب.

وأما المستند في ذلك من الأخبار فهو ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم (1)

(1) التهذيب ج 8 ص 226 ح 47، الوسائل ج 16 ص 71 ب 59 ح 1 وفيهما " عن " محمد - عن ملكه " مع اختلاف يسير.


238

عن أحد هما عليهما السلام " قال: سألته عن الرجل تكون له الأمة فيقول يوم يأتيها فهي حرة، ثم يبيعها من رجل ثم يشتريها بعد ذلك، قال: لا بأس بأن يأتيها قد خرجت من ملكه ".

واورد على هذا الاستدلال بعدم صراحتها في نذر العتق المعلق على الوطء شكرا أو زجرا، بل الظاهر منها أن العتق وقع معلقا على شرط في غير النذر، وقد عرفت أن هذا مما يفسد العتق لاشتراط التنجيز فيه، لكن الأصحاب حملوهاعلى النذر صرفا لهذا العتق المعلق على شرط إلى ما يصححه وهو النذر.

وحملها ابن إدريس على ما إذا تعلق النذر بوطئها وهي في ملكه، ولا ريب في انحلال النذر بخروجها عن ملكه بهذا التقدير، كما أنه لا إشكال مع إطلاق النذر، ولا يبعد مساواته لصورة التعميم.

وفي تعدي حكمها إلى غير الأمة أو إلى التعليق بغير الوطء وجهان بل قولان: من مخالفتها للأصل حيث إن خروجها عن ملكه لا مدخل له في انحلال النذر، لأن غايته صيرورتها أجنبية منه والنذر يصح تعلقه بالأجنبية كنذر عتقها إن ملكها وهي في غير ملكه ابتداء كما تقدم في نظائره.

ومن حيث الايماء في الرواية إلى العلة بقوله " قد خرجت عن ملكه " وذلك موجب للتعدي إلى ما يوجد فيه العلة المنصوصة.

والأقوى الأول لأن هذه العلل ليست حقائق حقيقة وإنما وضعت تقريبا للأفهام وإلجاما للعوام.

لكن في هذه الرواية على تقدير حملها على النذر دلالة على جواز التصرف للمالك في المال المنذور المعلق على شرط قبل حصول الشرط، وفيه خلاف مشهور،وموضع الحكم بانحلال النذر ما إذا لم يعمم نذره ولو بالنذر ما يشمل الملك العائد، وهذه الرواية مما تفردت بهذا الحكم حيث لم يكن في الباب سواها على ما بلغنا.

نعم هي من مرويات الفقيه والتهذيب، وفي كليهما من الصحيح.


239

السابعة: من أعتق من المماليك وله مال بناء على أن المملوك يملك شيئا في الجملة كما هو مذهب المشهور، لا كما زعمه ثاني الشهيدين في المسالك من أن الأكثر على العدم فهو للمولى سواء اعتق أم بقي على الرقية ما لم يعلم أن أصله من جهة خارجة.

ثم إنه على القول بجواز ملكه حيث يعتق وكان بيده مال فهو له، فإن علم به المولى ولم يستثنه وإلا فهو للمولى، وقد قدمنا لك جملة من المعتبرة في بيان اشتراط المولى على العبد شيئا من الشرائط حالة عتقه.

فمن تلك الأخبار صحيحة زرارة (1) عن الباقر عليه السلام " قال: سألته عن رجل أعتق عبدا له وللعبد مال، لمن المال ؟ فقال: إن كان يعلم أن له مال تبعه وإلا فهو له ".

وفي رواية اخرى عن زرارة (2) أيضا وقد تقدمت عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا كاتب الرجل مملوكه وأعتقه وهو يعلم أن له مالا ولم يكن استثنى السيد المال حين أعتقه فهو للعبد ".

وقد توقف العلامة في المختلف مع حكمه بعدم ملك العبد نظرا إلى صحة هذه الرواية.

وفي الاستدلال بهما نظر، لأن (الاولى) وإن صح طريقها على الاصطلاحين القديم والحديث إلا أنه ليس فيها ذلك الحكم مع استثناء المولى يكون له، بل أطلق فيها أنه مع علمه بالمال ولم يستثنه فيكون للعبد.

(والثانية) وإن دلت على الحكم المدعى في القول لكن في طريقها عبد الله بن بكير وحاله مشهور لانتسابه إلى الفطحية، لكن قد نقل الشيخ إجماع العصابة على 8

(1) الكافي ج 6 ص 190 ح 4، الوسائل ج 16 ص 34 ب 24 ح 4 وفيهما " سألت أبا جعفر عليه السلام " مع اختلاف يسير.

(2) الكافي ج 6 ص 190 ح 2، الوسائل ج 16 ص 33 ب 24 ح 1 وفيه " أو أعتقه ".


240

تصحيح ما يصح منه وإن كان فطحيا، لكن أيضا هذه العبارة مشتبهة ولهذا احتملوا فيها معاني متعددة.

فعلى هذا يمكن التمسك بظاهرها في صحة رواياته لمكان هذا الاجماع، فيمكن الاستناد إلى روايته.

فيجب حمل الاولى عليها بمعنى أنه لو لم يستثنه حملا للمطلق على المقيد.

ثم على تقدير توقف ملك المولى على استثناء المال عند العلم به لافرق عندهم بين أن يقدم على العتق وبين أن يؤخره مع الاتصال لأنه كلام واحد لايتم إلا بآخره.

والشيخ قد اشترط تبعا للروايات الآتية تقديم الاستثناء على التحرير لرواية جرير (1) التي نسبها فخر المحققين في شرح القواعد لوالده إلى حريز ووضعها بالصحة غفلة عن القرينة القبلية والبعدية " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل قال لمملوكه: أنت حر ولي مالك، قال: لا يبدأ بالحرية قبل العتق تقول: لي مالك وأنت حر برضا المملوك " ولأنه إذا قدم التحرير انعتق بقوله: أنت حر، فلا يقع الاستثناء موقعه.

هذا كلامه.

وتنظر فيه ثاني الشهيدين في المسالك بما حاصله: أن الرواية قد تضمنتشرطا زائدا وهو اعتبار رضا المملوك وهم لا يقولون وبأنا نمنع حصول التحرير قبل تمام الكلام لأن الشرط من جملة الصيغة، وهذا محقق.

وأما باقي الروايات التي أشرنا إليها فيما سبق فهي ترجع إلى موافقة هذه الروايتين وليس فيها تعرض لما في روايه أبي جرير الواقفي من تقديم هذا الشرط هي مطلقة، لكن يمكن ردها من جهة الاطلاق إليها، والأحوط مراعاة ما اشتملت عليه من التقديم والرضا، حيث إن باقي الروايات لا تأبى هذا التقييد.

(1) التهذيب ج 8 ص 224 ح 39، الوسائل ج 16 ص 34 ب 24 ح 5 وفيهما " أبى جرير - قبل المال يقول:


241

نعم قد جاء في بعض الروايات في هذا الحكم ما يدل على أن في بعض معتقات علي عليه السلام وكان له مال وأنه جعل المال لهم معا ثم جعل ما يخصه عليه السلام للعبد، ولعل هذا على جهة الاستحباب أو لاحتمال أن يكون له مال في نفس الأمر ولم يتعلق له علمه عليه السلام العادي، فاشترط جمع ذلك للعتق من باب التفضيل منه عليه السلام، وحينئذ فتنطبق الأخبار على ويترة واحدة.

ومن تلك الأخبار أيضا صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجل أعتق عبدا له وللعبد مال وهو يعلم أن له مالا فتوفي الذي أعتق العبد، لمن يكون مال العبد ؟ يكون للذي أعتق العبد أو للعبد ؟ قال: إذا أعتقه وهو يعلم أن له مالا فماله له، وإن لم يعلم فماله لولد سيده ".

وفي خبرين آخرين لزرارة (2) أحد هما من الصحيح والآخر من الضعيف غير ما تقدم " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل أعتق عبدا وللعبد مال، لمن المال ؟ فقال: إن كان يعلم أن له مالا تبعه وإلا فهو له ".

وأما الخبر المشتمل على فعل علي عليه السلام في جعله المال لعبده فهو خبر إسحاق ابن عمار (3) عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " أن عليا عليه السلام أعتق عبدا فقال له: إن ملك لي ولك وقد تركته لك ".

الثامنة: إن من أوصى بعتق ثلث ممالكيه استخرج ذلك الثلث بالقرعة، وقد جرت عادة أصحابنا في مؤلفاتهم أن يذكروا هذه المسألة تارة في العتق وتارة في الوصية، ثم إنه إذا تساووا عددا وقيمة أو اختلفوا وأمكن التعديل أثلاثا

(1) التهذيب ج 8 ص 223 ح 38 وفيه " عبد الرحمن بن أبى عبد الله قال: سألته -أيكون للذى "، الوسائل ج 16 ص 35 ب 24 ح 6.

(2) الكافي ج 6 ص 191 ح 4، التهذيب ج 8 ص 223 ح 36، الوسائل ج 16 ص 34 ب 24 ح 4.

(3) التهذيب ج 8 ص 237 ح 88، الوسائل ج 16 ص 35 ب 24 ح 7 وفيهما " أعتق عبدا له - ولكن قد تركته لك ".


242

فلا بحث، وإن اختلفت القيمة ولم يكن التعديل أخرج ثلثهم قيمة وأطرح اعتبار العدد.

وفيه تردد لمخالفته لاطلاق النصوص.

وإن تعذر التعديل عددا وقيمة أخرجناها بالقرعة على الحرية حتى يستوفي الثلث قيمة ولو بجزء من آخر.

ثم إنه يقع هذا في حالين: (أحد هما) إذا أعتقا جزء مشاعا كالثلث مثلا والثاني) مالو أعتق المريض الجميع فلم تنفذ وصيته إلا في الثلث واحتيج إلى إخراج الجزء المذكور استخرج بالقرعة.

وفي كيفيتها طرق، وهذه الطرق يشملها النص في ذلك، وهو صحيحة محمد ابن مسلم (1) " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل يكون له المملو كون فيوصيبعتق ثلثهم، كان علي عليه السلام يسهم بينهم ".

وصحيحة أبان عن محمد بن مروان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إن أبي ترك ستين مملوكا فأقرعت بينهم فأخرجت عشرين فأعتقهم ".

ورواه الصدوق بإسناده عن محمد بن مروان (3) أيضا.

وهذه الأخبار كما ترى قد دلت على القرعة ولكن لم تشتمل على بيان طرقها فتشتمل الطرق المناسبة لها أجمع.

وقد ذكر الشهيد في الدروس في كيفية القرعة وجهين: (أحد هما) أن يكتبا أسماء العبيد بعد تجزئتهم ثلاثة أجزاء وبعد التعديل، ثم يخرج على الحرية أو الرقية، فإن خرج على الحرية كفت الواحدة، وإلا أخرج رقعتين.

(وثانيهما) أن يكتب الحرية في رقعة والرقية في رقعة ويخرج على أسماء العبيد.

(1) التهذيب ج 8 ص 234 ح 75، الوسائل ج 16 ص 77 ب 65 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 234 ح 76 وفيه " وأوصى بعتق ثلثهم "، الوسائل ج 16 ص 77 ب 65 ح 2.

(3) الفقيه ج 3 ص 70 ح 23.


243

والذي روته العامة عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك وذكره كثير من علمائنا تبعا لهم في ذلك جمع كل ثلث في رقعة وقد كانوا ستة فجزأهم ثلاثة أجزاء اثنين اثنين، وهو الذي ذكره المحقق - رحمه الله - في الشرايع وهو يتم مع تساويهم قيمة وقبول العدد التجزئة أثلاثا كالستة، ولهذا كتب اسم كل اثنين في رقعة من غير أن يتعرض في الكتابة للحرية والرقية، ثم يسترها ويخرج، فإن أخرج على الحرية عتق الاثنان الخارجان أول مرة وصارت الأربعة المتخلفة أرقاء، وإن أخرج على الرقية استرق الخارجان واحتيج إلى إخراج اخرى، ويتخير حينئذ بين الاخراج على الحرية أو الرقية، وعلى أيهما أخرج حكم الخارج به وبقي من الرقعة الاخرى للآخر.

وإن كتب في الرقاع الحرية والرقية كما هو في الطريق الثاني من الطريقين المذكورين من غير أن يكتب أسماء العبيد بالطريق الثاني فليكتب في رقعة حرية وفي رقعتين رقية على نسبة المطلوب في القلة والكثرة، ثم يخرج باسم أحد أجزاء الثلاثة الذين ترتبوا سابقا، فإذا خرجت رقعة الحرية انفصل الأمر، وإن خرجت رقعة الرق استخرج المخصوصون بها واخرجت كما مر.

والطريق الثالث الذي ذكره البعض أن يكتب رقاع في الفرض المذكور إما بأسماء الستة اسم كل واحد في رقعة ثم يخرج على الحرية والرقية كما مر إلى أن يستوفي المطلوب، أو يكتب في اثنين حرية وفي أربع رقية ثم يخرج على واحد واحد إلى أن يستوفيه.

وهذا الطريق أعدل لأن جمع اثنين على حكم واحد ويمنع من افتراقها في الحرية والرقية.

ومن الممكن خروج أحد هما حرا والآخر رقا لكن المشهور بين الفقهاء وهو الأول لوروده في الرواية المشار إليها، والأقوى جواز العمل على الجميع لعدم نهوض الرواية المذكورة بالتعيين هذا كله إن أمكن تجرئتهم أثلاثا بالعدد والقيمة كأن يكون قيمة كل واحد منهم مائة.


244

وكذا لو اختلفت القيمة مع إمكان تعديلهم أثلاثا بالعدد كستة، قيمة ثلاثة منهم ستمائة كل واحد مائتان وثلاثة ثلاثمائة كل واحد مائة، فيضم كل خسيس إلى نفيس ويجعلان أثلاثا.

ولو اختلفت القيمة وأمكن التعديل بها دون العدد كما لو كان قيمة واحدمائتين وقيمة اثنين مائتين وقيمة ثلاثة مائتين ففي تعديلهم بالقيمة أو العدد وجهان، بل قولان، أظهر هما اعتبار القيمة فيجعل الواحد ثلثا والاثنين ثلثا والثلاثة ثلثا لأن المقصود الذاتي من العبيد المالية دون الأشخاص، ووجه اعتبار العدد موافقة المروي من فعل النبي صلى الله عليه وآله مع استبعاد تساوي الستة في القيمة بكل وجه، وفي بعض الأخبار أنهم كانوا متساوين قيمة.

ولو أمكن التعديل خاصة كست قيمة اثنين مائة واثنين مائة وخمسين واثنين ثلاثمائة قسموا ثلاثمائة بالعدد، فإن اخرج على الحرية فخرج اثنان مساويات الثلث قيمة فلا كلام، وإن خرجا ناقصين عتقا واكمل الثلث من الباقين بالقرعة، وإن خرجا زائدين اعيدت القرعة بينهما وعتق من تخرجه الحرية ومن الآخر تتمة الثلث.

وإن لم يمكن تعديل عدد ولا قيمة كخمسة قيمة واحد مائة واثنين مائة واثنين ثلاثمائة ففي تجزئتهم وجهان: (أحد هما) تجزئة ثلاثة بالعدد مراعاة لتقريب القيمة إلى التسوية ما أمكن، وإنما فعل ذلك تقريبا إلى المروي وإن لم يكن مثله.

(والثاني) وهو الأصح الاعتداد بالطريق الثالث خاصة فتكتب خمس رقاعوترخج - كما فصل - إلى أن يستوفي الثلث ولو بجزء من واحد.

وهذا مختار المحقق في الشرايع حتى لم يذكر غيره.

ولو كان قيمة الخمسة على السوي فعلى الطريق الأول يجزيه اثنين واثنين وواحدا، وعلى الطريق الثاني يكتب خمس رقاع بأسمائهم ويخرج على الحرية والرقية إلى أن يستوفي الثلث قيمة.

والوجه استعمال هذه في جميع الفروع


245

لا سيما عند تعذر التعديل قيمة وعددا.

واعلم أن اعتبار القرعة في كتابة الرقاع هو المعروف بين علمائنا لأنه موافق للرواية عن النبي صلى الله عليه واله ولروايات " من ولد وليس له ما للرجال ولا ما للنساء " كما سيجئ في الميراث، ولبعده من التهمة، وينبغي أن تكون متساوية، وأن تدرج في بنادق من طين أو شمع وتجعل في حجر من لم يحضر عملها، وأن تغطى بثوب أو تحت المصلى ويدخل من يخرجها بيده من تحت الثوب، كل ذلك ليكون أبعد من التهمة.

واختلفوا في تعيين العمل بالرقاع وعدمه وإن كانت الرقاع أفضل.

وتنظرفي ذلك شهيد المسالك، قال: لعدم دليل مخصص، وكما روي من فعل النبي صلى الله عليه واله بالرقاع كذلك فيما روي أنه أقرع في بعض الغنائم بالبعر وأنه أقرع مرة اخرى بالنوى.

فلو قيل بجواز القرعة في ذلك كله وأشباهه كان وجها لحصول الغرض وإن كان الوقوف مع المشهور أولى.

وفيه نظر، لأن هذين الخبرين من طريق العامة وليس من مروياتنا، ولم يجئ في أخبارنا إلا الرقاع والبنادق فكذلك أصحابنا لم يذكروا سواهما، وفي خبر الاحتياج والغيبة المرويين عن صاحب الزمان عليه السلام فيما خرجا من التوقيع للحميري النهي عن سوى الرقاع والبنادق في الاستخارة والقرعة لكنه - قدس سره - لم يقف على الرواية، واغتر بما روته العامة من الأخبار الموضوعة للغواية، ولكنهم - قدس الله أسرارهم - في مقام الروايات إما إفراط أو تفريط على وجه لا ينتهي إلى غاية.

وهذا البحث آت في جميع أفراد القرعة الواقعة في القسمة وغيرها بالخصوص لها في هذه الواقعة، لأن دائرتها في الأحكام والفتوى واسعة.

التاسعة: من اشترى أمة بثمن مؤجل نسية ولم ينقد شيئا من ثمنها فأعتقها و تزوجها وجعل مهرها عتقها ومات ولم يخلف سواها بطل عتقه ونكاحه ورجعتعلى البائع رقا، ولو جعلت كان ولدها رقا.


246

وقد تكلموا على هذا الحكم في موضعين بل في مواضع ثلاثة: (أحدها) في النكاح (والثاني) في العتق (و الثالث) في الميراث.

وقد قدحوا في مستند هذا الحكم في أصله لمخالفته للقوانين المعتبرة في النكاح وفي العتق وفي الأولاد، ومن ذلك عدل مشهور المتأخرين عنها وقالوا لا يبطل العتق ولا يرق الولد وطعنوا في أسنادها، وقد ذكرها المحقق في شرايعه مرتين، مرة في النكاح ومرة في العتق، واستوفى شارحوا كلامه هنا في النكاح، وقد تقدم من شارح الأصل كلام مستوفى في نكاح الاماء، ولا بأس بإعادة بعض ذلك الكلام تشييدا لذلك البناء وتنبيها عما عسى قد أغفله عن المناقشات التي يترتب عليها إزالة بعض الاشكالات هنا.

وأصل مستندهم في هذا الحكم موثقة أبو بصير (1) " قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام وأنا حاضر عن رجل باع من رجل جارية بكرا إلى سنة فلما قبضها المشتري أعتقها من الغد وجعل مهرها عتقها ثم مات بعد ذلك بشهر، فقال أبو عبد الله عليه السلام: إن كان للذي اشتراها إلى سنة مال أو عقدة (يوم اشتراها وأعتقها) يحيط بقضاءما عليه من الدين في رقبتها، فإن عتقه وتزويجه جائز، وإن لم يكن للذي عتقها وتزوجها مال ولا عقد يوم مات يحيط بقضاء ما عليه من الدين في رقبتها فإن عتقه ونكاحه باطل لأنه أعتق مالا يملك، وأرى أنها رق لمولاها الأول، قيل له: فإن كان قد علقت من الذي أعتقها وتزوجها فما حال ما في بطنها ؟ قال: ما في بطنها مع امها كهيئتها ".

قال المحقق في النكت بعد ذكره لهذه الرواية: إن سلم هذا النقل فلا كلام لجواز استثناء هذا الحكم من جميع الاصول المنافية لعله لا نتعقلها: لكن عندي أن هذا خبر واحد لا يعضده دليل فالرجوع الى الأصل أولى.

(1) الكافي ج 6 ص 193 ح 1، التهذيب ج 8 ص 231 ح 71، الوسائل ج 16 ص 35 ب 25 ح 1 وما في المصادر " عن هشام بن سالم " مع اختلاف يسير وما بين القوسين ليست في الرواية.


247

وفي الشرايع في مباحث النكاح صرح بردها، وقبله الفاضل ابن إدريس لمخالفتها الاصول الشرعية المقتضية لصحة التزويج والعتق لمصادفتهما الملك الصحيحوصدورهما من أهلهما في محلهما الموجب لصحتهما وحرية الولد.

والمتأخرون حيث اعتنوا بشأنها لصحة سندها عندهم، حيث إنها تارة رواها هشام عن أبى بصير كما في موضعين من التهذيب، وفي ثالث عن هشام عن أبي عبد الله عليه السلام بغير واسطة وكذلك في الكافي، وكذلك نسبها شهيد المسالك إلى الاضطراب.

ومع ذلك فقد قدحوا في هشام المذكور لما ينسب له من العقائد الفاسدة وإن كان الأقوى براءة ساحته، فاحتاجوا بعد قبولها إلى تأويلها وردها إلى القواعد فحملها العلامة على وقوع العتق والنكاح والشراء في مرض الموت بناء على مذهبه من بطلان التصرف المنجز مع وجود الدين المستغرق وحينئذ فترجع رقا وتبين بطلان النكاح.

واعترضه السيد عميد الدين بأنها قد حكمت يعود ولدها رقا كهيئتها، وهذا التأويل لا يتمشى في عود الولد لأن غايته بطلان العتق في المرض فتبقى أمته، فإذا وطأ الحر أمته لا يرجع ولده رقا بل غايته أن امه تباع في الدين.

وابنه فخر المحققين أجاب عن هذا الاشكال بأنه ليس في الرواية ما يدلعلى رقية الولد، إذ ليس فيها سوى قوله في شأنه " كهيئتها " وهو أعم من أن يكون كهيئتها في حال حريتها قبل ظهور عجزه من الثمن فيكون حرا أو بعده فيكون رقا.

ورده أول الشهيدين في شرح نكت الارشاد بأن هذا إيراد على النص، فإن المفهوم من قوله " كهيئتها " ليس إلا أن حكمه كحكمها في حال السؤال، وقد حكم بذلك قبل رقيتها فيكون ولدها رقا.

فتدل هذه العبارة بالمطابقة على رقيته لأن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، وارتكاب هذا التأويل يمنع التعلق


248

بجميع النصوص وفي التزامه فساد لا يخفى على المتأمل ورجوع عن طريقة الاستدلال ونكوص.

ومع ذلك أنه لا يتم في الولد ولا في الام أيضا من وجه آخر وهي من أن الرواية دلت على عودها رقا للبائع، وأين هذا من الحمل ومقتضاه لأن مقتضاه جواز بيعها في دينه لاعودها إلى ملك بائعها.

وحملها بعضهم على ما هو أبعد من فساد البيع وعلم المشترى به فيكون زانيافتلحقة الأحكام.

ورد بأن الرواية قد فرقت في هذا الحكم بين ما إذا خلف ما يقوم بقضاء ما عليه وبين عدمه لصحة النكاح والعتق في الأول دون الثاني، وعلى القول بفساد البيع لا يمكن جواز هما، خلف شيئا أم لم يخلف.

ونزلها ثالث على أنه فعل ذلك مضارة ومن شرائط العتق القربة.

ورد بأنه لايتم أيضا في الولد.

وبالجملة: أن كلامه على هذه الرواية في القبول والرد إفراط وتفريط وكلما أتوا به من النصوص والأجوبة عنها مخدوشة، فليس سوى تلقيها بالقبول وإخراجها بالاستثناء من تلك القوانين والاصول، صونا لأخبارهم عليهم السلام عن النقوض ومخالفة المنقول.

نعم يجب الاقتصار على مؤداها فيقيد الثمن بالنسية ويكون التزويج على هذه الهيئة ومهرها عتقها ووقوع وفاته وهي حامل وتكون النسية إلى سنة، ومن عمل بها لم يعتبر ذلك كله، نظرا إلى عدم أدخلية مثل ذلك في الحكم، وكذلك يعتبر بكارتها، ولا يصح إجراء حكمها في العبد ولو اشتراه نسية أو مطلقا فأعتقه، لما بينهما من الفرق عند الاقتصار على مورد النص المخالفلقوانين العامة، وحيث إنه لا بد من قبولها لقوة طريقها وعمل القدماء بمضمونها فلنقتصر على المنصوص بالخصوص، للسلامة من هدم تلك القواعد التي هي كالبناء المرصوص.


249

العاشرة: إذا أوصى شخص بعتق عبده فخرج من الثلث كما هو شأن الوصية لزم الورثة إعتاقة، فإن امتنعوا عتقه الحاكم عليهم جبرا فيحكم بحريته حين الاعتقاق لا حين الوفاة، فيكون ما بين الاعتاق والوفاة من المدة لم يخرج عن الرق إذ لا ينفك عن اخر هذين الأمرين.

فلو اكتسب قبل الاعتاق وبعد الوفاة فلمن يكون كسبه ؟ له لاستقرار سبب العتق بالوفاة ؟ أو للوارث لتحقق العتق عند الاكتساب ؟ قولان، أحد هما للشيخ وهو أن يكون كسبه في ذلك الوقت له، وهذا في المبسوط مستدلا بما ذكره المحقق وغيره من استقرار سبب العتق الوفاة، ويتجه أن السبب المقتضي لانتقال مال الوصي عن ملك الوارث وانصرافه إلى الوصية مستند إلى الوصية والموت.

فكل منهما جزء لسبب وبالموت يتم السبب، فيكون العبد الموصى بعتقه بعدالموت بمنزلة الحر وإن توقفت حريته على الاعتقاق فيتبعه الكسب لكن لا يملكه إلا بعد العتق لأنه قبله رق لا يملك، وإنما كان أحق به.

ورده المحقق بمنع استقرار السبب بالموت لأنه مركب من ثلاثة أشياء: الوصية والموت وإيقاع صيغة العتق.

كما يتوقف ملك الوصية لو كانت لمعين على قبوله مضافا إلى وصيته، وموت الموصي قبل القبول لا يملك وإن حصل الأمران الأخيران، ولو كان سبب العتق قديما واستقر وجب أن يثبت معلوله وهو العتق وهذا لا يقول به حيث حكم بالرقية، وإنما يتحرر بالاعتاق، وحيث لم يكن تاما لم يثبت معلوله، وملكه له متوقف عليه ولما امتنع خلو الملك عن المالك ولم يكن العبد مالكا قبل العتق تعين أن يكون لا وارث إذ لا ثالث لهما.

واستشكل ذلك ثاني الشهيدين في المسالك بأن الله تعالى جعل الارث بعد الوصية النافذة كما هو صريح الكتاب والسنة والاجماع، والغرض هنا كذلك وذلك يمنع من ملك الوارث له لخروجه عن ملكه بالوصية، غايته أن يكون الملك مراعى بالاعتاق فيتبعه الكسب، ويكشف عن سبق ملكه له كما يكشف عن


250

سبق الموصى له عن الوصية من حين الموت، وفي حكم ما لو أوصى بعقار يوقف في بعض الجهات واخرج من الثلث قبل أن يوقف فإن نماءه يسبل لتلك الجهات أما الموصى به على وجهه لا يتوقف على الصيغة كقوله أخرجوا عني العين الفلانية في حجة ونحوها، فنماؤها بعد الموت وقبل الاخراج في الجهة تابع لها قطعا لتعينها لتلك الجهة وخروجها عن ملك الوارث بالموت.

الحادية عشرة: لو أعتق المالك مملوكه عن غيره بإذنه فالمشهور بين الأصحاب وغيرهم صحة ذلك العتق ووقوعه عن الآمر، خلافا لابن إدريس حيث حكم بوقوعه عنه، نظرا إلى أن وقوع العتق عن الشخص مترتب على ملكه له، لقوله صلى الله عليه واله في الأخبار المستفيضة " لاعتق إلا في ملك " وهو منتف عن الآمر قطعا وموجود في المعتق، فيقع عنه لا عن الآمر.

وقد أجاب القائلون بوقوعه عن الأمر بانتقال الملك إليه آناما، وهو عند نية عتقه ليتحقق شرط صحة العتق، استدلوا على الأمرين بصحيحة بريد بن معاوية العجلي (1) عن الباقر عليه السلام " قال: سألته عن رجل كان عليه عتق رقبة فمات قبل أن يعتق، فانطلق ابنه فابتاع رجلا من كسبه فأعتقه عن أبيه، وأن المعتقأصاب بعد ذلك مالا ثم مات وتركه، لمن يكون تركته ؟ قال: فقال: إن كانت الرقبة التى كانت على أبيه في ظهار أو شكر أووجبت عليه فإن المعتق سائبة لا سبيل لأحد عليه " وساق الحديث إلى أن قال: " وإن كانت الرقبة على أبيه تطوعا وكان أبوه أمره أن يعتق عنه نسمة فإن ولاء المعتق ميراث لجميع ولد الميت من الرجال (2) قال: وإن كان ابنه الذي اشترى الرقبة فأعتقها عن أبيه من ماله بعد

(1) الكافي ج 7 ص 171 ح 7، الوسائل ج 16 ص 53 ب 40 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(2) وفيهما هنا " قال: ويكون الذى اشتراه وأعتقه بأمر أبيه كواحد من الورثة إذا لم يكن للعتق قرابة من المسلمين أحرارا يرثونه ".


251

موت أبيه تطوعا منه من غير أن يكون أبوه أمره بذلك فإن ولاءه وميراثه للذي اشتراه من ماله وأعتقه عن أبيه إذا لم يكن للمعتق وارث من قرابته ".

ووجه الولاء له أن ثبوت الولاء للآمر متوقف على انتقال الملك إليه ووقوع العتق (عتقه خ ل) عنه تبرعا لا في حق واجب عليه وقد أثبته له فثبت اللزوم وهوالملك له وتنظر في هذا التوجيه جماعة بما حاصله: أنه قبل الموت لا يتصور الملك له لأن المفروض أن الولد إنما إشترى النسمة بعد موته فكيف يحكم بملكه لها قبل الشراء ؟ وكذا بعد الموت لا يعقل ملك الميت لما قد تجدد سببه، والولاء حكم شرعي إذا جعله الشارع حقا لمن أعتق عنه، وإن لم يكن مالكا صح، وهو هنا كذلك.

ولا يلزم انتفاء ملك الميت بعد موته لما للغير.

ويمكن الجواب بأن الميت يمكن أن يملك بعد الموت إذا كان وقد أحدث سببا له وإن له يتم كما لو نصب شبكة وهو حي ثم وقع فيها الصيد بعد وفاته، وهنا كذلك لأن أمره بالعتق جزء السبب المملك أو تمام السبب، والعتق شرط، فصح أن ينكشف به ملكه قبل موته والرواية الصحيحة مؤيدة لذلك.

وقد اختلف العلماء في وقت انتقال الملك إلى الامر إلى أقوال: أحد ها: أن الملك يحصل عقيب الفراغ من لفظ الاعتاق على الاتصال، وفيه أنه يستلزم تأخر العتق عن الاعتاق بقدر ما يتوسطهما الملك، واعتذروابأن تأخر الاعتاق عن العتق بسبب أنه إعتاق عن الغير، ومثله يقع في قوله: أعتقت عبدي عنك بكذا وكذا درهما، فإن عتقه يتوقف على قبول المعتق عنه ويلزم منه تأخر العتق عن الاعتاق.

ونسب المحقق - رحمه الله - هذا القول إلى التحكم، لأن الدليل الدال على صحة هذا العتق إن سلم دلالته على انتفال الملك فليس فيه توقيت له، فتخصيصه


252

بهذا الوقت تحكم.

وثانيها: أنه يحصل الملك بشروعه في لفظ الاعتاق، ويعتق إذا تم اللفظ بمجموع الصيغة فالجزء الأخير علة للعتق وهو ملك الآمر، والكل سبب لزوال ملكه عنه للاعتاق، وهو قول المفيد والعلامة وولده فخر المحققين في شرحه على القواعد.

وفيه أنه يستلزم صيرورته ملكا للامر قبل تمام الصيغة، فلو فرض ملكه قبل إكمالها خرج عن ملكه ولم يقع المعتق.

وثالثها: أنه يحصل الملك للمستدعي بالاستدعاء، ويعتق عليه إذا تلفظالمالك بالاعتاق.

ويرد عليه ما ورد عليه ما ورد على السابق وزيادة.

ورابعها: أنه يحصل الملك والعتق معا عند تمام الاعتاق، وفي هذا سلامة عن المحذور السابق، لأن اشتراط وقوع العتق في الملك يقتضي تقديم الملك على العتق فلا يتم وقوعهما معا في وقت واحد عند تمام لفظ العتق.

خامسها: أنه يحصل بالأمر المقترن بصيغة العتق فيكون تمام الصيغة كاشفا عن سبق الملك عليها وعدم إيقاعها بعد الاستدعاء لو قطعها أو وقع خلل فيها، دال على عدم حصول الملك بالأمر لعدم حصول ما يعتبر في صحته وهو اقترانه بالأمر بالعتق.

وفيه أن الاقتران المذكور يكون شرطا في سبق الملك ولا يتحقق الاقتران إلا بتمام صيغة العتق فليزم تأخر الملك عن الاعتاق وإلا لتأخر الشرط عن المشروط.

ولأجل كثرة هذه المؤاخذات والنقوض وورود هذه الاشكالات على هذه المقالات قال المحقق - رحمه الله - ونعم ما قال: إن الوجه في ذلك كله هو الاقتصارعلى الثمرة وهو صحة العتق من الآمر وبراءة ذمته من الكفار والحق الواجب،


253

ولا يجب علينا البحث والتفتيش عن وقت الانتقال إليه فإن ذلك ظنون وتخمين لا يرجع إلى دليل صالح متين.

ولو كان المعتق في هذا الحال أب الآمر صح عتقه ولو في الكفارة على إشكال.

ووجهه احتمال عدم الاجزاء لأنه إما أن يكون ملكه قبل انعتاقه أو لا، وإيا ما كان فالظاهر عدم الاجزاء.

(أما) الأول فلأن ملكه يستلزم عتقه عليه قهرا بالسبب لا اختيارا، فلا يصح عتقه عن الكفارة لاشتراطه بالاختيار.

(وأما) عن الثاني فلا يصح العتق أصلا فضلا عن عتقه في الكفارة، لما ثبت أنه لاعتق إلا في ملك، ولأن شرط العتق النية لأنه عبادة ولا يمكن تحققها إلا بعد تحقق الملك إذ قبل الملك لا يصح نية العتق ويكون قبل تحقق العتق فتكون بينهما، وهذا محال لأنه لافاصل بينهما متحقق فيه النية.

ويحتمل الاجزاء لأن الموجب للعتق هنا الصيغة التي وضعها الشارع للعتق الصادر اختيار منه بالنية لاغيرها، لأن ذلك الغير إما الملك أو النسب أو هماأو حكم الشارع بشرط وجود الملك والنسب، والظاهر انتفاء الأولين، إذ الملك علة معدة لوجود خاصتها فيه، وكذا النسب لاجتماعه مع الملك ابتداء، وعلة العدم لا تجامع الوجود ابتداء، وليس هذا محل تحقيقه.

ولو سلمنا فإنه إنما يقتضي مع عدم المانع، والمانع هنا من تأثير ذلك السبب موجود وهو الصيغة، فإن اقتضاءها الملك مشروط بكونها صالحة لكونها موجب العتق لأنها إن لم توجب هي ولا جزؤها الملك لم توجب العتق، وكونها صالحة للتأثير في إيجاب العتق يمنع من إيجاب الملك أو النسب أو حكم الشرع للعتق لابسببها فينعتق بها لا بغيرها، وهذا الملك لا يصلح للاعتاق بالنسب ولالكونه شرطا له، وكذا النسب هنا لأنه إعتاق بالنيابة ولا شئ من العتق النسبي كذلك، فكل عتق بالصيغة الموضوعة للعتق شرعا تجزي عن الكفارة، فالأولى إذا الاجزاء.

فلا يرد هنا ما قرروه من الاشكال على هذه المسألة وهو لزوم الدور الفقهي


254

وتقريره على ما ذكره شارح القواعد أن ثبوت ملكه المترتب عليه العتق عنه يؤدي إلى عدمه وكلما يستلزم ثبوته عدمه محال.

أما الاولى فلأن ملكه يستلزمعدم انعتاقه لأن عتقه إما بوكالة عنه أولا، فالأول محال لأنه قد يكون وكله في عتق عبد غيره فلا يصح لأن الوكالة معلقة حينئذ، والثاني محال لأن العتق لا يقف على الاجارة إذ لا يقع فضوليا بل يبطل إذا وقع على ملك الغير، وقد تقدمت أدلته المعتبرة الصحيحة، وبطلان عتقه يستلزم عدم ملكه قطعا، لأنا نجيب عن ذلك بأن عتقه بإذنه والاذن هنا يصح لأن الملك مستلزم للعتق، والاذن هنا يصح إيقافه على شرط إلا أنه ليس بوكالة.

الثانية عشرة: لو نذر عتق العبد المقيد انحل قيده وعتقه إن نقص وزن القيد عن عشرة دراهم مثلا فشهد عدلان عند الحاكم بالنقص فحكم بعتقه وأمر بحل قيد فظهر كذبهما عتق بحل القيد وظهر أنه لم يعتق بالشرط الذي حكم الحاكم بعتقه به.

وتقرير هذه المسألة على جهة التفصيل وإن كانت مسلوبة الدليل من النصوص، بالخصوص إنه إذا علق نذر العتق بكل واحد من شيئين وجعل كل واحد منهما سببا تاما، فإيهما حصل حصل وجود العتق به كما في المثال الذي ذكرناه، وتوجيهه مبني على مسائل:الاولى: أن إلزام الحاكم بالعتق بالقهر إن كان مطابقا لنفس الأمر فهو ليس لاكراه، والعتق الصادر من المالك بالقهر المذكور صحيح لأنه قهر شرعي، وإنما يبطل التصرف بالاكراه إذا كان الاكراه غير شرعي، فأن كان شرعيا في الظاهر وغير شرعي في نفس الأمر لم يكن العتق صحيحا في نفس الأمر وإن حكم به الحاكم، فإذا ظهر كون القهر غير شرعي في نفس الأمر ظهر بطلان العتق.

والثانية: إنه إذا نذر عتقه إن كان قيده ناقصا عن عشرة دراهم وعتقه انحل بصيغة البناء للمجهول ترتب على حله من أي شخص كان.


255

الثالثة: أن الحاكم لا يأمر بحل القيد بمجرد الحكم بوجود العتق، بل أوقع صيغة العتق الشرعية إما هو أو وكيله أو الحاكم إن امتنع أو غاب أو مات من غير وارث بالغ.

فقولهم في المسألة " حكم بعتقه " أي بعد أن الزم بالعتق، فلما عتق بأحد المذكورين حكم الحاكم بعتقه ثم أمر بحل قيده.

ثم إنه على تقدير كذبهما وعتقه بحل القيد هل يضمنان بقيمة العبد أم لا ؟ إشكال من أن الحكم - وهو العتق له - لم يحصل بشهادتهما بل بحلقيده ولم يشهدا به، ولأنه لو باشرا الحل لم يضمنا، فعدم الضمان بشهادتهما أولى، ومن أن شهادتهما الكاذبة سبب إتلافه، وكلما أتلفا شيئا بسبب الشهادة الكاذبة ضمنا، كما عليه النص والاجماع كما في غير هذه المسألة، ولأنه قد ثبت في أسباب الضمان للمتلف أن سبب السبب موجب للضمان، فإن واضع الحجر في الطريق - إذا عثر به غيره فوقع في بئر حفر ظلما - ضامن دون الحافر، وأيضا أنه السبب الأولى.

وأما قولهم في الوجه الأول " أنه لو باشرا حله لم يضمنا " فهنا أولى، إنما لم يضمنا قيمة العبد لأنهما سبب لوجوب العتق عليه يجعله سببا والأصل له حصول الثواب على الله تعالى لأنه فعل ما كلف به.

لا يقال: كيف يجامع عدم الضمان بالشهادة ؟ لأنا نقول: إن شهادة الزور يعاقب عليها ولا يعاقب على الحل لتشديد الشارع فيها، لكن في عدم ضمانها بالحل منع سنصرح به، فالأصح أنه لا ضمان عليهما.

ولو حله أجنبي لم يضمن، عالما كان بالنذر أو جاهلا به، نهاه المالك أو لا، على إشكال.

ووجه هذه الفروغ أنه إذا حله أجنبي وترتب عليه العتق المذكورفإما أن يكون عالما النذر أولا، وعلى كل تقدير فإما أن يكون حله بأمر المالك أو مع نهي المالك أولامع أمره ولا نهيه، فالأقسام ستة: الأول: أن يكون عالما وأمره الملك.


256

والثاني: أن يكون جاهلا وأمره المالك، ولا إشكال في أنه لا يضمن في هاتين الصورتين قطعا.

والثالث: أن يكون عالما ونهاه المالك، فيحتمل هنا الضمان لأن المتلف من أوجد السبب الموجب للتلف لا من جعله سببا، ولا يوصف بالقبح هنا بل إنما يوصف مع وجود التلف به، فإن من ألقى الغير إلى النار لاتوصف بسببيته النار بالقبح هنا بل إنما يوصف الالقاء به وهو فعل الملقي، ولأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه وحصل التلف بسببه فيضمن، ويحتمل عدمه لأن سبب العتق النذر، والحل ليس عقلا ولا شرعا بنفسه، وأن المالك يحصل له بعتقه الثواب الدائم، ولو ضمنه الغير لحصل للمالك العوض وزال ما بإزاء المال، وليس كذلك.

الرابع: أن يكون جاهلا ونهاه المالك، والاشكال كما تقدم، وجاهل الحكملا يعذر في حقوق الآدميين.

الخامس: أن يكون عالما ولاتوجه أمر المالك ولانهيه، والاشكال كما تقدم، والضمان في الأولين أقوى.

السادس: أن يكون جاهلا ولا يأمر به ولا ينهاه، ووجه الاشكال ما تقدم.

الثالثة عشرة: لو أعتق ثلاث إماء في مرض الموت وليس له مال سواهن اخرجت واحدة بالقرعة، فإن كان بها حمل تجدد لها بعد الاعتاق، فهو حر بالنص والاجماع إن كان متولدا من حر، وإن كان سابقا على الاعتاق فهو موضع خلاف، فالمشهور أنه لا يتحرر بتحرر امه، وهو حمل كما سيجئ.

والشيخ في كتابي الأخبار والنهاية على تحرره بتحرر امه إذا كان حملا كما في خبر السكوني وخبر الجعفريات، وسيأتي ذكرهما في الفروع الآتية.

وقد سبقه إلى ذلك الاسكافي لذينك الخبرين ولأنه بمنزلة الجزء منها، وإنما اخرجت بالقرعة لأن كل واحدة منهن ثلث التركة، فلو كن مختلفات في القيمة اخرج الثلث خاصة ولو كان جزء من واحدة، فما زادوا على تقدير


257

دخوله لا بد من تقويمه أيضا ليحتسب على الورثة.

ثم إن ولد قبل موت المعتق قوم منفصلا حال الوفاة - على ما تقرر في الوصية - وإن بقي حملا إلى أن مات قوم حملا وإن انفصل بعد ذلك، ولأن الزيادة بالوضع حصلت في ملك الوارث إن اتفقت، وهذه

المسألة ليس في النصوص ما يدل عليها بالنصوص لكنه متفرع على كون المنجزات في مرض الموت من الثلث.

وأما على تقدير أنها من الأصل يسقط هذا البحث من أصله، وقد تقدم في الوصايا الكلام على هذه المسألة، ومنه شيخنا هناك على أن المختار أنه من الأصل لدلالة أكثر الأخبار على أن الانسان مسلط على ماله ما دامت الروح فيه.

الرابعة عشرة: إذا أعتق ثلاثة عبيد في مرض الموت وقلنا إن المنجزات من الثلث ولم يملك غيرهم ثم مات أحدهم اقرع بين الميت والأحياء، فإن أخرجت القرعة الميت حكم بحريته واسترق الحيان، وإن خرجت بأحد الحيين حكم على الميت أنه مات رقا لكنه أنه لا يحتسب من التركة ويقرع بين الحيين قرعة اخرى أو يحرر منهما ما يحتمله الثلث من التركة الباقية وهي الاثنان لأنه ليس له سواهما، ولو عجز أحد هما عن الثلث اكمل من الآخر.

وتقرير هذه المسألة على التفصيل بأنه إذا أعتق ثلاثة أعبد في مرض الموت- وهو لا يملك غيرهم بعد موت السيد أو قبله - قبل قبض الوارث اقرع بين الميت والحيين ولا ينزل الميت ابتداء كالمعدوم وأبقى للوارث مثلا ما فات، لأن الميت إنما مات بعد عتقة في نفس الأمر حيث يخرج القرعة بعتقه، وهو قبل القرعة صالح للحرية والرقية، فإذا اقرع بينهم ظهر حاله، فإن خرج عليه سهم الحرية بان أنه مات حرا مورثا عنه، واسترق الآخران على تقدير تساويهم قيمة، فورثته يجهزوه إن كان له‌مال من أصل ماله، وإلا فعلى الوارث إن أوجب موته التجهيز على الوارث، وربما قيل إنه من بيت المال ولم يثبت.

وإن خرج له سهم الرق لم يحسب على الورثة لأنهم يبغون المال ومنفعته،


258

ويحتسب به على المعتق يبتغي به الثواب وتعاد القرعة بين الحيين وينزلان منزلة ما لو لم يكن سواهما مال وقد أعتقهما.

فمن خرج له سهم العتق أعتق ثلثاه واسترق ثلثه والعبد الآخر، وإن خرج سهم العتق على أحد الحيين ابتداء اعتق ثلثاه وبقي ثلثه والآخر رقا كما في المسألة الاولى بعد الاقراع الثاني ويبقي موت الآخر رقا.

ولو كان موته بعد قبض الوارث ففي احتسابه عليه وجهان، أقواهما نعم، حتى لو خرجت القرعة لأحد الحيين عتق كله، وذلك لأن الميت دخل في أيديهم وضمانهم.

ووجه العدم أنهم لايتسلطون على التصرف وإن ثبت أيديهم الحسبة، فيكون كما لو مات قبل ثبوت أيديهم وقبضهم.

وظاهر عبارة المحقق - رحمه الله - في الشرايع القول الثاني لاطلاق كلامه بعدم الاحتساب على الورثة، ولو كانت الضرورة بحالها ومات اثنان اقرع بينهم أيضا، فإن أخرج السهم الحرية على أحد الميتين أعتق نصفه خاصة وجعل للورثة مثليه وهو العبد الحي.

وإن خرج سهم الرق عليه أقرع بين الميت الآخر وبين الحي، فإن خرج سهم الحرية على الميت الآخر أعتقنا نصفه وحولنا الحي للورثة وهو مثلا ما أعتق، وإن خرج سهم الرق عليه لم يحتسب على الورثة وأعتق ثلث العبد الحي.

ولو كان موت الميت منهم بالقتل الموجب للقيمة دخل القتيل في القرعة مطلقا لأن قيمته تقوم مقامه على تقدير رقيته، فلا يفوت الوارث المال، ثم إنخرج سهم العتق لأحد الحيين عتق أجمع وبقي للورثة الآخر وقيمة القتيل، وإن خرج على القتيل ظهر كونه قتل حرا وعلى قاتله الدية لورثته.

هذا كله مع تساويهم في القيمة كما فرضناه في أصل المسألة.


259

أما لو اختلفت القيمة فالواجب عتق ثلث الجميع بالقيمة، فإن خرجت لواحد القرعة وكانت قيمته بقدر الثلث فذاك، وإن نقص اكمل من الآخر، ولو زاد كان فاضله رقا.

فوائد الاولى: من أقر بعتق مماليكه للتقية أو دفع الضرر لم يلزم بهذا الاقرار ولم يقع العتق عليهم.

لخبر الولد بن هشام (1) وغيره " قال: قدمت من مصر ومعي رقيق فمررت بالعاشر فسألني فقلت: هم أحرار كلهم، فقدمت المدينة ودخلت على أبي الحسن عليه السلام فأخبرته بقولي للعاشر، فقال لي: ليس عليك شئ ".

ورواه الصدوق بإسناده عن الحسين بن سعيد (2) نحوه.

الثانية: لو أقر أحد الورثة و شهد بعتق المملوك جازت شهادته في حصته لا في حصة الباقين، ولا تقع السراية في باقية مع ضمان المقر لقيمته للورثة، وذلك إذا كان المقر مرضيا لعدالته، بل يستسعى العبد في باقي قيمته.

لصحيحة محمد بن مسلم (3) كما في التهذيب و الفقيه، ولخبره (4) كما في التهذيب عن أحد هما عليهما السلام " قال: سألته عن رجل ترك مملوكا بين نفر فشهد أحد هم أن الميت أعتقه، قال: إن كان الشاهد مرضيا لم يضمن، وجازت شهادته في نصيبه، ويستسعى العبد فيما كان للورثة ".

(1) التهذيب ج 8 ص 227 ح 48، الوسائل ج 16 ص 71 ب 60 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 84 ح 8.

(3) الفقيه ج 3 ص 70 ح 24، التهذيب ج 8 ص 234 ح 77، الوسائل ج 6 ص 66 ب 52 ح 1.

(4) التهذيب ج 8 ص 246 ح 121.


260

وصحيحة منصور بن حازم (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل هلكوترك غلاما، فشهد بعض ورثته أنه حر، قال: إن كان الشاهد مرضيا جازت شهادته، وليستسعى فيما كان لغيره من الورثة ".

وخبر منصور (2) أيضا كما في الفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل مات وترك عبدا، فشهد بعض ولده أن أباه أعتقه، قال: تجوز عليه شهادته ولا يغرم، ويستسعى الغلام فيما كان لغيره من الورثة ".

وكذلك خبره (3) المروي في الكافي ومرسلته (4) المروية في الكافي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجل مات وترك مملوكا، فشهد بعض ورثته أنه حر، فقال: إن كان الشاهد مرضيا جازت شهادته في نصيبه، واستسعى فيما كان لغيره من الورثة ".

وسيأتي تتمة المسألة في الاقرار.

الثالثة: إن من أعتق عبدا وعلى العبد دين لم يلزم السيد إلا أن يكون قد استدانه لمولاه أو أذن له بالتجارة واستدان فيها بإذنه.

كما تضمنته روايتا ظريف بياع الأكفان كما في التهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام لقوله في الاولى (5) " سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غلام لي كنت أذنت له فيالشراء والبيع فوقع عليه مال للناس وقد أعطيت به مالا كثيرا، فقال أبو عبد الله

(1) التهذيب ج 8 ص 246 ح 122، الوسائل ج 16 ص 66 ب 52 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 4 ص 170 ح 1، الوسائل ج 13 ص 401 ب 26 ح 1.

(3) الكافي ج 7 ص 42 ح 1.

(4) الكافي ج 7 ص 43 ح 2، الوسائل ج 13 ص 402 ب 26 ح 4 وفيهما " وترك غلاما مملوكا ".

(5) التهذيب ج 6 ص 196 ح 56، الوسائل ج 13 ص 118 ب 31 ح 2 وفيهما " مال الناس ".


261

عليه السلام: إن بعته لزمك ما عليه وإن أعتقه فالمال على الغلام وهو مولاك " والثانية (1) " قال عليه السلام إن بعته لزمك وإن أعتقته لم يلزمك الدين، فأعتقه ولم يلزمه شئ.

" ورواه الكليني (2) مرسلا عنه عليه السلام ".

وفي خبر أشعث (3) عن أبي الحسن عليه السلام " في الرجل يموت وعليه دين وقد أذن لعبده في التجارة وعلى العبد دين، قال: يبدأ بدين السيد ".

وخبر شريح (4) " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام في عبد بيع وعليه دين قال: دينه على من أذن له في التجارة وأكل ثمنه ".

وهذان الخبران مقيدان لذينك الخبرين وهما أعم من أن يعتق العبد وأن لا يعتق.

وقد تقدم الكلام من المصنف في كتاب الديون.

الرابعة: لو أبق العبد ولم يعلم بموته ولا بحياته فالأصل حياته فيجوز عتقه ولو في الكفارات الواجبة على الأصح.

وللأصحاب في هذه المسألة خلاف ذكره في كتاب الكفارات وأعرضوا عنه في كتاب العتق، وربما ذكره بعضهم في العتق أيضا، والمشهور بين أصحابنا ما ذكرناه، ومنع بعضهم تبعا لبعض الشافعية، واستوجبه في المختلف فيه إلى الظن فيصح عتقه مع ظن حياته ويبطل مع ظن وفاته واشتباه الحال، والأصح ما قلناه.

ويدل عليه من الأخبار صحيحة أبي هاشم الجعفري (5) كما في الكافي

(1) التهذيب ج 6 ص 199 ح 68، الوسائل ج 13 ص 118 ب 31 ح 3.

(2) الكافي ج 5 ص 303 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 248 ح 129، الوسائل ج 16 ص 67 ب 55 ح 1.

(4) التهذيب ج 8 ص 248 ح 130، الوسائل ج 16 ص 68 ب 55 ح 2.

(5) الكافي ج 6 ص 199 ح 3، الفقيه ج 3 ص 86 ح 13 وفيه " عن رجل له مملوك قد أبق منه‌يجوز.

" وتنتهى الرواية فيه الى " منه موتا "، التهذيب ج 8 ص 247 ح 123 وما في المصادر الثلاثة " كفارة الظهار " فقط، الوسائل ج 16 ص 62 ب 48 ح 1 وما في المصادر " يعرف " بدل " تعرف ".


262

والفقيه والتهذيب " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل أبق منه مملوكه، أيجوز أن يعتقه في كفارة اليمين والظهار ؟ قال: لا بأس به ما لم تعرف منه موتا.

قال أبو هاشم: وكان سألني نصر بن عامر القمي أن أسأله عن ذلك " إلا أنه في الفقيه أسقط لفظ اليمين.

وخبر أحمد بن هلال (1) كما في الفقيه " قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام كان علي عتق رقبة فهرب لي مملوك ولست أعلم أين هو يجزي عتقه ؟ فكتب عليه السلام: نعم ".

الخامسة: أن من أعتق أمة حبلى ولم ينص على ولدها بالعتق لم يكن الولد معتقا ولا يصح عتقه حملا بالانفراد إلا بضمه لامه وتكون امه مدبرة عند علوقها بالحمل فيقع الحمل مدبرا، وكذلك المكاتبة، وسيجئ بيان ذلك كله مفصلا.

وخالف الشيخ والاسكافي قبله فحكما بعتق الحمل بمجرد عتق امه وإن استثنى الحمل من العتق فبلغ الشرط عند هما لما رواه الشيخ والصدوق بإسناديهما عن السكوني (2) عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام " في رجل أعتق أمة وهي حبلى فاستثنى ما في بطنها، قال: الأمة حرة وما في بطنها حر لأن ما في بطنها منها ".

وقد مضي في كتاب البيع نوع تحقيق لهذه المسألة حيث إن الشيخ وابن الجنيد حكما بتبعية الحمل للأمة في البيع عند إطلاق بيع الام، كما حكما بذلك في العتق، مستدلين بذلك بأن الحمل منزلة العضو منها، وبخبر السكوني المذكور بتنصيصه على تبعية الأمة في العتق وإن استثنى.

والأولى حمل هذا الخبر على التقية لمغايرة الحمل لها، لأنه كثير ما يتحرر دونها كما لو كان والده حر

(1) الفقيه ج 3 ص 85 ح 12، الوسائل ج 16 ص 63 ب 48 ح 2 وفيهما " لست - يجزينى ".

(2) الفقيه ج 3 ص 85 ح 8، التهذيب ج 8 ص 136 ح 84 وفيهما " عن جعفر عن أبيه عليهما السلام في رجل "، الوسائل ج 16 ص 79 ب‍ 69 ح 1 وفيه " عن جعفر عن آبائه ".


263

ولأنه تلزمه أحكام لا تلزمها كإسلامه وعتقه دونها، ولأن الجناية عليه غير الجناية عليها، وأمثال ذلك من اللوازم المذكورة في مظانها، وستجئ البينة زيادة على ما هنا في التدبير والمكاتبة.

السادسة: في مسنونات العتق ومكروهاته عند مباشرته.

(فمنها) استحباب عتق من أغنى نفسه دون لم يكن كذلك كالولدان الصغار والشيخ الكبير وإن جاز عتق الجميع.

ففي صحيحة هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عمن أعتق من النسم ؟ فقال: أعتق من أغنى نفسه ".

وصحيحة على بن جعفر (2) عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن رجل عليه عتق رقبة وأراد أن يعتق نسمة، أيهما أفضل أن يعتق شيخا كبيرا أو شابا أجرد ؟ قال: أعتق من أغنى نفسه، والشيخ الكبير الضيعف أفضل من الشاب أجرد "وخبره (3) كما في قرب الأسناد وصحيحه كما في كتاب المسائل عن أخيه موسى عليه السلام، وذكر مثله إلا أنه قال فيهما " شابا جلدا " وقال في آخره " من الشاب الجرد ".

وفي صحيحة محمد بن مسلم (4) عن أحد هما عليهما السلام " قال: سألته عن الصبي يعتقه رجل ؟ قال: نعم، قد أعتق عليه السلام ولدان كثيرة ".

(ومنهما) أنه إذا أعتق من لا حيلة له وكسب استحب نفقته عليه استحبابا مؤكدا.

(1) الكافي ج 6 ص 181 ح 3، الوسائل ج 16 ص 22 ب 15 ح 3 وفيهما " أعتق النسمة ".

(2) الكافي ج 6 ص 196 ح 10، الوسائل ج 16 ص 21 ب 15 ح 2 وفيهما " الشاب الاجرد ".

(3) قرب الاسناد ص 119 وفيه " الشاب الجلد "، الوسائل ج 16 ص 22 ب 15 ذيل ح 2.

(4) الكافي ج 6 ص 181 ح 2، الوسائل ج 16 ص 21 ب 15 ح 1 وفيهما " يعتقه الرجل - أعتق على عليه السلام ولدانا ".


264

ففي صحيحة ابن محبوب (1) كما في الكافي " قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام وسألته عن رجل يعتق غلاما صغيرا أو شيخا كبيرا أو من به زمانة ولا حيلة له، فقال: من أعتق مملوكا لا حيلة له فإن عليه أن يعوله حتى يستغني عنه، وكذلك كان أمير المؤمنين عليه السلام يفعل إذا أعتق الصغار ومن لا حيلة له ".

(ومنها) استحباب عتق العبد على عتق الأمة لما تقدم في خبر إبراهيم بن أبي البلاد (2) والمروي في الكافي مسندا وفي الفقيه مرسلا وفي ثواب الأعمال مسندا وكذا في التهذيب " قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من أعتق مؤمنا أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار، وإن كانت انثى أعتق الله بكل عضوين منها عضوا منه من النار، لأن المرأة نصف الرجل ".

(ومنها) استحباب عتق الأرحام الذين لايعتقون بالقرابة خصوصا الوراث وكراهة تملكهم.

ففي موثقة سماعة (3) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يملك ذارحم، أيحل له أن يبعه أو يستعبده ؟ قال: لا يصلح له أن يبيعه وهو مولاه وأخوه، فإنمات ورثه دون ولده، وليس له أن يبيعه ولا يستعبده ".

وموثقة علي بن جعفر (4) عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام كما في التهذيب وخبره (5) كما في كتاب قرب الأسناد وصحيحه كما في كتاب المسائل له عن

(1) الكافي ج 6 ص 181 ح 1، الوسائل ج 16 ص 20 ب 14 ح 1 وفيهما " عن الرجل ".

(2) الكافي ج 6 ص 180 ح 3، الفقيه ج 3 ص 66 ح 1، التهذيب ج 8 ص 216 ح 3، ثواب الاعمال ص 166 طبع طهران، الوسائل ج 16 ص 6 ب 3 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 232 ح 108، وفيه " هل يحل له "، الوسائل ج 16 ص 18 ب 13 ح 1.

(4) التهذيب ج 8 ص 242 ح 109، الوسائل ج 16 ص 19 ب 13 ح 2 وفيهما " أو عمه أو ابن عمه ".

(5) قرب الاسناد ص 109 وفيه " رجل تزوج جارية اخته أو عمته أو عمه أو ابن اخته فولدت ما حاله ؟ قال: إذا كان الولد ممن يملكه عتق "، الوسائل ج 16 ص 19 ب 13 ح 2.


265

أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن رجل زوج جاريته أخاه أو ابن عمه أو ابنأخيه فولدت، ما حال الولد ؟ قال: إذا كان الولد يرث من ملكه شيئا عتق ".

والظاهر أن هذا مبني على كون الولد رقا إما لكون أبويه رقين أو بناء على اشتراط رقيته أو على تبعيته لامه في الرقية وإن كان الأب حرا.

وموثقة محمد بن مسلم (1) عن أحد هما عليهما السلام " قال: يملك الرجل أخاه وغيره من ذوي قرابته من الرجال ".

وموثقة سماعة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل يملك ذا رحمه، هل يصلح له أن يبيعه أو يستعبده ؟ قال: لا يصلح له أن يبيعه ولا يتخذه عبدا وهو مولاه وأخوه في الدين، وأيهما مات ورثه صاحبه إلا أن يكون له وارث أقرب إليه منه ".

(ومنها) استحباب اختيار عتق المملوك في الرخاء على بيعه والصدقة بثمنه، واختيار البيع والصدقة على العتق في الغلاء، وكراهة عتق الفاسق وشارب الخمر.

لصحيحة بكر بن محمد الأزدي (3) كما في الكافي والفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سأله رجل وأنا حاضر فقال: يكون لي الغلام فيشرب الخمر ويدخل في هذه الامور المكروهة واريد عتقه، فهل أعتقه أحب إليك أم بيعه وأتصدق بثمنه ؟فقال: إن العتق في بعض الزمان أفضل والصدقة في بعض الزمان أفضل، فإن كان الناس حسنة حالهم فالعتق أفضل، فإذا كانوا شديدة حالهم فالصدقة أفضل، وبيع هذا أحب إلي إذا كان بهذا الحال ".

(1) التهذيب ج 8 ص 244 ح 115، الوسائل ج 16 ص 19 ب 13 ح 3.

(2) الفقيه ج 3 ص 80 ح 7، الوسائل ج 16 ص 19 ب 13 ح 5 وفيهما " لا مصلح له بيعه ".

(3) الكافي ج 6 ص 194 ح 4 وفيه " فهل عتقه "، الفقيه ج 3 ص 79 ضمن ح 6 وفيه " فأعتقه "، الوسائل ج 16 ص 37 ب 27 ح 1 وما في المصادر " وفي بعض الزمان الصدقة أفضل " مع اختلاف يسير.


266

(ومنها) استحباب عتق المملوك الصالح وكراهة استخدامه.

ففى الفقيه (1) مرسلا وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام (2) مسندا وكذلك في صحيفة الرضا (3) عن الرضا عليه السلام والاولى عن أبي جعفر عليه السلام حيث قال: " دخل أبو جعفر الباقر عليه السلام الخلاء فوجد لقمة خبز في العذرة فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك معه قال: تكون معك لآكلها إذا خرجت، فلما خرج عليه السلام قال للملوك:أين اللقمة ؟ فقال: أكلتها يابن رسول الله، فقال: إنها ما استوت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة، فاذهب أنت حر، فإني أكره أن أستخدم رجلا من أهل الجنة ".

وفي العيون وصحيفة الرضا عليه السلام أسند الرضا القضية إلى الحسين عليه السلام وقد تقدمت في أحكام الخلاء.

وخبر بشر النبال (4) كما في ثواب الأعمال " قال: سمعت محمدا أبا جعفر عليه السلام يقول: من أعتق نسمة صالحة كفر الله بكل عضو منها عضوا منه من النار ".

(ومنها) تأكد استحباب عتق المملوك المؤمن بعد سبع سنين وكراهة استخدامه بعدها وبعد العشرين السنة آكد.

ففي مرسلة محمد بن عبد الله بن زرارة (5) عن بعض آل أعين عن أبي عبد الله عليه السلام " فقال: من كان مؤمنا فقد عتق بعد سبع سنين، أعتقه صاحبه أم لم يعتقه، ولا يحل خدمة من كان مؤمنا بعد سبع سنين ".

ومرسلة الحسين بن علوان (6) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: صحبة عشرين قرابة ".

(1) الفقيه ج 1 ص 18 ح 14، الوسائل ج 16 ص 38 ب 28 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) عيون أخبار الرضا ج 2 ص 43 ب 31 ح 154 طبع طهران.

(3) مستدرك الوسائل ج 3 ص 41 ب 24 ح 2.

(4) ثواب الاعمال ص 166، الوسائل ج 16 ص 38 ب 28 ح 2 وفيهما " بشير النبال - جعفر بن محمد " مع اختلاف يسير.

(5) الكافي ج 6 ص 196 ح 12، الوسائل ج 16 ص 43 ب 33 ح 1.

(5) الكافي ج 6 ص 199 ح 5، الوسائل ج 16 ص 43 ب 33 ح 2 وفيهما " صحبة عشرين سنة قرابة ".


267

رواه في كتاب الاقبال عن الحسين بن علوان مثله.

وموثقة زرارة (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: إذا أتى المملوك ثمنه بعد سبع سنين فعليه أن يقبله ".

(ومنها) استحباب عتق المملوك إذا ضربه المولى ولو كان في حق، وقيده الأصحاب بما إذا ضربه فوق الحد أو ضربه ظلما، والأخبار لا تساعد على ذلك كما ستسمعها.

ففي رواية أبي بصير (2) كما في كتاب الحسين بن سعيد وهو كتاب الزهدعن أبي جعفر عليه السلام " قال: إن أبي ضرب غلاما له واحدة بسوط وكان بعثه في حاجة فأبطأ عليه فبكى الغلام، فقال: الله تبعثني في حاجتك ثم تضربني ! قال: فبكى أبي وقال: يا بني اذهب إلى قبر رسول الله فصل ركعتين وقل: اللهم اغفر لعلي ابن الحسين خطيئته، ثم قال للغلام: اذهب فأنت حر، فقلت: كان العتق كفارة للذنب ؟ فسكت ".

وخبر عبد الله بن طلحة (3) كما في ذلك الكتاب أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام " أن رجلا من بني فهد كان يضرب عبدا له والعبد يقول: أعوذ بالله، فلم يقلع عنه، فقال: أعوذ بمحمد صلى الله عليه واله و، فأقلع عنه الرجل الضرب، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: يتعوذ بالله فلا تعيذه ويتعوذ بمحمد فتعيذه ! والله أحق أن يجار عائذه من محمد، فقال الرجل: هو حر لوجه الله، فقال: والذي بعثني بالحق نبيا لو لم تفعل لواقع وجهك حر النار ".

والذي ذكره الأصحاب في هذا المقام أن من ضرب مملوكه فوق الحد استحب له التكفير بعتقه، وظاهر القدماء كالشيخ وأتباعه أن ذلك على السبيل الوجوب.

(1) التهذيب ج 8 ص 249 ح 137 وفيه " قمة ثمنه "، الوسائل ج 16 ص 44 ب 33 ح 4.

(2) الزهد ص 43 ب 7 ح 116، الوسائل ج 15 ص 582 ب 30 ح 1.

(3) الزهد ص 44 ب 7 ح 119، الوسائل ج 15 ص 582 ب 30 ح 2.


268

وجعلوا المستند في ذلك صحيحة أبي بصير (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: من ضرب مملوكا حدا من الحدود من غير حد أوجبه المملوك على نفسه لم يكن لضاربه كفارة إلا عتقه ".

وقد أنكر هذا الحكم رأسا ابن إدريس لعدم دليل يدل عليه.

والمحقق والعلامة وأكثر المتأخرين عدلوا إلى الاستحباب، واحتج له في المختلف بأنه فعل محرم، والعتق مسقط لذنب القتل وهو أعظم من الضرب، فاستحب العتق، ولو استند إلى الرواية كان أجود، وإن لم تكن صريحة فيما ادعوا لأن ظاهرها أنه إذا ضربه حدا من الحدود من غير موجب أوجبه المملوك على نفسه، لا أنه إذا ضربه زيادة عن الحد بل لأنه ضربه حدا غير مستحق لضربه، والمتبادر من الحد هنا هو المقدار من العقوبة المستحقة على ذلك الفاعل مع إطلاق الحد عليه شرعا، فلا يدخل التعزير لأنه مقدر بنظر الحاكم، ويعتبر فيه حد العبيد لاالأحرار.

وقيل: يعتبر حد الأحرار ولأصالة بقاء الملك سليما عن تعلق حق الملك على مالكه، وهذا إنما يتأتى على القول بالوجوب.

أما على القول بالاستحباب فلا، لأن المعلق على مفهوم كلي يتضمن في وجوده في أي فرض من أفراده، وحمله على حد لا يتعلق بالمحدود بعيد جدا، ولافرق في ذلك بين الذكر والانثى لتناول المملوك لهما.

ومن هذا القبيل ما تقدم في رواية الاقبال والمناقب فيما كان يصنعه علي بن الحسين عليه السلام بمماليكه في شهر رمضان، حيث إنه يعتقهم في مقابلة ما يذنبون في هذا الشهر من المعاصي بعد كتابته عليهم حتى إذا كان آخر الشهر أوقفهم بين يديه وعرفهم بذنوبهم ذنبا ذنبا ثم سألهم العفو عن تقصيراته فيهم ثم يعتقهم بعد عفوهم عن تقصيراته.

وقد جاء استحباب العتق عند التماس العبد العفو عن تقصير فعله كما

(1) الكافي ج 7 ص 243 ح 17، الوسائل ج 18 ص 337 ب 27 ح 1.


269

صنعه علي بن الحسين عليه السلام مع جاريته التي توضيه على ما رواه ابن بابويه في الأمالي عنعبد الرزاق (1) " قال: جعلت جارية لعلي بن الحسين عليه السلام تسكب الماء عليه وهو يتوضأ للصلاة، فسقط الابريق من يد الجارية على وجه فشجه فرفع علي بن الحسين رأسه إليها، فقالت الجارية: إن الله عز وجل يقول: والكاظمين الغيظ، فقال لها: قد كظمت غيظي، قالت: والعافين عن الناس، قال لها: عفا الله عنك، قالت: والله يحب المحسنين، قال: اذهبي فأنت حرة ".

(ومنها) ما لو اشترى حبلى فوطأ قبل مضي أربعة أشهر ومضى عشرة أيام كره له بيع الولد، سواء كان الحمل من زنا أو من غيره، وفاقا لابن إدريس والمحقق، وحرمه الشيخان وسلار وبنو زهرة وحمزة والبراج.

وادعى ابن زهرة عليه الاجماع، واستحب عند ما سوى الشيخ وابن حمزة أن يعزل له قسطا من ماله، ويعتقه، وأوجب الشيخ وابن حمزة العتق وعزل القسط.

وتدل عليه صحيحة إسحاق بن عمار (2) " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل اشترى جارية حاملا وقد استبان حملها فوطأها، قال: بئس ما صنع، فقلت: ما تقول فيها ؟ قال: عزل عنها أم لا ؟ قلت: أجبني في الوجهين، قال: إن كان قد عزل عنها فليتق الله ولا يعد، وإن كان لم يعزل عنها فلا يبيع ذلك الولد ولايورث ولكن يعتقه ويجعل له شيئا من ماله يعيش به فإنه قد غذاه بنطفته ".

وموثقة غياث بن إبراهيم (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: من جامع أمة حبلى من غيره فعليه أن يعتق ولدها ولا يسترقه لأنه شارك فيه، ولأن الماء تمام الولد ".

(1) الامالى للشيخ الصدوق ص 168 ح 12 طبع مؤسسة الاعلمي.

(2) التهذيب ج 8 ص 178 ح 48، الوسائل ج 14 ص 507 ب 9 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 5 ص 488 ح 3، الوسائل ج 14 ص 507 ب 9 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.


270

وخبر السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " أن رسول الله صلى الله عليه واله دخل على رجل من الأنصار وإذا وليدة عظيمة البطن تختلف، فسأل عنها فقال: اشتريتها يا رسول الله وبها هذا الحبل، قال: أقربتها ؟ قال: نعم، قال: أعتق ما في بطنها، قال: يا رسول الله بما استحق العتق ؟ قال: لأن نطفتك غذت سمعه وبصره ولحمه ودمه ".

وموثقة إسحاق بن عمار (2) على ما في الكافي عن أبي الحسن عليه السلام مثل صحيحتهالمتقدمة.

(ومنها) ما لو انهدمت دار على قوم فبقي منهم صبيان أحد هما مملوك والآخر حر فاشتبها فيقرع بينهما، فإن خرج السهم على أحد هما بحريته جعل المال له واعتق الآخر.

استحبابا في المشهور، خلافا للشيخ وجماعة حيث ذهبوا إلى الوجوب.

وتدل على هذا الحكم صحيحة حريز (3) عن أحد هما عليهما السلام " قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام باليمن في قوم انهدمت عليهم دار لهم فبقي صبيان أحد هما مملوك والآخر حر، فأسهم بينهما فخرج السهم على أحد هما، فجعل المال له وأعتق الآخر ".

ومثلها صحيحته الاخرى (4) كما في التهذيب.

وموثقة محمد بن الحسين بن المختار (5) " قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لأبي حنيفة: يا أبا حنيفة ما تقول في بيت سقط على قوم وبقي منهم صبيان أحد هما حر والآخر مملوك لصاحبه.

فلم يعرف الحر من المملوك ؟ فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا ويعتق نصف هذا ويقسم المال بينهما، فقال أبو عبد الله عليه السلام: ليس كذلك، ولكن

(1) و (2) الكافي ج 5 ص 487 ح 2 و 1، الوسائل ج 14 ص 507 ب 9 ح 3 و 1.

(3) الكافي ج 7 ص 137 ح 4، الوسائل ج 17 ص 592 ب 4 ح 1.

(4) التهذيب ج 9 ص 362 ح 12، الوسائل ج 17 ص 592 ب 4 ح 1.

(5) الكافي ج 7 ص 138 ح 7، الوسائل ج 17 ص 592 ب 4 ح 2.


271

يقرع بينهما، فمن أصابته القرعة فهو الحر، ويعتق هذا فيجعل مولى له ".

ومثلها مرسلة إرشاد المفيد (1) " قال: قضى علي عليه السلام في قوم وقع عليهم بيت فقتلهم وكان في جماعتهم امرأة مملوكة والاخرى حرة، وكان للحرة ولد طفل من حر، وللجارية المملوكة طفل مملوك من مملوك، فلم يعرف الحر من الطفلين، فقرع بينهما، وحكم بالحرية لمن خرج سهم الحر عليه منهما، وحكم بالرقية لمن خرج عليه سهم الرق منهما، ثم أعتقه وجعله مولاه، وحكم في ميراثهما بالحكم في الحر ومولاه، فأمضى رسول الله صلى الله عليه واله هذا القضاء ".

(ومنها) استحباب عتق العبد في المرض قبل أن تحضره أمارات الموت، فإن حضرت أماراته كره عتقه.

ففي صحيحة علي بن مهزيار (2) " قال: كتبت إليه أسأله عن المملوك يحضره الموت فيعتقه مولاه في تلك الساعة فيخرج من الدنيا حرا، هل للمولى في ذلك أجر ؟ أو يترك فيكون له أجره إذا مات وهو مملوك ؟ فكتب: يترك العبد مملوكا في حال موته فهو أجر لمولاه، وهذا إذا أعتق في هذا الحال لم يكن نافعا له ".

وخبر الفضل بن المبارك (3) " أنه كتب إلى أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام في رجل له مملوك فمرض، أيعتقه في مرضه أعظم لأجره ؟ أو يتركه مملوكا ؟ فقال: إن كان في مرض فالعتق أفضل، لأنه يعتق الله عز وجل بكل عضو منه عضوا منه من النار، وإن كان في حال حضور الموت فيتركه مملوكا أفضل له من عتقه ".

(1) ارشاد المفيد ص 94 طبع طهران (دار الكتب الاسلامية)، الوسائل ج 17 ص 593 ب 4 ح 5.

(2) الكافي ج 6 ص 195 ح 8 وفيه " وهذا عتق في هذه الساعة ليس بنافع له "، الوسائل ج 16 ص 42 ب 32 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(3) الفقيه ج 3 ص 93 ح 4، الوسائل ج 16 ص 42 ب 32 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.


272

(0 ومنها) لو شهد مملوكان بحرية ولد الميت وثبت بشهادتهما ذلك فيستحب لمن شهدا له بذلك أن يعتقهما ويكره أن يسترقهما.

وتدل عليه موثقة داود بن فرقد (1) كما في الفقيه والكافي " قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل كان في سفر ومعه جاريتان وغلامان مملوكان، فقال لهما: أنتما أحرار لوجه الله تعالى، واشهدا إن ما في بطن جاريتي هذه مني، فولدت غلاما، فلما قدموا على الورثة أنكروهم واسترقوهم، ثم إن الغلامين اعتقا بعد فشهدا بعد ما اعتقا أن مولاهما الأول أشهد هما أن ما في بطن جاريته منه، قال: تجوز شهادتهم للغلام ولا يسترقهما الغلام الذي شهدا له لأنهما أثبتا نسبه ".

والذي يدل على الاستحباب لأنهما يرجعان رقين بحسب الظاهر.

وصحيحة الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل مات وترك جارية حبلى ومملوكين فورثهما أخ له، فأعتق العبدين وولدت الجارية غلاما، فشهدا بعد العتق أن مولاهما كان أشهد هما أنه كان ينزل على الجارية وأن الحبل منه، قال: تجوز شهادتهما ويرد ان عبدين كما كانا ".

(ومنها) استحباب اشتراء العبد من مال الزكاة إذا كان تحت الشدة أو كان أبا لذي الزكاة ويعتق، وقد تقدم في الزكاة ما يدل عليه من الأخبار.

فمن تلك الأخبار خبر أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمس مائة والست مائة يشتري منها نسمة ويعتقها، قال: إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم، قال: ثم مكث مليا ثم قال: إلا أن

(1) الكافي ج 7 ص 20 ح 16، الفقيه ج 4 ص 157 ح 2، الوسائل ج 13 ص 460 ب 71 ح 1.

(2) التهذيب ج 6 ص 250 ح 37، الوسائل ج 13 ص 461 ب 71 ح 2.

(3) الكافي ج 3 ص 557 ح 2، الوسائل ج 6 ص 202 ب 43 ح 1.


273

يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه ويعتقه ".

وخبر أبي محمد الوابشي (1) الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سأله بعض أصحابنا عن رجل اشترى أباه من الزكاة - زكاة ماله -، قال: اشتر خير رقبة لا بأس بذلك ".

(ومنها) استحباب أن يكتب له كتابا بعد عتقه مشتملا على عتقه وكيفيته كما في صحيحة إبراهيم بن أبي البلاد (2) " قال: قرأت عتق أبي عبد الله عليه السلام فإذا هو: هذا ما أعتق جعفر بن محمد، أعتق فلانا غلامه لوجه الله لا يريد به جزاء ولا شكورا على أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويحج البيت و يصوم شهر رمضان ويوالي أولياء الله ويتبرأ من أعداء الله، شهد فلان وفلان وفلان ثلاثة ".

ورواه في المقنع مرسلا، وراه الشيخ في التهذيب من الصحيح أيضا عن الحسين بن سعيد عن إبراهيم بن أبي البلاد (3).

وصحيحة عبد الله بن سنان (4) كما في الكافي " عن غلام أعتقه أبو عبد الله عليه السلام: هذا ما أعتق جعفر بن محمد، أعتق غلامه السندي فلانا على أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن البعث حق وأن النار حق، وعلى أنه يوالي أولياء الله ويتبرأ من أعداء الله، ويحل حلال الله ويحرم حرام الله، ويؤمن برسل الله، ويقر بما جاء من عند الله، أعتقه لوجه الله لا يريد به جزاء ولا شكورا، وليس لأحد عليه سبيل إلا بخير، شهد فلان ".

(ومنها) كراهة عتق ولد الزنا وإن أظهر الايمان بقاء على جواز إيمانه

(1) الكافي ج 3 ص 552 ح 1، والوسائل ج 6 ص 173 ب 19 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 181 ح 1 وفيه " فإذا هو شرحه: - ويتولى "، الوسائل ج 16 ص 10 ب 6 ح 1.

(3) المقنع ص 155، التهذيب ج 8 ص 216 ح 4، الوسائل ج 16 ص 10 ب 6 ح 1.

(4) الكافي ج 6 ص 181 ح 1، الوسائل ج 16 ص 10 ب 6 ح 2.


274

وإلا كان حراما.

وقد تقدم في الأخبار ما يدل عليه أيضا خبر عمار بن مروان (1) " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أن أبي حضره الموت فقيل: أوص، فقال: هذا ابني - يعني عمرا - فما صنع فهو جائز " وساق الحديث إلى أن قال: " وأوصى بنسمة مؤمنة عارفة، فلما أعتقناه بان لنا أنه لغير رشده، فقال: قد أجزت عنه ".

وزاد الكليني (2) في روايته " إنما مثل ذلك مثل رجل اشترى اضحية على أنها سمينة فوجدها مهزولة فقد أجزت ".

ومثلها رواية الفقيه (3) أيضا.

(ومنها) استحباب عتق العبد عند الموت إذا كان ضربه في حال حياته ولو بحق.

لموثقة إسحاق بن عمار عن أبي بصير (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: أعتق أبو جعفر عليه السلام من غلمانه عند موته شرارهم وأمسك خيارهم، فقلت: يا أبة تعتق هؤلاء وتمسك هؤلاء ؟ فقال: إنهم قد أصابوا مني ضربا فيكون هذا بهذا ".

المقصد الرابع في عتق الشقص وما يترتب عليه من عتق السراية وما يشتمل على أبحاث:

الاول: (5) كما يجوز للمولى أن يعتق المملوك

(1) التهذيب ج 9 ص 236 ح 13، الوسائل ج 13 ص 481 ب 95 ح 2 و فيهما " فقيل له - عمر - قد أجزأت عنه ".

(2) الكافي ج 7 ص 62 ح 17، الوسائل ج 13 ص 481 ب 95 ح 3 وفيهما " مثل رجل - فقد أجزأت عنه ".

(3) الفقيه ج 4 ص 172 ح 5.

(4) الكافي ج 7 ص 55 ح 13، الوسائل ج 13 ص 472 ب 84 ح 1.

(5) كذا في النسخة.


275

بكماله يجوز له أن يعتق جزء منه لقبوله للتبعيض.

وهذا الحكم مجمع عليه بين علماء الاسلام، والأخبار به مستفيضة، إلا أن علماءنا قد اختلفوا في أنه لو أعتق البعض هل يسري إلى ما بقي قهرا أو لا تجب السراية وإنما يعتق عنه ذلك الجزء خاصة ؟ المشهور الأول لكنهم قالوا: من أعتق شقصا عبده سرى المعتق فيه كله إذا كان المعتق صحيحا جائز التصرف.

وأما الأخبار الواردة فيه فرواية غياث بن إبراهيم (1) الموثقة عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " أن رجلا أعتق بعض غلامه.

فقال علي عليه السلام: هو حر كله ليس لله شريك ".

وخبر طلحة بن زيد (2) عن جعفر بن أبيه عليهما السلام " أن رجلا أعتق غلامه، فقال: هو حر كله ليس لله شريك ".

ومثلها مرسلة المقنع (3).

وخالف السيد جمال الدين أحمد بن طاووس في كتابه " ملاذ العلماء " الامامية فاستوجه عدم السراية على معتق بعض مملوكه إلى الباقي، نظرا إلى ضعف تلكالأخبار وعدم ثبوت الاجماع المدعى مع معارضة تلك بروايات تدل على عدمه كرواية حمزة بن حمران (4) التي صح سندها إليه عن أحد هما عليهما السلام " قال: سألته عن رجل أعتق نصف جاريته ثم قذفها بالزنا، فقال: أرى أن عليه خمسين جلدة ويستغفر الله عز وجل، قلت: أرأيت إن جعلته في حل أو عفت عنه، قال: لا ضرب عليه إذا عفت عنه من قبل أن ترفعه، قلت: فتغطي رأسها عنه حين أعتق نصفها ؟ قال: نعم، وتصلي وهي مخمرة الرأس، ولا تتزوج حتى تؤدي ما عليها

(1) التهذيب: ج 8 ص 228 ح 57 وفيه " فقال عليه السلام "، الوسائل ج 16 ص 75 ب 64 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 228 ح 58، الوسائل ج 16 ص 57 ب 64 ح 2.

(3) المقنع ص 160.

(4) التهذيب ج 8 ص 228 ح 59، الوسائل ج 16 ص 75 ب 64 ح 3.


276

أو يعتق للنصف الآخر ".

وصحيحة النضر بن شعيب عن الحارثي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل توفيوترك جارية له أعتق ثلثها فتزوجها الوصي قبل أن يقسم شيئا من الميراث أنها تقوم وتستسعى هي زوجها في بقية ثمنها بعد ما تقوم، فما أصاب المرأة من عتق أو رق جرى على ولدها ".

ورواه الصدوق في المقنع (2) مرسلا مثله.

وصحيحة عبد الله بن سنان (3) " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة أعتقت ثلث خادمتها عند موتها، على أهلها أن يكاتبوها إن شاءوا وإن أبوا ؟ قال: لا، ولكن لها من نفسها ثلثها وللوارث ثلثاها، يستخدمها بحساب الذي له منها، ويكون لها من نفسها بحساب الذي أعتق منها ".

وصحيحة علي بن جعفر (4) كما في كتاب المسائل له وفي كتاب قرب الإسناد أيضا لكن بأسناد غير نقي عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن رجل أعتق نصف مملوكه وهو صحيح، ما حاله ؟ قال: يعتق النصف ويستسعى في النصف الآخر ويقوم قيمة عدل ".

وموثقة الحلبي (5) " قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة أعتقت عند الموت ثلث خادمتها، على أهلها أن يكاتبوها ؟ قال: ليس ذلك لها: ولكن لها ثلثها فلتخدمبحسباب ما أعتق منها ".

(1) التهذيب ج 8 ص 229 ح 60 وفيه " عن الجازى "، الوسائل ج 16 ص 76 ب 64 ح 4.

(2) المقنع ص 160.

(3) الفقيه ج 3 ص 72 ح 9، الوسائل ج 16 ص 76 ب 64 ح 7 وفيهما " خادمها ".

(4) قرب الاسناد ص 120، بحار الانوار ج 10 ص 263، الوسائل ج 16 ص 77 ب 64 ح 8.

(5) التهذيب ج 8 ص 230 ح 62، الوسائل ج 16 ص 76 ب 64 ح 6 وفيهما " خادمها ".


277

وخبر السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام " أن رجلا أعتق عبدا له عند موته لم يكن له مال غيره، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول: يستسعى في ثلثي قيمته للورثة ".

ومرسلة أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل يعتق جاريته ويقول لها عتقك مهرك ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، قال، يرجع نصفها مملوكا ويستسعيهافي النصف الآخر ".

وموثقة يونس بن يعقوب (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل أعتق أمة وجعل عتقها صداقها ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، قال: يستسعيها في نصف قيمتها فإذا أبت كان لها يوم وله يوم في الخدمة، قال: وإن كان لها ولد فإن أدى عنها نصف قيمتها عتقت ".

وخبر عباد بن كثير (4) " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل أعتق ام ولد له وجعل عتقها صداقها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، قال: يعرض عليها أن تستسعى في نصف قيمتها فإن أبت هي فنصفها حر ونصفها رق ".

فهذه الاخبار مع صحتها وصراحتها قد دلت على عدم السراية كما هو مختار السيد ابن طاووس، وقد أوردت هذه الصحاح بما سيأتي من ثبوت السراية على الشريك كما هو ثابت بالصحاح المسفيضة والفتوى، وهذا يقتضى السراية على ملكه بطريق أولى لاشتراكهما في الدلالة على سباق الشرع بتكمل العتق، فإذا أكمل والباقي لغيره واحتيج إلى أداء المال إليه لأن يكمل والباقي له أولى.

وحينئذ تبقى الروايات مؤيدة وإن ضعف سندها لأن الدليل غيرها.

(1) التهذيب ج 8 ص 229 ح 61، الوسائل ج 16 ص 76 ب 64 ح 6.

(2) التهذيب ج 8 ص 202 ح 18، الوسائل ج 14 ص 513 ب 15 ح 3.

(3) التهذيب ج 8 ص 201 ح 17، الوسائل ج 14 ص 513 ب 15 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(4) التهذيب ج 8 ص 202 ح 19، الوسائل ج 14 ص 513 ب 15 ح 4.


278

وقد أجابوا عن صحيحة ابن سنان بإمكان حملها على ما إذا لم يملك غيرها فيحجر عليه فيما زاد عن الثلث واحتمل الشيخ في رواية حمزة بن حمران لا يملك نصفها الآخر.

وكل هذه المحامل تكلفات مستغنى عنها ولا طريق للحمل سوى الترجيح، ولا شك في رجحان الأخيرة، فالقول به قوي مع احتمال تلك الأخبار البقية أيضا.

وأما الاستدلال بطريق الأولوية فبعد الاغماض عن كونها من القياس الذي لانقول به يضعف عن معارضة هذه الصحاح، ويمكن حمل تلك الأخبار على أن ذلك الكلام كناية عن حثه على إعتاق الجميع وترغيب للمعتق في ذلك، وسيأتي في المواريث ما يدل على عدم السراية أيضا، وقد تقدم في الوصايا ما يرشد إلىذلك في عتق العبد المشترك إذا أعتق أحد الشريكين حصته، قليلة كانت أو كثيرة، فإنه يقوم عليه إن كان مؤسرا ويسعى العبد في فك ما بقي منه إذا كان المعتق معسرا، هذا هو المشهور.

وقال الشيخ: إنه لا يسري عليه إلا إذا قصد الاضرار بالشريك وكان مع اليسار، وأما مع قصد القربة لا يقوم عليه مطلقا، وإن قصد الاضرار مع الاعسار فالعتق باطل ولا سراية.

وفي المسألة أقوال أخر: (أحدها) أن المعتق يقوم عليه نصيب الشريك إن كان مؤسرا، ويسعى العبد في فك باقيه إن كان معسرا، وهذا مختار المفيد والسيد المرتضى وابن بابويه.

(وثانيها) استسعاء العبد مطلقا من غير تقوم على الشريك، ذهب إليه أبو الصلاح الحلبي.

(وثالثها) وهو للاسكافي، وهو أنه إن أعتق وكان غير مضار تخير الشريك بين إلزامه قيمة نصيبه إن كان مؤسرا أو بين استسعاء العبد.

ولابن إدريس قول سادس وهو أنه لو أعتق مع قصد الاضرار بطل مع اليسار


279

والاعسار، ولأن العتق شرط صحته التقرب، والمراد باليسار أن يملك حال العتق زيادة عن داره وخادمه ودابته وثيابه المعتادة وقوت يومه له ولعياله مما يسع نصيب الشريك أو بعضه على الأقوى وأمر بعد العتق فلا تقويم.

وللسراية هنا عند مثبتيها كما هو المشهور شرطان آخران: (أحد هما) كون العتق اختيار أو يكفي اختيار السبب كالشراء والأتهاب للقريب، وفي التنكيل إشكال من تحريم السبب ومن تأثيره في ملكه، فلو ورث شقصا من قريبه لم يسر عند المجلسيين، وقال الشيخ يسري.

(وثانيهما) أن لا يتعلق بالشقص حق لازم كالوقف والكتابة والاستيلاد، وترجيحا لأشهر الحقين، وقيل بالسراية للعموم، وسيجئ تحقيق هذه الشرائط في ذيل فروع هذا البحث على التفصيل.

احتج للمشهور بصحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في جارية كانت بين اثنين فأعتق أحد هما نصيبه، قال: إن كان مؤسرا كلف أن يضمن، وإن كان معسرا خدمت بالحصص ".

وصحيحة محمد بن قيس (2) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: من كان شريكا في عبد أو أمة قليل أو كثير فأعتق حصته وله سعة فليشتره من صاحبه ويعتقه كله، وإن لم يكن له سعه من مال نظر قيمته يوم أعتق منه ما أعتق، ثم يسعى العبد في حساب ما بقي حتى يعتق ".

وصحيحة سليمان بن خالد (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن المملوك يكون بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه، قال: إن ذلك فساد على أصحابه فلا يستطيعون

(1) التهذيب ج 8 ص 219 ح 18، وفيه " اخدمت "، الوسائل ج 16 ص 26 ب 18 ح 7.

(2) التهذيب ج 8 ص 221 ح 24، الوسائل ج 16 ص 25 ب 18 ح 3 وفيه " حصته ولم يبعه فليشتره ".

(3) التهذيب ج 8 ص 220 ح 23، الوسائل ج 16 ص 27 ب 18 ح 9 وفيهما " يقوم قيمة ".


280

بيعه ولا مؤاجراته، قال: يقوم قيمته فيجعل على الذي أعتقه عقوبة، وإنما جعل ذلك لما أفسده ".

ومرسلة حريز (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن رجل أعتق غلاما بينه وبين صاحبه، قال: قدأفسد على صاحبه، فإن كان له مال أعطى نصف المال، وإنلم يكن له مال عومل الغلام يوم للغلام ويوم للمولى يستخدمه، وكذلك إن كانوا شركاء ".

وحسنة الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه، قال: إن ذلك فساد على أصحابه لا يقدرون على بيعه ولا مؤاجرته، قال: يقوم قيمته فيجعل على الذي أعتقه عقوبة، وإنما جعل ذلك عليه عقوبة لما أفسده ".

وخبر سماعة (3) " قال: سألته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه، فقال: هذا فساد على أصحابه يقوم قيمته ويضمن الذي أعتقه لأنه أفسده على أصحابه ".

وحسنة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (4) وخبره كما في الكافي والتهذيب " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوم ورثوا عبدا جميعا فأعتق بعضهم نصيبه منه، كيف يصنع بالذي أعتق نصيبه منه ؟ هل يؤخذ بما بقي ؟ قال: نعم يؤخذ بما بقي منه من قيمة يوم أعتق ".

(1) التهذيب ج 8 ص 221 ح 26، الوسائل ج 16 ص 27 ب 18 ح 11 فيهما " يوماللغلام ويوما للمولى ويستخدمه ".

(2) الكافي ج 6 ص 182 ح 1 وفيه " قيمة - عليه لما أفسده "، الوسائل ج 16 ص 25 ب 18 ح 1 وفيه " قيمة - فلا يستطيعون بيعه ".

(3) التهذيب ج 8 ص 220 ح 22 وليس فيه " هذا فساد على أصحابه "، الوسائل ج 16 ص 26 ب 18 ح 5 وفيه " يقوم قيمة ".

(4) الكافي ج 6 ص 183 ح 6 وفيه " بقيمته يوم "، التهذيب ج 8 ص 219 ح 17 وفيه " يؤخذ بما بقى "، الوسائل ج 16 ص 26 ب 18 ح 6 وفيه اختلاف يسير.


281

وحسنة الحلبي (1) أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن رجلين كان بينهما عبد فأعتق أحد هما نصيبه، فقال: إن كان مؤسرا كلف أن يعتقه كله وإلا يستسعى العبد في باقي النصف الآخر ".

ومثلها صحيحته (2) كما في الفقيه.

وموثقة محمد بن قيس (3) كما في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام ثم ذكر مثل صحيحته المتقدمة.

واحتج الشيخ

في النهاية والمبسوط وكتابي الأخبار من القول بالتفصيل

- وهو أنه إن قصد بالاضرار بالشريك فكه إن كان مؤسرا وبطل العتق إن كان معسرا، وإن قصد القربة لم يلزمه فكه، وسعى العبد في حصة الشريك، فإن امتنع استقر ملك الشريك على حصته - بما رواه الكليني في الحسن وابن بابويه (4) في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن رجلين كان بينهما عبد فأعتق أحد هما نصيبه، قال: إن كان مضرا كلف أن يعتقه كله وإلا استسعى العبد في النصف الآخر ".

وما رواه الشيخ وابن بابويه في الصحيح عن محمد بن مسلم (5) " قال: قلت

(1) الكافي ج 6 ص 182 ح 2، التهذيب ج 8 ص 220 ح 21، الوسائل ج 16 ص 25 ب 18 ح 2 وما في المصادر " ان كان مضارا - والا استسعى العبد في النصف الاخر ".

(2) الفقيه ج 3 ص 67 ح 8 وفيه " ان كان مضارا - استسعى العبد في النصف الاخر ".

(3) الكافي ج 6 ص 683 ح 3، الوسائل ج 16 ص 25 ب 18 ح 3.

(4) الكافي ج 6 ص 182 ح 2، الفقيه ج 3 ص 67 ح 8، الوسائل ج 16 ص 25ب 18 ح 2 وما في المصادر " ان كان مضارا ".

(5) الفقيه ج 3 ص 68 ح 9، التهذيب ج 8 ص 221 ح 27، الوسائل ج 16 ص 28 ب 18 ح 12 وما في المصادر اختلاف يسير.


282

ولأبي عبد الله عليه السلام: رجل ورث غلاما وفيه شركاء فأعتق لوجه الله نصيبه، فقال: إذا أعتق لوجه الله نصيبه مضارة هو مؤسر ضمن للورثة، وإذا أعتقه لوجه الله كان الغلام وقد أعتق منه حصة من أعتق، ويستعملونه على قدر ما اعتق منه له ولهم، فإن كان نصفه عمل لهم يوما وله يوما، وإن أعتق الشريك مضارا وهو معسر فلا عتق له لأنه أراد أن يفسد على القوم، وترجع القوم على حصصهم ".

ولمضمون هذه الرواية أوجب الشيخ العمل بها لكونها صحيحة السند مفصلة والمفصل يحكم على المجمل.

ومن هنا عمد محدث الوافي حيث مال لمذهب الشيخ إلى أخبار حجة المشهور فقيد إطلاقها به فقال - في بيانات أخبار المشهور -: إطلاق هذه الأخبار مقيد بما إذا كان المعتق مضارا غير مريد به وجه الله تعالى وكان ذا سعة من المال،أما لو لم يكن ذا ولا ذاك استسعى العبد في بقيته إن أراد كما يظهر من الأخبار، الآتية، ويستفاد من بعضها عدم وقوع العتق لو كان مضارا معسرا معا.

وأشار بذلك البعض إلى صحيحة محمد بن مسلم المفصلة.

وكأنهم حملوا صحيحة محمد بن قيس (1) الاخرى عن أبي جعفر عليه السلام " قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في عبد كان بين رجلين فحرر أحد هما نصيبه وهو صغير وأمسك الآخر نصفه حتى كبر الذي حرر نصفه، قال: يقوم قيمة يوم حرر الأول، وأمر المحرر أن يسعى في نصفه الذي لم يحرر حتى يقضيه ".

والمحرر هنا بفتح الراء بقرينة يسعى، فإنه إنما يقال في العبد على ما لو كان عتقه لوجه الله وكان معسرا، وإلا كان إطلاقه منافيا للأخبار السابقة التي هي حجة المشهور وحجة الشيخ، وكان حجة لأبي الصلاح الحلبي.

(1) الكافي ج 6 ص 183 ح 4، الوسائل ج 16 ص 26 ب 18 ح 4 وفيه " فحرر أحد هما نصفه - وأمر الاول ".


283

وكذلك حملوا إطلاق خبر الحسن بن زياد (1) " قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام:رجل أعتق شركا له في غلام مملوك، عليه شئ ؟ قال: لا ".

وكذا موثقة يعقوب بن شعيب (2) عن أبي عبد الله عليه السلام مثله، على ما لو قصد بالعتق وجه الله لا الاضرار وأنه يستسعى العبد فيما بقي، ويستحب له أن يشتري ما بقي ويعتقه واستدل بما مضى ويأتي وحملها المشهور على ما لو كان غير مؤسرا.

وكذلك إطلاق رواية علي بن أبي حمزة (3) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مملوك بين اناس فأعتق بعضهم نصيبه، قال: يقوم قيمة ثم يستسعى فيما بقي، ليس للباقي أن يستخدمه ولا يأخذ منه الضريبة ".

وكذلك إطلاق خبر السكوني (4) عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام " أن رجلا أعتق عبدا له عند موته لم يكن له مال غيره، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: يستسعى في ثلثي قيمتة للورثة " على ذلك التفصيل أيضا، وهو أن يكون المعتق معسرا.

وكان إطلاق هذه الأدلة الدالة على الاستسعاء للعبد مطلقا - إن أراد ذلك - هو مستمسك أبي الصلاح الحلبي، وكان مستمسك ابن الجنيد هو وجه الجمع بين هذه الأخبار الدالة على الاستسعاء مطلقا وبين الأخبار الدالة على تقويمه على المولى عند اليسار بالتخيير لصاحب الحصة الذي لم يعتق، وهو وإن كان له وجهفي الجمع إلا أن الخبر المفصل الصحيح الذي تمسك به الشيخ وهو صحيحة محمد ابن مسلم مما تأباه.

وأما خبر الصباح الكناني (5) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجلين

(1) و (2) التهذيب ج 8 ص 219 ح 19 و 20، الوسائل ج 16 ص 27 ب 18 ح 8.

(3) التهذيب ج 8 ص 221 ح 25، الوسائل ج 16 ص 27 ب 18 ح 10 وفيه " ليس للباقى أن يستخدم ".

(4) التهذيب ج 8 ص 229 ح 61، الوسائل ج 16 ص 76 ب 64 ح 5.

(5) الفقيه ج 3 ص 67 ح 6 وفيه " لا اريد ان تقومني - ولكن يقومها "، الوسائل ج 16 ص 28 ب 18 ح 13 وفيها " للذى لم يعتق - لا اريد ".


284

يكون بينهما الأمة، فيعتق أحد هما نصفه، فتقول الأمة للذي يعتق نصفه: لا تريد أن تعتقني ذرني كما أنا أخدمك، وإنه أراد أن يستنكح النصف الآخر، قال: لا ينبغي له أن يفعل، إنه لا يكون للمرأة فرجان، ولا ينبغي له أن يستخدمها ولكن يعتقها ويستسعيها ".

وكذلك خبر أبي بصير (1) مثله إلا أنه قال " وإن كان الذي أعتقها محتاجا يستسعيها ".

ففيهما إشارد إلى أن ذلك مع عجز المعتق، سيما الثانية.

وقد أورد على الشيخ فيما جمع به إشكال حاصله أن المعتق لمضارة الشريك مناف للقربة، فيتجه بطلان العتق إذا وقع على هذا الوجه مطلقا، سواء كان المعتق مؤسرا أو معسرا، فإن لم يكن منافيا للقربة - كما ذكره في المختلف من أن المراد به تقويمه على الشريك قهرا مع إعتاق نصيبه لوجه الله - اتجه صحة العتق الواقع على هذا الوجه من المؤسر والمعسر أيضا، فالفرق بينهما لا يظهر له وجه.

وأيضا أن المعتق مضارة إذا قلنا إنه لا ينافي القربة كيف يجعل العتق لوجه الله تعالى قسيما له.

ويمكن دفعه بأن المضارة مع اليسار قصد التقديم على الشريك، وذلك لا ينافي وقوع التقرب من المعتق لا عتاق حصته، وبالمضارة مع الاعسار قصد تضييع مال الشريك وإتلافه عليه، وذلك مناف للقربة، فيبطل العتق الواقع على هذا التقدير، وبالعتق لوجه الله العتق على هذا الوجه مع الذهول عن التقديم علىالشريك إما للجهل بذلك أو للغفلة عنه.

وهنا فروع بها تتبين أحكام هذه المسألة على جهة التفصيل وبها تتميز الأقوال فذكرها كاشف عن أدلتها وبيان عللها مفصلة وبيان الراجح من هذه الأقوال.

(1) الفقيه ج 3 ص 67 ح 7، الوسائل ج 16 ص 28 ب 18 ح 14 وفيهما " فليستسعها ".


285

الاول: قد اختلف الأصحاب في وقت انعتاق نصيب الشريك مع اجتماع شرائط السراية، فالشيخان والمحقق والعلامة وجماعة من المتأخرين على أنه عند أداء القيمة.

والشيخ في المبسوط أنه مراعا بالأداء، فإذا حصل تبين كون العتق من حين عتق نصيبه.

وقال ابن إدريس: ينعتق بالاعتاق، أي باللفظ المقتضي العتق نصيبه، لأن ذلك معنى السراية شرعا.

والأقوى الأول لأن للأداء مدخلا في العلية، ولهذا لا ينعتق مع الاعسار، ولأنه لو أعتق بالاعتاق لزم الاضرار بالشريك بتقدير هوية أو تلف مال ولظاهر صحيحة محمد بن قيس المتقدمة عن الباقر عليه السلام وموثقته حيث قال فيهما " من كان شريكا في عبد أو أمة، قليل أو كثير، فأعتق حصته وله سعة فليشتري من صاحبهفيعتق كله " والمراد بشرائه منه هو تقويم على نفسه وأداء قيمته لشريكه لعدم اعتبار الشراء الحقيق إجماعا.

وأما الشيخ في المبسوط فدليله ظواهر تلك الأخبار، وفيه جمع بين الأدلة.

وأما ابن إدريس فقد تمسك بأن هذا مقتضى السراية ومدلول الأخبار الدالة عليها من العامة والخاصة كقول النبي صلى الله عليه واله " إذا كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه وكان له مال فقد عتق كله ".

ويروى " فهو حر كله " ويروى " فهو عتيق ".

وقول علي عليه السلام " فهو حر ليس لله شريك ".

وقول الصادق عليه السلام في صحيحة سليمان بن خالد وغيرها مما تقدم ذكره " أنه قد أفسد على صاحبه " والافساد إنما حصل بالعتق.

وقد توقف العلامة في كثير من كتبه وولده في شرح القواعد وأول الشهيدين في شرح الارشاد، مع أنه قد رجح في الدروس اعتبار الأداء لصحيحة ابن قيس وموثقته المتقدمتين، وتنظر ثاني الشهيدين في المسالك في صحة الرواية المذكورة بناء على أن ابن قيس الذي يروي عن الباقر عليه السلام مشترك بين الثقة وغيره، فلا تكون الرواية صحيحة مطلقا وإنما صحتها بالنسبة إضافية إلى غيره وذلك غير كاف في


286

الحكم بها حيث يعتبر الصحيح أو يعارض غيره.

ثم قال: والحق أن الأخبار من الجانبين ليستا من الصحيح، والأخبار الدالة على اعتبار وقت العتق أكثر.

وفيه نظر من وجوه: أما (أولا) فلأن رواية محمد بن قيس لا إشكال في صحتها، كما جزم به غير واحد هنا، لأن الراوي فيها عنه عاصم بن حميد وهو قرينة الثقة البجلي.

(وثانيا) أن اعتبار الصحة فيها وجعلها إضافية مما لا وجه له بعد ثبوت الاشتراك وليس في الصحة إضافية على مقتضى مصطلح أهل الدراية من المتأخرين، نعم يمكن ذلك على مصطلح القدماء حيث إن اعتبار الصحة عندهم مبني على القرائن لا على وثاقة الراوي وإماميتة فتقبل الشدة والضعف.

(وثالثا) أن قوله " والحق أن الأخبار من الجانبين ليستا من الصحيح " من أغرب الغريب وأعجب العجيب لأن أكثر ما ذكرناه من الأخبار من الصحاح في الجانبين، فإن رواية سليمان بن خالد لا إشكال في صحتها، كذلك صحيحة الحلبيوصحاح ابن مسلم وصحيحة حريز، ولكنه - قد سره - لم يستوف تلك الصحاح في الذكر كما هي عادته الجارية.

وكذا قوله " إن الأخبار الدالة على اعتبار وقت العتق أكثر " لا يخلوا عن نظر لأنها ليست صريحة فيما ادعي بل ولا ظاهرة "، نعم هي في نفسها كثيرة.

ثم إنه يتفرع على هذه الأقوال فروع اخر: (ومنها) ما لو عتق اثنان من الشركاء الثلاثة مترتبين، فإن قلنا: ينعتق بالاعتاق - كما هو مختار ابن إدريس ومن تبعه - قوم على المعتق أولا.

فإن قلنا بالأداء - كما هو المشهور - ولم يكن الأول قد أدى قوم عليها.

وإن قلنا بالمراعاة احتمل تقويمه عليهما أيضا لأن عتق الثاني صادف ملكا فوقع صحيحا فاستويا باقي الحصة الاخرى.

ويحتمل تقديم الأول لأنه بالأداء تبين انعتاق نصيب الشريك قبل أن يعتق حصته فيقع


287

عتقه لغوا لكن في الأول قوة.

(ومنها) اعتبار القيمة، فإن قلنا ينعتق بالاعتاق اعتبرت من حينه قطعا كما تدل عليها ظواهر تلك النصوص لا حالتها القيمة على وقت العتق.

وكذا إذا قلنابالمراعاة والكشف لمساواته للاعتاق في تلك الحال.

وإن قلنا بالأداء - كما هو المشهور - فو جهان: من كون التلف إنما يحصل بالأداء فلا يعتبر قبله، ومن أن الحجر على المالك يحصل يوم العتق، وهو الذي اختاره المحقق في الشرايع معللا ذلك بالحيلولة، وله وجه وجيه تدل عليه تلك الأخبار.

وفي المسألة وجه ثالث وهو اعتبار أقصى القيم من يوم الاعتاق إلى يوم الأداء، لأن الاعتاق سبب يدوم أثره إلى التلف فيكون بمنزلة جراحة العبد ثم يموت بعد مدة، فإن المعتبر أقصى قيمته من حين جرحه إلى موته، وقد تقرر أن هذا الضمان بمنزلة الاتلاف.

(ومنها) إذا أعسر المعتق بعد الاعتاق وقبل أداء القيمة، فإن أثبتنا السراية بنفس الاعتاق فالقيمة في ذمته.

وإن قلنا بالآخرين لم يعتق نصيب الشريك، أما موته فلا يؤثر على الأقوال كلها، أما على التعجيل فظاهر، وأما على التوقف فلأن القيمة تؤخذ من تركته كالدين، والاعتاق صار مستحقا عليه حالة الحياة، وقد يوجد سبب الضمان في الحياة و يتأخر الوجوب عنها كمن حفر بئرا في محل عدوانا فتردى فيها بهيمة وإنسان بعد موته.

(ومنها) ما لو مات العبد قبل أداء القيمة، فإن قلنا يحصل بالاعتاق مات حراموروثا منه ويؤخذ قيمة الشريك.

وكذا إن قلنا بالتبين والكشف وقف إلى أداء القيمة، فإذا اديت بان الأمر كذلك.

وإن قلنا بتأخر السراية إلى وقت الأداء فو جهان، أظهر هما أنها تسقط لأن وجوب القيمة لتحصيل العتق و الميت غير صالح له كما تقدم.

والثاني المنع لأنه مال استحق في الحياة فلا يسقط بالموت، وعلى هذا فقد تبين بالأداء أن العتق حصل قبل موته وبهذا ينكشف ضعفه.


288

(ومنها) إذا أعتق الشريك نصيبه قبل أخذ القيمة لم ينعتق إن أثبتنا السراية في الحال.

ولو أخر ناها لأداء القيمة فو جهان: أحد هما أنه لا ينفذ لأن المعتق استحق أن يتملكه بالقيمه ليعتق عليه ويكون ولاؤه له، ولا يجوز صرف العتق عن المستحق إلى غيره.

والثاني أنه ينفذ بمصادفته الملك ولأن المقصود يكتمل العتق وقد حصل، وأغنى عن التكليف بأداء القيمة، وهذا أقوى.

ثم إذا قلنا بنفوذ الاعتاق ففي نفي نفوذ البيع والهبة ونحو هما وجهان: من أنه مالك ومن الحجر عليه في مثل هذه التصرفات وأخرجنا العتق لموافقته لمطلب الشارعمنه، وهذا أقوى.

(ومنها) ما لو وطأ الجارية قبل أداء القيمة، فعلى القول بتعجيل السراية يكون كوطء الحرة فيلزمه حكمه في حالتي الاختيار والاجبار فليس عليه مهر في الأول ويلزمه المهر في الثاني، وعليه الحد مع العلم بالتحرر.

وإن قلنا بتوقفه على الأداء وجب نصف المهر بنصفها الحر مع الاقرار على القول بالمراعاة يحتمل ذلك أيضا لكونها حال الوطء مملوكة له، وثبوت جميعه لها بعد الأداء لانكشاف كونها حرة حينئذ، ولا حد من جهة الحصة لحصول الشبهة بالاختلاف في ملكه، وفروع الباب كثيرة مبنية على غيره.

الثاني: لو كان المملوك بين ثلاثة واعتق اثنان قومنا حصة الثالث عليهما بالسوية، تساوت حصصهما فيه أو اختلفت.

هذا إن أعتقا نصيبهما معا كما لو و كل أحد هما الآخر أو علقا على شرط واحد.

وإن كان التعليق مترتبا فوجد الشرط، فإن كان أحد هما مؤسرا قوم عليه نصيب الثالث، وإن كانا مؤسرين قوم نصيب الثالث عليهما بالسوية، لا على قدر الملكين، لأن القيمة الواجبة هنا حكمها حكم ضمان المتلفات، والحال هنا لايفترق هنا فيها بين قلة الأسباب وكثرة أمثاله كمثال ما لو جرح واحد جراحة والآخر جراحات وسرت الجراحات أجمع فمات المجروح منها فإن الدية تكون


289

عليهما بالسوية.

وللعامة قول بأن القيمة عليهما بحسب الانصباء كالشفعة، فإذا أعتق النصف وصاحب السدس عزم صاحب الثلث ثلاثة أرباع قيمة الثلث وصاحب السدس ربعها، ويضعفه حصول الفرق، فإن الأخذ بالشفعة من توابع الملك موافقة فيكون على قدر الملك كالثمرة والنتاج، بخلاف القيمة الواجبة هنا لما بيناه من الوجه.

ومع هذا الفرق بين الأمرين فقد قيل بالشفعة أنها على عدد الرؤوس لا على قدر الانصباء عند القول بها مع تعدد الشركاء، وقد دلت بعض الأخبار على ذلك كما ذكر في الشفعة.

فعلى كل تقدير فتعتبر القيمة وقت العتق كما اقتضته الأخبار لأنه وقت الحيلولة، سواء قلنا بانعتاقه في العتق أم بالأداء، والأمر على الأول ظاهر.

وأما على الثاني فإنه وإن لم ينعتق بالفعل قبل الأداء لكن قد تعلق به حقالعتق واستحق الشريك المطالبة بالقيمة وذلك فرع ثبوتها وإن توقف العتق بالفعل على أمر آخر، ومعنى كونه وقت الحيلولة أنه يحجر على الشريك حصته وإن لم تنتقل عن ملكه.

والعلامة - قدس سره - في كتبه قد وافق المحقق شيخه في إطلاق اعتبار يوم العتق تبعا لظواهر النصوص المذكورة، واستوجه الشهيد الثاني مقويا له، ترتب القيمة على وقت العتق بالفعل، فإن جعلناه بالانعتاق اعتبرت حينئذ، وكذا على القول بالمراعاة.

وعلى القول باشتراطه بالأداء تعتبر القيمة عنده، وهو الذي يظهر من كلام المبسوط فإنه نقل القول بانعتاقه للعتق، ثم فرع عليه فروعا منها اعتبار القيمة وقت العتق، ثم نقل القول الاخر.

وأول الشهيدين في دروسه ظاهره ذلك أيضا حيث أطلق اعتبار القيمة وقت الأداء بعد أن اختار اتصافه بالأداء و لم يذكر


290

اعتبارها يوم العتق، وهذا موافق لمختار ثاني الشهيدين، لكن الأخبار مما تأباه إلا أن يجعل ما في الأخبار دليلا على اعتبار قول ابن إدريس أو قول الشيخ فيالمبسوط من المراعاة، والكل محتمل، وعلى كل تقدير فينبغي اعتبار قيمته يوم العتق.

الثالث: لو هرب المعتق صبر عليه حتى يعود، وإن أعسر نظر إلى اليسار بناء على أنه ينعتق بالاعتاق لأن القيمة تكون دينا عليه و إن أداها برئ وعند هربه وإعساره ينتظر وقت الامكان، وهذا واضح.

أما لو قلنا متوقفة على الأداء - كما اختاره المحقق ومختار المشهور - فمقتضى التفريع أن الحكم كذلك أيضا، بمعنى أن حق العتق لا يبطل بذلك بل يستمر إلى أن يتمكن من الأداء لوجود السبب المقتضي له وهو الاعتاق.

وأن يتوقف على شرط آخر أو على تمام السبب فلا يكون كالحق الفوري يبطل بالتأخير، وحينئذ فيبقي المعتق بالنسبة إلى الشريك رقيقا إلى أن يؤدي إليه القيمة، وهل يحتمل الحجر عنه بذلك ؟ يحتمله، حذرا من تعطيل ملكه عليه بغير بدل، ومن أن عليه العتق قد ثبت فيلزم.

وتظهر الفائدة في المنع عن نقله عن الملك ببيع أو هبة أو نحوها لا بالاستخدام.

ولو اختلفا في القيمة فقال المعتق قيمته مائة وقال الشريك قيمته مائتانمثلا فإن المملوك حاضرا والعهد قريب، أو قلنا إن المعتبر قيمته وقت الأداء

فصل

الأمر بمراجعة المقومين من أهل الخبرة، وإن مات العبد أو غاب أو تقادم العهد واعتبرنا قيمة يوم العتق، ففي المصدق بيمينه منهما قولان: (أحد هما) هو الذي اختار المحقق والعلامة وجماعة من المتأخرين أن القول قول المعتق لأنه الغارم والأصل معه كما إذا اختلف المالك والغاصب في المذهب الأشهر والأقوى في قيمة المغصوب بعد تلفه، فإن الغاصب مصدق والأصالة البراءة من الزائد.


291

(والقول الثاني) أن المعتق يتملكه عليه قهرا فيصدق المتملك عليه فلا ينزع من يده إلا بما يرضيه كما إذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن المأخوذ به فإن المصدق المشتري.

وربما بني القولان على الخلاف السابق، فإن قلنا: إن السراية تتعجل بالعتق فالمصدق المعتق لأنه هو الغارم.

وإن قلنا بتأخرها فالمصدق هو الشريك لأنه ملكه باق فلا ينتزع إلا بما يرضيه كما في المشتري مع الشفيع.

والمحقق - رحمه الله - مع حكمه بتأخر العتق عن الأداء قدم قول المعتق وهو خلاف البناء المذكور.

ووجهه أنه المنكر حقيقة، حيث إن الأصل عدم الزيادة على التقديرين.

ولو ادعى المعتق فيه عيبا فأنكر الشريك كان القول قول الشريك، لأن الأصل عدم العيب وكون المملوك على الخلقة الأصلية، ولافرق بين دعواه العيب في أصل الخلقة بأن يقول أكمه أو أخرس فيقول الشريك بل كان بصيرا ناطقا وبين دعواه حدوث العيب بعد السلامة بأن زعم ذهاب بصره أو كونه آبقا أو سارقا بل الحكم في الثاني أولى وأظهر لأصالة عدم حدوث العيب مع اتفاقهما على عدمها في الابتداء.

الرابع: قد علمت مما سبق أن اليسار المعتبر هو أن يكون مالكا بقدر قيمته نصيب الشريك فاضلا عن قوت يومه وليلته وليس المراد من اليسار في هذا الباب هو الغنى عرفا بل المراد من يملك من المال ما بقي بقيمة نصيب شريكه وإن لم يملك غيره لظاهر تلك الأخبار سيما قوله عليه السلام " وله قوم عليه الباقي " فيصرف في هذه الجهة كل عين تباع في الدين مما زاد عن قوت يومه له ولعيالهالواجبي النفقة ودست ثوب.

وظاهر المحقق في الشرايع أنه لا يستثني له المسكن والخادم، والأقوى استثناؤها كما في الدين لأن هذا من جملتها، وإطلاق كلام المحقق وجماعة


292

يشمل ما إذا كان عليه دين مثل ما يملكه أو أكثر.

فلا يمنع الدين السراية - وهو أحد القولين في المسألة - لأنه مالك لما في يده نافذ تصرفه فيه حتى لو اشترى به عبدا فأعتقه نفذ فكذلك يجوز أن يقدم عليه، وعموم الأخبار السابقة يشمله، والشريك حينئذ أحد الغرماء، ولأنه لو طالبه صاحب الدين وجب عليه إبقاؤه وإن كان للباقين ما يستغرق ماليته، فلو كان وجود المستغرق يصير معسرا لحرم مطالبته على كل واحد منهم، كما تحرم مطالبة المعسر والمعتق أولى لبناء العتق على التغليب، ووجه القول بكونه معسرا التحاقه بالفقراء وذلك يحل له الزكاة.

وفيه: منع الملازمة، فإن استحقاق الزكاة لا يلتزم الاعسار بل هو أعم والملك متحقق.

ويفهم من قولهم أن يكون مالكا بقدر قيمة نصيب الشريك أنه لو ملك البعض لم يعتق، وهو أحد القولين في المسألة.

واستجوز ثاني الشهيدينفي ذلك عتق الميسور منه وإن قل لعموم " إذا امرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " وخصوص قوله عليه السلام " وله مال قوم عليه الباقي " وهو قوي.

الخامس: ولو ورث شقصا ممن ينفق عليه فالمشهور بين الأصحاب عدم السراية لأن من شروطها - كما تقدم - وقوع العتق بالأخبار كما دلت عليه تلك الأخبار لتعلقها على إعتاقه لاعلى مطلق انعتاقه لصراحته في المباشرة للعتق اختيارا وهو.

(1) بالاختيار، ولأن الأصل عدم وجوب التقويم إلا ما أخرجه الدليل ولم يدل الدليل إلا على المباشرة، فلا يرد ما قيل: إن دلالة تلك الأخبار على نفي السراية فيها عدا المباشرة من باب دليل مفهوم الخطاب وليس بحجة في الأقوى، ولما تقدم من أن التقويم سبيله سبيل غرامة المتلفات ولم يكن له في غير الاختيار صنع ولا قصد إتلاف، بخلاف ما لو اشترى من ينعتق عليه أو فعل أحد الأسباب الصادرة بالاختيار، فإن فعل السبب اختيار كفعل المسبب.

وقال الشيخ في الخلاف: يسري وإن ملكه بغير اختياره كالارث، محتجا

(1) كلمة غير مقروءة، ولعلها " المعتق ".
293

بالاجماع والأخبار.

مع أنه في المبسوط ذهب إلى القول الأول، وما ادعاه من وجود الأخبار في ذلك لم نقف على شئ منها إلا أن يكون أشار بها إلى الأخبار المعللة لعتق السراية بأنه ليس لله شريك.

وقد عرفت من الأخبار ما يعارضها لدلالته عل وقوع الشركة مع الله في العتق وحصول التبعيض في مواضع عديدة.

والمعتمد هو القول المشهور قصدا للحكم المذكور بكونه مخالفا للأصل على محل النصوص.

السادس: لو أوصى بعتق بعض عبده أو بعتقه وليس له غيره لم يقوم على الورثة باقية، وكذا لو أعتقه عند موته ونجز عتقه في مرض الموت أعتق من الثلث ولم يقوم عليه في المشهور.

أما عدم عتقه على الوارث على تقدير إعتاقه له بعد موت مورثه الوصي بذلك فلأنه لم يعتقه عن نفسه وإنما أعتقه عن المورث إنفاذا لوصيته، فلا يكون من صنعه وفعله، فلا وجه للسراية عليه ولا على الميت.

وإن كان وقت الوصية مؤسرا لانتقال التركة للوارث بالموت فصار بالاعتاق مؤسرا فلا يقوم على من لا يملك شيئا بعد نفوذ العتق، كما لو وكله في عتق الشقصوهو مؤسر فأعتقه الوكيل بعد أن اعسر.

والشيخ في الخلاف قوله بالسراية عليه أيضا كالعتق القهري إن وسعه الثلث.

واختاره في الدروس محتجا سبق السبب على الموت وبرواية أحمد بن زياد الواقفي (1) على ما رواها المحمدون الثلاثة عن أبي الحسن عليه السلام " قال: سألته عن الرجل تحضره الوفاة وله مماليك لخاصة نفسه وله مماليك في شركة رجل آخر فيوصي في وصيته: مماليكى أحرار، ما حال مماليكه الذين في الشركة ؟ فكتب عليه السلام: يقومون عليه إن كان ماله يحتمل فيه فهم أحرار ".

(1) الكافي ج 7 ص 20 ح 17، الفقيه ج 4 ص 158 ح 7، التهذيب ج 9 ص 222 ح 22 الوسائل ج 13 ص 463 ب 74 ح 2 وما في المصادر اختلاف يسير.


294

وطعن في الرواية بضعف روايها وبمعارضتها لخبر الجارية المعتبر الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام وبخبر الحارثي وبخبر النضر بن شعيب المحاربي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل توفي وترك جارية أعتق ثلثها فتزوجها الوصي قبل أن يقسم شيئا من الميراث، أنها تقوم وتستسعى هي وزوجها في بقية ثمنها بعد ما تقوم، فماأصاب المرأة من عتق أو رق جرى على ولدها ".

وبموثقة عبد الله بن سنان (2) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام " وقد تقدمت الرواية " عن امرأة أعتقت ثلث خادمها بعد موتها، أعلى أهلها أن يكاتبوها شاءوا أو أبوا ؟ قال: لا، ولكن لها ثلثها وللوارث ثلثاها، ويستخدموها بحساب الذي لهم منها، ويكون لها من نفسها بحساب الذي أعتق منها ".

ومثلها صحيحة هشام بن سالم وعبد الله بن مسكان (3) جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام نحوه، وهي شاملة للوصية والمنجزة في مرض الموت، وقد دلت على نفي السراية فيهما، إلا أنهما مطلقة، وذلك الخبر خاص ومقيد مع إمكان حملها على ما إذا لم يكن لها سواها كما احتمله محدث الوسائل تبعا للشيخ.

ويمكن حمل الحديث المذكور على ما لو فهم الوصي من كلام الموصي أعتق جميع العبيد على وجه يشمل المشترك والمختص ولو على وجه الشراء وإنفاذ الوصية بعد ذلك أو على التقية، لأن المشهور بينهم السراية في جميع الحالات.

والأحوط العمل بمقتضى ذلك الخبر، حيث إنه لا معارض له في الحقيقة لأنه خاص وما عارضه عام.

وعلى هذا فينبغي للشريك قبول القيمة وإنفاذ الوصية للسلامة عنالاختلاف في النصوص والفتوى.

وأما إذا أعتقه المريض فإنه محجور عليه فيما زاد على الثلث بناء على مذهب المشهور، حتى الشيخ القائل بالسراية فكان في غير الثلث معسرا فلا يسري عليه

(1) الكافي ج 7 ص 20 ح 18، التهذيب ج 9 ص 223 ح 23، الوسائل ج 13 ص 463 ب 74 ح 1.

(2) التهذيب ج 9 ص 225 ح 32، الوسائل ج 13 ص 464 ب 74 ح 3.

(3) التهذيب ج 9 ص 243 ح 36، الوسائل ج 13 ص 464 ب 74 ح 3.


295

وإن باشر العتق، فلو كان له فيه شريك فأعتق المريض نصيبه نظر، فإن خرج جميع العبد من الثلث قوم عليه نصيب الشريك وعتق لأنه تصرف المريض في ثلث ماله كتصرف الصحيح، وإن لم يخرج إلا نصيبه عتق نصيبه ولا تقويم، وإن خرج نصيبه وبعض نصيب الشريك قوم عليه ذلك القدر على الخلاف.

وبالجملة: فالمريض بالنسبة إلى الثلث كالصحيح

في الكل،

وفيما زاد على الثلث معسر للحجر عليه عما زاد للميت عن الثلث، فالمعتبر إيساره عند نفوذ عتق الشقصفي ثبوت السراية، فإذا كان قد أوصى بعتق الشقص فالاعتبار بقيمته عند الوفاة لأن ذلك هو وقت خروجه عن الوارث وانتقال التركة إليه فيعتبر وصول مثليه إليه وإن كان قد نجز عتقه في المرض فالمعتبر قيمته عند الاعتاق لأنه وقت خروجه عن ملك الوارث المعتبر في نفوذه بقاء مقدار ملكه للوارث.

ثم لا يعتبر وجود الضعف حينئذ للاحتمال أن يتلف قبل موت المريض بل المعتبر قيمته عند قبضه إياه، فلو فرض أنه لم يكن له مال عند العتق ولكن تجدد عند موته مقدار ذلك نفذ العتق، ولو انعكس فتلف المال قبل الموت أو بعده قبل قبض الوارث له لم يحتسب عليه.

ولو كان عند الموت بقدر ضعفه ثم تجدد له زيادة نماء بحيث تقابل حصة الشريك وضعفها لم يسر لأن الزيادة ملك الوارث لانتقال التركة إليه بالموت، ولهذا ظهر أن المعتبر في التركة أقل الأمرين من حين الوفاة إلى حين قبض الوارث.

وللعلامة - قدس سره - قول بأن العتق المنجز والمؤخر سواء في اعتبار القيمة عند الموت إن نقصت قيمة المنجز، لأنه لو بقي عبدا لم يحفظ على الورثة سوى قيمته الناقصة فلم يتلف عليهم أكثر منها.

وأما إذا ازدت القيمة كانت بمنزلةالكسب للعلم بعتق شئ منه وقت الاعتاق، فإذا زادت قيمة المعتق لم يحتسب من التركة ولا عليه.

وأما الرق فيحتسب زيادته منها، فإن خلف ضعف قيمته فصاعدا من غيره


296

أعتق كله، وإن خلف أقله أو لم يخلف شيئا حسب نصيب الرقية من التركة فتكثر التركة فيكثر العتق فيقل الرق فتنقص التركة فيقل المعتق، وذلك دور.

فلو كانت قيمته وقت العتق مائة فصارت عند الوفاة مائتين ولم يخلف سواه فإن أعتق منه شئ وله من زيادة القيمة شئ وللورثة شيئان بإزاء العتق فهو في تقدير أربعة أشياء فيعتق منه نصفه وهو الآن يساوي مائة وقد كان يساوي خمسين وللورثة نصفه الذي يساوي مائة وهو ضعف ما عتق منه.

ولو بلغت قيمته ثلاث مائة قلنا عتق منه شئ وله من الزيادة شيئان وللورثة شيئان ضعف ما عتق منه، فيصير في تقدير خمسة أشياء ثلاث له واثنان للورثة، فيعتق منه مائة وثمانون وللورثة مائة وعشرون.

فلو صارت قيمته مائتين وخلف السيد مائة غيره قلنا عتق منه شئ وله مننفسه باعتباره الزيادة شئ آخر وللمولى منه ومن المائة شيئان ضعف ما عتق منه، فالمجموع في تقدير أربعة أشياء شيئان للعبد من نفسه وشيئان للورثة منه ومن المائة.

فالشئ خمسة وتسعون فيعتق منه ثلاثة أرباعه وتسلم المائة والربع الآخر للورثة.

وعلى هذا لو فرض نقصان قيمة المنجز عند الوفاة عنها عند الاعتاق فعلى قول العلامة لا يتغير الحكم لو لم يكن غيره واعتبره القيمة عند الوفاة، وإن كان له غيره اعتبر ضعف قيمته الآن.

وعلى ما ذكره المحقق في الشرايع ومن تبعه يلزم الدور المذكور لأن التركة معتبرة بالوفاة فلا يحصل للوارث ضعف ما أعتق مورثهم لأن المعتق منه ثلثه، فلو كانت قيمتة عند الاعتاق مائة ورجعت إلى خمسين فثلثه يساوي عند الاعتاق ثلاثة وثلثين وثلثا إن لم يكن لهم ضعفا إن لم يكن لهما ضعفهما (1) عند الوفاة، وهو متعذر لأن الباقي منه قدر ما عتق فينقص المعتق عن الثلث، وكل

(1) كذا في النسخة.


297

ما فرض عتقه كان للوارث ضعفه، فيكثر نصيب الوارث بقلة العتق والعتق بقلة النصيب فيقل النصيب، وهكذا.

فنقول: عتق منه شئ ثم عاد إلى نصف شئ فبقي العبد، في تقدير خمسين إلا نصف شئ يعدل ضعف ما عتق، فيكون الخمسون إلا نصف شئ يعدل ستين، فإذا جبرت وقابلت صارت خمسين كاملة تعدل ستين ونصفا، فالشئ عشرون.

ولما حكمنا رجوع الشئ إلى نصف شئ وتبين أن المعتق خمسة إلا نصف شئ وخمس الستين ونصف وكان قيمة النصف وهو خمس العبد عشرين يوم العتاق تعادل عشرة وبقي للورثة أربعة أخماسه وقيمة يوم الموت أربعون وهو ضعف قيمة جزء المعتق منه يوم الاعتاق.

السابع: إذا ادعى كل واحد من الشريكين على صاحبه وكانا مؤسرين أنك أعتقت نصيبك وطالب بالقيمة وأنكر صاحبه فكل واحد منهما مصدق بيمينه فيما أنكره، وإذا حلفا فلا مطالبة في القيمة.

ثم إن أوقفنا العتق على الأداء كما هو المشهور أو قلنا بالتوقف والتبين كما هو مذهب الشيخ في المبسوط فالعبد رق كما كان، وهذا هو الذي جزم به محقق الشرايع مفرعا له على مذهبه.

وإن قلنا بتعجيل السراية - كما هو مختار ابن إدريس - عتق جميع العبدلاعتراف كل منهما بسراية العتق إلى نصيبه.

ولو كان المدعي أحد هما خاصة على الآخر ولا بينة فالمصدق المنكر أيضا مع يمنه، وإن حلف رق نصيبه، وإن نكل حلف المدعي اليمين المردودة وا ستحق القيمة.

وهل يحكم بعتق نصيب المدعى عليه ؟ وجهان: من أن اليمين المردودة إما كالبينة على المدعى عليه أو كإقراره، وكلاهما يوجبان العتق، ومن أن الدعوى إنما توجهت عليه بسبب القيمة، وإلا فلا معنى للدعوى على إنسان أعتق عبده وإنما ذلك وظيفة العبد، وهذا هو الأقوى.

ثم إن شهد هذا المدعي مع آخر عدل يثبت العتق بالشهادة الحسية، وأما


298

نصيب المدعي فيبنى على عتقه على أن السراية حيث تتوقف على الأداء، فعلى الأول يعتق باعترافه بسراية المدعى عليه إلى نصيبه سواء حلف المدعى عليه أم نكل.

وإن قلنا بالتوقف بقي إلى أن يأخذ القيمة، وإذا أعتق نصيبه لم يسر إلىنصيب المنكر إن كان المدعى عليه مؤسرا لأنه لم يتبين العتق، فأشبه ما لو ادعى أحد الشريكين على رجل أنك اشتريت نصيبي وأعتقته وأنكر المدعى عليه، فإنه يعتق نصيب المدعي ولا يسري ولأن نصيبه عتق لا باختياره بل قضية لقوله أعتقت نصيبك، فكان كما لو ورث بعض من ينعتق عليه.

ولو كان المدعى عليه معسرا أو أنكر وحلف لم يعتق شئ من العبد، فإن اشترى المدعي نصيب شريكه بعد ذلك عتق ما اشتراه لا قراره بأنه أعتقه ولا يسري إلى الباقي.

أما لو كان المدعيان في المسألة الاولى معسرين لم يعتق أيضا إلا أن يشتري أحد هما نصيب الآخر فيحكم بعتق ما اشتراه لاقراره بعتق شريكه له، ولا يسري لأنه لم يثبت إعتاقه.

لكن على تقدير إعسار هما يخرج العبد من أيديهما أو يستسعى في قيمته لهما باعتراف كل منهما بأن نصيبه محل لاستسعاء العبد في فكه بسبب ادعائه عتق الآخر وعدم السراية، بخلاف ما إذا كانا مؤسرين فإنه يدعي استحقاق القيمة في ذمة شريكه فلا يستوفيها من المملوك.

ويحتمل استيفاؤها منه لتعذر الأداءفينزل منزلة الاعسار.

أما لو كان أحد هما مؤسرا والآخر معسرا عتق نصيب المعسر خاصة إن قلنا بتعجيل السراية باتفاقهما عليه في الدعوى والاقرار، أما المؤسر فبدعوى المباشرة، وأما المعسر فبدعوى السراية.

أما على القول باشتراط الأداء أو بجعل الأداء كاشفا لم يعتق نصيب المعسر،


299

أما نصيب المؤسر فلا يعتق مطلقا لانكاره المباشرة، ودعواه عتق المعسر لا يقتضي السراية لفقد شرطها، ولا تقبل شهادة المعسر عليه لأنه يجر النفع إلى نفسه، لكنه يجب عليه أن يحلف و يبرأ من القيمة والعتق.

ثم إذا دفع المعتق قيمة نصيب شريكه وقلنا إن العتق متوقف على الأداء فهل ينعتق عند الدفع أو بعده ؟ قولان، وقد تردد المحقق في الشرايع وجعل الأشبه أنه بعد الدفع ليقع العتق عن ملك، ولو قيل بالاقتران كان حسنا، وكان هذا من فروع الخلافات التي مر ذكرها المترتب على تعجيل السراية أو توقفها.

فإن قلنا بتعجيلها وقع بعد العتق بغير فصل، وكذا إن قلنا بالمراعاة كما عليه الشيخ في المبسوطكون الأداء كاشفا عن سبقه.

وأما على ما اختاره المشهور من اشتراطه بالأداء فهو محل هذا الخلاف المذكور فشيخ المبسوط أنه يقع بعد أداء القيمة لما ذكرناه من وقوع العتق عن ملك لاشتراط صحة العتق مطلقا بالملك السابق عليه لاستفاضة الأخبار من النبوية وغيرها بأن لا عتق إلا في ملك أو بعد ملك، ولأنه يترتب عليه الولي وهو يقتضي وقوعه في الملك.

واستوجه المحقق الاقتران، بمعنى أنهما يقعان معا ويكون الملك قبل تمام الدفع ضمنيا كما في عتق المأمور، وهذا حسن.

ويجئ على القول بتعجيل السراية توجه الحكم بعتق صدورهما معا من غير تأخر السراية عنه لما ذكر، ولظاهر قوله عليه السلام " هو حر كله ليس لله شريك ".

الثامن: قد تقدم في جملة من الأخبار بأنه إذا شهد بعض الورثة بعتق مورثهم لبعض العبيد عد إقرار وسرى في سهمه العتق، فإن شهد اثنان من الورثة وكانا عدلين ثبت العتق على جميع الورثة لوجوب المقتضي لقبول الشهادة وانتفاء المانع، ولو لم يكونا مرضيين نفذ الاقرار في نصيبهما خاصة.

وعلى كل تقدير فلا سراية في باقي أسهم الورثة إلا إذا تحققت شهادة


300

العدلين، وذلك من باب الثبوت لا من باب السراية " و ليس للعبد أن يحلف مع الواحد منهما بناء على أن العتق لا يثبت بشاهد ويمين كما هو المشهور، وكذا في المسائل السابقة.

وفي قواعد العلامة في هذا المحل حكم بثبوته بحلف العبد مع الشاهد ووافق المشهور على عدم الصحة في باب الشهادات.

وظاهر الصدوق - رحمه الله - في من لا يحضره الفقيه اشتراط عدم السراية على المقر من الورثة بالعدالة كما هو ظاهر عدة من المعتبرة مثل صحيحة محمد بن مسلم (1) عن أحد هما عليهما السلام " قال: سألته عن رجل ترك مملوكا بين نفر فشهد أحدهم أن الميت أعتقه، قال: إن كان الشاهد مرضيا لم يضمن و جازت شهادته في نصيبه فاستسعى العبد فيما كان للورثة ".

ومرسلة منصور بن حازم (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجل مات وترك غلاما فشهد بعض ورثته أنه حر، فقال: إن كان الشاهد مرضيا جازتشهادته في نصيبه و استسعى فيها كان لغيره من الورثة ".

وعلى هذا فيجب حمل إطلاق صحيحة منصور و خبر يونس عن منصور (3) أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل مات و ترك عبدا فشهد بعض ولده أن أباه أعتقه فقال: يجوز عليه شهادته ولا يغرم و يستسعى الغلام فيما كان لغيره من الورثة على ما إذا كان مرضيا " حملا للمطلق على المقيد، فيدل على مفهومه على الضمان مع انتفاء العدالة لأنه أضرهم بهذا الاقرار.

والمشهور بين الأصحاب عدم السراية مطلقا فكأنهم ألغوا مفهوم الخبرين المفصلين وعملوا بالأخبار المطلقة لأن الاقرار لا يوجب العتق في نفس الأمر، كما

(1) التهذيب ج 8 ص 246 ح 121 وفيه " سألت أبا جعفر عليه السلام "، الوسائل ج 16 ص 66 ب 52 ح 1 وفيهما " بين نفر - ويستسعى العبد ".

(2) الكافي ج 7 ص 43 ح 2 وفيه " وترك غلاما مملوكا "، الوسائل ج 16 ص 66 ب 52 ح 2.

(3) الكافي ج 7 ص 42 ح 1، الوسائل ج 13 ص 401 ب 26 ح 1.


301

أنه لا يوجب النقل والتمليك، ولعله اشتراطه العدالة للأمر باستسعاء العبدلا لانتفاء السراية، والاحتياط لا يخفى.

والعجب من الأصحاب سيما المتأخرين حيث ذكروا هذا الفرع في كتبهم المبسوطة والمتون وشروحها ولم يتعرضوا لشئ من هذه الأدلة ولم يتكلموا على مضامينها بنفي ولا إثبات، وكان عليهم أن ينقحوا مناط هذه الأخبار على وجه يندفع به التنافي بينها.

المقصد الخامس في أحكام العتق للقرابة وفيه مسائل،

وحيث إن جامع الأصل قد تكلم على هذا المقصد في كتاب البيوع واستقصى البحث عنه كما هي طريقة كثير من الفقهاء، حيث يذكرون هذا المبحث في موضعين من كتبهم أحد هما في البيوع و الثاني في العتق، فلا بأس لو أعدنا الكلام عليه ثانيا ولو بتجديد ما تقادم عهده فنقول: الاولى من تلك المسائل: أن من ملك الرجال البالغين ولو على جهة القهر أحد اصوله أو أحد أولاده وإن نزلوا ذكورا وإناثا عتقوا عليه، وكذلك النساء البالغات، ويختص الرجل بعتق محارمه من النساء.

والأصل فيه بعد الاجماععليه الأخبار المستفيضة قد تقدم كثير منها هناك.

من تلك الأخبار صحيحة محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: لا يملك الرجل والديه ولا ولده ولا عمته ولا خالته ويملك أخاه وغيره من ذوي قرابته من الرجال ".

وصحيحة عبيد بن زرارة (2) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عما يملك الرجل

(1) التهذيب ج 8 ص 240 ح 101، الوسائل ج 16 ص 11 ب 7 ح 2.

(2) التهذيب ج 8 ص 240 ح 100 وفيه " لا يملك والديه ولا ولده و ولا اخته ولا ابنة أخيه ولا ابنة اخته - من ذوى القرابة "، الوسائل ج 16 ص 12 ب 7 ح 4 وفيه " لا يملك والده ولا والدته ولا اخته ابنة أخيه وا ابنة اخته ".


302

من ذوي قرابته، فقال: لا يمك والديه ولا اخته ولا ابنة اخته ولا عمته‌و لا خالته وهو يملك ما سوى ذلك من الرجال من ذوي قرابته ".

وصحيحة أبي بصير وأبي العباس وعبيد بن زرارة (1) كذلك كلهم عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا ملك الرجل والديه أو اخته أو عمته أو خالته أو بنت أخيه - وذكر أهل هذه الآية من النساء - اعتقوا جميعا ويملك عمه وابن أخيه والخال ولايملك امه من الرضاعة ولا اخته ولا عمته " ثم ساق الحديث إلى أن قال: " يملك الذكور ما خلا والدا أو ولدا ولا يملك من النساء ذوات رحم فقلت: كيف ؟ يجري في الرضاع ؟ قال: نعم ".

وصحيحة محمد بن مسلم (2) الاخرى كما في التهذيب عن أبي جعفر عليه السلام " ثم قال: لا يملك الرجل والده ووالدته ولا عمته ولا خالته ويملك أخاه وغيره من ذوي القرابة من الرجال ".

وصحيحة محمد بن مسلم (3) أيضا كما في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام مثله.

وخبر معاوية بن وهب عن عبيد بن زرارة (4) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام " وذكر مثل صحيحته المتقدمة.

وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (5) وحسنته كما في الكافي والتهذيب " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يتخذ أباه أو امه أو أخاه أو اخته عبيدا، فقال: أما الاخت فقد اعتقت حين يملكها، وأما الأخ فيسترقه، وأما الأبوان فقد

(1) التهذيب ج 8 ص 243 ح 110، الوسائل ج 13 ص 29 ب 4 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) التهذيب ج 8 ص 240 ح 101 وفيه " والديه ولا ولده "، الوسائل ج 16 ص 11ب 7 ح 2 وفيهما " من ذوى قرابته ".

(3) الكافي ج 6 ص 177 ح 2.

(4) التهذيب ج 8 ص 240 ح 100، الوسائل ج 16 ص 12 ب 7 ح 4.

(5) الكافي ج 6 ص 178 ح 6، التهذيب ج 8 ص 240 ح 99 وفيه " عبدا "، الوسائل ج 16 ص 12 ب 7 ح 5.


303

عتقا حين يملكهما ".

وموثقة عبيد بن زرارة (1) عن أبي عبد الله عليه السلام كما في التهذيب " قال: سمعته يقول: لا يملك الرجل ذات محرم من النساء ولا يملك أبويه ولا ولده، وقال: إذا ملك والديه أو اخته أو عمته أو خالته أو بنت اخته - وذكر أهل هذه الآية من النساء - اعتقوا ".

وحسنته كليب الأسدي (2) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يملك أبويه وإخوته، قال: إن ملك الأبوين فقد، عتقا، وقد يملك إخوته فيكونون مملوكين ولا يعتقون ".

وخبر سدير (3) كما في المجالس لابن بابويه " قال: قلت لأبي جعفر الباقر عليه السلام: هل يجزي الولد والده ؟ قال: ليس له جزاء إلا في خصلتين: أن يكون الولد مملوكا فيشتريه فيعتقه، أو يكون عليه دين فيقضيه عند ".

وموثقة أبي بصير (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو عمته أو خالته وبنت أخيه أو بنت اخته - وذكر أهل هذه الآية من النساء - عتقوا جميعا، وقال: يملك الذكور ما خلا والدا أو ولدا ولا يملك من النساء ذوي محرم ".

وخبر أبي عيينة (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قلت له: غلام بيني وبينه رضاع، يحل له بيعه ؟ قال: إنما هو مملوك، إن شئت أمسكته وإن شئت بعته،

(1) التهذيب ج 8 ص 241 ح 104 وفيه " وذكر هذه الاية "، الوسائل ج 16 ص 12 ب 7 ح 7.

(2) التهذيب ج 8 ص 241 ح 103، الوسائل ج 16 ص 13 ب 7 ح 8.

(3) امالي الصدوق مجلس 70 ص 37 3 ح 9 طبع بيروت، الوسائل ج 16 ص 13 ب 7 ح 10.

(4) التهذيب ج 8 ص 243 ح 112 وفيه اختلاف يسير، الوسائل ج 13 ص 29 ب 4 ح 2.

(5) التهذيب ج 8 ص 244 ح 114، الوسائل ج 13 ص 29 ب 4 ح 4.


304

ولكن إذا ملك الرجل أبويه فهما حران ".

وأما ما يدل على معتوقات المرأة زيادة على ما تقدم هناك وهنا فصحيحة أبي حمزة (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المرأة ما تملك من قرابتها ؟ قال: كل أحد إلا خمسة: أبوها وامها وابنها وابنتها وزوجها ".

ومعنى عدم ملكها لزوجها أنها لا تملك مع بقاء الزوجية لأنها إذا ملكته بطل العقد وحرمت عليه ما دام عبدها.

والمراد بالملك المنفي عن المذكورين الملك المستقر، وإلا فأصل الملك متحقق في الجميع، وقد كشف عن ذلك أكثر أخبار هذا الباب لأن ما دل منها على نفي الملك قرر في أثناء كلامه تعليل ذلك بعتقه، وكيف يثبت العتق بغير ملك ؟ ولا فرق بين أن يدخل القريب في ملكه كالارث واختيارا بعقد معاوضة كالشراء ولو بمال المضاربة إذا ظهر للعامل ربح وكذلك كغيرها من المعاملات كالهبة والوصية، وفرق بين عتق القريب والسراية، حيث لم تثبت السراية إلا عند الاختيار، لأن العتق صلة وإكرام للقريب ولا يستدعيالاختيار، والسراية توجب التعميم والمؤاخذة، وإنما يليق ذلك بحالة الاختيار.

ويفهم من هذه الأخبار وإناطة الحكم بالرجل والمرأة أن الصبي والصبية لا يعتق عليهم ذلك لو ملكوه إلى أن يبلغوا، يعضده أصالة البراءة وإن كان خطاب الوضع غير مقصور على المكلف.

وفي إلحاق الخنثى هنا بالرجل والمرأة نظر: من الشك في الذكورية التي هي سبب عتق غير العمودين فيوجب الشك في عتقهم والتمسك بأصالة بقاء الملك، ومن إمكانها فيعتقون ببنائه على التغليب، وكذا الاشكال لو كان مملوكا، وإلحاقه بالانثى في الأول والذكر في الثاني لا يخلو من قوة، تمسكا بالأصل فيهما وقرابته الشبهة بحكم قرابة النكاح الصحيح، بخلاف قرابة الزنا على المشهور والأقوى، لأن الحكم الشرعي تابع للشرع لا للغة.

(1) التهذيب ج 8 ص 242 ح 106، الوسائل ج 16 ص 15 ب 9 ح 1.


305

الثانية لو ملك الرجل من جهة الرضاع وكذا المرأة، من ينعتق عليهما بالنسب

هل ينعتق عليهما ؟ فيه روايتان، بل قولان ناشئان عن اختلاف الروايات،أشهر هما ما ذهب إليه الشيخ وأتباعه وأكثر المتأخرين إلا ابن إدريس على الانعتاق كالنسب للروايات الآتي ذكرها ولما تقدم.

وذهب المفيد وابن أبي عقيل وسلار وابن إدريس إلى عدم الانعتاق.

والروايات الدالة على المذهب الأول مستفيضة منها صحيحة عبد الله بن سنان (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة ترضع غلاما لها من مملوكة حتى فطمته، هل يحل لها بيعه ؟ قال: لا، حرم عليها ثمنه، أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه واله: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ؟ أليس قد صار ابنها ؟ ".

وصحيحة الحلبي (2) عنه عليه السلام " في امرأة أرضعت ابن جاريتها، قال: تعتقه ".

وصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في حديث قال: وسألته عن المرأة ترضع عبدها أتتخذه عبدا ؟ قال: تعتقه وهي كارهة، أو قال: يعتقونه وهم له كارهون ".

ومثلها روايته (4) كما في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام.

وصحيحة الحلبي وعبد الله بن سنان (5) جميعا عن أبي عبد الله عليه السلام " في امرأة أرضعت ابن جاريتها، قال: تعتقه ".

(1) التهذيب ج 8 ص 244 ح 113، الوسائل ج 16 ص 14 ب 8 ح 3 وفيهما " تفطمه يحل لها بيعه فذهبت اكتبه، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أو ليس مثل هذا يكتب ".

(2) التهذيب ج 8 ص 243 ح 111، الوسائل ج 13 ص 29 ب 4 ح 3 وفيهما " عن الحلبي وابن سنان عن أبى عبد الله عليه السلام ".

(3) التهذيب ج 8 ص 240 ح 99، الوسائل ج 16 ص 14 ب 8 ح 2.

(4) الكافي ج 6 ص 178 ح 6، الوسائل ج 16 ص 14 ب 8 ح 2.

(5) الكافي ج 6 ص 178 ح 5، الوسائل ج 16 ص 13 ب 8 ح 1.


306

وقد تقدم في صحيحة أبي بصير وأبي العباس وعبيد بن زرارة (1) من التهذيب والفقيه " لا يملك امه من الرضاعة ولا اخته ولا عمته ولا خالته إذا ملكن عتقن، فقال: ما يحرم من النسب فإنه يحرم من الرضاع " وفيها " قلت: يجري في الرضاع مثل ذلك ؟ نعم يجرى في الرضاع مثل ذلك ".

وموثقة أبي بصير (2) مثلهما، وقال فيها: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب "وخبر مسمع كردين (3) " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: امرأة لها اخت من الرضاعة أتبيعها ؟ قال: لا، قلت: فإنها لا تجد ما تنفق عليها ولا ما تكسوها، قال: فإن بلغ الشأن ذلك فنعم إذا " لا ينافي ما تقدم، لأن النهي محمول على الكراهة بدليل قوله " فإن بلغ الشأن ذلك فنعم إذا ".

واحتج الذاهبون إلى العدم العدم برواية أبي جميلة عن أبي عينية (4) " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: غلام بيني وبينه رضاع، يحل له بيعه ؟ قال: إنما هو مملوك إن شئت بعته وإن شئت أمسكته ".

ورواية إسحاق بن عمار (5) عن الكاظم عليه السلام " قال: سألته عن رجل كانت له خادمة فولدت جارية فأرضعت خادمته ابنا له وأرضعت ام ولدة ابنة خادمة فصار الرجل أبا ابنة الخادم من الرضاع، قال: نعم إن شاء باعها وانتفع بثمنها ".

(1) الفقيه ج 3 ص 66 ح 3 وفيه " فإذا ملكهن عتقن - قلت: وكذلك يجرى في الرضاع ؟ " التهذيب ج 8 ص 243 ح 110 وفيه " فانهن إذا ملكن "، الوسائل ج 13 ص 29 ب 4 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 244 ح 112، الوسائل ج 13 ص 29 ب 4 ح 2.

(3) التهذيب ج 7 ص 83 ح 70، الوسائل ج 13 ص 30 ب 4 ح 5.

(4) التهذيب ج 8 ص 244 ح 114، الوسائل ج 13 ص 29 ب 4 ح 4 وفيهما " يحل لى بيعه ".

(5) التهذيب ج 8 ص 244 ح 117، الوسائل ج 16 ص 14 ب 8 ح 4 وفيهما اختلاف يسير.


307

ورواية عبد الله بن سنان (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا اشترى الرجل أباه وأخاه وملكه فهو حر إلا ما كان من قبل الرضاع ".

ورواية الحلبي (2) عنه عليه السلام " في بيع الام من الرضاع، قال: لا بأس بذلك إذا احتاج ".

واجيب عن هذه بعد الطعن وجميعا لضعف السند فلا تعارض الصحيحة، لأن الاولى لا تدل على المطلوب لظهورها من أن المراد من الغلام الأخ.

وعن الثانية بما أجابه به الشيخ بأن الضمير في " باعها " عائد إلى المرضعة الخادم دون ابنتها بقرينة قوله في آخرها " فيبيع الخادم وقد أرضعت ابنا له ! - متعجبا من ذلك - فقال: نعم، وما أحب له أن يبيعها ".

وعن الثالثة بأن الاستثناء عائد إلى الاأخ دون الأب، ومع ذلك فهي مشتملة على ما لا يقولون به من مشاركة الأخ للأب في الانعتاق فلا يمكن الاعتماد عليها ولا حاجة إلى ما تكلفه بعض علمائنا من جعله " إلا " فيها عاطفة بمعنى الواو لمجيئها في كثير من المواضع بمعناها، فيكون المعنى: إذ ملك الرجل أباه فهو حر وما كان من جهة الرضاع.

وعن الرابعة بأن يكون إنما جاز بيع الام من الرضاع لأب الغلام دون الولد.

وأوجه المحامل في هذه الأخبار التقية، لأن المشهور بينهم على أنها ضيعة عاجزة عن المعارضة لتلك الصحاح مع

تكثرها.

الثالثة: كما ينعتق جميعه بالملك

ينعتق بعضه لاشتراكهما في المعنى المقتضي للحكم والدليل ثم إن ملك البعض بغير اختياره كالارث - فقد تقدم الخلاف في السراية على الباقي وإن ملكه باختياره بأن اشتراه أو أتهبه - فهل يسري عليه ؟ قولان: أحد هما

(1) التهذيب ج 8 ص 245 ح 118.

(2) التهذيب ج 8 ص 245 ح 119.


308

نعم، ذهب إليه شيخ المبسوط وجماعة لأن ملكه مع العلم بأنه ينعتق عليه بمنزلة مباشرته للعتق لتساويهما في السببية، فيتناوله عموم " من أعتق شقصا " لأن فاعل السبب اختيارا كفاعل المسبب.

وتردد المحقق في ذلك من حيث إنه إنما اختار الملك لا العتق فلا يصدق عليه أنه أعتق حقيقة.

ويمنع أن اختيار السبب يمنع اختيار المسبب مطلقا أو فعله يقتضي فعله لأن المسبب يترتب على السبب على وجه الايجاب لا الاختيار.

واحتمل ثاني الشهيدين في المسالك التفصيل، والفرق بين العالم بالحكم والسبب فيسري عليه والجاهل بهما أو بأحد هما فلا يسري، إذ لا يتجه اختيار المسبب بدون السبب بذلك.

الرابعة: ليس للمولى على الطفل والمجنون أن يشتريا لهما من ينعتق عليهما بالقرابة،

فإن فعل فالشراء باطل لأنه إتلاف مال محض، أما لو وهب أقربيهما أو وصى به إليهما نظر، فإن كان الصبي معسر جاز له قبوله، فإذا قبله عتق عليه لأنه لا ضرر فيه على الصبي، هذا إن قلنا بانعتاقه عليه.

أما لو لم ينعتق عليه في الحال كما حققناه فيما سبق من أن العتق بالقرابةيتوقف على ملك البالغ، ولا بأس بالقبول وبالشراء.

ثم إنه يباع في الحال بل هو في تلك الحال على تقدير انعتاقه عاجلا جمال، وربما كان له فيهما منفعة، وقد يكتسب فينفق على الصبي، ولا اعتبار بأن الصبى قد يؤسر فلا تجب النفقة عليه وإنما يعتبر الحال.

وعلى هذا عند توجه المصلحة هل يجب على الولي القبول ؟ وجهان: من ظهور المصلحة للمولى عليه بتخليص قريبه من الرق مع انتفاء الضرر مع رجاء النفع في كثير من الحالات فكان أبلغ من حفظ ماله اليسر والتكسب به على بعض الوجوه وهو اختيار شيخ المبسوط، ومن أصالة العدم، وظاهر محقق الشرايع والنافع لاقتصاره على مجرد الجواز، مع أنه لا ينافي الوجوب فيمكن رد اختياره له وإن كان المولى عليه مؤسرا، فإن كان القريب بحيث تجب نفقته في الحال


309

بأن يكون زمنا أو غير كسوب لم يجز للمولي القبول لئلا يتضرر الصبي بالانفاق عليه من ماله، وإن كان مما لا تجب نفقته كمحارمه من النساء غير العمودين فعلى ما تقرر في المعسر.

ولقد أحسن الشيخ في المبسوط حيث قال: فإن كان صحيحا ولا يكون أبدا إلا فقيرا فإنه مملوك نظر، فإن كان مكتسبا لم تجب نفقته على ولده فعلى وليه أن يقبله، أما إذا أوصى له بالبعض أو وهب له، فإن كان المولى عليه معسرا قبله قبله الولي لما تقدم من عدم دخول الضرر عليه به بل فيه الجمال والمنفعة بلا مؤونة ولا تقويم عليه، وإن كان مؤسرا فإن لم تجب النفقة عليه ففيه حينئذ قولان: (أحد هما) أنه لا يقبل لأنه لو قيل العتق على الصبي وإذا عتق سرى ولزمه قيمة الشريك وفيه إضرار بالصبي.

(الثاني) يقبل ويعتق عليه ولا يسري إذا تضرر الصبي، ووجهه أيضا بأن الاختيار له في حصول الملك.

وتنظر ثاني الشهيدين في المسالك في الوجه الأخير بأن اختيار الولي كاختياره، وكيف كان فالمختار ما اختاره المحقق، والأكثر من عدم السراية، وهو اختيار الشيخ في المبسوط، وإن ذهب في الخلاف إلى السراية لعدم الدليل على ذلك.

الخامس: لو اشترى الزوج والولد أمة صفقة واحدة وهي حامل بنت قومتحصة الزوج على الابن وعتقت البنت عليهما معا لأنها بنت للزوج واخت للابن وليس لأحد هما على الآخر شئ.

وكذا لو وهبت لهاو قبلاها دفعة، ولو قبلها الابن أولا عتقت هي وحملها وغرم القيمة للزوج أو الواهب على إشكال، ووجهه في هذه المسألة أن قبول الزوج تأخرا لا ينافي التواصل المشروط بين الايجاب والقبول كالنفس، أو تم قبول الابن عند قبول الأب مع اتصاله وعدم انقطاعه، والاشكال ناش من أن سبب ملك


310

الزوج العقد المركب من الايجاب والقبول، والمركب متأخر عن كل واحد من أجزائه، والمسبب لا يتقدم على السبب، فقبل القبول لا يملك الزوج، وإذا هلكت غير الموهوب قبل القبول بطلت الهبة فتكون القيمة للواهب، وهذا هو الصحيح عند جماعة من محققي أصحابنا فخر المحققين والمحقق الثاني في حواشي الارشاد وأول الشهيدين في شرح نكت الارشاد.

ويحتمل أن يكون للموهوب لأن القمية قائمة مقام العين وقد تعلق حق الزوج باستحقاق تملكها فيتعلق بالقيمة كذلك.

وهذا الاحتمال بعيد جدا بل ليس له وجه كما حققه فخر المحققين في إيضاح القواعد لأن مستحق القيمة إنما هو المالك حقيقة لا من يملك إن يملك، ولا مع من ملكه مع السراية ووجوب القيمة بعدها ومبنى هذه المسألة على أن السراية بلفظ هو سبب العتق، فعلى كونها للواهب يكون على الابن نصف القيمتين للواهب وعلى كونها للموهوب يغرم للزوج نصف قيمة الام، ولو قبل الزوج أولا عتق عليه الولد كله، ثم إذا قبل الابن عتق عليه الام كلها، وإنما كان كذلك لأنه أذا قبل الزوج أولا دخلت الزوجة وبنتها في ملكه وانعتقت البنت لمكان ملكه لها وملك الزوجة لأنها لا تنعتق على الزوج وإن انفسخ النكاح، ثم إذا قبل الابن عتقت عليه الام كلها ويتقاصان على الأول ويرد كل منهما الفضل على صاحبه نصفه بالملك والنصف الآخر بالسراية، ويضمن قيمة الولد للابن على الاحتمال، فإذا قبل الابن ملك نصف الام وانعتقت عليه بالملك والسراية فيضمن للزوج نصف قيمة الام فيتقاصان ويرد من فضل على صاحبه المفضل.

هكذا قرر الحكم العلامة في القواعد، وتنظر فيه ابنه في شرحه عليها، لأن التقاص مبني على أن قيمة السراية للموهوب له، فإذا كان الموهوبله ممن ينعتق عليه المملوك ففي التقاص نظر، لأن العلامة على تقدير أن تكون القيمة للموهوب له لم يوجب للزوج نصف قيمة البنت لأنها تنعتق


311

عليه، وهو يقتضي أن لا يكون للولد مطالبتة بقيمة نصف اخته لأنها تنعتق عليه أيضا، فلا تقاص.

فالحكم باستحقاق الابن الرجوع على الزوج بنصف قيمة البنت مع تقدم قبول الزوج وتقدم رجوع الزوج بنصف قيمة البنت على الابن لو تقدم قبول الابن والتقاص مما لا يجتمعان.

لكن العلامة لم يصرح بعدم تقويم نصف البنت على الزوج أولا، ولما كان الحق عند القيمة للواهب كما تقدم في المسألة الاولى فإذا تقدم قبول الزوج كان نصف الام له وبطل نكاحه ولم ينعتق عليه وله نصف البنت أيضا وينعتق عليه ويسري ويغرم قيمة البنت للواهب، ومع قبول الابن يملك نصف الام وينعتق عليه ويسري إلى النصف الذي يملكه الزوج وعليه قيمته للزوج، وإن تقدم قبول الابن انعتقت عليه وضمن نصف القيمة للواهب.

وليست الوصية كالهبة في هذه المسائل والفروع لأن القبول في الهبة جزءمن السبب إجماعا.

وأما من الوصية فخلاف مشهور، فقال بعضهم: قبول الموصي أنه كاشف له عن قبول قوله بالموت، ورده يكشف عن عدم ملكه وبطلانها لأن استحقاقه يتعلق بالموت فأشبه الميراث، ولقوله تعالى " من بعد وصية يوصي بها أو دين " (1) وكذلك الأخبار الدالة على أنه يبدأ بالدين ثم الوصية ثم الميراث كما تقدم في كتاب الوصايا، وليس ثم غير مجرد الايصاء من غير اعتبار القبول، ولأنه جعل الميراث بعد الايصاء، فقبل القبول إما أن لا يكون ملكا لأحد وهو محال أو يكون ملكا للميت وهو محال لأنه بالموت خرج عن صلاحية الملكية إذ الموت سبب تام لنقل الملك عنه، ولا الوارث لأن البعيد لا يكون قبلا ولا غيرهم إجماعا فتعين الموصى لهم فيكون القبول كاشفا.

(1) سوره النساء - آية 11.


312

وقيل: القبول سبب، وهو الأقوى لأنه تمليك بعقد فيتوقف على القبول كسائر العقود، لأن العقد مركب وجزء السبب التام ناقص لا تام.

ويتفرع على القولين النماء المتجدد بين الايجاب والقبول، وعلى هذا فتكون الوصية كالهبة، ويتوجه كلام العلامة وإطلاقه، إلا أنه كما ترى موضع خلاف فلا تكون المسألة إجماعية كالهبة.

السادس: لو اشترى الوكيل بعض من ينعتق على موكله جاهلا بالنسب، فالكلام هنا في موضعين: أحد هما: هل يقع هذا الشراء أم يتوقف على إجازة المالك ؟ فيه نظر ينشأ من إطلاق الموكل الاذن في شراء مملوك، وهذا مملوك وقع عليه الشراء، ومن حيث إن الظاهر أن الموكل إنما أذن له في شراء مملوك يستقر ملكه عليه، وهذا ليس كذلك بل فيه إتلاف المال لأنه وقع بإزاء ملك لا يستقر مع إيجاب نفقته عليه إن كان مما تجب نفقته، وحينئذ يصير الشراء فضوليا فيقع إما باطلا أو موقوفا على الاجازة على الخلاف المشهور، والمختار البطلان.

ويتفرع على ذلك العتق، فمتى صح الشراء انعتق، فصحة الشراء والعتق هنا متلا زمان، والأقوى أن صحة الشراء موقوفة على تضمن وكالته شراء النسب الذي ينعتق على الموكل.

ثانيهما: على القول بعتقه هل يقوم عليه الباقي أم لا ؟ وفيه نظر، ووجهه أنه ملك بعض قريبه بسبب اختياري لأنه من وكيله وأفعاله منسوبة إلى اختيار موكله وإلا لم يصح، ومن حيث إنه لو فعله الوكيل عالما لم ينفذ إلا مع إجازة الموكل، فمع الجهل أولى لأنه غير مقصود للوكيل، لأن المقصد مشروط بالعلم ولأن الشراء في العالم اختيار للعتق لأنه اختيار للسبب بخلاف الجاهل، وعلى ما اخترنا وهو أنه إن ضمنت الوكالة شراء القريب صح الشراء وانعتق وقوم عليه أيضا، وإلا فلا.


313

ولو اشتراه وهو جاهل بالسبب فانعتق فهل يقوم عليه ؟ فيه نظر، منشأه مبني علي مقدمتين: (أحد هما) اختيار السبب هل هو اختيار المسبب ؟ (ثانيهما) أن فاعل السبب هل هو فاعل المسبب أم لا ؟ وهذه مسألة كلامية اختلف المتكلمون فيها وتبعهم الفقهاء في الخلاف أيضا، إلا أن المشهور بين الفريقين أن فاعل السبب فاعل المسبب سيما في الأسباب الشرعية، فعلى الأول يقوم عليه وعلى الثاني فلا.

وأما ما رواه الشيخ في الصحيح عن محمد بن قيس (1) عن الصادق عليه السلام ورواهعلى بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام من الصحيح وغيره كما مر في كتاب المضاربة وفيها " رجل دفع إليه رجل آخر ألف درهم مضاربة فاشترى أباه وهو لا يعلم، فقال: يقوم، فإن كان درهم واحد أعتق ويستسعى في مال الرجال " فإن الضمير في " أباه " الظاهر رجوعه إلى العامل والضمير في " يستسعى " للعبد المعتق.

لكن في دلالة هذه الرواية على أحد المذهبين نظر لجواز كون العامل معسرا فلا يقوم عليه، والأقوى الانعتاق عليه مع اليسار ويقوم عليه الباقي لاختياره السبب، ويستسعى العبد مع إعساره مثل ما لو أعتقه ابتداء.

المقصد السادس في أحكام العتق بالعوارض وبقية الأسباب وهو يشتمل على مسائل:

الاولى: في عوارض آفات البدن

وهو العمى والجذام والاقعاد، وانعتاق العبد والأمة بهذه الأسباب مشهور بين الأصحاب حتى كاد يكون إجماعيا والروايات به عن أهل البيت مستفيضة.

أما العمى والجذام فيدل عليها من الأخبار خبر حماد بن عثمان (2) عن

(1) التهذيب ج 8 ص 242 ح 107 وفيه " محمد بن ميسر "، الوسائل ج 13 ص 188 ب 8 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الكافي ج 6 ص 189 ح 4، الفقيه ج 3 ص 84 ح 4، الوسائل ج 16 ص 31 ب 23 ح 1.

وما في المصادر " فقد عتق ".


314

أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال: إذا عمي المملوك عتق ".

ورواه الصدوق مرسلا.

وخبر السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إذ عمي المملوك فلا رق عليه والعبد إذا جذم فلا رق عليه " هكذا في الكافي، ورواه الصدوق في الفقيه بإسناده عن السكوني مثله إلا أنه قال " إذا عمي العبد ".

وخبر أبي البختري (2) كما في الكافي والتهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام قال: لا يجوز في العتاق إلا الأعمى والمقعد ويجوز الأشل والأعرج ".

وخبر أبي البختري (3) أيضا كما في الفقيه وقرب الأسناد مثله إلا أنه قال " لا يجوز في العتاق إلا الأعمى والأعور ".

ورواه الصدوق في المقنع مرسلا.

وخبر إسماعيل الجعفي (4) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: إذا عمي المملوك عتقهصاحبه ولم يكن له أن يمسكه ".

وصحيحة حماد بن عثمان (5) كما في محاسن البرقي عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا عمي الغلام عتق ".

وقد إلحق ابن حمزة بالجذام البرص، وقال ثاني الشهيدين في مسالكه بعد نقله لذلك عنه: ونحن في عويص من إثبات حكم الجذام لضعف المستند إن لم يكن إجماع، فيكف يلحق به البرص ؟ وكأنه أشار بهذا الكلام إلى رواية السكوني

(1) الكافي ج 6 ص 189 ح 2، الفقيه ج 3 ص 84 ح 3 وفيه " أجذم "، الوسائل ج 16 ص 32 ب 23 ح 2.

(2) الكافي ج 6 ص 196 ح 11، التهذيب ج 8 ص 230 ح 65، الوسائل ج 16 ص 32 ب 23 ح 4.

(3) الفقيه ج 3 ص 85 ح 15، قرب الاسناد ص 74، المقنع ص 162، الوسائل ج 16 ص 32 ب 23 ح 5.

(4) الكافي ج 6 ص 189 ح 3، الوسائل ج 16 ص 32 ب 23 ح 6 وفيهما " أعتقه ".

(5) المحاسن ص 625 باب اتخاذ العبيد والاماء، الوسائل ج 16 ص 33 ب 23ح 7.


315

حيث لم تضمن شئ من الأخبار المذكورة للجذام سواهما، إلا أن الاجماع قد نقله غير واحد.

وأما الاقعاد فقد اعترف غير واحد من المتأخرين بأنه لم نقف له على مستند وأما المحقق في النافع فنسبه إلى الأصحاب مؤذنا بعدم وقوفه على دليله، ولكن لم يظهر فيه مخالف، حتى ابن إدريس وافق عليه لشبيهة أنه إجماع، وهو من هؤلاء عجيب جدا.

وقد جاء في الروايات ما يدل على ذلك مثل خبر أبي البختري المتقدم بطرق عديدة كما سمعت وفيها " لا يجوز في العتاق إلا الأعمى والمقعد ويجوز الأشل والأعرج ".

وموثقة غياث بن إبراهيم (1) كما في التهذيب عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام " قال: لا يجزي الأعمى في الرقبة ويجزي عما كان فيه مثل الأشل والأقطع والأعرج ولا يجوز المقعد ".

وخبر السكوني (2) كما في التهذيب عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام " قال: العبد الأعمى والمجذوم والمعتوق والمقعد لا يجوز في الكفارات لأن رسول الله صلى الله عليه واله أعتقهم ".

وهذه الأخبار كافية في ثبوت هذا الحكم بعد قيام الاجماع عليه وبدونه.

وأما ما قاله ثاني الشهيدين في المسالك بعد نسبته إلى الأصحاب العتق لهؤلاء بهذه الأسباب، وفي الحقيقة الحكمة في انعتاق المملوك بهذه العوارض غير واضحة لأن عجزه عن الاكتساب يناسبه استصحاب الرق لتجب نفقته على المولى

(1) التهذيب ج 8 ص 319 ح 2، الوسائل ج 15 ص 587 ب 27 ح 2 وفيهما " ما كان منه مثل الاقطع والاشل والاعرج والاعور ".

(2) التهذيب ج 8 ص 324 ح 20، الوسائل ج 15 ص 587 ب 27 ح 3 وفيهما " الاجذم والمعتوه لا يجوز ".


316

فيقتصر منه على محل الوفاق أو النص الصالح لا ثبات الحكم.

وفيه نظر، لأن فكه من حبل العبودية وقيودها ليس إلا لمكان راحته معاتصافه بصفات أهل الايمان وأهل البلاء والبلوى، مع أن العجز من الأسباب المرجحة للعتق وسيما إذا جعل له ما يقوم بأكله ومؤونته.

الثانية: في بيان عتق من مثل به مولاه

كما هو المشهور بين الأصحاب، وعليه قد دلت جملة من الروايات، وتردد فيه المحقق في الشرايع وجعل العتق بالتنكيل رواية، وخالف ابن إدريس ونسب الحكم إلى رواية الشيخ، ولا وجه في إخراجه عن العوارض السابقة لأن مستند غير العمى أضعف منه وفتوى الأصحاب مشتركة، ومستنده من الأخبار: خبر جعفر بن محبوب (1) عمن ذكره عن أبي عبد الله عليه السلام كما في الكافي والتهذيب " قال: كل عبد مثل به فهو حر ".

وموثقة أبي بصير (2) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام فيمن نكل مملوكه أنه حر لا سبيل له عليه سائبة يذهب فيواري إلى من أحب فإذا ضمن حدثه فهو يرثه ".

وصحيحة هشام بن سالم (3) كما في الفقيه عن أبي جعفر عليه السلام مثله.

وموثقته (4) كما في الكافي مثله.

ورواه في المقنع (5) مرسلا.

(1) الكافي ج 6 ص 189 ح 1، التهذيب ج 8 ص 223 ح 34، الوسائل ج 16 ص 30 ب 22 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 223 ح 35 الوسائل ج 16 ص 31 ب 22 ح 2 وفيهما " فيتولى الى من ".

(3) الفقيه ج 3 ص 85 ح 5.

(4) الكافي ج 7 ص 172 ح 9.

(5) المقنع ص 160.


317

ومرسلة الفقيه (1) " قال: روي في امرأة قطعت ثدي وليدتها أنها حرة لا سبيل لمولاتها عليه ".

والرواية الاولى من هذه الروايات قد قدح في طريقها شهيد المسالك بجهالة الراوي مع الارسال.

وفي الثاني بأن في طريقها عبد الحميد، و هو مشترك بين الثقة والضعيف، بل الظاهر أنه خارج عن القسمين لأن طبقته أعلى من طبقتهفيكون مجهولا، وعلى التقديرين يضعف الطريق، وأبو بصير - قد عرفت مرارا - أنه مشترك فتكون ضعيفة، ومع هذا فقد وصفها في المختلف بالصحة، و ليس كذلك.

وفيه نظر، لأن طريقها في الفقيه من الصحيح لخلوها عن عبد الحميد وأبي بصير لأن راويها هشام بن سالم وإن كان رواها تارة عن نفسه وتارة عن أبي بصير إلا أن الظاهر أن المراد بأبي بصير ليث المرادي بتصريح جماعة بأن هشام بن سالم من قرائبه، فيكون ما ذكره في المختلف هو الأوضح.

ولعل وجه تردد المحقق في هذا الحكم هو ما ظهر له في بادي الرأي من ضعف المستند ومن اشتهاره بين الأصحاب، وقربه إلى التردد مخالفة ابن إدريس، وإلا فقد عرفت أن الحكم ما تقدم سيما الجذام أولى بذلك.

وإذا تقرر ذلك فالتنكيل لغة فعل الأمر الفضيع بالغير، يقال: نكل به تنكيلا إذا جعله نكالا وغيره لغيره، مثل أن يقطع لسانه أو أنفه أو اذنيه أو شفيته أو نحو ذلك، وليس في كلام الأصحاب ما يدل على المراد بل اقتصروا على تعليق الحكم على مجرد الاسم لا طلاق النصوص.

وفي بعض روايات العامة ما يدل على أن الجدع تنكيل حيث رووا (2) " أن زنباعا أبا روح وجد غلاما مع جارية له فجدع أنفه وجبه، فأتى النبي صلى الله عليه واله

(1) الفقيه ج 3 ص 85 ح 6، الوسائل ج 16 ص 31 ب 22 ح 3.

(2) مسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 182 طبع بيروت.


318

فقال: من فعل هذا بك ؟ قال: زنباع، فدعا النبي صلى الله عليه واله فقال: ما حملك على هذا ؟ فقال: كان الأمر كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه واله اذهب فأنت حر ".

وفي رواية اخرى (1) من طريقهم " قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه واله صارخا فقال له: مالك ؟ قال: سيدي وافاني اقبل جارية له فجب مذا كيري، فقال له النبي صلى الله عليه واله: اذهب فأنت حر ".

ثم قال ثانى الشهيدين: وليس ببعيد.

ويترتب على هذا أن المماليك الخصيان ينعتقون على مواليهم إذا فعلوا بهم ذلك فلا يصح شراء هم لمن علم ذلك، وعلى اشتباه كون الفعل من مولاه مبني على بقاء أصالة الملك.

وعلى هذا حمل صحيحة رفاعة (2) التي مر ذكرها في مقدم كتاب العتق وفيالبيوع، وإن كان ظاهرها أن ذلك فعل مواليهم بهم لأن صورتها هكذا: " قلت لأبي الحسن عليه السلام إن الروم يغيرون على الصقالبة فيسرقون أولادهم من الجوارى والغلمان، فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم، ثم يبعثون بهم إلى بغداد إلى التجار، فما ترى في شرائهم ونحن نعلم أنهم قدسرقوا وإنما أظهروا عليهم من غير حرب كانت بينهم ؟ فقال: لا بأس بشرائهم، إنما أخرجوهم من الشرك إلى دار الاسلام " يحمل ما وقع في السؤال من قوله " فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم " من أن ذلك لم يقع من مواليهم على سبيل اليقين وإنما هو على سبيل الظن والتخمين، ولو تحقق ذلك أوجب له الانعتاق وأدخله في التنكيل لعموم الدليل.

والجمع بين صحيحة رفاعة وبين ما رواه في الجعفريات (3) بالاسناد المشهور عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام " قال: رفع إلى علي بن أبي طالب عليه السلام رجل

(1) سنن ابن ماجة ج 2 ص 894 ب 29 ح 2680 كتاب الديات طبع بيروت.

(2) الكافي ج 5 ص 210 ح 9، الوسائل ج 13 ص 27 ب 2 ح 1 وفيهما " وانما أغاروا عليهم ".

(3) الجعفريات ص 123.


319

أخصى عبده فأعتق علي عليه السلام العبد وعاقبه، وقال: من مثل بعبده أعتقنا العبد مع تعزير شديد نعزر السيد ".

وفي الجعفريات (1) بإسنادها المشهور أيضا في غير الخصي من التنكيل عن علي بن الحسين عليه السلام " أنه قضى في رجل جدع أنف عبده فأعتقه علي عليه السلام وعزره ".

وفيه (2) أيضا عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام " قال: قضى علي عليه السلام في رجل جدع أنف عبده فأعتقه علي عليه السلام وعاقبه ".

وبهذا اتضح لك قوة هذا الدليل وتكثر الروايات به، وفيها الصحيح وغيره.

نعم يجب عند الشك في بعض العقوبات وإطلاق التنكيل عليها كقلع العين الواحدة والاذن الواحدة ونحو ذلك الرجوع فيه وفي كل موضع من مواضع الاشتباه إلى حكم الأصل وهو استصحاب حكم الرق إلى أن يثبت المزيل، لكن الظاهر من خبر الجعفريات الأخيرة ومن مرسلة الفقيه حصول التنكيل بقطع إذن واحدة وثدي واحد بإطلاق الخبرين المذكورين وإن احتملا إرادة الجنس.

الثالثة: في إسلام المملوك في دار الحرب سابقا على مولاه،

فإن المروي أنه من أسباب العتق.

واشترط الشيخ خروجه إلينا قبله أيضا لما رواه في التهذيب والفقيه من قوله عليه السلام " أيما عبد خرج قبل مولاه فهو حر ".

وظاهر المحقق عدم اشتراط خروجه قبله، وبه صرح ابن إدريس لحصول الاسلام المانع من ملك الكافر له، وهو ممنوع لأن الاسلام إنما يمنع من دوام الملك وبقائه لا مطلقا، والمحقق في الجهاد اشترط خروجه قبله، ولعله أجمل الحكم في كتاب العتق اتكالا على ما سبق.

وأما الرواية المشار إليها في التهذيب فقد رواها الشيخ عن السكوني (3) عن جعفر عن أبيه عن أبائه عليهم السلام " أن النبي صلى الله عليه واله‌حيث حاصر أهل الأطائف قال:

(1) و (2) الجعفريات ص 123.

(3) التهذيب ج 6 ص 152 ح 1.


320

أيما عبد خرج إلينا قبل مولاه فهو حر، وأيما عبد خرج إلينا بعد مولاه فهو عبد ".

فيكون ما اشترطه المشهور تبعا للشيخ من خروجه قبل مولاه معتبر والاطلاق لا مستند له، وضعف الرواية هنا في الاصطلاح الجديد غير مضر على مختار القدماءلأن المدار في الصحة على القرائن لا على تعديل الرواة وجرحها.

الرابعة: قد بقي من الأسباب الموجبة للعتق انحصار الارث فيه.

ومقتضى إلحاقهم السببية على ذلك أنه ينعتق بمجرد اشترائه، وليس كذلك لما سيأتي في الأخبار الواردة به.

وكذلك الفتوى في كتاب الميراث التصريح بعتقه بعد الشراء فتكون السببية المنتسة إلى الارث وإلى الشراء بسببية بعيدة ومقولة على ذلك بالتجوز، وسيأتي تفاصيل أحكامها وتفاصيلها في أحكام الميراث إن شاء الله تعالى، ولا بأس بذكر بعض الأخبار الواردة في ذلك لينكشف بها وجه السببية، وليكن هذا الكتاب مشتمل على ذكر جميع الأسباب.

فمنها صحيحة سليمان بن خالد (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " سمعته يقول في الرجل الحر يموت وله ام مملوكة، قال: تشترى من مال ابنها ثم تعتق ثم يورثها ".

وصحيحة عبد الله بن سنان (2) " قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في رجل توفي وترك مالا وله ام مملوكة، قال: تشترى امه وتعتق ثم يدفع إليها بقية المال ".

وصحيحة جميل (3) " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: الرجل يموت وله ابن مملوك، قال: يشتري ويعتق ثم يدفع إليه ما بقي ".

والأخبار بهذا المعنى كثيرة جدا، وأما تفاصيل شرائط هذا العتق وبيان محال مواضعه المنصوصة والمختلف فيها والمتفق عليها فموكولة بياناتها إلى كتاب الميراث.

(1) التهذيب ج 9 ص 334 ح 4، الوسائل ج 17 ص 406 ب 20 ح 7 وفيهما " قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول ".

(2) و (3) الكافي ج 7 ص 147 ح 2 و 4، الوسائل ج 17 ص 404 ب 20 ح 2 و 4.


321

المقصد السابع في بيان العتق بالتدبير

هو مشتق من الدبر، والمراد به تعليق العتق بدبر الحياة، سمي تدبيرا لأنه دبر أمر دنياه باستخدامه واسترقاقه وأمر آخرته بإعتاقه، وهذا راجع إلى الدبر أيضا لأن التدبير في الأمر مأخوذ من لفظ الدبر لأنه نظر في عواقب الأمر وإدباره، ولا خلاف بين علماء الاسلام في صحة عتق المملوك معلقا على وفاة مولاه.

واقتصر المحقق وجماعة على تعريفه بما ذكرناه إيثارا لتعريف الفرد المتفق عليه لا الحصر، وإن كانت الصيغة تقتضيه من جهة أن المبتدأ منحصر في الخبر، والحصر إضافي لا مطلقا.

وقد اختلف الأصحاب - رضوان الله عليهم - في صحته معلقا على وفاة غير المولى في الجملة، فذهب جماعة منهم المحقق والعلامة وقبلهما الشيخ وأتباعه إلى الصحة، وذهب ابن إدريس إلى المنع من تعليقه بوفاة غير المولى مطلقا، وربما قيل بجواز تعليقه بموت غير الآدمي، ومنهم من علقه على موضع النص وهو من شرطت الخدمة له.

والذي وقفنا عليه من الأخبار الدالة على جواز تعليقه على وفاة غير المولى صحيحة يعقوب بن شعيب (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له الخادم فيقول: هي لفلان تخدمه ما عاش فإذا مات فهي حرة، فتأبق الأمة قبل أن يموت الرجل بخمس سنين أو ست سنين ثم يجدها ورثته، ألهم أن يستخدموها بعد ما أبقت ؟ فقال: لا، إذا مات الرجل فقد اعتقت ".

(1) التهذيب ج 8 ص 264 ح 28، الوسائل ج 16 ص 96 ب 11 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.


322

وخبر محمد بن حكيم (1) كما في التهذيب " قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام عن رجل زوج أمته من رجل آخر وقال لها: إذا مات الزوج فهي حرة، فمات الزوج، فقال: إذا مات الزوج فهي حرة تعتق، فعدتها عدة المتوفى عنها زوجها، ولا ميراث لها منه لأنها صارت حرة بعد موت الزوج ".

فالأحوط إذا القول بقصد التدبير على هذه الثلاثة الأصناف وهو المولى والمشروط له الخدمة والزوج، ويختص الأخيرين بالأمة، ولا يمكن أن يحتج بهذين الخبرين على التعميم كما وقع للشيخ وأتباعه بناء على أصل الجواز ولقبول العتق التأخير كقبوله للتنجيز، ولا تفاوت بين الأشخاص، وقد جاء معلقا بوفاة المولى مطلقا، فيجوز بوفاة غيره لمرجع هذا الاستدلال إلى القياس، ولأن الرواية الصحيحة المذكورة التي هي الركن الأعظم في الاستدلال إنما دلت على جواز تعليقه بوفاة المخدوم، فتعديته إلى غيره [ و ] غير الزوج من القياس أيضا، وهم لا يقولون به لعدم توجه قياس الأولوية، بل مورد هذا النص الصريح كما ترى الأمة، وكذلك خبر محمد بن حكيم إلا أن ثاني الشهيدين قال: وخصوصية الذكوريةوالانوثية قد يدعى أنها ملغاة.

وأما الأصل فمدفوع بأن التدبير إن كان عتقا معلقا فهم لا يقولون بجوازه مطلقا بل هو مقصور على محل النص والوفاق، وإن كان وصية - كما هو القول المشهور - فلا يجوز تعليقها بوفاة غير المولى إجماعا.

وبهذا يحصل الفرق بين وفاة المولى وبين غيره بجواز التعليق وعدمه، فلا يجوز من جوازه معلقا على بعض الوجوه لمكان الدليل جوازه مطلقا.

وبالغ ابن إدريس في المنع من تعليقه بوفاة غير المولى مطلقا تمسكا بموضع الوفاق وردا للخبر وإن صح طريقه لأنه عنده من أخبار الآحاد، وادعى أن

(1) التهذيب ج 7 ص 344 ح 38، الوسائل ج 16 ص 97 ب 11 ح 2 وفيهما " من رجل حر " مع اختلاف يسير.


323

التدبير شرعا تعليق عتق وفاة المولى فلا يتعدى إلى غيره، وبأنه لو صح معلقا على وفاة غيره للزم بطلانه بالاباق كما يبطل المعلق بموت السيد.

ورد دليله الأول بأنه مصادرة ومقابلة للنص بالاجتهاد، ورد النافي بمنعالملازمة.

والفرق في ذلك مقابلة نعمة السيد بالكفر فقر بل بنقيض ذلك كقاتل العمد في حرمانه الارث بخلاف الاجنبي، وقد أسند المحقق في شرايعه جواز تعليقه على موت الزوج إلى الدليل كمن جعلت له الخدمة.

وقال منازعه ثاني الشهيدين في مسالكه: ومقتضى هذا الكلام وجود النقل على صحة ذلك.

ثم قال: وليس كذلك وإنما الوجود من النقل ما حكيناه من الرواية مشيرا بها إلى صحيحة يعقوب بن شعيب وهي مختصة بتعليقه على وفاة المخدوم فإن تعديته إلى غيره غير مسندة إلى النقل، فإن روعيت الملابسة فهي لا تخرج عن ربقة القياس، فلا وجه لاختصاصه بهذين لأن وجوه الملابسة لا تختص، فيجئ على هذا جواز تعليقه بالوفاة مطلق الملابسة بل مطلق الناس لفقد ما يدل على غير المخدوم، وهو قول في المسألة.

وقد سمعت مما سبق أنه ربما قيل بجواز تعليقه بموت غير الآدمي لاشتراك الجميع

في معنى التدبير

لغة، وهي تعليق العتق على الوفاة، فأكثر الأصحاب لم يتعرضوا لغير المروي، وهو الأنسب، لكن تبقى فيه بأن النصوص واردة في الأمةفتعديتها في العبد لا يخلوا من نظر.

ومما اشتهر من خصوصية الذكورية والانوثية ملقاة وأن الطريق متحد لا يقطع الشبهة وإن كان متجها، إلى هنا كلامه.

وفيه نظر لما سمعت من صراحة خبر محمد بن حكيم الذي طريقه إليه من الصحيح، وهو من مرويات التهذيب، وهو مشتمل على تعليق التدبير على موت الزوج، فكيف هذا الانكار على المحقق مع أنهم بمرأى ومسمع منه ؟ لكنهم - قدس الله أرواحهم - لا يتدبرون في أخبار كتب الأربعة ولا لما فيها مودعة، فضلا


324

من غيرها مما هي متشعبة متسعة.

وأعجب منه سبطه في شرح النافع حيث تبعه في إنكار هذا النص، وما ذكره المحقق عنده في الشرايع غير ناجع حتى قال: " والحق للعلامة في بعض كتبه بتعليقه بوفاة المخدوم تعليقه بوفاة زوج المملوكة فواعجباه كيف ننسب الالحاق للعلامة مع أن القائل بذلك الشيخ ومن تبعه في عدة مواضع، ونص على ذلك محقق الشرايع، بل يظهر من المسالك أنه مذهب الأكثر هنا لك.

وأعجب من هذا قوله بعد أن حكى عن العلامة ذلك الالحاق وقال: وربماظهر من العلامة في المختلف جواز تعليقه بوفاة غير المولى مطلقا، وهما ضعيفان لأن المنقول من الشارع جواز تعليقه بوفاة المولى ووفاة المخدوم، فيجب قصر الحكم على ذلك، ولكنهم - قدس الله أسرارهم - يقلد المتأخر منهم المتقدم من غير تتبع ولا تفهم، فالحق ما قلناه من قصر جواز التعليق على المنصوص، ولم نقف على هذين الموضعين بعد وفاة المولى بالخصوص.

إذا تمهد هذا فنقول: إن الاتيان على مسائل التدبير وأحكامه يتوقف على امور: الاول: الكلام على لفظه الصريح وصيغته التي وردت من الشارع واشتهرت بين فقهائنا، وقد جاءت بعبارات أصرحها " أنت حر بعد وفاتي " ولا ريب

في وقوع التدبير

بها لدلالتها على المطلوب صريحا وفي معناها " أنت عتيق أو معتق بعد وفاتي " وكذا يقع بقوله: أعتقك بعد وفاتي أو حررتك قاصدا به الانشاء.

ويظهر من المحقق في شرايعه ونافعه قصد الصراحة والامضاء عند الجميع على الاولى خاصة، أعني قوله: أنت حر بعد وفاتي.

وعلى كل تقدير فهذه الصيغة تارة يقع بها مطلقا وتارة يقع بها مقيدةمثل أن يقول: إذا مت فعبدي حر أو أنت حر بعد وفاتي.

وفي المقيد إذا قلت: إذا مت في سفري هذا أو في مرضي هذا أوفي سنتي هذه أو في يومي أو في هذا


325

البلد إلى غير ذلك من القيود الزمانية والمكانية، أو تقدير مصدر ذلك الفعل العلق عليه مثل: إن مت حتف أنفي.

وكذلك يصح تقييده بقيود متعددة ك‍: إن مت في سنة كذا في مكة حتف أنفي ونحو ذلك فيعتبر في عتقه اجتماع الشروط كلها.

وألحق الشيخ في المبسوط التدبير المقيد بالمعلق على شرط في البطلان نظرا إلى اشتراطهما في التعليق.

وقد اختلف الأصحاب - رضوان الله عليهم - في بعض الصيغ مثل قولهم: أنت مدبر أو دبرتك، في أنه هل هو صريح فيقع به التدبير وإن لم يقصده ؟ أو كناية فيقع مع القصد ؟ أولا يقع به مطلقا ؟ على أقوال: جزم المحقق في الشرايع بالأخير منها وقول شيخ الخلاف لخلوه عن لفظ العتق والحرية، ولا يكاد يستعمل عند استعمال العقد إلا مع التعرض للحرية،ولأنه إما عتق بصفة أو وصية به وكلاهما يفتقر إلى ذكر العتق، أما الأول فظاهر وأما الثاني فلأن الوصية لا بد لها من التصريح بمتعلقها.

والثاني: أنه يقع بذلك لصراحته فيه بظهور التدبير في هذا المعنى وشهرته فيه شرعا، بل هو متبادر منه فيه عند كل أحد، كما أن البيع وغيره ظاهر في معناه حتى أن التدبير كان معروفا في الجاهلية، وقد أقره الشارع ولم ينقله من هذا المعنى حتى يكون كناية، وهذا لقول مختار شيخ المبسوط والعلامة في جملة من كتبه.

والثالث أنه كناية يصح مع البينة لا بدونها، والمراد بالبينة هنا هو نصب القرينة الكاشفة عن إرادة اللافظ به في الاستعمال العتق بعد الوفاة فلا يحكم به ابتداء، وهو اختيار ابن الجنيد وابن البراج، لأن فيه جمعا بين الدليلين ولأصالة بقاء الرقية إلى أن يثبت المزيل.

ويرد أنه لا يقع بالكنايات عندنا كنظائره، والأدلة المتعارضة لا تجتمع


326

بذلك والأصالة عند مجوزه انقطعت بالصيغة المخرجة عنه.

وأوسط الأقوال أوسطها لدلالة جملة من الأخبار على استعمال لفظ التدبير فيه من غير نصب قرينة كما لا يخفى على المتتبع لما دبره عليهم في حياتهم وبعد مماتهم، بل لم يأت في الأخبار سوى لفظ التدبير.

ففي صحيحة محمد بن مسلم (1) " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام كما في الكافي والتهذيب - عن رجل دبر مملوكا له ثم احتاج إلى ثمنه، فقال: هو مملوكه " وساق الحديث إلى أن قال: " فإذا مات السيد فهو حر من ثلثه ".

وحسنة الوشاء (2) وروايته كما في الفقيه والكافي " قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يدبر المملوك وهو حسن الحال ثم يحتاج، أيجوز أن يبيعه ؟ قال: نعم ".

وفي صحيحة الحلبي (3) وصحيحة محمد بن مسلم (4) عن أحد هما عليهما السلام والاولى عن أبي عبد الله عليه السلام " في الرجل يعتق غلامه أو جاريته في دبر منه ثم يحتاج إلى ثمنه، أيبيعه ؟ قال: لا ".

وصحيحة أبي مريم (5) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سئل عن رجل يعتق جاريته عن دبر أيطأها إن شاء أو ينكحها أو يبيع خدمتها في حياته ؟ قال: أي ذلك شاء فعل ".

والأخبار بهذا المعنى مستفيضة في جميع أحكام التدبير كما سيأتي ذكرها مفصلة.

(1) الكافي ج 6 ص 185 ح 9، التهذيب ج 8 ص 259 ح 6، الوسائل ج 16 ص 98 ب 13 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 183 ح 1 وفيه " هل يجوز له "، الفقيه ج 3 ص 71 ذيل ح 5، الوسائل ج 16 ص 85 ب 1 ح 3 وما في المصادر " قال: نعم إذا احتاج الى ذلك ".

(3) التهذيب ج 8 ص 263 ح 23.

(4) التهذيب ج 8 ص 263 ح 22 وفيه " وجاريته عن دبر "، الوسائل ج 16 ص 85 ب 1 ح 6 وفيهما " فقال: لا الا أن يشترط على الذى يبيعه اياه أن يعتقه عند موته ".

(5) التهذيب ج 8 ص 263 ح 24 وفيه " فقال: نعم "، الوسائل ج 16 ص 87 ب 3 ح 1.


327

نعم قد جاء في صحيحة يعقوب بن شعيب المجوزة تعليق التدبير على من له الخدمة، وكذلك خبر محمد بن حكيم المجوزة تعليقه على موت الزوج التصريح بلفظ الحرية لقوله في الاولى ما سمعت " هي لفلان تخدمه ما عاش "، فإذا مات فهيحرة " وفي الثانية " إذا مات الزوج فهي حرة " وتقدم في أخبار الوصايا الاستعمال كل من الصيغتين، فلا إشكال إذا في مساواتها هذه الصيغة المعبر فيها بلفظ التدبير للصيغ المعبر فيها بلفظ الحرية ولفظ العتق فيهما في الصراحة سواء، وليست من الكناية في شئ، فلا تحتاج إلى قصد المتكلم بها إلى لفظ مدلولها بل يحكم عليه بالقصد بمجرد سماع الصيغة منه وإن كان القصد في الواقع معتبرا.

ولو كان المملوك لشريكين فقالا: إن متنا فأنت حر انصرف قول كل واحد منهما إلى نصيبه وتعلق عتقه عى موته خاصة، وهذا عند قصد تدبير كل منهما نصيبه وتعليق عتقه على موته خاصة.

أما لو علق كل واحد من النصيبين على موتهما معا أو أطلق اللفظ كذلك حينئذ ولم يقصدا واحدا معينا من الأمرين فموضع إشكال، للابهام الواقع فيه ولا فضائه إلى وقوع التدبير في التعليق على موت غير المولى باعتبار نصيب الآخر، ثم إنه على تقدير الوقوع إن ماتا معا انعتق النصيبان دفعة، وإن مات أحد هما قبل الآخر عتق نصيب الميت بشرطه وهو إذا وسع ثلثه ذلك التدبير وبقي نصيب الآخر موقوفا على موته، والكسب المتخلل بين المدبر والمالك الحي بنسبة الملك.

وإن قصد تعليق عتقه على موتهما معا كما هي الصورة الثانية المختلف فيها بحيث لا يعتق منه شئ مع موت أحد هما بني الحكم بالصحة على أحد أمرين: أما جواز تعليق التدبير على وفاة غير المولى مع الملابسة أو مطلقا، أو جواز تعليق العتق على الشرط كما هو مختار القاضي وابن الجنيد في مطلق العتق.

فإن أجزنا ذلك صح أيضا وكان التدبير على الأول معلقا بموتهما معا، فإن ماتا دفعة انعتق جميعه لحصوله شرطه، وإن ماتا على الترتيب بقى على الرق


328

جميعه إلى أن يموت الآخر وهو بين الموتتين لورثة الميت والحي، وإن لم يجز الأول وأجزنا الثاني كان عتقا بشرط وحكمه كالسابق إلا أنه ليس تدبيرا بل عتق معلق على شرط لا يتم إلا بموتهما، وللورثة بين الموتتين التصرف فيه بما لا يزيل الملك كالاستخدام والاجارة، وليس لهم بيعه لأنه صار مستحق العتق بموت الشريك.

وفي جوازه - لو جعلناه تدبيرا - نظر من جواز الرجوع في التدبير، وهذا من جزئياته، وفي الارشاد جزم بعدم جوازه على هذا التقدير نظرا إلى ذلك.

وإن لم نجوز التدبير مطلقا على موت الغير مطلقا أو الملابس إما بأن منعنامن تعليقه على موت غير المولى مطلقا أو أجزناه بموت الزوج والمخدوم - كما هو المختار ودلت عليه الأخبار - كان لفطهما لا غيا.

وإن اطلق اللفظ ولم يعنيا ما قصدا من تلك العبارة ففي حمله على أيهما قولان: (أحد هما) للشيخ في المبسوط والمحقق في الشرايع، وهو الحمل على الأول لأن اللفظ كما هو صالح لتعليق العتق على شرط فهو صالح أيضا لتعليق نصيب كل منهما على موت نفسه فيحمل على الصحيح صونا لكلامه عن الهذر وترجيحا لجانب الصحة الموافق لغرض الشارع مع إمكان حمله عليه.

(والثاني) حمله على الثاني بظهور معناه فيه لغة لأن اللفظ إنشاء، ولا يتحقق بالنسبة إلى موت الاخر إلا بتعليقه عليه بخلاف الحمل على السابق فإنه إنشاء بالنسبة إلى تعليق عتق نصيبه على وفاة نفسه، وإخبار بالنسبة إلى الحكم بعتقه أجمع على تقدير تعليقه على وفاتهما معا، وهذا هو الأظهر.

ثم على تقدير حمله عليه يترتب عليه ما يلزم الأصل الصحة والبطلان، فعلى المشهور يتوجه البطلان، وعلى قول القاضي وابن الجنيد يصح:واضطرب كلام العلامة في كتبه، ففي الارشاد والتحرير حكم بالبطلان، واضطرب كلامه في القواعد، ففي صدر المسألة حكم بالصحة والتتزيل على المعنى


329

الأول الصحيح، وفي آخرها خص الصحة بما إذا قصد توزيع الاجزاء على الاجزاء.

وأول الشهيدين في دروسه اقتصر على بيان حكم المسألة علي سبيل القصدين، ولم يتعرض للاطلاق الذي هو موضع البحث والخلاف وفي اشتراط نية القربة بناء على أنه عتق بشرط، وعدمه بناء على أنه من الوصايا أو أنه معاملة خارجة عنهما، والأقوى عدم اشترطها فيه لما سيأتي من ترجيح كونه وصية بالعتق أو لأنه أمر مستقل برأسه وإن شبههما، ولا دليل على اشتراطهما فيه، والأصل يقتضي العدم وصحته بدونها.

نعم في الأخبار التي قدمناها وسيأتى ما يشعر بأنه عتق معلق وسيما صحيحة يعقوب بن شعيب ورواية محمد بن حكيم.

إلا أنه قد شارك الوصية في جواز الرجوع فيه ما دام حيا وفي إجزائه من الثلث حيث إنه قد علقه ولم يقع منجزا وما علق من العتق قد بنت بالأدلة الصحيحة جواز التصرف فيه قبل وقوع الشرطوإن لم يكن تدبيرا.

وقد سمعت تلك الأدلة وسيجئ ما يرشد إليه أيضا منها.

فمراعاة القربة كسائر العتق متجهة وإن شارك الوصية في هذه الأحكام بمقتضى الدليل، وهل يشترط تجريده عن الشرط والصفة كما هو المشهور بين الأصحاب ؟ أم يجوز معلقا على الشرط والصفة كما هو مختار الاسكافي والقاضي سواء تقدم على الموت أم تأخر كما إذا قال له: إن أديت إلي أو إلى ولدي كذا فأنت حر بعد وفاتي ؟ أقواها عدم جواز التعليق فيه كما تقدم في غيره، وقد صرح في مختصره الأحمدي بذلك في مواضع عديدة، كما ذكره شهيد المسالك.

وفي المختلف أنكر ذلك كله وادعى على بطلان العتق المعلق بالشرط، والاجماع ممنوع أما الدليل فقد تقدم ذكره مفصلا وإن أنكر وجوده اولئك الفضلاء لعادتهم التي قد ارتكبوها آخرا وأولا.

الثاني: في شرائط المدبر،

شرطه أن يكون بالغا عاقلا، وللشيخ قول بجواز تدبير ابن العشر، وأن يكون مختارا جائز التصرف، فلا يقع التدبير من


330

الصبي وإن كان مميزا، ولا يصح من المجنون ولا السكران ولا الملجئ إلىالتدبير ولا من السفيه ولا من المحجور عليه في الدين ولا من العبد إلا بإذن السيد.

وبالجملة: أن كل ما يثبت من الشرائط لأصل العتق بالأدلة والفتوى فهو ثابت للتدبير، فهو وإن لم يرد فيه بالخصوص أدلة كما ورد في غيره إلا أنه يستفاد في جميع هذه الأحكام من تلك الأدلة التي مر فيها الكلام لعمومها، هذا على تقدير أن يكون عتقا.

وعلى تقدير جعله وصية أو معاملة ثالثة غير هما فالأقرب جواز التعليق واعتبار باقي الشرائط لمشاركة الوصية وسائر المعاملات العتق فيها.

الثالث: أن المدبر والمدبرة

باقيان على الرق ولم يخرجا عن ملك مولاهما بالتدبير سواء جعلناه وصية أم عتقا مطلقا أو معاملة اخرى غير هما فللمولى التصرف فيهما بالاستخدام وغيره.

ولو كان أمة فله وطؤها كما له التصرف فيها بغيره ولجواز وطء المستولدة وحق المعتق فيها آكد لتحريم بيعها في الجملة إجماعا، بخلاف المدبرة فإنها أبعد من الحرية ما دام مولاها حيا وإن كان في جواز بيعها خلاف إذا لم يرجع في التدبير، وسيجئ بيانه.

فإن وطأها وحملت منه اجتمع فيها سببان للعتق التدبير والاستيلاد، والأول أسبق، والعتق فيهما متوقف على موت المولى، فإذا مات والولدحي عتقت من ثلثه بالتدبير، فإن لم يف الثلث بها عتق الباقي بالسبب الآخر - أعني الاستيلاد - فيحسب من نصيب ولدها، وتعتق إن وفي بذلك وإلا استسعت في الباقي.

ويدل على جواز وطئها رواية أبي مريم (1) الصحيحة عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سئل عن الرجل يعتق جاريته عن دبر، أيطأها إن شاء أو ينكحها أو يبيع خدمتها حياته ؟ فقال: نعم أي ذلك شاء فعل ".

(1) التهذيب ج 8 ص 263 ح 24، الوسائل ج 16 ص 87 ب 3 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.


331

ومرسلة ابن أبي عمير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه سئل عن المدبرة يقع عليها سيدها ؟ قال: نعم ".

الرابع: لو حملت المدبرة بمملوك بعد التدبير

بحيث يدخل في ملك مولاها تبعها في التدبير سواة كان الولد من عقد أم شبهة أم زنا، إلا أنه في الأولين ظاهر لتبعيته لهما، أما في الأخير فيشكل مع علمها بالتحريم لانتفاء السبب بينهما شرعا، إلا أنه لما صدق عليه كونه ولدها لغة وكان جانب المالية والحيوانية مغلبافيها ومن ثم كان الولد لمولاها دون مولى الزاني لو كان عبدا أطلق الشيخ وتبعه الأكثر كالمحقق والعلامة ومن تأخر عنهما بتبعيته لها في التدبير من غير فرق.

وكذلك الأخبار جاءت بذلك مطلقة بل عامة في أن ما ولدت فهم بمنزلتها، ولا شبهة في أنه يصدق على ولدها من الزنا أنها ولدته فيكون بمنزلتها لمقتضى هذا العموم والاطلاق وإن لم يلحق بها في باقي الأحكام.

وكذا القول في ولد المدبر إذا كانوا مملوكين لمولاه بأن ولدوا من أمته، مدبرة كانت أم لا أو من غيرها وقد شرط مولاه رقيتهم.

وتلك الأخبار الواردة فيها صحيحة أبان بن تغلب (2) كما في الكافي والتهذيب " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل دبر مملوكة ثم زوجها من رجل آخر فولدت منه أولادا ثم مات زوجها وترك أولادا منها، قال: أولاده منها كهيئتها، فإذا مات الذي دبرها فهم أحرار ".

وخبر عثمان بن عيسى الكلابي (3) عن أبي الحسن الأول عليه السلام " قال: سألته

(1) التهذيب ج 7 ص 481 ح 138، الوسائل ج 16 ص 86 ب 1 ح 8 وفيه " أيطأها " وفيهما " عن ابن أبى عمير عن بعض أصحابه ".

(2) الكافي ج 6 ص 184 ح 6، التهذيب ج 8 ص 259 ح 4، الوسائل ج 16 ص 89 ب 5 ح 1 وما في المصادر " دبر مملوكته " مع اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 6 ص 184 ح 5، الوسائل ج 16 ص 90 ب 5 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.


332

عن امرأة دبرت جارية لها فولدت الجارية جارية نفيسة فلم تدر المرأة ما حال المولودة هي مدبرة أو غير مدبرة، فقال لي: متى كان الحمل بالمدبرة ؟ أقبل ما دبرت أو بعد ما دبرت ؟ فقلت: لست أدري أجنبي فيهما جميعا، فقال: إذا كانت المرأة دبرت وبها حبل ولم تذكر ما في بطنها فالجارية مدبرة والولد رق، وإن كان إنما حدث الحمل بعد التدبير فالولد مدبر في تدبير امه ".

ورواه الصدوق في الفقيه (1) مرسلا نحوه وزاد فيه " لأن الحمل حدث بعد التدبير ".

وخبر الوشاء (2) كما في الكافي وكذا التهذيب و [ ح كما في ] الفقيه عن أبي الحسن الرضا عليه السلام " قال: سألته عن رجل دبر جاريته فقال: إن كان علم بحبل الجارية فما في بطنها بمنزلتها، وإن كان لم يعلم كان ما في بطنها رق ".

وفي التهذيب بطريقصحيح عن الحسن بن علي الوشاء (3) مثله.

وخبر يزيد بن إسحاق شعر (3) المعتبر عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن جارية اعتقت عن دبر من سيدها، قال: فما ولدت فهم بمنزلتها وهم من ثلثه، وإن كانوا أفضل من الثلث استسعوا في النقصان " الحديث.

وخبر أبي البختري (5) كما في قرب الأسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهم السلام " قال: ما ولدت الضعيفة المعتقة عن دبر بعد التدبير فهو بمنزلتها يرقون برقها ويعتقون بعتقها، وما ولد قبل ذلك فهم مماليك لا يرقون برقها ولا يعتقون بعتقها ".

(1) الفقيه ج 3 ص 71 ح 4، الوسائل ج 16 ص 90 ب 5 ح 2.

(2) الكافي ج 6 ص 184 ح 4، الفقيه ج 3 ص 71 ح 5، الوسائل ج 16 ص 90 ب 5 ح 3 وما في المصادر اختلاف يسير.

(3) التهذيب ج 8 ص 260 ح 9.

(4) التهذيب ج 8 ص 261 ح 14 وفيه " فان كانوا أكثر "، الوسائل ج 16 ص 91 ب 5 ح 4.

(5) قرب الاسناد ص 63، الوسائل ج 16 ص 91 ب 5 ح 5.


333

أما ما في رواية علي بن جعفر وصحيحته (1) كما في كتاب قرب الأسناد وكتاب المسائل له عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن رجل قال: إذا مت فجاريتي فلانة حرة، فعاش حتى ولدت الجارية أولادا ثم مات، ما حالها ؟ قال: اعتقت الجارية وأولادها مماليك ".

فهما محمولان على التقية أو على أنه قد صارت أولادها مماليك لغير المولى، أو على أنهم مماليك لعدم إحاطة الثلث بالأولاد.

وأما ما يدل على حكم أولاد المدبر إذا كانوا من مملوكة المولى المدبر فصحيحة بريد بن معاوية العجلي (2) المروية في التهذيب والكافي والفقيه " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل دبر مملوكا له تاجرا مؤسرا، فاشترى المدبر جارية بإذن مولاه فولدت منه أولادا فمات قبل سيده، قال: فقال: أرى أن جميع ما ترك المدبر من مال أو متاع فهو للذي دبره، وأرى أن ام ولده للذي دبرته، وأرى أن ولدها مدبرون كهيئة أبيهم، فإذا مات الذي دبر أباهم فهم أحرار ".

وإذا تقرر ذلك فنقول: إن استمر المولى على تدبير الام أو الأب فلا إشكال ولا خلاف في تبيعة الأولاد لهما، وإن رجع في تدبير الام أو الأب جاز أيضا لعمومالأدلة الدالة على جواز الرجوع في التدبير ما دام حيا.

ثم إذا رجع فيها فهل يجوز له الرجوع في الأولاد منفردين أم لا ؟ قولان، فالشيخ وتبعه المحقق في الشرايع على أنه لا يجوز الرجوع فيهم مطلقا لصحيحة أبان بن تغلب الآتي ذكرها، وقد ادعى الشيخ في الخلاف الوفاق.

وقال ابن إدريس بجواز الرجوع وتبعه العلامة وولده في إيضاح القواعد والشهيد الأول وأكثر المتأخرين لعموم الأدلة على جواز الرجوع في التدبير، ولأن تدبير الولد فرع

(1) قرب الاسناد ص 119، بحار الانوار ج 10 ص 286 وفيه " ما حالهم "، الوسائل ج 16 ص 91 ب 5 ح 6 و 7.

(2) الكافي ج 6 ص 185 ح 8، الفقيه ج 3 ص 73 ح 12، التهذيب ج 8 ص 261 ح 11، الوسائل ج 16 ص 92 ب 6 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.


334

تدبير الأبوين، فلا يزيد الفرع على أصله.

والأقوى الأول، فإنا نمنع عموم الدعوى بعد ورود هذه الرواية الصحيحة وغيرها المخرجة لهذا الفرد من عموم هذه القاعدة.

وتلك الرواية هي صحيحة أبان بن تغلب (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عنرجل دبر مملوكته ثم زوجها وترك أولادا منها، قال: أولادها منها كهيئتها فإذا مات الذي دبر امهم فهم أحرار، قال: قلت له: أيجوز للذي دبر امهم أن يرد في تدبيره إذا احتاج ؟ قال: نعم، قلت: أرايت إن ماتت امهم بعد ما مات الزوج وبقي أولادها من الزوج الحر، أيجوز لسيدها أن يبيع أولادها وأن يرجع عليهم في التدبير ؟ قال: لا، إنما كان له أن يرجع في تدبير امهم إذا ا حتاج ورضيت هي بذلك ".

وأما الفرق بين حكم الفرع والأصل بعد النص، أن تدبير الأصل لما كان بمباشرة المالك جاز له الرجوع في وصيته بخلاف الولد، فإن حكم تدبير هم قهري من الله فلا اختيار له فيه، لكن ربما قدح في الرواية من حيث اشتمالها على كون أبيهم حرا وهو يوجب تبعيتهم له فيها، وحملت تارة على اشتراط الرقية كما هو ا ختيار المشهور، واستضعفه في المسالك لعدم ظهوره منها.

والأقوى أن هذا الخبر من هذه الأخبار الدالة على تبعية الولد لأحد الأبوين في الرق كما عليه العامة ومختار الاسكافي من علمائنا، وقد تقدمت أخبار صحاح في كتاب النكاج وأحكام الأولاد التي على ذلك فتكون دالة على حكم التدبير، ويمكن حملها علىتأخر حرية الأب عن الاستيلاد وإن كان بعيدا.

الخامس: أنه إذا دبرها ثم رجع في تدبيرها فأتت بولد لدون ستة أشهر من حين الرجوع ولم يجاوز أقصى مدة الحمل من حين التدبير فلا كلام في بقائه على التدبير لتحقق علوقها به في زمن التدبير، كما لا إشكال في انتفاء تدبيره

(1) الكافي ج 6 ص 184 ح 6، الوسائل ج 16 ص 92 ب 7 ح 1 وفيهما " زوجها من رجل آخر فولدت منه أولادا ثم مات زوجها وترك أولاده منها - أولاد منها " مع اختلاف يسير.


335

لو ولدت لأقصى الحمل فصاعدا من حين الرجوع.

أما إذا ولدت فيما بين ذلك فقد أطلق المحقق والأكثر أنه لا يكون تدبيرا لاحتمال أن يكون تجدد بعد الرجوع، ولم يفرقوا في ذلك بين أن يكون فراشا وعدمه، ووجهه أصالة تقدمه وأصالة بقائه على ملك مالك التام، وقد تقدم الفرق بين الحالين في مواضع عديدة، فإنه إذا لم يكن لها زوج يمكن تجدده منه حكم بوجوده إلى إقصاء الحمل حملا لحال المسلم على الصحيح، والفرق بين الأمرين غير واضح.

أما لو دبرها حاملا قبل أن يعلم بالحمل فالمشهور بين الأصحاب أن الحمل لا يتبع الحامل في شئ من الأحكام إلا بالنص عليه بالتبيعة، فلا يتبعها في التدبير إلا مع التصريح بإدخاله، حتى أن الشيخ مع حكمه بإلحاقها في البيع والعتق وافق في المبسوط والخلاف هنا المشهور على عدم التبعية، لكنه في النهاية ذهب إلى التبعية أيضا عند العلم به وإلا فلا استناد إلى رواية الوشاء (1) المتعددة الطرق، وقد مر ذكرها، وفيها الحسن والضعيف عن الرضا عليه السلام " قال: سألته عن رجل دبر جاريته وهي حبلى، فقال: إن كان علم بحمل الجارية فما في بطنها بمنزلتها، وإن كان لم يعلم فما في بطنها رق ".

وقد عمل بمضمونها كثير من المتقدمين والمتأخرين ونسبوها إلى الصحة، وقد عرفت أن الصحة فيها بالاصطلاح المحدث غير ثابتة، والحق أنها باصطلاح القدماء صحيحة لأن مدارهم في الصحه على القرائن.

وأما بالصطلاح المتأخرين فهي بطرق كأحد الطريقين من الضعيف وفي الفقيه وأحد طريق التهذيب من الحسن، واحتمل فيها شهيد المسالك الصحة الاضافية لأن الحسن كذلك وإن كان خلاف المصطلح، لأن رواية الحسن من الحسنلأنه ممدوح وليس بثقة، بل ربما قدح في روايته بعض المتأخرين حيث إنه كان

(1) الكافي ج 6 ص 148 ح 4، الوسائل ج 16 ص 90 ب 5 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.


336

يقول بالوقف فرجع عنه لمعجزة شاهدها من الرضا عليه السلام ولم يعلم من رواياته أنها قبل الرجوع أو بعده.

إلا أن إطباقهم على عد رواياته في الحسن ربما كشف عن كون روايته بعد الرجوع كما حققه شيخنا البهائي في حبل المتين.

وذهب المحقق في الشرايع والعلامة في جملة من كتبه تبعا لشيخ المبسوط والخلاف وابن إدريس إلى عدم تبعيتها مطلقا، علم به أو لم يعلم، للأصل وانفصاله عنها حكما كنظائره.

ولموثقة عثمان بن عيسى (1) عن الكاظم عليه السلام أو ضعيفته " قال: سألته عن امرأة دبرت جارية لها " وساق الحديث كما تقدم إلى أن قال: " إن كانت المرأة دبرت وبها حبل ولم تذكر ما في بطنها فالجارية مدبرة والمولود رق، وإن كان إنما حدث الحمل بعد التدبير فالولد مدبر في تدبير امه ".

وفي المسألة قول آخر بسراية التدبير إلى الولد مطلقا.

وأقوى الأقوالأو سطها لما سمعت من الأدلة المطلقة والمفصلة والمبينة والمجملة، وإن كان الاحتياط في العمل برواية الوشاء.

السادس: قد سمعت فيما سبق اشتراط البلوغ والتكليف، فلو دبر الصبي لم يقع تدبيره.

وذكر المحقق في الشرايع رواية مرسلة في جواز تدبير ابن عشر سنين إذا كان مميزا ولم نقف عليها بعد التتبع التام، وقد فسرها شارح كلامه بالرواية المذكورة في مطلق العتق والوصية، بناء على أن التدبير مختص فيهما إلا أن فيه بخصوصه رواية كذلك.

وفيه نظر، لأن الظاهر من عبارته وجود روايته بالخصوص، والأظهر عدم الصحة فيه، والمحقق - رحمه الله - رجح جواز وصيته كما هو المشهور فتوى ورواية، عملا بالأخبار الكثيرة، وتردد في العتق وجزم هنا بعدم صحة تدبيره مع أنه راجع إليهما كما عرفت، ومثله العلامة في الارشاد في الوصية والتدبير.

وقال

(1) الكافي ج 6 ص 184 ح 5، الوسائل ج 16 ص 90 ب 5 ح 2 وفيهما " والولد رق ".


337

ثاني الشهيدين في المسالك: وبرجوعه إلى الرجوع أولى من الفرق بما لا يجدي.

أما اشتراط الاسلام فلا مستند له وفاقا للمحقق ومن تبعه، وشرطه ابن إدريس وقد بنى الخلاف في ذلك على أن التدبير هل هو وصية أو عتق ؟ فعلى الأول) يصح من الكافر مطلقا لعدم اشتراط نية القربة، ولدلالة الأخبار التي تقدم ذكرها في الوصية الدالة على وجوب إنفاذها من الكافر، يهوديا كان أو نصرانيا أو حربيا، لعدم اشتراط نية التقرب فيها.

وعلى (الثاني) يبني على اشتراطها في العتق وعدمه كما تقدم عن قريب الكلام عليه، أو على أن المراد بها قصد القرب سواء حصل أم لا، فعلى الأول لا يصح تدبير الكافر مطلقا، وعلى الثاني يصح، وعلى الثالث يصح ممن أقر لله تعالى كالكتابي دون غيره، وأما الفرق بين الحربي والذمي فلا مدخل له في هذا الحكم إن جعلنا الحربي شاملا للكتابي الذي لا يلتزم أحكام الذمة، وقد تقدم الكلام في ذلك مستوفا.

وأن الأصح صحة التدبير من الكافر مطلقا لعموم أخبار التدبير وعدم قيام دليل على اشتراط الاسلام في العتق فضلا عن التدبير المحتمل لأن يكون وصية أو معاملة غير الوصية وغير العتق.

السابع: فلو دبر المسلم عبده ثم ارتد،

فإن كان ارتداده عن غير فطرة لميبطل التدبير لاستمرار الملك، فإن استمر على تدبيره إلى أن مات عتق المدبر لوجود المقتضي له وانتفاء المانع، وإن كان عن فطرة ففي بطلان التدبير وجهان بل قولان: من زوال ملك المرتد عن فطرة والمدبر قابل للخروج عن ملكه، وقد حصل سببه وهو الارتداد فيزول شرط استمرار الصحة لأن شرطها بقاء الملك إلى الموت، والمشروط عدم عند عدم شرطه.

ومن سبق حق المدبر على حق الوارث فلا ينتقل إليه خصوصا عند من يمنع عن بيع المدبر، فإذا مات السيد انعتق ثلثه حسب إذ لا مال له سواه.

وهل


338

يجعل للورثة الثلثان ؟ يحتمله لعدم الفائدة في حبسه عنهم إن نقل بقبول توبته، وإلا فالفائدة محتملة لتجدد مال اخر له على تقدير التوبة.

أطلق الشيخ في المبسوط القول ببقاء التدبير مع الارتداد، والأشهر التفصيل، وإن كان ما اختاره شيخ المبسوط متجها لما ثبت في الأخبار من قبول توبته فيما بينه وبين الله.

وربما قيل بانعتاقه بالارتداد عن فطرة تنزيلا له منزلة الموت، ولهذا تعتد امرأته وتقسمتركته وننفذ وصاياه، وهو بعيد.

ولو ارتد قبل التدبير ثم دبر صح تدبيره إن كان ارتداده لا عن فطرة، وأطلق الشيخ - رحمه الله - الجواز، وهو قول ابن الجنيد أيضا، وهو في الفطري مشكل لانتقال أمواله إلى ورثته.

ثم إن المرتد بالنسبة إلى التدبير وما في معناه بمنزلة الكافر، فإن اشترطنا نية التقرب بطل تدبيره مطلقا، وإلا صح وقوعه من غير الفطري كالكافر.

وأما في الفطري ففيه إشكال، منشأه ما هو المشهور من انتقال ما له عنه فلا يتصور منه التدبير المشروع بالملك، مضافا إلى ما علل به الملي، وأطلق الشيخ وابن الجنيد جوازه ويدل على انتقال المال عنه، وهذا بمذهب ابن الجنيد أنسب، حيث إن المرتد يستتاب مطلقا إذا لم يفرق بين الملي والفطري كالمشهور، إلا أن استفادة الفرق بينهما وإثبات هذه الأحكام مع كونها مشهورة من النصوص مشكل، وسيأتى البحث فيه إن شاء الله تعالى.

الثامن: إذا دبر الكافر عبده الكافر ثم أسلم العبد

نظر، فإن رجع السيد عن التدبير بالقول بيع عليه وجوبا قولا واحدا، وإلا ففي بيعه عليه قولان.

أظهر هما ذلك، لانتفاء السبيل للكافر على المسلم، ولخبر حماد بن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام كما في نهاية (1) الشيخ ومرسلته (2) كما في الكافي والتهذيب

(1) النهاية ص 349 ح 2 وفيه " اتى بعبد لذمى ".

(2) الكافي ج 7 ص 432 ح 19، التهذيب ج 6 ص 287 ح 2، الوسائل ج 16 ص 81 ب 73 ح 1 وما في المصادر " اتى بعبد لذمى ".


339

عن أبي عبد الله عليه السلام " أن أمير المؤمنين عليه السلام اتي بعبد ذمي قد أسلم، فقال: اذهبوا فبيعوه من المسلمين وادفعوا ثمنه إلى صاحبه ولا تقروه عنده ".

ولقوله صلى الله عليه واله (1) " الاسلام يعلوا ولا يعلى عليه ".

وطاعة المولى علو منه وفي ملكه له إذلال للمسلم ولا يؤمن أن يستخدمه فيذله وقال ابن البراج: يتخير بين الرجوع في التدبير فيباع وبين الحيلولة بينه وبين كسبه للمولى وبين استسعائه.

وحينئذ فينفق عليه من كسبه، فإن فضل منه شي فهو للمولى على القولين، فإذا مات قبل بيعه ورجوعه عتق من ثلثة، فإن بقي منه شئ سعى فيه للورثة إن كانوا مسلمين، وإلا بيع عليهم لبطلان التدبير بالموت.

التاسع: يصح التدبير لمن تعذر عليه النطق

كالأخرس أو لمن اعتقل لسانه بالمرض بالاشارة المفهمة لذلك، وكذا رجوعه، وكذلك بالكتابة عند نصب القرينة كما تقدم في العتق، كما يصح ذلك في تصرفاتهم وسائر معاملاتهم لأن الاشارة والكتابة قائمتان مقام اللفظ، سواء كان المانع أصليا أم عارضيا، لعموم الأدلة ولخصوصها أيضا، وسواء أخرس بعد التدبير فيرجع بالاشارة أم قبله، لاشتراك الجميع في المقتضى ويشترط فيهم إشارته ولو بعدلين ليثبت به حيث يحصل النزاع.

وقد ثبت في موثقة يونس بن يعقوب (2) التي مر ذكرها، وكذلك في صحيحة الحلبي (3) " أن أمامة بنت أبي العاص وامها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه واله كانت تحت علي بن أبي طالب عليه السلام بعد فاطمة، فخلف عليها بعد علي عليه السلام المغيرة بن نوفل وذكرت أنها وجعت وجعا شديدا حتى اعتقل لسانها فجاءها الحسن والحسين عليهما السلام ابنا علي عليه السلام وهي لا تستطيع الكلام فجعلا يقولان لها - والمغيرة كاره لذلك -

(1) الفقيه ج 4 ص 243 ح 3، الوسائل ج 17 ص 376 ب 1 ح 11.

(2) التهذيب ج 9 ص 241 ح 28، الفقيه ج 4 ص 146 ح 2 وفيهما " أعتقت فلانا وأهله ؟ فجعلت تشير برأسها نعم، وكذا "، الوسائل ج 13 ص 437 ب 49 ح 1 وفيه اختلاف يسير.

(3) التهذيب ج 8 ص 258 ح 169، الوسائل ج 16 ص 59 ب 44 ح 1.


340

أعتقت فلانا وأهله ؟ فجعلت تشير برأسها لا، وكذا وكذا ؟ فجعلت تشير برأسها نعم لا تفصح بالكلام، فأجازا ذلك لها ".

وصحيحة علي بن جعفر (1) وروايته اللتان تقدمتا عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن رجل اعتقل لسانه عند الموت أو امرأة فجعل أهلوهما تسائله: أعتقت فلانا وفلانا ؟ فيؤمي برأسه أو تؤمي برأسها في بعض نعم وفي بعض لا، وفي الصدقة مثل ذلك، أيجوز ذلك ؟ قال: نعم هو جائز ".

وكذلك في خبر محمد بن جمهور (2) عن أبي عبد الله عليه السلام في قضية فاطمة بنت أسد عندما اعتقل لسانها، فجعلت تؤمي إلى رسول الله صلى الله عليه واله إيماء، فقبل رسول الله صلى الله عليه واله وصيتها، وكان من وصيتها أن أمرت بعتق خادمها ".

وبالجملة: فالأخبار بهذا المعنى مستفيضة وهو موضع وفاق، ولو فهم المملوك ذلك منه خاصة ترتب حكم التدبير فيما بينه وبين الله تعالى، كما لو وقع التدبير من الصحيح بينه وبين عبده بغير إشهاد أحد، ولو أنكر بعد ذلك فكإنكار الصحيحوهل يعد رجوعا ؟ فيه قولان، وستجئ الاشارة إلى ذلك والتنبيه عليه، وقد خالف بعض العامة فمنع من رجوعه بالاشارة وجوز تدبيره بها بناء على أن الرجوع لا يصح عنده بالقول بل بالفعل، وغاية إشارته أن تقوم مقام القول فلا يزيد الفرح على أصله.

العاشر: قد اختلف في حقيقة التدبير

في أنه من أي باب ؟ أهو من الوصية أم من العتق أم خارج عنهما وإن ناسبهما من وجوه مخصوصة ؟ وعلى كل تقدير فالمشهور بينهم أنه عتق لكن يصح الرجوع فيه مادام حيا كالوصية.

واضطرب كلام المحقق هنا في شرايعه فتارة جعله بصفة الوصية وليس بوصية حقيقية، وفي صدر كتاب التدبير في مقام التعريف له ما هو صريح في ذلك.

(1) قرب الاسناد ص 119، الوسائل ج 13 ص 437 ب 49 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الكافي ج 1 ص 453 ح 2، الوسائل ج 13 ص 438 ب 49 ح 3.


341

وفي النافع قطع بكونه وصية، وهذا الاختلاف ناش عن اختلاف الأخبار لكونها في غاية الاختلاف.

وصحيحة ا بن مسكان (1) كما في الكافي والتهذيب والفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام أن المدبر من الثلث وأن للرجل أن ينقض وصيته فيزيد فيها أو ينقص عنها ما لم يمت ".

وفي صحيحة معاوية بن عمار (2) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المدبر فقال: هو بمنزلة الوصية يرجع فيما شاء منها ".

وموثقة زرارة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن المدبر هو من الثلث ؟ قال: نعم، وللموصي أن يرجع في وصيته أوصى في صحة أم مرض ".

وصحيحة محمد بن مسلم (4) كما في الكافي والتهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: المدبر من الثلث، وقال: للرجل أن يرجع في ثلثه إن كان أوصى في صحة أو مرض ".

وصحيحة معاوية بن عمار (5) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المدبر قال: هو بمنزلة الوصية فيما شاء منها ".

وخبر أبي بصير (6) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: المدبر مملوك ولمولاه أن يرجع

(1) الكافي ج 7 ص 12 ح 3، الفقيه ج 4 ص 147 ح 3، التهذيب ج 9 ص 190 ح 15،الوسائل ج 13 ص 385 ب 18 ح 1 وما في المصادر " وينقص منها ".

(2) الكافي ج 6 ص 183 ح 2 وفيه " يرجع فيها وفيما شاء "، الوسائل ج 16 ص 86 ب 2 ح 1.

(3) الكافي ج 6 ص 184 ح 3، الوسائل ج 16 ص 86 ب 2 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(4) الكافي ج 7 ص 22 ح 3، التهذيب ج 9 ص 225 ح 33، الوسائل ج 13 ص 389 ب 19 ح 1.

(5) الكافي ج 7 ص 23 ح 4، الوسائل ج 13 ص 389 ب 19 ح 4 وفيهما " يرجع فيما شاء ".

(6) الكافي ج 6 ص 184 ح 7، الوسائل ج 16 ص 87 ب 2 ح 3 وفيهما " وان هو تركها ولم يغيرها حتى ".


342

في تدبيره، إن شاء باعه وإن شاء وهبه وإن شاء أمهره، وإن تركه سيده على التدبير فلم يحدث فيه حدثا حتى يموت سيده فإن المدبر حر إذا مات سيده وهو من الثلث، إنما هو بمنزلة رجل أوصى بوصية بدا له فغيرها قبل موتهفإن هو تركها حتى يموت أخذ بها ".

وصحيحة منصور (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال: إن حدث بي حدث في مرضي هذا فغلامي فلان حر، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يرد من وصيته ما شاء ويجيز ما شاء ".

وهي كما ترى بعضها دال على أنه وصية محضة وبعضها بمنزلة الوصية وإن كان التحقيق أنه بمنزلة الوصية لا عينها كما ذكره المحقق هنا، لأنه لو كان وصية محضة لا فتقر إلى صيغة بعد الموت، ولا يلزم من كونه بمنزلتها مساواتها في جميع الأحكام في عتقه بل المراد أنه بمنزلتها في الأحكام المسؤول عنها في الروايات وهو كونه من الثلث وأنه يجوز الرجوع فيه ونحو ذلك، لكن فيه شائبة من العتق وليس بعتق محضا كما قاله ابن إدريس وغيره، وإلا لما صح الرجوع فيه وكونه متردد بينهما في بعض الأحكام ومستقلا بنفسه في بعض، ومن ثم وقع بصيغة خاصة خارجة عن الأمرين أظهر لانطباق هذا القول على جميع أخبار الباب.

الحادى عشر: قد عرفت مما سبق أن التدبير

من الايقاعات الجائزة القابلةللفسخ كالوصية، وفسخه قد يكون بالقول كقوله: رجعت في هذا التدبير أو أبطلته أو رفعته وما أشبه ذلك، وقد يكون بالفعل كأن ينقل المدبر لغيره بناقل شرعي حتى لو كانت هبة غير مقبضة فإنها تبطله لدلالتها على الرجوع، تصح الهبة عند تمام شرائطها، خلافا لابن حمزة حيث شرط في صحتها تقدم الرجوع فيه بالقول وأولى بالرجوع ما لو أعتقه لأنه تعجيل مسبب التدبير - أعني الحرية -

(1) التهذيب ج 9 ص 191 ح 19، الوسائل ج 13 ص 387 ب 18 ح 8.


343

فقد زاده خبر، وكذا يبطل توقفه وإن لم يقبضه لدلالته على الرجوع كالهبة، والخلاف فيه كالخلاف فيها ومثله الوصية به.

وأما بيعه فالإظهر أنه كذلك لما ذكر، ولأن الوصية تبطل بإخراج الموصى به عن ملك الوصي، والبيع ناقل للملك، والتدبير وصية أو بمنزلتها كما مر.

ولذلك جملة من الأخبار على ذلك مثل صحيحة محمد بن مسلم (1) كما في الكافي والتهذيب " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل دبر مملوكا له ثم احتاج إلى ثمنه، قال: هو مملوكه إن شاء باعه وإن شاء أعتقه وإن شاء أمسكه حتىيموت، فإذا مات السيد فهر حر من ثلثه ".

وصحيحة إسحاق بن عمار (2) " قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: الرجل يعتق مملوكه عن دبر ثم يحتاج إلى ثمنه، قال: يبيعه، قلت: فإن كان عن ثمنه غنيا ؟ قال: إن رضي المملوك فلا بأس ".

وصحيحة جميل (3) كما في الفقيه والتهذيب " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المدبر أيباع ؟ قال: نعم إن احتاج صاحبه إلى ثمنه وإذا رضي المملوك حسن فلا بأس ".

وصحيحية محمد بن مسلم (4) الاخرى " قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل دبر مملوكه ثم يحتاج إلى الثمن، قال 6 إذا احتاج إلى الثمن فهو له، يبيع

(1) الكافي ج 6 ص 185 ح 9، التهذيب ج 8 ص 295 ح 6، الوسائل ج 16 ص 84 ب 1 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 262 ح 19 وليس فيه " فلا بأس "، الوسائل ج 16 ص 85 ب 1 ح 4.

(3) الفقيه ج 3 ص 71 ح 2، التهذيب ج 8 ص 262 ح 20، الوسائل ج 16 ص 85ب 1 ح 5 وليس في المصادر " حسن " مع اختلاف يسير.

(4) التهذيب ج 8 ص 262 ح 21، الوسائل ج 16 ص 86 ب 1 ح 7 وفيهما في آخر الصحيحة " فذلك من الثلث ".


344

إن شاء وإن شاء أعتق ".

وخبر أبى بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: المدبر مملوك ولمولاه أن يرجع في تدبيره، إن شاء باعه وإن شاء وهبه وإن شاء أمهره ".

وخبر الوشاء (2) " قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يدبر المملوك وهو حسن الحال ثم يحتاج له، يجوز له أن يبيعه ؟ قال: نعم.

إذا احتاج إلى ذلك ".

هكذا في الكافي والتهذيب ورواه في الفقيه من الحسن.

ويدل عليه إطلاق صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة، وكذلك موثقة زرارة وصحيحة محمد بن مسلم لقوله " المدبر بمنزلة الوصية يرجع بما شاء منها " كما

في الاولى، وفي الثانية " المدبر

من الثلث وللرجل أن يرجع في ثلثه "، وفي الثالثة " والموصى أن يرجع في وصيته أوصى في صحة أو مرض ".

وفي صحيحة هشام بن الحكم (3) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يدبر مملوكه، أله أن يرجع فيه ؟ قال: نعم هو بمنزلة الوصية ".

قال الشيخ في النهاية: لا يجوز يبعه قبل أن ينقض تدبيره إلا أن يعلم المبتاع أنه يبيعه خدمته، وأنه متى مات هو كان حرا لا سبيل عليه.

وقال الصدوق: لا يجوز بيعه إلا أن يشترط على الذي يبيعه إياه أو يعتقه عند موته.

وقريب منه قول ابن أبي عقيل.

وقال المفيد: متى مات البائع صار حرا لا سبيل عليه وإن لم يشترط وهو قول الشيخ أيضا.

ومستند هذه الأقوال ظاهر الروايات المختلفة، وقد تقدم منها ما يدل على جواز الرجوع والبيع.

(1) الكافي ج 6 ص 184 ح 7، الوسائل ج 16 ص 87 ب 2 ح 3.

(2) الكافي ج 6 ص 183 ح 1، الفقيه ج 3 ص 71 ذيل ح 5، التهذيب ج 8 ص 285 ح 1، الوسائل ج 16 ص 85 ب 1 ح 3 وما في المصادر اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 7 ص 22 ح 2، الوسائل ج 13 ص 389 ب 19 ح 3.


345

وقد دلت صحيحة محمد بن مسلم (1) عن أحد هما عليهما السلام " في الرجل يعتق غلامه أو جاريته عن دبر منه ثم يجتاج إلى ثمنه، أيبيعه ؟ قال: لا، إلا أن يشترط على الذي يبيعه إياه أن يعتقه عند موته ".

ومثلها صحيحة الاخرى (2) كما في الفقيه.

وصحيحة الحلبي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

وهذه الأخبار حجة الصدوق ومن قال بمقالته.

وأما ما يدل على أحد قولي الشيخ من جواز بيع الخدمة فرواية القاسم بن محمد (4) عن علي " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أعتق جارية في حياته، قال: إن أراد بيعها باع خدمتها في حياته، فإذا مات اعتقت الجارية، وإن ولدت أولادا فهم بمنزلتها ".

وخبر السكوني (5) عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي عليهم السلام " قال: باع رسول الله صلى الله عليه واله خدمة المدبر ولم يبع رقبته ".

وصحيحة أبي مريم (6) عن أبي عبد الله عليه السلام وقد تقدمت وفيها " الرجل يعتق جاريته عن دبر أيطأها إن شاء أو ينكحها أو يبيع خدمتها في حياته ؟ فقال: أي ذلك شاء فعل ".

وصحيحة أبي بصير (7) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العبد والأمة يعتقان

(1) و (2) الفقيه ج 3 ص 71 ح 3، التهذيب ج 8 ص 263 ح 22 وفيه " وجاريته "، الوسائل ج 16 ص 85 ب 1 ح 6.

(3) التهذيب ج 8 ص 263 ح 23.

(4) التهذيب ج 8 ص 264 ح 26، الوسائل ج 16 ص 88 ب 3 ح 3 وفيها: " جارية له عن دبر في حياته ".

(5) التهذيب ج 8 ص 260 ح 8، الوسائل ج 16 ص 88 ب 3 ح 4.

(6) التهذيب ج 8 ص 263 ح 24 وفيه " فقال: نعم أي "، الوسائل ج 16 ص 87 ب 3 ح 1.

(7) التهذيب ج 8 ص 263 ح 25، الوسائل ج 16 ص 88 ب 3 ح 2 وفيهما " الا أن يشاء - يبيعه قدر حياته ".


346

عن دبر، فقال: لمولاه أن يكاتبه إن شاء وليس له أن يبيعه إلا أن شاء العبد أن يبيعه في حياته وله أن يأخذ ماله إن كان له مال ".

ورواها الصدوق (1) أيضا من الصحيح كما في الفقيه إلا أنه قال فيها" مدة حياته ".

ورواها في المقنع (2) مرسلة.

وهذه حجة الشيخ مضافا إلى الجميع بين الأخبار التي دل بعضها على جواز بيعه مطلقا وبعضها على النهي عنه وبعض على الاذن في بيع الخدمة مدة حياته بحمل الاولى على بيع الخدمة.

وحمل ابن إدريس بيع الخدمة على الصلح مدة حياته لأن البيع لا يقع إلا على الأعيان.

والعلامة على الاجارة مدة فمدة حتى يموت.

والمحقق - رحمه الله - ومن تأخر عنه قطعوا ببطلان بيع الخدمة لأنها منفعة مجهولة.

واجيب عن ذلك بالجهالة غير قادحة لجواز استثناء هذا بهذه الأخبار الواردة فيه بالخصوص على أن المقصود بالبيع في جميع الأعيان هو الانتفاع ولا تقدير فيه للمدة، فإذا وردت الأخبار الكثيرة بجوازه فلم يبعد القول به، واختاره شهيد الدروس.

وعلى هذا فالمتجه جواز بيع الرقية كما دلت عليه الأخبار المستفيضة السابقة وبيع المنفعة منفردة إبقاء للتدبير على أصله كما دلت عليه الأخبار.

وأما حمل الشيخ بيع المدبر على بيع خدمته وحصره الجواز فيه إذا لم يرجعفي التدبير فليس بجيد، لأن مقصود المشتري الرقية فإذا لم يصح بيعها وصرف إلى بيع الخدمة في المدة المخصوصة كان اللازم بطلان البيع كما لو اشترى شيئا على أنه جنس معين فظهره غيره.

وأما تنزيله على أن البيع متناول للرقية مدة الحياة كمشروط العتق

(1) الفقيه ج 3 ص 82 ح 8.

(2) المقنع ص 158.


347

ففاسد لتصريح الأخبار، والفتوى يتناول بيع الخدمة دون الرقيه، ولأن انعتاقه بالموت عن البائع لامن المشتري فيدل على عدم انتقال الرقية إلى المشتري وإلا لكان عتقه عنه إذا لم يشترط عليه عتقه عن البايع بل انعتق بالتدبير السابق، والأصح صحة البيع في رقبته وأن ذلك رجوع في التدبير، ويترتب عليه بطلان التدبير.

ويمكن حمل الأخبار الناهية عن البيع والاقتصار على بيع الخدمة على التقية لأنه مذهب جماعة.

ولو أنكر المولى تدبيره لم يكن رجوعا في المشهور، لأنه أعم من الرجوع فلا يدل عليه، ولا مكان استناده الانكار له إلى نسيان التدبير فلم يقصد به الرجوع وقيل: يكون رجوعا لاستلزامه رفعه في سائر الأزمان وكان أبلغ من الرجوع المقتضي لرفعه في المستقبل خاصة، والأقوى هو المشهور إلا مع قصد الرجوع به، وحينئذ فيرجع إليه في ذلك، وإن لم يعرف بالقصد لم يكن رجوعا.

وكذا القول في سائر الأحكام التي يجوز الرجوع فيها كالوكالة والوصية وإنكار البيع الجائز.

وأما إنكار الطلاق وإعداده رجعة فللنص الصحيح الوارد بكونه رجوعا مع كونه على خلاف الأصل، وقد تقدم تحقيقه فيه.

أما لو ادعى المملوك التدبير وأنكر المولى فحلف لم يبطل التدبير في نفس الأمر، لأن إنكاره وحلفه مع عدم البينة وإن اقتضيا ارتفاعه ظاهرا لكن لا يرتفع في نفس الأمر فهو بحاله ما لم يحصل منه ما يدل على الرجوع، فلو مات على هذه الحالة انعتق المملوك فيما بينه وبين الله تعالى.

وقد تظهر الفائدة ظاهرا كما لو اعترف المولى بعد الحلف بكذبه فيه، فإن جعلنا الانكار رجوعا لم يعد باعترافه، وإلا بقي بحاله، فيثبت ظاهرا أيضا حيثيعترف به.

وقد تظهر فائدته أيضا كما لو كان الحلف لعدم البينة ثم وجدت بعد ذلك.


348

الثاني عشر: المدبر ينعتق بموت مولاه من ثلث مال المولى، هذا إذا كان تدبيره معلقا على موت المولى ولم يكن منذورا ولا معاهدا عليه ولا يمينا لأنها وصية متبرع بها، أو هو بمنزلتها فيكون بحكمها.

ولو جعلناه عتقا فالعتق المعلق على الموت كذلك مثل المنجز في مرض الموت كما مر تحققه في المشهور فامتأخر عنه أولى.

وقد تقدمت جملة من الأخبار دالة عليه مثل صحيحة محمد بن مسلم (1) لقوله فيها " فهو مملوك " إلى قوله " فإذا مات السيد فهو حر من ثلثه ".

وفي صحيحة محمد بن مسلم (2) الاخرى عن أحد هما عليهما السلام " قال: اللمدبر من الثلث ".

وخبر الحسين بن علوان (3) عن الزيدية عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام " قال: المعتق على دبر فهو من الثلث ".

ومرسلته (4) مثله.

وخبر أبي بصير (5) عن أبي عبد الله عليه السلام وتقدمه " قال: المدبر مملوك ولمولاه أن يرجع في تدبيره، إن شاء باعه وإن شاء وهبه " إلى أن قال: " وإ ن تركه سيده على التدبير ولم يحدث فيه حدثا حتى يموت سيده فإن المدبر حر إذا مات سيده، وهو من الثلث، إنما هو بمنزلة رجل أوصى بوصية " الحديث.

وصحيحة محمد بن مسلم (6) " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل دبر مملوكا

(1) الكافي ج 6 ص 185 ح 9، الوسائل ج 16 ص 84 ب 1 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 72 ح 6، الوسائل ج 16 ص 87 ب 2 ح 4.

(3) التهذيب ج 8 ص 262 ح 17، الوسائل ج 16 ص 93 ب 8 ح 2.

(4) الفقيه ج 3 ص 73 ح 13، الوسائل ج 16 ص 93 ب 8 ح 2.

(5) الكافي ج 6 ص پ 184 ح 7، الوسائل ج 16 ص 93 ب 8 ح 3.

(6) الكافي ج 6 ص 185 ح 9، الوسائل ج 16 ص 84 ب 1 ح 1.


349

لم ثم احتاج إلى ثمنه " وساق الحديث كما تقدم إلى أن قال: " فإذا مات السيدفهو حر من ثلثه ".

وصحيحته الاخرى (1) " قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل دبر مملوكه ثم يحتاج إلى الثمن " وساق الحديث إلى أن قال: " وإن شاء أعتق وذلك من الثلث ".

وفي صحيحته الخامسة (2) عن أحد هما عليهما السلام " قال: المدبر من الثلث وللرجل أن يرجع في ثلثه ".

هذا كله إذا كان معلقا بموت المولى متبرعا به، فلو علقه بموت المخدوم أو الزوج ومات في حياة المولى وصحته لم يعتبر من الثلث، إذ لا وجه له، فإنه كتعجيل العتق في حال الحياة.

وحينئذ فيجب حمل الأخبار المطلقة أو العامة مما قدمناها وتأتي في كونها من الثلث على التدبير الغالب المتفق عليه وهو المعلق بموت المولى، بل فيها ما يدل عليه صريحا كقوله " فإذا مات السيد فهو حر لثلثه ".

ولو مات المخدوم في مرض موت المولى أو بعده فهو من الثلث أيضا كالمعلق على وفاة المولى ولو كان واجبا بنذر أو شبهه كالعهد واليمين، فإن كان في مرضالموت وكانت المنجزات من الثلث لم يتغير الحكم، وإن كان في حال الصحة فإن كان المنذور هو التدبير فالأظهر أنه من الثلث أيضا لأنه لا يصير واجب العتق بذلك إنما يجب تدبيره، فإذا دبره فقد برئ من النذر ولحقه حكم التدبير وإن كان قد نذر عتقه بعد الوفاة فهو من الأصل كغيره من الواجبات المالية، ومثله نذر الصدقة ونحوها بمال بعد الوفاة.

وفي التحرير ساوى بين الأمرين في خروجه من الأصل ونقله أول الشهيدين

(1) التهذيب ج 8 ص 262 ح 21، الوسائل ج 16 ص 86 ب 1 ح 7.

(2) الفقيه ج 3 ص 72 ح 6، الوسائل ج 16 ص 87 ب 3 ح 4.


350

في الدروس عن ظاهر الأصحاب، والأظهر الأول.

ولو جوزنا تعليق العتق على شرط كما هو مذهب القاضي والاسكافي كما لو قال: فهو حر قبل مرض موتي بيوم مثلا خرج من الأصل، وكذا لو جعلنا المنجزات من الأصل كما هو المختار فعلقه على آخر جزء من حياته، ولو نذر عتقه أو الصدقة بالمال أو صرفه في بعض الوجوه السابقة في آخر يوم من أيام صحتهفكذلك، وفي آخر يوم من حياته على القول الآخر، ولا فرق في اعتبار التدبير بين المتبرع به من الثلث بين الواقع في مرض الموت والصحة كالوصية.

ولو تعدد المدبر بتعدد الصيغة وجب إخراج الأول فالأول وإن لم يسع الجميع الثلث إلى أن ينقضي وبطل في الزائد، وإن اتحدت الصيغة أو تعدده وجهل الترتب عتق الثلث بالقرعة كما سبق في العتق المنجز، و يكون حكمه في الأمرين حكم الوصية.

الثالث عشر: لو دبر المالك عبده وعليه دين مستوعب للتركة بطل التدبير وبيع المدبر فيه، لأن التدبير كالوصية كما سمعت، ولا تزاحم الوصية الديون فيتعين في نفوذه كونه فاضلا من الثلث بعد أداء الدين وما في معناه من الوصايا الواجبة والعطايا المنجزة والمتقدمة عليه لفظا، ولا فرق في المشهور بين الدين المتقدم على إيقاع صيغة التدبير والمتأخر عنه كما هو الأصح.

والقول بتقديمه على الدين مع تقدمه عليه للشيخ في النهاية وكتابي الأخبار وتمسك المشهور بما تقدم من الأخبار الدالة على أن التدبير كالوصية، ولا إشكال في وجوب تقدم الديون عليها تقدمت أو تأخرت.

وبصحيحة الحلبي (1) وبحسنته كما في الفقيه والكافي " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: رجل قال: إن مت فعبدي حر وعلى الرجال دين، فقال: إن توفي

(1) لم نعثر عليه في الكافي، الفقيه ج 3 ص 70 ح 22، التهذيب ج 9 ص 218 ح 7، الوسائل ج 13 ص 423 ب 39 ح 3 وما في المصادر اختلاف يسير.


351

وعليه دين قد احيط بثمن الغلام بيع العبد، وإن لم يكن أحاط بالعبد استسعى العبد في قضاء دين مولاه وهو حر إذا أوفى ".

واحتج الشيخ على ما فصل من الحكم بصحيحة علي بن يقطين (1) " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن بيع المدبر، قال: إذا أذن بذلك فلا بأس به، وإن كان على مولى العبد دين فدبره فرارا من الدين فلا تدبير له، وإن كان دبره في صحة وسلامة فلا سبيل للديان عليه ويمضي تدبيره ".

وبموثقة أبي بصير (2) كما في التهذيب والكافي الفقيه " قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل دبر غلامه وعليه دين فرارا من الدين، قال: لا تدبير له، وإن كان دبره في صحة منه وسلامة فلا سبيل للديان عليه ".

واجيب عنهما بحملهما على التدبير الواجب بنذر وشبهه، فإذا وقع كذلك مع سلامته من الدين فلا سبيل للديان عليه فلا بأس، وإن كان على مولى العبد دين فدبره فرارا من الدين فلا تدبير له.

ويمكن أن يستأنس المشهور بصحيحة البزنطي عن الحسن بن علي بن أبي حمزة (3) عن أبي الحسن عليه السلام " قال: قلت له: أبي هلك وترك جاريتين فدبر هما وأنا ممن أشهد لهما وعليه دين كثير، فما رأيك ؟ قال: رضي الله عن أبيك ورفعه مع محمد صلى الله عليه واله وأهله عليهم السلام قضاء دينه خير له إن شاء الله تعالى ".

وكذا لو نذره فرارا من الدين لم ينعقد نذره لأنه لم يتعمد به الطاعة، وهو محمل بعيد، واحتمل فيه محدث الوسائل عدم استيعاب الدين للتركة، وهو أقرب، ويحتمل التقية لأنه مذهب بعض العامة.

(1) التهذيب ج 8 ص 261 ح 13، الوسائل ج 16 ص 94 ب 9 ح 1.

(2) لم نعثر عليه في الكافي، الفقيه ج 3 ص 72 ح 11، التهذيب ج 8 ص 261 ح 12، الوسائل ج 16 ص 94 ب 9 ح 2 وما في المصادر " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام ".

(3) التهذيب ج 8 ص 262 ح 16، الوسائل ج 16 ص 95 ب 9 ح 3 وفيهما" قضاء دينه ".


352

الرابع عشر: إذا دبر بعض عبده لم يسر في الباقي، بمعنى أنه ينعتق معجلا بعد عتق الجزء المدبر، لأن التدبير ليس بعتق خالص محقق وإنما هو وصية به، وعلى تقدير كونه عتقا معلقا لم يقع بعد، فلا يدخل في عموم قوله " من أعتق شقصا " وبعد انعتاقه لا يبقى المعتق مؤسرا بانتقال ماله عنه بالموت بخلاف ما إذا علق عتق نصيبه بصفة فوجدت الصفة وهو مؤسر، وجوزنا التعليق على الصفة فإنه يعتق النصيب ويسرى.

وللمرتضى قول بالسراية هنا وهو قول بعض العامة كالعتق المنجز لأنه يوجب استحقاق العتق بالموت فصار كالاستيلاد الموجب التقويم حصص الشركاء عليه، ويرد بمنع الاستحقاق أولا بجواز الرجوع ومنع الملازمة على تقدير الاستحقاق مع عدم تحقق العتق بالفعل لعدم المقتضي.

والفرق بين الاستيلاد و التدبير ظاهر، إذ الاستيلاد كالاتلاف حيث إنه يمنع التصرف بالبيع ونحوه من التصرفات المملكة ولا طريق إلى دفعه بخلاف التدبير.

ولو دبر بعض المملوك المشترك بينه وبين آخر لم يسر على الشرك كما تقدم في عتق السراية، ولم يقوم عليه نصيب الشريك لما تقدم من الدليل، والمخالف هنا كالسابق والدليل الدليل والجواب الجواب، بل هنا أولى بعدم السراية كما عليه أكثر الأصحاب.

ولبعض العامة هنا قول آخر وهو تخيير الشريك بين أن يضمنه القيمة وبين أن يستسعى العبد وبين أن يدبر نصيبه أو يعتقه، ولو كان المالك واحدا ودبره أجمع ثم رجع في بعض التدبير فإنه صحيح كما تقدم، وكما يجوز له الرجوع في بعض الوصية دون بعض ولشمول تلك الأخبار له، وحيث يرجع في البعض لا يسري بما بقي فيه التدبير على ما رجع فيه إلى محض الرق لما تقدم من أنه ليس بعتق مطلقا، والخلاف والدليل والجواب فيها واحد.

أما لو كان مشتركا بين اثنين فدبراه معا ثم عجل أحدهما العتق، فهل


353

يقوم عليه نصيب الآخر ؟ فيه قولان، وقد تقدم الكلام عليه في فروع عتق السراية أحد هما لا يسري، فذهب إليه الشيخ في المبسوط محتجا بأن له جهة يعتق بهاوهي التدبير فلا يحتاج إلى جهة اخرى، والوجه التقويم لأنه لم يخرج عن ملكه في التدبير فيدخل في عموم " من أعتق شقصا ".

أما لو كانت هذه الصورة بحالها لكن دبر أحد الشريكين حصته ثم عجل عتقها سرى إلى نصيب الشريك قطعا لعموم وتمامية الملك وعدم المانع منه هنا.

وكذلك ما لو كانت الصورة بحالها لكن كان المعتق هو الشريك الذي لم يدبر، فهل يسري إلى نصيب شريكه المدبر ؟ فيه القولان السابقان، فشيخ المبسوط لا يسري لأن حصة التدبير لها جهة عتق، والأكثر - وهو الأصح - على ثبوت السراية لأنه لم يخرج عن ملكه بالتدبير.

وليس في أخبارنا ما يدل على أصل هذه الفروع سوى ما تقدم في كتاب النكاح من صحيحة محمد بن قيس وموثقته وصحيحة محمد بن مسلم وموثقته (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألته عن جارية بين رجلين دبراها جميعا ثم أحل أحد هما فرجها لشريكه، قال: هو له حلال، وأيهما مات قبل صاحبه فقد صار نصفها حرا من قبل الذي مات ونصفها مدبر، قلت: أرأيت إن أراد منهما الباقي أن يمسها، أله ذلك ؟ قال: لا، إلا أن يثبت عتقها فيتزوجها برضا منها مثل ما أرادقلت له: أليس قد ملكت نصف رقبتها والنصف الآخر الباقي منهما ؟ قال: بلى، قلت: فإن هي جعلت مولاها في حل من فرجها وأحلت له ذلك ؟ قال: لا يجوز له ذلك، قلت: لم يجوز لها ذلك كما أجزت للذي كان له حين أحل فرجها لشريكه منها ؟ قال: إن الحرة لا تهب فرجها ولا تعيره ولا تحلله، ولكن لها من نفسها يوم وللذي دبرها يوم، فإن أحب أن يتزوجها متعة بشئ في اليوم الذي

(1) الكافي ج 5 ص 482 ح 3، التهذيب ج 7 ص 245 ح 19 وج 8 ص 203 ح 23، الوسائل ج 14 ص 545 ب 41 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.


354

تملك فيه نفسها فيتمتع منها بشئ قل أو كثر ".

وهي صريحة في عدم السراية في التدبير وإن كانت بين شريكين وعلى جواز تعجيل عتق المدبر بعد تدبيره وإن كان بعضا منه.

وعلى هذا ينبغي حمل إطلاق صحيحة ليث المرادي (1) " قال: سألته عن الرجلين تكون بينهما الأمة فيعتق أحد هما نصيبه فتقول الأمة للذي لم يعتق: لا أبقى فقومني وردني كما أنا أخدمك، أرأيت الذي لم يعتق النصف الآخر أنيطأها، أله ذلك ؟ قال: لا ينبغي له أن يفعل لأنه لا يكون للمرأة فرجان، ولا ينبغى له أن يستخدمها ولكن له أن يستسعيها، فإن أبت كان لها من نفسها يوم وله يوم ".

وكذا خبر أبي الصباح الكناني (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن الرجلين تكون بينهما الأمة فيعتق أحد هما نصيبه فتقول الأمة للذي لم يعتق نصيبه لا اريد أن تقومني، ردني كما أنا أخدمك، وأنه أراد أن يستنكح النصف الآخر، قال: لا ينبغي له أن يفعل لأنه لا يكون للمرأة فرجان، ولا ينبغي أن يستخدمها ولكن يقومها فيستسعيها " على أن العتق هنا فيها مراد به التدبير وإن بعد من لفظها.

ويمكن حملها على ما تقدم حيث إن المعتق ليس بمؤسر فلا يقع السراية بل يكون الخيار لمالك النصف الثاني بين إبقائها واستسعائها بعد التقويم، كما هو مذهب جماعة من المتأخرين.

والعجب من الأصحاب قديما وحديثا حيث لم يتعرضوا لشئ من هذه الأخبار في مثل هذه المسائل والأحكام مع أنهم قد تعرضوا

(1) الكافي ج 5 ص 481 ح 1، التهذيب ج 8 ص 203 ح 22، الوسائل ج 14ص 546 ب 41 ح 2 وما في المصادر اختلاف يسير.

(2) الكافي ج 5 ص 482 ح 2 وفيه " ذرنى كما أنا "، الوسائل ج 14 ص 546 ب 41 ح 3 وفيهما " لم يعتق نصفه ".


355

لها في كتاب النكاح وقدحوا في أحكامها المشتملة عليه وتلقاها بعضهم بالقبول وهو المعتمد، إلا أنه باعتبار التدبير وعدم السراية به لم يطعن أحد فيها لمطابقتها قواعد التدبير والسراية، فكان عليهم أن يذكروها هنا.

الخامس عشر: إذا أبق المدبر المعلق تدبيره على موت مولاه بطل تدبيره وكان هو ومن يولد بعد الاباق رقا، فظاهر الأصحاب الاجماع على هذا الحكم وفي الخلاف صرح بدعوى إجماعهم عليه، والأخبار به مستفيضة.

منها رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام كما في الكافي (1) " قال: سألته عن جارية مدبرة أبقت من سيدها مدة سنين كثيرة ثم جاءت بعدما مات بأولاد ومتاع كثير وشهد لها شاهدان أن سيدها قد كان دبرها في حياته من قبل أن تأبق، قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: أرى أنها وجميع ما معها فهو للورثة، قلت: لاتعتق من ثلث سيدها ؟ قال: لا، إنها أبقت عاصية لله ولسيدها فأبطل الاباق التدبير ".

ورواه الصدوق بإسناده عن محمد بن مسلم (2) ورواه أيضا مرسلا.

وموثقة العلاء بن رزين (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل دبر غلاما له فأبق الغلام فمضى إلى قوم فتزوج منهم ولم يعلمهم أنه عبد فولد له وكسب مالا فمات مولاه الذي دبره فجاء ورثة الميت الذي دبر العبد فطالبوا العبد، فما ترى ؟ فقال: العبد وولده رق لورثة الميت، قلت: أليس قد دبر العبد ؟ فذكر أنه لما أبق هدم تدبيره ورجع رقا ".

(1) الكافي ج 6 ص 200 ح 4، الوسائل ج 16 ص 95 ب 10 ح 1 وفيهما " أبى جعفر الاول " مع اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 3 ص 87 ح 4، المقنع ص 162 وفيهما اختلاف يسير.

(3) التهذيب ج 8 ص 265 ح 29 وفيه " وولده لورثة الميت "، الوسائل ج 16 ص 96 ب 10 ح 2.


356

وقدح ثاني الشهيدين في كل من الروايتين بضعف طريقهما، ثم إنه أجاب عنهما بأنهما منجبران بالصحة أو الاجماع، وهذا بناء على الاصطلاح الجديد وعلى عدم الموثق في الضعيف، وقد فرقوابين الاباق والارتداد حيث لم يكن الارتداد مبطلا للتدبير مع اشتراكهما في معصية المولى، وكون الثاني أقوى من حيث إن معصية الله تعالى أعظم، إلا أن الاباق لما كان يقتضي معصية المولين معا والمولى الآدمي محتاج إلى خدمته فقوبل بنقيض مقصوده حيث قوتها عليه بخلاف معصية الله تعالى بالارتداد فإنه غني عنه ولا تعلق لذلك بالمولى المحتاج، وهو تعليل متكلف مع النص الذي هو الأصل في الحكم وينتقض بإباقه من عند المخدوم الذي علق تدبيره على موته فإنه لا يبطل بإباقه كما سيجئ وتقدم أيضا مع اشتراكهما في الحاجة، وإنما الفارق النص.

وعلى هذا فلا يبطل تدبير المملوك الارتداد إلا أن يلتحق بدار الحرب فيبطل للاباق، ولو مات مولاه قبل الالتحاق تحرر.

وبالجملة: أن المشهور بين علمائنا - حتى كان أن يكون إجماعيا إلا من الاسكافي على ما سيجئ - أن الارتداد لا يبطل التدبير مطلقا وإن حكم بقتله للأصل ما لم ينظم إليه الاباق بأن يلتحق بدار الحرب فيبطل من حيث الاباق كما تقدم.

وخالف الاسكافي في حيث اكتفى في بطلان تدبيره بأحد أمرين: ارتداده أو التحاقه بدار الحرب، فيبطل من حيث الاباق والارتداد معا.

وكلاهما ممنوع، إذ لا دليل على البطلان بمجرد الارتداد، وإلحاقه بالاباق قياس مع وجود الفارق كما أشرنا إليه في السابق من حاجة المولى وغناء الله تعالى، والتحاقه بدار الحرب لا يشترط انضمام الأسير إليه كما اشترطه هو في الالتحاق بدار الحرب في كلامه لكون الاباق علة مستقلة للبطلان.

فعلى هذا لو مات مولاه بعد ارتداده وقبل فراره إلى دار الحرب أو إباقه بغيره تحرر لوجود المقتضي للعتق، فإن قتل قبل مولاه من حيث الارتداد بطل، كما لو مات حتف أنفه.


357

السادس عشر: لما كان بطلان التدبير بالاباق على خلاف الأصل فيقتصر فيه على مورد النص فيه وهو إباقه من المولى المعلق تدبيره بوفاته.

أما لو جعل خدمته لغيره وعلق تدبيره على وفاة المخدوم لم يبطل بإباقه للأصل وصحيحة يعقوب بن شعيب (1) التي مر ذكرها مرارا حيث قال فيها " عن الرجل يكون له الخادم فيقول: هي لفلان تخدمه ما عاش فإذا مات فهي حرة فتأبقالأمة قبل أن يموت بخمس سنين أو ست سنين ثم يجدها ورثته، ألهم أن يستخدموها بعدما أبقت ؟ فقال: لا، إذا مات الرجل فقد عتقت ".

وباشتمالها على هذا الحكم ردها ابن إدريس ومن قال بمقالته لما ثبت من الاباق على كل تقدير يلزمه إبطال التدبير فلا يكون هذا تدبيرا، وقد مر الكلام في ذلك منقحا ومجابا عما أورده ابن إدريس.

وبقي ما لو علق تدبيره بوفاة الزوج أو غيره حيث يجوز ما بقي ومقتضى هاتين القاعدتين تابع لخدمته، فإذا لم تكن مجعولة لغير المولى بطل تدبيره بإباقه وإن لم يكن كذلك لم يبطل تدبيره بإباقه.

وإن جعل خدمته لغيره وعلق تدبيره على وفاة غير المخدوم كالزوج فأبق ففي بطلان تدبيره بذلك نظر، إذ كل واحد من الروايات الواردة من الجانبين لا تتناول هذا الفرد، لأنه موردها في البطلان المعلق على وفاة المولى، وفي عدمه معلق على وفاة المخدوم والأصل يقتضي عدم البطلان.

ولو قيل بقصر عدم البطلان على إباق من جعلت خدمته لغيره وعلق تدبيره على وفاة المخدوم كان حسنا، لأن القاعدة والأصل بطلانه بالاباق وصار في تعليقه على وفاة المخدوم غير مبطل على خلاف ذلك الأصل بالنظر إلى ما ذكره الأصحابفيقتصر على مورده لأن ظاهر هم الاتفاق على أن الاباق مبطل له إلا ما أخرجه الدليل، هذا عند من أثبته كما هو المختار.

أما عند من أسقط المعلق بوفاة غير المولى والمخدوم نظر إلى عدم النص

(1) التهذيب ج 8 ص 264 ح 28، الوسائل ج 16 ص 96 ب 11 ح 1.


358

الدال على الصحة.

والاشكال مندفع لانتفاء ما بني عليه هذا الحكم كما عرفت وبمقتضى التعليل الذي علل به البطلان بالاباق - أعني مقابلة نعمة المولى وخدمته بالاباق والكفر إن أوجب له البطلان - فتثبت الصحة في التدبير المعلق على وفاة الزوج وإن حصل الاباق لعدم الوقوف على دليل يقتضي التعميم كما وقع للأصحاب في هذا المقام.

السابع عشر: إذا اكتسب المدبر مالا بعد موت مولاه

وانعتاقه في الجملة فإن نهض به الثلث كان الجميع حرا ويكون الكسب تابعا له لوقوعه حال الحرية، وإن لم ينهض به الثلث وعتق منه شئ كان الكسب تابعا لما فيه من الرقية والحرية بالنسبة، هذا إذا كان عتقه معلقا على وفاة المولى.

أما لو كان معلقا على وفاة غيره كمن جعلت له الخدمة أو كالزوج وتأخر موته عن موت المولى فإنه باق على التدبير والرقية إلى أن يحصل موت المعلق عليه العتق أو الوصية.

وهل يجوز للوارث الرجوع في تدبيره فيما بين وفاة المولى والمخدوم كما كان ذلك جائزا للمولى ؟ نظر: من إطلاق النصوص والفتاوى بجواز الرجوع في التدبير ما لم يحكم بعتقه، ومن إمكان اختصاص ذلك برجوع المولى المدبر، ومن ثم لم يجز له الرجوع في تدبير أولاد المدبر المتحددين بعد التدبير من حيث إنه لم يدبر وكان وارثه من حيث إنه لم يدبر هم فكان وارثه بالنسبة إلى تدبير المورث بمنزلة المولى في تدبير الأولاد.

وربما فرق بينهما بأن الوارث قائم مقام المورثون ووارث حقه من المال وما يتعلق به من الحقوق كحق الخيار والشفعة، وهذا منها بخلاف تدبير الأولاد لاستناده إلى الله تعالى لا إلى المولى فذلك لم يكن له الرجوع فيه، وللنصوص الدالة عليه وهي مفقودة هنا مع أصالة بقاء الملك على مالكه وجواز تصرف المالك في المملوك بأنواع التصرفات إلى أن يثبت المزيل.


359

الثامن عشر: إذا كان للمدبر مال غائب عن الورثة أو دين على معسر لم يمكن استيفاؤه

م يعتق جميع المدبر لأن عتقه موقوف على إيصال الورثة من التركة ضعفه.

وهل يعتق ثلثه معجلا ؟ فيه وجهان، أصحهما وهو الذي قطع به الأكثر وقواه شيخ المبسوط وقطع به المحقق في الشرايع أنه يعتق لأن الغيبة لا تزيد على العدم، إذ لو لم يكن له إلا هذا المدبر انعتق ثلثه فكذلك عند الغيبة، وعلى هذا فثلث اكتسابه بعد موت السيد له ويوقف الباقي، فإن وصل المال إلى الوارث تبين عتقه أجمع وصار كسبه تابعا له.

والقول الثاني أنه لا يعتق حتى يصل المال إلى الورثة، لأن في تنجيز العتق تنفيذا لمتبرع به قبل تسلط الورثة عن الثلثين، إذ لا بد من التوقف في الثلثين حتى يتبين حال الغائب كما تقدم نظيره في الوصايا، فيما لو أوصى بعين تخرج من الثلث وكان باقي المال غائبا، فإن في تسلط الموصى له الوجهين وأصحهما كما هنا.

ويتفرع على الوجهين فروع منها ما إذا كان قيمة المدبر مائة والغائبمائتين فحصته مائة، فعلى المختار يعتق ثلثاه لأن ثلثه عتق في الحال، فإذا حضر مائة عتق بقدر ثلثها أيضا، وعلى الثاني يعتق نصفه لحصول مثليه للورثة، فإن حضرت مائة وتلفت مائة استقر العتق في ثلثيه وتسلط الورثة على ثلثه وعلى المائة وربما يخرج على الوجه الثاني أن للورثة التصرف في الثلثين كما يحكم بعتق الثلث مراعاة للحقين المتلازمين، فإن حضر الغائب نقص تصرفه.

والأصح خلاف ذلك كله، وكما يوقف كسبه في الثلثين قبل وصول المال توقف نفقته بمعنى أنه ينفق عليه منه، فإن وفي وإلا أكمل الوارث، فإن حضر المال وعتق المال رجع الوارث بما غنم منها.

التاسع عشر: التدبير والمكاتبة حينئذ قد يجتمعان، ويتفرع على اجتماعهما مسائل:


360

الاولى: إذا كاتبه ثم دبره

ح لعدم المنافاة، فإن الكتابة لازمة لا تبطل بطرو الجائز عليها، والكتابة وإن اقتضت تمليك المكاتب نفسه إلا أنه ليس ملكا تاما فلا يعارضه التدبير، ولهذا جائز تعجيل عتقه.

وحينئذ فيجتمع فيه سببانموجبان للعتق أيهما سبق تحقق العتق به، فإن أدى مال الكتابة في حياة المولى عتق وبطل التدبير ومن ثم جاز تعجيل عتقه.

وحينئذ فيجتمع عليه الأمران فإن أدى مال الكتابة في حياة المولى عتق وبطل التدبير، فإن عجز فعجزه المولى بطلت الكتابة وبقي التدبير، فإن مات الأداء والتعجيز عتق بالتدبير إن احتمله الثلث وتبعه ولده.

لكن يبقى البحث والكلام في حكم كسبه في حال الحياة بعد الكتابة فإنه تابع للكتابة غير تابع للتدبير، وفي بطلان الكتابة حينئذ وجهان سيأتيان في أحكام الكتابة.

مثلهما ما لو أعتق السيد مكاتبة قبل الأداء، ولوجه أنها لا تبطل للأصل فإن بقي من الأحكام شئ ويتوقف عليها تأدى بها، ولو عجز الثلث من عتقه عتق ما يحتمله وسقط من مال الكتابة بحسبه وبقى الباقي مكاتبا.

الثانية: أن يدبره أولا ثم يكاتبه،

وفي ارتفاع التدبير به قولان مشهوران مبنيان على أن التدبير وصية أو عتق، فعلى الاولى تبطل كما تبطل الوصية بالعبد لانسان، ثم يكاتبه لأن العبد يصير بالكتابة ملكه لنفسه، فكان السيد قد زال ملكه عنه فيكون الحكم كما لو باعه، وهذا اختيار الشيخ.

والأكثر على الثاني لا يبطل، لأن مقصود " بالكتابة " العتق أيضا فيكون مدبرا ومكاتبا، خصوصا على القول بأن التدبير لا يبطل بالبيع، والأصل فيه اللزوم من الطرفين إجماعا، فعدم بطلانه بما وقع الخلاف في بطلانه، وعدمه أولى، وهذا اختيار الاسكافي والقاضي.

وهو ظاهر الرواية الواردة في حكم هذه المسألة وهو ما رواه الشيخ والصدوق في التهذيب والفقيه في الصحيح عن أبي بصير ليث المرادي (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام

(1) الفقيه ج 3 ص 72 ح 8، التهذيب ج 8 ص 263 ح 25، الوسائل ج 16 ص 89 ب 4 ح 1.


361

عن العبد والأمة يعتقان عن دبر، فقال: لمولاه أن يكاتبه إن شاء ".

أما ما جاء في خبر وهب بن وهب (1) عن جعفر عن أبيه عليهما السلام " أن عليا عليه السلام " قال: لا يباع المدبر " فمؤيد لهذا الخبر في جواز المكاتبة بعد التدبير، ويجب حمله وحصره على الاستحباب لما تقدم من جواز بيعه من الأخبار الصحاح الصراح ولو يؤيده أيضا ما دل من الأخبار على جواز المكاتبة عموما، وعلى هذا يكونمدبرا مكاتبا كما لو دبر عبده المكاتب، فإن أدى النجوم عتق بالمكاتبة، وإن مات السيد قبل الأداء عتق بالتدبير، فإن لم يخرج من الثلث عتق قدر الثلث وبقيت المكاتبة في الباقي، وإن أدى قسطه عتق، ويقوى هذا مع تصريحه بعدم إرادة الرجوع، أما مع الاطلاق واشتباه الارادة فالأول أوجه.

الثالثة: أن يدبره أولا ثم يقاطعه

على ما يكسبه ليعجل له العتق، وهذا لا يقتضي إبطال التدبير قطعا، لأن عاقبة الوعد بتعجيل العتق على تقدير فعله والمقاطعة غير لازمة لأحدهم وإن استحب الوفاء بها فلا تكون منافيا، والمال الذي يكتسبه للمقاطعة ملك المولى فلا يتغير حكم الرق.

ويؤيده ما في صحيحة محمد بن مسلم (2) المروية في الكافي والتهذيب عن أبي جعفر عليه السلام " في المملوك يعطي الرجل مالا ليشترية ليعتقه، قال: لا يصلح له ذلك ".

ووجه عدم الصلوح حيث إن مال المملوك مال لسيده فلا يشترى ماله بماله فكيف يصح عتقه من الأجنبي بعد شرائه من مال المملوك العشرون: إذا دبر حملا صح ولا يسري إلى امه، ولو رجع في تدبيره صح، فإن أتت به لأقل من ستة أشهر من حين التدبير صح التدبير فيه لكشفهعن وجوده وقت التدبير، وإن كان لأكثر يحكم تدبيره لاحتمال تجدده، وهذا

(1) التهذيب ج 8 ص 262 ح 17، الوسائل ج 16 ص 89 ب 4 ح 2.

(2) الكافي ج 6 ص 194 ح 2، التهذيب ج 8 ص 231 ح 69، الوسائل ج 16 ص 36 ب 26 ح 1.


362

مذهب الشيخ وجماعة منهم المحقق في الشرايع لاحتمال الحدوث.

وينبغي الفرق بينهما إذا كانت خالية من القرائن وعدمه كما سبق في نظائره، لأن الأصل المذكور وإن كان ثابتا في الحالين إلا أن الظاهر يعارضه وأصالة عدم وطء متجدد وصيانة حال المسلم على تقديره من الحمل على الرق كما تقدم في حكم أولا التابعين للمدبرين في التدبير.

وكما يصح الرجوع في مدبر المدبر بالمباشر يصح الرجوع في تدبير هذا الحمل قبل وضعه لاصول المقتضي له وانتفاء المانع إذ لا مانع سوى كونه حملا، وهو لا يصلح المانعية لدخوله في العموم.

وخالف في ذلك بعض العامة حيث منع من الرجوع في التدبير للقول مطلقا بل مقصور على الفعل وهو الاخراج عن الملك، والحمل لا يمكن إخراجه بالبيعمنفردا بل بالتبعية لامه، فإذا باعهما كذلك صح الرجوع عنده وإلا فلا.

ولما ثبت أن الرجوع جائز بالقول مطلقا كالفعل صح في الحمل كغيره لاشتراكهما في التدبير، فلا فرق إذا إلا بما تقدم من أنه لا يكون بالفعل إلا في موضع يصح إفراده بالنقل كالهبة والصلح لا بدونه.

الحادى والعشرون: قد صرح جماعة ممن ذهبوا إلى أن البيع والامهار من مدبر ليس رجوعا في التدبير بل يبقى على تدبيره وإن قلنا بجواز رجوع المدبر في التدبير بعد نقله لغيره بناقل لازم كالبيع والاصداق، فيتفرع عليه فرع هو موضع خلاف بينهم وهو أنه إذا رجع البائع والزوج في التدبير بعد بيعه أو جعله صداقا فهل ينتقل ملك الرقبة إلى المشتري والزوجة ؟ أو يعود إلى ملك البائع والزوج ؟ فيه وجهان ينشآن: من انتقاله عنه إلى من نقله إليه وإنما هو متزلزل بقبوله للعتق بموت المولى لا بغيره بسبب التدبير لا بغيره والتدبير قد أبطل فزال التزلزل بزوال سببه، ومن أنه باعه مدبرا وقد بقي حكم التدبير على حاله مع البيع، والبيع متصرف إلى خدمته، وحكم التدبير أن للمدبر الرجوع فيه وإبطاله فيرجع إليه.


363

والتحقيق أن نقول: إما أن البيع يتناول خدمته خاصة لا رقبته، أو نقول: يتناول الرقبة وينتقل إلى المشتري متزلزلا.

فعلى الأول يرجع بالرجوع إلى البيع بمعنى استقرار ملك الرقبة، فإن بالتدبير يتزلزل ملك المدبر وببطلانه يستقر كما كان أولا.

وعلى الثاني الأقرب أن يعود إلى المنتقل إليه كالمشتري والزوج لأن البائع أخذ العوض عن العين بعقد لازم وأبطل التدبير برجوعه فانتفى التزلزل واستقر ملك المشتري، أو أن العتق كان حقا للمدبر بسبب التدبير وقد زال فزال حقه، و يحتمل عوده إلى البائع أيضا لأنه إنما باعه على أنه مدبر وأحكام التدبير ثابتة فيه ومن جملتها جواز رجوع المدبر فيه وعود ملكه إليه كما كان في بيع الخيار، وهاهنا فروع: الأول: أنه على القول بصحة التدبير مع البيع أو الاصداق وعدم جواز رجوع المولى أو بعدم نفوذ الرجوع ينعتق المدبر بمجرد موت المولى، وليس العتق فسخا للبيع سواء قلنا بالانتقال المتزلزل أو بصرف العبد إلى خدمته بل بالثمن كله للبائع وينعتق المدبر ويزول حق المشتري منه.

الثاني: إذا قلنا ببطلان التدبير برجوع المولى فيه مع بقاء البيع، فإن قلنا بانصراف البيع إلى خدمته ورجوع الرقبة إلى المولى كانت الخدمة حياة المولى للمشتري وبعده لورثة البائع.

الثالث: على القول بانتقال الرقبة انتقالا متزلزلا يحتمل استقرار ملك المشتري على الرقبة ويستمر ملكه على الخدمة أيضا، وليس للمولى في مقابلة إزالة التزلزل شئ، وأما على احتمال رجوع الرقبة إلى المولى فتكون الخدمة مدة حياته للمشتري لأن الرقبة تابعة هنا كما تقدم في ضمن الآبق إلى غيره في البيع وأما بعد موته المولى لوارثه (1).

(1) كذا في النسخ


364

الرابع: أنه على تقدير رجوعه إلى المولى هل له أن يدبره مرة اخرى أو يعتقه أم لا ؟ الأقوى جواز هما لعدم المانع.

وهل يجزي عن الكفارة أم لا ؟ قولان، والأقوى أنه لا يجزي.

وكل هذه الفروع عندنا منتفية لأنه بمجرد البيع والاصداق وما شابههمايبطل تدبيره.

الثاني والعشرون: هل يبطل التدبير بالعقود الفاسدة كما يبطل بالعقود الحصيحة ؟ قولان، وتحقيق هذين القولين هو أنه إذا تعقبت هذه العقود الفاسدة للتدبير فإما أن يعلم فسادها أولا، وعلى التقديرين إما أن يقصد بها الرجوع أو لا، فالأقسام إذا أربعة: الأول: أن يعلم فسادها ويقصد الرجوع بها، والأقرب أنه يكون رجوعا وفاقا للعلامة في القواعد لأن له الرجوع ويحصل بكل لفظ أو فعل يقصد به الرجوع.

الثاني: أن لا يعلم بفسادها فيقصد الرجوع فيكون رجوعا كما تقدم الثالث: أن يعلم بفسادها ولا يقصد الرجوع فلا يكون رجوعا.

الرابع: أن لا يعلم بفسادها ولا يقصد به الرجوع فيكون رجوعا لأنه أوقع عقدا وأراد صحته، وإرادة أحد الضدين ينفي الآخر.

ويحتمل أن لا يقتضي البطلان لأنها عقود باطلة فلا يترتب شئ من آثارها عليها، وبطلان التدبير من جملة آثار الصحة فلا يحصل، ولأنه موقوف على أن إرادة إيجاد أحد الضدين يستلزم إرادة نفي الآخر، وفيه منع لجواز الغفلة عنه.

الثالث والعشرون: إذا كان المشتري للعبد المدبر جاهلا بتدبيره وقلنا بأن البيع لا ينقض التدبير بل ينتقل البيع إلى خدمته ومنافعه فإما أن يكون قد تصرف أولا، فإن كان قد تصرف فله الأرش سواء كان قد علمه قبل تحريره بموت المولى أو بعده، فإن لم يتصرف كان له الرد سواء كان قد انعتق بموت المولى أو لم يعتق.


365

ثم إن جاهل الحكم هنا هل يعذر كجاهل التدبير ؟ فيه إشكال منشأه أن جاهل الحكم لو عذر لارتفعت الأحكام الشرعية، وعموم النص على أن جاهل الحكم لا يعذر ولأن قوله تعالى " فلو لانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذورن " (1) فيقتضي وجوب علم الأحكام بالأدلة على الكفاية، وقوله تعالى " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " (2) فأوجب التعليم بالتقليد فلا يعذر، ومن أنه حكم خفي لا يكلف المسلم به، قيل: والأقوى عدم المعذورية.

الرابع والعشرون: إذا دبر المريض عبدا تجتمع فيه قيود أربعة:الأول: أن تكون قيمته قبل التدبير ثلاثين.

وثانيها: نقص قيمته إلى أن صارت إلى عشرة دراهم، فهذا النقص ليس للسوق بل بسبب نقص صفة هي استقرار الملك، فأن التدبير يزيل الاستقرار.

وثالثها: كل جزء يبطل التدبير فيه تعود قيمة ذلك الجزء إلى ما كان قيمته أولا وهي نسبته من الثلاثين، وكل جزء يصح تدبيره فقيمته نسبته من العشرة إي ينقص قيمته الأصلية إلى نسبته من العشرة.

ورابعها: أن التنقيص بالبيع لا ينقص القيمة.

فبيان هذه المسألة متوقف على مقدمات: (اولاها) كلما يصح فيه البيع فقد وصل إليه العوض، عنه وببطلان التدبير فيه ترجع الرقبة إلى المشتري، فلا فائدة للبائع في إبطال تدبيره ما يصح فيه البيع ولأن التدبير بالنسبة إلى المشتري لازم كشرط العتق كما تقدم، فليس للمشتري إبطاله، وكلما يصح فيه التدبير فقد بيع بقيمته بلا محاباة وتزلزل البيع وهو بالمحاباة إن لم يخرج من الثلث، ومعنى التزلزل إن أجازها الوارث صح وإلا فلا.

(1) سورة التوبة - آية 9.

(2) سورة النحل - آية 16.


366

(وثانيها) كلما نقص بالتدبير من القيمة يحسب على العبد المدبر، لأنه متبرع عليه به لأنه لنفعه ويفرض كالموجود بالنسبة إلى العبد.

(وثالثها) ما صح فيه التدبير لا يحسب على المشتري إلا بقيمة ناقصة، لأن التدبير لازم بالنسبة إليه وهو من لوازم صحة البيع فيمضي بيعه من الأصل.

(ورابعها) أن الجزء الذي بطل فيه التدبير وعادت قيمته يحسب على الورثة بالقيمة الزائدة حيث رجعت إليهم.

(وخامسها) كلما حصل للورثة من ثمن الجزء الذي صح البيع فيه وهو ما بطل فيه التدبير بقيمته الزائدة يكون مثلي ما نقص من قيمة الجزء الذي صح فيه التدبير لأنه المحسوب من الثلث، وأما ما قابل العوض الذي جعل ثمنا للجزء الذي صح البيع فيه وصح التدبير فإن تدبيره بمضي من الأصل بوصول عوضه.

وإذا تقررت هذه المقدمات انكشف كون هذه المسألة من المسائل الدورية لأنه لا يمضي البيع والتدبير في الكل لأنهما متلازمان، وصحتهما تسلتزم المحاللاستلزامه تصرف المريض في أكثر من الثلث، وكلما استلزم المحال كان محالا، وهو بديهي لا يحتاج إلى البرهان.

وهاهنا ثلاثة أشياء: ما صح فيه التدبير وما بطل فيه التدبير والتركة، يتوقف العلم بكل منهما على العلم بالآخرين وبالعكس، فالدور لازم من وجوه ثلاثة: أولها: أنه يتعين معرفة كمية التركة على معرفة ما بطل فيه التدبير، ومعرفة كمية ما بطل فيه التدبير موقوف على معرفة التركة، لأنه إذا بطل من التدبير شئ عادت قيمته الاولى فيجب على الورثة فيكون جزء من التركة، فيتوقف العلم بالتركة على العلم بما بطل فيه التدبير لتوقف العلم بالكل على العلم بالجزء، ولكن معرفة ما بطل فيه التدبير موقوف على معرفة كمية التركة بحيث يعلم أن ثلثها ينقص عنه ولا يحتمله، فيتوقف معرفة كل منهما على معرفة الآخر.

وثانيها: أن يتوقف معرفة كمية ما صح فيه التدبير على معرفة كمية


367

التركة، وهذا ظاهر، ويتوقف معرفة التركة على معرفة ما صح فيه التدبير لأنه لا يعلم كمية التركة حتى يعلم ما صح البيع فيه من الثمن للبائع واستقرعليه ملكه، ولا يعلم ما صح البيع فيه من الثمن إلا مع معرفة قدر ما صح فيه البيع من المبيع وذلك هو ما صح فيه التدبير، فقد توقف كل منهما على الآخر.

وثالثها: أنه لا يعلم قدر ما استقر فيه التدبير حتى يعرف استقرار ملك الورثة على ضعفه كما علمت، وهذا الوصف لا يعلم إلا بعد معرفة قدر ما صح فيه فيدور.

والجواب من هذا كله بأن هذه الأدوار ترجع إلى دور المعينة لادور توقف، والمستحيل هو الثاني كما تقرر في محله، وطريق استخراجه أن نقول: قد صح البيع في شئ من العبد بشئ من الثمن فيكون في الذي صح فيه البيع من العبد في تقدير ثلاثة أشياء، لأن الثمن ثلث قيمة العبد، وكلما صح فيه البيع صح فيه التدبير، وقيمته الأصلية محسوبة على العبد ويملك الوارث ضعفه.

وأما الجزء الذي حصل لهم من الثمن ليساويه فلا يحتسب تدبيره من الثلث كما تقدم، فيكون للورثة من العبد ما صح لهم من الثمن أعني مقابلة ما صح البيع فيه من الثمن أربعة أشياء منها من الثمن شئ يبقى ثلاثة أشياء من العبد لأنه لا يملك المريض غير ذلك، فيكون العبد باعتبار القيمة الاولى في تقدير ستة أشياء فالشئ خمسة لأن الثلاثين عند بسطها على الستة تخرج خمسة فنقول:صح البيع في خمسة من العبد وهي لسبب النقص باستقرار التدبير نصف خمسة من الثمن وهي في تقدير خمسة عشر، لأن العشرة بالتدبير حسبت على العبد فيملك الورثة ضعفها فيبطل البيع في نصف العبد وهو يساوي خمسة لو صح فيه التدبير لكنه بطل فصار يساوي خمسة عشر فيحسب على الورثة العشرة الزائدة فيصح البيع في نصف العبد ويبطل من الثمن نصفه في مقابلة نصف العبد وهي خمسة هي قيمته مدبرا، أو نقول: بطل البيع في شئ من العبد وبطل من الثمن شئ في مقابله، فصار لتركة البائع المدبر شئ من العبد وعشرة الأشياء من الثمن، والشئ الذي من العبد


368

في تقدير ثلاثة أشياء كما تقدم، فتجبر العشرة بشئ من الثلاثة أشياء فيصير معه عشرة وشيئان هي مثلا ما فات من التدبير، ولم يحصل في مقابله للورثة عوض وهو شيئان فيكون عشرة كاملة وشيئان تعدل أربعة أشياء يسقط شيئان بمثلهما فيبقى شيئان يساوي عشرة، فالشئ خمسة وهو المطلوب.

المقصد الثامنفي عتق المكاتبة وهو مشتمل على مسائل:

الاولى: في معناها شرعا ولغة

وهي الكتابة مصدران مزيدان مشتقان من المجرد وهو الكتب، وهو لغة الجمع والضم، يقال: كتبت القربة إذا كتبت رأسها ومنه الكتابة لما فيها من ضم الحروف بعضها إلى بعض.

والكتيبة لانضمام بعضهم إلى بعض.

فسمي هذا العقد كتابة لانضمام النجم فيه إلى النجم أو لأنها توثق بالكتابة من حيث إنها منجمة مؤجلة، وما يدخله الأجل يستوثق بالكتابة ولذلك قال الله تعالى " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " (1).

وقد علم أن عقد الكتابة خارج عن حد المعاملات من جهة أنها معاملة بين السيد وعبده، وأن العوضين للسيد وأن المكاتب على رتبة متوسطة بين الرق والحرية، وليس له استقرار الأحرار ولا عجز المماليك، ولذلك تكون تصرفاته مترددة بين الاستقلال ونقيضه لأن الحاجة داعية إليها، فإن السيد قد لا تسمح نفسه بالعتق مجانا، والمملوك يتشمر بالكسب تشمره إذا علق عتقه بالتدبير والأداء، فاحتمل الشرع فيه ما لا يحتمل في غيره كما احتمل للجهالة في ربحالقراض وعمل الجهالة للحاجة.

وقد دل عليها الكتاب والسنة والاجماع، قال الله تعالى " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " (2).

(1) سورة البقرة - آية 282.

(2) سورة النور - آية 33.


369

وأما السنة الواردة في تفسير هذه الآية وغيرها فصحيحة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في قول الله عز وجل " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " قال: إن علمتم لهم دينا ومالا ".

وصحيحة محمد بن مسلم (2) عن أحد هما عليهما السلام " في حديث قال: سألته عن قول الله عز وجل " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " قال: الخير إن علمت أن عنده مالا ".

وصحيحة الحلبي (3) كما في التهذيب الحسنة كما في الكافي " في حديث أنه قال في قول الله عز وجل " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " قال: كاتبوهم إنعلمتم لهم مالا ".

ومعتبرة العلاء بن الفضل (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " في قول الله عز وجل " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " قال: إن علمتم لهم مالا ".

وخبر محمد بن مسلم (5) الصحيح أيضا كما في الفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام قول الله عز وجل " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " قال: الخير أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله صلى الله عليه واله ويكون بيده عمل يكتسب به أو يكون له حرفة ".

وفي المقنع (6) مرسلا قال: " روي في تفسير قوله تعالى " إن علمتم فيهم خيرا " إن علمتم لهم مالا ".

قال (7) " روي في تفسيرها: إذا رأيتموهم يحبون آل محمد صلى الله عليه واله وسلم فارفعوهم درجة ".

(1) الكافي ج 6 ص 187 ح 10، الوسائل ج 16 ص 99 ب 1 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 187 ذيل ح 7، الوسائل ج 16 ص 99 ب 1 ح 2.

(3) الكافي ج 6 ص 187 ح 9، التهذيب ج 8 ص 268 ح 8، الوسائل ج 16 ص 99 ب 1 ح 3.

(4) الفقيه ج 3 ص 73 ح 1، الوسائل ج 16 ص 100 ب 1 ح 4 والصحيح " العليبن الفضيل " كما في المصدرين.

(5) الفقيه ج 3 ص 78 ح 23، الوسائل ج 16 ص 100 ب 1 ح 5.

(6) و (7) المقنع ص 38، الوسائل ج 16 ص 100 ب 1 ح 6 و 7.


370

الثانية: قد اتفق الأصحاب على أنها غير واجبة مطلقا للأصل، كما لا يجب التدبير وشراء القريب ليعتق، ولئلا يتسلط المملوك على سيده، ولكنها مستحبة مع علم الخير للمملوك بها ولقوله تعالى " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " والامامية وأكثر العامة على أن الأمر هنا للاستحباب ولبعض العامة قول بالوجوب.

وقد اختلف في الخير المعلق عليه رجحان الكتابة في الآية والأخبار.

وفي صحيحة الحلبي المتقدمة عن أبي عبد الله عليه السلام أن المراد به الدين والمال وهما المعبر عنهما في عبارات الأصحاب بالأمانة والاكتساب، ووجه اعتبار الأمانة لئلا يضيع ما يحصله فيصرفه إلى السيد فيعتق والقدرة على الاكتساب ليتمكن من تحصيل ما يؤديه.

وبعضهم فسره بالمال خاصة لصحيحة الحلبي الاخرى عن أبي عبد الله عليه السلام" في قول الله عز وجل " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " قال: كاتبوهم إن علمتم لهم مالا ".

وقد رجح هذا لأن فيه استعمال المشترك في أحد معنييه وفي الاولى استعماله فيهما معا وهو مجاز عند مجاز عند مجوزية على أشهر القولين فلا يصار إليه بدون القرينة.

ويرده أن القرينة هنا موجودة وهي الرواية المتقدمة الصحيحة المؤيدة بصحيحة محمد بن مسلم أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام قد تقدمت وفيها " قال: الخير أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله صلى الله عليه واله ويكون بيده عمل يكتسب معه أو يكون له حرفة " وبما في المقنع مرسلا وقد مر أيضا حيث قال " وروي في تفسيرها " إذا رأيتموهم يحبون آل محمد صلى الله عليه واله وسلم ".

بل جاء في موثقة سماعة (1) ما يدل على الاكتفاء بالدين وإن لم يكن لهم مال كما هو مختار المحقق في النافع " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العبد يكاتبه

(1) الكافي ج 6 ص 187 ح 11 وفيه " وهو يعلم انه لا يملك قليلا وكثيرا "، الوسائل ج 16 ص 101 ب 2 ح 1.


371

مولاه وهو يعلم أن ليس له قليل ولا كثير، قال: يكاتبه وإن كان يسأل الناس ولا يمنعه المكاتبة من أجل أنه ليس له مال فإن الله يرزق العباد بعضهم من بعض والمؤمن معان ويقال: المحسن معان ".

ورواه الشيخ من الموثق أيضا عن سماعة (1) وكذلك فقيه الفقيه إلا أنه قال " يرزق العباد بعضهم من بعض والمحسن معان " بدون قوله " والمؤمن معان " فكأن اشتراط المال لتأكيد الاستحباب.

فالقول بالاكتفاء بالمال وحده والدين وحده قوي وأن تأكيد الاستحباب بهما معا، فلا يقال بأن صحيحتي الحلبي وما وافقهما من النصوص في الجانبين متعارضة على وجه لا يمكن الجمع، أو أن المشترطة للدين والمال معا مقدمة لأنها مثبتة والمثبت مقدم، لأن جمعنا ما به بينهما دافع لهذا كله.

وإلى هذا الجمع مال ثاني الشهيدين في المسالك حيث قال: نعم يمكن إثبات أصل الاستحباب بوجود المال عن القدرة على كسبه عملا بالرواية الصحيحة، وبتأكيد الاستحباب مع وجود الوصفين نظرا إلى الخبر الآخر.

إلا أن قول المحقق في الشرايع " ولو عدم الأمران كانت مباحة وكذا لو عدم أحد هما " ينافيذلك، انتهى وهو في محله.

ولو فقد الشرطان معا لم يستحب لعدم المقتضي له، ولكن اختلفوا في إباحته بغير كراهة أو مع الكراهة إلى قولين: (أحد هما) للشيخ في الخلاف وهي الاباحة بلا كراهة (والثاني) في المبسوط، والأقوى الأول لعدم الدليل على الكراهة.

ومفهوم المخالفة في الآية إنما ينفي تأكيد الاستحباب لأصل الاباحة، ولو اتصف بالايمان خاصة لم يستحب عند جماعة لعدم المقتضي له.

وربما قيل بالاستحباب أيضا لاستعمال الخير فيه وحده، ولدلالة موثقة

(1) الفقيه ج 3 ص 76 ح 13، التهذيب ج 8 ص 272 ح 28، الوسائل ج 16 ص 101 ب 2 ح 1.


372

سماعة على ذلك.

فقد جاء في تفسير قوله تعالى " فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره " (1) يعني العمل الصالح وهو الدين، كذلك في قوله تعالى " والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير " (2) أي ثواب، كما جاء إرادة المال وحده في قوله تعالى " وأنه لحب الخير لشديد " (3) وقوله تعالى " إن ترك خيرا الوصية " (4).

وضعف ثاني الشهيدين هذا القول بأن استعمال المشترك في أحد المعنيين مجاز لا يجوز بدون القرينة كاستعماله في المعنيين وهي منتفية في جانب الدين وحده بخلاف المال، وقد ترجح جانبه بالرواية الصحيحة.

ثم قال: والتحقيق أن إطلاق اسم الخير على المعنيين المرادين هنا مجاز لأنه في الشواهد المذكورة إنما استعمل في العمل الصالح والثواب ونفس المال، والمراد هنا الأمانة والقدرة على التكسب، وهما ليسا عملا صالحا ولا ثوابا ولا مالا حقيقة وإنما يكون الكسب سببا في المال، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجازا، كما أن إطلاق الأمانة القلبية على الأعمال الصالحة المتبادر منها إرادة أعمال الجوارح والثواب ولا يعرفه إلا الله تعالى مجاز أيضا.

وحينئذ فإطلاقه عليهما أو على أحد هما موقوف على النقل وهو موجود في أرادتهما وأرادة الثاني منها دون الأول فكان العمل به متعينا.

وفيه نظر يعلم مما حققناه، حيث إن موثقتي سماعة شاهدتان بالاستحباب مع وجود الأمانة وهي الدين وحده، كما أن صحيحة الحلبي الواردة في خصوص المال وكذلك ما ضاهاها من الأخبار دالة على الاكتفاء به، إلا أنه - قدس سره -لما لم يرجع موثقتي سماعه اقتصر على اشتراط المال وحده في الاستحباب ولم

(1) سورة الزلزلة - آية 7.

(2) سورة الحج - آية 36.

(3) سورة العاديات - آية 8.

(4) سورة البقرة - آية 180.


373

يكتف باشتراط الدين.

الثالثة: قد اختلف العلماء في أصل الكتابة، هل هي عتق يعوض ؟ أو بيع للعبد من نفسه ؟ أو معاملة مستقلة ؟ ومنشأ الاحتلاف وجود خواص كل من الأمرين ويشتركان في حصول العتق بالعوض، وتظهر الفائدة في لحوق جميع أحكام ما يجعل منه كالخيار وكوقوعها بصيغة البيع وبالعتق بالعوض والأظهر أنها معاملة مستقلة تتبعها أحكام خاصة ولا يلزم من مشاركتها لبعض المعاملات في حكم أن تلحق به مطلقا.

والقول بأنها بيع لأبي الصلاح الحلبي وابن إدريس، والاستقلال مذهبالأكثر.

وأما القول بأنها عتق بعوض فقد نسب إلى بعض أصحابنا ولم نعرف قائله.

ووجه بعدهاعن شبه البيع أنه يقتضي المغايرة بين المتعاقدين والمبيع، وهنا المبيع هو المشتري وهو يقتضي قبول المشتري للملك وهو منتف عن المملوك ويكون العوض ملكا للمشتري والمعوض ملكا للبائع، وهما الأمران للمولى وقد خالف شيخ المبسوط حيث حكم بأنها ليست بيعاو جوز إيقاعها بلفظ البيع لافادة المراد منها.

والأصح ما اختاره المحقق ومن تبعه من عدم صحتها بلفظ البيع لما تقدم من أن البيع انتقال عين مملوكة من شخص إلى شخص آخر فلا بد من تحقق إضافة الملك بين المشتري والمبيع لتوقف الاضافة على تغاير المضافين، وهنا ليس كذلك، ولأن ملك العبد الحقيقي موقوف على حريته، وحريته موقوفة على تملكه فيدور، ولأن السيد لا يباع عبده، ومن ثم لا يصح بيعه مالا آخر قولا واحدا.

وعلى القول بصحة البيع - كما عليه الشيخ لدلالة بعض الأخبار عليه - يثبت المال في ذمته ويعتق في الحال كما لو أعتقه على مال ولا يثبت على هذا معالكتابة خيار المجلس لأنها ليست بيعا وهو مخصوص به، ومن جعلها بيعا لزمه


374

جواز لحوق الخيار.

وربما فهم من كلام الشيخ في المبسوط أن الخيار منتف هنا ه‍ وإن جعلنا بيعا وجعل ذلك وردا على من جعلها بيعا، هكذا فهم البعض من عبارة المبسوط.

وفيه نظر، لأن تفريع الشيخ انتفاء الخيار إنما هو على مذهبه، و لهذا قال: الكتابة تفارق البيع من وجوه: أحدها أن الكتابة لا بد فيها من أجل و البيع ليس كذلك، ومنها لا بائع يشترط لنفسه الخيار والسيد لا يشترط في عقد الكتابة ويتفقان في أن الأجل فيهما لا بد أن يكون معلوما، ولا يصح كل واحد منهما إلا بعوض معلوم.

والمراد بقوله " أن الكتابة لا بد فيها من الأجل و البيع لا يفتقر إليه " أن البيع من حيث هو لا يفتقر إلى الأجل وإلا فإن السلم منه مفتقر إليه، فلتكن الكتابة كذلك إن اعبترنا فيها الأجل، وبينهما مناسبة في ذلك إلا أنه موضع خلاف كما سيجئ.

الرابعة: لا بد لهذه المعاملة من عقد مشتمل على لفظ مفيد للمعنى المراد منه كما في سائر عقود المعاملات، والقدر المتفق على صحته أن يقول له: كاتبتك على ألف درهم مثلا تؤديه في نجمين وأكثر في كل نجم كذا، فإذا أديته فأنت حر، فيقول: قبلت ولو لم يصرح بتعليق الحرية على الأداء ولكن قصده بقبله ففي صحته قولان: (أحدهما) نعم، وهو مختار المبسوط والشرايع، لأن الكتابة دالة على ذلك والتحرير غايتها فلا يجب التصريح بها كغيرها من غايات العقود، خصوصا لو جعلنا الكتابة بيعا للعبد من نفسه لأنه مقتض للعتق، فلا يحتاج إلى لفظ آخر وإنما يفتقر إلى النية، لأن لفظ المكاتبة مشترك بين المراسلة والمخارجة، فاشتبهت المشترك المعنوي فافتقرت إلى انضمام القصد إلى اللفظ، وهذا قصد آخر غير القصد المعتبر في سائر العقود المميز عن عقد النائم والساهي، وقد تقدم تقريره مرارا.

(الثاني) وإليه ذهب في خلاف وهو الظاهر من كلام الحلي اشتراط التلفظ


375

بقوله " فإذا أديت فأنت حر " يقتضيه اشتراك اللفظ - أعني المكاتبة بين الأمرين وبينالمعاملة الخاصة الشرعية - فلا بد من لفظ مائز يخرجها عن الاشتراك إلى الصريح و يرد عليه أن مفهومها الشرعي متبادر ومفهوم منها والاطلاق منزل عليه.

ويتخرج على هذا في المسألة قول ثالث، وهو عدم اشتراط القصد الخاص إلى اللفظ كغيره من الألفاظ الصريحة في معناها، لأن اعتبار القصد المدعى في الاكتفاء باللفظ الأول يوجب عدم الاكتفاء به عند من منع من الكنايات واعتبر اللفظ الصريح، فإن كان صريحا لم يفتقر إلى القصد المميز، وإلا لم يكن وإن ضم إليه القصد.

وقريب من هذا الخلاف ما تقدم في التدبير من الاكتفاء بقوله " أنت مدبر ".

ومخرج القولين فيهما على أنهما مشتهران في معنييهما عند العوام بحيث لا يعرفهما إلا الخواص فكانا كناية، وبعضهم فرق بين اللفظين اكتفى في التدبير دون الكتابة ووجه الفرق بينهما وجهان: (أحدهما) أن التدبير واضح المعنى مشهور عند كل أحد حتى العوام، بخلاف الكتابة فإن معناها الشرعي لا يعرفه إلا الخواص.

(و الثاني) أن التدبير كان مستعملا معروفا في الجاهلية في معناه الشرعي والشرع إنما قرره ولم يستعمل في معنى آخر، والكتابة تقع على العقد المعلوموعلى المخارجة وهو أن توصف على العبد المكتوب كل يوم خراجا ولا يوجب له العتق به، فلا بد من المميز بين اللفظ عند إرادة ذلك المعنى منه وبينه عند إرادة المعنى الآخر.

وليس ثمة سوى النية والقصد المخصوص.

والظاهر من الأقوال هو أن الكتابة كالتدبير وإن لم تتعقل معناها ابتداء سوى الخواص لأنها قد صارت من الحقائق الشرعية، فيحكم على التلفظ بها وإن كان من العوام، وإن لم يعلم بقصده كسائر الألفاط المنقولة.

الخامسة: قد اختلف العلماء في اشتراط الأجل في الكتابة وعدمه،

فاعتبره الأكثر كشيخ المبسوط وأتباعه ومحقق الشرايع وأكثر المتأخرين الوجهين.


376

(أحدهما) اتباع السلف ومن عهد النبي صلى الله عليه واله وبعده، فإنهم لا يأتون بالكتابة إلا بعوض مؤجل، فكأنه إجماعي.

(والثاني) أنه لو لا التأجيل لثبت الحلول فتتوجه المطالبة في الحال وهو عاجز عن الأداء حينئذ فيكون كالسلم في شئ لا يوجد عند الحلول، ولأنه لا بد من ضرب أجل لئلا يتطرق الجهالة الداخلة في الضرر المنهي عنه.

وفيهما نظر لمنع الاجماع على ذلك، ونقل أفراد خاصة لا يقتضي كون جميع ما وقع كذلك.

سلمنا.

لكن لا يلزم من ذلك بطلان غيره، فإن الاجماع المعتبر في الاستدلال على مثل ذلك هو اتفاقهم على بطلان المتنازع فيه لا عدم استعمالهم له، ولا يلزم من عدم ملكه في الحال على تقدير تسليم عجزه عن الايفاء مطلقا لا مكان ملكه عاجلا ولو بالاقتراض، بل قد يوصي له بمال ولو قبل الكتابة ويموت الموصي قبل عقد الكتابة أو يوهب منه عقيب العقد أو يتبرع عنه متبرع فلا يتحقق العجز، وقد يفرض جريان عقد الكتابة على قدر من الملح وهما على مملحة فيمكنه تسليم الملح عقيب عقد الكتابة ولا يلزم البطلان في الحال مطلقا.

واجيب عنه بأن قبول الوصية والهبة لا بد وأن يتأخر عن قبول الكتابة فيكون العوض لازما قبل القدرة والتمكن، وقد لا يتيسر القبول، والملح لا يملك ما لم يأخذه، والأخذ متأخر عن الكتابة، وقد يعوق عنه عائق.

والحق أن مثل هذه التعاليل لا تصلح قادحا في صحة العقود الشرعية التي جاءت الأخبار بإطلاقها في صحتها من غير شرط شئ، ومن ثم ذهب شيخ الخلاف وابن إدريس إلى جوازها حالة للأصل ولعموم قوله تعالى " فكاتبوهم إن علمتم فيهمخيرا " خصوصا على القول بأنها بيع خالص أو عتق بعوض فإنهما لا يتوقفان على الأجل وإنما يتوجه القولان المذكوران على القول بكونها مستقلة.

ولو ملك شقصا من عبد باقية حر فكاتب ما يملكه منه حالا ففي صحته وجهان مبنيان على الوجهين السابقين.

فعلى الأول لا يصح إتباعا لما جرى عليه


377

الأولون.

وعلى الثاني يجوز لأنه قد يملك ببعضه الحر ما يؤديه فلا يتحقق العجز في الحال.

ويصح البيع من المعسر لأن الحرية مظنة القدرة وإن لم يملك شيئا آخر فإنه قادر على أداء الثمن من المبيع، وحيث يعتبر الأجل أو أزيد يشترط ضبط كل أجل لنسية، ولا يشترط زيادته عن أجل واحد عندنا لحصول الغرض منه، ولو حصر الأجل في حد يتعذر حصول المال فيه عادة بطل على الثاني دون الأول.

السادسة: في شروطه باعتبار المتعاقدين وغيرها

من الشرائط، وهي مشتملة على شرائط: (أولها) بلوغ المولى وعقله، فلا تكفي العشر هنا وإن اكتفينا بها في العتقسواء أذن الولي أولا، ولا يصح من المجنون المطبق ولا الدائر جنونه إلا أن يصادف زمن الافاقة، ولو كاتب المولى عنهما مع الغبطة والمصلحة فالأقرب الصحة، كما يصح البيع والعتق عنهما وفاقا للشيخ في الخلاف لأن الولي موضع لمصالحه، وقد لا يحصل المال منه بدون المكاتبة بل هو الغالب، وكسبه بعد العتق ليس مالا محضا للمولى وقبله ليس بموجود حتى تكون المعاملة عليه.

ولصحيحة معاوية بن وهب (1) كما في الكافي والتهذيب والفقيه " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أني كاتبت جارية لأيتام لنا، واشترطت عليها إن عجزت فهي رد في الرق وأنا في حل مما أخذت منك، قال: فقال: لك شرطك ".

وذهب الشيخ في المنع استنادا إلى أن الكتابة شبيهة بالتبرع من حيث إنها معاملة على ماله بماله، إذ المال المكتسب تابع للمملوك، وهذا الاحتجاج نوع مما ذكرناه من الوجه والدليل لصحته وصراحته.

ثم على تقدير الجواز يكون محله ما إذا كان بيعه جائزا اليتيم إليه

(1) الكافي ج 6 ص 185 ح 1، ولم نعثر عليه في الفقيه، التهذيب ج 8 ص 265 ح 1، الوسائل ج 16 ص 102 ب 4 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.


378

ونحوه وهو المعبر عنه بالغبطة، وإلا لم يجز كما هو قاعدة بيع مال اليتيم.

ولو ارتد ثم كاتب لم يصح لزوال ملكه عنه، أو لأنه لا يقر المسلم في ملك المرتد، فإنه حيث يكون ارتداده عن فطرة انتقل ملكه عنه ولم يقبل ملكا متجدا، فلم يتصور كتابته لعبد مسلم ولا كافر وإن كان عن ملة صار بحكم الكافر ويباع المسلم عليه قهرا، ولا تقر يده عليه وإن بقي غيره من أملاكه.

ويفهم من الحكم بعدم صحة الكتابة الملي للمسلم أنه لا يكفي في نقل المسلم عن ملك الكافر الكتابي وإلا لصحت كتابته في موضع البيع، ولو كان المملوك كافرا صحت كتابته له لعدم المانع عنه، ومن الشرائط أن يكون المملوك بالغا عاقلا لتصح معاملته كما يشترك في المكاتب الذي هو المولى، قال الله تعالى " والذين يبتغون الكتاب " والصبي والمجنون لا ابتغاء لهما، ولأن مقتضى الكتابة وجوب السعي ولا يجب عليهما شئ، وهكذا قد احتجوا على الاشتراط.

وفيه نظر، لأن الابتغاء شرط في استحباب الكتابة ولا يلزم منه المنع منهما مع عدم الأمر.

نعم الاستحباب منتف، واقتضاء الكتابة وجوب السعي موضعالنزاع والخلاف كما تقدم.

ولو سلمنا الوجوب كما ذكرتم لكن الوجوب مشروط بالتكليف، فجاز الحكم على عدم وجوبه على غير المكلف لذلك إذ الدليل على وجوبهما ليس منافيا لذلك، وربما قيل: إنه إجماع فيكون هو الحجة، والحق أن عدم الصحة لعدم الكمال، والكمال شرط في المتعاملين.

واختلف في اشتراط الاسلام في صحة المكاتبة لتعليقها على علم الخير، والخير مفسر بالدين - كما قد سمعت في عدة من الأخبار - فإن كان في كثير منها الاكتفاء بالمال فعلى الأول يصح كتابة الكافر لعدم الشرط المقتضي لعدم المشروط، وعلى الاكتفاء بالمال يصح لوجود الشرط، هكذا قرر.

والخلاف ومبناء المانع أن يمنع من دلالة الآية و الأخبار التي جاءت في تفسيرها على المنع على جميع التقادير، لأن الشرط المذكور إنما وقع للأمر بها الدال على رجحان من الوجوب أو الندب لا لمطلق الاذن فيها، ولا يلزم من


379

توقف الأمر بها على شرط توقف إباحتها عليه، و الدليل على تسويغ عقد الكتابة غير منحصر في الآية.

وأما الاستدلال بقوله تعالى " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " (1) وا لكافر لا يستحق الزكاة ولا الصلة لأنه مؤدات له منهي عنها بقوله تعالى " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله " (2) ففيه على أن الآية المشتملة على هذا الاتيان قد وقع فيها الأمر بالمكاتبة الراجحة، فالاتيان المذكور فيها مترتب على المكاتب بالمكاتبة الراجحة المراعى فيها الدين والمال، ولا تدل على وجوب الاتيان في مطلق المكاتبة، وأيضا أن الاتيان من الواجب مشروط بعجزه المقتضي لا ستحقاقه له فهو راجع إلى اشتراطه باستحقاقه، فكما يختص بالمحتاج لدليل جاز أن يختص بالمسلم كذلك لدليل الدال على عدم دفع الزكاة للكافر، وأما استلزام إعانته المؤدات مطلقا ممنوع، ومن ثم قيل بجواز كتابته كما يجوز عتقه، و لأنها معاوضة روعي فيها جانب المالية فلا يمنع الكفر منها وسميا إذا كان المكاتب مسلما.

وأما إسلام المكاتب وهو المولى ففي اعتباره قول، مترتب على أنه عتق بعوض وأن العتق لا يقع من الكافر، وقد تقدم الكلام في ذلك العتق المحض وأنه لا دليل على اشتراط الاسلام في المعتق فكيف في المكاتبة الذي لم يثبت كونه عتقابل معاملة مستقلة ثم إنه إذا كان المكاتب والمكاتب كلاهما كافرين فلا كلام لأن يده تقر عليه بدون الكتابة.

وإن كان مسلما ففي صحته كتابته له قولان: من حيث إنه يجبر على نقله من ملكه، والكتابة كما عرفت لا توجب الانتقال التام عن الملك لأنها محتملة للخروج منهم والبقاء، وتمام الخروج موقوف فيها على أداء المال من

(1) سوره النور - آية 33.

(2) سورة المجادلة - آية 2


380

حيث استلزامها رفع اليد في الجملة، وتثبت المكاتبة للحرية ورفع ذلك الحجر عنه في كثير من الأعمال خصوصا عند جعلها بيعا لازمة من جهة المولى، وربما قيل بالفرق بين مطلقتها ومشروطتها، فاكتفى بالاولى دون الثانية لأنه لا يخرج من المشروطة عن الرقية إلا بأداء جميع المال وهو في معرض العجز اختيارا واضطرارا.

ويتفرع على هذه الأقوال ما إذا كاتبه في حال كفره فأسلم قبل كمال الأداء، وأولى بالاكتفاء لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.

وعلى المنع من الاكتفاء بهايحتمل هنا الجواز لذلك، والأقوى تساويهما حكما.

وعلى تقدير الاكتفاء بها ويتجدد له العجز يحتمل تسلط المولى على الفسخ، وحيث يفسخ يباع عليه قهرا لمقتضى التغرير وعدم تخيره هنا لاسلتزامه تملك المسلم اختيارا.

(ومن) الشرائط أيضا القصد إلى المكاتبة، فلا عبرة بعقد الساهي والنائم والغافل والهازل، ولو تنازعا في القصد فالظاهر تقدم مدعي الصحة، ولا عبرة بعقد السكران أيضا وإن اجري عليه أحكام الصاحي في العبادات بحيث يؤمر بقضائها، وكذا سائر عقوده باطلة عندنا.

(ومنها) انتفاء الحجر، فلا تصح من السفية إلا بإذن المولى، ولا من المفلس إلا بإذن الغرماء، ويصح من المريض مطلقا إن قلنا إن منجزاته من الأصل كما هو المختار، وعلى المشهور لا يصح إلا إذا قام به الثلث أو إجازة الوارث لأنه معاملة على ماله بماله، ولو برئ لزم مطلقا، وتجوز من المكاتب لرقيته لكن مع الغبطة والمصلحة، أما غير المكاتب فلا تصح كتابته رقيقة إذا قلنا بملكه الأقوى إلا بإذن السيد الاختيار، فلا تقع من المكره إلا أن يرضى بعد زوال الاكراه إن جوزنا العقد الفضولي فيه كما هو مذهب جماعة، والأقوى البطلان: ولو أظهردلالة الاختيار وقع كمخالفة المكره فيما عين.

(ومنها) استيعاب الجميع عند جماعة، فلو كاتب نصف عبد لم يصح عند الشيخ في المبسوط ومن تبعه للزوم الناقض في السعي سواء كان باقية له أو لغيره ولا تسري


381

الكتابة.

نعم لو أدى انعتق كله عند الشيخ، ويغرم السيد قيمة النصيب ولا يرجع به على العبد، والمختار جواز التبعيض فيها كما في الخلاف، وأولى منه لو كان بعضه حرا.

ويدل عليه من الأخبار موثقة أبي بصير (1) " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل أعتق نصف جاريته ثم إنه كاتبها على النصف الآخر " وساق الحديث إلى أن قال: " ولها أن تتزوج في تلك الحال ؟ قال: لا، حتى تؤدي جميع ما عليها في نصف رقبتها ".

ولو كان نصفه حرا وبيده مال فكاتبه على قدره فما دون حالا فالأقرب الصحة لاستغنائه هنا عن الأجل.

(ومنها) كون العوض دينا، فلو كاتبه على عين بطل، لأنها إن كانت للسيدفلا معاوضة وإن كانت لغيره فهي كجعل ثمن المبيع من غير مال المشتري، ولو أذن الغير في الكتابة على عين يملكها فهي في قوة المبيع، فإن جوزناه صح.

وكذلك لو قلنا بأن العبد يملك فكذلك لارتفاع الحجر عنه برضا لمولى بمكاتبته بها.

(ومنها) كون العوض معلوم القدر و الجنس والوصف، فإن كان نقدا وصف بما يوصف به في النسية، وإن كان عوضا فكالسلم فتمتنع الكتابة على ما لا يمكن ضبط أوصافه كالجارية وولدها والدرة النفيسة.

ويدل على ذلك من الأخبار صحيحة علي بن جعفر (2) كما في كتاب المسائل له عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن الرجل يكاتب مملوكه على وصيف فيضمن عنه ذلك: أيصلح ؟ إذا سمى خماسيا أو رباعيا أو غيره فلا بأس ".

ومثله خبره (3) في كتاب قرب الأسناد عن أخيه موسى عليه السلام مثله.

(1) الكافي ج 6 ص 188 ح 14، الوسائل ج 16 ص 108 ب 6 ح 4.

(2) بحار الانوار ج 10 ص 257، الوسائل ج 16 ص 104 ب 4 ح 14.

(3) قرب الاسناد ص 120، الوسائل ج 16 ص 101 ب 3 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.


382

(ومنها) كون العوض مما يملكه المولى، فلو كاتب المسلم عبده المسلم أو الذمي على خمر أو خنزير بطل، ولو كانا ذميين صح، ولو أسلما لم تبطل وإن لم بتقابضا وذلك لأن المعاملة المذكورة صحيحة تقوم عبدا عند كونهما ذميين، ولا فرق بين أن يكون ذلك قبل قبض العوض أو بعده، ولا رجوع للسيد على العبد بشئ لا نفصال الأمر بينهما حال التزامهما به، وإن ترافعا قبل القبض إلينا لم نحكم بفسادها، ولا سبيل إلى الرجوع بالتعين لتحريمه في شرع الاسلام فيرجع إلى القيمة لأنها أقرب شئ، والمحرم لم يفسد بل صح فيما بينهم، ولهذا لو قبضهم لم يجب له غير، وإنما تعذر الحكم به شرعا فوجب المصير إلى قيمته عند مستحله كما لو جرى العقد على عين وتعذر تسليمها.

وإن اتفق ذلك بعد قبض البعض مضى في المقبوض ولزمه قيمة الباقي وقد ثبت ذلك الحكم في نظيره كالمهر، وقد تقدم في النكاح ما يدل عليه.

مثل خبر طلحة بن زيد (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن رجلين من أهل الذمة أو من أهل الحرب تزوج كل واحد منهما امرأة وأمهرها خمرا وخنازير ثم أسلما، قال: ذلك النكاح جائز حلال لا يحرم من قبل الخمر والخنازير،وقال: إذا أسلما حرم عليه أن يدفع إليها شيئا من ذلك يعطيها صداقها ".

وخبر عبيد بن زرارة (2) " قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: النصراني يتزوج النصرانية على ثلاثين دنا خمرا أو ثلاثين خنريرا ثم أسلما بعد ذلك ولم يكن دخل بها، قال: ينظركم قيمة الخنازير وكم قيمة الخمر ثم يدخل عليها وهما على نكاحهما الأول ".

(1) التهذيب ج 7 ص 355 ح 10 وفيه " أو خنازير "، الوسائل ج 15 ص 4 ب 3 ح 1 وفيهما " حرم عليهما أن يدفعا اليهما شيئا من ذلك يعطياهما صداقهما ".

(2) التهذيب ج 7 ص 356 ح 11، الوسائل ج 15 ص 4 ب 3 ح 2 وفيهما " ويرسل به إليها ثم يدخل ".


383

ومقتضى هذه الأخبار استقرار أمر الكتابة، ويقوم ما كوتب عليه من الخبر والخنازير عند عارفيه من أهل الاسلام أو من غيرهم مع الائتمان ويدفعه المكاتب مثل ما يدفع ما لو كان مكاتبا على مال مستحل من الدارهم والدنانير ونحوها ولا تبطل المكاتبة بالاسلام مع لزومها وإنما يتمول مالها إلى ذلك، وأما ما قبضمنه حال كفره فليس عليه بدل.

(ومنها) أنه يعتبر

في المملوك

البلوغ وكمال العقل، فلو كان غير بالغ أو عاقل لم تنعقد مكاتبتهما، فإن تولى السيد الطرفين وإن كان له ولاية عليهما بأن الشرائط هنا معتبرة في الطرفين ولقوله تعالى " والذين يبتغون الكتاب " والصبي والمجنون لا ابتغاء لهما، ولأن مقتضى الكتابة وجوب السعي وإن كان ملك المال وهو لا يتأتى في حقهما، وكذا إن يعلم فيه خيرا ولا خير في الصغير ولا المجنون لعدم الاعتداد بإيمانهما.

وقد تنظر ثاني الشهيدين في الاستدلال بالآية على ذلك، لأن الابتغاء شرط في الأمر بالمكاتبة الذي هو عبارة عن استحبابها ورجحانها، فلا يلزم منه المنع منها عدم الأمر وعدم الابتغاء، واقتضاء الكتابة وجوب السعي موضع الخلاف كما قدمنا لكن الوجوب مشروط بالتكليف فجاز الحكم بعدم وجوبه على غير المكلف كذلك، إذ الدليل على وجوبها ليس منافيا لذلك.

وربما قيل إنه إجماع فيكون هو الحجة، وحق أن الحجة هو الحجر من الشارع على الصغير والمجنون، وحكمه بفساد معاملته إلى البلوغ والرشد لأن الكتابة داخلة في الأخذ والعطاء المعلق صحتهمافي الأخبار على البلوغ والرشد وهو شامل للحر والعبد.

وأما جواز المكاتبة من ولي اليتيم لعبده لحصول الغبطة والمصلحة، ولصحيحة معاوية بن وهب، ولأن المباشر لها الولي واستكمال الشرائط من الطرفين.

(ومنها) اشتراط الاسلام في المكاتب، وقد تقدم أنه موضع خلاف وكلام، وقد استظهر جماعة المنع لقوله تعالى " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " وهذه المسألة


384

مبنية على أن الخير المجعول في الكتابة هو الدين والمال معا ؟ أو الدين وحده ؟ والمال خاصة وحده ؟ فعلى الأولين لا يصح كتابة الكافر لعدم الشرط المقضي للمشروط.

وعلى الثالث يصح لوجود الشرط، ويفهم من تعليلهم المنع بالآية اختيار إرادة أحد الأولين.

وقد استظهر جماعة الثاني لوروده في الصحيحين كما سلف، ولمنع دلالة الآية على المنع على جميع المقادير لأن الشرط المذكور إنما وقع للأمر بها الدال على الوجوب أو الندب لا لمطلق الاذن والاباحة، فلا يلزم من توقفالأمر بها على شرط توقف إباحتها عليه، والدليل على تسويغ عقد الكتابة غير منحصر في الآية.

وأما الاستدلال بقوله تعالى " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " والكافر لا يستحق الزكاة ولا الصلة، والكافر ليس أهلا لذلك فقد تقدم الجواب عنه وهو أن الايتاء من الزكاة مشروط بعجزه وإيمانه فيخص الاتيان بمن هذه صفته، ومن ثم استظهر جماعة جواز مكاتبته كما يجوز عتقه، ولأنها معاوضة يغلب فيها جانب المالية فلا يمنع من المسلم والكافر.

(ومنها) اشتراط الأجل، وقد مر الكلام فيه والخلاف وتحقيق الأدلة من الطرفين، وهل يشترط اتصال الأجل بالعقد ؟ فيه خلاف وتردد، منشأه أصالة الصحة ووجود المقتضي لها من العقد المشتمل على الأجل والمال ومن أصالة بقاء الملك وعدم نقل مثله، وهو اختيار الشيخ في المبسوط، واستظهر الأكثر الأول لا طلاق الأدلة، وقد تقدم الخلاف في نظائره من الاجازة وغيرها، وعندي أن اعتباره أقوى وأحوط.

(ومنها) اشتراط أن يكون وقت الأداء معلوما مضبوطا لئلا يؤدي إلى الغرروالجهالة، فلو قال: كاتبتك على أن يؤدى إلي كذا في سنة، بجعل السنة ظرفا


385

للأداء لم يصح، ووجه البطلان ما قلناه، لأن الأجل على هذا التقدير مجهول لأن " في " لا تقتضي إلا الظرفية ولم يتبين أنه يؤديها في دفعة واحدة أو دفعات ولا أنها يؤديه في أولها أو وسطها أو آخرها.

وقال ابن الجنيد بالجواز لعموم الأخبار ولصدق التأجيل بذلك، ويتخير في دفعه في مجموع ذلك الوقت.

(ومنها) أنه على تقدير اشتراط التأجيل هل يكفي الأجل الواحد ؟ أم لا بد من التعدد ؟ المشهور بين الأصحاب بل جميعهم الاكتفاء بأجل واحد، وهو مذهب أكثر العامة أيضا للأصل وعموم قوله تعالى " وكاتبوهم " وعموم الأخبار الواردة في تفسير الآية، وفي الكتابة بقول مطلق.

وخالف فيه بعض العامة واشترط كونه نجمين فصاعدا لأنه المأثور عن الصحابة قولا وفعلا، حتى نقل عن بعضهم أنه غضب على مملوك له فقال: لا عاقبك ولا كاتبك على نجمين، وهذا مشعر لأنه غاية التضييق، ولما تقدم من أن الكتابةمأخوذة من ضم النجوم بعضها إلى بعض، وأقل ما يحصل به الضم نجمان وأيضا أن الكتابة عقد إرفاق ومن تتمته تعدد النجم.

والجواب عن ذلك كله لا يفيد الحصر، ولا حجة في العمل بدون الاجماع والنصوص، وهو غير واقع، بل الواقع الخلاف في المسألة قديما وحديثا، واشتقاق الكتابة جائزا بناه على الغالب وهو الكتابة الراجحة كما تقدم في تعريفها وهي الخطبة، وللأصل وعموم النص يدفع ذلك كله، ودخل في تجويز الكثرة من غير وقوف بها على حد بعد ضبطها والعلم بها أنه لا فرق بين جعلها إلى مدة لا يعيشان إليها غالبا أو عدمه فيصح للأصل، وينتقل الحكم بعدهما إلى الوارث وسيما في جانب المولى لأنها لا تبطل بموته.

أما جانب المكاتب فيشكل بطلانها بموته مطلقا إذا كان مشروطا، وفي الباقي بالنسبة إلى المطلق فيكون الاشتراط الزائد منافيا لمقتضى العقد.


386

وقد أطلق الشهيد - رحمه الله - في بعض تحقيقاته جواز التأجيل لذلك مطلقا وحكم بانتقال الحكم إلى الوارث بعد الموت، وهذا لا يخلوا في جانب المكاتب منإشكال.

وقد اختفلوا أيضا في جواز مثل هذا التأجيل في البيوع المؤجلة نسية وسلما لهذه العلة، واختار في التذكرة جوازه، وهو متجه لأنه لا مانع من انتقال الحق فيه إلى الوارث كما في فرض موت المولى هنا، وعلى هذا فيجوز أن تتساوى النجوم وإن تختلف.

ولو قال: كاتبتك على خدمة شهر ودينار بعد الشهر صح إذا كان الدينار معلوم الجنس، ومرجع هذه المسألة إلى الجمع

في العوض

بين المال والخدمة، ثم إطلاق شهر الخدمة محمول على المتصل بالعقد كنظائره، وشرط كون الدينار بعده يقتضي تأجيل إلى نجم واحد وهو صحيح.

وإنما يتوجه عليه المنع عند من شرط تعدد النجوم.

ولو مرض العبد شهر الخدمة وكانت مشروطة أو جعل خدمة الشهر مجموع العوض بطلت الكتابة لتعذر العوض.

أما لو جمع بينه وبين المال كالصورة السابقة وكانت المكاتبة مطلقة لم تبطل وروعي أداء المال وعتق بنسبته وإطلاق المحقق في الشرايع البطلان يقتضي أن تكون هذه الصورة مقطوعة عن المسألة السابقة، وإلا لم يتم الاطلاق.

أما لو قال: على خدمة شهر بعد هذا الشهر، قيل: يبطل على القول باشتراط اتصال المدة بالعقد.

وتردد في ذلك المحقق لكنها من فروع اشتراط اتصال الأجل بالعقد وعدمه، وإنما أفرودها بالذكر حملا للفرع السابق على المال كأن يشترط عليه مائة دينار مثلا يؤديها بعد شهر أوله بعد هذا الشهر فذكر اشتراط الخدمة، وقد منع من ذلك اليشخ في المبسوط وجماعة.

(ومنها) أنه لا يشترط في العوض العين فتجوز المكاتبة على منفعة معينة من خدمة أو خياطة أو بناء وتكون في الذمة كالعين.


387

وتوهم الفرق بينهما والقدح في جعل الخدمة عوض الكتابة - من حيث إن المنفعة ملك المولى فلا يعاوض على ماله بماله، بخلاف الملك المتجدد فإنه ليس بموجود ولا داخل تحت قدرته، بخلاف الخدمة فأنها مقدورة له فكانت كالعين الحاضرة، ومن ثم جاز عتقه منجزا بشرط خدمة معينة بغير رضاه دون اشتراط مال بغير رضاه - مندفع أسلفناه من أن مقتضى عقد الكتابة مخرج المملوك عن ملك المولى محضا وإن كان انتقالا متزلزلا ومن ثم حرم مناكحته وسقطت عنهفطرته ولم يكن له استخدامه وغير ذلك من توابع الملك، فكانت منفعته وما يتجدد من كسبه تابعة لرقبته بالانتقال عن ملكه فجاز جعله عوضا عن فك رقبته.

ولما كان العتق المنجز مقتضيا ملك المعتق منافع نفسه وكسبه اعتبر رضاه في اشتراطه المال دون الخدمة لأنها تصير كالمستثناة مما يخرجه عن ملكه بالتحرير المتبرع به، وهذا لا يلزم منه بطلان جعل الخدمة عوضا في الكتابة الواقعة برضا المكاتب مضافا إلى عموم الأدلة.

(ومنها) اشتراط المعلومية في عوض المكاتبة، ولا يقدح في معلوميتها الجمع بينها وبين شئ من المعاوضات مما يراعى فيها المعلومية كالبيع والنكاح والاجارة لأن المعتبر العلم بمجموع العوض والمعوض، ولا يعتبر العلم بما يخص الأجزاء، وإنما يحتاج إلى معرفته على بعض الوجوه كما لو ظهر استحقاق بعض الأعيان وبطلان بعض الصفقة، فيكتفي حنيئذ بمعرفة ما يخص كل واحد بالحساب ونسبة بعضها إلى بعض، وهذا من ذلك القبيل، قد تقدم ذلك في فروع البيع والنكاح.

فإذا قال للعبد: كاتبتك وبعتك هذا الثوب بمائة إلى شهر مثلا وكاتبتك وآجرتك الدار بكذا، أو جمع بين الثلاثة فقال: قبلت الكتابة والبيع أو قبلتهماجميعا أو الجميع صح وانعقدت العقود الثلاثة، فإذا أدى المال المعين عتق، واستقر ملكه بالمبيع واستئجار الدار وغير ذلك مما يضاف إليها، فإذا احتيج إلى معرفة ما يخصه من مال الكتابة كأن ظهر المبيع مستحقا ولم يجز المالك وزع العوض


388

على قيمة وقت الكتابة وعلى قيمة المبيع واجرة مثل الدار تلك المدة ويسقط من العوض ما قابل الفاسد.

وربما تطرق احتمال البطلان في الصفقة المجتمعة كذلك لأنها بمنزلة عقود متعددة، فيعتبر العلم بعوض كل واحد على الانفراد خصوصا مع اختلاف أحكامها كالبيع والكتابة والاجارة، والكتابة أشدها شبهة، وهي أن الكتابة لا تستقل بالتصرف إلى أن يتم عقد الكتابة، وحينئذ يقع البيع والاجارة قبل ملكه للتصرف، فيقعا باطلين.

وجوابه منع كون الصفقة والمجتمعة عقودا متعددة بل هي عقد واحد كما لو باعه ثوبين أو أكثر بثمن واحد، فإن احتمال تعدد الصفقة آت كالبيع والكتابة والاجارة، بل في ثوب واحد لو ظهر بعضه مستحقا وهو غير قادح اتفاقا نصا وفتوى،واختلاف الأحكام لا يقدح في الجميع لأنه يلزم كل واحد حكمه، وإنما القاعدة جمع الكل في صيغة واحدة وأما شبهة الاستقلال فمندفعة برضا ا لمولى بذلك، فإن الحجر عليه إنما كان لحق المولى.

والأخبار المصرحة بالحجر عليه إنما هي فيما لا يقع بإذنه كما وقع في صحيحة معاوية بن وهب (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال في رجل كاتب مملوكه على نفسه وماله وأمة وقد شرط عليه أنه لا يتزوج فأعتق الأمة وتزوجها، قال: لا يصلح له أن يحدث في ماله إلا الأ كلة من الطعام ونكاحه فاسد مردود ".

وكذا إطلاق خبر أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: المكاتب لا يجوز له عتق ولا هبة ولا نكاح ولا شهادة ولا حج حتى يؤدي جميع ما عليه إذا كان

(1) الكافي ج 6 ص 188 ح 12، الوسائل ج 16 ص 107 ب 6 ح 1 وفيهما " كاتب على نفسه - أن لا يتزوج ".

(2) الكافي ج 6 ص 186 ح 2، التهذيب ج 8 ص 268 ح 9 وفيهما " عن أبى جعفر - عجز عن نجم من نجومه "، الوسائل ج 16 ص 107 ب 6 ح 2 وفيه اختلاف يسير.


389

مولاه شرط عليه إن عجز فهورد في الرق ".

وصحيحة الحلبي (1) هي الكاشفة عن هذا التقييد لقوله فيها " في المكاتب يشترط عليه مولاه أن لا يتزوج إلا بإذن منه حتى يؤدي مكاتبته، قال: ينبغى له أن لا يتزوج إلا بإذن منه إن له شرطه ".

وكما يجوز اجتماع هذه العقود مع المكاتبة وأنها لا تورث الجهالة كذلك يجوز أن يكاتب الاثنان عبدا واحدا سواء اتفقت حصتهما أو اختلفت، تساوى العوضان أو اختلفا، اتفقت النجوم أو اختلفت.

وبالجملة: فكتابة العبد المشترك بين اثنين فصاعدا مما لا إشكال في جوازها للعموم وتسلط كل واحد من الشركاء على مكاتبة حصته بما شاء منفردا وكذا مع الاجتماع.

وخالف في ذلك بعض العامة فمنع من اختلافها في القدر مع تساويهما في الملك حذرا من أن ينتفع أحد همابمال الآخر فيما إذا دفع إلى أحدهما مائة مثلا وإلى الآخر مائتين، ثم ارتفعت الكتابة بالعجز فيحتاج الأول إلى أن يرجع إلى الثاني خمسين ويكون الثاني قد انتفع بها مدة بقائها في يده من غير استحقاق.

وهذا مدفوع بأن الاستحقاق طار من حين الفسخ وقبله كان ملكا لقابضه ملكا متزلزلا ولا يلزم انتفاع أحد هما بمال الآخر حين التصرف فيه وأما عدم جواز دفعه إلى أحدهما بدون إذن صاحبه وكون ما دفعه لهما فرع من فروع الدين المشترك، ونقل عن الاسكافي والقاضي ابن البراج حواز أن يدفع إلى أحدهما دون الآخر ما لم يشترطا عليه أن يكون الدفع لهما جميعا لأن لمن عليه الحق التخيير في جهة القضاء وتعيين ما شاء في أمواله، فإذا دفع إلى أحدهما حقه فقد اختار دفع ما يستحقه المدفوع إليه في المدفوع واختار منع الآخر منه فلا يشركه فيه كما لو منعه من الاستيفاء في بعض أمواله.

والمشهور هو الأول حيث الدين لا يقبل

(1) الكافي ج 6 ص 187 ح 9، الوسائل ج 16 ص 108 ب 6 ح 5.


390

القسمة إلا على جهة الحوالة كما اقتضته النصوص المصرح بها في مباحث الديون هذا كله عند اتحاد العقد، أما لو تعدد فلا إشكال في الجواز كما قاله ابن الجنيد والقاضي.

واعلم أن الكتابة تكون بالنسبة إلى الموليين متعددة في المعنى وإن اتحد العقد، فإذا أدى نصيب أحد هما بإذن الآخر انعتق، لكن بدون إذنهلا يتحقق العتق في أحد النصيبين، ولو عجز فعجزه أحد هما ورده في الرق وصبر الآخر صح كما لو تعدد.

ولو كانت العبيد ثلاثة وكاتبهم في عقد واحد بأن قول: كاتبتكم على ألف إلى أنجم معينة فإذا أديتموها فأنتم أحرارا فقبلوا صحت الكتابة عندنا ووزع المال على قيمهم، فلو كانت قيمة أحدهم مائة والثاني مائتين والثالث ثلاثمائة فعلى الأول سدس المسمى وعلى الثاني ثلثه وعلى الثالث نصفه، والاعتبار بالقيمة يوم المكاتبة لأنه اشترى منه لنفسه حين العقد وإن توقف عتقه على أدائها.

وقال بعض العامة: يوزع على عدد الرؤوس.

وقد تقدم الكلام على نظيرها في عوض الخلع والصداق.

ثم إن كل واحد من العبيد يؤدي ما عليه إما على التفاضل أو على التساوي، وينعتق إذا أدى ما عليه ولا يتوقف عتقه على أداء غيره ما عليه، على الأظهر، وإن مات أحدهم أو عجز فهو رق وغيره يعتق بأداء ما عليه، ولا ينظر إلى أن السيد قد علق عتقهم بأداء جميعهم حيث قال: فإذا أديتم فأنتم أحرار، لأن الكتابة الصحيحة يغلب فيها حكم المعاوضة دون المعتق.

وقيل: لا يعتق بعضهم بأداء ما عليه وإنما يعتقون معا إذا أدوا جميع المال.

وقد علم وجهه مما تقرر وما يجاب به عنه.

وقال القاضي ابن البراج: إذا كاتب إنسان عبدين كتابة واحدة فمات أحدهما قبل الثاني فإما أن يختار أن يؤدي باقي الكتابة عنه وعن صاحبه وأما أن يكاتب عن نفسه كتابة جديدة، فأيهما اختار كان له ذلك، فإن كان المتروك مالا فيه وفاء بقسطه من الكتابة أخذة السيد مما له من الكتابة وكان على الثاني ما بقي من قسطه منها.

ومثل ذلك ما إذا ارتد أحدهما ولحق بدار الحرب ولم يقدر عليه فإنه بمنزلة الميت وإن كان ما تركه فيه وفاء بجميع


391

الكتابة حتى حصة الثاني عتقا معا ورجع ورثة الميت على الحي بحصته وصار ذلك ميراثا بينهم.

هذا حاصل كلامه، وهو يدل على توقف عتق كل منهما على أداء المال أجمع.

وسيأتي إن شاء الله تعالى أن موت المكاتب يبطل الكتابة سواء كانت مشروطة أم مطلقة ولم يؤد شيئا من المال، وحينئذ فيسقط قدر نصيبه من مال الكتابة ولا ينحصر المال في أحدهما لأنه عوض بينهما معا فيقسط عليهما كالبيع، وإنما يؤدي الحي قدر نصيبه من مال الكتابة ويعتق.

وإذا تقرر ذلك فلو شرط عليهم في عقد الكتابة كفالة كل منهما لصاحبهصح على القول الأصح للأصل وعموم الأخبار " المؤمنون عند شروطهم " فيلزم كلا منهما حكم الكفالة وهو وجوب إحضار الغريم عند الحلول أو أداء ما عليه، إلى آخر ما

فصل

هناك في أحكام الكفالة.

وقيل: لا تصح الكفالة هنا بناء على عدم لزوم مال الكتابة من جهة المكاتب والشرط الكائن في العقد كجزء من العوض فيتبعه في الجواز، وكذا يجوز أن يضمن كل منهما ما في ذمة الآخر، وحينئذ فيعتقان جميعا لأن الضمان قد حول ما في ذمة كل منهما إلى الآخر كما هو مذهب الامامية، فيترك منزلة الوفاء ويبقى المال دينا في ذمة كل منهما، لا على وجه المكاتبة لحصول الوفاء بالضمان.

ولو ضمن أحد هما خاصة تعلق المال بذمته وعتق المضمون لفراغه من مال الكتابة.

وقال العلامة في المختلف فيه: إذا رضي المولى بضمانهما كليهما فهو كما لو لم يقع ضمان، وهو من غرائبه، لما عرفت من ظهور الفرق لتحول ما في ذمته إلى ذمة الآخر.

نعم لو جعلنا الضمان ضم ذمة إلى ذمة - كما عليه العامة - تخيرا بالرجوع في الجميع على من شاء، وفي كلام الشيخ في المبسوط إشعار به.

فكأنه قد اقتفىأثر العامة فيه لعدم تدبره لمسائل الفروع عند بحثه مع العامة.

وقد ذكر في المسائل الحائريات ما يقرب من ذلك، حيث جوز ضمان اثنين مالا واشترط رجوعه


392

على من شاء منهما، وهو دليل على ذلك أيضا لأن هذا الشرط فاسد على مذهبنا لمنافاته للضمان، لأن الضمان ناقل للمال من ذمة إلى ذمة، وعليه إجماع أصحابنا، وكثيرا ما تقع لهم مثل هذه الغفلات عند مجاراتهم العامة في المسائل.

السابعة: لو دفع المكاتب ما عليه من المال قبل الأجل

كان الخيار لمولاه في القبض والتأخير لأنه دين مؤجل، فلا يتحتم عليه قبوله قبل حضور أجله كما تقرر في الديون، ويجوز أن يتعلق بالتأخير غرض صحيح لا يتم بدونه فيجب الوفاء له به لاشتراطه ذلك في العقد، وهذا هو المشهور بين علمائنا.

وخالف الاسكافي في مختصره الأحمدي فأوجب على مولاه القبول قبل الأجل، لكن لا مطلقا بل في موضع واحد، وهو ما إذا كان المكاتب مريضا ووصى بوصايا وأقر بديون وبذل لمولاه المال فليس له الامتناع لأن في امتناعه إبطال لاقراره ووصيته.

ولبعض العامة قول بإجبار المولى على القبول مطلقا حيث لا ضرر عليه لأن الأجل حق من عليه الدين فإذا أسقطه سقط، وهو ممنوع، فإن الحق مشترك بينهما.

والأخبار الواردة في هذه المسألة معتبرة إسحاق بن عمار (1) عن الصادق عن أبيه عليهما السلام " قال: إن مكاتبا أتى عليا عليه السلام وقال: إن سيدي كاتبني وشرط علي نجوما في كل سنة، فجئته بالمال ضربة فسألته أن يأخذه كله ضربة ويجيز عتقي فأبى علي، فدعاه علي عليه السلام فقال: صدق، فقال له: ما لك لا تأخذ المال و تمضي عتقه ؟ قال: ما آخذ إلا النجوم التي شرطت وأتعرض بذلك إلى ميراثه، فقال علي عليه السلام: أنت أحق بشرطك ".

وصحيح أبي الصباح الكناني (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في المكاتب يؤدي نصف

(1) التهذيب ج 8 ص 273 ح 31، الوسائل ج 16 ص 117 ب 17 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

التهذيب ج 8 ص 271 ح 22، الوسائل ج 16 ص 116 ب 17 ح 1.


393

مكاتبته ويبقى عليه النصف ثم يدعو مواليه إلى بقية مكاتبته فيقول: خذوا ما بقي ضربة واحدة، قال: يأخذون ما بقي ثم يعتق ".

وصحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

وظاهر هذه الأخبار التنافي، وقد حملها الشيخ على الجواز دون الوجوب، وينبغي حملها على الاستحباب لأن فيه تعجيلا للعتق المحبوب عند الله كما فهمه محدث الوسائل وقد وافق صاحب المسالك الشيخ في الحمل على الجواز ثم قال: ولا دلالة فيه على لزومه، ولو ظهر منه ذلك لزمه تنزيله على ما ذكر حذرا من مخالفة غيره ومخالفة القواعد المقررة في نظائره.

ولا ينافي صحة طرق هذه المجوزة وضعف طريق المانع لعدم المنافاة على ذلك، نعم لو صالحه المولى على هبة شئ من مال الكتابة على أن يعجل له مال الكتابة صح، لكن يكون بلفظ الهبة لا بلفظ الحط والابراء للمنع من ذلك في صحيح علي بن جعفر (2) عن أخيه أبي الحسن موسى عليه السلام " قال: سألته عن الرجل كاتب مملوكه فقال بعد ما كاتبه: هب لي بعضا واعجل لك ما كان من كاتبتي، أيحل له ذلك ؟ قال: إذا كان هبة فلا بأس وإن قال حط عني وأعجل لك فلا يصلح ".

وقد رواه في قرب الأسناد عن عبد الله بن الحسن (3) فيكون من الضعيف.

وقد ذكره في كتاب المسائل (4).

ولعل الفرق بين الهبة والحط، حيث إن الهبة الاعطاء والدفع كما قال الله تعالى " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " بخلاف الابراء فإنه إسقاط مجرد،

(1) التهذيب ج 8 ص 273 ح 30، الوسائل ج 16 ص 116 ب 17 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 188 ح 15، الوسائل ج 16 ص 114 ب 13 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(3) قرب الاسناد ص 120، الوسائل ج 16 ص 114 ب 13 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(4) بحار الانوار ج 10 ص 263 وفيه اختلاف يسير.


394

والاسقاط إنما يتعلق بمحضر الدين، وعند تعجيله يكون عينا فلا يتعلق بها الابراء بل الهبة.

الثامنة: لو ظهر فساد الكتابة لاختلال شرائطها لا يتعلق بها حكم بل تقع لاغية كما هو مذهب الجميع لنا والأكثر للعامة، وخالف البعض منهم فقسمواالكتابة إلى باطلة وفاسدة، فالباطلة هي التي اختل بعض أركانها بأن كان السيد صبيا أو مجنونا أو مكرها على الكتابة أو كان العبد كذلك أو لم يجز ذكر عوض أو ذكر ما لا يقصد ماليته كالدم والحشرات أو اختلت الصيغة.

والفاسدة هي التي انتفت صحتها باشتمالها على شرط فاسد أو بفوات شرط في العوض كان مجهولا أو لم يتجه ثم جعلوا الكتابة الباطلة لاغية كما ذكرناه.

والفاسدة تساوي الصحيحة في ثلاثة امور: (أحدها) أنه يحصل العتق بالأداء.

(والثاني) أنه يستقل بالكسب ويستتبع عند العتق ما فضل من كسبه و كذا ولده من جاريته.

(الثالث) أنه يستقل حتى تسقط عن السيد نفقته وتفارقها في أنها لا تلزم من جانب السيد فله فسخها وتبطل بموت السيد.

وبالجملة: فالعتق عندهم يحصل من جهة التعليق لا من جهة الكتابة، وهذه الآثار كلها لا أصل لها عندنا لأن الفاسد لا يترتب عليه أثر، وإطلاق الشارع محمول على الصحيح، و الأحكام مترتبة عليه.

التاسعة: إذا مات المكاتب وكانت المكاتبة مشروطة بطلت الكتابة بالموت وكان ما تركه لمولاه وأولاده أرقاء، وإن لم تكن مشروطة تحررمنه بقدرما أداه وكان الباقي رقا لمولاه، ولمولاه من تركته بقدر ما فيه من الرق، وللوارث بقدر ما انعتق منه، ويؤدى الوارث من سهم الحرية ما بقي من مال الكتابة، ولو لم يكن له مال سعى الأولاد فيما بقي على أبيهم، ومع الأداء ينعتق الأولاد.

وهل للمولى إجبار هم على الأداء ولو بالسعي ؟ فيه خلاف، وقد تردد المحقق فيه في الشرايع، والأقوى أن له إجبار هم على ذلك كما يجبر من تحرر بعضه


395

على فك باقيه.

ووجه العدم بطلان المعاملة وعدم وقوعها معهم فلا يلزمهم أداؤها.

وذهب ابن الجنيد في مختصره الأحمدي أنهم يؤدون ما تخلف من أصل الزكاة ويتحرر الأولاد بذلك وما يبقى فلهم.

والأول أشهر في الفتوى والرواية.

وتشهد المشهور صحيحة محمد بن قيس (1) عن الباقر عليه السلام " قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في مكاتب توفي وله مال، قال: يقسم ماله على قدر ما اعتق منه، وما لم يعتق يحسب لأربابه الذين كاتبوه ".

وصحيحة بريد العجلي (2) عن الباقر عليه السلام " قال: سألته عن رجل كاتب عبدا له على ألف درهم ولم يشترط عليه حين كاتبه أنه إن عجز عن مكاتبته فهو رد فيالرق والمكاتب أدى إلى مولاه خمسمائه درهم، ثم مات المكاتب وترك مالا وترك ابنا له مدركا، فقال: نصف ما ترك المكاتب من شئ فإنه لمولاه الذي كاتبه والنصف الباقي لابن المكاتب لأنه مات ونصفه حر ونصفه عبد، فإذا أدى الذي كان كاتب أباه عليه ما بقي على أبيه فهو حر لا سبيل لأحد عليه من الناس ".

وتمسك ابن الجنيد بصحيحة جميل بن دراج (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في مكاتب يموت وقد أدى بعض مكاتبته وله ابن من جاريته وترك مالا، فقال: إن كان اشتراط عليه أنه إن عجز فهو رق رجع ابنه مملوكا والجارية، وإن لم يشترط عليه صار ابنه حرا ورد على المولى بقية مال الكتابة وورث ابنه ما بقي ".

ومثل صحيح أبي الصباح الكناني (4) وصحيح الحلبي (5) وصحيح عبد الله بن سنان (6)

(1) التهذيب ج 8 ص 274 ح 32، الوسائل ج 16 ص 118 ب 19 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) التهذيب ج 9 ص 350 ح 6، الوسائل ج 17 ص 411 ب 23 ح 5 وفيهما اختلاف.

(3) التهذيب ج 9 ص 351 ح 7، الوسائل ج 17 ص 411 ب 23 ح 6 وفيهما اختلاف يسير.

(4) التهذيب ج 8 ص 271 ح 22، الوسائل ج 16 ص 118 ب 19 ح 2.

(5) التهذيب ج 9 ص 349 ح 3، الوسائل ج 17 ص 410 ب 23 ح 2.

(6) التهذيب ج 8 ص 272 ح 24، الوسائل ج 16 ص 119 ب 19 ح 3.


396

وغيرهم جميعا من الصحيح بألفاظ مختلفة محصلها هذا الحكم، إلا أنها لا تخلو عن شائبة الاجمال.

وطريق الجمع بين هذه الروايات ما قاله الشيخ في كتابي الأخبار هو أنه إذا أدى الوارث ما بقي من نصيبه لا من أصل المال ورث الباقي إن كان في النصيب بقية، وهذا وإن كان خلاف الظاهر إلا أنه متعين في مقام الجمع بين الأخبار الصحيحة.

والمحقق في الشرايع اعتمد مذهب المشهور وأسند ما قاله ابن الجنيد إلى الرواية.

والعلامة في التحرير توقف في أصل الحكم لمعارضته هذه الروايات مع أكثرية ما ذهب إليه ابن الجنيد وصحة جميعه ولانحصار الصحة في جانب المشهور عنده في رواية بريد لاشتراك محمد بن قيس عنده، فالصحة فيها غير متحققة إلا أنها أشهر، فتتعارض الكثرة والشهرة.

ولو وصى له بوصية صح له بقدر ما فيه من حريته، وبطل ما زال.

والمشهور بين الأصحاب أن المكاتب المشروط لا تصح الوصية له مطلقا، والمطلق تصح له بنسبة ما فيه من الحرية.

والمستند في ذلك صحيحة محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في مكاتب تحت حرة فأوصت له عند موتها بوصية، فقال أهل المرأة: لا تجوز وصيتها له لأنه مكتب لم يعتق فلا يرث، فقضى عليه السلام: أنه يرث بحساب ما أعتق منهم ويجوز له من الوصية بحساب ما أعتق منه.

وقضى في مكاتب قضى ربع ما عليه وأوصى له بوصية فأجاز ربع الوصية.

وقضى في رجل حر أوصى لمكاتبته وقد قضت سدس ما كان عليها فأجاز بحساب ما أعتق.

وقضى في وصية مكاتب قد قضى بعض ما كوتب عليه أنه يجاز من وصيته بحساب ما أعتق منه ".

وقيل: تصح الوصية له مطلقا لأن قبولها نوع اكتساب، وهو غير ممنوع

(1) التهذيب ج 8 ص 275 ح 33، الوسائل ج 16 ص 121 ب 20 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.


397

منه وفيه قوة، إلا أن العمل على الأول أحوط، وليست الرواية ضعيفة كما زعمهشهيد المسالك لعدم اشتراك محمد بن قيس لروايته عن الباقر عليه السلام ورواية عاصم بن حميد عنه.

لكنه قد عمم الاشتراك هذا كله إذا كان الموصى غير المولى.

أما هو فتصح وصيته له بغير إشكال فيعتق منه بقدر الوصية، فإن كانت بقدر النجوم أعتق جميعه، وإن زادت فالزائد له.

ولا فرق في ذلك بين كون قيمته بقدر مال الكتابة وأقل، حيث إن الواجب الآن هو المال.

ويحتمل عند البعض اعتبار القيمة لو نقصت لأن ذلك حكم القن، والمكاتب لا يقصر عنه.

وفيه أنه قد خرج عن حكم القن بوجه وصار مال الكتابة في ذمته فكان اعتباره أولى.

العاشرة: لو وجب عليه بعد المكاتبة وانعتاق بعضه حد

اقيم عليه من حد لأحرار بحد الحرية، ومن حد العبيد بنسبة الرقية.

وإن لم يتحرر منه شئ بأن كان مطلقا ولم يؤد شيئا أو مشروطا حد حد العبيد وإن كان قد خرج عن حكم العبد بوجه لأنه لم يصر حرا محضا والحد قد بني على التحقيق فيرجح فيه جانب الأقل.

ويدل على تبعيض الحد في المبعض صحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام" في المكاتب يجلد الحد بقدر ما أعتق منه ".

والمراد بالحد هنا حد الأحرار، وسكت عن الجزء لظهوره أو لأنه لا يقصر عن الأقل فتبين الأكثر.

ولو كان الذنب موجبا للحد بشرط الحرية دون الرقية كالرجم انتفى رأسا وجلد.

ومثله ما لو قذفه قاذف فإنه يجب عليه من حد الأحرار بحد الحرية ويسقط ما قابل الرقية إذ لا يجب الحد على قاذفه بل التعزير وهو لا يتنصف بل يناط بنظر الحاكم فيعزره عن جزء الرقية بما يراه.

(1) التهذيب ج 8 ص 276 ح 38، الوسائل ج 16 ص 122 ب 22 ح 1.


398

وفي صحيح محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في مكاتبة زنت، قال: ينظر ما اخذ من مكاتبتها فيكون فيها حد الحر، وما لم يقبض فيكون فيه حد الأمة.

وقال في مكاتبة زنت وقد أعتق منها ثلاثة أرباع وبقي ربع فجلدت ثلاثة أرباع الحد حساب الحرة على مائة فذلك خمس وسبعون جلدة وربعها حساب العبد خمسين سوطا ونصف فذلك سبعة وثمانون جلدة، وأبى أن يرجمها وأن ينفيها قبل أن يثبت عتقها ".

وفي صحيح آخر له (2) عن أبي جعفر عليه السلام مثله، على أنه قال: " يؤخذ السوط به وكذلك الأقل والأكثر ".

وفي صحيح محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر عليه السلام " في المكاتب قال: يجلد الحد بقدر ما أعتق منه، وذكر أنه يجلد ببعض السوط ولا يجلد به كله ".

وفي خبر عباد بن كثير (4) عن جعفر بن محمد عليهما السلام " في المكاتبين ذا فجرا يضربان من الحد بقدر ما أديا من مكاتبهما حد الحر ويضربان الباقي حد المملوك ".

وسيجئ بقية الكلام عليه في الحدود.

ولو زنى المولى بمكاتبه سقط عنه بقدر الحد ما له منها من الرق وحد الباقي.

هذا إذا كان مما يقبل التجزئة كالجلد، فلو كان كالرجم مما لا يقبلها سقط أيضا وتعين الجلد، ويمكن أن يقال: إن الرجم هنا منتف أصلا لفقد شرطه

(1) التهذيب ج 10 ص 28 ح 92، الوسائل ج 18 ص 404 ب 33 ح 3 وفيهما " ينظر ما أدت - الحرة - وما لم تقض - حساب خمسين من الامة اثنا عشر سوطا - سبعة وثمانون جلدة والنصف ".

(2) التهذيب ج 10 ص 29 ح 93، الوسائل ج 18 ص 404 ب 33 ح 4 وفيهما " مثله الاأنه قال: يؤخذ السوط من نفسه فيضرب وكذلك ".

(3) التهذيب ج 10 ص 28 ح 91 وفيه " قال: يجلد المكاتب على قدر ما أعتق منه "، الوسائل ج 18 ص 404 ب 33 ح 2 وفيهما " فان يجلد المكاتب على قدر ".

(4) الفقيه ج 4 ص 33 ح 9، الوسائل ج 18 ص 405 ب 33 ح 7.


399

- أعني زنا الحر بالحرة - وكذا القول في المسألة السابقة فيجب الجلد ابتداء لا لتعذر تبعيض الرجم، وهو أجود.

ويدل على الحكم رواية الحسين بن خالد (1) عن الصادق عليه السلام " قال: سئل عن رجل كاتب أمة له فقالت الأمة: ما أديت من مكاتبتي فأنا به حرة على حساب ذلك، قال لها: نعم، فأدت بعض مكاتبتها وجامعها مولاها بعد ذلك، فقال: إن استكرهها على ذلك ضرب من الحد بقدر ما أدت من مكاتبتها ودرئ عنه من الحد بقدر ما بقي له من مكاتبتها، وإن كان تابعته كانت شريكته في الحد و ضربت مثل ما يضرب ".

ولو كانت مشروطة ولم تؤد شيئا فلا حد، ولكن يعزر بتحريم وطئها لهابالمكاتبة مطلقا.

الحادية عشرة: لا يجوز للمولى في مال المكاتب

تصرف إلا بما يتعلق بالاستيفاء لأن الغرض منها تحصيله وتحصينه بقدر فك رقبته، فليس مولاه المكاتب له إلا كسائر الديان، ويكون المكاتب مخيرا في جهة الوفاء.

وكذلك ليس للمولى التصرف في المكاتبة بوطء بعقد ولا ملك لعدم صيرورتها حرة فلا تصلح للعقد، وخروجها بعقد المكاتبة عن محض الرق فلا يسوغ معه الوطء بالملك، فإن وطأها عالما بالتحريم عزر إن لم يتحرر منها شئ، وحد بنسبة الحرية إن لم تبعضت (2)، فإن أكرهها اختص بالحد ولها مهر المثل.

وفي تكرره أوجه وأقوال ثالثها اشتراطه بتخلل أدائه إليها بين الوطئين.

و رابعها تعدده مع العلم لتعدد الوطء.

ومع الشبهة المستمرة مهر واحد، وإذا وجب المهر فلها أخذه في الحال، فإن حل عليها نجم وكان من جنس واحد جاز إمساكه

(1) التهذيب ج 10 ص 29 ح 94، الوسائل ج 18 ص 406 ب 34 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) كذا في النسخة.


400

تهاتر، أو إن عجزت قبل أخذه سقط، وإن عتقت بأداء النجوم فلها المطالبة به من نصيب ما يكسبه المكاتب بعد القد له وإن حجر فيه عليه على بعض الوجوه لأن ذلك هو فائدة الكتاب إذ لو لاه لتعذر عليه الوفاء ومما يحجر عليه فيه تزوجه بغير إذن المولى ذكرا أو انثى، فإن بادرت بالعقد كان فضولا لأنها لم تملك على وجه يشتغل به.

وفي رواية أبي بصير (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: المكاتب لا يجوز له عتق ولا هبة ولا نكاح ولا شهادة ولا حج حتى يؤدي ما عليه ".

وكذا لا يجوز له ولاء أمة يبتاعها إلا بإذن مولاها لأن ذلك تصرف بغير الاكتساب وربما أنقص قيمتها، ويترتب عليها خطر الطلق ولضعف ملكه على تقدير الأمر، ولا فرق في ذلك بين المطلق والمشروط.

ولو بادر ووطأ بغير إذنه فلا حد مع الشبهة، وإلا عزر لأن مهر جاريته لو ثبت كان له.

ولو أولدها فالولد له بشبهة الملك.

ثم لا يخلوا إما أن تأتي بالولد وهو مكاتب بعد فيكون ملكا له لأنه ولدجاريته لكن لا يملك بيعه ولا يعتق عليه لأن ملكه ليس بتام بل يتوقف على عتقه، فإن عتق عتق، وإلا فهو رق للسيد، وهذا معنى تبعية ولده له في الكتابة.

وثبوت الاستيلاد للأمة موقوف أيضا على حرية الولد، فإن عتق استقر الاستيلاد وإن عجز رقت مع الولد، فإن عتق المكاتب بعد ذلك وملكها لم تصر مستولدة لأن العجز يبين أنها علقت برقيق وأنه لا استيلاد، ويحتمل أن لا مستولدا (2) مطلقا لأن عتق الولد طار على الاستيلاد فأشبهته الأمة الموطوءة بالنكاح، وحق الحرية للولد لم يثبت في الاستيلاد في الحال، هذا كله إذا أتت بولدها وهو مكاتب.

أما إذا جاءت به بعد العتق، فإن كان دون ستة أشهر من وقت التعليق كان

(1) الكافي ج 6 ص 186 ح 2، الوسائل ج 16 ص 107 ب 6 ح 2.

(2) كذا في النسخة ولعل الصحيح " ويحتمل أن لا تكون مستولدة ".


401

كذلك لأن العلوق قد وقع في حال الرق، وإن كان لما زاد عن ستة إلى أقصى الحمل احتمل أن تكون بذلك مستولدة له عملا بالأصل وعدمه، نظرا إلى الغالب، هذا إذا كان وطؤه في الحرية مع أصالة عدم التقدم.

وإن لم يطأها بعد الحرية انقدح الاشكال أقوى من الأول، ووجه الحكم به كونها فراشا له فيلحق به الولد في الجملة قبل الحرية وهو مستدام بعدها، وإن كان العلوق بعد الحرية قائم فيكتفي به لثبوت الاستيلاد في الأول على تقدير حريته فيسقط منا مؤونة هذا الاستدلال.

ويدل على بعض هذه الأحكام صحيح علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى بن جعفر عن أبيه عليهما السلام " قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله في رجل وقع على مكاتبته فوطأها قال: عليه مهر أمثالها، فإن ولدت منه فهي على مكاتبتها، فإن عجزت ردت في الرق فهي من امهات الأولاد ".

وخبر السكوني (2) كما رواه المحمدون الثلاثة عن أبي عبد الله عليه السلام " أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في مكاتبة وطأها مولاها فتحمل قال: يرد عليها مهر مثلها وتسعى في قيمتها فإن عجزت فهي من امهات الأولاد ".

الثانية عشرة: ليس للمكاتب التصرف في ماله ببيع ولا هبة ولا عتق ولا إقرار ولا شئ من التصرفات الناقلة إلا بإذن مولاه المكاتب له، وهو ممنوع من التصرف في ماله بما ينافي الاكتساب وما فيه خطر كالبيع بالعين بالنسية مع عدم الرهنوالضامن المؤسر.

وقيل: لا يجوز مطلقا لأن الرهن قد يعرض له التلف والضامن قد يعسر

(1) التهذيب ج 8 ص 277 ح 41، الوسائل ج 16 ص 114 ب 14 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 188 ح 16، الفقيه ج 3 ص 93 ح 7 وفيه " عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام قال: قال على بن الحسين عليه السلام في مكاتبة "، التهيذيب ج 8 ص 269 ح 14، الوسائل ج 16 ص 115 ب 14 ح 2 وفيهما " يطأها مولاها ".


402

والهبة بغير شرط عوض يزيد على العين كالبيع في المنع.

وفي المساوي قول بالجواز إذ لا ضرر فيه، لكن يشترط قبض العين قبل التقبيض لأنه لا يجوز البيع بدون القبض، ففي الهبة أولى ومن أطلق المنع من الهبة نظرا إلى أن الهبة لا تقتضي العوض وإن شرط فلا يصح إلا مع عذره فيستلزم الخطر.

وكذا لا يجوز له العتق مطلقا لأنه تبرع محض، ومثله شراء من ينعتق عليه، وله قبول هبته مع عدم الضرر بأن يكون مكتسبا قدر مؤونته فصاعدا.

وكذلك الاقرار مع عدم الغبطة، فلو كان في موضع يخاف فيه تلف المال فأقرضه إلى محلالأمن أو خاف فساده قبل دفعه إلى المولى، ونحو ذلك مما فيه مصلحة ظاهرة، فلا منع، فهو من ضروب الاكتساب.

والمحقق وغيره من فقهائنا في مؤلفاتهم قد إطلقوا المنع من هذه الأشياء، فلا بد من تقييدها بما ذكرناه، وفي معنى تصرفاته المنافية للاكتساب بسطه في الملابس والنفقة، ولا يكلف بالتقتير المفرط بل يلزم الوسط اللائق بحاله عادة، هذا كله إذا تجرد من إذن المولى.

ومع الاذن يجوز هذا كله لأن الحق المالي لا يعدوهما.

والذي يدل على هذه الأحكام صحيح معاوية بن وهب (1) الذي رواه المحمدون الثلاثة عن أبي عبد الله عليه السلام " أنه قال في رجل كاتب نفسه وماله وله أمة وقد شرط عليه أن لا يتزوج فأعتق الأمة وتزوجها فلا يصلح له أن يحدث في ماله إلا الأكلة من الطعام ونكاحه فاسد مردود ".

وخبر أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: المكاتب لا يجوز له عتق

(1) الكافي ج 6 ص 188 ح 12، الفقيه ج 3 ص 76 ح 16، التهذيب ج 8 ص 269 ح 11، الوسائل ج 16 ص 107 ب 6 ح 1 وما في المصادر " كاتب على نفسه - قال: لا يصلح له ".

(2) الكافي ج 6 ص 186 فيه " عجز عن نجم من نجومه "، الوسائل ج 16 ص 107 ب 6 ح 2.


403

ولا هبة ولا نكاح ولا شهادة ولا حج حتى يؤدي جميع ما عليه إذا كان مولاه قد شرط عليه إن هو عجز فهو رد في الرق ".

وصحيح أبي بصير ليث المرادي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام مثله وترك " النكاح والشهادة والحج " وزاد " ولكن يبيع ويشتري: وإن وقع عليه دين في تجارته كان على مولاه أن يقضي عنه لأنه عبده ".

وموثقة أبي بصير (2) " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل أعتق نصف جارية ثم إنه كاتبها على النصف الآخر - إلى أن قال: - فلها أن تتزوج في تلك الحال ؟ قال: لا، حتى تؤدي نصف ما عليها في نصف رقبتها ".

وصحيح الحلبي (3) وحسنه عن أبي عبد الله عليه السلام " في حديث أنه قال في المكاتب يشترط عليه مواليه أن لا يتزوج بإذن منه حتى يؤدي مكاتبته قال: ينبغي له أن لا يتزوج إلا بإذن منه أن له شرطه ".

وصحيح أبي بصير (4) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: الرجل المسلم له أن يتزوج المكاتبة التي قد أدت نصف مكاتبها ؟ قال: فقال: إن كان سيدها حين كاتبها شرط عليها إن هي عجزت فهي في الرق فلا يجوز نكاحها حتى تؤدي ما عليها ".

الثالثة عشرة: كلما يشترط المولى على المكاتب في المكاتبتين معا يكون

(1) التهذيب ج 8 ص 275 ح 34، الوسائل ج 16 ص 107 ب 6 ح 3 وفيهما " أن يقضى ديه ".

(2) الكافي ج 6 ص 188 ح 14، الوسائل ج 16 ص 108 ب 6 ح 4 وفيهما " تؤدى جميع ما عليها في ".

(3) الكافي ج 6 ص 187 ح 9، الوسائل ج 16 ص 108 ب 6 ح 5 وفيهما " مولاه أن لا يتزوج الا باذن منه ".

(4) التهذيب ج 8 ص 214 ح 7، الوسائل ج 16 ص 108 ب 6 ح 6 وفيهما " مكاتبتها - رد في الرق جميع ما عليها " مع اختلاف يسير.


404

لازما ما لم يكن مخالفا للكتاب والسنة لأن عقد الكتابة قابل للشروط السائغة كنظائره من عقود المعاوضات، فيشمله عموم الصحاح المسلمة والمعتبرة من النبوية وغيرها في قولهم " المؤمنون عند شروطهم " فيلزم الوفاء بما يشترطانه ما لم يكن مخالفا للمشروع، وقد تقدم عن قريب أن له شرطه، وكذلك قد تقدم في خبر إسحاق بن عمار (1) عن جعفر عن أبيه عليهما السلام حيث قال في آخره " أنت أحق بشرطك ".

وأما عدم لزومه إذا خالف الكتاب أو السنة فللأخبار الدالة على جهة العموم وهي كثيرة، وقد تقدم منها جملة في البيوع والنكاح.

ويدل عليه في المكاتبة بالخصوص خبر عمر و (2) صاحب الكرابيس عن أبي عبد الله عليه السلام كما في الكافي والتهذيب والفقيه " في رجل كاتب مملوكه واشرتط عليه أن ميراثه له، فرفع ذلك إلى علي عليه السلام فأبطل شرطه وقال: شرط الله قبل شرطك ".

فلو شرط عليه عملا مخصوصا زمن الكتابة أو بعد العتق بالأداء والاكتساب على وجه معين أو في مكان معين ونحو ذلك صح، ولو شرط عليه الوطء وعدم التكسب أو كان الولد المتجدد رقا ونحو ذلك بطل الشرط.

وهل يبطل العقدببطلانه ؟ فيه خلاف، والأقوى عدم البطلان لما سمعت من الأخبار فيما سبق واستوجه الشهيدان وجماعة من متاخري المتأخرين تبعية العقد له في الفساد كنظائره من الشروط الفاسدة في العقد الصحيح، لولاها والأخبار الواردة بأيدينا لا تساعدهم.

الرابعة عشرة: لا يدخل الحمل في كتابة أمة، لكن لو حملت بمملوك بعد الكتابة كان أولادها كحكمها فينعتق منهم بحسابها، ولو تزوجت بحر كان أولادها أحرارا، ولو حملت من مولاها لم تبطل الكتابة، فإن مات وعليها شئ

(1) التهذيب ج 8 ص 273 ح 31، الوسائل ج 16 ص 117 ب 17 ح 2.

(2) الكافي ج 7 ص 151 ح 2 وفيه " عن ابن أبى عمير عن بعض أصحابه "، الفقيه‌ج 3 ص 78 ح 22، التهذيب ج 8 ص 270 ح 16، الوسائل ج 16 ص 115 ب 15 ح 1.


405

من الكتابة تحررت من نصيب ولدها، وإن لم يكن لها ولد سعت في مال الكتابة للوارث.

وإنما لم يكن الولد مكاتبا إذا كانت حاملة به حال الكتابة لأنه كالولد المنفصل وإن قصده، فإن الصغير لا يكاتب بخلاف مثله في التدبير، فإن الصغيريقبله لأنه عتق متبرع به مشترك فيه الصغير والكبير بخلاف المعاملة.

ولبعض المخالفين قول بدخوله في الكتابة على وجه الاستتباع لا على جهة السراية كما يتبع المال في البيع وهو ممنوع.

أما الحادث بعد الكتابة فهو أقسام، لأنه إما ان يكون من زنا أو من نكاح مملوك أو من حر أو من مولاها.

فإن كان من حر فولدها أحرارا لا مدخل لهم في الكتابة.

وإن كانوا من زنا أو من مملوك ثبت لهم حكم الكتابة بمعنى انعتاقهم بعتق الام أو بالأداء لمال الكتابة أو بالابراء، وهذا هو المراد بكونهم بحكمها، لا أنهم يصيرون مكاتبين لأنهم لم يجر معهم عقد، وإنما المراد انعتاقهم بعتقها من جهة الكتابة حتى لو فسخت الكتابة ثم عتقت الام لم ينعتق الولد.

وهل يثبت حق ملكهم قبل الانعتاق للام أم للمولى ؟ قولان: من أنه تابع للام وحقها له، ومن أنه من جملة كسبها فيكون لها، وتظهر الفائدة فيما لو قتله قاتل، فعلى القول الأول فقيمته للمولى كما لو قتلت الام، وعلى الثاني فهو للمكاتبة تستعين به في أداء النجوم.

أما كسب الولد وأرش الخيانة عليه فيما دون النفس وأرش الوطء بالشبهة لو كانت جارية فموقوف على عتقها فيكون لها، وإلافللمولى كسب الام.

ولو عجزت الام وأرادت الاستعانة بكسب ولدها الموقوف ففي إجابتها وجهان مرتبان على أن الحق هل هو للمولى أو لها ؟ فعلى الثاني لا إشكال في جواز استعانتها به، وأما على الأول فيحتمل أيضا كذلك لأنها إذا رقت رق الولد فيأخذ المولى كسبه، وإذا عتقت عتق، وقد يفضل شئ من الكسب ففي إجابتها لحظ


406

الولد وعدمه لأنه لا حق لها في كسبه لأن الكلام على تقديره، وتظهر الفائدة أيضا في نفقة الولد، والوجه أنها في كسبه وما فضل فهو الموقوف.

فإن لم يكن له كسب أو لم يف بالنفقة ففيه قولان: أظهر هما أنها على المولى بناء على أن حق الملك له وإن كان مراعيا.

والثاني أنه من بيت المال، لأن تكليفه النفقة من غير أن يصرف إليه الكسب في الحال إجحاف به.

وفيه وجه ثالث احتمله البعض أنه على الام، لأن كسبه قد تنتفع به فتكون نفقته عليها لتبعية النفقة للكسب.

وإن كان الولد من مولاها وكان مولاها حرا فالولد حر لأنها علقت بهفي ملكه فتصير ام ولد له.

وهل عليه قيمة الولد ؟ يبنى على ما تقدم من الوجهين السابقين.

فإن قلنا: حق الملك للسيد فلا شئ عليه كما لو قتل ولد المكاتبة، وإن قلنا: الحق لها فعليه القيمة وتستعين المكاتب بها، فإن عجزت قبل أخذها لها سقطت لعودها للمالك، وإن عتقت أخذتها، وإن ولدت بعد ما عجزت وصارت رقا فلا شئ لها.

وكذا لو ولدت بعد ما عتقت لأنه حين تعذر تقويمه ليس بكسب مكاتبته ثم لا ترتفع الكتابة باستيلادها بل هي ام ولد، ومكاتبته كما تقدم دليله، فإن عجزت ثم مات السيد عتقت عن الاستيلاد، والأولاد الحادثون بعد الاستيلاد من النكاح أو السفاح يتبعونها في الحرية، والحادثون قبل الاستيلاد أرقاء للسيد وتعتق من نصيب ولدها، فإن عجز النصيب بقي الباقي مكاتبا وسعت في عوضه للوارث.

وقد تقدم في صحيحة علي بن جعفر (1) وروايته وخبر السكوني (2) ما يرشد إلى ذلك حيث قال في تلك الصحيحة " إن رسول الله صلى الله عليه واله قال في رجل وقع على مكاتبته فوطأها: إن عليه مهر مثلها فإن ولدت منه فهي على مكاتبتها وإن عجزت فردت في الرق فهى من امهات الأولاد ".

(1) التهذيب ج 8 ص 277 ح 41.

(2) التهذيب ج 8 ص 269 ح 14.


407

الخامسة عشرة: المكاتب المشروط باق على رقيته لمولاه حتى يؤدي جميع ما عليه، ففطرته على مولاه كما تقم في الزكاة، ولو كان مطلقا لم تكن عليه فطرته في المشهور لخروجه عن محض الرقية ولم يصر إلى حالة الرقية وهي مرتبة بينهما كما علم مرارا، ومن هنا تسقط نفقته عن مولاه وتتعلق بكسبه، وكان اللازم من ذلك ثبوت فطرته على نفسه وإن كانت مشروطة لأنها تابعة للنفقة.

لكن قد أطلق جماعة من الأصحاب وجوب فطرة مشروطة على مولاه والحكم عليه بإطلاق الرقية مع أن صحيحة علي بن جعفر (1) عن أخيه موسى عليه السلام " قال: سألته عن المكاتب هل عليه فطرة رمضان أو على من كاتبه ؟ أو تجوز شهادته ؟ فقال: الفطرة عليه ولا تجوز شهادته ".

و لم يفرق فيها بين القسمين.

وأول الشهيدين في الدروس اختصر على نقل وجوب فطرة المشروط على مولاه وعن بعض الأصحاب ثم احتمل عدمه محتجا بأنها تابعة للنفقة.

وابن البراج صرح بعدم وجوبها على المولى أيضا، ولا بأس بهذا القول لأنالشهرة غير كافية في الاستدلال.

وأما المطلق فلا تجب فطرته على مولاه قولا واحدا ولا على نفسه إلا أن يتحرر منه شئ لأنه مملوك لا يقدر على شئ.

وصحيح علي بن جعفر شامل للمشروطة والمطلقة، فنفيها عنه بهذا التعليل قول عليل، وإن كان ظاهر هم الاتفاق عليه عملا لتلك الصحيحة ولو وقعت عليه كفارة متعلقها العتق والاطعام، ولم يجز له أن يؤدي شيئا من هذين الخصلتين إلا إذا أذن له المولى، لأن شرط التكفير بهما الملك واليسار وهو ملتفت عنه.

أما الثاني فظاهر، وأما الأول فلأن ملكه غير تام والتكفير بالاطعام مشروط بالأمر الثاني.

وعلى تقدير إذن المولى في ذلك ففي الاجزاء وجهان، من أن المنع كون الحق للمولى وقد زال بإذنه، ومن أن التكفير عليه بالأمرين غير واجب على

التهذيب ج 8 ص 277 ح 40، الوسائل ج 16 ص 122 ب 22 ح 2.


408

المملوك فلا يجزي عن الواجب، وإذن المولى لا يقتضي الوجوب بل غايته الجواز.

ويمكن بناؤه على أن التبرع على المتبرع بالكفارة التي ليست فرضه هل تجزيعنه أم لا ؟ فإن قلنا بإجرائها أجزأت هنا بطريق أولى وإلا فلا.

والعلامة في المختلف قد ادعى الاجماع على أن التبرع عن المتبرع بإذنه مجز يجزي هنا وهو الوجه.

والشيخ في المبسوط معاكس لما في المختلف حيث ادعى الاجماع على عدم الاجزاء مع أنه في باب الكفارة من ذلك الكتاب اختار الاجزاء وجعله الأظهر في روايات أصحابنا.

ووافقه ابن إدريس في السرائر على عدم الاجزاء، والأقوى ما استظهره في الروايات، وهذه الاعتبارات لا تعارضها، فإن الأخبار تنادي بإن التبرع في الفرائض مجز كالزكاة والفطرة ونحوها.

السادسة عشرة: إذا ملك المملوك نصف نفسه

كان كسبه مشترك بينه وبين مولاه ولو طلب أحدهما المهاياة من الآخر وقد اختلف الأصحاب في وجوب الاجبار عليها وعدمه إلى قولين، والأقوى عدم الوجوب.

ووجه القول بالاجبار أن لكل منهما الانتفاع بنصيبه، ولا يمكن الجمع بين الحقين في وقت واحد، وكانت المهاياة طريق الجمع بين الحقين ووسيلة إلى قطع التنازع ولا ضرر فيها.

وتدل عليه موثقة عمار بن موسى الساباطي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام " في مكاتب بين شريكين فيعتق أحدهما نصيبه، كيف تصنع الخادمة ؟ قال: تخدم الباقييوما وتخدم نفسها يوما ".

وفي رواية مالك بن عطية الصحيحة عن أبي بصير (2) ذلك أيضا " حيث قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل أعتق نصف جاريته ثم إنه كاتبها على النصف الآخر بعد ذلك، قال: فقال: فيشترط عليها إن عجزت عن نجومها فإنها رد في الرق في نصف رقبتها، فإن شاء كان له يوم في الخدمة ولها يوما وإن لم يكاتبها، قلت: فلها

(1) التهذيب ج 8 ص 275 ح 36، الوسائل ج 16 ص 119 ب 19 ح 4.

(2) التهذيب ج 8 ص 269 ح 13، الوسائل ج 16 ص 113 ب 12 ح 1.


409

أن تتزوج في تلك الحال ؟ قال: لا، حتى تؤدي جميع ما عليها في نصف رقبتها ".

وفي صحيح عبد الله بن سنان (1) " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة أعتقت ثلث خادمها عند موتها، أعلى أهلها أن يكاتبوها إن شاءوا وإن أبوا ؟ قال: لا، ولكن لها من نفسها ثلثها وللوارث ثلثاها.

يستخدمها بحساب ما لم يعتق منها ويكون لها من نفسها بحساب ما أعتق منها ".

فهذه الأخبار تشهد بالمهاياة لكن لا تستلزم تحتمها والاجبار عليها، ومن هناذهب أكثر المتأخرين إلى عدم تحتمها وذلك لأنها قسمة لغير معلوم التساوي فتتوقف على التراضي، بل لا يظهر كونها قسمة.

وعلى تقدير القول بوجوب الاجابة إليها فيكتفي المهاياة اليومية ولا يجب الأزيد.

السابعة عشرة: إذا كاتب عبدا شخص ثم مات

وخلف ورثة قاموا مقامه في أنهم إذا أعتقوه أو أبروه من نجوم عتق، وكذا لو استوفوا المال ولو أبرأه البعض دون البعض أو أعتقه‌عتق نصيبه بالاجماع منا، خلافا لبعض العامة حيث قال: إنه لا يعتق بالابراء حتى برأه الآخر.

ولا تقع هنا سراية بحيث يضمن الشريك حصته الآخر، واحتمل بعض أصحابنا السراية لوجود سبب العتق باختياره وكون المكاتب في حكم الرق بالنسبة إلى قبول العتق، وقد تقدم في موثقة عمار وصحيحة أبي بصير ما يدل على عدم السراية.

ويمكن بناء الحكم هنا في السراية وعدمها على أن الكتابة هل هي عتق بعوض أو بيع ؟ وعلى الثاني لا يسري لأن المولى لا يعتق وإنما ملك العبد نفسه بالشراء وأداء العوض فعتق.

وعلى الأول فتحتمل السراية وعدمها وإن كان الأقوى عدم السراية.

الثامنة عشرة: من كاتب عبده ترجح له أن يعينه من زكاته إن وجبت

(1) الفقيه ج 3 ص 72 ح 9، الوسائل ج 16 ص 120 ب 20 ح 1.


410

عليه، ولا حد له قلة ولا كثرة، فإن لم يكن له زكاة استحب له التبرع بالعطية.

والأصل في هذه المسألة الكتاب وهو قوله تعالى " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " (1) وقد فسر الايتاء هذا بأحد أمرين: إما أن يحط شيئا من النجوم أو يبدل له شيئا فيأخذه في النجوم.

أما الثاني فظاهر لأن البدل إيتاء وهو المأمور به في ظاهر الآية، وأما الأول فقد روي في السلف قولا وفعلا.

وفي رواية العلاء بن فضيل (2) عن أبي عبد الله عليه السلام " في قوله تعالى " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " قال: يصنع عنه من نجومه التي لم يكن يريد أن ينقصه منها، فقلت: كم ؟ قال: وضع أبو جعفر عليه السلام عن مملوك له ألفا من سبعة آلاف ".

وفي صحيحة محمد بن مسلم (3) عن أحد هما عليهما السلام " قال: سألته عن قول الله عز وجل " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " قال: الذي أضمرت أن تكاتبه عليه، لا تقول اكاتبه بخمسة آلاف وأترك له ألفا ولكن انظر إلى الذي أضمرت عليه فاعطه منه ".

وفي صحيح القاسم بن بريد (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: سألته عن قول الله عز وجل " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " قال: سمعت أبي يقول: لا يكاتبه على الذي أراد أن يكاتبه ثم يزيد عليه ثم يضع عنه ولكن يضع عنه ما نوى أن يكاتبه عليه ".

وإنما فسرت الآية بذلك وإن كان خلاف ظاهرها لأن المقصود منها إعانته ليعتق والاعانة في الحط محققة وفي البذل موهومة فإنه قد ينعتق المال في جهة اخرى، وبهذا يظهر لك أن الحط أولى من الاعطاء.

وبعد الاتفاق على رجحانه لظاهر الآية اختلف في أنه هل على جهة

(1) سورة النور - آية 33.

(2) التهذيب ج 8 ص 270 ح 15، الوسائل ج 16 ص 111 ب 9 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 6 ص 186 ح 7، الوسائل ج 16 ص 111 ب 9 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(4) الفقيه ج 3 ص 78 ح 25، الوسائل ج 16 ص 111 ب 9 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.


411

الوجوب أو الندب ؟ وفي أن المراد بمال الله هو الزكاة الواجبة على المولى أم مطلقالمال الذي بيده فإنه من عند الله ؟ وفي أن الضمير المأمور هل هو عائد على قوله " وكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " أو على المكلفين مطلقا ؟ فالشيخ في المبسوط وجماعة أوجبوا على المولى إعانة المكاتب بالحط والايتاء وإن لم يجب عليهم الزكاة ولم يجب على غيره، وهو مبني على أن الأمر للوجوب وأن المال أعم من الزكاة وأن الخطاب متعلق بالموالي.

وفي المختلف ذهب العلامة إلى الاستحباب مطلقا، وجعل مال الله أعم فلم يوجب عليه الاعانة من الزكاة ولا من غيرها.

والمحقق اختار وجوب الاعانة على المولى إن وجبت عليه الزكاة فيها والاستحباب إن لم تجب (أما الأول) فلأن أداء الزكاة واجب ولا شئ من إعانة المديون في وفاء دينه بواجب للأصل، فيختص هذا الأمر بما لو وجبت الزكاة ولأن المكاتب من أصناف المستحقين، فيكون الدفع إليه واجبا عليه في الجملة.

(وأما الثاني) فلأصالة عدم الوجوب، مع ما فيه من التعاون على البر وإعانة المحتاجين وتخليص النفس من ذي الرقية وحقوقها.

والحق والأقوى وجوب الايتاء من الزكاة إن وجبت وجوبا تخييريا بينهاوبين الحق عنه من مال الكتابة جمعا بين الأدلة واختصاص الخطاب بالمولى عملا بظاهر الأمر المطلق المتعلق بالمأمورين بالكتابة.

وربما قيل بوجوب الدفع من مال الزكاة عينا إن وجبت الزكاة، فإن لم يكن زكاة وجب أن يدفع إليه من ماله أو يحط عنه من مال الكتابة.

ويجب على المكاتب القبول إن أعطاه من جنس مال الكتابة لا من غيره عملا بظاهر الآية، فقد قيل: إن المراد به مال الكتابة ولو حط عنه كان إبراء فلا يعتبر فيه القبول على الأقوى، ولو اعتبرناه وجب كدفع الجنس.

ولو أعتق قبل الايتاء ففي سقوط الوجوب قولان: من فوات محله وتعلق


412

الخطاب بالمكاتبين وقد زال ذلك الوصف، ومن كونه كالدين فيجب مطلقا، واختاره في الدروس.

ولو دفع إليه من الزكاة وكان مشروطا بعجزه ففي وجوب إخراج الزكاة لغيره أوردها إلى دافعها وجهان: من ظهور عدم الاستحقاق وكونه طارئا على الدفع الموجب للملك حال كونه قابلا له، وبراءة ذمة الدافع حينئذ وعوده إلىالمولى إحداث ملك لا إبطال لما سلف، ومن ثم بقيت المعاملة السابقة بحالها وإن لم يرض بها المولى ويضعف ويمنع كونه إحداثا بل إعادة في الرق، فيقتضي نقض جميع ما سبق، ومن ثم أعاد كسبه وأولاده ملكا له وبقاء المعاملة بسبب الاذن الضمني في عقد المكاتبة فإنها تستلزم الاذن في التصرف بالمعاملة ونحوها.

والأقوى وجوب صرفه على المستحقين إن كانت منه وإلا أعادها دافعها ليصرفها بنفسه نعم لو كانت من المندوبة لم تجب الاعادة.

والأخبار الدالة على إعطاه المكاتب من مال الزكاة مرسلة إبراهيم بن هاشم (1) كما في التهذيب عن الصادق عليه السلام " قال: سألته عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدى بعضها، قال: يؤدى عنه من مال الصدقة، إن الله تعالى يقول في كتابه " وفي الرقاب " (2) ومرسل الفقيه نحوه.

وكذلك خبر تفسير العياشي (3) وقد مر ذكره في كتاب الزكاة.

التاسعة عشرة: إذا كانا اثنين في صفقة أو صفقتين ثم أقر باستيفاء نجوم أحدهما

أو براءته عما عليه أمر بالبيان والكشف عن ذلك، فإن ادعى النسيان أمر بالتذكر مادام حيا، وقيل بالقرعة مع اليأس من التذكر لأنها لكل أمر مشكل،

(1) الفقيه ج 3 ص 74 ح 3، التهذيب ج 8 ص 275 ح 35، الوسائل ج 16 ص 121 ب 21 ح 1.

(2) سورة التوبة - آية 61.

(3) تفسير العياشي ج 2 ص 93 ح 76.


413

ولو ادعيا على المولى العلم فالقول قوله في نفيه لأن ذلك لا يعلم إلا من قبله وإن بين أحدهما وادعى التذكر قبل قوله بغير يمين إن صدقه الآخر أو سكت، وإن كذبه وقال: استوفيت مني وأبر أتني فله تحليفه أيضا، ويحلف هنا على البت لدعوى التذكر.

ولو نكل على اليمين المتوجهة إليه قبل التذكر على نفي العلم حلف مدعى الدفع وعتق، فإن ادعى كل منهما ذلك ففي تحليفهما معا وعتقهما وجهان بل قولان: من أن ذلك هو مقتضى الدعوى أو قاعدة اصول الحكومة والقضاء، ومن المعتق أحد هما خاصة، فأحدهما كاذب في يمينه لكن غير مضر لكونه حكم على ما في نفس الأمر وهو لا يقدح فيما يثبت بظاهر الحكم، وإن حلف بقيت كتابتةإلى أن يؤدي ولو مات المولى قبل التذكر فليس سوى القرعة.

ولو ادعى أحدهما أو هما معا على الوارث العلم حلف على نفيه كالمورث وليس له أن يستوفي منهما ولا من أحدهما قبل القرعة وإن بذل المال لأن أحد هما قد برئ منه، فأخذ المالين معا ظلم.

وكذا القول في المورث، ولو بذلا مالا آخر بقدر التخلف أو الأكثر على تقدير الاختلاف ففي حصول الانعتاق بذلك وجهان ناشئان من وصول مال الكتابة إليه بأجمعه، ومن أن شرطه أداء المكاتب، وجاز في كل منهما أن يكون ما أدى مال الكتابة ويمكن أن يجعل بذلهما له.

واعلم أنه قد ظهر من قول محقق الشرايع " ثم يقرع بينهما " بعد قوله " ولو ادعيا على المولى العلم كان القول قوله " أنه يقرع بينهما في حياة المولى وهو مخالف لقوله سابقا " صبر عليه رجاء للتذكر " إلا أن يحمل على تصريحة بانتفاء الرجاء وهو بعيد لا إشعار اللفظ به.

وقد صرح الشيخ في المبسوط وجماعة ممن تأخر عنه بعد القرعة ما دام حيا لأن التذكر منه مرجوء.

ويمكن أن يحمل قوله " ولو ادعيا على المولى


414

العلم كان القول قوله " ما يشمل للوارث، وحينئذ فيحمل قوله " ثم يقرع على ما بعد الموت " مؤكدا لقوله " استخرج بالقرعة " وعلى كل تقدير فالعبارة ليست بجيدة.

العشرون: المشهور بين أصحابنا جواز بيع مال الكتابة

ونقله عن البيع من سائر وجوه النقل لا طلاق آية " وأحل الله البيع " (1) خلافا للشيخ في المبسوط حيث منع منه للنهي عن بيع ما لم يقبض، ولأن النجوم لم تستقر لجواز تعجيز نفسه إما مطلقا أو في المشروط.

ويضعف بأن النهي تعلق بما انتقل بالبيع كما مر في كتاب البيوع لا بمطلق ما لم يقبض، حتى أن العامة رووا ذلك عن النبي صلى الله عليه واله، وأن ما عده جماعة من العامة من البيع من باب القياس، والقياس في مذهبنا ممتنع، فيختصر النهي بمورده.

ونمنع جواز تعجيزه نفسه مطلقا لما تقدم من اختيار لزومها، وإذا صح البيع لزم المكاتب دفع ذلك المال إلى المشتري، فإن أداه إليه عتق بأدائه كما لو أداه إلى المولى، ولو لم يدفعه أجمع أو كان مشروطا فعجز وفسخ المولى رجع رقا لمولاه.

وهل يبطل البيع ؟ يحتمله لأن الفسخ يستلزم رفع أثر الكتابة، ومن ثم يرجع ولده أرقاء ويتبعه كسبه.

ويحتمل العدم لمصادفته الملك حال البيع فلا يضره الفسخ الطارئ على القول بعدم الصحة، ولا يجوز للمكاتب أن يسلم النجوم إلى المشتري، ولا للمشتري مطالبته بها، ولا يحصل العتق إلا بدفعها إلى السيد البائع، ولا يحصل تسليمها إلى المشتري لفساد البيع.

وربما قيل: يحصل به لأن السيد قد سلطه على القبض فهو كما لو وكله عليه.

والأصح ما ذهب إليه الشيخ في المبسوط والأكثر المنع لأنه يقبض لنفسه

(1) سورة البقرة - آية


415

حتى لو تلف بيده ضمن بخلاف الوكيل فإنه يقبض للموكل ولا يضمن إلا بالتفريط.

وفصل ثالث فقال: إن قال بعد البيع خذها منه أو قال للمكاتب ادفعها إليه صار بذلك وكيلا وحصل العتق بدفعها إليه، وإن اقتصر على البيع فلا، لأنه بيع فاسد، ولا عبرة بما يتضمنه.

ورد بأنه وإن كان قد صرح بالاذن إلا أنه إنما أذن بحكم المعاوضة.

والقولان الأولان للعلامة في كتاب التحرير في موضعين من الكتابة.

ثم إن قلنا بعدم عتقه فالسيد يطالب المكاتب يسترجع ما دفع إلى المشتري فإن سلم المشتري إلى البائع الوجه لم يصح لأنه قبضه بغير إذن المكاتب، فأشبه ما لو أخذه من ماله بغير إذنه.

ويحتمل الصحة نظرا إلى تعين المكاتب إياه لمال الكتابة بالدفع، وقد تقدم إطلاق جواز تصرف المولى في مال الكتابة بالاستيفاء، فهنا أولى، لكن لما كان الحق تقييد ذلك المطلق لم يصح هنا وإن عينه المكاتب لأن تعيينه مبني على المعاوضة كتسليمه إلى المشتري، فيجوز بيع المكاتب المشروط بعد عجزه عن الفسخ، ولا يجوز بيع المطلق لأن في المشروط بعد العجز يتسلط المولى على الفسخ فكان بيعه فسخا كما لو باع ذو الخيار أو باع المدبر أو الموصى به أو نحو ذلك مما اشتمل على العقد الجائز.

ولو قدم تقدم البيع الفسخ فالصحة أوضح.

وأما المطلق فقد أطلق المحقق وجماعة عدم صحة بيعه، ويجب تقييده بما إذا لم يبلغ حدا يجوز للمولى معه فسخ كتابته، فلو عجز عن الأداء بعد حلول المال ولم يمكن الوفاء عنه من سهم الرقاب جاز بيعه كما يجوز فسخها حينئذ.

الحادية والعشرون: إذا زوج المولى بنته من مكاتبه ثم مات المولى وملكته

البنت أو بعضه انفسخ النكاح بينهما من غير فرق بين المكاتب المشروط والمطلق لأن الكتابة لم تخرجه عن أصل الرقية وإن أخرجته عنها على بعض الوجوه كما عرفته فيما سبق.

وخالف في ذلك ابن الجنيد فذهب أنه لو مات السيد وابنته تحت المكاتب


416

الذي قد شرط عليه الرق عند عجزه منع من الوطء، وإن أدى كانا على النكاح لأنها لم ترث من رقبته شيئا، وإن عجز بطل النكاح فإن كان ممن ينعتق بما أدى بطل النكاح إذا حصل له أداء بعض الكتابة.

وما اخترناه مذهب الشيخ والأكثر وهو الأظهر لثبوت تلك القاعدة، وهو انفساخ النكاح بين الحرة والعبد يملكها له كما هو مجمع عليه، والنصوص به مستفيضة، واحترزنا بقولنا " فملكته " عما لم تكن وارثة كانت قاتلة أو كافرة فهو كافر، فإن النكاح بحاله ولو كان مطلقا وقد أدى بعض المال فالحكم بحاله لأنه لا فرق في ملك الزوجة له بين كله وبعضه في كونه يوجب فسخ النكاح.

الثانية والعشرون: إذا تنازع السيد والمكاتب في قدر مال الكتابة أو في المدة أو في النجوم

فالقول قول السيد مع يمينه عند الأكثر وربما قيل: القول قول المنكر زيادة المال والمدة كما هي القاعدة في الدعاوى.

ولو قال كاتبتك على ألفين فقال بل على ألف أو قال إلى سنة فقال المكاتب بل إلى سنتين ونحو ذلك الاختلاف في قدر النجوم، والحكم في الجميع واحد وهو تقديم قول العبد لأصالة عدم الزائد عما يعترف به.

وأما وجه تقديم قول المولى في قدر المال فلأن المكاتب يدعي العتق بما يدعيه من المال والمولى ينكره والأصل بقاء الرق، وبهذا يحصل الفرق بين الكتابة والبيع إذا اختلفا في مقدار الثمن أو المثمن، فإن الكتابة كما سمعت ليست معاوضة حقيقة لأنها معاملة على مال المولى بماله، والأصل عدم خروج ذلك عن ملك سيده إلا رضاه لأنه أشبه شئ بالتبرع لا بعقود المعاوضات وإن كان القول هذا اختاره المحقق وأكثر المتأخرين من تقديم قول من ينكر الزيادة في المال والمدة التفاتا إلى الأصل الثابت بالشهرة والأخبار، ولأن المولى بإقراره بأصل الكتابة واستحقاقه العتق خرج عن أصالة بقاء ملكه على المكاتب وعلى ماله، ثم هو يدعي زيادة في ذمة المكاتب والمكاتبينكرها فيكون قوله مقدما في ذلك.


417

الثالثة والعشرون: قد تقرر أن العوض في الكتابة يكون دينا، ومستحق الدين في ذمة الغير إذا استوفاه فلم يجده على الصفة المشروطة فله رده، وطلب مال مستحقه لا يرتفع العقد.

ثم إن كان المقبوض من غير جنس حقه لم يملكه إلا أن يعتاض به حيث يصح الاعتياض.

وإن اطلع على عيب نظر، فإن رضي به فهو يملكه بالرضا أو بالقبض، وإنما تأكد الملك بالرضا فيه وجهان وإن رده، فإن قلنا بملكه بالقبض ثم انتقل الملك بالرد أو نقول إذا رد تبين أنه لم يملكه فيه قولان، وقد مر الكلام على هذه الاحتمالات والأقوال في باب الصرف من البيوع، وقد بني عليها مسائل قد سبق الكلام عليها، منها أن عقد الصرف إذا ورد على موصوف في الذمة وجرى التقابض وتفرقا ثم وجد أحدهما بما قبض عيبا فرده فإن قلنا: إنه ملكه بالقبض صح العقد، وإن قلنا: إنه تبين أنه لم يملكه فالعقد فاسد لأنهما تفرقا قبل التقابض.

وإذا تقرر ذلك فالسيد إذا وجد ببعض النجوم المقبوضة أو جميعها عيبا فله الخيار بين أن يرضى به وبين أن يرده ويطلب بدله، ولا فرق بين عيب اليسير والفاحش، فإن رضي به كان العتق نافذا بلا إشكال لكون رضاه بالمعيب كالابراء عن بعض الحق.

وهل يحصل العتق عند الرضا أو يحصل من وقت القبض ؟ و جهان، أقواهم الثاني.

وإن أراد الرد والاستبدال فإن قلنا: تبين بالرد أن الملك لم يحصل بالقبض فالعتق غير حاصل، وإن أدعى على الصفة المتحققة بعد ذلك حصل العتق، وإن قلنا: يحصل الملك بالمقبوض وبالقبض وبالرد يرتفع فوجهان، أحدهما أن العتق كان حاصلا إلا أنه بصفة الجواز، فإذا رد العوض ارتد، وأصحهما أنه تبين به أن العتق لم يحصل لأن العتق ليس من التصرفات التي يتطرق إليها النقض غالبا، فلو حصل لما ارتفع، ولا يثبت هنا العتق بصفة للزوم إجماعا.

ولو طلب الأرش مع الرضا بالعيب فله ذلك، وتبين في أنه لم يقبض كمال


418

النجوم، فإذا أداه حصل كمال العتق حينئذ، وإن عجز عنه وكانت مشروطة فللسيد استرقاقه كم لو عجز عن بعض النجوم.

ولو فرض تجدد عيب في العوض الذيظهر معيبا لم يكن العيب الحادث في يد المولى مانعا من الرد بالعيب الأول مع أرش الحادث لاستحقاقه الرد بالأول فيستصحب، والعيب الحادث يجبر بالأرش ولأنها ليست بمعاوضة حقيقية كما قررناه غير مرة فليس لها حكم المعاوضات اللازمة، ولهذا إذا مات المكاتب أو عجز كان للمالك أحد الكسب بلا عوض.

وذهب الشيخ في المبسوط إلى منع العيب الحادث الرد لأنها معاوضة كالبيع، وهو بعيد جدا لما ذكرناه من خروجها عن حكم المعاوضات المحضة.

الرابعة والعشرون: إذا اجتمع على المكاتب ديون مع مال الكتابة

فإن قام ما في يده في الجميع فلا بحث، وإن عجز وكان مطلقا تخاص فيه الديانون، و المولى وإن كان مشروطا وجب تقديم الدين لأن في تقديمه حفظا للحقين، ولو مات وكان مشروطا بطلت الكتابة ودفع ما في يده في الديون خاصة وقسم بين الديان بالحصص، ولا يضمنه المولى لأن الدين تعلق بذلك المال فقط، ويترتب على هذه الشقوق اثنا عشرة صورة مختلفة الأحكام.

فإن كان الدين للمولى بأن كان له مع النجوم دين معاملة على المكاتب أو أرش جناية عليه أو على ماله فإن وفي مافى يده بها فلا بحث، وإلا فإن تراضياعلى تقديم الدين الآخر وتأخير النجوم فذاك، وإن تراضيا على تقديم النجوم عتق، ولا يسقط الدين الآخر بل للسيد مطالبته به، ولو كان ما في يده وافيا بالنجوم ولم يف بها وبالدين الآخر، فإن أداها عن النجوم برضا السيد فالحكم ما بيناه سابقا، وللسيد منعه من تقديم النجوم لأنه لا يجد مرجحا للدين، وإذا تقدمت النجوم عتق فيأخذ ما في يده عن الدين الآخر، وهل له تعجيزه قبل أخذ ما في يده ؟ قولان: (أحدهما) لا، لقدرته على أداء النجوم، فما لم تخل يده عنها لا يحصل العجز.


419

(والآخر) نعم، وهو أوجههما لأنه متمكن من مطالبته بالدينين معا وأخذ ما في يده عنهما، وحينئذ فيعجز عن قسط من النجوم.

ولو دفع المكاتب ما في يده ولم يتعرض للجهة التي دفع لها ثم قال قصدت النجوم فانكر السيد ذلك فالقول قول المكاتب بيمينه لأنه أعرف بقصده، وذلك بمنزلة ما لو كان عليه دينان وعلى أحدهما رهن وأدى أحدهما وادعى بعد ذلك إرادة دين الرهن فإن القول قوله كما تقدم، هذا الحكم ما لو كان الدين للمولى.

ولو كانت الديون لغير المولى أو لهما ولم يف ما في يده بها فإن لم يحجر عليه بعد لعدم التماس الغرماء كان له تقديم ما شاء من النجوم وغيرها وكان بمنزلة الحر المعسر قبل الحجر عليه يقدم ما شاء ويؤخر ما شاء وإن كان الأولى له أن يقدم دين المعاملة، فإن فضل شئ جعله في الأرش و الجنايات، فإن فضل شئ جعله في النجوم، وسيظهر وجه هذا الترتيب، وإن حجر عليه الحاكم تولى قسمة ما في يده، وفي كيفية تلك القسمة وجهان: (أحدهما) وهو الظاهر من المحقق في الشرايع وجماعة ممن تأخر عنه قسمته على مقدار الديون من غير أن يؤثر بعضا على بعض بالتقديم أو بالمزية لأن جميع الديون قد تعلقت بما في يده، ألا ترى أن من انفرد منها (1) بقسمة على قدر الديون.

(وثانيهما) وهو أجودهما، أنه يقدم دين المعاملة لتعلقه بما في يده لا غيره و لأرش الجناية متعلق آخر وهو الرقبة، وكذلك حق السيد على تقدير العجز يعود إلى الرقبة، ثم أرش الجناية يقدم على النجوم لأن الأرش مستقر والنجوم في معرض السقوط إما باختيار المكاتب أو مع عجزه، ولأن حق المجني عليه مقدمعلى حق المالك في القن، فكذلك المكاتب، هذا كله إذا كانت المكاتبة مطلقة.

أما لو كانت مشروطة قدم الدين على النجوم لأن في تقديمه جمعا بين الحقين.

(1) كذا في النسخة.


420

ولو كان للمولى دين معاملة معهم ففي مساواتها لمال الكتابة أو لدين الأجانب وجهان، أظهر هما الثاني، لأنه لا بدل له كديون الغرماء بخلاف دين النجوم فإنه بسقوطه يعود للمولى إلى الرقبة، و وجه الأول أن دين السيد ضعيف فإنه معرض السقوط بالتعجيز ويبقى في التسوية بين الديون أو تقديم دين المعاملة ما سبق.

ولو مات المكاتب قبل قسمة ما في يده

وكانت الكتابة مشروطة انفسخت الكتابة وسقطت النجوم، وفي سقوط دين أرش الجناية وجهان بل قولان: (أحدهما) أنه قول الشيخ في المبسوط وهو أنه يسقط أيضا لتعلقه بالرقبة وقد تلفت وتعلقها بما في يده بحكم الكتابة، فإذا بطلت الكتابة بطل ذلك التعلق وعلى هذا يتعين صرف جميع ما خلفه إلى ديون المعاملات لانحصارها فيه.

(وثانيهما) أنه يتعلق بالمال استصحابا لحالة الكتابة ولفوات المحل معكونه أقوى من ديون المعاملة، فعلى هذا فإن ساوينا بينهما حالة العجز فهنا أولى وإن رجحنا الترتيب المتقدم احتمل بقاؤه استصحابا لما كان ثابتا في حالة الحياة، والأظهر التسوية لأن الدينين معلقا بما خلفه وتأخر الأرش في الحياة كان لتوقع توفيته، وقد بطل ذلك التوقع، وعلى التقديرين لا ضمان على المولى لما فات من الدين لتعلقه بمال الكتابة.

واعلم أنه على القول بالتخاص في ماله حيا وبقاء النجوم أو بعضها فللسيد تعجيزه إن كان مشروطا أو مطلقا مع اليأس من الوفاء كما مر تحقيقه وإن بقي الأرش عند تعجيزه لتباع رقبته في حقه ولكنه لا يعجزه بنفسه لأنه لم يعقد حتى يفسخ ولكنه يرفع ذلك إلى الحاكم حتى يعجزه.

ولو أراد المولى فداءه وبقاء الكتابة ففي وجوب القبول وجهان مبنيان على أنه رقيق المولى في الجملة وله غرض في إتمام انعتاقه، وفي استيفائه لنفسه أن لا يتم فيمكن من الفداء، وعلى أن المولى إنما يفدي إذا تعلق الأرش برقبته وذل


421

غير متحقق ما بقيت الكتابة، وأما صاحب دين المعاملة فليس له التعجير لأنحقه لا يتعلق بالرقبة.

الخامسة والعشرون: كما تقدم أن المكاتبة كما تتعلق بالرقبة

أجمع كذلك تتعلق ببعض الرقبة، فعند تعلقها بالبعض لا يخلو إما أن يكون باقية حرا ولا إشكال في صحة الكتابة لأنها استغرقت الرقيق منه فأفادته الاستقلال أو أن يكون باقية أو بعض الباقي رقيقا، وقد مر الرقيق إما أن يكون له أو لغيره.

فإن كان له فالأكثر على الجواز للأصل وعموم قوله صلى الله عليه واله " الناس مسلطون على أموالهم " ولأن بيع نصيبه وعتقه جائزان والكتابة لا تنفك عنهما، وقال الشيخ في المبسوط: لا تصح لأن الكتابة يلزمها رفع العجز عن المكاتب في جهات الاكتساب وما يتوقف عليه كالسفر وينفرد بما يدفع إليه من سهم المكاتبين من الزكاة، وهو هنا غير ممكن لتوقف سفره واكتسابه به على إذن السيد ويشاركه فيما يدفع إليه من سهم المكاتبين من الزكاة لأنه كسبه.

واجيب بأن المنع من السفر والاكتساب يندفع بالمهاياة ويرتفع كارتفاعه عن الشريكين بها، ونمنع مشاركته في سهم المكاتبين من الزكاة لأنه إنما يندفع لجهة المكاتبة بالخصوص ولأنه لا يملك النصيب بل يدفعه في كتابته.

وإن كان الباقي لغيره، فإن لم يأذن الشريك يصح لانتفاء الاستقلال ولأن نصيب الشريك يتبعض عليه فيتضرر به ولا ضرر ولا إضرار في الدين، وإن كان بإذنه فهو موضع خلاف للأصحاب إلى قولين: (أحدهما) وهو الذي جزم به المحقق وقبله الشيخ في المبسوط، الصحة لأنه يستقل في البعض المكاتب عليه، وإذا جاز إفراد البعض للاعتاق جاز إفراده بالعقد المفضي إلى العتق.

(وثانيهما) وهو مختار الشيخ في الخلاف، العدم لما تقدم من أن الشريك يمنع


422

من التردد والسفر ولا يمكن صرف سهم المكاتبين إليه، والأقوى الجواز وإن لم يأذن بتقرير ما سلف حجة وجوابا، وليس في المسألة بجميع شقوقها سوى خبرين: أحدهما: موثق أبي بصير (1) وقد تقدم في الأبحاث السابقة " قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل أعتق نصف جاريته ثم إنه كاتبها على النصف الآخر بعد ذلك، قال: فقال: فيشترط عليها إن عجزت عن نجومها فإنها رد الرق فينصف رقبتها، فإن شاء كان له يوم في الخدمة ولها يوم وإن لم يكاتبها، قلت: فلها أن تتزوج في تلك الحال ؟ قال: لا، حتى تؤدي جميع ما عليها في نصف رقبتها ".

وهو نص في الجواز في المكاتبة المشروطة وأنه يلزمها المهاياة وهذا مما لا كلام فيه كما سبق.

والثاني: صحيح عبد الله بن سنان (2) كما في الفقيه وقد تقدم أيضا وفيه " أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة أعتقت ثلث خادمها عند موتها، أعلى أهلها أن يكاتبوها إن شاءوا وإن أبوا ؟ قال: لا، ولكن لها من نفسها ثلثها وللوارث ثلثاها يستخدمها بحساب ما لم يعتق منها، ويكون لها نفسها بحساب ما أعتق منها ".

وهذا لم يكن نصا في الجواز ولكنه نص في نفي الوجوب، ومورد الخبرين على تقدير دلالتهما جواز المكاتبة في البعض لا التبعيض في المكاتبة، لكن إطلاق الأدلة كتابا وسنة يدل على الجواز، وذلك كله مع عدم السراية، ومعها فلا وجه لجوازها لصيرورته حرا بمجرد عتق البعض كما مر عليه الكلام منقحا.

السادسة والعشرون: قد تقدم ما يدل على أن المكاتب

كالحر في معظم تصرفاته فيبيع ويشتري ويؤجر ويستأجر ويأخذ الشفعة ويقبل الهبة والصدقة

(1) الكافي ج 6 ص 188 ح 14، الوسائل ج 16 ص 113 ب 12 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 3 ص 72 ح 9، الوسائل ج 16 ص 120 ب 20 ح 1 وفيهما " بحساب الذى له منها ".


423

ويصطاد ويحتطب ويؤدب عبيده إصلاحا للمال كما يفصدهم ويحقنهم، ولا تصح منه التصرفات التي فيها تبرع وخطر لأن المقصد تحصيل العتق فيحتاط له كمال الاحتياط، ولأن حق السيد غير منقطع عما في يده فإنه قد يعود إلى الرق بعجزه، هذا هو القول الاجمالي، وفي تفصيله صور قد قدمنا الكلام على بعضها وهو حكم بيعه وعتقه وإقراضه وهبته وقررنا أحكامها كمال التقرير، ولا فرق في البيع والشراء بين وقوعهما مع سيده وأجنبي لاشتراكهما في المقتضي ولما كان الواجب عليه أن يتحرى ما فيه الغبطة ومظنة الاكتساب فيلزمه أن يبيع بالحال لا بالمؤجل، لأن إخراج المال عن اليد بلا عوض في الحال تبرع مع اشتماله على الخطر سواء باع بالأقل أو بالأكثر أو بالمثل، وسواء استوثق بالرهن والكفيل أم لا، لجواز تقصير الكفيل وتلف الرهن.

نعم يجوز أن يبيع ما يساوي مائة نقدا وبمائة نسية، ويجوز أن يشتري نسية بثمن النقد ولا يرهن به فإنه قد يتلف وإن اشتراه بثمن النسية ففي جوازه وجهان بل قولان مأخوذان من اشتماله على التبرع ومن عدم التيقن.

وفرقوا هنا بين المكاتب والمولى حيث يبيع مال الطفل نسية ويرتهن للحاجة أو المصلحة الظاهرة فإن المراعى هنا كمصلحة الطفل والمولى منصوب لينظر له المصالح بخلافه هاهنا لأن المطلوب العتق والمراعى مصلحة السيد والمكاتب غير منصوب لينظر له، وربما قيل بمساواته للولي في مراعاته المصلحة خصوصا مع إعادة الضرورة إلى البيع والرهن كما في وقت النهب لما فيه من حفظ المال، ومتى باع أو اشترى فليس له قبض ما في يده حتى يتسلم العوض لأن رفع يده عن المال بلا عوض لا يخلو عن غرر، ولذلك لا يجوز له السلم لأنه يلزمه مقتضاه وهو تسليم رأس المال في المجلس وانتظار المسلم فيه سيما إذا كان الثمن مؤجل ومثله دفع المال مضاربة، نعم له أن يأخذه لأنه نوع تكسب.

السابعة والعشرون: قد ثبت أن المولى في معاملة

المكاتب له كالأجنبي مع


424

الأجنبي في الأحكام، فإذا صح للمكاتب دين على مولاه عن معاملة وكان للمولى عليه النجوم أو دين معاملة ففي التقاص تفصيل واختلاف لا يختص بالمولى والمكاتب.

وجملة القول فيه أنه إن اتحد الجنس والصفة فالمقاصة سواء كانا نقدين أو عرضين مثلين، وإن اختلف الجنس أو الوصف ولو بالحلول والتأجيل أو اختلاف الأجل أو كانا قيمتين لم يكن قهريا واعتبر التراضي ولا يفتقر معه إلى قبضهما ولا إلى قبض أحدهما، ومثل ما لو كان أحدهما نقدا والآخر عرضا والقول بالتفصيل الذي أشار إليه المحقق في الشرايع لشيخ المبسوط.

وبالجملة: أن الدينين إذا كانا نقدين قبض أحدهما دفعة عن الآخر، وإن كانا عرضين فلا بد من قبضهما معا، وإن كان أحدهما نقدا فقبض العرض ثم دفعه عن النقد جاز دون العكس وكأنه - قدس سره - قد جعل المقاصة بيعا، فتلحقها أحكامه من بيع الدين بالدين وبيع العرض قبل القبض و غيرهما.

الثامنة والعشرون: إذا اشترى أباه

فلا يخلوا إما أن يقع بإذن المولى أو بغير إذنه.

فإن كان بغير إذنه لم يصح لأن تصرف المكاتب مشروط بالغبطة و ما فيه الاكتساب، وربما قيل بالجواز لأنه اشترى مملوكا لا ضرر على المولى في شرائهولهذا كان كسبه، وإذا عاد المكاتب في الرق عاد المملوك المشتري كالأجنبي وهو ضعيف لأن صرف المال في ثمنه مع عدم جواز بيعه والتكسب به غير سائغ له وإن لم يعتق في الحال.

وإن كان بإذنه صح، وكذا لو أوصى له به أو وهب منه، فإن كان لا يقدر على التكسب لصغر أو زمانة وعجز وكان يلزمه نفقته لم يجز له قبوله لأن نفقته تلزم المكاتب حيث إنه مملوكه وإن لم تجب عليه نفقة القريب، وإن كان كسوبا يقوم بكفاية نفسه جاز قبوله، بل ربما مستحب لا ضرر عليه في القبول، ثم لا يعتق عليه في الحال لأن ملكه ضعيف، وإنما يعتق بعتقه ويرق برقه.

وليس له بيعه، ويكون له نفقته في كسبه، فإن فضل من كسبه فضل كان


425

ذلك المكاتب يستعين به في أداء النجوم لأنه بمنزلة العبد المملوك، ولو مرض أو عجز أنفق عليه المكاتب لأنه من صلاح ملكه، وليس هذا كالانفاق على أقاربه الأحرار، حيث يمنع منه لأن ذلك مبني على المواساة.

والمحقق - قدس سره - في الشرايع قد تردد في استرقاق القريب، ووجهالتردد ما ذكر سابقا ومن تشبثه بالحرية، وهذان الوجهان يجريان في ملك ولده، وهذا وجه يضعف لم يذكره غيره في المسألة احتمالا، فضلا عن القطع به والوجه القطع بتبعيته له في الاسترقاق والانعتاق.

التاسعة والشعرون: إذا جنى المكاتب على مواليه عمدا،

فإن كانت نفسا فالقصاص للوارث، فإن اقتص بطلت الكتابة كما لو مات، وإن عفا على مال أو كانت الجناية توجب المال تعلق الواجب بما في يده لأن حكم المولى مع المكاتب في جميع المعاملات كالأجنبي مع الأجنبي فكذلك يكون في الجناية.

وأما [ هل ] يلزم المكاتب الأرش فيه بالغا ما بلغ أو الأقل منه ومن قيمته ؟ ففيه قولان: من عموم قوله عليه السلام (1) " لا يجني الجاني على أكثر من نفسه " فلو طولب بأزيد من جنايته لم يجبر على أكثر من نفسه، ومن أنه كالحر في المطالبة ما دامت المكاتبة باقية خصوصا بالنسبة إلى المولى لأن رقة يمنع استحقاق المولى بمكاتبته لمال الجناية فلا يعتبر فيه مناسبة الحر ولم يكن الحكم باستحقاق المولى الأرش، وهو ظاهر اختيار المحقق في الشرايع حيث إطلق الأرش، والأقوى الأول.

ثم إذا وفي ما في يده بالأرش ومال الكتابة معا فقد وفي الحقين وعتقوإن قصر عنهما أو لم يكن في يده شئ وعجزه المولى وسقط الأرش إذ لا يثبت للمولى على مملوكه دين، بخلاف ما إذا عجزه الأجنبي فإن الأرش يكون متعلقا برقبته.

ولو أعتق المولى المكاتب بدون المكاتبة بعد جنايته أو أبر أمن النجوم فإن لم يكن

(1) التهذيب ج 10 ص 182 ح 9، الوسائل ج 19 ص 61 ب 33 ح 10.


426

في يده شئ سقط الأرش لأنه قد أزال الملك عن الرقبة التي كانت تتعلق الأرش باختياره ولا مال له غيرها، وفيه وجه آخر أنه لا يسقط لاستقلال المكاتب وثبوت حق المولى في ذمته، ولأن العتق يؤكد إن كان تعلق دين المولى به، بخلاف الرقية فإنها متنافية، والكتابة المتوسطة بينهما تصح بثبوت دين المولى، فالحرية أولى.

وإن كان في يده مال ففي تعلق الأرش به قولان: (أحدهما) لا، لأن الأرش كان متعلقا بالرقبة وقد تلفت.

(والثاني) نعم، وهو أظهرهما، لأن الأرش متعلق بالرقبة وبما في يده، ولو أدى النجوم فعتق لم يسقط الأرش قطعا كما لوجنى على أجنبي وأدى النجوم وعتق لو كانت جنايته على طرف المولى فله القصاص كما لو جنى على مملوكه.

وإذا جنى على أجنبي عمدا فإن عفا فالكتابة بحالها، وإن كانت الجناية على النفس واقتص الوارث كان كما لو مات.

وإن كان خطأ كان له فك نفسه بأرش الجناية ولو لم يكن معه مال فللأجنبي بيعه في أرش الجناية إلا أن يفديه السيد، فإن فداه فالكتابة بحالها.

ثم إن بيعه كله في الجناية مع استغراق الأرش لقيمته أجمع وإلا فيباع منه بقدر الأرش خاصة وتبقى الكتابة في الباقي، فإذا أدى حصته من النجوم عتق ذلك القدر، وحيث إن للمولى أن يفديه من ماله وتستديم الكتابة فعلى متسحق الأرش قبوله إن كانت الجناية خطأ، وإن كانت عمدا فالخيار للمجني عليه كالقن، وعلى تقديم اختياره فداه لا يستلزمه الاستمرار عليه بل له الرجوع عنه ويسلمه للبيع إلا إذا مات العبد بعد الاختيار أو باعه أو أعتقه فيكون التزاما بالفداء لأنه فوت بالاعتاق والبيع، والتأخير متعلق حق المجني عليه.

ولو فرض عتق المكاتب بأداء النجوم فعليه ضمان الجناية، ولا يلزم المولى فداؤهوإن كان هو القابض للنجوم لأنه يجبر على قبوله فالحوالة على المكاتب أولى.


427

وإذا جنى عبد المكاتب فإما أن يجني على أجنبي أو على سيده وهو المكاتب أو على سيد سيده وهو المكاتب فهاهنا أقسام: (الأول) أن يجني على أجنبي، فإن كان عمدا وهو مكاف له فله القصاص وإن عفا المستحق على المال أو كانت الجناية موجبة للمال تعلق برقبته فتباع

فيه إلا أن يفديه المكاتب.

وهل يفديه بالأرش أو بالأقل منه أو من قيمته ؟ قولان: فعلى القول بالأول - كما هو اختيار المحقق في الشرايع - فإن كان الأرش بقدر قيمته أو أقل فللمكاتب الاستقلال به، وإن كان أكثر لم يستقل به كما لا يستقل بالتبرعات، ثم الاعتبار بقيمة العبد يوم الجناية لأنه يوم تعلق الأرش بالرقبة.

وفيه وجه آخر وهو الاعتبار بقيمته يوم الاندمال، بناء على أن ذلك وقت المطالبة بالمال.

وثالث وهو اعتبارها يوم الفداء لأن المكاتب إنما يمنع من بيعه ويستديمالملك فيه له.

ورابع وهو اعتبار أقل القيمتين من يوم الجناية ويوم الفداء احتياطا للمكاتب وإيفاء للمال عليه.

والأوجه آتية كلهافي قيمة المكاتب نفسه إذا اعتبرت قيمته هذا في العبد المكاتب الذي لا يتكاتب عليه، فأما من يتكاتب عليه ويبيعه فيها كولده من أمته فليس له أن يفديه بغير إذن السيد.

(والثاني) أن يجني على سيده فله القصاص ولا يحتاج إلى إذن السيد، فإن كانت الجناية خطأ أو عفا على مال لم يجب إذ لم يثبت للمولى على عبده مال.

(الثالث) أن يجني على أجنبي فيباع في الأرش إلا أن يفديه المكاتب، وإذا جنى على جماعة فإن كان عمدا وكانت الجناية عليهم دفعة بأن قتل اثنيين فصاعدا بضربة واحدة أو هدم عليهم جدارا فلهم القصاص جميعا، والأرش في الخطأ.

وما يوجب


428

مالا فإن كان ما في يده وافيا بالجمع كان له الفك، وإلا تساووا في قيمته بالحصص، هذا إن أوجبنا الأرش بالغة ما بلغت.

وإن أوجبنا الأقل من أرش الجنايات كلها ومن قيمته تخاصوا فيه بالنسبة، ويستوي الأول والأخير في الأرش.

وفي القصاص مع التعاقب خلاف إلى قولين، أظهرهما مساواته للأرش فيشترك الجميع فيه ما لم يحكم به لأولياء الأول فيكون لمن بعده، وسيجئ تحقيقه في القصاص إن شاء الله تعالى.

ولو عفا بعضهم قسم على الباقين، ولو كان بعضها يوجب القصاص استوفي وسقط حق الباقين.

ولو عفا على مال شاركهم، ولو أعتقه المولى أو أبرأه من النجوم فعليه أن يفديه كما سبق، وإن أدى النجوم وعتق فضمان الجناية عليه وفي الذي يلزمهما من الأرش والأقل الخلاف السابق.

وإذا كان للمكاتب أب وهو رقه فقتل عبدا له لم يكن له القصاص لأنه لو قتل ولده لم يكن له قصاص، فأولى أن لا يثبت للولد قصاص على الوالد في قتل عبده.

ولو كان فيهم ابنه فقتل عبدا فله أن يقتص منه، وله أن يبيع ابنه وأباه إذا كانا في ملكه وجنيا على عبد آخر له جناية موجبها المال، فيه وجهان، أقواهما العدم لأنه لا يثبت له على عبده مال والأصل منع بيع الوالد.

ووجه الجواز أنه يستفيد بهحصول أرش الجناية.

وإذا جنى بعض عبيده على بعض فله أن يقتص فيما يوجب القصاص لأنه من مصالح الملك ولا يحتاج فيه إلى إذن السيد، وفيه قول ضعيف بتوقفه على إذنه.

ولو كانت جناية بعض عبيده على بعض خطأ فلا شئ لأنه لا يثبت له على ماله مال، ويخالف العبد في ذلك حكم المكاتب، حيث قد تقدم أن له أن يفدي نفسه من سيده بالأرش لو كان هو الجاني، والفارق بينهما كون المكاتب قد خرج عن محض الرقبة وصار له ذمة، بخلاف القن المحض فإنه لا ذمة له بالنسبة إلى المولى.


429

الثلاثون: لا تصح الوصية برقبة المكاتب

ما لا يصح بيعه لأن المكاتبة لازمة من جهة المولى فليس له التصرف في رقبته بنقض مكاتبته ولا بمنفعته، فلا تصح تلك الوصية لأنها تصرف في تمحض الرقبة كما لا يصح بيعه.

وكما لا تصح الوصية بعبد غيره فهو محجور عليه في هذا كله إلا أن يحصل ما يوجب فسخها كما لو قال: إن عجز مكاتبي هذا وعاد إلى الرق فقد أوصيت به لفلان مثل ما لو أوصى بثمرة نخله وحمل جاريته متجددين بعد الوصية.

ثمإن عجز فإراد الوارث إنظاره فللموصى له تعجيزه ليأخذه، وإنما يعجزه بالرفع إلى الحاكم الشرعي كما في المجني عليه.

ويمكن تقديم الوارث لأن الوصية له قد شرطت بفسخ كتابته ولم يحصل ذلك الشرط، وهذا كله إذا كانت الوصية معلقة على كتابته مطلقا.

أما لو كان قد قيدها بكونه هو الفاسخ اعتبر في صحتها عجزه في حياته.

والعلامة في التحرير جعل الاطلاق محمولا على عجزه في حياته وإنما يكتفي بها بعد موته عند التصريح به وهو غير واضح.

وأما الوصية بالنجوم على المكاتب فهي صحيحة وإن لم تكن مستقرة.

كما تصح الوصية بالحمل المتجدد وإن لم يكن حينئذ مملوكا، فإن أداها فهي لمن أوصى بها إليه، وإن عجز فللوارث تعجيزه وفسخ الكتابة وإن أنظره الموصى له.

وهل يملك الموصى له إبراءه عن هذه النجوم الموصى بها أم لا ؟ وجهان بل قولان، أجودهما ذلك لأنه حيث ملك الاستيفاء ملك الابراء.

ووجه العدم أن ما ملكه استيفاء النجوم ولم يملكه تفويت الرقبة على الورثة بهذا الابراء.

ولو أوصى لواحد برقبته ولشخص آخر صحت الوصيتان، ثم إن أدى المال أو ابرئ منه بطلت الوصية الاولى، وإن رق بطلت الوصية الثانية، لكن استرقاقه مشروط بفسخ الوارث كتابته، فإن امتنع وأمهله فالقولان السابقان.


430

واستوجه العلامة في التحرير عدم جواز استرقاقه للموصى له بدون فسخ الوارث، ولو كان الموصى له بالمال قد قبض منه شيئا فهو له، ولو اختلف الموصى له بالرقبة والموصى له بالمال في الفسخ عند حصول ذلك العجز وتحققه قدم صاحب الرقبة كما يقدم صاحب الرقبة على الوارث، هذا إن كان كاتبه مكاتبة صحيحة.

أما لو كاتبه مكاتبة فاسدة كانت لا أثر لها عندنا كما تقدم الكلام عليه، فإذا أوصى بما في ذمته لم يصح، لأنه لم يثبت له بها شيئا في ذمته، وإن أوصى برقبته صح كما لو أوصى برقبة عبده القن.

نعم لو أوصى بما يقبضه منه صح لأن الذي بقبضه منه ملكه بواسطة أنه كسب مملوكه لا من حيث إنه مال الكتابة، حتى لو صرح بالوصية بما يقبضه من مال الكتابة لم يصح كما لو أوصى بمال كتابته من دون القبض.

وظاهر إطلاق الأصحاب بل صريح بعضهم كالشيخ في المبسوط عدم الفرق في ذلك بين العالم بفساد تلك الكتابة والجاهل به نظرا إلى حقيقة المال وموافقة الوصية ملك الموصي.

ويحتمل الصحة في الجاهل لأن الجاهل بالفساد إذا أوصى بالرقبة فعنده أن ما يأتي به لغو، وقد تقدم في مواضع عديدة من كتاب الهبات أن من باع ما وهبه مع فساد الهبة أو باع مال مورثة معتقدا بقاءه فظهر موته أو أوصى برقبة معتقه فظهر فساد عتقه الخلاف هناك فليراجع، وإن كان الأقوى الفساد.

الحادية والثلاثون: أنه إذا قتل المكاتب

فهو كما لو مات، وإن جنى على طرفه عمدا وكان الجاني هو المولى فلا قصاص وعليه الأرش، وكذا إن كان أجنبيا حرا كان أو مملوكا ثبت فيه القصاص، وكل موضع يثبت الأرش فهو للمكاتب لأنه من كسبه.

وتفصيل هذه المسائل وتنقيحها بحسب الدليل هو أن المكاتب في الجناية عليه ذو حالات وصور لأنه إما أن يكون على نفسه أو على ما دونها، ففي الثاني له القصاص إن كانت توجبه، وليس للسيد منعه كالمريض يقتص ولا تعترض عليه الورثة، والمفلس يقتص ولا تعترض عليه الغرماء.


431

وفيه احتمال آخر بالمنع لأنه قد يعجز عن نفسه فيعود إلى المولى كمقطوع اليد مثلا بلا جابر، وعلى الأول فإن اقتص فذاك وإن عفا على مال ثبت المال.

لكن لو كان ذلك المال أقل من أرش الجناية أو عفا مجانا ففي نفوذه بغير إذن المولى قولان، أصحهما النفوذ بناء على أن موجب العمد القصاص لا الدية، وإن كانت الجناية موجبة للمال لم يكن له العفو بدون إذن المولى.

وإن عفا بإذنه ففيه القولان السابقان حيث ثبت المال لما دون النفس من الجناية فهو كسب من المكاتب، فيستعين به على أداء النجوم لأنه متعلق بعضو من أعضائه، فهو كالمهر تستحقه المكاتبة بوطئها ولأن كسبه له وهو عوض عما تعطل من كسبه بقطع العضو وما في معناه.

وإن كان الجناية نفسا بطلت الكتابة ويموت رقيقا.

ثم إن كانت قاتله المولى فليس عليه سوى الكفارة، وإن كان قد قتله أجنبي فللمولى القصاص مع المكافاة أو القيمة ويكون له كسبه بطريق الملك لا الارث ولو كان القتل السراية الجرح، و إن كان قبل أن يعتق منه شئ وقد أدىالجرح إلى المكاتب وجب عليه أن يكمل القيمة للمولى وإلا دفع إليه تمام القيمة.

أما إذا كان الجاني هو المولى سقط عنه الضمان وأخذ كسبه لأنه للمولى، وإن كانت السراية بعد ما عتق بأداء جميع النجوم فمع كون الجاني أجنبيا يجب تمام الدية على الجاني لأن الاعتبار بالضمان بحالة الاستقرار ويرثها من يرث ماله من أقاربه، فإن لم يكونوا له فالمولى أولى إن ثبت به، وإن كان الجاني هو المولى ثبت عليه تمام الدية أيضا، وهذا بخلاف ما لو جرح عبده القن ثم أجرى عليه عتقه ومات قبل السراية حيث لا ضمان هنا لأن ابتداء الجناية غير مضمون، وهاهنا ابتداؤها مضمون ولو حصل العتق بالأداء.

ولا يمنع من التقصاص كون الدية إبلا فإن الواجب في الابتداء نصف القيمة في مثل اليد، والتقاص إذا سرت الجناية بعد العتق فيجب الفاضل من الابل.


432

وإذا عفا المكاتب عن المال ولم يصحح عفوه على ما فضل ثم عتق قبل أخذ المال فهل له أخذه أم لا ؟ قولان، أصحهما نعم لأن عفوه وقع لاغيا.

ووجه العدم أن المانع كان حق غيره وقد زال كما لو عمد إلى ما غيره فباعه فضولا ثم ملكه،وهنا أولى بالصحة لأن الأرش ملكه، فأشبه حينئذ تصرف المفلس من الحجر.

ولو كان الجاني على طرف المكاتب عبده فله القصاص جزما، ولو كانت الجناية خطأ لم يثبت له عبده مال.

وإذا جنى عبد المولى على مكاتبه عمدا فأراد الاقتصاص فللمولى منعه، فلو كان خطأ فأراد الأرش كان له ولم يملك المولى منعه لأنه بمنزلة الاكتساب، ولو أراد إبراء توقف على رضا السيد - و هذا قول الشيخ في المبسوط - لبقاء الرقية المقتضية للسلطنة وكونه تصرفا ليس باكتساب وإلا تعين عليه.

وضعف بأن ذلك لو منع لمنع من الاقتصاص من عبد غير المولى لورود الدليل فيه.

واستوجه شهيد المسالك وقوى القول بجوازه لعموم آية القصاص وانقطاع سلطنة المولى عنه.

الثانية والثلاثون: (1) حيث إنه قد ثبت كون الكتابة لازمة من جهة المولى

فليس له التصرف في رقبته ومنفعته، لا تصح وصيته به كما لا يصح بيعه، كما لا تصح الوصية بعبد غيره.

نعم لو قال في وصيته: إن عجز مكاتبي هذا وعاد إلى الرق بعجزه فقد أوصيت به لفلان صح، كما لو أوصى بثمرة نخلته وحمل جاريته المتجددين بعد الوصية، ثم إن عجز فأراد الوارث إنظاره فللموصى له تعجيزهليأخذه وإنما يعجزه بالرفع إلى الحاكم الشرعي كما في المجني عليه، ويحتمل تقديم الوارث لأن الوصية له مشروطة بفسخ مكاتبته ولم يحصل الشرط، هذا كله حيث تكون الوصية معلقة على فسخ كتابته مطلقا.

أما لو قيدها بكونه هو الفاسخ اعتبر في صحتها عجزه حالة حياته، وجعل

(1) لا يخفى أن ما أفاده في هذه المسألة الى قوله " ويحتمل الفرق لان الجاهل.

" - آخر الصفحة القادمة - هو نفس ما ذكره في المسألة الثلاثين مع اختلاف في بعض الالف


433

العلامة في التحرير الاطلاق كالتقييد مترتبا على عجزه في حياته، وإنما يكتفى بها بعد موته لو صرح به، وهذا غير واضح لعدم التبادر عند الاطلاق.

أما الوصية بالنجوم على المكاتب فهي صحيحة وإن لم تكن مستقرة، كما تصح الوصية بالحمل وإن لم يكن مملوكا في الحال، فإن أداها فهي للموصى له وإن عجز فللوارث تعجزه وفسخ الكتابة وإن أنظره الموصى له.

وهل للموصى له إبراؤه من النجوم أم لا ؟ قولان أصحهما ذلك لأنه يملك الاستيفاء فيملك الابراء، ووجه العدم أنه إنما ملكه استيفاء النجوم ولم يملكهتفويت الرقبة على الورثة الحاصل بالابراء.

ولو أوصى لواحد برقبته إن عجز ولآخر النجوم صحت الوصيتان ثم إن أدى المال أو أبرأه منه بطلت الوصية الاولى، وإن رق بطلت الوصية الثانية، لكن استرقاقه مشروط بفسخ الوارث كتابته، فإن امتنع وأمهله جاء القولان السابقان.

واستوجه علامة التحرير فيه عدم جواز استرقاقه للموصى له بدون فسخ الوارث ولو كان الموصى له بالمال قد قبض منه شيئا فهو له، ولو اختلف الموصى له بالرقبة وبالمال في الفسخ عند العجز قدم صاحب الرقبة كما يقدم صاحبها على الوارث.

أما لو كاتبه مكاتبة فاسدة بأحد المفسدات الشرعية - حيث لا أثر لها البتة - ثم أوصى به جاز لأنه رقة غير محجور عليه في وصيته به.

أما لو أوصى بما في ذمته لم يصح، ولو أوصى بما قبضه منه صح لأن كسبه للمولى لا من حيث إنه مال الكتابة.

وظاهر إطلاق المحقق والأصحاب بل صريح الشيخ في المبسوط وغيره عدمالفرق في ذلك بين العالم بفساد الكتابة والجاهل به نظرا إلى حقيقة المال وموافقة الوصية ملك الموصي.

ويحتمل الفرق لأن الجاهل بالفساد إذا أوصى بالرقبة فعنده


434

إنما يأتي به إذا أوصى أن يوضع عن مكاتبة أكثر مما بقي عليه فهو وصية بالنصف وزيادة وللورثة المشتبهة في تعيين تلك الزيادة (1)، والأظهر كون ذلك الزائد على النصف من جملة الوصية لا ابتداء عطيته، فلا يعتبر فيها ما يعتبر في العطية بل في الوصية، وقصاراه أن يكون تعيين الوصية مفوضا إلى الوارث لا بهامه.

وهل يعتبر في الزيادة عن النصف أن تكون متمولة في نفسها أم يكفي التمول فيها بواسطة انضمامها إلى النصف ؟ وجهان، الأظهر منهما الثاني لأن التمول إنما يعتبر في الوصية وغيرها عند الاستقلال والانفراد، أما مع انضمام بعض الأجزاء إلى بعض فالمعتبر المجموع، وإلا لجرى عدم الصحة في الجميع لأن إجزاءه تبلغ حدا لا يتمول، والوصية هنا مجموع النصف والزيادة، لا بالزيادة وحدها.

ولو قال: ضعوا عنه أكثر ما بقي عليه ومثله فهو وصية بجميع ما عليه وزيادة لأن ما يزيد على النصف هو نصف الوصية فيكون مثله زائد على مجموعالمال، فيصح فيه ويلغو في الزائد.

ومثله ما لو قال: ضعوا أكثر ما عليه أو ما عليه وأكثر ونحو ذلك.

ولو قال: أكثر ما عليه ونصفه وضع عنه ثلاثة أرباع ما عليه وزيادة شئ، ولا يعتبر فيه أن يتمول ويقبل التنصيف الى ما يتمول.

وأما توهم اعتبار تمول الزيادة دون نصفها بناء على أن ما يتمول يصح أن يقال له نصف مقيد به وإن يتمول بخلاف نصف ما لا يتمول فهو فاسد، لما ذكرناه من أن الوصية بالمجموع لا بالزيادة منفردة سواء نصفها أم لا.

ولو قال: ضعوا عنه ما شاء أو ما شاء من مال الكتابة، فإن بقي منه شيئا فلا إشكال في الصحة، وإن شاء الجميع ففيه خلاف، فالشيخ في المبسوط على أنه لا يصح أما في الثاني فواضح لأن " من " للتبعيض، فكأنه قال في وصيته: ضعوا عنه بعض مال الكتابة، وأما في الأول فلأن " من " وإن لم تكن ظاهرة لكنها مقدرة، فإن

(1) كذا في النسخة، ولعل الصحيح " وللورثة تعيين تلك الزيادة المشتبهة ".


435

المعنى ضعوا من كتابته ما شاء.

وفيه نظر لأن تقدير " ما شاء من مال الكتابة " بمعنى التبعيض محتمل للتبيين فيصح تعلقها بالجميع.

نعم يمكن أن يقال إن " من " لما كانت مشترك بين التبعيض والتبيين كانت مبهمة فلا تدل على أحدهماإلا بالقرينة كما في كل مشترك، وحينئذ فالنقص معلوم على الاحتمالين والجميع مشكوك فيه لقيام الاحتمال فيرجع الأمر إلى معنى التبعيض وإن لم يحمل عليه بخصوصه، ولو عينت القرينة إرادة التبيين أو إرادة الجميع من غير تقدير " من " عمل بها، ولعلها موجودة في الصورة الاولى بإرادة ما يتناول الجميع.

وتوقف المحقق في ذلك بل يظهر منه أن الاعتبار بظاهر حال اللفظ، ولا يتأتى ذلك لو قال: ضعوا عنه النجوم.

وبالجملة: فصدور هذه الوصايا ممن لم يكن له تعمق في علم العربية يبعد هذه الاحتمالات ويتعين الحمل على ما هو المتعارف بين العوام.

والفروع في هذا المقام كثيرة، وإطالة البحث عنها مما تطول به المؤلفات مع كونها غير منصوصة، فلنقتصر على هذا القدر منها على أن أكثرها فروع العامة قد استحسنها الشيخ في المبسوط وجرى على وتيره جماعة من متأخري علمائنا.

الثلاثة والثلاثون: إذا أوصى بعتق المكاتب فمات وليس له سواه ولم تحل مال الكتابة يعتق ثلثه معجلا، ولا ينظر بعتق الثلث حلول مال الكتابة كما عليه بعض الشافعية لأنه إن أدى حصل للورثة المال وإذا عجز استرقوا ثلثه ويبقى ثلثاه مكاتبا، وذلك لأن المكاتب إذا أدى مال الكتابة عن الثلثين حصل للورثة المال وهو ضعف ما عتق وهو الذي منع من عتقه عند العامة، وإن عجز استرقوا ثلثيه وهو الضعف أيضا، فضعف الوصية حاصل على التقديرين وإن لم يكن متعين في أحد الأمرين.

هكذا أجاب المحقق عن ذلك.

وتنظر فيه ثاني الشهيدين في المسالك لأن الوارث ممنوع من التصرف فيما


436

حصل له قبل استقرار الأمر بتعين أحد الأمرين، والوصية نافذة بغير مانع، فما أورده العامة غير منسجم.

وإذا كاتب المريض عبده اعتبر من الثلث في المشهور لأنه معاملة على ماله بماله فجرت المكاتبة مجرى الهبة، وأما على المختار وهو أن المنجزات من أصل المال فلا بحث ولا كلام، وعلى الأول فإن خرج من الثلث نفذت الكتابة فيهأجمع وينعتق عند أداء المال.

وإن لم يكن سواه صحت في ثلثه وبطلت في الباقي.

وإنما علل بذلك لأنها وإن كانت معاوضة إلا أنها بحسب الصورة لا الحقيقة لأن كلا من العوض والمعوض من مال المولى والكسب تابع للمملوك فهي معاوضة على ماله بماله فكانت في معنى التبرع المحض، فلذلك اعتبرت من الثلث مع عدم الاجازة، بخلاف المعاوضة المشتملة على عوض يدخل في مال المالك من خارج كالبيع بثمن المثل والاجازة إذ ليس فيهما تفويت مال وإن اشتملت على تبديل الأعيان لأن المعتبر هو أصل المال دون خصوصيته، وبهذا يخالف ما إذا باع لنسية في مرض الموت بثمن المثل حيث يصح البيع في الجميع لأنه لو لم يبع لم يحصل له الثمن، وهنا لو لم يكاتب لم يحصل له كسبه.

وإذا تقرر ذلك وقلنا بأن المنجزات من الثلث اعتبرت قيمة العبد من الثلث، فإن لم يملك شيئا سواه وأدى النجوم في حياة المولى فإن كان مكاتبة له على مثلي قيمته عتق كله لأنه يبقى للورثة مثلاه، وإن كاتبه على مثل قيمته عتق منه ثلثاه لأنه إذا أخذ مائة وقيمته مائة فالجملة مائتان فينفذ التبرع في ثلث المائتين وهو ثلث المائة، ولو كاتبه على مثل قيمته وقبض نصف النجوم صحتالكتابة في نصفه، وإن لم يؤد حتى مات السيد نظر إن لم يجز الورثة ما زاد على الثلث فثلثه مكاتب، فإن أدى حصته من النجوم عتق.

ولو زاد في الكتابة بقدر نصف ما أدى وهو سدس العبد إذا كانت النجوم مثل قيمته وففيه وجهان، ووجه العدم أن الكتابة قد بطلت في الثلثين فلا تعود، وهذا


437

الذي جزم به المحقق ومن تأخر عنه.

ووجه الزيادة زيادة ما صار بيد الوارث فكان لو ظهر دفين للميت أو نصب شبكة في الحياة فوجد فيها صيد بعد الموت فإنه يزاد في الكتابة لذلك.

والأول أقوى لا نطباقه على القواعد الشرعية ظاهرا.

المقصد التاسع في أحكام الاستيلاد لأنه أحد الأسباب الموجبة للعتق نصا وفتوى، وفيه مسائل: الاولى: في به يتحقق وبيان شرائطه المتوقف تحققه عليها، وهو يتحقق بعلوق أمته منه وهو في ملكه، ويدخل في العلوق ما إذاولدته تاما وناقصا مضغة وعلقة لا نطفة في الأصح لعدم اليقين بكونها مبدأ للنشر واستعدادهاللصورة الانسانية بخلاف اختيها، واستصحابا لحكم الأمة الثابت بيقين وفائدة غير الحي إبطال التصرف المخرج عن الملك والواقع زمن الحمل وانقضاء المدة من الأمة والحرة من الزوج والشبهة وهي لا تخرج عن الملك ما دام سيدها حيا بالنص والاجماع.

ففي صحيحة زرارة (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألته عن ام الولد فقال: أمه ".

ومثله حسنه (2) كما في الكافي.

وفي مرسل ابن أبي عمير (3) " أنه سئل عن ام الولد أيقع عليها سيدها ؟ قال: نعم ".

وفي صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع (4) " قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل

(1) الفقيه ج 3 ص 82 ح 1، الوسائل ج 16 ص 123 ب 1 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 19 ح 1.

(3) التهذيب ج 7 ص 481 ح 138، الوسائل ج 6 ص 86 ب 1 ح 8 وفيها " سئل عن المدبرة ".

(4) التهذيب ج 8 ص 206 ح 35، الوسائل ج 16 ص 123 ب 1 ح 2 وفيهما" وهبه لها ".


438

يأخذ من أم ولده شيا وهبه له بغير طيب نفسها من خدم أو متاع، أيجوز ذلك له ؟ فقال: نعم إذا كانت ام ولده ".

الثانية: هل يشترط في تحقق الاستيلاد

كون الولد حرا حال العلوق أم لا ؟ الأشهر والأظهر اشتراطه، بل لم ينقل فيه خلاف لأن الاستيلاد إنما ثبت لها تبعا لحرية الولد، وإلى ذلك أشارت الأخبار الآتي ذكرها لقوله عليه السلام في بعضها " جارية أعتقها ولدها " فلو كان مملوكا إما لكون الواطئ عبدا حالة الوطء والحمل أو باشتراط الرقية في ولد الحر، وقد وقع الخلاف فيما إذا أولد أمة غيره ولدا حرا بأن تزوجها في حال حريته ولم يشترط الرقية ثم ملكها بعد ذلك عملا بالأصل، والشك في السبب بأن الاستيلاد لم يثبت في الحال فلا يثبت بعد مؤيدا.

ولصحيحة ابن مارد (1) عن الصادق عليه السلام " في الرجل يتزوج الأمة فتلد منه أولادا ثم يشتريها فتمكث عنده ما شاء الله ولم تلد منه بعد ما ملكها ثم يبدو له في بيعها، قال: هي أمته إن شاء باع ما لم يحدث عنده حمل بعد ذلك، وإن شاء أعتقهاولا يمنع منه الوطء المحرم لعارض كما لو وطأ الأمة المرهونة عن الغير فحملت صارت ام ولد لوجود المقتضي له وهو علوقها في ملكه وانتفاء المانع إذ ليس إلا كونها مرهونة والرهن لم يخرجها عن ملكه، وإن حظر عليه التصرف فإن الاستيلاد يجامع الوطء المحرم بالاتفاق كما لو وطأ حالة الحيض والاحرام ووطأ المشتركة.

ومقتضى حكمهم بدخولها في حكم امهات الأولاد تحريم بيعها على المرتهن وذلك في معنى بطلان الرهن، وهو أحد الأقوال في المسألة، وبه صرح المحقق في كتاب الشرايع في كتاب الرهن منه لعموم النهي عن بيع امهات الأولاد، بل

(1) التهذيب ج 7 ص 482 ح 148، الوسائل ج 6 ص 125 ب 4 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.


439

جاء في صحيحتي محمد بن مسلم (1) والحلبي (2) جواز وطء الراهن حالة الرهانة لأمته فيما بينه وبين الله عز وجل وإن كان له المنع ظاهرا.

وقد عمل بهاتين الصحيحتين بعض المحدثين من مشايخنا وحملها الأكثر على التقية.

وفيه قول آخر أنه لا تبطل الرهانة ويقم حق المرتهن لسبقه، وهذا هو الأقوى، فيصير من المسائل المستثناة من المنع من بيع ام الولد.

الثالثة: لا يشرتط الاسلام في المستولد

للعمومات، فلو أولد الكافر أمته لحقها حكم امهات الأولاد، لكن لو أسلمت قبله تعارض تحريم بيع ام الولد وتحريم بقاء المسلم في ملك الكافر الموجب لحصول السبيل عليه المنفي آية ورواية، فيجب إزالة السبيل عن ام الولد المسلمة.

وقد اختلف كلام الشيخ وغيره في مزيله، ففي المبسوط: تباع وتكون مستثناة من المنع وهو الذي اختاره المحقق في الشرايع بل في أكثر كتبه، واختاره العلامة وإن كان له قول آخر سيأتي ذكره.

وقال الشيخ في الخلاف، تجعل عند امرأة مسلمة تتولى القيام لها جمعا بين الحقين لأن الاستيلاد مانع من البيع ولا سبيل إلى بقاء السبيل، فيجمع بينهما بذلك.

وللعلامة قول ثان أنها تستسعى لأن العتق والحيلولة إضرار بذلك والبيع منهي عنه والسبيل واجب الازالة فوجب الاستسعاء، وهذا مما يوجب الاكتفاء بالكتابة بطريق أولى لأنها تقطع تصرف المولى كما مضى بخلاف الاستسعاء، فالأول أقوى لأن الحق فيه لله تعالى لا للمملوك،فلو رضي ببقائه في ملك الكافر لم يجب إليه.

الرابعة: لا يشترط في الأمة المستولدة أن تكون خالصة للمستولد

بل يثبت الاستيلاد ولو في المشتركة كما تقدم في النكاح وأحكام الأولاد، لأن الموطئ لها على تلك الحال لم يكن زنا بل معصية يستحق عليها التعزير ويلحق به الولد وتقوم

(1) الكافي ج 5 ص 237 ح 20، الوسائل ج 13 ص 133 ب 11 ح 1.

(2) الكافي ج 5 ص 235 ح 15، الوسائل ج 13 ص 133 ب 11 ح 2.


440

عليه الام والولد يوم سقط حيا، وتتعلق بها أحكام ام الولد، وكذلك المشتر كان لو وقعا عليها في طهر واحد فأولدها ثم اقرع بينهما فخرج الولد لأحدهما فأنها تكون ام ولد بذلك ويغرم حصة الشريك الآخر من المولد والام.

ففي صحيح أبي بصير (1) عن أبي جعفر عليه السلام كما في الفقيه وحسنه كما في الكافي عن أبي جعفر عليه السلام " قال: بعث رسول الله صلى الله عليه واله عليا عليه السلام إلى اليمن فقال له حين قدم: حدثني بأعجب ما ورد عليك، قال: يا رسول الله أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطؤوها جميعا في طهر واحد فولد غلاما فاختلفوا فيه كلهم يدعيه فأسهمتبينهم فجعلته للذي خرج سهمه وضمنت نصيبه ".

ومرسلة عاصم بن حميد (2) وصحيح معاوية بن عمار (3) وخبره عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إذا وطأ رجلان أو ثلاثة جارية في طهر واحد فولدت فادعوه جميعا أقرع الوالي بينهما، فمن قرع كان الولد ولده وترد قيمة الولد على صاحب الجارية ".

ولا يلزم من ذلك نفي الضمان لقيمة الولد لا دعاء كل واحد منهم أنه ولده وأنه لا يلحق بغيره، ولازم ذلك أنه لا قيمة له على غيره من الشركاء، بخلاف ما لو كان الواطئ واحدا فإن الولد محكوم بلحوقه به.

ولما كان من نماء الأمة المشتركة جمع بين الحقين بإغرامه قيمة الولد لهم وإلحاقه به لأنا نقول: إن الروايات قدصرحت بذلك فإن صحيحة معاوية بن عمار مصرحة بالغرم في الولد بخصوصه غير متعرض للام، فبطل ما قيل في هذه

(1) الكافي ج 5 ص 491 ح 2، الفقيه ج 3 ص 54 ح 11، الوسائل ج 18 ص 188 ب 13 ح 6 وج 14 ص 567 ب 57 ح 4 ما في المصادر اختلاف يسير.

(2) التهذيب ج 6 ص 238 ح 16، الوسائل ج 18 ص 188 ب 13 ح 5.

(3) الفقيه ج 3 ص 52 ح 4، التهذيب ج 8 ص 169 ح 14، الوسائل ج 14 ص 566 ب 57 ح 1.


441

الصحيحة من عدم الدلالة بحمل النصيب المضمون للشريك على النصيب من الام لأنه من النصيب الواضح لهم باتفاق الجميع.

وقد عرفت ما فيه بعد ثبوت النص المذكور في الولد بالخصوص وإن كانت هذه الرواية الاخرى غير صريحة في الولد بالخصوص.

ولا فرق في هذا الوطء الصادر من الشريكين أو من الشركاء بين كونهم عالمين بتحريمه أو جاهلين.

وبالجملة: فحكم كل واحد بالنسبة إلى هذا الولد كولده من الأمة الموطوءة المنفردة من حيث الحكم باللحوق وصيرورتها ام ولد فتلحقها أحكام أم الولد من العتق وغيره كما سيجئ تفصيله، وفي هذه الأخبار دلالة على شمول الحكم لأمة الكافر والمسلم كبقية أخبار الباب الواردة في ام الولد فإنها مطلقة.

الخامسة، قد عرفت مما سبق أن ام الولد مملوكة لسيدها ما دام حيا ولا تتحرر بمجرد موت المولى بل من نصيب ولدها كما سيجئ، لكن لا يجوزللمولى بيعها ما دام ولدها حيا إلا في ثمن رقبتها إذا كان دينا على المولى، وفي مواضع مخصوصة تقدم عليها في البيوع بعضها منصوصة وبعضها غير منصوصة، وليس مولاها ممنوعا من سوى البيع ونحوه من وجوه النقل عن ملكه فيجوز له إجارتها وتزويجها وتحليلها للغير ووجوب نفقتها وغير ذلك من الأحكام، ولا فرق في جواز بيعها في ثمن رقبتها بين حياته أو بعد موته.

ففي صحيحة عمر بن يزيد (1) عن أبي أبراهيم عليه السلام " قال: قلت له: أسألك ؟ قال: سل، قلت: لم باع أمير المؤمنين عليه السلام امهات الأولاد ؟ فقال: في فكاك رقابهن، قلت: وكيف ذاك ؟ قال: أيما رجل اشترى جارية فأولدها ثم لم يرد ثمنها ولم يدع من المال ما يؤدى عنه بيعت وأدى ثمنها، قلت: فتباع فيما سوى ذلك من الدين ؟ قال: لا "

(1) الفقيه ج 3 ص 83 ح 6، الوسائل ج 16 ص 124 ب 2 ح 1 وفيهما " ثم لم يؤد ثمنها - أخذولدها منها وبيعت ".


442

ومثله صحيحته الاخرى (1) إلا أنه قال أخذ ولدها منها وبيعت ".

السادسة: أن ام الولد إذا مات ولدها قبل أبيه

فهي أمة لا تنعتق بموت سيدها ويجوز بيعها باتفاق.

ويدل عليه من الأخبار خبر أبي مخلد السراج (2) " قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لاسماعيل وحقيبة والحارث النصري: اطلبوا لي جارية من هذا الذي تسمونه كذبا نوجة تكون مع ام فروة، فدلونا على جارية رجل من السراجين وقد ولدت له ابنا ومات ولدها، فأخبروه بخبرها فأمرهم فاشتروها، وكان اسمها رسالة فحول اسمها وسماها سلمى، فزوجها سالما مولاه فهي ام حسين بن سالم ".

وفي صحيحة وهب بن عبد ربه (3) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل زوج عبدا له من ام ولد له ولاولد لها من السيد، ثم مات السيد، قال: لا خيار لها على العبد هي مملوكة للورثة ".

وفي خبر أبي بصير (4) عن أبي عبد الله عليه السلام " في رجل اشترى جارية يطأها فولدت له ولدا فمات ولدها، قال: " إن شاؤا باعوها في الدين الذي يكون على مولاها من ثمنها، وإن كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه ".

ولو بقيت حاملا حتى مات مولاها ثم ولدت ولو سقطا انعتقت من سهمولدها.

ويدل على ذلك صحيح محمد بن مسلم (5) عن أبي جعفر عليه السلام: " في حديث أنه

(1) الكافي ج 6 ص 193 ح 5، الوسائل ج 16 ص 124 ب 2 ح 2.

(2) الكافي ج 6 ص 197 ص 15 وفيه " لاسماعيل حقيبة "، الوسائل ج 16 ص 126 ب 5 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 206 ح 34، الوسائل ج 16 ص 127 ب 5 ح 4.

(4) الكافي ج 6 ص 192 ح 4، الوسائل ج 16 ص 126 ب 5 ح 2.

(5) الفقيه ج 3 ص 287 ح 12، الوسائل ج 16 ص 124 ب 3 ح 1 وفيهما " عن أبى عبد الله عليه السلام ".


443

قال في جارية لرجل كان يأتيها فأسقطت سقطا منه بعد ثلاثة أشهر قال: هي ام ولد ".

وخبر أبي البختري (1) كما في قرب الأسناد عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام " قال: إذا سقطت الجارية من سيدها فقد عتقت ".

السابعة: إذا مات مولى ام الولد وولدها حي

وكان ولدها وارث أبيهوترك ما يقوم حصته بثمن امه جعلت في نصيب ولدها وعتقت عليه، ولو لم يكن سواها عتق نصيب ولدها منها وسعت في الباقي.

وظاهر الأصحاب في أكثر مؤلفاتهم القطع بهذا الحكم من غير فرق بين كون ولدها صغيرا أو كبيرا، ولا يتوقف عتقها على عتق ولدها بصيغة مستقلة بعد بلوغه أو تميزه وكونه يحسن الصيغة، نظرا إلى الاطلاق في كثير من الأخبار.

وذهب الصدوق في المقنع ووالده في الرسالة التي عملها لابنه أنه إذا كان صغيرا قومت عليه وحسب ثمنها من ميراثه، ولا تنعتق بمجرد ذلك التقويم بل تبقي ملكا لولدها إلى أن يبلغ فيكون هو الذي يعتقها، فإن مات ولدها قبل البلوغ ورثها وارثه.

واختار هذا المذهب شيخنا صاحب كتاب الأحياء، وتردد شيخنا صاحب كتاب الحدائق في هذا الحكم من أصله لتعارض المشهور وهذه الأدلة الناطقة بذلك.

والأقوى ما اختاره شيخنا صاحب الأحياء وقبله الصدوقان لأن الأدلة الدالة على ذلك التفصيل أصح سندا وأكثر عددا، مع أن عارضها ضعيف الأسناد مطلقا في المراد بمعزل عن التنصيص قابل للتقييد والتخصيص، أسانيده غير نقية قابل للحملعلى التقية لا جماع العامة عليه.

وها أنا أسوق لك الأخبار من الطرفين لينكشف لك الحق من القولين، وإن كان القول المشهور كاد أن يكون إجماعيا حيث إن الأكثر لم يتعرضوا لما نقلناه عن الصدوقين.

(1) قرب الاسناد ص 74، الوسائل ج 16 ص 125 ب 3 ح 2.


444

فمن أدلة المشهور مقطوعة يونس (1) " حيث قال في ام ولد: إن كان لها ولد وليس على الميت دين فهي للولد، وإذا ملكها الولد فقد عتقت بملك ولدها لها، وإن كانت بين شركاء فقد عتقت من نصيب ولدها وتستسعى في بقية ثمنها ".

وخبر أبي البختري (2) المتقدم عن قرب الأسناد وقد مر عن قريب لأن فيه " إذا سقطت الجارية من سيدها فقد عتقت ".

وخبر الوليد بن هشام (3) " قال: قدمت من مصر ومعي رقيق فمررت بالعاشر فسألني فقلت: هم أحرار كلهم، فدخلت المدينة ودخلت على أبي الحسن عليه السلام فأخبرته بقولي للعاشر، فقال: ليس عليك شئ، فقلت: إن فيهم جارية قد وقعت عليها وبها حمل، قال: لا بأس، أليس ولدها الذي يعتقها إذا هلك سيدها صارتمن نصيب ولدها ؟ " وخبر أبي بصير (4) المتقدم عن أبي عبد الله عليه السلام " قال: إن كان لها ولد قومت على ولدها من نصيبه ".

وأما الأخبار الواردة بما قلناه من التفصيل فصحيح محمد بن قيس (5) المروي في الفقيه عن أبي جعفر عليه السلام " قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام أيما رجل ترك سرية لها ولد وفي بطنها ولد لها، فإن كان أعتقها ربها عتقت، وإن لم يعتقها حتى توفي فقد سبق فيها كتاب الله، وكتاب الله أحق، فإن كان لها ولد وترك مالا جعلت في نصيب ولدها ويمسكها أولياء بها حتى يكبر الولد، فيكون هو الذي

(1) الكافي ج 6 ص 193 ح 6، الوسائل ج 16 ص 126 ب 5 ح 3.

(2) قرب الاسناد ص 74، الوسائل ج 16 ص 124 ب 3 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 227 ح 48، الوسائل ج 16 ص 71 ب 60 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(4) الكافي ج 6 ص 192 ح 4، الوسائل ج 16 ص 126 ب 5 ح 2.

(5) الفقيه ج 3 ص 83 ح 7، الوسائل ج 16 ص 68 ب 56 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.


445

يعتقها إن شاء، ويكونون هم يرثون ولدها ما كانت أمة، فإن أعتقها ولدها أعتقت، وإن توفي عنها ولدها ولم يعتقها فإن شاؤا أرقوا وإن شاؤا أعتقوا ".

وصحيح عبد الله بن سنان (1) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يموت وله ام ولد له منها ولد، أيصلح للرجل أن يتزوجها ؟ فقال: أخبرت أن عليا عليه السلام أوصى في امهات الأولاد اللاتي كان يطوف عليهن، من كان لها ولد فهي من نصيب ولدها، ومن لم يكن لها ولد فهي حرة، وإنما جعل من كان لها ولد من نصيب ولدها كي لا تنكح إلا بإذن أهلها ".

وفي صحيحة اخرى لمحمد بن قيس (2) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل ترك جارية وقد ولدت منه ابنة وهي صغيرة، غير أنها تبين الكلام، فأعتقت امها، فخاصم فيها موالى أبي الجارية فأجاز عتقها ".

وفي صحيح آخر له (3) أيضا عن أبي جعفر عليه السلام " في رجل توفي وله جارية وقد ولدت منه بنتا " ثم ذكر مثل الحديث الأول من غير أن يسنده إلى قضاء أمير المؤمنين عليه السلام.

وفي صحيح آخر له (4) كما في التهذيب " قال: قضى علي أمير المؤمنين عليه السلام فيرجل توفي وله سرية لم يعتقها، قال: سبق كتاب الله، فإن ترك سيدها مالا تجعل في نصيب ولدها ويمسكها أولياء ولدها حتى يكبر ولدها فيكون المولود هو الذي يعتقها، ويكون الأولياء الذين يرثون ولدها ما دامت أمة، فإن أعتقها ولدها فقد عتقت، وإن مات ولدها قبل أن يعتقها فهي أمة، إن شاؤا أعتقوا وإن شاؤا استرقوا ".

وحمل هذه الأخبار الشيخ في التهذيبين على ما إذا كان ثمن الجارية دينا

(1) الفقيه ج 3 ص 82 ح 3، الوسائل ج 16 ص 127 ب 5 ح 5 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 3 ص 82 ذيل ح 7، الوسائل ج 16 ص 58 ب 56 ح 2 وفيهما اختلاف يسير (3) لم نعثر عليه.

(4) التهذيب ج 8 ص 239 ح 97، الوسائل ج 16 ص 128 ب 6 ح


446

على صاحبها ولم يقض من ذلك شيئا، مستدلا بخبر وهب بن حفص عن أبي بصير (1) " قال: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى جارية فولدت منه ولدا فمات، قال: إن شاء أن يبيعها باعها، وإن مات مولاها وعليه دين قومت على ابنها، فإن كان ابنهاصغيرا انتظر به حتى يكبر ثم يجبر على قيمتها، فإن مات ابناه قبل امه بيعت في ميراث الورثة إن شاء الورثة ".

وفيه نظر، لأن تلك الأخبار المتقدمة نص في انتفاء الدين ونهوض حصة الولد بثمن رقبتها، وأنها تبقى على الملك لابنها حتى إلى أن يكبر أو يبين الكلام مع حصول التمييز بحيث يجري عليها عتقا بصيغة مستقلة تدل على عتقها فكيف يجزي فيها هذا التأويل.

وأما خبر أبي بصير فهو بالدلالة على نقيض المدعى أشبه لقوله " فإن كان ابنها صغيرا انتظر به حتى يكبر " على أنه قد اشتمل على ما لم يقل به أحد سوى الشيخ في النهاية وكتابي الأخبار من إلزام الولد بثمن رقبتها وإن لم يترك أبوه شيئا.

ولهذا قال المحقق في الشرايع مشيرا إلى هذه الرواية في أحكام ام الولد وفي رواية " تقوم على ولدها إن كان مؤسرا " وهي مهجورة.

وقال ثاني الشهيدين في المسالك: وعمل بمضمونها الشيخ في النهاية وفي سندها ما لا يخفى، وهي مع ذلك مهجورة العمل عند غير الشيخ في النهاية، وقد رجع عنه في غيرها، فالمذهب عدم التقويم.

والذي يؤيده ما قلناه ما جاء في الأخبار الدالة على عتق القرابة بالانتقال إليه بالبيع ونحوه أنها واردة في الرجل والمرأة وهما لا يقالان إلا على البالغين فلا يدخل الصغير، ومع ذلك فقد صرحوا بالخلاف، وهنا غفلوا عن الخلاف في ام الولد.

فتبين لك بهذا التحقيق الأنيق أن ام الولد مادام ولدها صغيرا غير مميز

(1) التهذيب ج 8 ص 239 ح 98، الوسائل ج 16 ص 129 ب 6 ذيل ح 4


447

فهي في حكم الرقين إلى أن يعتقها الولد.

وأما ما جاء في صحيح زرارة (1) عن أبي جعفر عليه السلام " قال: سألته عن ام الولد، قال: أمة تباع وتوهب وتورث، وحدها حد الأمة " محمول على ما قبل عتق ولدها لها كما تدل عليه هذه الأخبار، فيجب إرجاع كل خبر دل على عتقها بمجرد الارث إلى هذا التفصيل حملا للمطلق على المقيد والمجمل على المبين وليس للتوقف في المسألة وجه بعد ورود هذه الصحاح الصراح التي قد اعتمدها الصدوقان بمجرد مخالفة الشهرة، إذ رب مشهور لا أصل له.

والعجب من المحدثين من متأخري متأخرى علمائنا كمحدث الوسائلمحدث الوافي كيف اعتمدوا جمع الشيخ بين الأخبار وركنوا إلى ذلك المحمل البعيد مع كونهم من هذه الأخبار بمرأى ومسمع ومنتد ومجمع، لكن حسن الظن بمن تقدم عليهم أوجب لهم الركون إليهم، ونحن لا يغنينا التقليد والاتباع بعد الوقوف على هذه الأخبار الساطعة المنار وليست مخالفة للاجماع وإن خالفت الاشتهار، فالاعتماد على مضمونها في الفتوى والاحتياط لمالك امهات الأولاد أن ينجز عتقها خروجا من هذا الخلاف، والله العالم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وإنما بسطنا لسان الأقلام لأن هذه المسألة من المهام ومن المسائل التي نسجت عليها عناكب الابهام ووقفت دون تحقيقها جياد علمائنا الاعلام، ونسأل الله الاعتصام والهداية إلى حقيقة الحق في الأحكام ومسائل الحلال والحرام.

الثامنة، قد تقدم في كتاب الوصايا أن السيد إذا أوصى لام ولده بمال فهو من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأصحاب لاختلاف الأخبار.

فقيل: تعتق في نصيب ولدها كسائر امهات الأولاد التي لم يوص لهم بشئ ويعطى الوصية أجمع.

(1) الكافي ج 6 ص 191 ح 1، الوسائل ج 16 ص 123 ب 1 ح 1.


448

وقيل: تعتق من الوصية فإن فضل منهما شئ عتق من نصيب ولدها، وإن نهضت به الوصية وزادت دفع إليها.

والأخبار الواردة في المسألة أكثرها صريح فيما ذهب إليه الصدوق من عتقها من الثلث ودفع الوصية إليها.

ففي صحيح البزنطي (1) " قال: نسخت من كتاب بخط علي عليه السلام: فلان مولاك توفي ابن أخ له وترك ام ولد له فأوصى لها بألف، هل تجوز الوصية ؟ وهل يقع عليها عتق ؟ وما حالها ؟ رأيك فدتك نفسي، فكتب عليه السلام: تعتق من الثلث ولها الوصية ".

وصحيحة أبي عبيدة (2) " قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل كانت له ام ولد وله منها غلام، فلما حضرته الوفاة أوصى لها بألفي درهم أو أكثر، للورثة أن يسترقوها ؟ فقال: لا، بل يعتق من ثلث الميت وتعطي ما أوصى لها به ".

وخبر الحسين بن خالد الصيرفي (3) عن أبى الحسن الماضي عليه السلام " قال: كتبت إليه في رجل مات وله ام ولد وقد جعل لها شيئا في حياته ثم مات، قال: فكتب لها ما أثاب به سيدها في حياته ".

ومرسلة محمد بن يحيى (4) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام " في ام الولد إذا مات عنها مولاها وقد أوصى لها: قال: تعتق من الثلث ولها الوصية ".

وليس في الباب ما يعارض هذه الأخبار موافقا لمذهب المشهور من عتقها من مال الوصية ودفع الباقي إليها أو عتقها من مال الولد ودفع الوصية إليها سوى ما

(1) الكافي ج 7 ص 29 ح 1، الوسائل ج 13 ص 469 ب 81 ح 1 وفيهما " بخط أبى الحسن عليه السلام - ام ولد له ليس لها ولد ".

(2) الكافي ج 7 ص 29 ح 4، الوسائل ج 13 ص 470 ب 82 ح 4.

(3) الكافي ج 7 ص 29 ح 2 وفيه " ما أثابها به "، الوسائل ج 13 ص 469 ب 82 ح 2 و فيه " ما أمر سيدها ".

(4) الكافي ج 7 ص 29 ح 3، الوسائل ج 13 ص 470 ب 82 ح 3 وفيهما " عمن ذكره عن أبى الحسن - تعتق في الثلث ".


449

وجد في كتاب العباس (1) مرسلا " قال: تعتق من نصيب ابنها وتعطى من ثلثه ما أوصى لها به " وهو خبر ضعيف غير معتد به موافقا لمذهب العامة.

وبالجملة: فقول الصدوق هو أقوى الأقوال الثلاثة، ومع ذلك لم يتعرضوا له في الأقوال بل رجعوا قوله إلى قول المشهور وحملوا أخباره وهو عتقها من الثلث على عتقها من الوصية لأن الوصية من الثلث، ويدفعه تصريحها بأن العتق من الثلث والدفع لها كمال الوصية، وبهذا تبين لك أن مذهب المشهور لا مستند له.

التاسعة: إذا جنت ام الولد خطأ على أحد

تعلقت الجناية برقبتها وعلى المولى فكها، و اختلفوا بما ذا يفكها إلى قولين، وكلاهما للشيخ.

ففي المبسوط يفديهما بأقل أمرين من قيمتها وأرش الجناية لأن الاقل إن كان هو الأرش فظاهر، وإن كان القيمة فهي بدل العين فيقوم مقامها، والجاني لا يجني على أكثر من نفسه، و المولى لا يعقل مملوكه فلا يلزمه الزائد.

وفي الخلاف يفديها بأرش الجناية بالغا ما بلغ إن لم يسلمها لتعليقه قيمتها وربما رغب فيها راغب بالزيادة، و هذا هو مختار المحقق، والأول هو أشهر وأقوى.

للشيخ في المبسوط قول ثالث وهو المنصوص أن أرش جنايتها على سيدها لمنعه من بيعها بالاستيلاد، ويدل عليه خبر مسمع بن عبد الملك (2) عن الصادق عليه السلام " أنه قال: ام الولد جنايتها في حقوق الناس على سيدها، ومتى كان من حقوقالله تعالى في الحدود فإن ذلك على بدنها ويقاص منها للماليك ".

وعليه المعتمد لأن ذينك القولين ليس لها مستند سوى الاعتبار وهو لا يعارض الأخبار.

العاشرة: قد جاء في صحيحة محمد بن قيس (3) عن أبي جعفر عليه السلام " في وليدة

(1) الكافي ج 7 ص 29 ذيل ح 4، الوسائل ج 13 ص 470 ب 82 ح 4.

(2) التهذيب ج 10 ص 154 ح 51، الوسائل ج 18 ص 587 ب 14 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(3) التهذيب ج 10 ص 143 ح 28، الوسائل ج 18 ص 550 ب 4 ح 5 وفيهما اختلاف يسير.


450

نصرانية فأسلمت عند رجل فأولدت لسيدها غلاما ثم إن سيدها مات فأصابها عتاق السرية فنكحت رجلا نصرانيا دبرانيا فهو العطار فتنصرت ثم ولدت ولدين وحملت آخر، فقضى فيها أن يعرض عليها الاسلام فأبت، قال: ما ولدت من ولد فإنه لابنها من سيدها الأول، وأحبسها حتى تضع ما في بطنها، فإذا ولدت فاقتلها ".

وحملت آخر، فقضى فيها أن يعرض عليها الاسلام فأبت، قال: ما ولدت من ولد فإنه لابنها من سيدها الأول، وأحبسها حتى تضع ما في بطنها، فإذا ولدت فاقتلها ".

وهي رواية شاذة قد اشتملت على أحكام مخالفة للقواعة لأن استراق أولادها لابنها من المسلم لا تنطبق عليه قاعدة، وقتل المرأة في الارتداد غير ثابت في مذهبنا ولهذا قال الشيخ في النهاية: إنها تجرى عليها أحكام الارتداد وينفى ولدها على الحرية، وكأنه مطرح لهذه الرواية بالكلية فتقتصر على محلها، ولا يتعدى حكمها لغيرها كما هو شأن القضايا الجزئية الواردة في كتاب القضاء عن أمير المؤمنين عليه السلام.

تم الجزء الأول من " عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة " حسب تجزئتنا بحمد الله ومنه وسيليه - إن شاء الله - الجزء الثاني منه أوله " كتاب الاقرار " سائلين الله عز شأنه أن يوفقنا لنشر أحكامه بحق سيدنا محمد وآلهوحملت آخر، فقضى فيها أن يعرض عليها الاسلام فأبت، قال: ما ولدت من ولد فإنه لابنها من سيدها الأول، وأحبسها حتى تضع ما في بطنها، فإذا ولدت فاقتلها ".

وهي رواية شاذة قد اشتملت على أحكام مخالفة للقواعة لأن استراق أولادها لابنها من المسلم لا تنطبق عليه قاعدة، وقتل المرأة في الارتداد غير ثابت في مذهبنا ولهذا قال الشيخ في النهاية: إنها تجرى عليها أحكام الارتداد وينفى ولدها على الحرية، وكأنه مطرح لهذه الرواية بالكلية فتقتصر على محلها، ولا يتعدى حكمها لغيرها كما هو شأن القضايا الجزئية الواردة في كتاب القضاء عن أمير المؤمنين عليه السلام.

تم الجزء الأول من " عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة " حسب تجزئتنا بحمد الله ومنه وسيليه - إن شاء الله - الجزء الثاني منه أوله " كتاب الاقرار " سائلين الله عز شأنه أن يوفقنا لنشر أحكامه بحق سيدنا محمد وآلهوحملت آخر، فقضى فيها أن يعرض عليها الاسلام فأبت، قال: ما ولدت من ولد فإنه لابنها من سيدها الأول، وأحبسها حتى تضع ما في بطنها، فإذا ولدت فاقتلها ".

وهي رواية شاذة قد اشتملت على أحكام مخالفة للقواعة لأن استراق أولادها لابنها من المسلم لا تنطبق عليه قاعدة، وقتل المرأة في الارتداد غير ثابت في مذهبنا ولهذا قال الشيخ في النهاية: إنها تجرى عليها أحكام الارتداد وينفى ولدها على الحرية، وكأنه مطرح لهذه الرواية بالكلية فتقتصر على محلها، ولا يتعدى حكمها لغيرها كما هو شأن القضايا الجزئية الواردة في كتاب القضاء عن أمير المؤمنين عليه السلام.

تم الجزء الأول من " عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة " حسب تجزئتنا بحمد الله ومنه وسيليه - إن شاء الله - الجزء الثاني منه أوله " كتاب الاقرار " سائلين الله عز شأنه أن يوفقنا لنشر أحكامه بحق سيدنا محمد وآلهوحملت آخر، فقضى فيها أن يعرض عليها الاسلام فأبت، قال: ما ولدت من ولد فإنه لابنها من سيدها الأول، وأحبسها حتى تضع ما في بطنها، فإذا ولدت فاقتلها ".

وهي رواية شاذة قد اشتملت على أحكام مخالفة للقواعة لأن استراق أولادها لابنها من المسلم لا تنطبق عليه قاعدة، وقتل المرأة في الارتداد غير ثابت في مذهبنا ولهذا قال الشيخ في النهاية: إنها تجرى عليها أحكام الارتداد وينفى ولدها على الحرية، وكأنه مطرح لهذه الرواية بالكلية فتقتصر على محلها، ولا يتعدى حكمها لغيرها كما هو شأن القضايا الجزئية الواردة في كتاب القضاء عن أمير المؤمنين عليه السلام.

تم الجزء الأول من " عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة " حسب تجزئتنا بحمد الله ومنه وسيليه - إن شاء الله - الجزء الثاني منه أوله " كتاب الاقرار " سائلين الله عز شأنه أن يوفقنا لنشر أحكامه بحق سيدنا محمد وآلهوحملت آخر، فقضى فيها أن يعرض عليها الاسلام فأبت، قال: ما ولدت من ولد فإنه لابنها من سيدها الأول، وأحبسها حتى تضع ما في بطنها، فإذا ولدت فاقتلها ".

وهي رواية شاذة قد اشتملت على أحكام مخالفة للقواعة لأن استراق أولادها لابنها من المسلم لا تنطبق عليه قاعدة، وقتل المرأة في الارتداد غير ثابت في مذهبنا ولهذا قال الشيخ في النهاية: إنها تجرى عليها أحكام الارتداد وينفى ولدها على الحرية، وكأنه مطرح لهذه الرواية بالكلية فتقتصر على محلها، ولا يتعدى حكمها لغيرها كما هو شأن القضايا الجزئية الواردة في كتاب القضاء عن أمير المؤمنين عليه السلام.

تم الجزء الأول من " عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة " حسب تجزئتنا بحمد الله ومنه وسيليه - إن شاء الله - الجزء الثاني منه أوله " كتاب الاقرار " سائلين الله عز شأنه أن يوفقنا لنشر أحكامه بحق سيدنا محمد وآلهوحملت آخر، فقضى فيها أن يعرض عليها الاسلام فأبت، قال: ما ولدت من ولد فإنه لابنها من سيدها الأول، وأحبسها حتى تضع ما في بطنها، فإذا ولدت فاقتلها ".

وهي رواية شاذة قد اشتملت على أحكام مخالفة للقواعة لأن استراق أولادها لابنها من المسلم لا تنطبق عليه قاعدة، وقتل المرأة في الارتداد غير ثابت في مذهبنا ولهذا قال الشيخ في النهاية: إنها تجرى عليها أحكام الارتداد وينفى ولدها على الحرية، وكأنه مطرح لهذه الرواية بالكلية فتقتصر على محلها، ولا يتعدى حكمها لغيرها كما هو شأن القضايا الجزئية الواردة في كتاب القضاء عن أمير المؤمنين عليه السلام.

تم الجزء الأول من " عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة " حسب تجزئتنا بحمد الله ومنه وسيليه - إن شاء الله - الجزء الثاني منه أوله " كتاب الاقرار " سائلين الله عز شأنه أن يوفقنا لنشر أحكامه بحق سيدنا محمد وآلهوحملت آخر، فقضى فيها أن يعرض عليها الاسلام فأبت، قال: ما ولدت من ولد فإنه لابنها من سيدها الأول، وأحبسها حتى تضع ما في بطنها، فإذا ولدت فاقتلها ".

وهي رواية شاذة قد اشتملت على أحكام مخالفة للقواعة لأن استراق أولادها لابنها من المسلم لا تنطبق عليه قاعدة، وقتل المرأة في الارتداد غير ثابت في مذهبنا ولهذا قال الشيخ في النهاية: إنها تجرى عليها أحكام الارتداد وينفى ولدها على الحرية، وكأنه مطرح لهذه الرواية بالكلية فتقتصر على محلها، ولا يتعدى حكمها لغيرها كما هو شأن القضايا الجزئية الواردة في كتاب القضاء عن أمير المؤمنين عليه السلام.

تم الجزء الأول من " عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة " حسب تجزئتنا بحمد الله ومنه وسيليه - إن شاء الله - الجزء الثاني منه أوله " كتاب الاقرار " سائلين الله عز شأنه أن يوفقنا لنشر أحكامه بحق سيدنا محمد وآله