1

عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة للمحدث البارع الشيخ حسين البحراني آل عصفور 1216 ه‍.

ق الجزء الثاني مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة


2

الكتاب: عيون الحقائق الناظرة في تتمة الحدائق الناضرة (ج 2) المؤلف: الفقيه المحدث الشيخ حسين بن آل عصفور البحراني الموضوع: فقه عدد الاجزاء: جزءان عدد الصفحات: 403 الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفةالطبع: مطبعة مؤسسة النشر الاسلامي الطبعة: الاولى المطبوع: 2000 نسخة التاريخ: 1410 ه‍.


3

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاقرار وما يتعلق به من الاحكام وهو مشتمل على مطالب، وكل مطلب مشتمل على مسائل:

المطلب الاول في بيان صيغه وشرائطه وفيه مسائل:

المسألة الاولى: الاقرار لغة

الاثبات من قولك: قر يقر وأقررته وقررته إذا أثبته في القرار، ولم يسمه الشارع إقرارا من حيث إنه افتتاح إثبات، بل لانه إخبار عن ثبوت ووجوب حق سابق، والاصل فيه من الكتاب قوله تعالى (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم) (1) وقد فسرت بشهادة المرءعلى نفسه الاقرار.

وعن جراح المدائني (2) كما في الكافي والتهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه قال: لا أقبل شهادة الفاسق إلا على نفسه).

(1) سورة النساء - آية 135.

(2) الكافي ج 7 ص 395 ح 5، التهذيب ج 6 ص 242 ح 5، الوسائل ج 16 ص 135 ب 6 ح 1


4

وفي النبوي (1) مرسلا (قال (ص): قولوا الحق ولو على أنفسكم).

والاقرار شرعا عبارة عن الصيغة الصريحة، وهي اللفظ المتضمن للاخبار عن حق واجب، فقوله (اللفظ) بمنزلة الجنس يتناول للمفيد وغيره، كما أن المفيد يتناول الاخبار والانشاء.

وقوله (متضمن) بمنزلة الفصل يخرج به سائر العقود والايقاعات المتضمنة للانشاء كما يخرج باقي الالفاظ التي لا تتضمن إخبارا.

ودخل في قوله (حق) المال عينا ومنفعة وتوابعها من الشفقة والخيار وأولوية التحجير والنفس والحدود والتعزيرات لله تعالى وللادمي.

وأراد بالواجب معناهاللغوي وهو الثابت فيخرج به الاخبار عن حق في المستقبل وأنه ليس بإقرار وإنما هو وعدوما في معناه.

وبهذا يستغنى عما عبر به البعض بقوله (من حق سابق) وتناوله للحق المؤجل أظهر من تناوله السابق له لانه كان امر ثابت الان وإن كان استحقاق المطالبة به مستقبلا، ويمكن انجراره في السابق أيضا من حيث إن أمل الحق ثابت وإنما المستقبل المطالبة به، وتأخر استحقاق المطالبة أمر خارج عن الاقرار لانه عبارة عن التأجيل، وذكره في الاقرار بالحق ليس إقرارا وإنما هو دفع لما لزم من أصل الاخبار بالحق، وذكره في الاقرار بالحق ليس إقرارا وإنما هو دفع لما لزم من إصل الاخبار بالحق، ومن ثم يقبل الاقرار بالحق لا بالاجل، لكن ينتقض في طرده بالشهادة، فإنها إخبار عن حق واجب على غير المخبر.

وإطلاق الحق الواجب يشمل ما هو واجب عليه وعلى غيره، ومن ثم زاد البعض في التعريف لازم للمخبر.

وأما نحو (نعم) في جواب من قال: في عليك كذا، فإنه وإن كان مفردا ظاهرا إلا أنه متضمن للاخبار معنى قائم مقامه، فهو داخل في التعريف ولا حاجةإلى زيادة أو ما هو في معنى الاخبار.

الثانية: في بيان الالفاظ الدالة على الاقرار صريحا وهي: لك علي أو عندي

(1) تفسير الطبري ج 5 ص 206 مع اختلاف فيه.


5

أو في ذمتي، فمنها ما يفيد الاقرار بالعين صريحا وهو قوله: في يدي كذا ومنها ما يفيد ظاهرا وهو قوله: عندي ومنها ما هو صالح لهما كقوله: لدي وقبلي.

وتظهر الفائدة فيما لو ادعى خلاف مدلول اللفظ، فإنه لا يقبل، فإن ادعى ما يوافقه قبل.

فلو عبر بما يفيد الدين ثم قال: هو وديعة لم يقبل.

وإذا ادعى التلف لم ينفعه بل يلزمه الضمان، بخلاف ما لو أتى باللفظ المفيد لها مثل قوله: عندي ألف أو الصالح لهما كقوله: قبلي ثم فسره بالوديعة وادعى التلف في وقت إمكانه فإنه يقبل، وسيأتي تتمة البحث في ذلك.

فهذه قاعدة الالفاظ وبيان فائدتها فقس عليها ما إشبهها.

الثالثة: لا ينحصر الاقرار في العربية بل يصح بغيرها من اللغات اضطرارا واختيارا، لان الغرض من الاقرار الاخبار عما في الذمة أو في العهدة، ولا يختصبلفظ معين بل دل على المراد، ولم ينحصر في لغة بل يصح إقرار أهل كل لغة بلغتهم إذا عرفوها لحصول المراد منها وهو الدلالة باللفظ على المعنى الذهبي الذي يراد إثباته، ولم يرد من قبل الشارع ما يفيد الاختصاص بلغة خاصة بل قال (1) (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز).

ثم إن علم أن المقر عارف بمعنى ما ألزمه لم يقبل دعواه خلافه.

وإن احتمل الامرين وقال: لم أفهم معنى ما قلت صدق بيمينه لقيام الاحتمال وأصالة عدم العلم بغير لغته.

وكذا القول في جميع العقود والايقاعات.

ولو علقه على شرط فقال: لك علي كذا إن شئت

أو شئت لم يكن إقرارا.

وكذا لو قال: إن قدم زيد أو إن رضي فلان أو شهد لان الاقرار إخبار اقتضى إمرا خارجا عن اللفظ واقعا سوى طائفة في النفي والاثبات أم لا (2).

يلزم من ذلك أن يكون منجزا غير معلق على شئ من شرط أو صفة،

(1) الوسائل ج 16 ص 133 ب 3 ح 2.

(2) كذا في النسخة.


6

لان وقوع المعلق مشروط بوجود المعلق عليه، وذلك ينافي مقتضى الخبر.

ولا فرقفي ذلك بين ما يقع باختيار المخبر كقوله: إن شئت - بالضم - إو لغير اختياره كقوله: إن شئت - بالفتح - وإن قدم زيد أو رضي أو شهد ونحو ذلك.

ولو قال: إن شهد لك فلان فهو صادق

فموضع خلاف، وهذا الحكم قد ذكره الشيخ في المبسوط وتبعه عليه جماعة منهم المحقق - رحمه الله - وجعلو من صيغ الاقرار وإن كان معلقا ظاهرا على شرط.

ووجهوه بأن صدقه يوجب ثبوت الحق في الحال وإن لم يشهد.

وتقريره أنه قد حكم بصدقه الشهادة، والشهادة لا دخل لها في تحقق الصدق وعدمه، وإنما الصدق يقتضي مطابقة خبره للواقع وقت الاقرار، ولا يكون كذلك إلا على تقدير ثبوت الحق في ذمته وقت الاقرار، فيكون إقرارا منجزا وإن لم يشهد، بل وإن أنكر الشهادة.

ومثله ما لو قال: إن شهد صدقته أو فهو عدل لم يكن مقرا، لان كاذب قد يصدق والشهادة مبنية على الظاهر، فلا ينافي عدم مطابقتها لما في نفس الامر العدالة.

ووجهوه ثانيا أيضا بانه يصدق كلما كان صادقا على تقدير الشهادة، وينعكس بعكس النقيض إلى قولنا كلما كان صادقا على تقدير الشهادة كان المال في ذمته،لكن المقدم حق لاقراره فإنه حكم بصدقه على تقدير الشهادة فالتالي مثله.

ووجهوه ثالثا أيضا بأن يقال: إما أن يكون المال ثابتا أو لا والثاني باطل لان ما يستلزم كذب الشاهد على تقدير الشهادة لانه خبر غير مطابق لكنه قد حكم بصدقه على تقديرها الاول، وعورض بأمرين: (أحدهما) التعليق، فإنه حكم بصدقه المقتضي لشغل الذمة إن شهد، والتعليق مناف لا قراره فكان كقولك: كذا إن قدم زيد، ويمكن الفرق بأن هذا تعليق مح


7

بخلاف ما نحن فيه لاحتمال أنه بيان لحكم الشهادة على تقدير وقوعها.

(وثانيهما) أنه ربما كان اعتقاد المخبر امتناع الشهادة من الشخص المذكور لامتناع الكذب بالنسبة إليه عادة، فيريد بذلك أن ذلك لا يصدر منه.

ومثله في محاورات العوام كثير كقول أحدهم: إن شهد فلان إني لابي فهو صادق، ولا يريد سوى ما قلناه للقطع بعدم تصديقه على كونه ليس لابيه، مع أن الاصل براءة الذمة.

وفصل لاعامة في التذكرة فقال: لا قرب أنه إن ادعى عدم علمه بما قالوأن المقر له لا يستحق عنده شيئا وإن توهم أن فلانا لا يشهد عليه وكان ممن يخفى عليه ذلك قبل قوله وحمل على التعليق، وإلا ثبت.

والاصح عدم اللزوم، وهو اختيار أكثر المتأخرين.

ولو قال: له علي ألف إذا جاء رأس الشهر

لزمه إن لم يقصد الشرط بل الاجل.

وكذا لو قال: إذا جاء رأس الشهر فله علي ألف، وإنما كان كذلك لان كلا من الصيغتين محتملة لارادة التعليق وإرادة التأجيل لصلاحية اللفظ لهما تعين الاستفسار والرجوع إلى قصد القائل، وهو مختار العلامة في القواعد وفي التذكرة.

وأطلق المحقق في الشرايع اللزوم، وليس بجيد.

وحكى قولا بالفرق بينهما، وهو اللزوم إن قدم المال لان التعليق إبطال للاقرار.

ورد بأن الكلام لا يتم أوله إلا بآخره، ومن ثم يحكم بثبوت لاجل لو فسر بالتأجيل.

ولو قال: كان له علي ألف لزمه ولا يقبل دعواه في السقوط، وذلك لان لفظ (كان) لا يدل على الزوال.

قال الله سبحانه (وكان الله عليما حكيما) لكنها لا تشرع بذلك بحسب الاستعمال، فلو صح بالسقوط لم يقبلدعواه لان الاصل البقاء.

الرابعة: لو قال: لي عليك ألف فقال: نعم أو أجل أو بلى أو صدقت أو بررت أ


8

قلت حقا أو صدقا أو أنا مقر به أو بدعواك أو بما ادعيت أو لست منكرا له أو قضيتك أو برأتني منها فهو إقرار.

أما جوابه بنعم وأجل فظاهر لانه إن كان خبرا فنعم بعده حرف تصديق، وإن كان استفهاما فهي الاثبات والاعلام لان الاستفهام في معنى إثباته بنعم ونفيه بلا وأجل مثلها.

وأما (بلى) فإنها وإن كانت في اصطلاح النحاة والعرف الخاص ولابطال النفي إلا أن الاستعمال العرفي بين العوام جوز وقوعها في جواز الخبر المثبت، لان المحاورات العرفية جارية على هذا، وأهل العرف لا يفرقون بينها وبين نعم في ذلك والاقادير إنما تجري مجاري العرف على ما ينقل أهل العرف لا على دقائق اللغة واصطلاحات النحويين.

هذا كله إن لم يكن قوله: لي عليك ألف استفهاما والهمزة محذوقة.

فقد صرح ابن هشام في المغني (1) وغيره في غيره أنه قد وقع في كتاب الحديث في الصحاحات المعتبرة ما يقتضي صحة أن يجاب بها الاستفهام المجرد مثل قوله صلى الله وعليه واله: أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنه ؟ قالوا: بلى.

ومثل قوله صلى الله وعليه واله: انت الذي لقيتني بمكة ؟ فقال له المجيب: بلى.

والاول قد رواه البخاري والثاني مسلم.

وأما صدقت وبررت - بفتح الاولى وسكون الثانية - وقلت حقا وصدقا فإنه إقرار إذا كان لي عليك ألف خبرا مثبتا.

وأما قوله (أنا مقر به) فقد قوى أول الشهيدين في الدروس أنه ليس بإقرار حتى يوصله بقوله (لك).

ويضعف بأن المتبادر عود الضمير في قوله (به) إلى ما ذكره المقر له وكونه اسم فاعل ويحتمل الاستقبال ويكون وعدا واردا على تقدير قوله (لك).

ومدفوع بأنه لا يفهم من ذلك عرفا إلا الاقرار، وقد استشكله

(1) المغني ج 1 ص 114 حرف الباء.


9

فخر المحققين في شرح القواعد.

ومثله قوله (أنا مقر بدعواك أو بما ادعيت أو لست بمنكر له).

واحتمل في الدروس أيضا عدم كون الاخير إقرارا لان عدم الانكار أعم من الاقرار وهو وارد، إلا أن المفهوم عرفا من عدم لا انكار الاقرار.

وأما البواقي من الصيغ المذكورة فإن الرد والقضاء والبراءة فرع الثبوت والاستحاق ولازمها، فادعاؤها يقتضي لثبوت الملزوم واصل بقاؤه.

فلو قال: أليس لي عليك كذا ؟ فقال: بلى كان إقرارا.

واختلف ما لو قال: نعم، والمشهور أنه ليس بإقرار، كما هو قول أكثر النحاة، وذلك لان (نعم) حرف تصديق، فإذا وقعت في جواب الاستفهام كان تصديقا لما ادخل عليه الاستفهام فيكون تصديقا للنفي، وذلك مناف للاقرار.

بخلاف (بلى) فإنه تكذيب له من حيث إن أصل بلي (بل) زيدت عليها الالف وهي للرد والاستدراك، فأذا كان كذلك فقوله (بلى) رد لقوله: أليس لي عليك ألف، فإنه الذي دخل عليه حرف الاستفهام ونفي له، ونفي النفي إثبات.

قال العلامة في التذكرة: هذا تلخيص ما نقل عن الكسائي وجماعة من الفضلاء.

وفي المغني لابن هشام: أن (بلى) تختص بالنفي ويفيد إبطاله سواء كان مجردانحو قوله تعالى (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي) (1) أم مقرونا بالاستفهام، حقيقا كان نحو (أليس زيد بقائم) أو توبيخيا نحو (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى) (2).

أو تقريريا نحو (ألم ياتكم نذير

قالوا بلى) (3) (ألست بربكم قالوا بلى) (4) فاجري النفي مع التقرير مجرى النفي المجرد

(1) سورة التغابن - آية 7.

(2) سورة الزخرف - آية 80.

(3) سورة الملك - آية 8 و 9.

(4) سورة الاعراف - آية 172


10

في رده ب (بلى) ولذلك قال ابن عباس وغيره: لو قالوا نعم كفروا، ووجهه أن (نعم) تصديق للمخبر بنفي أو إيجاب.

وعند جماعة من النحويين أنه يكون مقرا.

قال العلامة في التذكرة: لان كل واحدة من نعم وبلى بقام مقام الاخرى في العرف.

ونازع السهيلي وجماعة في المحكي عن ابن عباس وغيره في الاية متمسكينبأن الاستفهام التقريري خبر موجب ولهذا منع من جعل (أم) متصلة في قوله (أفلا تبصرون

أم أنا خير) (1) لانها لا تقع بعد الايجاب.

واستشكله بأن (بلى) لايجاب بها الايجاب اتفاقا، وفي بحث (نعم) حكي عن سيبويه وقوع نعم في جواب ألست.

ثم قال في المغني: إن جماعة من المتقدمين والمتأخرين قالوا: إذا كان قبل النفي استفهام تقريري فالا كثر أن يجاب بما يجاب به النفي رعيا للفظ، وتجوز عند أمن اللبس أن يجاب به الايجاب بما رعيا لمعناه، وعلى ذلك قول الانصار (2) للنبي صلى الله وعليه واله وقد قال: ألستم ترون لهم ذلك ؟ قالوا: نعم.

وقول الشاعر: أليس الليل يجمع ام عمرو

وإيانا فذاك بنا تداني نعم وأرى الهلال كما تراه

ويعلوها النهار كما علاني ثم قال: وعلى ذلك جرى كلام سيبويه والمخطي مخطئ، فحيث ظهر أن (بلى) و (نعم) يتواردان في جواب أليس مع أمن اللبس، واقتضى العرف أقامة كل منهما إقامة الاخرى، فقد تطابق العرف والغة على أن (نعم) في هذا اللفظ إقرار ك‍ (بلى) لانتقاء اللبس.

وهو الاصح، واختاره أول الشهيدين في الدروس والمحقق الثاني في شرح القواعد.

وبما قررناه علم أن جعل (نعم) هنا إقرارا أو في من جعل (بلى) إقرارا

(1) سورة الزخرف - آية 51 و 52.

(2) المغني ج 2 ص 347 حرف النون.


11

في قوله: لي عليك ألف للاتفاق على أن يجاب بها الايجاب.

الخامسة:

أن الاقرار بالاقرار اقرار

لانه إخبار جازم بحق سابق، والاقرار حق أو في معنى الحق لثبوت الحق به فيستدرج في عموم قوله صلى الله وعليه واله (1) (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز).

ولو قال: لي عليك ألف فقال: أنا مقر ولم يقل: به، أو قال: زنه أو خذه أو أنفذه أو زن أو خذ لم يكن إقرارا، وانما لم يكن قوله: أنا مقر مجردا إقرارا لا حتماله المدعى وغيره، فانه لو وصل به قوله: بالشهادتين أو ببطلان دعواك لم يحتمل اللفظ فجاز تقديره بما يطابق المدعى وغيره، ومع انتفاء الدلالة على المدعى يجب التمسك ببراءة الذمة حتى يقوم الدليل على اشتغالها.

ويحتمل عده إقرارا لان وقوعه عقيب الدعوى يقتضي صرفه إليها كماقال الله تعالى (أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا) (2).

وقوله تعالى (فاشهدوا) لما أمر الملائكة بالشهادة على الاقرار أو لبعضهم بالشهادة على البعض، فهذا دليل على البعض، فهذا دليل أن ذلك كاف في الاقرار مع عدم قوله به، ولانه لولاه لكان هذا كاف من قال (3) في جواب الدعوى عليه بمال: أنا مقر بالشهادة عد سفيها حذرا، ودفع الحذر به عن كلام العقلاء دليل على أنه مقصود الشارع.

وجوابه أن صدوره عقيب الدعوى إن اريد بصرفه إليها دلالته على الاقرار بمقتضاها فهو ممنوع لامكان أن يراد الاقرار بشئ آخر ويكون فيه إشعار يرد دعوى المدعي لما يظهر من جوابه من الاستهزاء، وان اريد بصرفه إليها كونه جوابا فلا دلالة فيه.

(1) الوسائل ج 16 ص 133 ب 3 ح 2.

(2) سورة آل عمران - آية 81.

(3) كذا في النسخة، ولعل الصحيح (ولانه لولا هذا كافيا لكان من قال)


12

وأما الاية فلا دلالة فيها على محل النزاع لانتفاء احتمال الاستهزاء فيها ودعوى الهدرية والسفه مردودة بالاستهزاء من الامور المقصودة لغة وعرفا، والاصح الاول.

وأما زنه أو خذه أو نحوهما فلا يعد شئ منها إقرارا لا نتقاء الدلالة عرفا وإن كان خروج ذلك مخرج الاستهزاء.

ولو قال: أنا أقر به احتمل للوعد فلا يكون إقرارا، وذلك لان الفعل المستقبل وهو المضارع مشترك بين الزمانين كما هو الاصح، والاقرار بالنسبة الى المستقبل وعد كما تقرر.

وأما أنه لا يكون إقرارا فظاهر لان الاقرار كما عرفت إخبار جازم بحق سابق.

ويمكن أن يكون مراد العلامة في القواعد حيث عبر بهذه العبارة احتمال كونه وعدا واحتمال كونه إقرارا فتكون المسالة ذات وجهين، وهو الذي فهمه الشارح الفاضل فخر المحققين في الايضاح وأول الشهيدين في بعض حواشيه حيث نقل أن فيها قولين.

والعلامة في التذكرة نقل عن الشافعية وجهين، ووجه الثاني أن قرينة الخصومة وتوجة الطلب يشعر بالتنجيز فيكون إقرارا، والاقوى الاول.

ولو قال: اشتر مني هذا العبد أو استوهبه فقال: نعم

فهو إقرار، لان (نعم) في جواب الفعل المستقبل حرف وعد وعدته إياه بالشراء منه، فيقتضى كونه مالكا لا متناع صدور البيع الصحيح من غير المالك، ومثله الاتهاب.

وقد فرق العلامة في التذكرة هنا بين أن يقول: اشتر مني هذا العبد فيقول: نعم فإنه إقرار بأن المخاطب مالك للبيع وليس إقرارا بأنه مالك للمبيع خاصة، ويشكل الفرق بأن اليد تدل على الملك والاصل في ثبوت سلطنة التصرف أن لا تكون بالنيابة عن الغير، ولعل الاول أقرب.

وكذا لو قال: بعني أو هبني أو ملكني، لان هذه الالفاظ إقرار وذلك بالطريق الاولى.

ولو قال: ملكت هذه الدار من فلان أو غصبتها منه أو قبضتها

فهو إقرار


13

بخلاف تملكتها على يده، لان حصول الملك منه يقتضي كونه ذا يد وصدور سبب الملك منه، وكذا غصبتها منه وقبصنتها.

وأما تملكتها على يده فلا يقتضي إلا جريان سبب الملك على يده، وهو أعم من صدوره منه فإنه ربما كان واسطة في ذلك.

ولو قال: بعتك أباك فحلف

عتق ولا ثمن، فإن قول المدعي: بعتك أباك إقرار بالبيع ودخوله في ملك ابنه فصار حرا، وحلفه على نفي الشراء ينفي عنه دعوى الثمن، فيكون المدعي قد أقر بموجب العتق في عبده المملوك له.

ولو قال: لك علي ألف في علمي أو فيما أعلم الله تعالى

لزمه، لان ما في علمي ما يحتمل إلا الثبوت ومطابقة الواقع، فإن المتبادر من العلم في علمه سبحانه.

ولو قال: لك علي ألف إن شاء الله تعالى فليس بإقرار على الاصح لانه قد علقه على شرط والتعليق مناف للاقرار لان مشيته سبحانه وتعالى أمر لا يطلع عليه، ولا سبيل إلى العلم به إلا بأن يعلم ثبوت ذلك في ذمته، واحتمل البعض كونه إقرارا لازما إما بجعل المشية للتبرك لا للتعليق كما في قوله (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله (1) فإن ذلك أكثري، أو لانه إنكار بعد الاقرار لانه قد وصل إقراره بما يرفعه بأجمعه، ولا يصرفه إلى غير الاقرار فلزمه ما قد أقر به لظاهر صلته به.

ويضعف بأن التبرك محتمل والاصل براءة الذمة فلا تصير مشغولة بالمحتمل،نعم لو علم قصد التبرك فلا إشكال في اللزوم.

وأما دعوى كونه إنكارا بعد الاقرار فمدفوعة بما مر من أن شرط الاقرار التنجيز وهو منتف هنا.

(1) سورة الفتح - آية 2


14

أما

لو قال: له علي ألف إلا أن يشاء الله

فإنه إقرار صحيح لانه علق رفع الاقرار على أمر لا يعلم فلا يرتفع.

هكذا قرره العلامة في التذكرة.

ولو قال: أنا قاتل زيد فهو إقرار لامع النصب،

ووجه الفرق أن اسم الفاعل لا يعمل إلا إذا كان بمعنى الحال والاستقبال، فمع النصب يكون قد أعمله، فتعين أن لا يكون بمعنى الماضي وانتفى كونه بمعنى الحال فتعين أن يكون للاستقبال وحينئذ فلا يكون إقرارا لما علم غير مرة من أن الاقرار إخبار جازم بحق سابق، ومع الجر يكون ترك إعماله دليلا على أنه بمعنى الماضي فيكون أقرارا، ويؤيده استعمال أهل العرف إياه في الاقرار.

ووجه التسوية بينهما كما احتمله في القواعد العلامة الحلي في عدم الاقرار أن الاضافة لا تقتضي كون اسم الفاعل بمعنى الماضي لجواز أن تكون الاضافة لفظية، وهي إضافة الصفة إلى معمولها، فتكونالاضافة بمعني الحال أو الاستقبال، ويكون أثر العمل ثابتا تقديرا، ومتى احتمل اللفظ الامرين انتفى كونه إقرارا، فإن الاصل البراءة والحكم في الدماء مبني على الاحتياط التام كالحدود، وهو أقرب.

المطلب الثاني في المقر وهو قسمان: مطلق ومحجور، فالمطلق ينفذ إقراره بكل ما يقدر على إنشائه ولا تشترط عدالته، والمحجور سيأتي، وفي

هذا المطلب مسائل:

الاولى: قد تقدم أنه يقبل إقرار الفاسق على نفسه كما في خبر أبي بصير، وكذلك الكافر لعموم (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) ولا تنتقض الكلية بإقرار الوكيل بمالايقدر على إنشائه على إنشائة بما هو وكيل فيه، من حيث إنه غير نافذ على موكله، ولان ذلك ليس إقرارا وإنما هو شهادة ولان الاقرار هو الاخبار بحق لازم للمخبر


15

ومن المطلق إقرار الاخرس، ويكفي في عبارته الاشارة المفهمة لانها فيحقه بمنزلة اللفظ في حق غيره، ولذلك يعتبر بيعه وسائر عقوده بها لكن بشرط فهمها كما تدل عليه الاخبار المتقدمة في عباداته ونكاحه وطلاقه وتلبيته، فإن فهما الحاكم جاز له الحكم، وإلا افتقر إلى مترجمين عدلين يخبر ان بأن مقصوده منها الاقرار بكذا أو كذا.

ومثله الاعجمي إذ لم يعرف الحاكم لسانه.

وأما المحجور عليه لانتفاء شرائط الاقرار في حقه فسبعة الاول: الصبي لان شرطه البلوغ، فلا يقبل إقراره وإن أذن له الولي سواء كان مراهقا أم لا.

وقد نقل العلامة في التذكرة على ذلك الاجماع منا، ولكن قال في القواعد: ولو جوزنا وصيته في المعروف جو زنا إقراره بها لان كل من ملك شيئا ملك الاقرار به.

ويدل على اشتراط البلوغ صحيحة عبد الله بن سنان (1) (قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كان على عليه السلام يقول: الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية وهو مدرك).

وفي خبر الفضل بن عبد الملك (2) (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل حر أقر أنه عبد، قال: يؤخذبما أقر به).

ويجب أن يحمل عليه إطلاق موثقة إسماعيل بن الفضل (3) (قال: هوعبد إذا أقر على نفسه).

الثانية: لو ادعى أنه بلغ بالاحتلام في وقت إمكانه صدق قوله من غير يمين وإلا لدار، وهو باطل.

ووجه لزوم الدور أن صحة اليمين مشروطة بكون الحالف

(1) التهذيب ج 8 ص 235 ح 78، الوسائل ج 16 ص 39 ب 29 ح 1 وفيهما (وهو مدرك من عبد أو أمة، ومن شهد عليه بالرق صغيرا كان أو كبيرا).

(1) التهذيب ج 8 ص 235 ح 79، الوسائل ج 16 ص 39 ب 29 ح 2.

(3) التهذيب ج 7 ص 237 ح 57، الوسائل ج 16 ص 40 ب 29 ح 5.


16

بالغا لرفع القلم عن الصبي فتتوقف على الحكم بالبلوغ، فلو توقف الحكم بالبلوغ عليها لزم توقف كل منهما على الاخر وهو الدور.

وربما دفع هذا الدور كما قاله شهيد الدروس بأن يمينه موقوفة على إمكان بلوغة، والموقوف على يمينه هو وقوع بلوغه، فتغايره الجهة.

وضعفه ظاهر بأن إمكان البلوغ غير كاف

في صحة إقرار الصبي.

والجارية كالصبي إذا ادعت البلوغ بالاحتلام،

ولو ادعته بالحيض فعند العلامةفي التذكرة يقبل إن كان ذلك في وقت الامكان.

واستشكله الشهيد في الدورس لان مرجعه إلى السن.

ولو ادعى أحدهما البلوغ بالانبات وجب اعتباره،

ولو ادعاه بالسنين

طولب بالبينة لامكانها، وقال العلامة في التذكرة: ولو كان قريبا با دعاء الاحتلام.

وفيه نظر، لان ما يعتبر فيه البينة لا يقصر حكمه بعجز المدعى عنها، وهذا هو المناسب لا صلاق قولهم (ولو ادعاه بالسنين طولب بالبينة).

ولو أقر المراهق واختلف هو والمقر له في البلوغ

فالقول قوله من غير يمين إلا أن تقوم بينة ببلوغه، وذلك لان الاصل عدم البلوغ، وشرط صحة اليمين كونه بالغا ولم يثبت، ولانه لو حلف لكان الثابت باليمين انتفاء صحتها، وهذا إذا كان الاختلاف قبل العلم ببلوغه.

أما بعده ففي تقديم قوله تمسكا بأصالة عدم البلوغ أو قول الاخر تمسكا بأصاله الصحة في إقراره وجهان، ومثله بيعه وسائر عقوده.

وقد تكلم فقهاؤنا في هذه المسألة في البيع والضمان كما ذكره العلامة في القواعد.

الثالثة: من المحجور عليه: المجنون، وهو مسلوب القول مطلقا، وفيحكمه النائم والمغمى عليه والمبرسم والسكران وشارب المرقد وإن تعمد لغير حاجة.

ولا يقبل إقرار المجنون لانه مسلوب العبارة في الانشاء والاقرار لغير استثناء، ولا فرق بين كون جنونه مطبقا أو يأخذه أدوارا، إلا أن الذي يأخذه أدوارا إ


17

صدر إقراره في حال صحته نفذ لثبوت عقله حينئذ.

وفي حكم تلك الافراد المذكورة كالنائم والغافل والساهي لرفع القلم عن النائم حتى ينتبه كما في المستفيضة النبوية وغيرها، وكذا عن الغافل والساهي ولانه لا قصد لاحدهم.

وكذا المغمى عليه والمبرسم وهو من أصابه البرسام وهو المرض الذي يهذي صاحبه ويتكلم بغير شعور.

وأما السكران الذي لا يحصل معه صحو أولا يكون كامل العقل حالة سكره فلا يقبل إقراره، وقد نقل العلامة في التذكرة إجماعنا، وكانه لم يلتفت إلى خلاف الاسكافي حيث قال: إن سكره إن كان من شرب محرم اختار شربه الزم بالاقرار كما يلزم بقضاء الصلاة.

وربما فرق بين السكران قاصدا وغير قاصد.

وشارب المرقد كالسكران في ما قلناه ولو تعمد لغير حاجة تعود إلى كلمنهما، لإنه لما لم يكن لاحدهما عقل كامل ولا قصد صحيح لم يعتد لما يقع منه وكونه يؤاخذ بقضاء الصلاة بعد لا يقتضى الاعتداد بأقواله وأفعاله شرعا، ولو ادعى زوال العقل حالة إقراره لم يقبل دعواه إلا بالبينة ولو كان له حالة جنون فالاقرب سماع قوله.

أما الحكم الاول فلانه قد ادعى فساد إقراره المحكوم بصحته ظاهرا، والاصل عدم حدوث مانع من صحته كما أن الظاهر كذلك أيضا، ومع عدم البينة فالقول قول المقر له مع يمينه.

وقول العلامة في التذكرة (ولو يعلم له حالة جنون) لم يلتفت إليه، وظاهر هذا عدم توجه اليمين على الاخر وهو بعيد لانه مدعى عليه، غاية ما في الباب كون الدعوى بعيدة وذلك لانه لا ينفي بوجه اليمين.

وأما الحكم في الثاني فوجه القرب أنه لما توارد عليه كل من الحالتين لم تكن له حالة معهودة ليحكم بوقوع الاقرار فيها.

والاقرار وإن كان الاصل فيه الصحة إلا أنه مشروط بصدوره في حال العقل الاقرار لعموم قوله عليه السلام (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) واحتمال كل من حالتي العقل والجنون قد علم أنه


18

مكلف لاحتمال الاخرى.

والجهل بالشرط موجب للجهل بصحة المشروط، هذا مع أن الاصل براءة الذمة فيقدم قوله بيمينه.

فإن قيل: لو كان العلم بوقوع الاقرار في حال العقل شرطا في الصحة كما حكم بصحة شئ من تصرفات من يعتريه الجنون إلا إذا قطع بكونه عاقلا في وقت إيقاعها ولما أوجب على وارثه ما أقر به مع حال جهل الاقرار، قلنا: هو كذلك، وأنما أوجبنا اليمين هاهنا لدعوى المقر له لصدور الاقرار حال العقل، وأما الوارث فإن ادعى صدور الاقرار حالة الجنون فهي كدعوى المورث، وإن صرح بعدم العلم ففيه نظر.

ويحتمل عدم سماع قوله إلا بالبينة لسبق الحكم بالصحة.

وينبغي أن يكون موضع المسألة إذا لم يعلم حاله بعد الاقرار، فإن علم وكان عاقلا فعلى مدعي تجدد الجنون البينة، وينعكس الحكم لو انعكس الفرض.

ولو شهد الشهود بإقراره لم يفتقر إلى أن يقولوا في حال صحة من عقله بأن إطلاق الاقرار إنما يحمل على الاقرار الشرعي، ولا يكون شرعيا إلا إذا صدر طوعا في حال صحة العقل.

الرابعة: ومن المحجور عليه: ولا ينفذ إقراره فيما اكره علىالاقرار به إجماعا منا كما نقل في التذكرة، والاصل فيه الاخبار المستفيضة.

منها النبوية المروية بطرف معتبرة عنه صلى الله واله وسلم (1) (قال: رفع عن امتى الخطا والنسيان وما استكرهوا عليه).

ولو أقر بغير ما اكره عليه صح، مثل أن يكره للاقرار على رجل فيقر لغيره، أو يكره أن يقر على نوع من الحال فيقر بغيره، أو يكره على الاقرار بطلاق امرأته فيقر بغيرها، و هكذا في العتق وغيره لان المقر به غير مكره فتناوله الاخبار بعمومها.

(1) الوسائل ج 11 ص 295 ب 56 ح 3 وفيه (وضع).


19

أما

لو على الاقرار

بمائة فأقر بمائتين

فموضع خلاف، والاقوى نفوذه لان عدوله إلى أكثر مما وقع الاكراه عليه دليل صدوره باختياره، وهو اختيار العلامة في التذكرة، بخلاف مالو أقر بأقل - خمسين - فإن الاكراه على الاقرار بعدد يقتضي شمول الاكراه لما دونه، ولان الظاهر إنما أراد به دفع عادية المكره، ومعلوم أنه متى أمكنه دفعه بالاقل لم يقر بما فوقه.

ولو اكره على أداء مال فباع شيئا من ماله ليؤديه صح البيع مع عدم حصر الاداء في مال بعينه، وهذا صحيح لانه حينئذ مكره على بيع ذلك المال ولا يصح ويمكن أن يكون المراد به صحته حيث لا يكون سبب الاداء بحسب الواقع منحصرا في مال بعينه بأن لا يكون عنده ما يؤدي المال من ثمنه إلا شئ واحد، فإنه حينئذ يكون مكرها على البيع.

وهذا الذي حكاه شيخنا الشهيد في حواشيه عن العلامة قطب الدين شارح المطالع ناقلا له عن العلامة.

وفيه نظر، لان البيع المذكور مقصود إليه واقع بالاختيار ليدفع به أداء المكره كما لو دعته ضرورة اخرى إلى بيع ما لا يريد بيعه، وإنما حمل عليه محض الضرورة، ولان انحصار سبب الاداء في بيع المال الواحد من الامور النادرة، ولانه لو عد ذلك إكراها شرعيا لادى إلى أن (لا) يرغب أحد في الشراء من المالك على أداء مال فينسد عليه باب الخلاص وذلك ضرره عليه عظيم.

والذي يقتضيه النظر أن الاكراه على أمر الكلي لا يعد إكراها على شئ من الجزئيات سواء تعددت بحسب الواقع أولم يوجد منها إلا فرد واحد، إذ لا يدل الاكراه على الكلي على الاكراه على الجزئي بشئ من الدلالات وإن حصول المكره عليه بحسبالواقع على حصول شئ منها.

ولو ادعى الاكراه حالة الاقرار لم يقبل منه إلا بالبينة العادلة لان الاصل في الاقرار الصحة والحكم بلزومه من وقت صدوره، فالبطلان غير متحقق حت


20

ينهض به الدليل، فمع عدم البينة يحلف المدعى عليه ولو كان الاقرار عند السلطان لان مجرد الوقوع عنده لا يقضي الاكراه.

نعم لو وجدت قرينة دالة عليه كالقيد أو التوكيل للمقر بمن يحفظه ويمنعه من الانصراف قوى جانبه لمساعدة الظاهر فيصدق مع اليمين، وإنما يكون القيد ونحوه دليلا على الاكراه إذا لم يعلم كونه لامر آخر، فلو علم أنه لا تعلق بالاكراه انتفى هذا الحكم.

الخامسة: من المحجور عليه: المفلس والمبذر، وقد مضى حكمهما في كتاب الحجر.

وكذلك المريض ويقبل إقراره وإن برئ مطلقا ويكون كاقرار الصحيح، وسيجئ تفصيل أحكامه إذا لم يبرأ وبيان تعلقه لو مات في مرضه، ثم إنه قد اشتمل على فروع كثيرة يطول المقام بذكرها هنا وسنفرد لها بحثا فيما سيأتي ونفصل فيها تفصيل المسألة تفصيلا وافيا.

ومن المحجور عليه: العبد، ولا يقبل إقراره بمال ولا حد ولا جناية توجب أرشا ولا فصاصا إلا أن يصدقه السيد لانه محجور عليه في نفسه وماله.

قال الله تعالى (عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) (1).

وربما قيل بأنه يقبل منه ويتبع به بعد العتق كما لو صدقه السيد، والاخبار تأباه، وقد نقل غير واحد الاجماع على عدم قبول إقراره في جميع هذه الامور لعموم الاية ولا طلاق الشيئية على هذه الاقرارات كلها كما تضمنته الصحاح في تفسيرها، ولهذا لا يقطع في الاقرار بالسرقة ولا في الغرم إلا أن يصدقه مولاه، فإن كانت العين قائمة انتزعت ورجعت إلى صاحبها، وإن لم تكن قائمة يتبع بها بعد العتق.

وكذلك الكلام في الجناية أيضا.

مقتضي عبارة غير واحد من المتأخرين عند تصديق المولى له يتبع بالجميع، وهو قوي إلا في الحدود حيث بنيت على التخفيف، ولو كان مؤذنا له في التجارة فأقر بما يتعلق بها قيل: يؤخذ ما أقر به مما في يده لان الاذن في التجارة

(1) سورة النحل - آية 75.


21

يقتضي الاذن في لوازمها ومنها جواز الاستدانة.

ولا يصح إقرار المولى عليه بحد ولا غيره من أنواع العقوبات كالتعزير والضرب البدني وهذا حيث لا يصدقه العبد وإلا تعلق به.

ولو أقر المولى على العبد بالجناية

فالاقرب قبول قول المولى في متعلق حقه، فيجب المال عن الجناية سواء كان عمدا أو خطا، وتتعلق برقبة العبد لا في حق العبد كما لو اتفق موت مورثه ولا وارث سواه وهو ممن يفك بالدية لا غير.

وبالجملة أن الاقرار بالجناية خطأ وعمدا يتعلق بحق السيد والعبد معا، أما الجناية خطا فلانها توجب المال خاصة ويتعلق برقبة العبد الذي هو ملك السيد فيتعلق الاقرار بها بحق السيد من هذه الجهة وهو القول بأن الجاني إنما يفتدي بأرش الجناية، وإن كان أكثر من القيمة فيتعلق الاقرار بها في حق العبد فيما لو اتفق موت العبد في الصورة المذكورة، فإن حقه أن يفك بالقيمة والباقي من التركة له.

ولو نفذ الاقرار بالجناية على العبد لوجب على القول الثاني فكه بأرش الجناية، وإن زاد على القيمة ولا يقبل إقراره بالرق لغير من هو في يده لان اليد تقتضيالملك وإقراره بالرق يقتضي نفي ذلك فيكون إقرارا على الغير فلا يقبل والمراد بكونه تحت يده أن يكون تحت سلطنتة على وجه الملك كما هو معلوم في العادة.

وكذلك لا يقبل منه إقراره بالحرية وإن كانت هي الاصل في الناس تقديما للظاهر على الاصل كما تدل عليه المعتبرة ومن تحرر نصفه لكونه مبعضا نفذ نصف إقراره إذا كان الاقرار بمال أو بجناية توجب مالا أما لو أقر بالجناية توجب قصاصا فاستيفاء نصفه متعذر، فيمكن أن يجب نصف الدية ويتبع في المال بباقي ما أقر به في الصورة المذكورة بعد العتق لو قلنا بنفوذ إقراره في حق نفسه، وينتفي على القول المشهور كما هو ظاهر الاخبار.


22

المطلب الثالث في بيان المقر له وشروطه، وله شرطان وقد اشتمل هذا المطلب على مسائل: الاولى: في بيان انتفاء الاقرار في حق من ليس له أهلية التملك، فلو أقر لدابة أو حائط لم يصح وإن قال بسبب الدابة قيل يكون إقرارا لمالكهاعلى تقدير الاستئجار.

وفيه نظر، إذا قد يجب بسببها ما لا يستحق المالك منه شيئا كأرش الجناية على سائقها أو راكبها، وهذا القول الذي حكيناه هو قول الشيخ في المبسوط.

وتنقيحه: أن قول المقر بسبب الدابة جار مجرى نمائها وسائر منافعها فيكون للمالك، وقد عرفت وجه النظر لان الاقرار أعم.

فإن قيل: كونه للمالك عند الاطلاق أرجح لان الغالب في التملك بسببها يكون للمالك، ولان كونه للمالك مستغن عن تقدير أمر زائد وهو وقوع جنايتها في يده على غير المالك والراجح مما يتعين المصير إليه، قلنا: إن حجيتة باعتبار كثرة وقوعه لا يقتضي أرجحية استحقاق المالك إياه على غيره في نظر الشارع، والاقرار محتمل لجميع ذلك، والذي يقتضيه صحيح النظر الاستفسار لذلك الاقرار وقبول ما يفسره به ومع تعذره هو إقرار بالمجهول فيؤخذ بتفسيره ويلزم به.

أما لو قال: علي بسببها لمالكها أو قال: علي بسببها لزيد فلا إشكال في نفوذ الاقرار، فإذا أتى بالاقرار المبهم طولب بالبيان، فإن تعذر لموت ونحوهاقرع.

أما لو قال: بسبب حملها لغى ذلك الاقرار لامتناعه في العادة.

ولقائل أن يقول: إن الضميمة تقتضي بطلان الاقرار، كما لو قال: كذا من ثمن خمر.


23

ولو لميت

ح وانتقل إلى ورثته لان الميت في حكم المالك فكفى ذلك في صحة الاقرار له.

ولو قال: لا وارث له سوى هذا لزم التسليم إليه لانه أقر بوجوب تسليم هذا القدر من ماله إليه فوجب أن يكون نافذا.

وربما يقال: إن قوله (لا وارث إلا هذا) إقرار في حق الغير لوجود وارث له فكيف يكون نافذا بحيث يلزم التسليم إليه، وقد أقر من أول الامر بأنه للميت فيكون لورثته.

ولو أقر العبد صح وكان ذلك للمولى لان يده يد السيد، وربما قيل: إن الاقرار يقتضي الملك لمن أقر به وهو ممتنع في العبد.

والجواب: أن هذا القدر كاف لصحته ولا ينافيه كونه مجازا فإنه شائع شهير.

ولو أقر لحمل فلان بن فلانة وعزاه إلى الوصية أو إلى الميراث

وذلكللاطباق على أنه تصح الوصية له كما صح ميراثه فإذا ولدت ذكرا وانثى فهو بينهما على حسب استحقاقهما، وهذا إنما يكون في الارث، أما في الوصية فإنهما سواء.

ولو عزاه إلى سبب ممتنع كالجناية عليه والمعاملة له فالاقرب اللزوم وإلغاء المبطل وهي الضميمة، اما صحة الاقرار فلعموم تلك الاخبار وقد سمعتها.

واما ابطال الضميمة فلان كلام العقلاء المكلفين الاصل فيه الصون عن اللغو بحسب الامكان فيقتصر في الالغاء على الضميمة، لان الاقرار يجب صونه عن الفساد بحسب الامكان، أو لان ذلك جار مجرى له ألف من خمر مع أن الضميمة غير مؤثرة في صحة الاقرار هنا قطعا، وكذا الاستثناء المستغرق.

لا يقال: أي فرق بينه وبين قوله (له علي ألف إن دخلت الدار) لانا نقول: الفرق بينهما ظاهر لانه لا إقرار هنا أصلا لعدم التنجيز، بخلاف ما نحن فيه، لانه قد أخبر بكون المقر به عنده ثم وصفه بما يمتنع معه الثبوت فيكون رفعا للاقرار بعد ثبوته، فلو إطلق فلوجه الصحة تنزيلا للمحتمل على ما هو الوج


24

الصحيح وهذا إذا قال: علي لحمل فلانة كذا من غير أن يضفه إلى سبب.

والقولبالصحة للشيخ في المبسوط وعليه الاكثر.

وله قول آخر فيه بالفساد، لان الاصل في الحمل أن لا يكون مالكا إلا في المواضع المخصوصة، لان الاصل في المال والغالب فيه إنما يثبت بمعاملة أو جناية، وذلك منتف في حقه ولانتفاء الحكم بالملك قبل سقوطه حيا فلا يكون مالكا حقيقة والميراث والوصية سببان للمالك عند سقوطه حيا ومانعان لملك غيره قبله، فمحمل الاطلاق فيهما يحتاج إلى دليل، وضعفه ظاهر، فإن هذا القدر كاف

في صحة سببية الملك إليه.

وهذه القاعدة المطردة في الاقرار

ولا يملك الحمل ما أقر له به إلا بعد وجوده حيا لدون ستة أشهر من حين الاقرار ليقطع بوجوده حين حصول صدوره، بخلاف ما لو كان لستة فصاعدا فإنه لا يملك المقر به إليه لاحتمال تجدده بعد الاقرار لان أقل مدة الحمل ستة أشهر.

ولو سقط ميتا فإن عزاه إلى إرث أو وصية عاد إلى موروث الطفل والوصي فيرثه وارث غيره من أمواله، وإن أطلق كلف السبب وعمل بقوله، وإن تعذر التفسير بموت أو غيره بطل الاقرار كمن أقر لرجل لا يعرفه فهو كما لوأتر لواحد من خلق الله، ولا مجال للقرعة هنا لانه ليس هنا من يقرع بينهم.

ولو ولدت اثنين أحدهما ميت كان المال للحي منهما لان الميت بمنزلة من لم يكن.

ولو أقر لمسجد أو مشهد أو مقبرة أو مصنع أو طريق وعزاه إلى سبب باطل فالو جهان السابقان.

وقد حققنا لك أن الوجه ترتيل الاقرار على الامر الصحيح المحتمل، وأن الاقرب لزوم الاقرار وإلغاء الضميمة فيها إذا عزى إلى سبب ممتنع.


25

الثانية: إن من شرائط صحة الاقرار ولزومه عدم صدور التكذيب من المقر له، فلو قال: هذه الدار لزيد فكذ به لم يسلم إليه على طريق اللزوم.

وإن كان يصح التسليم إليه لو صدقه بعد الانكار فيجوز تسليمها إليه في حال الانكار أيضا لانها ماله بزعم المقر، فله التسليم على مقتضى إقراره.

ويمكن أن يكون المراد عدم جواز التسليم إليه لانتفاء المقر عنه بتكذيبه فكيف يجوز تسليم ما ليس له إليه ؟ ويمكن أن يبنى ذلك على أن المقر هل هو مؤاخذ بإقراره هذا أم لا ؟ فعلى الاول: لا يجوز له التسليم إذ هو بالنسبة إليهليس هو مال المقر له.

وعلى الثاني: يجوز، نعم ليس له الالزام بذلك.

ثم إنه يتخير بين أن يترك في يد المقر أو القاضي، وذلك لان هذا مال الغائب لانتفائه عن المقر والمقر له، والقاضي ولي كل غائب وهو المتولي لحفظ المال الضائع والمجهول المالك، وهذا في حكم الضائع والمجهول.

نعم لو رأى في إبقائه في يد المقر صلاحا أبقاه في يده.

ووقع في بعض شروح الارشاد أنها تبقس في يد المقر إن قبلنا رجوعه لاصالة بقاء يده ولا مكان أن يدعيها فثثبت له.

وفيه نظر، إذ الاصل يرجع إليه في استصاب يده وإمكان دعواه ملكيتها بعد ذلك، وقبولها منه لا يقتضي استحقاق الادامة الان إذ لا تلازم بينهما.

قال: وإن لم نقل به ففي انتزاعها منه وجهان، فإن رجع المقر له عن الانكار سلم إليه المقر به لا ستحقاقه إياه، وذلك لزوال حكم الانكار بالتصديق فيبقى الاقرار سليما عن المعارض، ولانه مال لا يدعيه غيره، وصاحب اليدمقر له به، فكان له كما لو وجد كيس بين يد جماعة لا يعرف مالكه فادعاه البعض فإنه يحكم له به كما دل عليه الخبر المعتبر، لان هذا المال لا منازعة فيه.

ولو رجع المقر عن إقراره في حال إمكانها إنكار المقر له فأقر بها وادعى


26

ملكيتها فالاقرب عدم القبول، لان إقراره الاول قد مضى عليه وحكم به فانقطعت سلطنته عن المقر به، فإن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، والمشروط بعدم التكذيب إنما هو نفوذ الاقرار في حق المقر له بحيث يجب عليه تسليم المقر به لا أن ذلك شرط صحة الاقرار في نفسة إذ لا دليل عليه.

ويحتمل القبول لانه مال لا يدعيه أحد، واليد عليه له فيجب أن يقبل إقراره فيه ودعواه ملكيتة، ولانه لما خص ملكيتة لزيد وقد انتفى عنه بنفسه جرى مجرى المباح.

وليس بشئ لما قلناه من الحكم بصحة الاقرار له الثابت في حقه وهذا إنما هو إذا قلنا بعدم انتزاعه من يده، فإن جوزناه لم يقبل رجوعه قطعا.

ويمكن أن يوجه الفرق بين رجوع المقر له ورجوع المقر لان المقر أثبت الحق لغيره بإقراره فقطع سلطنته و أثبتها للغير فلم يقبل منه ما ينافي ذلك، لان الانكار بعد الاقرار غير مسموع لانه أخرج الملك عن نفسه بإقراره فلا يعود إليه بمجرد الدعوى، وبصيرورة الحق لغيره يكون رجوعه عنه إلى آخر أقرارا في حق الغير.

بخلاف المقر له فإنه اقتصر على الانكار، وهو لا يدل على كونالملك لغيره بشئ من الدلالات الثلاث، ولانه ربما أنه بنى على ظاهر الحال عنده لامكان أن لا يعلم سبب حدوث الملك له ونحو ذلك فإنكاره قابل للتأويل، ولان رجوعه متضمن للاعتراف بدعوى وجوب التسليم، والاقرار بالدعوى بعد الانكار مسموع.

ولو أنكر المقر له بعبد قيل: يعتق ذلك العبد لانه لامالك له بعد هذا الاقرار والانكار.

وليس بجيد، بل يبقى على الرقيه المجهولة المالك، ويحتمل الحرية إذا ادعاها العبد.

القائل بعتق العبد بهذا الانكار من المقر له الشيخ وابن البراج، ووجهه أن صاحب اليدقد نفي ملكيته عنه بإقراره به لغيره ويلزم انتفاء ملكيته عن كل ما عدا المقر له وقد أنكر تملكه فيكون حرا.

وفيه نظر، إذ لا يلزم من نفي المالك ظاهرا انتفاؤه بحسب الواقع، والفرض


27

أن رقية العبد محقق كما قررناه فلايتم ذلك، و أيضا فإنه لا علاقه للمقر بالعبد لا قراره به المعين لاقتضاء حصر الملك فيه نفيه عن غيره، ولاصالة عدم ملك آخر لاللمعين بإنكاره ملكيته، والجمع بين انتفاء العلاقة وثبوت الرقية محال.

فإن قيل: انتفاء العلاقة ظاهرا ليقتضي انتفاء الرقية ظاهرا ولا نعني بالحرية إلا ذلك إذ لا يريد إلا الحرية ظاهرا، قلنا: تحقيق المقام أن المنتفي ظاهرا هو علاقة شخص معين، اما مطلق العلاقة فلا، لانها غير منتفية إذ الفرض أن الرقية كانت متحققة الثبوت حين الاقرار والعلاقة تابعة لها، فإذا نفاها المقر عن نفسه وعن هذا المقر له ونفاها المقر له عن نفسه لم يلزم من ذلك انتفاؤها بالكلية بعد تحقق ثبوتها.

كما أن انتفاء ملك المقر عن غير العبد بإقراره والمقر له بتكذيبه لا يقتضي نفي أصل الملك وإلحاقه بالمباحات، وأيضا فإن الحرية أصل في الادمي كما اقتضته الاخبار الصحاح الصراح المنادية: الناس كلهم أحرار إلا من أقر على نفسه بالعبودية الظاهرة الصادرة من ذي اليد.

وقد رد العلامة كلام الشيخ في جملة من كتبه وحكم ببقاء العبد على الرقية، إلا أنه مجهولة المالك فهو كغيره من الاموال الذي لا يعرف لها مالك، وهو الاصح، لان الرقية قد ثبتت شرعا فلا نزول إلا بإحد الاسباب المقتضية للتحرير، وليس الجهل بمالك للعبد منها.

واحتمل العلامة في القواعد ثبوت الحرية في العبد إن ادعاها العبد لنفسهلانه مدع غير منازع في دعواه ولا سلطنة لاحد عليه.

وليس بشئ لانه يجب على الحاكم أن ينازع عليه ويدافعه ويثبت اليد عليه ويصينه عن الضياع وسائر الاموال المجهولة المالك لما قدمناه من ثبوت رقيته تحقيقها ظاهرا.

ولو أقر لعبد الغير بنكاح أو تعزير قذف فكذبه السيد

فالاقرب اللزوم،


28

بخلاف مالو كذب العبد إذ لاحق للسيد هنا.

ووجه القرب الحديث النبوى حيث قال صلى الله عليه واله: اقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

ولا حق للسيد في المقربه.

أما النكاح فهو وإن توقف صحته على رضا السيد إلا إنه إذا ثبت كان محض حق للعبد لا حق للسيد فيه، ونحن لا نريد بثبوته في حق السيد بحيث يحكم به بالنسبة إلى العبد بل نريد نفوذه في حق المقر، فلا يجوز للمرأة المقرة به أن تتزوج بغيره.

وأما التعزير للقدف فظاهر إذ لا تعلق للسيد بذلك.

ويحتمل عفدم النوذ مع تكذيب السيد لا طلاق قولهم: الاقرار للعبد إقرار للسيد.

نعم استيفاء التعزير موقوف على تصديق العبد ومطالبته.

وهذه الفروع كلها غير منصوصة بالخصوصوإنما مستندها العمومات وهي كافية في الاستلالال.

المطلب الرابع في أحكام المقر به وهو إما مال أو نسب أو حق أو حد، ويشمل الحق أيضا القصاص والخيار والشفعة والاولوية وما يجري هذا المجرى، ويشمل المال العين والدين، وفيه مسائل: الاولى: لا يشترط في المال المعلومية فيصح الاقرار بالمجهول عن حق سابق، والخبر قد يقع عن الشئ على جهة الاجمال كما يقع على جهة التفصيل وربما كان في ذمة الانسان ما لا يعلم قدره، فلا بد له من الاخبار عنه ليتفق هو وصاحبه على الصلح فيه بشئ، وفمست الحاجة إلى سماع الاقرار بالمجهول، بخلاف بعض الانشاآت فإن أغلبها لاتتحمل الجهالة احتياطا لابتداء الثبوت وتحرزا عن الغرر المنهي عنه، فإذا أقر بالمجهول طولب بالبيان والنفسير، فإن امتنع ففي إكراهه عليه وإلزامه به خلاف، والاقرب ذلك، فيحبسه حتى يبين


29

لان البيان واجب عليه، فإن امتنع منه حبس كما يحبس على أداء الحق، ومقتضاهأنه لو ادعى الجهالة بنسيان ونحوه لا يسمع.

وقال في التحرير: ولو قال: نسيت احتمل الرجوع إلى قول المدعي مع اليمين والاقرب في صحة الاقرار بالمجهول الفرق بين أن يقع في جواب الدعوى وبين أن يقع ابتداء وإن كان المشهور عدم الفرق.

الثانية: يشترط في المال المقر به أن يكون ملكا للمقر حالة الاقرار حتى تقع المطابقة بين إقراره وما في نفس الامر، فلو نسيه لنفسه ابتداء ثم أخبر بأنه ملك لعمرو كأن يقول: داري لفلان أو ملكي أو عبدي أو ثوبي لزيد مثلا بطل للتناقض.

ويمكن دفعه بأن قوله (داري لفلان) لا تناقص ليه لان المراد به الدار التي هي بحسب الظاهر لي ملك لفلان في نفس الامر وليس في ذلك تناقض ولا تنافي، إلا أن يقال: إن المتبادر من قوله (داري) الدار التي هي لي في الواقع، وهذا أظهر من قوله (ملكي لفلان) والشيخ - رحمه الله - قال: إذا قال: له في ميراثي من أبي ألف درهم كان هبة (لا) يكون مناقضة.

وكيف تكون داره لفلان في حال ما هي له، نعم لو قال:لي ذلك بأمر حق كان إقرارا صحيحا لانه يجوز أن يكون له حق وجعل داره في مقابلة ذلك الحق.

وذهب المحقق إلى التسوية بينهما وصحة الاقرار فيهما لان الاضافة إلى الشئ يكفي فيها أدني ملابسة كما قال الله تعالى (لا تخرجوهن من بيوتهن) (1)

(1) سورة الطلاق - آية 1.


30

وكوكب الخرقاء وقول أحد حامل الخشبة: خذ طرفك، ولان الاضافة كما تكون للملك تكون للتخصيص أيضا، ولما انتفى الاول حمل على الثاني ولو مجازا لوجود القرينة الصارفة للفظ عن أحد محامله إلى غيره، ولا يحكم ببطلان الثاني المصرح به بمجرد الاحتمال في الاول.

وهذا محصل كلام المختلف، ولا يرد عليه أنه مجاز لانه من المجازات الشائعة، والتناقض الذي فر منه الشيخ وابن إدريس لا يندفع بقوله (بأمر حق) فمختار المختلف قوي جدا.

ولو قال: هذه الدار لفلان وكانت ملكي إلى وقت الاقرار لم يسمع الضميمةوصح الاقرار، وذلك لان الضميمة تقتضي بطلان الاقرار فتلغوا كما لو قال: له علي ألف من ثمن خمر.

وبالجملة: فيشترط كون المقر به تحت يده وتصرفه وهو الملك المعبر عنه بتلك العبادة، فيكون المراد بكونه تحت يده وبالتصرف ما يقتضي الملك ظاهرا لما تقرر من لزوم كون الاقرار إنما يكون فيما كان متعلقه بملكه، لان اليد إذا كانت يد عارية أو إجارة ونحو ذلك يكون في يد الغير، فإذا علم ذلك لم يعتد بإقراره لانه إقرار في حق الغير، أما إذا جهل كان ذلك إقرارا، فقوله (الدار في يدي لفلان) لازم ونافذ لان كونه في يده شرط صحة الاقرار كما عرفت، فالتصريح به يكون مؤكد للصحة.

ولو قال: له في ميراث أبي أو من ميراث أبي مائة

صح وكان إقرارا بدين في التركة.

ولقائل أن يقول: التناقض المدعى في قوله (داري لفلان) لازم هاهنا، لان ما كان ميراثا للاب المقر فهو ملك له أو على حكم مال الميت مع الدين، وعلى كل تقرير فليس ملكا للمدين، وقد اقتضى الاقرار كونه ملكا له.

فإن قيل:المراد بقوله (في ميراث أبي) استحقاق ذلك، قلنا: هو خلاف الظاهر، فإنه خلاف


31

الموضع اللغوي والشهير في الاستعمال العرفي، وإذا جاز ارتكاب مثل هنا ففيما سبق أولى.

ولو اقر له بحرية عبد في يد غيره

لم يقبل، فإن اشتراه صح تعويلا على قول صاحب اليد.

والاقرب أنه لو أقر من لا يد له على عبد وإنما هو في يد غيره بحريته لم يقبل، والمراد أنه لا يقبل الان بالنسبة إلى من بيده العبد.

أما بالنسبة إلى المقر فإنه مقبول حتى لو انتقل إليه ظاهرا بسبب مملك كالبيع والارث فإنه يؤخذ بإقراره وينفذ في حقه، ويصح له استخدام العبد بمجرد إذن من هو في يده بنحو عارية أو إجارة ما لم يكن ذلك برضا العبد، ولا يبرأ بدفع منافعه وكسبه إلى صاحب اليد.

ولو عقد على أمة للمقر برضاه ولم يأذن صاحب اليد لم يكن له نكاحا، وليس له أن يعقد على امراة عقد هذا العبد عليها بغير إذن صاحب اليد.

إلى غير ذلك من الاحكام الكثيرة، والسبب فيه عموم أخذ المقر بإقرارهبالنسبة إلى نفسه، فإذا اشترى المقر هذا العبد صح الشراء تعويلا على صاحب اليد أنه ملكه، والظاهر يساعده حيث إن الملك له شرعا والاقرار السابق لم ينفذ: وقيل: إنه افتداء لا شراء صحيح لان صحة العقد لا تكون إلا بالايجاب والقبول الصحيحين.

ومعلوم أن القبول هنا غير صحيح لاعتراف المشتري بالحرية، والاقرب ما قاله العلامة في القواعد من أنه فداء من طرف المشتري وبيع من طرف البائع عملا بظاهر الحال من كونه مالكا وعدم نفوذ الاقرار بالنسبة إليه.

وتتفرع على الحالتين فروع مناسبة لهما فمن ذلك عدم ثبوت خيار المجلس للمشتري، وكذا خيار الشرط من طرفه، بل لا يعقل اشتراط خيار له أصلا، وكذا خيار الحيوان والرد بالعيب والغبن إلى غير ذلك من اللوازم، ولا استبعاد في ذلك نظرا إلى الاعتبار المذكور، ومثله في الشريعة غير عزيز.

وكذا لاولاء لاحد على هذا العتيق ظاهرا، أما المشتري فلانه غير مباشر


32

للمعتق، وأما البائع فإنه ينفي العتق من رأس.

نعم أن كان المشتري أخبر أن البائع أعتقه ينفذ ذلك بالنسبة إليه، فعلى هذا يكون عاقلته الامام، وينبغي أن يكون إرثه له.

وأما ما ذهب إليه العلامة في القواعد وابنه فخر المحققين في شرحه عليها من أنه يكون موقوفا فليس بشئ لمنافاته لذلك، ولعلهما أرادا أن البائع لو رجع إلى التصديق استحقه، وهو محتمل.

ولاريب أن الثمن المدفوع إلى البائع لا يملكه في نفس الامر إن كان المشتري صادقا، فإن قدر على أخذه بسرقة ونحوها كان له ذلك، ومع تلف العين فبذلها لانه لم يسلطه على أتلافه، وإنما بذله توصيلا إلى دفع منكر فلا يعد تبرعا، فلو لم يظفر بالثمن إلى أن مات العبد نظر، فإن كان العتق الذي أقر به المشتري يقتضي ولاء للبائع أخذ المشتري قدر الثمن من تركة العبد، لانه إن كان صادقا فهو مستحق لقدر الثمن على البائع وان كان كاذبا فالجميع له، فقدر الثمن مستحق له على كل تقدير.

وإن لم يكن العتق المقر به مقتضيا ولاء للبائع فحال التركة ما سبق ويتوقع المشتري الفرصة في أخذ عوضه.

وبما قررناه يعلم أن إطلاق عبارة القواعد من أخذ المشتري الثمن من التركة غير جيد.

ولو مات العبد قبل القبض لم يكن للبائع المطالبة بالثمن قطعا إن لم يكنقبضه، وللمشتري المطالبة به مع القبض قطعا.

المطلب الخامس في الاقارير المجهولة وفيه مسائل:

الاولى: أنه قد تقدم فيما سبق أن متعلق الاقرار لا يشترط فيه المعلومية فيصح وإن كان مجهولا، فإذا قال: له علي شئ الزم البيان والتفسير وقبل منه


33

ذلك التفسير وإن قل فسره بما يتمول في العادة قليلا كان أو كثيرا، حتى جاء في الحدود أنه لو أقر بحد ولم يفسره ضرب حتى ينهى عن نفسه، وما ذلك إلا لقبول الاقرار بالمجهول حتى فيما بني على التخفيف من الحدود التي تدرء بالشبهات.

ووجه القبول أصالة براءة الذمة مما زاد،

ولو فسره بما لم تجر العادة بملكه

كقشرة الجوزة أو حبة الحنطة أو بما لا يملك في شريعة الاسلام كالخمر والخنزير وجلد الميته أو بالكلب العقور والسرجين النجس وإن انتفع بهما لميقبل، وهذا إن كان الاقرار لمسلم، أما لو كان المقر كافرا صح التفسير بما يملكه الكافر كالخمر والخنزير.

وإنما قيد الكلب بالعقور لانه لو فسره بالكلب المعلم والسر جين الطاهر قبل، ووجهه أن كلا منهما مال يصح بيعه ومقابلته بالمال.

ولو فسره برد السلام أو العيادة أو جواب الكتاب أو تسميت العطسة ونحو ذلك من حقوق الايمان الشرعية لم يقبل لبعده عن الفهم في معرض الاقرار ولان أمثال ذلك يسقط بالفوات ولا يستقر في الذمة والاقرار مما يقتضيه الثبوت والاستقرار بالمقر به في الذمة.

واحتمل العلامة في التذكرة القبول إذا أراد أن ذلك حق على رد سلامه إذا سلم وتسميتة إذا عطس، لما روي في عدة من الاخبار المعتبرة أن للمسلم على المسلم ثلاثين حقا يرد سلاما ويسمت عطسته ويجيب دعوته.

وفيه نظر، ان إطلاق قوله (على شئ) إخبار عن الماضي وأنه يقتضي الملك عرفا ولا يعد شيئا من ذلك ملكا في العادة ليصح التفسير به.

وصرح فيها بأنه لو قال: له علي شئ قبل التفسير بالعبادة ونحوها.

ويشكل بأن الحقأخص فكيف يفسر بما لا يفسر به الاعم.

ولو قال: غصبته شيئا وفسره بالخمر والخنزير

قبل مع كون المقر


34

مما يقع ملكه عليها، أما مع الاسلام فموضع إشكال وسنذكر وجه الاشكال.

أما الاول فان ذلك بعد مالا بالنسبة إليه، وأما مع الاسلام فمنشأ الاشكال الاختلاف في تفسير الغصب، فقيل: هو الاستيلاء على مال الغير عدوانا.

فعلى هذا لا يصح التفسير بما ذكره لان المفسر به لا يعده مالا فلا يغصب.

وقيل: إنه استيلاء على محرم بخلاف المحللة على ما في يده محترمة يستحق الابقاء عليه ظاهرا فعلى هذا يصح.

هكذا قرره فخر المحققين في شرحه على القواعد، والمعروف في المذهب هو الاول، فلا يقبل ولا يتجه الاشكال.

وعلى هذا فلا يخفى أن الاشكال إنما هو في التفسير بالخمر المحرمة بخلاف المحللة.

أما الخنزير فلا إشكال في عدم قبول التفسير به.

وفي التذكره قال: لو قال: غصبته شيئا ثم فسر بالخمر والخنزير مما لا يعد مالا قبل لان الغصب لا يقتضي إلا الاخذ قهرا، وليس في لفظه ما يشعر بالتزام أو تفويتلحق، بخلاف قوله (له).

وبه قال الشافعي، قال: ويحتمل قبوله إن كان المقر له ذميا، وإن كان مسلما فإشكال.

وهذا مخالف لما قرره ولده في شرح القواعد، وكيف كان فالظاهر عدم القبول بالنسبة إلى المسلم.

ولو قال أردت نفسه لم يقبل لجعله للفعل مفعولين الثاني منهما (شيئا) فيجب مغايرة الاول.

ولا يرد ما قيل: إنه يجوز أن يكون (شيئا) بدلا من الضمير في غصبته لان شرط إبدال النكرة من المعرفة في الاصح أن تكون منعوتة وهو منتف هنا، ولان الاصل في السابق أن يكون مقصودا بالنسة.

وعلله أول الشهيدين في الدروس بأن الغصب حقيقة في أخذ المال حتى لو كان عبدا لم يقبل لا قتضاء مفعولي الفعل هنا المغايرة.

أما لو قال: غصبته ثم قال: أردت نفسه قبل وكذا لو قال: عنيته لان الانسان قد يغصب ويعين في غير المال.

هكذا قال العلامة في القواعد.


35

وقيل عليه: إن هذا التعليل عليل لمنافاته لما سبق من الاشكال الناشئ من الاختلاف في تفسير الغصب.

واجيب عن ذلك بأن الذي حكيناه عن كلام التذكرة في توجيه الاشكال يقتضي عدم المنافاة لان منشأ الاشكال حينئذ كما عرفت ليس هو إلا الاختلاف في تفسير الغصب ولم يعتبره في التذكرة.

فإن قيل: هذا وإن لم يناف الاشكال المذكور على ما ذكرت فإنه مناف لتفسير الغصب حيث لا يقع إلا على المال، قلنا: إنما يجب حمل الغصب على المال إذا اقتضاه الكلام ولم يحتج إلى تقدير شئ، وليس هنا لان غصبيته إنما تحمل على المال إذا كان فيه محذوف، فوجب حمل الغصب على مجازه فإنه أولى من الحذف والاضمار، فإنهما وإن كانا متساويين إلا أن الاصل براءة الذمة، وليس الغبن من لوازم المال، فروي في عدة من الاخبار إطلاق الغبن على المقصر في أعمال الطاعات ففيها: من استوى يوماه فهو مغبون (1).

الثانية: لو امتنع من التفسير حبس حتى يتبين، وقال الشيخ وابن إدريس: يجعل ناكلا فيحلف المدعي.

هذا إذا وقع بالمجهول ولم يفسر كان ذلك إنكارا منه، فتعرض اليمين عليه فإن أصر جعل ناكلا وحلف المدعي إذا لم نقض بالنكول.

فإن أقر ابتداء قلنا للمقر له: ادع عليه حقك فإن أصر جعلناه ناكلا.

ووجه أنه إذا أمكن تحصيل الغرض من غير حبس لا يحبس، ويشكل بأن الرد إنما يكون مع عدم الاقرار، والاصح أنه يحبس كما تقدم في وجوب البيان عليه، فإذا امتنع من ذلك الحق الواجب عليه حبس كما يحبس على الامتناع من أداء الحق.

ولو فسره بكلب يجوز اقتناؤه قبل لانه مال يقابل بمال كما سبق.

وكذا لو فسره بحد قذف أو شفعة قبل تفسيرة لان كلا منهما حق مملوك، ولذلك صرح العلامة في التذكرة والتحرير.

(1) عوالي اللئالى ج 1 ص 284 ح 129.


36

ويشكل بأن (اللام) تقتضي الملك وذلك لا يعد ملكا في العادة وإن كان حق الشفعة أقرب لانه لكونه وسيلة قريبة إلى الملك في حكم الملك، ومثله حق الخيار.

ولو فسره بحق السكنى في بيت في المدرسة أو بمكان الصلاة في الصف ونحو ذلك ففى القبول نظر، والاقوى عدم القبول لانه خلاف المتبادر من إطلاق لفظ الحق ولو قوعه بعد لام الملك.

الثالثة: لو فسره بدرهم فقال المدعي: بل أردت بقولك عشرة لم يقبل دعوى الزيادة بل عليه أن يدعي نفس العشرة، فالقول قول المقر في عدم الارادة بعشربكونها مسموعة، ويترتب عليها اليمين.

وبذلك صرح في التذكرة حيث قال فيها: وإن قال: - يعني المقر له - أراد به المائتين حلف المقر على أنه ما أراد مائتين، وانه ليس عليه إلا ما فسره به، ويجمع بينهما في يمين واحدة، فإن نكل المقر حلف المقر له على استحقاق المائتين، ولا يحلف على إرادة المقر لعدم إمكان الاطلاع عليها، بخلاف ما إذا مات المقر وفسره الوارث فالمدعي المقر له الزيادة، فإن الوارث يحلف على إرادة المورث لانه قد يكون مطلعا على حال مورثه بخلاف المقر له.

هذا كلامه.

واورد عليه ما قيل: إنه إذا لم يكن اطلاعه على الارادة فكيف يجوز الدعوى بها على وجه الجزم ويحلف عليها ؟ نعم إن اريد أن له أن يستحلفه على أنه ما أراد ذلك وإن لم يأت بالدعوى على صورة الجزم إما لعدم اشتراط الجزم فيها مطلقا أو فيما يخفى غالبا أمكن، ثم جواز حلف الوارث على إرادة المورث حيث بغير الوارث، وكذلك إمكان الاطلاع على إرادته بعارض لا يختص بالوارث وإن كان الوارث أقرب.

الرابعة: لو مات التفسير طولب الورثة بها إن خلف تركة، إذلا يجبالقضاء بدونها، فإن أنكروا العلم بالارادة حلفوا على عدمه، وربما اوجب عليه الحلف على عدم العلم بالاستحقاق لكونه أخف، فإن من علم إرادة المدعى


37

به بلفظ الاقرار فقد علم الاستحقاق.

وفرق العلامة في التذكره بين أن يدعي الموصى له مجمل إرادة الوصي أكثر بما فسره به الوارث فالوجب اليمين على الوارث على نفي العلم باستحقاق الزيادة ولم يتعرض للارادة في الاول، وأوجب حلفه على إرادة المورث للثاني محتجا للفرق بأن الاقرار إخبار عن حق سابق يمكن فيه الاطلاع، بخلاف الوصية لانه إنشاء أمر عن جهالة، وبيانه إذا مات الموصي الى الوارث.

وضعف هذا الفرق بأن هذا مع انتفاء الارادة لا معها.

ولو ادعى المقر له جنسا غير ما فسر ولم يدع شيئا

ففي بطلان الاقرار بذلك وعدمه خلاف، جزم العلامة في القواعد بالابطال.

واستشكله المحقق الثاني في شرحه عليها حيث قال: والحكم ببطلان الاقرار مشكل، فإنه لو رجع المقر له إلى التصديق نفذ فكيف يحكم ببطلانه ؟ وبدون الرجوع قد بينا فيما سبقأنه يجب على الحاكم الشرعي انتزاع المقر به إن لم ير المصلحة في استئمان المقر عليه، فلا يستقيم ذلك الاطلاق في الحكم عليه بالبطلان.

الخامسة: لو قال: له علي مال قبل تفسيره بالقليل أو الكثير منه مما يسمى مالا متمولا، ولا يقبل تفسيره بغيره من الحقوق كحد القذف والشفعة إذ لا يعد شئ من ذلك مالا، ويعتبر في التفسير بالقليل أن لا يبلغ في القلة إلى حد لا يعد مال في العادة كحبة حنطة.

وصرح العلامة في التذكرة بعدم اعتبار هذا الشرط لان كل متمول مال ولا ينعكس، وهو مشكل.

واعتبر أبو حنيفة تفسيره بالمال الزكوي.

ويقبل تفسيره بالامة المستولدة لان ام الولد قبل موت مولاها مال مملوك حتى لو كانت لم ولد للمقر فتنزل على سبق الملك للمقر له أو على انتقالها إليه في موضع يجوز فيه الانتقال كثمن


38

رقبتها مع إعسار المولى.

ووجه القبول عموم الاخبار مثل قوله عليه السلام: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز.

وربما استشكل بأن الاستيلاد حق مشترك بينهما وبين الله تعالى، وقبول التفسير بها يقتضي إبطاله.

واحتمل أول الشهيدين في دروسه اعتبار تصديقها أو الاستفسار، ولا باس به لان فيه السلامة من الاشكال وخروجا من العهدة وجمعا بين الحقين، ولهذا جعله المحقق الثاني في شرح القواعد قويا جدا.

ولو قال: مال جزيل أو عظيم أو نفيس أو خطير جدا قبل تفسيره أيضا بالقليل وذلك بحمله على أنه عظيم خطره أو عظيم وزر غاصبه والخائن فيه، لكن يرد عليه أن ذلك لا يطابق الاستعمال العرفي.

واجيب بأنه ليس للعرف في ذلك معنى محقق يرجع إليه، وعظيم الشئ ونفاسته تتفاوت بتفاوت أحوال الناس واختلاف طبائعهم تفاوتا لا ينضبط، فربما عد القليل نفسيا في حال وباعتبار شخص وحقيرا في حال آخر واعتبار آخر فلا يرجع في ذلك إلا قبول تفسيره تمسكا بيقين البراءة.

ولو قال: مال كثير فعند الشيخ وجماعة أنه ثمانون كما ثبت في النذز بالدليل عن أهل البيت عليهم السلام، ووجه ثبوت ذلك عرف شرعي فكأنه من الحقائق الشرعية، وقد استدل عليه المعصوم بقوله تعالى (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) (2)لانها كانت ثمانون وهو متحقق، وربما أجاب المتأخرون عن ذلك بأنه من باب القياس لانه تقدير لا تساعد عليه اللغة ولا العرف فيقتصر فيه على موضع الوفاق، فحينئذ يرجع في التفسير إليه كما سبق، وهذا هو الاصح، واختاره ابن إدريس والمتأخرون.

السادسة: لو قال: له علي إكثر من مال فلان وفسره بأنه أكثر منه عددا إن كان مما يعد كالدراهم أو قدرا إن كان لا يعد كدار أو بستان (ويمكن

(1) سورة التوبة - آية 259.


39

أن يكون المعنى أنه قد فسره بكونه أكثر عددا أو أكثر قدرا ومعنى الاستواء في العدد) (1) الزم المثل بمثل ذلك ورجع في الزيادة إليه لانها مجهولة.

ومقتضى ما سبق أنه لابد من تفسيرها بما يتمول في العادة، واكتفى في التذكرة في قول تفسير الزيادة بما لا يتمول كحبة حنطة أو أقل من ذلك، وأن الحكم في المسألتين غير مختلف.

أما لو شهد ابتداء بالقدر ثم أقر بالا كثرية لم يسمع لو فسره بالقليل بدعواه ظن القلة لان ذلك ينافي الشهادة، وهذا ينتغي تقييده بمالا يطول معهالزمان بحيث يمكن تجدد الاشتباه عليه.

ولو فسر الاكثرية بالمنفعة أو البقاء أو البركة ففي السماع نظر منشأه من أن الاكثر عددا أو قدرا، واللفظ أنما يحمل عند الاطلاق على الحقيقة، ومن أن المجاز إنما يصار إليه مع وجود الصارف عن الحقيقة وهو أخبر بقصده ونيته، واختاره في التذكرة.

ويشكل بأن الحمل على مجاز خلاف الظاهر، فإذا تراخى تفسيره عن الاقرار فسماعه محل تأمل.

نعم أن اتصل به أمكن السماع لان المجموع كلام واحد.

السابعة: لو قال لي عليك عليك ألف دينار فقال: علي أكثر من ذلك لزمه ألفا وزيادة.

ولو فسر الاكثر بالاكثر فلوسا أو حب حنطة فالاقرب عدم القبول.

وخالف العلامة في التذكرة في المسألة الاولى فقال: لا يلزمه أكثر من الالف بل ولاالف لان لفظ (أكثر) مبهم لاحتمالها الا كثرية في القدر أو العدد

(1) لم يتضح المراد من العبارة التى جعلناها بين القوسين، واحتمال الزيادة أو التصحيف فيها غير بعيد.


40

فيحتمل أنه أراد أكثر منه فلوسا أو حب حنطة أو حب شعير أو غير ذلك فيرجع فيه إلى تفسيره، ووجه الاول لفظ (أكثر) إنما استعمل حقيقة في العدد أو في القدر فينصرف إلى جنس ما اضيف إليه لانه لا يفهم عند إطلاقه غير ذلك، قال الله تعالى (أنا أكثر منك مالا وولدا) (1) (وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا) (2) وقد اعتبرنا حمل اللفظ على الظاهر في اقل الجمع وهو ثلاثة عند الاكثر مع احتمال غيره، واعتبرنا الوزن الغالب والنقد الغالب والسلامة من العيب والحلول مع أن الاحتمال قائم وإمكان إرادة المرجوح، فيجب الحمل على الظاهر هنا أيضا، ولا يعتد بتطرق الاحتمال وفصل في التذكرة وهو أنه إن قرن (أكثر) ب (من) التفضيلية لم يجب مشاركته في الجنس وإلا وجب لان (افعل) بعض مما يضاف إليه.

وتنظر في ذلك المحقق الثاني في شرح القواعد صحة قولنا (يوسف أحسن إخوته) وهو أحد صور الاضافة وليس (أفعل) فيه بعضا مما اضيف إليه، فلا يصح ذلك التعميم بحيث يجعل قانونا كليا.

ثم قال: والذي يقتضيه النظر أنه لم يذكر المميز حينئذ في التفضيل،فالابهام قائم والمرجع في التفسير إليه، ولا دليل على وجوب اتحاد الجنس، وما ذكر من الشواهد على ذلك والادلة من الايات المذكورة فأكثرها مع المميز والذي لم يذكر فيه فيه خلاف اعتمادا على دلالة المقام عليه.

ولا يمكن الحكم يشغل الذمة بمجرد الاستناد إلى مجرد الاقوال من غير أن يكون في اللفظ دلالة صريحة، فالمحافظة على قاعدة الاقرار المتفق عليها المحصلة لبراءة الذمة أحسن من مراعاة القواعد اللغوية والعرفية الخاصة، سيما إذا كانت صادرة ممن لا يراعي هذه القواعد ولم يسمع بها ولم يأت من الشارع

(1) سورة الكهف - آية 34.

(2) سورة سبأ - آية 35.


41

فيه حكم كلي وإن لم يلاحظه المقر.

الثامنة: قد صرح غير واحد بأن لفظ (كذا) من الالفاظ المبهمة وهو كناية عن العدد وهو كلفظ الشئ فيرجع في تفسيره إلى المقر أيضا سواء اتحد أو تكرر لان تكراره للتأكيد لا للتجديد والتأسيس.

فلو فسر المفرد (1) بدرهموكان منصوبا لزمه درهم واحد ونصب على التمييز لصلوحه للاقراره وغيره، هذا هو المشهور.

وقال الشيخ: يلزمه عشرون درهما لانه أقل عددا ينتصب عنه التميز ولفظ (كذا) كناية عنه.

ويشكل بأن شغل الذمة بعشرين مع إمكان أن يراد بكذا واحد يقتضي التمسك بمجرد الاحتمال، ولا أثر لموازنة المبهمات المبينات باعتبار القرائن النحوية اما لعموم العلم (2) بكون ذلك مستفاد من اللفظ لوضعه له، وأما ثانيا فلان العرف الخاص لا ينظر إليه وإنما يعتمد على ما يتفاهمه أهل العرف العام ويجري في محاوراتهم، إلا إذا لم ينضبط لاختلافه فالاصح إذا هو الاول، ولو رفعه فعند الاكثر كذلك ويكون تقديره شيئا هو درهم فجعل الدرهم بدلا من كذا منطبق على أوضح الاحتمالات.

أما لو خير لزمه في المشهور جزء درهم وصار مبهما أبهاما آخر فيرجع إليه في تفسيره وقيل: - والقائل الشيخ أيضا وجماعة - إنه يلزمه مائة لانه أقل عدد يضاف إلى تمييزه المفرد.

ويرد عليه ما يرد على كلامه الاول مع عدم المستند الشرعي على ذلك.

وما وجهه به من أن (كذا) كناية عن العدد ودرهم بالجر بمنزلة التمييز بعده وأقل عدد مفرد يكون تميزه مجرورا عن لفظ المائة فضعفه غير خفي.

ولم يفرق الشيخ بين أن يقول: علي كذا درهم صحيح أو لا يقول كونه

(1) كذا في النسخة، ويحتمل أن يكون (فلو فسره المقر).

(2) كذا في النسخة، ولعل الصحيح (أما أولا للعلم).


42

صحيحا.

وفيه رد على بعضهم حيث فرق بين الامرين لانه إذا قال: له علي كذا درهم صحيح بالجر لم يجز حمله على بعض درهم فتعين المائة.

والحق ما ذكرناه أولا لان وصف الدرهم بالصحة لا ينفي تقدير الجزء لان الجزء كما ينسب لمطلق الدرهم ينسب للصحيح أيضا، ووصفه بالصحة لا يقتضي ثبوت الدرهم الصحيح في النفقة كما زعمه في البعض، فإن بعض الدرهم الصحيح قد يكون مستحقا لغير من يستحق باقيه، وكذا كل صحيح من بيت أو سيف وحيوان وغيرها.

ولو وقف بالسكون قبل تفسيره بجزء درهم لا حتمال الجزء وبالدرهم لاحتمالالرفع فيلزمه أقل الامرين، وأوجب بعضهم درهما.

وكذا

لو قرر بغير عطف كأن قال: له كذا كذا درهما

بالنصب أو بالرفع أو بالجر فلا يلزمه إلا ما سبق من غير تكرار.

ووجهه أن (كذا كذا) يمكن أن يكون تكراره للتأكيد وكأنه قال: شئ شئ درهما ويكون درهما مميز للموكد ودرهم بالرفع مفسر له، وفي الجر كانه قال: جزء جزء درهم، ويحتمل في الجر أنه إضافة جزء إلى جزء المضاف إلى درهم فيلزمه بعض بعض درهم وتفسيره إليه.

ولو وقف لزمه أقل الاحتمالات لو فسر به.

ولو قال: كذا كذا ثلاثا ثم أتى بالدرهم بعده منصوبا أو مرفوعا كما سبق أيضا في أنه يلزمه درهم لامكان التأكيد كما لو كرر الشئ ثلاثا، ولو جر فجزء درهم وعلى الاحتمال فجزء جزء جزء درهم ولو وقف فكما سبق أيضا.

وخالف الشيخ هنا كما خالف فيما سبق حيث قال: إذا قال: كذا كذا درهما بالنصب يلزمه أحد عشر، درهما لانه اقل عدد مركب مع غيره ينتصب بعده المميز الى تسعة عشر، فيجب الحمل على الاقل، ويضعفه ما تقدم.

ولو عطف ورفع لزمه درهم لانه ذكر شيئين ثم أبدل منهما درهما فكأنهقال: هما درهم، ولو نصب احتمل لزوم درهم لان (كذا) يحتمل أقل من درهم، فإذا


43

عطف مثله عليه وفسرها بدرهم جاز، ويحتمل لزوم درهمين لانه ذكر جملتين، وفسر بدرهم فيعود إلى الجميع كمائة وعشرين درهما فيعود التفسير إلى الجميع وأكثر من درهم بناء على أن الدرهم تفسير للاخير، ويبقي الاول على إبهامه.

وقيل: يلزمه أحد وعشرون.

فالاحتمالات إذا ثلاثة: فالاول: لزوم درهم لان (كذا) يحتمل أقل من درهم، فإذا عطف مثله وفسرهما بدرهم على طريق التمييز كان صحيحا جاريا على القوانين والاصل براءة الذمة عمازاد، وهذا أقوى.

الثاني: لزوم درهمين لانه ذكر جملتين وفسر بدرهم، فكيف يكون تفسير الجميع على معنى أنه مفسر للاخير، ودليل على أنه تفسير الاول كمائة وعشرين درهما فإنه قد صرح أن المائة تكون أيضا دراهم، وحينئذ يلزمة أكثر من درهم لان الدراهم تفسير للاخير فيبقى الاول على إبهامه.

وقال الشيخ: إنه يلزمه أحد وعشرون لانه أقل عددين عطف أحدهما علىآخر وانتصب الدرهم بعدهما.

وقال ابن إدريس في مقابل كلامه: الاولى الرجوع إلى التفسير لان (كذا) لفظ مبهم محتمل ولا يعلق على الدرهم بأمر محتمل والاصل براءة الذمة.

وقال العلامة بعد حكايته كلام ابن إدريس: إن التحقيق أن نقول: إن كان القائل من أهل اللسان الزم بما قاله الشيخ وإلا رجع إلى تفسيره كما عليه ابن ادريس.

ويشكل بأن هذه المعاني ليست مستفادة من هذه الالفاط بالوضع ليحكم على من كان أهل اللسان بها، وعلى تقدير الوضع فأهل اللسان إنما يتحاورون في الاقارير والمعاملات لا يتفاهمه أهل العرف، والاصح ما قاله ابن إدريس.

التاسعة: لو قال: له علي ألف ودرهم أو درهمان فالالف مبهم الجنس فيقبل تفسيره بما قل وكثر، وذلك لان عطف جنس معين على مبهم الجنس


44

لا تقتضي إذ لا منافاة بين عطف بعض الاجناس عليما يغايرهما بل هو الواجب فبأي شئ فسره قبل حتى لو فسرت بحبات الحنطة قبل.

وقد صرح بذلكالعلامة في التذكرة، ويؤيده أن المفسر للشئ لا يعطف عليه إلا نادرا كما تقرر في العربية.

ولو قال: ألف وثلاثة دراهم

أو وخمسون درهما أو وخمسة عشر درهما أو ألفا ومائة درهم فالجميع دراهم على الاظهر، وذلك لان الاستعمال لغة وعرفا جار على الاكتفاء بمفسر الاخير في كونه تفسيرا لما قبله.

قال الله تعالى (أن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة) (1).

وفي الحديث (2) أن رسول الله صلى الله وعليه واله توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.

وغير ذلك من الاستعمالات في الاخبار وكلام العرب التي لاحصرلها.

وأما الاستعمالات العرفية فهو في الظهور مغنية عن التعرض لها ولبيانها، وكأنهم لما كرهوا الاتيان بالمميزات المؤلفة في الكلام والواحد اكتفوا بأحدهما ورجح المبهم الاخير على غيره لان المفسر انما يفسر ما قبله، ولان المقطوع به هو تفسير ما اتصل به فيبقى ما سواه على الابهام، والاصل براءة الذمة، ولأن المستثنى المتعقب جملا يختص بالاخيرة في الاصح.

ويضعف بأن الاستعمال لما كان جاريا على ذلك بحيث لا يفهم عند الاطلاقسواه ولا يتوقف أحد في فهم المراد في مثل ذلك على مراتبه (3) لدفع الابهام فإن المحذوف لدليل بمنزلة المذكور، وحينئذ فلا يتوقف الاصل ها هنا على وجود الناقل، والاستثناء بعد جمل إنما يعود إلى الاخيرة على القول به مع انتفاء ما يدل على عوده إلى الجميع، والاول أقوى، فلا إبهام في الاول ولا في الثاني بعد تفسيره بذلك المميز.

(1) سورة ص - آية 23.

(2) الكافي ج 1 ص 439.

(3) كذا في النسخة.


45

وعلى القول الثاني وهو اختصاصه بالاخير وبقاء الاول على الابهام، فلو باع بمائة وعشرين درهما مثلا لم يصح البيع حتى يذكر المائة.

ولو قال: علي ثلاثة دراهم وألف أوعشرون درهما وألف، فالالف في المثالين مجهولة لان السابق في مثل ذلك لا يفسر بما بعده والاصل براءة الذمة.

أما

لو قال: درهم ونصف

فالاقوى حمل النصف على السابق لان المتفاهم في العرف والمحاورات العرفية، حتى لو قال: له علي درهم ونصفدرهم عد مطولا تطويلا زائدا على قدر الحاجة، واحتمل النقص عدمه للاصل ولانه معطوف على الدرهم فلا يقيد به، والاول أقوى.

وقال في التذكرة: لو قال: ونصف فالنصف مبهم، وهو خلاف الظاهر العاشرة: إطلاق الاقرار بالموزون والمكيل ينصرف إلى موزون البلد وكيله لانه المتظاهر عرفا، ولهذا يحمل الاطلاق في البيع عليهما.

وكذا الذهب والفضة ينصرف إلى نقد البلد الغالب.

والمراد بالذهب والفضة الدراهم والدنانير، فلو أقر بذهب أو فضة في غير أن يسمي الدراهم والدنانير كأن قال: خمسة مثاقيل من ذهب أو من فضة فالظاهر أن ذلك لا ينصرف إلى الفضة العالية الخالصة في البلد، ولما كان الاطلاق محملولا على المتعارف لم يتفاوت الحال في حمل الدراهم والدنانير على المغشوشه إذا كان نقد البلد مغشوشا، كما يحمل النقد على الخالص إذا كان غالبا في البلد من غير تفاوت، فإن تعدد الوزن أو النقد فتساويا من غير غلبة لاحدهما على الاخر رجع إليه في التعيين مثل أن يكون الرطل واقعا على كبير وصغير والنقد على صحيح وغير صحيح وتساوى الجميع في المعاملة بحيث لم يكن لبعض على بعضرجحان حصل الابهام ورجع إليه في التعيين، والاصل براءة الذمة ولو كان بعض الوزن أو النقد المتعدد غالبا في المعاملة، ويجب حمل الاطلاق عليه.

ولو فسر بالناقص النادر مع وجود الغالبية في البلد قبل مع اتصاله،


46

وكذلك الوزن لان ذلك بمنزلة الاستثناء، ولانه لو لا ذلك لادى إلى تعذر الاقرار ممن عليه دراهم ناقصة، ولان الكلام لا يعتبر معنى إلا بعد كماله وتمامه، بخلافه حالة الانفصال فإنه يقتضي رفع بعض ما حكم بثبوته فلا يسمع.

وكذا لو فسر بالمغشوشة مع الاتصال حيث يكون الغالب غيرها وإلا لم يحتج إلى اشتراط الاتصال.

ولو قال: له علي درهمان أو دراهم صغار ففسره بالناقص

لا يقبل إلا مع لمستفاد من الصفة وصريح اللفظ لا ينفي حملها على الغالب لان الدراهم الغالبة تكون صغيرة في شكلها.

نعم لو كان في الدراهم صغير وكان ناقصا وفسر به قبل منه.

وفي التذكرة: أنه لو قال: له علي درهم أو درهمان أو درهما صغيرا أودراهم صغار فالوجه قبول تفسيره بما أراد مما ينطبق عليه هذا الاسم.

وهذا لا يخالف ما ذكرناه، مع أنه قال بعد هذا في المسألة التي تلي هذه: لو قال له: دريهم بالتصغير فكما لو قال درهم لان التصغير قد يكون في ذاته أو لقلة قدره عنده وقد يكون لمحبة.

ولو قال: له علي درهم كبير

ففي التذكرة ذهب إلى أنه درهم من دراهم الاسلام لانه كبير في العادة، قال: ولو كان هناك ما هو أكبر منه وزنا فالاقرب المساواة.

الحادية عشرة: صيغ الجمع من الالفاظ المبهمة حيث إنما مشتركة بين جموع القلة والكثرة وهي في إصطلاح النحويين مختلفة في القله والكثرة لكنه في عرف العام غير متفاوت، فيحمل على أقله وهو ثلاثة سواء كان جمع قلة أو كثرة وسواء كان معرفا بلام الجنس أو منكرا، وسواء وصفه بالقلة أو الكثرة أو لا، لان الفرق بينهما استعمال خاص فلا يعارض أصالة البراءة، والمعروف باللا


47

وإن اقتضى العموم إلا أنه هنا ممتنع وليس هناك حد (ينتهى) إليه فيلغى التعريفوكذا وصفه بالقلة والكثرة.

واحتمل العلامة في قبول تفسيره باثنين محتجا بالاستعمال الشائع في الكتاب والسنة مثل قوله تعالى (فان كان له اخوة) (1) (فقد صغت قلوبكما) (2) وقوله عليه السلام (3): الاثنان فما فوقهما جماعة.

وبأن حقيقة الجمع موجودة في الاثنين، قال: ولو مسلم أنه مجاز فلا يستحيل إرادته، فإذا فسر به قبل لانه أعرف بقصده، ويرده أن المجاز خلاف للاصل، فالتفسير به يكون منفصلا عن الاقرار ورجوعا عنه ويلزمه قبول التفسير بالواحد لعين ما ذكره فإنه يستعمل إليه مجازا.

وفي الدروس لاول الشهيدين: أنه لو فسر بالاثنين متأولاله بمعنى الاجتماع أو أخبر بأنه من القائلين أقل الجمع اثنان فالاقرب القبول، ويشكل بأن اللفظ يجب حمله عند الاطلاق على الشائع في الاستعمال، فإذا فسر بخلاف ذلك تفسيرا متراخيا عن الاقرار كان رجوعا عن بعض ما أقر به.

ولو قال: ثلاثة آلاف واقتصر عليها لزم بتفسير الجنس بما يصح تملكه مما يصدق عليه ذلك.

الثانية عشرة: لو قال: علي ما بين درهم وعشرة إلى ثمانية لان ذلك ما بينهما، وظاهر إطلاقهم أن الثمانية دراهم واللفظ غير صريح في ذلك.

ولو قال: من درهم إلى عشرة احتمل فيه وجوة: (أحدها) دخول الطرفين (والثاني خروجهما (والثالث) دخول الابتداء وخروج الغاية.

وبهذا الاحتمال تعددت الاقوال.

فوجه الاول أن ذلك جار في الاستعمال، تقول: قرأت القرآن من أوله إلى آخره وأكلت الطعام من أوله إلى آخره، واورد عليه أن ذلك مستفاد من

(1) سورة النساء - آية 11.

(2) سورة التحريم - آية 4.

(3) جامع الصغير ص 9.


48

قرأت القرآن وهو وقوع القراءة على جميعه.

وكذا في قوله: واكلت الطعام ودخول الطرفين بالقرينة المقالية، فكيف يستدل على ذلك عند الاطلاق ؟ ووجه الثاني ان الاول والعاشر حدان لا يدخلان في المحدود كما لو قال: بعتك من هذا الجدار إلى هذا الجدار فإن الجدارين غير داخلين في المبيع.

وقد نقل فخر المحققين في شرحه على القواعد عليه الاجماع ولقوله تعالى (اتموا الصيامإلى الليل) (1) ولان الاصل البراءة فلا يجب سوى المتقين وهو الاصح، واختاره ابن ادريس في سرائره.

ووجه الثالث أن الاول ابتداء الغاية والعاشر هو الحد فيدخل الابتداء قطعا دون الحد، ولان الملتزم زائد على الواحد والواحد مبدأ العدد، واختار هذا الشيخ في المبسوط والعلامة في الارشاد.

وضعف بأن شغل الذمة لا يكون بمجرد الاستبعاد.

ولو قال: في مثله أردت المجموع لزمه خمسة وخمسون، لانك في هذه الحال تزيد أول العدد وهو الواحد على آخره وهو العشرة ثم تضرب المجموع في نصف العشرة، وطريق معرفة مجموع الاعداد المذكورة ما ذكرناه فما خرج فهو الجواب.

والعلامة في القواعد أطلق الحكم هنا ووفي غيرها، وكذا غيره من فقهائنا ربما كان يظهر منه عدم الاعتداد بالاطلاق، وإنما يستقيم ذلك على القول بدخول الطرفين.

أما على القول بخروجها أو خروج الغاية دون الابتداء فلا يبلغ المقر به خمسة وخمسين كما لا يخفى إلا أن يريد يقوله الاقرار بجميع الاعداد التياشتمل عليها هذا اللفظ، فلا بحث في اللزوم ولا إشكال.

ولو قال: له درهم في عشرة ولم يرد الحساب والضرب لزمه واحد، وذلك لان المقر به الدرهم والعشرة ظرف له.

(1) سورة البقرة - آية 187.


49

ولو قال: درهمان في عشرة وأراد الضرب والحساب

زمه عشرون، ولو أراد درهمين مع عشرة يجعل في المعية والمصاحبة قبل ولزمه اثنا عشر.

أما إذا إراد الحساب فلا بحث لان هذه العبارة ظاهرة فيه.

وأما إذا أراد درهمين مع عشرة فإن هذا المعنى شائع بين أهل اللغة والعرف، فإنهم يقولون: إذا أرادوا الجمع بعد التفريق في العدد قالوا في خمسة في سبعة إلى غير ذلك، فلا يمتنع الحمل عليه عند الاطلاق ومجي (في) للمصاحبة شائع كما في قوله تعالى (ادخلوا في امم) (1) ويقبل منه هذا التفسير وإن كان هو من أهل الحساب على الاصح.

وربما احتمل بعضهم عدم القبول لان الظاهر من حال الحساب استعمالالالفاظ في معانيها المصطلح عليها فيما بينهم.

ورد بأن المحاورات العرفية غالبا لا تكون جارية على مصطلحات أهل العرف الخاص كما هو مشاهد مع أن الاصل براءة الذمة، والاصح القبول.

ولو قال: أردت در همين في عشرة لي قبل ويلزمه درهمان فإن (في) للظرفية فالاصل البراءة.

ولو قال: درهمان في دينار لم يحتمل الضرب وسئل، فإن فسره بالعطف لزمه درهما ودينار وذلك بناء على أن (في) للمصاحبه، وإلا فليس هنا عطف إصطلاحي.

ولو قال: أسلمتها في دينار فصدقه المقر له بطل إقرارة لان السلم لا يصح في الصرف لانه مشروط بقبض الثمن والمثمن في المجلس لمكان الصرف، وإن كذبه صدق المقر له مع اليمين فيلزم المقر بالدرهمين ولا يقبل منه ما ينافي الاقرار وإن كان له إحلاف المقر له على نفي ما ادعاه.

(1) سورة الاعراف - آية 38.


50

الثالثة عشرة: لو أقر له صريحا بالظرف دون المظروف أو بالعكس لم يدخل أحدهما عند الابهام في الاخر لاحتمال أن يريد بالظرف الذي له.

فإذا قال: له عندي زيت في جرة أو سيف في غمد أو كيس في صندوق أو فص في خاتم أو غصبت منه ثوبا في الظرف أو منديل لم يدخل الظرف لاحتمال أن يريد في جرة لي أو في غمد لي، وهكذا في الباقي.

وليس في اللفظ قرينة تدل على كون هذه الاشياء للمقر له، وإلا لكان أذا صم إليه لفظ مفهم للمنافاة لظاهر الاقرار و يحتاج إلى العدول عن الظاهر مع أن الاصل براءة الذمة، وكذلك في الامثلة الاخيرة لم يكن مقرا إلا بغصب الزيت والثوب، خلافا لابي حنيفة.

ولو قال: له عندي غمد فيه سيف أو جرة فيها زيت

لم يدخل المظروف، وكذا له خاتم فيه فص أو عمامة فيه رأس عبد للعلة التي مر ذكرها.

ولو قال: له عندي خاتم وإطلق أو ثوب مطرز لزمه الخاتم بفضته والطراز أيضا، لان المتبادر من العبارة عند الاطلاق دخول الاطراز في الاقرار بالثوب بلا إشكال لان الطراز جزء والجزء في العادة المستمرة داخل.

وأما الفص ففي دخوله في الاقرار إشكال ينشاء من أن اسم الخاتم يتناوله عرفا ومن مغايرته إياهوانفصاله عنه، ولهذا يخلو الخاتم عنه كثيرا، والاقوى الاول لان الكلام في شمول اسم الخاتم في الفص إنما هو مع وجوده فيه فمر كما مر للطراز، وليس كلما هو جزء للشئ يمتنع خلوه عنه.

واختار العلامة في التذكرة الثاني.

لو قال: له عندي جارية وجاء بها وهي حامل

احتمل صحة استثناء الحمل لان الحمل ليس جزء من الجارية لغة ولا عرفا، ولا عرفا، ولهذا لا يندرج في بيعها على الاصح.

وخلاف الشيخ في ذلك نادر فلا يتناوله الاقرار بها وإن كان كل منهما تحت يده، وبهذا يظهر وجه الفرق بينهما وبين الخاتم والفص فانه جزء عرفا.

ويحتمل عدم صحة الاستثناء لانه تابع للام ونمائها، ونمنع تبعيته لها في الاقرار لان النماء إنما يتبع الاصل إذا تجدد في الملك ولم يكن هناك ما ينافي ملكيته


51

والاقرار لا يقتضي تقدم ملك الام على تجدد الحمل، وسيأتي في أحكام القضاء أنه لا يسمع دعوى: هذه ابنة أمتي لجواز تجددها في غير ملكه، فصحة الاستثناء لا يخلو من قوة.

ولو قال: له عندي دار مفروشة أو دابة مسروجة أو عبد عليه عمامة

كان محتملللامرين وهو صحة الاستثناء وعدمها، ومن ثم وقع الخلاف في المسالة، فالقول بصحة الاستثناء واضح لخروج الفرش عن الدار والسرج عن الدابة والعمامة عن العبد ومن جهة وصفها بكونها مفروشة فإذا سلمها غير مفروشة لم يكن المقر بها.

ورد بأن الوصف بذلك حين الاقرار لا يقتضي استحقاقها على هذا الوصف، مع كون اللفظ محتملا ويده على الامرين معا، فلا يزول حكمهما بمجرد الاحتمال.

وذهب الاسكافي إلى دخول السرج في الدابة، وضعفه الشيخ في المبسوط وهو الاصح لان الدخول غير متحقق.

نعم قد يقال في الاقرار بالعبد تدخل العمامة وما جرى مجراها من الثياب، والفرق أن له يدا على ملبوسه، وما في يد العبد فهو في يد السيد، فتدخل العمامة لامن جهة الاقرار بل من جهة اليد، واختاره العلامة في التذكرة.

ويضعف بأنه لايد للسيد على العبد هنا بل يد المقر عليه وعلى سائر ما عليه من عمامة وغيرها، لانه وإن كان ذايد إلا أنه من حيث إنه مال عليه ولا تزول يدالمقر عنه، كما لا يسري إلى البيت الذي هو ساكنه والطعام الذي بين يديه.

ولو أقر له بألف في هذا الكيس والحال أنه لم يكن في الكيس شئ لزمه الالف لان قوله (علي) يقتضي اللزوم، والاأثر لقوله في هذا الكيس إذا لم يكن فيه شئ لان اعتباره يقتضي رفع الاقرار فلا ينظر إليه.


52

الرابعة عشرة لو قال: له في هذا العبد ألف كان كلاما مجملا من الاقارير المبهمة لان العبد لا يكون ظرفا للالف إلا بتأويل متجوز فيه، فيرجع ويكون مقبولا منه فيقبل منه ولو فسره بأرش الجناية وبكونه مرهونا وبانه وزن في شراء عشرة ألفا واشتريت أنا جميع الباقي بألف ولم يلزمه إلا عشر العبد.

ولو قال: نقد عني في ثمنه ألفا كان قرضا.

ولو قال: نقد ألفا في ثمنه وأنا ألفا بإيجاب واحد فقد أقر بالنصف.

ولو قال: وزنت أنا ألفين فقد أقر بالثلث.

ولو قال: أوصى له بالف من ثمنه بيع وصرف إليه.

ولو أراد إعطاء الالف من ماله من غير الثمن لم يجب القبول.

وتحقيق هذه الفروع والمسائل مفصلة أن المقر لزيد في هذا الامر العبدبألف حيث إنه إقرار مجمل يجب إرجاعه إليه في التفسير لتعدد احتمالاته، فإذا فسره بأرش جناية صدرت من العبد على المقر له أو على عبده قبل منه وإن كان تفسيرا صحيحا وتعلق الالف برقبته، وان فسره بكون العبد مرهونا بألف في ذمته قبل ايضا.

واستوجه العلامة في التذكرة بان الدين وان كان موضوعه الذمة فله تعلق ظاهر بالمرهون فصار كالتفسير بأرش الجناية.

وفي وجه الذهب إليه البعض انه لا يقبل لان الاقرار يقتضي كون العبد محل الالف ومحل الدين بالذمة لا المرهون، وإنما المرهون وثيقة له.

قال العلامة في التذكرة: وعلى هذا لو نازعه المقر له أخذناه بالالف الذي ذكرناه في التفسير وطالبناه للاقرار المجمل بتفسير صالح.

ثم اختار الاول، وفيه قوة لان محل الدين وإن كان في الحقيقة الذمة لان العبد محل أيضا إذا كان رهنا باعتبار استحقاق أخذه من قيمته وليس العبد بالنسبة إلى إرش الجناية محلا للارش حقيقة لبقائه بكماله على ملك المالك مع تعلق الارش به.

وإن فسر بأن المقر له وزن في عشر العبد ألفا وقال المقر: اشتريت أناالباقي وتسعة أعشاره بألف قبل لانه محتمل.

وقيده في التذكرة بيمينه والاختصاص


53

في ذلك بهذه الصورة بل باقي الصور المحتملة لو لم يصدقه المقر له على التفسير ويتوجه فيها عليه اليمين لانكاره لما سوى ذلك، ولا فرق في القبول بين أن يكون ما عينه للمقر له يساوي الالف أو يزيد أو ينقص ولا بين ما عينه لنفسه زائدا أو لا، لان الاقرار محتمل لذلك التفسير، ولا يرجع في التفسير إلا إليه مع ما ينضم إلى ذلك من أصالة براءة الذمة.

ولو فسره بأن المقر له نقد عنه في ثمن العبد ألفا

كان الالف قرضا في ذمته لان قوله غير مقتض كون الشراء له.

وإن فسره بأنه نقد ألفا في ثمنه على أنه لنفسه سئل هل نقد شيئا في ثمنه أولا ؟ فإن قال: نقده سئل هل كان الشراء بايجاب واحد ام بأيجابين ؟ فإن قال: بإيجابين احتاج إلى تفسير ما نقد فيه ألفا وهي المسألة السابقة في قوله (وزن في عشره ألفا واشتريت أنا الباقي بألف) وإن قال: بإيجاب واحد سئل عن قدر ما نقد هو، فإن قال: ألفا فهما شريكان في العبد بالنصف لان لكل نسبة ما نقد إلى مجموعهاالثمن، وإن قال: ألفين كان للمقر له الثلث، وهكذا.

وإن فسره بأنه أوصى له بألف من ثمنه أو نذر له قبل أيضا وصرف إليه من ثمنه ألف أو يبتاع منه ما بقي بألف.

ولو أراد المقر حينئذ دفع ألف من ماله لم يجب القبول عليه لتعين جهة الاستحقاق في ثمن العبد وإنما قبل كل من هذه التفسيرات لان الاقرار محتمل كل منهما كما يحتمل الباقي باعتبار أهل الوضع، ولو لم يصدق فهو منكر لماعداه فيحلف بنفيه ولا يستحق المقر به ما أقر به لتكذيبه.

ولو قال: له في هذا المال أو ميراث أبي ألف لزمه، بخلاف مالو قال: في مالي أو في ميراثي من أبي.

وقد مر تحقيق الفرق بين العبارتين من لزومه التناقض بالاضافة وعدمه عند عدمها، وقد عرفت الصحة في كل من العبارتين ولا تناقض فيرجع إليه، فلا حاجة إلى أعادة الكلام عليه ثانيا.


54

الخامسة عشرة: لو قال: له علي درهم درهم لزمه واحد لاغير لاحتمال إرادة التأكيد لتكريره ولان الاصل براءة الذمة، وكذا لو كرره مائة مرة فما زاد،وهذا مبني على العرف العام.

أما لو رجعا إلى القواعد النحوية و جعلنا مراتب التأكيد للفظ لا تزيد على الثلاث لم يكن كليا، لكن قد سبق أن الاقارير مبنية على العرف العام لان مراعاة تلك القواعد الخاصة لا تلاحظ حتى ممن كان أهلا لها كما عرفته مما سبق، بخلاف مالو قال: درهم ودرهم أو ثم درهم فإنه يلزمه اثنان، لان العرف العام والخاص يحكم حالة العطف بالمغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، ولا يمكن الاتحاد بينهما إلا بالقرينة وهو العطف على جهة التفسير عند مثبته، وإلا فالاصل أن يعطف الشئ على نفسه.

ولو عطف بالفاء بأن قال: درهم فدرهم لزمه درهم واحد لان الفاء لاتتمحض للعطف بل هي محتملة لغيره وإن يلزمه درهمان على تقدير العطف.

فإذا فسره بما ينفيه بأن قال: أردت فدرهم لازم أو فدرهم أجود منه قبل لان الاصل براءة الذمة.

واستشكله جماعة منهم المحقق الثاني في شرح القواعد، لان الفاء هنا ظاهر ها العطف وغيره.

يحتاج إلى تفسير، ولو لم يكن كذلك لجرى كما في الواو باحتمالالاستباق وواو الحال على حذف الخبر، والذي لا يصار إليه إلا بدليل كيف يجعل من الاحتمالات التي يقبل التفسير بها فيسري ذلك في جميع حروف العطف ؟ وهو كلام وجيه

لو قال: درهم ودرهمان

لزمه ثلاثة لامتناع التأكيد اللفظي هنا لوجهين: أحدهما العطف: والثاني اختلافهما إفرادا وتثنية، بخلاف قوله: وكذا درهم ودرهم ودرهم فإنه وإن كان ظاهره العطف إلا أنه يحتمل أن يكون الثالث تأكيدا للثاني لوجود الواو في كل منهما فصح التأكيد اللفظي لتطابق اللفظين،


55

أما الثاني فيمتنع كونه تأكيدا للاول لانتفاء الواو في الاول ووجود العاطف في الثاني، فيمنع التأكيد بتكرير اللفظ لانتفاء المطابقة بين لفظيهما، فمتى قال المقر بعد هذا الاقرار: أردت بالثالث تأكيد الثاني قبل منه ولزمه درهمان.

ولو قال: أردت بالثاني تأكيد الاول لم يقبل لانتفاء

الواو في الاول ونتخلل الفاصل بينهما وكذا يجب الثالثة

لو قال: وكذا درهم

ودرهم ثم درهم، وكذلك

العكس، وذلك واضح لاختلاف حرفي العطف، وذلك يقتضي امتناع التأكيد اللفظي.

ولو قال: له علي درهم قبله أو بعده درهم أو قبل درهم أو بعد درهم لزمه درهمان.

ولو قال: قبله وبعده لزمه ثلاثة إذ القبلية والبعدية لا تحتمل إلا الثبوت.

ولو قال: له درهم مع درهم أو فوق درهم أو تحت أو معه أو فوقه أو تحته لزمه واحد لاحتمال فوق درهم الي أو في الجودة، ومع قيام الاحتمال وأصالة البراءة لا يجب إلا واحد.

ولا فرق بين هذا والذي قبله فإن الفوقية والتحتية يرجعان إلى المكان فيتصف بهما نفس الدرهم بخلاف القبلية والبعدية فان مرجعهما الى الزمان ولا يتصف بهما نفس الدرهم، فلابد أن يرجعان إلى التقدم والتاخر فيرجعان إلى المقر، وليس لذلك معنى إلا الوجوب عليه.

وربما قيل: إنه لا يلزمه في القبلية والبعدية إلا درهم أيضا لانهما كما يكونان بالزمان يكونان بالرتبة كما حقق في محله ثم إنه قد وافق على الزمانية، وأن نفس الدرهم لا يتصف بها لكن يجوز رجوعهما إلى غير الوجوب بأن يريد درهم مضروب قبل درهم وما أشبهه، وثم إنه ذهب إلى أنهما يرجعان إلى الوجوب لكن يجوز أن يريد وجوب درهم قبل وجوب درهم آخر، وهذه الفروق وماأورد عليها الشافعية (1).

وقد أورد العلامة في التذكرة ثم تنظر فيها بأنه لو سمعت مثل هذه الاحتمالات لسمعت في مثل: له عندي درهم ودرهم مع اتفاقهم على لزوم در همين، هذا حاصل كلامه.

(1) كذا في النسخة.


56

وأورد المحقق الثاني في شرحه على القواعد في نظره المذكور نظر لانهم إنما لم يسمعوا الاحتمال في مثله (له عندي درهم ودرهم) لان ذلك خلاف المعنى الحقيقي، بخلاف ما ادعي في القبلية والبعدية فإنه لا يدل على المدعى بطريق الحقيقة، بل قوله (إن القبلية والبعدية لا يتصف بهما نفس الدرهم بخلاف الفوقية والتحتية) غير واضح، وذلك لان الظروف إذا وقعت بعد النكرات كانت صفات من غير فرق بين ظرف الزمان والمكان كما تقرر في محل، وإنما الفرق في الاخبار إذا أخبر عن الاعيان وذلك بعد المعارف أو ما جرى مجراها، وكون المتعلق في ظرف الزمان هنا كونا خاصا لا يقتضي كون المتعلق وجوب درهم على المقر للمقر له حتى يتعين، وإن كان يقع ذلك في الاستعمال كثيرا إلا أنهلا يكفي في الحكم لتشغل الذمة بمثل ذلك.

وتردد العلامة في التحرير في وجوب درهم أو درهمين، واختار أول الشهيدين في الدروس وجوب درهم لا غير، وهو قوي.

ولو أقر بدرهم في مجلسين أو بلغتين

فالواجب واحد إذ لا دليل على تعدد المقر به لتعدد المجلس أو بتعدد اللغة من أن الاصل براءة الذمة.

والفارق بذلك بعض الحنفية فحكم بالتعدد مع تعدد المجلس.

ولو أطلقه في أحدهما وقيده بالاخر كما لو قال: له درهم قرضا حمل المطلق على المقيد، وكذا بقيدين يمكن اجتماعهما كما قال: له درهم من ثمن مبيع ثم قال: له درهم من ثمن عبد حمل عليه أيضا، فإن المبيع قد يكون عبدا والاصل البراءة فلا يجب إلا واحدا.

أما لو قيده في أحد المجلسين بقيد مضاد لما قيد به الاخر فهما اثنان لامتناع الحمل عليه كما لو قال: له درهم بغلي ثم قال: له درهم طبري فإن المخبر عنه متعدد فيلزمه كل منهما.

ولو شهد واحد بإقرار بتاريخ

وآخر بتاريخ جمع بينهما للاتح


57

المخبر عنه، كأن شهد واحد أن شخصا أقر يوم السبت بألف وشهد آخر بأنه أقر يوم الجمعة بألف جمع بينهما وحكم بكمال نصاب الشهادة، وذلك لان المشهود به محكوم بكونه واحدا لما قد بيناه فيما سبق أن تعدد الاقرار زمانا أو مكانا إذا لم يختلف المقر به لا يقتضي تعددا فيه فيحكم باتحاده استنادا إلى حالة البراءة، ومتى حكم باتحاده فقد تحقق كمالية نصاب الشهادة ويثبت المشهود به.

ومنع بعض الشافعية من الحكم بشهادة الشاهدين هنا كما لو شهد بشيئين مختلفين لا يجمع في الافعال، كما لو شهد أحدهما بالبيع بألف يوم الجمعة وشهد آخر بالبيع بألف يوم السبت لانه لم يكمل النصاب بهذه الشهادة بالنسبة إلى واحد منها لتعدد الفعل باختلاف الزمان لان أحد الفعلين غير الاخر.

وكذا لو اختلفا بسبب آخر كما لو شهد أحدهما بغصب يوم الجمعة والاخر بغصب يوم السبت، لكن للمدعي أن يعتمد في الدعوى على أحد الشاهدين ويعينه متعلقا بالمشهود به ويستأنف الدعوى به ويحلف مع الذي شهد به وله أن يدعيهما معا ويحلف مع كل الشاهدين.

السادسة عشرة: لو كانت الجهالة والابهام متعلقة بالمقر له كما لو قال: هذه الدار لاحد هذين الرجلين وهي في يده الزم البيان.

فإن عين كل واحد منهما بعد ذلك الالزام قبل لانه صاحب اليد فينفذ إقراره، وللاخر إحلافه على عدم العلم بكونها له إن ادعى عليه العلم أنها له وعلى البت إن ادعى عليه غصبها منه وإحلاف الاخر أعني الذي عينه المقر لانه يدعي عليه مالا بيده وهو ملكه ظاهرا فيحلف على البت أيضا.

وقال العلامة في التذكرة عند كلامه علي نظير هذه

المسألة،

إنه بعد تعيين المالك منهما لو قال الاخر: أحلفه أنه ليس لي، فإن قلنا: إنه لو عاد فأقر للاخر لم يغرم له ولم يحلف لانه إذا نكل لم يلزمه شئ، وإن قلنا: يغرم عرضنا عليه اليمين، فإن حلف سقطت الدعوى من أصلها، وإن نكل ولم نقض بالنكول حلف


58

المدعي وغرم، فإن للاخر بعد أن أقر للاول جعلت العين للاول وغرم للثاني إلا أن يصدق الاول لانه حال بين الثاني والمقر له بإقراره للاول فكان عليه الغرم.

وهل له إحلاف الاول ؟ إشكال قد نشأ من أنه مكذب لنفسه في دعواه أنهابإقراره بها للاول فلا يسمع دعواه، ولانه لو نكل امتنع الرد إذ لا يحلف لاثبات مال غيره وكذلك القضاء بنكوله، ومن عموم قوله عليه السلام (واليمين على من نكل) ولانه يدفع لها الغرم عن نفسه فليست بحق الغير بل لدفع الغرم، ولانه لو أقر ولنفع إقراره وكل من أقر لينفع إقراره يحلف مع الانكار، والثاني قوي، وإكذاب نفسه مدفوع كما ذكرنا تأويلا وادعى أمرا ممكنا في العادة كالغلط والنسيان.

وعلى هذا فيحلفه علي نفى العلم بالغلط لا على البت لانه ربما لم يعلم أنه يستحقها إلا من إقرار ذي اليد لدفع احتمال الثاني لانه مالك بحسب ظاهر الحال، وقد ادعى عليه فيما هو ملكه فيحلف على البت.

فلو أقر لزيد فشهد اثنان لسبق إقراره لعمرو فكذبه زيد فلاغرم، وذلك لان إقرار ذي اليد بشئ لزيد مثلا هو السابق، وشهادة الاثنين بسبق إقراره لعمرو أقوى.

والمعتبر كونها لعمرو لا محالة لثبوت سبق الاقرار بالبينة.

وهل يغرم المقر لزيد قيمة المقر به ؟ قال العلامة وجماعة: لاغرم هنا لاعتراف زيد بما ينفي الغرم وهو الاقرار لعمرو، وفي بعض الحواشي المنسوبةلشيخنا الشهيد الاول أن ذلك مشكل لاستناد البينة إلى الاقرار السابق الذي هو سبب الحيلولة، وهو مدفوع باعتراف المستحق بانتفاء السبب فكيف يثبت له ما يترتب عليه ! نعم قد يمكن أن يقال: إن سبق إقرار لعمرو وقد ثبت شرعا بالبينة وهو يقتضي استحقاق زيد تغريم المقر فهو في حكم الاقرار لزيد باستحقاق التغريم وقد أنكره زيد فكان ذلك جاريا مجرى تكذيب المقر له الاقرار، فمتى رجع


59

إلى التصديق استحق.

فإن صح هذا فلابد من حمل إطلاق العبارات على أن المراد لاغرم مع الاستمرار على التكذيب، إلا أنه يشكل بأن الاقرار لزيد بالاستحقاق لا يعتبر رجوعه بعد التكذيب، وإنما لزم عنه استحقاق الغرم، فلما نفاه انتفى ولم يتجدد الاستحقاق بمجرد الرجوع.

والفرق أن المقر به خارج من ملك المقر فيقبل رجوعه ببقاء المقر له على تكذيبه لانه مال لا يدعيه بخلاف الغرم من مال المقر فإنه ليس كذلك.

السابعة عشرة: لو قال: هذا المال لزيد أو الحائط فترك ما بين الحائط ممن لم يكن له أهلية الملك وبين زيد مرددا بينهما، ففي صحة هذا الاقرار نظر، ينشاء من أنه لو صح الاقرار لكان من مال زيد خاصة أو لحائط خاصة أو لواحد منهما غير معين، والتالي بأقسامة باطل، بيان الملازمة أنه مردد بينها باق (1) فامتنع التشريك فلم تبق إلا الاقسام الثلاثة.

ولاشك في بطلان الاول والثاني منهما لان زيدا والحائط بالنسبة إلى الاقرار على حد سواء، واختصاص واحد ترجيح بلا مرجح.

والثالث أيضا إن كان للحائط فليس لزيد فجرى مجرى مالو قال: إما لزيد أو ليس له بل للحائط، ولا يعد ذلك إقرارا.

والذي يملكه هو زيد دون الحائط، فيلغو نسبة الاقرار إليه ويصرف إلى زيد.

ويضعف بأن الاقرار هو الاخبار الجازم ولا جزم هنا، وبأن الاصل براءة الذمة فلا يحكم بشغلها بمثل ذلك، فعدم الصحة لا يخلو من قوة.

ولو قال: لزيد وللحائط كذا فالاقوى صحة الاقرار بالنصف خاصة، ويبطل في النصف الاخر لنسبة له لمن لا يملك وهو الحائط، ووجه القوة اقتضاء الواو العاطفة للتسوية لاقتضاء العطف التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه فيكونلزيد النصف.

(1) كذا في النسخة.


60

ويحتمل خلاف الاقوى أن يكون الجميع لزيد لامتناع كون الحائط مالكا فيلغو ذكره، وإذ قد حصر الملك فيهما فلا يعدوهما.

ويضعف بأن إلغاء ذكر الحائط لا يقتضي استحقاق زيد ما لم يقر له به، فبطل حصره ببطلان الحائط، لكن ينبغي أن يعلم أنه على احتمال صحة الاقرار لزيد في صورة الترديد غير أن يصح له هنا بطريق أولى فيكون بالنصف مقتضيا لترجيح البطلان في القسم الاول.

ولو قال: أحد هذين العبدين لزيد

طولب بالبيان والتعيين، فإن عين قبل وإن أنكر زيد حلف المقر، ثم يقر الحاكم ما أقر به في يده أو ينتزعه إلى أن يدعيه زيد، وإنما يحلف المقر لانه منكر لدعوى زيد، وأما الاقرار فإنه قد كذبه، فإما أن يترك المقر به في يد المقر أو ينتزعه الحاكم على اختلاف القولين إلى أن يرجع زيد عن التكذيب أو يتبين مالكه.

ولو قال: لزيد عندي درهم أو دينار

فهو إقرار بأحدهما فيطالب بالتفسير لان (أو) تقتضي أحدهما لا على التعيين فيكون مجهولا، ولو عكس أمكن إلزامه بالدينار لانه لا يقبل رجوعه إلى الاقل بخلاف الاول لانه رجوع إلى الاكثر.

كذا قاله أول الشهيدين في حواشيه على القواعد وقواه، وفيه بحث لان الكلام لايتم إلا بآخره، وليس ذلك رجوعا عن الاقرار.

ولو قال: إنما درهم أو درهمان ثبت الدرهم وطولب بالجواب عن الثاني، وإنما ثبت الدرهم لانه ثابت على كل منهما على تقدير الترديد وما زاد فليس بمقر به، فإن ادعى عليه به طولب بالجواب.

ولو قال: لزيد في هذا المال شركة

قبل تفسيره بأقل من النصف لان الشركة أعم من النصف فلا يستلزمه.

الثامنة عشرة: قد بقيت هنا مسائل من الاقرار بالمجهول لا تتوقف على على بيان المقر به بل يرجع إلى القواعد الحسابية التي بها تستخ


61

المجهولات، ولهم فيها طرق أعظمها وأشملها طريق الجبر والمقابل، ومن أمعنالنظر في الحساب تفتحت له تلك الابواب ولم يحجبه عن استخراجها حجاب فقد ذكرتها العلماء من الفريقين في الاقارير في كل مؤلف وكتاب فالاشتغال بها في كتابنا هذا قليل الفائدة لاكثر العلماء والطلاب بعدم العثور على نص عن أئمتنا الانجاب متضمن للامر بذلك أو حاك لاستخراجهم عليهم السلام للمجهول بشئ من قواعد الحساب، والاعتماد عندنا في أحكامه تعالى لا يجوز إلا على السنة والكتاب، فالاشتغال بما هو أهم من المسائل المنصوصة ولو بالعموم أولى وأجدر نفعا لاولي الالباب.

المطلب السادس في مالو تعقب الاقرار بما ينافيه وفيه مسائل:

الاولى: في فروع الاستثناء المتعقب للاقرار، حيث إن المستثنى والمستثنى منه تناقضا ظاهرا لان الاستثناء من النفي إثبات على الاصح، ومن الاثبات نفي كما هو مجمع عليه بين علماء الاسلام، ولم يخالف في الاول إلا أبو حنيفة حيث أثبت بين الحكم بالاثبات والنفي واسطة وهو عدم الحكم بالكلية، فيكونمقتضى الاستثناء بقاء المستثنى غير محكوم عليه بنفي ولا إثبات، وهو مردد بما تقرر في علم الاصول وكتب النحو من أنه لو كان كذلك لم يحصل الاقرار بالتوحيد في قولنا: لاإله إلا الله، وهو معلوم الفساد والبطلان، ولا نتقاضه بالاستثناء من الاثبات فإنه لو صح ما ذكره في عكسه لم يفد الاستثناء من الاثبات النفي وهو باطل اتفاقا وهذه القاعدة الاولى في الاستثناء.

والثانية: إن الاستثناء المتكرر بحرف العطف يعود إلى المستثنى منه.

وكذا لو زاد اللاحق على السابق أو ساواه.

وبدونه يرجع اللاحق الى السابق، وذلك


62

ناش من وجود حرف العطف كما هو مفرد مفروض المسألة لاشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، فحيث يتعدد الاستثناء معه وجب عود الجميع إلى المستثنى منه، وإن لم يكن معه حرف العطف بل تعدد بدونه فإما أن يكون الاستثناء الثاني ناقصا عن الاستثناء الاول أو لا، بأن كان بقدره أو زائدا.

فإن لم يكن ناقصا وجب عود الجميع إلى المستثنى منه أيضا لان المستثنى المستغرق غير صحيح.

وإن كان ناقصا وجب عوده إلى الاستثناء الذي هو قبله دون المستثنى قبله لانه أقرب، والقرب دليل الرجحان، ولا يمكن عوده إليهما معا لاختلافهما في الكيف لان الاستثناء من النفي إثبات ومن الاثبات نفي فيلزم التناقض.

ولو زاد الاستثناء على اثنين وتعذر عود الثالث إلى الثاني إلى الاستغراق عاد الى الاول دون المتسثنى منه لمثل ما قلناه.

والقاعدة الثالثة: الاستثناء الواقع بعد جمل هل يرجع الى الجميع ام مختص بالا خير ؟ موضع خلاف، وأقول أقواها مرتضى المرتضى مع عدم القرينة وهو الاشتراك بين الجميع، والمقطوع به - حيث لا يشوبه خلاف - اختصاصه بالاخيرة وهو المناسب للاقرار والقاعدة لانه المتيقن والاصل براءة الذمة والباقي محتمل، ولان الظاهر أن المتكلم لم ينتقل عن الجملة إلى غيرها إلا بعد استيفاء غرضه منها، ولا لتزام العود إلى الجميع إضمار الاضمار الاستثناء في كل جملة أو كون العامل فيها بعد الاستثناء متعددا وكلاهما

محذور.

والقاعدة الرابعة: إن الاستثناء من الجنس

جائز وواقع إجماعا، ومن غيره موضع خلاف، والاقوى على وقوعه وصحته وإن كان مجازا على الاصح، وقيل:حقيقة.

فعلى عدم الجواز قيل: لا يجوز استعماله أصلا، وليس بجيد لانه يكون مجازا والمجاز لا يقتضي منع استعماله مع القرينة مع أنه واقع في القرآن وغيره


63

ولا دافع له، والتحقيق أن الاستثناء المنقطع جائز وواقع لكنه مجاز.

والذي يقتضيه النظر أنه لا يصار إليه إلا عند تعذر الاستثناء المتصل لان كل استثناء يلزمه الاخراج كما نصوا عليه، فمتى أمكن استعمال أداته في معناها وجب ولو بتقدير شئ يصح معه الكلام، وإن تعذر لم يؤثر الاقرار شيئا.

فلو قال: له عندي عشرة إلا ثوبا على أن المراد قيمة الثوب كان الاستثناء بذلك متصلا وإن كان من باب المجاز محافظة على قاعدة الاستثناء لاستلزام الاخراج مهما أمكن.

وحكي عن أبي حنيفة منع الاستثناء من غير الجنس إلا في المكيل والموزون والمعدود بعضها من بعض.

وعن الشيباني وزفر وأحمد بن حنبل عدم جوازهمطلقا.

وظاهر عبارة القواعد للعلامة أن المسألة خلافية عندنا حيث قال: الاستثناء من الجنس جائز إجماعا، ومن غيره على الاقوى لانه من المستبعد مقابلة الاقوى في كلامه قول أبي حنيفة وأحمد، ولعله - قدس سره - قد وقف على خلاف لاصحابنا في المسألة لموافقته لمذاهب العامة، لكن المصرح به في التذكرة أن الخلاف للعامة لا لنا.

والقاعدة الخامسة: بالاستثناء، إن الاستثناء المستوعب

باطل كما هو مجمع عليه إلا فيما ندر، وهو غير ملتفت إليه.

أما الاستيعاب إلى أن يبقى فرد واحد ففيه خلاف، والخلاف الواقع في ما زاد عليه النصف فصاعدا ففيه أقوال: (أحدها) منع الاستثناء ما زاد على النصف.

(والثاني) منع الاستثناء النصف.

(والثالث) منع الاستثناء إن تبق كثرة تقرب من مدلول اللفظ.

(والرابع) جوازه مطلقا وإن لم يبق إلا واحد.

والكل ضعيف إلا الاخير، والاحتجاج على المنع، لان الاستثناء على خلاف


64

الاصل فيقتصر فيه على القليل لانه معرض النسيان ضعيف، لان المستثنى والمستثنى منه كاللفظ الواحد فلا يتفاوت الحال في الجواز عند الكثرة والقلة على أن استثناء الاكثر واقع في كلام الاكثر من البلغاء كما حقق في الاصول.

الثانية: إذا قال: له علي عشرة إلا تسعة لزمه واحد.

ولو قال: عشرة إلا تسعه إلا ثمانية فهو إقرار بسبعة، لان الاستثناء الاول ينفي تسعة من العشرة والثانية يثبت ثمانية، وهكذا لو تكرر الاستثناء في مراتب الاعداد إلى الواحد، فبالثالث يكون المقر به اثنين، وبالرابع يكون ثمانية، وبالخامس ثلاثة، وبالسادس سبعة، وبالسابع أربعة، وبالثامن ستة، وبالتاسع خمسة.

ولو عكس فقال: له علي عشرة الا واحدا إلا اثنين إلا ثلاثة التسعة يبقى واحد.

واورد عليه بأن الاستثناء الواقع بعد استثناء إذا كان مستغرقا عاد إلى المستثنى منه الاول: فيكون الاول والثاني والثالث أجزاء أخماس العشرة، فالرابع أن يكون من العشرة أيضا كان مستغرقا فيبطل، وكذا إن كان مما قبله فكيف يبقي الواحد ؟واجيب عنه بأنه استثناء من مجموع ما قبله من المنفيات، وقد ذكروا لذلك طرقا بها تستخرج تلك المستثنيات وإن تكن تطابقه للقواعد النحوية.

قال: إن كل الاستثناء لا يستوعب ما قبله فهو منه، ومتى استوعب فهو منه، ومما قبله بمرتبة واحدة فصاعدا، فالاثنان استثناء من الواحد وما قبله وكذا البواقي.

والضابط المقرر على هذا التقرير إسقاط جملة المنفي من جملة المثبت بعد جمعهما، فالمقر به الباقي، وكذا الضابط المذكور متناول لهذه الامثلة ونحوها.

وجملة المثبت في الصورة التي ذكرنا ثلاثون وجملة المنفي خمسة وعشرون.


65

وفي الصورة الثانية جملة المثبت ثمانية وعشرون وجملة المنفي سبعة وعشرون.

أما

لو قال: له علي عشرة إلا اثنين وإلا واحدا

بالعطف فهو إقرار بسبعة، لما عرفت مما تقدم أن الاستثناء مع حرف العطف يعود إلى المستثنى منه.

ولو قال: له علي عشرة إلا اثنين إلا إثنين لزمه ستة وإن لم يكن هناك عطف، لان الاستغراق في المستثنى الثاني يوجب عوده إلى ما قبله كحالة العطف.

ولو قال: ألف إلا درهمان،

فإن سو غنا المنقطع طولب بتفسير الالف لان استثناء المنقطع من الالف لا يستلزم كون الالف من الدراهم فيطالب بتفسير الالف، فإن فسرها بشئ بقي بعد إخراج الدراهم منه بقية قبل تفسيره، ولو لم يبق ففيه احتمالات وأقوال: أحدها: بطلان التفسير بسبق الحكم بصحة الاستثناء، ولان الخلل إنما هو في التفسير خاصة فلا يبطل الاستثناء ببطلانه.

والثاني: بطلان الاستثناء ويلزمه الالف، لانه بين ما أراد باللفظ فجرى مجرى ما لو تلفظ به من اول الامر، وهذاأقوى لانحصار مراده بالاستثناء في ما بينه، وهو مختار ابن الجنيد.

وإن لم يسوغ الاستثناء المنفصل فجميع الالف دراهم لان المجاز على خلاف الاصل، والحقيقة هنا ممكنة فلا وجه للعدول إلى المجاز.

وقد وقع لهم هنا في التعبير إشكال، وإن كان قد جرينا على طريقتهم ومنوالهم، فإن قولهم (إن سو غنا المنقطع طولب بتفسير الالف) إلى آخر ما قالوه فيه إشكال، وذلك لان تسويغ المنقطع إما أن يراد به جواز استعماله في الجملةأو كونه حقيقة وعلى كل واحد من التقديرن لا يستقيم ما ذكروه.

أما على الاول فلان تسويغ المنقطع في الجملة لا يستلزم كون الالف مجهولة ليطالب بتفسيرها لانه إنما يعدل إلى المجاز عند تعذر الحقيقة والمتصل ممكن ها هنا، وعلى فرض استلزامه في ذلك في الانقطاع لا يستقيم قولهم (إن بقي بع


66

الاستثناء شي قبل تفسيره) لان المستثنى المنقطع لا إخراج فيه أصلا لان ما بعد (إلا) غير داخل في ما قبلها، فمتى جو زناه قبل كائنا ما كان.

وأما على التقدير الثاني ليصير الاستثناء منقطعا، وحينئذ فلا معنى لقولهم أيضا (إذا بقي بعد الاستثناء شئ) بل هو ساقط.

الثالثة: لو قال: علي ألف درهم إلا ثوبا فإن معنى الاستثناء المنقطع إلغاء، والاستثناء وجب الالف، وإن سوغنا طولب بذكر قيمة الثوب، فإن استوعب بطل التفسير خاصة على أحد الاحتمالين المتقدمين، وبطل الاستثناء على الاحتمال الاخر منهما، وقد سبق أنه أقوى.

لكن على ما بنينا على من تحقق كون الاستثناء من غير الجنس سائغا أو لالا يستقيم هذا البناء لان منع المنقطع لا يقتضي إلغاء الاستثناء هاهنا لا مكان أن يضمر في الاستثناء لفظ (قيمة) فيصير متصلا، وهي المحكي عن علماء الامصار تسويغه.

وإن كان على جهة المجاز فالاضمار هنا أولى من جعله منقطعا لانه لا مخالفة للاصل هنا إلا في تقدير كلمة (قيمة).

وأما إذا فرض منقطعا فإن (إلا) وما في حيزها منقطع عما قبله وأجنبي منه مع أن (إلا) مستعملة في غير موضعها، فلا معنى حينئذ للبناء على كون التفسير مستوعبا وعدمه إذ لا إخراج هاهنا.

وكذا لوجو زنا حقيقة لا يستقيم ما ذكروه بحال، وقال العلامة في التذكرة: الاستثناء حقيقة في الجنس مجاز في غيره لتبادر الاول إلى الفهم دون الثاني، ولان الاستثناء إخراج وهو لا يتحقق إلا في الجنس وفي غيره يحتاج إلى تقدير، ومع هذا استثناء من غير الجنس سمع منه وقبل، وكان عليه ما قبل الاستثناء، فإذا قال: له علي ألف درهم إلا ثوبا وإلا عبدا صح عند علمائنا.


67

وقال أيضا: إذا ثبت صحة الاستثناء من غير الجنس وجب في المثال المذكور أنه يبين قيمة الثوب وقيمة العبد.

ولا يخفى أن هذا مخالف لما قدمناه من كلام الاصوليين، وما قدمناه صحة الاستتار إضماره يقتضي إلحاقه بالمتصل كما هو المختار، ويرجع إليه في تفسيره قيمة الثوب، فإن استوعب بطل وإلا فلا.

ولو قال: له علي إلا شيئا كلف تفسيرهما لانهما مجهولان ولا يبطل الاستثناء لانتفاء المقتضي، فإن فسره بالمستوعب ففي بطلان التفسير وحده والاستثناء من أصله الوجهان السابقان.

ولو قال: ثلاثة إلا ثلاثة وأراد الدرهم في الموضعين بطل.

أما إذا أطلق الثلاثة منهما ففيه وجهان، أقواهما أنه لا يبطل ابتداء لان الاستغراق وعدمه إنما يتحقق بعد تعيين الثلاثة في المستثنى والمستثنى منه، فإن فسرها بالمستوعب اطرد الوجهان، والاصح الاقرار بما أقر به من الالف واستثنى منها ما بعد (إلا).

وكذا لو قال: له درهم إلا دراهم يبطل الاستثناء بلا كلام ويلزم الاقراربدرهم لا غير، وهو ظاهر للاستغراق

الواقع فيه.

ولو قال: درهم ودرهم إلا درهما

قال الشيخ وابن إدريس: إن حكم بعوده إلى الاخير بطل، وإلا صح.

ووجهه أنه على القول بعود الاستثناء إلى الجمل الاخيرة يكون مستوعبا بخلاف ما إذا قلناه بعوده إلى الجميع فإنه في قوة قوله (له درهمان إلا درهم) وجعله الاكثر غير معتمد لما وقع في عبارة القواعد وغيرها.

ومنها من الاجمال ما لا يخفى لان قولهم هذا محتمل الامرين: (أحدهما) بطلان الاستثناء على كل من التقديرين.

(والثاني) صحته على كلا التقديرين أيضا.

والذي صرح به العلامة في المختلف هو الاول محتجا عليه بأن صحة الاستثناء هنا يستلزم النقض والرجوع عن الاعتراف، ولهذا قالوا: لو قال قائل


68

جاءني زيد وعمرو وخالد إلا زيدا لم يصح لاشتماله على النقض، ويصح لو قال: له عندي درهمان إلا درهم لانه يكون قد تجوز في الدرهمين فلا يكون نقضا.

ومرجع استدلاله وحاصله هو أن الدرهم يدل على معناه نصا كما يدل زيد على معناه نصا.

فإذا قال: له درهم ودرهم بمنزلة قوله زيد وزيد، فتمتنعاستثناء درهم وزيد لانه يكون مستغرقا.

وفيه نظر، حققه المحقق الثاني في شرح القواعد، وجهه أن دلالة لفظ الدرهم على مسماه من باب إطلاق اسم الكل على الجزئي لا مانع منه ومن احتماله، فيكون دلالته على مسماه ظاهرا لانصا، فلا يلزم النقض وإنما يلزم منه استعمال كل من الدرهمين في غير مسماه.

ثم بناء الشيخ - قدس سره - الصحة على عود الاستثناء إلى جميع الجمل والبطلان على عدمه غير ظاهر الوجه، لان الاستثناء إنما يختص بالاخيرة إذا لم يستغرق، أما معه فيجب عوده إلى الجميع كما تقرر فيما سبق، ويجب عوده إلى المستثنى منه لو كان مستغرقا للاستثناء الثاني، وقرينة أن المقام يقتضي عوده إلى الجميع، والاختصاص بالاخيرة إنما هو مع عدم القرينة وليس عود الاستثناء إلى الاخيرة خاصة على القول به لكونه حقيقة في ذلك ويمكن حمله على المجاز بدون قرينة سوى امتناع الحمل على الحقيقة، فإن ذلك لا يكفي في التجويز بل لان مخالفته للاصل أقل من مخالفة عوده إلى الجميع.

واعلم أن متقضى كلامهم (أن له درهم ودرهم) جملتان وكأنه بالنظرإلى أن واو العطف تنوب عن العامل.

ولو قال: له ثلاثة ودرهمان إلا درهمين

فإنه يصح على إشكال في ذلك لان امتناع عود الاستثناء إلى الاخير يوجب عوده إلى الاولى أو إلى الجميع، ويلزم الشيخ وابن ادريس بناء الصحة هنا وعدمها على القولين بعود الاستثناء إلى الجميع أو الاخيرة كما في الاولى.


69

وقيل: إن الاقرب صحة: له درهم ودرهمان إلا درهمين لان الاستثناء إنما يرجع إلى الاخير إذا لم توجد قرينة الرجوع الى الجميع.

فإن قيل: لا قرينة هنا فإن تعذر المحمل الاخير لا يعد قرينة، لان تعذر الحقيقة لا يكفي في الحمل على المجاز، ولا يكون ذلك قرينة إرادته بل لابد من أمر آخر بدل على إرادة المجاز يجوز ارتكابه لجواز الغفلة على تعذر الحقيقة وعدم إرادة المجاز.

قلنا: قد بينا غير مرة أن الحمل على عود الاستثناء إلى الجملة الاخيرة ليس من باب الحقيقة بل لان مخالفة الاصل معه أقل، فإذا عارض ذلك لا يكونمخالفته أكثر وهو إلغاء الاستثناء وجعله هدرا متعين ارتكاب العود إلى الجميع، وليس ببعيد إطلاق القرينة على هذا توسعا، ويحتمل ضعيفا للعدم لانه لما امتنع عوده إلى الاخيرة وجب إلغاؤه لان ارتباطه إنما هو بالاخيرة دون ما عداها، وضعفه معلوم مما سبق، وما ذكرناه أولا في صدر العبارة هو المختار.

ولو قال: له ثلاثة إلا درهما ودرهما

احتمل قويا بطلان الاخير خاصة وضعيفا بطلان الجميع.

ووجهه في الاول ان استثناء الاول والثاني لا مانع من صحتهما لانهما غير مستغرقين، وانما يلزم الاستغراق في الثالث فوجب ان يختص بالابطال، وهو الاصح.

ووجهه الثاني أن كل واحد غير مستغرق، وإنما المستغرق الجميع، وضعفه ظاهر لان الاول والثاني قد نفذ إن كان الثالث مستغرقا فاختص بالبطلان.

ولو قال: له ثلاثة إلا ثلاثة إلا درهمين

ففيه احتمالات ثلاثه: (الاول) بطلان كل من الاستثناءين، أما الاول فلا ستغراقه.

وأما الثاني فلتفرعه عليه فإنه استثناء منه فيلزمه الثلاثة.

(الثاني) بطلان الاول خاصة فيعود الثاني الى المستثنى منه كان الاول ه


70

المستغرق فيختص بالبطلان، والثاني إنما يتفرع عليه لو كان صحيحا، أما مع البطلان فلا يتصور الاستثناء منه فيلزمه درهم.

(والثالث) صحتهما مع فيلزمه درهمان، ووجهه أن المستثنى بالاول وهو ما بقي بعد الاستثناء الثاني وهو درهم لان ثلاثة إلا درهمين في قوة درهم فكأنه قال: له ثلاثة إلا ما بقي من ثلاثة مستثناة بعد استثناء درهمين منهما، ولا استغراق هاهنا.

وتنقيحه: أن المستثنى والمستثنى منه كلام واحد لايتم أوله إلا بآخرة، فلا يعتبر الاستثناء الاول بدون اعتبار الثاني كما تقول في قوله: له علي عشرة إلا درهم أن المحكوم بثبوته هو العشرة المخرج منها درهما، لانه حكم ثبوت مجموع العشرة ثم حكم بإخراج درهم منها، لان ذلك يقتضي كون الدرهم محكوما بثبوته وبعدمه، وهو تناقض، وثالثها أقواها.

الرابعة: الاستثناء كما يصح من الاقرار المطلقة كذلك يصح من العينباعتبار استثناء جزء منها، فإذا قال: هذه الدار لزيد إلا هذا البيت، وهذا الخاتم إلا فضته، وهذه العبيد إلا واحد فهو بمنزلة الاستثناء من الاعداد المطلقة من غير تفاوت، كما هو مذهب الامامية وأكثر الشافعية، ومنع بعض الشافعية صحة الاستثناء هنا لانه غير معهود ولامعتاد، ولانه إذا أقر بالعين كان ناصا على ثبوت الملك فيها فيكون الاستثناء رجوعا.

ويضعف بأن الاقرار إنما هو لما بعد الاستثناء، فلا يلزم الرجوع.

ولو قال: هذه العبيد إلا واحد فله التعيين لان المقر به مبهم لا يعلم إلا بتفسيره، ونسبة الاقرار إلى كل منها على السواء فإذا فسره قبل لاصالة براءة الذمة مما سوى ما فسره به، فإن لم يصدقه المقر له لم يكن له سوى إحلافه لو ماتوا كلهم إلا واحد فقال هو المستثنى قبل.

ولو قال: له عشرة إلا درهم

بالرفع لزمه العشرة وذلك لان (إلا) هاهنا


71

صفة بمعنى غير.

وقد حقق ابن هشام في المغني وغيره في غيره أن (إلا) إذا كانت صفة لا يشترط وقوعها بعد جمع كما عليه كثير من النحاة وحكي عن سيبويه:لو كان معنى رجل إلا زيد لغلبنا.

وعن النحاة أنه إذا قال: له عشرة إلا درهم بالنصب فقد أقر له بتسعة، وإن قال: إلا درهم بالرفع فقد أقر له بعشرة وأن المقر به عشر موصوفة بأنها غير درهم.

ولو قال: ما له عندي عشرة إلا درهم

فهو إقرار بدرهم، وذلك أن رفع المستثنى مع كون المستثنى منه مذكورا إنما يكون في الاستثناء غير الموجب، فرفع المستثنى دليل على كون العشرة منفية فيكون مثبتا لان الاستثناء من النفي إثبات.

ولو قال: إلا درهما بالنصب لم يكن إقرار بشئ وذلك لان نصبه دليل على كون المستثنى منه موجبا وإنما يكون إذا كان حرف المنفي وهو (ما) داخلا على الجملة - أعني مجموع المستثنى والمستثنى منه - فكأنه قال: المقدار الذي هو عشرة إلا درهما ليس له علي، لان العشرة لا درهما في قوة تسعة فقد نفى ثبوت التسعه.

الخامسة أنه لا فرق بين أدوات الاستثناء في هذه الاحكام لا فادة كل منهما ما يفيده (إلا) فقد عرفت أن الاستثناء لا ينافي الاقرار، فلا يختلف الحال باختلاف أدواته، فلو قال: له علي عشرة سوى درهم أو خلا أو عدا أو ما خلا أو ما عدا أو لا يكون وكذا وغير درهم بالنصب، ولو رفع فهو وصف، وذلك لان أعراب (غير) إذاكان للاستثناء كإعراب (ما) بعد إلا، فإذا قال: عشرة غير درهم - بالنصب - كانت للاستثناء إذ لو استثنى (إلا) لقال إلا درهما لوجب النصب، فلو رفع في مثل ذلك امتنع أن يكون للاستثناء بل يكون وصفا فتجب العشرة.

هذا كله إذا كان عارفا بالقانون النحوي، ولزمه تسعة لان مثل ذلك يراد به الاستثناء عرفا ولا ينظر إلى حال الاعراب.

وعلى هذا فينبغي أن يقال: في مثل: علي عشره إلا درهم هذا التفصيل فكلما جرى هذا المجرى.

السادسة: يشترط عند الاكثر في الاستثناء كله الاتصال العرفي العادي فلا بضر التنفيس والسعال ونحو ذلك، ويبطل بطول الكلام والسكوت الطويل، وخالف


72

ابن عباس كما نقله الفريقان عنه: يجوز التأخير إلى شهر، وكأنه احتج على ذلك بما جاء في استثناء المشية بعد اليمين وغيرها من الاخبار لتصريحهما بجواز ذلك بعد أربعين يوما، وهي أخبار قابلة للتأويل بحملها على المشية التى يتبرك بها في الكلام كما قال الله تعالى (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله (1) كما هي ظواهر تلك الاخبار وإن كان فيها الصحيح، وسيجئ الكلام عليهافي كتاب الايمان إن شاء الله تعالى.

المطلب السابع في تعقيب الاقرار بما سوى الاستثناء ك‍ (بل) ونحوها وهي سبعة:

الاول: إذا عطف ب‍ (بل) بعده

فإن كانا معنيين متفقين أو مختلفين لم يقبل إصرابه ولزمه الامران.

ووجهه: أن الاضراب إنكار الاقرار، فإن (بل) إذا تقدمها إيجاب تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه فلا يحكم بشئ، وإثبات الحكم لما بعدها إنكار بعد الاقرار لا يسمع.

مثال المعنيين المتماثلين: له علي هذا الدرهم بل هذا، فيلزمه كلاهما لان الانكار بعد الاقرار لا يقبل: وأحد الدرهمين غير الاخر قطعا غير داخل فيه.

ومثال المختلفين: له عندي قفيز حنطة بل قفيز شعير، ووجهه لزومهما معا مثل ما سبق.

وأوجب ابن الجنيد ما بعد (بل) في المختلفين دون المتماثلين، وليس بشئ.

ولو كانا مطلقين أو أحدهما لزمه واحد أو أكثر، وإنما يلزمه واحد إن استوىما قبل (بل) وما بعدها.

وإن اختلفا لزمه الاكثر ولنا في هذا المطلب وفروعه مسائل سنذكرها على التفصيل.

الاولى: لو قال: له درهم بل درهمان لزمه درهمان لما تقرر لو كانا

(1) سورة الكهف - آية 23.


73

مطلقين أو أحدهما لزمه واحد أو الاكثر، وذلك لانه مع الاستواء كقوله: له علي هذا الدرهم بل هذا الدرهم لزمه المعين.

ويحتمل لزوم الدرهمين.

ولو قال: له درهم بل درهم بالاطلاق فيهما

لزمه واحد، ويحتمل اثنين لاستدعاء الاضراب المغايرة.

ووجه لزوم واحد عند استواء ما قبلها وما بعدها أنهما مطلقان فلا يمتنع أن يكون ما قبلها هو ما بعدها أو داخلا فيه والاصل براءة الذمة ولا دليل على ان احدهما منفصل عن الاخر.

واما وجه احتمال لزوم اثنين في هذه الصورة فلان الاضراب يقتضي المغايرة لامتناع كون الشئ الواحد محكوما عليه مسكونا عنه.

ورد بأنه يجوز أنيقصد الاستدراك فيذكر أنه لا حاجة إليه ولا زيادة عليه لم يستدرك بل أعاد الاول.

وفيه نظر، لان ذلك يقتضي كون (بل) ليست في موضعها، ولقائل أن يقول: إن شرط استعمال (بل) مغايرة ما قبلها لما بعدها، فكما لا يصح أن يقال: جاء رجل بل رجل بتأويل أن أحد الرجلين غير الاخر إذا الغرض منهما إسماع الحاكم الحكم على الثاني وعدمه على الاول مع الاطلاق فلا يحصل الغرض فكذا لا يصح: له درهم بل درهم، فيكون الاضراب لاغيا لانتفاء شرطه وارتكاب التأويل مع أنه غير مصحح للاضراب فيه لشغل ذمة زيد بارتكاب التأويل، هذا مع الاستواء.

وأما إذا كان أحدهما أكثر أو معينا دون الاخر فإن المغايرة بالا كثرية والتعيين كافية في صحة الاضراب، ولا يجوز يلزم وجوب الاقل والاكثر معا.

ولا المعين وغيره وذلك أن الاقل يحتمل دخوله في الاكثر لصحة أن يقول: له عشرة بل بعضها، وقوله: خمسة بل زائد عليها ومع احتمال كل من الامرين وعدم استدعاء لفظة (بل) واحدا منهما، والتمسك بأصالة براءة الذمة تنفي وجوب الزائد.


74

مثله المطلق والمعين، لان المطلق من محتملاته المعين فكيف يتجه وجوبها ؟ ويكفي لصحة العطف ب‍ (بل) تغايرهما الاطلاق والتعيين، إذ يصح أن يقال: له درهم يمكن أن يكون هذا وغيره بل هذا الدرهم المعين، فعلى هذا الاحتمال في المسألتين ضعيف.

ولو قال: له هذا الدرهم بل هذان

لزمه الثلاثة، ووجهه معلوم بما سبق من القاعدة والتقرير.

وكذا لو قال: قفيز شعير بل قفيزان حنطة يلزمه ثلاثة أقفزة من الجنسين الاختلاف في الجنس.

ولو قال: عشرة لا بل تسعة لزمه عشرة بخلاف الاستثناء لان الفرق بين الاستثناء والاضراب واضح سواء كان مع حرف السلب أو بدونه لان الاستثناء من متممات الكلام كما تقرر، وذلك لان المحكوم من ثبوت هو المستثنى منه.

وأما الاضراب ب‍ (بل) بعد الايجاب فإنه يحتمل ما قبلها أنه كالمسكوت عنه فهو رجوع عن الحكم السابق، فإن كان الاقرار المتقدم مع حرف السلب فهونقيض ما تقدم.

ولا ريب أن إنكار الاقرار والرجوع عنه غير مسموع.

الثانية:

لو عطف ب‍ (لكن)

لزمه ما بعدها، إذ لا يعطف بها إلا بعد النفي، فلو قال: ماله عشره لكن خمسة لزمه خمسة.

ولاريب أن (لكن) مما يعطف بها بعد النفي وبعد النهي.

وقد نقل عن بعض النحاة جواز العطف بها بعد الايجاب لكن لا يجري في الاقرار إذ لا يعطف بها في الاقرار إلا بعد النفي، وذلك حيث يكون ما بعدها إقرار، وذلك حق لوجوب مغايرة ما قبلها لما بعدها هاهنا نفيا وإثباتا لان أصلها الاستدراك، فإذا كانت في مقام العطف فليس معطوفها لما بعدها هاهنا نفيا وإثباتا لان أصلها الاستدراك، فإذا كانت في مقام العطف فليس معطوفها لما بعدها هاهنا نفيا وإثباتا لان أصلها الاستدراك فإذا كانت في مقام العطف فليس معطوفها كمعطوف (بل) وهو الذى يفهم منها عرفا، حتى إذا وقعت في كلام من لم يراع القواع


75

النحوية لان مبنى الاقرارات على العرف العام وإن كان التفصيل السابق الذي فصلناه من أنه إن كان المقر ممن له أهلية مراعاة القواعد أمكن رجوع حكمهإليها عند اختلاف القواعد النحوية، والعرف العام وإن لم يكن كذلك فالحكم العرف العام.

الثالثة: إذا كان في شئ على ظاهر الملك فقال: هذا الشئ لزيد بل لعمرو وقضى به للاول وغرم قيمته للثاني.

أما الاول فلعموم (1) (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز).

وأما الثاني فلانه قد حال بين عمرو المقر له وبين الشئ المقر به بإقراره لزيد فيجب أن يغرم القيمة له للحيلولة الموجبة للغرم.

ونقل عن ابن الجنيد فيما إذا قال: هذه الدار لزيد لا بل لعمرو وإن كان المقر حيا سئل عن مراده، وإلا كان زيد وعمرو بمنزلة المتداعيين بشئ هو في يدهما فيأخذه ذو البينة، ومع عدمها فالحالف، فإن حلف معا اقتسما وإلا صح الاول.

ولو قال: غصبته من يد زيد بل من عمرو

مثله في الحكم لكنه لا يخلو عن إشكال، ناش من عدم التنافي بين الاقرارين وصدق الغصب من ذي اليد، وإن لم يكن ملكا فربما كان أحدهما صاحب يد بإجارة ونحوها فلا يكون مالكا، فيحكم به للاول لسبق الاقرار باليديه، ولا يغرم للثاني لانتفاء ما يدل على كونهمالكا، فإن الغصب منه لا يستدعي ذلك، ومن أن الغصب موجب للرد والضمان، ومقتضي الاقرار استحقاق كل منهما ذلك، ولان الاقرار بالغصب إقرار باليد للمغصوب منه وهو يقتضي الملك، فيكون مقرا لكل منهما بما يقتضي الملك، ولان الاقرار بالغصب إما يكون مقتضيا للاقرار بالملك أو لا، فإن لم يقتضه لم يجب الدفع في صورة النزاع إلى زيد لعدم دليل يدل على كونه مالكا، وإن

(1) الوسائل ج 16 ص 133 ب 3 ح 1.


76

اقتضاه وجب الغرم لعمرو لاستواء الاقرار بالنسبة إليها وربما قيل في الجواب عن هذا الترديد في السؤال بأنا نختار الشق الثاني من الترديد ووجوب الدفع إلى زيد لثبوت استحقاقه اليد بغير معارض، أما الاقرار لعمرو بذلك فإنه غير نافذ بالنسبة إلى الغير لاستحقاق زيد إياها لسبق الاقرار له.

ولا بالنسبة إلى القيمة لانتفاء دلالة الغصب منه على كونه مالكا، والاصل براءة الذمة.

ورد: بأن الاقرار بالغصب اقرار باليد وهي ظاهرة الملك، ولهذا يجوز أن يشهد الشاهدان في لشهادة بالملك كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في الشهادات،فجرى مجرى ما لو إقر بالملك لاحدهما ثم للاخر، وفيه قوة.

ولو قال: غصبته من زيد لابل من عمرو

أو غصبته من زيد وغصب زيد من عمرو فكالسابقة على اشكال كما ذكره علامة القواعد، ووجه الغرم في المسألتين يعلم مما سبق في المسألة السابقة.

ووجه الترجيح هاهنا إنه لما نفى الغصب من زيد بعد الاقرار له بقوله كان رجوعا عن الاقرار إلى الانكار فلم يكن مسموعا، فصح الاقرار بالاول ووجب أن ينفذ الثاني، ويجب الغرم حينئذ لانه حصل الغصب واليد في عمرو المقتضي للملكية، فوجب الغرم للحيلولة باقراره لزيد الذي رجع.

ويحتمل عدم الغرم لان كون عمرو مغصوبا منه لا يقتضي كونه مالكا، ولان الاقرار الثايي في حق الغير وهو المقر له الاول، وضعف هذا ظاهر.

ولو قال: استودعته من زيد بل من عمرو فكالاول في وجوب الغرم لعمرو تسليط زيد على العين لو لم يذكر سببا لعدم التفريط، بل هذه أولى بعدم الغرم من السابقة لان الاقرار بالغصب من كل منهما إقرار بالجناية في مال كل منهما وهو موجب للضمان، بخلاف الوديعة.

ووجه الغرم اعترافه باليد للاول ثم الثاني،وهو ظاهر في الملك.

ولو قال: لزيد وعمرو نصفين بل لخالد

غرم لخالد الجميع لان الاضرا


77

يقتضي أن يكون لخالد الجميع فيجب غرم جميع القيمة.

ولو سكت في الاقرار عن كونه نصفين لم يتفاوت الحكم.

ولو قال: غصبته من زيد وملكه لعمرو

وهو لعمرو لزمه الدفع إلى زيد، ولا يغرم لعمرو لانه يجوز أن يكون في يد زيد بإجارة أو وصية أو عارية فلاينا في ملكية عمرو ولم يوجد منه تفريط يوجب الضمان، بخلاف: هذا لزيد بل لعمرو ولانه أقر للثاني بعد ما أقر به للاول، فكان الثاني رجوعا عن الاول بخلاف ما قلناه، ولا يحكم بالملك لعمرو إذ هو بمنزلة من أقر لغيره بما في يد آخر.

ويحتمل الضمان، وذلك لانه لما قال: غصبت الشئ من زيد وملكه لعمرو كانت اللام مقتضيا لاختصاص الملك به ولزمه الدفع لزيد لاعترافه بالغصب منه الموجب للرد عليه والضمان له، وفي غرمه لعمرو احتمالات (أحدها) لا يغرم، وهو اختيار العلامة في القواعد والتحرير لعدم التنافي بين الاقرارين، فإنه يجوز فييد زيد بحق إجارة أو وصية بمنفعة أو عارية، فلا ينافي ملكية عمرو إياه، ولم يوجد من المقر تفريط يوجب الضمان بخلاف: هذا لزيد بل لعمرو فإنه مفرط، حيث أقر للاول بها هو حق للثاني بإقراره فكان مضيعا له، فوجب غرمه له بخلاف ما قلنا في المسألة التي هي محل النزاع، (والثاني) أنه يضمن ويغرم للحيلولة بين من أقر له بالملك وبين ماله بالاقرار للاول ودعوى عدم التنافي بين الاقرارين غير ظاهرة.

فإن اليد ظاهرة في الملك، ولهذا لم تنفذ إقراره لملكية الثاني بعد الاقرار باليد للاول.

ومنه يظهر تفريطه بالنسبة إلى الثاني بالاقرار الاول المقتضي للحيولة، وهذا هو الاصح.

ولو قال: هذا لزيد وغصبته من عمرو

فإنه يلزم دفعه إلى زيد ويغرم لعمرو على إشكال.

ومنشأة: أنه لم يقر لعمرو بالملك، وغصبه منه لا يستلزم كونه ملكا له


78

ومن أن الغصب يقتضي وجوب الرد والضمان، ويتضمن الاقرار باليد وهو ظاهر في الملك، وقد أحال بين الثاني والشئ المقر به الاول فيغرم له القيمة وهذا هو

الاصح.

الثاني: البدل،

فإنه كالاستثناء إن لم يرفع مقتضى الاقرار، فلو قال: هذه الدار لزيد هبة مني صدقة قبل على الاظهر.

ووجهة: أن البدل يعتبر في اللسان عرفا ولغة مستعمل في القرآن وغيره فهو من جملة أجزاء الكلام جار مجرى التفسير، فوجب أن يكون في الكلام عند الاقرار معتبرا إذا لم يكن رافعا لمقتضى الاقرار، فإن كان رافعا لم يصح لان الانكار بعد الاقرار غير مسموع، واحتمل بعضهم عدم صحة البدل لانه يتضمن الرجوع عن ظاهر الاقرار.

وضعفه بين، ثم إن غير المسموع هو رفع أصل الاقرار فقط دون مخالفة ظاهرة، فعلى الاصح لو قال: هذه الدار هبة صح وكان له الرجوع فيها حيث يصح الرجوع فيها.

أما لو قال: هذه الدار عارية أو سكنى فليس كالاول في الجواز إلا على احتمال غير الظاهر، إنما قلنا ذلك لانه رفع لمقتضى الاقرار لان (لام) يقتضي الملك والعارية، واستحقاق السكنى لا ملك معهما.

وضعف بأنه قد سبق أن البدل يصح إن لم يرفع مقتضى الاقرار فلا أثرلصحة بدل الاشتمال في اللغة، ووقوعه في الاستعمال لا يقتضي صحته في الاقرار كما لا أثر لصحته للاضراب في اللغة، فالاقوى عدم صحته.

ولو قال: له هذه الدار ثلثها أو ربعها صح لانه غير مناف لمقتضى الاقرار ولا إشكال فيه، خلافا لما يظهر من العلامة في القواعد، لان المفروض أن الدار اسم المجموع فإطلاقها على سوى البيت مجاز، كما أن العشرة حقيقة في العدد المخصوص فاستعمالها فيما بعد الاستثناء مجاز، ونحو ذلك مما يقع بغير إشكال ولو قال.


79

الثالث: التعقيب بما يدل على عدم إلزامه

ن الكلام الصريج أو الظاهر كما لو قال: له علي إلف وقبضته إياها أو قبضت منها خمسمائة لم يقبل قوله في القضاء إلا ببينة، وإنما لم يقبل قوله لانه مدع للقسط بعد الثبوت بالاقرار فلم يكن بد من البينة.

ولو قال: أخذت منه ألف درهم من ديني أو من وديعة عنده فأنكر المقر له السبب وادعى التمليك حكم للمقر له بعد الحلف، وذلك في ما لو وصل المقربإقراره هذه الجملة مما يقتضي سقوطه بأن قال ذلك المثال فأنكر المقر له السبب وهو ثبوت دين أو وديعة عنده للمقر وادعي كون المأخوذ على ملكه حكم له به ولم يسمع دعوى المقر مجردة من دين أو وديعة لكن بعد احلاف المقر له على نفي دعوى المقر، لان الاقرار لا يسقط بمجرد دعوى المسقط.

ولو قال: له علي ألف من ثمن خمر أو خنزير أو ثمن مبيع هلك قبل قبضه

ولم أقبضه أو من ثمن مبيع فاسد لم أقبضه أو ضمنت به لزمه في هذه الصور كلها الالف ولم يقبل قوله في المسقط، وهذه الصور كلها قد اشتملت على وصل الاقرار بما يقتضي السقوط، فإن الخمر والخنزير في شرع الاسلام لم يملك ولم يكن لهما ثمن، وامتنع أن يقابل بمال، فإذا وصل المسلم إقراره بألف بكونها من ثمن أحدهما اقتضى ذلك سقوط الاقرار فلم يلتفت إلى المسقط، لان الانكار بعد الاقرار لم يلتفت إليه.

ومثله قوله (من ثمن مبيع هلك قبل قبضه) لان هلا كه قبل القبض يقتضي بطلان البيع وسقوط الثمن كما تقرر في البيوع.

وللاصحاب في قبول ذلك في مالو قال: أنالم أقبضه فإنه يقتضي عدم استحقاق المطالبة بالثمن من ثبوته في الذمة قولان:أحدهما: القبول: واختاره الشيخ، لان قوله (لم أقبضه) لا ينافي إقراره الاول، لانه قد يكون عليه ألف درهم من ثمن مبيع ولا يجب عليه التسليم قبل قبض المبيع، ولان الاصل عدم القبض والاصل براءة الذمة.

وقال العلامة في المختلف: إن هذا ليس بعيدا من الصواب لان للانسا


80

أن يخبر بما في ذمته على ما هو ثابت في الذمة، وقد يشتري الانسان ولا يقبض المبيع فكان له أن يخبر بذلك، ولو ألزم بغير ما أقر به كان ذلك ذريعة إلى سد باب الاقرار، وهو مناف لحكمة الشارع.

والقول الثاني: ما اختاره ابن إدريس من عدم القبول فتلزم الالف لانه أتى بالمسقط بعد الاعتراف، ولقائل أن يقول:: إنا لا نسلم أنه قد أتى بالمسقط بعد الاعتراف فإن ذلك لا ينافي وجوب الالف وثبوتها في الذمة، وينافي استحقاق المطالبة بها الان فهو بمنزلة من لو أقر بألف مؤجلة.

والتحقيق: أن ذلك وإن لم يكن مسقط لكنه في حكم المسقط، فإن استحقاق الالف والوصول إليها إنما يكون ببذل ما زعمه مسقط من أموال المقرله، ففي الحقيقة كأنه لم يقر له بشئ، فقول ابن إدريس لا يخلو من قوة.

ولبعض الفضلاء هنا تحقيق أنيق قد ذكره خاتمة لهذه المباحث وهو: أن المؤاخذ بهذا الاقرار ونظائره من المواضع المختلف فيها هل هو كل مقر سواء كان ممن له أهلية الاجتهاد أم لا ؟ معتقد قول مثل ذلك أم لا ؟ يقال: إن من اعتقد قول مثل ذلك وعلم ذلك من مذهبه يعامل بمعتقده الذي يقتضيه النظر أنه يلزم بمعتقد الحاكم كائنا ما كان.

ومثله ما

لو قال: من ثمن مبيع فاسد لم أقبضه،

لان فساد البيع يقتضي عدم ثبوت الثمن، ولا دخل للقبض وعدمه.

ولو عقبه بقوله: له علي ألف لا يلزم لزمه لان الاقرار يقتضي اللزوم، فقوله (لا يلزم) لا يسمع لمنافاته الاقرار، ويحتمل القبول لأن يكون له عليه ثمن مبيع غير لازم أو من هبة له الرجوع فيها.

ويضعف بأن ذلك في حكم المسقط.

ولو قال: له علي ألف من ثمن مبيع ثم سكت ثم قال: لم أقبضه احتمل القبول إن سمع الاتصال أو التصديق واللزوم، وهذه صورة ثالثة من صور تفسير المقر به لكونه من مبيع، واحتمال القبول هنا إنما يتم إذا قلنا بالقبول في


81

المسألة الاولى وهو قوله (من ثمن مبيع لم أقبضه) متصلا.

ووجهه: أن الاصل في المبيع عدم القبض، فإذا صدقنا في كونها من غير مبيع كان على البائع إثبات القبض، فاختار الشيخ في الخلاف والمبسوط القبول، ويحتمل اللزوم وإن قلنا بالقبول في السابقة لانفصال قوله (لم أقبضه) عن الاقرار أو زن بالالف، ومقتضى الاقرار اللزوم.

ولو قال: له ألف من ثمن عبد إن سلم سلمته له احتمل لزوم ألف معجل، وبعد تسليم العبد لا فرق بين هذه وبين ما سبق إلا أن المبيع هنا معين عبدا ومطلق في السابق، والحكم واحد.

والاحتمال الثاني هو اللزوم بعد تسليم العبد كما هو قول الشيخ - رحمه الله - بشرط الاتصال، والمختار ما تقدم في المسألة السابقة.

ولو قال: له إلف مؤجلة أو زيوف أو ناقصة

لم يقبل مع الاتصال، ومع الانفصال إشكال، وإنما لم يقبل مع الانفصال لانه رجوع عما بين واستقر عليه إقراره.

أما مع الاتصال فمنشأ الاشكال إلزام المقر بما أقر به دون غيره، والحقمؤجلة دون الحال، فإذا أقر بالمؤجل لم يلزمه غيره.

وكذا حكم الاقرار بنقد معين أو وزن ناقص أو معيب لان الكلام إنما يتم بآخره وإنما يحكم به بعد كماله فلا يتحقق الاقرار إلا بآخره، وإنما يلغى المسقط إذا اقتضي إبطال الاقرار من رأس، وهو منتف هنا، ولانه لولا اعتبار مثل ذلك لادى إلى سد باب الاقرار في الحق المؤجل ونحوه، وهو باطل، ومن حيث إن الاصل الحلول والسلامة، فإن وصل الاقرار بذلك وصل له بالمسقط للمطالبة لبعض الحق.

وضعف بأنه لو سلم أن الاصل ما ذكر إلا أن خلاف الاصل يجب المصير


82

إليه إذا صرح به في الاقرار، ولما يتم الاقرار إلا بآخره لم يتحقق ثبوت شئ حتى يصير عليه السقوط.

والقول الثاني ما اختاره ابن الجنيد وابن إدريس وهو أحد قولي الشيخ أيضا، والاول للشيخ واختاره العلامة في المختلف والتذكرة وعليه الفتوى.

ولو قال: ألف مؤجل من جهة تحتمل العقل

وهي الدية قبل قطعا.

ولوقال: من حيث القرض لم يقبل قطعا.

وإنما كان كذلك لانه قد أسنده إلى جهة يلزمها التأجيل كالدية على العاقلة، فإن ذكر ذلك في صدر إقراره بأن قال: قتل فلانا خطأ ولزمني من دية القتل كذا مؤجلا إلى سنة فهو مقبول لا محالة.

ولو قال: له علي ألف مؤجل من تحمل العقل فهو موضع الخلاف في القبول وعدمه، وفيه وجهان: (أحدهما) القبول، قطع به العلامة لملازمة المقر به التأجيل.

(والثاني) العدم، لان أول كلامه ملتزم فلا يسمع منه المسقط.

وينبغي أن يكون القطع بالقبول ها هنا إنما هو إذا صدقه المقر له على السبب.

أما بدونه فلا، فإنه غير ظاهر، بخلاف ما لو أسنده إلى جهة لا يقبل التأجيل كما لو قال: له علي ألف اقترضتها مؤجلة لغي ذكر الاجل قطعا.

وقد نقل العلامة في التذكرة الاجماع عليه، ولولاه لامكن أن يحل الاشكال لان القرض قد يقع مؤجلا بالشرط في عقد لازم أو بالنذر ونحوه.

في الدروس للشهيد الاول لا يقبل إلا أن يدعي تأجليه بعقد لازم.

ولو قال: ابتعت بخيار

أو كفلت بخيار لم يقبل تفسيره، وذلك لان البيع يقع على وجوه متعددة كما مضى وكونه بخيار من جملتها، فوجب أن يطرد فيه الوجهان، وكما لو قال: ألف موجل


83

وقد يفرق بينهما بأن التأجيل لا يفضي إلى سقوط المقر به بخلاف الخيار فإنه يقتضي التسلط على الفسخ فينتفي حكم البيع، فهو بمنزلة: ثمن مبيع لم أقبضه لكن قد سبق عن الاصحاب في الاصح قبول في قوله: له هذه الدارهبة، وذلك يقتضي ثبوت الرجوع فيها فهو بمنزلة الاقرار بشراء بخيار.

وقال في الدروس: ولو قال: اشتريت بخيار أو بعت أو كفلت بخيار ففيه الوجهان، قطع المأخرون بعدم سماع الخيار.

واعلم أن ذكر في الاقرار بالكفالة انما يكون كالخيار في البيع على القول بان اشتراط الخيار فيها لا يفسدها، وإلا فهو بمنزلة ثمن مبيع فاسد كما لا يخفى.

الرابعة: (1) لو ادعى الاعجمي المقر بالعربية بأني قد لقنت ذلك ولمأفهمه، فإن كان ظاهره عدم الفهم سمع الدعوى، وإلا فلا.

والمراد ما بعد فهمه إمكان ذلك في حقه لان أحواله ثلاثة بأن يعلم من حالة الفهم أو عدمه ولا بحث فيهما، وأن يجوز كل منهما عليه فيقبل قوله إنه لم يكن عالما بما اقر به بيمينه، لان الظاهر من حال الاعجمي ان لا يفهم العربيه وكذا العربي لا يفهم العجمية، وهاهنا مسائل:

الاولى: لو قال: له عندي دراهم وديعة

قبل تفسيره سواء اتصل كلامه أو انفصل.

اما قبول تفسيره مع الاتصال فظاهر لان تفسيره لا يرفع مقتضى الاقرار، واما مع الا نفصال فلان قوله (عندي) كما يحتمل غير الوديعة يحتمل الوديعة أيضا، ولو ادعى المالك أنهادين بعد هذا الاقرار فالقول قوله مع يمينه.

وتدل عليه الاخبار الواردة التي قد مر ذكرها في الدين في حكم من يدعي بعد تحقق القبض منه بأنها وديعة وقال الدافع: إنها دين فالقول: قول مدعي الدين مع اليمين، ولا معارض لتلك الاخبار.

(1) أي المسألة الرابعة من المطلب السابع.


84

ويمكن توجيهه بعد النص بأن الوديعة تقتضي القبض والاخذ من المالك فبمقتضى قوله عليه السلام (1) (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) يجب أن يقدم قول المالك في أنها دين لان الدين لا تتحقق البراءة منه إلا بالاداء.

ولو قدمنا قول المقر لوجب أن يقبل قوله في المسقط لتعلقه به، وهو خلاف مقتضي الخبر.

ويمكن أن يقال بأن كونها وديعة تتضمن تقديم قول المقر في الرد على المالك وفي التلف، وذلك زائد على أصل كونها عنده وهو دعوى على الغير فمقتضى قوله عليه السلام (2) (البينة على من ادعى) يجب أن ينفذ الاقرار في ذلك لا تفرده إنما هو لكونه حق المقر دون غيره.

وقال العلامة في التحرير: إذا قال: له عندي دراهم ثم فسر إقراره بأنها ودينعة قبل تفسيره سواء فسره بمتصل أو منفصل، فتثبت فيها أحكام الوديعة من قبول ادعاء التلف والرد.

وبهذا صرح أيضا في التذكرة ومثله في الدروس وهو المختار.

أما لو فسره بالامانة لم يلزم شئ لان الامانة لا يستلزم القبض لامكان إطارة الريح الثوب إلى ملك المقر أو وضع المالك إياها أو غيره في منزله فلا يثبت دخوله في العهدة بالاداء.

هذا الفرق لا يخلو من ضعف بل الظاهر أن الحكم واحد.

أما لو قال: له عندي وديعة وقد ملكت أو رددتها إليه لم يقبل منه ولم يسمع دعواه أصلا وذلك لمناقضة الاقرار لان المردود أو التالف ليس عنده ولا هو وديعة.

الثانية: لو قال: له علي ألف وديعة

لم يقبل تفسيره ويلزمه لو ادعى التلف وذلك لان الالف مضمونة عليه وليس بأمانة لان قوله (علي) يتضمن اللزوم والثبوت في الذمة فلا يصدق في دعوى الرد، كما لا ينعقد دعوى التلف بان ذلك إنما يكون فيما يثبت كونه أمانة.

ولفظة (علي) ينافي ذلك.

ويشكل بأن كلمة (علي) لا تقتضي ثبوت ألف في الذمة لانه كما يجوز أن يريد بها ذلك يجوز أن يريد بها صيرورتها عليه للتعدي أو يريد لزوم حفظها

(1) سنن ابن ماجة ج 2 باب العارية ح 2400 (2) الكافي ج 415 7 ح 1، الوسائل ج 18 ص 170 ب 3 ح 1.


85

للذمة والتخلية بينه وبينها.

وأيضا فإن (علي) يقتضي كون المقر به حقا على المقر وذلك مما يحتمل امورا ووجوها متعددة ولا صراحة فيه بكونه في الذمة، والاصل البراءة.

ونقل الشيخ في الخلاف إجماعنا على أنه إذا قال: لفلان علي ألف درهم وديعة يقبل منه ذلك، فعلى هذا فالقول به أقرب.

الثالثة: لو قال: لك علي ألف وأحضرها

وقال: هذه التي أقررت بها وهي وديعة عندي ففيه احتمالان: تقديم قول المقر لامكان الضمان بالتعدي ولا يقبل قوله في سقوط الضمان لو ادعى التلف، ولا فرق بين الاتصال والانفصال عندنا أكثر العامة.

أما تقديم قول المقر فهو قول الشيخ - رحمه الله - محتجا بأصالة البراءة وشغل الذمة يحتاج إلى دليل.

والاحتمال الثاني وهو تقديم قول المقر له، وهو قول ابن إدريس، واحتج بما اعترف به الشيخ - رحمه الله - وهو: أن لفظة (علي) تقتضي الايجاب في الذمة بدليل أنه لو قال: الالف التي على فلان علي كان ذلك ضامنا فإذا اقر كذلك فقد الزم ذمته مالا وجاء بمال آخر ولم يسقط ما لزم في الذمة كما لو أقر له بثوب ثم جاء له بعبد فإن العبد له ويطالب بالثوب.

والجواب ما أجابه الشيخ وهو: أن لفظة (علي) وإن اقتضت الايجاب فقديكون الحق في الذمة فيجب عليه تسليمة بإقراره وقد يكون في يده فيجب عليه رده وتسليمه إلى المقر له بإقراره، فبأيهما فسره كان مقبولا كما لو قال: أن له علي ثوبا كان له بعثه من أي الانواع التي يحتملها اللفظ، ألا ترى إنا أجمعنا عى أنه إذا قال: لفلان علي ألف درهم وديعة قبل منه ذلك، ولو كان قوله: لفلان علي درهم يقتضي الذمة وجب أن لا يقبل تفسيره بالوديعة لانه أقر بألف ثم عقبه بما يسقطه، فلما أجمعنا


86

على قبول تفسيره ذلك دل على ما ذكرنا من أن حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض كما في قوله تعالى (ولهم علي ذنب) (1) أي عندي، وقوله تعالى (لاصلبنكم في جذوع النخل) (2) أي على، فيجوز أن يكون قوله (علي) قائما مقام (عندي)، وإنما جعلنا قوله، الالف التي على فلان علي ضمانا في الذمة لانه قصد به الالزام للمال الذي عليه وذلك لا يثبت إلا بالذمة، فوجد ما يدل على الثبوت في الذمة هنا بخلاف مسألتنا هذه.

هذا محصل كلامه، ومختار الشيخ أقوى.

ولو قال: لك في ذمتي ألف وجاء بها وقال: هي وديعة وهذا بدلها ففيه الاحتمالان السابقان، ومنشأهما أنه فسر الالف بكونها وديعة، وهو بحسبالظاهر مناف لكونها في الذمة، والقبول أرجح لان غايته قصد المجاز وهي كون التي في الذمة وديعة باعتبار أن سببها كذلك، والمجاز أيضا يصار إليه بالقرينة.

أما لو قال: لك في ذمتي ألف وهذه التي أقررت بها كانت وديعة لم يقبل، وذلك لان اسم الاشارة الواقع في كلام وهو قوله (وهذه) وإن كان عائدا إلى الالف الذي قال إنه في الذمة سوى ما أقر به إذا لم يقر بشئ آخر (3).

ولو سلمنا أن ما في الذمة ينافي التفسير في الوديعة على كل حال فغاية ما يلزم أن يكون قد وصف المقر به بوصف المقر يمتنع ثبوته له وإن كان المشار إليه بهذه شيئا آخر غير مذكور بل هو مقدر بأنه أحضر وقال: هذه التي أقررت بها، فهنا يتجه في وجوب الالف ألف اخرى.

وعدم قبول قبوله قوله في أن المقر به هو ما أحضره وجهان كالمسألة السابقة، لكن عدم القبول هنا أولى لان ما في الذمة لا يكون وديعة، فإن الوديعة هي العين المستناب في حفظها وما في الذمة ليس عينا، وليس ببعيد للقبول لان قوله (كانت وديعة) لا ينافي ثبوتها في الذمة بتلف قارنه الضمان، وغاية ما يلزم ارتكاب المجاز

() سورة الشعراء - آية 14.

(2) سوره طه - آية 71.

(3) كذا في النسخة، واحتمال سقوط بعض الكلمات هنا قوى


87

في حكمه بأن المأتي به كان وديعة فإن

الوديعة

حقيقة هو التالف والمأتي به هو عوضه، ولا محذور في المجاز إذا دل عليه دليل خصوصا إذا كان شائعا في الاستعمال.

ولو قال: له علي ألف ودفعتها

ثم قال: كانت وديعة وكنت أظنها باقية فبانت تالفه لم يقبل لانه مكذب لاقر ره، لان تفسيره يقتضي أن يكون إقراره لاغيا حيث إنه لو تم تفسيره وقيل: لم يكن عليه شئ حال الاقرار لكن لابد أن يكون تلفها منزلا على وجه لا ضمان معه إذ مع الضمان لا تكذيب.

أما لو ادعى تلفها بعد الاقرار قبل البينة لعدم المنافاة للاقرار فتكون دعواه مستأنفة.

ولو قال: له عندي وديعة دينا أو مضاربة صح لرمه الضمان، لانه قد يتعدى فيها فيكون دينا.

ولو قال: أردت أنه قد شرط علي ضمانها لم يقبل.

ولو قال: أودعني مائة فلم أقبضها وأقرضني مائة فلم آخذها قبل مع الاتصال، لكن على إشكال قد نشأ من استعمال (أودعني) و (أقرصني) في إيجاب الوديعة والقرض، ولهذا يقال عقيبه: فلم أستودع وأقرضني فلم أقترض، ولو لا ذلك لناقضه، وأقل أحواله أن يكون مجازا.

والتفسير به مع القرينه صحيح، ومن أن الايداع والاقراض شرعا عند إطلاقه إنما ينصرف إلى المقبوض والمأخوذ، فيلزم أن يكون الكلام دافعا لاوله.

ومثله: باع مني فلم أقبل، وموضع الاشكال إنما الاتصال، أما مع الانفصال فلا يلزم جزما.

وحكم العلامة في التذكرة جازما به بأنه يقبل مع الاتصال ومع الانفصال موضع إشكال، وذلك لان تلك العبارة إن دلت على الايجاب محضا لم يفرق بين الاتصال والانفصال في القبول.

وإلا لم يقبل مع الانفصال قطعا، ومع الاتصا


88

فالواجب عدم القبول لانه يقتضي رفع الاقرار من أصله والرجوع عنه، ولذلكتوقف المحقق الثاني في شرحه على القواعد وفيه ما فيه.

ولو أقر بالبيع وقبض الثمن ثم أنكر

وادعى الاشهاد والمواطاة تبعا للعادة بذلك، فلو لم يسمع دعواه لزم الضرر.

ويحتمل عدم السماع لانه مكذب للاقرار.

ويضعف بأن ذلك واقع يعم به البلوى، فعدم السماع يقتضي الضرر، وحيئنذ فيحلف المشتري على الاقباض أو على عدم المواطاة.

وكذا لو أقر بالاقتراض ثم ادعى المواطاة والاشهاد قبل القبض حلف المقترض لان الحكم السابق آت مثله هنا ودليله دليله.

أما لو شهد الشاهد بمشاهدة القبض لم يسمع دعواه المواطاة ولا يمين على المدعي لان ذلك طعن في البينة وإكذاب لها فلا يلتفت إليه.

المطلب الثامن في ما إذا كان متعلق الاقرار النسب وفيه مسائل:

الاولى: في بيان أقسامه لان المقر به إما ولد أو غيره.

فان كان ولدا ففي صحة الاقرار به شرائط:الاول: عدم تكذيب الجنس والشرع والمقر به.

والثاني: عدم المنازع، فلو أقر ببنوة من هوأكبر سنا منه أو مساو أو أصغر يمالم تجر العادة بتولده عنه أو بين أو مسافة فلا يمكن الوصول بمثل عمر الولد إليها، أو ببنوة مشهور النسب لغيره أو بمن كذبه الولد البالغ لم يثبت، ولو نازعه غيره لم يلحق بأحدهما إلا بالبينة أو القرعة وتحقيق هذه الامو


89

والشرائط تحتاج إلى زيادة بحث وبسط في الكلام وبيان المراد منها.

فعدم تكذيب الجنس عبارة عن أن يكون ما يدعيه ممكنا، فلو أقر ببنوة من هو أكبر سنا أو مساو أو أصغر بحيث تقتضي العادة بعدم تولده عنه لاستحالته عقلا وشرعا وعادة لم يقبل قطعا.

ومعنى الثاني: أن لا يكذبه الشرع، فلو أقر ببنوة مشهور النسب لغيره لم يعقد بإقراره لان النسب الثابت شرعا لا ينتقل ولا يحول لو صدقه الولد أو من انتسابه إليه معلوم لم يلتفت إليه.

ولو نفى نسب ولد باللعان واستلحقه آخر

ففي صحة الاستلحاق إشكالينشأ بأنه أقر بنسب لا منازع له فيه فيلحق به، ومن أن فيه شبهة الملاعنة، لانه إنما نفاه أللعان عن الالحاق به، فلا يصح الالحاق بغيره بمجرد الاستلحاق، والثاني هو الاقوى.

ولهذا لو رجع عن الملاعنة لحقه حكم النسب وورث الاب وإن لم يرثه الاب.

ومعنى الثالث: هو أن لا يكذبه المقر به وفي تذكرة العلامة ما هو أوضح من هذه العبارة حيث جعل الشرط أن يصدقة المقر به، إن كان من أهل التصديق بأن يكون بالغا عاقلا، وهذا أولى من قول المشهور لان عدم التكذيب غير كاف في البالغ.

وإذا عرفت هذا فأعلم أنه إذا إقر ببنوة عاقل بالغ لم يثبت ما لم يصدق سواء كذبه أو سكت إلا أن يقيم عليه بينة، ومع عدمها يحلف المنكر فيسقط الدعوى فإن نكل وحلف المدعي ثبت النسب وكذا لو قال شخص لاخر: أنت أبي فإن القول قول المنكر بيمينه.

ومعنى الرابع: أن لا ينازعه في الدعوى من يمكن إلحاقه به، فإن الولد حينئذ لا يلحق بالمقر ولا بالاخر إلا بالبينة أو القرعة، ولو كان الولد بالغا رشيدا اعتبر تصديقه فيثبت نسب من صدقه، ولا اعتبار بتصديق الام ولا بتكذيبها.

ويستفاد من هذه الفتوى في الشرائط المذكورة أن الاقرار بالولد الصغيرمع اجتماعها يلزمه ذلك الاقرار، فلو أنكره بعد ذلك لم يلتفت إلى إنكاره ولا


90

لانكار الولد بعد بلوغه لثبوت النسب بإقرار الوالد.

ففي صحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في حديث قال: أيما رجل أقر بولده ثم انتفى منه فليس له ذلك ولا كرامة فيلحق به ولده).

ومثله حسنته (2).

وخبر علي بن أبي حمزة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

وصحيح الحلبي (4) أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: إذا أقر رجل بولده ثم نفاه لزمه).

ومرسل أبي بصير (5) (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل ادعى ولد امرأة لا يعرف له أب ثم انتفى من ذلك، قال: ليس له ذلك).

وخبر السكوني (6) عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام (قال: إذا أقر الرجل بالولد ساعة لم ينتف عنه أبدا).

وعلى هذا يحمل خبر المدائني (7) عن علي بن الحسين عليهما السلام (قال: أيماولد زنا ولد في الجاهلية فهو لمن ادعاه من أهل الاسلام).

وخبر حنان (8) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سألته عن رجل فجر بنصرانية

(1) التهذيب ج 9 ص 346 ح 26، الوسائل ج 17 ص 564 ب 6 ح 1 وفيهما (يلحق به ولده) (2) الفقية ج 4 ص 231 ح 1.

(3) التهذيب ج 9 ص 346 ح 27.

(4) التهذيب ج 9 ص 346 ح 28 وفيه (بولد ثم نفاه)، الوسائل ج 17 ص 564 ب 6 ح 2.

(5) التهذيب ج 8 ص 167 ح 6، الوسائل ج 17 ص 564 ب 6 ح 3.

(6) التهذيب ج 8 ص 183 ح 63، الوسائل ج 17 ص 565 ب 6 ح 4.

(7) التهذيب ج 9 ص 344 ح 21، الوسائل ج 17 ص 568 ب 8 ح 5.

(8) التهذيب ج 9 ص 345 ح 24، الوسائل ج 17 ص 568 ب 8 ح 7 وفيهما (فولدت منه - ولدا غيره).


91

فأولدت منه غلاما فأقر به ثم مات فلم يترك ولدا، أيرثه ؟ قال: نعم).

وموثقته (1) (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل مسلم فجر بامرأة يهودية فأولد ثم مات ولو يدع وارثا، قال: فقال يسلم لولده الميراث من اليهودية، قلت: رجل نصراني فجر بأمرأة مسلمة فأولدها غلاما ثم مات النصراني وترك مالا لمن يكون ميراثه ؟ قال: يكون ميراث لابنه من المسلمة).

ومثله موثقته الاخرى (2) كما في الكافي.

قال الشيخ في التهذيبين: الوجه فيها أنه إذا كان الرجل يقر بالولد ويلحقه به فإنه يلزمه ويرثه، فأما إذا لم يعترف به وعلم أنه ولد زنا فلا ميراث له.

وأما ما يدل على أنه إذا كان معروف النسب وأقر به غير أبيه لم يورث من المقر خبر إسحاق السيفي (3) عن علي بن الحسين عليهما السلام (قال: المستلاط لا يرث ولا يورث ويدعي إلى أبيه).

قال صاحب القاموس (4) وغيره من أئمة اللغة: إلقاطه ادعاه ولدا وليس به كاستلاطه.

ويؤيده من الاخبار أيضا صحيح الحلبي (5) وغيره أبي عبد الله عليه السلام (قال: لا يورث ولد الزنا إلا رجل يدعى ابن وليدته).

ومثله خبر علي بن أبي حمزة (6).

وخبر علي بن سالم (7) عن ابي عبد الله عليه السلام (في رجل وقع على وليدة حراما ثم

(1) التهذيب ج 9 ص 345 ح 25، الوسائل ج 17 ص 568 ب 8 ح 8 وفيهما (فأولدها).

(2) الكافي ج 7 ص 164 ح 2 وفيه اختلاف يسير.

(3) التهذيب ج 9 ص 348 ح 35، الوسائل ج 17 ص 571 ب 11 ح 1 وفيهما السبيعى) (4) القاموس المحيط ج 2 ص 384.

(5) و (6) التهذيب ج 9 ص 346 ح 26 و 27، الوسائل ج 17 ص 566 ب 8 ح 1.

(7) التهذيب ج 9 ص 343 ح 16، الوسائل ج 17 ص 567 ب 8 ح 4 وفيهما اختلاف يسير.


92

اشتراها فادعى ابنها، قال: فقال: لا يرث منه، فإن رسول الله صلى الله عليه واله قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر، ولا يورث ولد الزنا إلا رجل يدعى ابن وليدته).

ويجب تقييد هذه الاخبار أيضا بما لو أقر به ولو طرفة عين حملا للمطلق على المقيد، أما لو كان الاقرار بالكبير فهو موضع خلاف سيجئ بيانه.

الثانية: هل حكم المرأة بإقرارها بالولد حكم الرجل في الشرائط أم لا ؟ قولان ناشئان من أنه إقرار بالولد فيدخل تحت عموم الدليل على نفوذ الاقرار به ومن أن ثبوت نسب غير معلوم الثبوت على خلاف الاصل فيقتصر فيه على إقرار الولد الصغير للاجماع وللنصوص التي قدمر ذكرها، فيبقى ما عداه على الاصل فيتوقف على البينة أو التصديق ولاعبرة بتصديق الصغير، وإن كان مع البلوغ يحتاج إلى التصديق من الولد لها فيكون كلاهما مقرين، أما مع الصغر فالاقوى أنها كالاب.

ففي حسنة الحلبي (1) بل في صحيحته عن أبي عبد الله عليه السلام (عن الحميل قلت: وأي شي الحميل ؟ فقال: المرأة تسبى من ارضها ومعها الولد الصغير فتقول: هو ابني، والرجل يسبى فيلقاه اخر فيقول: هو اخي ويتعارفان فليس لهما على ذلك بينة إلا قولهما، قال: فقال فما يقول من قبلكم ؟ قلت: لا يورثونه لانه لم يكن على ذلك بينة إنما كانت ولادة في الشرك، فقال: سبحان الله إذا جاءت بابنها أو ابنتها ولم تزل مقرة به وإذا عرف أخاه وكان ذلك في صحة من عقولهما لا يزالان مقرين بذلك ورث بعضهم بعضا).

وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج (2) كما رواه المحمدون الثلاثة عن أبي عبد اللهعليه السلام ثم ذكر مثله، وهما صحيحان صريحان فيما اخترناه وموردهما الصغير.

(1) الكافي ج 7 ص 166 ح 3، الوسائل ج 17 ص 569 ب 9 ح 1 وفيهما (عن عبد الرحمان بن الحجاج) مع اختلاف يسير.

(2) الكافي ج 7 ص 165 و 166 ح 1 و 3، الفقيه ج 4 ص 230 ح 2، التهذيب ج 9 ص 347 ح 31، الوسائل ج 17 ص 569 ب 9 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسي


93

وأما اعتبار الاقرار من الطرفين فيه فهو عائد إلى الاخرين كما هو صريحه، والامر كذلك في الفتوى.

ولو أنكر بعد بلوغه لم يلتفت إلى إنكاره بسبق ثبوت نسبه كما لو قال ثبت بالبينة لان النسب مبني على التغليب فلا يتاثر بالانكار بعد الحكم بثبوته، وهو مذهب العلامة في التذكرة.

وللشافعية قول إنه يندفع النسب بالانكار، فإذا تحقق لم يثبت، وليس بشئ.

ولو أراد المقر به بعد بلوغه تحليف المقر له يمكن من ذلك، ومثله مالو استحلف مجنونا فلما أفاق أنكر.

الثالثة: لو مات الصغير ورثه الاب لثبوت النسب المقتضي للارث، وكذاالعكس، ويدل عليه الصحيحان المتقدمان وإطلاق بقية تلك الاخبار لاطلاقها وظهورها ولو اعترف ببنوة ميت مجهول ثبت نسبه وورثه وإن كان كبيرا ذامال مع عدم وارث غيره لم يرثه، وربما قيل بثبوت الارث من الكبير.

وتقرير هذا الحكم على التفصيل وإن خلاعن خصوص الدليل أن الميت الذى ادعيت ثبوته إن كان صغيرا وكان مجهول النسب الحق بالمدعي وثبت نسبه، لان تصديقه غير معتبر وتكذيبه غيرموثر سواء كان ذا مال أم لا، ولا ينظر إلى التهمة بطلب المال لان أمر النسب مبني على التغليب، ولهذا يثبت بمجرد الامكان بالنسبة إلى الولد حتى أنه لو قتله ثم ادعى ببنوته قبل استلحاقه حكم بسقوط القصاص.

ومنع من ذلك أبو حنيفة للتهمة بوجود المال، وهو غلط كما هو شأنه التملك السخيفة (1)، ولهذا لايمنع نفوذ الاقرار يسار الصبي وفقر المقر في حال الحياة.

وإن كان كبيرا ففي ثبوت النسب إشكال من أن شرط لحوق البالغ تصديقه وهو منتف هنا، ولان تأخير الاستلحاق إلى الموت يوشك أن يكون لخوف إنكاره

(1) كذا في النسخة.


94

ومن أن التصديق ممتنع من الميت فجرى مجرى الصبي، والمجنون في كون ألحاق نسبه غير مشروط بالتصديق وقد يمنع اشتراط التصديق في لحوق البالغ مطلقا، هكذا قيل.

وفيه نظر، لعدم نهوض الدليل بذلك، ويجري الوجهان فيما إذا استلحق مجنونا تجدد جنونه بعد بلوغه كاملا سواء استلحقه حيا أو ميتا.

والذي يقتضيه الدليل الذي عليه التعويل عدم الثبوت في الموضعين، لان ثبوت نسب الغير بمجرد قول غيره على خلاف الاصل ولانص ولا إجماع على ذلك فيستمسك بالاصل إلى أن يثبت الناقل.

وقد تردد العلامة في التذكرة وأفتى به في القواعد ومثله في التحرير وكذا أول الشهيدين في الدروس وقبلهما المحقق والشيخ في المبسوط مدعيا أن الخلاف فيه.

فعلى هذا المعتمد الذي عليه الاصحاب وكذا المجنون لا يعتبر تصديقه كما لا يعتبر تصديق الصغير إذ لا اعتبار بعبارته.

ولا خلاف في ذلك، وإنكاره بعد الافاقةكإنكار الصبي بعد البلوغ.

الرابعة: هل يشترط التصديق من الولد الكبير عند إقرار الاب إذا كان أهلا لذلك ؟ قولان قد أشرنا إليهما فيما سبق، والمشهور اشتراطه، والنصوص خالية منه بالخصوص، وهو الاقرب لان الاقرار بالنسب يتضمن الاقرار في حق الغير، فحقه أن لا يسمع ولانه أمر إضافي، فيتوقف على تصديقه أو البينة، وسقوط ذلك في الصبي والمجنون بالنصوص والاجماع لتعذر التصديق منهما، فلا يوجب السقوط هنا اقتصارا في مخالف الاصل على موضع الوفاق، وهو مختار الشيخ في المبسوط وابن إدريس وابن الجنيد.

وقال الشيخ في النهاية: إنه لا يعتبر التصديق من المقر به لان ذلك إقرار في حق نفسه وإلا لم ينفذ مع الصغير، وضعفه ظاهر لحصول التوارث من الطرفين فالاصح إذا الاول.


95

الخامسة، ليس الاقرار بالولد إقرارا بزوجية امه وإن كانت مشهورة بالحرية، وذلك لان الزوجية والنسب أمران متغايران غير متلازمين، فلا يدلأحدهما على الاخر بشئ من الدلالات الثلاث وقال أبو حنيفة: إن كانت الام مشهورة بالحرية كان الاقرارا بالولد إقرارا بزوجيتها، وإن لم تكن مشهورة فلا.

أما لو أقر ببنوة ولد منه لحق به وإن كان حرا إن لم يكن لها زوج، ولا يخفى إلحاقه مشروط بإمكان كونه منه، وحينئذ فيكون حرا، والاخبار السابقة صريحة فيه وهي كثيرة جدا، والفتوى منطبقة عليه.

وإنما اختلفوا في أنه هل تكون الجارية ام ولد بمجرد ذلك الاقرار أم لا ؟ قال العلامة في التذكرة: فيه إشكال، ينشاء من أن استيلادها قد يكون قبل الملك بشبهة أو تحليل، ومن أن استناد الاستيلاد إلى وقوعه في الملك هو الظاهر لانه موجود، والاصل عدم غيره، وفي الاول قوة.

نعم لو اتبع هذا الاقرار بإقرار آخر بأنها ام ولد تحتم ذلك، وموضع الاشكال ما إذا جهل تأخر العلوق به عن الملك وتقدمه.

وأما إذا لم تكن الامة فراشا للسيد فإن علم أحد الامرين اجرى عليه حكمه وإن كانت فراشا فالولد لا حق به لحكمة الفراش لا بالاقرار، فيثبت الاستيلاد حينئذ، وهذا كله إذا لم تكن الامة مزوجة، فإن الولد مع التزويج للزوج لانهتابع الفراش.

ولو أقر ببنوة ولد إحدى أمته وعينه

لحق به وكان الاخر رقا، وكذلك لو كان من ام واحدة، وذلك لان المرجع في التعيين إليه، ولا يخفى أن ذلك مع تزويجها أو تزويج إحداها فإن ادعت الاخرى أن ولدها هو المقر به قدم قوله مع اليمين لان الاصل معه وهو ينفي ما تدعيه.

وكذا لو بلغ الولد وادعى فإن نكل السيد حلف المدعي وقضى بيمينه.

وكذا قاله العلامة في التذكرة ومقتضاه أن الجارية تحلف، وهو مشكل


96

لان حلفها مثبت لحق غيرها وهو حربة الولد نعم لو تضمنت الدعوى الاستيلاد اتجه ذلك، فينبغي تإمله.

لو يعينه ومات فالاقرب القرعة، ووجه القرب أنها لكل أمر مشكل للنصوص المستفيضة عن الائمة عليهم السلام.

وقال الشيخ: يقوم الوارث مقامسه في التعيين فإن امتنع منه وقال لا أعلم توجهت القرعة، فإذا أخرجت القرعة واحدا وكان السيد قد ذكر ما يقتضي امية الولد صارت ام ولد بذلك من غير احتياج إلى قرعة اخرى.

وهل يقبل تعيين الوارث ؟

إشكال ينشأ من أنه إقرار في حق الغير ولا دليل على قبوله، ولان التعيين إنما يعتد به إذا كان لجميع الورثة والمقر به منهم، فلو اعتبر تعبينه لزم الدور (1) قائم مقام الوارث.

ويشكل بأنه إن اخبر عن تعيين المورث كان شاهدا، فاعتبر فيه أحكام الشهادة.

وكذا لو أخبر بذلك عن علم سابق له بالحال، وإن كان منشأ التعيين من غير علم سابق له بتحققه بحقيقة الحال كان إقداما على القول بمجرد التشهي.

والظاهر أن مرادهم بكونه عالما بالحال حتى يعين فيكتفى بتعيينه كالمورث أنه قائم مقامه.

ويضعف بأن ذلك قول في حق الغير فيتوقف قبوله شرعا على دليل شرعي ولم يثبت قيامه مقام المورث هنا، والاقوى عدم القبول.

ولو عين و اشتبهت ومات استخرج بالقرعة وكان الاخر رقا لان القرعة في كل أمر مشكل.

ولو كان لهما زوجان بطل إقراره لان الولد لاحق بالزوج لانه للفراش.

وقال في التذكرة: وإن كانتا فراشا للسيد بأن كان قد أقر بوطئها لحقهالولدان بحكم الفراش و وكان مراده بذلك ما إذا لم يكن لهما زوج كما لا يخفي.

ولو كان لاحدهما زوج انصرف الاقرار إلى ولد الاخرى لان ولد الزوجة لاحق بالزوج لان الولد للفراش.

(1) كذا في النسخة، والظاهر سقوط كلمات هنا.


97

وقال العلامة في التذكرة: إنه مع تزويج إحداهما لا يتعين إقراره في ولد الاخرى بل يطالب بالتعيين، فإن عين في ولد المزوجة لم يقبل، وإن تعين في صريحا.

ويشكل بأن عدم تعيينه في ولد الاخرى يقتضي قبول رجوعه عن الاقرار فإنه إذا عين في ولد المزوجة فإن بطل الاقرار لزم ما ذكرناه، وإن عين في وولد الاخرى فيحلقه بالاقرار وولد الاخرى بالفراش.

وأما إذا كان المقر به غير

الولد من الانساب ففيه مسائل

أيضا: الاولى: يشترط فيه زيادة على ما سبق من الشروط تصديق المقر به أو البينة على الدعوى وإن كان ولد ولد لان إلحاقه بالولد قياس مع وجود الفرقفإنه إلحاق النسبة بالغير وهو الولد.

وأن يكون الملحق به ميتا، فما دام حيا لم يكن لغيره الالحاق به وإن كان مجنونا.

وأن لا يكون الملحق به وقد نفى المقر به، فإن نفاه ثم استحلقه وارثه بعد موته فموضع إشكال، ناش من أنه بعد ما استلحقه باللعان وغيره لحق به وإن لم يرثه، وقد سبق تقريره الحكم ببطان هذا النسب، ففي إلحاقه به بعد الموت ألحاق ضار بنسبة.

وأن يكون صدور الاقرار من الورثة الوارثين بالفعل، فلو أقر لاجنبي لم يثبت به النسب، ولو مات مسلم عن ابن كافر أوقاتل أورقيق لم يقبل لم يقبل إقراره عليه بالنسب كما لا يقبل إقراره عليه بالمال.

الثانية: أنه إذا أقر بوالد وأخ أو غيرهما ولا وارث له وصدقه المقر به توارثا فيما بينهما، ولا يتعدى التوارث إلى غيرهما، وذلك لان كل موضع لا يثبت النسب فيه بالاقرار إلا مع التصديق من المقر به لا يتعدى التوارث من المتصادقين إلى وارثهما إلا مع التصديق إيضا.

لان حكم النسب إنما يثبت بالاقرار والتصديق


98

فيقتصر فيه المتصادقين سواء في ذلك الاقرار بالولد أو بالاخ أو بغير هما، ومقتضي ذلك أن يكون الاقرار ببنوة البالغ لا يتعدى حكمها المقر به والمقرله بناء على اعتبار التصديق كما سبق، فعلى هذا يكون الاقرار بالولد متفاوتا بالنسبة إلى الكبير والصغير بناء على اشتراط التصديق في الكبير.

وقال الشيخ في المبسوط: إنه يتعدى الوازث إلى أولاد المتصادقين لا غيرهم من ذوي النسب بالصغير كما قد سمعت في تلك الصحاح وغيرها.

نعم أن الام كالاب كما تقدم.

ولو كان له ورثة مشهورون لم ينعقد إقراره في النسب وإن تصادقا، لان وذلك باطل لانه إقرار في حق الغير.

الثالثة: أو أقر أحد الولدين خاصة ولا وارث غير هما بنسب لم يثبت نسبه في حق المنمكر والا المقر، إنما لم يثبت في حق المنكر لان تصديقه معتبر وقول المنكر مع عدم البينة مقدم.

نعم تثبت به المشاركة في حصة المقر وهو سدس الاصل لانهم إذا كانوا ثلاثة كان لكل واحد ثلث، وبيد المقر نصف لان الورثة اثنان، فيكون فضل ما بيده سدسا، اما على تقدير الاشاعة فيدفع إليه نصف ما في يده، ولو أقر أحد الولدين فكما لو أقر بأخ.

ولو كان أحد الولدين صغيرا فأقر البالغ

انتظر بلوغ الصبي، فإذا بلغ ووافق ثبت النسب وإن مات قبل البلوغ، فإن لم يكن الميت خلف شيئا سوى الاخثبت النسب ولم يحتج إلى تقرير آخر، وإن خلف ورثة سواه اعتبر موافقتهم، ولو كانت التركة كلها بيد المقر لم يدفع إلا ما زاد على نصيبه لان الزائد محكوم به لاخر فكأنه في يده.

ولو كان أحدهما مجنونا

فهو كما لو كان صغيرا.

ولو كان الاقرار ببنت

لزمه دفع خمس ما في لانه لو ثبت نسبها لكان ل


99

مع الاثنين خمس الاصل.

الرابعة: إذا أقر اثنان من الورثة بنسب للميت وكانا عدلين يثبت النسب والميراث وإلا اخذ من حصتهما بالنسبة كما لو أقر واحد خاصة.

وإنما كان كذلك لانها إذا كانا عدلين ثبت النسب لشهادتهما ولا أثر لاعتبار الارث.

وأما مع عدم العدالة فلان النسب لا يتبعض فينفذ إقرار المقرين في مستحقها من الارث فينظر كم قدر استحقاق المقر به من مجموع التركة لو ثبت بينة وكم نسبته إلى المجموع فيؤخذ من حصتها بتلك النسبة فيدفعان إليه ما فضل عن نصيبهما.

ولو شهد الاخوان بابن للميت وكانا عدلين

ثبت نسبه وجاز الميراث، ولا يلزمورث لحجب الاخوين وخرجا عن الارث، فيلزم من صحة الارث بطلانه ومن بطلانه صحته.

ثم قال: ولو قلنا يثبت الميراث كان قويا لانه يكون قد ثبت بشهادتهما فيتبعه الميراث لا بالاقرار.

وحاصل كلامه أن الدور يلزم من اعتبار إقرارهما لا من اعتبار كونهما شاهدين، ولا يخفي أنهما لو كانا وارثين لا عتبرت شهادتهما مع العدالة فلا ينظر الى كونهما وارثين وعدمه، على انا لو اعتبرنا الارث لكفى كونهما وارثين في الظاهر حالة الاقرار.

ولو كانا فاسقين اخذ الميراث ولم يثبت النسب، وانما كان ذلك الان اقرارهما نافذ بالنسبة الى الميراث ولا يتوقف على ثبوت النسب، واما النسب فانه لا يثبت بقول الفاسق، وإنما يثبت النسب بشهادة رجلين عدلين لا شهادة رجل وامرأتين ولا رجل ويمين ولا بشهادة فاسقين وإن كانا وارثين.

واعتبر الشيخ في المبسوط في ثبوت النسب بإقرار رجلين عدلين ورجل وامرأتين من الورثة مع أنه قال في آخر كلامه في الباب: إنه لا يسمع شاه


100

وامرأتان ولا شاهد ويمين، والمختار هو المشهور.

وفي هذا الاطلاق إشكال وسؤال، وحيث قد ذكروا في الشهادات أن ما يثبت بالشياع النسب، وذكر أنه لابد هنا من شاهدين ذكرين عدلين، فلابد من تنقيح البحث والجواب.

وربما قيل فيه: إن الحصر إضافي فيكون في مقابلة الشاهد والمرأتين أو الشاهد واليمين.

وقبل: إن اشتراط العدلين إنما هو مع التنازع والاكتفاء بالشياع مع عدمه.

الخامسه: لو أقر الوارث بمن هو أولى منه بالارث نفذ إقراره بالنسبة إلى المال لانه إقرار في حق نفسه، فلو أقر العم بأخ سلم إليه التركة، وإن أقر الاخ بولد نفذ إقراره كذلك ولو كان المقر بالولد العم بعد أن أقر بالاخ فإن صدقه الاخ فلا بحث، وإن كذبه فالتركة للاخ لانه استحقها بالاقرار الاول، فلا يلتفت إلى الثاني لانه رجوع عن الاول.

وهل يغرم العم للولد بتفويته التركة عليه التي هي حقه بإقرار العم أو لا ؟ ينظر، فإن كان حين أقر بالاخ نفى كل وارث غيره غرم لا محالة، لان ذلكيقتضي انحصار التركة في الارث فيكون هو المفوت لها، وإلا ففيه إشكال، ينشاء من أنه بإقراره بالاخ أولا من دون ثبوت نسب الولد هو المفوت للتركة ومن عدم المنافاة بين الاقرارين لامكان اجتماعهما على الصدق، فلم يكن منافيا للاقرار بالولد.

وتنظر في ذلك المحقق الثاني بأنه لا يلزم من عدم المنافاة عدم الغرم، والمقتضي للغرم هو إقراره بالاخ أولا لاستحقاقه به جميع التركة، وذلك لان إقراره به على هذا الوجه بمنزلة ما لو نفى وارثا غيره لانهما بمنزلة واحدة في الحكم بدفع التركة إلى الاخ بمقتضى ذلك الاقرار، فيلزمه الغرم، وهو مختار الشيخ في النهاية.

والتحقيق في كل من المسألتين - أعني من إذا تعرض لنفي وارث غير الاخ


101

وعدمه - أن بينى ذلك على أنه هل يؤمر المقر بدفع التركة إلى المقر به بمجرد الاقرار ؟ أم يجب البحث والتفتيش على الحاكم الشرعي ليعلم انحصار الارث في المقر به إذا رفع إليه ؟ وجهان، وقد تقدم الكلام على ذلك في أحكام المقرله، وبينا أن الاصح وجوب البحث والتفتيش عنه، فعلى هذا إن كان العم قد دفع بغير إذن الحاكم ضمن لانه المباشر للاتلاف، وإن كان قد دفع بإذنه أو كان الدافع هو الحاكم فإن كان بعد البحث والاجتهاد فلا ضمان على أحدهما وإلا فهو من خطأ الحاكم، ولا فرق في ذلك كله بين أن ينفي وارثا غيره إذ لا عبرة بوجوب الدفع وعدمه على ذلك، وعلى الوجه الاخر إن استقل العم بدفع التركة إلى الاخ وجب القطع بضمانه لانه المباشر للاتلاف وإن كان بأمر الحاكم استنادا إلى إقراره، فإن نفى وارثا غيره ضمن أيضا، وإلا فالوجهان.

وقد صرح أول الشهيدين في بعض حواشيه على قواعد العلامة بهذا، فتبين لك مما ذكر أن إطلاق العلامة في القواعد - الحكم بالغرم مع نفي غيره والاشكال بدونه مع أنه قد اختار وجوب البحث مع إقرار المقر بعدم وارث غير المقر به - غير مستقيم.

ويدل على هذه الاحكام المتقدمة من الاخبار خبر وهب بن وهب (1) كما في التهذيب والفقيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام (قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل مات وترك ورثة فأقر أحد الورثة بدين على أبيه أنه يلزم ذلك في حصتهبقدر ما ورث، ولايكون ذلك عليه من ماله، فإن أقر اثنان من الورثة وكانا عدلين اجيز ذلك على ورثة، فإن لم يكونا الزم في حصتهما بقدر ما ورثا، وكذلك إن أقر بعض الورثة بأخ إنما يلزمه في حصته.

و قال على عليه السلام: من أقر لاخيه فهو شريك في المال ولا يثبت نسبه، فإن أقر اثنان كذلك، إلا أن يكونا عدلين

(1) التهذيب ج 9 ص 163 ح 16، الفقيه ج 4 ص 171 ح 3 وقد أورد قسم من الحديث، الوسائل ج 13 ص 402 ب 26 ح 5 و 6 وما في المصادر اختلاف يسير.


102

فيلحق نسبه ويضرب في الميراث معهم).

وفي صحيحة سعيد الاعرج (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سألته عن رجلين حميلين جئ بهما من أرض الشرك، فقال أحدهما لصاحبه: أنت أخي فعرفا بذلك ثم اعتقاو مكثا مقرين بالاخاء، ثم إن أحدهما مات، قال: الميراث للاخ يصدقان).

وتقدم في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج (2) وصحيح الحلبي (في الاقرار بالولد، قال: إذا عرف أخاه وكان ذلك في صحة من عقولهما لا يزالان مقرينبذلك ورث بعضهم بعضا).

السادسة: لو أقر الاخ بولد للميت فالمال للولد.

فإن اقر بآخر فإن صدقه الاول فالتركة بينهما، وإن كذبه فالتر للاول ويغرم النصف للثاني.

وهذا بناء على غير ما حقيقناه في المسألة السابقة.

وأما على ما حققناه فينظر هل الدافع للتركة هو الاخ استقلالا بأمر الحاكم ؟ إلى آخر ما مر.

فإن أقر بثالث فإن صدقه الاول فله النصف، وإن كذبه غرم المقر للثالث.

أما حالة تصديقة فلان الوارث اثنان فيستحق باعترافهما من التركة نصفها فيدفعه إليه، وغرم النصف للثاني من المقر بحالة إن كذب الاقرار بالثالث، وإن صدق فالثلث خاصة، وإن كذبه الاول غرم الثلث لانه فوت عليه بإقراره ثلث التركة، ولا عبرة بتصديق الثالث بالاولين وعدمه.

ولا يخفى أن إطلاقهم الغرم في هذه المسألة يرجع في تنقيحه إلى ما سبق.

ولو أقر بولد ثم بآخر فصدقه الاول وأنكر الثاني

الاول فالتركة للثاني ولا غرم عليه للاول.

(أما) أن التركة للثاني فإن نسبة يثبت بقولهما مع العدالة

(1) الكافي ج 7 ص 166 ح 2، الوسائل ج 17 ص 570 ب 9 ح 2.

(2) الكافي ج 7 ص 165 ح 1، الوسائل ج 17 ص 569 ب 9 ح 1.


103

دون الاول، وإلا يكونا عدلين فليس له إلا النصف خاصة إذا لم يعتبر ما قاله إلا به، والنسب لم يثبت كما نبه عليه أول الشهيدين في حواشيه على القواعد.

(وأما) أنه لاغرم فلانه لم يقع من الاخ تفويت حق أقر به لاحدهما.

السابعة: لو أقرت الزوجة من الاخوة بولد، فإن صدقها الاخوة فميراث الاخوة للولد، وكذا حكم كل وارث ظاهرا أقر بأولى منه، ولو أقر بمساو دفع بنسبة نصيبه ولو كذبها الاخوة فلهم ثلاثة الارباع وللولد الثمن وللزوجة الثمن.

ولو أقر الاخ بولدين دفعة فصدقه كل واحد عن نفسه

لم يثبت النسب وإن كانا عدلين ويثبت الميراث ويخرج لواحد النصف، فلو تناكرا لم يلتفت الى تناكرهما لان مقتضى إقران استحقاقهما الارث معا وهو المعتبر لصدوره حين كان وارثا ظاهرا.

ولو اقر احدهما بصاحبه دون العكس لم يختلف الحكم كما صرح به العلامة في التحرير، لكن ينبغي تقييده بما إذا لم يكن المقر والاخ عدلين، والا كانت للاخر ولا غرم.

ولو أقر أحد الاخوين بولد وكذبه الاخر

للولد نصيب المقر خاصة، فإن أقر المنكر بآخر دفع إليه ما في يده ولا غرم للاخر على الاول ولو أقر بالولد الثايي لوصول نصيب كل من الولدين إليه.

الثامنة: لو أقر الوارث لاخوين بزوج لذات الولد أعطاه ربع ما في يده، ولو لم يكن ولد أعطاه النصف، هكذا أطلق الاكثر في هذه

المسألة، وهذا إنما يتصور ممن يشارك الولد#

في الارث سوى الزوجين، وذلك هوالابوان أو أحدهما أو الولد لا غير.

وحينئذ فلا يستقيم إطلاق الحكم بأعطائه الزوج ما في يده مع الوال


104

نصفه مع عدمه، لانه مع عدم الولد ينحصر صدور الاقرار في الابوين، ومعه يتصور وقوعه منهما أو من الولد، ومعلوم أن أحد الابوين له مع الولد السدسولهما معا السدسان، والزوج لا يزاحمهما في ذلك.

نعم في صورة يقع الترديد بدفع ما في يده ما فضل عن نصيبه مع الزوج، وليس ذلك نصفا ولا ربعا.

ولو كان المقر الاب ولا ولد دفع النصف سواء كان معه ام أم لا.

ولو كانت الام مع الحاجب لها إلى السدس فلا شئ، وبدونه تدفع ما فضل عن نصيبها مع الزوج.

ولو كان الولد دفع مما في يده ما فضل عن نصيبه مع الزوج، فلو أقر الذكر مع أحد الابوين دفع مما في يده ربع التركة.

وكذا لو أقرت الانثى معهما.

ولو كانت مع أحدهما لم تدفع الربع كملا، ومنه يعلم حكم الاقرار بالزوجة فإن أقر بزوج آخر لا يقبل في حق الزوج المقر به أولا، ويغرم للثاني إن أكذب إقراره الاول لاعترافه بتضييع نصيبه بالاقرار.

وهل يغرم بمجرد الاقرار من دون تكذيب ؟ فيه وجهان: (أحدهما) مانع، لان الاصل في الاقرار الصحة وكون الثاني هو الزوج أمر ممكن، وربما ظن أن الاول هو الزوج فأقر ثم تبين خلافه.

وإلغاء الاقرار في حق المقر مع إمكان صحته ينافي قوله عليه السلام (إقرار العقلاء على إنفسهم جائز) ولا يجوز الحكم بفساد الاقراربمجرد تطرق الاحتمال وإلا لبطل أكثر الاقارير.

(والثاني) لا، وأسنده العلامة إلى ظاهر الاصحاب لانه لما أقر بزوجية الاول نفذ الاقرار بكونه وارثا وحكم بمقتضاه، فلما أقر بزوجية آخر كان إقرارا بآخر ممتنع في شرع الاسلام، فجرى مجرى إقراره بسائر الممتنعات، وارتكاب التأويل بالحمل على إرادته إكذاب نفسه في الاقرار الاول خلاف الظاهر، وما أشبه هذه المسألة بمسألة الاقرار بالمحل، وقد سبق صحته مع الاقرار، وتنزيله على ما


105

يصح معه الاقرار فيكون الوجه الاول أقوى.

التاسعة: لو أقر بزوجة لذي الولد أعطاها ثمن في يده، ولو خلا عن الولد أعطاها الربع.

وإن أقر باخرى فصدقته الاولى اقتسمتا، وإلا غرم لها نصف ما أخذته الاولى من حصته، وهذا صحيح لا غبار عليه لان كل موضع يدفع المقر إلى الزوجة المقربها أو شيئا مما في يده يغرم نصفه للمقر بها ثانيا، وقد تقدم شطر من هذا التحقيق فيما سبق، وهذا إذا أكذبته الاولى.

وقد علم إيضا أنه ليس كلمقر من الورثة يدفع ذلك، وليس كل مقر يغرم، لما حققناه فيما سبق من التفاصيل المتفاوتة والفروع المتخالفة.

ولو أقر بثالثة أعطاها الثلث، فإن أقر برابعة أعطاها الربع.

والمراد بذلك عند إكذاب الباقيات إياه في الاقرار والاخذ من المصدقة بالنسبة.

فإن أقر بخامسة لم يلتفت إليه، على إشكال، ووجه الاشكال هنا مثل الوجهين السابقين في الاقارير بزوج ثان، وأولى بالصحة هنا لامكان الخامسة غرم لها ربع الثمن مع الولد أو الربع مع عدمه.

ولو أقر بالاربع دفعة ثبت نصيب الزوجية لهن ولا غرم لاحد سواء تصادقن أو لا، لان إقراره بالنسبة إلى الجميع واحد ومقتضاه كذلك.

العاشرة: لو كان الوارث الاخ من الاب فأقر بأخ من الام أعطاه السدس، فإن أقر الاخ من الام بأخوين منها فصدقه الاول سلم الاخ من الام إليها ثلث السدس بينهما بالسوية ويبقي معه الثلثان، ويسلم إليها الاخ من الاب ثلثا آخر.

ويحتمل على مرجوحية أن يسلم الاخ من الام الثلثين ويرجع كل منهم على الاخ من الاب ثلث السدس، وإنما وجب أن يدفع الاخ من الام إليها


106

ثلث السدس لان ذلك هو الفاضل عن نصيبه لان نصيبه ثلث الثلث، لان للاخوة من الام ثلث الاصل بينهم بالسوية، فيكون لكل واحد من هولاء ثلاثة.

وقد نص الاصحاب على المقر يدفع مما بيده ما فضل من نصيبه.

ووجه الاحتمال أن مقتضي الشركة إن حصل فهو للشركاء، وما ذهب فمنه، والذي بيد الاخ للاب خارج عنهما.

وهذا هو مقتضى ما سبق في البيع من الاشاعة، وهو الذي يقتيضه الدليل، إلا أن الاول هو ما ذكره الاصحاب.

ولو كذبه فعلى الاول للاول ثلثا السدس ولهما الثلث وعلى الثاني السدس بينهم أثلاثا، وقد علم حال الاخ من الاب مما سبق على كل واحد من الاحتمالين ولا يختلف ذلك بتصديق الاخ من الاب ولا تكذيبه.

أما الاخ من الاب فإنه مع تكذيبه يجوز الفاضل عن السدس كله والفريضة على الاول من ستة وثلاثين، وعلى الثاني من ثمانية عشر.

الحادية عشرة: لو اعترف الولد بالزوجة أعطاها الثمن، فإن أقر بالاخرى أعطاها نصف الثمن إذا كذبته الاولى.

فإن أقر بثالثة فاعترفت الاولان بها واعترفتالثانية بالاولى استعاد من الاولى نصف الثمن، ومن الثانية سدسه، فيصير معه ثلثا الثمن يسلم إلى الثانية منه ثلثا ويبقى له ثلث آخر.

ووجه إعطاء الثانية نصف الثمن أنه يعترف لها بأزيد من ذلك فلا أثر لتصديقها بالاولى وتكذيبها، فلما أقر بثالثة واعترفت الاولان بها وباعترفت الثانية بالاولى كان لها ثلث الثمن بإقراره واعتراف الثانية ونصفه باعتراف الاولى، فيستعيد من الاولى النصف ومن الثانية السدس لانه الفاضل من نصيبها، فيصير معه ثلث الثمن يدفع معه ثلثا إلى الثانية ويبقى الثلث الاخير عوضا عم اغترمه ويفوت منه سدس الثمن، والفريضة من ثمانية وأربعين لانا نطلب مالا له ثمن ولثمنه سدس.

الثانية عشرة: أقر الولد بزوجة ولو تحت الميت الاخرى فصدقته


107

الاخرى (1) فالثمن بينهما، وإلا فللاخرى، ولا غرم.

وإنما كان الثمن للاخرى على تقدير عدم تصديقها لان زوجيتها ثابتة بخلاف المقر بها.

وإنما لم يكن على الولد غرم لان إرثها على تقدير زوجيتها إنما هو من الثمن الذي قد حازته الاخرى، وليس بيد الولد منه شئ.

ولبعض العامة احتمال مبني على ما ذهب إليه في ما لو أقر بعض الورثة بدين على الميت هو أن جميعه يؤدى من نصيب المقر السعة (2) أن تأخذ الزوجة من نصيب الولد بالنسبة فتأخذ نصف ثمنه.

ولو

أقر الاخ من الام بأخ إما من الاب أو من الام أو منهما فكذبه الاخ من الاب

فللمقر حصته كملا وهي السدس، فليس في يده فضل عن مستحقه.

وكذا لو أقر بأخوين من الاب ومنهما لانه يأخذ منهما السدس كملا، فلا يقتضي إقراره نقصا عليه.

ولو كانا من الام فإنه يدفع إليها ثلث السدس، لاعترافه بأنهما شريكان في الثلث لكل منهما تسع وفي يده ونصف تسع، فيفضل في نصف تسع.

وتنقيحه: أن للاخوة من الام ثلث التركة بالسوية لكل منهم ثلاثة وهو تسع وبيده - أعني المقر - سدس وهو تسع ونصف، فيكون معه زيادة على استحقاقه لمقتضى إقراره نصف تسع هو ثلث السدس، فيدفعه إليها فيشتركان فيه بالسوية، والفريضة من ستة وثلاثين لانا نطلب ماله تسع ولتسعه ربع وهو مضروب أربعة في تسعة.

ولو أقر الاخوان من الام بأخ منهما

دفعا إليه ثلث ما في يدهما سواء صدقهما الاخ من الاب أو كذبهما.

(1) كذا في النسخة، ولعل الصحيح (لو أقر الولد بزوجة وكان تحت الميت زوجة اخرى فصدقته الاخرى).

(2) كذا في النسخة.


108

ولو أقر به أحدهما خاصة دفع ثلث ما في يده، ولا اعتبار بتصديق الاخ من الاب أو تكذيبه، لكن لو صدقه وكان عدلا كان شاهدا، فإن كان المقر عدلا ثبت النسب، والا فلا، وذلك لان المتعددين الاخوة لهم الثلث بينهم بالسوية سواء زادوا على اثنين فلا أثر لتصديق الاخ من الاب أيا كان كما في الاقرار بالاخ الثالث من الام وتكذيبه.

ولو أقر به أحدهما خاصة رجع إليه ثلث ما بيده على المختار لانه الفضل على مستحقه، ولا اعتبار بتصديق الاخ من الاب في ذلك وتكذيبه.

نعم لو صدق وكان عدلا مع عدالة المقر ثبت النسب فيأخذ ثلث ما في الاخر.

الثالثة عشرة: لو ترك الميت ولدين واحد منهما كافر أو عبد فأقر الوارث وهو الحر المسلم بابن أخ آخر فاعتق العبد أو أسلم الكافر مع تصديقه بالمقر له، فان كان قبل القسمة للتركة من المقر به شارك، وإن كان بعدهما فلا اثر لما سيأتي - ان شاء الله تعالى - في احكام الميراث من ان زوال المانع من الارث قبل القسمة يقتضي ثبوت الارث لا بعدها.

ولو أنه هنا كذب بالمقر به سواء كان قبل زوال المانع أو بعده لم يستحق شيئا لانتفاء القسمة بزعمه لان الوارث واحد بقوله ولو رجع إلى التصديق لاعتراف المقر والمقر به باستحقاقه، ومتى رجع المقر له عن التكذيب قبل.

ولو كان أحدهما غير مكلف فأقر المكلف بآخر عزل لغير المكلف النصف، فإن اعترف بعد زوال المانع دفع الفاضل عن نصيبه وإن كذب ملك المعزول.

وإنما عزل لغير المكلف النصف لان الاقرار غير ماض عليه، ولا يعتد بتصديقه ولا تكذيبه إلا بعد الكمال، فيترتب على كل مقتضاه.

ولو مات قبل البلوغ والكمال وقد تخلف من السدس خاصة وهو سدس الاصل الذي هو سدس النصف، فإن كان قد أقره الحاكم للانفاق فهو للمقر له،وإلا فثلثاه، وإنما كان كذلك لان الوارث لغير المكلف هو أخوه المقر وهو


109

معترف له به، وإن لم يكن قد أقره الحاكم بل كان النصف بأجمعه موقوفا إلى أن ذهب ثلثاه وبقي ثلثه كان المقر له ثلثا السدس، ثلث بسبب كونه شريكا في النصف لان الذاهب من الشريكين، وثلث بالارث عن أخيهما، والثلث الاخر للمقر.

وينبغي أن يقال: إن هذا إنما هو إذا كان ذهاب الثلثين بآفة سماوية، وأما إذا كان بإنفاق الحاكم ومن يجري مجراه على الطفل فينبغي أن يقال: إن حصة المقر له من ثلث في النفقة - وقدرها ثلثا السدس تقدم له من التركة باعتراف الوارث لذلك - ليس حقا للطفل بل المقر به، وعزل شئ من شئ وتميزه فالاقرار (1).

ولو أقر أحد الولدين بابن وأنكر الثاني ثم مات المنكر عن ابن مصدق بالاقرار

فالاقرب عندهم ثبوت نسب العم مع العدالة.

ويحتمل العدم، لكن يأخذ من تركة الميت ما فضل عن نصيبه.

ووجه القرب أنه قد شهد بالنسب شاهدان عدلان، لان الكلام إنما هوعلى تقدير العدالة فوجب الحكم بالثبوت لان شهادة العدلين حجة على النسب.

وأما احتمال العدم فلان شهادة ابن الابن تتضمن الشهادة على إبيه لانها تقتضي تكذيبه إذ الفرض أن أباه أنكره أولا وشهادة الابن على الاب غير مسموعة لكن يأخذ من التر كة ما زاد عن نصيب ابن الابن.

وضعف بأن ذلك ليس شهادة على الاب بوجه من الوجوه، واقتضاؤها تكذيب الاب لا يستلزم كونها شهادة عليه ولا عدم سماعها، ولهذا لو شهد شاهد لزيد على عمرو بحق ثبت مع استيفائه الشروط، ولا اعتبار بكون أب الشاهد مكذبا أولا، فالاصح الثبوت.

(1) كذا في النسخة، ولعل الصحيح (بالاقرار).


110

المطلب التاسع في ما لو كان متعلق الاقرار دينا أو عتقا وكان له شريك في الارث بحيث يكون ذلك الدين وذلك العتق من المورث وفيه مسائل:الاولى:

يما لو اقر احد الورثة بدين على الميت لاحد الاشخاص وكان له مشارك في التر كة ولم يقر كإقراره إو لم يكن أهلا للاقرار لعدم كماله وبلوغه لزمه الاقرار في حصته بالنسبة، ولا يغرم جميع الدين منها كما عليه العامة.

ويدل عليه خبر وهب بن وهب (1) المتقدم عن جعفر بن محمد عن ابيه عليهما السلام على أبيه أنه يلزمه ذلك في حصته بقدر ما ورث ولا يكون ذلك عليه من ماله كله).

وعلى هذا يحمل إطلاق معتبرة محمد بن أبي حمزة ومعتبر إسحاق بن عمار (2) كما في الكافي والتهذيب والفقيه عن ابي عبد الله عليه السلام (في رجل مات فأقر بعض ورثته لرجل بدين، قال: يلزمه ذلك في حصته).

قال في التهذيبين بعد ذكره لهذه الرواية (يلزمه ذلك في حصته) بعني بقدر ما يصيبه لان جميع الدين جميعا بينه وبين ما يخالفه.

نعم لو كان الوارث اثنين وكانا عدلين ثبت الدين بإقرار هما لانهما شاهدان، ويدل خبر وهب بن وهب المتقدم أيضا حيث قال فيه (فإن أقر اثنان من الورثة وكانا عدلين اجيز ذلك على الورثة، وإن لم يكونا عدلين الزما في حصتهما بقدرما ورثا).

(1) التهذيب ج 9 ص 163، الوسائل ج 13 ص 402 ب 26 ح 5.

(2) الكافي ج 7 ص 43 ح 3، الفقيه ج 4 ص 171 ح 2، التهذيب ج 6 ص 190 خ 31، الاستبصار ج 3 ص 7 ب 5 ح 1 وج 4 ص 115 ب 69 ح 3، الوسائل ج 13 ص 401 ب 26 ح 3 وفيه (يلزم ذلك).


111

ومن مرسل الفقيه حيث قد قال بعد ذكره معتبرتي محمد بن أبي حمزة وإسحاق ابن عمار: وفي حديث آخر (1) أنه (إن شهد اثنان من الورثة وكانا عدلين اجيز ذلك على الورثة، وإن لم يكونا عدلين الزم ذلك في حصتهما).

وهو صريح كالاول في هذا التفضيل، فيجب حمل كل مطلق على ذلك كما هي القاعدة المقررة.

الثانية: إذا أقر بعض الورثة بأن قد أعتق بعض عبيده لزمه ذلك في حصته وكان العبد مبعضا، ولا يغرم بهذا الاقرار شيئا للشريك ويستسعي العبد في ما لو كان لغيره من الورثة.

وتدل عليه معتبرة منصور بن حازم (2) كما في الكافي والتهذيب والفقيه عنأبي عبد الله عليه السلام (في رجل مات وترك عبدا فشهد بعض الورثة من ولده أن أباه أعتقه، قال: يجوز عليه شهادته ولا يغرم ويستسعي الغلام في ما كان لغيره من الورثة).

وصحيح محمد بن مسلم وخبره (5) عن أحدهما عليهما السلام (قال: سألته عن رجل

(1) الفقيه ج 4 ص 171 ح 3، الوسائل ج 13 ص 402 ب 26 ح 7.

(2) الكافي ج 7 ص 42 ح 1، الفقيه ج 4 ص 170 ب 125 ح 7 1 التهذيب ج 9 ص 163 ح 14 الوسائل ج 13 ص 401 ب 26 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 246 ح 7 121 الوسائل ج 13 ص 401 ب 26 ح 2.

(4) الكافي ج 7 ص 43 ح 2، التهذيب ج 8 ص 246 ح 122، الوسائل ج 13 ص 402 ب 26 ح 4.

(5) الفقيه ج 3 ص 70 ح 24، التهذيب ج 8 ص 234 ح 77، الوسائل ج 16 ص 66 ب 52 ح 1 وما في المصادر (أن الميت أعتقه).


112

ترك مملوكا بين نفر فشهد أحدهم أن أعتقه، قال: إن كان الشاهد مرضيا لميضمن وجازت شهادته في نصيبه واستسعى العبد في ما كان للورثة).

أما لو كان اثنين وكانا عدلين أمضى عتقه على كل حال، وليس عليه استسعاء لمرجع إقرارهما إلى الشهادة، وإنما روعي في الواحد كونه مرضيا لئلا تكون تهمة في إقراره وشهادته فيعطله على الشركاء فيغرم حصص الباقين إذا كان مليا كما لو أعتق حصة إقراره ابتداء.

الثالثة: لو أقر شخص بدين أو عين لاحد رجلين ولم يعينه حتى مات تداعيا تلك العين وأحلف فتكون تلك العين مشتركة بينهما أنصافا، وإن خلف أحدهما ونكن الاخر قضي به للحالف.

وكذا لو لم يدعها الاخر أو اعترف بأن ليس له حق، واحتمل بعضهم أنه يحكم لهم بها في هذه الحالة بغير يمين، وهو قريب لولا عموم النص الوارد في المسألة.

وخبر السكوني (1) عن أبى عبد الله عن أبيه عن علي عليهم السلام (في رجل أقر عند موته لفلان وفلان: لاحدهما عندي ألف درهم ثم مات على تلك الحال، فقال علي عليه السلام: أيهما أقام البينة فله المال، وإن لم يقم واحد منهما البينة فالمال بينهما نصفان).

ولابد من حمل عجز الحديث على ما قلناه من حلف كل منهما أو نكولهما، وإلا فمع قيام البينة لاحدهما فلا كلام، وكذا لو قامت لهما البينة حكم به لهما.

وبالجملة فالخبر لا يخلو من إشكال، وسيجئ في أحكام المواريث والقصاص والحدود كثير من مسائل الاقرار متعلقة بالمماليك والاحرار في مسائل جزئية مندرجة تحت تلك الكلية النبوية، وأنهما لا تسمع مع التهديد والتخويف ولا تلزم إلا مع الاختيار كما هي القاعدة المقررة في الاقرار.

(1) الكافي ج 7 ص 58 ح 5، الوسائل ج 16 ص 132 ب 2 ح 1.


113

ومن تلك الاخبار ما في كتاب قرب الاسناد عن أبي البختري (1) عن أبي جعفر عن أبيه عليهما السلام (أن عليا عليه السلام قال: من أقر عند تجريد أو حبس أو تخويف أو تهديد فلا حد عليه، ومن أقر بحد ثم أنكر لزمه الحد إلا أن يكون رجما أو قتلا فيدرء عنه ويضرب المقر بالرجم الحد).

وففي صحيح الحلبي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أقر على نفسه بحد ثم جحد بعد، فقال: إذا أقر على نفسه عند الامام أنه سرق ثم جحد قطعتيده وإن رغم أنفه، وإن أقر على نفسه أنه شرب خمرا أو يقر به فأجلدوه ثمانين، قلت: فإن أقر على نفسه بحد يجب عليه فيه الرجم أكنت راجمه ؟ فقال: لا، ولكن كنت ضاربه الحدود).

ومثله صحاح ابن مسلم (3) وغيرها، وسيجئ الكلام مستوفى عليها - إن شاء الله تعالى - في محالها.

(1) قرب الاسناد ص 26، الوسائل ج 16 ص 133 ب 4 ح 1.

(2) الكافي ج 7 ص 220 ح 4، الوسائل ج 18 ص 318 ب 12 ح 1 وفيهما (أو بفرية - ثمانين جلدة - ضاربه الحد).

(3) الكافي ج 7 ص 220 ح 5، الوسائل ج 18 ص 319 ب 12 ح 3.


115

كتاب الجعالة وهي بتثليث الجيم، وكسرها أشهر، وعليه اقتصر جماعة، وآخرون على كسرها وفتحها كالجعل، والجعيلة لغة اسم لما يجعل للانسان على عمل شئ، وشرعا التزام عوض معلوم على عمل، والاصل فيها الاجماع قوله تعالى (ولمنجاء به حمل بعير) (1) والحاجة ماسة إليها، وفيه أبحاث وفي الابحاث مسائل.

البحث الاول قد اختلف الاصحاب وغيرهم في الجعالة، هل هي من قسم العقود فتتوقف على الايجاب والقبول ؟ أو من الايقاعات فلا تتوقف على القبول ؟ والمحقق في الشرايع والنافع جعلها من الايقاع وضعا وحكما حيث صرح بعدم افتقارها إلى القبول، وهو المطابق لتعريفهم لها كما سمعته، حيث جعلوها التزام كلي عوض على عمل، ويؤيده عدم اشتراط تعيين القابل، وإذا لم يكن معينا لا يتصور للعقد قبول، وعلى تقدير قبول بعض لا ينحصر فيه إجماعا.

ومنهم من جعلها من العقود الجائزة، وجعل القبول الفعلي كافيا فيها كالو كالة، والمنفي هو القبول اللفظي، وهو ظاهر كلام المحقق في موضع من الشرايع حيث جعله عقدا جائزا، والظاهر أنه قد تجوز في العبارة، إذ لو كان عنده عقدا

(1) سورة يوسف - آية 72.


116

حقيقة لذكره في العقود لافي الايقاعات، ومع ذلك فالجانب الاخر محتمللانه قد ذكر في قسم الايقاعات ما هو عقد قطعا كالكتابة، لكنه معذور في ذلك الاستطراد ذكرها مع العتق والتدبير، وهما إيقاع جزما، والعادة بين فقهائنا ذكر هذه الثلاثة في محل واحد فجرى على ذلك هو وغيره.

وتظهر الفائدة فيما لو فعل للعامل بغير قصد العوض ولاقصد التبرع بعد الايجاب، فعلى الاول يستحق العوض لوجود المقتضي له وهو الايجاب مع العمل وعلى الثاني لا وإن كان قد عمل، لان المعتبر من القبول الفعلي ليس هو مجرد الفعل بل لابد معه من انضمام الرضا والرغبة فيه لاجله كما نبه عليه في كتاب الوكالة.

واستقرب الشهيد في الدروس استحقاق العوض لو رد، بل لم يسمع الصيغة بقصد العوض إذا كانت الصيغة مشتملة، وهذا وإن كان محتملا للامرين إلا أنه بالاول أشبه، لان قصد العوض ممن لم يسمع الايجاب لا يعد عندهم قبولا مطلقا وإنما فائدة قصد العوض فيه الاحتراز عما لو قصد التبرع، فإنه لا يستحق شيئا وإن سمع الصيغة، لكن يبقى مالو خلا عن الامرين ففعل لا بقصد التبرع ولا بقصد العوض والذي يناسب الاكتفاء بالايجاب استحقاقه هنا لوجود المقتضي له، وفيهذا المطلب مسائل: الاولى: تصح الجعالة على كل مقصود محلل عند الشارع.

والمراد بكونه مقصودا كونه ملحوظا في نظر العقلاء كالخياطة ورد الابق والضالة ونحو ذلك واحترر عما يجعل على فعل مجرد العبث كنزف البئر حيث لاغرض فيه وكالذهاب في طريق خطر بغير غاية مقصودة للعقلاه ونحو ذلك.

والمراد بالمحلل هو الجائز بالمعنى الاعم فيدخل المباح والمندوب والمكروه ويخرج الواجب التي لا تصح النيابة فيه فلا تصح الجعالة كما لا تصح الاجارة.


117

أما ما تصح فيه الاجارة من الواجباب فتصح فيه الجعالة، ولو اريد بالمحلل المباح لخرج غيره مما تصح الجعالة عليه نصا وفتوى، ولابد من حمله على المعنى الاول.

الثانية: أنه كان الغرض من مشروعية الجعالة تحصيل الاعمال المجهولة غالبا كرد الابق والضالة ومسافة رد الابق لا تعرف غالبا فاغتفرت الجهالةفي العمل لمسيس الحاجة كما اغتفرت في عامل المضاربة لدعوى الحاجة إلى ذلك، وإذا كانت الجهالة مغتفرة في القراض والمضاربة لتحصيل الزيادة فلان يحتملها في الجعالة لتحصيل أصل المال أولى، وكما تصح الجعالة على العمل المجهول تصح على المعلوم قطعا، خلافا لبعض العامة حيث خصها بالمجهول فجعل مورد المعلوم الاجارة، وليس بشئ لعموم الادلة فيها فهي شاملة للمعلوم والمجهول.

الثالثة: يعتبر فيها بالنسبة الى الجاعل اهلية الاستئجار والجعالة، وفي العامل امكان تحصيل العمل.

والمراد ان يكون الجاعل مطلق التصرف غير محجور عليه باحد الاسباب الموجبة للحجر، وان العامل يعتبر فيه ذلك ايضا ويزيد عليه امكان تحصيل العمل، ويعتبر في الجعل الذي هو العوض ان يكون معلوما بالكيل أو الوزن أو العدد أو كان مما جرت العادة بعده، وهذا هو المشهور بين الاصحاب.

وذهب البعض إلى اغتفار الجهالة فيه أيضا وكأنه اغتفروا ذلك لان مبنى الجعالة على الجهالة في أحد العوضين الذي هو العمل قطعا، فصار أمرها مبنياعلى احتمال الغرر، وللاية المذكورة (ولمن جاء به حمل بعير) لان الحمل غير منضبط بأحد طرق المعلومية، ولقوله صلى الله عليه واله (1) (من قتل قتيلا فله سلبه) وهي الجعالة على عمل مجهول، وهذا أقوى.

(1) عوالي اللئالي ج 1 ص 403 ح 60.


118

وأما ما قيل من أن الجهالة

فيها مؤدى إلى الغرر

ولا يكاد أحد يرغب فيها حيث لا يعلم بالجعل فلا يحصل مقصود العقلاء فمدفوع بالمنع تارة لان الحاجة قد تمس إلى جهالة العوض بأن لا يريد بذل شئ آخر غير المجعول عليه حيث لا يتفق ذلك بأن يريد تحصيل الابق لبعضه وعمل الزرع لبعضه ونحو ذلك.

وأيضا لا نسلم أن ذلك لا يرغب فيه فإن العادة قاضية باطراد حصول الرغبة في أعمال كثيرة مجهولة بجزء منها مجهول، وإنما التوقف في صحة ذلك شرعا ولا طباقهم على صحة الجعالة مع عدم تعين الجعل ولزوم اجرة المثل مع أن العمل الذي يثبت اجرة مثله غير معلوم عند العقد، فالاقوى إذا ما ذهب إليه البعض من اغتفار الجهالة في العوض، حيث لا يمنع من التسليم كنصف العبد الابق إذا ردهومنه سلب المقتول من غير تعيين، فإن ذلك معين في حد ذاته في الجملة ولا يفضي إلى التنازع، بخلاف العرض ثوبا ودابة ونحو ذلك مما ذلك مما يختلف كثيرا أو تتفاوت أفراده قيمة تفاوتا عظيما يؤدي إلى التنازع والتجاذب.

وإذا تقرر ذلك فالمعتبر من العلم بالعوض عند مثبتيه ما يعتبر في عوض الاجارة، فيكفي فيه المشاهدة عن اعتباره بأحد الامور الثلاثة حيث يكتفى بها في الاجارة بطريق أولى، وحيث كان العوض مجهولا ولم نقل يصحته فسد العقد ويثبت بالعمل اجرة المثل.

ومثله مالو قال: إن فعلت كذا فأنا ارضيك أو اعطيك شيئا ونحو ذلك من العبارات المشتملة على جهالة العوض.

وربما قيل: بعدم فساد العقد بذلك وأن اجرة المثل حينئذ هو العوض اللازم للعوض بواسطة الجعالة، وهو بعيد.

وقد اختلف الاصحاب في ما يعتبر من الشرائط في الحامل من مراعاة البلوغ والكمال وعدمه، والمقطوع به ما مر وإن كان المشهور عدم اشتراط الكمال بالبلوغ والتمييز.

فلو رد الصبي المميز ولو بدون إذن وليه والمحجور عليه استحق الجع


119

وإن كان الخلاف في غير المميز والمجنون أظهر وأجلى، لان الغرض منها حصول المجعول عليه وعدم مراعاة القصد إلى العوض.

نعم يشترط فيه إمكان تحصيل العمل بنفسه إن شرط عليه المباشرة أو مطلقا إن لم يشترط.

والمراد بالامكان ما يشمل العقلي والشرعي والعادي ليخرج منه الكافر لو كان الحمل المجعول عليه استيفاء الدين من المسلم.

ولو كان رد عبد مسلم ففي تناوله للذمي وجهان: من اقتضاء إثبات يده عليه الموجب للسبيل المنفي بالاية والرواية، ومن ضعف السبيل بمجرد رده، وإن كان الاقوى الجواب لعدم السبيل شرعا وعرفا بمجرد ذلك الرد ما لم يكن الجعل ممتنعا في حقه بأن كان العوض بعضه.

ولو عين الجعالة لواحد فرد غيره

كان عمله ضائعا، لانه يتبرع حيث لم يبذل له اجرة ولا لمن يشمله، وذلك لانه قد شرط على المجعول له العمل بنفسه أو قصد الراد العمل بنفسه أو أطلق.

أما لو رده نيابة عن المجهول له حيث يتناول لامر النيابة كان الجعل لمن جعل له.

ولو تبرع أجنبي بالجعل وجب عليه الجعل مع الرد كما يصح بذل المال عن العمل للباذل يصح عن غيره، لان ذلك أمر مقصود للعقلاء قيتناوله الادن في الجعالة، بخلاف المعاوضة للغير بماله، وحينئذ فيلزم الباذل ما جعله مع رده الى المالك أو إليه حسب ما شرط، ولا يلزم المالك شئ من ذلك لا للعامل ولا للباذل.

الرابعة: أن الجعالة جائزة قبل التلبس بالعمل، فإن تلبس استصحب الجواز أيضا من جهة العامل ولازمة من طرف الجاعل إلا أن يدفع اجرة ما عمل ولا خلاف في أن الجعالة في نفسها من الامور الجائزة من الطرفين، بمعنى تسلط كل من المالك والعامل على فسخها قبل التلبس بالعمل وبعده، سواء جعلناها عقدا أم إيقاعا من حيث عدم اشتراط القبول من العامل فيها بمنزلة أمر الغير بعمل له اجرة، فلا يجب المضي فيه من الجانبين فمقتضاها ذلك، إن كان الفسخ


120

قبل التلبس فلا شئ للعامل، إذ ليس هناك عمل يقابل بعوض سواء كان الفسخ من قبله أم من قبل المالك، وإن كان بعد التلبس وكان الفسخ من العامل فلاشئ له لان المالك إنما جعل له العوض في مقابلة مجموع العمل من حيث هو مجموع فلا يستحق علىإبعاضه ولان غرض المالك لم يحصل وقد أسقط العامل حق نفسه حيث لم يأت بحق ما شرط عليه العوض كماسخ المضاربة قبل ظهور الربح بخلاف الاجارة.

والفرق أنها لازمة تجب الاجرة فيها بالعقد ويستقر شيئا، بخلاف الجعالة فإنها بجوازها لا يثبت عليه للعامل عوض ما عمل لانه إنما تلبس بالعمل بعوض لم يسلم له ولا تقصير من جهته، والاصل في العمل المحترم الصادر بأمر المالك أن يقابل بالعوض.

وقد اختلف في أن العوض الواجب له حينئذ اجرة مثل ما عمل ؟ أم بنسبة ما فعل إلى المجموع من العوض المبذول ؟ قولان أظهرهما الثاني، لانه العوض الذي اتفقا عليه.

ووجه الاول أنه بالفسخ بطل ثمرة العقد وحيث كان العمل محترما جبر باجرة المثل كما لو فسخ المالك المضاربة.

ويرد عليه بأن تراضيهما إنما وقع على العوض العين فلا يلزم غيره، خصوصا مع زيادة اجرة المثل عنه لقدومه حينئذ على أن لا يستحق سواه.

والفرق بينه وبين عامل المضاربة بين لان المشروط له فيها جزء من الربح، فقبل ظهورهلا وجود له ولا معلومية حتى ينسب إليه ما فعل، بخلاف عامل الجعالة فإنه مضبوط على وجه يمكن الاعتماد على نسبته، هكذا قرروا اللزوم من طرف الجاعل بعد التلبس.

وفيه أن لزوم اجرة ما مضى من العمل عليه لا يقتضي اللزوم لان المراد من العقود الجائزة والايقاعات كذلك هو جواز تسلط كل منهما على فسخها سواء


121

ترتب على ذلك عوض في مقابلة العمل أم لا، والامر هنا كذلك.

ومجرد افتراق الحكم

في فسخه من قبلهما بوجوب العوض حيث يكون الفاسخ المالك دون العامل

لا يقتضي اللزوم من طرفه كما

في المضاربة

فإنها عقد اتفاقا، مع أن المالك لو فسخ قبل ظهور الربح وجب عليه اجرة ما عمل اتفاقا وإن أو همته عبارة الشرايع، بل متى فسخ لزمه الاجرة بطل أثر العقد وحكمه من حين الفسخ حيث يعلم العامل به سواء دفع الاجرة أم لا.

ولو لم يعلم العامل بفسخه إلى أن أكمل استحق تمام العوض كالوكيل إذا لم يعمل بالعزل.

وربما استشكل البعض هذا الحكم بعدم وجوب العوض لما بعد الفسخ فيما إذا كان الجعل على رد الضالة ثم فسخها وقد صارت بيده، فإنه لا يكاد يتحقق للفسخ معنى حينئذ، أو لا يجوز له تركها بل يجب تسليمها إلى المالك أو لمن يقوم مقامه شرعا فقد تم العمل.

ويمكن رد ذلك بأن فائدة البطلان مع الفسخ حينئذ أنه لا يجب عليه السعي إلى إيصالها إلى المالك وإنما يجب عليه إعلامه بها، فإن كان قد بقي لردها مقدار يعتد به من العوض ظهرت الفائدة، وإن لم يكن قد بقي ما يعتد به فالساقط هو ما قبل ذلك المتخلف، ولا يحصل به نقص يعتد به على العامل.

ولو توقف إيصالها أو خبرها إلى المالك على عمل يقابل باجرة أمكن ثبوت اجرة المثل بذلك العمل، لانه عمل محترم مأذون فيه شرعا مبتدأ فيه بإذن المالك فلا يجوز تضييعه على العامل، فيظهر للفسخ معنى على التقديرين.

وبقي في المسألة امور: (منها) ما استثناه أول الشهيدين في الدروس من عدم وجوب شئ لو كان عدم إمكان العمل من قبل العامل كما إذا كان الجعل على نحو خياطة ثوب فخاط بع


122

ثم مات أو منعه ظالم فإنه له حصته من العوض ثم احتمل ثبوتها مطلقا.

وكذلك استوجه القول بالاستحقاق وقواه مع الموت، ولا بأس به.

أما نحو رد العبد فلا إشكال في عدم استحقاق شئ، لانه أمر واحد لا يقسط العوض على أجزائه بخلاف خياطة الثوب.

ومثلها ما لو كانت الجعالة على بناء حائط أو تعليم القرآن، وفي حكم موت العامل هنا موت المتعلم.

ولو تلف الثوب في الاثناء وإن كان في يد الخياط لم يستحق شيئا لكون الاستحقاق مشروطا بتسليمه ولم يحصل، وإن تلف في يد مالك الثوب استحق من العوض بنسبة ما عمل.

والفرق بينه وبين موت الصبي أن الصبي انتفع بالتعلم بخلاف الثوب.

(ومنها) ما لو فسخ العامل ثم أراد بالجمل فهل ينفسخ العقد ؟ أم يستمر إيجاب الجاعل ؟ وجهان مبنيان على أن الجعالة هل هي عقد أم لا ؟ وقد مر تحقيقه، وأنها بالايقاعات أشبه.

فعلى الاول يحتمل الانفساخ لان ذلك مقتضى العقد الجائز، فلا يستحقبالعمل بعد ذلك شيئا سواء علم المالك بفسخه أم لا ؟ ويحتمل عدمه لان العبرة بإيجاب المالك وإذنه في العمل بعوض، وذلك أمر لا قدرة للعامل على فسخه، وإنما صار تركه العمل في معنى الفسخ.

ومثله ما لو فسخ الوكيل الوكالة ثم فعل مقتضاها.

ويمكن الفرق بين ما لو عمل قبل علم المالك بفسخه وبعده، ومثل هذا الخلاف جار في الوكالة.

وعلى الثاني يتجه عدم بطلانها بفسخه واستحقاقه العوض بالفعل لانها عبارة عن الايجاب والاذن في الفعل، وحكمه بيد الاذن لابيد غيره، ومعنى قولهم (يجوز للعامل الفسخ) معناه أنه لا يجب عليه الوفاء بالعمل سواء شرع فيه أم لا، بل يجوز له تركه متى شاء وإن بقي حكم الاذن.


123

(ومنها) أنه يترتب على جوازها بطلانها بموت كل منهما،

إن كان ذلك قبل العمل فلاشئ وإن كان بعد الشروع فيه فللعامل بنسبة ما عمل إن كان العمل مما تتوزع على أجزائه الاجرة، وإن كان مثل رد الابق وقد حصل في يده قبل الموت فكذلك، وإن لم يحصل فلا شئ، قد تقدم.

الخامسة: لو عقب الجعالة على عمل معين باخرى وزاد في العوض أو نقص عمل بالاخيرة، كما يجوز فسخ المالك أصل الجعالة وإهمالها رأسا يجوز في قيودها من المكان والزمان وصفات الجعل بالزيادة والنقصان والجنس، والوصف قبل التلبس بالعمل وبعده قبل إكماله، فإذا عقب الجعالة على عمل باخرى وزاد أو نقص أو غير ذلك.

كما إذا كان قد قال: من رد عبدي فله مائة درهم ثم قال: من رده فله خمسون أو فله دينار فقد فسخ الجعالة الاولى وجعل بدلها اخرى، فإن كان قبل أن يشرع في عمل الاولى عمل بالاخيرة ويعينه على الرد من غير أن يتسلم العبد، كما لو كان قبل العمل لانه هنا هو الرد والذهاب إليه من مقاماته لا منه نفسه ولو كان في الاثناء.

وكما إذا كان قد قال: من خاط ثوبي أو إن خطته فلك دينار فله من المائة بنسبة ما عمل قبل الجعالة الثانية ومن الدينار بنسبته إذا كمل العمل، ولو ترك العمل بعد جعالته الثانية فله بنسبة ما مضى إيضا لما تقرر فيما سبق أن مثل ذلك رجوع عن الاولى من جهة المالك فيوجب ذلك الحكم كما مر.

هذا كله إذا كان قد سمع العامل الجعالتين معا.

أما لو سمع أحدهما خاصة فالعبرة بما سمع منهما لاغير، ومن أوجب مع الفسخ في الاثنين الانتقال إلى اجرة المثل لما مضى من العمل أوجبه هنا، ويبقى في وجوب العوض للثانية بنسبة ما بقي إشكال تقدم وجهه.

وحيث إنه إنما جعل العوض الثاني على مجموع العمل لم يحصل، ويفارق


124

الحكم الاول بالنسبة من جهة حصول الفسخ فيها من قبل المالك، فلايضيع عمل العامل، بخلاف الثانية حيث لم يقع فيها فسخ خصوصا مع علم العامل بالحال، فإن علمه للمتخلف واقع بغير عوض مبذول من المالك في مقابلته لان الجعالة لا تقابل بالاجزاء إلا فيما استثنيناه سابقا وهذا ليس منه.

ويمكن أن يوجه بأن عمل العامل بأمر من المالك بذلك العوض المعين فقد أتمه، ولا سبيل إلى وجوب الاول خاصة لتحقق الرجوع عنه، ولا الى مجموع الثانية لانه لم يعمل العمل بعد امره به ولا سبيل الى الرجوع إلى اجرة المثل لان العوض معين، فلم يبق إلا الحكم بالتوزيع ولو كان التعيين في الثانية بالزمان والمكان.

كما إذا كان قد قال: من رد عبدي من الشام فله مائة ثم قال: من رده من بغداد فله دينار أو قال: من رده يوم الجمعة فله مائة ثم قال: من رده يوم السبت فله دينار ونحو ذلك فالظاهر عدم المنافاة، فيلزم ماعين لكل واحد من الوصفين لمن عمل فيه.

ومثله مالو كان الاول مطلقا كأن يقول: من رده فله مائة والثاني مقيدا بزمان أو مكان، فإن كان عوض الاول أقل فلا تنافي بينهما لجواز اختصاص القيد بأمر اقتضاء الزيادة.

ومثله إيضا لو كان الجنس مختلفا وإن اتفق في المقدار وكان المقيد أنقص احتمل كونه رجوعا، لانه إذا رده مع القيد فقد رده مطلقا، ولو استحق الزائد لذلك لزم أن يلغو القيد وأن يجمع بينهما بحمل المطلق على غير صورة المقيد وهو الاظهر، وإن كان في بعض صوره لا يخلو من نظر وإشكال لدلالة القرينة كما إذا كان المكان أو الزمان أقرب من المقيد.

وأطلق الاصحاب هنا كون الثانية رجوعا من غير تفصيل فيشمل جميع ذلك، لكنه محمول على حالتي الاطلاق فيهما معا، أما مع التقييد فلا بد من التفصيل.


125

السادسة: لا يستحق العامل الاجرة إلا إذا بذلها الجاعل أولا ثم حصلت بيد العامل تلك الضالة، فلو حصلت الضالة في يد إنسان قبل الجعالة أو عمل غيرها من الاعمال كان كالمتبرع بعمله، فلا يستحق عليه اجرة لما مضى لذلك ولا التسليم لوجوبه عليه إما بالرد أو إعلام المالك بحالها أو التخلية بينه وبينها.

وفصل العلامة في التذكرة تفصيلا حسنا فقال: إذا رده من كل المال بيده قبل الجعالة فإن كان في رده زيادة كلفة ومؤونة كالعبد الابق استحق الجعل، وإن لم يكن كذلك كالدارهم والدنانير فلا استحقاق لشئ منه لان ما لا كلفة فيه لا يقابل بالعوض.

وكذا لو سمي في التحصيل تبرعا سواء حصل قبل الجعل أو بعده، حيث إن العامل إنما نوى التبرع إما لكونه لم يسمع الجعالة أو لكونه سمعها ولكن قصد عدم العوض بسعيه، فإنه لا شئ له على التقديرين، وإنما المعتبر مع الجعالة عمله بنية الاجرة أو مطلقا على ما يأتي في هذا القسم.

المطلب الثانيفي ما تفرع من الفروع والاحكام بعد تحقق الجعالة

وفيه مسائل: الاولى: إذا بذلك المالك جعلا فإن عينه فعليه تسليمه بعينه مع الرد، وإن لم يعينه لزمه مع الرد اجرة المثل، وذلك لان المالك عند تعيينه الجعل بأن يصفه بما يرفع الجهالة كقوله: من رد عبدي فله دينار فلا يلزمه سواه، أما إذا أطلق العوض مع التعرض لذكره كقوله: من رد علي عبدي فله علي اجرة أو عوض ونحو ذلك لزمه اجرة المثل إما لفساد العقد أو بدونه على ما مر تحقيقه إلا في موضع واحد وسيأتي بيانه واستثناؤه، وإن استدعى الرد من غير أن يتعرض للاجرة أو لا فليس سوى الاجرة أيضا.

والمسألة المستثناة هي رد الابق كذلك


126

مع الطلاق أو مع التعرض للجعل فإنه يثبت برده ما قرره الشارع، وهو أنه إذا رد من المصر كان له دينار ومن غيره كائنا ما كان فأربعة دنانير من غير المصر وأخذ به المشهور.

ومستنده خبر مسمع بن عبد الملك أبي سيار (1) عن الصادق عليه السلام (قال: قال:إن النبي صلى الله عليه واله جعل في رد الابق دينارا إذا اخذ في مصره وإن إخذ في غير مصره فأربعة دنانير).

وفي طريق هذه الرواية في الاصطلاح الجديد ضعف شديد قد غرهم فيه التسديد لاشتمال سنده على محمد بن شمون فإنه غال وضاع ملعون، وما هو في الضعف أعظم وهو عبد الرحمن الاصم، وسهل بن زياد وحاله مشهور، وقد نزلها الشيخ في المبسوط على الاستحباب، ونفى البأس عنه غير واحد من متأخري الاصحاب للتساهل في دليل السنن والفضل.

والمحقق وجماعة ممن تأخر عنه قد عملوا بمضونها وإن نقصت قيمة العبد عن ذلك العوض للرد نظرا إلى إطلاق النص وصونا له عن الاطراح والرد، وضعفه في الاصطلاح الجديد يمنع من التهجم على هذا القول البعيد.

وتمادى الشيخان في المقنعة والنهاية فأبعدا فيه الغاية فأثبتا ذلك وإن لم يستدع المالك لرده تمسكا بإطلاق الرواية.

وأعجب من هذا كله موافقة ابن إدريس مع إطراحه لاخبار الاحاد فجمد على اصل هذا الحكم في غير صورة التبرع، وكأنه قد تمسك في تلك بالشهرةوهي الجابرة لكسره والموجبة لعدوله عن طريقته وأمره، وإلا فمن يجتري على صحاح الاخبار بإطراحها لدعوى الاحاد كيف يقدم على العمل بمثل هذا الخبر مع ضعف روايته ؟ وتحقق الانفراد بعده من القواعد والاطراد.

وبعضهم قد جمع بينه وبينهما يرد من الاشكال (2) على إطلاقة فأوجب أقل الامرين من المقدر

(1) التهذيب ج 6 ص 398 ح 43.

(2) كذا في النسخة.


127

المذكور فيه وقيمة العبد حذرا من التزام المالك بزيادة عن ماله لاجل تحصيله.

وأعرض المحقق الثاني والشهيد الثاني عن هذا الحكم أصلا لما ذكره من ضعف المستند واختلاف الاصحاب في الحكم على وجه لا ينجبر ضعفه على قواعدهم التي قرروها في الاصول.

وذلك في محله، لان متن الخبر بعد الاعراض عن ضعف سنده لا يفي بحكم الجعالة لا جهاله من جميع الوجوه، فالرجوع إلى اجرة المثل أولى وأحوط واحتماله للاستحباب قاسم لان المعبر عنه بلفظ الخبر أعم من الواجب، وأنت قد عرفت أن جماعة من الاصحاب منهم الشيخ في المبسوط قد حملوه على الاستحباب.

وأعلم أنه على القول بمضمونه بالتقدير الشرعي لا فرق في العبد بين الصغير والكبير والمسلم والكافر والصحيح والمعيب ولا يتعد إلى الامة.

وقد ألحق المفيد في مقنعته بالعبد البعير، واعتبر فيه هذا التقدير وأسنده إلى الرواية، ولم نقف عليها، ولهذا عدل عنها المشهور وأنكروا المستند، فوجب إطراح هذا المرسل وإلحاقه بما يوجب اجرة المثل مع عدم تعيين الفرض.

الثانية: لو استدعى الرد ولم يبذل اجرة لم يكن للراد شئ لانه متبرع بالعمل، وهذا الحكم شامل لمسألة الابق وغيرها، والتنبيه فيها على خلاف الشيخين حيث قد نقل عنهما إلزامه بالمقدر شرعا للراد أن رده تبرعا.

ووجه عدم لزوم الاجرة حينئذ عدم الالتزام بها والاصل براءة ذمته منها وطلبه أعم من كونه باجرة ومجانا، فلا يجب شئ لان العامل حينئذ متبرع حيث أقدم عليه من غير بذل.

هكذا قاله الاكثر.

وفيه منع كونه متبرعا بعد الاستدعاء للرد وعمل العامل بالامر، والفرض أن لمثله اجرة، فيجب هناك ما مر في الاجارة من أن من امر غيره بعمل له اجرة في العادة يلزمه مع العمل اجرته.

والمحقق وافق على ذلك فيما سبق، وهذا من أفراده، فوجوب الاجرة


128

متى طلب القول به أقوى ما لم يصرح بالتبرع أو يقصده العامل.

الثالثة: إذا قال من رد علي عبدي فله دينار ثم رده جماعة كان ذلك الدينار مشتركا بينهم بالسوية لان العمل حصل من الجميع لامن كل واحد فإن (من) عامة فتشمل ما إذا رد واحد وأكثر، والرد لا يتعدد فهو مشترك بين الراد وليس إلا عوض واحد وهو ما عينه لعدم قبوله الفعل للتعدد.

أما لو كان الفعل يقبل التعدد كدخول الدار والصنعة ففعل كل واحد منهم ذلك الفعل استحق كل واحد منهم العوض لعموم الصيغة ولصدق الاسم على كل واحد منهم أنه دخل الدار، ولا يصدق على كل واحد أنه رد الابق بل الفعل مستند إلى المجموع من حيث هو مجموع وفعل واحد، ولا بد من اعتبار غاية يعتد بها في الجعل على دخول الدار كما هو شرط في صحة الجعالة وإلا لم يصح كما سلف من اعتبار ذلك في أصل الجعالة.

ويدل عليه من الاخبار سوى ما دل بعمومه صحيحة محمد بن قيس (1) عنأبي جعفر عليه السلام (قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أكل وأصحاب له شاة فقال: إن أكلتموها فهي لكم وإن لم تأكلوها فعليكم كذا وكذا، فقضى فيه أن ذلك باطل لا شئ في المؤاكلة من الطعام ما قل منه وما كثر ومنع غرامته فيه).

وأما الاخبار الدالة على اشتراط إباحة العمل بعد العمومات السابقة فصحيح على بن جعفر (2) عن أخيه أبي الحسن عليه السلام كما في الكافي (قال: سألته عن جعل الابق والضالة قال: لا باس به).

ورواه علي بن جعفر في الصحيح في كتاب المسائل، ورواه في قرب الاسناد من الضعيف لاشتمال سنده على عبد الله (3) (وأنا أسمع فقال:

(1) الكافي ج 7 ص 428 ح 11، الوسائل ج 16 ص 139 ب 5 ح 1.

(2) الكافي ج 6 ص 201 ح 9، قرب الاسناد ص 121، بحار الانوار ج 10 ص 264، الوسائل ح 16 ص 136 ب 1 ح 1.

(3) لا يخفي عليك سقوط بعض العبارات هنا.


129

ربما أمرنا الرجل فيشتري لنا الارض والدار والغلام والجارية ويجعل له جعلا، قال (لا بأس).

ومثله خبره (1) كما في التهذيب.

ومنها ما دل على جواز الجعالة على تعليم العمل وعلى الشركة مثل صحيح علي بن جعفر (2) كما في كتاب المسائل عن أخيه موسى عليه السلام (قال: سألته عن رجل قال لرجل: اعطيك عشرة دراهم وتعلمني علمك وتشاركني، هل يحل ذلك له ؟ قال: إذا رضي فلا بأس).

وكذلك أخبار ما يجعل للحجام والنائحة والماشطة والحافظة ومن وجد اللقطة وقد تقدمت في كتاب المكاسب وقد جاءت أخبار في كسب الحجام الشاملة للجعالة لعموم كثير منها وإطلاقه، وهي مما تشعر بأن كل عمل محلل تصح فيه الجعالة كما قررناه فيما سبق وإن لم نذكر هذه الادلة اعتمادا على ما هنا.

ولو قال: من رد عبدا من عبيدي فله دينار فرد كل واحد منهم عبدا فإن كل واحد يستحق الدينار لوجود الفعل من كل واحد على انفراده، فيصير الرد هنا متعددا لتعدد العبيد فتسوي هذه الصورة وصورة من دخل داري في تعدد الجعل سواء في الاستحقاق.

الرابعة: لو جعل لكل واحد من ثلاثة جعلا أزيد من الاخر فجاؤانه جميعاكان لكل واحد ثلث ما جعل له، ولو كانوا أربعة كان له الربع أو خمسة فله الخمس، وكذا لو ساووا بينهم في الجعل.

وكذا لو جعل لكل واحد جعالة منفردة على عمل فعند المساواة بينهم

(1) التهذيب ج 8 ص 247 ح 125، الوسائل ج 16 ص 64 ب 50 ح 1.

(2) قرب الاسناد ص 114 وفيه (علمني علمك واعطيك ستة دراهم وشاركني، قال: اذل رضى فلا بأس)، الوسائل ج 16 ص 139 ب 6 ح 1 وفيه (عملك).


130

في الجعل فالامر واضح، وعند المخالفة بالزيادة والنقصان والجنس أو بأن يعين لبعضهم ويطلق لبعض، والفعل مع ذلك إما أن يقبل الاختلاف في العمل كخياطة الثوب أو يقبل كرد العبد، فمع الاشتراط في العمل الذي لا يختلف فلكل واحد منهم بنسبة ما جعل له من مجموع العامل، وإن اختلف فلكل واحد بنسبة عمله من المجموع.

وإن لم يعين له كان له من اجرة المثل بنسبة ذلك.

فلو قال لواحد: إن رددت عبدي فلك دينا ر، وقال لاخر: إن رددته فلك ديناران، وقال لثالث: إن رددته فلك ثلاثة دنانير، وقال لرابع: رد عبديوعلي العوض، فإن رده واحد تعين منهما نصف ما عين له، وإن لم يعين له اجرة المثل، وإن رده اثنان كان لكل منهما نصف ما عين له، وإن رده ثلاثة فلكل واحد ثلث ما جعل له، وهكذا في الاربعة الربع وفي الخمسة الخمس وهكذا فصاعدا.

ولو كان الجعل على خياطة الثوب فخاطه الاربعة فلكل واحد منهم بنسبة ما عمل إلى مجموع العمل مما عين له، وإن لم يعين فله من اجرة المثل بنسبة ما عمل من المجموع، ولا نظر هنا إلى العدد.

هذا كله إذا عمل كل واحد لنفسه.

أما لو قال أحدهم: أعنت صاحبي فلانا فلاشئ له أو للباقين بالنسبة.

ولو قال: ما عدا واحدا عملنا لاعانته فله مجموع ما عين واجرة المثل فيما لم يعين ولا شئ لغيره، ولو عمل معهم متبرعا على المالك سقط بنسبة عمله من حصة كل واحد ولو أعان بعض العاملة من حصته بمقدار عمل اثنين.

وهكذا لو جعل لبعض الثلاثة جعلا معلوما ولبعضهم مجهولا فجاؤا به جميعا كان لصاحب المعلوم ثلث ما جعل له والمجهول ثلث اجرة مثله، ولو كان العملمما يختلف باختلاف الاشخاص فلمن يعين بنسبة عمله من اجرة المثل سواء زاد عن الثلث أو نقص.


131

الخامسة: لو جعل لواحد جعلا على الرد فشاركه آخر في الرد كان للمجعول له نصف الاجرة لانه عمل نصف العمل، وليس للاخر شئ لانه متبرع، وإنما كان كذلك لانه قد قصد العمل للمالك أو لنفسه، أما لو قصد مساعدة العامل فالجميع له.

والحكم على الاول باستحقاق العامل النصف أو بنسبة عمله إن قبل التجزئة هو القول الاصح.

أما استحقاقه في الجملة فلحصول غرض المالك، وأما كونه بالنسبة فلعدم استقلاله بالفعل.

وأما قول الشيخ في المبسوط باستحقاق المشارك نصف اجرة المثل مع عدم دخوله في الجعالة فضعفه واضح لا يحتاج إلى بيان لانه لو استبد بالفعل لم يستحق شيئا إجماعا لانه متبرع بالعمل فلا يستحق شيئا فكيف يستحق مع المشاركة.

وللعلامة - قدس سره - قول باستحقاق العامل الجميع لحصول غرض المالك ورد بان مطلق حصول غرض المالك لا يوجب استحقاق الجميع بل مع عمله،كما أنه لو رده الاجنبي لابنية مساعدة العامل لا يستحق العامل شيئا فماذ كرناه أربط بقواعد الجعاله من هذين القولين لما تقرر من أن العامل لا يستحق إلا بتمام العمل ولم يحصل مع المساعدة.

السادسة: لو جعل جعلا معينا على رده من مسافة معينه فرده من بعضها كان له من الجعل بنسبة المسافة لانه لم يجعل جميع العمل المشروط، فكان له من الجعل ما قابل عمله حسبه وسقط الباقي، وهذا الحكم مجمع عليه بين الاصحاب وغيرهم من فرق المسلمين، ولا يخلو من نظر على قاعدة الجعالة.

ولو رده من أزيد من المسافة فإن دخل المعين استحق الاجر المعين أو اجرة المثل له، ولا شئ له على الزائد لان المالك لم يلتزمه ولم يلتفت إليه وكان العامل فيه متبرعا فلا عوض له عنه، ولو لم يدخل فيه لا شئ له وإن كان أبعد لانه لم يجعل في رده من غيره شيئا كما لو جعل على رد شئ ورد غيره.


132

المطلب الثالث في بقية أحكام الجعالة عند اختلاف العامل والجاعلوفيه مسائل:

و قال العامل: شارطني وقال المالك: لم اشارطه فالقول قول المالك مع يمينه.

والمراد بالمشارطة أن يجعل له جعلا على الفعل سواء كان معينا أو مجملا يوجب اجرة المثل، فإذا ادعى العامل وأنكر المالك ذلك وادعى تبرع العامل كان عملا مجانا، فالقول قوله لاصالة عدم الجعالة وبراءة ذمته، أما لو كان النزاع في أن المالك هل شارطه على شئ بعينه أو أمره على وجه يوجب اجرة المثل ؟ فقد اتفقا على ثبوت شئ في ذمة المالك وإنما اختلفا في تعينه فكان كالاختلاف في القدر والجنس، وسيأتي بيانه.

وكذا القول قوله لوجاء بأحد الابقين فقال المالك: لم أقصد هذا وإنما قصدت الذي لم تأت به لان مرجع هذا الاختلاف إلى دعوى العامل شرط المالك له على هذا الايق الذي رده والمالك ينكر الجعل عليه، فكان القول قوله لاصالة عدم الشرط عليه وإن كان قد اتفقا على أصله في الجملة، وبهذا خالف الفرع السابق.

ومثله مالو قال المالك: شرطت العوض على ردهما معا قال العامل: بل علىأحدهما أو على هذا الحاضر المعين فيقدم قول المالك لاصالة براءة ذمته من المجموع.

وهل يثبت للعامل قسط من رده من المجموع ؟ يظهر من التذكرة للعلامة.

وفيه نظر، لان المجعول عليه المجموع لا الابعاض.

ومثله مالو اتفق على وقوع الجعالة عليهما فرد أحدهما خاصة.

الثانية: لو اختلفا في قدر الجعل بأن قال المالك: بذلت خمسين فقال العامل بل مائة مع اتفاقهما على الجنس والوصف وفيه أقوال:


133

أحدها: أن القول قول المالك، فإذا حلف على نفي ما يدعيه العامل يثبت اجرة المثل، وهو قول الشيخ وجماعة.

أما تقديم قوله فلان الاختلاف في فعله فيقدم فيه كما يقدم في أصل الجعل، ولانه ينكر ما يدعيه العامل فيكون معه أصالة عدم بذله وبراءة ذمته منه.

وأما ثبوت اجرة المثل فلانه قد حلف على نفي ما يدعيه العامل، فإذا انتفى ما يدعيه العامل ولم يثبت ما يدعيه هو يثبت اجرة المثل للاتفاق على وقوع العمل بعوض، واجرة المثل عوض مالا يثبت فيه مقدر.

واستوجه هنا جماعة بعد الحلف ثبوت أقل فقد انتفى ما يدعيه العامل بيمين المالكفتثبت اجرة المثل لما ذكر في القول الاول، وإن كان ما يدعيه أقل من الاجرة فلاعترافه بعدم استحقاق الزيادة وبراءة المالك منها فكيف تثبت له ؟ وبهذا تبين لك ضعف إطلاق القول الاول، وهذا الذي اختاره المحقق والعلامة في التذكرة والتحرير وهو ثاني الاقوال في المسألة.

الثالث منها: تقديم قوله لكن يثبت مع يمينه أقل الامرين من اجرة المثل ومدعى العامل وإكثر الامرين منها ومن مدعى المالك.

أما الاولان فقد تبين وجههما، وأما الاخير فلان ما يدعيه المالك إن كان أكثر من اجرة المثل فهو يعترف بثبوته في ذمته للعامل فيؤاخذ بإقراره والعامل لا ينكره وقد ثبت باتفاقهما وبهذا يظهر قوة هذا القول على الاولين.

لكن يبقى الاشكال فيهما من حيث توقف ثبوت ذلك على يمين المالك، لانه مع مساواة ما يعترف فيه المالك من اجرة المثل أو زيادته عليها لا يظهر لليمين فائدة لانه ثابت باتفاقهما من غير يمين، واليمين لا يثبت غيره فلا فائدة فيها.

وأما مع نقصان ما يدعيه من اجرة المثل فقد تظهر فائدة يمينه في إسقاط الزائد عنه فيما يدعيه فيتجه يمينه لذلك.

الرابع: تقديم قول المالك إلا إن الثابت بيمينه هو ما يدعيه لااجرة المثل


134

ولا الاقل، وهو قول الشيخ نجيب الدين محمد بن نما شيخ المحقق - رحمة الله -.

ووجهه أنهما قد اتفقا على وقوع العقد وتشخصه بأحد العوضين، فإذا انتفى أحدهما وهو ما يدعيه العامل بيمين المالك ثبتت الاجرة لاتفاقهما على انتفائه ما سواه مضافا إلى أصالة براءة ذمته من الزائد عما يعترف به كما يقدم قول المستأجر في نفي الزائد من مال الاجارة.

وبهذا يظهر جواب ما أورده عليه المحقق ونسبه بسببه إلى الخطأ من حيث إن المالك إنما يحلف على نفي ما يدعيه العامل لا على إثبات ما يدعيه هو فكيف يثبت مدعاه ؟ واجيب إنما ثبت بالانحصار المتفق عليه وكونه منكرا للزائد أو قد حلف على يمينه، وهو أقوى، وهو خيرة أول الشهيدين في الدروس.

الخامس: إنما يتحالفان لان كل واحد منهما مدع ومدعى عليه، فلا ترجيح لاحدهما فيحلف كل منهما على نفي ما يدعيه الاخر، ولان العقد الذي تشخص بالذي يدعيه المالك غير العقد الذي تشخص بما يدعيه العامل فكان الاختلاففيه كالاختلاف في الجنس.

وذهب إلى هذا القول العلامة في القواعد وتنظر فيه المحقق الثاني في شرحه على القواعد، وتبعه ثاني الشهيدين في المسالك بأن العقد متفق عليه عليه وإنما الاختلاف في زيادة العوض ونقصانه، فكان كالاختلاف في قدر الثمن في المبيع وقدر الاجرة في الاجارة.

والقدر الذي يدعيه المالك متفق على ثبوته فيهما وإنما الاختلاف في الزائد فيقدم قول منكره، وقاعدة التخالف أن لا يجتمعا على شئ بل كل منهما منكر لما يدعيه الاخر.

ثم إنه على تقدير التحالف اختلفوا ما الذي يثبت بعده ؟ وفيه الاوجه المتقدمة من اجرة المثل والاقل، واختار في القواعد ثبوت أقل الامرين ما لم يزد ما ادعاه المالك على اجرة المثل فثبتت الزيادة لما سبق من التقريب والدليل.

ويبقى الاشكال في توقف ثبوت ما يدعيه المالك زائدا عن اجرة المثل أو مساويا


135

على اليمين كما مر.

وإن اختلفا في جنس الجعل بأن قال العامل: قد جعلت دينارا وقال المالك: بل درهما ففيه قولان:(أحدهما) وهو الذي قطع به المحقق وقبله الشيخ وجماعة تقدم قول المالك أيضا لان قوله في أصله، فكذا في جنسه وقدره لانه تابع له ولانه اختلاف في فعله فيرجع إليه فيه.

(والثاني) التحالف، فينتفي كل منهما بيمين الاخر ثم الرجوع إلى اجرة المثل لان كلا منهما منكر لما يدعيه الاخر، وليس هناك قدر يتفقان عليه ويختلفان فيما زاد عليه، بل مجموع كل ما يدعيه كل منهما ينكره الاخر وهي قاعدة التحالف، وهذا هو القول الاصح.

وعلى الاول فإذا حلف المالك ثبتت اجرة المثل عند الشيخ، وأقل الامرين عند المحقق وأقلهما ما لم يزد ما ادعاه المالك عند العلامة، والاقوى تفريعا على ذلك ثبوت اجرة المثل مطلقا مع مغايرتها جنسا لما اختلفا في تعيينه، ومع موافقتها لدعوى العامل جنسا فأقل الامرين أوجه ومع موافقتها لدعوى المالك خاصة بأن كان النقد الغالب الذي يثبت به اجرة المثل هو الذي يدعيه المالك فثبوت الزائد عليه عن اجرة المثل إذا كان مدعاه الازيد أجود وما أخذ كل من الدعويين باعتبار القيمة ونسبتها إلى اجرة المثل، وإثبات الاقل أو الاكثر بعيد لعدم اتفاقهماعلى ما يوجب إلزامهما بالزائد بخلاف الموافق في الجنس.

الثالثة: لو اختلفا في السعي وعدمه بأن قال المالك: قد حصل في يدك قبل الجعل فلاجعل لك وقال العامل: بل بعده فلي الجعل فالقول قول المالك تمسكا بالاصل.

وهذا مبني على ما تقدم من أنه إذا حصل بيده الابق قبل الجعل لا يستحق عليه شيئا وإن رده لوجوب الرد عليه، فإذا ادعاه المالك فقد أنكر استحقاقه الجعل وحصوله في يده قبله وإن كان خلاف الاصل، إلا أن الاصل براءة ذمة المالك أيضا، فلذلك قدم قوله.


136

ولو فرض تعارض الاصلين وتساقطهما لم يبق دليل على ثبوت شئ للعامل للشك في سببه وفي معنى حصوله في يده قبل الجعل حصوله بعده وقبل عمله به، وحصوله فيها من غير سعي مطلقا لانتفاء الاستحقاق على العمل ووجوب تسليمه حينئذ.

وعلى ما تقدم نقله عن العلامة في التذكرة من أنه إذا حصل بيده قبلالجعل وتوقف تسليمه على مؤونة فإنه يستحقها، فلايتم هذا لاختلاف لاستحقاقه لها على التقديرين، وهذا منتهى كتاب الجعالة ويتلوه كتاب الايمان والنذور والعهود.


137

كتاب الايمان وهو مشتمل على مطالب: المطلب الاول

في حقيقة اليمين وما يتفرع عليه من الاحكام وفيه مسائل:

الاولى: الحلف واليمين والايلاء والقسم ألفاظ مترادفة، والاصل فيه قبل الاجماع آيات الكتاب وهو قوله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذ كم بما عقدتم الايمان) (1) وقال الله تعالى (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم) (2) والايات بهذا المضمون في القرآن كثيرة.

وكذلك السنة متواترة بها من الطرفين كما روي عنه عليه السلام على ما رواه الفريقان (3) أنه قال: والله لاغزون قريشا ثم قال: والله لاغزون قريشا.

وكانصلى الله عليه واله كثيرا ما يحلف ويقول: (4) لا ومقلب القلوب.

وأنه كان إذا اجتهد في

(1) سورة المائدة - آية 89.

(2) البقرة - آية 224.

(3) سنن أبى داود ج 3 ص 231 ح 3285، المستدرك ج 3 ص 48 ب 1 ح 3.

(4) صحيح البخاري ج 8 ص 160 ب 22، المستدرك ج 3 ص 48 ب 1 ح 4.


138

يمينه قال: (1) والذي نفسي بيده.

ومع ذلك فهي مكروهة مع الصدق ومن أكبر الكبائر مع الكذب، ففي صحيح علي بن مهزيار (2) كما في التهذيب (قال: كتب رجل إلى أبي جعفر عليه السلام يحكي له شيئا، فكتب عليه السلام إليه: والله ما كان ذلك، وإني لا كره أن أقول والله على حال من الاحوال ولكنه قد غمني أن يقال علي ما لم يكن).

وصحيح عبد الله بن سنان (3) كما في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: اجتمع الحواريون إلى عيسى بن مريم عليه السلام فقالوا: يا معلم الخير ارشدنا، فقال عليه السلام: إن موسى عليه السلام نبي الله أمر كم أن لا تحلفوا بالله كاذبين وأنا آمركم أن لا تحلفوابالله كاذبين ولا صادقين).

و مثله صحيحته الاخرى.

وفي خبر الخزاز (4) (قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فإنه عزوجل يقول: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) و وخبر سدير (5) حيث قال له أبو عبد الله عليه السلام: يا سدير من حلف بالله كاذبا كفر ومن حلف بالله صادقا أثم، إن الله عزوجل يقول (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم) وحمل هذا الخبر على المستخف باليمين.

وخبر ام أيوب كما في الفقيه (6) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فإن الله عزوجل قد نهى عن ذلك فقال عزوجل (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم).

(1) صحيح البخاري ج 8 ص 160 ب 2، عوالي اللئالى ج 3 ص 305 ح 111.

(2) التهذيب ج 8 ص 290 ح 64، الوسائل ج 16 ص 140 ب 1 ح 1.

(3) الكافي ج 7 ص 434 ح 3، الوسائل ج 16 ص 140 ب 1 ح 2.

(4) الكافي ج 7 ص 434 ح 1، الوسائل ج 16 ص 141 ب 1 ح 5.

(5) الكافي ج 7 ص 434 ح 4، الوسائل ج 16 ص 141 ب 1 ح 6.

(6) الفقيه ج 3 ص 229 ح 9 وفيه (أبى أيوب)، الوسائل ج 16 ص 141 ب 1 ح 7 وفيه (عثمان بن عدى عن أبي عبد الله).


139

وموثقة أبي بصير (1) كما فيه أيضا - وأخبار كثيرة لم نذكرها - عنه عليه السلام (قال: لو حلف الرجل أن لا يحك أنفه بالحائط لابتلاه حتى يحك أنفه بالحائط ولو حلف الرجل أن لا ينطح رأسه بحائط).

وفي تفسير العياشي (2) عن أبي أيوب قال: سمعته يقول: لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فإن الله يقول (ولا تجعلوا الله عرضة لايماتكم).

وقال: (3) (إذا استعان رجل برجل على صلح بينه وبين رجل فلا يقولن إن علي يمينا أن لا أفعل وهو قول الله عزوجل: ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس).

وهذه الاخبار محمولة هنا على الكراهة بدليل ما دل على الجواز سيما الخبر المروي عن علي بن مهزيار والاخبار المروية عنهم عليهم السلام الحاكية عنه وعن آبائه الكرام بفعلهم لذلك.

وفي نوادر أحمد بن محمد بن عيسى من الموثق عن يونس بن يعقوب (4) (قال: كان أبو عبد الله عليه السلام كثيرا ما يقول: والله).

وتحرم اليمين الكاذبة كما سمعت إلا ضرورة أو تقية، ففي صحيحة أبي عبد الله الحذاء (5) عن أبي جعفر عليه السلام (قال: إن في كتاب علي عليه السلام: أن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم تذري الديار بلاقح من أهلها وتثقل الرحم يعني انتقطاع الرحم).

(1) الفقيه ج 3 ص 229 ح 11، الوسائل ج 16 ص 143 ب 1 ح 8 وفيهما (لابتلاه الله) وللحديث تتمة.

(2) تفسير العياشي ج 1 ص 112 ح 340، الوسائل ج 16 ص 142 ب 1 ح 9.

(3) تفسير العياشي ج 1 ص 112 ذيل ح 340، الوسائل ج 16 ص 142 ب 1 ح 10.

(4) الوسائل ج 16 ص 142 ب 1 ح 11.

(5) الكافي ج 7 ص 436 ح 9 وفيه (وتنغل الرحم)، الوسائل ج 16 ص 144 ب 4 ح 1 وفيهما (تذران الديار - يعنى انقطاع النسل).


140

صحيح هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: إن يمين الصبر كاذبةتترك الديار بلاقع من أهلها).

وفي عدة من الاخبار كادت تبلغ حد التواتر أن اليمين الكاذبة تورث العقب الفقر (2).

وفي خبر السكوني (3) كما في عقاب الاعمال وغيره عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: إن الله خلق ملكا رجلاه في الارض السفلى مسيرة خمسمائة عام ورأسه في السماء العليا مسيرة ألف سنة يقول: سبحانك سبحانك حيث كنت فما أعطفك، قال: فيحلى إليه ما يعلم ذلك من يحلف بي كاذبا).

وفي صحيح ابن أبي يعفور (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: اليمين الغموس ينتظر بها أربعين ليلة).

وفي موثقة إبراهيم بن عبد الحميد (5) عن شيخ من أصحابنا يكنى أبا الحسن عن أبي حعفر عليه السلام (قال: إن الله خلق ديكا أبيضا عنقه تحت العرش ورجلاه في تخوم الارض السابعة، له جناح في المشرق وجناح في المغرب، لاتصيح الديوك حتى يصيح، فإذا صاح خفق بجناحيه ثم يقول: سبحان الله سبحان الله العظيم الذي ليس كمثله شئ، قال: فيجيبه الله تبارك وتعالى فيقول: لا يحلف بي كاذبامن يعلم ما تقول)

(1) الكافي ج 7 ص 436 ح 6، الوسائل ج 16 ص 144 ب 4 ح 2 وفيهما (الكاذبة) وليس فيهما (من أهلها).

(2) الكافي ج 7 ص 436 ح 4، الوسائل ج 16 ص 145 ب 4 ح 7.

(3) لم نعثر عليه في عقاب الاعمال، الكافي ج 7 ص 436 ح 5، الوسائل ج 16 ص 146 ب 4 ح 8 وفيهما (فما أعظمك - فيوحى الله إليه).

(4) الكافي ج 7 ص 436 ح 7، الوسائل ج 16 ص 146 ب 4 ح 9.

(5) الكافي ج 7 ص 437 ح 11، الوسائل ج 16 ص 146 ب 4 ح 11 وفيهما (ديكا أبيض - من يعرف).


141

والاخبار بهذا المعنى أكثر من أن تحصى وأجل من أن تستقصى.

ويستحب اجتناب العزم على اليمين إذا ادعى عليه باطل ينكر اليمين بدفعة (1)، ففي خبر أبي بصير (2) عن أبي جعفر عليه السلام (أن أباه كانت عنده امرأة من الخوارج أظنه من بني حنيفة، فقال له مولى له: يابن رسول الله إنعندك امرأة تبرأ من جدك، فقضى لابي أنه طلقها، فادعت عليه صداقها فجاءت به إلى أمير المدينة تستعديه، فقال لي: يا بني قم واعطها أربعمائة دينار، فقلت له: يا أبت جعلت فداك ألست محقا ؟ قال: بلى نا بني ولكني أجللت الله أن أحلف به يمين صبر).

ولا ينافي هذا مرسلة علي بن الحكم (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: إن ادعى عليك مال ولم يكن عليك فإن أراد أن يحلفك ولا تعطه) لان ما فعله عليه السلام محمول على بيان الجواز أو على الاستحباب وإن لم يكن مؤكدا، بخلاف ما إذا كانت الدعوى ثلاثين درهما أو أقل أو على الرجحان بالنسبة إليه وجلالة قدرته.

وإما الاخبار المجوزة لليمين الكاذبة للتقية كدفع الظلم عن نفسه أو ماله أو نفس مؤمن أو ماله ولو عند المرور بالعشارين فكثيرة فمنها صحيح إسماعيل بن سعد الاشعري (4) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام (في حديث قال: سألته عن رجل أحلفه السلطان بالطلاق أو غير ذلك فحلف، قال: لا جناح عليه.

وعن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلف لينجو به

(1) كذا في النسخة ك (2) الكافي ج 7 ص 435 ح 6، الوسائل ج 16 ص 142 ب 2 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 7 ص 435 ح 6، الوسائل ج 16 ص 143 ب 3 ح 1، فيهما (على ابن الحكم عن بعض أصحابنا) مع اختلاف يسير.

(4) الكافي ج 7 ص 440 ح 4 وفيه (كما على ماله)، الوسائل ج 16 ص 162 ب 12 ح 1.


142

منه، قال: لا جناح عليه، قال: وسألته هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله ؟ قال: نعم).

ومعتبرة أبي الصباح الكناني (1) (قال: والله قال لي جعفر بن محمد عليهما السلام: إن الله علم التنزيل والتأويل فعلمه رسول الله صلى الله وعليه واله عليا قال: وعلمنا والله علي، ثم قال: ما صنعتم من شئ وحلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم في سعة).

وفي مرسل يونس (2) عن أحدهما عليهما السلام (في رجل حلف تقية فقال: إن خفت على مالك ودمك فاخلفه ترده بيمينك، فإن ترى أنه لم يرد من ذلك شيئا فلا تحلف).

وخبر السكوني (3) عن أبي عبد الله عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام (قال:قال رسول الله صلى الله عليه واله: احلف بالله كاذبا ونج أخاك من القتل).

وخبر مسعدة (4) عن ابي عبد الله عليه السلام: ما امن بالله من وفى لهم بيمين).

وموثقة زرارة (5) كما في الفقيه (قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: نمر بالمال على العشار فيطلبون منا أن نحلف لهم فيخلون سبيلنا ولا يرضون منا إلا بذلك قال: فاحلف لهم فهو أحل من التمر والزبد).

قال: (6) وقال أبو عبد الله عليه السلام: التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به).

(1) الكافي ج 7 ص 442 ح 15، الوسائل ج 16 ص 162 ب 12 ح 2 وفيهما (وعلمنا والله ثم قال: - أو حلفتم - منه في سعة).

(2) الكافي ج 7 ص 463 ح 17، الوسائل ج 16 ص 162 ب 12 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.

(3) التهذيب ج 8 ص 300 ح 103، الوسائل ج 16 ص 162 ب 12 ح 4.

(4) التهذيب ج 8 ص 301 ح 109، الوسائل ج 16 ص 163 ب 12 ح 5.

(5) الفقيه ج 3 ص 230 ح 14، الوسائل ج 16 ص 163 ب 12 ح 6.

(6) الفقية ج 3 ص 230 ح 15، الوسائل ج 15 ص 163 ب 12 ح 7 وفيهما اختلاف يسير.


143

وصحيح الحلبي (1) (أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحلف لصاحب العشور يحرز بذلك ماله ؟ قال: نعم).

ومرسلة الفقيه (2) (قال: قال الصادق عليه السلام: اليمين على وجهين) إلى أن قال: (فأما التي يؤجر عليها الرجل إذا حلف كاذبا ولم يلزمه الكفارة فهو أن يحلف الرجل في خلاص امرئ مسلم أو خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص أو غيره).

وصحيح الفضل بن شاذان (3) كما في العيون وخبره كما في تحف العقول عن الرضا عليه السلام في كتابه شرايع الدين الذي كتبه للمأمون لعنه الله (قال: والتقية في دار التقية واجبة، ولا حنث على من حلف تقية يدفع ظلما عن نفسه).

وحسنة الحضرمي كما في المحاسن (4) (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: في رجل حلف للسلطان بالطلاق والعتاق، فقال: إذا خشي سيفه وسطوته فليس عليه شئ يا ابا بكر ان الله عزوجل يعفو والناس لا يعفون ".

وصحيح البزنطي وصفوان بن يحيى (5) جميعا عن ابي الحسن عليه السلام " في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والتعاق، وصدقة ما يملك ايلزمه ذلك فقال: لا، قال رسول الله صلى الله وعليه واله: وضع عن امتي ما اكرهوا عليه ومالايطيقون وما أخطأوا).

وفي موثقة لزرارة (6) كما في نوادر ابن عيسى عن أبي جعفر عليه السلام (قال:

(1) الفقيه ج 3 ص 231 ح 21، الوسائل ج 16 ص 163 ب 12 ح 8.

(2) الفقيه ج 3 ص 231 ح 25، الوسائل ج 16 ص 163 ب 12 ح 9.

(3) عيون أخبار الرضا (ع) ج 2 ص 124 ب 30 ح 1، تحف العقول ص 309، الوسائل ج 16 ب 12 ح 10 وما في المصادر (يدفع بها ظلما).

(4) المحاسن ص 339 ح 123 وفيه.

(وسوطه)، الوسائل ج 16 ص 164 ب 12 ح 11.

(5) المحاسن ص 339 ح 124، الوسائل ج 16 ص 164 ب 12 ح 12 وفيهما اختلاف يسير.

(6) الوسائل ج 16 ص 164 ب 12 ح 14.


144

قلت له: إنا نمر على هولاء القوم فيستحلفونا على أموالنا فقد أدينا زكاتها، فقال: يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاؤا، قلت: جعلت فداك بالبطلان والعتاق ؟قال: بما شاؤا.

فقال أبو عبد الله عليه السلام (1): (التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل).

وفيه في الصحيح عن معمر بن يحيى (2) (قال: لابي جعفر عليه السلام: إن معي بضائع للناس ونحن نمر بها على هؤلاء العشار فيحلفونا عليها فنحلف لهم فقال: وددت على اني أقدر أن اجير أموال المسلمين كلها وأحلف عليها، كلما خاف المؤمن على نفسه فيه الضرورة فله فيه التقية).

وفيه عن إسماعيل الجعفي (3) (قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: أمر على العشار فيستحلفوني ومعي المال فإن حلفت تركوني وإن لم أحلف فتشوني وظلموني، فقال: احلف لهم، فقلت: إن حلفوني بالطلاق ؟ قال: فاحلف لهم، قلت: فإن المال لا يكون لي، قال: تتقي على مال أخيك).

وفي موثقة سماعة (4) عن أبي عبد الله عليه السلام كما فيه أيضا (قال: إذا حلف الرجل تقية لن يضره إذا هو اكره واضطر إليه، وقال: ليس شئ مما حرم الله إلا وقد أحله لمن اضطر).

وفيه عن أبي بكر الحضرصي (5) (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: نحلف لصاحبالعشور نجير بذلك مالنا ؟ قال: نعم).

الثانية: لا تنعقد اليمين إلا بالله أو بأسمائه التي لا يشاركه فيها غيره أو

(1) الوسائل ج 16 ص 165 ب 12 ح 15.

(2) الوسائل ج 16 ص 165 ب 12 ح 16 وفيه (اجيز - فيه ضرورة).

(39 الوسائل ج 16 ص 165 ب 12 ح 17 وفيه (أمر بالعشار - تتقى مال أخيك).

(4) الوسائل ج 16 ص 165 ب 12 ح 18 وفيه (لم يضره لمن اضطر إليه).

(5) الوسائل ج 16 ص 165 ب 12 ح 19 (وفيه (نحيز بذلك مالنا).


145

مع إمكان المشاركة ينصرف إطلاقها إليه، فالاول كقولنا: ومقلب القلوب والذي نفسي بيده والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، والثاني قولنا: والله والرحمن والاول الذي ليس مثله شئ، والثالث كقولنا: والرب والخالق والبارئ والرزاق، وكل ذلك تنعقد به اليمين مع القصد، ولا ينعقد بما لا ينصرف إطلاقه كالموجود والحي السميع والبصير ولو نوى بها الحلف.

وهذه القسمة جرت من المحقق وتبعه كثير من المتأخرين، وحاصلها أنما ينعقد به اليمين أقسام مرجعها إلى الحلف بالله أو باسم من أسمائه المختصة به أو الغالبة عليه وأراد.

والاول: أن يذكر ما يفهم منه ذات الله تعالى ولا يحتمل غيره من غير أن يأتي باسم مفرد أو مضاف من أسمائه الحسنى كقوله: والذي أعبده أو فلق الحبة وبرأ النسمة أو نفسي بيده أو مقلب القلوب، وهذا القسم تنعقد به اليمين مطلقا سواء اطلق أو قصد به البارئ تعالى، حتى لو قال: قصدت غيره لم يقبل منه ظاهرا ولو قوبل منه عدم القصد إلى أصل اليمين.

والثاني: هو الحلف بالاسماء المختصة به تعالى ولا يطلق على غيره كالله والرحمن ورب العالمين ومالك يوم الدين وخالق الخلق والاول الذي ليس كمثله شئ والحي الذي لا يموت والواحد الذي ليس كمثله شئ، وحكمه حكم الاول وعد بعضهم الخالق والرزاق من هذا القسم: والاصح أنه من الثالث لانهما يطلقان في حق غير الله، قال الله تعالى: (وتخلقون إفكا) (1) وقال تعالى (فارزقوهم) (2).

الثالث: أن يطلق في حق الله تعالى وحق غيره، لكن الغالب في استعمالهفي حق الله، وأن يقيد في حق غيره ويضرب من التقييد كالرحيم والرب والخالق

(1) سورة العنكبوت - آية 17.

(2) سورة النساء - آية 8.


146

والرزاق والمتكبر والقادر والقاهر، وكل هذه تستعمل في غير حق ذاته تعالى يقال: فلان رحيم القلب وجبار ورب إبل ومتكبر وقادر على هذا أو قاهر لفلان.

وبقي من أسمائه تعالى قسم رابع وهو يطلق في حقه تعالى وفي حق غيره ولا يغلب استعماله في أحد الطرفين كالشئ والموجود والحي والسميع والبصير والمؤمن والكريم وما أشبهها، فلا يكون يمينا وإن نوى به الحلف لانها بسبب اشتراكها بين الخالق والمخلوق إطلاقا واحدا ليس لها حرمة ولا عظم فلا تنعقد بها اليمين.

واعترض الشهيد الاول في قواعده وفي دروسه على هذه التقسيم بأن مرجع الاول إلى أسماء تدل على صفات الافعال كالخالق والرزاق التي هي أبعد دلالة من الاسماء الدالة على صفات الذات التي هي دون اسم الذات وهو الله جل اسمه بلهو الاسم الجامع، فيكون هو القسم الاول.

واجيب عن ذلك بأن تخصيص هذه الموضوعات يقسم من حيث دلالتها على ذاته تعالى من غير احتمال مشاركة غيره، ومع ذلك ليس من أسمائه المختصة به ولا المشتركة بينه وبين غيره وإنما جعلوها في أول مرتبة لمناسبة التقسيم، فإن أسماءه تعالى لما انقست إلى إقسام كثيرة منها المختص به والمشترك الغالب عليه وغيره والدال على صفة فعل وغير ذلك من الاقسام لم يناسب إدخال هذه في جملة الاقسام ولو ناسب بعضها لانها ليست أسماء ولا تأخيرها عنها في أدني مرتبة لانها أخص به تعالى من كثير منها فأفردت قسما مستقلا وجعلت أولا لجهة اختصاصها ولكونه قسما لا ينقسم، وما هذا شأنه لاتحاده يقدم في القسمة على ما ينقسم، واسم الله وإن كان أدل على الذات منها إلا أنه من جملة أسمائه تعالى، فناسب ذكره مع باقي الاسماء، فلم يكن فيما ذكره من التقسيم قصور من هذا الوجه، وإن كان ما اعتبره - رحمه الله - حسنا أيضا إلا أنه غير مناف لما ذكره الجماعة.


147

والاخبار الواردة في هذه المسألة لا تفي بعد التقسيم، وإنما تدل على أن الحلف لا يكون إلا بالله بأي اسم كان من أسمائه، وتحريم الحلف بغيره إلا أن يقصد به تعظيما له وتأكيدا لكلام فيجوز بغيره.

ففي صحيح علي بن مهزيار (1) (قال: قلت لابي جعفر الثاني كما في قوله عزوجل (والليل إذا يغشى

والنهار إذا تجلى) وقوله عزوجل " والنجم إذا هوى) وما اشبه هذا من الايات الكثيرة، فقال: ان الله عزوجل يقسم من خلقه بما شاء وليس لخلقه أن يقسموا إلا به عزوجل).

وصحيح محمد بن مسلم (2) (قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: قوله الله عزوجل: والليل إذا يغشي) ثم ذكر مثل الصحيح الاول سؤالا وجوابا.

وصحيح الحلبي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: لا أرى للرجل أن يحلف بالله فأما قول قول الرجل: بشأنك لا بشأنك فإنه قول أهل الجاهلية، ولو حلف الرجل بهذا وأشباهه لترك الحلف بالله، فأما قول الرجل: ياهناه وياهناه فإنما ذلك لطلب الاسم ولا أرى به بأسا، وأما قوله: لعمرو الله وقوله: لا هاه الله فإنما ذلك بالله عزوجل).

ورواه الصدوق (4) بإسناده عن حماد بن عثمان من الصحيح نحوه، إلا أنه قال في آ ره: (وأما لعمرو الله وأيم الله فإنما هو بالله).

(1) الفقيه ج 3 ص 236 ح 51، الوسائل ج 16 ص 190 ب 30 ح 1.

(2) الكافي ج 7 ص 449 ح 1، الوسائل ج 16 ص 191 ب 30 ح 3.

(3) الكافي ج 7 ص 449 ح 2 وفيه (لاأرى ان يحلف الرجل الا بالله، فاما قول الرجل: لابل شانئك فانه من قول - قول الرجل يا هياه - لطلب - وقوله لاهاه فانما)، الوسائل ج 16 ص 191 ب 30 ح 4 وفيه (يحلف الا بالله، فأما قول الرجل: لاب لشانئك فانه قول الجاهلية، ولو حلف الناس).

(4) الفقيه ج 3 ص 230 ح 16، الوسائل ح 16 ص 191 ب 30 ح 4.


148

وصحيح علي بن جعفر كما في كتاب المسائل وخبره (1) كما في قرب الاسناد عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام مثله.

وموثقة أبي جرير القمي (2) (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك قد عرفت انقطاعي إلى أبيك ثم إليك ثم حلفت له: وحق رسول الله وحق فلانحتى انتهيت إليه أنه لا يخرج ماتخبرني به إلى أحد من الناس، وسألته عن أبيه هو حي أم ميت ؟ قال: قد والله مات إلى أن قال: (فأنت الامام ؟ قال: نعم).

وخبر ميسرة (2) كما في العيون والمحاسن قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام مر برحبة القصابين فسمع رجلا يقول: لا والذي احتجب بسبع طباق، قال: فعلاء بالدرة وقال له: ويحك إن الله لا يحجبه شئ ولا يحتجب عن شئ، قال الرجل: أنا اكفر عن يميني يا أمير المومنين ؟ قال: لا، لانك حلفت بغير الله).

وخبر محمد بن يزيد الطبري (4) (قال: كنت قائما على رأس الرضا عليه السلام بخراسان) إلى أن قال: (فقال: بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه واله ما قلته قط).

وخبر عبد العزيز بن مسلم (5) عن الرضا عليه السلام قي حديث طويل إلى أن قال: (كفروا وبيت الله العتيق).

ومثل هذين الخبرين في الاخبار كثير، وهي واجبة الحمل على ما قلناه من جوازه حيث يعظم الله به ويؤكد به الكلام، لا يلتزم به فعل ولاينزجر به حتى ترتب عليه أحكام الكفارة.

(1) قرب الاسناد ص 121.

(2) الكافي ج 1 ص 380 ح 1، الوسائل ج 16 ص 193 ب 30 ح 6 وفيهما اختلاف يسير.

(3) لم نعثر عليه في العيون والمحاسن، الوسائل ج 16 ص 194 ح 30 ح 9.

(4) الكافي ج 1 ص 187 ح 10 طبع دار الكتب الاسلامية، الوسائل ج 16 ص 193 ب 3 ح 7 وفيهما (لا وقرابتي من).

(5) الكافي ج 1 ص 198 ح 1، الوسائل ج 16 ص 193 ب 30 ح 8 وفيهما (تعدوا وبيت الله الحق).


149

وأما باقي أخبار الباب فهي مثل الخبرين الصحيحين في المثل في المنع وعدم الانعقاد، ففي خبر زرارة المروي في تفسير العياشي (1) (قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عزوجل (وما يؤمن أكثر هم بالله إلا وهم مشركون) (2) قال: إن ذلك قول الرجل: وحياتك).

وعنه (3) عن أبي جعفر عليه السلام (قال: شرك طاعة ومنه قول الرجل: لا والله وفلان).

وفي نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي عبد الله بن أبي يعفور (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه قال: اليمين التي تكفر أن يقول الرجل: لا والله).

وفي الفقيه والمجالس عن الحسين بن زيد (5) عن الصادق عن آبائة عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه واله في حديث المناهي (أنه نهى أن يحلف الرجل بغير الله وقال: من حلف بغير الله فليس من الله في شئ، ونهى أن يحلف الرجل بسورة من كتاب الله عزوجل وقال: من حلف بسورة من كتاب الله عليه بكل آية منها كفارة يمين، فمن شاء بر ومن شاء فجر، ونهى أن يقول الرجل للرجل: لا وحياتك وحياة فلان).

وكذا ما جاء في صحيح علي بن مهزيار (6) (قال: قرأت في كتاب لابي جعفر عليه السلام إلى داود بن القاسم: إني قد جئت وحياتك، كما في كتاب النوادر

(1) تفسير العياشي ج 2 ص 199 ح 90، الوسائل ج 16 ص 194 ب 30 ح 11 وفيهما (من ذلك - لاوحياتك).

(2) سورة يوسف - آية 106.

(3) تفسير العياشي ج 2 ص 199 ح 93، الوسائل ج 16 ص 194 ب 30 ح 12 وفيهما اختلاف يسير.

(4) الوسائل ج 16 ص 195 ب 30 ح 13.

(5) الفقيه ج 4 ص 5، أمالى الصدوق ص 347 مجلس 66 طبع بيروت، الوسائل ج 16 ص 191 ب 30 ح 2.

(6) الوسائل ج 16 ص 195 ب 30 ح 14.


150

لابن عيسى، وهذا يجب حمله على ما قلناه.

وربما حملت على نفي التحريم فتكون الاخبار النافية للكراهة وإن كانت لا تنعقد ولا توجب الكفارة، وعلى هذا فلا يجوز الحلف.

ولا ينعقد بالكواكب ولا بالاشهر الحرم ولا بمكة ولا بالكعبة ولا بالحرم ونحوها ففي خبر مسعدة بن صدقه (1) (قال: قال أبو عبد الله عليه السلام قول الله عزوجل (فلا اقسم بمواقع النجوم (2) قال: كان أهل الجاهلية يحلفون بها فقال عزوجل يعظمون الحرم ولا يقسمون به ولا بشهر رجب ولا يعرضون فيهما لمن كان فيهما ذاهبا أو جائيا وإن كان قتل أباه، ولا لشئ يخرج من الحرم دابة أو شاة أو بعير أو غير ذلك فقال الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه واله (لا اقسم بهذا البلد

وأنت حل بهذا البلد) (3) قال: فبلغ من أنهم استحلوا قتل النبي صلى الله عليه واله وعظموا أيام الشهر حيثيقسمون به فيوفون به).

وفي مرسلة يونس (4) (قال: سألته عن قول الله عزوجل (فلا اقسم بمواقع النجوم) قال: أعظم إثم من يحلف بها، قال: وكان أهل الجاهلية يعظمون الحرم ولا يقسمون حرمة الله فيه ولايتعرضون لمن كان فيه ولا يخرجون منه دابة، فقال الله تبارك وتعالى (لا اقسم بهذا البلد

وأنت حل بهذا البلد (

) ووالد وما ولد) إلى آخر السورة قال يعظمون البلد أن يحلفون بها ويستحلون فيه حرمه رسول الله صلى الله عليه واله.

(1) الكافي ج 7 ص 450 ح 4 وفيه (في قول الله - وكانت - قد قتل أباه)، الوسائل ج 16 ص 195 ب 31 ح 1 وفيهما (يعظمون المحرم).

(2) سورة الواقعة - آية 75.

(3) سورة البلد - آية 2 و 3.

(4) الكافي ج 7 ص 450 ح 5، الوسائل ج 16 ص 196 ب 31 ح 2 وفيهما (ولا يعرضون لمن - أن يحلفوابه).


151

ولا يجوز استحلاف الكافر بغير الله وإن اعتقد إلهيته.

ففي صحيح سليمان ابن خالد (1) عن أبي عبد الله عن أبيه عليهما السلام عن رسول صلى الله عليه واله (قال: لا يحلف اليهودي والنصراني ولا المجوسي بغير الله إن عزوجل يقول:

فاحكم بينهم بما أنزل الله)

(2).

وصحيح الحلبي (3) (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أهل الملل يستحلفون ؟ فقال: لا تحلفوهم إلا بالله عزوجل).

وخبر سماعة (4) وخبر جراج المدائني (5) وحسن الحلبي بهذه المنزلة لقوله فيها عن أبي عبد الله عليه السلام (لا يصلح لاحد أن يحلف أحدا إلا بالله عزوجل).

وقال في بعضها وهو الحسن الاخير (لا تحلفوهم إلا بالله).

وأما ما جاء من الاخبار من تحليفهم بغير الله تعالى مثل خبر السكوني (6) وصحيح محمد بن مسلم (7) وصحيح محمد بن قيس (8) وخبر محمد بن مسلم (9) أيضا وخبر الحسين بن علوان (10) كما في قرب الاسناد عن جعفر عن أبيه عليهما السلام وخبر أني البختري (11) وخبر محمد بن عمران (12).

(1) الكافي ج 7 ص 451 ح 4، الوسائل ج 16 ص 196 ب 32 ح وليس فيهما (عنأبيه عن رسول الله)، (2) سورة المائدة - آية 48.

(3) الكافي ج 7 ص 450 ح 1، الوسائل ج 16 ص 197 ب 32 ح 3.

(4) الكافي ج 7 ص 451 ح 2، الوسائل ج 16 ص 97 ب 32 ح 5.

(5) الكافي ج 7 ص 451 ح 5، الوسائل ج 16 ص 196 ب 32 ح 2.

(6) الكافي ج 7 ص 451 ح 3، الوسائل ج 16 ص 197 ب 32 ح 4.

(7) التهذيب ج 8 ص 279 ح 9، الوسائل ج 16 ص 19 ب 32 ح 8.

(9) الفقيه ج 3 ص 236 ح 48، الوسائل ج 16 ص 198 ب 32 ح 10.

(10) قرب الاسناد ص 42 ح 3، الوسائل ج 16 ص 199 ب 32 ح 11.

(11) قرب الاسناد ص 71 ح 4، الوسائل ج 16 ص 199 ب 32 ح 12.

(12) الكافي ج 4 ص 181 ضمن ح 7، الوسائل ج 7 ص 179 ب 2 ضمن ح 3.


152

إلى غير ذلك من الاخبار حيث قال في بعضها كأولها (أن أمير المؤمنين عليه السلام استحلف يهوديا بالتوارة التي انزلت على موسى عليه السلام).

وفي الثاني (في كل دين ما يستحلفون به).

وفي الثالث (قضي علي عليه السلام في من استحلف أهل الكتاب بيمين صبر أن يستحلفه بكتابه وملته).

وفي خبر الحسين بن علوان منها (أن عليا عليه السلام كان يستحلف اليهود والنصارى ببيعهم وكنائسهم والمجوس في بيوت نيرانهم ويقول: شددوا عليهم احتياطا للمسلمين).

وفي الاخير منها (أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لبعض علماء اليهود: ونشدتك (1) بالتسع الايات (2) التي انزلت على موسى عليه السلام وبطور سيناء (4) وبحق الكنائس الخمس (4) وبحق السمت الديان هل تعلم أن يوشع بن نون أتى بقوم بعد وفاة موسى عليه السلام شهدوا أن لاإله إلا الله ولم يشهدوا (5) أن موسى رسول الله فقتلهم بمثل هذه القتلة ؟ فقال له اليهودي: نعم، ثم ذكر أنه أسلم) فهي محمولة إما على التقية أو على جهة التغليظ عليهم مضافا لتحليفهم بالله.

وأما الاخيرة (فهي من) قسم السؤال من باب الالزام لا لأجل تأسيس الاحكام وإثبات الدعوى لما ثبت من عدم الانعقاد بغيره تعالى، فقد مر ما يبلغحد التواتر المعنوي.

وفي صحيح الحلبي (6) أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام (في حديث قال: سألته عن

(1) في الكافي (فنشدتك) وفي الوسائل (نشدتك).

(2) في الوسائل (آيات).

(3) في المصدرين (بطور سيناء).

(4) في المصدرين (الخمس القدس).

(5) في الكافي (ولم يقروا).

(6) الكافي ج 7 ص 441 ح 12، الوسائل ج 16 ص 170 ب 15 ح 1.


153

امرأة جعلت مالها هديا لبيت الله إن أعارت متاعا لفلانة، فأعار بعض أهلها بغير أمرها، فقال: ليس عليها هدي إنما الهدي ما جعل لله هديا للكعبة فذلك الذي يوفى به إذا جعل لله.

وما كان أشباه هذا فليس بشئ).

وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم (1) (قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا تتبعوا خطوات الشيطان، فقلت له: وما خطوات الشيطان ؟ قال: كل يمينبغير الله فهي من خطوات الشيطان).

وعن عبد الرحمن بن ابي عبد الله (2) عن ابي عبد الله عليه السلام كما فيه ايضا " قال: كل يمين بغير الله فهي من خطوات الشيطان ".

وفيه عن زرارة (3) عن أبي جعفر عليه السلام (قال: سألته عن قول الله تعالى (اذكروا الله كذكر كم آباء كم أو أشد ذكرا) (4) قال: إن أهل الجاهلية كان من قولهم: لا وأبيك وبلى وأبيك فامروا أن يقولوا: لا والله وبلى والله).

الرابعة: لو قال: وقدرة الله وعلم الله فإن قصدبهما الصفات القديمة الزائدة على الذات كما يقوله الاشعري وهي الا حوال التي أثبتها المعتزلي لم تنعقد وكان مأثوما، وإن قصد بها كونه قادرا عالما جرى مجرى القسم بالله والقادر والعالم لان المراد بها الذات المرادة من هذا الوصف الذي هو عين ذاته، وحيث إن صفاته تعالى امور اعتبارية ليست زائدة على ذاته فإن قصد الحالف بها هذا المعنى انعقدت يمينه، وإن قصد معنى آخر لم تنعقد لانه حلف بغير الله تعالى، وإن أطلق فالاقوى الانعقاد حملا لكلامه على المعنى الحق لانه الاغلب خصوصا من

(1) تفسير العياشي ج 1 ص 74 ح 150، الوسائل ج 16 ص 171 ب 5 ح 4 وليسفيهما (فقلت له: وما خطوات الشيطان).

(2) تفسير العياشي ج 1 ص 73 ح 149، الوسائل ج 16 ص 171 ب 15 ح 5.

(3) تفسير العياشي ج 1 ص 98 ح 272 وفيه (كلا وأبيك)، الوسائل ج 16 ص 171 ب 5 ح 6.

(4) سورة البقرة - آية 200.


154

يدين بذلك.

ويحتمل العدم لاشتراك اللفظ فتسقط حرمته.

وكون المسألة اجتهادية قد اختلف فيها أكابر العلماء فلا ينصرف إلى أحد الامرين بدون القصد وذلك يوجب وقوفه اليمين.

وأما الحلف بجلال الله وكبريائه وعظمته فتنعقد بها اليمين مطلقا في المشهور لانها وإن كانت قد شاركت القدرة والعلم في الصفات لكن هذه ليست من الصفات التي ذهب بعضهم إلى زيادتها وإنما مرجعها إلى ذات الله المتصفة بالكبرياء والعظمة والجلال.

والمحقق - رحمة الله - قد تردد في انعقاد اليمين في الجميع مما ذكروه لان اشتراك القدرة والعلم يمنع من الانعقاد بهما كغير هما من أسمائه المشتركةمن غير أغلبية عليه تعالى، والعظمة والجلال والكبرياء كذلك لانها تستعمل على ما تطلق أيضا في الصفة الزائدة وربما اطلقت عليه القدرة والعلم ويقول الانسان شاهدت كبرياء الله وعظمته ويريد مثل ذلك، ولان هذه الصفات ليست من أسماء الله الغالبة ولا المشتركة فلا ينعقد بهما اليمين لانها لا تنعقد إلا بالله وأسمائه، والاشهر هو الاول وهو الذي عليه المعتمد والمعول.

الرابعة: إذا قال: اقسم أو أقسمت أو احلف أو حلفت ولم ينطق بالجلالة ولا بأحد أسمائه لم تنعقد يمينه قطعا لعدم حلفه بالله وإن نطق بها، فإن قصد اليمين أو أطلق انعقدت.

أما مع القصد فواضح، وأما مع الاطلاق فإنه أنشأ يمينا عرفا أو أطلق انعقدت.

أما مع القصد فواضح، وأما مع الاطلاق فإنه أنشأ يمينا عرفا وشرعا، قال الله تعالى (وأقسموا بالله جهد أيمانكم) (1) فيحمل عليه وإن قال: أردت الوعد في الاول والاخبار في الثاني.

وقد إطلق المحقق وجماعة قبوله لظهور الاحتمال وأصالة عدم الانعقاد وكون ذلك راجعا إلى قصده وهو أعلم به.

ويحتمل عدم القبول ظاهرا لظهور كونه إنشاء، كما لا يقبل إخباره عن

(1) راجع سورة الانعام - آية 109، والنحل - آية 38، والنور - آية 53.


155

قوله (أنت طالق) بأني أردت طلاقا سابقا، ولان اللفظ إذا كان محتملا للامرين لم يحمل على اليمين مع الاطلاق بل يتوقف الحكم بكونه يمينا على قصده، ومتى حمل الاطلاق على اليمين لا يقبل منه غيره ظاهرا كما في غيره.

واما الاخبار الواردة في المسألة فخبر السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام (قال: إذا قال الرجل: أقسمت أو حلفت فليس بشئ حتى يقول: أقسمت بالله أو حلفت بالله).

وفي الفقيه عن السكوني (2) أيضا ما يقرب من ذلك، وتؤيدهما الاخبار الواردة بالنهي عن الحلف بغير الله وقد تقدم كثير منها.

وظاهر هذين الخبرين أنه متى صرح بالجلالة حمله على اليمين ولم يسمع ما سواه.

وكذا لو قال: أشهد بدون قوله بالله أو شهدت، والاشهر أنه كالسابق يكون يمينا مع قصده وإطلاقه لو رود الشرع بهذه اللفظة بهذه اليمين، قال الله تعالى (قالوا نشهد إنك لرسول الله) (3) والمراد الحلف ولذلك قال الله على الاثر (اتخذواأيمانهم جنة).

فإن قال: إردت غير القسم كالوعد والاخبار عن الماضي قبل للاحتمال الذي مر في أحلف واقسم.

وللشيخ في هذه المسألة قولان: أحدهما في الخلاف وهو أنه لا يكون يمينا مطلقا.

والثاني في المبسوط وهو أنه إن أراد به اليمين كان يمينا وإن أطلق أو لم يرد به اليمين لم يكن يمينا.

واحتج على الاول بأن لفظ الشهادة لا تسمى يمينا ولم يطرد به عرف اللغة ولا الشرع، بخلاف القسم، ولانه يحتمل أن يريد: أشهد بوحدانية الله تعالى ثم يبتدئ بقوله: لافعلن كذا: وكذلك

(1) التهذيب ج 8 ص 301 ح 111، الوسائل ج 16 ص 171 ب 15 ح 3.

(2) الفقيه ج 3 ص 234 ح 33.

(3) سورة المنافقون - آية 1.


156

لو قال: اعزم بالله أو عزمت بالله لافعلن فإنه لا يكون يمينا مطلقا لان العرف لا يشهد بكونه يمينا ولاورد به الشرع، ولامكان أن يريد الاخبار عن عزمهالحلف على المعزوم عليه أو الوعد بذلك، خلافا لبعض العامة.

وقد اختلف النقل عن الشيخ في المسألة المذكورة ففي المختلف والتحرير والقواعد على الحكم عنه من انعقاد اليمين مع الاطلاق، وكذلك في الدروس له ناقلا عن الشيخ كما نقله عنه المحقق، وليس كذلك، فإن الشيخ قد اعتبر في انعقاده يمينا قصده، وصرح مع الاطلاق بعدم الانعقاد، وكذلك حكم في قوله (أقسمت) وغيره فرق بين اللفظين كما ذكرناه فيما سبق.

واورد عليه بأن القصد معتبر في سائر الايمان فكيف ينعقد هنا مع الاطلاق ؟ فيكون تقييد الشيخ أجود من إطلاق من حكم بصحته مع الاطلاق.

واجيب بأن ليس المراد بالقصد الذي لم يعتبره القصد إلى اليمين الموجب لانعقاده في نفس الامر لان ذلك لا نزاع في اعتباره، وإنما الكلام في القصد الذي لا يحكم بوقوع اللفظ المحتمل بدونه كما تقرر في الفرق بين اللفظ الصريح والكناية في الطلاق وغيره.

وحاصله أن اللفظ إذا كان صريحا يحكم بوقوعه على من تلفظ به ظاهرا وإن لم يعلم منه قصده إلى مدلول اللفظ، وإن كان محتملا على السواء فلا نحكمبه إلا مع تصريحه بإرادة المعنى المطلوب.

هذا بحسب الظاهر، وأما فيما بينك وبين الله تعالى فالمعتبر ما نواه، وعلى هذا فيحكم بوقوع اليمين ممن سمع منه قوله (أقسمت بالله لافعلن) على ما تضمنه الخبران المتقدمان ما لم يخبر عن إرادة الخبر، بخلاف من سمع منه: أشهد بالله لافعلن، فإنه لا يحكم عليه باليمين بها أو ببعضها، وسيجئ تحقيقة.

الخامسة: لو قال: لعمرو الله كان قسما وانعقدت به اليمين.

و (هو) بفتح العين،


157

مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف وجوبا لسد الجواب مسده، والمعني لعمر الله قسمي وهو بمعنى البقاء والحياة، وهو قريب من العمر بالضم لكنه لم يستعمل غالبا إلا مفتوحا، هو بهذا المعنى يحتمل للمعاني المانعة من انعقاد اليمين به كالقدرة والعلم وغيرهما من الصفات، لكنه لما استعمل في اليمين عرفا وشرعا ولغة حكموا بانعقاده به وضربوا صفحا عن تلك الاحتمالات للمعاني المانعة، فسلك به مسالك الحقائق الشرعية، ولم يتعرض الاكثر لمستنده من الاخبار كما هي عادتهم في مقام الاستدلال إخلادا إلى الشهرة والاجماع.

وقد قدمنا ما يدل عليه بالخصوص وهو صحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: لا أرى للرجل أن يحلف إلا بالله، فأما قول الرجل: لابشأنك فإنه قول أهل الجاهلية، ولو حلف الرجل بهذا وأشباعه لترك الحلف بالله، وأما قول الرجل: يا هنا ويا هياه فإنما ذلك طلب الاسم ولا أرى به بأسا، وأما لعمرو الله وقوله لاهاه فإنما ذلك بالله عزوجل).

وفي صحيح حماد (2) كما في الفقيه مثله، إلا انه قال في آخره: (وأما لعمرو الله وأيم الله فإنما هو بالله).

وصحيح علي بن جعفر كما في كتاب المسائل عن أخيه موسى عليه السلام وخبره (3) كما في كتاب قرب الاسناد عنه عليه السلام مثله.

فهذه الاخبار هي الدالة على المراد والدافعة للاشكال والايراد، وكذا تنعقد لو حلف بحق الله عند جماعة من القدماء والمتأخرين الشيخ منهم في المبسوط، وظاهر المشهور عدم انعقاد به لانه حق الله قد يراد به ما يجب له على عباده من العبادات التي أمر بها.

(1) الكافي ج 7 ص 449 ح 2، الوسائل ج 16 ص 191 ب 30 ح 4 وفيهما اختلاف.

(2) الفقيه ج 3 ص 230 ح 16، الوسائل ج 16 ص 191 ب 30 ذيل ح 4.

(3) قرب الاسناد ص 121.


158

وفي الحديث (قلت: يا رسول الله ما حق الله على عباده ؟ قال: أن لا يشركوا به شيئا ويعبدوه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة).

وفي الخبر المروي في الكافي ومحاسن البرقي عن ابي عبد الله عليه السلام القسم لحقوق الله على الجوارح الظاهرة والباطنة ما يدل على ما هو أعم من ذلك.

وقد يراد به القرآن كقوله تعالى (وأنه لحق اليقين) (1).

وقد يراد به الله تعالى الحق كغيره من الصفات الراجعة إلى ذاته من غير اعتبار زيادة.

فإذا قال الانسان: وحق الله لافعلن لم تنعقد اليمين لاشتراكه بين امور كثيرة لا ينعقد بها اليمين، سواء قصد تلك الافراد أو أطلق، لان المتبادر من حقه غيره.

واحتج الشيخ وتلك الجماعة القائلون بمقاتله على الانعقاد بأنها يمين عرفا وبأغلبية استعمالها في المعنى الاخير، ولان (حق) صفة عامة، فإذا اضيف إلى الله تعالى اختص به فكان يمينا كسائر صفات ذاته من العظمة والعزة وغيرها،ولا إشكال في عدم الانعقاد لو قصد به أحد المعنيين الاوليين.

والذي يؤيد القول بالانعقاد عند الاطلاق خبر أبي جرير القمي (2) المتقدم حيث قال فيه: قلت: لابي الحسن عليه السلام قد عرفت انقطاعي إلى أبيك ثم إليك ثم حلفت له وحق رسول الله صلى الله عليه واله وحق فلان وفلان حتى انتهيت إليه أنه لا يخرج ما تخبرني به أحد من الناس، وسألته عن أبيه أحي هو أم ميت ؟ قال: قد والله مات، إلى أن قال: فقلت: فأنت الامام ؟ قال: نعم ".

ألا ترى كيف أبر قسمه ولم يأت بحق الله وإنما حلف بحق رسوله وبحق آبائه الى أن انتهى الامر إليه.

ففيه تأييد لهذا المذهب المنسوب للشيخ ولابن الجنيد حيث ذهب إلى انعقاده بما عظم الله من الحقوق كقوله: وحق رسول الله وحق القرآن.

(1) سورة الحاقة - آية 51.

(2) الكافي ج 1 ص 380 ح 1، الوسائل ج 16 ص 193 ب 30 ح 6 وفيهما اختلاف يسير.


159

ونحن قد جمعنا بين الاخبار المانعة والمجوزة بما ينجلي به الغبار، وهو أن تكون المجوزة مخصوصة بتأكيد الكلام، والمانعة من ذلك مخصوصة بما تلتزم الافعال وتثبت بها الدعوى والاموال وتترتب عليه الكفارات عند الحنث والمخالفة في تلك الافعال.

السادسة: لا تنعقد اليمين إلا بالنية، فلو حلف من غير نية لم ينعقد سواء كان تصريحا أو كناية وهي المعبر عنها بيمين اللغو، والمراد بالنية القصد إليه واحترز به عمن سبق لسانه إلى كلمة اليمين، كما هي المستعملة في المحاورات وفي الغضب وفي الالحاح والعجلة فإنها لا تنعقد ولا تتعلق بها كفارة لقوله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) (1).

وأما الاخبار الواردة في المسألة فكثيرة، فمنها صحيح عبد الله بن سنان (2) كما في تفسير العياشي عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سمعته يقول في قول الله عزوجل (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) قال: اللغو قول الرجل لا والله وبلى والله ولا يعقد على شئ).

وفي الكافي والتهذيب عن مسعدة بن صدقة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام في تفسيرهذه الاية مثله.

وخبر عقبة بن خالد (4) كما في الكافي أيضا عنه عليه السلام (في رجل كان له على رجل دين فلزمه فقال الملزوم: كل حل عليه حرام ان أبرح حتى ارضيك،

(1) سورة المائدة - آية 89.

(2) تفسير العياشي ج 1 ص 336 ح 163 وفيه (ولا يعقد قلبه على شئ "، الوسائل ج 16 ص 174 ب 17 ح 1.

(3) الكافي ج 7 ص 443 ح 1، التهذيب ج 8 ص 280 ح 15، الوسائل ج 16 ص 174 ب 17 ح 1.

(4) الكافي ج 7 ص 460 ح 3، الوسائل ج 16 ص 174 ب 17 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.


160

فخرج من أن يرضيه ولا يدري ما يبلغ يمينه وليس له فيها بنية، فقال: ليس بشئ).

وموثق أبي بصير (1) كما في الفقيه عن أبي عبد الله عليه السلام (في قول الله عزوجل (لا يؤاخذكم الله باللغو) الاية، قال: هو لا والله وبلى والله).

وفي تفسير العياشي عن محمد بن مسلم (2) (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى (ولا تجعلوا الله عرضه لايمانكم) قال: هو قول الرجل: لا والله وبلى والله).

وفيه عن أبي الصباح الكناني (3) (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله تعالى (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) قال: هو قول الرجل: لا والله وبلى والله وكلا والله لا يعقد عليها أو لا يعقد على شئ).

وعلى هذا لا تنعقد يمين الغضب ولا الاكراه ولا الاجبار ولامع السهو ولا مع النسيان ولا ما اضطروا إليه لعدم القصد الحقيقي فيها.

ففي خبر عبد الله بن سنان (4) (قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يمين في غضب ولا في قطيعة رحم ولا في جبر ولا في إكراه، قال: قلت: أصلحك الله فما الفرق بين الجبر والاكراه ؟ قال: الجبر من السلطان، ويكون الاكراه من الزوجة والام والاب، وليس ذلك بشئ).

ومثله خبره (5) المروي في الكافي أيضا وفي الفقيه وفي معاني الاخبار إلا أنه قد ترك في الاخير (ولا في قطيعة رحم).

ورواه في معاني الاخبار بطريق آخر

(1) الفقيه ج 3 ص 228 ح 7، الوسائل ج 16 ص 174 ب 17 ح 3.

(2) تفسير العياشي ج 1 ص 111 ح 337، الوسائل ج 16 ص 175 ح 4.

(3) تفسير العياشي ج 1 ص 112 ح 341، الوسائل ج 16 ص 175 ب 17 ح 5.

(4) الكافي ج 7 ص 442 ح 16، الوسائل ج 16 ص 172 ب 16 ح 1.

(5) الكافي ج 7 ص 442 ح 17، الفقيه ج 3 ص 235 ح 40، معاني الاخبار ص 166 ح 1 وص 389 ح 28 طبع جماعة المدرسين - قم المشرفة، الوسائل ج 16 ص 172 ب 16 ح 1


161

أيضا عن عبد الله بن القاسم مثله.

وصحيحة سعد بن أبي خلف (1) كما في الكافي أيضا (قال: قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: إني كنت اشتريت أمة سرا من امرأتي وأنها سمعت ذلك فخرجت من منزلي وأبت أن ترجع إلي فأتيتها وقلت لها: إن الذي بلغك باطل وإن الذى أناك بهذا عدو لك أراد أن يستنفرك، فقاهت: لا والله لا يكون بيني خيرأ بدا حتى تحلف لي بعتق كل جارية لك وبصدقة مالك إن كنت اشتريت هذه الجارية وهي في ملكك اليوم، فحلفت لها بذلك فأعدت اليمين وقالت لي: كل جاريةلي الساعة فهي حرة، فقلت لها: كل جارية لي الساعة فهي حرة، وقد اعتزلت جاريتي وهممت أن أعتقها وأتزوجها لهواي فيها، فقال: ليس عليك فيما أحلفتك عليه شئ).

وخبر إسماعيل الجعفي (2) كما في نوادر ابن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سمعته يقول: وضع عن هذه الامة ست خصال، فقلت: وما هي ؟ قال: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ومالا يعلمون وما لا يطيقون وما اضطروا إليه).

وفيه عن ربعي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: عفي عن امتى ثلاث: الخطأ والنسيان و والاستكراه، قال أبو عبد الله عليه السلام: وها هنا رابعة وهي ما لا يطيقون).

وفيه عن الحلبي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: وضع عن امتي الخطأو النسيان وما استكرهوا عليه).

1) الكافي ج 7 ص 442 ح 18، الوسائل ج 16 ص 172 ب 16 ح 2 وفيهما (فأتيتها في منزل أهلها - أن يستفزك - اشتريت جارية - فأعادت اليمين).

(2) الوسائل ج 16 ص 173 ب 6 ح 3.

(3) الوسائل ج 16 ص 173 ب 16 ح 4.

(4) الوسائل ج 16 ص 173 ب 16 ح 5.


162

وفيه عن أبي الحسن عليه السلام (1) (قال: سألته عن الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك ؟ فقال: لا، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: وضع عن امتي ما اكرهوا عليه وما لم يطيقوا وما أخطأوا).

وقدمنا جملة من الاخبار في هذا المعنى فلا حاجة إلى ذكرها هنا، والمسألة إجماعية، وما أتى من الاخبار مخالف لها فسبيله التقية لانه مذهب أبي حنيفة.

السابعة: لا تنعقد اليمين بالبراءة إلا فيما ورد في المكاتبة الصحيحة عن العسكري عليه السلام (2) لانه محرم، وسيجئ ذكر هذه الصحيحة في الكفارات.

وجاء أيضا في خبر المفضل بن عمر (3) كما في الفقيه (قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في قول الله عزوجل (فلا اقسم بمواقع النجوم

وإنه لقسم لو تعلمون عظيم).

(4) يعني به الحلف بالبراءة من الاية، يحلف بها الرجل يقول: إن ذلك عند الله عظيم).

وفي مرسلة ابن أبي عمير (5) (قال: سمع رسول الله صلى الله عليه واله رجلا يقول: أنا برئ من دين محمد، فقال: رسول الله صلى الله عليه واله: ويلك إذا برئت من دين محمد فعلى دين من تكون ؟ قال فما كلمه رسول الله صلى الله عليه واله حتى مات).

وفي خبر يونس بن ظبيان (6) (قال: قال لي: يا يونس لا تحلف بالبراءة منا فإنه من حلف بالبراءة منا صادقا أو كاذبا فقد برئ).

(1) الوسائل ج 16 ص 173 ب 16 ح 6.

(2) الكافي ج 7 ص 461 ح 7، الوسائل ج 16 ص 152 ب 7 ح 3.

(3) الفقيه ج 3 ص 337 ح 54، الوسائل ج 16 ص 153 ب 8 ح 1 وفيهما (البراءة من الائمة عليهم السلام).

(4) سورة الواقعة - آية 75 و 76.

(5) الكافي ج 7 ص 438 ح 1، الوسائل ج 16 ص 152 ح 1.

(6) الكافي ج 7 ص 338 ح 2، الوسائل ج 16 ص 152 ب 7 ح 2 وفيهما (برئ منا).


163

وفي الفقيه مرسلا (1) عنه صلى الله عليه واله (قال: من برئ من الله صادقا أو كاذبا فقد برئ الله منه).

نعم جاء جواز استحلاف الظالم بالبراءة من حول الله وقوته ليعجل عليه الفناء، ففي خبر صفوان الجمال (2) كما في الكافي (أن أبا جعفر المنصور قال لابي عبد الله عليه السلام: رفع إلي أن مولاك المعلى بن خنيس يدعو إليك ويجمع لك الاموال، فقال: والله ما كان وساق الحديث إلى أن قال: (قال المنصور: فأنا أجمع بينك وبين من سعى بك، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: يا هذا أتحلف ؟ قال: نعم، والله الذي لاإله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم لقد فعلت، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: ويلك تبجل الله فيستحيي من تعذيبك، ولكن قل: برئت من حول الله وقوته والجئت إلى حولي وقوتي، فحلف بها الرجل فما استتمها حتى وقع ميتا، فقال أبو جعفر المنصور: لا اصدق عليك بعد هذا أبدا، وأحسن جائزته ورده).

وفي نهج البلاغة (3) عن أمير المؤمنين عليه السلام: (أنه قال: أحلفوا الظالم إذا أردتم يمينه بأنه برئ من حول الله وقوته، فإنه إذا حلف بها كاذبا عوجل، وإذاحلف بالله الذي لاإله إلا هو لم يعاجل لانه وحد الله سبحانه وتعالى).

وفي الخرائج والجرائح (4) عن الرضا عن أبيه (أن رجلا وشى إلى المنصور أن جعفر بن محمد سلام الله عليهما يأخذ البيعة لنفسه على الناس ليخرج عليهم،

(1) الفقيه ج 3 ص 236 ح 46، الوسائل ج 16 ص 153 ب 7 ح 4.

(2) الكافي ج 6 ص 445 ح 3، الوسائل ج 16 ص 200 ح 1 وفيهما (بينك وبين من سعى بك، قال: فافعل، فجاء الرجل الذى سعى به فقال له.

) مع اختلاف يسير.

(3) نهج البلاغة (صبحى صالح) ص 512 رقم 253 وفيه (عوجل العقوبة)، الوسائل ج 16 ص 200 ح 2 وفيهما (قد وحد الله).

(4) الخرائج والجرائح طبع النجف الاشرف ص 124، الوسائل ج 16 ص 201 ب 33 ح 3.


164

فأحضره المنصور، فقال الصادق عليه الصلاة والسلام: ما فعلث شيئا من ذلك، فقال المنصور لحاجبه: حلف هذا الرجل على ما حكاه عن هذا - يعنى الصادق عليه السلام - فقال الحاجب: قل والله الذي لا إله إلا هو - وجعل يغلظ عليه اليمين -فقال الصادق عليه الصلاة والسلام: لا تحلفه هكذا فإني سمعت أبي عليه السلام يذكر عن جدي رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال: إن من الناس من يحلف كاذبا فيعظم الله في يمينه ويصفه بصفاته الحسنى فيأتي تعظيمه الله على إثم كذبه ويمينه ولكن دعني احلفه باليمين الذي حدثني أبي عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه لا يحلف بها حالف إلاباء بإئمه، فقال له المنصور: حلفه إذا يا جعفر، فقال الصادق عليه السلام للرجل: قل: إن كنت كاذبا عليك فبرئت من حول الله وقوته ولجئت الى حولي وقوتي، فقالها الرجل، فقال الصادق عليه السلام: اللهم إن كاذبا فأمته فما استتم كلامه حتى سقط الرجل ميتا واحتمل ومضى به الحديث).

ورواه المفيد في الارشاد مرسلا (1) نحوه.

الثامنة: الاستثناء يوقف اليمين عن الانعقاد وهو أن يقول بعد اليمين: إن شاء الله تعالى، فإذا عقب اليمين لم يحنث بالفعل المحلوف عليه ولم تلزم الكفارة للاخبار الدالة على ذلك لان مشية الله غير معلومة للعبد.

وروي (2) عنه صلى الله عليه واله (قال: من حلف على يمين فقال: إن شاء الله لم يحنث).

وفي خبر السكوني (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: مناستثنى في اليمين فلا حنث ولا كفارة).

وصحيح علي بن جعفر (4) في كتاب المسائل عن اخيه موسى عليه السلام (قال:

(1) ارشاد المفيد ص 255 نشر مكتبة الصدوق.

(2) سنن الترمذي ج 4 ص 108 ح 1532.

(3) الكافي ج 7 ص 448 ح 5، الوسائل ج 16 ص 188 ب 28 ح 1.

(4) بحار الانوار ج 10 ص 260 س 14، الوسائل ج 16 ص 188 ب 28 ح 2.


165

سألته عن الرجل يحلف على اليمين ويستثني، ما حاله ؟ قال، هو على ما استثنى.

وقد ندب إلى ذلك حالة اليمين، ففي خبر سلام بن المستنير (1) عن أبي جعفر (في قول الله عزوجل (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) (2) فقال: إن الله عزوجل لما قال لادم: ادخل الجنة قال له: يا ادم لا تقرب هذه الشجرة، قال: وأراه إياها، قال آدم لربه: كيف أقربها وقد نهيتني عنها أنا وزوجتي ! قال: فقال لهما: لا تقرباها يعني لاتأكلا منها، فقال آدم وزوجته: نعم يا ربنا لانقربها ولا نأكل منها، ولم يستثنيا في قولهما، فو كلهما في ذلك إلىنفسيهما وإلى ذكرهما، قال: وقد قال الله عزوجل لنبيه صلى الله عليه واله ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا

إلا أن يشاء الله) (3) أن لا أفعله فسبق مشية الله في أن لا أفعله.

فلا أقدر على أن أفعله، قال: فلذلك قال عزوجل (واذكر ربك إذا نسيت) (4) أي استثن مشية الله في فعلك).

وفي خبر آخر للسكوني (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: من حلف سرا فليستثن سرا، ومن حلف علانية فليستثن علانية).

وموثقة أبي بصير (6) كما في تفسير القمي عن أبي عبد الله عليه السلام (أن قريشا سألوا رسول الله صلى الله عليه واله عن مسائل منها قصة أصحاب الكهف، فقال صلى الله عليه واله: غدا اخبركم، فلم يستثن، فاحتبس الوحي عنه أربعين يوما حتى اغتم، وشكت الصحابة، فلما كان بعد أربعين صباحا نزل عليه سورة الكهف إلى أن قال (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا

إلا أن يشاء الله) فاخبر أنه احتبس الوحي عنه

الكافي ج 7 ص 447 ح 2، الوسائل ج 16 ص 185 ب 25 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) سورة طه - آية 115.

(3) و (4) سورة الكهف - آية 23 و 24.

(5) الكافي ج 7 ص 449 ح 7، الوسائل ج 16 ص 185 ب 25 ح 2.

(6) تفسير القمى ج 2 ص 32، الوسائل ج 16 ص 186 ب 27 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.


166

أربعين صباحا لانه قال: غدا اخبركم بجواب مسائلكم ولم يستثن).

وقد روى العياشي في تفسيره (1) أحاديث كثيرة في هذا المعنى، وكذلك أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره (2).

ولا فرق في هذا الحكم بين ما يعلم مشية الله منه كالواجب والمندوب وغيرهما لعموم النص، خلافا للعلامة حيث خص الحكم بما لا يعلم فيه المشية نظرا إلى التعليل، والذي حمل العلامة على ذلك أن المشية التي هي الارادة المعلق عليها لا إشكال في أنه أراده الله فعل الواجب والمندوب لمحبوبيته له.

وفيه نظر، لان المشية التي تقع من العبد المستثنى بها ليست هي الارادة المتعلقة بفعل الواجب والمندوب على الوجه الاعم، بل المشية المتعلقة بفعل العبد لها، وتلك مما لا يطلع عليها لانها راجعة إلى العلم بما في الامر، ولم يدر العبد بأن الله قد شاء فعله لها أم يشأ وإن كلفه بها وأمره، ففرق ما بين المشيئتينفيبطل الاستدال على وجه الفرق بينهما.

وعلى كلا التقديرين فيشترط التلفظ بكلمة الاستثناء فلو نوى بقلبه (إن شاء الله) لم تعتبر نيته ولم يندفع الحنث والكفارة.

وعلى هذا يحتمل خبر السكوني الفارق بين الشر والعلانية، ويكون المراد إن تلفظ بالقسم علانية فلا يجزيه الاستثناء إلا علانية، وإن نوى اليمين سرا حيث لا يلزمه أجزأ الاستثناء سرا.

وأن يكون قاصدا إلى التلفظ بها كاليمين، فلو سبق إليها لسانه من غير قصد لم يعتد بها.

وأن تكون كلمة الاستثناء متصلة باليمين لا يتخللها كلام ولا سكوت إلا إن يكون قليلا لنفس وعي وتذكر وسعال ونحو ذلك مما لا يخل بالمتابعة عرفا.

وفي الروايات مما يشعر بعدم الاتصال وسيما مع النسيان إذا كان قصده الاستثناء

(1) تفسير العياشي ج 2 ص 324.

(2) هذا ما قاله صاحب الوسائل - رحمه الله - بعد ذكره الرواية.


167

ويجدده ولو بعد أربعين يوما.

ففي صحيحة ابن القداح (1) (قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: للعبد أن يستثني في اليمين ما بينه وبين أربعين يوما إذا نسي).

وفي خبر حمزة بن حمران (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سألته عن قول الله عزوجل (واذكر ربك إذا نسيت) قال: ذلك في اليمين إذا قلت: لا والله لا أفعل كذاو كذا، فإذا ذكرت أنك لم تستثن قلت: ما شاء الله).

وفي خبر الحلبي وزرارة ومحمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (في قول الله عزوجل (واذكر ربك إذا نسيت) قال: إذا حلف الرجل فنسي أن يستثن فليستثن إذا ذكر).

وخبر القلانسي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: للعبد أن يستثن في اليمين فيما بينه وبين أربعين يوما إذا نسي).

وخبر ابن القداح (5) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: الاستثناء في اليمين متى ذكر وإن كان بعد أربعين صباحا ثم تلا هذه الاية: (واذكر ربك إذا نسيت).

وخبر العاصمي عن الحسين بن زرارة 06) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سألته عن قول الله عزوجل (واذكر ربك إذا نسيت) فقال: إذا حلفت على يمين ونسيتأن تستثن فاستثن إذا ذكرت).

(1) التهذيب ج 8 ص 281 ح 21، الوسائل ج 16 ص 190 ب 29 ح 6.

(2) الكافي ج 7 ص 428 ح 3، الوسائل ج 16 ص 188 ب 29 ح 1 وفيهما (إذا قلت: والله لا أفعل كذاو كذا - فقل: ان شاء الله).

(3) الكافي ج 7 ص 447 ح 1، الوسائل ج 16 ص 189 ب 29 ح 2.

(4) الكافي ج 7 ص 448 ح 7 4 الوسائل ج 16 ص 189 ب 29 ح 3.

(5) الكافي ج 7 ص 448 ح 6، الوسائل ج 16 ص 189 ب 9 ح 4 وفيهما (متى ما ذكر).

(6) الكافي ج 7 ص 449 ح 8، الوسائل ج 16 ص 189 ب 29 ح


168

وفي صحيحة لابن القداح (1) كما في الفقيه مثل المتقدمة وزاد فيها (أن رسول الله صلى الله عليه واله أتاه اناس من اليهود فسألوه عن أشياه، فقال: تعالوا غدا احدثكم فلم يستثن فاحتبس جبرئيل عنه أربعين يوما ثم أتاه فقال: ولا تقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا

الا ان يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت ".

وقد روى العياشي في تفسيره (2) احاديث كثيرة في هذا المعنى، الا ان في بعضها أربعين شهرا بدل أربعين يوما، ولا عامل به، وربما حمل على الغلط أو على ما لو كان المقصد منها مجرد التبرك.

وقد جاء استحباب مشية الله بل اشتراطها في المواعيد ونحوها، ففي تفسير القمي في الصحيح (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (في حديث: أن قريشا سألوا رسول الله صلى الله عليه واله عن مسائل فيه قصة أصحاب أهل الكهف، فقال رسول الله صلى الله عليه واله: غدا اخبركم، ولم يستثن، فاحتبس الوحي عنه أربعين يوما حتى اغتم، وشك أصحابه، فلما كان بعد أربعين صباحا نزل عليه سورة الكهف إلى أن قال (ولا تقلولن لشئ إني فاعل ذلك غدا

إلا إن يشاء الله) فأخبره أنه احتبس الوحي عنه أربعين يوما لانه قال لقريش: غدا اخبركم عن جواب مسائلكم، ولم يستثن) وقد روى العياشي أيضا في تفسيره أحاديث كثيرة في هذا المعنى وكذلك أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره (4).

وقد احتلف الاصحاب في جواز استثناء المشية في غير اليمين من العقود والايقاعات، والمشهور المنع، وذلك لان التعليق بالمشية مما يضر باليمين، ولان شرطالعقود والايقاعات التنجيز، والتعليق ينافيه، ولو لا النص لدخلت اليمين في المنع.

(1) الفقيه ج 3 ص 229 ح 12، الوسائل ج 16 ص 190 ح 29 ح 7.

(2) تفسير العياشي ج 2 ص 324 و 325.

(3) تفسير القمي ج 2 ص 32، الوسائل ج 16 ص 186 ب 27 ح 1 عن أبي بصير.

(4) هذا ما قاله صاحب الوسائل - رحمه الله - بعد ذكره الرواية.


169

وللشيخ قول بصحته في العتاق والطلاق والاقرار، بمعنى أنه يوافقها أيضا استنادا إلى عموم مادل على دخوله في اليمين، وتعليق الطلاق والعتاق والاقرار على المشية يمين وإن كانت لا تنعقد، حيث إنها لا تنعقد إلا بالله والاسماء الخاصة كما تقدم في الظهار والايلاء، ولان اليمين والشرط متقاربان في الصيغة، وعلى قوله إنه يوقف الطلاق والعتاق بذلك كما يوقف اليمين، وهو في معنى البطلان على قول من أبطل ذلك بتعليقه على الشرط، وإنما تقع المخالفة عند القائل بصحة العقد والايقاع المعلقين وبطلان الشرط خاصة كما عليه ابن إدريس في سرائره، فإذا علق الطلاق ونحوه على المشية صح ولغى الشرط، والاصح بطلانهما،وهو قول الشيخ في الخلاف.

وأما الاقرار فمن قال بدخوله في الطلاق والعتق قال به في الاقرار، فحكم بإلغائه إذا تعقيبته المشية كما مر موقفا له ولا صالة براءة الذمة من موجبه.

ومذهب الاكثر ومنهم المحقق في الشرايع على عدم البطلان فيه، ويكون تعقيبه به كتعقيب الاقرار بالمبطل فيلغو الاستثناء ويلزمه الاقرار، وهذا هو الاقوى، وهذا كله إن قصد بالمشية التعليق.

وإن قصد التبرك لدلالة هذه الاخبار المتقدمة الدالة على استحباب إبقاعها في كل شئ كما هو صريح الاية والاخبار المفسرة لها لم يضر في الجميع حتى اليمين.

التاسعة: في بيان الحروف التي يقسم بها والاسماء والقائمة مقامها، وقد ثبت كونها لليمين بنص أهل اللغة والفقهاء، وهي ثلاثة أقسام نظرا إلى الاستعمال، وعدتها من الحروف الباء بالموحدة والواو والتاء والقسم الاول منها هو أصلها.

وتلي الباء الواو، ووجه قصورها عن الباء أن الباء تدخل على المظهر والمضمر بخلاف التاء.

وتلي الواو التاء، ووجه قصورها أنها لا تدخل من الاسماء إلا على الله تعالى كما قال: تالله تفتؤا تذكر يوسف) (1) (وتالله لاكيدن أصنامكم) (2)

(1) سورة يوسف - الاية 85.

(2) سورة الانبياء - الاية 57.


170

ولا تدخل على سائر الاسماء، وربما جاء شاذا تربي وترب الكعبة وترب الرحمن.

وتضعف دلالة هذه الحروف على القسم أن إقرارها (3) الباء، فإذا قال: بالله لا فعلن كذا، فإن نوى به اليمين فلا شك في كونه يمينا، وكذا يجب حمله عليها مع الاطلاق لاشتهار الصيغة في الحلف شرعا وعرفا.

ولو قال: لم ارد به اليمين وإنما أردت: وثقت بالله واعتصمت به أو أستعين أو أو من ثم ابتدأت لا فعلن فوجهان، أظهر هما القبول إذا لم يتعلق به حق آدمي كما ادعى عدم القصد، وهذا جار في الباء لاغير، بخلاف الواو والتاء، فليس بهذا الاحتمال وجه معهما، فمدعيه لا يسمع دعواه.

ولو قال: والله - برفع الهاء أو نصبها - فهو من اللحن، وقد اختلف في انعقاد اليمين به مع قصدها، وفيه قولان، والاقرب عدم الانعقاد.

ولو حذف حرف القسم

وقال: الله - بالجر - لا فعلن ونوى اليمين ففيه أيضا خلاف في كونه ينعقد به أو لا ينعقد، ومنشأ الخلاف ورود ذلك في اللغة وإنكان نادرا، فيحمل على اليمين والقرينة عليه موجودة، وقد استعمله النبي صلى الله وعليه واله فقال: الله ما أردت إلا واحدة، ولان الجر مشعر بالصلة الخافضية، ومن حيث إن العادة لم تستمر بالحلف كذلك ولا يعرفه إلا خواص الناس فلا ينعقد.

واستوجه القول الاول جماعة من المتأخرين، وقواه الشهيد الثاني في المسالك.

أما لو رفع أو نصب فالوجهان أيضا، والوقوع مع النصب أولى لتعيينه بعد الفعل، وقد نص الشيخ الرضي وجماعة من المتأخرين على وجوب النصب هنا لو قال: بالله وشدد اللام وحذف الفعل بعدها فهو غير ذاكر لاسم الله صريحا فإن البله هي الرطوبة، لكن إن نوى به اليمين فهو لحن شائع في ألسنة العوام والخواص.

وقد أجازت العرب حذف الالف في الوقف لان الالف يقتضي إسكان الهاء، فالوجه وقوع اليمين به مع قصده، ويحتمل العدم لكونه لحنا ظاهرا.

(1) كذل في النسخة، ولعل الصحيح (أن أصل افرادها الباء).


171

ولو قال: ها الله

ان يمينا، وقد أعده الشارع من صيغ القسم لان أصله لا والله، وهاء التنبيه مما يؤتى بها في القسم عند حذف حرفه، ويجوز فيها هاءالله بقطع الهمزة ووصلها، وكلاهما مع إثبات الالف وحذفها، قد نص عليه ابن مالك وابن هشام.

ويدل عليه من الاخبار ما تقدم في صحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: لا أرى للرجل أن يحلف إلا بالله، فأما الرجل: لا بل شانئك فإنه قول أهل الجاهلية، فلو حلف الرجل بهذا وأشباهه لترك الحلف بالله، فأما قول الرجل يا هنا ويا هناه فإنما ذلك لطلب الاسم ولا أرى به بأسا، وأما قوله لعمر الله وقوله لاهاء الله فإن ذلك من القسم بالله عزوجل).

وأما أيمن الله فقد تردد فيه جماعة من الفريقين إلا أن الانعقاد هو الاظهر لانه موضوع للقسم عرفا.

وكذا أيم الله وباقي لغاته الاتي ذكرها، وهذا اسم لا حرف خلافا للزجاج والرماني، وقد اختلفوا في أنه مفرد مشتق من اليمين أو جمع يمين، فالبصريون على الاول والكوفيون على الثاني، وهمزته همزة وصل على الاول وقطع على الثاني، واورد على الفائل بجمه أنه يجوز كسر همزته وفتح ميمه ولا يجوز مثل ذلك في الجمع من نحو: أفلس وأكلب.

ووجه تردد المحقق وجماعة في انعقاد اليمين به لاحتمال كونه جمع يمينفالقسم به لا بالله، وعلى القول الاخر فالقسم أيضا بوصف من أوصاف الله وهو يمنه وبركته لا باسمه، ومن أنه موضوع للقسم عرفا، والقسم بالوصف الذاتي الله كالقسم به ككبرياء الله وعظمته، وهذا هو الاقوى.

والاغلب في هذا رفعه بالابتداء وإضافته إلى اسم الله، والتقدير أيم الله قسمي ويجوز جره بحرف القسم وإضافته إلى الكعبة وكاف الضمير.

وأما أيم الله وما بعده فمقتطع من أيمن تخفيقا بحذف بعض حروفه أو إبداله لكثرة الاستعمال.

(1) الكافي ج 7 ص 449 ح 1 وفيه (يا هياه ويا هناه لا هاه)، الوسائل ج 16 ص 191 ب 30 ح 4 وفيه (لاب لشانئك ولو حلف الناس - ياهناه وياهناه).


172

وقد نقل غير واحد من متاخري المتأخرين عن ابن بري في الاستدراك على الصحاح في هذه الكلمات إحدى وعشرين لغة، أربع في أيمن فتح الهمزة وكسرها مع ضم النون وفتحها، وأربع في ليمن باللام المكسورة والمفتوحة والنون المفتوحة والمضومة، ولغتان في يمن بفتح النون وضعها، وثلاث لغات في أيم بفتح الهمزة وكسرها مع ضم الميم وبفتح الهمزة مع فتح الميم، ولغتان في امبكسر الميم وضمها مع كسر الهمزة فيهما، وثلاث في من بضم الميم والنون وفتحها وكسرهما وم بالحركات الثلاث، وكل ذلك يقسم به.

ويدل عليه من الاخبار صحيحة الحلبي (1) كما في الفقيه وهي الصحيحة المتقدمة إلا أنه قال في آخرها (وأما قول الرجل لعمر الله وأيم الله فإنما هو بالله).

وفي خبر علي بن جعفر (2) كما في كتاب قرب الاسناد وصحيحه كما في كتاب المسائل له عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام مثل ما في صحيح الحلبي في الفقيه.

العاشرة: في الحالف وبيان شرائطه،

ويعتبر فيه القصد

تقدم في صيغته واشتراط النية، وقد خرج بهذا الشرط يمين السكران والغضبان والنائم فلا يتجه إلا في الكامل الخالي من موانع القصد، لكنه قد لا يقصد وقد يربط قصده بالصيغة خاصة، وقد لا يتوجه قصده إليها فيكون لاغيا بحلفه ولا شبهة في انعقاد ها بالقصد إلى اليمين مع باقي الشرائط.

وقد خالف بعض العامة حيث حكم بانعقاد اليمين بالقسم الصريح وإن لم يقصد.

وإنما يتوقف على القصد ما ليس بصريح كالكناية ونحوها.

ولا تتوقف صحة اليمين على الاسلام ولا على الايمان إذا حلف بالله وإن لميكن يعرفه كمال المعرفة وسواء كان مقرا به أولم يكن مقرا، وهذه المسألة من مسائل الخلاف عند الفريقين، وما ذكرناه هو الاشهر، وهو الذي اختاره المحقق

(1) الفقيه ج 3 ص 230 ح 16، الوسائل ج 16 ص 191 ب 30 ح 4.

(2) قرب الاسناد ص 121.


173

في الشرايع والشيخ في المبسوط، واعتمده جل المأخرين لوجود المقتضي وهو حلف بالله تعالى مع باقي الشرائط وانتفاء المانع، إذا ليس هناك إلا كفره وهو غير مانع لتناول الادلة الدالة على انعقاد اليمين له من الايات والاخبار عموما وخصوصا ولان الكفار مخاطبون بفروع بشرايع ما سوى العبادات فيدخلون تحت عموم قوله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) (1) وغيره.

وقال الشيخ في الخلاف وابن إدريس في سرائره: لا تنعقد مطلقا لان شرط صحتها الحلف بالله، والكافر لا يعرف الله.

وفي إطلاق كل من القولين معا منع ظاهر.

ومن هنا ذهب العلامة في المختلف إلى تفصيل جيد في المسألة فقال: إنكان كفره باعتبار جهله بالله تعالى وعدم علمه به لم تنعقد يمينه لانه يحلف بغير الله، ولو عبر به فعبارته لغو لعدم اعتقاده ما يقتضي تعظيمه بالحلف به.

وإن كان جحده باعتبار لنبوة أو فريضة انعقدت لوجود المقتضي وهو الحلف بالله تعالى من عارف به إلى آخر ما يعتبر من الشرائط وتوقف فعل المحلوف عليه إن كان طاعة.

والتكفير على تقدير الحنث على الاسلام لا يمنع أصل الانعقاد لانه مشروط بشرط زائد على أصل اليمين، فلا ملازمة بينهما، وفائدة الصحة تظهر في بقاء اليمين لو أسلم في المطلقة أو قبل خروج الموقتة، وفي العقاب على متعلقها لو مات على كفره ولما يفعله لا في تدارك الكفارة لو سبق الحنث الاسلام لانها تسقط عنه به.

هكذا كله في اليمين المتبرع بها.

أما ما فيما الزم بها في الحقوق والدعاوى فلا إشكال وإن غلظها بإضافة بيعهم وكنائسهم وكتبهم وقد تقدم الكلام على ذلك.

ففي صحيحة سليمان بن خالد (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (لا يحلف اليهودي ولا نصراني ولا المجوسي بغير الله، إن الله عزوجل يقول: فاحكم بينهم بما

(1) سورة المائدة - آية 89.

(2) الكافي ج 7 ص 451 ح 4، الوسائل ج 16 ص 196 ب 32 ح 1.


174

أنزل الله) (1).

وصريح الحلبي (2) (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أهل الملل يستحلفون، فقال: لا تحلفوهم إلا بالله عزوجل).

وخبر جراح المدائني (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: لا يحلف بغير الله وقال: اليهودي والنصراني والمجوسي لا تحلفوهم إلا بالله).

وخبر سماعة (4) وحسن الحلبي (5) إلى غير ذلك من الاخبار الذي مر ذكرها شاهدة بذلك.

وأما ما جاء من إحلافهم بغير الله كخبر السكوني (6) وخبر محمد بن مسلم (7) وخبر الحسين بن علوان (8) وخبر محمد بن عمران (9) فمن باب التغليظ وإلزامهم بما إلزاموا به أنفسهم.

وبقي الكلام في أنه على تقدير الانعقاد لو حنث ولزمته الكفارة فهل تصح منه حال كفره مطلقا أو لا تصح مطلقا أو التفصيل المتقدم ؟ فالذي يظهر من مذهب الاصحاب عدم صحتها منه حال كفره مطلقا لانها من العبادات المشروطة بالقربةكالاطعام والكسوة، وهذا القول قد صرح به من صحح يمينه حال الكفر، وأما بقية الاقوال فهي للعامة.

(1) سورة المائدة - آية 48.

(2) الكافي ج 7 ص 450 ح 1، الوسائل ج 16 ص 197 ب 32 ح 3.

(3) الكافي ج 7 ص 451 ح 5، الوسائل ج 16 ص 196 ب 32 ح 2.

(4) الكافي ج 7 ص 451 ح 2، الوسائل ج 16 ص 197 ب 32 ح 5.

(5) التهذيب ج 8 ص 279 ح 8، الوسائل ج 16 ص 198 ب 32 ح 6.

(6) الكافي ج 7 ص 451 ح 3، الوسائل ج 16 ص 197 ب 32 ح 4.

(7) الفقيه ج 3 ص 236 ح 47، الوسائل ج 16 ص 198 ب 32 ح 9.

(8) قرب الاسناد ص 32، الوسائل ج 16 ص 199 ب 32 ح 11.

(9) الكافي ج 4 ص 181 ح 7، الوسائل ج 7 ص 179 ب 2 ح 3.


175

الحادية عشرة: قد ثبت في الفتوى والادلة عدم انعقاد يمين الولد مع والده إلا مع إذنه، وكذا يمين المرأة مع زوجها، والمملوك مع سيده إلا أن تكوناليمين في فعل واجب أو ترك قبيح، ولو حلف أحد هذه الثلاثة من غير إذن كان للاب والزوج والمالك حل اليمين في المشهور ولا كفارة.

وكأن هذا الكلام مبني أن عدم الاذن يوقفها لانها لا تقع باطلة وإنما المبطل لها النهي، وهذا الذي اعتمده المشهور، والاقوى البطلان كما هو ظاهر الادلة، إذ أقرب المجازات إلى الحقيقة هي في الصحة لا اللزوم كما قررناه غير مرة.

ففي صحيح منصور بن حازم (1) كما في الفقيه وفي حسنه (2) كما في الكافي التهذيب عن أبي جعفر عليه السلام في الاول وأبي عبد الله عليه السلام كما في الكتابين (قال: قال رسول صلى الله عليه واله: لا يمين للولد مع والده ولا للمرأة مع زوجها ولا للمملوك مع مولا ء).

وخبر ابن القداح (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: لا يمين للولد مع والده ولا للمرأة مع زوجها وللمملوك مع سيده).

وخبر حماد بن عمار (4) وأنس بن محمد كما في الفقيه والمجالس عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام في وصية النبي صلى الله عليه واله لعلي عليه السلام (قال: ولا يمين لولد مع والده ولاامرأة مع زوجها ولا لعبد مع مولاه).

(1) الفقيه ج 3 ص 227 ح 1، الوسائل ج 16 ص 155 ب 10 ح 2.

(2) الكافي ج 7 ص 440 ح 6، التهذيب ج 8 ص 285 ح 42.

(3) الكافي ج 7 ص 439 ح 1، الوسائل ج 16 ص 155 ب 10 ح 1 وفيهما (ولا للمملوك).

(4) الفقيه ج 4 ص 265 س 13، الوسائل ج 16 ص 156 ب 10 ح 3 وفيهما (حماد ابن عمرو - ولا لامرأة).


176

وفي الامالي عن منصور بن حازم (1) وكذا في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى وكذا في أمالي الحسن ابن الشيخ محمد الطوسي عن أبي جعفر عليه السلام مثله.

وقد احتج المشهور على دعواه بعموم الاية الدالة على وجوب الوفاء باليمين مثل قوله تعالى (ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها) (2) وقوله (لكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان) إلى قوله (إذا حلفتم) (3) وقوله (واحفظوا أيمانكم) (4).

ولا شك أن هذه الايات نعم صورة النزاع خرج منه ما إذا نهى الاب والمولىوالزوج فبقي الباقي، ولان البطلان إنما لحق أحد الثلالثة فإذنه ليس سببا في الصحة ولا عدم إذنه مانعا وإنما المانع في الحقيقة نهيه، و يرده ما ذكرناه.

وأما عموم الايات فليس بنافع لان المراد منها الايمان المستكملة الشرائط ونحن نمنع وقوعها بدون إذن فضلا عن تو كيدها.

وأما دعوى أن الامر بامتثال مقتضى اليمين وحفظها موقوف على وقوعها صحيحه إجماعا وكون الاذن ليس سببا في الصحة ولا عدم الاذن مانعا مصادرة عن المطلوب، فإن الدليل وقول المحققين مشعر ان بأن إذنه شرط أو سبب وأن عدم إذنهم مانع، وأما كون نهيه مانعا فلم يتضمنه أثر ولا خبر، وتظهر فائدة القولين فيما لو زالت الولاية بفراق الزوج وعتق المملوك وموت الاب قبل الحل بالنهي في المطلقة أو مع بقاء الوقت في الموقتة.

فعلى المشهور تنعقد اليمين، وعلى الاخبار والمختار هي باطلة من أصلها بدون الاذن مطلقا.

وقد وقع في عبارة الشرايع ما يتضمن القولين فيقع التناقض فيها في البين

(1) أمالى الصدوق مجلس 60 ص 309 ح 4 طبع بيروت، الوسائل ج 16 ص 156 ب 11 ح 1.

(2) سورة النحل - آية 91.

(3) و (4) سورة المائدة - آية 89


177

حيث قال أولا: ولا تنعقد من الولد مع والده إلا مع إذنه، وكذا يمين المرأة والمملوك إلا أن تكون اليمين في فعل واجب أو ترك قبيح وهذا صريح في الشرطية ثم قال: ولو حلف أحد الثلاثة في غير ذلك كان للزوج والولد والمالك حل اليمين ولا كفارة وهذا يقتضي انعقادها إذ لا حل إلا بعد الانعقاد، وكأنه أراد أنها لا تنعقد انعقادا تاما بل متوقفا على الاذن ومن ثم كان الاذن اللاحق بعده مصححا، فلو كانت منحلة لم يوثر فيها الحل بعدها.

ولو حلف بالصريح وقال: لم ارد اليمين قبل منه ودين بنيته، وذلك لأن القصد من الامور الباطنة التى لا يطلع عليها غيره فيرجع إليه، ولجريان العادة كثيرا بإجراء ألفاظ اليمين من غير قصد كما صرحت به الاية والرواية، بخلاف العتاق والطلاق والاقرار ونحوها فإنه لا يصدق لتعلق حق الادمي به وعدم اعتياد عدم القصد فيه، فدعواه عدم القصد الظاهر.

ولو فرض اقتران تلك اليمين بما يد ل على قصده كان دعواه خلافه خلاف الظاهر، فيتجه عدم قبوله من هذا الوجه، لكن مقتضى العلة الاولى وإطلاق فتاواهم هو القبول وإطلاق الولد شامل لجميع الطبقات، وللمتمتع بها والدائم والمملوك المبعض والمكاتب والمدبر والقن والمشترك والمختص والامة المزوجة ذات الأب تتوقف يمينها على الثلاثة، ويشمل المؤمن والكافر في الطرفين، وهذه الفروع لم ينقحوا مناطها إلا أن الأدلة وإطلاق الفتوى يشملها.

الثانية عشرة: أن اليمين على الفعل الماضي غير منعقدة ولا كفارة لها عندنا سوى الاستغفار، خلافا للشافعية حيث أو جبوها لها وحكموا بانعقاد اليمين على الماضي مطلقا، عملا بعموم الآيات ولاطلاق اليمين عليها في عدة من أخبار المسألة مثل قوله صلى الله عليه واله (1) (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وهو حلف على الماضي.

(1) عوالي اللئالى ج 2 ص 258 ح 10.


178

ولو تضمت الغموس ظلما بعلمه ر تعمده فكفارته مع الاستغفار رده والاخباربهذا الحكم مشهورة.

ففي مرسلة علي بن حديد (1) عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: الايمان ثلاث: يمين ليس فيها كفارة ويمين فيها كفارة ويمين فيها غموس توجب النار، فاليمين التي ليس فيها كفارة الرجل يحلف على باب بر أن لا يفعله فكفارته أن يفعله، واليمين التي توجب فيها الكفارة الرجل يحلف على باب معصية أن لا يفعله فيفعله فيجب عليه الكفارة، واليمين الغموس التي توجب النار الرجل يحلف على حق رجل مسلم على حبس ماله).

وخبر السكوني (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قال أمير المومنين عليه السلام في رجل قيل له: فعلت وكذا وكذا، فقال: لا والله ما فعلته وقد فعله، فقال: كذبة كذبها يستغفر الله منها).

ومرسلة الفقيه (3) (قال: قال الصادق عليه السلام: اليمين على وجهين) إلى أن قال: (وأما التي عقوبتها دخول النار فهي أن يحلف الرجل على مال امري مسلم أو على حقه ظلما فهذه يمين غموس توجب النار ولا كفارة عليه في الدنيا).

وفي عقاب الاعمال بسند صحيح إلى علي بن حديد (4) عن بعض أصحابنا أيضا عنأبي عبد الله عليه السلام (قال: اليمين الغموس التي توجب النار الرجل يحلف على حق امرئ مسلم على حبس ماله).

(1) الكافي ج 7 ص 348 ح 1، الوسائل ج 16 ص 153 ب 9 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الكافي ج 7 ص 463 ح 19، الوسائل ج 16 ص 154 ب 9 ح 2.

(3) الفقيه ج 3 ص 231 ح 25، الوسائل ج 16 ص 154 ب 9 ح 3.

(4) عقاب الاعمال ص 271 ح 9 طبع مكتبة الصدوق وفيه (عن على عن حريز عن بعض أصحابه)، الوسائل ج 16 ص 154 ب 9 ح 4 وفيه (عن على عن حديد).


179

وخبر حريز (1) المرسل كما في محاسن البرقي عن أبي عبد الله عليه السلام مثله.

وخبر الحسين بن المختار (2) كما في ذلك الكتاب أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام (وقال: إن الله ليبغض المنفق سلعته بالايمان).

وخبر أبي حمزة (3) عن علي بن الحسين عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا تحلفوا إلا بالله ومن حلف بالله فليصدق ومن لم يصدق فليس من الله).

وفي مرسلة به (4) ومسند عقاب الاعمال عن الحسين بن المختار (5) عن أبي عبد الله عليه السلام ثم ذكر مثل حديثه الاول.

وخبر أبي أيوب الخزاز (6) عن أبي عبد الله عليه السلام وهو صحيح في الفقيه وقد رواه في حلف الامالي أيضا وفي طريقه عثمان بن عيسى كما في محاسن البرقي (من حلف بالله فليصدق ومن لم يصدق فليس من الله في شئ).

والاخبار بهذا المضمون كثيرة، وحيث إنها إنما تنعقد على المستقبل يشترط فيه أن يكون واجبا أو مندوبا أو ترك قبيح أو ترك مكروه أو مباحا يتساوى فعله وتركه أن يكون البر أرجح ولو خالف أثم ولزمته الكفارة، ولو حلف على ترك ذلك لم ينعقد ولم تلزمه الكفارة مثل أن يحلف لزوجته أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى أو تحلف هي كذلك أو تحلف أنها لا تخرج معه ثم احتاجت إلى الخروج، وهذه هي القاعدة المتفق عليها بين الاصحاب

في متعلق اليمين،

وقد

(1) المحاسن ص 119 ح 132، الوسائل ج 16 ص 155 ب 9 ذيل ح 4.

(2) المحاسن ص 119 ذيل ح 131، الوسائل ج 16 ص 155 ب 9 ح 5.

(3) الكافي ج 7 ص 438 ح 1، الوسائل ج 16 ص 151 ب 6 ح 1.

(4) كذا في النسخة، ولعل المراد به الفقيه.

(5) عقاب الاعمال ص 272 ح 12، الوسائل ج 16 ص 151 ب 6 ح 2.

(6) الكافي ج 7 ص 438 ح 2، الفقيه ج 3 ص 299 ح 10، أمالى الصدوق ص 391 مجلس 730 ح 7 طبع بيروت، المحاسن ص 120 ح 133، الوسائل ج 16 ص 151 ب 6 ح 3.


180

ذكروا ضابطه بما إذا كان راجحا ومتساوي الطرفين، ومتى كان الرجحان في نقيصه دينا أو دنيا لم تنعقد.

ورواياتهم به كثيرة قدمر كثير منها في النكاح.

فمنها صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) عن الصادق عليه السلام (قال: إذا حلف الرجل على شئ والذي حلف عليه إتيانه خير من تركه فليأت الذي هو خير ولا كفارة عليه فإن من خطوات الشيطان).

وصحيح زرارة (2) عن أحدهما علهيما السلام (قال: سألته عما يكفر من الايمان فقال: ما كان عليك أن تفعله فحلفت أن لا تفعله ففعلته فليس عليك شئ إذا فعلته وما لم يكن عليك واجبا أن تفعله فحلف أن لا تفعله ثم فعلته فعليك الكفارة).

ومثله صحيحته الاخرى (3) كما في الكافي والتهذيب.

وخبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سألته عن الرجل يقسم على الرجل في الطعام ليأكل فلم يطعم، هل عليه في ذلك الكفارة ؟ وما اليمين التي تجب فيها الكفارة ؟ فقال: الكفارة في الذي يحلف على المتاع أن لا يبيعه ولا يشتريه ثم يبدو له فيكفر عن يمينه، وإن حلف على شئ والذي حلف عليه إتيانه خير من تركه فليأت الذي هو خير ولا كفارة عليه).

وصحيح عبد الرحمان بن الحجاج (5) كما في التهذيب والكافي (قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ليس كل يمين فيها كفارة، فأما ما كان منها مما أوجب

(1) الكافي ج 7 ص 443 ح 1، الوسائل ج 16 ص 175 ب 18 ح 2 وفيهما (وانما ذلك).

(2) الكافي ج 7 ص 346 ح 4، الوسائل ج 16 ص 183 ب 24 ح 4.

(3) الكافي ج 7 ص 446 ح 5، التهذيب ج 8 ص 291 ح 70، الوسائل ج 16 ص 183 ب 24 ح 3.

(4) الكافي ج 7 ص 446 ح 6، الوسائل ج 16 ص 184 ب 24 ح 5.

(5) الكافي ج 7 ص 445 ح 2، التهذيب ج 8 ص 291 ح 68، الوسائل ج 16 ص 182 ب 24 ح 1.


181

الله عليك أن تفعله فحلف أن لا تفعله فليس عليك فيه الكفارة، وأما ما لم يكن مما أوجب الله عليك بأن تفعله فحلفت أن لا تفعله ثم فعلته فعليك الكفارة).

وخبر حمران (1) (قال: قلت لابي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام: اليمين التي تلزمني فيها الكفارة، فقالا: ما حلفت عليه مما الله فيه طاعة أن تفعله فلم تفعله فعليك فيه الكفارة، وما حلفت عليه مما لله فيه المعصية فكفارته تركه.

وما لم يكن فيه معصية ولاطاعة فليس هو بشئ).

وفي صحيح أحمد بن محمد بن بن أبي نصر (2) كما في التهذيب عن أبي الحسن عليه السلام (قال: إن أبي عليه السلام كان حلف على بعض امهات أولاده أن لا يسافر بها، فإن سافر بها فعليه أن يعتق نسمة تبلغ مائة دينار.

فأخرجها معه وأمرني فاشتريت نسمة بمائة دينار فأعتقها).

وهذا الخبر محمول علي الاستحباب عند الاكثر إبقاء لتك القاعدة.

وفي صحيح محمد بن مسلم (3) قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الايمان والنذور واليمين التي هي لله طاعة، فقال: ما جعل لله عليه في طاعة فليقضه.

فإن جعل لله شيئا من ذلك ثم لم يفعل فليكفر عن يمينه، وما كان يمين في معصية فليس بشئ).

وموثق زرارة (4) بل صحيحة عن أبي جعفر عليه السلام (قال: كل يمين حلفت عليها لك فيها منفعة في أمر دين أو دنيا فلا شئ عليك فيها، وإنما تقع عليك الكفارة فيما حلفت عليه فيما لله فيه معصية أن لا تفعله).

(1) الكافي ج 7 ص 446 ح 3، الوسائل ج 16 ص 183 ب 24 ح 2.

(2) التهذيب ج 8 ص 302 ح 113 وفيه اختلاف يسير، الوسائل ج 16 ص 184 ب 24 ح 6.

(3) الكافي ج 7 ص 446 ح 7، الوسائل ج 16 ص 181 ب 23 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(4) الكافي ج 7 ص 445 ح 1، الوسائل ج 16 ص 181 ب 23 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.


182

وصحيحه الاخر (1) عن أبي جعفر عليه السلام كما في الكافي والتهذيب (قال: كل يمين حلف عليها أن لا يفعلها مما له فيه منفعة في الدنيا والآخرة فلا كفارة عليه وإنما الكفارة في أن يحلف الرجل: والله لا أزني والله لا اشرب الخمر والله لا أسرق والله لا أخون وأشباه هذا ولا أعصي ثم فعل فعليه الكفارة).

والأخبار بهذا المضمون أكثر من أن تحصى، وقد خالف في هذه القاعدة العامة عامة، فأوجبوا الكفارة بالمخالفة وإن كانت أولى لرواية رووها لذلك.

واعلم أن الاولوية في المباح ممنوعة لمساواة طرفيه، فلو طرأت بعد اليمين وكان البر أولى في الابتداء ثم صارت المخالفة أولى اتبعت المخالفة ولا كفارة ولو تجدد ما يوجب البر بعد ذلك، فإن خالف مقتضى اليمين انحلت وإلا اتبع الطاري، وأيضا، وهكذا.

وأما الحلف على أن لا يتزوج أو لا يسترى فقد جعل مثالا للحلف على ترك الراجح لما تقدم من كون النكاح راجحا في الجملة سواء منع من النقيض أو لا، فالحلف على تركه لم ينعقد، هذا إذا جعلنا النكاح حقيقة في الوطء.

فلو جعلناه حقيقة في العقد لم يدخل التسري لانه وطء الامة مع التحذيرأو بدونه، فإذا حلف على ترك التسري اعتبر في صحة اليمين رجحانه أو تساوي الطرفين، فلو كان تركه أرجح ولو في الدنيا لبعض العوارض انعقدت اليمين وحنث بالفعل، وبهذا قد صرح الشيخ في الخلاف.

وربما استفيد من عدم انعقاد اليمين لامرأته على ترك التزويج أنه لا كره تزويج الثانية فصاعدا.

وإلا لانعقدت اليمين تركه، وهو أصح القولين في المسألة لمن وثق من نفسه بالعدل.

وعلى القول بالكراهة كما عليه الشيخ يحمل انعقاد يمينه على كون الحالف

(1) الكافي ج 7 ص 447 ح 8، الوسائل ج 16 ص 181 ب 23 ح


183

ممن تنعقد اليمين في حقه لعارض اقتضى رجحان تزويجه كما فوضوا اليمين على ترك كثير من الامور الراجحة بمجرد العارض ولا تنعقد اليمين على فعل غيره كما لو قال: والله ليفعلن زيد كذاو كذا فإنها لا تنعقد في حق المقسم عليه ولا القاسم إذا قال لغيره: أسألك بالله لتفعلن أو اقسم عليك أو نحو ذلك.

أما عدمانعقادها في القسم عليه فلانه لم يوجد منه لفظ ولا قصد، وأما في حق القاسم فلان اللفظ ليس صريحا في القسم لانه عقد اليمين لغيره لا لنفسه.

نعم يستحب للمخاطب إبرار قسمه للاخبار المستفيضة لان فيه إكرامه.

وقد روته العامة والخاصة.

ففي مرسلة عبد الله بن سنان (1) عن علي بن الحسين عليهما السلام (قال: إذا أقسم الرجل على أخيه فلم يبر قسمه فعلى المقسم عليه كفارة يمين).

وهو قول لبعض العامة، وقد حمل الاكثر على الاستحباب، وإرسال هذا الحديث يمنع من حمله على الوجوب ولمعاوضته بما هو أقوى منه مما دل على نفي الكفارة.

مثل موثقة ابن فضال (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سئل عن الرجل يقسم على أخيه، قال: ليس عليه شئ إنما أراد إكرامه).

وخبر عبد الرحمان بن أبي عبد الله (3) (قال: سألته عن الرجل يقسم على الرجل في الطعام ليأكل، هل عليه في ذلك الكفارة ؟ وما اليمين التي تجب فيها الكفارة ؟ فقال: الكفارة في الذي يحلف على المتاع أن لا يبيعه ولا يشتريه ثم يبدو له فيكفر عن يمينه).

(1) التهذيب ج 8 ص 292 ح 72، الوسائل ج 6 ص 210 ب 42 ح 4 وفيهما (فعلى المقسم كفارة يمين).

(2) الكافي ج 7 ص 462 ح 12، الوسائل ج 16 ص 209 ب 42 ح 1.

(3) الكافي ج 7 ص 446 ح 6 وفيه (ليأكل كل فلم يطعم - يبدو له فيه)، الوسائل ج 16 ص 209 ب 42 ح 2 وفيه (ليأكل فلم يأكل).


184

وفي صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) أيضا (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقسم على الرجل في الطعام يأكل معه فلم يأكل، هل عليه في ذلك كفارة ؟ قال: لا).

وفي خبر محمد بن مسلم (2) كما في الفقيه (قال: سألت أحدهما عليهما السلام عن رجل قالت له امرأته: أسألك بوجه الله إلا ما طلقتني، قال: يوجعها ضربا أو يعفو عنها).

وفي مثله ما في خبره الاخر (3) كما في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى.

وفي نوادره عن ابن بكير بن أعين (4) عن أبيه (قال: إن اخت عبد الله جد ابن المختار دخلت على اخت لها مريضة، فقالت لها اختها: افطري، فأبت،فقالت أختها: جاريتي حرة إن لم تفطري أو كلمتك أبدا، فقالت اختها: جاريتي حرة إن أفطرت، فقالت الاخرى: فعلي المشي إلى بيت الله وكل مالي في المساكين إن لم تفطري، فقالت: علي مثل ذلك إن أفطرت، فسئل أبو جعفر عليه السلام عن ذلك فقال: فلتكلمها فإن هذا كله ليس بشئ إنما هو من خطوات الشيطان).

وهذه الاخبار لاشك في رجحانها على خبر عبد الله بن سنان لتعددها وكثرتها ومطابقتها القواعد الشرعية.

الثالثة عشرة: أن اليمين في المستحيل لا تنعقد، مثل قوله: والله لاصعدن السماء، بل تقع اليمين لاغية لانها إنما تقع على ما يمكن وقوعه حتى لو تجدد العجز انحلت اليمين، ولا فرق في عدم انعقاد اليمين على غير المقدور بين المستحيل عادة كصعود السماء أو عقلا كالجمع بين النقيضين أو شرعا كترك الصلاة مع كونه مكلفا بها.

(1) التهذيب ج 8 ص 287 ح 49، الوسائل ج 16 ص 210 ب 42 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 3 ص 228 ح 8، الوسائل ج 6 ص 210 ب 42 ح 5.

(3) الوسائل ج 16 ص 210 ح 5.

(4) الوسائل ج 16 ص 211 ب 42، وفيه (اخت لها وهى مريضة).


185

ولو كان الفعل ممكنا في نفسه وكان الحالف قد عجز عنه في الحال كما لو حلف أن يحج ما شيا في هذا العام وهو عاجز عنه فيه لم ينعقد.

ولو تجددت القدرة بعد السنة ولو انعكس الفرض فكان قادرا حالة اليمين ثم عرض له العجز قبل الفعل انحلت تلك اليمين بالعجز لفقد الشرط مع كونه موسعا فلم يعد بالتأخير مقصرا.

لكن لو تجددت القدرة بعد العجز في غير المقيد بالوقت أو فيه قبل خروجه وجب.

الرابعة عشرة: لا تنعقد اليمين حال الغضب ولامع الاكراه وإن قصد إليها ولا في معصية، وهذا الحكم متفق عليه، والاخبار به مستفيضة.

فمنها خبر عبد الله بن سنان (1) (قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا يمين في غضب ولا في قطيعة رحم ولا في جبر ولا في إكراه، قال: قلت: أصلحك الله فما الفرق بين الجبر والاكراه ؟ قال: الجبر من السلطان ويكون الاكراه من الزوجة والام والاب، وليس ذلك شئ).

وصحيح الحلبي (2) كما في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي الحسن عليه السلام (قال: سألته عن الرجل يستكره على اليمين ويحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك ؟ فقال: لا، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: وضع عن امتي ما اكرهوا عليه وما لا يطيقون وما أخطأوا).

وصحيح سعد بن أبي خلف (3) (قال: قلت لابي الحسن موسى عليه السلام: إني كنت اشتريت أمة سرا من امرأتي وأنه بلغها ذلك، فخرجت من منزلي وأبت أن ترجع إليه، فأتيتها وقلت لها) إلى أن قال: فقالت: لا والله لا يكون بينى وبينك خير أبدا حتى تحلف لي بعتق كل جارية لك وبصدقة مالك إن كنت اشتريت هذه

(1) الكافي ج 7 ص 442 ح 16، الوسائل ج 16 ص 172 ب 16 ح 1.

(2) الوسائل ج 16 ص 173 ب 16 ح 6.

(3) الكافي ج 7 ص 442 ح 18، الوسائل ج 16 ص 172 ب 16 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.


186

الجارية وهي في ملكك اليوم، فحلفت لها إلى أن قال: (فقال عليه السلام: ليس عليكفيما أحلفتك عليه شئ).

وقد تقدم ذلك مستوفى الاخبار والادلة فلا حاجة إلى إعادة بقيتها.

الخامسة عشرة: لا يجوز للرجل أن يحلف إلا على العلم، وكذا لا يحلف غيره.

وبهذا منع من اليمين إذا لم يحصل العلم العادي، فلو حلف ولم يعلم عد من اليمين الفاجرة والمتعمد الحلف على الكذب من غير ضرورة ولا تقية).

ففي صحيحة هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يحلف الرجل إلا على علمه).

وفي صحيحه الاخر (2) عن أبي عبد الله عليه السلام أيضا (قال: لا يستحلف الرجل إلا على علمه، ولا تقع اليمين إلا على العلم استحلف أو لم يستحلف).

وخبر أبي بصير (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: لا يستحلف الرجل إلا على علمه).

وخبر يونس (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: لا يستحلف الرجل إلا على علمه).

هذا إذا لم يكن مضطرا إلى اليمين، فإن اضطر جاز حلفه وإن علم ضده، وقد مر جملة من الاخبار في أوائل كتاب الايمان دالة على ذلك، وذلك إذا كانت الغايةالمقتضية لذلك هي الراجحة كالمشتملة على تخليص مؤمن من الضرر أو استنقاذ مال من الظالم ولو لنفسه.

(1) الكافي ج 7 ص 445 ح 1، الوسائل ج 16 ص 180 ب 22 ح 1.

(2) الكافي ج 7 ص 445 ح 4، الوسائل ج 16 ص 180 ب 22 ح 4 وفيهما (عن يونس عن بعض أصحابه).

(3) الكافي ج 7 ص 445 ح 2، الوسائل ج 16 ص 180 ب 22 ح 2.

(4) الكافي ج 7 ص 445 ح 3، الوسائل ج 16 ص 180 ب 22 ح 3 وفيهما (عن هشام بن سالم - لا يحلف).


187

ومن تلك الاخبار صحيح إسماعيل بن سعد الاشعري (1) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام (في حديث قال: سألته عن رجل يخاف على ماله من السلطان فيحلف لينجو به منه، قال: لا جناح عليه.

فسألته: هل يحلف الرجل على مال أخيه كما يحلف على ماله ؟ قال نعم).

وفي خبر السكوني (2) عن جعفر عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام (قال: قال رسولالله صلى الله عليه واله: احلف بالله كاذبا ونج أخاك من القتل).

وصحيحة العيص عن الحسن بن قرة عن مسعدة (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال ما آمن بالله من أوفى لهم بيمين).

وموثق زرارة (4) (قال: قلت لابي جعفر عليه السلام: نمر بالمال على العشار فيطلبون منا أن نحلف لهم ويخلون سبيلنا ولا يرضون منا إلا بذلك، قال: احلف لهم فهو أحل لهم من التمر والزبد).

(قال: (5) وقال أبو عبد الله عليه السلام: التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم به حين تنزل به).

وصحيح الحلبي (6) (أنه سأل أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحلف لصاحب العشور يحرز بذلك ماله ؟ قال نعم).

قال (7) وقال الصادق عليه السلام: (اليمين على وجهين، إلى أن قال: فأما التي يؤجر عليها الرجل إذا حلف كاذبا ولم تلزمه الكفارة فهو أن يحلف الرجل في خلاص امرئ مسلم أو خلاص ماله من متعد يتعدى عليه من لص أو غيره).

(1) الكافي ج 7 ص 440 ح 4، الوسائل ج 16 ص 162 ب 12 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 300 ح 103، الوسائل ج 16 ص 162 ب 12 ح 4.

(3) التهذيب ج 8 ص 301 ح 109، الوسائل ج 16 ص 163 ب 12 ح 5 وفيهما (من وفى).

(4) و (5) الفقيه ج 3 ص 230 ح 14 و 15، الوسائل ج 16 ص 163 ب 12 وح 6 و 7.

(6) و (7) الفقيه ج 3 ص 231 ح 21 و 25، الوسائل ج 16 ص 163 ب 12 ح 8 و 9.


188

وصحيح الفضل بن شاذان (1) كما في عيون أخبار الرضا عن الرضا عليه السلام في كتابه إلى المأمون (قال: والتقية في دار التقية واجبة، ولا حنث على من حلف تقية يدفع بها عن نفسه).

وموثق زرارة (2) كما في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي جعفر عليه السلام (قال: قلت له إنا نمر على هؤلاء القوم فيستحلفونا على أموالنا وقدأدينا زكاتها، فقال: يا زرارة إذا خفت فاحلف لهم ما شاؤا).

وعن معمر بن يحيى (3) في الصحيح (قال: قلت لابي جعفر عليه السلام إن معي بضائع الناس ونحن نمر بها على هؤلاء العشار فيحلفونا عليها فنحلف لهم قال:وددت أني أقدر أن اجيز أموال الناس كلها وأحلف عليها كلما خاف المؤمن على نفسه فيه ضرورة فله فيه التقية).

والاخبار بهذا المعنى بالغة حد الاستفاضة، ولا يحتاج من ذلك للتورية بعد مجئ هذه الرخصة والاوامر بها، بل وربما كانت واجبة لا يحل التخلف عنها.

السادسة عشرة: قد مر أن من حلف يمينا ثم رأى مخالفتها خيرا من الوفاء بها جاز له المخالفة، بل استحب له ذلك ولا كفارة عليه، وقد جاء بذلك أخبار مستفيضة غير ما تقدم مثل صحيح الاعرج (4) وصحيح عبد الرحمان بن أبي عبد الله (5) وصحيح البزنطي (6).

وأخبار اخر غير نقية السند، ولعل منها ما ورد على الحلف عن ترك الطيبات

(1) عيون اخبار الرضا ج 2 ص 124 ب 35 ذيل ح 1 طبع انتشارات جهان طهران، الوسائل ج 16 ص 164 ب 12 ح 10 وفيهما (ظلما عن نفسه).

(2) الوسائل ج 16 ص 164 ب 12 ح 14.

(3) الوسائل ج 16 ص 165 ب 12 ح 16.

(4) الكافي ج 7 ص 444 ح 3، الوسائل ج 16 ص 175 ب 18 ح 1.

(5) الكافي ج 7 ص 443 ح 1، الوسائل ج 16 ص 175 ب 18 ح 2.

(6) التهذيب ج 8 ص 302 ح 113، الوسائل ج 16 ص 176 ب 18 ح 6.


189

كما وقع في مرسلة ابن أبي عمير (1) المروي في تفسير القمي عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) (2) قال: نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام وبلال وعثمان بن مظعون، فأما أمير المؤمنين عليه السلام: فحلف أن لاينام أبدا، وأما بلال فحلف أن لا يفطر بالنهار، وأما عثمان بن مظعون فإنه حلف أن لا ينكح أبدا - وساق الخبر إلى أن قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه واله ونادى الصلاة جامعة وصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال أقوام يحرمون الطيبات على أنفسهم إلا أني أنام الليل وأنكح وأفطر بالنهار، فمن رغب عن سنتي فليس مني، فقالوا: يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك، فأنزل الله عزوجل (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤآخذكم بما عقدتم الايمان فكفارته إطعام عشرة مساكين - إلى قوله: - إذا حلفتم).

(3).

فجعل هذه اليمين باعتبار مرجوحية متعلقاتها من ايمان اللغو حتى ان يحرم المباحات على نفسه طلبا للزهد لا ينفك عن المرجوحية لانه يقول (لا تحرمواطيبات ما أحل الله لكم).

وأما ما ظاهره انعقاد اليمين لما قدامر بحلها من غير ظهور رجحان، فلا بد من حملها على وجه يرجحها إلى القاعدة لئلا تختل القواعد الشرعية.

السابعة عشرة: إذا حلف أن لا يشرب من لبن عنز ولا يأكل من لحمها لزمه الوفاء، وفي المخالفة الكفارة إلا مع الحاجة إلى ذلك.

ولا يتعدى هذا التحريم إلى أولاده في المشهور لعدم تعلق اليمين بها، حيث إن الحلف أنما وقع على شرب لبنها وأكل لحمها وهو من قبيل الحلف على المباح فيعتبر في انعقاده تساوي الطرفين في الدنيا أورجحان جانب اليمين، فلو كان محتاجا إلى الاكل لم ينعقد، وكذلك لو تجددت الحاجة كما مر، ومثله مالو كان الاكل راجحا كالهدي والضحية، وحيث تنعقد اليمين يقتصر عليها فلا يتعدى

(1) تفسير القمى ج 1 ص 179، الوسائل ج 16 ص 178 ب 19 ح 1.

(2) و (3) سورة المائدة - 87 و 89.


190

التحريم إلى أولادها على المشهور، والقاعدة المتقررة للاصل وعدم تعلق اليمين بغيرها وعدم تناول الام للولد بإحدى الدلالات.

والقول بسريان التحريم إلى الاولاد لابن الجنيد وللشيخ وأتباعه استنادا إلى رواية عيسى بن عطية (1) (قال: قلت لابي جعفر عليه السلام إني آليت أن لا أشرب من لبن عنزلي ولا آكل من لحمها فبعتها وعندي من أولادها، فقال عليه السلام: لا يشرب من لبنها ولا يأكل من لحمها فإنها منها).

والرواية قد ردها الاكثر لضعف سندها، فإن عيسى بن عطية مجهول الحال مع جماعة آخرين في سندها مثل محمد بن حسان وأبي عمير والارمني وعبد الله ابن الحكم، هذا ما في الكافي، وفي التهذيب سهل بن الحسن ويعقوب بن إسحاق الضبي عن أبي محمد الارمني وعبد الله بن الحكم، واحتمل فيه محدث الوسائل إرادة ذلك حال الحلف والحمل على الكراهة، والاحوط بقاؤه على ظاهره حيث لا معارض له.

الثامنة عشرة: أن من حلف لينحرن ولده لم تنعقد يمينه عندنا، وكذا من حلف على ترك الصلح بين الناس ويستحب له في الاولى أن يذبح شاة ويفرقها عن ولده وإلا فهي في نفسها من خطوات الشيطان.

ففي خبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2) (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل حلف أن ينحر ولده، قال: ذلك من خطوات الشيطان).

وفي معتبرة إسحاق بن عمار (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (في قوله عزوجل (ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم) قال: هو إذا دعيت لتصلح بين اثنين لا تقل علي يمين أن إفعل).

(1) الكافي ج 7 ص 460 ح 2 وفيه (أبى عمران الارمني)، التهذيب ج 8 ص 292 ح 74 وفيه (أبى محمد الارمني)، الوسائل ج 16 ص 205 ب 37 ح 1 وفيه (أبى عمر الارمني).

(2) التهذيب ج 8 ص 288 ح 55، الوسائل ج 16 ص 212 ب 44 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 289 ح 58، الوسائل ج 16 ص 212 ب 44 ح 2.


191

وها هنا

فوائد ينبغي التنبيه عليها لاشتمال الاخبار

عليها، وقد أعرض عن ذكرها الاصحاب حيث إنها من نوادر الاحكام غير النافية للقواعد الثابتة، وقد تعرض لها جامع الاخبار من غير أن ينقحوا مناطها ويبينوا وجه المناسبة بينها وبين القواعد المقررة في الايمان.

فمنها: أن من أعجبته جارية عمته فخاف الاثم بأن ثبعثة الشهوة إلى الوقوععليها حراما فحلف يمين زجر أن لا يمسها أبدا واتفق أن عمته ماتت ورثها، فإن اليمين التي يحلفها تنحل، ويجوز له وطؤها بالملك لان المحلوف عليه مراعى بأن لا يكون حراما فلا يدخل فيه وطؤها الحلال بعد انتقالها إليه.

كما عليه خبر أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سألته عن رجل أعجبته جارية عمته فخاف الاثم وخاف أن يصيبها حراما، فأعتق كل مملوك له وحلف بالايمان أن لا يمسها أبدا، فماتت عمته فورث الجارية، عليه جناح أن يطأها ؟ إنما حلف على الحرام، ولعل الله أن يكون رحمه فورث إياها لما علم من عفته).

وهذا التعليل مؤذن بما قلناه، وإلا فحلفه بحسب الظاهر أن لا يمسها أبدا مقتض للتأييد ولو ملكها لكن التأييد هنا مقيد بما انطوى عليه واليمين تابعة للنية وإن كان ظاهرها الاطلاق والتعميم.

ومنها: إن من حلف لغريمه أن لا يخرج من البلد إلا بعلمه وكان عليه في ذلك ضرر

لم تنعقد.

ففي خبر إسحاق بن عمار (3) (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: الرجل يكون

(1) التهذيب ج 8 ص 301 ح 110، الوسائل ج 16 ص 216 ب 49 ح 1 وفيهما (أعليه جناح).

(2) الكافي ج 7 ص 462 ح 10، الوسائل ج 16 ص 207 ب 40 ح 1 وفيهما (يكون عليه اليمين فيحلفه غريمه).


192

عليه الدين فيحلف غريمه بالايمان المغلظة أن لا يخرج من البلد إلا بعلمه، فقال: لا يخرج حتى يعلمه، قلت: إن أعلمه لم يدعه، قال: إن كان عليه علمه ضررا عليه وعلى عياله فليخرج ولا شئ عليه).

وفيه دلالة على انعقاد اليمين ابتداء وأنها تنحل بعروض الضرر اللاحق له فيكون جاريا على قاعدة لما قد استفاض من الاخبار وانعقد عليه الفتوى من أن اليمين المنعقدة إذا عرض لها ما يوجب رجحان تركها ومخالفتها جاز له المخالفة بل استحبت ولا كفارة عليه.

مثل صحيح الاعرج (1) وصحيح عبد الرحمان بن أبي عبد الله (2) ومرسلة ابن فضال (3) ومرسلة الفقيه (4) بقوله في الاول (إذا رأيت خيرا من يمينك فدعها).

وفي الثاني (إذا حلف الرجل على شئ والذي حلف عليه إتيانه خير من تركه فليأت الذي هو خير ولا كفارة عليه، وإنما ذلك من خطوات الشيطان).

وفي الثالث (من حلف على يمين فرأى ما هو خير منها فليأت الذي هو خير منها وله حسنة).

وفي الرابع (من حلف على يمين فرأى ما هو خير منها فليأت الذي هو خير وله زيادة حسنة).

وأما ما جاء في خبر الحسين بن بشير (5) (قال: سألته عن رجل له جارية حلف بيمين شديدة ويمين الله عليه أن لا يبيعها أبدا وله إليها حاجة مع تخفيف المؤونة، فقال: ف الله بقولك).

(1) الكافي ج 7 ص 444 ح 3 الوسائل ج 16 ص 175 ب 18 ح 1.

(2) الكافي ج 7 ص 443 ح 1، الوسائل ج 16 ص 175 ب 18 ح 2.

(3) الكافي ج 7 ص 444 ح 4، الوسائل ج 16 ص 176 ب 18 ح 4.

(4) الفقيه ج 3 ص 228 ح 3، الوسائل ج 16 ص 177 ب 18 ح 8.

(5) التهذيب ج 8 ص 301 ح 108 وفيه (وله الى ثمنها حاجه)، الوسائل ج 16 ص 176 ب 18 ح 5 وفيهما (واليمين لله عليه).


193

وما في صحيح البزنطي (1) عن أبي الحسن عليه السلام (قال: إن أبي كان يحلف على بعض امهات أولاده أن لا يسافر بها، فإن سافر فعليه أن يعتق نسمة تبلغ مائة دينار فأخرجها معه وأمرني فاشتريت نسمة بمائة دينار فأعتقها، فمحمولان على الاستحباب أو على التقية بقرينة الاخبار السابقة.

وفي رواية سعد بن الحسن (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن الرجل يحلف أن لا يبيع سلعته بكذا وكذا ثم يبدو له، قال: يبيع ولا يكفر، وهذا حيث يعرض له الحاجة إلى البيع.

ولا تنافيه صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد الله (3) كما في النوادر لاحمد بن محمد بن عيسى (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اليمين التي تجب فيها الكفارة، قال: الكفارات في الذي يحلف على المتاع أن لا يبيعه ولا يشتريه ثم يبدو له فيكفر عن يمينه، لان هذا باق على عدم عروض شئ يرجح ارتكاب البيع أو يحمل على الاستحباب.

ومنها: أن من حلف ليضربن عبده

جاز له العفو عنه بل يستحب له اختيارالعفو، ومن حلف أن يضرب عبده عددا جاز أن يجمع خشبا فيضربه به فيحسب بعدده.

ففي خبر نجية العطار (4) (قال: سافرت مع أبي جعفر عليه السلام إلى مكة فأمر غلامه بشئ فخالفه إلى غيره، فقال أبو جعفر عليه السلام: والله لا ضربنك يا غلام قال: فلم أره ضربه، فقلت: جعلت فداك إنك حلفت لتضربن غلامك فلم أرك ضربته، فقال: أليس الله عزوجل يقول: وإن تعفو أقرب للتقوى) (5).

(1) التهذيب ج 8 ص 302 ح 113 وفيه (فان شاء سافر بها فعليه)، الوسائل ج 16 ص 176 ب 18 ح 6 وفيه (فان سافر بها).

(2) الفقيه ج 3 ص 234 ح 32، الوسائل ح 16 ص 177 ب 18 ح 10.

(3) الوسائل ج 16 ص 177 ب 18 ح 11 وفيه اختلاف يسير.

(4) الكافي ج 7 ص 460 ح 4، الوسائل ح 16 ص 206 ب 38 ح 1.

(5) سورة البقرة - آية 237.


194

وفي نوادر احمد بن محمد بن عيسى (1) عن ابي جعفر الثاني عليه السلام " انه سئل: هل يصلح ان يحلف الرجل ان يضرب عبده عددا ان يجمع خشبا فيضربه فيحسب بعدده ؟قال: نعم ".

ومنها: انه يجوز الحلف على الغير الواقع جهرا واستثناء مشية الله سرا للخدعة في الحرب.

ففي خبر مسعدة بن صدقة (2) عن شيخ من ولد علي بن حاتم عن ابيه عن جده عدي وكان مع امير المؤمنين عليه السلام في حرويه " ان امير المؤمنين عليه السلام كان في يوم التقى هو ومعاوية بصفين ورفع بها صوته ليسمع اصحابه: والله لاقتلن معاوية واصحابه ثم يقول في اخره: ان شاء الله تعالى، يخفض به صوته، وكنت قريبا منه، فقلت: يا امير المؤمنين انك حلفت على ما قلت ثم استثنيت فما اردت بذلك ؟ فقال لي: ان الحرب خدعة وانا عند المؤمنين غير كذوب ان احرض اصحابي عليهم لكي لا يفشلوا ولكي يطعموا فيهم، فافهمهم لينتفع بها بعد اليوم ان شاء الله تعالى، واعلم ان الله جل ثناؤه قال لموسى حيث ارسله الى فرعون " فقولا له قولا لينا يتذكر أو يخشى " (3) وقد علم الله انه لا يتذكر ولا يخشى ولكن ليكون ذلك احرص لموسى على الذهاب ".

ومنها: ان من حلف على ان يزن الفيل وهو من الامور المتعذرة استحبله ان يتوصل لذلك بما يحصل به الوزن ولو بالتخمين كما جاء (4) في القصة

(1) الوسائل ج 16 ص 206 ب 38 ح 2.

(2) الكافي ح 7 ص 460 ح 1، الوسائل ج 16 ص 204 ب 34 ح 1 وفيهما " في اخر قوله - فأردت ان احرض - فأفقههم ينتفع بها ".

(3) سورة طه - 44.

(4) التهذيب ج 8 ص 318 ح 61، الوسائل ج 16 ص 213 ب 43 ح 1 وفيهما " عن الحسين بن سعيد عن بعض اصحابنا " مع اختلاف يسير.


195

التي رفعت إلى أمير المؤمنين عليه السلام (في رجل حلف أن يزن الفيل فأتوه فقال عليه السلام: ولم تحلفون بما لا تطيقون ؟ فقال: فقد ابتليت، فأمر بقرقور فيه قصب فأخرج منه قصبا كثيرا ثم علم صبغ الماء بقدر ما عرف صبغ الماء قبل أن يخرج القصب ثم صير الفيل حتى رجع إلى مقداره الذي كان انتهى إليه صبغ الماء اولا، ثم امر ان يوزن القصب الذي اخرج، فلما وزن قال: هذا وزن الفيل).

ومنها: أن اليمين على ما نوى إذا خالف لفظه نيته

ولم يكن ظالما لغيره.

ففي صحيحة إسماعيل بن الاشعري (1) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام كما في الكافي والفقيه (قال: سألته عن رجل حلف بيمين وضميره على غير ما حلف، قال: اليمين على الضمير) وزاد في الفقيه (يعني على ضمير المظلوم).

وصحيح صفوان بن يحيى (2) (قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يحلف وضميره على ما حلف عليه، قال: اليمين على الضمير).

وفي خبر مسعدة بن صدقة (3) (قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وقد سئل عما يجوز وعما لا يجوز من النية والاضمار في اليمين، قال: يجوز في موضع ولا يجوز في آخر، فأما ما يجوز فإذا كان مظلوما فما حلف به ونوى اليمين فعلى نيته، وأما إذا كان ظالما فاليمين على نية المظلوم).

ومنها: أن من كان له على غيره مال فأنكره فاستحلفه لم يجز له الاقتصاص من ماله بعد اليمين ويجوز قبلها، فإن رد المال بعد اليمين جاز قبوله

(1) الكافي ج 7 ص 444 ح 2، الفقيه ج 3 ص 233 ح 30، الوسائل ج 16 ص 179ب 21 ح 1.

(2) الكافي ج 7 ص 444 ح 3، الوسائل ج 16 ص 179 ب 21 ح 2.

(3) الكافي ج 7 ص 444 ح 1، الوسائل ج 16 ص 179 ب 20 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.


196

لان اليمين غير ناقلة، وإنما هي حاجزة عن القصاص لرضاه بها، ومن حلف له فليرض.

ففي خبر خضر النخعي (1) (في الرجل يكون له على الرجل مال فيجحده على الرجل المال فيجحده فيحلف يمين صبر أن ليس عليه بشئ، قال: ليس له أن يطلب منه، وكذلك إن احتسبه عند الله فليس له أن يطلبه منه).

وفي خبر مسمع بن أبي سيار (3) (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إني كنت استودعت رجلا مالا فجحدني وحلف لي عليه، ثم إنه جاءني بعد ذلك بسنتين بالمال الذي أو دعته إياه فقال: هذا ما مالك فخذه وهذه أربعه الاف درهم ربحتها فهي لك مع مالك واجعلني في حل، فأخذتها منه وأبيت أن آخذ الربح منه، ورفعت المال الذي كنت وحلله، فإن هذا رجل تائب والله يحب التوابين).

ومنها: أن من حلف ونسي ما قال

فهو على ما نوى.

ففي صحيح علي بن جعفر (4) (أنه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن الرجل يحلف وينسى ما قال، قال: هو على ما نوى).

(1) التهذيب ج 8 ص 293 ح 77، الوسائل ج 16 ص 215 ب 48 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 294 ص 78، الوسائل ج 16 ص 215 ب 48 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.

(3) الفقيه ج 3 ص 194 ح 5، الوسائل ج 16 ص 215 ب 48 ح 3.

(4) الفقيه ج 3 ص 233 ح 31 وفيه (وينسى ما قاله)، الوسائل ج 16 ص 217 ب 50 ح 1.


197

ورواه الحميري (1) في قرب الاسناد مثله إلا أنه قال (يحلف اليمين).

والظاهر منه أن المراد أنه نسي ما قال وذكر ما نوى، وقد تقدم أن المعتبر النية في غير الظالم، ويحتمل أن يكون نسي ما حلف عليه لفظا ومعنى، ويكون الغرض من الجواب أن اليمين لا تبطل في الواقع بل هو على ما نوى، فإذا ذكره عمل به.

ويمكن أن يكون المراد أنه إذا نسي ونوى إذا ذكر عملباليمين فله الاجر وقد أدى الواجب.

وإن نوى عدم العمل بها بعد الذكر فلا ثواب له وكان مؤاخذا.

ومنها: أنه لا تجب كفارة اليمين قبل الحنث بل بعده.

ففي خبر طلحة بن زيد (2) عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام (أن عليا عليه السلام كره أن يطعم الرجل في كفارة اليمين قبل الحنث).

وهذا حكم جار في الكفارات كلها كما سيجئ التنبيه عليه فلو قدمه أعاد.

فأما ما وقع في خبر وهب بن وهب (3) عن أبي جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام (قال: إذا حنث الرجل فليطعم عشرة مساكين ويطعم قبل أن يحنث) فالوجه فيه هو التقيه لانه موافق لمذهب العامة.

ومنها: أنه يجوز للوارث الحلف على نفي مال الميت مع وجوده

إذا كان موصى به أو مقرا به للغير، وليس عليه في ذلك شئ.

وففي صحيح عبد الله بن مسكان (4) عن العلاء بياع السابري (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة أودعت رجلا مالا فلما حضرها الموت قالت له: إن المال

(1) قرب الاسناد ص 121 وفيه (يحلف على اليمين وينسى ما حاله).

(2) الفقيه ج 3 ص 234 ح 35، الوسائل ج 16 ص 217 ب 51 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 299 ح 97، الوسائل ج 16 ص 218 ب 51 ح 2.

(4) الكافي ج 7 ص 462 ح 11، الوسائل ج 208 ب 41 ح 1 وفيهما (ما لنا قبلك شئ) مع اختلاف يسير.


198

الذي دفعت إليك لفلانة وماتت المرأة، فأتى أولياؤها الرجل فقالوا: كان لصاحبنا مالا لا نراه إلا عندك فاحلف لنا قبلك شئ، أيحلف لهم ؟ قال: إن كانت مأمونة عنده فيلحلف، وإن كانت متهمة فلا يحلف ويضع الامر على ما كان فإنما لها من مالها ثلثه).

والمراد أنه مع التهمة لا يحلف على الجميع بهذا الاقرار لان الاقرار مع التهمة لا ينفذ إلا في الثلث لوقوع ذلك في مرض الموت.

ومنها: تحريم الحلف بالبراءة من الله ورسوله صلى الله عليه واله وسلم ومن الائمة عليهم السلام صادقا كان أو كاذبا، وأنها لا تنعقد، وفيها الكفارة مع الحنث.

ففي مرسل ابن أبي عمير (1) رفعه قال: سمع رسول الله صلى الله عليه واله رجلا يقول:أنا برئ من دين محمد، فقال له رسول الله صلى الله عليه واله: إذا برئت من دين محمد فعلى دين من تكون ؟ قال: فما كلمه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حتى مات).

وخبر يونس بن ظبيان (3) وقد رواه المحمدون الثلاثة (قال: قال لي: يا يونس لا تحلف بالبراءة منا، فإنه من حلف بالبراءة صادقا أو كاذبا فقد برئ منا).

وفي مكاتبة الصفار (4) الصحيحة إلى أبي محمد عليه السلام (رجل حلف بالبراءة من الله ورسوله صلى الله عليه واله فحنث، ما توبته وكفارته ؟ فوقع عليه السلام: يطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد ويستغفر الله وعزوجل).

(1) الكافي ج 7 ص 438 ح 1، الوسائل ج 16 ص 152 ب 7 ح 1 وفيهما (ويلك إذا برئت).

(2) الفقيه ج 3 ص 234 ح 38.

(3) الكافي ج 7 ص 438 ح 2، الفقيه ج 3 ص 236 ح 45، التهذيب ج 8 ص 284 ح 24، الوسائل ج 16 ص 152 ب 7 ح 2 وما في المصادر (من حلف بالبراءة منا).

(4) الكافي ج 7 ص 461 ح 7، الوسائل ج 16 ص 152 ب 7 ح 3.


199

وفي مرسلة الفقيه (1) (قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: من برئ من الله صادقا كان أو كاذبا فقد برئ الله منه).

وفي خبر المفضل بن عمر (2) كما في الفقيه نقلا من كتاب نوادر الحكمة (قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في قول الله عزوجل (فلا اقسم بمواقع النجوم

وأنه لقسم لو تعلمون عظيم) (3): يعني به البراءة من الائمة عليهم السلام يحلف بها الرجل، إن ذلك عظيم).

وجاء استثناء جوازها في تحليف الظالم ليعجل الله عليه الفناء لحصول البراءة له بالفعل لكنه ببرأ من حول الله وقوته.

ففي مرسلة صفوان الجمال (4) (أن أبا جعفر المنصور قال لابي عبد الله عليه السلام: رفع إلي أن مولاك المعلى بن خنيس يدعو إليك ويجمع لك الاموال، فقال: والله ما كان - إلى أن قال المنصور: - فأنا أجمع بينك وبين من سعى بك، فجاء الرجل الذي يسعى به، فقال أبو عبد الله عليه السلام يا هذا أتحلف ؟ فقال: نعم والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم لقد فعلت، فقال له أبو عبد الله عليه السلام ويلك تبجل الله فيستحيي من تعذيبكولكن قل: برئت من حول الله وقوته ولجأت إلى حولي وقوتي.

فحلف بها الرجل فما استتمها حتى وقع ميتا، فقال أبو جعفر المنصور: لا اصدق عليك بعد هذأ بدا، وأحسن جائزته ورده).

وفي نهج البلاغة (5) (قال أمير المومنين عليه السلام: أحلفوا الظالم إذا أردتم

(1) الفقيه ج 3 ص 236 ح 46، الوسائل ج 16 ص 153 ب 7 ح 4.

(2) الفقيه ج 3 ص 237 ح 54، الوسائل ج 16 ص 153 ب 8 ح 1 وفيهما (يحلف بها الرجل يقول: ان ذلك عند الله عظيم).

(3) سورة الواقعة - آية 75 و 76.

(4) الكافي ج 6 ص 445 ضمن ح 3، الوسائل ج 16 ص 200 ب 33 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(5) نهج البلاغة (صبحى صالح) ص 512 رقم 253 وفيه (عوجل العقربة)، الوسائل ج 16 ص 200 ب 33 ح 2.


200

يمينه بأنه برئ من حول الله وقوته، فإنه إذا حلف بها كاذبا عوجل، وإذاحلف بالله الذي لاإله إلا هو لم يعاجل لانه قد وحد الله سبحانه).

وفي الخرائج والجرائح (1) عن الرضا عليه السلام عن أبيه (أن رجلا وشي إلى المنصور، أن جعفر بن محمد يأخذ البيعة لنفسه على الناس فيخرج عليهم، فأحضره المنصور فقال الصادق عليه السلام: ما فعلت شيئا من ذلك، فقال المنصور لحاجبه: حلف هذا الرجل على ما حكي عن هذا - يعني الصادق عليه السلام - فقال: قل والله الذي لا اله الا هو، وجعل يغلظ عليه اليمين، فقال الصادق عليه السلام: لا تحلف هذا فإني سمعت أبي بذكر عن جدي رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال: إن من الناس من يحلف كاذبا فيعظم الله في يمينه ويصفه بصفاته الحسنى فيأتي تعظيمه لله على إثم كذبه ويمينه ولكن دعني احلفه باليمين الذي حدثني أبي عن جدي رسول الله صلى الله عليه واله انه لا يحلف بها حالف الا باء بإثمه فقال المنصور: حلفه إذا يا جعفر، فقال الصادق عليه السلام للرجل: قل: إن كنت كاذبا عليك فبرئت من حول الله وقوته ولجأت إلى حولي وقوتي، فقالها الرجل، فقال الصادق عليه السلام: اللهم إن كان كاذبا فإمته، فما اسستتم كلامه حتى سقط الرجل ميتا واحتمل ومضى به).

ومنها: أن من حلف برب المصحف

انعقدت وعليه بالحنث كفارة واحدة.

ففي خبر السكوني (2) كما في الكافي والتهذيب والفقيه إلا أنه في الفقيه مرسلا عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: من حلف لا فرب المصحف فحنث فعليه كفارة واحدة.

(1) الخرائج والجرائح ص 124 طبع النجف الاشرف، الوسائل ج 16 ص 201 ب 33 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الكافي ج 7 ص 461 ح 8، الفقيه ج 3 ص 238 ح 60 وفيه (فقال: لاورب المصحف فعليه)، التهذيب ج 8 ص 294 ح 79، الوسائل ج 16 ص 207 ب 39 ح 1 وما في المصادر اختلاف يسير.


201

وقد جاء ما يدل على انعقاد هذه اليمين، ففي حديث المناهي (1) (من حلف بسورة من كتاب الله فعليه بكل آية كفارة) وحمل على الاستحباب لعدم انعقاد هذه اليمين ووقوع الحلف فيها بغير الله.

وبقي هنا مسائل قد تكلموا عليها لاشتباه معاني الالفاظ المتعلقة بها من جهة الاشتراك اللفظي أو الحقيقة والمجاز أو المدلول الغوي أو العرفي لا بأس بذكرهاوإن خلت النصوص التي بأيدينا عنها، لكنها مما يمكن إرجاعها إلى القواعد التى أذن لهم في التفريع عليها.

الاولى: لو حلف أن لا يأكل طعاما اشتراه زيد فاشترى زيد وعمرو طعاما صفقة واحدة ففي حنثه بالاكل منه وجهان: أحدهما: نعم، لانهما لما اشترياه صدق على كل واحد منهما قد اشترى نصفه، ولهذا يلزم كل واحد منهما نصف ثمنه، فإذا كان ازيد نصفه وقد أكل من طعام اشتراه زيد إذ لم يكن محصورا فيما اشتراه زيد بل فيما صدق أنه اشتراه.

والثاني: لا، لان الشراء عقد واحد، فإذا اشترك فيه اثنان ولم ينفرد أحدهما به اختص كل واحد منهما في العرف بنصفه فلم تكمل الصفقة لاحدهما فلا يقع الحنث لان الاسماء في الايمان تتبع، فحينئذ فليس له جزء يقال: إن زيدا انفرد بشرائه بل كل جزء يقال إنه اشتراه زيد وعمرو فهو بمنزلة من حلف: لا لبست ثوب زيد فلبس ثوبا لزيد وعمرو أو قال: لا دخلت دارا لزيد فدخل دارا لزيد وعمرو.

وهذا مختار الاكثر منهم الشيخ - رحمه الله - في الخلاف والمحقق في الشرايع والعلامة في أكثر كتبه، وفي المبسوط قوى القولين معا.

واجيب عما احتج به الاول بأنه لا يلزم من لزوم كل واحد نصف ثمنه أن يكون مشتريا لنصفه، وإنما الواقع أن كل واحد منهما نصف مشتر لجمعه لا مشتر تام لنصفه، وهذا أقوى.

(1) الفقيه ج 4 ص 5 س 7، الوسائل ج 16 ص 191 ب 30 ح 2.


202

وأما تشبيه الطعام بالمشترك بالثوب والدار ففي غاية الضعف لظهور والفرق بأن بعض القميص ليس بقميص وبعض الدار ليس بدار، والحال إن زيدا لم يشتر جميع القميص والدار بخلاف الطعام، فإن اسمه يقع على القليل والكثير، وإنما المخلص منه ما ذكر من أن المشترك ليس هو ولا بعضه مال زيد ولا ما اشتراه.

وحيث تقول بعدم الحنث للاكل له إذا كان مشاعا فاقتسماه لم يحنث بما يأكله من نصيب عمرو فهل يحنث بما يأكله من نصيب زيد ؟ وجهان منشأهما أن القسمة تمييز لما اشتراه زيد عما اشتراه عمرو فيصدق على كل ما حصل لكل واحد منهما أنه الذي اشتراه، ومن أن الذي اشتراه كان غير معين، وما حصل له بالقسة معين، فهذا ليس هو الذي اشتراه بعينه، فلا يحنث به وما ادعى من أن القسمةتمييز ما اشتراه فليس بمسلم بل تمييز حقه من المشترك بينهما بالشراء المشترك، وهذا هو الاقوى، وقد تردد في ذلك أيضا الشيخ - رحمه الله - في المبسوط مستوجها لكن من

القولين.

الثانية: لو كان قد حلف على ما اشتراه زيد فاشترى طعاما منفردا أو اشترى عمرو طعاما كذلك ثم اختلطا فأكل منه الحالف

ففيه أوجه.

(أحدها) وهو مختار الشيخ - رحمه الله - في الخلاف واستحسنه المحقق في الشرائع، أنه إن كان أكل النصف فما دونه لم يحنث، وإن زاد على النصف حنث لانه بزيادته على النصف يحصل له الجزم لانه أكل من طعام زيد لا بدونه.

ومثله ما ذكروه أيضا فيما لو حلف لا يأكل تمرة واختطلت بتمر كثير فإنه لا يحنث ما بقيت تمرة، وإنما يحنث إذا أكل الجميع لانه تحققنا حينئذ أنه قد أكل المحلوف عليه، وهذا التقييد الذي وقع بالنصف إنما هو عند استواء القدرين، وإلا فالمعتبر حينئذ الزيادة على مقدار حق عمرو ليتحقق دخول حق زيد.

(وثانيها) أنه لا يحنث ولو أكله لانه لا يمكن الاشارة إلى شئ من


203

لانه اشتراه زيد فصار كما لو اشتراه زيد مع غيره بتقرير ما تقدم هناك.

(وثالثها) أنه إذا أكل من الحنطة قليلا يمكن أن يكون مما اشتراه الاخر كالحبة والحبتين من الحنطة لم يحنث، وان كان قد أكل قدرا صالحا كالكف والكفين حنث لانه نتحقق في العادة أن فيه ما اشتراه زيد وإن لم يتعين لنا.

(ورابعها) التفصيل بوجه آخر، وهو أنه إن كان مايعا كالعسل واللبن أو ما يشبه الممتزج كالدقيق حصل له الحنث بقليله وكثيره لشدة الامتزاج والاختلاط في أجزائها بعضها ببعض، فأي شئ أكله تحقق أن فيه أجزاء مما اشتراه زيد، وإن كان متميزا كالرطب والتمر والخبز لم يحنث حتى يأكل أكثر مما اشتراه عمرو لقيام الاحتمال في المتميز وانتفائه عن الممتزج، وهذا ما اختاره العلامة في المختلف.

(وخامسها) حصول الحنث بالاكل منه مطلقا، وهو اختيار القاضي ابن البراح، واحتج عليه بما هو أضعف من بيت العنكبوت لان الحنث منوط بالقطع بأنه أكل ما اشتراه زيد الذي هو متعلق اليمين لا بعدم القطع بأنه لم يأكل منه.

الثالثة: لو حلف لا يأكل تمرة معينة فاختلطت بتمر

لم يحنث إلا بأكله أجمع أو يتيقن أكلها، ولا يكفي في ذلك تلف تمرة منه فلم يحنث بأكل الباقي مع الشك في المحلوف عليه، وذلك واضح لان تيقن الحنث بأكل الجميع لا إشكال فيه.

لكن قد يعلم بدون ذلك كما لو كانت من جنس مخصوص فوقعت في أجناس مختلفة فأكل جميع أجناس المحلوف عليه فإنه يحنث وإن كان قد بقي غيره من الاجناس لان المعتبر القطع بكونه أكل المحلوف عليه وذلك حاصل، ومتى ابقي من المجموع أو من الجنس بقدر العدد المحلوف عليه لم يحصل الحنث، والفرق بين هذا وبين ما لو اشتبهت أجنبية بزوجاته أن الاصل في النكاح التحريم ما عدا الحليلة، فما لم يعلم بعينها يحرم النكاح عملا بهذا الاصل حتى يثبت المبيح، بخلاف التمرة المحلوف عليها فإن أمرها على العكس من ذلك، حيث إن الاصل


204

إباحة أكل إلا ما علم تحريمه بالحلف، فما لم يعلم كان باقيا على أصل الحل، وهكذا القول في نظائره من الاعداد المشتبهة بغيرها المخالف لها في الحكم فإنه يعمل فيه بالاصل من حل وحرمة ونجاسة وطهارة.

هذا من حيث الحنث وعدمه.

وهل حل التناول لازم لعدم الحنث ؟ المشهور بين علمائنا ذلك - وهو الذي ختاره المحقق في الشرايع، واستقرب العلامة في كثير من كتبه - وجوب اجتناب المحصور الذي لا يشق تركه لانه احتراز عن الضرر المطلوب ولا حرج فيه، وتؤيده الاخبار المانعة من إباحة أكل الحلال والحرام المختلطين إذا كان محصورا وهي كثيرة جدا، فتورث هذا القول قوة.

ولو فرض تلف تمرة لم يحنث بأكل الباقي كما سمعت كما لو أبقى تمرة وكذلك لاحتمال كون التالفة هي المحلوف عليها فيستمسك في الباقي لاصل الحل، وقد وقع للمحقق وكثير من علمائنا التمثيل بعدم الحنث بإبقاء تمرة، والاولى التمثيل بإبقاء بعض تمرة للتنبيه على أن من حلف لا يأكل تمرة لا يحنث بأكل بعضها.

وكذا لو حلف لا يأكل رمانة أو رغيفا ونحو ذلك، وإنما بتحقق الحنث باستيعاب الجميع لان البعض لا يصدق عليه اسم المحلوف عليه، والحكم هنا كما سبق في اقتضائه الجميع فلايبر إلا به.

وفي استثناء ما يبقى من فتات الرغيف التى جرت العادة بترك الناس له ولا يتكلفون التقاطه وجهان، والاقوى في ذلك اتباع العرف.

ولو قال: لا كلنهذه الرمانة فترك حبة منها لم يبرأ.

لا آكلها فترك حبة لم يحنث مع احتماله كما سبق.

الرابعة: إذا حلف أن يأكل هذا الطعام غدا فأكله اليوم

حنث لتحقق المخالفة ويلزمه الكفارة معجلا، وكذلك لو هلك الطعام قبل الغد أو في الغد بشئ من جهته، ولو هلك من غير جهته لم يكفر وذلك لان متعلق الحلف أكله


205

غدا فلا يتحقق البر إلا به، ويتحقق الحنث قطعا مع تأخير أكله عن الغد مع الامكان.

ويبقى الكلام في مواضع: (أحدها) أن يأكل قبل الغد اختيارا كما مثلنا وقد جزم المحقق في الشرايع بالحنث ولزوم تكفيره معجلا لتحقق المخالفة منه بمقتى اليمين اختيارا، وقد وجب عليه الوفاء باليمين لا يقاعه إياه، فيدخل تحت العموم، ولا يتم ذلك إلا بحفظه الطعام إلى الغد ليبر به يمينه، فإذا أكله فقد فوت البر لنفسه مختارا، وهذا هو معنى الحنث، فتلزم الكفارة حينئذ.

وضعف بأن الحنث إنما يتحقق بمخالفة اليمين بعد انعقادها ولاانعقادقبل الغد لانه سبب الوجوب فينتفي المسبب قبله، ولا مكان موته قبل مجئ الغد فيسقط.

ولان تعليقه الاكل على حصول الغد تعليق بمالا يقدر عليه الحالف فكيف يحنث قبل حصوله ! فالاقوى إذا مراعاة وجوبها لبقائه إلى الغد مع تمكنه من أكله مع وجوده.

وبالجلمة: فالحاصل قبل حضور الغد باليمين جزء السبب لاتمامه، وإنما يتم بحضور الغد.

وربما بني حكم هذه المسألة على أن المكلف إذا علم شرط انتفاء التكليف هل يحسن تكليفه قبل مجئ وقته أم لا ؟ وفيه خلاف مشهور بين الاصوليين، وتقدم البحث فيه غير ضرورة (1) كما في الصوم إذا طرأ المانع في أثناء النهار وأفسده قبله باختياره، هكذا قاله جماعة.

وفيه نظر، للفرق بين الامرين فإنه في هذه المسألة لم يتم سبب الوجوب قطعا لتعلق اليمين على سبب أمر متجدد لم يحصل بعد، بخلاف القاعدة الاصولية فإنها قد فرضت في مستجمع الشرائط وتمام السبب وإن طرأ بعد ذلك ما أبطله، فيمكن الحكم هنا بوجوب الكفارة لاجتماع شرائط التكليف في ابتداء لفعل بخلاف المتنازع فيه هنا.

(1) كذا في النسخة، ولعل الصحيح (غير مرة).


206

(ثانيها) أن يهلك الطعام قبل الغد لكنه بسبب من الحالف، وفيه القولان المتقدمان كما لو أكله.

(وثالثها) أن يهلك قبله لابسبه فلا حنث ولا كفارة قطعا.

(ورابعها) أن يهلك في الغد قبل التمكن من أكله قبل اختياره أو بغير اختياره، والحكم فيه كالذي تلف قبله.

(وخامسها) أن يهلك في الغد بعد تمكنه من أكله باختياره، وتجب عليه الكفارة لتفويته الواجب باختياره كما لو حلف ليأكله من غير تقييد بزمان معين ولم يأكله باختياره وأتلفه.

(وسادسها) أن يهلك في الغد بعد التمكن لا باختياره، وفي حنثه هنا وجهان: من إخلاله بمقتضي اليمين بعد انعقادها مختارا، ومن أن الوقت موسع وقد أذن له الشارع في التأخير لان جميع الغد وقت له، فتأخيره لا يوجب التقصير.

وربما قد خرج هذان الوجهان على أن من مات في أثناء الوقت ولم يصلهل يجب عليه القضاء أم لا ؟ لان التأخير عن أول الوقت، وربما فرق بينه وبين ما لو قال: لاكلن هذا الطعام وأطلق ثم أخر مع التمكن حتى تلف الطعام فإنه ليس هناك بجواز التأخير وقت مضبوط والامر فيه إلى اجتهاده، فإذا مات ظهر خطأه وتقصيره، وها هنا الوقت مقيد مضبوط وهو في سعة من التأخير لتلك الغاية، وفيه أن الوقت الموسع للعمر، وتضييقه إنما يحصل بأمارات الموت وتضيق العمر عنه، فلا تقصير مع حصول الموت قبله مطلقا بل مع ظهور الامارة والمخالفة، فلو مات فجأة لم يظهر الخطأ حيث لم يخالف ما أناطه الشارع به كالوقت الموسع.

ثم إذا قلنا بحصول الحنث في الغد فهل يحكم به في الحال أو قبل الغروب ؟


207

وجهان، وتظهر فائدة الوجوب في جواز الشروع في اخراجها حينئذ وفيما لو مات قبل الوقتين.

الخامسة: لو حلف أن لا ماء يشرب من الفرات حصل الحنث بما يصدق عليه الشرب من مائها كرع منها أو شرب بيده أو بإناء).

وربما قيل: إنه لا يحنث إلا بالكرع منها، وهو مذهب الشيخ في المبسوط وابن إدريس في السرائر.

وما قلناه هو مذهب الاكثر، وعليه الشيخ في الخلاف، وإليه مال الحقق في الشرايع لدلالة العرف على صدق الشرب منه بذلك.

واللغة لا تنافي ذلك لان (من) هنا للابتداء، إذ المراد كون الفرات مبدا للشرب سواء كان بواسطة أم بغيرها، ويؤيده قوله تعالى (إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني) إلى قوله (من اغترف غرفة بيده) (1) و الاصل في الاستثناء الاتصال.

وحجة الثاني أن الشرب منها بغير واسطة كالكرع هو الحقيقة وما عداه مجاز، وعلامة الحقيقة أنه لو حلف على الشرب من ماء الا داوة لم يحنث بصب مائها في إناه غيره أو في يده ثم يشربه قطعا، ولو كان حقيقة في الاعم لزم الحنث هنا أيضا.

والاقوى الاول لدلالة العرف عليه، والشرب من الشئ بالواسطة أو غيرها غير منظبط، لانه لو اعتبر عدم الواسطة لزم عدم الحنث بالكرع أيضا لان أخذه بالفم سابق على الشرب، بدليل أنه لو مجه فيه بعد أخذه لم يكن شاربا، ولو صب في القدح وشرب لا يصدق عليه أنه شرب من الكوز، فدل ذلك علىعدم مناط الواسطة، وإنما المحكم في مثله العرف وهو دال على الشرب من النهر على ما يعم الواسطة، وفي الكوز على ما كان بغير واسطة، وعلى أن توسط الفم غير مانع مطلقا.

(1) سورة البقرة - آية 249.


208

السادسة: إذا حلف: إذا أكلت رؤوسا انصرف إلى ما جرت العادة بأكله كرؤوس البقر والغنم والابل، فلا يحصل الحنث بأكل رؤوس الطيور والسمك والجراد عند الاكثر ترجيحا للعرف على اللغة.

وخالف ابن إدريس فحكم بحصول الحنث بأحد هذه الاشياء حملا للفظ على معناه اللغوي.

وتردد المحقق في ذلك، ولعل العرف غير منضبط بخلاف اللغة، ولان اللغة حقيقة إجماعا بخلاف العرف، إذا العادة ناقلة من الحقيقة اللغوية أو مخصصة، كلاهما مجاز غايته أن يصير راجحا، وإذا تعارض الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح وقع الاشكال في الترجيح.

ولو ادعى صيرورة العرف حقيقة ففي ترجيح أحد الحقيقتين على الاخرىخلاف مشهور بين الاصوليين، وإن كان المختار من ذلك ترجيح العرف على اللغة لكن بشرط أن يكون منظبطا، والمعتبر منه عرف الحالف.

هذا كله إذا لم ينو الحالف شيئا معينا، وإلا تعين لما عرفت من أن إطلاق اليمين تابع للنية ومقيد بها.

السابعة: لو حلف أن لا يأكل لحما فالخلاف الجاري في المسألة السابقة جار هاهنا، ويقوى هنا أنه يحنث بالجميع.

وهذان القولان للشيخ، وعدم دخول لحم الطير والسمك حيث إن العرف لا يساعد عليه بخلاف اللغة.

والمذهب الاول للشيخ في الخلاف وعليه الاكثر الاطلاق اسم اللحم على السمك في قوله تعالى (ومن كل تأكلون لحما طريا) (1) وقد قواه ابن إدريس هنا مع ذهابه في الاول إلى التقييد مستدلا بترجيح عرف الشرع على العادة، عملا بالحقيقة اللغوية.

وهذا كله إذا لم ينو شيئا مخصوصا كما قررناه فيما سبق، وإلا فالمعتبر ما نواه.

(1) سورة فاطر - آية 12.


209

الثامنة: لو حلف أن لا يأكل شحما فهل يحنث بأكل شحم الطير أم لالوقوع الخلاف في ظهوره في اسم اللحم أو الشحم ؟ ففيه وجهان: من جهة أنه لحم سمين بكمال الامتزاج فكأنه جزء من اللحم، ومن إطلاق اسم الشحم عليه، ولهذا استثناه الله تعالى من الشحم بقوله (حرمنا عليهم شحو مهما إلا ما حملت ظهورهما) (1) والاصل في الاستثناء الاتصال كما تقرر في الاقرار وغيره لان المنفصل مجاز لا يحمل عليه اللفظ عند الاطلاق بدون القرينة.

ويرد عليه ان القرينة هنا موجودة لانه عطف عليه الحوايا أو مختلط بعظم وهو لحم اتفاقا، فيلزم ان يكون الاستثناء متصلا أو منفصلا، فحمله في الجميع على الانفصال أولى.

واجيب بأن العطف في قوة تكرار العامل، فيكون الاستثناء في حكم المتعدد تصير استثناءات متعددة لا يضر اختلافها بالاتصال والانفصال.

وقد ادعى ابن إدريس في سرائره إجماع أهل اللغة على تسميته شرعا.

وعلى كل تقدير منحصر في أحد الصنفين: اللحم والشحم، فإذا حلف على أكل اللحم ولم نقل بكون السمين شحما دخل في اللحم، وإلا ففي الشحم.

التاسعة: لو حلف: لاذقت شيئا فمضغه ولفظه

هل يحنث أم لا ؟ فيه قولان،أصحهما الحنث لتحقق الذوق بذلك، لانه حقيقة في إدراك طعم الشئ في الفم بالقوة المودعة في اللسان المنبثة في العصب المفروش وهي كقوة المس في توقفها على المماسة باللسان، ومن ثم جاز للصائم أن يذوق الطعام من غير أن يفطر به، وفيه وجه ضعيف جدا لانه لا يحنث بذلك لانه لا يفطر الصائم به، ولا يخفى عدم الملازمة.

العاشرة: لو حلف أن لا يأكل سمنا فأطلق فأكله مع الخبز

حنث، وكذا

(1) سورة الانعام - آية 146.


210

لو وضعه على الطعام إذا بقي متميزا، بخلاف ما لو حلف أن يأكل لبنا فأكل جبنا أو زبدا يحنث لان كل واحد من السمن والزبد والجبن واللبن أصناف مختلفة اسما وصفة وإن كان بعضها في الاصل راجعا إلى بعض، ولا إشكال في عدم صدقه بأكل اللبن والجبن، لكن في حنثه بأكل الزبد خلاف، ففيه وجهان، اصحهما أنه لا يحنث أيضا لتفاوتهما في الاسماء والصفات.

ووجه الحنث به أن الزبد سمن لاشتماله عليه، بخلاف العكس، لانالزبد عبارة عن مجموع السمن وباقي المخيض، ولا فرق في السمن بين أن يأكله جامدا أو ذائبا مع الخبز ومنفردا على الطعام فإنه لا يحنث لعدم دخول الاكل في الشرب مع احتماله أيضا نظرا إلى العرف، لكنه بعيد، لان انضباط العرف ممنوع.

فكذا لا يحنث بحلفه على أكل الزبد بالسمن ولا باللبن بطريق أولى، وبالعكس لاختلاف الاسم والوصف لغة وعرفا، ويدخل في اللبن الحليب والرائب منه واللبا والمخيض من الانعام والصيد، إلا أن يخص العرف بعضها.

الحادية عشرة: لو قال: لا أكلت من هذه الحنطة فطحنها دقيقا أو سويقا

لم يتحقق الحنث، وكذا لو حلف أن لا يأكل الدقيق فخبزه وأكله، وهذا مما تعارض فيه الاسم والاشارة، فإن هذه تقتضي تعلق اليمين بها مادامت موجودة وإن تغيرت، وتقييدها بالحنطة والدقيق ونحو هما يقتضي زوال اليمين بزوال القيد.

وفي بقاء الحنث مع التغيير المذكور وجهان: أجودهما - وهو الذي قطع به المحقق في الشرائع حتى أنه لم يذكر غيره وقبله الشيخ في المبسوط - وزواله لان اسم الحنطة قد أزاله الطحن وصورته قد تغيرت، فصار كما لو زرع فنبت فأكلها حشيشا، أو قال: لا آكل من هذاالبيض فصار فرخا فأكله.


211

والقول الثاني: بقاء الحنث، وهو مذهب القاضي ابن البراح، لان الاشارة وقعت على العين وهي باقية، ولان الحنطة إنما تؤكل كذلك غالبا فيكون بمنزلة أن يقول: لا آكل هذا الكبش فذبحه وأكله، ولان الحقيقة النوعية لاتتبدل، وإنما المتغير بعض أوصافها، بخلاف ما لو صارت الحنطة حشيشا والبيض فرخا.

وكذا الحكم فيما لو قال: لا آكل من هذا الرطب فصار تمرا أو هذا البسر فصار رطبا أو العنب فصار زبيبا أو لا أشرب من هذا العصير فصار خلا.

وقد ذكر أنه باحث شيخه في ذلك، وأورد عليه أن عين الحنطة باقية وإنما تغيرت بتقطيع الاجزاء الذي هو الطحن.

فأجابه الشيخ بأن متعلق اليمين مسمى الحنطة والدقيق لا يقال عليه هذا الاسم، فينتفي الحكم بانتفاء هذا الاطلاق كما ان الخبز لا يسمى دقيقا، فألزمه بأن من حلف أن لا يأكل هذا الخيار والتفاح ثم قشره وقطعه وأكله لا يحنث، ولا شبهة في أنه يحنث.

فالتزم بمثل ذلك في الخيار والتفاح وهوالتزام ردئ.

والحق أن الخيار والتفاح لم يخرجا عن مسماهما بالتقطيع ولا حدث لهما اسم زائد على كونه خيارا مقطعا أو تفاحا مقطعا، بخلاف الحنطة المطحونة فإنها لا تسمى بعد الطحن حنطة لغة ولا عرفا إلا على طريق المجاز، وبهذا حصل الفرق بينهما، فأوجب الحنث في أكل الخيار المقطع والتفاح، بخلاف الدقيق.

والعلامة في المختلف بعد أن نقل كلام الشيخين واعترض عليه وحقق المسألة بما حاصله يرجع إلى اختيار كلام القاضي في الحنطة والدقيق، بخلاف الرطب إذا صار تمرا والعنب إذا صار زبيبا ونحو ذلك وجعل الفرق إنما يحصل للاكل حالة اليمين على حالته التي هو عليها يتعلق التحريم به على حالة تؤكل كالحنطة والدقيق فيحنث بأكلها خبزا.


212

الثانية عشرة: لو حلف أن لا يأكل لحما فأكل إلية الشاة

م يحنث، واختلف فيما لو أكل الكبد والقلب، وقد تردد المحقق فيهما.

وهذه المسألة متفرعة على مسألة ما لو خالط اللحم الشحم كما مر، ومنهذا استشكل في الالية فقيل: إنها من اللحم لو حلف عليه كذلك، فإنها منحصرة فيهما، ويحتمل خروجها عنهما معا لمخالفتها لهما اسما وصفة، وكذا والبحث في السنام، ولا يحنث على أحدهما بالاخر.

وقد اختلفت أيضا في حصول الحنث بالكبد والقلب عند الحلف على اللحم إلى قولين، قد بينا على أنهما في معناه وقد يقومان مقامه.

ويؤيده في انصراف اللفظ صلى الله عليه واله (إن في الجسد مضغة).

والمضغة القطعة من اللحم، وعدم انصراف اللفظ إليهما عند الاطلاق وهو اللفظ الثاني كما إذا قال لعبده السيد: اشتر لنا لحما فاشتراهما مدعيا إنهما داخلان تحت إطلاق الامر فإنه يستحق اللوم، وما ذلك إلا لمنع دخولهما عرفا، وهذا علامة الحقيقة ولصحة السلب التي هي قرينة المجاز فيقال: ما اشتريت لحما وإنما اشتريت قلبا وكبدا، وهذا هو الاظهر نظرا إلى العرف.

والو جهان آتيان في لحم الرأس واللسان ولكنه هنا أولى بالدخول لو قيل به، فأما الكرش والمصران والمخ فلا قطعا.

الثالثة عشرة: لو حلف أن لا يأكل بسرا فأكل منصفا أو لا يأكل رطبافأكل منصفا حنث في المشهور.

والقول بعدم الحنث كما وقع لابن إدريس الحلي ضعيف كما حققه المحقق.

وأصل هذا الخلاف أن معتمد البر والحنث في اليمين على موجب اللفظ الذي هو متعلق اليمين ما لم تقترن به نية أو قرينة خارجية، وكان مدلول لفظ كل من البسر والرطب مخالفا للاخر، فإن الاول يطلق على ما لم يرطب

(1) عوالي اللئالى ج 4 ص 7 ح 8 وفيه (ان في جسد ابن آدم لمضغة).


213

من ثمر النخل بعد مقارنتها له، والثاني لما نضج منه وسرت فيه الحلاوة والمائية، فلم يدخل أحدهما في الاخر إذا حلف عليه.

أما المنصف وهو الذي صار نصف الواحدة منه رطبا والنصف الاخر بسرا ففي الحنث به لو حلف أن لا يأكل البسر أو الرطب، أو البر به لو حلف على أن يأكله وجهان: من صدق اسم الرطب على الجزء المرطب والبسر على الجزء الذي لم يرطب عليهما حقيقة وإنما لهما اسم خاص ووصف خاص فلا يحنث، وهذا الذي قد اعتمده ابن إدريس في الاستدلال.

هذا كله إذا أكل الجميع أو النصف الموافقلمقتضى اليمين.

أما لو اقتصر على النصف المخالف لمقتضى فلا إشكال في عدم الحنث لان الرطبة اسم لما يرطب كله والبسر لما لم يرطب منه شئ وهذا غير متحقق في المنصف ولا المعظم بخلاف البسر والرطب فإنه يصدق ببعضها.

الرابعة عشرة: لو حلف أن لا يأكل فاكهة حنث بأكل واحد من الرمان والعنب والرطب من ذلك، وفي مثل البطيخ تردد، وقع للمحقق وجماعة والشيخ في المبسوط قطع بدخوله في الفاكهة، والقول الاخر هو من الخضروات.

والاصل في ذلك ان الفاكهة، اسم لما يتفكه به بأن يتنعم به قبل الطعام وبعده مما لا يكون مقصودا بالقوة من العنب أو التين والرطب والرمان والتفاح والمشمش والكمثرى والخوج والاترج والنارنج والليمون والنبق والموز والتوت بأنواعه والسفرجل ونحوها، وليس مختصا بالثلالثة الاول، كما وقع في عبارة الشرائع فقد ارتكب التجوز فيها، والحامل عليه تخصيص إشراف الافراد منها أو موضع النزاع، فإن بعض العامة قد منع من دخول الرمان والرطب فيهما لعطفهما عليها لقوله تعالى (فيها فاكهة ونخل ورمان) (1) والعطف يقتضي المغايرة.

وقد اجيب عن ذلك بأن المغايرة حاصلة على التقديرين فإنهما جزئيان

(1) سورة الرحمن - آية 68.


214

لها، والجزئي مغاير للكلي، وقد عطف عليه لمزيد شرف له عن غيره كما تقرر في علم البيان كعطف جبرئيل وميكائيل عليهما السلام على الملائكة في قوله تعالى (من كان عدوالله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) (1) وكعطف الصلاة الوسطى على مطلق الصلاة وهو في القرآن كثير، وكذا في أشعار البلغاء.

ولا تدخل الخضراوات كالقثاء والخيار والباذنجان والجزر والقرع في الفاكهة اتفاقا، وقد سمعت الخلاف في البطيخ، والاولى الرجوع فيه إلى العرف، وإن فقد فالاصل عدم الحنث به، وإن سمي فاكهة في الاخبار فهو للمبالغة في حسنه.

ثم لاإشكال في تناول الفاكهة لما ذكر في إفرادها عند رطوبتها، أما تناوله لليابس فموضع خلاف، ومقتضى التقسيم لها إلى الرطب واليابس صدقها عليهما إلا أن العرف قد أخرج اليابس والانقسام أعم من الحقيقة، ولا نزاع في جواز التسمية في الجملة.

والوجه في ذلك تحكيم العرف وهو شاهد بعدم التناول لليابس.

وكذا البحث في مثل الفستق والبندق والجوز واللوز، وأولى بالمنع هنا، وهو الاصح.

وفي تناولها للبري من الزعرور وحب الاس وحب الصنوبر إن أدخلنا اللبوب فيها وجهان، وقد جزم العلامة في التحرير بدخول حب الصنوبر ونحوه، ولا وجه له بعدم إطلاق العرف وهو حاكم بالعدم، ولا بحنث بشئ منها ولا يبر لو حلف أن يأكلها.

الخامسة عشرة: لو حلف أن لا يأكل الادم أو يأكله

كان صادقا لكل ما يودم به، ولو كن ملحا ومائعا كالدبس أو غير مائع كاللحم، وأصله ما يضاف إلى الخبز ويؤكل معه مرقة كان أم دهنا جامدا كان كالجبن والتمر في بعض البلدان والملح والبقول والفجل أم مائعا كالخل والدبس والعسل والسمن، ومساواة الجامد للمائع مذهب أصحابنا، والخلاف إنما هو للعامة حيث خصته بما يضع به.

(1) سورة البقرة - آية 98.


215

وبرده قوله صلى الله عليه واله وسلم (1) (سيد إدامكم الملح) وقوله صلى الله عليه واله (2) - وقد أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة فقال - (هذه ادم هذه).

وقوله صلى الله عليه واله (3)(سيد ادم أهل الدنيا والاخرة اللحم) مضافا إلى العرف واللغة فالحق التعميم.

وفي الاخبار ما يدل على تعدد الادم في أشياء كثيرة غير ما ذكرناه، إلا أنها باعتبار البلدان دون بعض فكم من ادم في بلاد هو طعام في اخرى وبالعكس فيتبع عرف تلك البلد.

السادسة عشرة: إذا قال: إذا شربت ماء هذا الكوز لم يحنث إلا بشرب جميع مائه وكذا لو قال: لا شربت ماءه، وهكذا كل شئ لا يبر الا بفعله اجمع اما

لو قال: لا شربت ماء هذا البئر

حنث بشرب البعض إذ لا يمكن صرفه الى الكل، وربما قيل: لا يحنث ايضا.

وبالجملة: ان الماء إذا نسب الى ما يمكن شربه ولو في مدة طويلة فإنه لا يحنث إلا بشرب جميعه، وما دام يبقى فيه فلا حنث.

ولكن يستثنى من ذلك البلل اليسير الذي يبقى في العادة، وينبغي أن يكون هو المراد من قوله (لا شربت ماءه) ولهذا قد مثل با لأمرين المحقق في الشرائع لان مؤاده عرفا كذلك.

وقال الشهيد - رحمه الله - في بعض تعليقاته على الشرائع حيث قال: ولو قال: لا شربت ماء هذا البئر حنث بشرب البعض إنما وقع من لفظ (شربت) منتحريف الكتاب والصواب لو قال: لا شربت ماء هذا البئر العظيمة أؤ النهر فهل يحنث بشرب بعضه ؟ وفيه وجهان: أحدهما: نعم لانه لا يمكن شرب الجميع فتصرف اليمين إلى البعض، ولان من شرب من دجلة أو الفرات يصدق عرفا أنه شرب ماء دجلة والفرات، ثم قال:

(1) مستدرك الوسائل ج 3 ص 108 ب 31 ح 2.

(2) مستدرك الوسائل ج 3 ص 112 ب 52 ح 7 وفيه اختلاف يسير.

(3) مستدرك الوسائل ج 3 ص 104 ب 7 ح 1 وفيه (سيد طعام الدنيا والاخرة اللحم).


216

والثاني: وهو الذي اختاره المصنف لان الحلف على الجميع فصار كما لو قال: لا شربت ماء هذه الاداوة، والعرف بما ادعوه غير منضبط فلا يحكم بل ينبغي على هذا أن يقال: لا ينعقد يمينه لان الحنث فيه غير متصور كما لو حلف لا يصعد إلى السماء.

ويتفرع على ذلك كما لو قال: لا شربت ماء هذا البئر أو النهر فيحمل حل اليمين على البعض فيبر بشرب بعضه وإن قل، والاظهر أنه يبر شرب البعض بليكون كالحالف على غير المقدور فلا تنعقد اليمين لان البر فيه غير ممكن أما لو كانت يمينه: لا شربت من ماء هذه الادواة أو الجرة حنث بما يشرب من مائها قليلا كان أو كثيرا، وكذا لو قال: لا شربن من مائها بر بما يشرب منه كذلك.

وكذا الحكم في ماء البئر وماء النهر لافادة (من) التبعيض هنا بالقرينة ولعدم صلوحها للتبيين.

السابعة عشرة: لو قال: لا أكلت هذين الطعامين لم يحنث بأكل أحدهما

وكذا لو قال: لا آكل هذا الخبز وهذا السمك لم يحنث إلا بأكلها لان الواو العاطفة لمطلق الجمع فهي كألف التثنية.

وخالف الشيخ - رحمه الله - في المبسوط فقال: فإن حلف: لا كلمت زيدا وعمرا فكلم أحدهما حنث لان الواو العاطفة تنوب مناب الفعل.

وفيه من التكلف ما لا يخفى، فالاصح ما ذهب إليه الاكثر ولا فرق بين أن يكون عبر بصيغة المثنى أو صيغة الجمع لعطف (1) لانهما في الدلالة واحد، وكون الواو نائبة مناب الفعل العامل لا نعرف له وجها.

لان الواو يجعل الشيئين كالشئ الواحد لما علم أنها بمثابة ألف التثنية وواو الجمع.

أما لو كرر حرف النفي فقال: لا اكلم زيدا ولا اكلم عمرا ولا آكل هذا السمك ولا هذا التمر حنث بأكل واحد منهما وصار بمنزلة يمينين، وبالحنث

(1) كذا في النسخة، ولعل (لعطف) زائدة.


217

في إحداهما لا تنحل الاخرى كما لو قال: والله لا اكلم زيدا، والله لا اكلم عمرا.

ولو قال في الاثبات: لا ألبسن هذا الثوب وهذا الثوب ففي كونهما يمينين أو واحدة وجهان كما سبق.

الثامنة عشرة: إذا حلف: لا آكل خلا فاصطبغ به

حنث عند جماعة وعند آخرين لا يحنث لانه ينصرف عرفا إلى أكله متميزا إما منفردا أو مع غيره.

أما لو استهلك بالمزج نحو الطعام وانتفت التسمية فلا حنث وإن بقيت الحموضة وغيرها من أوصافه، وقد تقدم الكلام عليه في السمن.

التاسعة عشرة: لو قال: لا شربت لك ماء من عطش

فهو حقيقة في تحريم الماء، وهل يتعدى الى الطعام فيه ؟ قيل: نعم، عرفا، وقيل: لا، تمسكا بالحقيقة لان هذا اللفظ في شرب مائه حالة العطش.

وقد يتجوز فيما هو أعم من ذلك بأن يريد بهأنه لا يتناول شيئا من مائه، وإن قل فلفظه خاص.

وقيل: يعم بواسطة سببه وهو عكس ما يقوله الاصوليون في مؤلفاتهم فيما إذا كان اللفظ عاما وسببه خاص كبئر بضاعة وشاة ميمونة.

وهل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب ؟ وقد اختلف العلماء في العمل بحقيقة هذا اللفظ الخاص أو بمجازه حيث هو كناية عن ترك غير الماء من المأكول ونحوه نظرا إلى القرينه.

فجماعة على العمل بالثاني لان العرف يدل عليه فيكون من باب تعارض اللغة والعرف أو الحقيقة المتروكة والمجاز الغالب، وهو تحقيق حسن لكن مع انضباط العرف أو دلالة القرائن عليه، وإلا تمسك بالحقيقة لا صالة البراءة فيما زاد عليها، ولان إرادة العام من اللفظ الخاص ليس من أنواع المجاز المستعملة اصطلاحا فكيف تحمل عليه عند الاشتباه ؟ وإنما غايتة أن يحمل عليه مع قصده أو ظهور القرائن بأرادته.

وقيل: يعمل على الحقيقة مطلقا لان الايمان إنما تبنى على الالفاظ لا عل


218

القصود التي لا تحتملها الالفاظ ولم تستعمل لغة فيها كما إذا حلف على الصلاةوقال: أردت فإنه لا يقبل اتفاقا.

العشرون: إذا حلف على فعل مستديم

فحنثه يحصل باستدامته، إلا أن يكون الفعل ينسب إلى المدة كما ينسب إلى الابتداء، والضابط في هذه المسألة الفارق بين صورها أن ما لا يتقدر بمدة كالبيع والهبة والتزويج وغيرها من العقود والايقاعات والوطء والدخول ونحو ذلك لا يحنث باستدامتها لان استدامة الاحوال المذكورة ليست كإنشائها، إذ لا يصح أن يقال: بعت شهرا ولا دخلت.

وكذا الكلام في البقية وما يتقدر بالمدة كالسكنى والمساكنة والعقود والقيام واللبس والركوب والمشي فيحنث باستدامتها كابتدائها، فإذا حلف أن لا يفعله حنث باستدامته لصدق الاسم بذلك لانه يصح أن يقال: لبست شهرا وركبت ليلة وسكنت سنة وساكنته شهرا، ومثله الكلام في البواقي.

وقد يقع الاشتباه في بعض الافعال فيتوجه الاشكال في حكمه إذ يحتمل حينئذ فيه مغايرة الابتداء للاستدامة، فلا يحنث لو حلف لا يتطيب باستدامة الطيب لانه لا يقال: تطيبت شهرا بل منذ شهر وإن كان باقيا عليه كالطهارة على البقاء عليها.

ويحتمل اتحادهما لانه يصدق عليه الان متطيب ولانه محرمعليه في الاحرام استدامته كابتدائه.

والذي حققه المحقق في الشرائع هو الاول، وهو الاقوى لانه حلف أن لا يتطيب ولم يحلف على أنه متطيبا، وبين الامرين فرق.

وأما تحريم استدامة الطيب على المحرم فبدليل خارج كتحريم شمه عليه وابتدائه ويحصل باستدامته ولصحة السلب الذي هو قرينة المجاز لانه يصح أن يقال: ما تطيبت منذ يومين وما تطيبت اليوم وإن كان الطيب باقيا عليه وهذان الوجهان آتيان في الوطء إذ لا يقال: وطأت يوما وشهرا، ومقتضاه أن من حلف


219

أن لا يطأ لا يحنث باستدامته ما لم يعد بعد النزع.

وأما تحريم الاستدامة على الصائم والمحرم كالابتداء ثابت فأشبه الطيب.

وإذا تقرر ذلك فلو قال: لا دخلت دارا أو دار فلان وهو فيها لم يحصل له الحنث بالمكث فيها وإن تطاول زمانه حتى يخرج منها فيعود إليه فهناك يحنث.

وكذا لو قال: لا بعث وقد باع ولو بخيار فاستمر عليه أو لا تزوجت والحال أن له زوجة فلم يطلقها.

ولو قال: لاسكنت هذه الدار وهو ساكن بها

وجب عليه التحول عنها إلى اليوم وإن كان قد أبقى رحله وأهله لان متعلق يمينه سكناه بنفسه لا بأهله ومتاعه.

كما أنه لا فرق في الحنث مع مكثه بين أن يكون قد صدر منه إخراج أهله ورحله أم لم يصدر خلافا لبعض العامة فيهما، ولا يحنث بالعود إليها لا للسكنى بل لنقل رحله وإن كان قد مكث، بخلاف ما لو حلف على دخوله فإنه يحنث وبه وإن كان لنقل المتاع.

ولو مكث بعد اليمين ولو قليلا فإن لم يكن لاجل نقل متاعه حنث لصدق الاستدامة بذلك، ولو كان لاجله بأن نهض بجمع المتاع وأمر أهله بالخروج وتلبس بمقدمات الخروج فهل يحنث ؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لانه أقام فيها مع التمكن من الخروج، وبهذا جزم العلامة في التحرير ولم يذكر سواه.

وأرجحهما - وبه جزم في القواعد - المنع، لان المستقل بأسباب الخروج لم يعد ساكنا في الدار.

ويؤيده ما أجمعوا عليه من أنه لو خرج في الحال ثم عاد لزيارة أو عيادة أو نقل متاع أو عمارة ونحو ذلك غير السكنى لا يحنث، ولا نه قد فارقها في

الحالوبمجرد العود لا يصيره ساكنا.

أما لو احتاج أن يبيت فيها

ليلة لاجل أن يحفظ فيها متاعه ففيه خلا


220

إلى قولين، أجودهما عدم الحنث لان الضرورة لا تجامع الحنث بل ربما نافت أصل اليمين.

ولو خرج في الحال ثم مر بها مجتازا لم يحنث لان مثل ذلك لا يعد سكنى.

وإن تردد فيها ساعة بغير غرض فكذلك.

ويحتمل الحنث ويشكل بعدم صدق السكنى بذلك إذ ليس المراد بها المكث مطلقا بل اتخاذها مسكنا وهو غير صادق بالتردد وإن مكث على وجه لا يصدق اسمها، وهذا وارد على القول بالتفصيل الواقع عند الخروج إلا أنه يمكن الفرق بأنها إذا كانت مسكنا لا يخرج عنه بمجرد النية، كما أن المقيم لا يصير مسافرا بمجرد النية، بخلاف من خرج عنها ثم عاد فإنه بخروجه عن اسم الساكن يحتاج في صدق الاسم عليه بعد عوده إلى إحداث إقامة يصدق معها.

الحادية والعشرون: الاصل المرجوع إليه برا وحنثا في اليمين

هو اتباع موجب الالفاظ التي تعلقت بها اليمين، إلا أنها قد تقيد وتخصص بنيةتقترن بها أو باصطلاح أو قرينة اخرى كما نبهناك عليه في المسائل السابقة، وعليه قد فرعوا تلك المسائل وغيرها.

فمنها: أنه إذا حلف لا يدخل هذه الدار، فالمفهوم هو الدخول من الباب المعهود من خارج الدار إلى داخلها، فيحنث بالحصول في أعرصتها وفي أبنيتها، بيوتا كانت أو عرفا أو غيرهما، وسواء دخلها من الباب المعهود أم من غيره، ولو من السطح على أصح القولين، لا بالصعود إلى السطح بالسلم من خارج ولا من دار الجار وإن كان محجرا من جوانبه، خلافا لبعض العامة حيث قد ألحق المحوط بالدار لا حاطة حيطان الدار به والاخرين منهم حيث حكموا عليه بالحنث بمجرد صعوده وإن لم يكن محوطا.

هذا كله إذا لم يكن السطح عليه بناء مسقفا كالغرف والعرش وإلا كان طبقة اخرى في الدار وشمل قوله دخلها أو شيئا منها إذا كان متعلق يمينه.

كذلك ما إذا دخل الدهليز أو بين البابين لانه من جملة الدار، ومن جاوز الباب عد داخلا.

ولو كان الحلف على دخول البيت التي هي الدار بعرفنا لم يتناوله بقية


221

الدار ولا الغرفة فوقة أو في بقية الدار بعدم تناول البيت له، بخلاف الدار فإنها اسمللمجموع، وإنما يتناول البيت ما كان داخلا عن بابه بحيث إذا غلقت الباب كان من ورائه.

هذا كله إذا كان الحالف حال الحلف خارجا عن الدار أو عن البيت.

أما لو كان فيهما ولم يخرج لم يحنث بالاقامة فيهما لان مثل ذلك لا يعد دخولا، لما قد قررناه في ذلك الضابط من أنه لا ينسب إلى الزمان ولا يتقيد به.

فلا يقال: دخلت الدار شهرا ولا البيت يوما، وإنما يقال: سكنت أو لبثت أو أو أقمت.

ولكن يقال: دخلت منذ شهر، كما يقال: بعت منذ شهر.

وخالف بعض العامة في ذلك فحكم بالحنث كذلك مستندا إلى أن استمرار الدخول و استدامته في حكم ابتدائة شرعا بقرينة أنه لو دخل دارا مغصوبة ولم يعلم بحالها ثم علم ولم يبادر إلى الخروج أثم.

وهو استدلال ضعيف لان إثمه ليس من حيث الدخول، والمعتبر من الدخول عند الاطلاق الولوج فيه بجيمع بدنه وأعضائه وسائر بدنه خارج ولو بعضا لم يتحقق الحنث، كما أنه لا يحنث لو حلف أن لا يخرج فأخرج بعض أعضائه وهو كائن في الدار، ويترتب هذا الحكم كما يترتب دخول المسجدين للجنب والحائض دخولا وخروجا، فلا يتحقق التحريم إلا بالدخول بجميع بدنه، ولا يتحققالخروج الواجب عليه إلا بالخروج بجميع بدنه.

وإذا حلف أن لا أدخل بيتا حنث بدخول بيوت أهل الحضر ولا يحنث بدخول بيت البادية إذا كان الحالف حضريا، ويحنث به البدوي ومن له عادة


222

بسكناه لان اسم البيت يقع على المبني من الطين والاجر والحجر والمدر وعلى المتخذ من الخشب ومن الشعر أو الصوب أو الجلد وجميع أنواع الخيام ولو من القطن.

فإذا حلف على دخول البيت، فإن نوى نوعا معينا منها حملت اليمين عليه، وإن أطلق نظر، فإن كان الحالف بدويا حنث بكل شئ منها لان الكل بيت عنده، وإن كان من أهل الامصار والحضر وسكان القرى لم يحنث ببيت الشعر وأنواع الخيام ولا بدخول القبور وإن كانت بيوت الموتى لانها غير داخلة في الاطلاق.

فإن المتعارف عندهم والمفهوم من اسم البيت عند إطلاقه هو المبني من تلك الاشياء.

وفي المسألة قول بالحنث بدخول بيت الشعر ونحوه مطلقا لدخولها في البيت لغة وشرعا.

(أما) الاول فظاهر عند أهل البادية وهم مصدر اللغاات وأهل اللسان، ولهذا يستشهد بكلامهم.

(وأما) الثاني فلقوله تعالى (وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها) (1) واجيب بأن الاستعمال أعم من الحقيقة والمجاز، ولهذا قال الله تعالى (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون) (2) وقال تعالى (يا أيها النمل ادخلوا ما كنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده) (3).

ولو سلمنا الحقيقة لغة لكن العرف مقدم على اللغة كما قررناه فيما سبق ومن ثم جزمنا بحنث البدوي به خاصة دون الحضري، وهنا أيضا حكموا باختصاص لفظ الرؤوس عند إطلاقها بأنواع خاصة كما تقدم بيانه.

الثانية والعشرون: لو حلف: لا دخلت دار زيد ولا كلمت زوجته ولا استخدمت عبده

كان التحريم باليمين تابعا للملك وللزوجية بالفعل على الاشهر.

(1) و (2) و (3) سورة النحل - آية 80 و 68 و 18


223

وربما قيل بما هو أعم وإن خرج عن ملكه واستحسنه المحقق.

وتقرير هذه المسألة: أنه إذا حلف لا يدخل دار زيد وكان وقت حلفه مالكا لها فباعها زيد ثم دخلها الحالف بعد بيعه لها، أو لا يكلم عده أو يستخدمه أو زوجته فكلم بعدما زال ملكه عن العبد أو انقطع النكاح لم يحنث لانه حينئذ لم يدخل دار زيد ولم يكلم زوجته ولا عبده واستخدمه لخروجها عن الملكية والزوجية، حتى لو قرض أن زيدا قد اشترى دارا اخرى أو عبدا آخر أو تزوج امرأة اخرى حنث بالاخير دون الاول، إلا أن يقول: إنما أردت الاول بعينه فلا يحنث لهما، أو لو قال: أردت دارا جرى عليها ملكه أو عبدا كذلك أو امرأة جرى عليها زوجيته في الجملة حنث بكل منهما.

هذا إذا لم تقتض الاضافة التعيين.

أما لو جرى بينها فقال: لا أدخل دار زيد هذه فباعها ثم دخلها، قيل: يحنث لانه عقد اليمين على عين ملك الدار ووضعها بالاضافة فبقيت العين على الاضافة، وقيل لا يحنث كالاول.

واستحسنه المحقق في الشرائع، لان المتبادر إلى الذهن تعلق الغرض بالملك والحلف لاجله فتغلب الاضافة، ولانها مستقره قلا يؤثر فيها التعيين الطارئولانه ليس نسبة الحكم إلى اليقين أولى بسبب الاضافة، غايته أن يكون العكس كذلك فيكون تابعا لهما وهو المركب يخرجه عن كونه مركبا، فلا يبقى الحكم المعلق عليه باقيا، وهو أقوى جدا.

وقد اختلف فتوى العلامة فاستقرب في القواعد الاول، وفي المختلف الثاني في ضمن تفصيل لا يخرجه عنه، وفي التحرير تردد، وكذا في القواعد.

ومحل هذا الخلاف ما إذا أطلق فلم يقصد شيئا بخصوصه، وإلا اعتبر قصده.


224

وإذا حلف: لا دخلت دارا فدخل براحا وكان دارا سابقا لم يحنث لخروجه عن اسم الدار بزوال الاثار.

أما لو قال: لا دخلت هذه الدار وكانت دارا وقت الحلف فانهدمت فصارت براحا فهي موضع خلاف، فقال الشيخ: لا يحنث.

وفيه نظر من حيث تعلق يمينه بالعين فلا اعتبار بالوصف، أما عدم الحنث عند الاطلاق فلانها بصيرورتها قد خرجت عن اسم الدار، فلم يصدق أنه دخل دارا.

وأما المعينة فالامر فيها كذلك، إلا أنه قد عارض فيها الاسم الذيهو في قوة اسم الاشارة، وفي تغليب أيهما على الاخر ؟ وجهان كما سبق بيانه.

ويزيد هنا أن الغرض من الوصف في السابق مقصود غالبا، بخلاف الدار فإن الحكم فيها تابع لمحض الاسم أو المشار إليه، وهو السر في ترجيح المحقق في الشرايع زوال الحنث بانتقال الوصف في المسألة السابقة واستشكاله هنا، إلا أنه يمكن أن يعكس الاعتبار ويقال: إذا كان زوال الوصف في المسألة السابقة أوجب زوال الحكم مع أن حقيقة المحلوف عليه وهو المرأة والعبد والدار باقية فلا يزول الحكم هنا مع زوال حقيقة المحلوف عليه وهو الدار هنا أولى، لان غرضه الدار المعبر عنها بالبراح - بفتح الباء - وهي الارض الخالية من البناء والزرع والشجر، وهذه لا تسمى دارا حقيقة بل يمكن أن يقال بزوال حكم اسم الاشارة أيضا، لانها قد تعلقت بعين تسمى دارا، وهي اسم مركب من العرضة وما يشتمل عليه من البناء وآلات الدار، ولا شك أن العرصة التي هي الجزء لذلك المركب غير المركب فلا يكون هو المشار إليه.

وربما ناقص بعضهم في اشتراط أمر زائد على العرصة في إطلاق اسم الدار بل زعم أنها اسم للعرصة، وليست العمارة جزء من مفهوم الدار بل من كمالها،فإن العرب في كلامهم نثرا وشعرا قد أطلقت الدار على العرصة كقول النابغة:


225

يادار مية بالعليا فالسند

أقوت فطال عليها سالف الابد فسماها دارا بعد أقواتها.

ويقال: دار ربيعة ودار بني فلان بصحاري ليس بها عمارة، وعلى هذا التقدير فالاسم والاشارة باقيان، عكس ما قيل في الامر الاول.

والحق أن إطلاق اسم الدار على العرصة مجاز، والاستعمال أعم من الحقيقة وعلامة المجاز هنا عدم الذهن إليها عند الاطلاق وصحة سلبها عنها وشهادة العرف بانتفاء اسم الدار عنها.

ويتفرع على هذا التوجيه أيضا وجه قد استوجهه المحقق في المسألة السابقة دون هذه، من حيث إن المشار إليه في الاول تغير وصفه بالاضافة وبقيت الاشارة وحصل التعارض بين الوصف والاشارة، بخلافة في هذه المسألة، فإن المشار إليه باق على حقيقته بزعم هذا القائل ببقاء اسم الدار مع بقاء اسمها، فلا يلزمه عدم الحنث في الاول عدمه هنا، فلذا قد حكم بزواله في الاول واستشكل في الثانية.

الثالثة والعشرون (1): إذا حلف: لا دخلت ولا أكلت أولا لبست اقتضى ذلكالتأبيد

وإن بينه بمدة معينة وأن الله بتلك النية وإن عين في كلامه، وذلك أنه إذا حلف على شئ أن يقتضي فورا أو تراخيا أو تكرارا أو مرة لخروجها عن مدلوله وإلا لزم التكرار، وفي الثاني لابد من الانتهاء عنه وفي جميع الاوقات إذ ا لم يخصه بوقت لان فيه نفي الماهية مطلقا وهو غير متحقق بذلك، وهو مأخوذ من أن الامر بالفعل يقتضي التكرار، بخلاف النهي، وهو أصح القولين عند الاصوليين وأشهرهما.

وعلى القول الشاذ لهم في عدم دلالة النهي التكرار يأتي مثله هنا في النهي.

هذا عند الاطلاق بحيث لم يقصد تخصيصا بزمن أو وصف.

أما لو نوى بقوله: لا أفعل كذا وقتا معينا أو مدة معينة فحينئذ المعتبر

(1) وقوع السقط والتضحيف في هذه المسألة أكثر من أن يصحح.


226

ما نوى، لان تخصيص للعام وتقييد للمطلق بالنية، والجميع صالحة له وإن ذلك تخصيص للمطلق بالنية، والجميع صالحة له وإن كان لا يقبلها غيرها.

الرابعة والعشرون: إن العقد اسم للايجاب والقبول،

فلا يتحقق إلا بهما، فإذا حلف لا يبيعن فلا يبرأ إلا مع حصولهما منه.

وكذا لو حلف ليهبن في وقد نقل عن بعض الاصحاب أنه لو حلف أن لا يهب أنه لا يحنث بالايجاب وحده كالبيع.

وقال في الخلاف: وهو مناف لكلامه في الايجاب.

وفي المبسوط قوى القولين معا وهو يدل على تردده في المسألة، والاقوى عدم الحنث بدون القبول كغيرها من العقود.

ويستثنى من ذلك الوصية، فإنها يفتقر إلى الايجاب والقبول كما هو المشهور، لكن لما كان قبولها المعتبر مخصوصا بما بعد الموت إجماعا وإن جاز قبله على الخلاف حقق الحنث للحالف عليها بمجرد الايجاب، لان تعقل توقف الحنث على ما يقع بعد الموت غير محتقق، إذ يجوز وقوعه وعدمه، ولان المتبادر من الوصية عرفا إذا قيل: فلان أوصى بكذا، وقوله: أوصيت بكذا هو الايجاب مع احتمال توقف الحنث على القبول طردا لباب العقود على وتيرة واحدة ودليلها هو السابق، لكن الفاضل فخر المحققين في شرحه على القواعد ادعى الاجماع على أن الوصية ليس القبول شرطا في صحتها، بمعنى أنها تصح أنتؤثر بدونه وهو شرط لاجزء من السبب المملك وإن توقف على شرط وهو الموت لان تأخير السبب يجوز أن يتوقف على شرط ولا يلزم من وجوده وجود المسبب إلا مع اقترانه به لعدم الشرط وانتفاء المانع كما حقق في بابه.

ومن هنا قيل: إن القبول في الوصية كاشف عند تقدم الملك من حين الموت، ولو كان شرطا لما تصور تقدم الملك قبله لان المشروط


227

ممتنع التقديم على الشرط مطلقا، وإطلاق العقد ينصرف إلى الصحيح منه دون الفاسد

ولو خطأ، ولا يبرأ بالبيع الفاسد

لو حلف لا بيعن، ومثله غيره من العقود لانه حقيقة في الصحيح مجاز في الفاسد لتحقق خواص الحقيقة، فالمجاز فيهما كمبادرة المعنى إلى ذهن السامع ومن ثم حمل عليه الاقرار.

حتى لو ادعى إرادة الفاسد لم يسمع دعواة إجماعا وعدم صحة السلب وغير ذلك من خواصه.

ولو كان مشتركا بينهما لقبل منه تفسيره بإحدهما كغيره من الالفاظ المشتركة وانقسامه إلى الفاسد والصحيح أعم من الحقيقة، وحيث كان الاطلاق ينزل على الصحيح لا تبرأ ذمته بالفاسد لو حلف على الاثبات، سواء كان فساده لعدم صلاحيته للمعارضة لذاته كالخمر والخنزير أم لفقد، شرطه كجهالة المقدار والعين.

وقال الشيخ - رحمه الله - الهبة اسم لكل عطية متبرع بها كالهدية والنحلة والعمرى والوقف والصدقة.

وفيه منع لان العمرى والنحلة يتناولان المنفعة، والهبة تتناول العين، ولا شك في أن العطية المتبرع يها شاملة لجميع ذلك عينا ومنفعة، فيدخل في الاول الهدية والوقف والصدقة، وفي الثاني العمرى، ولا كلام في ذلك إنما الكلام في مساواة الهبة للعطية، فإن الظاهر من معناها عرفا ولغة خلاف ذلك، وإنها لا تطلق على هبة المنفعة ولا على الصدقة لما بينهما من الاختلاف اسما ومقصودا وحكما.

أما الاسم فإن من تصدق على فقير لا يقال وهبه.

وأما المقصود بالصدقة فهو التقرب إلى الله تعالى، والهبة ليس كذلك، وكذا الوقف سيما على القول بعدم انتقاله إلى الموقوف عليه، ولو اطلقت الهبة عليه لصح إيقاعه بلفظها، والسكنى والرقبى في معنى العمرى، وإنما خص الشيخ العمرى بالذكر لما روي أنه صلى الله عليه واله قال (1) (العمرى هبة لمن وهبت له).

(1) صحيح البخاري ج 3 ص 216 باب ما قيل في العمرى من كتاب الهبة.


228

وأنكر ابن إدريس ذلك وقال: لا يضر الحالف على الهبة بالصدقة، ومن جملته جواز الرجوع في الهبة على بعض الوجوه دون الصدقة.

وقد استشكل المحقق تناول الهبة للوقف والصدقة لما ذكر، والاقوى عدم دخول الوقت مطلقا فيها، وكذا الصدقة إذا كانت واجبة.

أما المندوبة ففي دخولها احتمال لمكان اشتراكهما في التبرع بالعين، واشتراط القربة في الصدقة لا ينافيه لكون القربة تشتمل عليها الهبة وإن لم تكن شرطا، فيتداخلان تداخل العموم والخصوص.

ويقال: إن كل صدقة هبة ولا تنعكس كليا، وربما دخلت الوصية في تعريف الشيخ أيضا لكونها عطية متبرعا بها، غايتها أنها بعد الموت، وليس في إطلاق العطية ما يخرجها، نعم دخولها في الهبة أبعد.

الخامسة والعشرون: إذا حلف لا يفعل لم يتحقق الحنث إلا بالمباشرة له،

فإذا قال: لا بعث أو لاشريت فوكل فيه لم يحنث.

أما لو قال: لا بنيت بيتا فبناه البناء لامره أو باستئجاره فهو موضع خلاف، فقيل: يحنث نظرا إلى العرف، والوجه الصحيح أنه لا يحنث.

ولو قال: لا ضربت فأمر بالضرب لم يحنث.

وفيأمر السلطان تردد، أشبهه أنه لا يحنث إلا بالمباشرة أيضا.

والسر في ذلك الخلاف في أنه هل يقدم اللغة على العرف أو بالعكس ؟ حيث لم يكن العرف شرعيا وإلا وجب تقديمه بالاتفاق.

وأما التعارض بين الحقائق اللغوية والعرفية فهي موضع ذلك الخلاف، وفيها وجهان مبنيان على ترجيح المجاز الراجح والحقيقة المرجوحة، فإن استويا في الاستعمال صار كالمشترك في المنع من ترجيح أحد أفراده بغير قرينة أو الحمل على الجميع على قوله، وهذه المسألة ترجع إلى جميع هذه القاعدة، لان البناء حقيقة لغوية في مباشرته ومجاز في الامر به، لكن قد غلب العرف في ذلك حتى أنه لا يتبادر من قول القائل: بنيت دارا وفلان بنى بيتا إلا هذا


229

المعنى، إلا أن الحقيقة لم تكن مهجورة أصلا، لان من باشر البناء يقال: إنه بنى أيضا بطريق أولى، ويدل عليه أخبار من بنى مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة، فإنه يقال عليهما سواء صدر بالمباشرة أو بالامر، فيجب على الحالف عليه إيجابا أو سلبا اعتباره بالامرين.

وأما نحو البيع والشراء فالحقيقة اللغوية فيه باقية بلا معارض، وإن اسند إلى غير الفاعل فهو قليل لا يخرج عن أصل المجازية، ويترتب على ذلك أن الحالف على البيع والشراء نفيا وإثباتا يحمل على مباشرته ذلك، فلا حنث بالتوكيل، كما لا يبرأ به في جانب الاثبات، والحالف على البناء يحنث بمباشرته قطعا.

أما حنثه بالامر به ففيه الوجهان، وقد استوجه المحقق فيه والعلامة عدم الحنث عملا بالحقيقة كما قلناه واستصحاب حكمها.

وذهب جماعة إلى الحنث به لغلبة الاستعمال

في العرف، وفيه قوة.

ومثله حلف السلطان ونحوه

كما قلناه لرفعه عن مباشرة الفعل فإنه يحنث بمباشرته قطعا، وفي أمره الوجهان، وحكم المحقق - رحمه الله - فيهما بالاتحاد والبناء على الحقيقة، وهذا المسألة مفروضة فيما إذا أطلق ولم ينو شيئا.

أما إذا نوى أن لا يفعل ولا يفعل بإذنه أو لا يفعل ولا يأمر به فلا خلاف في الحنث حيث يأمر غيره به.

هكذا أطلق جماعة وربما أشكل من حيث أن اللفظ مقتض لفعله بنفسه حيث هو الحقيقة، واستعماله في المعنى الاخر مجاز، ويلزم من ذلك استعمالاللفظ في الحقيقة والمجاز جميعا، وهو غير مرضي عند أكثر الاصوليين.

وطريق التخلص إن أكثر الاستعمال لذلك مجاز وهو استعمال صحيح في ناوي اليمين مع قصده كما هو المفروض.

ويجوز أن يؤخذ بمعنى مشترك بين الحقيقة والمجاز، فيقال: إذا نوى أن


230

لا يسعى في تحقق ذلك الفعل حنث بمباشرته وبالامر به لشمول المعنى وأراد بهذا المعنى إرادة مجاز وحده أو الحقيقة وحدها.

ولو توكل لغيره في البيع والشراء

ففيه خلاف وتردد، والاقوى الحنث لتحقق معنى المشتق منه، وذلك لانه إذا حلف أن لا يبيع وأن لا يشتري، فإن وقعا لنفسه فلا إشكال في الحنث لان فعله لنفسه داخل في هذا الاطلاق قطعا، وإنما الكلام هل يتناول بيعه لغيره بالوكالة أم ؟ فيه وجهان، قد اختار المحقق وجماعة أنه يحنث لتحقق البيع والشراء لان البائع والمشتري مشتقان من البيع والشراء، وقد تحقق المعنى المشتق منه لانه أعم من وقوعه لنفسه ولغيره.

ووجه العدم صحة نفيه عنه عرفا فيقال: ما بعت ولا اشتريت بل المشتري فلانوالبائع زيد وأنا وكيله، أن الاول أظهر.

السادسة والعشرون: إذا حلف ليضربن عبده مائة سوط

تعلقت اليمين بما يسمى ضربا، ولا يكفي فيه وضع اليد والسوط ورفعتهما ولا الفظ والقرص والحنق ونتف الشعر.

وفي الو كز واللكز واللطم وجهان، أقواهما يحكم العرف فيه، ولا يشترط فيه الايلاء.

وقيل: يشترط لدلالة العرف عليه ولان اليمين لا تنعقد إلا مع رجحان الضرب بسبب حد أو تعزير أو تأديب، ولا يحصل الغرض بدونه.

وذهب الشيخ في المبسوط وجماعة إلى إجزاء الضرب بالضغث من الحشيش إذا اشتمل على العدد، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى في قصة أيوب حيث (1) ولان الضرب حقيقة هو وقوع المضروب به على المضروب بقوة بفعل الضارب، وقد حصل بذلك، ورده الاكثر إلى أن المتبادر هو الضرب بالالة المعتادة للضرب كالسوط والخشبة، وخص الاجزاء بالضغث في الاخبار بحالة الضرورة كما في الحدود

(1) سورة ص - آية 44.


231

التي تقام على المريض فلا يقع بها الحنث ولا البر.

وفيه نظر لان متعلق اليمين فيما فرضه الضرب بالسوط فكيف يجزي الضرب بغيره ؟ لان حقيقته لغة وعرفا مغايرة للحنث، والمناسب الاخذ بحقيقة اللفظ أنه مع اليمين على الضرب بالسوط لا يجزي غيره وكذا بالخشب.

وأما مع إطلاق الضرب فيجزي ما حصل به من الالات المعتادة له، وحيث يجزي الضغث يشترط فيه أن يصيب كذلك واحد من الالات الضرب جسده ولو بحسب الظن ليتحقق الضرب بذلك العدد، هكذا أطلقه غير واحد هنا، مع أنه سيأتي في باب الحدود عدم اشتراط وصولها إليه جمع، بل يكفي انكباس بعضها إلى بعض بحيث يناله ثقل الكل، فهنا أولى بذلك لما تقرر من أن مقصود الحد الردع عن اليمين، الاسم والاية دالة عليه، ومن المستبعد جدا في العدد المجتمع إصابة جميعه للبدن خصوصا إذا اجتمعت الالة كما قد ذكره، فالوجه التسوية بين الامرين وحيلولة بعضها ببعض عن إصابة ثقلها كحيلولة الثياب وغيرها مما يمنع تأثر البشرة بالضرب، والغرض هنا التخفيف وحصول المسمى كما هو ظاهر الاية، فالاكتفاء بذلك أولى.

وأما اشتراط انعقاد اليمين المذكورة بكون الضرب سائغا - إما مع رجحانهبحيث يكون المضروب مستحقا له بحد أو تعزير، أو متساوي الطرفين كالتأديب على المصالح الدنيوية مع رجحان أحد الجانبين - فليس بمحقق الانعقاد على كل حال، لان في الصورة الاخيرة لا يتعين الضرب بل الاولى معها عدم الانعقاد ولا كفارة لان اليمين لا تنعقد على خلاف الاولى لرواية محمد العطار (1) المتقدمة (قال: سافرت مع الباقر عليه السلام إلى مكة فأمر غلامه بشئ فخالفه إلى غيره، فقال الباقر عليه السلام: والله لا ضربنك يا غلام، قال: فلم أره ضربه، فقلت: جعلت فداك إنك حلفت لتضربن

(1) التهذيب ج 8 ص 290 ح 65، الوسائل ج 16 ص 206 ب 38 ح 1.


232

غلامك فلم أرك ضربته، فقال: أليس الله يقول: وإن تعفو أقرب للتقوى).

وطريق هذه الرواية وإن كان ضعيفا في الاصطلاح الجديد لكن العمل بها مشهور بين علمائنا، ويمكن الاحتجاج أيضا بعموم الاية وإن كانت مسوقة لغير ذلك.

السابعة والعشرون: يقع على القرآن اسم الكلام عرفا ولغة.

وقال الشيخ - رحمه الله -: لا يقع عرفا، ويشكل بقوله تعالى (حتى يسمع كلام الله) (1) ولا يحنث بالكتابة والاشارة لو حلفت أن لا يتكلم، وها هنا مسألتان:إحداهما: إذا حلف أن لا يتكلم وانعقدت يمينه فقرأ القرآن عامدا عالما ففي حنثه به قولان مبنيان على ما ذكرناه من صدق الكلام به وعدمه، أحدهما العدم، ذهب إليه الشيخ - رحمه الله - في الخلاف لعدم بطلان الصلاة به مع بطلانها بالكلام، ولان اسم الكلام عند إطلاقه مصروف إلى كلام الادميين عرفا في محاوراتهم، ولا يصدق عرفا على من قرأ القرآن أنه تكلم، ولو كان كلاما خارج الصلاة لكان كلاما فيها قاطعا لها.

والاجماع منعقد على خلافه ولاصالة براءة الذمة.

ورد بعدم الملازمة بين كونه كلاما وعدم بطلان الصلاة به لان المبطل للصلاة هو كلام الادميين لا مطلق الصلاة لقوله صلى الله عليه واله (2) (إن الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الادميين) ولان الكلام هو المنتظم من الحروف المسموعة إذا صدرت عن قادر واحد، وهذا مذهب الاكثر منهم المحقق وابن إدريس والعلامة في المختلف وولده في شرح القواعد.

والشهيد الاول - رحمه الله - في الارشاد وافق العلامة في عدم الحنث به.

وفي القواعد توقف في المسألة.

ومثله القول في التهليل والتسبيح لمشاركتهما لكلام الله في عدم إبطالالصلاة وكونه غير الكلام المعهود في المحاورات ومن صدق حد الكلام عليه

(1) سورة التوبة - آية 6.

(2) عوالي اللئالى ج 1 ص 196 ح 4 وفيه (الصلاة لا يصلح).


233

وقوله تعالى (آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا وإذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والابكار) (1) فأمره بالتسبيح وذكر ربه كثيرا مع قطع الكلام عنه، فكأن الظاهر من الاية كون المأمور به ترك كلام الناس لا مطلق الكلام كذكر الله وقوله صلى الله عليه واله (أفضل الكلام أربع سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) (2) و (لا إله إلا الله كلمة ثقيلة في الميزان خفيفة على لسان) (3).

وهذا أقوى.

ثانيهما: أنه لا يحنث في الكلام بالكتابة والاشارة لانهما لا يسميان كلاما لغة ولا عرفا لصحة قولهم: ما كلمه وإنما كاتبه وأشار إليه، ولقوله تعالى (إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (4) فأشارت إليه) ولو كانت الاشارة كلاما لامتنعت منها.

وذهب جماعة من علماء العامة إلى حصول الحنث بذلك لقوله تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا) (5) استثنى الرسالة من التكليم فيدخل الاخران بطريق أولى، ولاستثنائه في الاية السابقة الرمز من الكلام وهو حقيقة في المتصل، ولا فرق - على هذين التقديرين - بين إشارة الناطق والاخرس، وإنما اقيمت إشارة الاخرس مقام النطق للضرورة كما تقدم في أحكام الاخرس.

الثامنة والعشرون: إن الحنث يتحقق بالمخالفة اختيارا

سواء كان بفعله أو فعل غيره، كما لو قال: لا أدخل بلدا فدخل هو بفعله أو قعد في سفينة فسارت به أو ركب دابة أو حمله إنسان، ولا يتحقق الحنث بالاكراه ولا مع النسيان ولا

(1) سورة آل عمران - آية 41.

(2) صحيح البخاري ج 8 ص 173 طبع بيروت.

(3) لم نعثر عليه في مظانه.

(4) سورة مريم - آية 26 - 29.

(5) سورة الشورى - آية 5


234

مع عدم العلم.

ومنه ما لو دخل الدار وهو لا يعرف أنها الدار التي حلف على عدم دخولها لقوله صلى الله عليه واله في المستفيضة النبوية (1) وغيرها (وضع عن امتي الخطأ والنسيان وما اكرهوا عليه " ولان البعث والزجر المقصودين من اليمين انما يكونان مع اختيار الفعل ذاكرا لليمين ضرورة أن كل حالف إنما قصد بعث نفسه أو زجرها باليمين، وهذا غير متصور إلا مع القصد إليها ومعرفته بها، فإذا جهل اليمين في صورة النسيان أو المحلوف عليه في صورة الجهل لم يوجد المقصود من اليمين لاجلها، إذ لا يتصور قصد البعث أو الامتناع حالتي الجهل والنسيان.

وكذا حالة الاكراه، بل هنا أولى لان الداعي حالة الاكراه ليس للفاعل بل من غيره، فلم تدخل هذه الحالة في اليمين، والبعث على الاقدام والمنع منه إنما يتعلق بالافعال الاختيارية لامتناع بعث المرء نفسه على ما يعجز عنه كالصعود إلى السماء.

وأيضا لو حلف مكرها لم تنعقد يمينه، فكذا المعنى المتعلق به الحنث إذا وجد على وجه الاكراه يجب أن يلغو أنه أحد سببي وجوب الكفارة، ولافرق على الاكراه بين أن يفعل الحالف المحلوف على تركه بنفسه بأن يحمله عليه التهديد والتخويف.

وبغيره بأن يحمل إلى الدار التي حلف لا يدخلها مكرها.

وخالف بعض العامة في ذلك فحكموا بالحنث في جميع الفروع مستندا في ذلك إلى وجود صورة المحلوف عليه، والكفارة لا تسقط بالاعذار عندهم لانه قد يجب أن يحنث نفسه، ومع ذلك تلزمه الكفارة كما لو كان حلفه على أن لا يفعل الواجب أو يفعل المحرم، فإن اليمين عندهم تنعقد على جميع ذلك وإن وجب الحنث.

كما أنه لو حلف على ترك المندوب انعقدت واستحب الحنث.

(1) الوسائل ج 16 ص 173 ب 16 ح 5 وفيه (وما استكرهوا عليه).


235

إذا تقرر ذلك وقلنا بعدم الحنث فهل تنحل اليمين أم لا ؟ فيه قولان: أحدهما نعم، لوجود الفعل المحلوف عليه حقيقة، فكان كما لو حلف عمدا، وإن افترقا في الكفارة وعدمها وقد حصلت المخالفة وهي لا تتكرر، وإذا خالف مقتضاها بعد ذلك لم يحنث.

وقد حكموا بالا يلاء بأنه لو وطأ ساهيا أو جاهلا بطل حكمالايلاء مع كونها يمينا صريحة، وكذا لو كانت أمة فاشتراها.

ووجه العدم أن الاكراه والنسيان والجهل غير داخلة تحتها، فالواقع بعد ذلك هو الذي تعلقت به اليمين، فإذا لم يتناوله ثم وجد ما يتناوله لزم الحنث.

وقد استقرب أول الشهيدين في القواعد الاول ونسبه إلى ظاهر الاصحاب مؤذنا بدعوى الاجماع، وسيأتي بيان كفارة اليمين وإن تقدم في الصوم ما يرشد إلى بعضها.


236

كتاب النذر وهو مصدر نذر بفتح الذال في الماضي وبضمها وكسرها في المضارع.

وهو لغة الوعد بخير أو شر، وشرعا التزام فعل أو ترك بصيغة معينة سيأتي بيانها.

والاصل فيه قبل الاجماع عليه آيات منها قوله تعالى (وليوفوا نذورهم) (1) وقوله (يوفون بالنذر) (2) والاخبار المستفيضة النبوية منها قوله صلى الله عليه واله (3) (من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه).

وهذا الكتاب مشتمل على مطالب ثلاثة، كل مطلب منها مشتمل على مسائل متعددة.

المطلب الاول في بيان شرائطه التي لا تنعقد إلا بها فمنها ما يتعلق بالناذر، ومنها ما يتعلق بالمنذور به، ومنها ما يتعلق بصيغته.

المسألة الاولى: فيما يتعلق بالناذر من الشرائط.

الاول: في اشتراط البلوغ والرشد، وضابط الامرين أن يكون مكلفا، فلا يصح نذر الصبي وإن كان مميزا ولا المجنون مطلقا إلا وقت إفاقة ذي الادوار إذا وثق بصحة تمييزه لانهما مسلو با العبارة من حيث الشرع وإن قبلها الطفل

(1) سورة الحج - آية 29.

(2) سورة الانسان - آية 7.

(3) عوالي اللئالى ج 3 ص 448 ح 1.


237

للتمرين كسائر العبارات المفروضة، لان الخطابات المتضمنة للاحكام الخمسة إنما تتوجه للمكلف بالاتفاق لرفع القلم عن هذين.

وأما ما جاء في نذر الحسن والحسين عليهما السلام بالصوم ثلاثة أيام حيث مرضافليس جاريا إلا للتمرين بظاهر الشريعة، وإن كان في الحقيقة أنهم كاملون الكمال الحقيقي الزائد على كمال كل كامل، فلا يجوز الاستدلال به على التزام النذر إذا صدر من غير البالغ، وكذلك سائر أفعالهم المتوقفة على البلوغ بظاهر الشرع بهذه المنزلة.

وهذه صورة بعض الاخبار الواردة في نذرهما عليهما السلام كما في كتاب المجالس للصدوق بسندين أحدهما عن ابن عباس (1) والاخر عن الصادق عن أبيه عليهما السلام في قوله تعالى (يوفون بالنذر) قال: مرض الحسن والحسين عليهما السلام وهما صبيان صغيران، فعادها رسول الله صلى الله عليه واله ومعه رجلان، فقال أحدهما: يا أبا الحسن لو نذرت في ابنيك نذرا إن عافا هما الله، وفقال: أصوم ثلاثة أيام شكرا لله عزوجل، وكذلك قالت فاطمه عليهما السلام، وكذلك قال الحسنان عليهما السلام وكذلك جاريتهم فضة، فألبسهما الله عافية فأصحبوا صياما.

إلى آخر القصة وليس فيها تصريح بسوى المشروعية منهما، ولاشك في انعقاده تمرينا فيكون البلوغ والعقل وفي الصبي شرطين في اللزوم ودون الصحة.

الثاني: في اشتراط الاسلام، فلا يصح نذر الكافر لانه ليس من أهل التقرب وقد ذكر غير واحد من الاصحاب أنه يستحب له إذا أسلم الوفاء بما نذره حالكفره لما روي (2) (أن عمر قال لرسول الله صلى الله عليه واله: إني كنت نذرت اعتكاف ليلة في الجاهلية، فقال له النبي صلى الله عليه واله: أوف بنذرك.

ولانه لا يحسن أن يترك بسبب الاسلام ما عزم عليه في الكفر من خصال الخير.

وفي هذا الاستدلال نظر لان الخبر عامي والتعليل عليل، واكتفاؤهم في دليل السنن بمثل ذلك من أبعد البعيد،

(1) أمالى الصدوق مجلس 44 ص 212 ح 11 طبع بيروت، الوسائل ج 16 ص 228 ب 6 ح 5.

(2) صحيح البخاري ج 8 ص 177 مع اختلاف يسير.


238

ولكنهم - قدس الله أرواحهم أشباحهم - اعتمدوا في هذه القاعدة على ما اعتمدوا ومهدوا وليتهم لم يكونوا لتلك استندوا، فإن الاستحباب والكراهة حكمان شرعيان يتوقفان على صحة المستند كما في الايجاب والحرام وقد نبهنا على ذلك غير مرة وبينا ضعف ما استندوا إليه دلالة وإن صح طريقا.

الثالث: يشترط في الناذر إذا كان إمراة ذات بعل زوجة أو متعة إذا كان المنذور به من التطوعات إذن الزوج كاليمين ولم يذكروا مستندا سوى الشهرة بين المتأخرين والقياس على اليمين، ووجه القياس عليهما في الالحاق مشابهته لهفي الالتزام لله تعالى في كثير من الاحكام ولتسميته يمينا في رواية الوشاء (1) عن أبي الحسن عليه السلام (قال: قلت له: إن لي جارية كنت حلفت منها بيمين فقلت: لله علي أن لا أبيعها أبدا وبي إلى ثمنها حاجة مع تخفيف الموؤنة، فقال: ف لله بقولك له).

ووجه التقريب والاستدلال في هذه الرواية: أن قوله (حلفت) مع أن الصيغة نذر وهو وإن كان وقع كلام السائل إلا أن الامام عليه السلام أقره عليه فكان كتلفظه به.

وقد وقع في الدروس ما هو أصرح في الاستدلال في هذا الحديث حيث قال في آخرة: ف لله بنذرك.

وقد نقله ثاني الشهيدين في شرح اللمعة كما في الدروس.

ووجه الاستدلال بما ذكرناه تبعا للدروس.

وفي المسالك نقله كما قي كتب الاخبار التي بأيدينا وهو: ف لله بقولك.

ووجهه بما ذكرناه ثم قال: وفيه لانهما معنيان مختلفان.

واتفاقهما في بعض الاحكام لا يقتضي تساويهما في هذا الحكم، وإطلاق اليمين عليه في الرواية مجاز لوجود خواصه مع عدم فهمه من إطلاق اللفظ وجواز سلبه عنه وغيرهما ويجوز للامام عليه السلام إقراره على المجاز خصوصا مع تصريحه في السؤال بكوفه نذرا

(1) التهذيب 8 ص 310 ح 26، الوسائل ج 16 ص 242 ب 17 ح 11 وفيهما (حلفت فيها - ولى الى ثمنها).


239

أيضا حيث قال: فقلت: لله علي.

إلى آخره.

وفيه نظر لان الامام عليه السلام لم يقره عليه وإنما بين غلطه بقوله (ف لله بنذرك) وكذا قوله (بقولك) تنبيها على خطئه في هذه التسمية سؤالا مع إمكان جعل اللام للقسم كما ذكره البعض، فيكون من اليمين وإن كان المقسم بها ناذرا.

وبالجملة: أن الاستدلال به أخفى، والاولى الاستدلال عليه في المرأة بصحيح عبد الله بن سنان (1) على ما رواه المحمدون الثلاثة في كتبهم الثلاثة عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق ولا صدقة ولا تدبير ولا هبة ولا نذر في مالها إلا بإذن زوجها إلا في حج أو زكاة أو بر والديها أو صلة رحمها).

وفي بعض النسخ (أو صلة قرابتها).

وفيه: أنه قد اشتمل علي ما لا قائل به كاشتراط الاذن في عتقها وصدقتها وتدبيرها وهبتها بالاتفاق على عدم اشتراطه، فيوجب الاختلال في الاستدلالعلي أن القائل بالاشتراط خصه بغير المال من العبارات البدنية كما نقله المحقق الثاني في كتابه النوادر.

ومن هنا حمله البعض على الاستحباب لانه معارض في الاخبار بصحيحة الحلبي وقد مر ذكرها في الوصية، وفيهما تصحيح عتقها وصدقتها، وزوجها كان كذلك العتق والصدقة والتدبير وجعل قوله (ولا نذر إلا بإذن زوجها) فيكون معنى الكلام ليس للمرأة مع زوجها أمر يعني شرط استئماره في هذه الامور المذكورة، بل لها الاستقلال بهذه الاشياء في مالها، ثم بين اشتراط النذر به.

وفيه من التكلف ما يخفى بقرينة الاستثناء الذي وقع في آخرة.

نعم قد ورد في خبر سماعة ما يدل على إطلاق اليمين على ما يشمل النذر صريحا،

(1) الكافي ج 5 ص 514 ح 4، الفقيه ج 3 ص 277 ح 2، التهذيب ج 7 ص 462 ح 59، الوسائل ج 16 ص 237 ب 15 ح 1.


240

وكذلك العهد، فتشمله أخبار اشتراط اليمين بإذن الزوج وإن كان الاطلاق مجازا لان المجاز المشهور كالحقيقة كما يعرف بالاستقراء وتتبع الاخبار.

الرابع: قد اشتهر بين الاصحاب حتى كاد أن يكون مجمعا عليه توقف نذر المملوك على إذن المالك، فإن بادر لم ينعقد وإن تحرر لانه قد وقع فاسدا، وإن أجاز المالك ففي صحته تردد، أشبهه اللزوم كما ذكره المحقق وغيره ممن تأخر عنه، ولم يذكروا له أيضا دليلا سوى أخبار الحجر عليه في نفسه وماله وانتفاء أهلية ذمته لاستلزام شئ بغير إذن المولى.

أما في اليمين فالاجماع منعقد والاخبار متفقة على هذا الاشتراط، وعلى تقدير تعميم معنى اليمين ولو مجازا يدخل النذر في أخبار ها كما قلناه في المرأة.

ويمكن الاحتجاج له بالخصوص بمارواه الحميري في كتاب قرب الاسناد بإسناده عن الحسين بن عوان (1) عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهما السلام (أن عليا عليه السلام كان يقول: ليس على المملوك نذر إلا أن يأذن له سيده).

والا كثر لم يذكروا الولد مع مشاركته لهما في الحكم خصوصا للزوجة.

وفي الدروس تبعا لجماعة من الاصحاب ألحقه بهما، ولا وجه لافراده عن الزوجة لكنه مسلوب المستند بالخصوص ولا دليل له سوى أخبار اليمين بناء على التعميم ثم على القول بتوقف نذر الثلاثة أو بعضهم على الاذن فالكلامفيما لو بادر قبل الاذن هل يقع باطلا أو يصح مع الاجازة ؟ كما سلف خلاف مشهور، وظاهر الاخبار أنه يقع باطلا، نعم رواية الحسين بن علوان محتملة لتأثير الاجازة بعد، أما لو زالت الولاية قبل إبطالة فلا تأثير لها في صحته لفقد الشرائط عند إيقاعه، وأقرب المجازات هي نفي الصحة وإن احتمل نفي اللزوم.

الخامس: يشترط فيه حالة النذر إليه القصد والنية، فلا يصح من المكره والسكران ولا الغضبان الذي لا قصد له، لكن لا فرق في الاكراه بين الواقع للقصد

(1) قرب الاسناد ص 52، الوسائل ج 16 ص 238 ب 15 ح 2.


241

رأسا وغيره كما في نظائره من النكاح والبيوع والعتق والطلاق، وقد دلت الاخبار المستفيضة المتقدمة على فساد هذه المعاملات به سيما في الطلاق والعتق، ولان المعتبر قصد الصيغة الخاصة وإن بقي القصد إلى غيرها وهو منتف في المكره عليها وإلا لم يكن مكرها.

وأما السكران والغضبان على وجه يرتفع قصده فأصل القصد منتف عنهما، وقدمت الادلة في الطلاق والعتق بذلك إلا أن الغضب مراتب ولابد في إفساده من بلوغه حدا ينتفي القصد معه راسا.

السادس: ومما يشترط فيه انتفاء الحجر عليه في المال لسفه إذا كان المنذور عبادة مالية.

أما لو كانت بدنية صح نذر السفيه والمفلس بعد حصول الحجر عليه ولو التزم المفلس مالا في الذمة من غير تخصيصه بما وقع عليه الحجر عليه صح أيضا ويؤديه بعد البراءة من حقوق الغرماء ولو عينه في ماله كما لو كان أعتق أو وهب في مراعاته بالفك.

ومثله ما لو نذر عتق العبد المرهون، ويحتمل إلغاؤه كما لو نذر عتق عبد غير مملوك له.

المسألة الثانية: فيما يتعلق بالمنذور به، وضابطه المتفق عليه أن يكون طاعة كالعبادات الراجحة، والمراد بالطاعة ما يشتمل على القربة من العبادات المعهودة، فلو كان مباحا أو مرجوحا لم ينعقد.

ففي صحيحة أبي الصباح الكناني (1) (قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قال: علي نذر، قال: ليس النذر بشئ حتى يسمي لله صياما أو صدقة أو هديا أوحجا).

وفي موثقة أبي بصير (2) كما في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سألته عن الرجل يقول: علي نذر، فقال: ليس شئ إلا أنيسمي النذر فيقول: نذر صوم أو عتق أو صدقة أو هدي) الحديث.

(1) الكافي ج 7 ص 455 ح 2، الوسائل ج 16 ص 219 ح 2.

(2) النوادر ص 58، الوسائل ج 16 ص 222 ب 2 ح 7.


242

وخبر علي بن أبي حمزة عن أبي بصير (1) (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقول: علي نذر، قال: ليس بشئ حتى يسمي شيئا ويقول: علي صوم أو يتصدق أو يعتق أو يهدي هديا، فإن قال الرجل: أنا أهدي هذا الطعام فليس بشئ إنما تهدى البدن).

فما اطلق في صحيح الحلبي (2) عن الصادق عليه السلام (في رجل جعل عليه نذرا ولم يسمه، قال: إن سمى فهو الذي سمي، وإن لم يسم فليس عليه شئ) يجب حمله على أن المسمى أحد العبارات، بقرينة الاخبار المتقدمة، وكذلك صحيحه الاخر (3) كما يأتي في اشتراط التسمية.

وخالف أول الشهيدين في الدروس فاكتفى بكونه مباحا متساوي الطرفين دنيا أو دينا، ونقله عن البعض ولم يعينه، واستدل عليه برواية الحسن بن عليالوشاء (4) المتقدمة عن أبي الحسن عليه السلام الواردة في عدم بيع الجارية وقد أمره بالوفاء به، والبيع مباح إذا لم يقترن بعوارض مرجحة، وإطلاقه أعم من وجودها ولا إشكال في انعقاده لو قصد به معنى راجحا كما لو قصد بنذر الاكل التقوي على العبادة أو عمل دنيوي أو تركه منع النفس عن الشهوات ونحو ذلك.

وربما أشكل على بعضهم تفريعا على عدم انعقاد نذر المباح ما

لو نذر الصدقة بمال مخصوص،

فإنه يتعين اتفاقا مع أن المستحب هو الصدقة المطلقة.

أما خصوصية المال فمباحة، فكما لا ينعقد لو خصلت الاباحة فكذا إذا تضمنها النذر.

ويقوى الاشكال ما حكم به كثير من الفقهاء من جواز جعل الصلاة منذورا في مسجد معين مما هو أزيد مزية منه كالحرم والمسجد الاقصى، مع أن الصلاة

(1) الكافي ج 7 ص 455 ح 3 وفيه (حتى يسمى النذر)، الوسائل ج 16 ص 220 ب 1 ح 3 وفيهما (على صوم لله).

(2) الكافي ج 7 ص 441 ح 10، الوسائل ج 16 ص 221 ب 2 ح 1.

(3) الفقيه ج 3 ص 230 ح 18، الوسائل ج 16 ص 222 ب 2 ح 5.

(4) التهذيب ج 8 ص 310 ح 26، الوسائل ج 16 ص 242 ب 17 ح 11.


243

في المسجد سنة وطاعة، فإذا جازت مخالفتها لطلب الافضل ورد مثله في الصدقة بالمال المعين.

وجوابه: أن الصدقة المطلقة وإن كانت راجحة إلا أن المنذور ليس هو المطلقة وإنما هو الصدقة المخصوصة بالمال المعين، وهو أيضا أمر راجح متشخص لذلك المال المخصوص، فالطاعة المنذورة إنما تعلقت بالصدقة بذلك المال لا مطلقا فكيف يجزي المطلق عنه ؟ وأيضا أن الطاعة المطلقة لا وجود لها في الخارج إلا في ضمن المعين من المال والزمان والمكان والفاعل وغيرها من المشخصات، فإذا تعلق النذر بهذا المتشخص انحصرت الطاعة فيه كما تنحصر عند فعلها في متعلقاتها، فلا يجزي غيرها مما هو أفضل منها، ولان فتح هذا الباب من المناقشة يؤدي إلى عدم تعين شئ بالنذر حتى صوم يوم معين وحج سنة معينة وغير ذلك، فإن الصوم والحج في أنفسهما طاعة وتخصيصها بيوم أو سنة مخصوصين من قبيل المباح، وذلك باطل اتفاقا.

ثم بهذا الشرط من كونه سائغا خرج ما كان محرما بالاتفاق، فلا ينعقد نذره للمستفيضة المتفق عليها من قولهم عليهم السلام (لا نذر في معصية)وقد تقدمت في اليمين بطرق عديدة.

منها موثقة زرارة (1) (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أي شئ لا نذر في معصية ؟ قال: فقال: كل ما كان لك فيه منفعة في دين أو دنيا فلا حنث عليك فيه).

ومثله موثقته الاخرى (2).

وصحيح منصور بن حازم (3) عن أبي جعفر عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله: لا رضاع بعد فطام - إلى أن قال: - ولا نذر في معصية ولا يمين في قطيعة رحم).

(1) الكافي ج 7 ص 462 ح 14، الوسائل ج 16 ص 239 ب 17 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 312 ح 34 وفيه (أي شئ لانذر فيه)، الوسائل ج 16 ص 239 ب 17 ح 1.

(3) الفقيه ج 3 ص 227 ح 1، الوسائل ج 16 ص 239 ب 17 ح 2 وفيهما (ولا يمين في قطيعة).


244

وفي الخصال (1) في حديث الاربعمائة عن أبي بصير ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام عن علي عليه السلام (أنه قال: لانذر في معصية ولا يمين في قطيعة رحم).

وموثقة أبي الصباح الكتاني (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: ليس شئ هولله طاعة يجعله الرجل عليه إلا ينبغي له أن يفي به، وليس من رجل جعل عليه شيئا في معصية الله إلا أنه ينبغي له أن يتركه إلى طاعة الله).

ومعتبرة إسحاق بن عمار (3) عن أبي إبراهيم عليه السلام كما في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سألته: أقال رسول الله صلى الله عليه واله: لا نذر في معصية ؟ قال: نعم).

وكذلك ما كان مرجوحا محكوما بكراهته بحيث يكون الاولى فعله أو تركه كما في موثقة زرارة (4) المتقدمة لقوله (كل ما كان لك فيه منفعة في دين أو دنيا فلا حنث عليك فيه).

وكذلك أجمع الاصحاب على ذلك لان أقل مراتبه أن يكون سائغا ولو بالمعنى الاعم، فيشمل المباح والواجب والمندوب.

المسألة الثانية: فيما يتعلق بصيغة، حيث إن النذر

وإن كان في الاصل هو الوعد لكنه نقل إلى التزام الفعل الراجح بصيغة معينة مع تسمية المنذور به، وتلك الصيغة هو أن يقول إذا كان النذر مطلقا غير مشروط: لله علي، ثم يذكر المنذور به ويسميه، وبدون ذلك لا ينعقد.

وكذا المشروط شكرا أو زجرا كما سيأتي بيانه وتقسيمه، وقد تقدم فيصحيحة أبي الصباج الكناني (5) ما يدل على ذلك حيث قال: (النذر ليس بشئ حتى

(1) الخصال ج 2 ص 621 طبع مؤسسة النشر الاسلامي - قم.

(2) التهذيب ج 8 ص 312 ح 36 وفيه (جعل لله عليه)، الوسائل ج 16 ص 240 ب 17 ح 6.

(3) نوادر أحمد بن محمد بن عيسى ص 58، الوسائل ج 16 ص 242 ب 17 ح 12 وفيهما (عن أبي ابراهيم عليه السلام قال: سألته.

).

(4) الكافي ج 7 ص 462 ح 14، الوسائل ج 16 ص 239 ب 17 ح 1.

(5) الكافي ج 7 ص 455 ح 2، الوسائل ج 16 ص 219 ب 1 ح 2 وفيهما (ليس النذر بشئ).


245

يسمي شيئا لله صياما أو صدقة أو هديا أو حجا).

وصحيحة منصور بن حازم (1) وقد تقدم ذكرها أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: إذا قال الرجل: علي المشي الى بيت الله الحرام وهو محرم بحجة وعلي هدي كذا وكذا فليس بشئ حتى يقول: لله علي المشي إلى بيته، أؤ يقول: لله علي أن احرم بحجة، أو يقول: لله علي كذا وكذا).

وفي مرسل الفقيه (2) (قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل أغضب فقال: عليالمشي إلى بيت الله الحرام، فقال: إذا لم يقول: لله علي فليس بشئ).

وصحيحة سعيد بن عبد الله الاعرج (3) كما في كتاب النوادر لاحمد بن محمد بن عيسى (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يحلف بالمشي إلى بيت الله ويحرم بحجة والهدي فقال: ما جعل لله فهو واجب عليه).

ويفهم من مثل هذا الخبر انه يشترط مع الصيغة نية القربة لا مجرد التلفظ بها مجردا عن هذه النية، فإنه لا ينعقد أيضا، فلو قصد مع نفسه بالنذر لا لله لم يكن نذرا بلا خلاف بين أصحابنا.

ويدل عليه مضافا إلى تلك الاخبار موثق إسحاق بن عمار (4) بل صحيحه (قال: قلت للصادق عليه السلام: إني جعلت على نفسي شكر الله ركعتين اصليهما في السفر والحضر، أفاصليهما في السفر بالنهار ؟ فقال: نعم ثم قال: إني لاكره الايجاب أن يوجب الرجل على نفسه، فقلت: إني لم أجعلها لله علي إنما جعلت ذلك على نفسي اصليها شكرا لله ولم اوجبه لله على نفسي، فأدعها إذا شئت ؟ قال: نعم).

ومقتضى هذه الاخبار أن المعتبر نية القربة جعل الفعل لله وإن لم يجعله

(1) الكافي ج 7 ص 454 ح 1، الوسائل ج 16 ص 219 ب 1 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 3 ص 228 ح 51، الوسائل ج 16 ص 220 ب 1 ح 6.

(3) النوادر ص 59، الوسائل ج 16 ص 221 ب 1 ح 8.

(4) الكافي ج 7 ص 455 ح 5، الوسائل ج 16 ص 227 ب 6 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.


246

غاية لم، وربما اعتبر بعضهم جعل القربة غاية كأن يقول: بعد الصيغة: قربة إلى الله ونحو ذلك كنظائره من العبادات.

والاصح الاول، لحصول الغرض على التقديرين وعموم النصوص.

والمراد بنية القربة أن يقصد بقوله (لله) كذا معناه، بمعنى أنه لا يكتفي بقوله (لله) من دون أن يقصد به معناه، وإلا فالقربة حاصلة من جعله لله ولا يشترط معه أمر آخر كما قررناه.

وكذا لا يكفي الاقتصار على نية القربة من غير أن يتلفظ بقول (لله) كما دلت عليه الاخبار السابقة.

المطلب الثاني في تقسيمه إلى المطلق والمشروط وذلك لانه إما بر أو زجر أو تبرع، ويشتمل هذا البحث على مسائل: المسألة الاولى: أن النذر ينقسم في نفسه إلى نذر بر وطاعة وإلى نذرزجر ولجاج، نذر البر نوعان: نذر مجازاة ونذر تبرع، والمجازاة أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع بلية، ونذر التبرع التزام شئ ابتداء من غير ان يعلقه على شئ، وهو المعبر عنه بالنذر المطلق.

المسألة الثانية: ان كل واحد من الزجر أو المجازي عليه اما ان يكون طاعة أو معصية أو مباحا، ثم إما أن يكون من فعله أو فعل غيره أو خارجا عنهما لكونه من فعل الله كشفاء المريض، ومتعلقه إما فعل أو ترك، فهذه جملة صور المسألة.

والجزاء على الطاعة كقوله: إن صليت فلله علي صوم يوم مثلا، أي: إن وفقني الله للصلاة صمت شكرا.

والزجر عنها كذلك إلا أنه قصد به الزجز عنها وعلى المعصية كقوله: إن شربت الخمر فلله علي كذا زجرا لنفسه عنه أو شكرا عليها.

وأما البر فيقصد كذلك.

والاول منهما من المثالين منعقد دون الثاني.

وفي جانب النفي كقوله: إذا لم اصل فلله علي كذا وإن لم أشرب الخمر فإن قصد في الاول


247

الزجر وفي الثاني الشكر على توفيقه له انعقد دون العكس.

وفي المباح يتصور الامر ان نفيا وإثباتا كقوله: إن أكلت أو لم آكل فلله علي كذا شكرا على حصوله أو زجرا على كسر الشهوة.

ويتصور الاقسام كلها في فعل الغير كقوله: إن صلى فلان أو قدم من سفره أو أعطاني إلى غير ذلك من أقسامه.

وضابط المنعقد من ذلك كله ما كان طاعة وقصد بالجزاء الشكر أو تركها وقصد الزجر، وبالعكس في المعصية، وفيما خرج عن فعله يتصور الشكر دون الزجر، وبالعكس في المعصية وفيما خرج عن فعله في المباح الراجح دينا يتصور الشكر، وفي المرجوح الزجر وعكسه كالطاعة، وفي المتساوي الطرفين يتصور الامران، ومثله: إن رأيت فلانا فلله علي كذا، فإن أراد إن رزقني الله رؤيته فهو نذر بر، وإن أراد كراهة رؤيته فهو نذر لجاج.

المسألة الثالثة: إن من نذر مبتدعا بغير شرط

كقوله: لله علي أصوم ونحو ذلك ففي انعقاده قولان: أحدهما: نعم وهو اختيار الاكثر، بل ادعى عليه الشيخ في الخلاف الوفاء لعموم الادلة كتابا وسنة، مثل قوله تعالى (إني نذرت لك ما في بطني محررا) (1)وقوله تعالى (يوفون بالنذر) (2) وأطلق فيهما، وقوله صلى الله عليه واله (3) (من نذر أن يطيع الله فليطعه)، وفي المستفيضة المتقدمة كرواية الكناني عن الصادق عليه السلام (ليس من شئ هو لله فجعله الرجل عليه أنه لا ينبغي له أن لا يفي به) إلى غير ذلك من الاخبار الدالة بعمومها أو إطلاقها.

(1) سورة آل عمران - آية 35.

(2) سورة الانسان - آية 7.

(3) عوالي اللئالى ج 2 ص 123 ح 338


248

والثاني: العدم، ذهب إليه المرتضى مدعيا عليه الاجماع أيضا لما ثبت عن تغلب أن النذر عند العرب وعد يشترط والشرع نزل بلسانهم، واجيب بمنع الاجماع وقد عورض بمثله لما نقل عن غيره عن العرب من أنه وعد بغير شرط أيضا.

وبالجملة: فلا مستند للمرتضى في الحقيقة بل الاخبار التي قد مناها وغيرها أن من قال: لله علي فكفارة يمين.

المسألة الرابعة: لابد أن يكون الشرط في النذر سائغا

إن قصد الشكروالجزاء، والمراد بالسائغ ما قدمناه وهو الجائز بالمعنى الاعم، فيشتمل المباح والواجب والمندوب كقوله: إن صليت الفرض أو صمت شهر رمضان أو حججت أو صليت النافلة ونحو ذلك.

لكن يرد عليه حينئذ ما لو كان الشرط مكروها أو مباحا مرجوحا في الدنيا، فإن جعل الجزاء شكرا على فعله لا يصح، ولو اريد بالسائغ الجائز بالمعنى الاخص - وهو المباح - خرج منه ما إذا جمله مندوبا أو واجبا، ومع ذلك يخرج ما لو كان من فعل الله تعالى كقوله: إن رزقني الله وكذا أو عافاني من مرضي ونحو ذلك فإنه لا يوصف بالسائغ، فالاولى جعل المعتبر منه كونه صالحا لتعلق الشكر به إن جعل الجزاء شكرا، وكونه مرجوحا سواء بلغ حد المنع أم لا إن قصد الزجر فيشمل جميع أفراده، وأما الجزاء فيشترط كونه طاعة مطلقة كما تقدم تقريره في الاشهر.

الخامسة: أن المنذور به إذا كان مطلقا كمن نذر صوما مطلقا فأقله يوم وله الزيادة عليه تبرعا.

وكذا لو نذر صدقة مطلقة اقتصر على أقل ما يتناوله الاسم وهو ما يتمول عادة.

وإذا نذر حقيقة من الحقائق لزمه ما تصدق به تلكالحقيقة، وليس مختصا بما ذكر من الامثلة وهو موضع وفاق.

وحمل عليه مرسلة الحسن بن الحسين اللؤلؤي (1) (قال: قلت لابي عبد الله

(1) الكافي ج 7 ص 457 ح 14، الوسائل ج 16 ص 22 ب 2 ح 4.


249

عليه السلام: الرجل يقول: علي نذر ولا يسمي شيئا، قال: كف من بر غلظ عليه أو شدد).

وكذا

لو نذر العبادة مطلقا

أجزاء أن يختار منها ما شاء في التقرير لخبر مسمع بن عبد الملك (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (أن أمير المومنين عليه السلام سئل عن رجل نذر ولم يسم شيئا، قال: إن شاء صلى ركعتين وإن شاء صام يوما وإن شاء تصدق برغيف).

فيكون النذر قابلا للاجمال والتفصيل، فإن قيد وجب عليه ما قيده به قلة وكثرة، لكنه لو قيده لكثير وجب عليه الصدقة بثمانين درهما، ولم يتبع العرف في مثله للتنصيص عليه من الشارع.

ففي مرسلة علي بن أبراهيم كما في الكافي (2) لما سم المتوكل نذر أن عوفي أن يتصدق بمال كثير، فلما عوفي سأل الفقهاء عن حد المال الكثير فاختلفوا عليهفقال: بعضهم: مائة ألف، وقال بعضهم: عشرة آلاف، فقالوا فيه أقاويل مختلفة.

فاشتبه عليه الامر، فقال رجل من ندمائه يقال له صفوان: ألا تبعث إلى هذا الاسود فنسأله عنه، فقال له المتوكل: من تعني ويحك ؟ فقال: ابن الرضا، فقال له: وهو يحسن من هذا شيئا ؟ فقال: إن أخرجك من هذا فلي عليك كذاو كذا وإلا فاضربني مائة مقرعة، فقال المتوكل: قد رضيت يا جعفر بن محمود، صر إليه وسله عن حد المال الكثير، فصار جعفر بن محمود إلى أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام فسأله عن حد المال الكثير، فقال له: المال الكثير ثمانون، فقال جعفر: يا سيدي انه يسألني عن العله فيه، فقال أبو الحسن عليه السلام: إن الله يقول: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) (3) فعددنا تلك المواطن فكانت ثمانين).

ورواه الحسن بن شعبة في تحف العقول (4) مرسلا.

الكافي ج 7 ص 463 ح 18، الوسائل ج 16 ص 222 ب 2 ح 3.

(2) الكافي ج 7 ص 463 ح 21 وفيه (صغان) بدل (صفوان)، الوسائل ج 16 ص 223 ب 3 ح 1.

(3) سورة التوبة - آية 25.

(4) تحف العقول ح 357 طبع بيرو


250

ورواه الطبرسي - رحمه الله - في الاحتجاج (1) عن أبي عبد الله الزيادي.

ورواه علي بن إبراهيم في تفسيره (2) عن محمد بن عمرو (قال: إن المتوكل - لعنه الله - اعتل) وذكر نحوه.

وفي التهذيب (3) بإسناده عن محمد بن يعقوب مثله.

وبإسناده في الحسن عن أبي بكر الحضرمي (4) (قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فسأله رجل مرض فنذر لله شكرا إن عافاه الله أن يتصدق من ماله بشئ كثير ولم يسم شيئا فما تقول ؟ قال: يتصدق بثمانين درهما فإنه يجزيه، وذلك بين في كتاب الله تعالى إذ يقول لنبيه صلى الله عليه واله (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) والكثيرة في كتاب الله ثمانون).

وفي كتاب معاني الاخبار (5) في الصحيح عن محمد بن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن الصادق عليه السلام (أنه قال في رجل نذر أن يتصدق بمال كثير فقال: الكثير ثمانون فما زاد يقول الله تعالى (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) وكانت ثمانين موطنا).

وروى العياشي في تفسيره (6) عن يوسف بن السخت (قال: اشتكى المتوكل- لعنه الله - شكاة شديدة فنذر لله إن شافاه الله أن يتصدق بمال كثير، فعوفي من علته فسأل أصحابه عن ذلك - إلى أن قال: - فقال ابن يحيى المنجم: لو كتبت إلى ابن عمك - يعني أبا الحسن عليه السلام - فأمر أن يكتب له فيسأله، فكتب أبو الحسن عليه السلام: تصدق بثمانين درهما، فقال: هذا غلط من أين هذا ؟ فكتب: قال الله لرسوله صلى الله عليه واله (لقد نصر كم الله في مواطن كثيرة) والمواطن التي نصرالله رسوله

(1) الاحتجاج ج 2 ص 257 طبع النجف الاشرف.

(2) تفسير القمى ج 1 ص 284.

(3) التهذيب ج 8 ص 309 ح 24، الوسائل ج 16 ص 224 ب 3 ذيل ح 1.

(4) التهذيب ج 8 ص 317 ح 57، الوسائل ج 16 ص 224 ب 3 ح 2.

(5) معاني الاخبار ص 218 ح 1 طبع مكتبة الصدوق، الوسائل ج 16 ص 224 ب 3 ح 3.

(6) تفسير العياشي ج 2 ص 84 ح 37، الوسائل ج 16 ص 225 ب 3 ح 4.


251

صلى الله عليه واله فيها ثمانون موطنا، فثمانون درهما من جملة مال كثير).

والمراد بالدراهم المحصول عليها هي الدرهم الشرعي لان ذلك هو المرادعند إطلاق الشارع لها.

ويحتمل الحمل على المعهود في المعاملة وقت النذر.

وردها الحلي إلى ما يتعامل به دراهم كانت أم دنانير، وهو شاذ.

هذا كله مع الاطلاق.

أما لو قصد نوعا خاصا فلا إشكال في تعيينه، والحكم مقصور على نذر الشئ الكثير كما هو مورد الروايات.

وأولى منه لو نذر دراهم كثيرة، وفي الروايات المرسلة جعل مورد النذر المال الكثير كما عبر به المحقق وجماعة.

وفي تعديته إلى غير ذلك كما لو نذر أن يتصدق بثياب كثيرة أو دنانير كثيرة وجهان: من خروجه عن مورد النص المخالف للاصل، ومن أن الكثرة إطلاق الكثير بذلك العدد على كل شئ، بهذا حكم العلامة في المختلف والشهيد في الدروس به، وتنظر في ذلك ثاني الشهيدين بأن الكثير استعمل لغة وعرفا في غير ذلك العدد ودعوى أن ذلك تقرير شرعي مطلقا وهو مقدم عليهما في الموضع المنع.

فالمستند من غير الاجماع كما ترى لا يخلو من قصور، إلا أن مقتضى تلك المراسيل وحسنة الحضرمي لكنه مخصوص بالنذر.

أما لو قال: خطير أو جليل فسره بما أراد كما تقدم في الوصايا والاقرار،ومع تعذر التفسير بالموت يرجع إلى الولي وهو الوارث مقامه في التعيين بمعنى أن له إحداث التعيين والصدقة بما أراد وإن لم يعلم مراد المورت، لان الواجب في ذمة المورث أمر كلي، فيتإدى بما يختاره الوارث كما يتأدى بما يختاره المورث وكان كما لو نذر الصدقة بمال وأطلق.

ولو كان الناذر قد أقر أنه قصد شيئا معينا فلا إشكال في لزومه في حقه وحق الوارث.


252

المطلب الثالث في بقية أحكام النذر وما يتعلق بتلك الضوابط والقواعد مما جاءت به النصوص وفيه مسائل: الاولى: أن النذر إذا استكمل شرائطه المتقدمة وجب الوفاء به، فإن كان مطلقا فلا إشكال في استحباب المبادرة إليه لما فيه من المسارعة إلى سبب المغفرة المأمور بهاو الخروج من خلاف من جعل الامر المطلق منزلا على الفور، ولكن يجوز التأخير لان النذر المطلق وقته المعمر، والفوز غير واجب على الاصح كمايجوز التأخير لان النذر المطلق وقته العمر، والفور غير واجب على الاصح كما هو المشهور، ويتضيق عند ظن الوفاة أو ضعف عنه.

وذهب بعض الاصحاب إلى وجوب المبادرة إليه وهو شاذ.

أما لو كان موقتا وجب إتباع ما وقت عليه بالاتفاق، والنصوص به مستفيضة.

المسألة الثانية: لا ينعقد نذر الصوم إلا أن يكون طاعة مشروعة كما هو مجمع عليه عند الامامية وأكثر العامة.

وذهب بعض العامة إلى انعقاد النذر ووجوب صوم يوم آخر مكانه، وربما قال بعضهم: إنه لو صامه خرج عن نذره.

وفساده واضح.

ويدل على هذا ما تقدم في كتاب الصوم من أنه إذا نذر يوما معينا فوافق أحد الايام المحرم فيها الصوم كيومي العيدين وأيام التشريق بمنى وأيام المرض وأيام الحيض وجب عليه الافطار واستحب له القضاء وربما قيل بالوجوب، وقد تقدم ذلك كله، وفي صحاح ابن مهزيار ومكاتباته وغيرها الصريح بذلك، وفيها يقضي يوما بدل يوم إن شاء الله تعالى.

الثالثة: لا ينعقد صوم يوم لا يتمكن منه كما لو نذر صوم يوم قدوم زيدمن سفره بعينه ولم ينذره دائما، فإن المشهور بين الاصحاب أنه لا ينعقد نذره


253

مطلقا، لانه إن قدم ليلا لم يكن قدومه نهارا فيكون في يوم حتى يتنظر في أنه هل يصام أم لا ؟ وهذا بناء على أن اليوم اسم للنهار خاصة كما هو المعروف لغة وعرفا فلم يوجد يوم قدومه فيكون مفقود الشرائط، وإن قدم نهارا فقد مضى قبل قدومه جزء من النهار، فإن أو جبنا صوم بقية اليوم وجعلناه متعلق النذر لزم انعقاد صوم بعض يوم والاصحاب لا تقول به.

إن قلنا بوجوب مجموع اليوم لزم تكليف ما لا يطاق لان الجزء الماضي منه لا يقدر الناذر على صومه عن النذر، ولا فرق على هذابين أن يقدم والناذر صائم لذلك اليوم نذبا أو واجبا، أو غير ناو للصوم لاشتراك الجميع في المقتضي.

ونقل في الشرائع قولا بأنه إن قدم قبل الزوال ولم يكن الناذر أحدث ما يفسد الصوم انعقد نذره ووجب عليه صومه لان هذا القدر من النهار قابل للصوم ندبا بل واجبا على بعض الوجوه فلا مانع من انعقاد نذره، كما لو نذر إكمال صوم اليوم المندوب خصوصا قبل الزوال.

وهذا القول قوي جدا سيما قد جاءفي أخبار القضاء عن شهر رمضان ما يدل على جواز الصوم ولو ذهب عامة النهار.

ومن هنا قال ثاني الشهيد ين في المسالك بعد ذكره القول الثاني: وهذا قوي بل يحتمل انعقاده وإن قدم بعد الزوال ولما يحدث ما يفسد الصوم بناء على صحة الصوم المندوب حينئذ فينعقد نذره.

ولو كان صائما ندبا زاد الاحتمال قوة لانه حينئذ صوم حقيقي مندوب فيكون نذره طاعة.

ويمكن بناء الحكم على أن المنتقل إذا نوى الصوم نهارا هل يكون صائما وقت النية أم من ابتداء النهار ؟ فعلى الاول يتجه عدم صحة النذر لان المفهوم من صوم يوم قدومه صوم مجموع اليوم ولم يحصل، وعلى الثاني يصح لصدق الصوم في المجموع واستتباع الباقي للماضي.

ويمكن رجوع الخلاف إلى أمر آخر وهو أن الناذر إذا التزم عبادة وأطلق تسمية الملتزم ينزل على نذره أم لا ؟ فيه وجهان:


254

(أحدهما) أنه ينزل على واجب من جنسه لان المنذور واجب فيجعل كالواجب ابتداء من جهة التبرع لقرب الواجب من الواجب.

(والثاني) ينزل على الجائز من جنسه لان لفظ الناذر اقتضى التزام الجائز لا الواجب، فلا معنى لالتزامه ما لم يتناوله لفظه، ولعل هذا أظهر وعليه تتفرع مسائل كثيرة، منها المسألة المذكورة، فإن نزلناه على الوجوب انتفى انعقاد نذر يوم قدومه بعد الزوال قطعا لان الواجب لا ينعقد حينئذ مطلقا، وقبل الزوال يتجه الانعقاد لان الواجب قد ينعقد حينئذ فيما لو أصبح غير ناو للصوم ثم نوى القضاء عن شهر رمضان قبل أن يتناول، فإن الاقوى صحة صومه حيئنذ فليكن في النذر كذلك.

وأما إذا قلنا بعدم صحة الصوم عن الواجب لاشتراط تبييت النية ليلا لم يصح النذر لعدم صحة الواجب في أثناء النهار، وإن حملناه على ما يصح من جنسه صح في الحالين، وأن الصوم المندوب ينعقد في أثناء النهار مطلقا، على ما مر تحقيقه في بابه على المذهب المشهور من عدم صحة تجديدة بعد الزوال مطلقا ما ينعقد النذر ولو قدم بعده مطلقا على ما مر تحقيقه.

وإنما يبقى الكلام فيما لو قدم قبل الزوال، فإن كان قد ألحقناء بما يصح وإن كان مندوبا صح، وإن ألحقناه بالواجب وقلنا بصحته صح أيضا، وإلا فلا.

وعلى تقدير الصحة لو علم ليلا قدومه نهارا لقرائن أو جبت له ذلك جاز له نيته ليلا، لكن في وجوبه نظر لوجهين: أحدهما أن العلم العادي الذي بنيت عليه أحكام كثيرة شرعا حاصل، والاخر جواز تخلفه، والا وجه الوجوب في النية ليلا وإن علم مجيؤه بعد الزوال لان المنذور مجموع اليوم الذي يقدم فيه وهو متحقق بقدومه في جزء من النهار، بل يمكن صرف مجموعه إلى النذر بسبب العلم السابق


255

كما هو مختار أول الشهيدين في الدروس.

ولو قال: لله علي أن أصوم يوم قدومه وأراد صوم ذلك اليوم من الاسبوع دائما سقط صوم ذلك اليوم الذي جاء فيه - لما تقدم من المانع - ووجب عليه مثل صوم ذلك اليوم فيما بعد لثبوت المقتضي لوجوب صومه وهو النذر مع انتفاء المانع، لانه كان قد نشأ في اليوم الاول من مضي بعض اليوم الموجب لعدم قوة التزام صوم يوم الجمعة دائما فإذا سقط اليوم الاول لعارض بقي الثاني، وهكذا فيجب نية صومه ليلا كغيره من الواجبات، ويوصف مجموعه بالوجوب، ولو قلنا بانعقاد يوم قدومه مطلقا صح الجميع.

ولو صادف ذلك اليوم في شهر رمضان صامه من شهر رمضان خاصة وسقط النذر فيه لانه كالمستثنى فلا يقضيه أيضا.

ولو اتفق ذلك يوم عيد

فلا خلاف في وجوب إفطاره لتحريم صومه على كل حال.

وفي وجوب قضائة قولان قد مر ذكر هما في الصيام.

أحدهما: - وهو الذي اختارة المحقق - رحمه الله - وجماعة ممن تأخر عنه - العدم، لان وجوب قضائه مفرع على صحة نذره، وصحته موقوفة على قبول الزمان للصوم حتى يكون طاعة، والعيد مما لا يصح صومه شرعا، فلا يدخل تحت النذر، فهو مخصوص بالافطار، كما أن شهر رمضان متعين صومه بعينه فلا يتناولهما النذر.

والقول الثاني: الوجوب، وإليه ذهب الشيخ وجماعة لصحيحة علي بن مهزيار (1) (قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: رجل نذر أن يصوم يوم الجمعة دائما فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو يوم جمعة أو أيام التشريق أو سفر أو

(1) الكافي ج 7 ص 456 ح 12، الوسائل ج 16 ص 233 ب 10 ح 1 وفيهما (أو أضحى أو أيام التشريق - وضع الله عنه الصيام).


256

مرض، هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه ؟ أم كيف يصنع يا سيدي ؟ فكتب إليه ؟ قد وضع الله صيام في هذه الايام كلها ويصوم يوما بدل يوم إن شاء الله تعالى).

ولان اليوم المعين من الاسبوع كيوم الاثنين مثلا ثد يتفق فيه العيد وقد لا يتفق فيتناوله النذر بخلاف شهر رمضان، فإن وقوعه فيه أمر معلوم، ولهذا وقع الاتفاق على عدم تناوله حيث لم يعلقه بالمشيئة بلفظ (إن) تختص بالمحتمل لا بالمحقق.

وفيه نظر، لان من جملة المسؤول عنه ما يجب قضاؤه قطعا وهو أيام السفر المرض، المشيئة كثيرا ما تقع في كلامهم عليهم السلام لمجرد التبرك كما قال الله تعالى ولتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله) (1) وهو اللائق بمقام الجواب عن الحكم الشرعي.

نعم، قد وقع في مضمون هذه الرواية إشكال لتشريكه في الحكم بين يوم الجمعة وغيرها من الايام المحرمة، وغاية الصوم يوم الجمعة أن يكون مكروها، ومكروه لعبادة ينعقد نذره لرجحانه في الجملة، فإدخالها في هذا الحكم لا يناسبالوجوب ولا الاستحباب على هذا التقدير، إلا أن يلتزم مشاركة المكروه للمحرم في ذلك.

واعلم أنه لو وقع في شهر رمضان - وقد لا يتفق كما أن العيد قد يقع في ذلك اليوم وقد لا يقع بخلاف الاربعة - فإنه لابد منها، وذلك واضح.

الرابعة: لو وجب على ناذر ذلك اليوم صوم شهرين متتابعين في كفارة كان موضع خلاف، فقال الشيخ - رحمه الله -: يصوم في الشهر الاول من الايام المذكورة عن الكفارة تحصيلا للتتابع، فإذا صام من الثاني شيئا وحصل التتابع شرعا صام ما بقي من الايام عن النذر لسقوط التتابع فيرتفع المانع.

وذهب بعض المتأخرين إلى سقوط التكليف بالصوم لعدم إمكان التتابع

(1) سورة الفتح - آية 2


257

فينتقل فرضه إلى الاطعام، وليس بشئ فالوجه صيام ذلك اليوم وإن تكرر عن النذر، ثم لا يسقط به التتابع شرعا سواء كان في الشهر الاول أم الثاني لانه عذر لا يمكن الاحتراز عنه.

ويتساوى في ذلك تقدم وجوب التكفير على النذر وتأخره وذلك إذا وجب على ناذر يوم معين كيوم الاثنين لكونه يوم قدوم زيد أو غيرهفصادف صوم شهرين متتابعين في كفارة على وجه التعيين كالمرتبة فهي موضع الخلاف في تقديم تلك الكفارة على النذر أو تقديمه عليها أقوال: (أحدها) تقديم الكفارة فيما يجب تتابعه على النذر، وذلك الشهر الاول واليوم الاول من الثاني بحيث يحصل له شهر ويوم متتابعان، ويتخير بعد ذلك في الشهر الثاني بين صوم المعين عن النذر، ولا يمكن صوم الكفارة بدون أن يصومه عنها لفوات التتابع لتخلل ذلك اليوم، فيجمع بين الواجبين بصومه عن الكفارة وقضائه عن النذر، هذا فيما تحقق وجوب متابعته.

وأما في بقية الشهر الثاني فإنه يمكن صومه عن كل واحد من الواجبين من غير أن يضر بالاخر لانتفاء اشتراط التتابع وهو مستحيل لوجوب صوم اليوم المعين عن النذر فينتقل إلى غير الصوم من الخصال كالاطعام إقامة لتعذر شرط الصوم مقام تعذره، وهو مختار الحلي في سرائرة.

(وثالثها) ما قدمناه - وهو مختار المحقق وأكثر المتأخرين - وهو تقديم النذر، ولا يقطع بتتابع الكفارة لانه عذر لا يمكن الاحتراز عنه فمثله كأيام الحيض والمرض والسفر الضروري سواء في ذلك الشهر الاول والثاني، وهذا هوالاقوى.

واعلم أن موضع هذا الخلاف ما إذا كانت الكفارة معينة ككفارة الظهار وقتل الخطأ، فلو كانت مخيرة لم يجزء الصوم عنها وانتقل إلى الطعام الانتفاء الضرورة إلى التفريق بإمكان التكفير بالخصلة الاخرى على تقدير قدرته عليها،


258

وإلا كانت كالمعينة.

وأنه لا فرق بين تقدم سبب الكفارة على النذر وتأخره لاشتاركهما في المقتضي وهو تعيين للصوم المنذور، وإنما يتجه الفرق لو قلنا بتقديم الكفارة وقضاء اليوم عن النذر، فإنه على تقدير النذر يكون قد أدخل على نفسه صوم الشهرين بعد وجوب صوم اليوم بالنذر فيجمع بينهما بالقضاء، بخلاف ما إذا تقدمت الكفارة، لانه حينئذ يكون كالمستثنى كما استثنى الواقع في شهر رمضان، واحتمل بعضهم هنا القضاء أيضا، لان الوقت غير متعين لصوم الكفارة بخلاف شهر رمضان.

الخامسة: من نذر أن يصوم زمانا لزمه صوم خمسة أشهر، وذلك لان الزمان من الحقائق الشرعية الثابتة بالنصوص، وإلا فهو من الالفاظ المبهمة لغة وعرفاالصالحة للقليل والكثير، فكان حق ناذر صومه أن يكتفي بصوم يوم الذي هو أول مراتب أزمان الصوم.

ومثله من نذر أن يصوم حينا فإنه يحمل على صوم ستة أشهر لتلك النصوص أيضا، وفي ذلك ثبوت الحقائق الشرعية.

فمن تلك الاخبار رواية السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام (أن عليا عليه السلام قال في رجل نذر أن يصوم زمانا، قال: الزمان خمسة أشهر والحين ستة أشهر، لان الله يقول (تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها) (2).

ورواية أبي الربيع الشامي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه سئل عن رجل قال: لله علي أن أصوم حينا وذلك في شكر، فقال أبو عبد الله عليه السلام: قد اتي أبي في مثل ذلك فقال: صم ستة أشهر فإن الله يقول (تؤتى اكلها كل حين بإذن ربها) يعني ستة أشهر).

ومثل هذين الخبرين ما رواه العياشي في تفسيره (4) بطرق عديدة عنه

(1) الكافي ج 4 ص 142 ح 5، الوسائل ج 7 ص 484 ب 14 ح 2.

(2) سورة ابراهيم - آية 25.

(3) الكافي ج 4 ص 142 ح 6، الوسائل ج 7 ص 284 ب 14 ح 1 وفيهما (اتى على (ع) في مثل هذا).

(4) تفسير العياشي ج 2 ص 224 ح 12، الوسائل ج 7 ص 284 ب 14 ح 1.


259

عليه السلام إلا أنها ضعيفة الاسناد في الاصطلاح الجديد، ومن هنا طعن عليها بذلك.

وقد اجيب عنه بأن الشيخ عمل بمضمونها وتبعه الاصحاب حتى لا يعلم فيه مخالف فكان جابرا لضعفها.

وحيث إن هذه المسألة تقدمت في الصوم لم يحتج إلى إرخاء عنان الكلام فيها.

هذا كله إذا أطلق ولم يعين شيئا.

أما لو نوى به زمانا معينا فإن كان ذلك الزمان مما يصلح للصوم تعين وإلا فلا.

السادسة: إذا نذر صلاة فأقل ما يجزيه ركعتان لانهما مما وضعت الصلاة عليهما شرعا فرضا ونقلا، وقد مر فيمن نذر عبادة مطلقة أنه يتخير بين صلاة ركعتين وبين صيام يوم وبين الصدقة بما يتمول.

وقيل: يجزي بركعة واحدة لان الله قد تعبد بها في الجملة كما في الوتر.

وهذا مذهب ابن إدريس، واستحسنه المحقق في الشرائع وجماعة، وربما بني هذا الخلاف على ما تقدم من أن المعتبر هو أقل واجب أو أقل صحيح، فعلى الاولالاول وعلى الثاني الثاني.

ويتفرع على ذلك أيضا وجوب الصلاة قائما أو يجوز ولو جالسا لجوازه في النافلة، وكذلك في وجوب السورة عند من أوجبة، إلى ذلك من الجهات التي يفترق فيها الواجب والصحيح مطلقا.

وكذا الكلام في إيقاعها على الراحلة وإلى غير القبلة راكبا أو ماشيا، ولو صرح في نذره أو نوى أحد هذه الوجوه المشروعة فلا إشكال في انعقاده، وفي جواز العدول عنه إلى الافضل الوجهان، والاجود اتباع القيد المنذور به مطلقا.

ويستفاد من قولهم هذا (إن أقل ما يجزيه ركعتان) أنه لو صلى أزيد من ركعة صح وهو كذلك مع إتيانه بهيئة مشروعة في الواجب أو المندوب على الوجهين كالثلاث والاربع بتشهد وتسليم.

وقيل: إنه لا يجزي إلا ركعتان لان


260

المنذور فعل صادر واجبا ولم يتعبد في النوافل إلا بركعتين بالتسليم، ففي شرعية ما بعد الركعتين بنية الندب وجهان: من سقوط الفرض بالركعتين فلا وجه للوجوب، ومن جواز كون هذا الوجوب كليا، ودخول بعض أفراده في بعضلا يخرج الزائد عن أن يكون فردا للكلي، وإن جاز تر كه كما ثبت في الركعتين والاربع في مواضع التخيير.

ومثله الكلام في التسبيحات المتعددة في الركعتين الاخيرتين والركوع والسجود وهذا يتجه مع قصد الزائد ابتداء.

وخبر مسمع بن عبد الملك (1) المتقدم عن أبي عبد الله عليه السلام (أن أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن رجل نذر ولم يسم شيئا، قال: إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء صام يوما، وإن شاء تصدق برغيف) دال علي عدم الاجتزاء بالركعة لو نذر الصلاة.

السابعة: لو نذر الصلاة في مسجد معين أو مكان معين من المسجد لزم لانه طاعة راجحة.

أما لو خلى عن الرجحان كما لو نذر الصلاة في مكان لامزية للصلاة فيه على غيره فإنه موضع خلاف.

فقيل: لا يلزم، وتجب الصلاة وحدها في أي مكان وتردد في ذلك المحقق، وجزم جماعة من المتأخرين باللزوم، والاخبار خالية عنه وعموم الكتاب والسنة وإطلاقهما دالان على القول الاخير.

وأجابوا عن عدم رجحان المكان من أن المنذور ليس هو المكان خاصة حتى يرد أنه لارجحان فيه بل الصلاة الواقعة في المكان، ولا شبهة في رجحانها فينعقد نذرها كالصلاة المنذورةفي الوقت مطلقا لانهم قد أجمعوا عليه، ولا يجزي فعلها في غيره من الاوقات سواء كان أدنى منه مزية أو مساويا أو أعلى.

وفرق القائلون بتعيين الوقت دون المكان بأن الشارع جعل الزمان سببا للوجوب، بخلاف المكان فإنه من ضرورة الفعل لاسببية فيه.

(1) الكافي ج 7 ص 463 ح 18، الوسائل ج 16 ص 222 ب 2 ح 3.


261

ويضعف بأنه لا يلزم من سببية بعض الاوقات بنص الشارع مزية في بعض الصلوات سببية الوقت الذي يعينه الناذر، فإن هذا الوقت الذي يعينه بالنذر لا سببية له متعلقة بوجوب المنذور قط، وإنما سببية النذر، والزمان والمكان أمران عارضان ومطلقهما من ضرورة الفعل ومعينهما بتعيين الناذر، فأي رابطة لسببية الوقت بالصلاة الواجبة بالاصل وبين الوقت الذي هو بتعيين الناذر ؟ واجيب عن هذا الايراد بأن السببية في الوقت حاصلة على كل تقدير وإن كان ذلك بالنذر، لانا لا نعني بالسببية إلا توجه الخطاب إلى المكلف عند حصول الوقت، وهو حاصل هنا، ولا يتصور مثل ذلك في المكان إلا تبعا للزمان.

وتنظر فيه ثاني الشهيدين في المسالك بأن الوقت المعين بالنذر إذا كان مطلقا كيوم الجمعة مثلا فتوجه الخطاب إلى الناذر بالفعل عند دخول الجمعة ليس على وجه التعيين بالامر فيه كالنذر المطلق بالنسبة إلى العمر، غايته أن هذا مختص بالجمع الواقعة في العمر، فتوجه الخطاب فيه على حد توجهه على تقدير تعيين المكان من دون الزمان، بل هذا أقوى حيث إن الخطاب متوجه إليه بسبب ما أوقعه من صيغة النذر في أن يؤدي الفعل في ذلك المكان ويسعى في تحصليه لقدرته عليه في كل وقت بحسب ذاته وإن امتنع بعارض على بعض الوجوه، بخلاف الزمان فإنه لا قدرة له على تحصيله مع اشتراكهما في أصل تقييد العبادة المنذورة بهما، فيجب تحصيلها على الوجه الذي عينه عملا بعموم الاوامر الدالة على وجوب الوفاء بالنذر على وجهه، إذ العبادة الخارجة قيدها غير منذور وإنما المنذور العبادة في ضمن القيد.

وإذا تقرر ذلك، فإن قلنا بتعيين ذي المزية خاصة لم يصح له العدول إلى ما دونه ولا إلى مساويه، وهل ينعقد بالنسبة إلى ما فوقه ؟ فيه وجهان، فقيل: نعم، لانه مأمور بإيقاعها فيه، والامر بالشئ يقتضي النهي عن ضده، والحصولانمتضادان لتضاد الاكوان، والنهي في العبادة مفسد.

وقيل: لا، فيجوز العدول إلى


262

الاعلى لان نسبة ذي المزية إلى الاعلى كنسبة ما لامزية فيه إليه، والتقدير إنا نجوز العدول عما لا مزية فيه، فكذا هنا.

وربما اجيب عن الاول بأنه إن أراد بالامر بأيقاعها فيه مطلقا فهو عين المتنازع، وإن أراد في حالة ما لم يدل على مطلوبهم وعن الثاني بأنا نمنع اتحاد النسبتين لانه في المتنازع ينعقد في الجملة، وما خلا عن المزية لا انعقاد فيه عندهم فيه أصلا.

والحق أن النذر قد تعلق بالصلاة مشخصة بالكون المخصوص مستجمعا لشرائطه، فلا وجه للعدول عن مقتضاه.

ودعوى (أن المكان على هذا الوجه كالمباح فلا ينعقد نذره) قد بينا لك فيما سبق فساده، وذلك لان المنذور ليس هو المكان وإنما هو العبادة لكنها مشخصة به، فهي بدونه غير منذورة بل ولا مقصودة بالكلية، فظهر ترجيح عدم إجزاء فعلها في غيره مطلقا.

الثامنة: لو نذر الحج ما شيا له لزمه، ويتعين من بلد النذر وذلك لان الحج والعمرة من أكبر الطاعات وأشرف العبادات، لكنهما إدا قيد نذرهما بالمشيفهل يلزمه المشي أم له أن يحج ويعتمر راكبا ؟ فيه وجهان مبنيان على أن الحج ما شيا أفضل مطلقا أم الركوب أفضل ولو على بعض الوجوه ؟ فعلى القول الاول ينعقد نذر المشئ لكونه الفرد الراجح كما قطع به المحقق وجماعة في كتاب النذر مع أنه قد اختار في الحج أن المشي إفضل لمن لم يضعفه للنهي عن العبادة، وإلا كان الركوب أفضل.

ويمكن على هذا بتعيين المنذور وإن كان مرجوحا لما تقرر فيما سبق في أن المنذور هو الحج على الصفة المخصوصة، إذ لاريب في كونه طاعة راجحة في الجملة وإن كان غيرها أفضل منها.

وقيل: لا يلزمه المشي إلا إذا ترجح على الركوب، لانه حينئذ قد يكون التزم في العبادة الملتزمة زيادة فضلية كما لو نذر الصوم متتابعا، ومع عدم ريحانه


263

إما مطلقا أو على بعض الوجوه لا ينعقد النذر بكونه وصفا مرجوحا فلا يكون متعلق النذر، وقد تقدم البحث فيه.

وإذا تقرر ذلك فيتفرع على لزوم المشي مسائل:

أحدها: في بدأته،

فإن صرح بالتزام المشي من دويرة أهله إلى الفراغ منالعرف عليه، فإن من قال: حججت ماشيا أو حج فلان ماشيا فلا يفهم منه عرفا إلا مشيه في جميع الطريق والعرف محكم في مثل ذلك.

وأيضا فالحج هو القصد إلى مكة ومشاعرها إلى آخره، وهو أنسب بالمعنى اللغوي، فان الاصل عدم النقل.

ومع تسليمه فالنقل بمناسبة أولى منه بدونها والقصد متحقق من البلد.

(والقول الثاني) أنه من الميقات، وذلك لان قوله (ماشيا) وقع حالا من الحج لان ذلك هو المفهوم منه شرعا، فلا يجب الوصف المذكور إلا حالة الحج والاشتغال بأفعاله لان ذلك هو مقتضى الوصف كما إذا قال: ضربت زيدا راكبا، فإنه لا يفهم منه إلا ضربه حالة الركوب لا قبله ولا بعده، والاظهر الاول، وعليه دلت المعتبرة المستفيضة وقد مر ذكرها في كتاب الحج (1).

وعليه فهل المعتبر في ذلك بلده أو بلد النذر ؟ قولان: من أن الالتزام المذكور وقع في بلد النذر فكان ذلك كالاستطاعة من بلده، ومن أن المتبادر عرفا من الحج ماشيا كونه من بلده، وربما قيل: يعتبر أقرب البلدين إلى الميقات، وهو حسن لو لا دلالة النصوص على ما ذكرناه، وموضع البحث والاشكال ما إذا لم يقصد شيئا بخصوصه.

(1) راجع جزء 14 من الحادائق ص 223.


264

ثانيها: اختلفوا في نهايته

يضا إلى قولين: (أحدهما) وهو المشهور بين الاصحاب أنه طواف النساء لان به يحصل كمال التحلل لانه باق في أعمال الحج ما بقيت عليه علقة الاحرام، ثم له الركوب بعد ذلك وإن كان قد بقي عليه الرد (1) في أيام منى لخروجها من الحج خروج التسليم الثاني في قول.

(والثاني) إلى تمام الافعال التي آخرها الرمي وإن كان بعد التحلل، لان الحج اسم لمجموع المناسك وهو من جملتها على القول بوجوبها كما هو المشهور، لما قد تقدم من أن المنذور هو الحج في حالة المشي، والمركب لايتم إلا بتمام أجزائه كما هو واضح.

وتؤيده صحيحة إسماعيل بن همام (2) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام (قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في الحج: إذا رمى الجمار زار البيت راكبا وليس عليه شئ).

وهي ظاهرة في أن المراد رمي جميع الجمار وهو لا يحصل إلابعد التحلل والعود إلى منى، لان زيارة البيت لطواف الحج إنما يكون بعد رمي جمرة العقبة خاصة، هذا إذا اريد بالجمار محل الرمي.

وان اريد بها الحصى المرمى بها فقد وقعت في الحديث جمعا معرفا فتفيد العموم لانها من صيغة كما برهن عليه في الاصول، فلا يصدق إلا بتمام الرمي.

وحيئنذ فتحمل زيارة البيت فيها على طواف الوداع ونحوه، ولو حمل على أن المراد بزيارة البيت طواف الحج - بناء على أنه المتعارف في الاخبار - كان دالا على الاكتفاء بالتحلل الاول في سقوط المشي وهو كونه خلاف الظاهر في رمي الجمار مخالف للقولين معا، نعم هو قول لبعض العامة، والاول هو الاصح عندهم أيضا، والثاني لا يخلو من قوة.

(1) كذا في النسخة والظاهر أن الصحيح (الرمى).

(2) الكافي ج 4 ص 457 ح 7، الوسائل ج 8 ص 62 ب 35 ح 3.


265

وثالثها: لو فاته ذلك الحج، المنذور ماشيا - ثم من المعلوم أن من فاته الحج يحتاج إلى بقاء الحج ليتحلل بأعمال العمرة - فهل يلزمه المشي في تلك الاعمال ؟فيه وجهان: (أحدهما) نعم، لان هذه الاعمال لزمته بالاحرام أن يكون ماشيا ويبنى الحج على تمام ما وقع الشروع فيه بصفاته.

(والثاني) لا يجب القضاء ماشيا لانه خرج بالفوات عن أن يكون حجة المنذور ولذلك وجب القضاء، وإذا خرج عن أن يكون هو المنذور ثبت أن يكون يلزمه فيه المشي، وهذا أظهر.

ولو فسد الحج بعد الشروع فيه فهل يجب المشي في بقية الفاسد ؟ وجهان، والاقوى وجوبه لانه هو المنذور كما دلت عليه موثقة زرارة (1) في أنه إذا فسد حجه كان ذلك الفاسد هو فرضه فيكون المنذور بعينه باقيا.

التاسعة: لو حج هذا الناذر راكبا مع القدرة على المشي بعد انعقاد نذره فقد أطلق المحقق - رحمه الله - وجماعة وجوب الاعادة عليه، وهو شامل بالاطلاق لما لو كان معينا بسنة مخصوصة أو مطلقا.

ووجهه: أنه قد التزم العبادة على صفة مخصوصة ولم يأت بها على تلك الصفة مع القدرة، فما قد أتى به من الحج لم يقع عن نذره لان المنذور هو الحج ماشيا ولم يفعله.

وربما قد علل بوجه آخر وهو: أنه قد أوقع أصل الحج إلا إنه بقيالمشي واجبا عليه ولا يمكنه تداركه مفردا فالزم بحجة اخرى كي يتدارك فيها المشي، إذ لا يشرع المشي عبادة برأسه.

وقيل: إن كان ذلك النذر، معينا بنية معينة وجب قضاؤه بالصفة والكفارة لاخلاله به من القدرة، وإن كان قد أطلق وجب إعادته ماشيا.

(أما الاول) فللاخلال بالمنذور في وقته وهو عبادة تقضى بأصل الشرع بمعنى أنها تتدارك حيث

(1) راجع الوسائل ج 9 ص 257 ب 3 ح 4.


266

لا تقع الاولى على وجهها، فكذا مع وجوبها بالعارض لاشتراكهما في معنى الوجوب فتجب الكفارة للاخلال.

(وأما الثاني) فلانه لم يأت المنذور على وصفة ووقته غير معين فيتدارك مع إمكانه وبقاء وقته فكأنه لم يفعله أصلا، وهذا أقوى.

ومال المحقق - رحمه الله - في المعتبر إلى صحته مع التعيين وإن وجبت الكفارة من حيث إن المنذور في قوة سنن الحج والمشي، فإذا أتى بهما خاصة برئت ذمته منه ولم يبق سوى الاخر، والحج هنا قد أتى به حقيقة، فالمتروك هو المشي وليس هو جزء من الحج ولا شرطا فيه وإنما هو واجب منه خارج عنه، ولا طريق إلىقضائه مجردا لعدم التعبد به شرعا منفردا، فقد تحققت المخالفة للنذر في الجملة فلزمه الكفارة لاجلها، وهذا يتوجه إذا نذر الحج والمشي من غير أن يتقيد أحدهما بالاخر في قصده وأياما كان فالاظهر من هذه الاقوال التفضيل، ولو ركب بعضا قضى الحج ومشى ما ركب.

وقيل: إن كان الحج المنذور ممطلقا أعاد ماشيا، وإن كان معينا لسنة معينة لزمه كفارة خلف النذر، والاول هو المروي كما تقدم في الحج وهو المشهور بين الاصحاب.

والقول الثاني لابن أدريس وعليه المتأخرون، واستظهر ثاني الشهيدين لكنه في السرائر أطلق في المعينة بالصحة ووجوب الكفارة، فيحتمل أن يكون لاجل فوات الصيغة مع صحة الحج كما حكيناه عن المحقق في المعتبر، ويحتمل كونه مع إعادته كما صرح به جماعة.

ويؤيد الاول ما ذكرناه فيما مضى أن الاخلال بالمنذور عمدا يوجب الحنث والاخلال بالنذر كاليمين فلا يجب القضاء بفوات وقت المعين، وإلحاق الموقت بالنذر بالموقت بأصل الشرع قياس لانقول به.

والعاشرة: لو عجز الناذر عن المشي انتقل إلى الركوب، وإذا حج راكبا فهليجب عليه جبره بسياق بدنة ينحرها بمكة أو بمنى ؟ أقوال: (أحدها) عدم وجوبها، ذهب إليه المحقق وابن الجنيد - رحمه الله - وأكثر


267

المتأخرين للاصل وسقوط وجوب المشي بالعجز عنه فلا يجب بدله، فمن نذر أن يصلي قائما فعجز فإنه يصلي قاعدا بغير جبر اتفاقا.

ولما روي (1) عن النبي صلى الله عليه واله (أمر رجلا نذر أن يمشي في حج أن يركب فركب وقال: إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه، ولم يأمره صلى الله عليه واله بسياق).

ولصحيحة محمد بن مسلم (2) عن أحدهما عليهما السلام (حيث سأله عن مثله فأجابه بذبح بقرة، فقال له: أشي واجب ؟ قال: لا، من جعل لله شيئا فبلغ جهده فليس عليه شئ).

(والقول الثاني) أنه يسوق بدنة وجوبا، وهو قول الشيخ - رحمه الله - في الخلاف والنهاية، ولما روي من طريق العامة (3) (أن اخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية فسئل النبي صلى الله وعليه واله فقيل: إنها لا تطيق ذلك، فقال: فلتركب ولتهد بدنة).

وصحيحة الحلبي (4) عن الصادق عليه السلام (أنه قال: أيما رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله فعجز عن أن يمشي فليركب ويسق بدنة إدا عرف الله منه الجهد) ولوجود عدة من الاخبار الصحيحة المعتبرة بالاذن له بالركوب لعدم التعرض للبدنة، لكنها لا تنفي الوجوب بعد دلالة هذه الصحيحة عليه.

والفرق بين الحج والصلاة أن لا مدخل فيها للجبر بالمال بخلاف الحج وجماعة من المتأخرون حملوا الخبر المذكور وما ضاهاه بالجبر على الاستحباب جمعا بينه وبين الخبر السابق، وهو حسن لكشف الصحيحة السابقة عنه، فتخلو تلك المعتبرة عنه بالكلية.

(1) صحيح البخاري ج 8 ص 177 ب 29 ح 2 وفيه (لغنى).

(2) وسائل الشيعة ج 16 ص 193 ب 8 ح 5.

(3) سنن أبى داود ج 3 ص 234 ح 3296 وفيه اختلاف يسير.

(4) التهذيب ج 8 ص 315 ح 48، الوسائل ج 16 ص 243 ب 20 ح 1.


268

(والقول الثالث) أنه إن كان مطلقا توقع المكنة وإن كان معينا بسنةمعينة سقط الحج أصلا للعجز عن المنذور، فإنه الحج ماشيا لا الحج مطلقا، فيسقط وجوبه لاستحالة التكليف بما لا يطاق، وهو قول إدريس في سرائره والعلامة في كتاب الحج من القواعد، واختار في كتاب النذر منها سقوط الوصف خاصة، وهو الاقوى لما مر.

ولصحيحة محمد بن مسلم (1) عن أحدهما عليهم السلام (قال: سألته عن رجل جعل عليه مشيا إلى بيت الله فلم يستطع، قال: يحج راكبا).

وصحيحته الاخرى (2) (قال: أبا جعفر عليه السلام عن رجل جعل عليه المشي إلى بيت الله فلم يستطع، قال: فليحج راكبا).

وصحيحة رفاعة وحفص بن البختري (3) (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت الله حافيا، قال: فليمش فإذا تعب فليركب).

وصحيحة السندي بن محمد (4) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قلت له: جعلت على نفسي مشيا إلى بيت الله، قال: كفر عن يمينك فإنما جعلت على نفسك يمينا فما جعلته لله فأوف به).

وهذا يجب حمله مع القدرة.

ومعتبرة إسحاق بن عمار (5) عن عنبسة بن مصعب (قال: نذرت في ابن ليإن عافاه الله أن أحج ماشيا، فمشيت حتى بلغت العقبة فاشتكيت فركبث ثم وجدت راحة فمشيت، فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك فقال: إني احب إن كنت مؤسرا أن تذبح بقرة، فقلت: معي نفقة ولو شئت أن أذبح لفعلت: فقال: إني احب أن

(1) الگافى ج 7 ص 458 ح 20، الوسائل ج 16 ص 230 ب 8 ح 1.

(2) الكافي ج 7 ص 458 ح 21، الوسائل ج 16 ص 230 ب 8 ح 3.

(3) الكافي ج 7 ص 458 ح 18، الوسائل ج 16 ص 230 ب 8 ح 2.

(4) الكافي ج 7 ص 458 ص 18 وفيه (عن صفوان الجمال عن أبى عبد الله)، الوسائل ج 16 ص 231 ب 8 ح 4 وفيهما (فف به).

(5) التهذيب ج 8 ص 313 ح 40، الوسائل ج 6 ص 232 ب 8 ح 5.


269

كنت مؤسرأ أن تذبح بقرة، أشئ واجب أفعله فقال: لا، من جعل لله شيئا فبلغ جهده فليس عليه شئ).

وأعلم أن المحقق - رحمه الله - وجماعة قد أطلقوا الحج راكبا مع السياق وعدمه من غير فرق بين المعين والمطلق.

ويظهر من الشهيد في شرح الارشادأنمراده الاطلاق لانه ذكر التفصيل قولا لابن إدريس وهو أن النذر إن كان معينا سنة حج راكبا لتعذر الصفة.

ويبقى الكلام في الجبر وجوبا أو استحبابا أو عدمه، فإن كان مطلقا توقع المكنة إلى أن يضيق وقته لظن استمرار العجز فيكون الحكم كالمعين، وبذلك صرح العلامة في كتبه واستحسنه ثاني الشهيدين.

والمدار على ما دلت عليه تلك الاخبار من وجوبه راكبا واستحباب الاخبار بالبدنة والبقرة.

أما لو نذر أن يحج راكبا فمشى، فإن جعلناه أفضل من المشي مطلقا أو في حق الناذر فلا بحث في انعقاده لانه حينئذ عبادة راجحة وطاعة مقصودة، فإذا أوجبها على نفسه بالنذر لزمت كما نذر ماشيا على القول بأفضليته، وإن جعلنا المشي أفضل مطلقا أو في حق الناذر في انعقاد نذر الركوب خلاف إلى قولين: أحدهما: عدم الانعقاد، لان الركوب حينئذ مرجوح فلا يتم كونه طاعة فلا ينعقد الوصف لكن ينعقد أصل الحج، وحينئذ يتخير بين الحج راكبا وماشيا، وبهذا قطع العلامة في القواعد.

والثاني: الانعقاد، وهو مذهب المحقق - رحمه الله - واستقر به العلامةفي التحرير وجماعة من المتأخرين لان المنذور ليس هو الركوب المرجوح خاصة بل الحج راكبا، ولا شبهة في أن الحج راكبا فرد من أفراد العبادة الراحجة بل من أحسنها، فما المانع من انعقادة ؟ وأيضا فإن الركوب ليس مرجوعا مطلقا


270

بل بالنسبة إلى المشي على هذا القول، وإلا فهو عبادة لما فيه من تحمل المؤونة والاتفاق في سبيل الله وإراحة البدن - إذ الاغلب فمن يتعقب (1) الشؤم وسوء الخلق - ومثل هذا أمر مطلوب للشارع وإن كان غيره أرجح منه، إذ لا يتوقف انعقاد النذر على كون المنذور به أعلى مراتب العبادات.

وأيضا فقد تقدم في كتاب الحج عن جماعة من المعتد بكلامهم ودلت عليه أخبار معتبرة أن الركوب قد بلغ من المزية إلى أن قالوا بأفضليته، فلا أقل من أن يكون عبادة في الجملة، وهذا أقوى، وحينئذ فيتعين بالنذر فيلزم بمخالفته الكفارة إذا كان معينا، والاعادة في المطلق على نحو ما تقرر في نذر المسمى بعينه.

وإذا نذر المشئ وكان في السفينة والمعبر فالشيخ وجماعة منهم المحقق فيكتاب الحج إلى أنه يقف يدل المشي استنادا إلى رواية السكوني (2) (أن عليا عليه السلام سئل عن رجل نذر أن يمشي إلى البيت فمر بالمعبر، قال: ليقم حتى يجوزة).

وعلل مع ذلك بأن الواجب على تقدير المشي القيام مع حركة الرجلين فإذا انتفى الثاني لعدم الفائدة بقي الاول.

وضعف بضعف الرواية وحمل المشي على المعهود وهو منتف في موضع العبور عادة، وكما سقط الامر الثاني لانتفاء الفائدة فكذلك الاول، فعدم الوجوب أصح، وحمل الخبر المذكور على الاستحباب خروجا من خلاف هؤلاء الجماعة وللتساهل في أدلة السنن وإن كان فيه ما فيه.

ويسقط المشي عن ناذره بعد طواف النساء كما تقدم لانه يتم به التحليل من الحج، وقد مضى البحث فيه مقررا بما لا مزيد عليه.

أما لو كان النذر للعمرة وجب عليه المشي إلى آخر أفعالها اتفاقا، إذ ليس لها إلا محلل واحد وبه يتم بأفعالها.

(1) كذا في النسخة، والظاهر أنه تصحيف (فمن يتعب).

(2) الكافي ج 7 ص 455 ح 6، الوسائل ج 8 ص 64 ب 37 ح 1.


271

الحادية عشرة: لو نذر المشي إلى بيت الله الحرام انصرف إلى بيت الله بكمة كما دلت عليه تلك النصوص المستفيضة.

وكذا لو قال: إلى بيت الله بدون الوصف كما هو مذهب المشهور لان إطلاقه عليه أغلب، بل هو المتبادر من قولهم: فلان زار بيت الله وقاصد إلى بيت الله وشبه ذلك.

والقول الثاني البطلان، وهو قول الشيخ - رحمه الله - في الخلاف لاشتراك جميع المساجد في كونها بيت الله ولم يعين أحدها فيبطل ويضعف بمنع اشتراكهما في ذلك عند الاطلاق، ولو سلم يجب أن لا يبطل بل يجب عليه الاتيان أي مسجد شاء، كما لو نذر أن يأتي مسجدا وحيث ينعقد النذر يجب عليه ومع الوصول إلى ميقات الحج له والعمرة كما في كل داخل عدا ما استثني كما تقدم في كتاب الحج فالمتكررين مثل الحطاب والحشاش والجلبة والداخل لقتال مشروع، فإذا كان أحدهم لم يجب عليه أحدهما، وتجب عليه صلاة ركعتين في المسجد على الاقوى لان قصد المسجد في نفسه عبادة ولانه أحد المساجد التي تشد إليه الرحال بمجرد القصد إليه، ولاطلاق جملة من الادلة تقدمت في أحكام المساجد من النبوية وغيرها حيث قالوا عليهم السلام (1) (من مشى إلى مسجد لم يضع رجله على رطب ولا يابس إلا سبحت إلى الارضين السابعة).

إلى غير ذلك من الاخبار الحادثة على الاختلاف إلى المساجد.

أما

لو قال في نذره: فلله علي أن أمشي إلى بيت الله لاحاجا ولا معتمرا،

ففيه خلاف، فقيل: ينعقد بصدر الكلام ويلغى الضميمة.

وقال الشيخ: يسقط النذر.

واستشكل الحكم المحقق في شرائعه، ووجه الاشكال ناش عن كون قصد بيت الله طاعة فينعقد، ومن أن قوله (أمشي بيت الله الحرام) يقتضي كونه حاجا، فقوله بعده (لاحاجا ولا معتمرا) يقع لغوا بوجوب أحدهما من أول الكلام، فلا يفيده الرجوع عنه بعد تمام النذر.

(1) التهذيب ج 3 ص 255 ح 26 وفيه (الى الارض السابعة) الوسائل ج 3 ص 482 ب 4 ح 1 وفيهما (لم يضع رجلا - الا سبحت له الارض).


272

وقوى الشيخ في المبسوط بطلان ذلك النذر، بناء على أن المشي إليه بغير أحد النسكين غير مشروع بل ولا جائز، فلا ينعقد نذره والكلام لا يتم إلا بآخره، فيكون بقيده الاخير قد نذر ما ليس بطاعة.

والمحقق - رحمه الله - استشكل ذلك بأن القصد إلى بيت الله في نفسه طاعةكما سمعت من تلك الادلة وإن لم يضم إليه أحد النسكين، ووجوب أحدهما عليه أمر خارج يلزم بالدخول للناذر وغيره، وإنما يجب عليه بعد بلوغ الميقات ولا ينافي تركهما صحة النذر، غاية الامر أن يقضي بتركهما من حيث مجاوزته للميمقات بغير إحرام لا من حيث النذر.

وفيه: أن المنذور هولقاء البيت مقيدا له بكونه غير محرم بأحدهما وذلك معصية محضا فلا ينعقد، وكون وجوب الاحرام طارئا على النذر إنما ينفع

لو لم يقيد ذلك

النذر بصفة محرمة، أما معه فلا، لانه بدونها غير مقصود، وبها غير مشروع، فالقول بعدم الانتعاقد قوي، نعم لو قصد بقوله " لا حاجا ولا معتمرا أن أحدهما غير منذور وإنما المنذور والمشى إلى بيت الله تعالى من غير أن ينفى فعل أحدهما بفعل النذر اتجه ما كره المحقق - رحمه الله - وانعقد النذر وإن وجب عليه أحدهما عند بلوع الميقات لا من حيث النذر بل من تحريم مجاوزة الميقات من غير إحرام بأحدهما مع وجوب مجاوزته للقاء البيت، وهذا كله في حق غير من يجوز له دخول الحرم غير محرمين، وإلا فلا شبهة في انعقاد النذر لانتفاء المعصية به حيئنذ.

ولو قال: أن أمشي واقتصر على ذلك، فإن قصد موضعا في نيته انصرف إلى ما قصده، وإن لم يقصد لشئ لم ينعقد نذره المشي مطلقا ليس طاعة في نفسه، وحيئنذ فيقع لغوا.

وإنما ينعقد إذا المشي في أمر راجح كالمشي إلى المسجد وقضاء حاجة مؤمن أو في جنازته وعيادة مريض ونحو ذلك.

وإن أطلق اللفظ ولم يقيده بالنية بأحد هذه الطاعات لم ينعقد لان المنذور حيئنذ ليس


273

سوى مجرد المشئ، وليس هو بطاعة في نفسه وإنما يصير عبادة بجعله وسيلة ومقدمة إلى طاعة لا مطلقا.

الثانية عشرة: لو نذر: إن رزق ولدا يحج به أو يحج عنه ثم مات الناذر حج

بالولد

أو عنه من صلب ماله.

والاصل في هذه المسألة خبر مسمع بن عبد الملك (1) الحسن (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: كانت لي جارية حبلى فنذرت لله عزوجل إن ولدت غلاما أن أحجه أو أحج عنه، فقال: إن رجلا نذرلله عزوجل في ابن له إن هو أدرك أن يحجة أو يحج عنه، فمات الاب وأدرك الغلام بعد، فأتى رسول الله صلى الله وعليه واله ذلكالغلام فسأله عن ذلك فأمر رسول الله صلى الله وعليه واله أن يحج عنه بما ترك أبوه).

ولان ذلك طاعة مقدورة للناذر فتستكمل الشرائط فينعقد نذرها، إلا أن مقتضى هذه الصيغة كون الناذر مخيرا بين أن يحج بالولد وبين أن يستنيب من يحج عنه، فإن اختار الثاني نوى النائب الحج عن الولد كما هو مقتضى النذر، وإن أحج الولد قبل عن نفسه إن كان مميزا، وإلا أجزأ الولد ما أوقعه من صورة الحج به كما لو صحبه في الحج تبرعا، وقد تقرر كيفية ذلك في بابه.

ولو أخر الاب الفعل إلى أن بلغ الولد، فإن اختار الحج عنه - كما هو أحد شقي النذر - لم يجزه عن حجة الاسلام، وإن أحجه أجزأه لان ذلك بمنزلة الاستطاعة بالبذل المنذور.

ولو اتفق موت الاب قبل فعله أحد الامرين، فإن كان موته قبل أن يتمكن من فعل أحدهما سقط النذر، وإن كان بعده تحتم قضاؤه من أصل تركته لكونه حقا ماليا تعلق بتركته، وهو مدلول الرواية، ويتخير الوصي لقيامه مقام الناذر حينئذ بين الحج بالولد والحج عنه كما كان ذلك للاب، ولو اختلفت الاجرة كما لو مات وعليه كفارة مخيرة فيخرج عنه أقل الامرين إن لم يتبرع الوارث بالازيد.

(1) الكافي ج 7 ص 459 ح 25، الوسائل ج 16 ص 198 ب 16 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.


274

وظاهر هذا الحسن بقاء التخيير من غير تقييد بذلك، وليس منافيا لما سبق لانه فرضها هاهنا فيما لو كان قد أدرك الولد وأمر بالحج عنه بما ترك أبوه فجاز كونه الفرد المعتبر إخراجه، ولانحصار الوارث في الابن ورضاه، أو غير ذلك من المحتملات.

ولو فرض اختيار الولد الحج عن نفسه بالمال صح أيضا وأجزأه على تقدير استطاعته عن فرضه لان متعلق المال حجة عن نفسه، وذلك لا ينافي كونه حجة الاسلام.

أما

لو مات الولد قبل أن يفعل أحد الامرين

بقي الفرد الاخر - وهو الحج عنه - سواء كان موته قبل أن يتمكن من الحج بنفسه أم لا، وذلك لان النذر ليس بمحضر في حجه حتى يلاحظ تمكنه في وجوبه.

نعم لو كان موته قبل أن يتمكن الاب من أحد الامرين احتمل السقوط رأسا لفوات متعلق النذر قبل التمكين منه لانه أحد الامرين والباقي منهما غير أحدهما الكلي، وهذا خيرة الشهيدالاول في الدروس.

ولو قيل هنا بوجوب الحج عنه كان قولا وجيها لان الحج عنه متعلق النذر أيضا، وهو ممكن.

ونمنع اشتراط القدرة على جميع الافراد المخيرة بينها في وجوب أحدهما، كما لو نذر الصدقة بدرهم فإن متعلقه أمر كلي، فهو مخير في الصدقة بأي درهم اتفق من ماله، فلو اتفق ذهاب ماله إلا درهما واحدا وجبت الصدقة به لانحصار الكلي فيه.

الثالثة عشرة: لو نذر أن يحج ولم يكن له مال فحج نائبا عن غيره أجزأ عنهما على قول الشيخ - رحمه الله - وجماعة، استنادا إلى صحيحة رفاعة (1) وما ضاهاما من الاخبار وقدمت في كتاب الحج (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل حج عن غيره ولم يكن له مال وعليه نذر أن يحج ماشيا أيجزي عنه ؟ قال: نعم).

(1) التهذيب ج 8 ص 315 ح 50، الوسائل ج 16 ص 244 ب 21 ح 1 وفيهما (أيجزى عنه من نذره).


275

وخالف الاكثر قذهبوا إلى عدم الاجزاء لانهما سببان مختلفان، والاصل عدم التداخل، فلا يجزي أحدهما عن الاخر.

والمحقق في الشرائع قد تردد فيالحكم لصحة الرواية ومخالفتها للقواعد الشرعية، فحملها علامة المختلف فيه على ما إذا عجز عن أداء ما نذره واستمر عجزه.

وفيه نظر، لانه مع غيره عن المنذور واستمرار عجزه يسقط النذر، وحملت أيضا على ما كان المنذور الحج مطلقا عنه أو عن غيره بمعنى أنه قصد ذلك، وهذا وإن كان أولى لكن ظاهر الرواية يأباه، لانه على تقدير فصده ذلك لا يتقيد إجزاء حج النيابة عن النذر بعدم قدرته على مال بحج به عن النذر الذي هو مفروض الرواية، إلا أن يكون الفرض بيان الواقع فلا ينافي غيره.

الرابعة عشرة: إذا نذر أن يهدي بدنة وأطلق انصرف ذلك الاطلاق إلى الكعبة لان الاستعمال الظاهر في عرف الشرع، ولو نوى منى ألزم.

ولو نذر الهدي إلى غير الموضعين لم ينعقد لانه ليس بطاعة وكما ينصرف هذا الاطلاق بالنسبة إلى الموضعين كذلك ينصرف الاطلاق بالنسبة إلى المهدى إلى أحد النعم، وله أن يهدي أقل ما يسمى من النعم هديا.

وقيل: كان له أن يهدي ولو بيضة.

وقيل: يلزمه ما يلزمه في الاضحية، والاول هو المشهور وهو الاشبه بالمذهب والاخبار.

وتحرير هذه الصور والمسائل المذكورة هو أنه إذا نذر أن يهدي فإما أنيعين الهدي كقوله: بدنة أو بقرة أو نحو ذلك أو يطلق، وعلى التقديرين إما أن يعين المكان المهدي فيه أو يطلق، فالصور أربع:

الاولى: أن ينذر هديا معينا كالبدنة ثم يعين مكانها،

فإن كان المعين مكة ومنى تعين إجماعا لانها محل الهدي شرعا، وإن كان قد عين غير هما ففيه خلاف وسيأتي بيانه.

وثانيها: أن يعين الهدي ولا يعين المكان، فينصرف ذلك الاطلاق إلى مكة


276

لانها المحل شرعا.

قال الله تعالى (ثم محلها إلى البيت العتيق) (1) وقال تعالى (هديا بالغ الكعبة) (2).

وفي صحيح محمد بن مسلم كما في التهذيب (3) عن الباقر عليه السلام (في رجل قال عليه بدنة ولم يسم أين ينحر ؟ قال: إنما المنحر بمنى يقسونها بين المساكين).

وعمل الاصحاب على الاول إلا إذا سمى منى ولو بالقصد فينصرف إليها الاطلاق، وإلا فلا، والرواية كما ترى، والطعن فيها باشتراك محمد بن مسلم وغيره في غيره محله لان القرينة القبلية والبعدية عينته.

وثالثها: أن يطلق الهذي والمكان فيقول: لله علي أن أهدي فعلام يحمل ؟ فيه قولان: (أحدهما) وهو المشهور بين الاصحاب أن يحمل على النعم لكونه الهدي شرعا، فيحمل اللفظ على المعنى الشرعي كما لو نذر الصلاة.

ثم على هذا القول هل يعتبر في الحيوان المذكور أن يكون في السن والصفات والسلامة من العيوب بحيث يجزي في الاضحية ؟ أم يكتفي بمطلق الحيوان بحيث يقال عليه الهدي شرعا ؟ قولان، اختار المحقق الثاني نظرا إلى صدق الاسم ولاصابة البراءة من الزائد.

وذهب الشيخ في أحد قوليه إلى الاول واستدل عليه في الخلاف بالاجماع من الامة المحقة كما هي الطريقة المستعملة عنده، وقد يوجه بأن الهدي شرعا عبارة عن ذلك فيجب حمل اللفظ عليه كما حمل على كونه من النعم.

ويفهم من اختيار المحقق من الاجزاء بما يسمى هديا من النعم وجعله مقابلة للقول باشتراط شروط الهدية أن المراد بالهدي هنا غير الهدي المعتبر في الحج، وإلا لاتحد القولان المعتبر في الاضحية من الشرائط هو بعينه المعتبر

(1) سورة الحج - آية 33.

(2) سورة المائدة - آية 95.

(3) التهذيب ج 8 ص 314 ح 44، الوسائل ج 16 ص 194 ب 11 ح 1 وفيهما اختلاف يسير


277

في الهدي من السن والسلامة من العيوب وغيرها.

والمشهور بين أصحابنا في

المسألة أن من قال بوجوب الهدي من النعم

اعتبر فيه شروط الاضحية وجعله مقابلا للقول الثاني لاغير.

(والقول الثاني) في المسألة هو الاجتزاء بكل منحة حتى الدجاجة والبيضة والتمرة وغيرها مما يسمى مالا، لان اسم الهدي يقع على الجميع لغة وشرعا، يقال: أهدى بيضة وتمرة، وقال تعالى (يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة) وقد يحكمان يقيمة عصفور أو جرادة، قال صلى الله وعليه واله كما روته العامة (2) في صحاحهم في حديث الذهاب إلى الجمعة (ومن راحت السادسة الخامسة فكأنها أهدى بيضة) وهذا اختيار شيخ المبسوط مع أنه في الخلاف قد نقل الاجماع والوفاق على القول الاول.

وهذا الاستدلال ضعيف جدا لان الاية مقيد بكونه من النعم فلا إطلاقولا تعميم فيها.

وأما الحديث فمع الاغماض عن كونه عاميا فهو من باب المجاز بقرينة ذكر المهدى وهو البيضة.

ثم على القول الاول فمحله مكة كما مر، وعلى الثاني وجهان: (أحدهما) أنه كذلك نظرا إلى اطلاق اسم الهدي.

(والثاني) جوازة في أي موضع شاء للاصل ولكونه بمنزلة المنحة والهدية، ولهذا لم ينحصر في النعم فيصح في غير مكة.

رابعها: أن يطلق في الهدي ويعين المكان، والكلام هنا في الهدي كما سبق، وأما المكان فإن جعله مكة أو منى فلا إشكال في انعقاده وتعينه وإن عينه غيرهما فسيأتي الخلاف فيه.

الخامسة عشرة: لو نذر أن يهدي إلى بيت الله الحرام دون النعم كان موضع خلاف في الانعقاد وعدمه، فالقدماء كابن الجنيد وابن أبي عقيل والقاضي ابن البراج على عدم الانعقاد لانه لم يتعبد بالاهداء إلا بالنعم، فيكون نذرا

(1) سورة المائدة - آية 95.

(2) صحيح البخاري ج 2 ص 3 ب 4 ح 1 وفيه اختلاف يسير


278

بغير المتعبد به فيبطل.

ويدل عليه خبر أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام وفيه (فإن قال الرجل: أبا أهدي هذا الطعام فليس بشئ إنما هدى البدن).

وطعن فيها بعد ضعف السند بعلي بن أبي حمزة البطائني بحصره الاهداء في الحصر الاضافي نظرا إلى الفرد الكامل، لان الله تعالى قد عبر بها في قوله (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله) (2) وكثيرا ما يرد الحصر بهذا المعنى.

والقول الاخر وهو المشهور بين المتأخرين وهو الانعقاد، وعلى هذا القول قد دل صحيح علي بن جعفر (3) (قال: سألته عن رجل جعل جاريته هديا للكعبة كيف يصنع ؟ قال: إن أبي أتاه رجل جعل جاريته هديا للكعبة فقال: من مناديا يكون على الحجر فينادي: ألا من قصرت به نفقته أو قطع به أو نفد طعامه فليأت فلان بن فلان ومره أن يعطي أولا فأولا حتى ينفذ ثمن الجارية).

ولا خصوصية للجارية فيكون غيرها بمنزلتها لعدم الفارق بل للاجماع على عدمه.

وقد رجح هذا القول في المختلف والتحرير وولده في إيضاح الفوائد وأول الشهيدين في الدروس وجعله ثانيهما الاصح كما في المسالك والروضة.

والمحقق وجماعة قد خصوا مورد الخلاف بما إذا نذر أن يهدي غير النعم وغير عبده وجاريته ودابته، فإن نذرأن يهدي دراهم أو دابة أو طعاما أو نحو ذلك وإلا فالاول لا يبطل إجماعا والثاني وهو الثلاثة المذكورة تباع قطعا وتصرف في مصالح البيت وفي معونة الحاج أو الزائرين إن كان النذر لاحد المشاهد.

وتنظر في هذا الكلام والتفصيل ثاني الشهيدين في المسالك.

(1) التهذيب ج 8 ص 303 ح 3، الوسائل ج 16 ص 183 ب 1 ح 3 وفيهما اختلاف يسير.

(2) سورة الحج - آية 36.

(3) الكافي ج 4 ص 242 ح 2، الوسائل ج 9 ص 354 ب 22 ح 7 وفيهما (فقال له: قوم الجارية أو بعها ثم مر مناديا يقوم على الحجر - أو قطع به طريقة أو نفد به طعامه).


279

وأما صرفه بعد بيعه إذا كان من غير النعم فهو ما اشتمل عليه صحيح علي ابن جعفر المتقدم.

ووقع في رواية اخرى لعلي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام كما في تهذيب (1) (قال: سألته عن الرجل يقول وهو ينذر للكعبة بكذا وكذا ما عليه إذا كان يقدر على ما يهدي ؟ قال: إن كان جعله نذرا ولا يملكه فلا شئ عليه، وإن كان مما يملكه غلام أو جارية أو شبهه باعه واشترىبثمنه طيبا يطيب به الكعبه).

لكن في قوله (أو شبهه) يقيد زيادة على الثلاثة، وفي إخراجه الدابة من الحكم وحكمه على عدم لزوم شئ على تقديرها مخالفة للجميع، وفي طريقها محمد بن عبد الله بن مهران وهو ضعيف جدا، وبها احتج بعضهم للقول - المجهول قائله - وهو بيعه وصرفه في مصالح البيت، لكنها قاصرة عن دلالته من حيث تخصيصها الحكم بما ذكر فيها - أعني تطيب الكعبة به - كأنه لا ينطبق على أحد الاقوال فلا يعتمد عليها شئ من الاستدلال، ولو نذر نحر الهدي بمكة فلا إشكال في وجوبه وتعينه.

واختلف في وجوب التفرقة بها فقال الشيخ - رحمه الله - في المبسوط وأكثر المتأخرين: نعم لان إطلاق الهدي يقتضي ذلك، قال الله تعالى (هديا بالغ الكعبة) ولان المقصود من الذبح والنحر ذلك التفريق وإلا لم يصح النذر إذ لا فائدة ولا أدب في جعل الحرم مجزرة دون الصدقة فيه على مساكينه.

وقيل: يقتصر على الذبح أو النحر وهو المنذور، وهو اختيار العلامة في المختلف، والاصل براءة الذمة من وجوب شئ آخر غير ما نذره ويمنع من كون النحر والذبح نفسه ليس بطاعة في ذلك المكان، ولهذا لا يجزي من نذر الهديأن يتصدق به حيا كالهدي الواجب في الحج بالاصل لان في ذبحه قربة وله نية برأسه.

(1) التهذيب ج 8 ص 310 ح 27، الوسائل ج 16 ص 242 ب 18 ح 1 وفيهما (هو يهدى الى الكعبة كذا وكذا - ما يهديه مما يملك غلاما - فيطيب).


280

أما

لو نذر النحر أو الذبح بغير مكة أو منى أو سائر الارض

ففي انعقادة قولان أحدهما - وهو قول الشيخ في المبسوط - ينعقد لعدم التعبد بذلك شرعا، ولان متعلق النذر طاعة ولا طاعة في غير البلدين، وقوى المحقق الانعقاد، وهو اختيار الشيخ في الخلاف لعموم الامر بالوفاء بالنذر وخصوص صحيح محمد ابن مسلم (1) عن باقر عليه السلام (في رجل قال عليه بدنة ينحرها بالكوفة، قال: إذا سمى مكانا فلينحر فيه) وبهذا يظهر قوة هذا القول.

وقد يستدل به على ما ذهب إليه أول الشهيدين وجماعة من انعقاد نذر المباح، لان الذبح في غير البلدين ليس طاعة بمجرده إلا أن يجعل نذر المكان وقع تابعا مع خروجه في الحقيقة - كما تقرر فيما سبق - وهل يلزمه مع ذلكتفرقته في فقراء تلك البقعة أم لا ؟ قولان، المحقق وجماعة على وجوب تلك التفرقة، محتجين بأن المقصود من الذبح أو النحر ذلك، ويشكل بما مر من قريب من أنه ليس بمنذور، ولا لازم له، فله التفرقة أينما شاء كما هو خيرة المختلف، نعم لو ذل العرف على التفرقة فيه وجب المصير إليه.

ولو نذر الذبح أو النحر مطلقا

فالخلاف الخلاف، فعلى الانعقاد يجزيه الفعل مطلقا.

ولو نذر أن يهدي بدنة،

فإن نوى كونها من الابل لزم، وكذا لو لم ينو لانها عبارة عن الانثى من الابل، كما نص عليه أهل اللغة، وليس في العرف ما يخالفه.

نعم قد ذهب بعض العامة إلى أن اسم البدنة يقع على اسم الغنم والبقر والابل جميعا، فإذا نوى شيئا منها بعينه فذاك، وإلا كان له الخيار.

وله قول آخر أنه يتخير بين كونها من الابل وبين بقرة أو سبع شياه، لان المعهود من الشرع إقامة كل منها مقام الاخر وهما في موضع المنع.

(1) التهذيب ج 8 ص 314 ذيل ح 44، الوسائل ج 16 ص 233 ب 11 ح


281

ولو عجز عن سبع من الغنم في مقام تعذر البدنة وقدر على بعضها

الظاهر وجوب الميسور لانه بعض الواجب فيدخل في عموم (1) (إذا امرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) بخلاف ما لو قدر على بعض البدنة أو البقرة فإن البدل يقدم على البعض لثبوته شرعا على تقدير العجز عن مجموع المبدل، وهذا مبني على ما تقرر في كتاب الحج.

في هذا المحل من أن من لزمته البدنة فعجز عنها جعل عوضها عن بقرة، فإن لم يجد فسبع شياه، لكن في بدلية البقرة على هذا النحو أنه لامستند له من الاخبار، وإنما جاء في السبع الشياه وإن ضعف مستنده في الاصطلاح الجديد، ومع ذلك فمورده كفارات الصيد عند وجوب البدنة، والقصاص ليس بشئ لكنهم - قدس الله ارواحهم - يتسامحون بمثل ذلك في الاستدلال كما أو قفناك عليه غير مره.

السادسة عشرة: إذا نذر صوم سنة غير معينة كان مخيرا بين التوالي والتفرقة، هذا إن لم يشترط التتابع، وإلا وجب، وله عند الاطلاق أن يصوم اثنى عشر شهرا، والشهر إما عدة بين هلالين أو ثلاثون يوما.

ولو صام شوالا وكان ناقصا

أتمه بيوم بدلا عن العيد، وربما قيل بيومين، واختاره المحقق لان الشهر إما عدة بين هلالين أو ثلاثون يوما، والاول منتف هنا لكسرة بيوم العيد فينتفي الثاني.

وذو الحجة يكلمه ثلاثين، فإن كان بمنى تدارك أربعة أيام مطلقا على الاول لكن شرطه عدم نقصانه وإلا كان خمسة على الاصح، ولا يجب أن يصوم متتابعا.

وإن صام سنة على التوالي وجب على أن يتدارك لشهر رمضان شهرا - إن قلنا بعدم دخوله في النذر كما مر تحقيقه - والعيدين وأيام التشريق إن لم ينقص شهر العيدين وإلا أضاف إليها يومين آخرين أو يوما إن كان الناقص أحدهما.

(1) عوالي اللئالى ج 4 ص 58 ح 206.


282

وبقي في المسألة قولان اخران: أحدهما: أنه إنما يخرج عن النذر بصوم ثلاثمائة وستين يوما مطلقا لان السنة تنكسر لا محالة بسبب شهر رمضان وأيام الفطر، وإذا انكسرت وجب عليه أن يعتبر العدد كانكسار الشهر.

وثانيهما: أنه إذا صام من المحرم إلى المحرم أو من شهر إلى آخر مثلهعليه أن يصوم شهر رمضان عن فرضه إن لم نقل بدخوله كما تقدم بيانه، ويفطر العيدين وإيام التشريق، لكن هل يلزمه تداركها للنذر ؟ قولان: (أحدهما) المنع لان السنة المتتابعة اسم لاثني عشر شهرا أو لئلاثمائة وستين يوما وقد صام من هذه الدة ما يجوز صومه فلا يلزمه الزيادة عليه، كما

لو عين السنة.

(وثانيها) وهو الاظهر أنه يلزمه التدراك على ما الاتصال الاخر المحسوب من السنة لانه التزم صوم سنة، ولم يصح عما التزم سنة، ويخالف ما إذا كانت السنة معينه لان المعين لا يبدل والمطلق يبدل كما في نظائره من العقود.

ولو أفطر بغير عذر وجب الاستئناف هنا قولا واحدا، بخلاف الحالة السابقة وهي السنة المعينة، فإن فيها يأمن من الخلاف.

والفرق بينهما أن جميع أجزائها معين فلا يزول تعيينه بهذا الاخلال، بخلاف المطلقة فإن المعتبر المكلف به إيقاع مجموع العدد بحيث يكون متتابعا على وجه يمكن، فإذا أخل بالوصف وجب عليه استدراك جميع المنذور متصفا بذلك الوصف تحصيلا للشرط الممكن واعلم أن المحقق - رحمه الله - في الشرائع لم ينقل خلافا في الاكتف


283

في تحقق التتابع بمجاوزة النصف في غير المعين كما ذكر في المعين مع اشتراكهما في المعين المقتضي له، تبعا للشيخ - رحمه الله - حيث لم ينقله إلا في السنة المعينة.

وعكس العلامة في القواعد فنقل القول بالاكتفاء بمجاوزة النصف في غير المعينة ولم يذكره في المعينة.

وفي الدروس نسب القول المذكور للشيخ - رحمه الله - في نذر السنة مطلقا سواء كانت معينة أو مطلقا، واعتذر له بما سبق، وما ذكره أنسب بحال هذا القول لتوجيهه وإن كان خصه في المبسوط بحالة التعيين.

أما

لو نذر صوم شهر متتابعا

وجب عليه أن يتوخى ما يصح ذلك فيه، وأقله - كما تقدم في الصوم - أن يصح فيه تتابع خمسة عشر يوما.

ولو شرع فيه ذي الحجة لم يجز لان التتابع ينقطع بالعيد، والاكتفاء في تتابع الشهر المنذور بمتابعة خمسة عشر يوما هو مذهب الاصحاب لا نعلم فيه مخالفا.

ومستندهم رواية الفضيل بن يسار (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه قال في رجل جعل عليه صوم شهر فصام خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر، فقال: جائز له أن يقتضي ما بقى عليه، وإن كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجز له حتى يصومشهرا تاما).

ورواية موسى بن بكر (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر، قال: إن كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضى ما بقي عليه، وإن كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجزه حتى يصوم شهرا تاما).

وطعن في هاتين الروايتين بضعف السند لاشتمالهما على موسب بن بكر وهو غير ثقة.

واجيب عن ذلك بأن ضعفهما مجبور بعمل الطائقة، وقد مرت المناقشة

(1) الكافي ج 4 ص 139 ح 6 وفيه اختلاف يسير، التهذيب ج 4 ص 285 ح 37 الوسائل ج 7 ص 276 ب 5 ح 2.

(2) التهذيب ج 4 ص 285 ح 7 36 الوسائل ج 7 ص 276 ب 5 ح 1.


284

في ذلك غير مرة، وإنما المدار على القرائن المثمرة للصحة عند القدماء.

اللهم إلا أن يجعل ذلك من أتمها كما هو ظاهر مقبولة ابن حنظلة (2) حيث قال (خذ ما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النار) فإذا اعتبر ذلك عند التعارض فاعتبارهعند عدمه أقوى.

السابعة عشرة: إذا نذر صوم سنة معينة وجب صوم جميع شهورها وأيامها وله حالتان: أحدهما: أن يعين سنة متوالية الايام كقوله: أصوم سنة كذا أو سنة من أول شهر كذا أو من الغد إلى مثله، فصيامها يقع متتابعا لجميع الوقت، ويصوم شهر رمضان عن فرضه إن لم نقل بدخوله في النذر، ويفطر العيدين وأيام التشريق إن كان بمنى، ولا يجب قضاؤها بل هي غير داخلة في النذر لان شهر رمضان واجب بغير النذر، والباقي غير قابل للصوم في ذاته.

وإذا أفطرت المرأة لعذر الحيض والنفاس ففي وجوب القضاء قولان: (أحدهما) يجب، لان النذر محمول على الواجب شرعا، وإذا وجب مع الحيض في الصوم الواجب شرعا قضاؤه فكذا الواجب بالنذر.

(وثانيها) لا يجب، كيوم العيد وزماني الحيض والنفاس، فيقع مستثنى شرعا، والاول أقوى.

ومثله ما لو أفطر للمرض والسفر الضروري.

ولو أفطر في بعض الايام بغير عذر كان آثما وعليه القضاء بغير خلاف بين الاصحاب، والكفارة كذلك، وبيني على ما مضى من الصوم سواء أفطرلعذر أ بغير عذر، ولا يجب معه الاستئناف من الافطار لغير عذر، ومع العذر قولان: (أحدهما) - وهو الذي جزم به المحقق وجماعة - وجوبه، لان ذكر التتابع في النذر يدل على كونه مقصودا، ولابد من تحصليه، وقد فات بتخلل الافطار،

(1) راجع الكافي ج 1 ص 67 ح 10، عوالي اللئالى ج 3 ص 129 ح 12.


285

فيلزمه تحصيله بالاستئناف وإتمام تلك السنة بعد انفضاء المعين بقدر ما فات منها.

(وثانيها) - وهو المشهور - لا يجب، لان شرط التتابع مع تعين السنة يقع لغوا، وما فعله قبل الافطار قد وقع صحيحا في وقته، وإخلاله بالتتابع بعد ذلك لا يؤثر فيما حكم بصحته وإن استلزم وجوب القضاء والكفارة، والمذهب بين متأخري المتأخرين هو الاول، ولا فرق بين وقوع الافطار بعد مجاوزته النصف وعدمه لان المقتضي لذلك مشترك بين الجميع وهو إخلاله بالشرط.

والقول الذي نقله في الشرائع بأن مجاوزة النصف مزيلة لوجوب الاستئناف قد نقله في المبسوط مستندا له إلى روايات أصحابنا وإن لم نقف عليها، وعلى ما نقله في الدروس عن فتوى الشيخ - رحمه الله - من الاجزاء مطلقا عند مجاوزة النصف مطلقة كانت السنةأو معينة فهو من باب القياس على الشهر الذي يكفي مجاوزة نصفه، ومن ثم نسبه المحقق - رحمه الله - إلى الاولوية أو من باب الحقيقة الشرعية المطردة كما ورد في الكثير في الاقرار.

وفيه نظر بين إذا لا ملازمة بين الاكتفاء بمجاوزة النصف في الشهر والشهرين للنصوص والاكتفاء به في غيرهما، لان ذلك حكم على خلاف الاصل، والالوية في المتنازع فيه منفية، وإنما الاختلاف بمجرد الزيادة والنقصان، فالقياس لازم وإثبات الحقيقة الشرعية بمجرد الورود في هذين الفردين - أعني الشهر والشهرين - وتعديته إلى غيرها من الاعداد المنذورة على الاطلاق ظاهر الفساد وطرد الكثير في الاطلاق في حيز المنع.

والحق أن هذا الاعتذار (1) بمجرد العناية.

ثانيها: أن ينذر صوم سنة ويطلق، وقد مر الكلام فيها منقحا.

الثامنة عشرة: لو نذر صوم الدهر انعقد صحيحا بإخراج العيدين وأيام التشريق ويفطر في السفر، وكذا الحائض في أيام حيضها ولا يلزمها القضاء، وإنما استثنيت هذه الايام لتتحقق الصحة في النذر، فلو قصد دخولها لم ينعقد

(1) كذا في النسخة، ولعل الصحيح (أن هذا الاعتذار مردود بمجرد العناية).


286

وكان حراما كما تقدم في كتاب الصوم، والاخبار به مستفيضة.

ومن قال بكراهة صوم الدهر قال بالانعقاد لان مكروه العبادة لا ينافى النذر كنظائره لبقاء أصل الرجحان، لكن يستثنى من هذا النذر العيدين وأيام التشريق بمنى لما تقدم من عدم قبولها للصوم شرعا، سواء نص على استثنائها أم أطلق لاختصاص المنع بها فلا مانع من انعقاد غيرها.

وصحة صوم بعض الدهر غير متوقف على صحة الباقي، واحتمل جماعة البطلان في الجميع عند الاطلاق الصيغة إنما تناول المجموع من حيث هو مجموع ولم يحصل وهو في حيز المنع، بل إنما تناولت كل واحد واحد والمجموع تابع، فلا يضر تخلفه لعارض، ولو صرح بإدخالها بالنذر فالقولان أيضا، تجدد القضاء عن شهر رمضان.

وفي استثناء شهر رمضان مع الاطلاق قولان مبنيان على انعقاد نذر الواجب وسيأتي الكلام عليه، ولو نوى إدخاله في النذر فأولى بالصحة لو قيل به ثمة، إلا أن الاقوى دخوله مطلقا في غير السفر لتحريم صومه، ففيه يجب إفطاره ثميقضيه بعد لانه كالمستثنى بقوله (فعدة من أيام اخر) وكذلك الاخبار الواردة بذلك.

ويجوز له السفر مع الضرورة إليه قطعا.

أما بدون الضرورة ففيه خلاف، وقد استظهر جماعة جوازه ولكن تجب الفدية بمد عن كل يوم كالعاجز عن صوم النذر مع احتمال العدم عند بعضهم لانه ليس بعاجز بحسب ذاته.

ثم إذا أفطر الناذر لعذر كفارة ولا فدية عليه، وإن كان متعديا


287

لزمته الكفارة لتفويته صوم النذر في زمانه.

ولو أفطر يوما من الدهر فلا سبيل إلى القضاء لاستغراق أيام العمر بالاداء لكونه منذورا.

ومما يتفرع هنا أيضا أنه

لو نوى في بعض الايام قضاء يوم شهر رمضان فهل له إفطاره قبل الزوال اختيارا ؟

قولان، منشأهما أن هذا اليوم قد صار بهذه النية قضاء عن شهر رمضان فتلحقه أحكامه، ومنها جواز إفطاره قبل الزوال ومن وجوبه بالنذر، وإنما استثني القضاء على تقدير صحته، فإذا نوى تركه عاد الوجوب من جهة النذر إذ لا يخرج الامر عنهما، وعلى هذا التقدير يكون صحةصومه عن القضاء كاشفة عن استثنائه بالنذر لا بمجرد النية، وهذا أقوى، وعليه فلو أفطره القضاء حينئذ لزمه كفارة النذر، ولو كان الافطار بعد الزوال ففي وجوب كفارة إفطار القضاء خاصة لتعينه له بالزوال أو كفارة النذر، لما قررناه وبيناه من أن بطلان القضاء يوجب تعلق النذر أو هما معا لصدق الافطار بالقضاء بعد الزوال ومن تعلق النذر به حيث بطل، أوجه أقواها الاخير، والسفر الضروري عذر لاينطقع به التتابع، وينطقع بالاختياري كما قدمناه.

التاسعة عشرة: إن نذر المعصية لا ينعقد ولا تلزم كفارة ولايجوز فعله فضلا عن وجوبه، وقد تقدمت الاخبار في ذلك وهي متضافرة به، والاجماع عليه من الامامية واقع.

ومن ضروب المعصية نذر ذبح الولد وغيره وإن كان في الصدر الاول سائغا لكنه منسوخ في قضية عبد الله أبي رسول الله صلى الله وعليه واله.

وخالف بعض العامة في ذلك فذهب إلى أن من نذر ذبح ولده فعليه شاة، وإن ذبح غيره من آبائه وجدوده وامهاته فلا شئ عليه، وآخرون منهم ذهبوا إلى أن عليه كفارة يمين، وكذا في كل نذر معصية، وقد رووا عن ابن عباس أن عليه ذبح شاة.

وجاء في أخبارنا مثله كخبر السكوني (1) عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام

(1) التهذيب ج 8 ص 317 ح 58، الوسائل ج 16 ص 206 ب 24 ح 2 وفيهما (تتصدق).


288

(أنه أتاه رجل فقال: إنى نذرت أن أنحر ولدي عند مقام إبراهيم عليه السلام إن فعلت كذاو كذا ففعلته، فقال عليه السلام: اذبح كبشا سمينا وتصدق بلحمه على المساكين).

ومثله خبر الجعفريات ونوادر الروانذي وقد حمله الشيخ على الاستحباب، وتبعه عليه جماعة من المحدثين، لما ثبت من أن نذر المعصية لا ينعقد.

ولخبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله (1) (قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل نذر أن ينحر ولده، فقال: ذلك من خطوات الشيطان).

المسألة العشرون: إذا الناذر عما نذره

سقط فرضه، فلو نذر الحج فصد عنه سقط النذر.

وكذا لو نذر صوما فعجز عنه سقط نفس الصوم، ولكن يتصدق عن كل يوم بمد من طعام.

ويتحقق هذا العجز بمجزه عن المنذور بأيجاده له في جميع الوقت المعين كمن نذر أن يحج في هذه السنة فلم يتمكن فيها.

أما لو كان مطلقا فالعجز غير متحقق إلا باليأس منه في جميع العمر.

وأما العاجز عن الصوم فالمشهور سقوطه أيضا أداء وقضاء.

وقيل: يجب على العاجز عنه إذا كان معينا القضاء دون الكفارة.

وقيل: بالعكس، والمراد بها أن يتصدق عن كل يوم بمد من طعام.

وقيل: بمدين، وعليه الشيخ في النهاية والمحقق في باب الكفارات من الشرائع.

وفي كتاب النذر ذكر أنه مد ناسبا له إلى الرواية وهي رواية محمد بن منصور (2) عن الرضا عليه السلام (قال: كان أبي عليه السلام يقول: من عجز عن صوم نذر مكان كل يوم نذر مد).

ومثلها رواية الكليني (3) عن علي بن إدريس وزاد فيها (من حنطة أو شعير)

(1) التهذيب ج 8 ص 288 ح 55، الوسائل ج 16 ص 212 ب 44 ح 1.

(2) الكافي ج 4 ص 143 ح 2، الوسائل ج 7 ص 286 ب 15 ح 2 وفيهما (قال: سألت الرضا (ع) عن رجل نذرا في صيام فعجز فقال: - عليه مكان كل يوم مد).

(3) الكافي ج 4 ص 143 ح 1، الفقيه ج 2 ص 99 ح 2، الوسائل ج 7 ص 285 ب 15 ح 1 وص 286 ح 5.


289

ورواها في الفقيه ورجحه الشهيد الاول، وفيه نظر، فإن في طريق الثانية عليابن أحمد وموسى بن عمر وهما مشتركان، وفي مسند الاخيرة جهالة، وذلك عندهم مانع من الحكم بالوجوب، والقاعدة تقتضي حملها على الاستحباب للتساهل عندهم في أدلته، مضافا إلى أن العجز يوجب سقوط المنذور في نظائره، فتفرد الصوم بالفدية لا يخلو من إشكال مع أن الفدية في الخبرين مختلفة مقدارا، وهذا أمارة الاستحباب.

الحادية والعشرون: قد اختلف الاصحاب في صحة نذر الواجب سواء في ذلك أول يوم من شهر رمضان وغيره، فذهب جماعة منهم السيد المرتضى - رحمه الله - والشيخ أبو الصلاح الحلبي إلى المنع لانه متعين بأصل الشرع، فإيجابه بالنذر تحصيل للحاصل.

وذهب أكثر المتأخرين إلى الصحة لان الواجب طاعة مقدورة للناذر فينعقد نذره لان ذلك متعلق النذر، وإيجاب صومه بأصل الشرع لا ينافي تأكيد الوجوب لكون النذر يفيد زيادة الانبعاث حذرا من الكفارة وهي نوع من اللطف، ولعموم الادلة وهذا هو الاقوى، وعليه فيجوز تراخي النذر، وتتعدد الكفارة بتعدده، ويتفرع على هذا دخول صوم شهر رمضان في نذر صوم السنة المعينة ونذر صوم الدهر مع الاطلاق، والتنصيص عليه لصلوحه لذلك كباقيالشهور، فالمفطر فيه متعمدا تجب عليه كفارتان أحدهما لصوم شهر رمضان والاخرى للنذر.

الثانية والعشرون: إن من نذر أن يتصدق بدراهم من فضة وصيرها ذهبا لزمه الاعادة لتعلق النذر بذلك المعين وإن كانت ذهبا أعلى ثمنا.

ففي صحيحة علي بن مهزيار كما في كما في الكافي والتهذيب (1) (قال: قلت لابي الحسن عليه السلام: رجل جعل على نفسه نذرا إن قضى الله حاجته أن يتصدق بدراهم،

(1) الكافي ج 7 ص 456 ح 11، التهذيب ج 305 ح 12، الوسائل ج 16 ص 232 ب 9 ح 1.


290

فقضى الله حاجته، فصير الدراهم ذهبا ووجيهها إليك، فيجوز ذلك أو يعيد ؟ فقال: يعيد).

وزاد في رواية الشيخ في التهذيب في السؤال (نذر أن يتصدق في مسجده بألف درهم) فيكون فيه بيان العدد والمكان إلا أن الاعادة فيه مرتبط على تصيير الدراهم ذهبا وإن طابقت العدد والمكان.

الثالثة والعشرون: إن من نذر عن سبيل النذر عن ترك الطاعة (1) كمننذر إن يحج قبل التزويج أن يعتق غلامه لزم ذلك النذر وإن كان الحج ندبا، لمعتبرة إسحاق بن عمار (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قلت له: رجل كان عليه حجة الاسلام فأراد أن يحج فقيل له: تزوج ثم حج، فقال: إن تزوجت قبل أن أحج فغلامي حر، فتزوج قبل أن يحج، فقال: أعتق غلامه، فقلت: لم يرد بعتقه وجه الله، فقال: إنه نذر في طاعة الله والحج أحق عليه من التزويج وأوجب عليه من التزويج، قلت: فإن الحج تطوع، قال: وإن كان تطوعا فهو طاعة لله قد أعتق غلامه).

ورواه أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن إسحاق بن عمار.

وكذا لو نذر عتق جاريته والجارية ليست بعارفة فلا يجزيه أن يتصدق بثمنها في وجوه البر بل يتعين عتقها وإن كانت غير عارفة، لخبر علي بن راشد كما في الكافي والتهذيب (2) (قال: قلت لابي جعفر الثاني عليه السلام: إن امرأة من أهلنا اعتل صبي لها، فقال: اللهم إن كشفت عنه فلانة جاريتي حرة والجارية ليست بعارفة، فأيهما أفضل تعتقها أو تصرف ثمنها في وجوه البر ؟ فقال: لا يجوز إلا عتقها).

الرابعة والعشرون: إن من نذر نذرا معلقا على شرط ثم علم بوقوعالشرط قبل النذر لم ينعقد النذر ولم يلزمه شئ، وذلك مجمع عليه بخبر جميل

(1) كذا في النسخة، ولا يخفى وقوع التصحيف فيه.

(2) الكافي ج 7 ص 455 ح 7، الوسائل ج 16 ص 229 ب 7 ح 1.

(3) لم نعثر عليه في الكافي، التهذيب ج 8 ص 314 ح 46، الوسائل ج 16 ص 229 ب 7 ح 2.


291

ابن صالح (1) (فال: كانت عندي جارية في المدينة فارتفع طمثها فجعلت لله نذرا إن هي حاضت، فعلمت أنها حاضت قبل أن أجعل النذر، فكتبت إلى أبي عبد الله عليه السلام بالمدينة فأجابني: إن كانت حاضت قبل النذر فلا عليك، وإن كانت حاضت بعد النذر فعليك).

وهذا الحديث وإن كان ضيعفا في الكافي لاشتماله على القاسم بن محمد لكنه قد رواه الصدوق (2) - رحمه الله - عن جميل بن صالح وطريقه إليه في الصحيح وهو مثله متنا إلا أنه قال: فلا نذر عليك.

وصحيحه محمد بن مسلم (3) عن أحدهما عليهما السلام (قال: سألته عن رجل وقع على جارية له فارتفع حيضها وخاف أن تكون قد حبلت، فجعل لله عتق رقبةوصوما وصدقة إن هي حيضها وخاف كانت أن تكون قد حبلت، فجعل لله عتق رقبة وصوما وصدقة إن هي حاضت، وقد كانت الجارية فد طمثت قبل أن يحلف بيوم أو يومين وهو لا يعلم، قال: ليس عليه شئ) وكان هذا الرجل كاره أن يكون له ولد من هذه الجارية فتمنى زواله بأحد الاسباب المكرهة له لذلك، وإلا فلا وجه لهذا النذر.

الخامسة والعشرون: قد عرفت أن من شرط المنذور كونه طاعة فلو كان مرجوحا ولو مكروها لم ينعقد، ولازم هذا الكلام أن من نذر أن يتصدق بجميع ماله أن لا ينعقد نذره على كل حال، بل لا يلزم منه إلا ما لا يضر بحاله لا في الدين ولا في الدنيا، وما أضر به أو كان ترك الصدقة به أولى لم ينعقد نذره، وقد حكم الاصحاب - إلا من نذر - بأن من نذر هذا النذر لزم نذره مطلقا، فإن لم يخف ضررا من الصدقة لزمه ذلك النذر فيه، وإن خاف الضرر دفعه بأن يقوم ماله ويحتسبه على نفسه فيجوز له الصرف فيه والانتفاع به ويضمن قيمته في ذمته ثم يتصدق به على التدريج شيئا فشيئا إلى أن يتم.

(1) الكافي ج 7 ص 455 ح 4، الوسائل ج 16 ص 226 ب 5 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 238 ح 62.

1 (3) التهذيب ج 8 ص 313 ح 41، الوسائل ج 16 ص 226 ب 5 ح 2.


292

واستندوا في ذلك إلى صحيحة محمد بن يحيى (1) (قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام جماعة إذ دخل عليه رجل من موالي أبي جعفر عليه السلام ثم جلس وبكى ثم قال له: جعلت فداك أني كنت أعطبت الله عهدا إن عافاني الله من شئ كنت أخافه على نفسي أن أتصدق بجميع ما أملك، وأن الله قد عافاني منه وقد حولت عيالي من منزلي إلى قبة في خراب الانصار وقد حملت كلما أملك، وها أنا بائع داري وجميع ما أملك وأتصدق به، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: انطلق منزلك وجميع متاعك وما تملك بقيمة عادلة واعرف ذلك، ثم اعمد إلى صحيفه بيضاء واكتب فيها جملة ما قومته، ثم انطلق الى أوثق الناس في نفسك وادفع إليه الصحيفة وأوصيه ومره إن حدث بك حادث الموت أن يبيع منزلك وجميع ما تملك فيتصدق به عنك، ثم ارحج إلى منزلك وتم في منزلك على ما كنت فيه، وكل أنت وعيالك مثل ما كنت تأكل ثم انظر كل شئ تتصدق به فيما يستقبل من صدقة أو صلة قرابة ومن وجوه البر فاكتب ذلك كله واحصه، فإذا كان رأس السنة فانطلق إلى الرجل الذي وصيت إليه فمره أن يخرج الصحيفة ثم ليكتب جملة ما تصدقت به وأخرجت من صلةقرابة أو بر في تلك السنة، ثم افعل ذلك في كل سنة حتى تفي لله بجميع ما نذرت فيه ويبقى لك منزلت إن شاء الله تعالى، فقال الرجل: فرجت عني يابن رسول الله جعلني الله فداك).

ووجه التقريب في هذا الخبر والاستدلال مع ما ترى من ظاهره من الحكم بحصول الضرر على الناذر بالصدقة بجميع ماله، ولم يحكم عليه ببطلان النذر في شئ منه، إنما أمره بحيلة تدفع عنه الضرر بتقويمه على نفسه والصدقة به على التدريج.

وهذا حكم لا ينطبق على قاعدة النذر لكنه لاسبيل إلى رده لصحة طريقة، وتلقى الاصحاب بالقبول، فلا تجب تلك الصدقة بما لا تضر به الصدقة عاجلا،

(1) الكافي ج 7 ص 458 ح 23، الوسائل ج 16 ص 236 ب 14 ح 1.


293

ويبطل النذر فيما تضره الصدقة بعينه إذا الضرر بتقويمه، ولا صدقة بالقيمة.

لكن قد بقي الكلام فيما هو خارج عن النص كما لو نذر الصدقة ببعضه وكان الاولى خلافه والضرر يندفع بتويمه، فهل يعمل به كما تضمنته الرواية في الكل ؟ أم يقع باطلا ؟ قولان: من مشاركته للمنصوص في المقتضي، وكونكل فرد من أفراد ماله على تقدير نذر الجميع منذور الصدقة، ولم ينظر إلى آحاده وإنما نظر إلى المجموع، ونظر فيه إلى التقويم.

ومن خروجه عن الاصل والقاعدة، فيقتصر فيه على مورده ولا يلزم من الجميع الحكم في الابعاض لانهما متغايران، وهذا أجود.

وأما ما قيل من الاشكال على انعقاد هذا النذر من حيث إن الصدقة بجميع المال مكروهة كما بين في بابه والقاعدة المقررة في المكروه أن لا ينعقد نذره وقد قال صلى الله عليه واله في المستفيضة (1) (خير الصدقة ما أبقت غنى).

وأن قوله (إنه يتصدق بجميع ما يملكه) وقع فيه الفعل بصيغة المستقبل، فيشمل المتجدد أيضا، ولا يلزمه منه كون الضرر (2) وعدم التخلص منه بالتقويم، لان التقويم ظاهر فيما يملكه حال النذر والصيغة لاتدل عليه، وأن العدول إلى التقويم إنما هو لدفع الضرر وعدم التخلص منه بالتقويم وهو ينافي انعقاد النذر، فيرجع الفرع إلى أصله بالابطال.

فيمكن الجواب عنه بأن المكروه هنا من مكروهات العبادة، والرجحان معها متحقق، وإنما غايتها نقصان ثوابها عن غير المكروه، فلا ينافي انعقاد نذره لانه عبادة راجحة في الجملة.

وأما صيغة (يملكه) فهي صيغة المضارع المجرد مما يدلعلى الاستقبال: فيصلح للحال والاستقبال، فهي مشتركة بينهما على الاصح، والمشترك مما لا يصح استعماله في معنييه معا على سبيل الحقيقة، وإنما يستعمل في أحدهما بالقرينة، وهي هنا موجودة دالة على إرادة الحال، بل صريحة فيه بدليل التقويم

(1) الجامع الصغير ج 2 ح 9.

(3) كذا في النسخة، ولا يخفى ما وقع في العبارة من الخلط والتصحيف.


294

الذي لا يتأتى ولا يمكن فرضه في المستقبل من المال.

وأما كون الضرر مانعا من انعقاد النذر كما هي القاعدة فهو حق، حيث لا يمكن دفعه بوجه، وهنا أمكن دفعه بالتقويم، فيبقي رجحان الصدقة لامانع له منه، إذ قد ورد به النص الصحيح المعمول به عند أجلاء الطائفة، حتى لو كان ضعيف السند لا يجبر وهنه، فتعين القول به، وإطلاقه يقتضي عدم وجوب تعجيل الصدقة بعين ما لا يضر، بل يكتفي بتدريجها على هذا التقدير مطلقا، وظاهر الفتاوى مبنية عليه، وفي بعضها تصريح به ولو قيل بوجوب تعجيل مالاينصره من غير تقويم كان حسنا لان فيه جمعا بين ما أطبق من النص هنا وبين القاعدة المقررة المتفق عليها في غيره بين الاصحابوالنصوص إلا أن كثيرا من متأخري المتأخرين قد ردوا هذا الخبر محافظة على تلك القاعدة ولمخالفته القواعد من وجوه، فأبطلوا مثل النذور لما في ارتكابها من المحذور.

ومنهم من قال بأنها صريحة في العهد لاالنذر، والعهد كاليمين لاكالنذر فيكفي في متعلقه الاباحة، فلا تضره المرجوحية الشرعية، فكيف يحتج به على النذر ؟ ومن تتبع أخبار النذر وتأملها ظهر له في كثير منها التزام ما هو مرجوح حيث يقع النذر به، ولعلها جاءت تقية لعدم اشتراطهم الرجحان والعبادة في متعلقه، وكثيرا ما يطلق العهد على ما يشمل النذر واليمين كما تطلق اليمين على ما يشملها، وكذلك في الايات الواردة في الكتاب في العهد، فيجب اتباع الكتاب المنصوص بالخصوص وتخصيص القواعد العامة به، وإلا انسد باب الاستدلال ويوجب لاكثر المسائل الاختلال، كيف وما من عام إلا وقد خص، فالقول بما ذهب إليه الاصحاب في هذه المسألة واجب الاتباع لان الشريعة المحمدية قد غلق فيها أبواب تكليف ما لا يطاق وفتح فيها أبواب التساهل والسماح، وفي ذلك صونا لاكثر أخبارنا عن الاطراح.

السادسة والعشرون: في بيان حكم العهد وبيان مشروطه ومتعلقه، وقداختلفت عبارات الاصحاب في ذلك، فالمحقق - رحمه الله - والعلامة جعلا حكمه حكم


295

اليمين، فينعقد فيما ينعقد ويبطل فيما يبطل فيه.

والشيخ في النهاية والشهيد في الدروس جعلا حكمه حكم النذر.

وتظهر فائدة هذا

الخلاف في العهد على المباح المتساوي الطرفين

دينا ودنيا فإن جعلناه كاليمين انعقد بغير إشكال، وإن جعلناه كالنذر فالمشهور كما تقدم عدم صحته لان شرطه أن يكون متعلقه طاعة راجحة فلا ينعقد في المباح، وفيما إذا لم يعلق على شرط فعلى إلحاقه باليمين ينعقد بغير إشكال، وعلى إلحاقه بالنذر يكون معرض الخلاف المتقدم.

ومن قال بانعقاد النذر به - كما اختاره في الدروس - وبانعقاد النذر المبتدأ بغير شرط - كما هو مذهب جماعة، بل هو المشهور - لايعرف الامران.

ويدل على إلحاقه باليمين رواية علي بن جعفر (1) عن أخيه عليه السلام (قال: سألته عن رجل عاهد الله في غير معصية، ما عليه إن لم يف بعهده ؟ قال: يعتق رقبة أو يتصدق بصدقة أو يصوم شهرين متتابعين) فعلق الكفارة على العهد في معصيةوهو شامل للمباح، إذ لا يخرج منه سوى المحرم، ومع ذلك فهو شامل للمكروه وما هو خلاف الاولى من المباح، إلا أن ذلك خارج بالاجماع.

ويدل على إلحاقه بالنذر رواية أبي بصير (2) عن أحدهما عليهما السلام (قال: من جعل عليه عهد الله وميثاقه في أمر لله طاعة فحنث فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا) فجعل مورده الطاعة وهي مورد النذر، إلا أنها لا تنفي تعلقه بغيرها لان السؤال وقع على العهد على الطاعة، وذلك لا يفيد الحصر.

وفي نوادر أحمد بن محمد بن عيسى (3) عن أبي جعفر الثاني عليه السلام (في رجل عاهد الله عند الحجر أن لا يقرب محرما أبدا، فلما رجع عاد إلى المحرم، فقال أبو جعفر عليه السلام: يعتق رقبة أو يصوم أو يتصدق على ستين مسكينا وما ارتكب من الامر أعظم

(1) التهذيب ج 8 ص 309 ح 25، الوسائل ج 16 ص 247 ب 25 ح 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 315 ح 47، الوسائل ج 16 ص 247 ب 26 ح 2.

(3) الوسائل ج 16 ص 248 ب 25 ح 4 وفيه (وما ترك من الامر).


296

ويستغفر الله ويتوب إليه).

وهذا العهد قد تعلق بالواجب لان عدم ارتكاب المحرممن الواجبات.

وقد جاء مثله في النذر، ففي صحيحة جميل بن دراج (1) عن عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: من جعل الله عليه أن لا يركب محرما سماه فركبه قال: لا ولا أعلمه إلا قال: فليعتق رقبة أوليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستين مسكينا) وصورته أن يقول: عاهدت الله أو علي عهد الله أنه متى كان كذا فعلي كذا.

وأما كفارته فستأني في كتاب الكفارات إن شاء الله تعالى عن قريب، وهو كالنذر واليمين لا ينعقد إلا بالنطق عليه.

وقد اختلف في انعقاد هما بالضمير من دون لفظ، فذهب الشيخان والقاضي وابن حمزة إلى الانعقاد، نظرا إلى أنها عبادة، والاصل في العبادات الاعتقاد والضيمر، ولعموم قوله صلى الله وعليه واله (2) (إنما الاعمال بالنيات) وقد ثبت (إنما) للحصر و (الباء) للسببية وذلك موجب لحصر العمل في النية، فلا يتوقف على غيرها، وإلا لزم جعل ما ليس بسبب سببا، ولان الغرض من اللفظ إعلام الغير بما في الضمير، والاستدلال به على القصد، والمتعبد له عالم بالسرائر ومستشرف على ما في الضمائر ولقوله تعالى (إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما) (1).

وفي هذه الادلة نظر لان العبادة ليست بمنحصرة في الاعتقاديات، بل منها ما هو لفظ محض لا يجزي عنه الاعتقاد كالقراءة والاذكار، ومنها ما هو بدني لا يجزي عنه الاعتقاد كالركوع والسجود وأفعال الحج، ومنها مالي لا يجزي عنه غيره، فكونهما عبادة لا يدل على الاكتفاء فيهما بالاعتقاد وإن كان معتبرا فيهما في جملة من جهة النية، وهذا أمر آخر، والخصم يسلمه هنا، وكون لاعمال بالنيات لا يدل على حصرها فيها أيضا لوجود الاعمال بدونها،

(1) التذيب ج 8 ص 315 ح 42 وفيه اختلاف يسير، الوسائل ج 16 ص 243 ب 19 ح 1.

(2) عوالي اللئالى ج 1 ص 380 ح 2.

(3) سورة الاحزاب - آية 54.


297

فلا بد فيه من إضمار الاعمال المعتبرة شرعا أو التي يترتب عليها أثرها وغايتها ونحو ذلك، وهو يدل أيضا على التغاير بين النية والعمل وإن كانت من شروطه.

وكون (الباء) للسببية لا يدل على أزيد من ذلك لانه يدل على أن النية سبب في اعتبارها، ولا يلزمه منه حصر السببية فيها لان بعض الاسباب قد يكونناقصا وقد يكون تاما، فمطلقه أعم من التام، والامر في الاعمال المعتبرة من شروطه كذلك، فإن النية لا يكفي في اعتبارها من غير انضمام باقي ما يعتبر فيها من الاسباب والشروط، فالنية إذن من الاسباب الناقصة لالتامة.

ونمنع من كون الغرض من اللفظ ذلك الاعلام بما في الضمير مطلقا، بل هو في العبارات تعبد بدني ملحوظ بالاعتبار كما تعتبر النية فيه، وذلك واضح ليس عليه غبار في العبادات اللفظية المفتقرة إلى النية، فإن كلا منهما لا يجزي عن الاخر في الاعتبار وإن كان الله تعالى هو العالم بالاسرار.

وأما الاية الدالة على المحاسبة - على ما يخفوه - فلا دلالة لها على انعقادها بالضمير مطلقا كما لا يخفى على ذو الفطنة والاختبار.

وذهب الاسكافي من المتقدمين والحلي في السرائر والمحقق في الشرائع والعلامة في أكثر كتبه وتبعهم باقي المتأخرين إلى اشتراط التلفظ بهما حسب ماشرطته الاخبار السابقة لقول الصادق عليه السلام في صحيحة منصور بن حازم (1) (ليس بشئ حتى يقول لله علي.

) إلى آخره وقوله عليه السلام في صحيحة أبي الصباح الكناني (ليس النذر بشئ حتى يسمي شيئا لله).

إلى غير ذلك من الاخبار - التي قدمناذكرها - الدالة على اعتبار القول، ولانهما من قبيل الاسباب فلا يكفي أقوى، وإن كان دليل السبب لا يخلو عن شئ لكون الاسباب لا تنحصر في ألفاظ، والله العالم بالصواب.

(1) الكافي ج 7 ص 455 ح 2، الوسائل ج 16 ص 229 ب 1 ح 1.


298

كتاب الكفارات وكان مقتضى ما قصده المصنف - رحمه الله - في كتابه هذا من التزام ترتيب كتاب الشرائع أن يذكر أحكام الكفارات عقيب الظهار، لكنه قد اكتفى بما تقدم منهما في كتاب الصوم وكتاب الحج، فأوجبنا على أنفسنا أن نذكرها في هذا المحل لمناسبتها للعهد واليمين والنذر، لان هذه الثلاثة من أسبابها الظاهرة التي لا خلاف فيها، وقد عليها الكتاب والسنة والاجماع، وفيه مقاصد: المقصد الاول في ضبط الكفارات وبيان أقسامها والكفارة في الاصل اسم للتكفير، وأصلها الستر، ومنه الكفار لانه يسترالحق.

ويقال لليل كافر لانه يستر من يفعل فيه شيئا.

وقد ورد القرآن بلفظ الكفارة كقوله تعالى في كفارة اليمين (فكفارته إطعام عشرة مساكين) (1).

وقد عرفها بعضهم شرعا بأنها مخصوصة فيها فإنها ليست أو مخففة غالبا، وقيد الاغلبية لادخال كفارة قتل الخطأ فيها فإنها ليست عقوبة، وينقتض في طرده بالتوبة فإنها طاعة مخصوصة بل هي أعظم الطاعات، ثم قد تكون مسقطة للذاب كما إذا كان الذنب حق الله تعالى ولم يجب قضاؤه، وقد تكون مخففة له كما إذا افترقت بوجوب رد الحق ونحوه.

وكذا ينتقض بقضاء العبادات فإنه

(1) سورة المائدة - آية 89.


299

طاعة مسقطة للذنب المترتب على التهاون في الفعل إلى أن خرج الوقت، أو مخففة له من حيث افتقار سقوطه رأسا إلى التوبة.

واعلم الكفارة الواجبة إن لم تكن عن ذنب - مثل قتل الخطأ - فإن وجوبها على التراخي لان مطلق الامر بها لا يقتضي الفور في الاصح كما مر في الاصول، وإن كانت مسقطة للذنب أو مخففة له ففي وجوبها على الفور وجهان:من أنها في معنى التوبة من حيث كانت مسقطة للذنب أو مخففة، والتوبة من الذنوب واجبة على الفور.

ومن أصالة عدم وجوب الفورية، ولا يلزم من مشاركتها للتوبة في ذلك مساواتها لها في جميع الاحكام لكونها في الاصل حقا ماليا أو بدنيا، وفي نظائرها من العبادات والحقوق ما يجب على الفور ومنها ما لا يجب، وأصل وجوبه متوقف على دليل يقتضية غير أصل الامر، وأطلق بعضهم وجوبها على الفور مستدلا بأنها كالتوبة الواجبة لذلك لوجوب الندم على كل قبيح أو إخلال بواجب ولا يخفى فساده على إطلاقه لان منها ما ليس مسببا عن قبيح.

ثم على تقدير فعلها لا تكون كافية في رفع استحقاق العقاب إذا كان عن ذنب بل لابد معها من التوبة المشتملة على ترك الذنب في الحال والندم على فعله فيما سلف والعزم على عدم العود إليه في الاستقبال، ولو وجب معها قضاء العبادة كإفساد الصوم فلابد معها من القضاء من القادر عليه، ومثله القول في الحدود والتعزيرات على المعاصي، ويشتمل هذا المقصود على مسائل:

المسألة الاولى: في عدد أقسامها،

فمنها مرتبة ومنها كفارة جمع ومنها مخيرة وما هي مخيرة مع ترتيب.

فالمرتبة في المشهور ثلاث كفارات: كفارةالظهار وكفارة قتل الخطأو كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان بعد الزوال، ويجب في الاولين في كل واحدة العتق لرقبه مسلمة أو ما هو محلق بالمسلم، فإن عجز فصوم شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكينا، وقد دل


300

الكتاب في آية الظهار على ذلك، قال الله تعالى (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة مؤمنة) ثم قال: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) وقال تعالى: (فمن قتل مومنا خطا فتحرير رقبة مؤمنة) الى قوله تعالى (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) (2) وذلك نص في الترتيب فيهما.

وقد جاءت الاخبار الكثيرة المستفيضة على ما تقدم في ظهار ما هو نص كالاية وفي القتل كذلك.

فروى عبد الله بن سنان (3) في الصحيح عن الصادق عليه السلام (قال: إذا قتل سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المظاهر، قال: عليه تحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، والرقبة تجزي ممن ولد في الاسلام) و (أو) ظاهرة في التخيير كما ترى، فالاولى حملها على التنويع وبيان خصالها المرتبة موافقة للاية والفتوى وإن كان ذلك خلاف الظاهر.

وأما قتل الخطأ فالاكثر على أن كفارته مرتبة لما ذكرناه من الادلة، وسيجئ في أحكام القصاص.

وقال سلار: إنها مخيرة، وهو ظاهر المفيد - رحمه الله - حيث جعلها الكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان، وذكر في كفارة رمضان أنها مخيرة، ولم نقف لهما على مستند من الاخبار، ولو وجد لوجب إطراحه أو تأويله، والمختار هو الاول.

(1) سورة المجادلة - آية 3 و 4.

1 (2) سورة النساء - آية 92.

(3) التهذيب ج 8 ص 322 ح 12، الوسائل ج 15 ص 559 ب 10 ح 1.

(4) التهذيب ج 8 ص 321 ح 8 وفيه (والرقبة يجزى فيها الصبى ممن)، الوسائل ج 15 ص 549 ب 1 ح 3.


301

المسألة الثانية: قد تقدم في أحكام الصوم وكفارات إفطاره أن المشهور بين الاصحاب رواية وفتوى أن كفارة المفطر في قضاء شهر رمضان بعد الزوال مرتبة، وهي إطعام عشرة مساكين.

فإن عجز صام ثلاثة أيام متتابعات.

وقد دل عليه من الادلة رواية بريد العجلي (1) عن الباقر عليه السلام (في رجلأتى أهله في يوم يقضيه عن شهر رمضان قبل الزوال، قال: لا شئ عليه إلا يوما مكان يوم، وإن أتى أهله بعد زوال الشمس فإن عليه أن يتصدق على عشرة مساكين لكل مسكين مد، فإن لم يقدر صام يوما مكان يوم وصام ثلاثة أيام كفارة ما صنع).

قال الصدوق في فقهيه (2) عقيب ذكر هذه الرواية: وقد روي أنه إن أفطر قبل الزوال فلا شئ عليه، وإن أفطر بعد الزوال فعليه الكفارة، مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان.

وهذا يدل على أن اختياره واختيار المشهور سواء.

وفي المقنع (3) عكس الحال، فجعل المشهور رواية والثاني فتوى فقال: وإذا قضيت صوم شهر رمضان كنت بالخيار في الافطار إلى زوال الشمس، فإن أفطرت بعد الزوال فعليك الكفارة مثل ما على من أفطر يوما من شهر رمضان.

وروي أن عليه إذا أفطر بعد الزوال إطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد من طعام، فإن لم يقدر عليه صام يوما بدل يوم وصام ثلاثة أيام كفارة لما فعل.

في طريق الرواية الاولى ما هو مجهول وهو الحارث بن محمد، والرواية الثانية الدالة على أنها كفارة شهر رمضان من الموثق قد رواها زرارة (4) عن الباقر عليه السلام (قال: سألته عن رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتي النساء، قال: عليهمن الكفارة ما على الذي أصاب في رمضان ذلك اليوم عند الله من أيام رمضان).

(1) الكافي ج 4 ص 122 ح 5، الوسائل ج 7 ص 253 ب 29 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 2 ص 96 ح 7، الوسائل ج 7 ص 255 ب 29 ح 5.

(3) الجوامع الفقهية ص 17 س 17.

(4) التهذيب ح 4 ص 279 ح 19، الوسائل ج 7 ص 254 ب 29 ح 3 وفيه (لان ذلك اليوم عند الله).


302

إلا أنه ليس فيهما تقييد يكون الافطار قبل الزوال كما قيدوه، وحمله على المقيد بعيد لانه مخالف له في الحكم، وفي طريقها علي بن فضال وباقي سندها صحيح فهو من الموثق، لكن بقأوها على إطلاقها مشكل لا قائل به، وحملت على استحباب عند جماعة.

وروى الشيخ في الصحيح عن هشام بن سالم (1) (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: رجل وقع أهله وهو يقضي شهر رمضان، قال: إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر فلاشئ عليه يصوم يوما بدل يوم، وإن فعل بعد العصر صام ذلك اليوموأطعم عشرة مساكين، فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك).

وهي كرواية بريد في الكفارة لكنها مخالفته لها في الوقت، وهي أصح ما في الباب من الروايات ولكن لم يعمل بمضمونها أحد.

والشيخ في كتابي الاخبار حمل الخبر الدال على أنها كفارة شهر رمضان على من فعل ذلك استخفاقا ونهاونا بما يجب عليه من فرض الله تعالى، فيجب عليه حينئذ من الكفارات ما يجب عليه من على من أفطر يوما من شهر رمضان عقوبة له وتغليظا عليه، فأما من اعتقد أن الافطار مما لا ينبغي وكا عليه الاتمام فليس عليه إلا ما تقدم من إطعام عشرة مساكين أو صيام ثلاثة أيام.

وهذا الحمل يوجب قولا آخر للشيخ في المسألة.

وله قول ثالث في النهاية أنها كفارة يمين، وهو قول سلار.

وقال العماني: ليس عليه شئ مطلقا، ويدل على مذهبه رواية عمار الساباطي (2) عن أبي عبد الله عليه السلام وفيهما (فإن نوى الصوم ثم أفطر بعد ما زالت الشمس فقد أساء وليس عليه شئ إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه).

والشيخ - رحمه الله - حمل قوله عليه السلام (وليس عليه شئ) على أنه ليس عليه

(1) التهذيب ج 4 ص 279 ح 18، الوسائل ج 7 ص 254 ب 29 ح 2.

(2) التهذيب ج 4 ص 280 ح 20، الوسائل ج 7 ص 254 ب 29 ح 4.


303

شئ من العقاب لان من أفطر في هذا اليوم لا يستحق العقاب وإن أفطر بعد الزوال ويلزمه الكفارة.

وفي هذا اعتراف من الشيخ بعدم تحريم الافطار فكيف يجامع عدم الكفار ؟ ولو حملوها على الاستحباب لاختلاف تقديرها في الروايات واختلاف تحديدها وقت ثبوتها وقصورها من حيث السند عن إفادة الوجوب لكان قويا جدا.

قاله الشهيد الثاني في المسالك ثم أيده بخبر أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الافطار، قال: لا ينبغي له أن يكرهها بعد الزوال) زعما منه أن (لا ينبغي له) دالة على الكراهة.

وفيه نظر على أن المكرهة لا تفطر بذلك الاكراه، وقد قدح في الرواية بأن في طريقها سماعة وهو واقفي.

وعلى كل تقدير فالحكم مختص بقضاء شهر رمضان ولا يتعدى إلى قضاء غيره وإن كان معينا على الاقوى للاصل وعدم وجودكثيرة تقدمت فح الصوم.

منها صحيحة عبد الله بن سنان (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل أفطر في شهر رمضان متعمدا يوما من غير عذر، قال: يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا، فإن لم يقدر تصدق بما يطيق).

وفي المبسوط قول آخر بأنها مرتبة إذا كان الافطار بالجماع.

وذهب العماني إلى أنها مرتبة مطلقا كما عليه أكثر العامة لما رواه الصدوق (3) - رحمه

(1) الكافي ج 4 ص 122 ح 6، الوسائل ج 7 ص 8 ب 4 ح 2.

(2) الكافي ج 4 ص 101 ح 1، الوسائل ج 7 ص 28 ب 8 ح 1.

(3) الفقيه ج 2 ص 72 ح 2، الوسائل ج 7 ص 30 ب 8 ح 5 وفيهما (فإتى النبي (ص) بعذق في مكتل فيه خمسة عشر صاعا).


304

الله - وغيره (من أن رجلا من الانصار أتى النبي صلى الله وعليه واله فقال: هلكت وأهلكت، فقال: ما أهلكك ؟ قال: أتيت امرأتي في شهر رمضان وأنا صائم، فقال له النبي صلى الله وعليه واله: اعتق رقبة، قال: لاأجد، قال: صم شهرين متتابعين، قال: لا اطيق،قال: تصدق على ستين مسكينا، قال: لا أجد قال: فأتى النبي صلى الله وعليه واله بعذق ثمانية عشر صاعا من ثمر فقال له النبي صلى الله وعليه واله: خذها فتصدق بها، فقال له الرجل: والذي بعثك بالحق ليس مابين لابتيها أحوج مني إليها، فقال: خذه وكله وأطعم عيالك فإنه كفارة لك).

واجيب بعدم دلالتها صريحا على الترتيب لانه يجوز إطلاق الامر بأحد أفراد الواجب المخير كذلك، مع أن الشيخ في كتابي الاخبار (1) رواه في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام وفيه (أن رجلا أتى النبي صلى الله وعليه واله فقال: هلكت يا رسول الله، قال: مالك ؟ قال: النار يا رسول الله، قال: ومالك ؟ قال: وقعت على أهلي قال تصدق واستغفر ربك فابدأ بالصدقة) وهو دليل على عدم الترتيب على الخصلتين الاخيرتين وإلا لبين له صلى الله وعليه واله، وفي نمامه أن الرجل قال: والذي عظم حقك ما تركت في البيت شيئا قليلا ولا كثيرا، قال: فدخل رجل من الناس بمكتل من عشرين صاعا يكون عشرة أصيع بصاعنا، فقال له رسول الله صلى الله وعليه واله: خذ هذا التمر فتصدق به، فقال: يا رسول الله على من أتصدق وقد أخبرتك أن ليس في يدي قليل ولا كثير، قال: فخذه وأطعمه عيالك واستغفر الله عزوجل، قال:فلما رجعنا قال أصحابنا: إنه بدأ بالعتق، قال: اعتق أو صم أو تصدق).

وهذا نص في التخيير وفيه دلالة على أن الاستغفار يجب عند العجز، وهو أولى من جعل إطعام أهله كفارة كما في الخبر السابق، وقد أطلق الاكثر الحكم في من أفطر بأحد الاسباب الوجبة للتكفير، وهو شامل للمحلل منها والمحرم

(هامش

) (1) التهذيب ج 4 ص 206 ح 2، الاستبصار ج 2 ص 80 ب 38 ح 2، الوسائل ج 7 ص 29 ب 8 ح 2 وفيهما اختلاف يسير.


305

كما هو مقضى إطلاق الرواية الصحيحة المتقدمة، والحكم به كذلك هو المشهور بين الاصحاب.

وذهب جماعة منهم الشيخ في كتابي الاخبار والصدوق إلى أن ذلك مختص بمن أفطر على المحلل، أما من أفطر على المحرم - يعني أفسد صومه به - فإن كفارته كفارة جمع كالقتل عمدا لخبر عبد السلام بن صالح الهروي (1) (قال: قلت للرضا عليه السلام: يابن رسول الله قد روي عنهم أيضا كفارة واحدة، فبأي الخبرين آخذ ؟ قال: بهما جميعا، فمتى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات عتق رقبة وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكينا وقضاءذلك اليوم، وإن كان قد نكح حلالا أو أفطر على حلال كفاء كفارة واحدة).

وليس في طريق هذه من يتوقف في وثاقته عدا ابن عبدوس فإن حاله مجهول، قال في المختلف: إن ابن عبدوس لا يحضرني حاله، فإن كان ثقة فالرواية صحيحة متعين العمل بها.

وفي التحرير جزم بصحتها فقال: روى ابن بابويه في حديث صحيح عن الرضا عليه السلام وساق الحديث.

وذكر ابن بابويه في الفقيه (2) أنه وجد ذلك في روايات أبي الحسين الاسدي فيما ورد عليه من الشيخ - رحمه الله - أبي جعفر بن عثمان العمري أحد نواب صاحب الزمان عليه السلام وطريقه جيد أيضا، فلا بأس بالعمل بمضمونه، وهو مذهب قوي جدا وعليه العمل، وقد وقع مثل ذلك في كتاب الغيبة له وكتاب الاحتجاج للطبرسي - رحمه الله -.

المسألة الرابعة: قد جعل من القدماء والمتأخرين كفارة من أفطر يوما نذر صومه كفارة مخيرة كشهر رمضان، وأسنده إلى أشهر الروايتين المحقق في الشرائع.

وهذا المذهب للشيخين وأتباعهما والمحقق والعلامة في المختلف وأكثر

(1) التهذيب ج 4 ص 209 ح 12، الوسائل ج 7 ص 35 ب 10 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 2 ص 73 ح 10، الوسائل ج 7 ص 36 ب 10 ح 3.


306

المتأخرين لصحيحة عبد الملك بن عمرو (1) بناء على توثيق ابن داود عن الصادق عليه السلام (قال: من جعل لله عليه أن لا يركب محرما سماه فركبه قال: ولا أعلمه إلا قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستين مسكينا).

وهو كما ترى ليس نصا في النذر، ومع ذلك فمورده مطلق النذر لا مخصوصا بالصوم، قيل: إنها كفارة يمين مطلقا كما هو المختار.

وقد ذهب إليه الصدوق والمحقق في الشرائع لحسن الحلبي (2) بل صحيحه عن الصادق عليه السلام (قال: إن قلت: لله علي كذا وكذا فكفارة يمين).

ورواية حفص بن غياث (3) عنه عليه السلام (قال: سألته عن كفارة النذور، فقال: كفارة النذور كفارة اليمين).

ورواه العامة (4) عن النبي صلى الله وعليه واله (أنه قال: كفارة النذر كفارة اليمين).

وقيل بالتفصيل، فإن كان النذر صوما فكفارة شهر رمضان وإن كان غير ذلك فكفارة يمين، ذهب إليه المرتضى والحلبي والعلامة في غير المختلف، ووجهه الجمع بين الروايات حيث دل بعضها على أنه كفارته كفارة رمضان، فيناسبهالحمل على إفطار نذر صونم معين لمشاركته لصوم رمضان في الصوم المعين، وحمل غيره على غيره، وهو أولى من العمل بأحد الجانبين خاصة لاستلزام طرح الاخر مع تقاربهما في القوة.

ويدل على حكم إفطار النذور روايات اخر.

منها: رواية القاس بن الصيقل (5) (أنه كتب إليه: يا سيدي رجل نذر أن

(1) التهذيب ج 8 ص 314 ح 42، الوسائل ج 16 ص 243 ب 19 ح 1.

(2) الكافي ج 7 ص 456 ح 9، الوسائل ج 16 ص 574 ب 23 ح 1 وفيهما (لله على فكفارة يمين).

(3) الكافي ج 7 ص 457 ص 13، الوسائل ج 15 ص 575 ب 23 ح 4 وفيهما (كفارة النذر).

(4) سنن أبى داود ج 3 ص 241 ح 3323.

(5) التهذيب ج 4 ص 286 ح 38 وفيه (فوقع فيه في ذلك اليوم على)، الوسائل ج 7 ص 277 ب 7 ح 3 وفيه (فوقع في ذلك اليوم على اهله).


307

يصوم يوما لله فوقع ذلك على أهله، ما عليه من الكفارة ؟ فأجابه: يصوم يومابدل يوم وتحرير رقبة مؤمنة).

ومثله عن ابن مهزيار (1) أنه كتب إليه يسأله عن ذلك.

وهذا هو الموجب لجزم المحقق - رحمه الله - بحكم المفطر في شهر رمضان، وتردد غيره لكن في طريق الروايتين محمد بن عيسى، والمسؤول فيهما غير مصرح به وإن كان الظاهر أنه الامام عليه السلام.

لا يقال: إن الاول من الاخبار - أعني خبر عبد الملك بن عمرو - صحيح فيجب تقديمه على الحسن ووالضعيف لو أردنا الجمع، كيف والحسن لا يشتمل رواية على وصف العدالة التي هي شرط في قبول رواية الراوي، قيتعين العمل بذلك.

لانا نقول: إن الاول وإن كان قد وصفه بالصحة جماعة من المحققين كالعلامة في المختلف وولده في شرح القواعد وأول الشهيدين في شرح الارشاد إلا أن فيه مناقشة ومنعا بينا يظهر لمن تتبع كتب الرجال، لان عبد الملك بن عمرو لم ينص عليه أحد بالتعديل وإنما هو ممدوح مدحا غير صريح فلم يقرب من التعديل، فلم يذكره النحاشي ولا الشيخ في كتابيه، وذكر العلامة في خلاصته ونقل عن المثنى أن الصادق عليه السلام قال له: إني لادعو لك حتى اسمي دابتك.

وهذاغايته اقتضاء المدح لا التوثيق، مع أن الرواية منقولة عنه، وشهادة الانسان لنفسه غير مقبولة، ومثل هذا لا يثبت به حكم.

وغايته أن يكون من الحسن، وكأنهم أرادوا بصحتها توثيق رجال أسنادها إلى عبد الملك المذكور، وهي صحة إضافية في اصطلاح كثير فلاتتر جح على باقي الروابات الاخر، بل يمكن القلب عليهم في ذلك بترجيح تلك الروايات عليها بوجوه: أحدها: أن حسنة الحلبي في ذلك الجانب من الحسن في أعلى مراتب لان حسنها في دخول إبراهيم بن هاشم في طريقها وهو من الاجلاء الاعيان، بل وثقه

(1) التهذيب ج 4 ص 286 ح 39، الوسائل ج 7 ص 277 ب 7 ح 1.


308

ابنه في التفسير، ولا ينبئك مثل خيبر، فخبره من الصحيح على الصحيح بخلاف تلك الروايات، فإن الظاهر أنها لا تحل في أدنى مراتب الحسن فضلا عما فوقه، فكانت تلك أرحج على كل حال، فالعمل بمضومها أولى.

وثانيها: تأيدها برواية حفص بن غياث وهو وإن كان عاميا إلا أن الشيخ في العدة وفي كتابي الرجال قال: إن كتابه معتمد عليه.

وثالثها: اتفاق روايات العامة التي صححوها عن النبي صلى الله وعليه واله وسلم عليه، وهي إن لم تكن حجة إلا أنها لا تقصر عن أن تكون مرجحة.

ورابعها: تأيدها بصحيحة علي بن مهزيار (1) (قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي إني نذرت أن أصوم كل سبت فإن لم أصمه ما يلزمني من الكفارة ؟ فكتب وقرأته: لا تتركة إلا من علة، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلا أن يكون نويت ذلك، وإن افطرت فيه من غير علة فتصدق كل يوم على سبعة مساكين).

وبمثله عبر الصدوق - رحمه الله - في المقنع، إلا أنه قال بدل سبعة (عشرة) فيكون بعض أفراد كفارة اليمين، ولعل السبعة وقعت سهوا في رواية التهذيب.

وتؤيده رواية الصدوق لها من الصحيح وقال في المقنع: وإن نذر الرجل أن يصوم كل سبت أو أحد أو سائر الايام فليس عليه أن يتركه إلا من علة، وليس عليه صومه في سفر ولا مرض إلا إن يكون نوى ذلك، فإن أفطر من غير علة تصدق مكان كل يوم على عشرة مساكين.

هكذا عبر الصدوق - رحمه الله -.

وقال ثاني الشهيدين في المسالك بعد ذكره عبارة هذا الكتاب وهو عنديبخطه الشريف: وهو لفظ الرواية.

فيكون اقتصاره على إحدى كفارة اليمين كاقتصاره رواية المنذور (2) في مكاتبة الصيقل على تحرير رقبة المحتمل أن يكون من خصال كفارة شهر رمضان أو كفارة اليمين لاشتراكهما في ذلك، فلا دلالة

(1) التهذيب ج 4 ص 286 ح 40، الوسائل ج 7 ص 277 ب 7 ح 4.

(2) كذا في النسخة.


309

فيه على كفارة شهر رمضان.

والشيخ - رحمه الله - جمع بين الاخبار بحمل الخبر الاول على التمكن من إحدى الخصال الثلاث والاخبار المتضمنة اليمين لمن عجز عن ذلك، واستدل عليه بصحيحة جميل بن صالح (1) عن أبي الحسن موسى عليه السلام (أنه قال: كل من عجز عن نذر نذره فكفارته كفارة يمين).

وذلك قول رابع له.

ولسلار والكراجكي قول خامس أنها كفارة ظهار، وفيه أقوال اخر نادرة لامستند لها.

المسألة الخامسة: إن مما اختلف فيه كفارة خلف العهد،

فأصحاب القولالاول في النذر ألحقوه به، وقد تقدمت رواية علي بن جعفر (2) عن أخيه موسى عليه السلام عن قريب، وفيه (أنه سأله عن رجل عاهد الله في غير معصية ما عليه إن لم يعهد الله ؟ قال: يعتق رقبة أو يتصدق بصدقة أو يصوم شهرين متتابعين).

والظاهر أن المراد بالصدقة فيها إطعام ستين مسكينا لرواية أبي بصير (3) المتقدمة أيضا عن أحدهما عليهما السلام (أنه قال: من جعل عليه عهد الله وميثاقه في أمر فيه طاعة فحنث فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا).

ومثلهما رواية أحمد بن عيسى (4) في نوادره عن الجواد عليه السلام وقد تقدمت أيضا.

ولا يضر ضعف هذه الروايات في الاصطلاح الجديد لصحتها في القديم ولانها لامعاررض لها، والمفيد جعلها كفارة قتل الخطأ، ولم نقف على مستنده.

وللعلامة

(1) الكافي ج 7 ص 457 ح 17، الوسائل ج 15 ص 575 ب 23 ح 5.

(2) التهذيب ج 8 ص 309 ح 25، الوسائل ج 15 ص 576 ب 24 ح 1 وفيهما (ان لم يف يعهده).

(3) التهذيب ج 8 ص 315 ح 47، الوسائل ج 15 ص 576 ب 24 ح 2 وفيهما (فيأمر لله طاعة).

(4) الوسائل ج 16 ص 248 ب 25 ح 4.


310

اضطراب في واحد (1) من القواعد والارشاد، فأفتى في القواعد أولا بأن كفارة خلف العهد كبيرة مخيرة مطلقا، ثم أفتى في موضع آخر من باب الكفارات بأنها كفارة يمين مطلقا.

وفي الارشاد أفتى أولا بالتفضيل فيه كالنذر، فإن كان صوما فأفطره فكفارة رمضان، وإلا فكفارة يمين، ثم بعد ذلك أفتى بأنها كفارة يمين مطلقا.

ولا يخفى عليك أن الموجب للتفصيل في المنذور هو اختلاف الروايات للتوصل في الجمع بينها، وفي العهد مفقود بل إما أن نحكم فيه بالكبيرة المخيرة نظر إلى ما ذكرناه كاليمين في الاحكام ولاصالة البراءة من الزائد، إلا أن المعتمد على تلك الادلة في أنها كبيرة مخيرة.

وأما استدلال القول الاخر فيرجع إلى القياس ونحن لانقول به.

المسألة السادسة: إن ما يحصل فيها الامران - أعني التخيير والترتيب - كفارة اليمين كما دل عليه الكتاب، فيجتمع فيها التخيير والترتيب، والتخييرفي الخصال الثلاث.

والثاني - أعني الترتيب - في الصيام فإنه مرتب على العجز عن الثلاث السابقة، والحكم في هذه الكفارة محل وفاق بين المسلمين من حيث إنها منصوصة في القرآن وانعقد عليها الاجماع وتواترت الاخبار بها فلا محيص عنها.

المسألة السابعة: إن كفارة الجمع المتفق عليها إلا ما شذهي كفارة قتل المؤمن عمدا ظلما، وهي رقبة وإطعام ستين مسكينا وصوم شهرين متتابعين.

والمراد بالمؤمن هنا المسلم أو من بحكمه كولده الصغير والمجنون، ولا فرق فيه بين الذكر والانثى والحر والعبد، ويشترط كون القتل مباشرة لاتسبييا كما سيأتي بيانها في أحكام القتل.

(1) كذا في النسخة.


311

المسألة الثامنة: من حلف بالبراءة من الله ورسوله صلى الله عليه واله أو من الائمة عليهم السلام كان مأثوما وفعل محرما، واختلفوا في كفارته إلى أقوال: فقيل كفارة ظهار، وإليه ذهب الشيخان وجماعة، فإن عجز عنها فكفارةيمين، وهذا الذي نقله المحقق عنهم، وهي مترتبة على نفس الحلفق بالبراءة، وقد تقدمت الاخبار الدالة على ذلك في أحكام اليمين.

وقال ابن حمزة: تلزمه كفارة النذر.

وقال الصدوق - رحمه الله -: إنه يصوم ثلاثة أيام ويتصدق على عشرة مساكين.

وقد طعن على الجميع بالضعف في المستند، فلذلك عدل المحقق وجماعة إلى أنه يأثم ولا كفارة عليه، لكن قد روى محمد بن يحيى (1) في الصحيح (قال: ورسوله صلى الله عليه واله فحنث، ما توبته وما كفارته ؟ فوقع عليه السلام: يطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد ويستغفر الله عزوجل).

وبمضمونه أفتى العلامة في المختلف وتبعه عليه جماعة من متأحري المتأخرين.

ويدل على ما ذهب إليه الصدوق خبر عمرو بن حريث كما في التهذيب (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: سألته عن رجل قال: إن كلم ذا قرابة له فعليه المشي إلى بيت الله وكل ما يملكه في سبيل الله وهو برئ من دين محمد صلى الله وعليه واله، قال: يصوم ثلاثة أيام ويتصدق على عشرة مساكين).

لكن في تلك الصحيحة ترتب الكفارة على نفص الحنث لا على مجرد الحلفبها، وظاهر هذا الخبر ترتبها على نفس الحلف.

ويمكن حمل قوله في الصحيحة (فحنث) أي فأذنب بحلفه بالبراءة، فسمى نفس الحلف حنثا، فلا منافاة إذن بين الخبرين.

وهذا هو الذي يظهر من الفتوى من مثبتي الكفارة.

(1) الكافي ج 7 ص 461 ح 7، الوسائل ج 16 ص 152 ب 7 ح 3.

(2) التهذيب ج 8 ص 310 ح 30، الوسائل ج 16 ص 241 ب 17 ح 10.


312

وقال المحقق في نكت النهاية: الحق عندي أنه لا كفارة في شئ من ذلك لان ما ذكره الشيخان لم يثبت، وما تضمنته الرواية فلا تنهض المكاتبة بالحجة لما يتطرق إليها من الاحتمال.

وظاهر عبارات كما يقتضيه إطلاق الشيخ والقاضي والصدوق وجماعة، والمفيد قد صرح بترتبها على المخالفة، وكذا العلامة في المختلف اشتنادا إلى ظاهر تلك المكاتبة.

وقد قواه في المسالك وقوعا على ما خالف الاصل على مورد النص، وقد عرفت إمكان التأويل فيها بحمل الحنث على ما ذكرناه من فعل ما يوجب الذنب.

ويؤيده خبر عمرو بن حريث كما سمعته وإطلاق هؤلاء الجماعة، فالاحوط اعتبار التكفير بمجرد الحلف بالبراءة لانه من أعظم الذنوب.

المسألة التاسعية: إن من الكفارات المخيرة الكبرى كفارة جز المرأة شعرها في المصاب، وهو قول القاضي استنادا إلى رواية خالد بن سدير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: إذا خدشت المرأة وجهها أو جزت شعرها أو نتفته ففي جز الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا).

إذ المفهو من لفظة (في) الايجاب والوجوب، مثل: مثل في أربعين شاة شاة، وفي قتل النفس المؤمنة مائة من الابل لانها للسببية، وإنكار بعضهم إفادتها ذلك مردود.

وقد طعن على الرواية بضعف الطريق، فإن خالد بن سدير غير موثق، بل قال الصدوق: إن كتابه موضوع.

وقيل: تجب به كفارة الظهار، وهو مذهب سلار والحلبي، وأسنده في السرائر إلى رواية بعض الاصحاب، وهو مستند واه، فلذلك قال المحقق - رحمه الله - في الشرائع: إنه يأثم ولا كفارة تمسكا بالاصل واستضعافا للحكم الناقل عنه.

وقال: ثاني الشهيدين: إنه هو الاقوى، فيجب حمل الخبر على الاستحباب عندهم.

التهذيب ج 8 ص 325 ح 23، الوسائل ج 15 ص 583 ب 31 ح 1.


313

واعلم أن الكفارة على تقدير وجوبها مرتبة على جزه في المصاب، والمفهوم منه جز جميعه، وأنه مرتب على الجز وهو القص، فلا يلحق به النتف ولاالاحراق ولا القرض بالسن، واحتمل بعضهم قويا إلحاق الحلق، وكذا لا يلحق جزه في غير المصاب به على الاقوى، والاولوية ممنوعة لجواز اختصاص المصاب به لما فيه من إشعار السخط بقضاء الله وظاهر الرواية وقوع ذلك منها مباشرة، فلو امرت به ففي إلحاقه نظر للامر به فيكون كالمباشرة، والوقوف فيما خالف الاصل على موضع اليقين يقتضي العدم، ولو فعلت ذلك لحاجة سائغة فلا شئ اتفاقا، والاقوى تلقي الخبر بالقبول لايراد الخبر في كتب المشايخ المعتمدة مع عدم التعرض لرده، وقدح الصدوق في كتابه لم يثبت لتكثر النقل له من المحدثين حتى من الصدوق نفسه.

المسألة العاشرة: قد أوجب جماعة على المرأة في نتف شعرها في المصاب

وخدش وجهها وشق الرجل ثوبه في موت ولده أو زوجته كفارة يمين، ولم ينقل المحقق في ذلك خلافا، وكذلك العلامة في المختلف، مع أنه في الشرائع قد صدر المقصد بالمواضع المختلف فيها، وكأن الوجه في ذلك عدم ظهور مخالف في أكثرها مع ضعف المستند في الجميع فإن المستند فيها الرواية السابقة عن خالد بن سدير (1)بطريق محمد بن عيسى (قال: سألت الصادق عليه السلام عن رجل شق موسى بن عمران على أخيه هارون، ولا يشق الوالد على ولده ولا زوج على امرأته، وتشق المرأة على زوجها، وإذا شق زوج على امرأته أو والد على ولده فكفارته حنث يمين، ولا صلاة لهما حتى يكفرا أو يتوبا من ذلك - إلى أن قول: - وفي الخدش إذا ادميت وفي النتف كفارة حنث يمين، ولا شئ في اللطم على الخدود سوى الاستغفار

(1) التهذيب ج 8 ص 325 ح 23، الوسائل ج 16 ص 583 ب 31 ح 1.


314

والتوبة) الحديث.

وقدح فيها كثير من المتأخرين بضعف سندها، ولم يقدموا على المخالفة التامة مع أنها بمنزلتها في جز الشعر، فكان ينبغي أن يكون مع مواضع الخلاف.

والمراد من الشعر هنا هو شعر الرأس لانه المفهوم منه عرفا.

والمراد بخدش الوجه قطع شئ من جلده وإن لم يبلغ إلى اللحم، وفي الرواية المذكورة تقييد بكونه مدميا، والفتاوى مطلقة، بل صرح بعضهم بعدم اعتباره، وهو مطالب بالمستند، لعله اعتمده على ما يظهر من الاجماع لاعلى الفتوى مجردا، ولا يلحقبه اللطم من غير خدش غير الوجه من سائر الجسد، ولا يتعدى إلى الرجل.

كما أن حكم محرما على الجميع لما فيه من إضاعة المال، ويشمل الولد الذكر والانثى وإن نزل لا ولد الاثنى على الاظهر، ولا كفارة بشقه على غير هما من الاقارب مطلقا وإن حرم عند كثير من أصحابنا، وظاهر الرواية الجواز، ولا يختص الجواز بالاب والاخ، وتلحق ام الولد والسرية والزوجة.

نعم تدخل المتمتع بها والمطلقة رجعيا، والمعتبر مسمى الشق لمسمى الثوب.

الحادية عشرة: من نام عن صلاة العشاء الاخرة وتجاوز نصف الليل وجب عليه أن يصبح صائما كفارة عن ذلك النوم، ذهب إلى ذلك المرتضى مدعيا عليه الاجماع، وكذلك الشيخ في النهاية استنادا إلى مرسلة عبد الله ين المغيرة (1) عمن حدثه عن الصادق عليه السلام (في رجل نام عن العتمة ولم يقم إلا بعد انتصاف الليل فإنه يصليها ويصبح صائما).

وهذه الرواية كما ترى لا تنهض بالوجوب لارسالها، و الاجماع ممنوع لان الاكثر على عدم الوجوب إذ لا أمر، ولا يلزم من عطفه على الصلاة الواجبة وجوبه فالاصح الاستحباب، ولسقوط تلك الكفارة في تاقي الاخبار الواردة فيمن نام عن

(1) الكافي ج 3 ص 295 ح 11، الوسائل ج 3 ص 157 ب 29 ح 8.


315

العشاء إلى أن ينتصف أو يصبح.

الثانية عشرة: من تزوج امرأة في عدتها فارقها وكفر بخمسة أصوع من دقيق، وفي وجوبها خلاف، والاستحباب أشهر وأشبه، والقول بوجوبها للشيخ في النهاية ظاهرا ولابن حمزة صريحا وكذلك العلامة في القواعد والتحرير وولده في الشرح.

والمستند رواية أبي بصير (1) عن الصادق عليه السلام (قال: سألته عن امرأة تزوجها رجل فوجد لها زوجا، قال عليه الحد وعليها الرجم لانه قد تقدم بعلم وتقدمت هي بعلم، وكفارته إن لم يقدم إلى الامام أن يتصدق بخمسة أصوم دقيقا).

وروى الصدوق - رحمه الله - عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل تروج امرأة ولها زوج، فقال: إذا لم يرفع خبره إلى الامام فعليه أن يتصدق بخمسة أصوع دقيقا بعد أن فارقها).

والمفهوم من لفظ (عليه) الوجوب.

وهذان الخبران موردهما ذات البعل مع أنهم لم يذكروه فيها، فلا يتمما قالوه في توجيه الاستدلال من حمل المعتمدة على ذات البعل لتوقفه على الاولوية عندهم، لا لما قالوه من أن العدة الرجعية قريبه من ذات البعل.

وأما في اللباس فلعدم فرق بين العدتين، فالفرق قول الثالث، ولا يخفى عليك ضعف هذا الاستدلال، وعدم المانع من إحداث مثل هذا القول الثالث لمن يعتمد مثل هذه الرواية لان قول المعصوم ليس بمتحقق في أحد القولين، ويجوز كونه قائلا بخلاف قولهما كما لا يخفى على المنصف، والقدح في الرواية بالضعف لاشتراك أبي بصير بين جماعة منهم الثقة والضعيف، وفي طريقها أيضا إسماعيل بن مرار وحاله مجهول ليس في محله لما عرفت غير مرة من أن الاعتماد على لقرائن ومن أقواها عمل الطائفة بها وعدم العثور على معارض، لكن فرض المسألة في المعتدة

(1) الكافي ج 7 ص 193 ح 3، الوسائل ج 18 ص 397 ب 27 ح 5 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الفقيه ج 3 ص 301 ح 23 وفيه (هذا بعد أن يفارقها).


316

دون المزوجة مع كونها مورد الدليل ليس بجيد، وإن تم الحمل فلا وجه لجعل الفرع أصلا.

ومن ثم أنكر ابن إدريس الوجوب وكذا المحقق عملا بالاصل وهوأقوى.

نعم لا بأس بالاستحباب لما ذكرناه وجعل محله المزوجة مع أن الرواية لم تقع بصيغة الامر حتى يحمل على الوجوب.

وبالجملة: فكلامهم في هذه المسألة بعيد القبول والالتئام مختل النظام لا يرتكب إلا ببعد من الجمع بمراحل، فقصر الحكم على المزوجة وجعل الوجوب احتياطا، لان صيغة الماضي هنا معناها الامر كما وقع كثيرا في الاخبار قوي جدا وإن كان لا قائل به.

المقصد الثاني في خصال الكفارات سواء كانت معينة أو مخيرة أو مرتية أو مركبة منهما وهي العتق والاطعام والصيام، وهذا هو الغالب فيهما.

وأما الكسوة فإنها وإن كانت من خصال الكفارة إلا أنها مختصة بكفارة اليمين، وقد جرت عادتهم بإدراجها في بحث الاطعام وفيه مسائل:

المسألة الاولى: في العتق،

ويتعين على الواجد في الكفارات المرتبة ككفارة الظهار، ويتحقق الوجدان بملك الرقبة أو ملك الثمن مع إمكانالابتياع، فيكون حكم الشارع على من وجب عليه الكفارة بالعتق مرتبا على وجودها بالفعل أو بالقوة كما ينبه عليه قوله تعالى بعد قوله: فتحرير رقبة (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) إذا الوجدان أعم من الملك لانه بشتمل لغة وعرفا من لا يملك الرقبة ولكنه يقدر على شرائها بما يملكه من الثمن فاضلا عن المستثنيات كما يعتبر فيها مع وجودها على ملكه أن تكون فاضلة عنه، وسيأتي تفصيل


317

إن شاء الله تعالى.

المسألة التانية: يعتبر في المملوك الذي يعتق في كفارة القتل الايمان،

وقد اتفق عليه العلماء قاطبة لقوله تعالى في كفارة قتل الخطأ (فتحرير رقبة مؤمنة).

واختلفوا في اشتراطه في باقي الكفارات حيث يجب فيها العتق، فالاكثر على الاشتراط حملا للمطلق على المقيد وإن اختلف السبب على ما ذهب إليه جم من الاصوليين.

ولرواية سيف بن عميرة (1) عن الصادق عليه السلام (قال: سألته أيجوز للمسلم أن يعتق مملوكان مشركا ؟ قال: لا).

ولقوله تعالى (ولاتيموا الخبيث منه تنفقون) (2) والكافر خبيث، والكفارة إنفاق، والنهي يدل على الفساد.

ولان الذمة مشغولة بالعتق يقينا، وبدون المؤمن (لا يخرج) عن عهدة التكليف يقينا، فلا يجزي فيرفع ما وجب باليقين إلا اليقين.

والمراد بالايمان هنا الاسلام أو ما في حكمه، ويستوي في الاجزاء الذكر والانثى والصغير والكبير، والطفل في حكم المسلم إذا كان أبواه مسلمين أو أحدهما ولو حين الولادة، لكن في الروايات الكثيرة المعتبرة: لا يجوز في القتل خاصة إلا البالغ المكلف.

ومن هنا طعن في دليل المشهور المتقدم من اعتبار الايمان بوجوه: أما الاول: فلان الجمع بين المطلق والمقيد إنما يجب حيث يحصل التنافي بينهما، وذلك مع اتحاد السبب لامع اختلافه، إذ لا منافاة بين أن يقول الشارع.

اعتق رقبة مؤمنة في الكفارة القتل ولا يجزي الكافرة، وبين قوله في كفارة الظهار ونحوها: تجزي الكافرة.

والقول بوجوب حمل المطلق على المقيد مع اختلاف السبب قد تبين عفه في الاصول، وهؤلاء المحقون (3) القائلون باشتراط الايمان

(1) التهذيب ج 8 ص 218 ح 15، الوسائل ج 16 ص 24 ب 17 ح 5.

(2) البقرة - آية 267.

(3) كذا في النسخة، ولعل الصحيح (المحققون


318

مطلقا لا يقولون بذلك القول وإنما مشوا فيه هنا مع قائله.

وأما خبر سيف - وهو الثاني من الادلة - فضعيف السند وأخض من المدعى لان مورده عدم جواز عتق المشرك مطلقا، وليس الكلام في الكفارات.

وأما النهي عن انفاق الخبيث - وهو الثالث من الادلة - فالظاهر منه وهو الذي صرح به المفسرون ودلت عليه الاخبار أنه الردي من المال يعطي الفقير في الزكاة والصدقة أو ما كان حراما عند الشارع، وربما كانت المالية في الكافر إذا عليه الانفاق لغة ولا عرفا.

وأما شغل الذمة بالعتق - وهو الرابع من الادلة - فيحصل الفراغ منه بامتثال ما أمر به الشارع، فإذا أمر به الشارع، فإذا أمر بتحرير رقبة وأطلق برئت الذمة بامتثال الامر كذلك، ولا يراد من الخروج من العهدة بعد التكليف في هذا وغيره إلا ذلك.

نعم يتوجه للقائلين به إذا كانوا أصحاب قياس أن يقيسوا الكفارة على اشتراط العدالة في الشاهدين مطلقا لقوله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم) (1) مع ورودها في الطلاق مع إطلاق قوله (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) (2) وقوله تعالى (وأشهدواإذا تبايعتم) (3) ومثل لا يجري عند أصحابنا.

ومن هنا ذهب أصحابنا - منهم الشيخ في المبسوط والخلاف وابن الجنيد - إلى عدم اشتراط الايمان في غير كفارة القتل للاصل وعملا بالاطلاق.

إذا تقرر ذلك فالمراد بالايمان هنا - كما سمعت - الاسلام وهو الاقرار بالشهادتين، ولا معناه الخاص وهو التصديق القلبي بهما لان ذلك لا يمكن الاطلاع عليه وإنما التكليف متعلق بإظهار الشهادتين، ولا معناه الاخص إعني اعتقاد إمامة الائمة الاثني عشر لان ذلك أمر متأخر عن الايمان المعتبر في الكفارة واصطلاح

(1) سورة الطلاق - آية 2.

(2) و (3) سورة البقرة - آية 782.


319

خاص، والاصل عدم اشتراطه إلى غيره.

وربما قيل - وهو الاقوى - باشتراط الايمان الخاص لان الاسلام لا يتحقق بدونه.

وتدل عليه الاخبار الدالة على المنع من عتق الناصب في الكفارات وغيرها، وخصوص حسنة معمر بن يحيى (1) عن الصادق عليه السلام (قال: سألته عن الرجليظاهر من امرأته يجوز عتق المولود في الكفارة ؟ فقال: كل العتق يجوز فيه المولود إلا كفارة القتل فإن الله تعالى يقول: (فتحرير رقبة مؤمنة) يعني بذلك مقرة قد بلغت الحنث).

وصحيحة محمد بن مسلم (2) عن أحدهما عليهما السلام (في حديث الظهار قال: والرقبة يجزئ عنه صبي ممن ولد في الاسلام).

وفي رواية الحلبي (3) عن أبي عبد الله عليه السلام (في قول الله عزوجل (فتحرير رقبة مؤمنة) قال: يعني مقرة بالامامة).

وفي قرب الاسناد (4) عن علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السلام (قال: سألته عن الظهار هل يجوز فيه عتق رقبة صبي ؟ فقال: إذا كان مولودا ولد في الاسلام أجزأه).

ومرسلة حسين بن سعيد (5) أو مستفيضته عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله وعليه واله: كل العتق يجوز المولود إلا في كفارة القتل فإن الله تعالى يقول (فتحرير رقبه مؤمنة) يعني مقرة بلغت الحنث، ويجزي في الظهار صبي ممن ولد في الاسلام).

(1) الكافي ج 7 ص 462 ح 15، الوسائل ج 15 ص 556 ب 7 ح 6.

(2) لم نعثر على الرواية بهذا السند بل في الكافي ج 6 ص 158 ح 22 (عن معاوية ابن وهب قال: سألت أبا عبد الله)، وكذلك في الوسائل ج 15 ص 549 ب 1 ح 3.

(3) التهذيب ج 8 ص 249 ح 134، الوسائل ج 15 ص 556 ب 7 ح 5.

(4) قرب الاسناد ص 111، الوسائل ج 15 ص 557 ب 7 ح 9.

(5) التهذيب ج 8 ص 320 ح 3، الوسائل ج 15 ص 556 ب 7 ح 6


320

وفي هذه الاخبار دلالة كما ترى على أن سائر الكفارات لا يكفي (1) فيها الاسلام بالتبعية بخلاف القتل، فلابد من الايمان بالاصالة وهو ما تحقق معه التكليف والبلوغ.

والذي يدل على تحقق الاسلام بالتبعية لابويه أو أحدهما أنه يقتل به المسلم، ولا فرق في تبعيته لهما بين كونهما حين يولد وبعده، ولابين موته قبل أن يبلغ ويعرب عن الاسلام وبعده عندنا.

وللعامة في هذا المقام اختلاف، وقد عمل الاسكافي بما قلناه من اشتراطالبلوغ والايمان في كفارة القتل، وهو قول متعين لهذه الاخبار المذكورة.

وبهذا يظهر لك ما في المسالك بعد نقله لكلام الاسكافي حيث قال: وهو قول موجه.

إلا أن المختار الاول للحوق أحكام الايمان به وحصول الارتداد بعد البلوغ ولو لم يسبق تلفظه بالشهادة بعد البلوغ فيكون حقيقة، ولقوله تعالى (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنابهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ) (2) بمعنى ألحقنا بهم ذرياتهم في الايمان، فدل على أنهم مؤمنون ولدخوله في الوصية للمؤمنين.

ولولا الحقيقة لما دخل من القصور لان هذه الادلة لا تخلو من شئ كما اعترف به، ولانها على تقدير تمامها لا تعارض تلك الروايات الدالة على اشتراط البلوغ بالفعل مجامعا للايمان.

نعم لا يجري الحمل وإن كان أبواه مسلمين وإن كان بحكم المسلم.

ولا يكفي في ذلك لو انفصل حيا، فلا يجزي فيه العتق إلا بعد الولادة لان الحمل لا تلحقه أحكام الاحياء شرعا ومن ثم لا تجب فطرته.

ويصح إسلام الاخرس بالاشارة المفهمة كما تصح عقوده بها، فإذا كان أبواه كافرين فأسلم بالاشارة المفهمة حكم بإسلامه وأجزأ عتقه.

(1) كذا في النسخة، والظاهر زيادة (لا).

(2) سورة الطور - آية 21.


321

وفي حكمه الاعجمي الذي لا يفهم اللغة العربية،

قد روي (1) (أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه واله ومعه جاريته أعجمية أو خرساء، فقال: يا رسول الله علي صلى الله وعليه واله لها: من أنا ؟ فأشارت إلى أنه رسول الله، فقال له: أين الله ؟ فأشارت، ثم قال صلى الله وعليه واله لها: من أنا ؟ فأشارت إلى أنه رسول الله، فقال له: اعتقها فإنها مؤمنة).

وإنما جعلت الاشارة إلى السماء دليلا على إيمانها لانهم كانوا عبدة الاصنام، وفأفهمت بالاشارة البراءة منها لان الله الذي في السماء ليس هو الاصنام، ولا يراد بكونه فيها التخيير بل على حد قوله (وهو الذي في السماء إله) (2).

ولا يفتقر الاخرس مع إسلامه بالاشارة المفهمة إلى فعله الصلاة لانها فرع الاسلام والمعتبر ثبوت أصله، ولما ذكرناه من الادلة.

وخالف بعض العامة فاعتبر في إسلامه الصلاة بعد إشارة المذكورة محتجا بأن الاشارة غير صريحة في الغرض فتؤكد بالصلاة، وحمله بعضهم على ما إذا لمتكن الاشارة مفهمة.

ويعتبر في اتصافه بالاسلام أن يشهد الشهادتين لاكتفاء النبي صلى الله عليه واله في الصدر الاول، ولا

يحكم بإسلام المسبي من أطفال الكفار

بتبعية السابي، سواء كان معه أبواه الكافران أم لا، كما هو المشهور بين الاصحاب - سيما المتأخرين - لعدم دليل للحكم على التعيين، وثبوت كفره قبل الانفراد عنهما، فيستصحب.

وأما الخبر النبوي (3) المروي من الفريقين من قوله صلى الله وعليه واله (كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه) لا يدل على الحكم بإسلامه على تقدير انفراده لانه قد حكم عليه بالكفر قبل الانفراد، ولا دليل على زوال ذلك ومجرد ولادته على الفطرة لو سلم كون المراد بها الاسلام المحض، فقد تحقق

(1) كنز العرفان ج 1 ص 333 ح 29687 وفيه اختلاف.

(2) سورة الزخرف - آية 84.

(3) الجامع الصغير ج 2 ص 94، عوالي اللئالى ج 1 ص 35 ح 18 وفيهما اختلاف يسير


322

زوله بتبعية الابوين، وليست التبعية بعلة (1) في رجل وجودها خاصة، بدليلأنهما لو ماتا على تلك الحال لم نحكم بإسلامه إجماعا وإن كان في دار الاسلام.

وقال في المبسوط بتبعيته السابي في الاشلام محتجا بأن هذا الطفل لاحكم له بنفسه، وليس هاهنا غير للسابي فيحكم بإسلامه، فكما حكم بانتقاله بذلك من الحرية إلى الرقية.

واختار هذا القول في الدروس.

وللاصحاب هنا قول ثالث أنه يتبعه في الطهارة لا غير لمكان الحرج، وتظهر ثمرة هذا الخلاف في جواز عتقه في الكفارة إن اعتبرنا الاسلام، وفي لحوق أحكام المسلمين به من الصلاة عليه ودفنه على تقدير موته قبل البلوغ.

وفي اشتراط إعرابه بالاسلام بعد البلوغ بغير

فصل

إن لم نحكم بإسلامه بالتبعية.

والاقوى الحكم بطهارته وبقاء الشك في غيرها لمباشرة الناس له في أزمانهم عليهم السلام ولئلا يلزم الحرج.

ولو أسلم المراهق للبلوغ لم نحكم بإسلامه على الاشهر، وتردد فيه المحقق وهل يفرق بينه وبين أبويه على تقدير الاسلام ؟ قيل: نعم صوما له أن يستزلاه عن عزمه وإن كان بحكم الكافر.

ووجه التردد من المحقق ارتفاع القلم عنه الموجب لسلب عباداته وتصرفاته التي من جملتها الاسلام، ومن تمام عقد المميزواعتبار الشارع له في مثل الوصية والصدقة، فاعتباره في الاسلام أولى، ولان مع عدم إيمان أبوية أولى وأقوى، والوجه عدم الحكم بإسلامه الحقيقي لذلك، فالقول بالتفرقة بينهو بين أبويه حذرا أن يستزلاه عما عزم عليه من الاسلام حسن.

المسألة الثالثة: يشترط في العتق السلامة من العيوب الموجبة للعتق،

فلا يجزي الاعمى ولا الاجذم ولا المقعد ولا المتكل به لتحقق العتق بحصول هذه

(1) كذا في النسخة.


323

الاسباب كما تقدم في العتق، بخلاف غيرها من العيوب، فإنه لا خلاف في كونه مجزيا وإن أوجب نقص المالية، هكذا في المشهور، وقد نقل عليه الاجماع لعدم الاعتداد بخلاف البعض كابن الجنيد حيث قال: لا يجزي الناقص في خلقه ببطلان الجارية إذا لم يكن في البدن سواها كالخصمي والاصم والاخرس، فإن كان أشل من يد واحدة وأقطع منها جاز، وقد تقدمت الاخبار الدالة على ذلك مفصلة.

واختلفوا في جواز عتق ولد الزنا وعدمه، فمنعه قوم استنادا إلى وصفه بالكفر بالاصالة لانه الاصل فيه، وقد تقدمت الاخبار كثيرة شاهدة بكفرة، وأخباركثيرة معارضة لها، وقد جمعنا بينها بما لم يسبقنا إليه سابق من حمل الاخبار الكفر كثيرة معارضة لها، وقد جمعنا بينها بما لم يسبقنا إليه سابق من حمل الاخبار الكفر هو الاصل فيه، إلا أن يظهر الايمان فتجري عليه أحكامه بحسب الظاهر، وإن كان في نفس الامر لايدخل الجنة فإيمانه مستودع، فما اشتهر بين الاصحاب من أن ولد الزنا كغيره من المتكلفين بالنسبة إلى الاسلام والايمان، فإذا بلغ وأعرب عن نفسه فهو مسلم، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق.

فالمراد منه ما قلناه لانه ما دام صغيرا فلا ينسب إلى الاسلام وإن تولد من مسلمين الانتفاء شرط التبعية، فلا يجزي عتقه بالاجماع لان إسلامه متوقف على بلوغه ورشده وإظهاره لتلك العقائد، لكنه محكوم بطهارته على الاصح لتولده من مسلمين.

ولو كان متولدا من كافرين ففي الحكم بنجاسته إشكال: من عدم إلحاقه بهما حتى يتبعهما في النجاسة، ومن أنه من أجزائهما لغة وإن انتفى شرعا.

ويقوى الاشكال لو تولد من مسلم وكافر، ويمكن القول بعدم إجزائه في العتق لخصوص الدليل وإن حكم بإسلامه، كما وجب رد شهادته وعدم جواز إمامته في الجماعة، ولكن روى سعيد بن يسار (1) عن الصادق عليه السلام (أنه قال:لا بأس بأن يعتق ولد الزنا).

وهو شامل للكفارة وغيرها، وهذا يستلزم حمل الاخبار

(1) الكافي ج 6 ص 182 ح 2، الوسائل ج 16 ص 22 ب 16 ح 1.


324

المانعة من عتقه على الكراهة، أو تخصيص هذا الفرد بما لو ثبت إيمانه، ويمكن حمله على التقية أيضا.

وفي صحيحة عمار بن مروان كما في الكافي والتهذيب (1) (قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: أن أبي أوصى بنسمة مؤمنة عارفة، فلما أعتقناه بان لنا أنه لغير رشده، فقال: قد أجزات عنه، إنما مثل ذلك رجل اشترى اضحية على أنها سمينة فوجدها مهزولة فقد أجزأت).

وممن ذهب إليه المنع السيد المرتضى والصدوق - رحمهما الله - محتجا عليه السيد بإجماع الفرقة وبقوله تعالى (ولا تيموا الخبيث منه تنفقون) (2) وقلبهما الاسكافي محتجا بالاية أيضا.

واجيب بمنع الاجماع لان الاشهر جوازه ومنع دلالة الاية كما قدمناه لعدم دخول العتق في الانفاق، فالاقوى ما قدمناه من إجزاء أحكام الايمان علىولد الزنا بعد إظهاره له عتقا وغيره.

ومن شروطه أيضا على خلاف فيه، أن يكون تام الملك، فلا يجزي المدبر ما لم ينقص تدبيره، كما عليه الشيخ في النهاية وتلميذه القاضي ابن البراج وقبلها الاسكافي لحسنة الحلبي (3) بل صحيحته عن الصادق عليه السلام (في رجل يجعل العتق إن حدث به حدث وعلى الرجل تحرير رقبة في كفارة يمين أو ظهار، أيجزي عنه أن يعتق عبده ذلك في تلك الرقبة الواجبة ؟ قال: لا).

ومثلها موثقة عبد الرحمن (4).

وذهب الشيخ - رحمه الله - في كتابي الفروغ والحلي والمتأخررن من علمائنا

(1) الكافي ج 7 ص 62 ح 17، التهذيب ج 9 ص 236 ح 13، الوسائل ج 13 ص 481 ب 95 ح 2.

(2) سورة البقرة - آية 267.

(3) التهذيب ج 8 ص 25 ح 56، الوسائل ج 15 ص 558 ب 9 ح 2 وفيهما (أيجزى عنه أن).

(4) التهذيب ج 8 ص 265 ح 30، الوسائل ج 16 ص 97 ب 12 ح 1.


325

إلى الاجزاء، ويكون عتقه فسخا للتدبير لانه بمنزلة الوصية، فيبطلها التصرف الناقل عن الملك ويقع صحيحا كما مر في بابه، وهذا هو الاشهر بينهم، وحملت الروايتان على من جعل ذلك بوجه لازم ويحملان على الكراهة.

وفيهما نظر لصراحة هاتين الروايتين وعدم قبولهما لهذين الحملين لتوقفهما على وجود المعارض، وليس فليس، فلا يمكن حملها على ما ورد في رواية الكرخي (1) حيث قال: (قلت لابي عبد الله عليه السلام: إن هشام بن رزين سألني أن أسالك عن رجل جعل لعبده العتق إن حدث بسيده حادث الموت وعليه تحرير رقبة واجبة في كفارة، أيجزي عن الميت عتق الذي كان السيد جعل العتق بعد موته في تحرير الرقبة التي كانت على اليمت ؟ فقال: لا) لانها صريحة في انعتاق العبد بالتدبير المجرد بموته، فكيف يجزي عما وجب عليه من جهة الكفارة ؟ بخلاف هاتين الروايتين، فإنهما صريحتان في عتق المدبر وهو حي، وقد نفى الاجزاء.

نعم يمكن أن يقرأ الفعل فيهما (يعتق) مبنيا للمجهول ويكون المعتق هو الوصي، فذلك لا يجزي قطعا، فيتحد مدلول فيهما أن العتق بغير رجوع عن التدبير لا يجوز، فيرجع إلى كلام الشيخ في النهاية ومن قال بمقالته.

وكذا اختلفوا في المكاتب المطلق إذا لم يؤد شيئا أو كان مشروطا، فقال الشيخ في الخلاف: لا يجزي.

ولعله نظر إلى نقصان الرق بتحقق الكتابة، وظاهر كلامه في النهاية أنه يجزي، وجعله المحقق أشبه لتحقق الرق، ويمكن توجيه عدم الاجزاء بأن الكتابة معاملة بين السيد والمملوك، وهي لازمة من قبل السيد كما تقدم، وقد خرج بها من عن الملك خروجا متزلزلا حتى قيل: إنها بيع للعبد من نفسه، والاصل لزوم العقود كما ف 0 الايه لوجوب الوفاء به، والعتق

(هامش

) (1) التهذيب ج 8 ص 231 ح 70 وفيه (هشام بن اذينة)، الكافي ج 6 ص 194 ح 3، الوسائل ج 15 ص 558 ب 9 ح 1 وفيهما (هشام بن ادين).


326

يستلزم الملك، وبقاؤه في المكاتب غير معلوم، ومن ثم لا تجب فطرته ولا نفقته، فانتفت عنه لوازم الملك من المنع من التصرف وغيره وإن نهاه السيد، والحجر عليه في بعض التصرفات مراعاة الدين لا يقتضي بقاؤه في الرق، وعوده إليه على تقدير المعجز أمر متجدد، وقد بينا أن خروجه غير مستقر، فالقول بعدم الجواز متوجه بذلك.

ويمكن أن يوجه الجواز بأن تعجيل عتقه محض الاحسان إليه وتحريره المحض متوقف على أداء المال، فهو متردد بين الامرين، ولا يرد أن الامر منحصر في الرقية أو الحرية لان المدعى وجود الحرية المتزلرلة فيه، وفيها معنى الرقية من وجه والحرية من آخر، وهي إلى الاول أقرب.

وبالجملة: فالحكم موضع تردد إن لم نرحج جانب المنع، وقد مال إليه في المختلف، والاقوى صحة عتقه ما لم يتحرر منه شئ استصحابا لحكم الرقية إلى أن يثبت المزيل، ولا ثبوت قبل أن يؤدي المطلق شيئا من مال الكتابة، أو أنه مشروط بحكم الرق فيستصحب، وللاتفاق على جواز التبرع بعتقه وذلك دليل على بقاء الرقية، وكونها بيعا للمملوك من نفسه غير صحيح عندنا كما بيناه فيما سبق، وكذا اختلفوا في جواز عتق الابق إذا لم يعلم موته، والمشهور الجواز لاصالة بقائه حيا، ومن ثم وجبت فطرته، فيستصحب حكم الرق إلى أن ينقطع خبره ويمضي عليه مدة لا يعيش إليها عادة.

وتدل عليه رواية أبي هاشم الجعفري (1) الحسنة (قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل قد أبق منه مملوكه بجوزأن يعتقه في كفارة الظهار ؟ قال: لا بأسبه ما لم يعرف منه موتا).

(1) الكافي ج 6 ص 199 ح 3، الوسائل ج 16 ص 62 ب 48 ح 1.


327

واستوجه في المختلف الرجوع فيه إلى الظن فيصح عتقه مع ظن حياته ويبطل مع ظن وفاته ومع اشتباه الحال.

وأما المنع من عتقه مطلقا فليس من مذهبنا وإنما هو لبعض الشافعية، وخصة بالكفارة لنقصان الملك، وهو ممنوع.

والمغصوب كالابق.

وفي خبر أحمد بن هلال (1) (قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام: كان علي عتق رقبة فهرب لي مملوك لست أعلم أين هو، يجزيني عتقه ؟ فكتب عليه السلام: نعم).

ومما اختلف فيه أيضا عتق ام الولد، إلا أن المشهور بين الاصحاب جواز عتقها في الكفارة كما يجوز عتقها تبرعا لبقاء الملك وإن امتنع بيعها على بعض الوجوه، فإن عدم جواز البيع لا يقتضي زوال الملك ولجواز بيعها على بعض الوجوه.

وفي الخبر (2) عن زيد العابدين عليه السلام (أن ام الولد تجزي في الظهار).

وقد نسب المنع لبعض الاصحاب ولم نعرف قائله، وهو مذهب العامة إيضالنقصان الرق باستحقاقها العتق لجهة الاستيلاد، وهو ممنوع، فإنها إنما تستحفق العتق بعد الموت لا مطلقا، والثابت في حياة المولى إنما هو المنع من التصرف مما يوجب نقل الملك مع أن تنجير العتق إحسان محض وتعجيل لما سيثبت وفيما بعد هذا أعتقها المولى عن كفارته، أما عتقاعن كفارة غيره إما بأن يبيعها لتعتق عن الكفارة أو بمجرد أمر من عليه الكفارة للمالك بالعتق عنه، ففي الصحة هنا إشكال من حيث نقلها عن ملك المولى حقيقة.

أو ضمنا وهو ممتنع، وفيه وجه بالجواز من حيث استلزمه تعجيل العتق.

السمألة الرابعة: فيما لو أعتق نصفين من عبدين مشتركين لم يجز لانه لا يسمى بعتق الرقبة لعدم تحققها بذلك، إذا لمأمور به آية ورواية في الكفارات إنما هو تحرير رقبة وهي حقيقه في الواحدة الكاملة.

(1) الفقيه ج 3 ص 85 ح 12، الوسائل ج 16 ص 63 ب 48 ح 2.

(2) التهذيب ج 8 ص 319 ح 1، الوسائل ج 15 ص 577 ب 26 ح


328

وخالف بعض العامة تنزيلا للاشقاص منزلة الاشخاص، ولذلك تجب الزكاةعلى ملك نصف ثمانين شاة.

ولهم قول آخر: إن باقي العبدين إن كان حرا أجزأ وإلا فلا، والفرق عندهم أنه إذا كان الباقي حرا أفاد الاعتاق التخلص من الرق وهو مقصود مع الاعتقاق.

وكذا القول فيمن أعتق ثلثا من واحد وثلثين من آخر وهكذا.

وأما

لو أعتق شقصا من عبد مشترك

وقلنا بالسراية ابتداء فقدانعتق أجمع، فإن نو الكفارة وهو مؤسر أجزأه إن قلنا إنه ينعتق بنفس إعتاق الشقص، وإن قلنا: إنه لا ينعتق إلا بأداء قيمة الشريك فقد اختلف في أنه هل يجزي عند أدائها حيث إنه صار كاشفا عن حصول العتق من وقت اللفظ أم لا ؟ المشهور عند الاصحاب عتقه إعتاق نصيبه وقد نويت به الكفارة، فالعتق في الباقي يتبع العتق في نصيبه، فكما بعه في أصل العتق جاز أن يتبعه في الوقوع عن الكفارة، ولا فرق في الاجزاء على هذا التقدير بين أن يوجه العتق على جميع العبد وبين أن يوجهه على نصيبه خاصة لحصول عتق الجميع بالسراية في الحالين.

ويحتمل قويا - كما ذكره في المسالك - اشتراط نية العتق لجميعه لكونه مأمورا بإعتاق رقبة بالنية، فلا يكفي نصيبه وإن تبعه الباقي لحكم الشارعلانه خبر مقصود له ابتداء وذلك غير كاف في صرفه إلى الكفارة.

هذا إذا قلنا بالسراية عند اللفظ أو به وأداء القيمة.

وإن قلنا: إن العتق إنما يحصل بأداء القيمة ففي الاجزاء قولان، وقد تردد المحقق في ذلك، لتحقق عتق الرقبة التي هي مقصود الشارع.

ومن منع كون المقصود عتقها بل عن الكفارة، وعتق الباقي إنما يحصل بسبب بذل العوض لا بسبب الكفارة.

وعلى تقدير الاجزاء فهل يكفي النية الاولى لنصيب الشريك أم يحتاج إلى تجديد النية عند الاداء ؟ قولان:


329

أحدهما: للمبسوط وهو أنه يكفي نيته عند اللفظ لان النية اقترنت بالعتق، إلا أن العتق حصل على الترتيب والتدريج.

والثاني: أنه لابد من التجديد لتقترن النية بعتق نصيبه، ولو نوى في الحال صرف العتق في نصيبه إلى الكفارة ونو ى عند القيمة صرف نصيب الشريك إليها أجزأه أيضا لاقتران النية بحال حصول العتق، هذا كله مع اليسار.

أما مع الاعسار فإن عتقه يوجد في نصيبه ولا يسري إلى نصيب شريكه،فإن ملك بعد ذلك مالا وأيسر لم ينفذ عتقه فيه لان الرق قد استقر فيه للشريك فلا يتأتى إزالته بعد استقراره، لكن إن ملكه وأعتقه ابتداء أجزأ لان عتق الرقبة قد حصل وإن كان متفرقا.

ومنع الاسكافي من أجزاء هذا العتق عن الكفارة لان عتق السراية قد حصل بغير قصد، ويصدق أن يقال: ما أعتق جميع العبد وإنما أعتق نصيبه وعتق عليه الباقي بحكم الشرع.

وهذا وإن كان قولا وجيها إلا أن الاشهر الاجزاء، والنصوص خالية عن ذلك فيما وصل إلينا، فتردد المحقق - رحمه الله - في محله.

المسألة الخامسة: لو أعتق عنه معتق بأمره

صح ولم يكن له عوض لانه متبرع إلا أن ينص حال الامر بعتقه عنه على العوض، مثل أن يقول: (اعتق) عبدك عن كفارتي ولك علي عشرة دنانير، وفي الموضعين يقع الاجزاء عن الكفارة.

ووجهه أن المعتق كالنائب عن الامر على التقديرين وكالو كيل عنه في الاعتاق، فيكون الامر كأنه المعتق للرقبة عن الكفارة فيدخل في عموم قوله فتحرير رقبة ولا مانع من ذلك إلا عدم كونه مالكا لها في تلك الحال، لكن قد تقرر فيما سبق في العتق أن الملك ينتقل إليه ليصح العتق.

وبه الخبر المرسلالموجود في الكتب الاستدلالية، وقد نقله ابن أبي جمهور الاحسائي في عوالي اللئالى، هذا إذا أمره بذلك.

أما

لو تبرع عنه من غير سؤال

فالشيخ في المبسوط حكم بصحة العتق م


330

المعتق دون أعتق عنه، سواء كان المعتق عنه حيا أو ميتا إن يكن المعتق وارثا، فإن كان ذلك صح عتقه عن الميت وإن لم يكن من مال الميت، وقد جاء في أخبار كثيرة ذكرناها في أحكام القضاء عن الميت، لكن في كثير منها إطلاقا وشمولا للمتبرع الاجنبي، وهم حملوها على الولي.

وإنما فرق بين الاجنبي في جهات القضاء، وقائم مقامه في قبول قوله فيه وفي تخيير الوصية المبهمة والمطلقة على وجه مع تكليفه مما عليه من الصلاة والصوم بخلاف الاجنبي.

ولا يخفى عليك أن هذه الوجوه الفارقة خارجة عن موضع الفرض، ولا يقتضي عموم الولاية لان الفرض كونه غير وصي.

ومن ثم قال المحقق - رحمه الله -: إن الوجه التسوية بين الاجنبي والوارث جوازا ومنعا لان التبرع حاصل في كل واحد منها لما ذكرناه من الفرض منكونه غير وصي، وكونه قائما مقامه في بعض الاحكام لا يستلزم قيامه مقامه في غيره، وحينئذ فإما أن نمنع من الاجزاء فيهما نظرا إلى وقوع العتق من غير مالك ولا من هو في حكمه كالوكيل والمأمور لانه لاعتق إلا في مالك كما هو مجمع عليه فتوى ورواية، أو صحته فيهما، التفاتا إلى أن المتبرع نوى العتق عن ذي الكفارة، فيقع عنه لعموم قوله صلى الله وعليه واله (إنما الاعمال بالبينات) (1).

ولانه لو لم يقع عنه لما وقع أصلا، أما عن المعتق فلعدم نيته له عن نفسه ولا عمل إلا بنية، وأما عن الاخر فلانه الفرض ولانه جار مجرى قضاء الدين الجائز تبرعا من الاجنبي والوارث، ودين الله أحق أن يقضى، وتوقف العتق على ملك مدفوع بالملك الضمني كما قيل به مع السؤال.

والمحقق في الشرائع لم يرجح أحد الامرين وإنما منع الفرق، والاقوى الاجزاء عن الميت مطلقا لدلالة تلك الاخبار الكثيرة.

أما عن الحي ففيه نظر وإشكال وإن كان الوقوع لا يخلو من قوة لما

(1) عوالي اللئالى ج 1 ص 81 ح 3.


331

ثبت في الدين.

أما إذا قال: اعتق عبدك عني فأجابه في الحال بقوله: أعتقت عنك فقدوقع الاتفاق من الاصحاب على الاجزاء.

ولكن اختلفوا في أنه متى ينتقل ؟ إلى أقوال: أحدها: إن الملك يحصل عقيب الفراغ من لفظ الاعتاق على الاتصال 7 وفيه أنه يستلزم تأخر العتق عن الاعتاق بقدر ما يتوسطهما الملك، واعتذر عنهم بأن تأخر الاعتاق عن العتق بسبب أنه أعتق عن الغير، ومثله واقع في قوله (أعتقت عبدي عنك بكذا) فإن عتقه يتوقف على قبول المعتق عنه، ويلزم منه تأخر العتق عن الاعتاق.

المحقق - رحمه الله - نسب هذا القول إلى التحكم البحث لان الدليل الدال على صحة هذا العتق إن سلم دلالته على انتقاء الملك فليس فيه توقيت له، فتخصيصه بهذا الوقت تحكم.

وثانيها: أنه يحصل الملك بشروعه في لفظ الاعتاق، ويعتق إذا تم اللفظ بمجموع الصيغة، فالجزء عله للعتق وهو ملك الامر، والكل سبب لزوال ملكه عنه بالاعتاق.

وهذا قول المفيد والعلامة وولده.

وفيه أنه يستلزم صيرورته ملكا للامر قبل تمام الصيغة، فلو فرض تركه إكمالها خرج عن ملكه ولم يقع العتق.

وثالثها: أنه يحصل الملك للمستدعي بالاستدعاء ويعتق عليه إذا تلفظ المالك بالاعتاق، ويرد كل ما ورد على السابق وزيادة.

ورابعها: أن يحصل الملك والعتق معا عند تمام الاعتاق، وفيه سلامة من المحذور السابق، إلا أن اشتراط وقوع في ملك يقتضي تقدم الملك على العتق ولا يتم وقوعهما معا في زمن واحد عند تمام لفظ العتق.

وخامسها: أنه يحصل بالامر المقترن بصيغة العتق فيكون تمام الصيغة كاشفا عن سبق الملك عليها وعدم أيقاعها بعد الاستدعاء أو قطعها، أو وقوع خلل فيها


332

دال على عدم حصول الملك بالامر لعدم حصول ما يعتبر في صحته وهو اقترانه بالامر بالعتق.

وفيه أن ذلك الاقتران المذكور يكون شرطا في سبق الملك، فلا يتحقق الاقتران إلا بتمام صيغة العتق، فيلزم تأخر الملك عن الاعتاق وإلا لتأخر الشرط عن المشروط.

ومن حيث هذه الاشكالات الواقعة على هذه الوجوه عدل المحقق ومن تبعهعنها أجمع وقال - ونعم ما قال -: والوجه الاقتصار على الشهرة وهو صحة العتق عن الامر وفراغ ذمته من الكفارة.

ولا يجب علينا البحث عن وقت انتقال الملك إليه فإن ذلك تخمين محض لا يرجع إلى دليل صالح يعتمد عليه، وقد ذكروا لهذه المسألة نظيرا سيأتي في مباحث المطاعم والمشارب وهو أنه إذا قال مالك الطعام لاجنبي: كل هذا الطعام فقد اختلفوا في الوقت الذي يملكه الاكل.

والاقوى من تلك الاقوال ما عليه المحقق أيضا من عدم انتقاله إلى ملك المأذون له في الاكل مطلقا، وإنما يستبيح الاكل بالاذن لاصالة بقاء الملك على مالكه وعدم حصول شئ من الاسباب الناقلة عنه شرعا، فهو إباحة محضة من غير تمليك، لكنها مختصة بالنوع الذي اذن فيه لفظا أو بقرينة الحال، فيرجع في تكريم الضيفان بععضهم بعضا ووضع شئ منه بين يديه وإطعام غيرهم من السائل والهرة وغيرهما إلى الاذن المستفاد من اللفظ أو القرينة، ومع الشك يحرم ما سوى الاكل عملا بالمتيقن من

الاباحة.

المسألة السادسة: لو قتل العبد عمدا شخصا آخر فأعتقه في الكفارة

فالمسألة موضع خلاف حتى أن للشيخ قولين، والمشهور على المنع.

واختلاف كلام الشيخ في هذه المسألة اختلاف فاحش، لانه في الخلاف منع من صحة عتق الجاني عمدا وجو زعتقه إذا كانت الجناية خطأ، واستدل على ذلك بإجماع الفرقة.

وعكس في المبسوط وقال: الذي يقتضيه مذهبنا أنه إن كان عامدا


333

نفد العتق لان القود لا يبطل كونه، وإن كان حرا، وإن كان خطا لا ينفذ لانه يتعلق برقيتة.

والسيد بالخيار بين أن يفديه أو يسلمه.

والمحقق بما اختار مذهبه في الخلاف وهو صحة العتق مع كون الجناية خطا وبطلانه مع العمد لانه مع العمد يكون الخيار إلى أولياء المقتول، إن شاؤوا قتلوه وإن شاؤوا استرقوه، وصحة عتقه يلزم إبطال ذلك.

أما الخطأ فاليخار للمولى، إن شاء فكه بالارش أو القيمة على الخلاف وإن شاء دفعه لاولياء المقتول، فإذا أعتقه يكون مختارا فكه لكنه لايتم إلا مع يساره، فإن كان معسرا لم ينفذ عتقه لتضرر أولياء المقتول بعدم تسلطهم على حقهم.

أما العبد المرهون قبل فك رهانته فالمشهور عدم صحة عتقة للحجر عليه بالرهانة.

وخلف الشيخ فصحح عتقه مطلقا إن كان مؤسرا، ويكلف أداء المالإذا كان حالا أو رهنا بدله إذا كان موجلا، وهو بعيد.

ووجه العبد ظاهر لان الراهن ممنوع من التصرف في المرهون بالاجماع والروايات، فإخراج هذا الفرد من التصرف تحكم.

نعم لو أجاز المرتهن نفذلان المنع من جهة حقه، فإذا جاز زال المانع وصادف وقوع العتق من أهله.

واستدل الشيخ - رحمه الله - على ذلك بعموم قوله تعالى (فتحرير رقبة) فإن الراهن مالك لها وهو مع يساره واجد فيتناوله العموم، وهو ممنوع بالاجماع والادلة.

المسألة السابعة: شرط صحة العتق

النية المشتملة على القربة لانه عبادة نحتمل وجوها، فلا تختص بأحدها إلا بالنية، وشرط اشتمالها على القربة يمنع من عتق الكافر ذميا كان أم غيره لعدم تأتي القربة منه.

هكذا ذكره المحقق - رحمه الله - وغيره.

وتنظر في ذلك في المسالك لانه إن أراد بنية القربة المتعذرة نية إيقاع الفعل طلبا للتقرب إلى الله تعالى بواسطة نيل الثواب أو ما جرى مجراه، سوا


334

حصل له ما نواه أم لا، منعنا من تعذر نية القربة من مطلق الكافر لان من اعترفمنهم بالله تعالى وكان كفره بجحود نبوة النبي صلى الله وعليه واله أو غيره من الانبياء أو بعض شرائع الاسلام يمكن منه هذا النوع من التقرب.

وإنما يمنع من الذي لا يقر بوجود الله تعالى كالدهري وبعض عبدة الاصنام وإن أراد بها إيقاعه على وجه التقرب إلى الله تعالى بحيث يستحق بها الثواب طالبناه بدليل على اشتراط مثل ذلك وعارضناه بعبادة المخالفين وعتقهم لانهم من فرق المسلمين وأنهم لا يستحقون الثواب عندنا مع صحة عتقهم وفي صحة عبادتهم، بحيث قد قرر في محله.

وبالجملة: فكلامهم في هذا المقام مضطرب لا يمكن فيه الالتئام غير منقح للمرام، لكونهم تارة يحكمون ببطلان عبادة الكافر مطلقا ويستندون إلى تعذر القربة ومقتضى ذلك إرادتهم المعنى الثاني لان ذلك هو المتعذر منه لا الاول وتارة يجو زون منه بعض العبادات كالعتق فإنه يجوز عند جماعة عند جماعة من الاصحاب مع اشتراطهم القربة نظرا إلى ما ذكرناه من الوجه في الاول، وقد وقع الخلاف بينهم في وقفه وصدقانه وعتقه المتبرع به ونحو ذلك من التصرفات المالية مما اعتبروا فيها القربة مع أنهم اتفقوا على عدم صحة العبادات البدنية منه، نظرا إلى أن المال يراعى فيه جانب المدفوع إليه ولو بفك الرقبة من الرق فيرجحفيه جانب القربات بخلاف العبادات البدنية، ومن ثم ذهب بعض المخالفين إلى عدم اشتراط النية في العتق والاطعام واعتبروها في الصيام، إلا أن هذا الاعتبار غير منضبط عند الاصحاب كما ذكرناه فيما سبق.

وأما ما ذهب إليه بعض المخالفين من أن الكافر مطلقا لايعرف الله على الوجه المعتبر ولو عرفه لاقربجميع رسله ودين الاسلام فهو كلام بعيد عن التحقيق جدا، إذ لا ملازمة بين الامرين كما لا ملازمة بين معرفة المسلم لله تعالى ومعرفة دين الحق من فرق الاسلام لان كل حزب بما لديهم فرحون.

المسألة الثامنة: تعتبر نية التعيين إذا اجتمعت أجناس مختلفة

على الاقوى


335

ولو كانت الكفارات من جنس واحد، فالشيخ على إجزاء نية التكفير مع القربة ولا يفتقر إلى التعيين، وهو مشكل.

أما الصوم فمقتضى المذهب أنه لابد فيه من نية التعيين، ويجوز تجديدها إلى الزوال، ومعنى تعدد الكفارات على واحد كأن يكون عليه كفارت عديدة عن أسباب مختلفة، ومعنى اتحادها جنا هو اتحادها نوعا كما هو استعمالالفقهاء في نظائره.

والمراد باتحادها نوعا أن يتحد سببها وهو في مقابلة تعددها لتعدد السبب، لكنه على تعددها إما تتمائل ككفارة قتل الخطأو الظهار أو تختلف كإحدى الكفارتين مع كفارة اليمين وكفارة شهر رمضان على المشهور من أنها مخيرة، فإن اختلفت الاسباب والمسببات فالشيخ في الخلاف على وجوب التعيين لقوله صلى الله وعليه واله (إنما الاعمال بالنيات) فما لم يحصل فيه النية فهو غير مجز، ولان الاصل شغل الذمة ولا يقين ببراءتها مع الاطلاق ولامتناع الصرف إليهما جميعا، وللبعض ترجيح بلا مرجح، وهذا مختار المحقق - رحمه الله - والحلبي وأكثر المتأخرين.

وفي المبسوط اكتفى بالاطلاق لاصالة البراءة من اشتراطة ولحصول الامتثال، وجاز انصرافه إلى واحدة بعينها فتبقى في ذمته الاخرى، ويشكل بأنه حالة اختلافها حكما ككفارة الظهار واليمين إن تخير بعد العتق ثانيا كان منصرفا إلى المخيرة، وهو خلاف التقدير.

ومن هذا الاشكال

فصل

في المختلف فالتزم مع اختلاف الكفارات حكما لامع اتفاقها، وأورد عليه ما لو كانت إحداهما كفارة جمع والاخرى مرتبة،فإن حكمها مختلف والمحذور مندفع لكون العتق ثانيا متعينا من غير المحذور المذكور لكون ذمته مشغولة بعتق معين ثانيا على كل تقدير، إلا أن يقال بأن هذا من أفراد متفق الحكم لاشتراكهما في تعيين العتق ابتداء لكنه خلاف المفهوم من مختلف الحكم.


336

ويمكن اندفاعه بأن الشيخ في المبسوط مصرح بجواز التعيين بعد الابهام فينصرف العتق إلى التي صرفه إليها، كما لو عين في الابتداء ونفى حكم الاخرى بحاله فلا محذور حينئذ.

ويمكن دفعه أيضا بالتزام تعيين ثانيا على تقدير كون إحداهما مرتبة والاخرى مخيرة، ويلزم انصراف العتق أولا إلى المخيرة لانها تنصرف إلى الكفارة مطلقة مما في ذمته والاخرى باقية على إطلاقها أيضا مترددة بين المرتبة والمخيرة، فإذا اختار العتق فقد برئت ذمته على التقديرين، فتعين العتق كفارة لا لانصرافه إلى المخيرة وإن كان مشاركا له في المعنى، وهذا كمن عليه كفارة مشتبهة بين المخيرة والمرتبة فإنه يتعين عليه العتق لتيقن براءة الذمة منهاوإن لم يكن العتق متعينا عليه في نفس الامر، بل من باب مقدمة الواجب ليتوقف البراءة عليه، وإن تعددت الكفارات واتحد جنس سببها فهو أيضا موضع خلاف، إلا أن المشهور بين الاصحاب - حتى قال الشهيد في الشرح على الارشاد: إنه لا يعرف لاحد من العلماء قولا بغيره - عدم وجوب التعيين.

والشيخ في الخلاف نقل الاجماع على عدم اشتراطه.

لكن المحقق - رحمه الله - في الشرائع جعل فيه إشكالا، وكأن وجهه اشتراك الجميع في أن كل واحدة عمل وكل عمل مفتقر إلى النية، فكل كفارة تفتقر إلى النية.

والجواب عنه القول بالموجب، فإنه إذا نوى الكفارة مطلقا فقد حصل العمل مقرونا بالنية وبرئت ذمته من واحدة مطلقة مما في الذمة، وبقي الكلام كذلك.

والذي دل عليه الخبر المذكور من اشتراط النية في العمل هو وجوب القصد إلى العمل لاكونه مشخصا بجميع وجوهه، فإنه لا يدل عليه، وهذا الكلام كله إذا كفر بالعتق، وفي معناه التكفير بالاطعام والكسوة.

أما الصوم فقد سمعت من أنهم كالمجمعين على أنه لابد فيه من نية التعيين


337

مطلقا، والذي يظهر من الشيخ في المبسوط اشتراك جميع خصال الكفارات في جواز الاطلاق لانه قال - بعد أن فرض المسألة في الكفارات المتحدة الجنس ككفارات اليمين -: فإن أبهم النية فلم يعين بل نوى كفارة مطلقا أجزأه لقوله تعالى (فكفارته إطعام عشرة مساكين) ولم يفرق.

ثم قال بعد: فأما إذا كانت أجناسا مثل أن حنث وقتل وظاهر ووطأ في شهر رمضان فالحكم فيها كلها كما لو كان الجنس متحدا فهي لا تفتقر إلى تعيين النية.

وظاهر هذا الكلام عدم الفرق بين الصوم وغيره.

وباقي الاصحاب في هذا المقام لم يتعرضوا للبحث عن التعيين وعدمه إلا في العتق، والظاهر منهم أنهم أحالوا الباقي عليه.

وفي الحقيقة أن تلك الفروق لا تخلو عن تكلف ولا توجد بغير نية التعيين مطلقا.

المسألة التاسعة: لو كان عليه ثلاث كفارات متساوية في الخصال الثلاث وهي: العتق والصوم والصدقة فأعتق ونوى القربة والتكفير ثم عجز وصام شهرين متتابعين بنية القربة والتكفير ثم عجز فأطعم ستين مسكينا كذلك برئت ذمته من الثلاث،وذلك مبني على عدم اشتراط التعيين مطلقا.

فلو اشتمل عليه كفارة ظهار وقتل وإفطار رمضان فأعتق ناويا الكفارة مطلقا حصل البراءة من واحدة غير معينة إن لم يعينة بعد ذلك لواحدة لاحدها.

فإذا عجز عن العتق ثانيا فصام شهرين متتابعين برئ من اخرى كذلك، فإذا عجز عن الصوم فأطعم ستين مسكينا برئ من الجميع، وإنما اشترط العجز عن المرتبة السابقة ليجزي الحكم على المرتبة والمخيرة، فإن الثلاث إن كانت مرتبة أو مجتمعة من الامرين فاشتراط العجز في محله، وإن كانت كلها مخيرة وفعل الثلاث الخصال كما ذكر برئ من الثلاث وإن كان حال فعل الصوم والاطعام عاجزا عن السابق، لكن فائدة القيد شمول الاقسام، ولا يضر هنا أيضا حيث إن العجز لا يغير الحكم، فإن لم يكن معتبرا وقد بقي من الاقسام ما لو اجتمع عليه ثلاثة


338

كفارات جمع فأعتق، وقد نوى الكفارة مطلقا فإنه يبرأ من عتق واحدة غير معينة، فإذا كذلك برئ من صوم واحدة كذلك، فإذا أطعم فكذلك، ثم إذا لم يصرفه إلى واحدة معينة منها وإلا افتقر في بقية الخصال إلى الاطلاق.

ولو كان عليه كفارة وشك في أنها عن قتل أو ظهار فأعتق ونوى القربة والتكفير

أجزأ، وهذا مبني على القول بعدم وجوب التعيين لان هذه النية مجزية على هذا القول وإن علم بنوع الكفارة، فمع الشك فيها أولى.

ولو اشتراطنا التعيين مع العلم احتمل سقوطه مع الجهل كما في هذه الصورة، ووجوب الترديد فيها بين الامرين كما في الصلاة المشتبهة حيث وجب بعينها ابتداء، فكذا مع الجهل فيردد النية بين الاقسام المشكوك فيها، وهذا أولى.

أما

لو شك بين نذر وظهار فنوى التكفير

لم يجز لان النذر لا يجزي فيه نية التكفير، ولو أيهما كان جاز ولو نوى الوجوب لانه قد يكون لا عن الكفارة، والمعتبر من النية المطلقة حيث لا يجب التعيين فيه أن يشرك فيها جميع ما في ذمته من الامور المتعددة من كفارات وغيرها، فإذا علم أن في ذمته عتق رقبه وشك في سببه بين أن يكون عن نذر عتق رقبة أو كفارة ظهار فالامر الجامع بين الامرين أن ينوي أمرا يشترك فيه النذر والكفارة بأن ينوي العتق عما في ذمته من النذر والكفارة، فنية التكفير وحدها لا تجزي لاحتمال كون ما في ذمته منذورا، والنذر لا يجزي فيه نية التكفير وبالعكس، بخلاف ما لو علمأنه عن كفارة.

واشتبه الامر بين ظهار ويمين مثلا وقتل وغير ذلك من الاسباب الموجبة للكفارة، فإن نية التكفير مجزية لان الجميع مشترك فيه.

وكذا لا يجزي لو نوى العتق مطلقا وإن كان فيه نوع اشتراك بين الامرين لانه ظاهر في إرادة التطوع به فيحتاج إلى ضميمة تدل على صرفه إلى ما في ذمته كنية العتق الواجب عليه ونحوه، ولو نوى به الوجوب مطلقا فمذهب المحق


339

- رحمه الله - ومن تبعه أنه غير مجز، معللا بأن الوجوب قد يكون لاعن كفارة فلا يجزي عنهما، كما لو نوى العتق الواجب وفي ذمته كفارة محققة فإنه غير مجز، بل لابد من ضميمة كونه عن كفارة.

وذهب العلامة في القواعد إلى أنه لو نوى العتق الواجب أجزأ، مع أنه قد وافق على عدم أجزأء نية الوجوب، والفرق غير واضح.

المسألة العاشرة: لو كان عليه كفارتان فيهما العتق وله عبدان فأعتقهما ونوى نصف كل واحد منهما عن كفارة والنصف الاخر عن الاخرى

سرى العتقإليهما و انعتق كل واحد عن الكفارة التي نوى بها عتق نصفه مباشرة، هذا إذا نوى بعتق النصف المعين مباشرة الكفارة دون ما يحصل بالسراية لم يصح العتق عن الكفارة مطلقا.

أما النصف الواقع مباشرة فلانه غير كاف، وعدم إجزإ ضميمة الباقي من رقبة آخر لعدم صدق الرقبة على النصف كما تقدم.

وأما الجزء المعتق بالسراية فلعدم نية الكفارة به بل نية عدمه.

ومثله ما

لو لم يكن عليه إلا كفارة واحدة وأعتق نصف عبده عنها،

وقد تقدم البحث في ذلك وذكرنا أن الاسكافي منع من صحة العتق عن الكفارة على هذا الوجه، وهو قول وجيه.

الحادية عشرة: لو اشترى أباه أو غيره ممن ينعتق عليه ونوى به التكفير ففي الاجزاء خلاف، حتى أن للشيخ - رحمه الله - قولين، ففي المبسوط يجزي وفي الخلاف لا يجزي.

واستوجهه المحقق لان نية العتق توثر في ملك المعتق لا في ملك غيره، فالسراية سابقة على النية فلا يصادف حصولها ملكا مع أنه في المبسوط أيضا في باب الكفارات صرح بعدم الاجزاء لقوله تعالى (فتحرير رقبة) وظاهرهافعل الحرية بالاختيار، وهنا الحرية إجباريه، ولان النية معتبرة وهي هنا متعذرة لانها قبل الملك لاستحالة إيقاعها على ملك الغير ولا بعده لحص


340

العتق ولا في، إذ لااستقرار له.

وبهذا يحصل لك

الفرق بينهما وبين ما سبق من عتق المملوك المشترك

لان النية في ذلك قد صادفت ملكا للبعض فأثرت فيه.

وتبعه الباقي بخلاف هذه، فإن الملك الشراء الذي هو محل النية منتف عن العتق وبعده يحصل العتق.

وقد نقل المحقق - رحمه الله - عن الشيخ في المبسوط الاجزاء، واستدلوا له بأن الملك كان سابقا على السراية قطعا ومتقدما عليها كتقدم العلة على المعلول لا العتق مشروط بالملك والسبب سابق على الملك ضرورة سبق السبب على مسببه والنية مقارنة للسبب، فالسراية لم تصادف إلا عبدال معتقا عن كفارة، فلا سراية.

وحينئذ نمنع حصول العتق هنا إلا عن الكفارة لانه إنما ينعتق بالقرابة لو لم يوجد سبب أسبق وقد وجد نية الكفارة، وهذا متجه جدا، لكنه مشروط باستصحاب الينة فعلا إلى عقد البيع ليصادف الملك ويصدق مقارنتها للسبب إلىعتق الملك.

وما ذكروه من الفرق بين هذه وعتق المشترك بأن النية إنما أثرت في المملوك، أما سرى إليه العتق من ملك الغير فلم يكن مملوكا حال النية والسراية إنما ترتبت على ملك البعض وحكم بملك المعتق له ضمنا قيل السراية والامر هنا كذلك، بل الملك هنا حقيقي لا ضمني لان الانعتاق متسبب عن ملك القريب له، فإذا قارنت النية فقد قارنت العتق واشتركا في مقارنتها للسبب.

وربما فرق البعض بين الامرين بأن العنق بالنسبة الى السراية إلى حصة الشريك بسبب فاعل له، والشراء بالنسبة إلى عتق القريب سبب معد لافاعل لانه يجعل المحل قابلا لتأثير السبب في العتق، والسبب الفاعلي فيه هو النسب وفاعل الكفارة كون المعتق فاعلا له كما مر، وفيه بحث لاشتراك الامرين في أصل السببية التي يدخل في التأثير في العتق، والفاعل له حقيقة هو الله تعالى، وإنما


341

هذه اعتبارات نصبها الله علامة لحمكه لافاعلة في الحكم، فإما أن يصح العتق عن الكفارة فيهما نظرا إلى السببية، أولا يقع فيهما لعدم مباشرته للصيغة التي جعلهاالشارع موجبة للعتق بذاتها.

الثانية عشرة: لو قال لعبدة: أنت حر وعليك كذا وكذا من الدراهم والعوض لم يجز عن الكفارة لانه قصد العوض.

وكذا لو قال له قائل: اعتق مملوكك عن كفارتك ولك علي كذا فأعتقه لم يجز.

وفي وقوع أصل العتق تردد وقع لجماعة منهم المحقق - رحمه الله - في الشرائع، ولو قيل بوقوعه هل يلزم العوض أم لا ؟ قولان، فالشيخ - رحمه الله - نعم يلزم، واستحسنه المحقق - رحمه الله -.

ولو رد المالك العوض بعد قبضه

لم يجز عن الكفارة لانه لم يجز حال الاعتاق، فلم يجز فيما بعد لان من شرائط صحة العتق عن الكفارة تمحضه للقربة، وهو يستلزم تجريده عن اشتراط عوض عن المملوك أو على غيره أو عليهما لان عتقه على العوض يعاند تمحض الاخلاص في عتقه سواء ابتدأ المالك بذلك فقال: أعتقك وعليك كذا أو على فلان كذا، أم جعله جوابا للسؤال كقوله: أعتقني ولك علي كذا، أو أعتق مملوكك عن كفارتك ولك علي كذا لاشترك الجميع في المقتضي لعدم الاجزاء، فلا يقع عن الكفارة إجماعا، كما نقله غيرواحد لما ذكر.

وهل يقع العتق مجردا عنها ؟ قولان ناشئان من أنه عتق صدر عن أهله في محله ولان قصده للعتق عن الكفارة، فيستلزم قصد مطلق العتق في ضمنه لان المطلق، لان العوض لا يمنعه لجواز اشتراطه على المملوك ابتداء كما مر في كتاب العتق، ودلت عليه المعتبرة التي سمعتها وحمل الاجنبي عليه، وهذا قول المبسوط.

ومن أنه لم ينو مطلق العتق وإنما نواه عن الكفارة، فلو وقع عن غيرها


342

لزم صدوره بغير نية وقد قال صلى الله وعليه واله (إنما الاعمال بالنيات).

ويتفرع على ذلك لزوم العوض للامر أو العبد، فحكم به الشيخ - رحمه الله - تفريعا على القول بصحه العتق المطلق لانه قد فعل ما أمره به فاستحق العوض مثل غيره من الاعمال واستجوده المحقق - رحمه الله - وأورد عليه العلامة في المختلف أن الحكم بلزوم العوض وعدم إجزائه عن الكفارة مما لا يجمعان.

والثاني ثابت بالاجماع فيلزم انتفاء الاول، وبيانه أن الجعل إنما بدل من العتق في الكفارة لا عن مطلق العتق وهو لم يقع فلا يلزم العوض.

وأجاب عن ذلك السيد عميد الدين بأنا لا نسلم عدم اجتماعهما لانه جعل له العوض عن الكفارة وقد امتثل وفعل ولم يجعل له العوض عن الاجزاء عن الكفارة لان الاجزاء حكم شرعي ليس فعلا للمكلف حتى يصح الجعل عليه.

وأورد عليه أول الشهيدين - رحمهما الله - بأن الجاعل على فعل شرعي جعالة كالحج مثلا إنما أراد الصحيح الذي له صلاحية الاجزاء بفراغ ذمة المكلف من العهدة لانه المتبادر من اللفظ حقيقة، ولم يطلب صورته التي هي أعم من الصحيح أو الفاسد فيكون الجاعل عن الكفارة كذلك، فهو إنما جعل على عتق مجز عن الكفارة حمل اللفظ على حقيقة، وصرف له عن المجاز وهو الحمل على صورة المجردة سواء أجزأت أو لم تجز، وحيث لم يوجد ما طلبه لم يستحق شيئا.

وأجاب السيد عميد الدين بأن الحقيقة وإن كانت مطلوبة إلا أن هذا الموضوع تمتنع فيه الحقيقة لان وقوع العتق عن الكفارة محال فكان طالبا للمحال فيجب حمل لفظه على الصورة لا وقوع العتق القرينة، والمجاز يصار إليه عندها بالاتفاق.

و رده الشهيد - رحمه الله - بأن المقتضي للمجاز هنا تحصيل حكم شرعي لئلا تخرج أفعال المكلف عن الشرع، والبطلان وعدم صحة الجعالة على شئلا يستحق أفعال المكلف إلا بفعل مقتضي الجعالة بجميع أوصافها، وخروج هذا الفرع عن القاعدة لا وجه له.


343

ولا فرق بين عجز المجعول له عن فعل مقتضي الجعالة وقدرته عليه، فإذا لم نقل بصحته عن الكفارة لا يستحق عليه جعالة.

نعم لو علم بالقرائن أن وسيلة إلى إجابة المالك إلى ملتمسه اتجه القول باستحقاق الجعل عليه وإن كان لم يقع عن الكفارة لانها ليست مقصودة بالذات حينئذ، وإنما المقصود العتق المقتضي للخصوص من الرق كيف اتفق، وقد حصل.

وقوله (إنه على تقدير عدم وقوعه عن الكفارة يكون طالبا للمحال فيحمل على الصورة) إنما يتوجه إذا كان عالما بالحكم وهو عدم وقوعه عن الكفارة شرعا، أما مع الجهل به فلا يكون طلبه لوقوعه طلب في زعمه وإن كان في نفس الامر كذلك، فصرفه إلى الصورة غير جيد لعدم القرينة الموجبة لحمله على المجاز على هذا التقدير.

وإذا تقرر هذا فقال المعتق بعد ظهور الحال له أو مطلقا: أنا أرد العوضليكون العتق مجزيا عن كفارتي أو رده بالفعل لم ينقلب إلى الاجزاء لانه إذا لم يجز حال الاعتاق فكيف بعده كما قلناه.

وللشافعية قول بصحة العتق وإجزائه عن الكفارة وسقوط العوض لان العتق حاصل كما تقرر والعوض ساقط، فأشبه ما إذا قال: صل الظهر لنفسك ولك علي كذا فصلى فإنها تجزيه صلاته ولا يستحق العوض، وهو من القياس بمكان لان العوض لا ينعقد في بدله على ما وجب عليه، كما لا يجوز له أخذ الاجرة عليه بخلاف العتق فإنه لم ينفك عن الحق المالي، ولهذا جاز اشتراط المال في مقابلته إذا كان تبرعا.

الثالثة عشره: والعجز يتحقق للمكلف به إما بعدم الرقبة أصلا وإن كان


344

قادرا على الثمن أو لعدم القدرة على الثمن أو لعدم التمكن من الشراء وإن وجد الثمن، وحد العجز عن الاطعام أن لا يكون معه ما يفضل عن قوته وقوت عياله وليلة ولو وجد الرقبة واضطر إلى خدمتها أو ثمنها لنفقته أو كسوته لم يجب العتق لها، ولا يباع المسكن ولا ثياب الجسد ويباع ما يفضل عن قدر الحاجة منالمسكن، ولا يباع الخادم في الكفارة على المرتفع عن مباشرة الخدمة، ويباع على من جرت عادته لخدمة نفسه إلا مع المرض المحوج إلى الخدمة.

وتقرير هذه الاحكام على وجه التفصيل: أن من وجبت عليه كفارة مرتبة ككفارة الظهار يتوقف فرض الصوم فيها على عدم وجدان تحرير الرقبه كما في الاية والروايات، فإذا كان في ملكه عبد قاضل عن خدمته فواجب له الاعتاق، وإن احتاج لخدمته لمرضه أو كبره أو زمانيته المانعة له من خدمة نفسه عادة فهو كالمعدوم كالماء المحتاج إليه للعطش في جواز التيمم وكذا الذي هو من أهل المروات ومنصبه يأبي عن أن يخدم نفسه بمباشرة الاعمال التي تستخدم فيها المماليلك فلا يجب صرفه إلى الكفارة، والمعتبر في ذلك العادة الغالبة.

وإذا لم يملك عين الرقبة وملك ثمنها وقدر على شرائها فهو واجد لها، فلا ينتقل للصوم، ويشترط أن يكون فاضلا أيضا عن حاجة دينه وإن لم يطالب به وعن مسكنه وثياب بدنه اللائق به عادة ودابة ركوبه المحتاج إليها في العادة ونفقته وكسوته اللائقة بحاله ونفقة الواجبي النفقة عليه، ومنها كسوتهم وما لابد منه من الاثاث الضروريه، إلا أن الاكثر هنا لم يقدروا النفقة والكسوة بمدة، فيمكنأن يكون المعتبر كفاية العجز، ويتحقق ذلك بملك أعيان يحصل من نمائها إدرار النفقة في كل سنة بما يقوم بكفايته.

ويمكن أن يريدوا مؤونة السنة لان المؤونات تتكرر فيها وتتجدد الاعداد لها.

ويحتمل أن يريدوا به قوت يوم وليلة زيادة على المحتاج إليه في الوقت الحاضر من الكسوة والامتعه، وحيث فقد التقدير المذكور في كلامهم تبعا للنصوص إذ لا تقدير فيها عدل جماعة منهم


345

المحقق - رحه الله - فحددوا العجز في الطعام بما ذكرناه، ولم يتعرضوا للعجز عن الرقبة لفقدانه في النصوص والفتوى.

ويظهر من المبسوط ترجيح المعنى الاول حيث قال: إما أن يكون له فضل عن كفايته على الدوام، فإن كان له فضل لم يكن من أهل الصيام لانه واجد، وإن كان له وفق كفايته على الدوام لا يزيد عليه شيئا فإن فرضه القيام.

وفي الدروس قطع بالمعنى الثالث وهو اعتبار قوت يوم وليلة.

وقواه في المسالك لان الكفارة بمنزلة الدين فيستثنى فيها ما يستثنى فيه.

وأما الكسوة المحتاج إليها في الوقت فهي مستثناة وإن بقيت مدة مديدة بعدذلك بلا خلاف، ومثلها المسكن والخادم.

وحيث إن المعتبر في ذلك قوت اليوم والليلة فلو كانت مؤونته تستدر من ضعيفة أو تجاوزة ويحصل منهما كفايته بلا مزيد ولو باعهما لتحصيل عبد لوصل إلى حد المكنة (1) كلف ذلك واستثنى من ثمنه ما ذكر.

أما لو اعتبرنا قوت السنة أو الدوام لم يقع، وقد اضطرب كلام العلامة - رحمه الله - ففي التحرير أوجب بيعها.

وفي القواعد قطع بعدم الوجوب مع أنه لم يبين المراد من النفقة المستثاة له لكنه مشعر باستثناء أزيد من قوت اليوم والليلة، ولا فرق مع القدرة على الثمن والرقبة بين بذل مالكها له بثمن المثل فما دون وأزيد منه على المذهب الاقوى لتحقق القدرة إلا مع حصول الاجحاف المفرط المؤدي إلى الضرر.

ولو لم يملك الرقبة ولا قدرة له على ثمنها وبذل له أحدهما بهبة

فالاكثر والاقوى على عدم وجوب القبول عليه دفعا للمنة.

واختلفوا في استحبابه إلى قولين، والارجح الاستحباب، أما الجواز فلا ريب فيه كما يجزي لو تكلفه العاجز أصلا بالاستدانة ومع الاستيعاب بالدين إذا كان

(هامش

) (1 المسكنة خ ل.


346

غير مطالب به وبالنفقة المستثناة حيث يستثنى له ما يحتمل ذلك.

ولو كان الخادم غالبا بحيث يتمكن من الاستبدال عنه بما ينقص عن ثمنه

فقيل: يلزمه بيعه لامكان الغنى عنه بذلك.

وكذا قيل في المسكن إذا كان غاليا وأمكن تحصيل البدل ببعض الثمن.

وذهب المحقق وأكثر المتأخرن إلى أنه لا يباع تمسكا بعموم النهي عن بيع المسكن والخادم المستثنى له، ولان المسكن والخادم إذا كانا معدومين استثنى له ثمن ما يليق به عادة كيفية وكمية، ولا يستثنى له النفيس الزائد عن المعتاد وإن كان موجودا له بالفعل وهو بقدر الحاجة واللائق بحاله، فلا كلام أيضا وإن زاد في النفاسة بحيث يمكن الاعتياض بثمنة ما يكفيه، ويفضل منه ثمن رقبة مع كونه غير زائد عن حاله عادة، فهو موضع الخلاف المشار إليه من جهة تحقق القدرة على الرقبة مع مراعاة المستثنى، فإن المعتبر منه النوع لا الشخص، فيجب البيع لتوقف الواجب عليه، ومن أنه عين المستثنى كما ذكرناه مع عموم النهيعن بيع الخادم والمسكن في الدين.

ولما كان هذا النهي أظهر جعل هذا القول أقوى خصوصا إذا كان ماء لوفاء (1) نعم جاء في المسكن بالنسبة إلى الدين إذا كان يكفيه البعض في الاسكان أو في الشراء فانه يباع الزائد فيصرف في الدين، ولعل ذلك جار في الكفارة أيضا، فيتوجه القول الاول هنا، وليس من باب القياس بل من تنقيح المناط.

الرابعة عشرة: إذا تحقق العجز في الكفارة المرتبة بما ذكرنا عن العتق كالظهار والقتل خطأ انتقل إلى صوم شهرين متتابعين إن كان حرا قادرا، وعلى المملوك صوم شهر متتابعا لانه على النصف وإن خالف جماعة من الاصحاب في الظهار كأبي الصلاح والحلي وابن زهرة وكذا الشيخ - رحمه الله - فأوجبوا عليه في الظهار كالحر صيام شهرين متتابعين استنادا إلى عموم الاية والاقوى المشهور للصحاح المستفيضة مثل:

(1) كذا في النسخة، ولعل الصحيح (ماء الوجه).


347

صحيحة محمد بن حمران (1) عن الصادق عليه السلام (قال: سألته عن المملوك عليه ظهار ؟ فقال: نصف ما على الحر صوم شهر، وليس عليه كفارة من صدقة ولا عتق).

وصحيح جميل بن دراج كما في الكافي والتهذيب والفقيه (2) عن الصادق عليه السلام (في حديث الظهار قال: إن على الحر والمملوك سواء، غير أن على المملوك نصف ما على الحر من الكفارة، وليس عليه عتق رقبة ولا صدقة، إنما عليه صيام شهر).

وخبر أبي حمزة الثنالي (3) عن الباقر عليه السلام (قال: سألته عن المملوك أعليه ظهار ؟ فقال: نصف ما على الحر من الصوم، وليس عليه كفارة صدقة ولا عتق).

فالاية مخصصة بهذه الاخبار وذلك ثابت بالاخبار المستفيضة في عمومات الكتاب وإن كانت الاخبار أخبار آحاد، على أن الاية لاشمول لها للعبد حيث إن الامر فيها متوجه إلى من يلزمه تحرير الرقبة والاطعام فتكون مخصوصة ابتداء ويتحقق التتابع

في الشهرين

بصوم شهر متتابع ومن الثاني ولو يوما، فإذا فرق بعد ذلك لم يخل بالتتابع إجماعا منا كما تقدم في صوم الكفارات، ولكن وقع الخلاف بيننا في أنه هل يأثم بذلك أم لا ؟ فالاكثر على عدم الاثم بذلك، والمفيد على الاثم، واحتج الاكثر بأخبار عديدة مر ذكرها هناك.

ففي صحيح الحلبي (4) عن الصادق عليه السلام (أنه قال: والتتابع أن يصوم شهراومن الاخر أياما أو شيئا منه).

(1) الكافي ج 6 ص 156 ح 13، الوسائل ج 15 ص 522 ب 12 ح 1 وفيهما (سألت أبا عبد الله (ع) عن المملوك أعليه ظهار ؟).

(2) الكافي ج 6 ص 155 ح 10، الفقيه ج 3 ص 343 ح 10، التهذيب ج 8 ص 9 ح 3، الوسائل ج 15 ص 522 ب 12 ح 2 وفيها اختلاف يسير.

(3) الكافي ج 6 ص 156 ح 15، الوسائل ج 15 ص 522 ب 12 ح 3.

(4) الكافي ج 4 ص 138 ح 2 وفيه (ويصوم من الشهر الاخر)، الوسائل ج 7 ص 273 ب 3 ح 9.


348

والاخبار بهذا المضمون كثيرة جدا، وأيضا أن التتابع وقع صفة للشهرين لا للايام، وتتابع الشهرين يحصل بالشروع في الثاني متتابعا للاول.

وتنظر في هذا ثاني الشهيدين - رحمهما الله - حيث إن حقيقة التتابع في الشهرين إذا كان وصفا يحصل إلا بتتابع أيامهما، فالاولى الاعتماد في ذلك على النص لا غير، والمتابعة في الشهر قد مر في النذر، ويتحقق في المشهوربصوم خمسة عشر يوما، فيجوز تفريق الباقي، وقد قدمنا جملة من الاخبار في ذلك في النذر لان موردها النذر، مثل: رواية الفضيل بن يسار (1) عن الباقر عليه السلام (قال في رجل جعل على نفسه صوم شهر فصام خمسه عشر يوما فعرض له أمر فقال: جائز له أن يقضي ما بقي عليه، وإن كان أقل من خمسة عشر يوما لم يجز له حتى يصوم شهرا تاما).

ومثله خبر موسى بن بكر (2) وقد قدح في هذاا الاستدلال بما مر ذكره لضعف طريق الروايتين.

واجيب بأن مضمونهما مشهور بين الاصحاب أو متفق عليه.

نعم هما ظاهران في الشهر المنذور، أما يجب كفارة على العبد فلا.

لكن الشيخ - رحمه الله - وأتباعه ألحقوه به.

والمحقق في الشرائع تردد فيه في الصوم وجزم به هنا.

واعلم أنه مع الاخلال بالمتابعه حيث تعتبر يفسد الصوم ما مضى ويجب عليه الاستئناف، وهل يأثم بذلك أم لا ؟ قولان، فقيل: نعم، لانه إبطال للعمل وهو منهي عنه.

ويحتمل عدم الاثم، حيث إن العبادة لم تبطل في نفسها لان صوم كل يوم منفك عن الاخر، فإذا مضى النهار حكم بانعقاده فلا يلحقه البطلانبعد ذلك.

(1) التهذيب ج 4 ص 285 ح 37، الوسائل ج 7 ص 276 ب 5 ذيل ح 1.

(2) التهذيب ج 4 ص 285 ح 36، الوسائل ج 7 ص 276 ب 5 ح 1.


349

نعم يلزم من الاخلال بالمتابعة المأمور بها انتفاء الاجزاء عن الكفارة لا بطلان ما مضى رأسا، وتظهر الفائدة في حصول الثواب على ما مضى صحيحا في الجملة على الثاني دون الاول.

ويظهر من فخر المحققين في الايضاح دعوى الاجماع على الاثم بالاخلال بالمتابعة، وفيه نظر يظهر وجهه مما ذكرناه.

الخامسة عشرة: قد تقدم في كتاب الصوم أن الاعذار التي يصح معها البناء إذا انتفى التتابع بها الحيض والنفاس والمرض والاغماء والمجنون.

أما السفر فإن كان مضطر إليه كان عذرا وإلا كان قاطعا للتتابع.

ولو أفطرت الحامل أو المرضع خوفا على أنفسهما لم ينطقع التتابع.

ولو أفطرتا خوفا على الولد كان موضع خلاف.

فالشيخ - رحمه الله - في المبسوط ينقطع، وفي الخلاف لا ينقطع، وهو الاشبه.

أما لو اكره على الافطار لم ينقطع التتابع سواء كان إجبارا محضا كماوجر الماء في حلقه، أو لم يكن كمن ضرب حتى أكل، وهذا مختار الشيخ في الخلاف.

وفي المبسوط قال بالفرق، حيث بين اشتراط التتابع في صوم الشهرين نبه على مواضع تمنع الصوم ولا تقطع التتابع ومواضع مختلف فيها.

فمنها: عروض الحيض والنفاس وهما غير قاطعين للتتابع إجماعا لانهما طبيعيان لا اختيار فيهما للمكلف، فلو قطع التتابع لزم عدم إمكان الصوم عن الكفارة لذات الحيض غالبا، وهو حرج منفي آية ورواية، وتأخيرها إلى سن اليأس تغرير بالواجب وغير موثوق بالبقاء إليه، وفي معناهما المرض المانع من الصوم والاغماء لاشتراك الجميع في المقتضي وهو عدم اختيار المكلف في الافطار.

ويدل على حكم الامرين من الاخبار صحيح رفاعة (1) عن الصادق عليه السلام (قال: سألته عن رجل عليه صيام شهرين متتابعين فصام شهرا ومرض، قال: يبني عليه الله حبسه، قلت: امرأة كان عليها صيام شهرين متتابعين فصامت وأفطرت

(1) التهذيب ج 4 ص 284 ح 32، الوسائل ج 7 ص 274 ب 3 ح 10.


350

أيام حيضها، قال: تقيضيها، قلت: فإن قضتها ثم يئست من الحيض، قال: لا تعيدها، أجزأها ذلك).

ومثله صحيح محمد بن مسلم (1) عن أبي جعفر عليه السلام، والاخبار بذلك مستفيضة تقدمت في الصيام.

وأما السفر فإن عرض في الاثناء ولم يكن ضروريا قطع التتابع اتفاقا لان القطع من قبل المكلف فكان كالافطار بغيره، وإن كان مضطرا إليه وهو الذي يتركه يخاف على نفسه وماله أو ما في معناه جاز له الافطار ولم يقطع التتابع لان اضطراره إليه كاضطراره إلى الافطار بالمرض ونحوه، ويجب تقييده بما إذا يعلم قبل الشروع فيه بحاجته إلى السفر في أثنائه، وإلا كان الشروع فيه بكل مع العلم بحاجته إليه في الاثناء كالشروع فيه في زمان لا يتم له صوم ما يحصل له التتابع.

ومن المواضع المختلف

في قطعه بها

ولم يذكره الاكثر ما لو نسي النية في بعض أيام الشهر الاول ولم يذكر إلا بعد الزوال، فإن الصوم يفسد، ولكن هل يقطع التتابع أم لا ؟ وجهان: من ارتفاع حكم النسيان بالخبر وانقطاع التتابع حكم من أحكامه فيكون مرتفعا، ومن أن المعتبر شرعا وجوب شهرينمتتابعين وبطلان يوم منها لاتتحقق المتابعة لترك النية بإهماله، إذ هو مخاطب بإيقاعها كل ليلة، فالتفريط منسوب إليه كان يجب عليه الاستعداد لها.

وتنظر شهيد المسالك في هذا الدليل من الجانبين لان ظاهر الحديث المشهور من النبوي (2) وغيره وهو (وضع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) هو ارتفاع المؤاخذة عليه والعقوبة لاجميع الاحكام، والقدرة على دفعه النسيان

(1) التهذيب ج 4 ص 284 ح 33، الوسائل ج 7 ص 274 ب 3 ح 11.

(2) الوسائل ج 16 ص 173 ب 16 ح 5.


351

مطلقا بديهي البطلان، فالاقوى أنه عذر لا تقصير، ولو عرض في أثناء الشهر الاول زمان لا يصح صومه عن الكفارة ولا غيرهما كشهر رمضان والاضحى بطل التتابع حيث يكون واجبا، ووجب تحري رمضان بحيث يسلم فيه القدر المعتبر من باب مقدمة الواجب، فلو شرع فيه في زمان لا نسلم فيه شهر ويوم مثلما لو شرع في أول شعبان أو بعد العشر الاول من ذي القعدة ونحو ذلك لم يصح.

ففي صحيح منصور بن حازم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (أنه قال في رجل صامفي ظهار شعبان ثم أدر كه شهر رمضان قال: يصوم شهر رمضان ويستأنف الصوم، فإن صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى بقيمة).

ثم إنن علم ابتداء بعدم السلامة لم ينعقد الصوم أصلا لعدم اجتماع الشرائط المعتبرة فيه أيضا، وإن لم يعلم بذلك حتى شرع فيه كما لو ابتدأ به تاسع ذي القعدة فاتفق نقصان الشهر انقطع التتابع حينئذ لانكشاف عدم الشرط، ويحتمل قويا عدم جواز الشروع فيه على هذا الوجه أيضا لعدم الوثوق بإكمال العدد.

وربما ضعف بأن الوثوق غير شرط والاصل عدم نقصان الشهر، وعلى هذا فيحتمل أن يعذر في انقطاع التتابع لان النقصان إنما وقع باختياره بعد أن حكم بصحته، هذا كله في حق من صام بالاهلة.

أما المحبوس الذي يصوم بالظن والتوخي لو توخى شهرين فعرض له المانع من الصوم قبل أن يكمل شهرا ويوما فالاقوى عدم انقطاع التتابع لان ذلك عذر في حقه كالمرض والحيضو غيرهما.

السادسة عشرة: في بيان الاطعام وأحكامه، فيتعين في المرتبة مع العجز عن الصيام للشهرين فإنه ينتقل فرضه إليه، قال الله تعالى (فمن لم يستطع فإطعام

(1) الكافي ج 4 ص 139 ح 5، الوسائل ج 7 ص 275 ب 4 ح 1 وفيهما (فان هو صام في الظهار).


352

ستين مسكينا (1) ويتحقق العجز عنه بالمرض المانع منه، وما تحصل به مشقة شديدة وإن رجا برؤه أو بالخوف من زيادة أو بالهرم ونحوه.

ولا يلحق به السفر وإن منع في وقته شرعا لكونه مستطيعا للصوم بالاقامة غالبا.

نعم لو تعذرت أمكن الجواز، والكلام في هه الجملة يقع في مواضع: أحدها: في قدره وكميته، والمشهور بين الاصحاب خصوصا بين المتأخرين أنه مد لكل مسكين، وقد تقدم في الاخبار ما يدل عليه كحديث الاعرابي (2) المروي من الطرفين حيث أمر له بخمسة عشر صاعا وأمره بأن يطعمه ستين مسكينا، وإذا قسم هذا المبلغ على الستين كان لكل واحد منهم مد لان الصاع أربعة أمداد بالانفاق نصا وفتوى.

وروى عبد الله بن سنان (3) في الصحيح عن الصادق عليه السلام (أنه قال: إذا قتل الرجل خطأ أدى ديته ثم أعتق رقبه، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين،فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا مدا مدا).

وقد تقدمت أخبار في الصيام بهذا المعنى وبإزائها أخبار دلت على الدين كما ذهب إليه الشيخ في كتبه الثلاثة الفروعية، واحتج عليه بإجماع الفرقة وحصول الاحتياط.

ومن الاخبار صحيحه أبي بصير (4) عن أحدهما عليهما السلام (في كفارة الظهار قال: تصدق على ستين مسكينا ثلاثين صاعا لكل مسكين مدين مدين).

وقد تكثرت الاخبار مع تعارضها في المد والمدين في الكفارة اليمين، وحمل ما دل على المدين على الاستحباب وهو جمع حسن، والمعتبر من المد

(1) سورة المجادلة - آية 4.

(2) الكافي ج 6 ص 155 ب 2 ح 1، مسند أحمد بن حنبل ج 2 ص 516.

(3) التهذيب ج 8 ص 323 ذيل ح 12، الوسائل ج 15 ص 559 ب 10 ح 1.

(4) التهذيب ج 8 ص 23 ح 50، الوسائل ج 15 ص 556 ب 14 ح 6.


353

الوزن لا الكيل عندنا لان المد الشرعي كما تقدم في الفطرة وفي القتل مركب من الارطال، والرطل مركب من الدراهم، والدارهم يركب من وزن الحبات ويركب من المد الصاع، ومن الصاع الوسق، فالوزن أصل الجميع، وإنما عدل إلى الكيل في بعض المواضع تخفيفا.

وتظهر الفائدة في اعتبار الشعير بالكيل والوزن فإنهما مختلفان جدا بالنسبة إلى مقدار البر بالكيل.

وثانيها: المصروف إليه، وهو ستون، كما هو صريح الاية والرواية، فلا يجزي الصرف إلى ما دون الستين، وأن يراعى العدد في الدفع بأن دفع ألى مسكين واحد في ستين يوما خلافا لابي حنيفة حيث اجتزى بذلك الصرف الى واحد في ستين يوما.

أما الصرف إليه دفعة فلا يجزي أجماعا، وظاهر الاية اعتبار ذلك لان إطعام الستين مسكينا قد اشتمل على وصف وهو المسكنة وعلى عدد وهو الستون، فكما لا يجوز الاخلال بالوصف لا يجوز الاخلال بالعدد، كما أن قوله تعالى (وأشهدوا ذوي عدل منكم) (1) فيه تعرض وصف وعدد، فكما لا يجزي الاخلال بالوصف لا يجزي الاخلال بالعدد حتى لا يكون شاهد مرتين كشهادة اثنين، ولا فرقبين كون ذلك العدد مجتمعين في بلد واحد أو بلدان كثيرة حيث يمكن التوصل إليها، فيجب السعي إلى إطعام العدد لتوقف الواجب عليه، فإن تعذر الوصول إلى العدد جاز الاقتصار على الممكن، وفرق العدد عليهم بحسب الايام حتى لو لم يجد سوى واحد فرق عليه في ستين يوما كما هو المشهور بين الاصحاب، ومستنده الاتي ذكره، والاية ظاهرة في عدم إجزاء ما دون العدد مطلقا فيبقى في الذمة إلى أن يوجد.

وفي موثقة إسحاق بن عمار (2) بل صحيحته (قال: سألت أبا إبراهيم عليه السلام

(1) سورة الطلاق - آية 2.

(2) التهذيب ج 8 ص 298 ح 95، الوسائل ج 15 ص 569 ب 16 ح 2.


354

عن إطعام عشرة مساكين أو إطعام ستين مسكينا أيجمع ذلك لانسان واحد يعطاه ؟ فقال: لا ولكن يعطي إنسانا إنسانا بقدره كما قال عزوجل) الحديث.

وفي خبر السكوني (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن لم يجد في الكفارة إلا الرجل والرجلين فيكرر عليهم حتى يستكمل العشرةيعطيهم اليوم ثم يعطيهم غدا).

وهذه الرواية وإن ضعف إسنادها في الاصطلاح الجديد لكن الحكم بها مشهور لا راد له.

ويجب حمل المعتبرة الاولى على إمكان العدد وقصر الثانية على موردها وهو عدم الامكان.

وثالثها: جنس الطعام

الذي يجب إخراجه في الكفارة، والمعتبر منه في المشهور القوت الغالب من الحنطة والشعير ودقيقهما وما خبز منهما، ويجزي التمر والزبيب.

وأما قوله تعالى في كفارة اليمين (من أوسط ما تطعمون أهليكم) (2) فإما كناية عن الغالب أو محمول على الفضل، وسيأتي في الاخبار ما يدل على غير هذين المعنيين وهو الوسط باعتبار الادام كرواية أبي بصير (3) ورواية أبي جملة (4) عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام.

والذي يدل على كونه من الحنطة صحيحة هشام بن الحكم (5) عن أبي عبد الله عليه السلام (في كفارة اليمين مدمن حنطة وحفنة لتكون الحنفة في طحنه وحطبه).

وصحيحة محمد بن مسلم (6) كما في تفسير العياشي.

وصحيح عبد الله بن سنان (7)

(1) التهذيب ج 8 ص 298 ح 94 وفيه (فليكرر)، الوسائل ج 15 ص 569 ب 16 ح 1.

(2) سورة المائدة - آية 89.

(3) الكافي ج 7 ص 454 ح 14، الوسائل ج 15 ص 566 ب 14 ح 5.

(4) الكافي ج 7 ص 452 ح 5، الوسائل ج 15 ص 655 ب 14 ح 2.

(5) الكافي ج 7 ص 453 ح 9، الوسائل ج 15 ص 565 ب 14 ح 4.

(6) تفسير العياشي ج 1 ص 336 ح 167، الوسائل ج 15 ص 566 ب 14 ح 7.

(7) تفسير العياشي ج 1 ص 337 ح 171، الوسائل ج 15 ح 566 ب 14 ح 8.


355

كما فيه أيضا لقوله (في كفارة اليمين لكل مسكين مد على قدر ما تقوت إنسانا من أهلك في كل يوم، وقال: مد من حنطة يكون فيه طحنه وحطبه).

والذي يدل على مطلق الطعام صحيحة محمد بن مسلم (1) كما في نوادر أحمد ابن محمد بن عيسى عن أبي جعفر عليه السلام (في كفارة اليمين قال: أطعم رسول الله صلى الله وعليه واله عشرة مساكين لكل مسكين مد من طعام في أمر مارية وهو قول الله تعالى: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) (2) الخبر.

وفي صحيح زرارة (3) عن أبي جعفر عليه السلام كما في كتاب النوادر أيضا (في كفارة اليمين قال: عشرة أمداد نقي طيب لكل مسكين مد).

والنقي - بكسر النون مع القاف - هو الدقيق الخالص من الحنطة.

وأما ما يدل على التمر والزبيب فلم نقف عليه في الكفارات، نعم قد ورد في كفارة الصوم لمن لم يقدر على الصيام من الشيخوخة ونحوها، ولعل الحامل لهم على ذلك إجزاء هذه الاصناف في زكاة الفطرة، والا حتياط في التزام الحنطة والشعير وما يتفرع عنهما، ويستحب أن يضم إليه الادم أو ما جرت العادة من أكله مع الخبز مائعا كان كالزيت والدبس أو جامدا كالجبن واللحم.

وقال المفيد: يجب ضمه إليه.

وتبعه تلميذه سلار لرواية أبي بصير (4) عن أبي جعفر عليه السلام وقد سأله عن أوسط ما تطعمون أهليكم (قال: ما تقوتون به عيالكم من أوسط ذلك، قلت: وما أوسط ذلك ؟ فقال: الخل والزيت والتمر الخبز يشبعهم به مرة واحدة).

ورواية أبي جملية (5) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: كفارة اليمين عتق رقبة أو

(1) الوسائل ج 15 ص 567 ب 14 ح 14.

(2) سورة التحريم - آية 1.

(3) الوسائل ج 15 ص 567 ب 14 ح 11.

(4) الكافي ج 7 ص 454 ح 14، الوسائل ج 15 ص 566 ب 14 ح 5.

(5) الكافي ج 7 ص 452 ح 5، الوسائل ج 15 ص 565 ب 14 ح 2.


356

إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم، والوسط الخل والزيت وأرفعه الخبز واللحم).

وحملتا على الاستحباب لصدق الاطعام بدونه.

وفي حسنة الحلبي (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في قول الله عزوجل (من أوسط ما تطعمون أهليكم) قال: هو كما يكون أن يكون في البيت من يأكل المد ومنهم من يأكل أكثر من المد ومنهم من يأكل أقل من المد فبين ذلك، وإن شئت جعلت لهم ادما، والادم أدناه ملح وأوسطه الخل والزيت وأرفعه اللحم).

السابعة عشرة: يجوز أن يعطي العدد متفرقين ومجتمعين لصنف الاطعام على التقديرين، ثم إن سلم المد فلا فرق بين الصغير والكبير، وإن اقتصر على الاطعام اشترط كونهم كبارا أو مختلطين من الصغار والكبار، فلو انفرد الصغار بالاكل احتسب الاثنان منهم بواحد، أما جواز المختلطين فلصدق إطعام العدد على ذلك.

وفي حسنة الحلبي المتقدمة إشارة إليه لقوله (لانه يكون في البيت من يأكل أكثر من المد ومنهم من يأكل أقل من المد فبين ذلك) بقوله تعالى (من أوسط ما تطعمون أهليكم) وظاهر النص والفتوى عدم الفرق عند الاختلاط بين كون الكبار بقدر الغار وأقل.

ويدل على عدم أجزاء الصغار منفردين خبر غياث (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: لا يجزي إطعام الصغير في كفارة اليمين ولكن صغيرين بكبير).

والرواية المذكورة وإن كانت ضعيفة المستند في الاصطلاح الحادث لكن ضعفها منجبر بالشهرة عندهم، وظاهرها وإن كان يقتضي عدم إجزاء الصغير مطلقا إلا أنها قد حملت حالة انفراد الصغار جمعا بينها وبين الرواية السابقة.

ورواية يونس بن عبد الرحمن (3) عن أبي الحسن عليه السلام (قال: سألته عن رجل عليه إطعام عشرة مساكين أيعطي الصغار والكبار سواء أو الرجال والنساء أو يفضل

(1) الكافي ج 7 ص 453 ح 7 وفيه اختلاف يسير، الوسائل ج 15 ص 565 ب 14 ح 3.

(2) الكافي ج 7 ص 454 ح 12، الوسائل ج 15 ص 570 ب 17 ح 1.

(3) التهذيب ج 8 ص 297 ح 93، الوسائل ج 15 ص 570 ب 17 ح 3


357

الكبار على الصغار والرجال على النساء ؟ فقال: كلهم سواء).

ويمكن المناقشة في هذه الرواية بأن موردها حكم التسليم لا الاكل ونزاع في التسوية في هذه الحالة كما مر مثلها الكلام في الاطعام، وهي لا تدل عليه.

وأيضا رواية أبي بصير المتضمنة لاختلاف الاكلين في البيت لا تدل على على التسوية في الاكل بين الصغير والكبير، لان الاختلاف في الاكل متحقق في الكبار أيضا كما هو مشاهد.

فتبقي رواية غياث لا معارض لها إن اعتبرت، لكن عموم الاية والاخبار يقتضي الاكتفاء في الاطعام في الصغير كالكبير مطلقا، وحينئذ فيمكن القول بخروج ما إذا انفرد الصغار بالاتفاق عليه فيبقي الباقي، ولا حاجة إلى دلالة الروايات وإن كانت هي أصل الوفاق على حكم الصغار، فتمام البحث يتوقف على امور:

منها: أن الواجب على تقدير الاطعام إشباعه مرة واحدة

على المشهور لحصول الامتثال لصدق الاطعام المأمور به في الاية بها، ولرواية أبي بصير السابقة وما جرى مجراها حيث عينت المرة بقوله فيها (يشبعهم بها مرة واحدة) وقالالمفيد وجماعة: يشبعه في يومه.

وقال الاسكافي: يشبعه في الغداء والعشاء.

والاصح الاول لدلالة الروايات عليه صريحا، ولا مستند لهذين لقولين منها.

ومنها: أنه لا يتقدر الاشباع بقدر معين بل ما يحصل به عادة

سواء كان قد زاد عن المد أم نقص، فلو لم يكفه المد وجبت الزيادة عليه حتى يشبع، كما أنه لو شبع بدونه كفاه.

ومنها: أن إخراج المد من الحنطة والدقيق والخبز كاف في ذلك

الامتثال وإن توقف الاولان على عمل زائد حتى يصير مأ كولا بالفعل للعموم، بل لصريح تلك المعتبرة المتقدمة لقوله فيها (مد لكل مسكين) ويكون فيه طحنة وخبزة.

وقال ابن الجنيد: يجب مؤونة طحنه وخبزه وادمه


358

وقد تقدم في حسنة هشام بن الحكم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (في كفارة اليمين مدمن حنطة وحفنة، لتكون في طحنه وخبزه).

وفي صحيحة محمد بن مسلم (2) المتقدمة من العياشي ما يدل على ما قلناه من أن الموظف أقل من مد، وإنما جعل المد من حنطة ليكون فيه وطحنه وحطبه.

وفي رواية الحلبي (3) المروية في العياشي أيضا عن أبي عبد الله عليه السلام (في كفارة اليمين يطعم عشرة مساكين مدين من حنطة ومد من دقيق وحفنة).

وكان ذلك محمول على الاستحباب حتى في تضعيف الحنطة وإفراد الدقيق، وحينئذ تجتمع الاخبار سيما أخبار المد فإنها مستفيضة بهذا القدر، فيكون هو الواجب لا غير، وما زاد يكون استحبابا.

ومنها: أن المعتبر إخراج عن الطعام فلا تجزي القيمة،

نعم لو أراد الاقتصار على بعض الواجب جاز شراؤه من المستحق بعد احتسابه عليه ثم احتسابه على غيره على كراهة فيتأدى الواجب بمد واحد.

ومنها: أن المعتبر إخراج نقصان المستحق عن المد على تقدير التسليم إليهم وإن كثر المستحقون،

بل يتخير منهم بعدد الواجب، فلو دفع الستين إلى مائة وعشرين أجزأ في نصف المخرج ووجب عليه أن يكمل لستين منهم ثلاثين مدا كل واحد نصف مد.

ثم إن كان علم الباقون بالحال جاز لهم الرجوع بما جاز، وإل فلا يجوز إلا مع بقاء العين خاصة.

وكذا لو دفع إلى الواحد أزيد من مد لا على جهةالاستحباب ولا تقدير في الصغير والكبير شرعا فيرجع فيهما إلى العرف.

ولا يختص الكبير بالبالغ بل العبرة بكثرة الاكل وقلته بحيث يقارب أكل المتوسط

(1) الكافي ج 7 ص 453 ح 9، الوسائل ج 15 ص 565 ب 14 ح 4 وفيهما (في طحنه وحطبه).

(2) تفسير العياشي ج 1 ص 336 ح 167، الوسائل ج 15 ص 566 ب 14 ح 7.

(3) تفسير العياشي ج 1 ص 338 ح 147، الوسائل ج 15 ص 567 ب 14 ح 10.


359

من الكبار، ولكل بلوغ عشر سنين يقارب ذلك غالبا.

ولو أخرج الحنطة أو الزبيب أو نحوهما على تقدير الاجزاء اشترط كونه سليما من العيب ومن ممازجة غيره كالتراب والزوان ويعفى عن المعتاد منهما ومن نحوهما.

الثامنة عشرة: قد اختلفت الاصحاب - رضوان الله عليهم - في اشتراط الايمان بالنسبة إلى المستحق لاخذ الكفارات إلى أقوال: أحدها: أنه ليس بشرط بل يكفي الاسلام العام بحيث لا يحكم بكفره من فرق المسلمين كالناصب، وهو مختار المحقق - رحمه الله - لعموم آيات الكفاراتالكبرى والصغرى ككفارة الظهار والقتل واليمين لا طلاق المساكين، ولخصوص صحيحة يونس بن عبد الرحمن (1) عن أبي الحسن عليه السلام (قال: سألته عن رجل عليه كفارة إطعام عشرة مساكين) وساق الخبر كما تقدم إلى أن قال: (كلهم سواء، ويتمم إذا لم يقدر من المسلمين وعيالاتهم العدة التي تلزمه من أهل الضعف ممن لا ينصب).

وموثقة إسحاق بن عمار (2) عن الكاظم عليه السلام وقد سأله عن الكفارة إلى أن قال: (قلت: فيعطيه ضعفاء من غير أهل الولاية ؟ قال: نعم وأهل الولاية أحب إلي).

وثانيها: اشتراطه مع الامكان، قال: فإن لم يجد تمام العدة كذلك جاز إعطاه المستضعف من المخالفين.

وهو للشيخ في النهاية، وقواه في المختلف، وليس في النصوص ما يدل عليه بالخصوص لكنه حمله على الزكاة في الفطرة، فإنه قد اختلف الاخبار في اشتراط الايمان فيها، فجمع الشيخ بينها بحمل أخبار الجواز على المستضعف.

وثالثها: اشتراط كونه مؤمنا أو مستضعفا.

وهو للشيخ - رحمه الله - في المبسوط والعلامة في الارشاد.

أما المبسوط فقد جعل مصرفها مصرف زكاة الفطرة

(1) التهذيب ج 8 ص 297 ح 93، الوسائل ج 15 ص 570 ب 17 ح 3.

(2) التهذيب ج 8 ص 298 ح 95، الوسائل ج 15 ص 571 ب 18 ح 2.


360

وجوز صرف زكاة الفطرة إلى المستضعف منهم.

وأما الارشاد فمنع عن إعطائها المخالف مطلقا، واستحب أن يكون من المؤمنين وأولادهم، فيكون المستضعف خارجا عن القسمين، وهو يقتضي جواز إطعامه منها.

ورابعها: اشتراط الايمان مطلقا،

فإن وجد وإلا أخرها إلى أن يتمكن منهم.

وهو قول الاسكافي والقاضي والحلي والعلامة في القواعد والتحرير.

وخامسها: اشتراط الايمان كذلك مع العدالة المعتبرة في الزكاة

عند القائل بذلك، وهو ابن إدريس لانه جعل مصرفها مصرف الزكاة واشترط في مستحقها العدالة.

ودليل هذه الاقوال كلها راجع إلى دليلهم في الزكاة لان الملازمة ممنوعة لعدم الدليل عليه من الاخبار ولا من الفتوى المتفق عليه.

فالاقوى إذن ما دل عليه المعتبران من جواز إعطائها المسلمين، فإن عجز عنهم فالمستضعفون ممنلا ينصب، وفيه دلالة على مختار المحقق - رحمه الله - ولهذا انفرد بهذا المذهب.

ولا ريب في اعتبار المسكنة لانها منصوص عليها في الايات والروايات، فلا يتعدى إلى غير هم من أصناف مستحقي الزكاة وغير الفقير حتى الغارم وإن استغرق دينه ماله إذا ملك مؤونة السنة.

وكذا ابن السبيل إن أمكنه أخذ الزكاة والاستدانة، وإذا ففي جواز أخذه نظر لانه في معنى المسكين، ومن أنه قسيم له مطلقا.

ويظهر من الدروس جواز أخذه لها حينئذ.

واختلفوا في الفقير، فعلى تقدير الترادف يجوز له سواء جعلناه أسوأ حالا أو بالعكس، فإن الاقوى الجواز سيما إذا كان هو أسوأ حالا.

وإن أثبتنا التغاير بينهم وجعلنا المسكين أسوأ حالا لم يصح دفعها إليه، والاقوى أنهما مع الاطلاق مترادفان، واعتبار التغاير بينهما بما ذكر مخصوص بما إذا كانا صنفين.

التاسعة عشرة: قد ثبت أن كفارة اليمين مخيرة بين الاطعام والعتق والكسوة وقد مضى معنى العتق والاطعام وبقي معنى الكسوة.

وقد اختلف في المراد منه


361

حيث ورد الامر بها مطلقا.

فمنهم من حملها على عرف الشرع في الصلاة ففرق بين الرجل والمرأة، وهو الاسكافي، فاعتبر للمرأة درع وخمار واكتفي للرجل بثوب يجزيه في مثله الصلاة، ومنهم من أطلق الثوبين، وهو المفيد وسلار.

ومنهم من أطلق الثوب كالشيخ في المبسوط والحلي والمحقق والعلامة - رحمهم الله - في المختلف والتحرير والارشاد.

ومنهم من فصل فاعتبر الثوبين مع القدرة واكتفى بالواحد مع العجز، وهو قول الشيخ في النهاية والقاضي والحلبي والعلامة في القواعد وابنه في شرحها.

وهذا

الاختلاف ناش من اختلاف الاخبار،

ففي صحيح الحلبي (1) عن الصادق عليه السلام (في كفارة اليمين يطعم عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة أو من دقيق وحفنة أو كسوتهم لكل إنسان ثوبان).

ومثله رواية علي بن أبي حمزة (2) عنه عليه السلام.

وخبر عبد الله بن سنان (3) كما في تفسير العياشي عن أبي عبد الله (في كفارة اليمين ثوبان لكل مسكين).

وخبر أبي خالد القماط (4) كما فيه أيضا (أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول فيكفارة اليمين: من كان له ما يطعم وليس له أن يصوم فأطعم عشرة مساكين مدا مدا أو عتق رقبة أو كسوتهم، والكسوة ثوبان، أي ذلك فعل أجزأ عنه).

وخبر سماعة (5) كما فيه أيضا وفيه عن الصادق عليه السلام (أو كسوتهم، قال:

01) تفسير العياشي ج 1 ص 338 ح 174 وفيه (لكل مسكين مدين مد ين حنطة ومد من دقيق وحفنة)، الوسائل ج 15 ص 567 ب 14 ح 10 وفيه (لكل مسكين مدين من حنطة ومد من دقيق وحفنة).

(2) الكافي ج 7 ص 452 ح 3، الوسائل ج 15 ص 560 ب 12 ح 2.

(3) تفسير العياشي ج 1 ص 337 ح 171، الوسائل ج 15 ص 566 ب 14 ح 8.

(4) تفسير العياشي ج 1 ص 338 ح 178، الوسائل ج 15 ص 563 ب 12 ح 13 وفيهما اختلاف يسير.

(5) تفسير العياشي ج 1 ص 337 ح 168، الوسائل ج 15 ص 562 ب 12 ح 9 والخبر فيهما هكذا: (قال: سألته غن قول الله (من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم) في كفارة اليمين، قال: ما يأكل أهل البيت يشبعهم يوما، وكان يعجبه مد لكل مسكين، قلت: (أو كسوتهم) ؟ قال: ثوبين لكل رجل


362

ثوبان لكل رجل).

وخبر زرارة (1) كما فيه أيضا حيث قال عليه السلام: (والكسوة ثوبان).

وخبر محمد بن مسلم (2) كما فيه أيضا عن أحدهما عليهما السلام حيث قال: (فكسوتهم لكل مسكين إزار ورداء وللمرأة ما يواري ما يحرم منها إزار وخمار ودرع).

وروى أبو بصير (3) في الصحيح (قال: سألت الباقر عليه السلام وساق الخبر إلى قوله: (قلت: كسوتهم ؟ قال: ثوب واحد).

وروى الحسين بن سعيد (4) عن رجاله عن الصادق عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله وعليه واله: في كفارة اليمين ثوب يواري عورته).

وروى محمد بن قيس (5) عن أبي جعفر عليه السلام إلى أن قال: (فمتى وجد الكسوة وهي ثوب يواري عورته).

وروى معمر بن عثمان (6) (قال: سألت الباقر عليه السلام عمن وجب عليه الكسوة في كفارة اليمين ؟ قال: ثوب يواري عورته).

والشيخ - رحمه الله - بين هذه الاخبار بحمل وجوب الثوبين على القادرعليهما ووجوب الواحد على من لم يقدر إلا عليه، وهو حمل يعيد ليس في الاخبار

(1) تفسير العياشي ج 1 ص 338 ح 173، الوسائل ج 15 ص 567 ب 14 ح 9.

(2) تفسير العياشي ج 1 ص 336 ح 167، الوسائل ج 15 ص 566 ب 14 ح 7.

(3) الكافي ج 7 ص 454 ح 14، الوسائل ج 15 ص 566 ب 14 ح 5.

(4) التهذيب ج 8 ص 320 ح 3، الوسائل ج 15 ص 568 ب 15 ح 3.

(5) الكافي ج 7 ص 452 ح 4 وفيه (قلنا: فما حد الكسوة ؟ قال: ثواب يوارى به عورته)، الوسائل ج 15 ص 568 ب 15 ح 1 وفيه (فمن وجد الكسوة قال: ثوب يوارى عورته.

(6) الكافي ج 7 ص 453 ح 6 وفيه (معمر بن عمر - يوارى به)، الوسائل ج 15 ص 568 ب 15 ح 2 وفيه (معمر بن عمر (خ ل) عثمان).


363

إشعار به.

فالجمع بينهما بحمل الثوبين على الافضلية والثوب على الاجزاء كما ذكره ثاني الشهيدين في المسالك وتبعه الاكثر من متأخري المتأخرين.

وربما رجح أخبار الثوبين مطلقا لتعدد أخبارهما وصحتها لان ما قابلهافي الاية فإنها صادقة بالثوب الواحد، والمعتبر في الثوب أو الثوبين ما يتحقق به الكسوة في الاية والروايات المطلقة فإنها صادقة بالواحد عرفا كالجبة والقميص والازار والسراويل والمقنعة للانثى دون المنطقة والخف والقلنسوة، وأقله ما يستر العورتين كالميزر إن اعتيد لبسه، وإلا فلا.

ولو صح كسوة للصغير دون الكبير كفي إن دفعه بنية الصغير دون الكبير والمعتبر في جنسه ما يعد به كسوة عرفا فيدخل القطن والكتان والصوف والحرير للنساء والفرو والجلد المعتادان، وكذا القبب والشعر إن اعتاداه، وإلا فلا.

ويجزي كسوة الصغار وإن انفردوا للعموم ويستحب الجديد ويجزي غيره إلا المنسحق والمتخرق.

العشرون: لا يجوز صرف الكفارات في المشهور إلى من تجب نفقته على الدافع كالابوين وإن علوا والاولاد وإن سفلوا والزوجة الدائم والمملوك لانهم أغنياء بالدافع، يدفع لمن سواهم وإن كانوا أقارب، وذلك لان المسكنة المتحققة هنا بعدم القدرة على مؤونة السنة شرط في المستحق، وكانت نفقة العمودين والزوجة الدائمة والمملوك واجبة على الاب والابن والزوج، والمولى كان المنفق عليه غنيابذلك فلا يجامعه الاعطاء من الكفارة لفقد شرط الاستحقاق.

ولا فرق في جواز عدم الصرف بين كون الدافع هو من تجب عليه النفقة أو غيره، وإنما ذكر الاكثر الحكم لمن تجب عليه النفقة لنكتة هو أن عدم جواز دفعه إليهم منها غير مقيد ببذله النفقة لهم ولا بعدمه لان قدرته على الانفاق عليهم تجعلهم بالنسبة إليه بمنزلة الاغنياء، فلا يجوز إليه صرفها إليهم حتى


364

لو منعهم منها واحتاجوا، فحكمهم كذلك بالنسبة إليه لكون الشرط مقدورا عليه له والتقصير واقع منه، فلو لم يكن باذلا لهم وصاروا محتاجين جاز لغيرهم صرفها إليهم لتحقق الوصف فيهم، عدم قدرة الدافع على تحصيل الشرط لانه متعلق بفعل غيره.

اللهم إلا أن يكون الدافع حاكما شرعيا ويمكن إجبار المنفق عليهم فيكونون حينئذ كالاغنياء بالقوة بالنسبة إليه أيضا.

ولا تحتاج إلى تقبيد واجبي النفقة.

ولا فرق في الزوجة بين الناشز والمطيعة وإن كانت الناشز لا تجب نفقتها وهي فقيرة بذلك لقدرتها على تحصيل الغناء بالطاعة فكانت غنية بالقوة كغناء المكتسب لقوت سنة عند ما يترك التكسب مختارا،والحكم في الاب ونحوه من الاقارب مخصوص بنفقة نفسه، فلو كان له زوجة لم يجب على الولد الانفاق عليها.

وهل يجوز للولد إعطاء الاب لاجل الانفاق عليها ؟ ظاهر عبارات كثير منهم العدم، ويؤيده أن المعطي غني بالنظر إلى نفقة نفسه فلا يستحقها، وفقير بالنظر إلى نفقة الزوجة فلا يجب الانفاق عليها لانه المفروض، فلا يجوز.

نعم لو كانت فقيرة جاز الدفع إليها كغيرها.

وكذا القول في أولاد الاب لانهم إخوة وفي زوجة الابن، أما أولاده فإنهم أولاد.

الحادية والعشرون: المعتبر في كفارة المرتبة حال الاداء لاحال وجوبها لان خصال الكفارة عبادات، فيراعى فيها حالة الاداء كنظائرها من العبادات، فإن النظر في القدرة على استعمال الماء مثلا والعجز عنه إلى حالة الاداء وكذلك في الصلاة بالنظر إلى القيام والعجز عنه إلى حالة الاداء حتى لو عجز عن القيام حالة الوجوب وقدرعند الاداء صلى صلاة القادر، ولو انعكس الحال انعكس الحكم.

ولم يخالف فيه إلا بعض العامة هنا، فجعلوا الاعتبار بحال الوجوب نظرا


365

إلى أن الكفارة نوع تطهير يختلف حاله باختلاف الوقت كما في الحد الشرعيمثلا فإنه لو زنى وهو رقيق ثم اعتق (1).

ويتفرع على ذلك ما لو كان قادرا على العتق حال الوجوب فلم يعتق ثم اعسر فينتقل إلى الصوم على الاول، ولو كان عاجزا عن العتق قادرا على الصوم ثم تجدد عجزه عنه وجب عليه الاطعام مع تمكنه منه وعلى الثاني يبقى الواجب وقت الوجوب في ذمته فلا ينتقل عنه.

ولو انعكس فكان معسرا وقت الوجوب ثم ايسر وجب العتق على الاول، أو كان عاجزا كما لو تكلف الفقير العتق ولو بالاقتراض مع احتمال بالعدم لانه ليس من أهله.

ومم يتفرع عليه أيضا ما لو كان المكفر عبدا حالة الوجوب فاعتق قبل أن يشرع في الصوم وايسر فإنه يجب عليه العتق لقدرته عليه بناء على اعتبار حالة الاداء، وعلى القول الثاني لا يجب عليه.

وربما قيل بعدم وجوبه عليه على القولين بناء على أن كفارة العبد لا يكون بالعتق.

ويفرق بينه وبين العاجز الحر حيث تتجدد قدرته بأن الرقية مانع السبب والعجز مانع الحكم، فإذا قرر عمل السبب عمله بخلاف ما إذا اعتق لفقد سبب الحكم بالعتق حين وجوب الكفارة وعدم كونه من أهل الاعتاق حينئذ.

ثم إنه على تقدير الاعتبار بحالة الاداء لا يخلو تعيين الواجب قبله من غموض وخفاء وذلك لان المحكوم بوجوبه حال المخاطبة بها من الخصال ليس هو المراد عند الاداء لعدم اجتماع الشرائط، بل إما أن يقال الواجب حينئذ أصل الكفارة ولا يوجب خصلة على التعيين بمجرد الوجوب، ثم إذا تبدل الحال تبدل الواجب كما أنه يجب على القادر صلاة القادرين، فإذا تبدلت صفة الصلاة، ولعل هذا أظهر.

(1) كذا في النسخة، والظاهر سقوط كلمات من هنا.


366

ثم إنه إذا كان له مال يصل إليه بعد مدة غالبا لم ينتقل فرضه بل يجب الصبر.

ولو كان مما يتضمن المشقة بالتأخير كاظهار ففيه وجهان، وتردد فيه المحقق - رحمه الله - وهذان الوجهان فيه مبنيان على ما ذكروه على لزوم الضرر والمشقة، وهما منفيان شرعا، فكان بسبب ذلك بمنزلة الفاقد، وفي الانتقال إلى الصوم قوة.

ووجه الفرق بينه وبين المريض المتضرر بالصوم حيث يجوز له الانتقال إلى الطعام وإن كان راجيا للبرء لان الله تعالى قال: (فمن لم يجد فصيام شهرينمتتابعين) (1) ولم يقل لم يملك مالا جما غائبا عنه أنه غير واجد للرقبة وقال في الصيام (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) (2) ويقال للعاجز بالمرض: إنه غير مستطيع للصوم.

وأيضا فوصول الماء يتعلق بوصوله غالبا، والاختيار إذا كان في مقدمات الشئ والتسبيب إليه كالاختيار في نفسه وزوال المرض لا يدخل تحت الاختيار.

ولو وجد من يبيعه نسية إلى أن يحضر ماله الغائب

فهل يجب عليه الشراء أم لا ؟ قولان: من تحقق الوجدان حينئذ والعوض موجود في نفسه، ومن احتمل تلف المال قبل أن يصل إليه فيتضرر بالدين.

وقد أطلق كثير من الاصحاب هنا وجوب الاستدانة عليه حينئذ، لكن ينبغي تقييده

بالوثوق بسلامته غالبا،

وإلا فعدمه أوجه.

الثانية والعشرون: إذا عجز عن العتق من وجب عليه وانتقل إلى الصوم ثم وجد ما يعتق لم يلزمه وإن كان أفضل.

وكذا لو عجز عن الصيام فدخل في الاطعام ثم زال العجز.

ووجه عدم لزوم العتق في الاثناء مع صدق الوجدان الموجب لعدم إجزاء

(1) و (2) سورة المجادلة - آية 4


367

الصوم أنه عند الشروع كان فاقدا ومن ثم شرع في البدل، فلو لم يكن مسقطا للتعبد بالعتق لم يكن الصوم بدلا، ومتى ثبت الصوم شرعا وجب استصحابه، والخطاب قد تعلق بالعتق قبل شروعه في الصوم لابعده.

ويدل عليه من الاخبار صحيح محمد بن مسلم (1) عن أحدهما عليهما السلام (قال: سئل عمن ظاهر في شعبان ولم يجد ما يعتق، قال: ينتظر حتى يصوم شهرين متتابعين، فإن ظاهر وهو مسافر انتظر حتى يقدم، فإن صام وأصاب مالا فليمض الذي ابتدأ فيه).

وخالف الاسكافي في ذلك فأوجب قبل صوم أكثر من شهر العتق عليه لصحيحة محمد بن مسلم (2) أيضا عن أحدهما عليهما السلام (قال في رجل صام شهرا من كفارة الظهار ثم وجد نسمة، قال: يعتقها ولا يعتد بالصوم).

وهي محمولة في المشهور على الافضل جمعا بينها وبين الصحيحة المتقدمة، ولا بأس به.

وقد عرفت أن العجز عن الصيام بعد الشروع في الاطعام لا يجب عليه العودإليه لما ذكر من التعليل، وإلا فهو غير منصوص بالخصوص، ويزيد هنا أنه لا معارض من جهة النص، ويتحقق الشروع في الصوم بدخول جزء من اليوم ولو لحظة، وفي الاطعام بشروع المسكين في الاكل إن كفر به، ويدفع مد إليه إن كفر بالتسليم.

واعلم أن سقوط الحكم بالعتق على تقدير الشروع في الصوم المراعى بإكماله على الوجه المأمور به، فلو عرض في أثنائه ما يقطع التتابع وحصلت القدرة على العتق حينئذ إما باستمرار السابق أو بأمر متجدد وجب العتق لحصول المقتضي له وهو القدرة عليه قبل الشروع في الصوم المجزي، لانه ببطلان السابق ينزل منزلة

(1) الكافي ج 6 ص 156 ح 12، الوسائل ج 15 ص 552 ب 4 ح 1 وفيهما (يصوم شهر رمضان ثم يصوم شهرين).

(2) التهذيب ج 8 ص 17 ح 29، الوسائل ج 15 ص 553 ب 5 ح 2.


368

العدم وهو من لم يصم أصلا بالنسبة إلى الكفارة وإن يحكم ببطلان ذلك اليوم من أصله بالنسبة إلى الثواب عليها.

ولو فقدت القدرة على الاعتاق قبل أن يجباستئناف الصوم بقي حكم الصوم بحالة.

ومثل هذا ما تقرر في التيمم لو وجد الماء وقد شرع في الصلاة إذا لم نقل بالقطع مطلقا، فإنه لايقسد التيمم إلا أن يستمر وجدان الماء إلى أن يفرغ من الصلاة ويتمكن من الاستعمال له، فإن فقد قبل ذلك بقي التيمم بحاله ولو فرض المائية.

الثالثة والعشرون: من وجب عليه شهران متتابعان، فإن صام هلالين تحقق الامتثال وأجزأه ولو كانا ناقصين، وإن صام بعض الشهر وأكمل الثاني اجتزى به وإن كان ناقصا، ويكمل الاول عدديا ثلاثين يوما.

ونقل في الشرائع قولا بأن يتمه خاصة، والاول هو الاشهر والاشبه، وإنما اكتفى بجعل الثاني هلالين بحصول الامتثال بصدق اسم عليه، فلا مانع من حمله على الهلالين.

وأما الثاني فلبنائه من حين الشروع فيه على أنه عددي، فيلزم إكماله ثلاثين.

ولا يتعين إكماله من الشهر الذي يليه لان الغرض من الاكمال حاصل سواء أكمل من الذي يليه أم من غيره، لكن إكماله منه يلزم اختلال الشهر الثاني وصيرورته عدديا مع إمكان جعله هلاليا على أصل وضعه، بخلاف إكمالهمن الثالث فكان أولى.

وأما القول الذي في الشرائع - من إنه يكفي إكمال الاول من الثالث بقدر ما فات من الاول خاصة - فلو فرض كونه ناقصا وقد مضى منه عشرة أيام مثلا فصام الباقي منه وهو تسعة عشر يوما أكلمه من الشهر الثالث عشرة أيام خاصة.

ووجه هذا القول ما أشرنا إليه من أن المعتبر شرعا في الشهر هو الهلالي، فإذا


369

فات شئ منه وجب استدراكه فيتحقق كماله.

وعلى القول الاول يصوم من الثالث أحد عشر يوما، وهو الاقوى.

وفي المسألة قول ثالث قد مر في العدد والسلم أنه مع انكسار الاول ينكسر الجميع، ويبطل اعتبار الاهلة لان الشهر الثاني لا يدخل حتى يكمل الاول، وتمامه بعدد من الثاني فينكسر الثاني أيضا، والجواب عن هذا ما مر عن قريب.

الرابعة والعشرون: من جنسين بأن يعتق نصف رقبة مثلا ويصوم شهر أو يطعم ثلاثين مسكينا أو يطعم خمسة ويكسي في كفارة اليمين، وإنما لم يجز ذلك لان الله تعالى قد أوجب الخصال المخصوصة مفصلة على ذلك الوجه المرتبوالمخير، والتفصيل يقطع الاشتراك، ولان من أعتق نصف رقبة وصام شهرا مثلا غير صادق عليه مضمون الايات والروايات من كونه حرر رقبة ولا صام شهرين متتابعين، فلا يكون قد أتى بالمأمور به فيبقى تحت العهدة.

نعم يجوز له في الخصلة الواحدة التفريق في أصنافها بأن يطعم بعض المستحقين ويسلم إلى بعض أو يطعم البعض نوعا من القوت الغالب والبعض الاخر غيره أو يغاير بينهم في الكسوة ونحو ذلك لصدق إطلاق اسم الاطعام والكسوة على هذا الوجه، ولا يجزيه دفع القيمة في جميع المراتب لاشتغال الذمة بعين تلك الخصال لا بقيمتها، فلا يصدق على من دفع فيمة الطعام أنه أطعم ولا من دفع قيمة الكسوة أنه كسى، والامر متعلق بعين هذه الخصال.

وقد قام على ذلك الاجماع من علماء الامامية وعليه أكثر العامة، وإنما خالف بعضهم من حيث اشتراكهما في المقتضي وهو منفعة المسكين، وضعفه بين لان مطلق المنفعة غير مجز وإنما هو المنفعة على الوجه المأمور به، وهو منتف على تقدير القيمة.


370

تتمسة لا تدفع الكفارة إلى الطفل لانه مسلوب الاهلية لذلك بل تدفع إلى وليه وذلك إذا كانت العطية بتسليم المد لان الطفل محجور عليه في أمواله وقبضها إلا بإذن وليه.

وخالف في الخلاف فجوز دفعها إلى الطفل محتجا بإجماع الفرقة وبعموم قوله (فإطعام ستين مسكينا) مع أنه قال في المبسوط: لا تدفع الكفارة إلى الصغير لانه لا يصح منه القبض لكن يدفع إلى وليه كي يصرفها في مصالحه مثلما لو كان له دين لم يصح قبضه.

وإن كانت بالاطعام فالاقوى جوازه بدون إذن الولي إذ ليس فيه تسليط للطفل على ماله، لان الطعام للدافع لا ينتقل إلى ملك الاكل إلا بالازدراد في الاصح فلا يصادف ذلك تصرفه في ماله فكان سائغا، ولان الغرض من فعل الولي إطعامه وذلك حاصل، ولان الدافع محسن محض فينتفي عنه السبيل، لعموم الاخبار والاية.

ويحتمل المنع كالتسليم إلا بإذن الولي لان مقتضى عموم ولايته توقفالتصرف في مصالح الطقل على أمره، وأما الكسوة فهي موضع التسليم لا قتضائها التمليك بخلاف الاطعام.

وربما احتمل في الكسوة عدم توقفها على الاذن أيضا لكونها من ضرورات الطفل ولا يمكن الولي ملازمتها وهي ملبوسة فتكون في معنى الاطعام، والاصح الاول.

الخامسة والعشرون: كل من وجب عليه صوم شهرين فعجز عنهما صام ثمانية عشر يوما، فإن يقدر تصدق عن كل يوم بمد من طعام، فمن لم يستطع فكفارته الاستغفار الله سبحانه وتعالى ولا شئ عليه بعد ذلك.

وإطلاق وجوب الشهرين في كلامهم يشمل جميع ما وجب بأحد الاسباب


371

كفارة أو نذرا وما في معناه وما لو وجب الكفارة تعيينا أو تخييرا لان الواجب المخير بعض أفراد الواجب، وقد مضى الكلام على هذه المسألة في الصوم إلا أن الحكم بذلك التعميم لا يخلو من إشكال لان في مستنده قصورا لكن العمل بذلك مشهور بين الاصحاب.

ففي رواية أبي بصير (1) عن الصادق عليه السلام الواردة في الظهار فإنها قد دلت علىوجوب صوم ثمانية عشر يوما للعاجز عن الخصال الثلاث المرتبة.

وفي حسن عبد الله بن سنان (2) بل صحيحه عن أبي عبد الله عليه السلام (في رجل وقع على أهله في شهر رمضان فلم يجد ما يتصدق به على ستين مسكينا، قال: يتصدق بما يطيق).

والشهيد في الدروس جمع بين هذين الخبرين بالتخيير بين الامرين، وقد اختلفوا في اشتراط التتابع في الثمانية عشر وعدمها، فمنهم من راعى فيها التتابع لانها بدل عما يجب فيه التتابع، ومنهم من لم يعتبر ذلك لان الملازمة ممنوعة.

وصرح العلامة بوجوب الاتيان بالممكن عن الصوم والصدقة وإن تجاوز الثمانية عشر عملا بعموم (3) (إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) حتى لو أمكن الاتيان بالشهرين متفرعا وجب مقدما على الثمانية عشر.

وفي الجمع بين ذلك والحكم بالثمانية عشر بخصوصه نظر، لان قطع الاستفصال بين القادر وغيره دليل على الانتقال إليه وإن قدر على الاكثر، فقطع النظر عن هذا البدل والرجوع إلى العموم أولى من تكلف هذا الجمع، وعلى تقدير ثبوته لا وجه لوجوب الزائد عنه وإن قدر عليه لان قضية البدلية توجب ذلك.

(1) التهذيب ج 8 ص 23 ح 49، الوسائل ج 15 ص 558 ب 8 ح 1.

(2) الكافي ج 4 ص 102 ح 3، الوسائل ج 7 ص 29 ب 8 ح 3 وفيهما (يتصدق بقدر ما يطيق).

(3) عوالي اللئالى ج 4 ص 58 ح 206.


372

وجعل بعضهم الصدقة بعد العجز عن الصوم ثمانية عشر عن كل يوم من أيام الستين لا الثمانية عشر وهو لا يتم على إطلاقه لان من جملة موجب الشهرين الكفارة المخيرة كما تقرر، والانتقال فيها إلى صوم الثمانية عشر مشروط بالعجز عن الستين فكيف يرجع إليها بعد الخروج منها ! ! ثم على تقدير إرادة ما يعم المخيرة لا وجه لهذا التقييد بالعجز عن الشهرين في الانتقال إلى الثمانية عشر لما ثبت من أنها مشروطة بالعجز عن الاطعام أيضا.

وبالجملة: فليس لهذا الحكم مرجع يعتد به حتى يعتمد عليه ويلاحظ ويترتب عليه ما يناسبه من الاحكام، وبقية الكلام فيه قد تقدم في الصيام من المصنف - قدس الله روحه -.

وأما الاستغفار بعد العجز عن جميع هذه الخصال وما هو بدل عنها فهو بدل مشهور بين الاصحاب ومختص بهم، فلم يذهب إليه أحد من العامة، ولا يختص عندهم بكفارة دون كفارة، بل يجزي في جميع الكفارات بعد العجز عن خصالها.

إلا الظهار فإن فيه خلافا، وقد تقدم هناك لاختلاف الاخبار فيه.

ففي خبر أبي بصير (1) عن أبي عبد الله عليه السلام (قال: كل من عجز عن الكفارة التي تجب عليه من صوم أو صدقة في يمين أو نذر أو قتل أو غير ذلك مما يجب على صاحبه فيه الكفارة فالاستغفار له كفارة ما خلا يمين الظهار).

وروى زرارة (2) عن الباقر عليه السلام (قال: سألته عن شئ من كفارة اليمين) وساق الحديث إلى أن قال: (قلت: فإنه عجز عن ذلك، قال: فليستغفر الله ولا يعود) وفي طريقها ابن بكير وابن فضال فتكون من الموثق وهو أقوى من الضعيف، على أنه لم ينقل جعله بدلا في أكثر الكفارات التي سئل عنها النبي صلى الله وعليه واله والائمة عليهم السلام في شهر رمضان والظهار وغيرهما، وقد تقدم في الاخبار ما

(1) الكافي ج 7 ص 461 ح 5، الوسائل ج 15 ص 554 ب 6 ح 1.

(2) الكافي ج 7 ص 453 ح 11، الوسائل ج 15 ص 562 ب 12 ح 6.


373

يدل على ذلك لاعتراف السائل بالعجز عن الخصال أجمع، والذي يظهر من كلمات الاصحاب الاتفاق على جعل الاستغفار بدلا في غير الظهار، وأن المعتبر منه مرة واحدة بالنية عن الكفارة ضاما إلى اللفظ الندم على ما فعل والعزم على عدم العود إن كانت عن ذنب وإلا كفى مجرد الاستغفار وكان وجوبه تعبدا أو عن ذنب غيره على تقديره ولو تجددت القدرة بعد ذلك على الكفارة ففي وجوبها وجهان، ومعتبرة إسحاق ابن عمار (1) المتقدمة الواردة في المظاهر (أنه يستغفر الله ويطا، فإذا وجد الكفارة كفر) وقد تقدم البحث في ذلك كله مستوفيا فليراجع من هناك.

السادسة والعشرون: قد تقدم في كتاب العتق أن من ضرب مملوكه فوق الحد فكفارته عتقه، وقد اختلف في هذه الكفارة إيجابا واستحبابا، فالشيخ وأتباعه على الوجوب، والمحقق والعلامة وأكثر المتأخرين على الاستحباب.

واستندوا في ذلك إلى صحيحة أبي بصير (2) عن الباقر عليه السلام (قال: من ضرب مملوكه حدا من الحدود من غير حد أوجبه المملوك على نفسه لم يكن لضاربهكفارة إلا عتقه).

وهذه العبارة لا تفي بالوجوب، ومن هنا احتج له في المختلف زيادة على الرواية بأنه فعل محرم والعتق مسقط لذنب القتل وهو أعظم من الضرب فاستحب العتق، وهو استدلال غريب ولو استند للرواية كان أجود.

وأنكره الحلي رأسا لعدم دليل يدل عليه وهو على قاعدته ظاهر لعدم عمله بأخبار الاحاد محدث الوسائل فيها أن هذه الكفارة مستحبة وإن ضربه

(1) الكافي ج 7 ص 461 ح 6، الوسائل ج 15 ص 555 ب 6 ح 4 وقد نقل بالمضمون.

(2) الكافي ج 7 ص 263 ح 17، الوسائل ج 18 ص 337 ب 27 ح 1 وفيهما (من ضرب مملوكا).


374

بحق ولم يتجاوز الحد، واستدل على ذلك بما رواه الحسين بن سعيد في كتاب الزهد في الضعيف عن أبي بصير (1) عن الباقر عليه السلام (قال: إن أبي ضرب غلاما له واحدة بسوط وكان قد بعثه في حاجة فأبطأ عليه، فبكى الغلام فقال: الله تبعثني في حاجتك ثم تضربني ! ! قال: فبكى أبي وقال: يا بني ذهب إلى قبر رسول الله صلى الله وعليه واله

فصل

ركعتين وقل: اللهم اغفر لعلي بن الحسين خطيئته، ثم قال للغلام: اذهبفأنت حر، فقلت: كان العتق كفارة للذنب ؟ فسكت).

وما رواه فيه عن عبد الله بن طلحة (2) عن أبي عبد الله عليه السلام (أن رجلا من بني فهد كان يضرب عبدا له والعبد يقول: أعوذ بالله فلم يقلع عنه، فقال: أعوذ بمحمد فأقلع الرجل عنه الضرب، فقال رسول الله صلى الله وعليه واله: يتعوذ بالله فلا تعيذه ويتعوذ بمحمد فتعيذه ! والله أحق أن يجار عائذه من محمد، فقال الرجل: هو حر لوجه الله: فقال: والذي بعثني بالحق نبيا لو لم تفعل لواقع وجهك حر النار).

وقد تقدم في الوصايا (3) ما بدل على ذلك بأوضح دلالة حيث إنه عليه السلام عمد إلى عبيده فأوصى بعتق شرارهم وأبقي خيارهم بغير عتق، فسئل عن ذلك فقال: لاني أو جعتهم ضربا (4).

وهذا أظهر الدلالة من هذين الخبرين (أما الاول) فلانه سئل عليه السلام عن كون هذا العتق كفارة له فسكت (وأما الثاني) فلعله من جهة التعويذ فلم يفعل فلا يكون كفارة من جهة ضربه وإن كان له مدخل في الجملة.

وقد رتب الاصحاب الحكم - كما ترى - على الحد، والمتبادر من الحد المتجاوز هو المقدار من العقوبة المستحقة على ذلك الفاعل مع إطلاق الحد عليهشرعا، فلا يدخل التعزير، ويعتبر فيه حد العبيد لا الاحرار.

وقيل: يعتبر فيه

(1) الزهد ص 43 ح 116 طبع قم، الوسائل ج 15 ص 582 ب 30 ح 1 وفيهما اختلاف يسير.

(2) الزهد ص 44 ح 119، الوسائل ج 15 ص 582 ب 3 ح 2.

(3) الحدائق الناضرة ج 22 ص 639.

(4) الكافي ج 7 ص 55 ح 13، الوسائل ج 13 ص 472 ب 84 ح 1 وقد نقل بالمعنى.


375

حد الاحرار لانه المتيقن ولا صالة بقاء الملك سليما عن تعلق حق العتق على مالكه، وهذا يتأتى على القول بالوجوب.

أما على القول بالاستحباب فلا، لان المعلق على مفهوم كلي يتحقق في ضمن أي فرد وجد من أفراده، وحمله على حد لا يتعلق بالمحدود بعيد جدا، ولا فرق في المملوك بين الذكرو الانثى لتناوله لهما.

وبقي من الكفارات الواجبة

كفارة إتيان المرأة في حيضها،

وإنما تركنا الكلام عليها هنا لانه قد مر تقريرها وبيان أحكامها في الحيض، فاستغني بذلك عن ذكرها هنا.

وقد ذكر جماعة من الاصحاب كفارات على سبيل الاستحباب لم يتعرض لها الاكثر مثل:

كفارة الغيبة#

وهو الاستغفار لمن اعتابه كما في خبر جعفر بن عمر عن أبي عبد الله عليه السلام كما في النفقة (1) (قال: سئل رسول الله صلى الله وعليه واله: ما كفارة الاغتياب ؟ قال: الاستغفار لمن اغتبته كما ذكرته).

وجاء في خبر آخر (2) (أن الاستغفار إنما يكون كفارة له لو تعذر التحلة من المستغاب بموت ونحوه وإلا فلا كفارة سوى طلب البراءة منه).

ومنها:

كفارة عمل السلطان

كما رواه في الفقيه (3) مرسلا (قال: قال الصادق عليه السلام: كفاره عمل السلطان قضاء حوائج الاخوان).

ومنها: كفارة الضحك المتعددي فيه الحد من التبسم لما رواه في الفقيه (4) أيضا مرسلا (قال الصادق عليه السلام: كفارة الضحك أن يقول: اللهم لا تمقتني).

(1) الفقيه ج 3 ص 237 ح 55 وفيه (حفص بن عمر)، الوسائل ج 15 ص 583 ب 32 ح 1 وفيهما (قال: تسغفر لمن).

() (2) لم نعثر عليه، ولعل ما يناسبه هو هذا الحديث (قال الصادق عليه السلام: الغيية حرام على كل مسلم - الى أن قال: - فان اغتبت فبلغ المغناب فاستحل منه، فان لم تبلغهولم تلحقه فاستغفر الله له) الحديث، راجع مستدرك الوسائل ج 2 ص 105 ب 132 ح 19.

(3) الفقيه ج 3 ص 237 ح 57، الوسائل ج 15 ص 584 ب 33 ح 1.

(4) الفقيه ج 3 ص 237 ح 56، الوسائل ج 15 ص 854 ب 34 ح


376

ومنها:

كفارة الطيرة

وهو التوكل لما رواه السكوني (1) عن الصادق عليه السلام (قال: قال رسول الله صلى الله وعليه واله: كفارة الطيرة التوكل).

وذلك لان الطيرة منهي عنه وهي قابلة للتشديد والتهوين.

ومنها: كفارة المجالس والسكون فيها لما رواه في الفقيه (2) مرسلا أيضا (قال: قال الصادق عليه السلام: كفارات المجالس أن تقول عند قيامك منها: سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد الله رب العالمين).

ومنها:

كفارة من قال رمضان بغير شهر

لما رواه في الجعفريات (3) بأسناد المشهور عن علي عليه السلام (قال: لا تقولوا رمضان وقولوا شهر رمضان، فمن قال رمضان فليصم وليتصدق كفارة).

وبقيت كفارات مفرقة في أبواب النكاح والعدد والطلاق والعبادات لا يسعالمقام ذكرها لانها مذكورة في خلال تلك الاحكام.

وليختم الكلام ونحبس الاقلام عن الجري في هذا المجلد، ونسأله الاكمال والاتمام لما بقي علينا من هذه التنمات مقرونا بالعناية الالهية والاعتصام، ونصلي على محمد وآله الكرام.

وجرى ذلك الختام بأشرف الايام وهو اليوم الخامس عشر من شهر رمضان المبارك المعظم وهو شهره عليه السلام، وهو أحد شهور سنة 1213 من هجرته صلى الله وعليه واله، وذلك بإملاء أقل عباد الله المنغمس في بحار الاثام، الراجى عفوربه المجازي حسين ابن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني، مستعينا بقلم - الموفق إن شاء الله تعالى للجري بسفينة عزمه على الاعانة لنا في هذا التأليف وغيره مما يوجب

(1) الكافي ج 8 ص 198 ح 236، الوسائل ج 15 ص 584 ب 35 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 238 ح 63، الوسائل ج 15 ص 585 ب 37 ح 1.

(3) الجعفريات (قرب الاسناد) ص 59، وفيه اختلاف يسير، الوسائل ج 7 ص 232 ب 19 ح 3.


377

ابن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني، مستعينا بقلم - الموفق إن شاء الله تعالى للجري بسفينة عزمه على الاعانة لنا في هذا التأليف وغيره مما يوجب

(1) الكافي ج 8 ص 198 ح 236، الوسائل ج 15 ص 584 ب 35 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 238 ح 63، الوسائل ج 15 ص 585 ب 37 ح 1.

(3) الجعفريات (قرب الاسناد) ص 59، وفيه اختلاف يسير، الوسائل ج 7 ص 232 ب 19 ح 3.


377

الاجلال والاكرام وفيوض الملك العلام - الولد الشفوق مرزوق بن محمد بن عبد الله ابن محمد بن حسين الشويكي مولدا والنعميمي أصلا والاصبعي (1) مسكنا، حامدا مصليا مستغفرا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، آمين.

(1) نسبة الى قرية (أبو اصيبع) مصغر: اصبع (أحد أعمال البحرين) والنسبة إليها (اصبعي).

(ماضى البحرين وحاضرها للشيخ ابراهيم المبارك البحراني ص 14 من النسخة الخطية بيد المؤلف).

)ابن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني، مستعينا بقلم - الموفق إن شاء الله تعالى للجري بسفينة عزمه على الاعانة لنا في هذا التأليف وغيره مما يوجب

(هامش)

(1) الكافي ج 8 ص 198 ح 236، الوسائل ج 15 ص 584 ب 35 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 238 ح 63، الوسائل ج 15 ص 585 ب 37 ح 1.

(3) الجعفريات (قرب الاسناد) ص 59، وفيه اختلاف يسير، الوسائل ج 7 ص 232 ب 19 ح 3.


377

الاجلال والاكرام وفيوض الملك العلام - الولد الشفوق مرزوق بن محمد بن عبد الله ابن محمد بن حسين الشويكي مولدا والنعميمي أصلا والاصبعي (1) مسكنا، حامدا مصليا مستغفرا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، آمين.

(1) نسبة الى قرية (أبو اصيبع) مصغر: اصبع (أحد أعمال البحرين) والنسبة إليها (اصبعي).

(ماضى البحرين وحاضرها للشيخ ابراهيم المبارك البحراني ص 14 من النسخة الخطية بيد المؤلف).

)ابن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني، مستعينا بقلم - الموفق إن شاء الله تعالى للجري بسفينة عزمه على الاعانة لنا في هذا التأليف وغيره مما يوجب

(هامش)

(1) الكافي ج 8 ص 198 ح 236، الوسائل ج 15 ص 584 ب 35 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 238 ح 63، الوسائل ج 15 ص 585 ب 37 ح 1.

(3) الجعفريات (قرب الاسناد) ص 59، وفيه اختلاف يسير، الوسائل ج 7 ص 232 ب 19 ح 3.


377

الاجلال والاكرام وفيوض الملك العلام - الولد الشفوق مرزوق بن محمد بن عبد الله ابن محمد بن حسين الشويكي مولدا والنعميمي أصلا والاصبعي (1) مسكنا، حامدا مصليا مستغفرا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، آمين.

(1) نسبة الى قرية (أبو اصيبع) مصغر: اصبع (أحد أعمال البحرين) والنسبة إليها (اصبعي).

(ماضى البحرين وحاضرها للشيخ ابراهيم المبارك البحراني ص 14 من النسخة الخطية بيد المؤلف).

)ابن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني، مستعينا بقلم - الموفق إن شاء الله تعالى للجري بسفينة عزمه على الاعانة لنا في هذا التأليف وغيره مما يوجب

(هامش)

(1) الكافي ج 8 ص 198 ح 236، الوسائل ج 15 ص 584 ب 35 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 238 ح 63، الوسائل ج 15 ص 585 ب 37 ح 1.

(3) الجعفريات (قرب الاسناد) ص 59، وفيه اختلاف يسير، الوسائل ج 7 ص 232 ب 19 ح 3.


377

الاجلال والاكرام وفيوض الملك العلام - الولد الشفوق مرزوق بن محمد بن عبد الله ابن محمد بن حسين الشويكي مولدا والنعميمي أصلا والاصبعي (1) مسكنا، حامدا مصليا مستغفرا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، آمين.

(1) نسبة الى قرية (أبو اصيبع) مصغر: اصبع (أحد أعمال البحرين) والنسبة إليها (اصبعي).

(ماضى البحرين وحاضرها للشيخ ابراهيم المبارك البحراني ص 14 من النسخة الخطية بيد المؤلف).

)ابن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني، مستعينا بقلم - الموفق إن شاء الله تعالى للجري بسفينة عزمه على الاعانة لنا في هذا التأليف وغيره مما يوجب

(هامش)

(1) الكافي ج 8 ص 198 ح 236، الوسائل ج 15 ص 584 ب 35 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 238 ح 63، الوسائل ج 15 ص 585 ب 37 ح 1.

(3) الجعفريات (قرب الاسناد) ص 59، وفيه اختلاف يسير، الوسائل ج 7 ص 232 ب 19 ح 3.


377

الاجلال والاكرام وفيوض الملك العلام - الولد الشفوق مرزوق بن محمد بن عبد الله ابن محمد بن حسين الشويكي مولدا والنعميمي أصلا والاصبعي (1) مسكنا، حامدا مصليا مستغفرا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، آمين.

(1) نسبة الى قرية (أبو اصيبع) مصغر: اصبع (أحد أعمال البحرين) والنسبة إليها (اصبعي).

(ماضى البحرين وحاضرها للشيخ ابراهيم المبارك البحراني ص 14 من النسخة الخطية بيد المؤلف).

)ابن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني، مستعينا بقلم - الموفق إن شاء الله تعالى للجري بسفينة عزمه على الاعانة لنا في هذا التأليف وغيره مما يوجب

(هامش)

(1) الكافي ج 8 ص 198 ح 236، الوسائل ج 15 ص 584 ب 35 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 238 ح 63، الوسائل ج 15 ص 585 ب 37 ح 1.

(3) الجعفريات (قرب الاسناد) ص 59، وفيه اختلاف يسير، الوسائل ج 7 ص 232 ب 19 ح 3.


377

الاجلال والاكرام وفيوض الملك العلام - الولد الشفوق مرزوق بن محمد بن عبد الله ابن محمد بن حسين الشويكي مولدا والنعميمي أصلا والاصبعي (1) مسكنا، حامدا مصليا مستغفرا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، آمين.

(1) نسبة الى قرية (أبو اصيبع) مصغر: اصبع (أحد أعمال البحرين) والنسبة إليها (اصبعي).

(ماضى البحرين وحاضرها للشيخ ابراهيم المبارك البحراني ص 14 من النسخة الخطية بيد المؤلف).

)ابن محمد بن أحمد بن إبراهيم الدرازي البحراني، مستعينا بقلم - الموفق إن شاء الله تعالى للجري بسفينة عزمه على الاعانة لنا في هذا التأليف وغيره مما يوجب

(هامش)

(1) الكافي ج 8 ص 198 ح 236، الوسائل ج 15 ص 584 ب 35 ح 1.

(2) الفقيه ج 3 ص 238 ح 63، الوسائل ج 15 ص 585 ب 37 ح 1.

(3) الجعفريات (قرب الاسناد) ص 59، وفيه اختلاف يسير، الوسائل ج 7 ص 232 ب 19 ح 3.


377

الاجلال والاكرام وفيوض الملك العلام - الولد الشفوق مرزوق بن محمد بن عبد الله ابن محمد بن حسين الشويكي مولدا والنعميمي أصلا والاصبعي (1) مسكنا، حامدا مصليا مستغفرا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين، آمين.

(1) نسبة الى قرية (أبو اصيبع) مصغر: اصبع (أحد أعمال البحرين) والنسبة إليها (اصبعي).

(ماضى البحرين وحاضرها للشيخ ابراهيم المبارك البحراني ص 14 من النسخة الخطية بيد المؤلف).