سم المدخل : ميرفت الجابري + ميساء الجابري اسم الكتاب الكامل في التاريخ اسم مؤلف الكتاب : أبي الحسن علي بن أبي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري الملقب بعز الدين اسم الكتاب
1
سم المدخل : ميرفت الجابري + ميساء الجابري اسم الكتاب الكامل في التاريخ اسم مؤلف الكتاب : أبي الحسن علي بن أبي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف بابن الأثير الجزري الملقب بعز الدين اسم الكتاب
3
$ ثم دخلت سنة تسع وثمانين وثلاثمائة $ $ ذكر القبض على الأمير منصور ابن نوح وملك أخيه عبد الملك $ # في هذه السنة قبض على الأمير منصور بن نوح بن منصور الساماني صاحب بخارى وما وراء النهر وملك أخوه عبد الملك وسبب قبضه ما ذكرناه من قصد محمود بن سبكتكين بكتوزون بخراسان وعوده عن نيسابور إلى مرو الروذ فلما نزلها سار بكتوزون إلى الأمير منصور وهو بسرخس فاجتمع به فلم ير من إكرامه وبره ما كان يؤمله فشكا ذلك إلى فائق فقابله فائق بأضعاف شكواه فاتفقا على خلعه من الملك وإقامة أخيه مقامه وأجابهما إلى ذلك جماعة من أعيان العسكر # فاستحضره بكتوزون بعلة الاجتماع لتدبير ما هم بصدده من أمر محمود فلما اجتمعوا به قبضوا عليه وأمر بكتوزون من سلمه فأعماه ولم يراقب الله ولا إحسان مواليه وأقاموا أخاه عبد الملك مقامه في الملك وهو صبي صغير وكانت مدة ولاية منصور سنة وسبعة أشهر # وماج الناس بعضهم في بعض # وأرسل محمود إلى فائق وبكتوزون يلومهما ويقبح فعلهما وقويت نفسه على لقائهما وطمع في الاستقلال بالملك فسار عنهما عازما على القتال $ ذكر استيلاء يمين الدولة محمود بن سبكتكين على خراسان $ # لما قبض الأمير منصور سار محمود نحو فائق وبكتوزون ومعهما عبد الملك بن نوح فلما سمعوا بميسرة ساروا إليه فالتقوا بمرو آخر جمادى الأولى واقتتلوا أشد قتال رآه الناس إلى الليل فانهزم بكتوزون وفائق ومن معهما # فأما عبد الملك وفائق فإنهما لحقا ببخارى # وقصد بكتوزون نيسابور وقصد أبو
4
القاسم بن سيمجور قهستان # فرأى محمود أن يقصد بكتوزون وأبا القاسم ويعجلهما عن الاجتماع والإحتشاد فسار إلى طوس فهرب منه بكتوزون إلى نواحي جرجان فأرسل محمود خلفه أكبر قواده وأمرائه وهو أرسلان الجاذب في عسكر جرار فاتبعه حتى ألحقه بجرجان وعاد فاستخلفه محمود على طوس وسار إلى هراة فلما علم بكتوزون بميسر محمود عن نيسابور عاد إليهما فملكها فقصده محمود فأجفل من بين يديه إجفال الظليم واجتاز بمرو فنهبها وسار عنها إلى بخارى # واستقر ملك محمود بخراسان فأزال عنها اسم السامانيه وخطب فيها للقادر بالله وكان إلى هذا الوقتلا يخطب للطائع لله واستقل بملكها منفردا وتلك ينة الله تعالى يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء # وولى محمود قيادة جيوش خراسان أخاه نصرا وجعله بنيسابور على ما كان يليه آل سيمجور للسامانية # وسار هو إلى بلخ مستقر والده فاتخذها دار ملك واتفق أصحاب الأطراف بخراسان على طاعته كآل فريغون أصحاب الجوزجان ونحن نذكرهم إن شاء الله تعالى وكالشار الشاه صاحب غرشتان ونحن نذكر ههنا أخبار هذا الشار فاعلم أن هذا اللقب وهو الشار لقب كل من يملك بلاد غرشتان ككسرى للفرس وقيصر للروم والنجاشي للحبشة وكان الشار أبو نصر قد اعتزل الملك وسلمه إلى ولده الشاه وفيه لوثة وهوج واشتغل والده أبو نصر بالعلوم ومجالسة العلماء ولما عصا أبو علي بن سيجمور على الأمير نوح أرسل إلى غرشتان من حصرها وأجلى عنها الشاه الشار ووالده أبا نصر فقصدا حصنا منيعا في آخر ولايتهما فتحصنا به إلى أن جاء سبكتكين إلى نصره الأمير نوح فنزلا إليه وأعاناه على أبي علي وعاد إلى ملكهما فلما ملك الآن يمين محمود خراسان أطاعاه وخطبا له ثم إن يمين الدولة بعد هذا أراد الغزوة إلى الهند فجمع لها وتجهز وكتب إلى الشاه الشار يستدعيه ليشهد معه غزوته فامتنع وعصى
5
# فلما فرغ من غزوته سير إليه الجيوش ليملكوا بلاده فلما دخلوا البلاد طلب والده أبو نصر الأمان فأجيب إلى ذلك وحمل إلى يمين الدولة فأكرمه واعتذر أبو نصر بعقوق ولده وخلافه عليه فأمره بالمقام بهراة متوسعا عليه إلى أن مات سنة اثنتين وأربعمائة # وأما ولده الشاه فإنه قصد ذلك الحصن الذي احتمى به على أبي علي فأقام به ومعه أمواله وأصحابه فحصره عسكر يمين الدولة في حصنه ونصبوا عليه المجانيق والحوا عليه بالقتال ليلا ونهارا فانهدمت أسوار حصنه وتسلق العسكر إليه فلما أيقن بالعطب طلب الأمان والعسكر يقاتله فلم يزل كذلك حتى أخذ أسيرا وحمل إلى يمين الدولة فضرب تأديبا له ثم أودع السجن إلى أن مات وكان موته قبل موت والده # ورأيت عدة مجلدات من كتاب التهذيب للأزهري في اللغة بخطه وعليه ما هذه نسخته يقول محمد بن أحمد بن الأزهري قرأ على الشار أبو نصر هذا الجزء من أوله إلى آخره وكتبه بيده صح فهذا يدل على إشتغاله وعلمه بالعربية فإن من يصحب مثل الأزهري ويقرأ كتابه التهذيب يكون فاضلا $ ذكر انقراض دولة السامانية وملك الترك وما وراء النهر $ # في هذه السنة انقرضت دولة آل سامان على يد محمود بن سبكتكين وأيلك الخان التركي واسمه أبو نصر أحمد بن علي ولقبه شمس الدولة فأما محمود فإنه ملك خراسان كما ذكرناه وبقي بيد عبد الملك بن نوح ما وراء النهر فلما انهزم من محمود قصد بخارى واجتمع بها هو وفائق وبكتوزون وغيرهما من الأمراء والأكابر فقويت نفوسهم وشرعوا في جمع العساكر وعزموا على العود إلى خراسان فاتفق أن مات فائق وكان موته في شعبان من هذه السنة فلما مات ضعفت نفوسهم ووهنت قوتهم فإنه كان هو المشار إليه من بينهم وكان خصيا من موالي نوح بن نصر # وبلغ خبرهم إلى ايلك الخان فسار في جمع الأتراك إلى بخارى وأظهر لعبد الملك المودة والموالاه والحمية له فطنوه صادقا ولم يحترسوا منه وخرج إليه بكتوزون وغيره من الأمراء والقواد فلما اجتمعوا قبض عليهم وسار حتى دخل بخارى يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة من هذه السنة فلم يدر عبد الملك ما يصنع لقلة عدده فاختفى ونزل ايلك الخان دار الإمارة وبث الطلب والعيون على عبد الملك حتى ظفر به فأودعه بأفكند فمات بها وكان آخر ملوك السامانية وانقضت دولتهم على يده
6
كأن لم تغن بالأمس كدأب الدول قبلها إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار وحبس معه أخوه أبو الحرث منصور بن نوح الذي كان في الملك قبله وأخواه أبو إبراهيم إسماعيل وأبو يعقوب ابناء نوح وأعمامه أبو زكريا وأبو سليمان وغيرهم من آل سامان وأفراد كل واحد منهم في حجرة وكانت دولتهم قد انتشرت وطبقت كثيرا من الأرض من حدود جلوان إلى بلاد الترك بما وراء النهر وكانت من أحسن الدول سيرة وعدلا وهذا عبد الملك هو عبد الملك بن نوح بن منصور بن نوح بن نصر بن أحمد بن إسماعيل كلهم ملكوا # وكان منهم من ليس مذكورا وكان من ليس مذكورا في هذا النسب عبد الملك بن نوح المذكور # وكان منهم أيضا منصور بن نوح بن منصور أخو عبد الملك هذا الأخير الذي زال الملك في ولايته ولي قبله $ ذكر ملك بهاء الدولة فارس وخوزستان $ # في هذه السنة دخل الديلم الذين مع أبي علي بن أستاذ هرمز بالأهواز في طاعة بهاء الدولة وكان سببب ذلك أن ابني بختيار لما قتلا صمصام الدولة كما تقدم وملكا بلاد فارس كتبا إلى أبي علي بن أستاذ هرمز بالخبر ويذكران تعويلهما عليه و اعتضادهما به ويأمرانه بأخذ اليمين لهما على من معه من الديلم والمقام بمكانه والجد بمحاربة بهاء الدولة فخافهما أبو علي لما كان أسلفه إليهما من قبل أخويهما وأسرهما فجمع الديلم الذين معه و أخبرهم الحال و استشارهم فيما يفعل # فأشاروا بطاعة ابني بختيار و مقاتلة بهاء الدولة فلم يوافقهم على ذلك ورأى أن يراسل بهاء الدولة ويستمليه ويحلفه لهم فقالوا إنا نخاف الأتراك وقد عرفت ما بيننا وبينهم فسكت عنهم وتفرقوا ) ) # وراسله بهاء الدولة بتسليمه ويبذل له وللديلم الأمان والإحسان وترددت الرسل # وقال بهاء الدولة ( ( إن ثأري وثأركم عند من قتل أخي فلا عذر لكم في التخلف عن الأخذ بثأره ) ) واستمال الديلم فأجابوه إلى الدخول في طاعته وأنفذوا جماعة من أعيانهم إلى بهاء الدولة فحلفوه واستوثقوا منه وكتبوا إلى أصحابهم المقيمين بالسوس بصورة الحال وركب بهاء الدولة من الغد إلى باب السوس وجاء أن يخرج من فيه إلى طاعته فخرجوا إليه في السلاح وقاتلوه قتالا شديدا لم يقاتلوا مثله
7
فضاق صدره فقيل له إهذه عادة الديلم أن يشتد قتالهم عند الصلح لئلا ينظر بهم أنهم سلموا عن عجز أو ضعف ثم كفوا عن القتال و أرسلوا من يحلف لهم ونزلوا إلى خدمته واختلط العسكران وساروا إلى الأهواز # فقرر أبو علي بن إسماعيل أمورها وقسم الإقطاعات بين الأتراك والديلم # ثم ساروا إلى رامهرمز فاستولوا عليها وعلى أرجان وغيرها من بلاد خوزستان وسار أبو علي بن إسماعيل إلى شيراز فنزل بظاهرها فخرج إليه ابنا بختيار في أصحابهما فحاربوه فلما اشتدت الحرب مال بعض من معهما إليه ودخل بعض أصحابه البلد ونادوا بشعار بهاء الدولة # وكان النقيب أبو أحمد الموسوي بشيراز قد وردها رسولا من بهاء الدولة إلى صمصام الدولة # فلما قتل صمصام الدولة كان بشيراز # فلما سمع النداء بشعار بهاء الدولة ظن أن الفتح قد تم فقصد الجامع وكان يوم الجمعة وأقام الخطبة لبهاء الدولة # ثم عاد ابنا بختيار واجتمع إليهما أصحابهما فخاف النقيب فاختفى وحمل في سلة إلى أبي علي بن إسماعيل # ثم إن أصحاب ابني بختيار قصدوا أبا علي و أطاعوه فاستولى على شيراز وهرب ابنا بختيار # فأما ابو نصر فإنه لحق ببلاد الديلم وأما الثاني وهو أبو القاسم فلحق ببدر بن حسنويه ثم قصد البطيحة # ولما ملك أبو علي شيراز كتب إلى بهاء الدولة بالفتح فسار إليها ونزلها # فلما استقر بها أمر بنهب قرية الدودمان وإحراقها وقتل كل من كان بها من أهلهم فاستأصلهم و أخرج أخاه صمصام الدولة وجدد أكفانه وحمل إليه التربة بشيراز فدفن بها وسير عسكرا مع أبي الفتح أستاذ هرمز إلى كرمان فملكهما و أقام بها نائبا عن ( بهاء الدولة إلى ههنا آخر من في ذيل الوزير أبي شجاع رحمه الله ) $ ذكر ميسر باديس إلى زناته $ # في هذه السنة منتصف صفر أمر باديس بن المنصور صاحب أفريقية نائبه محمد بن أبي العرب بالتجهز والاستكثار من العساكر والعدد والميسر إلى زناته # وسبب ذلك أن عمه يطوفت كتب إليه يعلمه أن زيري بن عطية الملقب بالقرطاس وقد تقدم ذكره نزل عليه بتهارت محاربا # فأمر محمدا بالتجهز إليه فسار في عساكر كثيرة حتى وصل إلى أشير وبها حماد بن يوسف عم باديس كان قد أقطعه إياها باديس فرحل حماد معه فوصل إلى تاهرت واجتمعا بيطوفت وبينهم وبين زيري بن عطية
8
مرحلتان # فزحفوا إليه فكانت بينهما حروب عظيمة # وكان أكثر عسكر حماد يكرهونه لقلة عطائه # فلما اشتد القتال انهزموا فتبعهم جميع العسكر فأراد محمد بن أبي العرب أن يرد الناس فلم يقدر على ذلك وتمت الهزيمة # وملك زيري بن عطية مالهم وعددهم ورجعت العساكر إلى أشير # وبلغ خبر الهزيمة إلى باديس فرحل # فلما قارب طبنه بعث في طلب فلفل بن سعيد فخاف فأرسل يتعذر إليه وطلب عهدا بإقطاع مدينة طبنة فكتب له وسار باديس # فلما أبعد قصد فلفل مدينة طبنة وغلب على ماحولها # وقصد باغية فحصرها وباديس سائر إلى أشير # فلما سمع زيري بن عطية بأنه قد قرب منه رحل إلى تاهرت فقصده باديس فسار زيري إلى العرب # فلما سمع باديس برحيله استعمل عمه يطوفت على أشير و أعطاه أموالا وعددا وعاد إلى أشير فبلغه ما فعل فلفل بن سعيد فأرسل إليه العساكر وبقي يطوفت على أشير وأعطاه أموالا وعددا وعاد إلى أشير فبلغه ما فعل فلفل بن سعيد فأرسل إليه العساكر وبقي يطوفت ومعه أعمامه وأولاد أعمامه # فلما أبعد عنهم باديس عصوا وخالفوا عليه منهم مساكن وزاوي وغيرهما # وقبضوا على يطوفت و أخذوا جميع ما معه من المال فهرب من أيديهم وعاد إلى باديس # وأما فلفل بن سعيد فإنه لما وصل إليه العسكر المسيرة إلى قتاله لقيهم وقاتلهم وهزمهم وقتل فيهم وسار يطلب القيروان فسار عند ذلك باديس إلى باغاية فلقيه أهلها فعرفوه ما قاسوه من قتال فلفل وأنه حصرهم خمسة وأربعين يوما فشكرهم ووعدهم الإحسان وسار يطلب فلفلا فوصل إلى مرمجنة وسار فلفل إليه في جمع كثير من البربر وزناتة ومعه كل من في نفسه حقد على باديس وأهل بيته فالتقوا بوادي أغلان # وكان بينهم حرب عظيمة لم يسمع بمثلها وطال القتال بينهم وصبر الفريقان ثم أنزل الله نصره على باديس وصنهاجة وانهزم البربر وزناتة هزيمة قبيحة وانهزم فلفل فأبعد في الهزيمة وقتل من زويلة تسعة آلاف قتيل سوى من قتل من البربر وعاد باديس إلى قصره وفرح أهل القيروان لأنهم خافوا أن يأتيهم فلفل # ثم إن عمومة باديس اتصلوا بفلفل وصاروا معه على باديس # فلما سمع باديس بذلك سار إليهم # فلما وصل قصر الأفريقي وصله أن عمومته فارقوا فلفلا ولم يبق معه سوى ماكسن بن زيري وذلك أول سنة تسعين وثلاثمائة
9
$ ذكر ملك الحاكم طرابلس الغرب وعودها إلى باديس $ # كان لباديس نائب بطرابلس الغرب فكاتب الحاكم بأمر الله بمصر وطلب أن يسلم إليه طرابلس ويلتحق به فأرسل إليه الحاكم يأنس الصقلي وكان خصيصا بالحاكم وهو المتولي لبلاد برقة فوصل يأنس وتسلم طرابلس وأقام بها وذلك سنة تسعين فأرسل باديس إلى يأنس يسأله عن سبب وصوله إلى طرابلس وقال له إن كان الحاكم استعملك عليها فارسل العهد لاقف عليه فقال يأنس إنما أرسلني معينا ونجدة إن احتيج إلي ومثلي لا يطلب منه عهدا بولاية لمحلي من دولة الحاكم # فسير إليه جيشا فلقيهم يأنس خارج طرابلس فقتل في المعركة وانهزم أصحابه ودخلوا طرابلس فتحصنوا بها وكان قد قتل منهم في المعركة كثير ونزل عليهم الجيش وحصرهم وأرسلوا إلى الحاكم يستمدونه فجهز جيشا عليهم يحيى بن علي الأندلسي وسيرهم إلى طرابلس وأطلق لهم مالا على برقة فلم يجد يحيى فيها مالا فاختلفت حاله # فسار إلى فلفل وكان قد دخل إلى طرابلس واستولى عليها فأقام معه فيها واستوطنها من ذلك الوقت وسنذكر باقي خبرهم سنة ثلاث وتسعين # وفي سنة إحدى وتسعين سار ماكسن بن زيري عم أبي باديس إلى أشير وبهاء ابن أخيه حماد بن يوسف بلكين فكان بينهما حرب شديدة قتل فيها ماكسن وأولاده محسن وباديس وحباسة # وتوفي زيري بن عطية بعد قتل ماكسن بتسعة أيام $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة عاشر ربيع الأول انقض كوكب عظيم ضحوة نهار # وفيها عمل أهل باب البصرة يوم لسادس والعشرين من ذي الحجة زينة عظيمة وفرحا كثيرا وكذلك عملوا ثامن عشر المحرم مثل ما يعمل الشيعة في عاشوراء # وسبب ذلك أن الشيعة بالكرخ كانوا ينصبون القباب وتعلق الثياب للزينة اليوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو يوم الغدير # وكانوا يعملون يوم عاشوراء من المأتم والنوح وإظهار الحزن ما هو مشهور # فعمل أهل باب البصرة في مقابل ذلك بعد يوم الغدير يثمانية أيام مثلهم وقالوا هو يوم دخل النبي # وأبو بكر رضي الله عنه الغار
10
# وعملوا بعدة عاشورا بثمانية أيام مثل ما يعملون يوم عاشوراء وقالوا هو يوم قتل مصعب بن الزبير # وتوفي هذه السنة أحمد بن محمد بن عيسى أبو محمد السرخسي المقري الفقيه الشافعي وهو من أصحاب أبي إسحاق المروزي وله رواية للحديث أيضا # وكان شيخ خراسان في زمانه # وقرأ القرآن على ابن مجاهد والأدب على ابن الأنباري ومات وله ست وتسعون سنة وعبد الله بن محمد بن إسحاق بن سليمان أبو القاسم البزاز المعروف بابن حبابة وكان شيخ الحنابلة في زمانه
11
$ ثم دخلت سنة تسعين وثلاثمائة $ $ ذكر خروج إسماعيل بن نوح وما جرى له بخراسان $ # في هذه السنة خرج أبو إبراهيم إسماعيل بن نوح من محبسه # وكان قد حبسه أيلك الخان لما ملك بخارى مع جماعة من أهله وسبب خلاصه أنه كان تأتيه جارية تخدمه وتتعرف أحواله فلبس ما كان عليها وخرج فظنه الموكلون الجارية # فلما خرج استخفى عند عجوز من أهل بخارى # فلما سكن الطلب عنه سار من بخارى إلى خوارزم وتلقب المنتصر واجتمع إليه بقايا القواد السامانية والأجناد فكثف جمعه وسير قائدا من أصحابه في عسكر إلى بخارى فبيت من بها من أصحاب أيلك الخان فهزمهم وقتل منهم # وكبس جماعة من أعيانهم مثل جعفر تكين وغيره وتبع المنهزمين نحو أيلك الخان إلى حدود سمرقند فلقي هناك عسكرا جرارا جعلهم أيلك الخان يحفظون سمرقند # فانضاف إليهم المنهزمون ولقوا عسكر المنتصر فانهزم أيضا عسكر أيلك الخان وتبعهم المنتصر فغنموا أثقالهم فصلحت أحوالهم بها وعادوا إلى بخارى فاستبشر أهلها بعود السامانية # ثم إن أُيلك جمع الترك وقصد بخارى فانحاز من بها من السامانية وعبروا النهر إلى آمل الشط فضاقت عليهم فساروا هم والمنتصر نحو أبيورد فملكها وجبوا أموالها # وساروا نحو نيسابور وبها منصور بن سبكتكين نائبا عن أخيه محمود فالتقوا قريب نيسابور في ربيع الآخر فاقتتلوا فانهزم منصور وأصحابه وقصدوا هراة # وملك المنتصر نيسابور وكثر جمعه # وبلغ يمين الدولة الخبر فسار مجدا نحو نيسابور # فلما قاربها سار عنها المنتصر إلى أسفراين فلما أزعجه الطلب سار نحو شمس المعالي قابوس بن وشكمير ملتجئا إليه ومتكثرا به # فأكرم مورده وحمل إليه شيئا كثيرا # وأشار على المنتصر بقصد الري إذ كانت ليس بهما من يذب عنها لاشتغال أصحابها باختلافهم ووعده بأن ينجده بعسكر
12
جرار مع أولاده فقبل مشورته وسار نحو الري فنازلها فضعف من بها عن مقاومته إلا أنهم حفظوا البلد منه ودسوا إلى أعيان عسكره كأبي القاسم بن سيمجور وغيره وبذلوا لهم الأموال ليردوه عنهم ففعلوا ذلك # وصغروا أمر الري عنده وحسنوا له العود إلى خراسان فسار نحو الدامغان وعاد عنه عسكر قابوس # ووصل المنتصر إلى نيسابور في آخر شوال سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة فجبى له الأموال بها # فارسل إليه يمين الدولة جيشا فلقوه فانهزم المنتصر # وسار نحو أبيورد وقصد جرجان فرده شمس المعالي عنها # فقصد سرخس وجبى أموالها وسكنها فسار إليه منصور بن سبكتكين من نيسابور فالتقوا بظاهر سرخس واقتتلوا # فانهزم المنتصر وأصحابه و أسر أبو القاسم علي بن محمد بن سيمجور وجماعة من أعيان عسكره وحملوا إلى المنصور # فسيرهم إلى غزنة وذلك في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين # وسار المنتصر تائها حتى وافى الأتراك الغزية ولهم ميل إلى آل سامان فحركتهم الحمية واجتمعوا معه وسار بهم نحو ايلك الخان وكان ذلك في شوال سنة ثلاث وتسعين فلقيهم ايلك بنواحي سمرقند فهزموه واستولوا على أمواله وسواده وأسروا جماعة من قواده وعادوا إلى أوطانهم واجتمعوا على إطلاق الأسرى تقربا إلى أيلك الخان بذلك # فعلم المنتصر فاختار من أصحابه جماعة يثق بهم وسار بهم فعبر النهر ونزل بآمل الشط فلم يقبله مكان وكلما قصد مكانا رده أهله خوفا من معرته فعاد وعبر النهر إلى بخارى وطلب واليها لايلك الخان فلقيه واقتتلوا # فانهزم المنتصر إلى دبوسية وجمع بها # ثم عاودهم فهزمهم وخرج إليه خلق كثير من فتيان سمرقند وصاروا في جملته وحمل له أهلها مالا وغيره والآلات والثياب والدواب وغير ذلك # فلما سمع أيلك الخان بحاله جمع الأتراك وسار إليه في قضه وقضيضه والتقوا بنواحي سمرقند واشتدت الحرب بينهم فانهزم أيلك الخان وكان ذلك في شعبان سنة أربع وتسعين وغنموا أمواله ودوابه # وعاد ايلك الخان إلى بلاد الترك فجمع وحشد وعاد إلى المنتصر # فوافق عوده تراجع الغزية الذين كانوا مع المنتصر إلى أوطانهم # وقد زحف جمعه فاقتتلوا بنواحي أسروشنة فانهزم المنتصر وأكثر الترك في أصحابه القتل # وسار المنتصر منهزما حتى عبر النهر وسار إلى الجوزجان فنهب أموالها وسار يطلب مرو فسير يمين الدولة
13
العساكر ففارق مكانه وسار وهم في أثره حتى أتى بسطام فأرسل إليه قابوس عسكرا أزعجه عنها # فلما ضاقت عليه المذاهب عاد إلى ما وراء النهر فعبر أصحابه وقد ضجروا وسئموا من السهر والتعب والخوف ففارقه كثير منهم إلى بعض أصحاب ايلك الخان فأعلموهم بمكانه فلم يشعر المنتصر إلا وقد أحاطت به الخيل من كل جانب فطاردهم ساعة ثم ولاهم الدبر وسار فنزل بحلة من العرب في طاعة يمين الدولة وكان يمين الدولة قد أوصاهم بطلبه # فلما رأوه أمهلوه حتى أظلم الليل ثم وثبوا عليه فأخذوه وقتلوه # وكان ذلك خاتمة أمره # وإنما أوردت حادثة هذه السنة لترد متتابعة فلو تفرقت في السنين لم تعلم على هذه الصورة لقتلها $ ذكر محاصرة يمين الدولة سجستان $ # في هذه السنة سار يمين الدولة إلى سجستان وصاحبها خلف بن أحمد فحصره بها # وكان سبب ذلك أن يمين الدولة لما اشتغل بالحروب التي ذكرناها سير خلف بن أحمد ابنه طاهرا إلى قهستان فملكها ثم سار منها إلى بوشنج فملكها وكانت هي وهراة لبغراجق عم يمين الدولة فلما فرغ يمين الدولة من تلك الحروب استأذنه عمه في إخراج طاهر بن خلف من ولايته فأذن له في ذلك فسار إليه فلقيه طاهر بنواحي بوشنج فاقتتلوا فانهزم طاهر ولج بغراجق في طلبه فعطف عليه طاهر فقتله ونزل إليه وأخذ رأسه فلما سمع يمين الدولة بقتل عمه عظم عليه وكبر لديه وجمع عساكره وسار نحو خلف بن أحمد فتحصن منه خلف بحصن أصبهبذ وهو حصن بناطح النجوم علوا وارتفاعا فحصره فيه وضيق عليه فذل وخضع وبذل أموالا جليلة لينفس عن خناقته فأجابه يمين الدولة إلى ذلك وأخذ رهنه على المال $ ذكر قتل ابن بختيار بكرمان واستيلاء بهاء الدولة عليها $ # في هذه السنة في جمادي الآخرة قتل الأمير أبو نصر بن بختيار الذي كان قد استولى على بلاد فارس # وسبب قتله أنه لما انهزم من عسكر بهاء الدولة بشيراز سار إلى بلاد الديلم وكاتب الديلم بفارس وكرمان من هناك يستمليهم # وكاتبوه واستدعوه # فسار إلى بلاد فارس واجتمع عليه جمع كثير من الزط والديلم والأتراك وتردد في تلك النواحي ثم سار إلى كرمان فلم يقبله الديلم الذين بها
14
وكان المقدم عليهم أبو جعفر بن أستاذ هرمز # فجمع وقصد أبا جعفر فالتقيا فانهزم أبو جعفر إلى السيرجان ومضى ابن بختيار إلى جيرفت فملكها وملك أكثر كرمان فعظم الأمر على بهاء الدولة فسير إليه الموفق علي بن إسماعيل في جيش كثير وسار مجدا حتى أطل على جيرفت فاستأمن إليه من بها من أصحاب ابن بختيار ودخلها فأنكر عليه من معه من القواد سرعة سيره وخوفوه عاقبة ذلك فلم يصغ إليهم وسأل عن حال ابن بختيار فأخبر بأنه على ثمانية فراسخ من جيرفت فاختار ثلاثمائة رجل من شجعان أصحابه وسار بهم وترك الباقين مع السواد بجيرفت فلما بلغ ذلك المكان لم يجده ودل عليه فلم يزل يتبعه من منزل إلى منزل حتى لحقه بدارزين فسار ليلا وقدر وصوله إليه عند الصبح فأدركه # فركب ابن بختيار واقتتلوا قتالا شديداوسار الموفق في نفر من غلمانه فأتى ابن بختيار من ورائه فانهزم ابن بختيار وأصحابه ووضع فيهم السيف فقتل منهم الخلق الكثير فغدر بابن بختيار بعض أصحابه وضربه بلت فألقاه وعاد إلى الموفق ليخبره بقتله فأرسل معه من ينظر إليه فرآه وقد قتله غيره وحمل رأسه إلى الموفق واكثر الموفق القتل في أصحاب ابن بختيار واستولى على بلاد كرمان واستعمل عليها أبا موسى سياهجيل وعاد إلى بهاء الدولة # فخرج بنفسه ولقيه وأكرمه وعظمه ثم قبض عليه بعد أيام ومن أعجب ما يذكر أن الموفق أخبره منجم أنه يقتل ابن بختيار يوم الاثنين # فلما كان قبل الاثنين بخمسة أيام قال للمنجم قد بقي خمسة أيام وليس لنا علم به فقال له المنجم إن لم تقتله فاقتلني عوضه وإلا فأحسن إلي فلما كان يوم الاثنين أدركه وقتله وأحسن إلى المنجم إحسانا كثيرا $ ذكر القبض على الموفق أبي علي بن إسماعيل $ # قد ذكرنا ميسره إلى قتال ابن بختيار # فلما عاد أكرمه بهاء الدولة ولقيه بنفسه فاستعفى الموفق من الخدمة فلم يعفه بهاء الدولة # فألح كل واحد منهما فأشار أبو محمد بن مكرم على الموفق بترك ذلك فلم يقبل فقبض عليه بهاء الدولة و أخذ أمواله # وكتب إلى وزيره سابور ببغداد بالقبض على أنساب الموفق فعرفهم ذلك سرا فاحتالوا لنفوسهم وهربوا واستعمل بهاء الدولة أبا محمد بن مكرم على عمان ثم ان بهاء الدولة قتل الموفق سنة أربع وتسعين وثلاثمائة
15
$ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة استعمل بهاء الدولة أبا علي الحسن بن أستاذ هرمز على خوزخستان وكانت قد فسدت أحوالها بولاية أبي جعفر الحجاج لها ومصادرته لأهلها فعمرها أبو علي ولقبه بهاء الدولة عميد الجيوش وحمل إلى بهاء الدولة منها أموالا جليلة مع حسن سيرة في أهلها وعدل # وفيها ظهر في سجستان معدن الذهب فكانوا يحفرون التراب ويخرجون منه الذهب الأحمر # وفيها توفي الشريف أبو الحسن محمد بن عمر العلوي ودفن بالكرخ وعمره خمس وسبعون سنة وهو مشهور بكثرة المال والعقار والقاضي أبو الحسن ابن قاضي القاضاة أبي محمد بن معروف و القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا المعروف بابن طراز الجريري بفتح الجيم منسوب إلى محمد بن جرير الطبري لأنه كان يتفقه على مذهبه وكان عالما بفنون العلوم كثير الرواية والتصنيف فيها
16
$ ثم دخلت سنة احدى وتسعين وثلاثمائة $ $ ذكر قتل المقلد وولاية ابنه قرواش $ # في هذه السنة قتل حسام الدولة المقلد بن المسيب العقبلي غيلة قتله مماليك له ترك # وكان سبب قتله أن هؤلاء الغلمان كانوا قد هربوا منهم فتبعهم وظفر بهم وقتل منهم وقطع وأعاد الباقين فخافوه على نفوسهم # فاغتنم بعضهم غفلته # وقتله بالأنبار وكان قد عظم أمره وراسل وجوه العساكر ببغداد و أراد التغلب على الملك فأتاه الله من حيث لا يشعر # ولما قتل كان ولده الأكبر قرواش غائبا وكانت أمواله وخزائنه بالأنبار فخاف نائبه عبد الله بن إبراهيم بن شهرويه باداره الجند فراسل أبا منصور بن قراد اللديد وكان بالسندية فاستدعاه إليه وقال له ( ( أنا أجعل بينك وبيك قرواش عهدا وأزوجه ابنتك وأقاسمك على ما خلفه أبوه وتساعده على عمه الحسن إن قصده وطمع فيه ) ) فأجابه إلى ذلك وحمى الخزائن والبلد # و أرسل عبد الله إلى قرواش يحثه على الوصول فوصل وقاسمه على المال وأقام قراد عنده ثم إن الحسن بن المسيب جمع مشايخ عقيل وشكا قرواشا إليهم وما صنع مع قراد فقالوا له خوفه منك حمله على ذلك فبذل من نفسه الموافقة له والوقوف عند رضاه وسفر المشايخ بينهما فاصطلحا واتفقا على أن يسير الحسن إلى قرواش شبه المحارب ويخرج هو وقراد لقتاله فإذا لقي بعضهم بعضا عادوا جميعا على قراد فأخذوه # فسار الحسن وخرج قرواش وقراد
17
لقتاله # فلما تراءى الجمعان جاء بعض أصحاب قراد إليه فأعلمه الحال فهرب على فرس له وتبعه قرواش والحسن فلم يدركاه وعاد قرواش إلى بيت قراد فأخذ ما فيه من الأموال التي أخذها من قرواش وهي بحالها # وسار قرواش إلى الكوفة فأوقع بخفاجة عندها وقعة عظيمة فساروا بعدها إلى الشام فأقاموا هناك حتى أحضرهم أبو جعفر الحجاج على ما نذكره إن شاء الله $ ذكر البيعة لولي العهد $ ُ # في هذه السنة في ربيع الأول أمر القادر بالله بالبيعة لولده أبي الفضل بولاية العهد وأحضر حجاج خراسان وأعلمهم بذلك ولقبه الغالب بالله وكان سبب البيعة له أن عبد الله بن عثمان الواثقي من ولد الواثق بالله أمير المؤمنين كان من أهل نصيبين فقصد بغداد ثم سار عنها إلى خراسان وعبر النهر إلى هارون بن ايلك بغراخاقان وصحبه الفقيه أبو الفضل التميمي وأظهر أنه رسول من الخليفة إلى هارون يأمره بالبيعة لهذا الواثقي فإنه ولي عهده فأجابه خاقان إلى ذلك وبايع له وخطب له ببلاده ونفق عليه # فبلغ ذلك القادر بالله فعظم عليه وراسل خاقان في معناه فلم يصغ إلى رسالته فلما توفي هارون خاقان وولي بعده أحمد قراخان كاتبه الخليفة في معناه فأمر بإبعاده فحينئذ بايع الخليفة لولده بولاية العهد # وأما الواثقي فإنه خرج من عند أحمد قراخاقان وقصد بغداد فعرف بها وطلب فهرب منها إلى البصرة ثم إلى فارس وكرمان ثم إلى بلاد الترك فلم يتم له ما أراده وراسل الخليفة الملوك يطلبه فضاقت عليه الأرض وسار إلى خوارزم وأقام بها ثم فارقها فأخذ يمين الدولة محمود بن سبكتكين فحبسه في قلعة إلى أن توفي بها $ ذكر استيلاء طاهر بن خلف على كرمان وعوده عنها $ # في هذه السنة سار طاهر بن خلف بت أحمد صاحب سجستان إلى كرمان طالبا ملكها # وكان سبب مسيره إليها أنه كان قد خرج عن طاعة أبيه وجرى بينهما حروب كان الظفر فيها لأبيه # ففارق سجستان وسار إلى كرمان وبها عسكر بهاء الدولة وهي له على ما ذكرناه فاجتمع من بها من العساكر إلى المقدم عليه ومتولي أمر البلد وهو أبو
18
موسى سياهجيل فقالوا له إن هذا الرجل قد وصل وهو ضعيف والرأي أن تبادره قبل أن يقوى أمره ويكثر جمعه فلم يفعل واستهان به فكثر جمع طاهر وصعد إلى الجبال وبها قوم من العصاة على السلطان فاحتمى بهم وقوي فنزل إلى جيرفت فملكها وملك غيرها وقوي طمعه في الباقي فقصده أبو موسى والديلم فهزمهم وأخذ بعض ما بقي بأيديهم فكاتبوا بهاء الدولة فسير إليهم جيشا عليهم أبو جعفر بن أستاذ هرمز فسار إلى كرمان وقصد بم وبها طاهر فجرى بين طلائع العسكرين حرب وعاد طاهر إلى سجستان وفارق كرمان # فلما بلغ سجسان أطلق المأسورين ودعاهم إلى قتال أبيه معه وحلف لهم أنهم إذا نصروه وقاتلوا معه أطلقهم ففعلوا ذلك # وقاتل أباه فهزمه # وملك طاهر البلاد ودخل أبوه إلى حصن له منيع فاحتمى به # وأحب الناس طاهرا لحسن سيرته وسوء سيرة والده وأطلق طاهر الديلم # ثم إن أباه راسل أصحابه ليفسدهم عليه فلم يفعلوا فعدل إلى مخادعته وراسله يظهر له الندم على ما كان منه ويستميله بأنه ليس له ولد غيره وأنه يخاف أن يموت فيملك بلاده غير ولده ثم استدعاه إليه جريدة ليجتمع به ويعرفه أحواله فتواعدا تحت قلعة خلف # فأتاه ابنه جريدة ونزل هو إليه كذلك # وكان قد كمن بالقرب منه كمينا فلما لقيه اعتنقه وبكى خلف وصاح في بكائه فخرج الكمين وأسروا طاهر فقتله أبوه بيده وغسله ودفنه ولم يكن له ولد غيره # فلما قتل طمع الناس في خلف لأنهم كانوا يخالفون ابنه لشهامته # وقصده حينئذ محمود بن سبكتكين فملك بلاده على ما نذكره وأما العتبي فذكر في سبب فتحها غير هذا وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة ثار الأتراك ببغداد بنائب السلطان وهو أبو نصر سابور فهرب منهم ووقعت الفتنة بين الأتراك و العامة من أهل الكرخ و قتل بينهم قتلى كثيرة # ثم إن أهل السنة من أهل بغداد ساعدوا الأتراك على أهل الكرخ فضعفوا على الجميع فسعى الأشراف في إصلاح الحال فسكنت الفتنة # وفيها ولد الأمير أبو جعفر عبد الله بن القادر وهو القائم بأمر الله # وفيها في ربيع الأول توفي أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى
19
وكان فاضلا عالما بعلوم الإسلام و بالمنطق وكان يجلس للتحدث وروى الناس عنه # وفيها توفي القاضي أبو الحسن الجزري وكان على مذهب داود الظاهري وكان يصحب عضد الدولة قديما # وفيها توفي أبو عبد الله الحسين بن الحجاج الشاعر بطريق النيل وحمل إلى بغداد وديوانه مشهور # وفيها توفي بكران بن أبي الفوارس خال الملك جلال الدولة بواسط # وفيها توفي جعفر بن الفضل بن جعفر بن محمد بن الفرات المعروف بابن حنزابة الوزير ومولده سنة ثمان وثلاثمائة وكان سار إلى مصر فولي وزارة كافور وروى حديثا كثيرا
20
$ ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة $ $ ذكر وقعة ليمين الدولة بالهند $ # في هذه السنة أوقع يمين الدولة محمود بن سبكتكين بجيبال ملك الهند وقعة عظيمة وسبب ذلك أنه لما اشتغل بأمر خراسان وملكها وفرغ منها ومن قتال خلف بن أحمد وخلا وجهه من ذلك أحب أن يغزو الهند غزوة تكون كفارة لما كان منه من قتال المسلمين # فثنى عنانه نحو تلك البلاد فنزل على مدينة برشور فأتاه عدو الله جيبال ملك الهند في عساكر كثيرة # فاختار يمين الدولة من عساكره والمطوعة خمسة عشر ألفا وسار نحوه فالتقوا في المحرم من هذه السنة # فاقتتلوا وصبر الفريقان فلما انتصف النهار انهزم الهند وقتل فيهم مقاتلة عظيمة وأسر جيبال ومعه جماعة كثيرة من أهله وعشيرته وغنم المسلمون منهم أموالا جليلة وجواهر نفيسة وأخذ من عنق عدو الله جيبال قلادة من الجوهر العديم النظير قومت بمائتي ألف دينار وأصيب أمثالها في أعناق مقدمي الأسرى وغنموا خمسمائة الف رأس من العبيد وفتح من بلاد الهند بلادا كثيرة # فلما فرغ من غزواته أحب أن يطلق جيبال ليراه الهنود في شعار الذل فأطلقه بمال عليه فأدى المال ومن عادة الهند أنهم من حصل منهم في أيدي المسلمين أسيرا لم ينعقد له بعدها رياسة فلما رأى جيبال حاله بعد خلاصة حلق رأسه ثم ألقى نفسه في النار فاحترق بنار الدنيا قبل نار الآخرة
21
$ ذكر غزوة أخرى إلى الهند أيضا $ # فلما فرغ يمين الدولة من أمر جيبال رأى أن يغزو غزوة اخرى فسار نحو ويهند فأقام عليها محاصرا لها حتى فتحها قهرا # وبلغه أن جماعة من الهند قد اجتمعوا بشعاب تلك الجبال عازمين على الفساد والعناد فسير إليهم طائفة من عسكره فأوقعوا بهم وأكثروا القتل فيهم ولم ينج منهم إلا الشريد الفريد وعاد غزنة سالما ظافرا $ ذكر الحرب بين قرواش وعسكر بهاء الدولة $ # في هذه السنة سير قرواش بن المقلد جمعا من عقيل إلى المدائن فحصروها فسير إليهم أبو جعفر نائب بهاء الدولة جيشا فأزالوهم عنها # فاجتمعت عقيل وأبو الحسن مزيد في بني أسد وقويت شوكتهم فخرج الحجاج إليهم واستنجد خفاجة وأحضرهم من الشام فاجتمعوا معه واقتتلوا بنواحي باكرم في رمضان فانهزمت الديلم والأتراك وأسر منهم خلق كثير واستبيح عسكرهم # فجمع أبو جعفر من عنده من العسكر وخرج إلى بني عقيل وابن مزيد فالتقوا بنواحي الكوفة واشتد القتال بينهم فانهزمت عقيل وابن مزيد وقتل من أصحابهم خلق كثير وأسر مثلهم وسار إلى حلل ابن مزيد فأوقع بمن فيها فانهزموا أيضا فنهبت الحلل والبيوت والأموال ورأوا فيها من العين والمصاغ والثياب ما لا يقدر قدره ولما سار أبو جعفر عن بغداد اختلت الأحوال بها وعاد أمر العيارين ظهر واشتد الفاسد وقتلت النفوس ونهبت الأموال وأحرقت المساكن # فبلغ ذلك بهاء الدولة فسير إلى العراق لحفظه أبا علي بن أبي جعفر المعروف بأستاذ هرمز ولقبه عميد الجيوش # وأرسل إلى أبي جعفر الحجاج وطيب قلبه ووصل أبو علي إلى بغداد فأقام السياسة ومنع المفسدين فسكنت الفتنة وأمن الناس # وفيها توفي محمد بن محمد بن جعفر أبو بكر الفقيه الشافعي المعروف بابن الدقاق صاحب الأصول
22
$ ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة $ $ ذكر ملك يمين الدولة سبجستان $ # في هذه السنة ملك يمين الدولة محمود بن سبكتكين سجستان وانتزعها من يد خلف بن أحمد # قال العتبي وكان سبب أخذها أن يمين الدولة لما رحل عن خلف بعد أن صالحه كما تقدم سنة تسعين عهد خلف إلى ولده طاهر وسلم إليه مملكته وانعكف هو على العبادة والعلم وكان عالما فاضلا محبا للعلماء # وكان قصده أن يوهم يمين الدولة أنه ترك الملك وأقبل على طلب الآخرة ليقطع طمعه عن بلاده # فلما استقر في الملك عق أباه وأهمل أمره فلاطفه أبوه ورفق به # ثم إنه تمارض في حصنه المذكور واستدعى ولده ليوصي إليه فحضر عنده غير محتاط ونسي إساءته فلما صار عنده قبض عليه وسجنه وبقي في السجن إلى أن مات فيه وأظهر عنه أنه قتل نفسه ولما سمع عسكر خلف وصاحب جيشه بذلك تغيرت نياتهم في طاعته وكرهوه وامتنعوا عليه في مدينته # وأظهروا طاعة يمين الدولة وخطبوا له وأرسلوا إليه يطلبون من يتسلم المدينة ففعل وملكها واحتوى عليها في هذه السنة وعزم على قصد خلف وأخذ ما بيده والاستراحة من مكره # فسار إليه وهو في حصن الطاق وله سبعة أسوار محكمة يحيط بها خندق عميق عريض لا يخاض إلا من طريق على جسر يرفع عند الخوف فنازله وضايقه فلم يصل إليه # فأمر بطم الخندق ليمكن العبور إليه فقطعت الأخشاب وطم بها وبالتراب في يوم واحد مكانا يعبرون فيه ويقاتلون منه وزحف الناس ومعهم الفيول واشتدت الحرب وعظم الأمر # وتقدم أعظم الفيول إلى باب السور فاقتلعه بنابيه وألقاه وملكه أصحاب يمين الدولة وتأخر أصحاب خلف إلى السور الثاني فلم يزل أصحاب يمين الدولة يدفعونهم عن سور سور # فلما رأى خلف اشتداد الحرب وأن أسواره تملك عليه وأن أصحابه قد عجزوا وأن الفيلة تحطم
23
الناس طار قلبه خوفا وفرقا # فارسل يطلب الأمان فأجابه يمين الدولة إلى ما طلب وكف عنه # فلما حضر عنده أكرمه واحترمه وأمره بالمقام في أي البلاد شاء فاختار أرض الجوزجان فسير إليهما في هيئة حسنة فأقام بها نحو أربع سنين # ونقل إلى يمين الدولة عنه أنه يراسل ايلك الخان يغريه بقصد يمين الدولة فنقله جردين واحتاط عليه هنالك إلى أن أدركه في رجب سنة تسع وتسعين # فسلم يمين الدولة جميع ما خلفه إلى ولده أبي حفص # وكان خلف مشهورا بطلب العلم وجمع العلماء # وله كتاب صنفه في تفسير القرآن من أكبر الكتب $ ذكر الحرب بين عميد الجيوش أبي علي وبين أبي جعفر الحجاج $ # في هذه السنة كانت الحرب بين أبيَُُُُُُ علي بن أبي جعفر أستاذ هرمز وبين أبي جعفر الحجاج وسبب ذلك أن أبا جعفر كان نائبا عن بهاء الدولة بالعراق فجمع وغزا واستناب بعد عميد الجيوش أبا علب فأقام أبو جعفر بنواحي الكوفة ولم يستقر بينه وبين أبي علي صلح وكان أبو جعفر قد جمع جمعا من الديلم والأتراك وخفاجة فجمع أبو علي أيضا جمعا كثرا وسار إليه والتقوا بنواحي النعمانية فاقتتلوا قتالا عظيما وأرسل أبو علي بعض عسكره فأتوا أبا جعفر من وراءه فانهزم أبو جعفر ومضى منهزما # فلما أمن أبو علي سار من العراق بعد الهزيمة إلى خوزستان وبلغ السوس # وأتاه الخبر أن أبا جعفر قد عاد إلى الكوفة فرجع إلى العراق وجرى بينه وبين أبي جعفر منازعات ومراجعات إلى أن آل الأمر إلى الحرب فاستنجد كل واحد منهم بني عقيل وبني خفاجه وبني أسد # فينما هم كذلك أرسل بهاء الدولة إلى عميد الجيوش أبي علي يستدعيه فسار إليه إلى خوزستان لأجل أبي العباس واصل صاحب البطيحة $ ذكر عصيان سجستان وفتحها ثانية $ # لما ملك يمين الدولة سجستان عاد عنها واستخلف عليها أميرا كبيرا من أصحابه يعرف بقنجي الحاجب فأحسن السيرة من أهلها # ثم إن طوائف من أهل العيث والفساد قدموا عليهم رجلا يجمعهم وخالفوا على السلطان # فسار إليهم يمين
24
الدولة وحصرهم في حصن أرك ونشبت الحرب في ذي الحجة في هذه السنة # فظهر عليهم وظفر بهم وملك حصنهم وأكثر القتل فيهم وانهزم في آثارهم من يطلبهم فأدركوهم فأكثروا القتل فيهم حتى خلت سجستان منهم وصفت له واستقر ملكها عليه فأقطعها أخاه نصرا مضافة إلى نيسابور $ ذكر وفاة الطائع لله $ # في هذه السنة في شوال منها توفي الطائع لله المخلوع ابن المطيع لله وحضر الأشراف والقضاه وغيرهم دار الخلافة للصلاة عليه والتعزيه # وصلى عليه القادر بالله وكبر عليه خمسا # وتكلمت العامة في ذلك فقيل إن هذا مما يفعل بالخلفاء وشيع جنازته ابن حاجب النعمان ورثاه الشريف الرضي فقال # ( ما بعد يومك ما يسلو به السالي % ومثل يومك لم يخطر على بالي ) # وهي طويلة
25
$ ذكر وفاة المنصور بن أبي عامر $ # في هذه السنة توفي أبو عامر محمد بن أبي عامر المعافري الملقب بالمنصور أمير الأندلس مع المؤيد هشام بن الحاكم وقد تقدم ذكره عند ذكر المؤيد وكان أصله من الجزيرة الخضراء من بيت مشهور بها وقدم قرطبة طالبا للعلم وكانت له همة فتعلق بوالدة المؤيد في حياة أبيه المستنصر # فلما ولي هشام كان صغيرا فتكفل المنصور لوالدته القيام بأمره وإخماد الفتن الثائرة عليه وإقرار الملك عليه فولته أمره وكان شهما شجاعا قوي النفس حسن التدبير فاستمال العساكر وأحسن إليهم فقوي أمره وتلقب بالمنصور # وتابع الغزوات إلى الفرنج وغيرهم وسكنت البلاد معه فلم يضطرب منها شيء # وكان عالما محبا للعلماء يكثر مجالستهم ويناظرهم و قد أكثر العلماء ذكر مناقبه وصنفوا لها تصانيف كثيرة # ولما مرض كان متوجها إلة الغزو فلم يرجع ودخل بلاد العدو فنال منهم وعاد وهو مثقل فتوفي بمدينة سالم # وكان قد جمع الغبار الذي وقع على درعه في غزواته شيئا صالحا # فأمر أن يجعل في كفنه تبركا به # وكان حسن الاعتقاد والسيرة عادلا كانت أيامه أعيادا لنضارتها وأمن الناس فيها رحمه الله # وله شعر جيد وكانت أمه تميمية # ولما مات ولي بعده ابنه المظفر أبو مروان عبد الملك فجرى مجرى أبيه $ ذكر محاصرة فلفل مدينة قابس وما كان منه $ # في هذه السنة سار يحيى بن علي الأندلسي وفلفل من طرابلس إلى مدينة قابس من عسكر كثير فحصروها ثم زجعوا إلى طرابلس # ولما رأى يحيى بن علي ما هو عليه من قلة المال واختلال حاله وسوء مجاورة فلفل وأصحابه له رجع إلى مصر إلى الحاكم بعد أن أخذ فلفل وأصحابه خيولهم وما اختاروه من عددهم بين الشراء والغضب # فأراد الحاكم قتله ثم عفا عنه # وأقام فلفل بطرابلس إلى سنة أربعمائة فمرض وتوفي وولي أخوه ورو فأطاعته زناتة واستقام أمره # فرحل باديس إلة طرابلس لحرب زناتة # فلما بلغهم رحيله فارقوها وملكها باديس ففر أهلها # وأرسلوا ورو أخو فلفل إلى باديس يطلب أن يكون هو ومن معه من زناتة في أمانه ويدخلون في طاعته ويجعلهم عمالا كسائر عماله فأمنهم
26
واحسن إليهم وأعطاهم نفزاوة وقسطيلة على أن يرحلوا من أعمال طرابلس ففعلوا ذلك # ثم إن خزرون بن سعيد أخا ورو جاء إلى باديس ودخل في طاعته وفارق أخاه فأكرمه باديس وأحسن إليه # ثم إن أخاه خالف على باديس وسار إلى طرابلس فحصرها وسار إليه خزرون لمنعه عن حصارها وكان ذلك سنة ثلاث وأربعمائة $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في رمضان طلع كوكب كبير له ذؤابة # وفي ذي القعدة انقض كوكب كبير أيضا كضوء القمر عند تمامه وانمحق نوره وبقي جرمه يتموج # وفيها اشتدت الفتنة ببغداد وانتشر العيارون والمفسدون فبعث بهاء الدولة عميد الجيوش أبا علي بن أستاذ هرمز إلى العراق ليدبر أمره فوصل إلى بغداد فزينت له وقمع المفسدين ومنع السنية والشيعة من إظهار مذاهبهم ونفي بعد ذلك ابن المعلم فقيه الإمامية فاستقام البلد # وفيها في ذي الحجة ولد الأمير أبو علي الحسن بن بهاء الدولة وهو الذي ملك الأمر وتلقب بمشرف الدولة # وفيها هرب الوزير أبو العباس الضبي وزير مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه من الري إلي بدر بن حسنويه فأكرمه وقام بالوزارة بعده الخطير أبو علي # وفيا ولى الحاكم بأمر الله على دمشق وقيادة العساكر الشامية أبا محمد الأسود واسمه تمضولت فقدم إليها ونزل قصر الإماره فأقام واليا عليها سنة وشهرين ومن أعماله فيها أنه أطاف إنسانا مغربيا وشهره ونادى عليه هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر ثم أخرجه عنها # وفيها توفي عثمان بن جني النحوي مصنف اللمع وغيرها ببغداد
27
وله شعر بارز والقاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني بالري وكان إماما فاضلا ذا فنون كثره والوليد بن بكر مخلد الأندلسي الفقيه المالكي وهو محدث مشهور وفيها توفي أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي الشاعر البغدادي ومن شعره يصف الدرع وهي هذه الأبيات # ( يارب سابغة حبتني نعمة % كافأتها بالسوء غير مفند ) # ( أضحت تصون عن المنايا مهجتي % وظللت أبذلها لكل مهند )
28
# وله من أحسن المديح في عضد الدولة # ( وكنت وعزمي والظلام وصارمي % ثلاثة أشباح كما اجتمع النسر ) # ( وبشرت آمالي بملك هو الورى % ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر ) # وقدم الموصل فاجتمع بالخالديين من الشعراء # منهم أبو الفرج الببغاء وأبو الحسين التلعفري فامتحنوه وكان صبيا فبرز عند الامتحان # وفيها توفي محمد بن العباس الخوارزمي الأديب الشاعر وكان فاضلا وتوفي بنيسابور # وفيها توفي محمد بن عبد الرحمن بن زكريا أبو طاهر المخلص المحدث المشهور وأول سماعه سنة اثنتين عشرة وثلاثمائة
29
$ ثم دخلت سنة أربع وتسعين وثلاثمائة $ $ ذكر استيلاء أبي العباس علي البطيحة $ # في هذه السنة في شعبان غلب أبو العباس بن واصل علي البطيحة وأخرج منها مهذب الدولة وكان ابتداء حال أبي العباس انه كان ينوب عن طاهر بن زيرك الحاجب في الجهبذة وارتفع معه # ثم أشفق منه ففارقه وسار إلى شيراز واتصل بخدمة فولاذ وتقدم عنده فلما قبض على فولاذ عاد أبو العباس إلى الأهواز بحال سيئة فخدم فيها ثم أصعد إلى بغداد فضاق الأمر عليه فخرج منها وخدم أبا محمد بن مكرم ثم انتقل إلى خدمة مهذب الدولة بالبطيحة فجرد معه عسكرا وسيره إلى حرب لشكرستان حين استولى على البصرة ومضى إلى سيراف وأخذ ما بها لأبي محمد بن مكرم من سفن ومال وأتى أسافل دجلة فغلب عليها وخلع طاعة مهذب الدولة فأرسل إليه مهذب الدولة مائة سميرية فيها مقاتله فغرق بعضها وأخذ أبو العباس ما بقي منها وعدل إلى الإبلة فهزم أبا سعد بن ماكولا وهو يصحب لشكرستان فانهزم أيضا لشكرستان من بين يديه واستولى ابن واصل على البصرة ونزل دار الإمارة وأمن الديلم والأجناد # وقصد لشكرستان مهذب الدولة فأعاده إلى قتال أبي العباس في جيش فلقيه أبو العباس وقاتله فانهزم لشكرستان وقتل كثير من رجاله واستولى أبو العباس على ثقله وأمواله وأصعد إلى البطيحة # وأرسل إلى مهذب الدولة يقول له قد هزمت جندك ودخلت بلدك فخذ لنفسك
30
# فسار مهذب الدولة إلى بشامني وصار عند أبي شجاع فارس بن مردان وابنه صدقة فغدرا به وأخذا أمواله فاضطر إلى الهرب وسار إلى واسط فوصلها على أقبح صورة فخرج إليه أهلها فلقوه وأصعدت زوجته ابنه الملك بهاء الدولة إلى بغداد وأصعد مهذب الدولة إليها فلم يمكن من الوصول إليها # وأما ابن واصل فإنه استولى على أموال مهذب الدولة وبلاده وكانت عظيمة ووكل بدار زوجته ابنة بهاء الدولة من يحرسها ثم جمع كل ما فيها وأرسله إلى أبيها واضطرب عليه أهل البطائح واختلفوا فسير سبعمائة فارس إلى الجازرة لإصلاحها فقاتلهم أهلها فظفروا بالعسكر وقتلوا فيهم كثرا # وانتشر الأمر على أبي العباس بن واصل فعاد إلى البصرة خوفا أن ينتشر الأمر عليه بها وترك البطائح شاغرة ليس فيها أحد يحفظها # ولما سمع بهاء الدولة بحال أبي العباس وقوته خافه على البلاد فسار من فارس إلى الأهواز لتلاقي أمره وأحضر عنده عميد الجيوش من بغداد وجهز معه عسكر ا كثيفا وسيرهم إلى أبي العباس فأتى إلى واسط وعمل ما يحتاج إليه من سفن وغيرها # وسار إلى البطائح وفرق جنده في البلاد لتقرير قواعدها # وسمع أبو العباس بمسيره إليه فأصعد إليه من البصرة وأرسل يقول له ما أحوجك تتكلف الانحدار وقد أتيتك فخذ لنفسك # ووصل إلى عميد الجيوش وهو على تلك الحال من تفرق العسكر عنه فلقيه فيمن معه بالصليق فانهزم عميد الجيوش ووقع من معه بعضهم على بعض ولقي عميد الجيوش شدة إلى أن وصل إلى واسط وذهب ثقله وخيامه وخزائنه # وفأخبره خازنه أنه قد دفن في الخيمة ثلاثين ألف دينار وخمسين ألف درهم فأنفذ أحضرها فقوي بها # ونذكر باقي خير البطائح سنة خمس وتسعين $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة قلد بهاء الدولة النقيب أبا أحمد الموسوي والد الشريف الرضي نقابة العلويين بالعراق وقضاء القضاة والحج والمظالم وكتب عهده بذلك من شيراز ولقب الطاهر ذا المناقب فامتنع الخليفة من تقليده قضاء القضاة وأمضى ما سواه
31
وفيها خرج الأصيفر المنتفيقي على الحاج وحصرهم بالبطانبة وعزم على أخذهم # وكان فيهم أبو الحسن الرفاء وأبو عبد الله الدجاجي وكانا يقرآن القرآن بأصوات لم يسمع مثلها # فحضرا عند الأصيفر وقرآ القرآن فترك الحجاج وعاد وقال لهما قد تركت لكما ألف ألف دينار
32
$ ثم دخلت سنة خمس وتسعين وثلاثمائة $ $ ذكر عود مهذب الدولة إلى البطيحة $ # قد ذكرنا إنهزام عميد الجيوش من أبي العباس بن واصل فلما انهزم أقام بواسط وجمع العساكر عازما على العود إلى البطائح وكان أبو العباس قد ترك بها نائبا له فلم يتمكن من المقام بها ففارقها إلى صحابه # فأرسل عميد الجيوش إليها نائبا من أهل البطائح فعسف الناس وأخذ الأموال ولم يلتفت إلى عميد الجيوش # فأرسل إلى بغداد وأحضر مهذب الدولة وسير معه العساكر في السفن إلى البطيحة فلما وصلها لقيه أهل البلاد # وسروا بقدومه وسلموا إليه جميع الولايات واستقر عليه لبهاء الدولة كل سنة خمسون ألف دينار ولم يعرض إليه ابن واصل ُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُفاشتغل عنه بالتجهيز خوزستان وحفر نهرا إلى جانب النهر العضدي بين البصرة والأهواز وكثير ماؤه وكان قد اجتمع عنده كثير من الديلم وأنواع الجناد # ولما كثر ماله وذخائره وما استولى عليه من البطيحة فقوي طمعه في الملك وسار هو وعسكره إلى الأهواز في ذي القعدة فجهز إليه بهاء الدولة جيشا في الماء فالتقوا بنهر السدرة فاقتتلوا # وخاتلهم أبو العباس وسار إلى الأهواز وتبعه من كان قد لقيه من العسكر # فالتقوا بظاهر الأهواز وانضاف إلى عسكر بهاء الدولة العساكر التي بالأهواز # فاستظهر أبو العباس عليهم ورحل بهاء الدولة إلى قنطرة أربق عازما على المسير إلى فارس ودخل أبو العباس إلى دار المملكة وأخذ ما فيها من الأمتعة والأثاث المتخلف عن بهاء الدولة إلا أنه لم يمكنه المقام لأن بهاء الدولة كان قد جهز عسكرا ليسير في البحر إلى البصرة فخاف أبو العباس من ذلك وراسل بهاء الدولة وصالحه وزاد في أقطاعه وحلف كل واحد منهما لصاحبه وعاد إلى البصرة وحمل معه كل ما أخذ في دار بهاء الدولة ودور الأكابر و القواد والتجار
33
$ ذكر غزوة بهاطية $ # في هذه السنة غزا يمين الدولة بهاطية من أعمال الهند وهي وراء المولتان وصاحبهما يعرف ببحيرا وهي مدينة حصينة عالية السور يحيط بها خندق عميق فامتنع صاحبها بها ثم إنه خرج إلى ظاهرها فقاتل المسلمين ثلاثة أيام ثم انهزم في الرابع وطلب المدينة ليدخلها هو وأصحابه فسبقهم المسلمون إلى باب البلد فملكوه عليه وأخذتهم السيوف من بين أيديهم ومن خلفهم # فقتل المقاتلة وسبية الذرية وأخذت الأموال # وأما بحيرا فإنه لما عاين الهلاك أخذ جماعة من ثقاته وسار إلى رؤوس تلك الجبال # فسير إليه يمين الدولة سرية فلم يشعر لهم بحيرا إلا وقد أحاطوا به وحكموا السيوف في أصحابه فلما أيقن بالعطب أخذ خنجرا معه فقتل به نفسه # وأقام يمين الدولة ببهاطية حتى أصلح أمرها ورتب قواعدها وعاد عنها إلى غزنة واستخلف بها من يعلم من أسلم من أهلها ما يجب عليهم تعليمه ولقي في عوده شدة شديدة من الأمطار وكثرتها وزيادة الأنهار فغرق منه ومن عسكره شيء عظيم $ ذكر عده حوادث $ # في هذه السنة كان بأفريقية غلاء شديد بحيث تعطلت المخابز والحمامات وهلكة الناس وذهبت الأموال من الأغنياء وكثر الوباء فكان يموت كل يوم ما بين خمسمائة إلى سبعمائة # وفيها وصل قرواش وأبو جعفر الحجاج إلى الكوفة فقبضا على أبي علي عمر بن محمد بن عمر العلوي وأخذ منه قرواش مائة ألف دينار وحمله معه إلى الأنبار # وفيها توفي إسحاق بن محمد بن حمدان بن محمد بن نوح أبو إبراهيم المهلبي # وفيها توفي محمد بن علي بن الحسين بن الحسن بن أبي إسماعيل العلوي الهمذاني الفقيه الشافعي رحمه الهه تعالى
34
$ ثم دخلت سنة ست وتسعين وثلثمائة $ $ ذكر غزوة المولتان $ # في هذة السنة غزا السلطان يمين الدولة المولتان # وكان سبب ذلك أن واليها أبا الفتوح نقل عنه خبث اعتقاده ونسب إلى الإلحاد وأنه قد دعا أهل ولايته إلى ما هو عليه فأجابوه فرأى يمين الدولة أن يجاهدوه ويستنزله عما هو عليه فسار نحوه فرأى الأنهار التي في طريقة كثيرة الزيادة عظيمة المد وخاصة سيحون # فإنه منع جانبه من العبور فأرسل إلى أندبال يطلب إليه أن يأذن له في العبور ببلاده إلى المولتان فلم يجبه إلى ذلك فابتدأ به قبل المولتان وقال نجمع بين غزوتين لأنه لا غزو إلا التعقيب # فدخل بلاده وجاسها وأكثر القتل فيها والنهب لأموال أهلها والإحراق لابنتيها ففر أندبال من بين يديه وهو في أثره كالشهاب في أثر الشيطان من مضيق إلى مضيق إلى أن وصل إلى قشمير # ولما سمع أبو الفتوح يخبر إقباله إليه علم عجزه عن الوقوف بين يديه والعصيان عليه فنقل أمواله إلى سرنديب وأخلى المولتان فوصل يمين الدولة إليهما ونازلها فإذا أهلها في ضلالهم يعمهون فحصرهم وضيق عليهم وتابع القتال حتى افتتحها عنوة والزم أهلها عشرين ألف درهم عقوبة لعصيانهم
35
$ ذكر غزوة كواكير $ # ثم سار عنها إلى قلعة كواكير وكان صاحبها يعرف ببيدا وكان بها ستمائة صنم فافتتحها وأحرق الأصنام فهرب صاحبها إلى قلعته المعروفة بكالنجار فسار خلفه إليها وهو حصن كبير يسع خمسمائة ألف إنسان وفيه خمسمائة فيل وعشرون ألف دابة وفي الحصن ما يكفي الجميع مدة فلما قاربها يمين الدولة وبقي بينهما سبعة فراسخ رأى من الغياض المانعة من سلوك الطريق ما لا حد عليه فأمر بقطعها ورأى في الطريق واديا عظيم العمق بعيد العقر أمر أن يطم منه مقدارا ما يسع عشرين فارسا فطموه بالجلود المملوءة ترابا ووصل إلى القلعة فحصرها ثلاثا وأربعين يوما وراسله صاحبها في الصلح فلم يجبه ثم بلغه عن خراسان إختلاف بسبب قصد ايلك الخان لها فصالح ملك الهند على خمسمائة فيل وثلاثة الآف منافضة # ولبس خلعة يمين الدولة بعد أن استعفى من شد المنطقة فإنه اشتد عليه فلم يجبه يمين الدولة إلى ذلك # فشد المنطقة وقطع أصبعة الخنصر وأنفذها إلى يمين الدولة توثقه فيما يعتقدونه وعاد يمين الدولة إلى خراسان لأصلاح ما اختلف فيها وكان عازما على الوغول في بلاد الهند $ ذكر عبور عسكر أيلك الخان إلى خراسان $ # كان يمين الدولة لما استقر له ملك خراسان وملك أيلك الخان ما وراء النهر قد راسله ووافقه وتزوج ابنته وانعقدت بينهما مصاهرة ومصالحة فلم تزل السعادة حتى أفسدوا ذات بينهما # وكتم أيلك الخان ما في نفسه فلما سار يمين الدولة إلى المولتان اغتنم أيلك الخان خلو خراسان فسير سباشي تكين صاحب جيشه في هذه السنة الى خراسان في معظم جنده وسير أخاه جعفر تكين إلى بلخ في عدة من الأمراء # وكان يمين الدولة قد جعل بهراة أميرا كان من أكابر أمرائه يقال له أرسلان الجاذب فأمره إذا ظهر عليه مخالف أن ينحاز إلى غزنة فلما عبر سباشي تكين إلى خراسان سار أرسلان إلى غزنة وملك سباشي هراة وأقام بها وأرسل إلى نيسابور من استولى عليها # واتصلت الأخبار بيمين الدولة وهو بالهند فرجع إلى غزنة لا يلوي على دار ولا يركن إلى قرار # فلما بلغها فرق في عساكره الأموال وقواهم وأصلح ما أراد
36
إصلاحه واستمد الأتراك الخليجية فجاءه منهم خلق كثير وسار بهم نحو بلخ وبها جعفر تكين أخو أيلك الخان فعبر إلى ترمذ ونزل يمين الدولة ببلخ وسير العساكر إلى سباشي تكين بهراة فلما قاربوه سار نحو مرو ليعبر النهر فلقيه التركمان الغزية فقاتلوه فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة # ثم سار نحو أبيورد لتعذر العبور عليه فتبعه عسكر يمين الدولة كلما رحل نزلوا حتى ساقه الخوف من الطلب إلى جرجان فأخرج عنها # ثم عاد إلى خراسان فعارضه يمين الدولة فمنعه عن مقصده وأسر أخو سباشي تكين وجماعة من قواده ونجا هو في خف من أصحابه فعبر النهر وكان أيلك الخان قد عبر أخاه جعفر تكين إلى بلخ ليلفت يمين الدولة عن طلب سباشي فلم يرجع # وجعل دأبه إخراج سباشي من خراسان فلما أخرجه عنها عاد إلى بلخ فانهزم من كان بها مع حعفر تكين وسلمت خراسان ليمين الدولة $ ذكر الحرب بين عسكر بهاء الدولة والأكراد $ # في هذه السنة سير عميد الجيوش عسكرا إلىالبندنيجيين وجعل المقدم عليهم قائدا كبيرا من الديلم # فلما وصلوا إليها سار إليهم جمع كثير من الأكراد فاقتتلوا فانهزم الديلك وغنم الأكراد رحلهم ودوابهم وجرد المقدم عليهم من ثيابه فأخذ قميصا من رجل سوادي وعاد راجلا حافيا ولم يكن مقامهم غير أيام قليلة $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة قلد الشريف الرضي نقابة الطالبيين بالعراق ولقب بالرضي ذي الحسبين ولقب المرتضى ذا المجدين فعل ذلك بهاء الدولة # وفيها توفي أبو أحمد عبد الرحيم بن علي بن المرزبان الأصبهاني قاضي خراسان وكان إليه أمر البيمارستان ببغداد # وفيها مستهل شعبان طلع كوكب كبير يشبه الزهرة عن يسرة قبله العراق له شعاع
37
على الأرض كشعاع القمر وبقي إلى منتصف ذي القعدة وغاب # وفيها توفي أبو سعد إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الإمام الفقيه الشافعي بجرجان في ربيع الآخر ومحمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة أبو عبد الله الحافظ الأصبهاني المشهور له التصانيف المعروفة
38
$ ثم دخلت سنة سبع وتسعين وثلاثمائة $ $ ذكر هزيمة أيلك الخان $ # لما أخرج يمين الدولة عساكر أيلك الخان من خراسان راسل أيلك الخان قدر خان بن بغراخان ملك الختل لقرابة بينهما وذكر له حاله واستعان به واستنصره واستنفر الترك من أقاصي بلادها وسار نحو خراسان واجتمع هو وأيلك الخان فعبر النهر وبلغ الخبر يمين الدولة وهو بطخارستان فسار وسبقهما إلى بلخ واستعد للحرب وجمع الترك الغزية والخلج والهند والأفغانية والغزنوية # وخرج عن بلخ فعسكر على فرسخين بمكان فسيح يصلح للحرب وتقدم أيلك الخان وقدرخان في عساكرهما فنزلوا بإزائه واقتتلوا يومهم ذلك إلى الليل فلما كان الغد برز بعضهم إلى بعض واقتتلوا واعتزل يمين الدولة إلى نشر مرتفع ينظر إلى
39
الحرب ونزل عن دابته وعفر وجهه على الصعيد تواضعا لله تعالى وسأله النصر والظفر # ثم نزل وحمل قي فيلته على قلب أيلك الخان فأزاله عن مكانه ووقعت الهزيمة فيهم وتبعهم أصحاب يمين الدولة يقتلون ويأسرون ويغنمون إلى أن عبروا بهم النهر وأكثر الشعراء تهنئة يمين الدولة بهذا الفتح $ ذكر غزوة إلى الهند $ # فلما فرغ يمين الدولة من الترك سار نحو الهند للغزاة وسبب ذلك أن بعض أولاد ملوك الهند يعرف بنواسه شاه كان قد أسلم على يده واستخلفه على بعض ما افتتحه من بلادهم # فلما كان الآن بلغه أنه ارتد عن الإسلام ومالأ أهل الكفر والطغيان فسار إليه مجدا فحين قاربه فر الهندي من بين يديه واستعاد يمين الدولة تلك الولاية وأعادها إلى حكم الإسلام واستحلف عليها بعض أصحابه وعاد إلى عزنة $ ذكر حصر أبي جعفر الحجاج بغداد $ # في هذه السنة جمع أبو جعفر الحجاج جمعا كثيرا وأمده بدر بن حسنويه بجيش كثير فسار بالجميع وحصر بغداد وسبب ذلك أن أبا جعفر كان نازلا على قلج حامي طريق خراسان # وكان قلج مباينا لعميد الجيوش فاجتمعا لذلك فتوفي قلج هذه السنة فجعل عميد الجيوش على حماية الطريق أبا الفتح بن عناز وكان عدوا لبدر بن حسنوية فحقد ذلك بدرفاستدعى أبا جعفر الحجاج وجمع له جمعا كثيرا منهم الأمير هندي بن سعدي وأبو عيسى شاذي بن محمد وورام بن محمد وغيرهم وسيرهم إلى بغداد # وكان الأمير أبو الحسن علي بن مزيد الأسدي قد عاد من عند بهاء الدولة بخوزستام مغضبا فاجتمع معهم فزادت عدتهم على عشرة الآف فارس وكان عميد الجيوش عند بهاء الدولة لقتال أبي العباس بن واصل فسار أبو جعفر ومن اجتمع معه إلى بغداد ونزلوا على فرسخ منها وأقاموا شهرا # وببغداد جمع من الأتراك ومعهم أبو الفتح بن عناز فحفظوا البلد # فبينما هم كذلك أتاهم خبر انهزام أبي العباس وقوة بهاء الدولة ففت ذلك في أعضاد أبي جعفر ومن معه فتفرقوا # فعاد ابن مزيد إلى بلده وسار أبو جعفر وأبو عيسى إلى حلوان
40
وراسل أبو جعفر في إصلاح حاله مع بهاء الدولة فأجابه إلى ذلك # فحضر عنده بتستر فلم يلتفت إليه لئلا يستوحش عميد الجيوش $ ذكر قصد بدر ولاية رافع بن مقن $ # كان أبو الفتح بن عناز التجأ إلى رافع بن محمد بن مقن ونزل عليه حين أخذ بدر بن حسنويه منه حلوان وقرميسين فأرسل بدر إلى رافع يذكر مودة أبيه وحقوقه عليه ويعتب عليه حيث آوى خصمه ويطلب إليه أن يبعده ليدوم له على العهد والود القديم # فلم يفعل رافع ذلك فأرسل بدر جيشا إلى أعمال رافع بالجانب الشرقي من دجلة فنهبها وقصدوا داره بالمطيرة فنهبوها وأحرقوها # وساروا إلى قلعة البردان وهي لرافع أيضا ففتحوها قهرا وأحرقوا ما كان بها من الغلات وطم بئرها # فسار أبو الفتح إلى عميد الجيوش ببغداد فخلع عليه وأكرمه ووعده نصره $ ذكر قتل أبي العباس بن واصل $ # في هذة السنة قتل أبو العباس بن واصل صاحب البصرة # وقد تقدم ذكر ابتداء حاله وارتفاعه واستيلائه على البطيحة وما أخذه من الأموال وما هزم من جيوش السلطان وغير ذلك مما هو مذكر في مواضعة # فلما عظم أمره سار بهاء الدولة من فارس إلى الأهواز ليحفظ خوزستان منه # وكان في البطائح مقابل عميد الجيوش فلما فرغ منه سار إلى الأهواز وبها بهاء الدولة فملكها على ما ذكرناه وعاد عنها على صلح مع بهاء الدولة إلى البصرة وقد ذكرناه أيضا # ثم تجدد ما أوجب عوده إلى الأهواز فعاد إليها في جيشه وبهاء الدولة مقيم بها فلما قاربها رحل بهاء الدولة عنها لقلة عسكره وتفرقهم بعضهم بفارس وبعضهم بالعراق وقطع قنطرة أربق وبقي النهر يحجز بين الفريقين # فاستولى أبو العباس على الأهواز وأتاه مدد من بدر بن حسنويه ثلاثة آلاف فارس فقوي بهم وعزم بهاء الدولة على العود إلى فارس فمنعه أصحابه فأصلح أبو العباس القنطرة وجرى بين العسكرين قتال شديد دام إلى السحر # ثم عبر أبو العباس على القنطرة بعد أن أصلحها # والتقى العسكران واشتد
41
القتال فانهزم أبو العباس وقتل من أصحابه كثير وعاد إلى البصرة مهزوما منتصف رمضان سنة ست وتسعين وثلاثمائة # فلما عاد منهزما جهز بهاء الدولة إليه العساكر مع وزيره أبي طالب # فسار إليه ونزل عليه محاصرا له وجرى بين العسكرين القتال # وضاق الأمر على الوزير وقل المال عنده واستمد بهاء الدولة فلم يمده ثم إن أبا العباس جمع سفنه وعساكره وأصعد إلى عسكر الوزير وهجم عليه فانهزم الوزير وكاد يتم على الهزيمة فاستوقفه بعض الديلم وثبته وحملوا على أبي العباس فانهزم هو وأصحابه وأخذ الوزير سفنه فاستأمن إليه كثير من أصحابه # ومضى أبو العباس منهزما وركب مع حسان بن ثمال الخفاجي هاربا إلى الكوفة # ودخل الوزير البصرة وكتب إلى بهاء الدولة بالفتح # ثم إن أبا العباس سار من الكوفة وقطع دجلة ومضى عازما على اللحاق ببدر بن حسنويه فبلغ خانقين وبها جعفر بن العوام في طاعة بدر فأنزله وأكرمه وأشار عليه بالمسير في وقته وحذره الطلب # فاعتل بالتعب وطلب الإستراحة ونام # وبلغ خبره إلى أبي الفتح بن عناز وهو في طاعة بهاء الدولة وكان قريبا منهم فسار إليهم بخانقين وهو بها فحصره وأخذه وسار به إلى بغداد فسيره عميد الجيوش إلى بهاء الدولة # فلقيهم في الطريق قاصد من بهاء الدولة يأمره بقتله # فقتل وحمل رأسه إلى بهاء الدولة وطيف به بخوزستان وفارس وكان بواسط عاشر صفر $ ذكر مسير عميد الجيوش إلى حرب بدر وصلحه معه $ # كان في نفس بهاء الدولة على بدر بن حسنويه حقد لما اعتمده في بلاده لاشتغاله عنه بأبي العباس بن واصل # فلما قتل أبو العباس أمر بهاء الدولة عميد الجيوش بالمسير إلى بلاده وأعطاه مالا أنفقه في الجند # فجمع عسكرا وسار يريد بلاده فنزل جند يسابور فأرسل إليه بدر إنك لم تقدر على أن تأخذ ما تغلب عليه بنو عقيل من أعمالكم وبينهم وبين بغداد فرسخ حتى صالحتهم فكيف تقدر على أخذ بلادي وحصوني مني ومعي من الأموال ما ليس معك مثلها وأنا معك بين أمرين إن حاربتك فالحرب سجال ولا نعلم لمن العاقبة فإن انهزمت أنا لم ينفعك ذلك لأنني أحتمي بقلاعي ومعاقلي وأنفق أموالي وإذا عجزت فإنا رجل صحراوي صاحب عمد أبعد ثم أقرب وإن انهزمت أنت لم تجتمع وتلقى من صاحبك
42
العسف والرأي أن أحمل إليك مالا ترضي به صاحبك ونصطلح فأجابه إلى ذلك وصالحه وأخذ منه ما كان أخرجه على تجهيز الجيش وعاد منه $ ذكر الحرب بين قرواش وأبي علي ثمال الخفاجي $ # في المحرم جرت وقعة بين معتمد الدولة أبي المنيع قرواش بن المقلد العقيلي وبين أبي علي بن ثمال الخفاجي وكان سببها أن قرواش جمع جمعا كثيرا وسار إلى الكوفة وأبو علي غائب عنها فدخلها ونزل بها # وعرف أبو علي الخبر فسار إليه فالتقوا واقتتلوا فانهزم قرواش وعاد إلى الأنبار مفلولا وملك أبو علي الكوفة وأخذ أصحاب قرواش فصادرهم $ ذكر خروج أبي ركوة على الحاكم بمصر $ # في هذه السنة ظفر الحاكم بأبي ركوة ونحن نذكر ههنا خبره أجمع كان أبو ركوة اسمه الوليد وإنما كني أبا ركوة لركوة لركوة كان يحملها في أسفاره سنة الصوفية وهو من ولد هشام بن عبد الملك بن مروان ويقرب في النسب من المؤيد هشام بن الحاكم الأموي صاحب الأندلس # وإن المنصور بن أبي عامر لما استولى على المؤيد وأخفاه عن الناس تتبع أهله ومن يصلح منهم للملك فطلبه فقتل البعض وهرب البعض وكان أبو ركوة ممن هرب وعمره حينئذ قد زاد على العشرين سنة وقصد مصر وكتب الحديث # ثم سار إلى مكة واليمن وعاد إلى مصر ودعا بها إلى القائم فأجابه بنو قرة وغيرهم وسبب استجابتهم أن الحاكم بأمر الله كان قد أسرف في مصر في قتل القواد وحبسهم وأخذ اموالهم وسائر القبائل معه في ضنك وضيق ويودون خروج الملك عن يده وكان الحاكم في الوقت الذي دعا أبو ركوة بني قرة قد آذاهم وحبس منهم جماعة من أعيانهم وقتل بعضهم # فلما دعاهم أبو ركوة انقادوا له # وكان بين بني قرة وبين زناتة حروب ودماء # فاتفقوا على الصلح ومنع أنفسهم من الحاكم فقصد بني قرة وفتح مكتبا يعلم الصبيان الخط وتظاهر بالدين والنسك وأمهم في صلواتهم فشرع في دعوتهم إلى ما يريده فأجابوه وبايعوه واتفقوا عليه وعرفهم حينئذ نفسه وذكر لهم أن عندهم في الكتب أنه يملك مصر وغيرها ووعدهم ومناهم يوما وما يعدهم الشيطان إلا غرورا # فاجتمعت بنو قرة وزناتة على بيعته وخاطبوه
43
بالإمامة وكانوا بنواحي برقة فلما سمع الوالي ببرقة خبره كتب إلى الحاكم ينهيه إليه ويستأذنه في قصدهم وإصلاحهم فأمره بالكف عنهم واطراحهم # ثم إن أبا ركوة جمعهم وسار إلى برقة واستقر بينهم أن يكون الثلث من الغنائم له والثلثان لبني قرة وزناتة فلما قاربها خرج إليه واليها فالتقوا فانهزم عسكر الحاكم وملك أبو ركوة برقة وقوي هو ومن معه بما اخذوا من الأموال والسلاح وغيره ونادى بالكف عن الرعية والنهب وأظهر العدل وأمر بالمعروف # فلما وصل المنهزمون إلى الحاكم عظم عليه الأمر واهمته نفسه وملكه وعاود الإحسان إلى الناس والكف عن أذاهم # وندب عسكرا نحو خمسة آلاف فارس وسيرهم وقدم عليهم قائدا يعرف بينال الطويل وسيرة فبلغ ذات الحمام وبينها وبين برقة مفازة فيها منزلان لا يلقى السالك الماء إلا في آبار عميقة بصعوبة وشدة فسير أبو ركوة قائدا في الف فارس وأمرهم بالمسير إلى ينال ومن معه ومطاردتهم قبل الوصول الى المنزلين المذكورين وأمرهم إذا عاودوا أن يغوروا الآبار ففعلوا ذلك وعاودوا # فحينئذ سار أبو ركوة في عساكره ولقيهم وقد خرجوا من المفازة على ضعف وعطش فقاتلهم فاشتد القتال فحمل ينال على عسكر أبي ركوة فقتل منهم خلقا كثيرا وأبو ركوة واقف لم يحمل هو ولا عسكره فاستأمن اليه جماعة كثيرة من كتامة لما نالهم من الأذى والقتل من الحاكم وأخذوا الأمان لمن بقي من أصحابهم ولحقهم الباقون فحمل حينئذ بهم على عساكر الحاكم فانهزمت وأسر ينال وقتل وأسر أكثر عسكره وقتل منهم خلق كثير # وعاد إلى برقة وقد امتلأت أيديهم من الغنائم وانتشر ذكره وعظمت هيبة وأقام ببرقة وترددت سراياه إلى الصعيد وأرض مصر # وقام الحاكم من ذلك وقعد وسقط في يده وندم على ما فرط وفرح جند مصر وأعيانها وعلم الحاكم ذلك فاشتد قلقه وأظهر الاعتذار عن الذي فعله # وكتب الناس إلى أبي ركوة يستدعونه وممن كتب إليه الحسين بن جوهر
44
المعروف بقائد القواد فسار حينئذ عن برقة الى الصعيد وعلم الحاكم فاشتد خوفه وبلغ الأمر به كل مبلغ وجمع عساكر واستشارهم وكتب إلى الشام يستدعي العساكر فجاءتة وفرق الأموال والدواب والسلاح وسيرهم وهم إثنا عشر الف رجل بين فارس وراجل سوى العرب واستعمل عليهم الفضل بن عبد الله فلما قاربوا أبا ركوة لقيهم في عساكره ورام مناجزة المصريين والفضل يحاجزه ويدافع ويراسل أصحاب أبي ركوة يستميلهم ويبذل لهم الرغائب فأجابه قائد كبير من بني قرة يعرف بالماضي وكان يطالعه بأخبار القوم وما هم عازمون فيدبر الفضل أمره علىحسب ما يعلمه منه # وضاقت الميرة على العساكر فاضطر الفضل الى اللقاء فالتقوا واقتتلوا بكوم شريك فقتل بين الفريقين قتلى كثيرة ورأى الفضل من جمع أبي ركوة ما هاله وخاف المناجزة فعاد الى عسكره # وراسل بنو قرة العرب الذين في عسكر الحاكم يستدعونهم إليهم ويذكرونهم أعمال الحاكم بهم فأجابوهم واستقر الأمر أن يكون الشام للعرب ويصير لأبي ركوة ومن معه مصر وتواعدوا ليلة يسير فيها أبو ركوة إلى الفضل فإذا وصل إليه انهزمت العرب ولا يبقى دون مصر مانع # فكتب الماضي الى الفضل بذلك فلما كان ليلة الميعاد جمع الفضل رؤساء العرب ليفرطوا عنده وأظهر أنه صائم وطاولهم الحديث وتركهم في خيمة واعتزلهم ووصى أصحابه بالحذر ورام العرب العود إلى خيامهم فعللهم وطاولهم ثم أحضر الطعام وأحضرهم فأكلوا وتحدثوا # وسير الفضل سرية إلى طريق أبي ركوة فلقوا العسكر الوارد من عنده فاقتتلوا ووصل الخبر إلى العسكر وارتج # وأراد العرب الركوب فمنعهم وأرسل إلى
45
أصحابهم من العرب فأمروهم بالركوب والقتال ولم يكن عندهم علم بما فعل رؤساؤهم فركبوا واشتد القتال ورأى بنو قرة الأمر على خلاف ما قرروه ثم ركب الفضل ومعه رؤساء العرب وقد فاتهم ما عزموا عليه فباشروا الحرب وغاصوا فيها وورد أبو ركوة مددا لأصحابه # فلما رآه الفضل رد أصحابه وعاد إلى المدافعة وجهز الحاكم عسكرا آخر أربعة آلاف فارس وعبروا إلى الجيزة # فسمع أبو ركوة بهم فسار مجدا في عسكره ليوافقهم عند مصر وضبط الطرق لئلا يسمع الفضل ولم يمكن الماضي أن يكتبه فساروا وأرسل إليه من الطريق يعرفه الخبر وقطع أبو ركوة مسيرة خمس ليال في ليلتين وكبسوا عسكرا الحاكم بالجيزة وقتلوا نحو ألف فارس وخاف أهل مصر ولم يبرز الحاكم من قصره # وأمر الحاكم من عنده من العساكر بالعبور الى الجيزة # ورجع أبو ركوة فنزل عند الهرمين ثم انصرف من يومه # وكتب الحاكم الى الفضل كتابا ظاهرا يقول فيه إن ابا ركوة انهزم من عساكرنا ليقرأه على القواد وكتب إليه سرا يعلمه الحال فأظهر الفضل البشارة بانهزام أبي ركوة تسكينا للناس # ثم سار أبو ركوة الى موضع يعرف بالسبخة كثير الأشجار # وتبعه الفضل وكمن أبو ركوة بين الأشجار وطارد عسكر الفضل ورجع عسكره القهقري ليستجروا عسكر الفضل ويخرج الكمين عليهم # فلما رأى الكمناء رجوع عسكر أبي ركوة ظنوها الهزيمة لا شك فيها فولوا يتبعونهم # وركبهم أصحاب الفضل وعلوهم بالسيوف فقتل منهم ألوف كثيرة وانهزم أبو ركوة ومعه بنو قرة وساروا إلى حللهم # فلما بلغوها ثبطهم الماضي عنه فقالوا له قد قاتلنا معك ولم يبق فينا قتال فخذ لنفسك وانج
46
# فسار إلى بلد النوبة # فلما بلغ إلى حصن يعرف بحصن الجبل للنوبة أظهر أنه رسول من الحاكم إلى ملكهم فقال له صاحب الحصن الملك عليل ولا بد من استخراج أمره في مسيرك إليه ) ) # وبلغ الفضل الخبر فأرسل إلى صاحب القلعة بالخبر على حقيقته فوكل به من يحفظه وأرسل إلى الملك بالحال وكان ملك النوبة قد توفي وملك ولده فأمر بان يسلم إلى نائب الحاكم # فتسلمه رسول الفضل وسار به فلقيه الفضل وأكرامه وأنزله في مضاربة وحمله إلى مصر فأشهر بها وطيف به وكتب أبو ركوة إلى الحاكم رقعة يقول فيها ( ( يا مولانا الذنوب عظيمة وأعظم منها عفوك والدماء حرام ما لم يحللها سخطك وقد أحسنت وأسأت وما وما ظلمت إلا نفسي وسوء عملي أو بقني ) ) وأقول # ( فررت فلم يغن الفرار ومن يكن % مع الله لم يعجزه في الأرض هارب ) # ( ووالله ما كان الفرار لحاجة % سوي فزع الموت الذي أنا شارب ) # ( وقد قادني جرمي إليك برمتي % كما خرميتا في رحا الموت سارب ) # ( واجمع كل الناس أنك قاتلي % فيارب طن ربه فيك كاذب ) # ( وما هو إلا الإنتقام وينتهي % وأخذك منه واجبا لك واجب ) # ولما طيف به ألبس طرطورا وجعل خلفه قرد يصفعه كان معلما بذلك ثم حمل إلى ظاهر القاهرة ليقتل ويصلب فتوفي قبل وصوله فقطع رأسه وصلب # وبالغ الحالكم في إكرام الفضل إلى حد أنه عاده في مرضة مرضها دفعتين فاستعظم الناس ذلك ثم أنه عمل في قتل الفضل لما عوفي فقتله $ ذكر القبض على مجد الدولة وعوده الى ملكه $ # في هذه السنة قبضت والدة مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه صاحب الري وبلد الجبل عليه # وكان سبب ذلك ان الحكم كان إليها في جميع أعمال ابنها # فلما وزر له الخطير أبو علي بن علي بن القاسم استمال الأمراء ووضعهم عليها والشكوى عليها # وخوف ابنها منها فصار كالمحجور عليه # فخرجت من الري إلى القلعة فوضع عليها من يحفظها # فعملت الحيلة حتى هربت إلى بدر بن حسنويه واستعانت به في ردها إلى الري # وجاءها ولدها شمس الدولة وعساكر همذان وسار معها بدر إلى الري فحصروها # وجرى بين الفريقين قتال كثير مدة # ثم استظهر
47
بدر ودخل البلد وأسر مجد الدولة فقيدته والدته و سجنته بالقلعة وأجلست أخاه شمس الدولة في الملك وصار الأمر اليها # وعاد بدر إلى بلده وبقي شمس الدولة في الملك نحو سنة # فرأت والدته منه تنكرا وتغيرا وأن أخاه مجد الدولة ألين عريكة # وأسلم جانبا فأعادته إلى الملك # وسار شمس الدولة إلى همذان # وكره بدر هذه الحاله إلا أنه اشتغل بولده هلال عن الحركة فيها # وصارت هي تدبر الأمر وتسمع رسائل الملوك وتعطي الأجوبة # وأرسل شمس الدولة إلى بدر يستمده # فسير إليه جندا فأخذهم وسار بهم إلى قم فحصروها فمنعها أهلها # ثم ان العساكر دخلوا طرقا منها واشتغلوا بالنهب فأكب عليهم العامة وقتلوا منهم نحو سبعمائة رجل وانهزم الباقون إلى معسكرهم ثم قبض هلال بن بدر على أبيه فتفرق ذلك الجمع كله $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة اشتد الغلاء بالعراق فضج العامة وشغب الجند وكانت فتنة # وفيها توفي عبد الصمد الزاهد ودفن عند قبر أحمد وكان غاية في الزهد والورع # وفيها هب على الحجاج ريح سوداء بالثعلبية أظلمت لها الأرض ولم ير الناس بعضهم بعضا وأصابهم عطش شديد ومنعهم ابن الجراح الطائي من المسير ليأخذ منهم مالا فضاق الوقت عليهم فعادوا ولم يحجوا # وفيها مات علي بن أحمد أبو الحسن الفقيه المالكي المعروف بابن القصاب
48
$ ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة $ $ ذكر غزوة بهيم نغر $ # لما فرغ يمين الدولة من الغزوة المتقدمة وعاد إلى غزنة واستراح هو وعسكره استعد لغزوة أخرى فسار في ربيع الآخر من هذه السنة فانتهى إلى شاطىء نهر هندمند فلاقاه هناك أبرهمن بال بن أندبال في جيوش الهند فاقتتلوا مليا في النهار وكادت الهند تظفر بالمسلمين # ثم إن الله تعالى نصر عليهم فظفر بهم المسلمون فانهزموا على أعقابهم وأخذهم المسلمون بالسيف # وتبع يمين الدولة أثر أبرهمن بال حتى بلغ قلعة بهيم نغر وهي على جبل عال وكان الهند قد جعلوها خزانة لصنمهم الأعظم فينقلون إليها أنواع الذخائر قرنا بعد قرن وأعلاق الجواهر وهم يعتقدون ذلك دينا فاجتمع فيها على طول الأزمان مالم يسمع بمثله فنازلهم يمين الدولة وحصرهم وقاتلهم # فلما رأى الهنود كثرة جمعهم وحرصهم على القتال وزحفهم اليهم مرة بعد أخرى خافوا وجبنوا وطلبوا الأمان وفتحوا باب الحصن وملك المسلمون القلعة # وصعد يمين الدولة إليها في خواص أصحابه وثقاته فأخذ منها من الجواهر مالا يحد ومن الدراهم تسعين ألف ألف درهم شاهية
49
ومن الأواني الذهبيات والفضيات سبعمائة ألف وأربعمائة منا # وكان فيها بيت مملوء من فضة طوله ثلاثون ذراعا وعرضه خمسة عشر ذراعا إلى غير ذلك من الأمتعة وعاد إلى غزنة بهذه الغنائم ففرش تلك الجواهر في صحن داره وكان قد اجتمع عنده رسل الملوك فأدخلهم اليه فرأوا مالم يسمعوا بمثله $ ذكر حال أبي جعفر بن كاكويه $ # هو أبو حعفر بن دشمنزيار وإنما قيل كاكوية لأنه كان ابن خال والدة مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه وكاكويه هو الخال بالفارسية وكانت والدة مجد الدولة قد استعملته على أصبهان # فلما فارقت ولدها فسد حاله فقصد الملك بهاء الدولة وأقام عنده مدة # ثم عادت والدة مجد الدولة إلى ابنها بالري فهرب ابو جعفر وسار إليها فأعادته إلى اصبهان واستقر فيها قدمه وأعظم شأنه # وسيأتي من أخباره ما يعلم به صحة ذلك إن شاء الله تعالى $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في ربيع الأول وقع ثلج كثير ببغداد وواسط والكوفة والبطائح إلى عبادة وكان ببغداد نحو ذراع وبقي في الطريق نحو عشرين يوما # وفيها وقعت الفتنه ببغداد في رجب # وكان أولها أن بعض الهاشميين من باب البصرة أتى ابن المعلم فقيه الشيعة في مسجد بالكرخ فآذاه ونال منه فثار به اصحاب ابن المعلم واستنفر بعضهم بعضا وقصدوا أبا حامد الأسفرايني وابن الأكفاني فسبوهما وطلبوا الفقهاء ليوقعوا بهم فهربوا # وانتقل أبو حامد الأسفرايني إلى دار القطن وعظمت الفتنة ثم إن السلطان أخذ جماعة وسجنهم فسكنوا # وعاد أبو حامد إلى مسجده وأخرج ابن المعلم من بغداد فشفع فيه علي بن مزيد فأعيد # وفيها وقع الغلاء بمصلا واشتد وعظم الأمر وعدمت الأقوات ثم تعقبه
50
وباء كثير أفنى من أهلها # وفيها زلزلت الدينور زلزلة شديدة خربت المساكن وهلك خلق كثير من أهلها الذين دفنوا ستة عشر الفا سوى من بقي تحت الهدم ولم يشاهد # وفيها أمر الحاكم بأمر الله صاحب مصر بهدم بيعة قمامة وهي بالبيت المقدس وتسميها القيامة # وفيها الموضع الذي دفن فيه المسيح عليه السلام فيما يزعمه النصارى وإليها يحجون من أقطار الأرض وأمر بهدم البيع في جميع مملكته فهدمت وأمر اليهود والنصارى إما ان يسلموا أو يسيروا إلى بلاد الروم ويلبسوا الغيار # فاسلم كثير منهم # ثم أمر بعمارة البيع ومن اختار العود الى دينه عاد فارتد كثير من النصارى # وفيها توفي أبو العابس أحمد بن إبراهيم الضبي وزير مجد الدولة ببروجرد
51
# وكان سبب مجيئه إليها أن أم مجد الدولة بن بويه اتهمته أنه سم أخاه فمات # فلما توفي أخوه طلبت منه مائتي دينار لتنفقها في مأتمه فلم يعطها فأخرجته فقصد بروجرد وهي من أعمال بدر بن حسنويه فبذل بعد ذلك مائتي الف دينار ليعود الى عمله فلم يقبل منه # فأقام بها إلى أن توفي وأوصى أن يدفن بمشهد الحسين عليه السلام فقيل للشريف أب أحمد والد الشريف الرضي أن يبيعه بخمسمائة دينار موضع قبره فقال من يرد جوار جدي لا يباع # وأمر أن يعمل له قبر وسير معه من أصحابه خمسين رجلا فدفنه بالمشهد # وتوفي بعده بيسير ابنه أبو القاسم سعد أبو عبد الله الجرجاني الحنفي بعد أن فلج وأبو الفرج عبد الواحد بن نصر المعروف بالببغا الشاعر وديوانه مشهور و القاضي أبو عبد الله الضبي بالبصرة والبديع أبو الفضل أحمد بن الحسين الهمذاني صاحب المقامات المشهورة وله شعر حسن وقرأ الأدب على أبي الحسين بن فارس مصنف المجمل وتوفي أبو بكر أحمد بن علي بن لال الفقيه
52
الشافعي الهمذاني بنواحي عكا بالشام كان انتقل إلى هناك
53
$ ثم دخلت سنة تسع وتسعين وثلاثمائة $ $ ذكر ابتداء حال صالح بن مرداس $ # لما قتل عيسى بن خلاط أبا علي بن ثمال بالرحبة وملكها أقام فيها مدة ثم قصد بدران بن المقلد العقيلي فأخذ الرحبة منه وبقيت لبدران # فأمر الحاكم بأمر الله نائبه بدمشق لؤلؤا البشاري بالمسير إليها فقصد الرقة أولا وملكها ثم سر إلى الرحبة وملكها ثم عاد إلى دمشق وكتن بالرحبة رجل من أهلها يعرف بابن محكان فملك البلد # واحتاج إلى من يجعله ظهره ويستعين به على من يطمع فيه فكاتب صالح من مرادس الكلابي فقدم عليه وأقام عنده مدة # ثم إن صالحا تغير عن ذلك فسار إلى ابن محكان وقاتله على البلد وقطع الأشجار ثم تصالحا وتزوج ابنة ابن محكان # ودخل صالح البلد إلا أنه كان أكثر مقامه بالحلة # ثم إن ابن محكان راسل أهل عانة فأطاعوه ونقل أهله وماله إليهم وأخذ رهائنهم # ثم خرجوا عن طاعته وأخذوا ماله واستعادوا رهائنهم وردوا أولاده # فاجتمع ابن محكان وصالح على قصد عانة فسار إليها # فوضع صالح على ابن محكان من يقتله فقتل غيلة وسار صالح إلى الرحبة فملكها وأخذ أموال ابن محكان وأحسن إلى العية واستمر على ذلك إلا أن الدعوة للمصريين $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة قتل أبو علي بن ثمال الخفاجي # وكان الحاكم بأمر الله صاحب مصر قد ولاه الرحبة فسار إليها فخرج إليه عيسى بن خلاط العقيلي فقتله وملك الرحبة ثم مالكها بعده غيره فصار أمرها إلى صالح بن مرادس الكلابي صاحب حلب # وفيها صرف أبو عمر بن عبد الواحد الهاشمي عن قضاء البصرة وكان قد علا
54
إسناده في رواية السنن لأبي داود السجستاني ومن طريقه سمعناه وولي القضاء بعده أبو الحسن بن أبي الشوارب فقال العصفري الشاعر # ( عندي حديث ظريف بمثله يتغنى % من قاضيين يعزى هذا وهذا يهنا ) # ( فذا يقول إكرهونا وذا يقول استرحنا % ويكذبان ونهذي فمن يصدق منا ) # وفيها توفي أبو داود بن سيامرد بن باجعفر ودفن عند قبر الذوربنهر المعلى وقبته مشهورة وأبو محمد النامي الفقيه الشافعي وهو القائل # ( ياذا الذي قاسمني في البلا % فاختار أن يسكنه أولا ) # ( ما وطنت نفسي ولكنها % تسري إليكم منزلا منزلا )
55
$ ثم دخلت سنة اربعمائة $ $ ذكر وقعة نارين بالهند $ # في هذه السنة تجهز يمين الدولة إلى الهند عازما على غزوها فسار إليها واخترقها واستباحها ونكس أصنامها # فلما رأى ملك الهند انه لا قوة له به راسله في الصلح والهدنة على مال يؤديه وخمسين فيلا وان يكون له في خدمته الفا فارس لا يزالون فقبض منه ما بذله وعاد عنه إلى غزنة $ ذكر الخلف بين بدر بن حسنويه وابنه هلال $ # في هذه السنة كانت حرب بين بدر بن حسنويه الكردي وبين ابنه هلال # وكان سبب الوحشه بينهما أن أم هلال كانت من الشاذنجان فاعتزلهما أبوه عند ولادته فنشأ هلال مبعدا منه لا يميل إليه # وكانت نعمة بدر لابنه الآخر أبي عيسى فلما كان في بعض الأيام هلال مع أبيه متصيدا فرأيا سبعا وكان بدر إذا رأى سبعا قتله بيده # فتقدم هلال إلى الأسد بغير إذن أبيه فقتله فاغتاظ أبوه وقال كأنك قد فتحت فتحا وأي فرق بين السبع والكلب ورأى إبعاده عنه لشدته فأقطعه الصامغان وسهل ذلك على هلال لينفرد بنفسه عن أبيه # فأول ما فعله أنه أساء مجاورة ابن الماضي صاحب شهرزور وكان موافقا لأبيه بدر فنهى بدر ابنه هلالا عن معارضته
56
فلم يسمع قوله وأرسل إلى ابن الماضي يتهدده فأعاد بدر مراسلة ابنه في معناه وتهدده إن تعرض لشيءهوله # فكان جواب نهيه أنه جمع عسكر وحصر شهرزور ففتحها وقتل ابن الماضي وأهله وأخذ أموالهم # فورد على بدر من ذلك ما ازعجه وأقلقه وأظهر السخط على هلال # وشرع يفسد جند أبيه ويستميلهم ويبذل لهم # فكثر أصحاب هلال لإحسانه إليهم وبذله المال لهم وأعرض الناس عن بدر لإمساكه المال # فسار كل واحد منهما إلى صاحبه فالتقيا على باب الدينور # فلما تراءى الجمعان إنحازات الأكراد إلى هلال فأخذ بدر أسيرا وحمل إلى ابنه فاشير على هلال بقتله وقالوا لا يجوز أن تستبقيه بعدما أوحشته فقال ما بلغ من عقوقي له أن أقتله # وحضر عند أبيه وقال له أنت الأمير وأنا مدبر جيشك فخادعه أبوه بأن قال له لا يسمعن هذا منك أحد فيكون هلاكنا جميعا وهذه القلعة لك والعلامة في تسليمها كذا وكذا واحفظ المال الذي بها فإنك الأمير مادام الناس يظنون بقاءك # وأريد تفرد لي أتفرغ فيها للعبادة # ففعل ذلك وأعطاه جملة من المال # فلما استقر بدر بالقلعة عمرها وحصنها وراسل أبا الفتح بن عناز وأبا عيسى شاذي بن محمد وهو باساد أباذ يقول لكل واحد منهما ليقصد أعمال هلال ويشعثها # فسار أبو الفتح إلى قرميسين فملكها وسار أبو عيسى إلى سابور خواست فنهب حلل هلال # ومضى إلى نهاوند وبها أبو بكر بن رافع فاتبعه هلال إليها ووضع السيف في الديلم فقتل منهم أربعمائة نفس منهم تسعون أميرا # وأسلم ابن رافع أبا عيسى إلى هلال فعفا عنه # ولم يؤاخذ على فعله وأخذه معه # وأرسل بدر إلى الملك بهاء الدولة يستنجده فجهز فخر الملك أبا غالب في جيش وسيره إلى بدر فسار حتى وصل إلى نيسابور خواست فقال هلال لأبي عيسى شاذي قد جاءت عساكر بهاء الدولة فما الرأي قال الرأي أن تتوقف عن لقائهم وتبذل لبهاء الدولة الطاعة وترضيه بالمال فإن لم يجيبوك فضيق عليهم وانصرف بين أيديهم فإنهم لا يستطيعون المطاولة # ولا تظن هذا العسكر كمن لقيته بباب نهاوند فإن أولئك ذللهم أبوك على ممر السنين فقال ( ( غششتني ولم تنصحني وأردت بالمطاولة أن يقوي أبي وأضعف أنا وقتله ) ) وسار ليكبس العسكر ليلا فلما وصل إليهم وقع الصوت فركب فخر الملك
57
في العساكر وجعل عند أثقالهم من يحميها وتقدم إلى قتال هلال فلما رأى هلال صعوبة الأمر ندم وعلم أن أبا عيسى بن شاذي فندم على قتله # ثم أرسل إلى فخر الملك يقول له ( ( إني ما جئت لقتال وحرب إنما جئت لأكون قريبا منك وأنزل على حكمك فترد العسكر عن الحرب فإنني أدخل في الطاعة ) ) فمال فخر الملك إلى هذا القول وأرسل الرسول إلى بدر ليخبره بما جاء به # فلما رأى بدر الرسول سبه وطرده وأرسل إلى فخر الملك يقول ( ( إن هذا مكر من هلال لما رأى ضعفه والرأي أن لا تنفس خناقه ) ) فلما سمع فخر الملك الجواب قويت نفسه وكان يتهم بدر في الميل إلى ابنه وتقدم إلى الجيش بالحرب فقاتلوا # فلم يكن بأسرع من أن أتي بهلال أسيرا # فقبل الأرض وطلب أن لا يسلمه إلى أبيه فأجابه إلى ذلك وطلب علامته بتسليم القلعة فأعطاهم العلامة فامتنعت أمه ومن بالقلعة من التسليم وطلبوا الأمان فأمنهم فخر الملك # وصعد القلعة ومعه أصحابه ثم نزل منها وسلمها إلى بدر # وأخذ ما فيها من الأموال وغيرها وكانت عظيمة قيل كان بها أربعون الف بدرة دراهم وأربعمائة بدرة ذهبا سوى الجواهر النفيسة والثياب والسلاح وغير ذلك # وأكثر الشعراء من ذكر هذا فممن قال مهيار # ( فظنوك تعبأ بحمل العراق % كأن لم يروك حملت الجبالا ) # ( ولو لم تكن في العلو السماء % لما كان غنمك منها هلالا ) # ( سريت إليه فكنت السرار % له ولبدر أبيه كمالا ) # وهي كثيرة $ ذكر عود المؤيد إلى إمارة الأندلس وما كان منه $ # قد ذكرنا سبب خلعه وحبسه فلما كان هذه السنة أعيد إلى خلافته واسمه هشام بن الحاكم بن عبد الرحمن الناصر وكان عوده تاسع ذي الحجة # وكان الحكم في دولته هذه إلى واضح العامري وأدخل أهل قرطبة إليه فوعدهم ومناهم # وكتب إلى البربر الذين مع سليمان بن الحاكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ودعاهم إلى طاعته والوفاء ببيعته فلم يجيبوه إلى ذلك # فأمر أجناده وأهل قرطبة بالحذر والاحتياط فأحبه الناس # ثم نقل إليه أن نفرا من الأمويين بقرطبة قد كاتبوا سليمان
58
وواعدوه ليكون بقرطبة في السابع والعشرين من ذي الحجة ليسلموا إليه البلد # فأخذهم وحبسهم # فلما كان الميعاد قدم البربر إلى قرطبة # فركب الجند وأهل قرطبة وخرجوا إليهم مع المؤيد فعاد البربر وتبعهم عساكره فلم يلحقوهم وترددت الرسل بينهم فلم يتفقوا على شيء # ثم ان سليمان والبربر راسلوا ملك الفرنج يستمدونه وبذلوا له تسليم حصون كان المنصور بن أبي عامر قد فتحها منهم # فأرسل ملك الفرنج إلى المؤيد يعرفه الحال ويطلب منه تسليم هذه الحصون لئلا يمد سليمان بالعساكر # فاستشار أهل قرطبة في ذلك فأشاروا بتسليمها إليه خوفا من أن ينجدوا سليمان # واستقر الصلح في المحرم سنة إحدى وأربعمائة # فلما أيس البربر من إنجاد الفرنج رحلوا فنزلوا قريبا من قرطبة في صفر سنة إحدى وأربعمائة وجعلت خيلهم تغير يمينا وشمالا وخربوا البلاد # وعمل المؤيد وواضح العامري سورا وخندقا على قرطبة أمام السور الكبير # ثم نازل سليمان قرطبة خمسة وأربعين يوما فلم يملكها # فانتقل إلى الزهراء وحصرها وقاتل من بها ثلاثة أيام # ثم ان بعض الموكلين بحفظه سلم إليه الباب الذي هو موكل بحفظه فصعد البربر السور وقاتلوا من عليه حتى أزالوهم وملكوا البلد عنوة وقتل أكثر من به من الجند وصعد أهله الجبل واجتمع الناس بالجامع فأخذهم البربر وذبحوهم حتى النساء والصبيان وألقوا النار في الجامع والقصر والديار فاحترق أكثر ذلك ونهبت الأموال # ثم إن واضحا كاتب سليمان يعرفه أنه يريد الانتقال عن قرطبة سرا ويشير عليه بمنازلتها بعد مسيره عنها ونما الخبر إلى المؤيد فقبض عليه وقتله واشتد الأمر بقرطبة وعظم الخطب وقتلت الأقوات وكثر الموت # وكانت الأقوات عند البربر أقل منها بالبلد لأنهم كانوا قد خربوا البلاد # وجلا أهل قرطبة وقتل المؤيد كل من مال إلى سليمان ثم إن البربر وسليمان لازموا الحصار والقتال لأهل قرطبة وضيقوا عليهم # وفي مدة هذا الحصار ظهر بطليطلة عبيد الله بن محمد بن عبد الجبار وبايعه أهلها فسير إليهم المؤيد جيشا فحصروهم فعادوا إلى الطاعة وأخذ عبيد الله أسيرا
59
وقتل في شعبان سنة إحدى وأربعمائة # ثم إن أهل قرطبة قاتلوا في بعض الأيام البربر فقتل منهم خلق كثير وغرق في النهر مثلهم فرحلوا عنها # وساروا إلى إشبيلية فحصروها # فأرسل المؤيد إليها جيشا فحماها ومنع البربر عنها # وراسل سليمان نائب المؤيد بسرقسطة وغيرها يدعوهم إليه فأجابوه وأطاعوه # فسار البربر وسليمان عن إشبيلية إلى قلعة رباح فملكوها وغنموا ما فيها واتخذوها دارا ثم عادوا إلى قرطبة فحصروها وقد خرج كثير من أهلها وعساكرها من الجوع والخوف واشتد القتال عليها وملكها سليمان عنوة وقهرا وقتلوا من وجدوا في الطريق ونهبوا البلد وأحرقوه فلم تحصى القتلى لكثرتهم # ونزل البربر في الدور التي لم تحرق # فنال أهل قرطبة من ذلك ما لم يسمع بمثله # وأخرج المؤيد من القصر وحمل إلى سليمان # ودخل سليمان قرطبة منتصف شوال سنة ثلاث وأربعمائة وبويع له بها # ثم إن المؤيد جرى له مع سليمان أقاصيص طويلة ثم خرج إلى شرق الأندلس من عنده وكان ممن قتل في هذا الحصر أبو الوليد بن الفرضي مظلوما رحمه الله $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة أرسل الحاكم بأمر الله من مصر إلى المدينة ففتح بيت جعفر الصادق وأخرج منه مصحف وسيف وكساء وقعب وسرير # وفيها نقص الماء بدجلة حتى أصلحت ما بين أوانا وقريب بغداد حتى جرت السفن فيها # وفيها مرض أبو محمد بن سهلان فاشتد مرضه فنذر إن عوفي بنى سورا على مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فعوفي فأمر ببناء سور عليه فبني
60
في هذه السنة # تولى بناءه أبو إسحاق الأرجاني # وفيها ولد عدنان بن الشريف الرضي # وفيها توفي النقيب أبو احمد الموسوي والد الرضي بعد أن أضر ووقف بعض أملاكه على البر وصلى عليه ابنه الأكبر المرتضى ودفن بداره ثم نقل إلى مشهد الحسين عليه السلام # وكان مولده سنة أربع وثلاث مائة # وفيها توفي أيضا أبو جعفر الحجاج بن هرمز بالأهواز وعمدة الدولة أبو إسحاق بن معز الدولة بن بويه بمصر # وفيها مرض الخليفة القادر بالله واشتد مرضه فأرجف عليه فجلس للناس وبيده القضيب فدخل إليه أبو حامد الأسفرايني فقال لابن حاجب النعمان إن إسأل أمير المؤمنين أن يقرأ شيئا من القرآن ليسمع الناس قراءته # فقرأ ( ^ لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ) الآيات الثلاث وفيها توفي أبو العباس النامي الشاعر
61
# وأبو الفتح علي بن محمد البستي الكاتب ا لشاعر صاحب الطريقة المشهورة في التجنيس # فمن شعره # ( يا أيها السائل عن مذهبي % لتقتدي فيه بمنهاجي ) # ( منهاجي العدل وقمع الهوى % فهل لمنهاجي من هاجي )
62
$ ثم دخلت سنة إحدى وأربعمائة $ $ ذكر غزوة يمين الدولة بلاد الغور وغيرها $ # بلاد الغور تجاور غزنة وكان الغور يقطعون الطريق ويخيفون السبيل وبلادهم جبال وعرة ومضايق غلقة وكانوا يحتمون بها ويعتصمون بصعوبة مسلكها # فلما كثر ذلك منهم أنف يمين الدولة محمود بن سبكتكين أن يكون مثل أولئك المفسدين جيرانه وهم على هذه الحال من الفساد والكفر # فجمع العساكر وسار إليهم وعلى مقدمته التونتاش الحاجب صاحب هراة وأرسلان الجاذب صاحب طوس وهما أكبر أمرائه فسار فيمن معهما حتى انتهوا إلى مضيق قد شحن بالمقاتلة فتناوشوا الحرب وصبر الفريقان # فسمع يمين الدولة الحال فجد في السير إليهم وملك عليهم مسالكهم # فتفرقوا وسار إلى عظيم الغورية المعروف بابن سوري فانتهوا إلى مدينته التي تدعى آهنكران فبرز من المدينة في عشرة آلاف مقاتل فقاتلهم المسلمون إلى ان انتصف النهار فرأوا أشجع ا لناس وأقواهم على القتال # فأمر يمين الدولة أن يوليهم الأدبار على سبيل الاستدراج ففعلوا # فلما رأى الغورية ذلك ظنوه هزيمة فاتبعوهم حتى أبعدوا عن مدينتهم فحينئذ عطف المسلمون عليهم ووضعوا السيوف فيهم فأبادوهم قتلى وأسرا وكان في الأسرى كبيرهم وزعيمهم ابن سوري ودخل المسلمون المدينة وملكوها وغنموا ما فيها وفتحوا تلك القلاع الحصون التي لهم جميعا # فلما عاين ابن سوري ما فعل
63
المسلمون بهم شرب سما كان معه فمات وخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين # وأظهر يمين الدولة في تلك الأعمال شعار الإسلام وجعل عندهم من يعلمهم شرائعه وعاد ثم سار إلى طائفة أخرى من الكفار فقطع عليهم مفازة من رمل ولحق عساكره عطش شديد كادوا يهلكون فلطف الله سبحانه وتعالى بهم # وأرسل عليهم مطرا سقاهم وسهل عليهم السير في الرمل # فوصل إلى الكفار وهم جمع عظيم ومعهم ستمائة فيل فقاتلهم أشد قتال صبر فيه بعضهم لبعض ثم إن الله نصر المسلمين وهزم الكفار وأخذ غنائمهم وعاد سالما مظفرا منصورا $ ذكر الحرب بين أيلك الخان وبين أخيه $ # وفي هذه السنة سار أيلك الخان في جيوش قاصدا قتال أخيه طغان خان # فلما بلغ أوزكند سقط من الثلج ما منعهم من سلوك الطرق فعاد إلى سمرقند وكان سبب قصده أن أخاه أرسل إلى يمين الدولة يعتذر ويتنصل من قصد أخيه أيلك الخان بلاد خراسان ويقول إنني ما رضيت ذلك منه ويلزم أخاه وحده الذنب وتبرأ هو منه # فلما علم أخوه أيلك الخان ذلك ساءه وحمله على قصده $ ذكر الخطبة للمصريين العلويين بالكوفة والموصل $ # في هذه السنة أيضا خطب قر واش ببن المقلد أمير بني عقيل للحاكم بأمر الله العلوي صاحب مصر بأعماله كلها وهي الموصل والأنبار والمدائن والكوفة وغيرها # وكان ابتداء الخطبة بالموصل الحمد لله الذي انجلت بنوره غمرات الغضب وانهدت بقدرته أركان النصب واطلع بنوره شمس الحق من العرب # فأرسل القادر بالله أمير المؤمنين القاضي أبا بكر بن الباقلاني إلى بهاء الدولة يعرفه ذلك وأن العلويين والعباسيين انتقلوا من الكوفة إلى بغداد فاكرم بهاء الدولة القاضي أبا بكر وكتب إلى عميد الجيوش يأمره بالمسير إلى حرب قرواش وأطلق له مائة ألف دينار ينفقها في العسكر وخلع على القاضي أبي بكر وولاه قضاء عمان والسواحل # وسار عميد الجيوش إلى حرب قرواش فأرسل يتعذر وقطع خطبة العلويين وأعاد خطبة القادر بالله
64
$ ذكر الحرب بين بني مزيد وبين دبيس $ # كان أبو الغنائم محمد بن مزيد مقيما عند بني دبيس في جزيرتهم بنواحي خوزستان لمصاهرة بينهم # فقتل أبو الغنائم أحد وجوههم ولحق بأخيه أبي الحسن علي بن مزيد فتبعوه فلم يدركوه وانحدر إليهم سند الدولة أبو الحسن بن مزيد في ألفي فارس واستنجد عميد الجيوش فانحدر إليه عجلا في زبزبة في ثلاثين ديلميا # وسار ابن مزيد إليهم فلقيهم واقتتلوا # فقتل أبو الغنائم وانهزم ابو الحسن بن مزيد فوصل الخبر بهزيمته الى عميد الجيوش وهو منحدر # فعاد $ ذكر وفاة عميد الجيوش وولاية فخر الملك العراق $ # في هذه السنة توفي عميد الجيوش أبو علي بن أستاذ هرمز ببغداد # وكانت ولايته ثمان سنين وأربعة أشهر وسبعة عشر يوما وكان عمره تسعا وأربعين سنة # وتولى تجهيزه ودفنه الشريف الرضي دفنه بمقابر قريش ورثاه الرضي وغيره وكان أبوه أبو جعفر أستاذ هرمز من حجاب عضد الدولة # وجعل عضد الدولة عميد الجيوش في خدمة ابنه صمصام الدولة # فلما قتل اتصل بخدمة بهاء الدولة # فلما استولى الخراب على بغداد وظهر العيارون وانحلت الأمور بها أرسله إليها فأصلح الأمور وقمع المفسدين وقتلهم فلما مات استعمل بهاء الدولة مكانه بالعراق فخر الملك أبا غالب # فأصعد إلى بغداد فلقيه الكتاب والقواد وأعيان الناس وزينوا له البلاد ووصل بغداد في ذي الحجة ومدحه مهيار وغيره من الشعراء # ومن محاسن أعمال عميد الجيوش أنه حمل إليه مال كثير قد خلفه بعض التجار المصريين وقيل له ليس للميت وارث فقال ( ( لا يدخل خزانة السلطان ما ليس لها يترك إلى أن يصح خبره ) ) # فلما كان بعد مدة جاء أخ للميت بكتاب من مصر بأنه مستحق للتركة فقصد باب عميد الجيوش ليوصل الكتاب فرآه يصلي على روشن داره فظنه بعض الحجاب فأوصل الكتاب اليه فقضى حاجته فلما علم التاجر أن الذي أخذ الكتاب كان عميد
65
الجيوش عظم الأمر عنده فأظهر ذلك فاستحسنه الناس # ولما وصل التاجر إلى مصر أظهر الدعاء له فضج الناس بالدعاء له والثناء عليه # فبلغه الخبر فسره ذلك $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة اشتد الغلاء بخراسان جميعها وعدم القوت حتى أكل الناس بعضهم بعضا # فكان الإنسان يصيح الخبز الخبز ويموت # ثم تبعه وباء عظيم حتى عجز الناس عن دفن الموتى # وفيها مات أبو الفتح محمد بن عناز بحلوان وكانت إمارته عشرين سنة # وقام بعده ابنه ابو الشوك فسيرت إليه العساكر من بغداد لقتاله ولقيهم أبو الشوك وقاتلهم قتالا شديد وانهزم أبو الشوك إلى حلوان وأقام بها إلى أن صلح حاله مع الوزير أبي
66
غالب لما قدم العراق # وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن مقن بن مقلد بن جعفر بن عمرو بن المهيا العقيلي # وفي مقلد يجتمع آل المسيب وآل مقن وكان عمره مائة وعشر سنين # وكان بخيلا شديد البخل # وشهد مع القرامطة أخذ الحجر الأسود # وفيها توفي الأمير أبو نصر أحمد بن أبي الحرث محمد بن فريغون صاحب الجوزجان # وكان صهر يمين الدولة على أخته # وكان هو وأبوه قبله يحبو ن العلماء ويحسنون إليهم # وفيها انقض كوكب كبير لم ير أكبر منه # وفيها زادت دجلة إحدى وعشرين ذراعا وغرق كثير من بغداد والعراق وتفجرت البثوق ولم يحج هذه السنة من العراق أحد # وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن عبيد أبو مسعود الدمشقي الحافظ سافر الكثير في طلب الحديث وله عناية بصحيحي البخاري ومسلم # وتوفي أيضا خلف بن محمد بن علي بن حمدون أبو محمد الواسطي # كان فاضلا وله أطراف الصحيحين أيضا
67
$ ثم دخلت سنة اثنتين وأربعمائة $ $ ذكر ملك يمين الدولة قصدار $ # في هذه السنة استولى يمين الدولة قصدار وملكها # وسبب ذلك أن ملكها كان قد صالحه على قطيعة يؤديها إليه ثم قطعها اغترارا بحصانة بلده وكثرة المضايق في الطريق واحتمى بأيلك الخان # وكان يمين الدولة يريد قصدها فيتقي ناحية أيلك الخان فلما فسد ذات بينهما صمم العزم وقصدها وتجهز وأظهر أنه يريد هراة # فسار من غزنة في جمادي الأولى # فلما استقل على الطريق سار نحو قصدار فسبق خبره وقطع تلك المضايق والجبل فلم يشعر صاحبها إلا وعسكر يمين الدولة قد أحاط به ليلا فطلب الأمان فأجابه وأخذ منه المال الذي كان قد اجتمع عنده وأقره على ولايته وعاد $ ذكر أسر صالح بن مرداس وملكه حلب وملك أولاده ي $ # في هذه السنة كانت وقعة بين أبي نصر بن لؤلؤ صاحب حلب وبين صالح بن مرداس وكان ابن لؤلؤ من موالي سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان فقوي علي ولد سعد الدولة وأخذ البلد منه وخطب للحاكم صاحب مصر ولقبه الحاكم مرتضى الدولة # ثم فسد ما بينه وبين الحاكم فطمع فيه ابن مرداس وبنوا كلاب وكانوا يطالبونه بالصلات والخلع # ثم إنهم اجتمعوا هذه السنة في خمسمائة فارس ودخلوا مدينة حلب فأمر ابن لؤلؤ بإغلاق الأبواب والقبض عليهم فقبض على مائة وعشرين رجلا منهم صالح بن مرداس وحبسهم وقتل مائتين وأطلق من لم يفكر به وكان
68
صالح قد تزوج بابنة عم له تسمى جابرة وكانت جميلة فوصفت لابن لؤلؤ فخطبها إلى ابن أختها وكانوا في حبسه فذكروا له أن صالحا قد تزوجها فلم يقبل منهم وتزوجها ثم أطلقهم وبقي صالح بن مرداس في الحبس فتوصل حتى صعد من السور وألقى نفسه من أعلى القلعة إلى تلها واختفى في مسيل ماء # ووقع الخبر بهربه فأرسل ابن لؤلؤ الخيل في طلبه فعادوا ولم يظفروا به فلما سكن عنه ا لطلب سار بقيده ولبنة حديد في رجليه حتى وصل قرية تعرف بالياسرية فرأى أناسا من العرب فعرفوه وحملوه إلى أهله بمرجدابق فجمع ألفي فارس فقصد حلب وحاصرها اثنين وثلاثين يوما فخرج إليه بن لؤلؤ وقاتله فهزمهم صالح وأسر ابن لؤلؤ وقيده بقيده الذي كان في رجله ولبنته وكان لابن لؤلؤ أخ فنجا وحفظ مدينة حلب # ثم ان ابن لؤلؤ بذل لابن مرداس مالا على أن يطلقه فلما استقر الحال بينهما أخذ رهائنه وأطلقه فقالت أم صالح لابنها ( ( قد أعطاك الله مالا كنت تأمله فإن رأيت أن تتم صنيعك بإطلاق الرهائن فهو المصلحة فإنه إن اراد الغدر بك لا يمنعه من عندك فأطلقهم ) ) # فلما دخل البلد حمل ابن لؤلؤ اليه أكثر مما استقر # وكان قد قرر عليه مائتا ألف دينار ومائة ثوب وإطلاق كل اسير عنده من بني كلاب # فلما انفصل الحال ورحل صالح أراد ابن لؤلؤ قبض غلامه فتح وكان دزدار القلعة لأنه اتهمه بالممالأة على الهزيمة وكان خلاف ظنه # فأطلع على ذلك غلاما له اسمه سرور وأراد أن يجعله مكان فتح فأعلم سرور بعض أصدقائه يعرف بابن غانم # وسبب إعلامه أنه حضر عنده وكان يخاف ابن لؤلؤ لكثرة ماله فشكا إلى سرور ذلك # فقال له سيكون أمر تأمن معه فسأله فكتمه فلم يزل يخدعه حتى أعلمه الخبر # وكان بين ابن غانم وبين فتح مودة فصعد إليه بالقلعة متنكرا فأعلمه الخبر وأشار عليه بمكاتبة الحاكم صاحب مصر # وأمر ابن لؤلؤ أخاه أبا الجيش بالصعود إلى القلعة بحجة افتقاد الخزائن فإذا صار فيها قيض على فتح وأرسل إلى فتح يعلمه أنه يريد افتقاد الخزائن ويأمره بفتح الأبواب فقال فتح ( ( إنني قد شربت اليوم دواء واسأل تأخير الصعود في هذا اليوم فإنني لا أثق في فتح الأبواب لغيري ) ) # وقال للرسول ( ( إذا لقيته فاردده ) ) # فلما علم ابن لؤلؤ الحال أرسل والدته إلى فتح # ليعلم سبب ذلك # فلما صعدة إليه أكرمها وأظهر لها الطاعة فعادت وأشار على ابنها بترك محاققته ففعل # وأرسل إليه يطلب جوهرا كان له بالقلعة فغالطه فتح ولم
69
يرسله # فسكت على مضد لعلمه أن المحاققة لا تفيد لحصانة القلعة # وأشارت والدة ابن لؤلؤ عليه بأن يتمارض ويظهر شدة المرض ويستدعي فتحا لينزل إليه ليجعله وصيا # فإذا حضر قبضه # ففعل ذلك فلم ينزل فتح واعتذر # وكاتب الحاكم وأظهر طاعته وخطب له وأظهر العصيان على أستاذه # وأخذ من الحاكم صيدا وبيروت وكل ما في حلب من الأموال وخرج ابن لؤلؤ من حلب إلى انطاكية وبها الروم فأقام عندهم # وكان صالح بن مرداس قد مالأ فتحا على ذلك # فلما عاد عن حلب استصحب معه والدة ابن لؤلؤ ونسائه وتركهن بمنبج وتسلم حلب نواب الحاكم وتنقلت بأيديهم حتى صارت بيد إنسان من الحمدانية يعرف بعزيز الملك فقدمه الحاكم واصطنعه وولاه حلب # فلما قتل الحاكم وولي الظاهر عصى عليه فوضعت ست الملك أخت الحاكم فراشا له على قتله فقتله # وكان للمصريين بالشام نائب يعرف بانوشتكين البربري وبيده دمشق والرملة وعسقلان وغيرها # فاجتمع حسان أمير بني طي وصالح بن مرداس أمير بني كلاب وسنان بن عليان وتحالفوا واتفقوا على أن يكون من حلب إلى عانة صالح ومن الرملة إلى مصر لحسان ودمشق لسنان # فسار حسان إلى الرملة فحصرها وبها أنوشتكين فسار عنها إلى عسقلان واستولى عليها حسان ونهبها وقتل أهلها وذلك سنة أربع عشرة وأربعمائة أيام الظاهر لإعزاز دين الله خليفة مصر # وقصد صالح حلب وبها إنسان يعرف بابن ثعبان يتولى أمرها للمصريين وبالقلعة خادم يعرف بموصوف فأما أهل البلد فسلموه إلى صالح لإحسانه إليهم ولسوء سيرة المصريين معهم # وصعد ابن ثعبان إلى القلعة فحصره صالح بالقلعة فغار الماء الذي بها فلم يبق لهم ما يشربون فسلم الجند القلعة إليه وذلك سنة أربع عشرة # وملك من بعلبك إلى عانة وأقام بحلب ست سنين # فلما كانت سنة عشرين وأربعمائة جهز الظاهر صاحب مصر جيشا وسيرهم إلى الشام لقتال صالح وحسان # وكان مقدم العسكر أنوشتكين البربري # فاجتمع صالح وحسان على قتاله فاقتتلوا بالأقحوانة على الأردن عند طبرية فقتل صالح وولده الأصغر ونفذ رأسهما إلى مصر ونجا ولده أبو كامل نضر بن صالح # فجاء إلى حلب وملكها وكان لقبه شبل الدولة فلما علمت الروم بأنطاكية الحال تجهزوا
70
إلى حلب في عالم كثير فخرج أهلها فحاربوهم فهزموهم ونهبوا أموالهم وعادوا إلى أنطاكية # وبقي شبل الدولة مالكا لحلب إلى سنة تسع وعشرين وأربعمائة # فارسل إليه الدزبري العساكر المصرية وصاحب مصر حينئذ المستنصر بالله فلقيهم عند حماه فقتل في شعبان # وملك الدزبري حلب في رمضان سنة تسع وعشرين وملك الشام جميعه وعظم أمره وكثر ماله وارسل يستدعي الجند الأتراك من البلاد # فبلغ المصريين عنه أنه عازم على العصيان فتقدموا إلى أهل دمشق بالخروج عن طاعته ففعلوا فسار عنها نحو حلب في ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وتوفي بعد ذلك بشهر واحد # وكان أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس الملقب بمعز الدولة بالرحبة # فلما بلغه موت الدزبري جاء إلى حلب فملكها تسليما من أهلها وحصر امرأة الدزبري وأصحابه بالقلعة أحد عشر شهرا وملكها في صفر ستة أربع وثلاثين # فبقي فيها الى سنة أربعين # فأنفذ المصريون إلى محاربته أبا عبد الله بن ناصر الدولة بن حمدان فخرج أهل حلب إلى حربه فهزمهم واختنق منهم بالباب جماعة # ثم إنه رحل عن حلب وعاد إلى مصر وأصلبهم سيل ذهب بكثير من دوابهم وأثقالهم فأنفذ المصريون إلى قتال معز الدولة خادما يعرف برفق # فخرج إليه في أهل حلب فقاتلوه فانهزم المصريون وأسر رفق ومات عندهم وكان أسره سنة إحدى وأربعين في ربيع الأول # ثم إن معز الدولة بعد ذلك أرسل الهدايا إلى المصريين وأصلح أمره معهم ونزل لهم عن حلب فأنفذوا إليها أبا علي الحسن بن علي بن ملهم ولقبوه مكين الدولة فتسلمها من ثمال في ذي القعدة سنة تسع وأربعين # وسار ثمال إلى مصر في ذي الحجة وسار أخوه أبو ذؤابة عطية بن صالح إلى الرحبة وأقام ابن ملهم بحلب # فجرى بين بعض السودان وأحداث حلب حرب وسمع ابن ملهم أن بعض أهل حلب قد كاتب محمود بن شبل الدولة نصر بن صالح يستدعونه ليسلموا البلد إليه فقبض على جماعة منهم # وكان منهم رجل يعرف بكامل بن نباتة فخاف فجلس يبكي # وكان يقول لكل من سأله عن بكائه ( ( إن أصحابنا الذين أخذوا قد قتلوا وأخاف على الباقين ) ) # فاجتمع أهل البلد واشتدوا وراسلوا محمودا وهو منهم على مسير يوم يستدعونه وحصروا ابن ملهم وجاء
71
محمود وحصره معهم في جمادي الآخرة سنة اثنتين وخمسين # ووصلت الأخبار إلى مصر فسيروا ناصر الدولة أبا علي بن ناصر الدولة بن حمدان في عسكر بعد اثنين وثلاثين يوما من دخول محمود حلب فلما قارب البلد خرج محمود عن حلب إلى البرية واختفى الأحداث جميعهم # وكان عطية بن صالح نازلا بقرب البلد وقد كره فعل محمود ابن أخيه فقبض ابن ملهم على مائة و خمسين من الأحداث ونهب وسط البلد وأخذ أموال الناس وأما ناصر الدولة فلم يمكن أصحابه من دخول البلد ونهبه # وسار في طلب محمود فالتقيا بالغنيدق في رجب # فانهزم أصحاب ابن حمدان وثبت هو فجرح وحمل إلى محمود أسيرا فأخذه وسار إلى حلب فملكها وملك القلعة في شعبان سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة # وأطلق ابن حمدان فسار هو وابن ملهم إلى مصر # فجهز المصريون معز الدولة ثمال بن صالح إلى ابن اخيه فحصره في حلب في ذي الحجة من السنة # فاستنجد محمود خاله منيع بن شبيب بن وثاب النميري صاحب حران فجاء إليه فلما بلغ ثمالا مجيئه سار عن حلب إلى البرية في المحرم سنة ثلاث وخمسين وعاد منيع إلى حران فعاد ثمال إلى حلب وخرج إليه محمود ابن أخيه فاقتتلوا وقاتل محمودا قتالا شديدا # ثم انهزم محمود فمضى إلى أخواله بني نمير بحران وتسلم ثمال حلب في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وخرج إلى الروم فغزاهم ثم توفي بحلب في ذي القعدة سنة أربع وخمسين # وكان كريما حليما وأوصى بحلب لأخيه عطية بن صالح فملكها # ونزل به قوم من التركمان مع ابن خان التركماني فقوي بهم فأشار أصحابه بقتلهم فأمر أهل البلد بذلك فقتلوا منهم جماعة ونجا الباقون # فقصدوا محمودا بحران واجتمعوا معه على حصار حلب فحصرها وملكها في رمضان سنة أربع وخمسين وقصد عمه عطية الرقة فملكها ولم يزل بها حتى أخذها منه شرف الدولة مسلم بن قريش سنة ثلاث وستين # وسار عطية إلى بلد الروم فمات بالقسطنطينية سنة خمس وستين # وأرسل محمود التركمان مع أميرهم ابن خان إلى أرتاح فحصرها وأخذها من الروم سنة ستين وسار محمود إلى طرابلس فحصرها وأخذ من أهلها مالا وعاد # وأرسله محمود في رسالة إلى السلطان ألب أرسلان ومات محمود في حلب سنة ثمان وستين
72
في ذي الحجة ووصى بها بعده لابنه مشيب # فلم ينفذ أصحابه وصيته لصغره وسلموا البلد إلى ولده الأكبر واسمه نصر وجده لأمه الملك العزيز ابن ملك جلال الدولة بن بويه وتزوجها عند دخولهم مصر لما ملك طغرلبك العراق وكان نصر يدمن شرب الخمر # فحمله السكر على أن خرج إلى التركمان الذين ملكوا البلد وهم بالحاضر يوم الفطر فلقوه وقبلوا الأرض بين يديه # فسبهم وأراد قتلهم فرماه أحدهم بنشابة فقتله # وملك أخوه سابق وهو الذي كان أبوه أوصى له بحلب فلما صعد القلعة استدعى احمد شاه مقدم التركمان وخلع عليه وأحسن إليه وبقي فيها إلى سنة اثنتين وسبعين # فقصده تتش بن ألب أرسلان فحصره بحلب أربعة أشهر ونصفا ثم رحل عنه ونازله شرف الدولة فأخذ البلد منه على ما نذكره إن شاء الله تعالى # فهذه جميع أخبار بني مرداس أتيت بها متتابعة لئلا تجهل إذا تفرقت $ ذكر قتل جماعة من خفاجة $ # لما فتح الملك فخر الدولة دير العاقول أتاه سلطان وعلوان ورجب أولاد ثمال الخفاجي ومعهم أعيان عشائرهم وضمنوا حماية سقي الفرات ودفع عقيل عنها # وساروا معه إلى بغداد فأكرمهم وخلع عليهم وأمرهم بالمسير مع ذي السعادتين الحسن بن منصور إلى الأنبار فساروا # فلما صاروا بنواحي الأنبار أفسدوا وعاثوا فقبض ذو السعادتين على نفر منهم ثم أطلقهم واستحلفهم على الطاعة والكف عن الأذى # فاشار كاتب نصراني من أهل دقوقا على السلطان بن ثمال بالقبض على ذي السعادتين وأن يظهر أن عقيلا أغاروا # فإذا خرج عسكر ذي السعادتين انفرد به فأخذه فوصل إلى ذي السعادتين الخبر # ثم إن سلطانا أرسل إليه يقول له إن عقيلا قد قاربوا الأنبار ويطلب منه إنفاذ العسكر # فقال ذو السعادتين ( أنا أركب وآخذ العساكر ) ) # ثم دافعه إلى أن فات وقت السير فانتفض على سلطان ما دبره فأرسل يقول ( ( قد أخذت جماعة من عقيل ثم ان ذا السعادتين صنع طعاما كثيرا وحضر عنده سلطان وكانبه النصراني وجماعة من أعيان خفاجة ) ) # فأمر أصحابه بقتل كثير منهم وقبض على سلطان وكاتبه وجماعة ونهب بيوتهم وما فيها # وحبس سلطانا ومن
73
معه ببغداد حتى شفع فيهم أبو الحسن بن مزيد وبذل مالا عنهم فأطلقوا # وذكر ابن نباتة وغيره هذه الحادثة $ ذكر القدح في نسب العلويين والمصريين $ # في هذه السنة كتب ببغداد محضر يتضمن القدح في نسب العلويين خلفاء مصر وكتب فيه المرتضى وأخوه الرضي وابن البطحاوي العلوي وابن الأزرق الموسوي والزكي أبو يعلى عمر بن محمد ومن القضاة والعلماء ابن الأكفاني وابن الخرزي وأبو العباس الأبيوردي وأبو حامد الاسفرايني والكشفلي والقدوري والصيمري وأبو عبد الله بن البيضاوي وأبو الفضل النسوي وأبو عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة وغيرهم # وقد ذكرنا الاختلاف فيهم عند ابتداء دولتهم سنة ست وتسعين ومائتين $ ذكر أخذ بني خفاجة الحجاج $ # في هذه السنة سارت خفاجة إلى واقصة ونزحوا ماء البرمكي والريان وألقوا فيهما الحنظل # ووصل الحجاج من مكة إلى العقبة فلقيهم خفاجة ومنعوهم الماء ثم قاتلوهم # فلم يكن فيهم امتناع فاكثروا القتل وأخذوا الأموال ولم يسلم من الحاج إلا اليسير # فبلغ الخبر فخر الملك الوزير ببغداد # فسير العساكر في أثرهم وكتب إلى أبي الحسن علي بن مزيد يأمره بطلب العرب والأخذ منهم بثأر الحاج والانتقام فسار خلفهم فلحقهم وقد قاربوا البصرة فأوقع بهم فقتل منهم وأسر جمعا كثيرا وأخذ من أموال الحاج ما رآه وكان الباقي قد أخذه العرب وتفرقوا # وأرسل الأسرى وما استرده من أمتعة الحاج إلى الوزير فحسن موقعه منه $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة توفي أبو الحسن بن اللبان الفرضي في ربيع الأول # وتوفي في
74
شهر رمضان عثمان بن عيسى أبو عمرو الباقلاني العابد وكان مجاب الدعوة رحمة الله عليه
75
$ ثم دخلت سنة ثلاث وأربعمائة $ $ ذكر قتل قابوس $ # في هذه السنة قتل شمس المعالي قابوس بن وشكمير وكان سبب قتله أنه كان مع كثرة فضائله ومناقبه عظيم السياسة شديد الأخذ قليل العفو يقتل على الذنب اليسير # فضجر أصحابه منه واستطالوا أيامه واتفقوا على خلعه والقبض عليه وكان حينئذ غائبا عن جرجان فخفي عليه الأمر فلم يشعر ذات ليلة إلا وقد أحاط العسكر بباب القلعة التي كان بها وانتهبوا أمواله ودوابه وأرادوا استنزاله من الحصن # فقاتلهم هو ومن معه من خواصه وأصحابه فعادوا ولم يظفر وا به # ودخلوا جرجان واستولوا عليها وعصوا عليه بها وبعثوا إلى ابنه منوجهر وهو بطبرستان يعرفونه الحال ويستدعونه ليولوه أمرهم # فأسرع السير نحوهم خوفا من خروج الأمر عنه فالتقوا واتفقوا على طاعته إن هو خلع أباه # فاجابهم إلى ذلك على كره # وكان أبوه شمس المعالي قد سار نحو بسطام عند حدوث هذه الفتنة لينظر فيما تسفر عنه فأخذوا منوجهرمعهم عازمين على قصد والده وإزعاجه من مكانه فسار معهم مضطرا # فلما وصل إلى أبيه أذن له وحده دون غيره فدخل عليه وعنده جمع من أصحابه المحامين عنه # فلما دخل عليه تشاكا ما هما فيه وعرض عليه منوجهر أن يكون بين يديه في قتال ألئك القوم ودفعهم # وإن ذهبت نفسه # فرأى شمس المعالي ضد ذلك وسهل عليه حيث صار الملك إلى ولده فسلم إليه خاتم الملك وصاياه بما يفعله # واتفقا على أن ينتقل هو إلى قلعة جناشك يتفرغ للعبادة إلى أن يأتيه اليقين وينفرد منوجهر بتدبير الملك # وسار إلى القلعة المذكورة مع من اختاره لخدمته وسار منوجهر إلى جرجان وتولى الملك وضبطه ودارى ألئك الأجناد وهم نافرون خائفون من شمس المعالي ما دام حيا فما زالوا يحتالون ويجيلون الرأي حتى دخلوا إلى
76
منوجهر وخوفوه من أبيه مثل ما جرى لهلال بن بدر مع ابيه وقالوا له ( ( مهما كان والدك في الحياة لا نأمن نحن ولا أنت ) ) واستأذنوه في قتله # فلم يرد عليهم جوابا # فمضوا إليه إلى الدار التي هو فيها وقد دخل إلى الطهارة متخففا # فأخذوا ما عنده من كسوة وكان الزمان شتاء وكان يستغيث أعطوني ولو جلد دابة فلم يفعلوا فمات من شدة البرد # وجلس ولده للعزاء ولقب القادر بالله منوجهر فلك المعالي ثم إن منوجهر راسل يمين الدولة ودخل في طاعته وخطب له على منابر بلاده وخطب إليه أن يزوجه بعض بناته ففعل # فقوى جنانه وشرع في التدبير على أولئك الذين قتلوا أباه فأبادهم بالقتل والتشريد # وكان قابوس غزير الأدب وافر العلم له رسائل وشعر حسن وكان عالما بالنجوم وغيرها من العلوم فمن شعره # ( قل للذي بصروف الدهر عيرنا % هل عاند الدهر إلا من له خطر ) # ( أما ترى البحر يطفو فوقه جيف % وتستقر بأقصى قعره الدرر ) # ( فان تكن نشبت أيدي الخطوب بنا % ومسنا من توالي صرفها ضرر ) # ( ففي السماء نجوم غير ذي عدد % وليس يكسف إى الشمس والقمر ) $ ذكر موت أيلك الخان وولاية أخيه طغان خان $ # في هذه السنة توفي أيلك الخان وهو يتجهز للعود إلى خراسان ليأخذ بثأره من يمين الدولة # وكاتب قدرخان وطغان خان ليساعداه على ذلك # فلما توفي ولي بعده أخوه طغان فراسل يمين الدولة وصالحه # وقال له ( ( المصلحة للإسلام والمسلمين أن تشتغل أنت بغزو الهند و أشتغل أنا بغزو الترك و أن يترك بعضنا بعضا ) ) # فوافق ذلك هواه فأجابه إليه # وزال الخلاف واشتغلا بغزو الكفار # وكان أيلك الخان خيرا عادلا حسن السيرة محبا للدين وأهله معظما للعلم وأهله محسنا إليهم
77
$ ذكر وفاة بهاء الدولة وملك سلطان الدولة $ # في هذه السنة خامس جمادى الآخرة توفي بهاء الدولة أبو نصر بن عضد الدولة بن بويه وهو الملك حينئذ بالعراق وكان مرضه تتابع الصرع مثل مرض أبيه # وكان موته بأرجان وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فدفن عند أبيه عضد الدولة # وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وتسعة أشهر ونصفا # وملكه أربعا وعشرين سنة # ولما توفي ولي الملك بعده ابنه سلطان الدولة أبو شجاع وسار من أرجان إلى شيراز وولى أخاه جلال الدولة أبا طاهر بن بهاء الدولة البصرة وأخاه أبا الفوارس كرمان $ ذكر ولاية سليمان الأندلس الدولة الثانية $ # في هذ ه السنة ملك سليمان بن الحاكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر الأموي ولقب المستعين # وهذه غير ولايته منتصف شوال على ما ذكرناه سنة أربعمائة وبايعه الناس وخرج أهل قرطبة إليه يسلمون عليه فأنشد متمثلا # ( إذا ما رأوني طالعا من ثنية % يقولون من هذا وقد عرفوني ) # ( يقولون لي أهلا وسهلا ومرحبا % ولو ظفروا بي ساعة قتلوني ) # وكان سليمان أديبا شاعرا بليغا وأريق في أيامه دماء كثيرة لا تحد # وقد تقدم ذكر ذلك سنة أربعمائة # وكان البربرهم الحاكمون في دولته لا يقدر على خلافهم لأنهم كانوا عامة جنده وهم الذين قاموا معه حتى ملكوه # وقد تقدم ذكر ذلك $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة خلع سلطان الدولة على أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي وهو أول من تقدم من أهل بيته
78
وفيها قلد الرضي الموسوي صاحب الديوان المشهور نقابة العلويين ببغداد وخلع عليه سواد وهو أول طالبي خلع عليه السواد # وفيها توفي أبو بكر الخوارزمي واسمه محمد بن موسى الفقيه الحنفي وأبو الحرث محمد بن محمد بن عمر العلوي نقيب الكوفة # وكان يسير بالحاج عشر سنين وأبو عبد الله الحسن بن حامد بن علي بن مروان الفقيه الحنبلي وله تصانيف في الفقه والقاضي أبو بكر محمد بن الطيب المتكلم الأشعري وكان مالكي المذهب رثاه بعضهم فقال # ( انظر إلى جبل تمشي الرجال به % وانظر إلى القبر ما يحوي من الصلف ) # ( وانظر إلى صارم الإسلام منغمدا % وانظر إلى درة الإسلام في الصدف )
79
# وفيها قتل أبو الوليد بن عبد الله بن محمد المعروف بابن الفرضي الأندلسي بقرطبة قتله البربر
80
$ ثم دخلت سنة أربع وأربعمائة $ $ ذكر قتح يمين الدولة ناردين $ # في هذه السنة سار يمين الدولة إلى الهند في جمع عظيم وحشد كبير وقصد واسطة البلاد من الهند # فسار شهرين حتى قارب مقصده ورتب أصحابه وعساكره # فسمع عظيم الهند به فجمع من عنده من قواده وأصحابه وبرز إلى جبل هناك صعب المرتقى ضيق المسلك فاحتمى به وطاول المسلمين # وكتب إلى الهنود ستدعيهم من كل ناحية # فاجتمع عليه منهم كل من يحمل سلاحا # فلما تكاملت عدته نزل من الجبل وتصاف هو والمسلمون واشتد القتال وعظم الأمر ثم إن الله تعالى منح المسلمين أكتافهم فهزموهم وأكثروا القتل فيهم وغنموا ما معهم من مال وفيل وسلاح وغير ذلك # ووجد في بيت بد عظيم حجرا منقورا دلت كتابته على أنه مبنى منذ أربعين ألف سنة فعجب الناس لقلة عقولهم # فلما فرغ من غزوته عاد إلة غزنة وأرسل إلى القادر بالله يطلب منه منشورا وعهدا بخراسان وما بيده من الممالك فكتب لد ذلك ولقب نظام الدين $ ذكر ما فعله خفاجة دفعة أخرى $ # في هذه السنة جاء سلطان بن ثمال واستشفع بأبي الحسن بن مزيد إلى فخر الملك ليرضى عنه فأجابه إلى ذلك # فأخذ عليه العهود بلزوم ما يحمد أمره # فلما خرج وصلت الأخبار بأنهم نهبوا سواد الكوفة وقتلوا طائفة من الجند وأتى أهل الكوفة مستغيثين # فسير فخر الملك إليهم عسكرا وكتب إلى ابن مزيد وغيره
81
بمحاربتهم # فسار إليهم وأوقع بنهر الرمان # وأسر محمد بن ثمال وجماعة معه ونجا سلطان وأدخل الأسرى إلى بغداد مشهرين وحبسوا # وهب على المنهزمين من بني خفاجة ريح شديدة حارة فقتلت منهم نحو خمسمائة رجل وأفلت منهم جماعة ممن كانوا أسروا من الحجاج # وكانوا يرعون إبلهم وغنمهم فعادوا إلى بغداد فوجد بعضهم نساءهم قد تزوجن وولدن واقتسمت تركاتهم $ ذكر استيلاء طاهر بن هلال على شهرزور $ # قد ذكرنا حال شهرزور وأن بدر بن حسنويه سلمهما إلى عميد الجيوش فجعل فيها نوابه # فلما كان الآن سار طاهر بن هلال بن بدر إلى شهرزور وقاتل من بها من عسكر فخر الملك وأخذها منهم في رجب # فلما سمع الوزير الخبر أرسل إلى طاهر يعاتبه ويأمره بإطلاق من أسر من أصحابه ففعل # ولم تزل شهرزور بيد طاهر إلى أن قتله أبو الشوك وأخذها منه وجعلها لأخيه مهلهل $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة سار أبو الحسن علي بن مزيد الأسدي إلى الشوك على عزم محاربته فاصطلحها من غير حرب وتزوج ابنه أبو الأغردبيس بن علي باخت أبي الشوك # وفيها توفي القاضي أبو الحسن علبي بن سعيد الإصطخري وهو شيخ من شيوخ المعتزلة ومشهور بهم وكان عمره قد زاد على ثمانين سنة وله تصانيف في الرد على الباطنية ُ82ُ $ ثم دخلت سنة خمس وأربعمائة $ $ ذكر غزوة تانشير $ # قد ذكر ليمين الدولة أن بناحية تانشير فيله الصليمان الموصوفة في الحرب وأن صاحبها غال في الكفر والطغيان و العناد للمسلمين # فعزم على غزوه في عقر داره وأن يذيقه شربة من كأس قتاله # فسار في الجنود والعساكر والمتطوعة فلقي في طريقه وأودية بعيدة القعر وعرة المسالك وقفارا فسيحة الأقطار والأطراف بعيدة الأكناف والماء بها قليل فلقوا شدة وقاسوا مشقة إلى أن قطعوها # فلما قابوا مقصدهم لقوا نهرا شديد المجرية صعب المخافضة وقد وقف صاحب تلك البلاد على طرفه يمنع من عبوره ومعه عساكره وفيلته التي كان يدل بها فأمره يمين الدولة شجعان عسكره بعبور النهر وأشغال الكافر بالقتال ليتمكن باقي العسكر من العبور ففعلوا ذلك # وقاتلوا الهنود وشغلوهم عن حفظ النهر حتى عبر سائر العسكر بالمخاضات وقاتلوهم من جميع جهاتهم إلى لآخر النهار # فانهزم الهند وظفر المسلون وغنموا ما معهم من أموال وفيلة وعادوا إلى غزنة موفورين ظافرين $ ذكر قتل بدر بن حسنويه وإطلاق ابنه هلال وقتله $ # في هذه السنة قتل بدر بن حسنويه أمير الجبل # وكان سبب قتله أنه سار إلى الحسين بن مسعود الكردي ليملك عليه بلاده فحصره بحصن كوسحد فضجر أصحاب بدر منه لهجوم الشتاء فعزموا على قتله فأتاه بعض خواصه وعرفه ذلك فقال ( ( فمن هم الكلاب حتى يفعلوا ذلك ) ) # وأبعدهم فعاد إليه فلم يأذن له فقال له من وراء الخركاه الذي أعلمتك قد قوي العزم عليه فلم بلتفت إليه فخرج فجلس على تل فثاروا به فقتله طائفة منهم تسمى الجورقان # ونهبوا عسكره وتركوه وساروا # فنزل الحسين بن
83
مسعود فرآه ملقى على الأرض فأمر بتجهيزه وحمله إلى مشهد علي عليه السلام ليدفن فيه ففعل ذلك # وكان عادلا كثير الصدقة والمعروف كبير النفس عظيم الهمة # ولما قتل هرب الجورقان إلى شمس الدولة أبي طاهر بن فخر الدولة بن بويه فدخلوا في طاعته # وكان طاهر بن هلال بن بدر هاربا من جده بنواحي شهرزور # فلما عرف بقتله بادر يطلب ملكه فوقع بينه وبين شمس الدولة حرب فأسر طاهر وحبس وأخذ ما كان قد جمعه بعد أن ملك نائبا عن أبيه هلال وكان عظيما وحمله إلى همذان وسارا للرية والشاذنجان إلى أبي الشوك فدخلوا في طاعته # وحين قتلكان ابنه هلال محبوسا عند الملك سلطان الدولة كما ذكرنا # فلما قتل بدر استولى شمس الدولة بن فخر الدولة بن بويه على بعض بلاده # فلما علم سلطان الدولة بذلك أطلق هلالا وجهزه وسيره ومعه العساكر ليستعيد ما ملكه شمس الدولة عن بلاده # فسار إلى شمس الدولة فالتقيا في ذي القعدة # واقتتل العسكران فانهزم أصحاب هلال وأسر هو فقتل أيضا وعادت العساكر التي كانت معه إلى بغداد على أسوأ حال # وكان ممن أسر معه أبو المظفر أنوشتكين الأعراجي # وكان في مملكة بدر سابور خواست والدينور وبروجرد ونهاوند وأسدأباذ وقطعه من أعمال الأهواز وما بين ذلك من القلاع والولايات $ ذكر الحرب بين علي بن مزيد وبين بني دبيس $ # في هذه السنة في المحرم كانت الحرب بين أبي الحسن علي بن مزيد الأسدي وبين مضر ونبهان وحسان وطراد بني دبيس # وسببها أنهم كانوا قد قتلوا أبا الغنائم بن مزيد أخا أبي الحسن في حرب بينهم وقد تقدم ذكرها وحالت الأيام بينه وبين الأخذ بثأره # فلما كان الآن تجهز لقصدهم وجمع العرب والشاذنجان والجوانية وغيرهما من الأكراد وسار إليهم # فلما قرب منهم خرجت زوجته إبنة دبيس وقصدت أخاها مضر بن دبيس ليلا وقالت له ( ( قد أتاكم ابن مزيد فيما لا قبل لكم به وهو يقنع منكم بإبعاد نبهان قاتل أخيه ) ) # فأبعدوه وقد تفرقت هذه العساكر فأجابها أخوها مضر إلى ذلك وامتنع أخوه حسان # فما سمع ابن مزيد بما فعلته زوجته أنكره وأراد طلاقها وقالت له ( ( خفت أن أكون في هذه الحرب بين فقد أخ حميم أو زوج كريم ففعلت ما فعلت رجاء الصلاح ) ) # فزال ما عنده منها # وتقدم إليهم وتقدموا إليه بالحلل والبيوت فالتقوا واقتتلوا واشتد القتال لما بين الفريقين من الدحول # فظفر ابن مزيد بهم وعزمهم
84
وقتل حسان ونبهان ابني دبيس واستولى علي البيوت والأموال ولحق من سلم الهزيمة بالحويزة # ولما ظفر بهم رأى عندهم مكاتبات فخر الملك يامرهم بالجد في أمره ويعدهم النصرة # فعاتبه على ذلك وحصل بينهما نفرة ودعت فخر الملك الضرورة تقليد ابن مزيد الجزيرة الدبيسية واستثنى مواضع منها الطيب وقرقوب وغيرهما وبقي أبو الحسن هنالك إلى جمادى الأولى ثم إن مضر بن دبيس جمع جمعا وكبس أبا الحسن ليلا فهرب في نفر يسير واستولى مضر على حلله وأمواله وكل ماله ولحق أبو الحسن ببلد النسل منهزما $ ذكر ملك شمس الدولة الري وعوده عنها $ # لما ملك شمس الدولة بين فخر الدولة ولاية بدر بن حسنويه وأخذ ما في قلاعه من الأموال عظم شأنه واتسع ملكه # فسار إلى الري وبها أخوه مجد الدولة فرحل عن الري ومعه والدته إلى دنباوند وخرجت عساكر الري إلى شمس الدولة مذعنة بالطاعة ودخل الري وملكها # وخرج منها يطلب أخاه ووالدته فشغب الجند عليه وزاد خطبهم وطالبوه مطالبات اتسع الخرق بها # فعاد إلى همذان وأرسل إلى أخيه ووالدته يأمرهما بالعود إلى الري فعادا $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في شعبان توفي أبو الحسن أحمد بن علي البتي الكاتب الشاعر ومن شعره في تكة # ( لم لا أتيه ومضجعي % بين الروادف والخصور ) # ( وإذا نسجت فإنني % بين الترائب والنحور ) # ( ولقد نشأت صغيرة % بأكف ربات الخدور ) # وله نوادر كثيره منها أنه شرب فقاعا في دار فخر الملك فلم يستطبه فجلس مفكرا فقال له الفقاعي في أي شيء تفكر فقال في دقة صنعتك كيف أمكنك الخراء في هذه الكيزان الضيقة كلها # وفي رمضان منها قتل القاضي أبو القاسم يوسف بن أحمد بن كج الفقيه من أئمة
85
أصحاب الشافعي وكان قاضي الدينور قتله طائفة من عامتها خوفا منه وتوفي أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن نباتة السعدي الشاعر والقاضي أبو محمد بن الأكفاني قاضي بغداد وولي بعده قضاء القضاة أبوالحسن أبو الشوارب البصري وتوفي أحمد عبد السلام بن الحسن البصري الأديب وأبو القاسم هبة الله بن عيسى كاتب مهذب الدولة بالبطيحة وهو من الكتاب المفلقين ومكاتباته مشهورة وكان ممدحا وممن مدحه ابن الحجاج وتوفي أيضا عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس أبو سعيد الإدريسي الإستراباذي الحافظ نزيل سمرقند وهو مصنف تاريخ سمرقند وتوفي أيضا الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري صاحب التصانيف الحسنة المشهورة وأبو الحسن بن عياض وكان يلقب الناصر وكان يتولى الأهواز وقام ولده بنكير مقامه وأبو علي الحسين بن الحسين بن حمكان الهمذاني الفقيه الشافعي وكان إماما عالما
86
$ ثم دخلت سنة ست وأربعمائة $ $ ذكر الفتنة بين باديس وعمه حماد $ # في هذه السنة هر الاختلاف بين الأمير باديس صاحب أفريقية وعمه حماد حتى آل الأمر بينهما إلى الحرب التي لا بقيا بعدها # وسبب ذلك أن باديس أبلغ عن عمه حماد قوارص وأموز أنكرها فاغضى عليها حتى كثر ذلك عليه # وكان لباديس ولد اسمه المنصور أراد أن يقدمه ويجعله ولي عهده فأرسل إلى عمه حماد يقول بأن يسلم بعض ما بيده من الأعمال التي أقطعه إلى نائب ابنه المنصور وهي مدية تيجس وقيصر الإفريقي وقسنطينة # وسير إلى تسليم ذلك هاشم بن جعفر وهو من كبار قوادهم وسير معه عمه إبراهيم ليمنع أخاه حمادا من أمر أراده فسار إلى أن قاربا حماد ففارق إبراهيم هاشما وتقدم إلى أخيه حماد # فلما وصل إليه حسن له الخلاف على باديس ووافقه على ذلك وخلعا الطاعة وأظهرا العصيان وجمعا الجموع الكثيرة فكانوا ثلاثين ألف مقاتل فبلغ ذلك باديس فجمع عساكره وسار إليهما # ورحل حماد وأخوه إبراهيم إلى هاشم بن جعفر والعسكر الذين معه وهو بقلعة شقنبارية فكان بينهم حرب انهزم ابن جعفر ولجأ إلى باجة وغنم حماد ماله وعدده فرحل باديس إلى مكان يسمى قبر الشهيد فأتاه جمع كثير من عسكر عمه حماد # ووصلت كتب حماد وإبراهيم إلى باديس أنهما ما فارقا الجماعة ولا خرجا عن الطاعة فكذبهما ما ظهر من أفعالهما من سفك الدماء وقتل الأطفال وإحراق الزروع والمساكن وسبي النساء # ووصل حماد إلى باجة فطلب أهلها منه الأمان فأمنهم واطمأنوا إلى عهده فدخلها يقتل وينهب ويحرق ويأخذ الأموال # وتقدم باديس إليه بعساكره # فلما كان في صفر سنة ست وأربعمائة ووصل حماد إلى مدينة أشير وهي له
87
وفيها نلئبه واسمه خلف الحميري فمنعه خلف من دخولها وصار في طاعة باديس فسقط في يد حماد فإنها كانت معولة لحصانتها وقوتها # ووصل باديس إلى مدينة المسيلة ولقيه أهلها وفرحوا به # وسير جيشا إلى المدينة التي أحدثها حماد فخربوها إلى أنهم لم يأخذوا مال أحد وهرب إلى باديس جماعة كثيرة من جند القلعة التي له وفيها أخوه إبراهيم # فأخذ إبراهيم أبناءهم وذبحهم على صدور أمهاتهم فقيل أنه ذبح بيده منهم ستين طفل # فلما فرغ من الأطفال قتل الأمهات وتقارب باديس وحماد والتقوا مستهل جمادى الأولى واقتتلوا أشد قتال وأعظمه ووطن أصحاب باديس أنفسهم على الصبر أو الموت لما كان حماد يفعله لمن يظفر به # واختلط الناس بعضهم ببعض وكثر القتل ثم انهزم حماد وعسكره لا يلوي علي شيء # وغنم عسكر باديس أثقاله وأمواله وفي جملة ما غنم منه عشرة آلاف درقة مختارة لمط # ولولا اشتغال العسكر بالنهب لأخذ حماد أسيرا وسار حتى وصل إلى قلعته تاسع جمادى الأولى وجاء إلى مدينة دكمة فتجنى على أهلها فوضع السيف فيهم فقتل ثلاثمائة رجل فخرج إليه فقيه منها # وقال له ( ( يا حماد اذا لقيت الجيوش انهزمت واذا قادمتك الجموع فررت وإنما قدرتك وسلطانك على أسير لا قدرة له عليك ) ) # فقتله وحمل جميع ما في المدينة من طعام وملح وذخيره إلى القلعة التي له # وسار باديس خلفه وعزم على المقام بناحيته وأمر بالبناء وبذل الأموال لرجاله فاشتد ذلك على حماد وأنكر رجاله وضعفت نفسه وتفرق منه أصحابه # ثم مات ورو بن سعيد الزناتي المتغلب على ناحية طرابلس واختلفت كلمة زناتة فمالت فرقة مع أخيه خزرون وفرقة مع ابن ورو فاشتد ذلك أيضا على حماد # وكان يطمع أن زناتة تغلب علي بعض البلاد فيضطر باديس إلى الحركة إليهم $ ذكر وفاة باديس وولاية ابنه المعز $ # لما كان يوم الثلاثاء سلخ ذي القعدة سنة ست وأربعمائة أمر باديس بعرض
88
العساكر فرأى ما سره # وركب آخر النهار ونزل معه جماعة من أصحابه ففارقوه إلى خيامهم # فلما كان نصف الليل توفي # وخرج الخادم في الوقت إلى حبيب بن أبي سعيد وباديس بن أبي حمامة وأيوب بن يطوفت وهم أكبر قواده فأعلمهم بوفاته # وكان بين حبيب وباديس بين حمامة عداوة # فخرج حبيب مسرعا إلى باديس وخرج باديس إليه أيضا فالتقيا في الطريق فقال كل واحد منهما لصاحبه # قد عرفت الذي بيننا والأولى أن نتفق على إصلاح هذا الخلل فإذا انقضى رجعنا إلى المنافسة فاجتمعا مع أيوب وقالوا إن العدو قريب منا وصاحبنا بعيد منا ومتى لم نقدم رأسا نرجع إليه في أمورنا لم نأمن العدو ونحن نعلم ميل صنهاجة إلى المعز وغيرهم إلى كرامت بن المنصور أخي باديس # فاجتمعوا على توليه كرامت ظاهرا فإذا وصلوا إلى موضع الأمن ولوا المعز بن باديس وينقطع الشر فأحضروا كرامت وبايعوه وولوه في الحال وأصبحوا وليس عند أحد من العسكر خبر من ذلك وعزموا أن يقولوا للنا س بكرة بأن باديس قد شرب دواء فلما اصبحوا أغلق أهل مدينة المحمدية أبوابها وكأنما نودي فيهم بموت باديس فشاع الخبر وخاف الناس خوفا عظيما واضطربوا لموته وأظهروا ولاية كرامت # فلما رأى ذلك عبيد باديس ومن معه أنكروه فخلا حبيب بأكابرهم وعرفهم الحال فسكنوا # ومضى كرامت إلى مدينة أشير ليجمع صنهاجة وتلكاكة وغيرهم # وأعطوهم من الخزائن مائة ألف دينار # وأما المعز فإنه كان عمره ثمان سنين وستة أشهر وأياما تقريبا لأن مولده في جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة # ولما وصل إليه الخبر بموت أبيه أجلسه من عنده للعزاء ثم ركب في الموكب وبايعه الناس # فكان يركب كل يوم ويطعم الناس كل يوم بين يديه # وأما العساكر فإنهم رحلوا من مدينة المحمدية إلى المعز وجعلوا باديس في تابوت بين يدي العسكر والطبول البنود على رأسه والعساكر تتبعه ميمنة وميسرة # وكان وصولهم إلى المنصورية رابع
89
المحرم سنة سبع وأربعمائة # ووصلوا إلى المهدية والمعز بها ثامن المحرم فركب المعز ووقف حبيب يعلمه بهم ويذكر له أسماءهم ويعرفه بقوادهم وأكابرهم # فرحل المعز من المهدية فوصل إلى المنصورية منتصف المحرم # وهذا المعز أول من حمل الناس بأفريقية على مهذهب مالك وكان الأغلب عليهم مذهب أبي يحنيفة # وأما كرامت فإنه لما وصل إلى مدينة أشير اجتمع عليه قبائل صنهاجة وغيرهم # فأتاه حماد في ألف وخمسمائة فارس فتقدم إليه كرامت بسبعة آلاف مقاتل فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فرجع بعض أصحاب كرامت إلى بيت المال فانتهبوه وهربوا # فتمت الهزيمة عليه وعلى أصحابه ووصل إلى مدينة أشير فأشار عليه قاضيها وأعيان أهلها بالمقام ومنع حماد عنها ففعل # ونازلهم حماد وطلب كرامت ليجتمع به فخرج إليه فأعطاه مالا وأذن له في المسير إلى المعز وقتل حماد من أهل أشير كثيرا حيث أشاروا على كرامت بحفظ البلد ومنع حماد منه ووصل كرامت إلى المعز في المحرم هذه السنة فأكرمه وأحسن إليه # وفي آخر ذي الحجة سير الحاكم الخلع من مصر إلى المعز ولقبه شرف الدولة ولم يذكر ما كان منه إلى الشيعة من القتل والإحراق # وسار المعز إلى حماد لثمان بقين من صفر سنة ثمان وأربعمائة بالعساكر لمنعه عن البلاد # فإنه كان يحاصر باغية وغيرها # فلما قاربه رحل عن بغية و التقوا آخر ربيع الأول فما كان إلا ساعة حتى انهزم حماد وأصحابه ووضع أصحاب المعز فيهم السيف وغنموا مالهم من عدد ومال وغير ذلك # فنادى المعز من أتى برأس فله اربعة دنانير فأتي بشيء كثير وأسر إبراهيم أخو حماد ونجا حماد وقد أصابته جراحة وتفرق عنه أصحابه ورجع المعز # وورد رسول من حماد إليه يعتذر ويقر بالخطأ ويسأل العفو # فأجابه المعز إن كنت على ما قلته فأرسل ولدك القائد إلينا # زاستعمل المعز على جميع العرب المجاورة لإبراهيم عمه كرامت # فعاد جواب حماد أن اذا وصله كتاب أخيه إبراهيم بالعلامات التي بينهم أنه قد أخذ له عهد المعز بعث ولده القائد أو حضر بنفسه فحضر إبراهيم وأخذ العهود على المعز وأرسل إليه يعرفه ذلك ويشكر المعز على إحسانه إليه # ووصل المعز إلى قصره آخر جمادى الأولى # ولما وصل أطلق عمه إبراهيم
90
وخلع عليه واعطاه الأموال والدواب وجميع ما يحتاج إليه # فلما سمع حماد ذلك أرسل ولده القائد إلى المعز وكان وصوله للنصف من شعبان فأكرمه وأعطاه شيئا كثيرا وأقطعه المسيلة وطبنة وغيرهما # وعاد إلى أبيه في شهر رمضان ورضي الصلح وحلف عليه واستقرت الأمرو بينهما وتصاهرا وزوج المعز أخته بعبد الله بن حماد فازدادوا اتفاقا وأمنا # وكان بأفريقية والغرب غلاء بسبب الجراد واختلاف الملوك # ولما استقر الصلح والاتفاق سير المعز الجيوش إلى القبائل من البربر وغيرهم # فإن الحروب ينهم كانت بسبب الاختلاف كثيرة والدماء مسفوكة # فلما رأوا عساكر السلطان رجعوا إلى السكون وترك الحر ب من أبى قوتل فقتل المفسدون وأصلح ما بين القبائل # ووصل من جزيرة الأندلس زاوي بن زيري بن مناد عم أبي المعز وأهله وولده وحشمه # وكان قد أقام بالأندلس مدة طويلة # وقد ذكرناه سبب دخوله الأندلس وملك بالأندلس غرناطة وقاسى حروبا كثيرة ووصل معه من الأموال والعدد والجواهر شيء كثير لا يحد فأكرمهم المعز وحمل لهم شيئا عظيما وإقامات زائدة وأقاموا عنده # كان ينبغي أن يكتب وفاة باديس وما بعده سنة سبع وأربعمائة وإنما اتبعنا بعض أخبارهم بعضا $ ذكر غزوة محمود إلى الهند $ # في هذه السنة غزا محمود بن سبكتكبين الهند على عادته فضل أدلاؤه الطريق ووقع هو وعسكره في مياه فاضت من البحر فغرق كثير ممن معه وخاض الما بنفسه أياماحتى تخلص وعاد إلى خراسان $ ذكر قتل فخر الملك ووزارة ابن سهلان $ # وفيها قبض سلطان الدولة على نائبه بالعراق ووزيره فخر الملك أبي غالب وقتل سلخ ربيع الأول # وكان عمره اثنتين وخمسين سنة وأحد عشر شهرا # وكان نظره
91
بالعراق خمس سنين وأربعة شهور واثني عشر يوما # وكان كافيا حسن الولاية ولآثار ووجد له ألف ألف دينار عينا سوى ما نهب وسوى الأعراض وكان قبضه بالأهواز # ولما مات نقل إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام فدفن هناك قيل كان ابن علمكار وهو من كبار قوادهم قد قتل انسانا ببغداد فكانت زوجته تكتب إلى فخر الملك ابي غالب تتظلم منه ولا يلتفت إليها فلقيته يوما وقالت له ( ( تلك الرقاع التي كنت أكتبها إليك صرت أكتبها إلى الله تعالى ) ) # فلم يمض على ذلك غير قليل حتى قبض هو وابن علمكار فقال له فخر الملك ( ( قد برز جواب رقاع تلك المرأة ) ) # ولما قبض فخر الملك استوزر سلطان الدولة أبا محمد الحسن بن سهلان فلقب عميد أصحاب الجيوش # وكان مولده برامهرمز في شعبان سنة إحدى وستين وثلاثمائة $ ذكر قتل طاهر بن هلال بن بدر $ # في هذه السنة أطلق شمس الدولة بن فخر الدولة بن بويه طاهر بن هلال بن بدر واستحلفه على الطاعة له # واجتمع معه طوائف فقوي بهم وحارب أبا الشواك فهزمه # وقتل سعدى أخو أبي الشوك # ثم انهزم أبو الشوك منه مرة ثانية ومضى منهزما إلى حلوان وبذل له أبو الحسن بن مزيد الأسدي المعاونة فلم يكن فيه معاودة الحرب # وأقام طاهر بالنهروان وصالح أبا الشوك وتزوج أخته # فلما أمنه طاهر وثب عليه أبو الشوك فقتله بثأر أخيه سعدي وحمله أصحابه فدفنوه بمشهد باب التبن $ ذكر عدة حوادث $ # فيها توفي الشريف الرضي محمد بن الحسين بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر أبو الحسن صاحب الديوان المشهور وشهد جنازته الناس كافة ولم يشهدها أخوه لأنه لم يستطع أن ينظر إلى جنازته فأقام بالمشهد الى أن أعاده الوزير فخر الملك إلى داره # ورثاه كثير من الشعراء منهم أخوه المرتضى فقال
92
# ( يا للرجال لفجعه جذمت يدي % ووددتها ذهبت علي براسي ) # ( ما زلت آبى وردها حتى أتت % فحسوتها في بعض ما أنا حاسي ) # ( ومطلتها زمنا فلما صممت % لم يثنها مطلي وطول مكاسي ) # ( لا تنكروا من فيض دمعي عبرة % فالدمع خير مساعد ومواسي ) # ( واها لعمرك من قصير طاهر % ولرب عمر طال بالأرجاس ) # وفيها توفي أبو طالب أحمد بكر العبدي النحوي مصنف شرح الإيضاح وأبو أحمد عبد السلام بن أبي مسلم الفرضي والإمام أبو حامد أحمد بن محمد بن أحمد الأسفرايني إمام أصحاب الشافعي # وكان يحضر درسه أربعمائة متفقه # وكان يدرس بمسجد عبد الله بن المبارك بقطيعة الفقهاء وكان عمره إحدى وستين سنة وأشهرا # وفيها توفي أبو جعفر أستاذ هرمز بن الحسن والد عميد الجيوش بشيراز وكان عمره مائة وخمس سنين # وتوفي شهاب الدولة أبو درع رافع بن محمد بن مقرن وله شعر حسن منه # ( ما زلت أبكي في الديار تأسفا % لبين خليل أو فراق حبيب ) # ( فلما عرفت الربع لا شك أنه % هو الربع فاضت مقلتي بغروب ) # ( وجربت دهري ناسيا فوجدته % أخا غير لا تنقضي وخطوب ) # ( وعاشرت أبناء الزمان فلم أجد % من الناس خدنا حافظا لمغيب ) # ( ولم يبق منهم حافظ لذمامه % ولا ناصر يرعى جوار قريب )
93
# وفيها توفي الشار أبو نصر الذي كان صاحب غرشتان من خراسان في قبض بين الدولة # وقد ذكرنا سبب ذلك # وفيها صفر قلد الشريف المرتضى أبو القاسم أخو الرضي نقابة العلويين والحج والمظالم بعد موت أخيه الرضي # وفيها وقعت فتنة ببغداد بين أهل الكرخ وبين أهل باب الشعير ونهبوا القلائين فأنكر فخر الملك على أهل الكرخ ومنعوا من النوح يوم عاشوراء ومن تعليق المسوح # وفيها وقع بالصرة وما جاورها وباء شديد عجز الحفارون عن حفر القبور # وفيها في حزيران جاء مطر شديد في بلاد العراق وكثير من البلاد
94
$ ثم دخلت سنة سبع وأربعمائة $ $ ذكر قتل خوارزمشاه وملك يمين الدولة خوارزم وتسليمها إلى التونتاش $ # في هذه السنة قتل خوارزمشاه أبو العباس مأمون بن مأمون وملك يمين الدولة خوارزم وسبب ذلك أن أبا العباس كان قد ملك خوارزم والجرجانية كما ذكرناه وخطب إلى يمين الدولة فزوجه أخته # ثم إن يمين الدولة أرسل إليه يطلب أن يخطب له على منابر بلاده فأجابه إلى ذلك # وأحضر أمراء دولته واستشارهم في ذلك فأظهروا الامتناع ونهوه عنه وتهددوه بالقتل إن فعله فعاد الرسول وحكى ليمين الدولة ما شاهده # ثم إن أمراءه خافوه حيث ردوا أمره فقتلوه غيلة # ولم يعلم قاتله وأجلسوا مكانه أحد أولاده # وعلموا أن يمين الدولة يسوءه ذلك وربما طالبهم بثأره فتعاهدوا على مقاتلته ومقارعته # واتصل الخبر بيمين الدولة فجمع العساكر وسار نحوهم فلما قاربهم جمعهم صاحب جيشهم ويعرف بالبتكين البخاري وأمرهم بالخروج إلى لقاء مقدمة يمين الدولة والإيقاع بمن فيها من الأجناد فساروا معه وقاتلوا مقدمة يمين الدولة واشتد القتال بينهم واتصل الخبر بيمين الدولة فتقدم نحوهم في سائر جيوشه فلحقهم وهم في الحرب فثبت الخوارزمية إلى أن انتصف النهار وأحسنوا القتال ثم إنهم انهزموا وركبهم أصحاب يمين الدولة يقتلون ويأسرون ولم يسلم القليل ثم إن البتكين ركب سفينة لينجو فيها فجرى بينه بين من معه منافرة فقاموا عليه وأوثقوه وردوا السفينة إلى ناحية يمين الدولة وسلموه إليه # فاخذه وسائر القواد المأسورين معه وصلبهم عند قبر أبي العباس خوارزمشاه # وأخذ الباقين من الأسرى فسيرهم إلى غزنة فوجا بعد فوج فلما اجتمعوا بها أفرج عنهم وأجرى لهم الأرزاق وسيرهم
95
إلى أطراف بلاده من أرض الهند يحمونها من الأعداء ويحفظونها من أهل الفساد وأخذ خوارزم واستناب بها حاجبه التونتاش $ ذكر غزوة قشمير وقنوج وغيرهما $ # في هذه السنة غزا يمين الدولة بلاد الهند بعد فراغه من خوارزم فسار منها إلى غزنة ومنها إلى الهند عازما على غزو قشمير إذ كان قد استولى على بلاد الهند ما بينه وبين قشمير وأتاه من المتطوعة نحو عشرين ألف مقاتل مما وراء النهر وغيره من البلاد # وسار إليها من غزنة ثلاثة أشهر سيرا دائما وعبر نهر سيحون وجيلوم وهما نهران عميقان شديدا الجرية فوطىء أرض الهند وأتاه ملوكها بالطاعة وبذل الأتاوة # فلما بلغ درب قشمير أتاه صاحبها وأسلم على يده وسار بين يديه إلى مقصد # فبلغ ماء جون في العشرين من رجب # وفتح ما حولها من الولايات الفسيحة والحصون المنيعة حتى بلغ حصن هودب وهو آخر ملوك الهند # فنظر هودب من أعلى حصنه فرأى من العساكر ماهاله وأرعبه وعلم أنه لا ينجيه إلا الإسلام # فخرج في نحو عشرة آلاف ينادون بكلمة الإخلاص طلبا للخلاص فقبله يمين الدولة وسار عنه إلى قلعة كالجند وهو من أعيان الهند وشياطينهم وكان على طريقه غياض ملتفة لا يقدر السالك على قطعها إلا بمشقة # فسير كلجند عساكره وفيوله إلى أطراف تلك الغياض يمنعون من سلوكها # فترك يمين الدولة عليهم من يقاتلهم وسلك طريقا مختصرة إلى الحصن فلم يشعروا به إلا وهو معهم # فقاتلهم قتالا
96
شديدا فلم يطيقوا الصبر على حد السيوف فانهزموا وأخذهم السيف من خلفهم ولقوا نهرا عميقا بين أيديهم فاقتحموه فغرق أكثرهم # وكان القتلى والغرقى قريبا من خمسين ألفا # وعمد كلجند إلى زوجته فقتلها ثم قتل نفسه بعدها وغنم المسلمون أمواله وملكوا حصونه # ثم سار نحو بيت متعبد لهم وهو من مهرة الهند وهو من أحصن الأبنية على نهر ولهم به بمن الأصنام كثير منها خمسة أصنام من الذهب الأحمر مرصعة بالجواهر # وكان فيها من الذهب ستمائة ألف وتسعون ألفا وثلاثمائة مثقال وكان بها من الأصنام المصوغة من النقرة نحو مائتي صنم # فأخذ يمين الدولة ذلك جميعه وأحرق الباقي وسار نحو قنوج وصاحبها راجيال فوصل إليها في شعبان # فرأى صاحبها قد فارقها وعبر الماء المسمى كنك وهو ماء شريف عندهم يرون أنه من الجنة وان من غرق نفسه فيه طهر من الآثام # فأخذها يمين الدولة وأخذ قلاعها وأعمالها وهي سبع على الماء المذكور # وفيها قريب من عشرة آلاف بيت صنم يذكرون أنها عملت من مائتي ألف سنة إلى ثلاثمائة ألف كذبا منهم وزورا # ولما فتحها أباحها عسكره ثم سار إلى قلعة البر اهمة فقاتلوه وثبتوا # فلما عضهم السلاح علموا أنهم لا طاعة لهم فاستسلموا للسيف فقتلوا ولم ينج منهم إلا الشريد # ثم سار نحو قلعة آسى وصاحبها جندبان فلما قاربها هرب جندبان وأخذ يمين الدولة حصنه وما فيه # ثم سار إلى قلعة شروه وصاحبها جندراي فلما قاربه نقل ماله وفيوله نحو جبال هنالك منيعة يحتمي بها وعمي خبره فلم يدر أين
97
هو فنازل يمين الدولة حصنه فافتتحه وغنم مافيه # وسار في طلب جندراي جريدة وقد بلغه خبره فلحق به في آخر شعبان فقاتله # فقتل أكثر جند جندراي وأسر كثيرا منهم وغنم ما معهم من مال وفيل # وهرب جندراي في نفر من أصحابه فنجا وكان السبي في هذه الغزوة كثيرا حتى إن أحدهم كان يباع بأقل من عشرة دراهم # ثم عاد إلى غزنة ظافرا ولما عاد من هذه الغزوة أمر ببناء جامع غزنة فبنى بناء لم يسمع بمثله ووسع فيه # وكان جامعها القديم صغيرا وأنفق ما غنمه في هذه الغزاة في بناءه $ ذكر حال ابن فولاذ $ # في هذه السنة عظمت شوكة ابن فولاذ وكبر شأنه # وكان ابتداء أمره أنه كان وضيعا فنجب في دولة بني بويه وعلا سيطه وارتفع قدره واجتمع إليه الرجال فلما كان الآن طلب من مجد الدولة ووالدته أن بقطعاه قزوين لتكون له ولمن معه من الرجال فلم يفعلا واعتذر إليه # فقصد أطراف ولاية الري وأظهر العصيان وجعل يفسد ويغير ويقطع السبيل وملك ما يليه من القرى # فعجز عنه فاستعانا بأصبهبذ المقيم بفريم # فأتاهما في رجال الجبل وجرى بينهم وبين ابن فولاذ عدة حروب # وجرح ابن فولاذ وولى منهزما حتى بلغ الدامغان فأقام حتى عاد أصحابه إليه # ورجع أصبهبذ إلى بلاده وكتب ابن فولاذ إلى منوجهر بن قابوس يطلب أن ينفذ له عسكرا ليملك البلاد ويقيم له الخطبة فيها ويحمل إليه المال فأنفذ له ألفي رجل فسار بهم حتى نزل بظاهر الري وأعاد الإغارة ومنع الميرة عنها فضاقت الأقوات بها # فاضطر مجد الدولة ووالدته إلى مداراته وإعطائه ما يلتمسه فاستقر بينهم أن يسلما إليه مدينة أصبهان # فسار إليها وأعاد عسكر منوجهر إليه وزال الفساد وعاد إلى طاعة مجد الدولة $ ذكر ابتداء الدولة العلوية بالأندلس وقتل سليمان $ # وفي هذه السنة ولي الأندلس علي بن حمود بن أبي العيش بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبد الله بن عمر بن إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن بن
98
الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام # وقيل في نسبه غير ذلك مع اتفاق على صحة نسبه إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام # وكان سبب ذلك أن الفتى خيران العامري لم يكن راضيا بولاية سليمان بن الحاكم الأموي لأنه كان من أصحاب المؤيد على ما ذكرناه قبل فلما ملك سليمان قرطبة انهزم خيران في جماعة كثيرة من الفتيان العامريين فتبعهم البربر وواقعهم # فاشتد القتال بينهم وجرح خيران عدة جراحات وترك على أنه ميت فلما فارقوه قام يمشي فأخذ رجل من البربر إلى داره بقرطبة وعالجه فبرأ وأعطاه مالا وخرج منها سرا إلى شرق الأندلس # فكثر جمعه وقويت نفسه وقاتل من هناك من البربر وملك المرية واجتمع إليه الأجناد وأزال البربر عن البلاد المجاورة له فغلظ أمره وعظم شأنه # وكان علي بن حمود بمدينة سبتة بينه وبين الأندلس عدوة المجاز مالكا لها وكان أخوه القاسم بن حمود بالجزيرة الخضراء مستوليا عليها وبينهما المجاز # وسبب ملكهما أنهما كانا من جملة أصحاب سليمان بين الحاكم فقودهما على المغاربة ثم ولاهما عذع البلاد وكان خيران يميل إلى دولة المؤيد ويرغب فيها ويخطب له على منابر بلادها التي استولى عليها لأنه كان يظن حياته حيث فقد من القصر فحدث لعلي بن حمود طمع في ملك الأندلس لما رأى من الاختلاف # فكتب إلى خيران يذكر له أن المؤيد كان كتب له بولاية العهد والأخذ بثأره إن هو قتل فدعا لعلي بن حمود بولاية العهد وكان خيران يكاتب الناس ويامرهم بالخروج على سليمان فوافقه جماعة منهم عامر بن فتوح وزير المؤيد وهو بمالقة وكاتبوا علي بن حمود وهو بسبتة ليعبر إليهم ليقوموا معه ويسيروا إلى قرطبة فعبر إلى مالقة في سنة خمس وأربعمائة فخرج عنها عامر بن فتوح وسلمها ودعا بولاية العهد # وسار خيران ومن أجابه إليه فاجتمعوا بالمنكب وهي ما بين المرية ومالقة سنة ست وأربعمائة وقرروا ما يفعلونه وعادوا يتجهزون لقصد قرطبة # فتجهزوا وجمعوا من وافقهم وساروا إلى قرطبة وبايعوا عليا على طاعة المؤيد فلما بلغوا غرناطة أميرها وسا رمعهم إلى قرطبة فخرج سليمان والبربر إليهم فالتقوا واقتتلوا على عشرة فراسخ ونشب القتال بينهم فانهزم سليمان
99
والبربر وقتل منهم خلق كثير # وأخذ سليمان أسيرا فحمل إلى علي بم حمود ومعه أخوه وابوه الحاكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر ودخل علي بن حمود قرطبة في المحرم سنة سبع # ودخل خيران وغيره إلى القصر طمعا في أن يجدوا المؤيد حيا فلم يدوه ورأوا شخصا مدفونا فنشبوه وجمعوا له الناس وأحضروا بعض فتيانه الذين رباهم وعرضوه عليه ففتشه وفتش أسنانه لأنه كان له سن سوداء وكان يعرفها ذلك الفتى فاجمع هو وغيره على أنه المؤيد خوفا على أنفسهم من علي فأخبروا خيران أنه المؤيد # وكان ذلك الفتى يعلم أن المؤيد حي فأخذ علي بن حمود سليمان وقتله سابع المحرم سنة سبع وقتل أبه واخاه # ولما حضر ابوه بين يدي علي بن حمود قال له يا شيخ قتلتم المؤيد فقال والله ما قتلناه وإنه لحي # فحيننئذ أسرع في قتله # وكان شيخا صالحا منقبضا لم يتدنس بشيء من أحوال ابنه # واستولى علي بن حمود علي قرطبة ودعا الناس إلى بيعته فبويع واجتمع له الملك # ولقب المتوكل على الله # ثم إن خيران أظهر الخلاف عليه لأشياء منها أنه كان طامعا أن يجد المؤيد فلم يجده # ومنها أنه نقل إليه أن عليا يريد قتله # فخرج عن قرطبة واظهر الخلاف عليه $ ذكر ظهور عبد الرحمن الأموي $ # لما خالف خيران عليا أرسل يسأل عن بني أمية فدل على عبد الرحمن بن محمد بن عبد الملك بن عب الرحمن الناصر الأموي وكان قد خرج من قرطبة مستخفيا ونزل بجيان وكان أصلح من بقي من بني أمية # فبايعه خيران وغيره ولقبوه مرتضى وراسل خيران منذر بن يحيى التجيبي أمير سرقسطة والثغر الأعلى وراسل أهل شاطبة وبلنسية وطرطوشة والبونت فأجابوا كلهم إلى بيعته والخلاف على علي بن حمود # فاتفق عليه أكثر الأندلس واجتمعوا بموضع يعرف بالرياحين بالأضحى سنة ثمان وأربعمائة ومعهم الفقهاء والشيوخ # وجعلوا
100
الخلافة شورى وأصفقوا على بيعه # وساروا معه إلى صنهاجة والنزول على غرناطة # وأقبل المرتضى على أهل بلنسية وشاطبة وأظهر الجفاء لمنذر بن يحيى التجيبي ولخيران ولم يقبل عليهما # فندما على ما كان منهما وسار حتى وصل إلى غرناطة فوصل إليها ونزل عليها وقاتلوا أياما قتالا شديدا فغلبهم أهل غرناطة وأميرهم زاوي بن زيري الصنهاجي # وانهزم المرتضى وعسكره واتنعهم صنهاجة يقتلون ويأسرون وقتل المرتضى في هذه الهزيمة وعمره أربعون سنة وهو أصغر من أخيه هشام وسار أخوه هشام إلى البونت وأقام بها إلى أن خوطب بالخلافة ولم يزل علي بن حمود بعد هذه الهزيمة يقصد بلاد خيران والعامريين مرة بعد أخرى $ ذكر قتل علي بن حمود العلوي $ # فلما كان في ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة تجهز علي بن حمود للمسير إلى جيان لقتال من بها من عسكر خيران # فلما كان الثامن والعشرون منه برزت العساكر إلأى ظاهر قرطبة بالبنود والطبول ووقفوا ينتظرون خروجه فدخل الحمام ومعه غلمانه فقتلوه # فلما طال على الناس انتظاره بحثوا عن أمره فدخلوا عليه فرأوه مقتولا # فعاد العسكر إلى البلد # وكان لقبه المتوكل على الله # وقيل الناصر لدين الله وكان اسمر أعين أكحل خفيف الجسم طويل القامة حازما عازما عادلا حسن السيرة وكان قد عزم على إعادة أموال أهل قرطبة إليهم التي أخذها البربر فلم تطل أيامه وكان يحب المدح ويجزل العطاء عليه # ثم ولي بعده أخوه القاسم وهو أكبر من علي بعدة أعوام وكان عمر علي ثمانيا وأربعين سنة بنوه يحيى وإدريس وأمه قرشية وكنيته أبو الحسن وكانت ولايته سنة وتسعة أشهر $ ذكر ولاية القاسم بن حمود العلوي بقرطبة $ # قد ذكرنا قتل أخيه علي بن حمود سنة سبع وأربعمائة # فلما قتل بايع الناس أخاه القاسم ولقب المأمون # فلما ولي واستقر ملكه كاتب العامريين واستمالهم # وأقطع زهيرا جيان وقلعة رباح وبياسة # وكاتب خيران واستعطفه فلجأ إليه
101
واجتمع به ثم عاد عنه إلى المرية # وبقي القاسم مالكا لقرطبة وغيرها إلى سنة اثنتي عشرة وأربعمائة # وكان وادعا لينا يحب العافية فأمن الناس معه وكان يتشيع إلا أنه لم يظهر شيئا من ذلك # فسار عن قرطبة إلى أشبيلية فخاله يحيى ابن اخيه فيها $ ذكر دولة يحيى بن علي بن حمود وما كان منه ومن عمه $ # لما سار القاسم بن حمود عن قرطبة إلى اشبيلية سار ابن أخيه يحيى بن علي من مالقة إلى قرطبة فدخلها بغير مانع فلما تمكن بقرطبة دعا الناس إلى بيعته فأجابوه فكانت البيعة مستهل جمادى الأولى من سنة إثنتي عشرة وأربعمائة ولقب بالمعتلى وبقي بقرطبة يدعى له بالخلافة وعمه القاسم بإشبيلية يدعى له بالخلافة إلأى ذي القعدة سنة ثلاث عشرة وأربعمائة # فسار يحيى عن قرطبة إلى مالقة ووصل الخبر إلى عمه فركب وجد في السير ليلا ونهارا إلى أن وصل إلى قرطبة # فدخلها ثامن عشر ذي القعدة سنة ثلاث عشرة # وكان مدة مقامه بإشبيلية قد استمال العساكر من البربر وقوي بهم وبقي القاسم بقرطبة شهورا ثم اضطراب أمره بها وسار ابن اخيه يحيى بن علي إلى الجزيرة الخضراء وغلب عليها وبها أهل عمه وماله # وغلب أخوه إدريس بن علي صاحب سبتة على طنجة وهي كانت عدة القاسم التي يلجأ إليها إن رأى ما يخاف بالأندلس فلما ملك ابنا أخيه بلاده طمع فيه الناس وتسلط البربر على قرطبة فأخذوا أموالهم # فاجتمع أهلها وبرزوا إلى قتاله عاشر جمادى الأولى سنة أربع عشرة فاقتتلوا قتالا شديدا # ثم سكنت الحرب وأمن بعضهم بعضا إلى منتصف جمادى الأولى من السنة والقاسم بالقصر يظهر التودد لأهل قرطبة وأنه معهم وباطنه مع البربر فلما كان يوم الجمعة منتصف جمادى الآخرة صلى الناس الجمعة فلما فرغوا تنادوا السلاح السلاح فاجتمعوا ولبسوا السلاح وحفظوا البلد ودخلوا قصر الإمارة # فخرج عنها القاسم واجتمع معه البربر وقاتلوا أهل البلد وضيقوا عليهم وكانوا أكثر من أهله # فبقوا كذلك نيفا وخمسين يوما والقتال متصل فخاف أهل قرطبة وسألوا البربر في أن يفتحوا لهم الطريق ويؤمنهوهم على أنفسهم وأهليهم فأبوا إلا أن يقتلوهم فصبروا حينئذ على القتال وخرجوا من البلد ثاني عشر شعبان وقاتلوهم قتال مستتقل فنصرهم الله على البربر ومن بغي عليه لينصرنه الله # وانهزم البربر هزيمة عظيمة
102
ولحق كل طائفة منهم ببلد فاستولوا عليه # وأما القاسم بن حمود فإنه سار إلى إشبيلية وكتب إلى أهلها في إخلاء الف دار ليسكنها البربر فعظم عليهم # وكان بها ابناه محمد والحسن # فثار بهما أهلها فأخرجوهما عنهم ومن معهما وضبطوا البلد وقدموا على أنفسهم ثلاثة من شيوخهم وكبرائهم وهم القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي ومحمد بن يريم الألهاني ومحمد بن الحسن الزبيدي # وكانوا يدبرون أمر البلد والناس # ثم اجتمع ابن يريم والزبيدي وسألوا ابن عباد أن ينفرد بيدبير أمورهم فاتنع وألحوا عليه فلما خاف على البلد بامتناعه أجابهم إلى ذلك وانفرد بالتدبير وحفظ البلد # فلما رأى القاسم ذلك سار في تلك البلاد ثم إنه نزل بشريش فزحف إليه يحيى ابن أخيه ومعه جمع من البربر فحصروه ثم أخذوه أسيرا في حبسه فبقي بل مات حتف أنفه وحمل إلى ابنه محمد وهو بالجزيرة الخضراء فدفنه وكانت مدة ولاية القاسم بقرطبة مذ تسمى بالخلافة إلى أن أسره ابن أخيه ستة أعوام سنة # وله من الولد محمد والحسن أمهما أميره بنت الحسن بن القاسم المعروف بقتون بن إبراهيم بن محمد بن القاسم بن إدريس بن إدريس بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام # وكان أسمر أعين أكحل مصفر اللون طويلا خفيف العارضين $ ذكر عود بني أمية إلى قرطبة وولاية المستظهر $ # لما انهزم البربر والقاسم بن علي من أهل قرطبة على ما ذكرناه اتفق رأي أهل قرطبة على رد بني أمية فاختاورا عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر الأموي فبايعوه بالخلافة ثالث عشر رمضان من سنة أربع عشرة وأربعمائة وعمره حينئذ اثنتان وعشرون سنة وتلقب بالمستظهر بالله فكانت ولايته شهرا واحدا وسبعة عشر يوما وقتل وكان سبب قتله أنه أخذ جماعة من أعيان قرطبة واحدا وسبعة عشر يوما وقتل # وكان سبب قتله أنه أخذ جماعة من أعيان قرطبة فسجنهم لميلهم إلى سليمان بن المرتضى عبد الرحمن بن محمد بن
103
عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر وأخذ أموالهم # فسعوا عليه من السجن وألبوا الناس فأجابهم صاحب الشرطة وغيره واجتمعوا وقصدوا السجن فأخرجوا من فيه # وكان ممن وافقهم على ذلك أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن الأموي في جماعة كثيرة فظفروا بالمستظهر فقتلوه في ذي القعدة ولم يعقب # وكنيته أبو المطرف وأمه أم ولد # وكان أبيض أشقر أعين شثن الكفين رحب الصدر وكان أديبا خطيبا بليغا رقيق الطبع له شعر جيد وكان وزيره أبا محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم وكان سليمان بن المرتضى قد مات قبل قتله بعشرة أيام $ ذكر ولاية محمد بن عبد الرحمن $ # لما قتل المستظهر بايع الناس بقرطبة محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر وكنيته أبو عبد الرحمن الأموي في ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة وخطبوا له الخلافة ولقبوه المستكفي بالله # وكان همه لا يعدو فرجه وبطنه وليس له هم ولا فكر في سواهما # وبقي بها سته عشر شهرا وأياما وثار عليه أهل قرطبة في ربيع الأول سنة ست عشرة وأربعمائة فخلعوه وخرج عن قرطبة ومعه جماعة من أصحابه حتى صار إلى أعمال مدينة سالم فضجر منه بعض أصحابه فشوى له دجاجة وعمل فيها شيئا من البيش فأكلها فمات في ربيع الآخر من هذه السنة # وكان في غاية التخلف وله أخبار يقبح ذكرها وكان ربعه أشقر أزرق مدور الوجه ضخم الجسم وكان عمره نحو خمسين سنة # ولما توفي أعاد أهل قرطبة دعوة المعتلي بالله يحيى بن علي بن حمود العلوي بها $ ذكر عود يحيى العلوي إلى قرطبة وقتله $ # ولما مات أبو عبد الرحمن الأموي وصح عند أهل قرطبة خبر موته سعى معهم بعض أهلها ليحيى بن علي بن حمود العولي ليعيدوه إلى الخلافة وكان بمالقة يخطب لنفسه بالخلافة فكتبوا إليه وخاطبوه بالخلافة وخطبوا له في رمضان سنة ست عشرة وأربعمائة # فأجابهم إلى ذلك وأرسل إليهم عبد الرحمن بن عطاف اليفرني واليا عليهم ولم يحضر هو باختياره # فبقي عبد الرحمن فيها إلى محرم سنة سبع عشرة # فسار إليه مجاهد وخيران العامريان في ربيع الأول منها في جيش كثير # فلما
104
قاربوا قرطبة ثار أهلها بعبد الرحمن فأخرجوه وقتلوا من أصحابه جماعة كثيرة ونجا الباقون وأقام خيران ومجاهد نحو شهر ثم اختلفا فخاف كل واحد منهما صاحبه # فعاد خيران عن قرطبة لسبع بقين من ربيع الآخرة من السنة إلى المرية بقي بها إلى سنة ثمان عشرة وتوفي وقيل سنة تسع عشرة وصارت المرية بعده لصاحبه زهير العامري فخالف حبوس بن ماكسن الصنهاجي البربري وأخوه على طاعة يحيى بن علي العلوي # وبقي مجاهد مدة ثم سار إلى دانية وقطعت خطبة يحيى منها وأعيدت خطبة الأمويين على ما نذكره فيما بعد ان شاء الله # وبقي يتردد عليها بالعساكر واتفق البربر على طاعته وسلموا إليه ما بأيديهم من الحصون والمدن فقوي وعظم شأنه # وبقي كذلك مدة ثم سار إلى قرمونة فأقام بها محاصرا لإشبيلية طامعا في أخذها # فأتاه الخبر يوما أن خيلا لأهل اشبيلية قد أخرجها القاضي أبو القاسم بن عباد إلى نواحي قرمونة فركب إليهم ولقيهم وقد كمنوا له # فلم يكن بأسرع من أن قتل وذلك في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة # وخلف من الولد الحسن وإدريس لأمي ولد وكان أسمر أعين أكحل طويل الظهر قصير الساقين وقورا هينا لينا وكان عمره اثنتين وأربعين سنة وأمه بربرية $ ذكر أخبار أولاد يحيى وأولاد أخيه وغيرهم وقتل ابن عمار $ # نذكر ههنا ما كان من أخبار أولاده وأولاد أخيه وغيرهم من العلويين متتابعا لئلا ينقطع الكلام وليأخذ بعضه ببعض # لما قتل يحيى بن علي رجع أبو جعفر أحمد بن أبي موسى المعروف بابن بقية ونجا الخادم الصقلبي وهما مدبرا دولة العلويين فأتيا مالقة وهي دار مملكتهم فخاطبا أخاه إدريس بن علي # وكان له سبتة وطنجة وطلباه فأتى إلى مالقة وبايعاه بالخلافة على أن يجعل حسن بن يحيى المقتول مكانه بسبتة # فأجابهما إلى ذلك فبايعاه # وسار حسن بن يحيى ونجا إلى سبتة وطنجة وتلقب إدريس بالمتأيد بالله فبقي كذلك إلى سنة ثلاثين أو إحدى وثلاثين وأربعمائة # فسير تالقاضي أبو القاسم بن عباد ولده إسماعيل في عسكر ليتغلب على تلك البلاد فأخذ قرمونة وأخذ أيضا أشبونة واستجة # فارسل صاحبها إلى إديس وغلى باديس بن حبوس صاحب صنهاجة فأتاه صاحب صنهاجة بنفسه وأمده إدريس بعسكر يقوده ابن بقية مدبر دولته فلم يجسروا على إسماعيل بن عباد فعادوا عنه
105
# فسار إسماعيل مجدا ليأخذ على صنهاجة الطريق فأدركهم وقد فارقهم عسكر إدريس قبل ذلك بساعة # فأرسلت صنهاجة من ردهم فعادوا وقاتلوا إسماعيل بن عباد فلم يلبث أصحابه أن انهزموا وأسلموه فقتل وحمل رأسه إلى إدريس # وكان إدريس قد أيقن بالهلاك وانتقل عن مالقة إلى جبل يحتمي به وهو مريض فلما أتاه الرأس عاش بعده يومين ومات وترك من الولد يحيى ومحمدا وحسنا وكان يحيى بن علي المقتول قد حبس ابني عمه محمدا والحسن ابني القاسم بن حمود بالجزيرة # فلما مات إدريس أخرجهما الموكل بهما ودعا الناس إليهما فبايعهما السودان خاصة قبل الناس لميل أبيهما إليهم # فملك محمد الجزيرة ولم يتسم بالخلافة # وأما الحسن بن القاسم فإنه تنسك وترك الدنيا وحج وكان ابن بقية قد أقام يحيى بن إدريس بعد موت والده بمالقة فسار إليها نجا الصقلبي من سبتة هو والحسن بن يحيى فهرب ابن بقية ودخلها الحسن ونجا # فاستمالا ابن بقية حتة حضر فقتله الحسن وقتل ابن عمه يحيى بن إدريس وبايعه الناس بالخلافة ولقب بالمستنصر بالله # ورجع نجا إلى سبتة وترك مع الحسن المستنصر نائبا له يعرف بالشطليفي # فبقي حسن كذلك نحوا من سنتين ثم مات سنة أربع وثلاثين وأربعمائة فقيل إن زوجته ابنة عمه ادريس سمته أسفا على أخيها يحيى فلما مات المستنصر اعتقل الشطيفي إدريس بن يحيى # وسار نجا من سبتة إلى مالقة وعزم على محو أمر العلويين وأن يضبط البلاد لنفسه # وأظهر البربر على ذلك فعظم عندهم فقتلوه وقتلوا الشلطيفي وأخرجوا إدريس ين يحيى وبايعوه بالخلافة وتسمى بالعالي # وكان كثير الصدقة يتصدق كل جمعة بخمسمائة دينار ورد كل مطرود عن وطنه وأعاد عليهم أملاكهم وكان متأدبا حسن اللقاء له شعر جيد إلا أنه كان يصحب الأرذال ولا يحجب نساءه عنهم وكل من طلب منهم حصنا من بلاده أعطاه فأخذ منه صنهاجة عدة حصون وطلبوا وزيره ومدبر أمره صاحب أبيه موسى بن عفان ليقتلوه فسلمه إليهم فقتلوه # وكان قد اعتقل ابني عمه محمدا والحسن ابني إدريس بن علي في حصن أيرش # فلما رأى ثقته بأيرش اضطراب آرائه خالف عليه وبايع ابن عمه محمد بن
106
ادريس بن علي # وثار بادريس بن يحيى من عنده من السودان وطلبوا محمدا فجاء إليهم فسلم إليه إدريس الأمر وبايع له سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة # فاعتقله محمد وتلقب بالمهدي وولى أخاه الحسن عهده ولقبه السامي # وظهرت من المهدي شجاعة وجراءة فهابه البربر وخافوه # فراسلوا الموكل بادريس ين يحيى فأجابهم إلى إخراجه وأخرجه له وبايع وخطب له بسيتة وطنجة بالخلافة وبقي إلى أن توفي سنة ست وأربعين # ثم إن المهدي رأى من أخيه السامي ما انكره فنفاه عنه فسار إلى العدوة إلى جبال غمارة وأهلها ينقادون للعلويين ويعظمونهم فبايعوه # ثم إن جاء البربر خاطبوا محمد بن القاسم بالجزيره واجتمعوا إليه وبايعوه بالخلافة وتسمى بالمهدي أيضا # فصار الأمر في غاية الأخلوقة والفضيحة أربعة كلهم يسمى أمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخا # فرجعت البربر عنه وعاد إلى الجزيرة ابنه القاسم ولم يتسم بالخلافة # وبقي محمد بن إدريس بمالقة إلى أن كات سنة خمس وأربعين # وكان إدريس بن يحيى المعروف بالعالي عند بني يفرن بتاكرنا # فلما توفي محمد بن إدريس بن علي قصد إدريس بن يحيى مالقة فملكها # ثم انتقلت إلى صنهاجة $ ذكر ولاية هشام الأموي قرطبة $ # لما قطعت دعوة يحيى بن علي العلوي عن قرطبة سنة سبع عشرة وأربعمائة على ما ذكرناه قبل أجمع أهلها على خلع العلويين لميلهم إلى البربر وإعادة الخلافة بالأندلس إلى بني أمية # وكان رأسهم في ذلك أبا الحزم جهور بن محمد بن جهور # فراسلوا أهل الثغور والمتغلبين هناك في هذا فاتفقوا معهم # قبايعوا أبا بكر هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الرحمن الناصر الأموي وكان مقيما بالبنت مذقتل أخوه المرتضى فبايعوه في ربيع الأول سنة ثمان عشرة # وتلقب بالمعتد بالله # وكان أسن من المرتضى ونهض إلى الثغور فتردد فيها وجرى له هناك فتن واضطراب شديد من الرؤساء إلى أن اتفق أمرهم على أن يسير إلى قرطبة دار الملك فسار إليها ودخلها ثامن ذي الحجة سنة عشرين وبقي بها حتى خلع ثاني ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين # وكان سبب خلعه أن وزيره أبا عاصم سعيدا القزاز لم يكن له قديم
107
رياسة وكان يخالف الوزراء المتقدمين ويتسبب إلى أخذ أموال التجار وغيرهم # وكان يصل البربر ويحسن إليهم ويقربهم # فنفر عنه أهل قرطبة فوضعوا عليه من قتله # فلما قتلوه استوحشوا من هشام فخلعوه بسببه # فلما خلع هشام قام أمية بن عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر وتسور القصر مع جماعة من الأحداث ودعا إلى نفسه فبايعه من سواد الناس كثير فقال له بعض أهل قرطبة ( ( نخشى عليك أن تقتل في هذه الفتنة # فإن السعادة قد ولت عنكم ) ) # فقال ( ( بايعوني اليوم واقتلوني إذا ) ) فانفذ أهل قرطبة وأعيانهم إليه وإلى المعتد بالله يأمرونهما بالخروج عن قرطبة فودع المعتمد أهله وخرج إلى حصن محمد بن الشور بجبل قرطبة فبقي معه إلى أن غدر أهل الحصن بمحمد بن الشور فقتلوه وأخرجوا المعتمد إلى حصن آخر وبقي عنده إلى أن مات في صفر سنة ثمان وعشرين ودفن بناحية لاردة وهو آخر ملوك بني أمية بالأندلس # وأما أمية فإنه اختفى بقرطبة فنادى أهل قرطبة بالأسواق والأرباط أن لا يبقى أحد من بني أمية بها ولا يتركهم عنده أحد # فخرج أمية فيمن خرج وانقطع خبره مدة # ثم أراد العود إليها فعاد طمعا في ان يسكنها # فأرسل إليه شيوخ قرطبة من منعه عنها وقيل قتل وغيب وذلك في جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين # ثم انحل عقد الجماعة وانتشر وافترقت البلاد على ما نذكره $ ذكر تفرق ممالك الأندلس $ # ثم إن الأندلس اقتسمه أصحاب الأطراف والرؤساء فتغلب كل إنسان على شيء منه فصاروا مثل ملوك الطوائف وكان ذلك أضر شيء على المسلمين # فطمع بسببه العدو الكافر خذله الله فيهم ولم يكن لهم اجتماع إلى أن ملكه أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين على ما نذكره إن شاء الله # فأما قرطبة فاستولى عليها أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور المقدم ذكره # وكان من وزراء الدولة العامرية قديم الرياسة موصوفا بالدهاء والعقل ولم يدخل في شيء من الفتن قبل هذا بل كان يتصاون عنها # فلما خلاله الجو وأمكنته الفرصة
108
وثب عليها فتولى أمرها وقام بحمايتها ولم يتنقل إلى رتبة الإمارة ظاهرا بل دبرها تدبيرا لم يسبق إليه # وأظهر أنه حام للبلد إلى أن يجيء من يستحقه ويتفق عليه الناس فيسلمه إليه # ورتب البوابين والشم على أبواب قصور الإمارة ولم يتحول هو عن داره إليها وجعل ما يرتفع من الأموال السلطانية بأيدي رجال رتبهم لذلك وهو المشرف عليهم وصير أهل الأسواق جندا وجعل ارزاقهم ربح أموال تكون بأيديهم دينا عليهم فيكون الربح لهم ورأس المال باقيا عليهم # وكان يتعهدهم في الأوقات المتفرقة لينظر كيف حفظهم لها وفرق السلاح عليهم فكان أحدهم لا يفارقه سلاحه حتى يعجل حضوره إن احتاج إليه # وكان جهور بشهد الجنائز ويعود المرضى ويحضر الأفراح على طريقة الصالحين وهو مع ذلك يدبر الأمر تدبير الملوك وكان مأمون الجانب وأمن الناس في أيامه وبقي كذلك إلى أن مات في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة # وقام بأمرها بعده ابنه أبو الوليد محمد بن جهور على هذا التدبير إلى أن مات # فغلب عليها الأمير الملقب بالمأمون صاحب طليطلة فدبرها إلى أن مات بها # وأما اشبيلية فاستولى عليها القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي وهو من ولد النعمان بن المنذر وقد ذكرنا سبب ذلك في دولة يحيى بن علي بن حمود قبل هذا وفي هذا الوقت ظهر أمر المؤيد هشام بن الحاكم وكان قد اختفى وانقطع خبره # وكان ظهور بمالقة ثم سار منها الى المرية فخافه صاحبها زهير العامري فأخرجه منها # فقصد قلعة رباح فأطاعه أهلها فسار إليهم صاحبه إسماعيل بن ذي النون وحاربهم فضعفوا عن مقاومته فأخرجوه # فاستدعاه القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد إليه بإشبيلية وأذاع أمره وقام بنصره وكان رؤساء الأندلس في طاعته فأجابه إلى ذلك صاحب بلنسية نواحيها وصاحب قرطبة وصاحب دانية والجزائر وصاحب طرطوشة وأقروا بخلافته وخطبوا له وجددت بيعته بقرطبة في المحرم سنة تسع وعشرين وأر بعمائة # ثم إن ابن عباد سير جيشا إلى زهير العامري لأنه لم يخطب للمؤيد # فاستنحد زهير حبوس بن ماكسن الصنهاجي صاحب غرناطة فسار إليه بجيشه فعادت عساكر ابن عباد ولم يكن بين العسكرين قتال # وأقام زهير بياسة وعاد حبوس إلى مالقة
109
فمات في رمضان من هذه السنة وولي بعده ابنه باديس # واجتمع هو وزهير ليتفقا كما كان زهير وحبوس تستقر بينهما قاعدة واقتتلا # فقتل زهير وجمع كثير من أصحابه أواخر سنة تسع وعشرين # ثم في سنة إحدى وثلاثين التقى عسكر ابن عباد وعليهم ابنه إسماعيل مع باديس بن حبوس وعسكر إدريس العلوي على ما ذكرناه عند أخبار العلويين فيما تقدم # إلا أنهم اقتتلوا قتالا شديدا فقتل إسماعيل # ثم مات بعده أبو القاضي ابو القاسم سنة ثلاث وثلاثين وولي بعده ابنه أبو عمرو عباد بن محمد ولقب بالمعتضد بالله # فضبط ما ولي وأظهر قضاة المؤيد # هذا قول ابن أبي الفيض في المؤيد وقال غيره إن المؤيد لم يظهر خبره منذ عدم من قرطبة عند دخول علي بن حمود إليها وقتله سليمان وإنما كان هذا من تمويهات ابن عباد وحيله ومكره # وأعجب من اختفاء حال المؤيد ثم تصديق الناس ابن عباد فيما أخبر به من حياته أن إنسانا حضريا ظهر بعد موت اىلمريد بعشرين سنة و ادعى أنه ابن المؤيد فبويع بالخلافة وخطب له على منابر جميع بلاد الأندلس في أوقات متفرقة وسفكت الدماء بسببه و اجتمعت العساكر في أمره # ولماأظهر ابن عباد موت هشام المؤيد واستقل بأمر إشبيلة وما انضاف إليها بقي كذلك إلى ان مات من ذبحة لحقته لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة أحدى وستين وأربعمائة # وولي بعده ابنه أبوالقاسم محمد بن عباد بن القاضي أبي القاسم ولقب بالمعتمد على الله # فاتسع ملكه وشمخ سلطانه وملك كثيرا من الأندلس وملك قرطبةأيضا وولي عليها ابنه الظافر بالله # فبلغ خبر ملكه لها إلى يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة فحسده عليها فضمن له جرير بن عكاشة أن يجعل ملكها لها # وسار إلى قرطبة وأقام بها يسعى في ذلك وهو ينتهز الفرصة # فاتفق أن في بعض الليالي جاء مطر عظيم ومعه ريح شديدة ورعد وبرق فثار جرير فيمن معه ووصل إلى قصر الإمارة فلم يجد من يمانعه # فدخل صاحب الباب إلى الظافر وأعلمه فخرج بمن معه من العبيد و الحرس وكان صغير السن وحمل عليهم ودفعهم عن الباب # ثم إنه عثر في بعض كراته فسقط فوثب بعض من يقاتله وقتله # ولم يبلغ الخبر إلى الأجناد وأهل البلد وإلا والقصر قد ملك وتلاحق بجرير أصحابه وأشياعه وترك الظافر ملقى على الأرض عريانا # فمر علبه بعض أهل قرطبة فأبصره على تلك الحال فنزع رداءه وألقاه عليه # وكانأبوه إذا ذكره
110
# ( ولم أدر من ألقى عليه رداؤه % على أنه قد سل عن ماجد محض ) # ولم يزل المعتمد يسعى في أخذها حتى عاد ملكها # وترك ولده المأمون فيها فأقام بها حتى أخذها جيش أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وقتل فيها بعد حروب كثيرة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى سنة أربع وثمانين # وأخذت إشبيلة من أبيه ا لمعتمد في السنة المذكورة # وبقي محبوسا في أغمات إلى أن مات بها رحمه الله وكان هو وأولاده جميعهم الرشيد والمأمون والراضي والمعتمد وأبوه وجده علماء فضلاء شعراء # واما بطليوس فقام بها سابور الفتى العامري وتلقب بالمنصور ثم انتقلت بعده إلى أبي بكر محمد بن عبد الله بن سلمة المعروف بابن الأفطس أصله من بربر مكانسة لكنه ولد أبوه بالأندلس ونشؤوا بها وتخلوا بخلق أهلها وانتسبوا إلى تجيب وشاكلهم الملك # فلما توفي صارت بعده إلى ابنه أبي محمد عمر بن محمد واتسع ملكه إلى أقصى المغرب وقتل صبرا مع ولدين له عند تغلب أمير المسلمين على الأندلس # وأما طليطلة فقام بأمرها ابن يعيش فلم تطل مدته وصارت رياسته إلى إسماعيل بن عبد الرحمن بن عامر بن مطرف بن ذي النون ولقبه الظافر بحول الله # وأصله من البربر وولد بالأندلس وتأدب بآداب أهلها # وكان مولد إسماعيل سنة تسعين وثلاثمائة وتوفي سنة خممس و ثلاثين وأربعمائة وكان عالما بالأدب وله شعر جيد وصنف كتابا في الآداب والأخبار # وولي بعده ابنه يحيى فاشتغل بالخلاعة والمجون وأكثر مهاداة الآفرنج ومصانعتهم ليتلذذ باللعب # وامتدت يده إلى أموال الرعية # ولم تزل الفرنج تاخذ حصونه شيئا بعد شيء حتى أخذت طيلطلة في سنة سبع وسبعين وأربعمائة وصار هو ببلنسية واقام بها إلى أن قتله القاضي ابن حجاف الأحنف وفيه يقول الرئيس أبو عبد الرحمن محمد بن طاهر # ( أيها الأحنف مهلا % فلقد جئت عويصا ) # ( إذ قتلت الملك يحيى % وتقمصت القميصا ) # ( رب يوم فيه تجزى % لا تجد فيه محيصا ) # وأما سرقسطة ولاثغر الأعلى فكان بيد منذر بن يحيى التجيبي ثم توفي فولي بعده ابنه يحيى ثم صارت بعده لسليمان بن أحمد بن محمد بن هود الجذامي وكان
111
يلقب بالمستعين بالله # وكان من قواد منذر على مدينة لاردة وله وقعة مشهورة بالفرنج بطليطلة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة # ثم توفي وولي بعده بانه المقتدر بالله وولي بعده بانه يوسف بن أحمد المؤتمن ثم ولي بعده ابنه أحمد المستعين بالله على لقب جده ثن ولي بعده ابنه عبد الملك عماد الدولة # ثم ولي بعده ابنه المستنصر بالله وعليه انقرضت دولتهم على رأس الخمسمائة # فصارت بلادهم جميعها لابن تاشفين # ورأيت بعض أولادهم بدمشق سنة تسعين وخمسمائة وهو فقير جدا وهو قيم الربوة فسبحان من لا يزول ولا تغيره الدهور # وأما طرطوشة فوليها لبيب الفتى العامري # وأما بلنسية فكان بها المنصور أبو الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن محمد بن المنصور بن أبي عامر المعافري ثم انضاف إليه المرية وما كان إليها وبعده ابنه محمد ودام فيها إلى أن غدر به صهره المأمون بن إسماعيل بن ذي النون وأخذ منه رياسية بلنسية في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة فانتزح إلى المرية وأقام بها إلى أن خلع على ما نذكره إن شاء الله تعالى # وأما السهلة فملكها عبود بن رزين وأصله بربري ومولده بالأندلس # فلما هلك ولي بعده ابنه عبد الملك وكان أديبا شاعرا # ثم ولي بعده ابنه عز الدولة ومنه ملكها الملثمون # وأما دانيةوالجزائر فكانت بيد المرفق أبي الحسن مجاهد العامري # وسار إليه من قرطبة الفقيه أبو محمد عبد الله المعيطي ومعه خلق كثير # فأقامه مجاهد شبه خليفة يصدر عن رأيه وبايعه في جمادى الآخرة سنة خمس وأربعمائة # فاقام المعيطي بدانية مع مجاهد ومن انضم إليه نحو خمسة أشهر # ثما سار هو ومجاهد في البحر إلى الجزائر التي في البحر وهي ميورقة بالياء # ومنورقة بالنون ويابسة ثم بعث المعيطي بعد ذلك مجاهدا في سردانية في مائة وعشرين مركبا بين كبيروصغير ومعه ألف فرس ففتحه في ربيع الأول سنة ست و أربعين وأربعمائة # وقتل بها خلقا كثيرا من النصارى وسبى مثلهم # فسار إليه الفرنجو الروم من البر في آخر هذه السنة فأخرجوه منه ورجع إلى الأندلس والمعيطي قد توفي وغاص مجاهد في تلك الفتن إلى أن توفي # وولي بعده ابنه علي بن مجاهد # وكان جميعا من أهل العلم والمحبة لأهله والإحسان إليهم وجلباهم من أقاصي البلاد وأدانيها # ثم مات ابنه علي فولي بعده ابنه أبو عامر ولم يكن مثل أبيه وجده # ثم إن دانية وسائر بلاد بني مجاهد صارتإلى
112
المقتدر باللهى أحمد بن سليمان بن هود في شهر رمضان سنة ثمان وبعين وأربعمائة # وأما مرسية فرليها بنو طاهر واستقامت رياستها لأبي عبد الرحمن منهم المدعو بالرئيس ودامت رياسته إلى أن أخذها منه المعتمد بن عباد على يد وزيره أبي بكر بن عمار المهري # فلما ملكها عصى على المعتمد فيها فوجه إليه عسكرا مقدمهم أبو محمد عبد الرحمن بن رشيق القشيري # فحصروه وضيقوا عليه حتى هرب منها # فلما دخلها القشيري عصى فيها أيضا على المعتمد إلى أن دخل في طاعة الملثمين وبقي أبو عبد الرحمن بن طاهر بمدينة بلنسية إلى أن مات سنة وخمسمائة ودفن بمرسية وقد نيف على تسعين سنة # وأما المرية فملكها خيران العامري وتوفي كما ذكرناه بعده ووليها العامري واتسع ملكه إلى شاطبة إلى ما يجاور عمل طليطلة ودام إلى أن قتل كما تقدم # وصارت مملكته إلى الكنصور أبي الحسن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن المنصور بن أبي عامر فولي بعده ابنه محمد فلما توفي عبد العزيز ببلنسية وأقام ابنه محمد بالمرية وهو يدبر بلنسية فانتهز الفرصة فيها المأمون يحيى بن ذي النون وأخذها منه وبقي بالمرية إلى أن أخذها منه صهره ذو الوزارتيت أبو الأحوص المعتصم معن بن صمادح التجيبي # ودانت له لورقة وبياسة وجيان وغيرها إلى أن توفي سنة ثلاث وأربعين # وولي بعده ابنه أبو يحيى محمد بن معن وهو ابن أربع عشرة سنة فكفله عمه أبو عتبة بن محمد إلى أن توفي سنة ست وأربعين # فبقي أبو يحيى مستضعفا لصغره وأخذت بلاده البعيدة عنه ولم يبق له غير المرية وما يجاورها # فلما كبر أخذ نفسه بالعلوم ومكارم الأخلاص فامتد صيته واشتهر ذكره وعظم سلطانه والتحق بأكابر الملوك ودام بها إلى أن نازله جيش الملثمين فمرض في أثناء ذلك # وكان القتال تحت قصره فسمع يوما صياحا وجلبه فقال نغص علينا كل شيء حتى الموت # وتوفي في مرضه ذلك لثمان بقين من ربيع الأول سنة أربع وثمانين وأربعمائة # ودخل أولاده وأهل البحر في مركب إلى بجاية قاعدة مملكة بني حماد من لأفريقية وملك الملثمون المرية وما معها # وأما مالقة فملكها بنو علي بن حمود فلم تزل في مملكة العلويين يخطب لهم فيها إلى أن أخذها منهم إدريس بن حبوس صاحب غرناطة سنة سبع وأربعين وانقضى أمر
113
العلويين بالأندلس # وأما غرناطة فملكها حبوس بن مكاكسن الصنهاجي ثم مات سنة تسع وعشرين وأربعمائة # وولي بعده ابنه باديس # فلما توفي ولي بعده ابن أخيه عبد الله ابن بلكين وبقي إلى أن ملكها منه الملثمون في رجب سنة أربع وثمانين وأربعمائة وانقرضت دول جميعهم وصارت الأندلس جميعها للملثمين وملكهم أمير المسلمين يوسف بن تاشفين # واتصلت مملكته من المغرب الأقصى إلى آخر بلاد المسلمين بالأندلس # نعود إلى سنة سبع وأربعمائة $ ذكر الحرب بين سلطان الدولة وأخيه أبي الفوارس $ # قد ذكرنا أن الملك سلطان الدولة لما ملك بعد أبيه بهاء الدولة ولى أخاه أبا الفوارس بن بهاء الدولة كرمان فلما وليها اجتمع إليه الديلم وحسنوا له محاربة أخيه وأخذ البلاد منه # فتجهز وتوجه إلى شيراز فلم يشعر سلطان الدولة حتى دخل أبو الفوارس إلى شيراز # فجمع عساكره وسار إليه فحاربه فانهزم أبو الفوارس وعاد إلى كرمان # فتبعه إليها فخرج منها هاربا إلى خراسان وقصد يمين الدولة محمود بن سبكين وهو ببست فأكرمه وعظمه وحمل إليه شيئا كثيرا وأجلسه فوق دارا بن فابوس بن وشمكير فقال دارا ( ( نحن أعظم محلا منهم لأن أباه وأعمامه خدموا آبائي ) ) # فقال محمود ( ( لكنهم أخذوا الملك بالسيف أراد بهذا نصرة نفسه حيث أخذ خراسان من السامانية ووعد محمود أن ينصره ) ) # ثم ان أبا الفوارس باع جوهرتين كانتا على جبهة فرسه بعشرة آلاف دينار فاشتراهما محمود وحملهما إليه وقال له من غلطكم تتركون هذا على جبهة الفرس وقيمتها ستون ألف دينار # ثم إن محمودا سير جيشا مع أبي الفوارس إلى كرمان مقدمهم أبو سعد الطائي وهو من أعيان قواده فسار إلى كرمان فملكها وقصد بلاد فارس وقد فارقها سلطان الدولة إلى بغداد فدخل شيراز # فلما سمع سلطان الدولة عاد إلى فارس فالتقوا هناك واقتتلوا فانهزم أبو الفوارس وقتل كثير من أصحابه وعاد بأسوأ الحال وملك سلطان الدولة بلاد فارس # وهرب أبو الفوارس سنة ثمان وأربعمائة إلى كرمان فسير سلطان الدولة الجيوش في أثره فأخذوا كرمان منه # فلحق بشمس الدولة بن فخر الدولة بن بويه صاحب همذان ولم يمكنه العود إلى يمين الدولة لأنه أساء السيرة مع أبي سعد الطائي # ثم فارق شمس الدولة ولحق بمهذب الدولة صاحب البطيحة فأكرمه وأنزله داره وأنفذ إليه أخوه جلال الدولة
114
من البصرة مالا وثيابا وعرض عليه الإنحدار إليه فلم يفعله # وترددت الرسل بينه وبين سلطان الدولة فأعاد إليه كرمان وسيرت إليه الخلع والتقليد بذلك وحملت إليه الأموال فعاد إليها $ ذكر قتل الشيعة بأفريقية $ # في هذه السنة في المحرم قتلت الشيعة بجميع بلاد أفريقية # وكان سبب ذلك أن المعز بن باديس ركب ومشى في القيروان والناس يسلمون عليه ويدعون له # فاجتاز بجماعة فسأل عنهم فقيل هؤلاء رافضة يسبون أبا بكر وعمر فقال رضي الله عنه أبي بكر وعمر # فانصرفت العامة من فورها إلى درب المقلي من القيروان وهي تجتمع به الشيعة فقتلوا منهم وكان ذلك شهوة العسكر وأتباعهم طمعا في النهب وانبصطت أيدي العامة في الشيعة وأغراهم عامل القيروان وحرضهم وسبب ذلك أنه كان قد أصلح أمور البلد فبلغه أن المعز بن باديس يريد عزله فأراد فساده فقتل من الشيعة خلق كثير وأحرقوا بالنار ونهبت ديارهم وقتلوا في جميع أفريقية # واجتمع جماعة منهم إلى قصر المنصور قريب القيروان فتحصنوا به فحصرهم العامة وضيقوا عليهم # فاشتد عليهم الجوه فاقبلوا يخرجون والناس يقتلونهم حتى قتلوا عن آخرهم # ولجأ من كان منهم بالمهدية إلى الجامع فقتلوا كلهم # وكانت الشيعة تسمى بالمغرب المشارقة نسبة إلى أبي عبد الله الشيعي وكان من المشرق # وأكثر الشعراء ذكر هذه الحادثة فمن فرح مسرور ومن باك حزين $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في ربيع الأول احترقت قبه مشهد الحسين والأروقة # وكان سببه أنهم أشعلوا شمعتين كبيرتين فسقطتا في الليل على التازير فاحترق وتعدت النار # وفيه أيضا احترق نهر طابق ودار القطن وكثير من باب البصرة واحترق جامع سر من رأى # وفيها تشعث الركن اليماني من البيت الحرام وسقط حائط بين يدي حجرة النبي ووقعت القبة الكبيرة على الصخرة بالبيت المقدس # وفيها كانت فتنة كبيرة بين أهل
115
السنة والشيعة بواسط فانتصر أهل السنة وهرب وجوه الشيعة والعلويين إلى علي بني مزيد فاستنصروه # وفيها في رجب مات محمد بن أحمد بن القاسم بن إسماعيل بن أبو الحسين الضبي القاضي المعروف بابن المحاملي وكان من أعيان الفقهاء الشافعية وكبار المحدثين مولده سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة ومحمد بن الحسين ين محمد بن الهيثم أبو عمر البسطامي الواعظ الفقيه الشافعي ولي قضاء نيسابور
116
$ ثم دخلت سنة ثمان وأربعمائة $ $ ذكر خروج الترك من الصين وموت ظغان خان $ # في هذه السنة خرج الترك من الصين في عدد كثير يزيدون على ثلاثة مائة ألف خركاه من أجناس الترك منهم الخطابية الذين ملكوا ما وراء النهر وسيرد خبر ملكهم إن شاء الله تعالى # وكان سبب خروجهم أن طغان خان لما ملك تركستان مرض مرضا شديدا وطال به المرض فطمعوا في البلاد لذلك # فساروا إليها وملكوا بعضها وغنموا وسبوا وبقي بينهم وبين بلاساغون ثمانية أيام # فلما بلغه الخبر كان بها مريضا فسأل الله تعالى أن يعافيه لينتقم من الكفرة ويحمي البلاد منهم ثم يفعل به بعد ذلك ما أراد فاستجاب الله له وشفاه # وجمع العساكر وكتب إلى سائر بلاد الإسلام يستنفر الناس فاجتمع إليه من المتطوعة مائة ألف وعشرون ألفا # فلما بلغ الترك خبر عافيته وجمعه العساكر وكثرة من معه عادوا إلى بلادهم # فسار خلفهم نحو ثلاثة أشهر حتى أدركهم وهم آمنون لبعد المسافة # فكبسهم وقتل منهم زيادة على ما أتيت ألف رجل وأسر نحو مائة ألف وغنم من الدواب والخركاهات وغير ذلك من الأواني الذهبية والفضية ومعمول الصين مالا عهد لأحد بمثله # وعاد إلى بلاساغون # فلما بلغها عاوده مرضه فمات منه # وكان عادلا خيرا دينا يحب العلم وأهله ويميل إلى أهل الدين ويصلهم ويقربهم # وما أشبه قصته بقصة سعد بن معاذ الأنصاري وقد تقدمت في غزوة الخندق وقيل كانت هذه الحادثة مع أحمد بن علي قراخان أخي ظغان خان وإنها كانت سنة ثلاث وأربعمائة $ ذكر ملك أخيه أرسلان خان $ # لما مات طغان خان ملك بعده أخوه أبو المظفر أرسلان خان ولقبه شرف الدولة فخالف عليه قدر خان يوسف بن بغرا خان هارون بن سليمان الذي ملك
117
بخارى وقد تقدم ذكره وكان ينوب عن طغان خان بسمرقند # فكاتب يمين الدولة يستنجده على أرسلان خان فعقد على جيحون جسرا من السفن وضبطه بالسلاسل وعبر عليه ولم يكن يعرف هناك قبل هذا # وأعانه على أرسلان خان # ثم إن يمين الدولة خافه فعاد إلى بلاده # فأصلح قدرخان وأرسلان خان على قصد برللاد يمين الدولة واقتسامها وسار إلى بلخ # وبلغ الخبر إلى يمين الدولة فقصدهما واقتتلوا # وصبر الفريقان ثم انهزم الترك وعبروا جيحون # فكان من غرق منهم أكثر ممن نجا # وورد رسول متولي خوارزم إلى يمين الدولة يهنئه بالفتح عقيب الوقعة فقال له من أين علمتم فقال من كثرة القلانس التي جاءت على الماء وعبر يمين الدولة فشكا أهل تلك البلاد إلى قدرخان ما يلقون من عسكر يمين الدولة فقال ( ( قد قرب الأمر ببنا وبين عدونا فإن ظفرنا منعنا عنكم وإن ظفر عدونا فقد استرحتم منا ) ) # ثم اجتمع هو وقدرخان وأكلا طعاما # وكان قدر خان عادلا حسن السيرة كثير الجهاد فمن فتوحه ختن وهي بلاد بين الصين وتركستان وهي كثيرة العلماء والفضلاء # وبقي كذلك إلى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة فتوفي فيها وكان يديم الصلاة في الجماعة ولما توفي خلف ثلاث بنين منهم أبو شجاع أرسلان خان وكان له كاشغر وختن وبلاساغون وخطب له على منابرها وكان لقبه شرف الدولة # ولم يشرب الخمر قط وكان دينا مكرما للعلماء وأهل الدين # فقصدوه من كل ناحية فوصلهم وأحسن إليهم # وخلف أيضا بغراخان بن قدرخان وكان له طراز واسبيجاب # فقد أخوه أرسلان وأخذ مملكته فتحاربا فانهزم أرسلان خان وأخذ أسيرا فأودعوه الحبس وملك بلاده ثم إن بغراخان عهد بالملك لولد الأكبر واسمه حسين جغري تكين وجعله ولي عهده وكان لبغراخان امرأة له منها ولد صغير فغاظها ذلك فعملت إليه وسمته فمات هو وعدة من أهله # وخنقت أخاه أرسلان خان بن قدرخان وكان ذلك سنة تسع وثلاثين وأريعماءة # وقتلت وجوه أصحابه وملكت ابنه واسمه إبراهيم وسيرته في جيش إلى مدينة تعرف ببرسخان وصاحبها يعرف بينالتكين # قظفر به ينال تكين وقتله وانهزم عسكره إلى أمه # واختلف أولاد بغراخان فقصدهم طفغاج خان صاحب سمرقند
118
$ ذكر ملك طفغاج خان وولده $ # وكان طفغاج خان أبو المظفر إبراهيم بن نصر أيلك يلقب عماد الدولة وكان بيده سمرقند وفرغانة # وكان أبوه زاهدا متعبدا وهو الذي ملك سمرقند ورثه ابنه طفغاج وملك بعده # وكان طفغاج متدينا لا يأخذ مالا حتى يستفتي الفقهاء # فورد عليه أبو شجاع العلوي الواعظ وكان زاهدا فوعظه وقال له إنك لا تصلح للملك # فأغلق طفغاج بابه وعزم على ترك الملك # فاجتمع عليه أهل البلد وقالوا قد أخطأ هذا والقيام بأمورنا متعين عليك # فعند ذلك فتح بابه ومات سنة ستين وأربعمائة # وكان السلطان ألب ارسلان قصد بلاده ونهبها أيام عمه طغرلبك فلم يقابل الشر يمثله # وأرسل رسولا إلى القائم بأمر الله سنة ثلاث وخمسين يهنئه بعوده إلى مستقره ويسأل التقدم إلى ألب أرسلان عن بلاده فأجيب إلى ذلك وأرسل إليه الخلعوالألقاب ثم فلج سنة ستين # وكان في حياته قد جعل الملك في ولده شمس الملك فقصده أخوع طغان خان بن طفغاح وحصره بسمرفند فاجتمع أهلها إلى شمس الملك وقالوا له ( ( قد خرب أخوك ضياعنا وأفسدها ولو كان غيره لساعدناك ولمنه أخوك فلا ندخل بينكما # فوعدهم المناجزة وخرج من البلد نصف الليل في خمسمائة غلام معدين وكبس أخاه وهو غير محتاط فظفر به فهزمه فكان هذا وأبوهما حي # ثم قصده هارون بغراخان بن يوسف قدرخان وطغرل قراخان وكان طفغاج قد استولى على ممالكها وقاربا سمرقند فلم يظفر بشمس الملك فصالحاه وعادا # فصارت الأعمال المتاخمة لجيحون لشمس الملك وأعمال الخاهر في أيديهما والحد بينهما خجندة # وكان السلطان ألب أرسلان قد تزوج ابنه قدرخان وكان قبله عند مسعود بن محمود بن سبكتكين وتزوج شمس الملك ابنة ألب أرسلان وزوج بنت عمه عيسى خان من السلطان ملكشاه وهي خاتون الجلالية أم الملك محمود الذي ولي السلطنة بعد أبيه وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى # ثم اختلف ألب أرسلان وشمس الملك وسنذكره سنة خمس وستين عند قتل ألب أرسلان ثم مات شمس الملك فولي بعده أخوه خضر خان # ثم مان فولي ابنه أحمد خان وهو الذي قبض عليه ملكشاه ثم أطلقه وأعاده إلى ولايته سنة خمس وتمانين وسنذكره هناك إن شاء الله تعالى # ثم إن
119
جنده ثاروا به فقتلوه # وملك بعده محمود خان # وكان جده من ملوكهم وكان أصم # فقصده طغان خان بن قراخان صاحب طراز فقتله واستولى على الملك واستناب بسمرقند أبا المعالي محمد بن زيد العلوي البغدادي فولي ثلاث سنين ثم عصى عليه فحاصره طغان خان وأخذه وقتله # وقتل خلقا كثيرا معه ثم خرج طغان خان إلى ترمذ يريد خراسان فلقيه السلطان سنجر وظفر به وقتله وصارت أعمال ما وراء النهر له فاستناب بها محمد خان بن كمشتكين بن إبراهيم بن طفغاج خان فأخذها منه عمر خان وملك سمرقند ثم هرب من جنده وقصد خوارزم فظفر به السلطان سنجر فقتله وولي سمرقند محمد خان وولي بخارى محمد تكين بن طغانتكين $ ذكر كاشغر وتركستان $ # وأما كاشغر وهي مدينة تركستان فإنها لآرسلان خان بن يوسف قدرخان كما ذكرنا # ثم صارت بعده لمحمود بغراخان صاحب طراز والشاش خمسة عشر شهرا # ثم مات فولي بعده طغرلخان بن يوسف قدرخان فاستولى على الملك وملك بلا ساغون وكان ملكه ستة عشرة سنة # ثم توفي وملك ابنه طغرلتكين وأقام شهرين ثم أتى هارون بغراخان أخو يوسف طغرلخان بن طفغاج بغراخان وعبر كاشغر وقبض على هارون وأطاعه عسكره وملك كاشغر وختن وما يتصل به إلى ساغون وأقام مالكا تسعا وعشرين سنة وتوفي سنة ست وتسعين وأربعمائة فولي ابنه أحمد بن أرسلان خان وأرسل رسولا إلى الخليفة المستظهر بالله يطلب منه الخلع والألقاب فأرسل إليه ما طلب ولقبه نور الدولة $ ذكر وفاة مهذب الدولة وحال البطيحة بعده $ # في هذه السنة في جمادى الاولى توفي مهذب الدولة أبو الحسن علي بن نصر ومولده سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة وهو الذي نزل عليه القادر بالله وكان سبب موته أنه
120
افتصد فانتفخ ساعده ومرض منه واشتد مرضه # فلما كان قبل وفاته بثلاثة أيام تحدث الجند بإقامة ولده أبي الحسين أحمد مقامه فبلغ ابن أخت مهذب الدولة وهو أبو محمد عبد الله بن يني فاستدعى الديلم والأتراك ورغبهم ووعدهم واستحلفهم لنفسه وقرر معهم القبض على أبي الحسين بن مهذب الدولة وتسليمه إليه فمضوا إليه ليلا وقالوا له ( ( أنت ولد الأمير ووارث الأمر من بعده فلو قمت معنا إلى دار الإمارة ليظهر أمرك وتجتمع الكلمة عليك لكان حسنا ) ) فخرج من داره معهم فلما فارقها قبضوا عليه وحملوه إلى أبي محمد فسمعت والدته فدخلت إلى مهذب الدولة قبل موته بيوم فأعلمته الخبر فقال ( ( أي شيء أقدر أعمل وأنا على هذه الحال ) ) وتوفي من الغد وولي الأمر أبو محمد وتسلم الأموال والبلد وأمر بضرب أبي الحسين بن مهذب الدولة فضرب ضربا شديدا توفي منه بعد ثلاثة أيام من مموت أبيه وبقي أبو محمد أميرا إلى منتصف شعبان توفي بالذبحة وكان قد قال قبل موته رأيت مهذب الدولة في المنام وقد أمسك حلقي ليخنقني ويقول قتلت ابني أحمد وقابلت نعمتي عليك بذاك فمات بعد أيام فكان ملكه أقل من ثلاثة أشهر # فلما توفي اتفق الجماعة على تأمير أبي عبد الله الحسين بن بكر الشرابي وكان من خواص مهذب الدولة فصار أمير البطيحة وبذل للملك سلطان الدولة بذولا فأقره عليها # وبقي إلى سنة عشر وأربعمائة # فسير إليه سلطان الدولة صدقة بن فارس المازياري فملك البطيحة وأسر أبا عبد الله الشرابي فبقي عند أسيرا إلى أن توفي صدقة وخلص على ما نذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر وفاة علي بن مزيد وإمارة ابنه دبيس $ # في هذه السنة في ذي القعدة توفي أبو الحسن علي بن مزيد الأسدي وقام بعده ابنه نور الدولة أبو الأغردبيس # وكان أبوه قد جعله ولي عهده في حياته وخلع عليه سلطان الدولة وأذن في ولايته # فلما توفي والده اختلفت العشيرة على دبيس فطلب اخوه المقلد بن أبي الحسن على الإمارة وسار إلى بغداد وبذل للأتراك بذولا كثيرة ليعاضدوه # فسار معه منهم جمع كثير وكبسوا دبيسا بالنعمانية ونهبوا حلته # فانهزم إلى نواحي واسط وعاد الأتراك إلى بغداد # وقام الأثير الخادم بأمر دبيس حتى ثبت قدمه ومضى المقلد أخوه إلى بني عقيل # ونذكر باقي أخباره موضعها إن شاء الله تعالى
121
$ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة ضعف أمر الديلم ببغداد وطمع فيهم العامة فانحدروا إلى واسط فخرج إليهم عامتها وأتراكها فقاتلوهم فدفع الديلم عن أنفسهم وقتلوا من أتراك واسط وعامتها خلقا كثيرا وعظم أمر العيارين ببغداد فأفسدوا ونهبوا الأموال # وفيها توفي الحاجب أبو طاهر سباشي المشطب كان كثير المعروف وأبو الحسن الهماني وكان متولي البصرة وغيرها وهو الذي مدحه مهيار بقوله ( ( استنجد الصبر فيكم وهو مغلوب ) ) # وفيها قدم سلطان الدولة بغداد وضرب الطبل في أوقات الصلوات الخمس ولم تجربه عادة إنما كان عضد الدولة يفعل ذلك في أوقات ثلاث صلوات # وفيها هرب ابن سهلان من سلطان الدولة إلى هيت وأقام عند قرواش وولى سلطان الدولة موضعه أبا القاسم جعفر بن أبي الفرج بن فسانجس ومولده ببغداد سنة خمس وخمسين وثلاثمائة # وفيها كانت ببغداد فتنة بين أهل الكرخ من الشيعة وبين غيرهم من أهل السنة اشتدت وفيها استتاب القادر بالله المعتز والشيعة وغيرهما من أرباب المقالات المخالفة لما يعتقده من مذاهبهم ونهى عن المناظرة في شيء منها # ومن فعل ذلك نكل به وعوقب
122
$ ثم دخلت سنة تسع وأربعمائة $ $ ذكر ولاية ابن سهلان العراق $ # في هذه السنة عارض سلطان الدولة على الرخجي ولاية العراق فقال ( ( ولاية العراق تحتاج إلى من فيه عسف وخرق وليس غير ابن سهلان وأنا أخلفه ههنا ) ) فولاه سلطان الدولة العراق في المحرم فسار من عند سلطان الدولة فلما كان ببعض الطريق ترك ثقله والكتاب وأصحابه وسار جريدة في خمسمائة فارس مع طراد بن دبيس الأسدي يطلب مهارش ومضر ابني دبيس # وكان مضر قد قبض قديما عليه بأمر فخر الملك فكان يبغضه لذلك وأراد أن يأخذ جزيرة بني أسد منه ويسلمها إلى طراد فلما علم مضر ومهارش قصده لهما سارا عن المذار فتبعهما والحر شديد فكاد يهلك هو ومن معه عطشا فكان من لطف الله به أن بني أسد اشتغلوا بجمع أموالهم وإبعادها وبقي الحسن بن دبيس فقاتل قتالا شديدا وقتل جماعة من الديلم والأتراك ثم انهزموا # ونهب ابن سهلان أموالهم وصان حرمهم ونساءهم فلما نزل في خيمته قال الآن ولدتني أمي وبذل الأمان لمهارش ومضر وأهلهما وأشرك بينهما وبين طراد في الجزيرة ورحل # وأنكر على سلطان الدولة فعلة ذلك ووصل إلى واسط والفتن بها قائمة فأصلحها وقتل جماعة من أهلها ) ) # وورد عليه الخبر باشتداد الفتن ببغداد فسار إليها فدخلها أواخر شهر ربيع الآخر فهرب منه العيارون ونفى جماعة من العباسيين وغيرهم ونفى أبا عبد الله بن النعمان فقيه الشيعة وأنزل الديلم أطراف الكرخ وباب البصرة ولم يكن قبل ذلك # ففعلوا من الفساد ما لم يشاهد مثله # فمن ذلك أن رجلا من المستورين أغلق بابه عليه خوفا منهم # فلما كان أول يوم من شهر رمضان خرج لحاجته فرآهم على حال عظيم من شرب الخمر والفساد فأراد الرجوع إلى بيته فأكرهوه على الدخول معهم إلى دار
123
نزلوها وألزموه بشرب الخمر فامتنع # فصبوها في فيه قهرا وقالوا له قم إلى هذه المرأة فافعل بها # فامتنع فألزموه فدخل معها إلى بيت في الدار وأعطاها دراهم وقال هذا أول يوم في رمضان والمعصية فيه تتضاعف وأحب أن تخبريهم أنني قد فعلت فقالت لا كرامة ولا عزازة أنت تصون دينك عن الزنا وأنا أريد أن أصون أمانتي في هذا الشهر عن الكذب فصارت هذه الحكاية سائرة في بغداد # ثم إن أبا محمد بن سهلان أفسد الأتراك والعامة فانحدر الأتراك إلى واسط فلقوا بها سلطان الدولة فشكوا إليه فسكنهم ووعدهم الإصعاد إلى بغداد وإصلاح الحال # واستحضر سلطان الدولة بن سهلان فخافه ومضى إلى بني خفاجة ثم أصعد إلى الموصل فأقام بها مدة ثم انحدر إلى الأنبار ومنها إلى البطيحة # فارسل سلطان الدولة إلى البطيحة رسولا يطلبه من الشرابي فلم يسلمه # فسير إليها عسكرا فانهزم الشرابي وانحدر ابن سهلان إلى البصرة فاتصل بالملك جلال الدولة # وكان الرخجي قد خرج مع ابن سهلان إلى الموصل ففارقه بها وأصلح حاله مع سلطان الدولة وعاد إليه $ ذكر غزوة يمين الدولة إلى الهند والأفغانية $ # في هذه السنة سار يمين الدولة إلى الهند غازيا واحتشد وجمع واستعد وأعد أكثر مما تقدم # وسبب هذا الإهتمام أنه لما فتح قنوج وهرب صاحبها منه ويلقب رآى قنوج ومعنا رآى هو لقب الملك كقيسر وكسرى فلما عاد إلى غزنة أرسل بيد اللعين وهو أعظم ملوك الهند مملكة وأكثرهم جيشا وتسمى مملكته كجوراهه رسلا إلى رآى قنوج واسمه راجييال يوبخه على انهزامه وإسلام بلاده للمسلمين # وطال الكلام بينهما وآل أمرهما إلى الاختلاف # وتأهب كل واحد منهما لصاحبه وسار إليه فالتفوا واقتتلوا فقتل راجيبال وأتى القتل على أكثر جنوده فازداد بيدا بما اتفق له شرا وعتوا وبعد سيط في الهند وعلوا وقصده بعض ملوك الهند الذي ملك يمين الدولة بلاده وهزمه وأباد جنده وسار في جملته وخدمه # والتجأ إليه فوعده بإعادة ملكه إليه # وحفظ ضالته عليه واعتذر بهجوم الشتاء وتتابع الإنداء
124
# فنمت هذه الأخبار إلى يمين الدولة فأزعجته # وتجهز للغزو وقصد بيدا وأخذ ملكه منه # وسار عن غزنة وابتدأ في طرقه بالأفغانية وهم كفار يسكنون الجبال ويفسدون في الأرض ويقطعون الطريق بين غزنة وبينه فقصد بلادهم وسلك مضايقها وفتح مغالقها وخرب عامرها وغنم أموالهم وأكثر القتل فيهم والأسر # وغنم المسلمون من أموالهم الكثر # ثم استقل على المسير وبلغ إلى مكان لم بيلغه فيما تقدم من غزواته وعبر نهر كنك ولم يعبره قبلها فلما جازه رأى طفلا قد بلغت عدة أحمالهم ألف عدد فغنمها وهي من العود والأمتعة الفائقة وجذبه السير # فأتاه في الطريق خبر ملك من ملوك الهند يقال له بروجيبال قد سار من بين يديه ملتجئا إلى بيدا ليحتمي به عليه فطوى المراحل فلحق بروجيبال ومن معه رابع عشر شعبان وبينه وبين الهنود نهر عميق فعبر إليهم بعض أصحابه وشغلهم بالقتال ثم عبر هو وباقي العسكر إليهم فاقتتلوا عامة نهارهم وانهزم بروجيبال ومن معه وكثر فيهم القتل والأسر وأسلموا أموالهم وأهليهم فغنمها المسلمون وأخذوا منهم الكثير من الجواهر وأخذ ما يزيد على مائتي فيل وسار المسلمون يقتصون آثارهم وانهزم ملكهم جريحا وتحير في أمره # وأرسل إلى يمين الدولة يطلب الأمان فلم يؤمنه ولم يقنع منه إلا بالإسلام وقتل من عساكره ما لا يحصى وسار بروجيبال # ليلحق ببيدا فانفرد به بعض الهنود فقتله فلما رأى ملوك الهند ذلك تابعوا رسلهم إلى يمين الدولة يبذلون له الطاعة والأتاوة وسار يمين الدولة بعد الوقعة إلى مدينة باري وهي من أحصن القلاع والبلاد وأقواها فرآها من سكانها خاليه وعلى عروشها خاوية # فأمر بهدمها وتخريبها وعشر قلاع معها متناهية الحصانة وقتل من أهلها خلقا كثيرا وسار يطلب بيدا الملك فلحقه وقد نزل إلى جانب نهر وأجرى الماء من بين يديه فصار وحلا وترك عن يمينه وشماله طريقا يبسا يقاتل منه إذا أراد القتال # وكان عدة من معه ستة وخمسين ألف فارس ومائة ألف وأربعة وثمانين ألف راجل وسبعمائة وستة وأربعين فيلا # فأرسل يمين الدولة طائفة من عسكره للقتال فأخرج إليهم بيدا مثلهم # ولم يزل كل عسكر يمد أصحابه حتى كثر الجمعان واشتد الضرب والطعان فأدركهم الليل وحجز بينهم
125
# فلما كان الغد بكر يمين الدولة إليهم فرأى الديار منهم بلاقع وركب كل فرقة منهم طريقا مخالفا لطريق الأخرى ووجد خزائن الأموال والسلاح بحالها فغنموا الجميع # واقتفى آثار المنهزمين فلحقوهم في الغياض والآجام واكثروا فيهم القتل والأسر ونجا بيدا فريدا وحيدا # وعاد يمين الدولة إلى غزنة منصورا $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة قبض سلطان الدولة على وزيره ابن فسانجس وإخوته وولى وزارته ذا السعادتين أبا غالب الحسن بن منصور ومولده بسيراف سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة # وفيها توفي الغالب بالله ولي عهد أبيه القادر بالله في شهر رمضان وتوفي أيضا أبو أحمد عبد الله بن محمد بن أبي علان قاضي الأهواز ومولده سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وله تصانيف حسنة وكان معتزاليا # وفي هذه السنة مات عبد الغني بن سعيد بن بشر بن مروان الحافظ المصري صاحب المؤتلف والمختلف ومولده سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة وتوفي رجاء بن عيسى بن محمد أبو العباس الأنصناوي و ( انصنا ) من قرى مصر وهو من الفقها المالكية وسمع الحديث الكثير
126
$ ثم دخلت سنة عشر وأربعمائة $ # في هذه السنة قبض الملك جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء أبو طاهر بن بهاء الدولة على وزيره أبي سعد عبد الواحد بن علي بن ماكولا وكان عمه أبو جعفر محمد بن مسعود كاتبا فاضلا # وكان يعرض الديلم لعضد الدولة ولأبي سعد شعر منه # ( وإن لقائي للشجاع لهين % ولكن حمل الضيم منه شديد ) # ( إذا كان قلب القرن ينبو عن الوغي % فإن جناني جلمد وحديد ) # وفيها توفي وثاب بن سابق النميري صاحب حران وأبو الحسن بن أسد الكاتب وأبو بكر محمد بن عبد السلام الهاشمي القاضي بالبصرة وأبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي الفقيه الحنبلي البغدادي عم أبي محمد قال أبو الفضل سمعت أبا الحسن بن القصاب الصوفي قال ( ( دخلت أنا وجماعة إلى الببمارستان ببغداد فرأينا شابا مجنونا شديد الهوس فولعنا به فرد بفصاحة وقال انظروا إلى شعور مطررة وأجساد معطرة وقد جعلوا اللهو صناعة واللعب بضاعة وجانبوا العلم رأسا فقلت أتعرف شيئا من العلم فنسألك قال نعم إن عندي علما جما فاسألوني فقال بعضنا من الكريم في الحقيقة قال من رزق أمثالكم وأنتم لا تساوون ثومة # فأضحكنا فقال آخر من أقل الناس شكرا فقال من عوفي من بلية ثم رآها في غيره فترك الإعتبار فإن الشكرعليها واجب فأبكانا بعد أن
127
أضحكنا فقلنا ما الظرف قال خلاف ما أنتم عليه ثم قال اللهم إن لم ترد عقلي فرد يدي لأصفع كل واحد منهم صفعة # فتركناه وانصرفنا ) ) # وفيها مات الأصيفر المتفقي الذي كان يؤذي الحاج في طريقهم وأبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ الأصيهاني وعبد الصمد بابك أبو القاسم الشاعر قدم على الصاحب بن عباد فقال أنت ابن بابك فقال أنا ابن بابك فاستحسن قوله
128
$ ثم دخلت سنة إحدى عشرة وأربعمائة $ $ ذكر قتل الحاكم وولاية ابنه الظاهر $ # في هذه السنة ليله الإثنين لثلاث بقين من شوال فقد الحاكم بأمر الله أبو علي المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز العلوي صاحب مصر بها ولم يعرف له خبر وكان سبب فقده أنه خرج يطوف ليلة على رسمه وأصبح عند قبر الفقاعي توجه إلى شرقي حلوان ومعه ركابيان فاعاد أحدهما مع جماعة من العرب إلى بيت المال وأمرلهم بجائزة ثم عاد الركابي الآخر وذكر أنه خلفه عند العين والمقصبة وبقي الناس على رسمهم يخرجون كل يوم يلتمسون رجوعه إلى سلخ شوال فلما كان ثالث ذي القعدة خرج مظفر الصقلبي صاحب المظلة وغيره من خواص الحاكم ومعهم القاضي قبلغوا حلوان ودخلوا في الجبل فبصروا بالحمار الذي كان عليه راكبا وقد ضربت يداه بالسيف فأثر فيهما وعليه سرجه ولجامه فاتبعوا الأثر فانتهوا به إلى البركة التي شرقي حلوان فرأوا ثيابه # وهي سبع قطع صوف وهي مزررة بحالها لم تحل وفيها أثر السكاكين فعادوا ولم يشكوا في قتله وقيل كان سبب قتله ان اهل مصر كانوا يكرهونه لما يظهر منه من سوء أفعاله فكانوا يكتبون إليه الرقاع فيها سبه وسب أسلافه والدعاء عليه حتى إنهم عملوا من قراطيس صورة امرأة وبيدها رقعة # فلما رآها ظن أنها امرأة تشتكي فأمر بأخذ الرقعة منها فقرأها وفيها كل لعن وشتيمة قبيحة وذكر حرمه بما يكره # فأمر بطلب المرأة فقيل إنها من قراطيس فأمر بإحراق مصر ونهبها ففعلوا ذلك وقاتل أهلها اشد قتال وانضاف إليهم في اليوم الثالث الأتراك والمشارقة فقويت شوكتهم وأرسلوا إلى الحاكم يسألونه الصفح ويعتذرون فلم يقبل # فصاروا إلى التهديد # فلما رأى قوتهم أمر بالكف عنهم وقد أحرق بعض مصر ونهب بعضها وتتبع المصريون من أخذ نساءهم وأبناءهم
129
فابتاعوا ذلك بعد أن فضحوهن فازداد غيظهم منه وحنقهم عليه # ثم إنه أوحش اخته وأرسل إليها مراسلات قبيحة يقول فيها بلغني أن الرجال يدخلون إليك وتهددها بالقتل فأرسلت إلى قائد كبير من قواد الحاكم يقال له ابن دواس وكان أيضا يخاف الحاكم تقول له إنني اريد أن القاك فحضرت عنده وقالت له قد جئت اليك في أمر تحفظ فيه نفسك ونفسي وأنت تعلم ما يعتقده أخي فيك وأنه متى تمكن منك لا يبقي عليك وأنا كذلك وقد انصاف الى هذا ما تظاهر به مما يكرهه المسلمون ولا يصبرون عليه وأخاف ان يثوروا به فيهلك هو ونحن معه وتنقلع هذه الدولة فأجابها الى ما تريد فقالت إنه يصعد الى هذا الجبل غدا وليس معه غلام إلا الركابي وصبي وينفرد بنفسه فتقيم رجلين تثق بهما يقتلانه ويقتلان الصبي وتقيم ولده بعد وتكون أنت مدبر الدولة وأزيد في اقطاعك مائة الف دينار فأقام رجلين وأعطتهما هي الف دينار ومضيا الى الجبل وركب الحاكم على عادته وسار منفردا ' ليه فقتلاه # وكان عمره ستا وثلاثين سنة وتسعى أشهر وولايته خمسا وعشرين سنة وعشرين يوما وكان جوادا بالمال سفاكا للدماء قتل عددا كثيرا من امائل دولته وغيرهم فكاتب سيرته عجيبة منها أنه أمر في صدر خلافته بسب الصحابة رضي الله عنهم وأن تكتب على حيطان الجوامع والأسواق وكتب إلى سائر عماله بذلك وكان ذلك سنة خمس وتسعين وثلاثمائة ثم أمر بعد ذلك بمدة بالكف عن السب وتأديب من يسبهم أو يذكرهم بسوء # ثم أمر في سنة تسع وتسعين بترك صلاة التراويح فاجتمع الناس بالجامع العتيق وصلى بهم إمام جميع رمضان فأخذه وقتله ولم يصل أحد التراويح إلى سنة ثمان وأربعمائة # فرجع عن ذلك وأمر بإقامتها على العادة وبنى الجامع براشدة وأخرج الى الجوامع والمساجد من الآلات والمصاحف والستور والحصر مالم ير الناس مثله وحمل أهل الذمة على الإسلام أو المسير إلى مأمنهم أولبس الغيار فأسلم كثير منهم ثم كان الرجل منهم بعد ذلك يلقاه فيقول له إنني أريد العود الى ديني فيأذن له ومنع النساء من الخروج من بيوتهن وقتل من خرج منهن فشكى إليه من لا قيم لها يقوم بأمرها فأمر الناس أن يحملوا كل ما يباع في الأسواق الى الدروب ويبيعوه على
130
النساء وأمر من يبيع أن يكون معه شبه المغرفة بساعد طويل يمده إلى المرأة وهي من وراء الباب وفيه ما تشتريه فإذا رضيت وضعت الثمن في المغرفة وأخذت ما فيها لئلا يراها فنال الناس من ذلك شدة عظيمة # ولما فقد الحاكم ولي الأمر بعده ابنه أبو الحسن علي ولقب الظاهر لإعزاز دين الله وأخذت له البيعة ورد النظر في الأمور جميعها إلى الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الجرجائي $ ذكر ملك مشرف الدولة العراق $ # في هذه السنة في ذي الحجة أمر أبي علي مشرف الدولة بن بهاء الدولة وخوطب بأمير الأمراء ثم ملك العراق وأزال عنه أخاه سلطان الدولة # وكان سببه أن الجند شغبوا على سلطان الدولة ومنعوه من الحركة # زأراد ترتيب أخيه مشرف الدولة في الملك فأشير على سلطان الدولة بالقبض عليه فلم يمكنه ذلك وأراد سلطان الدولة الانحدار الى واسط فقال الجند إما أن تجعل عندنا ولدك أو أخاك مشرف الدولة فراسل أخاه بذلك فامتنع ثم أجاب بعد معاودة ثم انهما اتفقا واجتمعا ببغداد واستقر بينهما أنهما لا يستخدمان ابن سهلان وفارق سلطان الدولة بغداد وقصد الأهواز واستحلف أخاف مشرف الدولة على العراق # فلما انحدر سلطان الدولة ووصل تستر استوزر ابن سهلان فاستوحش مشرف الدولة فأنفذ سلطان الدولة وزيره ابن سهلان ليخرج أخاه مشرف الدولة من العراق فجمع مشرف الدولة عسكرا كثيرا منهم أتراك واسط وأبو الأغردبيس بن علي بن مزيد ولقي ابن سهلان عند واسط فانهزم ابن سهلان وتحصن بواسط وحاصره مشرف الدولة وضيق عليه فغلت الأسعار حتى بلغ الكر من الطعام الف دينار قاسانية وأكل الناس الدواء حتى الكلاب فلمت رأى ابن سهلان ادباره أموره سلم البلد واستخلف مشرف الدولة وخرج إليه وخوطب حينئذ مشرف الدولة بشاهنشاه وكان ذلك في أخر ذي الحجة # ومضت الديلم الذين كانوا بواسط في خدمته وساروا معه فحلف لهم وأقطعهم
131
واتفق هو وأخوه جلال الدولة أبو طاهر فلما سمع سلطان الدولة ذلك سار عن الأهواز الى أرجان وقطعت خطبته من العراق وخطب لأخيه ببغداد آخر المحرم سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وقبض على ابن سهلان وكحل ولما سمع سلطان الدولة بذلك ضعفت نفسه وسار إلى الأهواز في أربعمائة فارس فقلت عليهم الميرة فنهبوا السواد في طريقهم # فاجتمع الأتراك الذين بالأهواز وقاتلوا أصحاب سلطان الدولة ونادوا بشعار مشرف الدولة وساروا منها فقطعوا على قافلة وأخذوها وانصرفوا $ ذكر ولاية الظاهر لإعزاز دين الله $ # لما قتل الحاكم على ما ذكرناه بقي الجند خمسة أيام ثم أجتمعوا إلى أخته واسمها ست الملك وقالوا قد تأخر مولانا ولم تجر عادته بذلك فقالت قد جاءتني رقعته بأنه يأتي بعد غذ فتفرقوا وبعثت الأموال إلى القواد يد ابن دواس فلما كان اليوم السابع ألبست أبا الحسن علي ابن أخيها الحاكم أفخر الملابس وكان الجند قد حضروا للميعاد فلم يرعهم إلا وقد أخرج ابو الحسن وهو صبي والوزير بين يديه فصاح يا عبيد الدولة مولاتنا تقول بكم هذا مولاكم أمير المؤمنين فسلموا عليه فقبل ابن دواس الأرض والقواد الذين أرسلت إليهم الأموال ودعو له فتبعهم الباقون ومشوا معه ولم يزل راكبا إلى الظهر ودعا الناس من الغد فبايعوا له ولقب الظاهر لا عزاز دين الله # وكتبت الكتب إلى البلاد بمصر والشام بأخذ البيعة له وجمعت أخت الحاكم الناس ووعدتهم وأحسنت إليهم ورتبت الأمور ترتيبا حسنا وجعلت الأمر بيد ابن دواس وقالت له إننا نريد أن نرد جميع أحوال المملكة إليك ونزيد في أقطاعك ونشرفك بالخلع فاختر يوما يكون لذلك فقبل الأرض ودعا وظهر الخبر به بين الناس ثم أحضرته وأحضرت القواد معه وأغلقت أبواب القصر وأرسلت إليه خادما وقالت قل للقواد إن هذا قتل سيدكم وضربه بالسيف ففعل ذلك وقتله فلم يختلف رجلان وباشرت الأمور بنفسها وقامت هيبتها عند الناس واستقامت الأمور وعاشت بعد الحاكم أربع سنين وماتت
132
$ ذكر الفتنة بين الأتراك والأكراد بهمذان $ # في هذه السنة زاد شغب الأتراك بهمذان على صاحبهم شمس الدولة بن فخر الدولة # وكان قد تقدم ذلك منهم غير مرة وهو يحلم عنهم بل يعجز فقوي طمعهم فزادوا في التوثب والشغب وأرادوا اخراج القواد القوهية من عنده فلم يجبهم إلى ذلك فعزموا على الإيقاع بهم بغير أمره فاعتزل الأكراد مع وزيره تاج الملك أبي نصر بن بهرام إلى قلعة برجين فسار الأتراك إليهم فحصروهم ولم يلتفتوا الى شمس الدولة فكتب الوزير إلى أبي جعفر بن كاكوية صاحب أصبهان يستنجده وعين له ليلة يكون قدوم العساكر إليه فيها بغتة ليخرج هو أيضا تلك الليلة لكبسوا الأتراك ففعل أبو جعفر ذلك وسير ألفي فارس وضبطوا الطرق لئلا يسبقهم الخبر وكبسوا الأتراك سحرا على غفلة ونزل الوزير والقوهية من القلعة فوضعوا فيهم السيوف فأكثروا القتل وأخذوا المال ومن سلم من الأتراك نجا فقيرا وفعل شمس الدولة بمن عنده في همذان كذلك وأخرجهم فمضى ثلاثمائة منهم إلى كرمان وخدموا با الفوارس بن بهاء الدولة صاحبها $ ذكر القبض على أبي القاسم المغربي وابن فهد $ # في هذه السنة قبض معتمد الدولة قرواش بن المقلد على وزيره أبي القاسم المغربي وعلى أبي القاسم سليمان بن فهد بالموصل وكان ابن فهد يكتب في حداثته بين يدي الصابي وخدم المقلد بن المسيب # وأصعد الى الموصل واقتنى بها ضياعا ونظر فيها لقرواش فظلم أهلها وصادرهم # ثم سخط قرواش عليهما فحيسهما وطولب سليمان بالمال فادعى الفقر فقتل # وأما المغربي فإنه خدع قرواشا ووعده بمال له في الكوفة وبغداد فأمر بحمله وترك # وفي قرواش وابن فهد والبرقعيدي وأبي جابر يقول الشاعر وهو ابن الزمكدم مادحا لابن قرواش هاجيا للباقين # ( وليل كوجه البرقعيدي ظلمة % وبرد أغانيه وطول قرونه )
133
# ( سريت ونومي فيه نوم مشرد % كعقل سليمان بن فهد ودينه ) # ( علي أولق فيه التفات كأنه % أبو جابر في خطبه وجنونه ) # ( إلى أن بدأ ضوء الصباح كأنه % سنا وجه قرواش وضوء جبينه ) # وهذه الأبيات قد أجمع أهل البيان على أنها غاية في الجودة لم يقل خير منها في معناها $ ذكر الحرب بين قرواش وغريب بن معن $ # في هذه السنة في ربيع الأول اجتمع غريب بن معن ونور الدولة دبيس بن علي بن مزيد الأسدي وأتاهم عسكر من بغداد فقاتلوا قرواشا ومعه رافع ابن الحسين عند كرخ سر من رأى فانهزم قرواش ومن معه وأسر في المعركة ونهبت خزائنه وأثقاله واستجار رافع بغريب وفتحوا تكريت عنوة وعاد عسكر بغداد إليها بعد عشرة أيام # ثم إن قرواش خلص وقصد سلطان بن الحسين بن ثمال أمير خفاجة فسار إليهم جماعة من الأتراك فعاد قرواش وانهزم ثانيا هو وسلطان # وكانت الوقعة بينهم غربي الفرات # ولما انهزم قرواش مد نواب السلطان أيديهم إلى أعماله فأرسل يسأل الصفح عنه ويبذل الطاعة $ ذكر عدة حوادث $ # فيها أغارت زناتة بأفريقية على دواب المعز بن باديس صاحب البلاد ليأخذوها فخرج اليهم عامل مدينة قابس فقاتلهم فهزمهم # وفيها في ربيع الآخر نشأت سحابة بأفريقية أيضا شديدة البرق والرعد فأمطرت حجارة كبيرة ما رأى الناس أكبر منها فأهلك كل من أصابه شيء منها # وفيها توفي أبو بكر محمد بن عمر العنبري الشاعر وديوانه مشهور ومن قوله # ( ذنبي إلى الدهر أني لم أمد يدي % في الراغبين ولم أطلب ولم أسل ) # ( وأنني كلما نابت نوائبه % ألفيتني بالرزايا غير محتفل )
134
$ ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وأربعمائة $ $ ذكر الخطبة لمشرف الدولة ببغداد وقتل وزيره أبي غالب $ # في هذه السنة في المحرم قطعت خطبة سلطان الدولة من العراق وخطب لمشرف الدولة فطلب الديلم من مشرف الدولة ان ينحدروا إلى بيوتهم بخوزستان فأذن لهم وأمر وزيره أبا غالب بالانحدار معهم فقال له إني إن فعلت خاطرت بنفسي ولكن أبذلها في خدمتك # ثم انحدر في العساكر فلما وصل إلى الاهواز نادى الديلم بشعار سلطان الدولة وهجموا على أبي غالب فقتلوه فسار الاتراك الذين كانوا معه إلى طراد بن دبيس الأسدي بالجزيرة التي لبني دبيس ولم يقدروا أن يدفعوا عنه فكانت وزارته ثمانية عشر شهرا وثلاثة أيام وعمره ستين سنة وخمسة أشهر # فأخذ ولده أبوه العباس وصودر على ثلاثين ألف دينار فلما بلغ سلطان الدولة قتله اطمأن وقويت نفسه وكان قد خافه وأنفذ ابنه أبا كاليجار الى الأهواز فملكها $ ذكر وفاة صدقة صاحب البطيحة $ # في هذه السنة مرض صدقة صاحب البطيحة فقصدها أبو الهيجاء محمد بن عمران بن شاهين في صفر ليملكها وكان أبو الهيجاء بعد موت أبيه قد تمزق في البلاد تارة بمصر وتارة عند بدر بن حسنويه ويارة بينهما # فلما ولي الوزير أبو غالب انفق عليه لأدب كان فيه فكاتبه بعض أهل البطيحة ليسلموا إليه فسار إليهم فسمع به صدقة قبل موته بيومين فسير إليه جيشا فقاتلوه فانهزم أبو الهيجاء وأخذ أسيرا فأراد استبقاءه فمنعه سابور بن المرزبان بن مروان وقتله بيده # ثم توفي صدقة بعد قتله في صفر
135
# فاجتمع أهل البطيحة على ولاية سابور بن المرزبان فوليهم # وكتب إلى مشرف الدولة يطلب أن يقرر عليه ما كان على صدقة من الحمل ويستعمل على البطيحة فأجابه إلى ذلك وزاد في القرار عليه واستقر في الأمر ثم ان أبا شيرازد بن الحسن بن مروان زاد في المقاطعة فلم يدخل سابور في الزيادة فولى أبو نصر البطيحة وسار إليها وفارقها سابور إلى جزيزرة بني دبيس واستقر أبو نصر في الولاية وأمنت به الطرق $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة توفي علي بن هلال المعروف بابن البواب الكاتب المشهور وإليه انتهى الخط ودفن بجوار أحمد بن حنبل وكان يقص بجامع بغداد ورثاه المرتضى وقيل كان موته سنة ثلاث عشرة وأربعمائة # وفيها حج الناس من العراق وكان قد انقطع سنة عشر وسنة إحدى عشرة فلما كان هذه السنة قصد جماعة من أعيان خراسان السلطان محمود بن سبكتكين وقالوا له أنت أعظم ملوك الاسلام وأثرك في الجهاد مشهور والحج قد انقطع كما ترى والتشاغل به واجب وقد كان بدر بن حسنويه وفي أصحابك كثير أعظم منه يسير الحاج بتدبيره وماله عشرين سنة فاجعل لهذا الأمر حظا من اهتمامك فتقدم إلى أبي محمد الناصحي قاضي قضاة بلاده بأن يسير بالحاج وأعطاه ثلاثين ألف دينار يعطيها للعرب سمى النفقة في الصدقات # ونادى في خراسان بالتأهب للحج فاجتمع خلق عظيم وساروا وحج بهم أبو الحسن الأقساسي # فلما بلغوا فيد حصرهم العرب فبذل لهم الناصحي خمسة آلاف دينار فلم يقنعوا وصمموا العزم على أخذ الحاج وكان مقدمهم رجلا يقال له حمار بن عدي بضم العين من بني نبهان فركب فرسه وعليه درعه وسلاحه وجال جولة يرهب بها # وكان من سمرقند شاب يوصف بجودة الرمي فرماه بسهم فقتله وتفرق أصحابه وسلم الحاج فحجوا وعادوا سالمين # وفيها قلد أبو جعفر السمناني الحسبة والمواريث
136
ببغداد والموتى وتوفي هذه السنة أبو سعد أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الماليني الصوفي بمصر في شوال وهو من المكثرين في الحديث # ومحمد بن أحمد بن محمد بن رزق البزاز المعروف بابن رزقوية شيخ الخطيب أبي بكر ومولده سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وكان فقيها شافعيا # وأبو عبد الرحمن بن محمد بن الحسين السلمي الصوفي النيسابوري صاحب طبقات الصوفية # وأبو علي الحسن بن علي الدقاق النيسابوري الصوفي شيخ أبي القاسم القشيري وأبو الفتح بن أبي الفوارس
137
$ ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وأربعمائة $ $ ذكر الصلح بين سلطان الدولة ومشرف الدولة $ # في هذه السنة اصطلح سلطان الدولة وأخوه مشرف الدولة وحلف كل واحد منهما لصاحبه وكان الصلح بسعي من أبي محمد بن مكرم # ومؤيد الملك الرخجي وزير مشرف الدولة على أن يكون العراق جميعه لمشرف الدولة وفارس وكرمان لسلطان الدولة $ ذكر قتل المعز وزيره وصاحب جيشه $ # في هذه السنة قتل المعز بن باديس صاحب أفريقية وزيره وصاحب جيشه أبا عبد الله محمد بن الحسن وسبب ذلك أنه أقام سبع سنين لم يحمل إلى المعز من الأموال شيئا بل يجبيها ويرفعها عنده وطمع طمعا عظيم لايصبر على مثله بكثرة أتباعه ولأن أخاه عبد الله بطرابلس الغرب مجاور لزناته وهم أعداء دولته فصار المعز لا يكاتب ملكا ولا يراسله إلا ويكتب أبو عبد الله معه عن نفسه فعظم ذلك على المعز فقتله # يحكى عن أبي عبد الله أنه قال سهرت ليلة أفكر في شيء أحدثه في الناس وأخرجه عليهم من الخدم التي التزمتها فنمت فرأيت عبد الله بن محمد الكاتب # وكان وزير الباديس والد هذا المعز وكان عظيم القدر والمحل وهو يقول لي اتق الله أبا عبد الله في الناس كافة وفي نفسك خاصة فقد أسهرت عينيك وأبرمت حافظيك وقد بدا لي منك ما خفي عليك وعن قليل ترد على ما وردنا وتقدم على ما قدمنا فاكتب عني ما أقول فإني لا أقول إلا حقا فأملى علي هذه الأبيات # ( وليت وقد رأيت مصير قوم % هم كانوا السماء وكنت أرضا )
138
# ( سموا درج العلا حتى اطمأنوا % وهدبهم فعاد الرفع خفضا ) # ( وأعظم أسوة لك بي لأني % ملكت ولم أعش طولا وعرضا ) # ( فلا تغتر بالدنيا وأقصر % فإن أوان أمرك قد تقضى ) # قال فانتبهت مرعوبا ورسخت الأبيات في حفظي فلم يبق بعد هذا المنام غير شهرين حتى قتل # ولما وصل خبر قتله إلى أخيه عبد الله بطرابلس بعث إلى زناتة فعاهدهم وأدخلهم مدينة طرابلس فقتلوا من كان فيها من صنهاجة وسائر الجيش وأخذوا المدينة # فلما سمع المعز ذلك أخذ أولاد عبد الله ونفرا من أهلهم فحبسهم ثم قتلهم بعد أيام لأن نساء المقتولين بطرابلس استغاثوا إلى المعز في قتلهم فقتلهم $ ذكر عدة حوادث $ # وفيها كان بأفريقية غلاء شديد ومجاعة عظيمة لم يكن مثلها في تعذر الأوقات إلا أنه لم يمت فيها أحد بسبب الجوع ولم يجد الناس كبير مشقة # وفيها في شهر رمضان استوزر مشرف الدولة أبا الحسين بن الحسن الرخجي ولقب مؤيد الملك وامتدحه مهيار وغيره من الشعراء وبنى مارستانا بواسط وأكثر فيه من الأدوية الأشربة ورتب له الخزان والأطباء ووقف عليه الوقوف الكثيرة وكان يعرض عليه الوزاره فيأباها # فلما قتل أبو غالب ألزمه بها مشرف الدولة فلم يقدر على الامتناع # وفيها توفي أبو الحسن علي بن عيسى السكري شاعر السنة ومولده ببغداد في صفر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة # وكان قد قرأ الكلام على القاضي أبو بكر بن الباقلاني وإنما سمي شاعر السنة لأنه أكثر مدح الصحابة ومناقضات شعراء الشيعة # وفيها توفي أبو علي عمر بن محمد بن عمر العلوي وأخذ السلطان ماله جميعه وفيها توفي أبو عبد الله بن المعلم فقيه الامامية ورثاه المرتضى
139
$ ثم دخلت سنة أربع عشرة وأربعمائة $ $ ذكر استيلاء علاء الدولة على همذان $ # في هذه السنة استولى أبو جعفر بن كاكويه على همذان وملكها وكذلك غيرها مما يقاربها وسبب ذلك أن فرهاذ بن مرداويج الديلمي مقطع بروجرد قصده سماء الدولة أبو الحسن بن شمس الدولة بن بويه صاحب همذان وحصره فالتجأ فرهاذ إلى علاء الدولة فحماه ومنع عنه وسارا جميعا إلى همذان فحصراها وقطعا الميره عنها فخرج إليهما من بها من العسكر فاقتتلوا # فرحل علاء الدولة إلى جرباذقان فهلك من عسكره ثلاثمائة رجل من شدة البرد فسار إليه تاج الملك القوهي مقدم عسكر همذان فحصره بها فصانع علاء الدولة الأكراد الذين مع تاج الملك فرحلوا عنه فخلص من الحصار وشرع يتجهز ليعاود حصار همذان فأكثر من الجموع فسار إليها فلقيه سماء الدولة في عساكره ومعه تاج الملك فاقتتلوا فانهزم عسكر همذان ومضى تاج الملك إلى قلعة فاحتمى بها وتقدم علاء الدولة إلى سماء الدولة فترجل له وخدمه وأخذه وأنزله في خيمته وحمل إليه المال وما يحتاج إليه وسار وهو معه إلى القلعة التي بها تاج الملك فحصره وقطع املاء عن القلعة فطلب تاج الملك الأمان فأمنه فنزل إليه ودخل معه همذان # ولما ملك علاء الدولة همذان سار إلى الدينور فملكها ثم إلى سابور خواست فملكها أيضا وجمع تلك الأعمال وقبض على أمراء الديلم الذين بهمذان وسجنهم بقلعة عند أصبهان وأخذ أموالهم وأقطاعهم وأبعد كل من فيه شر من الديلم
140
وترك عنده من يعلم أنه لا شر فيه وأكثر القتل فقامت هيبته وخافه الناس وضبط المملكة وقصد حسام الدولة أبا الشوك فأرسل إليه مشرف الدولة يشفع فيه فعاد عنه $ ذكر وزارة أبي القاسم المغربي لمشرف الدولة $ # في هذه السنة قبض مشرف الدولة على وزيره مؤيد الملك الرخجي في شهر رمضان وكانت وزارته سنتين وثلاثة أيام وكان سبب عزله أن الأثير الخادم تغير عليه لأنه صادر ابن شعيا اليهودي على مائة ألف دينار وكان متعلقا بالأثير فسعى وعزله واستوزر بعده أبا القاسم الحسين بن علي بن الحسين المغربي ومولده بمصر سنة سبعين وثلاثمائة وكان أبوه من أصحاب سيف الدولة بن حمدان فسار إلى مصر فتولى بها فقتله الحاكم فهرب ولده أبو القاسم إلى الشام وقصد حسان بن المفرج بن الجراح الطائي وحمله على مخالفة الحاكم والخروج على طاعته ففعل ذلك وحسن له أن يبايع أبا الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكة فأجابه إليه واستقدمه إلى الرملة وخوطب بأمير المؤمنين فأنفذ الحاكم إلى حسان مالا جليلا وأفسد معه حال أبي الفتوح فأعاده حسان إلى وادي القرى وسار أبي الفتوح منه إلى مكة # ثم قصد أبو القاسم العراق واتصل بفخر الملك فاتهمه القادر بالله لأنه من مصر فأبعده فخر الملك قرواشا بالموصل فكتب له ثم عاد عنه وتنقلت به الحال إلى أن وزر بعد مؤيد الملك الرخجي وكان خبيثا محتالا حسودا إذا دخل عليه ذو فضيلة سأله عن غيرها ليظهر للناس جهله # وفيها في المحرم قدم مشرف الدولة إلى بغداد ولقيه القادر بالله في الطيار وعليه السواد ولم يلق قبله أحدا من ملوك بني بويه # وفيها قتل أبو محمد بن سهلان قتله نبكير بن عياض عند ايذج
141
$ ذكر الفتنة بمكة $ # في هذه السنة كان يوم النفر الاول يوم الجمعة فقام رجل من مصر بإحدى يديه سيف مسلول # وفي الأخرى دبوس بعد ما فرغ الامام من الصلاة فقصد ذلك الرجل الحجر الأسود كأنه يستلمه فضرب الحجر ثلاث ضربات بالدبوس وقال إلى متى يعبد الحجر الأسود ومحمد وعلي فيلمنعني مانع من هذا فإني أريد أن أهدم البيت فخاف أكثر الحاضرين وتراجعوا عنه وكاد يفلت فثار به رجل فضربه بخنجر فقتله وقطعه الناس وأحرقوه وقتل ممن اتهم بمصاحبته جماعة وأحرقوا وثارت الفتنة وكان الظاهر من القتلى أكثر من عشرين رجلا غير ما اختفى منهم وألح الناس ذلك اليوم على المغاربة والمصريين بالنهب والسلب وعلى غيرهم في طريق منى إلى البلد فلما كان الغد ماج الناس واضطربوا وأخذوا أربعة من أصحاب ذلك الرجل فقالوا نحن مائة رجل فضربت أعناق هؤلاء الأربعة # وتقشر بعض وجه الحجر من الضربات فأخذ ذلك الفتات وعجن بلك وأعيد إلى موضعه $ ذكر فتح قلعة من الهند $ # في هذه السنة أوغل يمين الدولة محمود بن سبكتكين في بلاد الهند فغنم وقتل حتى وصل إلى قلعة على رأس جبل منيع ليس له مصعد إلا من موضع واحد وهي كبيره تسع خلقا وبها خمسمائة فيل # وفي رأس الجبل من الغلات والمياة وجميع ما يحتاج الناس إليه فحصرهم يمين الدولة وأدام الحصار وضيق عليهم واستمر القتال فقتل منهم كثير فلما رأوا ما حل بهم أذعنوا له وطلبوا الأمان فأمنهم وأقر ملكهم فيها على خراج يأخذه منه # وأهدى له هداياه كثيرة منها طائر على هيئة القمري من خاصيته إذا أحضر الطعام وفيه سم دمعت عينا هذا الطائر وجرى منها ماء وتحجر إذا حك وجعل على الجراحات الواسعة الحمها
142
$ ذكر عدة حوادث $ # فيها توفي القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي الرازي صاحب التصانيف المشهورة في الكلام وغيره وكان موته بمدينة الري وقد جاوز تسعين سنة # وأبو عبد الله الكشفلي الفقيه الشافعي وأبو جعفر محمد بن أحمد الفقيه الحنفي النسفي وكان زاهدا مصنفا وهلال بن محمد بن جعفر أبو الفتح الحفار ومولده سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة # وكان عالما بالحديث عالي الاسناد
143
$ ثم دخلت سنة خمس عشرة وأربعمائة $ $ ذكر الخلف بين مشرف الدولة والاتراك وعزل الوزير المغربي $ # في هذه السنة تأكدت الوحشة بين الأثير عنبر الخادم ومعه الوزير ابن المغربي وبين الأتراك فاستأذن الأثير والوزير ابن المغربي الملك مشرف الدولة في الانتزاح إلى بلد يأمنان فيه على أنفسهما فقال أنا أسير معكما فساروا جميعا ومعهم جماعة من مقدمي الديلم إلى السندية وبها قرواش فأنزلهم ثم ساروا كلهم إلى أوانا فلما علم الأتراك ذلك عظم عليم وانزعجوا منه وأرسلوا المرتضى وأبى الحسن الزينبي وجماعة من قواد الأتراك يعتذرون ويقولون ونحن العبيد فكتب إليهم أبو القاسم المغربي إنني تأملت مالكم من الجامكيات فاذا هي ستمائة ألف دينار وعملت دخل بغداد فإذا هو أربعمائة ألف دينار فإن اسقطتم مائة ألف دينار تحملت بالباقي فقالوا نحن نسقطها فاستشعر منهم أبو القاسم المغربي فهرب إلى قرواش فكانت وزارته عشره أشهر وخمسة أيام فلما أبعد خرج الأتراك فسألوا الملك والأثير الانحدار معهم فأجابهم إلى ذلك وانحدروا جميعهم $ ذكر الفتنة بالكوفة ووزراة أبي القاسم المغربي لأبن مروان $ # في هذه السنة وقعت فتنة بالكوفة بين العلويين والعباسيين وسببها أن المختار أبا علي بن عبيد الله العلوي وقعت بينه وبين الزكي أبي علي النهر سابسي وبين أبي ا لحسن علي بن أبي طالب بن عمر مباينة فاعتضد المختار بالعباسيين فساروا إلى بغداد وشكوا ما يفعل بهم النهر سابسي فتقدم الخليفة القادر بالله بالإصلاح بينهم
144
مراعاة لأبي القاسم الوزير المغربي لأن النهر سابسي كان صديقه وابن أبي طالب كان صهره فعادوا واستعان كل فريق بخفاجة فأعان كل فريق من الكوفيين طائفة من خفاجة فجرى بينهم قتال فظهر العلويون وقتل من العباسيين ستة نفر وأحرقت دورهم ونهبت فعادوا إلى بغداد ومنعوا من الخطبة يوم الجمعة وثاروا وقتلوا ابن أبي العباس العلوي وقالوا إن أخاه كان في جملة الفتكة بالكوفة فبرز أمر الخليفة إلى المرتضى يأمره بصرف ابن أبي طالب عن نقابة الكوفة وردها إلى المختار فانكر الوزير المغربي ما يجري على صهره ابن أبي طالب من العزل وكان عند قرواش بسر من رأى فاعترض أرحاء للخليفة بدرزيجان فأرسل الخليفة القاضي أبا جعفر السمناني في رسالة إلى قرواش يأمره بإبعاد المغربي ففعل فسار المغربي عنه ففعل فسار المغربي إلى ابن مروان بديار بكر وغضب الخليفة على النهر سابسي وبقي تحت السخط إلى سنة ثمان عشرة وأربعمائة فشفع فيه الأتراك # وغيرهم فرضي عنه وحلفه على الطاعة فحلف $ ذكر وفاة سلطان الدولة وملك ولده أبي كاليجار وقتل ابن مكرم $ # وفي هذه السنة في شوال توفي الملك سلطان الدولة أبو شجاع بن بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة بشيراز وكان عمره اثنتين وعشرين سنة وخمسة أشهر وكان ابنه أبو كاليجار بالأهواز فطلبه الأوحد أبو محمد بن مكرم ليملك بعد أبيه وكان هواه معه # وكان الأتراك يريدون عمه أبا الفوارس من بهاء الدولة صاحب كرمان فكاتبوه يطلبونه إليهم أيضا فتأخر أبو كاليجار عنها فسبقه عمه أبو الفوارس إليه فمكلها وكان أبو المكارم بن أبي محمد بن مكرم قد أشار على أبيه لما رأى الاختلاف أن يسير إلى مكان يأمن فيه على نفسه فلم يقبل قوله فسار وتركه وقصد البصرة فندم أبوه حيث لم يكن معه فقال له العادل أبو منصور ابن مافنة المصلحة أن تقصد سيراف وتكون مالك أمرك وابنك أبو القاسم بعمان فتحتاج الملوك إليك فركب سفينة ليمضي إليها فأصابه برد فبطل عن الحركة وأرسل العادل بن مافنة إلى كرمان لإحضار أبي الفوارس فسار إليه العادل وأبلغه رسالة ابن مكرم باستدعائه فسار مجدا ومعه العادل فوصلوا إلى فارس وخرج ابن مكرم يلقى أبا الفوارس ومعه الناس فطالبه الأجناد بحق البيعة
145
فأحالهم على ابن مكر فتضجر ابن مكرم فقال له العادل الرأي أن تبذل مالك وأموالنا حتى تمشي الأمور فانتهره فسكت وتلوم ابن مكرم بإيصال المال إلى الأجناد فشكوه إلى أبي الفوارس فقبض عليه وعلى العادل بن مافنة ثم قتل ابن مكرم واستبقى ابن مافنة # فلمنا سمع ابنه أبو القاسم بقتله صار مع الملك أبي كاليجار وأطاعه وتجهز أبو كاليجار وقام بأمره أبو مزاحم صندل الخادم وكان مربيه وساروا بالعساكر إلى فارس فسير عمه أبو الفوارس عسكرا مع وزيره أبي منصور الحسن بن علي الفسوي لقتاله فوصل أبو كاليجار والوزير متهاون به لكثرة عسكره فأتوه وهو نائم وقد تفرق عسكره في البلد يبتاعون ما يحتاجون إليه وكان جاهلا بالحرب فلما شاهدوا أعلام أبي كاليجار شرع الوزير يرتب العسكر وقد داخلهم الرعب فحمل عليهم أبو كاليجار وهم على اضطراب فانهزموا وغنم أبو كاليجار وعسكره أموالهم ودوابهم وكل مالهم فلما انتهى خبر الهزيمة إلى عمه أبي الفوارس سار إلى كرمان وملك أبو كاليجار بلاد فارس ودخل شيراز $ ذكر عود أبي الفوارس إلى فارس وإخراجه عنها $ # ولما ملك أبو كاليجار بلاد فارس ودخل شيراز جرى على الديلم الشيرازية من عسكره ما أخرجهم عن طاعته وتمنوا معه أنهم كانوا قتلوا مع عمه وكان جماعة من الديلم بمدينة فسا في طاعة أبي الفوارس وهم يريدون أن يصلحوا حالهم مع أبي كاليجار ويصيروا معه فأرسل إليهم الديلم الذين بشيراز يعرفونهم ما يلقون من الأذى ويأمرونهم بالتمسك بطاعة أبي الفوارس ففعلوا ذلك ثم إن عسكر أبي كاليجار طالبوه بالمال وشغبوا عليه فأظهر الديلم الشيرازية ما في نفوسهم من الحقد فعجز عن المقام معهم فسار عن شيراز إلى النوبندجان ولقي شدة في طريقه # ثم انتقل عنها لشدة حرها ووخامة هوائها # ومرض أصحابه فأتى شعب بوان فأقام به فلما سار عن شيراز أرسل الديلم الشيرازية إلى عمه أبي الفوارس يحثونه على المجيء إليهم ويعرفونهم بعد أبي
146
كاليجار عنهم فسار إليهم فسلموا إليه شيراز وقصد إلى أبي كاليجار بشعب بوان ليحاربه ويخرجه عن البلاد فاختار العسكران الصلح فسفروا فيه فاستقر لأبي الفوارس كرمان وفارس ولأبي كاليجار خوزستان وعاد ابو الفوارس إلى شيراز وسار أبو كاليجار إلى أرجان ثم ان وزير أبي الفوارس خبط الناس وأفسد قلوبهم وصادرهم واجتاز به مال لأبي كاليجار والديلم الذين معه فأخذه فحينئذ حث العادل بن مافنة صندلا الخادم على العود إلى شيراز # وكان قد فارق بها نعمة عظيمة وصار مع أبي كاليجار وكان الديلم يطيعونه فعادت الحال إلى أشد ما كانت عليه فسار كل واحد من أبي كاليجار وعمه أبي الفوارس إلى صاحبه والتقوا واقتتلوا فانهزم أبو الفوارس إلى دار ابجرد وملك أبو كاليجار فارس وعاد أبو الفوارس فجمع الأكراد فأكثر فاجتمع معه منهم نحو عشرة الآف مقاتل فالتقوا بين البيضاء واصطخر فاقتتلوا أشد من القتال الأول فعاود أبو الفوارس الهزيمة فسار إلى كرمان واستقر أبي كاليجار بفارس سنة سبع عشرة وأربعمائة وكان أهل شيراز يكرهونه $ ذكر خروج زناتة والظفر بهم $ # في هذه السنة خرج بأفريقية جمع كثير من زناتة فقطعوا الطريق وأفسدوا بقسطيلية ونفزاوة وأغاروا وغنموا واشتدت شوكتهم وكثر جمعهم فسير إليهم المعز بن باديس جيشا جريدة وأمرهم أن يجدوا السير ويسبقوا أخبارهم ففعلوا ذلك وكتموا خبرهم وطووا المراحل حتى أدركوهم وهم آمنون من الطلب فوضعوا فيهم السيف فقتل منهم خلق كثير وعلق خمسمائة رأس في أعناق الخيول وسيرت إلى المعز وكان يوم دخولها يوما مشهودا $ ذكر عود الحجاج على الشام وما كان من الظاهر إليهم $ # في هذه السنة عاد الحجاج من مكة إلى العراق على الشام لصعوبة الطريق
147
المعتاد وكانوا لما وصلوا إلى مكة بذل لهم الظاهر العلوي صاحب مصر أموالا جليلة وخلعا نفيسة وتكلف شيئا كثيرا وأعطى لكل رجل في الصحبة جملة من المال ليظهر لأهل خراسان ذلك وكان على تسيير الحجاج الشريف أبو الحسن القساسي وعلى حجاج خراسان حسنك نائب يمين الدولة بن سبكتكين فعظم ما جرى على الخليفة القادر بالله وعبر حسنك دجلة عند أوانا وسار إلى خراسان وتهدد القادر بالله ابن الأقساسي فمرض فمات ورثاه المرتضى وغيره وأرسل إلى يمين الدولة في المعنى فسير يمين الدولة فسير يمين الدولة الخلع التي خلعت على صاحبه حسنك إلى بغداد فأحرقت $ ذكر عذة حوادُث $ # في هذه السنة تزوج السلطان مشرف الدولة بابنة علاء الدولة بن كاكويه وكان الصداق خمسين ألف دينار وتولى العقد المرتضى وفيها قلد القاضي ابو جعفر السمناني قضاء الرصافة # وباب الطاق وفيها توفي أبو الحسن علي بن محمد السمسمي الأديب وابن الدقاق النحوي وابو الحسين بن بشران المحدث وعمره سبع وثمانون سنة والقاضي أبو محمد بن أبي حامد المروروذي قاضي البصرة بها وأبو الفرج احمد بن عمر المعروف بابن المسلمة الشاهد وهو جد رئيس الرؤساء واحمد بن محمد بن احمد بن القاسم أبو الحسن المحاملي الفقيه الشافعي تفقه على أبي حامد وصنف المصنفات المشهورة وعبيد الله بن عمر بن علي بن محمد بن الأشرس أبو القاسم المقري الفقيه الشافعي
148
$ ثم دخلت سنة ست عشرة واربعمائة $ $ ذكر فتح سومنات $ # في هذه السنة فتح يمين الدولة في بلاد الهند عدة حصون ومدن وأخذ الصنم المعروف بسومنات وهذا الصنم كان أعظم أصنام الهند وهم يحجون إليه كل ليلة خسوف فيجتمع عنده ما ينيف على مائة ألف إنسان وتزعم الهنود أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه على مذهب التناسخ فينشئها فيمن شاء وأن المد والجزر الذي عنده إنما هو عبادة البحر على قدر استطاعته وكانوا يحملون إليه كل علق نفيس ويعطون سدنته كل مال جزيل وله من الموقوف ما يزيد على عشرة الآف قرية وقد اجتمع في البيت الذي هو فيه من نفيس الجوهر ما لا يحصى قيمته # ولأهل الهند نهر كبير يسمى كنك يعظمونه غاية التعظيم ويلقون فيه عظام من يموت من كبرائهم ويعتقودن أنها تساق إلى جنة النعيم وبين هذا النهر وبين سومنات نحو مائتي فرسخ وكان يحمل من مائة كل يوم إلى سومنات ما يغسل به ويكون عنده من البرهميين كل يوم ألف رجل لعبادتة وتقديم الوفود إليه وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس زواره ولحاهم وثلاثمائة رجل وخمسمائة أمة يغنون ويرقصون على باب الصنم ولكل واحد من هؤلاء شيء علوم كل يوم # وكان يمين الدولة كلما فتح من الهند فتحا وكسر صنما يقول الهنود إن هذه الاصنام قد سخط عليها سومنات ولو أنه راض عنها لأهلك من قصدها بسوء فلما بلغ ذلك يمين الدولة عزم على غزوة وإهلاكه ظنا منه أن الهنود إذا فقدوه ورأوا كذب ادعائهم الباطل دخلوا في الإسلام فاستخار الله تعالى وسار عن غزنة عاشر شعبان
149
من هذه السنة في ثلاثين ألف فارس من عساكره سوى المتطوعة # وسلك سبيل الملتان فوصلها منتصف شهر رمضان وفي طريقه الى الهند برية قفر لا ساكن فيها ولا ماء ولا ميرة فتجهز هو وعسكره على قدرها ثم زاد بعد الحاجة عشرين ألف جمل تحمل الماء والميرة وقصد انهلوارة فلما قطع المفازة رأى في طرفها حصونا مشحونة بالرجال وعندها آبار قد غوروها ليعتذر عليه حصرها فيسر الله تعالى فتحها عند قربه منها بالرعب الذي قذفه في قلوبهم وتسلمها وقتل سكانها وأهلك أوثانها وامتاروا منها الماء وما يحتاجون إليه وسار إلى انهلوراة فوصلها مستهل ذي القعدة فرأى صاحبها المدعو بهيم قد أجفل عنها وتركها وأمعن في الهرب وقصد حصنا له يحتمي به فاستولى يمين الدولة على المدينة وسار إلى سومنات فلقي في طريقه عدة حصون فيها كثير من الأوثان شبه الحجاب والنقباء لسومنات على ما سول لهم الشيطان فقاتل من بها وفتحها وخربها وكسر أصنامها # وسار إلى سومنات في مفازة قفرة قليلة الماء فلقي فيها عشرين ألف مقاتل من سكانها لم يدينوا للملك فأرسل إليهم السرايا فقاتلوهم فهزموهم وغنموا ما لهم وامتاروا من عندهم وساروا حتى بلغوا دبولواره وهي مرحلتين من سومنات وقد ثبت أهلها له ظنا منهم أن سومنات يمنعهم ويدفع عنهم فاستولى عليها وقتل رجالها وغنم أموالها و سار عنها إلى سومنات فوصلها يوم الخميس منتصف ذي الققعدة # فرأى حصنا حصينا مبنيا على ساحل البحر بحيث تبلغه أمواجه # وأهله على الاسوار يتفرجون على المسلمين واثقين أن معبودهم يقطع دابرهم ويهلكهم # فلما كان الغد وهو الجمعة زحف وقاتل من به فرأى الهنود من المسلمين قتالا لن يعهدوا مثله ففارقوا السور فنصب المسلمون عليه السلام وصعدوا إليه وأعلنوا بكلمة الاخلاص وأظهروا شعار الإسلام فحينئذ اشتد القتال وعظم الخطب وتقدم جماعة الهنود إلى سومنات فعفروا له خدودهم وسألوه النصر وأدركهم الليل فكف بعضهم عن بعض فلما كان الغد بكر المسلمون إليهم وقاتلوهم فأكثروا في الهنود
150
القتل وأجلوهم عن المدينة إلى بتن صنمهم سومنات فقاتلوا على بابه أشد قتال # وكان الفريق منهم بعد الفريق يدخل إلى سومنات فيعتقونه ويبكون ويتضرعون إليه ويخرجون فيقاتلون إلى أن يقتلوا حتى كاد الفناء يستوعبهم فبقي منهم القليل فدخلوا البحر إلى مركبين لهم لينجوا فيهما فأدركهم المسلمون فقتلوا بعضا وغرق بعض # وأما البيت الذي فيه سومنات فهو مبني على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص وسومنات في حجر طوله خمسة أذرع ثلاثة مدورة ظاهرة وذراعان في البناء وليس بصورة مصورة فأخذه يمين الدولة فكسره وأحرق بعضه وأخذ بعضه معه إلى غزنة فجعله عتبة الجامع وكان بيت الصنم مظلما وإنما الضوء الذي عنده من قناديل الجوهر الفائق وكان عنده سلسلة ذهب فيها جرس وزنها مائتا طن كلما مضى طائفة معلومة من الليل حركت السلسلة فيصوت الجرس فيقوم طائفة من البرهميين إلى عبادتهم وعنده خزانة فيها عدة من الأصنام الذهبية والفضية وعليها الستور المعلقة المرصعة بالجوهر كل واحد منها منسوب إلى عظيم من عظائمهم وقيمة ما في البيوت يزيد على عشرين ألف ألف دينار فأخذ الجميع # وكانت عدة القتلى تزيد على خمسين ألف قتيل # ثم إن يمين الدولة ورد عليه الخبر أن بهيم صاحب انهلوارة قد قصد قلعة تسمى كندهة في البحر بينها وبين البر من جهة سومنات أربعون فرسخا فسار إليها يمين الدولة من سومنات فلما حاذى القلعة رأى رجلين من الصيادين فسألهما عن خوض البحر هناك فعرفاه أنه يمكن خوضه لكن إن تحرك الهواء يسيرا غرق من فيه # فاستخار الله تعالى وخاضه هو ومن معه فخرجوا سالمين # فرأوا بهيم وقد فارق قلعته وأخلاها فعاد عنها وقصد المنصورة وكان صاحبها قد ارتد عن الإسلام فلما بلغه خبر مجيئ يمين الدولة فارقها واحتمى بغياض أشبه فقصده يمين الدولة من موضعين فأحاط به وبمن معه فقتلوا أكثرهم وغرق منهم كثير ولم ينج منهم إلا القليل # ثم سار إلى بهاطية فأطاعه أهلها ودانوا له فرحل إلى غزنة فوصلها عاشر صفر من سنة سبع عشرة وأربعمائة
151
$ ذكر وفاة مشرف الدولة وملك أخيه جلال الدولة $ # في هذه السنة في ربيع الأول توفي الملك مشرف الدولة أبو علي بن بهاء الدولة بمرض حاد وعمره ثلاث وعشرون سنة وثلاثة أشهر وملكه خمس سنين وخمسة وعشرون يوما # وكان كثير الخير قليل الشر عادلا حسن السيرة وكانت والدته في الحياة وتوفيت سنة خمس وعشرين ولما توفي مشرف الدولة خطب ببغداد بعد موته لأخيه أبي طاهر جلال الدولة وهو بالبصرة وطلب إلى بغداد فلم يصعد إليها # وإنما بلغ إلى واسط وأقام بها ثم عاد إلى البصرة فقطعت خطبته # وخطب لابن أخيه الملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة في شوال وهو حينئذ صاحب خوزستان والحرب بينه وبين عمه أبي الفوارس صاحب كرمان بفارس فلما سمع جلال الدولة بذلك أصعد إلى بغداد فانحدر عسكرها ليردوه عنها فلقوه بالسيب من أعمال النهروان فردوه فلم يرجع فرموه بالنشاب ونهبوا بعض خزائنه فعاد إلى البصرة وأرسلوا إلى الملك أبي كاليجار ليصعد إلى بغداد ليملكوه فوعدهم الإصعاد ولم يمكنه لأجل صاحب كرمان ولما أصعد جلال الدولة كان وزيره أبا سعد بن ماكولا $ ذكر ملك نصر الدولة بن مروان مدينة الرها $ # وفي هذه السنة ملك نصر الدولة بن مروان صاحب ديار بكر مدينة الرها وكان سبب ملكهاأن الرها كانت لرجل من بني نمير يسمى عطيرا وفيه شر وجهل واستخلف عليها نائبا له اسمه أحمد بن محمد فأحسن السيرة وعدل في الرعية فمالوا إليه وكان عطير يقيم بحلته ويدخل البلد في الأوقات المتفرقة فرأى أن نائبه يحكم في البلد ويأمر وينهى فحسده فقال له يوما قد أكلت مالي واستوليت على بلدي وصرت الأمير وأنا النائب فاعتذر إليه فلم يقبل عذره وقتله فأنكرت الرعية قتله وغضبوا على
152
عطير وكاتبوا نصر الدولة بن مروان ليسلموا إليه البلد فسير إليهم نائبا كان له بآمد يسمى زنك فتسلمها وأقام بها ومعه جماعة من الأجناد # ومضى عطير إلى صالح بن مرداس وسأله الشفاعة له إلى نصر الدولة فشفع فيه فأعطاه نصف البلد ودخل عطير إلى نصر الدولة بميافارقين فأشار أصحاب نصر الدولة بقبضه فلم يفعل وقال لا أغدر به وإن كان أفسد وأرجوا أن أكف شره بالوفاء # وتسلم عطير نصف البلد ظاهرا وباطنا وأقام فيه مع نائب نصر الدولة # ثم إن نائب نصر الدولة عمل طعاما ودعاه فأكل وشرب واستدعى ولدا كان لأحمد الذي قتله عطيرا وقال تريد أن تأخذ بثأر أبيك قال نعم قال هذا عطير عندي في نفر يسير فإذا خرج فتعلق به في السوق وقل له يا ظالم قتلت أبي فإنه سيجرد سيفه عليك فإذا فعل فاستنفر الناس عليه واقتله وأنا من ورائك ففعل ما أمره وقتل عطيرا ومعه ثلاثة نفر من العرب فاجتمع بنو نمير وقالوا هذا فعل زنك ولا ينبغي لنا أن نسكت عن ثأرنا ولئن لم نقتله ليخرجنا من بلادنا فاجتمعت نمير وكمنوا له بظاهر البلد كمينا وقصد فريق منهم البلد فاغاروا على ما يقاربه فسمع زنك الخبر فخرج فيمن عنده من العساكر وطلب القوم فلما جاوز الكمناء خرجوا عليه فقاتلهم فأصابه حجر مقلاع فسقط وقتل وكان قتله سنة ثمان عشرة وأربعمائة في أولها وخلصت المدينة لنصر الدولة ثم إن صالح بن مرداس شفع في ابن عطير وابن شبل النمريين ليرد الرها إليهما فشفعة وسلمها إليهما وكان فيها برجان أحدهما أكبر من الآخر فأخذ ابن عطير البرج الكبير وأخذ ابن شبل البرج الصغير وأقاما في البلد إلى أن باعه ابن عطير من الروم على ما نذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر غرق الاسطول بجزيرة صقلية $ # في هذه السنة خرج الروم إلى جزيرة صقلية في جمع كثير وملكوا ما كان للمسلمين في جزيرة قلورية وهي مجاورة لجزيرة صقلية وشرعوا في بناء المساكن ينتظرون وصول مراكبهم وجموعهم مع ابن أخت الملك فبلغ المعز بن باديس فجهز أسطولا كبيرا أربعمائة قطعة وحشد فيها وجمع خلقا كثيرا وتطوع جمع كثير بالجهاد رغبة في الأجر فسار الأسطول في كانون الثاني فلما قرب من جزيرة قوصرة وهي
153
قريب من بر أفريقية خرج عليهم ريح شديدة ونوء عظيم فغرق أكثرهم ولم ينج إلا اليسير $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة ظهر أمر العيارين ببغداد وعظم شرهم فقتلوا النفوس ونهبوا الأموال وفعلوا ما أرادوا وأحرقوا الكرخ وغل السعر بها حتى بيع الكر الحنطة بمائتي دينار قاسانية # وفيها قبض جلال الدولة على وزيره أبي سعد بن ماكولا واستوزر ابن عمه أبا علي بن ماكولا # وفيها أرسل القادر بالله القاضي أبا جعفر السمناني إلى قرواش يأمره بابعاد الوزير أبي القاسم المغربي وكان عنده فأبعده فقصد نصر الدولة بن مروان بميافارقين وقد تقدم السبب فيه # وفيها توفي الوزير ابو منصور محمد بن الحسن بن صالحان وزير مشرف الدولة أبي الفوارس وعمره ست وسبعون سنة وقاضي القضاة أبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي الشوارب ومولده في ذي القعدة سنة تسع عشرة وثلاثمائة # وكان عفيفا نزها وقيل توفي سنة سبع عشرة # وبسيل ملك الروم وملك بعده أخوه قسطنطين # وفيها ورد رسول محمود بن سبكتكين إلى القادر بالله ومعه خلع قد سيرها له الظاهر لإعزاز دين الله العلوي صاحب مصر ويقول أنا الخادم الذي أرى الطاعة فرضا # ويذكر ارسال هذه الخلع إليه وأنه سيرها إلى الديوان ليرسم فيها بما
154
يرى فاحرقت على باب النوبى فخرج منها ذهب كثير تصدق به على ضعفاء بني هاشم # وفيها توفي سابور بن اردشير وزير بهاء الدولة وكان كاتبا سديدا وعمل دار الكتب ببغداد سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة وجعل فيها أكثر من عشرة الآف مجلد وبقيت إلى أن احترقت عند مجيء طغرلبك إلى بغداد سنة خمسين وأربعمائة # وفيها توفي عثمان الخوكوشي الواعظ النيسابوري وكان صالحا خيرا وكان إذا دخل على محمود بن سبكتكين يقوم ويلتقيه وكان محمود قد قسط على نيسابور مالا يأخذه منهم فقال له الخوكوشي بلغني أنك تكدي الناس وضاق صدري فقال وكيف قال بلغني أنك تأخذ أموال الضعفاء وهذه كدية فترك القسط وأطلقه وفيها بطل الحج من العراق وخراسان
155
$ ثم دخلت سنة سبع عشرة وأربعمائة $ $ ذكر الحرب بين عسكر علاء الدولة والجوزقان $ # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين عساكر علاء الدولة بن كاكوية وبين الأكراد الجوزقان وكان سببها أن علاء الدولة استعمل أبا جعفر ابن عمه على سابور خواست وتلك النواحي # فضم إليه الأكراد الجوزقان وجعل معه على الأكراد أبا الفرج البابوني منسوب إلى بطن منهم فجرى بين أبي جعفر وأبي الفرج مشاجرة أدت إلى المنافرة فأصلح بينهما علاء الدولة وأعادهما إلى عملهما فلم يزل الحقد يقوى والشر يتجدد فضرب أبو جعفر أبا الفرج بلت كان في يده فقتله # فنفر الجوزقان بأسرهم ونهبوا وأفسدوا فطلبهم علاء الدولة وسير عسكرا واستعمل عليهم أبا منصور ابن عمه أخا أبي جعفر الأكبر وجعل معه فرهاذ بن مرداويج وعلي بن عمران فلما علم الجوزقان ذلك أرسلوا إلى علي بن عمران يسألونه أن يصلح حالهم مع علاء الدولة وقصده جماعة منهم فشرع في الاصلاح فطالبه أبو جعفر وفرهاذ بالجماعة الذين قصدوه ليسلمهم إليهما وأرادا أخذهم منه قهرا فانتقل إلى الجوزقان واحتمى كل منهم بصاحبه وجرى بين الطائفتين قتال غير مرة كان في آخره لعلي بن عمران والجوزقان فانهزم فرهاذ وأسر أبو منصور وأبو جعفر ابنا عم علاء الدولة فأما أبو جعفر فقتل قصاصا بأبي الفرج وأما أبو منصور فسجن فلما قتل أبو جعفر علم علي بن عمران أن الأمر قد فسد مع علاء الدولة ولا يمكن إصلاحه فشرع في الاحتياط $ ذكر الحرب بين قرواش وبني أسد وخفاجة $ # في هذه السنة اجتمع دبيس بن علي بن مزيد الأسدي وأبو الفتيان منيع بن حسان أمير بني خفاجة وجمعا عشائرهما وغيرهم وانضاف إليهما عسكر بغداد على قتال قرواش بن المقلد العقيلي وكان سببه أن خفاجة تعرضوا إلى السواد وما بيد
156
قرواش منه فانحدر من الموصل لدفعهم فاستعانوا بدبيس فسار إليهم واجتمعوا فأتاهم عسكر بغداد فالتقوا بظاهر الكوفة وهي لقرواش فجرى بين مقدمته ومقدمتهما مناوشة وعلم قرواش أنه لا طاقة له بهم فسار ليلا جريدة في نفر يسير وعلم أصحابه بذلك فتبعوه منهزمين فوصلوا إلى الأنبار # وسارت أسد وخفاجة خلفهم فلما قاربوا الأنبار فارقها قرواش إلى حلله فلم يمكنهم الإقدام عليه واستولوا على الأنبار ثم تفرقوا $ ذكر الفتنة ببغداد وطمع الأتراك والعيارين $ # في هذه السنة كثر تسلط الأتراك ببغداد فأكثروا مصادرات الناس وأخذوا الأموال حتى أنهم قسطوا على الكرخ خاصة مائة ألف دينار # وعظم الخطب وزاد الشر وأحرقت المنازل والدروب والأسواق ودخل في الطمع العامة والعيارون فكانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره كما يفعل السلطان بمن يصادره فعمل الناس الأبواب على الدروب فلم تغن شيئا ووقعت الحرب بين الجند والعامة فظفر الجند ونهبوا الكرخ وغيره فأخذ منه مال جليل وهلك أهل الستر والخير # فلما رأى القوادو عقلاء الجندان الملك أبا كاليجار لا يصل إليهم وأن البلاد قد خربت وطمع فيهم المجاورون من العرب والأكراد راسلوا جلال الدولة في الحضور إلى بغداد فحضر على ما نذكره سنة ثمان عشرة وأربعمائة $ ذكر أصعاد الأثير إلى الموصل والحرب الواقعة بين بني عقيل $ # في هذه السنة أصعد الأثير عنبر إلى الموصل من بغداد وكان سببه أن الأثير كان حاكما في الدولة البويهة ماضي الحكم نافذ الأمر والجند من أطوع الناس له وأسمعهم لقوله فلما كان الآن زال ذلك وخالفه الجند فزالت طاعته عنهم فلم يلتفتوا إليه فخافهم على نفسه فسار إلى قرواش فندم الجند على ذلك وسألوه أن يعود فلم بفعل وأصعد إلى الموصل مع قرواش فأخذ ملكه وأقطاعه بالعراق # ثم إن نجدة الدولة بن قراد ورافع بن الحسين جمعا جمعا كثيرا من عقيل وانضم إليهم بدران أخو قرواش وساروا يريدون حرب قرواش # وكان قرواش لما سمع خبرهم قد اجتمع هو وغريب بن معن والأثير عنبر وأتاه مدد من ابن مروان فاجتمع في ثلاثة عشر ألف مقاتل فالتقوا عند بلد واقتتلوا وثبت بعضهم لبعض # وكثر القتل ففعل ثروان بن قراد فعلا جميلا وذاك أنه قصد غريبا في وسط المصاف واعتنقه وصالحه وفعل أبو الفضل
157
بدران بن المقلد بأخيه قرواش كذلك فاصطلح الجميع وأعاد قرواش إلى أخيه بدران مدينة نصيبين $ ذكر احراق خفاجة الأنبار وطاعتهم لأبي كاليجار $ # في هذه السنة سار منيع بن حسان أمير خفاجة إلى الجامعين وهي لنور الدولة دبيس فنهبها # فسار دبيس في طلبه إلى الكوفة ففارقها وقصد الأنبار وهي لقرواش كان استعادها بعد ما ذكرناه قبل # فلما نازلها منيع قاتله أهلها فلم يكن لهم بخفاجة طاقة فدخل خفاجة الأنبار ونهبوها وأحرقوا أسواقها # فانحدر قرواش إليهم ليمنعهم وكان مريضا ومعه غريب والأثير عنبر الى الأنبار ثم تركها ومضى إلى القصر # فاشتد طمع خفاجة وعادوا إلى الأنبار فأحرقوها مرة ثانية وسار قرواش إلى الجامعين فاجتمع هو ونور الدولة دبيس بن مزيد في عشرة الآف مقاتل وكانت خفاجة في ألف فلم يقدر قرواش في ذلك الجيش العظيم على هذه الألف وشرع أهل الأنبار في بناء سور على البلد وأعادهم قرواش وأقام عندهم الشتاء # ثم إن منيع بن حسان سار إأى الملك أبي كاليجار فأطاعه فخلع عليه # وأتى منيع الخفاجي إلى الكوفة فخطب فيها لأبي كاليجار وأزال حكم عقيل عن سقي الفرات $ ذكر الصلح بأفريقية بين كتامة وزناتة وبين المعز بن باديس $ # في هذه السنة وردت رسل زناتة وكتامة إلى المعز بن باديس صاحب أفريقية يطلبون منه الصلح وأن يقبل منهم الطاعة والدخول تحت حكمه وشرطوا أنهم يحفظون الطريق وأعطوا علىذلك عهودهم ومواثيقهم فأجابهم إلى ما سألوا وجاءت مشيخة زناتة وكتامة إليه فقبلهم وأنزلهم ووصلهم وبذل لهم أموالا جليلة # ذكر وفاة حماد بن المنصور وولاية ابنه القائد $ # في هذه السنة توفي حماد بن بلكين عم المعز بن باديس صاحب افريقية وكان خرج من قلعته منتزها فمرض ومات وحمل إلى القلعة فدفن بها # وولي بعده ابنه القائد وعظم على المعز موته لأن الأمر بينهما كان قد صلح واستقامت الأمور للمعز بعده وأذعن له أولاد عمه حماد بالطاعة
158
$ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة كان بالعراق برد شديد جمد فيه الماء في دجلة والأنهار الكبيرة فأما السواقي فإنها جمدت كلها وتأخر المطر وازدادت دجلة فلم يزرع في السواد إلا القليل # وفيها بطل الحج من خراسان والعراق # وفيها انقض كوكب عظيم استنارات له الأرض فسمع له دوي عظيم كان ذلك في رمضان # وفيها مات أبو سعد بن ماكولا وزير جلال الدولة في محبسه وأبو حازم عمر بن أحمد بن ابراهيم العبدوي النيسابوري الحافظ وهو من مشايخ خطيب بغداد # وأبو الحسن علي بن أحمد بن عمر الحمامي المقري مولده سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة
159
$ ثم دخلت سنة ثمان عشرة وأربعمائة $ $ ذكر الحرب بين علاء الدولة وإصبهبذ ومن معه وما تبع ذلك من الفتن $ # في هذه السنة في ربيع الأول كانت حرب شديدة بين علاء الدولة بن كاكويه وبين الإصبهبذ ومن معه ووكان سببها ما ذكرناه من خروج علي بن عمران عن طاعة علاء الدولة فلما فارقه اشتد خوفه من علاء الدولة فكاتب إصبهبند صاحب طبرستان وكان مقيما وبليبلكين بن وندرين وحثه على قصد بلاد الجبل وكاتب أيضا منوجهر بن قابوس بن شمكير واستمده وأوهم الجميع أن البلاد في يده لا دافع له عنها وكان إصبهبذ معاديا لعلاء الدولة فسار هو و ولكين إلى همذان فملكاها وملكا أعمال الجبل وأجليا عنها عمال علاء الدولة وأتاهم عسكر منوجهر وعلي بن عمران فازدادوا قوة وساروا كلهم إلى أصبهان فتحصن علاء الدولة بها وأخرج الأموال فحصروه وجرى بينهم قتال استظهر فيه علاء الدولة وقصده كثير من ذلك العسكر وهو يبذل لمن يجيء إليه المال الجزيل ويحسن إليهم # فأقاموا أربعة أيام وضاقت عليهم الميرة فعادوا عنها وتبعهم علاء الدولة واستمال الجوزقان فمال إليه بعضهم وتبعهم إلى نهاوند فالتقوا عندها واقتتلوا قتالا كثر فيه القتلى والأسرى فظفر علاء الدولة وقتل ابنين لولكين في المعركة وأسر الأصبهبد وابنان له ووزيره ومضى ولكين في نفر يسير إلى جرجان وقصد علي بن عمران قلعة كنكور فتحصن بها فسار إليه علاء الدولة فحصره بها وبقي إصبهبد محبوسا عند علاء الدولة إلى أن توفي في رجب سنة تسع عشرة وأربعمائة # ثم ان ولكين بن وندرين سار بعد خلاصه من الوقعة إلى منوجهر بن قابوس وأطعمه في الري وملكها وهون عليه أمر البلاد لا سيما مع اشتغال علاء الدولة بمحاصرة علي بن عمران وانضاف إلى ذلك أن ولد ولكين كان صهر علاء الدولة على ابنته وقد أقطعه علاء الدولة مدينة قم فعصى عليه وسار مع أبيه وأرسل إليه يحثه على قصد البلاد فسار
160
إليها ومعه عساكره وعساكر منوجهر حتى نزلوا على الري وقاتلوا مجد الدولة بن بوية ومن معه # وجرى بين الفريقين وقائع استظهر فيها أهل الري فلما رأى علاء الدولة ذلك صالح علي بن عمران فلما بلغ ولكين الصلح بين علاء الدولة وعلى بن عمران رحل عن الري من غير بلوغ غرض فتوجه علاء الدولة الى الري وراسل منوجهر ووبخه وتهدده وأظهر قصد بلاده فسمع أن علي بن عمران قد كاتب منوجهر وأطعمه ووعده النصر وحثه على العود إلى الري # فعاد علاء الدولة عن قصد بلاد منوجهر وتجهز لقصد علي بن عمران فأرسل ابن عمران إلى منوجهر يستمده فسير إليه ستمائة فارس وراجل مع قائد من قواده وتحصن ابن عمران وجمع عنده الذخائر بكنكور وقصده علاء الدولة وحصره وضيق عليه ففني ما عنده فأرسل يطلب الصلح فاشترط علاء الدولة أن يسلم قلعة كنكور والذين قتلوا أبا جعفر ابن عمه والقائد الذي سيره إلى منوجهر # فأجابه إلى ذلك وسيرهم إليه فقتل قتلة ابن عمه وسجن القائد وتسلم القلعة وأقطع عليا عوضا عنها مدينة الدينور # وأرسل منوجهر إلى علاء الدولة فصالحه فأطلق صاحبه $ ذكر عصيان البطيحة على أبي كاليجار $ # في هذه السنة عصى أهل البطيحة على الملك أبي كاليجار ومقدمهم أبو عبد الله الحسين بن بكر الشرابي الذي كان قديما صاحب البطيحة وقد تقدم خيره # وكان سبب هذا الخلاف أن الملك أبا كاليجار سير وزيره أبا محمد بن بابشاذ إلى البطيحة فعسف الناس وأخذ أموالهم وأمر الشرابي فوزضع على كل دار بالصليق قسطا وكان في صحبته ففعل فتفرقوا في البلاد وفارقوا أوطانهم # فعزم من يقي على أن يستدعوا من يتقدم عليهم في العصيان على أبي كاليجار # وقتل الشرابي وكان ينسبون كل ما يجري عليهم من الشرابي فعلم الشرابي بذلك فحضر عندهم واعتذر إليهم وبذل من نفسه مساعدتهم على ما يريدونه فرضوا به وحلفوا له وحلف لهم وأمرهم بكتمان الحال وعاد إلى الوزير فأشار عليه بإرسال أصحابه إلى جهات ذكرها ليحصلوا على الأموال فقبل منه ثم أشار عليه بإحدار سفنه إلى مكان ذكره ليصلح ما فسد منها ففعل فلما تم له ذلك وثب هو وأهل البطيحة عليه وأخرجوه من عندهم وكان عندهم وكان عندهم جماعة من عسكر جلال الدولة في الحبس فأخرجوهم واستعانوا بهم واتفقوا معهم
161
وفتحوا السواقي وعادوا إلى ما كانوا عليه أيام مهذب الدولة وقاتلوا كل من قصدهم وامتنعوا فتم لهم ذلك # ثم قصده ابن المعبراني فاستولى على البطيحة وفارقها الشرابي إلى دبيس بن مزيد فأقام عنده مكرما $ ذكر صلح أبي كاليجار مع عمه صاحب كرمان $ # في هذه السنة استقر الصلح بين أبي كاليجار وبين عمه أبي الفوارس صاحب كرمان # وكان أبو كاليجار قد سار إلى كرمان لقتال عمه وأخذ كرمان منه فاحتمى منه بالجبال # وحمى الحر على أبي كاليجار وعسكره فكثرت الأمراض فتراسلا في الصلح فاصطلحا على أن يكون كرمان لأبي الفوارس وبلاده لأبي كاليجار ويحمل إلى عمه كل سنة عشرين ألف دينار ولما عاد أبو كاليجار إلى الأهواز جعل أمور دولته إلى العادل بن مافنة فأجابه بعد امتناع وكان مولد العادل بكازرون سنة ستين وثلاث مائة وشرط العادل أن لا يعارض في الرأي يفعله فأجيب له ذلك $ ذكر الخطبة لجلال الدولة ببغداد وإصاده إليها $ # في هذه السنة في جمادى الأولى خطب للملك جلال الدولة أبي طاهر بن بهاء الدولة ببغداد وأصعد إليها من البصرة فدخلها ثالث شهر رمضان وكان سبب ذلك أن الأتراك لما رأوا أن البلاد تخرب وأن العامة والعرب والأكراد قد طمعوا وأنهم ليس عندهم سلطان يجمع كلمتهم قصدوا دار الخلافة # وأرسلوا يعتذرون إلى الخليفة من انفرادهم بالخطبة لجلال الدولة أولا ثم برده ثانيا وبالخطبة لأبي كاليجارويشكرون الخليفة حيث لم يخالفهم في شيء من ذلك وقالوا إن أمير المؤمنين صاحب الأمر ونحن العبيد وقد أخطأنا ونسأل العفو وليس عندنا الآن من يجمع كلمتنا ونسأل أن ترسل إلى جلال الدولة ليصعد إلى بغداد ويملك الأمر ويجمع الكلمة ويخطب له فيها ويسألون أن يحلفه الرسول السائر لاحضاره لهم فاجابهم الخليفة إلى ما سألوا وراسله هو وقواد الجند في الإصعاد واليمين للخليفة والأتراك فحلف لهم وأصعد إلى بغداد وانحدر الأتراك إليه فلقوه في الطريق وأرسل الخليفة إليه القاضي أبا جعفر السماني فأعاد تجديد العهد عليه للخليفة والأتراك ففعل ولما وصل إلى بغداد نزل النجمي
162
فركب الخليفة الخليفة في الطيار وانحدر يلتقيه فلما رآه جلال الدولة قبل الأرض بين يديه وركب في زبزبه ووقف قائما فأمره الخليفة بالجلوس فخدم وجلس ودخل إلى دار المملكة بعد أن مضى إلى مشهد موسى بن جعفر فزار وقصد الدار فدخلها وأمر بضرب الطبل أوقات الصلوات الخمس فراسله الخليفة في منعه فقطعه غضبا حتى أذن له في إعادته ففعل وأرسل جلال الدولة مؤيد الملك أبا علي الرخجي الى الأثير عنبر الخادم وهو عند قرواش وقد ذكرنا ذلك يعرفه اعتضاده به واعتماده عليه ومحبته له ويعتذر إليه عن الأتراك فعذرهم وقال هم أولاد أخوة $ ذكر وفاة أبي القاسم بن المغربي وأبي الخطاب $ # أما أبو القاسم المغربي فتوفي هذه السة بميافارقين وكان عمره ستا وأربعين سنة ولما أحس بالموت كتب كتابا على نفسه إلى كل من يعرفه من الأمراء والرؤساء الذين بينه وبين الكوفة ويعرفهم أن حظية له توفيت وأنه قد سير تابوتها إلى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام وخاطبهم في المراعاة لمن في صحبته وكان قصده أن لا أحد لتابوته بمنع وينطو خبره فلما توفي سار به أصحابه كما أمرهم وأوصلوا الكتب فلم يعرض أحد إليه فدفن بالمشهد ولم يعلم أحد به إلا بعد دفنه ولأبي الحسن شعر حسن فمنه هذه الأبيات # ( وما ظبية أدماء تحنو على طلا % ترى الإنس وحشا وهي تأنس بالوحش ) # ( غدت فارتعت ثم انثنت لرضاعته % فلم تلف شيئا من قوائمه الحمش ) # ( فطافت بذاك القاع ولهى فصادفت % سباع الفلا ينهشنه أيما نهش ) # ( بأوجع مني يوم ظلت أنامل % تودعني بالدر من شبك النقش )
163
# ( وأجمالهم تخدي وقد خيل الهوى % كأن مطاياهم على ناظري تمشي ) # ( وأعجب ما في الأمر أن عشت بعدهم % على أنهم ما خلفوا لي من بطش ) # وأما أبو الخطاب حمزة بن إبراهيم فإنه مات بكرخ سامرا مفلوجا غريبا قد زال عنه أمره وجاهه وكان مولده سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ورثاه المرتضى # كان سبب اتصاله ببهاء الدولة معرفة النجوم وبلغ منه منزلة لم يبلغها أمثاله فكان الوزراء يخدمونه وحمل إليه فخر الملك مائة ألف دينار فاستقلها وصار أمره إلى ما صار من الضيق والفقر والغربة $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة سقط في العراق جمعية برد كبار يكون في الواحد رطل أو رطلان وأصغر كالبيضة فأهلك الغلات ولم يصح منها إلا القليل وفيها آخر تشرين الثاني هبت ريح باردة بالعراق جمد منها الماء والخل وبطل دوران الدواليب على دجلة # وفيها انقطع الحج من خراسان والعراق وفيها نقصت الدار المعزية وكان معز الدولة بن بويه بناها وعظمها وغرم عليها ألف ألف دينار وأول من شرع في تخريبها بهاء الدولة فإنه لما عمر داره بسوق الثلاثاء نقل إليها من انقاضها وأخذ سقفا منها وأراد أن ينقله إلى شيراز فلم يتم ذلك فبذل فيه من يحك ذهبه ثمانية آلاف دينار # ونقضت الآن وبيع أنقاضها # وفيها توفي هبة الله بن الحسن بن منصور أبو القاسم اللالكائي الرازي سمع الحديث الكثير وتفقه على أبي حامد الاسفرايني وصنف كتبا # وأبو القاسم طباطبا الشريف العلوي وله شعر جيد فمنه أن صديقا له كتب إليه رقعة فأجابه على ظهرها هذه الأبيات # ( وقرأت الذي كتب ومازال % نجيي ومؤنسي وسميري )
164
# ( وغدا الفال بامتزاج السطور % حاكما بامتزاج ما في الضمير ) # ( واقترن الكلام لفظا وخطا % شاهدا باقتران ود الصدور ) # ( وتبركت باجتماع الكلامين % رجاء اجتماعنا في سرور ) # ( وتفاءلت بالظهور على الوا % شي فصارت إجابتي في الصدور )
165
$ ثم دخلت سنة تسع عشرة وأربعمائة $ $ ذكر الحرب بين بدران وعسكره نصر الدولة $ # في هذه السنة في جمادى الأولى سار بدران بن المقلد العقيلي في جمع من العرب إلى نصيبين وحصرها وكانت لنصرالدولة بن مروان فخرج إليه عسكر نصر الدولة الذين بها وقاتلوه فهزمهم واستظهر عليهم وقتل جماعة من أهل نصيبين والعسكر فسير نصر الدولة عسكرا آخر نجدة لمن بنصيبين فأرسل إليهم بدران عسكرا فلقوهم فقاتلوهم وهزموهم وقتلوا أكثرهم # فأزعج ذلك ابن مروان وأقلقه فسير عسكرا آخر ثلاثة آلاف فارس فدخلوا نصيبين واجتمعوا بمن فيها وخرجوا إلى بدران فاقتتلوا فانهزم بدران ومن معه بعد قتال شديد وقت الظهر وتبعهم عسكر ابن مروان ثم عطف عليهم بدران وأصحابه فلم يثبتوا له فأكثر فيهم القتل والأسر وغنم الأموال فعاد عسكر ابن مروان مفلولين فدخلوا نصيبين فاجتمعوا بها واقتتلوا مرة أخرى وكانوا على السواء ثم سمع بدران بأن أخاه قرواشا قد وصل إلى الموصل فرحل خوفا منه لأنهما كانا مختلفين $ ذكر شغب الأتراك ببغداد على جلال الدولة $ # في هذه السنة ثار الأتراك ببغداد على جلال الدولة وشغبوا وطالبوا الوزير أبا علي بن ماكولا بما لهم من العلوفة والأدرار ونهبوا داره ودور كتاب الملك وحواشيه حتى المغنين والمخنثين ونهبوا صياغات أخرجها جلال الدولة لتضرب دنانير ودراهم وتفرق فيهم وحصروا جلال الدولة في داره ومنعوه الطعام والماء حتى شرب أهله ماء البئر وأكلوا ثمرة البستان فسألهم أن يمكنوه من الانحدار فاستأجروا له ولأهله وأثقاله سفنا فجعل بين الدار والسفن سرداقا لتجتاز حرمه فيه لئلا يراهم العامة والأجناد فقصد بعض الأتراك السرادق فظن جلال الدولة أنهم يريدون الجرم فصاح بهم يقول
166
لهم بلغ أمركم إلى الحرم وتقدم إليهم وبيده طبر فصاح صغار الغلمان والعامة جلال الدولة يا منصور ونزل أحدهم عن فرسه وأركبه إياه وقبلوا الأرض بين يديه فلما رأى قواد الأتراك ذلك هربوا إلى خيامهم بالرملة وخافوا على نفوسهم وكان في الخزانة سلاح كثير فأعطاه جلال الدولة أصاغر الغلمان وجعلهم عنده ثم أرسل إلى الخليفة ليصلح الأمر مع أولئك القواد فأرسل إليهم الخليفة القادر بالله فأصلح بينهم وبين جلال الدولة وحلفوا فقبلوا الأرض بين يديه ورجعوا إلى منازلم فلم يمض غير أيام حتى عادوا إلى الشغب فباع جلال الدولة فرشه وثيابه وخيمه وفرق ثمنها فيهم حتى سكنوا $ ذكر الاختلاف بين الديلم والأتراك بالبصرة $ # في هذه السنة ولي النفيس أبو الفتح محمد بن أردشير البصرة استعمله عليها جلال الدولة فلما وصل إلى المشان منحدرا إليها وقع بينه وبين الديلم الذين بالمشان وقعة استظهر عليهم وقتل منهم # وكانت الفتن بالبصرة بين الأتراك والديلم وبها الملك العزيز أبو المنصور بن جلال الدولة فقوي الأتراك بها فاخرجوا الديلم فمضوا إلى الأبلة وصاروا مع بحتيار بن علي فسار إليهم الملك العزيز بالأبلة ليعيدهم ويصلح بينهم وبين الأتراك فكاشفوه وحملوا عليه ونادوا بشعار أبي كاليجار فعاد منهزما في الماء الى البصرة ونهب بختيار نهر الدير # والأبلة وغيرهما من السواد وأعانه الديلم ونهب الأتراك وارتكبوا المحظور ونهبوا دار بنت الأوحد بن مكرم زوجة جلال الدولة $ ذكر استيلاء أبي كاليجار على البصرة $ # لما بلغ الملك أبا كاليجار ما كان بالبصرة سير جيشا إلى بختيار وأمره أن يقصد البصرة فيأخذها فساروا إليها وبها الملك العزيز بن جلال الدولة فقاتلهم ليمنعهم فلم يكن له بهم قوة فانهزم منهم وفارق البصرة وكاد يهلك هو ومن معه عطشا فمن الله
167
عليهم بمطر جود فشربوا منه وأصعدوا إلى واسط وملك عسكر أبي كاليجار البصرة ونهب الديلم أسواقها سلم منها البعض بمال بذلوه لمن يحميهم وتتبعوا أموال أصحاب جلال الدولة من الأتراك وغيره # فلما بلغ جلال الدولة الخبر أراد الانحدار إلى واسط فلم يوافقه الجند وطلبوا منه مالا يفرق فيهم فلم يكن عنده فمد يده في مصادرات الناس وأخذ أموالهم لا سيما أرباب الأموال فصادر جماعة $ ذكر وفاة صاحب كرمان واستيلاء أبي كاليجار عليها $ # في هذه السنة في ذي القعدة توفي قوام الدولة أبو الفوارس بن بهاء الدولة صاحب كرمان وكان قد تجهز لقصد بلادفارس وجمع عسكرا كثيرا فأدركه أجله # فلما توفي نادى أصحابه بشعار الملك أبي كاليجار وأرسلوا إليه يطلبونه إليهم فسار مجدا وملك البلاد بغير حرب ولا قتال وأمن الناس معه وكان يكرهون عمه أبا الفوارس لظلمه وسوء سيرته وكان إذا شرب ضرب أصحابه وضرب وزيره يوما مائتي مقرعة وحلفه بالطلاق أنه لا يتأوه ولا يخبر بذلك أحدا فقيل إنهم سموه فمات $ ذكر استيلاء منصور بن الحسين على الجزيرة الدبيسية $ # كان منصور بن الحسين الأسدي قد ملك الجزيرة الدبيسية وهي تجاوز خوزستان ونادى بشعار جلال الدولة وأخرج صاحبها طراد بن دبيس الأسدي سنة ثمان عشرة وأربعمائة فمات طراد عن قريب # فلما مات طراد سار ابنه أبو الحسن علي الى بغداد يسأل أن يرسل جلال الدولة معه عسكرا إلى بلده ليخرج منصورا منه ويسلمه إليه وكان منصور قد قطع خطبة جلال الدولة وخطب للملك أبي كاليجار فسير معه جلال الدولة طائفة من الاتراك فلما وصلوا إلى واسط لم يقف علي بن طراد حتى تجتمع معه طائفة من عسكر وسار عجلا واتفق أن أبا صالح كوركير كان قد هرب من جلال الدولة وهو يريد اللحاق بأبي كاليجار فسمع هذا الخبر فقال لمن معه المصلحة أننا نعين منصورا ولا نمكن عسكر جلال الدولة من إخراجه ونتخذ بهذا الفعل يدا عند أبي كاليجار فأجابوه إلى ذلك فسار إلى منصور واجتمع معه والتقوا هم وعسكر جلال
168
الدولة الذين مع علي بن طراد ببسبروذ فاقتتلوا فانهزم عسكر جلال الدولة وقتل علي بن طراد وجماعة كثيرة من الأتراك وهلك كثير من المنهزمين بالعطش واستقر ملك منصور بها $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة سار الدزبري وعساكر مصر إلى الشام فأوقعوا بصالح بن مرداس وابن الجراح الطائي فهزمهما وقتل صالحا وابنه الأصغر وملك جميع الشام
169
وقيل سنة عشرين وفيها توفيت أم مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه وهي التي كانت تدبر المملكة وترتب الامور # وفيها عزل الحسن بن علي بن جعفر أبو علي بن ماكولا من وزارة جلال الدولة وولي الوزارة بعده أبو طاهر الحسن بن طاهر ثم عزل بعد أربعين يوما وولي أبو سعد بن عبد الرحيم # وفيها توفي قسطنطين ملك الروم وانتقل الملك إلى بنت له وقام بتدبير الملك والجيوش زوجها وهو ابن خالها وفيها توفي الوزير أبو القاسم جعفر بن محمد بن فسانجس بأربق # وفيها عدمت الأرطاب بالعراق للبرد الذي الذي تقدم في السنة قبلها # وكان يحمل من الأماكن البعيدة الشيء اليسير منه # وفيها انقطع الحج من العراق فمضى بعض حجاج خراسان إلى كرمان وركبوا في البحر إلى جدة وحجوا # وتوفي في هذه السنة محمد بن محمد بن ابراهيم بن مخلد أبو الحسن التاجر وهو آخر من حدث عن اسماعيل بن محمد الصفار ومحمد بن عمر والرزاز وعمر بن الحسن الشيباني # وكان له مال كثير فسافر إلى مصر خوف المصادرة فأقام بها سنة ثم عاد إلى بغداد فأخذ ماله في التقسيط على الكرخ الذي ذكرناه سنة ثمان عشرة وأربعمائة فافتقر فلما مات لم يوجد له كفن فأرسل له القادر بالله ما يكفن فيه
170
$ ثم دخلت سنة عشرين وأربعمائة $ $ ذكر ملك يمين الدولة الري وبلد الجبل $ # في هذه السنة سار يمين الدولة محمود بن سبكتكين نحو الري فانصرف منوجهر بن قابوس من بين يديه وهو صاحب جرجان وطبرستان وحمل إليه أربعمائة ألف دينار وأنزلا كثيرة وكان مجد الدولة بن فخر الدولة بن بويه صاحب الري قد كاتبه يشكو إليه جنده وكان متشاغلا بالنساء ومطالعة الكتب ونسخها وكانت والدته تدبر مملكته فلما توفيت طمع جنده فيه واختلفت أحواله فحين وصلت كتبه إلى محمود سير إليه جيشا وجعل مقدمتهم حاجبه وأمره أن يقبض إلى مجد الدولة # فلما وصل العسكر إلى الري ركب مجد الدولة يلتقيهم فقبضوا عليه وعلى أبي دلف وولده # فلما انتهى الخبر إلى يمين الدولة بالقبض عليه سار إلى الري فوصلها في ربيع الآخر ودخلها وأخذ من الأموال الف الف دينار ومن الجواهر ما قيمته خمسمائة ألف دينار ومن الثياب ستة آلاف ثوب ومن الآلات وغيرها ما لا يحصى وأحضر مجد الدولة وقال له أما قرأت شاه نامه وهو تاريخ الفرس وتاريخ الطبري وهو تاريخ المسلمين قال بلى # قال ما حالك حال من قرأها أما لعبت بالشطرنج قال بلى # قال فهل رأيت شاها يدخل على شاه قال لا # قال فما حملك على ان سلمت نفسك الى من هو أقوى منك ثم سيره إلى خراسان مقبوضا # ثم ملك قزوين وقلاعها ومدينة ساوة وآبه ويافت وقبض على صاحبها
171
ولكين بن وندرين وسيره إلى خراسان # ولما ملك محمود الري كتب الى الخليفة القادر بالله يذكر أنه وجد لمجد الدولة من النساء الحرائر ما يزيد على خمسين امرأة ولدن له نيفا وثلاثين ولدا # ولما سئل عن ذلك قال هذه عادة سلفي وصلب من أ صحابه الباطنية خلقا كثيرا ونفى المعتزلة الى خراسان وأحرق كتب الفلسفة ومذاهب الاعتزال والنجوم وأخذ من الكتب ما سوى ذلك مائة حمل وتحصن منه منوجهر بن قابوس بن وشكمير بجبال حصينة وعرة المسالك فلم يشعر إلا وقد أطل عليه يمين الدولة فهرب منه إلى غياض حصينة وبذل خمسمائة ألف دينار ليصلحة فأجابه إلى ذلك فأرسل المال اليه فسار عنه الى نيسابور ثم توفي منوجهر عقيب ذلك ولي بعده ابنه أنو شروان فأقره محمود على ولايته وقرر عليه خمسمائة الف دينار أخرى وخطب لمحمود في أكثر بلاد الجبل إلى حدود أرمنية وافتتح ابنه مسعود زنجان وأبهر وخطب له علاء الدولة بأصبهان وعاد محمود الى خراسان واستخلف بالري ابنه مسعودا فقصد أصبهان وملكها من علاء الدولة وعاد عنها واستخلف بها بعض أصحابه فثار به أهلها فقتلوه فعاد إليهم فقتل منهم مقتله عظيمة نحو خمسة ألاف قتيل وسار الى الري فأقام بها $ ذكر ما فعله السالار ابراهيم بن المرزبان بعد عود يمين الدولة عن الري $ # هذا السالار هو ابراهيم بن المرزبان بن اسماعيل وهسوذان بن محمد بن مسافر الديلمي وكان له من البلاد سرجهان وزنجان وأبهر وشهرزور وغيرها وهي ما استولى عليها بعد وفاة فخر الدولة بن بويه فلما ملك يمين الدولة محمود بن سبكتكين الري سير المرزبان بن الحسن بن خراميل وهو من أولاد ملوك الديلم وكان قد التجأ إلى يمين الدولة فسيره إلى بلاد السالار ابراهيم ليملكها فقصدها واستمال الديلم إليه بعضهم واتفق عود يمين الدولة إلى خراسان فسار السالار إبراهيم
172
إلى قزوين وبها عسكر يمين الدولة فقاتلهم فأكثر القتل فيهم وهرب الباقون وأعانه أهل البلد وسار السالار أيضا إلى مكان سرجهان تطيف به الأنهار والجبال فتحصن به فسمع مسعود بن يمين الدولة وهو بالري بما فعل فسار مجدا الى السالار فجرى بينهما وقائع كان الاستظهار فيها للسالار # ثم إن مسعود راسل طائفة من جند السالار واستمالهم وأعطاهم الأموال فمالوا اليه ودلوه على عورة السالار وحملوا طائفة من عسكره في طريق غامضة حتى جعلوه من ورائهم وكبسوا السالار أول رمضان وقاتله مسعود من بين يديه وأولئك من خلفه فاضطرب السالار ومن معه وانهزموا وطلب كل انسان منهم مهربا واختفى السالار في مكانه فدلت عليه امرأة سوادية فأخذه مسعود وحمله إلى سرجهان وبها ولده فطلب منه أن يسلمها فلم يفعل فعاد عنها وتسلم باقي قلاعه وبلاده وأخذ أمواله وقرر على ابنه القيم بسرجهان مالا وعلى كل من جاوره من مقدمي الأكراد وعاد الى الري $ ذكر ملك أبي كاليجار مدينة واسط ومسير جلال الدولة الى الأهواز ونهبها وعود واسط اليه $ # في هذه السنة أصعد الملك أبو كاليجار الى مدينة واسط فملكها وكان ابتداء ذلك أن نور الدولة دبيس بن علي بن مزيد صاحب الحلة والنيل ولم تكن الحلة بنيت ذلك الوقت خطب لأبي كاليجار في أعماله وسببه أن أبا حسان المقلد بن أبي الأغر الحسن بن مزيد كان بينه وبين نور الدولة عداوة فاجتمع هو ومنيع أمير بني خفاجة وأرسلا إلى بغداد يبذلان مالا يتجهز به العسكر لقتال نور الدولة فاشتد الأمر على نور الدولة فخطب لأبي كاليجار وراسله يطعمه في البلاد # ثم اتفق أنه ملك البصرة على ما ذكرنا # فقوي طمعه فسار من الأهواز الى واسط وبها الملك العزيز بن جلال الدولة ومن معه جمع من الأتراك ففارقها العزيز وقصد النعمانية ففجر عليه نور الدولة البثوق من بلده فهلك كثير من أثقالهم وغرق جماعة منهم وخطب في البطيحة لأبي كاليجار وورد إليه نور الدولة
173
# وأرسل أبو كاليجار إلى قرواش صاحب الموصل وعنده الأثير عنبر يطلب منه أن ينحدر إلى العراق ليبقى جلال الدولة من الفريقين فانحدر إلى الكحيل فمات به الأثير عنبر ولم ينحر معه قرواش وجمع جلال الدولة عساكره واستنجده أبا الشوك وغيره وانحدر الى واسط ولم يكن بين العسكرين قتال وتتابعت الأمطار حتى هلكوا # واشتد الأمر على جلال الدولة لفقره وقلة الأموال وغيرها عنده فاستشار أصحابه فيما يفعل فأشاروا أن يقصد الأهواز وينهبها ويأخذ ما بها من أموال أبي كاليجار وعسكره # فسمع أبو كاليجار ذلك فاستشار أيضا أصحابه فقال بعضهم ما عدل جلال الدولة عن القتال إلا لضعف فيه والرأي أن تسير الى العراق فتأخذ من أموالهم ببغداد أضعاف ما يأخذون منا فاتفقوا على ذلك فأتاهم جاسوس من أبي الشوك يخبر بمجيء عساكر بن سبكتكين الى طخر وأنهم يريدون العراق ويشير بالصلح واجتماع الكلمة على دفعهم عن البلاد # فأنفذ أبو كاليجار الكتاب الى جلال الدولة وقد سار الى الأهواز وأقام ينتظر الجواب ظنا منه أن جلال الدولة يعود بالكتاب فلم يلتفت جلال الدولة ومضى الى الأهواز فهبها وأخذ من دار الإمارة مائتي ألف دينار # وأخذوا مالا يحصى الى ودخل الأكراد والأعراب وغيرهم الى البلد فأهلكوا الناس بالنهب والسبي وأخذت والدة أبي كاليجار وابنته وأم ولده وزوجته فماتت أمه وحمل من عداها الى بغداد # ولما سمع أبو كاليجار الخبر سار ليلقى جلال الدولة فتخلف عنه دبيس بن مزيد خوفا على أهله وحلله من خفاجة والتقى أبو كاليجار وجلال الدولة آخر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين فاقتتلوا ثلاثة أيام وانهزم أبو كاليجار وقتل من أصحابه ألفا رجل ووصل الى الأهواز بأسوأ حال فأتاه العادل بن مافنة بمال فحسنت حاله # وأما جلال الدولة فإنه عاد واستولى على واسط وجعل ابنه العزيز وأصعد الى بغداد ومدحه المرتضى ومهيار وغيرهما وهنأوه بالظفر $ ذكر حال دبيس بن مزيد بعد الهزيمة $ # لما عاد دبيس بن مزيد الأسدي وفاروق أبا كاليجار وصل الى بلده وكان قد
174
خالف عليه قوم من بني عمه ونزلوا الجامعين فأتاهم وقاتلهم فظفر بهم وأسر منهم حماعة منهم شبيب وسرايا ووهب بنو حماد بن مزيد # وأبو عبد الله الحسن بن أبي الغنائم بن مزيد وحملهم الى الجوسق ثم ان المقلد بن أبي الأغر بن مزيد وغيره اجتمعوا ومعهم عسكر من جلال الدولة وقصدوا دبيسا وقاتلوه فانهزم منهم وأسر وغيره بني عمه خمسة عشر رجلا فنزل المعتقلون بالجوسق وهم شبيب وأصحابه إلى حلله فحرسوها وسار دبيس منهزما إلى السندية إلى نجدة الدولة أبي منصور كامل بن قراد فاستصحبه إلى أبي سنان غريب بن مقن حتى أصلح أمره مع جلال الدولة وعسكره وتكفل به وضمن عنه عشرة آلاف دينار سابورية إذا أعيد الى ولايته فأجيب الى ذلك وخلع عليه فعرف المقلد الحال ومعه جمع من خفاجة فهبوا مطير أباذ والنيل وسورا أقبح نهب واستاقوا مواشيها وأحرقوا منازلها وعبر المقلد دجلة إلى أبي الشوك وأقام عنده الى ان أحكم أمره $ ذكر عصيان زناتة ومحاربتهم بأفريقية $ # في هذه السنة تجمعت زناتة وعاودت الخلاف على المعز بأفريقية فبلغ ذلك المعز فجمع عساكره وسار اليهم بنفسه فالتقوا بموضع يعرف بحمديس الصابون ووقعت الحرب بين الطائفتين واشتد القتال فانهزمت زناتة وقتل منهم عددجكبير وأسر مثلهم وعاد المعز ظاغرا غانما $ ذكر ما فعله يمين الدولة وولده بعده بالغز $ # في هذه السنة أوقع يمين الدولة بالأتراك الغزية وفرقهم في بلاده لأنهم كانوا قد أفسدوا فيها وهؤلاء كانوا أصحاب ارسلان بن سلجوق التركي وكانوا بمفازة بخارى فلما عبر يمين الدولة النهر إلى بخارى هرب علي تكين صابها منه على ما نذكره وحضر أرسلان بن سلجوقة يمين الدولة فقبض عليه وسجنه ببلاد الهند وأسرى الى خركاهته فقتل كثيرا من أصحابه وسلم منهم خلق كثير فهريوا منه ولحقوا بخراسان فأفسدوا فيها ونهبوا هذه السنة فأرسل اليهم جيشا فسبوهم وأجلوهم
175
عن خراسان فسار منهم أهل ألفي خركاة فلحقوا بأصبهان فكتب يمين الدولة إلى علاء الدولة بانفادهم أو إنفاذ رؤوسهم فأمر نائبه أن يعمل طعاما ويدعوهم إليه ويقتلهم فأرسل إليهم وأعلمهم أنه يريد إثبات أسمائهم ليستخدمهم # وكمن الديلم في البساتين فحضر جمع كثير منهم فلقيهم مملوك تركي لعلاء الدولة فأعلمهم الحال فعادوا فأراد نائب علاء الدولة أن يمنعهم من العود فلم يقبلوا منه فحمل ديلمي من قواد الديلم على انسان منهم فرماه التركي بسهم فقتله ووقع الصوت بذلك فخرجت الديلم وانضاف إليهم هل البلد فجرى بينهم حرب فهزموهم فقلع الترك خركاهاتهم وساروا ولم يجتازوا على قرية إلا نهبوها إلى أن وصلوا إلى وهسوذان بأذربيجان فراعاهم وتفقدهم وبقي بخراسان أكثر ممن قصد أصبهان فأتوا جبل بلجان وهو الذي عنده خوارزم القديمة فنزل كثير منهم من الجبل إلى البلاد فنهبوا وأخربوا وقتلوا فجرد محمود سبكتين إليهم أرسلان الجاذب أمير طوس فسار إليهم ولم يزل يتنعهم نحو سنتين في جموع كثيرة من العساكر فاضطر محمود إلى قصد خراسان بسببهم فسار يطلبهم من نيسابور إلى دهستان فساروا إلى جرجان ثم عاد عنهم وجعل ابنه مسعودا بالري على ما ذكرناه فاستخدم بعضهم ومقدمهم يغمر فلما مات محمود بن سبكتكين سار مسعود ابنه إلى خراسان وهم معه فلما ملك غزنة سألوه فيمن بقي منهم بجبل بلجان فأذن لهم في العود على شرط الطاعة والاستقامة # ثم إن مسعودا قصد بلاد الهند عند عصيان أحمد ينالتكين فعاودوا الفساد فسير تاش فراش في عسكر كثير إلى الري لأخذها من علاء الدولة فلما بلغ نيسابور ورأى سوء فعلهم دعا مقدميهم وقتل منهم نيفا وخمسين رجلا فيهم يغمر فلم ينتهوا وساروا إلى الري وبلغ مسعودا ما هم عليه من الشر والفساد فأخذ حللهم وسيرها الى الهند وقطع أيدي كثير منهم وأرجلهم وصلبعم ( هذه أخبار عشيرة أرسلان بن سجلوق ) # وأما اخبار طغرلبك وداود وأخيهما بيغو فإنهم كانوا بما وراء النهر وكان من أمرهم ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى لأنهم صاروا ملوكا تجيء أخبارهم على السنين # ولما أوقع تاش فراش حاجب السلطان مسعود بالغز ساروا الى الري يزعمون أنهم
176
يريدون أذربيجان واللحاق بمن مضى منهم أولا الى هناك ويسمون العراقية وكان اسم أمراء هذه الطائفة كوكتاش وبوقا وقزل ويغمر وناصفلي فوصلوا الى الدامغان فخرج إليهم عسكرها وأهل البلد لمنعوهم عنه فلم يقدروا فصعدوا الجبل وتحصنوا به ودخل الغز البلد ونهبوه وانتقلوا الى سمنان ففعلوا فيها مثل ذلك ودخلوا خوار الري ففعلوا مثله ونهبوا اسحق اباذ وما يجاورها من القرى وساروا الى مشكويه من أعمال الري فنهبوها وتجهز أبو سهل الحمدوني وتاش فراش وكاتبا الملك مسعودا وصاحب جرجان وطبرستان بالحال وطلبا النجدة وأخذ تاش ثلاثة آلاف فارس وما عنده من الفيلة والسلاح وسار الى الغز ليواقعهم وبلغهم خبره فتركوا نساءهم وأموالهم وما غنموا من خراسان وهذه البلاد المذكورة وساروا جريدة فالتقوا فركب تاش الفيل ووقعت الحرب بين الفريقين فكانت أولا لتاش # ثم الغز أسروا مقدم الأكراد الذين مع تاش وأرادوا قتله فقال لهم استبقوني حتى آمر الأكراد الذين مع تاش بترك قتالكم فتركوه وعاهدوه على اطلاقه فأرسل الى الأكراد يقولهم إن فاتلهم قتلت ففتروا في القتال # وحملت الغزوكانوا خمسة الاف على تاش فراش وعسكره فانهزم الأكراد وثبت وتاش وأصحابه فقتل الغز الفيل الذي تحته فسقط فقتلوه وقطعوه أخذا بثأر من قتل منهم # وقتل معه عدد كثير من الخراسانية وأكابر القواد وغنموا بقية الفيلة وأثقال العسكر وساورا الى الري فاقتتلوا هم وأبو سهل الحمدوني ومن معه من الجند وأهل البلد فصعد هو ومن معه قلعة طبرك ودخل الغز البلد ونهبوا عدة محال نهبا واجتاحوا الأموال ثم اقتتلوا هم وأبو سهل فأسر منهم ابن اخت ليغمر أمير الغز وقائدا كبيرا من قوادهم فبذلوا فيهما اعادة ما أخذوا من عسكر تاش واطلاق الأسرى وحمل ثلاثين ألف دينار فقال لا افعل إلا بأمر السلطان # وخرج الغز عن البلد ووصل عسكر من جرجان فلما قربوا من الري سار إليهم الغز فكبسوهم وأسروا مقدهم وأسروا معه نحو الفي رجل وانهزم الباقون وعاودوا وكان هذا سنة سبع وعشرين وأربعمائة
177
$ ذكر وصول علاء إلى الري واتفاقه مع الغز وعودهم إلى الخلاف عليه $ # لما فارق الغز الري الى اذربيجان علم علاء الدولة ذلك فسار إليها ودخلها وهو يظهر طاعة السلطان مسعود بن سبكتكين فأرسل إلى ابي سهل الحمدوني يطلب منه أن يقرر الذي عليه بمال يؤديه فامتنع من إجابته مخافة علاء الدولة فأرسل الى الغز يستدعيهم ليعطيهم الإقطاع ويتقوى بهم على الحمدوني فعاد منهم نحو ألف وخمسمائة مقدمهم قزل وسار الباقون الى أذربيجان فلما وصل الغز الى علاء الدولة أحسن إليهم وتمسك بهم وأقاموا عنده # ثم ظهر على بعض القواد الخراسانية الذين عنده أنه دعا الغز إلى موافقة على الخروج عليه والعصيان فأرسل اليه علاء الدولة وأحضر وقبض عليه وسجنه في قلعة طبرك فاستوحش الغز لذلك ونفروا فاجتهد علاء الدولة في تسكينهم فلم يفعلوا وعاودوا الفساد والنهب وقطع الطريق وعاد علاء الدولة راسل أبا سهل الحمدوني وهو بطبرستان وقرر معه أمر الري ليكون في طاعة مسعود فأجابه الى ذلك وسار الى نيسابور وبقي علاء الدولة بالري $ ذكر ما كان من الغز الذين بأذربيجان ومفارقتها $ # قد ذكرنا ان طائفة من الغز وصلوا الى أذربيجان فأكرمهم وهسوذان وصاهرهم رجاء نصر هم وكف شرهم وكان اسماء مقدميهم بوقا وكوكتاش ومنصور ودانا وكان ما أمله بعيدا فإنهم لم يتركوا الشر والفساد والقتل والنهب وساروا إلى مراغة فدخلوها سنة تسع وعشرين وأحرقوا جامعها وقتلوا من عوامها مقتلة كثيرة ومن الأكراد الهذبانية كذلك وعظم الأمر واشتد البلاء # فلما رأى الأكراد ما حل بهم وبأهل البلاد شرعوا في الصلح والاتفاق على دفع شرهم فاصطلح أبو الهيجا بن ربيب الدولة وهسوذان صاحب أذربيجان واتفقت كلمتهما واجتمع معهما أهل تلك البلاد فانتصفوا من الغز فلما رأوا اجتماع أهل البلاد على حربهم انصرفوا عن اذربيجان وتعذر عليهم المقام بها ثم انهم افترقوا فسارت طائفة الى الذين على الري ومقدمهم بوقا وسارت طائفة ومقدمهم منصور وكوكتاش إلى همذان فحصروها وبها أبو كاليجار بن علاء الدولة بن كاكويه فاتفق هو وأهل البلاد على قتالهم ودفعهم عن أنفسهم وبلدهم فقتل بين الفريقين جماعة كثيرة وطال مقامهم على همذان
178
# فلما رأى أبو كاليجار بن علاء الدولة ذلك وضعفه عن مقاومتهم راسل كوكتاش وصالحه وصاهره # وأما الذين قصدوا الري فإنهم حصروها وبها علاء الدولة بن كاكويه واجتمع معهم فناخسرو بن مجد الدولة وكامر والديلمي صاحب ساوة فكثر جمعهم واشتدت شوكتهم فلما رأى علاء الدولة أنهم كلما جاء أمرهم أزداد قوة وضعف هو خاف على نفسه وفارق البلد في رجب ليلا ومضى هاربا الى اصبهان وأجفل أهل البلد وتمزقوا وعدلوا عن القتال الى الاحتيال للهرب وغاداهم الغز من الغد بالقتال فلم يثبتوا لهم ودخلوا البلد ونهبوا نهبا فاحشا وسبوا النساء وبقوا كذلك خمسة أيام حتى لجأ الحرم الى الجامع وتفرق الناس في كل مذهب ومهرب وكان السعيد من نجا بنفسه وكانت هذه الوقعة بعد التي تقدمتها مستأصلة حتى قيل إن بعض الجمع لم يكن بالجامع إلا خمسين نفسا ولما فارق علاء الدولة الري تبعه جمع من الغز فلم يدركوه فعدلوا الى كرج فنهبوها وفعلوا فيها الأفاعيل القبيحة ومضى طائفة منهم ومقدمهم ناصغلي الى قزوين فقاتلهم أهلها ثم صالحوهم على سبعة آلاف دينار وصاروا في طاعته وكان بأرمية طائفة منهم فساروا الى بلد الأرمن فاوقعوا بهم وأثخنوا فيهم وأكثروا القتل وغنموا وسبوا وعادوا الى أرمية وأعمال أبي الهيجاء الهذباني فقاتلهم أكرادها لما أنكروه من سوء مجاورتهم فقتل خلق كثير ونهب الغز سواد البلاد هناك وقتلوا من الأكراد كثيرا $ ذكر ملك الغز همذان $ # قد ذكرنا حصار الغز همذان وصلحهم مع صاحبها أبي كاليجار بن علاء الدولة بن كاكويه فلما كان الآن وملك الغز الري عاودوا حصار همذان وساروا إليها من الري ما عدا قزل وجماعته واجتمعوا مع من بها من الغز فلما سمع أبو كاليجار بهم علم أنه لا قدرة له عليهم فسار عنها ومعه وجوه التجار وأعيان البلد وتحصن بكنكور ودخل الغز همذان سنة ثلاثين وأربعمائة واجنمع عليها من مقدميهم كوكتاش وبوقا وقزل ومعهم فناخسروا بن مجد الدولة بن بويه في عدة كثير من الديلم فلما دخلوها نهبوها نهبا منكرا لم يفعلوه بغيرها من البلاد غيظا منهم وحنقا عليهم حيث قاتلوهم أولا وأخذوا الحرم وضربت سراياهم الى أسداباذ # وقرى الدينور واستباحوا تلك النواحي وكان الديلم أشدهم فخرج إليهم أبو الفتح بن أبي
179
الشوك صاحب الدينور فواقعهم واستظهر عليهم وأسر منهم جماعة فراسله أمراؤهم في إطلاقهم فامتنع إلا على صلح وعهود فأجابوه وصالحوه فأطلقهم # ثم إن الغز بهمذان راسلوا أبا كاليجار بن علاء الدولة وصالحوه وطلبوا إليه أن ينزل اليهم ليدبر أمرهم ويصدرون عن رأيه وأرسلوا إليه زوجته التي تزوجها منهم فنزل إليهم فلما صار معهم وثبوا عليه فانهزم ونهبوا ماله وما كان معه من دواب وغيرها فسمع أبوه فخرج من أصبهان الى أعماله بالجبل ليشاهدها فوقع بطائفة كثيرة من الغز فظفر بهم وقتل منهم فأكثر وأسر منهم ودخل أصبهان منصورا $ ذكر قتل الغز بمدينة تبريز وفراقهم أذربيجان الى الهكارية $ # في هذه سنة اثنتين وثلاثين قتل وهسوذان بن مهلان جمعا كثيرا من الغز بمدينة تبريز وكان سبب ذلك أنه دعا جمعا كثيرا منهم الى طعام صنعه لهم فلما طعموا أو شربوا قبض على ثلاثين رجلا منهم من مقديمهم فضعف الباقون فأكثر فيهم القتل فاجتمع الغز المقيمون بأرمية وساروا نحو بلاد الهكارية من أعمال الموصل فقاتلهم أكرادها وقاتلوهم قتالا عظيما فانهزم الأكراد وملك الغز حللهم وأموالهم ونساءهم وأولادهم وتعلق الأكراد بالجبال والمضايق وسار الغز في أثرهم فواقعوهم فظفر بهم الأكراد فقتلوا منهم ألفا وخمسمائة رجل وأسروا جمعا فيه سبعة من أمرائهم ومائة نفس من وجوههم وغنموا سلاحهم ودوابهم وما معهم من غنيمة استردوها وسلك الغز طريق الجبال قتمزقوا وتفرقوا وسمع ابن ربيب الدولة الخبر فسير في آثارهم من يفني باقيهم ثم توفي قزل أمير الغز المقيم بالري وخرج إبراهيم ينال أخو السلطان طغرلبك الى الري فلما سمع به الغز المقيمون بها أجفلوا من بين يديه وفارقوا بلاد الجبل خوفا منه وقصدوا ديار بكر والموصل في سنة ثلاث وثلاثين $ ذكر دخول الغز ديار بكر $ # في سنة ثلاث وثلاثين فارق الغز أذربيجان وسبب ذلك أن ابراهيم ينال وهو أخو طغرلبك سار إلى الري فلماسمع الغز الذين بها خبره أجفلوا من بين يديه وفارقوا بلاد الجبل خوفا منه وقصدوا أذربيجان ولم يمكنهم المقام بها لما فعلوا بأهلها ولأن إبراهيم ينال وراءههم وكانوا يخافونه لأنهم كانوا له ولأخويه طغرلبك وداود رعية فأخذوا بعض الأكراد وعرفهم الطر يق فأخذ بهم في جبال وعرة على الزوزان وخرجوا إلى جزيرة
180
ابن عمر فسار يوقا وناصغلي وغيرهما إلى ديار بكر ونهبوا فردى وبازبدى # والحسينية وفيشابور وبقي منصور بن غزغلي بالجزيرة من الجانب الشرقي فراسله سليمان بن نصر الدولة بن مروان المقيم بالجزيرة في المصالحة والمقام بأعمال الجزيرة إلى أن ينكشف الشتاء ويسير مع باقي الغز إلى الشام فتصالحا وتحالفا # وأضمر سليمان الغدر به فعمل له طعاما احتفل فيه ودعاه فلما دخل الجزيرة قبض عليه وحبسه وانصرف أصحابه متفرقين في كل جهة فلما علم بذلك قرواش سير جيشا كثيفا إليهم واجتمع معهم الأكراد البشنوية أصحاب فنك وعسكر نصر الدولة فتبعوا الغز فلحقوهم وقاتلوهم فبذل الغز جميع ما غنموه على أن يؤمنوهم فلم يفعلوا فقاتلوا قتال من يخاف الموت فجرحوا من العرب كثيرا وافترقوا وكان بعض الغز قد قصد نصيبين وسنجار للغارة فعادوا إلى الجزيرة وحصروها وتوجهت العرب إلى العراق ليشتوا بها فأخربت الغز ديار بكر ونهبوا وقتلوا # فاخذ نصر الدولة منصورا أمير الغز من ابنه سليمان وراسل الغز وبذل لهم مالا واطلاق منصور ليفارقوا عمله فأجابوه فاطلق منصورا وأرسل بعض المال فغدروا وزادوا في الشر وسار بعضهم الى نصيبين وسنجار والخابور فنهبوا وعادوا وسار بعضهم إلى جهينة وأعمال الفرح فنهبوها فدخل قرواش الموصل خوفا منهم $ ذكر ملك الغز مدينة الموصل $ # لما خرجوا من أذربيجان إلى جزيرة ابن عمر وهي من أعمال نصر الدولة بن مروان سار بعضم إلى ديار بكر مع أمرائهم المذكورين وسار الباقون إلى لبقعاء ونزلوا برقعيد فأرسل اليهم قرواش صاحب الموصل من ينكظر فيهم ويعير عليهم فلما رأوا ذلك تقدموا إلى الموصل فأرسل إليهم يستعطفهم ويلين لهم وبذل لهم ثلاثة آلاف دينار فلم يقبلوا فأعاد مراسلتهم ثانية فطلبوا خمسة عشر ألف دينار فالتزمها وأحضر أهل البلد وأعلمهم الحال فبينما هم مهتمين بجمع المال وصل الغز إلى الموصل ونزلوا بالحصباء فخرج إليهم قرواش وأجناده والعامة فقاتلوهم عامة نهارهم وأدركهم
181
الليل فافترقوا فلما كان الغد عادوا إلى القتال فانهزمت العرب وأهل البلد وهربت قرواش في سفينة نزلها من داره وخرج من جميع ماله الا الشيء اليسير ودخل الغز البلد فنهبوا كثيرا منه ونهبوا جميع مال قرواش من مال وجوهر وحلي وثياب وأثاث ونجا فرواش في السفينة ومعه نفر فوصل إلى السن وأقام بها وأرسل إلى الملك جلال الدولة يعرفه الحال ويطلب النجدة وأرسل إلى دبيس بن مزيد وغيره من أمراء العرب والاكراد يستمدهم ويشكو ما نزل به وعمل الغز بأهل الموصل الأعمال الشنيعة من الفتك وهتك الحريم ونهب المال وسلم عدة محال منها سكة أبي نجيح والجصاصة وجارسوك وشاطىء نهر وباب القصابين على مال ضمنوه فكفوا عنهم $ ذكر وثوب أهل الموصل بالغز وما كان منهم $ # قد ذكرنا ملك الغز الموصل فلما استقر فيها قسطوا على أهلها عشرين الف دينار وأخذوها ثم تتبعووا الناس وأخذوا كثيرا من أموالهم بحجة أموال العرب ثم قسطوا أربعة آلاف دينار أخرى فحضر جماعة من الغز عند ابن فرغان الموصلي وطالبوا انسانا بحضرته وأساؤوا الأدب والقول وجرى بين بعض الغز وبعض المواصلة مشاجرة فجرحه الغز وقطع شعره وكان للموصلي والدة سليطة فلطخت وجهها بالدم وأخذت الشعر بيدها وصاحت المستغاث بالله وبالمسلمين قد قتل لي ابن وهذا دمه وابنة وهذا شعرها وطافت في الأسواق فثار الناس وجاؤوا إلى ابن فرغان فقتلوا من عنده من الغز وقتلوا من ظفروا به منهم ثم حصروهم في دار فقاتلوا من سطحه فنقب الناس عليه الدار وقتلوهم جميعا غير سبعة أنفس منهم أبو علي ومنصور فخرج منصور إلى الحصباء ولحق به من سلم منهم وكان كوكتاش قد فارق الموصل في جمع كثير فأرسلوا إليه يعلمونه الحال فعاد إليهم ودخل البلد عنوة في الخامس والعشرين من رجب سنة خمس وثلاثين ووضعوا السيف في أهله أسروا كثيرا ونهبوا الأموال وأقاموا على ذلك اثني عشر يوما يقتلون وينهبون وسلمت سكة أبي نجيح فإن أهلها احسنوا إلى الأمير منصور فرعى لهم ذلك والتجأ من سلم إليها وبقي القتلى في الطريق فانتنوا لعدم من يواريهم ثم طرحوا بعد ذلك كل جماعة في حفيرة وكانوا
182
يخطبون للخليفة ثم لطغرلبك # لما طال مقامهم لهذه البلاد وجرى منهم ما ذكرناه كتب الملك جلال الدولة بن بويه إلى طغرلبك يعرفه ما يجري منهم وكتب اليه نصر الدولة بن مروان يشكو منهم فكتب إلى نصر الدولة يقول له بلغني أن عبيدنا قصدوا بلادك وأنك صانعتهم بمال بذلته لهم وأنت صاحب ثغر ينبغي أن تعطى ما تستعين به على قتال الكفار ويعده أنه يرسل إليهم يرحلهم من بلده وكانوا يقصدون بلاد الأرمن وينهبون ويسبون حتى أن الجارية الحسناء بلغت قيمتها خمسة دنانير وأما الغلمان فلا يرادون وكتب طغرلبك إلى جلال الدولة يعتذر بأن هؤلاء التركمان كانوا لنا عبيدا وخدما ورعايا وتبعا يمتثلون الأمر ويخدمون الباب ولما نهضنا لتدبير خطب آل محمود بن سبكتكين وانتدبنا لكفاية أمر خوارزم انحازوا إلى الري فعاثوا فيها وأفسدوا فزحفنا بجنودنا من خراسان إليهم مقدرين أنهم يلجؤون إلى الأمان ويلوذون بالعفو الغفران فملكتهم الهيبة وزحزحتهم الحشمة ولا بد من أن نردهم إلى راياتنا خاضعين ونذيقهم من بأسنا جزاء المتمردين قربوا أم بعدوا أغاروا أم أنجدوا $ ذكر ظفر قرواش صاحب الموصل بالغز $ # قد ذكرنا انحدار قرواش إلى السن ومراسلته سائر أصحاب الأطراف في طلب النجدة منهم فأما الملك جلال الدولة فلم ينجده لزوال طاعته عن جنده الأتراك وأما دبيس بن مزيد فسار إليه واجتمعت عليه كافة عقيل وأتته أمداد أبي الشوك وابن ورام وغيرهما فلم يدركوا الوقعة فإن قرواشا لما اجتمعت عقيل ودبيس عنده سار إلى الموصل وبلغ الخبر إلى الغز فتأخروا إلى تلعفر وبومارية وتلك النواحي وراسلوا الغز الذين كانوا بديار بكر ومقدمهم ناصغلي وبوقا وطلبوا منهم المساعدة على العرب فساروا إليهم وسمع قرواش بوصولهم فلم يعلم أصحابه لئلا بفشلوا ويجبنوا وسار حتى نزل على العجاج وسارت الغز فنزلوا برأس الأبل من الفرج وبينهما نحو فرسخين وقد طمع الغز في العرب فتقدموا حتى شارفوا حلل العرب # ووقعت الحرب في العشرين من شهر رمضان من أول النهار فاستظهرت الغز
183
وانهزمت العرب حتى صار القتال عند حللهم ونساؤهم يشاهدن القتال فلم يزل الظفر للغز إلى الظهر ثم أنزل الله نصره على العرب وانهزمت الغز وأخذهم السيف وتفرقوا وكثر القتل فيهم فقتل ثلاثة من مقدميهم وملك العرب حلل الغز وخركاهاتهم وغنموا أموالهم فعمتهم الغنيمة وأدركهم الليل فحجز بينهم وسير قرواش رؤوس كثير من القتلى في سفينة إلى بغداد # فلما قاربتها أخذتها الأتراك ودفنوها ولم يتركوها تصل أنفة وحمية للجنس وكفى الله اهل الموصل شرهم وتبعهم قرواش إلى نصيبين وعاد عنهم فقصدوا ديار بكر فنهبوها # ثم مالوا على الأرمن والروم فنهبوهم ثم قصدوا بلاد أذربيجان وكتب قرواش الى الأطراف يبشر بالظفر بهم وكتب الى ابن ربيب الدولة صاحب أرمية يذكر له أنه قتل منهم ثلاثة آلاف رجل فقال للرسول هذا عجب فإن القوم لما اجتازوا ببلادي أقمت على قنطرة لا بد لهم من عبورها فأمرت بعدهم فكانوا نيفا وثلاثين ألفا مع لفيفهم فلما عادوا بعد هزيمتهم لم يبلغوا خمسة آلاف رجل فإما أن يكونوا قتلوا أو هلكوا ومدح الشعراء قرواشا بهذا الفتح وممن مدحه ابن شبل بقصيدة منه # ( بأبي الذي أرست نزار بيتها % في شامخ من عزة المتخير ) # وهي طويلة # ( هذه أخبار الغز العراقيين ) وإنما أوردناها متتابعة لأن دولتهم لن تطل حتى نذكر حوادثها في السنين وإنما كانت سحابة صيف تقشعت عن قريب وأما السلجوقية فنحن نذكر حوادثهم في السنين ونذكر ابتداء أمرهم سنة اثنتين وثلاثين إن شاء الله تعالى $ ذكر عدة حوادث $ # وفي هذه السنة سير الظاهر جيشا من مصر مقدمهم أنوشتكين الزبري فقتل صالح بن مرداس وملك نصر بن صالح مدينة حلب وقد تقدم ذكره في سنة اثنتين وأربعمائة # وفيها سقط في البلاد برد عظيم # وكان أكثره بالعراق وارتفعت بعده ريح شديدة سوداء فقلعت كثيرا من الأشجار بالعراق فقلعت شجرا كبارا من الزيتون من شرقي النهروان وألقته على بعد من غربيها وقلعت نخلة من أصلها وحملتها الى دار
184
بينها وبين موضع هذه الشجرة ثلاث دور وقلعت سقف مسجد الجامع ببعص القرى # وفيها في ذي القعدة تولى أبو عبد الله بن ماكولا قضاء القضاة # وفيها توفي أبو الحسن علي بن عيسى الربعي النحوي عن نيف وتسعين سنة وأخذ النحو عن ابي علي الفارسي # وأبي سعيد السيرافي وكان فكها كثير الدعابة فمن ذلك أنه كان يوما على شاطىء دجلة ببغداد والملك جلال الدولة والمرتضى والرضي كلاهما في سمارية ومعهما عثمان بن جني النحوي فناداه الربعي أيها الملك ما أنت صادق في تشيعك بعلي بن أبي طالب يكون عثمان إلى جانبك وعلي يعني نفسه ههنا فأمر بالسمارية فقربت إلى الشاطىء وحمله معه # وقيل إن هذا القول كان للشريف وأخيه المرتضى ومعهما عثمان بن جني فقال ما أعجب أحوال الشريفين يكون عثمان معهما وعلي يمشي على الشط # وفيها أيضا توفي أبو السمك عنبر الملقب بالأثير وكان أصعد إلى الموصل مغاضبا لجلال الدولة فلقيه قرواش واهله وقبلوا الأرض بين يديه فأقام عندهم # وكان خصيا لبهاء الدولة بن بويه وكان قد بلغ مبلغا عظيما لم يخل أمير ولا وزير في دولة بني بويه من تقيبل يده والأرض بين يديه # وكان قد استقر بينه وبين قرواش وأبي كاليجار قاعدة أن يصعد أبو كاليجار من واسط وينحدر الأثير وقرواش من الموصل لقصد جلال الدولة # وكان الأثير قد انحدر من الموصل فلما وصل مشهد الكحيل توفي فيه # وفيها انقض كوكب عظيم كالرعد في رجب أضاءت منه الأرض وسمع له صوت عظيم كالرعد وتقطع أربع قطع وانقض بعده بليلتين كوكب آخر دونه وانقض بعدهما كوكب أكبر منهما وأكثر ضوءا # وفيها كانت ببغداد فتنة قوي فيها أمر العيارين واللصوص فكانوا يأخذون العملات
185
ظاهرا # وفيها قطعت الجمعة من جامع براثا وسببها أنه كان يخطب فيها انسان يقول في خطبته بعد الصلاة على النبي وعلى اخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب مكلم الجمجمة ومحييها البشري الإلهي مكلم الفتية أصحاب الكهف إلى غير ذلك من العلو المبتدع فأقام الخليفة خطيبا فرجمه العامة فانقطعت الصلاة فيه فاجتمع جماعة من أعيان الكرخ مع المرتضى واعتذروا إلى الخليفة بأن سفهاء لا يعرفون فعلوا ذلك وسألوا إعادة الخطبة فأجيبوا الى ما طلبوه وأعيدت الصلاة والخطبة فيه # وفيها توفي ابن ابي الهبيش الزاهد المقيم بالكوفة وهو من ارباب الطبقات العالية في الزهد وقبره يزار الى الآن وقد زرته # وفيها توفي منوجهر بن قابوس بن وشكمير وملك ابنه انوشروان
186
$ ثم دخلت سنة احدى وعشرين واربعمائة $ $ ذكر ملك مسعود بن محمود بن سبكتكين همذان $ # في هذه السنة سير مسعود بن يمين الدولة محمود جيشا إلى همذان فملكوها وأخرجوا نواب علاء بن كاكويه عنها # وسار إلى أصبهان فلما فاربها فارقها علاء الدولة فغنم مسعود ما كان له بها من دواب وسلاح وذخائر فإن علاء الدولة أعجل عن أخذه فلم يأخذ إلا بعضه وسار إلى خوزستان فبلغ إلى تستر ليطلب من الملك أبي كاليجار نجدة ومن الملك جلال الدولة ويعود إلى بلاده يستنقذها فبقي عند أبي كاليجار مدة وهو عقيب انهزامه من جلال الدولة ضعيف ومع هذا فهو يعده النصرة وتسيير العساكر إذا اصطلح هو وجلال الدولة فبينما هو عنده إذ أتاه خبر وفاة يمين الدولة محمود ومسير مسعود إلى خراسان فسار علاء الدولة إلى بلاده على ما نذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر غزوة للمسلمين إلى الهند $ # في هذه السنة غزا أحمد بن ينالتكين النائب عن محمود بن سبكتكين ببلاد الهند مدينة للهنود هي من أعظم مدنهم يقال لها نرسى ومع أحمد نحود مائة ألف فارس وراجل وشن الغارة على البلاد ونهب وسبى وخرب الأعمال وأكثر القتل والاسر فلما وصل إلى المدينة دخل من أحد جوانبها ونهب السلمون في ذلك الجانب يوما من بكرة إلى آخر النهار ولم يفرغوا من نهب سوق العطارين والجوهريين حسب وباقي أهل البلد لم يعلموا بذلك لأن طوله منزل من منازل الهنود وعرضه مثله فلما جاء المساء بم يجسر أحد على المبيت فيه لكثرة أهله فخرج منه ليأمن على نفسه وعسكره وبلغ من كثرة ما نهب المسلمون أنهم اقتسموا الذهب والفضة كيلا ولم يصل إلى هذه
187
المدينة عسكر المسلمين قبله ولا بعده فلما فارقه أراد العود إليه فلم يقدر على ذلك منعه أهله عنه $ ذكر ملك بدران بن المقلد نصيبين $ # قد ذكرنا محاصرة بدران نصيبين وأنه رحل عنها خوفا من قرواش فلما رحل شرع في إصلاح الحال معه فاصطلحا ثم جرى بين قرواش ونصر الدولة بن مروان نفرة كان سببها أن نصر الدولة كان قد تزوج ابنة قرواش فآثر عليها غيرها فأرسلت إلى أبيها تشكو منه فأرسل يطلبها إليها فسيرها فأقامت بالموصل ثم ان ولد مستحفظ جزيرة ابن عمر وهي لابن مروان هرب إلى قرواش وأطعمه في الجزيرة فأرسل إلى نصر الدولة يطلب من صداق ابنته وهو عشرون ألف دينار ويطلب الجزيرة لنفقتها ويطلب نصيبين لأخيه بدران ويحتج بما أخرج بسببها عام أول وترددت الرسل بينهما في ذلك فلم يستقر حال فسير جيشا لمحاصرة الجزيرة وجيشا مع أخيه بدران إلى نصيبين فحصرها بدران وأتاه قرواش فحصرها معه # فلم يملك واحد من البلدين وتفرق من كان معه من العرب والأكراد فلما رأى بدران تفرق الناس عن أخيه سار إلى نصر الدولة بن مروان بميافارقين يطلب منه نصيبين فسلمها وأرسل من صداق ابنه قرواش خمسة عشر ألف دينار واصطلحا $ ذكر ملك أبي الشوك دقوقا $ # وفيها حصر أبو الشوك دقوقا وبها مالك بن بدران بن المقلد العقيلي فطال حصاره وكان قد أرسل إليه يقول له إن هذه المدينة كانت لأبي ولا بد لي منها والصواب أن تنصرف عنها # فامتنع من تسليمها فحصره بها ثم استظهر وملك البلد فطلب منه مالك الأمان على نفسه وماله وأصحابه فأمنه على نفسه حسب فلما خرج إليه مالك قال له أبوك الشوك قد كنت سألتك أن تسلم البلد طوعا وتحقن دماء المسلمين فلم تفعل # فقال لو فعلت لعيرتني العرب وأما الآن فلا عار علي فقال أبو الشوك
188
إن من إتمام الصنيعة تسليم مالك وأصحابك إليك فأعطاه ما كان له اجمع فأخذه وعاد سالما $ ذكر وفاة يمين الدولة محمود بن سبكتكين وملك ولده محمد $ # في هذه السنة في ربيع الآخر توفي يمين الدولة أبو القاسم محمود بن سبكتكين ومولده يوم عاشوراء سنة ستين وثلاثمائة وقيل إنه توفي في أحد عشر صفر وكان مرضه سوء مزاج وإسهالا وبقي كذلك نحو سنتين وكان قوي النفس لم يضع جنبه في مرضه بل كان يستند إلى مخدته فأشار عليه الأطباء بالراحة وكان يجلس للناس بكرة وعشية فقال أتريدون أن أعتزل الأمارة فلم يزل كذلك حتى توفي قاعدا فلما حضره الموت أوصى بالملك لابنه محمد وهو ببلخ وكان أصغر ى من مسعود إلا أنه كان معرضا عن مسعود لأن أمره لم يكن عنده نافا وسعى بينهما أصحاب الأغراض فزادوا أباه نفورا عنه فلما وصى بالملك لولده محمد توفي فخطب لمحمد من أقاصي الهند إلى نيسابور وكان لقبه جلالا الدولة وأرسل إليه أعيان دولة أبيه يخبرونه بموت أبيه ووصيته له بالملك ويستدعونه ويحثونه على السرعة ويخوفونه من أخيه مسعود فحين بلغه تاخبر سار إلى غزنة فوصلها بعد موت أبيه بأربعين يوما فاجتمعت العساكر على طاعته وفرق فيهم الأموال والخلع النفيسة فأسرف في ذلك $ ذكر ملك مسعود وخلع محمد $ # لما توفي يمين الدولة كان ابنه مسعود بأصبهان فلما بلغه الخبر سار إلى خراسان واستخلف بأصبهان بعض أصحابه في طائفة من العسكر فحين فارقها ثار أهلها بالوالي عليهم بعده فقتلوه وقتلوا من معه من الجند وأتى مسعودا الخبر فعاد إليها وحصرها وفتحها عنوة وقتل فيها فأكثر ونهب الأموال واستخلف فيها رجلا كافيا وكتب إلى أخيه محمد يعلمه بذلك وأنه لا يريد من البلاد التي وصى له أبوه بها شيئا وأنه يكتفي بما فتحه من بلاد طبرستان وبلد الجبل وأصبهان وغيرها ويطلب منه الموافقة وأن يقدمه في الخطبة على نفسه فأجابه محمد جواب مغالط وكان مسعود قد وصل إلى الري فأحسن إلىأهلها وسار منها إلى نيسابور ففعل مثل ذلك # وأما محمد فأنه أخذ على عسكره العهود والمواثيق على المناصحة له والشد منه
189
وسار في عساكره إلى أخيه مسعود محاربا له وكان بعض عساكره يميل إلى أخيه مسعود لكبره وشجاعته ولأنه قد اعتاد التقدم على الجيوش وفتح البلاد وبعضها يخافه لقوة نفسه # وكان محمد قد جعل مقدم جيشه عمه يوسف بن سبكتكين فلما هم بالركوب في داره بغزنة ليسير سقطت قلنسوته من رأسه فتطير الناس من ذلك وأرسل إليه التونتاش صاحب خوارزم وكان من أعيان أصحاب أبيه محمود يشير عليه بموافقة أخيه وترك مخالفته فلم يضغ إلى قوله وسار فوصل إلى تكتاباذ أول يوم من رمضان وأقام إلى العيد فعيد هناك فلما كان ليلة الثلاثاء ثالث شوال ثار به جنده فأخذوه وقيدوه وحبسوه وكان مشغولا بالشرب واللعب عن تدبير المملكة والنظر في أحوال الجند والرعايا وكان الذي سعى في إخذاله علي خويشاوند صاحب أبيه وأعانه على ذلك عمه يوسف بن سبكتكين فلما قبضوا عليه نادوا بشعار أخيه مسعود ورفعوا محمد إلى قلعة تكتاباذ وكتبوا إلى مسعود بالحال فلما وصل هراة لقيته العساكر مع الحاجب علي خويشاوند فلما لقيه الحاجب علي قبض عليه وقتله # وقبض بعد ذلك أيضا على عمه يوسف وهذه عاقبة الغدر وهما سعيا له في رد الملك إله # وقبض بعد ذلك أيضا على جماعة من أعيان القوات في أوقات متفرقة وكان اجتماع الملك له واتفاق الكلمة عليه في ذي القعدة وأخرج الوزير أبا القاسم أحمد بن الحسن الميمندي الذي كان وزير أبيه من محبسه واستوزره ورد الأمر إليه وكان أبوه قد قبض عليه سنة اثنتي عشرة وأربعمائة لأمور أنكرها وقيل شره في ماله وأخذ منه لما قبض عليه مالا وأعراضا بقيمة خمسة آلاف ألف دينار وكان وصول مسعود إلى غزنة ثامن جمادى الآخرة من سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة فلما وصل إليها وثبت ملكه بها أتته رسل الملوك من سائر الأقطار إلى بابه واجتمع له ملك خراسان وغزنة وبلاد الهند والسند وسجستان وكرمان ومكران والري وأصبهان وبلاد الجبل وغير ذلك وعظم سلطانه وخيف جانبه $ ذكر بعض سيرة يمين دولة $ # كان يمين الدولة محمود بن سبكتكين عاقلا # دينا خيرا عنده علم ومعرفة # وصنف له
190
كثير من الكتب في فنون العلم وقصده العلماء من أقطار البلاد وكان يكرمهم ويقبل عليهم ويعظمهم ويحسن إليهم # وكان عادلا كثير الإحسان إلى رعيته والرفق بهم كثير الغزوات ملازما للجهاد # وفتوحه مشهورة مذكورة وقد ذكرنا منها ما وصل إلينا بعد الدهر وفيه ما يستدل به على بذل نفسه لله تعالى واهتمامه بالجهاد ولم يكن فيه ما يعاب إلا أنه كان يتوصل إلىأخد الاموال بكل طريق فمن ذلك أنه بلغه أن انسانا من نيسابور كثير المال عظيم الغنى فأحصره إلى غزنة وقال له بلغنا أنك قرمطي فقال لست بقرمطي ولي مال يؤخذ منه ما يراد وأعفى من هذا الاسم فأخذ منه مالا وكتب معه كتابا بصحة اعتقاده وجدد عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر علي بن موسى الرضا والرشيد وأحسن عمارته وكان أبوه سبكتكين أخربه وكان أهل طوس يؤذون من يزوره فمنعهم عن ذلك وكان سبب فعله أنه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في المنام وهو يقول له إلى متى هذا فعلم أنه يريد أمر المشهد فأمر بعمارته وكان ربعة مليح اللون حسن الوجه صغير العينين أحمر الشعر وكان ابنه محمد يشبهه وكان ابنه مسعود ممتلئ البدن طويلا $ ذكر عود علاء الدولة إلىأصبهان وغيرها وما كان منه $ # لما مات محمود بن سبكتكين طمع فناخسرو بن مجد الدولة بن بويه في الري وكان قد هرب منها لما ملكها عسكر يمين الدولة محمود فقصد قصران وهي حصينة فامتنع بها فلما توفي يمين الدولة وعاد ابنه مسعود إلى خراسان جمع هذا فناخسرو جمعا من الديلم الأكراد وغيرهم وقصدوا الري فخرج إليه نائب مسعود بها ومن معه من العسكر فانهزم منهم وعاد إلى بلده وقتل جماعة من عسكره ثم إن علاء الدولة بن كاكويه لما بلغه وفاة يمين الدولة كان بخوزستان عند الملك أبي كاليجار كما ذكرنا وقد أيس من نصره وتفرق بعض من عنده من عسكره وأصحابه والباقون على عزم مفارقته وهو خائف من مسعود أن يسير إليه من أصبهان فلا يقوى هو وأبو كاليجار به فأتاه من الفرج بموت يمين الدولة ما لم يكن حسابه # ولما سمع الخبر سار إلى أصبهان فملكها وملك همذان وغيرها من البلاد وسار إلى الري فملكها وامتد إلى أعمال أنوشروان بن منوجهر بن قابوس فأخذ منه خوار الري ودنباوند وكتب أنوشروان إلى مسعود يهنئه بالملك وسأله تقرير الذي عليه بمال
191
يحمله فأجابه إلى ذلك وسير إليه عسكرا من خراسان فساروا إلى دنباوند فاستعادوها وساروا نحو الري فأتاهم المدد والعساكر وممن أتاهم علي بن عمران فكثر جمعهم فحصروا الري بها وبها علاء الدولة فاشتد القتال في بعض الأيام فدخل العسكر الري قهرا والفيلة معهم فقتل جماعة من أهل الري والديلم ونهبت المدينة وانهزم علاء الدولة وتبعه بعض العسكر وجرحه في رأسه وكتفه فالقى لهم دنانير كات معه فاشتغلوا بها عنه فنجا وسار إلى قلعة فردجان على خمسة عشر فرسخا من همذان فأقام بها إلىأن برأ من جراحته وكان من أمره ما نذكره ان شاء الله تعالى وخطب بالري وأعمال أنوشروان لمسعود فعظم شأنه $ ذكر الحرب بين عسكر جلال الدولة وأبي كاليجار $ # في هذه السنة في شوال سير جلال الدولة عسكرا إلى المذار وبها عسكر أبي كاليجار فالتقوا واقتتلوا فانهزم عسكر أبي كاليجار واستولى أصحاب جلال الدولة على المذار وعملوا بأهلها كل محظور # فلما سمع أبو كاليجار الخبر سير إليهم عسكرا كثيفا فاقتتلوا بظاهر البلد فانهزم عسكر جلال الدولة وقتل أكثرهم وثارأهل البلد بغلمانهم فقتلوهم ونهبوا أموالهم لقبيح سيرتهم كانت معهم وعاد من سلم من المعركة إلى واسط $ ذكر الحرب بين قرواش وغريب بن مقن $ # في هذه السنة في جمادى الأولى اختلف قرواش وغريب بن مقن وكان سبب ذلك أن غريبا جمع جمعا كثيرا من العرب والاكراد واستمد جلال الدولة فأمده بجملة صالحة من العسكر فسار إلى تكريت فحصرها وهي لأبي المسيب رافع بن الحسين وكان قد توجه إلى الموصل وسأل قرواشا النجدة فجمعا وحشدا وسارا منحدرين فيمن معهما فبلغا الدكة وغريب يحاصر تكريت وقد ضيق على من بها وأهلها يطلبون منه الأمان فلم يؤمنهم فحفظوا وقاتلوا أشد قتلا # فلما بلغه وصول قرواش ورافع سار إليهم فالتقوا بالدكة واقتتلوا فغدر بغريب بعض من معه ونهبوا سواده وسواد الأجناد الجلالية فانهزم وتبعهم قرواش # ورافع ثم كفوا عنه وعن أصحابه ولم يتعرضوا إلى حلته وما له فيها وحفظوا ذلك أجمع ثم إنهم تراسلوا واصطلحوا وعادوا إلى ما كانوا عليه من الوفاق
192
$ ذكر خروج الروم إلى الشام وانهزامه $ # في هذه السنة خرج ملك الروم من القسطنطينية في ثلاثمائة ألف مقاتل إلى الشام فلم يزل بعساكره حتى بلغوا قريب حلب وصاحبها شبل الدولة نصر بن صالح بن مرادس فنزلوا على يوم منها فلحقها عطش شديد وكان الزمان صيفا وكان أصحابه مختلفين عليه فمنهم من يحسده ومنهم من يكرهه وممن كان معه ابن الدوقس وهو من أكابرهم وكان يريد هلاك الملك ليملك بعده # فقال الملك الرأي أن نقيم حتى تجيء الأمطار وتكثر المياه فقبح ابن الدوقس هذا الرأي وأشار بالإسراع قصد الشر يتطرق إليه ولتدبير كان قد دبره عليه فسار ففارقه ابن الدوقس وابن لؤلؤ في عشرة آلاف فارس وسلكوا طريقا آخر فخلا بالملك بعض أصحابه وأعلمه أن ابن الدوقس وابن لؤلؤ قد حالفا أربعين رجلا هو أحدهم على الفتك به فاستشعر من ذلك وخاف ورحل من يومه راجعا ولحقه ابن الدوقس وسأله عن السبب الذي أوجب عوده فقال له قد اجتمعت علينا العرب وقربوا منا وقبض في الحال على ابن الدوقس وابن لؤلؤ وجماعة معهما فاضطرب الناس واختلفوا ورحل الملك وتبعهم العارب وأهل السواد حتى الأرمن يقتلون وينهبون وأخذوا من الملك أربعمائة بغل محملة مالا وثيابا وهلك كثير من الروم عطشا ونجا الملك وحده ولم يسلم معه من أمواله وخزائنه شيء البتة وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا # وقيل في عوده غير ذلك وهو أن جمعا من العرب ليس بالكثير عبر على عسكره وظن الروم أنها كبسة فلم يدروا ما يفعلون حتى أن ملكهم لبس خفا أسود وعادة ملوكهم لبس الخف الأحمر فتركه ولبس الأسود ليعمى خبره على من يريده وانهزموا وغنم المسلمون جميع ما كان معهم $ ذكر مسير أبي علي بن ماكولا إلى البصرة وقتله $ # لما استولى الملك جلال الدولة على وسط وجعل ولده فيها وسير وزيره أبا علي بن ماكولا إلى البطائح والبصرة ليملكها فملك البطائح وسار إلى البصرة في الماء وأكثر من السفن والرجال وكان بالبصرة أبو منصور بختيار بن علي نائبا لأبي كاليجار فجهز جيشا في أربعمائة سفينة وجعل عليهم أبا عبد الله الشرابي الذي كان صاحب البطيحة وسيرة فالتقى هو والوزير أبو علي فعند اللقاء والقتال هبت ريح شمال كانت على البصريين ومعونة للوزير فانهزم البصريون وعادوا إلى البصرة فعزم بختيار على
193
الهرب إلى عبادان فمنعه من سلم عنده من عسكره فأقام متجلدا وأشار جماعة على الوزير أبي علي أن يجعل الانحدار ويغتنم الفرصة قبل أن يعود بختيار بجمع فلما اربهم وهو في ألف وثلاثمائة عدد نمن السفن سير بختيار ما عنده من السفن وهي نحو ثلاثين قطعة وفيها المقاتلة وكان قد سير عسكرا آخر في البر وكان له في فم نهر أبي الخصيب نحو خمسمائة قطعة فيها ماله ولجميع عسكره من المال ولأثاث والأهل فلما تقدمت سفنه صاح من فيها وأجابه من في السفن التي فيها أهلوهم واموالهم وورد عليهم العسكر الذين في البر فقال الوزير لمن أشار عليه بمعاجلة بختيار ألستم زعمتم أنه في خف من العسكر وأن معالجته أولى ورأى الدنيا مملوءة عساكر فهونوا عليه الأمر فغضب وأمر بإعادة السفن إلى شاطىء إلى الغد ويعود إلى القتال فلما أعاد سفنه ظن أصحابه أنه قد انهزم فصاحوا الهزيمة فكانت هي # وقيل بل لما أعاد سفنه لحقهم من في بختيار وصاحوا الهزيمة وأجابهم من في البر من عسكر بختيار ومن في سفنهم التي فيها أموالهم فانهزم أبو علي حقا وتبعه أصحاب بختيار وأهل السواد ونزل بختيار في الماء واستصرخ الناس وسار في آثارهم يقتل ويأسر وهم يغرقون فلم يسلم من السفن كلها أكثر من خمسين قطعة وسار الوزير أبو علي منهزما فأخذ أسيرا وأحضر عند بختيار فأكرمه وعظمه وجلس بين يديه وقال له ما الذي تشتهي أن أفعل معك قال ترسلني إلى الملك أبي كاليجار فأرسله إليه فأطلقه فاتفق أن غلاما له وجارية اجتمعا على فساد فعلم بهما وعرفا أنه قد علم حالهما فقتلاه بعد أسره بنحو من شهر وكان قد أحدث في ولايته رسوما جائرة وسن سننا سيئة منها جباية سوق الدقيق ومقالي الباذنجان وسميريات المشارع ودلالة ما يباع من الأمتعة وأجر الحمالين الذين يرفعون التمور إلى السفن وبما يعطيه الذباحون لليهود فجرى في ذلك مناوشة بين العامة والجند
194
$ ذكر استيلاء عسكر جلال الدولة على البصرة وأخذها منهم $ # لما انحدروا الوزير أبو علي بن ماكولا إلى البصرة على ما ذكرناه لم يستصحب معه الأجناد البصريين الذين مع جلال الدولة تأنيسا للديلم الذين بالبصرة فلما أصيب على ما ذكرنا تجهز هؤلاء البصريون وانحدروا إلى البصرة فوصلوا إليها وقاتلوا من بها من عسكر أبي كاليجار فانهزم عسكر أبي كاليجار ودخل عسكر جلال الدولة البصرة في شعبان واجتمع عسكر أبي كاليجار بالأبلة مع يختيار فأقاموا بها يستعذون للعود وكتبوا إلى أبي كاليجار يستمدونه فسير إليهم عسكرا كثيرا مع وزير ذي السعادات أبي الفرج بن فسانجس فقدموا إلى الأبلة واجتمعوا مع بختيار في ووقع الشروع في قتال من بالبصرة من أصحاب جلال لاالدولى فسير بختيار جمعا كثيرا في عدة من السفن فقاتلوهم فنصر أصحاب جلال الدولة عليهم وهزموهم فوبخهم بختيار وسار من وقته في العدد الكثير والسفن الكثثرة فاقتتلوا واشتد القتال فانهزم يختيار وقتل من أصحابه جماعة كثيرة وأخذ هو فقتل من غير قصد لقتله وأخذوا كثيرا من سفنه وعاد كل فريق إلى موضعه وعزم الأتراك على أصحاب جلال الدولة على مباكرة الحرب وإتمام الهزيمة وطالبوا العامل الذي على البصرة بالمال فاختلفوا وتنازعوا في الاقطاعات فأصعد ابن المعز الني صاحب البطيحة فسار إليه جماعة من الأتراك الواسطيين ليردوه فلم يرجع فتبعوه وخاف من بقي يعضهم من بعض أن لا يناصحوهم ويسلموهم عند الحرب فتفرقوا واستأمن بعضهم إلى ذي السعادات وقد كان خائفا منهم فجاءه ما لم يقدره من الظفر ونادى من بقي بالبصرة بشعار أبي كاليجار فدخلها عسكره وأرادوا نهبها فمنعهم ذو السعادات $ ذكر غزو فضلون الكردي الخزر وما كان منه $ # كان فضلون الكردي هذا بيده من أذربيجان قد استولى عليها وملكها فاتنق أنه غزا الخزر هذه السنة فقتل منهم وسبى وغنم شيئا كثيرا # فلما عاد إلى بلده أبطأ في سيره وأمل الستظهار في أمره ظنا قد دوخهم زشغلهم بما عمله بهم فاتبعوه مجدين وكبسوه وقتوا من أصحابه والمطوعة الذين معه أكثر من عشرة آلاف قتيل واستردوا الغنائم التي أخذت منهم وغنموا أموال العساكر الإسلاميه وعادوا
195
$ ذكر البيعة لولي العهد $ # في هذه السنة مرض القادر بالله وأرجف بموته فجلس جلوسا عاما وأذن للخاصة والعامة فوصلوا إليه فلما اجتمعوا قام الصاحب أبو الغنائم فقال خدم مولانا أمير المؤمنين داعون له بإطالة البقاء وشاكرون لما بلغهم من نظره لهم وللمسلمين باختيار الأمير أبي جعفر بولاية العهد فقال الخليفة للناس قد أذنا في العهد له وكان أراد أن يبايع له قبل ذلك فثناه عنه أبو الحسن بن حاجب النعمان # فلما عهد إليها القيت الستارة وقعد أبو جعفر على السرير الذي كان قائما عليه وخدمه الحاضرون وهنأوه وتقدم أبو الحسن بن حاجب النعمان فقبل يده وهنأه فقال ( ^ ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ) يعرض له بإفساده رأي الخليفة فيه فأكب على تقبيل قدمه وتعفير خده بين يديه والاعتذار فقبل عذره # ودعي له على المنابر يوم الجمعة لتسع بقين من جمادى الاولى $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة استوزر جلال الدولة أبا سعد بن عبد الرحيم بعد ابن ماكولا ولقبه عميد الدولة # وفيها توفي أبو الحسن النعمان بن حاجب ومولده سنة أربعين وثلاثمائة وكان خصيصا بالقادر بالله حاكما في دولته كلها # وكتب له وللطائع أربعين سنة # وفيها ظهر متلصصة ببغداد من الأكراد فكانوا يسرقون دواب الأتراك فنقل الاتراك خيلهم إلى دورهم # ونقل جلال الدولة دوابه إلى بيت في دار المملكة # وفيها توفي أبو الحسن بن عبد الوارث الفسوي النحوي بفسا وهو نسيب أبي علي الفارسي # وفيها توفي أبو محمد الحسن بن يحيى العلوي النهر سابس الملقب بالكافي وكان موته بالكوفة وفيها في رجب جاء في غزنة سيل عظيم أهلك الزرع والضرع وغرق كثيرا من الناس لا يحصون وخرب الجسر الذي بناه عمرو بن الليث وكان هذا الحادث عظيما # وفيها في رمضان تصدق مسعود بن محمود بن سبكتكين في غزنة بألف درهم وأدر على الفقراء من العلماء والرعايا إدرارات كثيرة
196
$ ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة $ $ ذكر ملك مسعود بن محمود بن سبكتكن التيز ومكران $ # في هذه السنة سير السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين عسكرا إلى التيز فملكها وما جاورها وسبب ذلك أن صاحبها معدان توفي وخلف ولدين أبا العساكر وعيسى فاستبد عيسى بالولاية والمال # فسار أبو العساكر إلى خراسان وطلب من مسعود النجدة فسير معه وأمرهم بأخذ البلاد من عيسى أو الاتفاق مع أخيه على طاعته فوصلوا اليها ودعوا عيسى الى الطاعة والموافقة فأبى وجمع جمعا كثيرا بلغوا ثمانية عشر ألفا وتقدم إلأيهم فالتقوا فاستأمن من كثير من أصحاب عيسى إلى أخيه أبي العساكر فانهزم عيسى # ثم عاد وحمل من أصحابه فتوسط المعركة فقتل واستولى أبو العساكر على البلاد ونهبها ثلاثة أيام فأجحف بأهلها $ ذكر ملك الروم مدينة الرها $ # في هذه السنة ملك الروم مدينة الرها # وكان سبب ذلك أن الرها كانت بيد نصر الدولة بن مروان كما ذكرناه فلما قتل عطير الذي كان صاحبها شفع صالح بن مرداس صاحب حلب الى نصر الدولة ليعيد الرها الى ابن عطير والى ابن شبل بينهما نصفين فقبل شفاعته وسلمها إلأيهما وكان له في الرها برجان حصينان أحدهما أكبر من الآخر فتسلم ابن عطير الكبير وابن شبل الصغير وبقيت المدينة معهما إلى هذه السنة فراسل ابن عطير أرمانوس مكلك الروم وباعه حصته من الرها بعشرين ألف دينار وعدة قرى من جملتها قرية تعرف الى الآن بسن ابن عطير وتسلموا البرج الذي له ودخلوا البلد
197
فملكوه وهرب منه أصحاب ابن شبل # وقتل الروم المسلمين وخربوا المساجد وسمع نصر الدولة الخبر فسير جيشا الى الرها فحصروها وفتحوها عنوة واعتصم من بها من الروم بالبرجين واحتمى النصارى بالبيعة التي لهم وهي أكبر البيع وأحسنها عمارة فحصرهم المسلمون بها وأخرجوهم وقتلوا أكثرهم ونهبوا البلد وبقي الروم في البرجين وسير إليهم عسكرا نحو عشرة آلاف مقاتل فانهزم أصحاب ابن مروان من بين أيديهم ودخلوا البلد وما جاورهم من بلاد المسلمين وصالحهم ابن وثاب النميري على حران وسروج وحمل إلأيهم خراجا $ ذكر ملك تسعود بن محمود كرمان وعود عسكره عنها $ # وفيها سارت عساكر خراسان إلى كرمان فملكوها وكانت للملك ابي كاليجار فاحتمى عسكره بمدينة بردسير وحصرهم الخراسانيون فيها وجرى بينهم عدة وقائع وأرسلوا الى الملك أبي كاليجار يطلبون المدد فسير إليهم العادل بهرام بن مافنة في عسكر كثيف ثم إن الذين ببردسير خرجوا الى الخراسانية فواقعوهم واشتد القتال وصبروا لهم فأجلت الوقعة عن هزيمة الخراسانية وتبعهم الديلم حتة أبعدوا # ثم عادوا إلى بردسير ووصل العادل عقيب ذلك إلى جيرفت وسير عسكره إلى الخراسانية وهم بأطراف البلاد فواقعوهم فانهزم الخراسانية ودخلوا المفازة عائدين إلى خراسان وأقام العادل بكرمان إلى أن أصلح أمورها وعاد إلى فارس $ ذكر وفاة القادر بالله وشيء من سيرته وخلافة القائم بأمر الله $ # في هذه السنة في ذي الحجة توفي الإمام القادر بالله أمير المؤمنين وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر وخلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة أشهر وعشرون يوما وكانت الخلافة قبله قد طمع فيها الديلم والأتراك فلما وليها القادر بالله أعاد جدتها وجدد ناموسها وألقى الله هيبته في قلوب الخلق فأطاعوه أحسن طاعة وأتمها # وكان حليما كريما خيرا يحب الخير وأهله ويأمر به وينهى عن الشر ويبغض أهله وكان حسن الاعتقاد صنف فيه كتابا على مذهب السنة # ولما توفي صلى عليه ابنه القائم بأمر الله
198
# وكان القادر بالله أبيض حسن الجسم كث اللحية طويلها يخضب وكان يخرج من داره في زي العامة ويزور القبور الصالحين معروف وإذا وصل اليه حال أمر فيه بالحق قال القاضي الحسين بن هارون كان بالكرخ ملك ليتيم وكان له فيه قيمة جيدة فأرسل الى ابن حاجب النعمان وهو حاجب القادر يأمرني أن افك عنه الحجر ليشتري بعض أصحابه ذلك الملك فلم افعل فأرسل يستدعيني فقلت لغلامه تقدمني حتى ألحقك وخفته فقصدت قبر معروف ودعوت الله أن يكفيني شره وهناك شيخ قال لي على من تدعو قذكرت له ذلك ووصلت الى ابن حاجب النعمان فاغلط لي في القول ولم يقبل عذري فأتاه خادم برقعة ففتحها وقرأها وتغير لونه ونزل من الشدة فاعتذر إلي ثم قال كتبت إلى الخليفة قصتي فقلت لا وعلمت أن ذلك الشيخ كان الخليفة # وقيل كان يقسم إفطاره كل ليلة ثلاثة أقسام فقسم كان يتركه بين يديه وقسم يرسله إلى جامع الرصافة وقسم يرسله إلى جامع المدينة يفرق على المقيمين فيهما فاتفق ان الفراش حمل ليلة الطعام إلى جامع لمدينة ففرقه على الجماعة فأخذوا إلا شابا فإنه رده # فلما وصلوا المغرب خرج الشاب وتبعه الفراش فوقف على باب فاستطعم فأطعموه كسيرات فأخذها وعاد إلى الجامع فقال له الفراش ويحك ألا تستحي ينفذ إليك خليفة الله بطعام حلال فترده وتخرج وتأخذ من الأبواب فقال والله ما رددته فعاد لأنك عرضته على قبل المغرب وكنت غير محتاج إليه فلما احتجت طلبت فعاد الفراش فأخبر الخليفة بذلك فبكى وقال له راع مثل هذا واغتنم أخذه وأقم إلأى وقت الافطار # وقال أبو الحسن الأبهري أرسلني بهاء الدولة إلى القادر بالله في رسالة فسمعته ينشد # ( سبق القضاء بكل ما هو كائن % والله يا هذا لرزقك ضامن ) # ( تعنى بما يفنى وتترك ما به % تغنى كأنك للحوادث آمن ) # ( أو ما ترى الدنيا ومصرع أهلها % فآعمل ليوم فراقها يا حائن ) # ( واعلم بأنك لا أبا لك في الذي % أصبحت تجمعه لغيرك خازن ) # ( يا عامر الدنيا أتعمر منزلا % لم يبق فيه مع المنية ساكن )
199
# ( الموت شيء أنت تعلم أنه % حق وأنت بذكره متهاون ) # ( إن المنية لا تؤامر من أتت % في نفسه يوما ولا تستأذن ) # فقلت الحمد لله الذي وفق أمير المؤمنين لإنشاد مثل الأبيات فقال بل لله المنة إذ ألزمنا بذكره ووقفنا لشكره ألم تسمع قول الحسن البصري في أهل المعاصي # وهانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم # ومناقبه كثيرة $ ذكر خلافة القائم بأمر الله $ # لما مات القادر بالله جلس في الخلافة ابنه القائم بأمر الله أبو جعفر عبد الله وجددت له البيعة وكان أبةه قد بايع له يولاية العهد سنة إحدى وعشرين كما ذكرناه واستقرت الخلافة له # وأول من بايعه الشريف أبو القاسم المرتضى وأنشده # ( فإما مضى جبل وانقضى % فمنك لنا جبل قد رسى ) # ( وإما فجعنا ببدر التمام % فقد بقيت منه شمس الضحى ) # ( لنا حزن في محل السرور % وكم ضحك في خلال البكى ) # ( فيا صارم أغمدته يد % لنا بعدك الصارم المنتضى ) # وهي أكثر من هذا # وأرسل القائم بأمر الله قاضي القضاة أبا الحسن الماوردي إلى الملك أبي كاليجار ليأخذ عليه البيعة ويخطب له في بلاده فأجاب وبايع وخطب له في بلاده وأرسل إليه هدايا جليلة وأموالا كثيرة $ ذكر الفتنة ببغداد $ # في هذه السنة في ربيع الأول تجددت الفتنة ببغداد بين السنية والشيعة # وكان
200
سبب ذلك أن الملقب بالمذكور أظهر العزم على الغزاة واستأذن الخليفة في ذلك فأذن له وكتب له منشورا من دار الخلافة وأعطى علما فاجتمع له لفيف كثير فسار واجتاز بباب الشعير وطاف الحراني وبين يديه الرجال بالسلاح فصاحوا بذكر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقالوا هذا يوم معاوي فنافرهم أهل الكرخ ورموهم وثارت الفتنة ونهبت دور اليهود لأنهم قيل عنهم أنهم أعانوا أهل الكرخ # فلما كان الغد اجتمع أهل السنة من الجانبين ومعهم كثير من الأتراك وقصدوا الكرخ فأحرقوا وهدموا الأسواق وأشرف أهل الكرخ على خطة عظيمة # وأنكر الخليفة ذلك إنكارا شديدا ونسب إليهم تخريق علامته التي مع الغزاة فركب الوزير فوقعت في صدره آجرة فسقطت عمامته وقتل من أهل الكرخ جماعة وأحرق وخرب في هذه الفتنة سوق العروس وسوق الصفارين وسوف الأنماط وسوق الدقاقين وغيرها # واشتد الأمر فقتل العامة الكلالكي وكان ينظر في المعونة وأحرقوه # ووقع القتال في أصقاع البلد من جانبيه واقتتل أهل الكرخ ونهر طابق والقلائين وباب البصرة وفي الجانب الشرقي أهل سوق الثلاثاء وسوق يحيى وباب الطاق والأساكفة والرهادرة ودرب سليمان فقطع الجسر ليفرق بين الفريقين ودخل العيارون البلد وكثر الاستقفاء والعملات ليلا ونهارا وأظهر الجند كراهة الملك جلال الدولة وأرادوا قطع خطبته ففرق فيهم مالا وحلف لهم فسكنوا # ثم عادوا الشكوى الى الخليفة منه وطلبوا أن يأمر بقطع خطبته فلم يجبهم إى ذلك فامتنع حينئذ جلال الدولة من الجلوس وضربه النوبة أوقاتالصوات وانصرف الطبالون للقطاع الجاري لهم ودامت هذه الحال إلى عيد الفطر فلم يضرب بوق ولا طبل ولا أظهرت الزينة وزاد الاختلاط ثم حدث في شوال فتنة بين أصحاب الأكسية وأصحاب الخلعات فخرجوا واعترض أهل الشرم ودام الى ذي الحجة فنودي في الكرخ بإخراج العيارين فخرجوا واعترض أهل باب البصرة قوما من قم أرادوا زيارة مشهد علي والحسين عليهما السلام فقتلوا منهم ثلاثة نفر وامتنعت زيارة مشهد موسى بن جعفر $ ذكر ملك الروم قلعة أفامية $ # ف هذه السنة ملك الروم قلعة أفامية بالشام وسبب ملكها أن الظاهر خلبفة مصر سير الى الشام الدزبري وزير فملكه وقصد حسان بن المفرج الطائي فألح في
201
طلبه فرهب منه ودخل بلد الروم ولبس خلعه ملكهم وخرج من عنده وعلى رأسه علم فيه صليب ومعه عسكر كثير فسار إلى أفامية فكسبها وغنم ما فيها وسبى أهلها وأسرهم وسير الدزبري إلى اللبلاد يستنفر الناس للغزو $ ذكر الوجشة بين بارسطغان وجلال الدولة $ # اجتمع أصاغر الغلمان هذه السنة إلى جلال الدولة وقالوا قد هلكنا فقرا وجوعا وقد استبد القواد بالدولة والأموال عليك وعلينا بارسطغان ويلدرك قد أفقرانا وأفقراك أيضا # فلما بلغهما ذلك امتنعا من الركوب إلى جلال الدولة واستوحشا وأرسل إليهما الغلمان يطابلونهما بمعلومهم فاعتذر بضيق أيديهما عن ذلك وسارا الى المدائن فندم الأتراك على ذلك وأرسل إليهما جلال الدولة مؤيد الملك الرخجي والمرتضى وغيرهما فرجعا وزاد تسحب الغلمان على جلال الدولة إلى أن نهبوا من داره فرشا وآلات ودواب وغير ذلك فركب وقت الهاجرة الى دار الخلافة ومعه نفر قليل من الركابية والغلمان وجمع كثير من العامة وهو سكران فانزعج الخليفة حضوره # فلما علم الحال أرسل اليه يأمره بالعودة الى داره ويطيب قلبه فقبل قربوس سرجه ومسح حائط الدار بيده وأمرها على وجهه وعاد الى داره والعامة معه $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة قبل قاضي القضاة أبو عبد الله بن ماكولا شهادة أبي الفضل محمد بن عبد العزيز بن الهادي والقاضي أبي الطيب الطبري # وأبي الحسين بن المهتدي # وشهد عنده أبو القاسم بن بشران وكان قد ترك الشهادة قبل ذلك # وفيها فوض مسعود بن محمود بن سبكتكين إمارة وهمذان والجبال الى تاش فراش وكتب له عامل نيسابور بإنفاق الأموال على حشمه ففعل ذلك وسار إلى عمله وأساء السيرة فيه # وفيها في رجب أخرج الملك جلال الدولة دوابه من الأصطبل وهي خمس عشرة دابة وسيبها في الميدان يغير سائس ولا حافظ ولا علف ذلك لسببين أحدهما عدم العلف والثاني أن الأتراك كانوا يلتمسون دوابه ويطلبونها كثيرا فضجر منهم فأخرجها وقال هذه دوابي منها خمس لمركوبي والباقي لأصحابي ثم صرف حواشيه
202
وفراشيه وأتباعه وأغلق باب داره لانقطاع الجاري له # فثارت لذلك فتنة بين العامة والجند وعظم الأمر وظهر العيارون وفيها عزل عميد الدولة وزير جلال الدولة ووزر بعده أبو الفتح محمد بن الفضل بن أردشير فبقي أياما ولم يستقم أمره فعزل ووزره بعده أبو اسحاق ابراهيم بن أبي الحسيسن وهو ابن أخي ابي الحسين السهلي وزير مأمون صاحب خوارزم فبقي في الوزارة خمسة وخمسين يوما وهرب # وفيها توفي عبد الوهاب بن علي بن نصر أبو نصر الفقيه المالكي بمصر وكان ببغداد ففارقها الى مصر عن ضائقة فأغناه المغاربة
203
$ ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة $ $ ذكر وثوب الأجناد بجلال الدولة وإخراجه من بغداد $ # في هذهذ السنة في ربيع الأول تجددت الفتنة بين جلال الدولة وبين الأتراك فأغلق بابه فجاءت الأتراك ونهبوا داره وسبوا الكتاب وأرباب الديوان ثيابهم وطلبوا الوزير ابا إسحاق السهلي فهرب إلى حلة كمال الدولة غريب بن محمد وخرج جلال الدولة إلى عكبرا في شهر ربيع لآخر # وخطب الأتراك ببغداد للملك أبي كاليجار وأرسلوا إليه يطلبونه وهو بالأهواز فمنعه العادل بن منافة عن الإصعاد إلى أن يحضر بعض قوادهم فلما رأوا امتناعه من الوصول إليهم أعادوا خطبة خلال الدولة وساروا إليه وسألوه العود إلى بغداد واعتذر فعاد إليها بعد ثلاثة وأربعين يوما ووزر له أبو القاسم ابن ماكولا ثم عزل ووزر بعد عميد الدولة أبو سعد بن عبد الحيم فبقي وزيرا أياما ثم استتر وسبب ذلك أن جلال الدولة تقدم إليه بالقبض علىأبي المعمر إبراهيم بن الحسين البسامي طمعا في ماله فقبض عليه وجعله في داره فثار الأتراك وأرادوا منعه وقصدوا دار الوزير وأخذوه وضربوه وأخرجوه من داره حافيا ومزقوا ثيابه وأخذوا عمامته وقطعوها وأخذوا خواتيمه من يده فدميت أصابعه # وكان جلال الدولة في الحمام فخرج مرتاعا فركب وظهر لينظر ما الخبر فأكتب الوزير يقبل الأرض ويذكر ما فعل به فقال جلال الدولة أنا ابن بهاء الدولة وقد فعل بي أكثر من هذا ثم أخذ البسامي ألف دينار وأطلق واختفى الوزير $ ذكر انهزام علاء الدولة بن كاكويه من عسكر بن محمود بن سبكتكين $ # قد ذكرنا انهزام علاء الدولة أبي جعفر من الري ومسيره عنها فلما وصل إلى قلعة فردجان أقام بهاء لتندمل جراحه ومعه فرهاذ بن مرداويج كان قد جاءه مددا له وتوجهوا منها
204
إلى بروجرد فسير تاش فراش مقدم عسكر خراسان جيشا إلى علاء الدولة واستعمل عليهم علي بن عمران فسار يقص أثر علاء الدولة فلما قارب بروجرد صعد فرهاذ إلى قلعة سليموه ومضى أبو جعفر إلى سابور خواست ونزل عند الأكراد الجوزقان وملك عسكر خراسان بروجرد وراسل فرهاذ الأكراد الذين مع علي بن عمران واستمالهم فصاروا معه وأرادوا أن يفتكوا بعلي فبلغه الخبر فركب ليلا في خاصته وسار نحو همذان ونزل في ا لطريق بقرية تعرف ب ( ( كسب ) ) وهي منيعة فاستراح فيها فلحقه فرهاذ وعسكره والأكراد الذين صاروا معه وحصروه في القرية فاستسلم وأيقن بالهلاك فأرسل الله تعالى ذلك اليوم مطرا وثلجا فلم يمكنهم المقام عليه لأنهم كانوا جريدة بغير خيام ولا آلة الشتاء فرحلوا عنه # وراسل علي بن عمران الأمير تاش فراش يستنجده ويطلب العسكر إلى همذان ثم اجتمع فرهاذ وعلاء الدولة ببروجرد واتفقا على قصد همذان # وسير علاء الدولة إلى اصبهان وبها ابن أخيه يطلبه وأمره بإحضار السلاح والمال ففعل وسار فبلغ خبره علي ابن عمران فسار إليه من همذان جريدة فكبسه بجرباذقان وأسر كثيرا من عسكره وقتل منهم وغنم ما معه من سلاح ومال وغير ذلك ولما سار علي عن همذان دخلها علاء الدولة وملكها ظنا منه أن عليا سار منهزما وسار علاء الدولة من همذان إلى كرج فأتاه خبر ابن أخيه ففت في عضده # وكان علي بن عمران قد سار بعد الوقعة إلى أصبهان طامعا في الإستيلاء عليها وعلى مال علاء الدولة وأهله فتعذر عليه ذلك ومنعه أهلها والعسكر الذي فيها فعاد عنها فلقيه علاء الدولة وفرهاذ فاقتتلوا فانهزم منهما وأخذوا ما معه من الأسرى إلا أبا منصور بن أخي علاء الدولة فإنه كان قد سيره إلى تاش فراش وسار علي من المعركة منهزما نحو تاش فراش فلقيه بكرج فعاتبه على تأخره واتفعقا على المسير إلى علاء الدولة وفرهاذ وكان قد نزل بجبل عند بروجرد متحصنا فيه فافترق تاش وعلي وقصداه من جهتين أحدهما من خلفه والآخر من الطريق المستقيم فلم يشعر إلا وقد خالطه العسكر فانهزم علاء الدولة وفرهاذ وقتل كثير من رجالهما فمضى علاء الدولة إلى أصبهان وصعد فرهاذ إلى قلعة سليموه فتحصن بها $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة توفي قدر خان ملك الترك بما وراء النهر
205
# وفيها ورد أحمد بن محمد المتكدري الفقيه الشافعي رسولا من مسعود بن محمود ابن سبكتكين إلى القائم بأمر الله معزيا له بالقادر بالله وفيها نقل تابوت القادر بالله إلى المقبرة بالرصافة وشهده الخلق العظيم وحجاج خراسان وكان يوما مشهودا # وفيها كان بالبلاد غلاء شديد واستسقى الناس فلم يسقوا وتبعه وباء عظيم وكان عاما في جميع البلاد بالعراق والموصل والشام وبلد الجبل وخراسان وغزنة والهند وغير ذلك وكثر الموت فدفن في أصبهان في عدة أيام أربعون ألف ميت وكثر الجدري في الناس فأحصي بالموصل أنه مات أربعة آلاف صبي ولم تخل دار من مصيبة لعموم المصائب وكثرة الموت وممن جدر القائم بامر الله وسلم # وفيها جمع نائب نصر الدولة بن مروان بالجزيرة جمعا ينيف على عشرة آلاف رجل وغزا من يقاربه من الأرمن وأوقع بهم وأثخن فيهم وغنم وسبى كثيرا وعاد ظافرا منصورا # وفيها كان بين أهل تونس من افريقة خلف فسار المعز بن باديس إليهم بنفسه فأصلح بينهم وسكن الفتنة وعاد # وفيها اجتمع ناس كثير من الشيعة بافريقية وساروا إلى أعمال نفطة فاستولوا على بلد منها وسكنوه فجرد إليهم المعز عسكرا فدخلوا البلاد وحاربوا الشيعة وقتلوهم أجمعين # وفيها خرجت العرب على حاج البصرة ونهبوهم وحج الناس من سائر البلاد إلا من العراق # وفيها توفي أبو الحسن بن رضوان المصري النحوي في رجب # وفيها قتل الملك أبو كاليجار صندلا الخصي وكان قد استولى على المملكة وليس لأبي كاليجار معه غير الاسم # وفيها توفي علي بن أحمد بن الحسن بن محمد بن نعيم أبو الحسن النعيمي البصري حدث عن جماعة وكان حافظا شاعرا فقيها على مذهب الشافعي
206
$ ثم دخلت سنة أربع وعشرين وأربعمائة $ $ ذكر عود مسعود إلى غزنة والفتن بالري وبلد الجبل $ # في هذه السنة في رجب عاد الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين من نيسابور إلى غزنة وبلاد الهند وكان سبب ذلك أنه لما كان قد استقر له الملك بعد أبيه أقر بما كان قد فتحه أبوه من الهند نائبا يسمى أحمد ينالتكين وقد كان أبوه محمود استنابه بها ثقة بجلده ونهضته فرست قدمه فيها وظهرت كفايته ثم إن مسعودا بعد فراغه من تقرير قواعد الملك والقبض على عمه يوسف والمخالفين له سار إلى خراسان عازما على قصد العراق فلما أبعد عصى ذلك النائب بالهند فاضطر مسعود إلى العود فأرسل إلى علاء الدولة بن كاكويه وأمره على أصبهان بقرار يؤديه كل سنة # وكان علاء الدولة قد أرسل يطلب ذلك فاجابه إليه وأقر ابن قابوس بن وشمكير على جرجان وطبرستان على مال يؤديه إليه وسير أبا سهل الحمدوني إلى الري للنظر في أمور هذه البلاد الجبلية والقيام بحفظها وعاد إلى الهند فأصلح الفاسد وأعاد المخالف إلى طاعته وفتح قلعة حصينة تسمى سرستي على ما نذكره وقد كان أبوه حصرها غير مرة فلم يتهيأ له فتحها ولما سار أبو سهل إلى الري أحسن إلى الناس وأظهر العدل فأزال الأقساط والمصادرات وكان تاش فراش قد ملأ البلاد ظلما وجورا حتى تمنى الناس الخلاص منهم ومن دولتهم وخربت البلاد وتفرق أهلها فلما ولي الحمدوني وأحسن وعدل عادت البلاد فعمرت والرعية أمنت وكان الإرجاف شديدا بالعراق لما كان الملك مسعود بنيسابور فلما عاد سكن الناس واطمأنوا
207
$ ذكر ظفر مسعود بصاحب ساوة وقتله $ # فيها قبض عسكر السلطان مسعود بن محمود على شهريوش بن ولكين فأمربه مسعود فقتل وصلب على سور ساوة و كان سبب ذلك أن شهريوش كان صاحب ساوة وقم وتلك النواحي فلما اشتغل مسعود بأخيه محمد بعد موت والده جمع شهريوش جمعا وسار إلى الري محاصرا لها فلم يتم ما أراده وجاءت العساكر فعاد عنها # ثم في هذه السنة اعترض الحجاج الواردين من خراسان وعمهم أذاه وأخذ منهم ما لم تجر به عادة وأساء إليهم وبلغ ذلك إلى مسعود فتقدم إلى تاش فراش وإلى أبي الطيب طاهر بن عبد الله خليفته معه بطلب شهريوش وقصده أين كان واستنفاد الوسع في قتاله فسارت العساكر في أثره فاحتمى بقلعة تقارب قم تسمى فستق وهي حصينة عالية وثيقة البنيان فأحاطوا به وأخذوه وكتبوا إلى مسعود في أمره فأمرهم بصلبه على سور ساوة $ ذكر استيلاء جلال الدولة على البصرة وخروجها عن طاعته $ # في هذه السنة سارت عساكر جلال الدولة مع ولده الملك العزيز فدخلوا البصرة في جمادى الأولى وكان سبب ذلك أن بختيار متولي البصرة توفي فقام بعده ظهير الدين أبو القاسم خال ولده لجلد كان فيه وكفاية وهو في طاعة الملك أبي كاليجار ودام كذلك فقيل لأبي كاليجار إن أبا القاسم ليس لك من طاعته غير الاسم ولو رمت عزله لتعذر عليك وبلغ ذلك أبا القاسم فاستعد للامتناع وأرسل أبو كاليجار إليه ليعزله فامتنع وأظهر طاعة جلال الدولة وخطب له وأرسل إلى ابنه وهو بواسط يطلبه فانحدر إليه في عساكر أبيه التي كانت معه بواسط ودخلوا البصرة وأقاموا بها وأخرجوا عساكر أبي كاليجار منها وبقي الملك العزيز بالبصرة مع أبي القاسم إلى أن دخلت سنة خمس وعشرين وليس له معه أمر والحكم إلى أبي القاسم ثم إنه أراد القبض على بعض الديلم فهرب ودخل دار
208
الملك العزيز مستجيرا فاجتمع الديلم إليه وشكوا من أبي القاسم فصاف شكواهم صدرا موغرا حنقا عليه لسوء صحبته فأجابهم إلى ما أرادوه من إخراجه عن البصرة واجتمعوا وعلم أبو القاسم بذلك فامتنع بالأبلة وجمع أصحابه وجرى بين الفريقين حروب كثيرة انجلت عن خروج العزيز عن البصرة وعوده إلى واسط وعود أبي القاسم إلى طاعتة أبي كاليجار $ ذكر إخراج جلال الدولة من دار المملكة وإعادته إليها $ # في هذه السنة في رمضان شغب الجند على جلال الدولة وقبضوا عليه ثم أخرجوه من داره ثم سألوه ليعود إليها فعاد وسبب ذلك أنه استقدم الوزير أبا القاسم من غير ان يعلموا فلما قدم ظنوا أنه إنما ورد للتعرض إلى أموالهم ونعم فاستوحشوا واجتمعوا إلى داره وهجموا عليه وأخرجوه إلى مسجد هناك فوكلوا به فيه ثم إنهم أسمعوه ما يكره ونهبوا بعض ما في داره فلما وكلوا به جاء بعض القواد في جماعة من الجند ومن انضاف إليه من العامة والعيارين فأخرجه من المسجد وأعاده إلى داره فنقل جلال الدولة ولده وحرمه وما بقي له إلى الجانب الغربي وعبر هو في الليل إلى الكرخ فلقيه أهل الكرخ بالدعاء فنزل بدار المرتضى وعبر الوزير أبو القاسم معه ثم إن الجند اختلفوا فقال بعضهم نخرجه من بلادنا ونملك غيره وقال بعضهمليس من بني بويه غيره وغير أبي كاليجار وذلك قد عاد إلى بلاده ولابد من مداراة هذا فأرسلوا إليه يقولون له نريد أن تنحدر عنا إلى واسط # وأنت ملكنا وتترك عندنا بعض أولادك الأصاغر فأجابهم إلى ذلك وأرسل سرا إلى الغلمان الأصاغر فاستمالهم وإلى كل واحد من الأكابر وقال إنما أثق بك وأسكن إليك واستمالهم أيضا فعبروا إليه وقبلوا الأرض بين يديه وسألوه العود إلى دار الملك فعاد وحلف لهم على إخلاص النية والإحسان إليهم وحلفوا له على المناصحة واستقر في داره $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة توفي الوزير أحمد بن الحسن الميمندي وزير مسعود بن سبكتكين ووزر بعده أبو نصر أحمد بن علي بن عبد الصمد وكان وزير هارون التونتاش صاحب خوارزم ووزر بعده لهارون ابنه عبد الجبار وفيها ثار
209
العيارون ببغداد وأخذوا أموال الناس طاهرا وعظم الأمر على أهل البلد وطمع المفسدون إلى حد أن بعض القواد الكبار أخذ أربعة من العيارين فجاء عقيدهم وأخذ من أصحاب القائد أربعة وحضر باب داره ودق عليه الباب فكلمه من داخل فقال العقيد قد أخذت من أصحابك أربعة فإن أطلقت من عندك أطلقت أنا ما عندي وإلا قتلتهم وأحرقت دارك فأطلقهم القائد # وفيها تأخر الحاج من خراسان وفيها خرج حجاج البصرة بخفير فغدر بهم ونهبهم # وفيها في جمادى الأولى توفي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيضاوي الفقيه الشافعي عن نيف وثمانين سنة # وفيها في شوال توفي أبو الحسن بن السماك القاضي عن خمس وتسعين سنة
210
$ ثم دخلت سنة خمس وعشرين وأربعمائة $ $ ذكر فتح قلعة سرستي وغيرها من بلد الهند $ # في هذه السنة فتح السلطان مسعود بن محمود بن سبكتكين قلعة سرستي وما جاورها من بلد الهند وكان سبب ذلك ما ذكرناه من عصيان نائبه بالهند أحمد ينالتكين عليه ومسيره إليه فلما عاد أحمد إلى طاعته أقام بتلك البلاد طويلا حتى أمنت واستقرت وقصد قلعة سرستي وهي من أمنع حصون الهند وأحصنها فحصرها وقد كان أبوه حصرها غير مرة فلم يتهيأ له فتحها فلما حصرها مسعود راسله صاحبها وبذل له مالا على الصلح فأجابه إلى ذلك وكان فيها قوم من التجار المسلمين فعزم صاحبها على أخذ أموالهم وحملها إلى مسعود من جملة القرار عليه فكتب التجار رقعة في نشابة ورموا بها إليه يعرفونه فيها ضعف الهنود بها وأنه إن صابرهم ملكها فرجع عن الصلح إلى الحرب وطم خندقها بالشجر وقصب السكر وغيره # وفتح الله عليه وقتل كل من فيها وسبى ذراريهم وأخذ ما جاورها من البلاد وكان عازما على طول المقام والجهاد فأتاه من خراسان خبر الغزو فعاد على ما نذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر حصر قلعة بالهند أيضا $ # لما ملك مسعود قلعة سرستى رحل عنها إلى قلعة نغسى فوصل إليها عاشر صفر وحصرها فرآها عالية لا ترام يرتد البصر دونها وهو حسير # إلا أنه أقام عليها يحصرها فخرجت عجوز ساحرة فتكلمت باللسان الهندي طويلا وأخذت مكنسة فبلتها بالماء ورشته منها إلى جهة عسكر المسلمين فمرض وأصبح لا يقدر أن يرفع رأسه وضعفت قوته ضعفا شديدا فرحل عن القلعة لشدة المرض فحين فارقها زال ما كان به وأقبلت الصحة والعافية إليه وسار نحو غزنة
211
$ ذكر الفتنة بنيسابور $ # لما اشتد أمر الأتراك بخراسان على ما نذكره تجمع كثيرمن المفسدين وأهل العبث والشر وكان أول من أثار الشر أهل أبيورد وطوس واجتمع معهم خلق كثير وساروا إلى نيسابور لينهبوها # وكان الوالي عليها قد سار عنها إلى الملك مسعود فخافهم خوفا عظيما وايقنوا بالهلاك # فبينما هم يترقبون البوار والاستئصال وذهاب الأنفس والأموال إذ وصل إليهم أمير كرمان في ثلاثمائة فارس قدم متوجها إلى مسعود أيضا فاستغاث به المسلمون وسألوه أ ن يقيم عندهم ليكف عنهم الأذى فأقام عليهم وقاتل معهم وعظم الأمر واشتد الحرب وكان الظفر له ولأهل نيسابور فانهزم أهل طوس وأبيورد ومن تبعهم وأخذتهم السيوف من كل جانب وعمل بهم أمير كرمان أعمالا عظيمة وأثخن فيهم وأسر كثيرا منهم وصلبهم على الأشجار وفي الطرق فقيل إنه عدم من أهل طوس عشرون ألف رجل ثم إن أمير كرمان أحضر زعماء قراطوس وأخذ أولادهم وإخوانهم وغيرهم من أهليهم رهائن فأودعهم السجون وقال إن اعترض منكم واحد إلى أهل نيسابور أو غيرهم أو قطع طريقا فأولادكم وإخوانكم ورهائنكم مأخوذون بجناياتكم فسكن الناس وفرج الله عن أهل نيسابور بما لم يكن في حسابهم $ ذكر الحرب بين علاء الدولة وعسكر خراسان $ # في هذه السنة اجتمع علاء الدولة بن كاكويه وفرهاذ بن مرداويج واتفق على قتال عسكر مسعود بن محمود سبكتكين وكانت العساكر قد خرجت من خراسان مع أبي سهل الحمدوني فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا صبر فيه الفريقان ثم انهزم علاء الدولة وقتل فرهاذ واحتمى علاء الدولة بجبال بين أصبهان وجرباذقان ونزل عسكر مسعود بكرج وأرسل أبو سهل إلى علاء الدولة يقول له ليبذل المال ويراجع الطاعة ليقره على ما بقي من البلاد ويصلح حاله مع مسعود فترددت الرسل فلم يستقر بينهم أمر فسار أبو سهل إلى أصبهان فملكها وانهزم علاء الدولة من بين يديه لما خاف الطلب إلى ايدج وهي للملك أبي كاليجار ولما استولى أبو سهل على أصبهان نهب خزائن علاء الدولة وأمواله # وكان أبو علي بن سينا في خدمة علاء الدولة فاخذت كتبه وحملت إلى غزنة فجعلت في خزائن كتبها
212
إلى أن أحرقها عساكرها الحسين بن الحسين الغوري على ما نذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر الحرب بين نور الدولة دبيس وأخيه ثابت $ # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين دبيس بن علي بن مزيد وأخيه أبي قوام ثابت بن علي بن مزيد # وسبب ذلك أن ثابتا كان يعتضد بالبساسيري ويتقرب إليه فلما كان سنة أربع وعشرين وأربعمائة سار البساسيري معه إلى قتال أخيه دبيس فدخلوا النيل واستولوا عليه وعلى أعمال نور الدولة فسير نور الدولة إليهم طائفة من أصحابه فقتلوهم فانهزموا فلما رأى دبيس هزيمة أصحابه سار عن بلده وبقي ثابت فيه إلى الآن فاجتمع دبيس وأبو المعز اعناز بن المغر وبنو أسد وخفاجة وأعانه أبو كامل منصور بن قراد وساروا جريدة لإعادة دبيس إلى بلده وأعماله وتركوا حللهم بين خصى وجربى فلما ساروا لقيهم ثابت عند جرجرايا وكانت بينهم حرب قتل فيها جماعة من الفريقين ثم تراسلوا واصطلحوا ليعود دبيس الى أعماله ويقطع أخاه ثابتا أقطاعا وتحالفوا على ذلك وسار البساسيري نجدة لثابت فلما وصل إلى النعمانية سمع بصلحهم فعاد إلى بغداد $ ذكر ملك الروم قلعة بركوى $ # هذه قلعة متخمة للأرمن في يد أبي الهيجاء بن ربيب الدولة ابن أخت وهودان بن مملان فتنافر هو وخاله فأرسل خاله إلى الروم فأطمعهم فيها فسير الملك إليها جمعا كثيرا فملكوها فبغ الخبر إلى الخليفة فأرسل إلى أبي الهيجاء وخاله من يصلح بينهما ليتفقا إلى استعادة القلعة فاصلحا ولم يتمكنا من استعادتها واجتمع إليها خلق كثير من المتطوعة فلم يقدروا على ذلك لثبات قدم الروم بها $ ذكر عدت حوادث $ # في هذه ه السنة استوز جلال الدولة عميد الدولة أبا سعد بن عبد الرحيم وهي الوزارة الخامسة وكان قبله في الوزارة ابن ماكولا ففارقها وسار إلى كبرا فرده جلال الدولة إلى الوزارة وعزل أبا سعد فبقي أياما ثم فارقها إلى أوانا وفيها استخلف البساسيري في حماية الجانب الغربي ببغداد لأن العيارين اشتد أمرهم وعظم فسادهم عجز عنهم نواب السلطان فاستعملوا البساسيري لكفايته # نهضته
213
# وفيها توفي أبو سنان غريب بن محمد بن مقن في شهر ربيع الآخر في كرخ سامرا وكان يلقب سيف الدولة وكان قد ضرب دراهم سماها السيفية وقام بالأمر بعده ابنه ابو الريان وخلف خمسمائة ألف دينار وأمر فنودي قد أحللت كل من لي شيء فحللوني كذلك فحللوه وكان عمره سبعين سنة # وفيها توفي بدران بن المقلد وقصد ولده عمه قرواشا فأقر عليه حاله وماله وولاية نصيبين وكان بنو نمير قد طمعوا فيها وحصروها فسار إليهم ابن بدران فدفعهم عنها # وفيها توفي أرمانوس ملك الروم وملك بعده رجل صيرفي ليس من بيت الملك وإنما بنيت قسطنطين اختارته # وفيها كثرت الزلازل بمصر والشام وكان أكثرها بالرملة فإن أهلها فارقوا منازلهم عدة أيام وانهدم منها نحو ثلثها وهلك تحت الهدم خلق كثير وفيها كان بإفريقية مجاعة شديدة وغلاء # وفيها قيض قرواش على البرجمي العيار وغرقه وكان سبب ذلك أن قرواشا قبض على ابن القلعي عامل عكبرا فحضر البرجمي العيار عند قرواش مخاطبا في أمره لمودة بينهما فأخذه قرواش وقبض عليه فبذل مالا كثيرا ليطلقه فلم يفعل وغرقه # وكان هذا البرجمي قد عظم شأنه وزاد شره وكبس عدة مخازن بالجانب الشرقي وكبس دار المرتضى ودار ابن عديسة وهي مجاورة دار الوزير وثار العامة بالخطيب يوم الجمعة وقالوا إما أن تخطب للبرجمي وإلا فلا تخطب لسلطان ولا لغيره وأهلك الناس ببغداد وحكاياته كثيرة وكان مع هذا فيه فتوة وله مروءة لم يعرض إلى امرأة ول إلى من يستسلم إليه # وفيها هبت ريح سوداء بنصيبين فقلعت من بساتينها كثيرا من الأشجار وكان في بعض البساتين قصر مبني بجص وآجر وكلس فقلعته من أصله # وفيها كثر الموت بالخوانيق في كثير من بلاد العراق والشام والموصل وخوزخستان وغيرها حتى كانت الدار يسد بابها لموت أهلها # وفيها في ذي القعدة انقض كوكب هال منظره الناس وبعده بليلتين انقض شهاب
214
آخر أعظم منه كأنه البرق ملاصق الأرض على ضوء المشاعل ومكث طويلا حتى غاب أثره # وفيها توفي أبو العباس الأبيوردي الفقيه الشافعي قاضي البصرة وأبو بكر محمد ابن أحمد بن غالب البرقاني المحدث الإمام المشهور وكانت وفاته في رجب والحسين بن عبد الله بن يحيى أبو علي البندنيجي الفقيه الشافعي وهو من أصحاب أبي حامد الإسفرايني وعبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحرث بن أسد أبو الفرج التميمي الفقيه الحنبلي
215
$ ثم دخلت سنة ست وعشرين وأربعمائة $ $ ذكر حال الخلافة والسلطنة ببغداد $ # في هذه السنة انحل أمر الخلافة والسلطنة ببغداد حتى إن بعض الجند خرجوا إلى قرية يحيى فلقيهم أكراد فأخذوا دوابهم فعادوا إلى قراح الخليفة القائم بأمر الله فنهبوا شيئا من ثمرته وقالوا للمارين فيه أنتم عرفتم حال الأكراد ولم تعلمونا # فسمع الخليفة الحال فعظم عليه ولم يقدر جلال الدولة على أخذ أولئك الأكراد لعجزه ووهنه واجتهد في تسليم الجند إلى نائب لبخليفة فلم يمكنه ذلك فتقدم الخليفة إلى القضاة بترك القضاء والامتناع عنه وإلى الشهود بترك الشهادة و إلى الفقهاء بترك الفتوى فلما رأى جلال الدولة ذلك سأل أولئك الأجناد ليجيبوه إلى أن يحملهم إلى ديوان الخلافة ففعلوا فلما وصلوا إلى دار الخلافة أطلقوا وعظم أمر العيارين وصاروا يأخذون الأموال ليلا ونهارا ولا مانع لهم لأن الجند يحمون على السلطان ونوابه والسلطان عاجز عن قهرهم وانتشر العرب في البلاد فنهبوا النواحي وقطعوا الطريق وبلغوا إلى أطراف بغداد حتى وصلوا إلى جامع المنصور وأخذوا ثياب ا لنساء في المقابر $ ذكر إظهار أحمد ينالتكين العصيان وقتله $ في سنة خمس وعشرين عاد مسعود بن محمود من الهند لقتال الغز كما ذكرناه ينالتيكن إلى إظهار العصيان ببلاد الهند وجمع الجموع وقصد البلاد بالأذى فسير إليه مسعود جيشا كثيفا وكانت ملوك الهند تمنعه من الدخول إلى بلادهم وتسد منافذ هربه ولما وصل الجيش المنقذ إليه قاتلهم فانهزم ومضى هاربا إلى الملتان وقصد بعض ملوك الهند بمدينة بهاطية ومعه
216
جمع كثير من عساكره الذين سلموا فلم يكن لذلك الملك قدرة على منعه وطلب منه سفنا ليعبر نهر السند فأحضر له السفن وكان في وسط النهر جزيرة ظنها أحمد ومن معه متصلة بالبر من الجانب الآخر ولم يعلموا أن الماء محيط بها فتقدم ملك الهند إلى أصحاب السفن بإنزالهم في الجزيرة والعود عنهم ففعلوا ذلك وبقي أحمد ومن معه فيها وليس معه طعام إلا ما معهم فبقوا بها تسعة أيام ففني زادهم وأكلوا دوابهم وضعفت قواهم فأرادوا خوض الماء فلم يتمكنوا منه لعمقه وشدة الوحل فيه فعبر الهند إليهم عسكر في السفن وهم على تلك الحال فأوقعوا بهم وقتلوا أكثرهم وأخذوا ولدا لأحمد أسيرا فلما رآه أحمد على تلك الحال قتل نفسه واستوعب أصحابه القتل والأسر والغرق $ ذكر ملك مسعود جرجان وطبرستان $ # كان الملك مسعود قد أقر دارا بن منوجهر بن قابوس على جرجان وطبرستان وتزوج أيضا بابنة أبي كاليجار القوهي مقدم جيش دارا والقيم بتدبير أمره استمالة فلما سار إلى الهند منعوا ما كان استقر عليهم من المال وراسلوا علاء الدولة بن كاكويه وفرهاذ بالاجماع على العصيان والمخالفة وقوى عزمهم على ذلك ما بلغهم من خروج الغز بخراسان فلما عاد مسعود من الهند وأجلى الغز وهزمهم سار إلى جرجان فاستولى عليها وملكها وسار إلى آمل طبرستان وقد فارقها أصحابها واجتمعوا بالغياض والأشجار الملتفة الضيقة المدخل الوعرة المسلك فسار إليهم واقتحمها عليهم فهزمهم وأسر منهم وقتل ثم راسله دارا وأبو كاليجار وطلبوا منه العفو وتقرير البلاد عليهم قأجانهم إلى ذلك وحملوا من الأموال ما كان عليهم وعاد إلى خراسان $ ذكر ميسر ابن وثاب والروم إلى بلد ابن مروان $ # فيها جمع ابن وثاب النميري جمعا كثيرا من العرب وغيرهم واستنجد من بالرها من الروم فسار معه منهم جيش كثيف وقصد بلد نصر الدولة بن مروان ونهب وأخرب فجمع ابن مروان جموعه وعساكره واستمد قرواشا وغيره وأتته الجنود من كل ناحية فلما رأى ابن وثاب ذلك وأنه لا يتم له غرض عاد عن بلاده وأرسل ابن مروان إلى ملك الروم يعاتبه على نقض
217
الهدنة وفسح الصلح الذي كان بينهما وراسل أصحاب الأطراف يستنجدهم للغزاة فكثر جمعه من الجند والمتطوعة وعزم على قصد الرها ومحاصرتها فوردت رسل ملك الروم يتعذر ويحلف أنه لم يعلم بما كان وأرسل إلى عسكره الذين بالرها والمقدم عليهم ينكر ذلك وأهدى إلى نصر الدولة هدية سنية فترك ما كان عازما عليه من الغزو وفرق العساكر المتجمعة عنده $ ذكر عدة حوادث $ # فيها خرج أبو سعد وزير جلال الدولة إلى أبي الشوك مفارقا للوزارة ووزر بعده أبو القاسم وكثرت مطالبات الجند فهرب فأخرج وحمل إلى دار المملكة مكشوف الرأس في قميص خفيف وكانت وزارته هذه شهرين وثمانية أيام وعاد أبو سعد بن عبد الرحيم إلى الوزارة # وفيها في ذي الحجة وثب الحسن بن أبي البركات بن ثمال الخفاجي بعمه علي ابن ثمال أمير بني خفاجة فقتله وقام بإمارة بني خفاجة # وفيها جمعت الروم وسارت إلى ولاية حلب فخرج إليهم صاحبها شبل الدولة بن صالح بن مرداس قتصافوا واقتتلوا فانهزمت الروم وتبعهم إلى عزاز وغنم غنائم كثيرة وعاد سالما # وفيها قصدت خفاجة الكوفة ومقدمهم الحسن بن أبي البركات بن ثمال فنهبوها وأرادوا تخريبها ومنعوا النخل من الماء فهلك أكثره # وفيها هرب الزكي أبو علي النهر سابسي من محبسه وكان قرواش قد اعتقله بالموصل فبقي سنسنتين إلى الآن ولم يحج هذه السنة من العراق أحد # وفي هذه السنة توفي أحمد بن كليب الأديب الشاعر الأندلسي وحديثه مع أسلم بن أحمد بن سعيد مشهور وكان يهواه فقال فيه # ( أسلمني في هوى % أسلم هذا الرشا ) # ( غزال له مقلة % يصيب بها من يشا ) # ( وشى بيننا حاسد % سيسأل عما وشى ) # ( ولو شاء أيرتشى % على الوصل روحي رتشى ) # ( ومات كمدا من هواه % ) # وتوفي في جمادى الأولى منها أحمد بن عبد الملك بن أحمد بن شهيد الأديب الأندلسي ومن شعره
218
# ( إن الكريم إذا نالته مخمصة % أبدى إلى الناس شبعا وهو طيان ) # ( يحني الضلوع على مثل اللظى حرقا % والوجه غمر بماء البشر ملآن ) # وله أيضا # ( كتبت لها إنني عاشق % على مهرق اللثم بالناظر ) # ( فردت علي جواب الهوى % بأحور عن مائه حائر ) # ( منعمة نطقت بالجفون % فدلت على دقة الخاطر ) # ( كأن فؤادي إذا أعرضت % تعلق في مخلبي طائر ) # وفيها توفي أبو المعالي بن سخطة العلوي النقيب بالبصرة وأبو محمد بن معية العلوي بها أيضا وأبو علي الحسين بن أحمد بن شاذان المحدث الأشعري مذهباوكان مولده ببغداد سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة وحمزة بن يوسف الجرجاني وكان من أهل الحديث
219
$ ثم دخلت سنة سبع وعشرين وأربعمائة $ $ ذكر وثوب الجند بجلال الدولة $ # في هذه السنة ثار الجند ببغداد بجلال الدولة وأرادوا إخراجه منها فاستنظهرهم ثلاثة أيام فلم ينظروه ورموه بالآجر فأصابه بعضهم واجتمع الغلمان فردوهم منه فخرج من باب لطيف في سمارية متنكرا وصعد راجلا منها إلى دار المرتضى بالكرخ وخرج من دار المرتضى وسار إلى رافع بن الحسين بن مقن بتكريت وكسر الأتراك أبواب داره ودخلوها ونهبوها وقلعوا كثيرا من ساجها وأبوابها فأرسل الخليفة إليه وقرر أمر الجند وأعاده إلى بغداد $ ذكر الحرب بين أبي السهل الحمدوني وعلاء الدولة $ # في هذه السنة سار طائفة من العساكر الخراسانية التي مع الوزير أبي سهل الحمدوني بأصبهان يطلبون الميرة فوضع عليهم علاء الدولة من أطعمهم في الامتياز من النواحي القريبة منه فساروا إليها ولا يعلمون قربه منهم فلما أتاه خبرهم خرج إليهم وأوقع بهم وغنم ما معهم وقوي طمعه بذلك فجمع جمعا من الديلم وغيرهم وسار إلى أصبهان وبها أبو سهل في عساكر مسعود بن سبكتكين فخرجوا إليه وقاتلوه فغدر الأتراك بعلاء الدولة فانهزم ونهب سواده فسار إلى بروجرد ومنها إلى الطرم فلم يقبله ابن السلار وقال لا قدرة لي على مباينة الخراسانية فتركه وسار عنه $ ذكر وفاة الظاهر وولاية ابنه المستنصر $ # في هذه السنة في منتصف شعبان توفي الظاهر لإعزاز دين الله أبو الحسن علي بن أبي علي المنصور الحاكم الخليفة العلوي بمصر وكان عمره ثلاثا وثلاين سنة وكانت خلافته خمس عشرة سنة وتسعة أشهر وسبعة عشر يوما
220
وكان له مصر والشام والخطبة له فافريقية وكان جميل السيرة حسن السياسة منصفا للرعية إلا أنه مشتغل بلذاته محب للدعة والراحة قد فوض الأمور إلى وزيره أبي القاسم علي بن أحمد الجرجائي لمعرفته بكفايته وأمانته ولما مات ولي بعده ابنه أبو تميم معد ولقب المستنصر بالله ومولده بالقاهرة سنة عشر وأربعمائة وفي أيامه كانت قصة البساسيري وخطب له ببغداد سنة خمسين وأربعمائة وكان الحاكم في دولته بدر بن عبد الله الجمال الملقب بالأفضل أمير الجيوش وكان عادلا حسن السيرة وفي سنة تسع وسبعين وصل الحسن بن الصباح الإسماعيلي في زي تاجر إلى المستنصر بالله وخاطبه في إقامته الدعوة له بخراسان وبلاد العجم فأذن له في ذلك فعاد ودعا إليه سرا وقال للمستنصر من إمامي بعدك فقال ابني نزار والإسماعيلية يعتقدون إمامه نزار وسيرد كيف صرف الأمر عنه سنة سبع وثمانين إن شاء الله تعالى $ ذكر فتح السويداء وأرض الرها $ # في رجب من هذه السنة اجتمع ابن وثاب وابن عطير وتصاهرا وجمعا وأمدهما نصر الدولة بن مروان بعسكر كثيف وساروا جميعهم إلى السويداء وكان الروم قد أحدثوا عمارتها في ذلك الوقت واجتمع إليها أهل القرى المجاورة لها فحضرها المسلمون وفتحوها عنوة وقتلوا فيها ثلاثة آلاف وخمسمائة رجل وغنموا ما فيها وسبوا خلقا كثيرا وقصدوا الرها فحصروها وقطعوا الميرة عنها حتى بلغ المكوك الحنطة دينارا # واشتد الأمر فخرج البطريق الذي فيها متخفيا ولحق بملك الروم وعرفه الحال فسير معه خمسة آلاف فراس فعاد بهم فعرف ابن وثاب ومقدم عساكر نصر الدولة الحال فكمنا لهم فلما قاربوهم خرج الكمين عليهم فقتل من الروم خلق كثير وأسر مثلهم وأسر البطريق حمل إلى باب الرها وقالوا لمن فيها إما أن تتفحوا البلد لنا وإما قتلنا البطريق والأسرى الذين معه ففتحوا البلد للعجز عن حفظه وتحصن أجناد الروم بالقلعة ودخل المسلمون المدينة وغنموا ما فيها وامتلأت أيديهم من الغنائم والسبي وأكثروا القتل وأرسل ابن وثاب إلى آمد مائة وستين راحلة عليها رؤوس القتلى وأقام محاصرا للقلعة ثم إن حسان بن الجراح الطائي سار في خمسة آلاف فارس من العرب والروم نجده لمن بالرها فسمع ابن وثاب بقربه فسار إليه مجدا ليلقاه قبل وصوله فخرج من الرها من الروم إلى حران فقالتلهم أهلها # وسمع ابن وثاب الخبر فعاد مسرعا
221
فوقع على الروم فقتل منهم كثيرا وعاد المنهزمون إلى الرها $ ذكر غدر السناسة وأخذ الحاج وإعادة ما أخذوه $ # في هذه السنة ورد خلق كثير من أذربيجان وخراسان وطبرستان وغيرها من البلاد يريدون الحج وجعلوا طريقهم على أرمينية وخلاط فوردوا إلى آني ووسطان فثار بهم الأرمن من تلك البلاد وأعانهم السناسنة وهم من الأرمن أيضا إلا أنهم لهم حصون منيعة تجاور خلاط وهم صلح مع صاحب خلاط ولم تزل هذه الحصون بأيديهم منفردين بها إلا أنهم متعاهدون إلى سنة تمانين وخمسمائة فملكها المسلمون منهم وأزالوهم عنها على ما نذكره إن شاء الله تعالى فلما اتفقوا مع الأرمن من رعية البلاد وأخذوا الحاج فقتلوا منهم كثيرا وأسروا وسبوا ونهبوا الأموال وجلوا ذلك أجمع إلى الروم # وطمع الأرمن في تلك البلاد فسمع نصر الدولة بن مروان الخبر فجمع العساكر وعزم على غزوهم فلما سمعوا ذلك ورأوا جده فيه راسله ملك السناسنة وبذل إعادة جميع ما أخذ أصحابه وإطلاق الأسرى والسبي فأجابهم إلى الصلح وعاد عنهم لحصانة قلاعهم وكثرة المضايق في بلادهم ولأنهم بالقرب من الروم فخاف أن يستنجدوهم ويمتنعوا بهم فصالحهم $ ذكر الحرب بين المعز وزنانة $ # في هذه السنة اجتمعت زنانة بإفريقية وزحفت في خيلها ورجلها يريدون مدينة المنصوره فلقيهم جيوش المعز بن باديس صاحبها بموضع يقال له الجفنة قريب من القيروان فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزمت عساكر المعز ففارقت المعركة وهم على حامية ثم عاودوا القتال وحرض بعضهم بعضا فصبرت صنهاجة وانهزمت زنانة هزيمة قبيحة وقتل منهم عدد كثير وأسر خلق عظيم وتعرف هذه الوقعة بوقعة الجفنه وهي مشهورة لعظمها عندهم $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في رجب انقض كوكب عظيم غلب نوره على نور الشمس
222
وشوهد في آخرها مثل التنين يضرب إلى السود وبقي ساعة وذهب # وفيها كانت ظبمة عظيمة اشتدت حتى إن الإنسان كان لا يبصر جليسه واخذ بأنفاس الخلق # فلو تأخر انكشافها لهلك أكثرهم # وفيها قبض على الوزير أبي سعد بن عبد الرحيم وزير جلال الدولة وهي الوزارة السادسة وفيها في رمضان توفي رافع بن الحسين بن مقن وكان حازما شجاعا وخلف بتكريت ما يزيد على خمسمائة ألف دينار فملكها ابن أخيه خميس بن ثعلب وكان طريدا في أيام عمه وحمل إلى جلال الدولة ثمانين ألف دينار فأصلح بها الجند وكانت يده قد قطعها بعض عبيد بني عمه كان يشرب معه فجرى بينه وبين آخر خصومة وجردوا سيوفهم فقام رافع ليصلح بينهم فضرب العبد يده فقطعها غلطا ولرافع فيها شعر ولم تمنعه من قتال عمل له كفا أخرى يمسك بها العنان ويقاتل وله شعر جيد من ذلك قوله # ( لها ريقة أستغفر الله إنها % ألذ وأشهى في النفوس من الخمر ) # ( وصارم طرف لا يزايل جفنه % ولم أر سيفا قط في جفنه بفري ) # ( فقلت لها والعيس تحدج بالضحى % أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر ) # ( سأنفق ريعان الشبيبة آنفا % على طلب العلياء أو طلب الأجر ) # ( أليس من الخسران أن لياليا % تمر بلا نفع وتحسب من عمري ) # وفيها في صفر أمر القائم بأمر الله بترك التعامل بالدنانير المغربية وأمر الشهود أن لا يشهدوا في كتاب ابتياع ولا غيره يذكر فيها هذا الصنف من الذهب فعدل الناس إلى القادرية والسابورية والقاسانية
223
$ ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وأربعمائة $ $ ذكر الفتنة بين جلال الدولة وبين بارسطغان $ # في هذه السنة كانت الفتنة بين جلال الدولة وبين بارسطغان وهو من أكابر الأمراء ويلقب حاجب الحجاب وكان سبب ذلك أن جلال الدولة نسبه إلى فساد الأتراك والأتراك نسبوه إلى أخذ الأموال فخاف على نفسه فالتجأ إلى دار الخلافة في رجب من السنة الخالية وترددت الرسل بين جلال الدولة والقائم بأمر الله في أمره فدافع الخليفة عنه وبارسطغان يراسل الملك أبا كاليجار فأرسل أبو كاليجار جيشا فوصلوا إلى واسط واتفق معهم عسكر واسط وأخرجوا الملك العزيز بن جلال الدولة فأصعد إلى أبيه وكشف بارسطغان القناع فاستتبع أصاغر المماليك ونادوا بشعار أبي كاليجار وأخرجوا جلال الدولة من بغداد فسار إلى أوانا ومعه البساسيري وأخرج بارسطغان الوزير أبا الفضل العباس بن الحسن بن فسانجس فنظر في الأمور نيابة عن الملك أبي كاليجار وأرسل بارسطغان إلى الخليفة يطلب الخطبة لأبي كاليجار فاحتج بعهود جلال الدولة فأكره الخطباء على الخطبة لأبي كاليجار ففعلوا وجرى بين الفريقين مناوشات وسار الأجناد الواسطيون إلى بارسطغان ببغداد فكانوا معه وتنقلت الحال بين جلال الدولة وبارسطغان فعاد جلال الدولة إلى بغداد ونزل بالجانب الغربي ومعه قرواش بن المقلد العقيلي ودبيس بن علي بن مزيد الأسدي وخطب لجلال الدولة به وبالجانب الشرقي لأبي كاليجار وأعان أبو الشوك وأبو الفوارس منصور بن الحسين بارسطغان على طاعة أبي كاليجار ثم سار جلال الدولة إلى الأنبار وسار قرواش إلى الموصل وقبض بارسطغان على ابن
224
فسانجس فعاد منصور بن الحسين إلى بلده وأتى الخبر إلى بارسطغان بعود الملك أبي كاليجار إلى فارس ففارقه الديلم الذين جاؤوا نجدة له فضعف أمره فدفع ماله وحرمه إلى دار الخلافة وانحدر إلى واسط وعاد جلال الدولة إلى بغداد وأرسل البساسيري والمرشد وبني خفاجة في أثره فتبعهم جلال الدولة ودبيس بن علي بن مزيد فلحقوه بالخيزرانية فقاتلوه فسقط عن فرسه فأخذ أسيرا وحمل إلى جلال الدولة فقتله وحمل رأسه وكان عمره نحو سبعين سنة # وسار جلال الدولة إلى واسط فملكها وأصعد إلى بغداد فضعف أمر الأتراك وطمع فيهم الأعراب واستولوا على إقطاعاتهم فلم يقدروا على كف أيديهم عنها وكانت مدة بارسطغان من حين كاشف جلال الدولة إلى أن قتل ستة أشهر وعشرة أيام $ ذكر الصلح بين جلال الدولة وأبي كاليجار والمصاهرة بينهما $ # في هذه السنة ترددت الرسل بين جلال الدولة وابن أخيه أبي كاليجار سلطان الدولة بالصلح والاتفاق وزوال الخلف وكان الرسل أقضى القضاة أبا الحسن الماوردي وأبا عبد الله لمردوستي وغيرهما فاتقفا على الصلح وحلف كل واحد من الملكين لصاحبه وأرسل الخليفة القائم بأمر الله إلى أبي كاليجار الخلع النفيسة ووقع العقد لأبي منصور بن أبي كاليجار على ابنة جلال الدولة وكان الصداق خمسين ألف دينار قاسانية $ ذكر عدة حوادث $ # فيها توفي أبو القاسم علي بن الحسين بن مكرم صاحب عمان وكان جوادا ممدحا وقام ابنه مقامه # وفيها توفي الأمير أبو عبد الله الحسين بن سلامة أمير تهامة باليمن وولي ابنه بعده فعصى عليه خادم كان لوالده وأراد أن يملك فجرى بينهما حروب كثيرة تمادت أيامها ففارق أهل تهامة أوطانهم إلى غير مملكة ولد الحسين هربا من الشر وتفاقم الأمر # وفيها توفي مهيار الشاعر وكان مجوسيا فأسلم سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وصحب الشريف الرضى # وقال له أبو القاسم بن برهان يا مهيار قد انتقلت
225
بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية # قال كيف قال لأنك كنت مجوسيا فصرت تسب أصحاب النبي في شعرك # وفيها توفي أبو الحسين القدوري الفقيه الحنفي والحاجب أبو الحسين هبة الله ابن الحسين المعروف بابن أخت الفاضل وكان من أهل الأدب وله شعر جيد وأبو علي بن أبي الريان بمطير أباذ ومولده سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وقد مدحه الرضي وابن نباتة وغيرهما # وفيها عاود المعز بن باديس حرب زناتة بأفريقة فهزمهم وأكثر القتل فيهم وخرب مساكنهم وقصورهم # وفي شعبان توفي أبو علي بن سينا الحكيم الفيلسوف المشهور صاحب التصانيف السائرة على مذاهب الفلاسفة وكان موته بأصبهان وكان يخدم علاء الدولة أبا جعفر بن كاكويه ولا شك أن أبا جعفر كان فاسد الاعتقاد فلهذا أقدم ابن سينا على تصانيفه في الإلحاد والرد على الشرائع في بلده
226
$ ثم دخلت سنة تسع وعشرين وأربعمائة $ $ ذكر محاصرة لأبخاز تفليس وعودهم عنها $ # في هذه السنة حصر ملك الأبخاز مدينة تفليس وامتنع أهلها عليه فأقام عليهم محاصرا ومضيقا فنفدت الأقوات وانقطعت الميرة فأنفد أهلها إلى أذربيجان يستنفرون المسلمين ويسألونهم إعانتهم فلما وصل الغز إلى أذربيجان وجمع ألأبخاز بقربهم وبما فعلوا بالأرمن رحلوا عن تفليس مجفلين خوفا ولما رأى وهوذان صاحب أذربيجان قوة الغز وأنه لا طاقة له بهم لاطفهم وصاهرهم واستعان بهم وقد تقدم ذكر ذلك $ ذكر ما فعله طغرلبك بخراسان $ # في هذه السنة دخل ركن الدين أبو طالب طغرلبك محمد بن ميكائيل بن سجلوق مدينة نيسابور مالكا لها وكان سبب ذلك أن الغز السلجيقة لما ظهروا بخراسان وأفسدوا ونهبوا وخربوا البلاد وسبوا على ما ذكرناه وسمع الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين الخبر فسير إليهم حاجبه سباشي في ثلاثين ألف مقاتل فسار إليهم من غزنة فلما بلغ خراسان ثقل على ما سلم من البلاد بالإقامات فخرب السالم من تخريب الغز فأقام مدة سنة على المدافعة والمطاولة لكنه كان يتبع أثرهم إذا بعدوا ويرجع عنهم إذا أقبلوا استعمالا للمحاجزة وإشفاقا من المحاربة حتى
227
إذا كان في هذه السنة وهو بقرية بظاهر سرخس والغز بظاهر مرو مع طغرلبك وقد بلغهم خبره أسروا إليه وقاتلوه يوم وصلوا فلما جنهم الليل أخذ سباشي ما خف من مال وهرب في خواصه وترك خيمه ونيرانه على حالها # قيل فعل ذلك مواطئا للغز على الهزيمة فلما أسفر الصبح عرف الباقون من عسكره خبره فانهزموا واستولى الغز على ما وجدوه في معسكرهم من سوادهم # وقتلوا من الهنود الذين تخلفوا مقتلة عظيمة وأسرى داود أخو طغرلبك وهو والد السلطان ألب أرسلان إلى نيسابور # وسمع أبو سهل الحمدوني ومن معه بها ففارقوها ووصل داود ومن معه إليها فدخلوها بغير قتال ولم يغيروا شيئا من أمورها ووصل بعدهم طغرلبك ثم وصلت إليهم رسل الخليفة في ذلك الوقت وكان قد أرسل إليهم وإلى الذين بالري وهمدان وبلد الجبل ينهاهم عن النهب والقتل والإخراب ويعظهم فأكرموا الرسل وعظموهم وخدموهم # وخاطب داود طغرلبك في نهب البلد فمنعه فامتنع واحتج بشهر رمضان فلما انسلخ رمضان صمم داود علىنهبه فمنعه طغرلبك واحتج عليه برسل الخليفة وكتابه فلم يلتفت داود إليه وقوي عزمه على النهب فأخرج طغرلبك سكينا وقال له والله لئن نهبت شيئا لأقتلن نفسي # فكف عن ذلك وعدل إلى التقسيط فقسط علىأهل نيسابور نحو ثلاثين ألف دينار وفرقها في أصحابه وأقام طغرلبك بدار الإمارة وجلس على سرير الملك مسعود وصار يقعد للمظالم يومين في الأسبوع على قاعدة ولاة خراسان وسير أخاه داود إلى سرخس فملكها ثم استولوا على سائر بلاد خراسان سوى بلخ وكانوا يخطبون للملك مسعود على سبيل المغالطة وكانوا ثلاثة إخوة طغرلبك وداود ويبغو # وكان ينال واسمه إبراهيم أخا طغرلبك وداود لأمهما ثم خرج مسعود من غزنة وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر مخاطبة جلال الدولة بملك الملوك $ # في هذه السنة سأل جللا الدولة الخليفة القائم بأمر الله ليخاطب بملك الملوك فامتنع ثم أجاب إليه إذا أفتى الفقهاء بجوازه فكتب فتوى إلى الفقهاء في ذلك فأفتى القاضي أبو الطيب الطبري والقاضي أبو عبد الله الصيمري والقاضي ابن البيضاوي وأبو القاسم الكرخي بجوازه # وامتنع منه قاضي القضاة أبو الحسن الماوردي وجرى بينه وبين من افتى بجوازه مراجعات وخطب لجلال
228
الدولة بملك الملوك # وكان الماوردي من أخص الناس بجلال الدولة وكان يتردد إلى دار المملكة كل يوم فلما أفتى بهذه الفتيا انقع ولزم بيته خائفا وأقام منقطعا من شهر رمضان إلى يوم عيد النحر فاستدعاه جلال الدولة فحضر خائفا فأدخله وحده وقال له قد علم كل أحد أنك من أكثر الفقهاء مالا وجاها وقربا منا وقد خالفتهم فيما خالف هواي ولم تفعل ذلك إلا لعدم المحاباة منك واتباع الحق وقد بان لي موضعك من الدين ومكانك من العلم وجعلت جزاء ذلك إكرامك بأن أدخلتك إلي وحدك وجعلت إذن الحاضرين إليك ليتحققوا عودي إلى ما تحب # فشكره ودعا له # وأذن لكل من حضر بالخدمة والانصراف $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة قتل شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس صاحب حلب قتله الدزبري وعساكر مصر وملكوا حلب # وفيها أنكر العلماء علىأبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله سبحانه وتعالى المشعرة بأنه يعتقد التجسم وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد بجامع المنصور وتكلم في ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا # وفيها صالح ابن وثاب النميري صاحب حران الروم الذين بالرها لعجزه عنهم وسلم إليهم ربض الرها وكان تسلمه على ماذكرناه أولا فنزلوا من الحصن الذي للبلد إليه وكثر الروم بها وخاف المسلون على حران منهم وعمر الروم الرها العمارة الحسنة وحصنوها # وفيها هادن المستنصر بالله الخليفة العلوي صاحب مصر ملك الروم وشرط عليه إطلاق خسة الآف أسير وشرط الروم عليه أن يعمروا بيعة قمامة فأرسل الملك إليها من عمرها وأخرج عليها مالا جليلا # وفي هذه السنة سارت عساكر المعز بن باديس بأفريقية إلى بلد الزاب ففتحوا مدينة تسمى بورس وقتلوا من البربر خلقا كثيرا وفتح من بلاد زناتة قلعة تسمى كروم # وفيها توفي اسحاق بن ابراهيم بن مخلد أبو الفضل المعروف بابن الباقر حي في ربيع الآخر
229
$ ثم دخلت سنة ثلاثين وأربعمائة $ $ ذكر وصول الملك مسعود من غزنة إلى خراسان وإجلاء السلجقية عنها $ # في صفر من هذه السنة وصل الملك مسعود إلى بلخ من غزنة وزوج ابنه من ابنة بعض ملوك الخليفة كان يتقي جانبه وأقطع خوارزم لشاهملك الجندي فسار إليها وبها خوارزمشاه إسماعيل بن التونتاش فجمع أصحابه و لقي شاهملك وقاتله ودامت الحرب ينهما مدة شهر وانهزم إسماعيل والتجأ إلى طغرلبك واخيه داود السلجقية وملك شاهملك خوارزم وكان مسير مسعود من غزنة أول سنة ثمان وعشرين وسبب خروجه ما وصل إليه من أخبار الغز وما فعلوه بالبلاد وأهلها من الإخراب والقتل والسبي والاستيلاء وأقام ببلخ حتى أراح واستراح وفرغ من أمر خوارزم والخانية # ثم أمد سباشي الحاجب بعسكر ليتقوى بهم ويهتم بأمر الغز واستئصالهم فلم يكن عنده من الكفاية مايقهرهم بل أخلد إلى المطاولة التي هي عادته وسار مسعود بن سبكتكين من بلخ بنفسه وقصد سرخس فتجنب الغز لقاءه وعدلوا إلى المراوغة والمخاتلة وأظهروا العزم على دخول المفازة التي بين مرو وخوارزم فبينما عساكر مسعود تتبعهم وتطلبهم إذ لقوا طائفة منهم فقاتلوهم وظفروا بهم فقتلوا منهم # ثم إنه واقعهم بنفسه في شعبان من هذه السنة وقعة استظهر فيها عليهم فأبعدوا عنه ثم عاودوا القرب منه بنواحي مرو فواقعهم وقعة أخرى قتل منهم نحو ألف وخمسمائة قتيل وهرب الباقون فدخلوا البرية التي يحتمون بها وثار أهل نيسابور بمن عندهم منهم فقتلوا بعضا وانهزم الباقون إلى أصحابهم بالبرية وعدل مسعود إلى هراة ليتأهب في العساكر للمسير خلفم وطلبهم أين كانوا فعاد طغرلبك إلى الأطراف النائية عن مسعود فنهبهم وانحنى فيها وكان الناس قد تراجعوا فملؤوا أيديهم من الغنائم فحينئذ سار مسعود يطليه فلما قاربه انزاح طغرلبك من بين يديه إلى استوا وأقام بها وكان الزمان شتاء ظنا منه أن الثلج والبرد يمنع عنه فطلبه مسعود إليها ففارقه طغرلبك وسلك الطريق
230
على طوس واحتمى بجبال منيعة ومضايق صعبة المسلك فسير مسعود في طلبه وزيره أحمد بن محمد بن عبد الصمد في عساكر كثيرة فطوى المراحل إليه جريدة # فلما رأى طغرلبك قربه منه فارق مكانه إلى نواحي أبيورد فكان مسعود قد سار ليقطعه عن جهة إن أرادها فلقي طغرلبك مقدمته فواقعهم فانتصروا عليه واستأمن من أصحابه جماعة كثيرة ورأى الطلب له من كل جانب فعاود دخول المفازة إلىخوارزم وأوغل فيها فلما فارق الغز خراسان قصد مسعود جبلا من جبال طوس منيعا لا يرام وكان أهله قد وافقوا الغز وأفسدوا فلما فارق الغز تلك البلاد تحصن هؤلاء بجبلهم ثقة منهم بحصانته وامتناعه فسرى مسعود إليهم جريدة فلم يرعهم إلا وقد خالطهم فتركوا أهلم وأموالهم وصعدوا إلى قمة الجبل واعتصمو ا بها وامتنعوا وغنم عسكر مسعود أموالهم وما ادخروه ثم أمر مسعود أصحابه أن يزحفواإليهم في قمة الجبل وباشر هو القتال بنفسه فزحف الناس إليهم وقاتلوهم قتالا لم يروا مثله وكان الزمان شتاء والثلج على الجبل كثيرا فهلك من العسكر في مخازم الجبل وشعابه كثير ثم إنهم ظفروا بأهله وأكثروا فيهم القتل والأسر وفرغوا منهم وأراحوا المسلمين من شرهم وسار مسعود إلى نيسابور في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ليريح ويستريح وينتظر الربيع ليسير خلف الغز ويطلبهم في المفاوز التي احتموا بها وكانت هذه الوقعة وإجلاء الغز عن خراسان سنة أحدى وثلاثين على ما نذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر ملك أبي الشوك مدينة خولنجان $ # كان حسام الدولة أبو الشوك قد فتح قرميسين من أعمال الجبل وقبض على صاحبها وهو من الأكراد القوهية فسار أخوه إلى قلعة أرنبة فاعتصم
231
بها من أبي الشوك وجعل أصحابه في مدينة خولنجان يحفظونها منه أيضا فلما كان الآن سير أبو الشوك عسكرا إلى خولنجان فحصروها فلم يظفروا منها بشيء فأمر العسكر فعاد فأمن من في البلد بعود العسكر عنها ثم جهز عسكرا آخر جريدة لم يعلم بهم أحد وسيرهم ليومهم وأمرهم بنهب ربض قلعة أرنبة وقتل من ظفروا به والإتمام لوقتهم إلى خولنجان ليسبقوا خبرهم إليها ففعلوا ذلك ووصلواإليها ومن بها غير متأهبين فاقتتلوا شيئا من قتال ثم استسلم من بالمدينة إليهم فتسلموها وتحصن من كان بها من الأجناد في قلعة في وسط البلد فحصرها أصحاب أبي الشوك فملكوها في ذي العقدة من هذة السنة $ ذكر الخطبة العابسية بحران والرقة $ # في هذه السنة خطب شبيب بن وثاب النمبري صاحب حران والرقة للإمام القائم بأمر الله وقطع خطبة المستنصر بالله العلوي وكان سببها أن نصر الدولة بن مروان كان قد بلغه عن الدزبري نائب العلويين بالشام أنه يتهدده ويريد قصد بلاده فراسل قرواشا صاحب الموصل وطلب منه عسكرا وراسل شبيبا النميري يدعوه إلى الموافقة يخذره من المغاربة فأجابه إلى ذلك وقطع الخطبة العولية وأقام الخطبة العباسية فأرسل إليه الدزبري يتهدده ثم أعاد الخطبة العلوية بحران في ذي الحجة من السنة $ ذكر عدة حوادث $ # فيها توفي مؤيد الملك أبو علي الحسين بن الحسن الرخجي وكان وزيرا لملوك بني بويه ثم ترك الوزارة وكان في عطلته يتقدم على الوزراء # وفيها أيضا توفي أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي أمير مكة # وفيها توفي الوزير أبو القاسم بن ماكولا محبوسا بهيت وكان مقامة في الحبس سنتين وخمسة أشهر ومولده سنة خمس وستين وثلاثمائة وكان وزير جلال الدولة وهو والد الأمير أبي نصر مصنف كتاب الإكمال في المؤتلف والمختلف ( ( وكان جلال الدولة سلمه إلى قرواش فحبسه بهيت وفيها سقط الثلج ببغداد لست بقين من ربيع الأول فارتفع على الأرض شبرا ورماه الناس عن السطوح إلى الشوارع وجمد الماء ستة أيام متوالية وكان أول ذلك الثالث والعشرين من كانون الثاني # وتوفي هذه السنة أبو نعيم
232
أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق الأصبهاني الحافظ وأبو الرضا الفضل بن منصور ابن الظريف الفارقي الأمير الشاعر له ديوان حسن وشعره جيد فمنه # ( ومخطف الخصر مطبوع على صلف % عشقته ودواعي البين تعشقه ) # ( وكيف أطمع منه في مواصلة % وكل يوم لنا شمل يفرقه ) # ( وقد تسامح قلبي في مواصلتي % على السلو ولكن من يصدقه ) # ( أهابه وهو طلق الوجه مبتسم % وكيف يطمعني في السيف رونقه )
233
$ ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة $ # في هذه السنة فتح الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين قلعة بخراسان كانت بيد الغز وقتل فيها جماعة منهم وكانت بينه وبينهم وقعات أجلت عن فراقهم خراسان إلى البرية وقد ذكرناه سنة ثلاثين $ ذكر ملك الملك أبي كاليجار البصرة $ # في هذه السنة سير الملك أبو كاليجار عساكره مع العادل أبي منصور بن مافنة إلى البصرة فملكها في صفر وكانت بيد الظهير أبي القاسم وقد ذكرنا أنه وليها بعد بختيار وأنه عصى على أبي كاليجار مرة وصار في طاعة جلال الدولة ثم فارق طاعته وعاد إلى طاعة الملك أبي كاليجار وكان يترك محاققته ومعارضته فيما يفعله ويضمن الظهير أن يحمل إلى أبي كاليجار كل سنة سبعين ألف دينار وكثرت أمواله ودامت أيامه وثبت قدمه وطار اسمه واتفق أنه تعرض إلى أملاك أبي الحسن بن أبي القاسم بن مكرم صاحب عمان وأمواله وكاتب أبو الحسن الملك أبا كاليجار وبذل له زيادة ثلاثين ألف دينار في ضمان البصرة كل سنة وجرى الحديث في قصد البصرة فصادف قلبا موغرا من الظهير فحصلت الإجابة وجهز الملك العساكر مع العادل أبي منصور فسار إليها وحصرها # وسارت العساكر من عمان أيضا في البحر وحصرت البصرة وملكت # وأخذ الظهير وقبض عليه وأخذ جميع ماله وقرر عليه مائة ألف وعشرة آلاف دينار يحملها في إحدى عشر يوما بعد تسعين ألف دينار أخذت منه قبلها ووصل الملك أبو كاليجار إلى البصرة فأقام ثم عاد إلى الأهواز وجعل ولده عز الملوك فيها ومعه الوزير أبو الفرج بن فسانجس ولما سار أبو كاليجار عن البصرة أخذ معه الظهير إلى الأهواز $ ذكر ما جرى بعمان بعد موت أبي القاسم بن مكرم $ # لما توفي أبو القاسم بن مكرم خلف أربعة بنين أبو الجيش والمهذب وأبو محمد
234
وآخر صغير فولي بعده ابنه أبو الجيش وأقر علي بن هطال المنوجاني صاحب جيش أبيه على قاعدته وأكرمه وبالغ في احترامه فكان إذا جاء إليه قام له فأنكر هذه الحال عليه أخوه المهذب فطعن علي بن هطال وبلغه ذلك فأضمر له سوءا واستأذن أبا الجيش في أن يحضر أخاه المهذب لدعوة عملها له فأذن له في ذلك فلما حضر المهذب عنده خدمه وبالغ في خدمته فلما أكل وشرب وانتشى وعمل السكر فيه قال له ابن هطال إن أخاك أبا الجيش فيه ضعف وعجز عن الأمر والرأي أننا نقوم معك وتصير أنت الأمير وخدعه فمال إلى هذا الحديث فأخذ ابن هطال خطه مما يفوض إليه وبما يعطيه من الأعمال إذا عمل معه هذا الأمر فلما كان الغد حضر ابن هطال عند أبي الجيش و قال له إن خاك كان قد أفسد كثيرا من أصحابك عليك وتحدث معي واستمالني فلم أوافقه فلهذا كان يذمني ويقع في وهذا خطه بما استقر هذه الليلة # فلما رأى خط أخيه أمره بالقبض عليه ففعل ذلك واعتقله ثم وضع عليه من خنقه وألقى جثته إلى منخفض من الأرض وأظهر أنه سقط فمات ثم توفي أبو الجيش بعد ذلك بيسير وأراد ابن هطال أن يأخذ أخاه أبا محمد فيوليه عمان ثم يقتله فلم تخرجه إليه والدته وقالت له أنت تتولى الأمور وهذا صغير لا يصلح لها ففعل ذلك وأساء السيرة وصادر التجار وأخذ الأموال وبلغ ما كان منه مع بني مكرم إلى الملك أبي كاليجار والعادل أبي منصور بن ماثنة فأعظما الأمر واستكباره وشد العادل في الأمر وكاتب نائب كان لأبي القاسم بن مكرم بجبال عمان يقال له المرتضى وأمره بقصد ابن هطال وجهز العساكر من البصرة لتسير إلى مساعدة المرتضى فجمع الخلق وتسارعوا إليه وخرجوا عن طاعة ابن هطال وضعف أمره واستولى المرتضى على أكثر البلاد ثم وضعوا خادما كان لأبن مكرم وقد التحق بابن هطال على قتله وساعده عل ذلك فراش كان له فلما سمع العادل بقتله سير إلى عمان من أخرج أبا محمد بن مكرم ورتبه في الإمارة وكان قد استقر أن الأمر لأبي محمد في هذا السنة $ ذكر الحرب بين أبي الفتح بن أبي الشوك وبين عمه مهلهل $ # في هذه السنة كان بين أبي الفتح بن أبي الشوك وبين عمه مهلهل حرب شديدة وكان سبب ذلك أن أبا الفتح كان نائبا عن والده في الدينور وقد عظم محله وافتتح عدة قلاع وحمى أعماله من الغزو قتل فيهم فأعجب بنفسه وصار لايقبل أمر والده فلما كان هذه السنة في شعبان سار إلى قلعة بلوار ليفتحها وكان فيها زوجة صاحبها وكان من
235
الأكراد فعلمت أنها تعجز عن حفظها فراسلت مهلهل بن محمد بن عناز وهو بحلله في نواحي الصامغان واستدعته لتسلم إليه القلعة فسأل الرسول عن أبي الفتح هل هو بنفسه على القلعة أم عسكره فأخبره أنه عاد عنها وبقي عسكره فسار مهلهل إليها فلما وصل رأى أبا الفتح قد عاد إلى القلعة فقصد موضعا يوهم أبا الفتح أنه لم يرد هذه القلعة ثم رجع عائدا وتبعه أبو الفتح ولحقته وتراءت الفئتان فعاد مهلهل إليه فاقتتلوا فرأى أبو الفتح من أصحابه تغيرا فخافهم فولى منهزما وتبعه أصحابه في الهزيمة وقتل عسكر مهلهل من كان في عسكر أبي الفتح من الرجالة وساروا في أثر المنهزمين يقتلون ويأسرون ووقف فرس أبي الفتح به فأسر وأحضر عند عمه مهلهل فضربه عدة مقارع وقيده وحبسه عنده وعاد ثم إن أبا الشوك جمع عساكره وسار إلى شهرزور وحصرها وقصد بلاد أخيه ليخلص ابنه أبا الفتح فطال الأمر ولم يخلص ابنه # وحمل مهلهل اللجاج على أن استدعى علاء الدولة بن كاكويه إلى بلد أبي الفتح فدخل الدينور وقرميسين وأساء إلى أهلها وظلمهم وملكها وكان ذلك سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة $ ذكر شغب الأتراك على جلال الدولة ببغداد $ # في هذه السنة شغب الأتراك على الملك جلال الدولة ببغداد وأخرجوا خيامهم إلى ظاهر البلد ثم أوقعوا النهب في عدة مواضع فخافهم جلال الدولة فعبر خيامه إلى الجانب الغربي وترددت الرسل بينهم في الصلح وأراد الرحيل عن بغداد فمنعه أصحابه فراسل دبيس بن مزيد وقرواشا صاحب الموصل وغيرهما وجمع عنده العساكر فاستقرت القواعد بينهم وعاد إلى داره وطمع الأتراك وآذوا الناس ونهبوا وقتلوا وفسدت الأمور بالكلية إلى حد لا يرجى صلاحه $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في جمادى الآخرة ولد للخليفة القائم بأمر الله ولده أبو العباس وهو ذخيرة الدين # وفيها توفي شبيب بن وثاب النميري صاحب الرقة وسروج وحران # وفيها توفي أبو نصر بن مشكان كاتب الإنشاء لمحمود بن سبكتكين ولولده مسعود وكان من الكتاب المفلقين رأيت له كتابة في غاية الجودة
236
$ ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة $ $ ذكر ابتداء الدولة السلجوقية وسياقة أخبار متتابعة $ # في هذه السنة اشتد ملك السلطان طغرلبك محمد وأخيه جغري بك داود ابن ميكائيل بن سلجوق بني تقاق فنذكر أولا حال آبائه ثم نذكر حاله كيف ينقلب حتى صار سلطانا على أنني قد ذكرت أكثر أخبارهم متقدمة على السنين وإنما أوردناها ههنا مجموعة لترد سياقا واحدا فهي أحسن فأقول فأما تقاق فمعناه القوس الجديد وكان شهما ذا رأي وتدبير وكان مقدم الأتراك الغز ومرجعهم إليه لا يخالفون له قولا ولا يتعدون أمرا فاتفق يوما من الأيام أن ملك الترك الذي يقال له بيغو جمع عساكره وأراد المسير إلى بلاد الإسلام فنهاه تقاق عن ذلك وطال الخطاب بينهما فيه فأغلط له ملك الترك الكلام فلطمه تقاق فشج رأسه فأحاط به خدم ملك الترك وارادوا أخذه فمانعهم وقاتلهم واجتمع معه من أصحابه من منعه فتفرقوا عنه ثم صلح الأمر بينهما وأقام تقاق عنده وولد له سلجوق فإنه لما كبر ظهرت عليه أمارات النجابة ومخايل التقدم فقربه ملك الترك وقدمه ولقبه سباشي ومعناه قائد الجيش # وكانت امرأة الملك تخوفه من سلجوق لما ترى من تقدمه وطاعة الناس له والانقياد إليه وأغرته بقتله وبالغت في ذلك وسمع سلجوق الخبر فسار بجماعته كلهم ومن يطيعه من دار الحرب إلى ديار الإسلام وسعد بالإيمان ومجاورة المسلمين وازداد حاله علوا وأمرة وطاعة وأقام بنواحي جند وأدام غزو كفار الترك وكان ملكهم يأخذ الخراج من المسلمين في تلك الديار وطرد سلجوق عماله منها وصفت للمسلمين ثم إن بعض ملوك السامانية كان هارون بن أيلك الخان قد استولى على بعض أطراف بلاده فأرسل إلى سلجوق يستمده فأمده بابنه أرسلان في جمع من أصحابه فقوى بهم السامني على هارون واسترد ما أخذه منه وعاد أرسلان إلى أبيه
237
# وكان لسلجوق من الأولاد أرسلان وميكائيل وموسى # وتوفي سلجوق بجند وكان عمره مائة سنة وسبع سنين ودفن هناك وبقي أولاده فغزا ميكائيل بعض بلاد الكفار الأتراك فقاتل وباشر القتال بنفسه فاستشهد في سبيل الله وخلف من الأولاد بيفو وطغرلبك محمدا وجغري بك داود فأطاعهم عشائرهم ووقفوا عند أمرهم ونهبهم ونزلوا بالقرب من بخارى على عشرين فرسخا منها فخافهم أمير بخارى فأساء جوارهم وأراد إهلاكهم والإيقاع بهم فالتجؤوا إلى بغراخان ملك تركستان وأقاموا في بلاده واحتموا به وامتنعوه واستقر الأمر بين طغرلبك وأخيه داود أنهما لا يجتمعان عند بغراخان إنما يحضره عند أحدهما ويقيم الآخر في أهله خوفا من مكر يمكروه بهم فبقوا كذلك # ثم إن بغراخان اجتهد في اجتماعهما عنده فلم يفعلا فقبض على طغرلبك وأسره فثار داود في عشائره ومن يتبعه وقصد بغراخان ليخلص أخاه فأنفذ إليه بغراخان عسكرا فاقتتلوا فانهزم عسكر بغراخان وكثر القتل فيهم وخلص أخاه من الأسر وانصرفوا إلى جند وهي قريب بخارى فأقاموا هناك فلما انقرضت دولة السامانية وملك أيلك الخان بخارى عظم محل أرسلان بن سلجوق عم داود وطغرلبك بما وراء النهر وكان علي تكين في حبس أرسلان خان فهرب وهو أخو أيلك الخان ولحق ببخارى واستولى عليها واتفق مع أرسلان بن سلجوق فامتنعا واستفحل أمرهما وقصدهما أيلك أخو أرسلان خان وقاتلهما فهزماه وبقيا ببخارى # وكان علي تكين يكثر معارضة يمين الدولة محمود بن سبكتكين فيما يجاوره في بلاده ويقطع الطريق على رسله المترددين إلى ملوك الترك فلما عبر محمود جيحون على ما ذكرناه هرب علي تكين من بخارى وأما أرسلان بن سلجوق وجماعته فأنهم دخلوا المفازة والرمل فاحتمعوا من محمود فرأى محمود قوة السلجوقية وما لهم من الشوكة وكثرة العدد فكاتب أرسلان بن سلجوق واستماله ورغبه فورد إليه فقبض يمين الدولة عليه في الحال ولم يمهله وسجنه في قلعة ونهب خركاهاته واستشار فيما يفعل بأهله وعشيرته فأشار أرسلان الجاذب وهو من أكبر خواص محمود بأن يقطع أباهمهم لئلا يرموا بالنشاب أو يغرقوا في جيحون # فقال له ما أنت إلا قاسي القلب ثم أمر بهم فعبروا نهر جيحون ففرقهم في نواحي خراسان ووضع عليهم الخراج فجار العمال عليهم وامتدت الأيدي إلى أموالهم وأولادهم فانفصل منهم أكثر من ألفي رجل وساروا إلى كرمان ومنها إلى أصبهان وجرى بينهم وبين صاحبها علاء الدولة بن كاكويه حرب قد ذكرناها
238
فساروا من أصبهان إلى أذربيجان وهؤلاء جماعة أرسلان فأما أولاد اخوته فإن عليا تكمين صاحب بخارى أعمل الحيل في الظفر بهم فأرسل إلى يوسف بن موسى بن سلجوق وهو ابن عم ظغرلبك محمد وجغرى بك داود ووعده الإحسان وبالغ في استمالة وطلب منه الحضور عنده ففعل ففوض إليه علي تكين التقدم على جميع الأتراك الذين في ولايته وأقطعه اقطاعا كثيرة ولقب بالأمير إينانج بيغو وكان الباعث له على ما فعله به وبعشيرته وأصحابه على طغرلبك وداود ابني عمه ويفرق كلمتهم ويضرب بعضهم ببعض فعلموا مراده فلم يطعه يوسف إلى شيء مما أراده منه فلما رأى علي تكين أن مكره لم يعمل في يوسف ولم يبلغ به غرضا أمر بقتله فقتل يوسف تولى قتله أمير من أمراء علي تكين اسمه ألب قرا # فلما قتل عظم ذلك على طغرلبك وأخيه داود وجميع عشائرهما ولبسوا ثياب الحداد وجمعا من الأتراك من قدروا على جمعه للأخذ بثأرهوجمع على تكين أيضا جيوشه وسيرها إليهم فانهزم عسكر علي تكين # وكان قد ولد السلطان ألب أرسلان بن داود أول محرم سنة عشرين وأربعمائة قبل الحرب فتبركوا به وتيمنوا بطلعته أو قيل في مولده غير ذلك فلما كان سنة إحدى وعشرين قصد طغرلبك وداود ألب قرا الذي قتل يوسف ابن عمهما قتلاه وأوقعا بطائفة من عسكر علي تكين فقتلا منها نحو ألف رجل فجمع علي تكين عسكره وقصدهم هو وأولاده ومن حمل السلاح من أصحابه وتبعهم من أهل البلاد خلق كثير فقصدوهم من كل جانب وأوقعوا بهم وقعة عظيمة قتل كثير من عساكر السلجوقية وأخذت اموالهم وأولادهم وسبوا كثيرا من نسائهم وذراريهم فألجأتهم الضرورة إلى العبور إلى خراسان فلما عبروا جيحون كتب إليهم خوارزمشاه هارون بن التونتاش يستدعيهم ليتفقوا معهم وتكون أيديهم واحدة فسار طغرلبك وأخوه داود وبيغوا إليه وخيموا بظاهر خوارزم سنة ست وعشرين ووثقوا به واطمأنوا إليه فغدر بهم فوضع عليهم الأمير شاهملك فكبسهم ومعه عسكر من هارون فأكثر القتل فيهم والنهب والسبي وارتكب من الغدر خطة شنيعة فسار عن خوارزم بجموعهم إلى مفازة نسا وقصدوا مرو في هذه السنة أيضا ولم يتعرضوا لأحد بشر وبقي أولادهم وذراريهم في اسر # وكان الملك مسعود بن محمود بن سبكتكين هذه السنة بطبرستان قد ملكها كما ذكرناه فراسلوه
239
وطلبوا منه الأمان وضمنوا أنهم يقصدون الطائفة التي تفسد في بلاده ويدفعونهم عنها ويقاتلونهم ويكونون من أعظم أعوانه عليهم وعلى غيرهم # فقبض على الرسل وجهز عسكرا جرارا إليهم مع إيلتغدي حاجبه وغيرهم من الأمراء الأكابر فساروا إليهم والتقوا عند نسا في شعبان من السنة واقتتلوا وعظم الأمر وانهزم السلجوقية وغنمت أموالهم فجرى بين عسكر مسعود منازعة في الغنيمة أدت إلى القتال واتفق في تلك الحال أن السلجوقية لما انهزموا قال لهم داود إن العسكر الان قد نزلوا واطمأنوا وآمنوا الطلب والرأي أن نقصدهم لعلنا نبلغ منهم غرضا # فعادوا فوصلوا إليهم وهم على تلك الحال من الاختلاف وقتال بعضهم بعضا فأوقعوا بهم وقتلوا منهم وأسروا واستردوا ما أخذوا من أموالهم ورجالهم وعاد المنهزمون من العسكر إلى الملك مسعود وهو بنيسابور فندم على رده طاعتهم وعلم أن هيبتهم قد تمكنت من قلوب عساكره وأنهم قد طمعوا بهذه الهزيمة وتجرؤوا على قتال العساكر السلطانية بعد الخوف الشديد وخاف من أخوات هذه الحادثة فأرسل إليهم يتهددهم ويتوعدهم فقال طغرلبك لإمام صلاته اكتب إلى السلطان ( ^ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ) ولا تزد على هذا # فكتب ما قال # فلما ورد الكتاب على مسعود أمر فكتب إليهم كتابا مملوءا من المواعيد الجميلة وسير معه الخلع النفيسة وأمرهم بالرحيل إلى آمل الشط وهي مدينة على جيحون ونهاهم عن الشر والفساد وأقطع دهستان لداود ونسا لطغرلبك وفراوة لبيغو ولقب كل واحد منهم بالدهقان فاستخفوا بالرسول والخلع وقالوا للرسول لو علمنا أن السلطان يبقي علينا إذا قدر لأطعناه ولكنا نعلم أنه متى ظفر بنا أهكنا لما عملناه وأسلفناه فنحن لا نطيعه ولا نثق إليه وأفسدوا ثم كفوا وتركوا ذلك فقالوا إن كان لنا قدرة على الانتصاف من السلطان والإ فلا حاجة بنا إلى إهلاك العالم ونهب أموالهم وأرسلوا إلى مسعود يخادعونهبإظهار الطاعة له والكف عن الشر ويسلونه أن يطلق عمه أرسلان ابن سلجوق من الحبس فأجابهم إلى ذلك فأحضره عنده ببلخ وأمره بمراسلة بني أخيه بيغو وطغرلبك وداود يأمرهم بالاستقامة والكف عن الشر فأرسل إليهم رسولا يأمرهم بذلك وأرسل معه إشفا وامره بتسليمه إليهم فلما وصل الرسول وأدى الرسالة وسلم إليهم الإشفا نفروا واستوحشوا وعادوا إلى أمرهم الأول في الغارة والشر فأعاد مسعود إلى
240
محبسه وسار إلى غزنة فقصد السلجوقة بلخ ونيسابور وطوس وجوزجان على ما ذكرناه # وأقام داود بمدينة مرو وانهزمت عساكر السلطان مسعود منهم مرة بعد مرة واستولى الرعب على أصحابه لا سيما مع بعده إلى غزنة فتوالت كتب نوابه وعماله إليه يستغيثون به ويشكون إليه ويذكرون ما يفعل السلجوقية في البلاد وهو لا يجيبهم ولا يتوجه إليهم وأعرض عن خراسان والسلجوقية واشتغل بأمور بلاد الهند فلما اشتد أمرهم بخراسان وعظمت حالهم اجتمع وزراء مسعود وأرباب الرأي في دولته وقالوا له إن قلة المبالاة بخراسان من أعظم سعادة السلجوقية وبها يملكون البلاد ويستقيم لهم الملك ونحن نعلم وكل عاقل أنهم إن تركوا على هذه الحال استولوا على خراسان سريعا ثم ساروا منها إلى غزنة وحينئذ لا ينفعنا حركاتنا ولا نتمكن من البطالة والاشتغال باللعب واللهو والطرب فاستيقظ من رقدته وأصبر رشده بعد غفلته وجهز العساكر الكثيرة مع أكبر أمير عنده يعرف بسباشي وكان حاجبه قد سيره قبل إلى الغز العراقية وقد تقدم ذكر ذلك وسير معه أميرا كبيرا اسمه مرداويج بن بشو وكان سباشي جبانا فأقام بهراة ونيسابور ثم أغار بغتة على مرو وبها داود فسار مجدا فوصل إليها في ثلاثة أيام فأصاب جيوشه ودوابه التعب والكلال فانهزم داود بين يديه ولحقه العسكر فحمل عليه صاحب جوزجان فقاتله داود فقتل صاحب جوزجان وانهزمت عساكره فعظم قتله على سباشي وكل من معه ووقعت عليهم الذلة وقويت نفوس السلجوقية وزاد طمعهم وعاد داود إلى مرو فأحسن السيرة في أهلها وخطب له فيها أول جمعة في رجب سنة ثمان وعشرين وأربعمائة ولقب في الخطبة بملك الملوك وسباشي يمادي الأيام ويرحل من منزل إلى منزل والسلجوقية يراوغونه مراوغة الثعلب فقيل إنه كان يفعل ذلك جبنا وخورا وقيل بل راسله السلجوقيه واستمالوه ورغبوه فنفس عنهم وتراخى في تتبعهم والله أعلم # ولما طال مقام سباشي وعساكره و السلجوقية بخراسان والبلاد منهوبة والدماء مسفوكة قلت الميرة والأقوات على العساكر خاصة فأما السلجوقية فلا يبالون بذلك لأنهم يقنعون بالقليل فاضطر سباشي إلى مباشرة الحرب وترك المحاجزة فسار إلى داود وتقدم داود إليه فالتقوا في شعبان سنة ثمان وعشرين على باب سرخس ولداود منجم يقال له الصومعي فأشار على داود بالقتال وضمن له الظفر وأشهد على نفسه أنه إن أخطأ
241
فدمه مباح فاقتتل العسكران فلم يثبت عسكر سباشي وانهزموا أقبح هزيمة وساروا أخزى مسير إلى هراة فتبعهم داود وعسكره إلى طوس ياخذونهم باليد وكفوا عن القتل وغنموا أموالهم فكانت هذه الوقعة هي الوقعة التي ملك السلجوقية بعدها خراسان ودخلوا قصبات البلاد فدخل طغرلبك نيسابور وسكن الشاذياخ وخطب له فيها في شعبان بالسلطان المعظم وفرقوا النواب في النواحي # وسار داود إلى هراة ففارقها سباشي ومضى إلى غزنة فعاتبه مسعود وحجبه وقال له ضيعت العساكر وطاولت الأيام حتى قوي أمر العدو وصفا لهم مشر بهم وتمكنوا من البلاد ما أرادوا فاعتذر بأن القوم تفرقوا ثلاث فرق كلما تبعت فرقة سارت بين يدي وخلفي الفريقين في البلاد يفعلون ما أرادوا فاضطر مسعود إلى المسير خراسان فجمع العساكر وفرق فيهم الأموال العظيمة وسار عن غزنة في جيوش يضيق بها الفضاء ومعه من الفيلة عدد كثير فوصل إلى بلخ وقصده داود إليها أيضا ونزل قريبا منها فدخلها يوما # يريده في طائفة يسيرة على حين غفلة من العساكر فأخذ الفيل الكبير الذي على باب دار الملك مسعود وأخذ معه عدة جنائب فعظم قدره في النفوس وازداد العسكر هيبة له # ثم سار مسعود من بلخ أول شهر رمضان سنة تسع وعشرين وأربعمائة ومعه مائة ألف فارس سوى الأتباع وسار على جوزجان فأخذ واليها الذي كان بها للسلجوقية فصلبه وسار منها فوصل إلى مرو الشاهجان # وسار داود إلى سرخس واجتمع هو وأخوه طغرلبك وبيغو فأرسل مسعود إليهم رسلا في الصلح فسار في الجواب بيغو فأكرمه مسعود وخلع عليه وكان مضمون رسالته إنا لانثق بمصالحتك بعد ما فعلنا هذه الأفعال التي سخطتها كل فعل منها موبق مهلك وآيسوه من الصلح فسار مسعود من مرو إلى هراة وقصد داود مرو فامتنع أهلها عليه فحصرها سبعة أشهر وضيق عليهم والح في قتالهم فملكها فلما سمع مسعود هذا الخبر سقط في يديه وسار من هراة إلىنيسابور ثم منها إلى سرخس وكلما تبع السلجوقية إلى مكان ساروا منه إلى غيره ولم يزل كذلك فأدركهم الشتاء فأقاموا بنيسابور ينتظرون الربيع فلما جاء الربيع كان الملك مسعود مشغولا بلهوه وشربه فتقضى الربيع والأمر كذلك فلما جاء الصيف عاتبه وزراؤه وخواصه علىإهماله أمر عدوه فسار من نيسابور إلى مرو يطلب السلجوقية فدخلوا البرية فدخلها وراءهم مرحلتين والعسكر الذي له قد ضجروا من طول سفرهم وبيكارهم وسئموا الشد والترحل فإنهم كان لهم في السفر نحو ثلاث
242
سنين بعضها مع سباشي وبعضها مع الملك مسعود فلما دخل البرية نزل منزلا قليل الماء والحر شديد فلم يكف الماء للسلطان وحواشيه وكان داود في معظم السلجوقية بإزائه وغيره من عشيرته مقابل ساقة عساكره يتخطفون من تخلف منهم فاتفق لما يريده الله تعالى أن حواشي مسعود اختصموا هم وجمع من العسكر على الماء وازدحموا وجرى بينهم فتنة حتى صار بعضهم يقاتل بعضا وبعضهم نهب بعضا فاستوحش لذلك أمراء العسكر ومشى بعضم إلى بعض في التخلي عن مسعود فعلم داود ما هم فيه من الاختلاف فتقدم إليهم وحمل عليهم وهم في ذلك التنازع والقتال والنهب فولوا منهزمين لايلوي أول على آخر وكثر القتل فيهم والسلطان مسعود ووزيره يناديانهم ويأمرانهم بالعود فلا يرجعون وتمت الهزيمة على العسكر وثبت مسعود فقيل له ماتنتظر قد فارقك أصحابك وأنت في برية مهلكة وبين يديك عدو وخلفك عدو ولا وجه للمقام فمضى منهزما ومعه نحو مائة فارس فتبعه فارس من السلجوقية فعطف عليه مسعود فقتله وصار لا يقف على شيء حتى أتى غرشتان # وأما السلجوقية فإنهم غنموا من العسكر المسعودي ما لا يدخل تحت الإحصاء وقسمه داود على أصحابه وآثرهم على نفسه ونزل في سرادق مسعود وقعد على كرسيه ولم ينزل عسكره ثلاثة أيام على ظهور دوابهم لايفارقونها إلا لما لا بد لهم منه من مأكول ومشروب وغير ذلك خوفا من عود العسكر وأطلق الأسرى وأطلق خراج سنة كاملة وصار طغرلبك إلى نيسابور فملكها ودخل إليها آخر سنة إحدى وثلاثين وأول سنة اثنتين وثلاثين ونهب أصحابه الناس فقيل عنه أنه رأى لوزينجا فأكله وقال هذا قطماج طيب إلا أنه لا ثوم فيه ورأى الغز الكافور فظنوه ملحا وقالوا هذا ملح مرو نقل عنهم أشياء من هذا كثيرا # وكان العيارون قد عظم ضررهم واشتد أمرهم وزادت البلية بهم على أهل نيسابور فهم ينهبون الأموال ويقتلون النفوس ويرتكبون الفروج الحرام ويفعلون كل ما يريدونه لا يردعهم عن ذلك رادع ولا يزجرهم زاجرا فلما دخل طغرلبك البلد خافه العيارون وكفوا عما كانوا يفعلون وسكن الناس واطمأنوا واستولى السلجوقية حينئذ على جميع البلاد فسار بيغو إلى هراة فدخلها وسار داود إلى بلخ وبها التونتاق الحاجب واليا عليها لمسعود فأرسل إليه داود يطلب منه تسليم البلد إليه ويعرفه عجز صاحبه عن نصرته فسجن التونتاق الرسل فنازله داود وحصر المدينة فأرسل التونتاق إلى مسعود وهو بغزنة
243
يعرفه الحال وما هو فيه من ضيق الحصار فجهز مسعود العساكر الكثيره فسيرها فجاءت طائفة منهم إلى الرخج وبها جمع من السلجوقية فقاتلوهم فانهزم السلجوقية وقتل منهم ثمانمائة رجل وأسر كثير وخلا ذلك السقع منهم وسار طائفة منهم إلى هراة وبها بيغو فقاتلوه ودفعوه عنها ثم إن مسعودا سير ولده مودودا في عسكر كثير مددا لهذه العساكر فقتل مسعود وهو بخراسان على ما نذكره إن شاء الله تعالى فساروا عن غزنة سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة فلما قاربوا بلخ سير داود طائفة من عسكره فأوقعوا بطلائع مودود فانهزمت الطلائع فتبعهم عسكر داود فلما أحس بهم عسكر مودود رجعوا إلى وراءهم وأقاموا فلما سمع التونتاق صاحب بلخ الخبر أطاع داود وسلم إليه البلد ووطأ بساطه $ ذكر قبض السلطان مسعود وملك أخيه محمد $ # قد ذكرنا عود مسعود بن محمود بن سبكتكين إلى غزنة من خراسان فوصلها في شوال سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وقبض على سباشي وغيره من الأمراء كما ذكرناه وأثبت غيرهم وسيرو لده مودود إلى خراسان في جيش كثيف ليمنع السلجوقية عنها فسار مودود إلى بلخ ليرد عنها داود أخا طغرلبك وجعل أبوه مسعود معه وزيره أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد الصمد يدبر الأمور وكان مسيرهم من غزنة في ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين وسار مسعود بعدهم بسبعة أيام يريد بلاد الهند ليشتو بها على عادة والده فلما سار أخذ معه أخاه محمد مسمولا واستطحب الخزائن وكان عازما على الاستنجاد بالهند على قتال السلجوقية ثقة بعهودهم فلما عبر سيحون وهو نهر كبير نحو دجلة وعبر بعض الخزائن اجتمع أنوشتكين البلخي وجمع مع الغلمان الدارية ونهبوا ما تخلف من الخزانة وأقاموا أخاه محمد ثالث عشر ربيع الآخر وسلموا عليه بالإمارة فامتنع من قبول ذلك فتهددوه وأكرهوه فأجاب وبقي مسعود فيمن معه من العسكر وحفظ نفسه فالتقى الجمعان منتصف ربيع الآخر فاقتتلوا وعظم الخطب على الطائفتين ثم انهزم معسكر مسعود وتحصن هو في رباط ماريكلة فحصره أخوه فامتنع عليه فقالت له أمه إن مكانك لا يعصمك ولأن تخرج إليهم بعهد خير من أن يأخذوك قهرا فخرج إليهم فقبضوا عليه فقال له أخوه محمدا والله لا قابلتك على فعلك بي ولا عاملتك إلا بالجميل فانظر أين تريد أن تقيم حتى أحملك إليه ومعك أولادك وحرمك فاختار قلعة كيكي
244
فأنفذ إليها محفوظا وأمر بإكرامه وصيانته وأرسل مسعود إلى أخيه محمد يطلب منه مالا ينفقه فأنفذ له خمسمائة درهم فبكى مسعود وقال كان بالأمس حكمي على ثلاثة آلاف حمل من الخزائن واليوم لا أملك الدرهم الفرد فأعطاه الرسول من ماله ألف دينار فقبلها وكانت سبب سعادة الرسول لأنه لما ملك مودود بن مسعود بالغ في الإحسان إليه # ثم إن محمدا فوض أمر دولته إلى ولده أحمد وكان فيه خيط وهوجح فاتفق هو وابن عمه يوسفبن سبكتكين وابن علي خويشاوند على قتل مسعود ليصفو الملك له ولوالده فدخل إلى أبيه فطلب خاتمه ليختم به بعض الخزائن فأعطاه فسار بها إلى القلعة وأعطوا الخاتم لمستحفظها وقالوا معنا رسالة إلى مسعود فأدخلهم إليه فقتلوه فلما علم محمد بذلك ساءه وشق عليه وأنكره وقيل إن مسعودا لما حبس دخل عليه ولدا أخيه محمد واسم أحدهما عبد الرحمن والآخر عبد الرحيم فمد عبد الرحمن يده فأخذ القلنسوة من رأس عمه مسعود فمد عبد الرحيم يده وأخذ القلنسوه من أخيه وأنكر عليه ذلك وسبه وقبلها وتركها على رأس عمه فنجا بذلك عبد الرحيم من القتل والأسر لما ملك مودود بن مسعود على ما نذكره إن شاء الله تعالى ثم إن محمدا أغراه ولده أحمدبقتل عمه مسعود فأمر بذلك وأرسل إليه من قتله وألقاه في بئر وسد رأسها وقيل بل ألقي في بئر حيا وسد رأسها فمات والله أعلم # فلما مات كتب محمد إلى ابن أخيه مودود وهو بخراسان يقول إن والدك قتل قصاصا قتله أولاد أحمد ينالتكين بلا رضا مني فأجاب مودود يقول أطال الله بقاء الأمير القاسم ورزق ورزق ولده المعتوه أحمد عقلا يعيش به فقد ركب أمرا عظيما وأقدم على إراقة دم ملك مثل والدي الذي لقبه أمير المؤمنين سيد الملوك والسلاطين وستعلمون في أي حتف تورطتم وأي شر تأبطتم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون # ( نفلق هاما من رجال أعزة % علينا وهو كانوا أعق وأظلما ) # وطمع جند محمد فيه وزالت عنهم هيبته فمدوا إلى أموال الرعايا فنهبوها فخربت البلاد وجلا أهلها مدينة برشاوور فإنها هلك أهلها ونهبت أموالهم وكان المملوك بها يباع بدينار ويباع الخمر كل من دينار # ثم رحل محمد عنها لليلتين بقينتا من رجب وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
245
# وكان السلطان مسعود شجاعا كريما ذا فضائل كثيرة محبا للعلماء كثير الإحسان إليهم والتقرب لهم صنفوا له التصانيف الكثيره في فنون العلوم وكان كثير الصدقة والإحسان إلى أهل الحاجة تصدق مرة في شهر رمضان بألف ألف درهم وأكثر الإدرارات والصلات وعمر كثيرا من المساجد في ممالكه وكانت صنائعه ظاهرة مشهورة تسير بها الركبان مع عفة عن أموال رعاياه وأجاز الشعراء بجوائز عظيمة أعطى شاعرا على قصيدة ألف دينار وأعطى آخر بكل بيت ألف درهم وكان يكتب خطا حسنا وكان ملكه عظيما فسيحا ملك أصبهان والري وهمذان وما يليها من البلاد وملك طبرستان وجرجان وخراسان وخوارزم وبلاد الروان وكرمان وسجستان والسند والرخج وغزنة وبلاد الغور والهند وملك كثيرا منها وأطاعه أهل البر والبحر ومناقبه كثيرة وقد صنفت فيها التصانيف المشهورة فلا حاجة إلىالإطالة بذكرها $ ذكر ملك مودود بن مسعود وقتله عمه محمدا $ # لما قتل الملك مسعود وصل الخبر إلى ابنه مودود وهو بخراسان فعاد مجدا في عساكره إلى غزنة فتصافى هو وعمه محمد في ثالث شعبان فانهزم محمد وعسكره وقبض عليه وعلى ولده أحمد وأنوشتكين الخصي البلخي وابن علي خويشاوند فقتلهم وقتل أولاد عمه جميعهم إلا عبد الرحيم لإنكاره على أخيه عبد الرحمن ما فعله بعمه مسعود وبني موضع الوقعة قرية ورباطا وسماها فتح آباذ وقتل كل من له في القبض على والده صنع وعاد إلى غزنة فدخلها في ثالث وعشرين شعبان سنة اثنتين وثلاثين واستوزر أبا نصر وزير أبيه وأظهر العدل وحسن السيرة وسلك سيرة جده محمود وكان داود أخو طغرلبك قد ملك مدينة بلخ واستباحها كما ذكرناه ومودود مقابله فتجدد قتل مسعود فعاد ليقضي الله أمرا كان مفعولا # فلما تجدد هذا الظفر لمودود ثار أهل هراة بمن عندهم من الغز السلجوقية فأخرجوهم وحفظوها لمودود واستقر الأمر لمودود بغزنة ولم يبق له هم إلا أمر أخيه مجدود فإن أباه قد سيره إلى الهند سنة ست وعشرين فخاف أن يخالف عليه فأتاه خبره أنه قصد لهاوور وملتان فملكهما وأخذ الأموال وجمع بهما العساكر وأظهر الخلاف على أخيه فندب إليه مودود جيشاليمنعوهويقاتلوه وعرض مجدود عسكره للمسيروحضر عيد الأضحى فبقي بعده ثلاثة أيام وأصبح ميتا بلهاوور لا يدري كيف كان موته وأطاعت البلاد بأسرها مودودا ورست قدمه وثبت ملكه ولما سمعت الغز
246
السلجوقية ذلك خافوه واستشعروا منه وراسله ملك الترك بما وراء النهر بالانقياد والمتابعة $ ذكر الخلف بين جلال الدولة وقرواش صاحب الموصل $ # في هذه السنة اختلف جلال الدولة ملك العراق وقرواش بم المقلد العقيلي صاحب الموصل وكان سبب ذلك أن قرواشا كان قد أنفذ عسكرا سنة إحدى وثلاثين فحصروا خمسين بن ثعلب بتكريت وجرى بين الطائفتين حرب شديدة في ذي القعدة منها فأرسل خميس ولده إلى الملك جلال الدولة وبذل بذولا كثيرة ليكف عنه قرواشا فأجابه إلى ذلك وأرسل إلى قرواش يأمره بالكف عنه فغالط ولم يفعل وسار بنفسه ونزل عليه يحاصره فتأثر جلال الدولة منه ثم إنه أرسل كتبا إلى الأتراك ببغداد يفسدهم وأشار عليهم بالشغب على الملك وإثارة الفتنة معه فوصل خبرها إلى جلال الدولة وأشياء أخر كانت هذه هي الأصل فأرسل جلال الدولة أبا الحرث أرسلان البساسيري في صفر من سنة اثنتين وثلاثين ليقبض على نائب قرواش بالسندية فسار ومعه جماعة من الأتراك وتبعه جمع من العرب فرأى في طريقه جمالا لبني عيسى فتسرع إليها الأتراك والعرب فأخذوا منها قطعة وأوغل الأتراك في الطلب وبلغ الخبر إلى العرب وركبوا وتبعوا الأتراك وجرى بين الطائفتين حرب انهزم فيها الأتراك وأسر منهم جماعة وعاد المنهزمون فاخبروا البساسيري بكثرة العرب فعاد ولم يصل إلى مقصده وسار طائفة من بني عيسى فكمنوا بين صرصر وبغداد ليفسدوا في السواد فاتفق أن وصل بعض أكابر القواد الأتراك فخرجوا عليه فقتلوه وجماعة من أصحابه وحملوا إلى بغداد فارتج البلد واستحكمت الوحشة بين جلال الدولة وقرواش فجمع جلال الدولة العساكر وسار إلى الأنبار وهي لقرواش على عزم أخذها منه وغيرها من أقطاعه بالعراق # فلما وصلوا إلى الأنبار أغلقت وقاتلهم أصحاب قوراش وسار قوراش من تكريت إلى خصة على عزم القتال فلما نزل الملك جلال الدولة على الأنبار قلت عليهم العلوفة فسار جماعة من العسكر والعرب إلى الحديثة ليمتاروا منها فخرج عليهم عندها كثير من العرب فأوقعوا بهم فانهزم بعضهم وعادوا إلى العسكر ونهبت العرب ما معهم من الدواب التي تحمل الميرة وبقي المرشد أبو الوفاء وهو المقدم على العسكر الذين ساروا لإحضار الميرة وثبت معه جماعة ووصل الخبر إلى جلال الدولة أن المرشد أبا الوفاء يقاتل وأخبر سلامته وصبره
247
للعرب وأنهم يقاتلونه وهو يطلب النجدة فسار الملك إليه بعسكر فوصلوا وقد عجز العرب عن الوصول إليه وعادوا عنه بعد أن حملوا عليه وعلى من معه عدة حملات صبر لها في قلة من معه ثم اختلفت عقيل على قرواش فراسل جلال الدولة وطلب رضاه وبذل بذلا أصلحه به وعاد إلى طاعته فتحالفا وعاد كل إلى مكانه $ ذكر ملك أبي الشوك دقوقا $ # كانت دقوقا لأبي الماجد المهلهل بن محمد بن عناز فسير إليها أخوه حسام الدولة أبو الشوك ولده سعديا فحاصرها فقاتله من بها ثم سار أبو الشوك إليها فجد في حصارها ونقب سورها ودخلها عنوة ونهب أصحابه بعض البلد وأخذوا سلاح الأكراد وثيابهم وأقام حسام الدولة بالبلد ليلة وعاد خوفا على البندنيجين وحلوان فإن أخاه سرخاب بن محمد بن عناز كان قد أغار على عدة مواضع من ولايته وحالف أبا الفتح بن ورام والجاوانية عليه فأشفق من ذلك وأرسل إلى جلال الدولة يطلب منه نجدة فسير إليه عسكرا امتنع بهم $ ذكر الحرب بين عسكر مصر والروم $ # في هذه السنة كانت وقعة بين عسكر المصريين سيره الدزبري وبين الروم فظفر المسلمون وكان سبب ذلك أن ملك الروم قد هادنه المستنصر بالله العلوي صاحب مصر على ما ذكرناه فلما كان الآن شرع يراسل ابن صالح بن مرداس ويستميلهوراسله قبله صالح ليتقوى به على الدزبري خوفا أن يأخذ منه الرقة فبلغ ذلك الدزبري فتهدد ابن صالح فاعتذر وجحد ثم إن جمعا من بني جعفر بن كلاب دخلوا ولاية فامية فعاثوا فيها ونهبوا عدة قرى فخرج عليهم جمع من الروم فقاتلوهم وأوقعوا بهم ونكؤوا فيهم وأزالوهم عن بلادهم وبلغ ذلك الناظر بحلب فأخرج من بها من تجار الفرنجوأرسل إلى المتولي لأنطاكية يأمره بإخراج من عندهم من تجار المسلمين فأغلظ للرسول وأراد قتله ثم تركه فأرسل الناظر بحلب إلى الدزبري يعرفه الحال وأن القوم على التجهز لقصد البلاد فجهز الدزبري جيشا وسيره على مقدمته فاتفق أنهملقوا جيشا للروم وقد خرجوا لمثل ما خرج إليه هؤلاء والتقى الفريقان بين مدينة حماة وفامية واشتد القتال بينهم ثم إن الله نصر المسلمين وأذل الكافرين فانهزموا وقتل منهم عذة كثيرة وأسر ابن
248
عم للملك بذلوا في فدائه مالا جزيلا وعدة وافرة من أسراء المسلمين وانكف الروم عن الأذى بعدها $ ذكر الخلف بين المعز وبني حماد $ # في هذه السنة خالف أولاد حماد على المعز بن باديس صاحب إفريقية وعادوا إلى ما كانوا عليه من العصيان والخلاف عليه فسار إليهم المعز وجمع العساكر وحشدها وحصر قلعتهم بقلعة حماد وضيق عليهم وأقام عليهم نحو سنتين $ ذكر صلح أبي الشوك وعلاء الدولة $ # وفيها سار مهلهل أخو أبي الشوك إلى علاء الدولة بن كاكويه واستصرخه واستعان به على أخيه أبي الشوك فسار معه فلما بلغ قرميسين رجع أبو الشوك إلى حلوان فعرف علاء الدولة رجوعه فسار يتبعه حتى بلغ المرج وقرب من أبي الشوك فعزم أبو الشوك على قصد قلعة السيروان والتحصن بها ثم تجلد وأرسل إلى علاء الدولة أنني لم أتصرف من بين يديك إلا مراقبة لك وإعظاما لقدرك واستعطافا لك فإذا اضطررتني إلى ما لا أجد بدا منه كان العذر قائما لي فيه فإن ظفرت بك طمع فيك الأعداء وإن ظفرت بي سلمت قلاعي وبلادي إلى الملك جلال الدولة فأجابه علاء الدولة إلى الصلح على أن يكون له الدينور وعاد فلحقه المرض في طريقه وتوفي على ما نذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة كان بإفرقية غلاء شديد وسببه عدم الأمطار فسميت سنة الغبار ودام ذلك إلى سنة أربع وثلاين فخرج الناس فاستسقوا # وفيها توفي قزل أمير الغز العراقية بالري ودفن بناحية من أعمالها # وفيها توفي صاعد بن محمد أبو العلاء النيسابوري ثم الاستوائي قاضي نيسابور وكان عالما فقيها حنيفا انتهت اليه رياسة الحنفية بخراسان
249
$ ثم دخلت سنة ثلاث وثلاين وأربعمائة $ $ ذكر وفاة علاء الدولة بن كاكويه $ # في هذه السنة في المحرم توفي علاء الدولة أبو جعفر بن دشمنزيار المعروف بابن كاكويه بعد عوده من بلد أبي الشوك وإنما قيل له كاكويه لأنه ابن خال مجد الدولة بن بويه والخال بلغتهم كاكويه وقام بأصبهان ابنه ظهير الدين أبو منصور فرامرز مقامه وهو أكبر أولاده وأطاعه الجند بها فسار ولده أبو كاليجار كرشاسف إلى نهاوند فأقام بها وحفظها وضبط أعمال الجبل وأخذها بنفسه فأمسك عنه أخوه أبو منصور فرامرز ثم إن مستحفظا لعلاء الدولة بقلعة نطنز أرسل أبو منصور إليه يطلب شيئا مما عنده من الأموال والذخائر فامتنع وأظهر العصيان فسار إليه أبو منصور وأخوه الأصغر أبو حرب ليأخذا القلعة منه كيف أمكن فصعد أبو حرب إليها ووافق المستحفظ على العصيان فعاد أبو منصور إلى أصبهان وأرسل أبو حرب إلى الغز السلجوقية بالري يستنجدهم فسار طائفة منهم إلى قاجان فدخلوها ونهبوها وسلموها إلى أبي حرب وعادوا إلى الري فسير إليها أبو منصور عسكرا ليستنفذها من أخيه فجمع أبو حرب الأكراد وغيرهم وجعل عليهم صاحبا له وسيرهم إلى أصبهان ليملكوها بزعمه فسير إليهم أخوه أبو منصور عسكرا فالتقوا وانهزم عسكرا أبي حرب وأسر جماعة مهم وتقدم أصحاب أبي منصور فحصروا أبا حرب فلما رأى الحال وخاف نزل منها متخفيا وسار إلى شيراز إلى الملك أبي كاليجار صاحب فارس والعراق فحسن له قصد أصبهان وأخذها من أخيه فسار الملك إليها وحصرها وبها الأمير أبو منصور فامتنع عليه وجرى بين الفريقين عدة وقائع كان آخر الأمر الصلح على أن يبقى أبو منصور بأصبهان وتقرر عليه مال وعاد أبو حرب إلى قلعة نطنز واشتد الحصار عليه فأرسل إلى أخيه يطلب المصالحة فاصطلحا على أن يعطي أخاه ما في القلعة ويبقى بها على حاله ثم إن إبراهيم ينال خرج إلى
250
الري على ما نذكره وأرسل إلى أبي منصور فرامرز يطلب منه الموادعة فلم يجبه وسار فرامرز إلى همذان وبروجرد فملكها ثم اصطلح هو وأخوه كرشاسف وأقطعه همذان وخطب لأبي منصور على منابر بلاد كرشاسف واتفقت كلمتهما وكان المدبر لأمرهما ألكيا أبو الفتح الحسن بن عبد الله وهو الذي سعى في جمع كلمتهما $ ذكر ملك طغرلبك جرجان وطبرستان $ # في هذه السنة ملك طغرلبك جرجان وطبرستان وسبب ذلك أن أنوشروان بن منوجهر بن قابوس بن وشمكير صاحبها قبض على أبي كاليجار بن ويهان القوهي صاحب جيشه وزوج أمه بساعدة أمه عليه فعلم حينئذ طغرلبك أن البلاد لا مانع له عنها فسار إليها وقصد جرجان ومعه مردوايج بن بسو فلما نازلها فتح له المقيم بها فدخلها وقرر على أهلها مائة ألف دينار صلحا وسلما إلى مرداويج بن بسو وقرر عليه خمسين ألف دينار كل سنة عن جميع الأعمال وعاد إلى نيسابور وقصد مرداويج أنو شروان بسارية وكان بها فاصطلحا على أن ضمن أنوشروان له ثلاثين الف دينار وأقيمت الخطبة لطغرلبك في البلاد كلها وتزوج مرداويج بوالدة أنوشروان وبقي أن شروان يتصرف بأمر مرداويج لا يخالفه في شيء البتة $ ذكر أحوال ملوك الروم $ # نذكر ههنا أحوال الروم من عهد بسيل إلى الآن فنقول من عادة ملوك الروم أن يركبوا أيام الأعياد إلى البيعة المخصوصة بذلك العيد فإذا اجتاز الملك بالأسواق شاهده الناس وبأيديهم المداخن يبخرون فيها فركب والد بسيل وقسطنطين في بعض الأعياد وكان لبعض أكابر الروم بنت جميلة فخرجت تشاهد الملك فلما مر بها استحسنها فأمر من يسأل عنها فلما عرفها خطبها وتزوجها وأحبها وولدت منه بسيل وقسطنطين وتوفي وهما صغيران فتزوجت بعده بمدة طويلة تقفور فكره كل واحد منهما صاحبة فعملت على قتله فراسلت الشمشقيق في ذلك فقصد قسطنطينية متخفيا فأدخلته إلى دار الملك واتفقا وقتلاه ليلا وأحضرت البطارقة متفرقين وأعطتهم الأموال ودعتهم إلى تمليك الشمشقيق ففعلوا ولم تصبح إلا وقد فرغت مما تريد ولم يجر خلف وتزوجت الشمشقيق وأقامت معه سنة فخالفها واحتال عليها وأخرجها إلى دير بعيد وحمل ولديها معها فأقامت
251
فيه سنة ثم أحضرت راهبا ووهبته مالا وأمرته بقصد قسطنطينية والمقام بكنيسة الملك والاقتصار على قدر القوت فإذا وفق به الملك وأراد القربان من يده ليلة العيد سقاه سما ففعل الراهب ذلك فلما كان ليلة العيد سارت ومعها ولداها ووصلت قسطنطينية في اليوم الذي توفي في الشمشقيق فملك ولدها بسيل ودبرت هي الأمر لصغره فلما كبر بسيل قصد بلد البلغار وتوفيت وهو هناك فبلغه وفاتها فأمر خادما له أن يدبر الأمور في غيبته ودام قتاله لبلغار أربعين سنة فظفروا به فعاد مهزوما وأقام بالقسطنطينية يتجهز للعود فعاد إليهم فظفر بهم وقتل ملكهم وسبى أهله وأولاده و ملك بلاده ونقل أهلها إلى الروم وأسكن البلاد طائفة من الروم وهؤلاء البلغار غير الطائفة المسلمة فإن هؤلاء أقرب إلى بلد الروم من المسلمين بنحو شهرين وكلاهما يسمى بلغار # وكان بسيل عاد لأحسن السرية ودام ملكه نيفا وسبعين سنة وتوفي ولم يخلف ولدا فملك أخوه قسطنطين وبقي إلى أن توفي # ولم يخلف غير ثلاث بنات فملكت الكبرى وتزوجت أرمانوس وهو من أقارب الملك وملكته فبقي مدة وهو الذي ملك الرها من المسلمين # وكان لأرمانوس صاحب له يخدمه قبل ملكه من أولاد بعض الصيارف اسمه ميخائيل فلما ملك حكمه في داره مالت زوجة أرمانوس إليه وعملا الحيلة في قتل أرمانوس فمرض أرمانوس فأدخلاه إلى الحمام كارها وخنقاه وأظهرا أنه مات في الحمام وملكت زوجته ميخائيل وتزوجته على كره من الروم وعرض لميخائيل صرع لازمة وشوه صورته فعهد بالملك بعده إلى ابن أخت له اسمه مخائيل أيضا فلما توفي ملك ابن اخته وأحسن السيرة وقبض على أهل خاله وإخوته وهم أخواله وضرب الدنانيرهذة السنة وهي سنة ثلاث وثلاثين ثم احضر زوجته بنت الملك وطلب منها أن تترهب وتنزع نفسها من الملك فأبت فضربها وسيرها إلى لجزيرة في البحر ثم عزم على القبض على البطرك والاستراحة من تحكمه عليه فإنه كان لا يقدر على مخالفته فطلب إليه أن يعمل له طعاما في دير ذكره القسطنطينية ليحضر عنده فأجابه إلى ذلك وخرج إلى الدير ليعمل ما قال الملك فأرسل الملك جماعة من الروس والبلغار ووافقهم على قتله سرا فقصدوه ليلا وحصروه في الدير فبذل لهم مالا كثيرا وخرج متخفيا وقصد البيعة التي يسكنها وضرب الناقوس فاجتمع الروم عليه ودعاهم إلى عزل الملك فأجابوه إلى ذلك وحصروا الملك في داره فأرسل الملك إلى زوجته وأحضرها
252
من الجزيرة التي نفاها إليها ورغب في أن ترد عنه فلم تفعل وأخرجته إلى بيعة يترهب فيها ثم إن البطرك والروم نزعوا زوجته من الملك وملكوا أختا لها صغيرة واسمها تذورة وجعلوا معها خدم أبيها يدبرون الملك وكحلوا ميخائيل ووقعت الحرب بالقسطنطينية بين من يتعصب له وبين من يتعصب لتذورة والبطرك فظفر أصحاب تذورة بهم ونهبوا أموالهم ثم إن الروم افترقوا إلى ملك يدبرهم فكتبوا أسماء جماعة يصلحوان للملك في رقاع ووضعوها في بنادق طين وأمروا من يخرج منها بندقة وهو لا يعرف باسم من فيها فخرج اسم قسطنطين فملكوه وتزوجته المكة الكبيرة واستنزلت اختها الصغيرة تذورة عن الملك بمال بذلته لها واستقر في الملك سنة أربع وثلاثين فخرج عليه فيها خارجي من الروم اسمه أرميناس ودعا إلى نفسه فكثر جمعه حتى زادوا على عشرين ألفا فأهم قسطنطين أمره وسيره إليه جيشا كثيفا فظروا بالخارجي وقتلوه وحملوا رأسه إلى القسطنطينية وأسر من أعيان أصحابه مائة رجل فشهروا في البلد ثم أطلقوا وأعطوا نفقة وأمروا الانصراف إلى أي جهة أرادوا $ ذكر فساد حال الدزبري بالشام وما صار الأمر إليه بالبلاد $ # في هذه السنة فسد أمر أنوشتكين الدزبري نائب المستنصر بالله صاحب مصر بالشام وقد كان كبيرا على مخدومه بما يراه من تعظيم الملوك له وهيبة الروم منه وكان الوزير أبو القاسم الجرجراي يقصده ويحسده إلا أنه لا يجد طريقا إلى الوقيعة فيه ثم اتفق أنه سعى بكاتب للدزبري اسمه أبو سعد وقيل عنه إنه تستميل صاحبه إلى غير جهة المصريين فكوتب الدزبري بإبعاده فلم يفعل واستوحشوا منه ووضع الجرجراي حاجب الدزبري وغيره على مخالفته ثم إن جماعة من الأجناد قصدوا مصر وشكوا إلى الجرجراي منه فعرفهم سوء رأيه فيه وأعادهم إلى دمشق وأمرهم بإفساد الجند عليه ففعلوا ذلك وأحسن الدزبري بما جرى فأظهر ما في نفسه وأحضر نائب الجرجراي عنده وأمره بإهانته وضربه ثم إنه أطلق لطائفة من العسكر يلزمون خدمته أرزاقهم ومنع الباقين فحرك ما في نفوسهم وقوي طمهم فيه بما كوتبوا به من مصر فأظهروا الشغب عليه وقصدوا قصره وهو بظاهر البلد وتبعهم من العامة من يريد النهب فاقتتلوا # فعلم الدزبري ضعفه وعجزه عنهم ففارق مكانه واستصحب أربعين غلاما له وما أمكنه من الدواب والأثاث والأموال ونهب الباقي وسار إلى بعلبك فمنعه مستحفظها
253
وأخذ ما أمكنه أخذه من مال الدزبري وتبعه طائفة من الجند يقفون أثره وينهبون ما يقدرون عليه وسار إلى مدينه حماة فمنع عنها وقوتل وكاتب المقلد بن منقذ الكناني الكفرطابي واستدعاه فأجابه وحضر عنده في نحو ألفي رجل من كفرطاب وغيرها فاحتمى به وسار إلى حلب ودخلها وأقام بها مدة وتوفي في منتصف جمادى الأولى من هذه السنة فلما توفي فسد أمر بلاد الشام وانتشرت الأمور بها وزال النظام وطمعت العرب وخرجوا في نواحيه فخرج حسان بن المفرج الطائي بفلسطين وخرج معز الدولة بن صالح الكلابي بحلب وقصدها وحصرها وملك المدينة واستمنع أصحاب الدزبري بالقلعة وكتبوا إلى مصر يطلبون النجدة فلم يفعلوا واشتغل عساكر دمشق ومقدمهم الحسين بن أحمد الذي ولي أمر دمشق بعد الدزبري بحرب حسان ووقع الموت في الذين في القلعة فسلموها إلى معز الدولة بالأمان $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة سير الملك أبو كاليجار من فارس عسكرا في البحر إلى عمان وكان قد عصى من بها فوصل العسكر إلى صحار مدينة عمان فملكوها واستعادوا الخارجين عن الطاعة واستقرت الأمور بها وعادت العساكر إلى فارس وفيها قصد أبو نصر بن الهيثم الصليق من البطائح فملكها ونهبها ثم استقر أمرها على مال يؤديه إلى جلال الدولة وفيها توفي أبو منصور بهرام بن منافية وهو الملقب بالعادل وزير الملك أبي كاليجار ومولده سنة وست وستين وثلاثمائة وكان حسن السيرة وبنى دار الكتب بفيروز اباذ وجعل فيها سبعة آلاف مجلد فلما مات وزر بعده مهذب الدولة أبو منصور هبة الله بن أحمد الفسوي # وفيها وصل جماعة من البلغار إلى بغداد يريدون الحج فأقيم لهم من الديوان الإقامات الوافرة فسئل بعضهم من أي الأمم هم البلغار فقال هم قوم تولدوا بين الترك والصقالبة وبلدهم في أقصى الترك وكانوا كفارا فأسلموا عن قريب وهم على مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه # وفيها توفي مخائيل ملك الروم وملك بعده ابن اخيه ميخائيل أيضا # وفيها في جمادى الآخرة توفي أبو الحسن محمد بن جعفر الجهرمي الشاعر وهو القائل
254
# ( ياويح قلبي من تقلبه % أبدا يحن إلى معذبه ) # ( قالوا كتمت هواه عن جلد % لو أن لي رمق لبحت به ) # ( بأبي حبيبا غير مكترث % عني ويكثر من تعتبه ) # ( حسبي رضاه من الحياة وما % قلقي وموتي من تغضبه ) # وكان بينه وبين المطرز مهاجاة
255
$ ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وأربعمائة $ $ ذكر ملك طغرلبك مدينة خوارزم $ # قد تقدم أن خوارزم كانت من جملة مملكة محمود بن سبكتكين فلما توفي وملك بعده ابنه مسعود كانت له وكان فيها التونتاش حاجب أبيه محمود وهو من أكابر أمرائه يتولاها لمحمود ومسعود بعده ولما كان مسعود مشغولا بقصد أخيه محمد لأخذ الملك قصد الأمير علي تكين صاحب ما وراء النهر أطراف بلاده وشعثها فلما فرغ مسعود من أخيه واستقر الملك له كاتب التونتاش في سنة أربع وعشرين بقصد أعمال علي تكين وأخذ بخارى وسمرقند وأمده بجيش كثيف فعبر جيحون وفتح من بلاد علي تكين ما أراد وانحاز علي تكين من بين يديه وأقام التونتاش بالبلاد التي فتحها فراى دخلها لا يفي بما تحتاج عساكره لأنه كان يريد يكون في جمع كثير يمتنع بهم على الترك فكاتب مسعود في ذلك واستأذنه في العود إلى خوارزم فأذن له فلما عاد لحقه علي تكين على غزة وكبسه فانهزم علي تكين وصعد إلى قلعة دبوسية فحصره التونتاش وكاد يأخذه فراسله علي تكين واستعطفه وضرع إليه فرحل عنه وعاد إلى خوارزم وأصاب التونتاش في هذه الوقعة جراحة فلما عاد إلى خوارزم مرض منها وتوفي وخلف من الأولاد ثلاثة بنين هارون ورشيد وإسماعيل فلما توفي ضبط البلد وزيره أبو نصر حمد بن محمد بن عبد الصمد وحفظ الخزائن وغيرها وأعلم مسعود الخبر فولى ابنه الأكبر هارون خوارزم وسيره إليها وكان عنده واتفق أن الميمندي وزير مسعود توفي فاستحضر أبا نصر بن محمد بن عبد الصمد واستوزره فاستتاب أبو نصر عند هارون ابنه عبد الجبار وجعله وزيره فجرى بينه وبين هارون منافرة أسرها هارون في نفسه وحسن له أصحابه القبض على عبد الجبار والعصيان على مسعود فأظهر العصيان في شهر رمضان سنة خمس وعشرين وأراد قتل عبد الجبار فاختفى منه فقال أعداء أبيه
256
للملك مسعود إن أبا نصر قد واطأ هارون على العصيان وانما اختفى ابنه حيلة ومكرا فاستوحش منه إلا أنه لم يظهر ذلك له # وعزم مسعود على الخروج من غزنة إلى خوارزم فسار عن غزنة والزمان شتاء فلم يمكنه قصده خوارزم فسار إلى جرجان طالبا أنو شروان بن منوجهر ليقابله على ما ظهر منه عند اشتغال مسعود بقتال أحمد ينالتكين ببلاد الهند فلما كان ببلاد جرجان أتاه كتاب عبد الجبار بن أبي نصر بقتل هارون وإعادة البلد إلى طاعته # وكان عبد الجبار في بدء استتاره يعمل على قتل هارون ووضع جماعة من الفتك به فقتلوه عند خروجه إلى الصيد # وقام عبد الجبار بحفظ البلد فلما وقف مسعود على كتاب عبد الجبار علم أن الذي قيل عن أبيه كان باطلا فعاد إلى الثقة به وبقي عبد الجبار أياما يسيرة فوثب به غلمان هارون فقتلوه وولوا البلد اسماعيل بن التونتاش وقام بأمره شكر خادم أبيه وعصوا على مسعود فكتب مسعود إلى شاهملك بن علي أحد أصحاب الأطراف بنواحي خوارزم بقصد خوارزم وأخذها فسار إليها فقاتله شكر وإسماعيل ومنعوه عن البلد فهزمهما وملك البلد فسار إلى طغرلبك وداود السلجقيين والتجآ إليهما وطلبا المعونة منهما فسار داود معهما إلى خوارزم فلقيهم شاهملك وقاتلهم فهزمهم # ولما جرى على مسعود من القتل ما جرى وملك مودود دخل شاهملك في طاعته وصافاه وتمسك كل واحد منهما بصاحبه ثم إن طغرلبك سار إلى خوارزم فحصرها وملكها واستولى عليها وانهزم شاهملك بين يديه واستصحب أمواله وذخائره ومضى في المفازة إلى دهستان ثم انتقل عنها إلى طبس ثم إلى أطراف كرمان ثم إلى أعمال القيز و مكران فلما وصل إلى هناك علم خلاصه ببعده وأمن في نفسه فعرف خبره أرتاش أخو إبراهيم ينال وهو ابن عم طغرلبك فقصده في أربعة آلاف فارس فاوقع به وأسره وأخذ ما معه ثم عاد به فسلمه إلى داود وحصل هو بما غنم من أمواله وعاد بعد ذلك إلى باذغيس المقاربة لهراة وأقام على محاصرة هراة لأنهم إلى هذه الغاية كانوا مقيمين على الامتناع والاعتصام ببلدهم والثبات على طاعة مودود بن مسعود فقاتلهم أهل هراة وحفظوا بلدهم مع خراب سوادهم وإنما حملهم على ذلك الحرب خوفا من الغز
257
$ ذكر قصد إبراهيم ينال همذان وما كان منه $ # قد ذكرنا خروج إبراهيم ينال من خراسان إلى الري واستيلاءه عليها فلما استقر أمرها سار عنها وملك البلاد المجاورة لها ثم انتقل إلى بروجرد فملكها ثم قصد همذان وكان بها أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة صاحبها ففارقها إلى سابور خواست ونزل إبراهيم ينال على همذان وأراد دخولها فقال له أهلها إن كنت تريد الطاعة وما يطلبه السلطان من الرعية فنحن باذلوه وداخلون تحته فاطلب أولا هذا المخالف عليك الذي كان عندنا يعنون كرشاسف فإنا لا نأمن عوده إلينا فإذا ملكته أو دفعته كنا لك فكف عنهم وسار إلى كرشاسف بعد أن أخذ من أهل البلد مالا فلما قارب سابور خواست صعد كرشاسف إلى القلعة فتحصن بها وحصر إبراهيم البلد فقاتله أهله خوفا من الغز فلم يكن لهم طاقة على دفعهم فملك البلد قهرا ونهب الغز أهله وفعلوا الأفاعيل القبيحة بهم ثم عادوا بما غنموه إلى الري فرأوا طغرلبك قد وردها ولما فارق إبراهيم والغز همذان نزل كرساشف إليها فأقام بها إلى أن وصل طغرلبك إلى الري فسار إليه إبراهيم على ما نذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر خروج طغرلبك إلى الري وملك بلد جديد $ # في هذه السنة خرج طغرلبك من خراسان إلى الري بعد فراغه من خوارزم وجرجان وطبرستان # فلما سمع أخوه إبراهيم ينال بقدومه سار إليه فلقيه وتسلم طغرلبك الري منه وتسلم غيرها من بلد الجبل وسار إبراهيم إلى سجستان وأخذ طغرلبك أيضا قلعة طبرك من مجد الدولة بن بويه وأقام عنده مكرما وأمر طغرلبك بعمارة الري وكانت قد خربت فوجد في دار الإمارة مراكب ذهب مجوهرة وبرنيتين صيني مملوءة جوهرا ومالا كثيرا وغير ذلك وكان كامروا يهادي طغرلبك وهو بخراسان ويخدمه وخدم أخاه إبراهيم لما كان بالري فلما حضر عنده وأهدى له هدايا كثيرة من أنواع شتى وهو يظن أن طغرلبك يزيد في إقطاعه ويرعى له ماتقدم من خدمته له فخاب ظنه وقرر على ما بيده كل سنة سبعة وعشرين ألف دينار ثم سار إلى قزوين فامتنع عليه أهلها فزحف إليهم ورماهم بالسهام والحجارة فلم يقدروا على السور وقتل من أهل البلد برشق وأخذ ثلاثمائة وخمسين رجلا فلما رأى كامرو ومرداويج بن بسو ذلك خافوا أن يملك البلد عنوة وينهب فمنعوا الناس من القتال وأصلحوا الحال على ثمانين
258
ألف دينار وصار صاحبها في طاعته ثم إنه أرسل إلى كوكتاش وبوقا وغيرهما من أمراء الغز الذين تقدم خروجهم يمنيهم ويدعوهم إلى الحضور في خدمته فلما وصل رسوله إليهم ساروا حتى نزلوا على نهر بنواحي زنجان ثم أعادوا رسوله وقالوا له قل له قد علمنا أن غرضك أن تجمعنا لتفيض علينا والخوف منك أبعدنا عنك وقد نزلنا ههنا فإن أردتنا قصدنا خراسان أو الروم ولا تجتمع بك أبداوأرسل طغرلبك إلى ملك الديلم يدعوه إلى الطاعة ويطلب منه مالا ففعل ذلك وحمل إليه مالا وعروضا وأرسل أيضا إلى سلار الطرم يدعوه إلى خدمته ويطالبه بحمل مائتي ألف دينار فاستقر الحال بينهما على الطاعة وشيء من المال وأرسل سرية إلى أصبهان وبها أبو منصور فرامرز بن علاء الدولة فأغارت على أعمالها وعادت مسالمة وخرج طغرلبك من الري وأظهر قصد أصبهان فراسله فراموز وصانعه بمال فعاد عنه وسار إلى همذان فملكها من صاحبها كرشاسف بن علاء الدولة وكان قد نزل إليه وهوبالري بعد أن راسله طغرلبك غير مرة وسار معه من الري إلى ابهروزنجان فأخذ منه همذان وتفرق أصحابه عنه وطلب منه طغرلبك تسليم قلعة كنكور فأرسل إلى من بها بالتسليم فلم يفعلوا وقالوا لرسل طغرلبك قل لصاحبك والله لو قطعته قطعا ما سلمناها إليك فقال له طغرلبك ما امتنعوا إلا بأمرك ورأيك فاصعد إليهم وأقم معهم ولا تفارق موضعك حتى آذن لك ثم عاد إلى الري واستناب بهمذان ناصرا العلوي وكان كرشاسف قد قيض عليه فأخرجه طغرلبك وولاه الري وأمره بمساعدة من يجعله في البلد وكان معه مرداويج بن بسو نائبه في جرجان وطبرستان فمات وقام ولده جستان مقامه فسار طغرلبك إلى جرجان فعزل جستان عنها واستعمل على جرجان أسفار وهو من خواص منوجهر بن قابوس فلما فرغ أمرجرجان وطبرستان سار إلى دهستان فحصرها وبها صاحبها كاميار معتصما بها لحصانتها $ ذكر مسير عساكر طغرلبك إلى كرمان $ # وسير طغرلبك طائفة من أصحابه إلى كرمان مع أخيه إبراهيم ينال بعد أن دخل الري وقيل إن إبراهيم لم يقصد كرمان وإنما قصد سجستان وكان مقدم العساكر
259
التى سارت إلى كرمان غيره فلما وصلوا إلى أطراف كرمان نهبوا ولم يقدموا على التوغل فيها فلم يروا من العساكر من يكفهم فتوسطوها وملكوا عدة مواضع منها ونهبوها فبلغ الخبر إلى الملك أبي كاليجار صاحبها فسير وزيره مهذب الدولة في العساكر الكثيرة وأمر بالجد في المسير ليدركهم قبل أن يملكوا جيرفت وكانوا يحاصرونها فطوى المراحل حتى قاربهم فرحلوا عن جيرفت ونزلوا على ستة فراسخ منها وجاء مهذب الدولة فنزلها وارسل ليحمل الميرة إلى العسكر فخرجت الغز إلى الجمال والبغال والميرة ليأخذوها وسمع مهذب الدولة ذلك فسير طائفة من العسكر لمنعهم فتواقعوا واقتتلوا وتكاثر الغز فسمع مهذب الدولة الخبر فسار في العساكر إلى المعركة وهم يقتتلون وقد ثبتت كل طائفة لصاحبها واشتد القتال إلى حد أن بعض الغز رمى فرس بعض أصحاب أبي كاليجار بسهم فوقع فيه وطعنه صاحب الفرس برمح فاصاب فرس الغزي وحمل الغزي على صاحب الفرس فضربه ضربة قطعت يده وحمل عليه صاحب الفرس وهو على هذه الحالة فضربه بسيفه فقطعه قطعتين وسقطا إلى الأرض قتيلين والفرسان قتيلين # وهذه حالة لم يدون على مقدمي الشجعان أحسن منها فلما وصل مهذب الدولة الى المعركة انهزم الغز وتركوا ما كانوا ينهبوه ودخلوا المفازة وتبعهم الديلم إلى رأس الحد وعادوا إلى كرمان فأصلحوا ما فسد منها $ ذكر الوحشة بين القائم بأمر الله أمير المؤمنين وجلال الدولة $ # في هذه السنة افتتحت الجوالي في المحرم ببغداد فأنفذ الملك جلال الدولة فأخذ ما تحصل منها وكانت العادة أن يحمل ما يحصل منها إلى الخلفاء لا تعارضهم فيها الملوك فلما فعل جلال الدولة ذلك عظم الأمر فيه على القائم بامر الله واشتد عليه وأرسل مع أقضى القضاة أبي الحسن الماوردي في ذلك وتكررت الرسائل فلم يصنع جلال الدولة لذلك وأخذ الجوالي فجمع الخليفة الهاشميين بالدار والرجالة وتقدم بإصلاح الطيار والزبازاب وأرسل إلى أصحاب الأطراف والقضاة بما عزم عليه وأظهر العزم على مفارقة بغداد فلم يتم ذلك وحدثت وحشة من الجهتين فاقتضت الحال أن الملك يترك معارضة النواب الإمامية فيها في السنة الآتية
260
$ ذكر محاصرة شهرزور وغيرها $ # في هذه السنة سار أبو الشوك إلى شهرزور فحصرها ونهبها وأحرقها وخرب قراها وشوادها وحصر قلعة تيرانشاه فدفعه أبو القاسم بن عياض عنها ووعده أن يخلص ولده أبا الفتح من أخيه مهلهل وأن يصلح بينهما # وكان مهلهل قد سار من شهروزر لما بلغه أن أخاه أبا الشوك يريد قصدها وقصد نواحي سندة وغيرها من ولايات أبي الشوك فنهبها وأحرقها وهلكت الرعية في الجهتين ثم إن أبا الشوك راسل أبا القاسم بن عياض ينتجزه ما وعده به من تخليص ولده والشروط التي تقررت بينهما فاجابه بأن مهلهلا غير مجيب إليه فعند ذلك سار أبو الشوك من حلوان إلى الصامغان ونهبها ونهب الولاية التي لمهلهل جميعها فنزاح مهلهل من بين يديه وترددت الرسل بينهما فاصطلحا على دغل ودخل وعاد أبو الشوك $ ذكر خروج سكين بمصر $ # في هذه السنة في رجب خرج بمصر إنسان اسمه سكين كان يشبه الحاكم صاحب مصر فادعى أنه الحاكم وقد رجع بعد موته فاتبعه جمع ممن يعتقد رجعة الحاكم فاغتنموا خلو دار الخليفة بمصر من الجند وقصدوها مع سكين نصف النهار فدخلوا الدهليز فوثب من هناك من الجند فقال لهم أصحابه إنه الحاكم فارتاعوا لذلك ثم ارتابوا به فقبضوا على سكين ووقع الصوت واقتتلوا فتراجع الجند إلى القصر والحرب قائمة فقتل من أصحابه جماعة وأسر الباقون وصلبوا أحياء ورماهم الجند بالنشاب حتى ماتوا $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة كانت زلزلة عظيمة بمدينة تبريز هدمت قلعتها وسورها ودورها وأسواقها وأكثر دار الإمارة وسلم الأمير لأنه كان في بعض البساتين فأحصى من هلك من أهل البلد فكانوا قريبا من خمسين ألفا # ولبس الأمير السواد والمسوج لعظم المصيبة وعزم على الصعود إلى بعض قلاعه خوفا من توجه الغز السلجوقية إليه وأخبر بذلك أبو جعفر بن الرقي العلوي النقيب بالموصل # وفيها قتل قرواش كاتبه أبا الفتح بن المفرج صبرا # وفيها توفي عبد الله بن أحمد
261
أبو ذر الهروي الحافظ أقام بمكة وتزوج من العرب وأقام بالسروات وكان يحج كل سنة يحدث في الموسم ويعود إلى أهله وصحب القاضي أبا بكر الباقلاني # وفيها توفي عمر بن إبراهيم بن سعيد الزهري من ولد سعد بن أبي وقاص وكان فقيها شافعيا
262
$ ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وأربعمائة $ $ ذكر إخراج المسلمين والنصارى الغرباء من القسطنطينية $ # في هذه السنة أخرج ملك الروم الغرباء من المسلمين والنصارى وسائر الأنواع من القسطنطينية وسبب ذلك أنه وقع الخبر بالقسطنطينية أن قسطنطين قتل ابنتي الملك المتقدم اللتين قد صار الملك فيهما الآن فاجتمع أهل البلد وأثاروا الفتنة وطمعوا في النهب فأشرف عليهم قسطنطين وسألهم عن السبب في ذلك فقالوا قتلت الملكتين وأفسدت الملك فقال ما قتلتهما وأخرجهما حتى رآهما الناس فسكنوا ثم إنه سأل عن سبب ذلك فقيل له إنه فعل الغرباء وأشاروا بإبعادهم وأمر فنودي أن لا يقيم أحد ورد البلد منذ ثلاثين سنة فمن أقام بعد ثلاثة أيام كحل فخرج منها أكثر من مائة ألف إنسان ولم يبق بها أكثر من اثني عشر نفساضمنهم الروم فتركهم $ ذكر وفاة جلال الدولة وملك أبي كاليجار $ # في هذه السنة في سادس شعبان توفي الملك جلال الدولة أبو طاهر بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه ببغداد وكان مرضه ورما في كبده وبقي عدة أيام مريضا وتوفي وكان مولده سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة وملكه ببغداد ست عشرة سنة وأحد عشر شهرا ودفن بداره ومن علم سيرته وضعفه واستيلاء الجند والنواب عليه ودوام ملكه إلى هذه الغاية علم أن الله على كل شيء قدير يؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء وكان يزور الصالحين ويقرب منهم وزار مرة مشهدي علي والحسين عليهما السلام وكان يمشي حافيا قبل أن يصل إلى كل مشهد منهما نحو فرسخ يفعل ذلك تدينا ولما توفي انتقل الوزير كمال الملك بن عبد الرحيم وأصحاب الملك الأكابر إلى باب المراتب وحريم دار الخلافة خوفا من نهب الأتراك والعامة دورهم فاجتمع قواد
263
العسكر تحت دار المملكة ومنعوا الناس من نهبها ولما توفي كان ولده الأكبر الملك العزيز أبو منصور بواسط على عادته فكاتبه الأجناد بالطاعة وشرطوا عليه تعجيل ما جرت به العادة من حق البيعة فترددت المراسلات بينهما في مقداره وتأخيره لفقده وبلغ موته إلى الملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة فكاتب القواد والأجناد ورغبهم في المال وكثرته وتعجيله فمالوا إليه وعدلوا عن الملك العزيز # وأما الملك العزيز فإنه أصعد إلى بغداد لما قرب الملك أبو كاليجار منها على مانذكره سنة ست وثلاثين عازما على قصد بغداد ومعه عسكره فلما بلغ النعمانية غدر به عسكره ورجعوا إلى واسط وخطبوا لأبي كاليجار فلما رأى ذلك مضى إلى نور الدلة دبيس بن مزيد لأنه بلغه ميل جند بغداد إلى أبي كاليجار وسار من عند دبيس إلى قرواش بن المقلد فاجتمع به بقربه خصة من أعمال بغداد وسار معه إلى الموصل ثم فارقه وقصد أبا الشوك لأنه حموه فلما وصل إلى أبي الشوك غدر به وألزمه بطلاق ابنته ففعل وصار عنه إلى إبراهيم ينال أخي طغرلبك وتنقلت به الأحوال حتى قدم بغداد في نفر يسير عازما على استمالة العسكر وأخذ الملك فثار به أصحاب الملك أبي كاليجار فقتل بعض من عنده وسار هو مختفيا فقصد نصر الدولة بن مروان فتوفي عنده بميافارقين وحمل إلى بغداد ودفن عند أبيه بمقابر قريش في مشهد باب التبن سنة إحدى وأربعين # وقد ذكر الشيخ أبو الفرج بن الجوزي أنه آخر ملوك بني بويه وليس كذلك فإنه ملك بعده أبو كاليجار ثم الملك الرحيم بن أبي كاليجار وهو آخرهم على ما تراه وأما الملك أبو كاليجار فلم تزل الرسل تتردد بينه وبين عسكر بغداد حتى استقر الأمر له وحلفوا وخطبوا له ببغداد في صفر من سنة ست وثلاثين وأربعمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر حال أبي الفتح مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين $ # في هذه السنة سير الملك أبو الفتح مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين عسكرا مع حاجب له إلى نواحي خراسان فأرسل إليهم داود أخو طغرلبك وهو صاحب خراسان ولده ألب أرسلان في عسكر فالتقلوا واقتتلوا فكان الظفر للملك ألب أرسلان وعاد عسكر غزنة منهزما # وفيها أيضا في صفر سار جمع من الغز الى نوحي بست وفعلوا ما عرف منهم
264
من النهب والشر فسير إليهم أبو الفتح مودود عسكرا فالتقوا بولاية بست واقتتلوا قتالا شديدا انهزم الغز فيه وظفر عسكر مودود وأكثروا فيهم القتل والأسر $ ذكر ملك مودود عدة حصون من بلد الهند $ # في هذه السنة اجتمع ثلاثة ملوك من ملوك الهند وقصدوا لهاوور وحصروها فجمع مقدم العساكر الإسلامية بتلك الديار من عنده منهم وأرسل إلى صاحبه مودود يستنجده فسير إليه العساكر فاتفق أن بعض ألئك الملوك فارقهم وعاد إلى طاعة مودود فرحل المكان الآخران إلى بلادهما فسارت العساكر الإسلامية إلى أحدهما ويعرف بدوبال هرباته فانهزم منهم وصعد إلى قلعة له منيعة هو وعساكره فاحتموا بها وكانوا خمسة آلاف فارس وسبعين ألف راجل وحصرهم المسلمون وضيقوا عليهم وأكثروا القتل فيهم فطلب الهنود الأمان على تسليم الحصن فامتنع المسلمون من إجابتهم إلى ذلك إلا بعد أن يضيقوا إليه باقي حصون ذلك الملك الذي لهم فحملهم الخوف وعدم الأقوات على إجابتهم إلى ما طلبوا وتسلموا الجميع وغنم المسلمون الأموال وأطلقوا ما في الحصون من أسرى المسلمين وكانوا نحو خمسة آلاف نفر # فلما فرغوا من هذه الناحية قصدوا ولاية الملك الثاني واسمه ثابت بالري فتقدم إليهم ولقيهم فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزمت الهنود وأجلت المعركة عن قتل ملكهم وخمسة آلاف قتيل وجريح وأسر ضعفاؤهم وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم ودوابهم فلما رأى باقي الملوك من الهند ما لقي هؤلاء أذعنوا بالطاعة وحملوا الأموال وطلبوا الأمان والإقرار على بلادهم فأجيبوا إلى ذلك $ ذكر الخلف بين الملك أبي كاليجار وفرامرز بن علاء الدولة $ # في هذه السنة نكث الأمير أبو منصور فرامرز بن علاء الدولة بن كاكويه صاحب أصبهان العهد الذي بينه وبين الملك أبي كاليجار وسير عسكرا إلى نواحي كرمان فملكوه منها حصنين وغنموا ما فيها فأرسل الملك أبو كاليجار إليه في إعادتهما وإزالة الاعتراض عنهما فلم يفعل فجهز عسكرا وسيره إلى أبرقوه فحصرها وملكها فانزعج فرمرز لذلكوجهز عسكرا كثيرا وسيره إليهم فسمع الملك أبو كاليجار بذلك فسير عسكرا ثانيا مددا لعسكره الأول والتقى العسكران فاقتتلوا وصبروا ثم انهزم عسكر
265
أصبهان وأسر مقدمهم الأمير إسحاق بن ينال واسترد نواب أبي كاليجار ما كانوا أخذوه من كرمان $ ذكر أخبار الترك بما وراء النهر $ # في هذه السنة في صفر أسلم من كفار الترك الذين كانوا يطرقون بلاد الإسلام بنواحي بلاساغور وكاشغار ويغيرون ويعينون عشرة ألاف خركاه وضحوا يوم عيد الأضحى بعشرين ألف رأس غنم وكفى الله المسلمين شرهم # وكانوا يضيفون بنواحي بلغار ويشتون بنواحي بلاساغور فلما أسلموا تفرقوا في البلاد فكان في كل ناحية ألف خركاه وأقل وأكثر لأمنهم فإنهم إنما كانوا يجتمعون ليحمي بعضهم بعضا من المسلمين وبقي من الأتراك من لم يسلم تتروخطا وهم بنواحي الصين # وكان صاحب بلاساغون وبلاد الترك شرف الدولة وفيه دين وقد قنع من إخوته وأقاربه بالطاعة وقسم البلاد بينهم فأعطي أخاه أصلان تكين كثيرا من بلاد الترك وأعطى أخاه بغراخان طراز وإسبيجاب وأعطى عمه طغاخان فرعانة باسرها وأعطى ابن علي تكين بخارى وسمرقند وغيرهما وقنع هو ببلاساغون وكاشغر $ ذكر أخبار الروم والقسطنطينية $ # في هذه السنة في صفر أيضا ورد إلى القسطنطينية عدد كثير من الروس في البحر وراسلوا قسطنطين ملك الروم بما لم تجربه عادتهم فاجتمعت الروم على حربهم وكان بعضهم قد فارق المراكب إلى البر وبعضهم فيها فألقى الروم في مراكبهم النار فلم يهتدوا إلى إطفائها فهلك كثير منهم بالحرق والغرق وأما الذين على البر فقاتلوا وأبلوا وصبروا ثم انهزموا فلم يكن لهم ملجأ فمن استسلم أولا استرق وسلم ومن امتنع حتى أخذ قهرا قطع الروم أيمانهم وطيف بهم في البلد ولم يسلم منهم إلا اليسير مع ابن ملك الروسية وكفى الروم شرهم $ ذكر طاعة المعز بإفريقية للقائم بأمر الله $ # في هذه السنة أظهر المعز ببلاد إفريقية الدعاء للدولة العباسية وخطب للإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين ووردت عليه الخلع والتقليد ببلاد إفريقية وجميع ما يفتحه وفي أول الكتاب الذي مع الرسل من عبد الله ووليه أبي جعفر القائم بأمر الله أمير
266
المؤمنين إلى المك الأوحد ثقة الإسلام وشرف الإمام وعمدة الأنام ناصر دين الله قاهر أعداء الله ومؤيد سنة رسول الله أبي تميم المعز بن باديس بن المنصور ولي أمير المؤمنين بولاية جميع المغرب وما افتتحه بسيف أمير المؤمنين وهو طويل وأرسل إليه سيف وفرس وأعلام على طريق القسطنطينية فوصل ذلك يوم الجمعة فدخل به الجامع والخطيب ابن الفاكاة على المنبر يخطب الخطبة الثانية فدخلت الأعلام فقال هذا لواء الحمد يجمعكم وهذا معز الدين يسمعكم وأستغفر الله لي ولكم وقطعت الخطبة للعلويين من ذلك الوقت وأحرقت أعلامهم $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة جرت حرب بين ابن الهيثم صاحب البطيحة وبين الأجناد من الغز والديلم فأحرق الجامدة وغيرهاوخطب الجند لملك أبي كاليجار # وفيها أرسل الخليفة القائم بأمر الله أقضى القضاة أبا الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي الفقيه الشافعي إلى السلطان طغرلبك قبل وفاة جلال الدولة وأمره أن يقرر الصلح بين طغرلبك والملك جلال الدولة وأبي كاليجار فسار إليه وهو بجرجان فلقيه طغرلبك على أربعة فراسخ إجلالا لرسالة الخليفة وعاد الماوردي سنة ست وثلاثين وأخبر عن طاعة طغرلبك للخليفة وتعظيمه لأوامره ووقوفه عنده # وفيها توفي عبد الله بن عبد الله بن أحمد بن عثمان بن الفرج بن الأزهر أبو القاسم بن أبي الفتح الأزهري الصيرفي المعروف بابن السواري شيخ الخطباء أبي بكر وكان إماما في الحديث ومن تلامذته الخطيب البغدادي
267
$ ثم دخلت سنة ست وثلاثين وأربعمائة $ $ ذكر قتل الإسماعيلية بما وراء النهر $ # في هذه السنة أوقع بغراخان صاحب ما وراء النهر بجمع كثير من الإسماعيلية وكان سبب ذلك أن نفرا منهم قصدوا ما وراء النهر ودعوا إلى طاعة المستنصر بالله العلوي صاحب مصر فتبعهم جمع كثير وأظهروا مذاهب أنكرها أهل تلك البلاد وسمع ملكها بغراخان خبرهم وأراد الإيقاع بهم فخاف أن يسلم منه بعض من أجابهم أهل تلك البلاد فأظهر لبعضهم أنه يميل إليهم ويريد الدخول في مذاهبهم وأعلمهم ذلك وأحضرهم مجالسه ولم يزل حتى علم جميع من أجابهم إلى مقالتهم فحينئذ قتل من بحضرته منهم وكتب إلى سائر البلاد بقتل من فيها ففعل بهم ما أمر وسلمت تلك البلاد منهم $ ذكر الخطبة للملك أبي كاليجار وإصعاده إلى بغداد $ # قد ذكرنا لما توفي الملك خلال الدولة ما كان من مراسلة الجند الملك أبا كاليجار والخطبة له فلما استقرت القواعد بينه وبينهم أرسل أموالا فرقت على الجند ببغداد وعلى أولادهم وأرسل عشرة آلاف دينار للخليفة ومعها هدايا كثيرة فخطب له ببغداد في صفر وخطب له أيضا أبو الشوك في بلاده ودبيس بن مزيد ببلاده ونصر الدولة بن مروان بديار بكر ولقبه الخليفة محي الدين وسار إلى بغداد في مائة فارس من أصحابه لئلا تخافه الأتراك فلما وصل إلى النعمانية لقيه دبيس بن مزيد ومضى إلى زيارة المشهدين بالكوفة وكربلاء ودخل إلى بغداد في شهر رمضان ومعه وزيره ذو السعادات أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن فسابحس ووعده الخليفة القائم بأمر الله أن يستقبله فاستعفى من ذلك وأخرج عميد الدولة أبا سعد بن عبد الرحيم وأخاه كمال
268
الملك وزيري جلال الدولة من بغداد قضى أبو سعد إلى تكريت وزينت بغداد لقدومه وأمر فخلع على أصحاب الجيوش وهم البساسيري والنشاووري والهمام أبو اللقاء وجرى من ولاة العرض تقديم لبعض الجند وتأخير فشغب بعضعهم وقتلوا واحدا من ولاة العرض بمرأى من الملك أبي كاليجار فنزل في سميرية بمنكور وانحدر خوفا من انخراق الهيبة وأصعد بفم الصلح وفي رمضان منها توفي أبو القاسم علي بن أحمد الجرجراي وزير الظاهر والمستنصر الخليفتين وكان فيه كفاية وشهامة وأمانة وصلى عليه ا لمستنصر بالله $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة نزل الأمير أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة من كنكور وقصد همذان فملكها وأزاح عنها نواب السلطان طغرلبك وخطب للملك أبي كاليجار وصار في طاعته وفيها أمر الملك أبو كاليجار ببناء سور مدينة شيراز فبني وأحكم بناؤه وكان دوره اثني عشر ألف ذراع وعرضه ثمانية أذرع وله أحد عشر بابا وفرغ منه سنة أربعين وأربعمائة # وفيها نقل تابوت جلال الدولة من داره إلى مشهد باب التبن إلى تربة له هناك وفيها استوزر السلطان طغرلبك وزيره أبا القاسم علي بن عبد الله الجويني وهو أول وزير وزر له ثم وزر له بعده رئيس الرؤساء أبو عبد الله الحسين بن علي بن ميكائيل ثم وزر له بعده نظام الملك أبو محمد الحسن بن محمد الدهستاني وهو أول من لقب نظام الملك ثم وزر له بعده عميد الملك الكندري وهو أشهرهم وإنما اشتهر لأن طغرلبك في أيامه عظمت دولته ووصل إلى العراق وخطب له بالسلطنة وسيرد من أخباره ما فيه الكفاية فلا حاجة إلى ذكرها ههنا # وفيها توفي الشريف المرتضى أبو القاسم علي أخو الرضى في آخر ربيع الأول ومولده سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وولي نقابة العلويين بعده أبو أحمد عدنان ابن أخيه الرضى # وفيها توفي القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري وهو شيخ أصحاب أبي حنيفة في زمانه ومن جملة تلامذته القاضي أبو عبد الله الدامغاني ومولده سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وولي بعده قضاء الكرخ القاضي أبو الطيب الطبري
269
مضافا إلى ما كان يتولاه من القضاء بباب الطاق وفيها توفي القاضي أبو الحسن عبد الوهاب بن منصور بن المشتري قاضي خوزستان وفارس وكان شافعي المذهب وفيها أيضا توفي أبو الحسين محمد بن علي البصري المتكلم صاحب التصانيف المشهورة
270
$ ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وأربعمائة $ $ ذكر وصول إبراهيم ينال إلى همذان وبلد الجبل $ # في هذه السنة أمر ا لسلطان طغرلبك أخاه إبراهيم ينال بالخروج إلى بلد الجبل وملكها فسار إليها من كرمان وقصد همذان وبها كرشاسف بن علاء الدولة ففارقها خوفا ودخلها ينال فملكها والتحق كرشاسف بالأكراد الجوزقان وكان أبو الشوك حينئذ بالدينور فسار عنها إلى قرميسين خوفا وإشفاقامن ينال فقوي طمع ينال حينئذفي البلادوسار إلى الدينور فملكها ورتب أمورها وسار منها يطلب فرميسين فلما سمع أبو الشوك به سار إلى حلوان وترك بقرميسين من في عسكره من الديلم والأكراد الشادنجان ليمنعوها ويحفظوها ووافاهم ينال جريدة فقاتلوه فدفعوه عنها فانصرف عنهم وعاد بخركاهاته وحلله فقاتلوه فضعفوا عنه وعجزوا عن منعه فملك البلد في رجب عنوة وقتل من العساكر جماعة كثيرة وأخذ أموال من سلم من القتل وسلاحهم وطردهم ولحقوا بأبي الشوك ونهب البلد وقتل وسبى كثيرا من اهله ولما سمه أبو الشوك ذلك سير أهله وأمواله وسلاحه من حلوان إلى قلعة السيروان وأقام جريدة في عسكره ثم ان ينال سار إلى الصيمرة في شعبان فملكها ونهبها وأوقع بالأكراد
271
المجاورين لها من الجوزقان فانهزموا # وكان كرشاسف بن علاء الدولة نازلا عندهم فسار هو وهم إلى شهاب الدولة أبي الفوارس منصور بن الحسين ثم إن إبراهيم ينال سار إلى حلوان وقد فارقها أبو الشوك ولحق بقلعة السيروان فوصل إليها إبراهيم آخر شعبان وقد جلا أهلها عنها وتفرقوا في البلاد فهبها وأحرقها وأحرق دار أبي الشوك وانصرف بعد أن احتاجها ودرسها # وتوجه طائفة من الغز إلى خانقين في إثر جماعة من أهل حلوان كانوا ساروا بأهليهم وأولادهم وأموالهم فأدركوهم وظفروا بهم وغنموا ما معهم وانتشر الغز في تلك النواحي فبلغوا مايدشت وما يليها غنهبوها وأغاروا عليها # سمع الملك أبو كاليجار هذه الأخبار أزعجته وأقلقته وكان بخوزستان فعزم على المسير ودفع ينال ومن معه من الغز عن البلاد فأمر عساكره بالتجهز للسسفر إليهم فعجزوا عن الحركة لكثرة ما مات من دوابهم فلما تحقق ذلك سار نحو بلاد فارس فحمل العسكر أثقالهم على الحمير $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في المحرم خطب للملك أبي كاليجار باصبهان وأعمالها وعاد الأمير أبو منصور بن علاء الدولة إلى طاعته وكان وسبب ذلك أنه لما عصى على الملك أبي كاليجار وقصد كرمان على ما ذكرناه والتجأ إلى طاعة طغرلبك لم يبلغ ما كان يؤمله من طغرلبك فلما عاد طغرلبك إلى خراسان خاف أبو منصور من الملك أبي كاليجار فراسله في العود إلى طاعته فأجابه إلى ذلك واصطلحا # وفيها اصطلح أبو الشوك وأخوه مهلهل # وكانا متقاطعين من حين أسر مهلهل أبا الفتح بن أبي الشوك وموت أبي الفتح في سجنه فلما كان الآن وخافا من الغز تراسلا في الصلح واعتذر مهلهل وأرسل ولده أبا الغنائم إلى أبي الشوك وحلف له أن أبا الفتح توفي حتف أنفه من غير قتل # وقال هذا ولدي تقتله عوضه فرضي أبو الشوك وأحسن إلى أبي الغنائم ورده إلى أبيه واصطلحا واتفقا # وفيها في جمادى الأولى خلع الخليفة على أبي القاسم علي بن الحسن بن المسلمة واستوزره ولقبه رئيس الرؤساء وهو ابتداء حاله وكان السبب في ذلك أن ذا السعادات بن فسانجس وزير الملك أبي كاليجار كان يسيء الرأي في عميد الرؤساء وزير الخليفة فطلب من الخلبفة أن يعز فعزله واستوزر رئيس الرؤساء نيابة ثم خلع عليه وجلس في الدست # وفيها في شعبان سار
272
سرخاب بن محمد بن عناز أخو أبي الشوك البندنتجين وبها سعدي بن أبي الشوك ففارقها سعدي ولحق بأبيه ونهب سرخاب بعضها وكان أبو الشوك قد أخلد بلد سرخاب ما عدا دزديلويه وهما متباينان لذلك # وفيها في آخر رمضان توفي أبو الشوك فارس بن محمد بن عناز يقلعة السيروان وكان مرض لما سار إلى السيروان من حلوان ولما توفي غدر الأكراد بابنه سعدي وصاروا مع عمه هلهلل فعند ذلك مضى سعدي إلى إبراهيم ينال وأتى بالغز على ما نذكره إن شاء الله تعالى # وفيها قتل عيسى بن موسى الهذباني صاحب أربل وكان خرج إلى الصيد فقتله ابنا أخ له وسارا إلى قلعة أربل فملكاها # وكان سلار بن موسى أخو المقتول نازلا على قرواش بن المقلد صاحب لنفرة كانت بينه وبين أخيه فلما قتل سار قرواش مع السلار إلى أربل فملكها وسلمها إلى السلار وعاد قرواش إلى الموصل # وفيها كانت ببغداد فتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة وقتال اشتد قتل فيه جماعة # وفيها وقع البلاء والوباء في الخيل فهلك من عسكر الملك أبي كاليجار اثنا عشر ألف فرس وعم ذلك البلاد وفيها توفي علي بن محمد بن نصر أبو الحسن الكاتب بواسط صاحب الرسائل المشهورة
273
$ ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة $ $ ذكر ملك مهلهل قرميسين والدينور $ # في هذه السنة ملك مهلهل بن محمد بن عناز مدينة قرميسين والدينور وسبب ذلك أن إبراهيم ينال كان قد استعمل عند عوده من حلوان على قرميسين بدر بن طاهر بن هلال فلما ملك مهلهل بعد موت أخيه أبي الشوك سار إلى مايدشت ونزل بها ثم توجه نحو قرميسين فانصرف عنها بدر فملكها مهلهل وسير ابنه محمدا إلى الدينور وبها عساكر ينال فاقتتلوا فقتل بين الفريقين جماعة وانهزم أصحاب ينال وملك محمد البلد $ ذكر اتصال سعدي بن أبي الشوك بإبراهيم ينال وما كان منه $ # في هذه السنة في شهر ربيع الأول فارق سعدي بن أبي الشوك عمه مهلهلا ولحق بإبراهيم ينال فصار معه وسبب ذلك أن عمه تزوج أمه وأهمل جانبه واحتقره وكذلك أيضا قصر في مراعاة الأكراد الشادنجان فراسل سعدي إبراهيم ينال في اللحاق به فأذن له في ذلك ووعده أن يملكه ما كان لأبيه مشار إليه في جماعة من الأكراد الشادنجان فقوي بهم فأكرمه ينال وضم إليه جمعا من الغز وسيره إلى حلوان فملكها وخطب فيها لإبراهيم ينال في شهر ربيع الأول وأقام بها أياما ورجع إلى مايدشت فسار عمه مهلهل إلى حلوان فملكها وقطع منهاخطبة ينال فلما سمع سعدي بذلك سار إلى حلوان ففارقها عمه مهلهل إلى ناحية بلوطة وملك سعدي حلوان وسار إلى عمه سرخاب فكبسه ونهب ما كان معه وسير جمعا إلى البندنيجين فاستولوا عليها وقبضوا على نائب سرخاب بها ونهبوا بعضها وانهزم سرخاب فصعد إلى قلعة دزديلويه ثم عاد سعدي إلى قرميسين فسير عمه مهلهل ابنه بدرا إلى حلوان فملكها فجمع سعدي وأكثر وعاد إلى حلوان ففارقها من كان بها من أصحاب عمه إلا من كان بالقلعة وملكها
274
سعدي وكان قد صحبه كثير من الغز فسار بهم منها إلى عمه مهلهل وترك بها من يحفظها فلمل علم عمه بقربه منه سار بين يديه إلى قلعة تيرانشاه بقرب شهرزور فاحتمى بها # وملك الغز كثيرا من النواحي والمواشي وغنموا كثيرا من الأموال والدواب فلما رأى سعدي تحصن عمه منه خاف على من خلفه بحلوان فعاد عازما على محاصرة القلعة فمضى وحصرها وقاتله من بها من أصحاب عمه ونهب الغز حلوان وفتكوا فيها وافتضوا الأبكار وأحرقوا المساكن وتفرق الناس وفعلوا في تلك النواحي جميعها أقبح فعل ولما سمع أصحاب الملك أبي كاليجار ووزيره هذه الأخبار ندبوا العساكر إلى الخروج إلى مهلهل ومساعدته إلى ابن أخيه ودفعه عن هذه الأعمال فلم يفعلوا ثم إن سعدي أقطع أبا الفتح بن ورام البندنيجين واتفقا واجتمعا على قصد عمه سرخاب بن محمد بن عناز وحصره بقلعة دزديلويه فسار فيمن معهما من العساكر فلما قاربوا القلعة في مضيق هناك من غير أن يجعلوا لهم طليعة طمعا فيه وإدلالا بقوتهم وكان سرخاب قد جعل على رأس الجبل على فم المضيق جمعا من الأكراد فلما دخلوا المضيق لقيهم سرخاب وكان قد نزل من القلعة فاقتتلوا وعادوا ليخرجوا من المضيق فتقطرت بهم خيلهم فسقطوا عنها ورماهم الأكراد الذين على الجبل فوهنوا وأسر سعدي وأبو الفتح بن ورام وغيرهما من الرؤوس وتفرق الغز والأكراد من تلك النواحي بعد أن كانوا قد توطنوا وملكوهم $ ذكر حصار طغرلبك أصبهان $ # في هذه السنة حصر طغرلبك مدينة اصبهان وبها صاحبها أبو منصور فرامرز بن علاء الدولة فضيق عليه ولم يظفر من البلد بطائل ثم اصطلحوا على مال يحمله فرامرز بن علاء الدولة لطغرلبك وخطب له بأصبهان وأعمالها $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة خرج من الترك من بلد التبت خلق لا يحصون كثرة فراسلوا أرسلان خان صاحب بلاساغون يشكرونه على حسن سيرته في رعيته ولم يكن منهم تعرض إلى مملكته ولكنهم أقاموا بها وراسلهم ودعاهم إلا الإسلام فلم يجيبوا ولم ينفروا منه
275
# وفيها توفي أبو الحسن الخيشي النوحي في ذي الحجة وله نيف وتسعون سنة # وفيها انحدر علاء الدين أبو الغنائم بن الوزير ذي السعادات إلى البطائح وحصرها وبها صاحبها أبو نصر بن الهيثم وضيق عليه واجتمع مع جمع كثير # وفيها في ذي القعدة توفي عبد الله بن يوسف أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين أبي المعالي وكان إماما في الشافعية تفقه على أبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي وكان عالما بالأدب وغيره من العلوم وهو من بني سنبس بطن من طبىء
276
$ ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وأبعمائة $ $ ذكر صلح الملك أبي كاليجار والسلطان طغرلبك $ # في هذه السنة أرسل الملك أبو كاليجار إلى السلطان ركن الدين طغرلبك في الصلح فأجابه إليه واصطلحا وكتب طغرلبك إلى أخيه ينال يأمره بالكف عما وراء ما بيده واستقر الحال بينهما أن يتزوج طغربلك بابنة أبي كاليجار ويتزوج الأمير أبو منصور بن أبي كاليجار بابنة الملك داود أخي طغرلبك وجرى القعد في شهر ربيع الآخر من هذه السنة $ ذكر القبض على سرخاب أخي أبي الشوك $ # في هذه السنة قبض الأتراك الليرة وجماعة من عسكر سرخاب عليه لأنه أساء السيرة معهم ووترهم فقبضوا عليه وحملوه إلى إبراهيم ينال فقلع إحدى عينيه وطالبه بإطلاق سعدي بن أبي الشوك فلم يفعل وكان أبو العسكر بن سرخاب قد غاضبه لما قبض على سعدي واعتزله كراهية لفعله فلما أسر أبوه سرخاب سار إلى القلعة وأخرج سعدي ابن عمه وفك قيوده وأحسن إليه وأطلقه وأخذ عليه بطرح ما مضى والسعي في خلاص والده سرخاب فسار سعدي واجتمع عليه خلق كثير من الأكراد ووصل إلى إبراهيم ينال فلم يجده عند الذي أراد ففارقه وعاد إلى الدسكرة وكاتب الخليفة نواب الملك أبي كاليجار بالعود إلى الطاعة وأقام بها $ ذكر ملك إبراهيم ينال قلعة كنكور وغيرها $ # في هذه السنة سار إبراهيم ينال إلى قلعة كنكور وبها عكبر بن فارس صاحب كرشاسف إلى علاء الدولة يحفظها له فامتنع عكبر بها إلى أن فنية ذخائره وكانت قليلة فلما نفذت الذخائر عمد إلى بيوت الطعام التي في القلعة وملأها ترابا وحجارة
277
وسد أبوابها ونثر من داخل الأبواب شئيا من طعام وعلى رأس التراب والحجارة كذلك أيضا وراسل إبراهيم في تسليم القعله إليه على أن يؤمنه على من بها من الرجال وما بها من الأموال فأرسل عليه إبراهيم يمتنع عليه من ترك المال فأخذ عكبر رسول إبراهيم فطوفه على البيوت التي فيها الطعام وفتح مواضع من المسدود فرآها مملواة فظنها طعاما وقال له عكبر ما راسلت صاحبك خوفا من المطاولة ولا إشفاقا من نفاذ الميرة لكنني أحببت الدخول في طاعته فإن بذل لي الأمان على مل طلبته لي وللأمير كرشاسف وأمواله ولمن بالقلعة سلمت إليه وكفيته مؤنة المقام # فلما عاد الرسول إلى إبراهيم وأخبره أجابه إلى ما طلب ونزل عكبر وتسلمها إبراهيم فلما صعد إلى القلعة إنكشفت الحيلة وسار عكبر بمن معه إلى قلعة سرماج وصعد إليها ولما ملك ينال كنكور عاد إلى همذان فسير جيشا لأخذ قلاع سرخاب واستعمل عليهم نسيبا له اسمه احمد وسلم إليه سرخابا ليفتح به قلاعه فسار به إلى قلعة كلكان فامتنعت عليه فساروا إلى قلعة دزدلويه فحصروها وامتدت طائفة منهم إلى البندنيجين فنهبوها في جمادى الآخرة وفعلوا الأفاعيل القبيحة من النهب والقتل وافتراش النساء والعقوبة على تخليص الأموال فمات منهم جماعة لشدة الضرب وسارت طائفة منهم إلى أبي الفتح بن ورام فانصرف عنهم خوفا منهم وترك حلله بحالها وقصد أن يشغلوا بنهب حلله فيعود عليهم فلم يعرجوا على النهب وتبعوه فلشدة خوفه أن يظفروا به ويأخذوه قاتلهم فظفر بهم وقتل وأسر جماعة منهم وغنم ما معهم ورجع الباقون # وأرسل إلى بغداد يطلب نجدة خوفا من عودهم فلم بنجدوه لعدم الهيبة وقله إمساك الأمر فعبر بنو ورام دجلة إلى الجانب الغربي ثم إن الغز أسروا إلى سعدي بن أبي الشوك في رجب وهو نازل على فرسخين من باجسرى وكبسوه فانهزم هو ومن معه لا يلوي الأخ على أخيه ولا الوالد على ولده فقتل منهم خلق كثير وغنم الغز أموالهم ونهبوا تلك الأعمال # وكان سعدي قد أنزل مالا من قلعة السيروان فوصله تلك الليلة فغنمه الغز إلا قليلا منه سلم معه ونجا سعدي من الوقعة بجريعة الذقن ونهب الغز الدسكرة وباجسري والهارونية وقصر سابور وجميع تلك الأعمال ووصل الخبر إلى بغداد بأن إبراهيم ينال عازم على قصد بغداد فارتاع الناس واجتمع الأمراء وقواد إلى الأمير أبي منصور بن الملك أبي كاليجار ليجتمعوا ويسيروا إليه ويمنعوه واتفقوا على ذلك فلم يخرج غير خيم الأمير أبي منصور والوزير ونفر يسير وتخلف الباقون وهلك من أهل
278
تلك النواحي خلق كثير فمنهم من قتل ومنهم من غرق ومنهم من قتله البرد # ووصل سعدي إلى ديالي ثم سار منها إلى أبي الأغر دبيس بن مزيد فأقام عنده ثم إن إبراهيم ينال سار إلى السيروان فحصر القلعة وضيق على من بها وأرسل سرية نهبت البلاد وانتهت إلى مكان بينه وبين تكريت عشرة فراسخ ودخل بغداد من أهل طريق خراسان خلق كثير وذكروا من حالهم ما أبكى العيون ثم سلمها إليه مستحفظها بعد أن أمنه على نفسه وماله وأخذ منها ينال من بقايا خلفه سعدي شيئا كثيرا ولما فتحها استخلف فيها مقدما كبيرا من أصحابه يقال له سخت كمان وانصرف إلى حلوان وعاد منها إلى همذان ومعه بدر ومالك ابنا مهلهل فأكرمهما ثم إن صاحب قلعة سرماج توفي وهو من ولد بدر بن حسنويه وسلمت القلعة بعده إلى إبراهيم ينال وسير إبراهيم ينال وزيره إلى شهرزور فأخذها وملكها فهرب منه مهلهل فأبعد في الهرب # ثم نزل أحمد على قلعة تيرانشاه وحاصرها ونقب عليها عدة نقوب ثم إن مهلهلا راسل أبي شهرزور يعدهم بالمسير إليهم في جمع كثير ويأمرهم بالوثوب بمن عندهم من الغز ففعلوا وقتلوا منهم # وسمع أحمد بن طاهر فعاد إليهم فأوقع بهم ونهبهم وقتل كثيرا منهم ثم إن الغز المقيمن بالبندينجين ومن معهم ساروا إلى براز الروز وتقدموا إلى نهر السليل فاقتتلوا هم وأبو دلف القاسم بن محمد الجاواني قتالا شديدا ظفر فيها أبو دلف وانهزم الغز وأخذ ما معهم وسار في ذي الحجة جمع من الغز إلى بلد علي بن القاسم الكردي فأغاورا وعاثوا فأخذ عليهم المضيق وأوقع بهم وقتل كثيرا منهم وارتجع ما غنموه من بلده $ ذكر استيلاء أبي كاليجار على البطيحة $ # في هذه السنة اشتد الحصار من عسكر الملك أبي كاليجار على أبي نصر بن الهيثم صاحب البطيحة فجنح إلى الصلح فاشتط عليه أبو الغنائم بن الوزير ذي السعادات ثم استأمن نفر من أصحاب أبي نصر وملاحيه إلى أبي الغنائم وأخبروه بضعف أبي نصر وعزمه على الانتقال من مكانه فحفظ الطرق عليه فلما كان خامس صفر جرت وقعة كبيرة بين الفريقين واشتد القتال فظفر أبو الغنائم وقتل من البطائحيين
279
جماعة كثيرة وغرق منهم سفن كثيرة وتفرقوا في الآجام ومضى ابن الهيثم ناجيا بنفسه في زبزب وملكت داره ونهب ما فيها $ ذكر ظهور الأصفر وأسره $ # في هذه السنة ظهر الأصفر التغلبي برأس عين وادعى أنه من المذكورين في الكتب واستغوا قوما بمخاريق وضعها وجمع جمعا وغزا نواحي الروم فظفر وغنم وعاد وظهر حديثه وقوي ناموسه وعاود الغزو في عدد أكثر من العدد الأول ودخل نواحي الورم وأوغل وغنم أضعاف ما غنمه أولا حتى بيعة الجارية الجميلة بالثمن البخس وتسامع الناس به فقصدوه وكثر جمعه واشتدت شوكته وثقلت على الروم وطأته وأرسل ملك الروم إلى نصر الدولة بن مروان يقول له إنك عالم بما بيننا من الموادعة وقد فعل هذا الرجل هذه الأفاعيل فإن كنت قد رجعت عن المهادنة فعرفنا لندبر أمرنا بحسبه # واتفق في ذلك وقت أو وصل رسول من الأصفر إلى نصر الدولة ينكر عليه ترك الغزو والميل إلى الدعة فساءه ذلك أيضا واستدعى قوما من بني نمير وقال لهم إن هذا الرجل قد أثار الروم علينا ولا قدرة لنا عليهم وبذل لهم بذلا على الفتك به فساروا إليه فقربهم ولازموه فركب يوما غير متحرز فأبعدوهم معه فعطفوا عليه وأخذوه وحملوه إلى نصر الدولة بن مروان فاعتقله وتلافا أمر الروم $ ذكر عدة حوادث4 # في هذه السنة تجددت الهدنة بين صاحب مصر وصاحب الروم وحمل كل واحد منهما لصاحبه هدية عظيمة وفيها كان ببغداد والموصل وسائر البلاد العراقية والجزرية غلاء عظيم حتى أكل الناس الميتة وتبعه وباء شديد مات كثير من الناس حجتى خلت الأسواق وزادت أثمان ما يحتاج غلبه المرضى حتى بيع المن من الشراب بنصف دينار ومن اللوز بخمسة عشر قراطا والرمانة بقيراطين والخيارة بقيراط وأشباه ذلك # وفيها جمع الأمير أبو كاليجار فنا خسرو بن مجد الدولة بن بويه جمعا وسار إلى آمد فدخلها وساعده أهلها وأوقع بمن كات فيها من أصحاب طغرلبك فقتل وأسر وعرف طغرلبك ذلك فسار عن الري قاصدا إليه ومتوجها إلى قتاله وفيها توفي عميد الدولة أبو سعد محمد بن الحسين بن عبد الرحيم بجزيرة ابن عمر في ذي القعدة وله شعر حسن
280
ووزر لجلال الدولة عدة دفعات # وفيها سير المعز بن باديس صاحب إفريقة أسطولا إلى جزائر القسطنطينة فظفر وغنم وعاد # وفيها اقتتلت طوائف من تلكاتة قاتل بعضهم بعضا وكان بينهم حرب صبروا فيها فقتل منهم خلق كثير وفيها قبض الملك أبو كاليجار على وزيره محمد بن جعفر بن أبي الفرج الملقب بذي السعادات بن فسانجس وسجنه وهرب ولده أبو الغنائم وبقي الوزير مسجونا إلى أن مات في شهر رمضان سنة أربعين وقيل أرسل إليه أبو كاليجار من قتله وعمره إحدى وخمسون سنة وللوزير ذي السعادات مكاتبات حسنة وشعر جيد منه # ( أودعكم وإني ذو اكتئاب % وأرحل عنكم والقلب آبي ) # ( وإن فراقكم في كل حال % لآوجع من مفارقة الشباب ) # ( أسير وما ذممت لكم جوارا % ولا ملت منازلكم ركابي ) # ( واشكر كلما أوطنت دارا % ليالينا القصار بلا اجتناب ) # ( وأذكركم إذا هبت جنوب % فتذكرني غرارات التصابي ) # ( لكم مني المودة في اغتراب % وأنتم إلف نفسي في اقترابي ) # وهو أطول من هذا # ولما قبض ذو السعادات استوزر أبو كاليجار كمال الملك أبا المعالي بن عبد الرحيم # وفيها توفي أبو القاسم عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيوب المعروف بالمطرز الشاعر وله شعر جيد فمن قوله في الزهد # ( يا عبد كم لك من ذنب ومعصية % إن كنت ناسيها فالله أحصاها ) # ( لا بد يا عبد من يوم تقوم به % ووقفة لك يدمي القلب ذكراها ) # ( إذا عرضت على قلبي نذكرها % وساء ظني فقلت استغفر الله ) # وفيها مات أبو الخطاب الجبلي الشاعر ومضى إلى الشام ولقي المعري وعاد ضريرا وله شعر منه قوله # ( ما حكم الحب فهو ممتثل % وما جناه الحبيب محتمل ) # ( تهوى وتشكو الضنا وكل هوى % لا ينحل الجسم فهو منتحل ) # وفيها توفي أبو محمد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال الحافظ ومولده سنة
281
اثنتين وخمسين وثلاثمائة سمع أبا بكر القطيعي وغيره ومن غيره ومن أصحابه الخطيب أبو بكر الحافظ # وفيها قتل الفقيه أحمد الولوالجي وهو من أعيان الفقهاء الحنفية إلا أنه كان يكثر الوقيعة في الأئمة والعلماء وسلك طريق الرياضة وفسد دماغه فقتل بين مرو وسرخس في ذي الحجة
282
$ ثم دخلت سنة أربعين وأربعمائة $ $ ذكر رحيل عسكر ينال عن تيرانشاه وعود مهلهل إلى شهرزور $ # قد ذكرنا في السنة المتقدمة استيلاء أحمد بن طاهر وزير ينال على شهرزور ومحاصرته قلعة تيرانشاه ولم يزل يحاصرها إلى الآن فوقع في عسكره الوباء وكثر الموت فأرسل إلى صاحبه ينال يستمده ويطلب إنجاده ويعرفه كثرة الوباء عنده فأمر بالرحيل عنها فسار إلى مايدشت فلما سمع مهلهل ذلك سير أحد أولاده إلى شهرزور فملكها انزعج الغز الذين بالسيروان وخافوا ثم سار جمع من عسكر بغداد إلى حلوان وحصروا قلعتها فلم يظفروا بها فنهبوا تلك الأعمال وأتوا على ما تخلف من الغز فخربت الأعمال بالكلية وسار مهلهل ومعه أهله وأمواله إلى بغداد فأنزلهم بباب المراتب بدار الخلافة خوفا من الغز وعاد إلى حلله وبينه وبين بغداد ستة فراسخ وسار جمع من عسكر بغداد إلى البندنيجين وبها جمع من الغز مع عكبر بن أحمد بن عياض فتواقعوا واقتتلوا فانهزم عسكر بغداد وقتل منهم جماعة وأسر جماعة قتلوا أيضا صبرا $ ذكر غزو إبراهيم ينال الروم $ # في هذه السنة غزا إبراهيم ينال الروم فظفر بهم وغنم وكان سبب ذلك أن خلقا كثيرا من الغز مما وراء النهر قدموا عليه فقال لهم بلادي تضيق عن مقامكم والقيام بما تحتاجون إليه والرأي أن تمضوا إلى غزو الروم وتجاهدوا في سبيل الله وتغنموا وأنا سائر على أثركم ومساعد لكم على أمركم # ففعلوا وساروا بين يديه وتبعهم فوصلوا إلى سلاز كرد وأردن الروم وقاليقلا وبلغوا طرابزون وتلك النواحي كلها ولقيهم عسكر عظيم للروم والأبخاز يبلغون خمسين ألفا فاقتتلوا واشتد القتال بينهم وكانت بينهم عدة وقائع تارة يظفر هؤلاء وتارة هؤلاء وكان آخر الأمر الظفر للمسلمين فأكثروا القتل في
283
الروم وهزموهم وأسروا جماعة كثيرة من بطارقتهم # وممن أسر قاريط ملك الأبخاز فبذل في نفسه ثلاثمائة ألف دينار وهدايا بمائة ألف فلم يجبه إلى ذلك ولم يزل يجوس تلك البلاد وينهبها إلى أن بقي بينه وبين القسطنطينة خمسة عشر يوما واستولى المسلمون على تلك النواحي فنهبوها وغنموا ما فيها وسبوا أكثر من مائة ألف رأس وأخذوا من الدواب والبغال والغنائم والأموال ملا يقع عليه الإحصاء وقيل إن الغنائم حملت على عشرة آلاف عجلة وإن في جملة الغنمية تسعة عشر ألف درع وكان قد دخل بلد الروم جمع من الغز يقدمهم إنسان نسيب طغرلبك فلم يئثر كبير أثر وقتل من أصحابه جماعة وعاد ودخل بعده إبراهيم ينال ففعل هذا الذي ذكرناه $ ذكر موت الملك أبي كاليجار وملك ابنه الملك الرحيم $ # في هذه السنة توفي الملك أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة ابن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن بويه رابع جمادى الأولى بمدينة جناب من كرمان # وكان سبب مسيره إليها أنه كان قد عول في ولاية كرمان حربا وخرابا على بهرام بن لشكرستان الديلمي وقرر عليه مالا فتراخى بهرام في تحرير الأمر وأخله إلى المغالطة والمدافعة فشرع حيئنذ أبو كاليجار في إعمال الحيلة عليه وأخذ قلعة بردسير من يده وهي معلقة الذي يحتمي به وبعول عليه فراسل بعض من بها من الأجناد وأفسدهم فعلم بهم بهرام فقتلهم وزاد نفوره واستشعاره وأظهر ذلك فسار إليه الملك أبو كاليجار في ربيع الآخر فلبغ قصر مجاشع فوجد في حلقه حشونة فلم يبال بها وشرب وتصيد وأكل من كبد غزال مشوي واشتدت علته ولحقه حمى وضعف عن الركوب ولم يمكنه المقام لعدم الميرة بذلك المنزل فحمل في محفة على أعناق الرجال إلى مدينة فتوفي بها وكان عمره أربعين سنة وشهورا وكان ملكه بالعراق بعد وفاة جلال الدولة أربع سنين وشهرين ونيفا وعشرين يوما # و لما توفي نهب الأتراك من العسكر الخزائن والسلاح والدواب و انتقل ولده أبو منصور فلاستون إلى مخيم الوزير أبي منصور وكانت منفردة عن العسكر فأقام عنده وأراد الأتراك نهب الوزير والأمير فمنعهم الديلم وعادوا إلى شيراز فملكها الأمير أبو منصور واستشعر الوزير فصعد إلى قلعة خرمة فامتنع بها فلما وصل خبر وفاته إلى بغداد و بها ولده الملك الرحيم أبو نصر خره فيروز أحضر الجند واستحلفهم وراسل
284
الخليفة القائم بأمر الله في معنى الخطبة له وتلقيبه بالملك الرحيم وترددت الرسل بينهم في ذلك إلى أن أجيب إلى ملتمسه سوى الملك الرحيم فإن الخليفة امتنع من إجابته و قال لا يجوز أن يلقب بأخص صفات الله تعالى واستقر ملكه بالعراق وخوزستان والبصرة وكان بالبصرة أخوه أبو علي بن أبي كاليجار وخلف أبو كاليجار من الأولاد الملك الرحيم والأمير أبا منصور فلاستون وأبا طالب كامرو وأبا المظفر بهرام وأبا علي كيخسرو وأبا سعد خسروشاه وثلاثة بنين أصاغر فاستولى ابنه أبو منصور علي شيراز فسير إليه الملك الرحيم أخاه أبا سعد في عسكر فملكوا شيراز وخطبوا اللملك الرحيم وقبضوا على الأمير أبي منصور ووالدته وكان ذلك في شوال $ ذكر محاصرة العساكر المصرية مدينة حلب $ # في حمادى الآخرة وصلت عساكر مصر إلى حلب في جمع كثير فحصروها وبها معز الدولة أبو علوان ثمال بن صالح الكلابي فجمع جمعا كثيرا بلغوا خمسة آلاف فارس وراجل فلما نزلوا على حلب خرج إليهم ثمال وقاتلهم قتالا شديدا صبر فيه لهم إلى الليل ثم دخل البلد فلما كان الغد اقتتلوا إلى آخر النهار وصبر أيضا ثمال وكذلك أيضا اليوم الثالث فلما رأى المصريون صبر ثمال وكانوا ظنوا أن أحدا لا يقوم بين أيديهم رحلوا عن البلد فاتفق أن تلك الليلة جاء مطر عظيم لم ير الناس مثله فجاءت الممدود إلى منزلهم فبلغ الماء ما يقارب قامتين ولو لم يرحلوا لغرقوا ثم رحلوا إلى الشام الأعلى 4ذكر الخلف بين قرواش والأكراد الحميدية والهذبانية $ # في هذه السنة اختلف قرواش والأكراد الحميدية والهذبانية وكان للحميدية عدة حصون تجاور الموصل منها العقر وما قاربها وللهذبانية قلعة اربل وأعمالها وكان صاحب العقر حينئذ أبا الحسن بن عيسكان الحميدي وصاحب اربل أبو الحسن بن موسك الهذباني وله أخ اسمه أبو علي بن موسك فأعانه الحميدي على أخذ اربل من أخيه أبي الحسن فملكها منه وأخذ صاحبها أبا الحسن أسيرا وكان قرواش وأخوه زعيم الدولة أبو كامل بالعراق مشغولين فلما عاد إلى الموصل وقد سخطا هذه الحالة لم يظهراها وأرسل قرواش يطلب من الحميدي والهبذاني نجدة له على نصر الدولة بن مروان فأما
285
أبو الحسن الحميدي فسار إليه بنفسه وأما أبو علي الهبذاني فأرسل أخاه واصطلح قرواش ونصر الدولة وقبض على أبي الحسن الحميدي ثم صانعه على إطلاق أبي الحسن الهذباني الذي كان صاحب اربل وأخذ اربل من أخيه أبي علي وتسليمها إليه فإن امتنع أبو علي كان عونا عليه فأجاب إلى ذلك ورهن عليه أهله وأولاده وثلاث قلاع من حصونه إلى أن يتسلم اربل وأطلق من الحبس وكان أخ له قد استولى على قلاعه فخرج إليها وأخذها منه وعاد إلى قرواش وأخيه وزعيم الدولة فوثقا به وأطلقا أهله ثم إنه راسل أبا علي صاحب اربل في تسليمها فأجاب الى ذلك وحضر بالموصل ليسلم اربل إلى أخيه أبي الحسن فقال الحميدي لقرواش وأخيه إنني قد وفيت بعهدي فتسلمان إلي حصوني فسلما إليه قلاعه وسار هو وأبو الحسن وأبو علي الهذباني إلى اربل ليسلماها إلى أبي الحسن فغدرا به في الطريق وكان قد أحسن بالشر فتخلف عنهما وسير معهما أصحابه ليتسلموا اربل فقبضا على أصحابه وطلبوه ليقبضوه فهرب إلى الموصل وتأكدت الوحشة حينئذ بين الأكراد وقرواش وأخيه وتقاطعوا وأضمر كل منهم الشر لصاحبه $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة سار الملك الرحيم من بغداد إلى خوزستان فلقيه من بها من الجند وأطاعوه وفيهم كرشاسف بن علاء الدولة الذي صاحب همذان وكنكور فإنه كان انتقل إلى الملك أبي كاليجار بعد أن استولى ينال على أعماله ولما مات أبو كاليجار سار الملك العزيز بن الملك جلالا الدولة إلى البصرة طمعا في ملكها فلقيه من بها من الجند وقاتلوه وهزموه فعاد عنها وكان قبل ذلك عند قرواش ثم عند ينال ولما استمع باستقامة الأمور للملك الرحيم انقطع أمله ولما سار الملك الرحيم عن بغداد كثرت الفتن بها ودامت بين أهل باب الأزج والأساكفة وهم السنية فأحرقوا عقارا كثيرا # وفيها سار سعدي بن أبي الشوك من حلة دبيس بن مزيد إلى إبراهيم ينال بعد أن راسله وتوثق منه وتقرر بينهما أنه كل ما يملكه سعدي مما ليس بيد ينال ونوابه فهو له فسار سعد إلى الدسكرة وجرى بينه وبين من بها من عسكر بغداد حرب انهزموا منه وملكها وما يليها فسير إليها عسكر ثان من بغداد فقتل مقدمهم وهزمهم وسار من الدسكرةو توسط تلك الأعمال بالقرب من بعقوبا ونهب أصحابه البلاد وخطبوا لإبراهيم ينال
286
# وفيها كان ابتداء الوحشة بين معتمد الدولة قرواش بن المقلد وبين أخيه زعيم الدولة أبي كامل بن المقلد فانضاف قريش بن بدران بن المقلد إلى عمه قرواش وجمع جمعا وقاتل عمه أبا كامل فظفر وانهزم أبو كامل ولم يزل قريش يغري قرواشا بأخيه حتى تأكدت الوحشة وتفاقم الشر بينهما # وفيها خطب للأمير أبي العباس محمد بن القائم بأمر الله بولاية العهد ولقب ذخيرة الدين وولي عهد المسلمين وفيها في رمضان قتل الأمير أقسنقر بهمذان قتله الباطنية لأنه كان كثير الغزو إليهم والقتل فيهم والنهب لأموالهم والتخريب فلما كان الآن قصد إنسانا من الزهاد ليزوروه فوثب عليه جماعة من الإسماعيلية فقتلوه # وفيها توفي أبو الحسن محمد بن الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله وكان من الصالحين ورواة الحديث وأوصى أن يدفن بجوار احمد بن حنبل ومولده سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وأبو طالب محمد بن محمد بن غيلان البزاز ومولده سنة سبع وأربعين وثلاثمائة روى عن أبي بكر الشافعي وغيره وتوفي في شوال وهو راوي الآحاديث المعروفة بالغيلانيات التي خرجها الدارقطني وهي من أعلى الحديث وأحسنه وعبيد الله بن عمر بن أحمد بن عثمان أبوالقاسم الواعظ المعروف بابن شاهين ومولده سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة # وفيها كان الغلاء والوباء عاما في البلاد جميعها بمكة والعراق والموصل والجزيرة والشام ومصر وغيرها من البلاد # وفيها قبض بمصر على الوزير فخر الملك صدقة بن يوسف وقتل وكان أول أمره يهوديا فأسلم واتصل بالدزبري وخدمه بالشام ثم خافه فعاد إلى مصر وخدم الجرجرائي الوزير ونفق عليه فلما توفي الجرجرائي استوزره المستنصر إلى الآن ثم قتله واستوزر القاضي أبا محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري في ذي القعدة
287
$ ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وأربعمائة $ $ ذكر ظهور الخلف بين قرواش وأخيه أبي كامل وصلحهما $ # في هذه السنة ظهر الخلف بين معتمد الدولة قرواش وبين أخيه زعيم الدولة أب يكامل ظهورا آل إلى المحاربة وقد تقدم سبب ذلك فلما اشتد الأمر وفسد الحال فسادا لا يمكن إصلاحه جمع كل مهما جمعا لمحاربة صاحبه وسار قرواش في المحرم وعبر دجلة بنواحي بلد وجاءه سليمان بن نصر الدولة بن مروان وأبو الحسن بن عيسكان الحميدي وغيرهما من الأكراد وساروا إلى معلثابا فأخربوا المدينة ونهبوها ونزلوا بالمغيثة وجاء أبو كامل فيمن معه من العرب وآل المسيب فنزلوا بمرج بابنيثا وبين الطائفتين نحو فرسخ واقتتلوا يوم السبت ثاني عشر المحرم وافترقوا من غير ظفر # ثم اقتتلوا يوم الأحد كذلك ولم يلابس الحر ب سليمان بن مروان بل كان ناحية ووافقه أبو الحسن الحميدي وساروا عن قرواش وفارقه جمع من العرب وقصدوا أخاه فضعف أمر قرواش وبقي في حلته وليس معه إلا نفر يسير فركبت العرب من أصحاب أبي كامل لقصده فمنعهم وأسفر الصبح يوم الاثنين وقد تسرع بعضهم ونهب بعضا من عرب قرواش وجاء أبو كامل إلى قرواش واجتمع به ونقله إلى حلته وأحسن عشرته ثم أنفذه إلى الموصل محجورا عليه وجعل معه بعض زوجاته في دار وكان مما فت في عضد قرواش وأضعف نفسه أنه كان قد قبض على قوم من الصيادين بالأنبار لسوء طريقهم وفسادهم فهر ب الباقون منهم وبقي بعضهم بالسندية فلما كان الآن سار جماعة منهم إلى الأنبار وتسلقوا السور ليلة خامس المحرم من هذه السنة وقتلوا حارسه وفتحوا الباب ونادوا بشعار أبي كامل فانضاف إليهم أهلوهم وأصدقاؤهم ومن له هوى في أبي كامل فكثروا وثار بهم أصحاب قرواش فاقتتلوا وظفروا وقتلوا من أصحاب معتمد الدولة قرواش جماعة وهرب الباقون فبلغه هرب استيلاء أخيه ولم يبلغه عود أصحابه ثم إن المسيب وأمراء العرب كاتبوا أبا
288
أبا كامل ما يعجز عنه واشتطوا عليه فخاف أن يؤول الأمر بهم إلى طاعة قرواش وإعادته إلى مملكته فبادرهم إليه وقيل وقبل يده وقال له إنني وأن كنت اخاك فإنني عبدك وما جرى هذا إلا بسبب من أفسد رأيك في وأشعرك الوحشة مني والآن فأنت الأمير وأنا الطائع لأمرك والتابع لك # فقال له قرواش بل أنت الأخ والأمر لك مسلم وأنت أقوم به مني # وصلح الحال بينهما وعاد قرواش إلى التصرف على حكم اختياره وكان أبو كامل قد أقطع بلال بن غريب بن مقن حربي وأوان فلما اصطلح ابو كامل وقرواش أرسلا إلى حربي من منع بلالا عنها فتظاهر بلال بالخلاف عليهما وجمع إلى نفسه جمعا وقتل أصحاب قرواش وأخذ حربي وأوانا بغير اختيارهما فانحدر قرواش من الموصل إليها # وحصرها وأخذها $ ذكر مسير الملك الرحيم إلى شيراز وعوده عنها $ # في هذه السنة في المحرم سار الملك الرحيم من الأهواز إلى بلاد فارس فوصلها وخرج عسكر شيراز إلى خدمته ونزل بالقرب من شيراز ليدخل البلد ثم إن الأتراك الشيرازيين والبغداديين اختلفوا وجرى بينهم مناوشه استظهر فيها البغداديون وعادوا إلى العراق فاضطر الملك الرحيم إلى المسير معهم لأنه لم يكن يثق إلى الأتراك الشيرازية وكان ديلم بلاد فارس قد مالوا إلىأخيه فولاستون وهو بقلعة اصطخر فهو أيضا منحرف عنهم فاضطر إلى صحبه البغدادين فعاد في ربيع الأول في هذه السنة إلى الأهواز وقام بها واستخلف بارجان أخويه أباسعد وأبا طالب ووقع الخلف بفارس فإن الأمير أبا منصور فولاستون كان قد خلص وصار بقلعة اصطخر واجتمع معه جماعة من أعيان العسكر الفارسي فلما عاد الملك الرحيم إلى الأهواز انبسط في البلاد وقصده كثير من العساكر واستولى على بلاد فارس ثم سار إلى أرجان عازما على قصد الأهواز وأخذها
289
$ ذكر حب بين البساسيري وعقيل $ # في هذه السنة سار جمع من بني عقيل إلى بلد العجم من أعمال العراق وبادوريا فنهبوهما وأخذوا من أموال الكثير وكانا في إقطاع البساسيري فسار من بغداد بعد عوده من فارس إليهم فالتقوا هم وزعيم الدولة أبو كامل بن المقلد واقتتلوا قتالا شديدا أبلى الفريقان فيه بلاء حسنا وصبر صبرا جميلا وقتل جماعة من الفريقين $ ذكر الوحشة بين طغرلبك وأخيه ابراهيم ينال $ # في هذه السنة استوحش إبراهيم ينال من أ خيه السلطان طغرلبك وكان سبب ذلك أن طغرلبك طلب من إبراهيم ينال أن يسلم إليه مدينة همدان والقلاع التي بيده من بلد والقلاع التي بيده من بلد الجبل فامتنع من ذلك وأتهم وزبره أبا علي بالسعي بينهما في الفساد فقبض عليه وأمر به فضرب بين يديه وسمل إحدى عينيه وقطع شفتيه وسار ع طغرلبك وجمع جمعا من عسكره والتقيا وكان بين العسكرين قتال شديد انهزم ينال وعاد منهزما فسار طغرلبك في أثره فملك قلاعه وبلاده جميعها وتحصن إبراهيم ينال بقلعة سرماج وامتنع على أخيه فحصره طغرلبك فيها وكانت عساكره قد بلغت مائة ألف من أنواع العسكر وقاتله فملكها في أربعة أيام وهي من أحصن القلاع وأمنعها واستنزل ينال منها مقهورا وأرسل إلى نصر الدولة بن مروان يطلب منه إقامة الخطبة له في بلاده فأطاعه وخطب له في سائر ديار بكر وراسل ملك الروم ظغرلبك وأرسل إليه هدية عظيمة وطلب منه المعاهدة فأجابه إلى ذلك وأرسل ملك الروم إلى ابن مروان يسأله أن يسعى في فداء ملك الأبخاز المقدم ذكره فأرسل نصر الدولة شيخ الإسلام أبا عبد الله بن مروان في المعنى إلى السلطان طغرلبك فأطلقه بغير فداء فعظم ذلك عنده وعند ملك الروم وأرسل عوضه من الهدايا شيئا كثيرا وعمروا مسجد القسطنطينية وأقاموا فيه الصلاة والخطبة لطغرلبك ودان حينئذ الناس كلهم له وعظم شأنه وتمكن ملكه وثبت ولما نزل ينال إلى طغرلبك أكرمه وأحسن إليه ورد عليه كثيرا مما أخذ منه وخيره بين أن يقطعه بلادا يسيرا إليها وبين أن يقيم معه فاختار المقام معه $ ذكر الحرب بين دبيس بن مزيد وعسكر واسط $ # في هذه السنة كانت حرب شديدة بين نور الدولة دبيس بن مزيد وبين الأتراك
290
الواسطيين وسبب ذلك أن الملك الرحيم أقطع نور الدولة حماية نهر الصلة ونهر الفضل وهما من أقطاع الواسطيين فسار إليها ووليها فسمع واسط ذلك فسخطوه واجتمعوا وساروا إلى نور الدولة ليقاتلوه ويدفعوه عنها وأرسلوا إليه يتهددونه فأعاد الجواب يقول إن الملك أقطعني هذا فنرسل إليه أنا وأنتم فبأي شيء أمر رضينا به فسبوه وساروا مجدين إليه فأرسل إلى طريقهم طائفة من عسكره فلقوهم وكمن لهم فلما التقوا استجرهم العرب إلى أن جاوزوا الكمين وخرج عليهم الكمين فأوقعوا بهم وقتلوا منهم جماعة كثيرة وأسروا كثيرا وجرح مثلهم وتمت الهزيمة على الواسطيين وغنم نور الدولة أموالهم ودوابهم وساروا إلى واسط فنزلوا بالقرب منها وأرسل الواسطيون إلى بغداد يستنجدون جندها ويبذلون للبساسيري أن يدفع عنهم نور الدولة ويأخذ نهر الصلة ونهر الفضل لنفسه $ ذكر وفاة مودود بن مسعود وملك عمه عبد الرشيد $ # في هذه السنة في العشرين من رجب توفي أبو الفتح مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وعمره تسع وعشرون سنة وملكه تسع سنين وعشرة أشهر وكان موته بغزنة وكان قد كاتب أصحاب الأطراف في سائر البلاد ودعاهم إلى نصرته وإمداده بالعساكر وبذل لهم الأموال الكثيرة وتفويض أعمال خراسان ونواحيها إليهم على قدر مراتبهم فأجابوا إلى ذلك منهم أبو كاليجار صاحب أصبهان فإنه جمع عساكره وسار في المفازة فهلك كثير من عسكره ومرض وعاد ومنهم خاقان ملك الترك فإنه سار إلى ترمذ ونهب وخرب وصادر أهل تلك الأعمال وسارت طائفة أخرى مما وراء النهر إلى خوارزم وسار مودود من غزنة فلم يسر غير مرحلة واحدة حتى عارضه قولنج اشتد عليه فعاد إلى غزنة مريضا وسير وزيره أبا الفتح عبد الرزاق بن أحمد الميمندي إلى سجستان في جيش كثيف لأخذها من الغز واشتدت العلة بمودود فتوفي وقام في الملك بعده ولده فبقي خمسة أيام ثم عدل الناس عنه إلى عمه علي بن مسعود وكان مودودا لما ملك قبض على عمه عبد الرشيد بن محمود وسجنه في قلعة ميدين بطريق بست فلما توفي كان وزيره قد قارب هذه القلعة فنزل عبد الرشيد إلى العسكر ودعاهم إلى طاعته فأجابوه وعادوا معه إلى غزنة فلما قاربها هرب عنها علي بن مسعود وملك عبد الرشيد واستقر الأمر له ولقب شمس دين الله سيف الدولة
291
وقيل جمال الدولة ودفع الله شر مودود عن داود # وهذه السعادة التي تقتل الأعداء بغير سلاح ولا أجناد $ ذكر استيلاء البساسيري على الأنبار $ # في هذه السنة أيضا في ذي القعدة ملك البساسيري الأنبار ودخلها أصحابه وكان سبب ملكها أن قرواشا أساء السيرة في أهلها ومد يده إلى أموالهم فسار جماعة من أهلها إلى البساسيري ببغداد وسألوه أن ينفذ معهم عسكرا يسلمون إليه الأنبار فأجابهم إلى ذلك وسير معهم جيشا فتسلموا الأنبار ولحقهم البساسيري وأحسن إلى أهلها وعدل فيهم ولم يمكن أحدا من أصحابه أن يأخذ الرطل الخبز بغير ثمنه وأقام فيها إلى أن أصلح حالها وقرر قواعدها وعاد إلى بغداد $ ذكر انهزام الملك الرحيم من عسكر فارس $ # في هذه السنة عاد الملك الرحيم من الأهواز إلى رامهرمز في ذي القعدة فلما وصل إلى وادي الملح لقيه عسكر فارس واقتتلوا قتالا شديدا فغدر بالملك الرحيم بعض عسكره وانهزم هو وجميع العسكر ووصل إلى بصنا ومعه أخواه أبو سعد وأبو طالب وسار منها إلى واسط وسار عسكر فارس إلى الأهواز فملكوها وخيموا بظاهرها $ ذكر عذة حوادث $ # وفيها وصل عسكر من مصر إلى حلب وبها صاحبها ثمال بن صالح بن مرداس فخافهم لكثرتهم فانصرف عنها فملكها المصريون # وفيها في ذي القعدة ارتفعت سحابة سوداء مظلمة ليلا فزادت ظلمتها على ظلمة الليل وظهر في جوانب السماء كالنار المضطرمة وهبت معها ريح شديدة قلعت رواشن دار الخليفة وشاهد الناس من ذلك ما أزعجهم وخوفهم فلزموا الدعاء والتضرع فانكشفت في باقي الليل
292
وفيها في شعبان سار البساسيري من بغداد إلى طريق خراسان وقصد ناحية الدزدار وملكها وغنم ما فيها وكان سعدي بن أبي الشوك قد ملكها وقد عمل لها سورا وحصنها وجعلها معقلا يتحصن فيه ويدخر بها كل ما يغنمه فأخذ البساسيري جميعه # وفيها منع أهل الكرخ من النوح وفعل ما جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء فلم يقبلوا وفعلوا ذلك فجرى بينهم وبين السنية عظيمة قتل فيها وجرح كثير من الناس ولم ينفصل الشر بينهم حتى عبر الأتراك وضربوا خيامهم عندهم فكفوا حينئذ ثم شرع أهل الكرخ في بناء سور على الكرخ فلما رآهم السنية من القلائين ومن يجري مجراهم شرعوا في بناء سور على سوق القلائين وأخرج الطائفتين في العمارة مالا جليلا وجرت بينهما فتن كثيرة وبطلت الأسواق وزاد الشر حتى انتقل كثير من الجانب الغربي الى الجانب الشرقي فأقاموا به # وتقدم الخليفة إلى أبي محمد بن النسوي بالعبور وإصلاح الحال وكف الشر فسمع أهل الجانب الغربي ذلك فاجتمع السنية والشيعة على المنع منه وأذنوا في القلائين وغيرها بحي على خير العمل وأذنوا في الكرخ الصلاة خير من النوم وأظهروا الترحم على الصحابة فبطل عبوره # وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري الحافظ كان إماما صحب عبد الغني بن سعيد وتخرج به ومن تلامذته الخطيب أبو بكر # وفيها توفي الملك العزيز أبو بكر منصور بن جلال الدولة وقد ذكرنا تنقل الأحوال فيما تقدم وله شعر حسن # وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسن العتيقي نسب إلى جد له يسمى عتيقا ومولده سنة سبع وستين وثلاثمائة وفيها توفي أبو القاسم عبد الوهاب بن أقضى القضاة أبي الحسن الماوردي وكانت شهادته سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وقبلها القاضي في بيت النوبة ولم يفعل ذلك مع غيره وإنما فعل معه هذا احتراما لأبيه
293
$ ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة $ $ ذكر ملك طغرلبك أصبهان $ # كانة أبو منصور بن علاء الدولة صاحب أصبهان غير ثابت على طريقة واحدة مع السلطان طغرلبك كان يكثر التلون معه تارة يطيعه وينحاز إليه وتارة ينحرف عنه ويطيع الملك الرحيم فأضمر له طغرلبك سوءا فلما عاد هذه الدفعة من خراسان لأخذ البلاد الجبلية من أخيه إبراهيم ينال واستولى عليها على ما ذكرناه عدل إلى أصبهان عازما على أخذها من أبي منصور فسمع ذلك ذلك فتحصن ببلده واحتمى باسواره ونازله طغرلبك في المحرم وأقام على محاصرته نحو سنة وكثرت الحروب بينهما إلا أن طغرلبك قد استولى على سواد البلد وأرسل سرية من عسكره نحو فارس فبلغوا إلى البيضاء فأغاروا على السواد هناك وعادوا غانمين ولما طال الحصار على أصبهان وأخرب أعمالها ضاق الأمر بصاحبها وأهلها وأرسلوا إليه يبذلون له الطاعة والمال فلم يجبهم إلى ذلك ولم يقنع منهم إلا بتسليم البلد فصبروا حتى نفدت الأقوات وامتنع الصبر وانقطعت المواد واضطر الناس حتى نقضوا الجامع وأخذوا أخشابه لشدة الحاجة إلى الحطب فحيث بلغ بهم الحال إلى هذا الحد خضعوا له واستكانوا وسلموا البلد إليه فدخله وأخرج أجناده منه وأقطعهم في بلاد الجبل وأحسن إلى الرعية وأقطع صاحبها أبا منصور ناحيتي يزد وأبرقويه وتمكن من أصبهان ودخلها في المحرم من سنة ثلاث وأربعين واستطابها ونقل ما كان له بالري من مال وذخائر وسلاح إليها وجعلها داد مقامه وخرب قطعة من سورها وقال إنما يحتاج إلى الأسوار من تضعف قوته فأما من حصنه عساكره وسيفة فلا حاجة له إليها
294
$ ذكر عود عساكر فارس من الأهواز وعود الرحيم إليها $ # في هذه السنة في المحرم عادت عساكر فارس التي مع الأمير أبي منصور صاحبها على الأهواز إلى فارس # وسبب هذا العود أن الأجناد اختلفوا وشغبوا واستطاولوا وعاد بعضهم إلى فارس بغير أمر صاحبهم وأقام بعضهم معه وسار بعضهم إلى الملك الرحيم وهو بالأهواز يطلبونه ليعود إليهم فعاد فيمن عنده من العساكر وأرسل إلى بغداد يأمر العساكر التي فيها بالحضور عند ليسير بهم إلى فارس فلما وصل إلى الأهواز لقيه العساكر مقرين بالطاعة وأخبروه بطاعة عساكر فارس وأنهم ينتظرون قدومه فدخل الأهواز في شهر ربيع الآخر فتوقف بالأهواز ينتظر عساكر بغداد ثم سار عنها إلى عساكر مكرم فملكها وأقام بها $ ذكر استيلاء زعيم الدولة على مملكة أخيه قرواش $ # في هذه السنة في جمادى الأولى استولى زعيم الدولة أبو كامل بركة بن المقلد على أخيه قرواش وحجر عليه ومنعه من التصرف على اختياره وسبب ذلك أن قرواشا كان قد أنف من تحكم أخيه في البلاد وأنه قد صار لا حكم له فعمل على الانحدار إلى بغداد ومفارقة أخيه وسار عن الموصل فشق ذلك على بركة وعظم عنده ثم أرسل إليه نفرا من أعيان أصحابه يشيرون عليه بالعود واجتماع الكلمة ويحذرونه من الفرقة والاختلاف فلما بلغوه ذلك امتنع عليهم فقالوا أنت ممنوع عن فعلك والرأي لك القبول والعود ما دامت الرغبة إليك فعلم حينئذ أنه يمنع قهرا فأجاب إلى العود على شرط أن يسكن دار الإمارة بالموصل وسار معهم فلما قارب حلة أخيه زعيم الدولة لقيه وأنزله عنده فهرب أصحابه وأهله خوفا فأمنهم زعيم الدولة وحضر عنده وخدمه وأظهر له الخدمة وجعل عليه من يمنعه من التصرف على اختياره $ ذكر استيلاء الغز على مدينة فسا $ # وفيها في جمادى الاولى سار الملك ألب أرسلان بن داود أخي طغرلبك من مدينة مرو بخراسان وقصد بلاد فارس في المفازة فلم يعلم به أحد ولا أعلم عمه طغرلبك فوصل إلى مدينة فسا فانصرف النائب بها من بين يديه ودخلها ألب أرسلان فقتل من
295
الديلم بها ألف رجل وعددا كثيرا من العامة ونهبوا ما قدره ألف ألف دينار وأسروا ثلاثة آلاف إنسان وكان الأمر عظيما فلما فرغوا من ذلك عادوا إلى خراسان ولم يلبثوا خوفا من طغرلبك أن يرسل إليهم ويأخذ ما غنموه منهم $ ذكر استيلاء الخوارج على عمان $ # في هذه السنة استولى الخوارج المقيمون بجبال عمان على مدينة تلك الولاية وسبب ذلك أن صاحبها ا لأمير أبا المظفر بن الملك أبي كاليجار كان مقيما بها معه خادم له قد استولى على الأمور وحكم على البلاد وأساء السيرة في أهلها فأخذ أموالهم فنفروا منه وأبغضوه وعرف إنسان من الخوارج يقال له ابن راشد الحال فجمع من عنده منهم وقصد المدينة فخرج إليه الأمير أبو المظفر في عساكره فالتقوا واقتتلوا فانهزمت الخوارج وعادوا إلى موضعهم وأقام ابن راشد مدة يجمع ويحتشد ثم سار ثانيا وقاتله الديلم فأعانه أهل البلد لسوء سيرة الديلم فيهم فانهزم الديلم وملك ابن راشد البلد وقتل الخادم وكثيرا من الديلم وقبض على الأمير أبي المظفر وسيره إلى جباله مستظهرا عليه وسجن معه كل من خط بقلم من الديلم وأصحاب الأعمال وأخرب دار الإمارة وقال هذه أحق دار الخرابة وأظهر العدل وأسقط المكوس واقتصر على رفع عشر ما يرد وخطب لنفسه وتلقب بالراشد بالله ولبس الصوف وبنى موضعا على شكل مسجد وقد كان هذا الرجل تحرك أيضا أيام القاسم بن مكرم فسير إليه أبو القاسم من منعه وحصره وأزال طمعه $ ذكر دخول العرب إلى إفريقية $ # في هذه السنة دخلت العرب إلى إفريقية وسبب ذلك أن المعز بن باديس كان خطب للقاسم بأمر الله الخليفة العابسي وقطع خطبة المستنصر العلوي صاحب مصر سنة أربعين وأربعمائة فلما فعل ذلك كتب إليه المستنصر العلوي يتهدده فأغلط المعز في الجواب ثم إن المستنصر استوزر الحسن بن علي اليازوري ولم يكن من أهل الوزارة إنما كان من أهل التبانة والفلاحة فلم يخاطبه المعز كما كان يخاطب من قبله الوزراء كان يخاطبهم بعبده فخاطب اليازوري بصنيعته فعظم ذلك عليه وعاتبه فلم يرجع إلى ما يحب فأكثر الوقيعة في المعز وأغرى به المستنصر وشرعوا في إرسال العرب إلى
296
الغرب فأصلحوا بني زغبة ورياح وكان بينهم حروب وحقود وأعطوهم مالا وأمروهم بقصد بلاد القروان وملكوهم كل ما يفتحونه ووعدوهم بالمدد والعدد فدخلت العرب إلى إفريقية وكتب اليازوري إلى المعز أما بعد فقد أرسلنا إليكم خيولا فحولا وحملنا عليها رجالا كهولا ليقضي الله أمرا كان مفعولا فلما حلوا أرض برقة وما والاها وجدوا بلادا كثيرة المرعى خالية من الأهل لأن زناتة كانوا أهلها فأبادهم المعز فأقامت العرب بها واستوطنتها وعاثوا في أطراف البلاد وبلغ ذلك المعز فاحتقرهم وكان المعز لما رأى تقاعد صنهاجة عن قتال زناتة اشترى العبيد وأوسع لهم في العطاء فاجتمع له ثلاثون ألف مملوك # وكانت العرب زغبة قد ملكت مدينة طرابلس سنة ست وأربعين فتتابعت رياح والأسبج وبنو عدي إلى إفريقية وقطعوا السبيل وعاثوا في الأرض وأرادوا الوصول إلى القيروان فقال مؤنس بن يحيى المرداسي ليس المبادرة عندي برأي فقالوا كيف تحب أن تصنع فأخذ بساطا فبسطه ثم قال لهم من يدخل إلى وسط البساط من غير أن يمشي عليه قالوا لا نقدر على ذلك قال فهكذا القيروان خذوا شيئا فشيئا حتى لا يبقى الإ القيروان فخذوها حينئذ فقالوا إنك لشيخ العرب وأميرها وأنت المقدم علينا ولسنا نقطع أمرا دونك ثم قدم أمراء العرب إلى المعز فأكرمهم وبذل لهم شيئا كثيرا فلما خرجوا من عنده لم يجاوزه بما فعل من الإحسان بل شنوا الغارات وقطعوا الطريق وأفسدوا الزروع وقطعوا الثمار وحاصروا المدن فضاق بالناس الأمر وساءت أحوالهم وانقطعت أسفارهم ونزل بافريقية بلاء لم ينزل بها مثله قط فينئذ احتفل المعز وجمع عساكره فكانوا ثلاثين ألف فارس ومثلها رجاله وسار حتى أتى جندران وهو جبل بينه وبين القيروان ثلاثة أيام وكانت عدة العرب ثلاثة آلاف فارس فلما رأت العرب عساكر صنهاجة والعبيد مع المعز هالهم ذلك وعظم عليهم فقال لهم مؤنس بن يحيى ما هذا يوم فرار فقالوا أين نطعن هؤلاء وقد لبسوا الكذاغندات والمغافر قال في أعينهم فسمي ذلك اليوم ( يوم العين ) والتحم القتال واشتدت الحرب فاتفقت صنهاجة على الهزيمة وترك المعز مع العبيد حتى يرى فعلهم ويقتل أكثرهم فعند ذلك يرجعون على العرب فانهزمت صنهاجة وثبت العبيد مع المعز فكثر مع المعز القتل فيهم قتل منهم خلق كثير وأرادت صنهاجة الرجوع على
297
العرب فلم يمكنهم ذلك واستمرت الهزيمة وقتل من صنهاجة أمة عظيمة ودخل المعز القيروان مهزوما على كثرة من معه واخذت العرب الخيل والخيام وما فيها من مال وغيره وفيه يقول بعض الشعراء # ( وإن ابن باديس لأفضل مالك % ولكن لعمري ما لديه رجال ) # ( ثلاثون ألفا منهم غلبتهم % ثلاث آلاف إن ذا لمحال ) # ولما كان يوم النحر من هذه السنة جمع المعز سبعة وعشرين ألف فارس وسار إلى العرب جريدة وسبق خبره وهجم عليهم وهم في صلاة العيد فركبت العرب خيولهم وحملت فانهزمت صنهاجة فقتل منهم عالم كثير ثم جمع المعز وخرج بنفسه في صنهاجة وزناتة في جمع كثير # فلما أشرف على بيوت العرب وهو قبلي جبل جندران انتشب القتال واشتعلت نيران الحرب وكانمت العرب سبعة آلاف فارس فانهزمت صنهاجة وولى كل رجل منهم إلى منزله وانهزمت زناتة وثبت المعز فيمن معه من عبيده ثباتا عظيما لم يسمع بمثله ثم انهزم وعاد إلى المنصورية وأحصي من قتل من صنهاجة ذلك اليوم فكانوا ثلاثة آلاف وثلاثمائة ثم أقبلت العرب حتى نزلت بمصلى القيروان ووقعت الحرب فقتل من المنصورية ووقادة خلق كثير فلما رأى ذلك المعز أباحهم دخول القيروان لما يحتاجون إليه من بيع وشراء فلما دخلوا استطالت عليهم العامة ووقعت بينهم حرب كان سببها فتنة بين إنسان عربي وآخر عامي وكانت الغلبة للعرب وفي سنة أربع وأربعين بنى سور زويلة والقيروان # وفي سنة ست وأريعن حاصرت العرب القيروان وملك مؤنس بن يحيى مدينة باجة وأشار المعز على الرعية بالانتقال إلى المهدية لعجزه عن حمايتهم من العرب وشرعت العرب في هدم الحصون والقصور وقطعوا الثمار وخربوا الأنهار وأقام المعز والناس يتنقلون إلى المهدية إلى سنة تسع وأربعين فعندها انتقل المعز الى المهدية في شعبان فتلقاه ابنه تميم ومشى بين يديه وكان أبوه قد ولاه المهدية سنة خمس وأربعين فأقام بها إلى أن قدم أبوه الآن وفي رمضان من سنة تسع وأربعين نهبت العرب القيروان وفي سنة خمسين خرج بلكين ومعه من العرب لحرب زناتة فقاتلهم فانهزمت زناتة وقتل منها عدد كثير وفي سنة ثلاث وخمسين وقعت الحرب بين العرب وهوارة فانهزمت هوارة وقتل منها الكثير وفي سنة ثلاث وخمسين قتل أهل تقيوس من
298
العرب مائتين وخمسين رجلا وسبب ذلك أن العرب دخلت المدينة متسوقة فقتل رجل من العرب رجى متقدما من أهل البلد لأنه سمعه يثني على المعز ويدعو له فلما قتل ثار أهل البلد بالعرب فقتلوا منهم العدد المذكور وكان ينبغي أن يأتي كل شيء من ذلك في السنة التي حدث فيها وإنما أوردناه متتابعا ليكون أحسن لسياقه فإته إذا انتقطع وتخللته الحوادث في السنين لم يفهم $ ذكر عدة حوادث $ # فيها سار المهلهل بن محمد بن عناز أخو أبي الشوك إلى السلطان طغرلبك فأحسن إليه وأقره على إقطاعه ومن جملته السيروان ودقوقا وشهرزور والصامغان وشفعه في أخيه سرخاب بن محمد بن عناز وكان محبوسا عند طغرلبك وسار سرخاب إلى قلعة الماهكي وهي له وأقطع سعدي بن أبي الشوك الراوندين # وفيها قبض المستنصر بمصر على أبي البركات عم أبي القاسم الجرجاني واستوزر القاضي أبا محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري ويازور من أعمال الرملة وفيها توفي محمد بن أحمد بن عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله أبو الحسين ومولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وفيها في شعبان توفي أبو الحسن علي بن عمر القزويني الزاهد وكان من الصالحين روى الحديث والحكايات والأشعار وروى عن ابن نباتة شيئا من شعره فمن ذلك قال ابن نباتة # ( وإذا عجزت عن العدو فداره % وامزج له إن المزاج وفاق ) # ( فالنار بالماء الذي هو ضدها % تعطي النضاج وطبعها الإحراق ) # وفيها في ذي القعدة توفي أبو القاسم عمر بن ثابت النحوي الضرير المعروف بالثمانيني
299
$ ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة $ $ ذكر نهب سرق والحرب الكائنة عندها وملك الرحيم رامهرمز $ # فيها في المحرم اجتمع جمع كثير من العرب والأكراد وقصدوا سرق من خوزستان ونهنبوها ونهبوا دورق ومقدمهم مطارد بن منصور ومذكور بن نزار فأرسل إليهم الملك الرحيم جيشا ولقوهم بين سرق ودورق فاقتتلوا فقتل مطارد وأسر ولده وكثر القتل فيهم واستنقذوه ما نهبوه ونجا الباقون على أقبح صورة من الجراح والنهب فلما تم هذا الفتح للملك الرحيم انتقل من عسكر مكرم متقدما إلى قنطرة أربق ومعه دبيس بن مزيد والبساسيري وغيرهما # ثم إن الأمير أبا منصور صاحب فارس وهزارسب بن بنكير ومنصور بن الحسين الأسدي ومن معهما من الديلم والأتراك ساروا من أرجان يطلبون تستر فسبقهم الرحيم إليها وحال بينهم وبينها والتقت الطلائع فكان الظفر لعسكر الرحيم ثم إن الأرجاف وقع في عسكر هزارسب بوفاة الأمير أبي منصور بن الملك أبي كاليجار بمدينة شيراز فسقط في أيديهم وعادوا وقصدوا كثير منهم الملك الرحيم فصاروا معه فسير قطعة من الجيش إلى رامهرمز وبها أصحاب هزارسب وقد أفسدوا في تلك الأعمال فلما وصل إليها عسكر الرحيم خرج أولئك الى قتالهم فاقتتلوا قتالا شديدا أكثر فيه القتل والجراح ثم انهزم أصحاب هزارسب فدخلوا البلد وحصروا فيه ثم ملك البلد عنوة ونهب وأسر جماعة من العساكر التي فيه وهرب كثير منهم إلى هزارسب وهو بايدج وملك الملك الرحيم البلد في ربيع الأول من هذه السنة $ ذكر ملك الملك الرحيم اصطخر وشيراز $ # في هذه السنة سير الملك الرحيم أخاه الأمير أبا سعد في جيش إلى بلاد فارس وكان سبب ذلك أن المقيم في قلعة اصطخر وهو أبو نصر بن خسرو وكان له أخوان قبض
300
عليهما هزارسب بن بنكير بأمر الأمير أبي منصور فكتب إلى الملك الرحيم يبذل له الطاعة والمساعدة ويطلب أن يسير إليه أخاخ ليملكه بلاد فارس فسير إليه أخاه أبا سعد في جيش فوصل إلى دولتا باذ فأتاه كثير من عساكر فارس الديلم والترك والعرب والأكراد وسار منها إلى قلعة اصطخر فنزل إليه صاحبها أبو نصر فلقيه وأصعده إلى القلعة وحمل له وللعساكر التي معه الإقامات والخلغ وغيرها ثم سارا منها إلى قلعة بهندر فحصروها وأتاه كتب بعض مستحفظي البلاد الفارسية بالطاعة منها مستحفظ داربجرد وغيرها ثم سار إلى شيراز فملكها في رمضان فلما سمع أخوه الأمير أبو منصور وهزارسب ومنصور بن الحسين الأسدي ذلك ساروا في عسكرهم إلى الملك الرحيم فهزموه على ما نذكره إن شاء الله تعالى وفارق الأهواز إلى واسط ثم عطفوا من الأهواز إلى شيراز لاجلاء الأمير أبي سعد عنها فلما قاربوها لقيهم أبو سعد وقتلهم فهزمهم فالتجؤوا إلى جبل قلعة بهندر وتكررت الحروب بين الطائفتين إلى منتصف شوال فتقدمت طائفة من عسكر أبي سعد فاقتتلوا عامة النها ثم عادوا فلما كان الغد التقى العسكران جميعا واقتتلوا فانهزم عسكر الأمير أبي منصور وظفر أبو سعد وقتل منهم خلقا كثيرا واستأمن إليه كثير منهم وصعد أبو منصور إلى قلعة بهندر واحتمى بها وأقام إلى أن عاد إلى ملكه على ما نذكره إن شاء الله تعالى ولما فارق الأمير أبو منصور الأهواز أعيدت الخطبة للملك الرحيم وأرسل من بها من الجند يستدعونه إليهم $ ذكر انهزام الملك الرحيم بالأهواز $ # لما انصرف الأمير أبو منصور وهزارسب ومن معهم من منزلهم قريب تستر على ما ذكرناه مضوا إلى أيذج وأقاموا فيها و خافوا الملك الرحيم واستضعفوا نفوسهم عن مقاومته فاتفق رأيهم على أن راسلوا السلطان طغرلبك وبذلوا له الطاعة وطلبوا منه المساعدة فأرسل إليهم عسكرا كثيرا وكان قد ملك أصبهان وفرغ باله منها وعرف الملك الرحيم ذلك وقد فارقه كثير من عسكره منهم البساسيري ونور الدولة دبيس بن مزيد و العرب والاكراد وبقي في الديلم الأهوازية وطائفة قليلة من الأتراك البغداديين كاونا وصلوا إليه أخيرا فقرر رأيه علىأن عاد من عسكر مكرم إلى الأهواز لأنها أحصن وينتظر بالمقام فيها وصول العساكر ورأى أن يرسل أخاه الأمير أبا سعد إلى فارس حيث طلب إلى اصطخر على ما ذكرناه وسير معه جمعا صالحا من العساكر ظنا منه أن أخاه إذا
301
وصل إلى فارس وملكت قلعة اصطخر انزعج الأمير أبو منصور وهزارسب ومن معهما واشتغلوا بتلك النواحي عنه فازداد قلقا وخوفا فلم يلتفت أولئك إلى الأمير أبي سعد بل ساروا مجدين إلى الهواز فوصلوها أواخر بيع الآخر ووقعت الحرب بين الفريقين يومين متتابعين كثر فيهما القتال واشتد فانهزم الملك الرحيم وسار في نفر قليل إلى واسط ولقي في طريقه مشقة وسلم واستقر بواسط فيمن لحق به من المنهزمين ونهبت الأهواز وأحرق فيها عدة محال وفقد في الوقعة الوزير كمال الملك أبو المعالي بن عبد الرحيم وزير الملك فلم يعرف له خبر $ ذكر الفتنة بين العامة ببغداد وإحراق المشهد على ساكنيه السلام $ # في هذه السنة في صفر تجددت الفتنة ببغداد بين السنية و الشيعة وعظمت أضعاف ما كانت قديما فكان الاتفاق في السنة الماضية غير مأمون الانتقاض لما في الصدور من الإحن # وكان سبب هذه الفتنة أن أهل الكرخ شرعوا في عمل باب السماكين وأهل الفلائين في عمل ما بقي من باب مسعود ففرغ أهل الكرخ وعملوا أبراجا كتبوا عليها بالذهب محمد وعلي خير البشر وأنكر السنية ذلك وادعوا أن المكتوب محمد وعلي خير البشر فمن رضي فقد شكر ومن أبا فقد كفر وانكر اهل الكرخ الزيادة وقالوا ما تجاوزنا ما جرت به عادتنا فيما نكتبه على مساجدنا فأرسل الخليفة القائم بأمر الله أبا تمام نقيب العباسيين ونقيب العلوييين وهو عدنان ببنا لرضي لكشف الحال وإنهائه فكتبا بتصديق قول الكرخيين فأمر حينئذ الخليفة ونواب الرحيم بكف القتال فلم يقبلوا وانتدب ابن المذهب القاضي والزهيري وغيرهما من الحنابلة أصحاب عبد الصمد بحمل العامة علىالإغراق في الفتنة فأمسك نواب الملك الرحيم عن كفهم غيظا من رئيس الرؤساء لميله إلى الحنابلة ومنع هؤلاء السنية من حمل الماء من دجلة إلى الكرخ # وكان نهر عيسى قد انفتح بثقه فعظم الأمر عليهم وانتدب جماعة منهم وقصدوا دجلة وحملوا الماء وجعلوه في الظروف وصبوا عليه ماء الورد ونادوا الماء للسبيل فأغروا بهم السنية وتشدد رئيس الرؤساء على الشيعة فمحوا خير البشر وكتبوا عليهما السلام فقالت السنية لا نرضى إلا أن يقلع الآجر الذي عليه محمد وعلي وأن لايؤذن حي على خير العمل وامتنع الشعة من ذلك ودام القتال إلى ثالث ربيع الأول وقتل فيه رجل هاشمي من السنية فحمله أهله على نعش وطافوا به في
302
الحربية وباب البصرة وسائر محال السنة والستنفروا الناس للأخذ بثأره ثم دفنوه عند أحمد بن حنبل وقد اجنمع معهم خلق كثير أضعاف ما تقدم # فلما رجعوا من دفنه قصدوا مشهد باب التبن فأغلق بابه فنقبوا في سورها وتهددوا البواب فخافهم وفتح الباب فدخلوا ونهبوا ما في المشهد من قناديل ومحاريب ذهب وفضة وستور وغير ذلك ونهبوا ما في الترب والدور وأدركهم الليل فعادوا فلما كان الغد كثر الجمع فقصدوا المشهد واحرقوا جميع الترب والأراج واحترق ضريح موسة وضريح ابن ابنه محمد بن علي والجوار والقبتان الساج اللتان عليهما واحترق ما يقابلهما ويجاورهما من قبور ملوك بني بويه معن الدولة وجلال الدولة من قبور الوزراء والرؤساء وقبر جعفر بن أبي جعفر المنصور وقبر الأمين محمد بن الرشيدوقبر أمه زبيدة وجرى من الأمر الفظيع ما يجر في الدنيا مثله فلما كان الغد خامس الشهر عادوا وحفروا قبر موسى بن جعفر ومحمد بن علي لينقلوهما إلى مقبرة أحمد بن حنبل فحال الهدم بينهم وبين معرفة القبر فجاء الحفر إلى جانبه وسمع أبو تمام نقيب العباسيين وغيره من الهاشميين والسنية الخبر فجاؤوا ومنعوا عن ذلك وقصدوا أهل الكرخ إلى خان الفقهاء الحنفيين فنهبوه وقتلوا مدرس الحنفية أبا سعد السرخسي وأحرقوا الخان ودور الفقهاء وتعدت الفتنة إلى الجانب الشرقي فاقتتل أهل باب الطاق وسوق بج والأساكفة وغيرهم # ولما انتهى خبر إحراق المشهد إلى نور الدولة دبيس بن مزيد عظم عليه واشتد وبلغ منه كل مبلغ لأنه وأهل بيته وسائر أعماله من النيل وتلك الزلاية كلهم شيعة فقطعت في أعماله خطبة الإمام القائم بأمر الله فروسل في ذلك وعوتب فاعتذر بأن أهل ولايته شيعة واتفقوا على ذلك فلم يمكنه أن يشق عليهم كما أن الخليفة لم يمكنه كف السفهاء الذين فعلوا بالمشهد ما فعلوا وأعادوا الخطبة إلى حالها $ ذكر عصيان بني قرة على المستنصر بالله بمصر $ # في هذه السنة في شعبان عصى بنوقرة بمصر على المستنصر بالله الخليفة العلوي وكان سبب ذلك أنه أمر عليهم رجلا منهم يقال له المقرب وقدمه فنفلاوا من ذلك وكرهوه واستعفوا منه فلم يعزله عنهم فكاشفوا بالخلاف والعصيان وأقاموا بالجيزة مقابل مصر وتظاهروا بالفساد فعبر إليهم المستنصر بالله جيشا يقاتلهم ويكفهم فقاتلهم بنوقرة فانهزم الجيش وكثر القتل فيهم فانتقل بنو قرة إلى طرف الب فعظم الأمر على ذلك
303
تاستنصر بالله وجمع الرعب من طيء وكلب وغيرهما من العساكر وسيرهم في أثر بني قرة فأدركوهم بالبحيرة فواقعوهم واشتد القتال في بني قرة وانهزموا وعاد العسكر إلى مصر وتركوا في مقابل بني قرة طائفة منهم لترد بني قرة إن أرادوا التعرض في البلاد وكفى الله شرهم $ ذكر وفاة زعيم الدولة وإمارة قريش بد بدران $ # في هذه السنة في شهر رمضان توفي زعيم الدلوى أبو كامل بركة لن المقلد بتكريت وكان انحدر إليها في حلله قاصدا نحو العارق يبنازع النواب به عن الملك الرحيم وينهب البلاد فلما بلغها انتقض عليه جرح كان أصابه من الغز لما ملكوا الموصول فتوفي ودفن بمشهد الخضر بتكريت واجتمعت العرب من أصحابه على تأمير علم الدين أبي المعالي قريش بن بدران بن المقلد فعاد بالحلل والعرب إلى الموصل وأرسل إلى عمه قرواش وهو تحت الاعتقال يعلمه بوفاة زعيم الدولة وقيامه بالإمارة وأنه يتصرف على اختياره ويقوم بالأمر نيابة عنه فلما وصل قريش إلى الموصل جرى بينه وبين عمه قرواش مناعزعة ضعف فيها قرواش وقوي ابن اخيه ومالت العرب إليه واستقرت الإمارة له وعاد عمه إلى ما كلن عليه من الاعتقال الجميل والاقتصار به على قليل من الحاشية والنشاء النفقة ثم نقلها إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل فاعتقل بها $ ذكر عدة حوادث $ # ظهر ببغداد يوم الأربعاء سابع صفر وقت العصر كوكب غلب نوره على نور الشمس له ذؤابة نحو ذراعين وسار سيرا بطيئا ثم انقض والناس يشاهدونه # وفيها في رمضان أرسل السلطان طغرلبك إلى الخليفة جوابا عن رسالة الخليفة إليه وشكرا الإنعام الخليفة عليه بالخلع والألقاب وأرسل معه طغرلبك إلى الخليفة عشرة آلاف دينار عينا وأعلاقا نفيسة من الجواهر والثياب والطيب وغير ذلك وأرسل خمسة آلاف دينا ر للحاشية وألفي دينار لرئيس الرؤساء وأنزل الخليفة الرسل بباب المراتب وأمر بإكرامهم ولما جاء العيد أظهر أجناد بغداد الزينة الرائقة والخيول النفيسة والتجانيف الحسنة وأرادوا لإظهار قوتهم عند الرسل # وفيها عاد الغز أصحاب الملك داود أخي طغرلبك عن كرمان وسبب عودهم أن
304
عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة سار إلى خراسان قالتقى هو والملك داود واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم داود فاقتضى الحال عود أصحابه عن كرمان # وفيها أيضا عاد السلطان طغرلبك عن أصبهان إلى الري وفيها توفي أبو كاليجار كرشايف بن علاء الدولة بن كاكويه بالأهواز وكان قد استخلفه بها الأمير أبو منصور عند عودة عنها إلى شيراز فلما توفي خطب للملك الرحيم بالأهواز وفيها توفي أبو عبد الله الحسين بن المرتضى الموسوي وفيها في ربيع الأول توفي أبو الحسن محمد بن محمد البصروي الشاعر وهو منسوب إلى قرية تسمى بصرى قريب عكبرا وكان صاحب نادرة قال له رجل شربت البارحة ماء كثيرا فاحنجت إلى قيام كل ساعة كأني جدي فقال له لم تصغر نفسك ( ومن شعره ) # ( ترى الدنيا وزينتها فتصبو % وما يخلو من الشهوات قلب ) # ( فضول العيش أكثرها هموم % وأكثر ما يضرك ما تحب ) # ( فلا يغررك زخرف ما تراه % وعيش لين الأعطاف رطب ) # ( إذا ما بلغه جاءتك عفوا % فخذها فالغنى مرعى وشرب ) # ( إذا اتفق القليل وفيه سلم % فلا ترد الكثير وفيه حرب )
305
$ ثم دخلت سنة أربع وأربعين وأربعمائة $ $ ذكر قتل عبد الرشيد صاحب غزنة وملك فرخ زاد $ # في هذه السنة قتل عبد الرشيد بن محمود بن سبكتكين صاح بغزنة وكان سبب ذلك أن حاجبا لمودود ابن أخيه مسعود اسمه طغرل وكان مودود قد قدمه ونوه باسمه وزوجه لخته فلما توفي مودود وملك عبد الرشيد أجرى طغرل على عادته في تقدمه وجعله حاجب حجابه فأشار عليه طغرل بقصد الغز وإجلائهم من خراسان فتوقف استبعادا لذلك فألح عليه طغرل فسيره في ألف فارس فسار نحو سجستان وبها أبو الفضل نائبا عن بيغو فأقام طغرل على حصار قلعة طاق وأرسل إلى أبي الفضل يدعوه إلى طاعة عبد الرشيد فقال له إنني نائب عن بيغو وليس من الدين والمروءة خيانته فأقصده فإذا فرغت منه سلمت إليك فقام على حصار طاق أربعين يوما فمن يتهيأ له فتحها # وكتب أبو الفضل إلى بيغو يعرفه حال طغرل فسار إلى سجستان ليمنع عنها طغرل ثم إن طغرل ضجر من مقامه على حصار طاق فسار نحو مدينة سجستان فلما كان على نحو فرسخ منها كمن بحيث لا يراه أحد لعلة يجدها وفرصة ينتهزها فسمع أصوات دبابات وبوقات فخرج وسأل بعض من على الطريق فأخبره أن بيغو قد وصل فعاد إلى أصحابه وأخبرهم وقال لهم ليس لنا إلا أن نلقى القوم ونموت تحت السيوف أعزة فإنه لا سبيل لنا إلى الهرب لكثرتهم وقلتنا فخرجوا من مكمنهم فلما رآهم بيغو سأل أبا الفضل عنهم فأخبره أنه طغرل فاستقل من معه وسير طائفة من أصحابه لقتالهم فلما رآهم طغرل لم يعرج عليهم بل أقحم فرسه نهرا هناك فعبره وقصد بيغو ومن معه فقاتلهموهزمهم طغرل وغنم ما معهم ثم عطف على الفريق الآخر فصنع بهم مثل ذلك وأم بيغو وأبو الفضل نحو هراة وتبعهم نحو فرسخين وعاد إلى المدينة فملكها # وكتب إلى عبد الرشيد بما كان منه ويطلب الإمداد ليسير إلى خراسان فأمده
306
بعده كثرة من الفرسان فوصولا إليه فاشتد بهم وأقام مديدة ثم حدث نفسه بالعود إلى غزنة والاستيلاء عليها فأعلم أصحاب به ذلك وأحسن إليهم واستوثق منهم ورحل إلى غزنة طاويا للمراحل كأنما أمره فلما صار على خمسة فراسخ من غزنة أرسل إلى عبد الرشيد مخادعا له يعلمه أن العسكر خالفوا عليه وطلبوا الزيادة في العطاء وأنهم عادوا بقلوب متغيرة ومستوحشة فلما وقف على ذلك جمع أصحابه وأهل ثقته وأعلمهم الخبر فحذروه منه وقالوا له إن الأمر قد أعجل عن الاستعداد ولييس غير الصعود إلى القلعة والتحصن بها فصعد إلى قلعة غزنة واكتنع بها ووافى طغرل من الغد إلى البلد ونزل في دار الإمارة وراسل الميقيمن بالقلعة في تسليم عبد الرشيد ووعدهم ورغبهم إن فعلوا وتهددهم إن امتنعوا فسلموه إليه فأخذ ظغرل فقتله واستولى على البلد وتزوج ابنة مسعود كرها # وكان في الأعمال الهندية أمير يسمى خرخير ومعه عسكر كثير فلما قتل طغرل عبد الرشيد واستولى على الأمر كتب إليه ودعاه إلى الموافقة والمساعدة على ارتجاع الأعمال من أيدي الغز ووعده على ذلك # وبذل البذول الكثيرة فلم يرض فعله وأنكره وامتعض منه وأغلط له في الجواب وكتب إلى ابنة مسعود بن محمود زوجة طغرل ووجوه القواد ينكر ذلك عليهم ويوبخهم على الأخذ إغضائهم وصبرهم على ما فعله طغرل من قتل ملكهم وابن ملكهم ويحثهم على الأخذ بثأره # فلما وقفوا على كتبه عرفوا غلطهم ودخل جماعة منهم على طغرل ووقفوا بين يديه فضربه أحدهم بسيفه وتبعه الباقون فقتله وورد خرخير الحاجب بعد خمسة أيام وأظهر الحزن على عبد الرشيد وذم طغرل ومن تابعه على فعله وجمع وجوه القواد وأعيان أهل البلد وقال لهم لقد عرفتم ما جرى من ذلك فأشاروا بولاية فرخزاد بن مسعود محمود وكان محبوسا في بعض القلاع فأحضر وأجلس بدار الإمارة وأقام خرخير بين يديه يدبر الأمور وأخذ من أعان على قتل الرشيد فقتله فلما سمع داود أخو طغرلبك صاحب خراسان قتل عبد الرشيد جمع عساكره واسر إلى غزنة # فخرج إليه خرخير ومنعه وقاتله فانهزم داود وغنم ما كان معه ولما استقر ملك فرخزاد وثبت قدمه جهز جيشا فظفروا به وانهزم أصحابه عنه وأخذ أسيرا وأسر معه كثير من عسكر خراسان ووجوهم وأمرائهم فجمع ألب أرسلان عسكرا كثيرا وسير والده داود في 1لك العسكر إلى
307
الجيش الذي أسورا كلسارغ وهزمهم وأسر جماعة من أعيان العسكر فأطلق فرخزاد الأسرى وخلع على كلسارغ وأطلقه $ ذكر وصول الغز إلى فارس وانهزامهم عنها $ # في هذه السنة وصل أصحاب السلطان طغرلبك إلى فارس وبلغوا إلى شيراز ونزلوا بالبيضاء واجتمع معهم العادل أبو منصور الذي كان وزير الأمير أبي منصور الملك أبي كاليجار ودبر أمرهم فقبضوا عليه وأخذوا منه ثلاث قلاع وعي قلعة كبزة وقلعة جويم وقلعة بهندر فأقامنوا بها وسار من الغز نحو مائتي رجل إلى الأمير أبي سعد أخي الملك الرحيم وصاروا في دخدمته واجتمع العسكر الشيرازي وعليهم الظهير أبو نصر وأوقعوا بالغز بباب شيراز فانهزم الغز وأسر تاج الدين نصر بن هبة الله بن أحمد وكان من المقدمين عند الغز فلما انهزم وسار العسكر الشيرازي إلى فسا وكن قد تغلب عليها بعض السفل وقوي أمره لاشتغال العساكر فأزالوا المتغلب عليها واستعادوها $ ذكر الحرب بين قريش وأخيه المقلد $ # في هذه السنة جرى خلف بين علم الدين قريش بن بدران وبين أخيه المقلد وكان قريش قد نقل عنه قرواشا إلى قلعة الجراحية من أعمال الموصل وسجنه بها وارتحل بطلب العراق فجرى بينه وبين أخيه المقلد منازعة أدت إلى الاختلاف فسار المقلد إلى نور الدولة دبيس بن مزيد ملتجئا إليه فحمل أخاه الغيظ منه على نهب حلته وعاد إلى الموصل واختلت أحواله واختلفت اعرب عليه وأخرج نواب الملك الرحيم ببغداد إلى ما كان بيد قريش من العراق بالجانب الشرقي من عكبرا والعلث وغيرهما من قبض غلته وسلم الجانب الغربي من أوانا ونهر بيطر إلى الهندي بلال بن غريب # ثم إن قريشا استمال العرب وأصلحهم فأذعنوا له بعد وفاة عمه قرواش فإنه توفي هذه الأيام وانحدر إلى العراق ليستعيد ما أخذ منه فوصل إلى الصالحية وسير بعض أصحابه إلى ناحية الحظيرة وما والاها فنهبوا ما هناك وعادوا فلقوا كامل بن محمد بن المسيب ناحية الحظيرة فأوقع بهم والأكراد فانهزم فرسلوا إلى قريش يعرفونه بالحال فسار إليهم في عدة كثيرة من العرب والأكراد فانهزم كامل وتبعه قريش فلم يلجفه فقصد حلل بلال بن غريب وهي خالية من الرجال فنهبها وقاتله بلال وابلى بلاء حسنا فجرح ثم انهزم
308
وراسل قريش نواب الملك الرحيم يبذل بالطاعة ويطلب تقرير ما كان عليه فأجابوه إلى ذلك على كره لقوته وضعفهم واشتغال الملك الرحيم بخوزستان عنهم فاستقر أمره وقوي شأنه $ ذكر وفاة قرواش $ # في هذه السنة مستهل رجب توفي معتمد الدولة أبو المنيع قرواش بن المقلد العقيلي الذي كان صحب الموصل محبوسا بقلعة الجراحية من أعمال الموصل على ما ذكرناه قبل وحمل ميتا إلى الموصل ودفن بتل توبة من مدينة نينوي شرقي الموصل وكان من رجال العرب وذوي العقل منهم وله شعر حسن فمن ذلك ما ذكره أبو الحسن علي بن الحسن الباخرزي في دمية القصر من شعره # ( لله در النائبات فإنها % صدأ النفوس وصقيل الأحرار ) # ( كا كنت إلا زبرة فطبغنني % سيفا وأطلق شفرتي وغراري ) # وذكر له أيضا # ( من كان يحمد أو يذوم موروثا % لمال من آبائه وجدوده ) # ( إني امرؤ لله شكر وحده % شكرا كثيرا جالبا لمزيده ) # ( لي أشقر سمح العنان مغاور % يعطيك ما يرضيك من مجهوده ) # ( ومهند عضب إذا جردته % خلت البروق تموج في تجريده ) # ( ومثقف لدن السنان كأنما % أم المنايا ركبت في عوده ) # ( وبذا حويت المال إلا أنني % سلطت جود يدي على تبديده ) # وقيل إنه جمع بين أختين في نكاحه فقيل له إن الشريعة تحرم هذا فقال وأي شيء عندنا تجيزه الشريعة وقال مرة ما في رقبتي غير خمسة أو ستة من البادية قتلهم وأما الحاضرة فلا يعبأ الله بهم $ ذكر استيلاء الملك الرحيم على البصرة $ # في هذه السنة في شعبان سير الملك الرحيم جيشا مع الوزير والبساسيري إلى البصرة وبها أخوه أبو علي بن أبي كاليجار فحصروه بها فأخرج عسكره في السفن
309
لقتالهم فاقتتلوا عدة أيام ثن انهزم البصريون في الماء إلى البصر واستولى عسكر الرحيم على دجلة والأنهر جميعا وسارت العسلكر على البر من المنزلة بمطار إلى البرصرة فلما قاربوها لقيهم رسل مضرور بيعة يطلبون المان فأجابوهم إلى ذلك وكذلك بذلوا الأمان لسائر أهلها ودخل الملك الرحيم فسر به أهلها وبذل لهم الإحسان فلما دخل البصرة وردت إليه رسل الديلم بخوزستان يبذلون الطاعة ويذكرون أنهم ما زالوا عليها فشكرهم على ذلك وأقام بالبصرة ليصلح أمرها وأما أخوه أبو علي صاحب البصرة فإنه مضى إلى شط عثمان فتحصن به وحفر الخندق فمضى الملك الرحيم إليه وقاتلهم فملك الموضع ومضى أبو علي ووالدته إلى عبادان وركبوا البحر إلى مهروبان وخرجوا من البحر وأكثروا دواب وساروا في أرجان عازمين على قصد السلطان طغرلبك وأخرج ا لملك الرحيم كل من بالبصرة من الديلم أجناد أخيه وأقام غيرهم ثم إن الأمير أبا علي وصل إلى السطان طغرلبك وهو بأصبهان فاكرمه وأحسن غليى وحمله أيضا وسلم الملك الرحيم البصرة إلى البابسيري ومضى إلى الأهواز وترددت الرسل بينه وبين منصور بن الحسين وهزار سب حتى اصطلحوا وصار أرجان وتستمر للمك الرحيم $ ذكر ورود سعدي العراق $ # وفيها في ذي القعدة ورد سعدي بن أبي الشوك في جيش من عند السلطان طغرلبك إلى نواحي العراق فنزل مايدشت وسار منها جريدة فيمن معه من الغز إلى أبي دلف الجاوائي فنذر به أبو دلف وانصرف من بين يديه ولحقه سعدي فهبه وأخذ ماله وأفلت أبو دلف بحشاشة نفسه ونهب أصحاب سعدي البلاد حتى بلغوا النعمانية فأسرفوا في النهب والغارة وفتكوا في البلاد وافتضوا الأبكار فأخذوا الأموال والأثاث ح [ فلم يتركوا شيئا وقصد البندنيجين وبلغ خبره إلى خاله خالد بن عمرو وهو نازل على الزرير ومطر ابني علي بن مقن العقيليين فأرسل إليه ولده مه أولاد الزرير ومطر يشكون إليه ما عاملهم به عمه مهلهل وقريش بن بدران فلقوه بحلوان وشكوا إليه حالهم فوعدهم المسير إليهم وإنقاذهم ممن قصدهم فعادوا من عنده فلقيهم نفر من أصحاب مهلهل فواقعوا فظفر بهم العقيليون وأسروا # وبلغ الخبر مهلهلا فسار إلى حلل الزرير
310
ومطر في نحو خمسمائة فارس فأوقع بهم على تل عكبرا ونهبهم وانهزم الرجال فلقي خالد ومطر والزرير سعدي بن أبي الشوك على تامرا فأعلموه الحال وحملوه علي قتال عمه فتقدم إلى طريقه والتقى القوم وكان سعدي في جمع كثير فظفر بعمه وأسره وانهزم أصحابه في كل جهة وأسر أيضا ملك ابن عمه مهلهل واعاد الغنائم التي كانت معهم على أصحابهاوعاد إلى حلوان ووصل الخبر إلى بغداد فارتج الناس بها وخافوا وبرز عسكر الملك الرحيم ليقصدوا حلوان لمحاربة سعدي ووصل إليهم أبو الأعز دبيس ين مزيد الأسدي ولم يصنعوا شيئا $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة قبض عيسى بن خميس بن مقن على أخيه أبي غشام صاحب تكريت بها وسجنه في سرداب بالقلعةواستولى على تكريت # وفيها زلزلت خوزستان وأرجان وايذج وغيرها من البلاد زلازل كثيررة وكان معظمها بأرجان فخرب كثير من بلادها وديارها وانفرج جبل كبير قريب من أرجان وانصدع فظهر في وسطه درجة مبتية بالآجر والجص قد خفيت في الجبل فتعجب الناس من ذلك وكان بخراسان أيضا زلزلة عظيمة خربت كثيرا وهلك بسببها كثير وكان أشدها بمدينة بيهق فأتى الخراب عليها وخرب سورهاومساجها ولم يزل سورها خرابا إلى سنة أربع وستين وأربعمائة فأمرنظام الملك ببنائه فبنى ثم خربه أرسلان أرغو بعد موت السلطان ملشاه وقد ذكرناه ثم عمر مجد الملك البلاساني # وفيها عمل محضر ببغداد يتضمن القدح في نسب العلويين أصحاب مصر وأنهم كاذبون في أدعائهم النسب إلى علي عليه السلام وغزهم فيه إلى الديصانية من المجوس والقداحية من اليهود وكتب فيه العلويين والعباسيون والفقهاء والقضاة والشهود وعمل به عدة نسخ وسير في البلاد وشيع بين الحاضر والباد # وفيها شهد الشيخ أبو نصر عبد السيد بن محمدبن عبد الواحد بن الصباغ مصنف الشامل عند قاضي القضاة أبي عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا # وفيها حدثت فتنة بين السنية والشيعة ببغداد وامتنع الضبط وانتشر العيارون وتسلطوا وجبوا الأسواق وأخذوا ما كان يأخذه أرباب الأعمال وكان مقدمهم الطقطقي والزبيق وأعاد الشيعة الأذان بحي على خير العمل وكتبوا على مساجدهم محمد وعلي خير البشر وجرى القتال بينهم وعظم الشر # وفيها
311
زوج نور الدولة دبيس بن مزيد ابنه بهاء الدولة منصورا بابنة أبي البركات من البساسيري # وفيها في ربيع الأول توفي القاضي أبو جعفر السمناني بالموصل وكان إماما في الفقه على مذهب أبي حنيفة والأصول على مذهب الأشعري وروى الحديث عن الدارقطني وغيره وفي هذا الشهر توفي أيضا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب الواعظ وهو راوي مسند أحمد بن حنبل
312
$ ثم دخلت سنة خمس وأربعين وأربعمائة $ $ ذكر الفتنة بين السنية والشيعة ببغداد $ # في هذه السنة في المحرم زادت بين أهل الكرخ وغيرهم من السنية وكان لبتداؤها أواخر سنة أربع وأربعين # فلما كان الآن عظم الشر واصرحت المراقبة للسلطان واختلط بالفريقين طوائف من الأتراك # فلما اشتد الأمر اجتمع القواد واتفقوا على الركوب إلى المحال وإقامة السياسة بأهل الشر والفساد وأخذوا من الكرخ إنسانا علويا وقتلوه فثار نساؤه ونشرن شعورهن واستغثن فتبعهن من العامة من أهل الكرخ وجرى بينهم وبين القواد ومن معهم من العامة قتال شديد وطرح الأتراك النار في أسواق الكرخ فاحترق كثير منها وألحقتها بالأرض واتقل كثير من الكرخ إلى غيرها من المحال وندم القواد على ما فعلوه وأنكر الإمام القائم بأمر الله ذلك وصلح الحال وعاد الناس إلى الكرخ بعد أن استقرت القاعدة بالديوان بكف الأتراك أيديهم عنهم $ ذكر استيلاء الملك الرحيم على أرجان ونواحيها $ # في هذه السنة في جمادى الأولى استولى الملك الرحيم على مدينة أرجان وأطاعه من كان بها من الجند وكان المقدم عليهم فولاذ بن خسرو الديلمي # وكان قد تغلب على ما جاورها من البلاد إنسان متغلب يسمى خشنام فأنفذ إليه فولاذ جيشا قأوقعوا به وأجلوه عن تلك النواحي واستضافوا إلى طاعة الرحيم وخاف هزارسب بن بنكير من ذلك لأنه كان مباينا للملك الرحيم على ما ذكرناه فأرسل يتضرع ويتقرب ويسأل التقدم إلى فولاذ بإحسان مجاورته فأجيب إلى ذلك $ ذكر مرض طغرلبك $ # في هذه السنة وصل السلطان طغرلبك إلى أصبهان مريضا وقوي الإرجاف عليه
313
بالموت ثم عوفي ووصل إليه الأمير أبو علي ابن الملك أبي كاليجار الذي كان صاحب البصرة ووصل إيه أيضا هزارسب بن بنكير بن عياض صاحي أيذخ فإنه كان قد خاف الملك الرحيم لما استولى على البصرة وأرجان فأكرمهما طغرلبك وأحسن ضيافتهما ووعدهما النصرة والمعونة $ ذكر عود سعدي بن أبي الشوك إلى طاعة الرحيم $ # قد ذكرنا سنة أربع وأربعين وصول سعدي إلى العراق وأسرة عمه فلما أسره سار ولده بدر بن المهلهل إلى السلطان طغرلبك وتحدث معه في مراسلة سعدي ليطلق أباه فسلم إليه طغرلبك ولدا كان لسعدي عنده رهينة وأرسل معه رسولا يقول فيه إن أردت فدية عن أسيرك فهذا ولدك قد رددته عليك وإن أبيت إلا المخالفة ومفارقة الجماعة قابلناك على فعلك فلما وصل بدر والرسول إلى همذان تخلف بدر وسار الرسول إليه فامتعض من قوله وخالف طغرلبك وسار إلى حلوان وأراد أخذها فلم يمكنه وتردد بين روشنقباذ والبردان وكاتب الملك الرحيم وصار في طاعته فسار إليه إبراهيم بن إسحاق وسخت كمان وهما من أعيان عسكر طغرلبك في عسكر مع بدر بن الهلهل فأوقعوا به فانهزم هو وأصحابه وعاد الغز عنهم إلى حلوان وسار بدر إلى شهرزور في طائفة من الغز ومضى سعدي إلى قلعة روشنقباذ $ ذكر عود الأمير أبي منصور إلى شيراز $ # في هذه السنة في شوال عاد الأمير أبو منصور فولاستون ابن الملك أبي كاليجار إلى شيراز مستوليا عليها ووفارقها أخوه الأمير أبو سعد وكان سبب ذلك أن الأمير أبا سعد كان قد تقدم معه في دولته إنسان يعرف بعميد الدين أبي نصر بن الظهير فتحكم معه وأطرح الأجناد واستخف بهم وأوحش أبا نصر بن خسرو صاحب قلعة اصطخر الذي كان قد استدعى الأمير أبا سعد وملكه فلما فعل ذلك اجتمعوا على مخالفته وتألبوا عليه وأحضر أبو نصر بن خسرو الأمير أبا منصور بن أبي كاليجار إليه وسعى في اجتماع الكلمة عليه فأجابه كثير من الأجناد لكراهتهم لعميد الدين فقبضوا عليه ونادوا بشعار الأمير أبي منصور وأظهروا طاعته وأخرجوا الأمير أبا سعد عنهم فعاد إلى الأهواز في نفر يسير ودخل الأمير أبا منصور إلى شيراز مالكا لها مستوليا عليها وخطب فيها طغرلبك وللملك الرحيم ولنفسه بعدهما
314
$ ذكر إيقاع الباسيري بالأكراد والأعراب $ # وفيها في شوال وصل الخبر إلى بغداد بان جمعا من الأكراد وجمعا من الأعراب قد أفسدوا في البلاد وقطعوا الطريق ونهبوا القرى طمعا في السلطنة سببب الغز فسار أموالهم وانهزم بعضهم فعبروا الزاب عند البوازيج فلم يدركهم وأراد العبور إليهم وهم بالجانب الآخر وكان الماء زائدا فلم يتمكن من عبوره فنجوا $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة توفي الشريف أبو تمام محمد بن محمد بن علي الزينبي نقيب النقباء وقام بعده في النقابة ابنه أبو علي # وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أحمد البرمكي وكان مكثرا من الحديث سمع ابن مالك القطيعي وغيره وإنما قيل البرمكي لأنه سكن محله ببغداد تعرف بالبرامكة وقيل كان من قرية من عند البصرة تعرف بالبرمكية
315
$ ثم دخلت سنة ست وأربعين وأربعمائة $ ذكر فتنة الأتراك ببغداد $ # في هذه السنة في المحرم كانت فتنة الأتراك ببغداد وكان سببها أنهم تخلف لهم الوزير الذي للملك الرحيم مبلغ كثير من رسومهم فطالبوه وألحقوا عليه فاختفى في دار الخلافة فحضر الأتراك بالديوان وطالبوه وشكوا ما يلقونه منه من المطال بما لهم فلم يجابوا إلى إظهار فعدلوا عن الشكوى منه إلى الشكوى من الديوان وقالوا إن أرباب المعاملات قد سكنوا بالحريم وأخذوا الأموال وإذا طلبناهم بها يمتنعون بالمقام بالحريم وانتصب الوزير والخليفة لمنعنا عنهم وقد هلكنا فتردد الخطاب منهم والجواب عنه فقاموا نافرين فلما كان الغد ظهر الخبر على عزم حصر دار الخلافة فانزعج الناس لذلك وأخفوا أموالهم وحضر الباسيري دار الخلافة وتوصل إلى معرفة خبر الوزير فلم يظهر له على خبر فطلب من داره ودور من يتهم به وكبست الدور فلم يظهروا له على خبر وركب جماعة من الأتراك إلى دار الروم فنهبوها واحرقوا البيع والقلابات ونهبوا فيها دار أبي الحسن بن عبيد وزير الباسيري وقام أهل نهر المعلى وباب الأزج وغيرهما من المحال في منافذ الدروب لمنع الأتراك وانخرق الأمر ونهب الأتراك كل من ورد إلى بغداد فغلت الأسعار وعدمت الأقوات وأرسل إليهم الخليفة ينهاهم فلم ينتهوا فأظهر أنه يريد الإنتقال عن بغداد فلم يزجروا # هذا جميعه والباسيري غير راض بفعلهم وهو مقيم بدار الخليفة وتردد الأمر إلى أن ظهر الوزير وقام لهم بالباقي من مالهم من مال وأثمان دوابه وغيرها ولم يزالوا في خبط وعسف فعاد طمع الأكراد والأعراب أشد منه أولا وعادوا الغارة والنهب والقتل فخربت البلاد وتفرق أهلها وانحدر أصحاب قريش من بدران من الموصل طامعين فكبسوا حلل كامل بن محمد بن المسيب وهي بالبردان فنهبوها وبها دواب وجمال بخاتي للباسيري فاخذوا الجميع
316
ووصل الخبر إلى بغداد فازداد خوف الناس من العامة والأتراك وعظم انحلال السلطة بالكلية وهذا من ضرر الخلاف $ ذكر استيلاء طغرلبك على أذربيجان وغزو الروم $ # في هذه السنة سار طغرلبك إلى أذربيجان فقصد تبريز وصاحبها الأمير أبو منصور وهوذان بن محمد الروادي فاطاعه وخطب له وحمل إليه ما أرضاه به وأعطاه ولده رهينة فسار طغرلبك عنه إلى الأمير أبي الأسوار صاحب جنزة فأطاعه أيضا وخطب له وكذلك سائر تلك النواحي أرسلوا إليه يبذلون الطاعة والخطبة وانقاد العساكر إليه فأبقى بلادهم عليهم وأخذ رهانهم ويار إلى أرمينية وقصد ملازكرد وهي للروم فحصرها وضيق على أهلها ونهب ما جاورها من البلاد وأخرجها وهي مدينة حصينة فأرسل إليه نصر الدولة بن مروان صاحب ديار بكر الهدايا الكثيرة والعساكر وقد كان خطب له قبل هذا الوقت وأطاعه وأثر السلطان طغرلبك في غزو الروم آثارا عظيمة ونا منهم من النهب والقتل والأسر شيئا كثيرا وبلغ في غزوته هذه إلى أرزان الروم وعاد إلى أذربيجان لما هجم الشتاء ممن غير أن يملك ملازكرد وأظهر أنه يقيم إلى أن ينقضي الشتاء ويعود يتم غزاته ثم توجه إلى الري فأقام بها إلى أن دخلت سنة سبع وأربعين وعاد نحو العراق على ما نذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر محاربة بني خفاجة وهزيمتهم $ # في ذهه السنة في رجب قصد بنو خفاجة الجامعين وأعمال نور الدولة دبيس ونهبوا وفتكوا في أهل تلك الأعمال وكان نور الدولة شرقي الفرات وخفاجة غربها فأرسل نور الدولة إلى الباسيري يستنجده فسار إليه فلما وصل عبر الفرات من ساعته وقاتل خفاجة وأجلاهم عن الجامعين فانهزموا منه ودخلوا البر فلم يتبعهم وعاد عنهم فرجعوا إلى الفساد فاستعد لسلوك البر خلفهم أين قصدوا وعطف نحوهم قاصدا حربهم فدخلوا البر أيضا فتبعهم فلحقهم وهو حصن بالبر فأوقع بهم ونهب منهم ونهب أموالهم وجمالهم وعبيدهم وإماءهم وشردهم كل مشرد وحضر خفان ففتحه وخربه وأراد تخريب القائم به وهو بناء من آجر وكلس وصانع عنه صاحبه ربيعة بن مطاع بمال بذله فتركه وعاد إلى البلاد وهذا القائم قيل إنه كان علما يهتدى به السفن لما كان البحر يجيء
317
إلى النجف # ودخل بغداد ومعه خمسة وعشرون رجلا من خفاجة عليهم البرانس وقد شدهم بالجبال إلى الجمال وقتل منهم جماعة وصلب جماعة وتوجه إلى حربى فحصرها وقرر على أهلها تسعة آلاف دينار وأمنهم $ ذكر استيلاء بن بدران على الأنبار والخطبة لطغرلبك بأعماله $ # في شعبان من هذه السنة حصر الأمير أبو المعلي قريش بن بدران صاحب الموصل مدينة الأنبار وفتحها وخطب لطغرلبك فيها وفي سائر اعماله ونهب ما كان فيها للباسيري وعيره ونهب حلل اصحابه بالخالص وفتحوا بوثقة فامتعض الباسيري من ذلك وجمع جموعا كثيرة وقصد الأنبار وحربى فاستعادهما على ما نذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر وفاة القائد بن حماد وما كان من أهله بعده $ # في هذه السنة في رجب توفي القائد بن حماد وأوصى إلى ولده محسن وأوصاه بالإحسان إلى عمومته فلما مات خالف ما أمر به وأراد عزل جميعهم فلما سمع عمه يوسف بن حماد بما عزم عليه خالفه وجمع جمعا عظيما وبنى قلعة في جبل منيع وسماها الطيارة ثم إن محسنا قتل من عمومته أربعة فازداد يوسف نفورا وكان ابن عمه بلكين بن محمد في بلده أفريون فكتب إليه محسن يستدعيه فسار إليه فلما قرب منه أمر محسن رجالا م العرب أن يقتلوه # فلما خرجوا قال لهم أميرهم خليفة بن مكن إن بلكين بن محمد في بلده أفريون فكتب إليه محسن يستدعيه فسار إليه فلما قرب منه أمر محسن رجالا من العرب أن يقتلوه # فلما خرجوا قال لهم أميرهم خليفة بن مكن إن بلكين لم يزل محسنا إلينا فكيف نقتله فأعلموه ما أمرهم به محين فخاف فقال له خليفة لا تخف وإن كنت تريد قتل محسن فأنا أقتله لك فاستعد بلكين لفتاله وسار إليه فلما علم محسن بذلك وكان قد فارق القلعة عاد هارا إغليها فأدركه بلكين فقتله وملك القلعة وولي الأمر وكان ملكه القلعة سنة سبع وأربعين وأربعمائة $ ذكر ابتداء الوحشة بين البسايري والخليفة $ # في شهر رمضان من هذه السنة ابتدأت الوحشة بين الخليفة والبسايري وسبب ذلك أن أبا ا لغنائو وأبا سعد أبني المحليان صاحبي قريش بن بدران وصلا إلى بغداد سرا فانتعض البساسيري من ذلك وقال هؤلاء وصاحبهم كبسوا حلل أصحابي ونهبوا وفتحوا البثوق وأسرفوا في إهلاك الناس وأراد أخذهم فلم يمكن منهم فمضى
318
إلى حربى وعاد ولم يقصد دار الخلافة على عادته فنسب ذلك إلى رئيس الرؤساء واجتازت به سفينة لبعض أقارب رئيس الرؤساء فمنعها وطالب بالضريبة التى عليها وأسقط مشاهرات الخليفة من دجار الضرب وكذلك مشاهرات رئيس الرؤساء وحواشي الدار وأراد هدم دور بني المحلبان فمنع منه فقال ما أشكو إلا من رئيس الرؤساء الذي قد خرب ا لبلاد وأطمع الغز وكاتبهم ودام ذلك إلى ذي الحجة فسار البسايري إلى الأنبار وأحرق ناحيتي دمما والفلوجة وكان أبو الغنائم بن المحلبان بالأنبار قد أتاها من بغداد وورد نور الدولة دبيس إلى البساسيري معاونا له على حصرها ونصب البساسيري عليها المجانيق فهدم برجا ورماهم بالنفط فأحرق أشياء كان قد أعدها أهل البلد لقتله ودخلها قهرا فأسر مائة نفس من بني خفاجة وأسر أبا الغنائم بن الحلبان فاخذ وقد ألقى نفسه في الفرات ونهب الأنبار وأسر من أهلها خمسمائة رجل وعاد إلى بغداد وبين يديه أبو الغنائم على جمل وعليه قميص أحمر وعلى رأسه برنس وفي رجليه قيد وأراد صلبه وصلب من معه من الأسرى فساله نور الدولة أن يؤخر ذلك حتى يعود وأتى البساسيري إلى مقابل التاج فقبل الأرض وعاد إلى منزله وترك أبا الغنائم لم يصلبه وصلب جماعة من الأسرى فكان هذا أول الوحشة $ ذكر وصول الغزالي الدسكرة وغيرها $ # في شوال من هذه السنة وصل إبراهيم ن إسحاق وهو من الأمراء الغزية السلجوقية إلى الدسكرة وكان مقيما بحلوان فلما وصل إليها قاتله أهلها وعجزوا وهربوا متفرقين ودخل الغز البلد فنهبوه أقبح نهب وضربوا النساء وأولادهن فاستخرجوا بذلك أموالا كثيرة وساروا إلى روشنقباذ لفتحها وهي بيد سعدي وأمواله فيهاوفي قلعة البردان وكان سعدي قد فارق طاعة السلطان طغرلبك على ما ذكرناه فلم يفتحها وأجلى أهل تلك البلاد وخربت القرى ونهبت أموال أهلها وسار طائفة أخرى من الغز إلى نواحي الأهواز وأعمالها فنهبوها واجتاحوا أهلها وقوي طمع الغز في البلاد وانخذل الديلم ومن معهم من الأتراك وضعفت نفوسهم ثم سير طغرلبك الأمير أبا علي بن الملك أبي كاليجار الذي كان صاحب البصرة في جيش من الغز إلى خوزستان ليملكها فوصل سابور خواست وكاتب الديم الذين بالأهواز يدعوهم إلى طاعته ويعدهم الإحسان إن أجابو والعقوبة إن امتنعوا من أطاع ومنهم من خالف فسار إلى
319
الأهواز فملكها واستولى عليها ولم يعرب لأحد في مال ولا غيره فلم يوافقه الغز على ذلك ومدوا أيديهم إلى النهب والغارة والمصادرة ولقي الناس منهم عنتا وشدة $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة كثرت الصراصر ببغداد حتى كان يسمع لها بلليل دوي كدوي الجراد إذا طار # وفيها في ذي الحجة توفي أبو حسان المقلد بن بدران أخو قريش بن بدران صاحب الموصل # وفيهاا في شوال توفي قسطنطين ملك الروم زوج تذورة بنت قسطنطين الموسومة بالملك وإنما ملك قسطنطين هذا حيث تزوجها # وفيها توفي عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الله الأصبهاني المعروف بابن اللبان الفقيه الشافعي وهو من أصحاب أبي حامد الإسفرايني وروى الحديث عن ابن المقري والمخلص وغيرهما وتوفي فيها أحمد بن عمر بن روح أبو الحسن النهرواني وله شعر جيد فمنه أنه سمع رجلا يتغنى وهو يقول # ( وما طلبوا سوى قتلي % فهان علي ما طلبوا ) # فاستوقفه وقال له أضف إليه فقال # ( على قلبي الأحبة بالتما % دي في الهوا غلبوا ) # ( وبالهجران من عيني % طيب النوم قد سلبوا ) # ( وماطلبوا سوى قتلي % فهان علي ماطلبوا )
320
$ ثم دخلت سنة سبع وأربعين وأربعمائة $ $ ذكر استيلاء الملك الرحيم على شيراز وقطع خطبة طغرلبك فيها $ # في هذه السنة في المحرم سار قائد كبير من الديلم يسمى فولاذ وهو صاحب قلعة اصطخر إلى شيراز فدخلها وأخرج عنهاالمير أبا منصور فولاستون ابن الملك أبي كاليجار فقصد فيروز اباذ وأقام بها وقطع فولاذ خطبة السلطان طغرلبك في شيراز وخطب للمك الرحيم ولأخيه أبي سعد وكاتبهما يظهر لهما الطاعة فعلما أنه يخدعهما بذلك فسار إليه أبو سعد وكان بأرجان ومعه عساكر كثيرة واجتمع هو وأخوه الأمير أبو منصور على قصد شيراز ومحاصرتها على قاعدة استقرت بينهما من طاعة أخيهما الملك الرحيم فتوجها نحوهما فيمن معها من العسكر وحصرا فولاذ فيها وطال الحصار إلى أن عدم القوت بها # وبلغ السعر سبعة أرطال حنطة بدينار ومات أهلها جوعا وكان من بقي فيها نحو ألف إنسان وتعذر المقام في البلد على فولاذ فخرج هاربا مع من في صحبته من الديلم إلى نواحي البيضاء وقلعة اصطخر ودخل الأمير أبو سعد والأمير أبو منصور شيراز وعساكرهما وملكوها وأقاموا بها $ ذكر قتل أبي حرب بن مروان صاحب الجزيرة $ # في هذه السنة قتل الأمير أبو حرب سليمان بن نصر الدولة بن مروان وكان والده قد سلم إليه الجزيرة وتلك النواحي ليقيم بها ويحفظها وكان شجاعا مقداما فاشتد بالأمر واستولى عليها فجرى بينه وبين الأمير موسك بن المجلي بن زعي الأكراد البختية وله حصون منيعة شرقي الجزيرة نفرة ثم راسله أبو حرب واستماله وسعى أن يزوجه ابنةالأمير أبي طاهر البشنوي صاحب قلعة فنك وغيرها من الحصون وكان أ بو طاهر هذا ابن أخت نصر الدولة بن مروان فلم يخالف أبو طاهر صاحب فنك أبا حرب في الذي أشار به من تزويج الأمير موسك فزوجه ابنته ونقلها إليه فاطمأن حينئذ موسك وسار إلى
321
سليمان فغدر به وقبض عليه وحبسه ووصل السلطان طغرلبك إلى تلك الأعمال لما توجه إلى غزو الروم على ما ذكرناه فأرسل إلى نصر الدولة يشفع في موسك فأظهر أنه توفي فشق ذلك على حمية أبي طاهر البشنوى وأرسل إلى نصر الدولة وابنه سليمان فقال لهما حيث أردتما قتله فلما جعلتما ابنتي طريقا إلى ذلك وقلدتموني العار وتنكر لهما وخافه أبو حرب فوضع عليه من سقاه سما فقتله وولي بعده ابنه عبيد الله فاظهر له أبو حرب المودة استصلاحا له وتبرأ إليه من كل ما قيل عنه واستقر الأمر بينهما على الإجتماع وتجديد الأيمان فنزلوا من فنك وخرج إليهم أبو حرب من الجزيرة في نفر قليل فقتلوه وعرف والده ذلك فأقلقه وأزعجه وأرسل ابنه نصرا إلى الجزيرة ليحفظ تلك النواحي ويأخذ بثأر أخيه وسير معه كثيفا وكان الأمير قريش بن بدران صاحب الموصل لما سمع قتل أبي حرب انتهز الفرصة وسار إلى الجزيرة ليملكها وكاتب البختية والبشنوية واستمالهم فنزلوا إليه واجتمعوا معه على قتال نصر بن مروان فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا كثر فيه القتلى وصبر الفريقان فكانمت الغلبة أخيرا لابن مروان وجرح قريش جراحة قوية بزوبين رمي به وعاد عنه وثبت أمر ابن رموان بالجزيرة وعاود مراسلة البشنوية والبختية واستمالهم لعله يجد فيهم طمعا فلم يطيعوه $ ذكر وثوب الأتراك ببغداد بأهل البسلسير القبض عليه ونهب دوره وتأكد الوحشة بينه وبين رئيس الرؤساء $ في هذه السنة ثارت فتنة ببغداد بالجانب الشرقي بين العامة وثار جماعة من أهل السنة وأظهروا الأمير بالمعروف والننهي عن المنكر وحضروا الديوان وطلبوا أن يؤذن لهم في ذلك وأن يتقدم إلى أصحاب الديوان بمساعدتهم فاجيبوا إلى ذلك وحدث من ذلك شر كثير ثم إن أبا سعد النصراني صاحب البساسيري حمل في سفينة ستمائة جرة خمرا ليحدرها إلى البساسيري بواسط في ربيع الآخر فحضر ابن سكرة الهاشمي وغيره من الأعيان في هذا الباب وتبعهم خلق كثير وحاجب باب المراتب من قبل الديوان وقصدوا السفينة وكسروا جرار الخمر وأراقوه وبلغ ذلك ا لبساسيري فعظم عليه ونسبه إلى رئيس الرؤساء وتجددت الوحشة فكتب فتاوى فيها خطوط الفقهاء الحنفية بأن الذي فعل من كسر الجرار وإراقة الخمر تعد غير واجب وهي ملك رجل نصراني لا يجوز وتردد القول في هذا المعنى فتأكدت الوحشة من الجانبين ووضع
322
رئيس الرؤساء الأتراك البغداديين على ثلب البساسيري والذم له ونسب كل ما يجري عليهم من نقص إليه فطمعوا فيه وسلكوا في هذا المعنى زيادة على ما أراد رئيس الرؤساء وتمادت الأيام إلى رمضان فحضروا دار الخلافة واستأذنوا في قصد دور البساسيري ونهبها فأذن لهم في ذلك فقصدوها ونهبوها وأحرقوها ونكلوا بنسائه وأهله ونوابه ونهبوا دوابه وجميع ما يملككه ببغداد وأطلق رئيس الرؤساء لسانه في البساسيري وذمه ونسبه إلى متكاتبة المستنصر صاحب مصر وأفسد الحال مع الخليفة إلى حد لا يرجى صلاحه وأرسل إلى الملك الرحيم يأمره بإبعاد البساسيري فأبعد وكانت هذه الحالة من أعظم الأسباب في ملك السلطان طغرلبك العراق وقبض على الملك الرحيم وسيرده من ذلك ما تراه إن شاء الله تعالى $ ذكر وصول طغرلبك إلى بغداد والخطبة له بها $ # قد ذكرنا قبل مسير طغرلبك إلى الري بعد عود من غزو الروم للنظر في ذلك الطرف فلما فرغ من ا لري عاد إلى همذان فب المحر من هذه السنة وأظهر أننه يريد الحج وإصلاح طريق مكة والمسير إلى الشام ومصر وإزالة المستنصر صاحبها وكاتب أصحابه بالدينور وقرميسين وحلوان وغيرهما فأمرهم بإعداد الأقوات والعلوفات فعظم الإرجاف ببغداد وفت في أعضاد الناس وشغب الأتراك ببغداد وقصدوا ديوان الخلافة ووصل السلطان طغرلبك إلى حلوان وانتشر أصحابه في طريق خراسان فأجفل الناس إلى غربي بغداد وأخرج الأتراك خيامهم إلى ظاهر بغداد وسمع الملك الرحيم بقرب طغرلبك من بغداد فأصعد من واسط إليها وفارقه البساسيري في الطريق لمراسة وردت من القائم في معناه الملك الرحيم أنا البساسيري خلع الطاعة وكاتب الأعداء يعني المصريين وأن الخليفة له على الملك عهود وله على الخليفة مثلها فإن آثره فقد قطع ما بينهما وإن أبعده وأصعد إلى بغداد تولى الديوان تدبير أمر فقال المك الرحيم ومن معه نحن لأوامر الديوان متبعون وعنه منفصلون # وكان سبب ذلك ماذكر وسار البساسيري إلى بلد نور الدولة دبيس بن مزيد لمصاهرة بينهما وأصعد الملك الرحيم إلى بغداد وأرسل طغرلبك رسولا إلى الخليفة بيالغ في إظهار الطاعة والعبودية وإلى الأتراك ا لبغداديين يعدهم الجميل والإحسان فأنكر الأتراك ذلك وراسلوا الخليفة في المعنى وقالوا إننا فعلنا بالبساسيري مافعلنا وهو كبيرنا
323
ومقدمنا بتقديم أمير ا لمؤمنين ووعدنا أمير المؤمنين بإبعاد هذا الخصم عنا ونراه قد قرب منا ولم يمنع من المجيء وسألوا التقدم عليه في العود فغولطوا في الجواب وكان رئيس الرؤساء يؤثر مجيئه ويختار انقراض الدولة الديلمية # ثم إن الملك الرحيم وصل إلى بغداد منتصف رمضان وأرسل إلى الخليفة يظهر له العبودية وأنه قد سلم أمره إليه ليفعل ما تقتضيه العواطف معه في تقرير القواعد مع السلطان طغرلبك وكذلك قال من مع الرحيم من الأمراء فاجيبوا بأن المصلحة أن يدخل الأجناد خيامهم من ظاهر بغداد وينصبوها بالحريم ويرسلوا رسولا إلى طغرلبك يبذلون له الطاعة والخطبة فأجابوا إلى ذلك ذلك وفعلوه وأرسلوا رسلا إليه فأجابهم إلى ما طلبوا ووعدهم الإحسان إليهم وتقدم الخليفة إلى الخطباء بالخطبة لطغرلبك بجوامع بغداد فخطب له يوم لثمان بقين من رمضان من السنة وأرسل طغرلبك يستاذن الخليفة في دخول بغداد فأذن له فوصل غالى النهروان وخرج الوزير رئيس الرؤساء إلى لقائه في موكب عظيم من القضاة والنقباء والأشراف والشهود والخدم وأعيان الدولة وصحبه أعيان الأمراء من عسكر الرحيم فلما علم طغرلبك بهم أرسل إلى طريقهم الأمراء ووزيره أبا نصر الكندري فلما وصل رئيس الرؤساء إلى السلطان أ بلغه رسالة الخليفة واستخلفهللخليفة وللملك الرحيم وأمراء الأجناد وسار طغرلبك ودخل بغداد يوم الاثنين لخمس بقين من الشهر ونزل بباب الشمالية ووصل إليه قريش بن بدران صاحب الموصل وكان في طاعته في هذا الوقت على ما ذكرناه $ ذكر وثوب العامة ببغداد بعسكر السلطان وقبض الملك الرحيم $ # لما وصل السلطان طغرلبك بغداد دخل عسكره البلد للامتيار وشراء ما يريدونه من أهلها وأحسنوا معاملتهم فلما كان الغد وهو يوم الثلاثاء جاء بعض العسكر إلى باب الأزج وأخذ واحد من أهله ليطلب منه تبنا وهو لا يفهم ما يريدونه فاشتغاث عليهم وصاح العامة بهم ورجموهم وهاجموا عليهم وسمع الناس الصياح فظنوا أن الملك الرحيم وعسكره قد عزموا على قتال طغرلبك فارتج البلد من أقطاره وأقبلوا من كل حدب ينسلون يقتلون من الغز من وجد في محال بغداد إلا أهل الكرخ فإنهم لم يتعرضوا إلى الغز بل جمعوهم وحفظوهم وبلغ السلطان طغرلبك ما فعله أهل الكرخ من حماية أصحابه فأمر بإحسان معاملتهم فأرسل عميد الملك الوزير إلى عدنان بن الرضي نقيب
324
العلويين يأمره باحضور فحضر فشكره عن السلطان وترك عنده خيلا بأمر السلطان تحرسه وتحرس المحلة وأما عامة بغداد فلم يقنعوا بما عملوا حتى خرجوا ومعهم جماعة من العسكر إلى ظاهر بغداد يقصدون العسكر السلطاني فلو تبعهم الملك الرحيم وعسكره لبلغوا ما أرادوا لكن تخلفوا ودخل أعيان أصحابه إلى دار الخلافة وأقاموا بها نفيا للتهمة عن أنفسهم ظنا منهم أن ذلم بنفعهم وأما عسكر طغرلبك فلما رأوا فعل العامة وظهورهم من البلد قاتلوهم فقتل بين الفريقين جمع كثير وانهزمت العامة وجرح فيهم وأسر كثير ونهب الغز درب يحيى ودرب سليم وبه دور رئيس الرؤساء ودور أهله فنهب الجميع ونهبت الرصافة وترب الخلفاء وأخذ منها من ألأموال ما لا يحصى لأن أهل تلك الأصقاع نقلوا إليها أموالهم اعتقادا منهم أنها محترمة ووصل النهب إلى أطراف نهر المعلى واشتد البلاء على الناس وعظم الخوف ونقل أموالهم إلى باب النوبى وباب العامة وجامع القصر فتعطلت الجمعات لكثرة الزحمة وأرسل طغرلبك من الغد إلى الخليفة يعتب وينسب ما جرى إلى الملك الرحيم وأجناده ويقول إن حضروا برئت ساحتهم وإن تأخروا عن الحضور أيقنت أن ما جرى إنما كان بوضع منهم وأرسل للملك الرحيم وأعيان أصحابه أمانا لهم فتقدم إليهم الخليفة بقصده فركبوا إليه وأرسل الخليفة معهم رسولا يبرئهم مما خامر خاطر السلطان فلما وصلوا إلى خيامه نهبهم الغز ونهبوا رسل الخليفة معهم وأخذوا دوابهم وثيابهم # ولما دخل المك ا لرحيم إلى خيمة السلطان أمر بالقبض عليه وعلى من معه فقبضوا كلهم آخر شهر رمضان وحبسوا ثم حمل الرحيم إلى قلعة السير وإن وكانت ولاية الملك الرحيم على بغداد ست سنين وعشرة أيام ونهب أيضا قريش بن بدران صاحب الموصل ومن معه من العرب ونجا مسلوبا فاحتمى بخيمة بدر بن المهلهل فألقوا عليه الزلالي حتى أخفوه بها عن الغز ثم علم السلطان ذلك فأرسل إليه وخلع عليه وأمره بالعود إلى أصحابه وحلله تسكينا له # , ارسل الخليفة إلى السلطان ينكر ما جرى من قبض الرحيم وأصحابه ونهب بغداد ويقول إنهم خرجوا إليك بأمري وأماني فإن أطلقتم وإلا فأنا أفارق بغداد فإني إنما اخترتك واستدعيتك اعتقادا مني أن تعظيم الأوامر الشريفة تزداد وحرمة الحريم تعظم وأرى الأمر بالضد فأطلق بعضهم وأخذ جميع أقطاعات عسكر الرحيم وأمرهم
325
بالسعي في أرزاق يحصلونها لأنفسهم فتوجه كثير منه إلى البساسيري ولزموه فكثر جمعه ونفق سوقه وأمر طغرلبك بأخذ أموال الأتراك البغداديين وأرسل إلى نور الدولة دبيس يأمره بإبعاد البساسيري عنه ففعل فسار إلى رحبة مالك بالشام على ما نذكره وكاتب المستنصر صاحب مصر بالدخول في طاعته وخطب نور الدولة لطغر لبك في بلاده وانتشر الغز السلجوقية في سواد بغداد فنهبوا من الجانب الغربي من تكريت إلى النيل ومن الشرقي إلى النهوانت وأسافل الأعمال وأسرفوا في في النهب حتى بلغ ثمن الثور خمسة قراريط إلى عشرة والحمار بقراطين إلى خمسةوخرب السواد وأجلى أهله عنه وضمن السلطان طغرلبك البصرة والأهواز من هزارسب بن بنكير بن بن عياض بثلاثمائة ألف وستين ألف دينار وأقطعه أرجان وأمره أن يخطب لنفسه بالأهواز دون الأعمال التى ضمنها وأقطع الأمير أبا علي بن أبي كاليجار الملك قرميسين وأعمالها وأمر أهل الكرخ أن يؤذنوا في مساجدهم سحرا الصلاة خيرة من النوم وأمر بعمارة دار المملكة وزيد فيها وانتقل إلأيها في شوال $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة وقعت الفتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداد ومقدم الحنابلة أبو علي بن الفراء وابن التميمي وتبعهم من العامة الجم الغفير وأنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ومنعوا من الترجيع في الأذان والقنوت في الفجر ووصلوا إلى ديوان الخليفة ولم ينفصل حال وأتى الحنابلة إلى مسجد بباب الشعير فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة فأخرج مصحفا وقال أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها # وفيها كان بمكة غلاء شديد وبلغ الخبر عشرة أرطال بدينار مغربي ثم تعذر وجوده فأشرف الناس والحجاج على الهلاك فأرسل الله عليهم من الجراد ما ملأ الأرض فتعوض الناس به ثم عاد الحاج فسهل الأمر على أهل مكة وكان سبب هذا الغلاء عدم زيادة النيل بمصر عن العادة فلم يحمل منها الطعام إلى مكة # وفيها ظهر باليمن إنسان يعرف بأبي كامل علي بن محمد الصليحي واستولى على اليمن وكان معلما فجمع إلى نفسه جمعا وانتمى إلى صاحب مصروتظاهر بطاعته فكثر جمعه وتبعه واستولى على البلاد وقوي على ابن سادل وابن الكريدي المقيمين بها على طاعة القائم بأمر الله وكان يتظاهر بمذهب الباطنية # وفيها خطب محمود الخفاجي
326
للمستنصر العلوي صاحب مصر بشفانا والعين صار في طاعته # وفيها في شوال توفي قاضي القضاة أبو عبد الله الحسين بن علي بن ماكولا ومولده سنة ثمان وستين وثلاثمائة وبقي في القضاء سبعا وعشرين سنة وكان شافعيا ورعا نزها أمينا وولي بعده أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني الحنفي # وفيها في ذي القعدة توفي ذخيرة الدين أبو العباس محمد بن أمير المؤمنين ومولده في جمادى الآخرة إحدى وثلاثين وأربعمائة # وفيها قبض الملك الرحيم قبل وصول طغرلبك إلى بغداج على الوزير أبي عبد الله عبد الرحمن بن الحسين بن عبد الرحيم وطرح في بئر في دار الممملكة وطم عليه وكان وزيرا متحكما في دولته # وفيها في المحرم توفي القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي ومولده بالبصرة سنة خمس وستين وثلاثمائة وخلف ولدا صغيرا وهو أبو الحسن محمد بن علي ثم توفي في شوال سنة أربع وتسعين وأربعمائة وانقرض بيته بموته قال القاضي أبو عبد الله بن الدامغاني دخلت على أبي القاسم قبل موته بقليل فأخرج إلى ولده هذا من جاريته وبكى فقلت تعيش إن شاء اله وتربيه فقال هيهات والله ما يتربى إلا يتيما وأنشد # ( أرى ولد الفتى كلا عليه % لقد سعد الذي أمسى عقيما ) # ( فإما أن تربيه عدوا % وإما أن تخلفه يتيما ) # فتربى يتيما كما قال وفي جمادى الأولى توفي أبو محمد الحسن بن رجاء الدهان اللغوي # وفي جمادي الآخرة فيها توفي أبو القاسم منصور بن حمزة بن إبراهيم الكرخي من كرخ حدان الفقيه الشافعي # وفي رجب توفي أبو نصر أحمد بن محمد الثبتي الفقيه الشافعي وهما من شيوخ أصحاب أبي حامد الإسفرايني # وفي شعبان توفي أبو البركات حسين بن علي بن عيسى الربعى النحوي وكان ينوب عن الوزراء ببغداد
327
$ ثم دخلت سنة ثمان وأريعين وأربعمائة $ $ ذكر نكاح الخيلفة ابنة داود أخي طغرلبك $ # في هذه السنة في المحرم جلس أمير المؤمنين القائم بأمر الله جلوسا عاما وحضر عميد الملك الكندري وزير طغرلبك وجماعة من الأمراء منهم أبو علي بن الملك أبي كاليجار وهزارسب بن بنكير بن عياض الكردي وابن أبي الشوك وغيرهم من الأمراء الأتراك من عسكر طغرلبك وقام عميد الملك وزير طغرلبك وبيده دبوس ثم خطب رئيس الرؤساء وعقد العقد على أرسلان خاتون واسمها خديجة ابنة داود أخي السلطان طغرلبك وقبل الخليفة بنفسه النكاح وحضر العقد نقيب النقباء أبو علي بن أبي تمام وعدنان بن الشريف الرضي نقيب العلويين وأقضى القضاة الماوردي وغيرهم وأهدية خاتون إلى الخليفة في هذه السنة أيضا في شعبان وكانت والدة الخليفة قد سارت ليلا وتسلمتها وأحضرتها إلى الدار $ ذكر الحرب بين عبيد المعز بن باديس وعبيد ابنه تميم $ # في هذه السنة وقعت الحرب بين عبيد المعز المقيمين بالمهدية وعبيد ابنه تميم بسب منازعة أدت إلى المقاتلة وقامت عامة زويلة وسائر من بها من رجال الأسطول مع عبيد تميم فأخرجوا عبيد المعز وقتل منهم كثير ومضى الباقون منهم يريدون المسير إلى القيروان فوضع عيهم تميم العرب فقتلوا منهم جمعا غفيرا وهذه النوبة هي سبب قتل تميم من قتل من عبيد أبيه لما ملك $ ذكر ابتداء الدولة الملثمين $ # في هذه السنة كان ابتداء أمر الملثمين وهم عدة قبائل ينسبون إلى حمير أشهرها لمتونة زمها أمير المسلمين علي بن يوسف بن تشفين وجدالة ولمطة # وكان أول مسيرهم
328
من اليمن أيام أبي بكر الصديق رضي الله عنه فسيرهم إلى الشام وانتقلوا إلى مصر ودخلوا المغرب مع موسى بن نصير وتوجهوا مع طارق غللا طنجة فأحبوا الانفراد فدخلوا الصحراء واستوطنونها إلى هذه الغاية فلما كان هذه السنة توجه رجل منهم اسمه الجوهر من قبيلة جدالة إلى إفريقية طالبا للحج وكان محبا للدين وأهله فمر بفقيه بالقيروان وعنده جماعة يتفقهون قيلة هو أبو عمران الفارسي في غالب الظن فاصغى الجوهر غليع وأعجبهم حالهم فلمل انصرف من الحج قال للفقيه ما عندنا في الصحراء من هذه شيء غير الشهادتين والصلاة في بعض الخاصة فابعث معي من يعلمهم شرائع الإسلام فأرسل معه رجى اسمه عبد الله بن ياسين الكزولي وكان فقيها صالحا شهما فسار معه حتى أتيا قبيلة لمتونة فنزل الجوهر عن جمله وأخذ بزمام جمل عبد الله بن ياسين تعظيما لشريعة الإسلام فأقبلوا إلى الجوهر يهنؤنه بالسلامة وسألوه عن الفقيه فقال هذا حامل سنة رسول الله قد جاء يعلمكم ما يلزم في دين الإسلام فرحبوا بهما وأنزلوهما وقالوا تذكر لنا شريعة الإسلام فعرفهم عقائد الإسلام وفرائضه فقالوا أما ما ذكرت من الصلاة والزكاة فهو قريب وأما قولك من قتل يقتل ومن سرق يقطع ومن زنا يجلد أو يرجم فأمر لا نلتزمه اذهب إلى غيرنا فرحلا عنهم نظر إليهما شيخ كبير فقال لا بد وأن يكون لهدذا الجمل في هذه الصحراء شأن يذكر في العتالم فانتهى الجوهر والفقيه إلى جدالة قبيل الجوهر فدعاهم عبد الله بن ياسين والقبائل الذيم يجاورونهم إلى حكم الشريعة فمنهم من أطاع ومنهم من أعرض وعصى # ثم إن المخالفين لهم تجيزوا وتجمعوا فقال ابن ياسين للذيم أطاعوا قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين خافوا الحق وأنكروا شرائع الإسلام واستعدوا لقتالهم فأقيموا لك راية وقدموا عليكم أميرا # فقال له الجوهر أنت الأمير # فقال لا إنما أنا حامل أمام الشريعة ولكن أنت الأمير # فقال الجور لو فعلت هذا تسلط قبيلي على الناس ويقول وزر ذلك علي فقال له ابن ياسين الرأي أن نولي ذلك أبا بكر بن عمر رأس لمتونة وكبيرها وهو رجل سيد مشكور الطريقة مطاع في قومه فهو يستجيب لنا لحب الرياسة وتتبعه قبيلة فنتقوى بهم # فأتيا أبا بكر بن عمر وعرضا ذلك عليه فأجاب فعقدوا له البيعة وسماه ابن ياسين أمير المسلمين وعادوا إلى جدالة وجمعوا إليهم من حسن إسلامه وحرضهم عبد الله بن ياسين على الجهاد في سبيل اللله وسماهم مرابطين وتجمع عليهم من خالفهم فلم يقاتلهم المرابطون بل استعان ابن ياسين وأبو بكر بن عمر على ألئك الأشرار
329
بالمصلحين بن قبائلهم فاستمالوهم وقربوهم حتى حصلوا منهم نحو ألفي رجل من أهل البغي والفساد فتركوهم في مكان وخندقوا عليهم وحفظوهم ثم أخرجوهم قوما بعد قوم فقتلوهم فحينئذ دانت لهم أكثر قبائل الصحراء وهابوهم فقويت شوكة المرابطين هذا وعبد الله بن ياسين مشتغل بالعم وقد صار عنده منهم جماعة يتفقهون ولما استبد بالأمر هو وأبو بكر بن عمر عن الجوهر الجدالي وبقي لا حكم له تداخله الحسد وشرع سر في فساد الأمر فعلم بذلك منه وعقد له مجلس وثبت عليه ما نقل عنه فحكم ما عليع بالقتل لأنه نكس البيعة وشق تالعصا وأراد محاربة أهل الحق فقتل بعد أن صلى ركعتين وأظهر السرور بالقتل طلبا للقاء الله تعالى فاجتمعت القبائل على طاعتهم ومن خالفهم قتلوه # فلما كان سنة خمسين وأربعة قحطت بلادهم فأمر ابن ياسين ضعفاءهم بالخروج إلى السوق الزكاة فخرج منهم نحو تسعمائة رجل فقدموا سجلماسة وطلبوا الزكاة فجمعوا لهم شيئا له قدر وعادوا ثم إن الصحراء ضاقت عليهم وأرادوا إظهار كلمة الحق والعبور إلى الأندلس ليجاهدوا الكفار فخرجوا إلى السوس الأقصى فجمع لهم أهل السوس وقاتلوهم فانهزم اللمرابطون وقتل عبد الله بن ياسين الفقيه فعاد أبو بكر بن عمر فجمع جيشا وخرج إلى السوس في ألأفي راكب فاجتمع من بلاد السوس وزناتة اثنى عشر ألف فارس فأرسل إليهم وقال افتحوا لنا الطريق لنجوز إلى الأندلس ونجاهد أعداء الإسلام فأبوا من ذلك فصلى أبو بكر ودعا الله تعالى وقال اللخم إن كنا على الحق فانصرنا وإلا فأرحنا من هذه الدنيا ثم قاتلهم وضدق هو وأصحابه القتال فنصرهم اله تعالى وهزم أهل السوس ومن معهم وأكثر القتل فيهم وغنم المرابطون أموالهم وأسلابهم وقوية نفسه ونفوس أصحابه وساروا إلى سجلماستة فنزلوا عليها وطلوا من أهلها الزكاة فامتنعوا عليهم وسار إليهم صاحب سجلماسة فقاتلهم وقتلوا ودخلوا سجلماسة واستولوا عليها وكان ذلك سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة $ ذكر ولاية يوسف بن تاشفين $ # لما ملك أبو بكر بن عمر سجلماسة استعمل عليها يوسف بن تاشفين اللمتوني وه ومن بني عمه الأقربين ورجع إلى الصحراء فأحسن يوسف السيرة في الرعية ولم يأخذ منهم سوى الزكاة فأقام بالصحراء مدة ثم عاد أبو بكر بن عمر إلى سجلماسة فاقام بها سنة والخطبة والأمر والنهي له واستخلف عليها ابن أخيه أبا بكر بن إبراهيم بن
330
عمر وجهر مع يوسف بن تاشفين جيشا من الماربطين إلى السوس ففتح على يديه وكان يوسف رجى دينا خيرا حاوزما داهية مجربا وبقوا كذلك إلى سنة اثنتين وستين وأربعمائة # وتوفي أبو بكر بن عمر بالصحراء فاجتمعت طوائف المرابطين على يوسف بن تاشفين وملكوه عليهم ولقبوه أمير المسلمين وكانت الدولة في بلاد الغرب لزناتة الذين ثاورا في أيام الفتن وهي دولة ردية مذمومة سيئة السيرة لا سياسة ولا ديانة # وكان أمير المسلمين وطائفته على نهج السنة واتباع الشريعة فاتسغاث به أهل المغرب فسار إليها واففتحها حصنا حصنا وبلد بلدا بأيسر سعي فأحبه الرعايا وصلحت أحوالهم ثم إنه قصد موضع مدينة مراكش وهو قاع صفصف لا عمارة فيه وهو موضع متوسط في بلاد المغرب كالقيروان في إفريقية ومراكش تحت جبال المصامدة الذين هم أشد أهل المغرب كالقيروان في إفريقة ومراكش ليقوى على قمع أهل تلك الجبال اهنموا بفتنة واتخذها مقر فلم يتحرك أحد بفتنة وملك البلاد المتصلة بالمجاز مثل سبتة وطنجة وسلا وغيرها وكثرة عساكره وخرجت جماعة قبيلة لمتونة وغيرهم وضيقوا حيئنذ لثامهم وكان قبل أن يملكوا يتلثمون في الصحراء من الحر والبرد كما يفعل العرب # والغالب على الوانهم السمرة فلما ملكوا البلاد ضيقوا اللثام وقيل كان سبب اللثام لهم أن طائفة من لمتونة خرجوا غائرين على عدو لهم فخالفهم العدو إلى بيتهم ولم يكن بها إلى المشايخ والصبيان والنساء فلما تحقق المشايخ أنه العدو وأمروا النساء أن يلبسن ثياب الرجال ويتلثمن ويضيقنه حتى لا يعرفن ويلبسن السلاح ففعلنا ذلك وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدار النساء في البيوت فلما أشرف العدو رأى جمع العدو فظنه رجالا فقال هؤلا عند حرمهم يقاتلون عنهن قتال الموت والرأي أن سوق النعم ونمضي فإن أتبعونا قاتلناهم خارجا عن حريمهم فبينما هم في جمع النعم عن المراعي إذا قد أقبل رجال الحي فبقي العدو بينهم وبين النساء فقتلوا من العدو فأكثروا وكان من قتل النساء أكثر فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنة يلازمونه فلا يعرف الشيخ من الشاب فلا يزيلونه ليلا ولا نهارا ومما قيل في اللثام # ( قوم لهم درك العلا في حمير % وإن انتموا صنهاجة فهم هم )
331
# ( لما حووا إحراز كل فضيلة % غلب الحياء عليهم فتلثموا ) # ونذكر باقي أخبار أمير المسلمين في مواضعها إن شاء الله تعالى $ ذكر تبييض أبي الغنائم بن المحلبان $ # في هذه السنة بيض علاء الدين أبو الغنائم بن المحلبان بواسط وخطب فيها للعلويين المصريين # وكان سبب ذلك أن رئيس الرءساء سعى له في النظر على واسط وأعمالها فأجيب إلى ذلك فانحدر إليها فصار عنده جماعة من أ ' يانها وجند جماعة عظيمة وتقوى بالبطائحيين وحفر على الجانب الغربي من واسط خندقا وبنى عليه سورا وأخذ ضريبة من سفن أصعدت للخليفة فسير لحربه عميد العارق أبو نصر فاقتتلوا فانهزم ابن المحلبان وأسر من أصحابه عدد كثير ووصل أبو نصر إلى السور فقاتله العامة من على السور ثم تسلم البلد وأمر أهله بطم الخندق وتخريب السور ثم أصعد إلى بغداد فلما قاربها عاد إليها ابن غسانجس ونهب قرية عبد الله وقتل كل أعمى رآه بواسط وأعاد خطبة المصريين وأمر أهل كل محلة بعمارة ما يليهم من السور ومضىمنصور بن الحسين إلى المدار وأرسل إلى بغداد يطلب المدد فكتب إليه عميد العراق ورئيس الرؤساء يأمكرانه أن يقصد واسطا هو ابن الهيثم وأن يحاصرانها فأقبلا إليها فيمن معهما وحصروها في الماء والبر وكان هذا الحصار سنة تسع وأربعين فاشتد فيها الغلاء حتى بيع التمر والخبز وكروش البقر كل خمسة أرطال بدينار وإذا وجد الخبازي باعوه كل عشرين رطلا بدينار ثم صعفوا وضجروا من الحصار فخرج ابن فسانجس ليقاتل فلم يثبت وقتل جماعة من أصحتابه وانهزموا إلى سمر البلد واستأمن جماعة من الواسطيين إلى منصور بن الحسين وفارق ابن فسانجس واسطا ومضر إلى قصر ابن أخضر وسار إليه طائفة منم العسكر فأدركوزه بقرب النيل فأسر هو وأهله وحمل إلى بغداد فدخلها في صفر سنة تسع وأريعين وشهر على جمل وعليه قميص أحمر وعلى رأسه طرطور بودع وصلب
0
كر الوقعة بين البساسيري وقريش $ # في هذه السنة سلخ شوال كانت الوقعة بين البساسيري ومعه نور الدولة دبيس بن مزيد وبين قريش بن بدران صاحب الموصل ومعه قلتمش وهو ابن عم السلطان طغرلبك
332
وهو جد هؤلاء الملوك أولاد قلج أرسلان ومعه أيضا سهم الدولة أبو الفتح بن عمرو وكانت الحرب عند سنجار فاقتتلوا واشتد القتال بينهم فانهزم قريش وقتلمش وقتل من أصحابهما الكثير ولقي قتلمش من أهل سنجار العنت وبالغوا في أذاه وأذى أصحاب وجرح قريش بن بدران وأتى إلى نور الدولة جريحا فأعطاه خلعة كانت قد نفذت من مصر فلبسها وصار في جملتهم وساروا إلى الموصل وخطبوا لخليفة مصر بها وهو المستنصر بالله وكانوا قد كاتبوا الخليفة المصري بكاعتهم فأرسل إليهم الخلع من مصر للبساسيري ولنور الدولة دبيس بن مزيد ولجابر بن ناشب ولمقبل بن بدران أخي قريش ولأبي الفتح بن ورام ونصير بن عمر وأبي الحسن بن عبد الرحيم ومحمد بن حماد ونضاق إليهم قريش بن بدران $ ذكر مسير السلطان طغرلبك إلى الموصل $ # لما طال مقام السلطان طغرلبك ببغداد وعم الخلق ضرر عسكره وضاقت عليهم مساكنهم فإن العساكر نزلوا فيها وغلبوهم على أقواتهم وارتكبوا منهم كل محظور أمر الخليفة القائم بأمر الله وزيره رئيس الرؤساء أن يكتب إلى عميد الملك الكندري وزير السلطان ظغرلبك يستحضره فإذا حضر قال له عن الخليفة ليعرف السلطان ما الناس فيه من الجور والظلم ويعظه ويذكره فإن أزال ذلك وفعل ما أمر الله به وإلا فيساعد الخليفة على الانتزاح عن بغدد ليبعد عن المنكرات فكتب رئيس الرؤساء إلى الكندري ليستدعيع فحضره فأبلغه ما أمر به الخليفة وخرج توقيع من الخليفة إلى السلطان فيه مواعظ فمضى إلى الساطان وعرفه الحال فاعتذر بكثرة العساكر وعجزه عن تهذيبهم وضبطهم وأمر عميد الملم أن يبكر بالجواب إلى رئيس الرؤساء ويعتذر بما ذكره فلما كان تلك الليلة رأى سلطان في منامه النبي عند الكعبة زكأنه يسلم على النبي وهو معرض عنه لم يلتفت إليه وقال له يحكمك الله في بلاده وعباده فر تراقبه فيهم ولا تستحي من جلاله عز وجل في سوء معاملتهم وتغتر بإمهاله عند الجور عليهم # فاستيقظ فزعا وأحضر عميد الملك وحدثه ما رأى وأرسله إلى الخليفة يعرفه أنه يقابل ما رسم به بالسمع والطاعة وأخرج الجند من دور العامة وأمر أن يظهر من مكان مختفيا وأزال التوكيل عمن كان وكل به فبينما هو على ذلك وقد عزم على الرحيل عن بغداد للتخفيف عن أهلها وهو يتردد فيه إذ أتاه الخبر بهذه الوقعة المتقدمة فتجهز وسار
333
وسار عن بغداد عاشر ذي القعدة ومعه خزائن السلاح والمنجنيقات وكان مقامع بغداد ثلاثة عشر شهرا وأياما لم يلقى الخليفة فيها فلما بلغوا أوانا نهبها العسكر ونهبوا عكبرا وغيرهما ووصل إلى تكريت فحصرها وبها صاحبها نصر بن علي بن خميس فنصب على اللعى على من أسود وبذل مالا فقبله السلطان ورحل عنه إلى البوازيج ينتظر جميع العساكر ليسير إلى الموصل فلما رحل عن تكريت توفي صاحبها وكانت أمه أميرة بنت غريب بن مقن فخافت أن يملك البلد أخوه أبو الغشام فقتلته وسارت إلى الموصل فنزلت على دبيس بن مزيد فتزوجها قريش بن بدران ولما رحلت عن تكريت استخلفت بها أبا الغنائم بن المحليان فراسل الرؤساء واستطعفه فصلح ما بينهما وسلم تكريت إلى السلطان ورحل إلى بغداد # وأقام السلطان بالبوازيج إلى أن دخلت سنة تسع وأربعين فأتاه أخوه ياقوتي في العساكر فسار بهم إلى الموصل وأقطع مدينة بلد لهزارسب بن بنكير فأجفل أهل البلاد إلى بلد فأراد العسكر نهبهم فمنعهم السلطان وقال لا يجور أن تعرضوا إلى بلد هزارسب فلجوا وقالوا نريد الإقامة فقال السلطان لهزارسب إن هؤلاء قد احتجوا بالإقامى فأخرج أهل البلد إلى معسكرم لتحفظ نفوسهم # ففعل ذلك وأخرجهم إليهم فصار البلد بعد ساعة قفرم وفرق فيهم هزارسب مالا وأركب من يعجز عن المشي وسيرهم إلى الموصل ليأمنوا وتوجه السلطان إلى نصيبيين فقال له هزارسب قد تمادت الأيام ورأي أن أختار من العسكر ألف فارس أسير بهم إلى البرية فلعلي أنال من العرب غرضا # فأذن له في ذلك فسار إليهم فلما قاربهم كمن لهم كمينين وتقدم إلى الحلل فلما رأوه قاتلوه فصبر لهم ساعة ثم انزاح بين أيديهم كالمنهزم فتبعوه فخرج الكمينان فانهزمت العرب وكثر فيهم القتل والأسر وكان قد انضاف إليهم جماعة من بني نمير أصحاب حرام والرقة وتلك الأعمال زحمل الأسرى إلى السلطان فلما أحضروا بين يديه قال لهم هل وطئت لكم أرضا وأخذت لكم بلدا قالوا لا قال فلم أتيتم لحربي وأحضر الفيل فقتلهم إلإ صبيا أمرد فلما امتنع الفيل عن قتله عفا عنه السلطان
334
$ ذكر عود نور الدولة دبيس بن مزيد وقريش بن بدران إلى طاعة طغرلبك $ # لما ظفر هزارسب بالعرب وعاد إلى السلطان طفرلبك أرسل إلى نور الدولة وقريش يسألانه أن يتوسط حالهما عند السلطان ويصلح أمرهما معه فسعى في ذلك واستعطف السلطان عليهما فقال أما هما فقد عفوت عنهما وأما البساسيري فذنبه إلى الخليفة ونحن متبعون امر الخليفة فيه فرحل البساسيري عند ذلك إلى الرحبة وتبعه الأتراك البغداديون ومقبل بن المقلد وجماعة من عقيل وطلب بديس وقريش أن يرسل طفرلبك إليهما أبا القتح بن ورام فأرسله فعاد من عندهما وأخبر بطاعتما وأنهما يطلبان أن يمضي هزارسب إليهما ليحلفهما فأمره السلطان بالمضي إليهما فسار واجتمع بهما وأشار عليهما بالحضور عند السلطان فخافا وامتنعا فأنفذ قريش أبا السداد هبة الله بن جعفر وأنفذ دبيس ابنه بهاء الدولة منصورا فأنزلهما السلطان وأكرمهما وكتب لهما بأعمالهما وكان لقريش نهر الملك وبادوريا والأنبار وهيت ودوجيل ونهر بيطر وعكبرا وأوانا وتكريب والموصل ونصيبين وأعاد الرسل ' لى أصحابهم $ ذكر قصد السلطان ديار بكر وما فعله بسنجار $ # لما فرغ طغرلبك من العرب سار إلى ديار بكر التي هي لابن مروان ومكان بان مروان يرسل إليه كل يوم الهدايا والملح فسار السلطان إلى جزيرة ابن عمر فحصرها وهي لابن مروان فأرسل إليه ابن مروان يبذل مالا يصلح حاله به ويذكر له ما هو بصدده من حفظ ثغور المسلمين وما يعانيه من حهاد الكفار ولما كان السلطان يحاصر الجزيرة سار جماعة من الجيش إلى عمراكمن وفيه أربعمائة راهب فذبحوا منهم مائة وعشرين راهبا # وافتدى الباقون انفسهم بستتة مكاكيك ذهبا وفضة ووصل إبراهيم ينال أخو السلطان إليه فلقيه الأمراء والناس كلهم وحملوا إليه الهدايا وقال لعميد الملك الوزير من هؤلاء العرب حتى تجعلهم نظراء السلطان وتصلح بينهم فقال مع حضورك بكون ما تريد فأنت نائب السلطان # ولما وصل إبراهيم ينال أرسل هزارسب إلىنور الدولة بن مزيد وقريش يعرفهما وصوله ويحذرهما منه فسار من جيل سنجار إلى الرحبة فلم يلتفت البساسيري إليهما فانحر نور الدولة إلى بلد في العراق وأقام قريش عند البساسيري بالرحبة ومعه ابنه مسلم بن قريش وشكى قتلمش ابن عم السلطان إليه ما لقي من أهل شجار في العام الماضي لما انهزم وأنهم قتلوا رجالا فسير العساكر إليهم
335
فأحاطت بهم وصعد أهلها على السور وسبوا وأخرجوا جماجم من كانوا قتلوا وقلانسهم وتركوها على رؤوس القصب ففتحها السلطان عنوة وقتل أميرها مجى بن مرجا وخلقا كثيرا من رجالها وسبى نسائهم وخربت وسأل إبراهيم ينال في الباقين فتركهم فسلمها هي والموصل والبلاد إلىإبراهيم ينال ونادى في عسكره من تعرض لنهب صلبته فكفوا عنهم وعاد السلطان إلى بغداد على ما نذكره وكان ينبغي أن نذكر هذه الحادثة سنة تسع وأربعين وإنما ذكرناها هذه السنة لأن الابتداء بها كان فيها فاتبعنا بعضها بعضا وذكرنا أنها كانت سنة تسع وأربعين $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة انقطعت الطرق عن العراق لخوف النهب فغلت الأسعار وكثر الغلاء وتعذرت الأقوات وغيرها من كل شيء وأكل الناس الميتتة ولحقهم وباء عظيم فكثر الموت حتى دفن بغير غسل ولا تكفين فبيع رطل لحم بقيراط وأربع دجاجات بدينار ورطلان شرابا بدينار وسفرجلة بدينار ورمانة بدينار وكل شيء بدينار # وكان بمصر أيضا وباء شديد فكان يموت في اليوم ألف نفس ثم عم ذلك سائر البلاد والشام والجزيرة و الموصل والحجاز واليمن وغيرها # وفيها في جمادى الأولى ولدت جارية ذخيرة الدين بن الخليفة الذي ذكرنا وفاته قبل ولدا ذكرا سمي عبد الله وكني أبا القاسم وهو المقتدي # وفيها في العشر الثاني من جمادى الآخرة ظهر وقت السحر في السماء ذؤابة بيضاء طولها نحو عشرة أذره في رأي العين وعرضها ذراع إلى نصف رجب واضمحلت وفيها أمر الخليفة بأن بالكرخ والمشهد وغيرها الصلاة خير من النوم وأن يتركوا حي على خير العمل ففعلوا ما أمرهم به خوف السلطنة وقوتها $ وفيها توفي علي بن أحمد بن علي أبو الحسن المؤدب المعروف بالفالي من أهل مدينة فالة بالقرب من أيذج روى الحديث والأدب وله شعر حسن فمنه قوله # ( تصدر للتدريس كل مهوس % بليد تسمى بالفقيد المدرس ) # ( فحق لأهل العلم أن يتمثلوا % بيت قديم شاع في كل مجلس ) # ( لقد هزلت حتى بدا من هزالها % كلاها وحتى سامها كل مفلس )
336
# وفي هذه السنة توفي محمد بن الحسين بن محمد بن سعدون أبو طاهر البزاز الموصلي ولد بالموصل ونشأ ببغداد وروى عن ابن حبابة والدار قطني وابن بطة وغيرهم وكان موته بمصر # وفيها توفي أميرك الكاتب البيهقي في شوال وكان من رجال الدين ومحمد بن عبد الواحد بن عمر بن الميمون الدارمي الفقيه الشافعي
337
$ ثم دخلت سنة تسع وأربعين وأربعمائة $ $ ذكر عود السلطان طغرلبك إلى بغداد $ # لما سلم السلطان طغرلبك الموصل وأعمالها إلى أخيه إبراهيم ينال عاد إلى بغداد فلما وصل إلى القفص خرج رئيس الرؤساء لقاءه فلما قارب القفص لقيه عميد الملك وزير السلطان في جماعة من الأمراء وجاء ريئس الرؤساء إلى السلطان فأبلغه سلام واستيحاشه فقبل الأرض وقدم رئيس الرؤساء جاما من ذهب فيه جواهر وألبسة فرجية جاءت معه من عند الخليفة ووضع العمامة على خده فخدم السلطان وقبل الأرض ووصل إلى بغداد ولم يمكن أحدا من النزول في دور الناس # وطلب السلطان الاجتماع بالخليفة فأذن له في ذلك وجلس الخليفة بوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة جلوساعاما وحضر وجوه عسكر السلطان وأ ' يان بغداد وحضر السلطان في الماء وأصحابه حوله في السميريرات ولما خرج من السميرة أركب فرسا من مراكب الخليفة فحضر عند الخليفة والخليفة على سرير عال من الأرض نحو سبعة أذرع وعليه بردة النبي وبيده القضيب الخيزران فقبل السطان الأرض وقبل يده واجلس على كرسي فقال له الخليفة لرئيس الرؤساء قل له إن أمي رالمؤمنين شارك لسعيطم حامد لفعلك مستانس بقربك وقد ولاك جميع ما ولاه الله من بلاده ورد عليك مراعاة عباده فاتق الله فيما ولاك واعرف نعمته عليك في ذلك واجتهد في نشر العدل وكف الظلم وإصلاح الرعية فقبل الأرض وأمر الخليفة بإفاضة الخلع عليه فقام إلى موضع لبسها فيها وعاد قبل يد الخليفة ووضعها علي عينيه وخاطبه الخليفة بملك المشرق والمغرب وأعطى العهد وخرج وأرسل إلى الخليفى خدمة كثيرة منها خميسين ألف دينار وخمسين ألف مملوكا أتراكا من أجود ما يكون ومعهم خيولهم وسلاحهم إلى غير ذلك من الثياب وغيرها
338
$ ذكر الحرب بين هزارسبوفولاذ $ # كان السلطان قد ضمن هزارسب بن بنكير بن عياض البصرة وأرجان وخوزستان وشيراز فتجرد روسل تكين ابن عم السلطان ومعه فولاذ بهزارسب فقصدا أرجان ونهباها وكان هزارسب مع طغرلبك بالموصل والجزيرة فلما فرغالسلكان من تلك الناحية رد هزارسب إلى بلاده وأمر بقتال رسول تكين وفولاذ فسار إلى البصرة وصادر بها تاج الدين بن سخطه العلوي وابن سمحا اليهودي بمائة ألف وعشرين ألف دينار وسار منها إلى قتلا فولاذ رسول تكين فقبهما وقاتلهما قتلا شديدا فقتل فولاذ وأسر رسول تكين بن عن السلكان فأبقى عليه هزارسب فسأل رسول تكين هزارسب ليرسله إلى دار الخلافة ليشفع فيه الخليفة ففعل ذلك ووصل بغداد معأصحاب هزارسب فاجتاز بدار ريئس الرؤساء فهجم ودخلها واستدعة طعاما إجازا للحرمة فأمر الخليفة بإحضار عميد الملك وإعلامه بحال رسول تكين لخاطب السلطان فيامره فلما حضر عميد الملك وقيل له ذلك قال إن السلطان يقول إن هذا لاحرمة له يستحق بها المراعاة وقد قابل إحساني بالعصيان ويجب تسليمه ليتحقق الناس منزلتي وتتضاعف هيبتي فاستقر الأمر بعد مراجعة على أن يقيده وخرج توقيع الخليفة أن منزله ركن الدين يعني طغرلبك عندنا إقتضت ما لم نفعله مع غيرع لأنه لم تجر العدة بتقييد أحد في الدار العزيزة ولا بد أن يكون الرضى في جاب ما فعل فراسله رئيس الرؤساء حتى رضي وقد كانت دار الخلافة أيان بني بويه ملجأ لكل خائف منهم من وزير وعميد وغير ذلك ففي الأيام السلجوقية سلك غير ذ1لك وكان أول شيئ فعلوه هذا $ ذكر القبض على الوزير اليازوري بمصر $ # في هذه السنة في ذي الحجة قبض بمصر على الوزير أب محمد الحسن بن عبد الرحمن اليازوري وقرر عليه أمو ال عظيمه منه ومن أصحابه ووجد له مكاتبات إلى بغداد وكان في ابتداء أمره قد حج فلما قضى حجهأتى المدينى وزار مسجد رسول الله فسقط على منكبيه قطعة من الخلوق الذي على حائط الحجرة فقال له أحد القوام أيها الشيخ إني أبشرك ولي الحياء والكرامة إذا بلغتك أنك تلي ولاية عظيمة وهذا الخلوق دليل على ذلك فلم يحل عليه الحول حتى ولي الوزارة وأحسن إلى ذلك الرجل وراعاه وكان يتفقه على مذهب أبي حنيفة وكان قاضيا بالرملة يكرم العلماء
339
ويحسن إليهم ويجالسهم وكان ابتداء أمره كابتداء أمر ريئس الشهداء والقضاء وكانت سعادتهما متفقه ونهايتهما مقاربة $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة زاد الغلاء ببغداد والعراق حتى بيعت الكارة الدقيق اسميد بثلاثة عشر دينارا والكارة من الشعير والذرة بثمانية دنانير وأكل الناس الميتتةوالكلاب وغيرها وكثر الوباء حتى عجز الناس عن دفن الموتى فكانوا يجعلون الجماعة في الحفيرة # وفهيافي ربيع الأول توفي أو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري الأديب وله نحو ستوثمانين سنة و علمه أشهر من أن يذكر إلاأن أكثر الناس يرموزنه بالزندقة وفي شعره ما يدل على ذلك حكي أنه قال يوما لأبي يوسف القزويني ما هجوت أحدا فقال له القزويني هجوت الأنبياء فتغير وجهه وقال ماأخاف أحدا سواك # وحكى عنه القزويني أنه قال ما رأيت شعرا في مرثية الحسين بن علي يساوي أن يحفظ فقال القزويني بلى قد قال بعض أهل سوادنا # ( رأس ابن بنت محمدووصيه % للمسلمين علىقناة يرفع ) # ( والمسلمون بمنظر ومسمع % لا جازع منهم ولا متفجع ) # ( أيقظت أجفانا وكنت لها ترى % وأنمت عينا لم تكن بك يهجع ) # ( كحلت بمصرعك العيون عماية % وأصم نعيك كل أذن تسمع ) # ( ما روضة إلا تمنت أنها % لكمضجع ولخط قبرك موضع ) # وفيها أصلح دبيس بن علي بن مزيد ومحمود بن ألخرم الخفاجي حالهما مع السلطان فعاد دبيس إلى بلاده فوجدها خرابا لكثرة من مات بها من الوباء الجارف ليس بها أحد # وفيها كثر الوباء ببخارى حتى قيل إنه مات في يوم واحد ثمانية عشر ألف إنسان من أعمال بخارى وهلك في هذه الولاية في مدة الوباء ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألفا وكان بسمرقند مثل ذلك ووجد ميت وقد دخل تركي يأخذ لحافا عليه فمات التركي وطرف اللحاف بيده وبقيت أموال الناس سائبة # وفيها نهبت دار أبي جعفر الطوسي بالكرخ وهو فقيه الإمامية وأخذ مافيها وكان قد فارقها إلى المشهد الغربي # وفيها في صفر توفي أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني مقدم
340
أصحاب الحدي ث بخراسان وكان فقيها خطيبا إماما في عدة علوم # وفيها في ربيع الأول توفي أباز بن أيماق أبوالنجم غلام محمود بن سبكتكين وأخباره معه مشهورة # وفيها مات أبو أحمد عدنان بن الشريف الرضي نقيب العلويين وفيها توفي أبو الحسين عبد الوهاب بنأ حمد بن هارون الغساني المعروف بابن الجندي
341
$ ثم دخلت سنة خمسين واربعمائة $ $ ذكر مفارقة إبراهيم ينال الموصل $ $ واستيلاء البساسيري عليها واخذها $ # في هذه السنة فارق إبراهيم ينال الموصل نحو بلاد الجبل فنسب السلطان طغرلبك رحيله إلى العصيان فأرسل ' ليه رسولا يستدعيه وصحبته الفرجية التي خلعها عليه الخليفة وكتب الخليفةإليه ايضا كتابا في المعنى فرجع إبراهيم إلى السلطان وهو ببغداد فخرج الوزير الكندري لاستقباله وأرسل الخليفة إليه الخلع ولما فارق إبراهيم الموصل قصدها البساسيري وقريش بن بدران وحاصراها فملكا البلد ليومه وبقيت القلعة وبها الخازن واردم وجماعة من العسكر فحاصراها أربعة أشهر حتى أكل من فيها دوابهم فخاطب ابن موسك صاحب أربل قريشا حتى أمنهم فرخجوا فهدم البساسيري القلعة وعفى أثرها وكان السلطان قد فرق عسكره في النورز وبقي جريدة في ألفي فارس حين بلغه الخبر فسار إلى الموصل فلم يجد فيها أحدا كان قريش والبساسيري قد فارقاها فسار السلطان إلى نصيبين ليتتبع آثارهم ويخرجهم من البلاد ففارقه أخوه إبراهيم ينال وسار نحو همذان فوصلها في السادس والعشرين من رمضان سنة خمسين وكان قد قيل إن المصريين كاتبوه والبساسيري قد استماله وأطمعه في السلطنة والبلاد فلماعاد إلى همذان سار السلطان في أر\ثره $ ذكر الخطبة بالعراق للعلوي المصري وما كان إلى قتل البساسيري $ # لما عاد إبراهيم ينال إلى همذان سار طغرلبك خلفه ورد وزيره عميد الملك الكندري وزوجته إلى بغداد وكان مسيره من نصيبين في منتصف شهر رمضان ووصل إلى همذان وتحصن بالبلد وقاتل أهلها بين يديه وأرسل إلىالخاتون زوجته وعيمد الملك الكندري يأمرهما باللحاق به فمنعهما الخليفة من ذلك تمسكا بهما وفرق غلالا كثيره في الناس وسار من كان ببغداد من الأتراك إلى السللطان بهمذان وسار عميد
342
الملك إلى دبيس بن مزيد فاحترمه وعظمه ثم سار من عنده إلى هزارسب وسارتخاتون إلى السلطان بهمذان فأرسل الخليفة إلى نور الدولة دبيس بن مزيد يأمره بالوصول إلى بغداد فورد إليها في مائة فارس ونزل في النجم ثم عبر إلى الأتامين وقوي الإرجاف بوصول البساسيري فلماتحقق الخليفة وصوله إلى هيت أمر الناس بالعبور من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي فأرسل دبيس بن مزيد إلى الخليفة وإلى رئيس الرؤساء يقول الرأي عندب خروجكما من البلد معي فإنني اجتمع أنا وهزاريب فإنه بواسط على دفع عدوكما فأجيب ابن مزيد بأن يقيم حتى يقع الفكر في ذلك فقال العرب لا تطيعني على المقام وأنا أتقدم إلى ديالي فإذا انحدرتم سرت في خدمتكم وسار وأقام بديالي فإذا انحدرتم سرت في خدمتكم وسار وأقام بديالي ينتظرهما فلم ير لذلك أثرا فسار إلى بلاده # ثم إن البساسيري وصل إلى بغداد يوم الأحد ثامن ذي القعدة ومعه أربعمائة غلام غاية الضر والفقر وكان معه أبو الحسن بن عبد الرحيم الوزير فنزل البساسيري بمشرعة الروايا ونزل قريش بن بدران وهو في مائتي فارس عند مشرعه باب البصرة وركب عميد العراق ومعه العسكر والعوام وأقاموا بلإزاء عسكر البساسيري وعادوا وخطب البساسيري بجامع المنصور للمستنصر بالله العلوي صاحب مصر وامر فأذن يحي على خير العمل وعقد الجسر وعبر عسكره إلى الزاهر وخيموا فيه وخطب في الجمعة من وصوله بجامع الرصافة للمصري وجرى بين الطائفتين حروب في أثناء الأسبوع وكان عميد العراق يشير على رئيس الرؤساء بالتوقف عن المناجزة ويرى المحاجزة ومطاولة انتظارا لما يكون من السلطان ولما يراه من المصلحة بسبب ميل العامة إلى البساسيري أما الشيعة فللمذهب وأما السنية فلما فعل بهم الأتراك # وكان رئيس الرؤساء لقلة معرفته بالحرب ولما عنده من البساسيري يرى المبادرة إلى الحرب فاتفق أن في بعض الأيام حضر القاضي الهمذاني عند رئيس الرؤساء واستأذنه في الحرب وضمن له قتل البساسيري فأذن له من غير علم عميد العارق فخرج فلما أبعدوا حمل عليهم فعادوا منهزمين وقتل منهم جماعة # ومات في الزحمة جماعة من الأعيان ونهب باب الأزج وكان رئيس الرؤساء واقفا دون الباب فدخل لدار وهرب كل من في الحريم ولما بلغ عميد العراق فعل رئيس الرؤساء لطم على وجهه كيف
343
استبد يرأيه ولا معرفة له بالحرب # ورجع البساسيري إلى معسكره واستدعى الخليفة عميد العراق وأمره بالقتال على سور الحريم فلم يرعهم الإ الزعقات وقد ن هب الحريم وقد دخلوا باب النوبى فركب الخليفة لابسا السواد وعلى كتفه البردة وبيده سيف وعلى رأسه اللواء وحوله زمر ة من العباسيين والخدم بالسيوف المسلولة فرأى النهب قد وصل إلى باب الفردوس من داره فرجع إلى ورائه ومضى نحو عميد العراق فوجده قد استأمن إلى قريش فعاد وصعد المنظرة وصاح رئيس الؤساء يا علم الدين يعني قريشا أمي رالمؤمنين يستدينك فدنا منه فقال له رئيس الرؤساء قد انالك الله منزلة لم ينلها أمثالك وأمي رالمؤمنين يستذم منه على نفسه وأهله وأصحابه بذمام الله تعالى وذمام رسول الله وذمام العربية فقال قد أذم الله تعالى له قال ولي ولمن معه قال نعم وخلع قلنسوته فأعطاها الخليفة وأعطى محضرته رئيس الرؤساء ذماما فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء من الباب المقاب لباب الحلبة وصار معه فأرسل إليه البساسيري أتخالف ما استقر بيننا وتنقض ما تعاهدنا عليه فقال قريش لا وكانا قد تعاهدا على المشاركة في الذي يحصل لهما وأن لا يستبد أحدهما دون الآخر بشيء فاتفقا على أن يسلم قريش رئيس الرؤساء إلى البساسيري لأنه عدوه ويترك الخليفة عنده فأرسل قريش رئيس الرؤساء إلى البساسيري فلما رآه قا مرحبا بمهلك الدول ومخرب البلاد فقال العفو عند المقدرة فقال البساسيري قد قدرت فماعفوت أنت صاحب طيلسان وركبت الأفعال الشنيعة مع حرمي وأطفالي فكيف أعفو أنا وأنا صاحب سيف # وأما الخليفة فإنه حمله قريش راكبا إلى معسكره وعليها السواد والبردة وبيده السيف وعلى رأسه اللواء وأنزله في خيمة وأخذ أرسلان خاتون زوجة الخليفة وهي ابنة أخي السلطان طغرلبك فسلمها إلي أبي عبد الله بن جردة ليقوم بخدمتها ونهب دار الخلافة وحريمها أياما وسلم قريش الخليءفة إلى ابن عمه مهارش بن المجلي وهو رجل فيه دين وله مروءة فحمله في هودج وسار به إلىحديه عانة فتركه بها وسار من كان مع الخليفة من خدمه وأصحابه إلى السلطان طغرلبك مستنفرين فلما وصل الخليفة إلى ا لأنبار شكا البرد فأنفذ إلى مقدمها يطلب منه ما يلبسه فأرسل له جبة فيها قطن ولحافا # وأما البساسيري فإنه ركب يوم عيد النحر وعبر إلى المصلى بالجانب الشرقي وعلى رأسه الألوية المصرية فأحسن إلى الناس وأجرى الجرايات على المتفقهة ولم
344
يتعصب لمذهب وأفرد لوالدة الخليفة القائم بأمر الله دارا وكانت قد قاربت تسعين سنة واعطاها جاريتين من جواريها للخدمة وأجرى لها الجراية وأخرج محمود بن الأخرم إلى الكوفة وسقى الفرات أميرا # وأما رئيس الرؤساء فأخرجه البساسيري آخر ذي الحجة من محبسه بالحريم الطاهري مقيدا وعليه جبة صوف وطرطور من لبد أحمر وفي رقبته مخنقة جلود بعير وهو يقرأ ( ^ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ) الآية وبصق أهل الكرخ في وجهه عند اجتيازه بهم لأنه كان يتعصب عليهم وشهر إلى حد النجمي وأعيد إلى معسكر البساسيري وقد نصبت له خشبة وأنزل عن الجمل وألبس جلد ثور وجعلت قرونه على رأسه وجعل في فكيه كلابان من حديد وصلب فبقي يضطرب إلىأخر النهار ومات وكان مولده فيء شعبان سنة سبعين وثلاثمائو كانت شهادته عند ابن ماكولا سنة أربع عشرة وأربعمائة وكان حسن التلاوة للقرآن جيد المعرفة بالنحو وأما عميد العراق فقتله البساسيري وكان فيه شجاعة وله فتوة وهو الذي بنى رباط شيخ الشيوخ # ولما خطب البساسيري للمستنصر العلوي بالعراق أرسل إليه بمصر يعرفه ما فعل وكان الوزير هنالك أبا الفرج ابن أخي أبي اقاسم المغربي وهو ممن هرب من البساسيري وفي نفسه ما فيها فوقع فيه وبرد فعله وخوف عاقبته فتركت أجوبته مدة ثم عادت بغير الذي أمله ورجاه وسار البساسيري من بغداد إلىواسط والبصرة فملكهما وأراد قصد الأهواز فأنفذ صاحبها هزارسب بن بكير إلى دبيس بن مزيد يطلب منه ان يصلح الأمر على ما يحمله إليه فلم يجب البساسيري إلى ذلك وقال لا بد من الخطبة للمستنصر والسكة باسمه فلم يفعل هزاريب ذلك ورأى البساسيري أن طغرلبك يمد هزارسب بالعساكر فصالحه وأصعد إلى واسط في مستهل شعبان من سنة أحدى وخمسين وفارقه صدقة بن منصور بن الحسين الأسدي ولحق بهزارسب وكان قد ولي بعد أبيه على ما نذكره وأما أحوال السلطان طغرلبك وإبراهيم ينال فإن السلطان كان في قلة من العسكر كما ذكرناه وكان إبراهيم قد اجتمع معه كثير من الأكراد وحلف لهم أنه لا يصالح أخاه طغرلبك ولا يكلفهم المسير إلى العراق وكانوا يكرهونه لطول مقامهم وكثرة إخراجاتهم فلم يقو به طغرلبك واتى إلى إبراهيم محمد وأحمد ابنا أخيه
345
أرتاش في خلق كثير فازداد بهم قوة وازداد طغرلبك ضعفا فانزاح من بين يديه إلى الري وكاتب ألب أرسلان وياقوتي وقاورت بك أولاد أخيه داود وكان داود قد مات على ما نذكره سنة إحدى وخمسين إن شاء الله تعالى ملك خراسان بعده ابنه ألب ارسلان فأرسل إليهم طغرلبك يستدعيهم إليه فجاؤوا بالعساكر الكثيرة فلقيإبراهيم بالقرب من الري فانهزم إبراهيم ومن معه وأخذ أسيرا هو محمد وأحمد ولدا أخيه فأمر به فخنق بوتر قوسه تاسع جمادى الآخرة سنة إحدى وخمسين وقتل ولدا أخيه معه وكان إبراهيم قد خرج على طغرلبك مرارا فعفا عنه وإنما قتله في هذه الدفعة لأنه علم أن جميع ما جرى على الخليفة كان بسببه فلهذا لم بعف عنه ولما قتل إبراهيم أرسل طغر لبك إلى هزارسب الهواز يعرفه ذلك وعنده عميد الملك الكندري فسار إلى السلطان فجهز هزارسب تجهيرز مثله $ ذكر عود الخليفة إلى بغداد $ # لما فرغ السلطان من أمر أخيه إبراهيم ينال عاد يطلب العراق ليس له هم إلاإعادة القائم بأمر الله إلى داره فأرسل إلى البساسيري وقريش في إعادة الخليفة إلى داره على أن لا يدخل طغر لبك العراق ويقنع بالخطبة والسكة فلم يجب البساسيري إلى ذلك فرحل طغرلبك إلىالعراق فوصلت مقدمته إلى قصر شيرين فوصل الخبر إلى بغداد فانحدر حرم البساسيري وأولاده ورحل أهل الكرخ بنسائهم وأولادهم في دجلة وعلى الظهر ونهب بنو شيبان الناس وقتلوا كثيرا منهم # وكان دخول البساسيري وأولاده بغداد سادس ذي القعدة سنة خمسين وخرجوا منها سادس ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثار أهل باب البصرة إلىالكرخ فنهبوه وأحرقوا درب الزعفران وهو من أحسن الدروب وأعمرها ووصل طغرلبك إلى بغداد وكان قد أرسل من الطريق الإمام أبا بكر أحمد بن محمد بن أيوب المعروف بابن فورك إلى قريش بن بدران يشكره على فعله بالخليفة وحفظه على صيانته غبنة أخيه امرأة الخحليفة ويعرفه أنه قد أرسل أبا بكر بن فورك للقيام بخدمة الخليفة وإحضاره وإحضار أرسلان خاتون ابنة أخيه امرأة الخليفة ولما سمع قريش بقصد طغرلبك العراق أرسل إلى مهارش يقول له أودعنا الخليفة عندك ثقة بأمانتك لينكف بلاء الغز عنا والآن فقد عادوا وهم عازمون على قصدك فارحل أنت وأهلك إلى البرية إذا علموا أن الخليفة عندنا في البرية لم يقصدوا العراق تحكم
346
عليهم بما تريد # فقال مهارش كان بيني وبين البساسيري عهود ومواثيق نقضها وإن الخليفة قد استخلفني بعهود ومواثيق لا مخلص منها # وسار مهارش ومعه اخليفة حادي عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وأربعمائة إلى العراق وجعلا طريقهما على بلد بدر بن مهلهل ليأمنا من يقصدهما ووصل ابن فورك إلى حلة بدر بن مهلهل وطلب منه أن يوصله إلى مهارش فجاء إنسان سوادي إلى بدر وأخبره أنه رأى الخليفة مهارشا بتل عكبرا فسر بذلك بدر ورحل ومعه ابن فورك وخدماه وحمل له بدر شيئا كثيرا وأوصل إليه ابن فورك رسالة طغرلبك وهدايا كثيرة أرسلها معه ولما سمع طغرلبك بوصول الخليفة إلى بلد بدر أرسل وزيره الكندي والأمراء والحجاب وأصحبهم الخيام العظيمة والسرادقات والتحف من الخيل بالمراكب الذهب وغير ذلك فوصلوا إلى الخليفة وخدموه ورحلوا ووصل الخليفة إلى النهروان في الرابع والعشرين من ذي القعدة وخرج السلطان إلى خدمته فاجتمه به وقبل الأرض بين يديه وهنأه بالسلامةواظهر الفرح بسلامته واعتذر من تأخره بعصيان إبراهيم وأنه قتله عقوبة لما جرى منه من الوهن على الدولة العباسية وبوفاة أخيه داود بخراسان وأنه اضطر إلىاتريث حتى يرتب أولاده بعده في المملكة وقال أنا أمضى خلف هذا الكلب يعني البساسيري وأقصد الشام وأفعل في حق صاحب مصر ما أجازي به فعله وقلده الخليفة بيده سيفا وقال لم يبق مع أمير المؤمنين من داره سواه وقد تبرك به أمير المؤمنين فكشف غشاء الخركاه حتى رآه الأمراء فخدموا وانصرفوا ولم يبق ببغداد من أعيانها من يستقبل الخليفة غير القاضي أبى عبد الله الدامغاني وثلاثة نفر من الشهود وتقدم السلطان في المسيرة وصل إلى بغداد وجلس في باب النوبى مكان الحاجب ووصل الخليفة فقام طغرلبك وأخذ بلجام بغلته حتى صار على باب حجرته وكان وصلوه يوم الاثنين لخمس بقين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسينوعبر السلطان إلى معسكره وكانت السنة مجدبة ولم ير الناس فيها مطر وجاء تلك الليلة وهنأ الشعراء الخليفة والسلطان بهذا الأمر ودتم البرد بعد قدوم الخليفة نيفا وثلاثين يوما ومات بالجوع والعقوبة عدد لا يحصى وكان أبو علي بن شبل ممن هرب من طائفة من الفز فوقع به غيرهم فأخذ ماله فقال # ( خرجنا من قضاء الله خوفا % فكان فرارنا منه إليه ) # ( وأشقى الناس ذو عزم توالت % مصائبه عليه من يديه )
347
# ( تضيق عليه طرق العذر منها % ويقسو قلب راحمه عليه ) $ ذكر قتل البساسيري $ # أنفذ السلطان بعد استقرار الخلبقة في داره جيشا عليهم خمارتكين الطغرائي في ألأفي فارس نحو الكوفة فأضاف إليهم سرايا بن منيع الخفاجي وكان قد قال للسلطان أرسل معي هذه العدة حتى أمضي إلى الكوفة وأمنع البساسيري من الإصعاد إلى االشام وسار السلطان طغرلبك في أثرهم فلم يشعر دبيس بن مزيد والبساسيري إلا والسرية قد وصلت إلأيهم ثامن من ذي الحجة من طريق الكوفة بعد أن نهبوها وأخذ نور الدولة دبيس رحله جميعه وأحدروه إلى البطيحة وجعل أصحاب نو الدولة دبيس يرحلون بأهليهم فيتبعهم الأتراك فتقدم نور الدولة ليرد العرب إلى القتال فلم يرجعوا فمضى ووقف البساسيري في جماعته وحمل عليه الجيش فأسر من أصحابه أبو الفتح بن ورام وأسر منصور وبدران وحماد بنو نور الدولة دبيس وضرب فرس البساسيري بنشابة وأراد قطع تجافه لتسهل عليه النجاة فلم ينقطع وسقط عنالفرس ووقع في وجهه ضربة ودل عليه بعض الجرحى فأخذه كمشتكين دواتي عميد الملك الكندري وقتله وحمل رأسه إلى السلطان ودخل الجند في الطعن فساقوه جميعه وأخذت أموال أهل بغداد وأموال البساسيري مع نسائه وأولاده وهلك من الناس الخلق العظيم وأمر السلطان بحمل رأس البساسيري إلى دار الخلافة فحمل إليها فوصل منتصف ذي الحجة سنة إحدى وخمسين فنظف وغسل وجعل على قناة وطيف به وصلب قباله باب النوبى وكان في أسرى البساسيري جماعة من النساء المتعلقات بدار الخلافة فأخذن وأكرمن وحملن إلى بغداد # ومضى نور الدولة دبيس إلى البطيحة ومعه زعيم الملك أبو الحسن عبد الرحيم وكان من حق هذه الحوادث المتأخره أن تذكر سنة إحدى وخمسين وإنما ذكرناها ههنا لأنها كالحادثة الواحدة ليتلو بعضها وكان البساسيري مملوكا تركيا من مماليك بهاء الدولة بن عضد الدولة تقلبت به الأمور حتى بلغ هذا المقام المشهور واسمه ارسلان وكنيته أبو الحرث وهو منسوب إلى بسا مدينة بفارس والعرب تجعل عوض الباء
348
فاء فتقول فسا والنسبة إليها ومنها أبو علي الفارسي النحوي وكان سيد هذا المملوك أولا من بسا فقيل البساسيري لذلك وجعل العرب الباء فاء فقيل فساسيري $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة أقر السلطان طغرلبك مملان بن وهسوذان بن مملان على ولاية أبيه بأذربيجان # وفيها مات شهاب الدولة أبو الفوارس منصور بن الحسين الأسدي صاحب الجزيرة عند خوزستان واجتمعت عشيرته على ولده صدقة # وفيها توفي الملك الرحيم آخر ملوك بني بويه بقلعة الري وكان طغرلبك سجنه أولا بقلعة السيروان ثم نقله إلى قلعة الري فتوفي بها # وفيها عصى أبو علي بن أبي الجبر بالبطائح وكان متقدم بعض نواحيها فأرسل إليه طغرلبك جيشا مع عميد العارق أبي نصر فهزمهم أبو علي # وفيها يوم النوروز أرسل السلطان مع وزيره عميد الملك إلى الخليفة عشرة آلاف دينار سوى ما أضيف إليها من الأعلاق النفيسة # وفيها في صفر توفي أبو الفتح بن شيطا القاري الشاهد وكانت شهادته سنة خمس وأربعين وأربعمائة # وفيها في شهر ربيع الأول القاضي أبو الطيب الطبري الفقيه الشافعي وله مائة سنة وسنتان وكان صحيح السمع والبصر سليم الأعضاء يناظر ويفتي ويستدرك على الفقهاء وحضر عميد الملك جنازته ودغن عند قبر أحمد وله شعر حسن وفي سلخه توفي قاضي القضاة أبو الحسين علي بن محمد بن حبيب الماوردي الفقيه الشافعي وكان إماما له تانيف كثيرة منها الحاوي وغيره من علوم كثيرة وكان عمره ستا وثمانين سنة # وفي آخر هذه السنة توفي أبو عبد الله الحسين بن علي الرفا الضرير الفرضي وكان إماما فقيها على مذهب الشافعي # وفيها في شوال كانت زلزلة عظيمة بالعراق والموصل ووصلت إلى همذان ولبثت ساعة فخربت كثيرا من الدور وهلك فيها الجم الغفير # وفيها توفي أبو محمد عبد الله بن علي بن عياض المعروف بابن أبي عقيل وكان قد سمع الكثير من الحديث ورواه وتوفي أيضا القاضي أبو الحسن علي بن هندي قاضي حمص وكان وافر العلم والأدب
349
$ ثم خلت سنة إحدى وخمسين وأربعمائة $ $ ذكر وفاة فرخ زاد صاحب غزنة وملك أخيه إبراهيم $ # في هذه السنة في صفر توفي الملك فرخ زاد بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وكان قد ثار به ممالكه سنة خمسين واتفقوا على قتله فقصدوه وهو في الحمام وكان معه سيف فأخذه وقاتلهم ومنعهم عن نفسه حتى أدركه أصحابه وخلصوه وقتلوا أولئك الغلمان وصار بعد أن نجا من هذه الحادثة يكثر ذكر الموت ويتحقر الدنيا ويزديها وبقي كذلك إلى هذه السنة فأصابه قولج فمات منه وملك بعده أخوه إبارهيم مسعود بن محمود فأحسن السيرة فاستعد لجهاد الهند ففتح حصوناامتنعت على أبيه وجده وكان يصوم رجبا وشعبان ورمضان $ ذكر الصلح بين الملك ابراهيم وجغري بك داود $ # في هذه السنة استقر الصلح بين الملك إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سيكتكين وبين داود ميكائيل بن سجلوق صاحب خراسان على أن يكون كل واحد منهما على ما بيده ويترك منازعة الآخر في ملكه وكان سبب ذلك ان العقلاء من الجانبين نظروا فرأوا أن كل واحد من الملكين لا يقدر على أخذ ما بيد الآخر وليس يحصل غير انفاق الأموال وأتعاب العساكر ونهب البلاد وقتل النفوس فسعوا في الصلح فوقع الاتفاق واليمين وكتبت النسخ بذلك فاستبشر الناس وسرهم لما أشرقوا عليه من العافية $ ذكر وفاة داود وملك ابنه ألأب أرسلان $ # في هذه السنة في رجب توفي جغري بك داود بن ميكائيل بن سجلوق أخو السلطان طغرلبك وقيل كات موته في صفر سنة اثنتين وخمسين وعمره نحو سبعين سنة # وكان صاحب خراسان وهو مقابل آل سبكتكين ومقاتلهم ومانعهم عن خراسان فلما
350
توفي الملك بعده خراسان ابنه السلطان ألب أرسلان وخلف داود عدة أولاد ذكور منهم السلطان ألب أرسلان وياقوتي وسليمات وقاروت بك فتزوج أم سليمان السلطان طغرلبك بعد أخيه داود ووصى له بالملك بعده وكان أمره ما نذكره # وكان خيرا عادلا حسن السيرة معترفا بنعمة الله تعالى عليه شاكرا عليها فمن ذلك أنه أرسل إلى أخيه طغرلبك مع عبد الصمد قاضي سرخس يقول له بلغني إخرابك البلاد التي فتحتها وملكتها وجلاء أهلها عنها وهذا ما لا خفاء به في مخالفة أمر الله تعالى في عبادة وبلاده وانت تعلم ما فيه من سوء السمعة وإيحاش الرعية وقد علمت أننا لقينا أعداءنا ونحن في ثلاثين رجلا وهم في ثلاثمائة فغلبناهم وكنا وكنا في ثلاثمائة وهم في ثلاثة آلاف فغلبناهم وكنا في ثلاثة آلاف وهم ثلاثين ألفا فدفعناهم وقاتلنا بالأمس شاه ملك وهو في أعداد متوافرة فقهرنا وأخذنا مملكته بخوارزم وهرب من بين أيدينا إلى خمسمائة فرسخ من موضعه فظفرنا به وأسرناه وقتلناه واستولينا على ممالك خراسان وطبرستان وسجستان وصرنا ملوكا متبوعين بعد أن كنا أصاغر تابعين وما تقتضي نعم الله علينا أن نقابلها هذه المقابلة # فقال طغرلبك قل له في الجواي يا أخي أنت ملكت خراسان وهي بلاد عامرة فخربتها ووجب عليك مع استقرار قدمك عمارتها وانا وردت بلادا خربها من تقدمي واحتاجها من كان قبلي فما أتمكن من عمارتها والأعداء محيطة بها والضرورة تقود إلى طرقها بالعساكر ولا يمكن ذفع مضرتها عنها وله مناقب كثيرة تركناها ذخوف التطويل $ ذكر حريق بغداد $ # في هذه السنة احترقت بغداد الكرخ وغيره وبين السورين واحترقت فيه خزانة الكتب التي وقفها أردشير الوزير ونهبت بعض كتبها وجاء عميد الملك الكندري فاختار من الكتب خيرها وكان بها عشرة آلاف مجلد وأربعمائة من أصناف العلوم منها مائة مصحف بخطوط بني مقلة وكان العامة قد نهبوا بعضها لما وقع الحريق فأزالهم عميد الملك وقعد يختارها فنسب ذلك إلى سوء سيسرته وفساد اختياره وشتان بين فعله وفعل نظام الملك الذي عمر المدارس ودون العلم في بلاد الإسلام جميعها ووقف الكتب وغيرها
351
$ ذكر انحار السلطان إلى واسط وما فعل العسكر وإصلاح دبيس $ # في هذه السنة انحدر السلطان طغرلبك إلى واسط بعد فراغه من أمر بغداد فرآها قد نهبت وحضر عنده هزارسب بن بنكير وأصلح معه حال دبيس بن مزيد وأحضره معه إلى خدمة السلطان وأصعد في صحبته إلى بغداد وكذلك صدقة منصور بن الحسن وضمن واسطا أبو علي بن فضلان بمائتي ألف دينار وضمن البصرة الأغر أبو سعد سابور بن المظفر وعبر السلطان إلى جانب الشرقي من دجلة وسار إلى قرب البطائح فنهب العسكر ما بين واسط والبصرة والأهواز وأصعد السلطان إلى بغداد في صفر سنة اثنتين وخمسين ومعه أبو الفتح بن ورام وهزارسب بن بنكير بن عياض ودبيس بن مزيد وأبو علي بن الملك أبي كاليجار وصدقة بن منصور بن الحسين وغيرهم واجتمع السلطان أيضا سماطا أحضر فيه الجماعة وخلع عليهم وسار إلى بلاد الجبل في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وجعل ببغداد شحنة الأمير برسق وضمنها أبو الفتح المظفر بن الحسين ثلاث سنين بأربع مائة ألف دينار $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه النة عزل أبو الحسين بن المهتدي من الخطابة بجامع المنصور لأنه خطب للعلوي ببغداد في الفتنة وأقيم مقامه بها الشرف أبو علي الحسن بن عبد الودود بن المهتدي بالله # وفيها توفي علي بن محمود بن إبراهيم الزوزني أبو احسن صحب أبا الحسن الحصري وروى عن أبي عبد السلمي وهو الذي نسب إليه رباط الزوزني المقابل لجامع المنصور # وفيها في جمادى الأولى توفي محمد بن علي الفتح بن محمد بن علي أبو طالب العشاري ومولده في المحرم سنة ست وستين وثلاثمائة وسمع الدارقطني وغيره
352
$ ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة $ $ ذكر عود ولي العهد إلى بغداد مع أبي الغنائم بن المحلبان $ # في جمادى الآخرة ورد عدة الدين أبو القاسم المقتدي بأمر الله ولي العهد ومعه جدته أم الخليفة وخرج الناس لاستقباله وجلس في الزبزب وعلى رأسه أبو الغنائم بن المحلبان وقدم له بباب الغربة فرس فحمله ابن المحلبان على كتفه وأركبه وسلمه إلى مجلس الخليفة فشكره وخرج ابن المحلبان فركب في الزبزب وانحدر إلى دار أفردت له بباب المراتب ودخل إلى الخليفة واجتمع به # وكان سبب مسير ولي العهد مع ابن المحلبان أن دخل داره فوحد زوجة رئيس الرؤساء وأولاده بها وهم مطوبون من البساسيري فعرفوه أن رئيس الرؤساء أمرهم بقصده فأدخلهم إلى أهله وأقام لهم من حملهم إلى ميافارقين فساروا مع قرواش لما أصعد من بغداد ولم يعلم بهم ثم لقيه ابو الفضل محمد بن عامر الوكيل وعرفه ما عليه ولي العهد ومن معه من إيثار الخروج من بغداد وما هم عليه من تناقض الحال فبعث ابن المحلبان زوجته فأتته بهم سرا فتركهم عنده ثمانية أشهر وكان يحضر ابن البساسيري وأصحابه ويعمل لهم الدعوات وولي العهد ومن معه مستترون عنده يسمعون ما يقول أولئك فيهم ثم اكترى لهم وسار هو في صحبتهم إلى قريب سنجار ثم حملوا إلى حران وسار مع صاحبها أبي الزمام منيع بن وثاب النميري حين قصد الرحبة وفتح قرقيسيا وعقد لعدة الدين على بنت منيع وانحدروا إلى بغداد $ ذكر ملك محمود بن شبل الدولة حلب $ # في هذه اسنة في جمادى الآخرة حصر محمود بن شبل الدولة بن صالح بن مرادس الكلابي مدينة جلب وضيق عليها واجتمع مع جمع كثير من العرب فأقام عليها
353
فلم يستهل له فتحها فرحل عنها ثن عاودها فحصرها فملك الكدينة عنوة في جمادى الآخرة بعد أن حصرها وامتنعت القلعة عليه ورسل من بها إلى المستنصر بالله صاحب مصر ودمشق يستنجدونه فأمر ناصر الدولة أبا محمد الحسين بن الحسن بن حمدان الأمير بدمشق أن يسير بمن عنده من العاسكر إلى حلب يمنعها من محمود فسار إلى حلب فلما سمع محمود بقربة منه خرج من حلب ودخلها عسكر ناصر الدولة فنهبوها أمره بها وهذه الوقعة تعرف بوقعة الفنيدق وهي مشهورة $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة خلع السلطان طغرلبك على محمود بن الأخرم الخفاجي ووردت إليه إمارة بني خفاجة وولاية الكوفة وسقي الفرات وضمن خواص السلطان هناك بأربعة الآف دينار كل سنة وصرف عنها رجب بن منيع # وفيها توفي أبو محمد النسوي صاحب الشرطة ببغداد وقد جاوز ثكانين وفيها سد بنوورام بثق الهرواتات وشرع العميد أبو الفتح في عمارة بثوق الكرخ # وفيها في ذي القعدة توفيت خاتون زوجة السلطان طغرلبك بزنجان فوجد عليها وجدا شديدا وحمل تابوتها إلى الري فدفنت بها # وفيها ثالث جمادى الآخرة انقض كوكب عظيم القدر عند طلوع الفجر من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق فطال لبثه # وفيها جمع عطبة بن صالح بن مرادس وحصر الرحبة وضيق على أهلها فملكهت في صفر هذه السنة # وفيها توفيت والدة الخليفة القائم بأمر الله واسمها قطر الندى وقيل بدر الدجى وقيل علم وهي جارية أرمنية # وفيها توفي محمد بن الحسين بن محمد بن الحسن أبو علي المعروف ( الجازري النهرواني وكان مكثر من الرواية بالجيم وبعد الألف رايثم راء ) وفيها توفي باي أبو منصور الفقيه الجبلي بالباء الموحدة وبعد الألف ياء تحتها نقطتان ومحمد بن عبيد بن أحمد بن محمد أبو عمرو بن أبي الفضل الفقيه
354
$ ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة $ $ ذكر وزارة ابن دارست للخليفة $ # لما عاد الخليفة إلى بغداد استخدم أبا تراب الأثيري في الإنهاء وحضور المواكب ولقبه حاجب الحجاب وكان قد خدمه بالحديثة وقرب منه فخاطب الشيخ أبو منصور بن يوسف في وزارة أبي الفتح منصور بن أحمد بن دارست وقال إنه يخدم بغير إقطاع ويحمل مالا فأجيب إلى ذلك فأحضر من الأهواز إلى بغداد وخلع عليه خلعه الوزارة منتصف ربيع الآخر وجلس في منصبه ومدحه الشعراء فممن مدحه أبو الحسن الخباز بقصيدة منها # ( أمن الملك بالأمين أبي الفتح % وصدت عن الصفوة الأقذاء ) # ( دولة أصبحت وأنت ولي الرأي % فيها لدولة غراء ) # وهي طويلة # وكان ابن دارست في أول أمره تاجرا للملك أبي كاليجار $ ذكر موت المعز بن باديس وولاية ابنه تميم $ # في هذه السنة توفي المعز بن باديس صاحب إفريقية من مرض أصابه وهو ضعف الكبد وكانت مدة ملكه سبعا وأربعين سنة وكان عمره لما ملك إحدى عشرة سنة وقيل ثمان سنين وستة أشهر وكان رقيق القلب خاشعا متجنبا لسفك الدماء الإ في حد حليما يتجاوز عن الذنوب العظان حسن الصحبة مع عبيدة وأصحابه مكرما لأهل العلم كثير العطاء لهم كريما وهب مرة مائة ألف دينار للمستنصر الزناتي وكان عنده وقد جاءه هذا المال فاستكثره فأمر به فأفرغ بين يديه ثم وهبه له فقيل له لم أمرت فإخراجه من أوعيته قال لئلا يقال لو رآه ما سمحت نفسه به # وكان شعر حسن ولما مات رثاه
355
الشعراء فمنهم أبو الحسن بن رشيق فقال # ( لكل حي وإن طال المدى % لا عز مملكه يبقى ولا ملك ) # ( ولى المعز على أ ' قابه فرما % أو كاد ينهد من أركانه الفلك ) # ( مضى فقيدا وأبقى في خزائنه % هام الملوك وما أدراك ما ملكوا ) # ( ما كان الإ حساما سله قدر % على الذين بغوا في الأرض وانهمكوا ) # ( كأنه لم يخض للموت بحر وغى % خضر البحار إذا قيست به برك ) # ( ولم يجد بقناطير مقنطرة % قد أرعيت باسمه إيريزها السكك ) # ( روح المعز وروح الشمس قد قبضا % فانظر بأي ضياء يصعد الفلك ) # ولما توفي ملك بعده ابنه تميم وكان مولد تميم بالمنصورية التي مقره منتصف رجب سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وولاه المهدية في صفر سنة خمس وأربعين فأقام بها إلى أن وافاه أبوه المعز لما انتزح عن القيروان من العرب وقام بخدمة أبيه وأظهر من طاعته وبره ما بان به كذب ما كان ينسب إليه ولما استبد بالملك بعد أبيه سلك طريقه في حسن السيرة ومحبة أهل العلم إلا أنه كان أصحاب البلاد قد طمعوا بسبب العرب وزالت الهيبة والطاعة عنهم في أيام المعز فلما مات ازداد طمعهم وأظهر كثير منهم الخلاف فمن أظهر الخلاف القائد حمو بن مليك صاحب سفاقس واستعان بالعرب وقصد المهدية ليحاصرها فخرج إليه تميم وصافه فاقتتلوا فانهزم حمو وأصحابه وكثر القتل فيهم ومضى حمد ونجا بنفسه وتفرقت خيلة ورجاله وكان ذلك سنة خمس وخمسين وسار تميم إلى سوسة وكان أهلها قد خالفوا باه المعز وعصوا عليه فملكها وعفا عن أهلها $ ذكر وفاة فريش صاحب الموصل وإمارة ابنه شرف الدولة $ # في هذه السنة توفي قريش بن بدران صاحب الموصل ونصيبين أصابه خروج الدوم من فيه وأنفه وعينينه وأذنيه فحمله ابنه شرف الدولة إلى نصيبين حتى حفظ خزرانته بها وتوفي هناك وسمع فخر الدولة أبو نصر محمد بن جهير حاله فسار من دارا إلى نصيبين وجمع بني عقيل على أن يؤمروا ابنه أبا المكارم مسلم بن قريش عليهم وكان القائم يأمر جابر بن ناشب فزوجه فخر الدولة بأخت مسلم وزوج مسلما بابنه نصر بن منصور
356
$ ذكر وفاة نصر الدولة بن مروان $ # في هذه السنة توفي نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي صاحب ديار بكر ولقبه القادر بالله نصر الدولة وكان عمره نيفا وثمانين سنة وإمارته اثنتين وخمسيم سنة استولة على الأمور ببلاده استيلاء تاما وعمر الثغور وضبطها وتنعم تنعما لم يسمع بمثله عن أحد من أهل ومانه وملك من الجواري المغنيات ما اشترى بعضهن يخمسة آلاف دينار وأكثر من ذلك وملك خمسمائة سرية سوى توابعهن وخمسمائة خادم وكان في مجلسه من الآلات ما تزيد قيمته على مائتي ألف دينار وتزوج من بنات الملوك جملة وأرسل طباخين إلى الديار المصرية وغرم على إرسالهم جنلة وافرة حتى تعلموا الطبخ من هناك وأرسل السلطان طغرلبك هدايا عظيمة من جملتها الحبل الياقوت لذي كان لبني بويه اشتراه من الملك العزيز أبي منصور بن جلال الدولة وأرسل معه مائة ألف دينار سوى ذلك ووزر له أبو القاسم بن المغربي وفخر الدولة بن جهير ورخصت الأسعار في أيامه وتظاهر الناس بالأموال ووفد إليه الشعراء وأقام عنده العلماء والزهاد وبلغه أن الطيور فيالشتاء تخرج من الجبال إلى القرى فتصاد فأمر أن يطرح لها الحب من الأهراء التي له فكانت في ضيافته طول عمره ولما مات اتفق وزيره فخر الدولة بن جهير وابنه نصر فرتب نصرا في الملك بعد أبيه وجرى بينه وبين أخيه سعيد حروب شديدة كان الظفر في آخرها لنصر فاستقر في اإمارة بميافارقين وغيرها وملك أخوه سعد آمد $ ذكر عدة حوادث $ # في رجب خلع على الكامل أبي الفوراس طراد بن محمد الزينبي وقلد نقابة النقباء ولقب الكامل ذا لشرفين # وفيها تولى شمس الدين أسامة بن أبي عبد الله بن علي نقابة العلويين ببغداد ولقب المرتضى # وفيها في جمادى الأولى انكسفت الشمس جميعها فظهرت الكواكب وأظلمت الدنيا وسقطت الطيور الطائرة وفيها في شهر رمضان توفي شكر العلوي الحسيني أمير مكة وله شعر حسن فمنه # ( قوض خيامك عن أرض تضام بها % وجانب الذل إن الذل مجتنب ) # ( وارحل إذا كان في الأوطان منقصة % فالمندل الرطب في أوطانه حطب ) # وفيها توفي أبو القاسم علي بن محمد ين يحيى الشمشاطي بدمشق وكان عالما بالهندشة واليراضيات من علوم الفلاسفة وإليه ينسب الرباط الذي عند جامع دمشق
357
$ ثم ذخلت سنة أربع وخمسين وأربعمائة $ $ ذكر نكاح السلطان طغرلبك ابنة الخليفة $ # في هذه السنة عقد السلطان طغرلبك على ابنة الخليفة القائم بأمر الله وكانت الخطبة تقدمت سنة ثلاث وخمسين مع أبي سعد قاضي الري فانزعج الخليفة وأرسل في الجواب أبا محمد التميمي وأمره أن يستعفي فإن أعفي والإ تم الأمر على أن يحمل السلطان ثلاثمائة ألف دينار ويسلم واسطا وأعمالها فلما وصل إلى السلطان ذكر لعميد الملك الوزير ما ورد فيه من الاستفعاء فقال لا يحسن أن يرد السلطان وقد سألأ وتضرع ولا يجوز مقابلته أيضا بطلب الأموال والبلاد فهو يفعل أضعاف ما طلب منهد # فقال التميمي الأمر لك ومهما فعلته فهو الصواب فبنى الوزير الأمر على الإجابة وطالع به السلطان فسر به وجمع الناس وعرفهم أن همتهسمت به الإتصال بهذه الجهة النبوية وبلغ من ذلك ما لم يبلغه سواه من الملوك وتقدم إلى عميد الملك الوزير أن يسير ومعه أرسلان خاتون زوجة الخليفة وأن يصحبها مائة ألأف دينار برسم الحمل وما شاكلها من الجواهر وغيرها ووجه معه فرامرز بن كاكويه وغيره من وجوه الأمراء وأعيان الري فلما وصل إلى الإمام القائم بأمر الله وأوصل خاتون زوجة الخليفة إلى دارها وأنهى حضوره وحضور من معه وذكر حال الوصلة فامتنع الخليفة من الإجابة إليها وقال إن أعقبنا والإ خرجنا من بغداد فقال عميد الملك كان الواجب الامتناع من غير افتراح وعند الإجابة إلى ما طلب فالامتناعمعي على دم وأخرج خيامه إلى النهروان فاستوقفه قاضي القضاة والشيخ أبو منصور بو يوسف وأنهيا إلى الخليفة عاقبة انصرافه على هذه الوجه وصنع له ابن دارست وزير الخليفة دعوة فحضر عنده فرأى على مسجد مكتوبا معاوية خال علي فأمر بحكه وكتب من الديوان إلى خمار تكين الطغرائي يتضمن الشكوى من عميد اللملك فورد الجواب عليع بالرفق # وكتب
358
الخليفة إلى عميد الملك نحن نرد الأمر إلى رأيك ونعول على أمانتك ودينك فحضر يوما عند الخليفة ومعه جماعة من الأمراء والحجاب والقضاة والشهود فأخذ المجلس لنسه ولم يتكلم سواه وقال لخليفة اسأل مولانا أمير المءمنين التطول بذكر ما شرف به العبد المخلص شاهنشاه ركن الدين فيمارغب فيه ليعرفه الجماعة فغالطه وقال قد سطر في المعنى ما فيه كفاية فانصرف عميد الملك مغيظا ورحل فس السادس والعشرين من جمادى الآخرة وأخذ المال معه إلى همذان # وعرف السلطان أن السبب في اتفاق الحال من خمارتكين الطغرائي فتغير السلطان عليه فهرب في ستة غلمان ومتب السلطان إلى قاضي القضاة والشيخ أبي منصور بو يوسف يعتب ويقول هذا جزائي من الخليفة الذي قتلت أخي في خدمته وأنفقت أموالي في نصرته وأهلمت خواصي في محبته وأطال العتاب وعاد الجواب إليه بالعتذار # وأما الطغرائي فإنه أدرك ببروجرد فقال أولاد إبراهيم بنال للسلطان إن هذا قتل أبانا ونسأل أن نمكن من قتله وأعانهم عميد الملك فأذن لهم في قتله فساروا إلى طريقه وقتلوه وجعل مكانه ساوتكين وبسط الكندري لسانه وطلب طغرلبك ابنة أخيه زوجة الخليفة لتعاد إليه وجرى ما كان بفضي إلى الفساد الكلي فلما رأى الخليفة شدة الأمر أذن في تلك وكتب الوكالة ياسم عميد الملك وسيرت الكتب مع أبي الغنائم بن المحلبان وكان العقد في شعبان سنة أربع وخمسين بظاهر تبريز وهذا ما لم يجر للخلفاء مثله فلإان بني بويه مع تحكمهم ومخالفتهم لعقائد الخلفاء لم يطمعوا في مثل هذا ولا ساموهم فعله وحمل السلطان أموالا كثيرة وجواهر تفيسة للخليفة ولولي العهد وللجهة المطلوبة ولوالدتها وغيرهم وجعل يعقوبا وما كان بالعراق للخاتون زوجة السلطان التي توفيت للسيدة ابنة الخليفة $ ذكر عزل ابن دارست ووزارة ابن جهير $ # في هذه السنة عزل أبو الفتح محمد بن منصور بن دارست من وزارة الخليفة وسببه أنه وصل معه إنسان يهودي يقال له ابن علان فضمن أعمال الوكلاء التي لخاص الخليفة بستة آلاف كرغلة ومائة ألأف دينار فصح منها ألفا وثلاثون ألف دينار وانكسر الباقي فظهر فخر الدولة أبو نصر بن جهير وزير الدولة بن مروان قد أرسل يخطب الوزارة
359
وبذل فيها بذولا كثيرة إليها وأرسل كامل طراد الزينبي إلى ميافارقين كأنه رسول فلما عاد سار معه ابن جهير كالمودع له فتمم السير معه وخرج ابن مروان في أثره فلم يدركهولقب الدولة واستقر في الوزارة ومدحه ابن الفضل وغيره من الشعراء $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة عم الرخص جميع الأصقاع بالبصرة ألف رطل من التمر بثمانية قراريط # وفيها توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن لامة بن جعفر القضاعي بمصر وفيها سار السلطان طغرلبك إلى قلعة الطرم من بلاد الديلم وقرر على مسافر ملكها مائة ألأف دينار وألف ثوب # وفيها مات أبو علوان ثمال بن صالح بن مرداس الملقب معز الدولة بحلب وقام أخوه عطية مقامه # وتوفي الحسن بن علي بن محمد أبو محمد الجوهري ومولده سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وكان من الأئمة المكثرين من سماع الحديث وروايته وهو آخر من حدث عن أبي بكر القطيعي والأبهري وابن شاذان وغيرهم
360
$ ثم دخلت سنة خمس وخمسين وأربعمائة $ $ ذكر ورود السلطان بغداد ودخوله بابنة الخليفة $ # في هذه السنة في المحرم توجه السلطان طغرلبك من أرمنية إلى بغداد وأراد الخليفة أن يستقبله فاستعفاه من ذلك وخرج الوزير ابن جهير فاستبله وكان مع السلطان من الأمراء أبو علي بن الملك أب كاليجار وسرخاب بن بدر وهزارسب وأبو منصور فرامرز بن كاكويه فنزل عسكره في تالجانب الغربي فزاد بهم أذى ووصل عميد الملك إلى الخليفة وطالب بالجهة وبات بالدار فقيل له خطك موجود بالشرط أن المقصود بهذه الوصلة الشرف لا الاجتماع وأنه إن كانت مشاهدة فتكون في دار الخلافة فقال السلطان نفعل هذا ولكن نفرد له من الدور والمساكن ما يكفيه ومعه خواصه وحجابه ومماليكه فإنه لا يمكنه مفارقتهم فينئذ نقلت إلى دار المملكة في منتصف صفر فجلست على سرير ملبس بالذهب ودخل السلطان إليها وقبل الأرض وخدمها ولم تكشف الخمار عن وجهها ولا قامت هي له وحمل لها شيئا كثيرا من الجواهر وغيرها وبقي كذلك يحضر كل يوم ويخدم وينصرف وخلع على عميد الملك وعمل السمط عدة أيام وخلع على جميع الأمراء وظهر عليه سرور عظيم وعقد ضمان بغداد على أبي سعيد القايني بمائة وخمسين ألف دينار فأعاد ما كاد أطلقه رئيس العراقين من المواريث والمكوس وقبض على الأعرابي سعد ضامن البصرة وعقد ضمان واسط على أبي جعفر بن صقالب بمائتي ألف دينار $ ذكر وفاة السلطان طغرلبك $ # في هذه السنة سار السلطان من بغداد في ربيع الأول إلى بلد الجبل فوصل إلى الري واستصحب معه أرسلان خاتون ابنة أخيه زوجة الخلبفة لأنها شكت إطراح
361
الخليفة لها فأخذ معه فمرض وتوفي يوم الجمعة ثامن شهر رمضان وكان عمره سبعين سنة تقريبا وكان عقيما لم يلد ولدا وكان وزيره الكندري على سبعين فرسخا فأتاه الخبر فسار ووصل إليه في يومين وهو بعد لم يدفن فدفنه وجلس له الوزير فخر الدولة بن جهير ببغدد للعزاء وحكى عنه الكندري أنه قال رأيت وأنا بخراسان في المنام كأنني رفعت إلى السماء وأنا في ضباب لا بصر معه شيئا غير أِي أشم رائحة طيبة وأنني أنادي إِك قريب من الباري جلت قدرته فاسأل حاجتك لتقضي فقلت لك في نفسي اسأل الله طول العمر فقيل لك سبعون سنة فقلت يارب ما يكفيني فقيل لك سبعون سنة فقال يارب ما يكفيني فقيل لك سبعون سنة فقلت يارب لا يكفيني # فلما مات حسب عميد الملك عمره على التقريب فكان سنة وكانت مملكته بحضرة الخلافة سبع سنين وأحد عشر شهرا واثنى يوما # وأما الأحوال بالعراق بعد وفاته فإنه كتب من ديوان الخلافة إلى شرف الدولة مسلم بن قريش صاحب الموصل إلى نور بن مزيد وغلى هزارسب واعلغى بني ورام وغلى بدر بن المهلهل بالاستدعاء إلى بغداد وأرسل لشرف الدولة تشريفا وعمل أبو سعد القايني ضامن بغداد سورا على قصر عيسى وجمع الغلات فانحدر إبراهيم بن شرف الدولة إلى أوانا وتسلم أصحابه الأنبار وانتشرت البادية في البلاد وقطعوا الطرقات وقدم إلى بغداد دبيس بن مزيد وخرج الوزير ابن جهير لاستقباله وقدم أيضا ورام وتوفي ببغداد أبو الفتح بن ورام مقدم الأكراد الجاوانية فحمل إلى جرجرايا وفارق وشرف الدولة مسلم بغداد ونهب النواحي فسار نور الدولة والأكراد وبنو خفاجة إلى قتاله ثم أرسل إليه من ديوان الخلعة رسول معه خلعه له وكوتب بالرضا عنه وانحدر إليه نور الدولة دبيس فعمل له شرف الدولة سماطا كثيا وكان في الجماعة الأشراف أبو الحسين بن فخر الملك أبي غالب بن خلف كان قصد شرف الدولة مستجديا فمضع لقمة فمات من ساعته وحكى عنه بعض من صحبة أنه سمع ذ1لك اليوم يقول اللهم اقبضني فقد ضجرت من الإضافة فلما توفي ورفع من السماط خاف شرف الدولة أن يظن من حضر أنه تناول طعاما مسموما قصد به غيره فقال يا معشر العرب لا برح منكم أحد ونهض وجلس مكان ابن فخر الملك المتوفي وحعل يأكل من الطعام الذي بين يديه فاسحسن الجماعة فعله وعادوا عنه وخلع على دبيس وولده منصور وعاد
362
إلى حلته ولما رأى الناس ببغداد انتشار الأعراب في البلاد ونهبها حملوا السلاح لقتالهم وكان سببا لكثرة العيارين وانتشار المفسدين $ ذكر شيء من سيرته $ # كان عاقى حليما من أد الناس احتمالا وأكثرهم كتمانا لسره ظفر بملطفات كتبها بعض خواصه غى الملك أبي كاليجار فلم يطلعه على ذلك ولا تغير عليه حتة أظهره بعد مدة طويلة لغيره وحكى عنه أقضى القضاة الماوردي قال لما أرسلني القائم بأمر الله إليه سنة ثللاث وثلاثين كتبت كتابا إلى بغداد أذكر فيه سيرته وخراب بلاده وأطعن عليه بكل وجه فوقع الكتاب من غلامي فحمل إليه فوقف عليهوكتمه ولم يحدثني فيه بشيء ولا تغير عما كان عليه من إكرامي وكان رحمهالله يحافظ على الصلوات ويصوم الاثنين والخميس وكان لبسه الثياب البياض وكان ظلوما غشوما قاسيا وكان عسكره يغصبون الناس أموالهم وأيديهم مطلقة في ذلك نهارا وليلا # وكان كريما فمن فمن كرمه أن أخاه إبراهيم ينال أسر من الروم لما غزاهم بعض ملوكهم فبذل في نفسه أربعمائة ألف دينار فلم يقبل إبراهيم منه وحمله إلى طغرلبك فأرسل ملك الروم إلى نصر الدولة بن مروان حتى خاطب طغرلبك في فكاكة فلما سمع طغرلبك رسالته أرسل الرومي إلى ابن مروان بغير فداء وسير معه رجلا علويا فانفذ ملك الروم إلى طغرلبك ما لم يحمل في الزمان المتقدم وهو ألف ثوب ديباج وخمسمائة رأس من الكراع إلى غير ذلك وأنفذ مائتي ألف دينار ومائة لبنة فضة وثلاثمائة شهري وثلاثمائة حمار مصرية وألف عنز بيض الشعور سود العيون والقرون وأنفذ إلى ابن مروان عشرة أمناء مسكا وعمر ملك الروم الجامع الذي بناه مسلمة بن عبد الملك بالقسطنطينية وعمر منارته وعلق فيه القناديل وجعل في محاربه قوسا ونشابة وأشاع المهادنة $ ذكر ملك السلطان ألب أرسلان $ # لما مات السلطان طغرلبك أجلس عميد الملك الكندي في السلطنة سليمان بن داود جغري بك أخي السلطان طغرلبك # وكان طغرلبك قد عهد إليه بالملك وكانت والدة سليمان عند طغرلبك فلما خطب له بالسلطنة اختلف الأمراء فمضى باغي سليمان وأردام إلى قزوين وخطبا لعضد الدولة ألب أرسلان محمد بن داود جغري بك وهو حينئذ صاحب خراسان ومعه نظام الملك وزيره والناس مائلون إليه فلما رأى
363
عميد الملك الكندري انعكاس الحال عليه أمر بالخطبة بالرأي للسلطان ألب أرسلان وبعده لأخيه سليمان $ ذكر خروج حمو عن طاعة تميم بن المعز بإفريقية $ # في هذه السنة خالف حمو بن مليك صاحب مدينة سفاقس بغفريقية على الأمير تميم بن المعز بن باديس فجمع أصحابه واستعان بالعرب وسار إلى المهدية فسمع تميم الخبر فسار إليه بعساكر وسار معه أيضا طائفة من العرب من زغبة ورياح ووصل حمو إلى سلقطة والتقى الفريقان بها وكان بينهما حرب شديدة فانهزم حمو ومن معه وأخذتهم السيوف فقتل أكثر حماته ونجا بنفسه وتفرقت رجاله وعاد تميم مظفرا منصورا ثم قصد بعد هذه الحادثة مدينة سوسة وكان أهلها قد خالفوا عليه فملكها وعفا عنهم وحقن دماءهم $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في المحرم قبض بصر على الوزير أبي الفرج بن المغربي وفيها دخل الصليحي صاحب اليمن إلى مكة مالكا لها فاحسن السيرة فيها وجلب إليها الأقوات ورفع جور من تقدم وظهرت منه أفعال جميلة # وفيها في ربيع الآخر انقض كوكب عظيم وكان له ضوء كثير # وفيها في شعبان كان بالشام زلزلة عظيمة خرب منها كثير من البلاد وانهدم صور طرابلس # وفيها ملك أمير الجيوش بدر بدمشق للمستنصر صاحب مصر فوصل إليها في الثالث والعشرين من ربيع الآخر وأقام بها واختلف هو والجند فثاروا به ووافقهم العامة فضعف عنهم ففارقها في رجب سنة ست وخمسين # وفيها توفي سعيد بن نصر الدولة بن مروان صاحب آمد من ديار بكر وزهير بن الحسين علي أبي نصر الجذامي الفقي9ه الشافعي تفقه على أبي حامد الإسفرايني وسمع الحديث الكثير ورواته وكان موته بسرخس
364
$ ثم دخلت سنة ست وخمسين وأربعمائة $ $ ذكر القبض على عميد الملك وقتله $ # في هذه السنة قبض ألب أرسلان على الوزير عميد الملك أ [ ي نصر منصور بن محمد الكندري وزير طغرلبك # وسبب ذلك أن عميد الملك قصد خدمة نظام الملك وزير ألب أرسلان وقدم بين يديه خمسمائة دينار واعتذر وانصرف من عنده فسار أكثر الناس معه فخوف السلطان من غائلة ذلك فقبض عليه وأنفذه إلى مرو الروذ وأتى عليه سنة في الاعتقال ثم نفذ اليه غلامين فدخلا عليه وهو محموم فقالا له تب مما أنت عليه ففعل ودخل فودع أهله وخرج إلى مسجد هناك فصلى ركعتين وأراد الغلامان خنقه فقال لست بلص وخرق خرقة من طرف كمه وعصب عينيه فضربوه بالسيف وكان قتله في ذي الحجة ولف في قميص دبيقي من ملابس الخليفة وخرقة كانت البرد التي عند الخلفاء فيها وحملت جثته إلى كندر فدفن عند أبيه وكان عمره يوم قتل نيفا وأربعين سنة وكان سبب اتصاله بالسلطان طغرلبك أن السلطان لما ورد نيسابور طلب رجلا يكتب له ويكون فصيحا بالعربية فدل عليه الموفق والد أبي سهل وأعطاه السعادة وكان فاضلا وانتشر من شعره ما قاله في غلام تركي صغير السن كان واقفا على رأسه يقطع بالسكين قصبة فقال عميد الملك فيه # ( أنا مشغول بحبه % وهو مشغول بلعبه ) # ( لو أراد الله خيرا % وصلاحا لمحبه ) # ( نقلت رقة خديه % إلى قسوة قلبه ) # ( صانه الله فما أكثر % إعجابي في عجبه ) ومن شعره # ( إنت كان بالناس ضيق من مناقشتي % فالموت قد وسع الدنيا على الناس ) # ( مضيت والشامت المغبون يتبعني % فكل لكأس المنايا شارب حاسي )
365
وقال أبو الحسن الباخرزي يخاطب ألب أرسلان عند قتل الكندري # ( وعمك أدناه وأعلى محله % وبوأه من ملكه كنفا رحبا ) # ( قضى كل منكما حق عبده % فخوله الدنيا وخولته العقبى ) # وكان عميد الملك خصيا قد خصاه طغرلبك لأنه أرسله يخطب عليه امرأة ليتزوجها فتزوجها هو وعصى عليه فظفر به وخصاه وأقره على خدمته وقيل بل أعداء أشاعوا عنه أنه تزوجها فخصى نفسه ليخلص من سياسةالسلطة فقال فيه علي أبو الحسن الباخرزي # ( قالوا محا السلطان منه تعزة % سمة الفحول وكان قرما هائلا ) # ( قلت اسكتوا فالان فحولة % لما اعتدى عن أنثييه عاطلا ) # ( فلفحل يأنف أن يسمى بعضه % أنثى لذلك جذه متأصلا ) يعني بالأثنى واحدة الاثنين # وكان شديد التعصب على الشافعية كثير الوقيعة في الشافعي رضي الله عنه بلغ من تعصبه أنه خاطب السلطان في لعن الرافضة على منابر خراسان فأذن في ذلك فأمر بلعنهم وأضاف إليهم الأشعرية فأنف من ذلك أئمة خراسان منهم الإمام أبو القاسم القشيري والإمام أبو المعالي لجويني وغيرهما ففارقوا خراسان وقام امام الحرمين بمكة أربع سنين إلى أن انقضت دولته يدرس ويفتي فلهذا لقب إمام الحرمين فلما جاءت الدولة النظامية أحضر من انتزح منهم وأكرمهم وأحسن إليهم وقيل إه تاب من الوقيعة في الشافعي فإن صح فقد أفلح وإلا ( فعلى نفسا براقش تجنى ) ومن العجب أن ذكره دفن بخوارزم لما خصي دمه مسفوح بمرو وجسده مدفون بكندر ورأسه ما عدا قحفه مدفون بنيسابور ونقل قحفه إلى كرمان لأن نظام الملك كان هناك فاعتبروا يا أولي الأبصار ولما قرب للقتل قال للقاصد إليه قل لنظام الملك بئسما عودت الأتراك قتل الوزراء وأصحاب الديوان ومن حفر قليبا وقع فيه ولم يخلف عميد الملك غير بنت $ ذكر ملك ألب أرسلان ختلان وهراة وصغانيا $ لما توفي طغرلبك وملك ألب أرسلان عصى عليه أمير ختلان بلعته ومنع
366
الخراج فقصده السلطان فراى الحصن منيعا على شاهق فأقام عليه وقاتله فلم يصل منه إلى مراده ففي بعض الأيام باشر ألب أرسلان القتال بنفسه وترجل وصعد في الجبل فتبعه الخلق وتقدموا عليه في الموقف وألحوا في الزحف والقتال وكان صاحب القلعة على شرافة من سورها يحرض الناس على القتا فأتته نشابة من العسكر فقتلته وتسلم ألب أرسلان القلعة وصارت في جملة ممالكة وكان عمه فخر الملك يبغو بن ميكائيل في هراة فعصى أيضا عليه وطمع في الملك لنفسه فسار إليه ألب أرسلان في العساكر العظيمة فحصره وضيق عليه وأدام القتال ليلا ونهارا فتسلم المدينة وخرج عمه إليه فأبقى عليه وأكرمه وأحسن صحبته وسار من هناك إلى صغانيان وأميرها اسمه موسى وكان قد عصى عليه فلما قاربه ألب أرسلان صعد موسى إلى قلعة على رأس جبل شاهق ومعه من الرجال الكماة جماعة كثيرة فوصل السلطان إليه وباشر الحرب لوقته فلم ينتصف النهار حتى صعد العسكر الجبل وملكوا القلعة قهرا وأخذ موسى أسيرا فأمر بقتله فبذل في نفسه أموالا كثيرة فقال السلطان ليس هذا أوان تجارة واستولى على تلك الولاية بأسرها ثم عاد إلى مرو ثم منها إلى نيسابور $ ذكر عود ابنة الخليفة إلى بغداد والخطبة للسلطان ألب أرسلان ببغداد $ # في هذه السنة أمر السلطان ألب أرسلان لسيدة ابنة الخليفة بالعود إلى بغداد وأعلمها أنه لم يقبض على عميد الملك إلا لما اعتمده من نقلها من بغداد إلى الري بغير رضا الخليفة وأمر الأمير إيتكين السليماني بامسير في خدمتها إلى بغداد والمقام بها شحنة وأنفذ أبا سهل محمد بن هبة الله المعروف بابن الموفق للمسير في الصحبة وأمر بالمخاطبة في إقامة الخطبة له فمات في الطريق مجدرا وهذا أبو سهل من رؤساء أصحاب الشافعي بنيسابور وكان يحضر طعامه في رمضان كل ليلة أربعمائة متفقه ويصلهم ليلة العيد بكسوة ودنانير تعمهم فلما سمع بموته أرسل العميد أبا الفتح المظفر بن الحسين فمات أيضا في الطريق فألزم السلطان رئيس العراقيين بالمسير فوصلوا بغداد منتصف ربيع الآخر وخرج عميد الدولة ابن الوزير فخر الدولة بن جهير لتلقيهم واقترح السلطان أن يخاطب بالولد المؤيد فأجيب إلى ذلك ولقب ضياء الدين عضد الدولة وجلس ا لخليفة جلوسا عاما سابع جمادى الأولى وشافه الرسل بتقليد ألب أرسلان للسلطنة وسلمت الخلع بمشهد من الخلق وأرسل إليه من الديوان لأخذ البيعة
367
النقيب طراد لزينبي فوصلوا وهم بنقجوان من أذربيجان فلبس الخلع وبايع للخليفة $ ذكر الحرببين ألب أرسلان وقتلمش $ # سشمع ألب أرسلان أن شهاب الدولة قلتمش وهو من السجلوقية أيضا وهو جد الملوك أصحاب قونية وقيصرية وأقصر وملطية يومنا هذا قد عصى عليه وجمع جموعا كثيرة وقصد الري ليستولي عليها فجهز الب أرسلان جيشا عظيما وسيرهم على المفازة إلى الري فسبقوا قتلمش إليها وسار ألب أرسلان من نيسابور أول المحرم من هذه السنة فلما وصل إلى دامفان أرسل إلى قلتمش ينكر عليه فعله وينهاه عن ارتكاب هذه الحال ويامره بتركها فإنه يرعى له القرابة والرحم فاجاب قتلمش جواب مغتر بمن معه من الجموع ونهب قرى الري وأجرى الماء على وادي الملح وهي سبخة فتعذر سلوكها فقام نظال الملك قد جعلت لك من خراسان جندا ينصرونك ولا يخذلونك ويرمون ذلك بسهام لا تخطىء وهم العلماء والزهاد فقد جعلتهم بالإحسان إليهم من أعظم أعوانك وقرب السلطان من قتلمش فلبس نظام الملك السلاح وعبا الكتائب واصطف العسكران وكان قتلمش يعلم علم النجوم فوقف ونظر فرأى أن طالعه في ذلك اليوم قد قارنه نحوس لا يرى معها ظفر فقصد المحاجزة وجعل السبخ بينه وبين ألب أرسلان ليمتنع من اللقاء فسلك ألب أرسلان طريقا في المياه وخاض غمرته وتبعه العسكر قطلع منه سالماهو وعسكره فصاروا مع قتلمش فاقتتلوا قلم يثبت عسكر قتلمش لعسكر السلطان وانهزموا لساعتهم ومضى منهزما إلى قلعة كردكوه وهي مكن جملة حصونه ومعاقله واستولى القتل والأسر على عسكره فأراد السلطان قتل الأسرى فشفع فيهم نظام الملك فعفا عنهم وأطلقهم ولما سكن الغبار ونزل العسكر وجد قتلمش ميتا ملقى على الأرض لا يدري كيف كان موته قيل إنه مات من الخوف والله أعلم فبكى السلطان لموته وقعد لعزائه وعظم عليه فقده فسلام نظام الملك ودخل ألب أرسلان إلى مدينة الري آخر المحرم من ا لسنو ومن العجب أن هذا قتلمش كان يعلم علم النجوم قد أ تقنه مع أنه تركي ويعلم غيره من علوم للقوم ثم إن أولاده من بعده لم يزالوا يطلبون هذه العلوم الأولية ويقربون أهلها قتالهم لهذا غضاضة في دينهم وسيرد
368
من أخبارهم ما يعلم منه ذلك وغيره من أحوالهم $ ذكر فتح ألب أرسلان مدينة آتي وغيرها من بلاد النصرانية $ # ثم سار السلطان من الري أول ربيع الأول وسار إلى أذربيجان فوصل إلى مرند عازما على قتال الروم وغزوهم فلما كان بمرند أتاه أمير من أمراء التركمان كان يكثر غزو الروم اسمه طغدكين ومعه من عشيرته خلق كثير قد ألفوا الجهاد وعرفوا تلك البلاد وحثه على قصد بلادهم وضمن له سلوك الطريق المستقيم إليها فسلك بالعساكر في مضايق تلك الأرض ومخارمها فوصل إلى نقجوان فأمر بعمل السفن لعبور نهر رأس فقيل له إن سكان خوي وسلماس من أذربيجان لم يقوموا بواجي الطاعة وإنهم قد امتنعوا ببلادهم فسير إليهم عميد خراسان ودعاهم إلى الطاعة وتهددهم إن امتنعوا فأطاعوا وصاروا من جملة حزبه واجتمع عليه هناك من الملوك والعساكر ما لا يحصى فلما فرغ من جمع العساكر والسفن سار إلى بلاد الكرج وجعل مكانته في عسكره ولده ملكشاه ونظام الملك وزيره فسار ملكشاه ونظام الملك إلى قلعة فيها جمع كثير من الروم فنزل أهلها منها وتخطفوا من العسكر وقتلوا منه فئة كثيرة فنزل نظام الملك وملكشاه وقاتلوا من بالقلعة وزحفوا إليهم فقتل أمير القلعة وملكها المسلمون وساروا منها إلى قالعة سرمالي وهي قلعة فيها المياه الجارية والبساتين فقاتلوها وملكوها وأنزلوا منها أهلها وكان بالقرب منها قلعة أخرى ففتحها ملكشاه وأراد تخريبها فنهاهه نظام الملك عند لك وقال هي ثغر للمسلمين وشحنها بالرجال والذخائر وألأموال والسلاح وسلم هذه القلاع إلى أمير نقجوان وسار ملكشاه ونظام الملك إلى مدينة مريمتشين وفيها كثير من الرهبان والقسيسين وملوك النصارى وعامتهم يتقربون إلى أهل هذه البلدة وهي مدينة حصينة سورها من الأحجار المبار الصلبة المشدودة بالرصاص والحديد وعندها نهر كبير فاعد نظام الملك لقتالها ما يحتاج إليه من السفن وغيرها وقاتلها وواصل قتالها ليلا ونهارا وجعل العساكر عليها
369
يقاتلون بالنوبة فضجر الكفار وأخذهم الإعيار والكلال فوصل المسلمون إلى سورها ونصبوا عليه السلالم وصعدوا إلى أعلاه لأن المعاول كلت عن نقبه لقوة حجره فلما رأى أهلها المسلمين على السور فت ذلك في أعضادهم وسقط في أيديهم ودخل ملكشاه البلد ونظام الملك وأحرقوا البيع وخربوها وقتلوا كثيرا من أهلها وأسلم كثير فنجوا من القتل واستدعى ألب أرسلان إليه ابنه نظام الملك وفرح بما يسره الله من الفتح على يد ولده وفتح لملكشاه في طريقه عدة من القلاع والحصون وأسر من النصارى ما لا يحصون كثرة وساروا إلى سبيذشهر فجرى بين أهلها وبين المسلمين حروب شديدة وستشهد فيها كثير من المسلمين ثم إن الله تعالى يسر فتحها فملكها ألب أرسلان وسار منها إلى مدينة أعل لال وهي حصينة عالية الأسوار شاهقة البنيان وهي من جهة الشرق والغرب على جبل عال وعللى الجبل عدة من الحصون ومن الجانبين الآخرين نهر كبير لا يخاض فلما رآها المسلمون علموا عجزهم عن قتحها والاستيلاء عليها وكان ملكها من الكرج وهكذا ماتقدم من البلاد التي ذكرنا فتحها وعقد السلطان جيرا على النهر عريضا واشتد القتال وعظم الخطب فخرج من المدينة رجلان يستغيثان ويطلبان الأمان والتمسا من السلطان أن يرسل معهما طائفة من العسكر فسير جمعا صالحا فلما جازوا الفصيل أحاط بهم الكرج من أهل المدينة قاتلوهم فأكثروا القتل فيهم ولم يتمكن المسلمون من الهزيمة لضيق المسلك وخرج الكرج من البلد وقصدوا العسكر واشتد القتال وكان السلطان ذلك الوقت يصلي فاتاه الصريخ فلم يبرح حتى فرغ من صلاته وركب وتقدم من الكفار فقاتلهم وكبر المسلمون عليهم فولوا منهزمين فدخلوا البلد والمسلمين معهم ودخلها السلطان وملكها واعتصم جماعة من أهلها في برج من أبراج المدينة فقاتلهم المسلمون فأمر السلطان بإلقاء الحطب حول البرج وأحراقه فعل ذلك وأحرق البرج ومن فيه وعاد السلطان إلى خيامه وغنم المسلمون من المدينة ما لا يحد ولا يحصى # ولما جن الليل عصفت ريح شديدة وكان قد بقي من تلك النار التي أحرق بها البرج بقية كثيرة فأطارتها الريح فاحترقت المدينة بأسرها وذلك في رجب سنة ست وخمسين وملك السلطان قلعة حصينة كانت إلى جانب تلك المدينة وأخذها وسار منها إلى ناحية فرس ومدينة آني وبالقرب منها ناحيتان يقال لهما دسل ورده ونورة فخرج أهلها مذعنين بالإسلام وخربوا البيع وبنوا المساجد وسار منها إلية مدينة آني فوصل إليها فرآها مدينة حصينة شديدة الامتناع لا ترام ثلاثة
370
أرباعها على نهر أرس والربع الآخر عميق شديد الجرية لو طرحت فيه الحجارة الكبار لدحلها وحملها والطريق إليها على خندق تليه سور من الحجارة الصم وهي بلد كبيرة عامرة فيها ما يزيد على خمسامائة بيعة فحصرها وضيق عليها إلا أن المسلمين قد أيسوا من فتحها لما أرادوا من حصانتها فعمل السلطان برجا من خشب وشحنه بالمقاتلة ونصب عليه المنجنيق ورماة النشاب فكشفوا الروم عن السور وتقدم المسلمون إليه لينقبوه فأتاهم من لطف الله ما لم يكن في حسبانهم فانهدمت قطعة كبيرة من السور بغير سبب فدخلوا المدينة وقتلوا من أهلها ما لا يحصى بحيث أن كثيرا من المسلمون عجزوا عن دخول البلد من كثرة القتلى وأسروا نحوا مما قتلوا # وسارت البشرى بهذه الفتوح في البلاد فسر المسلمون وقرىء كتاب الفتح ببغداد في دار الخلافة فبرز خط الخليفة بالثناء على ألب أرسلان والدعاء له ورتب فيها أميرا في عسكر جراد وعاد عنها وقد راسله ملك الكرج في الهدنة فصالحه على أداء الجزية كل سنة فقبل ذلك # ولما رحل السلطان عائدا قصد أصبهان ثم سار منها إلى كرمان فاستقبله أخوهو قاروت بك بن جغري بك داود ثم سار منها إلى مرو فزوج ابنه ملكشاه بابنة خاقان ملك ما وراء النهر وزفت إليه في هذا الوقت وزوج ابنة أرسلان شاه بابنة صاحب غزنة واتحد البيتان البيت السلجوقي والبيت المحمودي واتفقت الكلمة $ ذكر عدة حوادث $ # ف هذه السنة في ربيع الأول ظهر بالعراق وخوزستان وكثير من البلاد جماعة من الأكراد خرجوا يتصيدون فرأوا في البرية خيما سودا وسمعوا منها لطما شديدا وعويلا كثيرا وقائلا يقول قد مات سيدوك ملك الجن وأي بلد لم يلطم أهله عليه ويعملون له العزاء قلع أصله وأهلك أهله فخرج كثير من النساء في البلاد إلى المقابر يلطمن وينحن شعورهن وخرج رجال من سفلة الناس يفعلون ذلك وكان ذلك ضحكة عظيمة ولقد جرى في أيامنا نحن في الموصل وما والاها من البلاد إلى العراق وغيرها نحو هذا وذلك أن الناس سنة ستمائة أصابهم وجع كثير في حلوقهم ومات منه كثير من الناس فظهر ان امرأة من الجن يقال لها أم عنقود مات ابنها عنقود وكل من لا يعمل له مأتما أصابه هذا المرض فكثر فعل ذلك وكانوا يقولون يا أم عنقود اعذرينا قد مات عنقود ما درينا وكان النساء يلطمن وكذلك الأوباش
371
# وفيها ولي أبو الغنائم المعمر بن محمد بن عبيد الله ا لعلوي نقابة العلويين ببغداد وإمارة الموسم ولقب بالطاهر ذي المناقب وكان المرتضى أبو الفتح أسامة قد استعفى من النقابة وصاهر بني خفاجة وانتقل معهم إلى البرية وتوفي أسامة بمشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام في رجب سنة اثنتين وسبعين # وفيها في جمادى الآخرة توفي أبو القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي النحوي المتكلم كان له اختيار في الفقه وكان عالما بالنسب ويمشي في الأسواق مكشوف الرأس ولم يقبل من أحد شيئا وكان موته في جمادى الآخرة وقد جاوز ثمانين سنة وكان يميل إلى مذهبه مرجئة المعتزلة ويعتقد أن الكفار لا يخلدون في النار # وفيها انقض كوكب عظيم وكثر نوره فصار أكثر من نور القمر وسمع له دوي عظيم ثم غاب
372
$ ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمائة $ $ ذكر الحرب بين بني ححماد والعرب $ # في هذه ا لسنة كانت الحرب بين الناصر بن علناس بن حماد ومن معه من رجال المغربة ومن صنهاجة ومن زناتة العرب عدي والأثبج وبين رياح وزغبة وسليم زمع هؤلاء المعز بن زيري الزناتي على مدينة سبة وكان سببها أن حماد بن بلكين جد الناصر كان ب ينه وبين باديس بن المنصور من الخلف وموت باديس محاصرا قلعة حماد ماهو مذكور ولولا تلك القلعة لأخذ سريعا وإنما امتنع هو وأولاده بعده بها وهي من أمنع الحصون وكذلم ما استمر بين القائد ابن حماد والمعز بن باديس ودخول حماد في طاعته ما تقدم ذكره وكذلك أيضا ما كان بين القائد ابن حماد وبين المعز وكان القائد يضمر الغدر وخلع طاعة المعز والعجز يمنعه من ذلك فلما رأى القائد قوة العرب وما نال المعز منهم خلع الطاعة واستبد بالبلاد وبعده ولده محسن وبعده ابن عمه بلكين بن محمد بن حماد وبعده ابن عمه الناصر بن علناس بن محمد بن حماد وكل منهم متحصن بالقلعة وقد جعلوا دار ملكهم فلما رحل المعز من القيروان وصبرة إلى المهدية تمكنت العرب ونهبت الناس وخربت البلاد وانتقل كثير من أهلها إلى بلاد بني ححماد لكونها جبالا وعرة يمكن الامتناع بها من العرب فعمرت بلادهم وكثرت أموالهم وفي نفوسهم الضغائن والحقود من باديس ومن بعده من أولادهم يرثه الصغير عن كبير وولي تميم بن المعز بعد أبيه فاستبدل كل من هو ببلد وقلعة بمكانه وتميم صابر يداري ويتجلد واتصل بتمبم أن الناصر بن علناس يقع فيه في مجلسه ويذمه وأنه عزم على المسير إليه ليحاصره بالمهدية وأنه قد حالف بعض صنهاجة وزناتة وبني هلال ليعينوه على حصار المهدية فلما صح ذلك عنه أرسل إلى أمراء بني رياح فأحضرهم إليه وقال أنتم تعلمون أن المهدية حصن منيع أكثره في البر غير أربعة أبراج يحميها أربعون
373
رجلا وإنما جمع الناصر هذه العساكر إليكم فقالوا الذي تقوله حق ونحب منك المعونة فأعطاهم المال والسلاح من الرماح والسيوف والدروع والدرق فجمعوا قومهم وتحالفوا واتفقوا على لقاء الناصر وأرسل إلى من مع الناصر من بنى هلال يقبحون عندهم مساعدتهم للناصر ويخوفونهم منه إن قوي وأنه يهلكهم بمن معه من زناتة وصنهاجة وأنهم إنما يستمر لهم المقام والاستيلاء على البلاد إذا تم الخلف وضعف السلطان فأجابهم بنو هلال إلى الموافقة وقالوا اجعلوا أول حملة تحملونها علينا فنحن نهزم بالناس ونعود عليهم ويكون لنا ثلث الغنيمة فأجابهم إلى ذلك واستقر الأمر وأرسل المعز بن زبري الزناتي إلى من مع الناصر من زناتة بنحو ذلك فوعدوه أيضا أن ينهزموا فحينئذ رحلت رياح وزناتة جميعها وسار إليهم الناصر بصنهاجة وزناتة وبني هلال فالتقت العساكر بمدينة سنتة فحملت رياح على بني هلال وحمل المعز على زناتة فانهزمت الطاثفتان وتبعهم عساكر الناصر منهزمين ووقع فيهم القتل فقتل فيمن قتل القاسم بن علناس أخو الناصر وكان مبلغ من قتل من صنهاجة وزناتة أربعا وعشرين ألفا وسلم الناصر في نفر يسير وغنمت العرب جميع ماكان في العسكر من مال وسلاح ودواب وغير ذلك فاقتسموها على ما استقر بينهم وبهذه الوقعة تم للعرب ملك البلاد فإنهم قدموها في ضيق وفقر وقلة دواب فاستغنوا وكثرت دوابهم وسلاحهم وقل المحامي عن البلاد وأرسلوا الألوية والطبول وخيم الناصر بدوابها إلى تميم فردها وقال يقبح بي أن آخذ سلب ابن عمي فأرضي العرب بذلك $ ذكر بناء مدينة بجاية $ # لما كانت هذه الوقعة بين بني حماد والعرب فاهتم تميم بن المعز لذلك وأصابه حزن شديد شديد فبلغ ذلك الناصروكان له وزير اسمه أبو بكر بن أبي الفتوح وكان رجلا جيدا يحب الإتفاق بينهم ويهوى دولة تميم فقال الناصر ألم أشر عليك أن لا تقصد ابن عمك وان تتفقوا على العرب فإنكما لو اتفقتما لأخرجتما العرب فقال الناصر لقد صدقت ولكن لا مرد لما قدر فأصلح ذات بيننا فأرسل الوزير رسولا إلى الناصر فاستشار أصحابه فاجتمع رأيهم على محمد بن البعبع وقاوا له هذا رجل غريب وقد أحسنت إليه وحصل له منك الأموال والأملاك فأحضره وأعطاه مالا ودواب
374
وعبيد وأرسله فسار مع الرسول حتى وصل إلى الناصر فلما أوزصل الكتاب وأدى الرسالة قال للناصر معي وصية إليك وأحب أن تخلي المجلس فقال الناصر أنا لا أخفي عن وزيري شيئا فقال بهذا أمرني الأمير تميم # فقام الوزير أبو بكر وانصرف فلما خرج قال الرسول يامولاي إن الوزير مخامر عليك هواه مع الأمير تميم لا يخفى عنه من أمورك شيئا وتميم مشغول مع عبيد قد استبد بهم وأطرح صنهاجة وغير هؤلاء ولو وصلت بعسكرك ما بت إلا فيها لبغض الجند والرعية لتميم وأنا أشير عليك بما تملك به المهدية وغيرهاوذكر له عمارة بجايةوأشار عليه أن يتخذها دار ملك ويقرب من بلاد إفريقية وقال له أنا أنتقل إليك بأهلي وأدبر دولتك فأجابه الناصر إلى ذلك وارتاب بوزيره وسار مع الرسول إلى بجاية وترك الوزير بالقلعة فلما وصل الناصر والرسوزل إلى بجاية أراه موضع المينا والبلد والدار السلطانية وغير ذلك فأمر الناصر من ساعته بالبناء والعمل وسر بذلك وضشكره وعاهده على وزارته إذا عاد إليه ورجعا إلى القلعة فقال الناصر لوزيره إن هذا الرسول محب لنا وقد أشار ببناء بجاية عقيب مسيره إليهم وحضوره مع الناصر فيها وكان الرسول قد طلب من الناصر أن يرسل معه بعض ثقاته ليشاهد الأخبار ويعود بها فأرسل معه رسولا يثق به فكتب معه إنني لم ا اجتمعت بتميم لم يسالني عن شيء قبل سؤاله عن بناء بناء بجاية وقد عظم أمرها عليه واتهمني فانظرغلى من يثق به من العرب ترسلهم إلى موضع كذا فإني سائر إليهم مسرعا وقد أخذت عهود زويلة وغيرها على طاعتك وسير الكتاب فلما قرأه الناصر سلمه إلى الوزير فاستحسن الوزير ذلك وشكره وأثنى عليه وقال لقد نصح وبالغ في الخدمة فلا تؤخر عنه إنفاذ العرب ليحضر معهم ومضى الوزير إلى داره وكتب نسخة الكتاب وأرسل الكتاب الذي بخط الرسول إلى تميم وكتابا منه يذكر له الحال من أوله إلى آخره # فلما وقف تميم على الكتاب عجب من ذلك وبقي يتوقع له سببا يأخذه به إلا أنه جعل عليه من يحرسه في الليل والنهار من حيث لا يشعر فأتى بعض ألئك الحرس إلى تميم وأخبره أن الرسول صنع طعاماوأحضر عنده الشريف الفهري وكان هذا الشريف من رجال تميم وخواصه فأحضره تميم فقال كنت واصلا إليك وحدثه ان ابن البعبع الرسول دعاني فلما حضرت عنه قال أنا في ذمامك أحب أن تعرفني مع من اخرج من المهدية فمنعه من ذلك وهو خائف فأوقفه تميم على الكتاب الذي بخطه وأمره
375
بغحضاره فأحضره الشريف فلما وصل إلى باب السلطان لقيه رجل بكتاب العرب الذين سيرهم الناصر ومعهم كتاب الناصر ومعهم كتاب الناصر إليه يأمره بالحضور عنده فأخذ الكتاب وخرج الأمير تميم فلما رآه السلطان ابن البعبع سقطت الكتب منه فإذا عنوان أحدهما الناصر بن علناس إلى فلان فقال له تميم من أين هذه الكتب فسكت فأخذها وقرأها فقال الرسول ابن البعبع العفو يا مولانا فقال لا عفا الله عنك وأمر به فقتل وغرقت جثته $ ذكر ملك ألب أرسلان جند وصيران $ # في هذه السنة عبر ألب أرسلان جيحون وسار إلى جند وصيران وهما عند بخارى وقبر جده سلجوق بجند فلما عبر النهر استقبله ملك جند وأطاعه وأهدى له هدايا جليلة فلم يغير ألب أرسلان عليه شيئا وأقره على ما بيده وعاد عنه بعد أن أحسن إليه وأكرمه ووصل إلى كركانج خوارزم منها إلى مرو $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة ابتدىء بعمارة المدرسة النظامية ببغداد # وفيها انقض كوكب عظيم وصار له شعاع كثير أكثر من شعاع القمر وسمع له صوت مفزع # وفيها توفي محمد بن أحمد أبو الحسين بن الأبنوسي روى عن الداقطني وغيره
376
$ ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وأربعمائة $ $ ذكر عهد ألب أرسلان بالسلطنة لابنه ملشاه $ # في ه1ه السنة سار ألب أرسلان من مرو إلى رايكان فنزل بظاهرها ومعه جماعة امراء دولته فأخذ عليهم العهود والمواثيق لولده ملكشاة بأن السلطان بعده وأربكه ومشى بين يديه يحمل الغشية وخلع السلطان على جميع الأمراء وأمرهم بالخطبة له في جميع البلاد التي يحكم إلياس عليها ففعل ذلك وأقطع البلاد ماذندران للأمير إينانج يبغو وبلخ لأخيه سليمان بن داود جغري بك وخوارزم لأخيه وولاية بغشور ونواحيها لمسعود بن أرناش وهو من أقارب السلطان وولاية اسفزار لمودود بن أرتاش $ ذكر استيلاء تميم على مدينة تونس $ # في هذه السنة سير تميم صاحب إفريقية عسكرا كثيفا إلى مدينة تونس وبها أحمد بن خراسان قد أظهر عليه الخلاف وسبب ذلك أن المعز بن باديس أبا تميم لما فارق القيروان والمنصورية ورحل إلى المهدية على ما ذكرناه استخلف على القيروان وعلى قابس قائد بن ميمون الصنهاجي وأقام بها ثلاث سنين ثم غليته هوارة عليها فسلمها إليهم وخرج إلى المهدية فلما ولي الملك تميم بن المعز بعد أبيه رده إليها وأقام عليها إلى الآن # ثم أظهر الخلاف على تميم والتجأ إلى طاعة الناصر بن علناس بن حماد فسير إليه تميم الآن عسكرا كثيرا فلما سمع بهم قائد بن ميمون علم أنه لا طاقة له بهم فترك القيروان وسار إلى الناصر فدخل عسكر تميم القيروان وخربوا دور القائد وسار العسكر إلى قابس وبها ابن خراسان فحصروه بها سنة وشهرين ثم أطاع ابن خراسان تميما وصالحه وأما القائد فإنه أقام عند الناصر ثم أ رسل إلى امراء العرب فاشترى منهم إمارة القيروان فأجابوه إلى ذلك فعاد إليها فبنى سورها وحصنها
377
$ ذكر ملك شرف الدولة الأنبار وهيت وغيرهما $ في هذه السنة سار شرف الدولة مسلم بن قريش بن بدران صاحب الموصل إلى السلطان ألب أرسلان فأقطعه الأنبار وهيت وحربى والسن والبوازيج ووصل إلى بغداد فخرج الوزير فخر الدولة بن جهير في الموكب فلقيه ونزل شرف الدولة بالحيم الطاهري وخلع عليه الخليفة $ ذكر عدة حوادث $ # في العشر الأول من جمادى الأولى ظهر كوكب كبير له ذؤابة طويلة بناحية المشرق عرضها نحو ثلاث أذرع وهي ممتدة إلى وسط السماء وبقي غفى السماء والعشرين من الشهر وغاب ثم ظهر آخر الشهر المذكور عند غروب تالشمس كوكب قد استدار نوره عليه القمر فارتاع الناس وانزعوا ولما أظلم الليل صار له ذوائب نحو الجنوب وبقي عشرة أيام ثم اضمحل # وفيها في جمادى الآخرة كانت يخراسان والجبال زلزلة عظيمة يقيت تتردد أياما تصدعت منها الجبال وأهلكت خلقا كثيرا وانخسف منها عدة قرى وخرج الناس إلى الصحراء فأقاموا هناك # وفيها في جمادى الأولى وقع حريق بنهر معلى فاحترق من باب الجريد إلى آخر السوق الجديد من الجانبين وفيها ولدت صببية بباب الأزح ولدا برأسين ورقبتين ووجهين وأربع أيدي على بدن واحد # وفي جمادى الآخرة توفي الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ومولده سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وكان إماما في الحديث والفقه على المذهب الشافعي وله فيه مصنفات أحدها السنن الكبير عشر مجلدات وغيره من التصانيف الحسنة كان عفيفا زاهدا ومات بنيسابور
378
# وفي شهر رمضان منها توفي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي ومولد سنة ثمانين وثلاثمائة وعنه انتشر مذهب أحمد رضي الله عنه وكان إليه قضاء الحريم ببغداد بدار الخلافة وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المخص تعالى الله عن ذلك وكان ابن تميمي الحنبلي يقول لقد خرى أبو يعلى الفراء على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء
379
$ ثم دخلت سنة تسع وخمسين وأربعمائة $ $ ذكر عصيان ملك كرمان على ألب أرسىن وعوده إلى طاعته $ # في هذه السنة عصى ملك كرمان وهو قرا أرسلان على السلطان ألب أرسلان وسبب ذلك أنه كان له وزير جاهل سولت له نفسه الاستبداد بالبلاد عن السلطان وأن صاحبه إذا عصى احتاج إلى التمسك به فحسن لصاحبه الخلاف على السلطان فأجاب إلى ذلك وخلع الطاعة وقطع الخطبة فسمع ألب أرسلان فسار إلى كرمان فلما قاربها وقعت طليعته على طليعة قرا أرسلان فانهزمت طليعة قرا أرسلان بعد قتال # فلما سمع قرا أرسلان وعسكره بانهزام طليعتهم خافوا وتحيروا فانهزموا لا يلوي أحد على آخر فدخل فرا أرسلان إلى جيرفت وامتنع بها وأرسل إلى السلطان ألب أرسلان مظهر الطاعة ويسأل العفو عن زلته فعفى عنه وحضر عند السلطان فأكرمه وبكى وأبكى من عنده فأعاده إلى مملكته ولما يغير عليه شيئا من حاله فقال للسلطان إن لي بنات تجهيزهن إلأيك وأمورهن إليك فأجابه إلى ذلك وأ ' طى كل واحدة منهن مائة ألف دينا سوى الثياب والأقطاعات ثم سار منها إلى فراس فوصل إلى اصطخر وفتح قلعتها واستنزل واليها فحمل إليه الوالي ايا عظيمة جليلة المقدام من جملتها قدح فيرروزج فيه منوان من المسك المكتوب عليه اسم جمشيد الملك زوأطاعة جميع حصون فارس # وبقي قلهة يقتال لها بهنزاد فسار نظام الملك إليها وحصرها تجت جبلها وأعطى كل من رمى بسهم وأصاب قبضة من الدنانير ومن رمى حجرا ثوب نفيسا ففتح القعلة في اليوم السادس عشر من نزوله ووصل السلطان إليه بعد الفتح فعظم محل نظام الملك عنده فأعلى منزلته وزاد في تحكيمه $ ذكر عدة حوادث $ # في المحرم منها توفي الأغر أبو سعد ضامن البصرة على باب السلطان بالري
380
وعقدت البصرة وواسط على هزارسب بثلاثمائة ألف دينار وفي صفر منها وصل إلى بغداد شرف الملك أبو سعد المستوفي وبنى على مشهد أبي حنيفة رضي اله عنه مدرسة لأصحابه وكتب الشريف أبو جعفر بن البياضي على القبة التي أحدثها # ( ألأم تر أن العلم كان مشتتا % فجمعه هذا المغيب في اللحد ) # ( كذلك كانت هذه الأرض ميتة % فأنشرها فضل العميد أبي سعد ) # وفيها في جمادى الأولى وصلت أرسلان خاتون أخت السلطان ألب أرسلان وهي زوجة الخليفة غلة بغداد واستقبلها فخر الدولة بن جهير الوزير على فراسخ # وفيها في ذي القعدة احترقت تربة معروف الكرخي رحمة الله عليه وسبب حريقها أن قينها كان مريضا فطبخ لنفسه ماء الشعير فاتصلت النار بخشب وبواري كانت هناك فأحرقته واتصل الحريق فأمر الحليفة أبا سعد الصوفي شيخ الشيوخ يعمارتها # وفيها في ذي القعدة فرغت عمارة المدرسة النظامية وتقرر التدريس بها للشيخ أبي إسحاق الشبرازي فلما اجتمع الناس لحضور الدرس وانتظروا مجيئه تأخر فطلب فلم يوجد وكان سبب تأخره أنه لقيه صبي فقال له كيف تردس في مكان مغصوب فتغير نيته عن التدريس بها # فلما ارتفع النهار وأيس الناس من حضوره أشار الشيخ أبو منصور بن يوسف بأبي نصر بن الصباغ صاحب كتاب الشامل وقال لا يجوز أن ينفصل هذا الجمع الإ عن مدرس ولم يبقى ببغداد من بم يحضر غير الوزير فجلس أبو نصر للدرس وظهر الشيخ أبو إسحاق قبل ذلك # ولما بلغ نظام الملك الخبر أقام القيامة على العميد أبي سعد ولم يزل يرفق بالشيخ أبي إسحاق حتى درس بالمدرسة وكان مدة تدريس ابن لصباغ عشرين يوما # في ذي القعدة قتل الصليحي أمير اليمن بنمدينة المهجر قتله أحد أمرائها وأقيمت الدعوة العباسية هناك وكان قد ملك مكة على ما ذكرناه سنة خمس وخمسين وأمن الحجاج في أيامة فأثنوا عليه خيرا وكسى البيت بالحرير الأبيض الصيني ورد حلي البيت إليه وكان بنو حسن قد أخذوه وحملوه إلى اليمن فابتاعه الصليحي منهم # وفيها توفي عمر بن إسماعيل بن محمد أبو علي الطوسي قاضيها وكان يلقب العراقي لطول مقامه ببغداد وتفقه على أبي طاهر الإسفرايني الشافعي وأبي محمد الشاشي وغيرهما
381
$ ثم دخلت سنة ستين وأربعمائة $ $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة كانت حرب بين شرف الدولة بن قريش وبين بني كلاب بالرحبة وهم في قاعة العلوي المصري فكسرهم شرف الدولة وأخذ أسلابهم وأرسل أعلاما كانت معهم عليها سمات المصري بغداد وكسرت وطيف بها في البلط وأرسلت الخاع إلى شرف الدولة # وفيها في جمادى الأولى كانت بفلسطين ومصصر زلزلة شديدة خربت الرملة وطلع الماء من رؤوس الآبار وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألف نسمة وانشقت الصخرة بالبيت المقدس وعادت بإذن الله تعالى وعاد البحر من الساحل مسيرة يوم فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون منه فرجع الماء عليهم فأهلك منهم خلقا كثيرا # وفيها في رجب ورد أبو العباس الخوافي بغداد عميدا من جهة السلطان # وفيها عزل فخر الدولة بن جهير من وزارة الخليفة فخرج من بغداد إلى نور الدولة دبيس بن مزيد بالفلوجة وأرسل الخليفة إلى أبي يعلى والد الوزير أبي شجاع يستحضره ليوليه الوزارة وكان يكتب لهزارسب بن بنكير فسار فأدركه أجله في الطريق فمات ثم شفع نور الدولة في فخر الملك بن جهير فأعيد إلى الوزارة سنة إحدى وستين في صفر # وفيها كان بمصر غلاء شديد وانضقى سنة إحدى وستين واربعمائة # وفيها حاصر الناصر بن علناس الأربس بإفريقية فأمن ففتحها وأمن أهلها # وفيها في المحرم توفي الشيخ أبو منصور بن عبد الملك بن يوسف ورثاه ابن الفضل وغيره من الشعراء وعم مصابة المسلمين وكان من أعيان الزمان فمن أفعالع أنه تسلم المارستان العضدي وكان قد دثر واستولى عليه الخراب فجد في عمارته وجعل فيه ثمانية وعشرين طبيبا وثلاثة من الخران إلى غير ذلك واشترى له الأملاك النفيسة بعد أن كان ليس به طبيب ولا دواء وكان كثير المعروف والصلات والخير ولم يكن يلقب في زمانه أحد يالشيخ الأجل سواه
382
وفي المحرم أيضا توفي أبو جعفر الطوسي فقيه الإمامية بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
383
$ ثم دخات سنة إحدى وستين وأبعمائة $ $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في صفر أعيد فخر الدولة بن جهير إلى وزارة الخليفة على ما ذكرناه فلما عاد مدحه ابن الفضل فقال # ( قد رجع الحق إلى نصابه % وأنت من كل الورى أولى به ) # ( ما كنت الإ السيف سلته ييد % ثم أعادته إلى قرابه ) # وهي طويلة # وفي شعبان احترق جامع دمشق وكان سبب احتراقه أنه وقع بدمشق بين المغرابة أصحاب المصريين والمشارقة فشربوا دار مجاورة للجامع بالنار فاحترقت واتصلت بالجامع وكانت العامة تعين المغاربة فتركوا القتال واشتغلوا بإطفاء النار من الجامع فعظم الخكطب واشتد الأمر وأتى الحريق على الجامع فدثرت محاسنه وزال ما كان فيه من الأعمال النفيسة
384
$ ثم دخلت سنة اثنتين وستين وأربعمائة $ $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة أقبل ملك الروم من القسطنطينة في عسكر كثيف إلى الشام ونزل على مدينة منبج ونهبها وقتا أهلها وهزم محمود بن صالح بن مرداس وبني كلاب وابن حسان الطائي ومن معهما من جموع العرب ثم إن ملك الروم ارتحل وعاد إلى بلاده ولم يمكنه المقام لشدة الجوع # وفيها سار أمير الجيوش بدر من مصر في عساكر كثيرة إلى مدينة صور وحصرها وكان قد تغلب عليها القاضي عين الدولة بن أبي عقيل فلما حصره وأرسل القاضي إلى الأمير قرلوا مقدم الأتراك المقيمين بالشام يستنجده فسار في اثني عشر الف فارس فحصر مدينة صيدا وهي لأمير الجيوش بدر فرحل حينئذ بدر فعاد الأتراك فعاودوا بدر حصر صور برا وبحرا سنة وضيق على أهلها حتى أكلوا الخبز كل رطل بنصف دينار ولم يبلغ غرضه فرحل عنها # وفيها سارت دار ضرب الدنانير ببغداد في يد وكلاء الخليفة وسبب ذلك أن البهرد كثر في أيدي الناس على السكك السلطانية وضرب اسم ولي العهد على الدينار وسمي الأميري ومنع من التعامل بسواه # وفيها ورد رسول صاحب مكة محمد بن أبي هاشم ومعه ولده إلى السلطان ألب أرسلان يخبره بإقامة الخطبة للخليفة القائم بأمر الله وللسلطان بمكة وإسقاط خطبة العلوي صاحب مصر وترك الأذان على خير العامل فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعا نفيسة وأجرى له كل سنة عشرة آلاف دينار # وقال إذا فعل أمير المدينة مهنا كذلك أعطيناه عشرين ألف دينار وكل سنة خمسة آلاف دينار # وفيها تزوج عميد الدول بن جهير بابنة نظام الملك لالري وعاد إلى بغداد
385
# وفيها في شهر رمضان توفي تاج الملوك هزارسب بن بكير بن عياظ بأصبهان وهو عائد من عند السلطان إلى خوزستان وكان قد علا أمره وتزوج بأخت السلطان وبغى على نور الدولة دبيس بن مزيد وأغرى السلطان به ليأخذ بلاده فلما نمات سار دبيس إلى السلطان ومعه شرف الدولة مسلم صاحب الموصل فخرج نظام الملك فلقيهما وتزوج شرف الدولة بأخت السلطان التي كانت امرأة هزارسب وعاد إلى بلادهما من همذان # وفيها كان بمصر غلاء شديد ومجاعة عظيمة حتى أكل الناس بعضهم بعضا وفارقوا الديار المصرية فورد بغداد منهم خلق كثير هربا من الجوع وورد التجار ومعهم ثياب صاحب مصر وآلات نهبت من الجوع وكان فيها أشياء كثيرة نهبت من دار الخلافة وقت القبض على الطائع لله سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة ومما نهب أيضا في فتنة البساسيري وخرج من خزانتهم ثمانون ألف قطعة بلور كبار وخمسة وسبعون ألف قطعة من الديباج القديم وأحد عشر ألف كزاغند وعشرون ألأف سيف محلي وقال ابن الفضل يمدح القائم بأمر الله ويذكر الحال بقصيدة فيها # ( قد علم المصري أن جنوده % سنو يوسف منها وطاعون عمواس ) # ( وقامت به حتى استراب بنفسه % وأوجس منه خيفة أي إيجاس ) # في أبيات # وفيها توفي أبو الجوائز الحسن بن علي بن محمد الواسطي كان أدبيا شاعرا حسن القول فمن قوله # ( واحسرتي من قولها % خان عهودي ولها ) # ( وحق من صيرني % وقفا عليها ولها ) # ( ما خطرت بخاطري % إلا كستني ولها ) # وتوفي محمد بن أحمد أبو غالب بن بشران الواسطي الأديب وانتهت الرحلة إليه في الأدب وله شعر فمنه الزهد # ( يا شائدا للقصور كهلا % أقصر فقصر الفتى الممات ) # ( لم يجتمع شملا أهل قصر % إلا قصاراهم الشتات ) # ( وإنما العيش مثل ظل % متنقل ما له ثبات )
386
# وفيها توفي القاضي أبو الحسين محمد بن إبراهيم بن حزم قاضي دمشق وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي العجائز الخطيب بدمشق
387
$ ثم دخلت سنة ثلاث وستين وأربعمائة $ $ ذكر الخطبة للقائم بأمر الله والسلطان بحاب $ # في هذه السنة خطب محمود بن صالح بن مرداس بحلب لأمير المؤمنين القائم بأمر الله والسلطان ألأب أرسلان # وسبب ذلك أنه رأى إقبال دولة السلطان وقتها وانتشار دعوتها فجمه أهل حلب وقال هذه دولة جديدة ومملكة شديدة ونحن تحت الخوف منهم وهم يستحلون دماءهم لأجل مذاهبكم والأي أن نقين الخطبة قبل أن يأتي وقت لا ينفعنا فيه قول ولا بذل # فأجاب المشايخ ذلك ولبس المؤذنون السواد وخطبوا للقائم بأمر الله والسلطان فأخذت العامة حصر الجامع وقالوا هذه حصر علي بم أبي طالب فيأتي أبو بكر بحصر يصلي عليها بالناس وأرسل الخلفة إلى محمود الخلع مع نقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي فلبسها ومدحه ابن سنان الخفاجي وأبو الفتيان بن حيوس وقال أبو عبد الله بن عطية يمدح القائم بأمر الله ويذكر الخطبة وحلب ومكة والمدينة # ( كم طائع لك لم تجلب عليه ولم % تعرف لطاعته غير التقى سببا ) # ( هذا البشير بإذعان الحجاز وذا % داعي دمشق وذا المبعوث من حلبا ) $ ذكر استيلاء السلطان ألب أرسلان على حاب $ # في هذه السنة سار السلطان ألب أرسلان إلى حلب وجعل طريقه على ديار بكر فخرج إليه صاحبها نصر بن مروان وخدمه بمائة ألف دينار وحمل إليه إقامة عرف السلطان أنه قسطها على البلاد فأمر بردها ووصل إلى آمذ فرآها ثغرا منيعا فتبرك به وجعل يمر يده على السور ويمسح بها صدره وسار إلى الرها فحصرها فلم يظفر منها بطائل فسار على حلب وقد وصلها نقيب النقباء أبو الفوارس راض بالرسالة للقائمية والخلع فقال له محمد صاحب حلب أسألك الخروج إلى السلطان واستعفاءه لي من الحضور
388
عنده فخرج نقيب النقباء وأخبر السلطان بأنه قد لبس لبس الخلع القائمية وخطب فقال أي شيء يساوي خطبتهم وهم يؤذنون حي على خير العمل ولا بد من الحضور ودوس بساطي # فامتنع محمد من ذلك واشتد الحصار على البلد وغلت الأسعار وعظم القتال وزحف السلطان يوما وفرب من البلد فوقع حجر منجنيق في فرسه فلما عظم الأمر على محمد خرج ليلا ومعه والدته منيعة بنت وثاب النميري فدخلا على السلطان وقالت له هذا ولدي فافعل به ما تحب فتلقاهما بالجميل وخلع على محمد وأعاده إلى بلده فأنفذ إلى السلطان مالا جزيلا $ ذكر خروج ملك الروم إلى خلاط وأسره $ # في هذه السنة خرج أرمانوس ملك الروم في مائتي ألف من الروم والفرنج والغرب والروس والبجنأك والكرج وغيرهم من طوائف تلك البلاد فجاؤوا في تجمل كثير وزي عظيم وقصد بلاد الإسلام فوصل إلى ملازكرد من أعمال خرط فبلغ السلطان ألب أرسلان الخبر وهو بمدينة خوى من أذربيجان قد عاد من حلب وسمع ما فيه ملك الروم من كثرة الجموع فلم يتمكن من جمع العساكر لبعدها وقرب العدو فسير الأثقال مع زوجته ونظام الملك إلى همذان وسار هو في من عنده من العساكر وهو خمسة عشر ألف فارس وجد في السير وقال له إنني أقاتل محتسبا صابرا فإن سلمت فنعمة من الله تعالىوإن كانت الشهادة ابني ملكشاه ولي عهدي # وساروا فلما قارب العدو جعل له مقدمة فصادفت مقدمته عند خلاط مقدم الروسية في نحو عشرة آلاف من الروم فاقتتلوا فانزمت الروسية وأسر مقدمهم وحمل إلى السلطان فجدع ألفه وأنفذ بالسلب إلى نظام الملك وأمره أن يرسله إلى بغداد فلما تقارب العسكران أرسل السلطان إلى ملك الروم يطلب منه المهادنة فقال لا هدنة إلا بالري فانزعج السلطان لذلك فقال له إمامه وفقيقه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي إنك تقاتل عن دين وعد الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتب باسمك هذا الفتح يدعوني فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال بالساعة التي تكون الخطباء على المنابر فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر والدعاء مقرون بالإجابة فلما كان تلك الساعة صلى بهم وبكى السلطان فبكى الناس لبكائة ودعا ودعوا معه وقال لهم من أراد الانصراف فلينصرف فما ههنا سلطان يأمر وينهى والقا القوس والنشاب وأخذ السيف والدبوس
389
وعقد ذنب فرسه بيده عسكره \مثله ولبس البياض وتحنط وقال إن قتلت فهذا مفني # وزحف إلى الروم وزحفوا فلما قاربهم ترجل وعفر وجهه على التارب وبكى وأكثر الدعاء ثم ركب وحمل وحملت إليه العساكر معه فحصل المسلمون في وسطهم وحجز الغبار بينهم فقتل المسلمون فيهم شاؤوا وأنزل الله نصره عليهم فانهزم الروم وقتل منهم ملا يحصى حتى امتلأت الأرض بجثث القتلى وأسر ملك الروم أسره بعض غلمان كوهرائين فأراد قتله ولم يعرفه فقال له خادم مع الملك لا تقتله فإنه الملك وكان هذا الغلام قد عرضه كوهرائين على نظام الملك فرده استحقارا له فأثنى عليه كوهرائين فقال نظام الملك عسى أن يأتينا بملك الر وم أسيرا فكان كذلك فلما أسر الغلام الملك أحضرع عند كوهرائين فقصد السلطان وأخبره بأسر الملك فأمر باحضاره فلما أحضر ضربه السلطان ألب أرسلان ثلاثة مقارع بيده وقال له ألم أرسل إليك في لهدنة فأبيت فقال دعني من التوبيخ وافعل ما تريد فقال السلطان ما عزمت ما تفعل بي إن أسرت فقال أفعل القبيح قال له فما تظن أنني أفعل بك قال إما أن تقتلني وإما أن تشهرني في بلاد الإسلام والأخرى بيعدة وهي الغفو وقبول الأموال واصطناعي نائبا عنك قال ما عزمت على غير هذا ففداه بألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وأن يرسل إليه عساكر الروم أي وقت طلبها وأن يطلق كل أسير في بلاد الروم # واستقر الأمر إلى ذلمك وأنزله في خيمة وأرسل إليه عشرة آلاف دينار يتجهز بها فأطلق له جماعة من البطارقة وخلع عليه من الغد فقال ملك الروم أين جهة الخليفة فدل عليه فقام وكشف رأسه وأومأ إلى الأرض بالخدمة وهادنه السلطان خمسين سنة وسره إلى بلاده وسير معه عسكرا أوصلوه إلى مأمنه وشيعه السلطان فرسخا # وأما الروم فلما بلغهم خبر الوقعة وثب ميخائيل على المملكة فملك البلاد فلما وصل أرمانوس الملك إلى قلعة دوقية بلغه الخبر فلبس الصوف وأظهر الزهد وأرسل إلى ميخائيل يعرفه ما تقرر مع السلطان وقال إن شئت ان تفعل ما استقر إن شئت لأمسكت فأجابه ميخائيل بإيثار ما استقر وطلب وساتطه وسؤال السلطان في ذلك وجمع أرمانوس ما عنده من المال فكان مائتي ألف دينار فأرسله إلى السلطان وطبقا ذهبا عليه جواهر بتسعين ألف دينار وحلف له أنه لا يقدر على غير ذلك ثم إن أرمانوس استولى علي أعمال الأرمن وبلادهم ومدح الشعراء السلطان وذكروا هذاالفتح فأكثروا
390
$ ذكر ملك اتسز الرملة وبيت المقدس $ # في هذه السنة قصد اتسز بن أوق الخوارزمي وهو من أ مراء السلطان ملكشاه بلد الشام فجمع الأتراك وسار إلى فلسطين ففتح مدينة الرملة وسار منها إلى بيت المقدس وحصره وفيه عساكر المصريين ففتحه وملك ما يجاورهما من البلاد ما عدا عسقلان وقصد دمشق فحصرها وتابعا لنهب لأعمالها حتى خربها وقطع الميرة عنها فضاق الأمر بالناس فصبروا ولم يمكنوه من ملك البلد فعاد عنه وأدام قصد أعماله وتخريبها حتى قلت الأقوات عندهم $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة توفي أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفواراني الفقيه الشافعي مصنف كتاب الإبانة وغيرها # وفي هذه السنة في ذي الحجة توفي الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي صاحب التاريخ والمصنفاتالكثيرة ببغداد وكان إمام الدنيا في زمانه وممن حمل جنازته الشيخ أبو إسحاق الشيرازي # وتوفي ايضا فيها في شهر رمضان أبو يعلا محمد بن الحسين بن حمزة الجعفري فقيه الإمامية وحسان بن سعيد بن حسان بن محمد بن عبد الله المنيعي المخزومي من أهل مرو الروذ كان كثير الصدقة و المعروف والعبادة والقنوع بالقليل من القوت والإعراض عن زينةالدنيا وبهجتها وكان السلاطين يزورونه ويتبركون به وأكثر من بناء المساجد والخانقات والقناطر وغير ذلك من مصالح المسلمين وتوفيت أيضا كريمة بنت أحمد بن محمد المرزوية وهي التني تروي صحيح البخاري توفيت بمكة وإليها انتهى علو الإسناد للصحيح إلىأن جاء أبو الوقت
391
$ ثم دخلت سنة أربع وستين وأربعمائة $ $ ذكر ولاية سعد الدولة كوهرائين شحنكية بغداد $ # في ربيع الأول من هذها لسنة ورد إيتكين السلماني شحنة بغداد من عند السلطان إلى بغداد فقصد دار الخلافة وسأل الغفو عنه وأقام أياما فلم يجب إلى ذلك # وكان سبب غضب الخليفة عليه أنه قد استخلف ابنه عند مسيره إلى السلطان وجعله شحنة ببغداد فقتل أحد المماليلك الدارية فأنفذ قميصه من الديوان إلى السلطان ووقع الخطاب في عوله وكان نظام الملك يعني بالسليماني فأضاف إلىإقطاعه تكريت فكوتب من ديوان الملك بالتوقف عن تسليمها فلما رأى نظام الملك والسلكان إصرار الخليفة على الاستقالة من ولايته شحنكية بغداد سير سعد الدولة كوهرائين إلى بغداد شحنة عزل السليماني عنها اتباعا لما أمر به الخليفة القائم بأمر الله ولما ورد سعد الدولة خرج الناس لتلقيه وجلس له الخليفة $ ذكر تزويج ولي العهد بابنةالسلطان $ # في هذه السنة أرسل الإمام القائم بأمر الله عميد الدولة بن جهير ومعه الخلع للسلطان ولولده ملكشاه وكان السلطان قد أرسل يطلب من الخليفة أن يأذن في أن يجعل ولده ملكشاه ولي عهده فأذن وسيرت له الخلع مع عميد الدولة وأمر عميد الدولة أن يخطب ابنة السلطان ألب ارسلان من سفري خاتون لولي العهد المقتدي بأمر الله فلما حضر عند السلطان خطب ابنته فأجيب إلى ذلك وعقد النكاح بظاهر نيسابور وكان عميد الدولة الوكيل في قبول النكاح ونظام الملك الوكيل من جهة السلطان في العقد وكان النثار جواهر وعاد عميد الدولة من عند السلطان إلى ملكشاه وكان ببلاد فارس فلقيه بأصبهان فأفاض عليه الخلع فلبسها وسار إلى والده وعاد عميد الدولة إلى بفداد
392
$ ذكر ةلاية أبي الحسن بن عمار طرابلس $ # في ههذه السنة فر رجب توفي القاضي أبو طالب بن عمارة قاضي طرابلس وكان قد استولى عليها واستبد بالأمر فيها فلما توفي قام مكانه ابن أخيه جلال الملك أبو الحسن بن عمارة ضبط البلد أحسن ضبط ولم يظهر لفقد عمه أشر كفايته $ ذكر ملك السلطان ألب أرسلان قلعة فضلون بفارس $ # في هذه السنة سير السلطان ألب أرسلان وزيره نظام الملك في عسكر إلى بلاد فارس وكان بها حصن من أمنع الحصون والمعاقل وفيه صاحبه فضلون وهو لا يعطي الطاعة فنازله وحصره ودعاه إلى طاعة السلطان فامتنع فقاتله فلم يبلغ بقتاله غرضا لعلو الحصن وارتفاعه فلم يطل مقامهم عليه حتى نادى أهل القلعة بطلب الأمان ليسلموا الحصن إليه فعجب الناس من ذلك وكان السبب فيه أن جميع الآبار التي بالقلعة غارت مياهها في ليلة واحدة فقادتهم ضرورة العطش إلى التسليم فلما طلبوا الأمان أمنهم نظام الملك وتسلم الحصن والتجأ فضلون إلى قلعة القلعة وهي أعلى موضع فيها وفيه بناء موتفع فاحتمى فيها فسير نظام الملك ظائفة من العسكر إلى الموضع الذي فيه أهل فضلون وأقاربه ليحملوهم إليه وينهبوا ما لهم فسمع فضلون الخبر ففارق موضعه مستخفيا فيمن عنده من الجند وسار ليمنع عن أهله فاستقبله طلائع نظان الملك وحمله فتفرق من معه واختفى في نبات الأرض فوقع فيه بعض العسكر فأخذ أسرا وحمله إلى نظام الملك فأخذوه وسار به إلى السلطان فأمنه وأطبقه $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة توفي القاضي أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الصمد بن المهتدي بالله الخطيب بجامع المنصور وكان قد أضر ومولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وكان إليه قضاء واسط وخليفته عليها أبو محمد بن السمال
393
$ ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة $ $ ذكر قتل السلطان ألب أرسلان $ # في أول هذه السنة قصد السلطان ألب أرسلان واسمه محمد وإنما غلب عليه ألب ارسلان ما وراء النهر وصاحبه شمس الملك تكين فعقد علي جيحون جسرا وعبر عليه في نيف وعشرين يوما وعسكره يزيد على مائتي ألف فارس فأته أصحابه بمستحفظ قلعة يعرف بيوسف الخوارزمي في سادس شهر ربيع الأول وحمل إلى قرب سريره مع غلامين فتقدم أن تضرب له أربعة أوتاد وتشد أطرافه إليهما فقال له يوسف يا مخنث مثلي يقتل هذه القتلة فغضب السلطان ألب أرسلان وأخذ القوس والنشاب وقال للغلامين خلياه ورماه السلطان بسهم فأخطأه ولم يكن يخطء سهمه فوثب يوسف يريده والسلطان على سدة فلما رأى يوسف يقصده قام عن السدة ونزل عنها فعثر يريده فوقع على وجهه فبرك عليه يوسف وضربه بسكين كانت معه في خاصرته وكان سعد الدولة واقفا فجرحه يوسف أيضا جراحات ونهض السلطان فدخل إلى خيمة أخرى وضرب بعض الفراشين يوسف بمرزبة على رأسه فقتله وقطعه الأتراك وكان أهل سمرقتد لما بلغهم عبور السلطان النهر وما فعل عسكره يتلك البلاد لاسيمابخارى اجتمكعوا حتمات وسألوا الله أن يكفيهم أمره فاستجاب لهم ولما جرح السلطان قال ما من وجه قصدته وعدو أردته إلا استعنت بالله عليه ولما كان أمس صعدت على تل فارتجت الأرض تحتي من عظم الجيش وكثرة العسكر فقلت في نفسي أمنا ملك الدنيا وما يقدر أحد علي فعجزني الله تعالى بأضعف خلقهوأما أستغفر الله تعالى وأستقيله من ذلك الخاطر فتوفي عاشر ربيع الأول من السنة فحمل إلى مرو ودفن عند أبيه ومودله سنة أربع وعشرين وأربعمائة وبلغ من العمر أربعين سنة وشهورا وقيل كان مولده سنة عشرين واربعمائة وكانت مدة ملكه منذ خطب في السلطنة إلى أن قتل تسع سنين
394
وستتة أشهر وأياما ولما وصل خبر موته إلى بغداد جلس الوزير بن جهير للعزاء به في صحن السلام $ ذكر نسب ألب أرسلان وبعض سيرته $ # وهو ألب ارسلان محمد بن داود جغري بك بن ميكائيل بن سلجوق وكان كريما عادلا عاقلا لا يسمع السعايات واتسع ملكه جدا ودان له العالم وبحق قيل له سلطان العالم # وكا رحيم القلب رفيقا بالفقراء كثير الدعاء بدوام ما أنعمالله به عليه اجتار يوما بمرو على فقراء الخرائين فبكى وسأل الله تعالى أن يغنيه من فضله وكان يكثر الصدقة فيتصدق في رمضان بخمسة عشر ألف دينار وكان في ديوانه أسماء خلق كثير من الفقراء في جميع ممالكه عليهم اإدارات والصلاة ولم يكن في جميع بلاده جناية ولا مصاردة قد قنع من الرعايا بالخراج الأصلي يأخذ منهم كل سنة دفعتين رفقا بهم وكتب عليه بعض السعاة سعاية في نظام الملك وزيره وذكر ماله في ممالكه من الرسوم والأموال وتركت على مصلاة فأخذها فقرأها ثم سلمها إلى نظام الملك وقال له خذ هذا الكتاب فإن صدقوا في الذي كتبوه فهذب أخلاقك وأصلح أحوالك وإن كذبوا فاغفر لهم زلتهم واشغلهم بما يشتغلون به عن السعاية بالناس $ وهذه حالة لا يذكر عن أحد من الملكوك أحسن منها وكان كثرا ما يقرأ عليه تواريخ الملوك وآدابهم وأحكام الشريعة ولما اشتهر بين الملوك حسن سيرته ومحافظته على عهوده أذعنوزا له بالطاعة والموافقة بعد الامتناع وحضروا عنده من أقاصي مكا وراء النهر إلىأقصى الشام # وكان شديد العناية بكف الجند عن أموال الرعية بلغه أن بعض خواص مماليكه سلب من بعض الرستاقية إزارا فأخذ المملوك وصلبه فارتدع الناس عن التعرض إلى مال غيرهم ومناقبه كثيرة لا يليق بهذا الكتاب أكثر من هذا القدر منها ألب أرسلان من أولاده ملكشاه وهو صار السلطان بعده وإياز وتكش وبوري برش وتتش وأرسلات وأرغو وسارة وعائشة وبنتا أخرى $ ذكر ملك السلطان ملكشاه $ # لما جرح السلطان ألب ارسلان أوصى بالسلطنة لابنه ملكشاه وكان معه وامر أن يحلف له العسكر بحلفوا جميعهم وكان المتولي لأمر في ذلك نظام الملك وأرسل ملكشاه إلى بغداد يطلب الخطبة له فخطب له على منابره وأوصى ألب أرسلان ابنه
395
ملكشاه أيضا أن يعطي أخاه قاورت بك بن داود أعمال فارس وكرمان وشيئا عينه من المال وأن يزوج بزوجته وكان قاورت بك بكرمان وأوصى أن يعطي ابنه أياز بن ألب أرسلان ما كان لأبيه داود وخمسمائة الف دينار وقال كل من لم يرض بما أوصيت له فقاتلوه واستعينوا بما جعلته له على حربه # وعاد ملكشاه من بالده ما وراء النهر في نيف وعشؤين يوما في ثلاثة أيام وقام بوزارة ملكشاه نظام الملك وزاد الأجناد في معايشهم سبعمائة ألف دينار وعادوا إلىخراسان وقصدوا نيسابور وراسل ملكشاه جماعة الملوك أصحاب الأطراف يدعوهم إلى الخطبة له والانقياد إليه وأقام أيز ارسلان ببلخ وسار السلطان ملكشاه في عساكره من نيسابور إلى الري $ ذكر ملك صاحب سمرقند مدينة ترمذ $ # في هذه السنة في ربيع الآخر ملك التكين صاحب سمرقند مدينة ترمذ وسبب ذلك انه لما بغه وفاة ألب أرسلان وعود ابنه ملكشاه عن خراسان طمع في البلاد المجاورة له فقصد ترمذ أول ربيع الآخر وفتحها ونقل ما فيها من ذخائر وغيرها إلى سمرقند وكان إياز بن الب أرسلان قد سار عن بلخ إلى الجوزان فخاف أهل بلخ فأرسلوا إلى التكين يطلبون منه الأمان فأمنهم فخطبوا له ما فيها وورد إليها فنهب عسكره شيئا من أموال الناس وعاد إلى ترمذ قثار أوباش بلخ بجماعة من أصحابه فقتلوهم فعاد إليهم وأمر بإحراق المدينة فخرج إليه أعيان أهلها وسألوه الصفح واعتذروا فعفا عنهم لكنه أخذ أموال التجار فغنم شيئا عظيما فلما وصل الخبر إلى إياز عاد من الجوزجان إلى بلخ فوصل غرة جمادى الآخرة فلقيهم عسكر التكين فانهزم إياز فغرق من عسكره في جيحون أكثرهم وقتل كثير منهم ولم ينج إلا القليل $ ذكر قصد صاحب غزنة سكلكند $ # وفي هذه السنة أيضا في جمادى الأولى وردت طائفة كثيرة من عسكر غزنة إلى سكلنكد وبها عثمان عم السلطان ملكشاه ويلقب بأمير الأمراء فأخذوه أسيرا وعادوا به إلى غزنة مع خزائنه وحشمه فسمع الأمير كمشتكين بلكابك وهو من أكابر الأمراء فتبع آثارهم وكان معه أنوشتكين جد ملوك خوارزم في زماننا فنهبوا مدينة سكلكند
396
$ ذكر الحرب بين السلطان ملكشاه وعمه قاورت بك $ # لما بلغ قاورت بك وهوبكرمان وفاة أخيهألب أرسلان سار طالبا للري يريد الاستيلاء علةى الممالك فسبقه إليها السلطان ملكشاه ونظام الملكوسارا منها إليه فلتقوا باقرب من همذان في شعبان وكان العسكر يميلون إلى قاورت بك فحملت مسيرة قاورت علي ميمنة ملكشاه فهزموها وحمل شرف الدولة مسلم بن قريش وبهاء الدولة منصور بن دبيس بن مزيد وهما مع ملك شاة ومن معهما من العرب والأكارد على ميمنة قاورت بك فهزموها وتمت الهزيمة على أصحاب قاورت بك ومضى ا لمنهزمون من أصحاب السلطان ملكشاه إلى حلل شرف الدولة وبهاء الدولة فنهبوها غيظا منهم حيث هزموا عسكر قاورت بك ونهبوا أيضا ما كان لنقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي رسول الخليفة وجاء رجل سوادي إلى السلطان ملكشاه فأخربه أن عمه قاورت بك في بعض القرى فأرسل من أخذه وأحضره فأمر سعد الدولة كوهرائين فخنقه وأقر كرمان بيد أولاده وسير إليهم الخلع وأقطع العرب والأكراد إقطاعات كثيره لما فعلوه في الوقعة وكان السبب في حضور شرف الدولة وبهاء الدولة عند ملكشاه أن السلطان ألب أرسلان كان ساخطا على شرف الدولة فارسل الخليفة نقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي إلى شرف الدولة بالموصل فأخذه فسار به إلىألب ارسلان ليشفع فيه عند الخليفة فلما بلغ الزاب وقف على ملطفات كتبها وزيره أبو جابر بن صقلاب فأخذها شرف الدولة فغرقها وسار مع طراد فبلغهما الخبر بوفاة ألب أرسلان ومسير ابنه ملكشاه فتمما إليه وأما هباء الدولة فإنه كان قد سار بمال أرسله به أبوه إلى السلطان فحضر الحرب بهذا السبب $ ذكر تفويض الأمور إلى نظام الملك $ # ثم إن عسكر ملكشاه بسطوا ومدوا أيدهم في أمووال الرعية وقالوا ما يمنع السلطان أن يعطينا الأموال إلا نظام الملك فنال الرعية أذى شديد فذكر ذلك نظام الملك للسلطان فبين له ما في هذا الفعل من الوهن وخراب البلاد وذهاب السياسة فقال له افعل في هذا ماتراه مصلحة فقال له نظام املك ما يمكنني أن أفعل إلا بأمرك فقال السلطان قد رددت الأمر كلها كبيرا وصغيرها إليك فأنت الوالد وحلف له وأقطعه إقطاعا زائدا
397
على ما كان من جملته طوس مدينة نظام الملك وخلع عليه ولقبه ألقابا من جملتها أتابك ومعناه الأمير الوالد فظهر من كفايته وشجاعته وحسن سيرته ما هو مشهور فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت إليه فوقف يكلهما فدفعها بعض حجابه فأمكر ذلك عليه وقال إنما استخدمتك لأمثال هذه فإن الأمراء والأعيان لا حاجة بهم إليك ثم صرفه عن حجبته $ ذكر قتل ناصر الدولة بن حمدان $ # في هذه السنة قتل ناصر الدولة أبو علي الحسن بن حمدان وهو من أولاد ناصر الدولة بن حمدان بمصر وكان قد تقدم فيها تقدما عظيما ونذكر ههنا الأسباب الموجبة لقتله فإنها تتبع بعضها بعضا في حروب وتجارب وكان أول ذلك انحلال أمر الخلافة وفساد أحوال المستنصر بالله العلوي صاحبها وسببه أن والدته كانت غالبة على أمره وقد اصطنعت أبا سعيد إبراهيم اتستري اليهودي وصار وزيرا لها فأشار عليها بوزارة ابي نصر الفلاحي فولته الوزارة واتفقا مدة ثم صار الفلحي ينفرد بالتدبير فوقع بينهما وحشة فخاف الفلاحي أن يفسد أمره مع أم المستنصر فاصطنع الغلمان الأتراك واستمالهم وزاد في أرزاقهم فلما وثق بهم وضعهم على قتل اليهودي فقتلوه فعظم الأمر على أم المستنصر وأغرت به ولدها فقبض عليه وأرسلت من قتله تلك الليلة وكان بينهما في القتل تسعة أشهر ووزره بعدهه ابو البركات حسن بن محمد فوضعه على الغلمان الأتراك فافسد أحوالهم وشرع يشتري العبيد للمستنصر واستكثر منهم فوشعته أم المستنصر ليغري العبيد المجردين بالأتراك فخاف عاقبة ذلك وعلم أنه يوؤث شرا وفسادا فلم يفعل فتنكرت له وعزلته عن الوزارة وولي بعده الوزارة أبو محمد اليازوري من قرية من قررى الرملة اسمها يازور فأمرته أيضا بذلك فلم يفعل وأصلح الأمور إلى أن قتل ووزر أبو عبد الله الحسين بن البابلي فأمرته بما امرت به غيره من الوزراء من إغراء العبيد بالأتراك ففعل فتغيرت نياتهم ثم إن المستنصر ركب ليشيع الحجاج فأجرى بعض الأتراك فرسه فوصل به إلى حماعة العبيد المحدثين وكانوا يحيطون بالمستنصر فضربه أحدهم فجرحه فعظم ذلك على الأتراك ونشبت الحرب ثم اصطلحوا على تسليم الجارح إليهم واستحكمت العداوة فقال الوزير للعبيد خذوا حذركم فاجتمعوا وعرف الأتراك ذلك فاجتمعواإلى مقدميهم وقصدوا ناصر
398
الدولة بن حمدان وهو أكبر قائد بمصر وشكوا إليه واستمالوا المصامدة وتعاهدوا وتعاقدوا فقوي الأتراك وضعف العبيد المحدثون فخرجوا من القاهرة إلى الصعيد ليجتمعوا هناك فانضاف إليهم خلق كثير يزيدون على خمسين ألف فارس وراجل فخاف الأتراك وشكوا إلى المستنصر فأعاد الجواب أنه لا علم له بما فعل العبيد وأنه لا حقيقة له فظنوا قوله حيلة عليهم # ثم قوي الخبر بقرب العبيد منهم بكثرتهم فأجفل الأتراك وكتامة المصامدة وكانت عدتهم ستة آلاف فالتقوا بموضع يعرف بكوم الريش واقتتلوا فانهزم الأتراك ومن معهم إلى القاهرة وكان بعضهم قد كمن في خمسمائة فارس فلما انهزم الأتراك خرج الكمين على ساقة العبيد ومن معهم وحملوا عليهم حملة منكرة وضربت البقوات فارتاع العبيد وظنوها مكيدة من المستنصر وأنه قد ركب في باقي العسكر فانهزموا وعاد عليهم الأتراك وحكموا فيهم السيوف فقتل منهم وغرق نحو أربعين الفا وكان يوما مشهودا وقويت نفوس الأتراك وعرفوا حسن رأي المستنصر فيهم وتجمعوا وحشدوا فتضاعفت عدتهم وزادت واجباتهم للانفاق فيهم فخلت الخزائن واضطربت الأمور وتجمع باقي العسكر من الشام وغيره إلى الصعيد فاجتمعوا مع العبيد فصاروا خمسة عشر الف فارس وراجل وساروا إلى الجيزة فخرج عليهم الأتراك ومن معهم واقتتلوا في الماء عدة أيام ثم عبر الأتراك النيل إليهم مع ناصر الدولة بن حمدان فاقتتلوا فانهزم العبيد إلى الصعيد وعاد ناصر الدولة والأتراك منصورين # ثم إن العبيد اجتمعوا بالصعيد في خمسة عشر الف فارس وراجل فقلق الأتراك لذلك فحضر مقدومهم دار المستنصر لشكوى حالهم فأمرت أم المستنصر من عندها من العبيد بالهجوم على المقدمين والفتك بهم ففعلوا ذلك وسمع ناصر الدولة الخبر فهرب إلى ظاهر البلد واجتمع الأتراك إليه ووقعت الحرب بينهم وبين العبيد ومن تبعهم من مصر والقاهرة وحلف الأمير ناصر الدولة بن حمدان أنه لا ينزل عن فرسه ولا يذزق طعاما حتى ينفصل الحال بينهم فبيقت الحرب ثلاثة أيام ثم ظفر بهم ناصر الدولة وأكثر القتل فيهم ومن سلم هرب وزالت دولتهم من القاهرة # وكان بالإسكندرية جماعة من العبيد فلما كانت هذه الحادثة طلبوا الأمان فأمنوا وأخذت منهم الإسكندرية وبقي العبيد الذين بالصعيد فلما خلت الدولة للأتراك طمعوا في المستنصر وقل ناموسه عندهم وطلبوا الأموال فخلت الخزائن فلم يبق فيها شيء
399
البتة واختل ارتفاع الأعمال وهم يطالبون واعتذر المستنصر بعدم الأموال عنده فطلب ناصر الدولة العروض فأخرجت إليهم وقومت بالثمن البخس وصرفت إلى الجند قيل إن واجب الأتراك كان في الشهر عشؤسن ألف دينار فصار الآن في الشهر أربعمائة ألف دينار وأما العبيد بالصعيد فإنهم أفسدوا وقطعوا الطريق وأخافوا السبيل فسار إليهم ناصر الدولة في عسكر كثير فمضى العبيد من بين يديه إلى الصعيد الأعلى فأدركهم فقاتلهم وقاتلوه فانهزم ناصر الدولة منهم وعاد إلى الجيزة بمصر واجتمع إليه من سلم من أصحابه وشغبوا على المستنصر واتهموه بتقوية العبيد والميل إليهم ثم جهزوا جيشا وشيروه إلى طائفة من العبيد بالصعيد وقاتلوهم فقتل تلك الطائفة من العبيد فوهن الباقون وزالت دولتهم وعظم أمر ناصر الدولة وقويت شوكته وتفرد بالأمر دون الأتراك فامتنعوا من ذلك وعظم عليهم وفسدت نياتهم له فشكوا ذلك إلى الوزير وقالوا كلما خرج الخليفة مال اخذ أكثره له ولحاشيته ولا يصل إلينا منه إلا القليل فقال الوزير إنما وصل إلى هذا وغيره بكم فلو فارقتموه لم يتم له أمر فاتفق رأيهم على مفارقة ناصر الدولة وإخراجه من مصر فاجتمعوا وشكوا إلى المستنصر وسألوه أن يخرج عنهم ناصر الدولة فأرسل إليه يأمره بالخروج ويتهدده إن لم يفعل فتخرج من القاهرة إلى الجيزة ونهبت داره ودور حواشيه وأصحابه فلما كان الليل دخل ناصر ادلولة مستخفيا إلى القائد المعروف بتاج الملوك شادي فقبل رجله وقال اصطنعني فقال أفعل فحالفه على قتل مقدم من الأتراك اسمه الدكز والوزير الخطير # وقال ناصر الدولة لشادي تركب في أصحابك وتسير بين القصرين فإذا امكنتك الفرصة فيهما فاقتلهما وعاد ناصر الدولة إلى موضعه إلى الجيزة وفعل شادي ما أمره فركب الدكز إلى القصر فرأى شادي في جمعه فأنكره وأسرع فدخل القصر ففاته ثم أقبل الوزير في موكبه فقتله شادي وأرسل إلى ناصر الدولة يأمره بالركوب فركب إلى باب القاهرة فقال الدكز للمستنصر إن لم تركب وإلا هلكت أنت ونحن فركب ولبس سلاحه وتبعه خلق عظيم من العامة والجند واصطفوا للقتال فحمل الأتراك على ناصر الدولة فانهزم وقتل من أصحابه خلق كثير ومضى منهزما على وجهه لا يلوي على شيء وتبعه فل أصحابه فوصل إلى بني سنبس فأقام عندهم وصاهرهم فقوي بهم # وتجهزت العساكر إليه ليبعدوه فساروا حتى قربوا منه وكانوا ثلاث طوائف فأرارد احد المقدمين أن يفوز لاظفر وحده دون أصحابه فعبر فيمن معه إلى ناصر الدولة وحمل عليه فقاتله فظفر به ناصر
400
الدولة فأخذه أسيرا وأكثر القتل في أصحابه وعبر العسكر الثاني ولم يشعروا بما جرى على أصحابهم فحمل ناصر الدولة عليهم ورفع رؤوس القتلى على الرماح فوقع الرعب في قلوبهم فانهزموا وقتل أكثرهم وقويت نفس ناصر الدولة وعبر العسكر الثالث فهزمه وأكثر القتل فيهم وأسر مقدمهم وعظم أمره ونهب الريف فأقطعه وقطع الميرة عن مصر برا وبحرا فغلت الأسعار بها وكثر الموت بالجوع وامتدت أيدي الجند بالقاهرة إلى النهب والقتل وعظم الوباء حتى أن أهل البيت الواحد كانوا يموتون كلهم في ليلة واحدة واشتد الغلاء حتى أن امرأة أكلت رغيفا بألف دينار فاستبعد ذلك فقيل إنها باعت عروضا قيمتها الف دينار بثلاثمائة دينار واشترت بها حنطة حملها الحمال على ظهره فنهبت الحنطة في الطريق هي مع الناس فكان الذي حصل لها مما عملته رغيفا واحدا # وقطع ناصر الدولة الطريق برا وبحرا فهلك العالم ومات أكثر أصحاب المستنصر وتفرق كثير منهم فراسل الأتراك من القاهرة ناصر الدولة في الصلح فاصطلحوا على أن يكون تاج الملوك شادي نائبا عن ناصر الدولة بالقاهرة ويحمل المال إليه ولا يبقى معه لأحد حكم فلما دخل تاج الملوك إلى القاهرة تغير عن القاعدة واستبد بالأموال دون ناصر الدولة ولم يرسل إليه منها شيئا فصار ناصر الدولة إلى الجيزة واستدعى إليه شادي وغيره من مقدمي الأتراك فخرجوا إليه إلا أقلهم فقبض عليهم كلهم ونهب ناحيتي مصر وأحرق كثيرا منها فسير إليه المستنصر عسكرا فكبسوه فانهزم منهم ومضى هاربا فجمع جمعا وعاد إليهم فقاتلهم فهزمهم وقطع خطبة المستنصر بالإسكندرية ومياط وكانا معه وكذلك جميع الريف وأرسل إلى الخليفة ببغداد يطلب خلعا ليخطب له بمصر واضمحل أمر المستنصر وبطل ذكره وتفرق الناس من القاهرة وأرسل ناصر إليه أيضا يطلب المال فرآه الرسول جالسا على حصير وليس حوله غير ثلاثة خدم ولم ير الرسول شيئا من آثار المملكة # فلما أدى الرسالة قال أما يكفي ناصر الدولة أن أجلس في مثل هذا البيت على مثل هذا الحصير فبكى الرسول وعاد إلى ناصر الدولة فأخبره الخبر فأجرى له كل يوم مائة دينار # وعاد إلى لاقاهرة وحكم فيها وأذل السلطان وأصحابه وكان الذي حمله على ذلك أنه كان يظهر التسنن من بين أهله ويعيب المستنصر وكان المغاربة كذلك فأعانوه على ما أراد وقبض على أم المستنصر وصادرها بخمسين ألف دينار وتفرق عن المستنصر أولاده زكثير من أهله إلى الغرب
401
وغيره من البلاد فمات كثير منهم جوعا وانقضت سنى أربع وستين وما قبلها بالفتن زتنحط السعر سنة خمس زستين ورخصت الأسعار # وبالغ ناصر الدولة في إهانة المستنصر وفرق عنه عامة أصحابه وكان يقول لأحدهما إنني أريد أن أولئك عمل كذا فيسير إلأيع فلا يمكنه من العمل ويمنعه من العود وكان غرضه بذلك أن يخطب للخليفة القائم بأمر الله ولا يمكنه من وجودهم ففطن لفعله قائد كبير من الأتراك اسمه الدكز وعلم أنه ما تم ما أراد تمكن منه ومن أصحابه فأطلع على ذلط غيره من قواد الأتراك فأتفقوا على قتل ناصر الدولة وكان أمن لقموه وعدم هدوه فتواعدوا ليلة على ذلك فلما كان سحر الليلة التي تواعدوا فيها على قتله جاؤوا إلى باب داره وهي التي تعرف بمنازل العز وهي على النيل فدخلوا من غير استئذان إلى صحن داره فخرج إليهم ناصر الدولة في رداء لأنه كان آمنا منهم فلما دنا منهم ضربوه يالسيوف فسبهم وهرب منهم يريد الحرم فلحقوه فضربوه حتى قتلوه وأخذوا رأسه ومضى رجل منهم يعرف بكوكب الدولة إلى فخر العرب أخي ناصر الدوة وكان فخر العرب كثير الإحسان إليه فقال للحاجب استأذن لي على فخر العرب وقل صنيعتك فلان على الباب # فأستأذن له فأذن له وقال بعله قد دهمه أمر فلما دخل عليه أسرع نحوه كأنه يريد السلام عليه وضربه بالسيف على كتفه فسقط إلى الأرض فقطع رأسه وأخذ سيفه وكان ذا قيمة عليه وافرة وأخذ جارية له أردفها إلى القاهرة وقتل أخوهما تاج المعالي وانقطع ذكر الحمدانية بمصر بالكلية # لفلما كان سنة ست وستين وأربعمائة ولي الأمر بمصر بدر الجمالي أمير الجيوش وقتل الدكز والوزير ابن كدينة وجماعة من المسلحية وتمكن من الدولة إلى أن مات وولي بعده ابنه الأفضل وسيرد ذكرهم إن شاء الله تعالى $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة أقيمت الدعوة العباسية بالبيت المقدس # وفيها توفي الأمير ليث بن منصور صدقة بن الحسين الدامغان والشريف أبو غنام عبد الصمد بن علي بن محمد المأمون ببغداد وكان موته في شوال ومولده سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وكان عالي الإسناد في الحديث # وفيها في ذي الحجة توفي الشريف أبو الحسين محمد بن علي بن عبد اله بن عبد الصمد بن المهتدي بالله المعروف بابن الغريق وكان يسمى راهب بني الهباس وهو آخر
402
من حدث عن الدارقطني وابن شاهين وغيرهما وكان موته ببغداد # وفيها قتل ناصر الدولة أبو علي الحسين بن حمدان بمصر قتله الدكز وقد تقدم شرحة مستوفى # وفيها توفي الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان القشيري النيسابوري مصنف الرسالة وغيرها وكان إماما فقيها أصوليا مفسرا كاتبا ذا فضائل جمة له فرس قد أهدي إليه فركبه نحو عشرين سنة فلما مات الشيخ لم يأكل الفرس شيئا فعاش أسبوعا ومات # وفيها أيضا توفي علي بن الحسن بن علي بن الفضل أبو منصور الكاتب المعروف بابن صربعر وكان نظام الملك قال له أنت ابن صر لا صر بعر فبقي ذلك عليه وهو من الشعراء المجيدين وهجاه ابن البياضي فقال # ( لئن نبز الناس قدما أباك % فسموه من شعره صر بعرا ) # ( فإنك تنظم ماصره % عقوقا له وتسمية شعرا ) # وهذا ظلم من ابن البياضي فإنه كان شاعرا محسنا ومن شعراء ابن صردر قوله # ( تزاورن عن أذرعات يمينا % نواشز ليس يطقن البرينا ) # ( كلقن بنجد كأن الرياض % أخذن لنجد عليها يمينا ) # ( وأقسمن يحملن الإ نحيلا % غليع ويبلغن الإ حزينا ) # ( فلما استمعن زفير المشوق % ونوح الحمام تركن الحنينا ) # ( إذا حئتما بانة الوادييين % فأخرجوا النسوع وحلوا الوضينا ) # ( فثم علائق من أجلهن % ملاء الدجى والضحى قد طوينا ) # ( وقد أِبأتهم مياه الجفون % بأن بقلبك داء دفينا )
403
$ ثم دخلت سنة وستين وأربعمائة $ $ ذكر تقليد السلطان ملكشاه السلطنة والخلع عليه $ # في هذه السنة في صفر ورد كوهرائين إلى بغداد من عسكر السلطان وجلس له الخلبفة القائم بأمر الله ووقف على رأسه ولي العهد المقتدي بأمر الله وسلم الخليفة إلى كوهرائين عهد السلطان ملكشاه بالسلطنة وقرأ الوزير أوله وسلم إليه أيضا لواء عقده الخليفة بيده ولم يمنع يومئذ أحد من الدخول إلى دار الخلافة فامتلأ صحن السلام بالعامة حتى كان الإنسان تهمه نفسه ليتخلص وهنأ الناس بعضهم بعضا بالسلامة $ ذكر غرق بغداد $ # في هذه السنة غرق الجانب الشرقي وبعض الغربي من بغداد وسببه أن دجلة زادت زيادة عظيمة وانفتح القورج عند المسناة المغرية وجاء الليل سيل عظيم وطفح الماء من البرية مع ريح شديدة وجاء الماء إلى المنازل ونبع من البلآليع والآبار بالجانب الشرقي وهلك خلق كثير تحت الهدم وشدت الزواريق تحت التاج خوف الغرق وقام الخليفة يتضرع ويصلي وعليه البردة وبيده القشيب وأتى أيتكين السليماني من عكبرا فقال للوزير إن الملاحين يؤذون الناس وأقيمت في المعابر فأحضرهم وتهددهم بالقتل وأمر بأخذ ما جرت به العادة وجمع الناس وأقيمت الخطبة للجمعة في الطيار مرتين وغرق من الجانب الغربي مقبرة أحمد ومشهد باب التبن وتهدم سوره فأطلق شرف الدولة ألف دينار تصرف في عمارته ودخل الماء من شبابيك البيمارستان العضدي # ومن عجيب ما يحكة في هذا الغرق أن الناس في العام الماضي كانوا قد أنكروا كثرة المغنيات والخمور فقطع أوتار عود معنيه كانت جندي فثار به
404
الجندي الذي كانت عنده فضربه فاجتمعت العامة ومعهم كثير من الأئمة منهم أبو اسحاق الشيرازي واستغاثوا إلى الخليفة وطلبوا هدم المواخير والخانات وتبطيلها فوعدهم أن يكاتب السلطان في ذلك وتفرقوا ولازم كثير نت الصالحين الدعاء بكشفه فاتفق أن غرقت بغداد ونال الخليفة والجند من ذلك أمر عظيم وعمت مصيبته كافة الناس فرأى الشريف أبو جغفر بن موسى بعض الحجاب الذين يقولون نحن نكاتب السلطان ونسعى في تفريق الناس ويقول اسكنوا إلى أن يرد الجواب فقال له أبو جعفر قد كتبنا فجاء جوابنا قبل جوابكم يعني أنهم شكوا كا حل بهم إلى الله تعالى وقد أجابهم بالغرق قبل ورود جواب السلطان $ ذكر ملك السلطان ملكشاه ترمذ والهدنة بينه وبين صاحب سمرقند $ # قد ذكرنا أن خاقان التكين صاحب سمرقند ملك ترمذ بع قتل السلطان ألب أرسلان فلما اسنقامت الأمور للسلطان ملكشاه سار إلى ترمذ وحصرها وطم العسكر خندقها ورماها بالمجانيق قخاف من بها فطلبوا الأمان فأمنهم وخرجوا منها وسلموها # وكان بها أخ لخاقان التكين فأكرمه السلطان وخلع عليه وأحسن إليه وأطلقه وسلم قلعة تومذ إلى الأمير ساوتكين وأمره بعمارتها وتحصينها وعمارة سورها بالحجر المحكم وحفر خندقها وتعميقه ففعل ذلك وسار السلطان ملكشاه يريد سمرقند ففارقها صاحبها وأنفذ يطلب المصالحة ويضرع إلى نظام الملك في إجابته إلى ذلك ويعتذر من تعرضه إلى ترمذ فأجيب إلى ذلك واصطلحوا وعاد ملكشاه عنه إلى خراسان ثم منها إلى الري وأقطع بلخ وطخارستان لأخيه شهاب الدين تكشن $ ذكر عدة حوادث $ # فيها توفي زعيم الدولة أبو الحسن بن عبد الرحيم بالنيل فجأة وله سبعون سنة وقد تقدم من اباره ما فيه كفاية # وفيها توفي أياز أخو السلطان ملكشاه وكفي شر عمه قاورت ب # وفي ربيع الأول توفي القاضي أبو السحين بن أبي جعفر السمناني حمو قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني وولي ابنه أبو الحسن ما كان إليه من القضاء بالعراق والموصل وكان مولده سنة أربع وثمانين وثلاثمائة بسمنان وكان هو وأبوه من المغالبين في
405
مذهب الأشعري ولأبيه فيه تصانيف كثيره مما يستطرف أن يكون حنفي أشعريا # وفيها في جمادى الآخرة توفي عبد العزيز أحمد بن محمد بن علي أبو محمد الكتابي الدمشقي الحافظ وكان مكثرا في الحديث ثقة وومن سمع منه الخطيب أبو بكر البغدادي
406
$ ثم دخلت سنة سبع وستين وأربعمائة $ $ ذكر وفاة اقائم بأمر الله وذكر بعض سيرته $ # في هذه السنة ليلة الخميس ثالث عشر شعبان توفي القائم بأمر الله أمير المؤمنين رضي الله عنه واسمه أبو جعفر بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتصد بالله أبي العباس أحمد # وكان سبب موته أنه كان قد اصابه شرى فافتصد ونم منفردا فانفجر فصاده وخرج منه دم كثير ولم يشعر فاستيقظ وقد صعف وسقطت قوته فأيقن بالموت فأحضر ولي العهد ووصاه نفسه أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله ولي عهده ولما توفي غسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي وصلى عليه المقتدي بأمر الله وكان عمره ستا وسبعين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام وخلافته أربعا وأربعين سنة وثمانية أشهرا وأياما وقيل كان مولده ثامن عشر ذي الحجة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وعلى هذا يكون عمره ستا وسبعين سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوما # وأمه أم ولد تسنى قطر الندى أرمنية وقيل رومية أدركت خلافته وقيل اسمها علموماتت في رجب سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة # وكان القائم جميلا مليح الوجه أبيض مشربا خمرة حسن الجسم ورعا دينا زاهدا عالما قوي اليقين بالله تعالى كثير الصبر وكان لقائم عناية بالأدب ومعرفة حسنة بالكتابة ولم يكن يرتضي أكثر من يكتب من الدويان فكان يصلح فيه اشياء وكان مؤئا للعدل والإنصاف يريد قضاء حوائج الناس لا يرى المنع من شيء يطلب منه # قال محمد بن علي بن عامر الوكيل دخلت يوما إلى المخزن فلم يبق أحد إلا
407
أعطاني قصة فامتلأت أكمامي منها فقلت في نفسي لو كان الخليفة أخي لأعرض عن هذه كلها # فألقيتها في بركة والقائم بأمر ينظر ولا أشعر فلما دخلت إليه أمر الخدم بإخراج الرقاع من البركة فأخرجت ووقف عليها ووقع فيها بأغراض أصحابها ثم قال لي يا عامي ما حملك على هذا فقلت خوف الضجر منها فقال لا تعد إلى مثلها فإنا ما أعطيناهم من أموالنا شيئا إنما نحن وكلاء ووزر للقائم أبو طالب محمد بن أيوب وأبو الفتح بن دارست ورئيس الرؤساء وأبو نصر بن جهير وكان قاضيهابن ماكولا وأبو عبد الله الدامغاني $ ذكر خلافة المقتدي بأمر الله $ # لما توفي القائم بأمر الله بويع المقتدي بأمر الله عبد الله محمد بن القائم بالخلافة وحضر مءيد الملك بن نظام الملك والوزير فخر الدولة بن جهير وابنه عميد الدولة والشيخ أبو إسحاق وأبو نصر بن الصباغ ونقيب النقباء طراد والنقيب الطاهر المعمر بن محمد القضاة أبو عبد الله الدامفاني وغيرهم من الأعيان والأماثل فبايعوه وقيل كان أول من بايعه الشريف أبو حعفر بن أبي موسى الهاشمي فإنه لما فرغ من غسل القائم وأنشده # ( إذا سيدنا منا مضى قام سيد ) # ( ثم ارتج عليه فقال المقتدي # ( قؤول بما قال الكرام فعول ) # فلما فرغوا من البيعة صلى بهم العصر # ولم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه فإن الذخية أبا العباس محمد بن اقائم توفي أيام أبيه ولم يكن له غيره فأيقن الناس بانقراض نسله وانتقال الخلافة من البيت القادري إلى غيره ولم يشكوا في اختلال الأحوال بعد القائم لأن من عدا البيت القادري كانوا يخالطون العامة في البلد ويجرون مجرى السوقة فلو اضطر الناس إلى خلافة أحدهم لم يكن له ذلك القبول ولا تلك الهيبة فقدر ا الله تعالى أِ الذخيرة أبا العباس كان له جارية اسمها أرجون وكان يلم بها فلما توفي ورأت ما نال القائم من المصيبة واستعظمه من انقراض عقبة ذكرت أنها حامل فتعلقت النفوس بذلك فولدت بعد موت سيدها بستة
408
أشهر المقتدي فاشتد فرح القائم وعظم سروره وبالغ في الإشفاق عليه والمحبة له فلما كان حادثة البساسيري كان للمقتدي قريب أربع سنين فأخفاه أهله وحمله أبو الغائم بن المحلبان إلى حران كما ذكرنا ولما عاد القائم إلى بغداد أعيد المقتدي إليه فلما بلغ الحلم جعله ولي عهد ولما ولي الخلافة أقر فخر الدولة بن جهير على وزارته بوصية من القائم بذلك وسير عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير إلى السلطان ملكشاه لأخذ البيعة وكان مسيره في شهر رمضان وأرسل معه من أنواع الهادايا ما يجل عن الوصف $ ذكر عدة حوادث $ # في هه السنة في شوال وقعت نار ببغداد في دكان خباز بنهر المعلى فاحترقت من السوق مائة وثمانون دكانا سوى الدور ثم وقعت نار في المأمونية ثم في الظفرية ثم في درب المطبخ ثم في دار الخليفة ثم في حمام السمرقند ثم في باب الأزج ودرب خراسان ثم في الجانب الغربي في نهر طابق ونهر القلائين والقطيعة وباب البصرة واخحترق مالا يحصى # وفيها أرسل المستنصر بالله العلوي صاحب مصر إلى صاحب مكة ابن أبي هائم رسالة وهدية جليلة وطلب منه أن يعيد له الخطبة بمكة حرسها الله تعالى وقال إن ايمانك وعهودك كانت للقائم وللسلطان ألي أرسلان وقد ماتا فخطب به بمكة وقطع خطبة المقتدي وكانت مدة الخطبة العباسية بمكة أربع سنين وخمسة أشهر ثم أعيدت في ذي الحجة سنة ثمان وستين # وفيها كانت حرب شديدة بين بني رياح وزغبة ببلاد إفريقية فقويت بنو رياح على زغبة فهزموهم وأخرجوهم من البلاد # وفيها نظام الملك والسلطان ملكشاه جماعة من أعيان المنجمين وجعلوا النيروز أول نقطة من الحمل وكان النيروز قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت وصار ما فعله السلطان مبدأ التقاويم
409
# وفيها أيضا عمل الرصد للسلطان ملكشاه واجتمع جماعة من أعيان المنجمين في عمله منهم عمر بن إبراهيم الخيامي وأبو المظفر الاسفزاري زميمون بن النجيب الواسطي وغيرهم وخرج عليه من الأموال شيء عظيم وبقي الرصد دائرا إلى أن مات السلطان سنة خمس وثمانين وأربعمائة فبطل بعد موته
410
$ ثم دخلت سنة ثمان وستين وأربعمائة $ $ ذكر ملك الأقسيس دمشق $ # قد ذكرنا سنة ثلاث وستين أقسيس الرملة والبيت المقدس وحصره مدينة دمشق فلما عاد عنها جعل يقصد أ ' مالها كل سنة إدراك الغلات فيأخذها فيقوى هو وعسكره ويضعف أهل دمشق وجندها فلما كان رمضان سنة سبع وستين سار إلى دمشق فحصرها وأنيرها المعلى بن حيدرة من قبل الخلبفة المستنصر فلم يقدر عليها فانصرف عنها في شوال فهرب أميرها المعلة في ذي الحجة # وكان سبب هربه أنه أساء السيرة مع تالجند والرعية وظلمهم فكثر الدعاء عليه وثار به العسكر وأعانهم العامة فهرب منهما إلى بانياس ثم منها إلى صور ثم أخذ إلى مصر فحبس بها فمات محبوسا # فلما هرب من دمشق اجتمعت المصامدة وولوا عليهم القصار بن يحيى المصمودي المعروف برزين الدولة وغلت الأسعار بها حتى أكل الناس بعضهم بعضا ووقع الخلف بين المصامدة وأحداث البلد وعرف أقسيس ذلك فعاد إلى دمشق فنزل عليها في شعبان من هذه السنة فحصرها فعدمت الأقوات فبيعت الغرارة إذا وجدت بأكثر من عشرين دينارا فسلموها إليه بأمان وعوض انتصار عنها بقلعة بانياس ومدينة يافا من السحل ودخلها هو وعسكره في ذي القعدة وخطب بها يوم الجمعة لخمس بقين من ذي القعدة للمقتدي بأمر الله الخليفة العباسي وكان آخر ما خطب فيها العلويين المصريين وتغلب على أكثر الشام ومنع الأذان يحي على خير العمل ففرح أهلها فرحا عظيما وظلم أهلها وأساء السيرة فيهم $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة ملك نصر بن محمود بن مرداس مدينة منبد وأخذها من الروم # وفيها قدم سعد الدولة كوهرائين شحنة إلى بغداد من عسكر السلطان ومعه العميد أبو
411
نصر ناظرا في أعمال بغداد # وفيها وثب الجند بالبطيحة على أميرها أبي نصر بن الهيثم وخالفوا عليه منهم وخرج من ملكه والذخائر والأموال التي جمعها في المدة الطزيلة ولم يصحبه من ذلك جميعهه شيء وصار نزيلا على كوهرائين شجنة العراق # وفيها انفجر البثوق بالفوجة وانقطع الماء من النيل وغيره من تلك الأعمال من بلاد دبيس بن مزيد فجى أهل البلاد ووقع الوباء فيهم ولم يزل كذلك إلى أن سده عميد الدولة بن جهير سنة اثنتين وسبعين # ةفي هذه السنة توفي أبو علي الحسن بن القاسم بن محمد المقري المعروف بغلام الهراس الواسطي بها وكان محدثا علامة في كثير من العلوم # وفي شعبان توفي القاضي أبو الحسين محمد بن محمد بن البيضاوي الفقيه الشافعي وكان يدرس الفقه بدرب السلولي بالكرخ وهو زوج ابنة القاضي أبي الطيب الطبري وعبد الرحمن بن محمد بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود أبو الحسن بن أبي طلحة الداودي راوي صحيح البخاري ولد سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وسمع الحديث وتفقه بالشافعي علي أبي بكر القفال وأبي حامد الإسفرايني وصحب أبا علي الدقاق وأبا عبد الرحمن السلمي وكان عابدا قصده نظام الملك فجلس بين يديه فوعظه وكان في قوله إن الله تعالى سلطك على عباده فانظر كيف تجيبه إذا سألك عنهم فبكى وكان موته ببوشنج # وفيها توفي أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن متويه الواحدي المفسر مصنف الوسيط والبسيط والوجيز في النفسير وهو نيسابوري إمام مشهور # وأبو الفتح منصور بن أحمد بن دارست وزير القائم توفي بالأهواز # ومحمد بن القاسم بن حبيب بن عبدوس أبو بكر الصفار النيسابوري الفقيه الشافعي تفقه على أبي محمد الجويني وسمع من الحاكم أبي عبد الله السلمي وأبي عبد الرحمن السلمي وغيرهما # وفيها توفي مسعود بن المحسن بن الحسن بن عبد الرزاق أبو جعفر البياضي الشاعر له شعر مطبوع فمنه قوله # ( يا من لبست لبعده ثوب الضنا % حتى خفيت به عن العواد ) # ( وأنست بالسهر الطويل فأنسيت % أجفان عيني كيف كان رقادي ) # ( إن كان يوسف بالجمال مقطع الأيدي % فأنت مفتت الأكباد )
412
$ ثم دخلت سنة تسع وستين وأربعمائة $ $ ذكر حصر أقسيس مصر وعوده عنها $ # في هذه السنة سار الأقسيس من دمشقغلى مصر وحصرها وضيق إلى أهبها ولم يبق غير أن يملكها فاجتمع أهلها مع ابن الجوهري الواعظ في الجامع وبكوا وتضرعوا ودعوا فقبل الله دعاءهم فانهزم الأقسيس من غير قتال وعاد على أقبح صورة بغير سبب فوصل إلى دمشق وقد يفرق أصحابه فرأى أهلها قد صانوا مخلفيه وأمواله فشكرهم ورفع عنهم الخراج تلك السنة وأتى البيت المقدس فرأى أهله قد قبحوا على أصحابه ومخلفيه وحصروهم في محراب داود عليه السلام فلما قارب البلد تحصن أهله منه وسبوه فقاتلهم ففتح البلد عنوة ونهبه وقتل من أهله فأكثر حتى قتل من التجأ إلى المسجد الأقصى وكف عمن كان عند الصخرة وحدها هكذا يذكر الشاميون هذا الاسم أقسيس والصحيح أنه أتسز وهو اسم تركي # وقد ذكر بعض مؤرخي الشام أتسز لما وصل إلى مصر جمع أمير الجيوش بدرب العساكر واستمد العرب وغيرهم من أهل البلاد فاجتمع معه خلق كثير واقتتلوا فانهزم اتسز وقتل أكثر أصحابه وقتل أخ له وقطعت يد أخ آخر وعاد منهزما إلى الشام في نفر قليل من عسكره فوصل إلى الرملة ثم سار منها إلى دمشق # وزحكى لي من أثق به عن جماعة من فضلاء مصر أن أتسز لما وصل إلى مصر ونزل بظاهر القاهرة أساء أصحابه السيرة في الناس وظلموهم وأخذوا أموالهم وفعلوا الأفاعيل القبيحة فأرسل رؤساء القرى ومقدموها إلى الخليفة المستنصر بالله العلوي يشكون إليه ما نزل بهم فأعاد الجواب بأنه عاجز عن دفع هذا العدو فقالوا له نحن نرسل إليك من عندنا من الرجال المقاتلة يكونون معك ومن ليس له سلاح تعطيه من عندك سلاحا وعسكر هذا العدو قد أمنو في البلاد فنثور بهم في ليلة
413
واحدة ونقتلهم وتخرج أنت إليه فيمن اجتمع عندك من الرجال فلا يكون له بك قوة فاجابه إلى ذلك وأرسلوا إليه ا لرجال وثاروا كلهم في ليلة واحدة بمن عندهم فأوقعوا بهم وقتلوهم عن آخر ولم يسلم منهم إلا من كان عنده في عسكره وخرج إليه العسكر الذي عند المستنصر بالقاهرة فلم يقدر على الثبات لهم فولىمنهزما وعاد إلى الشام وكفى أهل مصر شره وظلمه $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة ورد بغداد أبو نصر ابن الأستاذ أبي القاسم القشيري حاجا وجلس في المدرسة النظامية يعظ الناس وفي رباط شيخ الشيوخ وجرى له مع الحنابلة فتن لأنه تكلم على مذهب الأشعري ونصره وكثر أتباعه والمتعصبون له وقصد خصومه من الحنابلة ومن تبعهم سوق المدرسة النظامية وقتلوا جماعة وكان من المتعصبين للقشيري الشيخ أبو إسحاق وشيخ الشيوخ وغيرهما وجرت بين الطائفتين أمور عظيمة # وفيها تزوج الأمير علي بن أبي منصور بن فرامرز بن علاء الدلوة أبي جعفر بن كاكويه أرسلان خاتون بنت داود عمه السلطان ملكشاه التي كانت زوجة القائم بأمر الله # وفيها كان بالجزيرة والعراق والشام وباء عظيم وموت كثير حتى بقي كثير من الغلات ليس لها من يعلمها لكثرت الموت في الناس وفيها مات محمود بن مرداس صاحب حلب وملك بعده ابنه نصر فمدحه ابنه حيوس بقصيدة يقول فيها # ( ثمانية لم تفترق مذ جمعتها % فلا افترقت ماذب عن ناظر شعر ) # ( ضميرك والتقوى وجودك والغنى % ولفظك والمعنى وعزم والنصر ) # ( وكان لمحمود بن نصر سجية % وغالب ظني أن سيخلفها نصر ) # فقال والله لو قال سيضعفها نصر لأضعفتها له بما كان يعطيه أبوه وهو ألف دينار في طبق فضة وكان على بابه جماعة من الشعراء فقال بعضهم # ( على بابك المعمور منا عصابة % مفاليس فانظر في أمور المفاليس ) # ( وقد قنعت منك العصابة كلها % بعشر الذي أعطيته لابن جيوس ) # ( وما بيننا هذا التقارب كله % ولكن سعيد لا يقاس بمنحوس )
414
# فقال لو قال بمثل الذي أعطيته لأعطيهم ذلك وأمر لهم بمثل نصفه # وفيها توفي اسبهدوست بن محمد بن الحسن أبو منصور الديلمي الشاعر وكان قد لقي ابن الحجاج وابن نباتة وغيرهما وكان يتشيع وتركه وقال في ذلك # ( وإذا سئلت عن اعتقادي قلت ما % كانت عليه هذاهب الأبرار ) # ( وأقول خير الناس بعد محمد % صديقه وأنيسه في الغار ) # وفيها توفي رئيس العراقين أبو أحمد النهاوندي الذي كان عميد بغداد والشريف أبو جعفر بن أ بي موسى العاشمي الحنبلي ورزق الله محمد بن أحمد بن علي أبو أسعد الأنباري الخطيب والفقيه الحنفي سمع لحديث للكثير وكان ثقة حافظا وطاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي المصري توفي في رجب سقط من سطح جامع عمرو بن العاص بصر فمات لوقته وعبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمر بن أحمد المعروف بابن هزار مرد الصريفيني راوية أحاديث علي بن الجعد أخر من رواها وكان ثقة صالحا ومن طريقه سمعناها
415
$ ثم دخلت سنة سبعين وأربعمائة $ $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة ورد مؤيد الملك إلى بغداد من العسكر # وفيها اصطلح تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية مع الناصر بن علناس وهو من بني حماد عم جده وزوجه تميم ابنته بلارة وسيرها إليه من المهدية في عسكر وأصحبها من الحلى والجهاز ما لا يحد وحمل الناصر ثلاثين ألف دينار فأخذ منهم تميم دينارا واحدا ورد الباقي # وفيها استعمل تميم ابنه مقلدا على مدينة طرابلس الغرب # وكان ببغداد في هذه السنة فتنة بين أهل سوق المدرسة وسوق الثلاثاء بسبب الاعتقاد فنهب بعضهم بعضا وكان مؤيد الملك بن نظام الملك ببغداد بالدار التي عند المدرسة فأرسل إلى العميد والشحنة فحضرا ومعهم الجند فضربوا الناس فقتل بينهم جماعة وانفصلوا # وفي هذه السنة في ربيع الأول توفي القاضي أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن البيضاوي الفقيه الشافعي وكان القاضي أبو الطيب الطبري جده لأمه # وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن النقور أ بو الحسين البزاز في رجب وكان مكثرا من الحديث ثقة في الرواية # وأحمد بن عبد الملك بن علي أبو صالح المؤذن النيسابوري كان يعظ ويؤذن وكان كثير الرواية حافظا ومولده سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة وعبد الرحمن بن محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة الأصبهاني أبو القاسم بن أبي عبد الله الحافظ له تصانيف كثيرة منها تاريخ أصبهان وله طائفة ينتمون إليه في الاعتقاد من أهل أصبهان يقال لهم العبد رحماتية $ وفي شوال منها توفيت ابنة نظام الملك زوجة عميد الدلوة بن جهير نفساء بولد
416
مات من يومه ودفنا بدار الخلافة ولم تجر بذلك عادة لأحد فعل ذلك إكراما لأبيها وجلس الوزير فخر الدلوة بن جهير وابنه عميد الدولة زوجها للعزاء في دار بباب العامة ثلاثة أيام
417
$ ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وأربعمائة $ $ ذكر عزل ابم جهير من وزارة الخليفة $ # في هذه السنة عزل فخر الدلولة أبو نصر بن جهير من وزارة الخليفة المقتدي بأمر الله ووزر بعده أبو شجاع محمد بن الحسين وكان السبب في ذلك أن أبا نصر بن القشيري ورد إلى بغداد على ما تقدم ذكره وجرى له الفتن مع الحنابلة لما ذكر مذهب الأشعرية ونصره وعاب من سواهم وفعلت الحنابلة ومن معهم ما ذكرناه فنسب أصحاب نظام الملك ما جرى إلى الوزير فخر الدولة وغلى الخدم # وكتب أبو الحسن محمد بن علي بن أبي الصقر الواسطي الفقيه الشافعي إلى نظام الملك # ( يا نظام الملك قد حل ببغداد النظام % وبقي القاطن فيها مستهان مستضام ) # ( وبها أودى له قتلى غلام وغلام % والذي منهم تبقى سالما فيه سهام ) # ( يا قوم الدين لم يبق ببغداد مقام % عظم الخطب وللحرب اتصال ودوام ) # ( فمتى لم تحسم الداء أياديك الحسام % ويكف القوم في بغداد قتل وانتقام ) # ( فعلى مدرسة فيها ومن فيها السلام % واعتصام بحريم لك من بعد حرام ) # فلما سمع نظام الملك ما جرى من الفتن وقصد مدرسته والقتل بجوارها مع أن ابنه مؤيد الملك فيها عظم عليه فأعاد كوهرائين إلى شحنكية العراق وحمله رسالة إلى الخليفة المقتدي بأمر الله يتضمن الشكوى من بني جهير وسأل عزل فخر الدلوة من الوزارة وأمر كوهرائين بأخذ أصحاب بني جهير وإيصال لمكروه إليهم وغلى حواشيهم فسمع بنو جهير الخبر فسار عميد الدولة إلى المعسكر يريد نظام الملك ليستعطفه وتجنب الطريق وسلك الجبال خوفا أن يلقاه كوهرائين ويناله فيها أذى فلما وصل كوهرائين إلى بغداد اجتمع بالخليفة وأبلغه رسالة نظام الملك فأمر فخر الدلوة بلزوم منزله ووصل عميد الدلوة إلى المعسكر السلطاني ولم يزل يستصلح نظام الملك حتى
418
عاد إلى ما ألفه منه وزوجه بابنة بنت له وعاد بغداد في العشرين من جمادى الأولى فلم يرد الخليفة أباه إلى وزارته وأمرها بملازمة منازلهما واستوزر أبا شجاع محمد بن الحسين ثم إن نظام الملك راسل الخليفة في إعادة بني جهير إلى الوزارة وشفع في ذلك فأعيد عميد الدولة إلى الوزارة وأذن لأبيه فخر الدولة في فتح بابه وكان ذلك في صفر سنة اثنتين وسبعين $ ذكر استيلاء تتش على دمشق $ # في هذه السنة ملك تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان بدمشق وسبب ذلك أن أخاه السلطان ملكشاه أقطعه الشام ولم يفتحه في ذلك في تلك النواحي سنة سبعين وأربعمائة فأتى حلب وحصرها ولحق أهلها مجاعة شديدة وكان معه جمع كثير من التركمان فأنفذ إليه الاقسيس صاحب دمشق يستنجده ويعرفه أن عساكر مصر قد حصرته بدمشق وكان أمير الجيوش بدر قد سير عسكرا من مصر ومقدمهم قائد يعرف بنصر الدلوة فحصر دمشق فأرسل إقسيس إلى تاج الدولة تتش يستنصره فسار إلى نصرة الإقسيس فلما سمع المصريون بقربه أجفلوا من بين يديه شبه المنهزمين وخرج الإقسيس إليه يلتقيه عند سور البلد فاغتاظ منه تتش حيث لم يبعد في تلقيه وعاتبه على ذلك فاعتذر بأمور لم يقبلها تتش فقبض عليه في احال وقتله من ساعته وملك البلد وأحسن السيرة في أهله وعدل فيهم # وقد ذكر ابن الهمذاني وغيره من العراقيين أن ملك تتش دمشق كان هذه السنة وذكر الحافظ أبو اقاسم بن عساكر الدمشقي في كتاب تاريخ دمشق أن ملكه إياها كان سنة اثنتين وسبعين $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة ولد الملك بركيارق بن السلطان ملكشاه # وفيها في المحرم وصل سعد الدولة كوهرائين إلى بغداد وضرب الطبل على باب داره أوقات الصلاة وكان قد طلب ذلك من قبل فلم يجب اليه لأنه لم تجر به عادة
419
# وفيها توفي سيف الدولة أبو النجم بدر بن ورام الكردي الجاواني في شهر ربيع الأول ودفن بطسفونج # وفي رجب توفي أبو علي بن البناء المقري الحنبلي وله مصنفات كثيرة وسليم الجوري بناحية جور من دجيل وكان زاهدا يعمل وياكل من كسبه ولم يكف أحد حاجة وأقام بطنزة من ديار بكر وهي كثيرة الفواكه فلم يأكل بها فاكهة البتة
420
$ ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين وأربعمائة $ $ ذكر فتوح إبراهيم صاحب غزنة في بلاد الهند $ # في هذه السنة غزا الملك إبرهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين بلاد الهند فحصر قلعة أجود وهي على مائة وعشرين فرسخا من لهاوور وهي قلعة حصينة في غاية الحصانة كبيرة تحوي عشرة آلاف رجل من المقاتلة فقاتلوه وصبروا تحت الحصر وزحف اليهم غير مرة فرأوا من شدة حربه ما ملأ قلوبهم خوفا ورعبا فسلموا القلعة إليه في الحادي والعشرين من صفر هذه السنة وكان في نواحي الهند قلعة يقال لها قلعة رويال على رأس جبل شاهق وتحتها غياض أشبه وخلفها البحر وليس عليها قتالا إلا من مكان ضيق وهومملوء بالفيلة المقاتلة وبها من رجال الحرب ألوف كثيرة فتابع عليهم الوقائع وألح عليهم بالقتال بجميع أنواع الحرب وملك القلعة واستنزلهم منها # وفي موضع يقال له دره نوره أقوام من أولاد الخراسانيين الذين جعل أجدادهم فيها أفراسياب التركي من قديم الزمان ولم يتعرض إليهم أحد من الملوك فسار إليهم إبراهيم ودعاهم إلى الاسلام أولا فامتنعوا من إجابته وقاتلوه فظفر بهم وأكثر القتل فيهم وتفرق من سلم في البلاد وسبى واسترق من النسوان والصبيان مائة ألف # وفي هذه القلعة حوض للماء يكون قطره نحو نصف فرسخ لا يدرك قعره يشرب منه أهل القلعة وجميع ما عندهم من دابة ولا يظهر فيه نقص وفي بلاد الهند موضع يقال له وره وهوبر بين خليجين فقصده الملك إبراهيم فوصل إليه في جمادى الأولى وفي طريقه عقبات كثيرة وفيها أشجار ملتفة فأقام هناك ثلاثة أشهر ولقي الناس من الشتاء شدة ولم يفارق الغزوة حتى أنزل الله نصره على أوليائه وذله على أعدائه وعاد إلى غزنة سالما مظفرا # وهذه الغزوات لم أعرف تاريخها وأما الأولى فكانت هذه السنة فلهذها أوردتها متتابعة في هذه السنة
421
$ ذكر ملك شرف الدولة مسلم مدينة حلب $ # في هه السنة ملك شرف الدولة مسلم بن قريش العقيلي صاحب الموصل مدينة حلب وسبب ذلك أن تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان حصرها مرة بعد أخرى فاشتد الحصار بأهلها وكان شرف الدولة يواصلهم بالغلات وغيرها ثم ان تتش حصرها هذه ا لسنة وأقام عليها أياما ورحل عنها وملك بزاعة والبيرة وأحرق ربض عزاز وعاد إلى دمشق فلما رحل عنها تاج الدولة استدعى أهلها شرف الدولة ليسلموها إليه فلما قاربها امتنعوا من ذلك وكان مقدمهم يعرف بابن الحتيتي العباسي فاتفق أن ولده خرج يتصيد بضيعة له فأسره احد التركمان وهو صاحب حصن بنواحي حلب وأرسله إلى شرف الدولة فقرر معه أن يسلم البلد إليه إذا أطلقه فأجاب إلى ذلك فأطلقه فعاد إلى حلب واجتمع بأبيه وعرف ما استقر فأذعن إلى تسليم البلد ونادى بشعار شرف الدولة وسلم البلد إليه فدخله سنة ثلاث وسبعين وحصر القلعة واستنزل منها سابقا ووثابا ابني محمود بن مرداس فلما ملك البلد أرسل ولده وهو ابن عمة السلطان إلى السلطان يخبره بملك البلد وأنفذ معه شهادة فيها خطوط المعدلين بحلب بضمانها وسأل أن يقرر عليه الضمان فأجابه السلطان إلى ما طلب وأقطع ابن عمته مدينة بالس $ ذكر مسير ملكشاه إلى كرمان $ في أول هذه السنة سار السلطان ملكشاه إلى بلاد كرمان فلما سمع صاحبها سلطانشاه بن قاروت بك وهو ابن عم السلطان بوصوله إليها خرج إلى طريقه ولقيه وحمل له الهدايا الكثيرة وخدمه وبالغ في الخدمة فأقره السلطان على البلاد وأحسن إليه وعاد عنه في المحرم سنة ثلاث وسبعين إلى أصبهان $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة ولد للخليفة المقتدي بأمر الله أمير المؤمنين ولد سماه موسى وكناه أبا جعفر وزينت بغداد سبعة أيام # وفيها وصل السلطان ملكشاه إلى خوزستان متصيدا فوصل معه خمارتكين وكوهرائين في قتل ابن علان اليهودي ضامن البصرة وكان ملتجئا إلى نظام الملك وبين خمارتكين الشرابي وكوهرائين عداوة فسعيا باليهودي لذلك فأمر السلطان بتغريقه فغرق وانقطع نظام الملك عن
422
الركوب ثلاثة أيام وأغلق بابه ثم أشير عليه بالركوب فركب وعمل السلطان دعوة عظيمة قدم له فيها أشياء كثيرة وعاتبه على فعله فاعتذر إليه وكان أمر اليهودي قد عظم إلى حد أن زوجته توفيت فمشى خلف جنازتها كل من في البصرة إلا القاضي وكان له نعمة عظيمة وأموالا كثيرة فأخذ السلطان منه مائة ألف دينار وضمن خمارتكين البصرة كل سنة بمائة ألف دينا ومائة فرس # وفيها زادت الفرات تسعة أذرع فخربت بعض دواليب هيت وخرب نهر فوهة عيسى وزاد تامرا بيفا وثلاثين ذراعا وعلا على قنطري طراستان وخائقين الكسرويتين فقطعهما وفيهافي ذي الحجة توفي نصر بن مروان صاحب ديار بكر وملك بعده ابنه منصور ودبر دولته ابن الأنباري # وفيها توفي أبو منصور محمد بن بن عبد العزيز العكبري ومولده سنة أربع ووثمانين وثلاثمائة وهو من المحدثين المعروفين وكان صدوقا ومحمد بن هبة الله بن الحسن بن منصور أبو بكر بن أبي القاسم الطبري اللالكائى وولد سنة تسع أربعمائة وحدث عن هلال الحفار وغيره وتوفي في جمادى الأولى # وفيها توفي أبو الفتيان محمد بن سلطان بن حيوس الشاعر المشهور وحدث عن جده لأمه القاضي أبي نصر محمد بن هارون بن الجندي
423
$ ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين , أربعمائة $ $ ذكر استيلاء تكش على بعض خراسان وأخذها منه $ # في هذه السنة في شعبان سار السلطان ملكشاه إلى الري وعرض العسكر فأسقط منهم سبعة آلاف رجل لم يرض حالهم فمضوا إلى أخيه تكش وهو يبوشنج فقوي بهم وأظهر العصيان على أخيه ملكشاه واستولى على مرو الروذ ومرو الشاهجان وترمذ وغيرها وسار إلى نيسابور طامعا في ملك خراسان وقيل بأن نظام الملك قال للسلطان لما أمر بإسقاطهم إن هؤلاء ليس فيهم كاتب ولا تاجر ولا خياط ولا من له صنعة غير الجندية فإذا أسقطوا لا نأمن أن يقيموا منهم رجلا وقالوا هذا السلطان فيكونا لنا منهم شغل ويخرج على أيدينا أضعاف ما لهم من الجاري إلى أن نظفر بهم فلم يقبل السلطان قوله فلما مضوا إلى أخيه وأظهر العصيان ندم على مخالفة وزيره حيث لم ينفع الندم واتصل خبره بالسلطان ملكشاه فسار مجدا إلى خراسان فوصل إلى نيسابور قبل أن يستولي تكش عليها فلما سمع تكش بقربه منها سار عنها وتحصن بترمذ وقصد السلطان فحصره بها وكان تكش قد أسر جماعة من أصحاب السلطان فاطلقهم واستقر الصلح بينهما ونزل تكش إلى أخيه السلطان ملكشاه ونزل عن ترمذ $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة تسلم مؤيد المك بن نظام الملك تكريت من صاحبها المهرباط وفيها توفي أبو علي بن شبل الشاعر المشهور من شعره في الزهد # ( أهم بترك الذنب ثم يردني % طموح شباب بالغرام موكل ) # ( فمن لي إذا أخرت ذا اليوم توبة % بان المنايا لي إلى الشيب تمهل ) # ( أعجز ضعفا عن أدا حق خالقي % وأحمل وزرا فوق ما يتحمل )
424
# وفيها أيضا توفي العميد أبو منصور بالبصرة وفيها توفي عبد السلام بن أحمد بن محمد بن جعفر أبو الفتح الصوفي من أهل فارس سافر الكثير وسمع الحديث بالعراق والشام ومصر وأصبهان وغيرها وكانت وفاته بفارس # ويوسف بن الحسن بن محمد بن لحسن أبو الهيثم التفكري الزنجاني ولد سنة وتسعين وثلاثمائة وسمع من أبي نعيم الحافظ وغيره وتفقه على أبي إسحاق الشيرازي وأدرك أبا الطيب الطبري وكان من العلماء من العاملين المشتغلين بالعبادة
425
$ ثم دخلت سنة اربع وسبعين وأربعمائة $ $ ذكر خطبة الخليفة ابنة السلطان ملكشاه $ # في هذه السنة أرسل الخليفة الوزير فخر الدلوة أبا نصر بن جهير إلى السلطان يخطب ابنته لنفسه فسار فخر الدولة إلى أصبهان إلى السلطان يخطب ابنته فأمر نظام الملك أن يمضي معه إلى خاتون زوجة السلطان في المعنى فمضيا إليها فخاطباها فقالت إن الملك غزنة وملوك الخانية مما وراء النهر طلبوها وخطبوها لأولادهم وبذلوا أربعمائة ألف دينار فإن حمل الخليفة هذا المال فهو أحق منهم فعرفتها أرسلان خاتون التي كانت زوجة القائم بأمر الله ما يحصل لها من الشرف والفخر بالاتصال بالخليفة وأن هؤلاء كلهم عبيده وخدمه ومثل الخليفة لا يطلب منه المال فأجابت إلى ذلك وشرطت أن يكون الحمل المعجل خمسين ألف دينار وأنه لا يبقى له سرية ولا زوجة غيرها ولا يكون مبيتة إلا عندها فأجيبت إلى ذلك فأعطى السلطان يده وعاد فخر الدولة إلى بغداد $ ذكر وفاة نور الدولة بن مزيد وإمارة ولده منصور $ # في هذه السنة في شوال توفي نور الدولة أبو الأغر دبيس بن علي بن مزيد الأسدي بمطيراباذ وكان عمره ثمانين سنة وإمارته سبع وخمسون سنة وما زال ممدحا في كل زمان مذكورا بالتفضل والإحسان ورثاه الشعراء فأكثروا وولي بعده ما كان إليه ابنه أبو كامل منصور ولقبه بهاء الدولة فأحسن السيرة واعتمد الجميل وسار إلى السلطان ملكشاه في ذي القعدة واستقر له الأمر وعاد في صفر سنة خمس وسبعين وخلع الخليفة أيضا عليه
426
$ ذكر محاصرة تميم بن المعز مدينة قابس $ # في هذه السنة حصر الأمير تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية مدينمة قابس حصارا شديدا وضيق على أهلها وعادت عساكره في بساتينها المعروفة بالغابة فأفسدوها $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة سار تتش بعد عود شرف الدولة عن دمشق وقصد الساحل الشامي فافتتح انطرطوس وبعضا من الحصون وعاد إلى دمشق وفيها ملك شرف الدولة صاحب الموصل مدينة حران وأخذها من بني وثاب النميريين وصالحه صاحب الرهاء ونقش السكة باسمه وفيها سد ظفر القائمي بثق نهر عيسى وكان خرابا منذ ثلاث سنوات وعشرين سنة وسدا مرارا وتخرب إلى أن سده ظفر # وفيها أرسل السلطان إلى بغداد ليخرج الوزير أبو شجاع الذي وزر للخليفة بعد بني جهير فأرسله الخليفة إلى نظام الملك وسير معه رسولا وكتب معه إلى نظام الملك كتابا بخطه يامره بالرضا عن أبي شجاع فرضي عنه وأعاده إلى بغداد # وفيها مات ابن السلطان ملكشاه واسمه داود فجزع عليه جزعا شديدا وحزن حزنا عظيما ومنع من أخذه وغسله حتى تغيرت رائحته وأراد قتل نفسه مرات فمنعه خواصه ولما دفن لم يطق المقام فخرج يتصيد وأمر بالنياحة عليه في البلد ففعل ذلك عدة أيام جلس له وزير الخليفة في العزاء ببغداد وفيها توفي عيد الله بن أحمد بن رضوان أبو القاسم وهو من أعيان أهل بغداد وكان مرضه شقيقة وبقي ثلاث سنين في بيت مظلم لا يقدر يسمع صوتا ولا بيصر ضوءا وفيها في ذي الحجة توفي أبو محمد بن أبي عثمان المحدث وكان صالحا يقرىء القرآن بمسجده بنهر القلائين وتوفي علي بن أحمد بن علي أبو القاسم البسري البندار ومولده سنة ست وثمانين وثلاثمائة سمع المخلص وغيره وكان ثقة صالحا وفيها توفي أبو إسحاق إبراهيم بن عقيل بن حبش القرشي النحوي
427
$ ثم دخلت سنة خمس وسبعين وأربعمائة $ $ ذكر وفاة جمال الملك بن نظام الملك $ # في هذه السنة في رجب توفي جمال الملك منصور بن نظام الملك وورد الخبر بوفاته إلى بغداد في شعبان فجلس أخوه مؤيد الملك للعزاء وحضر فخر الدولة بن جهير وابنه عميد الملك معزيين وأرسل الخليفة إليه في اليوم الثالث فاقامه من العزاء واكن سبب موته أن مسخرة كان للسلطان ملكشاه يعرف بجعفرك يحاكي نظام الملك ويذكره في خلواته مع السلطان فبلغ ذلك جمال الملك وكان يتولى مدينة بلخ وأعمالها فسار من وقته يطوي المراحل إلى والده والسلطان وهما بأصبهان فاستقبله أخواه فخر الملك ومؤيد الملك فأغلظ لهما القول في إغضائهما على ما بلغه عن جعفرك فلمكا وصل إلى حضرة السلطان رأى جعفرك يسارره فانتهره وقال مثلث يقف هذا الموقف وينبسط بحضرة السلطان في هذا الجمع فلما خرج من عند السلطان أمر بالقبض على جعفرك وأمر بإخراج لسانه من قفاه وقطعه فمات ثم سار مع السلطان وأبيه إلى خراسان وأقاموا بنيسابور مدة ثم أرادوا العود إلى أصبهان وتقدم نظام الملك فأحضر السلطان عميد خراسان وقال له أيما أحب لك رأسك أم رأس جمال الملك فقال بل رأسي # فقال لئن لم تعمل في قتله لأقتلنك # فاجتمع بخادم يختص بخدمة جمال الملك وقال له سرا الأولى أن تحفظوا نعمتكم ومناصبكم وتدبروا في قتل جمال الملك فإن السلطان يريد أن ياخذه ويقتله ولأن تقتلوه أنتم سرا أصلح لكم من أن يقتله السلطان ظاهرا فظن الخادم أن ذلك صحيح فجعل له اسما في كوز فقاع فطلب جمال الملك فقاعا فأعطاه الخادم ذلك الكوز فشربه فمات فلما علم السلطان بموته سار مجدا حتى لحق نظام الملك فأعلمه بموت ابنه وعزاه وقال أنا ابنك وأنت أولى من صبر واحتسب
428
$ ذكر الفتنة ببغداد بين الشافعية والحنابلة $ # ورد إلى بغداد هذه السنة الشريف أبو القاسم البكري المغربي الواعظ وكان أشعري المذهب وكان قد قصد نظام الملك فأحبه ومال إليه وسيره إلى بغداد وأجرى عليه الجراية الوافرة فوعظ بالمدرسة النظامية وكان يذكر الحنابلة ويعيبهم ويقول ( وما كفر سليما ولكن الشياطين كفروا ) والله ما كفر أحمد ولكن أصحابه كفروا ثم إنهقصد يوما دار قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني بنهر القلائين فجرى بين بعض أصحابه وبين الحنابلة مشاجرة أدت إلى الفتنة وكثر جمعه فكبس دور بني الفراء وأخذ كتبهم وأخذ منها كتاب الصفات لأبي يعلى فكان يقرأبين يديه وهو جالس على الكرسي للوعظ فيشنع به عليهم وجرى له معهم خصومات وفتن ولقب البكري من الديوان بعلم السنة ومات ببغداد ودفن عند قبر أبي الحسن الأشعري $ ذكر مسير الشيخ أبي إسحاق إلى السلطان في رسالة $ # قي هذه ا لسنة في ذي الحجة أوصل الخليفة المقتدي بأمر الله الشيخ أبا إسحاق الشيرازي إلى حضرته وحمله رسالة إلى السلطان ملكشاه ونظام الملك تتضمن الشكوى من العميد أبي الفتح بن أبي الليث عميد العراق وأمره أن بنهي ما يجري على البلاد من النظار فسار فكان كلما وصل إلى مدينة من بلاد العجم يخرج أهلها إليه بنسائهم وأولادهم يتمسحون بركابه ويأخذون تراب بغلته للبركة في صحبته جماعة من أعيان بغداد منهم الإمام أبو بكر الشاشي وغيره ولما وصل إلى ساوة خرج جميع أهلها وساله فقهاؤها كل منهم أن يدخل بيته فلم يفعل ولقيه أصحاب الصناعات ومعهم ما ينثرونه على محفته فخرج الخبازون ينثرون الخبز وهو ينهاهم فلم ينتهوا وكذلك أصحاب الفاكهة والحلواء وغيرهم وخرج إليه من الأساكفة وقد عملوا مداسات لطافا تصلح لأرجل الأطفال ونثروها فكانت تسقط على رؤوس الناس فكان الشيخ يتعجب ويذكر ذلك لأصحابه بعد رجوعه ويقول ما كان حظكم من ذلك النثار فقال له بعضهم ما كان حظ سيدنا منه فقال أما أنا فغطيت بالمحفة وهو يضحك # فأكرمه السلطان ونظام الملك وجرى بينه وبين إمام الحرمين أبي المعالي الجويني مناضرة بحضرة نظام الملك وأجيب إلى جميع ما التمسه ولم عاد أهين العميد وكسر عما كان يعتمده ورفعت يده عن جميع ما يتعلق بحواشي الخليفة ولما وصل الشيخ إلى بسطام خرج
429
إليه السهلكي شيخ الصوفية بها وهو شيخ كبير فلما سمع الشيخ أبو إسحاق بوصوله خرج إليه ماشيا فلما رآه السهلكي ألقى نفسه من دابة كان عليها وقبل يد الشيخ أبي إشحاق فقبل أبو إسحاق رجله وأقعده موضعه وجلس أبو إسحاق بين يديه وأظهر كل واحد منهما من تعظيم صاحبه كثيرا وأعطاه شيئا من حنطة ذكر أنها من عهد أبي يزيد البسطامي ففرح بها أبو إسحاق $ ذكر حصر شرف الدولة دمشق وعوده عنها $ # في هذهال سنة جمع تاج الدولة تتش جمعا كثيرا وسار عن بغداد وقصد بلاد الروم أنطاكية وما جاورها فسمع شرف الدولة صاحب حلب الخبر فخافه فجمع أيضا العرب من عقيل والأكراد وغيرهم فاجتمع معه جمع كثير راسل الخليفة بن نصر يطلب منه إرسال نجدة إليه ليحصر دمشق فوعده ذلك فسار إليها فلما سمع تتش الخبر عاد إلى دمشق فوصلها أول المحرم سنة ست وسبعين ووصل شرف الدولة أواخر المحرم وحصر المدينة وقاتله أهلها وفي بعض الأيام خرج إليه عسكر دمسق وقاتلوه وحملوا على عسكره حملة صادقة وانكشفوا وتضعضعوا وانهزمت العرب وثبت شرف الدولة وأشرف على الأسر وتراجع إليه أصحابه فلما رأى شرف الدولة ذلك ورأى أيضا أن مصر لم يصل إليه منها عسكر وأتاه عن بلاده الخبر أن أهل حران عصو عليه فرحل عن دمشق إلى بلاده وأظهر أنه يريد البلاد بفلسطين فرحل أولا إلى مرج الصفر فابتاع أهل دمشق وتتش والطرب ثم انه رحل من مرج الصفر مشرقا في البية وجد في مسيره فهلك من المواشي الكثير مه عسكطره ومن الدواب شيء كثير وانقطع خلق كثير $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة قدم مؤيد الملك بن نظام الملك إلى بغداد من أصبهان فخرج عميد الدولة بن جهير إلى لقائه ونزل بالمدرسة النظامية وضرب على بابه الطبول أوقات الصلاوات الثلاث فأعطي مالا جليلا حتى قطعه وأرسل الطبول إلى تكريت وفيها توفي أبو عمرو عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق بن منده الأصبهاني في جمادى الآخرة بأصبهان وكان حافظا فاضلا والأمير أبو نصر علي بن الززير أبي القاسم هبة الله بن علي بن جعفر بن ماكولا مصنف كتاب الأكمان ومولده سنة عشرين وأربعمائة وكان فاضلا حافظا قتله مماليكه الأتراك بكرمان وأخذوا ماله
430
$ ثم دخلت سنة ست وسبعين وأربعمائة $ $ ذكر عزل عميد الدولة بن جهير عن وزارة الخليفة ومسيرة والده فخر الدولة إلى ديار بكر $ # في هذه السنة في صفر عزل عميد الدولة بن جهير عن وزارة الخليفة ووصل يوم عزل رسول من السلطان ونظام الملك إلى الخليفة يطلبان أن يرسل إليها بني جهير فأذن لهما في ذلك وساروا بجميع أهلهم ونسائهم إلى السلطان فصادفوا منه ومن نظام الإكرام والاحترام وعقد السلطان لفخر الدولة بن جهير بن ديار بكر وخلع عليه وأعطاه الكوسات وسير معه العاسكر وأمره أن يقصدها ويأخذها من بني مروان وأن يخطب لنفسه ويذكر اسمه على السكة فسار إليها ولمل فارق بنو جهر بغداد رتب في الديوان أبو الفتح المظفر بن رئيس الرؤساء وكان قبل ذلك على أبنية الدار وغيرها $ ذكر عصيان أهل حران على شرف الدولة وفتحها $ # في هذه السنة عصى أهل حران على شرف الدولة مسلم بن قريش وأطاعوا قاضيهم ابن حلبة وأرادوا هم وابن عطير النميري تسليم البلد إلى جبق أمير التركمان وكان شرف الدولة على دمشق يحاصر تاج تتش بها فبلغه الخبر فعاد إلى حران وصالح ابن ملاعب صاحب حمص وأعطاه سليمة ورفينية وبادر بالمسير إلى حران فحصرها ورماها بالمنجنيق فخرب من سورها بدنة فتح البلد في جمادى الأولى وأخذ القاضي ومعه ابنين له فصلبهم على السور $ ذكر وزارة أبي شجاع محمد بن الحسين للخلبفة $ # في هذه السنة عزل الخليفة أبا الفتح ابن رئيس الرؤساء من النيابة في الديوان واستوزر أبا شجاع محمد بن الحسين وخلع عليه الوزارة في شعبان ولقبه ظهير الدين
431
ومدحه الشعراء فأكثروا من مدحه وهنأه أبو المظفر محمد بن العباس الأبيوردي بالقصيدة المشهورة التي أولها # ( ها إنها مقل الظباء العين % فتكت بسر فؤادي المكنون ) # ومنها # ( فانهل أسراب الدموع كأنها % منح يتابعها ظهير الدين ) $ ذكر قتل أبي المحاسن بن أبي الرضا $ # في هذه السنة في شوال قتل سيد الرؤساء أبو المحاسن بن كمال الملك أبي الرضا وكان قد قرب من السلطان ملكشاه قربا عظيما زكان أبوه يكتب بالطغراء فقال أبو المحاسن للسلطان سلم إلي نظام الملك وأصحابه وأنا أسلم إليك منهم ألف ألأف دينار فإنهم يأكلون الأموال ويقتطعون الأعمال وعظم عنده ذخائرهم فبلغ ذلك نظام الملك فعمل سماطا عظيما وأقام عليه مماليكه وهو ألوف من الأتراك وأقام خيلهم وسلاحهم لى حيالهم فلما حضر السلطان قال له إنني قد خدمتك وخدمت أباك وجدك ولي حق خدمه وقد بلغك أخذي لعشر أموالك وصدق هذا آخذه وأصرفه إلى هؤلاء الغلمان الذين جمعتهم لك وأصرفه أيضا إلى الصدقات والصلات والوقوف التي أعظم ذكرها وشكرها وأجرها لك وأموالي وجميع ما أملكه بين يديك وأنا أقنع بمرقعة وزاوية وسمع أبوه كمال الملك الخبر فاستجار بدار نظام الملك فسلم وبذل مائتي ألف دينار وعزل عن الطغراء ورتب مكانه مؤيد الملك بن نظام الملك $ ذكر استيلاء مالك بن علوي على القيروان وأخذها منه $ # في هذه السنة جمع مالك بن علوي الضخري العرب فأكثروا وسار إلى المهدية فحصرها فقام الأمير تميم بن المعز قياما تاما ورحله عنها ولم يظفر منها بشيء فسار مالك منها إلى القيروان فحصرها وملكها فجرد إليه تميم العساكر العظيمة فحصروه بها فلما رأى مالك أنه لا طاقة له بتميم خرج عنها وتركها فاستولى عليها عسكر تميم وعادت إلى ملكه كما كانت
432
$ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة عم الرخص جميع البلاد فبلغ الكر الحنطة الجيدة ببغداد عشرة دنانير وفيها في جمادى الآخرة توفي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وكان مولده سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وأكثر الشعراء مراثية فمنهم أبو الحسن الخباز والبندنيجي وغيرهما وكان رحمه الله عليه واحد عصره علما وزهدا وعبادة وسخاء وصلي عليه في جامع القصر وجلس أصحابه للعزاء في المدرسة النظامية ببغداد ثلاثة أيام ولم يتخلف أحد عن العزاء وكان مؤيد الملك بن نظام الملك ببغداد فرتب في التدريس أبا سعد عبد الرحمن بن المأمون المتولي فلما بلغ ذلك نظام أنكره وقال كان يجب أن تغلق المدرسة بعد الشيخ أبي إسحاق سنة وصلى علايه بباب الفردوس وهذا لم يفعل على غيره وصلى عليه الخليفة المقتدي بأمر الله وتقدم في الصلاة عليه أبو الفتح بن رئيس الرؤساء وهو ينوب في الوزراة ثم صلي عليه بجامع القصر ودفن بباب أبرز
433
$ ثم دخلت سنة سبع وسبعين وأربعمامئة $ $ ذكر الحرب بين فخر الدولة بن جهير وابن مروان وشرف الدولة $ # قد تقدم ذكر مسير فخر الدولة بن جهير في العساكر السلطانية إلى ديار بكر فلما كانت هذه السنة سير السلطان إليه أيضا جيشا فيهم الأمير أرتق بن أكسب وأمرهم بمساعدته وكان ابن مروان قد مضى إلى شرف الدولة وسأله نصرته على أن يسلم إليه آمد وحلف كل واحد لصاحبه وكل منهما يرى أن صاحبه كاذب لما كان بينهما من العداوة المستحكمة واجتمعا على حرب فخر الدولة وسارا إلى آمد وقد نزل فخر الدولة بنواحيها فلما رأى فخر الدولة اجتماعهما مال إلى الصلح وقال لا أوثر أن يحل بالعرب بلاء على يدي فعرف التركمان ما عزم عليه فركبوا ليلا وأتوا إلى العرب وأحاطوا بهم في ربيع الأول والتحم القتال واشتد فانهزمت العرب ولم يحضر هذه الوقعة الوزير فخر الدولة وأرتق وغنم التركمان حلل العرب ودوابهم وانهزم شرف الدولة وحمى نفسه حتى وصل إلى فضيل آمد وحصره فخر الدولة ومن معه فلما رأى شرف الدولة أنه محصور خاف على نفسه فراسل الأمير أرتق وبذل له مالا وسأله أن يمن عليه بنفسه ويمكنه من الخروج من آمد وكان هو على حفظ الطرق والحصار فلما سمع أرتق ما بذل له شرف الدولة أذن له في الخروج فخرج منها في الحادي إلى ميافارقين ومعه من الأمراء الأمير بهاء الدولة منصور بن مزيد وابنه سيف الدولة صدقة ففارقوه وعادوا إلى العراق وسار فخر الدولة إلى خلاط ولما استولى العسكر السلطاني على حلل العرب وغنموا أموالهم وسبوا حريمهم بذل سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد الأموال وافتك اسرى بني عقيل ونساءهم وأولادهم وجهزهم وردهم إلى بلادهم ففعل أمرا عظيما وأسدى مكرمة شريفة ومدحه الشعراء في ذلك فأكثروا فمنهم محمد بن
434
محمد بن خليفة السنبسي يذكر ذلك في قصيدة # ( كما أحرزت شكر بني عقيل % بآمد يوم كظهم الحذار ) # ( غداة رمتهم الأتراك طرا % بشهب في حوافلها أزورار ) # ( فما جبنوا ولكن فاض بحر % عظيم لا تقاومه البحار ) # ( فحين تنازلوا تحت المنايا % وفيهن الرزية والدمار ) # ( مننت عليهم وفككت عنهم % وفي أثناء حبلهم انتشار ) # ( ولولا أنت لم ينفك منهم % أسير حين أعلقه الأسار ) # في أبيات كثيرة # وذكر أيضا البندنيجي أبياتا فأحسن ولولا خوف التطويل لكرت أبياته $ ذكر استيلاء عميد الدولة على الموصل $ # لما بلغ السلطان أن شرف الدولة انهزم وحصر بآمد لم بشك في أسره فخلع على عميد الدولة بن جهير وسيره في جيش كثيف إلى الموصل وكاتب أمراء التركمان بطاعته وسير معه الأمراء آقسنقر قسيم الدولة جد ملوكنا أصحاب الموصل وهو الذي أقطعه السلطان بعد ذلك حلب وكان الأمير أرتق قد قصد السلطان فعاد صحبة عميد الدولة من الطريق فسار عميد الدولة حتى وصل إلى الموصل فأرسل إلى أهلها يشير عليهم بطاعة السلطان وترك عصيانه ففتحوا له البلد وسلموه إليه وسار السلطان بنفسه وعساكره إلى بلاد شرف الدولة ليملكها فأتاه الخبر بخروج أخيه تكش على ما يذكره ورأى شرف الدولة قد خلص من الحصر فأرسل مؤيد الملك بن نظام الملك إلى شرف الدولة وهو مقابل الرحبة فأعطاه العهود والمواثيق وأحضره عند السلطان وهو بالبوازيج فخلع عليه آخر رجب وكانت أمواله قد ذهبت فافترض ما خدم به وحمل للسلطان خيلا رائقه من جملتها فرسه بشار وهو فرسه المشهور الذي نجا به الخيل فجاء سابقا فقام السلطان قائما لما تداخله من العجب وأرسل الخليفة النقيب طراد الزينبي في لقي شرف الدولة فلقيه بالموصل فزاد شرف الدولة قوة وصالحه السلطان وأقره على بلاده وعاد إلى جانب خراسان لحرب أخيه
435
$ ذكر عصيان تكش على أخيه السلطان ملكشاه $ # قد تقدم ذكره وذكر مصالحته للسلطان فلما كان الآن ورأى بعد السلطان عنه عاود العصيان وكان أصحابه يؤثرون الاختلاط فحسنوا له مفارقة طاعة أخيه فأجابهم وسار معهم فملك مرو الروذ ةغيرها إلى قلعة تقارب سرخس ةهي لمسعود ابن الأمير ياخر وقد حصنها جهده فحصروه بها ولم يبق غير أخذها منه فاتفق أبو لافتح الطوسي صاحب نظام الملك وهو بنيسابور وعميد خراسان وهو أبو علي علي ان يكتب أبو الفتوح ملطفا إلى أبي مسعود بن ياخر وكان خط أب الفتوح أشبه شيء بخط نظام الملك يقول فيه كتبت هذه الرقعة من الري يوم كذا ونحن سائرون من الغد نحوك فاحفظ القلعة ونحن نكبس العدو في ليلة كذا واستدعيا فيجا يثقون به وأعطياه دنانير صالحة وقالا سر نحو مسعود فإذا وصلت إلى المكان الفلاني فأقم به ونم وأخف هذا الملطف في بعض حيطانه فستأخذك طلائع تكش فلا تعترف لهم حتى يضربوك فإذا لعلوا ذلك وبالغوا فأخرجه لهم وقل إنك فارقت السلطان بالري ولك منا الحباء والكرامة ففعل ذلك وجرى الأمر على ما وصفا وأضر بين يدي تكش وضرب وعر ض على القتل فأظهر الملطف وسلمه إليهم وأخبرهم أنه فارق السلطان ونظام الملك بالري في العساكر وهو سائر فلما وقفوا على الملطف وسمعوا كلام الرجل ساروا من وقتهم وتركوا خيامهم ودوابهم والقدور على النار فلم يصبروا على ما فيها وعادوا إلى قلعة ونج وكان هذا من الفرج العجيب فنزل مسعود وأخذ ما في المعسكر وورد السلطان إلى خراسان بعد ثلاثة أشهر ولولا هذا الفعل لنهب تكش إلى باب الري ولما وصل السلطان قصد تكش وأخذه وكان قد حلف له بالأيمان أنه لا يؤذيه ولا يناله منه مكروه فأفتاه بعض من حضر بأن يجعل الأمر إلى ولده أحمد ففعل ذلك فأمر احمد بكحلة فكحل وسجن $ ذكر فتح سليمان بن قتلمش أنطاكية $ # في هذه السنة سار سليمان بن قتلمش صاحب قونية واقصرا واعمالها من بلاد الروم إلى الشام فملك مدينة انطاكية من أرض الشام وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وسبب ملك سليمان المدينة أن صاحبها الفردوس الرومي وكان قد سسار عنها إلى بلاد الروم ورتب بها شحنة وكان الفردوس مسيئا إلى أهلها وإلى جنده
436
أيضا حتى إنه حبس ابنه فاتفق ابنه والشحنة على تسليم البلد إلى سليمان بن قتلمش وكاتبوه يستدعونه فركب البحر في ثلاثمائة فارس وكثير من الرجالة وخرج منه وسار في جبال وعرة ومضايق شديدة حتى وصل إليها للموعد فنصب السلاليم باتفاق من الشحنة ومن معه وصعد السور واجتمع بالشحنة وأخذ البلد في شعبان فقاتله أهل البلد فهزمهم مرة بعد أخرى وقتل كثير من أهلها ثم عفا عنهم وتسلم القلعة المعروفة بالقسيان وأخذ من الأموال ما يجاوز الإحصاء وأحسن إلى الرعية وعدل فيهم وأمرهم بعمارة ما خرب ومنع أصحابه من النزول في دورهم ومخالتطهم ولما ملك سليمان أنطاكية أرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره بذلك وينسب هذا الفتح إليه لأنه من أهله وممن يتولى طاعته فأظهر ملكشاه البشارة به وهنأه الناس فممن قال فيه الأبيوردي من قصيدة مطلعها # ( لمعت كناصية الحصان الأشقر % نا بمعتلج الكثيب الأعفر ) # ( وفتحت أنطاكية الروم التي % نشرت معاقلها على الإسكندر ) # ( وطئت مناكبها جيادك فانثنت % تلقى أجنتها بنات الأصفر ) # وهي طويلة $ ذكر قتل شرف الدولة وملك أخيه إبراهيم $ # قد تقدم ذكر ملك سليمان بن قتلمش مدينة أنطاكية فلما ملكها أرسل إليه شرف الدولة مسلم بن قريش يطلب منه ما كان يحمله إليه الفردوس من المال ويخوفه معصية السلطان فأجابه أما طاعة السلطان فهي شعاري ودثاري والخطبة له والسكة في بلادي وقد كاتبة بما فتح الله على يدي بسعادته من هذا البلد وأعمال الكفار # وأما المال الذي كان يحمله صاحب أنطاكية قبلي فهو كافر وكان يحمل جزية رأسه وأصحابه وأنا بحمد الله مؤمن ولا أحمل شيئا # فنهب شرف الدولة بلد أنطاكية فنهب سليمان أيضا بلد حلب فلقيه أهل السواد يشكون إليه نهب عسكره فقال أنا كنت أشهد كراهية لما يجري ولكن صاحبكم أحوجني إلى ما فعلت ولم تجر عادتي بنهب مال مسلم ولا أخذ ما حرمته الشريعة وأمر أصحابه بإعادة ما أخذوه منهم فأعاده # ثم إن شرف الدولة جمع الجموع من العرب والتركمان وكان بمن معه جبق أمير التركمان في
437
أصحابه وسار إلى أنطاكية ليحصرها فلما سمع سليمان الخبر جمع عساكره وسار إليه فالتقيا في الرابع والعشرين من صفر سنة سنة ثمان وسبعين وأربعمائة في طرف من أعمال أنطاكية واقتتلوا فمال تركمان جبق إلى سليمان فانهزمت العرب وتبعهم شرف الدولة منهزما فقتل بعد أن صبر وقتل بين يديه أربعمائة غلام من أحداث حلب وكان قبله يوم الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة ثمان وسبعين وذكرته ههنا لتتبع الحادثة بعضها بعضا وكانة أحوال وكان قد ملك من السندية التى على نهر عيسى غللا منبج من الشام وما والاها من البلاد وكان في يده ديار ربيعة ومضر من أ { ض الجزيرة والموصل وحلب وما كان لأبيه وعمه قرواش وكان عادلا حسن السيرة والأمن في بلاده عام والرخص شامل وكان يسوس بلاده سياسة عظيمة بحيث يسير الركب ولراكبان فلا يخافان شيئا وكان له في كل بلد وقرية عامل وقاض وصاحب خبر بحيث لا يتعدى أحد على أحد ولما قتل قصد بنو عقيل أخاه إبراهيم بن قريش وهو محبوس فأخرجوه وملكوه أمرهم وكان قد مكث في الحبس سنين كثيرة بحيث إنه لم يمكنه المشي والحركة لما أخرج ولما قتل شرف الدولة سار سليمان بن قتلمش إلى حلب فحصرها مستهل ربيع الأول سنة ثمان وسبعين فأقام عليها إلى الخامس ربيه الآخر من السنة فلم يبلغ منها غرضا فرحل عنها $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في صفر انقض كوكب من المشرق إلى المغرب كان حجمه كالقمر وضوؤء كضوئه وسار مدى بعيدا على مهل وتؤده في نحو ساعة ولم يكن له شبيه من الكواكب # وفيها ولد السلطان سنجر بن ملكشاه في الخامس والعشرين من رجب بمدينة سنجار من أرض الجزيرة مقارب الموصل بينهما يومان عند نزول السلطان بها وسماه أحمد وإنما قيل له سنجر باسم المدينة التي ولد فيها وأمه أم ولد # وفي هذه السنة في جمادى الأولى توفي الشيخ أبو نصر عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن الصباغ الفقيه الشافعي صاحب الشامل والكامل وكفاية المسائل وغيرها من التصانيف بعد أن أضر عدة سنسن وكان مولده أربعمائة # والقاضي أبو عبد الله
438
الحسين بن علي البغدادي المعروف بابن البقالل وهو من شيوخ أصحاب الشافعي وكان إليه القضاء بباب الأزج وحج لما انقطع الحج على سبيل التجريد واسماعيل بن مسعدة بن إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم أبو القاسم الإسماعيلي الجرجاني ومولده سنة أربع وأربعمائة وكان إماما فقيها شافعيا محدثا أديبا وداره مجمع العلماء
439
$ ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وأربعمائة $ $ ذكر استيلاء الفرنج على مدينة طليطلة $ # في هذه السنة استولى الفرنج لعنهم الله على مدينة طليطلة من بلاد الأندلس وأخذوها من المسلمين وهي أكبر البلاد وأحصنها وسبب ذلك أن الأذفونش ملك الفرنج بالأندلس كان قد قوي شأنه وعظم ملكه وكثرت عساكره منذ تفرقت بلاد الأندلس وصار كل بلد بيد ملك فصاروا مثل ملوك الطوائف فينئذ طمع الفرنج فيهم وأخذوا كثيرا من ثغورهم # وكان قد خدم قبل ذلك صاحبها القادر بالله بن المأمون بن يحيى بن ذي النون وعرف من أين يؤتى البلد وكيف الطريق إلى الطريق إلى ملكه فلما كان الآن جمع الأذفونش عساكره وسار إلى المدينة طليطلة فحصرها سبع صنين وأخذها من القادر فازداد قوة إلى قوته وكان المعتمد على الله أبو عبد الله محمد بن عباد أعظم ملوك الأندلس من المسلمين وكان يملك أكثر البلاد مثل قرطبة واشبيلية وكان يؤدي إلى الأذفونش ضريبة كل سنة فلما ملك الأذفونش طليطلة أرسل إليه المعتمد الضريبة على عادته فردها عليه ولم يقبلها منه فأرسل إليه يتهدده ويتوعده أنه يسير إلى مدينة قرطبة ويتملكها إلاأن يسلم إليه جميع الحصون التي في الجبل ويبقى السهل للمسلمين وكان الرسول في جمع كثير كانوا خمسمائة فارس فأنزله محمد بن عباد وفرق أصحابه على قواد عسكره ثم أمر كل من عنده منهم رجل أن يقتله واحضر الرسول وصفعه حتى خرجت عيناه وسلم من الجماعة ثلاثة نفر فعادوا إلى الأذفونش فأخبروه الخبر وكان متوجها إلى قرطبة ليحاصرها فلما بلغه الخبر عاد إلى طليطلة ليجمع الآت الحصار ورحل المعتمد إلى إشبيلية $ ذكر استيلاء ابن جهير على آمد $ # في المحرم من هذه السنة ملك ابن جهير مدينة آمد # وسبب ذلك أن فخر الدولة
440
ابن جهير كان قد أنفذ إليها ولده زعيم الرؤساء أبا القاسم ومعه جناح الدولة المعروف بالمقدم السلار وأرادوا قلع كرومها وبساتينها ولم يطمع مع ذلك في ففتحها لحصانتها فعم هلها الجوع وتعذرت الأقوات وكادوا يهلكون وهو هم صابرون على الحصار غير مكترثين به فاتفق أن بعض الجند نزل من السور لحاجة لهم وتركوا أسلحتهم مكانها فصعد إلى ذلك المكان عدد من العامة تقدمهم رجل من السوداء يعرف بأبي الحسن فلبس السلاح ووقف على ذلك المكان ونادى بشعار السلطان وفعل من ومعه كفعله وطلبوا زعيم الرؤساء فأتاهم وملك البلد واتفق أهل المدينة على نهب بيوت النصارى لما كانوا يلقون من نواب بني مروان من الجور والحكم وكان أكثرهم نصارى فانتقموا منهم $ ذكر ملكه أيضا ميافارقين $ # في هذه السنة أيضا في سادس جمادى الآخرة ملك فخر الدجولة ميافارقين وكان مقيما على حصارها فوصل إليه سعد الدولة كوهرائين في عسكره نجدة له فجد في القتال فسقط من سورها قطعة فلما رأى أهلها ذلك نادوا بشعار ملكشاه وسلموا البلد إلى فخر الدولة وأخذ جميع ما استولى عليه من أموال بني مروان وأنفذه إلى السلطان مع ابنه زعيم الرؤساء فانحدر هو وكوهرائين إلى بغداد وسار زعيم الرؤساء منها إلى أصبهان في شوال وأوصل ما معه إلى السلطان $ ذكر ملك جزيرة ابن عمر $ # في هذه السنة أرسل فخر الدولة جيشا إلى جزيرة ابن عمر وهي لبني مروان أيضا فحصروها فثار أل بيت من أهلها يقال لهم بنو وهبان وهم من أعيان أهلها وقصدوا ببابا للبلد صغيرا يقال له باب البوبية لا يسلكه إلا الرجالة لأنه يصعد إليه من ظاهر البلد بدرج فكسروه وأدخلوا العسكر فملكه وانقرضت دولة بني مروان فسبحان من لا يزول ملكه وهؤء بنووهمان إلى يومنا هذا كلما جاء إلى الجزيرة من يحصرها يخرجون من البلد ولم يبقى منهم من له شوكة ولا منزلة يفعل بها شيئا وإنما بتلك الحركة يؤخذون إلى الآن $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في ربيع الأول وصل أمير الجيوش في عساكر مصر إلى الشام
441
فحصر دمشق وبها صاحبها تاج الدولة تتش فضيق عليها وقتله فلم يظهر منها بشيء فرحل عنها عائدا إلى مصر # وفيها كانت الفتنة بين أهل الكرخ وسائر المحال من بغداد وأحرقوا من نهر الدجاج درب الآخر وما قازبة وأرسل الوزير أبو الشجاع جماعة من الجند ونهاهم عن سفك الدماء تحرجا من الإثم فلم يمكنهم تلافي الخطب فعظم # وفيها كانت زلزلة شديدة بخوستان وفارس وكان أشدها بأرجان فسقطت الدور وهلك تحتها خلق كثير # وفيها في ربيع الأول هاجت ريح عظيمة سوداء بعد العشاء وكثر الرعد والبرق وسقط على الأرض رمل أحمر وتراب كثير وكانت النيران تضطرم في أطراف السماء وكان أكثرها بالعراق وبلاد الموصل فألقت النخيل والأشجار وسقط معها صواعق في كثير من البلاد حتى ظن الناس أن القيامة قد قامت ثم انجلى ذلك نصف الليل # وفيها في ربيع الآخر توفي إمام أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني ومولده سنة سبع عشرة وأربعمائة وهو الإمام المشهور في الفقه والأصولين وغيرهما من العلوم وسمع الحديث من أبي محمد الجوهري وغيره # وفيها في ذي الحجة توفي محمد بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن الوليد أبو علي المتكلم كان أحد رؤساء المعتزلة وأئمتهم ولزم بيته خمسين بنة لم يقدر على أن يخرج منه من عامة بغداد وأخذ الكلام عن أبي الحسين البصري وعبد الجبار الهمذاني القاضي ومن جملة تلاميذه ابن برهان وهو أكبر منه # وفي هذه السنة توفي القاضي أبو الحسن هبة الله بن محمد بن السيبي قاضي الحريم بنهر معلى ومولده سنة أربع وتسعين وثلاثمائة وكان يذاكر الإمام المقتدي بأمر الله وولي ابنه أبو الفرج عبد الوهاب بين يدي قاضي القضاة ابن الدامغانيد # وفيها في جمادى الأولى توفي أبو العز بن صدقة وزير شرف الدولة ببغداد وكان قد قبض عليه شرف الدولة وسجنه بالرحبة فهرب منها إلى بغداد فمات بعد وصوله إلى مأمنه بأربعة أشهر وكان كريما متواضعا لم تغيره الولاية عن إخوانه
442
وفيها في رجب توفي قاضي القضاة أبو عبد الله بن الدامغاني ومولده سنة ثمان وتسعين ودخل بغداد سنة تسع عشرة وأربعمائة وكان قد صحب القاضي أبا العلا بن صاعد وحضر ببغداد مجلس أبي الحسين القدوري وولي قضاء القضاة بعده القاضي أبو بكر بن المظفر بن بكران الشامي وهو من أكبر أصحاب القاضي أبو الطيب الطبري # وفيها توفي عبد الرحمن بن مأمون بن علي أبو سعد المتولي مدرس النظامية وهو من أصحاب القاضي حسين المروزي وتم كتاب الإبانة
443
$ ثم دخلت سنة تسع وسبعين وأربعمائة $ $ ذك رقتل سليمان بن قتلمش $ # لما قتل سليان بتن قتلمش شرف الدولة مسلم بن قريش على ما ذكرناه أرسل إلى ابن الحتيتي العباسي مقدم أهل حلب يطلب منه تسليمها إليه فأنفذ إليه واستمهله إلى أن يكاتب السلطان ملكشاه وأرسل ابن الحتيتي إلىتتش صاحب دمشق بعده أن يسلم إليه حلب فسار تتش طالبا لحلب فعلم سليان بذلك فسار نحوه مجدا فوصل إلى تتش وقت السحر على غير تعبية فلم يعلم به حتى قرب منه فعبا أصحابه وكان الأمير أرتق بن أكسب مع تتش وكان منصورا لم يشهد حربا إلا وكان الكظفر هل وقد ذكرنا فيما تقدم حضوره مع ابن جهير على آمد وإطلاقه شرف الدولة من آمد فلما فعل ذلك خاف أن ينهي ابن جهير ذلك إلى السلطان ففارق خدمته ولحق بتاج الدولة تتش فأقطعه بيت المقدس وحضر معه هذه الحرب فأبلى فيها بلاءا حسنا وحرض العرب على القتال فانهزم أصحاب سليمان وثبت هو في القلب فلما رأى انهزام عساكره اخرج سكينا معه فقتل نفسه # وقيل بل قتل في المعركه واستولى تتش على عسكره وكان سليما ن بن قتلمش في السنة الماضية في صفر قد أنفذ جثة شرف الدولة إلى حلب على بغل ملفوقة في إزار وطلب من أهلها أن يسلموها إليه # وفي هذه السنة في صفر أرسل تتش جثة سليمان في إزار ليسلموها إليه فأجاب ابن الحتيتي أن يكاتب السلطان ومهما أمره فعل فحصر تتش البلد وأقام عليه وضيق على أهله وكان ابن الحتيتي قد سلم كل برج من أبراجها إلى رجل من أعيان ليحفظه وسلم برجا فيها إلى إنسان يعرف بابن الرعوي ثم إن ابن الحتيتي أوحشه بكلام أغلظ له فيه وكان هذا الرجل شديد القوة ورأى ما الناس فيه من الشدة فدعاه ذلك إلى أن أرسل إلى تتش يستدعيه وواعده ليلة برفع الرجال إلى السور في الحبال
444
فاتى تتش الميعاد الذي ذكره فأصعد الرجال في الجبال والسلاليم وملك تتش الملدينة واستجار ابن الحتيتي بالأمير أرتق فشفع فيه وأما القلعة فكان بها سالم بن مالك بن بدران وهو ابن عم شرف الدولة مسلم بن قريش فأقام تتش يحصر القلعة سبعة عشر يوما فبلغه الخبر بوصول مقدمة أخبه السلطان ملكشاه فرحل عنها $ ذكر ملك السلطان حلب وغيرها $ # كان ابن الحتيتي قد كاتب السلطان ملكشاه يستدعيه ليسلم إليه حلب لما خاف تاج الدولة تتش فسار إليه من أصبهان في جمادى الآخرة وجعل على مقدمته الأمير برسق وبوزان وغيرهما من الأمراء وجعل طر يقه على الموصل فوصلها في رجب وسار منها فلما وصل إلى حران سلمها إليها ابن الشاطر فأقطعها السلطان محمد بن شرف الدولة وسار إلى الرها وهي بيد الروم فحصرها ملكها وكانوا قد اشتروا من ابن عطير وتقدم ذكر ذلك وسار إلى قلعة جعبر فحصرها يوما وميلة وملكها وقتل من بها من بني قشير وأخذ جعبر من صاحبها وهو شيخ أعمى ولدين له وكانت الأذية بهم عظيمة يقطعون الطرق ويلجئون إليها ثم عبر الفرات إلى مدينة حلب فملك في طريقه مدينة منبج فلما قارب حلب رحل عنها أخوه تتش وكان قد ملك المدينة كما ذكرناه وسار عنها يسلك البرية ومعه الأمير أرتق فأشار بكبس عسكر السلطان وقال إنهم قد وصلوا بهم وبدوابهم من التعب ما ليس عندهم معه امتناع ولو فعل لظفر بهم فقال تتش لا أكسر جاه أخي الذي أنا مستظل بظله فإنه يعود بالوهن علي أولا وسار إلى دمشق ولما وصل السلطان إلى حلب تسلم المدينة وسلم إليه سالم بن مالك القلعة على أن يعوضه عنها قلعة جعبر وكان سالم قد امتنع بها أولا فأمر السلطان أن يرمي إليه رشقا واحدا في السهمام فرمى الجيش فكادت الشمس تحتجب لكثرة السهام فصانع عنها بقلعة جعبر وسلمها وسلم السلطان إليه قلعة جعبر فبقيت بيده وبيد أولاده إلى أن أخذها منهم نور الدين محمود بن زنكي لعى ما نذكره إن شاء اله تعالى وأرسل إليه الأمير نصر بن علي بن منقذ الكناني صاحب شيزر فدخل في طاعته وسلم إليه لاذقية وكفر طاب وفاميه فأجابه إلى المسالمة وترك قصده وأقر عليه شيزر ولما ملك السلطان حلب سلمها إلى قسيم الدولة آقسنقر فعمرها وأحسن السيرة فيها وأما ابن الحتيتي فإنه كان واثقا بإحسان السلطان ونظام الملك إليه فإنه استدعاهما فلما ملك السلطان البلد
445
طلب أهله أن يعفيهم من ابن الحتيتي فأجابهم إلى ذلك واستصحبه معه وأرسله إلى ديار بكر فافتقر # وتوفي على حال شديدة من الفقر وقتل ولده بأنطاكية قتله الفرنج لما ملكوها $ ذكر وفاة بهاء الدولة منصور بن مزيد وولاية ابنه صدقة $ # في هذه السنة في ربيع الأول توفي بهاء الدولة أبو كامل منصور بن دبيس بن علي بن مزيد الأسدي صاحب الحلة والنيل وغيرهما مما يجاورهما ولما سمع نظام الملك خبر وفاته قال مات أجل صاحب عمامة وكان فاضلا قرأ على علي بن برهان فبرع بذكائه في الذي استفاد منه وله شعر حسن فمنه # ( فإن أنا لم أحمل عظيما وأقد % لها ما ولم أصبر على فعل معظم ) # ( ولم أجر الجاني وأمنع حوزه % غداة أنادي للفخار وانتمي ) # وله في صاحب له يكنى أبا مالك يرثيه # ( فإن كان أودى خددنا ونديما % أبو مالك فالنائبات تنوب ) # ( فكل ابن أنثى لا محالة ميت % وفي كل حي للبنون نصيب ) # ( ولو رد حزنه أوبكاء لهالك % بكيناه ما هبت صبا وجنوب ) # ولما توفي أرسل الخليفة إلى ولد سيف الدولة صدقة نقيب العلويين أبا الغنائم بعزيه وسار سيف الدولة إلى السلطان ملكشاه فخلع عليه وولاه كا كان لأبيه وكثر الشعراء مراثي بهاء الدولة $ ذكر وقعة الزلاقة بالأندلس وهزيمة الفرنج $ # قد تقدم ذكر ملك الفرنج طلطلة وما فعله المعتمد بن عباد برسول الأذفونش ملك الفرنج وعود المعتمد إلى إسبيلية فلما عاد إلأيها وسمع مشايخ قرطبة بما جرى ورأوا قوة الفرنج وضعف المسلمين واستعانة بعض ملوكهم بالفرنج على بعض اجتمعوا وقالوا هذه بلاد الأندلس قد غلب عليها الفرنج ولم يبق منها إلا القليل وإن استمرت الأحوال على ما نرى وعادت نصرانية كما كانت وساروا إلى القاضي عبد الله بن محمد بن أدهم فقالوا له ألا تنظر إلى ما فيه المسلمون من الصغار والذلة وإعطائهم
446
الجزية بعد أن كانوا يأخذونها وقد رأينا رأيا نعرضه عليك قال ما هو قالوا نكتب إلى عرب إفريقية ونبذل لهم إذا وصلوا إلينا قاسمناهم أموالنا وخرجنا معهم مجاهدين في سبيل الله قال نخاف إذا وصلوا إلأينا يخربون بلادنا كما فعلوا بإفريقية ويتركون الفرنج ويبدؤون بكم والمرابطون أصلح منهم وأقرب إلأينا قالوا له فكاتب أمير المسلمين وأرغب إليه ليعبر إلأينا ويرسل بعض قواده وقدم عليهم المعتمد بن عبادوهم في ذلك فعرض عليه القاضي ابن أدهم ما كانوا فيه فقال له ابن عباد أنت رسولي إليه في ذلك فامتنع وإنما أراد أن يبرىء نفسه من تهمة فألح عليه المعتمد فسار إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين فأبلغه الرسالة وأعلمه ما فيه المسلمون من الخوف من الأذفونش وكان أمي والمسلمين بمدينة سبتة ففي الحال امر بعبور العساكر إلى الأندلس فأرسل إلى مراكش في طلب من بقي من عساكره فأقلبت إليه تتلو بعضها بعضا فلما تكاملت عنده عبر البحر وسار فاجمتع بالمعتمد بن عباد بإشبيلية وكان قد جمع عساكره أيضا وخرج من أهل قرطبة عسكر كثير وقصده المطوعة من سائر بلاد الأندلس # ووصلت الأخبار إلى الأذفونش فجمع فرسانه وسار من طليطلة وكتب إلى أمير المسلمين كتابا كتبه له بعض أدباء المسلمين يغلط له القول ويصف ما عنده من القورة والعدد والعدد وبالغ الكاتب بالكتاب فأمر أمير المسلمين أبا بكر بن القصيرة أن يجيبه وكان كاتبا مفلقا فكتب فأجاد فلما قرأه على أمير المسلمين قال هذا كتاب طويل أحضر كتاب الأذفونش واكتب في ظهره الذي يكون ستراه فلما عاد الكتاب إلى الأذفونش ارتاع لذلك وعلم أنه بلي برجل له عزم وحزم فازداد استعدادا فرأى في منامه كأنه راكب فيل وبين يديه طبل صغير وهو ينقر فيه فقص رؤياه على القسيسين فلم يعرفوا تأويلها فأحضر رجلا مسلما عالما بتأويل الرؤيا فقصها عليه فاستعفاه من تعبيرها فلم يعفه فقال تأويل هذه الرؤيا من كتاب الله العزيز وهو قوله تعالة ( ^ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) السورة وقوله تعالى ( ^ فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير ) ويقتضي هلاك هذا الجيش الذي تجمعه فلما اجتمع جيشه رأى كثرته فأعجبته فأحضر ذلك المعبر
447
وقال له بهذا الجيش ألقى إله محمد صاحب كتبكم فانصرف المعبر وقال لبعض المسلمين هذا الملك هالك وكل من معه # وذكر قول رسول الله ( ثلاث مهلكات ) الحديث وفيه ( وإعجاب المرء بنفسه ) # وسار أمير المسلمين والمعتمد بن عباد حتى أتوا أرضا يقال لها الزلاقة من بلد بطليوس وأتى الأذفونش فنزل موضعا بينه وبينهم ثمانية عشر ميلا فقيللأمير المسلمين إن ابن عباد ربما لم ينصح ولا يبذل نفسه دونك فأرسل عليه أمير المسلمين يأمره أن يكون في المقدمة ففعل ذلمك وسار وقد ضرب الأذفونش خيامه في لحف جبل والمعتمد في سفح جبل يتراؤون وينزل أمير المسلمين وراء الجبل الذي عنده المعتمد وظن الأذفونش أن عساكر المسلمين ليس إلا الذي يراه وكان الفرنج في خميسن ألفا فتيقنوا الغلب وأرسل الأذفونش إلى المعتمد في ميقات القتلا وقصده الملك فقال غدا الجمعة وبعده الأحد فيكون اللقاء يوم الإثنين فقد وصلنا على حال تعب واستقر الأمر على هذا # وركب ليلة الجمعة سحرا وصبح بجيشه جيش المعتمد بكرة الجمعة غدرا وظنا منه أن ذلك المخيم هو جميع عسكر المسلمين فوقع القتلا بينهم فصبر المسلمون فأشرفوا على الهزيمة وكان المعتمد قد أرسل إلى أمير المسلمين يعلمه بمجيء الفرنج للحرب فقال احملوني إلى خيام الفرنج فسار إليها فبينما هم في القتال وصل أمير المسلمين إلى خيام الفرنج فنهبها وقتل من فيها فلما رأى الفرنج ذلك لم يتمالكوا أن انهزموا وأخذهم السيف وتبعهم ا لمعتمد من خلفهم ولقيهم أمير المسلمين من بين يديهم ووضه فيهم السف فلم يفلت منهم أحد ونجا الأذفونش في نفر يسير وجعل المسلمون من رؤوس القتلى كوما كثيرة فكانوا يؤذنون عليها إلى أن جيفت فأحرقوها فكانت الوقعة يوم الجمعة في العشر الأول من شهر رمضان سنة تسع وسبعين فأصاب المعتمد جراحات في وجهه وظهرت ذلك اليوم شجاعته ولم يرجع من لافرنج إلى بلادهم غير ثلاثمائة مائة فارس وغنم امسلمون كل مالهم من مال وسلاح ودواب وغير ذلك وعاد ابن عباد إلى إشبيلية ورجع أمير المسلمين إلى الجزيزرة ا لخضراء وعبر إلى سبتة إلى مراكش فأقام بها إلى العام المقبل وعاد إلى الأندلس وحضر معه المعتمد بن عباد في عسكره وعبد الله بن بلكين الصنهاجي صاحب غرناطة في عسكره ُ448ُ وساروا حتى نزلوا على ليط وهو حصن منيع بيد الفرنج فحصروه حصرا شديدا فلم بقدروا على فتحه فرحلوا عنه بعد مدة ولم يخرج إليهم أحد من الفرنج لما أصابهم في العام الماضي فعاد ابن عباد إلى إشبيلية وعاد أمي رالمسلمين على غرناطة وهي طريقه ومعه عبد الله بن بلكين فغدر به أمير المسلمين وأخذ غرناطة منه وأخرجه منها فرأى في قصوره من الأموال والذخائر ما لم يحوه ملك قبله بالأندلس ومن جملة ما وجد سبحة فيها أربعمائة جوهرة قومت كل جوهرة بمائة دينار ومن الجواهر ما له قيمة جليلة إلى غير ذلك من الثياب والعدد وغيرها وأخذ معه عبد الله وأخاه تميما ابني بلكين إلى مراكش فكانت غرناطة أول ما ملكه من بلاد الأندلس # وقد ذكرنا فيما تقدم سبب دخول صنهاجة إلى الأندلس وعود من عاد منهم إلى المعز بإفريقة وكان آخر من بقي منهم بالأندلس هذا عبد الله وأخذت مدينته ورحل إلى العدوة ولما رجع أمير المسلمين إلى مراكش أطاعه من كان لم يطعه من بلاد السوس وورغة وقلعة مهدي # وقال له علما الأندلس إنه ليست طاعته بواجبة حتى يخطب للخليفة مياتيه تقليد منه بالبلاد فأرسل إلى الخليفة المقتدي بامر الله ببغداد فأتاه الخلع والأعلام والتقليد ولقب بأمير المسلمين ونصر الدين $ ذكر دخول السلطان إلى بغداد في هذه السنة ملكشاه بغداد في ذي الحجة بعد أن فتح حلب وغيرها من بلاد الشام والجزيرة وهي أول قدمة قدمها ونزل بدار المملكة وركب من الغد إلى الحلبة ولعب بالجوكان والكرة وأرسل إلى الخليفة هدايا كثيرة فقبلهالخليفة # ومن لغد أرسل نظام الملك إلى الخليفة خدمة كثيرة فقبلها وزظار السلطان ونظام الملك مشهد موسى بن جعفر وقبر معروف واحمد بن حنبل وأب حيفة وغيرها من القبور المعروفة فقال ابن زكرويه الواسطي يهنىء نظام الملك بقصيدة منها # ( زرت المشاهد زورة مشهودة % أرضت مضاجع من بها مدفون ) # ( فكأنك الغيث استهل بتربها % وكأنها بك روضة ومعين ) # ( فازت قداحك بالثواب وأنجحت % ولك الإله على النجاح ضمين ) # وهيى مشهورة
449
# وطلب نظام الملك إلى دار الخلافة ليلا فمضى في الزبزب وعاد من ليلته ومضى السلطان ونظام الملك إلى الصيد في البرية فززار المشهدين مشهدا أمير المؤمنين علي ومشهد الحسين عليهما السلام ودخل السلطان البر فاصطاد شيئا كثيرا من الغزلان وغيرها وأمر ببناء منارة القرون بالسبيعي وعاد السلطان إلى بغداد ودخل إلى الخليفة فخلع عليه الخلع السلطانية ولما خرج من عنده لم يزل نظام الملك قائما يقدم أميرا أميرا إلى الخليفة وكلما قدم أميرا يقول هذا العبد فلان بن فلان وأقطاعه كذا وكذا وعدة عسكره كذا وكذا إلى أن أتى على آخر الأمراء # وفوض الخليفةغلى السلطان أمر البلاد والعباد وأمره بالعدل فيهم وطلي السلطان أن يقبل يد الخليفة فلم يجبه فسال أن يقبل خاتمه فاعطاه إياه فقبله ووضعه على عينه وأمر الخليفة بالعود فعاد # وخلع الخليفة أيضا على نظام الملك ودخل الملك إلى المدرسة النظامية وجلس في خزانة الكتب وطالع فيها كتبا وسمع الناس عليه بالمدرسة جزء حديث وأملى جزاءا آخر وأقام السلطان ببغداد إلى صفر سنة ثمانين وسار منها إلى أصبهان $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في المحرم جرى بين أهل الكرخ وأهل باب البصرة فتنة قتل فيها جماعة من جملتهم القاضي أبو الحسن بن القاضي الحسين بن الغريق الهاشمي الخطيب أصابه سهم فمات منه ولما قتل تولى ابنه الشريف أبو تمام ما كان إليه من الخطابة وكان العميد كمال الملك الدهستاني ببغداد فسار بخليه ورجله إلى القنطرة العتيقة وأعان أهل الكرخ ثم جرت بينهم فتنة ثانية في شوال منها فأعان الحجاج على أهل الكرخ فانهزموا وأبلغ الناس إلى درب اللؤلؤ وكاد أهل الكرخ يهلكون فخرج أبو الحسن بن برغوث العلوي إلى مقدم الأحداث من السنة فسألهم العفو فعاد عنهم ورد الناس # وفيها زاد الماء بدجلة تاسع عشر حزيران وجاء المطر يومين ببغداد # وفيها في ربيع الأول ارسل العميد كمال الملك إلى الأنبار فتسلمها من بني عقيل وخرجت من أيديهم # وفيها في ربيع الآخر فرغت المنارة بجامع القصر وأذن فيها # وفيها في جمادى الأولى ورد الشريف أبو القاسم علي بن أبي يعلي الحسني الدبوسي إلى بغداد في تجمل عظيم لم ير مثله لفقيه ورتب مدرسا بالنظامية بعد أبي سعد المتولي
450
# وفيها أمر السلطان أن يزاد في إقطاع وكلاء الخليفةُ نهر برزى من طريق خراسان وعشرة آلاف دينار من معاملة بغداد وفيها أقطع السلطان ملكشاه محمد بن شرف الدولة مسلم مدينة الرحبة وأعمالها وحران وسوروج والرقة والخابور وزوجه بأخته زليخة خاتون فتسلم البلاد جميعها ما عدا حران فإن محمدا بن الشاطر امتنع من تسليمها فلما وصل السلطان أإلى الشام نزل عنها ابن الشاطر فسلمها السلطان إلى محمد # وفيها وقع ببغداد صاعقتان فكسرت إحداهما اسطوانتين وأحرقت قطنا في صناديق ولم تحترق الصناديق وقتلت الثانية رجلا وفيها كانت زلازل بالعراق والجزيرة والشام وكثير من البلاد فخربت كثيرا من البلاد وفارق الناس مساكنهم إلى الصحراء فلما سكنت عادوا # وفيها عزل فخر الدولة بن جهير عن ديار بكر وسلمها السلطان إلى العميد أبي علي البلخي وجعله عاملا عليها # وفيهاأسقط اسم الخليفة المصري من الحرمين الشريفين وذكر اسم الخليفة المقتدي بأمر الله # وفيها أسقط السلطان المكوس والاجتيازان بالعراق # وفيها حصر تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية مدينتي قابس وسفاقس في وقت واحد وفرق عليها العساكر # وفيها في ربيع الأول توفي أبو الحسن بن فضال المجاشعي النحوي المقري وفي ربيع الآخر توفي شيخ الشيوخ أبو سعد الصوفي النيسابوري وهو الذي تولى بناء الرباط ينهر المعلى وينى وقوفه وهو رباط شيخ الشيوخ الآن وبنى وقوف المدرسة النظامية وكان عالي الهمة كثير التعصب لمن يلتجىء إليه وجدد تربة معروف الكرخي بعد أن احترقت وكانت له منزلة كبيرة عند السلطان وكان يقال نحمد الله الذي أخرج رأس أبي سعد من مرقعة ولو أخرجه من قباء لهلكنا # وفيها توفي أبو علي محمد بن أحمد الشيري البصري وكان خيرا حافظا للقرآن ذا مال كثير وهو آخر من روى سنن أبي داود السجستاني عن أبي عمر الهاشمي # وفيها توفي الشريف أبو نصر الزينبي العباسي نقيب الهاشميين وهو محدث مشهور عالي الإسناد
451
$ ثم دخلت سنة ثمانين وأربعمائة $ $ ذكر زفاف ابنة السلطان إلى الخليفة $ # في المحرم نقل جهاز ابنة السلطان ملكشاه إلى دار الخلافة على مائة وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي وكان الرومي وكان أكثر الأحمال الذهب والفضة وثلاث عماريات وعلى أربعة وسبعين بغلا مجللة بأنواع الديباج الملكي وأجراسها وقلائدها من الذهب والفضة وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقا من فضة لا يقدر ما فيها من الجواهر والحلي وبين يدي البغال ثلاثة وثلاثون فرسا من الخيل الرائقة عليها مراكب الذهب مرصعة بأنواع الجوهر ومهد عظيم كثير الذهب وسار بين يدي الجهاز سعد الدولة كوهرائين والأمير برسق وغيرهما ونثر أهل نهر معلى عليهم الدنانير والثياب وكان السلطان قد خرج عن بغداد متصيدا ثم أرسل الخليفة الوزير أبا شجاع إلى تركان خاتون زوجة السلطان وبين يديه نحو ثلاثمائة موكبية ومثلها مشاعل ولم يبق في الحريم دكان إلا وقد أشعل فيها الشمعة والاثنتان ولاكثر من ذلك وأرسل الخليفة مع ظفر خادمه محفة لم ير مثلها حسنا وقال الوزير لتركان خاتون سيدنا ومولانا أمير المؤمنين يقول ( ^ إن الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) وقد أذن في نقل الوديعة إلى داره # فأجابت بالسمع والطاعة وحضر نظام الملك فمن دونه من أعيان دولة السلطان وكل منهم معه من الشمع والمشاعل الكثير وجاء نساء الأمراء الكثير ومن دونهم كل واحدة منهن منفردة في جماعتها وتجملها وبين أيديهن الشمع الموكبات والمشاعل يحمل ذلك جميعه الفرسان ثم جاءت الخاتون ابنة السلطان بعد الجميع في محفة مجللة عليها من الذهب والجواهر أكثر شيء وقد أحاط بالمحفة مائتا جارية من الأتراك
452
بالمراكب العجيبة وسارت إلى دار الخلافة وكانت ليلة مشهودة لم تر ببغداد مثلها فلما كان الغد أحضر الخليفة أمراء السلطان لسماط أمر بعمله حكي أن فيه أربعين الف منا من السكر وخلع عليهم كلهم وعلى كل من له ذكر في العسرك وأرسل الخلع إلى الخاتون زوجة السلطان وإلى جميع الخواتين وعاد السلطان من الصيد بعد ذلك $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة ولد للسلطان ابن من تركان خاتون وسماه محمودا وهو الذي خطب له بالمملكة بع # وفيها سلم السلطان ملكشاه مدينة حلب والقلعة إلى مملوكه اقسنقر فوليها وأظهر فيها العدل وحسن السيرة وكان زوج دادة السلطان ملكشاه وهي التي تحضنه وتربيه وماتت بحلب سنة أربع وثمانين # وفيها استبق ساعيان أحدهما للسلطان فضلى والآخر للأمير قماج مرعوشي فسبق ساعي السلطان # وقد تقدم ذكر الفضلي والمرعوشي أيام معز الدولة بن بويه # وفيها جعل السلطان ولي عهده ولده أبا شجاع أحمد ولقبه ملك الملوك عضد الدولة وتاج الملة عدة أمير المؤمنين وأرسل إلى الخليفة بعد مسيره من بغداد ليخطب ببغداد بذلك فخطب له في شعبان وزنثر الذهب على الخطباء # وفيها في شعبان انحدر سعد الدولة كوهرائين إلى واسط لمحاربة الدولة بن أبي الجبر صاحب البطايح ولما فارق بغداد كثرت فيها الفتن # وفيها في ذي القعدةولد أبي الخليفة من ابنة السلطان ولد سماه جعفرا وكناه أبا الفضل وزين البلد لأجل ذلك # وفيها استولى العميد كمال الملك أبو الفتح الدهستاني عميد العراق على مدينة هيت أخذها صلحا ومضى إليها وعاد عنها في ذي القعدة # وفيها وقعت فتنة بين أهل الكرخ وغيرها من المحال قتل فيها كثير من الناس # وفيها كسفت الشمس كسوفا كليا # وفيها توفي الأمير أبو منصور قتلغ أمير الحاج وحج أميرا إثنتي عشرة سنة وكانت له في العرب عدة وقعات وكانوا يخافونه ولما مات قال نظام الملك ماات اليوم ألف رجل وولي إمارة نجم الدولة خمارتكين # وفيها في جمادى الأولى توفي اسماعيل بن عبد الله بن موسى بن سعد أبو القاسم الساوي سمع الحديث الكثير منأبي سعيد الصيرفي وغيره وروى وكان ثقة وطاهر بن الحسين أبو الوفا البندنيجي الهمذاني كان شاعرا أريبا وكان يمدح لا لعرض الدنيا ومدح نظام الملك بقصيدتين كل واحدة منهما تزيد على أربعين بيتا
453
إحداهما ليس فيهما نقطة والأخرى جميع حروفها منقوطة # وفيها توفيت فاطمة بنت علي المؤدب المعرفة ببنت الأقرع الكاتبة كانت من أحسن الناس خطا على طريقة ابن البواب وسمعت الحديث وأسمعته # وفيها في ذي الفعدة توفي غرس النعمة أبو الحسن محمد بن الصابي صاحب التاريخ وظهر له مال كثير وكان له معروف وصدقة
454
$ ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وأربعمائة $ $ ذكر الفتنة ببغداد $ # في هذه السنة في صفر شرع أهل باب البصرة القنطرة الجديدة ونقلوا الآجر في أطباق الذهب والفضة وبين أيديهم الدبادب واجتمع إلأيهم أهل المحال وكثر عندهم أهل باب الأزج لا يحصى واتفق أم كوهرائين سار في سميرية وأصحابه يسيرون على شاطىء دجلةة بسيره فوقف أهل باب الأزج على امرأة كانت تسقي الناس من مزملة لها على دجلة فحملوا عليها على عادة لهم وجعلوا يكسرون الجرار ويقولون الماء للسبيل فلما رأت سعد الدولة كوهرائين استغاثت به فأمر بإبعادهم عنها فضربهم الأتراك بالمقارع فسل العامة سيوفهم وضربوا وجه فرس حاجبه سليمان وهو أخص أصحابه فسقط عن الفرس فحمل كوهرائين الحنق على أن يخرج من السميرية إليهم راجلا فحمل أحدهم عليه فطعنه بأسفل رمحه فألقاه في اماء والطين فحمل أصحابه على العامة فقاتلوهم وحرصوا على الظفر بالذي طعنه فلم يصلوا إليه وأخذ ثمانية نفر فقتل أحدهم وقطع أ ' صاب ثلاثة نفر وأرسل قباءة إلى الديوان وفيه أثر الطعنة والطين يستنفر على أهل باب الأزج ثم إن أهل الكرخ عقدوا لأنفسهم طاقا آخر على باب طاق الحراني وفعلوا كفعل أهل باب البصرة $ ذكر إخراج الأتراك من حريم الخلافة $ # في هذه السنة في ربيع الآخر أمر الخليفة بإخراج الأتراك الذين مع الخاتون زوجته اينة السلطان من حريم دار الخلافة # وسبب ذلك أن تركيا منهم اشتركا من طواف فاكهة فتماسكع فشتم الطواف التركي فأخذ التركي صنجة من الميزان وضرب بها رأس الطواف فشجه فاجتمعت العامة وكاد يكون بينهم وبين الأتراك شر واستغاثوا
455
وشنعوا فأمر الخليفة بإخراج الأتراك فأخرجوا عن آخرهم في ساعة واحدة على أقبح صورة وقت العشاء الآخرة $ ذكر ملك الروم مدينة زويلة وعودهم عنها $ # في هذه السنة فتح الروم مدينة زويلة من إفريقية وهي بقرب المهدية وسبب ذلك أن الأمير تميم بن المعز بن باديس صاحبها أكثر غزو بلادهم في البحر فخربها وشتت أهلها فاجتمعوا من كل جهة واتفقوا على إنشاء الشواني لغزو المهدية ودخل معهم البيسانيون والجنويون وهما من الفرنج فأقاموا يعمرون الأسطول أربع سنين واجتمعوا بجزيرة قوصرة في أربعمائة قطعة فكتب أهل قوصرة كتابا على جناح طائر يذكرون وصولهم وعددهم وحكمهم على الجزيرة فأراد يميم أن يسير عثمان بن سعيد المعروف بالمهر مقدم الأسطول الذي له ليمنعهم من النزول فمنعه من ذلك بعض قواده سامه عبد الله بن منكوت لعداوة بينه وبين المهر فجاءت الروم وأرسلوا وطلعوا إلى البر ونهبوا وخربوا وأحرقوا ودخلوا زويلة ونهبوها وكانت عساكر يميم غائبة في قتال الخارجين عن طاعته ثم صالح يميم الروم على ثلاثين ألف دينار ورد جميع ما حووه من السبي # وكان تميم يبذ المال الكثير في الغرض الحقير فكيف في الغرض الكبير # حكي عنه أنه بذل للعرب لما استولى على حصن له يسمى قناطة ليس بالعظيم اثني عشر ألف دينار حتى هدمه فقيل له سرف في المال فقال هو شرف في الحال $ ذكر وفاة الناصر بن علناس وولاية ولده المنصور $ # في هذه السنة مات الناصر بن علناس بن حماد وولي بعده ابنه المنصور فافتقى آثار أبيه في الحزم والعزم والرياسة ووصله كتب الملوك ورسلهم بالتعزية بأبيه والتهنئة بالملك منهم يوسف بن تاشفين وتميم بن المعز وغيرهما $ ذكر وفاة إبراهيم ملك غزنة وملك ابنه مسعود $ # في هذه السنة توفي الملك إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وكان عادلا كريما مجاهدا وقد ذكرنا من فتوحه ما وصل إلأينا وكان عاقلا ذا رأي متين فمن آرائه أن السلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي جمع عساكره وسار يريد غزنة ونزل باسفرار فكتب إبراهيم بن مسعود كتابا إلى جماعة من أعيان أمراء
456
ملكشاه يشكرهم ويعتذر لهم بما فعلوا من تحسين قصد ملكشاه بلاده ليتم لنا ما استقر بيننا من الظفر به وتخليصهم من يده ويعدهم للإحسان على ذلك وأمر القاصد بالكتب أن يتعرض للملكشاه في الصيد ففعل ذلك فأخذ واحضر عند اللطان فسأله عن حاله فأنكر فأمر السلطان بجلده فجلد فدفع الكتب إليه بعد جهد ومشقة فلما وقف ملكشاه عليها تحيل من أمرائه وعاد ولم يقل لأحد من أمرائه في هذا الأمر شيئا خوفا أن يستوحشوا منه وكان يكتب بخطه كل سنة مصحفا ويبعثه مع الصدقات إلى مكة وكان يقول لو كنت موضع أبي مسعود بعد وفاة جدي محمود لما انفصمت عرى مملكتنا ولكني الآن عاجز عن أن أسترد ما أخذزه واستولى عليه ملوك قد اتسعت مملكتهم وعطمت عساكرهم ولما توفي ملك بعده اينه مسعود ولقبه جلال الدين وكان قد زوجه أبوه بابنه السلطان ملكشاه وأخرج نظام الملك في هذه الأملاك والزفاف مائة ألف دينار $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة حج الوزير أبو شجاع وزير الخليفة واستناب ابنه ربيب الدولة أبا منصور ونقيب النقباء طراد بن محمد الزينبي # وفيها أسقط السلطان ما كان يؤخذ من الحجاج من الخفاوة # وفيها جمع آقسنقر صاحب حلب عسكره وسار إلى قلعة شيرز فحصرها وصاحبها ابن منفذ وضيق عليها ونهب ربضها ثم صالحه صاحبها وعاد إلى حلب # وفيها توفي أبو بكر أحمد بن أبي حاتم عبد الصمد بن أبي الفضل الغورجي الهروي والقاضي محمود بن محمد بن القاسم أبو عامر الأزدي المهلبي راوية جامع الترمذي عن أبي محمد الجراحي رواه عنهما أبو الفتح الكروخي وتوفي عبد الله بن محمد بن علي بن محمد أبو إسماعيل الأنصاري الهوري شيخ الإسلام ومولده سنة خمس ونسعين وثلاثمائة وكان شديد التعصب في المذاهب ومحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الباقرجي ومولده في شعبان وهو من أل الحديث والرواية # وفي امحرم توفيت ابنة الغالب بالله بن القادر ودفنت عند قبر أحمد وكانت ترجع إلى دين ومعرف كثير لم يبلغ أحد في فعل الخير ما بلغت # وفي شعبان توفي عبد العزيز الصحراوي الزاهد وفيها توفي الملك أحمد بن السلطان ملكشاه وبمرو وكان ولي عهد أبيه في السلطنة وكان عمره إحدى عشرة سنة وجاس الناس ببغداد للعزاء سبعة أيام في دار الخلافة ولم يركب أحد فرسا وخرج النساء ينحن في الأسواق واجتمع الخلق الكثير في الكرخ للتفرج والمناحات وسود أهل الكرخ أبواب عقودهم إظهار للحزن به
457
$ ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة $ $ ذكر الفتنة ببغداد بين العامة $ # في هذه السنة في صفر كبس أهل باب البصرة الكرخ فقتلوا رجى وجرحوا آخر فأغلق أهل الكرخ الأسواق ورفعوا المصاحف وحملوا ثياب الرجلين بالدم ومضوا إلى دار العميد كمال الملك أبي الفتح الدهستاني مستغيثين فأرسل إلى النقيب طراد بن محمد يطلب منه إحضار القاتلين فقصد طراد دار الأمير بوزان بقصر ابن المأمون فطالبه بوزان بهم ووكل به فأرسل الخليفة إلى بوزان يعرفه حال النقيب طراد ومحله ومنزلته فخلة سبيله واعتذر إليه فسكن العميد كمال الملك الفتنة وكف الناس بعضهم عن بعض ثم سار إلى السلطان فعاد الناس إلى ما كانوا فيه من الفتنة # ولم ينقض يوم الإ عن قتلى وجرحى $ ذكر ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر $ # في هذه السنة ملك السلطان ملكشاه ما وراء النهر وسبب ذلك أن سمرقند كان قد ملكها أحمد خان بن خضر خان أخو شمس الملك الذي كان قبله وهو ابن أخي تركات خاتون زوجة السلطان ملكشاه وكان صبيا ظالما قبيح السيرة يكثر مصادرة الرعية فنفروا منه وكتبوا إلى السلطان سرا يستغيثون به ويسألونه القدوم عليهم ليملك بلادهم وحضر الفقيه أبو طاهر بن علك الشافعي عند السلطان شاكيا وكان يخاف من أحمد خان لكثرة ماله فأظهر السفر للتجارة والحج فاجتمع بالسلطان وشكا إليه وهو فيها رسول ملك الروم ومعه الخراج لمقرر عليه فأخذه نظام الملك معهم إلى ما وراء النهر زحضر فتح البلاد فلما وصل إلى كاشغر أذن له نظام الملك في العود إلى بلاده وقال أحب أن يذكر عنا في التورايخ أن ملك الروم حمل الجزية وأوصلها إلى باب كاشغر
458
لينهي إلى صاحبه سعة ملك السلطان ليعظم خوفه منه ولا يحدث نفسه بخلاف الطاعة وهذا يدل على همة عالية تعلو على العيوق # ولما سار السلطان من اصبهان إلى خراسان جمع العساكر من البلاد جميعها فعبر النهر بجيوش لا يحصرها ديوان ولا تدخل تحت الإحصاء فلما تقطع النهر قصد بخارى وأخذ ما على طريقه ثم سار إليها وملكها وما جاورها من البلاد وقصد سمرقند ونازلها وكانت الملطفات قد قدمها إلى البلد يعدهم النصر والخلاص مما فيه من الظلم وحصر البلد وضيق عليه وأعانه أهل البلد بالإقامات # وفرق أحمد خان صاحب سمرقند أبراج السور على الأمراء ومن يثق إليه من أهل البلد وسلم برجا يقال له برج العيار إلى رجل علوي كان مختصا به فنصح في القتال فاتفق أن ولدا لهذا العلوي أخذ أسيرا ببخارى فهدد الأب بقتله فتراخى عن القتال فسهل الأمر على السلطان ملكشاه ورمى من السور عدة ثلم بالمنجنيقات وأخذ ذلك البرج فلما صعد عسكر السلطان إلى السور هرب أحمد خان واختفى في بيوت بعض العامة فغمر عليه وأخذ وحمل إلى السلطان وفي رقبته حبل فأكرمه السلطان وأطلقه وأرسله إلى أصبهان ومعه من يحفظه ورتب بسمرقند الأمير العميد أبا طاهر عميد خوارزم # وسار السلطان قاصدا إلى كاشغر فبلغ إلى بوزكند وهو بلد يجري على بابه نهر وأرسل منها رسلا إلى ملك كاشغر يأمره بإقامة الخطبة وضرب السكة باسمه ويتوعده إن خالف بالمسير إليه ففعل ذلك وأطاع وحضر عند السلطان فأكرمه وعطمه وتابع الإنعام عليه وأعاده إلى بلده # ورجع السلطان إلى خراسان فلما أبعد عن سمرقند لم يتفق أهلها وعسكرها المعروفون بالجلمكية مع العميد أبي طاهر نائب السلطان عندهم حتى كادوا يثبون عليه فاحتال حتى خرج من عندهم ومضى إلى خوارزم $ ذكر عصيان سمرقند $ # كان مقدم العسكر المعروف بالجلكية واسمه عين الدولة قد خاف السلطان لهذا الحادث فكاتب يعقوب تكين أخا ملك كاشغر ومملكته تعرف بآب نباشي وبيده قلعتها واستحضره فحضر عنده بسمرقند واتفقا ثم يعقوب علم أن أمره لا يستقيم معه فوضع عليه الرعية الذين كان أساء إليهم حتى ادعوا عليه دماء قوم كان قتلهم وأخذ الفتاوى عليه وقتله واتصلت الأخبار بالسلطان ملكشاه بذلك فعاد إلى سمرقند
459
$ ذكر فتح سمر قند الفتح الثاني $ # لما اتصلت الأخبار بعصيان بالسلطان ملكشاه وقتل عين الدولة مقدم الجلكيةعاد إلى سمرقند فلما وصل إلى بخارى هرب يعقوب المستولي على سمرقند ومضى إلى فرغانة ولحق بولايته ووصل جماعة من عسكره إلى السلطان مستأمين فلقوه بقرية تعرف بالطواويس ولما وصل السلطان إلى سمرقند ملكها ورتب بها الأمير أبر وسار في أثر يعقو حتى نزل ببوزكند وأرسل العساكر إلى سائر الأكتاف في طلبه وأرسل السلطان إلى ملك كاشغر وهو أخو يعقوب ليجده في أمره ويرسله إليه فاتفق أن عسكر يعقوب شغبوا عليه ونهبوا خزائنه واضطروه إلى أن هرب على فرسه ودخل إلى أخيه بكاشغر مستجيرا به فسمع السلطان بذلك فأرسل إلى ملك كاشغر يتوعده إن لم يرسله إليه أن يقصد بلاده ويصير هو العدو فخاف أن يمنع السلطان وأنف أن يسلم أخاه بعد أن استجار به وإن كانت بينهما عداوة قديمة ومنافسة في الملك عظيمة لما يلزمه فيه العار فأداه اجتهاده إلى أن قبض على أخيه يعقوب وأظهر أنه كان في طلبه فظفر به وسيره مع ولده وجماعة من أصحابه وكلهم بيعقوب وأرسل معهم هدايا كثيره للسلطان وأمر ولده أنه إذا وصل قلعة بقرب السلطان أن يسمل يعقوب ويتركه فإن رضي السلطان بذلك وإلا سلمه إليه فلما وصلوا إلى القلعة عزم ابن الملك كاشغر أن يسمل عمه وينفذ فيه ما أمره به أبوه فتقدم فكتفه وألقاه على الأرض ففعلوا به ذلك فبينما هم على تلك الحال وقد أحلوا الميل وقد أحملوا الميل ليسلموه إذ سمعوا ضجة عظيمة فتركوه وتشاوروا بينهم وظهر عليهم انكسار ثم أرادوا به ذلك سمله ومنع منه بعض فقال لهم يعقوب أخبروني عن حالحكم وما يفوتكم الذي تريدونه مني وإذا فعلتم بي شيئا ربما ندمتم عليه فقل له إن طغل بن ينال أسرى من ثمانين فرسخا في عشرات ألوف من العساكر وكبس أخاك بكاشغر فأخذه أسيرا ونهب عسكره وعاد إلى بلاده # فقال لهم هذا الذي تريدون تفعلونه بي ليس مما تقربون ه إلى الله تعالى وإنما تفعلونه اتباعا لأمر أخي وقد زال أمره وقد وعدهم الإحسان فأطلقوه فلما رأى السلطان ذلك ورأى طمع طغل بن ينال ومسيره إلى كاشغر وقبض صاحبها وملكه لها مع قربه منه خاف أن ينحل بعض أمره وتزول هيبته وعلم أنه متى قصد طغرل سار من بين يديه فإن عاد عنه رجع إلى بلاده وكذلك يعقوب أخو صاحب كاشغر وأنه لا يمكنه المقام لسعة البلاد وراءه وخوف
460
الموت بها فوضع تاج الملك على أن يسعى في إصلاح أمر يعقوب معه ففعل ما أمره به السلطان فاتفق هو ويعقوب وعاد إلى خراسان وجعل يعقوب مقابل طغرل يمنعه من القوة وملك البلاد وكل منهما يقوم في وجه الآخر $ ذكر عود ابنة السلطان زوجة الخليفة إلى أبيها $ # وفي هذه السنة أرسل ا لسلطان إلى الخليفة يطلب ابنته طلبا لا بد منه # وبب ذلك أنها أرسلت تشكوا من الخليفة وتذكر أنه كثير الاطراح لها والإعراض عنا فأذن لها في المسير فسارت في ربيع الأول وسار معها ابنها من الخليفة أبو الفضل جعفر بن المقتدي بأمر الله ومعهما سائر أرباب الدولة ومشى مع محفتها سعد الدولة كوهرائين وخدم دار الخلافة الأكابر وخرج الوزير وشيعهم إلى النهروان وعاد وسارت الخاتون إلى أصبهان فاقامت بها إلى ذي ا لقعدت وتوفيت وجلس الوزير ببغداد للعزاء سبعة أيام وأكثر الشعراء مراثيها ببغداد وبعسكر السلطان $ ذكر فتح مصر عكا وغيرها من الشام $ # في هذه السنة خرجت عساكر مصر إلى الشام في جماعة من المقدمين فحصروا مدينة صور وكان قد تغلب عليها القاضي عين الدولة بن أبي عقيل وامتنع عليهم ثم توفي ووليها أولاده فحصرهم العسكر المصري فلم يكن لهم من القوة ما يمتنعون بها فسلموها إليهم ثم سار العسكر عنا إلى مدينة صيدا ففعلوا بها كذلك ثم ساروا إلى مدينة عكا فحصروها وضيقوا على أهلها فافتتحوها وقصدوا مدينة جبيل فملكوها أيضا وأصلحوا أحوال هذه البلاد فقرروا قواعدها وساروا عنها إلى مصر عائدين واستعمل أمير الجيوش على هذه الأمراء والعمال $ ذكر الفتنة بين أهل بغداد ثانية $ # وفي هذه السنة في جمادى الأولى كثرت الفتن ببغداد بين أهل الكرخ وغيرها من المحال وقتل بينهم عدج كثير واستولى أهل المحال على قطعة كبيرة من نهر الدجاج فنهبوها وأحرقوها فنزل شحنة بغداد وهو خمارتكين النائب عن كوهرائين على دجلة في خيله ورجله ليكف الناس عن الفتنة فلم ينتهوا وكان أهل الكرخ يجرون عليه وعلى أصحابه الجرايات والإقامات وفي بعض الأيام وصل أهل البصرة إلى صويقة غالب
461
فخرج من أهل الكرخ من لم تجر عادته بالقتال فقاتلوهم حتى كشفوهم فركب خدم الخليفة والحجاب والنقباء وغيرهم من أعيان والحنابلة كابن عقيل والكلوذاني وغيرهما إلى الشحنة وساروا معه إلى أهل الكرخ فقرأ عليهم مثالا من الخليفة يمرهم بالكف ومعاودة السكون وحضور الجماعة والجمعة والتدين بمذهب أهل السنة فأجابوا إلى الطاعة فبينما هم كذلك أتاهم الصارخ من نهر الدجاج بأن أهل السنة قد قصدوهم والقتال عندهم فمضوا مع الشحنة ومنعوا من الفتنة وسكن الناس # وكتب أهل الكرخ على أبواب مساجدهم خير الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ومن عند هذا اليوم ثار أهل الكرخ وقصدوا شارع ابن أبي عوف ونهبوه وفي جملة ما نهبوا دار أبي الفضل بن خيرون المعدل فقصد الديوان مستنفرا ومعه الناس ورفع العامة الصلبان وهجموا على الوزير في أجرته وأكثروا من الكلام الشنيع وقتل ذلك اليوم رجل هاشمي من أهل باب الأزج بسهم أصابه فثار العامة هناك بعلوي كان مقيما بينهم فقتلوه وحرقوه وجرى من النهب والقتل والفساد أمور عظيمة فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة صدقة من مزيد فأرسل عسكرا إلى بغداد فطلبوا المفسدين والعياريين فهربوا منهم فهدمت دورهم وقتل منهم ونفي وسكنت الفتنة وأمن الناس $ ذكر حيلة لأمير المسلمين ظهرت ظهورا غريبا $ # كان بالمغرب إنسان اسمه محمد بن إبراهيم الكزولي سيد قبيلة كزولة ومالك جبلها وهو جبل شامخ وهي قبيلة كبيرة وبينه وبين أمير المسلمين يوسف بن تاشفين مودة واجتماع # فلما كان هذه السنة أرسل يوسف إلى محمد بن إبراهيم يطلب الاجتماع به فركب إليه محمد فلما قاربه خافه على نفسه فعاد إلى جبله واحتاط لنفسه # فكتب إليه يوسف وحلف له أنه ما أراد به إلا الخير ولم يحدث نفسه بغدر فلم يركن محمد إليه فدعا يوسف حجاما وأعطاه مائة دينار وضمن له مائة دينار أخرى إن هو سار إلى محمد بن إبراهيم واحتال إلى قتله فسار الحجام ومعه مشاريط مسمومة فصعد الجبل فلما كان الغد خرج ينادي لصناعته بالقرب من مساكن محمد فسمع محمد الصوت فقال هذا الحجام من بلدنا فقيل إنه غريب فقال أراه يكثر الصياح وقد ارتبت بذلك ائتوني به فأحضر عنده فاستدعى حجاما آخر وأمره أن يحجمه بمشاريطه التي معه فامتنع الحجام الغريب فأمسك وحجم فمات وتعجب الناس من فطنته # فلما بلغ ذلك
462
يوسف ازداد غيظة ولج في السعي في أذى يوصله إليه فاستماله قوما من أصحاب محمد فمالوا إليه فأرسل إليهم جرارا من عسل مسموم فحضروا عند محمد وقالوا قد وصل إلينا قوم معهم جرار من عسل أحسن ما يكون وأردنا إتحافك به واحضروها بين يديه فلما رآها أمر بإحضار خبز وأمر ألئك الذين أهدوا إليه العسل أن يأكلوا منه فامتنعوا واستعفوه من أكله فلم يقبل منهم وقال من لم يأكل قتل بالبسيف فأكلوا فماتواة عن آخرهم # فكتب إلى يوسف تاشفين إنك قد أردت قتلي بكل وجه فلم يظفرك الله بذلك فكف عن شرك فقد أعطاك الله المغرب بأسره ولم يعطني غير هذا الجبل وهو في بلادك كالشامة البيضاء في النور الأسود فلم تقنع بما أعطاك الله عز # فلما رأى يوسف أن سره قد انكشف وأنه لا يمكنه في أمره شيء بحصانة جبله أعرض عنه وتركه $ ذكر ملك العرب مدينة سوسة وأخذها منهم $ # في هذه السنة نقض ابن علوي ما بينه وبين تميم بن المعز بن باديس أمير إفريقية من العهد وسار في جمع من عشيرته العرب فوصل إلى مدينة سوسة من بلاد إفريقة وأهلها غاروون لم يعملوا به فدخلها عنوة وجرى بينه وبين من بها من العسكر والعامة قتال قتل من الطائفتين جماعة وكثر القتل في أصحابة والأسر وعلم أنه لا يتم له مع تميم حال ففارقها وخرج منها إلى حلته في الصحراء وكان بإفريقية هذه السنة غلاء شديد وبقي كذلك إلى سنة أربع وثمانين وصلحت أحوال أهلها وأخصبت البلاد ورخصت الأسعار وأكثر أهلها الزرع $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة قطعت الحرامية اطريق على قفل كبير بولاية حلب فركب آقسنقر في جماعة من عسكره وتبعهم ولم يزل حتى أخذهم وقتلهم فأمنت الطريق بولايتة # وفيها ورد العميد الأغر أبو المحاسن عبد الجليل بن علي الدهستاني إلى بغداد عميدا وعزل أخوه كمال الملك علة ما ذكرناه # وفيها درس الإمام أبو بكر الشاشي في المدرسة التي بناها الملك مستوفي السلطان في باب إبرز من بغداد وهي المدرسة الناجية المشهورة وفيها عمرت منارة جامع حلب # وفيها توفي الخطيب أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن عبد الواحد بن أبي ا لحديد السلمي خطيب دمشق في ذي الحجة # وفيها توفي أحمد بن
463
محمد بن صاعد بن محمد أبو نصر النيسابوري رئيسها ومولده سنة عشر وأربعمائة # وكان من العلماء وعاصم بن الحسن بن محمد بن علي بن عاصم العاصمي البغدادي من أهل الكرخ كان ظريفا كيسا له شعر حسن فمنه # ( ماذا على متلون الأخلاق % لو زارني فابثه أشواقي ) # ( وأبوح بالشكوى إليه تذللا % وأفض ختم الدمع من آماقي ) # ( فعساه أن يبسمح باوصال لمدنف % ذي لوعة وصبابة مشتاق ) # ( أسر الفؤاد ولم يرق لموثق % ما ضره لو جاد بالإطلاق ) # ( إن كان قد لبست عقارت صدغه % قلبي فإن رضابه درياقي ) # وقال أ يضا # ( فديت من ذبت شوقا من محبته % وصرت من هجره فوق الفراش لققا ) # ( سمعته يتغنى وهو مصطبح % أفديه مصطبحا منه ومغتبقا ) # ( وأخلفتك ابنتي البكر ما وعدت % وأصبح الحبل منها واهيا خلقا ) # والصحيح أنه توفي سنة ثلاث وثمانين # وفيها في جمادى الآخرة توفي الشريف أبو القاسم العلوي الدبوسي المدرس بالنظامية ببغداد وكان فاضلا فصيحا
464
$ ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة $ $ ذكر وفاة فخر الدولة أبي نصر بن جهير $ في هذه السنة في المحرم توفي فخر الدولة أبو نصر محمد بن محمد بن جهير الذي كان وزير الخليفة بمدينة الموصل ومولده بها سنة ثمان وتسعين وثللامائة وتزوج إلى أبي العقارب شيخها ونظر في أملاك جارية قرواش المعروفة بسرهنك ثم خدم بركة بن المقلد حتى قبض على أخيه قرواش وحبسه ومضى بهدايا إلى ملك الروم فاجتمع هو وورسول نصر الدولة بن مروان وتقدم فخر الدولة عليه فنازعه رسول لابن مروان فقال فخر الدولة لملك الروم أنا أستحق التقدم عليه لأنه صاحبه يؤدي الخراج إلى صاحبي فلما عاد إلى قريش با بدران أراد القبض عليه فاستجار بأبي ا لشداد وكانت عقيل تجير على أرائها وسار إلى خلب فوزر لمعز الدولة أبي ثمال بن صالح ثم مضى إلى ملطية ومنها إلى ابن مروان فقال له كيف أمنتني وقد فعلت برسولي ما فعلت عند ملك الروم فقال حملني على ذلك نصح صاحبي فاستوزره فعمر بلاده ووزر بعد نصر الدولة لولده ثم سار إلى بغداد وولي وزار ة الخليفة على ما ذكرنا وتولى أخذ ديار بكر من بني مروان على ما ذكرناه أيضا ثم أخذها منه السلطان فسار إلى الموصل فتوفي بها $ ذكر نهب العرب البصرة $ # وفي هذه السنة في جمادى الأولى نهب العرب البصرة نهبا عظيما # وفي هذه السنة في جمادى الأولى نهب العرب البصرة نهبا قبيحا # وسبب ذلك أنه ورد إلى بغداد في بعض السنين رجل أشقر من سواد النيل يدعى الأدب والنجوم ويستجري الناس فلقبه أهل بغداد تليا وكان نازلا في بعض الخانات فسرق ثيابا من الدبياج وغيره وأخفاها في خلفها وسار بها فرآها الذين يحفظون لطريق فمنعوه من السفر اتهاما له وحملوه إلى المقدم عليهم فأطلقه لحرمة العلم فسار إلى أمير من أمراء العرب من بني عامر وبلاده متاخمة الإحساء وقال له أنت تملك الأرض وقد فعل أجدادك
465
بالحاج كذا وكذا أفعالهم مشهورة مذكورة في التواريخ وحسن نهب له البصرة وأخذها فجمع من العرب ما يزيد على عشرة آلاف مقاتل وقصد البصرة وبها العميد عصمة وليس معه من الجند إلا اليسير لكون الدنيا آمنة من ذاعر ولأن الناس في جنة من هيبة السلطان # فخرج إليهم في أصحابه وحاربهم ولم يمكنهم من دخول البلد فأتاه من أخبره أن أهل البلد يريدون أن يسلموه إلى العرب فخاف ففارقهم وقصد الجزيرة التي هي مكان القلعة بنهر معقلفلما علم أهل البلد بذلك فارقوا ديارهم وانصرفوا ودخل العرب حينئذ البصرة وقويت نفوسهم وملكوها ونهبوا ما فيها نهبا شنيعا فكانوا ينهبون نهارا وأصحاب العميد عصمة ينهبون ليلا وأحرقوا مواضع عدة # وفي جملة ما أحرقوا دارين للكتب إحداهما وقفت قبل أيام عضد الدولة بن بويه فقال عضد الدولة هذه مكرمة سبقنا إليها وهي أول دار وقفت في الإسلام والأخرى وقفها الوزير أبو منصور بن شاء مردان وكان بها نفائس الكتب وأعيانها # وأحرقوا أيضا النجاسين وغيرها من الأماكن وخربت وقوف البصرة التي لم يكن لها نظير من جملتها وقوف على الحمال الدائرة على شاطىء دجلةوعلى الدواليب التي تحمل الماء وترقيه إلى قنى الرصاص الجارية إلى المصانع وهي على فراسخ من البلد وهي من عمل محمد بن سليمان الهاشمي وغيره # وكان فعل العرب بالبصرة أول خرق جرى في أيام السلطان ملكشاه فلما فعلوا ذلك وبلغ الخبر إلى بغداد انحدر سعد الدولة كوهرائين وسيف الدولة صدفة بن مزيد إلى البصرة لإصلاح أمورها فوجدوا العرب قد فارقوها ثم إن تلياأخذ بالبحرين وأرسل إلى السلطان فشهره ببغداد سنة أربع وثمانين على جمل وعلى رأسه طرطور وهو يصقع بالدرة والناس يشتمونه ويسبهم ثم أمر به فصلب $ ذكر عدة حوادث $ في هذه السنة قدم الإمام أبو عبد الله الطبري بغداد في المحرم بمنشور من نظام الملك بتوليه تدريس المدرسة النظامية ثم ورد بعده في شهر ربيع الآخر من السنة أبو محمد عبد الوهاب الشيرازي وهو أيضا معه منشور بالتدريس فاستقر أن يدرس يوما والطبري يوما
466
$ ثم دخلت سنة أر بع وثمانين وأربعمائة $ $ ذكر عزل الوزير أبي شجاع ووزارة عميد الدولة بن جهير $ # في هذه السنة في ربيع الأول عزل الوزير أبو شجاع من وزارة الخليفة # وكان سبب عزله أن إنسانا يهوديا ببغداد يقال له أبو سعد بن سمحا كان وكبل السلطان ونظام الملك فلقيه إنسان يبيع الحصر فصفعه صفعة أزالت عمامته عن رأسه فأخذ الرجل وحمل إلى الديوان وسئل عن السبب في فعله فقال هووضعني على نفسه فسار كوهرائين ومعه ابن سمحا اليهودي إلى عسكر يشكيان وكانا متفقين على الشكاية من الوزير أبي شجاع فلما سار أخرج توقيع الخليفة بإلزام أهل الذمة بالغيار ولبس ما شرط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهربوا كل مهرب وأسلم بعضهم فممن أسلم أبو سعد العلاء بن الحسن بن وهب بن موصلايا الكاتب وابن أخيه أبو نصر هبة الله بن الحسن بن علي صاحب الخبر أسلما على يدي الخليفة # ونقل أيضا عنه إلى السلطان ونظام الملك أن يكسر أغراضهم ويقبح أفعالهم حنى انه لما ورد الخبر بفتح السلطان سمرقند قال وما هذا مما يبشر به كأنه قد فتح بلاد الروم هل أتى الإ إلى قوم مسلمين موحدين فاستباح منهم ما لا يستباح من المشركين فلما وصل كوهرائين وابن سمحا إلى العسكر وشكيا من الوزير إلى السلطان ونظام الملك وأخبراهما بجميع ما يقول عنهما ويكسر من أغراضهما أرسى إلى الخليفة في عزله فعزله وأمره بلزوم بيته وكان عزله يوم الخميس فلما أمر بذلك أنشد # ( تولاها وليس له عدو % وفارقها وليس له صديق ) # فلما مان الغد يوم الجمعة خرج من داره إلى الجامع راجلا واجتمع الخلق العظيم عليه فأمر أن لا يخرج من بيته # ولما عزل استنيب في الوزارة أبو سعد بن موصلايا كاتب الإنشاء وأرسل الخليفة إلى السلطان ونظام الملك يستدعي عميد
467
الدولة بن جهير ليستوزره فسير إليه فاستوزره في ذي الحجة من هذه السنة وركب إليه نظام الملك فهنأه بالوزارة في داره وأكثر الشعراء تهنئته بالعود إلى الوزارة $ ذكر ملك أمير المسلمين بلاد الأندلس التي للمسلمين $ # في هذه السنة في رجب ملك أمير المسلمين يوسف بن تاشفين صاحب بلاد المغرب من بلاد الأندلس ما هو بيد المسلمين قرطبة وإشبيلية وقبض على المعتمد بن عباد صاحبها وملك غيرها من الأندلس ولقد جرى للرشيد بن المعتمد حادثة شبيهة بحادثة الأمين محمد بن هارون الرشيد # قال أبو بكر عيسى بن اللبانة الداني من مدينة دانية كنت يوما عند الرشيد بن المعتمد في مجلس أنسه سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة فجرى ذكر غرناطة وملك أمير المسلمين لها وقد ذكرنا أخذها في وقعة الزلاقة فلما ذكرناها تنفجع وتلهف واسترجع وذكر قصرها فدعونا لقصره بالدوام ولملكه بتراخي الأيام فأمر عند أبا بكر الإشبيلي بالغناء فغنى # ( يا دار رمية بالعلياء فالسند % أقوت وطال عليها سالف الأبد ) # فاستحالت مسرته وتجهمت أسرته ثم أمر بالغناء من ستارته فغنى # ( إن شئت أن ترى صبرا لمصطبر % فانظر إلى أي حال أصبح الطلل ) # فتأكد تطيره واشتد اربدا وجهه وتغيره وأمر مغنية أخرى بالغناء فغنت # ( يا لهف نفسي على مال أفرقة % على المقلين من أهل المروءات ) # ( إن اعتذاري إلى من جاء يسألني % ما ليس عندي من إحدى المصيبات ) # قال ابن اللبانة فتلافيت الحال بأن قمت فقلت # ( محل مكرمة لاهد مبناه % وشمل مأثرة لاشتة الله ) # ( البيت كالبيت لكن زاد ذا شرفا % ان الرشيد مع المعتد ركناه ) # ( ثاو على أنجم الجوزاء مقعدة % وراحل في سبيل الله مثواه ) # ( حتم على الملك أن يقوي وقد وصلت % بالشرق والغرب يمناه ويسراه ) # ( بأس توقد فاحمرت لواحظه % ونائل شب فاخضرت عذاراه ) # فلعمري قد بسطت من نفسه وأعدت عليه بعض أنسه على أِي وقعت فيما
468
وقع فيه الكل بقولي ( البيت مالبيت ) وأمر إثر ذلك بالغناء فغني # ( ولما قضينا من منى كل حاجة % ولم يبق إلا أن تزم الركائب ) # فأيقناه أن هذه الطير تعقب الغير # فلما أراد أمير المسلمين ملك الأندلس سار من مراكش إلى سبتة وأقام بها وسير العساكر مع سير بن أبي بكر وغيره إلى الأندلس فعبروا الخليج فأتوا مدينة مرسية فملكوها وأعمالها وأخرجوا صاحبها أبا عبد الرحمن بن طاهر منها وساروا إلى مدينة شاطبة ومدينة دانية فملكوها وكانت بلنسية قد ملكها الفرنج قديما بعد أن حصروها سبع سنين فلما سمعوا بوقعة الزلاقة فارقوها فملكها المسلمون أيضا وعمروها وسكنوا فصارت الآن للمرابطين وكانوا قد ملكوا غرناطة نوبة الزلاقة فقصدوا مدينة إشبيلية وبها صاحبها المعتمد بن عباد فحصروه بها وضيقوا عليه فقاتل أهلها قتالا شديدا وظهر من شجاعة المعتمد وشده بأسه وحسن دفاعه عن بلده مالم يشلهد من غيره ما يقاربه فكان يلقي نفسه في المواقف التي لا يرجى خلاصة منها فيسلم بشجاعته وشدة نفسه ولكن إذا نفذت المدة لم تغن العدة # وكانت الفرنج قد سمعوا بقصد عساكر المرابطين بلاد الأندلس فخافوا أن يملكوها ثم يقصدوا بلادهم فجمعوا فأكثروا وساروا ليساعدوا المعتمد ويعينوه على المرابطين فسمع سير بن أبي بكر مقدم المرابطين بمسيرهم ففارق إشبيلية وتوجه إلى لقاء الفرنج فلقيهم وقاتلهم وهزمهم وعاد إلى إشبيلية فحصرها ولم يزل الحصار دائما والقتال مستمرا إلى العشرين من رجب من هذه السنة فعظم الحرب ذلك واشتد الأمر على أهل البلد ودخله
469
المرابطون من واديه ونهب جميع ما فيه ولم يبقوا على سبد ولا لبد وسلبوا الناس ثيابهم فخرجوا من مساكنهم يسترون عوراتهم بأيديهم وسبي المخدرات وانتهكت الحرمات فأخذ المعتمد أسيرا ومعه أولاده الذكور والإناث لعد أن استأصلوا جميع مالهم فلم يصحبهم من ملكهم بلغة زاد # وقيل إن المعتمد سلم البلد بأمان وكتب نسخة الأمان والعهد واستحلفهم به لنفسه وأهله وماله وعبيده وجميع ما يتعلق بأسبابه فلما سلم إليهم إشبيلية لم يفوا له وأخذوهم أسراء وما لهم غنيمة وسير المعتمد وأهله إلى مدينة أغمات فحبسوا فيها وفعل أمير المسلمين بهم أفعالا لم يسلكها أحد ممن قبله ولا يفعله أحد ممن يأتي بعده إلا من رضي لنفسه بهذه الرذيلة وذلك أنه سجنهم فلم يجر عليهم ما يقوم بهم حتى كان بنات المعتمد يغزلن للناس بأجرة ينفقونها على أنفسهم # وذكر ذلك المعتمد في أبيات ترد عنه ذكر وفاته فأبان أمير المسلمين بهذا الفعل عن صغر نفس ولؤم وقدرة # وهذه أغمات مدينة في سفح جبل بالقرب من مراكش وسيرد من المعتمد عند موته سنة ثمان وثمانين ما يعرف به محله # قال أبو بكر بن اللبانة زرت المعتمد بعد أسره بأغمات وقلت أبيات عند دخولي إليه منها # ( لم أقل في الثقاف كان ثقافا % كنت قلبا به وكان شغافا ) # ( يمكث الزهر في الكمام ولكن % بعد مكث الكمام يدنو قطافا ) # ( وإذا ما الهلال غاب بغيم % بم يكن ذلك المغيب انكسافا ) # ( إنما أنت درة للمعالي % ركب الدهر فوقها أصدافا ) # ( حجب البيت منك شخصا كريما % مثل ما تحجب الدنان السلافا ) # ( أنت للفضل كعبة ولو اني % كنت أستطيع لالتزمت الطوافا ) # قال وجرت بيني وبينه مخاطبات ألذ من غفلات الرقيب وأشهى من رشفات الحبيب وأدل على السماح من فجر على صباح ولما أخذ المعتمد وأهله قتل ولداه الفتح ويزيد بين يديه صبرا فقال في ذلك # ( يقولون صبرا لا سبيل إلى الصبر % سأبكي وأبكي ما تطاول من عمري )
470
# ( أفتح لقد فتحت لي باب رحمة % كما بيزيد الله قد زاد في أجري ) # ( هوى بكما المقدار عن ولم أمت % فأدعى وفيا قد نكصت إلى الغدر ) # ( ولو عدتما لا خترتما العود في الثرى % إذا انتما أبصرتماني في الأسر ) # ( أبا خالد أورثتني البث خالدا % أيا صبر مذ ودعت ودعني نصري ) # وكان المعتمد يكاتبه فغضلاء البلاد وهو محبوس بالنثر والنظم يتوجعون له ويذمون الزمان وأهله حيث مثله منكوب فمن ذلك ما قاله عبد الجبار بن أبي بكر بن حديس وكتبه إليه يذكر مسيرهم عن إشبيلية إلى أغمات # ( جرى لك جد بالكرام عثور % وجار زمان كنت منه تجير ) # ( لقد أصبحت بيض الظبي في غمودها % إناثا لترك الضرب وهي ذكور ) # ( ولما رحلتم بالندى في أكفكم % وقلقل رضوى منك وثبير ) # ( رفعت لساني بالقيامة قد أتت % ألا فانظروا كيف الجبال تسير ) # وقال شاعره ابن اللبانة في حاثته أيضا # ( تبكي السماء بدمع رائح غادي % على البهاليل من أبناء عباد ) # ( على الجبال التي هدت قواعدها % وكانت الأرض منها تحت أوتاد ) # ( عريسة دخلتها النائبات على % أساود منهم فيها وآساد ) # ( وكعبة كانت الآمال تعمرها % فاليوم لا عاكف فيها ولا باد ) # ولما استقصى عسكر أمير المسلمين ملوك الأندلس وأخذ بلادهم ملكوهم وسيرهم إلى بلاد بالغرب وفرقهم ( ^ إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة ) ولما فرغ سير من إشبيلية سار إلى المرية فنازلها وكان صاحبها محمد بن معن بن صمادح فقال لولده ما دام المعتمد بإشبيلية فلا تبالي بالمرابطين فلما سمع بملكهم لها وما جرى للمعتمد مات في تلك الأيام غما وكمدا # فلما مات
471
سار ولده الحاجب وأهله في مراكب ومعهم كل ما لهم وقصدوا بلاد بني حماد فأحسنوا إليهم # وكان عمر بن الأفطس صاحب بطيلوس ممن أعان سر على المعتمد فلما فتحت إشبيلية رجع ابن الأفطس إلى بلده فسار إليه سير وحاربه فغلبه وأخذ بلده منه وأخذه أسيرا هو وولده الفضل فقتلهما فقال عمر حين أرادوا قتله قدموا ولدي قبلي للقتل ليكون في صحيفتي فقتل ولده قبله وقتل هو بعده واحتوى سير على ذخائرهم وأموالهم ولم يترك من ملوك الأندلس سوى بني هود فإنه لم يقصد بلادهم وهي شرق المثل بهم وكان قد أعد كل ما يحتاج إليه في لحصار وترك عنده ما يكفيه عدة سنين بمدينة رطتة وكانت قلعة حصينة وكانت رعيتة تخافه ولم يزل يهادي أمير المسلمين قبل أن يقصد بلاد الأندلس ويملكها ويواصله ويكثر مراسلته فرعى له ذلك حتى أنه أوصى ابنه علي بن يوسف عند موته بترك التعرض لبلاد بني هود وقال اتركهم بينك وبين العدو فإنهم شجعان $ ذكر ملك الفرنج جزيرة صقلية $ # في هذه السنة استولى الفرنج لعنهم الله على جميع جزيرة صقلية أعادها الله تعالى على الإسلام والمسلمين وسبب ذلك أن صقلية كان الأمير عليها سنةثمان وثمانين وثلاثماءة أبا الفتوح يوسف بن عبد الله بن محمد بن أبي الحسين ولاه عليها العزيز العلوي صاحب مصر وإفريقية فأصابه هذه السنة فالج فتعطل جانبه الأيسر وضعف الجانب الأيمن فاستناب ابنه جعفرا فبقي كذلك ضابطا للبلاد حسن السيرة في أهلها إلى سنة خمس وأربعمائة فخالع عليه أخوع علي وأعانه جمع من البربر والعبيد فأخرج إليه أخوه جعفر جندا من المدينة فاقتتلوا سابع شعبان وقتل من البربر والعبيد خلق كثير وهرب من بقي منهم وأخذ علي أسيرا فقتله أخوه جعفر وعظم قتله على أبيه فكان بين خروجه وقتله ثمانية أيام # وأمر جعفر حيئنذ أن ينفى كل بربري بالجزيرة فنفوا إلى
472
إفريقة وأمر بقتل العبيد فقتلوا عن آخرهم وجعل جنده كلهم من أهل صقلية فقل العسكر بالجزيرة وطمع أهل الجزيرة في الأمراء فلم يمض إلا يسير حتى ثار به أهل صقلية واخرجوه وخلعوه وأرادوا قتله وسبب ذلك أنه ولى عليهم إنسانا صادرهم وأخذ الأعشار من غلاتهم واستخف بقوادهم وشيوخ البلد وقهر جعفر إخوته واستطال عليهم فلم يشعر إلا وقد زحف إليه أهل البلد كبيرهم وصغيرهنك فحصروه في قصره في المحرم سنة عشر واربعمائة , أشرفوا على أخذه فخرج إليهم أبوه يوسف في محفة وكانوا له محبين فلطف بهم ورفق فبكوا رحمة له من مرضه وذكروا له ما أحدث ابنه عليهم وطلبوا أن يستعمل ابنه أحمد المعروف الأكحل ففعل ذلك وخاف يوسف على ابنه جعفر منهم فسيره في مركب إلى مصر وسار أبوه يوسف بعده ومعهما من الأموال ستمائة ألف دينار وسبعون ألفا وكان ليوسف من الدواب ثلاثة عشر الف حجرة سوى البغال وغيرها ومات بمصر وليس له إلا دابة واحدة # ولما ولي الأكحل أخذ أمره بالحزم والاجتهاد وجمع المقاتلة ويث سراياه في بلاد الكفرة فكانوا يحرقون ويغنمون يسبون ويخربون البلاد واطاعه جميع قلاع صقلية التي للمسلمين وكان للأكحل ابن اسمه جعفر كان يستنيبه إذا سافر فخالف سيرة أبيه ثم إن الأكحل جمع أهل صقلية و قال أحب أن أشليكم على الإفريقيين الذين شاركوكم في بلادهم والرأي إخراجهم فقالوا قد صاهرناهم وصرنا شيئا واحدا فصرفهم ثم أرسل إلى الإفريقيين فقال لهم مثل ذلكط فأجابوه إلى ما أراد فجمعهم حوله فكان يحمي أملاكهم ويأخذ الخراج من أملاك أهل صقلية فسار من أهل صقلية جماعة إلى المعز بن باديس وشكوا إليه ما حل بهم وقالوا نحب أن نكون في طاعتك وإلا سلمنا البلاد إلى الروم وذلك سنة سبع وعشرين وأربعمائة فسير معهم ولده عبد الله في عسكر فدخل المدينة وحصر الأكحل بالخلاصة ثم اختلف أهل صقلية وأراد بعضهم نصر الأكحل فقتله الذين أحضروا عبد الله بن المعز ثم إن الصقليين رجع بعضهم على بعض وقالوا أدخلتم غيركم عليكم والله لا كانت عاقبة أمركم فيه إلى خير فعزموا على حر ب عسكر المعز فاجتمعوا وزحفوا إليهم فاقتتلوزا فانهزم عسكر المعز وقتل منهم ثمانمائة رجل ورجعوا في المراكب إلى إفريقية # وولى أهل الجزيرة عليهم حسنا الصمصام أخا الأكحل فاضطربت أحوالهم
473
واستولى الأراذل وانفرد كل إنسان ببلد و أخرجوا الصمصام فانفرد القائد عبد الله بن منكوت بمزار وطرابنش وغيرهما وانفرد القائد علي بن نعمة المعروف بابن الحواس بقصريانة وجرجنت وغيرهما وانفرد ابن الثمنة بمدينة سرقوسة وقطانية وتزوج بأخت ابن الحواس ثن إنه جرى بينهما وبين زوجها كلام أغلظ كل منهما لصاحبه وهو سكران فأمر ابن الثمنة بفصدها في عضديها وتركها لتموت فسمع ولده إبراهيم فحضر وأحضر الأطباء وعالجها إلى أن عادت قوتها ولما أصبح أبوه ندم واعتذر إليها بالسكر فأظهرت قبول عذره ثم إنها طلبت منه بعد مدة أن تزور أخاها فأذن لها وسير معها التحف والهدايا فلما وصلت ذحكرت لأخيها ما فعل بها فحلف له أنه لا يعيدها إليه فأرسل ابن الثمنة يطلبها فلم يردها إليه فجمع ابن الثمنة عسكره وكان قد استولى على أكثر الجزيرة وخطب له بالمدينة وسار وحصر ابن الحواس بقصر بانة فخرج إليه فقاتله فانهزم ابن الثمنة وتبعه إلى قرب مدينته قطانية وعاد عنه بعد أن قتل من أصحابه فأكثر فلما رأى بان الثمنة أن عساكره قد تمزقت سولت له نفسه الانتصار بالكفار لما يريده الله تعالى فسار إلى مدينة مالطه وهي بيد الفرنجة قد ملكوها لما خرج بردويل الفرنجي الذي تقدم ذكره سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة واستوطنها الفرنج إلى الآن وكان ملكها حينئذ رجار الفرنجي في جمع الفرنج فوصل إليهم ابن الثمنة وقال أنا أملككم الجزيرة # فقالوا إن فيها جندا كثيرا ولا طاقة لنا بهم # فقال إنهم مختلفون وأكثرهم يسمع قولي ولا يخالفون أمري # فساروا معه في رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة فلم يلقوا من يدافعهم فاستولوا على ما مروا به في طريقم وقصد بهم إلى قصر بانة فحصروها فخرج إليهم ابن الحواس فقاتلهم فهزمه الفرنج فرجع إلى الحصن # فرحلوا عنه وساروا في الجزيرة واستولوا على مواضع كثيرة وفارقها كثير من أهلها من العلماء والصالحين # وسار جماعة من أهل صقلية إلى المعز بن باديس وذكروا له ما الناس فيه بالجزيرة من الخلف وغلبه الفرنج على كثير منها فعمر أسطولا كبيرا وشحنه بالرجال والعدد وكان الزمان شتاء فساروا إلى قوصرة فهاج عليهم البحر فغرق اكثرهم ولم ينج إلا القليل وكان ذهاب هذا الأسطول مما أضعف المعز وقوى عليه العرب حتى أخذوا البلاد منه فملك حينئذ الفرنج أكثر البلاد على مهل وتؤده لا يمنعهم أحد # واشتغل صاحب إفريقية بما دهمه من العرب ومات المعز سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وولي
474
ابن تميم فبعث أيضا أسطولا وعسكرا إلى الجزيرة وقدم عليه ولديه أيوب وعليا فوصلوا إلى صقلية فنزل أيوب والعسكر المدسنةونزا علي جرجنت من أيوب ثم انتقل أيوب إلى جرجنت فمر علي بن الحواس أن ينزل في قصره وأرسل هدية كثيرة فلما أقام أيوب فيها أحبه أهلها فحسده ابن الحواس فكتب إليهم ليخرجوه فلم يفعلوا فساروا إليه في عسكره وقاتله فشدأهل جرجنت من أيوب وقاتلوا معه فبينما ابن الحواس يقاتل أتاه سهم غرب فقتله فملك العسكر عليهم أيوب # ثم وقع بعد ذلك بين أهل المدينة وبين عبيد تميم فتنة ادت إلى القتال ثم ازدتد الشر بينهم فاجتمع أيوب وعلي أخوه وردعا في الأسطول إلى إفريقة سنة إحدى وستين وصحبهم جماعة من أعيان صقلية والأسطولية ولم يبق للفرنج ممانع فاستولوا على الجزيرة ولم يثبت بين أيدهم غير قصر بانة وجرجنت فحصرهما الفرنج وضيقوا على المسلمين بهما فضاق الأمنر على أهلما حتى أكلوا الميتتة ولم بيبق عندهم ما يأكلوه # فأما أهل جرجنت فسلموها إلىالفرنج وبقيت قصر بانة بعدها ثلاث سنين فلما اشتد الأمر عليهم أذعنوا غلىالتسليم فتسلمها الفرنج لعنهم الله سنة أربع وثمانين وأربعمائةد # وملك رجار جميع الجزيرة وأسكنها الروم والفرنج مع المسلمين ولم يترك لأحد من أهلها حماما ولا دكانا ولا طاحونا ومات رجار بعد ذلك قبل التسعين والأربعمائة وملك بعده ولده رجار فسلك طريق ملوك المسلمين من الحنائب والسلاحية والجاندارية وغير ذلك وخالف عادة الفرنج فإنهم لا يعرفون شيئا منه وجعل له ديوان المظالم ترفع إليه شكوى الملظلومين فينصفهم ولو من ولده وأكرم المسلمين وقربهم ومنع عنهم الفرنج فأحبوه وعمر أسطولا كبيرا وملك الجزائر التي بين المهدية وصقلية مثل مالطه وقوصرة وجرية وقرقنة وتطالول إلى سواحل إفريقية فكان منه ما نذكره إن شاء الله $ ذكر وصول السلطان إلى بغداد $ # في هذه السنة في شهر رمضان وصل السلطان إلى بغداد وهي المرة الثانية ونزل بدار المملكة ونزل أصحابه متفرقين ووصل إليه أخوه تاج الدولة تتش وقسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب وغيرهما من زعماء الأطراف وعمل الميلاد ببغداد وتأنقوا في
475
عمله فذكر الناس انهم لم يروا ببغداد مثله أبدا وأكثر الشعراء وصف تلك الليلة فمن قال المطرز # ( وكل نار علىا لعشاق مضرمة % من نار قلبي أو من ليلة السذق ) # ( نار تجلت بها الظلماء ةاشتبهت % بسدفة الليل فيه غرة الفلق ) # ( وزارت الشمس فيها البدر واصطلحا % على الكواكب بعد الغيظ والحنق ) # ( مدت علىالأرض بسطا من جواهرها % ما بين مجتمع وار ومفترق ) # ( مث المصابيح إلا أنها نزلت % من السماء بلا رجم ولا حرق ) # ( أعجب بنار رضوان يسعرها % ومالك قائم منها على فرق ) # ( في مجلس ضحكت روض الجنان له % لما جلى ثغره عن وضح يقق ) # ( وللشموع عيون كلما نظرت % تظلمت من يديها أنجم الغسق ) # ( من كل مرهفة الأعطاف كالغصن % المياد لكنه عار من الورق ) # ( إني لأعجب منها وهي وادعة % تبكي وعيشتها من ضربة العنق ) # وفي هذه المرة أمر بعمارة السلطان فابتدئ في عمارته في المحرم سنة خمس وثمانين وأربعمائة وعمل قبلته بهرام منجمه وجماعة من أصحاب الرصد وابتدأ بعده نظام الملك وتاج والأمراج الكبار بعمل دور لهم يسكنونها إذا قدموا بغداد فلم تطل بعدها وتفرق شملهم بالموت والقتل وغير ذلك في باقي سنتهم ولم تغن عنهم عساكرهم وما جمعوا شيئا فسبحان الدائم الذي لا يزول أمره $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة رحل ابنأبي هاشم من مكة مستغيثا من التركمان وفي آخرها مرض نظام الملك ببغداد فعالج نفسه بالصدقة فكان يجتمع بمدرسته من الفقراء والمساكين من لا يحصى وتصدق عنه الأعيان والأمراء من عسكر السلطان فعوفي وأرسل له الخليفة خلعا نفيسة # وفيها في تاسع شعبان كان بالشام وكثير من البلاد زلازل كثيرة وكان أكثرها بالشام ففارق النماس مساكنهم وانهدم بأنطاكية كثير من المساكن وهلك تحتها عالم كثير وخرب من سورها تسعون برجا فأمر السلطان ملكشاه بعمارتها # وفيها في شوال توفي أبو طاهر عبد الرحمن بن محمد بن علك الفقيه الشافعي وهو من
476
رؤساء الفقهاء الشافعية وهو الذي تقدم ذكره في فتح سمرقند ومشى أرباب الدولة السطانية كلهم في جنازته إلا نظام الملك فإنه اعتذر بعلو السن وأكثر البكاء عليه ودفن عند الشيخ أبي إسحاق بباب أبرز وزار السلطان قبره وتوفي محمد بن عبد الله بن الحسين أبو بكر الناصح الحنفي قاضي الري وكان من أعيان الفقهاء الحنفية يميل إلى الاعتزال وكان موته في رجب # وفيها في شعبان توفي أبو الحسن علي بن الحسين بن طاوس المقري بمدينة صور
477
$ ثم دخلت سنة خمس وثمانين وأربعمائة $ $ ذكر الحب بين المسلمين والفرنج بجيان $ # في هذه السنة جمع أذفونش عساكره وجموعه وغزا بلاد جيان من الأندلس فلقيه المسلمون وقاتلوه واشتد الحرب فكانت الهزيمة أولا على المسامين ثم إن الله تعالى رد لهم الكرة على الفرنج فهزموهم وأكثروا القتل قيهم ولم ينج إلا الأذفونش في نفر يسير وكانت هذه الوقعة من أشهر الوقائع بعد الزلاقة وأكثر الشعراء ذكرها أشعارهم $ ذكر استيلاء تتش على حمص وغيرها من ساحل الشام $ # لما كان السلطان ببغداد قدم إليه أخوه تاج الدولة تتش من دمشق وفسيم الدولة آقسنقر من حلب وبوزان من الرهاء لما أذن لهم السلطان في لعود إلى بلادهم أمر قسيم الدولة وبوزان أن يسيرا مع عساكرهما في خدمة أخيه تاج الدولة حتى يستولي على ما لخليفة المستنصر العلوي بساحل الشام من البلاد ويسيروهم معه إلى مصر ليملكها فساروا أجمعون إلى الشام ونزل على حمص وبها ابن الملاعب صاحبها وكان الضرر به وبأولاده عظيما على المسلمين فحصروا البلد وضيقوا على من به فمكله تاج الدولة وأخذ ابن ملاعب وولديه وسار إلى قلعة عرفة فملكها عنوة وسار إلى قلعة أفامية فملكها أيضا وكان بها خادم للمصري فنزل بالأمان فأمنه ثم سار إلى طابلس فنازلها فرأى صاحبها جلال الملك بن عمار جيشا لا يدفع إلا بحيلة فأرسل إلى الأمراء الذين مع تاج الدولة وأطمعهم ليصلحوا حاله فلم ير فيهم مطمعا وكان من قيسم الدولة آقسنقر وزير له اسمه زرين كمر فراسله ابن عمار فرأى عنده لينا فأتحفه وأعطاه فسعى مع صاحبه قسيم الدولة في إصلاح حاله ليدفع عنه وحمل له ثلاثين ألف دينار وتحفا بمثلها وعرض عليه المناشير التي بيده من السلطان بالبلد والتقدم إلى النواب بتلك البلاد
478
بمساعدته والشد معه والتحذير من محاربته فقال آقسنقر لتاج الدولة تتش لا أقاتل من هذه المنشير بيده فأغلظ له تاج الدولة وقال هل أنت إلا تابع لي فقال آقسنقر أنا أتابعك إلا في معصية السلطان ورحل من الغد عن موضعه فاضطر تاج الدولة إلىالرحيل فرحل غضبان وعاد بوزان أيضا إلى بلاده فانتفض هذا الأمر $ ذكر ملك السلطان اليمن $ # وكان ممن حضر أيضا عند السلطان ببغداد جبق أمير التركمان وهو صاحب قرميسين وغيرها فأمره السلطان أن يسير هو وجماعة من أمراء السلطان كانوا معه إلى الحجاز واليمن ويكون أمرهم إلى سعد الدولة كوهرائين ليفتحوا البلاد هناك فاستعمل عليهم سعد الدولة أمير اسمه ترشك فساروا حتى وردوا اليمن فاستولوا عليها وأساءوا السيرة في أهلها ولم يتركوا فاحشة ولا سيئة إلا ارتكبوها وملكوا عدن وظهروا على ترشك الجدري فتوفي في سابع يوم من وصوله إليها وكان عمنره سبعين سنة فعاد أصحابه إلى بغداد وحملوه ودفنوه عند قبر أبي حنيفة رحمة الله عليه $ ذكر مقتل نظام الملك $ # في السنة عاشر رمضان قتل نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الوزير بالقرب من نهاوند وكان هو السلطان في أصبهان وقد عاد إلى بغداد فلما كان بهذا المكان بعد أن فرغ من إفطاره وخرج في محفته إلى خيمة حرمه أتاه صبي ديلمي من الباطنية في صورة مستميح أومستغيث فضربه بسكسن كانت معه فقضى عليه وهرب فعثر بطنب خيمة فأدركوه فقتلوه وركب السلطان إلى خيمه فسكن عسكره وأصحابه وبقي وزير السلطان ثلاثين سنة سوى ما وزر ألب ارسلان صاحب خراسان أيام عمه طغرلبك قبل أن يتولى السلطنة وكانت قد علت سنه فإنه كان مولده سنة ثمان وأربعمائة وكان سبب قتله أن عثمان بن جمال الملك بن نظام الملك كان قد ولاه جده نظام الملك رياسة مرو وأرسل السلطان إليها شحنة وقال له قودن وهو من أكبر مماليكه ومن أعظم الأمراء في دولته فجرى بينه وبينعثمان منازعة في شيء فحملت عثمان حداثة سنه وتمكنه وطمعه بجده على أن قبض عليه وأخرق به ثم أطلقه وقصد السلطان مستغيثا شاكيا فأرسل السلطان إلى نظام الملك رسالة مع تاج الدولة ومجد الملك البلاساني وغيرهما من أرباب دولته يقول له إن كنت شريكي
479
في الملك ويدك مع يدي في السلطنة فلذلك حكم وإن كنت نائبي وبحكمي فيجب أن تلزم حد التبعية وانيابة وهؤلاء أولاده قد استولى كل واحد منهم على كورة عظيمة وولي ولاية كبيرة ولم يقنعهم ذلك حتى تجاوزوا أمر السياسة وطمعوا إلى أن فعلوا كذا وكذا وأطال القول وأرسل معهم الأمير يلبرد وكان من خواصه وثقاته وقال له تعرفني ما يقول فربما كتم هؤلاء شيئا فحضروا عند نظام الملك وأروردوا عليه الرسالة فقال لهم قولوا للسلطان إن كنت ما علمت أني شريكك في الملك فاعلم فإنك ما نلت هذا الأمر إلا بتدبيري ورأيي أما يذكر حين قتل أبوه فقمت بتدبير أمره وقمعت الخوارج عليه من أهله وغيرهم منهم فلان وفلان وذكر جماعة من خرج عليه وهو ذلك الوقت يتمسك بي ويلزمني ولا يخالفني فلما قدت الأمور إليه وجمعت الكلمة عليه وفتحت الأمصار القريبة والبعيدة وأطاعه القاصي والداني أقبل يتجنى لي الذنوب ويسمع في السعايات وقولوا له عني إن ثبات تلك القلنسوة معذوق بهذه الدواة وإن اتفاقهما رباط كل رغيبة وسبب كل غنيمة ومتى أطبقت هذه زالت تلك فإن عزم على تغير فيلتزود للاحتياط وقبل وقوعه وليأخذ الحذر من الحادث أمام طروقه وأطال فيما هذا سبيله ثم قال لهم قولوا للسطان عني مهما أردتم فقد أهمني ما لحقني من توبيخه وفت في عضدي فلما خرجوا من عنده اتفقوا على كتمان ما جرى عن السلطان وأن يقولوا له ما مضمونه العبودية والتنصل ومضوا إلى منازلهم وكان الليل قد انتصف ومضى يلبرد إلى السلطان فأعلمه ما جرى وبكر الجماعة إلى السلطان وهو ينتظرهم فقالوا له من الاعتذار والعبودية ما كانوا اتفقوا عليه فقال لهم السلطان إنه لم يقل هذا وإنما قال كيت وكيت فأشاروا حينئذ بكتمان ذلك رعاية لحق نظام الملك وسابقته فوقع التدبير عليه حتى تم عليه من القتل ما تم ومات السلطان بعده بخمسة وثلاثين يوما وانحلتالدولة ووقع السيف وكان قول نظام الملك شبه الكرامة له وأكثر الشعراء مراثيه فمن جيد ماقيل قول شبل الدولة مقاتل بن عطية # ( كان الوزير نظام الملك لؤلؤة % يتيمة صاغها الرحمن من شرف ) # ( عزت فلم تعرف الأيام قيمتها % فردها غيره منه إلى الصدف ) # ورأى بعضهم نظان الملك بعد قتله في المنام فسأله عن حاله فقال كان يعرض علي جميع عملي لولا الحديدة التي أصبت بها يعني القتل
480
$ ذكر ابتداء حاله وشيء من أخباره $ # أما ابتداء حاله فكان من أبناء الدهاقين بطوس فزال ما كان لأبيه من مال وملكم وتوفيت أمه وهو رضيع فكان أبوه يطوف به على المرضعات ويرضعنه حسبة حتى شب وتعلم العربية وسر الله فيه يدعوه إلى علو الهمة والاشغال بالعلم فتفقه صار فاضلا وسمع الحديث الكثير ثم اشتغب لالأعمال السلطانية ولم يزل الدهر بعلو به ويخفض حضرا وسفرا وكان يطةف بلاد خراسان ووصل إلى غزنة في صحبة بعض المتصرفين ثم لزم أبا علي بن شاذان متولي الأمور ببلخ لداود والد السلطان ألب أرسلان فحصنت حاله معه وظهرت كفايته وأمانته وصار معروفا عندهم بذلك فلما حضرت أبا علي بن شاذان الوفاة أوصى الملك ألب أرسلان به وعرفه حاله فولاه شغله ثم صار وزيرا له إلى أن ولي السلطنة بعد عمه طغرلبك واستمر على الوزارة لأنه ظهرت منه كفاية عظيمة وآراء سديدة فأدت السلطنة إلى ألب أرسلان فلما توفي ألأب أرسلان قام بأمر ابنه ملكشاه وقد تقدم ذكر هذه الجمل مستوفاه مشروحا # وقيل إن ابتداء أمره أنه كان يكتب الأمير تاجر صاحب للخ وكان الأمير يصادره في رأس كل سنة ويأخذ ما معه ويقول له قد سمنت يا حسن ويدفع إليه فرسا ومقرعة ويقول هذا يكفيك فلما طال ذلك عليه أخفى أولاده فخر الملك ومؤيد الملك وهرب إلى جغر بك داود والد ألب أرسلان فوقف فرسه في الطريق فقال اللهم إني أسألك فرسا تخلصني عليه فسار غير بعيد فلقيه تركماني وتحته فرس جواد فقال لنظام الملك انزل عن فرسك فنزل عنه فأخذه التركماني وأعطاوه فرسه فركبه وقال له لا تنسني يا حسن # قال نظام الملك فقويت نفسي بذلك وعلمت أنه ابتداء سعادة # فسار نظام الملك إلى مرو ودخل على داود فلما رآه أخذ بيده وسلمه إلى ولده ألب أرسلان وقال له هذا حسن الطوسي فتسلمه واتخذه والدا لا تخالفه # وكان الأمير تاجر لما سمع بهرب نظام الملك سار في أثره إلى مرو فقال لداود هذا كاتبي ونائبي أخذ أموالي فقال له داود حديثك مع محمد يعني ألب أرسلان وكان اسمه محمدا فلم يتجاسر تاجر على خطابه فتركه فتركهم وعاد # وأما أخباره فإنه كان عالما دينا جوادا عادلا حليما كثير الصفح عن المذنبين طويل الصمت كان مجلسه عامرا بالقراء والفقهاء وأئمة المسلمين وأهل الخير والصلاح أمر
481
ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد وأجرى لها الجرايات العظيمة وأملى الحديث بالبلاد ببغداد وخراسان وغيرها وكان يقول إني لست من أهل هذا الشأن لما تولاه ولكني أحب أن أجعل نفسي على قطار نقله حديث رسول الله وكان إذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه تجنبه فإذا فرغت لا يبدأ بشيء قبل الصلاة # وكان إذا غفل المؤذن ودخل الوقت يأمره بالأذان وهذا غاية حال المنقطعين إلى العابداة في حفظ الأوقات ولزوم الصلاوات وأسقط المكوس والضرائب وأزال لعن الأشعرية من المنابر # وكان الوزير عميد الملك الكندري قد حسن للسلطان طغرلبك التقدم بلعن الرافضة فأمره بذلك فأضاف إليهم الأشعرية ولعن الجميع فلهذا فارق الكثير من الأئمة بلادهم مثل إمام الحرمين وأبي القاسم القشيري وغيرهما # فلما ولي ألب أرسلان السلطنة أسقط نظام الملك ذلك جميعه وأعاد العلماء إلى أوطانهم وكان نظام الملك إذا دخل عليه الإمام أبو القاسم القشيري والإمام أبو المعالي الجويني يقوم لهما ويجلس في مسنده كما هو وإذا دخل أبو علي الفارمذي يقوم إليه ويجلسه في مكانه ويجلس هو بين يديه فقيل له في ذلك فقال إن هذين وأمثالهما إذا دخلوا علي يقولون لي أنت كذا وكذا يثنون علي بما ليس بي فيزيدني كلامهم عجبا وتيه وهذا الشيخ يذكر لي عيوب نفسي وأما أنا فيه من الظلم فتنكسر نفسي لذلك وأرجع عن كثير مما أنا فيه # وقال نظام الملك كتنت أتمنى أن يكون لي قرية خالصة ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي ثم بعد ذلك تمني أن يكون لي قطعة أرض أتقوت بريعها ومسجد أعبد الله فيه وأما الآن فأنا أتمنى أن يكون لي رغيف كل يوم ومسجد أ ' بد الله فيه # وقيل كان ليلة بأكل الطعام وبجانبه أخوه أبو القاسم وبالجانب الآخر عميد خراسان و إلى جانب العميد إنسان فقير مقطوع اليد فنظر نظام الملك فرأى العميد يتجنب الأكل من المقطوع فأمره بالانتقال إلى الجانب الآخر وقرب المقطوع إليه فأكل معه وكانت عادته أن يحضر الفقراء ويقربهم إليه ويدنيهم وأخباره مشهورة كثيرة قد جمعت لها المجاميع السائرة في البلاد $ ذكر وفاة السلطان وذكر بعض سيرته $ # صار السلطان ملكشاه بعد قتل نظام الملك إلى بغداد ودخلها في الرابع والعشرين من شهر رمضان ولقيه وزير الخليفة عميد الدولة بن جهير وظهرت من تاج الملك كفاية
482
عظيمة # وكان السلطان قد أمر أن تفصل خلع الوزارة لتاج الملك وكان هو الذي سعى بنظان الملك فلما فرغ من الخلع ولم يبق غير لبسها والجلوس في الدست التفق أن السطلن خرج إلى الصيد وعاد ثالث شوال مرضا وأنشب الموت أظفاره فيه ولم يمنع عنه سعة ملكه وكثرة عساكره # وكان سبب مرضه أنه أكل لحم صيد فحم وافتصد ولم يستوف إخراج الدم فثقل مرضه وكانت حمى محرقة # فتوفي ليلة الجمعة النصف من شوال ولما ثقل نقل أرباب دولته أموالهم إلى حريم دار الخلافة ولما توفي سترت زوجته تركان خاتون المعروفة بخاتون الجلالية موته وكتمته وأعادت جعفر بن الخليفة من ابنة السلطان إلى أبيه المقتدي بأمر الله وسارت من بغداد والسلطان معها محمولا وبذلت الأموال للأمراءسرا واستحلفتهم لابنها محمد # وكان تلج الملك يتولى ذلك لها وأرسلت قوام الدولة كربوقا الذي صار صاحب الموصل إلى أصبهان بخاتم السلطان فاستنزل مستحفظ القلعة وتسلمها وأظهر أن السلطان أمره بذلك ولم يسمع بسلطان مثله لم يصل عليه أحد ولم يلطم عليه وجه وكان مولده سنة سبع وأربعين وأربعمائة وكان من احسن الناس صورة ومعنى وخطب له من حدود الصين إلى آخر الشام ومن أقاصي بلاد الإسلام في الشمال إلى آخر بلاد اليمن وحمل إليه ملوك الروم الجزية ولم بفته مطلب وانقضت أيامه على أمن عام وسكون شامل وعدل مطرد # ومن أفعاله أنه لما خرج عليه أخوه تكش بخراسان اجتاز بمشهد علي بن موسى الرضا بطوس فزاره فلما خرج قال لنظام الملك بأي شيء دعوت قال دعوت الله أن ينصرك # فقال أما أنا فلم أدع بهذا بل قلت اللهم انصر أصلحنا للمسلمين وأنفعنا للرعية # وحكى عنه أن سواديا لقيه وهو يبكي فاستغاث به # وقال كنت ابتعت بطيخا بدريهيمات لا أماك سوها فغلبني عليه ثلاثة نفر من الأتراك فأخذوه مني فقال السلطان له اقعد ثم أحضر فراشا وقال قد اشتهيت بطيخا وكان ذلك عند أول استوائه وأمره بطلبه من العسكر فغاب ثم عاد ومعه البطيخ فأمره بإحضار من ةجده عنده فأحضره فسأله السلطان من أين لك ذلك البطيخ فقال غلماني جاؤوني به فأمر أن يجيء بهم إليه فمضر وأمرهم بالهرب وعاد فقال لم أجدهم فقال للسوادي خذ هذا مملوكي قد وهبته لك عوضا عن بطيخك ويحضر الذيم أخذوه والله لئن أطلقته لأضربن عنقك فأخذه السوادي فاشترى الغلام نفسه منه بثلاثمائة دينار فعاد السوادي إلى السلطان وقال قد بعته نفسه بثلاثمائة دينار فقال أرضيت بذلك قال نعم قال امض
483
مصاحبا للسلامة # وقال عبد السميع بن داود العباسي شاهدت ملكشاه وقد أتاه من أرض العراق السفلى من قريه الحدادية يعفران بابني غزال فلقياه فوقه لهما فقالا إن مقطعنا الأمير خمار تكين قد صادرنا بألف وستمائة دينار وقد كسر ثنيتي أحدنا وأراهما السلطان وقد قصدناك لتقتص لنا منه فإن أخذت بحقتا كما أوجب الله عليك وإلا فالله يحكم بيننا قال فرأيت السلطان وقد نزل عن دابته وقال ليمسك كا واحد منكما بطرف كمي واسحباني إلى خواجه حسن يعني نظام الملك فامتنعا من ذلك واعتذر فأقسم عليهما إلا فعلا فأخذ كا واحد منهما بكم من كميه ومشى معهما إلى نظام الملك فبلغه الخبر فخرج مسرعا فلقيه وقبل الأرض وقال يا سلطان العالم ما حملك على هذا فقال كيف يكون حالي غدا عند الله إذا طولبت بحقوق المسلمين وقد قلدتك هذا الأمر لتكفيني مثل هذا الموقف فإن نال الرعية أذى فأنت المطالب فانظر لي ولنفسك فقبل الأرض ومشى في خدمته وعاد من وقتي وكتب بعزل الأمير خمارتكين ورد المال عن أقطاعه ورد المال عليها وأعطاها مائة دينار من عنده وأمرهما بإثبات البينة أنه ليقلع ثنيتيه عوضهما فرضيا وانصرفا # وقيل إنه ورد بغداد ثلاث دفعات فخافه الناس من غلاء الأسعار وتعدي الجند فكانت الأسعار أرخص منها قبل قدومه # وكان الناس يخترقون عساكره ليلا ونهارا فلا يخافون أحدا ولم يتعد عليهم أحد وأسقط المكوس والمؤذن من جميع البلاد وعمر الطرق والقناطر والربط التي في المفاوز وحفر الأنهار الخراب وعمر الجامع ببغداد وعمل المصانع بطرق مكة وبنى البلد بأصبهان وبنى منارة القرون في السبيعي بطريق مكة وبنى مثلها بما وراء النهر # واصطاد مرة صيدا كثيرا فأمر بعده فكان عشرة آلاف رأس فأمره بصدقة عشرة آلاف دينار وقال أني خائف من الله تعالة كيف أزهقت أرواح هذه الحيوانان بغير ضرورة ولا مأكلة وفرق من الثياب والأموال بين أصحابه ما لا يحصى وصار بعد ذلك كلما صاد شيئا تصدق بعدده دنانير وهذا فعل من يحاسب نفسه على حركاته وسكناته وقد أكثر الشعراء مراثيه أيضا # وقيل إن بعض أمراء السلطان كان نازلا بهراة مع بعض العلماء اسمه عبد الرحمن في داره فقال يوما ذلك الأمير السلطان وهو سكران إن عبد الرحمن يشرب
484
الخمر ويعبد الأصنام من دون الله تعالى ويحلل الحرام فلم يحبه ملكشاه # فلما كان الغد صحا ذلك الأمير فأخذ السلطان السيف وقال له اصدقني عن فلان وإلا قتلتك فطلب منه الأمان فأمنه فقال إن عبد الرحمن له دار حسناء وزوجة جميلة فأردت أن تقتله فأفوز بداره وزوجته فأبعده السلطان وشكر اله تعالى على التوقف عن قبول سعايته وتصدق بأموال جليلة المقدار $ ذكر ملك ابنه الملك محمود وما كان من حال ابنه الأكبر بركيارق إلى أن ملك $ # لما مات السلطان ملكشاه كتمت زوجته تركان خاتون موته كما ذكرناه وأرسلت إلى الأمراء سرا فأرضتهم واستحلفتهم لولدها محمود وعمره أربع سنين وشهور وأرسلت إلى الخليفة المقتدي في الخطبة لولدها أيضا فأجابا وشرط أن يكون اسم السلطنة لولدها والخطبة له ويكون المدبر لزعامة الجيوش ورعاية البلد هو الأمير أنز ويصدر عن رأي تاج الملك ويكون ترتيب العمال وجباية الأموال إلى تاج الملك أيضا وكان تاج الملك هو الذي يدبر الأمر بين يدي خاتون فلما جاءت رسالة الخليفة إلى خاتون بذلك امتنعت من قبوله فقيل لها إن ولدك صغير ولا يجيز الشرع ولايته وكان المخاطب لها في ذلك الغزالي فأذعنت له وأجابت إليه فخطب لولدها ولقب ناصر الدنيا والدين وكانت الخطبة يوم الجمعة الثاني والعشرين من شوال من السنة وخطب له بالحرمين الشريفين # ولما مات السلطان ملكشاه أرسلت تركان خاتون إلى أصبهان في البض على بركيارق بن السلطان وهو أكبر أولاده خافته أن ينازع ولدها في السلطنة فقبض عليه # فلما ظهر موت ملكشاه وثب عليه المماليك النظامية على سلاح كان لنظام الملك بأصبهان فأخذه وثاروا في البلد وأخرجوا بركيارق من الحبس وخطبوا له بأصبهان وملكوه وكانت والدة بركيارق زبيدة ابنة ياقوتي بن داود وهي ابنة عم ملكشاه خائفة على ولدها من خاتون أم محمود فأتاها الفرج بالمماليك النظامية # وسارت تركان خاتون من بغداد إلى أصبهان فطالب العسكر تاج الملك بالأموال فوعدهم فلما وصلوا إلى قلعة برجين صعد إليها لينزل الأموال منها فلما استقرت فيها عصى على خاتون ولم ينزل خوفا من العسكر فساروا عنه ونهبوا خزائنه ولم يجدوا بها شيئا فإنه كان قد علم ما جرى فاستظهر وأخفاه # ولما وصلت تركان خاتون إلى أصبهان
485
لحقها تاج الملك واعتذر بأن مستفظ اللقعة حبسه وأنه هرب منه إليها فقبلت عذره # وأما بركيارق فإنه لما قاربت خاتون وابنها محمود أصبهان خرج منها هو ومن معه من النظامية وساروا نحو الري فلقيهم أرغش النظامي في عساكره ومعه جماعة من الأمراء وصاروا يدا واحدة وإنما حمل النظامية على الميل إلى بركيارق كراهتهم لتاج الملك لأنه كان عدو نظام الملك والمتمهم بقتله فلما اجتمعوا حصورا قلعة طبرك وأخذوها عنوة فسيرت خاتون العساكر إلى قتال بركيارق فالتقى العسكران بالقرب من بروجرد فانحاز جماعة من الأمراء الذين في عسكر خاتون إلى بركيارق منهم الأمير يلبرد وكمشتكين الجاندار وغيرهما فقوي بهم وجرى الحرب بينهم أواخر ذي الحجة واشتد القتال فانهزم عسكر خاتون وعادوا إلى أصبهان وصار بركيارق في أثرهم بأصبهان $ ذكر قتل تاج الملك $ # كان تاج الملك مع عسكر خاتون وشهد الوقعة فهرب إلى نواحي بروجرد فأخذ وحمل ' لى عسكر بركيارق وهو يحاصر أصبهان وكان يعرف كفايته فأراد أن يستوزره فشرع تاج الملك في إصلاح كبار النظامية وفرق فيهم مائتي الف دينار سةى العروض فزال ما في قلوبهم فلما بلغ عثمانم نائب نظام الملك الخبر ساءه فوضع الغلمان الأصاغر على الاستغاثة وأن لا يقنعوا إلا بقتل قاتل صاحبهم ففعلوا فانفسح ما دبره تاج الملك وهجم النظامية عليه فقتلوه وفصلوا أجراء # وكان قتله في المحرم سنة ست وثمانين وحمل إلى بغداد أحد أصابعه وكان كثير الفضائل جم المناقب وإنما غطى جميع محاسنه ممالأته على قتل نظام الملك وهو الذي بنى تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وعمل المدرسة التي جانبها ورتب بها الشيخ أبا بكر الشاشي وكان عمره حين قتل سبعا وأربعين سنة $ ذكر ما فعله العرب بالحجاج والكوفة $ # سار الحجاج هذه السنة من بغداد فقدموا الكوفة ورحلوا منها فخرجت عليهم خفاجة وقد طمعوا بموت السلطان وبعد العسكر فأوقعوا بهم وقتلوا أكثر الجند الذين معهم وانهزم باقيهم ونهبوا الحجاج وقصدوا الكوفة فدخلوها وأغاروا عليها وقتلوا في أهلها فرماهم الناس بالنشاب فخرجوا بعد أن نهبواوأخذوا ثياب من لقوه من الرجال
486
والنساء فوصل الخبر إلى بغداد فسيرت العساكر منها فلما سمع بهم بنو خفاجة انهزموا فأدركهم العسكرر فقتل منهم خلق كثير ونهبت أموالهم وضعفت خفاجة بعد هذه الوقعة $ ذكر عدة حوادث $ # في ربيع الأول عاد السطلان من بغداد إلى أصبهان وأخذ معه الأمير أبا الفضل جعفر بن الخليفة بأمر الله من ابنه السلطان وتفرق الأمراء إلى بلادهم ثم عاد إلى بغداد فتوفي كما ذكرناه # وفيها في جمادى الأولى احترق نهر المعلى فاحترق عقد الحديد إلى خربة الهراس إلى باب دار الضرب واحترق سوق الصناعة والصيارف والمخلطين والريحانيين وكان الحريق من الظهر إلى العصر فاحترق منها الأمر العظيم في الزمان القلي واحترق من الناس خلق كثير ثم ركب عميد الدولة بن جهير وزير الخليفة وجمع السقائين ولم يزل راكبا حتى طفئت النار # وفي هذه السنة توفي عبد الباقي بن محمد بن الحسين بن ناقيا الشساعر البغدادي سمع الحديث وكان يتهم بأنه يطعن على تالشرائع فلما مات كانت يده مقبوضة فلم يطق الغسل فتحها فبعد جهد فتحت فإذا فيها مكتوب # ( نزلت بجار لا يخيب ضيفه % أرجي نجاتي من عذاب جهنم ) # ( وإني على خوفي من الله واثق % بإنعامه والله أكرم منعم ) # وفيها توفي هبة الله بن عبد الوارث بن علي بن أحمد أبو القاسم الشيرازي الحافظ أحد الرحالين في طلب الحديث شرقا وغربا وقدم الموصل من العراق وهو الذي أظهر سماع الجعديات لأبي محمد الصيرفييني ولم يكن يعرف ذلك
487
$ ثم دخلت سنة ست وثمانين وأربعمائة $ $ ذكر وزارة عو الملك بن نظام الملك لبركيارق $ # كان عز الملك أبو عبد الله الحسين بن نظام الملك مقيما بخاوارزم حاكما فيها وفي كل ما يتعلق بها إليه المرجع في كل أمورها السشلطانية فلما كان قبل أن يقتل أبوه حضر عنده خدمه له وللسلطان فقتل أبوه ومات السلطان فأقام بأصبهان إلى الآن فلما حصرها بركيارق وكان أكثر عسكره النظامية خرج من أصبهان هو وغيره من إخوته فلما اتصل ببركيارق احترمه وأكرمه وفوض أمور دولته إليه وجعله وزيرا $ ذكر حال تتش بن ألب أرسلان $ # كان تتش بن ألب أرسلان صاحب دمشق ومكا جاورها من بلاد الشام فلما كان قبل موت أ خيه السلجطان ملكشاه سار من دمشق إليه فلما بهيت بلغة موته فأخذ هيت واستولى عليها وعاد إلى دمشق يتجهز بطلب السلطنة فجمع العساكر وأخرج الأموال وسار نحو حلب وبها قسيم الدولة آقسنقر فرأى قسيم الدولة اختلاف أولاد صاحبه ملكشاه وصغرهم فعلم أنه لا يطيق دفع تتش فصالحه وصار معه وأرسل إلى باغي سيان صاحب أنطاكية وإلى بوازن صاحب الرها وحران يشير عليهما بطاعة تاج الدولة تتش حتى يروا ما يكون من أولاد ملكشاه ففعلوا وصار معه وخطبوا له في بلادهم وقصدوا الرحبة فحصورها وملكوها في المحرم من هذه السنة وخطب لنفسه بالسطنة ثم ساروا إلى نصيبين فحصورها فسب أهلها تاج الدولة ففتحها عنوة وقهرا وقتل من أهلها خلقا كثيرا ونهبت الأموال وفعل فيها الأفعال القبيحة ثم سلمها إلى الأمير محمد بن شرف الدولة العقيلي وسار يريد الموصل وأتاه الكافي بن فخر الدولة ابن جهير وكان في جزيرة ابن عمر فأكرمه واستوزره
488
$ ذكر وقعة المضيع وأخذ الموصل من العرب $ # كان إبراهيم بن قريش بن بدران أمير بني عقيل قد استدعاه السلطان ملكطشاه سنة اثنتين وأربعمائة ليحاسبه فلما حضر عنده اعتقله فلما حضر عنده اتقله وأنفذ فخر الدولة بن جهير إلى البلاد فملك الموصل وغيرها وبقي إبراهيم مع ملكشاه وسار معه إلى سمرقند وعاد إلى بغداد فلما مات ملكشاه أطلته تركان خاتون من الالعتقال فسار إلى الموصل # وكان ملكشاه قد أقطع عكته مدينة بلد وكانت زوجته شرف الدولة ولها منه ابنها علي وكانت قد تزوجت بعد شرف الدولة وأراد أخذ الموصل فافترقت العرب فرقتين فرقة معه وأخرى مع صفية وابنها علي واقتتلوا بالموصل عند الكناسة فظفر علي وانهزم محمد وملك علي الموصل فلما وصل إبراهيم إلى جهينة وبينه وبين الموصل أربعة فراسخ سمع أن الأمير عليا ابن أخيه شرف الدولة قد ملكها ومعه أمه صفية عمة ملكشاه فأقام مكانه وراسل صفية خاتون وترددت الرسل فسلمت البلد إليع # فأقام به فلما ملك تتش نصيبين أرسل إليه يأمره أن يخطب له بالسلطنة ويعطيه طريقا إلى بغداد لينحدر وسلطب الخطبة بالسلطنة فامتنع ابراهيم من ذلك فسار تتش إليه وتقدم إبراهيم أيضا نحوه فالتقوا بالمضيع من أعمال الموصل في ربيع الأول وكان إبراهيم في ثلاثين ألفا وكان تتش في عشرة آلاف # وكان آقسنقر على ميمنته وبوزان على ميسرته فحمل العرب على بوزان فانهزم وحمل آقسنقر على العرب فهزمهم وتمت الهزيمة على إبراهيم والعرب وأخذ إبراهيم اسيرا وجماعة من أمراء العرب فقتلوا صبرا ونهبت أموال العرب وما معهم من اإبل والغنم و الخيل وغير ذلك وقتل كثير من نساء العرب أنفسهن خوفا من السبي والفضيحة وملك تتش بلادهم الموصل وغيرها واستناب بها علي بن شرف الدولة مسلم وأمه صفية عمة تتش وأرسل إلى بغداد يطلب الخطبة وساعده كوهرائين على ذلك فقيل لرسوله أنا أنتظر وصول الرسل من العسكر فعاد إلى تتش بالجواب $ ذكر ملك تتش ديار بكر وأذربيجان وعوده إلى الشام $ # فلما فرغ تاج الدولة تتش من أمر العرب وملك الموصل وغيرها من بلادهم سار إلى ديار بكر في ربيع الآخر فملك ميافارقين وسائر ديار بكر من ابن مروان وسار منها
489
إلى أذربيجان فانتهى خبره إلى ابن أخيه ركن الدين بركيارق وكان قد استولى على كثير من البلاد منها الري وهمذان وما بينهما فلما تحقق الحال سار في عساكره ليمنع عمه عن البلاد فلما تقارب العسكران قال قسيم الدولة آقسنقر لبوزان إنما أطعنا هذا الرجل لننظر ما يكون من أولاد صاحبنا والآن فقد ظهر ابنه ونريد نكون معه فاتقفا على ذلك وفارقا تتش وصارا مع بركيارق فلمارأى تاج الدولة تتش ذلك علم أنه لا قوة له بهم فعاد إلى الشام واستقامت البلاد لبركيارق فلما قوي أمره سار كوهرائين إلى العسكر يعتذر من مساعدته لتاج الدولة تتش وأعانه على برسق وتعصب عليه كمشتكين الجاندار فأخذ أقطاعه وأعطى الأمير يلبرد زيادة وولي سحنكية بغداد عوض كوهرائين وتفرق عن كوهرائين أصحابه فكان ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى $ ذكر حصر عسكر مصر صور وملكهم لها $ # في هذه السنة في جمادى الآخرة ملك عسكر المستنصر بالله العلوي صاحب مصر مدينة صور وسبب ذلك ما ذكرناه سنة اثنتين وثمانينوأربعمائة أن أمير الجيوش بدارا وزير المستنصر سير العساكر إلى مدينة صور وغيرها من ساحل الشام وكان من بها قد امتنع من طاعتهم فملكها وقرر أمورها وجعل فيها الأمراء وكان قدولي مدينة صور الأمير يعرف بمنير الدولة الجيوشي فعصى علىا لمستنصر وأمير الجيوش وامتنع بصور فسيرت العساكر من مصر إليه وكان أهل صور قد أنكروا على منير الدولة عصيانه على سلطانه فلما وصل العسكر المصري إلى صور وحصروها وقاتلوها ثار أهلها ونادوا بشعار المستنصر وأمير الجيوش وسلموا البلد وهجم العسكر المصري بغير مانع ولا مدافع ونهب من البلد شيء كثير وأسر منير الدولة ومن معه من أصحابه وحملوا إلى مصر وقطع على أهل البلد ستون ألف دينار فأجحفت بهم ولما وصل منير الدولة إلى مصر ومعه الأسرى قتلوا جميعهم ولم يعف عن واحد منهم $ ذكر قتل اسماعيل بن ياقوتي خال بركيارق $ # في هذه السنة في شعبان قتل إسماعيل بن ياقوتي بن داود وهو خال بركيارق وابن عم ملكشاه وسبب قتله أنه كان بأذربيجان أميرا عليه وأرسلت إليه تركان خاون زوجة ملكشاه تطمعه أن تتزوج به وتدعوهإلى محاربة بركيارق إلى ذلك وجمع خلقا كثيرا من التركمان وصار أصحاب سرهنك ساوتكين في خليه وأرسلت إليه
490
تركان خاتون كربوقا وغيره من الأمراء في عسكر كثير مددا له فجمع بركيارق عساكره وسار إلى حرب خاله إسماعيل فالتقوا عند الكرج فانحاز الأمير يلبرد إلى بركياق وصار معه فانهزم إسماعيل وعسكره وتوجه إلى أصبهان فأكرمته تركان خاتون وخطبت له وضربت اسمه على الدينار بعد ابنها محمود ملكشاه وكاد ا لأمر في الوصلة يتم بينهما فامتنع الأمراء من ذلك لا سيما الأمير انز وهو مدبر ا لأمر وصاحب الجيش وآثروا خروج اسماعيل عنهم وخافوه وخاف هو أيضا منهم ففارقهم وراسل أخته زبيدة والدة بركيارق في اللحاق بهم فأذنت له في ذلك فوصل إليهم وأقام عندهم أياما يسيرة فخلا به كمشتكين الجاندار وآقسنقر وبوزان وبسطوه في القول فأطلعهم على سره وأنه يريد السلطنة وقتل بركيارق فوثبوا عليه فقتلوه وأعلموا أخته خبره فسكتت عنه $ ذكر أخذ الحجاج $ # في هذه السنة انقطع الحج من العراق لأسباب أوجبت ذلك وسار الحاج من دمشق مع أمير أقامه تاج الدولة تتش صاحبها فلما قضوا حجهم عادوا سائرين سير أمير مكة وهو محمد بن أبي هاشم عسكرا فلحقوهم بالقرب من مكة ونهبوا كثيرا من أموالهم وجمالهم فعادوا إليها ولقوه وسألوه أن يعيد عليهم ما أخذ منهم وشكوا إليه بعد ديارهم فأعاد بعض ما أخذ منهم فلماأيسوا منه ساروا من مكة عائدين علىأقبح صورة فلما أبعدوا عنها ظهر عليهم جموع من العرب في عدة جهات فصانعوهم على مال ما أخذوه من الحاج بعد أن قتل منهم جماعة و افرة وهلك فيه بالضعف والانقطاع وعاد السالم على أقبح صورة $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في جمادى الأولى قدم إلى بغداد اردشيرين بن منصور أبوالحسين الواعظ العبادي وأكثر الوعظ بالمدرسة النظامية وهو مروزي وقدم بغداد قاصدا للحج وكان له قبول عظيم بحيث أن الغزالي وغيره من الأئمة ومشايخ الصوفية الكبار يحضرون مجلسه وذرع في بعض المجالس الأرض التي فيها الرجال فكان طولها مائة وخمسة وسبعين ذراعا وعرضها مائة وعشرون ذراعا وكانوا يزدحمون ازدحاما كثيرا وكان النساء أكثر من ذلك وكان له كرامات ظاهرة وعبادات كثيرة وكان سبب منعه
491
من الواعظ أنه نهى أن يتعامل الناس ببيع القراضة بالصحيح وقال هة ربا فمنع من الواعظ أخرج من البلد # وفيها وقعت الفتنة ببغداد بين العامة وقصد كل فريق الآخر وقطعوا الطرقات بالجانب الغربي وقتل أهل النصرية مصلحيا فأرسل كوهرائين أحرقها واتصلت الفتنة بين أهل الكرخ وباب البصرة وكانللعميد الأغرابي المحاسن الدهسناني في إطفاء هذه الفتنة أثر حسن # وفيها في شعبان سار سيف الدولة صدقة بن مزيد إلى السلطان بركيارق فلقيه بنصيبين وسار معه إلى بغداد على الموصل فوصلها في ذي القعدة ومعه وزيره عز الملك بن نظام الملك وخرج عميد الجولة والناس إلى لقائه من عقرقوف # وفيها ولد للمستظهر بالله ولد سمي الفضل وكنى أبا منصور ولقب عمدة الدين وهو المسترشد بالله # وفيها في رمضان قتل الأمير يلبرد قتله بركيارق وكان من الأمراء الكبار مع أبيه فزاده بركيارق أقطاع كوخرائين وشحنكية بغداد فلما وصل إلى دقوقا أعيد منها لأنه تكلم فيما يتعلق بوالده السلطان بركيارق بكلان شنيع فلما وصل إليه أصبح مقتولا # وفيها في المحرم توفي علي بن أحمد بن يوسف أبو الحسن القرشي الهكاري المعروف بشيخ الإسلام وكان فاضلا عابدا كثير السماع إلا أن الغرائب في حديثه كثيره لا يدرى ما سببها والأمير أبو نصر علي بن هبة الله بن علي بن جعفر العجلي المعروف بابن ماكولا مصنف كتاب الإكمال قتله غلمانه الأتراك بكرمان ومولده سنة اثنتين وأربعمائة وكان حافظا # وفيها في توفي أبو محمد عامر الضرير وكان فقيها شافعيا مقرئا نحويا وكان يصلي في رمضان بالإمام المقتدي بأمر الله وفي جمادى الأولى توفي الأمير أبو الفضل جعفر بن المقتدي وأمه ابنة السلطان ملكشاه ومولده في ذي القعدة سنة ثمانين وإليه تنسب الجعفريات # وفي رجب توفي الشيخ أبو سعد عبد الواحد بن أحمد بن المحسن الوكيل بالمخزن وكان فقيها شافعيا كثير الإحسان إلىأهل العلم وكان محمودا في ولايته
492
وفيها توفي كمال الملك الدهستاني الذي كان عميد ببغداد # وفي رمضان توفي المشطب بن محمد الحنفي بالكحيل من أرض الموصل وكان الخليفة قد أرسله إلى بركيارق وكان بالموصل ومعه تاج الرؤساء أبو نصر بن الموصلايا وكان شيخا كبيرا عالما مكرما عند الملوك وحمل إلى العراق ودفن عند أبي حنيفة # وفيه توفي القاضي أبو علي يعقوب بن ابراهيم المرزباني قاضي باب الأزج وولي مكانه القاضي أبو المعالي عزيزي وكان أبوالمعالي شافعيا أشعريا مغاليا وله مع أهل باب الأزج أقاصيص وحكايات عجيبة # وفيها توفي نصر بن الحسن بن القاسم بن الفضل أبو الليث وابو الفتح التنكتي له كنيتان سافر البلاد شرقا وغربا روى صحصح مسلم وغيره وكان ثقة ومولده سنة ست وأربعمائة # وفي ذي الحجة منها توفي أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن علي الحنبلي الفقيه وكان وافر العلم غزير الدين حسن الوعظ والسمت
493
$ ثم دخلت سنة سبع وثمانين وأربعمائة $ $ ذكر الخطبة للسلطان بركيارق $ # في هذه السنة يوم الجمعة رابع عشر المحرم خطب ببغداد للسلطان بركيارق بن ملكشاه وكان قدمها أواخر سنة ست وثمانين وأرسل إلى الخليفة المقتدي بأمر الله يطلب الخطبة فأجيب إلى ذلك وخطب له ولقب ركن الدين وحمل الوزير عميد الدولة بن جهير الخلع إلى بركيارق فلبسها وعرض التقليد على الخليفة ليعلم عليه فعلم فيه وتوفي فجأة على ما نذكره إن شاء الله تعالى وولي ابنه الإمالم المستظهر بالله الخلافة فأرسل الخلع والتقليد إلى السلطان بركيارق فأقام ببغداد إلى ربيع الأول من السنة وسار عنها إلى الموصل $ ذكر وفاة ا لمقتدي بأمر الله $ # في هذه السنة يوم السبت خامس عشر المحرم توفي الإمام المقتدي بأمر الله أبو القاسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بامر الله أمير المؤمنين فجأة وكان قد أحضر عنده تقليد السلطان بركيارق ليعلم فيه فقرأه وتدبره وعلم فيه ثم قدم إليه طعام فأكل منه وغسسل يديه وعنده قهرمانته شمس النهار فقال لها ما هذه الأشنخاص التي دخلت علي بغير إذن قالت فالتفت فلم أر شيئا ورأيته قد تغيرت حالته واسترخت يداه ورجلاه وانحت قوته وسقط إلى الأرض فظننتها غشية قد لحقته فحللت أزرار ثوبه فوجدته قد ظهرت عليه إمارات الموت ومات بوقته # قالت فتماسكت وقلت لجارية عندي ليس هذا وقتإظهار الجزع والبكاء فإن صحت قتلتك وأحضرت الوزير فأعلمته الحال فشرعوا في البيعة لولي العهد وجهزوا المقتدي وصلى عليه ابنه المستظهر بالله ودفنوه وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة وثمانية أشهر وسبعة أيام وكانت خلافته تسع عشر سنة وثمانية أشهر غير يومين وأمه أمولد أرمنية تسمى أرجوان وتدعى قرة العين أدركت
494
خلافته وخلافة ابنه المستظهر بالله وخلافة ابن ابنه المسترشد بالله ووزر له فخر الدولة أبو نصر بن جهير ثم أبو شجاع ثم عميد الدولة أبومنصور بن جهير # وقضاته أبو عبد الله الدامغاني ثم أبو بكر الشامي # وكانتأيامه كثيرة الخير واسعة الرزق وعظمت الخلافة أكثر مماا كان من قبله وانعمرت ببغداد عدة محال في خلافته منها البصلية والقطيعة والحلبة والمقتدية والأجمة ودرب القيار وخربة بن جردة وخربة الهراس والخانونيتين # وأمر بنفي المغنيات والمفسدات من بغداد وبيع دورهن فنفين ومنع الناس أن يدخل أحد الحمام إلا بمئزر وقع الهرادي والأبراج التي للطيور ومنع من اللعب بها لأجل الإطلاع على حرم الناس ومنع من إجراء ماء الحمامات إلى دجلة وألزم أربابها بحفر آبار للمياه وأ مر أن من يغسل السمك المالح يعبر إلى النجمي فيغسله هناك ومنع الملاحين أن يحملوا الرجال والنساء مجتمعين # وكان قوي النفس عظيمالهمة من رجال بني العباس $ ذكر خلافة المستظهر بالله $ # لما توفي المقتدر بأمر الله أحضر ولده أبو العباس أحمد المستظهر بالله وأعلم بموته وحضر الوزير فبايعه وركب إلى السلطان بركيارق فأعلمه الحال وأخذ بيعته للمستظهر بالله فلما كان اليوم الثالث من موت المقتدي أظهر ذلك وحضر عز الملك بن نظام الملك وزير بركيارق واخوه بهاء الملك وأمراء السلطان وجميع أرباب المناصب النقيبان طراد العباسي والمعمر العلوي في أصحابهما وقاضي القضاة والغزالي والشاشي وغيرهما من العلماء فجلسوا في العزاء وبايعوا # وكان للمستظهر بالله لما بويع ست عشرة سنة وشهران $ ذكر قتل قسيم الدولة آقسنقر وملك تتش حلب والجزيرة وديار بكر وأذربيجانوهمذان والخطبة له ببغداد $ # في هذه السنة في جمادى الأولى قتل قسيم الدولة آقسنقر جد ملوكنا بالموصل الآن أولاد الشهيد زنكي بن آقسنقر # وسبب قتله أن تاج الدولة تتش لما عاد من أذربيجان منهزما لم يزل يجمع العساكر فكثرت جموعه وعظم حشده فسار في هذا التاريخ عن دمشق نحو حلب ليطلب السلكنة فاجتمع قسيم الدولة آقسنقر وبوزان
495
وأمدهما ركن الدين بركيارق بالأمير كربوقا الذي صار بعد صاحب الموصل فلما اجتمعوا ساروا إلى طريقه فلقوه عند نهر سبعين قريبا من تل السلطان بينه وبين حلب ستة فراسخ واقتتلوا واشتد القتال بعض العسكر الذين مع آقسنقر فانهزموا وتيعهم الباقون فتمت الهزيمة وثبت آقسنقر فأخذ أسيرا وأحضر عند تتش فقال له لو ظفرت بي ما كنت صنعت قال كنت أقتلك فقال له أناأحكم عليك بما تحكم علي فقتله صبرا وسار نحو حلب وكان قد دخلهاإليه كربوقا وبوزان فحفظاها منها وحصرها تتش ولج في قتالها حتى ملكها سلمها إليه المقيم بقلعة الشريف ومنها دخل البلد وأخذهما أسيرين وأخذهما إلى حران والرها يسلمهما من بهما وكانتا لبوزان فامتنعوا من التسليم إليه فقتل بوزان وأرسل رأسه إليهم وتسلم البلدين # وأما كربوقا فإنهأرسله إلى حمص فسجنه بها إلىأ ن أخرجه الملك رضوان بعد قتل أبيه تتش وكان قسيم الدولة أحسن الأمراء سياسة لرعيته وحفظا لهم # وكانت بالده بين رخص عام وعدل شامل وأمن واسع وكان قد شرط علىأهل كل قرية من بلاده متى أخذ عندهم قفل أو أحد من الناس غرم أهلها جميع ما يؤخذ من الأموال من قليل وكثير فكانت السيارة إذا بلغوا قرية من بلاده ألقوا رحالهم وناموا وحرسهم أهل القرية إلى أن يرحلوا فأمنت الطرق وأما وفاؤه وحسن عهده فيطفيه فخرا أنه قتل في حفظ وقت صاحبه وولي نعمته فلما ملك تتش حران والرها سار إلى الديار الجزيرة فملكها جميعها ثم ملك ديار بكر وخلاط وسار إلى أذربيجان فملك بلادها كلها ثم سار منها إلى همذان فملكها ورأى بها فخر الملك بن نظام الملك وكان بخراسان فسار منها إلىالسلطان بركيارق ليخدمه فوقع عليه الأمير فماج وهو من عسكر محمود بن السلطان ملكشاه بأصبهان فنهب فخر الملك فهرب منه ونجا بنفسه فجاء إلى همذان فصادفه تتش بها فاراد قتله فشفع فيه باغيسيان وأشار عليه أن يستوزره لميل الناس إلى بيته فاستوزره وأرسل إلى بغداد يطلب الخطبة منا لخليفة المستظهر بالله وكان شحنته ببغداد أيتكين جب فلازم الخدمة بالديوان وألح في طلبها فأجيب إلى ذلك بعد أن سمعوا أن بركيارق قد انهزم من عسكر عمه تتش على ما نذكره $ ذكر انهزام بركيارق من عمه تتش وملكه أصبهان بعد ذلك $ # في هذه السنة في شوال انهزم بركيارق من عسكر عمه تتش وكان بركيارق
496
بنصيبين فلما سمع بمسير عمه إلى أذريبجان سار هو من نصيبين وعبر دجلة من بلد من فوق الموصل وسار إلى إربل ومنها إلى بلد سرخاب بد بدر إلى بقي بينه وبين عمه تسعة فراسخ ولم يكن معه غير ألف رجل وكان عمه في خمسين أف رجل فسار الأمير يعقوب بن آبق من عسكر عمه وهزمه ونهب سواده ولم يبق معه إلا برسق وكمشتكين الجاندار واليارق وهم الكبار فسار إلى أصبهان وكانت خاتون أم أخيه محمود قد ماتت على ما نذكره فمنعه من بها من الدخول إلأيها ثم أذنوا له خديعة منهم يقبضوا عليه فلما قاربها خرج أخوه الملك محمود فلقيه ودخل البلد واحتاطوا عليه فاتفق أن أخاه محمودا حم وجدر فأراد الأمراء أن يكحلوا بركيارق فقال لهم أمين الدولة ابن التلميذ الطبيب إن الملك محمودا قد جدر وما كأنه يسلم منه وأراكم تكرهون أن يليكم ويملك البلاد تاج الدولة فلا تعجلوا على بركيارق فإن مات محمود أقيموا ملكا وإن سلم محمود فأنتم تقدرون على كحله فمات محمود سلخ شوال فكان هذا من الفرج بعد الشدة وجلس بركيارق للعزاء بأخيه وكان مولد محمود في صفر سنة ثمانين وأربعمائة وقصده مؤيد الملك بن نظام الملك فاستوزرة في ذي الحجة وكان أخوه عو الملك بن نظام الملك قد مات لما كان مع بركيارق بالموصل وحمل إلى بغداد فدفن بالنظامية وكان أصبح الناس وجها وأحسنهم خلقا وسيرة وكان قد أجرى الناس على نا بأيديهم من توقيعات أبيه في الإطلاقات من خاصة منها ببغداد مائتا كر غلة وثمانية عشر ألف دينار أميري ثغِ بركيارق جدر بعد أخيه وعوفي وسلم فلما عوفي كاتب مؤيد الملك وزيره الأمراء العراقيين والخراسانيين واستمالهم فعادوا كلهم إلى بركيارق فعظم شأنه وكثر عسكره $ ذكر وفاة أمير الجوي مصر $ # في هذه السنة في ذي القعدة توفي أمير الجيوش بدر الجمالي صاحب الجيش بمصر وقد جاوز ثمانين سنة وكان هو الحاكم في دلة المستنصر والمرجوع إليه وكان قد استعمله على الشام سنة خمس وخمسين وأربعمائة وجرى بينه وبين الرعية والجند بدمشق ما خاف على نفسه فخرج عنها هاربا وجمع وحشد وقدم إلى الشام فاستولى عليه بأسره سنة ست وخمسين ثم خافله أهل دمشق مرة أخرى فهرب منه سنة ستين وخرب العامة والجند قصر الإمارة ثم مضى أمير الجيوش إلى مصر وتقدم بها وصار
497
صاحب الأمر قال علقمة بن عبد الرزاق العليمي قصدت بدر الجمالي بمصر فرأيت أشراف الناس وكبراءهم وشعراءهم على بابه قد طال مقامهم ولم يصلوا إليه قال فبينا أنا كذلك إذ خرج بدر يريد الصيد قخرج علقمة في أثره وأقام إلى أن رجع من صيده فلما قاربه وقف على نشز الأرض وأومأ برقعة في ديه وأنشأ يقول # ( نحن التجار وهذه أعلاقنا % در وجود يمينك المبتاع ) # ( قلب وفتشها بسمعك إنما % هي جوهر يختاره الأسماع ) # ( كسدت علينا بالشآم تجارها % قل النفاق تعطل الصناع ) # ( فأتاك يحملها إليك تجارها % ومطيها الآمال والأطماع ) # ( حتى أناخوها ببابك والرجا % من دونك السمسار والبياع ) # ( فوهبت مالم يعطه في دهره % هرم ولا كعب ولا القعقاع ) # ( وسبقت هذا الناس في طلب العلا % فالناس بعدك كلهم أتباع ) # ( يا بدر أقسم لوبك اعتصم الورى % ولجوا إلأيك جميعهم ما ضاعوا ) # وكتن على يد بدر بازي فألقاه وانفرد عن الجيش وجعل الأبيات وهو ينشدها إلى أن استقر في مجلسه ثم قال لجماعة غلمانه وخاصته من أحبني فليخلع على هذا الشاعر فخرج من عنده ومعه سبعون بغلا يحمل الخلع والتحف وأمر له بعشرة آلاف درهم فخرج من عنده وفرق كثيرا من ذلك الشعراء ولما مات بدر قام بما كان إلأيه ابنه الأفضل $ ذكر وفاة المستنصر وولاية ابنه المستعلي $ # في هذه السنة ثامن عشر ذي الحجة توفي المستنصر بالله أبو تميم معد بن أبي الحسن علي الظاهر لإعزاز دين الله العلوي صاحب مصر والشام وكانت خلافته ستين سنة وأربعة أشهر وكان عمره سبعا وستين سنة وهو الذي خطب له البساسيري في بغداد وقد ذكرنا ذلك وكان الحسن بن الصباح رئيسهذه الطائفة الإسماعيلية قد قصده في زي تاجر واجتمع به وخاطبه في إقامة الدعوة له ببلاد العجم فعاد ودعا الناس إليه سرا ثم أظهره وملك القلاع كما ذكرناه وقال المستنصر من إمامي بعدك فقال ابني نزر وهو أكبر أولاده الإسماعليلية إلى يومنا هذا يقولون بإمامة نزار
498
# ولقي المستنصر شدائد وأهوالا وانفتقت عليه الفتوق بديار مصر أخرج فيها أمواله وذخائره وقد أتيا على ذكرها هذا سنة سبع وستين وأربعمائة وغيرها # ولما مات ولي بعده ابنه أبو القاسم أحمد المستعلي بالله ومولده في المحرم سنة سبع وستين وأربعمائة # وكان عهد في حياته بالخلافة لابنه فخلعه الأفضل وبايع المستعلي بالله وسبب خلعه أن الأفضل ركب مرة أيام المستنصر ودخل دهليز القصر من باب الذهب راكبا وزار خارج والمجاز مظلم فلم يره الأفضل فصاح به نزار انزل يا أرمني كلب عن الفرس ما أقل أدبك فحقدها عليه فلما مات المستنصر خلعه خوفا منه على نفسه وبايع المستعلي فهرب نزار إلى الإسكندرية وبها ناصر الدولة أفتكين فبايعه أهل الإسكندرية وسموه المصطفى لدين الله فخطب الناس ولعن الأفضل وأعانه أيضا القاضي جلال الدولة بن عمار قاضي الإسكندرية فسار إليه الأفضل وحاصره بالإسكندرية فعاد عنه مقهوارا ثم ازداد عسكرا واسر إليه فحصره وأخذ أفتكين فقتله وتسلم المستعلي نزارا فبنى عليه حائطا فمات وقتل القاضي جلال الدولة بن عمار ومن أعانه $ ذكر عدة حوادث $ # في هذه السنة في ربيع الآخر رأى بعض اليهود بالغرب رؤيا أنهم سيطيرون فأخبر اليهود بذلك فوهبوا أموالهم وذخائرهم وجعلوا ينتظرون الطيران فلم يطيروا وصاروا صحكة بين الأمم وفي هذه الشهر كانت يالشام زلازل كثيرة متتابعة يطول مكثها إلا أنها لم يكن الهدم كثيرا # وفيها كانت الفتنة بين أهل نهر طابق وأهل باب الأوجا فاحترقت نهر طابق وصارت تلولا فلما احترقت عبر يمن صاحب الشرطة فقتل رجلا مستورا فنفر الناس منه وعزل في اليوم الثالث # وفيها توف يمحمد بن أبي هاشم الحسيني أمير مكة وقد جاوز سبعين سنة ولم يكن له ما يمدح به وكان قد نهب الحجاج سنة ست وثمانين وقتل منههم خلقا كثيرا # وفيها قي ربيع الأول قتل السلطان بركيارق عمه تكش وغرقه وقتل ولده معه
499
وكان ملكشاه قد أخذ لما خرج عليه وكحله وحبسه بقلعة تكريت فلما ملك بركيارق أحضر إليه ببغداد وسار بمسيرة فظفر بملطفات إليه من أخيه تتش على اللحاق به # وقيل إنه أراد المسير إلى بلخ لأن أهلها كانوا يريدونه فقتله فلما غرق بقي بسر من رأى فحمل إلى بغداد عند قبر أبي حنيفة # وفيها في جمادى الآخرة كانت وقعة بين الأمير أنز وتورانشاه بن قاروت بك وكانت تركان خاتون الجلالية والدة محمود بن ملكشاه قد أرسلته في عسكر ليأخذ بلاد فارس من تورانشاه ولم يحسن أنز تدبير بلاد فارس فاستوحش منه الأجناد واجتمعوزا مع تورانشاه وهزموا أنز ومات تورانشاه بعد الكسرة بشهر من سهم أصابه فيها # وفيها استولى أصبهذ بن ساوتكين على مكة حرسها الله غنوة وهرب منها الأمير قاسم بن أبي هاشم العلوي صاحبها وأقام إلى شوال وجمع الأمير قاسم وكبسه بعسفان وجرى بينهما حرب في شوال من هذه السنة فانهزم أصبهذ ودخل قاسم إلى مكة ومضى أصبهذ إلى الشام وقدم إلى بغداد # وفيها في رجب أحرق شحنة بغداد وهو أتكين جب باب البصرة وسبب ذلك أن النقيب طراد الزينبي كان له كاتب يعرف بابن سنان فقتل فأنفذ النقيب إلى الشحنة يستدعي منه من يقيم السياسة فأنفذ حاجبه محمدا فرجمه أهل باب البصرة وأدموه فرجع إلى صاحبه فشكا إليه منهم فأمر أخاه بقصدهم ومعاقبتهم على فعلهم فسار إليهم في جماعة كثيرة وتبعهم أهل الكرخ فأحرقوا ونهبوا فأرسل الخليفة إلى الشحنة يأمره بالكف عنهم فكف # وفيها في رمضان توفيت تركان خلتون الجلالية بأصبهان وهي ابنة طفغاج خان وهو من نسل فراسياب التركي وكانت قد برزت من أصبهان لتسير إلى تاج الدولة ننش لتتصل به فمرضت وعادت وماتت وأوصت إلى الأمير أنز وإلى الأمير سرمز شحنة أصبهان بحفظ اللملكة لى ابنها محمود ولم يكن بقي بيدها سوى قصبة أصبهان ومعها عشرة آلاف فارس أتراك # وفيها في ذي القعدة توفي أبو الحسين بن الموصلايا كاتب ديوان الزمام ببغداد
500
$ ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وأربعمائة $ $ ذكر دخول جمع من الترك إفريقية وما كان منهم $ # في هذه السنة غدر شاهملك التركي بيحيى بن تميم بن المعز بن باديس وقبض عليه وكان هذا شاهملك من أولاد بعض الأمراء الأتراك ببلاد الشرق فناله في بلده أمر اقتضى خروجه منه فسار إلى مصر في مائة فارس فأكرمه الأفضل أمير الجوش وأعصاه أقطاعا ومالا # ثم بلغه عنه أسباب أوجبت إخراجه من مصر فخرج هو وأصحابه هاربين فاحتالوا حتى أخذوا سلاحا وخيلا وتوجهوا إلى المغرب فوصلوا إلى طرابلس الغرب وأهل البلد كارهون لواليها فأدخلوهم البلد وأخرجوا الوالي وصار شاهملك أمير البلد فسمع تميم الخبر فأرسل العساكر إليها فحصروها وضيقوا على الترك ففتحوها ووصل شاهملك معهم إلى المهدية فسر به تميم وبمن معه وقال ولد لي مائة ولد انتفع بهم وكانوا لا يخطىء لهم سهم فلم تطل الأيام حتى جرى منهم أمر غير تميما عليهم فعلم شاهملك ذلك وكان داهيا خبيثا فخرج يحيى بن تميم إلى الصيد في جماعة من أعيان أصحابه نحو مائة فارس ومعه شاهملك وكان أبوه تميم قد تقدم إليه أن لا يقرب شاهملك فلم يقبل فلما أبعدوه في طلب الصيد غدر به شاهملك فقبض عليه وسار به وبمن أخذ معه من أصحاب إلى مدينة سفاقس # وبلغ الخبر تميما فركب وسير العساكر في أثرهم فلم يدركوهم ووصل شاهملك بيحيى بن تميم إلى سفاقس فركب صاحبها واسمه حمو وكان قد خالف على تميم ولقي يحيى ومشى في ركابه راجلا وقبل بده وعظمه واعترف له بالعبودية فأقام عنده أياما ولم يذكره أبو بكلمة وكان قد جعله ولي عهده فلما أخذ أقام أبوه مقامه ابنا له آخر اسمه مثنى # ثم ' ن صاحب سفاقس خاف يحيى على نفسه أن يثور معه الجند وأهل البلد ويملكوه عليهم فأرسل إلى تميم كتابا يسأله في إنفاذ الأتراك وأولادهم إليه ليرسل ابنه يحيى ففعل ذلك بعد امتناع
501
وقدم يحيى فحجبه أبوه عنه مدة ثم أعاده إلى حاله ورضي عنه ثم جهز تميم عسكرا إلى سفاقس ويحيى معهم فساروا إليها وحصروها برا وبحرا وضيقوا على الأتراك بها وأقاموا عليها شهرين واستولوا عليها وفارقها الأتراك إلى قابس وكان تميم لما رضي عن ابنه يحيى عظم ذلك على ابنه فأمر بإخراجه من المهدية بأهله وأصحابه فركب في البحر ومضى إلى سفاقس فلم يمكنه عامله من الدخول إليها وقصد مدينة قابس وبها أمير يقال له مكين بن كامل الدهسماني فأنزله وأكرمه فحسن \له مثنى الخروج معه إلى سفاقس والمهدية وأطمعه فيهما وضمن الإنفاق على الجند من ماله فجمع مكين من يمكنه جمعة وسار إلى سفاقس وعهما شاهملك التركي وأصحابه فنزلوا على سفاقس وقاتلوها # وسمع تميم فجرد إليها جندا فلما علم المثنى ومن معه أنهم لا طاقة لهم بها ساروا عنها غللا المهدية فنزلوا عليها وقاتلوها وكان الذي يتولى القتال من المهدية يحيى بن تميم وظهرت منه شهامة وشجاعة وحزم وحسن تدبير فلم يبلغ أولئك منها غرضا فعادوا خائبين وقد تلف ما كان مع المثنى من مال وغيره وعظم أمر يحيى وصار هو المشار إليه $ ذكر قتل أحمد خان صاحب سمرقند $ # في هذه السنة في المحرم قتل أحمد خان صاحب سمرقند وكان قد كرهه عسكره واتهموه بفساد الاعتقاد وقالوا هو زنديق وكان سبب ذلك أن السلطان ملكشاه لما فتح سمرقند وأسر هذا أحمد خان قد وكل به جماعة من الديلك فحسنوا له معتقدهم وأخرجوه إلى الإباحة فلما عاد غى سمرقند كان يظهر منه أشياء تدل على انحلالة من الدين فلما كرهه أصحابه وعزموا على قتله قالوا لمستحفظ قلعة كاسان وهو طغرل ينال بك ايظهر العصيان ليسير أحمد خان معهم من سمرقند إلى قتاله فيتمكنوا من قتله فعصى طغرل ينال بك فسار أحمد خان العسكر إلى قتاله فلما نازل القلعة تمكر العسكر منه وقبضوا عليه وعادوا إلى سمرقند وأحضروا القضاة والفقهاء وأقاموا خصوما ادعوا عليه الزندقة فشهد عليه جماعة بذلك فأفتى الفقهاء بقتله فخنقوه وأجلسوا ابن عمه مسعودا مكانه وأطاعوه
502
$ ذكر ما فعله يوسف بن آبق ببغداد $ # في هذهالسنة في صفر سيؤ الملك تتش يوسف بن آبق التركماني شحنة لبغداد ومعه جمع من التركمان فمنع من دخول بغداد وورد إليه صدقة مزيد صاحب الحلة وكان يكره تتش ولم يخطب له في بلاده فلما سمع ابن آبق بوصوله عاد إلى طريق خراسان ونهب باجسرا وقتله العسكر بيعقوبا فهزمهم ونهبهم أفحش نهب وكأكثر معه من التركمان وعاد إلى بغداد # وكان صدقة قد رجع إلى الحلة فدخل يوسف بن آبق إلى بغداد وأراد نهبها والإيقاع بأهلها فمنعه أمير كان معه من ذلك ثم وصل إليه الخبر بقتل تتش فرحل عن بغداد إلى الموصل وسار من هناك إلى حلب $ ذكر الحرب بين بركياق وتتش وقتل تتش $ # في هذه السنة في صفر قتل تتش بن ألب أرسلان # وكان سبب ذلك أنه لما هزم السلطان بركيارق كما ذكرناه سار من موضع الوقعة إلى همذان وقد تحصن بها أمير آخر فرحل تتش عنها فتبعه أ مير آخر لأجل أثقاله فعاد عليه تتش فكسره فعاد إلى همذان واستأمن إليه وصار معه وبلغ تتش مرض بركيارق فسار إلى أصبهان فاستأذنه أمير آخر في فصد جرباذقان لإقامة الضيافة وما يحتاج إليه فأذن له فسار إليها ومنها إلى أصبهان وعرفهم خبر تتش # وعلم تتش خبره فنهب جرباذقان وسار إلى الري وأرسل الأمراء الذين بأصبهان يدعوهم إلى طاعته ويبذل لهم البذول الكثيرة وكان بركيارق مريضا بالجدري فأجابوه يعدونه بالانحياز إليه ووهم ينظرون ما يكون من بركيارق فلما عوفي ارسلوا إلى تتش ليس بيننا غير السيف وساروا مع بركيارق من أصبهان وهم في نفر يسير فلما بلغوا جبرباذقان أقبلت إليهم العساكر من كل مكان حتى صاروا في ثلاثين ألفا فاقتتلوا بموضع قريب من الري فانهزم عسكر تتش وثبت هو فقتل قيل قتله بعض أصحاب آقسنقر صاحب حلب أخذا بثأر صاحبه وكان قد قبض على فخر الملك بن نظام الملك وهو معه فأطلق واستقام الأمر والسلطنة لبركيارق وإذا أراد الله أمرا هيأ اسبابه بالأمس ينهزم من عمه تتش ويصل إلى أصبهان في نفر يسير فلا يتبعه احد ولو تبعه عشرون فارسا لأخذوه لأنه بقي على باب أصبهان عدة أيام ثم لما دخلها أراد الأمراء كحله فاتفق أن أخاه حم ثاني يوم وصوله وجدر فمات فقام في الملك مقامه ثم
503
جدر هو وأصابه معه سرسام فعوفي وبقي مذ كسره عمه إلى أن عوفي وسار عن أصبهان أربعة أشهر لم يتحرك عمه ولا عمل شيئا ولو قصده وهو مريض أو وقت مرض أخيه لملك البلاد # ( ولله سر في علاك وإنما % كلام العدا ضرب من الهذيان ) $ ذكر حال الملك رضوان وأخيه دقاق بعد قتل أبيهما $ # كان تاج الدولة تتش قد أوصى أصحابه بطاعة ابنه الملك رضوان وكتب إليه من بلد الجبل قبل المصاف الذي قتل فيه يأمره أن يسير إلى العراق ويقيم بدار المملكة فسار في عدد كثير منهم أيلغازي بن أرتق وكان قد سار إلى تتش فتركه عند ابنه رضوان ومنهم الأمير وثاب بن محمود بن صالح بن مرداس وغيرهما فلما قارب هيت بلغه قتل أبيه فعاد إلى حلب ومعه والدته فملكها # وكان بها أبو القاسم الحسن بن علي الخوارزمي قد سلمها إلى تتش وحكمه في البلاد والقلعة ولحق برضوان زوج أمه جناح الدولة الحسين بن ايتكين وكان مع تتش فسلم من المعركة وكان مع رضوان أيضا أخواه الصغيران أبو طالب وبرهام وكانوا كلهم مع أبي القاسم كالأضياف لتحكمه في البلد واستمال جناح الدولة المغاربة وكانوا أكثر جند القلعة فلما انتصف الليل نادوا بشعار الملك رضوان واحتاطوا على أبي القاسم أرسل إليه رضوان أن يطيب قلبه فاعتذر فقبل عذره وخطب لرضوان على منابر حلب وأعمالها ولم يكن يخطب له بل كانت الخطبة لأبيه بعد قتله نحو شهرين # وسار جناح الدولة في تدبير الممملكة سيرة حسنة وخالف عليهم الأمير باغيسيان بن محمد بن ألب التركماني صاحب أنطاكية ثم صالحهم وأشار على الملك رضوان بقصد ديار بكر لخلوها من وال يحفظها فساروا جميعا وقدم عليهم أمراء الأطراف الذي كان تتش رتبهم فيها وقصدوا سروج # فسبقهم إليها الأمير سقمان بن أرتق جد أصحاب الحصن اليوم وأخذها ومنعهم عنها وأمر أهل البلد فخرجوا إلى رضوان وتظلموا إليه من عساكره وما يفسدون من غلاتهم ويسألونه الرحيل فرحل عنهم إلى الرها # وكان بها رجل من الروم يقال له الفار قليط وكان يضمن البلد من بوزان فقاتل السلمين بمن معه واحتمى بالقلعة وشاهدوا من شجاعته ما كانوا لا يظنونه ثم ملكها رضوان وطلب باغيسيان القلعة من رضوان فوهبها له فتسلمها وحصنها ورتب
504
رجالها وأرسل إليهم حران يطلبونهم ليسلموا إليها حران فسمع ذلك قراجة أميرها فاتهم ابن المفتي وكان هذا ابن المفتي قد اعتمد عليه تتش في حفظ البلد فأخذه أخيه فصلبهم ووصل الخبر إلى رضوان وقد اختلف جناح الدولة باغيسيان وأضمر كل واحد منهما الغدر بصاحبه فهرب جناح الدولة إلى حلب فدخلها واجتمع بزوجته أم الملك رضوان وسار رضوان وباغيسيان فعبر الفرات إلى حلب فسمعوا بدخول جناح الدولة إليها ففارق باغيسيان الملك رضوان وسار إلى أنطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي وسار رضوان إلى حلب # وأما دقاق بن تتش فإنه كان قد سيره أبوه عمه السلطان ملكشاه ببغداد وخطب له ابنه السلطان وسار بعد وفاة السلطان مع خاتون الجلالية وابنهما محمد إلى أصبهان وخرج إلى السلطان بركيارق سرا وصار معه لحق بأبيه وحضر معه الوقعة التي قتل فيهما فلما قتل أبوه أخذ غلام لأبيع اسمه أيتكين الحلبي وسار به إلى حلب وأقام عنده أخيه الملك رضوان فراسله الأمير ساوتكين الخادم الوالي بقلعة دمشق سرا يدعوه ليملكه دمشق فهرب من حلب سرا وجد في السير فأرسل أخوه رضوان عدة من الخيالة فلم يدركوه فلما وصل إلى دمشق فرح به الخادم وأطهر الاستبشار ولقيه فلما دخلها أرسل باغيسيان يشير عليه بالتفرد بملك دمشق عن أخيه رضوان واتفق وصول معتمد الدولة طغدكين إلى دمشق ومعه جماعة من خواص تتش وعسكره وقد سلموا فإنه كان قد شهد الحرب مع صاحبه وأسر فبقي إلى الآن وخلص من الأسر فلما وصل إلى دمشق لقيه الملك دقاق وأرباب دولته وبالغوا في إكرامه وكان زوج والده دقاق فمال إليه لذلك وحكمه في بلاده وعملوا على قتل الخادم ساوتكين فقتلوه وسار إليهم باغيسيان من أنطاكية ومعه أبو القاسم الخوارزمي فجعله وزيرا لدقاق وحكمه في دولته $ ذكر وفاة المعتمد عباد $ # في هذه السنة توفي المعتمد بن عباد الذي كان صاحب الأندلس مسجونا باغمات المغرب وقد ذكرنا كيف أخذت بلاده منه سنة أربع وثمانين وأربعمائة فبقي مسجونا إلى الآن وتوفي # وكان من محاسن الدنيا كرما وعلما وشجاعة ورياسة تامة وأخباره مشهورة وآثاره مدونة وله أشعار حسنة فمنها ما قاله لما أخذه ملكه وحبس
505
# ( سلت علي الخطوب سيوفها % فجذذن منجسدي الحصيف الأمتنا ) # ( ضربت بها أيدي الخطوب وإنما % ضربت رقاب الآملين بها المنايا ) # ( يا آملي العادات من نفحاتنا % كفوا فإن الدهر كف أكفنا ) # وله من قصيدة يصف القيد في رجله # ( تعطف في ساقي تعطف أرقم % يساورها عضا بأنياب ضيغم ) # ( وإني من كان الرجال بسيبه % ومن سيفه في جنبه وجهنم ) # وقال يوم عيد # ( فيا مضى كنت بالأعياد مسرورا % فصرت كالعبد في أغمات مأسورا ) # ( قد كان دهرك إن تأمر ممتثلا % فردك الدهر منهيا ومأمورا ) # ( من بات بعدك في ملك يسر به % فإنما بات بالأحللام مسرورا ) # وكان أبو بكر بن اللبانة يأتيه وهو مسجون فيمدحه لا لجدوى ينالها منه بل رعلية لحقه وإحسانه القديم إليه # فلما توفي أتاه فوقف على قبره يوم عيد والناس عند قبور أهليهم وأنشد بصوت عال # ( ملك الملوك أسامع فأنادي % أم قد عداك عن الجواب عوادي ) # ( لما خلت منك القصور ولم تكن % فيه كما قد كنت في الأعياد ) # ( فمثلت في هذا الثرى لك خاضعا % وتخذت قبرك موضع الإنشاد ) # وأخذ في إتمام القصيدة فاجتمع الناس كلهم عليه يبكون ولو أخذنا في تفصيل مناقبه ومحاسنه لطال الأمر فلنقف عند هذا $ ذكر وفاة الوزير أبي شجاع $ # في هذه السنة توفي الوزير أبو شجاع محمد بن الحسين عبد الله وزير الخليفة في جمادى الآخرة وأصله من روذروار وولد بلأهواز وقرأ الفقه إلى الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وكان عالما بالعربية وله تصانيف منها ذيل تجارب الأمم وكان عفيفا عادلا حسن السيرة كثير الخير والمعروف # وكان موته بمدينة رسول اللهِ كان مجاورا فيها ولما حضر الموت أمر فحمل إلى مسجد النبي فوقف بالحضر وبكى
506
وقال يا رسول الله قال الله عز وجل ( ^ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) وقد جئت معترفا بذنوبي وجرائمي أرجوا شفاعتك وبكى فأكثر وتوفي من يومه ودفن عند قبر إبراهيم ابن النبي $ ذكر الفتنة بنيسابور $ # في هذه السنة في ذي الحجة جمع أمير كبير من أمراء خراسان جمعا كثيرا وسار بهم إلى نيسابور فحصرها فاجتمع أهلها وقاتلوه أشد قتال ولازم حصارهم نحو أربعين يوما فلما لم يجد له مطمعا فيها سار عنها في المحرم سنة تسع وثمانين فلما فارقها وقعت الفتنة بها بين الكرامية وسائر الطوائف من أهلها فقتل بينهم قتلى كثيرة وكان مقدم الشافعية أبا القاسم ابن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني ومقدم الحنفية القاضي محمد بن أحمد بن صاعد وهما متفقان على الكرامية ومقدم الكرامية محممشاد فكان الظفر للشافعية والحنفية على لكرامية فخربت مدارسهم وقتل كثير منهم ومن غيرهم وكانت فتنة عظيمة $ ذكر عدة حوادث $ في هذه السنة في ربيع الآخر شرع الخليفة في عمل سور على الحريم وأذن الوزير عميد الدولة بن جهير للعامة في التفرج والعمل فزينوا البلد وعملوا القباب وجدوا في عمارته # وفيها في شهر رمضان جرح السلطان بركيارق جرحه إنسان ستري له من أهل سجستان في عضده ثم أخذ الرجل وأعانه رجلان أيضا من أهل سجستان فلما ضرب الرجل الجارح اعترف اِ هذين الرجلين وضعاه واعترفا بذلك فضربا الضرب الشديد ليقرا على من أمرهما بذلك فلم يقرا فقربا إلى الفيل ليجعلا تحت قوائمه وقدم أحدهما فقال اتركوني وأنا أعرفكم فتركوه فقال لصاحبه يا أخي لابد من هذه القتلة فلا تفضح أهل سجستان بإفشاء الأسرار فقتلاه # وفيها توجه الإمام أبو حامد الغزالي إلى الشام وزار القدس وترك التدريس في
507
النظامية واستناب أخاه وتزهد ولبس الخشن وأكل الدون وفي هذه السفرة صنف إحياء علوم الدين وسمعه منه الخلق الكثير بدمشق وعاد إلى بغداد بعدما حج في السنة التالية وسار إلى خراسان # وفيها في ربيع الأول خطب لولي العهد أبي الفضل منصور بن المستظهر بالله # وفيها عزل بركيارق وزيره مؤيدا للملك بن نظام الملك واستوزره أخاه فخر الملك وسبب ذلم ان بركيارق لما هزم عمه تتش وقتله أرسل خادما ليحضر والدته زبيدة خاتون من أصبهان فاتفق مؤيد الملك مع جماعة من الأمراء وأشاروا عليه بتركهافقال لا أريد الملك إلا لها وبوجودها عندي فلما وصلت إليه وعلمت الحال تنكرت على مؤيد الملك وكان نجد الملك أبوالفضل البلاساني قد صحبها في طريقها وعلم أنه لا يتم له أمر مع مؤيد الملك وكان بين مؤيد الملك وأخيه فخر الملك تنكر ام السلطان على أخيه مؤيد الملك أرسل وبذل أموالا جزيلة في الوزارة فأجيب إلى ذلك وعزل أخيه ووليهو # وفي هذه السنة في جمادى الأولى توفي أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمي الفقيه الحنبلي وكان عارفا بعدة علوم وكان قريبا من السلاطين # وفيها في رجب توفي أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون المعروف بابن الباقلاني وهو مشهور وموله سنة ست وأربعمائة # وفيها في شعبان توفي قاضي القضاة أبو بكر محمد بن المظفر الشاشي وكان من أصحاب أبي الطيب الطبري ولم يأخذ على القضاء أجرا وأقر الحق مقره ولم يحاب أحدا من خلق الله ادعى عنده بعض الأتراك على رجل شيئا فقال ألك بينة قال نعم فلان والمشطب الفقيه الفرغاني # فقال لا أقبل شهادة المشطب لأنه يلبس الحرير # فقال التركي فالسلطان ونظام الملك يلبسان الحرير فقال لو شهدا عندي على باقة بقل لم أقبل شهادتهما وولي القضاء بعده ابو الحسن علي بن قاضي القضاة أبي عبد الله محمد الدامغاني # وفيها مات القاضي أبو يوسف عبد السلام بن محمد القزويني ومولده سنة إحدى عشرةوأربعمائة وكان مغاليا في الاعتزال وقيل كان زيدي المذهي
508
وفيها توفي القاضي أبو بكر بن الرطبي قاضي دجيل وكان شافعيى المذهب وولي بعده أخوه أبو العباس أحمد بن الحسن بن أحمد أبو الفضل الحداد الأصفهاني صاحب أبي نعيم الحافظ روى عنه حلية الأولياء وهو أكبر من أخيه أبي المعالي # وأبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن حميد الحميدي الأندلسي ولد قبل العشرين وأربعماءة وسمع الحديث ببلده ومصر والحجاز والعراق وهو مصنف الجمع بين الصحيحين وكان ثقة فاضلا وتوفي في ذي الحجة ووقف كتبه فانتفع بها الناس