1 مركز شبكات الكمبيوتر الكامل في التاريخ إبن الأثير 3
ثم دخلت سنة تسع ثمانين وأربعمائة
ذكر قتل يوسف بن آبق والمجن الحلبي
في هذه السنة في المحرم قتل يوسف بن آبق الذي ذكر أنه سيره تاج الدولة تتش إلى بغداد ونهب سوادها
وكان سبب قتله أنه كان بحلب بعد قتل تاج الدولة وكان بحلب إنسان يقال له المجن وهو رئيس الأحداث بها وله أتباع كثير فحصر عند جناح الدولة حسين وقال له إن يوسف بن آبق يكاتب باغيسيان وهو على عزم الفساد واستأذنه في قتله فأذن له وطلب أن يعينه بجماعة من الأجناد ففعل ذلك فقصد المجن الدار التي بها يوسف فكسبها من الباب والسطح وأخذ يوسف فقتله ونهب كل مافي داره وبقي بحلب حاكما فحدثته نفسه بالتفرد بالحكم عن الملك رضوان فقال لجناح الدولة إن الملك رضوان أمرني بقتلك فخذ لنفسك فهرب جناح الدولة إلى حمص وكانت له فلما انفرد المجن بالحكم تغير عليه رضوان وأراد منه أن يفارق البلد فلم يفعل وركب في أصحابه فلوهم بالمحاربة لفعل ثم أمر أصحابه أن ينهبوا ماله وأثاثه ودوابه ففعلوا ذلك واختفى فطلب فوجد بعد ثلاثة أيام فأخذ وعوقب وعذب ثم قتل هو وأولاده وكان من السواد يشق الخشب ثم بلغ هذه الحالة
ذكر وفاة منصور بن مروان
في هذه السنة في المحرم توفي منصور بن نظام الدين بن ناصر الدولة بن مروان صاحب ديار بكر وهو الذي انقرض أمر بني مروان على يده حين حاربه فخر الدولة بن جهير وكان جكرمش قد قبض عليه بالجزيرة وتركه عند رجل يهودي فمات في داره وحملته زوجته إلى تربة آبائه فدفنته ثم حجت إلى بلد البشنوية فابتاعت ديرا من بلد فنك بقرب جزيرة ابن عمر وأقامت فيه تعبد الله
وكان منصور شجاعا شديد البخل له في البخل حكايات عجيبة فتعسا لطالب الدنيا المعرض عن الآخرة ألا تنظر 4 إلى فعلها بأبنائها بينما هذا منصور ملك من بيت ملك آل أمره إلى أن مات في بيت يهودي نسأل الله تعالى أن يحسن أعمالنا ويصلح عاقبة أمرنا في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه
ذكر ملك تميم مدينة قابس أيضا
في هذه السنة ملك تميم المعز مدينة قابس وأخرج منها أخاه عمرا وسبب ذلك أنها كان بها إنسان يقال له قاضي بن إبراهيم بن بلمونة فمات فولى أهلها عليهم عمرو بن المعز فأساء السيرة وكان قاضي بن إبراهيم عاصيا على تميم وتميم يعرض عنه فسلك عمرو طريقه في ذلك فأخرج تميم العساكر إلى أخيه عمرو ليأخذ المدينة منه فقال له أصحابه يا مولانا كان فيها قاضي توانيت عنه وتركته فلما وليها أخوك جردت إليه العساكر فقال لما كان فيها غلام من عبيدنا كان زواله سهلا علينا وأما اليوم ابن المعز بالمهدية وابن المعز بقابس هذا ما لا يمكن السكوت عليه
وفي فتحها يقول ابن خطيب سوسة القصيدة المشهورة التي أولها
( ضحك الزمان وكان يلقى عابسا
لما فتحت بحد سيفك قابسا )
( الله يعلم ما حويت ثمارها
إلا وكان أبوك قبل الغارسا )
( من كان في زرق الأسنة خاطبا
كانت له قلل البلاد عرائسا )
( فابشر تميم بن المعز بفتكة
تركتك من أكناف قابس قابسا )
( ولوا فكم تركوا هناك مصانعا
ومقاصرا ومخالدا ومجالسا )
( فكأنها قلب وهن موساوس
جاء اليقين عنه وساوسا )
ذكر ملك كربوقا الموصل
في هذه السنة في ذي القعدة ملك قوام الدولة أبو سعيد كربوقا مدينة الموصل وقد ذكرنا أن تاج الدولة تتش أسره لما قتل آقسنقر وبوزان فلما أسره أبقى عليه طمعا في استصلاح حمية الأميرة أنز ولم يكن له بلد يملكه إذا قتله كما فعل بالأمير بوزان فإنه قتله واستولى على بلاده الرها وحران ولم يزل قوام الدولة محبوسا بحلب إلى أن قتل تتش وملك ابنه الملك رضوان حلبا فأرسل السلطان بركيارق رسولا يأمره بإطلاق وإطلاق أخيه النونتاش فلما سارا واجتمع عليهما كثير من العساكر البطالين فأتيا حران 5
فتسلماها ومكاتبهما محمد بن شرف الدولة مسلم بن قريش وهو بنصيبين ومعه ثروان بن وهيب وأبو الهيجاء الكردي يستنصرون بهما على الأمير علي بن شرف الدولة وكان بالموصل قد جعله بها تاج الدولة تتش بعد وقعة المضيع فسار كربوقا إليهم فلقيه محمد بن شرف الدولة على مرحلتين من نصيبين واستحلفهما لنفسه فقبض عليه كربوقا بعد اليمين وحمله معه وأتى نصيبين فامتنعت عليه فحصرها أربعين يوما وتسلمها وسار إلى الموصل فحصرها فلم يظفر منها بشيء فسار عنها إلى بلد وقتل بها محمد بن شرف الدولة وغرقه وعاد إلى حصار الموصل ونزل على فرسخ منها بقرية باحلافا وترك التونتاش شرقي الموصل فاستنجد علي بن مسلم صاحبها بالأمير جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر فسار إليه نجدة له فلما علم التونتاش بذلك سار إلى طريقه فقاتله فانهزم جكرمش وعاد إلى الجزيرة منهزما وصار في طاعة كربوقا وأعانه على حصر الموصل وعدمت الأقوات بها وكل شيء حتى ما يوقدونه فأوقدوا القير وحب القطن فلما ضاق بصاحبها علي الأمر فارقها وسار إلى الأمير صدقة بن مزيد بالحلة وتسلم كربوقا البلد بعد أن حصره تسعة أشهر وخافه أهله لأنه بلغهم أن التونتاش يريد نهبهم وأن كربوقا يمنعه من ذلك فاشتغل التونتاش بالقبض على أعيان البلد ومطالبتهم بودائع البلد واستطال على كربوقا فأمر بقتله فقتل في اليوم الثالث وأمن الناس شره وأحسن كربوقا السيرة فيهم وسار نحو الرحبة فمنع عنها فملكها ونهبها واستناب بها وعاد
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة اجتمع ستة كواكب في برج الحوت وهي الشمس والقمر والمشتري والزهرة والمريخ وعطارد فحكم المنجمون بطوفان يكون في الناس يقارب طوفان نوح فأحضر الخليفة المستظهر بالله بن عيسون المنجم فسأله فقال إن طوفان نوح اجتمعت الكواكب السبعة في برج الحوت والآن فقد اجتمع ستة منها وليس منها زحل فلو كان معها لكان مثل طوفان نوح ولكن أقول إن مدينة أو بقعة من الأرض يجتمع فيها عالم كثير من بلاد كثيرة فيغرقون فخافوا على بغداد لكثرة من يجتمع فيها من البلاد فأحكمت المسنيات والمواضع التي يخشى منها الانفجار والغرق فاتفق أن الحجاج نزلوا بوادي المياقت بعد نخله فأتاهم سيل عظيم فأغرق أكثرهم ونجا من تعلق بالجبال وذهب المال والدواب والأزواد وغير ذلك فخلع الخليفة على المنجم 6
وفيها في صفر درس الشيخ أبو عبد الله الطبري الفقيه الشافعي بالمدرسة النظامية ببغداد رتبه فيها فخر الملك بن نظام الملك وزير بركيارق
وفيها أغارت خفاجة على بلد سيف الدولة صدقة بن مزيد فأرسل في أثرهم عسكرا مقدمه ابن عمه قريش بن بدران بن دبيس بن مزيد فأسرته خفاجة وأطلقوه وقصدوا مشهد الحسين بن علي عليه السلام فتظاهروا فيه بالفساد والمنكر فوجه إليهم صدقة جيشا فكسبوهم وقتلوا منهم خلقا كثيرا في المشهد حتى عند الضريح وألقي رجل منهم نفسه وهو على فرسه من على السور فسلم هو والفرس
وفي هذه السنة في صفر توفي القاضي أبو مسلم وادع بن سليمان قاضي معرة النعمان والمستولى على أمورها وكان رجل زمان همة وعلما
وفيها في ربيع الأول توفي أبو بكر محمد بن عبد الباقي المعروف بابن الخاضبة المحدث وكان عالما
وفيها في رمضان توفي أِبو بكر عمر بن السمرقندي ومولده سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة
وفيها في رمضان توفي أبو الفضل عبد الملك بن ابراهيم المقدسي المعروف بالمهذاني وكان عالما في عدة علوم وقد قارب ثمانين سنة 7
ثم دخلت سنة تسعين وأربعمائة
ذكر قتل أرسلان أرغون
في هذه السنة في المحرم قتل أرسلان أرغون بن ألب أرسلان أخو السلطان ملكشاه بمرو وكان خراسان وسبب قتله أنه كان شديدا على غلمانه كثير الإهانة لهم والعقوبة وكانوا يخافونه خوفا عظيما فاتفق أنه الآن طلب غلاما له فدخل عليه وليس معه أحد فأنكر عليه تأخره عن الخدمة فاعتذر فلم يقبل عذره وضربه فأخرج الغلام سكينا معه وقتله وأخذ الغلام فقيل له لم فعلت هذا فقال لأريح الناس من ظلمه وكان سبب ملكه خراسان أنه كان له أيام أخيه ملكشاه من الإقطاع ما مقداره سبعة آلاف دينار وكان معه ببغداد لما مات فسار إلى همذان في سبعة غلمان واتصل به جماعة فسار إلى نيسابور فلم يجد فيها مطمعا فمر إلى مرو وكان شحنة مرو أميرا اسمه قودن من مماليك ملكشاه وهو الذي كان سبب تنكر السلطان ملكشاه على نظام الملك وقد تقدم ذلك في قتل نظام الملك فمال إلى أرسلان أرغون وسلم البلد إليه فأقبلت العساكر إليه وقصد بلخ وبها فخر الملك بن نظام الملك فسار عنها ووزر لتاج الدولة تتش على ما ذكرناه وملك أرسلان أرغون بلخ وترمذ ونيسابور وعامة خراسان وأرسل إلى السلطان بركيارق وإلى وزيره مؤيد الملك بن نظام الملك يطلب أن يقر عليه خراسان كما كانت لجده داود ما عدا نيسابور ويبذل الأموال ولا ينازع في السلطنة فسكت عنه بركيارق لاشتغاله بأخيه محمود وعمه تتش فلما عزل السلطان بركيارق مؤيد الملك عن وزارته ووليها أخوه فخر الملك واستولى على الأمور مجد الملك البلاساني قطع أرسلان أرغون مراسلة بركيارق وقال لا أرضى لنفسي مخاطبة البلاساني فندب بركيارق حينئذ عمه بوربرس بن ألب ارسلان وسيره في العساكر لقتاله وكان قد اتصل بأرسلان عماد الملك أبو القاسم بن نظام الملك ووزر له فلما وصلت العساكر إلى خراسان لقيهم 8 أرسلان أرغون وقاتلهم وانهزم منهم وسار منهزما إلى بلخ وأقام بوربرس والعساكر التي معه بهراة ثم جمع أرغون عساكر جمعة وسار إلى مرو فحصرها أياما وفتحها عنوة وقتل فيها وأكثر وقلع أبواب سورها وهدمه فسار إليه بوربرس من هراة فالتقيا وتصافا فانهزم بوربرس سنة ثمان وثمانين وسبب هزيمته أنه كان معه من جملة العساكر الذين سير معه بركيارق أميرا آخر ملكشاه وهو من أكابر الأمراء والأمير مسعود بن تاجر وكان أبوه مقدم عسكر داود وجده ملكشاه ولمسعود منزلة كبيرة ومحل عظيم عند كافة الناس وكان بين أمير آخر وبين أرسلان مودة قديمة فأرسل إليه أرسلان أرغون يستميله ويدعوه إلى طاعته فأجابه إلى ذلك ثم إن مسعود بن ناجر قصد أميرا آخر زائر له ومعه ولده فأخذهما وقتلهما فضعف أمر بوربرس وانهزم من أرسلان أرغون وتفرق عسكره وأسر وحمل إلى أرسلان آرغون وهو أخوه فحسبه بترمذ ثم أمر به فخنق بعد سنة من حبسه وقتل أكابر عسكر خراسان ممن كان يخافه ويخشى تحكمه عليه وصادر وزيره عماد الملك بثلاثمائة ألف دينار وقتله وخرب أسوار مدن خراسان منها سور سبزوار وسور مرو الشاهجان وقلعة سرخس وقهندز نيسابور وسور شهر ستان وغير ذلك خربه جميعه سنة تسع وثمانين ثم إنه قتل هذه السنة كما ذكرنا
ذكر استيلاء عسكر مصر على مدينة صور
في هذه السنة في ربيع الأول وصل عسكر كثير من مصر إلى ثغر صور بساحل الشام فحصرها وملكها وسبب ذلك أن الوالي بها ويعرف بكتيلة أظهر العصيان على المستعلي صاحب مصر والخروج عن طاعته فسير إليه جيشا فحصروه بها وضيقوا عليه وعلى من معه من جندي وعامي ثم افتتحها عنوة بالسيف وقتل بها خلق كثير ونهب منها المال الجزيل وأخذ الوالي أسيرا بغير أمان وحمل إلى مصر فقتل بها
ذكر ملك بركيارق خراسان وتسليمها إلى أخيه سنجر
كان بركيارق قد جهز بالعساكر مع أخيه الملك سنجر وسيرها إلى خرسان لقتال عمه أرسلان أرغون وجعل الأمير قماج أتابك سنجر ورتب في وزارته أبا الفتح علي بن الحسين الطغرائي فلما وصلوا إلى الدامغان بلغهم خبر قتله فأقاموا حتى لحقهم السلطان بركيارق وساروا إلى نيسابور فوصل إليها خامس جمادى الأولى من السنة 9 وملكها بغير قتال وكذلك سائر البلاد الخراسانية وساروا إلى بلخ وكان عسكر أرسلان أرغون قد ملكوا بعد قتله أبنا له صغيرا عمره سبع سنين فلما سمعوا بوصول السلطان أبعدوا إلى جبال طخارستان وأرسلوا يطلبون الأمان فأجابهم إلى ذلك فعادوا ومعهم ابن أرسلان أرغون فأحسن السلطان لقاءه وأعطاه ما كان لأبيه من الإقطاع أيام ملكشاه وكان وصوله إلى السلطان في خمسة عشر ألف فارس فما انقضى يومهم حتى فارقوه واتصلت كل طائفة منهم بأمير تخدمه وبقي وحده مع خادم لأبيه فأخذته والدة السلطان بركيارق إليها وأقامت له من يتولى خدمته وتربيته وسار بركيارق إلى ترمذ فسلمت إليه وأقام عند بلخ سبعة أشهر وأرسل إلى ما وراء النهر فأقيمت له الخطبة بسمرقند وغيرها ودانت له البلاد
ذكر خروج أمير أميران بخراسان مخالفا
في هذه السنة لما كان السلطان بركيارق بخراسان خالف عليه أمير اسمه محمد بن سليمان ويعرف بأمير أميران وهو ابن عم ملكشاه وتوجه إلى بلخ واستمد من صاحب غزنة فأمده بجيش كثير وفيلة وشرط عليه أن يخطب له في جميع ما يفتحه من خراسان فقويت شوكته ومد يده في البلاد فسير إليه الملك سنجر بن ملكشاه جريدة ولايعلم به أمير أميران فكبسه فجرى بينهما قتال ساعة ثم أسر وحمل إلى بين يدي سنجر فأمر به فكحل
ذكر عصيان الأمير قودن ويارقطاش على السلطان
واستعمال حبشي على خراسان
في هذه السنة عصى يارقطاش وقودن على السلطان بركيارق وسبب ذلك أن الأمير قودن كان قد صار في جملة الأمير قماج فتوفي والسلطان بمرو فاستوحش قودن وأظهر المرض وتأخر بمرو بعد مسير السلطان إلى العراق وكان من جملة أمراء السلطان أمير اسمه اكنجي وقد ولاه السلطان خوارزم ولقبه خوارزمشاه فجمع عساكره وسار في عشرة آلاف فارس ليحلق السلطان فسبق العسكر إلى مرو في ثلاثمائة فارس وتشاغل بالشرب فاتفق قودن وأمير آخر اسمه يارقطاش على قتله فجمعها خمسمائة فارس وكبسوه بالشرب وقتلوه وساروا إلى خوارزم وأظهروا أن السلطان قد استعملهما عليها فتسلماها وبلغ الخبر إلى السلطان فتم المسير إلى العراق لما بلغه من خروج الأمير أنز ومؤيد الملك عن 10 طاعته وأعاد أمير داذ حبشي بن التونتاق في جيش إلى خراسان لقتالهما فسار إلى هراة وأقام ينتظر اجتماع العساكر معه فعاجلاه في خمسة عشر ألفا فعلم أمير داذ أنه لاطاقة له بهما فعبر جيحون فسار إليه وتقدم يارقطاش ليلحقه قودن فعاجله يارقطاش وحده وقاتله فانهزم يارقطاش وأخذ أسيرا وبلغ الخبر إلى قودن فبثار به عسكره ونهبوا خزائنه وما معه فبقي في سبعة نفر فهرب إلى بخارى فقبض عليه صاحبها ثم أحسن إليه وبقي عنده وسار من هناك إلى الملك سنجر ببلخ فقبله أحسن قبول وبذل له قودن أن يكفيه أموره ويقوم بجمع العساكر على طاعته فقدر أنه مات عن قريب وأما يارقطاش فبقي أسيرا إلى أن قتل أمير داذ وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر ابتداء دولة محمد بن خوارزمشاه
في هذه السنة أمر بركيارق الأمير حبشي بن التونتاق على خراسان كم ذكرناه فلما صفت له وقتل قودن كما ذكرناه قبل ولي خوارزم الأمير محمد بن أنوشتكين وكان أبوه أنوشتكين مملوك أمير من السلجوقيه اسمه بلكباك قد اشتراه من رجل من غرشتان فقيل له أنوشتكين غر شحه فكبر وعلا أمره وكان حسن الطريقة كامل الأوصاف وكان مقدما مرجوعا إليه وولد له ولد سماه محمدا وهو هذا وعلمه وهرجه وأحسن تأديبه وتقدم بنفسه بالعناية الأزلية فلما ولي أمير داذ حبشي خراسان كان خوارزمشاه اكنجي قد قتل وقد تقدم ذكره ونظر الأمير حبشي فيمن يوليه خوارزم فوقع اختياره على محمد بن أنوشتكين فولاه خوارزم ولقبه خوارزمشاه فقصر أوقاته على معدلة ينشرها ومكرمة يفعلها وقرب أهل العلم والدين فازداد ذكره حسنا ومحله علوا ولما علم ملك السلطان سنجر خراسان أقر محمدا خوارزمشاه على خوارزم وأعمالها فظهرت كفايته وشهامته فعظم سنجر محله وقدره ثم إن بعض ملوك الأتراك جمع جموعا وقصد خوارزم ومحمد غائب عنها وكان طغرلتكين بن أكنجي الذي كان أبوه خوارزمشاه قبل عند السلطان سنجر فهرب منه والتحق بالأتراك على خوارزم فلما سمع خوارزمشاه محمد الخبر بادر إلى خوارزم وأرسل إلى سنجر يستمده وكان بنيسابور فسار في العساكر إليه فلم ينتظر محمد فلما قارب خوارزم هرب الأتراك إلى منقشلاغ وطفرلتكين أيضا رحل إلى حندخان وكفي خوارزمشاه شرهم ولما توفي خوارزمشاه ولي بعده ابنه أتسز فمد ظلال الأمن وأفاض العدل وكان قد قاد الجيوش أيام أبيه وقصد بلاد الأعداء وباشر الحروب فملك مدينة 11 منقشلاع ولما ولي بعد أبيه قربه السلطان سنجر وعظمه واعتضدبه واستصحبه معه في أسفاره وحروبه فظهرت منه الكفاية والشهامة فزاده تقدما وعلوا وهو ابتداء ملك بيت خوارزمشاه تكش وابنه محمد الذي ظهرت التتر عليه على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر الحرب بين رضوان وأخيه دقاق
في هذه السنة سار الملك رضوان إلى دمشق وبها أخوه دقاق عزما على أخذها منه فلما قاربها ورأى حصانتها وامتناعها علم عجزه عنها فرحل إلى نابلس وسار إلى القدس ليأخذه فلم يمكنه وانقطعت العساكر عنه فعاد وسعه باغي سيان صاحب أنطاكية وجناح الدولة ثم إن باغي سيان فارق رضوان وقصد دقاق وحسن له محاصرة أخيه بحلب جزاء لما فعله فجمع عساكر كثيرة وسار ومعه باغيسيان فأرسل رضوان رسولا إلى سقمان بن أرق وهو بسروج يستنجده فأتاه في خلق كثير من التركمان فسار نحو أخيه فالتقيا بقنسرين فاقتتلا فانهزم دقاق وعسكره ونهبت خيامهم وجميع مالهم وعاد رضوان إلى حلب ثم اتفقا على أن يخطب لرضوان بدمشق قبل دقاق وبأنطاكية وقيل كانت هذه الحادثة سنة تسع وثمانين
ذكر الخطبة للعلوي المصري بولاية رضوان
في هذه السنة خطب الملك رضوان في كثير من ولايته للمستعلي بأمر الله العلوي صاحب مصر وسبب ذلك أنه كان عنده لأمير جناح الدولة وهو زوج أمه فرأى من رضوان تغيرا فسارا إلى حمص وهي له فلما رأى باغيسيان بعده عن رضوان صالحه وقدم إليه بحلب ونزل ظاهرها وكان لرضوان منجم يقال له الحكيم أسعد وكان يميل إليه فقدمه بعد مسير جناح الدولة فحسن له مذاهب العلويين المصريين وأتته رسل المصريين يدعونه الى طاعتهم يبذلون له المال وإنفاذ العساكر إليه ليملك دمشق فخطب لهم بشيزر وجميع الأعمال سوى أنطاكية وحلب والمعرة أربع جمع ثم حضر عنده سقمان بن أرتق وباغيسيان صاحب أنطاكية فأنكر ذلك واستغظماه فأعاد الخطبة العباسية في هذه السنة وأرسل إلى بغداد يعتذر عما كان منه وسار باغيسيان إلى أنطاكية فلم يقم بها غير ثلاثة أيام حتى وصل الفرنج إليها وحصروها وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى 12
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة كانت فتنة عظيمة بخراسان بين أهل سبزوار وأهل خسر وجرد وقتال عظيم قتل بينهم جماعة كثيرة وانهزم أهل خسر وجرد وفيها قتل عثمان وكيل دار نظام الملك وكان سبب قتله أنه كاتب كاتب صاحب غزنة بالأخبار من قبل السلطان فأخذ وحبس بترمذ مدة ثم اطلع عليه وهو في الحبس أنه كان يكاتبه أيضا فقتل
وفي صفر منها قتل عبد الرحمن السميرمي وزير أم السلطان بركيارق قتله باطني غيلة وقتل الباطني بعده
وفيها في شعبان ظهر كوكب كبير له ذؤابة وأقام يطلع عشرين يوما ثم غاب ولم يظهر
وفيها توفي النقيب الطاهر أبو الغنائم محمد بن عبد الله وكان دينا سخيا وكريما متعصبا حنفي المذهب وولي النقابة بعده ولده أبو الفتوح حيدرة
وفيها توفي أبو القاسم يحي بن أحمد السيبي وهو ابن مائة سنة وسنتين وهو صحيح الحواس وكان مقرئا محدثا حاضر القلب
وفيها قتل أرغش النظامي مملوك نظام الملك بالري وكان قد بلغ مبلغا عظيما بحيث إنه تزوج ابنه ياقوتي عم السلطان بركيارق قتله باطني وقتل قاتلة وقتل برسق في شهر رمضان وهو من أكابر الأمراء قتله باطني وكان برسق من أصحاب السلطان طغرلبك وهو أول شحنة كان ببغداد 13
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وأربعمائة
ذكر ملك الفرنج مدينة أنطاكية
كان ابتداء ظهور دولة الفرنج واشتد أمرهم وخروجهم إلى بلاد الإسلام واستيلائهم على بعضها سنة ثمان وسبعين وأربعمائة فملكوا مدينة طليطلة وغيرها من بلاد الأندلس وقد تقدم ذكر ذلك
ثم قصدوا سنة أربع وثمانين وأربعمائة جزيرة صقلية وملكوها وقد ذكرته أيضا وتطرقوا إلى أطراف إفريقية فملكوا منها شيئا وأخذ منهم ثم ملكوا غيره على ما تراه فلما كان سنة تسعين وأربعمائة خرجوا إلى بلاد الشام وكان سبب خروجهم أن ملكهم بردويل جمع جمعا كثيرا من الفرنج وكان نسيب رجال للفرنجي الذي ملك صقلية فأرسل إلى رجال يقول له قد جمعت جمعا كثيرا وأنا واصل إليك وسائر من عندك إلى إفريقية أفتحها وأكون مجاورا لك فجمع رجار أصحابه واستشارهم في ذلك وقالوا وحق الإنجيل هذا جيد لنا ولهم وتصبح البلاد بلاد النصرانية فرفع رجله وحبق حبقة عظيمة وقال وحق ديني هذه خير من كلامكم قالوا وكيف ذلك قال إذا وصلوا إلي احتاج إلى كلفة كثيرة ومراكب تحملهم إلى إفريقية وعساكر من عندي أيضا فإن فتحوا البلاد كانت لهم وصارت المؤنة لهم من صقلية وينقطع عني ما يصل من المال من ثمن الغلات كل سنة وإن لم يفلحوا رجعوا إلى بلادي وتأذيت بهم ويقول تميم غدرت بي ونقضت عهدي وتنقطع الوصلة والأسفار بيننا وبلاد إفريقية باقية لنا متى وجدنا أخذناها وأحضر رسوله وقال له إذا عزمتم على جهاد المسلمين فأفضل ذلك فتح بيت المقدس تخلصونه من أيديهم ويكون لكم الفخر وأما إفريقية فبيني وبين أهلها أيمان وعهود فتجهزوا وخرجوا إلى الشام وقيل إن أصحاب مصر من العلويين لما رأوا قوة الدولة السلجوقية وتمكنها واستيلاءها على بلاد الشام إلى غزة ولم يبق بينهم وبين مصر ولاية أخرى تمنعهم ودخول الأقسيس إلى مصر وحصرها فخافوا وأرسلوا إلى 14 الفرنج يدعونهم إلى الخروج إلى الشام ليملكوه ويكون بينهم وبين المسلمين والله أعلم فلما عزم الفرنج على قصد الشام ساروا إلى القسطنطينية ليعبروا المجاز إلى بلاد المسلمين ويسيروا في البر فيكون أسهل عليهم فلما وصلوا إليها منعهم ملك الروم من الاجتياز ببلاده وقال لا أمكنكم من العبور إلى بلاد الإسلام حتى تحلفوا لي أنكم تسلمون إلي أنطاكية وكان قصده يحثهم على الخروج إلى بلاد الإسلام ظنا منه أن الأتراك لايبقون منهم أحدا لما رأى من صرامتهم وملكهم البلاد فأجابوه إلى ذلك وعبرو الخليج عند القسطنطينية سنة تسعين ووصلوا إلى بلاد قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش وهي قونية وغيرها فلما وصلوا إليها لقيهم قلج أرسلان في جموعه ومنعهم فقاتلوه فهزموه في رجب سنة تسعين واجتازوا في بلاده إلى بلاد ابن الأرمني فسلكوها وخرجوا إلى أنطاكية فحصروها ولما سمع صاحبها باغيسيان بتوجههم إليها خاف من النصارى الذين بها فأخرج المسلمين من أهلها ليس معهم غيرهم وأمرهم بحفر الخندق ثم أخرج من الغد النصارى لعمل الخندق أيضا ليس معهم مسلم فعملوا فيه إلى العصر فلما أرادوا دخول البلد منعهم وقال لهم أنطاكية لكم فهبوها لي حتى أنظر ما يكون منا ومن الفرنج فقالوا له من يحفظ أبناءنا ونساءنا فقال أنا أخلقكم فيهم فامسكوا وأقاموا في عسكر الفرنج فحصروها تسعة أشهر وظهر من شجاعة باغيسيان وجودة رأيه وحزمه واحتيياطه ما لم يشاهد من غيره فهلك أكثر الفرنج موتا ولو بقوا على كثرتهم التي خرجوا فيها لطبقوا بلاد الإسلام وحفظ باغيسيان أهل نصارى أنطاكية الذين أخرجهم وكف الأيدي المتطرقة إليهم فلما طال مقام الفرنج على أنطاكية راسلوا أحد المستحفظين للأبراج وهو زراد يعرف بروز به وبذلوا له مالا وِأقطاعا وكان يتولى حفظ برج يلي الوادي وهو مبني على شباك في الوادي فلما تقرر الأمر بينهم وبين هذا الملعون الزراد جؤوا إلى الشباك ففتحوه ومدخلوا منه صعد جماعة كثيرة بالحبال فلما زادت عدتهم على خمسمائة ضربوا البوق وذلك عند السحر وقد تعب الناس من كثرة السهر والحراسة فاستيقظ باغيسيان فسأل عن الحال فقيل إن هذا البوق من القلعة ولاشك أنها قد ملكت ولم يكن من القلعة وإنما كان من ذلك البرج فدخله الرعب وفتح باب البلد وخرج هاربا في ثلاثين غلاما على وجهه فجاء نائبه في حفظ البلد فسأل عنه فقيل إنه هرب من باب آخر هاربا وكان ذلك معونة للفرنج ولو ثبت ساعة لهلكوا ثم إن الفرنج دخلوا البلد من الباب ونهبوه وقتلوا من فيه من المسلمين وذلك في جمادى 15 الأولى وأما باغيسيان فإنه لما طلع عليه النهار رجع إليه عقله وكان كالولهان فرأى نفسه وقد قطع عدة فراسخ فقال لمن معه أين أنا فقيل على أربعة فراسخ من أنطاكية فندم كيف خلص سالما ولم يقاتل حتى يزيلهم عن البلد أو يقتل وجعل يتلهف ويسترجع على ترك أهله وأولاده والمسلمين فلشدة ما لحقه سقط عن فرسه مغشيا عليه فلما سقط إلى الأرض أراد أصحابه أن يركبوه فلم يكن فيه مسكة قد قارب الموت فتركوه وساروا عنه واجتاز به إنسان أرمني كان يقطع الحطب وهو بآخر رمق فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى الفرنج بأنطاكية وكان الفرنج قد كاتبوا صاحب حلب ودمشق بأننا لانقصد غير البلاد التي كانت بيد الروم لانطلب سواها مكرا منهم وخديعة حتى لايساعدوا صاحب أنطاكية
ذكر سير المسلمين إلى الفرنج وما كان منهم
لما سمع قوام الدولة كربوقا بحال الفرنج وملكهم أنطاكية جمع العساكر وسار إلى الشام وأقام بمرج دابق واجتمعت معه عساكر الشام تركها وعربها سوى من كان بحلب فاجتمع معه دقاق بن تتش وطغتكين أتابك وجناح الدولة صاحب حمص وأرسلان تاش صاحب سنجار وسليمان بن أرتق وغيرهم من الأمراء ممن ليس مثلهم فلما سمعت الفرنج عظمت المصيبة عليهم وخافوا لما هم فيه من الوهن وقلة الأقوات عندهم وسار المسلمون فنازلوهم على أنطاكية وأساء كربوقا السيرة فيمن معه من المسلمين وأغضب الأمراء وتكبر عليهم ظنا منه أنهم يقيمون معه على هذه الحال فأغضبهم ذلك وأضمروا له في أنفسهم الغدر إذا كان قتال وعزموا على إسلامه عند المصدوقة وأقام الفرنج بأنطاكية بعد أن ملكوها اثني عشر يوما ليس لهم ما يأكلونه وتقوت الأقوياء بدوابهم والضعفاء بالميتة وورق الشجر فلما رأوا ذلك أرسلوا إلى كربوقا يطلبون منه الأمان ليخرجوا من البلد فلم يعطهم ما طلبوا وقال لا تخرجون إلا بالسيف وكان معهم من الملوك بردويل وصنجيل وكندفري والقمص صاحب الرها وبيمنت صاحب أنطاكية وهو المقدم عليهم وكان معهم راهب مطاع فيهم وكان داهية من الرجال فقال لهم إن المسيح عليه السلام كان حربة مدفونة بالفسيان الذي بأنطاكية وهو عظيم فإن وجدتموها فإنكم تظفرون وإن لم تجدوها فالهلاك متحقق وكان قد دفن قبل حربة في مكان فيه وعفا أثرها وأمرهم بالصوم والتوبة ففعلوا ذلك ثلاثة أيام فلما كان اليوم الرابع أدخلهم 16 الموضع جميعهم ومعهم عامتهم والصناع منهم وحفروا في جميع الأماكن فوجدوها كما ذكر فقال لهم أبشروا بالظفر فخرجوا في اليوم الخامس من الباب متفرقين من خمسة وستة ونحو ذلك فقال المسلمون لكربوقا ينبغيأن تقف على الباب قتقتل كل من يخرج فإن أمرهم الآن متفرقون سهل
فقال لا تفعلوا أمهلوهم حتى يتكامل خروجهم فنقتلهم ولم يمكن من معالجتهم فقتل قوم من المسلمين جماعة من الخارجين فجاء إليهم هو بنفسه ومنعهم ونهاهم
فلما تكامل خروج الفرنج ولم يبق بأنطاكية أحد منهم ضربوا مصافا عظيما فولى المسلمون منهزمين لما عاملهم به كربوقا أولا من الاستهانة لهم والإعراض عنهم وثانيا من منعهم عن قتل الفرنج وتمت الهزيمة عليهم ولم يضرب أحد منهم بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم وآخر من انهزم سقمان بن أرتق وجناح الدولة لأنهما كانا في الكمين وانهزم كربوقا معهم فلما رأى الفرنج ذلك ظنوه مكيدة إذ لم يجر قتال ينهزم من مثله وخافوا أن يتبعوهم ومثبت جماعة من المجاهدين وقاتلوا حسبة وطلبا للشهادة فقتل الفرنج منهم ألوفا وغنموا ما في العسكر من الأقوات والأموال والأثاث والدواب والأسلحة فصلحت حالهم وعادت إليهم قوتهم
ذكر ملك الفرنج معرة النعمان
لما فعل الفرنج بالمسلمين ما فعلوا ساروا إلى معرة النعمان فنازلوها وحصروها وقاتلهم أهلها قتالا شديدا ورأى الفرنج شدة ونكاية ولقوا منهم الجد في حربهم والاجتهاد في قتالهم فعملوا عند برجا من خشب يوازي سور المدينة ووقع القتال عليه فلم يضر المسلمين ذلك فلما كان الليل خاف قوم من المسلمين وتداخلهم الفشل والهلع وظنوا أنهم إذ تحصنوا ببعض الدور الكبار امتنعوا بها فنزلوا من السور وأخلوا الموضع الذي كانوا يحفظونه فرآهم طائفة أخرى ففعلوا كفعلهم فخلا مكانهم أيضا من السور ولم تزل تتبع طائفة منهم التي تليها في النزول حتى خلا السور فصعد الفرنج إليه على السلاليم فلما علوه تحير المسلمون ودخلوا دورهم فوضع الفرنج فيهم السيف ثلاثة أيام فقتلوا ما يزيد على مائة ألف وسبوا السبي الكثير وملكوه أقاموا أربعين يوما وساروا إلى عرقة فحصروها أربعة أشهر ونقبوا سورها عدة ثقوب فلم يقدروا عليها وراسلهم منقذ صاحب شيزر فصالحهم عليها وساروا إلى حمص وحصروها فصالحهم صاحبها جناح الدولة وخرجوا على طريق النواقير إلى عكا فلم يقدروا عليها 17
ذكر الحرب بين الملك سنجر ودولتشاه
كان دولتشاه من أبناء الملوك السلجوقية فاجتمع عليهم جمع من عساكر بيغو أخي طغرلبك وكان بطخارستان فأخذوا ولوالج وكمنج فسار إليهم السلطان سنجر وعساكره فوصل إلى بلخ فدخلها في رجب من هذه السنة وخرج منها لقتال دولتشاه فلم يكن له من الجموع ما ثبت مقابل عسكر سنجر فعفا عنه من القتل وحبسه ثم بعد ذلك كحله وسير سنجر جيشا إلى مدينة ترمذ فملكوها وسلمها إلى طغرل تكين
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة فتح تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية جزيرة جربة وجزيرة قرقنة ومدينة تونس وكان بإفريقية غلاء شديد هلك فيه كثير من الناس
وفيها أرسل الخليفة رسولا إلى السلطان بركيارق مستنفرا على الفرنج ومبالغا في تعظيم الأمر وتداركه قبل أن يزداد قوة
وفي هذه السنة في شعبان توفي أبو الحسن أحمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف ومولده سنة اثنتي عشرة وأربعمائة وكان فاضلا في الحديث
وفيها توفي أبو الفضل عبد الوهاب بن أبي محمد التميمي الحنبلي وكان فاضلا فصيحا
وفيها في شوال توفي طراد بن محمد الزينبي وهو علي الإسناد في الحديث وولي نقابة العباسيين من بعده ابنه شرف الدين علي بن طراد
وفيها في ذي القعدة توفي أبو الفتح المظفر بن رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة وكان بيته مجمع الفضلاء وأهل الدين ومن جملة من كان عنده إلى أن توفي الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وفيها توفي أبو الفرج سهل بن بشر بن أحمد الإسفرايني وهو من أعيان المحدثين 18
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة
ذكر عصيان الأمير أنز وقتله
لما سار بركيارق إلى خراسان ولى الأمير أنز بلاد فارس جميعها وكانت قد تغلب عليها الشواتكارة على اختلاف بطونهم وقبائلهم واستعانوا بصاحب كرمان إيران شاه بن قاروت فاجتمعوا وصافوا الأمير أنز وكسروه وعاد مغلولا إلى أصبهان وأرسل إلى السلطان يستأذنه في اللحاق إلى خراسان فأمره بالمقام ببلد الجبال وولاه إمارة العراق وكاتب العساكر المجاورة له بطاعته فأقام بأصبهان وسار منها إلى أقطاعه بأذربيجان وعاد وقد انتشر أمر الباطنية بأصبهان فندب نفسه لقتالهم وحصر قلعة على جبل أصبهان واتصل به مؤيد الملك بن نظام الملك وكان ببغداد فسار منها إلى الحلة فأكرمه صدقة وسار من عنده إلى الأمير أنز فلما اجتمع بالأمير أنز خوفه هو وغيره من السلطان بركيارق وعظموا عليه الاجتماع به وحسنوا له البعد عنه وأشاروا عليه بمكاتبة غياث الدين محمد بن ملكشاه وهو إذ ذاك بكنجة فعزم على المخالفة للسلطان وتحدث فيه فظهر ذلك فزاد خوفه من السلطان فجمع من العساكر المعروفين بالشجاعة نحو عشرة آلاف فارس وسار من أصبهان إلى الري وأرسل إلى السلطان يقول إنه مملوك ومطيع إن سلم إليه مجد الملك البلاساني وإن لم يسلمه فهو عاص خارج عن الطاعة فبينما هو يفطر وكانت عادته يصوم أياما من الأسبوع فلما قارب الفراغ من الإفطار هجم عليه ثلاثة نفر من الأتراك المولدين بخوارزم وهم من جملة خيله فصدم أحدهم المشعل فألقاه وصدم الآخر الشمعة فأطفأها وشربه الثالث بالسكين فقتله وقتل معه جاندراه واختلط الناس في الظلمة ونهبوا خزائنه وتفرق عسكره وبقي ملقى فلم يوجد ما يحمل عليه ثم حمل إلى داره بأصبهان ودفن بها ووصل خبر قتله السلطان بركيارق وهو بخوار الري قد خرج من خراسان عازما على قتاله وهو على غاية الحذر من قتاله وعاقبة أمره وفرح مجد 19 الملك البلاساني بقتله وكان له مثل يومه عن قريب وكان عمر أنز سبعا وثلاثين سنة وكان كثير الصوم والصلاة والخير والمحبة للصالحين
ذكر ملك الفرنج لعنهم الله البيت المقدس
كان البيت المقدس لتاج الدولة تتش وأقطعه للأمير سقمان بن أرتق التركماني فلما ظفر الفرنج بالأتراك على أنطاكية وقتلوا فيهم ضعفوا وتفرقوا فلما رأى المصريون ضعف الأتراك ساروا إليه ومقدمهم الأفضل بن بدر الجمالي وحصروه وبه الأمير سقمان وأيلغازي ابنا أرتق وابن عمهما سونج وابن اخيهما ياقوتي ونصب عليه نيفا وأربعين منجنيقا فهدموا مواضع من سوره وقاتلهم أهل البلد فدام القتال والحصار نيفا وأربعين يوما وملكوه بالأمان في شعبان سنة تسع وثمانين وأربعمائة وأحسن الأفضل إلى سقمان وأيلغازي ومن معهما وأجزل لهم العطاء وسيرهم فساروا إلى دمشق ثم عبروا الفرات فأقام سقمان ببلد الرها وسار أيلغازي إلى العراق واستناب المصريون فيه رجلا يعرف بافتخار الدولة وبقي فيه إلى الآن فقصده الفرنج بعد أن حصروا عكا فلم يقدروا عليها فلما وصلوا إليه حصروه نيفا وأربعين يوما ونصبوا عليه برجين أحدهما من ناحية صهيون وأحرقه المسلمون وقتلوا كل من به فلما فرغوا من إحراقه أتاهم المستغيث بأن المدينة قد ملكت من الجانب الآخر وملكوها من جهة الشمال منه ضحوة نهار يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان وركب الناس السيف ولبث الفرنج في البلدة أسبوعا يقتلون فيه المسلمين واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود فاعتصموا به وقاتلوا فيه ثلاثة أيام فبذل لهم الفرنج الأمان فسلموه إليهم ووفى لهم الفرنج وخرجوا ليلا إلى عسقلان فأقاموا بها وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا منهم جماعة كثيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف وأخذوا من عند الصخرة نيفا ومأربعين قنديلا من الفضة وزن كل قنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم أخذوا تنور من فضة وزنه أربعون رطلا بالشامي وأخذوا من القناديل الصغار مائة وخمسين قنديلا نقرة ومن الذهب نيفا وعشرين قنديلا وغنموا منه ما لا يقع عليه الإحصاء
وورد المستنفرين من الشام في رمضان إلى بغداد صحبة القاضي أبي سعد الهروي فأوردوا في الديوان كلاما أبكى وأوجع القلوب وقاموا بالجامع يوم الجمعة فاستغاثوا وبكوا وأبكوا وذكروا ما دهم المسلمين بذلك الشريف 20 المعظم من قتل الرجال وسبي الحريم والأولاد ونهب الأموال فلشدة ما أصابهم أفطروا فأمر الخليفة أن يسير القاضي أبو محمد الدامغاني وأبو بكر الشاشي وأبو القاسم الزنجاني وأبو الوفا بن عقيل وأبو سعيد الحلواني وأبو الحسين بن سماك فساروا إلى حلوان فبلغهم قتل مجد الملك البلاساني على ما نذكره فعادوا من غير بلوغ أرب ولا قضاء حاجة واختلف السلاطين على ما نذكره فتمكن الفرنج من البلاد فقال أبو مظفر الأبيوردي في هذا المعنى أبياتا منها
( مزجنا دماء بالدموع السواجم
فلم يبق منا عرصة للمراجع )
( وشر صلاح المرء دمع يفيضه
إذا الحرب شبت نارها بالصوارم )
( فإيها بني الإسلام إن وراءكم
وقائع يلحقن الذري بالمناسم )
( أتهوية في ظل أمن وغبطة
وعيش كنوار الخميلة ناعم )
( وكيف تنام العين ملء جفونها
على هفوات أيقظت كل نائم )
( وإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم
ظهور المذاكي أوبطون القشاعم )
( تسومهم الروم الهوان وأنتم
تجرون ذيل الخفض فعل المسالم )
( وكم من دماء قد أبيحت ومن دمي
توارى حياء حسنها بالمعاصم )
( بحيث السيوف البيض محمرة الظبا
وسمر العوالي داميات اللهاذم )
( وبني اختلاس الطعن والضرب وقفة
تظل لها الولدان شيب القوادم )
( وتلك حروب من يغيب عن غمارها
ليسلم بقرع بعدها سن نادم )
( سللن بأيدي المشتركين قواضبا
ستغمد منهم في الطلى والجماجم )
( يكاد لهن المستجن بطية
ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم )
( أرى أمتي لايشرعون إلى العدى
رماحهم والدين واهي الدعائم )
( ويجتنبون النار خوفا من الردى
ولا يحسبون العار ضربة لازم )
( أترضى صناديد الأعاريب بالأذى
ويغضى على ذل كماة الأعاجم )
ومنها
( فليتهم إذ لم يذودوا حمية
عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم )
( وإن زهدوا في الأجرة إذ خمس الوغا
فهلا أتوه رغبة في الغنائم )
( لئن أذعنت تلك الخياشيم للبرى
فلا عطسوا إلا بأجدع راغم ) 21
( دعوناكم والحرب ترنوا ملحة
إلينا بألحاظ النسور القشاعم )
( تراقب فينا غارة عربية
تطيل عليها الروم عض الأباهم )
( فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه
رمينا إلى أعدائنا بالجرائم )
ذكر الحرب بين المصريين والفرنج
في هذه السنة في رمضان كانت وقعة بين العساكر المصرية والفرنج وسببها أن المصريين لما بلغهم ما تم على أهل القدس جمع الأفضل أمير الجيوش العساكر وحشد وسار إلى عسقلان وأرسل إلى الفرنج ينكر عليهم ما فعوا ويتهددهم فأعادوا الرسول بالجواب ورحلوا على أثره وطلعوا على المصريين عقيب وصول الرسول ولم يكن عند المصريين خبر وصولهم ولا من حركتهم ولم يكونوا على أهبة القتال فنادوا إلى ركوب خيولهم ولبسوا أسلحتهم وأعجلهم الفرنج فهزموهم وقتلوا منهم من قتل وغنموا ما في العسكر من مال وسلاح وغير ذلك وانهزم الأفضل فدخل عسقلان ومضى جماعة من المنهزمين فاستتروا بشجر الجميز وكان هناك كثيرا فأحرق الفرنج بعض الشجر حتى هلك من فيه وقتلوا من خرج منه وعاد الأفضل في خواصه إلى مصر نازل الفرنج عسقلان وضايقوها فبذل لهم أهلها قطيعة اثنتي عشر ألف دينار وقبل عشرين ألف دينار ثم عادوا إلى القدس
ذكر ابتداء ظهور السلطان محمد بن ملكشاه
كان السلطان محمد وسنجر أخوين لأم وأب أمهما أم ولد ولما مات أبوه ملكشاه كان محمد معه ببغداد فسار مع أخيه محمود وتركا خاتون زوجة والده إلى أصبهان ولما حصر بركيارق أصبهان خرج محمد مختفيا مضى إلى والدته وهي في عسكر أخيه بركيارق وقصد أخاه السلطان بركيارق وسار معه إلى بغداد سنة ست وثمانين وأربعمائة وأقطعه بركيارق كنجة وأعمالها وجعل معه أتابكا له الأمير قتلغ تكين فلما قوي محمد قتله واستولى على جميع أعمال أران الذي من جملته كنجة فعرف ذلك الوقت شهامة محمد وكان السلطان ملكشاه قد أخذ تلك البلاد من فضلون بن أبي الأسوار الروادي وسلمها إلى سرهنك ساوتكين الخادم وأقطع فضلون استراباذ وعاد فضلون ضمن بلاده ثم عصى فيها لما قوي فأرسل السلطان إليه الأمير بوزان فحاربه وأسره 22 وأقطع بلاده لجماعة منهم باغيسيان صاحب انطاكية ولما مات باغيسيان عاد ولده إلى ولاية أبيه في هذه البلاد وتوفي فضلون ببغداد سنة أربع وثمانين وهو على غاية من الإضافة في مسجد على دجلة وقد ذكرنا فيما تقدم تنقل الأحوال بمؤيد الملك عبيد الله بن نظام الملك وأنه كان عند الأمير أنز فحسن له عصيان السلطان بركيارق فلما قتل أنز سار إلى الملك محمد فأشار عليه بمخالفة أخيه والسعي في طلب السلطنة ففعل ذلك وقطع خطبة بركيارق من بلاده وخطب لنفسه بالسلطنة وستوزر مؤيد الملك واتفق قتل مجد الملك البلاساني واستيحاش العسكر من السلطان بركيارق وفارقوه وساروا نحو السلطان محمد فلقوه بخرقان فصاروا معه وساروا نحو الري وكان السلطان بركيارق لما فارقه عسكره سار مجدا إلى الري فأتاه بها الأمير ينال بن أنوشتكين الحسامي وهو من أكابر الأمراء ووصل إليه أيضا عز الملك منصور بن نظام الملك وأمه ابنة ملك الأبخاز ومعه عساكر جمة فبلغه مسير أخيه محمد إليه في العساكر فسار من الري إلى أصبهان فلم يفتح أهلها له الأبواب فسار إلى خوزستان على ما نذكره وورد السلطان محمد إلى الري ثاني ذي القعدة فوجد زبيدة خاتون والدة أخيه السلطان بركيارق قد تخلفت بعد ابنها فأخذها مؤيد الملك وسجنها في القلعة وأخذ خطها بخمسة آلاف دينار وأراد قتلها وأشار عليه ثقافة أن لايفعل ذلك فلم يقبل منهم وقالوا له العسكر محبون لولدها وإنما استوحشوا منه لأجلها ومتى قتلت عدلوا إليه فلا تغتر بهؤلاء الجند فإنهم غدروا بمن أحسن إليهم وأثق ما كان بهم فلم يصغ إلى قولهم ورفعها إلى القلعة وخنقت وكان عمرها اثنتين وأربعين سنة فلما أسر السلطان بركيارق مؤيد الملك رأى خطه في تذكرته بخمسة آلاف دينار فكان أعظم الأسباب في قتله
ذكر الخطبة ببغداد للملك محمد
لما قوي أمر السلطان محمد سار إليه سعد الدولة كوهرائين من بغداد وكان قد استوحش من السلطان بركيارق فاجتمع هو وكربوقا صاحب الموصل وجكرمش صاحب الجزيرة وسرخاب بن بدر صاحب كنكور وغيرها فساروا إلى السلطان محمد فلقوه بقم فرد سعد الدولة إلى بغداد وخلع عليه وسار كربوقا وجكرمش في خدمته إلى أصبهان ولما وصل كوهرائين إلى بغداد خاطب الخليفة في الخطبة للسلطان محمد فأجاب إلى ذلك وخطب له يوم الجمعة سابع عشر ذي الحجة ولقب غياث الدنيا والدين 23
ذكر قتل مجد الدولة البلاساني
قد ذكرنا تحكم مجد الملك أبي الفضل أسعد بن محمد في دولة السلطان بركيارق وتمكنه منها فلما بلغ الغاية التي لا مزيد عليها جاءته نكبات الدنيا ومصائبها من حيث لا يحتسب وأما سبب قتله فإن الباطنية لما توالى منهم قتل الأمراء الأكابر من الدولة السلطانية نسبوا ذلك إليه وأنه هو الذي وضعهم على قتل من قتلوه وعظم ذلك قتل الأمير برسق فاتهم أولاده زنكي وأقبوري وغيرهما مجد الملك بقتله وفارقوا السلطان وسار السلطان إلى زنجان لأنه بغله خروج السلطان محمد عليه على ما ذكرنا فطمع حينئذ الأمراء فأرسل أمير آخر وبلكابك وطغايرك بن اليزن وغيرهم إلى الأمراء بني برسق يستحضرونهم إليهم ليتفقوا معهم على مطالبة السلطان بتسليم مجد الملك ليقتلوه فحضروا عندهم فأرسلوا إلى السلطان بركيارق وهم بسجاس مدينة قريبة من همذان يلتمسون تسليمه إليهم ووافقهم على ذلك العسكر جميعه وقالوا إن سلم إلينا فنحن العبيد الملازمون للخدمة وإن منعنا فارقنا وأخذناه قهرا فمنع السلطان منه فأرسل مجد الملك إلى السلطان يقول له المصلحة أن تحفظ أمراء دولتك وتقتلني أنت لئلا يقتلني القوم فيكون فيه وهن على دولتك فلم تطب نفس السلطان بقتله وأرسل إليهم يستحلفهم على حفظ نفسه وحبسه في بعض القلاع فلما حلفوا سلمه إليهم فقتله الغلمان قبل أن يصل إليهم فسكنت الفتنة ومن العجب أنه كان لا يفارقه كفنه سفرا وحضرا ففي بعض الأيام فتح خازنه صندوقا طريحا على الأرض فرأى الكفن فقال وما أصنع بهذا إن أمري لا يؤل إلى كفن والله ما أبقى إلا طريحا على الأرض فكان كذلك ورب كلمة لقائلها دعني ولما قتل حمل رأسه إلى مؤيد الملك بن نظام الملك وكان مجد الملك خيرا كثير الصلاة بالليل كثير الصدقة لاسيما على العلويين وأرباب البيوتات وكان يكره سفك الدماء وكان يتشيع إلا أنه كان يذكر الصحابة ذكرا حسنا ويلعن من يسبهم ولما قتل أرسل الأمراء يقولون للسلطان المصلحة أن تعود إلى الري ونحن نمضي إلى أخيك فنقاتله ونقضي هذا المهم فسار بعد امتناع وتبعه مائتا فارس لا غير ونهب العسكر سرادق السلطان ووالداته وجميع أصحابه وعاد إلى الري وسار العسكر إلى السلطان محمد
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في شعبان وصل الكيا أبو الحسن بن علي بن محمد الطبري 24 المعروف بالهراس الفقيه الشافعي ولقبه عماد الدين شمس الإسلام برسالة من السلطان بركيارق إلى الخليفة وهو من أصحاب إمام الحرمين أبو المعالي الجويني ومولده سنة خمسين وأربعمائة واعتنى بأمره مجد الملك البلاساني وقام له الوزير عميد الدولة بن جهير لما دخل عليه وفيها قتل أبو القاسم ابن إمام الحرمين أبي المعالي الجويني بنيسابور وكان خطيبها واتهم العامة أبا البركات الثعلبي بأنه هو الذي سعى في قتله فوثبوا به فقتلوه وأكلوا لحمه
وفيها كان بخراسان غلاء شديدا تعذرت فيه الأقوات ودام سنتين وكان سببه أن البرد أهلك الزروع جميعها ولحق الناس بعده وباء جارف فمات منهم خلق كثير عجزوا عن دفنهم لكثرتهم
وفيها في شعبان توفي أبو الغنائم الفارقي الفقيه الشافعي بجزيرة ابن عمر وكان إماما فاضلا زاهدا
وفيها في صفر توفي أبو عبد الله الحسين بن طلحة النعالي وعمره نحو تسعين سنة وكان عالي الإسناد في الحديث
وقيل توفي سنة ثلاث وتسعين
وفيها في شعبان توفي أبو غالب محمد بن علي بن عبد الواحد بن الصباغ الفقيه الشافعي تفقه على ابن عمه أبي نصر وكان حسن الخلق متواضعا 25
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة
ذكر إعادة خطبة السلطان بركيارق ببغداد
في هذه السنة أعيدت الخطبة للسلطان بركيارق بغداد وسبب ذلك أن بركيارق سار في العام الماضي من الري إلى خوزستان فدخلها وجميع من معه على حال سيئة وكان أمير عسكره حينئذ ينال بن أنوشتكين الحسامي وأتاه غيره من الأمراء وسار إلى واسط فظلم عسكره الناس ونهبوا البلاد واتصل به الأمير صدقة بن مزيد صاحب الحلة ووثب على السلطان قوم ليقتلوه فأخذوا وأحضروا بين يديه فاعترفوا أن الأمير سر من شحنة أصبهان وضعهم على قتله فقتل أحدهم وحبس الباقون وسار إلى بغداد فدخلها سابع عشر صفر وخطب له ببغداد يوم الجمعة منتصف صفر قبل وصوله بيومين وكان سعد الدولة كوهرايين بالشفيعي وهو في طاعة السلطان محمد فسار إلى دي مرج ومعه أيلغازي بن أرتق وغيره من الأمراء فأرسل إلى مؤيد الملك والسلطان محمد يستحثهما على الوصول إليه كربوقا صاحب الموصل وجكرمش صاحب جزيرة ابن عمر فأما جكرمش فاستأذن كواهرايين في العود إلى بلده وقال إنه قد اختلت الأحوال فأذن له وبقي مع كوهرايين جماعة من الأمراء فاتفقوا على أن يصدروا عن رأي واحد لا يختلفون ثم اتفقت آراؤهم على أن كتبوا إلى السلطان بركيارق يقولون له اخرج فما فينا من يقاتلك وكان الذي أشار بذا كربوقا وقال لكوهرايين إننا لم نظفر من محمد ومؤيد الملك بطائل وكان ممنحرفا عن مؤيد الملك فسار بركيارق إليهم فترجلوا وقبلوا الأرض وعادوا معه إلى بغداد وأعاد إلى كوهرايين جميع ما كان أخذ له من سلاح ودواب وغير ذلك واستوزر بركيارق ببغداد الأعز أبا المحاسن عبد الجليل بن علي بن محمد الداهستاني وقبض على عميد الدولة بن جهير وزير الخليفة وطالبه بالحاصل من ديار بكر والموصل لما تولاها هو وأبوه أيام ملكشاه فاستقر 26 الأمر على مائة ألف دينار وستين ألف دينار يحملها إليه وخلع الخليفة على السلطان بركيارق
ذكر الواقعة بين السلاطين بركيارق ومحمد وإعادة خطبة محمد ببغداد
في هذه السنة سار بركيارق من بغداد إلى شهر زور فأقام بها ثلاثة أيام والتحق به عالم كثير من التركمان وغيرهم فسار نحو أخيه السلطان محمد ليحاربه فكاتبه رئيس همذان ليسير إليها ويأخذ اقطاع الأمراء الذين مع أخيه فلم يفعل وسار نحو أخيه فوقع الحرب بينهم رابع رجب وهو المصاف الأول بين بركيارق وأخيه السلطان محمد باسبيذ روز ومعناه النهر الأبيض وهو عل عدة فراسخ من همذان وكان مع محمد نحو عشرين ألف مقاتل وكان محمد في القلب ومعه الأمير سرمز وعلى ميمنته أمير آخر وابنه أياز وعلى ميسرته مؤيد الملك والنظامية وكان السلطان بركيارق في القلب ووزيره الأعز أبو المحاسن وعلى ميمنته كوهرايين وعز الدولة بن صدقة بن مزيد وسرخاب بن بدر وعلى ميسرته كربوقار وغيره فحمل كوهرايين من ميمنة بركيارق على ميسرة محمد وبها مؤيد الملك والنظامية فانهزموا ودخل عسكر بركيارق في خيامهم فنهبوهم وحملت ميمنة محمد على مسيرة بركيارق فانهزمت الميسرة وانضافت ميمنة محمد إليه في القلب على بركيارق ومن معه فانهزم بركيارق ووقف محمد مكانه وعاد كوهرايين من طلب المنهزمين الذين انهزموا بين يديه وكبا به فرسه فأتاه خراساني فقتله وأخذ رأسه وتفرقت عساكر بركيارق وبقي في خمسين فارسا وأما وزيره الأعز أبو المحاسن فإنه أخذ أسيرا فأكرمه مؤيد الملك بن نظام الملك ونصب له خيما وخركاه وحمل إليه الفرش والكسوة وضمنه عمادة بغداد واعاده إليها وأمره بالمخاطبة في إعادة الخطبة للسلطان محمد ببغداد فلما إليها خاطب في ذلك فأجيب إليه وخطب له يوم الجمعة رابع عشر رجب
ذكر قتل سعد الدولة كواهرايين
في هذه السنة في رجب قتل سعد الدولة كواهرايين في الحرب المذكورة قبل وكان ابتداء أمره أنه كان خادما للملك أبي كاليجار بن سلطان الدولة بن بويه انتقل إليه 27 من امرأة من قرقوب بخوزستان وكان إذا توجه إلى الأهواز حضر عندها واستعرض حوائجها وأصاب أهلها منه خيرا كثيرا فأرسله أبي كاليجار مع ابنه أبي نصر إلى بغداد فلما قبض عليه السلطان طغرلبك مضى معه إلى قلعة طبرك فلما مات أبو نصر انتقل إلى خدمة السلطان ألب أرسلان ووقاه بنفسه لما جرحه يوسف الخوارزمي وكان ألب أرسلان أرسله ابنه ملكشاه إلى بغداد فأحضر له الخلع والتقليد ورأى ما لم يره خادم قبله من نفوذ الأمر وتمام القدرة وطاعة أعيان المراء وخدمتهم إياه
وكان حليما كريما حسن السيرة لم يصادر أحدا من أهل ولايته ومناقبه كثيرة
ذكر حال السلطان بركيارق بعد الهزيمة وانهزامه من أخيه سنجر أيضا وقتل
أمير داذ حبشي
لما انهزم السلطان بركيارق من أخيه السلطان محمد سار قليلا وهو في خمسين فارسا ونزل عتمة واسترح وقصد الري وأرسل إلى من كان يعلم أنه يريده ويؤثر دولته فاستدعاه فاجتمع معه جمع صالح فسار إلى إسفرايين وكاتب أمير داذ حبشي بن التونتاق وهو بدامغان يستدعيه فأجابه يشير عليه بالمقام بنيسابور حتى يأتيه وكان بيده حينئذ أكثر خراسان وطبرستان وجرجان فلما وصل بركيارق إلى نيسابور قبض على رؤسائها وخرج بهم وأطلقهم بعد ذلك وتمسك بعميد خراسان أبي محمد وأبي القاسم بن أبي المعالي الجويني فأما أبو القاسم فمات مسموما في قبضه وقد تقدم أنه قتل سنة اثنتين وتسعين وعاد بركيارق فاستدعى أمير داذ فاعتذر بقصد السلطان سنجر بلاده في عساكر بلخ ويسأل السلطان بركيارق أن يصل إليه ليعينه على الملك سنجر فسار إليه في ألف فارس فلم يعلم قدومه إلا الأمراء الكبار من أصحاب سنجر ولم يعلم الأصاغر لئلا ينهزموا وكان مع الأمير داذ عشرون ألف فارس فيهم من رجالة الباطنية خمسة آلاف ووقع المصاف بين بركيارق وأخيه سنجر خارج النوشجان
وكان الأمير بزغش في ميمنة سنجر والأمير كندكز في ميسرته والأمير رستم في القلب فحمل بركيارق على رستم فطعنه فقتله وانهزم أصحابه وأصحاب سنجر واشتغل العسكر بالنهب فحمل عليهم بزغش وكندكز فقتلا المنهزمين وانهزم الرجالة إلى مضيق بين جبلين فأرسل عليهم الماء فأهلكهم ووقعت الهزيمة على أصحاب بركيارق 28 وكان قد أخذ والدة أخيه سنجر لما انهزم أصحابه أولا فخافت أن يقتلها بأمه فأحضرها وطيب قلبها وقال إنما أخذتك حتى يطلق أخي سنجر من عنده من الأسرى ولست كفؤا لوالدتي حتى أقتلك فلما أطلق سنجر الأسرى أطلقها بركيارق وهرب أمير داذ إلى بعض القرى وأخذه بعض التركمان فأعطاه في نفسه مائة ألف دينار فلم يطلقه وحمله إلى بزغش فقتله وسار بركيارق إلى جرجان ثم إلى دامغان وسار في البرية ورؤي في بعض المواضع ومعه سبعة عشر فارسا وجمازة واحدة ثم كثر جمعه وصار معه ثلاثة آلاف فارس منهم جاولي سقاووه وغيره وسار إلى أصبهان بمكاتبة من أهلها فسمع السلطان محمد فسبقه إليها فعاد إلى سميرم
ذكر فتح تميم بن المعز مدينة سفاقس
في هذه السنة فتح تميم ابن المعز مدينة سفاقس وكان صاحبها حمو قد عاد فتغلب عليها واشتد أمره بوزير كان عنده قد قصده وهو من كتاب المعز كان حسن الرأي والتدبير فاستقامت به دولته وعظم شأنه فأرسل إليه تميم يطلبه ليستخدمه ووعده وبالغ في استمالته فلم يقبل فسير تميم جيشا إلى حصار سفاقس وأمر الذي جعله مقدم الجيش أن يهدم ما حول المدينة ويحرقه ويقطع الأشجار سوى ما يتعلق بذلك الوزير فإنه لا يتعرض إليه ويبالغ في صيانته ففعل ذلك
فلما رأى حمو ما فعل بأملاك الناس ما عدا الوزير اتهمه فقتله نظام دولته وتسلم عسكر تميم المدينة وخرج حمو منها وقصد مكن بن كامل الدهماني فأقام عنده فأحسن إليه ولم يزل عنده حتى مات
ذكر عزل عميد الدولة من وزارة الخليفة ووفاته
لما أطلق مؤيد الدولة وزير السلطان محمد الأعز أبا المحاسن وزير بركيارق وضمنه عمادة بغداد أمره أن يخاطب الخليفة بعزل وزيره عميد الدولة بن جهير فسار من العسكر وسمع عميد الدولة الخبر فأمر الأصبهبذ صابوة بن خمارتكين بالخروج إلى طريق الأعز وقتله
وكان الأصبهبذ قد حضر الحرب مع بركيارق ولما انهزم العسكر قصد بفداد فخرج إلى طريق الأعز أبي المحاسن فلقيه قريبا من بعقوبا فأوقع بمن معه والتجأ الأعز إلى القرية واحتمى فلما رأى الأصبهبذ صباوة ذلك أرسل إليه يقول إنك وزير السلطان بركياق وأنا مملوكه فإن كنت على خدمته فخرج إلينا 29 حتى نسير إلى بغداد ونقيم الخطبة للسلطان وأنت الصاحب الذي لا يخالف وإن لم تجب إلى هذا فما بيننا غير السيف
فأجابه الأعز إلى ذلك واجتمعا فعرفه صباوة الذي أمره به عميد الدولة من قتلة وباتا تلك الليلة وأرسل الأعز إلى الأمير أيلغازي بن أرتق وكان قد ورد في صحبته وفارقه نحو الراذان فحضر من الليل فانقطع حينئذ أمل صباوة منه وفارقه الأعز إلى بغداد وخاطب في عزل عميد الدولة فعزل في رمضان وأخذ من ماله خمسة وعشرون ألف دينار وقبض عليه وعلى اخوته وبقي معزولا إلى سادس عشر شوال فتوفي محبوسا في دار الخلافة ومولده في المحرم سنة خمس وثلاثين وأربعمائة وكان عاملا كريما حليما إلا أنه كان عظيم الكبر يكاد يعد كلامه عدا وكان إذا كلم إنسان كلمات يسيرة هني ذلك الرجل بكلامه
ذكر ظفر المسلمين بالفرنج
في ذي القعدة من هذه السنة لقي كمشتكين بن الدانشمند طايلو وإنما قيل له ابن الدانشمند لأن أباه كان معلما للتركمان وتقلبت به الاحوال حتى ملك وهو صاحب ملطية وسيواس وغيرهما بيمند الفرنجي وهو من مقدمي الفرنج قريب ملطية وكان صاحبها قد كاتبه واستقدمه إليه فورد عليه في خمسة آلاف فلقيهم ابن الدنشمند فانهزم بيمند وأسر ثم وصل من البحر سبعة قمامصة من الفرنج وأرادو تخليص بيمند فأتوا إلى قلعة تسمى أنكووية فأخذوها وقتلوا من بها من المسلمين وساروا إلى قلعة أخرى فيها إسماعيل بن الدانشمند وحصروها فجمع ابن الدانشمند جمعا كثيرا ولقي الفرنج وجعل له كمينا وقاتلهم وخرج الكمين عليهم فلم يفلت أحد من الفرنج وكانوا ثلاثمائة ألف غير ثلاثة آلاف هربوا ليلا وأفلتوا مجروحين وسار ابن الدانشمند إلى ملطية فملكها وأسر صاحبها ثم خرج إليه عسكر الفرنج من أنطاكية فلقيهم وكسرهم وكانت هذه الوقائع في شهور قريبة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة زاد أمر العيارين بالجانب الغربي من بغداد في شعبان وعظم ضررهم فأمر الخليفة كمال الدولة يمن بتهذيب البلد فأخذ جماعة من أعيانهم وطلب الباقين فهربوا 30
وفيها أيضا انحلت الأسعار بالعراق وكان الكر الحنطة قد بلغ سبعين دينارا وربما زاد كثير في بعض الأوقات وانقطعت الأمطار ويبست الأنهار وكثر الموت حتى عجزوا عن دفن الموتى فحمل في بعض الأوقات ستة أموات على نعش واحد وعدمت الأدوية والعقاقير
وفيها في رجب سار بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية إلى قلعة أفامية فحصرها وقاتل أهلها أياما وأفسد زروعها ثم رحل عنها
وفيها في آخر رمضان قتل الأمير بلكابك سرمز بأصبهان بدار السلطان محمد وكان كثير الاحتياط من الباطنية لا يفارقه لبس الدرع ومن يمنع عنه ففي ذلك اليوم لم يلبس درعا ودخل دار السلطان في قلة فقتله الباطنية فقتل واحد ونجا آخر
وفيها توفي أبو الحسن البسطامي الصوفي ورباطه مشهور على دجلة غربي بغداد بناه أبو الغنائم بن المحلبان
وفيها مات أبو نصر بن أبي عبد الله بن جرادة وأصله من عكبرا وإليه ينسب مسجد ابن جردة وخرابة ابن جرادة ببغداد
وفيها توفي أبو علي يحيى بن جزلة الطبيب وكان نصرانيا فأسلم وهو مصنف كتاب المنهاج
وفيها في شوال توفي عبد الرزاق الصوفي الغزنوي المقيم برباط عتاب وحج عدة حجات على التجريد ولم يخلف ما تكفن فيه فقالت زوجته إذا مت افتضحنا قال لم نفتضح قالت لأنك ليس لك ما تكفن فيه فقال إنما افتضح إذا خلفت ما أكفن فيه وفيها في رمضان توفي عز الدولة أبو المكارم محمد بن سيف الدولة صدقة بن مزيد 31
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وأربعمائة
ذكر الحرب بين السلطان بركيارق ومحمد وقتل مؤيد الملك
في هذه السنة ثالث جمادى الآخرة كان المصاف الثاني بين السلطان بركيارق والسلطان محمد
وقد ذكرنا سنة ثلاث وتسعين انهزام السلطان بركيارق من أخيه السلطان محمد وتنقله في البلاد إلى أصبهان وأنه لم يدخلها وسار منها إلى خوزستان وأتى عسكر مكرم فأتاه الأميران زنكي والبكي ابنا برسق وصارا معه وأقام بها شهرين وسار منها إلى همذان فاتصل به الأمير أياز
وكان سبب ذلك أن أميرا آخر قد مات مذ قريب فاتهم أياز مؤيد الملك بأنه سقاه السم وقوي ذلك عنده أن وزير أمير آخر هرب عقيب موته فازداد ظن أياز باتهامه فظفر بالوزير فقتله وكان أياز قد جعله أمير آخر ولدا واتصل به العسكري ووصى له بجميع ماله فحين استوحش لهذا السبب كاتب السلطان بركيارق واتصل به ومعه خمسة آلاف فارس وصار من جملة عسكره وسار السلطان محمد إلى لقاء أخيه فلم تقارب العسكران استأمن الأمير سرخاب بن كيخسر وصاحب آوة إلى السلطان بركيارق فأكرمه
ووقع المصاف ثالث جمادى الآخرة وكان مع السلطان بركيارق خمسون ألفا ومع أخيه السلطان محمد خمسة عشر ألفا فالتقوا فاقتتلوا يومهم أجمع وكان النفر بعد النفر يسأمنون من عسكر محمد إلى بركيارق فيحسن إليهم
ومن العجب الدال على الظفر أن رجالة بركيارق احتاجوا إلى تراس فوصل إليه يوم المصاف بكرة اثنا عشر حملا سلاحا من همذان منها ثمانية أحمال تراس ففرقت فيهم فلما وصلت نزل السلطان بركيارق وصلى ركعتين شكرا لله تعالى ولم يزل القتال بينهم إلى آخر النهار فانهزم السلطان محمد وعسكره وأسر مؤيد الملك أسره غلام لمجد المك البلاساني وأحضر عند السلطان بركيارق فسبه وأوقفه على ما اعتمده معه من سب والدته مرة ونسبته إلى مذهب الباطنية أخرى ومن حمل أخيه محمد على 32 عصيانه والخروج عن طاعته إلى غير ذلك ومؤيد الملك ساكت لا يعيد كلمة فقتله بركيارق بيده وألقي على الأرض عدة أيام حتى سأل الأمير أياز في دفنه فيه فحمل إلى تربة ابيه بأصبهان فدفن معه وكان بخيلا شيء السيرة مع الأمراء إلا أنه كان كثير المكر والحيل في إصلاح أمر الملك وكان عمره لما قتل نحو خمسين سنة وكان السلطان بركيارق قد استوزر في صفر الأعراب أبا المحاسن عبد الجليل بن علي الدهستاني فلما قتل مؤيد الملك أرسل الوزير أبو المحاسن رسولا إلى بغداد وهو أبو إبراهيم الإستراباذي لأخذ أموال مؤيد الملك فنزل ببغداد بدار مؤيد الملك وسلم إليه محمد الشرابي وهو ابن خاله مؤيد الملك فأخذت منه الأموال والجواهر بعد مكروه أصابه وعذاب ناله وأخذ له ذخائر من مواضع أخر ببلاد العجم منها قطعة بلخش وزنها أحد وأربعون مثقالا ولما فرغ السلطان بركيارق من هذه الرقعة سار إلى الري فوصل إليه هناك قوام الدولة كربوقا صاحب الموصل ونور دبيس بن صدقة بن مزيد
ذكر حال السلطان محمد بعد الهزيمة واجتماعه بأخيه الملك سنجر
لما انهزم السلطان محمد سار طالبا خراسان إلى أخيه سنجر وهما لأم واحدة فأقام بجرجان وراسل أخاه يطلب منه مالا وكسوة وغير ذلك فسير إليه ما طلب وترددت الرسل بينهما حتى تحالفا واتفقا ولم يكن بقي مع السلطان محمد غير أميرين في نحو ثلاثمائة فارس فلما استقرت القواعد بينهما سار الملك سنجر من خراسان في عساكره نحو أخيه السلطان محمد فاجتمعا بجرجان
وسار منها إلى دمغان فخربها العسكر الخراساني ومضى أهلها هاربين إلى قلعة كردكوه وخرب العسكر ما قدروا عليه من البلاد وعم الغلاء تلك الأصقاع حتى أكل الناس الميتة والكلاب وأكل الناس بعضهم بعضا
وساروا إلى الري فلما وصلوا إليها انضم إليهم النظامية وغيرهم فكثر جمعهم وعظمت شوكتهم وتمكنت من القلوب هيبتهم
ذكر ما فعله السلطان بركيارق ودخوله بغداد
لما كان السلطان بركيارق بالري بعد انهزام أخيه محمد اجتمعت عليه العساكر الكثيرة فصار معه نحو مائة فارس ثم إنهم ضاقت عليهم الميرة فتفرقت العساكر فعاد دبيس بن صدقة إلى أبيه وخرج الملك مودود بن إسماعيل بن ياقوتي بأذربيجان فسير 33 إليه قوام الدولة كربوقا في عشيرة آلاف فارس واستأذن الأمير أياز في أن يقصد داره بهمذان يصوم بها شهر رمضان ويعود بعد الفطر فأذن له وتفرقت العساكر لمثل ذلك وبقي في العدد القليل
فلما بلغه أن أخويه قد جمعا الجموع وحشد الجنود وأنهما لما بلغهما قلة من معه جدا في المسير إليه وطويا المنازل ليعاجلاه قبل أن يجمع جموعه وعساكره فلما قارباه سار من مكانه وقد طمع فيه من كان يهابه وأيس منه من كان يرجوه فقصد نحو همذان ليجمع هو وأياز فبلغه أن إياز قد راسل السلطان محمدا ليكون معه ومن جملة أعوانه خوفا على ولايته وهي همذان وغيرها فلما سمع ذل عاد عنها وقصد خوزستان فلما قرب من تستر كاتب الأمراء بني برسق يستدعيهم إليه فلم يحضروا لما علموا أن أياز لم يحضر وللخوف من السلطان محمد
فسار نحو العراق فلما بلغ حلوان أتاه رسول الأمير أياز يسأل التوقف ليصل إليه وسبب ذلك أن أياز راسل السلطان محمدا في الانضمام إليه والمصير في جملة عسكره فلم يقبله وسير العساكر إلى همذان ففارقها منهزما ولحق بالسلطان بركيارق فأقام السلطان باركيارق بحلوان ووصل إليه أياز وساروا جميعهم إلى بغداد وأخذ عسكر محمد ما تخلف للأمير أياز بهمذان من مال ودواب وبرك وغير ذلك فإنه أعجل عنه وكان من جملته خمسمائة حصان عربية قيل كان يساوي كل حصان منها ما بين ثلاثمائة دينار إلى خمسمائة دينار ونهبوا داره وصادوا جماعة من أصحابه وصودر رئيس همذان بمائة ألف دينار
لما وصل أياز إلى بركيارق تكاملت عدتهم خمسة آلاف فارس وقد ذهبت خيامهم وثقلهم ووصل بركيارق إلى بغداد سابع عشر ذي القعدة وأرسل الخليفة إلى طريقه أمين الدولة بن موصلايا يلتقيه في الموكب
ولما كان عيد الأضحى أنفذ الخليفة منبرا إلى دار السلطان وخطب عليه الشريف أبو الكرم وصلى صلاة العيد ولم يحضر بركيارق لأنه كان مريضا وضاقت الأموال على بركيارق فلم يكن عنده ما يخرجه على نفسه وعلى عساكره فأرسل إلى الخليفة يشكو الضائقة وقلة المال ويطلب أن يعان بما يخرجه فتقرر الأمر بعد المراجعات على خمسين ألف دينار حملها الخلفية إليه ومد بركيارق وأصحابه أيديهم إلى أموال الناس فعم ضررهم وتمنى أهل البلاد زوالهم عنهم
ودعتهم الضرورة إلى أن ارتكبوا خطة شنعاء وذلك أنه قدم عليهم أبو محمد عبد الله بن منصور المعروف بابن صليحة قاضي جبلة من بلاد الشام وصاحبها منهزما من الفرنج على ما نذكره ومعه أموال جليلة المقدار فأخذوها منه 34
ذكر خلاف صدقة بن مزيد على بركيارق
في هذه السنة خرج الأمير صدقة بن منصور بن دبيس بن مزيد صاحب الحلة عن طاعة السلطان بركيارق وقطع خطبته من بلاده وخطب فيها للسلطان محمد
وسبب ذلك أن الوزير الأعز أبا المحاسن الدهستاني وزير السلطان بركيارق أرسل إلى صدقة يقول له قد تخلف عندك لخزانة السلطان ألف ألف دينار وكذا دينارا لسنين كثيرة فإن أرسلتها وإلا سيرنا العساكر إلى بلادك وأخذناها منك فلما سمع هذه الرسالة قطع الخطبة وخطب لمحمد فلما وصل السلطان بركيارق إلى بغداد على هذه الحالة أرسل إليه مرة بعد مرة يدعوه إلى الحضور عنده فلم يجب إلى ذلك فأرسل إليه الأمير أياز يشير عليه بقصد خدمة السلطان ويضمن له كل ما يريده فقال لا أحضر ولا أطيع السلطان إلا إذا سلم وزيره أبا المحاسن إلي وإن لم يفعل فلا يتصور مني الحضور عنده أبدا ويكون في ذلك ما يكون فإن سلمه إلي فأنا العبد المخلص في العبودية بالحسن والطاعة
فلم يجب إلى ذلك فتم على مقاطعته وأرسل إلى الكوفة وطرد عنها النائب بها عن السلطان واستضافها إليه
ذكر وصول السلطان محمد إلى بغداد ورحيل السلطان بركيارق عنها
في هذه السنة في السابع والعشرين من ذي الحجة وصل السلطان محمد وسنجر إلى بغداد وكان السلطان محمد لما استولى على همذان وغيرها سار إلى بغداد فلما وصل إلى حلوان سار إليه أيلغازي بن أرتق في عساكره وخدمه وأحسن في الخدمة وكان عسكر محمد يزيد على عشرة آلاف فارس سوى الأتباع فلما وصلت الأخبار بذلك كان بركياق على شدة من المرض يرجف عليه خواصه بكرة وعشيا فماج أصحابه وخافوا واضطربوا وحاروا وعبروا به في محفة إلى الجانب الغربي فنزلوا بالرملة ولم يبق في بركيارق غير روح يتردد وتيقن أصحابه موته وتشاوروا في كفنه وموضع دفنه فبينما هم كذلك غذ قال لهم إني أجد نفسي قد قويت وحركتي قد تزايدت فطابت نفوسهم وساروا وقد وصل العسكر الآخر فتراءى الجمعان بينهما دجلة وجرى بينهما مراماة وسباب وكان أكثر ما يسبهم عسكر محمد يا باطنية يعيرونهم بذلك ونهبوا البلاد في طريقهم إلى أن وصلوا إلى واسط ووصل السلطان محمد إلى بغداد فنزل بدار 35 المملكة فبرز إليه توقيع الخليفة المستظهر بالله يتضمن الامتعاض من سوء سيرة بركيارق ومن معه والاستبشار بقدومه وخطب له بالديوان ونزل الملك سنجر بدار كوهرائين وكان محمد قد استوزر بعد مؤيد الملك خطير الملك أبا منصور محمد بن الحسين وقدم إليه في المحرم سنة خمس وتسعين الأمير سيف الدولة صدقة وخرج الخلق كلهم إلى لقائه
ذكر حال قاضي جبلة
هو أبو محمد عبيد الله بن منصور المعروف بابن صليحة وكان والده رئيسها أيام كان الروم مالكين لها على المسلمين يقضي بينهم فلما ضعف أمر الروم وملكها المسلمون وصارت تحت حكم جلال الملك أبي الحسن علي بن عمار صاحب طرابلس كان منصور على عادته في الحكم فيها فلما توفي منصور قام ابنه أبو محمد مقامه وأحب الجندية واختار الجند فظهرت شهامته فأراد ابن عمار أن يقبض عليه فاستشعر منه وعصى عليه وأقام الخطبة العباسية فبذل ابن عمار لدقاق بن تتش مالا ليقصده ويحصره ففعل وحصره فلم يظفر منه بشيء وأصيب صاحبه أتابك طغتكين بنشابة في ركبته وبقي أثرها وبقي أبو محمد بها مطاعا إلى أن جاء الفرنج لعنهم الله فحصروها فأظهر أن السلطان بركيارق قد توجه إلى الشام وشاع هذا فرحل الفرنج فلما تحققوا اشتغال السلطان عنهم عاودوا حصاره فأظهر أن المصريين قد توجهوا لحربهم فرحلوا ثانيا ثم عادوا فقرر مع النصارى الذين بها أن يرسلوا الفرنج ويواعدهم إلى برج من أبراج البلدة ليسلموه إليهم ويملكوا البلد فلما أتتهم الرسالة جهزوا ثلاثمائة رجل من أعيانهم وشجعانهم فتقدموا إلى ذلك البرج فلم يزالوا يرقون في الجبال واحدا بعد واحد وكلما صار عند ابن صليحة وهو على السور رجل منهم قتله إلى أن قتلهم أجمعين فلما صار عند ابن صليحة وهو على السور رجل منهم قتله إلى أن قتلهم أجمعين فلما أصبحوا رمى الرؤوس إليهم فرحلوا عنه وحصروه مرة أخرى ونصبوا على البلد برج خشب وهدموا برجا من أبراجه وأصبحوا وقد بناه أبو محمد ثم نقب في السور نقوبا وخرج من الباب وقاتلهم فانهزم منهم وتبعوه فخرج أصحابه من تلك النقوب فأتوا الفرنج من ظهورهم فولوا منهزمين وأسر مقدمهم المعروف بكند اصطيل فافتدى نفسه بمال جزيل ثم علم أنهم لا يقعدون عن طلبه وليس له من يمنعهم عنه فأرسل إلى طغتكين أتابك يلتمس منه إنفاذ من يثق به ليسلم إليه ثغر جبلة ويحميه ليصل هو إلى دمشق بماله وأهله فأجابه إلى ما التمس وسير ولده الملوك بوري فسلم 36 إليه البلد ورحل إلى دمشق وسأله أن يسيره إلى بغداد ففعل وسيره ومعه من يحميه إلى أن وصل الأنبار ولما صار بدمشق أرسل ابن عمار صاحب طرابلس إلى الملك دقاق وقال سلم إلي ابن صليحة عريانا وخذ ماله أجمع وأنا أعطيك ثلاثمائة ألف دينار فلم يفعل فلما وصل إلى الأنبار أقام بها أياما ثم سار إلى بغداد وبها السلطان بركيارق فلما وصل أحضره الوزير الأعز أبو المحاسن عنده وقال له السلطان محتاج والعساكر يطالبونه بما ليس عنده ونريد منك ثلاثين ألف دينار وتكون لك منة عظيمة تستحق بها المكافأة والشكر فقال السمع والطاعة ولم يطلب أن يحط شيئا وقال إن رحلي ومالي في الأنبار بالدار التي نزلتها فأرسل الوزير إليها جماعة فوجدوا فيها مالا كثيرا وأعلاقا نفيسة فمن جملة ذلك ألف ومائة مصاغا عجيب الصنعة ومن الملابس والعمائم التي لا يوجد مثلها شيء كثير
كان ينبغي أن نذكر هذه الحوادث التي بعد انهزام السلطان محمد إلى ههنا بعد قتل الباطنية فإنها كانت أواخر السنة وكان قتلهم في شعبان وإنما قدمناها لنتبع بعض الحادثة بعضا لا يفصل بينها شيء
وأما تاج الملوك بوري فإنه لما ملك جبلة وتمكن منها أساء السيرة هو وأصحابه مع أهلها وفعلوا بهم أفعالا أنكروها فراسلوا القاضي فخر الملك أبا علي عمار بن محمد بن عمار صاحب طرابلس وشكوا إليه ما يفعل بهم وطلبوا منه أن يرسل إليهم بعض أصحابه ليسلموا إليه البلد ففعل ذلك سير إليهم عسكر فدخلوا جبلة واجتمعوا بأهلها وقاتلوا تاج الملوك ومن معه فانهزم الأتراك وملك عسكر بن عمار جبلة وأخذوا تاج الملوك أسيرا وحملوه إلى طرابلس فأكرمه ابن عمار وأحسن إليه وسيره إلى أبيه بدمشق واعتذر إليه صورة الحال وأنه خاف أن يملك الفرنج جبلة
ذكر قتل الباطنية
في هذه السنة في شعبان أمر السلطان بركيارق بقتل الباطنية وهم الإسماعيلية وهم الذين كانوا قديما يسمون قرامطة
ونحن نبتدىء بأول أمرهم الآن ثم بسبب قتلهم فأول ما عرف من أحوالهم أعني هذه الدعوة الأخيرة التي اشتهرت بالباطنية والإسماعيلية في أيام السلطان ملكشاه فإنه اجتمع منهم ثمانية عشر رجلا فصلوا صلاة العيد في ساوة ففطن بهم الشحنة فأخذهم وحبسهم ثم سئل فيهم فأطلقهم فهذا 37 أول اجتماع كان لهم ثم إنهم دعوا إنهم دعوا مؤذنا من أهل ساوة كان مقيما بأصبهان فلم يحبهم إلى دعوتهم فخافوه أن ينم عليهم فقتلوه فهو أول قتيل لهم وأول دم أراقوه فبلغ خبره إلى نظام الملك فأمر بأخذ من يتهم بقتله فوقعت التهمة على نجار اسمه طاهر فقتل ومثل به وجروا برجله في الأسواق فهو أول قتيل منهم وكان والده واعظا وقدم إلى بغداد مع السلطان بركيارق سنة ست وثمانين فحظي منه ثم قصد البصرة فولي القضاء بها ثم توجه في رسالة إلى كرمان فقتله العامة في الفتنة التي جرت وذكروا أنه باطني ثم إن الباطنية قتلوا نظام الملك وهي أول فتكة مشهورة كانت لهم وقالوا قتل نجارا فقتلناه به وأول موضع غلبوا وتحصنوا به بلد عند قاين كان متقدمه على مذهبهم فاجتمعوا عنده وقووا به فاجتازت بهم قافلة عظيمة من كرمان إلى قاين فخرج عليهم ومعه أصحابه والباطنية فقتل أهل القفل أجمعين ولم ينج منهم غير رجل تركماني فوص إلى قاين فأخبر بالقصة
فتسارع أهلها مع القاضي الكرماني إلى جهادهم فلم يقدروا عليهم ثم قتل نظام الملك ومات السلطان ملكشاة فعظم أمرهم واشتدت شوكتهم وقويت أطماعهم
وكان سبب قوتهم بأصبهان أن السلطان بركيارق لما حصر أصبهان وبها أخوه محمود وأمه خاتون الجلالية وعاد منهم ظهرت مقالة الباطنية بها وانتشرت وكانوا متفرقين في المحال فاجتمعوا وصاروا يسرقون من قدروا عليه من مخالفيهم ويقتلونهم فعلوا هذا بخلق كثير وزاد الأمر حتى أن الإنسان كان إذا تأخر عن بيته عن الوقت المعتاد تيقنوا قتله وقعدوا للعزاء به فحذر الناس وصاروا لا ينفرد أحد , أخذوا في بعض الأيام مؤذنا أخذه جار له باطني فقام أهله للنياحة عليه فأصعده الباطنية إلى سطح داره وأروه أهله كيف يلطمون ويبكون وهو لا يقدر يتكلم خوفا منهم
ذكر ما فعل بهم العامة بأصبهان
لما عمت هذه المصيبة الناس بأصبهان أذن الله تعالى في هتك أستارهم والانتقام منهم فاتفق أن رجلا دخل دار صديق له فرأى فيها ثيابا ومداسات وملابس لم يعهدها فخرج من عنده وتحدث بما كان فكشف الناس عنها فعلموا أنه من المقتولين وثار الناس كافة يبحثون عمن قتل منهم ويستكشفون فظهروا على الدروب التي هم فيها وأنهم كانوا إذا اجتاز بهم إنسان أخذوه إلى دار منها وقتلوه وألقوه في بئر في الدار قد صنعت لذلك وكان على باب درب منها رجل ضرير فإذا اجتاز به إنسان يسأله أن يقوده خطوات إلى 38 باب الدرب فيفعل ذلك فإذا دخل الدرب أخذ وقتل فتجرد للانتقام منهم أبو القاسم مسعود بن محمد الخجندي الفقيه الشافعي وجمع الجم الغفير بالأسلحة وأمر بحفر أخاديد وأوقد النيران وجعل العامة يأتون بالباطنية أفواجا ومنفردين فيلقون في النار وجعلوا إنسانا على أخاديد النيران وسموه مالكا فقتلوا منهم خلقا كثيرا
ذكر قلاعهم التي استولوا عليها ببلاد العجم
واستولوا على عدة حصون منها قلعة أصبهان وهذه القلعة لم تكن قديما وإنما بناها السلطان ملكشاه
وسبب بنائها أنه كان قد أتاه رجل من مقدمي الروم فأسلم وصار وعه فاتفق أنه سار يوما إلى الصيد فهرب منه كلب حسن الصيد وصعد هذا الجبل فتبعه السلطان والرومي معه فوجده موضع القلعة فقال له الرومي لو أن عندنا مثل هذا الجبل لجعلنا عليه حصنا ننتفع به فأمر ببناء القلعة ومنع منها نظام الملك فلم يقبل قوله فلما فرغت جعل فيها دزدارا فلما انقضت أيام السلطان ملكشاه وصارت أصبهان بيد خاتون أزالت الدزدار وجعلت غيره فيها وهو إنسان ديلمي اسمه زيار فمات وصار بالقلعة غسان خوزي فاتصل به أحمد بن عطاش وكان الباطنية قد ألبسوه تاجا وجمعوا له أموالا وقدموه عليهم مع جهله وإنما كان أبوه مقدما فيهم فلما اتصل بالدزدار بقي معه ووثق به وقلده الأمور فلما توفي الدزدار استولى أحمد بن عطاش عليها ونال المسلمين منه ضرر عظيم من أخذ الأموال وقتل النفوس وقطع الطريق الخوف الدائم فكانوا يقولون إن قلعة يدل عليها كلب ويشير بها كافر لا بد وأن يكون خاتمه أمرها الشر ومنها الموت وهي من نواحي قزوين قيل إن ملكا من ملوك الديلم كان كثير التصيد فأرسل يوما عقابا وتبعه فرآه قد سقط على موضع هذه القلعة فوجده موضعا حصينا فأمر ببناء قلعة عليه فسماها إله موت ومعناه بلسان الديلم تعليم العقاب ويقال لذلك الموضع وما يجاوره طالقان وفيها قلاع حصينة أشهرها الموت
وكانت هذه النواحي في ضمان شرفشاه الجعفري وقد استناب فيها رجلا علويا فيه بله وسلامة صدر وكان الحسن بن الصباح رجلا شهما كافيا عالما بالهندسة 39 والحساب والنجوم والسحر وغير ذلك وكان رئيس الري غسان يقال له أبو مسلم وهو صهر نظام الملك فاتهم الحسن بن الصباح بدخول جماعة من دعاة المصريين عليه فخافه ابن الصباح وكان نظام الملك يكرمه وقال له يوما من طريق الفراسة عن قريب يضل هذا الرجل ضعفاء العوام
فلما هرب الحسن من أبي مسلم طلبه فلم يدركه وكان الحسن من جملة تلامذة ابن عطاش الطبيب الذي ملك قلعة أصبهان ومضى ابن الصباح فطاف البلاد ووصل إلى مصر ودخل على المستنصر صاحبها فأكرمه وأعطاه مالا وأمره أن يدعو الناس إلى إمامته فقال له الحسن فمن الإمام بعدك فأشار إلى ابنه نزار وعاد من مصر إلى الشام والجزيرة وديار بكر والروم ورجع إلى خراسان ودخل كأشغر وما وراء النهر يطوف على قوم يضلهم فلما رأى قلعة الموت واختبر أهل تلك النواحي أقام عندهم وطمع في إغوائهم ودعاهم في السر وأظهر الزهد ولبس المسح فتبعه أكثرهم والعلوي صاحب القلعة حسن الظن فيه يجلس إليه يتبرك به فلما أحكم الحسن أمره دخل يوما على العلوي بالقلعة فقال له ابن الصباح اخرج من هذه القلعة فتبسم العلوي وظنه يمزح فأمر ابن الصباح بعض أصحابه بإخراج العلوي فأخرجوه إلى دامغان وأعطاه ماله وملك القلعة
ولما بلغ الخبر إلى نظالم الملك بعث عسكرا إلى قلعة الموت فحصروه فيها وأخذوا عليه الطرق فضاق ذرعه بالحصر فأرسل من قتل نظام الملك فلما قتل رجع العسكر عنها
ثم إن السلطان محمد بن ملكشاه جهز نحوها العساكر فحصرنا وسيرد ذكر ذلك إن شاء الله تعالى
ومنها طبس وبعض قهستان وكان سبب ملكهم لها أن قهستان كان قد بقي فيها بقايا من بني سيمجور أمراء خراسان أيام السامانية وكان قد بقي من نسلهم رجل يقال له المنور وكان رئيسا مطاعا عند الخاصة والعامة فلما ولي كلسارغ قهستان ظلم الناس وعسفهم وأراد أختا للمنور بغير حل فحمل ذلك المنور على أن التجأ إلى الإسماعيلية وصار معهم فعظم حالهم في قهستان واستولوا عليها
ومن جملتها خورخوسف وزوزن وقاين وتون وتلك الأطراف المجاورة لها
ومنها قلعة وسنمكوه ملكوها وهي بقرب أبهر سنة أربع وثمانين وتأذى بهم الناس لا سيما أهل أبهر فاستغاثوا بالسلطان بركيارق فجعل عليها من يحاصرها فحوصرت ثمانية أشهر وأخذت منهم سنة تسع وثمانين وقتل كل من بها عن آخرهم
ومنها قلعة خالنجان 40 على خمسة فراسخ من أصبهان كانت لمؤيد الملك بن نظام الملك وانتقلت إلى جاولي سقاووا فجعل بها إنسانا تركيا فصادقه نجار باطني وأهدى له هدية جميلة ولزمه حتى وثق به وسلم إليه مفاتيح القلعة فعمل دعوة للتركي وأصحابه فسقاهم الخمر فأسكرهم واستدعى ابن عطاش فجاء في جماعة من أصحابه فسلم إليهم القلعة فقتلوا من بها سوى التركي فإنه هرب
وقوي ابن عطاش بها وصار له على أهل أصبهان القطائع الكثيرة
ومن قلاعهم المذكورة استوناوند وهي بين الري وآمل ملوكها بعد ملكشاه نزل منها صاحبها فقتل وأخذت منه
ومنها أردهن وملكها أبو الفتوح ابن أخت الحسن بن الصباح
ومنها كردكوه وهي مشهورة
ومنها قلعة الناظر بخوزستان وقلعة الطنبور وبينها وبين أرجان فرسخان أخذها أبو حمزة الإسكاف وهو من أهل أرجان سافر إلى مصر وعاد داعية لهم وقلعة خلادخان وهي بين فارس وخوزستان وأقام بها المفسدون نحو مائتي سنة يقطعون الطريق حتى فتحها عضد الدولة بن بويه وقتل من بها فلما صارت الدولة لملكشاه أقطعها الأمير أنز فجعل بها دارا فأنفذ إليه الباطنية الذين بأرجان يطلبون منه بيعها فأبى فقالوا نحن نرسل إليك من يناظرك حتى يظهر لك الحق فأجابهم إلى ذلك فأرسلوا إليه إنسانا ديلميا يناظره وكان للدزدلر مملوك قد رباه وسلم إليه مفاتيح القلعة فاستماله الباطني فأجابه إلى القبض على صاحبه وتسليم القلعة إليهم فقبض عليه وسلم القلعة إليهم ثم أطلقه واستولوا بعد ذلك على عدة قلاع هذه أشهرها
ذكر ما فعله جاولي سقاووا بالباطنية
في هذه السنة قتل جاولي سقاووا خلقا كثيرا منهم
وسبب ذلك أن هذا الأمير كانت ولايته التي بين رامهرمز وأرجان فلما ملك الباطنية القلاع المذكورة بخوزستان وفارس وعظم شرهم وقطعوا الطريق بتلك البلاد واقف جماعة من أصحابه حتى أظهروا الشغب عليه وفارقوه وقصدوا الباطنية أنهم معهم وعلى رأيهم فأقاموا عندهم حتى وثقوا بهم ثم أظهر جاولي أن الأمراء بني برسق يريدون قصده وأخذ بلاده وأنه عازم على مفارقتها لعجزه عنهم والمسير إلى همذان فلما ظهر ذلك 41 وسار قال من عند الباطنية من أصحابه لهم الرأي أننا نخرج إلى طريقه ونأخذه وما معه من الأموال فساروا إليه في ثلاثمائة من أعيانهم وصناديدهم فلما التقوا صار من معهم من أصحاب جاولي عليهم ووضعوا السيف فيهم فلم يفلت منهم سوى ثلاثة نفر صعدوا إلى الجبل وهربوا وغنم جاولي ما معهم من دواب وسلاح وغير ذلك
ذكر قتل صاحب كرمان الباطني وملك غيره
كان تيرانشاه بن قاروت بك هو الذي قتل الأتراك الإسماعيلية وليسوا منسوبين إلى هذه الطائفة الباطنية إنما نسبوا إلى أمير اسمه إسماعيل وكانوا من أهل السنة قتل منهم الفي رجل صبرا وقطع أيدي ألفين ونفق عليه إنسان يقال له أبو زرعة كان كاتبا بخوزستان فحسن له مذهب الباطنية فأجاب إليه وكان عنده فقيه حنفي يقال له أحمد بن الحسين البلخي كان مطاعا في الناس فأحضره عنده ليلا وأطال الجلوس معه فلما خرج من عنده أتبعه بمن قتله فلما أصبح الناس دخلوا عليه وفيهم صاحب جيشه فقال لتيرانشاه أيها الملك من قتل هذا الفقيه أيها الملك من قتل هذا الفقيه فقال أنت شحنة البلد تسألني من قتله فقال أنا أعرف قاتله ونهض من عنده ففارقه في ثلاثمائة فارس وسار إلى أصبهان فأرسل في أثره ألفي فارس ليردوه فقاتلهم وهزمهم وصار إلى أصبهان وبها السلطان محمد ومؤيد الملك فأكرمه السلطان وقال أنت والد الملوك وامتعض عسكر كرمان بعد مسيره واجتمعوا وقاتلوا تيرانشاه وأخرجوه عن مدينة بردسير التي هي مدينة كرمان فلما فارقها اتفق القاضي والجند وأقاموا أرسلانشاه بن كرمانشاه بن قاروت بك وسارتيرانشاه إلى مدينة بم من كرمان فحاربه أهلها ومنعوه منها وأخذوا ما معه من أموال وجواهر وقصد قلعة سميرم وتحصن بها وفيها أمير يعرف بمحمد بهستون فأرسل أرسلانشاه جيشا حصروا القلعة فقال محمد بهستون لتيرانشاه انصرف عني فلست أرى الغدر بك وأنا رجل مسلم ومقامك عندي يؤذيني وأتهم بك في ديني فلما عزم على الخروج أرسل محمد بهستون إلى مقدم الجيش الذين يحاصرونهم يعلمه بمسير تيرانشاه فجرد عسكرا إلى طريقه فخرجوا عليه وأخذوه وما معه وأخذوا أيضا أبا زرعة فأرسل أرسلانشاه فقتلهما وتسلم جميع بلاد كرمان
ذكر السبب في قتل بركيارق الباطنية
لما اشتد أمر الباطنية وقويت شوكتهم وكثر عددهم صار بينهم وبين أعدائهم ذحول 42 وإحن فلما قتلوا جماعة من الأمراء الأكابر وكان أكثر من قتلوا من هو في طاعة محمد مخالف للسلطان بركيارق مثل شحنة أصبهان سرمز ورغش وكمش النظاميين وصهره وغيرهم نسب أعداء بركيارق ذلك غيه واتهموه بالميل إليهم فلما ظفر السلطان بركيارق وهزم أخاه السلطان محمدا وقتل مؤيد الملك وزيره انبسط جماعة منهم في العسكر واستغووا كثيرا وأدخلوهم في مذهبهم وكادوا يظهرون بالكثرة والقوة وحصل العسكر منهم طائفة من وجوههم وزاد أمرهم فصاروا يتهددون من لا يوافقهم بالقتل فصار يخافهم من يخالفهم حتى أنهم لم يتجاسر أحد منهم لا أمير ولا متقدم على الخروج من منزله حاسرا بل يلبس تحت ثيابه درعا حتى أن الوزير الأعز أبا المحاسن كان يلبس زردية تحت ثيابه واستأذن السلطان بركيارق خواصه في الدخول عليه بسلاحهم واستأذن السلطان بركيارق خواصه في الدخول عليه بسلاحهم وعرفوه خوفهم ممن يقاتلهم فأذن لهم في ذلك وأشاروا على السلطان أن يفتك بهم قبل أن يعجز عن تلافي أمرهم وأعلموه ما يتهمه الناس به من الميل إلى مذهبهم حتى أن عسكر أخيه السلطان محمد يشنعون بذلك وكانوا في المصاف يكبرون عليهم ويقولون يا باطنية فاجتمعت هذه البواعث كلها فأذن السلطان في قتلهم والفتك بهم وركب هو والعسكر معه وطلبوهم وأخذوا جماعة من خيامهم ولم يفلت منهم إلا من لم يعرف وكان ممن اتهم بأنه مقدمهم الأمير محمد بن دشمنزيار بن علاء الدولة أبي جعفر كاكويه صاحب يزد فهرب وسار يومه وليلته فلما كان اليوم الثاني وجد في العسكر قد ضل الطريق ولا يشعر فقتل وهذا موضع المثل أتتك بخائن رجلاه ونهب خيامه فوجد عنده السلاح المعد وأخرج الجماعة المتهمون إلى الميدان فقتلوا وقتل منهم جماعة براء لم يكونوا منهم سعى بهم أعداؤهم
وفيمن قتل ولد كيقباذ مستحفظ تكريت فلم يغير والده خطبة بركيارق ولكن شرع في تحصين القلعة وعمارتها ونقض جامع البلد وكان يقاربها لئلا يؤتى منه وجعل بيعة في البلد جامعا وصلى الناس فيه وكتب إلى بغداد بالقبض على أبي إبراهيم الأسداباذي الذي كان قد وصل إليها رسولا من بركياق ليأخذ مال مؤيد الملك وكان من أعيانهم ورؤوسهم فأخذ وحبس فلما أرادوا قتله قال هبوا أنكم قتلتموني أتقدرون على قتل من بالقلاع والمدن فقتل ولم يصل عليه أحد وألقي خارج السور وكان له ولد كبير قتل بالعسكر معهم
وقد كان أهل عانة نسبوا إلى هذا المذهب قديما فأنهي حالهم إلى الوزير أبي شجاع أيام المقتدي بأمر الله فأحضرهم إلى بغداد فسئل 43 مشايخهم عن الذي يقال فيهم فأنكروا وجحدوا فأطلقهم واتهم أيضا الكيا الهراس المدرس بالنظامية بأنه باطني ونقل ذلك عنه إلى السلطان محمد فأمر بالقبض عليه فأرسل المستظهر بالله من استخلصه وشهد له بصحة الاعتقاد وعلو الدرجة في العلم فأطلق
ذكر حصر الأمير بزغش قهستان وطبس
في هذه السنة جمع الأمير بزغش وهو أكبر أمير مع السلطان سنجر جموعا كثيرة وقواهم بالمال والسلاح وسار إلى بلد الإسماعيلية فنهبه وخربه وقتل فيهم فأكثر وحصر طبس وضيق عليها بالمنجنيق فخرب كثيرا من سورها وضعف من بها ولم يبق إلا أخذها فأرسلوا إليه الرشا الكثيرة واستنزلوه عما كان يريده منهم فرحل عنهم وتركهم فعادوا عمارة ما انهدم من سورها وملؤوها ذخائر من سلاح وأقوات وغير ذلك ثم عاودهم بزغش سنة سبع وتسعين فكان ما نذكره عن شاء الله تعالى
ذكر ما ملك الفرنج من الشام
فيها سار كندفري ملك الفرنج بالشام وهو صاحب البيت المقدس إلى مدينة عكا بساحل الشام فحصرها فأصابه سهم فقتله
وكان قد عمر مدينة يافا وسلمها إلى قمص من الفرنج اسمه طنكري فلما قتل كندفري سار أخوه بغدوين إلى البيت المقدس في خمسمائة فارس وراجل فبلغ الملك دقاق صاحب دمشق خبره فنهض إليه في عسكره ومعه الأمير جناح الدولة في جموعه فقاتله فنصر على الفرنج
وفيها ملك الفرنج مدينة سروج منن بلاد الجزيرة وسبب ذلك أن الفرنج كانوا قد ملكوا مدينة الرها بمكاتبة من أهلها لأن أكثرهم أرمن وليس بها من المسلمين إلا القليل فلما كان الآن جمع سقمان بسروح جمعا كثيرا من التركمان وزحف إليهم فلقوه وقاتلوه فهزموه في ربيع الأول فلما تمت الهزيمة على المسلمين سار الفرنج إلى سروج فحصروها وتسلموها وقتلوا كثيرا من أهلها وسبوا حريمهم ونهبوا أموالهم ولم يسلم إلا من مضر منهزما
وفيها ملك الفرنج مدينة حيفا وهي بالقرب من عكة على ساحل البحر ملكوها عنوة وملكوا أرسوف بالأمان وأخرجوا أهلها منها
وفيها في رجب ملكوا مدينة قيسارية بالسيف وقتلوا أهلها ونهبوا ما فيها 44
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في شهر رمضان قدم الخلفية المستظهر بالله بفتح جامع القصر وأن يصلي فيه صلاة التراويح ولم يكن جرت بذلك عادة وأمر بالجهر ببسم الله الرحمن الرحيم هذا أيضا لم تجربه عادة وإنما ترك الجهر بالبسملة في جوامع بغداد لأن العلويين أصحاب مصر كانوا يجهرون بها فترك ذلك مخالفة لهم لا اتباعا لمذهب أحمد الإمام وأمر أيضا بالقنوت على مذهب الشافعي فلما كانت الليلة التاسعة والعشرون ختم في جامع القصر وازدحم الناس عنده وكان زعيم الرؤساء أوب القاسم علي بن فخر الدولة بن جهير أخو عميد الدولة قد أطلق من الاعتقال فاختلط بالناس وخرج إلى ظاهر بغداد من ثلة في السور وسار إلى سيف الدولة صدقة بن مزيد فاستقبله وأنزله وأكرمه
وفيها في المحرم توفي جمال الدولة أبو نصر ابن رئيس الرؤساء ابن المسلمة وهو أستاذ دار الخلفية
وفيه توفي القاضي أحمد بن محمد بن عبد الواحد أو منصور بن الصباغ الفقيه الشافعي وأخذ الفقه عن ابن عمه الشيخ أبي نصر بن الصباغ وكان يصوم الدهر وروى الحديث عن القاضي أبي الطيب الطبري وغيره
وفيه توفي شرف الملك أبو سعد محمد بن منصور المستوفي الخوارزمي بأصبهان وكان مستوفيا في ديوان السلطان ملكشاه فبذل مائة ألف دينار حتى ترك الاستيفاء وبنى مشهدا على قبر أبي حنيفة رحمة الله عليه ومدرسة بباب الطاق ومدرسة بمرو جميعها للحنفيين
وفيها في صفر توفي القاضي أبو المعالي عزيزي وكان شافعيا أشعريا وهو من جيلان وله مصنفات كثيرة حسنة وكان ورعا مع أهل باب الأزج أخبار ظريفة وكان قاضيا عليهم وكانوا يبغضونه ويبغضهم وتوفي أسعد بن مسعود بن علي بن محمد أبو إبراهيم الشعشي من ولد عتبة بن غزوان نيسابوري ولد سنة أربع وأربعمائة وروى عن أبي بكر الحميري وغيره
وتوفي في صفر محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن الحسن بن محمد بن طوق أبو الفضائل الربعي الموصلي الفقيه الشافعي تفقه على أبي إسحاق الشيرازي وسمع الحديث من أبي الطيب الطبري وغيره وكان ثقة صالحا
وتوفي في ربيع الأول منها محمد بن علي بن عبيد الله بن أحمد بن صالح بن سليمان بن ودعان أبو نصر القاضي الموصلي وهو صاحب الأربعين الودعانية وقد تكلموا فيها فقيل إنه سررقها وكانت تصنيف 45 زيد بن رفاعة الهاشمي والغالب على حديثه المناكير
وتوفي فيها في ربيع الأول نصر بن أحمد بن عبد الله بن البطر القاري أبو الخطاب ومولده سنة وتسعين وثلاثمائة سمع ابن رزقويه وغيره وصارت إليه الرحلة لعلو إسناده وكان سماعه صحيحا 46
ثم دخلت سنة خمس وتسعين وأربعمائة
ذكر وفاة المستعلي بالله وولاية الأمر بأحكام الله
في هذه السنة توفي المستعلي بالله العلوي الخليفة المصري لسبع عشرة خلت من صفر وكان مولده في العشرين من شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة
وكانت خلافته سبع سنين وقريب من شهرين وكان المدير لدولته الأفضل ولما توفي ولي بعده ابنه أبو علي المنصور ومولده ثالث عشر المحرم سنة تسعين وأربعمائة وبويع له بالخلافة في اليوم الذي مات فيه أبوه وله خمس سنين وشهر وأربعة أيام ولقب الآمر بأحكام الله ولم يكن بالخلافة قط أصغر منه ومن المستنصر وكان المستنصر أكبر من هذا ولم يقدر يركب وحده على الفرس لصغر سنه وقام بتدبير دولته الأفضل ابن أمير الجيوش أحسن قيام ولم يزل كذلك يدبر الأمر إلى أن قتل سنة خمس عشرة وخمسمائة
ذكر الحرب بين السلطان بركياق والسلطان محمد والصلح بينهما
في هذه السنة في صفر كان المصاف الثالث بين السلطان بركيارق ومحمد قد ذكرنا سنة أربع وتسعين قدوم السلطان محمد إلى بغداد ورحيل السلطان بركيارق عنها إلى واسط مريضا فأقام السلطان محمد ببغداد إلى سابع عشر المحرم من هذه السنة وسار عنها هو وأخوه السلطان سنجر يقصد خراسان والسلطان محمد يقصد همذان
فلما سار محمد عن بغداد وصلت الأخبار أن بركيارق قد اعترض خاص الخليفة بواسط وسمع منه في حق الخليفة ما يقبح نقله فأرسل الخليفة وأعاد السلطان محمدا إلى بغداد وذكر له ما نقل إليه عزم على الحركة مع محمد إلى قتال بركيارق فقال السلطان محمد لا حاجة إلى حركة أمير المؤمنين فإني أقوم في هذا القيام المرضي وسار عائدا ورتب ببغداد أبا المعالي المفضل بن عبد 47 الرزاق في جباية الأموال وأيلغازي شحنة
وكان لما دخل بغداد قد خلف عسكره بطريق خراسان فنهبوا البلاد وخربوها فأخذهم السلطان محمد معه وجد السير إلى روذراور
وأما السلطان بركيارق فقد تقدم سنة أربع وتسعين أنه سار من بغداد عند وصول محمد إليه قاصدا إلى واسط فلما سمع عسكر واسط بقربه منهم خافوا منه وأخذوا نساءهم وأولادهم وأموالهم وجمعوا السفن جميعها وانحدروا إلى الزبيدية فأقاموا هناك ووصل السلطان وهو شديد المرض يحمل في محفة وقد هلك من دواب عسكره ومتاعهم الكثير فإنهم كانوا يجدون السير خوفا أن يتبعهم السلطان محمد أو الأمير صدقة صاحب الحلة فكانوا كلما جاوزوا قنطرة هدموها ليمتنع من يجتاز بها من اتباعهم ولما وصلوا إلى ولسط عوفي بركيارق ولم يكن له ولأصحابه همة غير العبور من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي فلم يجد هناك سفينة وكان الزمان شاتيا شديد البرد والماء زائدا وكان أهل البلد قد خافوهم فلزموا الجامع فخلت الطرق والأسواق من مجتاز فيها فخرج القاضي أبو علي الفارقي إلى العسكر واجتمع إلى الأمير أياز والوزير واستعطفهما للخلق وطلب إنفاذ شحنة لتطمئن القلوب فأجابوه إلى ملتسمه وقالوا له نريد أن تجمع لنا منن بعير دوابنا في الماء ونسبح معها فجمع لهم من شباب واسط وأعطاهم الأجرة الوافرة فعبروا دوابهم من الخيل والبغال والجمال وكان الأمير أياز بنفسه يسوق الدواب ويفعل ما يفعله الغلمان ولم يكن معهم غير سفينة واحدة انحدرت مع السلطان من بغداد فعبروا أموالهم ورحالهم فيها فلما صاروا في الجانب الشرقي اطمأنوا ونهب العسكر البلد فرجع القاضي وجدد الخطاب في الكف عنهم فأجيب إلى ذلك فأرسل معه من يمنع من النهب
ثم أن عسكر واسط أرسلوا إلى بركيارق يطلبون الأمان ليحضروا لخدمة السلطان فأمنهم فحضر أكثرهم عنده وساروا معه إلى بلاد بني برسق فحضروا أيضا عنده وخدموه واجتمعت العساكر عليه وبلغه مسير أخيه محمد عن بغداد فسار يتبعه على نهاوند فأدركه بروذراور وكان العسكران متقاربين في العدة كل واحد منهما أربعة آلاف فارس من الأتراك فتصافوا أول يوم جميع النهار ولم يجر بينهم قتال لشدة البرد وعادوا في اليوم الثاني ثم توافقوا كذلك ثم كان الرجل يخرج من أحد الصفين فيخرج غليه من يقاتله فإذا تقاربا اعتنق كل واحد منهما صاحبه وسلم عليه ويعود عنه ثم خرج الأمير يلدجي وغيره من عسكر محمد إلى الأمير أياز والوزير 48 فاجتمعوا واتفقوا على الصلح لما قد عم الناس من الضرر والملل والوهن فاستقرت القاعدة أن يكون بركيارق السلطان ومحمد الملك ويضرب له ثلاث نوب ويكون له من البلاد جنزة وأعمالها وأذربيجان وديار بكر والجزيرة والموصل وأن يمده السلطان بركيارق بالعساكر حتى يفتح ما يمتنع عليه منها وحلف كل واحد منهما لصاحبه
وانصرف الفريقان من المصاف رابع ربيع الأول وسار بركيارق إلى مرج قراتكين قاصدا ساوة والسلطان محمد إلى أسداباذ وتفرق العسكر وقصد كل أمير قطاعه
ذكر الحرب بين السلطان بركيارق ومحمد وانفساخ الصلح بينهما
في هذه السنة في جمادى الأولى كان المصاف الرابع بين السلطان بركيارق وأخيه محمد
وكان سببه أن السلطان محمد سار من روذراور من الوقعة المذكورة إلى أسداباذ ومنها إلى قزوين ونسب الأمراء الذين سعوا في ذلك الصلح إلى المخامرة عليه والتقاعد به
فوضع رئيس قزوين أن يتوسل إليه بأولئك الأمراء ليحضر دعوته فاستشفع بهم إلى السلطان فحضر دعوته بعد أن امتنع ووصى خواصه بحمل السلاح تحت أقبيتهم وحضر الدعوة ومعه الأمير أيتكين وبسمل فقتل الأمير بسمل وهو من أكابر الأمراء وكحل الأمير أيتكين وكان الأمير ينال بن أنوشتكين الحسامي قد فارق بركياق وأقام مجاهدا للباطنية الذين في القلاع والجبال فقصد الآن السلطان محمد وسار معه إلى الري يضرب النوب الخمس واجتمعت إليه العساكر وأقام ثمانية أيام وأقام أخوه السلطان بركيارق في اليوم التاسع ووقع بينهما المصاف عند الري وكانت عدة العسكريين متقاربة كل عسكر منهما عشرة آلاف فارس فلما اصطفوا حمل الأمير سرخاب بن كيخسرو الديلمي صاحب آبة على الأمير ينال فهزمه وتبعه في الهزيمة جميع عسكر محمد وتفرقوا ومضى معظمهم نحو طبرستان ولم يقتل في هذا المصاف غير رجل واحد قتل صبرا ومضى قطعة من المنهزمين نحو قزوين ونهبت خزائن محمد ومضى في نفر يسير إلى أصبهان وحمل هو عليه بيده ليتبعه أصحابه وسار في طلبه الأمير البكي بن برسق أياز إلى قم وتتبع بركيارق أصحاب أخيه محمد وأخذ أموالهم
ذكر حصار السلطان محمد بأصبهان
لما انهزم السلطان محمد من الوقعة التي ذكرناها بالري مضى إلى أصبهان في 49 سبعين فارسا والبلد في حكمه وفيه نائبه ومعه من الأمراء الأمير ينال وغيره من الأمراء ودخل المدينة في ربيع الأول وأمر بتجديد ما تشعث من السور وهذا السور هو الذي بناه علاء الدولة بن كاكويه سنة تسع وعشرين وأربعمائة عند خوفه من طغرلبك وأمر محمد بتعميق الخندق حتى صعد الماء فيه وسلم إلى كل أمير كان معه في البلد ألف ومائة فارس وخمسمائة راجل ونصب المنجنيق
ولما علم السلطان بركيارق بمسير أخيه محمد إلى أصبهان سار يتبعه فوصلها في جمادى الأولى وعساكره كثيرة تزيد على خمسة عشر ألف فارس ومعها مائة ألف من الحواشي وأقام يحاصر البلد وضيق عليه وكان السلطان محمد يدور كل ليلة على سور البلد ثلاث دفعات فلما زاد الأمر في الحصار أخرج الضعفاء والفقراء من البلد حتى خلت المحال وعدمت الأقوات وأكل الناس الخيل والجمال وغير ذلك وقلت الأموال فاضطر السلطان محمد إلى أن يستقرض من أعيان البلد فأخذ مالا عظيما ثم عاود الجند الطلب فقسط على أهل البلد شيئا آخر وأخذه منهم بالشدة والعنف فلم تزل الأسعار تغلو حتى بلغ عشرة أمنان من الحنطة بدينار وأربعة أرطال لحما بدينار وكل مائة رطل تبنا بأربعة دنانير ورخصت الأمتعة وهانت لعدم الطالب وكانت الأسعار في عسكر بركيارق رخيصة فبقي الحصار على البلد إلى عاشر ذي الحجة فلما رأى السلطان محمد أنه لا قدرة له على الدفع عن البلد وكلما جاء أمره يضعف قوي عزمه على مفارقته وقصد جهة أخرى يجمع فيها العساكر ويعود بدفع الخصم عن الحصار فسار عنا لبلد في مائة وخمسين فارسا ومعه الأمير ينال واستخلف بالبلد جماعة من الأمراء الكبار في باقي العسكر فلما فارق العسكر والبلد لم يكن في دوابهم ما يدوم على السير لقلة العلف في الحصار فنزل على ستة فراسخ
فلما سمع بركيارق بمسيره سير وراءه الأمير أياز في عسكر كثير وأمره بالجد في السير في طلبه فقيل إن محمدا سبقهم فلم يدركوه فرجعوا
وقيل بل أدركوه فأرسل إلى الأمير أياز يقول أنت تعلم أن لي في رقبتك عهودا وأيمانا ما نقضت ولم يكن مني إليك ما تبالغ في أذاي فعاد عنه وأرسل له خيلا وأخذ علمه والجنز وثلاثة أحمال دنانير وعاد إلى بركيارق فدخل عليه وأعلام أخيه السلطان محمد منكوسة
فأنكر بركيارق ذلك وقال إن قد أساء فلا ينبغي أن يعمل معه هذا فأخبره الخبر
فاستحسن ذلك منه فلما فارق محمد أصبهان اجتمع من المفسدين والسوادية ومن يرد النهب ما يزيد على مائة ألف نفس وزحفوا إلى البلد بالسلاليم والدبابات 50 وطموا الخندق بالتبن والتصقوا بالسور وصعد الناس في السلاليم فقاتلهم أهل البلد قتال من يريد يحمي حريمه وماله فعادوا خائبين
فحينئذ أشار الأمراء على بركيارق بالرحيل فرحل ثامن عشر ذي الحجة من السنة واستخلف على البلد القديم الذي يقال له شهرستان ترشك الصوابي في ألف فارس مع ابنه ملكشاه وسار إلى همذان وكان هذا من أعجب ما سطر إن سلطانا محصورا قد تقطعت مواده وهو يخطب له في أكثر البلاد ثم يخلص من الحصر الشديد وينجو من العساكر الكثيرة التي كلها قد شرع إليه رمحه وفوق إليه سهمه
ذكر قتل الوزير الأعز ووزارة الخطير أبي منصور
في هذه السنة ثاني عشر صفر الوزير الأعز أبو المحاسن عبد الجليل بن محمد الدهستاني وزير السلطان بركيارق على أصبهان وكان مع بركيارق محاصرا لها فركب هذا اليوم من خيمته إلى خدمة السلطان فجاء شاب أشقر قيل إنه كان من غلمان أبي سعيد الحداد وكان الوزير قتله في العام الماضي فانتهز الفرصة فيه وقيل كان باطنيا فجرحه عدة جراحات فتفرق أصحابه عنه ثم عادوا إليه فجرح أقربهم منه جراحات أثخنته وعاد إلى الوزير فتركه بآخر رمق وكان كريما واسع الصدر حسن الخلق كثير العمارة ونفر الناس منه لأنه دخل في الوزارة وقد تغيرت القوانين ولم يبق دخل ولا مال
ففعل للضرورة ما خافه الناس بسببه وكان حسن المعاملة مع التجار فاستغنى به خلق كثير فكانوا يسألونه ليعاملهم فلما قتل ضاع منهم مال كثير
حكي أن بعض التجار باعه متاعه بألف دينار فقال له خذ بها حنطة من الراذان خمسين كراكل كر بعشرين دينارا فامتنع التاجر من أخذها وقال لا أريد غير الدنانير فلما كان من الغد دخل إليه التاجر فقال له يهنيك يا فلان فقال وما هو قال خبر حنطتك فقال ما لي حنطة ولا أريدها قال بلى وقد بيعت كل كر بخمسين دينارا فقال أنا لم أتقبل بها فقال الوزير ما كنت لأفسخ عقدا عقدته قال فخرجت وأخذت ثمن الحنطة ألفين وخمسمائة دينار وأضفت غليها مثلها وعاملته فقتل فضاع الجميع
وكان قد نفق عليه عمل الكيمياء واختص به إنسان كيميائي فكان يعده الشهر بعد الشهر والحول بعد الحول وقال له بعض أصحابه وقد أحاله عليه بكر حنطة 51 فاستزاده لو كان صادقا في عمله لما كان يستزيد من القدر القليل وقتل ولم يصح له منه شيء
ولما قتل الأعز أبو المحاسن وزر بعده الوزير الخطير أبو منصور الميبذي الذي كان وزير السلطان محمد وكان سبب فراقه لوزيره محمد أنه كان معه بأصبهان وبركيارق يحاصره
وقد سلم إليه محمد بابا من أبوابها ليحفظها فقال له الأمير ينال بن أنوشتكين كنت كلفتنا ونحن بالري لنقصد هومذان وقلت أنا اقيم بالعسكر من مالي وأحصل لهم ما يقوم بهم ولا بد من ذلك فقال له الخطير أنا أفعل ذلك فلما كان الليل فارق البلد وخرج من الباب الذي كان مسلما إليه وقصد بلده ميبذ وأقام بقلعتها متحصنا فأرسل إليه السلطان بركيارق وحصره فنزل منها مستأمنا فحمل على بغل بإكاف إلى العسكر فوصله في طريقه قتل الوزير الأعز وكتاب السلطان له بالأمان وطيب قلبه فلما وصل إلى العسكر خلع عليه واستوزره
حادثة يعتبر بها
في سنة ثلاث وتسعين بيع رحل بني جهير ودورهم بباب العامة ووصل ثمن ذلك إلى مؤيد الملك ثم قتل في سنة أربع وتسعين مؤيد الملك وبيع ماله وتركته وأخذ الجميع وحمل إلى الوزير الأعز هذه السنة وبيع رحله واقتسمت أمواله وأخذ السلطان ومن ولي بعده أكثرها وتفرقت أيدي سبا وهذا عاقبة خدمة الملوك
ذكر الفتنة بين أيلغازي وعامة بغداد
في هذه السنة في رجب كانت فتنة شديدة بين عسكر الأمير أيلغازي بن أرتق شحنة بغداد وبين عامتها وسببها أن أيلغازي كان بطريق خراسان إلى بغداد فلما وصل أتى جماعة من أصحابه إلى دجلة فنادوا ملاحا ليعبر بهم فتأخر فرماه أحدهم بنشابة فوقعت في مشعره فمات فأخذ العامة القاتل وقصدوا باب النوبى فلقيهم ولد أيلغازي مع جماعة فاستنقذه ورجمهم العامة بسوق الثلاثاء فمضى إلى أبيه مستغيثا فأخذ حاجب الباب من له في هذه الحادثة عمل فلم يقنع أيلغازي ذلك فعبر بأصحابه إلى محلة الملاحين المعروفة بمربعة القطانين
وتبعهم خلق كثير فنهبوا ما وجدوا وقدروا عليه فعطف عليهم العيارون فقتلوا أكثرهم
ونزل من سلم في السفن ليعبوا دجلة فلما 52 توسطوها ألقى الملاحون أنفسهم في الماء وتركوهم فغرقوا فكان الغرق أكثر من القتل وجمع أيلغازي التركمان وأراد نهب الجانب الغربي فأرسل إليه الخليفة قاضي القضاة والكيا الهراس المدرس بالنظامية فمعناه من ذلك فامتنع
ذكر قصد صاحب البصرة مدينة واسط وعوده عنها
في هذه السنة في العشرين من شوال قصد الأمير إسماعيل صاحب البصرة مدينة واسط للاستيلاء عليها
ونحن نبتدىء بذكر إسماعيل وتنقل الإخوان به إلى أن ملك البصرة وهو إسماعيل بن سلانجق وكان إليه في أيام ملكشاه شحنكية الري ولما وليها كان أهل الري والرستاقية قد أعيوا من وليهم وعجز الولاة عنهم فسلك معهم طريقا أصلحهم بها وقتل منهم مقتلة عظيمة فتهذبوا بها وأرسل من شعورهم إلى السلطان ما عمل منه مقاود وشكلا للدواب ثم عزل عنها
ثم إن السلطان بركيارق أقطع البصرة للأمير قماج فأرسل إليها هذا الأمير إسماعيل نائبا عنه فلما فارق قماج بركيارق وانتقل إلى خراسان حدثته نفسه بالتغلب على البصرة والاستبداد فانحدر مهذب الدولة بن أبي الجبر من البطيحة إليه ليحاربه ومعه معقل بن صدقة بن منصور بن الحسين الأسدي صاحب الجزيرة الدبيسية فأقبلا في جمع كثير من السفن والخيل ووصلوا إلى مطارا فبينما معقل يقاتل قريبا من القلعة التي بناها ينال بمطارا وجددها إسماعيل وأحكمها أتاه سهم غرب فقتله فعاد ابن أبي الجبر إلى البطيحة وأخذ إسماعيل سفنه وذلك سنة إحدى وتسعين فاستمد ابن أبي الجبر كوهرائين فأمده بأبي الحسن الهروي وعباس بن أبي الجبر فلقياه فكسرهما وأسرهما وأطلق عباسا على مال أرسله أبوه واصطلحا وأما أبي الجبر فبقي في حبسه مدة ثم أطلقه على خمسة آلاف دينار فلم يصح له منها شيء وقوي حال إسماعيل فبنى قلعة بالأبلة وقلعة بالشاطىء مقابل مطارا وصار مخوف الجانب وأمن البصريون به وأسقط شيئا من المكوس واتسعت إمارته باشتغال السلاطين وملك المشان واشتضافها إلى ما بيده فلما كان هذه السنة كاتبه بعض عسكر واسط بالتسليم إليه فقوي طمعه في واسط فأصعد في السفن إلى نهر أبان وراسلهم في التسليم فامتنعوا من ذلك وقالوا راسلناك وقد رأينا غير ذلك الرأي فأصعد إلى الجانب الشرقي فخيم تحت النخيل وسفنه بين يديه وخيم جند واسط حذاءه وراسلهم وعدهم وهم لا يجيبونه واتفقت العامة مع الجند وشتموه أقبح شتم فلما 53 أيس منهم عاد إلى البصرة وساروا بإزائه من الجانب الآخر فوصل إلى العمر وعبر طائفة من أصحابه فوق البلد وهو يظن أن البلد خاليا وأن الناس قد خرجوا منه لما رأى كثرة من بإزائه فيوقع الحريق في البلد فإذا رجع الأتراك عاد هو من ورائهم فكان ظنه خائبا لأن العامة كانوا على دجلة أولهم في البلد وآخرهم مع الأتراك بإزائه فلما عبر أصحابه عاد الأتراك عليهم ومعهم العامة فقتلوا منهم ثلاثين رجلا وأسروا خلقا كثيرا وألقى الباقون أنفسهم في الماء فأتاه من ذلك مصيبة لم يظنها وسار أعيان أصحابه مأسورين وعاد إلى البصرة وكان عوده من سعادته فإنه كان قد قصد الأمير أبو سعد محمد بن مضر بن محمود البصرة ذلك الوقت وله أعمال واسعة منها نصف عمان وجناية وسيراف وجزيرة بني نقيس
وكان سبب قصده إياها أنه كان قد صار مع إسماعيل إنسان يعرف بجعفرك وآخر اسمه زنجويه والثالث بأبي الفضل الأبلي فأطمعوه في أن يعمل مراكب يرسل فيها مقاتلة في البحر إلى هذا أبي سعد وغيره فعمل نيفا وعشرين قطعة فلما علم أبو سعد الحال أرسل جماعة كثيرة من أصحابه في نحو خمسين قطعة فأتوا إلى دجلة البصرة وذلك في السنة الخالية فأقاموا بها محاربين وظفروا بطائفة من أصحاب إسماعيل وقتلوا صاحب قلعة الأبلة وكاتبوا بني برسق بخوزستان يطلبون أن يرسلوا عسكرا ليساعدوهم على أخذ البصرة فتمادى الجواب وركن الطائفتان إلى الصلح على أن يسلم إليهم إسماعيل جعفرك ورفيقه ويقطعهم مواضع ذكروها من أعمال البصرة فلما رجعوا لم يفعل شيئا من ذلك وأخذ مركبين لقوم من أصحاب أبي سعيد فحمله ذلك على أن سار بنفسه في قطع كثيرة تزيد على مائة قطعة بين كبيرة وصغيرة ووصل إلى فوهة نهر الأبلة وخرج عسكر إسماعيل في عدة مراكب ووقع القتال بينهم وكان البحريون في نحو عشرة آلاف وإسماعيل في سبعمائة وأصعد البحريون في دجلة فأحرقوا عدة مواضع وتفرق عسكر إسماعيل فبعضه بالأبلة وبعضه بنهر الدين وبعضه في مواضع آخر فلما ضعف إسماعيل عن مقاومة أبي سعد طلب من وكيل الخليفة على ما يتعلق بديوانه من البلاد أن يسعى في الصلح فأرسل إليه في ذلك فأعاد الجواب يذكر قبح ما عامله به إسماعيل مرة بعد أخرى وتكررت الرسائل بينهم فأجاب إلى الصلح فاصطلحا واجتمعا وعاد أبو سعد إلى بلاده وحمل كل واحد منهما لصاحبه هدية جميلة 54
ذكر وفاة كربوقا وملك موسى التركماني الموصل وجكرمش بعده وملك سقمان الحصن
في هذه السنة في ذي القعدة توفي قوام الدولة كربوقا عند مدينة خوي وكان السلطان بركيارق قد أرسله في العام الماضي إلى أذربيجان كما ذكرناه فاستولى على أكثرها وأتى إلى خوي فمرض بها ثلاثة عشر يوما وكان معه أصبهبذ صباوة بن خمارتكين وسنقرجه فوصى إلى سنقرجه وأمر الأتراك بطاعته وأخذ له على عسكره العهد ومات على أربعة فراسخ من خوي ولف في زلية لعدم ما يكفن فيه ودفن بخوي وسار سنقرجه وأكثر العسكر إلى الموصل فتسلمها
فأقام بها ثلاثة أيام وكان أعيان الموصل قد كاتبوا موسى التركماني وهو بحصن كيفا ينوب عن كربوقا فيها وسألوه أن يبادر إليهم ليسلموا إليه البلد فسار مجدا فسمع سنقرجه بوصوله فظن أنه جاء إليه خدمة له فخرج ليستقبله في أهل البلد فلما تقاربا نزل كل واحد منهما لصاحبه عن فرسه واعتنقا وبكيا على قوام الدولة فتسايرا فقال سنقرجه لموسى في جملة حديثه أنا مقصودي من جميع ما كان لصاحبنا المخدة والمنصب والأموال والولايات لكم وبحكمكم
فقال موسى من نحن حتى يكون لنا مناصب ودسوت الأمر في هذا إلى السلطان يرتب فيه من يريد ويولي من يختار وجرى بينهما محاورات فجذب سنقرجه سيفه وضربه صفحا من يريد ويولي من يختار وجرى بينهما محاورات فجذب سنقرجه سيفه وضربه صفحا على رأسه فجرحه فألقى موسى نفسه إلى الأرض وجذب سنقرجه فألقاه إلى الأرض وكان مع موسى ولد منصور بن مروان الذي كان أبوه صاحب ديار بكر فجذب سكينا وضرب بها رأس سنقرجه فأرثه ودخل موسى البلد وخلع على أصحاب سنقرجه وطيب نفوسهم فصارت الولاية له
ولما سمع شمس الدولة جكرمش صاحب جزيرة ابن عمر الخبر قصد نصيبين وتسلمها وسار موسى قاصدا إلى الجزيرة فلما قارب جكرمش غدر بموسى عسكره وصاروا مع جكرمش فعاد موسى إلى الموصل وقصده جكرمش وحصره مدة طويلة فاستعان موسى بالأمير سقان بن أرتق وهو يومئذ بديار بكر وأعطاه حصن كيفا وعشرة آلاف دينار فسار إليه فرحل جكرمش عنه وخرج 55 موسى لاستقبال سقمان فلما كان موسى عند قرية تسمى كرابا فوثب عليه عدة من الغلمان القوامية فقتلوه رماه أحدهم بنشابة فقتله فعاد أصحابه منهزمين ودفن على تل هناك يعرف الآن بتل موسى ورجع الأمير سقمان إلى الحصن فملكها وهي بيد أولاده إلى يومنا هذا سنة عشرين وستمائة وصاحبها حينئذ غازي بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان بن ارتق وقصد جكرمش الموصل وحصرها أياما ثن تسلمها صلحا وأحسن السيرة فيها وأخذ القوامية الذين قتلوا موسى فقتلهم واستولى بعد ذلك على الخابور وملك العرب والأكراد فأطاعوه
ذكر حال صنجيل الفرنجي وما كان منه في حصار طرابلس
كان صنجيللا الفرنجي لعنه الله قد لقي قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش صاحب قونية وكان صنجيل في مائة ألف مقاتل وكان قلج أرسلان في عدد قليل فاقتتلوا فانهزم الفرنج وقتل منهم كثير وأسر كثير وعاد قلج بالغنائم والظفر الذي لم يحسبه
ومضى صنجيل مهزوما في ثلاثمائة فوصل إلى الشام فأرسل فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس إلى الأمير ياخز خليفة جناح الدولة على حمص فإلى الملك دقاق بن تتش يقول من الصواب أن يعاجل صنجيل إذ هو في العدة القريبة فخرج الأمير ياخز بنفسه وسير دقاق ألفي مقاتل وأتتهم الأمداد من طرابلس فاجتمعوا على باب طرابلس وصافوا صنجيل هناك فأخرج مائة من عسكره إلى أهل طرابلس ومائة إلى عسكر دمشق وخمسين إلى عسكر خمص وبقي هو في خمسين
فأما عسكر حمص فإنهم انكسروا عند المشاهدة وولوا منهزمين وتبعتهم عسكر دمشق وأما أهل طرابلس فإنهم قاتلوا المائة الذين قاتلوهم فلما شاهد ذلك صنجيل حمل في المائتين الباقية فكسروا أهل طرابلس وقتلوا منهم سبعة آلاف رجل ونازل صنجيل طرابلس وحصرها وأتاه أهل الجبل فأعانوه على حصارها وكذلك أهل السواد وأكثرهم نصارى فقاتل من بها اشد قتال فقتل من الفرنج ثلاثمائة ثم إنه هادنهم على مال وخيل فرحل عنهم إلى مدينة أنطرسوس وهب من أعمال طرابلس فحصرها وفتحها وقتل من بها من المسلمين ورحل إلى حصن الطوبان وهو يقارب رفنية ومقدمه يقال له 56 ابن العريض فقاتلهم فنصر عليه أهل الحصن وأسر ابن العريض منه فارسا من أكابر فرسانه فبذل صنجيل في فدائه عشرة آلاف دينار وألف أسير فلم يجبه ابن العريض إلى ذلك
ذكر ما فعله الفرنج
في هذه السنة أطلق الدانشمند بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية وكان قد أسره وقد تقدم ذكر ذلك وأخذ منه مائة ألف دينار وشرط عليه إطلاق ابنة باغي سيان الذي كان صاحب أنطاكية وكانت في أسره ولما خلص بيمند من أسره عاد إلى أنطاكية فقويت نفوس أهلها ولم يستقر حتى أرسل إلى أهل العواصم وقنسرين وما جاورها يطالبهم بالأتاوة فورد على المسلمين من ذلك ما طمس المعالم التي بناها الدانشمند
وفيها سار صنجيل إلى حصن الأكراد فحصره فجمع جناح الدولة عسكره ليسير إليه ويكسبه فقتله باطني بالمسجد الجامع فقيل إن الملك رضوان ربيبه وضع عليه من قتله فلما قتل صبح صنجيل حمص من الغد ونازلها وحصر أهلها وسلك أعمالها ونزل القمص على عكة في جمادى الآخرة وضيق عليها وكاد يأخذها ونصب عليها المنجنيقات وأبراج وكان له في البحر ست عشرة قطعة فاجتمع المسلمون من سائر السواحل وأتوا إلى منجنيقاتهم وأبراجهم فأحرقوها وأحرقوا سفنهم أيضا وكان ذلك نصرا عجيبا أذل الله به الكفار
وفيها صار القمص الفرنجي صاحب الرها إلى بيروت من ساحل الشام وحصرها وضايقها وأطال المقام عليها فلم ير طمعا فرحل عنها
وفيها في رجب خرجت عساكر مصر إلى عسقلان ليمنعوا الفرنج عما بقي في أيديهم من البلاد الشامية فسمع بهم بروديل صاحب القدس فسار إليهم في سبعمائة فارس وقاتلهم فنصر الله المسلمين وانهزم الفرنج وكثر القتل فيهم وانهزم بروديل فاختفى في أجمة قصب فأحرقت تلك الأجمة ولحقت النار بعض جسده ونجا منها إلى الرملة فتبعه المسلمون أحاطوا به فتنكر وخرج منها إلى يافا وكثر القتل والأسر في أصحابه 57
ذكر عود قلعة خفتيذ كان إلى سرخاب بن بدر
في هذه السنة عادت قلعة خفتيذ كان إلى الأمير سرخاب بن بدر بن مهلهل
وكان سبب أخذها منه أن القرابلي وهو من قبيل من التركمان يقال لهم سلغر كان قد أتى إلى بلد سرخاب فمنعه من المراعي وقتل جمعة من أصحابه فمضى قرابلي إلى التركمان واستجاش بهم وجاء في عسكره كثير فلقيه سرخاب وقاتله قرابلي من أصحابه الأكراد قريبا من ألفي رجل وانهزم سرخاب إلى بعض جباله في عشرين رجلا فلما سمع المستحفظان بقلعة خفتيذ كان ذلك وكانا رجلين حدثتهما أنفسهما بالاستيلاء عليها وكان بها ذخائره وأمواله وقدرها يزيد على ألفي ألف دينار فتلمكاها واجتاز بها السلطان بركيارق فأنفذا إليه مائتي ألف دينار واستولى التركمان على جميع بلاد سرخاب بن بدر دقوقا وشهرزور فلما كان هذا الوقت قتل أحد المستحفظين الآخر وأرسل إلى سرخاب يطلب منه الأمان ليسلم إليه القلعة فأمنه على نفسه وعلى ما حصل بيده من أموالها فسلمه إليه ووفى له
ذكر قتل قدرخان صاحب سمرقند
قد ذكرنا قبل قدوم الملك سنجر مع أخيه السلطان محمد إلى بغداد وعوده إلى خراسان فلما وصل إلى نيسابور خطب لأخيه محمد بخراسان جميعها ولما كان ببغداد طمع قدرخان جبريل بن عمر صاحب سمرقند في خراسان لبعده عنها وجمع عساكر تملأ الأرض قيل كانوا مائة ألف مقاتل فيهم مسلمون وكفار وقصد بلاد سنجر وكان أمير من أمراء سنجر اسمه كندغدي قد كاتب قدرخان بالأخبار وأعلمه مرض سنجر بعد عوده إلى بلاده وأنه قد أشفى على الهلاك وقوي طمعه بالاختلاف الواقع بين السلطانين بركيارق ومحمد وبشدة عداوة بركيارق لسنجر وأشار عليه بالسرعة مهما الاختلاف واقع وأنه متى أسرع ملك خراسان والعراق فبادر قدرخان وأقدم وقصد البلاد
فبلغ السلطان سنجر الخبر وكان قد عوفي فبادر وسار نحوه قاصدا قتاله ومنعه عن البلاد وكان من جملة من معه كندغدي المذكور وهو لا يتهمه بشيء مما فعل فوصل إلى بلخ في ستة آلاف فارس فبقي بينه وبين قدرخان نحو خمسة أيام فهرب كندغدي إلى قدرخان وحلف كل واحد منهما لصاحبه على الاتفاق والمناصحة وسار من عنده إلى ترمذ فملكها
وكان الباعث للكندغدي على ما فعل حسده للأمير بزغش 58 على منزلته
ثم تقدم قدرخان فلما تدانى العسكران أرسل سنجر يذكر قدرخان العهود والمواثيق القديمة فلم يصغ إلى قواه وأذكى سنجر العيون والجواسيس على قدرخان فكان لا يخفي عنه شيء من خبره فأتاه من أخبر أنه نزل بالقرب من بلخ وأنه خرج متصيدا في ثلاثمائة فارس فندب سنجر عند ذلك الأمير بزغش لقصده فسار إليه فلحقه وهو على تلك الحال فقاتله فلم يصبر من مع قدرخان فانهزموا وأسر كندغدي وقدرخان وأحضرهما عند سنجر
فأما قدرخان فإنه قبل الأرض واعتذر فقال له سنجر إن خدمتنا أو لم تخدمنا فما جزاؤك إلا السيف ثم أمر به فقتل فلما سمع كندغدي الخبر نجا بنفسه في قناة ومشى فيها فرسخين تحت الأرض على مايه من النقرس
وقتل فيها حيتين عظيمتين وسبق أصحابه إلى مخرجها وسار منها في ثلاثمائة فارس إلى غزنة
وقيل بل جمع سنجر عساكر كثيرة والتقى هو وقدرخان وجرى بينهما مصاف وقتال عظيم كثير فيه القتل فيهم فانهزم قدرخان وعسكره وحمل أسيرا إلى سنجر فقتله وحصر ترمذ وبها كندغدي فطلب الأمان فأمنه سنجر ونزل إليه وسلم ترمذ فأمره سنجر بمفارقة بلاده فسار إلى غزنة فلما وصل إليها أكرمه صاحبها علاء الدولة وحل عنده المحل الكبير واتفق أن صاحب غزنة عزم على قصد أوتان وهي جبال منيعة على أربعين فرسخا من غزنة وقد عصا عليه فيها قوم وتحصنوا بمعاقلها ووعور مسالكها فقاتلهم عسكر علاء الدولة فلم يظفروا منهم بطائل فتقدم كندغدي منفردا عنهم فأبلى بلاء حسنا ونصر عليهم وأخذ غنائمهم وحملها إلى علاء الدولة فلم يقبل منها شيئا ووفرها عليه فغضب العسكر وحسدوه على ذلك وعلى قربه من صاحبهم ونفاقه عليه فأشار بقبضه وقالوا إنا لا نأمن أن يقصد بعض الأماكن فيفعل في أمر الدولة ما لا يمكن تلافيه فقال قد تحققت قصدكم ولكن بمن أقبض عليه فإني أخاف أن آمركم بالقبض عليه فينالكم منه ما لا تفتضحون به فقالوا الصواب أن توليه ولاية ويقبض عليه إذا سار إليها فولاه حصنين جرت عادته أن يسجن فيهما من يخاف جانبه فسار غليهما فلما قاربهما عرف ما يراد منه فأحرق ماله ونحر جماله وسار جريدة وكان في مدة مقامه بغزنة يسأل عن الطرق وتشعبها فإنه ندم على قصد تلك الجهة فلما سار سأل راعيا عن الطريق التي يريدها فدله فأخذه معه خوفا أن يكون قد غره ولم يزل سائرا إلى أن وصل 59 إلى قريب هراة فمات هناك وهو من ممالليك تتش بن ألب أرسلان الذي كحله أخوه ملكشاه وسجنه بتكريت وقد تقدم ذكر حادثته
ذكر ملك محمد خان سمرقند
في هذه السنة احضر السلطان سنجر محمدا أرسلان خان بن سليمان بن داود بغراخان من مرو وملكه سمرقند بعد قتل قدرخان وكان هذا محمد خان من أولاد الخانية بما وراء النهر وأمه ابنة السلطان ملكشاه فدفع عن ملك آبائه فقصد مرو وأقام بها إلى الآن فلما قتل قدرخان ولاه سنجر أعماله وسير معه العساكر الكثيرة فعبروا فعبروا النهر فأطاعه العساكر بتلك البلاد جميعها وعظم شأنه وكثرت جموعه إلا أنه انتصب له أمير اسمه ساغوبك وزاحمه في الملك فطمع فيه فجرى له معه حروب احتاج في بعضها إلى الاستنجاد بعساكر على ما سنذكره بعد إن شاء الله تعالى ولما ملك محمد خان البلاد أحسن إلى الرعايا بوصية من سنجر وحقن الدماء وصار بابه مقصدا وجنابه ملجأ
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في ربيع الأول خرج تاج الرؤساء ابن أخت أمين الدولة أبي سعد بن الموصلايا إلى الحلة السيفية مستجيرا بسيف الدولة صدقة
وسبب ذلك أن الوزير الأعز وزير السلطان بركيارق كان ينتسب إليه أنه هو الذي يميل جانب الخليفة إلى السلطان محمد فسار خائفا واعتزل خاله أمين الدولة الديوان وجلس في داره فلما قتل الوزير الأعز على ما ذكرنا عاد تاج الرؤساء من الحلة إلى بغداد وعاد خاله إلى منصبه
وفي ربيع الأول أيضا ورد العميد المهذب أبو المجد أخو الوزير الأعز إلى بغداد نائبا عن أخيه ظنا منه أن أيلغازي لا يخالفهم حيث كان بركيارق ومحمد قد اتفقا كما ذكرناه فقبض عليه أيلغازي ولم يتغير عن طاعة محمد
وفيها في جمادى الأولى ورد إلى بغداد ابن تكش بن ألب أرسلان وكان قد استولى على الموصل فخدعه من كان بها حتى يسير عنها إلى بغداد ففعل فلما وصل إليها زوجه أيلغازي بن أرتق ابنته 60
وفيها في شهر رمضان استوزر الخليفة سديد الملك أبا المعالي بن عبد الرزاق ولقب عضد الدين
وفيها صفر قتل الربعيون بهيث قاضي البلد أبا علي بن المثنى وكان ورعا فقيها حنفيا من أصحاب القاضي أبي عبد الله الدامغاني وكان هذا القاضي على ما جرت به عادة القضاة هناك من الدخول بين القبائل فنسبوه في ذلك إلى التحامل عليهم فقتله أحدهم فندم الباقون على قتله وقد فات الأمر
وفيها بنى سيف الدولة صدقة بن مزيد الحلة بالجامعين وسكنها وإنما كان يسكن هو وآباؤه وقبله في البيوت العربية
وفي جمادى الأولى قتل المؤيد بن شرف الدولة مسلم بن قريش أمير بني عقيل قتله بنو نمير عند هيت قصاصا
وفيها توفي القاضي البندنيجي الضرير الفقيه الشافعي انتقل إلى مكة فجاور بها أربعين سنة يدرس الفقه ويسمع الحديث ويشتغل بالعبادة
وفيها توفي أبو عبد الله الحسين بن محمد الطبري بأصبهان وكان يدرس فقه الشافعي بالمدرسة النظامية وقد جاوز تسعين سنة وهو من أصحاب أبي إسحاق
وفيها توفي منظور بن عمارة الحسيني أمير المدينة على ساكنها الصلاة والسلام وقام ولده مقامه وهو من ولد المهنا وقد كان قتل المعمار الذي أنفذه مجد الملك البلاساني لعمارة القبة التي على قبر الحسن بن علي والعباس رضي الله عنهما وكان من أهل قم فلما قتل البلاساني قتله منظور بعد أن أمنه وكان قد هرب معه إلى مكة فأرسل إليه بأمانه 61
ثم دخلت سنة ست وتسعين
ذكر استيلاء ينال على الري وأخذها منه ووصوله إلى بغداد
كانت الخطبة بالري للسلطان بركيارق فلما خرج السلطان محمد من أصبهان على ما ذكرناه ومعه ينال بن أنوشتكين الحسامي استأذنه في قصد الري وإقامة الخطبة له بها فأذن له فسار هو وأخوه علي بن أنوشتكين فوصلا إليها في صفر فأطاع من بها من نواب بركيارق وخطب لمحمد بالري واستولى ينال على البلد وعسف أهله وصادرهم بمائتي ألف دينار وأقام بها إلى النصف من ربيع الأول فورد إليه الأمير برسق بن برسق من عند السلطان بركيارق فوقع القتال بينهم على باب الري فانهزم ينال وأخوه علي فأما علي فعاد إلى ولايته قزوين وسلك ينال الجبال فقتل من أصحابه كثير وتشتتوا فأتى إلى بغداد في سبعمائة رجل فأكرمه الخليفة واجتمع هو وايلغازي وسقمان ابنا أرتق بمشهد أبي حنيفة وتحالفوا على مناصحة السلطان محمد وساروا إلى سيف الدولة صدقة فحلف لهم أيضا على ذلك وعادوا
ذكر ما فعله ينال بالعراق
قد ذكرنا وصول ينال بن أنوشتكين إلى بغداد قبل فلما استقر ببغداد ظلم الناس بالبلاد جميعا وصادرهم واستطال أصحابه على العامة بالضرب والقتل والتقسيط وصادر العمال فأرسل إليه الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن الدامغاني ينهاه عن ذلك ويقبح عنده ما يرتكبه من الظلم والعدوان وتردد أيضا إلى أيلغازي
وكان ينال قد تزوج هذه الأيام بأخته وهي التي كانت زوجة تاج الدولة تتش حتى توسط الأمر معه فمضوا إليه وحلفوه على الطاعة وترك ظلم الرعية وكف أصحابه ومنعهم فحلف ولم يف باليمين 62 ونكث ودام على الظلم وسوء السيرة فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة صدقة وعرفه ما يفعله ينال من نهب الأموال وسفك الدماء وطلب منه أن يحضر بنفسه ليكف ينال فسار من حلته في رمضان ووصل بغداد رابع شوال وضرب خيامه بالنجمي واجتمع هو وينال وأيلغازي ونواب ديوان الخليفة وتقررت القواعد على مال يأخذه ويرحل عن العراق فطلب ينال المهلة فعاد صدقة عاشر شوال إلى حلته وترك ولده دبيسا ببغداد ليمنعه من الظلم والتعدي عما استقر الأمر عليه فبقي ينال إلى مستهل ذي القعدة وسار إلى أوانا فنهب وقطع الطريق وعسف الناس وبالغ في الفعل القبيح وأقطع القرى لأصحابه فأرسل الخليفة إلى صدقة في ذلك فأرسل ألف فارس وساروا إليه ومعهم جماعة من أصحاب الخليفة وايلغازي شحنة بغداد فلما سمع ينال بقربهم منه عبر دجلة وسار إلى باجسرى وشعثها وقصد شهرأبان فمنعه فقاتلهم فقتل بينهم قتلى ورحل عنهم وسار إلى أذربيجان قاصدا إلى السلطان محمد وعاد دبيس بن صدقة وايلغازي شحنة بغداد إلى مواضعهم
ذكر وصول كمشتكين القيصري شحنة إلى بغداد والفتنة بينه وبين أيلغازي وسقمان وصدقة
في هذه السنة منتصف ربيع الأول ورد كمشتكين القيصري إلى بغداد شحنة أرسله إليها السلطان بركيارق وقد ذكرنا وقد ذكرنا في السنة المتقدمة رحيل بركيارق من أصبهان إلى همذان فلما أوصلها أرسل إلى بغداد كمشتكين شحنة فلما سمع أيلغازي وهو شحنة ببغداد للسلطان محمد أرسل إلى أخيه بن أرتق صاحب حصن كيفا يستدعيه إليه ليعتضد به على منعه وسار إلى سيف الدولة صدقة بالحلة واجتمع به وسأله تجديد عهد في دفع من يقصده منجهة بركيارق فأجابه إلى ذلك وحلف فعاد ايلغازي وورد سقمان في عساكره ونهب في طريقه تكريت وسبب تمكنه منها أنه أرسل جماعة من التركمان إلى تكريت معهم أحمال جبن وسمن وعسل فباعوا ما معهم وأظهروا أن سقمان قد عاد من الانحدار فاطمأن أهل البلد ووثب التركمان تلك الليلة على الحراس فقتلوهم وفتحوا 63 الأبواب وورد إليها سقمان ودخلها ونهبها ولما وصل بغداد نزل بالرملة
وأما كمشتكين فوصل أول ربيع إلى فرميسين وأرسل إلى من له هوى مع بركيارق وأعلمهم بقربه منهم
فخرج إليه جماعة منهم بالبندنيجين وأعلموه الأحوال واشاروا عليه بالمعاجلة فأسرع السير فوصل إلى بغداد منتصف ربيع الأول ففارق أيلغازي داره واجتمع بأخيه سقمان وأصعد من الرملة ونهبا بعض قرى دجيل فسار طائفة من عسكر كمشتكين وراءهما ثم عادوا عنهما وخطب للسلطان بركيارق ببغداد كمشتكين القصري إلى سيف الدولة القناع ببغداد في مخالفته وسار من الحلة إلى جسر صرصر فقطعت خطبة بركيارق ببغداد
ولم يذكر على منابرها أحد من السلاطين واقتصر الخطباء على الدعاء للخليفة لا غير
ولما وصل سيف الدولة إلى صرصر أرسل إلى أيلغازي وسقمان وكان بحربي يعرفهما أنه قد أتى لنصرتهما فعادا ونهبا دجيلا ولم يبقيا على قرية كبيرة ولا صغيرة وأخذت الأموال وافتضت الأبكار ونهب العرب والأكراد الذين مع سيف الدولة بنهر ملك إلا أنهم لم ينقل عنهم التركمان أخذ النساء والفساد معهن لكنهم استقصوا في أخذ الأموال بالضرب والإحراق وبطلت معايش الناس وغلت الأسعار فكان الخبز يساوي عشرة أرطال بقيراط فصار ثلاثة أرطال بقيراط وجميع الأشياء كذلك
فأرسل الخليفة إلى سيف الدولة في الإصلاح فلم تستقر قاعدة أيلغازي وسقمان ومعهما دبيس بن سيف الدولة صدقة من دجيل فخيموا بالرملة فقصدهم جماعة كثيرة من العامة فقاتلهم فقتل من العامة أربعة نفر وأخذ منهم جماعة فأطلقوا أسلحتهم وازداد الأمر شدة على الناس فأرسل الخليفة قاضي القضاة أبا الحسن بن الدمغاني وتاج الرؤساء بن الموصلايا إلى سيف الدولة يأمره بالكف عن الأمر الذي هو ملابسه ويعرفه ما الناس فيه ويعظم الأمر عليه فأظهر طاعة الخليفة أن أخرج القيصري من بغداد وإلا فليس غير السيف وأرعد وأبرق فلما عاد الرسول استقر الأمر على إخراج القيصري من بغداد ففارقها ثاني عشر ربيع الآخر وسار إلى النهروان وعاد سيف الدولة إلى بلده وأعيدت خطبة السلطان محمد ببغداد وسار القيصري إلى واسط فخاف الناس منه وأرادوا الانحدار منها ليأمنوا فمنعهم القيصري 64 وخطب لبركيارق بواسط ونهبوا كثيرا من سوادها فلما سمع صدقة ذلك سار إلى واسط فدخلها وعدل في أهلها وكف عسكره عن أذاهم ووصل إليه أيلغازي بواسط وفارقها القيصري ونزل متحصنا بدجلة فقيل لسيف الدولة إن هناك مخاضة فسار إليها بعسكره وقد لبسوا السلاح فلما رآهم عسكر القيصري تفرقوا عنه وبقي في خواص أصحابه فطلب الأمان من سيف الدولة فآمنه فحضر عنده فأكرمه وقال له قد سمنت وتركتنا نسمن أخرجتنا من بغداد ثم من واسط ونحن لا نعقل
ثم بذل صدقة الأمان لجميع عسكر واسط ومن كان مع القيصري سوى رجلين فعادوا إليه فأمنهم
وعاد القيصري إلى بركيارق وأعيدت خطبة السلطان محمد بواسط وخطب بعده لسيف الدولة وأيلغازي واستتاب كل واحد منهما فيها ولده وعاد عنها في العشرين من جمادى الأولى وأمن أهل واسط مما كانوا يخافونه
فأما أيلغازي فإنه أصعد إلى بغداد وأما سيف الدولة صدقة فإنه عاد إلى الحلة وأرسل ولده الأصغر منصورا مع أيلغازي إلى المستظهر بالله يسأله الرضا عنه فإنه كان قد سخط بسبب هذه الحادثة فوصل إلى بغداد وخاطب في ذلك فأجيب إليه
ذكر استيلاء صدقة على هيت
كانت مدينة هيت لشرف الدولة مسلم بن قريش أقطعه إياها السلطان ألب أرسلان ولم تزل معه حتى قتل فنظر فيها عمداء بغداد إلى أن مات السلطان ملكشاه ثم أخذها أخوه تتشي بن ألب أرسلان فلما استولى بركيارق أقطعها لبهاء الدولة ثروان بن وهب بن وهبية وأقام هو وجماعة من بني عقيل عند سيف الدولة صدقة وكانا متصافيين وكان صدقة يزوره كثيرا ثم تنافر وكان سبب ذلك أن صدقة زوج بنتا له من ابن عمه وكان ثروان قد خطبها فلم يجبه إلى ذلك فتحالفت عقيل وهم في حلة سيف الدولة أن يكونوا يدا واحدة عليه فأنكر صدقة ذلك وحج ثروان عقيب ذلك وعاد مريضا فوكل به صدقة وقال لا بد من هيت فأرسل ثروان حاجبه وكتب خطه بتسليم البلد إليه وكان بهيت حينئذ محمد بن رافع بنت رفاع بن ضبيعة بن مالك بن مقلد بن جعفر وأرسل صدقة ابنه دبيسا مع الحاجب ليتسلمها فلم يسلم إليه محمد فعاد دبيس إلى أبيه فلما أخذ صدقة واسطا هذه النوبة وأصعد في عسكره إلى هيت فخرج إليه منصور بن كثير ابن أخي ثروان ومعه جماعة من أصحابه فلقوا سيف الدولة وحاربوه ساعة من 65 النهار
ثم إن جماعة من الربعيين فتحوا لسيف الدولة البلد أصحابه فلما رأى ذلك منصور ومن معه سلموا البلد إليه فملكه يوم نزوله وخلع على منصور وجماعة من وجوه أصحابه وعاد إلى حلته واستخلف عليه ابن عمه ثابت بن كامل
ذكر الحرب بين بركيارق ومحمد
في هذه السنة ثامن جمادى الآخرة كان المصاف الخامس بين السلطان بركيارق والسلطان محمد وكانت كنجة وبلاد أران جميعها للسلطان محمد وبها عسكره ومقدمهم الأمير غزغلي فلما طال مقام محمد بأصبهان محصورا توجه غزغلي والأمير منصور بن نظام الملك وابن أخيه محمد بن مؤيد الملك بن نظام قاصدين لنصرته ليراهم بعين الطاعة وكان آخر ما تقام فيه الخطبة لمحمد زنجان مما يلي أذربيجان فوصلوا إلى الري في العشرين من ذي الحجة سنة خمس وتسعين ففارقه عسكر بركيارق ودخلوه وأقاموا به ثلاثة أيام وصلهم الخبر بخروج السلطان محمد من أصبهان وأنه وصل إلى ساوه فساروا إليه ولحقوه بهمذان ومعه ينال وعلي ابنا أنوشتكين الحسامي فبلغ عددهم سنة آلاف فارس فأقاموا بها إلى أواخر المحرم فأتاهم الخبر بأن السلطان بركيارق قد أتاهم فتلونوا في رأيهم فسار ينال وعلي ابنا أنوشتكين إلى الري على ما ذكرناه
وعزم السلطان محمد على التوجه إلى شروان فوصل إلى أردبيل فأرسل إليه الملك مودود بن إسماعيل بنت ياقوتي صاحب بعض أذربيجان وكانت قبله لأبيه إسماعيل بن ياقوتي وهو خال السلطان بركيارق وكانت أخته زوجة السلطان محمد وهو مطالب السلطان بركيارق بثأر أبيه وقد تقدم مقتله أول دولة بركيارق وقال له ينبغي أن تقدم إلينا لتجتمع كلمتنا على طاعتك وقتال خصمنا
فسار إليه مجدا وتصيد في طريقه بين أردبيل وبيلقان وانفرد عن عسكره فوثب عليه نمر وهو غافل فجرح السلطان محمدا في عضده فأخذ سكينا بها جوف النمر فألقاه عن فرسه ونجا
ثم إن مودود بن إسماعيل توفي في النصف من ربيع الأول وعمره اثنتان وعشرون سنة ولما بلغ بركيارق اجتماع السلطان محمد والملك مودود سار غير متوقف فوصل بعد موت مودود وكان عسكر مودود قد اجتمعوا على طاعة السلطان محمد وحلفوا له وفيهما سكمان القبطي ومحمد بن باغي سيان الذي كان أبوه صاحب أنطاكية وقزل 66 أرسلان بن السبع الأحمر فلما وصل بركيارق وقعت الحرب بينهما على باب خوي من أذربيجان عند غروب الشمس ودامت إلى العشاء الآخرة فاتفق أن الأمير أياز أخذ معه خمسمائة فارس مستريحين وحمل بهم وقد أعيا العسكر من الجهتين على عسكر السلطان محمد فكسرهم وولوا الأدبار لا يلوي أحد على أحد
فأما السلطان بركيارق فإنه قصد جبلا بين مراغة وتبريز كثير العشب والماء فأقام به أياما وسار إلى زنجان
وأما السلطان محمد فإنه سار مع جماعة من أصحابه إلى أرجيش من بلاد أرمينية على أربعين فرسخا من الوقعة وهي من أعمال خلاط من جملة أقطاع الأمير سكمان القبطي وسار منها إلى خلاط واتصل به الأمير علي صاحب أرزن الروم وتوجه إلى آني وصاحبها منوجهر أخو فضلون الروادي ومنها سار إلى تبريز من أذربيجان
وسنذكر باقي أخبارهم سنة سبع وتسعين عند صلحهم إن شاء الله
وكان الأمير محمد بن مرشد مؤيد الملك بن نظام الملك مع السلطان محمد في هذه الرقعة فمر منهزما ودخل ديار بكر وانحدر منها إلى جزيرة ابن عمر وسار منها إلى بغداد وكان في حياة أبيه يقيم ببغداد في سوق المدرسة فاتصلت الشكاوى منه إلى أبيه فكتب إلى كوهرائين بالقبض عليه فاستجار بدار الخلافة وتوجه سنة اثنتين وتسعين إلى مجد الملك البلاساني ووالده حينئذ بكنجة عند السلطان محمد قبل أن يخطب لنفسه بالسلطنة وتوجه بعد قتل مجد الملك إلى والده وقد صار وزير السلطان محمد وخطب لمحمد بالسلطنة وبقي قتل والده واتصل بالسلطان محمد وحضر معه هذه الحرب فانهزم
ذكر عزل سديد الملك وزير الخليفة ونظر أبي سعد بن الوصلايا في الوزارة
في هذه السنة منتصف رجب قبض على الوزير سديد الملك أبي المعالي وزير الخلفية وحبس في دار بدار الخلافة وكان أهله قد وردوا عليه من أصبهان فنقلوا إليه وكان محبسه جميلا وسب عزله جهله بقواعد ديوان الخلافة فإنه قضى عمره أعمال السلاطين وليس لهم هذه القواعد ولما قبض عاد أمين الدولة بن الموصلايا 67 إلى النظر في الديوان ومن عجب ما جرى من الكلام الذي وقع بعد أيام أن سديد الملك كان يسكن في دار عميد الدولة بن جهير وجلس فيها مجلسا عاما يحضره الناس لوعظ المؤيد عيسى الغزنوي فأنشدوا أبياتا ارتجلها
( سديد الملك سدت وخضت بحرا
عميق اللج فاحفظ فيه روحك )
( وأحي معالم الخيرات واجعل
لسان الصدق في الدنيا فتوحك )
( وفي الماضين معتبر فأسرج
مروحك في السلامة أو جموحك )
ثم قال سديد الملك من شرب من مرقة السلطان احترقت شفتاه ولو بعد زمان ثم أشار إلى الدار وقرأ ( ذكر ملك الملك دقاق مدينة الرحبة>
وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ) فقبض على الوزير بعد أيام
ذكر ملك الملك دقاق مدينة الرحبة
في هذه السنة في شعبان ملك الملك دقاق بن تتش صاحب دمشق الرحبة وكانت بيد إنسان اسمه قايماز من مماليك السلطان ألب أرسلان فلما قتل كربوقا استولى عليها فسار دقاق وطغتكين أتابكه إليه وحصراه بها ثم رحل عنه وتوفي قايماز هذه السنة في صفر وقام غلام تركي اسمه حسن فأبعد عنه كثيرا من جنده وخطب لنفسه وخاف من دقاق فاستظهر وأخذ جماعة من السلارية الذين يخافوهم فقبض عليهم وقتل جماعة من أعيان البلد وحبس آخرين وصادرهم فتوجه دقاق إليه وحصره فسلم العامة البلد إليه واعتصم حسن بالقلعة فأمنه دقاق فسلم القلعة إليه فأقطعه أقطاعا كثيرا بالشام وقرر أمر الرحبة وأحسن إلى أهلها وجعل فيها من يحفظها ورحل عنها إلى دمشق
ذكر أخبار الفرنج بالشام
كان الأفضل أمير الجيوش بمصر قد أنفذ مملوكا لأبيه لقبه سعد الدولة ويعرف بالطواشي إلى الشام لحرب الفرنج فلقيهم بين الرملة ويافا ومقدم الفرنج يعرف ببغدوين لعنه الله تعالى وتصافوا واقتتلوا فحملت الفرنج حملة صادقة فانهزم المسلمون وكان المنجمون يقولون لسعد الدولة إنك تموت مترديا فكان يحذر من ركوب 68 الخيل حتى أنه ولي بيروت وأرضها مفروشة بالبلاط فقلعه خوفا أن تزلق به فرسه أو يعثر فلم ينفعه الحذر عند نزول القدر فلما كانت هذه الوقعة انهزم فتردى به فرسه فسقط ميتا
وملك الفرنج خيمه وجميع ما للمسلمين فأرسل الأفضل بعده ابنه شرف المعالي في جمع كثير فالتقوا هم والفرنج بيازوز بقرب الرملة فانهزم الفرنج وقتل منهم مقتلة عظيمة وعاد من سلم منهم مفلولين فلما رأى بغدوين شدة الأمر وخاف القتل والأسر ألقى نفسه واختفى فيه فلما أبعد المسلمون خرج منه إلى الرملة وسار شرف المعالي بن الأفضل من المعركة ونزل على قصر بالرملة وبه سبعمائة من أعيان الفرنج وفيهم بغدوين فخرج متخفيا إلى يافا وقاتل ابن الأفضل من بقي خمسة عشر يوما ثم أخذها فقتل أربعمائة صبرا ثلاثمائة إلى مصر
ثم اختلف أصحابه في مقصدهم فقال قوم نقصد البيت المقدس ونتملكه
وقال قوم نقصد يافا ونملكها
فبينما هم في هذا الاختلاف إذ وصل إلى الفرنج خلق كثير في البحر قاصدين زيارة البيت المقدس فندبهم بغدوين للغزو معه فساروا إلى عسقلان وبها شرف المعالي فلم يكن يقوى بحربهم فلطف الله تعالى بالمسلمين فرأى الفرنج البحرية حصانة عسقلان وخافوا البيات فرحلوا إلى يافا وعاد ولد الأفضل إلى أبيه فسير رجلا يقال له تاج العجم في البر وهو من أكبر مماليك أبيه وجهز معه أربعة آلاف فارس وسير في البحر رجلا يقال له القاضي ابن قادوس في الأسطول على يافا ونزل تاج العجم على عسقلان فاستدعاه ابن قادوس إليه ليتفقا على حرب الفرنج فقال تاج العجم ما يمكنني أن أنزل إليك إلا بالأمر ولم يحضر عنده ولا أعانه فأرسل القادوسي إلى قاضي عسقلان وشهودها وأعيانها وأخذ خطوطهم بأنه أقام على يافا عشرين يوما واستدعى تاج العجم فلم يأته ولا أرسل رجلا فلما وقف الأفضل على الحال أرسل من قبض على تاج العجم وأرسل رجلا لقبه جمال الملك فأسكنه عسقلان وجعله متقدم العساكر الشامية وخرجت هذه السنة وبيد الفرنج لعنهم الله البيت المقدس وفلسطين ما عدا عسقلان ولهم أيضا يافا وأرسوف وقيسارية وحيفا وطبرية ولاذقية وأنطاكية ولهم بالجزيرة الرها وسروج وكان صنجيل يحاصر مدينة طرابلس الشام والمواد تأتيها وبها فخر الملك بن عمار وكان يرسل أصحابه في المراكب يغيرون على البلاد التي بيد الفرنج ويقتلون من وجدوا وقصد بذلك أن يخلو السواد ممن يزرع لثقل المواد من الفرنج فيرحلوا عنه 69
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة سادس المحرم توفيت بنت أمير القائم بأمر الله التي كانت زوجة السلطان طغرلبك وكانت موصوفة بالدين وكثرة الصدقة وكان الخليفة المستظهر بالله قد ألزمها بيتها لأنه أبلغ عنها أنها تسعى في إزالة دولته
وفيها في شعبان أيضا استوزر المستظهر بالله زعيم الرؤساء أبا القاسم بن جهير واستقدمه من الحلة من عند سيف الدولة صدقة وقد ذكرنا في السنة المتقدمة سبب مسيره إليها فلما قدم إلى بغداد خرج كل أرباب الدولة فاستقبلوه وخلع عليه الخلع التامة وأجلس في الديوان ولقب قوام الدين
وفيه أيضا قتل أبو المظفر بن الخجندي بالري وكان يعظ الناس فقتله رجل علوي حين نزل من كرسيه وقتل العلوي ودفن الخجندي بالجامع
وأصل بيت الخجندي من مدينة خجندة بما وراء النهر وينسبون إلى المهلب ابن أبي صفرة وكان نظام الملك قد سمع أبا بكر محمد بن ثابت الخجندي يعظ بمرو فأعجبه كلامه وعرف محله من الفقه والعلم فحمله إلى أصبهان وصار مدرسا بمدرسته بها فنال جاها عريضا ودنيا واسعة وكان نظام الملك يتردد إليه ويزوره
وفيها جمع ساغربك بما وراء النهر جموعا كثيرة وهو من أولاد الخانية وقصد محمد خان الذي ملكه السلطان سنجر سمرقند ونازعه في ملكها فضعف محمد خان عنه فأرسل إلى السلطان سنجر يستنجده فسار إلى سمرقند فأبعد عنه ساغربك وخانه واحتمى منه وأرسل يطلب الأمان من سنجر والعفو فأجابه إلى ما طلب وحضر ساغربك وقرر الصلح بينه وبين محمد خان وحلف كل منهما لصاحبه وعاد إلى خراسان فوصل إلى مرو في ربيع الأول سنة سبع وتسعين وأربعمائة
وفيها توفي أبو المعالي الصالح ساكن باب الطاق وكان مقلا من الدنيا له كرامات ظاهرة 70
ثم دخلت سنة سبع وتسعين وأربعمائة
ذكر ملك بلك بن بهرام بن أرتق مدينة عانة
في هذه السنة في المحرم استولى بلك بن بهرام بن أرتق وهو ابن أخي أيلغازي بن أرتق على مدينة عانة والحديثة وكان له مدينة سروج فأخذها الفرنج منه وسار عنها إلى عانة وأخذها من بني يعيش بن عيسى بن خلاط فقصد بنو يعيش سيف الدولة صدقة بن مزيد ومعهم مشايخهم فسألوه الإصعاد إليها وأن يتسلمها منهم ففعل وأصعد معهم فرحل التركمان وبهرام عنها وأخذ صدقة رهائنهم وعاد إلى حلته فرجع بلك إليها ومعه ألفا رجل من التركمان فمانعه أصحابه قليلا واستدل على المخاضة إليها فخاضها وعبر ملكهم ونهبهم وسبى جميع حرمهم وانحدر طالبا هيت من الجانب الشامي فبلغ إلى قريب منها ثم رجع من يومه
ولما سمع صدقة جهز العساكر ثم أعادهم عند عود بذلك
ذكر غارة الفرنج على الرقة وقلعة جعبر
في هذه السنة في صفر أغار الفرنج من الرها على مرج الرقة وقلعة جعبر وكانوا لما خرجوا من الرها افترقوا فرقتين وأبعدوا يوما واحدا تكون الغارة على البلدين فيه ففعلوا ما استقر بينهم وأغاروا واستاقوا المواشي وأسروا من وقع بأيديهم من المسلمين فكانت القلعة والرقة لسالم بن مالك بن بدران بن المقلد بن المسيب سلمها إليه السلطان ملكشاه سنة تسع وسبعين وقد ذكرناه فيها
ذكر الصلح بين السلطان بركيارق ومحمد
في هذه السنة وقع الصلح بين السلطانين بركيارق ومحمد ابني ملكشاه
وكان سببه أن الحروب تطاولت بينهما وعم الفساد فصارت الأموال منهوبة والدماء مسفوكة 71 والبلاد مخربة والقرى محرقة والسلطنة مطموعا فيها محكوما عليها وأصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قاهرين وكان الأمراء الأكابر يؤثرون ذلك ويختارونه ليدوم تحكمهم وانبساطهم وإدلالهم
وكان السلطان بركيارق حينئذ بالري والخطبة له بها وبالجبل وطبرستان وخوزستان وقارس وديار بكر والجزيرة وبالحرمين الشريفين
وكان السلطان محمد أذربيجان والخطبة له فيه وببلاد أرانية وأرمينية وأصبهان والعراق كلها ما عدا تكريت
وأما أعمال البطائح فيخطب ببعضها لبركيارق وببعضها لمحمد وأما البصرة فكان يخطب فيها لهما جميعا
وأما خراسان فإن السلطان سنجر كان يخطب له في جميعها وهي من حدود جرجان إلى ما وراء النهر ولأخيه السلطان محمد فلما رأى السلطان بركيارق المال عنده معدوما والطمع من العسكر زائدا أرسل القاضي أبا المظفر الجرجاني الحنفي وأبا الفرج بن عبد الغفار الهمذاني المعروف بصاحب قراتكين إلى أخيه محمد في تقرير قواعد الصلح فسار إليه وهو بالقرب من مراغة فذكرا له ما أرسلا فيه ورغباه في الصلح وفضيلته وما شمل البلاد من الخراب وطمع عدو الإسلام في أطراف الأرض فأجاب إلى ذلك وأرسل فيه رسلا واستقر الأمر وحلف كل واحد منهما لصاحبه وتقررت القاعدة أن السلطان بركيارق لا يعترض أخاه محمدا في الطبل وأن لا يذكر معه على سائر البلاد التي صارت له وأن لا يكاتب أحدهما الآخر بل تكون المكاتبة من الوزيرين ولا يعارض أحد من العسكر قصد أيهما شاء وأن يكون للسلطان محمد من النهر المعروف بأسبيذ إلى باب الأبواب وديار بكر والجزيرة والموصل والشام ويكون له من بلاد العراق بلاد سيف الدولة صدقة فأجاب بركيارق إلى هذا وزال الخلف والشغب وأرسل السلطان محمد إلى أصحابه بأصبهان يأمرهم بالانصراف عنالبلد وتسليمه إلى أصحاب أخيه وسار السلطان بركيارق إلى أصبهان فلما سلمه إليه أصحاب أخيه وسار السلطان بركيارق إلى أصبهان فلما سلمه إليه أصحاب أخيه دعاهم إلى أن يكونوا معه وفي خدمته فامتنعوا ورأوا لزوم خدمة صاحبهم فسماهم أهل العسكرين جميعا أهل الوفاء وتوجهوا من أصبهان ومعهم حريم السلطان محمد إليه وأكرمهم بركيارق وحمل لأهل أخيه المال الكثير ومن الدواب ثلاثمائة جمل ومائة وعشرين بغلا تحمل الثقل وسير معهم العساكر ويخدمونهم
ولما وصت رسل السلطان بركيارق إلى الخليفة المستظهر بالله بالصلح وما استقرت القواعد عليه حضر أيلغازي بالديوان وسأل في إقامة الخطبة لبركيارق فأجيب إلى ذلك وخطب له بالديوان يوم الخميس تاسع عشر جمادى الأولى 72 وخطب له من الغد بالجوامع وخطب له أيضا بواسط ولما خطب أيلغازي ببغداد لبركيارق وصار في جملته أرسل الأمير صدقة إلى الخليفة يقول كان أمير المؤمنين ينسب إلي كل ما يتجدد من أيلغازي من إخلال بواجب الخدمة وشرط الطاعة ومن اطراح المراقبة والآن فقد أبدى صفحته للسلطان الذي استنابه وأنا غير صابر على ذلك بل أسير لإخراجه عن بغداد
فلما سمع أيلغازي ذلك شرع في جمع التركماني وورد صدقة بغداد فنزل مقابل التاج وقبل الأرض ونزل في مخيمه بالجانب الغربي ففارق أيلغازي بغداد إلى يعقوبا وأرسل إلى صدقة يعتذر من طاعته لبركيارق بالصلح الواقع وأن إقطاعه حلوان وغيرها في جملة بلاده وأن بغداد التي هو شحنة فيها قد صارت له فذلك الذي أدخله في طاعته فرضي عنه صدقة وعاد إلى الحلة
وفي ذي القعدة سيرت الخلع من الخليفة للسلطان بركيارق وللأمير أياز ولوزير بركيارق وهو الخطير العهد بالسلطنة وحلفوا جميعهم للخليفة وعادوا
ذكر ملك الفرنج جبيل وعكا من الشام
في ذهه السنة وصلت مراكب من بلاد الفرنج إلى مدينة لاذقية فيها التجار والأجناد والحجاج وغير ذلك واستعان بهم صنجيل الفرنجي على حصار طرابلس فحصروها معه برا وبحرا وضايقوها وقاتلوها إماما فلم يروا فيها مطمعا فرحلوا عنها إلى مدينة جبيل فحصروها وقاتلوا عليها قتالا شديدا فلما رأى أهلها عجزهم عن الفرنج أخذوا أمانا وسلموا إليهم فلم تف الفرنج لهم بالأمان وأخذوا أموالهم واستنفذوها بالعقوبات وأنواع العذاب فلما فرغوا من جبيل ساروا إلى مدينة عكا استنجدهم الملك بغدوين ملك الفرنج صاحب القدس على حصارها فنازلوها وحصروها في البر والبحر وكان الوالي بها اسمه بنا ويعرف بزهر الدولة الجيوشي نسبة إلى الملك الجيوش الأفضل فقاتلهم أشد قتال فزحفوا إليه غير مرة فعجز عن حفظ البلد فخرج منه وملك الفرنج البلد بالسيف قهرا بأهله الأفعال الشنيعة وسار الوالي به إلى دمشق فأقام بها ثم عاد إلى مصر واعتذر إلى الأفضل فقبل عذره
ذكر غزو سقمان وجكرمش الفرنج
لما استطال الفرنج خذلهم الله تعالى بما ملكوه من بلاد الإسلام واتفق لهم 73 اشتغال عساكر الإسلام وملوكه بقتال بعضهم بعضا فتفرقت حينئذ بالمسلمين الآراء واختلفت الأهواء وتمزقت الأموال وكانت حران لمملوك من مماليك ملكشاه اسمه قراجة فاستخلف عليها إنسانا يقال له محمد الأصبهاني وخرج في العام الماضي فعصى الأصبهاني على قراجة وأعانه أهل البلد لظلم قراجة وكان الأصبهاني جلدا شهما فلم يترك بحران من أصحاب قراجة سوى غلام تركي يعرف بجاولي وجعله اصفهسلار العسكر وأنس به فجلس معه يوما للشرب فاتفق جاولي مع خادم له على قتله فقتلاه وهو سكران فعند ذلك سار لافرنج إلى حران وحصروها فلما سمع معين الدولة سقمان وشمس الدولة جكرمش ذلك وكان بينهما حرب وسقمان يطالبه بقتل ابن أخيه وكل منهما يستعيد للقاء صاحبه وأنا أذكر سبب قتل جكرمش له إن شاء الله تعالى أرسل كل منهما إلى صاحبه يدعوه إلى الاجتماع معه لتلافي أمر حران ويعلمه أنه قد بذل نفسه لله تعالى وثوابه فكل واحد منهما أجاب صاحبه إلى ما طلب منه وسارا فاجتمعا على الخابور وتحالفا وسارا إلى لقاء الفرنج وكان مع سقمان سبعة آلاف فارس التركمان ومع جكرمش ثلاثة آلاف فارس من الترك العرب والأكراد فالتقوا على نهر البليخ وكان المصاف بينهم هناك فاقتتلوا فأظهر المسلمون الانهزام فتبعهم الفرنج نحو فرسخين فعاد عليهم المسلمون فقتلوهم كيف شاؤوا وامتلأت أيدي التركمان من الغنائم ووصلوا إلى الأموال العظيمة لأن سواد الفرنج كان قريبا وكان بيمند صاحب أنطاكية وطنكرى صاحب الساحل قد انفرد وراء جبل ليأتيا المسلمين من وراء ظهورهم إذا اشتدت الحرب فلما خرجا رأيا الفرنج منهزمين وسوادهم منهوبا فأقاما إلى الليل وهربا فتبعهم المسلمون وقتلوا من أصحابهما كثيرا وأسروا كذلك وأفلتا في ستة فرسان
وكان القمص بردويل صاحب الرها قد انهزم مع جماعة من قمامصتهم وخاضوا نهر البليخ فوحلت خيولهم فجاء تركماني من أصحاب سقمان فأخذهم وحمل بردويل إلى خيم صاحبه وقد سار فيمن معه لاتباع بيمند فرأى أصحاب جكرمش أن أصحاب سقمان قد استولوا على مال الفرنج ويرجعون هم من الغنيمة بغير طائل فقالوا لجكرمش أي منزلة تكون لنا عند الناس وعند التركمان إذا انصرفوا بالغنائم دوننا وحسنوا له أخذ القمص فأنفذ أخذ القمص من خيم سقمان فلما عاد سقمان شق عليه الأمر وركب أصحابه للقتال فردهم وقال لهم لا يقوم فرح المسلمين في هذه الغزاة بغمهم باختلافنا ولا أوثر شفاء غيظي بشماتة الأعداء بالمسلمين
ورحل لوقته وأخذ سلاح الفرنج وراياتهم 74 وألبس أصحابه لبسهم وأركبهم خيلهم وجعل يأتي حصون شيحان وبها الفرنج فيخرجون ظنا منهم أن أصحابهم نصروا فيقتلهم ويأخذ الحصن منهم فعل ذلك بعدة حصون
وأما جكرمش فإنه سار إلى حران فتسلمها واستخلف بها صاحبه وسار إلى الرها فحصرها خمسة عشر يوما وعاد إلى الموصل ومعه القمص الذي أخذه من خيام سقمان ففاداه بخمسة وثلاثين دينارا ومائة وستين أسيرا من المسلمين وكان عدة القتلى من الفرنج يقارب اثني عشر ألف قتيل
ذكر وفاة دقاق وملك ولده
في هذه السنة في شهر رمضان توفي الملك دقاق بن تتش بن ألب أرسلان صاحب دمشق وخطب أتابكة طغتكين لولد له صغير له سنة واحدة وجعل اسم المملكة فيه ثم قطع خطبته وخطب لبكتاش بن تتش عم هذا الطفل في ذي الحجة وله اثنتا عشرة سنة ثم إن طغتكين أشار عليه بقصد الرحبة فخرج إليها فملكها وعاد فمنعه طغتكين وقيل إن سبب أستيحاش بكتاش من طغتكين أن والدته خوفته منه وقالت إنه زوج والدة دقاق وهي لا تتركه حتى تقتلك ويستقيم الملك لولدها فخاف ثم إنه حسن له من كان يحسد طغتكين مفارقة دمشق وقصد بعلبك وجمع الرجال والاستنجاد بالفرنج والعود إلى دمشق وأخذها من طغتكين فخرج من دمشق سرا في صفر سنة ثمان وتسعين ولحقه الأمير أيتكين الحلبي وهو منجملة من قرر مع بكتاش ذلك وهو صاحب بصرى فعاثا في نواحي حوران ولحق بهما كل من يريد الفساد وراسلا بغدوين ملك الفرنج يستنجدانه فأجابهما إلى ذلك وسار إليهمات فاجتمعا به وقررا القواعد معه وأقاما عنده مدة فلم يريا منه غير التحريض على الإفساد في أعمال دمشق وتخريبها فلما يئسا من نصره عادا من عنده وتوجها في البرية إلى الرحبة فملكها بكتاش وعاد عنها واستقام أمر طغتكين بدمشق واستبد بالأمر وأحسن إلى الناس وبث فيهم العدل فسروا به سرورا كثيرا
ذكر استيلاء صدقة على واسط
في هذه السنة في شوال انحدر سيف الدولة صدقة بن مزيد من الحلة إلى واسط في عسكر كثير وأمر فنودي بها في الأتراك من أقام فقد برئت منه الذمة فسار جماعة 75 منهم إلى بركيارق وجماعة إلى بغداد وصار مع صدقة جماعة منهم ثم إنه أحضر مهذب الدولة بن أبي الجير صاحب البطيحة وضمنه البلد لمدة آخرها السنة بخمسين ألف دينار وعاد إلى الحلة وأقام مهذب الدولة بواسط إلى سادس ذي القعدة وانحدر إلى بلده
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في ربيع الأول أطلق سديد الملك أبو المعالي من الاعتقال وهو الذي كان وزير الخليفة ولما أطلق هرب إلى الحلة السيفية ومنها إلى السلطان بركيارق فولاه الإشراف على ممالكه
وفيها توفي أمين الدولة أبو سعيد العلاء بن الحسن بن الموصلايا فجأة وكان قد أضر وكان بليغا فصيحا وكان ابتداء خدمته للقائم بأمر الله اثنتين وثلاثين وأربعمائة خدم الخلفاء خمسا وستين سنة كل يوم تزداد منزلته حتى ناب عن الوزارة وكان نصرانيا فأسلم سنة أربع وثمانين وكان كثير الصدقة جميل المحضر صالح النية ووقف أملاكه على أبواب البر ومكاتباته مشهورة حسنة
ولما مات خلع على ابن أخته أبي نصر ولقب نظام الحضرتين وقلد ديوان الإنشاء
وفيها كانت ببغداد بين العامة فتن كثيرة وانتشر العيارون
وفيها قتل أبو نعيم بن ساوة الطبيب الواسطي وكان الحذاق في الطب وله فيه إصابات حسنة
وفيها عزل السلطان سنجر وزيره المجير أبا الفتح الطغرائي
وسبب ذلك أن الأمير بزغش وهو إصفهسلار العسكر السنجري ألقى إليه ملطف فيه لا يتم لك أمر مع هذا السلطان ووقع إلى سنجر لا يتم لك مع الأمير بزغش مع كثرة جموعه فجمع بزغش أصحاب العمائم وعرض عليهم الملطفين فاتفقوا على كاتب الطغرائي وظهرت عليه فقتل وقبض سنجر على الطغرائي وأراد قتله فمنعه بزغش وقال له حق خدمة فأبعده إلى غزنة
وفيها جمع بزغش كثيرا من عساكر خراسان وأتاه كثير من المتطوعة وسار إلى قتال الإسماعيلية فقصد طبس وهي لهم فخربها وما جاورها من القلاع والقرى وأكثر فيهم القتل والنهب والسبي وفعل بهم الأفعال العظيمة ثم إن أصحاب سنجر أشاروا بأن يؤمنوا ويشرط عليهم أنهم لا يبنون حصنا ولا يشترون سلاحا ولا يدعون أحدا إلى عقائدهم فسخط كثير من الناس هذا الأمان وهذا الصلح ونقموه على سنجر ثم إن 76 بزغش بعد عوده من هذه الغزاة توفي وكانت خاتمة أمره الجهاد رحمه الله
وفي هذه السنة توفي أبو بكر علي بن أحمد بن زكرياء الطريثيتي وكان صوفيا محدثا مشهورا
وفي رجب توفي القاضي أبو الحسين أحمد بن محمد الثقفي قاضي الكوفة ومولده في ربيع الدامغاني وولي القضاء بعده ابنه أبو البركات
وفي ربيع الآخر توفي أو عبد الله الحسين بن علي بن البسري البندار المحدث ومولده سنة أربع وأربعمائة 77
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وأربعمائة
ذكر وفاة السلطان بركيارق
في هذه السنة ثاني شهر ربيع الآخر توفي السلطان بركيارق بن ملكشاه وكان قد مرض بأصبهان بالسل والبواسير فسار منها في محفة طالبا بغداد فلما وصل إلى بروجرد ضعف عن الحركة فأقام بها أربعين يوما فاشتد مرضه فلما أيس من نفسه خلع على ولده ملكشاه وعمره حينئذ أربع سنين وثمانية أشهر وخلع على الأمير أياز وأحضر جماعة الأمراء وأعلمهم أنه قد جعل ابنه ولي عهده في السلطنة وجعل الأمير أياز أتابكه وأمرهم بالطاعة ومساعدتهما على حفظ السلطنة لولده والذب عنها فأجابوا كلهم بالسمع والطاعة وبذل النفوس والأموال في حفظ ولده وسلطنته عليه واستحلفهم على ذلك فحلفوا وأمرهم بالمسير إلى بغداد فساروا فلما كانوا على اثني عشر فرسخا من بروجرد وصلهم خبر وفاته وكان بركيارق قد تخلف على عزم العود إلى أصبهان فعاجلته منيته فلما سمع الأمير أياز بموته أمر وزيره الخطير المبيذي وغيره بأن يسيروا مع تابوته إلى أصبهان فحمل إليها ودفن في تربة جددتها له سريته ثم ماتت بعد أيام فدفنت بإزائه وأحضر أياز السرادقات والخيام والجار والشمسة وجميع ما يحتاج إليه السلطان فجعله برسم ولده ملكشاه
ذكر عمره وشيء من سيرته
لما توفي بريكارق كان عمره خمسا وعشرين سنة ومدة وقوع اسم السلطنة عليه اثنتي عشرة سنة وأربعة أشهر وقاسى من الحروب واختلاف الأمور عليه ما لم يقاسه أحد واختلفت به الأحوال بين رخاء وشدة وملك وزواله واشرف في عدة نوب بعد إسلام النعمة على ذهاب المهجة
ولما قوي أمره في هذا الوقت وأطاعه المخالفون 78 وانقادوا له أدركته منيته ولم يهزم في حروبه غير مرة واحدة وكان امراؤه قد طمعوا فيه للاختلاف الواقع حتى أنهم كانوا يطلبون نوابه ليقتلوهم فلا يمكنه الدفع عنهم وكان متى خطب له ببغداد وقع الغلاء
ووقفت المعايش والمكاسب وكان أهلها مع ذلك يحبونه ويختارون سلطانه وقد ذكرنا من تقلب الأحوال به ما وقفت عليه ومن أعجبها دخوله أصبهان هاربا من عمه تتش فمكنه عسكر أخيه محمود صاحبها من دخولها ليقبضوا عليه فاتفق أن أخاه محمودا مات فاضطربوا إلى أن يملكوه وهذا من أحسن الفرج بعد الشدة
وكان حليما كريما صبورا عاقلا كثير المداراة لا يبالغ في العقوبة وكان عفوه أكثر من عقوبته
ذكر الخطبة لملكشاه بن بركيارق
في هذه السنة خطب لملكشاه بن بركيارق بالديوان يوم الخميس سلخ ربيع الآخر وخطب له بجوامع بغداد يوم الجمعة وكان سبب ذلك أن أيلغازي شحنة بغداد سار في المحرم إلى السلطان بركيارق وهو بأصبيهان يحثه على الوصول إلى بغداد رحل مع بركيارق فلما مات سار مع ولده ملكشاه والأمير أياز إلى بغداد فوصلوها سابع عشر ربيع الآخر ولقوا في طريقهم بردا شديدا لم يشاهدوا مثله بحيث أنهم لم يقدروا على الماء لجموده وخرج الوزير أبو القاسم علي بن جهير فلقيهم من ديالي وكانوا خمسة آلاف فارس وحضر أيلغازي والأمير طغايرك بالديوان وخاطبوا في إقامة الخطبة لملكشاه بن بركيارق فأجيب إليها وخطب له ولقب بألقاب جده ملكشاه وهي جلال وغيره من الألقاب ونثرت الدنانير عند الخطبة له
ذكر حصر السلطان محمد جكرمش بالموصل
لما اصطلح السلطان بركيارق والسلطان محمد كما ذكرناه في السنة الخالية وسلم محمد مدينة أصبهان إلى بركيارق وسار إليها أقام محمد بتبريز من أذربيجان إلى أن وصل أصحابه الذين بأصبهان فلما وصلوا استوزر سعد الملك أبا المحاسن لحسن أثره كان في حفظ أصبهان وأقام إلى صفر من هذه السنة وسار إلى مراغة ثم إلى إربل يريد قصد جكرمش صاحب الموصل ليأخذ بلاده فلما سمع جكرمش بمسيره إليه جدد سور الموصل ورم ما احتاج إلى إصلاح وأمر أهل السواد بدخول البلد وأذن لأصحابه في نهب من لم يدخل وحصر محمد المدينة وأرسل إلى جكرمش يذكر له 79 الصلح بينه وبين أخيه أن في جملة ما استقر أن تكون الموصل وبلاد الجزيرة له وعرض عليه الكتب من بركيارق إليه بذلك والأيمان على تسليمها إليه وقال له أين أطعت فأنا لا آخذها منك بل أقرها بيدك وتكون الخطبة لي بها فقال جكرمش إن كتب السلطان وردت إلي بعد الصلح تأمرني أن لا أسلم البلد إلى غيره فملا رأى محمد امتناعه باكره القتال وزحف إليه بالنقابين والدبابات وقاتل أهل البلد أشد قتال وقتلوا خلقا كثيرا لمحبتهم لجكرمش لحسن سيرته فيهم فأمر جكرمش ففتح في السور أبواب لطاف يخرج منها الرجالة يقاتلون فكانوا يكثرون القتل في العسكر ثم زحف محمد مرة فنقب في السور أصحابه وأدركهم الليل فأصبحوا وقد عمره أهل البلد وشحنوه بالمقاتلة وكانت الأسعار عندهم رخيصة في الحصار كانت الأسعار وعندهم رخيصة في الحصار كانت الحنطة تساوي كل ثلاثين مكوكا دينارا والشعير خمسون مكوكا بدينار وكان بعض عسكر جكرمش قد اجتمعوا بتل يعفر فكان يغيرون على أطراف العسكر ويمنعون الميرة عنهم فدام القتال عليهم إلى عاشر جمادى الأولى فوصل الخبر إلى جكرمش بوفاة السلطان بريكارق فأحضر أهل البلد واستشارهم فيما يفعله بعد موت السلطان فقالوا أموالنا وأرواحنا بين يديك وأنت أعرف بشأنك فاستشر الجند فهم أعرف بذلك فاستشار أمراءه فقالوا لما كان السلطان حيا قد كنا على الامتناع ولم يتمكن أحد من طروق بلدنا وحيث توفي فليس للناس اليوم سلطان غير هذا والدخول تحت طاعته أولى فأرسل إلى محمد يبذل الطاعة ويطلب وزيره سعد الملك ليدخل إليه فحضر الوزير وأخذ بيده وقال المصلحة أن تحضر الساعة عند السلطان فإنه لا يخالفك في جميع ما تلتمسه وأخذ بيده وقام فسار معه جكرمش فلما رآه أهل الموصل جعلوا يبكون ويضجون ويحثون التراب على رؤوسهم فلما دخل على السلطان محمد أقبل عليه وأكرمه وعانقه ولم يمكنه من الجلوس وقال ارجع إلى رعيتك فإن قلوبهم إليك وهم متطلعون إلى عودك فقبل الأرض وعاد ومعه جماعة من خواص السلطان وسأل السلطان من الغد أن يدخل البلد لتزين له فامتنع من ذلك فعمل سماطا بظاهر الموصل عظيما وحمل إلى السلطان من الهدايا والتحف ولوزيره أشياء جليلة المقدار
ذكر وصول السلطان إلى بغداد وصلحه مع ابن أخيه والأمير أياز
لما وصل خبر وفاة السلطان بركيارق إلى أخيه السلطان محمد وهو يحاصر 80 الموصل جلس للعزاء وأصلح جكرمش صاحب الموصل كما ذكرناه وسار إلى بغداد ومعه سكمان القطبي وهو ينسب إلى قطب الدولة إسماعيل بن ياقوتي بن داود وإسماعيل ابن عم ملكشاه وسار معه جكرمش وغيرهما من الأمراء وكان سيف الدولة صدقة صاحب الحلة قد جمع خلقا كثيرا من العساكر فبلغت عدتهم خمسة عشر ألف فارس وعشرة آلاف راجل وأرسل ولديه بدران ودبيسا إلى السلطان محمد يستحثه على المجيء إلى بغداد فلما سمع الأمير أياز بمسيره إليه خرج هو والعسكر الذين معه من الدور ونصبوا الخيام بالزاهر خارج بغداد وجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعله فبذلوا له الطاعة وايمن على قتاله وحربه ومنعه عن السلطنة والاتفاق معه على طاعة ملكشاه بن بركيارق وكان أشدهم في ذلك ينال وصباوو فإنهم بالغوا في الأطماع في السلطان محمد والمنع له من السلطنة فلما تفرقوا قال له وزيره الصفي أبو المحاسن يا مولانا إن حياتي مقرونة بثبات نعمتك ودولتك وأنا أكثر التزاما بك من هؤلاء وليس الرأي ما أشاروا به فإن كلامهم يقصد أن يسلك طريقا وأن يقيم سوقا لنفسه بك وأكثرهم يناوئك في المنزلة وإنما يقعد بهم عن منازعتك قلة العدد والمال والصواب مصالحة السلطان محمد وطاعته وهو يقرك على إقطاعك ويزيدك عليه مهما أردت
فتردد رأي الأمير أياز في الصلح والمباينة إلا أن حركته في المباينة ظاهرة وجمع السفن التي ببغداد عنده وضبط المشارع من متطرق إلى عسكره وإلى البلد ووصل السلطان محمد إلى بغداد يوم الجمعة لثمان بقين من جمادى الأولى ونزل عند الجانب الغربي بأعلى بغداد وخطب له بالجانب الغربي ولملكشاه بن بركيارق بالجانب الشرقي وأما جامع المنصور فإن الخطيب قال فيه اللهم أصلح سلطان العالم وسكت وخاف الناس من امتداد اشر والنهب فركب أياز في عسكره وهم عازمون على الحرب وسار إلى أن أشرف على عسكر اسلطان محمد وعاد إلى مخيمه فدعا الأمراء إلى اليمين مرة ثانية على المخالصة لملكشاه فأجاب البعض وتوقف البعض وقالوا قد حلفنا مرة ولا فائدة في إعادة اليمين لأننا إن وفينا بالأولى وفينا بالثانية وإن لم نف بالأولى فلا نفي بالثانية
فأمر أياز حينئذ وزيره الصفي أبا المحاسن بالعبور إلى السلطان محمد في الصلح وتسليم السلطنة إليه وترك منازعته فيها فعبر يوم السبت لسبع بقين من الشهر إلى عسكر محمد واجتمع بوزيره سعد الملك أبي المحاسن سعد بن محمد فعرفه ما جاء فيه فحضر عند السلطان محمد وأدى الصفي رسالة 81 صاحبه أياز واعتذر عما كان منه أيام بركيارق فأجابه محمد جوابا لطيفا سكن به قلبه وطيب نفسه وأجاب إلى ما التمسه منه من اليمن فلما كان الغد حضر قاضي القضاة والنقبان والصفي وزير أياز عند السلطان محمد فقال له وزيره سعد الملك إن أياز يخاف لما تقدم منه وهو يطلب العهد لملكشاه ابن أخيك ولنفسه وللأمراء الذين معه فقال السلطان أما ملكشاه فإنه ولدي ولا فرق بيني وبين أخي وأما أياز والأمراء فاحلف لهم ألا ينال الحسامي وصباوو فاستحلفه الكيا الهراس مدرس النظامية على ذلك وحضر الجماعة اليمين
فلما كان من الغد حضر الأمير أياز عند السلطان محمد فلقيه وزير السلطان وكافة الناس ووصل سيف الدولة صدقة ذلك الوقت ودخلا جميعا إلى السلطان فأكرمهما وأحسن إليهما وقيل بل ركب السلطان ولقيهما ووقف أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره وأقام السلطان ببغداد إلى شعبان وسار إلى أصبهان وفعل فيها ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر قتل الأمير أياز
في هذه السنة ثالث عشر جمادى الآخرة قتل الأمير أياز قتله السلطان محمد
وسبب ذلك أن أياز لما سلم السلطنة إلى السلطان محمد وسار في جملته واستحلفه لنفسه فلما كان ثامن جمادى الآخرة عمل دعوة عظيمة في داره وهي دار كوهرائين ودعا السلطان إليها وقدم له شيئا كثيرا من جملته الحبل البلخش الذي أخذ من تركة مؤيد الملك بن نظام الملك وقد تقدم ذكر ذلك وحضر مع السلطان سيف الدولة صدقة بن مزيد وكان من الاتفاق الردي أن أياز تقدم غلمانه ليلبسوا السلاح من خزانته ليعرضهم على السلطان فدخل عليهم رجل من أبهر يتطايب معهم ويضحكون منه مع كونه يتصوف فقالوا له لا بد من أن نلبسك درعا فألبسوه الدرع تحت قميصه وتناولوه بأيديهم وهو يسألهم أن يكفوا عنه فلم يفعلوا فلشدة ما فعلوا به هرب منهم ودخل بين خواص السلطان معتصما بهم فرآه السلطان مذعورا وعليه لباس عظيم فاستراب به فقال لغلام له بالتركية ليلمسه من غير أن يعلم أحد ففعل فرأى الدرع تحت قميصه فأعلم السلطان بذلك فاستشعر وقال إذا كان أصحاب العمائم قد لبسوا السلاح فكيف الأجناد وقوي استشعاره لكونه في داره وفي قبضته فنهض وفارق الدار وعاد إلى جاره
فلما كان ثالث عشر الشهر استدعى السلطان الأمير صدقة 82 وأياز وجكرمش وغيرهم من الأمراء فلما حضروا أرسل إليهم أنه بلغنا أن قلج أرسلان بن سلمان بن قتلمش قصد ديار بكر ليتملكها ويسير منها إلى الجزيرة وينبغي أن تجتمع آراؤكم على من يسير غليه ليمنعه ويقاتله فقال الجماعة ليس لهذا غير الأمير أياز فقال أياز ينبغي أن أجتمع أنا وسيف الدولة صدقة بن مزيد على هذا الأمر والدفع لهذا القاصد فقيل ذلك للسلطان فأعاد الجواب يستدعى أياز وصدقة والوزير سعد الملك ليحرر الأمر في حضرته فنهضوا ليدخلوا إليه وكان قد أعد جماعة من خواصه ليقتلوا أياز إذا دخل إليه فلما دخلوا ضرب أحدهم رأسه فأبانه فأما صدقة فغطى وجهه بكمه وأما الوزير فإنه غشي عليه ولف أياز في مسح وألقي على الطريق عند دار المملكة وركب عسكر أياز فنهبوا ما قدروا عليه من داره فأرسل السلطان من حماها من النهب وتفرق أصحابه من يومهم وكان زوال تلك النعمة العظيمة والدولة الكبيرة في لحظة بسبب هزل ومزح
فلما كان من الغد كفنه قوم من المتطوعة ودفنوه في المقابر المجاورة لقبر أبي حنيفة رحمه الله وكان عمره قد جاوز أربعين سنة وهو من جملة مماليك السلطان ملكشاه ثم صار بعد موته في جملة أمير آخر فاتخذه ولدا
وكان غزير المروءة شجاعا حسن الرأي في الحرب وأما وزيره الصفي فإنه اختفى ثم أخذ وحمل إلى دار الوزير سعد الملك ثم قتل في رمضان وعمره ست وثلاثون سنة وكان من بيت رياسة بهمذان
ذكر وفاة سقمان بن أرتق
كان فخر الملك عمار صاحب طرابلس قد كاتب سقمان يستدعيه إلة نصرته على الفرنج وبذل له المعونة بالمال والرجال فبينما هو يتجهز للمسير أتاه كتاب طغتكين صاحب دمشق يخبره أنه مريض قد أشفى على الموت وأنه يخاف إن مات وليس بدمشق من يحميها أن يملكها الفرنج ويستدعيه ليوصي إليه وبما يعتمده في حفظ البلد فلما رأى أسرع في السير عازما على أخذ دمشق وقصد الفرنج في طرابلس وإبعادهم عنها فوصل إلى القريتين واتصل خبره بطغتطين فخاف عاقبة ما صنع ولقوة فكره زاد مرضه ولامه أصحابه على ما فرط في تدبيره وخوفوه عاقبة ما فعل وقالوا له قد رأيت سيدك تاج الدولة لما استدعاه إلى دمشق ليمنعه كيف قتله عينه عليه فبينما هم يدبرون الرأي بأي حيلة يردونه أتاهم الخبر بأنه وصل القريتين ومات وحمله أصحابه 83 وعادوا به فأتوهم فرج لم يحسبوه وكان مرضه الذي مات به الخوانيق يعتريه دائما فأشار عليه أصحابه بالعود إلى حصن كيفا فامتنع وقال بل أسير فإن عوفيت تممت ما عزمت عليه ولا يراني الله تثاقلت عن قتال الكفار خوفا من الموت وإن أدركني أجلي كنت شهيدا سائر في جهاد فساروا فاعتقل لسانه يومين ومات في صفر وبقي ابنه إبراهيم في أصحابه وجعل في تابوت وحمل إلى الحصن
وكان حازما داهيا ذا رأي كثير الخير
وقد ذكرنا سبب أخذه لحصن كيفا
وأما ملكه ماردين فإن كربوقا خرج من الموصل فقصد آمد وحارب صاحبها فاستنجد صاحبها وهو تركماني بسقمان فحضر عنده وصاف كربوقا
وكان عماد الدين زنكي بن آقسنقر حينئذ صبيا قد حضر مع كربوقا ومعه جماعة كثيرة من أصحاب أبيه فلما اشتد القتال ظهر سقمان فألقى أصحاب آقسنقر زنكي ولد صاحبهم بين أرجل الخيل وقالوا قاتلوا عن ابن صاحبكم فقاتلوا حينئذ قتالا شديدا فانهزم سقمان وأسروا ابن أخيه ياقوتي بن أرتق فسجنه كربوقا بقلعة ماردين وكان صاحبها إنسانا مغنيا للسلطان بركيارق فطلب منه ماردين وأعمالها فأقطعه إياها فبقي ياقوتي في حبسه مدة فمضت زوجة أرتق إلى كربوقا وسألته إطلاقه فأطلقه فنزل عند ماردين وكانت قد أعجبته فأقام ليعمل في تملكها والاستيلاء عليها وكان من عند ماردين من الأكراد قد طمعوا في صاحبها المغني وأغاروا على أعمال ماردين عدة دفعات فراسله ياقوتي يقول قد صار بيننا مودة وصداقة وأريد أن أعمر بلدك بأن أمنع عنه الأكراد وأغير على الأماكن وآخذ الأموال أنفقها في بلدك وأقيم في الربض فأذن له في ذلك فجعل يغير من باب خلاط إلى بغداد فصار ينزل معه بعض أجناد القلعة طلبا للكسب وهو يكرمهم ولا يعترضهم فأمنوا إليه فاتفق أن في بعض الأوقات نزل معه أكثرهم فلما عادوا من الغارة أمر بقبضهم وتقييدهم وسبقهم إلى القلعة نادى من بها من أهليهم إن فتحتم الباب وإلا ضربت أعناقكم فامتنعوا فقتل إنسانا منهم فسلم القلعة من بها إليه وبقي بها ثم إنه جمع جميعا وسار إلى نصيبين وأغار على بلد جزيرة ابن عمر هي لجكرمش فلما عاد أصحابه بالغنيمة أتاهم جكرمش وكان ياقوتي قد أصابه مرض عجز معه عن لبس السلاح وركوب الخيل فحمل إلى فرسه فركبه وأصابه سهم فسقط منه فأتاه جكرمش وهو يجود بنفسه فبكى عليه وقال له ما حملك على ما صنعت يا ياقوتي فلم يجبه فمات ومضت زوجة أرتق إلى ابنها سقمان وجمعت التركمان وطلبت بثار ابن ابنها 84 حصر سقمان نصيبين وهي الحرب لجكرمش فسير جكرمش إلى سقمان مالا كثيرا فأذه وري وقال إنه قتل في الحرب ولا يعرف قاتله ماردين بعد ياقوتي أخوه علي وصار في طاعة كرمش واستخلف بها أميرا اسمه علي أيضا فأرسل علي الوالي بماردين إلى سقمان يقول له ابن أخيك يريد أن يسلم ماردين إلى جكرمش فسار سقمان بنفسه وتسلمها فجاء إليه علي ابن أخيه وطلب إعادة القلعة إليه فقال إنما أخذتها لئلا يخرب البيت فأقطعه جبل جور ونقله إليه
وكان جكرمش يعطي عليا كل سنة عشرين ألف دينار فلما أخذ عمه سقمان ماردين منه وأرسل علي إلى جكرمش يطلب منه المال فقال إنما كنت أعطيتك احتراما لماردين وخوفا من مجاورتك والآن فاصنع ما أنت صانع فلا قدرة لك علي
ذكر حال الباطنية هذه السنة بخراسان
في هذه السنة سار جمع كثير من الإسماعيلية من طريثيث عن بعض أعمال بيهق وشاعت الغارة في تلك النواحي وأكثروا القتل في أهلها والنهب لأموالهم والسبي لنسائهم ولم يقفوا على الهدنة المتقدمة
وفي هذه السنة اشتد أمرهم وقويت شوكتهم ولم يكفوا أيديهم عمن يريدون قتله لاشتغال السلاطين عنهم فمن جملة فعلهم أن قفل الحاج تجمع هذه السنة مما وراء النهر وخراسان والهند وغيرها من البلاد فوصلوا إلى جوار الري فأتاهم الباطنية وقت السحر فوضعوا فيهم السيف وقتلوهم كيف شاؤوا وغنموا أموالهم ودوابهم ولم يتركوا شيئا وقتلوا هذه السنة أبا جعفر بن المشاط وهو من شيوخ الشافعية أخذ الفقه عن الخجندي وكان يدرس بالري ويعظ الناس فلما نزل من كرسيه أتاه باطني فقتله
ذكر حال الفرنج هذه السنة مع المسلمين بالشام
في هذه السنة في شعبان كانت وقعة بين طنكري الفرنجي صاحب أنطاكية وبين الملك رضوان صاحب حلب انهزم فيها رضوان وسببها أن طنكري حصر حصن أرتاح وبها نائب الملك رضوان فضيق الفرنج على المسلمين فأرسل النائب بالحصن إلى رضوان يعرفه ما هو فيه من الحصر الذي أضعف نفسه ويطلب النجدة فسار رضوان في عسكر كثير من الخيالة وسبعة آلاف من الرجالة منهم ثلاثة آلاف من المتطوعة 85 فساروا حتى وصلوا قنسرين وبينهم وبين الفرنج قليل فلما رأى طنكري كثرة المسلمين أرسل إلى رضوان يطلب الصلح فاراد أن يجيب فمنعه أصبهبد صباوو وكان قد قصده وسار معه بعد قتل أياز فامتنع من الصلح واصطفوا للحرب فانهزمت الفرنج من غير قتال ثم قالوا نعود ونحمل عليهم حملة واحدة فإن كانت لنا وإلا انهزمنا فحملوا على المسلمين فلم يثبتوا وانهزموا وقتل منهم وأسر كثير وأما الرجالة فإنهم كانوا قد دخلوا معسكر الفرنج لما انهزموا فاشتغلوا بالنهب فقتلهم والفرنج ولم ينج إلا الشريد فأخذ أسيرا وهرب من في أرتاح إلى حلب وملكه الفرنج لعنهم الله تعالى وهرب أصبهبذ صباوو إلى طغتكين أتابك بدمشق فصار معه ومن أصحابه
ذكر حرب الفرنج والمصريين
في ذي الحجة من هذه السنة كانت وقعة بين الفرنج والمسلمين كانوا فيها على السواء
وسببها أن الأفضل وزير صاحب مصر كان قد سير ولده شرف المعالي في السنة الخالية إلى الفرنج فقهرهم وأخذ الرملة منهم ثم اختلف المصريون والعرب وادعى كل واحد منهما أن الفتح له فأتاهم سرية الفرنج فتقاعد كل فريق منهما بالآخر حتى كاد الفرنج يظهرون عليهم فرحل عند ذلك شرف المعالي إلى أبيه بمصر فنفذ ولده الآخر وهو سناء الملك حسين في جماعة من الأمراء نهم جمار الملك النائب بعسقلان للمصريين وأرسلوا إلى طغتكين أتابك بدمشق يطلبون منه عسكرا فأرسل إليهم أصبهبذ صباوو ومعه ألف وثلاثمائة فارس وكان المصريون في خمسة آلاف وقصدهم بغدوين الفرنجي صاحب وعكة ويافا في ألف وثلاثمائة فارس وثمانية آلاف راجل فوقع المصاف بينهم بين عسقلان ويافا فلم تظهر إحدى الطائفتين على الأخرى فقتل من المسلمين ألف ومائتان ومن الفرنج مثلهم وقتل جمال الملك أمير عسقلان فلما رأى المسلمون أنهم قد تكافؤوا في النهاية قطعوا الحرب وعادوا إلى عسقلان وعاد صباوو إلى دمشق وكان مع الفرنج جماعة من المسلمين منهم بكتاش بن تتش وكان طغتكين قد عدل في الملك إلى ولد أخيه دقاق وهو طفل وقد ذكرناه فدعاه ذلك إلى قصد الفرنج والكون معهم 86
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة عظم فساد التركمان بطريق خراسان من أعمال العراق وقد كانوا قبل ذلك ينهبون الأموال ويقطعون الطريق إلا أنهم عندهم مراقبة فلما كان هذه السنة أطرحوا المراقبة وعملوا الأعمال الشنيعة فاستعمل أيلغازي بن أرتق وهو شحنة العراق على ذلك البلد ابن أخيه بلك بن بهرام بن أرتق وأمره بحفظه وحياطته ومنع الفساد عنه فقام في ذلك القيام المرضي وحمى البلاد وكف الأيدي المتطاولة وسار بلك إلى حصن خانيجار وهو من أعمال سرخاب بن بدر فحصره وملكه
وفيها في شعبان جعل السلطان محمد قيسم الدولة سنقر البرسقي شحنة بالعراق وكان موصوفا بالخير والدين وحسن العهد لم يفارق محمدا في حروبه كلها
وفيها أقطع السلطان محمد الكوفة للأمير قايماز وأوصى صدقة أن يحمي أصحابه من خفاجة فأجاب إلى ذلك
وفيها في شهر رمضان وصل السلطان محمد إلى أصبهان فأمن أهلها ووثقوا بزوال ما كان يشملهم من الخبط والعسف والمصادرة وشتان بين خروجه منها هاربا متخفيا وعوده إليها سلطانا متمكنا وعدل في أهلها وأزال عنهم ما يكرهون وكف الأيدي المتطرقة إليهم من الجند وغيرهم فصار كلمة العامي أقوى من كلمة الجندي ود الجندي قاصرة عن العامي من هيبة السلطان وعدله
وفيها ذكر الجدري في كثير من البلدان لا سيما العراق فإنه كان به كله ومات به من الصبيان ما لا يحصى وتبعه وباء كثير وموت عظيم
وتوفي في هذه السنة في شوال أحمد بن محمد بن أحمد أبو علي البرادني الحافظ ومولده سنة ست وعشرين وأربعمائة سمع ابن غيلان والبرمكي والعشاوي وغيرهم
وتوفي أبو المعالي ثابت بن بندار بن إبراهيم البقال ومولده سنة ست عشرة وأربعمائة سمع أبا بكر البرقاني وأبا علي بن شاذان وكانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة
وفي رابع جمادي الأولى توفي أبو الحسن محمد بن علي بن أبي الصقر الفقيه الشافعي ومولده سنة تسع وأربعمائة وكان أديبا شاعرا فمن قوله
( من قال لي جاه ولي حشمة
ولي قبول عند مولانا )
( ولم يعد ذاك بنفع على
صديقه لا كان من كانا ) 87
وفيها أيضا توفي أبو نصر ابن أخت ابن الموصلايا وكان كاتبا للخليفة جيد الكتابة وكان عمره سبعين ولم يخلف وارثا لأنه أسلم وأهله نصارى فلم يرثوه وكان يبخل إلا أنه كان كثير الصدقة
وأبو المؤيد عيسى بن عبد الله بن القاسم الغزنوي كان واعظا شاعرا كاتبا قدم بغداد ووعظ بها ونصر مذهب الأشعري وكان له قبول عظيم وخرج منها فمات بإسفراين 88
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وأربعمائة
ذكر خروج منكبرس على السلطان محمد
في هذه السنة في المحرم أظهر منكبرس ابن الملك بوربرس بن ألب أرسلان وهو ابن عمر السلطان محمد العصيان للسلطان محمد والخلاف عليه
وسبب ذلك أنه كان مقيما بأصبهان فلحقته ضائقة شديدة وانقطعت المواد عنه فخرج منها وسار إلى نهاوند فاجتمع عليه بها جماعة من العسكر وظاهره على أمره جماعة من الأمراء وتغلب على نهاوند وخطب لنفسه بها وكاتب الأمراء بني برسق يدعوهم إلى طاعته ونصرته وكان السلطان محمد قد قبض على زنكي بن برسق فكاتب زنكي إخوته وحذرهم من طاعة منكبرس وفيها من الأذى والخطر وأمرهم بتدبير الأمر في القبض عليه فلما أتاهم كتاب أخيهم بذلك أرسلوا إلى منكبرس يبذلون له الطاعة والموافقة فسار إليهم وساروا إليه فاجتمعوا به وقبضوا عليه بالقرب من أعمالهم وهي بلد خوزستان وتفرق أصحابه وأخذوا منكبرس إلى أصبهان فاعتقله السلطان مع بني عمه تكش وأخرج زنكي بن برسق وأعاده إلى مرتبته واستنزله وإخوته عن أقطاعهم وهي ليشتر وسابور خواست وغيرها ما بين الأهواز وهمذان وقطعهم عوضها الدينور وغيرها
واتفق أن ظهر بنهاوند أيضا في هذه السنة رجل من السواد ادعى النبوة فأطاعه خلق كثير من السوادية واتبعوه وباعوا أملاكهم ودفعوا إليه أثمانها فكان يخرج ذلك جميعه وسمى أربعة من أصحابه أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وقتل بنهاوند فكان أهلها يقولون ظهر عندنا ي مدة شهرين اثنان ادعى أحدهما النبوة والآخر المملكة فلم يتم لواحد منهما أمره
ذكر الحرب بين طغتكين والفرنج
في هذه السنة في صفر كانت وقعة بين طغتكين أتابك صاحب دمشق وبين قمص كبير من قمامصة الفرنج وسبب ذلك أنه تكررت الحروب والغارات بين عسكر دمشق 89 وبغدوين فتارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء ففي آخر الأمر بنى بغدوين حصنا بينه وبين دمشق نحو يومين فخاف طغتكين من عاقبة ذلك وما يحدث به من الضرور فجمع عسكره وخرج إلى مقاتلتهم فسار بغدوين ملك القدس وعكا وغيرهما إلى هذا القمص ليعاضده ويساعده على المسلمين فعرفه القمص غناه عنه وأنه قادر على مقارعة المسلمين إن قاتلوه فعاد بغدوين إلى عكا وتقدم طغتكين إلى الفرنج واقتتلوا واشتد القتال فانهزم أميران من عسكر دمشق فتبعهما طغتكين وقتلهما وانهزم الفرنج إلى حصنهم فاحتموابه فقال طغتكين من أحسن قتالهم وطلب مني أمرا فعلته معه ومن أتاني بحجر من حجارة الحصن أعطيته خمسة دنانير فبذل الرجالة نفوسهم وصعدوا إلى الحصن وخربوه وحملوا حجارته إلى طغتكين فوفى لهم بما وعدهم وأمر بالقاء الجارة في الوادي وأسروا من بالحصن فأمر بهم فقتلوا كلهم واستبقى الفرسان أسراء وكانوا مائتي فارس ولم ينج ممن كان في الحصن إلا القليل وعاد طغتكين إلى دمشق منصورا فزين البلد أربعة أيام وخرج منها إلى رفنية وهو من حصون الشام وقد تغلب عليه الفرنج وصاحبه ابن أخت صنجيل المقيم على حصار طرابلس فحصره طغتكين وملكه وقتل به خمسمائة رجل من الفرنج
ذكر الحرب بين عبادة وخفاجة
في هذه السنة كانت حرب شديد بين عبادة وخفاجة
وسببها أن رجلا من عبادة أخذ منه جماعة خفاجة جملين فجاء إليهم وطالبهم بهما فلم يعطوه شيئا فأخذ منهم غارة أحد عشر بعيرا فلحقته خفاجة وقتلوا من أصحابه رجلا وقطعوا يد آخر
وكان ذلك بالموقف من الحلة السيفية ففرق بينهم أهلها فسمعت عبادة الخبر فتواعدت وانحدرت إلى العراق للأخذ بثأرها وساروا مع جماعة من أمرائهم فبلغت عدتهم سبعمائة فارس وكانت خفاجة دون هذه العدة فراسلهم خفاجة يبذلون الدية ويصطلحون فلم تجبهم إلى ذلك عبادة وأشار به سيف الدولة صدقة فلم تقبل عبادة فالتقوا واقتتلوا بالقرب من الكوفة ومع عبادة الإبل والغنم بين البيوت فمكنت لهم خفاجة ثلاثمائة فارس وقاتلوهم مطاردة من غير جد في القتال فداموا كذلك ثلاثة أيام ثم إنهم اشتد بينهم القتال واختلطوا حتى تركوا الرماح وتضاربوا بالسيوف فبينما هم كذلك وقد أعيا الفريقان من القتال إذ طلع كمين خفاجة وهم مستريحون فانهزمت عبادة وانتصرت عليهم خفاجة 90 وقتل من وجوه عبادة اثنا عشر رجلا ومن خفاجة جماعة وغنمت خفاجة الأموال من الخيل والإبل والغنم والعبيد والإماء صدقة بن مزيد الغنم والعبيد والإماء وكان الأمير صدقة بن مزيد قد أعان خفاجة سرا فلما وصل المنهزمون إليه هنأهم صدقة بالسلامة فقال له بعضهم ما زلت أقاتل وأضارب وأنا طامع في الظفر بهم حتى رأيت فرسك الشقراء تحت أحدهم فعلمت أنهم أجلبوا علينا بخيلك وأننا لا طاقة لنا بهم فنصروا علينا بمعونتك وفلونا بخدك فلم يجبه صدقة
ذكر ملك صدقة البصرة
هذه السنة في جمادى الأولى انحدر سيف الدولة من الحلة إلى البصرة فملكها وقد ذكرنا فيما تقدم إسماعيل بن أرسلانجق من البصرة ونواحيها وأقام بها عشر سنين نافذ الأمر وازداد قوة وتمكنا بالاختلاف الواقع بين السلاطين وأخذ الأموال السلطانية وكان قد راسل صدقة وأظهر له أنه في طاعته وموافقته فلما استقر الأمر للسلطان محمد أراد أن يرسل إلى البصرة مقطعا يأخذها من إسماعيل فخاطب صدقة في معناه حتى أقرت البصرة عليه فأنفذ السلطان عميد إليها ليتولى ما يتعلق بالسلطان هناك فمنعه إسماعيل ولم يمكنه من عمله وفعل ما خرج به عن حد المجاملة فأمر السلطان صدقة بقصده وأخذ البصرة منه فتحرك لذلك فاتفق ظهور منكبرس وخلافه على السلطان وأنه على قصد واسط فسر إسماعيل بذلك وزاد انبساطه وأرسل صدقة حاجبا له وكان قبله قد خدم أباه وجده إلى إسماعيل يأمره بتسليم الشرطة وأعمالها إلى مهذب الدولة بن أبي الجبر لأنها كانت في ضمانه فوصل إلى الشرطة وأخذ منها أربعمائة دينار فأحضره إسماعيل وحبسه وأخذ الدنانير منه فلما رأى صدقة مكاشفته سار من حلته وأظهر أنه يريد قصد الرحبة ثم جد السير إلى البصرة فلم يشعر إسماعيل إلا بقربه منها ففرق أصحابه في القلاع التي استجدها بمطارا ونهر معقل وغيرهما واعتقل وجوه العباسيين وقاضي البصرة ومدرسها وأعيان أهلها ونازلهم صدقة فجرى قتال بين طائفة من عسكره وطائفة من البصريين قتل فيه أبو النجم بن أبي القاسم الورامي وهو ابن خال سيف الدولة صدقة فمما مدح به سيف الدولة ورثي به أبو النجم بن أبي القاسم قول بعضهم
( تهن يا خير من يحمي حريم حمى
فتحا أغثت به الدنيا مع الدين ) 91
( ركبت للبصرة الغراء في نخب
غر كجيش غلي يوم صفين )
( هوى أبو النجم كالنجم المنير بها
لكنه كان رجما للشياطين )
وأقام صدقة محاصرا لإسماعيل بالبصرة فأشار على سيف الدولة صدقة بعض أصحابه بالعود عنها وأعلموه أنهم لا يظفرون بطائل فأشار عليهم بالمقام وقالوا إن رحلنا كانت كسرة
وكان رأي سيف الدولة المقام وقال إن تعذر علي فتح البصرة لم يطعني أحد واستعجزني الناس
ثم إن إسماعيل خرج من البلد وقاتل صدقة فسار بعض أصحاب صدقة إلى مكان آخر من البلد ودخلوه وقتلوا من السوادية الذين جمعهم إسماعيل خلقا كثيرا وانهزم إسماعيل إلى قلعته بالجزيرة فأدركه بعض أصحاب سيف الدولة وأراد قتله ففداه بنفسه فوقعت الضربة فيه فأثخنته فنهبت البصرة وغنم من معه من عرب البر وغيرهم ما فيها ولم يسلم منهم غلا المحلة المجاورة لقبر طلحة والمربد فإن العباسيين دخلوا المدرسة النظامية
وامتنعوا بها وحملوا المربد وعمت المصيبة لأهل البلد سوى من ذكرنا وامتنع إسماعيل بقلعته فاتفق أن المهذب بن أبي الجبر انحدر في سفن كثيرة وأخذ القلعة التي لإسماعيل بمطارا وقتل بها خلقا من أصحاب إسماعيل وحمل إلى صدقة كثيرا فأطلقهم فلما علم إسماعيل بذلك أرسل إلى صدقة يطلب الأمان على نفسه وأهله وأمواله فأجابه إلى ذلك وأجله سبعة أيام فأخذ كل ما يمكنه حمله مما يعز عليه وما يقدر على حمله أهلكه بالماء وغيره
ونزل إلى سيف الدولة وأمن سيف الدولة أهل البصرة من كل أذى ورتب عندهم شحنة وعاد إلى الحلة ثالث جمادى الآخرة وكان مقامه بالبصرة سنة عشر يوما
وأما إسماعيل فإنه لما سار صدقة إلى الحلة قصد هو الباسيان إلى أن وصله ماله في المراكب وسار نحو فاس وصار يتعنت أصحابه وزوجته وقبض على جماعة من خواصه وقال لهم أنتم سقيتم ولدي أفراسياب السم حتى مات وكان قد مات في صفر من هذه السنة ففارقه كثير منهم حتى زوجته فارقته وسارت إلى بغداد وأخذته الحمة وقويت عليه فلما بلغ رامهرمز انفرد في خيمته ولم يظهر لأصحابه يوما وليلة فظهر لهم موته فنهبوا ماله وتفرقوا فأرسل الأمير برامهرمز فردهم وأخذ ما معهم من أمواله ودفن بالقرب من إيذج وكان عملاه قد جاوز خمسين سنة وكانت سيرته قد حسنت في أهل البصرة أخيرا 92
ذكر حصر رضوان نصيبين وعوده عنها
في هذه السنة في شهر رمضان حصر الملك رضوان بن تتش نصيبين وسبب ذلك أنه عزم على حرب الفرنج واجتمع معه الأمراء أيلغازي بن أرتق الذي كان شحنة بغداد والإصبهبذ صباوو وألبي بن أرسلان تاش صاحب سنجار وهو صهر جكرمش صاحب الموصل فقال أيلغازي الرأي أننا نقصد بلاد جكرمش وما والاها فنملكها ونتكثر بعسكرها والأموال ووافقه ألبي فسار نصيبين ف عشرة آلاف فارس مستهل رمضان وكان قد جعل فيها أميرين من أصحابه في عسكر فتحصنوا بالبلد وقاتلوا من وراء السور فرمى ألبي بن أرسلان تاش بنشابة فجرح جرحا شديدا فعاد إلى سنجار
وأما جكرمش فإنه بلغه الخبر بنزولهم على نصيبين وهو بالحامة التي بالقرب من طنزة يتداوى بمائها من مرضه فرحل إلى الموصل وقد أجفل إليها أهل السواد فخيم على باب البلد عازما على حرب رضوان واستعمل المخادعة فكاتب أعيان عسكر رضوان رغبهم حتى أفسد نياتهم وتقدم إلى أصحابه بنصيبين بخدمة الملك رضوان وبإخراج الإقامة إليه مع الاحتراز منه وأرسل إلى رضوان يبذل له خدمته في طاعته ويقول له إن السلطان محمدا قد حصرني ولم يبلغ مني غرضا فترحل عن صلح وإن قبضت على أيلغازي الذي قد عرفت أنت وغيرك فساده وشره فأنا معك ومعينك بالرجال والأموال والسلاح فاتفق هذا ورضوان قد تغيرت نيته مع أيلغازي فازداد تغيرا وعزم على قبضه فاستدعاه يوما وقال له هذه بلاد ممتنعة وربما استولى على حلب والمصلحة مصالحة جكرمش واستصحابه معنا فإنه يسير بعساكر كثيرة التجمل ونعود إلى قتال الفرنج فإن ذلك مما يعود باجتماع شمل المسلمين فقال له أيلغازي إنك جئت بحكمك وأنت الآن بحكمي لا أمكنك من المسير بدون أخذ هذه البلاد فإن أقمت وإلا بدأت قتالك
وكان أيلغازي قد قويت نفسه بكثرة من اجتمع عنده من التركمان وكان الملك رضوان قد واعد قوما من أصحابه ليقبضوا عليه فلما جرى ما ذكرناه أمرهم رضوان فقبضوا عليه وقيده فلما سمع التركمان الحال أظهروا الخلاف والامتعاض ففارقوا رضوان والتجؤوا إلى سور المدينة وأصعد أيلغازي إلى قلعتها وخرج من بنصيبين من العسكر فأعانوه فلما رأى التركمان ذلك تفرقوا ونهبوا ما قدروا عليه من المواشي وغيرها ورحل رضوان من وقته وسار إلى حلب وكان جكرمش قد رحل من 93 الموصل قاصدا الحرب
فلما بلغ تل يعفر أتاه المبشرون بانصراف رضوان على اختلاف وافتراق فرحل إلى سنجار ووصلت إليه رسل رضوان تستدعي منه النجدة ويعتد عليه ما فعل بأيلغازي فأجابه مغالطة ولم يف له بما وعده ونازل سنجار ليشفي غيظه من صهره ألبي بن أرسلان تاش بما اعتمده من معاداته ومظاهرة أعدائه
وكان ألبي على شدة من المرض بالسهم الذي أصابه على نصيبين فلما نزل جكرمش عليها أمر ألبي أصحابه أن يحملوه إليه فحملوه في محفة عنده وأخذ يعتذر مما كان منه وقال جئت مذنبا فافعل بي ما تراه فرق له وأعاده إلى بلده فلما عاد قضى نحبه
فلما مات عصى على جكرمش من كان بسنجار وتمسكوا بالبلد فقاتله بقية رمضان وشوال ولم يظفر منهم بشيء فجاء تميرك أخو أرسلان تاش عم ألبي فأصلح حاله مع جكرمش وبذل له الخدمة فعاد إلى الموصل
ذكر ملك طغتكين بصرى
قد ذكرنا سنة سبع وتسعين حال بكتاش بن تتش وخروجه من دمشق واتصاله بالفرنج ومعه آيتكين الحلبي بصرى وسيرهما إلى الرحبة وعودهما عنها فلما ضعفت أحوالهم سار طغتكين إلى بصرى فحصرها وبها أصحاب آيتكين فراسلوا طغتكين وبذلوا له التسليم إليه بعد أجل قروره بينهم فأجابهم إلى ذلك فرحل عنهم إلى دمشق فلما انقضى الأجل هذه السنة تسلمها وأحسن إلى من بها ووفى لهم بما وعدهم وبالغ في إكرامهم وكثر الثناء عليه والدعاء له ومالت النفوس إليه وأحبوه
ذكر ملك الفرنج حصن أفامية
في هذه السنة ملك الفرنج حصن أفامية من بلد الشام
وسبب ذلك أن خلف بن ملاعب الكلابي كان متغلبا على حمص وكان الضرر به عظيما ورجاله يقطعون الطريق فكثر الحرامية عنده فأخذها منه تتش بن ألب أرسلان وأبعده عنها فتقلبت به الأحوال إلى أن دخل إلى مصر فلم يلتفت إليه من بها فأقام بها واتفق أن المتولي لأفامية من جهة الملك رضوان أرسل إلى صاحب مصر وكان يميل إلى مذهبهم يستدعي منهم من يسلم إليه الحصن وهو من أمنع الحصون وطلب ابن ملاعب منهم أن يكون هو المقيم به وقال إنني أرغب في قتال الفرنج وأؤثر الجهاد فسلموه إليه وأخذوا 94 رهائنه فلما ملكه خلع طاعتهم ولم يرع حقهم فأرسلوا إليه يتهددونه بما يفعلونه بولده الذي عندهم فأعاد الجواب أنني لا أنزل من مكاني وابعثوا إلي ببعض أعضاء ولدي حتى آكله فأيسوا من رجوعه إلى الطاعة وأقام بأفامية يخيف السبيل ويقطع الطريق واجتمع عنده كثير من المفسدين فكثرت أمواله ثم إن الفرنج ملكوا سرمين وهي من أعمال حلب وأهله غلاة في التشيع فلما ملكه الفرنج تفرق أهله فتوجه القاضي الذي به إلى ابن ملاعب وأقام عنده فأكرمه وأحبه ووثق به فأعمل القاضي الحيلة عليه وكتب إلى أبي طاهر المعروف بابن الصائغ وهو من أعيان أصحاب رضوان ووجوه الباطنية ودعاتهم ووافقهم على الفتك بابن ملاعب وأن يسلم أفامية إلى الملك رضوان فظهر شيء من هذا فأتى إلى ابن ملاعب أولاده وكانوا قد تسللوا إليه من مصر وقالوا له قد بلغنا عن هذا القاضي كذا وكذا والرأي أن تعاجله وتحتاط لنفسك فإن الأمر قد اشتهر وظهر فأحضره ابن ملاعب فأتاه في كمه مصحف لأنه رأى أمارات الشر فقال له ابن ملاعب ما بلغه عنه فقال له أيها الأمير قد علم كل أحد أني أتيتك خائفا جائعا فأمنتني وأغنيتني وعززتني فصرت ذا مال وجاه فإن كان بعض من حسدني على منزلتي منك ما غمرني من نعمتك سعى بي إليك فأسألك أن تأخذ جميع ما معي وأخرج كما جئت
وحلف له على الوفاء والنصح فقبل عذره وأمنه
وعاود القاضي مكاتبة أبي طاهر بن الصائغ وأشار عليه أن يوافق رضوانا على إنفاذ ثلاثمائة رجل من أهل سرمين وينفذ معهم خيلا من خيول الفرنج وسلاحا من أسلحتهم ورؤوسا من رؤوس الفرنج ويأتون إلى ابن ملاعب ويظهرون أنهم غزاة ويشكون من سوء معاملة الملك رضوان وأصحابه لهم وأنهم فارقوه فلقيهم طائفة من الفرنج فظفروا بهم ويحملون جميع ما معهم إليه فإذا أذن لهم في المقام اتفقت آرواؤهم على أعمال الحيلة عليه ففعل ابن الصائغ ذلك ووصل القوم إلى أفامية وقدموا إلى ابن ملاعب بما معهم من الخيل وغيرها فقبل ذلك منهم وأمرهم بالمقام عنده وأنزل عنده وأنزلهم في ربض أفامية فلما كان في بعض الليالي نام الحراس بالقلعة فقام القاضي ومن بالحصن من أهل سرمين ودلوا الحبال وأصعدوا أولئك القادمين جميعهم وقصد أولاد ابن ملاعب وبني عمه وأصحابه فقتلوهم وأتى القاضي وجماعة معه إلى ابن ملاعب وهو مع امرأته فأحس بهم فقال من أنت فقال ملك الموت جئت لقبض روحك فناشده الله فلم يرجه عنه 95 وجرحه وقتله وقتل أصحابه وهرب ابناه فقتل أحدهما والتحق الآخر بأبي الحسن بن منقذ صاحب شيزر فحفظه لعهد كان بينهما ولما سمع ابن الصائغ خبر أفامية سار إليها وهو لا يشك أنها له فقال له القاضي إن وافقتني وأقمت معي فبالرحب والسعة ونحن بحكمك وإلا فارجع من حيث جئت فأيس ابن الصائغ منه
وكان أحد أولاد ابن ملاعب بدمشق عند طغتكين غضبان على أبيه فولاه حصنا وضمن على نفسه حفظ الطريق فلم يفعل وقطع الطريق وأخذ القوافل فاستغاثوا إلى طغتكين منه فأرسل إليه من طلبه فهرب إلى الفرنج واستدعاهم إلى حصن أفامية وقال ليس فيه غير قوت شهر فأقاموا عليه يحاصرونه فجاع أهله وملكه الفرنج وقتلوا القاضي المتغلب عليه وأخذوا ابن الصائغ فقتلوه وكان هو الذي أظهر مذهب الباطنية بالشام هكذا ذكر بعضهم أن أبا طاهر بن الصائغ قتله الفرنج بأفامية
وقد قيل إن ابن بديع رئيس حلب قتله سنة سبع وخمسمائة بعد وفاة رضوان وقد ذكرناه هناك والله أعلم
ذكر نهب العرب البصرة
قد ذكرنا استيلاء المير صدقة على البصرة وأنه استناب بها مملوكا كان لجده دبيس بن مزيد اسمه التونتاش وجعل معه مائة وعشرين فارسا فاجتمعت ربيعة والمنتفق ومن انضم إليها من العرب وقصدوا البصرة في جمع كثير فقاتلهم التونتاش فأسروه وانهزم أصحابه ولم يقدر من بها على حفظها فدخلوها بالسيف أواخر ذي القعدة وأحرقوا الأسواق والدور الحسان ونهبوا ما قدروا عليه وأقاموا ينهبون ويحرقون اثنين وثلاثين يوما وتشرد أهله في السواد ونهبت خزانة كتب كثيرة موقوفة وقفها القاضي أبو الفرج بن أبي البقاء وبلغ الخبر صدقة فأرسل عسكرا فوصلوا وقد فارقها العرب ثم إن السلطان محمدا أرسل شحنة وعميدا إلى البصرة وأخذها من صدقة وعاد أهلها إليها وشرعوا ي عمارتها
ذكر حال طرابلس الشام مع الفرنج
كن صنجيل الفرنجي لعنه الله قد ملك مدينة جبلة وأقام على طرابلس يحصرها فحيث لم يقدر أن يملكها بنى بالقرب منها حصنا وبنى تحته ربضا وأقام مراصدا لها ومنتظرا وجود فرصة فيها فخرج الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس فأحرق ربضه 96 ووقف صنجيل على بعض سقوفه المتحرقة ومعه جماعة من القمامصة والفرسان فانخسف بهم فمرض صنجيل من ذلك عشرة أيام ومات وحمل إلى القدس فدفن يفه ثم إن ملك الروم أمر أصحابه باللاذقية ليحملوا الميرة إلى هؤلاء الفرنج الذين على طرابلس فحملوها في البحر فأخرج إليها فجر الملك بن عمار أسطولا فجرى بينهم وبين الروم قتال شديد فظفر المسلمون بقطعة من الروم فأخذوها وأسروا من كان بها وعادوا ولم تزل الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين إلى هذا الوقت فعدمت الأقوات به وخاف أهله على نفوسهم وأولادهم وحرمهم فجلا الفقراء وافتقر الأغنياء وظهر من ابن عمار صبر عظيم وشجاعة ورأي سديد ومما أضر بالمسلمين فيها أن صاحبها استنجد سقمان بن أرتق فجمع العساكر وسار إليه فمات في الطريق على ما ذكرناه وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه وأجرى ابن عمار الجرايات على الجند والضعفاء فلما قلت الأموال عنده شرع يقسط على الناس ما يخرجه في باب الجهاد فأخذ من رجلين من الأغنياء مالا مع غيرهما فخرج الرجلان إلى الفرنج وقالا إن صاحبنا صادرنا فخرجنا إليكم لنكون معكم وذكروا له أنه تأتيه الميرة من عرفة والجبل فجعل الفرنج جمعا على ذلك الجانب يحفظه من دخول شيء إلى البلد فأرسل ابن عمار وبذل الفرنج مالا كثيرا ليسلموا الرجلين إليه فلم يفعلوا فوضع عليهما من قتلهما غيلة
وكانت طرابلس من أعظم بلاد الإسلام وأكثرها تجملا وثروة فباع أهلها من الحلي والأواني الغربية ما لا حد عليه حتى بيع كل مائة درهم نقرة بدينار وشتان بين هذه الحالة وبين حال الروم أيام السلطان ألب أرسلان وقد ذكرت ظفره بهم سنة ثلاث وستين وأربعمائة
وكان بعض أصحابه وهو كمشتكين دواتي عميد الملك هرب منه خوفا لما قبض على صاحبه عميد الملك وسار إلى الرقة فملكها وصار معه مثير من التركمان فيهم الأفشين وأحمد شاه فقتلاه وأرسلا أمواله إلى ألب أرسلان ودخل الأفشين بلاد الروم وقاتل الفردوس صاحب أنطاكية فهزمه وقتل من الروم خلقا كثيرا وسار ملك الروم من القسطنطينية إلى ملطية فدخل الأفشين بلاده ووصل إلى عمورية وقتل في غزاته مائة ألف آدمي ولما عاد إلى بلاد الإسلام وتفرق من معه خرج عليه عسكر الرها وهي حينئذ للروم ومعهم بنو نمير من العرب فقاتلهم ومعه مائتا فارس فهزمهم ونهب بلاد الروم فأرسل إلى ألب أرسلان في ذلك فصالح الروم على مائة ألف دينار وأربعة آلاف 97 ثوب أصنافا وثلاثمائة رأس بغالا فشتان بين الحالتين وأقول شتان بين حال أولئك المرذولين الذي الذين استعجزهم وبين حال الناس في زماننا هذا وهو سنة ست عشرة وستمائة مع الفرنج أيضا والتتر وسترى ذلك مشروحا إن شاء الله تعالى لتعلم الفرق نسأل الله تعالى أن ييسر للإسلام وأهله قائما يقوم بنصره وأن يدفع عنهم بمن أحب من خلقه وما ذلك على الله بعزيز
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة ورد إلى بغداد إنسان من الملثمين ملوك الغرب قاصدا إلى دار الخلافة فأكرم وكان معه إنسان يقال له الفقيه من الملثمين أيضا فوعظ الفقيه ف جامع القصر واجتمع له العالم العظيم وكان يعظ وهو متلثم لا تظهر منه غير عينيه وكان هذا الملثم قد حضر مع ابن الفضل أمير الجيوش بمصر وقعته مع الفرنج وأبلى بلاء حسنا وكان سبب مجيئه إلى بغداد أن المغاربة كانوا يعتقدون في العلويين أصحاب مصر الاعتقاد القبيح فكانوا إذا أرادوا الحج يعدلون عن مصر وكان أمير الجيوش بدر والد الأفضل أراد إصلاحهم فلم يميلوا إليه ولا قاربوه فأمر بقتل من ظفر به منهم فلما ولي ابنه الأفضل أحسن إليهم واستعان بمن قاربه منهم على حرب الفرنج وكان هذا من جملة من قاتل معه فلما خالط المصريين خاف العود إلى بلاده فقدم بغداد ثم عاد إلى دمشق ولم يكن للمصريين حرب مع الفرنج إلا وشهدها فقتل في بعضها شهيدا وكان شجاعا فتاكا مقداما
وفيها في ربيع الآخر ظهر كوكب في السماء له ذؤابة كقوس قزح آخذة من المغرب إلى وسط السماء وكان يرى قريبا من الشمس قبل ظهوره ليلا وبقي يظهر عدة ليال ثم غاب
وفيها وصل الملك قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش صاحب بلاد الروم إلى الرها ليحصرها وبها الفرنج فراسله أصحاب جكرمش المقيمون بحران ليسلموها إليه فسار إليهم وتسلم البلد وفرح الناس لأجل جهاد الفرنج فأقام بحران أياما ومرض مرضا شديدا أوجب عوده إلى ملطية فعاد مريضا وبقي أصحابه بحران
وفي هذه السنة توفي الشيخ أبو منصور الخياط المقري إمام مسجد ابن جردة وكان خيرا صالحا
وفيها قتل القاضي أبو العلاء صاعدين أبي محمد النيسابوري 98 الحنفي بجامع أصبهان قتله باطني
وفيها توفي أبو الفوارس الحسين بن علي بن الحسين بن الخازن صاحب الخط الجيد وعمره سبعون سنة قيل إنه كتب خمسمائة ختمة
وفيها في المحرم توفي القاضي أبو الفرج عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة وله ثلاث وثمانون سنة وكان من الفقهاء الشافعية المشهورين تفقه على المارودي وأبي إسحاق وأخذ النحو عن الرقي والدهان وابن برهان وكان عفيفا مقدما عند الخلفاء والسلاطين
وفيها في المحاضرة توفي سهل بن أحمد بن علي الأرغياني أبو الفتح الحاكم تفقه على الجويني وبرز ثم ترك المناظرة وبنى رباطا واشتغل بالعبادة وقراءة القرآن
وفيها في صفر توفي الأمير مهارش بن مجلي وله نحو ثمانين سنة وهو الذي كان الخليفة القائم عنده بالحديثة وكان كثير الصلاة والصوم يحب الخير وأهله ولما توفي ملك الحديثة بعده ابنه سليمان 99
ثم دخلت سنة خمسمائة
ذكر وفاة يوسف بن تاشفين وملك ابنه علي
في هذه السنة توفي أمير المسلمين يوسف بن تاشفين ملك الغرب والأندلس وكان حسن السيرة خيرا عادلا يميل إلى أهل الدين والعلم ويكرمهم ويصدر عن رأيهم
ولما ملك الأندلس على ما ذكرناه جمع الفقهاء وأحسن إليهم فقالوا له ينبغي أن تكون ولايتك من الخليفة لتجب طاعتك على الكافة فأرسل إلى الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين رسولا ومعه هدية كثيرة وكتب معه كتابا يذكر ما فتح الله من بلاد الفرنج وما اعتمده من نصرة الإسلام ويطلب تقليدا بولاية البلاد فكتب له تقليدا من ديوان الخلافة بما أراد ولقب أمير المسلمين
وسيرت إليه الخلع فسر بذلك سرورا كثيرا وهو الذي بنى مدينة مراكش للمرابطين وبقي على ملكه خمسمائة فتوفي وملك بعده البلاد ولده علي بن يوسف وتلقيب أيضا أمير المسلمين فازداد في إكرام العلماء والوقوف عند إشارتهم وكان إذا وعظه أحدهم خشع عند استماع الموعظة ولان قلبه لها وظهر ذلك عليه
وكان يوسف بن تاشفين حليما كريما دينا خيرا يحب أهل العلم والدين ويحكمهم في بلاده وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام
فمن ذلك أن ثلاثة نفر اجتمعوا فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها وتمنى الآخر عملا يعمل فيه لأمير المسلمين وتمنى الآخر زوجته النفزاوية وكانت من أحسن النساء ولها الحكم في بلاده فبلغه الخبر فأحضرهم وأعطى متمني المال ألف دينار واستعمل الآخر وقال للذي تمنى زوجته يا جاهل ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه ثم أرسله إليها فتركه في خيمة ثلاثة أيام تحمل إليه كل يوم طعاما واحدا ثم أحضرته وقالت له ما أكلت هذه الأيام قال طعاما واحدا فقالت كل النساء شيء واحد وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته 100
ذكر قتل فخر الملك بن نظام الملك
في هذه السنة قتل فخر الملك أبو المظفر علي بن نظام الملك يوم عاشوراء وكان وزارته قصد نيسابور لأصحابه رأيت الليلة في المنام الحسين بن علي عليه السلام وهو يقول عجل إلينا وليكن إفطارك عندنا وقد اشتغل فكري به ولا محيد عن قضاء الله وقدره
وقالوا له يحييك الله
والصواب أن لا تخرج اليوم والليلة من دارك فأقام يومه يصلي ويقرأ القرآن وتصدق بشيء كثير فلما كان وقت العصر خرج من الدار التي كان بها يريد دار النساء فسمع صوت صياح متظلم شديد الحرقة وهو يقول ذهب المسلمون فلم يبق من يكشف مظلمة ولا يأخذ بيد ملهوف فأحضر عنده رحمة له فحضر فقال ما حالك فدفع إليه رقعة فبينما فخر الملك يتأملها إذ ضربه بسكين فقضى عليه فمات فحمل الباطني إلى سنجر فقرره فأقر على جماعة من أصحاب السلطان كذبا وقال إنهم وضعوني على قتله وأراد أن يقتل بيده وسعايته فقتل من ذكر وكان مكذوبا عليهم ثم قتل الباطني بعدهم وكان عمر فخر الملك ستا وستين سنة
ذكر ملك صدقة بن مزيد تكريت
في هذه السنة في صفر تسلم الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن مزيد قلعة تكريت وقد ذكرنا فيما تقدم أنها كانت لبني مقن العقليين وكانت إلى آخر سنة سبع وعشرين وأربعمائة بيد رافع بن الحسين بن مقن فمات ووليها ابن أخيه أو منعة خميس بن تغلب بن حماد ووجد بها خمسمائة ألف دينار سوى المصاغ وتوفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة ووليها ولده أبو غشام فلما كان سنة أربع وأربعين وثب عليه عيسى فحبسه وملك القلعة والأموال فلما اجتاز به طغرلبك سنة ثمان وأربعين صالحه على بعض المال فرحل عنه وخافت زوجته أميرة بعد موته أن يعود أبو غشام يملك القلعة فقتله وكان بقي في الحبس أربع واستنابت في القلعة أبا الغنائم بن المحلبان فسلمها إلى أصحاب السلطان طغرلبك فسارت إلى الموصل فقتلها ابن أبي غشام بأبيه وأخذ شرف الدولة مسلم بن قريش مالها
ورد طغرلبك أمر القلعة إلى إنسان يعرف بأبي العباس الرازي فمات بها ستة أشهر فملكها المهرباط وهو أبو جعفر 101 محمد بن أحمد بن خشنام من بلد الثغر فأقام بها إحدى وعشرين سنة ومات ووليها ابنه سنتين وأخذتها منه تركان خاتون وليها لها كوهرائين
ثم ملكها بعد وفاة ملكشاه قسيم الدولة آقسنقر صاحب حلب فلما قتل صارت للأمير كمشتكين الجاندرا فجعل فيها رجلا يعرف بأبي المصارع ثم عادت إلى كوهرائين أقطاعا ثم أخذها منه مجد الملك البلاساني فولى فيها كيقباذ بن هزار سب الديلمي فأقام بها اثنتي عشرة سنة فظلم أهلها وأساء السيرة
فلما اجتاز به سقمان بن أرتق سنة ست وتسعين ونهبها ليلا وسقمان ينهبها نهارا فلما استقر السلطان محمد بعد موت أخيه بركيارق أقطعها للأمير آقسنقر البرسقي شحنة بغداد فسار إليها وحصرها مدة تزيد على سبعة أشهر حتى ضاق على كيقباذ الأمر فأرسل صدقة بن مزيد ليسلمها إليه فسار إليها في صفر هذه السنة وتسلمها منه وانحدر البرسقي ولم يملكها ومات كيقباذ بعد نزوله من القلعة بثمانية أيام وكان عمره ستين سنة
واستناب صدقة بها ورام بن أبي فراس بن ورام وكان كيقباذ ينسب إلى الباطنية وكان موته من سعادة صدقة فإنه لو أقام عنده لعرض صدقة لظنون الناس في اعتقاده ومذهبه
ذكر الحرب بين عبادة وخفاجة
في هذه السنة في ربيع الأول كانت حرب بين عبادة وخفاجة ظفرت عبادة
وأخذت بثأرها من خفاجة
وكان سبب ذلك أن سيف الدولة صدقة أرسل ولده بدران في جيش إلى طرف بلاده مما يلي البطيحة ليحميها من خفاجة لأنهم يؤذون أهل تلك النواحي فقربوا منه وتهددوا أهل البلاد فكتب إلى أبيه يشكو منهم ويعرفه حالهم فأحضر عبادة وكانت خفاجة قد فعلت بهم العام الماضي ما ذكرناه فلما حضروا عنده قال لهم ليتجهزوا مع عسكره ليأخذوا بثأرهم من خفاجة فساروا في مقدم عسكره فأدركوا حلة من خفاجة من بني كليب ليلا وهم غارون لم يشعروا به
فقالوا من أنتم فقالت عبادة نحن أصحاب الديون فعلموا أنهم عبادة فقاتلوهم وصبرت خفاجة فبينما هم في القتال إذ سمع طبل الجيش فانهزموا وقتلت منهم عبادة جماعة
وكان فيهم عشرة من وجوههم وتركوا حرمهم فأمر صدقة بحراستهن وأمر العسكر أن يؤثروا عبادة بما غنموه من أموال خفاجة خلفا لهم عما أخذ منهم في العام الماضي وأصاب خفاجة من مفارقة بلادها ونهب أموالها وقتل رجالها أمر عظيم وانتزحت إلى نواحي 102 البصرة وأقامت عبادة في بلاد خفاجة
ولما انهزمت خفاجة وتفرقت ونهبت أموالها جاءت امرأة منهم إلى الأمير صدقة فقالت له إنك سبيتنا وسلبتنا قوتنا وغربتنا وأضعت حرمتنا قابلك الله في نفسك وجعل صورة أهلك كصورتنا فكظم الغيظ واحتمل لها ذلك وأعطاها أربعين جملا ولم يمض غير قليل حتى قابل الله صدقة في نفسه وأولاده فإن دعاء الملهوف عند الله بمكان
ذكر مسير جاولي سقاوو إلى الموصل وأسر صاحبها جكرمش
في هذه السنة في المحرم أقطع السلطان محمد جاولي سقاوو الموصل والأعمال التي بيد جكرمش
وكان جاولي قبل هذا قد استولى على البلاد التي بين خوزستان وفارس
وأقام بها سنين وعمر قلاعها وحصنها وأساء السيرة في أهلها وقطع أيديهم وجدع أنوفهم وسمل أعينهم فلما تمكن السلطان محمد من السلطنة خافه جاولي وأرسل السلطان إليه الأمير مودود بن التونتكين فتحصن منه جاولي وحصره مودود ثمانية أشهر فأرسل جاولي إلى السلطان إنني لا أنزل إلى مودود فإن أرسلت غيره نزلت فأرسل إليه خاتمه مع أمير آخر فنزل جاولي وحضر الخدمة بأصبهان فرأى من السلطان ما يجب وأمره السلطان بالمسير إلى الفرنج ليأخذ البلاد منهم وأقطعه الموصل وديار بكر والجزيرة كلها
وكان جكرمش لما عاد من عند السلطان إلى بلاده كما ذكرنا وعد من نفسه الخدمة وحمل المال فلما استقر ببلاده لم يف بما قال وتثاقل في الخدمة وحمل المال فأقطع بلاده لجاولي فجاء إلى بغداد وأقام بها إلى أول ربيع الأول وسار إلى الموصل وجعل طريقه على البوازيج فملكها ونهبها أيام بعد أن أمن أهلها وحلف لهم أنه يحميهم فلما ملكها سار إلى إربل وأما جكرمش فإنه لما بلغه مسيره إلى بلاده كتب في جمع العساكر فأتاه كتاب أبي الهيجاء بن موسك الكردي الهذباني صاحب إربل يذكر استيلاء جاولي على البوازيج ويقول له إن لم تعجل المجيء لنجتمع عليه ونمنعه وإلا اضطررت إلى موافقته والمصير معه
فبادر جكرمش وعبر إلى شرقي دجلة وسار في عسكر الموصل قبل اجتماع عساكره وأرسل إليه أبو الهيجاء عسكره مع أولاده فاجتمعوا بقرية باكلبا من أعمال إربل ووافاهم جاولي وهو في ألف فارس وكان جكرمش في ألفي فارس ولا يشك أنه يأخذ جاولي باليد فلما اصطفوا 103 للحرب حمل جاولي من القلب على قلب جكرمش فانهزم من فيه وبقي جكرمش وحده لا يقدر على الهزيمة لفالج كان به فهو لا يقدر يركب وإنما يحمل في محفة فلما انهزم أصحابه قاتل عنه ركابي أسود قتالا عظيما فقتل وقاتل معه واحد من أولاد الملك قاروت بك بن داود اسمه أحم فقاتل بين يديه فطعن فجرح وانهزم فمات بالموصل ولم يقدر أصحاب جاولي على الوصول إلى جكرمش حتى قتل الركابي الأسود فحينئذ أخذوه أسيرا وأحضروه عند جاولي فأمر بحفظه وحراسته وكانت عساكر جكرمش التي استدعاها قد وصلت إلى الموصل بعد مسيره فساروا جرائد ليدركوا الحرب فلقيهم المنهزمون ليقضي الله أمرا كان مفعولا
ذكر حصر جاولي سقاوو الموصل وموت جكرمش
لما انهزم العسكر وأسر جكرمش وصل الخبر إلى الموصل فأقعدوا في الأمر زنكي بن جكرمش وهو صبي عمره إحدى عشرة سنة وخطبوا له وأحضروا أعيان البلد والتمسوا منهم المساعدة فأجابوا إلى ذلك وكان مستحفظ القلعة مملوكا لجكرمش اسمه غزغلي فقام في ذلك المقام المرضي وفرق الأموال التي جمعها جكرمش والخيول وغير ذلك على الجند وكاتب سيف الدولة صدقة وقلج أرسلان والبرسقي شحنة بغداد بالمبادرة إليهم ومنع جاولي عنهم ووعدوا كلا منهم أن يسلموا البلد إليه
فأما صدقة فلم يجبهم إلى ذلك ورأى طاعة السلطان
وأما البرسقي وقلج أرسلان فنذكر حالهما
ثم إن جاولي حصر الموصل ومعه كرماوي بن خراسان التركماني وغيره من الأمراء وكثر جمعه وأمر أن يحمل جكرمش كل يوم على بغل وينادي أصحابه بالموصل ليسلموا البلد ويخلصوا صاحبهم مما هو فيه ويأمرهم هو بذلك فلا يسمعون منه وكان يسجنه في جب ويوكل به من يحفظه لئلا يسرق فأخرج في بعض الأيام ميتا وعمره نحو ستين سنة وكان شأنه قد علا ومنزلته قد عظمت وكان قد شيد سور الموصل وقواه وبنى عليها فصيلا وحفر خندقها وحصنها غاية ما يقدر عليه وكان مع جكرمش رجل من أعيان الموصل يقال له أبو طالب بن كسيرات وبنو كسيرات إلى الآن بالموصل من أعيان أهلها وكان أبو طالب قد تقدم عند جكرمش وارتفعت منزلته واستولى على أموره وحضر معه الحرب فلما أسر جكرمش هرب أبو طالب إلى إربل وكان أولاد أبي الهيجاء صاحب إربل قد حضروا الحرب مع جكرمش وأسرهم جاولي 104 فأرسل إلى أبي الهيجاء يطلب ابن كسيرات فأطلقه وسيره إليه فأطلق جاولي ابن أبي الهيجاء فلما حضر ابن كسيرات عند جاولي ضمن له فتح الموصل وبلاد جكرمش وتحصين الأموال فاعتقله اعتقالا جميلا وكان قاضي الموصل أبو القاسم بن ودعان عدوا لأبي طالب فأرسل إلى جاولي يقول له إن قتلت أبا طالب سلمت الموصل إليك فقتله وأرسل إليه فأظهر الشماتة به وأخذ كثيرا من أمواله وودائعه فسار به الأتراك غضبا لأبي طالب ولتفرده بما أخذ من أمواله فقتلوه وكان بينهما شهر واحد وقد رأينا كثيرا وسمعنا ما لا تحصيه من قرب وفاة أحد المتعاديين بعد صاحبه
ذكر الحرب بين ملك القسطنطينية والفرنج
في هذه السنة كانت وحشة مسحكمة بين ملك الروم صاحب القسطنطينية وبين بيمند الفرنجي فسار بيمند إلى بلد ملك الروم ونهبه وعزم على قصده فأرسل ملك الروم إلى الملك قلج أرسلان بن سليمان صاحب قونية وأقصرا وغيرهما من تلك البلاد يستنجده فأمده بجمع من عسكره فقوي بهم وتوجه إلى بيمند فالتقوا وتصافوا واقتتلوا وصبر الفرنج بشجاعتهم وصبر الروم ومن معهم لكثرتهم ودامت الحرب ثم أجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج وأتى القتل على أكثرهم وأسر كثير منهم والذين سلموا عادوا إلى بلادهم بالشام وعاد عسكر قلج أرسلان إلى بلادهم عازمين على المسير إلى صاحبهم بديار الجزيرة فأتاهم خبر قتله على ما نذكره إن شاء الله تعالى فتركوا الحركة وأقاموا
ذكر ملك قلج أرسلان الموصل
قد ذكرنا أن أصحاب جكرمش كتبوا إلى الأمير صدقة وقسيم الدولة البرسقي والملك قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب بلاد الروم يستدعون كلا منهم إليهم ليسلموا البلد إليه
فأما صدقة فامتنع ورأى طاعة السلطان وأما قلج أرسلان فإنه سار في عساكره فلما سمع جاولي سقاوو بوصوله إلى نصيبين رحل عن الموصل
وأما البرسقي فإنه كان شحنة بغداد فسار منها إلى الموصل فوصلها بعد رحيل جاولي عنها بالجانب الشرقي فلم يلتفت أحد إليه ولا أرسلوا إليه كلمة واحدة فعاد في باقي يومه
ثم إن قلج أرسلان لما وصل إلى نصيبين أقام بها حتى كثر جمعه 105 فلما سمع جاولي بقربه رحل من الموصل إلى سنجار وأودع رحله بها واتصل به الأمير أيلغازي بن أرتق وجماعة من عسكر جكرمش فصار معه أربعة آلاف فارس فأتاه كتاب الملك رضوان يستدعيه إلى الشام ويقول له إن الفرنج قد عجز من بالشام عن منعهم فسار إلى الرحبة وأرسل أهل الموصل وعسكر جكرمش إلى قلج أرسلان وهو بنصبيبن استحلفوه لهم فحلف واستحلفهم على الطاعة له والمناصحة وسار معهم إلى الموصل فملكها في الخامس والعشرين من رجب ونزل بالمعرفة وخرج إليه ولد جكرمش وأصحابه فخلع عليهم وجلس على التخت وأسقط السلطان محمدا وخطب لنفسه بعد الخليفة وأحسن إلى العسكر وأخذ القلعة من غرغلي مملوك جكرمش وجعل له فيها دزدارا ورفع الرسوم المحدثة يف الظلم وعدل في الناس وتألفهم وقال من سعى إلي بأحد قتلته فلم يسع أحد بأحد وأقر القاضي أبا محمد عبد اله بن القاسم بن الشهروزري على القضاء بالموصل وجعل الرياسة لأبي البركات محمد بن خميس وهو ولد شيخنا أبي الربيع سليمان
وكان في جملة قلج أرسلان الأمير إبراهيم بن ينال التركماني صاحب آمد ومحمد بن جبق التركماني صاحب حصن زياد وهو خرتبرت
فأما إبراهيم بن ينال فكان سبب ملكه لمدينة آمد أن تاج الدولة تتش حين ملك دياتر بكر سلمها إليه فبقيت بيده
وأما محمد بن جبق فكان سبب ملكه لحصن زياد أن هذا الحصن كان بيد الفلادروس الرومي ترجمان ملك الروم وكانت الرها وأنطاكية من أعماله فلما ملك سليمان بن قتلمش والد هذا قلج أرسلان أنطاكية وملك فخر الدولة بن جهير ديار بكر ضعف الفلادروس عن إقامة ما يحتاج إليه حصن زياد من الميرة والإقامة فأخذه جبق وأسلم الفلادروس على يد السلطان ملكشاه وأمره على الرها فلم يزل عليها حتى مات وأخذها الأمير بزان بعده
وكان بالقرب من حصن زياد حصن آخر بيد إنسان من الروم اسمه إفرنجي وكان يقطع الطريق ويكثر قتل المسلمين فأرسل إليه جلق هدية وخطب إليه مودته وأن يعين كل واحد منهما صاحبه فأجابه إلى ذلك فكان جبق يعين إفرنجي على قطع الطريق وغيره وكذلك إفرنجي يعين جبق فلما وثق كل واحد بصاحبه أرسل إليه بجبق إني أريد قصد بعض الأماكن وطلب أن يرسل إليه بصاحبه فأرسلهم إيه فلما ساروا معه في الطريق تقدم يكتفهم وحملهم إلى قلعة إفرنجي وقال لأهليهم والله لئن لم تسلموا غلي إفرنجي لأضربن أعناقهم ولآخذن الحصن عنوة ولأقتلنكم على دم واحد ففتحوا له الحصن وسلموا إليه إفرنجي فسلخه وأخذ أمواله وسلاحه وكان عظيما ومات جبق فولي بعده ابنه محمد 106
ذكر قتل قلج أرسلان وملك جاولي الموصل
قد ذكرنا أن قلج أرسلان لما وصل إلى نصيبين سار جاولي عن الموصل إلى سنجار ثم إلى الرحبة فوصلها في رجب وحصرها إلى الرابع والعشرين من شهر رمضان
وكان صاحبها حينئذ يعرف بمحمد بن السباق وهو من بني شيبان رتبه بها الملك دقاق لما فتحها وأخذ ولده رهينة وحمله معه إلى دمشق فلما توفي أرسل هذا الشيباني قوما سرقوا ولده وحملوه إليه فلما وصل إليه خلع الطاعة للدمشقيين وخطب في بعض الأوقات لقلج أرسلان فلما وصل إليها جاولي وحصرها أرسل إلى الملك رضوان يعرفه أنه على الاجتماع به ومساعدته على من يحاربه ويشترط عليه أنه إذا تسلم البلاد سار معه ليكشف الفرنج عن بلاده فلما استقرت القاعدة بينهما حضر عنده رضوان فاشتد الحصار على أهل البلد وضاقت عليهم الأمور واتفق جماعة كانوا بأحد الأبراج وأرسلوا إلى جاولي واستحلفوه على حفظهم وحراستهم وأمروه أن يقصد البرج الذي هم فيه عند انتصاف الليل ففعل ذلك فرفع من في البرج أصحابه إليهم في الحبال فضربوا بوقاتهم وطبولهم فخذل من في البلد ودخله أصحاب جاولي في اليوم الرابع والعشرين من شهر رمضان ونهبوه إلى الظهر ثم أمر برفع النهب ونزل إليه محمد الشيباني صاحب البلد وأطاعه وصار معه
ثم إن قلج أرسلان لما فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جاولي سقاوو ليحاربه وجعل ابنه ملكشاه في دار الإمارة وعمره إحدى عشرة سنة ومعه أمير ايدبر وجماعة من العسكر وكانت عدة عسكره أربعة آلاف فارس بالعدة الكاملة والخيل الجيدة وسمع العسكر بقوة جاولي فاختلفوا وكان أول من خالف عليه إبراهيم بن ينال صاحب آمد فإنه فارق خيامه وأثقاله وعاد من الخابور إلى بلده وكذلك غيره
وعمل قلج أرسلان على المطاولة لما بلغه من قوة جاولي وكثرة جموعه وأرسل إلى بلاده يطلب عساكره لأنها كانت ملك الروم نجدة له عن قتال الفرنج كما ذكرناه فلما وصل إلى الخابور بلغت عدته خمسة آلاف وكان مع جاولي أربعة آلاف من جملتهم الملك رضوان وجماعة من عسكره إلا أن شجعانه أكثر واغتنم جاولي قلة عسكر أرسلان فقاتله قبل وصول عساكره إليه فالقوا في العشرين من ذي القعدة فحمل قلج أرسلان على القوم بنفسه حتى خالطهم فضرب يد صاحب 107 العلم فأبانها ووصل إلى جاولي بنفسه فضربه بالسيف فقطع الكزاغند ولم يصل إلى بدنه وحمل أصحاب جاولي على أصحابه فهزموهم واستباحوا نقلهم وسوادهم فلما رأى قلج أرسلان انهزام عسكره علم أنه إن أسر فعل به فعل من لم يترك للصلح موضعا لا سيما وقد نازع السلطان في بلاده واسم السلطنة فألقى نفسه في الخابور وحمى نفسه من أصحاب جاولي بالنشاب فانحدر به الفرس إلى ماء عميق فغرق وظهر بعد أيام فدفن بالشمسانية وهي قرى الخابور وسار جاولي إلى الموصل ولما وصل إليها فتح أهلها له بابها ولم يتمكن من بها من أصحاب قلج أرسلان من منعهم ونزل بظاهر البلد وأخذ كل واحد من أصحاب جكرمش الذي حضر الوقعة مع قلج أرسلان إلى جهة فلما ملك جاولي الموصل أعاد خطبة السلطان محمد وصادر جماعة من بها من أصحاب جكرمش وسار إلى جزيرة ابن عمر وبها حبشي بن جكرمش ومعه أمير من غلمان أبيه اسمه غرغلي فحصره مدة ثم صالحوه وحملوا إليه ستة آلاف دينار وغيرها من الدواب والثياب ورحل عنهم إلى الموصل وأرسل ملكشاه بن قلج أرسلان إلى السلطان محمد
ذكر أحوال الباطنية بأصبهان وقتل ابن عطاش
في هذه السنة ملك السلطان محمد القلعة التي كان الباطنية ملكوها بالقرب من أصبهان واسمها شاهدز وقتل صاحبها أحمد عبد الملك بن عطاش وولده وكانت هذه القلعة قد بناها ملكشاه واستولى عليها بعده أحمد بن عبد الملك بن عطاش وسبب ذلك أنه اتصل بدزدار كان لها فلما استولى أحمد عليها وان الباطنية بأصبهان قد ألبسوه تاجا وجمعوا له أموالا وإنما فعلوا ذلك به لتقدم أبيه عبد الملك في مذهبهم فإنه كان بليغا حسن الخط سريع البديهة عفيفا وابتلي بحب هذا المذهب وكان هذا ابنه أحمد جاهلا لا يعرف شيئا وقيل لابن الصباح قلعة الموت لماذا تعظم ابن عطاش مع جهله قال لمكان أبيه لأنه كان أستاذي وصار لابن عطاش عدد كثير وبأس شديد واستفحل أمره بالقلعة فكان يرسل أصحابه لقطع الطريق وأخذ الأموال وقتل من قدروا على قتله فقتلوا خلقا كثيرا لا يمكن إحصاؤهم وجعلوا له على القرى السلطانية وأملاك الناس ضرائب يأخذونها ليكفوا عنها الأذى فتعذر انتفاع السلطان بقراه والناس بأملاكهم وتمشى لهم الأمر بالخلف الواقع بين السلطانين بركيارق ومحمد 108 فلما صفت السلطنة لمحمد ولم يبق له منازع لم يكن عنده أمر أهم من قصد الباطنية وحربهم والانتصاف للمسلمين من جورهم وعسفهم فرأى البداية بقلعة أصبهان التي بأيديهم لأن بها أكثر وهي متسلطة على سرير ملكه
فخرج بنفسه فحاصرهم في سادس شعبان وكان قد عزم على الخروج أول رجب فساء ذلك من يتعصب لهم من العسكر فأرجفوا أن قلج أرسلان بن سليمان قد ورد بغداد وملكها وافتعلوا في ذلك مكاتبات ثم أظهروا أن خللا قد تجدد بخراسان فتوقف السلطان لتحقيق الأمر فلما ظهر بطلانه عزم عزيمة مثله وقصد حربهم وصعد جبلا يقابل القلعة من غربيها ونصب له التخت في أعلاه واجتمع له من أصبهان وسوادها لحربهم الأمم العظيمة للذحول التي يطالبونهم بها وأحاطوا بجبل القلعة ودوره أربعة فراسخ ورتب الأمراء لقتالهم فكان يقاتلهم كل يوم أمير فضاق الأمر بهم واشتد الحصار عليهم وتعذرت عندهم الأقوات فلما اشتد الأمر عليهم كتبوا فيها ما يقول السادة الفقهاء أئمة الدين في قوم يؤمنون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن ما جاء به محمد حق وصدق وإنما يخالفون في الإمام هل يجوز للسلطان مهادنتهم ومواعدتهم وأن يقبل طاعتهم ويحرسهم من كل أذى فأجاب أكثر الفقهاء بجواز ذلك
وتوقف بعضهم فجمعوا للمناظرة ومعهم أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السمنجاني وهو من شيوخ الشافعية فقال بمحضر من الناس يجب قتالهم ولا يجوز إقرارهم بمكانهم ولا ينفعهم التلفظ بالشهادتين فإنهم يقال لهم أخبرونا عن إمامكم إذا أباح لكم ما حظره الشرع أو حظر عليكم ما أباحه الشرع أتقبلون أمره فإنهم يقولون نعم وحينئذ تباح دماؤهم بالإجماع وطالت المناظرة في ذلك
ثم إن الباطنية سألوا السلطان أن يرسل إليهم من يناظرهم وعينوا على أشخاص من العلماء منهم القاضي أبو العلاء صاعد بن يحيى شيخ الحنفية بأصبهان وقاضيها وغيره فصعدوا إليهم وناظروهم وعادوا كما صعدوا وإنما كان قصدهم التعلل والمطاولة فلج حينئذ السلطان في حصرهم فلما رأوا عين المحاققة أذعنوا إلى تسليم القلعة على أن يعطوا عوضا عنها قلعة خالنجان وهي على سبعة فراسخ من أصبهان وقالوا إنا نخاف على دمائنا وأموالنا من العامة فلا بد من مكان نحتمي به منهم فأشير على السلطان إجابتهم إلى ما طلبوا فسألوا أن يؤخرهم إلى النوروز ليرحلوا إلى خالنجان ويسلموا 109 قلعتهم وشرطوا أن لا يسمع قول منتصح فيهم وإن قال أحد عنهم شيئا سلمه لهم وإن من أتاه منهم رده إليهم فأجابهم إليه وطلبوا أن يحمل إليهم من الإقامة ما يكفيهم يوما بيوم فأجيبوا إليه في كل هذا وقصدهم المطاولة انتظارا لفتق أو حادث يتجدد ورتب لهم وزير السلطان سعد الملك ما يحمل إليهم كل يوم من الطعام والفاكهة وجميع ما يحتاجون إليه فجعلوا هم يرسلون ويباعدون من الأطعمة ما يجمعونه ليمتنعوا في قلعتهم
ثم إنهم وضعوا من أصحابهم من يقتل أميرا كان يبالغ في قتالهم فوثبوا عليه وجرحوه وسلم منهم فحينئذ أمر السلطان بإخراب قلعة خالنجان وجدد الحصار عليهم فطلبوا أن ينزل بعضهم ويرسل السلطان معهم من يحميهم إلى أن يصلوا إلى قلعة الناظر بأرجان وهي لهم وينزل بعضهم ويرسل معهم من يوصلهم إلى طبس وأن يقيم البقية منهم في ضرس من القلعة إلى أن يصل إليهم من يخبرهم بوصول أصحابهم فينزلون حينئذ ويرسل معهم من يوصلهم إلى ابن الصباح بقلعة ألموت فأجيبوا إلى ذلك فنزل منهم إلى الناظر وإلى طبس وساروا وتسلم السلطان القلعة وخربها ثم إن الذين ساروا إلى قلعة الناظر وطبس وصل منهم من أخبر ابن عطاش بوصولهم فلم يسلم السن الذي بقي بيده ورأى السلطان منه الغدر والعود عن الذي قرر فأمر بالزحف إليه فزحف الناس عامة ثاني ذي القعدة
وكان قد قل عنده من يمنع ويقاتل فظهر منهم صبر عظيم وشجاعة زائدة وكان قد استأمن إلى السلطان إنسان من أعيانهم فقال لهم إني أدلكم على عورة لهم فأتى بهم إلى جانب لذلك السن لهم لا يرام فقال لهم اصعدوا من ههنا إنهم قد ضبطوا هذا المكان وشحنوه بالرجال فقال إن الذي ترون أسلحة وكزا غندات قد جعلوها كهيئة الرجال لقتلهم عندهم وكان جميع من بقي ثمانين رجلا فزحف الناس من هناك فصعدوا منه وملكوا الموضع وقتل أكثر الباطنية واختلط جماعة منهم مع من دخل فخرجوا معهم وأما ابن عطاش فإنه أخذ أسيرا فترك أسبوعا ثم إنه أمر به فشهر في جميع البلد وسلخ جلده فتجلد حتى مات وحشي جلده تبنا وقتل ولده وحمل رأساهما إلى بغداد وألقت زوجته نفسها من رأس القلعة فهلكت وكان معها جواهر نفيسة لم يوجد مثلها فهلكت أيضا وضاعت وكانت مدة البلوى بابن عطاش اثنتي عشرة سنة 110
ذكر الخلف بين سيف الدولة صدقة زمهذب الدولة صاحب البطيحة
في هذه السنة اختلف سيف الدولة صدقة بن مزيد ومهذب الدولة السعيد بن أبي الجبر صاحب البطيحة وانضاف حماد بن أبي الجبر إلى صدقة وأظهر معاداة ابن عمه مهذب الدولة ثم اتفقوا
وكان سبب ذلك أن صدقة لما أقطعه السلطان محمد مدينة واسط ضمنها منه مهذب الدولة واستناب في الأعمال أولاده وأصحابه فمدوا أيديهم في الأموال وفرطوا فيها وفرقوها فلما انقضت السنة طالبه صدقة بالمال وحبسه ثم سعى في خلاصه بدران بن صدقة وهو صهر مهذب الدولة فأخرجه من الحبس وأعاده إلى بلده البطيحة وضمن حماد بن أبي الجبر واسطا فانحل على مهذب الدولة كثير من أمره فآل إلى الاختلاف بعد الاتفاق فإن المصطنع إسماعيل جد حماد والمختص محمدا والد مهذب الدولة أخوان وهما ابنا أبي الجبر وكانت إليهما رياسة أهلهما وجماعتهما فهلك المصطنع وقام ابنه أبو السيد المظفر والد حماد مقامه وهلك المختص محمد وقام ابنه مهذب الدولة مقامه وصارا يتنازعان ابن الهيثم صاحب البطيحة ويقاتلانه إلى أن أخذه مهذب الدولة أيام كوهرائين وسلمه إلى كوهرائين فحمله إلى أصبهان فهلك في طريقها فعظم أمر مهذب الدولة وصير كوهرائين أمير البطيحة فصار ابن عمه وجماعة تحت حكمه وكان حماد شابا فأكرمه مهذب الدولة وزوجه بنتا له وزاد في أقطاعه فكثر ماله فسار يحسد مهذب الدولة ويضمر بغضه وربما ظهر في بعض الأوقات وكان مهذب الدولة يداريه بجهده
فلما هلك كوهرائين انتقل حماد عن مهذب الدولة وأظهر ما في نفسه فاجتهد مهذب الدولة في إعادته إلى ما كان فلم يفعل فسكت عنه فجمع النفيس بن مهذب الدولة جمعا وقصد حمادا فهرب منه إلى سيف الدولة بالحلة فأعاده صدقة ومعه جماعة من الجند فحشد مهذب الدولة فأرسل حماد إلى صدقة يعرفه ذلك فأرسل إليه كثيرا من الجند فقوي عزم مهذب الدولة على المحاربة لئلا يظن به العجز فأشار عليه أهله بترك الخروج من موضعه لحصانته فلم يفعل وسير سفنه وأصحابه في الأنهر فجعل حماد وأخوه له الكمناء واندفعوا من بين أيديهم فطمع أصحاب مهذب الدولة وتبعوهم فخرج عليهم الكمناء فلم يسلم منهم إلا من لم يحضر أجله فقتل منهم وأسر خلق كثير فقوي طمع حماد وأرسل إلى صدقة يستنجده فأرسل إليه مقدم جيشه سعيد بن حميد العمري وغيره من المقدمين وجمعوا السفن 111 ليقاتلوا مهذب الدولة فرأوا أمرا محكما فلم يمكنهم الدخول إليه وكان حماد بخيلا ومهذب الدولة جوادا فأرسل إلى سعيد بن حميد الإقامات الوافرة والصلات الكثيرة واستماله فمال إليه واجتمع به وتقرر الأمر على أن أرسل مهذب الدولة ابنه النفيس إلى صدقة فرضي عنه وأصلح بينهم وبين حماد ابن عمهم وعادوا إلى حال حسنة من الاتفاق وكان صلحهم في ذي الحجة سنة خمسمائة
قتل وزير السلطان ووزارة أحمد بن نظام الملك
في شوال من هذه السنة قبض السلطان محمد على وزيره سعد الملك أبي المحاسن وأخذ ماله وصلبه على باب أصبهان وصلب معه أربعة نفر من أعيان أصحابه والمنتمين إليه أما الوزير فنسب إلى خانة السلطان وأما الأربعة فنسبوا إلى اعتقاد الباطنية وكانت مدة وزارته سنتين وتسعة أشهر وكان في ابتداء حاله يصحب تاج الملك أبا الغنائم وتعطل بعده ثم استعمله مؤيد الملك فجعله على ديوان الاستيفاء وخدم السلطان محمدا لما حصره أخوه السلطان بركيارق بأصبهان خدمة حسنة ولما فارقها محمد حفظها الحفظ التام وقام المقام العظيم فاستوزره محمد ووسع له في الإقطاع وحكمه في دولته ثم نكبه وهذا آخر خدمة الملوك
وما أحسن ما قال عبد الملك بن مروان أنعم الناس عيشا من له ما يكفيه وزوجة ترضيه ولا يعرف أبوابنا هذه الخبيثة فتؤذيه
ولما قبض الوزير استشار السلطان فيمن يجعله وزيرا فذكر له جماعة فقال السلطان إن آبائي دروا على نظام الملك البركة ولهم عليه الحق الكثير وأولاده أغذياء نعمتنا ولا معدل عنهم فأمر لأبي نصر أحمد هذا بالوزارة ولقب القاب أبيه قوام نظام الملك صدر الإسلام وكان سبب قدومه إلى باب السلطان أنه لما رأى انقراض دولة أهل بيته لزم داره بهمذان فاتفق أن رئيس همذان وهو الشريف أبو هاشم آذاه فسار إلى السلطان شاكيا منه ومتظلما فقبض السلطان على الوزير وأحمد هذا في الطريق فلما وصل إليه ذكره وخلع عليه خلع الوزارة وحكمه ومكنه وقوى أمره وهذا من الفرج بعد الشدة فإنه حضر شاكيا فصار حاكما
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في صفر عزل الوزير أبو القاسم علي بن جهير وزير الخليفة فقصد دار سيف الدولة صدقة ببغداد ملتجئا إليها وكانت ملجأ لكل ملهوف فأرسل إليه صدقة 112 من أخذه إليه إلى الحلة وكانت وزارته ثلاث سنين وخمسة أشهر وأياما وأمر الخليفة بنقض داره التي بباب العامة وفيها عبرة فإن أباه أبا نصر بن جهير بناها بأنقاض أملاك الناس وأخذ بسببها أكثر ما دخل فيها فخربت عن قريب ولما عزل استنيب قاضي القضاة أبو الحسن بن الدمغاني ثم تقررت الوزارة في المحرم من سنة إحدى وخمسمائة لأبي المعالي هبة الله بن محمد بن المطلب وخلع عليه فيه
وفيها في شوال توفي الأمير أبو الفوارس سرخاب بن بدر بن مهلهل المعروف بابن أبي الشوك الكردي وكانت له أموال كثيرة وخيول لا تحصى وولي الأمر بعده أبو منصور بن بدر وقام مقامه وبقيت الإمارة في بيته مائة وثلاثين سنة وقد تقدم من أخباره ما فيه كفاية
وفي هذه السنة توفي أبو الفتح أحمد بن محمد بن أحمد بن سعيد الحداد الأصبهاني ابن أخت عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن مندة ومولده سنة ثمان وأربعمائة وكان مكثرا من الحديث مشهورا بالرواية
وفيها توفي أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين السراج البغدادي في صفر وهو مكثر من الرواية وله تصانيف حسنة وأشعار لطيفة وهو من أعيان الزمان وعبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب أبو محمد الشيرازي الفقيه ولي التدريس بالنظامية ببغداد سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة وكان يروي الحديث أيضا وأبو الحسين المبارك بن عبد الجبار بن أحمد الصيرفي المعروف بابن الطيوري البغدادي ومولده سنة إحدى عشرة وأربعمائة وكان مكثرا من الحديث ثقة صالحا عابدا وأبو الكرم المبارك بن الفاخر بن محمد بن يعقوب النحوي سمع الحديث من أبي الطيب الطبري والجوهري وغيرهما وكان إماما في النحو واللغة 113
ثم دخلت سنة إحدى وخمسمائة
ذكر قتل صدقة بن مزيد
في هذه السنة في رجب قتل الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور بن دبيس بن مزبد الأسدي أمير العرب وهو الذي بنى الحلة السيفية بالعراق
وكان قد عظم شأنه وعلا قدره واتسع جاهه واستجار به صغار الناس وكبارهم فأجارهم وكان كثير العناية بأمور السلطان والتقوية ليده والشد منه على أخيه بركيارق حتى أنه جاهز بركيارق حتى أنه جاهز بركيارق بالعداوة ولم يبرح على مصافاة السلطان محمد وزاده محمد أقطاعا من جملته مدينة واسط وأذن له في أخذ البصرة ثم أفسد ما بينهما العميد أبو جعفر محمد بن الحسين البلخي وقال في جملة ما قال عنه إن صدقة قد عظم أمره وزاد حاله وكثر إدلاله ويبسط في الدولة وحمايته كل من يفر إليه من عند السلطان وهذا لا تحتمله الملوك لأولادهم ولو أرسلت بعض أصحابك لملك بلاده وأمواله ثم إنه تعدى ذلك حتى طعن في اعتقاده ونسبه وأهل بلده إلى مذهب الباطنية وكذب وإنما كان مذهبه التشيع لا غير
ووافق أرغون السعدي أبا جعفر العميد وانتهى ذلك إلى صدقة وكانت زوجة أرغون بالحلة وأهله فلم يؤاخذهم بشيء مما كان له أيضا هناك من بقايا خراج ببلده فأمر صدقة أن يخلص ذلك إليه بأجمعه ويسلم إلى زوجته
وأما سبب قتله فإن صدقة كان كما ذكرنا يستجير به كل خائف من خليفة وسلطان وغيرهما وكان السلطان محمد قد سخط على أبي دلف سرخاب بن كيخسرو صاحب وآبة فهرب منه وقصد صدقة فاستجار به فأجاره فأرسل السلطان يطلب من صدقة أن يسلمه إلى نوابه فلم يفعل وأجاب إنني لا أمكن منه بل أحامي عنه وأقول ما قاله أبو طالب لقريش لما طلبوا منه رسول الله
( ونسلمه حتى نصرع حوله
ونذهل عن آبائنا والحلائل ) 114
وظهر منه أمور أنكرها السلطان فتوجه إلى العراق ليتلافى هذا الأمر فلما سمع صدقة استشار أصحابه في الذي يفعله فأشار عليه ابنه دبيس بأن ينفذه إلى السلطان ومعه الأموال والخيل ليتعطف له السلطان
وأشار سعيد بن حميد صاحب جيش صدقة بالمحاربة وجمع الجند وتفريق المال فيهم واستطال في القول فمال صدقة إلى قوله وجمع العساكر إليه عشرون ألف فارس وثلاثون ألف راجل فأرسل المستظهر بالله يحذره عاقبة أمره وينهاه عن الخروج عن طاعة السلطان ويعرض له توسط الحال فأجاب صدقة إنني على طاعة السلطان لكن لا آمن على نفسي في الاجتماع به وكان الرسول بذلك عن الخليفة نقيب النقباء علي بن طراد الزينبي
ثم أرسل السلطان أقضى القضاة أبا سعيد الهروي إلى صدقة يطيب قلبه ويزيل خوفه ويأمره بالانبساط على عادته ويعرفه عزمه على قصد الفرنج ويأمره بالتجهيز للغزاة معه فأجاب إن السلطان قد أفسد أصحابه قلبه علي وغيروا حالي معه وزال ما كان عليه في حقي من الإنعام وذكر سالف خدمته ومناصحته
وقال سعيد بن حميد صاحب جيشه لم يبق لنا في صلح السلطان مطمع ولترين خيولنا يبخلون
وامتنع صدقة من الاجتماع بالسلطان ووصل السلطان إلى بغداد في العشرين من ربيع الآخر ومعه وزيره نظام الملك أحمد بن نظام الملك وسير البرسقي شحنة بغداد في جماعة من الأمراء إلى صرصر فنزلوا عليها وكان السلطان جريدة لا يبلغ عسكره ألفي فارس
فلما تيقن ببغداد مكاشفة صدقة أرسل إلى الأمراء يأمرهم بالوصول إليه والجد في السير وتعجيل ذلك
فوردوا إليه من كل جانب
ثم وصل كتاب صدقة إلى الخليفة في جمادى الأولى يذكر أنه واقف عند ما يرسم له ويقرر من حاله مع السلطان ومهما أمرته من ذلك امتثله فأنفذ الخليفة الكتاب إلى السلطان فقال السلطان أنا متمثل ما يأمر به الخليفة ولا مخالفة عندي فأرسل الخليفة إلى صدقة يعرفه إجابة السلطان إلى ما طلب منه ويأمره بإنفاذ ثقته ليستوثق له ويحلف السلطان على ما يقع الاتفاق عليه فعاد صدقة عن ذلك الرأي وقال إذا رحل السلطان عن بغداد أمددته بالمال والرجال وما يحتاج إليه في الجهاد وأما الآن وهو ببغداد وعسكره بنهر الملك فما عندي مال ولا 115 غيره وأن جاولي سقاوو وأيلغازي بن أرتق أرسلا إلي بالطاعة لي والموافقة معي على محاربة السلطان وغيره ومتى أردتهما وصلا إلي في عساكرهما
وورد إلى السلطان قرواش بن شرف الدولة وكرماوي بن خراسان التركماني وأبو عمران فضل بن ربيعة بن حازم بن الجراح الطائي وآباؤه كانوا من أصحاب البلقاء والبيت المقدس منهم حسان بن المفرج الذي مدحه التهامي وكان فضل تارة مع الفرنج وتارة مع المصريين فلما رآه طغتكين أتابك على هذه الحالة طرده من الشام فلما طرده التجأ إلى صدقة وعاقده فأكرمه صدقة وأهدى إليه هدايا كثيرة منها سبعة آلاف دينار عينا
فلما كانت هذه الحادثة بين صدقة والسلطان سار في الطلائع ثم هرب إلى السلطان فلما وصل خلع عليه وعلى أصحابه وأنزله بدار صدقة ببغداد فلما سار إلى قتال صدقة استأذنه فضل في إتيان البرية ليمنع صدقة من الهرب إن أراد ذلك فأذن له فعبر بالأنبار وكان آخر العهد به وأنفذ السلطان في جمادى الأولى إلى واسط الأمير محمد بن بوقا التركماني فأخرج عنها نائب صدقة وأمن الناس كلهم إلا أصحاب صدقة فتفرقوا ولم ينهب أحد وأنفذ خيله إلى بلد قوسان وهو من أعمال صدقة فنهبه أقبح نهب وأقام عدة أيام فأرسل صدقة إليه ثابت بن سلطان وهو ابن عم صدقة ومعه عسكر فلما وصلوا إليها خرج منها الأتراك وأقام ثابت بها وبينه وبينهم دجلة
ثم إن ابن بوقا عبر جماعة من الجند ارتضاهم وعرف شجاعتهم فوقفوا على موضع مرتفع على نهر سالم يكون ارتفاعه نحو خمسين ذراعا فقصدهم ثابت وعسكره لم يقدروا يقربون الترك من النشاب والمدد يأتيهم من ابن بوقا وجرح ثابت في وجهه وكثر الجراح في أصحابه فانهزم هو ومن معه وتبعهم الأتراك فقتلوا منهم وأسروا ونهب طائفة من الترك مدينة واسط واختلط بهم رجاله ثابت فنهبت معهم فسمع ابن بوقا فركب إليهم ومنعهم وقد نهبوا بعض البلد ونادى في الناس بالأمان
وأقطع السلطان أواخر جمادى الأولى مدينة واسط لقسيم الدولة البرسقي وأمر ابن بوقا بقصد بلد صدقة ونهبه فنهبوا فيه ما لا يحد
وأما السلطان محمد فإنه سار عن بغداد إلى الزعفرانية ثاني جمادى الآخرة 116 فأرسل إليه الخليفة وزيره مجد الدولة بن المطلب يأمره بالتوقف وترك العجلة خوفا على الرعية من القتل والنهب وأشار قاضي أصبهان بذلك واتباع أمر الخليفة فأجاب السلطان إلى ذلك فأرسل الخليفة إلى صدقة نقيب النقباء علي بن طراد وجمال الدولة مختصا الخادم فسار إلى صدقة فأبلغاه رسالة الخليفة يأمره بطاعة السلطان وينهاه عن المخالفة فاعتذر صدقة وقال ما خالفت الطاعة ولا قطعت الخطبة في بلدي وجهز ابنه دبيسا ليسير معهما إلى السلطان فبينما الرسل وصدقة في هذا الحديث إذ ورد الخبر أن طائفة من عسكر السلطان قد عبروا من مطير أباذ وأن الحرب بينهم وبين أصحاب صدقة قائمة على ساق فتجلد صدقة لأجل الرسل وهو يشتهي الركوب إلى أصحابه خوفا عليهم وكان الرسل إذا سمعوا ذلك ينكرونه لأنهم قد تقدموا إلى العسكر عند عبورهم عليهم أنه لا يتعرض أحد منهم إلى حرب حتى نعود فإن الصلح قد قارب فقال صدقة للرسول كيف أثق أرسل ولدي الآن وكيف آمن عليه وقد جرى ما ترون فإن تكفلتم برده إلي أنفذته فلم يتجاسروا على كفالته
فكتب إلى الخليفة يعتذر عن إنفاذ ولده بما جرى
وكان سبب هذه الوقعة أن عسكر السلطان لما رأوا الرسل اعتقدوا وقوع الصلح فقال بعضهم الرأي أننا ننهب شيئا قبل الصلح فأجاب البعض وامتنع البعض فعبر من أجاب النهر ولم يتأخر من لم يجب لئلا ينسب إلى خور وجبن ولئلا يتم على من عبروهن فيكون عاره وأذاه عليهم فعبروا بعدهم أيضا فأتاهم أصحاب صدقة وقاتلوهم فكانت الهزيمة على الأتراك وقتل منهم جماعة كثيرة وأسر جماعة من أعيانهم وكثير من غيرهم وغرق منهم الأمير محمد بن باغيسيان الذي كان أبوه صاحب أنطاكية وكان عمره نيفا وعشرين سنة وكان محبا للعلماء وأهل الدين وبنى بإقطاعه من أذربيجان عدة مدارس ولم يجسر الأتراك يعرفون السلطان بما أخذ منهم من الأموال والدواب خوفا منه حيث فعلوا ذلك بغير أمره وطمع العرب بهذه الهزيمة وظهر منهم الفخر والتيه والطمع وأظهروا أنهم باعوا كل أسير بدينار وأن ثلاثة باعوا أسيرا بخمسة قراريط وأكلوا بها خبزا وجعلوا ينادون من يتغذى بأسير ويتعشى بآخر وظهر من الأتراك اضطراب عظيم
وأعاد الخليفة مكاتبة صدقة بتحرير أمر الصلح فأجاب أنه لا يخالف ما يؤمر به وكتب صدقة أيضا إلى السلطان يعتذر مما نقل عنه ومن الحرب التي كانت بين أصحابه وبين الأتراك وأن جند السلطان عبرت إلى أصحابه فمنعوا عن أنفسهم بغير علمه وأنه لم يحضر الحرب ولم ينزع يدا من طاعة ولا قطع خطبته من بلده ولم يكن 117 صدقه كاتبه قبل هذا الكتاب
فأرسل الخليفة نقيب النقباء وأبا سعد الهروي إلى صدقة فقصدا السلطان أولا وأخذا يده بالأمان لمن يقصده من أقارب صدقة فلما وصلا إلى صدقة وقالا له عن الخليفة إن إصلاح قلب السلطان موقوف على إطلاق الأسرى ورد جميع ما أخذ من العسكر المنهزم فأجاب أولا بالخضوع والطاعة ثم قال لو قدرت على الرحيل من بين يدي السلطان لفعلت لكن ورائي من ظهري وظهر أبي وجدي ثلاثمائة امرأة ولا يحملهن مكان
ولو علمت أنني إذا جئت السلطان مستسلما قبلني واستخدمي لفعلت لكنني أخاف أنه لا يقبل عثرتي ولا يعفو عن زلتي وأما ما نهب فإن الخلق كثير وعندي من لا أعرفه وقد نهبوا ودخلوا البر فلا طاقة لي عليهم ولكن إن كان السلطان لا يعارضني فيما في يدي ولا فيمن أجرته وأن يقر سرخاب بن كيخسرو على إقطاعه بسارة وأن يتقدم إلى ابن بوقا بأعادة ما نهب من بلادي وأن يخرج وزير الخليفة يحلفه بما أثق إليه من الإيمان على المحافظة فيما بيني وبينه فحينئذ أخدم بالمال وأدوس بساطه بعد ذلك فعادوا بهذا ومعهم أبو منصور بن معروف رسول صدقة فردهم الخليفة وأرسل السلطان معهم قاضي أصبهان أبا إسماعيل
فأما أبو إسماعيل فلم يصل إليه وعاد من الطريق وأصر صدقة على القول الأول فحينئذ سار السلطان ثامن رجب من الزعفرانية وسار صدقة في عساكره إلى قرية مطر وأمر جنده بلبس السلاح واستأمن ثابت بن سلطان بن دبيس بن علي بن مزيد وهو بان عم صدقة إلى السلطان محمد وكان يحسد صدقة وهو الذي تقدم ذكره أنه كان بواسط فأكرمه السلطان وأحسن إليه ووعده الإقطاع ووردت العساكر إلى السلطان منهم بنو برسق وعلاء الدولة أبو كاليجار كرشاسب بن علي بن فرامرز أبي جعفر بن كاكويه وأباؤه كانوا أصحاب أصبهان وفرامرز هو الذي سلمها إلى طغرلبك وقتل أبوه مع تتش وعبر عسكر السلطان دجلة ولم يعبر هو فصاروا مع صدقة على أرض واحدة بينهما نهر والتقوا تاسع عشر رجب وكانت الريح في وجوه أصحاب السلطان فلما التقوا صارت في ظهورهم وفي وجوه أصحاب صدقة ثم إن الأتراك رموا بالنشاب فكان يخرج في كل رشقة عشرة آلاف نشابة فلم يقع سهم إلا في فرس أو فارس وكان أصحاب صدقة كلما حملوا منعهم النهر من الوصول إلى الأتراك والنشاب ومن عبر منهم لم يرجع وتقاعدت عبادة وخفاجة وجعل صدقة ينادي يا آل خزيمة يا 118 آل ناشرة يا آل عوف
ووعد الأكراد بكل جميل لما ظهر من شجاعتهم وكان راكبا على فرسه المهلوب ولم يكن لأحد مثله فجرح الفرس ثلاث جراحات وأخذه الأمير أحمديل بعد قتل صدقة فسيره إلى بغداد في سفينة فمات في الطريق وكان لصدقة فرس آخر قد ركبه حاجبه أبو نصر بن تفاحة فلما رأى الناس وقد غشوا صدقة هرب عليه فناداه صدقة فلم يجبه وحمل صدقة على الأراك فضربه غلام منهم على وجهه فشوهه وجعل يقول أنا ملك العرب أنا صدقة فأصابه سهم في ظهره وأدركه غلام اسمه بزغش كان أشل فتعلق به وهو لا يعرفه وجذبه عن فرسه فسقط إلى الأرض هو والغلام فعرفه صدقة فقال يا بزغش ارفق فضربه بالسيف فقتله وأخذ رأسه وحمله إلى البرسقي فحمله إلى السلطان فلما رآه عانقه وأمر البزغش بصلة وبقي صدقة طريحا إلى أن سار السلطان فدفنه إنسان من المدائن وكان عمره تسعا وخمسين سنة وكانت إمارته إحدى وعشرين سنة وحمل رأسه إلى بغداد وقتل من أصحابه ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس فيهم جماعة من أهل بيته وقتل من بني شيبان خمس وتسعون رجلا وأسر ابنه دبيس بن صدقة وسرخاب بن كيخسرو الديلمي الذي كانت هذه الحرب بسببه فأحضر بين يدي السلطان فطلب الأمان فقال قد عاهدت الله أنني لا أقتل أسيرا فإن ثبت عليك أنك باطني قتلتك وأسر سعيد بن حميد العمري صاحب جيش صدقة وهرب بدران بن صدقة إلى الحلة فأخذ من المال وغيره ما أمكنه وسير أمه ونساءه إلى البطيخة إلى مهذب الدولة أبي العباس أحمد بن أبي الجبر
وكان بدران صهر مهذب الدولة على ابنته ونهب من الأموال ما لا حد له وكان له من الكتب المنسوبة الخط شيء كثير ألوف مجلدات وكان يحسن يقرأ ولا يكتب وكان جوادا حليما صدوقا كثير البر والإحسان ما برح ملجأ لكل ملهوف يلقى من يقصده بالبر والتفضيل ويبسط قاصديه ويزورهم وكان عادلا والرعايا معه في أمن ودعة وكان عفيفا لم يتزوج على امرأته ولا تسرى عليها فما ظنك بغير هذا
ولم يصادر أحدا من نوابه ولا أخذهم بإساءة قديمة وكان أصحابه يودعون أمواله في خزانته ويدلون عليه إدلال الولد على الوالد ولم يسمع برعية أحبت أميرها كحب رعيته له
وكان متواضعا محتملا يحفظ الأشعار ويبادر إلى النادرة رحمه اله لقد كان من محاسن الدنيا
وعاد السلطان إلى بغداد ولم يصل إلى الحلة وأرسل إلى البطيحة أمانا لزوجة صدقة وأمرها بالظهور فأصعدت إلى بغداد فأطلق السلطان ابنها دبيسا وأنفذ معه جماعة من الأمراء 119 إلى لقائها فلما لقيها ابنها بكيا بكاء شديدا ولما وصلت إلى بغداد أحضرها السلطان واعتذر من قتل زوجها وقال وددت أنه حمل إلي حتى كنت أفعل معه ما يعجب الناس به من الجميل والإحسان لكن الأقدار غلبتني واستحلف ابنها دبيسا أنه لا يسعى بفساد
ذكر وفاة تميم بن المعز صاحب إفريقية وولاية ابنه يحيى
في هذه السنة في رجب توفي تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية وكان شهما شجاعا ذكيا له معرفة حسنة وكان حليما كثير العفو عن الجرائم العظيمة وله شعر حسن فمنه أنه وقع حرب بين طائفتين من العرب وهم عدي ورياح فقتل رجل من رياح ثم اصطلحوا وأهدروا دمه وكان صلحهم مما يضر به وببلاده فقال أبياتا يحرض على الطلب بدمه وهي
( متى كانت دماؤكم تطل
أما فيكم بثأر مستقل )
( أغانم ثم سالم إن فشلتم
فما كانت أوائلكم تذل )
( ونمتم عن طلاب الثار حتى
كأن العز فيكم مضمحل )
( وما كسرتم فيه العوالي
ولا بيض تفل ولا تسل )
فعمد إخوة المقتول فقتلوا أميرا من عدي واشتد بينهم القتال وكثرت القتلى حتى أخرجوا بني عدي من إفريقية
قيل إنه اشترى جارية بثمن كثير فبلغه أن مولاها الذي باعها عقله وأسف على فراقها فأحضره تميم بين يديه وأرسل الجارية إلى داره ومعها من الكسوات والأواني الفضة وغيرها ومن الطيب وغيره شيء كثير ثم أمر مولاها بالانصراف وهو لا يعلم بذلك فلما وصل إلى داره ورآها على تلك الحال وقع مغشيا عليه لكثرة سروره ثم أفاق فلما كان الغد أخذ الثمن وجميع ما كان معها وحمله إلى دار تميم فانتهزه وأمره إعادة جميع ذلك إلى داره
وكان له في البلاد أصحاب أخبار يجري عليهم أرزاقا سنية ليطالعوه بأحوال أصحابه لئلا يظلموا الناس فكان بالقيروان تاجر له مال وثروة فذكر في بعض الأيام التجار تميما ودعوا له وذلك التاجر حاضر فترحم على أبيه المعز ولم يذكره فرفع ذلك إلى تميم فأحضره إلى قصره وسأله هل ظلمتك فقال لا قال فهل 120 ظلمك بعض أصحابي قال لا قال فلم أطلقت لسانك أمس بذمي
فسكت فقال لولا أن يقال شره في ماله لقتلتك ثم أمر به فصفع في حضرته قليلا ثم أطلقه فخرج أصحابه ينتظرونه فسألوه عن خبره فقال أسرار الملوك ولا تذاع فصارت بإفريقية مثلا ولما توفي كان عمره تسعا وسبعين سنة وكانت ولايته ستا وأربعين سنة وعشرة أشهر وعشرين يوما وخلف من الذكور ما يزيد على مائة ومن النبات ستين بنتا ولما توفي ملك بعده ابنه يحيى بن تميم وكانت ولايته بالمهدية لأربع بقين من ذي الحجة سنة سبع وخمسين وأربعمائة وكان عمره حين ولي ثلاثا وأربعين سنة وستة أشهر وعشرين يوما ولما ولي فرق أموالا جزيلة وأحسن السيرة في الرعية
ذكر ملك يحيى قلعة قليبية
لما ملك يحيى بن تميم بعد أبيه جرد عسكريا كثيفا إلى قلعة قليبية وهي من أحصن قلاع إفريقية فنزل عليها وحصرها حصارا شديدا ولم يبرح حتى فتحها وحصنها وكان أبو تميم قد رام فتحها فلم يقدر على ذلك ولم يزل مظفرا منصورا لم يهزم له جيش
ذكر قدوم ابن عمار بغداد مستنفرا
في هذه السنة في شهر رمضان ورد القاضي فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس الشام إلى بغداد قاصدا باب السلطان محمد مستنفرا على الفرنج طالبا لتيسيير العساكر لإزاحتهم والذي حثه على ذلك أنه لما طال حصر الفرنج لمدينة طرابلس على ما ذكرناه ضاقت عليه الأقوات وقلت واشتد الأمر عليه وعلى أهل البلد فمن الله عليهم سنة خمسمائة بميرة في البحر من جزيرة قبرس وأنطاكية وجزائر البنادقة فاشتدت قلوبهم وقووا على حفظ البلد بعد أن كانوا استسلموا فلما بلغ فخر الملك انتظام الأمور للسلطان محمد وزوال كل مخالف رأى لنفسه وللمسلمين قصده والانتصار به فاستناب بطرابلس ابن عمه ذا المناقب وأمره بالمقام بها ورتب معه الأجناد برا وبحرا وأعطاهم جامكية ستة أشهر سلفا كل موضع إلى من يقوم بحفظه بحيث إن ابن عمه لا يحتاج إلى فعل شيء من ذلك وسار إلى دمشق فأظهر ابن عمه الخلاف له والعصيان عليه ونادى بشعار المصريين فلما عرف فخر الملك 121 كتب إلى أصحابه يأمرهم بالقبض عليه وحمله الخوابي ففعلوا ما أمرهم
وكان ابن عمار قد استصحب معه من الهدايا ما لم يوجد عند ملك مثله من الأعلاق النفيسة والأشياء الغريبة والخيل الرائقة فلما وصلها لقيه عسكرهما وطغتكين أتابك وخيم على ظاهر البلد وسأله طغتكين الدخول إليه يوما واحدا إلى الطعام وأدخله حمامه وسار عنها ومعه ولد طغتكين يشيعه فلما وصل إلى بغداد أمر السلطان كافة الأمراء بتلقيه وإكرامه وأرسل إليه شبارته وفيها دسته الذي يجلس عليه ليركب فيها فلما نزل إليها قعد بين يدي موضع السلطان فقال له من بها من خواص السلطان قد أمرنا أن يكون جلوسك في دست السلطان فلما دخل على السلطان أجلسه وأكرمه وأقبل عليه بحديثه وسير الخليفة خواصه وجماعة أرباب المناصب فلقوه وأنزله الخليفة وأجرى عليه الجراية العظيمة وكذلك أيضا فعل السلطان وفعل معه ما لم يفعل مع الملوك الذين معهم أمثاله وهذا جميعه ثمرة الجهاد في الدنيا ولأجر الآخرة أكبر
ولما اجتمع بالسلطان قدم هديته وسأله السلطان عن حاله وما يعانيه في مجاهدة الكفار ويقاسيه من ركوب الخطوب في قتالهم فذكر له حاله وقوة عدوه وطول النجدة وضمن أنه إذا سيرت العساكر معه أوصل إليهم جميع ما يلتمسونه فوعده السلطان بذلك وحضر دار الخلافة وذكر أيضا نحو مما ذكره السلطان وحمل هدية جميلة نفيسة وأقام إلى أن رحل السلطان عن بغداد في شوال فأحضره عنده بالنهروان قد تقدم إلى الأمير حسين بن أتابك قتلغتكين ليسير معه العساكر التي سيرها إلى الموصل مع الأمير مودود لقتال جاولي سقاوو ليمضوا معه إلى الشام وخلع عليه السلطان خلعا نفيسة وأعطاه شيئا كثيرا وودعه وسار ومعه الأمير حسين فلم يجد ذلك نفعا وكان ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى ثم إن فخر الملك بن عمار عاد إلى دمشق منتصف المحرم سنة اثنتين وخمسمائة فأقام بها أياما وتوجه منها مع العسكر من دمشق إلى جبلة فدخلها وأطاعه أهله
وأما أهل طرابلس فإنهم راسلوا الأفضل أمير الجيوش بمصر يلتمسون منه واليا عندهم ومعه الميرة في البحر فسير إليهم شرف الدولة بن أبي الطيب واليا ومعه الغلة وغيرها مما تحتاج إليه البلاد في الحصار فلما صار فيها قبض على جماعة من أهل ابن عمار وأصحابه وأخذ ما وجده من ذخائره وآلاته وغير ذلك وحمل الجميع إلى مصرفي البحر 122
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في شعبان أطلق السلطان محمد الضرائب والمكوس ودار البيع والاجتيازات وغلا ذلك مما يناسبه بالعراق وكتبت به الألواح وجعلت في الأسواق
وفيها في شهر رمضان ولي القاضي أبو العباس بن الرطبي الحسبة ببغداد
وفيه أيضا عزل الخليفة وزيره مجد الدين بن المطلب برسالة من السلطان بذلك ثم أعيد إلى الوزارة بإذن السلطان وشرط عليه شروطا منها العدل وحسن السيرة وأن لا يستعمل أحدا من أهل الذمة وفيها عاد الأصبهبذ صباوو من دمشق وكان هرب عند قتل أياز فلما قدم أكرمه السلطان وأقطعه رحبة مالك بن طوق
وفيها سابع شوال خرج السلطان إلى ظاهر بغداد عازما على العود إلى أصبهان وكان مقامه هذه المرة خمسة أشهر وسبعة عشر يوما
وفيها في ذي الحجة احترقت خرابة فهلك فيها كثير من الناس وأما الأمتعة والأموال وأثاث البيوت فهلك منها ما حد له وخلص خلق بنقب نقبوه في سور المحلة إلى مقبرة باب أبرز وكان بها جماعة من اليهود فلم ينقلوا شيئا لتمسكهم بسبتهم
وكان بعض أهله عبروا إلى الجانب الغربي للفرجة على عادتهم في السبت الذي يلي العيد فعادوا فوجدوا بيوتهم قد خربت وأهلهم قد احترقوا وأموالهم قد هلكت
ثم تبع ذلك حريق في عدة أماكن منها درب القيار وقراح ابن زرين فارتاع الناس لذلك وأبطلوا معايشهم وأقاموا ليلا ونهارا يحرسون بيوتهم في الدروب على السطوح وجعلوا عندهم الماء المعد لإطفاء النار فظهر أن سبب هذا الحريق أن جارية أحبت مولاها فوافقته على المبيت عندها في دار مولاها سرا وأعدت له ما يسرقه إذا خرج ويأخذها هي أيضا معه فلما أخذها النار في الدار وخرجا فأظهر الله عليهما وعجل الفضيحة لهما فأخذا وحبسا
وفيها جمع بغدوين ملك الفرنج عسكره وقصد مدينة صور وحصرها وأمر ببناء حصن عندها على تل المعشوقة وأقام شهرا محاصرا لها فصانعه واليها على سبعة آلاف دينار فأخذها ورحل عن المدينة وقصد مدينة صيدا فحصرها برا ونصب عليها البرج الخشب ووصل الأسطول المصري في الدفع عنها والحماية لمن فيها فقاتلهم أسطول الفرنج فظهر المسلمون عليهم فاتصل بالفرنج مسير عسكر دمشق نجدة لأهل 123 صيدا فرحلوا عنها بغير فائدة
وفيها ظهر كوكب عظيم له ذوائب فبقي ليالي كثيرة ثم غاب
وتوفي في هذه السنة في شعبان إبراهيم بن مياس بن مهدي أبو إسحاق القشيري الدمشقي سمع الحديث الكثير من الخطيب البغدادي وغيره
وتوفي في ذي القعدة أبو سعيد إسماعيل بن عمرو بن النيسابوري المحدث كان يقرأ الحديث للغرباء قرأ صحيح مسلم على عبد الغافر الفارسي عشرين مرة 124
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسمائة
ذكر استيلاء مودود وعسكر السلطان على الموصل وولاية مودود
في هذه السنة في صفر استولى مودود والعسكر الذي أرسله السلطان معه على مدينة الموصل وأخذوها من أصحاب جاولي سقاوو
وقد ذكرنا سنة خمسمائة استيلاء جاولي عليها وما جرى بينه وبين جكرمش والملك قلج أرسلان وهلاكها على يده وصار معه بعد ذلك العسكر الكثير والعدة التامة والأموال الكثيرة
وكان السلطان محمد قد جعل إليه ولاية كل بلد يفتحه فاستولى على كثير من البلاد والأموال
وكان سبب أخذ البلاد منه أنه استولى عليها وعلى الأموال الكثيرة منها لم يحمل إلى السلطان منها شيئا فلما وصل السلطان إلى بغداد لقصد بلاد سيف الدولة صدقة أرسل إلى جاولي يستدعيه إليه بالعساكر وكرر الرسل إليه فلم يحضر وغالط في الانحدار إليه وأظهر أنه يخاف أن يجتمع به ولم يقنع بذلك حتى كاتب صدقة وأظهر له أنه معه ومساعده على حرب السلطان وأطعمه في الخلاف والعصيان
فلما فرغ السلطان من أمر صدقة وقتله كما ذكرناه تقدم إلى الأمراء بني برسق وسكمان القطبي ومودود بن التونتكين وآقسنقر البرسقي ونصر بن مهلهل بن أبي الشوك الكردي وأبي الهيجاء صاحب إربل بالمسير إلى الموصل وبلاد جاولي وأخذها منه فتوجهوا نحو الموصل فوجدوا جاولي عاصيا قد شيد سور الموصل وأحكم ما باه جكرمش وأعد الميرة والأقوات والآلات واستظهر على الأعيان بالموصل فحسبهم وأخرج من أحداثها ما يزيد على عشرين ألفا ونادى متى اجتمع عاميان على الحديث في هذا الأمر قتلتهما وخرج عن البلد ونهب السواد وترك بالبلد زوجته ابنة برسق وأسكنها القلعة ومعها ألف وخمسمائة فارس من الأتراك سوى غيرهم وسوى الرجالة ونزل العسكر عليها في شهر رمضان سنة إحدى وخمسمائة وصادرت زوجته من بقي بالبلد وعسفت نساء 125 الخارجين عنه وبالغت في الاحتراز عليهم فأوحشهم ذلك ودعاهم إلى الانحراف عنها
وقوتل أهل البلد قتالا متتابعا فتمادى الحصار بأهلها من خارج والظلم من داخل إلى آخر المحرم والجند بها يمنعون عاميا من القرب من السور فلما طال الأمر على الناس اتفق نفر من الجصاصين ومقدمهم جصاص يعرف بسعدي على تسليم البلد وتحالفوا على التساعد وأتوا وقت صلاة الجمعة والناس بالجامع وصعدوا برجا وأغلقوا أبوابه وقتلوا من به من الجند وكانوا نياما فلم يشعروا بشيء حتى قتلوا وأخذوا سلاحهم وألقوهم إلى الأرض وملكوا برجا آخر ووقعت الصيحة وقصدهم مائتا فارس من العسكر ورموهم بالنشاب وهم يقاتلون وينادون بشعار السلطان فزحف عسكر السلطان إليهم ودخلوا البلد من ناحيتهم وملكوه ودخله الأمير مودود ونودي بالسكون والأمن وأن يعود الناس إلى دورهم وأملاكهم وأقامت زوجة جاولي بالقلعة ثمانية أيام ورسالت الأمير مودود أن يفرج لها عن طريقها وأن يحلف لها عن الصيانة والحراسة فحلف وخرجت إلى أخيها برسق بن برسق ومعها أوالها وما استولت عليه وولي مودود الموصل وما ينضاف إليها
ذكر حال جاولي مدة الحصار
وأما وجاولي فإنه لما وصل عسكر السلطان إلى الموصل وحصرها وسار عنها وأخذ معه القميص صاحب الرها الذي كان قد أسره سقمان وأخذه منه جكرمش وقد ذكرنا ذلك وسار إلى نصيبين وهي حينئذ للأمير أيلغازي بن أرتق وراسله وسأله الاجتماع به واستدعاه إلى معاضدته وأن يكون يدا واحدة وأعلمه أن خوفهما من السلطان ينبغي أن يجعلهما على الاحتماء منه فلم يجبه أيلغازي إلى ذلك ورحل عن نصيبين ورتب بها ولده وأمره بحفظها من جاولي وأن يقاتله إن قصده
وسار إلى ماردين فلما سمع جاولي ذلك عدل عن نصيبين وقصد دارا وأرسل إلى أيلغازي ثانيا في المعاني وسار بعد رسول الله فبينما رسوله عند أيلغازي بماردين لم يشعر إلا وجاولي معه في القلعة وحده وقصد أن يتألفه ويستمليه فما رآه أيلغازي قام إليه وخدمه ولما رأى جاولي محسنا للظن فيه غير مستشعر منه لم يجد إلى دفعه سبيلا فنزل معه وعسكرا بظاهر نصيبين وسارا منها إلى سنجار وحاصراها مدة فلم يجبهما صاحبه إلى صلح فتركاه وسارا نحو الرحبة وأيلغازي يظهر لجاولي المساعدة ويبطن الخلاف وينتظر فرصة 126 لينصرف عنه فلما وصلا إلى عرابان من الخابور هرب أيلغازي ليلا وقصد نصيبين
ذكر إطلاق جاولي للقمص الفرنجي
لما هرب أيلغازي من جاولي سار جاولي إلى الرحبة فلما وصل إلى ماكسين أطلق القمص الفرنجي الذي كان أسيرا بالموصل وأخذه معه واسمه بردويل وكان صاحب الرها وسروج وغيرهما وبقي في الحبس إلى الآن وبذل الأموال الكثيرة فلم يطلق فلما كان الآن أطلقه جاولي وخلع عليه وكان مقامه في السجن ما يقارب خمس سنين وقرر عليه أن يفدي نفسه بمال وأن يطلق أسرى المسلمين الذين في سجنه وأن ينصره متى أراد ذلك منه بنفسه وعسكره وماله فلما اتفقا على ذلك سير القمص إلى قلعة جعبر وسلمه إلى صاحبها سالم بن مالك حتى ورد عليه ابن خالته جوسلين وهو من فرسان الفرنج وشجعانها وهو صاحب تل باشر وغيرها وكان أسر مع القمص في تلك الوقعة ففدى نفسه بعشرين ألف دينار فلما وصل جوسلين إلى قلعة جعبر أقام رهينة عوض القمص وأطلق القمص وسار إلى أنطاكية وأخذ جاولي جوسلين من قلعة جعبر فأطلقه وأخذ عوضه أخا زوجته وأخا زوجة القمص وسيره إلى القمص ليقوى به وليحثه على إطلاق الأسرى وإنفاذ المال وما ضمنه فلما وصل جوسلين إلى منبج أغار عليها ونهبها وكان معه جماعة من أصحاب جاولي فأنكروا عليه ذلك ونسبوه إلى الغدر فقال إن هذه المدينة ليست لكم
ذكر ما جرى بين هذا القمص وبين صاحب أنطاكية
لما أطلق القمص وسار إلى أنطاكية أعطاه طنكري صاحبها ثلاثين ألف دينار وخيلا وسلاحا وثيابا وغير ذلك
وكان طنكري قد أخذ الرها من اصحاب القمص حين أسر فخاطبه الآن في ردها عليه فلم يفعل فخرج من عنده إلى تل باشر فلما قدم عليه جوسلين وقد أطلقه جاولي سره ذلك وفرح به
وسار إليهما طنكري صاحب أنطاكية بعساكره ليحاربهما قبل أن يقوى أمرهما ويجمعا عسكرا ويلتحق بهما جاولي وينجدهما 127 فكانوا يقتتلون فإذا فرغوا من القتال اجتمعوا وأكل بعضهم مع بعض وتحادثوا وأطلق القمص من الأسرى المسلمين مائة وستين أسيرا كلهم من سواد حلب وكساهم وسيرهم وعاد طنكري إلى أنطاكية من غير فصل حال في مغني الرها فسار القمص وجوسلين وأغارا على حصون طنكري صاحب أنطاكية والتجأ إلى ولاية كواسيل وهو رجل أرمني ومعه خلق كثير من المرتدين وغيرهم وهو صاحب رعبان وكيسوم وغيرهما من القلاع شمالي حلب فأنجد القمص بألف فارس من المرتدين وألفي راجل فقصدهم طنكري فتنازعوا في أمر الرها فتوسط بينهم البطرك الذي لهم وهو عندهم كالإمام الذي للمسلمين لا يخالف أمره وشهد جماعة من المطارنة والقسيسن أن بيمند خال طنكري قال له لما أراد ركوب البحر والعود إلى بلاده أن يعيد الرها إلى القمص إذا خلص من الأسر فأعادها عليه طنكري تاسع صفر وعبر القمص الفرات ليسلم إلى أصحاب جاولي المال والأسرى فأطلق في طريقه خلقا كثيرا من الأسرى من حران وغيرهما وكان بسروج ثلاثمائة مسلم ضعفى فعمر أصحاب جاولي مساجدهم وكان رئيس سروج مسلما قد ارتد فسمعه أصحاب جاولي يقول في الإسلام قولا شنيعا فضربوه وجرى بينهم وبين الفرنج بسببه نزاع فذكر ذلك للقمص فقال هذا لا يصلح لنا ولا للمسلمين فقتله
ذكر حال جاولي بعد إطلاق القمص
لما أطلق جاولي بماكسين سار إلى الرحبة فأتاه أبو النجم بدران وأبو كامل منصور ابنا سيف الدولة صدقة وكانا بعد قتل أبيهما بقلعة جعبر عند سالم بن مالك فتعاهدوا على المساعدة والمعاضدة ووعدهما أنه يسير معهما إلى الحلة وعزموا أن يقدموا عليهم بكتاش بن بكتش بن ألب أرسلان فوصل إليهم وهم على هذا العزم الأصبهبذ صباوو وكان قصد السلطان فأقطعه الرحبة وقد ذكرناه فاجتمع بجاولي وأشار عليه أن يقصد الشام فإن بلاده خالية من الأجناد والفرنج قد استولوا على كثير منها وعرفه أنه متى قصد العراق والسلطان بها أو قريبا منها لم يأمن شرا يصل إليه فقبل قوله وأصعد عن الرحبة فوصل إليه رسل سالم بن مالك صاحب قلعة جعبر يستغيث به من بني نمير وكانت الرقة بيد ولده علي بن سالم فوثب جوشن النميري ومعه جماعة من بني نمير فقتل عليا وملك الرقة فبلغ ذلك الملك رضوان فسار من حلب إلى صفين 128 فصادف تسعين رجلا من الفرنج معهم مال من فدية القمص صاحب الرها قد سيره إلى جاولي وأسر عددا منهم وأتى الرقة فصالحه بنو نمير على مال فرحل عنهم إلى حلب فاستنجد سالم بن مالك جاولي وسأله أن يرحل إلى الرقة ويأخذها ووعده بما يحتاج إليه فقصد الرقة وحصرها سبعين يوما فضمن له بنو نمير مالا وخيلا فأرسل إلى سالم إنني في أمر أهم من هذا وأنا بازاء عدو ويجب التشاغل به دون غيره وأنا عازم على الانحدار إلى العراق فإن تم أمري فالرقة وغيرها لك ولا أشتغل عن هذا المهم بحصار خمسة نفر من بني نمير
ووصل إلى جاولي الأمير حسن بن أتابك قتلغتكين وكان أبوه أتابك السلطان محمد فقتله وتقدم ولده هذا عند السلطان واختص به فسيره مع فخر الملك بن عمار ليصلح الحال مع جاولي ويأمر العساكر بالمسير مع ابن عمار إلى جهاد الكفار فحضر عند جاولي وأمر بتسليم البلاد وطيب قلبه عنالسلطان وضمن الجميل إذا سلم البلاد وأظهر الطاعة والعبودية فقال جاولي أنا مملوك السلطان وفي طاعته وحمل إليه مالا وثيابا لها مقدار جليل وقال له سر إلى الموصل ورحل العسكر عنها فإني أرسل معكم من يسلم ولدي إليك رهينة وينفذ السلطان إليها من يتولى أمرها وجباية أموالها ففعل حسين ذلك وسار معه صاحب جاولي فلما وصلا إلى العسكر الذي على الموصل وكانوا لم يفتحوها بعد فأمرهم حسين بالرحيل فكلهم أجاب إلا الأمير مودود فإنه قال لا أرحل إلا بأمر السلطان وقبض على صاحب جاولي وأقام على الموصل حتى فتحها كما ذكرناه وعاد حسين بن قتلغتكين إلى السلطان فأحسن النيابة عن جاولي عنده وسار جاولي إلى مدينة بالس فوصلها ثالث عشر صفر فاحتمى أهلها منه وهرب من بها من أصحاب الملك رضوان صاحب حلب فحصرها خمسة أيام وملكها بعد أن نقب برجا من أبراجها فوقع على النقابين فقتل منهم جماعة وملك البلد وصلب جماعة من أعيانه عند النقب وأحضر القاضي محمد بن عبد العزيز بن الياس فقتل وكان فيها صالحا ونهب البلد وأخذ منه مالا كثيرا
ذكر الحرب بين جاولي والفرنج
وفي هذه السنة في صفر كان المصاف بين جاولي سقاوو وبين طنكري الفرنجي صاحب أنطاكية
وسبب ذلك أن الملك رضوان كتب إلى طنكري صاحب أنطاكية 129 يعرفه ما عليه جاولي من الغدر والمكر والخداع ويحذره منه ويعلمه أنه على قصد حلب وأنه إن ملكها لا يبقى للفرنج معه بالشام مقام وطلب منه النصرة والاتفاق على منعه فأجابه طنكري إلى منعه وبرز من أنطاكية فأرسل إليه رضوان ستمائة فارس فلما سمع جاولي الخبر أرسل إلى القمص صاحب الرها يستدعيه إلى مساعدته وأطلق له ما بقي عليه من مال المفاداة فسار إلى جاولي فلحق به وهو على منبج فوصل الخبر إليه وهو على هذه الحال بأن الموصل قد استولى عليها عسكر السلطان وملكوا خزائنه وأمواله فاشتد ذلك عليه وفارقه كثير من أصحابه منهم أتابك زنكي بن آقسنقر وبكتاش النهاوندي وبقي جاولي في ألف فارس وانضم إليه خلق من المطوعة فنزل بتل باشر وقاربهم طنكري وهو في ألف وخمسمائة فارس من الفرنج وستمائة من أصحاب ملك رضوان سوى الرجالة فجعل جاولي في ميمنته الأمير اقيسان والأمير التونتاش الأبري وغيرهما وفي المسيرة الأمير بدران بن صدقة والأصبهبذ صباوو وسنقر داراز وفي القلب القمص بغدوين وجوسلين الفرنجيين وقعت الحرب فحمل أصحاب أنطاكية على القمص صاحب الرها
واشتد القتال فأزاح طنكري عن موضعه وحملت ميسرة جاولي على رجالة أنطاكية فقتلت منهم خلقا كثيرا ولم يبق غير هزيمة صاحب أنطاكية فحينئذ عمد أصحاب جاولي إلى جنائب القمص وجوسلين وغيرهما من الفرنج فركبوها وانهزموا فمضى جاولي ورآهم فلم يرجعوا وكانت طاعته قد زالت عنهم حين أخذت الموصل منه فلما رأى أنهم لا يعودون معه أهمه نفسه وخاف من المقام فانهزم وانهزم باقي عسكره فأما الأصبهبذ صباوو فسار نحو الشام وأما بدران بن صدقة فسار إلى قلعة جعبر
وأما ابن جكرمش فقصد جزيرة ابن عمر
وأما جاولي فقصد الرحبة وقتل من المسلمين خلق كثير ونهب صاحب أنطاكية أموالهم وأثقالهم وعظم البلاء عليهم من الفرنج وهرب القمص وجوسلين إلى تل باشر والتجأ خلق كثير من المسلمين ففعلا معهم الجميل وداويا الجرحى وكسوا العراة وسيراهم إلى بلادهم
ذكر عود جاولي إلى السلطان
لما انهزم جاولي سقاوو قصد الرحبة فلما قاربها بات دونها في عدة فوارس فاتفق أن طائفة من عسكر الأمير مودود الذين أخذوا الموصل منه أغاروا على قوم من العرب يجاورون الرحبة فقاربوا جاولي وهم لا يشعرون به ولو علموا لأخذوه فلما رأى الحال 130 كذلك علم أنه لا يقدر أن يقيم في الجزيرة ولا بالشام ولا يقدر على شيء يحفظ به نفسه ويرجع إليه ويداوي به مرضه غير قصد باب السلطان محمد عن رغبة واختيار وكان واثقا بالأمير حسين بن قتلغتكين فرحل من مكانه وهو خائف حذر قد أخفى شخصه وكتم أمره وسار إلى عسكر السلطان وكان بالقرب من أصبهان فوصل إليه في سبعة عشر يوما من مكانه لجده في السير فلما وصل المعسكر قصد الأمير حسين فحمله إلى السلطان فدخل إليه وكفنه تحت يده فأمنه وأتاه الأمراء يهنونه بذلك وطلب منه السلطان الملك بكتاش بن تكش فسلمه إليه فاعتقله بأصبهان
ذكر الحرب بين طغتكين والفرنج والهدنة بغيرها
في هذه السنة كانت حرب شديدة بين طغتكين أتابك والفرنج وسببها أن طغتكين سار إلى طبرية وقد وصل إليها ابن أخت بغدوين الفرنجي ملك القدس فتحاربا واقتتلا وكان طغتكين في ألفي فارس وكثير من الرجالة
وكان ابن أخت ملك الفرنج في أربعمائة فارس وألفي راجل فلما اشتد القتال انهزم المسلمون فترجل طغتكين ونادى بالمسلمين وشجعهم فعادوا الحرب كسروا الفرنج وأسروا ابن أخت الملك وحمل إلى طغتكين فعرض عليه الإسلام فامتنع منه وبذل في فداء نفسه ثلاثين ألف دينار وإطلاق خمسمائة أسير فلم يقنع طغتكين منه بغر الإسلام فلما فلم يجب قتله بيده وأرسل إلى الخليفة والسلطان الأسرى ثم اصطلح طغتكين وبغدوين ملك الفرنج على وضع الحرب أربع سنين
وكان ذلك من لطف الله تعالى بالمسلمين ولولا هذه الهدنة لكان الفرنج بلغوا من المسلمين بعد الهزيمة الآتي ذكرها أمرا عظيما
ذكر انهزام طغتكين من الفرنج
في هذه السنة انهزم أتابك طغتكين من الفرنج
وسبب ذلك أن حصن عرقة وهو من أعمال طرابلس كان بيد غلام للقاضي فخر الملك أبي علي بن عمار صاحب طرابلس وهو من الحصون المنيعة فعصى على مولاه فضاق به القوت وانقطعت عنه 131 الميرة لطول مكث الفرنج في نواحيه فأرسل إلى أتابك طغتكين صاحب دمشق وقال له أرسل من يتسلم هذا الحصن مني قد عجزت عن حفظه ولأن يأخذه المسلمون خير لي دنيا وآخرة من أن يأخذه الفرنج
فبعث إليه طغتكين صاحبا له اسمه إسرائيل في ثلاثمائة رجل فتسلم الحصن فلما نزل غلام ابن عمار منه رماه إسرائيل في الأخلاط بسهم فقتله وكان قصده بذلك أن يطلع أتابك طغتكين على ما خلفه بالقلعة من المال
وأراد طغتكين قصد الحصن للاطلاع عليه وتقويته بالعساكر والأقوات وآلات الحرب فنزل الغيث والثلج مدة شهرين ليلا ونهارا فمنعه
فلما زال ذلك سار في أربعة آلاف فارس ففتح حصونا للفرنج منها الأكمة فلما سمع السرداني الفرنجي بمجيء طغتكين وهو على حصار طرابلس توجه في ثلاثمائة فارس فلما أشرف أوائل أصحابه على عسكر طغتكين انهزموا وخلوا ثقلهم ورحالهم ودوابهم للفرنج فغنموا قووا به وزاد في تجملهم ووصل المسلمون إلى حمص على أقبح حال من التقطع ولم يقتل منهم أحد لأنه لم تجر حرب
وقصد السرداني إلى عرقة فلما نازلها طلب من كان بها الأمان فأمنهم على نفوسهم وتسلم الحصن فلما خرج من فيه قبض على إسرائيل وقال لا أطلق عنه إلا بإطلاق فلان وهو أسير كان بدمشق من الفرنج منذ سبع سنين ففودي به وأطلقا معا ولما وصل طغتكين إلى دمشق بعد الهزيمة أرسل إليه ملك القدس يقول له لا تظن أنني أنقض الهدنة للذي تم عليك من الهزيمة فالملوك ينالهم أكثر مما نالك ثم تعود أمورهم إلى الانتظام والاستقامة
وكان طغتكين خائفا أن يقصد بعد هذه الكسرة فينال من بلده كل ما أراد
ذكر صلح السنة والشيعة ببغداد
في هذه السنة في شعبان اصطلح عامة بغداد السنة والشيعة
وكان الشر منهم على طول الزمان وقد اجتهد الخلفاء والسلاطين والشحن في إصلاح الحال فتعذر عليهم ذلك إلى أن أذن الله تعالى فيه وكان بغير واسطة
وكان السبب في ذلك أن السلطان محمدا لما قتل ملك الغرب صدقة كما ذكرناه خاف الشيعة ببغداد أهل الكرخ وغيرهم لأن صدقة كان يتشيع هو وأهل بيته فشنع أهل السنة عليهم بأنهم نالهم غم وهم لقتله فخاف الشيعة وأغضوا على سماع هذا ولم يزالوا خائفين إلى شعبان فلما دخل شعبان تجهز السنة لزيارة قبر مصعب بن الزبير وكانوا قد تركوا ذلك سنين كثيرة ومنعوا 132 منه لتنقطع الفتن الحادثة بسببه فلما تجهزوا للمسير اتفقوا على أن يجعلوا طريقهم في الكرخ فأظهروا ذلك فاتفق رأي أهل الكرخ على ترك معارضتهم
وأنهم لا يمنعونهم فصار السنة تسير أهل كل محلة منفردين ومعهم من الزينة والسلاح شيء كثير وجاء أهل باب المراتب ومعهم فيل قد عمل من خشب وعليه الرجال بالسلاح وقصدوا جميعهم الكرخ ليعبروا فيه فاستقبلهم أهله بالبخور والطيب والماء المبرد والسلاح الكثير وأظهروا بهم السرور وشيعوهم حتى خرجوا من المحلة وخرج الشيعة ليلة النصف منه إلى مشهد موسى بن جعفر وغيره فلم يعترضهم أحد من السنة فعجب الناس لذلك ولما عادوا من زيارة مصعب لقيهم أهل الكرخ بالفرح والسرور فاتفق أن أهل باب المراتب انكسر فيلهم عند قنطرة باب حرب فقرأ لهم قوم (
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) إلى آخر السورة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة عاد منصور بن صدقة بن مزيد إلى باب السلطان فتقبله وأكرمه وكان قد هرب بعد قتل والده إلى الآن والتحق أخوه بدران بن صدقة بالأمير مودود الذي أقطعه السلطان الموصل فأكرمه وأحسن صحبته
وفيها في نيسان زادت دجلة زيادة عظيمة وتقطعت الطرق وغرقت الغلات الشتوية والصيفية وحدث غلاء عظيم بالعراق بلغت الكارة الدقيق الخشكار عشرة دنانير إمامية وعدم الخبز رأسا وأكل الناس التمر والباقلاء الأخضر وأما أهل السواد فإنهم لم يأكلوا جميع شهر رمضان ونصف شوال سوى الحشيش والتوت
وفيها في رجب عزل وزير الخليفة أبو المعالي هبة الله ووزر له أبو قاسم علي بن أبي نصر بن جهير
وفيها في شعبان تزوج الخليفة المستنصر بالله بابنة السلطان ملكشاه وهي أخت السلطان محمد وكان الذي خطب النكاح القاضي أبو العلاء صاعد بن محمد السابوري الحنفي وكان المتولي لقبول العقد نظام الملك أحمد بن نظام الملك وزير السلطان بوكالة من الخليفة وكان الصداق مائة ألف دينار ونثرت الجواهر والدنانير العقد بأصبهان 133
وفيها تولى مجاهد الدين بهروز شحنكية بغداد وكان سبب ذلك أن السلطان محمدا كان قبض على أبي القاسم الحسين بن عبد الواحد صاحب المخزن وعلي أبي الفرج بن رئيس الرؤساء واعتقلهم عنده ثم أطلقهم الآن وقرر عليهم مالا يحملونه إليه فأرسل مجاهد الدين بهروز لقبض المال وأمره السلطان بعمارة دار المملكة ففعل ذلك وعمر الدار وأحسن إلى الناس فلما قدم السلطان إلى بغداد ولاه شحنكية العراق جميعه وخلع على سعيد بن حميد العمري صاحب جيش صدقة وولاه الحلة السيفية وكان صارما حازما ذا رأي وجلد
وفيها في شوال ملك الأمير سكمان القطبي صاحب خلاط مدينة ميافارقين بالأمان بعد أن حصرها وضيق على أهلها عدة شهور فعدمت الأقوات بهات واشتد الجوع بأهلها فسلموها
وفي هذه السنة في صفر قتل قاضي أصبهان عبيد الله بن علي الخطيبي بهمذان وكان قد تجرد في أمر الباطنية تجردا عظيما وصار يلبس درعا حذرا منهم ويحتاط ويحترز فقصده إنسان عجمي يوم جمعة ودخل بينه وبين أصحابه فقتله وقتل صاعد بن محمد بن عبد الرحمن أبو العلاء قاضي نيسابور يوم عيد الفطر قتله باطني وقتل الباطني ومولده سنة ثمان وأربعين وأربعمائة وسمع الحديث وكان حنفي المذهب
وفي هذه السنة سار قفل عظيم من دمشق إلى مصر فأتى الخبر إلى ملك الفرنج فسار إليه وعارضه في البر وأخذ كل من فيه ولم يسلم منهم إلا القليل ومن سلم أخذه العرب
وفيها في فصح النصارى ثار جماعة من الباطنية في حصن شيزر على حين غفلة من أهله في مائة رجل فملكوه وأخرجوا من كان فيه وأغلقوا بابه وصعدوا إلى القلعة فملكوها وكان أصحابها بنو منقذ قد نزلوا منها لمشاهدة عيد النصارى وكانوا قد أحسنوا إلى هؤلاء الذين أفسدوا كل الإحسان فبادر أهل المدينة الباشورة فأصعدهم النساء في الحبال من الطاقات وصاروا معهم وأدركهم الأمراء بنو منقذ أصحاب الحصن فصعدوا إليهم فكبروا عليهم وقاتلوهم فانخذل الباطنية وأخذهم السيف منكل جانب فلم يفلت منهم أحد وقتل من كان على مثل رأيهم في البلد
وفيها وصل إلى المهدية ثلاثة نفر غرباء فكتبوا إلى أميرها يحيى بن تميم يقولون 134 إنهم يعلمون الكيمياء فأحضرهم عنده وأمرهم أن يعلموا شيئا يراه من صناعتهم فقالوا نعمل النقرة فأحضر لهم ما طلبوا من آلة وغيرها وقعد معهم هو والشريف أبو الحسن وقائد جيشه اسمه إبراهيم وكانا يختصان به فلما رأى الكيماوية المكان خاليا من جمع ثار وبهم فضرب أحدهم يحيى بن تميم على رأسه فوقعت السكين في عمامته فلم تصنع شيئا ورفسه يحيى فألقاه على ظهره ودخل يحيى بابا وأغلقه على نفسه فضرب الثاني الشريف فقتله وأخذ القائد إبراهيم السيف فقاتل الكيماوية ووقع الصوت فدخل أصحاب الأمير يحيى فقتلوا الكيماوية وكان زيهم زي أهل الأندلس فقتل جماعة من أهل البلد على مثل زيهم وقيل للأمير يحيى إن هؤلاء رآهم بعض الناس عند المقدم بن خليفة
واتفق أن الأمير أبا الفتوح بن تميم أخا يحيى وصل تلك الساعة إلى القصر في أصحابه قد لبسوا السلاح فمنع من الدخول فثبت عند الأمير يحيى أن ذلك بوضع منهما فأحضر المقدم بن خليفة وأمر أولاد أخيه فقتلوه قصاصا لأنه قتل أباهم وأخرج الأمير أبا الفتوح وزوجته بلارة بنت القاسم بن تميم وهي ابنة عمه ووكل بهما في قصر زياد بين المهدية وسفاقس فبقي هناك إلى أن مات يحيى وملك بعده ابنه على سنة تسع وخمسمائة فسير أبا الفتوح وزوجته بلارة إلى ديار مصر في البحر فوصلا إلى إسكندرية على ما نذكره إن شاء الله
وفيها في المحرم قتل عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد بن محمد أبو المحاسن الروياني الطبري الفقيه الشافعي مولده سنة خمس عشرة وأربعمائة وكان حافظا للمذهب ويقول لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من قلبي
وفيها في جمادى الآخرة توفي الخطيب أبو زكرياء يحيى بن علي التبريزي الشيباني اللغوي صاحب التصانيف المشهورة وله شعر ليس بالجيد
وفيها في رجب توفي السيد أبو هاشم زيد الحسيني العلوي همذان وكان نافذ الحكم ماضي الأمر وكانت مدة رياسته لها سبعا وأربعين سنة وجده لأمه الصاحب أبو القاسم بن عباد وكان عظيم المال جدا فمن ذلك أنه أخذ منه السلطان محمد في دفعة واحدة سبعمائة ألف دينار لم يبع لأجلها ملكا ولا استدان دينارا وأقام بعد ذلك بالسلطان محمد عدة شهور في جميع ما يريده وكان قليل المعروف
وفيها في ذي الحجة توفي أبو الفوارس الحسن بن علي الخازن الكاتب المشهور بجودة الخط وله شعر منه 135
( غنت الدنيا لطالبها
واستراح الزاهد الفطن
عرف الدنيا فلم يرها
وسواه حظه الفتن )
( كل ملك نال زخرفها
حظه مما حوى كفن
يقتني مالا ويتركه
في كلا الحالين مفتتن )
( أملي موني على ثقة
من لقاء الله مرتهن
أكره الدنيا وكيف بها
والذي تسخو به وسن )
( لم تقدم قبلي على أحد
فلماذا الهم والحزن )
وقيل توفي سنة تسع وتسعين وأربعمائة وقد ذكر هناك 136
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسمائة
ذكر ملك الفرنج طرابلس وبيروت من الشام
في هذه السنة حادي عشر ذي الحجة ملك الفرنج طرابلس
وسبب ذلك أن طرابلس كانت قد صارت في حكم صاحب مصر ونائبه فيها والمدد يأتي منه وقد ذكرنا ذلك سنة إحدى وخمسمائة
فلما كان هذه السنة أول شعبان وصل أسطول كبير من بلد الفرنج في البحر ومقدمهم قمص كبير اسمه ريمند بن صنجيل ومراكبه مشحونة بالرجال والسلاح والميرة فنزل على طرابلس وكان نازلا عليها قبله السرداني ابن أخت صنجيل وليس بابن أخت بل هو هذا ريمند قمص آخر فجرت بينهما فتنة أدت إلى الشر والقتال فوصل طنكري صاحب أنطاكية إليها بمعونة للسرداني ووصل الملك بغدوين صاحب القدس في عسكره فأصلح بينهما ونزول الفرنج جميعهم على طرابلس وشرعوا في قتالها ومضايقة أهلها من أول شعبان وألصقوا أبراجهم بسورها فلما رأى الجند وأهل البلد ذلك سقط في أيديهم وذلت نفوسهم وزادهم ضعفا تأخر الأسطول المصري عنهم بالميرة والنجدة وكان سبب تأخره أنهم فرغوا منه ومن البحث عليه واختلفوا فيه أكثر من سنة وسار فردته الريح فتعذر عليهم الوصول إلى طرابلس ليقضي الله أمرا كان مفعولا وسد الفرنج القتال عليها من الأبراج والزحف فهجموا على البلد وملكوه عنوة وقهرا يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة من السنة ونهبوا ما فيها وأسروا الرجال وسبوا النساء والأطفال ونهبوا الأموال وغنموا من أهلها من الأموال والأمتعة وكتب دور العلم الموقوفة ما لا يحد ولا يحصى فإن أهلها كانوا من أكثر أهل البلاد أموالا وتجارة وسلم الوالي الذي كان بها وجماعة من جندها كانوا التمسوا الأمان قبل فتحها فوصلوا إلى دمشق وعاقب الفرنج أهلها بأنواع العقوبات وأخذت دفائنهم وذخائرهم من مكامنهم 137
ذكر ملك الفرنج جبيل وبانياس
لما فرغ الفرنج من طرابلس سار طنكري صاحب أنطاكية إلى بانياس وحصرها وافتتحها وأمن أهلها ونزل مدينة جبيل وفيها فخر الملك بن عمار الذي كان صاحب طرابلس وكان القوت فيها قليلا فقاتلها إلى أن ملكها في الثاني والعشرين من ذي الحجة من السنة بالأمان وخرج فخر الملك بن عمار سالما ووصل عقيب ملك طرابلس الأسطول المصري بالرجال والمال والغلال وغيرها ما يكفيهم سنة فوصل إلى صور بعد أخذها بثمانية أيام للقضاء النازل بأهلها وفرقت الغلال التي فيه والذخائر في الجهات المنفذة إليها صور وصيدا وبيروت
وأما فخر الملك بن عمار فإنه قصيد شيرز فأكرمه صاحبها الأمير سلطان بن علي بن منقذ الكناني واحترمه وسأله أن يقيم عنده فلم يفعل وسار إلى دمشق فأنزله طغتكين صاحبها وأجزل له في الحمل والعطية وأقطعه أعمال الزيداني وهو عمل كبير من أعمال دمشق وكان ذلك في المحرم سنة اثنتين وخمسمائة
ذكر الحرب بين محمد خان وساغربك
في هذه السنة عاد سافربك وجمع العساكر الكثيرة من الأتراك وغيرهم وقصد أعمال محمد خان بسمرقند وغيرها فأرسل محمد خان إلى سنجر يستنجده فسير إليه الجنود واجتمع معه أيضا كثير من العساكر وسار إلى ساغربك فالتقوا بنواحي الخشب واقتتلوا فانهزم ساغربك وعساكره وأخذت السيوف منهم مأخذها وكثر الأسر فيهم والنهب فلما فرغوا من حربهم وأمن محمد خان من شر ساغربك عاد العسكري السنجري إلى خراسان فعبروا النهر إلى بلخ
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في المحرم سير السلطان وزيره نظام الملك أحمد بن نظام الملك إلى قلعة الموت لقتال الحسن بن الصباح ومن معه من الإسماعيلية فحصروهم وهجم الشتاء عليهم فعادوا ولم يبلغوا منه غرضا
وفيها في ربيع الآخر قدم السلطان إلى بغداد وعاد عنها ف شوال من السنة أيضا
وفيها في شعبان توجه الوزير نظام الملك إلى الجامع فوثب به الباطنية فضربوه بالسكاكين ورجح رقبته فبقي مريضا مدة ثم برأ 138 وأخذ الباطني الذي جرحه فسقي الخمر حتى سكر ثم سئل أصحابه فأقر على جماعة بمسجد المأمونية فأخذوا وقتلوا
وفيها عزل وزير الخليفة وهو أبو المعالي بن المطلب ووزر بعده الزعيم أبو القاسم بن جهير فخرج ابن المطلب من دار الخليفة مستترا هو وأولاده واستجار بدار السلطان
وفيها جهز يحيى بن تميم صاحب إفريقية خمسة عشر شينيا وسيرها إلى بلاد الروح فلقيها أسطول الروم وهو كبير فقاتلوهم وأخذوا ست قطع من شواني المسلمين ولم ينهزم بعد ذلك ليحيى جيش في البحر والبر وسير ابنه أبا الفتوح إلى مدينة سفاقس واليا عليها فثار به أهلها فنهبوا قصره وهموا بقتله فلم يزل يحيى يعمل الحيلة عليهم حتى فرق كلمتهم وبدد شملهم وملك رقابهم فسجنهم وعفا عن دمائهم وذنوبهم
وفيها توفي الأمير إبراهيم ينال صاحب آمد وكان قبيح السيرة مشهورا بالظلم فجلا كثير من أهلها لجوره وملك بعده ولده وكان أصلح حالا منه
وفيها في ثامن ذي القعدة ظهر في السماء كوكب من الشرق له ذؤابة ممتدة إلى القبلة وبقي يطلع إلى آخر ذي الحجة ثم غاب 139
ثم دخلت سنة أربع وخمسمائة
ذكر ملك الفرنج مدينة صيدا
في هذه السنة في ربيع الآخر ملك الفرنج مدينة من ساحل الشام
وسبب ذلك أنه وصل في البحر إلى الشام ستون مركبا للفرنج مشحونة بالرجال والذخائر مع بعض ملوكهم ليحج البيت المقدس وليغزو بزعمه المسلمين فاجتمع بهم بغدوين ملك القدس وتقررت القاعدة بينهم أن يقصدوا بلاد الإسلام فرحلوا من القدس ونزلوا مدينة صيدا ثالث ربيع الآخر من هذه السنة وضايقوها برا وبحرا وكان الأسطول المصري مقيما على صور فلم يقدر إنجاد صيدا فعمل الفرنج برجا من الخشب وأحكموه وجعلوا عليها ما يمنع النار عنه والحجارة وزحفوا به
فلما عاين أهل صيدا ذلك ضعفت نفوسهم وأشفقوا أن يصيبهم مثل ما أصاب أهل بيروت فأرسلوا قاضيها ومعه جماعة من شيوخها إلى الفرنج وطلبوا من ملكهم الأمان فأمنهم على أنفسهم وأموالهم والعسكر الذي عندهم ومن أراد المقام به عندهم أمنوه ومن أراد المسير عنهم لم يمنعوه وحلف لهم على ذلك فخرج الموالي وجماعة كثيرة من أعيان أهل البلد في العشرين من جمادى الأولى وأقام بالبلد خلق كثير تحت الأمان وكانت مدة الحصار سبعة وأربعين يوما ورحل بغدوين عنها إلى القدس ثم عاد إلى صيدا بعد مدة يسيرة فقرر على المسلمين الذين أقاموا بها عشرين ألف دينار فأفقرهم واستغرق أموالهم
ذكر استيلاء المصريين على عسقلان
كانت عسقلان للعلويين المصريين ثم إن الخليفة الآمر بحكم الله استعمل عليها إنسانا يعرف بشمس الخلافة فراسل بغدوين ملك الفرنج بالشام وهادنه وأهدى 140 إليه مالا وعرضا فامتنع به من أحكام المصريين عليه إلا فيما يري من غير مجاهرة بذلك فوصلت الأخبار بذلك إلى الأمر بأحكام الله صاحب مصر وإلى وزيره الأفضل أمير الجيوش فعظم الأمر عليهما وجهزا عسكرا وسيراه إلى عسقلان مع قائد كبير من قواده وأظهرا انه يريد الغزاة وأنفذا إلى القائد سرا أن يقبض على شمس الخلافة الحال فامتنع من الحضور عند العسكر المصري وجاهر بالعصيان وأخرج من كان عنده من عسكر مصر خوفا منهم فلما عرف الأفضل ذلك خاف أن يسلم عسقلان إلى الفرنج فأرسل إليه وطيب قلبه وسكنه وأقره على عمله وأعاد عليه أقطاعه بمصر ثم إن شمس الخلافة خاف أهل عسقلان فأحضر جماعة من الأرمن واتخذهم جندا ولم يزل على هذه الحال إلى آخر سنة أربع وخمسمائة فأنكر الأمر أهل البلد فوثب به قوم من أعيانه وهو راكب فجرحوه فانهزم منهم إلى داره فتبعوه وقتلوه ونهبوا داره وجميع ما فيها ونهبوا بعض دور غيره من أرباب الأموال بهذه الحجة وأرسلوا إلى مصر بجلية الحال إلى الآمر والأفضل فسرا بذلك وأحسنا إلى الواصلين بالبشارة وأرسلا إليه وليا يقيم به ويستعمل مع أهل البلد الإحسان وحسن السيرة فتم ذلك وزال ما كانوا يخافونه
ذكر ملك الفرنج حصن الأثارب وغيره
في هذه السنة جمع صاحب أنطاكية عساكره من الفرنج وحشد الفارس والراجل وسار نحو حصن الأثارب وهو بالقرب من مدينة حلب بينهما ثلاثة فراسخ وحصره ومنع عنه الميرة فضاق الأمر على من به من المسلمين فنقبوا من القلعة نقبا قصدوا أن يخرجوا منه إلى خيمة صاحب أنطاكية فيقتلوه فلما فعلوا ذلك وقربوا من خيمته استأمن إليه صبي أرمني فعرفه الحال فاحتاط واحترز منهم وجد في قتالهم حتى ملك الحصن قهرا وعنوة وقتل من أهله ألفي رجل وسبى وأسر الباقين ثم سار إلى حصن زردنا فحصره وفعل بأهله مثل الأثارب فلما سمع أهل منبج بذلك فارقوها خوفا من الفرنج وكذلك أهل بالس وقصد الفرنج البلدين فرأوهما وليس بهما أنيس فعادوا عنها
وسار عسكر من الفرنج إلى مدينة صيدا فطلب أهلها منهم الأمان فأمنوهم وتسلموا البلد فعظم خوف المسلمين منهم وبلغت القلوب الحناجر وأيقنوا باستيلاء الفرنج على سائر الشام لعدم الحامي له والمانع عنه فشرع أصحاب البلاد الإسلامية 141 بالشام في الهدنة معهم فامتنع من الإجابة إلا على قطيعة يأخذونها إلى مدة يسيرة فصالحهم الملك رضوان صاحب حلب على اثنين وثلاثين ألف دينار وغيرها من الخيول والثياب وصالحهم صاحب صور على سبعة آلاف دينار وصالحهم ابن منقذ صاحب شيزر على أربعة آلاف دينار وصالحهم علي الكردي صاحب حماة على ألفي دينار
وكانت مدة الهدنة إلى وقت إدراك الغلة وحصادها ثم إن مراكب أقلعت من ديار مصر فيها التجار ومعهم الأمتعة الكثيرة فوقع عليها مراكب الفرنج فأخذوها وغنموا ما معا لتجار وأسروهم فسار جماعة من أهل حلب إلى بغداد مستنفرين على الفرنج فلما وردوا بغداد اجتمع معهم خلق كثير من الفقهاء وغيرهم فقصدوا جام السلطان واستغاثوا ومنعوا من الصلاة وكسروا المنبر فوعدهم السلطان إنفاذ العساكر للجهاد وسير من دار الخلافة منبرا إلى جامع السلطان فلما كان الجمعة الثانية قصدوا جامع القصر بدار الخلافة ومعهم أهل بغداد فمنعهم حاجب الباب من الدخول فغلبوه على ذلك ودخلوا الجامع وكسروا شباك المقصورة وهجموا إلى المنبر فكسروه وبطلت الجمعة أيضا فأرسل الخليفة إلى السلطان في المعنى يأمره بالاهتمام بهذا الفتق فتقدم حينئذ إلى من معه من الأمراء بالمسير إلى بلادهم والتجهز للجهاد وسير ولده الملك مسعودا مع الأمير مودود صاحب الموصل وتقدموا إلى الموصل ليلحق بهم الأمراء ويسيرون إلى قتال الفرنج وانقضت السنة وساروا في سنة خمس وخمسمائة وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة عزل نظام الملك أحمد من وزارة السلطان ووزر بعده الخطير محمد بن الحسين الميبذي
وفيها ورد رسول ملك الروم إلى السلطان يستنفره على الفرنج ويحثه على قتالهم ودفعهم عن البلاد وكان رسوله قبل وصوله أهل حلب وكان أهل حلب يقولون للسلطان أما تتقي الله تعالى أن يكون ملك الروم أكثر حمية منك للإسلام حتى قد أرسل إليك في جهادهم
وفيها في رمضان زفت ابنة السلطان ملكشاه إلى الخليفة وزينت بغداد وغلقت وكان بها فرحة عظيمة لم يشاهد الناس مثلها
وفيها هبت بمصر ريح سوداء أظلمت بها الدنيا وأخذت بأنفاس الناس ولم يقدر أحد يفتح عينيه ومن فتحها لا يبصر يده
ونزل على الناس رمل ويئس الناس من الحياة وأيقنوا 142 بالهلاك ثم تجلى قليلا وعاد إلى الصفرة وكان ذلك من أول وقت العصر إلى بعد المغرب
وفيها في المحرم توفي الكيا الهراس الطبري واسمه أبو الحسن علي بن محمد بن علي وكان من أعيان الفقهاء الشافعية أخذ الفقه عن إمام الحرمين الجويني ودرس بعده في النظامية ببغداد وتوفي بها ودفن عند تربة الشيخ أبي إسحاق ودرس بعده في النظامية الإمام أبو بكر الشاشي
وفيها توفي أبو الحسين إدريس بن حمزة بن علي الرملي الفقيه الشافعي من أهل الرملة بفلسطين تفقه على أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي وعلى الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ودخل خراسان وولي التدريس بسمرقند وتوفي فيها 143
ثم دخلت سنة خمس وخمسمائة
ذكر مسير العساكر إلى قتال الفرنج
في هذه السنة اجتمعت العساكر التي أمرها السلطان بالمسير إلى قتال الفرنج فكانوا الأمير مودود صاحب الموصل والأمير سكمان القطبي صاحب تبريز وبعض ديار بكر والأمير أيلبكي وزنكي ابنا برسق ولهما همذان وما جاورها والأمير أحمديل وله مراغة وكوتب الأمير أبو الهيجا صاحب إربل والأمير أيلغازي صاحب ماردين والأمراء البيكجية باللحاق بالملك مسعود ومودود فاجتمعوا ما عدا الأمير أيلغازي فإنه سير ولده أياز وأقام هو فلما اجتمعوا وساروا إلى بلده سنجار ففتحوا عدة حصون للفرنج وقتل من بها منهم وحصروا مدينة الرها مدة ثم رحلوا عنها من غير أن يملكوها
وكان سبب رحيلهم عنها أن الفرنج اجتمعت جميعها فارسها وراجلها وساروا إلى الفرات ليعبروها ليمنعوا الرها من المسلمين فلما وصلوا إلى الفرات بلغهم كثرة المسلمين فلم يقدموا عليه وأقاموا على الفرات فلما رأى المسلمون ذلك رحلوا عن الرها إلى حران ليطمع الفرنج ويعبروا الفرات إليهم ويقاتلوهم فلما رحلوا عنها جاء الفرنج ومعهم الميرة والذخائر إلى الرها فجعلوا فيها كل ما يحتاجون إليه بعد أم كانوا قليلي الميرة وقد أشرفوا على أن يؤخذوا وأخذوا كل من فيه عجز وفقر وعادوا إلى الفرات فعبروه إلى الجانب الشامي وطرقوا أعمال حلب فأفسدوا ما فيها ونهبوها وقتلوا فيها وأسروا وسبوا خلقا كثيرا
وكان سبب ذلك أن الفرنج لما عبروا إلى الجزيرة خرج الملك رضوان صاحب حلب إلى ما أخذه الفرنج من أعمالها فاستعاد بعضه ونهب منهم وقتل فلما عادوا وعبروا الفرات فعلوا بأعماله ما فعلوا وأما العسكر السلطاني فإنه لما سمع بعود الفرنج وعبورهم الفرات رحلوا إلى الرها وحصروها فرأوا أمرا محكما قد قويت نفوس أهلها بالذخائر التي تركت عندهم وبكثرة المقاتلين عنهم ولم يجدوا مطمعا فرحلوا عنها 144 وعبروا الفرات فحصروا قلعة تل باشر خمسة وأربعين ورحلوا عنها ولم يبلغوا غرضا ووصلوا إلى حلب فأغلق الملك رضوان أبواب البلد ولم يجتمع بهم
ثم مرض هناك الأمير سكمان القطبي فعاد مريضا فتوفي في بالس فجعله أصحابه في تابوت وحملوه عائدين إلى بلاده فقصدهم أيلغازي ليأخذهم ويغنم ما معهم فجعلوا تابوته في القلب وقاتلوا بين يديه فانهزم أيلغازي وغنموا ما معه وساروا إلى بلادهم
ولما غلق الملك رضوان أبواب حلب ولم يجتمع بالعساكر السلطانية رحلوا إلى معرة النعمان واجتمع بهم طغتكين صاحب دمشق ونزل على الأمير مودود فاطلع من الأمراء على نيات فاسدة في حقه فخاف أن تؤخذ منه دمشق فشرع في مهادنة الفرنج سرا وكانوا قد نكلوا عن قتال المسلمين فلم يتم ذلك وتفرقت العساكر وكان سبب تفرقهم أن الأمير برسق الذي هو أكبر الأمراء كان به نقرس فهو يحمل في محفة ومات سكمان القطبي كما ذكرنا وأراد الأمير أحمديل صاحب مراغة العود ليطلب أن يقطعه ما كان لسكمان من البلاد وأتابك طغتكين صاحب دمشق خاف الأمراء على نفسه فلم ينصحهم إلا أنه حصل بينه وبين مودود صاحب الموصل مودة وصداقة فتفرقوا لهذه الأسباب وبقي مودود وطغتكين بالمعرة فساروا منها ونزلوا على نهر العاصي ولما سمع الفرنج بتفرق عساكر الإسلام طمعوا وكانوا قد اجتمعوا كلهم بعد الاختلاف والتباين وساروا إلى فامية فسمع بهم سلطان بن منقذ صاحب شيزر فسار إلى مودود وطغتكين وهون عليهما أمر الفرنج وحرضهما على الجهاد فرحلوا إلى شيزر ونزلوا عليها ونزل الفرنج بالقرب منهم فضيق عليهم عسكر المسلمين الميرة ولزوهم بالقتال والفرنج يحفظون نفوسهم ولا يعطون مصافا فلما رأوا قوة المسلمين عادوا إلى فامية وتبعهم المسلمون فتخطفوا من أدركوه في ساقتهم وعادوا إلى شيزر في ربيع الأول
ذكر حصر الفرنج مدينة صور
لما تفرقت العساكر اجتمعت الفرنج على قصد مدينة صور وحصرها فساروا إليها مع الملك بغدوين صاحب اللقدس وحشدوا وجمعوا ونازلوها وحصروها فساروا إليها مع الملك بغدوين صاحب القدس وحشدوا وجمعوا ونازلوها وحصروها في الخامس والعشرين من جمادى الأولى وعملوا عليها ثلاثة أبراج علو البرج 145 سبعون ذراعا وفي كل برج ألف رجل ونصبوا عليها المجانيق وألصقوا أحدها إلى سور البلد وأخلوه من الرجال وكانت صور للآمر بأحكام الله العلوي ونائبه بها عز الملك الأعز فأحضر أهل البلد واستشارهم في حيلة يدفعون بها شر الأبراج عنهم فقام شيخ من أهل طرابلس وضمن على نفسه إحراقها وأخذ معه ألف رجل بالسلاح التام ومع كل رجل منهم حزمة حطب فقاتلوا الفرنج إلى أن وصلوا البرج الملتصق بالمدينة فألقى الحطب من جهاته وألقى فيه النار ثم خاف أن يشتغل الفرنج الذين في البرج بإطفاء النار ويتخلصوا فرماهم بجرب كان قد أعدها مملوءة من العذرة فلما سقطت عليهم اشتغلوا بها وبما نالهم من سوء الرائحة والتلويث فتمكنت النار منه فهلك كل من به إلا القليل
وأخذ منه المسلمون ما قدروا عليه بالكلاليب ثم أخذ سلال العنب الكبار وترك فيها الحطب الذي قد سقاه بالنفط ولزفت والكتان والكبريت ورماهم بسبعين سلة واحرق البرجين الآخرين
ثم إن أهل صور حفروا سراديب تحت الأرض ليسقط فيها الفرنج إذا زحفوا إليهم ولينخسف برج إن عملوه وسيروه إليهم فاستأمن نفر من المسلمين إلى الفرنج
وأعلموهم بما علموه فحذروا منها
وأرسل أهل البلد إلى أتابك طغتكين صاحب دمشق
يستنجدونه ويطلبونه ليسلموا البلد إليه فسار في عساكره إلى نواحي بانياس وسير إليهم نجدة مائتي فارس فدخلوا البلد فامتنع من فيه بهم واشتد قتال الفرنج خوفا من اتصال النجدات ففني نشاب الأتراك فقاتلوا بالخشب وفني النفط فظفروا بسرداب تحت الأرض فيه نفط لا يعلم من خزنه ثم إن عز الملك صاحب صور أرسل الأموال إلى طغتكين ليكثر من الرجال ويقصدهم ليملك البلد فأرسل طغتكين طائرا فيه رقعة ليعلمه وصول المال ويأمره أن يقيم مركبا بمكان ذكره لتجيء الرجال إليه فسقط الطائر على مركب الفرنج فأخذه رجلان مسلم وإفرنجي فقال الافرنجي نطلقه لعل فيه فرجا لهم فلم يمكنه المسلم وحمله إلى الملك بغدوين فلما وقف عليه سير مركبا إلى المكان الذي ذكر طغتكين وفيه جماعة من المسلمين الذين استأمنوا إليه من صور فوصل إليهم العسكر فكلموهم بالعربية فلم ينكروهم وركبوا معهم فأخذوهم أسرى وحملوهم إلى الفرنج فقتلوهم وطمعوا في أهل صور فكان طغتكين يغير على أعمال الفرنج من جميع جهاتها وقصد حصن الحبيس في السواد من أعمال دمشق وهو للفرنج فحصره وملكه بالسيف وقتل كل ما فيه وعاد إلى الفرنج الذين على صور وكان يقطع الميرة عنهم في البر فأحضروها في البحر وخندقوا عليهم لم يخرجوا إليه فسار إلى صيدا وأغار 146 على ظارها فقتل جماعة من البحرية وأحرق نحو عشرين مركبا على الساحل وهو مع ذلك يواصل أهل صور بالكتب يأمرهم بالصبر ولافرنج يلازمون قتالهم وقاتل أهل صور قتال من أيس من الحياة فدام القتال إلى أوان إدراك الغلات فخاف الفرنج أن طغتكين يستولي على غلات بلادهم فساروا عن البلد عاشر شوال إلى عكا وعاد عسكر طغتكين إليه وأعطاهم أهل صور الأموال وغيرها ثم أصلحوا ما تشعث من سورها وخندقها وكان الفرنج قد طموه
ذكر انهزام الفرنج بالأندلس
في هذه السنة خرج أذفونش الفرنجي صاحب طليطلة بالأندلس إلى بلاد الإسلام بها يطلب ملكها والاستيلاء عليها وجمع وحشد فأكثر وكان قد قوي طمعه فيها بسبب موت أمير المسلمين يوسف بن تاشفين فسمع أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين الخبر فسار إليه في عساكرها وجموعه فلقيه فاقتتلوا واشتد القتال وكان الظفر للمسلمين وانهزم الفرنج وقتلوا قتلا ذريعا وأسر منهم بشر كثير وسبى منهم وغنم من أموالهم ما يخرج من الإحصاء فخافه الفرنج بعد ذلك وامتنعوا من قصد بلاده وذل أذفونش حينئذ وعلم أن في البلاد حاميا لها وذابا عنها
وفي هذه السنة في جمادى الآخرة توفي الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الإمام المشهور 147
ثم دخلت سنة ست وخمسمائة
في هذه السنة في المحرم سار مودود صاحب الموصل إلى الرها فنزل عليها ورعى عسكره زروعها ورحل عنها إلى سروج وفعل بها كذلك وأهمل الفرنج ولم يحترز منهم فلم يشعر إلا وجوسلين صاحب تل باشر قد كسبهم وكانت دواب العسكر منتشرة في المرعى فأخذ الفرنج كثيرا منها وقتلوا كثيرا من العسكر فلما تأهب المسلمون للقائه عاد عنهم إلى سروج
وفيها رحل السلطان محمد بن بغداد وكان مقامه هذه المرة خمسة أشهر
فلما وصل إلى أصبهان قبض على زين الملك أبي سعد القمي وسلمه إلى الأمير كاميار لعداوة بينهما فلما وصل إلى الري أركبه كاميار على دابة بمركب ذهب وأظهر أن السلطان خلع عليه على مال قرره عليه فحصل بذلك مالا كثيرا من أهل القمي ثم صلبه وكان سبب قبضه أنه كان يكثر الطعن على الخليفة والسلطان
وفيها كان ببغداد رجل مغربي يعمل الكيمياء بزعمه اسمه أبو علي فحمل إلى دار الخلافة وكان آخر العهد به
وفيها ورد إلى بغداد يوسف بن أيوب الهمذاني الواعظ وكان من الزهاد العابدين فوعظ الناس بها فقام إليه رجل متفقه يقال له ابن السقاء فآذاه في مسألة وعاوده فقال له اجلس فإني أجد من كلامك رائحة الكفر ولعلك تموت على غير دين الإسلام فاتفق بعد مديدة أن ابن السقاء خرج إلى بلاد الروم وتنصر
وفيها في ذي القعدة سمع ببغداد صوت هدة عظيمة ولم يكن بالسماء غيم حتى يظن أنه صوت رعد ولم يعلم أحد أي صوت كان
وفيها توفي بسيل الآمني صاحب الدروب ببلاد ابن لاون فسار طنكري صاحب أنكاطية أول جمادى الآخرة إلى بلاده طمعا في أن يملكها فمرض في طريقه فعاد إلى أنطاكية فمات ثامن جمادى الآخرة وملكها بعده ابن أخته سرخالة واستقام الأمر فيها بعد أن جرى بين الفرنج خلف بسببه فأصلح بينهم القسوس والرهبان 148
وفيها توفي قراجة صاحب حمص وكان ظالما وقام ولده مكانه وكان مثله في قبح السيرة
وفي هذه السنة توفي المعمر بن علي أبو سعد بن أبي عمامة الواعظ البغدادي ومولده سنة تسع وعشرين وأربعمائة وكان له خاطر حاد ومجون حسن وكان الغالب على وعظه أخبار الصالحين
وتوفي أحمد بن الفرج بن عمر الدينوري والد شهدة وكان يروي عن أبي يعلى بن الفراء وابن المأمون وابن المهتدي وابن النقور وغيرهم وكان حسن السيرة متزهدا
وتوفي أبو العلاء صاعد بن منصور بن إسماعيل بن صاعد الخطيب النيسابوري وكان من أعيان الفقهاء وولي قضاء خوارزم وكان يروي الحديث 149
ثم دخلت سنة سبع وخمسمائة
ذكر قتال الفرنج وانهزامهم وقتل مودود
في هذه السنة في المحرم اجتمع المسلمون وفيهم الأمير مودود بن التونتكين صاحب الموصل وتميرك صاحب سنجار والأمير أياز بن أيلغازي وطغتكين صاحب دمشق
وكان سبب اجتماع المسلمين أن ملك الفرنج بغدوين تابع الغارات على بلد دمشق ونهبه وخربه أواخر سنة ست وخمسمائة وانقطعت المواد عن دمشق فغلت الأسعار فيها وقلت الأقوات فأرسل طغتكين صاحبها إلى الأمير مودود يشرح له الحال ويستنجده ويحثه على الوصول إليه فجمع عسكرا وسار فعبر الفرات آخر ذي القعدة سنة ست وخمسمائة فخافه الفرنج وسمع طغتكين خبره فسار إليه ولقيه بسلمية واتفق رأيهم على قصد بغدوين ملك القدس فساروا إلى الأردن فنزل المسلمون عند الأقحوانة ونزل الفرنج مع ملكهم بغدوين وجوسلين صاحب جيشهم وغيرهما من المقدمين والفرسان المشهورين ودخلوا بلاد الفرنج مع مودود وجمع الفرنج فالتقوا عند طبرية ثالث عشر المحرم واشتد القتال وصبر الفريقان ثم إن الفرنج انهزموا وكثر القتل فيهم والأسر
وممن أسر ملكهم بغدوين فلم يعرف فأخذ سلاحه وأطلق فنجا وغرق منهم في بحيرة طبرية ونهر الأردن كثير وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم ووصل الفرنج إلى مضيق دون طبرية فلقيهم عسكر طرابلس وأنطاكية فقويت نفوسهم بهم وعاودوا الحرب فأحاط بهم المسلمون من كل ناحية وصعد الفرنج إلى جبل غرب طبرية فأقاموا به ستة وعشرين يوما والمسلمون بإزائهم يرمونهم بالنشاب فيصيبون من يقرب منهم ومنعوا الميرة عنهم لعلهم يخرجون إلى قتالهم فلم يخرج منهم أحد فسار المسلمون إلى بيسان ونهبوا بلاد الفرنج بين عكا إلى القدس وخربوها وقتلوا من ظفروا به من النصارى وانقطعت المادة عنهم لبعدهم عن بلادهم فعادوا ونزل بمرج 150 الصفر الأمير مودود وأذن للعساكر في العود والاستراحة ثم الاجتماع في الربيع لمعاودة الغزاة وبقي في خواصه ودخل دمشق في الحادي والعشرين من ربيع الأول ليقيم عند طغتكين إلى الربيع فدخل الجامع يوم الجمعة في ربيع الأول ليصلي فيه وطغتكين فلما فرغوا من الصلاة وخرج إلى صحن الجامع ويده في يد طغتكين وثب عليه باطني فضربه فجرحه أربع جراحات وقتل الباطني وأخذ رأسه فلم يعرف أحد فأحرق
وكا صائما فحمل إلى دار طغتكين واجتهد به ليفطر فلم يفعل وقال لا لقيت الله إلا صائما فمات من يومه رحمه الله فقيل إن الباطنية بالشام خافوه وقتلوه وقيل بل خافه طغتكين فوضع عليه من قتله وكان خيرا عادلا كثير الخير
حدثني والدي قال كتب ملك الفرنج إلى طغتكين بعد قتل مودود كتابا من فضوله إن أمة قتلت عميدها يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها
ولما قتل تسلم تميرك صاحب سنجار ما معه من الخزائن وحملها إلى السلطان ودفن مودود بدمشق في تربة دقاق صاحبها وحمل بعد ذلك إلى بغداد فدفن في جوار أبي حنيفة ثم حمل إلى أصبهان
ذكر الخلف بين السلطان سنجر ومحمد خان والصلح بينهما
في هذه السنة كثر الحديث عند سنجر أن محمد خان بن سليمان بن داود قد مد يده إلى أموال الرعايا وظلمهم ظلما كثيرا وأنه خرب البلاد بظلمه وشره وأنه قد صار استخف بأوامر سنجر ولا يلتفت إلى شيء منها فتجهز سنجر وجمع عساكره وسار يريد قصده بما وراء النهر فخاف محمد خان فأرسل إلى الأمير قماج وهو أكبر أمير مع سنجر يسأله أن يصلح الحال بينه وبين سنجر وأرسل أيضا إلى خوارزمشاه بمثل ذلك وألهما في إرضاء السلطان عنه واعترف بأنه أخطأ فأجاب سنجر إلى صلحه على شرط أن يحضر عنده ويطأ بساطه فأرسل محمد خان يذكر خوفه لسوء صنيعه ولكنه يحضر الخدمة ويخدم السلطان وبينهما نهر جيحون ثم يعاود بعد ذلك الحضور عنده والدخول إليه فحسنوا الإجابة إلى ذلك والاشتغال بغيره فامتنع ثم أجاب وكان سنجر على شاطىء جيحون من الجانب الغربي وجاء محمد خان إلى الجانب الشرقي فترجل وقبل الأرض وسنجر راكب وعاد كل واحد منهما إلى خيامه ورجعوا إلى بلادهم وسكنت الفتنة بينهما 151
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة سار قفل عظيم من دمشق إلى مصر فأتى الخبر إلى بغدوين ملك الفرنج فسار إليه وعارضه في البر فأخذهم أجمعين ولم ينج منهم إلا القليل ومن سلم أخذه العرب
وفي هذه السنة توفي الوزير أبو القاسم علي بن محمد بن جهير وزير الخليفة المستظهر بالله ووزر بعده الربيب أبو منصور ابن الوزير أبي شجاع محمد بن الحسين وزير السلطان
وتوفي فيها الملك رضوان بن تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان صاحب حلب وقام بعده بحلب ابنه ألب أرسلان الأخرس وعمره ست عشرة سنة وكانت أمور رضوان غير محمودة قتل أخويه أبا طالب وبهرام وكان يستعين بالباطنية في كثير من أموره لقلة دينة
ولما ملك الأخرس استولى على الأمور لؤلؤ الخادم ولم يكن للأخرس معه إلا اسم السلطنة ومعناه للؤلؤ ولم يكن ألب أرسلان أخرس وإنما في لسانه حبسة وتمتمة وأمه بنت باغيسيان الذي كان صاحب أنطاكية
وقتل الأخرس أخوين له أحدهما اسمه ملكشاه وهو من أبيه وأمه واسم الآخر مباركشاه وهو من أبيه وكان أبوه فعل مثله فلما توفي قتل ولداه مكافأة لما اعتمده مع أخويه وكان الباطنية قد كثروا بحلب في أيامه حتى خافهم ابن بديع رئيسها وأعيان أهلها فلما توفي قال ابن بديع لألب أرسلان في قتلهم والإيقاع بهم فأمره بذلك فقبض على مقدمهم أبي طاهر الصائغ وعلى جميع أصحابه فقتل أبا طاهر وجماعة من أعيانهم وأخذ أموال الباقين وأطلقهم فمنهم من قصد الفرنج وتفرقوا في البلاد
وفي هذه السنة توفي ببغداد أبو بكر أحمد بن علي بن بدران الحلواني الزاهد منتصف جمادى الأولى روى الحديث عن القاضي أبي الطيب الطبري وأبي محمد الجوهري وأبي طالب العشاري وغيرهم وروى عنه خلق كثير ومن آخرهم أبو الفضل عبد الله بن الطوسي خطيب الموصل وإسماعيل بن أحمد بن الحسين بن علي أبو علي بن أبي بكر البيهقي الإمام ابن الإمام ومولده سنة ثمان وعشرين وأربعمائة وتوفي بمدينة بيهق ولوالده تصانيف كثيرة مشهورة وشجاع بن أبي شجاع فارس بن الحسين بن فارس أبو غالب الذهلي الحافظ ومولده سنة ثلاثين وأربعمائة وروى عن أبيه وأبي 152 القاسم وابن المهتدي والجوهري وغيرهم والأديب أبو المظفر محمد بن أحمد بن محمد الأبيوردي الشاعر المشهور وله ديوان حسن ومن شعره
( تنكر لي دهري ولم يدر أنني
أعز وأحداث الزمان تهون )
( وظل يريني الخطب كيف اعتداؤه
وبت أريه الصبر كيف يكون )
وله أيضا
( ركبت طرفي فأدرى دمعه أسفا
عند انصرافي منهم مضمر الياس )
( وقال حتام تؤذيني فإن سنت
حوائج لك فاركبي إلى الناس )
وكانت وفاته بأصبهان وهو من ولد عنبسة بن أبي سفيان بن حرب الأموي
وتوفي أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين بن عمر الشاشي الإمام الفقيه الشافعي في شوال ومولده سنة سبع وعشرين وأربعمائة سمع أبا بكر الخطيب وأبا يعلى بن الفراء وغيرهم وتفقه على أبي عبد الله محمد بن الكازوني بديار بكر وعلى أبي إسحاق الشيرازي ببغداد وعلى أبي نصر بن الصباغ وفيها توفي أبو نصر المؤتمن بن أحمد بن الحسن الساجي الحافظ المقدسي ومولده سنة خمس وأربعين وأربعمائة وكان مكثرا من الحديث وتفقه على أبي إسحاق وكان ثقة 153
ثم دخلت سنة ثمان وخمسمائة
ذكر مسير آقسنقر البرسقي إلى الشام لحرب الفرنج
في هذه السنة سير السلطان محمد الأمير آقسنقر البرسقي إلى الموصل وأعمالها واليا عليها لما بلغه قتل مودود وسير معه ولده الملك مسعودا في جيش كثيف وأمره بقتال الفرنج وكتب إلى سائر الأمراء بطاعته فوصل إلى الموصل واتصلت به عساكرها وفيهم عماد الدين زنكي بن آقسنقر الذي ملك هو وأولاده الموصل بعد ذلك وكان له الشجاعة في الغاية واتصل به أيضا تميرك صاحب سنجار وغيرهما فسار البرسقي إلى جزيرة ابن عمر فسلمها إيه نائب مودود بها وسار معه إلى ماردين فنازلها البرسقي حتى أذعن له أيلغازي صاحبها وسير معه عسكرا مع ولده أياز فسار عنه البرسقي إلى الرها في خمسة عشر ألف فارس فنازلها في ذي الحجة وقاتلها وصبر له الفرنج وأصابوا من بعض المسلمين غزة فأخذوا منهم تسعة رجال وصلبوهم على سورها فاشتد القتال حينئذ وحمى المسلمون وقاتلوا فقتلوا من الفرنج خمسين فارسا من أعيانهم وأقام عليها شهرين وأياما وضاقت الميرة على المسلمين فرحلوا من الرها إلى سميساط بعد أن خربوا بلد الرها وبلد سروج وبلد سميساط وأطاعه صاحب مرعش على ما نذكره ثم عاد إلى شحنان فقبض على أياز بن أيلغازي حيث لم يحضر أبوه ونهب سواد ماردين
ذكر طاعة صاحب مرعش وغيرها البرسقي
في هذه السنة توفي بعض كنود الفرنج ويعرف بكواسيل وهو صاحب مرعش وكيسوم ورعبان وغيرها فاستولت زوجته على المملكة وتحصنت من الفرنج وأحسنت إلى الأجناد وراسلت آقسنقر وهو على الرها واستدعت منه بعض أصحابه لتطيعه فسير إليها الأمير سنقر دزدار صاحب الخابور فلما وصل إليها أكرمته وحملت إليه مالا كثيرا وبينما هو عندها إذ جاء جمع من الفرنج فواقعوا أصحابه وهم نحو مائة 154 فارس واقتتلوا قتالا شديدا ظفر فيه المسلمون بالفرنج وقتلوا منهم أكثرهم وعاد سنقر دزدار وقد أصحبته الهدايا للملك مسعود والبرسقي وأذعنت بالطاعة ولما عرف الفرنج ذلك عاد كثير ممن عندها إلى أنطاكية
ذكر الحرب بين البرسقي وأيلغازي وأسر أيلغازي
لما قبض البرسقي على أياز بن أيلغازي سار إلى حصن كيفا وصاحبها الأمير ركن الدولة داود ابن أخيه سقمان فاستنجده فسار معه ي عسكره وأحضر خلقا كثيرا من التركمان وسار إلى البرسقي فلقيه أواخر السنة واقتتلوا قتالا شديدا صبروا فيه فانهزم البرسقي وعسكره وخلص أياز بن أيلغازي من الأسر فأرسل السلطان إليه يتهدده فخافه وسار إلى الشام إلى حميه طغتكين صاحب دمشق فأقام عنده أياما وكان طغتكين أيضا قد استوحش من السلطان لأنه نسب إليه قتل مودود فاتفقا على الامتناع والالتجاء إلى الفرنج والاحتماء بهم فراسلا صاحب أنطاكية وحالفاه فحضر عندهما على بحيرة قدس عند حمص وجددوا العهود وعاد إلى أنطاكية وعاد طغتكين إلى دمشق وسار أيلغازي إلأى الرستن على عزم قصد ديار بكر وجمع التركمان والعود فنزل بالرستن ليستريح فقصده الأمير قيرخان بن قراجة صاحب حمص وقد تفرق عن أيلغازي أصحابه فظفر به فرجان وأسره ومعه جماعة من خواصه وأرسل إلى السلطان يعرفه ذلك ويسأله تعجيل إنفاذ العساكر لئلا يغلبه طغتكين على أيلغازي
ولما بلغ طغتكين الخبر عاد إلى حمص وأرسل في إطلاقه فامتنع قرجان وحلف إن لم يعد طغتكين لنقتلن أيلغازي فأرسل أيلغازي إلأى طعتكين أن الملاججة تؤذيني وتسفك دمي والمصلحة عودك إلى دمشق فعاد وانتظر قرجان وصول العساكر السلطانية فتأخرت عنه فخاف أن ينخدع أصحابه لطغتكين ويسلموا إليه حمص فعدل إلى الصلح مع أيلغازي على أن يطلقه ويأخذ ابنه أياز رهينة ويصاهره ويمنعه من طغتكين وغيره فأجابه إلى ذلك فأطلقه وتحالفا وسلم إيله ابنه أياز وسار عن حمص إلى حلب وجمع التركمان وعاد إلى حمص وطالب بولده أياز وحصر قرجان إلى أن وصلت العساكر السلطانية فعاد أيلغازي على ما نذكره
ذكر وفاة علاء الدولة بن سبكتكين وملك ابنه وما كان منه مع السلطان سنجر
في هذه السنة في شوال توفي الملك علاء الدولة أبو سعد مسعود بن أبي المظفر 155 إبراهيم بن أبي سعد مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزة بها وملك بعده ابنه أرسلانشاه وأمه سلجوقة وهي أخت السلطان ألب أرسلان بن داود
فقبض على إخوته وسجنهم وهرب أخ له اسمه بهرام إلى خراسان فوصل إلى السلطان سنجر بن ملكشاه فأرسل إلى أرسلانشاه في معناه فلم يسمع منه ولا أصغى إلى قوله فتجهز سنجر للمسير إلى غزنة وإقامة بهرامشاه في الملك فأرسل أرسلانشاه إلى السلطان وترك التعرض له وقال للرسول إن رأيت أخي وقد قصدهم وسار نحوهم أو قارب أن يسير فلا تمنعه ولا تبلغه الرسالة فإن ذلك يفت في عضده ويوهنه ولا يعود ولأن يملك أخي الدنيا أحب إلي
فوصل الرسول إلى سنجر وقد جهز العساكر إلى غزنة وجعل على مقدمته الأمير أنز مقدم عسكره ومعه الملك بهرامشاه فساروا حتى بلغوا بست واتصل بهم فيها أبو الفضل نصر بن خلف صاحب سجستان وسمع أرسلانشاه الخبر فسير جيشا كثيفا فهزماه ونهباه وعاد من سلم إلى غزنة على أسوأ حال فخضع حينئذ أرسلانشاه وأرسل إلى الأمير أنز يضمن له الأموال الكثيرة ليعود عنه ويحسن للملك سنجر العود عنه فلم يفعل وتجهز السلطان سنجر بعد أنر للمسير بنفسه فأرسل إليه أرسلانشاه امرأة عمه نصر تسأله الصفح عن قصده وهي أخت الملك سنجر من السلطان بركيارق
وكان علاء الدولة أبو سعد قد قتل زوجها ومنعها من الخروج عن غزنة وتزوجها فسيرها الآن أرسلانشاه فلما وصلت إلى أخيه أوصلت ما معها من الأموال والهدايا وكان معها مائتا ألف دينار غير ذلك وطلب من سنجر أن يسلم أخاه بهرام إليه
وكانت موغرة الصدر من أرسلانشاه فهونت أمره عل سنجر وأطعمته في البلاد وسهلت الأمر عليه وذكرت له ما فعل بإخوته وكان قتل بعضا وكحل بعضا من غير خروج منهم عن الطاعة فسار الملك فلما وصل إلى بست أرسل خادما من خواصه إلى أرسلانشاه في رسالة فقبض عليه في بعض القلاع فسار حينئذ سنجر مجدا فلما سمع بقربه من أطلق الرسول ووصل سنجر إلى غزنة ووقع بينهما المصاف على فرسخ من غزنة بصحراء شهرأباذ وكان أرسلانشاه في ثلاثين ألف فارس وخلق كثير من الرجالة ومعه مائة وعشرون فيلا على كل فيل أربعة نفر فحملت الفيلة على القلب وفيه سنجر 156 فكان من فيه ينهزمون فقال سنجر لغلمانه الأتراك لترموها بالنشاب فتقد ثلاثة آلاف غلام فرموا الفيلة رشقا واحدا جميعا فقتلوا منها عدة فعدلت الفيلة عن القلب إلى الميسرة وبها أبو الفضل صاحب سجستان وجالت عليهم فضعف من في الميسرة فشجعهم أبو الفضل وخوفهم من الهزيمة مع بعد ديارهم وترجل عن فرسه بنفسه وقصد كبير الفيلة ومتقدمها ودخل تحتها فشق بطنها وقتل فيلين آخرين
ورأى الأمير أنر وهو في الميمنة ما في المسيرة من الحرب فخاف عليها فحمل من وراء عسكر غزنة وقصد الميسرة واختلط بهم وأعانهم فكانت الهزيمة على الغزنوية وكان ركاب الفيلة قد شدوا أنفسهم عليها بالسلاسل فلما عضهم الحرب وعمل فيهم السيف ألقوا أنفسهم فبقوا معلقين عليها ودخل السلطان سنجر غزنة في العشرين من شوال سنة عشر وخمسمائة ومعه بهرامشاه
فأما القلعة الكبيرة المشتملة على الأموال وبينها وبين البلد تسعة فراسخ وهي عظيمة لا مطمع فيها ولا طريق عليها
وكان أرسلانشاه قد سجن فيها أخاه طاهرا الخازن وهو صاحب بهرامشاه واعتقل بها أيضا زوجة بهرامشاه فلما انهزم أرسلانشاه استمال أخوه طاهر المستحفظ بها فبذل له وللأجناد الزيادات فسلموا القلعة إلى الملك سنجر
وأما قلعة البلد فإن أرسلانشاه كان قد اعتقل بها رسول سنجر فلما أطلقه بقي غلمانه بها فسلموا القلعة أيضا بغير قتال
وكان قد تقرر بين بهرامشاه وبين سنجر أن يجلس بهرام على سرير جده محمود بن سبكتكين وحده وأن تكون الخطبة بغزنة للخليفة وللسلطان محمد وللملك سنجر وبعدهم لبهرامشاه فلما دخلوا غزنة كان سنجر راكبا وبهرامشاه بين يديه راجلا حتى جاء السرير فتصعد بهرامشاه فجلس عليه ورجع سنجر وكان يخطب له بالملك ولبهرامشاه بالسلطان على عادة آبائه فكان هذا من أعجب ما يسمع به وحصل لأصحاب سنجر من الأموال ما لا يحد ولا يحصى من السلطان والرعايا
وكان في دور لملوكها عدة دور على حيطانها ألواح الفضة وسواقي المياه إلى البساتين من الفضة أيضا فقلع من ذلك أكثره ونهب
فلما سمع سنجر ما يفعل منع عنه بجهده وصلب جماعة حتى كف الناس وفي جملة ما حصل للملك سنجر خمسة تيجان قيمة أحدها يزيد على ألفي ألف دينار وألف وثلاثمائة قطعة مصاغ مرصعة وسبعة عشر سريرا من الذهب والفضة
وأقام بغزنة أربعين يوما حتى استقر بهرامشاه وعاد نحو خراسان 157
ولم يخطب بغزنة لسلجوقي قبل هذا الوقت حتى إن السلطان ملكشاه مع تمكنه وكثرة ملكه لم يطمع فيه وكان كلما رام ذلك منع منه نظام الملك وأما أرسلانشاه فإنه لما انهزم قصد هندوستان واجتمع عليه أصحابه فقويت شوكته فلما عاد سنجر إلى خراسان توجه إلى غزنة فلما عرف بهرامشاه قصده أياه وتوجه إلى باميان وأرسل إلى الملك سنجر يعلمه الحال فأرسل إليه عسكرا
وأقام أرسلانشاه بغزنة شهرا واحدا وسار يطلب أخاه بهرامشاه فبلغه وصول عسكر سنجر فانهزم بغير قتال للخوف الذي قد باشر قلوب أصحابه ولحق أوغنان فسار أخوه بهرامشاه
وعسكر سنجر في أثره وأخربوا البلاد التي هو فيها وأرسلوا إلى أهلها يتهددونهم فسلموه بعد المضايقة فأخذه متقدم جيش الملك سنجر وأراد حمله إلى صاحبه فخاف بهرامشاه من ذلك فبذل له مالا فسلمه إليه فخنقه ودفنه بتربة أبيه بغزنة وكان عمره سبعا وعشرون سنة وكان أحسن إخوته صورة
وكان قتله في جمادى الآخرة سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وإنما ذكرناه ههنا لتتصل الحادثة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في جمادى الآخرة كانت زلزلة شديدة بديار الجزيرة والشام وغيرهما فخربت كثيرا من الرها وحران وسميساط ويالس وغيرها وهلك خلق كثير تحت الهدم
وفيها قتل تاج الدولة ألب أرسلان بن رضوان صاحب حلب قتله غلمانه بقلعة حلب وأقاموا بعده أخاه سلطانشاه بن رضوان وكان المستولي عليه لؤلؤا الخادم
وفيها توفي الشريف النسيب أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس الحسيني في ربيع الآخر بدمشق 158
ثم دخلت سنة تسع وخمسمائة
ذكر انهزام عسكر السلطان من الفرنج
قد ذكرنا ما كان من عصيان أيلغازي وطغتكين على السلطان وقوة الفرنج فلما اتصل بالسلطان محمد جهز عسكرا كثيرا وجعل مقدمهم الأمير برسق بن برسق صاحب همذان ومعه الأمير جيوش بك والأمير كنتغدي وعساكر الموصل والجزيرة وأمرهم بالبداءة بقتل أيلغازي فإذا فرغوا منهما قصدوا بلاد الفرنج وقاتلوهم وحصروا بلادهم فساروا في رمضان من سنة ثمان وخمسمائة وكان عسكرا كثير العدة وعبروا الفرات آخر السنة عند الرقة فلما قاربوا حلب راسلوا المتولي لأمرها لؤلؤا الخادم ومقدم عسكرها المعروف بشمس الخواص يأمرونها بتسليم حلب وعرضوا عليهما كتب السلطان بذلك فغالطا في الجواب وأرسلا إلى أيلغازي وطغتكين يستنجد أنهما قسارا إليهم في ألفي فارس ودخلا حلب فامتنع من بها حينئذ عن عسكر السلطان وأظهروا العصيان فسار الأمير برسق بن برسق إلى مدينة حماة وهي في طاعة طغتكين وبها ثقله فحصرها وفتحها عنوة ونهبها ثلاثة أيام وسلمها إلى الأمير قرجان صاحب حمص وكان السلطان قد أمر أن يسلم إليه كل بلد يفتحونه فلما رأى الأمراء بذلك فشلوا وضعفت نياتهم في القتال بحيث تؤخذ البلاد وتسلم إلى قرجان فلما سلموا حماة إلى قرجان سلم إليهم أياز بن أيلغازي وكان قد سار أيلغازي وطغتكين وشمس الخواص إلى أنطاكية واستجاروا بصاحبها روجيل وسألوه أن يساعدهم على حفظ مدينة حماة فلما بلغهم فتحها ووصل إليهم بأنطاكية بغدوين صاحب القدس وصاحب طرابلس وغيرهما من شياطين الفرنج اتفق رأيهم على ترك اللقاء لكثرة المسلمين وقالوا إنهم عند هجوم الشتاء يتفرقون واجتمعوا بقلعة أفامية وأقاموا نحو شهرين فلما انتصف أيلول ورأوا عزم المسلمين على المقام تفرقوا فعاد أيلغازي إلى ماردين 159 وطغتكين إلى دمشق والفرنج إلى بلادها وكانت أفامية وكفر طاب للفرنج فقصد المسلمون كفر طاب وحصروها فلما اشتد الحصر على الفرنج ورأوا الهلاك قتلوا أولادهم ونساءهم وأحرقوا أموالهم ودخل المسلمون البلد عنوة وقهروا وأسروا صاحبه وقتلوا من بقي فيه من الفرنج وساروا إلى قلعة أفامية فرأوها حصينة فعادوا عنها إلى المعرة وهي للفرنج أيضا وفارقهم الأمير جيوش بك إلى وادي بزاعة فملكه وصارت العساكر عن المعرة إلى حلب وتقدمهم ثقلهم ودوابهم على جاري العادة والعساكر في أثره متلاحقة وهم آمنون لا يظنون أحدا يقدم على القرب منهم
وكان روجيل صاحب أنطاكية لما بلغه حصر كفر طاب سار في خمسمائة فارس وألفي راجل للمنع فوصل إلى المكان الذي ضربت فيه خيام المسلمين على غير علم بها فرآها خالية من الرجال المقاتلة لأنهم لم يصلوا إليها فنهب جميع ما هناك وقتل كثيرا من السوقية وغلمان العسكر ووصلت العساكر متفرقة فكان الفرنج يقتلون كل من وصل إليهم ووصل الأمير برسق في نحو مائة فارس فرأى الحال فصعد تلا هناك ومعه أخوه زنكي وأحاط بهم السوقية والغلمان واحتموا بهم ومنعوا الأمير برسق من النزول فأشار عليه أخوه ومن معه بالنزول والنجاة بنفسه فقال لا أفعل بل أقتل في سبيل الله وأكون فداء المسلمين فغلبوه على رأيه فنجا هو ومن معه فتبعهم الفرنج نحو فرسخ ثم عادوا وتمموا الغنيمة والقتل وأحرقوا كثيرا من الناس وتفرق العسكر وأخذ كل واحد جهة ولما سمع الموكلون بالأسرى المأخوذين من كفر طاب ذلك قتلوهم وكذلك فعل الموكل بأباز بن أيلغازي قتله أيضا وخاف أهل حلب وغيرها من بلاد المسلمين التي بالشام فإنهم كانوا يرجون النصر من جهة هذا العسكر فأتاهم ما لم يكن في الحساب وعادت العساكر عنهم إلى بلادها
وأما برسق وأخوه زنكي فإنهما توفيا في سنة عشر وخمسمائة وكان برسق خيرا دينا وقد ندم على الهزيمة وهو يتجهز للعود إلى الغزاة فأتاه أجله 160
ذكر ملك الفرنج رفنية وأخذها منهم
في هذه السنة في جمادى الآخرة ملك الفرنج رفينة من أرض الشام وهي لطغتكين صاحب دمشق وقووها بالرجال والذخائر وبالغوا في تحصينها فاهتم طغتكين لذلك وقوى عزمه على قصد بلاد الفرنج بالنهب لها والتخريب فأتاه الخبر عن رفنية لخلوها عن عسكر يمنع عنها وليس هناك إلا الفنج الذي رتبوا لحفظها فسار إليها جريدة فلم يشعر من بها إلا وقد هجم عليهم البلد فدخله عنوة وقهرا وأخذ كل من فيه من الفرنج أسيرا فقتل البعض وترك البعض وغنم المسلمون من سوادهم وكرائمهم وذخائرهم ما امتلأت منه أيديهم وعادوا إلى بلادهم سالمين
ذكر وفاة يحيى بن تميم وولاية ابنه علي
في هذه السنة توفي يحيى بن تميم بن المعز بن باديس صاحب إفريقية يوم عيد الأضحى فجأة وكان منجم قد قال له في منستير مولده إن عليه قطعا في هذا اليوم فلا تركب فلم يركب وخرج أولاده وأهل دولته إلى المصلى فلما انقضت الصلاة حضروا عنده للسلام عليه وتهنئته وقرأ القراء وأنشد الشعراء وانصرفوا إلى الطعام فقام يحيى من باب آخر ليحضر معهم على الطعام فلم يمش غير ثلاث خطا وقع ميتا وكان ولده علي بمدينة سفاقس فأحضر وعقدت له الولاية ودفن بالقصر ثم نقل إلى التربة بالمنستير وكان عمره سنتين وخمسين سنة وخمسة عشر يوما وكانت ولايته ثمان سنين وخمسة أشهر وخمسة وعشرين يوما وخلف ثلاثين ولدا فقال عبد الجبار بن محمد بن حمديس الصقلي يرثيه ويهنىء ابنه عليا بالملك
( ما أغمد الغضب إلا جرد الذكر
ولا اختفى قمر حتى بدا قمر )
( بموت يحيى أميت الناس كلهم
حتى إذا ما جاءهم نشروا )
( أن يبعثوا بسرور من تملكه
فمن منية يحيى بالأسى قبروا )
( أوفى علي فسن الملك ضاحكة
وعينيها من أبيه دمعها همر )
( شقت جيوب المعالي بالأسى فبكت
في كل أفق عليه الأنجم الزهر )
( وقل لابن تميم حزن ما دهما
فكل حزن عظيم فيه محتقر ) 161
( قام الدليل ويحيى لا حياة له
إن المنية لا تبقي ولا تذر )
وكان يحيى عادلا في رعيته ضابطا لأمور دولته مدبرا لجميع أحواله رحيما بالضعفاء والفقراء يكثر الصدقة عليهم ويقرب أهل العلم والفضل وكان عالما بالأخبار وأيام الناس والطب وكان حسن الوجه أشهر العين إلى الطول ما هو ولما استقر علي في الملك جهز أسطولا إلى جزيرة جربة وسببه أن أهلها كانوا يقطعون الطريق ويأخذون التجار فحصرها وضيق على من فيها فدخلا تحت طاعته والتزموا ترك الفساد وضمنوا إصلاح الطريق وكف عنهم ذلك وصلح أمر البحر وأمن المسافرون
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في رجب قدم السلطان محمد بغداد ووصل إليه أتابك طغتكين صاحب دمشق في ذي القعدة وسأل الرضا عنه فرضي عنه السلطان وخلع عليه ورده إلى دمشق
وفيها أمر الإمام المستظهر بالله ببيع البدرية وهي منسوبة إلى بدر غلام المعتضد بالله وكانت من أحسن دور الخلفاء وكان ينزلها الراضي بالله ثم تهدمت وصارت تلا
فأمر القادر بالله أن يسور لأنها مع الدار الأمامية ففعل ذلك فلما كان الآن أمر ببيعها وعمرها الناس
وفيها في شعبان وقعت القتنة بين العامة وسببها أن الناس لما عادوا من زيارة مصعب اختصموا على من يدخل أولا فاقتتلوا وقتل بينهم جماعة وعادت الفتن بين أهل المحال كما كانت ثم سكنت
وفيها أقطع السلطان محمد الموصل وما كان بيد آقسنقر البرسقي للأمير جيوش بك وير ولده الملك مسعود وأقام البرسقي بالرحبة وهي أقطاعه إلى أن توفي السلطان محمد وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
وفيها توفي إسماعيل بن محمد بن ملة الأصبهاني أبو عثمان بن أبي سعيد الواعظ سمع الكثير وحدث ببغداد وغيرها وعبد الله بن المبارك بن موسى السفطي أبو البركات له رحلة وله تصانيف وكان أديبا 162
ثم دخلت سنة عشر وخمسمائة
ذكر قتل أحمديل بن وهسوذان
في هذه السنة أول محرم حضر أتابك طغتكين صاحب دمشق دار السلطان محمد ببغداد وحضر جماعة من الأمراء ومعهم أحمديل بن إبراهيم بن وهسوذان الروادي الكردي صاحب مراغة وغيرها من أذربيجان طغتكين فأتاه رجل منظلم وبيده رقعة وهو يبكي ويسأله أن يوصلها إلى السلطان فأخذها من يده فضربه الرجل بسكين فجذبه أحمديل وتركه تحته فوثب رفيق للباطني وضرب أحمديل سكينا فأخذتهما السيوف وأقبل رفيق لهما وضرب أحمديل ضربة أخرى فعجب الناس من إقدامه بعد قتل صاحبيه وظن طغتكين والحاضرون أن طغتكين كان المقصود بالقتل وأنه أمر السلطان فلما علموا أنهم باطنية زال هذا الوهم
ذكر وفاة جاولي سقاوو وحال بلاد فارس معه
في هذه السنة توفي جاولي سقاوو
وكان السلطان ببغداد عازما على المقام بها فاضطر إلى المسير إلى أصبهان ليكون قريبا من فارس لئلا تختلف عليه
وقد ذكرنا حال جاولي بالموصل إلى أن ملكت منه وأخذها السلطان فلما قصد السلطان ورضي عنه أقطعه بلاد فارس فسار جاولي إليها ومعه ولد السلطان جغري وهو طفل له من العمر سنتان وأمره بإصلاحها وقمع المفسدين بها فسار إليها
فأول ما اعتمده فيها أنه لما توسط بلاد الأمير بلدجي وهو من كبار مماليك السلطان ملكشاه ومن جملة بلاده كليل وسرماه وكان متمكنا بتلك البلاد راسله جاولي ليحضر خدمة جغري ولد السلطان وعلم جغري أن يقول بالفارسي خذوه فلما دخل بلدجي قال جغري على عادته خذوه وقتل ونهبت أمواله
وكان لبلدجي من جملة حصونه قلعة اصطخر وهي من أمنع القلاع وأحصنها وكان بها أهله وذخائره وقد استناب في حفظها وزيرا له 163 يعرف بالجهرمي فعصى عليه وأخرج إليه أهله وبعض المال ولم تزل في يد الجهومي حتى وصل جاولي إلى فارس فأخذها منه وجعل فيها أمواله
كان بفارس جماعة من أمراء الشوانكارة وهم خلق كثير لا يحصون ومقدمهم الحسن بن المبارز المعروف بخسروا وله فسا وغيرها فراسله جاولي ليحضر خدمة جغري فأجاب إنني عبد السلطان وفي طاعته فأما الحضور فلا سبيل غليه لأنني قد عرفت عادتك مع بلدجي وغيره ولكنني أحمل إلى السلطان ما يؤثره
فلما سمع جاولي جوابه علم أنه لا مقام له بفارس معه فأظهر العود إلى السلطان وحمل أثقاله على الدواب وسار كأنه يطلب السلطان ورجع الرسول إلى خسروا فأخبره فاغتر وقعد للشرب وأمن وأما جاولي فإنه عاد من الطريق إلى خسرو جريدة في نفر يسير فوصل إليه وهو مخمور نائم فكسبه فأنبهه أخوه فضلوه فلم يستيقظ فصب عليه الماء البارد فأفاق وركب من وقته وانهزم وتفرق أصحابه
ونهب جاولي ثقله وأمواله وأكثر القتل في أصحابه ونجا خسروا إلى حصنه وهو يبن جبلين يقال لأحدهما أنج وسار جاولي إلى مدينة فسا فتسلمها ونهب كثيرا من بلاد فارس منهم جهرم وسار إلى خسرو وحصره مدة وضيق عليه فرأى من امتناع حصنه وقوته وكثرة ذخائره ما علم أن المدة تطول عليه فصالحه ليشتغل بباقي بلاد فارس ورحل عنه إلى شيراز فأقام بها ثم توجه إلى كازرون فملكها وحصر أبا سعد محمد بن مما في قلعته وأقام عليها سنتين صيفا وشتاء فراسله جاولي في الصلح فقتل الرسول فأرسل إليه قوما من الصوفية فأطعمهم الهريسة والقطائف ثم أمر بهم فخيطت أدبارهم وألقوا في الشمس فهلكوا
ثم تقدما عند أبي سعد فطلب الأمان فأمنه وتسلم الحصر
ثم إن جاولي أساء معاملته فهرب فقبض على أولاده وبث الرجال في أثره فرأى بعضهم زنجيا يحمل شيئا فقال ما معك فقال بزادي ففتشه فرأى دجاجا وحلواء السكر فقال ما هذا من طعامك فضربه فأقر على أبي سعد وأنه يحمل ذلك إليه فقصدوه وهو في شعب جبل فأخذه الجندي وحمله إلى جاولي فقتله
وسار إلأى دار ابجرد وصاحبها اسمه إبراهيم فهرب صاحبها منه إلى كرمان خوفا منه وكان بينه وبين صاحب كرمان صهر وهو أرسلانشاه بن كرمانشاه بن أرسلان بك بن قاورت فقال له لو تعاضدنا لم يقدر علينا جاولي وطلب منه النجدة وسار جاولي بعد هربه منه إلى حصار رتيل رننه يعني مضيف رننه وهوموضع لم يؤخذ 164 قهرا قط لأنه واد نحو فرسخين وفي صدره قلعة منيعة على جبل عال وأهل دار أبجرد يتحصنون به إذا خافوا فأقاموا به وحفظوا أعلاه فلما رأى جاولي حصانته سار يطلب البرية نحو كرمان كأنما أمره ثم رجع من طريق كرمان إلى دار أبجرد مظهرا أنه من عسكر الملك أرسلانشاه صاحب كرمان فلم يشك أهل الحصن أنهم مدد لهم مع صاحبهم فأظهروا السرور وأذنوا له في دخول المضيق فلما دخله وضع السيف فيمن هناك فلم ينج غير القليل ونهب أموال أهل دار ابجرد وعاد إلى مكانه وراسل خسروا يعلمه أنه عازم على التوجه إلى كرمان ويدعوه إليه فلم يجد بدا من موافقته فنزل إليه طائعا وسار معه إلى كرمان وأرسل إلى صاحبها القاضي أبا طاهر عبد الله بن طاهر قاضي شيراز يأمره بإعادة الشوانكارة لأنهم رعية السلطان ويقول إنه متى أعادهم عاد عن قصد بلاده وإلا قصده فأعاد صاحب كرمان جواب الرسالة يتضمن الشفاعة فيهم حيث استجاروا به ولما وصل الرسول إلى جاولي أحسن إليه وأجزل له العطاء وأفسده على صاحبه وجعله عينا له عليه وقرر معه إعادة عسكر كرمان ليدخل البلاد وهم غارون فلما عاد الرسول وبلغ السيرجان وبها عساكر صاحب كرمان ووزيره مقدم الجيش أعلم الوزير ما عليه جاولي من المقاربة وأنه لا يفارق ما كرهوه وأكثر من هذا النوع وقال لكنه مستوحش من اجتماع العساكر بالسيرجان وأن أعداء جاولي طمعوا فيه بهذا العسكر والرأي أن تعاد العساكر إلى بلادها فعاد الوزير والعساكر وخلت السيرجان وسار جاولي في أثر الرسول فنزل بفرج وهي الحد بين فارس وكرمان فحاصرها فلما بلغ ذلك ملك كرمان أحضر الرسول وأنكر عليه إعادة العسكر فاعتذر إليه وكان مع الرسول فراش لجاولي ليعود إليه بالأخبار فارتاب به الوزير فعاقبه فأقر على الرسول فصلب ونهبت أمواله وصلب الفراش وندب العساكر إلى المسير إلى جاولي فساروا في ستة آلاف فارس وكانت الولاية التي هي الحد بين فارس وكرمان بيد إنسان يسمى موسى وكان ذا رأي ومكر فاجتمع بالعسكر وأشار عليهم بترك الجادة المسلوكة
وقال إن جاولي محتاط بها وسلك بهم طريقا غير مسلوكة بين جبال ومضايق وكان جاولي يحاصر فرج وقد ضيق على من بها وهو مدمن الشرب فسير أميرا في طائفة من عسكره ليلقى العسكر المنفذ من كرمان فسار الأمير فلم ير أحدا فظن أنهم قد عادوا فرجع إلى جاولي وقال إن العسكر كان قليلا فعاد خوفا منا فاطمأن حينئذ جاولي وأدمن شرب الخمر ووصل عسكر كرمان إليه وهو سكران نائم فأيقظه بعض أصحابه وأخبره فقطع لسانه فأتاه غيره 165 وأيقظه وعرفه الحال فاستيقظ وركب وانهزم وقد تفرق عسكره منهزمين فقتل منهم وأسر كثير وأدركه خسرو وابن أبي سعد الذي قتل جاولي أباه فسارا معه في أصحابهما فالتفت فلم ير معه أحدا من أصحابه الأتراك فخاف على نفسه منهم فقالا له إنا لا نغدر بك ولن ترى منا إلا الخير والسلامة وسارا معه حتى وصل إلى مدينة فسا واتصل به المنهزمون من أصحابه وأطلق صاحب كرمان الأسرى وجهزهم وكانت هذه الوقعة في شوال سنة ثمان وخمسمائة وبينما جاولي يدبر الأمر ليعاود كرمان ويأخذ بثأره توفي الملك جغري ابن السلطان محمد وعمره خمس سنين وكانت وفاته في ذي الحجة سنة تسع وخمسمائة ففت ذلك في عضده فأرسل ملك كرمان رسولا إلى السلطان وهو ببغداد يطلب منه منع جاولي عنه فأجابه السلطان إنه لا بد من إرضاء جاولي وتسليم فرج إليه فعاد الرسول في ربيع الأول سنة عشر وخمسمائة فتوفي جاولي فأمنوا ما كانوا يخافونه فلما سمع السلطان سار عن بغداد إلى أصبهان خوفا على فارس من صاحب كرمان
ذكر فتح جبل وسلات وتونس
في هذه السنة حصر عسكر علي بن يحيى صاحب إفريقية مدينة تونس وباه أحمد بن خراسان وضيق على من بها فصالحه على ما أراد
وفيها فتح أيضا جبل وسلات بإفريقية واستولى عليه وهو جبل منيع ولم يزل أهله طول الدهر يفتكون بالناس ويقطعون الطريق فلما استمر ذلك منهم سير إليهم جيشا فكان أهل الجبل ينزلون إلى الجيش ويقاتلون أشد قتال فعمل قائد الجيش الحيلة في الصعود إلى الجبل من شعب لم يكن أحد يظن أنه يصعد منه فلما صار في أعلاه في طائفة من أصحابه ثار إليه أهل الجبل فصبر لهم وقاتلهم فيمن معه أشد قتال وتتابع الجيش في الصعود إليه فانهزم أهل الجبل وكثر القتل فيهم ومنهم من رمى نفسه فتكسر ومنهم من أفلت واحتمى جماعة كثيرة بقصر في الجبل فلما أحاط بهم الجيش طلبوا أن يرسل إليهم من يصلح حالهم فأرسل إليهم جماعة من العرب والجند فثار بهم أولئك بالسلاح فقتلوا بعضهم وطلع الباقون إلى أعلى القصر ونادوا أصحابهم من الجيش فأتوهم وقاتلوهم بعضهم من أعلى القصر وبعضهم من أسفله فألقى من فيه من أهل الجبل أيديهم فقتلوا كلهم 166
ذكر الفتنة بطوس
في هذه السنة في عاشوراء كانت فتنة عظيمة بطوس في مشهد علي بن موسى الرضا عليه السلام وسببها أن علويا خاصم في المشهد يوم عاشوراء بعض فقهاء طوس فأدى ذلك إلى مضاربة وانقطعت الفتنة ثم استعان كل منهما بحزبه فثارت فتنة عظيمة حضرها جميع أهل طوس وأحاطوا بالمشهد وخربوه وقتلوا من وجدوا فقتل بينهم جماعة ونهبت أموال جمة وافترقوا وترك أهل المشهد الخطبة أيام الجمعات فيه فبنى عليه عضد الدين فرامرز بن علي سورا منيعا يحتمي به من المسهد على من يريده بسوء وكان بناؤه سنة خمس عشرة وخمسمائة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة وقعت النار في الحظائر للمدرسة النظامية ببغداد فاحترقت الأخشاب التي بها واتصل الحريق إلى درب السلسلة وتطاير الشرر إلى باب المراتب فاحترقت منه عدة دور واحترقت خزانة كتب النظامية وسلمت الكتب لأن الفقهاء لما أحسوا بالنار نقلوها
وفيها توفي عبد الله بن يحيى بن محمد بن بهلول أبو محمد الأندلسي السرقسطي وكان فقيها فاضلا ورد نحو العراق سنة خمسمائة وسار إلى خراسان فسكن مرو الروذ فمات بها وله شعر حسن فمنه
( ومهفهف يختال في أبراده
مرح القضيب اللدن تحت البارح )
( أبصرت في مرآة فكري خده
فحكيت فعل جفونه بجوارحي )
( ما كنت أحسب أن فعل توهمي
يقوي تعديه فيجرح جارحي )
( لا غرو إن جرح التوهم خده
فالسحر يعمل في البعيد النازح )
وفيها في شعبان توفي أبو القاسم علي بن محمد بن أحمد بن بيان الرزاز ومولده في صفر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة وهو آخر من حدث عن أبي الحسن بن مخلد وأبي القاسم بن بشران
وفيها توفي أبو بكر محمد بن منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني رئيس الشافعية بمرو ومولده سنة ست وأربعين وأربعمائة وسمع الحديث الكثير وصنف وله فيه آمال حسنة وتكلم على الحديث فأحسن ما شاء
وفيها توفي محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني أبو الخطاب الفقيه الحنبلي ومولده سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وتفقه على أبي يعلى بن الفراء 167
ثم دخلت سنة إحدى عشرة وخمسمائة
ذكر وفاة السلطان محمد وملك ابنه محمود
في هذه السنة في الرابع والعشرين من ذي الحجة توفي السلطان محمد ملكشاه بن ألب أرسلان وكان ابتداء مرضه في شعبان وانقطع عن الركوب وتزايد مرضه ودام وأرجف عليه بالموت
فلما كان يوم عيد النحر حضر السلطان وحضر ولده السلطان محمود على السماط فنهبه الناس ثم أذن لهم فدخلوا إلى السلطان محمد وقد تكلف القعود لهم وبين يديه سماط كبير فأكلوا وخرجوا فلما انتصف ذو الحجة أيس من نفسه فأحضر ولده محمودا وقبله وبكى كل واحد منهما وأمره أن يخرج ويجلس على تخت السلطنة وينظر في أمور الناس وعمره إذ ذاك قد زاد على أربع عشرة سنة فقال لوالده إنه يوم غير مبارك يعني من طريق النجوم فقال صدقت ولكن على أبيك وأما علمك فمبارك بالسلطان فخرج وجلس على التخت بالتاج والسوارين وفي يوم الخميس الرابع والعشرين أحضر الأمراء وأعلموا بوفاته وقرئت وصيته إلى ولده محمود يأمره بالعدل والإحسان
وفي الجمعة الخامس والعشرين منه خطب لمحمود بالسلطنة وكان مولد السلطان محمد ثامن عشر من شعبان من سنة أربع وسبعين وأربعمائة وكان عمره سبعا وثلاثين سنة وأربعة أشهر وستة أيام وأول ما دعي له بالسلطنة ببغداد في ذي الحجة سنة اثنتين وتسعين وقطعت خطبته عدة دفعات على ما ذكرناه ولقي من المشاق والأخطار ما لا حد عليه فلما توفي أخوه بريكارق صفت له السلطنة وعظمت هيبته وكثرت جيوشه وأمواله وكان اجتمع الناس عليه اثنتي عشرة سنة وستة أشهر
ذكر بعض سيرته
كان عادلا حسن السيرة شجاعا فمن عدله أنه اشترى مماليك من بعض التجار 168 وأحالهم بالثمن على عامل خوزستان فأعطاهم البعض ومطل الباقي فحضروا مجلس الحكم وأخذوا معهم غلمان القاضي فلما رآهم السلطان قال لحاجبه انظر حال هؤلاء فسألهم عن حالهم فقالوا لنا خصم يحضر معنا مجلس الحكم فقال من هو قالوا السلطان
وذكروا قصتهم فأعلمه ذلك فاشتد عليه وأكره وأمر بإحضار العامل وأمره بإيصال أموالهم والجعل الثقيل ونكل به حتى يمتنع غيره عن مثل فعله
ثم إنه كان يقول بعد ذلك لقد ندمت ندما عظيما حيث لم أحضر معهم مجلس الحكم فيفتدي بي غيري ولا يمتنع أحد عن الحضور فيه وأداء الحق
ومن عدله أنه كان خازن يعرف بأبي أحمد القزويني قتله الباطنية فلما قتل أمر بعرض الخزانة فعرض عليه فيها درج فيه جوهر كثير نفيس فقال إن هذا الجوهر عرضه علي من أيام وهو ملك أصحابه وسلمه إلى خادم ليحفظه وينظر من أصحابه فيسلم إليهم فسأل عنهم وكانوا تجارا غرباء وقد تيقنوا ذهابه وأيسوا منه فسكتوا فأحضرهم وسلمه إليهم
ومن عدله أنه أطلق المكوس والضرائب في جميع البلاد ولم يعرف منه فعل قبيح وعلم الأمراء سيرته فلم يقدم أحد منهم على الظلم وكفوا عنه ومن محاسن أعماله ما فعله مع الباطنية على ما نذكره
ذكر حال الباطنية أيام السلطان محمد
قد تقدم ذكر ما اعتمده من حصر قلاعهم ونحن نذكر ههنا زيادة اهتمامه بأمرهم فإنه رحمه اله تعالى لما علم أن مصالح البلاد والعباد منوطة بمحو آثارهم وإخراب ديارهم وملك حصونهم وقلاعهم جعل قصدهم دأبه وكان في أيامه المقدم عليهم والقيم بأمرهم الحسن بن الصباح الرازي صاحب قلعة الموت وكانت أيامه قد طالت وله منذ ملك قلعة الموت ما يقارب ستا وعشرين سنة وكان المجاورين له في أقبح صورة من كثرة غزواته وقتله وأسره رجالهم وسبي نسائهم فسير إليه السلطان العساكر على ما ذكرناه فعادت من غير بلوغ غرض فلما اعضل داؤه ندب لقتاله الأمير أنوشتكين شيركير صاحب آية وساوة وغيرهما فملك منهم عدة قلاع منها قلعة كلام ملكها في جمادى الأولى سنة خمس وخمسمائة وكان مقدمها يعرف بعلي بن موسى فأمنه ومن معه وسيرهم إلى الموت وملك منهم أيضا قلعة بيرة وهي على سبعة فراسخ من قزوين وأمنهم وسيرهم إلى ألموت أيضا وسار إلى قلعة ألموت فيمن معه من العساكر وأمده 169 السلطان بعدة من الأمراء فحصرهم وكان هو من بينهم صاحب القريحة والبصيرة في قتالهم مع جودة رأي وشجاعة فبنى عليها مساكن يسكنها هو ومن معه وعين لكل طائفة من الأمراء أشهرا يقيمونها ينيبون ويحضرون وهو ملازم الحصار وكان السلطان ينقل إليه الميرة والذخائر والرجال فضاق الأمر على الباطنية وعدمت عندهم الأقوات وغيرها
فلما اشتد عليهم الأمر نزلوا نساءهم وأبناءهم مستأمنين ويسألون أن يفرج لهم ولرجالهم عن الطريق ويؤمنوا فلم يجابوا إلى ذلك وأعادهم إلى القلعة قصدا ليموت الجميع جوعا وكان ابن الصباح يجري لكل رجل منهم في اليوم رغيفا وثلاث جوزات فلما بلغ بهم الأمر إلى الحد الذي لا مزيد عليه بلغهم موت السلطان محمد فقويت نفوسهم وطابت قلوبهم
ووصل الخبر إلى العسكر المحاصر لهم بعدهم بيوم ولزموا على الرحيل فقال شيركير إن رحلنا عنهم وشاع الأمر نزلوا إلينا وأخذوا ما أعددناه من الأقوات والذخائر والرأي أن نقيم على قلعتهم حتى نفتحها وإن لم يكن المقام فلا بد من مقام ثلاثة أيام حتى ينفذ منا ثقلنا وما أعددناه ونحرق ما نعجز عن حمله لئلا يأخذه العدو
فلما سمعوا قوله علموا صدقه فتعاهدوا على الاتفاق والاجتماع فلما أمسوا رحلوا من غير مشاورة ولم يبق غير شيركير ونزل إليه الباطنية من القلعة فدافعهم وقاتلهم وحمى من تخلف من سرقة العسكر وأتباعه ولحق بالعسكر فلما فارق القلعة غنم الباطنية ما تخلف عندهم
ذكر حصار قابس والمهدية
في هذه السنة جهز علي بن يحيى صاحب أفريقية أسطولا في البحر إلى مدينة قابس وحصرها
وسبب ذلك أن صاحبها رافع بن مكن الدهماني أنشأ مركبا بساحلها ليحمل التجار في البحر وكان ذلك آخر أيام الأمير يحيى فلم ينكر يحيى ذلك جريا على عادته في المداراة فلما ولي علي الأمر بعد أبيه أنف من ذلك وقال لا يكون لأحد من أهل أفريقية أن يناوبني في إجراء المركب في البحر بالتجار فلما خاف رافع أنم يمنعه علي التجأ إلى اللعين رجار ملك الفرنج بصقلية واعتضد به فوعده رجار أن ينصره ويعينه على إجراء مركبه في البحر وأنفذ في الحال أسطولا إلى قابس فاجتازوا بالمهدية فحينئذ تحقق على اتفاقهما وكان يكذبه فلما جاز أسطول رجار بالمهدية أخرج على أسطوله في أثره فتوافى الجميع إلأى قابس فلما رأى صاحبها أسطول الفرنج والمسلمين لم يخرج 170 مركبه فعاد أسطول الفرنج وبقي أسطول علي يحصر رافعا بقابس مضيقا عليها ثم عادوا إلى المهدية
وتمادى رافع في المخالفة لعلي وجمع قبائل العرب وسار بهم حتى نزل على المهدية محاصرا لها وخادع عليا وقال إنني إنما جئت للدخول في الطاعة وطلب من يسعى في الصلح وأفعاله تكذب أقواله فلم يجبه عن ذلك بحرف
وأخرج العساكر وحملوا على رافع ومن معه حملة منكرة فألحقوهم بالبيوت ووصل العسكر إلى البيوت فلما رأى ذلك النساء صحن وولولن فغارت العرب وعاودت القتال واشتد حينئذ الأمر إلى المغرب ثم افترقوا وقد قتل من عسكر رافع بشر كثير ولم يقتل من جند علي غير راجل واحد من الرجالة ثم خرج عسكر علي مرة أخرى فاقتتلوا أشد من القتال الأول كان الظهور فيه لعسكر علي فلما رأى رافع أنه لا طاقة له بهم رحل عن المهدية ليلا إلى القيروان فمنعه أهلها من دخولها فقاتلهم أياما قلائل ثم دخلها فأرسل علي إليه عسكرا من المهدية فحصروه فيها إلى أن خرج عنها وعاد إلى قابس ثم إن جماعة من أعيان أفريقية من العرب وغيرهم سألوا عليا في الصلح فامتنع ثم أجاب إلى ذلك وتعاهد عليه
ذكر الوحشة بين رجار والأمير علي
كان رجار صاحب صقلية بينه وبين الأمير علي صاحب أفريقية مودة وكيدة إلى أن أعان رافعا كما تقدم قبل فاستوحش كل منهما من صاحبه ثم بعد ذلك خاطبه رجار بما لم تجر عادتهم به فتأكدت الوحشة فأرسل رجار رسالة فيها خشونة فاحترز علي منه وأمر بتجديد الأسطول وأعداد الأهبة للقاء العدو وكاتب المرابطين بمراكش في الاجتماع معه على الدخول إلى صقلية فكف رجار عما كان يعتمده
ذكر قتل صاحب حلب واستيلاء أيلغازي عليها
في هذه السنة قتل لؤلؤ الخادم وكان قد استولى على قلعة حلب وأعمالها بعد وفاة الملك رضوان وولي أتابكية ولده ألب أرسلان
فلما مات أقام بعده في الملك سلطانشاه بن رضوان وحكم في دولته أكثر من حكمه في دولة أخيه
فلما كان هذه السنة سار منها إلى قلعة جعبر ليجتمع بالأمير سالم بن مالك صاحبها فلما كان عند قلعة نادر نزل يريق الماء فقصده جماعة من أصحابه الأتراك وصاحوا أرنب أرنب 171 وأوهموا أنهم يتصيدون ورموه بالنشاب فقتل فلما هلك نهبوا خزانته فخرج إليهم أهل حلب فاستعادوا ما أخذوه وولي أتابكية سلطانشاه بن رضوان شمس الخواص ياروقتاش فبقي شهرا وعزلوه وولي بعده أو المعالي بن المليحي الدمشقي ثم عزلوه وصادروه
وقيل كان سبب قتل لؤلؤ أنه أراد قتل سلطانشاه كما قتل أخاه ألب أرسلان قبله ففطن به أصحاب سلطانشاه فقتلوه
وقيل كان قتله سنة عشر وخمسمائة والله أعلم
ثم إن أهل حلب خافوا من الفرنج فسلموا البلد إلى نجم الدين أيلغازي فلما تستلمه لم يجد فيه مالا ولا ذخيرة لأن الخادم كان قد فرق الجميع وكان الملك رضوان قد جمع فأكثر فرزقه الله غير أولاده فلما رأى أيلغازي خلوا البلد من الأموال صادر جماعة من الخدم بمال صانع به الفرنج وهادنهم مدة يسيرة تكون بمقدار مسيره إلى ماردين وجمع العساكر والعود فلما تمت الهدنة سار إلى ماردين على ه ذا العزم واستخلف بحلب ابنه حسام الدين تمرتاش
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في رابع عشر صفر انخسف القمر انخسافا كليا
وفي هذه الليلة هجم الفرنج على ربض حماة من الشام وقتلوا من أهلها ما يزيد على مائة رجل وعادوا
وفيها في يوم عرفة كانت زلزلة بالعراق والجزيرة وكثير من البلاد وخرجت ببغداد دور كثيرة بالجانب الغربي وفيها مات أحمد العربي ببغداد وكاتن من عباد الله الصالحين له كرامات وقبره يزار بها
وفي هذه السنة في شوال توفي أبو علي محمد بن سعد بن إبراهيم بن نبهان الكاتب وعمره مائة سنة وكان عالي الإسناد روى عن أ [ ي علي بن شاذان وغيره والحسن بن أحمد بن جعفر أبو عبد الله الشقاق الفرضي الحاسب وكان واحد عصره في علم الفرائض والحساب وسمع الحديث من أبي الحسين بن المهتدي وغيره
وفيها مات الكزايكس ملك القسطنطينية وملك بعده ابنه يوحنا وسلك سيرته وفيها مات دوقس أنطاكية وكفى الله شره 172
ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وخمسمائة
ذكر ما فعله السلطان محمود بالعراق وولاية البرسقي شحنكية ببغداد
لما توفي السلطان محمد وملك بعده ابنه محمود ودبر دولته الوزير الربيب أبو منصور أرسل إلى الخليفة المستظهر بالله يطلب أن يخطب له ببغداد فخطب له في الجمعة ثالث عشر المحرم وكان شحنة بغداد بهروز
ثم إن الأمير دبيس بن صدقة كان عند السلطان محمد مذ قتل والده على ما ذكرناه فأحسن إليه وأقطعه أقطاعا كثيرا فلما توفي السلطان محمد خاطب السلطان محمودا في العود إلى بلده الحلة فأذن له في ذلك فعاد إليها فاجتمع عليه خلق كثير من العرب والأكراد وغيرهم
وكان آقسنقر البرسقي مقيما بالرحبة وهي أقطاعه وليس بيده من الولايات شيء فاستخلف عليها ابنه عز الدين مسعودا وسار إلى السلطان محمد قبل موته عازما على مخاطبته في زيادة أقطاعه فبلغه وفاة السلطان محمد قبل وصوله إلى بغداد وسمع مجاهد الدين يهروز بقربه من بغداد فأرسل إليه يمنعه من دخولها فسار إلى السلطان محمود فلقيه توقيع السلطان بولاية شحنكية بغداد وهو بحلوان وعزل بهروز وكان الأمراء عند السلطان يريدون البرسقي ويتعصبون له ويكرهون مجاهد الدين بهروز يحسدونه لقربه كان عند السلطان محمد وخافوا أن يزداد تقدما عند السلطان محمودا وحكما فلما تولى البرسقي شحنكية بغداد هرب بهروز إلى تكريت وكانت له ثم إن السلطان ولى شحنكية بغداد الأمير منكوبرس وهو من أكابر المراء وقد حكم في دولة السلطان محمود فلما أعطي الشحنكية سير إليها ربيبه الأمير حسين بن أزبك أحد الأمراء الأتراك وهو صاحب أسدأباذ لينوب عنه ببغداد والعراق وفارق السلطان من باب همذان واتصل به جماعة الأمراء البكجية وغيرهم فلما سمع البرسقي خاطب الخليفة المستظهر بالله ليأمره بالتوقف إلى أن يكاتب السلطان ويفعل ما يرد به الأمر عليه فأرسل إليه الخليفة 173 فأجاب أن يرسم الخليفة بالعود عدت وإلا فلا بد من دخول بغداد فجمع البرسقي أصحابه وسار إليه فالتفوا واقتتلوا فقتل أخ حسين وانهزم هو ومن معه وعادوا إلى عسكر السلطان فكان ذلك في شهر ربيع الأول قبل وفاة المستظهر بالله بأيام
ذكر وفاة المستظهر بالله
في هذه السنة سادس عشر شهر ربيه الآخر توفي المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله وكان مرضه التراقي وكان عمره إحدى وأربعين سنة وستة أشهر وستة أيام وخلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما ووزر له عميد الدولة أبو منصور بن جهير وسديد الملك أبو المعالي المفضل بن عبد الرزاق الأصبهاني وزعيم الرؤساء أوب القاسم بن جهير ومجد الدين أبو المعالي هبة الله بن المطلب ونظام الدين أبو منصور الحسين بن محمد وناب عن الوزارة أمين الدولة أبو سعيد بن الموصلايا وقاضي القضاة أبو الحسن علي بن الدامغاني ومضى في أيامه ثلاثة سلاطين خطب لهم بالحضرة وهم تاج الدولة تتش بن ألب أرسلان والسلطان بركيارقث ومحمد ابنا ملكشاه
ومن غريب الاتفاق أنه لما توفي السلطان ألب أرسلان توفي بعده القائم بأمر الله ولما توفي السلطان ملكشاه توفي المقتدي بأمر الله ولما توفي السلطان محمد توفي بعده المستظهر بالله
ذكر بعض أخلاقه وسيرته
كان رضي الله عنه لين الجانب كريم الأخلاق يحب اصطناع الناس ويفعل الخير ويسارع إلى أعمال البر والمثوبات مشكور المساعي لا يرد مكرمة تطلب منه
وكان كثير الوثوق بمن يليه غير مصغ إلى سعاية ساع ولا ملتفت إلى قوله ولم يعرف منه تلون وانحلال عزم بأقوال أصحاب الأعراض
وكانت أيامه سرور الرعية فكأنها من حسنها أعياد
وكان إذا بلغه ذلك فرح به وسره إذا تعرض سلطان أو نائب له إلى أذى أحد بالغ في إنكار ذلك والزجر عنه وكان حسن الحظ جيد التوقعات لا يقاربه فيها أحد يدل على فضل غزير وعلم واسع
ولما توفي صلى عليه ابنه المسترشد بالله وكبر أربعا ودفن في حجرة له كان يألفها ومن شعره قوله
( أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا
لما مددت إلى رسم الوداع يدا ) 174
( وكيف أسلك نهج الاصطبار وقد
أرى في مهوى الهوى قددا )
( قد خلف الوعد بدر قد شغفت به
من بعد ما قد وفى دهري بما وعدا )
( إن كنت أنقض عهد الحب في خلدي
من بعد هذا فلا عاينته أبدا )
ذكر خلافة الإمام المسترشد بالله
لما توفي المستظهر بالله بويع ولده المسترشد بالله أبو منصور الفضل بن أبي العباس أحمد بن المستظهر بالله وكان ولي عهد قد خطب له ثلاثا وعشرين سنة فبايعه أخواه ابنا المستظهر بالله وهما أبو عبد الله محمد وأبو طالب العباس وعمومته بنو المقتدي بأمر الله وغيرهم من الأمراء والقضاة والأئمة والأعيان
وكان المتولي لأخذ البيعة القاضي أبو الحسن الدمغاني وكان نائبا عن الوزارة فأقره المسترشد بالله عليها
ولم يأخذ البيعة قاض غير هذا وأحمد بن أبي داود فإنه أخذها للواثق بالله والقاضي أبو علي إسماعيل بن إسحاق أخذها للمعتضد بالله ثم إن المسترشد عزله القضاة عن نيابة الوزارة واستوزر أبا شجاع محمد بن الربيب أبي منصور وزير السلطان محمود وكان والده خطب في معنى ولده حتى استوزر وقبض على صاحب المخزن أبي طاهر يوسف بن أحمد الحزي
ذكر هرب الأمير أبي الحسن أخي المسترشد وعوده
لما اشتغل الناس ببيعة المسترشد بالله ركب أخوه الأمير أبو الحسن بن المستظهر بالله سفينة ومعه ثلاثة نفر وانحدر إلى المدائن وسار منها إلى دبيس بن صدقة بالحلة فأكرمه دبيس وعلم منه وفاة المستظهر بالله وأقام له الإقامات الكثيرة فلما علم المسترشد بالله خبره أهمه ذلك وأقلقه وأرسل إلى دبيس يطلب منه إعادته فأجاب بأنني عبد الخليفة وواقف عند أمره ومع هذا فقد استذم بي ودخل منزلي فلا أكرهه على أمر أبدا وكان الرسول نقيب النقباء شرف الدين علي بن طراد الزينبي فقصد الأمير فقصد الأمير أبا الحسن وتحدث معه في عوده وضمن له عن الخليفة كل ما يريده فأجاب إلى العود وقال إنني لم أفارق أخي لشر أريده وإنما الخوف حملني على مفارقته فإذا أمنني قصدته وتكفل دبيس بإصلاح الحال بنفسه والمسير معه إلى بغداد فعاد النقيب وأعلم الخليفة الحال فأجاب إلى ما طلب منه ثم حدث من أمر البرسقي ودبيس ومنكوبيس ما 175 ذكرناه فتأخر الحال وأقام الأمير أبو الحسن عند دبيس إلى ثاني عشر صفر سنة ثلاث عشرة وخمسمائة ثم سار عن الحلة إلى واسط وكثر جمعه وقوي الإرجاف بقوته وملك مدينة واسط وخيف جانبه فتقدم الخليفة المسترشد بالله بالخطبة لولي عهده ولده أبي جعفر المنصور وعمره حينئذ اثنتا عشرة سنة فخطب له ثاني ربيع الآخر ببغداد وكتب إلى البلاد بالخطبة له وأرسل إلى دبيس من مزيد في معنى الأمير أبي الحسن وأنه الآن قد فارق جواره ومد يده إلى بلاد الخليفة وما يتعلق به وأمره بقصده ومعاجلته قبل فوته فأرسل دبيس العساكر إليه ففارق واسط وقد تحير هو وأصحابه فضلوا الطريق ووصلت عساكر دبيس فصادفوهم عند الصلح فنهبوا أثقاله وهرب الأكراد من أصحابه والأتراك وعاد الباقون إلى دبيس وبقي الأمير أبو الحسن في عشرة من أصحابه وهو عطشان وبينه وبين الماء خمسة فراسخ وكان الزمان قيظا فأيقن بالتلف وتبعه بدويان فأراد الهرب منهما فلم يقدر فأخذاه وقد اشتد به العطش فسقياه وحملاه إلى دبيس فسيره إلى بغداد وحمله إلى الخليفة بعد أن بذل له عشرين ألف دينار فحمل إلى الدار العزيزة وكان بين خروجه وعوده إليها أحد عشر شهرا ولما دخل على المسترشد بالله قبل قدمه وقبله المسترشد وبكيا وأنزله دارا حسنة كان هو يسكنها قبل أن يلي الخلافة وحمل إليه الخلع والتحف الكثيرة وطيب نفسه وأمنه
ذكر مسير الملك مسعود وجيوش بك إلى العراق وما كان بينهما وبين البرسقي ودبيس
في هذه السنة في جمادى الأولى برز البرسقي ونزل بأسفل الرقة في عسكره ومن معه وأظهر أنه على قصد الحلة وإجلاء دبيس بن صدقة عنها وجمع دبيس جموعا كثيرة من العرب والأكراد وفرق الأموال الكثيرة والسلاح وكان الملك مسعود بن السلطان محمد بالموصل مع أتابكه أي أبه جيوش بك فأشار عليهما جماعة ممن عندهما بقصد العراق فإنه لا مانع دونه فسارا في جيوش كثيرة ومع الملك مسعود وزيره فخر الملك أبو علي بن عمار صاحب طرابلس وقسيم الدولة زنكي بن آقسنقر جد ملوكنا الآن بالموصل وكان من الشجاعة في الغاية ومعهم أيضا صاحب سنجار وأبو الهيجاء صاحب إربل وكرباوي بن خراسان التركماني صاحب البوازيج فلما علم البرسقي قربهم خافهم 176
وكان البرسقي قديما قد جعله السلطان محمد أتابك ولده مسعود على ما ذكرناه وإنما كان خوفه من جيوش بك فلما قاربوا بغداد سار إليهم ليقاتلهم ويصدهم فلما علم مسعود وجيوش بك ذلك أرسلوا إليه الأمير كزباوي في الصلح وأعلمه أنهم إنما جاؤوا نجدة له على دبيس واصطلحوا وتعاهدوا واجتمعوا ووصل مسعود إلى بغداد ونزل بدار المملكة ووصلهم الخبر بوصول الأمير عماد الدين منكبرس المقدم ذكره في جيش كثير فسار البرسقي عن بغداد نحوه ليحاربه ويمنعه عنها فلما علم به منكبرس قصد النعمانية وعبر دجلة هناك واجتمع هو ودبيس بن صدقة وكان دبيس قد خاف من الملك مسعود والبرسقي فبنى أمره على المحاجزة والملاطفة فأهدى إلى مسعود هدية حسنة وللبرسقي وجيوش بك فلما وصل خبر وصول منكبرس راسله واستماله واتفقا على التعاضد والتناصر واجتمعا كل واحد منهما قوي بصاحبه فلما اجتمعا سار الملك مسعود والبرسقي وجيوش بك ومن معهم إلى المدائن للقاء دبيس ومنكبرس فلما وصلوا المدائن أتتهم الأخبار بكثرة الجمع معهما فعاد البرسقي والملك مسعود وعبرا نهر صرصر وحفظا المخاضات عليه ونهبت الطائفتان السواد نهبا فاحشا نهر الملك ونهر صرصر ونهر عيسى وبعض دجيل واستباحوا النساء فأرسل المسترشد بالله إلى الملك مسعود والبرسقي ينكر هذه الحال ويأمرهم بحقن الدماء وترك الفساد ويأمر بالموادعة والمصالحة
وكان الرسل سديد الدولة بن الأنباري والإمام الأسعد الميهني مدرس النظامية فأنكر البرسقي أن يكون جرى منهما شيء من ذلك وأجاب إلأىالعود إلى بغداد فوصل من أخبره منكبرس ودبيسا قد جهزا ثلاثة آلاف فارس مع منصور أخي دبيس والأمير حسين بن أزبك ربيب منكبرس وسيراه وعبر عند درزيجان ليقطعوا مخاضة عند ديالي إلى بغداد لخلوها من عسكر يحميها ويمنع عنها فعاد البرسقي إلى بغداد وعبر الجسر لئلا يخاف الناس ولم يعلموا الخبر وخلف ابنه عز الدين مسعودا على عسكره بصرصر واستحب معه عماد الدين زنكي بن آقسنقر فوصل إلى ديالي ومنع عسكر منكبرس من العبور فأقام يومين فأتاه كتاب ابنه عز الدين مسعود يخبره أن الصلح قد استقر بين الفريقين فانكسر نشاطه حيث جرى هذا الأمر ولم يعلم به وعاد نحو بغداد وعبر إلى الجانب الغربي وعبر منصور وحسين فسارا في عسكرهما خلفه فوصلوا بغداد عند نصف الليل فنزلا عند جامع السلطان وسار البرسقي إلى الملك مسعود فأخذ بركه 177 وماله وعاد إلى بغداد فخيم عند القنطرة العتيقة وأصعد الملك مسعود وجيوش بك فنزلا عند البيمارستان وأصعد دبيس ومنكبرس فخيما تحت الرقة وأقام عز الدين مسعود البرسقي عند منكبرس منفردا عن أبيه وكان سبب هذا الصلح أن جيوش بك كان قد أرسل إلى السلطان محمود يطلب الزيادة له وللملك مسعود فوصل كتاب الرسول من العسكر يذكر أنه لقي من السلطان إحسانا كثيرا وأنه أقطعهم أذربيجان فلما بلغه رحيلكم إلى بغداد اعتقد أنكم قد عصيتم عليه فعاد عما كان استقر ويقول إن السلطان قد جهز عسكرا إلى الموصل فوقع الكتاب بيد منكبرس فأرسله إلى جيوش بك وضمن له إصلاح السلطان له وللملك مسعود وكان منكبرس متزوجا بأم الملك مسعود واسمها سرجهان وكان يؤثر مصلحته لذلك واستقر الصلح وخافا من البرسقي أن يمنع منه فاتفقا على إرسال العساكر إلى درزيجان لينفذ في مقابلته البرسقي ليخلو العسكر منه ويقع الاتفاق فكان الأمر في مسيره على ما تقدم وكان البرسقي محبوبا إلى أهل بغداد لحسن سيرته فيهم فلما استقر الصلح ووصلوا إلى بغداد تفرق عن البرسقي أصحابه وجموعه وبطل ما كان يحدث به نفسه من التغلب على العراق بغير أمر السلطان وسار عن العراق إلى الملك مسعود فأقام معه واستقر منكبرس في شحنكية بغداد وودعه دبيس بن صدقة وعاد إلى الحلة بعد أن طالب بدار أبيه بدرب فيروز وكانت قد دخلت في جامع القصر ببغداد فصولح عنها بمال وأقام منكبرس ببغداد يظلم ويعسف الرعية ويصادرهم فاختفى أرباب الأموال وانتقل جماعة إلى حريم دار الخلافة خوفا منه وبطلت معايش الناس وأكثر أصحابه الفساد حتى أن بعض أهل بغداد زفت إليه امرأة تزوجها فعلم بعض أصحاب منكبرس فأتاه وكسر الباب وجرح الزوج عدة جراحات وابتنى بزوجته فكثر الدعاء ليلا ونهارا واستغاث الناس لهذه الحال وأغلقوا الأسواق فأخذ الجندي إلى دار الخلافة فاعتقل أياما ثم أطلق
وسمع السلطان بما يفعله منكبرس ببغداد فأرسل إليه يستدعيه ويحثه على اللحوق به وهو يغالط ويدافع وكلما طلبه السلطان في جمع الأموال والمصادرات فلما علم أهل بغداد تغير السلطان عليه واستدعاءه إياه طمعوا فيه فسار حينئذ منكبرس عنهم خوفا أن يثوروا به وكفى الناس شره وظهر من كان مستترا 178
ذكر وفاة ملك الفرنج وما كان بين الفرنج وبين المسلمين
في ذي الحجة من سنة إحدى عشرة وخمسمائة توفي بغدوين ملك القدس وكان قد سار إلى ديار مصر في جمع الفرنج قاصدا ملكها والتغلب عليها وقوي طمعه في الديار المصرية وبلغ مقابل تنيس وسبح في النيل فانتقض جرح كان به فلما أحس بالموت عاد إلى القدس فمات ووصى ببلاده للقمص صاحب الرها وهو الذي كان أسره جكرمش وأطلقه جاولي سقاوو
واتفق أن هذا القمص كان قد سار إلى القدس يزور بيعة قمامة فلما وصى إليه بالملك قبله واجتمع له القدس والرها وكان أتابك طغتكين قد سار عن دمشق لقتال الفرنج فنزل بين دير أيوب وكفر بصل باليرموك فخفيت عنه وفاة بدوين حتى سمع الخبر بعد ثمانية عشر يوما وبينهم نحو يومين فأتته رسل ملك الفرنج بطلب المهادنة فاقترح عليه طغتكين ترك الماصفة التي بينهم من جبل عوف والحنانة والصلت والغور فلم يجب إلى ذلك وأظهر القوة فسار طغتكين إلى طبرية فنهبها وما حولها وسار منها نحو عسقلان وكانت للمصريين وبها عساكرهم كانوا قد سيروها لما عاد ملك القدس المتوفى عن مصر وكانوا سبعة آلاف فارس فاجتمع بهم طغتكين وأعلمه المقدم عليهم أن صاحبهم تقدم إليه بالوقوف عن رأي طغتكين والتصرف على ما يحكم به فأقاموا بعسقلان نحو شهرين ولم يؤثروا في الفرنج أثرا فعاد طغتكين إلى دمشق فأتاه الصريخ بأن مائة وثلاثين فارسا من الفرنج أخذوا حصنا من أعماله يعرف بالحبس ويعرف بحصن جلدك سلمه إليهم المستحفظ به وقصدوا أذرعات فنهبوها فأرسل إليهم تاج الملك بوري بن طغتكين فانحازوا عنه إلى جبل هناك فنازلهم فأتاه أبوه ونهاه عنهم فلم يفعل وطمع فيهم فلما أيس الفرنج قاتلوا قتال مستقتل فنزلوا من الجبل وحملوا على المسلمين حملة صادقة هزموهم بها وأسروا وقتلوا خلقا كثيرا وعاد الفل إلى دمشق على أسوأ حال فسار طغتكين إلى حلب وبها أيلغازي فاستنجده وطلب منه التعاضد على الفرنج فوعده المسير معه فبينما هو بحلب أتاه الخبر بأن الفرنج قصدوا حوران من أعمال دمشق فنهبوا وقتلوا وسبوا وعادوا فاتفق رأي طغتكين وأيلغازي على عود طغتكين إلى دمشق وحماية بلاده وعود أيلغازي إلى ماردين وجمع العساكر والاجتماع على حرب الفرنج فصالح أيلغازي من يليه من الفرنج على ما تقدم ذكره وعبر إلى ماردين لجمع العساكر وكان ما نذكره سنة ثلاث 179 عشرة إن شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة انقطع الغيث وعدمت الغلات في كثير من البلاد وكان أشده بالعراق فغلت الأسعار وأجلى أهل السواد وتقوت الناس بالنخالة وعظم الأمر على أهل بغداد بما كان يفعله منكبرس بهم
وفيها أسقط المسترشد بالله من الإقطاع المختص به كل جور وأمر أن لا يؤخذ إلا ما جرت به العادة القديمة , أطلق ضمان غزل الذهب وكان صناع السقلاطون والممزج وغيرهم ممن يعمل منه يلقون شدة من العمال عليها وأذى عظيما
وفيها تأخر مسير الحجاج تأخرا أرجف بسببه انقطاع الحج من العراق فرتب الخليفة الأمير نظر خادم أمير الجيوش يمن وولاه من أمر الحج ما كان يتولاه أمير الجيوش وأعطاه من المال ما يحتاج إليه في طريقه وسيره فأدركوا الحج وظهرت كفاية نظر
وفيها وصل مركبان كبيران فيهما قوة ونجدة للفرنج بالشام فغرقا وكان الناس قد خافوا ممن فيهما
وفيها وصل رسول أيلغازي صاحب حلب وماردين إلى بغداد يستنفر على الفرنج ويذكر ما فعلوا بالمسلمين في الديار الجزرية وأنهم ملكوا قلعة عند الرها وقتلوا أميرها ابن عطير فسيرت الكتب بذلك إلى السلطان محمود
وفيها نقل المستظهر إلى الرصافة وجميع من كان مدفونا بدار الخلافة وفيهم جدة المستظهر أم المقتدي وكان وفاتها بعد المستظهر ورأت البطن الرابع من أولادها
وفيها كثر أمر العيارين بالجانب الغربي من بغداد فعبر إليهم نائب الشحنة في خمسين غلاما أتراكا فقاتلهم فانهزم منهم ثم عبر إليهم من الغد في مائتي غلام فلم يظفر بهم وهب العيارون يومئذ قطفتا
وفي هذه السنة في شعبان توفي أبو الفضل بكر بن محمد بن علي بن الفضل الأنصاري من ولد جابر بن عبد الله وهو من بلد بخارى وكان من أعيان الفقهاء الحنفية حافظا للمذهب وتوفي أبو طالب الحسين بن محمد بن علي بن الحسن الزنيبي نقيب 180 النقباء ببغداد في صفر واستقال من النقابة فوليها أخوه طراد وكان من أكابر الحنفية وروى الحديث الكثير
وفيها في ذي الحجة توفي أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن مندة الأصبهاني المحدث المشهور من بيت الحديث وله فيه تصانيف حسنة
وفيها توفي أبو الفضل أحمد بن الخازن وكان أديبا ظريفا له شعر حسن فمنه قوله وقد قصد زيارة صديق له فلم يره فأدخله غلمانه إلى بستان في الدار وحمام فقال في ذلك
( وافيت منزله فلم أر صاحبا
إلا تلقاني بوجه ضاحك )
( والبشر في وجه الغلام نتيجة
لمقدمات ضياء وجه الملاك )
( ودخلت جنته وزرت جحيمه
فشكرت رضوانا ورأفة مالك ) 181
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة وخمسمائة
ذكر عصيان الملك طغرل على أخيه السلطان محمود
كان الملك طغرل بن محمد لما توفي والده بقلعة سرجهان وكان مولده سنة ثلاث وخمسمائة في المحرم وأقطعه والده سنة أربع ساوة وآوة وزنجان وجعل أتابكه الأمير شيركير الذي تقدم ذكره في حصار قلاع الإسماعيلية فازداد ملك طغرل بما فتحه شيركير من قلاعهم فأرسل إليه السلطان محمود الأمير كنتغدي ليكون أتابكا له ومديرا لأمره ويحمله إليه فلما وصل إليه حسن له مخالفة أخيه وترك المجيء إليه واتفقا على ذلك وسمع السلطان محمود الخبر فأرسل شرف الدين أنوشروان ابن خالد ومعه خلع وتحف وثلاثون ألف دينار ووعد أخاه بإقطاع كثير زيادة على ماله إذا قصده واجتمع به فلم تقع الإجابة إلى الاجتماع وأجاب كنتغدي بأننا في طاعة السلطان وأي جهة أراد قصدناها ومعنا من العساكر ما تقاوم بها من يرسم بقصده فبينما الخوض معهم في ذلك ركب السلطان محمود من باب همذان في عشرة آلاف فارس جريدة في جمادى الأولى وكتم مقصده وعزم على أن يكبس أخاه والأمير كنتغدي فرأى أحد خواصه تركيا من أصحاب الملك طغرل فأعلم السلطان به فقبض عليه فعلم رقيق كان معه الحال فسار عشرين فرسخا في ليلة ووصل إلى الأمير كنتغدي وهو سكران فأيقظه بعد جهد وأعلمه الحال فقصد الملك طغرل فعرفه ذلك وأخذه متخفيا وقصد قلعة سميران فضلا عن الطريق إلى قلعة سرجهان وكانا قد فارقاها وجمعا العساكر وكان ضلالهما هداية لهما إلى السلامة فإن السلطان محمودا جعل طريقه على سميران وقال إنها حصنهما الذي فيه الذخائر والأموال وإذا علما بوصوله إليها سار إليها فربما صادفهما في الطريق فسلما منه بما ظناه عطبا لهما ووصل السلطان إلى العسكر فكبسه ونهبه وأخذ من خزانة أخيه ثلاثمائة ألف دينار وذلك المال الذي أنقذه له وأقام السلطان محمود بزنجان وتوجه منها إلى الري ونزل طغرل من سرجهان ولحق هو 182 وكنتغدي بكنجة وقصده أصحابه فقويت شوكته وتمكنت الوحشة بينه وبين أخيه محمود
ذكر الحرب بين سنجر والسلطان محمود
في هذه السنة في جمادى الأولى كانت حرب شديدة بين سنجر وابن أخيه السلطان محمود ونحن نذكر سياقة ذلك
قد ذكرنا سنة ثمان وخمسمائة مسير السلطان سنجر إلى غزنة وفتحها وما كان منه فيها ثم عاد عنها إلى خراسان فلما بلغه وفاة أخيه السلطان محمد وجلوس ولده السلطان محمود في السلطنة وهو زوج ابنة سنجر لحقه حزن عظيم لموت أخيه وأظهر من الجزع والحزن ما لم يسمع بمثله وجلس للعزاء على الرماد وأغلق البلد سبعة أيام وتقدم إلى الخطباء بذكر السلطان محمد بمحاسن أعماله من قتال الباطنية وإطلاق المكوس وغير ذلك وكان سنجر يلقب بناصر الدين فلما توفي أخوه محمد تلقب بمعز الدين وهو لقب أبيه ملكشاه وعزم على قصد بلد الجبل والعراق وما بيد محمود ابن أخيه فندم على قتل وزيره أبي جعفر بن فخر الملك أبي المظفر بن نظام الملك وكان سبب قتله أنه وحش الأمراء واستخف بهم فأبغضوه وكرهوه وشكوا منه إلى السلطان وهو بغزنة فأعلمهم أنه يؤثر قتله وليس يمكنه فعل ذلك بغزنة وكان سنجر قد تغير على وزيره لأسباب منها أنه أشار عليه بقصد فلما وصل إلى بست أرسل أرسلانشاه صاحبها إلى الوزير وضمن له خمسمائة ألف دينار ليثني سنجر عن قصده فأشار عليه بمصالحته والعود عنه وفعل مثل ذلك بما وراء النهر ومنها أنه نقل عنه أنه أخذ من غزنة أموالا جليلة عظيمة المقدار ومنها ما ذكر من إيحاشه الأمراء وغير هذه الأسباب
فلما عاد إلى بلخ قبض عليه وقتله وأخذ ماله وكان له من الجواهر والأموال ما لا حد عليه والذي وجد له من العين ألفا ألف دينار فلما قتله استوزر بعده شهاب الإسلام عبد الرزاق ابن أخي نظام الملك ويعرف بابن الفقيه إلا أنه لم تكن له منزلة ابن فخر الملك عند الناس في علو المنزلة فلما اتصل به وفاة أخيه ندم على قتله لأنه كان يبلغ به من الأغراض والملك ما لا يبلغه بكثرة العساكر لميل الناس إليه ومحله عندهم
ثم إن السلطان محمود أرسل إلى عمه سنجر شرف الدين أنو شروان بن خالد وفخر الدين طغايرك بن اليزن ومعهما الهدايا والتحف وبذل له النزول عن مازندران 183 وحمل مائتي ألف دينار كل سنة فوصلا إليه وأبلغاه الرسالة فتجهز ليسير إلى الري فأشار عليه شرف الدين أنو شروان يترك القتال والحرب فكان جوابه في ذلك أن ولد أخي صبي وقد تحكم وزيره والحاجب علي
فلما سمع السلطان محمود بمسير عمه نحو ووصول الأمير أنر في مقدمته إلى جرجان تقدم إلى الأمير علي بن عمر وهو أمير حاجب السلطان محمد وبعده صار أمير حاجب السلطان محمود بالمسير وضمن له جمعا كثيرا من العساكر والأمراء فاجتمعوا في عشرة آلاف فارس فساروا إلى أن قاربوا مقدمة سنجر التي عليها الأمير علي بن عمر يعرفه وصية السلطان محمد بتعظيم سنجر والرجوع إلى أمره ونهيه والقبول منه وأنه ظن أن سنجر يحفظ السلطنة على ولده السلطان محمود وأخذ عليها بذلك العهود فليس لنا أن نخالفه وحيث جئتم إلى بلادنا لا نحتمل ذلك ولا نقضي عليه وقد علمت أن معك خمسة آلاف فارس فأنا أرسل إليك أقل منهم لتعلم أنكم لا تقاومونا ولا تقومون بنا
فلما سمع الأمير أنر ذلك عاد عن جرجان ولحقه بعض عسكر السلطان محمود فأخذوا قطعة من سواده وأسروا عدة من أصحابه وكان السلطان محمود قد وصل إلى الري وهو بها
وعاد الأمير علي بن عمر إليه فشكره على فعله وأثنى عليه وعلى عسكره الذين وأشير على السلطان محمود بملازمة الري والمقام بها
وقيل إن عساكر خراسان إذا عملوا بمقامك فيها لا يفارقون حدودهم ولا يتعدون ولايتهم فلم يقبل ذلك وضجر من المقام وسار إلى جرجان ووصل السلطان محمود الأمير منكبرس من العراق في عشرة آلاف فارس والأمير منصور بن صدقة أخو دبيس والأمراء البكجية وغيرهم وسار محمود إلى همذان وتوفي بها وزيره الربيب واستوزر أبا طالب السميري وبلغه وصول عمه سنجر إلى الري فسار نحوه قاصدا قتاله فالتقيا بالقرب من ساوة ثاني جمادى الأولى من السنة وكان عسكر السلطان محمود قد عرفوا المفازة التي بين يدي عسكر سنجر وهي ثمانية أيام فسبقوهم إلى الماء وملكوه عليهم
وكان العسكر الخارساني في عشرين ألفا ومعهم ثمانية عشر فيلا اسم كبيرها باذهو ومن الأمراء الكبار ولد الأمير أ [ ي الفضل صاحب سجستان وخرازمشاه محمد والأمير أنز والأمير فماج واتصل به علاء الدولة كرشاسف بن كاكويه صاحب يزد وهو صهر السلطان محمد وسنجر على أختهما وكان أخص الناس بالسلطان محمد فلما 184 توفي السلطان محمود تأخر عنه فأقطع بلده لقراجة الساقي الذي صار صاحب بلاد فارس فسار حينئذ علاء الدولة إلى سنجر وهو من ملوك الديلم وعرف سنجر الأحوال والطريق إلى قصد البلاد وما فعله الأمراء من أخذ الأموال وما هم عليه من اختلاف الأهواء وحسن قصد البلاد وكان عسكر السلطان محمود ثلاثين ألفا ومن الأمراء الكبار الأمير علي بن عمر أمير حاجب والأمير منكبرس وأتابكه غزغلي وبنو برسق وسنقر البخاري وقراجة الساقي ومعه تسعمائة حمل من السلاح واستهان عسكر محمود بعسكر عمه بكثرتهم وشجاعتهم وكثرة خيلهم فلما التقوا ضعف نفوس الخراسانية لما رأوا لهذا العسكر من القوة والكثرة فانهزمت ميمنة سنجر وميسرته واختلط أصحابه واضطرب أمرهم وساروا منهزمين لا يلوون على شيء ونهب من أثقالهم شيء كثير وقتل أهل السواد كثيرا منهم ووقف سنجر بين الفيلة في جمع من أصحابه وبإزائه السلطان محمود ومعه أتابكه غزغلي فالجأت سنجر الضرورة عند تعاظم الخطب عليه أن يقدم الفيلة للحرب وكان من بقي معه قد أشاروا عليه بالهزيمة فقال إما النصر أو القتل وأما الهزيمة فلا
فلما تقدمت الفيلة ورآها خيل محمود تراجعت بأصحابها على أعقابها فأشفق سنجر على السلطان محمود في تلك الحال وقال لأصحابه لا تفزعوا الصبي بحملات الفيلة فكفوها عنهم وانهزم السلطان محمود ومن معه في القلب وأسر أتابكة غزغلي فكان يكاتب السلطان ويعده أنه يحمل إليه ابن أخيه فعاتبه على ذلك فاعتذر بالعجز فقتله وكان ظالما قد بالغ في ظلم أهل همذان فعجل الله عقوبته ولما تم النصر والظفر للسلطان سنجر أرسل من أعاد المنهزمين من أصحابه إليه ووصل الخبر إلى بغداد في عشرة أيام فأرسل دبيس بن صدقة إلى المسترشد بالله في الخطبة للسلطان سنجر فخطب له في السادس والعشرين من جمادى الأولى وقطعت خطبة السلطان محمود
وأما السلطان محمود فإنه سار من الكسرة إلى أصبهان ومعه وزيره أبو طالب السميرمي والأمير علي بن عمر وقراجة
وأما سنجر فإنه سار إلى همذان فرأى قلة عسكره واجتماع العساكر على ابن أخيه فراسله في الصلح وكانت والدته تشير عليه بذلك وتقول قد استوليت على غزنة وأعمالها وما وراء النهر وملكت ما لا حد عليه وقررت الجميع على أصحابه فاجعل ولد أخيك كأحدهم وكانت والدة سنجر هي جدة السلطان محمود فأجاب إلى قولها ثم كثرت العساكر عند سنجر منهم البرسقي
وكان عند الملك مسعود بأذربيجان من حين خروجه عن بغداد إلى هذه الغاية فقوي 185 بهم فعاد الرسول وأبلغه عن الأمراء الذين مع السلطان محمود أنهم لا يصالحونه حتى يعود إلى خراسان فلم يجب إلى ذلك وسار من همذان إلى كرج وأعاد مراسلة السلطان محمود في الصلح ووعده أن يجعله ولي عهده فأجاب إلى ذلك واستقر الأمر بينهما وتحالف عليه وسار السلطان محمود إلى عمه سنجر في شعبان فنزل على جدته والدة سنجر وأكرمه عمه وبالغ في ذلك وحمل له السلطان محمود هدية عظيمة فقبلها ظاهرا وردها باطنا ولم تقبل منه سوى خمسة أفراس عربية وكتب السلطان سنجر إلى سائر الأعمال التي بيده كخراسان وغزنة وما وراء النهر وغيرها من الولايات بأن يخطب للسلطان محمود بعده وكتب إلى بغداد مثل ذلك وأعاد عليه جميع ما أخذ من البلاد سوى الري وقصد بأخذها أن تكون له في هذه الديار لئلا يحدث السلطان محمود نفسه بالخروج
ذكر غزاة أيلغازي بلاد الفرنج
في هذه السنة سار الفرنج من بلادهم إلى نواحي حلب فملكوا بزاعة وغيرها وأخربوا بلد حلب ونازلوها ولم يكن بحلب من الذخائر ما يكفيها شهرا واحدا وخافهم أهلها خوفا شديدا ولو مكنوا من القتال لم يبق بها أحد لكنهم منعوا من ذلك وصنعوا الفرنج أهل حلب على أن يقاسموهم على أملاكهم التي بباب حلب فأرسل أهل البلد إلى بغداد يستغيثون ويطلبون النجدة فلم يغاثوا وكان الأمير أيلغازي صاحب حلب ببلد ماردين يجمع العساكر والمتطوعة للغزاة فاجتمع عليه نحو عشرين ألفا وكان معه أسامة بن المبارك بن شبل الكلابي والأمير طغان أرسلان بن المكر صاحب بدليس وأرزن وسار بهم إلى الشام عازما على قتال الفرنج فلما علم الفرنج قوة عزمهم على لقائهم وكانوا ثلاثة آلاف فارس وتسعة آلاف راجل فنزلوا قريبا من الأثارب بموضع يقال له تل عفرين بين جبال ليس لها طريق إلا من ثلاث جهات وفي هذا الموضع قتل شرف الدولة مسلم بن قريش وظن الفرنج أن أحدا لا يسلك إليهم لضيق الطريق فأخلدوا إلى المطاولة وكانت عادة لهم إذا رأوا قوة من المسلمين وراسلوا أيلغازي يقولون له لا تتعب نفسك بالمسير إلينا فنحن واصلون إليك فأعلم أصحابه بما قالوه واستشارهم فيما يفعل فأشاروا إليه بالركوب من وقته وقصدهم ففعل ذلك وسار إليهم ودخل الناس من الطرق الثلاثة ولم تعتقد الفرنج أن أحدا يقدم عليهم لصعوبة 186 المسلك إليهم فلم يشعروا إلا وأوائل المسلمين قد غشيهم فحمل الفرنج حملة منكرة فولوا منهزمين فلقوا باقي العسكر متتابعة فعادوا معهم وجرى بينهم حرب شديدة وأحاطوا بالفرنج من جميع جهاتهم وأخذهم السيف من سائر نواحيهم فلم يفلت منهم غير نفر يسير وقتل الجميع وأسروا وكان في جملة الأسرى نيف وسبعون فارسا من مقدميهم وحملوا إلى حلب فبذلوا في نفوسهم ثلاثمائة ألف دينار فلم يقبل منهم وغنم المسلمون منهم الغنائم الكثيرة وأما سيرجال صاحب أنطاكية فإنه قتل وحمل رأسه وكانت الوقعة منتصف ربيع الأول فما مدح به أيلغازي في هذه الوقعة قول العظيمي
( قل ما تشاء فقولك المقبول
وعليك بعد الخالق التعويل )
( واستبشر القرآن حين نصرته
وبكى لفقد رجاله الإنجيل )
ثم تجمع من سلم من المعركة مع غيرهم فلقيهم أيلغازي أيضا فهزمهم وفتح منهم حصن الأثارب وزردنا وعاد إلى حلب وقرر أمرها وأصلح حالها ثم عبر الفرات إلى ماردين
ذكر وقعة أخرى مع الفرنج
في هذه السنة سار جوسلين صاحب تل باشر في جمع من الفرنج نحو مائتي فارس من طبرية فكبس طائفة من طي يعرفون ببني خالد فأخذهم وأخذ غنائمهم وسألهم من طبرية عن بقية قومهم من بني ربيعة فأخبروه أنهم من وراء الحزن بوادي السلالة بين دمشق وطبرية فقدم جوسلين مائة وخمسين فارسا من أصحابه وسار هو في خمسين فارسا على طريق آخر وواعدهم الصبح ليكسبوا بني ربيعة فوصلهم الخبر بذلك فأرادوا الرحيل فمنعهم أميرهم من بني ربيعة وكانوا في مائة وخمسين فارسا فوصلهم المائة وخمسون من الفرنج من الفرنج معتقدين أن جوسلين قد سبقهم أو سيدركهم فأضل الطريق وتساوت العدتان فاقتتلوا وطعنت العرب خيولهم جعلوا أكثرهم رجالة وظهر من أميرهم شجاعة وحسن تدبير وجودة رأي فقتل من الفرنج سبعون وأسر اثنا عشر من مقدميهم بذل كل واحد في فداء نفسه مالا جزيلا وعدة من الأسرى وأما جوسلين فإنه ضل في الطريق وبلغه خبر الوقعة فسار إلى طرابلس فجمع بها جمعا وأسرى إلى عسقلان فأغار على بلدها فهزمه المسلمون هناك فعاد مفلولا 187
ذكر قتل منكوبرس
في هذه السنة قتل الأمير منكوبرس الذي كان شحنة بغداد وقد تقدم حاله وكان سبب قتله أنه لما انهزم مع السلطان محمود وعاد إلى بغداد نهب عدة مواضع من طريق خراسان وأراد دخول بغداد فسير إليه دبيس بن صدقة من منعه فعاد وقد استقر الصلح بين السلطانين سنجر ومحمود فقصد السلطان سنجر فدخل إليه ومعه سيف وكفن فقال له أنا لا أؤاخذ أحدا وسلمه إلى السلطان محمود وقال هذا مملوك فاصنع به ما تريد فأخذه وكان في نفسه منه غيظ شديد لأسباب منها أنه لما توفي السلطان محمد أخذ سريته والدة الملك مسعود قهرا قبل انقضاء عدتها ومنها جراءته عليه واستبداده بالأمور دونه ومسيره إلى شحنكية بغداد والسلطان كاره لذلك لكنه لم يقدر على منعه ومنها وما فعله بالعراق من الظلم
إلى غير ذلك فقتله صبرا وأراح العباد والبلاد من شره
ذكر قتل الأمير علي بن عمر
في هذه السنة أيضا قتل الأمير علي بن عمر حاجب السلطان محمد وكان قد صار أكبر أمير مع السلطان محمود وانقادت العساكر له فحسده الأمراء وأفسدوا حاله مع السلطان محمود وحسنوا له قتله فعلم فهرب إلى قلعة برجين وهي بين بروجرد وكرج وكان بها أهله وماله وسار منها في مائتي فارس إلى خوزستان وكانت بيد أقبوري بن برسق وابني أخويه أرغلي بن يلبكي وهندو بن زنكي فأرسل إليهم وأخذ عهودهم بأمانه وحمايته فلما سارا إليهم عسكرا منعوه من قصدهم فلقوه على ستة فراسخ من تستتر فاقتتلوا فانهزم هو وأصحابه فوقف به فرسه فانتقل إلى غيره فتشبث ذيله بسرجه الأول فأزاله فعاود التعلق فأبطأ فأدركوه وأسروه وكاتبوا السلطان محمودا في أمره فأمرهم بقتله فقتل وخمل رأسه إليه
ذكر الفتنة بين المرابطين وأهل قرطبة
في هذه السنة وقيل سنة أربع عشرة كانت فتنة بين عسكر أمير المسلمين علي بن يوسف وبين أهل قرطبة وسببها أن أمير المسلمين استعمل عليها أبا بكر يحيى بن رواد فلما كان يوم الأضحى خرج الناس متفرجين فمد عبد من عبيد أبي بكر يده إلى 188 امرأة فأمسكها فاستغاثت بالمسلمين فأغاثوها فوقع بين العبيد وأهل البلد فتنة عظيمة ودامت جميع النهار والحرب بينهم قائمة على ساق فأدركهم الليل فتفرقوا فوصل الخبر إلى الأمير أبي بكر فاجتمع إليه الفقهاء والأعيان فقالوا المصلحة أن تقتل واحدا من العبيد الذين أثاروا الفتنة فأنكر ذلك وغضب منه وأصبح من الغد وأظهر السلاح والعدد يريد قتال أهل البلد
فركب الفقهاء والأعيان والشبان من أهل البلد وقاتلوه فهزموه وتحصن بالقصر فحصروه وتسلقوا إليه فهرب منهم بعد مشقة وتعب فنهبوا القصر وأحرقوا جميع دور المرابطين ونهبوا أموالهم وأخرجوهم من البلد على أقبح صورة واتصل الخبر بأمير المسلمين فكره ذلك واستعظمه وجمع العساكر من صنهاجة وزناتة والبربر وغيرهم فاجتمع له منهم جمع عظيم فعبر إليه سنة خمس عشرة وخمسمائة وحصر مدينة قرطبة فقاتله أهلها قتال من يريد أن يحمي دمه وحريمه وماله فلما رأى أمير المسلمين شدة قتالهم دخل السفراء بينهم وسعوا في الصلح فأجابهم إلى ذلك على أن يغرم أهل قرطبة المرابطين ما نهبوه من أموالهم واستقرت القاعدة على ذلك وعاد من قتالهم
ذكر ملك علي بن سكمان البصرة
في هذه السنة استولى على البصرة وسبب ذلك أن السلطان محمدا كان قد أقطع الصرة الأمير آقسنقر البخاري فاستخلف بها نائبا يعرف بسنقر البياتي فأحسن السيرة إلى حد أن الماء بالبصرة ملح فأقام سفنا وجرارا للضعفاء والسابلة تحمل لهم الماء العذب فلما توفي السلطان محمد عزم هذا الأمير سنقر على القبض على أمير اسمه غزغلي مقدم الأتراك الإسماعيلية وهو مذكور
وحج بالناس على البصرة عدة سنين وعلى أمير آخر اسمه سنقر ألب وهو مقدم الأتراك البلدقية فاجتمعا عليه وقبضاه وقيداه وأخذا القلعة وما وجداه له ثم إن سنقر ألب أراد قتله فمنعه غزغلي فلم يقبل منه فلما قتله وثب غزغلي على سنقر ألب فقتله ونادى في الناس بالسكون واطمأنوا وكان أمير الحاج من البصرة هذه السنة أمير اسمه علي بن سكمان أحد الأمراء البلدقية
وكان في نفس غزغلي عليه حقد حيث تم الحج على يده ولأنه خاف أن يأخذ بثأر سنقر ألب إذ هو مقدم البلدقية فأرسل غزغلي إلىعرب البرية يأمرهم بقصد الحجاج ونهبهم فطمعوا بذلك وقصدوا الحجاج فقاتلوهم وحماهم ابن سكمان وأبلى بلاء حسنا وجعل يقاتلهم وهو 189 سائر نحو البصرة إلى أن بقي بينه وبين البصرة يومان فأرسل إليه غزغلي يمنعه من قصد البصرة فقصد العوني أسفل دجلة هذا العرب يقاتلونه فلما وصل إلى العوني حمل على العرب حملة صادقة فهزمهم وسار غزغلي إلى علي بن سكمان في عدد كثير
وكان علي في قلة فتحاربا واقتتلت الطائفتان فأصابت فرس غزغلي نشابة فسقط وقتل وسار علي إلى البصرة فدخلها وملك القلعة وأقر عمال آقسنقر البخاري ونوابه كاتبه بالطاعة وكان عند السلطان وسأله أن يكون نائبا عنه بالبصرة فلم يجبه آقسنقر إلى ذلك فطرد حينئذ نواب آقسنقر واستولى على البلد وتصرف تصرف الأصحاب مستبدا واستقر فيه وأحسن السيرة إلى سنة أربع عشرة فسير السلطان محمود الأمير آقسنقر البخاري في عسكر إلى لابصرة فأخذها من علي بن سكمان
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة أمر السلطان سنجر بإعادة مجاهدا الدين بهروز إلى شحنكية العراق وكان بها نائب دبيس بن صدقة فعزل عنها
وفيها في ربيع الأول توفي الوزير ربيب الدولة وزير السلطان محمود ووزر بعده الكمال السميرمي وكان ولد ربيب الدولة وزير المسترشد فعزل بعده عميد الدولة أبو علي بن صدقة ولقب جلال الدين وهذا الوزير وهو عم الوزير جلال الدين أبو الرضا صدقة الذي وزر للراشد والأتبك زنكي على ما نذكره
وفيها ظهر قبر إبراهيم الخليل وقبور ولديه إسحاق ويعقوب عليهم السلام بالقرب من البيت المقدس ورآهم كثير من الناس لم تبل أجسادهم عندهم في المغارة قناديل ذهب وفضة هكذا ذكره حمزة بن أسد التميمي في تاريخه والله أعلم
وفيها في المحرم توفي قاضي القضاة أبو الحسن علي بن محمد الدمغاني ومولده في رجب سنة تسع وأربعين وأربعمائة وولي القضاء بباب الطاق من بغداد إلى الموصل وله من العمر ست وعشرون سنة وهذا شيء لم يكن لغيره
ولما توفي ولي قضاء القضاة الأكمل أبو القاسم علي بن أبي طالب الحسين بن محمد الزنيبي وخلع عليه ثالث صفر
وفيها هدم تاج الخليفة على دجلة للخوف من انهدامه وهذا التاج بناه أمير المؤمنين المكتفي بعد سنة تسعين ومائتين
وفيها تأخر الحج فاستغاث الناس وأرادوا كسر المنبر بجامع القصر فأرسل إلى دبيس من صدقة ليساعد الأمير نظر على تسيير الحجاج فأجاب إلى ذلك
وكان خروجهم من بغداد 190 ثاني عشر ذي القعدة وتوالت عليهم الأمطار إلى الكوفة
وفيها أرسل دبيس بن صدقة القاضي أبا جعفر عبد الواحد بن أحمد الثقفي قاضي الكوفة إلى أيلغازي بن أرتق بماردين يخطب ابنته فزوجها منه أيلغازي وحملها الثقفي معه إلى الحلة واجتاز بالموصل
وفيها في جمادى الأولى توفي أبو الوفا علي بن عقيل بن محمد بن عقيل شيخ الحنابلة في وقته ببغداد وكان حسن المناظرة سريع الخاطر وكان قد اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته على أبي الوليد فأراد الحنابلة قتله فاستجار بباب المراتب عدة سنين ثم أظهر التوبة حتى تمكن من الظهور وله مصنفات من جملتها كتاب الفنون 191
ثم دخلت سنة أربع عشرة وخمسمائة
ذكر عصيان الملك مسعود على أخيه السلطان محمود والحرب بينهما
في هذه السنة في ربيع الأول كان المصاف بين السلطان محمود وأخيه الملك مسعود حينئذ له الموصل وأذربيجان وكان سبب ذلك أن دبيس بن صدقة كان يكاتب جيوش بك أتابك مسعود بحثه على طلب السلطنة للملك مسعود ويعده المساعدة وكان عرضه أن يختلفوا فينال من الجاه وعلو المنزلة ما ناله أبوه باختلاف السلاطين بركيارق ومحمد ابني ملكشاه على ما ذكرناه وكان قسيم الدولة البرسقي أتابك الملك مسعود قد فارق شحنكية بغداد وقد أقطعه مسعود مراغة مضافة إلى الرحبة وبينه وبين دبيس عداوة محكمة فكاتب دبيس جيوش بك يشير عليه بقبض البرسقي وينسبه إلى الميل إلى السلطان محمود وبذل له مالا كثيرا على قبضه فعلم البرسقي ذلك ففارقهم إلى السلطان محمود فأكرمه وأعلى محله وزاد في تقديمه واتصل الأستاذ أبو إسماعيل الحسين بن علي الأصبهاني الطغرائي بالملك مسعود فكان ولده أبو المؤيد محمد بن أبي إسماعيل يكتب الطغراء مع الملك فلما وصل والده مسعود بعد أن عزل أبا علي بن عمار صاحب طرابلس سنة ثلاث عشرة باب خوى فحسن ما كان دبيس يكاتب به من مخالفة السلطان محمود والخروج عن طاعته وظهر ما هم عليه من ذلك فبلغ السلطان محمود الخبر فكتب إليهم يخوفهم إن خالفوه ويعدهم الإحسان إن أقاموا على طاعته وموافقته فلم يصغوا إلى قوله وأظهروا ما كانوا عليه وما سيرونه وخطبوا للملك مسعود بالسلطنة وضربوا له التوب الخمس وكان ذلك على تفرق من عساكر السلطان محمود فقوي طمعهم وأسرعوا السير إليه ليلقوه وهو مخف من العساكر فاجتمع إليه خمسة عشر ألفا فسار أيضا إليهم فالتقوا عند عقبة أسد أباذ منتصف ربيع الأول واقتتلوا من بكرة إلى آخر النهار وكان البرسقي في مقدمة السلطان محمود وأبلى 192 يومئذ بلاء حسنا فانهزم عسكر الملك مسعود آخر النهار وأسر منهم جماعة كثيرة من أعيانهم ومقدميهم وأسر الأستاذ أبو إسماعيل وزير مسعود فأمر السلطان بقتله وقال قد ثبت عندي فساد دينه واعتقاده فكانت وزارته سنة وشهرا وقد جاوز ستين سنة وكان حسن الكتابة والشعر يميل إلى صنعة الكيمياء وله فيها تصانيف قد ضيعت من الناس أموالا لا تحصى
وأما ملك مسعود فإنه لما انهزم أصحابه وتفرقوا قصد جبلا بينه وبين الوقعة اثني عشر فرسخا فاختفى فيه ومعه غلمان صغار فأرسل ركابيه عثمان إلى أخيه يطلب له الأمان فسار إلى السلطان محمود وأعلمه حال أخيه مسعود فرق له وبذل له الأمان وأمر آقسنقر بالمسير إليه وتطبيب قلبه وإعلامه بعفوه وإحضاره فكان مسعود بعد أن أرسل يطلب الأمان قد وصل بعض الأمراء إليه وحسن له اللحاق بالموصل وكانت له ومعها أذربيجان وأشار عليه بمكاتبة دبيس بن صدقة ليجتمع به ويكثر جمعه ويعاود طلب السلطنة فسار معه من مكانه ووصل البرسقي فلم يره فأخبره بمسيره فسار في أثره وعزم على طلبه ولو إلى الموصل وجد في السير فأدركه على ثلاثين رسخا من مكانه ذلك وعرفه عفو أخيه وضمن له ما أراد وأعاده إلى العسكر فأمر السلطان محمود العساكر باستقباله وتعظيمه ففعلوا ذلك وأمر السلطان أن ينزل عند والدته وجلس له وأحضره واعتنقا وبكيا وانعطف عليه محمود ووفى له بما بذله وخلطه بنفسه في كل أفعاله فعد ذلك من مكارم محمود
وكانت الخطبة بالسلطنة لمسعود بأذربيجان وبلد الموصل والجزيرة ثمانية وعشرين يوما
وأما أتابكه جيوش بك فإنه سار إلى عقبة أساد أباذ وانتظر الملك مسعود فلم يره وانتظره بمكان آخر فلم يصل إليه فلما أيس منه سار إلى الموصل ونزل بظاهرها وجمع الغلات من السواد إلأيها واجتمع إليه عسكره فلما سمع بما فعله السلطان مع أخيه وأنه عنده علم أنه لا مقام له على هذا الحال فسار كأنه يريد الصيد فوصل إلى الزاب وقال لمن معه إنني عزمت على قصد السلطان محمود وأخاطر بنفسي فسار إليه فوصل وهو بهمذان ودخل إليه فطيب قلبه وأمنه وأحسن إليه
وأما دبيس فإنه كان بالعراق فلما بلغه خبر انهزام الملك مسعود نهب البلاد وأخربها وفعل فيه الأفاعيل القبيحة إلى أن أتاه رسول السلطان محمود وطيب قلبه فلم يلتفت 193
ذكر حال دبيس وما كان منه
لما كان منه ببغداد وسوادها من النهب والقتل والفساد ما لم يجر مثله أرسل إليه الخليفة المسترشد بالله رسالة ينكر عليه ويأمره بالكف فلم يفعل فأرسل إليه السلطان وطيب قلبه وأمره بمنع أصحابه عن الفساد فلم يقبل وسار بنفسه إلى بغداد وضرب سرادقه بإزاء دار الخلافة وأظهر الضغائن التي في نفسه وكيف طيف برأس أبيه وتهدد الخليفة وقال إنك أرسلت تستدعي السلطان فغن أعدتموه وإلا فعلت وصنعت فأعيد جواب رسالته إن عود السلطان وقد سار عن همذان غير ممكن ولكنا نصلح حالك معه وكان الرسول شيخ الشيوخ إسماعيل فكف على أن تسير الرسل في الاتفاق بينه وبين السلطان وعاد عن بغداد في رجب ووصل السلطان في رجب إلى بغداد فأرسل دبيس زوجته ابنة عميد الدولة بن جهير إليه ومعها مال كثير وهدية نفيسة وسأل الصفح عنه فأجيب إلى ذلك على قاعدة امتنع منها ولزم لجاجه ونهب جشيرا للسلطان فسار السلطان عن بغداد في شوال إلى قصد دبيس بالحلة واستصحب ألف سفينة ليعبر فيها فلما علم دبيس مسير السلطان أرسل يطلب الأمان فأمنه وكان قصده أن يغالطه ليتجهز فأرسل نساءه إلى البطيحة وأخذ أمواله وسار عن الحلة بعد أن نهبها إلى أيلغازي ملتجئا إليه
ووصل السلطان إلى الحلة فلم ير أحدا فبات بها ليلة واحدة وعاد وأقام دبيس عند أيلغازي وتردد معه ثم إنه أرسل أخاه منصورا في جيش من قلعة جعبر إلى العراق فنظر الحلة والكوفة وانحدر إلى البصرة وأرسل إلى يرنقش الزكوي يسأله أن يصلح حاله مع السلطان فلم يتم أمره فأرسل إلى أخيه دبيس يعرفه ذلك ويدعوه إلى العراق فسار من قلعة جعبر إلى الحلة سنة خمس عشرة فدخلها وملكها وأرسل إلى الخليفة والسلطان يعتذر ويعد من نفسه الطاعة فلم يجب إلى ذلك وسيرت إليه العساكر فلما قاربوه فارق الحلة ودخل إلى الأزير وهو نهر سنداد ووصل العسكر إليها وهي فارغة قد أجلى أهلها عنها وليس بها إقامة فكانت الميرة تنقل من بغداد وكان مقدم العسكر سعد الدولة يرنقش الزكوي فترك بالحلة خمسمائة فارس وبالكوفة جماعة أخرى تحفظ الطريق على دبيس وأرسل إلى عسكر واسط يحفظ ففعلوا ذلك وعبر عسكر السلطان إلى دبيس فبقي بين الطائفتين نهر يخاض فيه مواضع فتراسل يرنقش ودبيس واتفقا على أن يرسل دبيس أخاه منصورا رهينة ويلازم الطاعة ففعل وعاد العسكر إلى بغداد سنة ست عشرة 194
ذكر خروج الكرج إلى بلاد الإسلام وملك تفليس
في ذهه السنة خرج الكرج وهم الخزر إلى بلاد الإسلام وكانوا قديما يغيرون فامتنعوا أيام السلطان ملكشاه إلى آخر أيام السلطان محمد
فلما كان هذه السنة خرجوا ومعهم قفجاق وغيرهم من الأمم المجاورة فتكاتب الأمراء المجاورون لبلادهم واجتمعوا منهم الأمير أيلغازي ودبيس بن صدقة
وكان عنده الملك طغرل بن محمد وأتابكه كنتغدي
وكان لطغرل بلداران ونقجوان إلى أرس فاجتمعوا وساروا إلى الكرج فلما قاربوا تفليس
وكان المسلمون في عسكر كثير يبلغون ثلاثين ألفا فالتقوا واصطف الطائفتان للقتال فخرج من القفجاق مائتا رجل فظن المسلمون إنهم مستأمنون فلم يحترزوا منهم ودخلوا بينهم ورموا بالنشاب فاضطرب صف المسلمين فظن من بعد أنها هزيمة فانهزموا وتبع بعضهم بعضا منهزمين ولشدة الزحام صدم بعضهم بعضا فقتل منهم عالم عظيم وتبعهم الكفار عشرة فراسخ يقتلون ويأسرون فقتل أكثرهم وأسروا أربعة آلاف رجل ونجا الملك طغرل ودبيس وعاد الكرج فنهبوا بلاد الإسلام وحصروا مدينة تفليس واشتد قتالهم لمن بها وعظم الأمر وتفاقم الخطب على أهلها ودام الحصار إلى سنة خمس عشر فملكوها عنوة وكان أهلها لما أشرفوا على الهلاك قد أرسلوا قاضيها وخطيبها إلى الكرج في طلب الأمان فلم تصغ الكرج إليهما فأحرقوا بهما ودخلوا البلد قهرا وغلبة واستباحوه ونهبوه ووصل المستنفرون منهم إلى بغداد مستصرخين ومستنصرين سنة ست عشرة فبلغهم أن السلطان محمودا بهمذان فقصدوه واستغاثوا به فسار إلى أذربيجان وأقام بمدينة شهر رمضان وأنفذ عسكرا إلى الكرج وسيرد ذكر ما كان منهم إن شاء الله تعالى
ذكر غزوات أيلغازي هذه السنة
في هذه السنة أرسل المسترشد بالله خلعا مع سديد الدولة بن الأنباري لنجم الدين أيلغازي وشكره على ما يفعله من غزو الفرنج ويأمره بإبعاد دبيس عنه
وسار أبو علي بن عمار الذي كان صاحب طرابلس مع ابن الأنباري إلى أيلغازي ليقيم عنده يعبر الأوقات بما ينقم به عليه فاعتذر بإبعاد دبيس ووعد به ثم سار إلى الفرنج وكان قد جمع لهم جمعا فالتفوا بموضع اسمه ذات البقل من أعمال حلب فاقتتلوا واشتد القتال 195 وكان الظفر له ثم اجتمع أيلغازي وأتابك طغتكين صاحب دمشق وحصروا الفرنج في معرفة قنسرين يوما وليلة ثم أشار أتابك طغتكين بالإفراج عنهم كيلا يحملهم الخوف على أن يستقتلوا ويخرجوا إلى المسلمين فربما ظفروا وكان أكثر خوفه من دبر خيل التركمان وجودة خيل الفرنج فأفرج لهم أيلغازي فساروا عن مكانهم وتخلصوا وكان أيلغازي لا يطيل المقام في بلد الفرنج لأنه كان يجمع التركمان للطمع فيحضر أحدهم ومعه جراب فيه دقيق وشاة ويعد الساعات لغنيمة يتعجلها ويعود فإذا طال مقامهم تفرقوا ولم يكن له من الأموال ما يفرقها فيهم
ذكر ابتداء أمر محمد بن تومرت وعبد المؤمن وملكهما
في هذه السنة كان ابتداء أمر المهدي أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن تومرت العلوي الحسني وقبيلته من المصامدة تعرف بهرغة في جبل السوس من بلاد المغرب نزلوا به لما فتحه المسلمون مع موسى بن نصير ونذكر أمره وأمر عبده المؤمن هذه السنة إلى أن فرغ من ملك المغرب لنتبع بعض الحادثة بعضا وكان ابن تومرت قد رحل في شبيبته إلى بلاد الشرق في طلب العلم وكان قيها فاضلا عالما بالشريعة حافظا للحديث عارفا بأصولي الدين والفقه متحققا بعلم العربية
وكان ورعا ناسكا ووصل في سفره إلى العراق واجتمع بالغزالي والكيا واجتمع بأبي بكر الطرطوشي بالاسكندرية
وقيل أنه جرى له حديث مع الغزالي فيما فعله بالمغرب من التملك فقال له الغزالي إن هذا لا يتمشى في هذه البلاد ولا يمكن وقوعه لأمثالنا كذا قال بعض مؤرخي المغرب والصحيح أنه لم يجتمع به فحج من هناك وعاد إلى المغرب ولما ركب البحر من الإسكندرية مغربا غير المنكر في المركب وألزم من به بإقامة الصلاة وقراءة القرآن حتى انتهى إلى المهدية وسلطانها حينئذ يحيى بن تميم سنة خمس وخمسمائة فنزل بمسجد قبلي مسجد السبت وليس له سوى ركوة وعصا وتسامع به أهل البلد فقصدوه يقرأون عليه أنواع العلم وكان إذا مر به منكر وأزاله فلما كثر ذلك منه أحضره الأمير يحيى مع جماعة من الفقهاء فلما رأى سمته وسمع كلامه أكرمه واحترمه وسأله الدعاء ورحل عن المدينة وأقام بالمنستير مع جماعة من الصالحين مدة وسار إلى بجاية ففعل فيها مثل 196 ذلك فأخرج منها إلى قرية بالقرب منها اسمها ملالة فلقيه بها عبد المؤمن بن علي فرأى فيه من النجابة والنهضة ما تفرس فيه التقدم والقيام بالأمر فسأله عن اسمه وقبيلته فأخبره أنه من قيس عيلان ثم من بني سليم فقال ابن تومرت هذا الذي بشر به النبي حين قال إن الله ينصر هذا الدين في آخر الزمان برجل من قيس فقيل من أي قيس فقال من بنمي سليم فاستبشر بعبد المؤمن وسر بلقائه
وكان مولد عبد المؤمن في مدينة تاجرة من أعمال تلمسان وهو من عائد قبيل من كومرة نزلوا بذلك الإقليم سنة ثمانين ومائة ولم يزل المهدي ملازما للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في طريقه إلى أن وصل إلى مراكش دار مملكة أمير المسلمين يوسف بن علي بن تاشفين فرأى فيها من المنكرات أكثر ما عاينه في طريقه فزاد في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فكثر أتباعه وحسنت ظنون الناس فيه فبينما هو في بعض الأيام في طريقه إذ رأى أخت أمير المسلمين في موكبها ومعها من الجواري الحسان عدة كثيرة وهن مسفرات وكانت هذه عادة الملثمين يسفر نساؤهم وجوههم ويتلثم الرجال فحين رأى النساء كذلك أنكر عليهن وأمرهن بستر وجوههن وضرب هو وأصحابه دوابهن فسقطت أخت أمير المسلمين علي بن يوسف فأحضره وأحضر الفقهاء لناظروه فأخذ يعظه ويخوفه فبكى أمير المسلمين وأمر أن يناظره الفقهاء فلم يكن فيهم من يقوم له لقوة أدلته الذي فعله
وكان عند أمير المسلمين بعض وزرائه يقال له مالك بن وهيب فقال يا أمير المسلمين إن هذا والله لا يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما يريد إثارة فتنة والغلبة على بعض النواحي فاقتله وقلدني دمه فلم يفعل ذلك
فقال إذ لم تقتله فأحبسه وخلده في السجن وإلا أثار شرا لا يمكنه تلاقيه فأراد حبسه فمنعه رجل من أكابر الملثمين يسمى بيان بن عثمان فأمر بإخراجه من مراكش فسار إلى أغمات ولحق بالجبل فسار فيه حتى التحق بالسوس الذي فيه قبيلة هرغة وغيرهم من المصامدة سنة أربع عشرة فأتوه واجتمعوا حوله وتسامع به أهل تلك النواحي فوفدوا عليه وحضر 197 أعيانهم بين يديه وجعل يعظهم ويذكرهم بأيام الله ويذكر لهم شرائع الإسلام وما غير منها وما حدث من الظلم والفساد وأنه لا يجب طاعة دولة من هذه الدول لاتباعهم الباطل بل الواجب قتالهم ومنعهم عما هم فيه فأقام على ذلك نحو سنة وتابعه هرغة قبيلته وسمى أتباعه الموحدين وأعلمهم أن النبي بشر بالمهدي الذي يملأ الأرض عدلا وأن مكانه الذي يخرج منه المغرب الأقصى فقام إليه عشرة رجال أحدهم عبد المؤمن فقالوا لا يوجد هذا إلا فيك فأنت المهدي فبايعوه على ذلك
فانتهى خبره إلى أمير المسلمين فجهز جيشا من أصحابه وسيرهم إليه فلما قربوا من الجبل الذي هو فيه قال لأصحابه إن هؤلاء يريدونني وأخاف عليكم منهم فالرأي أن أخرج بنفسي إلى غير هذه البلاد لتسلموا أنتم فقال له ابن توفيان من مشايخ هرغة هل تخاف شيئا من السماء فقال لا بل من السماء تنصرون فقال ابن توفيان فيأتينا كل من في الأرض ووافقه جميع قبيلته فقال المهدي أبشروا بالنصر والظفر بهذه الشرذمة وبعد قليل تستأصلون دولتهم وترثون أرضهم
فنزلوا من الجبل ولقوا جيش أمير المسلمين فهزمهم وأخذوا أسلابهم وقوي ظنهم في صدق المهدي حيث ظفروا كما ذكر لهم
وأقبلت إليه أفواج من الحلل التي حوله شرقا وغربا وبايعوه
وأطاعه قبيلة هنتانة وهي من أقوى القبائل فأقبل عليهم واطمأن إليهم
وأتاه رسل أهل تينملل بطاعتهم وطلبوه إليهم فتوجه إلىجبل تينملل واستوطنه وألف لهم كتابا في التوحيد وكتابا في العقيدة ونهج لهم طريق الأدب بعضهم مع بعض والاقتصار على القصير من الثياب القليل الثمن
وهو يحرضهم على قتال عدوهم وإخراج الأشرار من بين أظهوهم
وأقام بتينملل وبنى له مسجدا خارج المدينة فكان يصلي فيه الصلوات هو وجمع ممن معه عنده ويدخل البلد بعد العشاء الآخرة فلما رأى كثرة أهل الجبل وحصانة المدينة خاف أن يرجعوا عنه فأمرهم أن يحضروا بغير سلاح ففعلوا ذلك عدة أيام ثم إنه أمر أصحابه أن يقتلوهم فخرجوا عليهم وهم غارون فقتلوهم في ذلك المسجد
ثم دخل المدينة فقتل فيها وأكثر وسبى الحريم ونهب الأموال فكان عدة القتلى خمسة عشر ألفا وقسم المساكن والأرض بين أصحابه وبنى على المدينة سورا وقلعة على رأس جبل عال
وفي جبل تينملل أنهار جارية وأشجار وزروع والطريق إليه صعب فلا جبل أحصن منه
وقيل إنه لما خاف أهل تينملل نظر فرأى كثيرا من أولادهم شقرا زرقا 198 والذي يغلب على الآباء السمرة وكان لأمير المسلمين عدة كثيرة من المماليك الفرنج والروم يغلب على ألوانهم الشقرة وكانوا يصعدون الجبل في كل عام مرة ويأخذون ما لهم فيه من الأموال المقررة لهم من جهة السلطان فكانوا يسكنون بيوت أهله ويخرجون أصحابها منها فلما رأى المهدي أولادهم سألهم ما لي أراكم سمر الألوان وأرى أولادكم شقرا زرقا فأخبروه خبرهم مع مماليك أمير المسلمين فقبح الصبر على هذا وأزرى عليهم وعظم الأمر عندهم فقالوا له فكيف الحيلة في الخلاص منهم وليس لنا بهم قوة فقال إذا حضروا عندكم في الوقت المعتاد وتفرقوا في مساكنكم فلقم كل رجل منكم إلى نزيله فليقتله واحفظوا جبلكم فإنه لا يرام ولا يقدر عليه فصبروا حتى حضر أولئك العبيد فقتلوهم على ما قرر لهم المهدي فلما فعلوا ذلك خافوا على نفوسهم من أمير المسلمين فامتنعوا في الجبل وسدوا ما فيه من طريق يسلك إليهم فقويت نفس المهدي بذلك
ثم إن أمير المسلمين أسل إليهم جيشا قويا فحصروهم في الجبل وضيقوا عليهم ومنعوا عنهم الميرة فقتلت عند أصحاب المهدي الأقوات حتى صار الخبز معدوما عندهم وكان يطبخ لهم كل يوم من الحساء ما يكفيهم فكان قوت كل واحد منهم أن يغمس يده في ذلك الحساء ويخرجها فلما علق عليها قنع به ذلك اليوم فاجتمع أعيان أهل تينملل وأرادوا إصلاح الحال مع أمير المسلمين فبلغ الخبر بذلك المهدي بن تومرت وكان معه إنسان يقال له عبد الله الونشريشي يظهر البله وعدم المعرفة بشيء من القرآن والعلم وبزاقه يجري على صدره وهو كأنه معتوه ومع هذا فالمهدي يقربه ويكرمه ويقول إن لله سرا في هذا الرجل سوف يظهر
وكان الونشريشي يلزم الاشتغال بالقرآن والعلم يف السر بحيث لا يعلم أحد ذلك منه
فلما كان سنة تسع عشرة وخاف المهدي من أهل الجبل خرج يوما لصلاة الصبح فرأى إلى جانب محرابه إنسانا حسن الثياب طيب الريح فأظهر أنه لا يعرفه وقال من هذا فقال أنا أبو عبد الله الونشريشي
فقال به المهدي إن أمرك لعجب ثم صلى فلما فرغ من صلاته نادى في الناس فحضروا فقال إن هذا الرجل يزعم أنه الونشريشي فانظروه وحققوا أمره فلما أضاء النهار عرفوه
فقال له المهدي ما قصتك قال إنني أتاني الليلة ملك من السماء فغسل قلبي وعلمني القرآن والموطأ وغيره من العلوم والأحاديث
فبكى المهدي بحضرة 199 الناس ثم قال له نحن نمتحنك فقال افعل
وابتدأ يقرأ القرآن قراءة حسنة من أي موضع سئل وكذلك الموطأ وغيره من كتب الفقه والأصول فعجب الناس من ذلك واستعظموه ثم قال لهم إن الله تعالى قد أعطاني نورا أعرف به أهل الجنة من أهل النار وآمركم أن تقتلوا أهل النار وتتركوا أهل الجنة وقد أنزل الله تعالى ملائكة إلى البئر التي في المكان الفلاني يشهدون بصدقي
فسار المهدي والناس معه وهم يبكون إلى تلك البئر وصلى المهدي عند رأسها وقال يا ملائكة الله إن أبا عبد الله الونشريشي قد زعم كيت وكيت فقال من بها صدق وكان قد وضع فيها رجالا يشهدون بذلك فلما قيل ذلك من البئر قال المهدي إن هذه مطهرة مقدسة قد نزل إليها الملائكة والمصلحة أن تطم لئلا يقع فيها نجاسة أو ما لا يجوز فألقوا فيها من الحجارة والتراب ما طمها ثم نادى في أهل الجبل بالحضور إلى ذلك المكان فحضروا للتمييز فكان الونشريشي يعمد إلى الرجل الذي يخاف ناحيته فيقول هذا من أهل النار فيلقى من الجبل مقتولا وإلى الشاب الغر ومن لا يخشى فيقول هذا من أهل الجنة فيترك على يمينه فكان عدة القتلى سبعين ألفا فلما فرغ من ذلك أمن على نفسه وأصحابه واستقام أمره
هكذا سمعت جماعة من فضلاء المغاربة يذكرون في التمييز وسمعت منهم من يقول إن ابن تومرت لما رأى كثرة أهل الشر والفساد في أهل الجبل أحضر شيوخ القبائل وقال لهم إنكم لا يصح لكم دين ولا يقوى إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإخراج المفسد من بينكم فابحثوا عن كل من عندكم من أهل الشر والفساد فانهوهم عن ذلك فإن انتهوا وإلا فاكتبوا أسماءهم وارفعوها إلي لأنظر في أمرهم
ففعلوا ذلك وكتبوا له أسماءهم من كل قبيلة ثم أمرهم بذلك مرة ثانية وثالثة ثم جمع المكتوبات فأخذ منها ما تكرر من الأسماء فأثبتها عنده ثم جمع الناس قاطبة ورفع الأسماء التي كتبها ودفعها إلى الونشريشي المعروف بالبشير وأمره أن يعرض القبائل ويجعل أولئك المفسدين في جهة الشمال ومن عداهم من جهة اليمين ففعل ذلك
وأمر أن يكتف من على شمال الونشريشي فكتفوا وقال إن هؤلاء أشقياء وقد وجب قتلهم
وأمر كل قبيلة أن يقتلوا أشقاءهم فقتلوا عن آخرهم فكان يوم التمييز
ولما فرغ ابن تومرت من التمييز رأى أصحابه الباقين على نيات صادقة وقلوب متفقة على طاعته فجهز منهم جيشا وسيرهم إلى جبال أغمات وبها جمع من المرابطين 200 فقاتلوهم فانهزم أصحاب ابن تومرت وكان أميرهم أبو عبد الله الونشريشي وقتل منهم كثير وجرح عمر الهنتاني وهو أكبر أصحابه وسكن حسن حسه ونبضه
فقالوا مات فقال الونشريشي أما إنه لم يمت ولا يموت حتى يملك البلاد فبعد ساعة فتح عينيه وعادت قوته إليه فافتتنوا به وعادوا منهزمين إلى ابن تومرت فوعظهم وشكرهم على صبرهم
ثم لم يزل بعدها يرسل السرايا في أطراف بلاد المسلمين فإذا رأوا عسكرا تعلقوا بالجبل فأمنوا
وكان المهدي قد رتب أصحابه مراتب فالأولى يسمون أيت عشرة يعني أهل عشرة وأولهم عبد المؤمن ثم أبو حفص الهنتاني وغيرهما وهم أشرف أصحابه وأهل الثقة عنده والسابقون إلى متابعته
والثانية أيت خمسين يعني أهل خمسين وهم دون تلك الطبقة وهم جماعة من رؤساء القبائل
والثالثة أيت سبعين يعني أهل سبعين وهم دون التي قبلها
وسمى عامة أصحابه والداخلين في طاعته موحدين
فإذا ذكر الموحدون في أخبارهم فإنما يعني أصحابه وأصحاب عبد المؤمن بعده ولم يزل أمر ابن تومرت يعلو إلى سنة أربع وعشرين فجهز المهدي جيشا كثيفا يبلغون أربعين ألفا فأكثرهم رجالة وجعل عليهم الونشريشي وسير معهم عبد المؤمن فنزلوا وساروا إلى مراكش فحصروها وضيقوا عليها وبها أمير المسلمين علي بن يوسف فبقي الحصار عليها عشرين يوما
فأرسل أمير المسلمين إلى متولي سجلماسة يأمره أن يحضر معه الجيوش
فجمع جيشا كثيرا وسار فلما قارب عسكر المهدي خرج أهل مراكش من غير الجهة التي أقبل منها فاقتتلوا واشتد القتال وكثر القتل وأصحاب المهدي فقتل الونشريشي أميرهم فاجتمعوا إلى عبد المؤمن وجعلوه أميرا عليهم
ولم يزل القتال بينهم عامة النهار وصلى عبد المؤمن صلاة الخوف الظهر والعصر والحرب قائمة ولم تصل بالمغرب قبل ذلك فلما رأى المصامدة كثيرة المرابطين وقوتهم أسندوا ظهورهم إلى بستان يسمى عندهم البحيرة فلهذا قيل وقعة البحيرة وعام البحيرة وصاروا يقاتلون من جهة واحدة إلى أن أدركهم الليل وقد قتل من المصامدة أكثرهم
وحين قتل الونشريشي دفنه عبد المؤمن فطلبه المصامدة فم يروه في القتلى فقالوا رفعته الملائكة ولما جنهم الليل سار عبد المؤمن ومن سلم من القتلى إلى الجبل 201
ذكر وفاة المهدي وولاية عبد المؤمن
لما سير الجيش إلى حصار مراكش مرض مرضا شديدا فلما بلغه خبر الهزيمة اشتد مرضه وسأل عن عبد المؤمن فقيل هو سالم
فقال ما مات أحدا لأمر قائم وهو الذي يفتح البلاد
ووصى أصحابه باتباعه وتقديمه وتسليم الأمر إليه والانقياد له ولقبه أمير المؤمنين ثم مات المهدي وكان عمره إحدى وخمسين سنة وقيل خمسا وخمسين سنة ومدة ولايته عشرين سنة وعاد عبد المؤمن إلى تينملل وأقام بها يتألف القلوب ويحسن إلى الناس
وكان جوادا مقداما في الحروب ثابتا في الهزاهز إلى أن دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمائة فتجهز وسار في جيش كثير وجعل يمشي مع الجبل إلى أن وصل إلى تادلة فمانعه وقاتلوه فقهرهم وفتحها وسائر البلاد التي تليها
ومشى في الجبال يفتح ما امتنع عليه وأطاعه صنهاجة الجبل
وكان أمير المسلمين قد جعل ولي عهده ابنه سير فمات فأحضر أمير المسلمين تاشفين من الأندلس وكان أميرا عليها فلما حضر عنده جعله ولي عهده سنة إحدى وثلاثين وجعل معه جيشا وصار يمشي في الصحراء قبالة عبد المؤمن في الجبال
وفي سنة اثنتين وثلاثين كان عبد المؤمن في النواظر وهو جبل عال مشرف
وتاشفين في الوطأة ويخرج من الطائفتين قوم يتراءون ويتطاردون ولم يكن بينهما لقاء ويسمى عام النواظر
وفي سنة ثلاث وثلاثين توجه عبد المؤمن مع الجبل في الشعراء حتى انتهى إلىجبل كرناطة فنزل في أرض صلبة بين شجر ونزل تاشفين قبالته في الوطأة في أرض لا نبات فيها وكان الفصل شاتيا فتوالت الأمطار أياما كثيرة لا يقلع فصارت الأرض التي فيها تاشفين وأصحابه كثيرة الوحل تسوخ فيها قوائم الخيل إلى صدورها ويعجز الرجل عن المشي فيها وتقطعت الطرق عنها فأوقدوا رماحهم وقرابيس سروجهم وهلكوا جوعا وبردا وسوء حال
وكان عبد المؤمن وأصحابه في أرض خشنة صلبة في الجبل لا يبالون بشيء والميرة متصلة إليهم وفي ذلك الوقت سير عبد المؤمن جيشا إلى وجرة من أعمال تلمسان ومقدمهم أبو عبد الله محمد بن رقو وهو من أيت خمسين
فبلغ خبرهم إلى محمد بن يحيى بن فانو متولي تلمسان فخرج في جيش من الملثمين فالتقوا بموضع يعرف بخندق الخمر فهزمهم جيش عبد المؤمن وقتل محمد بن يحيى وكثير من أصحابه وغنموا ما معهم ورجعوا
فتوجه عبد المؤمن بجميع جيشه إلى 202 غمارة فأطاعوا قبيلة بعد قبيلة وأقام عندهم مدة وما برح يمشي في الجبال وتاشفين يحاذيه في الصحارى فلم يزل عبد المؤمن كذلك إلى سنة خمس وثلاثين
فتوفي أمير المسلمين علي بن يوسف بمراكش وملك بعده ابنه تاشفين فقوي طمع عبد المؤمن في البلاد إلا أنه لم ينزل الصحراء
وفي سنة ثمان وثلاثين توجه عبد المؤمن إلى تلمسان فنازلها وضرب خيامه في جبل بأعلاها ونزل تاشفين على الجانب الآخر من البلد وكان بينهم مناوشة فبقوا كذلك إلى سنة تسع وثلاثين فرحل عبد المؤمن عنها إلى جبل تاجرة ووجه جيشا مع عمر الهنتاني إلى مدينة وهران فهاجمها بغتة وحصل هو وجيشه فيها
فسمع بذلك تاشفين فسار إليها فخرج منها عمر ونزل تاشفين بظاهر وهران على البحر ف شهر رمضان سنة تسع وثلاثين فجاءت ليلة سبع وعشرين منه وهي ليلة يعظمها أهل المغرب وبظاهر وهران ربوة مطلة على البحر وبأعلاها ثنية يجتمع فيها المتعبدون وهو موضع معظم عندهم فسار إليه تاشفين في نفر يسير من أصحابه متخفيا لم يعلم به إلا النفر الذين معه وقصد التبرك بحضور ذلك الموضع مع أولئك الجماعة الصالحين فبلغ الخبر إلى عمر بن يحيى الهنتاني فسار لوقته بجميع عسكره إلى ذلك المتعبد وأحاطوا به وملكوا الربوة فلما خاف تاشفين على نفسه أن يأخذوه ركب فرسه وحمل عليه إلى جهة البحر فسقط من جرف عال على الحجارة ورفعت جثته على خشبة وقتل كل من كان معه
وقيل إن تاشفين قصد حصنا هناك على رابية وله فيه بستان كبير فيه كل الثمار فاتفق أن عمر الهنتاني مقدم عسكر عبد المؤمن سير سرية إلى ذلك الحصن يعلمهم بضعف من فيه ولم يعلموا أن تاشفين فيه فألقوا النار في بابه فاحترق فأراد تاشفين الهرب فركب فرسه فوثب الفرس من داخل الحصن إلى خارج السور فسقط في النار فأخذ تاشفين فاعترف فأرادوا حمله إلى عبد المؤمن فمات في الحال لأن رقبته كانت قد اندقت فصلب وقتل كل من معه وتفرق عسكره ولم يعد لهم جماعة وملك بعد أخوه إسحاق بن علي بن يوسف
ولما قتل تاشفين أرسل عمر إلى عبد المؤمن بالخبر فجاء من تاجرة في يومه بجميع عسكره وتفرق عسكر أمير المسلمين واحتمى بعضهم بمدينة وهران
فلما وصل عبد المؤمن دخلها بالسيف وقتل فيها ما لا يحصى ثم سار إلى تلمسان وهما مدينتان شوط فرس أحدهما تاجررت فيها وبها عسكر المسلمين والآخر أقادير 203 وهي بناء قديم فامتنعت أقادير وغلقت أبوابها وتأهب أهلها للقتال
وأما تاجررت فكان فيها يحيى بن الصحراوية فهرب منها بعسكره إلى مدينة فاس
وجاء عبد المؤمن إليها فدخلها لما فر منها العسكر ولقيه أهلها بالخضوع والاستكانة فلم يقبل منهم ذلك وقتل أكثرهم ودخلها عسكره ورتب أمرها ورحل عنها وجعل على أقادير جيشا يحصرها وسار إلى مدينة فاس سنة أربعين فنزل على جبل مطل عليها وحصرها تسعة أشهر وفيها يحيى بن الصحراوية وعسكره الذي فروا من تلمسان فلما طال مقام عبد المؤمن عمد إلى نهر يدخل البلد فسكره بالأخشاب والتراب وغير ذلك فمنعه من دخول البلد وصار بحيرة تسير فيها السفن ثم هدم السكر فجاء الماء دفعة واحدة فخرب سور البلد وكل ما يجاور النهر من البلد أراد عبد المؤمن أن يدخل البلد فقاتله أهله خارج السور فتعذر عليه ما قدره من دخوله
وكان بفاس عبد الله بن خيار الجياني عاملا عليها وعلى جميع أعمالها فاتفق هو وجماعة من أعيان البلد وكاتبوا عبد المؤمن في طلب الأمان لأهل فاس فأجابهم إليه فتحوا له بابا من أبوابها فدخله عسكره وهرب يحيى بن الصحراوية وكان فتحها آخر سنة أربعين وخمسمائة وسار إلى طنجة ورتب عبد المؤمن أمر مدينة فاس وأمر فنودي في أهلها من ترك عنده سلاحا وعدة قتال حل دمه فحمل كل من في البلد ما عندهم من سلاح إليه فأخذه منهم ثم رجع إلى مكناسة فعل بأهلها مثل ذلك وقتل من بها من الفرسان والأجناد
وأما العسكر الذي كان على تلمسان فأنهم قاتلوا أهلها ونصبوا المجانيق وأبراج الخشب بالدبابات
وكان المقدم على أهلها الفقيه عثمان فدام الحصار نحو سنة فلما اشتد الأمر على أهل البلد اجتمع جماعة منهم وراسلوا الموحدين أصحاب عبد المؤمن بغير علم الفقيه وعثمان وأدخلوهم البلد فلم يشعر أهله إلا وسيف يأخذهم فقتل أكثر أهله وسبيت الذرية والحريم ونهب من الأموال ما لا يحصى ومن الجواهر ما لا تحد قيمته ومن لم يقتل بيع بأوكس الأثمان
وكان عدة القتلى مائة ألف قتيل
وقيل إن عبد المؤمن هو الذي حصر تلمسان وسار منها إلى فاس واله أعلم وسير عبد المؤمن من فاس إلى مدينة سلا ففتحها وحضر عنده 204 جماعة من أعيان سبتة فدخلوا في طاعته فأجابهم إلى بذل الأمان وكان ذلك سنة إحدى وأربعين
ذكر ملك المؤمن مدينة مراكش
لما فرغ عبد المؤمن من فاس وتلك النواحي سار إلى مراكش وهي كرسي مملكة الملثمين وهي من أكبر المدن وأعظمها وكان صاحبها حينئذ إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين وهو صبي فنازلها
وكان نزوله عليها سنة إحدى وأربعين فضرب خيامه في غربيها على جبل صغير وبنى عليه مدينة له ولعسكره وبنى بها جامعا وبنى له بناء عاليا يشرف منه على المدينة ويرى أحوال أهلها وأحوال المقاتلين من أصحابه وقاتلها قتالا كثيرا وأقام عليها أحد عشر شهرا فكان من بها من المرابطين يخرجون يقاتلونهم بظاهر البلد واشتد الجوع على أهله وتعذرت الأقوات عندهم ثم زحف إليهم يوما وجعل لهم كمينا وقال لهم إذا سمعتم صوت الطبل فأخرجوا وجلس هو بأعلى المنظرة التي بناها بشاهد القتال وتقدم عسكره وقاتلوا وصبروا ثم إنهم انهزموا لأهل مراكش ليتبعوهم إلى الكمين الذين لهم فتبعهم الملثمون إلى أن وصلوا إلى مدينة عبد المؤمن فهدموا أكثر سورها وصاحت المصامدة بعبد المؤمن ليأمر بضرب الطبل ليخرج الكمين فقال لهم اصبروا حتى يخرج كل طامع في البلد
فلما خرج أكثر أهله أمر بالطبل فضرب وخرج الكمين عليهم ورجع المصامدة المنهزمون إلى الملثمين فقتلوهم كيف شاؤوا وعادت الهزيمة على الملثمين فمات في زحمة الأبواب ما لا يحصيه إلى الله سبحانه وكان شيوخ الملثمين يدبرون دولة إسحاق بن علي بن يوسف لصغر سنه فاتفق أن إنسانا من جملتهم يقال له عبد الله بن أبي بكر خرج إلى عبد المؤمن مستأمنا وأطلعه على عوراتهم وضعفهم فقوي الطمع فيهم واشتد عليهم البلاء ونصب عليهم المنجنيقات والأبراج وفنيت أقواتهم وأكلوا دوابهم
ومات من العامة بالجوع ما يزيد على مائة ألف إنسان فأنتن البلد من ريح الموتى وكان بمراكش جيش من الفرنج كان المرابطون قد استنجدوا بهم فجاؤوا إليهم نجدة فلما طال عليهم الأمر راسلوا عبد المؤمن يسألون الأمان فأجابهم إليه ففتحوا له بابا من أبواب البلد يقال له أغمات فدخلت عساكره وملكوا المدينة عنوة وقتلوا من وجدوا ووصلوا إلى دار أمير المسلمين فأخرجوا الأمير إسحاق وجميع من معه من أمراء المرابطين فقتلوا 205 وجعل إسحاق يرتعد رغبة في البقاء ويدعو لعبد المؤمن ويبكي فقام إليه الأمير سير بن الحاج وكان إلى جانبه مكتوفا فبزق في وجهه وقال تبكي على أبيك وأمك اصبر صبر الرجال فهذا رجل لا يخاف ولا يدين بدين فقام الموحدون إليه بالخشب فضربوه حتى قتلوه وكان من الشجعان المعروفين بالشجاعة
وقدم إسحاق على صغر سنه فضربت عنقه سنة اثنتين وأربعين وهو آخر ملوك المرابطين وبه انقرضت دولتهم وكانت مدة ملكهم سبعين سنة وولي منهم أربعة يوسف وعلي وتاشفين وإسحاق ولما فتح عبد المؤمن مراكش أقام بها واستوطنها واستقر ملكه ولما قتل عبد المؤمن من أهل مراكش فأكثر فيهم القتل اختفى كثير من أهلها
فلما كان بعد سبعة أيام أمر فنودي بأمان من بقي من أهلها فخرجوا فأراد أصحابه المصامدة قتلهم وقال هؤلاء صناع وأهل الأسواق من ننتفع به فتركوا وأمر بإخراج القتلى من البلد فأخرجوهم وبنى بالقصر جامعا كبيرا وزخرفه فأحسن عمله وأمر بهدم الجامع الذي بناه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين
ولقد أساء يوسف بن تاشفين في فعله بالمعتمد بن عباد وارتكب بسجنه على الحالة المذكورة أقبح مركب فلا جرم سلط الله عليه في عقابه من أربى في الأخذ عليه وزاد فتبارك الحي الدائم الملك الذي لا يزول ملكه وهذه سنة الدنيا فأف لها ثم أف نسأل الله أن يختم أعمالنا بالحسنى ويجعل خير أيامنا يوم نلقاه بمحمد وآله
ذكر ظفر عبد المؤمن بدكالة
في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة سار بعض المرابطين من الملثمين إلى دكالة فاجتمع إليه قبائلها وصاروا يغيرون على أعمال مراكش وعبد المؤمن لا يلتفت إليهم فلما كثر ذلك منهم سار إليهم سنة أربع وأربعين فلما سمعت دكالة بذلك انحشروا كلهم إلى ساحل البحر في مائتي ألف راجل وعشرين ألف فارس وكانوا موصوفين بالشجاعة وكان مع عبد المؤمن من الجيوش ما يخرج عن الحصر وكان الموضع الذي فيه دكالة كثير الحجر والحزونة فكمنوا فيه كمناء ليخرجوا على عبد المؤمن إذا سلكه فمن الاتفاق الحسن له أنه قصدهم من غير الجهة التي فيها الكمناء فانحل عليهم ما قدروه وفارقوا ذلك الموضع فأخذهم السيف فدخلوا البحر فقتل 206 أكثرهم وغنمت إبلهم وأغنامهم وأموالهم وسبي نساؤهم وذراريهم فبيعت الجارية الحسناء بدراهم بصيرة
وعاد عبد المؤمن إلى مراكش مظفرا منصورا وثبت ملكه وخافه الناس في جميع المغرب وأذعنوا له بالطاعة
ذكر حصر مدينة كتندة
في هذه السنة يعني سنة أربع عشرة وخمسمائة خرج ملك من ملوك الفرنج بالأندلس يقال له ابن ردمير فسار حتى انتهى إلى كتندة وهي بالقرب من مرسية في شرق الأندلس فحصرها وضيق على أهلها
وكان أمير المسلمين علي بن يوسف حينئذ بقرطبة ومعه جيش كثير من المسلمين والأجناد المتطوعة فسيرهم إلى ابن ردمير فالتقوا واقتتلوا أشد القتال وهزمهم ابن ردمير هزيمة منكرة وكثر القتل في المسلمين وكان فيمن قتل أبو عبد الله بن الفراء قاضي المرية وكان من العلماء العاملين والزهاد في الدنيا العادلين في القضاء
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة كسر بلك بن أرتق عفراس الرومي وقتل من الروم خمسة آلاف رجل على قلعة سرمان من بلد يدكان وأسر عفراس وكثير من عسكر
وفيها أغار جوسلين الفرنجي صاحب الرها على جيوش العرب والتركمان وكانوا نازلين بصفين غربي الفرات وغنم من أموالهم وخيلهم ومواشيهم شيئا كثيرا ولما عاد خرب بزاعة
وفيها تسلم أتابك طغتكين صاحب دمشق مدينة تدمير والشقيف
وفيها أمر السلطان محمود الأمير جيوش بك بالمسير إلى حرب أخيه طغرل فسار إليه فسمع طغرل وأتابكه كنتغدي ذلك فسار إلى كنجة من بين يدي العسكر ولم يجر قتال
وفيها في المحرم توفي خالصة الدولة أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب بن السبي صاحب المخزن ببغداد وولي مكانه الكمال أبو الفتوح حمزة بن طلحة المعروف بابن البقشلام والد علم الدين الكاتب المعروف
وفي جمادى الأولى منها توفي أبو سعد عبد الرحيم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري الإمام وكان أخذ العلم من قرابته والطريقة أيضا ثم استفاد أيضا من إمام الحرمين أبي المعالي الجويني وسمع الحديث من جماعة ورواه وكان حسين الوعظ سريع الخاطر ولما توفي جلس الناس في البلاد البعيدة للعزاء به حتى في بغداد برباط شيخ الشيوخ 207
ثم دخلت سنة خمس عشرة وخمسمائة
ذكر إقطاع البرسقي الموصل
في هذه السنة في صفر أقطع السلطان محمود مدينة الموصل وأعمالها وما ينضاف إليها كالجزيرة وسنجار وغيرها الأمير آقسنقر البرسقي
وسبب ذلك أنه كان في خدمة السلطان محمود ناصحا له ملازما له في حروبه كلها
وكان له الأثر الحسن في الحرب المذكورة بين السلطان محمود وأخيه الملك مسعود وهو الذي أحضر الملك مسعود عند أخيه السلطان محمود فعظم ذلك عند السلطان محمود فعظم ذلك عند السلطان محمود لما حضر جيوش بك عند السلطان محمود وبقيت الموصل بغير أمير ولي عليها البرسقي وتقدم إلى سائر الأمراء بطاعته وأمره بمجاهدة الفرنج وأخذ البلاد منهم فسار إليها في عسكر كثير وملكها وأقام يدبر أمورها ويصلح أحوالها
ذكر وفاة الأمير علي وولاية ابنه الحسن إفريقية
في هذه السنة توفي الأمير علي بن يحيى بن تميم صاحب أفريقية في العشر الأخير من ربيع الآخر
وكان مولده بالمهدية وقد تقدم من حروبه وأعماله ما يستدل به على علو همته ولما توفي ولي الملك بعده ابنه الحسن بعهد أبيه وقام بأمر دولته صندل الخصي لأنه كان عمره حينئذ اثنتي عشرة سنة لا يستقل بتدبير الملك فقام صندل في الحفظ والاحتياط فلم تطل أيامه حتى توفي فوقع الاختلاف بين أصحابه وقواده كل منهم يقول أنا المقدم على الجميع وبيدي الحل والشد فلم يزالوا كذلك إلى أن فوض أمور دولته إلى قائد من أصحاب أبيه يقال له أبو عزيز موفق فصلحت الأمور
ذكر قتل أمير الجيوش
في هذه السنة في الثالث والعشرين من رمضان قتل أمير الجيوش الأفضل بن بدر 208 الجمالي وهو صاحب الأمر والحكم بمصر
وكان ركب إلى خزانة السلام ليفرقه على الأجناد على جاري العادة في الأعياد فسار معه عالم كثير من الرجالة والخيالة فتأذى بالغبار فأمر بالبعد عنه وسار منفردا معه رجلان فصادقه رجلان بسوق الصياقلة فضرباه بالسكاكين فجرحاه وجاء الثالث من ورائه فضربه بسكين في خاصرته فسقط عن دابته ورجع أصحابه فقتلوا الثلاثة وحملوه إلى دار الأفضل فدخل عليه الخليفة وتوجع له وسأله عن الأموال فقال أما الظاهر منها فأبو الحسن بن أسامة الكاتب يعرفه وكان من أهل حلب وتولى أبوه قضاء القاهرة وأما الباطن فابن البطائحي يعرفه
فقالا صدق
فلما توفي الأفضل ثقل من أمواله ما لا يعلمه إلا الله تعالى وبقي الخليفة داره نحو أربعين يوما والكتاب بين يديه والدواب تحمل وتنقل ليلا ونهارا ووجد له من الأعلاق النفيسة والأشياء الغريبة القليلة الوجود ما لا يوجد مثله لغيره واعتقل أولاده وكان عمره سبعا وخمسين سنة وكانت ولايته بعد أبيه ثمانية وعشرين سنة منها آخر أيام المستنصر وجميع أيام المستعلي إلى هذه السنة من أيام الآمر
وكان الإسماعيلية يكرهونه لأسباب منها تضييعه على إمامهم وتركه ما يجب عندهم سلوكه معهم ومنها ترك معارضة أهل السنة في اعتقادهم والنهي عن معارضتهم وإذنه للناس في إظهار معتقداتهم والمناظرة عليها فكثر الغرباء ببلاد مصر وكان حسن السيرة عادلا
حكي أنه لما قتل وظهر الظالم بعده اجتمع جماعة واستغاثوا إلى الخليفة وكان من جملة قولهم إنهم لعنوا الأفضل فسألهم عن سبب لعنهم إياه فقالوا إنه عدل وأحسن السيرة ففارقنا بلادنا وأوطاننا وقصدنا بلده لعدله فقد أصابنا بعده هذا الظلم فهو كان سبب ظلمنا فأحسن الخليفة إليهم وأمر بالإحسان إلى الناس
ومنها أن صاحبه الآمر بأحكام الله صاحب مصر وضع عليه
وسبب ذلك ما ذكرناه قبل ففسد الأمر بينهما فأراد الآمر أن يضع عليه من يقتله إذا دخل عليه قصره للسلام أو في أيام الأعياد فمنعه من ذلك ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد وهو الذي ولي الأمر بعده بمصر وقال له في هذا الفعل شناعة وسوء سمعة لأنه قد خدم دولتنا هو وأبوه خمسين سنة لم يعلم الناس منهم إلا النصح لنا والمحبة لدولتنا وقد سار ذلك في أقطار البلاد فلا يجوز أن يظهر منا هذه المكافأة ومع هذا فلا بد وأن نقيم غيره مكانه ونعتمد عليه في منصبه متمكن مثله أو ما يقاربه فيخاف أن نفعل فعلنا بهذا فيحذر من الدخول إلينا خوفا على 209 نفسه وإن دخل علينا كان خائفا مستعدا للامتناع وفي هذا الفعل منهم ما يسقط المنزلة والرأي أن تراسل أبا عبد الله بن البطائحي فإنه الغالب على أمر الأفضل والمطلع على سره وتعده أن توليه منصبه وتطلب منه أن يدير الأمر في قتله لمن يقاتله إذا ركب فإذا ظفرنا بمن قتله قتلناه وأظهرنا الطلب بدمه والحزن عليه فنبلغ غرضنا ويزول عنا قبح الأحدوثة فعلوا ذلك فقتل كما ذكرناه ولما قتل ولي بعده أبو عبد الله بن البطائحي الأمر ولقب المأمون وتحكم في الدولة فبقي كذلك حاكما في البلاد إلى سنة تسع عشرة فصلب كما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر عصيان سليمان بن أيلغازي على أبيه
في هذه السنة عصا سليمان بن أيلغازي بن أرتق على أبيه بحلب وقد جاوز عمره عشرين سنة حمله على ذلك جماعة من عنده فسمع والده الخبر فسار مجدا لوقته فلم يشعر به سليمان حتى هجم عليه فخرج إليه معتذرا فأمسك عنه وقبض على من كان أشار عليه بذلك منهم أمير كان قد التقطه أرتق والد أيلغازي ورباه اسمه ناصر فقلع عينيه وقطع لسانه
ومنهم إنسان من أهل حماة من بيت قرناص كان قد قدمه أيلغازي على أهل حلب وجعل إليه الرياسة فجازاه بذلك وقطع يديه ورجليه وسمل عينيه فمات
وأحضر ولده وهو سكران فأراد قتله فمنعه رقة الوالد فاستبقاه فهرب إلى دمشق فأرسل طغتكين يشفع فيه فلم يجبه إلى ذلك واستناب بحلب سليمان ابن أخيه عبد الجبار بن أرتق ولقبه بدر الدولة وعاد إلى ماردين
ذكر إقطاع ميافارقين أيلغازي
في هذه السنة أقطع السلطان محمود مدينة ميافارقين للأمير أيلغازي
وسبب ذلك أنه أرسل ولده حسام الدين تمرتاش وعمره سبع عشرة سنة إلى السلطان ليشفع في دبيس بن صدقة ويبذل عنه الطاعة وحمل الأموال والخيل وغيرها
وأن يضمن الحلة كل يوم بألف دينار وفرس وكان المتحدث عنه القاضي بهاء الدين أبوا لحسن علي بن القاسم بن الشهرزوري
فتردد الخطاب في ذلك ولم ينفصل حال فلما أراد العود أقطع السلطان إياه مدينة ميافارقين وكانت مع الأمير سكمان صاحب خلاط فتسلمها 210 أيلغازي وبقيت في يده ويد أولاده إلى أن ملكها صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة ثمانين وخمسمائة وسنذكر ذلك إن شاء الله
ذكر حصر بلك بن بهرام الرها وأسر صاحبها
في هذه السنة سار بلك بن بهرام ولد أخي أيلغازي إلى مدينة الرها فحصرها وبها الفرنج وبقي على حصرها مدة فلم يظفر بها فرحل عنها فجاءه إنسان تركماني وأعلمه أن جوسلين صاحب الرها وسروج قد جمع من عنده من الفرنج وهو عازم على كبسه وكان قد تفرق عن بلك أصحابه وبقي في أربعمائة فارس فوقف مستعدا لقتالهم وأقبل الفرنج فمن لطف الله تعالى بالمسلمين أن الفرنج وصلوا إلى أرض قد نضب عنها الماء فصارت وحلا غاصت خيولهم فيه فلم تتمكن مع ثقل السلاح والفرسان من الإسراع والجري فرماهم أصحاب بلك بالنشاب فلم يفلت منهم أحد وأسر جوسلين وجعل يف جلد جمل وخيط عليه وطلب منه أن يسلم الرها فلم يفعل وبذل في فداء نفسه أموالا جزيلة وأسرى كثيرة فلم يجبه إلى ذلك وحمله إلى قلعة خرتبرت فسجنه بها وأسر معه ابن خالته واسمه كليام وكان من شياطين الكفار وأسر أيضا جماعة من فرسانه المشهورين فسجنهم معه
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة توفيت جدة السلطان محمود لأبيه وهي والدة السلطان سنجر وكانت تركية تعرف بخاتون السفرية وكان موتها بمرو فجلس محمود ببغداد للعزاء فيها وكان عزاء لم يشاهد مثله الناس
وفيها توفي الخطير محمد بن الحسين الميبذي ببلاد فارس وهو في وزارة الملك سلجوق ابن السلطان محمد وكان قديما وزر للسلطانين بركيارق ومحمد وكان جوادا حليما سمع أن الأبيوردي هجاه فلما سمع الهجو مضه فعض على إبهامه وصفح عنه وخلع عليه ووصله
وفيها توفي الشهاب أبو المحاسن عبد الرزاق عبد الله وزير السلطان سنجر وهو ابن أخي نظام الملك وكان يتفقه قديما على إمام الحرمين الجويني فكان يفتي ويوقع ووزر بعده أبو طاهر سعد بن علي بن عيسى القمي وتوفي بعد شهور فوزر بعده عثمان القمي
وفيها في جمادى الأولى أوقع أتابك طغتكين بطائفة من الفرنج فقتل منهم وأسر وأرسل من الأسرى والغنيمة 211 للسلطان وللخليفة
وفيها تضعضع الركن اليماني من البيت الحرام زاده الله شرفا من زلزلة وانهزم بعضه وتشعث بعض حرم النبي وتشعث غيره من البلاد وكان بالموصل كثير منها
وفيها احترقت دار السلطان كان قد بناها مجاههد الدين بهروز للسلطان محمد ففرغت قبل وفاته بيسير فلما كان الآن احترقت وسبب الحريق أن جارية كانت تختضب ليلا فاسندت شمعة إلى الخيش فاحترق وعلقت النار منه في الدار واحترق فيها من زوجة السلطان محمود بنت السلطان سنجر ما لأحد عليه من الجواهر والحلى والفرش والثياب وأقيم الغسالون يخلصون الذهب وما أمكن تخليصه وكان الجوهر جميعه قد هلك غلا الياقوت الأحمر وترك السلطان الدار لم تجدد عمارتها وتطير منها لأن أباه لم يتمتع بها ثم احترق فيها من أموالهم الشيء العظيم
واحترق قبلها بأسبوع جامع أصبهان وهو من أعظم الجوامع وأحسنها أحرقه قوم من الباطنية ليلا وكان السلطان قد عزم على أخذ حق البيع وتجديد المكوس بالعراق بإشارة الوزير السميرمي عليه بذلك فتجدد من هذين الحريقين ما هاله وأتعظ فاعرض عنه
وفيها في ربيع الآخر انقض كوكب عشاء وصار له نور عظيم وتفرق منه أعمدة عند انقضاضه وسمع عند ذلك صوت هدة عظيمة كالزلزلة
وفيها ظهر بمكة إنسان علوي وأمر بالمعروف فكثر جمعه ونازع أمير مكة ابن أبي هاشم وقوي أمره وعزم على أن يخطب لنفسه فعاد ابن أبي هاشم وظفر به ونفاه على الحجاز إلى البحرين وكان هذا العلوي من فقهاء النظامية ببغداد
وفيها ألزم السلطان أهل الذمة ببغداد بالغيار فجرى فيه مراجعات انتهت إلى أن قرر عليهم السلطان وأخوه الملك مسعود عند الخليفة فخلع عليهما وعلى جماعة من أصحاب السلطان منهم وزيره أبو طالب السميرمي وشمس الملك عثمان بن نظام الملك والوزير أو نصر أحمد بن محمد بن حامد المستوفي وعلى غيرهم من الأمراء
وفيها في ذي القعدة وهو الحادي والعشرون من كانون الثاني سقط بالعراق جميعه من البصرة إلى تكريت ثلج كثير وبقي على الأرض خمسة عشر يوما وسمكه ذراع وهلكت أشجار النارنج والأترج والليمون فقال فيه بعض الشعراء
( يا صدور الزمان ليس بوفر
ما رأيناه في نواحي العراق ) 212
( إنما عم ظلمكم سائر الخلق
فشابت دوائب الآفاق )
وفيها هبت بمصر ريح سوداء ثلاثة أيام فأهلكت كثيرا من الناس وغيرهم من الحيوانات
وفيها توفي أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان الحريري صاحب المقامات المشهورة وهزارسب بن عوض الهروي وكان قد سمع الحديث كثيرا 213
ثم دخلت سنة ست عشرة وخمسمائة
ذكر طاعة الملك طغرل لأخيه السلطان محمود
وفي المحرم من هذه السنة أطاع الملك طغرل أخاه السلطان محمودا وكان قد خرج عن طاعته كما ذكرناه وقصد أذربيجان في السنة الخالية ليتغلب عليها وكان أتابكه كنتغدي يحسن له ذلك يقويه عليه فاتفق أنه مرض وتوفي في شوال سنة خمس عشرة وكان الأمير آقسنقر الأحمديلي صاحب مراغة عند السلطان محمود ببغداد فاستأذنه في المضي إلى أقطاعه فأذن له فلما سار عن السلطان ظن أنه يقوم مقام كنتغدي من الملك طغرل فسار إليه واجتمع به وأشار عليه بالمكاشفة لأخيه السلطان محمود وقال له إذا وصلت إلى مراغة اتصل بك عشرة آلاف فارس وراجل فسار معه فلما وصلوا إلى أردبيل أغلقت أبوابها فساروا عنها إلى قريب تبريز فأتاهم الخبر أن السلطان محمود سير الأمير جيوش بك إلى أذربيجان وأقطعه البلاد وأنه نزل كراغة في عسكر كثيف من عند السلطان فلما تيقنوا ذلك عدلوا إلى خونج وانتقض عليهم ما كانوا فيه
ورواسلوا الأمير شيركر الذي كان أتابك طغرل أيام أبيه يدعونه إلى أنجادهم وقد كان كنتغدي قبض عليه بعد موت السلطان محمد على ما ذكرناه ثم أطلقه السلطان سنجر فعاد إلى أقطاعه أبهر وزنجان وكاتيوه فأجابهم واتصل به وسار معهم إلى أبهر فلم يتم لهم ما أرادوا فراسلوا السلطان بالطاعة فأجابهم إلى ذلك فاستقرت القاعدة أول هذه السنة وتمت
ذكر حال دبيس بن صدقة وما كان منه
قد ذكرنا سنة أربع عشرة حال دبيس بن صدقة وصلحه على يد يرنقش الزكوي ومقامه بالحلة وعود يرنقش إلى السلطان ومعه منصور بن صدقة أخو دبيس وولده 214 رهينة فلما علم الخليفة بذلك لم يرض به وراسل السلطان محمودا في إبعاد دبيس عن العراق إلى بعض النواحي
وتردد الخطاب في ذلك وعزم السلطان على المسير إلى همذان فأعاد الخليفة الشكوى من دبيس وذكر أنه يطالب الناس بحقوقه منها قتل أبيه وأن يحضر السلطان آقسنقر البرسقي من الموصل ويوليه شحنكية بغداد والعراق ويجعله في وجه دبيس ففعل السلطان ذلك وأحضر البرسقي فملا وصل إليه زوجه والدة الملك مسعود وجعله شحنة بغداد وأمره بقتال دبيس إن تعرض إلى البلاد
وسار السلطان عن بغداد في صفر من هذه السنة وكان مقامه ببغداد سنة وسبعة أشهر وخمسة عشر يوما فلما فارق بغداد والعراق تظاهر دبيس بأمور تأثر بها المسترشد بالله وتقدم إلى البرسقي بالمسير إليه وإزعاجه عن الحلة فأرسل البرسقي إلى الموصل وأحضر عساكره وسار إلى الحلة وأقبل دبيس نحوه فالتقوا عند نهر بشير شرقي الفرات واقتتلوا فانهزم عسكر البرسقي وكان سبب الهزيمة أنه رأى في مسيرته خللا وبها الأمراء البكجية فأمر بإلقاء خيمته عند الميسرة ليقوى قلوب من بها فلما رأوا الخيمة وقد سقطت ظنوها عن هزيمة فانهزموا وتبعهم الناس والبرسقي
وقيل بل أعطى رقعة فيها إن جماعة من الأمراء منهم إسماعيل البكجي يريدون الفتك به فانهزم وتبعه العسكر ودخل بغداد ثاني ربيع الآخر
وكان في جملة العسكر نصر بن النفيس بن مهذب الدولة أحمد بن أبي الجبر وكان ناظر بالبطيحة لريحان محكويه خادم السلطان لأنها كانت من جملة أقطاعه وحضر أيضا المظفر بن حماد بن أبي الجبر وبينهما عداوة شديدة فالتقيا عند الانهزام بساباط نهر ملك فقتله المظفر ومضى إلى واسط محتفيا وسار منها إلى البطيحة وتغلب عليها وكاتب دبيسا وأطاعه
وأما دبيس فإنه لم يعرض لنهر ملك ولا غيره وأرسل إلى الخليفة أنه على الطاعة ولولا ذلك لأخذ البرسقي وجميع من معه وسأل أن يخرج الناظر إلى القرى التي لخاص الخليفة لقبض دخلها
وكانت الوقعة في حزيران وحمى البلد فأحمد الخليفة فعله وترددت الرسل بينهما فاستقرت القاعدة أن يقبض المسترشد بالله على وزيره جلال الدين أبي علي بن صدقة ليعود إلى الطاعة فقبض على الوزير ونهبت داره ودور أصحابه والمنتمين إليه وهرب ابن أخيه جلال الدين أو الرضا إلى الموصل
ولما سمع السلطان خبر الوقعة قبض على منصور بن صدقة أخي دبيس وولده ورفعهما إلى قلعة برحين وهي تجاوز كرج ثم إن دبيسا أمر جماعة من أصحابه بالمسير إلى أقطاعهم بواسط فساروا إليها 215 فمنعهم أتراك واسط فجهز دبيس إليهم عسكرا مقدمهم مهلهل بن أبي العسكر وأرسل إلى المظفر بن أبي الجبر بالبطيحة ليتفق مع مهلهل ويساعده على قتال الواسطيين فاتفقا على أن تكون الوقعة تاسع رجب
وأرسل الواسطيون إلى البرسقي يطلبون منه المد فأمدهم بجيش من عنده وعجل مهلهل في عسكر دبيس ولم ينتظر المظفر ظنا منه أنه بمفرده ينال منهم ما أراد وينفرد بالفتح هو والواسطيون ثامن رجب فانهزم مهلهل وعسكره وظفر الواسطيون وأخذ مهلهل أسيرا وجماعة من أعيان العسكر وقتل ما يزيد على ألف قتيل ولم يقتل من الواسطيين غير رجل واحد
وأما المظفر بن أبي الجبر فإنه أصعد من البطيحة ونهب وأفسد وجرى من أصحابه القبيح فلما قارب واسطا سمع بالهزيمة فعاد منحدرا
وكان في جملة ما أخذ العسكر الواسطي من مهلهل تذكرة بخط دبيس يأمره فيها بقبض المظفر بن أبي الجبر ومطالبته بأموال كثيرة أخذها من البطيحة فأسلوا الخط إلى المظفر وقالوا هذا خط الذي تختاره وقد أسخطت الله تعالى والخلق كلهم لأجله فمال إليهم وصار معهم
فلما جرى على أصحاب دبيس من الواسطيين ما ذكرنا شمر عن ساعده في الشر وبلغه أن السلطان كحل أخاه فجز شعره ولبس السواد ونهب البلاد وأخذ كل ما للخليفة بنهر مالك فأجلى الناس إلى بغداد
وسار عسكر واسط إلى النعمانية فأجلوا عنها عسكر دبيس واستولوا عليها وجرى بينهم هناك وقعة كان الظفر للواسطيين وتقدم الخليفة إلى البرسقي بالتبريز إلى حرب دبيس فبرز في رمضان وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر قتل السميرمي
وفي هذه السنة قتل الوزير الكمال أبو طالب السميرمي وزير السلطان محمود سلخ صفر وكان قد برز مع السلطان ليسير إلى همذان فدخل الحمام وخرج بين يديه الرجالة والخيالة وهو في موكب عظيم بسوق المدرسة التي بناها خمارتكين التتشي واجتاز في منفذ ضيق فيه خطائر الشوك فتقدم أصحابه لضيق الموضع فوثب عليه باطني وضربه بسكين فوقعت في البغلة وهرب إلى دجلة وتبعه الغلمان فخلا الموضع فظهر رجل آخر فضربه بسكين في خاصرته وجذبه عن البغلة إلى الأرض وضربه عدة ضربات
وعاد أصحاب الوزير فحمل عليهم رجلان باطنيان فانهزموا منهما ثم عادوا وقد ذبح الوزير مثل الشاة فحمل قتيلا ويه نيف وثلاثون جراحة وقتل قتالوه
ولما كان 216 في الحمام كان المنجمون يأخذون له الطالع ليخرج فقالوا هذا وقت جيد وإن تأخرت يفت طالع السعد فأسرع وركب وأراد أن يأكل طعاما فمنعوه لأجل الطالع فقتل ولم ينفعه قولهم وكان وزارته ثلاث سنين وعشرة أشهر وانتهب ماله وأخذ السلطان خزانته ووزر بعده شمس الملك بن نظام الملك وكانت زوجة السميرمي قد خرجت هذا اليوم في موكب كبير معها نحو مائة جارية وجمع من الخدم والجميع بمراكب الذهب فلما سمعن بقتله عدن حافيات حاسرات وقد تبدلن بالعز هوانا وبالمسرة أحزانا فسبحان من لا يزول ملكه
وكان السميرمي ظالما كثير المصادرة للناس سيء السيرة فلما قتل أطلق السلطان ما كان جدده من المكوس وما مضعه على النجار والباعة
ذكر القبض على ابن صدقة وزير الخليفة ونيابة علي بن طراد
في جمادى الأولى قبض الخليفة على وزيره جلال الدين بن صدقة وقد تقدم ذكره قبل وأقيم نقيب النقباء شرف الدين علي بن طراد الزنيبي في نيابة الوزارة فأرسل السلطان إلى المسترشد بالله في معنى وزارة نظام الملك وكان أخا شمس الملك عثمان بن نظام الملك وزير السلطان محمود فأجيب إلى ذلك واستوزر في شعبان وكان قد وزر لسلطان محمد سنة خمسمائة ثم عزل ولزم دارا استجدها ببغداد إلى الآن فلما خلع على نظام الملك وجلس في الديوان طلب أن يخرج ابن صدقة ذلك طلب من الخليفة أن يسير إلى حديثة عانة ليكون عند الأمير سليمان بن مهارش فأجيب إلى ما طلب
وسار إلى الحديثة فخرج عليه في الطريق إنسان من مفسدي التركمان يقال له يونس الحرامي فأسره ونهب أصحابه فخاف الوزير أن يعلم دبيس فأرسل إلى يونس وبذل له مالا يأخذه منه للعداوة التي بينهما فقرر أمره مع يونس على ألف دينار يعجل منها ثلاثمائة ويؤخر الباقي إلى أن يرسله من الحديثة
وراسل عامل في بلد الفرات في تخليصه وإنفاذ من يضمن الباقي الذي عليه فأعمل العامل الحيلة في ذلك فأحضر إنسانا فلاحا وألبسه ثيابا فاخرة وطيلسانا وأركبه وسير معه غلمانا وأمره أن يمضي إلى يونس ويدعي أنه قاضي بلد الفرات ويضمن الوزير منه بما بقي من المال فسار السوادي إلى يونس فلما حصر عن الوزير ويونس احترماه وضمن السوادي الوزير منه وقال له أقيم عندك إلى أن يصل المال مع صاحب لك تنفذه مع الوزير 217 فاعتقده يونس صدق ذلك وأطلق الوزير ومعه جماعة من أصحابه فلما وصل الحديثة قبض على من معه منهم فأطلق يونس ذلك السوادي والمال الذي أخذه حتى أطلق الوزير أصحابه وعلم الحيلة التي تمت عليه
ولما سار الوزير من عند يونس لقي أنسانا أنكره فأخذه فرأى معه كتابا من دبيس إلى يونس يبذل ستة آلاف دينار ليسلم الوزير إليه وكان خلاصه من أعجب الأشياء
ذكر قتل جيوش بك
في هذه السنة قتل الأمير جيوش بك الذي كان صاحب الموصل وقد ذكرنا خروجه على السلطان محمود وعوده إلى خدمته فلما رضي عنه أقطعه أذربيجان وجعله مقدم عسكره فجرى بينه وبين جماعة من الأمراء منافرة ومازعات فأغروا به السلطان فقتله في رمضان على باب تبريز
وكان تركيا من مماليك السلطان محمد عادلا حسن السيرة ولما ولي الموصل والجزيرة كان الأكراد بتلك الأعمال قد انتشروا وكثر فسادهم وكثرت قلاعهم والناس معهم في ضيق والطريق خائفة فقصدهم وحصر قلاعهم وفتح كثيرا منها ببلد الهكارية وبلد الزوزان وبلد البشنوية وخافه الأكراد وولى قصدهم بنفسه فهربوا منه في الجبال والشعاب والمضايق وأمنت الطرق وانتشر الناس واطمأنوا وبقي الأكراد لا يجسرون أن يحملوا السلاح لهيبته
ذكر وفاة أيلغازي وأحوال حلب بعده
في هذه السنة في شهر رمضان توفي أيلغازي بن أرتق بميافارقين وملك ابنه حسام الدين تمرتاش قلعة ماردين وملك ابنه سليمان ميافارقين وكان بحلب ابن أخيه بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق فبقي بها إلى أن أخذها ابن عمه
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة أقطع السلطان محمود الأمير آقسنقر البرسقي مدينة واسط وأعمالها مضافا إلى ولاية الموصل وغيرها مما بيده وشحنكية العراق
فلما أقطعها البرسقي سير إليها عماد الدين زنكي بن ىقسنقر الذي كان والده صاحب حلب وأمره بحمايتها فسار إليها في شعبان ووليها وقد ذكرنا أخبار زنكي في كتاب الباهر في ذكر ملكه وملك أولاده الذين هم ملوكنا الآن فينظر منه 218
وفيها ظهر معدن نحاس بديار بكر قريبا من قلعة ذي القرنين
وفيها زاد الفرات زيادة عظيمة لم يعهد مثلها فدخل الماء إلى ربض قلعة جعبر وكان الفرات حينئذ بالقرب منها فغرق أكثر دوره ومساكنه وحمل فرسا من الربض وألقاه من فوق السور إلى الفرات وفيها بنيت مدرسة بحلب لأصحاب الشافعي
وفيها توفيت ابنة السلطان سنجر زوج السلطان محمود
ويفها في شعبان قدم إلى بغداد البرهان أبو الحسن علي بن الحسين الغزنوي وعقد مجلس الوعظ في جميع المواضع وورد بعده أبو القاسم علي بن يعلى العلوي ونزل رباط شيخ الشيوخ فوعظ في جامع القصر والتاجية ورباط سعادة وصار له قبول عند الحنابلة وحصل له مال كثير لأنه أظهر موافقتهم
وورد بعده أبو الفتوح الاسفرايني ونزل برباط شيخ الشيوخ أيضا ووعظ في هذه المواضع وفي النظامية وأظهر مذهب الأشعري فصار له قبول كثير عند الشافعية وحضر مجلسه الخليفة المسترشد بالله وسلم إليه رباط الأرجوانية والدة المقتدي بالله بدرب زاخي
وفيها توفي عبد الله بن أحمد بن عمر أبو محمد السمرقندي أخو أبي القاسم بن السمرقندي ومولده بدمشق سنة أربع وأربعين وأربعمائة ونشأ ببغداد وسمع الصريفيني وابن النقور وغيرهما وسافر الكثير وكان حافظا للحديث عالما به
وفي ذي الحجة توفي عبد القادر بن محمد بن عبد القادر بن محمد بن يوسف أبو طالب ومولده سنة ست وثلاثين وأربعمائة وسمع البرمكي والجوهري والعشاري وكان ثقة حافظا للحديث 219
ثم دخلت سنة سبع عشرة وخمسمائة
ذكر مسير المسترشد بالله لحرب دبيس
في هذه السنة كان الحرب بين الخليفة المسترشد بالله وبين دبيس بن صدقة وكان سبب ذلك أن دبيسا أطلق عفيفا خادم الخليفة وكان مأسورا عنده وحمله رسالة يفها تهديد للخليفة بإرسال البرسقي إلى قتاله وتقويته بالمال
وأن السلطان كحل أخاه وبالغ في الوعد ولبس السواد وجز شعره وحلف لينهبن بغداد ويخربها فاغتاظ الخليفة لهذه الرسالة وغضب وتقدم إلى البرسقي بالتبريز إلى حرب دبيس فبرز في رمضان سنة ست عشرة وتجهز وبرز من بغداد
واستدعى العساكر فأتاه سليمان بن مهارش صاحب الحديثة في عقيل وأتاه قرواش بن مسلم وغيرهما
وأرسل دبيس إلى نهر ملك فنهب وعمل أصحابه كل عظيم من الفساد فوصل أهله إلى بغداد فأمر الخليفة فنودي بغداد لا يتخلف من الأجناد أحد ومن أحب الجندية من العامة فليحضر فجاء خلق كثير ففرق الأموال والسلاح فلما علم دبيس الحال كتب إلى الخليفة يستعطفه ويسأله الرضا عنه فلم يجب إلى ذلك وأخرجت خيام الخليفة في العشرين من ذي الحجة من سنة ست عشرة فنادى أهل بغداد النفير النفير الغزاة الغزاة وكثر الضجيج من الناس وخرج منهم عالم كثير لا يحصون كثرة وبرز الخليفة رابع عشرة ذي الحجة وعبر دجلة وعليه قباء وعمامة سوداء وطرحه وعلى كتفه البردة وفي يده القطيب وفي وسطه منطقة حديد صيني ونزل الخيام ومعه وزير نظام الدين أحمد بن نظام الملك ونقيب الطالبيين ونقيب النقباء علي بن طراد وشيخ الشيوخ صدر الدين إسماعيل وغيرهم من الأعيان
وكان البرسقي قد نزل بقرية جهار طاق ومعه عسكره فلما بلغهم خروج الخليفة عن بغداد عادوا إلى خدمته
فلما رأوا الشمسة ترجلوا بأجمعهم وقبلوا الأرض بالبعد منه 220
ودخلت هذه السنة فنزل الخليفة مستهل المحرم بالحديثة بنهر الملك واستدعى البرسقي والأمراء واستحلفهم على المناصحة في الحرب ثم سروا إلى النيل ونزلوا بالمباركة وعبى البرسقي أصحابه ووقف الخليفة من وراء الجميع في خاصته وجعل دبيس أصحابه صفا واحدا ميمنة وميسرة وقلبا وجعل الرجالة بين يدي الخيالة بالسلاح وكان قد وعد أصحابه بنهب بغداد وسبي النساء فلما تراءت الفئتان بادر أصحاب دبيس وبين أيديهم الإماء يضربن بالدفوف والمخانيث بالملاهي ولم ير في عسكر الخليفة غير قارىء ومسبح وداع فقامت الحرب على ساق
وكان مع أعلام الخليفة الأمير كرباوي بن خراسان
وفي المساقة سليمان بن مهارش
وفي ميمنة عسكر البرسقي الأمير أبو بكر بن إلياس مع الأمراء البكجية فحمل عنتر بن أبي العسكر في طائفة من عسكر دبيس على ميمنة البرسقي فتراجعت في أعقابها وقتل ابن أخ للأمير أبي بكر البكجي وعاد عنتر وحمل حملة ثانية على هذه الميمنة فكان حالها في الرجوع على أعقابها كحالها الأول فلما رأى عسكر واسط ذلك ومقدمهم الشهيد عماد الدين زنكي بن آقسنقر حمل وهم معه على عنتر ومن معه وأتوهم من ظهورهم فبقى عنتر في الوسط وعماد الدين وعسكر واسط من ورائه والأمراء البكجية بين يديه فأسر عنتر وأسر معه بريك بن زائدة وجميع من معها ولم يفلت أحد
وكان البرسقي واقفا على نشز من الأرض وكان الأمير آق بوري في الكمين في خمسمائة فارس فلما اختلط الناس خرج الكمين على عسكر دبيس فانهزموا جميعهم وألقوا نفوسهم في الماء فغرق كثير منهم وقتل كثير
ولما رأى الخليفة اشتداد الحرب جرد وكبر وتقدم إلى الحرب فلما انهزم عسكر دبيس وحملت الأسرى إلى بين يديه أمر الخليفة أن تضرب أعناقهم صبرا
وكان عسكر دبيس عشرة آلاف فارس واثني عشر ألف راجل وعسكر البرسقي ثمانية آلاف راجل ولم يقتل من أصحاب الخليفة غير عشرين فارسا وحصل نساء دبيس وسراريه تحت الأسرى سوى بنت أيلغازي وبنت عميد الدولة بن جهير فإنه كان تركهما في المشهد
وعاد الخليفة إلى بغداد فدخلها يوم عاشوراء من هذه السنة ولما عاد الخليفة إلى بغداد ثار العامة بها ونهبوا مشهد باب التبن وقلعوا أبوابه فأنكر الخليفة ذلك وأمر نظر أمير الحاج بالركوب إلى المشهد وتأديب من فعل وأخذ ما نهب ففعل وأعاد البعض 221 وخفي الباقي عليه
وأما دبيس بن صدقة فإنه لما انهزم نجا بفرسه وسلاحه وأدركته الخيل ففاتها وعبر الفرات فرأته امرأة عجوز وقد عبر فقالت له دبير جئت فقال دبير من لم يجىء
واختفى خبره بعد ذلك وأرجف عليه بالقتل ثم ظهر أمره أنه قصد غزية من عرب نجد فطلب منهم أن يحالفوه فامتنعوا عليه وقالوا إنا نسخط الخليفة والسلطان فرحل إلى المتنفق واتفق معهم على قصد البصرة وأخذها فساروا إليها ودخلوها ونهبوا أهلها وقتل الأمير سخت كمان مقدم عسكرها وأجلى أهلها فأرسل الخليفة إلى البرسقي يعاتبه على إهماله أمر دبيس حتى تم له من أمر البصرة ما أخربها فتجهز البرسقي للانحدار إليه فسمع دبيس ذلك ففارق البصرة وسار على البر إلى قلعة جعبر والتحق بالفرنج وحضر معهم حصار حلب وأطمعهم في أخذها فلم يظفروا بها فعادوا عنها
ثم فارقهم والتحق بالملك طغرل ابن السلطان محمد فأقام معه وحسن له قصد العراق وسنذكره سنة تسع وعشرين إن شاء الله تعالى
ذكر ملك الفرنج حصن الأثارب
في هذه السنة في صفر ملك الفرنج حصن الأثارب من أعمال حلب وسبب ذلك أنهم كانوا قد أكثروا قصد حلب وأعمالها بالإغارة والتخريب والتحريق وكان بحلب حينئذ بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق وهو صاحبها ولم يكن له بالفرنج قوة وخافهم فهادنهم على أن يسلم الأثارب ويكفوا عن بلاده فأجابوه إلى ذلك وتسلموا الحصن وتمت الهدنة بينهم واستقام أمر الرعية بأعمال حلب وجلبت إليهم الأقوات وغيرها ولم تزل الأثارب بأيدي الفرنج إلى أن ملكها أتابك زنكي بن آقسنقر على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر ملك بلك حران وحلب
في هذه السنة في ربيع الأول ملك بلك بن بهرم مدينة حران وكان يحصرها فلما ملكها سار منها إلى مدينة حلب وسبب مسيره إليها أنه بلغه أن صاحبها بدر الدولة قد سلم قلعة الأثارب إلى الفرنج فعظم ذلك عليه وعلم عجزه من حفظ بلاده فقوي طمعه في ملكها فسار إليها ونازلها في ربيع الأول وضايقها ومنع الميرة عنها وأحرق زروعها فسلم إليه ابن عمه البلد والقلعة بالأمان غرة جمادى الأولى من السنة وتزوج ابنه الملك رضوان وبقي مالكا لها إلى أن قتل على ما نذكره 222
ذكر الحرب بين الفرنج والمسلمين بإفريقية
قد ذكرنا أن الأمير علي بن يحيى صاحب إفريقية لما استوحش من رجال صاحب صقلية جدد الأسطول الذي له وكثر عدده وعدده وكاتب أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين بمراكش بالاجتماع معه على قصد جزيرة صقلية فلما علم رجار ذلك كف عن بعض ما كان يفعله فاتفق أن عليا مات سنة خمس عشرة وولي ابنه الحسن وقد ذكرناه فلما خلت سنة ست سير أمير المسلمين أسطولا ففتحوا نقوطرة بساحل بلاد قلورية فلم رجار أن عليا كان سبب ذلك فجد في تعمير الشواني والمراكب وحشد فأكثر منع من السفر إلى أفريقية وغيرها من بلاد الغرب فاجتمع له من ذلك ما لم يعهد مثله قبل كان ثلاثمائة قطعة فلما انقطعت الطريق عن إفريقية توقع الأمير الحسن بن علي خروج العدو إلى المهدية فأمر باتخاذ العدد وتجديد الأسوار وجمع المقاتلة فأتاه من أهل البلاد ومن العرب جمع فلما كان في جمادى الآخرة سنة سبع عشرة سار الأسطول الفرنجي في ثلاثمائة قطعة فيها ألف فارس وفرس واحد
إلا أنهم لما ساروا من موسى علي فرقتهم الريح وغرق منهم مراكب كثيرة ونازل من سلم منهم جزيرة قوصرة ففتحها وقتل من بها وسبى وغنموا وساروا عنها فوصلوا إلى إفريقية ونازلوا الحصن المعروف بالديماس أواخر جمادى الأولى فقاتلهم طائفة من العرب كانوا هناك والديماس حصن منيع في وسطه حصن آخر وهو مشرف على البحر
وسير الحسن من عنده من الجموع إلى الفرنج وأقام هو بالمهدية في جمع آخر يحفظها وأخذ الفرنج حصن الديماس وجنود المسلمين محيطة بهم فلما كان بعد ليال اشتد القتال على الحصن الداخل فلما كان الليل صاح المسلمون صيحة عزيمة ارتجت لها الأرض وكبروا فوقع الرعب في قلوب الفرنج فلم يشكوا أن المسلمين يهجمون عليهم فبادروا إلى شوانيهم وقتلوا بأيديهم كثيرا من خيوليهم وغنم المسلمون منها أربعمائة فرسولم يسلم معهم غير فرس واحد
وغنم المسلمون جميع ما تخلف عن الفرنج وقتلوا كل من عجز عن الطلوع إلى المراكب
فلما صعد الفرنج إلى مراكبهم أقاموا بها ثمانية أيام لا يقدرون على النزول إلى الأرض فلما أيسوا من خلاص أصحابهم الذين في الديماس ساروا والمسلمون يكبرون عليهم ويصيحون بهم وأقامت عساكر المسلمين على حصن الديماس في أمم لا يحصون كثرة فحصروه فلم يمكنهم لحصانته وقوته فلما عدم الماء على من به من الفرنج وضجروا من مواصلة 223 القتال ليلا ونهارا ففتحوا باب الحصن وخرجوا فقتلوا عن آخرهم وذلك يوم الأربعاء منتصف جمادى الآخرة من السنة وكانت مدة إقامتهم في الحصن ستة عشر يوما ولما رجع الفرنج مقهورين أرسل الأمير الحسن البشرى إلى سائر البلاد وقال الشعراء في هذه الحادثة فأكثروا وتركنا ذلك خوف التطويل
ذكر استيلاء الفرنج على خرتبرت وأخذها منهم
في هذه السنة في ربيع الأول استولى الفرنج على خرتبرت من بلاد ديار بكر
وسبب ذلك أن بلك بن بهرام بن أرتق كان صاحب خرتبرت فحصر قلعة كركر وهي تقارب خرتبرت فسمع الفرنج بالشام الخبر فسار بغدوين ملم الفرنج في جموعه إليه ليرحله عنها خوفا أين يقوى بملكها فلما سمع بلك بقربه منه رحل إليه والتقيا في صفر واقتتلا فانهزم الفرنج وأسر ملكهم ومعه جماعة من أعيان فرسانهم وشجنهم بقلعة خرتبرت
وكان بالقلعة أيضا جوسلين صاحب الرها وغيره من مقدمي الفرنج كان قد أسرهم سنة خمس عشرة وسار بلك عن خرتبرت إلى حراز في ربيع الأول فملكها فأعمل الفرنج الحيلة باستمالة بعض الجند فظهروا وملكوا القلعة
فأما الملك بغدوين فإنه اتخذ الليل جملا ومضى إلى بلاده واتصل الخبر ببلك صاحبها فعاد في عساكره إليها وحصرها وضيق على من بالقلعة واستعادها من الفرنج وجعل فيها من الجند من يحفظها وعاد منها
ذكر قتل وزير السلطان وعود ابن صدقة إلى وزارة الخليفة
في هذه السنة قبض السلطان محمود على وزيره شمس الملك عثمان بن نظام الملك وقتله
وسبب ذلك أنه لما أشار على السلطان بالعود عن حرب الكرج وخالفه وكانت الخيرة في مخالفته تغير عليه وذكره أعداؤه عنده بسوء ونبهوا على تهوره وقلة تحصيله ومعرفته بمصالح الدولة فقد رأى السلطان فيه ثم إن الشهاب أبا المحاسن وزير السلطان سنجر كان قد توفي وهو ابن أخي نظام الملك وزر بعده أبو طاهر القمي وهو عدو للبيت النظامي فسعى مع السلطان سنجر حتى أرسل إلى السلطان محمود يأمره بالقبض على وزيره شمس الملك فصادف وصول الرصول وهو متغير عليه فقبض عليه وسلمه إلى طغابرك فبعثه إلى بلده خلخال فحبسه فيها ثم إن أبا نصر المستوفي الملقب 224 بالعزيز قال للسلطان محمود لا نأمن أن يرسل السلطان سنجر بطلب الوزير ومتى اتصل به لا نأمن شرا يحدث منه وكان بينهما عداوة فأمر السلطان بقتله فلما دخل عليه السياف ليقتله قال أمهلني حتى أصلي ركعتين فعل فلما صلى جعل يرتعد وقال للسياف سيفي أجود من سيفك فاقتلني به ولا تعذبني فقتل ثاني جمادى الآخرة
فلما سمع الخليفة المسترشد بالله ذلك عزل أخاه نظام الدين أحمد من وزارته وأعاد جلال الدين أبا علي بن صدقة إلى الوزارة وأقام نظام الدين بالمثمنة التي في المدرسة النظامية ببغداد
وأما العزيز المستوي فإنه لم تطل أيامه حتى قتل على ما نذكره جزاء لسعيه في قتل الوزير
ذكر ظفر السلطان محمود بالكرج
في هذه السنة اشتدت نكاية الكرج في بلد الإسلام وعظم المر على الناس لا سيما أهل دوبند شروان فسار منهم جماعة كثيرة من أعيانهم إلى السلطان وشكوا إليه ما يلقون منهم وأعلموه بما هم عليه من الضعف والعجز عن حفظ بلادهم فسار إليهم والكرج قد وصلوا إلى شماخي فنزل السلطان في بستان هناك وتقدم الكرج إليه فخافهم العسكر خوفا شديدا وأشار الوزير شمس الملك عثمان بن نظام الملك على السلطان بالعود من هناك فلما سمع أهل شروان بذلك قصدوا السلطان وقالوا له نحن نقاتل مهما أتت عندنا وإن تأخرت عنا ضعفت نفوس المسلمين وهلكوا فقبل وقولهم وأقام بمكانه وبات العسكر على رجل عظيم وهم بينة المصاف فأتاهم الله بفرج من عنده وألقى بين الكرج وقفجاق اختلافا وعداوة فاقتتلوا تلك الليلة ورحلوا شبه المنهزمين ( ذكر الحرب بين المغاربة وعسكر مصر>
وكفى الله المؤمنين القتال ) وأقام السلطان بشروان مدة ثم عاد إلى همذان فوصلها في جمادى الآخرة
ذكر الحرب بين المغاربة وعسكر مصر
في هذه السنة وصل جمع كثير من لواتة من الغرب إلى داير مصر فأفسدوا فيها ونهبوها وعملوا أعمالا شنيعة فجمع المأمون بن البطائحي الذي وزر بمصر بعد 225 الأفضل عسكر مصر وسار إليهم فقاتلهم فهزمهم وأسر منهم وقتل خلقا كثيرا وقرر عليهم خرجا معلوما كل سنة يقومون به وعادوا إلى بلادهم وعاد المأمون إلى مصر مظفرا منصورا
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في صفر أمر المسترشد بالله ببناء سور بغداد وأن يجبي ما يخرج عليه من البلد فشق ذلك على الناس وجمع من ذلك مال كثير فلما علم الخليفة كراهة الناس لذلك أمر بإعادة ما أخذ منهم فسروا بذلك وكثر الدعاء له وقيل إن الوزير أحمد بن نظام الملك بذل من ماله خمسة عشر ألف دينار وقال نقسط الباقي على أرباب الدولة
وكان أهل بغداد يعملون بأنفسهم فيه وكانوا يتناوبون يعمل بعمل أهل كل محلة منفردين بالطبول والزمور وزينوا البلد وعملوا فيه القباب
وفيها عزل نقيب العلويين وهدمت دار علي بن أفلح وكان الخليفة يكرمه فظهر أنهما عين لدبيس يطالعانه بالأخبار وجعل الخليفة نقابة العلويين إلى علي بن طراد نقيب العباسيين
وفيها جمع الأمير بلك عساكره وسار إلى غزاة بالشام فلقيه الفرنج فاقتتلوا فانهزم وقتل منهم وأسر بشر كثير من مقدميهم ورجالتهم
وفيها كان في أكثر البلاد غلاء شديد وكان أكثره بالعراق فبلغ ثمن كارة الدقيق الخشكار ستة دنانير وعشرة قراريط وتبع ذلك موت كثير وأمراض زائدة هلك فيها كثير من الناس
وفيها في صفر توفي قاسم بن أبي هاشم العلوي الحسني أمير مكة وولي بعده ابنه أو فليتة وكان أعدل وأحسن سيرة فأسقط المكوس وأحسن إلى الناس
وفيها توفي عبد الله بن الحسن بن أحمد بن الحسن أبو نعيم بن أبي علي الحداد الأصبهاني ومولده سنة ثلاث وستين وأربعمائة وهو من أعيان المحدثين سافر الكثير في طلب الحديث
وفيها سار طغتكين صاحب دمشق إلى حمص فهاجم المدينة ونهبها وأحرق كثيرا منها وحصرها وصاحبها فرجان بالقلعة فاستمد صاحبها طغان أرسلان فسار إليه في جمع كثير فعاد طغتكين إلى دمشق وفيها لقي أسطول مصر أسطول البنادقة من الفرنج فاقتتلوا وكان الظفر للبنادقة وأخذ من أسطول مصر عدة قطع وعاد الباقي سالما
وفيها سار الأمير محمود بن قراجة صاحب حماة إلى حصن أفامية فهجم على الربض بغتة فأصابه سهم من القلعة في يده فاشتد ألمه فعاد إلى حماة وقلع الزنج من يده ثم 226 عملت عليه فمات منه واستراح أهل عمله من ظلمه وجوره
فلما سمع طغتكين صاحب دمشق الخبر سير إلى حماة عسكرا فملكها وصارت في جملة بلاده ورتب فيها واليا وعسكرا لحمايتها 227
ثم دخلت سنة ثمان عشرة وخمسمائة
ذكر قتل بلك بن بهرام بن أرتق وملك تمرتاش حلب
في هذه السنة في صفر قبض بلك بن بهرام بن أرتق صاحب حلب على الأمير حسان البعلبكي صاحب منبج وسار إأيها فحصرها فملك المدينة وحصر القلعة فامتنعت عليه فسار الفرنج إليه ليرحلوه عنها لئلا يقوى بأخذها فلما قاربوا ترك على القلعة من يحصرها وسار في باقي عسكره إلى الفرنج فلقيهم وقاتلهم فكسرهم وقتل منهم خلقا كثيرا
وعاد إلى منبج فحصرها فبينما هو يقاتل من بها أتاه سهم فقتله لا يدري من رماه
واضطرب عسكره وتفرقوا وخلص حسان من الحبسفكان حسان الدين تمرتاش بن أيلغازي بن أرتق مع ابن عمه بلك فحمله مقتولا إلى ظاهر حلب وتسلمها في العشرين من ربيع الأول من هذه السنة وزال الحصار عن قلعة منبج وعاد إليها صاحبها حسان واستقر تمرتاش بحلب واستولى عليها
ثم إنه جعل فيها نائبا له يثق إليه ورتب عنده ما يحتاج إليه من جند وغيرهم وعاد إلى ماردين لأنه رأى الشام كثيرة الحرب مع الفرنج
وكان رجلا يحب الدعة والرفاهة فلما عاد إلى ماردين أخذت حلب منه على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر ملك الفرنج مدينة صور بالشام
كانت مدينة صور لخلفاء العلويين بمصر ولم تزل كذلك إلى سنة ست وخمسمائة فكان بها وال من جهة الأفضل أمير الجيوش وزير الآمر بأحكام الله العلوي يلقب عز الملك
وكان الفرنج قد حصروها وضيقوا عليها ونهبوا بلدها غير مرة فلما كان سنة ست جهز ملك الفرنج وجمع عساكره ليسير إلى صور فخافهم أهل صور فأرسلوا إلى أتابك طغتكين صاحب دمشق يطلبون منه أن يرسل إليهم أميرا من عنده 228 يتولاهم ويحميهم وتكون البلد له وقالوا له إن أرسلت إلينا واليا وعسكرا وإلا سلمنا البلد إلى الفرنج
فسير إليهم عسكرا وجعل عندهم واليا اسمه مسعود وكان شهما شجاعا عارفا بالحرب ومكايدها وأمده بعسكر وسير إليهم ميرة ومالا فرقة فيهم وطابت نفوس أهل البلد ولم تغير الخطبة للآمر صاحب مصر ولا السكة
وكتب إلى الأفضل بمصر يعرفه صورة الحال ويقول متى وصل إليها من مصر من يتولاها ويذب عنها سلمتها إليه ويطلب أن الأسطول لا ينقطع عنها بالرجال والقوة فشكره الأفضل على ذلك وأثنى عليه وصوب رأيه فيما فعله
وجهز أسطولا وسيره إلى صور فاستقامت أحوال أهلها ولم يزل كذلك إلى سنة ست عشرة بعد قتل الأفضل فسير إليها أسطولا على جاري العادة وأمر المقدم على الأسطول أن يعمل الحيلة على الأمير مسعود الوالي بصور من قبل طغتكين ويقبض عليه ويتسلم البلد منه
كان السبب في ذلك أن أهل صور أكثروا الشكوى منه إلى الآمر بأحكام الله صاحب مصر بما يعتمده من مخالفتهم والإضرار بهم فسار الأسطول فأرسى عند صور فخرج مسعود إليه للسلام على المقدم عليه فلما صعد إلى المركب الذي يه المقدم اعتقله ونزل البلد واستولى عليه وعاد الأسطول إلى مصر وفيه الأمير مسعود فأكرم وأحسن إليه وأعيد إلى دمشق
وأما الوالي من قبل المصريين فإنه طيب قلوب الناس وراسل طغتكين يخدمه بالدعاء والاعتضاد وأن سبب ما فعل هو شكوى أهل صور من مسعود فأحسن طغتكين الجواب وبذل من نفسه المساعدة ولما سمع الفرنج بانصراف مسعود عن صور قوي طمعهم فيها وحدثوا نفوسهم بملكها وشرعوا في الجمع والتأهب للنزول عليها وحصرها فسمع الوالي بها للمصريين الخبر فعلم أنه لا قوة له ولا طاقة على دفع الفرنج عنها لقلة من بها من الجند والميرة فأرسل إلى الآمر بذلك فرأى أن يرد ولاية صور إلى طغتكين صاحب دمشق فأرسل إليه بذلك فملك صور ورتب بها من الجند وغيرهم ما ظن فيه كفاية وسار الفرنج إليهم ونازلوهم في ربيع الأول من هذه السنة وضيقوا عليهم ولازموا القتال فقلت الأقوات وسئم من بها القتال وضعفت نفوسهم وسار طغتكين إلى بانياس ليقرب منهم ويذب عن البلد ولعل الفرنج إذا رأوا قربه منهم رحلوا فلم يتحركوا ولزموا الحصار فأرسل طغتكين إلى مصر يستنجدهم فلم يجدوه وتمادت الأيام وأشرف على الهلاك فراسل حينئذ صاحب دمشق
وقرر الأمر على أن يسلم المدينة إليهم ويمكنوا من بها من الجند والرعية من الخروج منها بما 229 يقدرون عليه من أموالهم ورحالهم وغيرها فاستقرت القاعدة على ذلك وفتحت أبواب البلد وملكه الفرنج وفارقه أهله وتفرقوا في البلاد وحملوا ما أطاقوا وتركوا ما عجزوا عنه ولم يعرض الفرنج إلى أحد منهم ولم يبق إلا الضعيف عجز عن الحركة وملك الفرنج البلد في الثالث والعشرين من جمادى الأولى من السنة
وكان فتحه وهنا عظيما على المسلمين فإنه من أحصن البلاد وأمنعها فالله يعيده إلى الإسلام ويقر أعين المسلمين بفتحه وبمحمد وآله
ذكر عزل البرسقي عن شحنكية العراق وولاية يرنقش الزكوي
في هذه السنة عزل البرسقي عن شحنكية العراق ووليها سعد الدولة يرنقش الزكوي
وسبب ذلك أن البرسقي نفر عنه المسترشد بالله فأرسل إلى السلطان محمود يلتمس منه أن يعزل البرسقي عن العراق ويعيده إلى الموصل فأجابه السلطان إلى ذلك
وأرسل البرسقي بأمره بالعود إلى الموصل والاشتغال بجهاد الفرنج فلما علم البرسقي الخبر شرع في جباية الأموال ووصل نائب يرنقش فسلم إليه البرسقي الأمر وأرسل السلطان ولدا صغيرا مع أمه إلى البرسقي ليكون عنده فلما وصل الصغير إلى العراق خرجت العساكر والمواكب إلى لقائه وحملت له الإقامات
وكان يوم دخوله يوما مشهودا وتسلمه البرسقي وسار إلى الموصل وهو ووالدته معه
ولما سار البرسقي إلى الموصل كان عماد الدين زنكي بن آقسنقر بالبصرة قد سير البرسقي إليها ليحميها فظهر من حمايته لها ما عجب منه الناس ولم يزل يقصد العرب ويقاتلهم في حللهم حتى أبعدوا إلى البر
فأرسل البرسقي يأمره باللحاق به فقال لأصحابه
قد ضجرنا مما نحن فيه كل يوم للموصل أمير جديد ونريد نخدمه وقد رأيت أن أسير إلى السلطان فأكون معه فأشاروا عليه بذلك سار إليه فقدم عليه بأصبهان فأكرمه وأقطعه البصرة وأهاده إليها
ذكر ملك البرسقي مدينة حلب
في هذه السنة في ذي الحجة ملك آقسنقر البرسقي حلب وقلعتها
وسبب ذلك أن الفرنج لما ملكوا مدينة صور على ما ذكرناه طمعوا وقويت نفوسهم وتيقنوا 230 الاستيلاء على بلاد الشام واستكثروا من الجموع ثم وصل إليهم دبيس بن صدقة صاحب الحلة فأطمعهم طمعا ثانيا لا سيما في حلب وقال لهم إن أهلها شيعة وهم يميلون إلي لأجل المذهب فمتى رأوني سلموا البلد إلي وبذل لهم على مساعدته بذولا كثيرة وقال إنني أكون ههنا نائبا ومطيعا لكم فساروا معه إليها وحصروها وقاتلوا قتالا شديدا ووطنوا نفوسهم على المقام الطويل وأنهم لا يفارقونها حتى يملكوها وبنوا البيوت لأجل البرد والحر
فلما رأى أهلها ذلك ضعفت نفوسهم وخافوا الهلاك وظنوا لهم من صاحبهم تمرتاش الوهن والعجز وقلت الأقوات عندهم فلما رأوا ما دفعوا إليه من هذه الأنساب أعملوا الرأي في طريق يتخلصون به فرأوا أنه ليس لهم غير البرسقي صاحب الموصل فأرسلوا إليه يستنجدونه ويسألونه المجيء ليسلموا البلد إليه فجمع عساكره وقصدهم وأرسل إلي من بالبلد وهو في الطريق يقول إنني لا أقدر على الوصول إليكم والفرنج يقاتلونكم إلا إذا سلمتم القلعة إلى نوابي وصار أصحابي فيها لأنني لا أدري ما يقدره الله تعالى إذا أنا لقيت الفرنج فإن انهزمنا منهم وليست حلب بيد أصحابي حتى أحتمي أنا وعسكري بها لم يبق منا أحد وحينئذ تؤخذ حلب وغيرها
فأجابوه إلى ذلك وسلموا القلعة إلى نوابه فلما استقروا فيها واستولوا عليها سار في العساكر التي معه فلما أشرف عليها رحل الفرنج عنها وهو يراهم فأراد من في مقدمة عسكره أن يحمل عليهم فمنعهم هو بنفسه وقال قد كفينا شرهم وحفظنا بلدنا منهم والمصلحة تركهم حتى يتقرر أمر حلب ونصلح حالها ونكثر ذخائرها ثم حينئذ نقصدهم ونقاتلهم فلما رحل الفرنج خرج أهل حلب ولقوه وفرحوا به وأقام عنده حتى أصلح الأمور وقررها
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة انقطعت الأمطار في العراق والموصل وديار الجزيرة والشام وديار بكر وكثير من البلاد فقلت الأقوات وغلت الأسعار في جميع البلاد ودام إلى سنة تسع عشرة
وفيها وصل منصور بن صدقة أخو دبيس إلى بغداد تحت الاستظهار فمرض بها فأحضر الخليفة الأطباء وأمرهم بمعالجته وأحضره عنده وجعل في حجرة وأدخل أصحابه إليه وفيها سار دبيس من الشام بعد رحيله عن حلب وقصد الملك طغرل فأغراه بالخليفة وأطمعه في العراق وكان ما نذكره سنة تسع عشرة إن شاء الله تعالى 231
وفيها مات الحسن بن الصباح مقدم الإسماعيلية صاحب الموت وقد تقدم من أخباره ما يعلم به محله من الشجاعة والرأي والتجربة
وفيها أيضا توفي داود ملك الأبخاز وشمس الدولة بن نجم الدين أيلغازي وفيها ثار أهل آمد بمن فيها من الإسماعيلية وكانوا قد كثروا فقتلوا منهم نحو سبعمائة رجل فضعف أمرهم بها بعد هذه الوقعة
وفيها في صفر توفي محمد بن مرزوق بن عبد الرزاق الزعفراني وهو من أصحاب الخطيب البغدادي
وفيها توفي أحمد بن علي بن برهان أبو الفتح الفقيه المعروف بابن الحمامي لأن أباه كان حماميا وكان حنبليا تفقه على ابن عقيل ثم صار شافعيا وتفقه على الغزالي والشاشي 232
ثم دخلت سنة تسع عشرة وخمسمائة
ذكر وصول الملك طغرل ودبيس بن صدقة إلى العراق وعودهما عنه
قد ذكرنا مسير دبيس بن صدقة إلى الملك طغرل من الشام فلما وصل إليه لقيه وأكرمه وأحسن إليه وجعله من أعيان خواصه وأمرائه فحسن إليه دبيس قصد العراق وهون عليه وضمن له أنه يملكه فسار معه إلى العراق فوصلوا دقوقا في عساكر كثيرة فكتب مجاهد الدين بهروز من تكريت يخبر الخليفة خبرهما فتجهز للمسير ومنعهما
وأمر يرنقش الزكوي شحنة العراق أن يكون مستعدا للحرب وجمع العساكر والأمراء البكجية وغيرهم فبلغت عدة العساكر اثني عشر ألفا سوى الرجالة وأهل بغداد وفرق السلاح وبرز خامس صفر وبين يديه أرباب الدولة رجالة وخرج من باب النصر وكان قد أمر بفتحه تلك الأيام وسماء باب النصر ونزول صحراء الشماسية ونزل يرنقش عند السيتي ثم سار فنزل الخالص تاسع صفر فلما سمع طغرل
بخروج الخليفة عدل إلى طريق خراسان وتفرق أصحابه في النهب والفساد ونزل هو رباط جلولاء فسار إليه الوزير جلال الدين بن صدقة في عسكر كثير فنزل الدسكرة
وتوجه طغرل ودبيس إلى الهارونية وسارا الخليفة فنزل بالدسكرة هو الوزير واستقر الأمر بين دبيس وطغرل أن يسيرا حتى يعبرا ديالي وتامرا ويقطعا جسر النهروان ويقيم دبيس ليحفظ المعابر ويتقدم طغرل إلى بغداد فيملكها وينهبها فسارا علىهذه القاعدة فعبرا تامرا ونزل طغرل بينه وبين ديالي وسار دبيس على أن يلحقه طغرل فقدر الله تعالى أن الملك طغرل لحقه حمى شديدة ونزل عليهم من المطر ما لم يشاهدوا مثله وزادت المياه وجاءت السيول والخليفة بالدسكرة
وسار دبيس في مائتي فارس وقصد معرة النهروان وهو تعب سهران 233 وقد لقي هو وأصحابه من المطر والبلل ما آذاهم وليس معهم ما يأكلون ظنا منهم أن طغرل وأصحابهم يلحقونهم فتأخروا لما ذكرناه فنزلوا جياعا قد نالهم البرد وإذ قد طلع عليهم ثلاثون جملا تحمل الثياب المخيطة والعمائم والأقبية والقلانس وغيرها من الملبوس وتحمل أيضا أنواع الأطعمة المصنوعة قد حملت من بغداد إلى الخليفة فأخذ دبيس الجميع فلبسوا الثياب الجدد ونزعوا الثياب الندية وأكلوا الطعام وناموا في الشمس مما نالهم تلك الليلة وبلغ الخبر أهل بغداد فلبسوا السلاح وبقوا يحرسون الليل والنهار
ووصل الخبر إلى الخليفة والعسكر الذين معه أن دبيسا قد ملك بغداد فرحل من الدسكرة ووقعت الهزيمة على العسكر إلى النهروان وتركوا أثقالهم ملقاة بالطريق لا يلتفت إليها أحد ولولا أن الله تعالى لطف بهم بحمى الملك طغرل وتأخره وإلا كان قد هلك العسكر والخليفة أيضا
وأخذوا وكان السواقي مملوءة بالوحل والماء من السيل فتمزقوا ولو لحقهم مائة فارس لهلكوا
ووصلت رايات الخليفة ودبيس وأصحابه نيام وتقدم الخليفة وأشرف على ديالي ودبيس نازل غرب النهروان والجسر ممدود شرق النهروان فلما أبصر دبيس شمسة الخليفة قيبل الأرض بين يدي الخليفة وقال أنا العبد المطرود فليعف أمير المؤمنين عن عبده فرق الخليفة له وهم بصلحه حتى وصل الوزير ابن صدقة فثناه عن رأيه
وركب دبيس ووقف بإزاء عسكر يرنقش الزكوي يحادثهم ويتماجن معهم ثم أمر الوزير الرجالة فعبروا ليمدوا الجسر آخر النهار فسار حينئذ دبيس عائدا إلى الملك طغرل وسير الخليفة عسكرا مع الوزير في أثره وعاد إلى بغداد فدخلها وكانت غيبته خمسة وعشرين يوما
ثم إن الملك طغرل ودبيسا عادا وسارا إلى السلطان سنجر فاجتازا بهمذان فقسطا على أهلها مالا كثيرا وأخذوه وغابوا في تلك الأعمال فبلغ خبرهم السلطان محمود فجد السير إليهم فانهزموا من بين يديه وتبعتهم العساكر فدخلوا خراسان إلى السلطان سنجر وشكيا إليه من الخليفة ويرنقش الزكوي
ذكر فتح البرسقي كفر طاب وانهزامه من الفرنج
في هذه السنة جمع البرسقي عساكره وسار إلى الشام وقصد كفر طاب وحصرها فملكها من الفرنج وسار إلى قلعة عزاز وهي من أعمال حلب من جهة الشمال وصاحبها جوسلين فحصرها فاجتمعت الفرنج فارسها وراجلها
وقصدوه ليرحلوه 234 عنها فلقيهم وضرب معهم مصافا واقتتلوا قتالا شديدا صبروا كلهم فيه فانهزم المسلمون وقتل منهم وأسر كثير وكان عدد القتلى أكثر من ألف قتيل من المسلمين وعاد منهزما إلى حلب فخلف بها ابنه مسعودا وعبر الفرات إلى الموصل ليجمع العساكر ويعاود القتال وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر قتل المأمون بن البطائحي
في هذه السنة في رمضان قبض الآمر بأحكام الله العلوي صاحب مصر على وزيره أبي عبد الله البطائحي الملقب بالمأمون وصلبه وإخوته
وكان ابتداء أمره أن أباه كان من جواسيس الفضل بالعراق فمات ولم يخلف شيئا فتزوجت أمه وتركته فقيرا فاتصل بإنسان يتعلم البناء بمصر ثم صار يحمل الأمتعة بالسوق الكبير فدخل مع الحمالين إلى دار الأفضل أمير الجيوش مرة بعد أخرى فرآه الأفضل خفيفا رشيقا حسن الحركة حلو الكلام فأعجبه فسأل عنه فقيل هو ابن فلان فاستخدمه مع الفراشين ثم تقدم عنده وكثرت منزلته وعلت حالته حتى صار وزيرا وكان كريما واسع الصدر قتالا سفاكا للدماء وكان شديد التحرز كثير التطلع إلى أحوال الناس من العامة والخاصة من سائر بلاد مصر والشام والعراق وكثر الغمازون في أيامه
وأما سبب قتله فإنه كان قد أسل جعفرا أخا الآمر ليقتل الآمر ويجعله خليفة وتقررت القاعدة بينهما على ذلك فسمع الوزير بذلك أبو الحسن بن أبي أسامة وكان خصيصا بالآمر قريبا منه وقد ناله من الوزير أذى واطراح فحضر عند الآمر وأعلمه الحال فقبض عليه وصلبه وهذا جزاء من قابل الإحسان بالإساءة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة توفي شمس الدولة سالم بن مالك صاحب قلعة جعبر وتعرف قديما بقلعة دوس
وفيها قتل القاضي أبو سعد محمد بن نصر بن منصور الهروي بهمذان قتله الباطنية وكان قد مضى إلى خراسان في رسالة الخليفة إلى السلطان سنجر فعاد فقتل وكان ذا مروءة غزيرة وتقدم كثير في الدولة السلجوقية
وفيه هذه السنة توفي هلال بن عبد الرحمن بن شريح بن عمر بن أحمد وهو من ولد بلال بن رباح مؤذن رسول الله وكنيته أبو سعد طاف البلاد وسمع وقرا القرآن وكان موته بسمرقند 235
ثم دخلت سنة عشرين وخمسمائة
ذكر حرب الفرنج والمسلمين بالأندلس
في هذه السنة عظم شأن ابن ردمير الفرنجي بالأندلس واستطال على المسلمين فخرج في عساكر كثيرة من الفرنج وجاس في بلاد الإسلام وخاضها حتى وصل إلى قريب قرطبة وأكثر النهب والسبي والقتل فاجتمع المسلمون في جيش عظيم زائد الحد في الكثرة وقصدوه فلم يكن بهم طاقة فتحصن منهم حصن منيع له اسمه ارنيسول فحصره وكبسهم ليلا فانهزم المسلمون وكثر القتل فيهم وعاد إلى بلاده
ذكر قصد بلاد الإسماعيلية بخراسان
في هذه السنة أمر الوزير المختصر أبو نصر أحمد بن الفضل وزير السلطان سنجر بغزو الباطنية وقتلهم أين كانوا وحيثما ظفر بهم ونهب أموالهم وسبى حريمهم وجهز جيشا إلى طريثيث وهي لهم وجيشا إلى بيهق من أعمال نيسابور وكان في هذه الأعمال قرية مخصوصة بهم اسمها طرز ومقدمهم بها إنسان اسمه الحسن بن سمين وسير إلى كل طرف من أعمالهم جميعا من الجند ووصاهم أن يقتلوا من لقوه منهم فقصد كل طائفة إلى الجهة التي سيرت إليها فأما القرية التي بأعمال بيهق فقصدها العسكر فقتلوا كل من بها وهرب مقدمهم وصعد منارة المسجد وألقى نفسه منها فهلك
وكذلك العسكر المنفذ إلى طريثيث قتلوا من أهلها فأكثروا وغنموا من أموالهم وعادوا
ذكر ملك الإسماعيلية قلعة بانياس
في هذه السنة عظم أمر الإسماعيلية بالشام وقويت شوكتهم وملكوا بانياس في ذي القعدة منها
وسبب ذلك أن بهرام ابن أخت الأسد أباذي لما قتل خاله ببغداد كما ذكرناه هرب إلى الشام وصار داعي الإسماعيلية فيه وكان يتردد ويدعو أوباش الناس 236 وطغامهم إلى مذهبه فاستجاب له منهم من لا عقل له فكثر جمعه إلا أنه يخفي شخصه فلا يعرف وأقام بحلب مدة ونفق على أيلغازي صاحبها وأراد أيلغازي أن يعتضد به لاتقاء الناس شره وشر أصحابه لنهم كانوا يقتلون كل من خالفهم وقصد من يتمسك بهم وأشار أيلغازي على طغتكين صاحب دمشق بأن يجعله عنده لهذا السبب فقبل رأيه وأخذه إليه فأظهر حينئذ شخصه وأعلن عداوته فكثر أتباعه من كل من يريد الشر والفساد وأعانه الوزير أبو طاهر بن سعد المرغيناني قصدا للاعتضاد به على ما يريد فعظم شره واستفحل أمره وصار أتباعه أضعافا مما كانوا فلولا أن عامة دمشق يغلب عليهم مذاهب أهل السنة وأنهم يشددون عليه فيما ذهب إليه لملك البلد ثم إن بهرام رأى من أهل دمشق فظاظة وغلظة عليه فخاف عاديتهم فطلب من طغتكين حصنا يأوي إليه هو ومن اتبعه فأشار الوزير بتسليم قلعة بانياس إليه فسلمت إليه فلما سار إليها اجتمع إليه أصحابه من كل ناحية فعظم حينئذ خطبه وجلت المحنة بظهوره واشتد الحال على الفقهاء والعلماء وأهل الدين لا سيما أهل السنة والستر والسلامة إلا أنهم لا يقدرون على أن ينطقوا بحرف واحد خوفا من سلطانهم أولا ومن شر الإسماعيلية ثانيا فلم يقدم أحد على إنكار هذه الحال فانتظروا بهم الدائر
ذكر قتل البرسقي وملك ابنه عز الدين مسعود
في هذه السنة ثامن ذي القعدة قتل قسيم الدولة آقسنقر البرسقي صاحب الموصل بمدينة الموصل قتله الباطنية يوم جمعة بالجامع وكان يصلي الجمعة مع العامة وكان قد رأى تلك الليلة في منامه أن عدة من الكلاب ثاروا به فقتل بعضها ونال منه الباقي ما أذاه فقص رؤياه عل أصحابه فأشاروا عليه بترك الخروج من داره عدة أيام فقال لا أترك الجمعة لشيء أبدا فغلبوا على رأيه ومنعوه من قصد الجمعة فعزم على ذلك فأخذ المصحف يقرأ فيه فأول ما رأى (
وكان أمر الله قدرا مقدورا ) فركب إلى الجامع عل عادته وكان يصلي في الصف الأول فوثب بضعة عشر نفسا عدة الكلاب التي رآها فجرحوه بالسكاكين فجرح هو بيده منهم ثلاثة وقتل رحمه الله وكان مملوكا تركيا خيرا يحب أهل العلم والصالحين ويرى العدل ويفعله وكان من خير الولاة يحافظ على الصلوات في أوقاتها ويصلي من الليل متهجدا 237
حكى لي ولوالدي رحمه الله عن بعض من كان يخدمه قال كنت فراشا معه فكان يصلي كل ليلة كثيرا وكان يتوضأ هو بنفسه ولا يستعين بأحد ولقد رأيته في بعض ليالي الشتاء بالموصل وقد قام من فراشه وعليه فرجية صغيرة وبر وبيده إبريق فمشى نحو دجلة ليأخذ ماء فمنعني البرد من القيام ثم إنني خفته فقمت بين يديه لآخذ الإبريق منه فمنعني وقال يا مسكين ارجع إلى مكانك فإنه برد فاجتهدت لآخذ الإبريق فلم يعطني وردني إلى مكاني ثم توضأ وقام يصلي
ولما قتل كان ابنه عز الدين مسعود بحلب يحفظها من الفرنج فأرسل إليه أصحاب أبيه بالخبر فسار إلى الموصل ودخلها أول ذي الحجة وأحسن إلى أصحاب أ [ يه بها واقر وزيره المؤيد أبا غالب بن عبد الخالق بن عبد الرزاق على وزارته وأطاعه الأمراء والأجناد
وانحدر إلى خدمة السلطان محمود فأحسن إليه وأعاده ولم يختلف عليه أحد من أهل بلاد أبيه
ووقع البحث عن حال الباطنية والاستقصاء عن أخبارهم فقيل إنهم كانوا يجلسون إلى إسكاف بدرب إيليا فأحضر ووعد الإحسان إن أقر فلم يقر فهدد بالقتل فقال إنهم وردوا من سنين لقتله فلم يتمكنوا منه إلى الآن فقطعت يداه ورجلاه وذكره ورجم بالحجارة فمات
ومن العجب أن صاحب أنطاكية أرسل إلى عز الدين بن البرسقي يخبره بقتل والده قبل أن يصل إليه الخبر وكان قد سمعه الفرنج قبله لشدة عنايته بمعرفة الأحوال الإسلامية ولما استقر عز الدين في الولاية قبض على الأمير بابكر بن ميكائيل وهو من أكابر الأمراء وطلب منه أن يسلم ابن أخيه قلعة إربل إلى الأمير فضل وأبي علي ابني أبي الهيجاء وكان ابن أخيه قد أخذها منه سنة سبع عشرة فراسل ابن أخيه فسلم إربل إلى المذكورين
ذكر الاختلاف الواقع بين المسترشد بالله والسلطان محمود
كان قد جرى بين برنقش الزكوي شحنة بغداد وبين نواب الخليفة المسترشد بالله نفرة تهدده الخليفة فيها فخافه على نفسه فسار عن بغداد إلى السلطان محمود في رجب من هذه السنة وشكا إلأيه وحذره جاب الخليفة وأعلمه أنه قد قاد العساكر ولقي الحروب وقويت نفسه ومتى لم تعالجه بقصد العراق ودخول بغداد ازداد قوة وجمعا ومنعك عنه وحينئذ يتعذر عليك ما هو الآن بيده فتوجه السلطان نحو العراق فأرسل إليه الخليفة يعرفه ما البلاد وأهلها عليه من الضعف والوهن بسبب دبيس وإفساد عسكره 238 فيها وأن الغلاء قد اشتد بالناس لعدم الغلات والأقوات لهرب الأكرة عن بلادهم ويطلب منه أن يتأخر هذه الدفعة إلى أن ينصلح حال البلاد ثم يعود إليها فلا مانع له عنها وبذل له على ذلك مالا كثيرا فلما سمع السلطان هذه الرسالة قوي عنده ما قرره الزكوي , أبى أن يجيب إلى التأخر وصم العزم وسار إليها مجدا فلما بلغ الخليفة الخبر عبر هو وأهله وحرمه ومن عنده من أولاد الخلفاء إلى الجانب الغربي في ذي القعدة مظهرا للغضب والانتزاح عن بغداد إن قصدها السلطان فلما خرج من داره بكى الناس جميعهم بكاء عظيما لم يشاهد مثله فلما علم السلطان ذلك اشتد عليه وبلغ منه كل مبلغ فأرسل الخليفة ويسأله العود إلى داره فأعاد الجواب أنه لا بد من عودك هذه الدفعة فإن الناس هلكى بشدة الغلاء وخراب البلاد وأنه لا يرى في دينه أمن يزداد ما بهم وهو يشاهدهم فإن عاد السلطان وإلا رحل هو عن العراق لئلا يشاهد ما يلقى الناس بمجيء العساكر
فغضب السلطان لقوله ورحل نحو بغداد وأقام الخليفة بالجانب الغربي فلما حضر عيد الأضحى خطب الناس وصلى بهم فبكى الناس لخطبته وأرسل عفيفا الخادم وهو من خواصه في عسكر إلى واسط ليمنع عنها نواب السلطان فأرسل السلطان إليه عماد الدين زنكي بن آقسنقر وكان له حينئذ البصرة
وقد فارق البرسقي واتصل بالسلطان فأقطعه البصرة فلما وصل عفيف إلى واسط سار إليه عماد الدين فنزل بالجانب الشرقي وكان عفيف بالجانب الغربي فأرسل إليه عماد الدين يحذره القتال ويأمره بالانتزاح عنها فأبى ولم يفعل فعبر إليه عماد الدين واقتتلوا فانهزم عسكر عفيف وقتل منهم مقتلة عظيمة وأسر مثلهم وتغافل عن عفيف حتى نجا لمودة كانت بينهما ثم إن الخليفة جمع السفن جميعها إليه وسد أبواب دار الخلافة سوى باب النوبى وأمر حاجب الباب ابن الصاحب بالمقام فيه لحفظ الدار ولم يبق من حواشي الخليفة بالجانب الشرقي سواه
ووصل السلطان إلى بغداد في العشرين من ذي الحجة ونزل بباب الشماسية ودخل بعض عسكره إلى بغداد ونزلوا في دور الناس ذلك إلى السلطان فأمر بإخراجهم وبقي فيها من له دار وبقي السلطان يراسل الخليفة بالعود ويطلب الصلح وهو يمتنع وكان يجري بين العسكريين مناوشة والعامة من الجانب الغربي يسبون السلطان أفحش سب ثم إن جماعة من عسكر السلطان دخلوا دار الخلافة ونهبوا التاج وحجر الخليفة أول المحرم سنة إحدى وعشرين وضج أهل بغداد من ذلك فاجتمعوا 239 ونادوا الغزاة فأقبلوا من كل ناحية ولما رآهم الخليفة خرج من السرداق والشمسة على رأسه والوزير بين يديه وأمر بضرب الكوسات والبوقات ونادى بأعلى صوته يا لهاشم وأمر بتقديم السفن ونصب الجسر وعبر الناس دفعة واحدة وكان له في الدار ألف رجل مختفين في السراديب فظهروا وعسكر السلطان مشتغلون بالنهب فأسر منهم جماعة من الأمراء ونهب العامة دار وزير السلطان ودور جماعة من الأمراء ودار عزيز الدين المستوفي ودار الحكيم أوحد الزمان الطبيب وقتل منهم خلق كثير في الدروب ثم عبر الخليفة إلى الجانب الشرقي ومعه ثلاثون ألف مقاتل من أهل بغداد والسواد وأمر بحفر الخنادق فحفرت بالليل وحفظوا بغداد من عسكر السلطان ووقع الغلاء عند العسكر واشتد الأمر عليهم أبواب البلد وعلى شاطىء دجلة وعزم عسكر الخليفة على أن يكسبوا عسكر السلطان فغدر بهم الأمير أبو الهيجاء الكردي صاحب إربل وخرج كأنه يريد القتال فالتحق هو وعسكره بالسلطان وكان السلطان قد أرسل إلى عماد الدين بواسط يأمره أن يحضر هو بنفسه ومعه المقاتلة في السفن وعلى الدواب في البر فجمع كل سفينة في البصرة وإلى بغداد وشحنها بالرجال المقاتلة وأكثر من السلاح وأصعد فلما قارب بغداد أمر كل من معه في السفن وفي البر بلبس السلاح وإظهار ما عندهم من الجلد والنهضة فسارت السفن في الماء والعسكر في البر على شاطىء دجلة قد انتشروا وملؤوا الأرض برا وبحرا فرأى الناس منظرا عجيبا كبر في أعينهم وملأ صدورهم
وركب السلطان والعسكر إلى لقائهم فنظروا إلى ما لم يروا مثله وعظم عماد الدين في أعينهم وعزم على قتال بغداد حينئذ والجد في ذلك في البر والماء فلما رأى الإمام المسترشد بالله الأمر على هذه الصورة وخروج الأمير أبي الهيجاء من عنده أجاب إلى الصلح وترددت الرسل بينهما فاصطلحا واعتذر السلطان مما جرى وكان حليما يسمع سبه بأذنه فلا يعاقب عليه وعفا عن أهل بغداد جميعهم
وكان أعداء الخليفة يشيرون على السلطان بإحراق بغداد فلم يفعل وقال لا تساوي الدنيا فعل مثل هذا
وأقام ببغداد إلى رابع شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين
وحمل الخليفة من المال إليه كل ما استقرت القاعدة عليه وأهدى له سلاحا وخيلا وغير ذلك فمرض السلطان ببغداد فأشار عليه الأطباء بمفارقتها فرحل إلى همذان فلما وصلها عوفي 240
ذكر مصاف بين طغتكين أتابك والفرنج بالشام
في هذه السنة اجتمعت الفرنج وملوكها وقمامصتها وكنودها وساروا إلى نواحي دمشق فنزلوا بمرج الصفر عند قرية يقال لها سقحبا بالقرب من دمشق فعظم الأمر على المسلمين واشتد خوفهم
وكاتب طغتكين أتابك صاحبها أمراء التركمان من ديار بكر وغيرها وجمعهم وكان هو قد سار عن دمشق إلى جهة الفرنج واستخلف ابنه تاج الملوك بوري فكان بها كلما جاءت طائفة أحسن ضيافتهم وسيرهم إلى أبيه فلما اجتمعوا سار بهم طغتكين إلى الفرنج فالتقوا أواخر ذي الحجة واقتتلوا واشتد القتال فسقط طغتكين عن فرسه فظن أصحابه أنه قتل فانهزموا وركب طغتكين فرسه ولحقهم وتبعهم الفرنج وبقي التركمان لم يقدروا أن يلحقوا بالمسلمين في الهزيمة فتخلفوا فلما رأوا فرسان الفرنج قد تبعوا المنهزمين وأن معسكرهم وراجلهم ليس له مانع ولا حام حملوا على الرجالة فقتلوهم ولم يسلم منهم إلا الشريد ونهبوا معسكر الفرنج وخيامهم وأموالهم وجميع ما معهم وفي جملته كنيسة فيها من الذهب والجواهر ما لا يقوم كثرة فنهبوا ذلك جميعه وعادوا إلى دمشق سالمين لم يعدم منهم أحد
ولما رجع الفرنج من أثر المنهزمين ورأوا رجالتهم قتلى وأموالهم منهوبة تموا منهزمين لا يلوي الأخ على أخيه وكان هذا من الغريب أن طائفتين تنهزمان كل واحدة منهما من صاحبتها
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة حصر الفرنج رفينة من أرض الشام وهي بيد المسلمين وضيقوا عليها فملكوها
وفيها توفي أبو الفتح أحمد بن محمد بن محمد الغزالي الواعظ وهو أخو الإمام أبي حامد محمد وقد ذمه أبو الفرج بن الجوزي بأشياء كثيرة منها روايته في وعظه الأحاديث التي ليس له بصحيحة والعجب أنه يقدح فيه بهذا وتصانيفه هو ووعظه محشو به مملوء منه نسأل الله أن يعيذنا من الوقيعة في الناس ثم يا ليت شعري أما كان للغزالي حسنة تذكر مع ما ذكر من المساوي التي نسبها إليه لئلا ينسب إلى الهوى والغرض 241
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وخمسمائة
ذكر ولاية الشهيد أتابك زنكي شحنكية العراق
في هذه السنة في ربيع الآخر أسند السلطان محمود شحنكية العراق إلى عماد الدين زنكي بن آقسنقر وكان سبب ذلك أن عماد الدين لما أصعد من واسط في التجمل والجمع الذي ذكرناه وقام في حفظ واسط البصرة وتلك النواحي القيام الذي عجز غيره عنه عظم في صدر السلطان وصدور أمرائه فلما عزم السلطان على المسير عن بغداد نظر فيمن يصلح أن يلي شحنكية العراق يأمن معه من الخليفة فاعتبر أمراء وأعيان دولته فلم ير فيهم من يقوم في هذا الأمر مقام عماد الدين فاستشار في ذلك فكل أشار به وقالوا لا تقدر على رقع هذا الخرق وإعادة ناموس هذه الولاية ولا تقوى نفس أحد على ركوب هذا الخطر غير عماد الدين زنكي فوافق ما عنده فأسند إليه الولاية وفوضها إليه مضافة إلى ماله من الأقطاع وسار عن بغداد وقد اطمأن قلبه من جهة العراق فكان الأمر كما ظن
ذكر عود السلطان عن بغداد ووزارة أنو شروان بن خالد
في هذه السنة ف يعاشر ربيع الآخر سار السلطان محمود عن بغداد بعد تقرير القواعد بها ولما عزم على المسير حمل إليه الخليفة الخلع والدواب الكثيرة فقبل ذلك جميعه وسار ولما أبعد عن بغداد قبض على وزيره أبي القاسم علي بن القاسم الأنسابادي في رجب لأنه اتهمه بممالاة المسترشد بالله لقيامه في أمره وإتمام الصلح مقاما ظهر أثره فسعى به أعداؤه فلما قبض عليه أرسل السلطان إلى بغداد أحضر شرف الدين أنو شروان بن خالد وكان مقيما بها فلما علم بذلك جاءته الهدايا من كل أحد حتى من الخليفة وسار عن بغداد خامس شعبان فوصل إلى السلطان وهو بأصبهان فخلع 242 عليه خلع الوزارة وبقي فيها نحو عشرة أشهر ثم استعفى منها وعزل نفسه وعاد إلى بغداد في شعبان سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة
وأما الوزير أبو القاسم فإنه بقي مقبوضا إلى أن خرج السلطان سنجر إلى الري سنة اثنتين وعشرين فأخرجه من الحبس في ذي الحجة وأعاده إلى السلطان محمود وهي الوزارة الثانية
ذكر وفاة عز الدين بن البرسقي وولاية عماد الدين الموصل وأعمالها
في هذه السنة توفي عز الدين مسعود بن البرسقي وهو صاحب الموصل وكان موته بمدينة الرحبة
وسبب مسيره إليها أنه لما استقامت أموره في ولايته وراسل السلطان محمودا وخطب له ولاية ما كان أبوه يتولاه من الموصل وغيرها فأجاب السلطان إلى ما طلب فرتب الأمور وقررها فكثر جنده وكان شجاعا شهما فطمع في التغلب على بلاد الشام فجمع عسكره وسار إلى الشام يريد قصد دمشق فابتدأ بالرحبة فوصل إليها ونازلها وقام يحاصرها فأخذه مرض حاد وهو محاصر لها فتسلم القلعة ومات بعد ساعد فندم من بها على تسليمها إليه ولما مات بقي مطروحا على بساط لم يدفن وتفرق عنه عسكره ونهب بعضهم بعضا فشغلوا عنه ثم دفن بعد ذلك وقام بعده أخ له صغير واستولى على البلاد مملوك للبرسقي يعرف بالجاولي ودبر أمر الصبي وأرسل إلى السلطان يطلب أن يقرر البلاد على ولد البرسقي وبذل الأموال الكثيرة على ذلك وكان الرسول في هذا الأمر القاضي بهاء الدين أبو الحسن علي بن القاسم الشهرزوري وصلاح الدين محمد أمير حاجب البرسقي فحضر أدركاء السلطان ليخاطبا في ذلك وكانا يخافان جاولي ولا يرضيان بطاعته والتصرف بما يحكم به فاجتمع صلاح الدين ونصير الدين جقر الذي صار نائبا عن أتابك عماد الدين بالموصل وكان بينهما مصاهرة وذكر له صلاح الدين ما ورد فيه وأفشى إليه سره فخوفه نصير الدين من جاولي وقبح طاعته وقرر في نفسه أنه إنما أبقاه لحاجته إليهم ومتى أجيب إلى مطلوبه لا يبقي على أحد منهم وتحدث معه في المخاطبة في ولاية عماد الدين زنكي وضمن له الولايات والأقطاع الكثيرة وكذلك للقاضي بهاء الدين الشهرزوري فأجابه إلى ذلك وأحضره معه عند القاضي بهاء الدين وخاطباه في هذا الأمر وضمنا له كل ما أراده فوافقهما على ما طلبا وركب هو وصلاح الدين إلى دار الوزير وهو حينئذ شرف الدين أنو شروان 243 بن خالد وقالا له قد علمت أنت والسلطان أن ديار الجزيرة والشام قد تمكن الفرنج منها وقويت شوكتهم بها فاستولوا علة أكثرها وقد أصبحت ولايتهم من حدود ماردين إلى عريش مصر ما عدا البلاد الباقية بيد المسلمين وقد كان البرسقي مع شجعته وتجربته وانقياد العساكر إليه يكف بعض عاديتهم وشرهم فمذ قتل ازداد طمعهم وهذا ولده طفل صغير ولا بد من رجل شهم شجاع ذي رأي وتجربة يذب عنها ويحفظها ويحمي حوزتها وقد أنهينا الحال لئلا يجري خلل أو وهن على الإسلام والمسلمين فيختص اللوم بنا ويقال لم لا أنهيتم إلينا جلية الحال فرفع الوزير قولهما إلى السلطان فاستحسنه وشكرهما عليه وأحضرهما واستشارهما فيمن يصلح للولاية فذكرا جماعة منهم عماد الدين زنكي وبذلا عنه تقربا إلى خزانة السلطان مالا جليلا فأجاب السلطان إلى توليته لما يعلمه من كفايته لما يليه فأحضروه وولاه البلاد كلها وكتب منشوره بها
وسار فبدأ بالبوازيج ليملكها ويتقوى بها ويجعلها ظهره لأنه خاف من جاولي أنه ربما صده عن البلاد فلما دخل البوازيج سار عنها إلى الموصل فلما سمع جاولي بقربه من البلد خرج إلى تلقيه ومعه جميع العسكر فلما رآه جاولي نزل عن فرسه وقبل الأرض بين يديه وعاد في خدمته إلى الموصل فدخلها في رمضان
وأقطع جاولي الرحبة وسيره إليها وأقام بالموصل يصلح أمورها ويقرر قواعدها فولى نصير الدين دزدارية القلعة وجعل إليه سائر دزدارية القلاع وجعل صلاح الدين أميرا حاجبا وبهاء الدين قاضي قضاة بلاده جميعها وزاده أملاكا وأقطاعا واحتراما
وكان لا يصدر إلا عن رأيه
فلما فرغ من أمر الموصل سار عنها إلى جزيرة ابن عمر وبها مماليك البرسقي فامتنعوا عليه فحصرهم وراسلهم وبذل لهم البذول الكثيرة إن سلموا فلم يجيبوه إلى ذلك فجد في قتالهم وبينه وبين البلد دجلة فأمر الناس فألقوا أنفسهم في الماء ليعبروه إلى البلد ففعلوا وعبر بعضهم سباحة وبعضهم في السفن وبعضهم في الأكلاك وتكاثروا على أهل الجزيرة وكانوا قد خرجوا عن البلد إلى أرض بين الجزيرة ودجلة تعرف بالزلاقة ليمنعوا من يريد عبور دجلة
فلما عبر العسكر إليهم قاتلوهم ومانعوهم فتكاثر عسكر عماد الدين عليهم فانهزم أهل البلد ودخلوه وتحصنوا بأسواره واستولى عماد الدين على الزلاقة فلما رأى من بالبلد ذلك ضعفوا ووهنوا وأيقنوا أن البلد يملك سلما أو عنوة فأرسلوا يطلبون الأمان فأجابهم إلى ذلك وكان هو أيضا مع عسكره بالزلاقة فسلموا البلد إليه فدخله هو وعسكره
ثم إن دجلة 244 زادت تلك الليلة زيادة عظيمة لحقت سور البلد وصارت الزلاقة ماء فلو أقام ذلك اليوم لغرق هو وعسكره ولم ينج منهم أحد فلما رأى الناس ذلك أيقنوا أن أمرا هذا بدايته لعظيم
ثم سار عن الجزيرة إلى نصيبين وكانت لحسام الدين تمرتاش صاحب ماردين فلما نازلها سار حسان الدين إلى ابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان بن أرتق وهو صاحب حصن كيفا وغيرها فاستنجده على أتابك زنكي فوعده النجدة بنفسه وجمع عسكره وعاد تمرتاش إلى ماردين وأرسل رقاعا على أجنحة الطيور إلى نصيبين يعرف من بها من العسكر أنه وابن عمه سائران في العسكر الكثير إليهم وإزاحة عماد الدين عنهم ويأمرهم بحفظ البلد خمسة أيام
فبينما أتابك في خيمته إذ سقط طائر على خيمة تقابله فأمر به فصيد فرأى فيه رقعة فقرأها وعرف ما فيها فأمر أن يكتب غيرها يقول فيها إنني قصدت ابن عمي ركن الدولة وعدني النصرة وجمع العساكر وما يتأخر عن الوصول أكثر من عشرين يوما ويأمرهم بحفظ البلد هذه المدة إلى أن يصلوا وجعلها في الطائر وأرسله فدخل نصيبين فلما وقف من بها على الرقعة سقط في أيديهم وعلموا أنهم لا يقدرون أن يحفظوا البلد هذه المدة فأرسلوا إلى الشهيد وصالحوه وسلموا البلد إليه فبطل على تمرتاش وداود وما كانا عزما عليه وهذا غريب ما يسمع فلما ملك نصيبين سار عنها إلى سنجار فامتنع من بها عليه ثم صالحوه وسلموا البلد إليه وسير منها الشحن إلى الخابور فملكه جميعه ثم سار إلى حران وهي للمسلمين وكانت الرها وسروج والبيرة وتلك النواحي جميعها للفرنج وأهل حران معهم في ضر عظيم وضيق شديد لخلوا البلاد من حام يدب عنها وسلطان يمنعها فلما قارب حران خرج أهل البلد وأطاعوه وسلموا إليه ملكها أرسل إلى جوسلين صاحب الرها وتلك البلاد وراسله وهادنه مدة يسيرة وكان رضه أن يتفرغ لإصلاح البلاد وجند الأجناد وكان أهم الأمور إليه أن يعبر الفرات إلى الشام ويملك مدينة حلب وغيرها من البلاد الشامية فاستقر الصلح ببينهم وأمن الناس
ونحن نذكر ملك حلب إن شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة قتل معين الملك أبو نصر أحمد بن الفضل وزير السلطان سنجر قتلته الباطنية وكان له في قتالهم آثار حسنة ونية صالحة فرزقه الله الشهادة 245
وفيها ولي السلطان شحنكية بغداد مجاهد الدين بهروز لما سار أتابك زنكي إلى الموصل
ويها رتب الحسن بن سليمان في تدريس النظامية ببغداد وفيها أوقع السلطان سنجر بالباطنية في ألموت فقتل منهم خلقا كثيرا قيل كانوا يزيدون على عشرة آلاف نفس
وتوفي في هذه السنة علي بن المبرك أبو الحسن المقري المعروف بابن الفاعوس الحنبلي ببغداد في شوال وكان صالحا
وفي شوال توفي محمد بن عبد الملك بن إبراهيم بن أحمد أبو الحسن بن أبي الفضل الهمذاني الغرضي صاحب التاريخ 246
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة
ذكر ملك أتابك عماد الدين زنكي مدينة حلب
في هذه السنة أول المحرم ملك عماد الدين زنكي بن آقسنقر مدينة حلب وقلعتها ونحن نذكر كيف كان سبب ملكها فنقول قد ذكرنا ملك البرسقي لمدينة حلب وقلعتها سنة ثمان عشرة واستخلافه بها ابنه مسعودا ولما قتل البرسقي سار مسعود عنها إلى الموصل وملكها واستناب بحلب اسمه قومان ثم إنه ولي عليها أميرا اسمه قتلغ أبه وسيره بتوقيع إلى قومان بتسليمها فقال بيني وبين عز الدين علامة لم أرها ولا أسلم إلا بها وكانت العلامة بينهما صورة غزال وكان مسعود بن البرسقي حسن التصوير فعاد قتلغ أبه إلى مسعود وهو يحاصر الرحبة فوجده قد مات فعاد إلى حلب مسرعا وعرف الناس موته فسلم الرئيس فضائل بن بديع البلد وأطاعه المقدمون به واستنزلوا قومان من القلعة بعد أن صح عنده وفاة صاحبه مسعود وأعطوه ألف دينار فتسلم قتلغ أبه القلعة في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين فظهر منه بعد أيام جور شديد وظلم عظيم ومد يده إلى أموال الناس لا سيما التركات فإنه أخذها وتقرب إليه الأشرار فنفرت قلوب الناس منه وكان بالمدينة بدر الدولة سليمان بن عبد الجبار بن أرتق الذي قديما صاحبها فأطاعه أهلها وقاموا ليلة الثلاثاء ثاني شوال فقبضوا على كل من كان بالبلد من أصحاب قتلغ أبه وكان أكثرهم يشربون في البلد صبحة العيد وزحفوا إلى القلعة فتحصن قتلغ أبه فيها بمن معه فحصروه ووصل إلى حلب حسان صاحب منبج وحسن صاحب بزاعة لإصلاح الأمر فلم ينصلح
وسمع الفرنج بذلك فتقدم جوسلين بعسكره إلى المدينة فصونع بمال فعاد عنها ثم وصل بعده صاحب أنطاكية في جمع من الفرنج فخندق الحلبيون حول القلعة فمنع الداخل والخارج إليها من ظاهر البلد وأشرف الناس على الخطر العظيم إلى منتصف ذي الحجة 247 من السنة
وكان عماد الدين قد ملك الموصل والجزيرة فسير إلى حلب الأمير سنقر دراز والأمير حين قراقوش وهما من أكابر البرسقي وقد صاروا معه في عسكر قوي ومعه التوقيع من السلطان والجزيرة والشام فاستقر الأمر أن يسير بدر الدولة بن عبد الجبار وقتلغ أبه إلى الموصل إلى عماد الدين فسارا إليه
وأقام حسن قراقوش بحلب واليا عليها ولاية مستعارة فلما وصل بدر الدولة وقتلغ أبه إلى عماد الدين أصلح بينهما ولم يرد واحدا منهما إلى حلب وسير حاجبه صلاح الدين محمدا الباغيسياني إليها في عسكر فصعد إلى القلعة ورتب الأمور وجعل فيها واليا وسار عماد الدين إلى الشام في جيوشه وعساكره فملك في طريقه مدينة منبج وبزاعة وخرج أهل حلب إليه فالتقوه واستبشروا بقدومه ودخل البلد واستولى عليه ورتب أموره وأقطع أعماله الأجناد والأمراء فملا فرغ من الذي أراده قبض على أبه وسلمه إلى ابن بديع فكحله فمات قتلغ أبه واستوحش ابن بديع فهرب إلى قلعة جعبر واستجار بصاحبها فأجاره
وجعل عماد الدين في رياسة حلب أبا الحسن علي بن عبد الرزاق ولولا أن الله تعالى من على المسلمين بملك أتابك بلاد الشام لملكها الفرنج لأنهم كانوا يحصرون بعض البلاد الشامية وإذا علم ظهير الدين طغتكين بذلك جمع عساكره وقصد بلادهم وحصرها وأغار عليها فيضطر الفرنج إلى الرحيل لدفعه عن بلادهم فقدر الله تعالى أنه توفي هذه السنة فخلا لهم الشام من جميع جهاته من رجل يقوم بنصرة أهله فلطف الله بالمسلمين بولاية عماد الدين ففعل بالفرنج ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر قدوم السلطان سنجر إلى الري
في هذه السنة خرج السلطان سنجر من خراسان إلى الري في جيش كثير
وكان سبب ذلك أن دبيس بن صدقة لما وصل إليه هو والملك لما وصل إليه هو والملك طغرل على ما ذكرناه لم يزل يطعمه في العراق ويسهل عليه قصده ويلقي في نفسه أن المسترشد بالله والسلطان محمودا متفقان على الامتناع منه
ولم يزل به حتى أجابه إلى المسير إلى العراق فلما ساروا وصل إلى الري وكان السلطان محمود بهمذان فأرسل إليه السلطان سنجر يستدعيه إليه لينظر هل هو على طاعته أم قد تغير على ما زعم دبيس
فلما جاءه الرسول بادر إلى المسير إلى عمه فلما وصل إليه أمر العسكر جميعه بلقائه وأجلسه معه على التخت 248 وبالغ في إكرامه
وأقام عنده إلى منتصف ذي الحجة ثم عاد السلطان سنجر إلى خراسان وسلم دبيسا إلى السلطان محمود ووصاه بإكرامه وإعادته إلى بلده ورجع محمود إلى همذان ودبيس معه ثم سارا إلى العراق فلما قاربا بغداد خرج الوزير إلى لقائه وكان قدومه تاسع المحرم سنة ثلاث وعشرين وكان الوزير أبو القاسم الأنساباذي قد قبض السلطان محمود عليه فلما اجتمع بالسلطان سنجر أمر بإطلاقه فأطلقه وقرره سنجر في وزارة ابنته التي زوجها السلطان محمود فلما وصل معه إلى بغداد أعاده محمود إلى وزارته في الرابع والعشرين من المحرم وهي وزارته الثانية
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة ثامن صفر توفي أتابك طغتكين صاحب دمشق وهو مملوك الملك تتش بن ألب أرسلان وكان عاقلا خيرا كثير الغزوات والجهاد للفرنج حسن السيرة في رعيته مؤثرا للعدل فيهم وكان لقبه ظهير الدين ولما توفي ملك بعده ابنه تاج الملوك بوري وهو أكبر أولاده بوصية من والده له بالملك وأقر وزير أبيه أبا علي طاهر بن سعد المزد فإني على وزارته
وفيها مستهل رجب توفي الوزير جلال الدين أبو علي بن صدقة وزير الخليفة وكان حسن السيرة جميل الطريقة متواضعا محبا لأهل العلم مكرما لهم وله شعر حسن فمنه في مدح المسترشد بالله
( وجدت الورى كالماء طعما ورقة
وأن أمير المؤمنين زلاله )
( وصورت معنى العقل شخصا مصورا
وأن أمير المؤمنين مثاله )
( ولولا طريق الدين والشرع والتقى
لقلت من الإعظام جل جلاله )
وأقيم في النيابة بعده شرف الدين علي بن طراد الزينبي ثم جعل وزيرا وخلع عليه آخر شهر ربيع الآخر من سنة ثلاث وعشرين ولم يوزر للخلفاء من بني العباس هاشمي غيره
وفيها هبت ريح شديدة أسود لها الآفاق وجاءت بتراب أحمر يشبه الرمل وظهر في السماء أعمدة كأنها نار فخاف الناس وعدلوا إلى الدعاء والاستغفار فانكشف عنهم ما يخافونه 249
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة
ذكر قدوم السلطان محمود إلى بغداد
في هذه السنة في المحرم قدم السلطان محمود بغداد بعد عوده من عند عمه السلطان سنجر ومعه دبيس بن صدقة ليصلح حاله مع الخليفة مع المسترشد بالله فتأخر دبيس عن السلطان
ثم دخل بغداد ونزل بدار السلطان واسترضى عنه الخليفة فامتنع الخليفة من الإجابة إلى أن تولي دبيس شيئا من البلاد وبذل مائة ألف دينار لذلك
وعلم أتابك زنكي أن السلطان يريد أن يولي دبيس الموصل فبذل مائة ألف دينار وحضر بنفسه إلى خدمة السلطان فلم يشعر السلطان به إلا وهو عند الستر وحمل معه الهدايا الجليلة فأقام عند السلطان ثلاثة أيام وخلع عليه وأعاده إلى الموصل
وخرج السلطان بتصيد فعمل له شيخ المزرفة دعوة عظيمة أمتار منها جميع عسكر السلطان وأدخله إلى حمام في داره وجعل فيها عوض الماء ماء الورد فأقام إلى رابع جمادى الآخرة وسار عنها إلى همذان وجعل بهروز على شحنكية بغداد وسلمت إليه الحلة أيضا 250 بجمع الأموال والرجال فاجتمع معه عشرة آلاف فارس كان قد توصل في ثلاثمائة فارس ووصل الأحمديلي بغداد في شوال وسار في أثر دبيس ثم إن السلطان سار إلى العراق فلما سمع دبيس بذلك أرسل إليه هدايا جليلة المقدار وبذل ثلاثمائة حصان منعلة بالذهب ومائتي ألف دينار ليرضى عنه السلطان والخليفة فلم يجبه إلى ذلك ووصل السلطان إلى بغداد في ذي القعدة فلقيه الوزير الزنيبي وأرباب المناصب فلما تيقن وصوله رحل إلى البرية وقصد البصرة وأخذ منها أموالا كثيرة للخليفة والسلطان هناك من الدخل فسير السلطان ف يأثره عشرة آلاف فارس ففارق البصرة ودخل البرية
ذكر قتل الإسماعيلية بدمشق
قد ذكرنا فيما تقدم قتل إبراهيم الأسداباذي ببغداد وهرب ابن أخته بهرام إلى الشام وملكه قلعة بانياس ومسيره إليها ولما فارق دمشق أقام بها خليفة يدعو الناس إلى مذهبه فكثروا وانتشروا وملك هو عدة حصون من الجبال منها القدموس وغيره وكان بوادي التيم من أعمال بعلبك أصحاب مذاهب مختلفة من النصيرية والدرزية والمجوس وغيرهم وأميرهم اسمه الضحاك فسار إليهم بهرام سنة اثنتين وعشرين وجحصرهم وقاتلهم فخرج إليه الضحاك في ألف رجل وكبس عسكر بهرام فوضع السيف فيهم وقتل منهم مقتلة كثيرة وقتل بهرام وانهزم من سلم وعادوا إلى بانياس على أقبح صورة وكان بهرام قد استخلف في بانياس رجلا من أعيان أصحابه اسمه أصحابه اسمه إسماعيل فقام مقامه وجمع شمل من عاد إليهم منهم وبث دعاته في البلاد وعاضده المزدقاني أيضا وقوى نفسه على ما عنده من الامتعاض بهذه الحادثة والهم بسببها ثم إن المزدقاني أقام بدمشق عوض بهرام إنسانا اسمه أبو الوفا فقوى أمره وعلا شأنه وكثر أتباعه وقام بدمشق فصار المستولي على من بها من المسلمين وحكمه أكثر من حكم صاحبها تاج الملوك ثم إن المزدقاني راسل الفرنج ليسلم إليهم مدينة دمشق ويسلموا إليه مدينة صور واستقر الأمر بينهم على ذلك وتقرر بينهم الميعاد يوم جمعة ذكروه وقرر المزدقاني مع الإسماعيلية أن يحتاطوا ذلك اليوم بأبواب الجامع فلا يمكنون أحدا يخرج منه ليجيء الفرنج ويملكوا البلاد فبلغ الخبر تاج الملوك صاحب دمشق فاستدعى المزدقاني إليه فحضر وخلا معه فقتله تاج الملوك وعلق رأسه على باب القلعة ونادى في البلد بقتل الباطنية فقتل منهم ستة آلاف نفس وكان ذلك منتصف رمضان من السنة وكفى الله المسلمين شرهم ورد 251 على الكافرين كيدهم
ولما تمت هذه الحادثة بدمشق على الإسماعيلية خاف إسماعيل والي بانياس أن يثور به وبمن معه من الناس فيهلكوا فراسل الفرنج وبذل لهم تسليم بانياس إليهم والانتقال إلى بلادهم فأجابوه فسلم القلعة إليهم وانتقل هو ومن معه من أصحابه إلى بلادهم ولقوا شدة وذلة وهوانا وتوفي إسماعيل أوائل سنة أربع وعشرين وكفى الله المؤمنين شرهم
ذكر حصر الفرنج دمشق وانهزامهم
لما بلغ الفرنج قتل المزدقاني والإسماعيلية بدمشق عظم عليهم ذلك وتأسفوا على دمشق حيث لم يتم ملكها وعمتهم المصيبة فاجتمعوا كلهم صاحب القدس وصاحب أنطاكية وصاحب طرابلس وغيرهم من الفرنج وقمامصتهم ومن وصل إليهم في البحر للتجارة والزيارة فاجتمعوا في خلق عظيم نحو ألفي فارس وأما الراجل فلا يحصى وساروا إلى دمشق ليحصروها ولما سمع تاج الملوك بذلك جمع العرب والتركمان فاجتمع معهم ثمانية آلاف فارس ووصل الفرنج في ذي الحجة فنازلوا البلد وأرسلوا إلى أعمال دمشق لجمع الميرة والإغارة على البلاد فلما سمع تاج الملوك أن جمعا كثيرا قد ساروا إلى حوران لنهبه وإحضار الميرة سير أميرا من أمرائه يعرف بشمس الخواص في جمع من المسلمين إليهم وكان خروجهم في ليلة شاتية كثيرة المطر ولقوا الفرنج من الغد فواقعوهم واقتتلوا وصبر بعضهم لبعض فظفر بهم المسلمون وقتلوهم فلم يفلت منهم غير مقدمهم ومعه أربعون رجلا وأخذوا ما معهم وهي عشرة آلاف دابة موقرة وثلاثمائة أسير وعادوا إلى دمشق لم يمسهم قرح
فلماعلم من عليها من الفرنج ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب فرحلوا عنها شبه منهزمين وأحرقوا ما تعذر عليهم حمله من سلاح وميرة وغير ذلك
وتبعهم المسلمون والمطر شديد والبرد عظيم يقتلون كل من تخلف منهم فكثر القتلى منهم وكان نزولهم ورحيلهم في ذي الحجة من هذه السنة
ذكر ملك عماد الدين زنكي مدينة حماة
في هذه السنة ملك عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل مدينة حماة 252
وسبب ذلك أنه عبر الفرات إلى الشام وأظهر أنه يريد جهاد الفرنج وأرسل إلى تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق يستنجده ويطلب منه المعونة على جهادهم فأجاب المراد وأرسل من أخذ له العهود والمواثيق
فلما وصلت التوثقة جرد عسكرا من دمشق مع جماعة من الأمراء وأرسل إلى ابنه سونج وهو بمدينة حماة يأمره بالنزول إلى العسكر والمسير معهم إلى زنكي فعل ذلك فساروا جميعهم فوصلوا إليه فأكرمهم وأحسن لقاءهم وتركهم أياما
ثم إنه قدر بهم فقبض على سونج ولد تاج الملوك وعلى جماعة الأمراء المقدمين ونهب خيامهم وما فيها من الكراع واعتقلهم بحلب وهرب من سواهم
وسار من يومه إلى حماة فوصل إليها وهي خالية من الجند الحماة الذابين فملكها واستولى عليها ورحل عنها إلى حمص وكان صاحبها قرجان بن قراجة معه في عسكره وهو الذي أشار عليه بالغدر تاج الملوك فقبض عليه ونزل على حمص وحصرها وطلب من قرجان صاحبها أن يأمر نوابه وولده فيها بتسليمها فأرسل إليهم بالتسليم فلم يقبلوا منه ولا التقوا إلى قوله فأقام عليها محاصرا لها ومقاتلا لمن فيها مدة طويلة فلم يقدر على ملكها فرحل عنها عائدا إلى الموصل واستصحب معه سونج بن تاج الملوك ومن معه من الأمراء الدمشقيين وترددت الرسل في إطلاقهم بينه وبين تاج الملوك واستقر الأمر على خمسين ألف دينار فأجاب تاج الملوك إلى ذلك ولم ينتظم بينهم أمر
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة ملك بيمند صاحب أنطاكية حصن القدموس من المسلمين
وفي هذه السنة أيضا وثب الإسماعيلية على بعد اللطيف بن الخنجدي رئيس الشافعية بأصبهان فقتلوه وكان ذا رياسة عظيمة وتحكم كثير
وفي هذه السنة توفي الإمام أبو الفتح أسعد بن أبي نصر الميهني الفقيه الشافعي مدرس النظامية ببغداد وله طريقة مشهورة في الخرف وتفقه على أبي المظفر السمعاني وكان له قبول عظيم عند الخليفة والسلطان وسائر الناس
وفيها توفي حمزة بن هبة الله بن محمد بن الحسن الشريف العلوي الحسني النيسابوري سمع الحديث الكثير ورواه ومولده سنة تسع وعشرين وأربعمائة وجمع مع شرف النفس والتقوى وكان زيدي المذهب 253
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وخمسمائة
ذكر ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند من محمد خان وملك محمود بن محمد خان المذكور
في هذه السنة في ربيع الأول ملك السلطان سنجر مدينة سمرقند
وسبب ذلك أنه كان قد رتب فيها لما ملكها أولا أرسلان خان محمد بن سليمان بت بغراخان داود أنه كان قد رتب فيها لما ملكها أولا أرسلان خان محمد بن سليمان بن بغراخان داود فأصابه فالج فاستناب ابنا له يعرف بنصر خان وكان شهما شجاعا
وكان بسمرقند إنسان علوي فقيه مدرس إليه الحل والعقد والحكم في البلد فاتفق هو ورئيس البلد على قتل نصرخان فقتلاه وكان أبوه محمد خان غائبا فعظم عليه واشتد
وكان له ابن آخر غائب في بلاد تركستان فأرسل إليه واستدعاه فلما قارب سمرقند خرج العلوي ورئيس البلد إلى استقباله فقتل العلوي في الحال وقبض على الرئيس
وكان والده أرسلان خان قد أرسل إلى السلطان سنجر رسولا يستدعيه ظنا منه أن ابنه لا يتم أمره مع العلوي والرئيس فتجهز سنجر وسار يريد سمرقند فلما ظفر ابن أرسلان خان بهما ندم على استدعاء السلطان سنجر فأرسل إليه يعرفه أنه قد ظفر بالعلوي والرئيس وأنه وابنه على الطاعة ويسأله العود إلى خراسان فغضب سنجر من ذلك وأقام أياما
فبينما هو في الصيد إذ رأى اثني عشر رجلا في السلاح التام فقبض عليهم وعاقبهم فأقروا أن محمد خان أرسلهم ليقتلوه ثم سار سمرقند فملكها عنوة ونهب بعضها ومنع من الباقي وتحصن منه محمد خان ببعض تلك الحصون فاستنزله السلطان سنجر بأمان بعد مدة
فلما نزل إليه أكرمه وأرسله إلى ابنته زوجة السلطان سنجر فبقي عندها إلى أن توفي
وأقام سنجر بسمرقند حتى أخذ المال والسلاح والخزائن وسلم البلد إلى الأمير حسن تكين وعاد إلى خراسان فلم يلبث حسن تكين أن مات فملك سنجر بعده عليها محمود بن محمد خان بن سليمان بن داود المقدم ذكره
وقيل إن السبب غير ما ذكرناه وسيرد ذكره سنة ست وثلاثين للحاجة إلى ذكره هناك 254
ذكر فتح عماد الدين زنكي حصن الأثارب وهزيمة الفرنج
لما فرغ عماد الدين زنكي من أمر البلاد الشامية حلب وأعمالها وما ملكته وقرر قواعده عاد إلى الموصل وديار الجزيرة ليستريح عسكره ثم أمره بالتجهز للغزاة فتجهزوا وأعدوا واستعدوا وعاد إلى الشام وقصد حلب فقوي عزمه على قصد حصن الأثارب ومحاصرته لشدة ضرره على المسلمين وهذا الحصن بينه وبين حلب نحو ثلاثة فراسخ بينها وبين أنطاكية
وكان من به من الفرنج يقاسمون حلب على جميع أعمالها الغربية حتى على رحى لأهل حلب بظاهر باب الجنان بينها وبين البلد عرض الطريق وكان أهل البلد معهم في ضر شديد وضيق كل يوم قد أغاروا عليهم ونهبوا أموالهم فلما رأى الشهيد هذه الحال صمم العزم على حصر هذا الحصن فسار إليه ونازله فلما علم الفرنج بذلك جمعوا فارسهم وراجلهم وعلموا أن هذه وقعة لها بعدها فحشدوا وجمعوا ولم وتركوا من طاقتهم شيئا إلا واستنفذوه فلما فرغوا من أمرهم ساروا نحوه فاستشار أصحابه فيما يفعل وكل أشار بالعود عن الحصن فإن لقاء الفرنج في بلادهم خطر لا يدري على أي شيء تكون العاقبة فقال لهم إن الفرنج متى رأونا قد عدنا من أيديهم طمعوا وساروا في أثرنا وخربوا بلادنا ولا بد من لقائهم على كل حال
ثم ترك الحصن وتقدم إليهم فالتقوا واصطفوا للقتال وصبر كل فريق لخصمه واشتد الأمر بينهم ثم إن الله تعالى أنزل نصره على المسلمين فظفروا وانهزم الفرنج أقبح هزيمة ووقع كثير من فرسانهم في الأسر وقتل منهم خلق كثير
وتقدم عماد الدين إلى عسكره بالإنجاز وقال هذا أول مصاف عملناه معهم فلنذقهم من بأسنا ما يبقي رعبه في قلوبهم ففعلوا ما أمرهم ولقد اجتزت بتلك الأرض سنة أربع وثمانين وخمسمائة ليلا فقيل لي إن كثيرا من العظام باق إلى ذلك الوقت
فلما فرغ المسلمون من ظفرهم عادوا إلى الحصن فتسلموه عنوة وقتلوا وأسروا كل من فيه وأخربه عماد الدين وجعله دكا وبقي إلى الآن خرابا ثم سار منه إلى قلعة حارم وهي بالقرب من أنطاكية فحصرها وهي أيضا للفرنج فبذل له أهلها نصف دخل بلد حارم وهادنوه فأجابهم إلى ذلك وعاد عنهم وقد استدار المسلمون بتلك الأعمال وضعفت قوى الكافرين وعلموا أن البلاد قد جاءها ما لم يكن لهم في حساب وصار قصاراهم حفظ ما بأيديهم بعد أن كانوا قد طمعوا في ملك الجميع 255
ذكر ملك عماد الدين زنكي أيضا مدينة سرجى ودارا
لما فرغ من أمر الأثارب وتلك النواحي عاد إلى ديار الجزيرة وكان قد بلغه عن حسان الدين تمرتاش بن أيلغازي صاحب ماردين وابن عمه ركن الدولة داود بن سقمان صاحب حصن كيفا قوارص فعاد إليهم وحصر مدينة سرجى وهي بين ماردين ونصيبين فاجتمع حسام الدين وركن الدولة وصاحب آمذ وغيرهم وجمعوا خلقا كثيرا من التركمان بلغت عدتهم عشرين ألفا وساروا إيله فتصافوا بتلك النواحي فهزمهم عماد الدين وملك سرجى فحكى لي والدي قال لما انهزم ركن الدولة داود قصد بلد جزيرة ابن عمر ونهبه فبلغ الخبر عماد الدين فسار نحو الجزيرة وأراد دخول بلد داود ثم عاد عنه لضيق مسالكه وخشونة الجبال التي في الطريق وسار إلى دارا فملكها وهي من القلاع في تلك الأعمال
ذكر وفاة الآمر وخلافة الحافظ العلوي
في هذه السنة ثاني ذي القعدة قتل الآمر بأحكام الله أبو علي بن المستعلي العلوي صاحب مصر خرج إلى منتزه له فلما عاد وثب عليه الباطنية فقتلوه لأنه كان سيء السيرة في رعيته وكانت ولايته تسعا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعمره أربعا وثلاثين سنة وهو العاشر من ولد المهدي عبيد الله الذي ظهر بسجلماسة وبنى المهدية بإفريقية
وهو أيضا العاشر من الخلفاء العلويين من أولاد المهدي أيضا
فلما قتل لم يكن له ولد بعده ابن عه الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم بن المستنصر بالله ولم يبايع بالخلافة وإنما بويع له لينظر في الأمر نيابة حتى يكشف عن حمل إن كان للآمر فتكون الخلافة فيه ويكون هو نائبا عنه ومولد الحافظ بعسقلان لأن أباه خرج من مصر إليها في الشدة فأقام بها فولد ابنه عبد المجيد هناك ولما ولى استوزر أبا علي أحمد بن الأفضل بن بدر الجمالي واستبد بالأمر وتغلب على الحافظ ومحجر عليه وأودعه في خزانة ولا يدخل إليه إلا من يريده أبو علي وبقي الحافظ له اسم لا معنى تحته ونقل أبو علي كل ما في القصر إلى داره من الأموال وغيرها ولم يزل الأمر كذلك إلى أن قتل أبو علي سنة ست وعشرين فاستقامت أمور الحافظ وحكم في دولته وتمكن من ولايته وبلاده 256
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة توفيت الخاتون ابنة السلطان سنجر وهي زوجة السلطان محمود
وفيها قتل بيمند الفرنجي صاحب أنطاكية
وفيها توفي نصير الدين محمود بن مؤيد الملك نظام الملك في شعبان ببغداد ووقع الحريق في داره بعد وفاته وفي حظائر الحطب والسوق التتشي فذهب من الناس أموال كثيرة
وفيها وزر الرئيس أبو الذواد المفرج بن الحسن بن الصوفي لصاحب دمشق تاج الملوك
وفيها كان الرصد بالدار السلطانية شرقي بغداد تولاه البديع الاصطرلابي ولم يتم
وفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة شوكتين فنال منها خوف شديد وأذى عظيم
وفيها في ذي الحجة خرج الملك مسعود بن محمد من خراسان وكان عند عمه السلطان سنجر ووصل إلى ساوة ووقع الإرجاف أن عزمه على مخالفة أخيه السلطان محمود قوي وأن عمه سنجر أمره بذلك فاستشعر السلطان محمود وسار عن بغداد إلى همذان فلما وصل إلى كرمانشاهان وصل إليه أخوه الملك مسعود وخدمه ولم يظهر للإرجاف أثر فاقطعه السلطان مدينة كنجة وأعمالها وسيره إليها
وفيها كانت زلزلة عظيمة في ربيع الأول بالعراق وبلد الجبل والموصل والجزيرة فخربت كثيرا
وفيها ملك السلطان محمود قلعة الموت
وفيها توفي إبراهيم بن عثمان بن محمد أبو إسحاق الغزي من أهل غزة مدينة بفلسطين من الشام ومولده سنة إحدى وأربعين وهو من الشعراء المجيدين فمن قوله من قصيدة يصف فيها الأتراك
( في فتية من جيوش الترك ما تركت
للرعد كراتهم صوتا ولا صيتا )
( قوم إذا قوبلوا كانوا ملائكة
حسنا وإن قوتلوا كانوا عفاريتا )
وله في الزهد
( إنما هذه الحياة متاع
والسفيه الغوي من يصطفيها )
( ما مضى فات والمؤمل غيب
ولك الساعة التي أنت فيها )
وفيها توفي الحسين بن محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن محمد الدباس أبو عبد الله النحوي الشاعر المعروف بالبارع أخو أبي الكرم بن فاخر النحوي لأمه ولد سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة وله شعر مليح فمنه قوله 257
( ردي على الكرى ثم اهجري بطيف منك في الوسن )
( لا تحسبي النوم قد أوحشت أطلبه
إلا رجاء خيال منك يؤنسني )
( تركتني والهوى فردا أغالبه
ونام ليلك عن هم يؤرقني )
وهي طويلة
وفيها توفي هبة الله بن القاسم بن محمد بن عطاء بن محمد أبو سعد المهرواني النيسابوري ومولده سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وكان محدثا حافظا صالحا 258
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وخمسمائة
ذكر أسر دبيس بن صدقة وتسليمه إلى عماد الدين زنكي
في هذه السنة في شعبان أسر تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق الأمير دبيس بن صدقة صاحب الحلة وسلمه إلى أتابك الشهيد زنكي بن آقسنقر
وسبب ذلك أنه لما فارق البصرة على ما ذكرناه جاءه قاصد من الشام صرخد يستدعيه إليها لأن صاحبها كان خصيا فتوفي هذه السنة وخلف جارية سرية له فاستولت على القلعة وما فيها وعلمت أنها لا يتم لها ذلك إلا بأن تتصل برجل له قوة ونجدة فوصف لها دبيس بن صدقة وكثرة عشيرته وذكر لها حاله وما هو عليه بالعراق فأرسلت تدعوه إلى صرخد لتتزوج به وتسلم القلعة وما فيها من مال وغيره إليه فأخذ الأدلاء معه وسار من أرض العراق إلى الشام فضل به الأدلاء بنواحي دمشق فنزل بناس من كلب كانوا شرقي الغوطة فأخذوه وحملوه إلى تاج الملوك صاحب دمشق فحبسه عنده
وسمع أتابك عماد الدين زنكي الخبر وكان دبيس يقع فيه وينال منه فأرسل إلى تاج يطلب منه دبيسا ليسلمه إليه ويطلق ولده ومن معه من الأمراء المأسورين وإن امتنع من تسليمه سار إلى دمشق وحصرها وخربها ونهب بلدها فأجاب تاج الملك إلى ذلك وأرسل أتابك سونج بن تاج الملوك والأمراء الذي معه وأرسل تاج الملوك دبيسا فأيقن دبيس بالهلاك ففعل زنكي معه خلاف ما ظن وأحسن إليه وحمل له الأقوات والسلاح والدواب وسائر أمتعة الخزائن وقدمه حتى على نفسه وفعل معه ما يفعل مع أكابر الملوك ولما سمع المسترشد بالله بقبضه بدمشق أرسل سديد الدولة بن الأنباري وأبا بكر بن بشر الجزري من جزيرة ابن عمر إلى تاج الملوك يطلب منه أن يسلم إليه لما كان متحققا به من عداوة الخليفة فسمع سديد الدولة بن الأنباري بتسليمه إلى عماد الدين وهو في الطريق فسار إلى دمشق ولم يرجع وذم أتابك زنكي بدمشق واستخف به وبلغ الخبر 259 عماد الدين فأرسل إلى طريقه من يأخذه إذا عاد فلما رجع من دمشق قبضوا عليه وعلى ابن بشر وحملوهما إليه فأما ابن بشر فأهانه وجرى في حقه مكروه وأما ابن الأنباري فسجنه ثم إن المسترشد بالله شفع فيه فأطلق ولم يزل دبيس مع زنكي حتى انحدر معه إلى العراق على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر وفاة السلطان محمود وملك ابنه داود
في هذه السنة في شوال توفي السلطان محمود بن السلطان محمد بهمذان
وكان قبل مرضه قد خاف وزيره أبو القاسم الأنساباذي من جماعة من الأمراء وأعيان الدولة منهم عزيز الدين أبو نصر أحمد بن حامد المستوفي والأمير أنوشتكين المعروف بشيركير وولده عمر وهو أمير حاجب السلطان وغيرهم
فأما عزيز الدين فأرسله مقبوضا عليه إلى مجاهد الدين بهروز بتكريت ثم قتل بها وأما شيركير وولده فقتلا في جمادى الآخرة
ثم إن السلطان مرض وتوفي في شوال وأقعد ولده الملك داود في السلطنة باتفاق من الوزير أبي القاسم وأتابكه آقسنقر الأحمديلي وخطب له في جميع بلاد الجبل وأذربيجان ووقعت الفتنة بهمذان وسائر بلاد الجبل ثم سكنت فلما اطمأن الناس وكنوا سار الوزير بأمواله إلى الري فأمن فيها حيث هي للسلطان سنجر وكان عمر السلطان محمود لما توفي نحو سبع وعشرين سنة
وكانت ولايته للسلطنة اثنتي عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرين يوما وكان حليما كريما عاقلا يسمع ما يكره ولا يعاقب عليه مع القدرة قليل الطمع في أموال الرعايا عفيفا عنها كافا لأصحابه عن التطرق إلى شيء منها
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة ثار الباطنية بتاج الملوك بوري طغتكين صاحب دمشق فجرحوه جرحين فبرأ أحدهما وتنسر الآخر وبقي فيه ألمه إلا أنه يجلس للناس ويركب معهم على ضعف فيه
وفيها توفي الأمير أبو الحسن بن المستظهر بالله أخو المسترشد بالله في رجب
وفيها في شوال توفي الحسن بن سلمان بن عبد الله أبو علي الفقيه الشافعي الواعظ مدرس النظامية ببغداد وأصله من الزوزان والخطيب أبو نصر أحمد بن عبد القاهر المعروف بابن الطوسي خطيب الموصل توفي في ربيع الأول وحماد بن مسلم الدباس 260 الرحبي الزاهد المشهور وصاحبا الكرامات وسمع الحديث وله أصحاب وتلامذة كثيرون ساروا ورأيت الشيخ أبا الفرج بن الجوزي قد ذمه وثلبه ولهذا الشيخ أسوة بغيره من الصالحين فإن ابن الجوزي قد صنف كتابا سماه تلبيس لم يبق فيه على أحد من سادة المسلمين وصالحيهم وهبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشيباني الكاتب ومولده سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة سمع أبا علي بن المهذب وأبا طالب بن غيلان وغيرهما وهو راوي مسند أحمد بن حنبل والغيلانيات وغيرا ومحمد بن الحسن بن علي بن الحسن أو غالب الماوردي ولد سنة خمسين وأربعمائة بالبصرة وسمع الحديث الكثير وروى سنن أبي داود السجستاني وكان صالحا 261
ثم دخلت سنة ست وعشرين وخمسمائة
ذكر قتل أبي علي وزير الحافظ ووزارة يانس وموته
في هذه السنة في المحرم قتل الأفضل أبو علي بن الأفضل بن بدر الجمالي وزير الحافظ لدين الله العلوي صاحب مصر
وسبب قتله أنه كان قد حجر على الحافظ ومنعه أن يحكم في شيء من الأمور قليل أو جليل و أخذ ما في قصر الخلافة إلى داره وأسقط من الدعاء ذكر إسماعيل الذي هو جدهم
وإليه تنسب الإسماعيلية وهو ابن جعفر بن محمد الصادق وأسقط من الآذان حي على خير العمل ولم يخطب للحافظ وأمر الخطباء أن يخطبوا له بألقاب كتبها لهم وهي السيد الأفضل الأجل سيد مماليك أرباب الدول والمحامي عن حوزة الدين وناشز جناح العدل على المسلمين الأقربين والأبعدين ناصر إمام الحق في حالتي غيبته وحضوره والقائم بنصرته بماضي سيفه وصائب رأيه وتدبيره أمير الله على عباده وهادي القضاة إلى اتباع شرع الحق واعتماده ومرشد دعاة المؤمنين بواضح بيانه وإرشاده مولى النعم ورافع الجور عن الأمم ومالك فضيلتي السيف والقلم أبو علي أحمد بن السيد الأجل الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش
وكان إمامي المذهب يكثر ذم الآمر والتناقص به فنفر منه شيعة العلويين ومماليكهم وكرهوا وعزموا على قتله فخرج في العشرين من المحرم من هذه السنة إلى الميدان يلعب بالكرة مع أصحابه فكمن له جماعة منهم مملوك إفرنجي كان للحافظ فخرجوا عليه فحمل الفرنجي عليه فطعنه فقتله وحزوا رأسه وخرج الحافظ من الخزانة التي كان فيها ونهب الناس دار أبي علي وأخذ منها ما لا يحصى وركب الناس والحافظ إلى داره فأخذ ما بقي فيها وحمله إلى القصر
وبويع يومئذ الحافظ بالخلافة وكان قد بويع له بولاية العهد وأن يكون كافلا لحمل إن كان للآمر فلما بويع بالخلافة استوزر أبا 262 الفتح يانس الحافظي في ذلك اليوم بعينه ولقب أمير الجيوش وكان عظيم الهيبة بعيد الغور كثير الشر فخافه الحافظ على انفسه وتخيل منه يانس فاحتاط ولم يأكل عنده شيئا ولا شرب
فاحتال عليه الحافظ بأن وضع له فراشه في بيت الطهارة ماء مسموماً فاغتسل به فوقع الدود في سفله وقيل له متى قمت من مكانك هلكت فكان يعالج بأن يجعل اللحم الطري في المحل فيعلق به الدود فيخرج و يجعل عوضه فقارب الشفاء
فقيل للحافظ إنه قد صلح وان تحرك هلك فركب إليه الحافظ كأنه يعوده فقام له ومشى بين يديه وقعد الحافظ عنده ثم خرج من عنده فتوفي من ليلته وكان موته في السادس و العشرين من ذي الحجة من هذه السنة
ولما مات يانس استوزر الحافظ ابنه حسناً وخطب له بولاية العهد وسيرد ذكر قتله سنة تسع وعشرين و إنما ذكرت ألقاب أبي علي تعجبا منها
ومن حماقة ذلك الرجل فإن وزير صاحب مصر وحدها إذا كان هكذا فينبغي أن يكون وزير السلاطين السلجوقية كنظام الملك وغيره يدعون الربوبية على أن تربة مصر هكذا تولد ألا ترى إلى فرعون يقول أنا ربكم الأعلى وإلى أشياء أخر لا نطيل بذكره
ذكر حال السلطان مسعود والملكين سلجوقشاه وداود واستقرار السلطنة بالعراق لمسعود
لما توفي السلطان محمود بن السلطان وخطب ببلاد الجبل وأذربيجان لولده الملك داود على ما ذكرناه سار الملك داود من همذان في ذي القعدة من سنة خمس وعشرين إلى زنجان فأتاه الخبر أن عمه السلطان مسعود قد سار من جرجان ووصل إلى تبريز واستولى عليها فسار الملك داود إليه وحصره بها وجرى بينهما قتال إلى سلخ المحرم سنة ست وعشرين ثم اصطلحا وتلأخر الملك داود وأرسل يطلب الخطبة ببغداد وكانت رسل الملك داود قد تقدمت في طلب الخطبة فأجاب المسترشد بالله أن الحكم في الخطبة إلى السلطان سنجر أن لا يأذن لأحد في الخطبة فإن الخطبة ينبغي أن تكون له وحده فوقع ذلك منه موقعا حسناً ثم إن السلطان مسعوداً كاتب عماد الدين زنكي صاحب الموصل وغيرها يستنجده ويطلب مساعدته فوعده النصر فقويت بذلك نفس مسعود على طلب السلطنة ثم إن الملك 263 سلجوقشاه بن السلطان محمد ساريه أتابكة قراجة الساقي صاحب فارس وخوزستان في عسكر كثير إلى بغداد فوصل إليها قبل وصول السلطان مسعود ونزل في دار السلطان وأكرمه الخليفة واستحلفه لنفسه ثم وصل رسول السلطان مسعود يطلب الخطبة ويتهدد إن منعها فلم يجب إلى ما طلبه فسار حتى نزل عباسية الخالص وبرز عسكر الخليفة وعسكر سلجوقشاه وقراجة الساقي نحو مسعود إلى أن يفرغ من حرب أتابك عماد الدين زنكي وسار يوماً إلى المعشوق وواقع عماد الدين زنكي فهزمه وأسر كثيراً من أصحابه
وسار زنجي منهزماً إلى تكريت فعبر فيها دجلة وكان الدزدار بها حينئذ نجم الدين أيوب فأقام به المعابر فلما عبر أمن الطلب وسار إلى بلاده لإصلاح حاله وحال رجاله وهذا الفعل من نجم الدين أيوب كان سبباً لاتصاله به و المصبر في جملته حتى آل بهم الأمر إلى ملك مصر والشام وغيرهما على ما نذكره
وأما السلطان مسعود فإنه سار من العباسية إلى الملكية ووقعت الطلائع بعضها على بعض ثم لم تزل المناوشة تجري بينه وبين أخيه سلجوقشاه يومين وأرسل سلجوقشاه إلى قراجة يستحثه على المبادرة فعاد سريعاً وعبر دجلة إلى الجانب الشرقي فلما علم السلطان مسعود بانهزام عماد الدين زنكي رجع إلى ما ورائه وأرسل إلى الخليفة يعرفه وصول السلطان سنجر إلى الري وأنه عازم على قصد الخليفة وغيره وإن رأيتم أن نتفق على قتاله ودفعه عن العراق ويكون العراق لوكيل الخليفة فأنا موافق على ذلك فأعاد الخليفة الجواب يستوفقه وترددت الرسل في الصلح فاصطلحوا على أن يكون العراق لوكيل الخليفة وتكون السلطنة ويكون سلجوقشاه ولي عهده وتحالفوا على ذلك وعاد السلطان مسعود إلى بغداد فنزل بدار السلطان ونزل سلجوقشاه في دار الشحنكية وكان اجتماعهم في جمادى الأولى
ذكر الحرب بين السلطان مسعود وعمه السلطان سنجر
لما توفي السلطان محمود سار السلطان سنجر إلى بلاد الجبال ومعه الملك طغرل بن السلطان محمد وكان عنده قد لازمه فوصل إلى الري
ثم سار منها إلى همذان فوصل الخبر إلى الخليفة المسترشد بالله والسلطان مسعود بوصوله إلى همذان فاستقرت القاعدة بينهما على قتاله وأن يكون الخليفة معهم وتجهز الخليفة فتقدم قراجة الساقي والسلطان مسعود وسلجوقشاه نحو السلطان سنجر
وتأخر المسترشد 264 بالله عن المسير معهم فأرسل إلى قراجة و ألزمه وقال إن الذي تخاف من سنجر آجلاً أنا أفعله عاجلاً فبرز حينئذ وسار على تريث وتوقف إلى أن بلغ إلى خانقين وأقام بها وقطعت خطبة سنجر من العراق جميعه ووصلت الأخبار بوصول عماد الدين زنكي ودبيس بن صدقة إلى قريب بغداد
فأما دبيس فإنه ذكر أن السلطان سنجر أقطعه الحلة وأرسل إلى المسترشد بالله يضرع ويسأل الرضا عنه فامتنع من إجابته إلى ذلك
وأما عماد الدين زنكي فإنه ذكر أن السلطان سنجر قد أعطاه شحنكية بغداد فعاد المسترشد بالله إلى بغداد وأمر أهلها بالاستعداد للمدافعة عنها وجند أجناداً جعلهم معهم
ثم إن السلطان مسعوداً وصل إلى دلد مرج فلقيهم طلائع السلطان سنجر في خلق كثير فتأخر السلطان مسعود إلى كرماتشاهان ونزل السلطان سنجر في أسد أباذ في مائة ألف فارس فسار مسعود وأخوه سلجوقشاه إلى جبلين يقال لهما كاو وما هي فنزلا بينهما ونزل السلطان سنجر كنكور فلما سمع بانحرافهم أسرع في طلبهم فرجعوا إلى ما ورائهم مسيرة أربعة أيام في يوم وليلة
فالتقى العسكران يعولان عند الدينور وكان مسعود يدافع الحرب انتظاراً لقدوم المسترشد فلما نازله السلطان سنجر لم يجد بداً من المصاف وجعل سنجر على ميمنته طغرل ابن أخيه محمد وقماح وأمير أميران وعلى ميسرته خوارزمشاه أتسز بن محمد مع جمع من الأمراء وجعل مسعوداً على ميمنة قراجة الساقي والأمير قزل وعلى ميسرته يرنقش بازدار ويوسف جاووش وغيرهما
وكان قزل قد واطأ سنجر على الانهزام ووقعت الحرب وقامت على ساق
وكان يوما مشهوداً فحمل قراجة الساقي على القلب وفيه السلطان سنجر في عشرة آلاف فارس من شجعان العسكر وبين يديه الفيلة فلما حمل قراجة على القلب رجع الملك طغرل وخوارزمشاه إلى وراء ظهره فصار قراجة في الوسط فقاتل إلى أن جرح عدة جرحات وقتل كثير من أصحابه وأخذ هو أسيراً وبه جرحات كثيرة فلما رأى السلطان مسعود ذلك انهزم وسلم من المعركة وقتل يوسف جاووش وحسين أزبك وهما من أكابر الأمراء
وكانت الوقعة ثامن رجب من هذه السنة فلما تمت الهزيمة على مسعود نزل سنجر وأحضر قراجة فلما حضر قراجة سبه وقال يا مفسد أي شيء ترجو بقتالي قال كنت أرجو أن أقتلك وأقيم سلطاناً أحكم عليه فقتله صبراً وأرسل إلى السلطان مسعود يستدعيه فحضر عنده وكان قد بلغ خونخ فلما رآه قبله وأكرمه وعاتبه على العصيان عليه ومخالفته وأعاده إلى كنجة وأجلس الملك طغرل ابن أخيه محمد في 265 السلطنة وخطب له في جميع البلاد وجعل في وزارته أبا القاسم الأنساباذي وزير السلطان محمود وعاد إلى خراسان فوصل إلى نيسابور في العشرين من رمضان سنة ست وعشرين وأما المسترشد بالله فكان منه ما نذكره
ذكر مسير عماد الدين زنكي إلى بغداد وانهزامه
لما سار المسترشد بالله من بغداد وبلغه انهزام السلطان مسعود عزم على العود إلى بغداد فأتاه الخبر بوصول عماد الدين زنكي إلى بغداد ومعه دبيس بن صدقة وكان السلطان سنجر قد كاتبهما وأمرهما بقصد العراق والاستيلاء عليه فلما علم الخليفة بذلك أسرع العود إليها وعبر إلى الجانب الغربي
وسار فنزل بالعباسية ونزل عماد الدين بالمنارية من دجيل والتقيا بحصن البرامكة سابع عشري رجب فابتدأ زنكي فحمل على ميمنة الخليفة وبها جمال الدولة إقبال فانهزموا منه وحمل نظر الخادم من ميسرة الخليفة على ميمنة عماد الدين ودبيس وحمل الخليفة بنفسه واشتد القتال فانهزم دبيس وأراد عماد الدين الصبر فرأى الناس قد تفرقوا عنه فانهزم أيضاً وقتل من العسكر جماعة وأسر جماعة وبات الخليفة هناك ليلته وعاد من الغد إلى بغداد
ذكر حال دبيس بعد الهزيمة
وفيها عاد دبيس بعد انهزامه المذكور يلوذ ببلاد الحلة وتلك النواحي وجمع جمعاً وكانت تلك الولاية بيد إقبال المسترشدي فأمد بعسكر من بغداد فالتقى هو ودبيس فانهزم دبيس واختفى في أجمة هناك وبقى ثلاثة أيام لم يطعم شيئاً ولم يقدر على التخلص منها حتى أخرجه حماس على ظهره ثم جمع جمعاً وقصد واسط وانضم إليه عسكرها وبختيار وشاق وابن أبي الجبر ولم يزل فيها إلى أن دخلت سنة سبع وعشرين فنفذ إليهم يرنقش بازدار وإقبال الخادم المسترشدي في عسكر فاقتتلوا في الماء والبر فانهزم الواسطيون ودبيس وأسر بختيار وشاق وغيره من الأمراء
ذكر وفاة تاج الملوك صاحب دمشق
في هذه السنة في رجب توفي تاج الملوك بوري بن طغتكين صاحب دمشق
وسبب موته أن الجرح الذي كان به من الباطنية وقد ذكرناه اشتد عليه الآن وأضعفه وأسقط قوته فتوفي في الحادي و العشرين من رجب ووصى بالملك بعده لولده شمس الملوك 266 اسماعيل ووصى بمدينة بعلبك وأعمالها لولده شمس الدولة محمد وكان بوري كثير الجهاد شجاعاً مقداماً سد مسد أبيه وفاق عليه وكان ممدحاً أكثر الشعراء مدائحه لا سيما ابن الخياط وملك بعده ابنه شمس الملوك وقام بتدبير الأمر بين يديه الحاجب يوسف بن فيروز شحنة دمشق وهو حاجب أبيه واعتمد عليه وابتدأ أمره بالرفق بالرعية والإحسان إليهم فكثر الدعاء له و القصاد عليه
ذكر ملك شمس الملوك حصن اللبوة وحصن رأس وحصره بعلبك
في هذه السنة ملك شمس الملوك اسماعيل صاحب دمشق حصن اللبوة وحصن رأس وسبب ذلك أنهما كانا لأبيه تاج الملوك وفي كل واحد منهما مستحفظ يحفظه فلما ملك شمس الملوك بلغه أن أخاه شمس الدولة محمداً صاحب بعلبك قد راسلهما واستمالهما إليه فسلما الحصنين إليه وجعل فيهما من الجند ما يكفيهما فلم يظهر بذلك أثر بل راسل أخاه بلطف يقبح هذه الحال ويطلب أن يعيدهما إليه فلم يفعل فأغضى على ذلك وتجهز من غير أن يعلم أحداً وسار هو وعسكره آخر ذي القعدة فطلب جهة الشمال ثم عاد مغرباً فلم يشعر من بحصن اللبوة إلا وقد نزل عليهم وزحف لوقته فلم يتمكنوا لنصب منجنيق ولاغيره فطلبوا الأمان فبذله لهم وتسلم الحصن من يومه وسار من آخر النهار إلى حصن رأس فبغتهم وجرى الأمر فيه على تلك القضية وتسلمه وجعل فيهما من يحفظهما
ثم رحل إلى بعلبك وحصرها وفيها أخوه شمس الدولة محمد وقد استعد وجمع في الحصن ما يحتاج إليه من رجال وذخائر فحصرهم شمس الملوك وزحف في الفارس والراجل وقاتله أهل البلد على السور ثم زحف عدة مرات فملك البلد بعد قتال شديد وقتلى كثيرة وبقي الحصن فقاتله وفيه أخوه ونصب المجانيق ولازم القتال فلما رأى أخوه شمس الدولة شدة الأمر أرسل يبذل الطاعة ويسأل أن يقر ما بيده وجعله أبوه باسمه فأجابه إلى مطلوبه وأقر عليه بعلبك وأعمالها وتحالفوا وعاد شمس الملوك إلى دمشق وقد استقامت له الأمور
ذكر الحرب بين السلطان طغرل والملك داود
في هذه السنة في رمضان كانت الحرب بين الملوك طغرل وبين ابن أخيه الملك داود بن محمود وكان سببها أن السلطان سنجر أجلس الملك طغرل في السلطنة كما ذكرناه
وعاد إلى خراسان لأنه بلغه أن صاحب ما وراء النهر أحمد خان قد عصى عليه 267 فبادر إلى العود لتلافي ذلك الخرق فلما عاد إلى خراسان عصى الملك داود على عمه طغرل وخالفه وجمع العساكر بأذربيجان وبلاد كنجة وسار إلى همذان فنزل مستهل رمضان عند قرية يقال لها وهان بقرب همذان وخرج إليه طغرل وعبى كل واحد منه أصحابه ميمنة وميسرة وكان على ميمنة السلطان طغرل بن برسق وعلى ميسرته قزل وعلى مقدمته قراسنقر
وكان على ميمنة داود يرنقش الزكوي ولم يقاتل فلما رأى التركمان ذلك نهبوا خيمه وبركه جميعه ووقع الخلف في عسكر داود فلما رأى أتابكه آقسنقر الأحمديلي ذلك ولى هارباً وتبعه الناس في الهزيمة وقبض طغرل على يرنقش الزكوي وعلى جماعة من الأمراء
وأما الملك داود فإنه لما انهزم بقي متحير إلى أوائل ذي القعدة فقدم بغداد ومعه أتابكه آقسنقر الأحمديلي فأكرمه الخليفة وأنزله بدار السلطان وكان الملك مسعود بكنجة فلما سمع انهزام الملك داود توجه نحو بغداد على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة قبض المسترشد بالله على وزيره شرف الدين علي بن طراد الزينبي واستوزر أنو شروان بن خالد بعد أن امتنع وسأل الإقالة
وفي هذه السنة قتل أحمد بن حامد بن محمد أبو نصر مستوفي السلطان محمود الملقب بالعزيز بقلعة تكريت وقد تقدم سبب ذلك سنة خمس وعشرين
وفي المحرم منها قتل محمد بن الحسين أبو الحسين بن أبي يعلى بن الفراء الحنبلي مولده في شعبان في سنة إحدى و خمسين وأربعمائة وسمع الحديث من الخطيب أبي بكر وابن الحسين بن المهتدي وغيرهما وتفقه قتله أصحابه غيلة وأخذوا ماله
وفي جمادى الأولى توفي أحمد بن عبيد الله بن كادش أبو العز العكبري وكان محدثاً مكثراً
وتوفي فيها أبو الفضل عبد الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء وكان أديباً وله شعر حسن فمنه ما كتبه إلى جلال الدين بن صدقة الوزير
( أمولانا جلال الدين يا من
أذكره بخدمتي القديمة )
( ألم تك قد عزمت على اصطناعي
فماذا صد عن تلك العزيمة ) 268
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وخمسمائة
ذكر ملك شمس الملوك بانياس
في هذه السنة في صفر ملك شمس الملوك صاحب دمشق حصن بانياس من الفرنج
وسبب ذلك أن الفرنج استضعفوه وطمعوا فيه وعزموا على نقض الهدنة التي بينهم فتعرضوا إلى أموال جماعة من تجار دمشق بمدينة بيروت وأخذوها فشكى التجار إلى شمس الملوك فراسل في إعادة ما أخذوه وكرر القول فيه فلم يردوا شيئاً فحملته الأنفة من هذه الحالة والغيظ على أن جمع عسكره وتأهب ولا يعلم أحد أين يريد
ثم سار وسبق خبره أواخر المحرم من هذه السنة ونزل على بانياس أول صفر وقاتله لساعته وزحف إليه زحفاً متتابعاً وكانوا غير متأهبين وليس فيه من المقاتلة من يقوم به وقرب من سور المدينة وترجل بنفسه وتبعه الناس من الفارس والراجل ووصلوا إلى السور فنقبوه ودخلوا البلد عنوة والتجأ من كان من جند الفرنج إلى الحصن وتحصنوا به فقتل من البلد كثيراً من الفرنج وأسر كثيراً ونهبت الأموال
وقاتل القلعة قتالاً شديداً ليلاً ونهاراً فملكها رابع صفر بالأمان وعاد إلى دمشق فوصلها سادسه وأما الفرنج فإنهم لما سمعوا نزوله على بانياس شرعوا يجمعون عسكراً يسيرون إليه فأتاهم خبر فتحها فبطل ما كانوا فيه
ذكر حرب بين المسلمين والفرنج
في هذه السنة في صفر سار ملك الفرنج صاحب البيت المقدس في خيالته ورجالته إلى أطراف أعمال حلب فتوجه إليه الأمير أسوار النائب بحلب فيمن عنده من العسكر وانضاف إليه كثير من التركمان فاقتتلوا عند قنسرين فقتل من الطائفتين جماعة كثيرة وانهزم المسلمون إلى حلب
وتردد ملك الفرنج في أعمال حلب فعاد أسوار وخرج إليه فيمن معه من العسكر فوقع على طائفة منهم فأوقع بهم وأكثر القتل 269 فيهم والأسر فعاد من سلم منهزماً إلى بلادهم وانجبر ذلك المصاب بهذا الظفر
ودخل أسوار حلب ومعه الأسرى ورؤوس القتلى وكان يوماً مشهوداً ثم إن طائفة من الفرنج من الرها قصدوا أعمال حلب للغارة عليها فسمع بهم أسوار فخرج إليهم هو والأمير حسان البعلبكي فأوقعوا بهم وقتلوهم عن آخرهم في بلد الشمال وأسروا من لم يقتل ورجعوا إلى حلب سالمين
ذكر عود السلطان مسعود إلى السلطنة وانهزام الملك طغرل
قد تقدم ذكر انهزام السلطان مسعود من عمه السلطان سنجر وعوده إلى كنجة وولاية الملك طغرل السلطنة وأنه تحارب هو والملك داود ابن أخيه محمود وانهزام داود ودخوله بغداد فلما بلغ السلطان مسعود انهزام داود وقصده بغداد سار هو إلى بغداد أيضاً فلما قاربها لقيه داود وترجل له وخدمه ودخلا بغداد ونزل مسعود بدار السلطنة في صفر من هذه السنة وخاطب في الخطبة له فأجيب إلى ذلك وخطب له ولداود بعده وخلع عليهما
ودخلا إلى الخليفة فأكرمهما ووقع الاتفاق على مسير مسعود وداود إلى أذربيجان وأن يرسل الخليفة معهما عسكر فساروا فلما وصلوا إلى مراغة حمل أقسنقر الأحمديلي مالاً كثيراً وإقامة عظيمة وملك مسعود سائر بلاد أذربيجان وانهزم من بها من الأمراء مثل قراسنقر وغيره من بين يديه وتحصن منه كثير منهم بمدينة أردبيل فقصدهم وحصرهم بها وقتل منهم مقتلة عظيمة وانهزم الباقون ثم سار بعد ذلك إلى همذان لمحاربة أخيه الملك طغرل فلما سمع طغرل بقربه برز إلى لقائه فاقتتلوا إلى الظهر ثم انهزم طغرل وقصد الري واستولى السلطان مسعود على همذان في شعبان
ولما استقر مسعود بهمذان قتل آقسنقر الأحمديلي قتله الباطنية
فقيل إن السلطان مسعوداً وضع عليه من قتله
ثم إن طغرل لما بلغ قم عاد إلى أصبهان ودخلها وأراد التحصن بها فسار إليه أخوه مسعود ليحاصره بها فرأى طغرل أن أهل أصبهان لا يطاوعونه على الحصار فرحل عنهم إلى بلاد فارس واستولى مسعود على أصبهان وفرح أهلها به وسار من أصبهان نحو فارس يقتص أثر أخيه طغرل فوصل إلى موضع بقرب البيضاء فاستأمن إليه أمير من أمراء أخيه معه أربعمائة فارس فأمنه فخاف طغرل من عسكره أن ينحازوا إلى أخيه فانهزم من بين يديه وقصد الري في رمضان وقتل وزيره أبا القاسم الأنساباذي في الطريق
وفي شوال قتله غلمان الأمير شيركير الذي سعى في 270 قتله كما تقدم ذكره وسار السلطان مسعود يتبعه فلحقه بموضع يقال له ذكراور فوقع بينهما المصاف هناك فلما اشتبكت الحرب انهزم الملك طغرل فوقع عسكره في أرض قد نضب عنها الماء وهي وحل فأسر منهم جماعة من الأمراء منهم الحاجب تنكر وابن بغرا فأطلقهم السلطان مسعود
ولم يقتل في هذا المصاف إلا نفر يسير ورجع السلطان مسعود إلى همذان
ذكر حصر المسترشد بالله الموصل
في هذه السنة 527 حصر المسترشد بالله مدينة الموصل في العشرين من شهر رمضان وسبب ذلك ما تقدم من قصة الشهيد زنكي ببغداد على ما ذكرناه قبل فلما كان الآن قصد جماعة من الأمراء السلجقية باب المسترشد بالله وصاروا معه فقوي بهم واشتغل السلاطين السلجقية بالخلف الواقع بينهم فأرسل الخليفة الشيخ بهاء الدين أبا الفتوح الإسفرايني الواعظ إلى عماد الدين زنكي برسالة فيها خشونة زادها أبا الفتوح زيادة ثقة بقوة الخليفة وناموس الخلافة فقبض عليه عماد الدين زنكي وأهانه ولقيه بما يكره فأرسل المسترشد بالله إلى السلطان مسعود يعرفه الحال الذي جرى من زنكي ويعلمه أنه على قصد الموصل وحصرها وتمادت الأيام إلى شعبان
فسار عن بغداد في النصف منه في ثلاثين ألف مقاتل فلما قارب الموصل فارقها أتابك زنكي في بعض عسكره وترك الباقي بها مع نائبه نصير الدين جقر دزدارها و الحاكم في دولته وأمرهم بحفظها ونازلها الخليفة وقاتلها وضيق على من بها
وأما عماد الدين فإنه سار إلى سنجار وكان يركب كل ليلة ويقطع الميرة عن العسكر ومتى ظفر بأحد من العسكر أخذه ونكل به وضاقت الأمور بالعسكر أيضاً وتواطأ جماعة من الخصاصين بالموصل على تسليم البلد فسعى بهم فأخذوا وصلبوا وبقي الحصار على الموصل نحو ثلاثة أشهر ولم يظفر منها بشيء ولا بلغه عمن بها وهن ولا قلة ميرة وقوت فرحل عنها عائداً إلى بغداد فقيل إن نصر الخادم وصل إليه من عسكر السلطان وأبلغه عن عسكر السلطان مسعود ما أوجب مسيره وعوده إلى بغداد
وقيل بلغه إن السلطان مسعوداً عزم على قصد بغداد فعاد بالجملة وإنه رحل عنها منحدراً في شبارة في دجلة فوصل إلى بغداد يوم عرفة 271
ذكر ملك شمس الملوك مدينة حماة
وفي هذه السنة أيضاً في شوال ملك شمس الملوك إسماعيل بن تاج الملوك صاحب دمشق مدينة حماة وقلعتها وهي لأتابك زنكي بن آقنسقر أخذها من تاج الملوك كما ذكرنا ولما ملك شمس الملوك قلعة بانياس أقام بدمشق إلى شهر رمضان من هذه السنة
وسار إلى حماة في العشر الأخير منه وسبب طمعه أنه بلغه أن المسترشد بالله يريد صر الموصل فطمع وكان الوالي بحماة قد سمع الخبر فتحصن واستكثر من الرجال والذخائر ولم يبق أحد من أصحاب شمس الملوك إلا وأشار عليه بترك قصدها لقوة صاحبها فلم يسمع منهم
وسار إليها وحضر المدينة وقاتل من بها يوم العيد وزحف إليها من وقته فتحصنوا منه وقاتلوا فعاد عنهم ذلك اليوم فلما كان الغد بكر إليهم وزحف إلى البلد من جوانبه فملكه قهراً وعنوة وطلب من به الأمان فأمنهم وحصر القلعة ولم تكن في الحصانة والعلو على ما هي اليوم فإن تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين قطع جبلها وعملها هكذا في سنين كثيرة فلما حصرها عجز الوالي بها عن حفظها فسلمها إليه فاستولى عليها وعلى ما بها من ذخائر وسلاح وغير ذلك
وسار منها إلى قلعة شيزر وبها صاحبها من بني منقذ فحصرها ونهب بلدها فراسله صاحبها وصانعه بمال حمله إليه فعاد إلى دمشق فوصل إليها في ذي القعدة من السنة المذكورة
ذكر هزيمة صاحب طرابلس الفرنجي
وفي هذه السنة عبر إلى الشام جمع كثير من التركمان من بلاد الجزيرة وأغاروا على بلاد طرابلس وغنموا وقتلوا كثيراً فخرج القمص صاحب طرابلس في جموعه فانزاح التركمان من بين يديه فتبعهم فعادوا إليه وقاتلوه فهزموه وأكثروا القتل في عسكره ومضى هو ومن سلم معه إلى قلعة بعرين فتحصنوا فيها وامتنعوا عن التركمان فحصرهم التركمان فيها فلما طال الحصار عليهم نزل صاحب طرابلس ومعه عشرون فارساً من أعيان أصحابه سراً فنجوا وساروا إلى طرابلس وترك الباقين في بعرين يحفظونها
فلما وصل إلى طرابلس كاتب الفرنج فاجتمع عنده منهم خلق كثير وتوجه بهم نحو التركمان ليرحلهم عن بعرين
فلما سمع التركمان بذلك قصدوهم والتقوهم وقتل بينهم خلق كثير وأشرف الفرنج على الهزيمة فجمعوا نفوسهم وعادوا على حمية 272 إلى رفنية فتعذر على التركمان اللحاق بهم إلى وسط بلادهم فعادوا عنهم راجعين
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة اشترى الإسماعيلية بالشام قلعة حصن القدموس من صاحبه ابن عمرون وصعدوا إليه وقاموا بحرب من يجاورهم من المسلمين والفرنج وكانوا كلهم يكرهون مجاورتهم وفيها وقع الخلف بالشام فقاتل بعضهم بعضاً ولم تجر لهم بذلك عادة قبل هذه السنة وقتل بينهم جماعة
وفيها في جمادى الآخرة أغار الأمير سوار مقدم عسكر زنكي بحلب على ولاية تل باشر فغنم الكثير فخرج إليه الفرنج في جموع كثيرة فقاتلوه فظفر بهم وأكثر القتل فيهم وكان عدة القتلى نحو ألف قتيل وعاد سالماً
وفيها تاسع ربيع الآخر وثب على شمس الملوك صاحب دمشق بعض مماليك جده طغدكين فضربه بسيف فلم يعمل فيه شيئاً وتكاثر عليه مماليك شمس الملوك فأخذوه وقرر ما الذي حمله على ما فعل فقال أردت إراحة المسلمين من شرك وظلمك ولم يزل يضرب حتى أقر على جماعة أنهم وضعوه على ذلك فقتلهم شمس الملوك بغير تحقيق وقتل معهم أخاه سونج فعظم ذلك على الناس ونفروا عنه
وفيها توفي الشيخ أبو الوفاء الفارسي وكان له جنازة مشهودة حضرها أعيان بغداد
وفيها في رجب توفي القاضي أبو العباس أحمد بن سلامة بن عبد الله بن مخلد المعروف بابن الرطبي الفقيه الشافعي قاضي الكرخ وتفقه على أبي إسحاق وأبي نصر بن الصباغ وسمع الحديث ورواه وكان قريباً من الخليفة يؤدب أولاده
وتوفي أبو الحسين علي بن عبد الله بن نصر المعروف بابن الزاغوني الفقيه الحنبلي الواعظ وكلن ذا فنون توفي في المحرم
وتوفي علي بن يعلى بن عوض بن القاسم الهروي كان واعظاً وله بخراسان قبول كثير وسمع الحديث فأكثر
ومحمد بن أحمد بن علي أبو عبد الله العثماني وهو من أولاد محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان
وكان محمد يلقب بالديباج لحسنه وأصله من مكة وهو من أهل نابلس
وكان مغاليا في مذهب الأشعري وكان يعظ توفي في صفر
وفيها توفي أبو فليتة أمير مكة وولي الإمارة بعده ابنه القاسم
وفيها توفي العزيز بن هبة الله بن علي الشريف العلوي الحسيني فجأة بنيسابور وكان جده نقيب النقباء بخراسان وعرض على العزيز هذا نقابة العلويين فامتنع وعرض عليه وزارة السلطان فامتنع ولزم الانقطاع والاشتغال بأمر آخرته وفيها توفي قاضي قضاة خراسان أبو سعيد محمد بن أحمد بن صاعد وكان خيراً صالحاً 273
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمائة
ذكر ملك شمس الملوك شقيق تيرون ونهبه بلد الفرنج
في هذه السنة في المحرم سار شمس الملوك إسماعيل صاحب دمشق منها إلى شقيف تيرون وهو في الجبل المطل على بيروت وصيدا وكان بيد الضحاك بن جندل رئيس وادي التيم قد تغلب عليه وامتنع به فتحاماه المسلمون والفرنج يحتمي على كل طائفة بالآخرين فسار شمس الملوك إليه في هذه السنة وأخذه منه في المحرم وعظم أخذه على الفرنج لأن الضحاك كان لا يعترض إلى شيء من بلادهم المجاورة له فخافوا شمس الملوك فجمعوا عساكرهم فلما اجتمعت ساروا إلى بلد حوران فخرجوا أمهات البلد ونهبوا أماكنهم نهبة وكان شمس الملوك لما رآهم يجمعون جمع هو أيضاً وحشدوا وحضر عنده جمع كثير من التركمان وغيرهم فنزل بإزاء الفرنج وجرت بينهم مناوشة عدة أيام ثم إن شمس الملوك نهض ببعض عسكره وجعل الباقي قبالة الفرنج وهم لا يشعرون وقصد بلدهم طبرية والناصرة وعكا وما يجاورها من البلاد فنهب وخرب وأحرق وسبى النساء والذرية وامتلأت أيدي من معه من الغنائم واتصل الخبر بالفرنج فانزعجوا ورحلوا في الحال لا يلوي أخ على أخيه وطلبوا بلادهم
وأما شمس الملوك فإنه عاد إلى عسكره على غير الطريق الذي سلكه الفرنج فوصل سالماً ورأى الفرنج بلادهم خراباً ففت في أعضادهم وتفرقوا وراسلوا في تجديد الهدنة فهادنهم شمس الملوك في ذي القعدة للسنة
ذكر عود الملك طغرل إلى الجبل وانهزام الملك مسعود
في هذه السنة عاد الملك طغرل بن محمد بن ملكشاه ملك بلاد الجبل جميعها وأجلى عنها أخاه السلطان مسعوداً
وسبب ذلك أن مسعوداً لما عاد من حرب أخيه 274 طغرل بلغه عصيان داود ابن أخيه السلطان محمود بأذربيجان فسار إليه وحصره بقلعة رونزر وكان قد تحصن بها واشتغل بحصره فجمع الملك طغرل العساكر واستمال بعض قواد مسعود ولم يزل يفتح البلاد فكثرت عساكره وقصد مسعوداً فلما قارب قزوين سار مسعود نحوه فلما تراءى العسكر فارق مسعوداً من أمرائه من كان قد استماله طغرل فبقي في قلة من العسكر فولى منهزماً أواخر رمضان وأرسل إلى المسترشد بالله في القدوم لبغداد فأذن له وكان نائبه بأصفهان البقش السلاحي ومعه الملك سلجوق شاه فلما سمع بانهزام مسعود قصد بغداد أيضاً فنزل سلجوق شاه بدار السلطان فأكرمه الخليفة وأنفذ إليه عشرة آلاف دينار
ثم قدم مسعود بغداد وأكثر أصحابه ركاب جمال لعدم ما يركبونه ولقي في طريقه شدة فأرسل إليه الخليفة الدواب والخيام والآلات وغيرها من الأموال والثياب فدخل الدار السلطانية ببغداد منتصف شوال وقام طغرل بهمذان
ذكر حصر أتابك زنكي آمد وملكه قلعة الصور
في هذه السنة اجتمع أتابك زنكي وتمرتاش صاحب ماردين وقصدا مدينة آمد فحصراها فأرسل صاحبها إلى داود بن سقمان صاحب حصن كيفا يستنجده فجمع عساكره وغيرها وسار نحو آمد ليرحلهما عنها فالتقوا على باب آمد وتصافوا في جمادى الآخرة فاقتتلوا فانهزم داود وعاد مفلولاً وقتل جماعة من عسكره
واقام زنكي وتمرتاش على آمد محاصرين لها وقطعا الشجر وشعثا البلد ثم عادا عنها من غير بلوغ غرض فقصد زنكي قلعة الصور من ديار بكر وحصرها وضايقها فملكها في رجب من هذه السنة واتصل به ضياء الدين أبو سعيد بن الكفرتوثي فاستوزره زنكي وكان حسن الطريقة عظيم الرياسة والكفاية محباً للخير
ذكر ملك زنكي قلاع الأكراد الحميدية
في هذه السنة استولى عماد الدين زنكي على جميع قلاع الأكراد الحميدية منها قلعة العقر وقلعة شوش وغيرهما
وكان لما ملك الموصل أقر صاحبها الأمير عيسى الحميدي على ولايتها وأعمالها ولم يعترضه على شيء مما هو بيده
فلما حضر المسترشد إلى الموصل حضر عيسى هذا عنده وجميع الأكراد عنده فأكثر فلما رحل المسترشد عن الموصل أمر زنكي أن تحصر قلاعهم فحصرت مدة طويلة وقوتلت قتالاً 275 شديداً إلى أن ملكت هذه السنة فاطمأن إذاً أهل السواد المجاورون لهؤلاء القوم فإنهم كانوا معهم في ضائقة كبيرة من نهب أموالهم وخراب البلاد
ذكر ملك قلاع الهكارية وكواشي
وحكي عن بعض العلماء من الأكراد ممن له معرفة بأحوالهم أن أتابك زنكي لما ملك قلاع الحميدية وأجلاهم عنها
خاف أبو الهيجاء بن عبد الله صاحب قلعة أشب والجزيرة ونوشى فأرسل إلى أتابك زنكي من استحلفه له وحمل إليه مالاً وحضر عند زنكي بالموصل
فبقي مدة ثم مات فدفن بتل نوقة ولما سار عن أشب إلى الموصل أخرج ولده أحمد بن أبي الهيجاء منها خوفاً أن يتغلب عليها وأعطاه قلعة نوشى وأحمد هذا هو والد علي بن أحمد المعروف بالمشطوب من أكابر أمراء صلاح الدين بن أيوب بالشام ولما أخرجه أبوه من أشب استناب بها كردياً يقال له باو الأرجي فلما مات أبو الهيجاء سار ولده أحمد من نوشى إلى أشب ليملكها فمنعه باو وأراد حفظها لولد صغير لأبي الهيجاء اسمه علي فسار زنكي بعسكره فنزل على أشب وملكها
وسبب ملكها أن أهلها نزلوا كلهم إلى القتال فتركهم زنكي حتى قاربوه واستجرهم حتى أبعدوا عن القلعة ثم عطف عليهم فانهزموا فوضع السيف فيهم فأكثر القتل والأسر
وملك زنكي القلعة في الحال وأحضر جماعة من مقدمي الأكراد فيهم باو فقتلهم وعاد عنها إلى الموصل ثم سار عنها ففي غيبته أرسل نصير الدين جقر نائب زنكي وخرب أشب وخلى كهيجة ونوشى وقلعة الجلاب وهي قلعة العمادية وأرسل إلى قلعة الشعباني وفرح وكوشر والزعفران وألقى وسروة وهي حصون المهرانية فحصرها فملك الجميع واستقام أمر الجبل والزوزان وأمنت الرعايا من الأكراد
وأما باقي الهكارية جبل صور وهرور والملاسي ومابرما وبابوخلو باكزا ونسباس فإن قراجاً صاحب العمادية فتحها من مدة طويلة بعد قتل زنكي وهذا قراجاً كان أميراً قد أقطعه زين الدين على بلد الهكارية بعد قتل زنكي ولم أعلم تاريخ فتح هذه القلاع فلهذا ذكرته ههنا
وحكى غير هذا بعض فضلاء الأكراد وخالف فيه فقال إن زنكي لما فتح قلعة أشب وخربها وبنى قلعة العمادية ولم يبق في الهكارية إلا صاحب جبل صور وصاحب هرور ولم يكن لهما شوكة يخاف منها عاد إلى الموصل فخافه أصحاب القلاع الجبلية فاتفق أن عبد الله بن عيسى بن إبراهيم صاحب الربية وألقى وفرح وغيرها توفي وملكها 276 بعده ولده علي وكانت والدته خديجة بنت الحسن أخت إبراهيم إبراهيم وعيسى وهما من الأمراء مع زنكي وكانا بالموصل فأرسلها ولدها علي إلى أخويها وطلبا له الأمان من زنكي وحلفاه له ففعل ونزل إلى خدمة زنكي وأقره على قلاعه واشتغل زنكي بفتح قلاع الهكارية وكان الشعباني بيد أمير من المهرانية اسمه الحسن بن عمر فأخذه منه وقربه منه لكبره وقلة أعماله
وكان نصير الدين يكره صاحب الربية وغيرها فحسن لزنكي القبض عليه فأذن له في ذلك فقبض عليه ثم ندم زنكي على قبضه فأرسل إلى نصير الدين أن يطلقه فرآه قد مات قيل إن نصير الدين قتله ثم أرسل العسكر إلى قلعة الربية فنازلوها بغتة فملكوها في ساعة وأسروا كل من بها من ولد علي وإخوته وأخواته وكانت والدة علي خديجة غائبة فلم توجد فلما سمع زنكي الخبر بفتح الربية سرة وأمر أن تسير العساكر إلى باقي القلاع التي لعلي فسارت العساكر فحصروها فرأوها منيعة فراسلهم زنكي ووعدهم الإحسان فأجابوه إلى التسليم على شرط أن يطلق كل من في السجن منهم فلم يجبهم إلى ذلك إلا أن يسلموا أيضاً قلعة كواشي فمضت خديجة والدة علي إلى صاحب كواشي واسمه خول وهارون وهو من المهرانية فسألته النزول عن كواشي فأجابها إلى ذلك وتسلم زنكي القلاع وأطلق الأسرى فلم يسمع بمثل هذا فقال ينزل عن مثل كواشي لقول امرأة فإما أن يكون أعظم الناس مروءة لا يرد من دخل بيته و إما أن يكون أقل الناس عقلاً واستقامت ولاية الجبال
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة أوقع الدانشمد صاحب ملطية بالفرنج الذين بالشام فقتل كثيراً منهم وفيها اصطلح الخليفة وأتابك زنكي
وفيها في ربيع الأول عزل أنو شروان بن خالد عن وزارة الخليفة
وفيها توفيت أم المسترشد بالله
وفيها سير المسترشد عسكر إلى تكريت فحصروا مجاهد الدين بهروز فصانع عنها بمال فعادوا عنه
وفيها اجتمع جمع من العساكر السنجرية مع الأمير أرغش وحصروا قلعة كردكوه بخراسان وهي للاسماعيلية وضيقوا على أهلها وطال حصرها وعدمت عندهم الأقوات فأصاب أهلها تشنج وكزاز وعجز كثير منهم عن القيام فضلاً عن القتال فلما ظهرت أمارات الفتح رحل الأمير أرغش فقيل إنهم حملوا إليه مالاً كثيراً وأعلاقاً نفيسة فرحل عنهم 277
وفيها توفي الأمير سليمان بن مهارش العقيلي أمير بني عقيل وولي الإمارة بعده أولاده مع صغر سنهم وطيف بهم في بغداد رعاية لحق جدهم مهارش فإنه هو الذي كان الخليفة القائم بأمر الله عنده لما فعل به البساسيري ما ذكرنا
وفيها توفي الفقيه أبو علي الحسن بن ابراهيم بن فرهون الشافعي الفارقي ومولده سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة وتفقه على أبي عبد الله الكازروني فلما توفي الكازروني انحدر إلى بغداد وتفقه على أبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر الصباغ وولي القضاء بواسط وكان خيراً فاضلاً لا يواري ولا يحابي أحداً في الحكم
وفيها توفي عبد الله بن محمد بن أحمد بن الحسن وأبو محمد بن أبي بكر الفقيه الشافعي تفقه على أبيه وكان يعظ ويكثر في كلامه من التجانس فمن ذلك قوله أين القدود العالية والخدود الوردية مثلت بها والله العافية والوردية وهما مقبرتان بنهر معلى ومن شعره
( الدمع دماً يسيل من أجفاني
إن عشت مع البكا فما أجفاني )
( سجني شجني وهمني سماني
العاذل بالملام قد سماني )
( والذكر لهم يزيد في أشجاني
والنوح مع الحمام قد أشجاني )
( ضاقت ببعاد منيتي أعطاني
والبين يد الهموم قد أعطاني )
وفيها توفي ابن أبي الصلت الشاعر ومن شعره يذم ثقيلاً
( لي صديق عجبت كيف استطاعت
هذه الأرض والجبال ثقله )
( أنا أرعاه مكرماً وبقلبي
منه ما يتلف الجبال أقله )
( هو مثل المشيب أكره رؤياه
ولكن أصونه وأجله ) وله أيضاً
( ساد صغار الناس من عصرنا
لا دام من عصر ولا كانا )
( كالدست مهما هم أن ينقضي
صار به البيدق فرزانا )
وفيها توفي محمد بن علي بن عبد الوهاب أبو رشيد الفقيه الشافعي من أهل طبرستان وسمع الحديث أيضاً ورواه وكان زاهداً عابداً أقام بالجزيرة وهي جزيرة ابن عمر سنين منفرداً يعبد الله سبحانه وتعالى وعاد إلى آمل وقبره بها 278
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وخمسمائة
ذكر وفاة الملك طغرل وملك مسعود بلد الجبل
قد ذكرنا قدوم السلطان مسعود إلى بغداد منهزماً من أخيه الملك طغرل وأن الخليفة أكرمه وحمل إليه ما يحتاج إليه مثله وأمره بالمسير إلى همذان وجمع العساكر ومنازعة أخيه طغرل في السلطنة والبلاد ومسعود يعد ويدافع الأيام والخليفة يحثه على ذلك ووعده أن يسير معه بنفسه وأمر أن يبرز خيامه إلى باب الخليفة
وكان قد اتصل الأمير البقش السلاحي وغيره من الأمراء بالخليفة وطلبوا خدمته فأجابهم وصاروا معه واتفق أن إنساناً أخذ معه ملطفات من طغرل إلى هؤلاء الأمراء بالأقطاع لهم فلما رأى الخليفة ذلك قبض على أمير منهم اسمه غلبك ونهب ماله فاستشعر غيره من الأمراء الذين مع الخليفة فهربوا إلى عسكر السلطان مسعود فأرسل الخليفة إليه في إعادتهم إليه فلم يفعل واحتج بأشياء فعظم ذلك على الخليفة وحدث بينهما نفرة ووحشة أوجبت تأخره عن المسير معه وأرسل إليه يلزمه بالمسير معه أمراً جزماً فبينما الأمر على هذا إذ جاءه الخبر بوفاة أخيه طغرل وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة وكان مولده سنة ثلاث وخمسمائة في المحرم وكان خيراً عاقلاً عادلاً قريباً إلى الرعية محسناً إليهم
وكان قبل موته قد خرج مكن داره يريد السفر لقتال أخيه مسعود فدعا له الناس فقال ادعوا بخيرنا للمسلمين ولما توفي ووصل الخبر إلى مسعود سار من ساعته نحو همذان وأقبلت العساكر جميعها إليه واستوزر شرف الدين أنو شروان بن خالد وكان قد خرج صحبته هو وأهله ووصل مسعود إلى همذان واستولى عليها وأطاعته البلاد جميعها وأهلها
ذكر قتل شمس الملوك وملك أخيه
في هذه السنة رابع عشر ربيع الآخر قتل شمس الملوك اسماعيل بن تاج الملوك 279 بوري بن طغدكين صاحب دمشق وسبب قتله أنه ركب طريقاً من الظلم ومصادرات العمال وغيرهم في أعمال البلد وبالغ في العقوبات لاستخراج الأموال وظهر منه بخل زائد ودناءة نفس بحيث أنه لا يأنف من أخذ الشيء الحقير بالعدوان إلى غير ذلك من الأخلاق الدنيئة وكرهه أهله وأصحابه ورعيته ثم إنه ظهر عنه أنه كاتب عماد الدين زنكي أنه يسلم إليه دمشق ويحثه على سرعة الوصول وأخلى المدينة من الذخائر والأموال ونقل الجميع إلى صوبه وتابع الرسل إلى زنكي يحثه على الوصول إليه ويقول له إن أهملت المجيء سلمت البلد إلى الفرنج فسار زنكي فظهر الخبر بذلك فامتعض أصحاب أبيه وجده وأقلقهم وذكروا الحال لوالدته فساءها وأشفقت منه ووعدتهم بالراحة من هذا الأمر
ثم إنها ارتقبت الفرصة في الخلوة من غلمانه فلما رأته على ذلك أمرت غلمانها بقتله فقتل وأمرت بإلقائه على موضع في الدار ليشاهده غلمانه وأصحابه فلما رأوه قتيلاً سروا لمصرعه وبالراحة من شره وكان مولده سابع جمادى الآخرة سنة ست وخمسمائة وقيل كان سبب قتله أن والده كان له صاحب اسمه يوسف بن فيروز وكان متمكناً منه ما ماكناً في دولته في دولة شمس الملوك بعده فاتهم بأم شمس الملوك ووصل الخبر إليه بذلك فهم بقتل يوسف فهرب منه إلى تدمر وتحصن بها وأظهر الطاعة لشمس الملوك فأراد قتل أمه فبلغها الخبر فقتله خوفاً منه والله أعلم
ولما قتل ملك بعده أخوه شهاب الدين محمود بن تاج الملوك وحلف له الناس واستقر له الملك بعده والله أعلم
ذكر حصر أتابك زنكي دمشق
في هذه السنة حصر أتابك زنكي دمشق ونازلها أول جمادى الأولى
وسببه ما ذكرنا من إرسال شمس الملوك صاحبها إليه واستدعائه ليسلمها إليه فلما وصلت كتبه ورسله سار إليها فقتل شمس الملوك قبل وصوله ولما عبر الفرات أرسل إليه رسلاً في تقرير قواعد التسليم فرأوا الأمر قد فات إلا أنهم أكرموا وأحسن إليهم وأعيدوا بأجمل هيئة وعرفوا زنكي بقتل شمس الملوك وأن القواعد عندهم مستقرة لشهاب الدين والكلمة متفقة على طاعته فلم يحفل زنكي بهذا الجواب وسار إلى دمشق فنازلها وأجفل أهل السواد إليها واجتمعوا فيها على محاربته ونزل أولاً شماليها ثم انتقل إلى ميدان الحصى وزحف وقاتل فرأى قوة ظاهرة وشجاعة عظيمة واتفاقاً تاماً على 280 محاربته وقام معين الدين أنز مملوك جده طغدكين في هذه الحادثة بدمشق قياماً مشهوداً وظهر من معرفته بأمور الحصار والقتال وكفايته ما لم يرو ما كان سبب تقدمه واستيلائه على الأمور بأسرها على ما نذكر إن شاء الله تعالى فبينما هو يحاصرها وصل رسول الخليفة المسترشد بالله وهو أبو بكر بن بشر الجزري من جزيرة ابن عمر بخلع أتابك زنكي ويأمره بصلح صاحب دمشق الملك ألب أرسلان محمود الذي مع أتابك زنكي فرحل عنها لليلتين مضين من جمادى الأولى من السنة المذكورة
ذكر قتل حسن بن الحافظ
قد ذكرنا سنة ست وعشرين وخمسمائة أن الحافظ لدين الله صاحب مصر استوزر ابنه حسناً وخطب له بولاية العهد فبقي إلى هذه السنة ومات مسموماً
وسبب ذلك أنه كان جريئاً على سفك الدماء وكان في نفس الحافظ على الأمراء الذين أعانوا أبا علي بن الأفضل حقد ويريد الانتقام منهم من غير أن يباشر ذلك بنفسه فاستوزر ابنه وأمره بذلك فتغلب على الأمر جميعه واستبد به ولم يبق لأبيه معه حكم وقتل من الأمراء المصريين ومن أعيان البلاد جمعاً حتى قيل إنه قتل في ليلة واحدة أربعين أميراً فلما رأى أبوه تغلبه عليه أخرج له خادماً من خدم القصر الأكابر فجمع الجموع وحشد من الرجالة خلقاً كثيراً وتقدم إلى القاهرة ليقاتل حسناً ويخرجه منها فأرسل له جماعة من خواصه وأصحابه فقاتلوهم فانهزم الخادم وقتل الرجال الذين معه وعبر الباقون إلى الجيزة فاستكان الحافظ فصبر تحت الحجر
ثم إن الباقين من الأمراء المصريين اجتمعوا واتفقوا على قتل حسن وأرسلوا إلى أبيه الحافظ وقالوا له إما أنك تسلم ابنك إلينا لنقتله أو نقتلكما جميعاً فاستدعى ولده إليه واحتاط عليه وأرسل إلى الأمراء بذلك فقالوا لا نرضى إلا بقتله فرأى أنه إن سلمه إليهم طمعوا فيه وليس إلى إبقائه سبيل
فأحضر طبيبين كانا له أحدهما مسلم والآخر يهودي فقال لليهودي نريد سماً نسقيه لهذا الولد ليموت ونخلص من هذه الحادثة فقال أنا لا أعرف غير النقوع وماء الشعير وما شاكل هذا من الأدوية فقال أنا أريد ما أخلص به من هذه المصيبة فقال له لا أعرف شيئاً فأحضر المسلم وأمره بذلك فصنع له شيئاً فسقاه الولد فمات لوقته فأرسل الحافظ إلى الجند يقول لهم إنه قد مات فقالوا نريد ننظر إليه فأحضر بعضهم عنده فرأوه وظنوه قد عمل حيلة فجرحوا أسافل رجليه فلم يجر منها دم فعلموا موته ودفن 281 حسن وأحضر الحافظ الطبيب المسلم وقال له أخرج من عندنا من القصر وجميع مالك من الإنعام والجامكية باق عليك وأحضر اليهودي وقال أعلم أنك تعرف ما طلبته منك ولكنك عاقل فتقيم في القصر عندنا وكان حسن سيء السيرة ظالماً جريئاً على سفك الدماء وأخذ الأموال فهجاه الشعراء فمن ذلك ما قال المعتمد بن الأنصاري صاحب الترسل المشهور
( لم تأت يا حسن بين الورى حسناً
ولم تر الحق في دنيا ولا دين )
( قتل النفوس بلا جرم ولا سبب
والجور في أخذ أموال المساكين )
( لقد جمعت بلا علم ولا أدب
تيه الملوك وأخلاق المجانين )
وقيل إن الحافظ لما رأى ابنه تغلب على الملك وضع عليه من سقاه السم فمات والله أعلم ولما مات حسن استوزر الحافظ الأمير تاج الدولة بهرام وكان نصرانياً فتحكم واستعمل الأرمن على الناس فاستذلوا المسلمين وسنذكر أخباره سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة إن شاء الله تعالى
ذكر مسير المسترشد إلى حرب السلطان مسعود وانهزامه
في هذه السنة كان الحرب بين الخليفة المسترشد بالله وبين السلطان مسعود في شهر رمضان
وسبب ذلك أن السلطان مسعود لما سافر من بغداد إلى همذان بعد موت أخيه طغرل وملكها فارقه جماعة من أعيان الأمراء منهم برتقش بازدار وقزل آخر وسنقر الخمارتكين والي همذان وعبد الرحمن بن طغايرك وغيرهم خائفين منه مستوحشين ومعهم عدد كثير ومعهم دبيس بن صدقة وأرسلوا إلى الخليفة يطلبون منه الأمان ليحضروا في خدمته فقيل له إنها مكيدة لأن دبيساً معهم
وساروا نحو خوزستان واتفقوا مع برسق بن برسق فأرسل الخليفة إليهم سديد الدولة ابن الأنباري بتوقيعات إلى الأمراء المذكورين بتطييب نفوسهم والأمر بحضورهم وكان الأمراء المذكورون قد عزموا على قبض دبيس والتقرب إلى الخليفة بحمله إليه فبلغه ذلك فهرب إلى السلطان مسعود وسار الأمراء إلى بغداد في رجب فأكرمهم الخليفة وحمل إليهم الإقامات والخلع وقطعت خطب السلطان مسعود من بغداد وبرز الخليفة في العشرين من رجب على عزم المسير إلى قتال مسعود وأقام في الشفيعي فعصى عليه بكبه صاحب البصرة فهرب إليها فراسله وبذل له الأمان فلم يعد إليه وتريث الخليفة عن المسير وهؤلاء الأمراء يحسنون 282 له الرحيل ويسهلون عليه الأمر ويضعون عنده أمر السلطان مسعود فسير مقدمته إلى حلوان فنهبوا البلاد وأفسدوا ولم ينكر عليهم شيئاً ثم سار الخليفة ثامن شعبان ولحق به في الطريق الأمير برسق بن برسق فبلغت عدتهم سبعة آلاف فارس وتخلف بالعراق مع إقبال خادم المسترشد باللع ثلاثة آلاف فارس وكان السلطان مسعود بهمذان في نحو ألف وخمسمائة فارس وكان أكثر أصحاب الأطراف يكاتبون الخليفة ويبذلون له الطاعة فتريث في طريقه فاستصلح السلطان مسعود أكثرهم حتى عادوا إليه فصاروا نحو خمسة عشر ألف فارس وتسلل جماعة كثيرة من عسكر الخليفة حتى بقي في خمسة آلاف
وأرسل أتابك زنكي نجدة فلم يلحق وأرسل الملك داود ابن السلطان محمود وهو بأذربيجان إلى الخليفة يشير بالميل إلى الدينور ليحضر بنفسه وعسكره فلم يفعل المسترشد وسار حتى بلغ دايمرج وعبى أصحابه فجعل في الميمنة برنقش بازدار ونور الدولة سنقر وقزل آخر وبرسق بن برسق وجعل في المسيرة جاولي وبرسق شراب سلار وأغلبك الذي كان الخليفة قد قبض عليه وأخرجه من محبسه
ولما سمع السلطان مسعود خبرهم سار إليهم مجداً فواقعهم بدايمرج عاشر رمضان وانحازت ميسرة الخليفة إلى السلطان مسعود فصارت معه واقتتلت ميمنة الخليفة وميسرة السلطان قتالاً ضعيفاً ودارت عساكر السلطان حول عساكر الخليفة وهو ثابت لم يتحرك من مكانه وانهزم عسكره وأخذ هو أسيراً ومعه جمع كثير من أصحابه منهم الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي وقاضي القضاة وصاحب المخزن ابن طلحة وابن الأنباري والخطباء والفقهاء والشهود وغيرهم وأنزل الخليفة في خيمة وغنموا ما في معسكره وكان كثيراً فحمل الوزير وقاضي القضاة وابن الأنباري وصاحب المخزن وغيرهم من الأكابر إلى قلعة سرجهان وباع الباقون نفوسهم بالثمن دون الطفيف ولم يقتل في هذه المعركة أحد وهذه أعجب ما يحكى
وعاد السلطان إلى همذان وأمر فنودي من تبعنا إلى همذان من البغاددة قتلناه فرجع الناس كلهم على أقبح حال لا يعرفون طريقاً وليس معهم ما يحملهم
وسير السلطان الأمير بك أبه المحمودي إلى بغداد شحنة فوصلها سلخ رمضان ومعه عبيد فقبضوا جميع أملاك الخليفة وأخذوا غلاتها وثار جماعة من عامة بغداد فكسروا المنبر والشباك ومنعوا من الخطبة وخرجوا من الأسواق يحثون التراب على رؤوسهم ويبكون ويصيحون وخرج النساء حاسرات في الأسواق يلطمن واقتتل أصحاب الشحنة وعامة بغداد فقتل من العامة ما يزيد على مائة وخمسين قتيلاً وهرب 283 الوالي وحاجب الباب
وأما السلطان فإنه سار في شوال من همذان إلى مرغة لقتال الملك داود ابن أخيه محمود وكان قد عصى عليه فنزل على فرسخين من مراغة والمسترشد معه فترددت الرسل بين الخليفة وبين السلطان في الصلح فاستقرت القاعدة على ما نذكره إن شاء الله و الله الموفق
ذكر قتل المسترشد بالله وخلافة الراشد بالله
لما قبض المسترشد بالله أبو منصور بن الفضل بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد على ما ذكرناه جعله السلطان مسعود في خيمة ووكل به من يحفظه وقام بما يجب من خدمته وترددت الرسل بينهما في تقرير قواعد الصلح على مال يؤديه الخليفة وأن لا يعود يجمع العساكر وأن لا يخرج من داره فأجاب السلطان إلى ذلك وأركب الخليفة وحمل الغاشية بين يديه ولم يبق إلا أن يعود إلى بغداد فوصل الخبر أن الأمير قزان خوان قد ورد رسولاً من السلطان سنجر فتأخر مسير المسترشد لذلك وخرج الناس مع السلطان مسعود إلى لقائه وفارق الخليفة بعض من كان موكلاً به وكانت خيمته منفردة عن العسكر فقصده أربعة وعشرون رجلاً من الباطنية ودخلوا عليه فقتلوه وجرحوه ما يزيد على عشرين جراحة ومثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه وتركوه عرياناً وقتل معه نفر من أصحابه منهم أبو عبد الله بن سكينة وكان قتله يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة على باب مراغة وبقي حتى دفنه أهل مراغة
وأما الباطنية فقتل منهم عشرة وقيل بل قتلوا جميعهم والله أعلم وكان عمره لما قتل ثلاثاً وأربعين سنة وثلاثة أشهر وكانت خلافته سبعة عشر سنة وستة أشهر وعشرين يوماً وأمه أم ولد وكان شهماً شجاعاً كثير الإقدام بعيد الهمة وأخباره المذكورة ترى على ما ذكرناه وكان فصيحاً بليغاً حسن الخط ولقد رأيت خطه في غاية الجودة ورأيت أجوبته على الرقاع من أحسن ما يكتب وأفصحه ولما قتل المسترشد بالله بويع ابنه الراشد بالله أبو جعفر المنصور ولقب الراشد بالله وكان أبوه قد بايع له بولاية العهد في حياته وجددت له البيعة بعد قتله يوم الاثنين السابع والعشرين من ذي القعدة وكتب السلطان مسعود إلى بك آبه الشحنة ببغداد يبايع له وحضر الناس البيعة وحضر بيعته أحد وعشرون رجلاً من أولاد الخلفاء وبايع له أبو النجيب ووعظه وبالغ في الموعظة وأما جمال الدولة المسترشدي فكأنه كان ببغداد في طائفة من العسكر فلما جرت هذه الحادثة عبر إلى 284 الجانب الغربي وأصعد إلى تكريب وراسل مجاهد الدين بهروز وحلفه وصعد إليه إلى القلعة
ذكر مسير السلطان سنجر إلى غزنة وعوده عنها
في هذه السنة في ذي القعدة سار السلطان سنجر من خراسان إلى غرنة وسبب ذلك أنه نقل إليه عن صاحبها بهرام شاه أنه تغير عن طاعته وأنه قد مد يده إلى ظلم الرعايا واغتصاب الأموال وكان السلطان سنجر هو الذي ملك غرنة وقد ذكرناه سنة تسع وخمسمائة فلما سمع هذه الأخبار المزعجة سار إلى غرنة ليأخذها أو يصلحه فلما رأى الطريق أبعد أدركهم شتاء شديد البرد كثير الثلج وتعذرت عليهم الأقوات والعلوفات فشكا العساكر إلى السلطان ذلك وذكروا له ما هم فيه من الضيق وتعذر ما يحتاجون إليه فلم يجب عنه بغير التقدم أمامه
فلما قارب غزنة أرسل بهرام شاه إلى سنجر رسلاً يتضرع ويسأل الصفح عن جرمه والعفو عن ذنبه فأرسل إليه سنجر المقرب جوهر الخادم وهو أكبر أمير عنده ومن جملة أقطاعه مدينة الري في جواب رسالته يجيبه عن العفو عنه إن حضر عنده وعاد إلى طاعته فلما وصل إلى بهرام شاه أجابه إلى ما طلب منه من الطاعة وحمل المال والحضور عنده بنفسه وأظهر من الطاعة والانقياد لما يحكم به السلطان سنجر شيئاً كثيراً وعاد المقرب جوهر ومعه بهرام شاه إلى سنجر فلما قاربه سبق المقرب إلى السلطان سنجر وأعلمه بوصول بهرام شاه وأنه بكرة غد يكون عنده وعاد المقرب إلى بهرام شاه ليجيء بيد يديه
وركب سنجر من الغد في موكبه لتلقيه وتقدم بهرام شاه ومعه المغرب فلما عاين موكب سنجر والشتر على رأسه نكص على عقبيه عائداً فأمسك المقرب عنانه وقبح فعله وخوفه عاقبة ذلك فلم يرجع وولى هارباً ولم يصدق بنجاته ظناً منه أن سنجراً يأخذه ويملك بلده وتبعه طائفة من أصحابه وخواصه ولم يعرج على غزنة وسار سنجر إلى غزنة فدخلها وملكها واحتوى على جميع ما فيها وجبى أموالها وكتب إلى بهرام شاه يلومه على ما فعله ويحلف له أنه ما أراد به شراً ولا له في بلده مطمع ولا هو ممن تلون صنيعته وتعقب حسنته معه سيئة وإنما قصده لإصلاحه فأعاد بهرام شاه الجواب يعتذر ويتنصل ويقول إن الخوف منعه من الحضور ولا لوم على من خاف من السلطان وتضرع في عوده إلى الإحسان فأجابه سنجر إلى أن يعيد عليه بلده وفارق غزنة عائداً إلى بلاده فوصل إلى بلخ في شوال سنة ثلاثين وخمسمائة واستقر ملك غزنة لبهرام شاه ورجع إليها 285
ذكر قتل دبيس بن صدقة بالتاريخ
في هذه السنة قتل السلطان مسعود دبيس بن صدقة على باب سرادقة بظاهر مدينة خوى أمر غلاماً أرمنياً بقتله فوقف على رأسه وهو ينكت الأرض بأصبعه فضرب رقبته وهو لا يشعر وكان ابنه صدقة بالحلة فاجتمع إليه عسكر أبيه ومماليكه وكثر جمعه واستأمن إليه الأمير قغلغ تكين وأمر السلطان مسعود بك آبه أن يأخذ الحلة فسار بعض عسكره إلى المدائن وأقاموا مدة ينتظرون لحاق بك آبه فلم يسر إليهم جنباً وعجزاً عن قصد الحلة لكثرة العسكر بها مع صدقة وبقي صدقة بالحلة إلى أن قدم السلطان مسعود إلى بغداد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة فقصده وأصلح حاله معه ولزم باب السلطان ومثل هذه الحادثة تقع كثيراً وهو قرب موت المتعاديين فإن دبيساً كان يعادي المسترشد بالله ويكره خلافته ولم يكن يعلم أن السلاطين إنما كانوا يبقون عليه ليجعلوه عدة لمقارنة المسترشد فلما زال السبب زال المسبب والله أعلم
ذكر حصر عسكر يحيى المهدية
في هذه السنة سير يحيى بن عيد العزيز بن حماد صاحب بجاية عسكراً ليحصروا المهدية وبها صاحبها الحسن بن علي بن تميم بن المعز بن باديس وكان سبب ذلك أن الحسن أحب ميمون بن زيادة أمير طائفة كبيرة من العرب ومال إليه وأكثر الإنعام عليه فحسده غيره من العرب فساروا إلى يحيى بن العزيز بأولادهم وجعلوهم رهائن عنده وطلبوا منه أن يرسل معهم عسكراً ليملكوا المهدية فأجابهم إلى ذلك وهو متباطئ فاتفق أنه وصله كتب من بعض مشايخ المهدية بمثل ذلك فوثق إلى ما أتاه وسير عسكراً كثيراً واستعمل عليهم قائداً كبيراً من فقهاء الصحابة يقال له مطرف بن حمدون وكان هذا يحيى بن العزيز هو وإياه يحضرون المعز بن باديس وأولاده بعده فسارت العساكر الفارس والراجل ومعهم من العرب جمع كثير حتى نزلوا على المهدية وحصروها براً وبحراً وكان مطرف يظهر التقشف والتورع عن الدماء وقال إنما أتيت الآن لأتسلم البلد بغير قتال فخاب ظنه فبقي أياماً لم يقاتل ثم إنهم باشروا فظهروا أهل المهدية عليهم وأثروا فيهم وتتابع القتال وفي كل ذلك الظفر لأهل البلد وقتل من الخارجين الجم الغفير وجمع مطرف عسكره براً وبحراً لما يئس من التسليم وقاتل أشد قتال فملكت شواتيه شاطئ البحر وقاربوا من السور فاشتد الأمر فأمر الحسن 286 بفتح الباب وخرج أول الناس وحمل هو ومن معه عليهم وقال أنا الحسن فلما سمع من يقاتله ذلك سلموا عليه وانهزموا عنه إجلالاً له ثم أخرج الحسن شوانيه تلك الساعة من المينا فأخذ من تلك الشواني أربع قطع وهرب الباقون ثم وصلت نجدة من رجار الفرنجي صاحب صقلية في البحر في عشرين قطعة فحصرت شواني صاحب بجاية فأمرهم الحسن بإطلاقها فأطلقوها ثم وصل ميمون بن زيادة في كثير من العرب لنصرة الحسن فلما رأى ذلك مطرف وأن النجدات تأتي الحسن في البر والبحر علم أنه لا طاقة له بهم فرحل عن المهدية خائباً وأقام رجار الفرنجي مظهراً للحسن أنه مهادنه وموافقه وهو مع ذلك يعمر الشواني ويكثر عددها وآلاتها
ذكر استيلاء الفرنج على جزيرة جربة
كانت جزيرة جربة من بلاد أفريقية قد استوت في كثرة عمارتها وخيراتها غير أن أهلها طغوا فلا يدخلون تحت طاعة سلطان ويعرفون بالفساد وقطع الطريق فخرج إليها جمع من الفرنج أهل صقلية في أسطول كثير وجم غفير فيه من مشهوري فرسان الفرنج جماعة فنزلوا بساحتها وأداروا المراكب بجهلتها واجتمع أهلها وقاتلوا قتالاً شديداً فوقع بين الفريقين وقعات عظيمة فثبت أهل جربة فقتل منهم بشر كثير فانهزموا وملك الفرنج الجزيرة وغنموا أموالها وسبوا حريمها ونساءها وأطفالها وهلك أكثر رجالها ومن بقي منهم أخذوا لأنفسهم أماناً من صاحب صقلية وافتكوا أسرارهم وسببهم وحريمهم والله أعلم
ذكر ملك الفرنج حصن روطة من بلاد الأندلس
في هذه السنة اصطلح المستنصر بالله بن هود والسليطين الفرنجي صاحب طليطلة مدة عشر سنين وكان السليطين قد أدمن غزو بلاد المستنصر وقتالها حتى ضعف صاحبها عن مقاومته لقلة جنوده وكثرة الفرنج فرأى أن يصالح مدة يستريح فيها هو وجنوده ويعتدون للمعاودة فترددت الرسل بينهم فاستقر الصلح على أن يسلم المستنصر إلى السليطين حصن روطة وهو من أمتع الحصون وأحصنها فاستقرت القاعدة واصطلحوا وتسلمت منه الفرنج الحصن وفعل المستنصر فعلة لم يفعلها قبله أحد 287
ذكر حصر ابن ردمير مدينة أفراغة وهزيمته وموته
وفي هذه السنة حصر ابن ردمير الفرنجي لعنه الله مدينة أفراغة من شرق الأندلس وكان الأمير تاشفين بن علي بن يوسف بمدينة قرطبة أميراً على الأندلس لأبيه فجهز الزبير بن عمرو اللمتوني من قرطبة ومعه ألف فارس وسير معه ميرة كثيرة إلى أفراغة وكان يحيى بن غانية الأمير المشهور أمير مرسية وبلنسية من شرق الأندلس وإليه الأمر بها لأمير المسلمين علي بن يوسف فتجهز في خمسمائة فارس وكان عبد الله بن عياض صاحب مدينة لاردة فتجهز في مائتي فارس فاجتمعوا وحملوا الميرة وساروا حتى أشرفوا على مدينة أفراغة وجعل الزبير الميرة أمامه وابن غانية أمام الميرة وابن عياض أمام ابن غانية وكان شجاعاً وكذلك جميع من معه وكان ابن ردمير في اثني عشر ألف فارس فاحتقر جميع الواصلين من المسلمين فقال لأصحابه اخرجوا وخذوا هذه الهدية التي ارسلها المسلمون إليكم وأدركه العجب ونفذ قطعة كبيرة من جيشه فلما قربوا من المسلمين حمل عليهم ابن عياض وكسرهم ورد بعضهم على بعض وقتل فيهم والتحم القتال وجاء ابن ردمير بنفسه وعساكره جميعاً مدلين بكثرتهم وشجاعتهم فحمل ابن غانية وابن عياض في صدورهم واشتد الأمر بينهم وعظم القتال وكثر القتل في الفرنج وخرج في الحال أهل أفراغة جميعهم ذكرهم وأنثاهم صغيرهم وكبيرهم إلى خيام الفرنج فاشتعل الرجال بقتل من وجدوا في العسكر واشتغل النساء بالنهب وحملوا جميع ما وجدوه هناك إلى المدينة من قوت وعدد وآلات وسلاح وغير ذلك وبينما المسلمون والفرنج في القتال إذ وصل إليهم الزبير في عسكره فانهزم ابن ردمير وعسكره ولم يسلم منهم إلا القليل ولحق ابن ردمير بمدينة سرقسطة فلما رأى ما قتل من أصحابه مات مفجوعاً بعد عشرين يوماً من الهزيمة وكان أشد ملوك الفرنج بأساً وأكثرهم تجرداً لحرب المسلمين وأعظمهم صبراً كان ينام على طارقته بغير وطاء وقيل له هلا تسريت من بنات أكابر المسلمين اللاتي سبيت منهم فقال الرجل المحارب ينبغي أن يعاشر الرجال لا النساء وأراح الله منه وكفى المسلمين شره
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في شعبان زلزلت الأرض بالعراق والموصل وبلاد الجبل وغيرها وكانت الزلزلة شديدة وهلك فيها كثير من الناس والله أعلم 288
ثم دخلت سنة ثلاثين وخمسمائة
ذكر الحرب بين عسكر الراشد وعسكر السلطان
في هذه السنة وصل برتقش الزكوي من عند السلطان مسعود يطالب الخليفة بما كان قد استقر على المسترشد من المال وهو أربعمائة ألف دينار فذكر أنه لا شيء عنده وأن المال جميعه كان مع المسترشد بالله فنهب ثم بلغ الراشد بالله أن برتقش يريد التهجم على دار الخلافة وتفتيشها ليأخذ المال فجمع العساكر لمنعها وأمر عليهم كج آبه وأعاد عمارة السور فلما علم برتقش بذلك اتفق هو وبك آبه شحنة بغداد وهو من أمراء السلطان على أن يهجموا على دار الخليفة يوم الجمعة فبلغ ذلك الراشد بالله فاستعد لمنعهم وركب برتقش ومعه العسكر والأمراء البكجية ومحمد بن عكر في نحو خمسة آلاف فارس ولقيهم عسكر الخليفة فأخرجوا عسكر السلطان إلى دار السلطان فساروا إلى طريق خراسان ثم انحدر بك أبه إلى واسط وسار برتقش إلى البندنيجين ونهبت العامة دار السلطان
ذكر اجتماع أصحاب الأطراف على حرب مسعود ببغداد وخروجهم عن طاعته
في هذه السنة اجتمع كثير من الأمراء وأصحاب الأطراف على الخروج عن طاعة السلطان مسعود فسار الملك داود ابن السلطان محمود في عسكر أذربيجان إلى بغداد فوصلها في رابع صفر ونزل بدار السلطان ووصل أتابك عماد الدين زنكي بعده من الموصل ووصل برتقش بازدار صاحب قزوين وغيرهما والبقش الكبير صاحب أصفهان وصدقة بن دبيس صاحب الحلة ومعه عنز بن أبي العسكر الجاواني يدبره ويتم نقص صباه وابن برسق وابن الأحمديلي وخرج إليهم من عسكر بغداد كج أبه 289 والطرنطاي وغيرهما وجعل الملك داود في شحنكية بغداد برتقش بازدار وقبض الخليفة الراشد بالله على ناصح الدولة أبي عبد الله الحسن بن جهير أستاذ الدار وهو كان السبب في ولايته وعلى جمال الدولة إقبال المسترشدي وكان قدم إليه من تكريت وعلى غيرهما من أعيان دولته فتغيرت بنات أصحابه عليه وخافوه فأما جمال الدولة فإن أتابك زنكي شفع فيه شفاعة تحتها إلزام فأطلق وصار إليه ونزل عنده وخرج موكب الخليفة مع وزيره جلال الدين أبي الرضا بن صدقة إلى عماد الدين لتهنئته بالقدوم فأقام الوزير عنده وسأله أن يمنعه من الخليفة فأجابه إلى ذلك وعاد الموكب بغير وزير وأرسل زنكي من حرس دار الوزير من الهب ثم أصلح حاله مع الخليفة وأعاده إلى وزارته وكذلك أيضاً عبر عليه قاضي القضاة الزينبي وسار معه إلى الموصل ثم إن الخليفة جد في عمارة السور فأرسل له الملك داود من قلع أبوابه وأخرب قطعة منه فانزعج الناس ببغداد ونقلوا أموالهم إلى دار الخلافة وقطعت خطبة السلطان مسعود وخطب للملك داود وجرت الأيمان بين الخليفة والملك داود وعماد الدين زنكي وأرسل الخليفة إلى أتابك زنكي مائتي ألف دينار لينفقها ووصل الملك سلجوق شاه إلى واسط فدخلها وقبض على الأمير بك ونهب ماله وانحدر أتابك زنكي إليه لدفعه عنها واصطلحا وعاد زنكي إلى بغداد وعبر إلى طريق خراسان وحث على جمع العساكر للقاء السلطان مسعود وسار الملك داود نحو طريق خراسان فنهب العسكر البلاد ووصلت الأخبار بمسير السلطان مسعود إلى بغداد وفارق الملك داود وأتابك زنكي فعاد أتابك زنكي إلى بغداد وفارق الملك داود وأظهر له أنه يمضي إلى مراغة إذا فارق السلطان مسعود همذان فبرز الراشد بالله إلى ظاهر بغداد أول رمضان وسار إلى طريق خراسان ثم عاد بعد ثلاثة أيام ونزل عند جامع السلطان ثم دخل إلى بغداد خامس رمضان وأرسل إلى داود وسائر الأمراء بالعود إلى بغداد فعادوا ونزلوا في الخيام وعزموا على قتال السلطان مسعود من داخل سور بغداد ووصلت رسل السلطان يبذل من نفسه الطاعة والموافقة للخليفة والتهديد لمن اجتمع عنده فعرض الخليفة الرسالة عليهم فكلهم رأى قتاله فقال لهم الخليفة وأنا أيضاً معكم على ذلك
ذكر ملك شهاب الدين حمص
في هذه السنة في الثاني والعشرين من ربيع الأول تسلم شهاب الدين محمود 290 صاحب دمشق مدينة حمص وقلعتها وسبب ذلك أن أصحابها أولاد الأمير خيرخان بن قراجا والوالي بها من قبلهم ضجروا من كثرة تعرض عسكر عماد الدين زنكي إليها وإلى أعمالها وتضييقهم على من بها جندي وعامي فراسلوا شهاب الدين في أن يسلموها له ويعطيهم عوضاً عنها تدمر فأجابهم إلى ذلك وسار إليها وتسلمها منهم في التاريخ المذكور وسلم إليهم تدمر وأقطع حمص مملوك جده معين الدين أنز وجعل فيها نائباً عنه ممن يثق إليه من أعيان أصحابه وعاد عنها إلى دمشق فلما رأى عسكر زنكي بحلب وحماة خروج حمص عن أيديهم تابعوا الغارات إلى بلدها والنهب له والاستيلاء على كثير منه فجرى بينهم عدة وقائع وأرسل شهاب الدين إلى زنكي في المعنى واستقر الصلح بينهم وكف كل منهم عن صاحبه
ذكر الفتنة بدمشق
في هذه السنة وقعت الفتنة بدمشق بين صاحبها والجند وسبب ذلك أن الحاجب يوسف بن فيروز كان أكبر حاجب عند أبيه وجده ثم إنه خاف أباه شمس الملوك وهرب منه إلى تدمر فلما كان في هذه السنة سأل أن يحضر إلى دمشق وكان يخاف جماعة المماليك لأنه كان أساء إليهم وعاملهم أقبح معاملة فكلهم عليه حنق لا سيما في الحادثة التي خرج فيها شمس الملوك وقد تقدمت فإنه أشار بقتل جماعة برأيه وبقتل سونج بن تاج الملوك فصاروا كلهم أعداء مبغضين فلما طلب الأمان والحضور إلى دمشق أجيب إلى ذلك فأنكر جماعة الأمراء والمماليك قربه وخافوه أن يفعل بهم مثل فعله الأول فلم يزل يتوصل معهم حتى حلف لهم واستحلفهم وشرط على نفسه أنه لا يتولى من الأمور شيئاً ثم إنه جعل يدخل نفسه في كثير من الأمور فاتفق أعداؤه على قتله فبينما هو يسير مع شهاب الدين وإلى جانبه أمير اسمه تراوش يحادثه إذ ضربه تراوش بالسيف فقتله فحمل ودفن في تربة والده بالعقيبة ثم إن تراوش والمماليك خافوا فلم يدخلوا البلد ونزلوا بظاهره وأرسلوا يطلبون قواعد استطالوا فيها فأجابهم إلى البعض فلم يقبلوا منه ثم ساروا إلى بعلبك وبها شمس الملوك محمد بن تاج الملوك صاحبها فصاروا معه فالتحق بهم كثير من التركمان وغيرهم وشرعوا في العيث والفساد واقتضت الحال مراسلتهم وملاطفتهم وإجابتهم إلى ماطلبوا واستقرت الأحوال على ذلك وحلف كل منهم لصاحبه فعادوا إلى ظاهر دمشق ولم يدخلوا البلد 291 وخرج شهاب الدين صاحب دمشق إليهم واجتمع بهم وتجددت الأيمان وسار تراوش مقدم العسكر وإليه الحل والعقد وذلك في شعبان وزال الخلف ودخلوا البلد والله أعلم
ذكر غزاة العسكر الأتابكي إلى بلاد الفرنج
في هذه السنة في شعبان اجتمعت عساكر أتابك زنكي صاحب حلب وحماة مع الأمير أسوار نائبه بحلب وقصدوا بلاد الفرنج على حين غفلة منهم وقصدوا أعمال اللاذقية ولم يتمكن أهلها من الانتقال عنها والاحتراز فنهبوا منها ما يزيد عن الوصف وقتلوا وأسروا وفعلوا في بلاد الفرنج ما لم يفعله بهم غيرهم وكان الأسرى سبعة آلاف أسير ما بين رجل وامرأة وصبي ومائة ألف رأس من الدواب ما بين فرس وبغل وحمار وبقر وغنم وأما ما سوى ذلك من الأقمشة والعين والحلى فيخرج عن الحد وأخربوا بلد اللاذقية وما جاورها ولم يسلم منها إلا القليل وخرجوا إلى شيزر بما معهم من الغنائم سالمين منتصف رجب فامتلأ من الأسارى والدواب وفرح المسلمون بذلك فرحاً عظيماً ولم يقدر الفرنج على شيء يفعلونه مقابل هذه الحادثة عجزاً منهم ووهناً وضعفاً
ذكر وصول السلطان مسعود إلى العراق وتفرق أصحاب الأطراف ومسير الراشد بالله إلى الموصل
قيل لما بلغ السلطان مسعود اجتماع الملك داود والأمراء ببغداد على خلافه وخطب للملك داود ابن أخيه السلطان محمود جمع العساكر وسار إلى بغداد فنزل بالملكية فسار بعض العسكر حتى شارفوا عسكره وطاردوهم وكان في الجماعة زين الدين علي أمير من أمراء أتابك زنكي ثم عادوا ووصل السلطان فنزل على بغداد وحصرها وجميع العساكر فيها وثار العيارون ببغداد وسائر محالها وأفسدوا ونهبوا وقتلوا حتى أنه وصل صاحب لأتابك زنكي ومعه كتب فخرجوا عليه وأخذوها منه وقتلوه فحضر جماعة من أهل المحال عند الأتابك زنكي وأشاروا عليه بنهب المحال الغريبة فليس فيها غير عيار ومفسد فامتنع من ذلك ثم أرسل بنهب الحريم الظاهري فأخذ منه من الأموال الشيء الكثير وسبب ذلك أن العيارين فيه وأخذوا أموال الناس ونهبت العساكر غير الحريم من المحال وحصرهم السلطان نيفاً وخمسين يوماً فلم يظهر بهم فعاد إلى النهروان عازماً على العود إلى همذان فوصله طرنطاي صاحب 292 واسط ومعه سفن كثيرة فعاد إليها وعبر فيها إلى غربي دجلة وأراد العسكر البغدادي منعه فسبقهم إلى العبور واختلفت كلمتهم فعاد الملك داود إلى بلده في ذي القعدة وتفرق الأمراء وكان عماد الدين زنكي بالجانب الغربي فعبر إليه الخليفة الراشد بالله وسار معه إلى الموصل في نفر يسير من أصحابه فلما سمع السلطان مسعود بمفارقة الخليفة وزنكي بغداد سار إليها واستقر بها ومنع أصحابه من الأذى والنهب
وكان وصوله منتصف ذي القعدة فسكن الناس واطمأنوا بعد الخوف الشديد وأمر فجمع القضاة والشهود والفقهاء وعرضوا عليهم اليمين التي حلف بها الراشد بالله لمسعود وفيها بخط يده إني متى جندت أو خرجت أو لقيت أحداً من أصحاب السلطان بالسيف فقد خلعت نفسي من الأمر فأفتوا بخروجه من الخلافة وقيل غير ذلك وسنذكره في خلافة المقتفى لأمر الله وكان الوزير شرف الدين علي بن طراد وصاحب المخزن كمال الدين بن البقشلاني وابن الأنباري مع السلطان لأنهم عنده مذ أسرهم مع المسترشد بالله فقدحوا في الراشد ووافقهم على ذلك أصحاب المناصب ببغداد إلا اليسير لأنهم كانوا يخافونه وكان قد قبض بعضهم وصادر بعضاً واتفقوا على ذمه فتقدم السلطان بخلعه وإقامة من يصلح فخلع وقطعت خطبته في بغداد في ذي القعدة وسائر البلاد وكانت خلافته أحد عشر شهراً وأحد عشر يوماً وقتله الباطنية على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر خلافة المقتفي لأمر الله
لما قطعت خطبة الراشد بالله استشار السلطان جماعة من أعيان بغداد منهم الوزير علي بن طراد وصاحب المخزن وغيرهما فيمن يصلح أن يلي الخلافة فقال الوزير أحد عمومة الراشد وهو رجل صالح قال من هو قال من لا أقدر أن أفصح باسمه لئلا يقتل فتقدم إليهم بعمل محضر في خلع الراشد فعملوا محضراً ذكروا فيه ما ارتكبه من أخذ الأموال وأشياء تقدح في الإمامة ثم كتبوا فتوى ما تقول العلماء فيمن هذه صفته هل يصلح للامامة أم لا فأفتوا أن من هذه صفته لا يصلح أن يكون اماماً
فلما فرغوا من ذلك أحضروا القاضي أبا طاهر بن الكرخي فشهدوا عنده بذلك فحكم بفسقه وخلعه وحكم بعده غيره ولم يكن قاضي القضاة حاضراً فإنه كان عند أتابك زنكي بالموصل ثم إن شرف الدين الوزير ذكر للسلطان أبا عبد الله الحسين وقيل محمد بن المستظهر بالله ودينه وعقله وعفته ولين جانبه فحضر السلطان دار الخلافة ومعه الوزير 293 شرف الدين الزينبي وصاحب المخزن البقشلاني وغيرهما وأمر بإحضار الأمير أبي عبد الله المستظهر من المكان الذي يسكن فيه فأحضر وأجلس في الميمنة ودخل السلطان إليه والوزير وتحالفا وقرر الوزير القواعد بينهما وخرج السلطان من عنده وحضر الأمراء وأرباب المناصب والقضاة والفقهاء وبايعوا ثامن عشر ذي الحجة ولقب المقتفي لأمر الله قيل سبب اللقب إنه رأى النبي قبل أن يلي الخلافة بستة أيام وهو يقول له إن هذا الأمر يصير إليك فاقتف بي فلقب بذلك ولما استخلف سيرت الكتب الحكمية بخلافته إلى سائر الأمصار واستوزر شرف الدين علي بن طراد الزينبي فأرسل إلى الموصل وأحضر قاضي القضاة أبا القاسم علي بن الحسين الزينبي ابن عم الوزير وأعاده إلى منصبه وقرر كمال الدين حمزة بن طلحة على منصبه صاحب المخزن وجرت الأمور على أحسن نظام وبلغني أن السلطان مسعوداً أرسل إلى الخليفة المقتفي لأمر الله في تقرير إقطاع يكون لخاصته فكان جوابه إن في الدار ثمانين بغلاً تنقل الماء من دجلة فلينظر السلطان ما يحتاج إليه من يشرب هذا الماء ويقوم به فتقررت القاعدة على أن يجعل له ما كان للمستظهر بالله فأجاب إلى ذلك وقال السلطان لما بلغه قوله لقد جعلنا في الخلافة رجلاً عظيماً والمقتفي عم الراشد هو والمسترشد ابنا المستظهر وليا الخلافة وكذلك السفاح والمنصور أخوان وكذلك المهدي والرشيد أخوان وكذلك الواثق والمتوكل أخوان وأما ثلاث إخوة ولوا الخلافة فالأمين والمأمون والمعتصم وهم أولاد الرشيد والمكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد والراضي والمتقي والمطيع بنو المقتدر وأما أربعة أخوة ولوها فالوليد وسليمان وهشام ويزيد بنو عبد الملك بن مروان لا يعرف غيرهم وحين استقرت الخلافة للمقتفي أرسل إليه الراشد بالله رسولاً من الموصل مع رسول أتابك زنكي وكان كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري فأحضر في الديوان وسمعت رسالته وحكى لي والدي عنه قال لم حضرت الديوان قيل لي تبايع أمير المؤمنين فقلت أمير المؤمنين عندنا في الموصل وله في أعناق الخلق بيعة متقدمة
وطال الكلام وعدت إلى منزلي فلما كان الليل جاءتني امرأة عجوز سراً واجتمعت بي وأبلغتني رسالة عن المقتفي لأمر الله مضمونها عتابي على ما قلته واستنزالي عنه فقلت غداً أخدم خدمة يظهر أثرها فلما كان الغد حضرت إلى الديوان وقيل لي في تعين البيعة فقلت أنا رجل فقيه قاضي ولا يجوز لي أن أبايع إلا أن يثبت عندي خلع المتقدم
فأحضروا الشهود وشهدوا عندي في الديوان 294 بما أوجب خلعه فقلت هذا ثابت لا كلام فيه ولكن لا بد لنا في هذه الدعوى من نصيب لأن أمير المؤمنين قد حصل له خلافة الله في أرضه والسلطان فقد استراح ممن كان يقصده ونحن بأي شيء نعود
فرجع الأمر إلى الخليفة فأمر أن يعطي أتابك زنكي صريفين ودرب هارون وجرى ملكاً وهي من خاص الخليفة ويزداد في ألقابه وقال هذه قاعدة لم يسمع بها لأحد من زعماء الأطراف أن يكون لهم نصيب من خاص الخليفة وكانت بيعة كمال الدين سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ولما عاد كمال الدين الشهرزوري سير على يد المحضر الذي عمل بخلع الراشد فحكم به قاضي القضاة الزينبي بالموصل وكان عند أتابك زنكي
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة عزل السلطان مسعود وزيره شرف الدين أنوشروان بن خالد وعاد إلى بغداد وقام بداره معزولاً ووزر من بعده كمال الدين أبو البركات بن سلمة الدركزيني وهو من خراسان وفيها ثار العيارون ببغداد عند اجتماع العساكر بها وفتكوا في البلد ونهبوا الأموال ظاهراً وكثر الشر فقصد الشحنة شارع دار الرقيق وطلب العيارين فثار عليه أهل المحال الغربية فقاتلهم وأحرق الشارع فاحترق فيه خلق كثير ونقل الناس أموالهم إلى الحريم الظاهري فدخله الشحنة ونهب منه مالاً كثيراً ثم وقعت فتنة ببغداد بين أهل باب الأزج وبين أهل المأمونية وقتل بينهم جماعة ثم اصطلحوا وفيها سار قراسنقر في عساكر كثيرة في طلب الملك داود بن السلطان محمود فأقام السلطان مسعود ببغداد ولم يزل قراسنقر يطلب داود حتى أدركه عند مراغة فالتقيا وتصافا واقتتل العسكران قتالاً عظيماً فانهزم داود وأقام قراسنقر بأذربيجان وأما داود فإنه قصد خوزستان فاجتمع عليه هناك عساكر كثيرة من التركمان وغيرهم فبلغت عدتهم نحو عشرة آلاف فارس فقصد تستر وحاصرها وكان عمه الملك سلجوق شاه بن السلطان محمد بواسط فأرسل إلى أخيه السلطان مسعود يستنجده فأمده بالعساكر فسار إلى داود وهو يحاصر تستر فتصافا فانهزم سلجوق شاه
وفيها توفي محمد بن حمويه أبو عبد الله الجويني وهو من مشايخ الصوفية المشهورين وله كرامات كثيرة ورواية الحديث وتوفي أيضاً محمد بن عبد الله بن أحمد بن حبيب العامري الصوفي مصنف شرح الشهاب وأنشد لما احتضر 295
( ها قد مددت يدي اليك فردها
بالعفو لا بشماتة الأعداء )
وتوفي أيضاً أبو عبد الله محمد بن الفضل بن أحمد الفراوي الصاعدي راوي صحيح مسلم عن عبد الغافر الفارسي وطريقه اليوم أعلى الطرق واليه الرحلة من الشرق والغرب وكان فقيهاً مناظراً يخدم الغرباء بنفسه وكان يقال الغراوي ألف راوي رحمه الله ورضي عنه 296
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة
ذكر تفرق العساكر عن السلطان مسعود
في هذه السنة في المحرم أذن السلطان مسعود للعساكر التي عنده ببغداد بالعود إلى بلادهم لما بلغه أن الراشد بالله قد فارق أتابك زنكي من الموصل فإنه كان يتمسك بالعساكر عنده خوفاً أن ينحدر به إلى العراق فيملكه عليه فلما أراد أن يأذن للأمير صدقة بن دبيس صاحب الحلة زوجة ابنته تمسكا به وقدم على السلطان مسعود جماعة من الأمراء الذين حاربوه مع الملك داود منهم البقش السلاحي وبرسق بن برسق صاحب تستر وسنقر الخمارتكين شحنة همذان فرضي عنهم وأمنهم وولى البقش شحنكية بغداد فعسف الناس وظلمهم وكان السلطان مسعود بعد تفرق العساكر عنه قد بقي معه ألف فارس وتزوج الخليفة فاطمة أخت السلطان مسعود في رجب والصداق مائة ألف دينار وكان الوكيل في قبول النكاح وزير الخليفة علي بن طراد الزينبي والوكيل عن السلطان وزيره الزركزيني ووثق السلطان حيث صار الخليفة وصدقة بن دبيس بن صدقة صهريه وحيث سار الراشد بالله من عند زنكي الأتابك والله أعلم
ذكر عزل بهرام عن وزارة الحافظ ووزارة رضوان
في هذه السنة في جمادى الأولى هرب تاج الدولة بهرام وزير الحافظ لدين الله العلوي صاحب مصر وكان قد استوزره بعد قتل ابنه حسن سنة تسع وعشرين وخمسمائة وكان نصرانياً أرمنياً فتمكن في البلاد واستعمل الأرمن وعزل المسلمين وأساء السيرة فيهم وأهانهم هو والأرمن الذين ولاهم وطمعوا فيهم فلم يكن في أهل مصر أنف من ذلك إلا رضوان بن الريحيني فإنه لما ساءه ذلك وأقلقه جمعاً كثيراً وقصد 297 القاهرة فسمع به بهرام فهرب إلى الصعيد من غير حرب ولا قتال وقصد مدينة أسوان فمنعه واليها من الدخول إليها وقاتله فقتل السودان من الأرمن كثيراً فلما لم يقدر على الدخول إلى أسوان أرسل إلى الحافظ يطلب الأمان فأمنه فعاد إلى القاهرة فسجن بالقصر فبقي مدة ثم ترهب وخرج من الحبس
وأما رضوان فإنه وزر للحافظ ولقب بالملك الأفضل وهو أول وزير للمصريين لقب بالملك ثم فسد ما بينه وبينه الحافظ فعمل الحافظ في إخراجه فثار الناس عليه منتصف شوال في سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة وهرب من داره وتركها بما فيها فنهب الناس منها ما لا يحد ولا يحصى وركب الحافظ فسكن الناس ونقل ما بقي في دار رضوان إلى قصره وأما رضوان فسار يريد الشام يستنجد الأتراك ويستنصرهم فأرسل إليه الحافظ الأمير بن مصال ليرده بالأمان والعهد أنه لا يؤذيه فرجع إلى القاهرة فحبسه الحافظ عنده في القصر وقيل إنه توجه إلى الشام وهو الصحيح وقصد صرخد فوصل إليها في ذي القعدة ونزل على صاحبها أمين الدولة كمشتكين فأكرمه وعظمه وأقام عنده ثم سار إلى مصر سنة أربع وثلاثين وخمسمائة ومعه عسكر فقاتل المصريين عند باب النصر وهزمهم وقتل منهم جماعة كثيرة وأقام ثلاثة أيام فتفرق عنه كثير ممن معه فعزم على العود إلأى الشام فأرسل إليه الحافظ الأمير ابن مصال فرده وحبسه عنده في القصر وجمع بينه وبين عياله وأهله فأقام في القصر إلى سنة ثلاث وأربعين فنقب الحبس وخرج منه وقد أعدت له خيل فهرب عليها وعبر النيل إلى الجيزة فحشد وجمع المغاربة وغيرهم وعاد إلى القاهرة فقاتل المصريين عند جامع ابن طولون وهزمهم ودخل القاهرة فنزل عند جامع الأقمر فأرسل إلى الحافظ يطلب منه مالاً ليفرقه على عادتهم فإنهم كانوا إذا وزروا وزيراً أرسلوا إليه عشرين ألف دينار ليفرقها فأرسل الحافظ عشرين ألف دينار فقسمها وكثر عليه الناس وطلب زيادة فأرسل إليه عشرين ألف دينار ففرقها فتفرق الناس وخفوا عنه فإذا الصوت قد وقع وخرج إليه جمع كثير من السودان وضعهم الحافظ عليه فحملوا على غلمانه فقاتلوهم فقام يركب فقدم إليه بعض أصحابه فرساً ليركبه فلما أراد ركوبه ضرب الرجل رأسه بالسيف فقتله وحمل رأسه إلى الحافظ فأرسله إلى زوجته فوضع في حجرها فألقت به وقالت هكذا يكون الرجال ولم يستوزر الحافظ أحداً وباشر الأمور بنفسه إلى أن مات 298
ذكر فتح المسلمين حصن وادي ابن الأحمر من الفرنج
وفي هذه السنة في رجب سار عسكر دمشق مع مقدمتهم الأمير تراوش إلى طرابلس الشام فاجتمع معه كثير من الغزاة المتطوعة والتركمان أيضاً خلق كثير فلما سمع القمص صاحبها بقربهم من ولايته سار إليهم في جموعه وحشوده فقاتلهم وانهزم الفرنج وعادوا إلى طرابلس في صورة سيئة قد قتلت فرسانهم وشجعانهم فلما عادوا نهب المسلمون من أعمالهم أكثرها وحصروا حصن وادي ابن الأحمر وضيقوا عليه فملكوها عنوة ونهبوا ما فيه وقتلوا المقاتلة وسبوا الحريم والذرية وأسر الرجال فاشتروا أنفسهم بمال جزيل وعاد المسلمين إلى دمشق سالمين والله أعلم
ذكر حصر زنكي مدينة حمص
في هذه السنة في شعبان سار أتابك زنكي إلى مدينة حمص وقدم إليها حاجبه صلاح الدين محمد الباغيسياني وهو أكبر أمير معه وكان ذا مكر وحيل أرسله ليتوصل مع من فيها ليسلموها إليه
فوصل إليها وفيها معين الدين أنز وهو الوالي عليها والحاكم فيها وهو أيضاً أكبر أمير بدمشق وحمص أقطاعه كما سبق ذكره فلم ينفذ فيه مكره فوصل حينئذ زنكي إليها وحصرها وعاودا مراسلة أنز في التسليم غير مرة تارة بالوعد وتارة بالوعيد واحتج بأنها ملك صاحبه شهاب الدين وأنها بيده أمانة ولا يسلمها إلا عن غلبة فأقام عليها إلى العشرين من شوال ورحل عنها من غير بلوغ غرض إلى بعرين فحصرها وكان منه ومن الفرنج ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر ملك زنكي قلعة بعرين وهزيمة الفرنج
وفي هذه السنة في شوال سار أتابك زنكي من حمص كما ذكرناه وحصر قلعة بعرين وهي للفرنج تقارب مدينة حماة وهي من أمنع الحصون وأحصنها فلما نزل عليها قاتلها وزحف إليها فجمع الفرنج فارسيهم وراجلهم وساروا في قضهم وقضيضهم وملوكهم وقمامصتهم وكنودهم إلى أتابك زنكي ليرحلوه عن بعرين فلم يرحل وصبر لهم إلى أن وصلوا إليه فلقيهم وقاتلهم أشد قتال وصبر الفريقان ثم أجلت الوقعة عن هزيمة الفرنج وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب واحتمى ملوكهم بحصن بعرين لقربه منهم فحصرهم المسلمون ومنع أتابك زنكي عنهم كل شيء 299 حتى الأخبار فكان من به منهم لا يعلم شيئاً من أخبار بلادهم لشدة ضبط الطرق وهيبته على جنوده ثم إن القسوس والرهبان دخلوا بلاد الروم وبلاد الفرنج وما والاها من بلاد النصرانية مستنفرين على المسلمين وأعلموهم أن زنكي إن أخذ قلعة بعرين ومن فيها من الفرنج ملك جميع بلادهم في أسرع وقت لعدم المحامي عنها وأن المسلمين ليس لهم نية إلا قصد البيت المقدس فحينئذ اجتمعت النصرانية وساروا على الصعب والذلول وقصدوا الشام مع ملك الروم وكان منهم ما نذكره
وأنا زنكي فإنه جد في قتال الفرنج فصبروا وقلت عليهم الميرة والذخيرة فإنهم كانوا غير مستعدين ولم يكونوا يعتقدون أن أحداً يقدر عليهم بل كانوا يتوقعون ملك باقي البلاد بالشام فلما قلت الذخيرة أكلوا دوابهم وأذعنوا بالتسليم ليؤمنهم ويتركهم يعودون إلى بلادهم فلم يجبهم إلى ذلك فلما سمع بقرب ملك الروم من الشام واجتماعه بمن بقي من الفرنج أعطى لمن في الحصن الأمان وقرر عليهم تسليم الحصن ومن المال خمسين ألف دينار يحملونها إليه فأجابوه إلى ذلك فخرجوا وسلموا إليه فلما فارقوه بلغهم اجتماع من اجتمع بسببهم فندموا على التسليم حيث لا ينفعهم الندم وكان لا يصلحهم شيء من الأخبار البتة فلهذا سلموه وكان زنكي في مدة مقامه عليهم فتح المعرة وكفرطاب من الفرنج فكان أهلها وأهل سائر الولايات التي بينها وبين حلب وحماة مع أهل بعرين في الخزي لأن الحرب بينهم قائمة على ساق والنهب والقتل لا يزال بينهم فلما ملك أمن الناس وعمرت البلاد وعظم دخلها وكان فتحاً مبيناً ومن رآه علم صحة قولي ومن أحسن الأعمال ما علمه زنكي مع أهل المعرة فإن الفرنج لما ملكوها كانوا قد أخذوا أملاكهم فلما فتحها زنكي الآن حضر من بقي من أهلها معهم أعقاب من هلك وطلبوا أملاكهم فطلب منهم كتبها فقالوا إن الفرنج أخذوا كل ما لنا والكتب التي للأملاك فيها فقال اطلبوا دفاتر حلب وكل من عليه خراج على ملك يسلم إليه ففعلوا ذلك وأعاد على الناس أملاكهم وهذا من أحسن الأفعال وأعدلهم
ذكر خروج ملك الروم من بلاده إلى الشام
قد تقدم أن الفرنج أرسلوا إلى ملك القسطنطينية يستصرخون به ويعرفونه ما فعله زنكي فيهم ويحرضونه على لحاق البلاد قبل أن تملك ولا ينفعه حينئذ المجيء فتجهز وسار مجداً فابتدأ وركب البحر وسار إلى مدينة أنطاكية وهي له على ساحل البحر فأرسى 300 فيها وأقام ينتظر وصول المراكب التي فيها أثقاله وسلاحه فلما وصلت سار عنها إلى مدينة نيقية فحصرها وأن أصحابها صالحوه على مال يؤدونه إلأيه وقيل بل ملكها
وسار عنها إلى مدينة أذنة ومدينة المصيصة وهما بيد ابن ليون الأرمني صاحب قلاع الدروب فحصرهما وملكهما
ورحل إلى عين زربة فحصرها وملكها عنوة
وملك تل حمدون وحمل أهله إلى جزيرة قبرس وعبر ميناء الإسكندرية
وخرج إلى الشام فحصر مدينة أنطاكية في ذي القعدة وضيق على أهلها وبها صاحبها الفرنجي ريمند فترددت الرسل إليهم ومشوا بينهم فتصالحا
ورحل عنها إلى بغراس ودخل منها إلى بلد ابن ليون الأرمني فبذل له ابن ليون أموالاً كثيرة ودخل في طاعته والله أعلم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة رابع وعشرين في أيار ظهر بالشام سحاب أسود وأظلمت له الدنيا وصار الجو كالليل المظلم ثم طلع بعد ذلك سحاب أحمر كأنه النار أضاءت له الدنيا وهبت ريح عاصفة ألقت كثيراً من الشجر وكان أشد ذلك بحوران ودمشق وجاء بعده مطر شديد وبرد كبار
وفيها عاد مؤيد الدين أبو الفوارس المسيب بن علي بن الحسين المعروف بابن الصوفي من صرخد إلى دمشق وكان قد أخرج هو وأهله من دمشق إلى صرخد فبقوا فيها إلى الآن وعادوا وولي أبو الفوارس الرياسة بدمشق وحكم فيها حكماً ماضياً وكان ذا رياسة عظيمة ومروءة ظاهرة
فيها كثرت الأمراض ببغداد وكثر الموت فجأة بأصفهان وهمذان
وفيها سار أتابك زنكي إلى دقوقا فحضرها وملكها بعد أن قاتل على قلعتها قتالاً شديداً وفيها توفي أبو سعيد أحمد بن محمد بن ثابت الخجندي رئيس الشافعية بأصفهان وتفقه على والده ودرس بالنظامية بأصفهان
وتوفي أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري ومولده يوم عاشوراء سنة خمس وثلاثين وأربعمائة وهو آخر من روى عن أبي الحسن زوج الحرة وقد روى الخطيب أبو بكر بن ثابت عن زوج الحرة أيضاً وكانت وفاة الخطيب سنة ثلاث وستين وأربعمائة 301
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة
ذكر ملك أتابك زنكي حمص وغيرها من عمل دمشق
وفي هذه السنة السنة في المحرم وصل أتابك زنكي إلى حماة وسار منها إلى بقاع بعلبك فملك حصن المجدل وكان لصاحب دمشق ورساله مستحفظ بانياس وأطاعه وهو أيضاً لصاحب دمشق وسار إلى حمص فحصرها وأدام قتالها فلما نازل ملك الروم حلب رحل عنها إلى سلمية فلما انجلت حادثة الروم على ما ذكرناه عاود منازلة حمص وأرسل إلى شهاب الدين صاحب دمشق يخطب إليه أمه ليتزوجها واسمها زمرد خاتون ابنة جاولي وهي التي قتلت ابنها شمس الملوك وهي التي بنت المدرسة بظاهر دمشق المطلة على وادي شقرا ونهر بردى فتزوجها وتسلم حمص مع قلعتها وحملت الخاتون إليه في رمضان وإنما حمله على التزوج بها ما رأى من تحكيمها في دمشق فظن أنه يملك البلد بالاتصال إليها فلما تزوجها خاب أمله ولم يحصل على شيء فأعرض عنها
ذكر وصول ملك الروم إلى الشام وملكه بزاعة وما فعله بالمسلمين
قد ذكرنا سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة خروج ملك الروم من بلاده وشغله بالفرنج وابن ليون فلما دخلت هذه السنة وصل إلى الشام وخافه الناس خوفاً عظيماً وقصد بزاعة فحصرها وهي مدينة لطيفة على ستة فراسخ من حلب فمضى جماعة من أعيان حلب إلى أتابك زنكي وهو يحاصر حمص فاستغاثوا به واستنصروه فسير معهم كثيراً من العساكر فدخلوا إلى حلب ليمنعوها من الروم إن حصروها ثم إن ملك الروم قاتل بزاعة ونصب عليها منجنيقات وضيق على من بها فملكها بالأمان في الخامس والعشرين من رجب ثم غدر بأهلها فقتل منهم وأسر وسبى وكان عدة من جرح فيها من أهلها 302 خمسة آلاف وثمانمائة نفس وتنصر قاضيها وجماعة من أهلها نحو أربعمائة نفس وأقام الروم بعد ملكها عشرة أيام يتطلبون من اختفى فقيل لهم إن جمعاً كثيراً من أهل هذه الناحية قد نزلوا المغارات فدخنوا عليهم وهلكوا في المغاير ثم رحلوا إلى حلب من الغد في خيلهم ورجلهم فخرج إليهم أحداث حلب فقاتلوهم قتالاً شديداً فقتل من الروم وجرح خلق كثير وقتل بطريق جليل القدر عندهم وعادوا خاسرين وأقاموا ثلاثة أيام فلم يروا فيها طمعاً فرحلوا إلى قلعة الأثارب فخاف من فيها من المسلمين فهربوا عنها تاسع شعبان فملكها الروم وتركوا فيها سبايا بزاعة والأسرى ومعهم جمع من الروم يحفظونهم ويحمون القلعة وساروا فلما سمع الأمير أسوار بحلب ذلك رحل فيمن عنده من العسكر إلى الأثارب فأوقع بمن فيها من الروم فقتلهم وخلص الأسرى والسبي وعادوا إلى حلب
وأما عماد الدين زنكي فإنه فارق حمص وسار إلى سلمية فنازلها وعبر ثقله الفرات إلى القرة وأقام جريدة ليتبع الروح ويقطع عنهم الميرة وأما الروم فإنهم قصدوا شيرز فإنها من أمنع الحصون وإنما حصروها لأنها لم تكن لزنكي فلا يكون له في حفظها اهتمام وانما كانت للأمير أبي العساكر سلطان بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني فنازلوها ونصب عليها ثمانية عشر منجنيقاً فأرسل صاحبها إلى زنكي يستنجده فسار إليه فنزل على نهر العاصي بالقرب منها بينها وبين حماة وكان يركب كل يوم ويسير إلى شيزر هو وعساكره ويقفون بحيث يراهم الروم ويرسل السرايا فتأخذ من ظفرت به منهم ثم انه أرسل إلى ملك الروم يقول له انكم قد تحصنتم مني بهذه الجبال فانزلوا منها إلى الصحراء حتى نلتقي فإن ظفرت بكم أرحت المسلمين منكم وان ظفرتم استرحتم وأخذتم شيزر وغيرها
ولم يكن له بهم قوة وانما كان يرهبهم بهذا القول وأشباهه فأشار فرنج الشام على ملك الروم بمصافقته وهونوا أمره عليه فلم يفعل وقال أتظنون أن ليس له من العسكر إلا ما ترون إنما هو يريد أن تلقونه فيجيئه من نجدات المسلمين ما لا حد له
وكان زنكي يرسل أيضاً إلى ملك الروم يوهمه بأن فرنج الشام خائفون منه فلو فارق مكانه تخلفوا عنه
ويرسل إلى فرنج الشام يخوفهم من ملك الروم ويقول لهم إن ملك بالشام حصناً واحداً ملك بلادكم جميعاً
فاستشعر كل من صاحبه فرحل ملك الروم عنها في رمضان وكان مقامه عليها أربعين يوماً وترك المجانيق وآلات الحصار بحالها فسار أتابك زنكي يتبع ساقة العسكر فظفر بكثير ممن تخلف منهم وأخذ جميع ما تركوه 303
ولما كان الفرنج على براعة أرسل زنكي القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري إلى السلطان مسعود يستنجده ويطلب العساكر فمضى إلى بغداد وأنهى الحال إلى السلطان وعرفه عاقبة الإهمال وأنه ليس بينه وبين الروم إلا أن تملك حلب وينحدروا مع الفرات إلى بغداد فلم يجد عنده حركة فوضع انساناً من أصحابه يوم جمعة فمضى إلى جامع القصر ومعه جماعة من زنود العجم وأمرهم أن يثور بهم إذا طلع الخطيب المنبر ويصيح ويصيحون معه وااسلاماه وادين محمداه ويشق ثيابه ويرمي عمامته من رأسه ويخرج إلى دار السلطان والناس معه يستغيثون كذلك ووضع إنساناً آخر يفعل بجامع السلطان مثله
فلما صعد الخطيب المنبر قام ذلك الرجل ولطم رأسه وألقى عمامته وشق ثوبه وأولئك معه وصاحوا فبكى الناس وتركوا الصلاة ولعنوا السلطان وساروا من الجامع يتبعون الشيخ إلى دار السلطان يستغيثون ويبكون فخاف السلطان فقال احضروا إلي ابن الشهرزوري فأحضر
فقال كمال الدين لقد خفت منه مما رأيت فلما دخلت قال لي أي فتنة أثرت فقلت ما فعلت شيئاً أنا كنت في بيتي وإنما الناس يغارون للدين والإسلام ويخافون عاقبة هذا التواني فقال أخرج إلى الناس ففرقهم عنا واحضر غداً واختر من العسكر ما تريد
ففرقت الناس وعرفتهم ما أمر به من نجهيز العساكر وحضرت الغد إلى الديوان فجهزوا إلي طائفة عظيمة من الجيش فأرسلت إلى نصير الدين بالموصل أعرفه ذلك وأخوفه من العسكر إن طرقوا البلاد فإنهم يملكونها
فأعاد الجواب يقول البلاد لا شك مأخوذة فلأن يأخذها المسلمون خير من أن يأخذها الكافرون
فشرعنا في التحميل وإذا قد وصلني كتاب أتابك زنكي من الشام يخبر برحيل ملك الروم ويأمرني بأن لا أستصحب من العسكر أحداً فعرفت السلطان ذلك فقال العسكر قد تجهزت ولا بد من الغزاة إلى الشام
فأعد الجهد وبذل الحزم له ولأصحابه حتى عاد العسكر ولما عاد ملك الروم عن شيزر مدح الشعراء أتابك زنكي
وأكثروا فمن ذلك ما قاله المسلم بن الخضر بن قسيم الحموي من جملة قصيدة أولها
( بعزمك أيها الملك العظيم
تذل لك الصعاب وتستقيم )
ومن جملتها هذه الأبيات
( ألم تر أن كلب الروم لما
تبين أنه الملك الرحيم ) 304
( فجاء فطبق الفلوات خيلاً
كأن الجحفل الليل البهيم )
( وقد نزل الزمان على رضاه
ودان لخطبه الخطب العظيم )
( فحين رميته بك في خميس
تيقن أن ذلك لا يدوم )
( وأبصر في المفاوضة منك جيشاً
فاحرب لا يسير ولا يقيم )
( كأنك في العجاج شهاب نور
توقد وهو شيطان رجيم )
( أراد بقاء مهجته فولى
وليس سوى الحمام له حميم )
وهي قصيدة طويلة ومن عجيب ما يحكى أن ملك الروم لما عزم على حصر شيزر سمع من بها ذلك
فقال الأمير مرشد بن علي صاحبها وهو يفتح مصحفاً اللهم بحق من أنزلته عليه إن قضيت بمجيء ملك الروم فاقبضني إليك فتوفي بعد أيام
ذكر الحرب بين السلطان مسعود والملك داود ومن معه من الأمراء
لما فارق الراشد بالله أتابك زنكي من الموصل سار نحو أذربيجان فوصل مراغة وكان الأمير منكبرس صاحب فارس ونائبه بخوزستان الأمير بوزابه والأمير عبد الرحمن طغايرك خلخان والملك داود بن السلطان محمود مستشعرين من السلطان مسعود خائفين منه فتجمعوا ووافقوا الراشد على الاجتماع لتكون أيديهم واحدة ويردوه إلى الخلافة فأجابهم إلى ذلك
إلا أنه لم يجتمع معهم ووصل الخبر إلى السلطان مسعود وهو ببغداد باجتماعهم فسار عنها في شعبان نحوهم فالتقوا ببنجن كشت فاقتتلوا فهزمهم السلطان مسعود وأخذ الأمير منكبرس أسيراً فقتل بين يديه صبراً وتفرق عسكر مسعود في النهب واتباع المنهزمين وكان بوازبة وعبد الرحمن طغايرك على نشز من الأرض فرأيا السلطان مسعوداً وقد تفرق عسكره عنه فحملا عليه وهو في قلة فلم يثبت لهما وانهزم
وقبض بوازبة على جماعة من الأمراء منهم صدقة بن دبيس صاحب الحلة ومنهم ولد أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان وعنتر بن أبي العسكر وغيرهم
وتركهم عنده فلما بلغه قتل صاحبه منكبرس قتلهم أجمعين وصار العسكران منهزمين وكان هذا من أعجب الاتفاق
وقصد السلطان مسعود أذربيجان وقصد الملك داود همذان ووصل الراشد بعد الوقعة فاختلفت آراء الجماعة فبعضهم أشار بقصد العراق والتغلب عليه وبعضهم أشار باتباع السلطان مسعود للفراغ منه فإن ما بعده يهون عليهم وكان بوزابة أكبر الجماعة فلم ير ذلك وكان غرضه المسير إلى بلاد 305 فارس وأخذها بعد قتل صاحبها منكبرس قبل أن يمتنع من بها عليه فبطل عليهم ما كانوا فيه وسار إليها فملكها وصارت له مع خوزستان وسار سلجوق شاه ابن السلطان محمد إلى بغداد ليملكها فخرج إليه البقش الشحنة بها ونظر الخادم أمير الحاج وقاتلوه وكان عاجزاً مستضعفاً ولما قتل صدقة بن دبيس أقر السلطان مسعود الحلة على أخيه محمد بن دبيس وجعل معه مهلهل بن أبي العسكر أخا عنتر المقتول يدبره أمره ولما كان البقش شحنة بغداد يقاتل سلجوق شاه ثار العيارون ببغداد ونهبوا الأموال وقتلوا الرجال وزاد أمرهم حتى كانوا يقصدون أرباب الأموال ظاهراً ويأخذون منهم ما يريدون ويحملون الأمتعة على رؤوس الجمالين فلما عاد الشحنة قتل منهم وصلب وغلت الأسعار وكثر الظلم منه وأخذ المستورين بحجة العيارين فجلا الناس عن بغداد إلى الموصل وغيرهما من البلاد
ذكر قتل الراشد بالله
لما وصل الراشد بالله إلى همذان وبها الملك داود بوزابة ومن معهما من الأمراء والعساكر على ما تقدم ذكره ثم سار إلى خوزستان مع الملك داود ومعهما خوارزم شاه فقاربا الجزيرة فسار السلطان مسعود ليمنعهم عن العراق فعاد الملك داود إلى فارس وعاد خوارزم شاه إلى بلاده بقي الراشد وحده فلما أيس من عساكر العجم سار إلى أصفهان فلما كان الخامس والعشرون من رمضان وثب عليه نفر من الخراسانية الذين كانوا في خدمته فقتلوه وهو يريد القيلولة
وكان في أعقاب مرض برئ منه ودفن بظاهر أصفهان بشهرستان فركب من معه فقتلوا الباطنية ولما وصل الخبر إلى بغداد جلسوا للعزاء به في بيت النوبة يوماً واحداً وكان أبيض أشقر حسن اللون مليح الصورة مهيباً شديد القوة والبطش
قال أبو بكر الصولي الناس يقولون إن كل سادس يقوم بأمر الناس من أول الإسلام لا بد من أن يخلع وربما قتل
قال فتأملت ذلك فرأيته كما قيل فإن أول من قام بأمر هذه الأمة محمد رسول الله ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن رضي الله عنهم فخلع ثم معاوية ويزيد ابنه ومعاوية بن يزيد ومروان وعبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير فخلع ثم عبد الله وأخوه سليمان وعمر بن عبد العزيز ويزيد وهشام ابنا عبد الملك والوليد بن يزيد بن عبد الملك فخلع وقتل
ثم لم ينتظم أمر بني أمية ثم ولي السفاح 306 والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين فخلع وقتل والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين فخلع وقتل
والمعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي والمقتدر فخلع ثم رد ثم قتل
ثم القاهر والراضي والمتقي والمستكفي والمطيع والطائع فخلع
ثم القادر والقائم والمقتدي والمستظهر والمسترشد والراشد فخلع وقتل
قلت في هذا نظر لأن البيعة لابن الزبير كانت قبل البيعة لعبد الملك بن مروان جعله بعده لا وجه له والصولي إنما ذكر إلى أيام المطيع لله ومن بعد ذكره غيره
ذكر حال ابن بكران العيار
في هذه السنة في ذي الحجة عظم أمر ابن بكران العياد ببغداد والعراق وكثرت أتباعه وصار يركب ظاهراً في جمع من المفسدين وخافه الشريف أبو الكرم الوالي ببغداد فأمر أبا القاسم ابن أخيه حامي باب الأزج أن يشتد إليه ويلبس سراويل فتوة منه ليأمن من شره وكان ابن بكران يكثر المقام بالسوادة ومعه رفيق له يعرف بابن البزاز فانتهى أمرهما إلأى أنهما أراد أن يضربا باسمهما سكة في الأنبار فأرسل الشحنة والوزير شرف الدين الزينبي إلى الوالي أبي الكرم وقالا إما أن تقتل ابن بكران وإما أن نقتلك فأحضر ابن أخيه وعرفه ما جرى وقال له إما أن تختارني ونفسك وإما أن تختار ابن بكران فقال أنا أقتله
وكان لابن بكران عادة يجيء في بعض الليالي إلى ابن أخي أبي الكرم فيقيم في داره ويشرب عنده فلما جاء على عادته وشرب أخذ أبو القاسم سلاحه ووثب به فقتله وأراح الناس من شره ثم أخذ بعده يسير رفيقه ابن البزاز وصلب وقتل معه جماعة من الحرامية فسكن الناس واطمأنوا وهدأت الفتنة
ذكر قتل الوزير الدركزيني ووزارة الخازن
في هذه السنة قبض السلطان مسعود على وزيره العماد أبي البركات بن سلمة الدركزيني واستوزر بعده كمال الدين محمد بن الحسين الخازن وكان الكمال شهماً شجاعاً عادلاً نافذ الحكم حسن السيرة أزال المكوس ورفع المظالم وكان يقيم مؤنة السلطان
ووظائفه وجمع له خزائن كثيرة وكشف أشياء كثيرة كانت مستورة يخان فيها ويسرق فثقل على المتصرفين وأرباب الأعمال فأوقعوا بينه وبين الأمراء لا سيما قراسنقر صاحب أذربيجان فإنه فارق السلطان وأرسل يقول إما أن تنقذ رأس الوزير 307 وإما خدمنا سلطاناً آخر فأشار من حضر من الأمراء بقتله وحذروه فتنة لا تتلافى
فقتله على كره منه
وأرسل إلى قراسنقر فرضي وكانت وزارته سبعة أشهر
وكان قتله سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة ووزر بعده أبو العز طاهر بن محمد البزرجردي وزير قراسنقر ولقب عز و الملك وضاقت الأمور على السلطان مسعود واستقطع الأمراء البلاد بغير اختياره ولم يبق له شيء من البلاد البتة إلا اسم السلطنة لا غير
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة ملك حسام الدين تمرتاش أيلغازي صاحب ماردين قلعة الهتاج من بلاد ديار بكر أخذها من بعض بني مروان الذين كانوا ملوك ديار بكر جميعها وهذا آخر من بقي فسبحان الحي الدائم الذي لا يزول ملكه ولا يتطرق إليه النقص ولا التغيير
وفيها انقطعت كسوة الكعبة لما ذكرناه من الاختلاف فقام بكسوتها رامشت التاجر الفارسي كساها من الثياب الفاخرة بكل ما وجد إليه سبيل فبلغ ثمن الكسوة ثمانية عشر ألف دينار مصرية وهو من التجار المسافرين إلى الهند كثير المال
وفيها توفيت زبيدة خاتون ابنة السلطان بركيارق زوج السلطان مسعود وتزوج بعدها سفري ابنة دبيس بن صدقة في جمادى الأولى وتزوج ابنة قاروت وهو من البيت السلجقي إلا أنه كان لا يزال يعاقر الخمر ليلاً ونهاراً فلهذا سقط اسمه وذكره وفيها قتل السلطان مسعود بن البقش السلاحي شحنة بغداد وكان قد ظلم الناس وعسفهم وفعل ما لم يفعله غيره من الظلم فقبض عليه وسيره إلى تكريت فسجنه بها عند مجاهد الدين بهروز ثم أمر بقتله فلما أرادوا قتله ألقى بنفسه في دجلة فغرق فأخذ رأسه وحمل إلى السلطان وجعل السلطان شحنة العراق مجاهد الدين بهروز فعمل أعمالاً صالحة منها أنه عمل مسناة النهروان وأشباهها وكان حسن السيرة كثير الإحسان وفيها درس الشيخ أبو منصور بن الرزاز بالنظامية ببغداد وفيها أرسل الخليفة إلى أتابك زنكي في إطلاق قاضي القضاة الزينبي فأطلق وانحدر إلى بغداد فخلع عليه الخليفة وأقره على منصبه
وفيها كان بخراسان غلاء شديد طالت مدته وعظم أمره حتى أكل الناس الكلاب والسنانير وغيرهما من الدواب وتفرق أكثر أهل البلاد من الجوع
وفيها توفي طغان أرسلان صاحب بدليس وأرزن من ديار بكر وولي بعده ابنه فرني واستقام له الأمر
وفيها في شهر صفر جاءت زلزلة عظيمة بالشام 308 والجزيرة وديار بكر والموصل والعراق وغيرهما من البلاد فخربت كثيراً منها وهلك تحت الهدم عالم كثير
وفيها توفي أحمد بن محمد بن أبي بكر بن أبي الفتح الدينوري الفقيه الحنبلي ببغداد وكان ينشد كثيراً هذه الأبيات
( تمنيت أن تمسي فقيهاً منظراً
بغير عياء والجنون فنون )
( وليس اكتساب المال دون مشقة
تلقيتها فالعم كيف يكون )
وفيها توفي محمد بن عبد الملك بن عمر أبو الحسن الكرخي ومولده سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وكان فقيهاً محدثاً سمع الحديث بكرخ وأصفهان وهمذان وغيرهما
وفي شعبان منها توفي القاضي أبو العلاء صاعد بن الحسين بن إسماعيل بن صاعد وهو ابن عم القاضي أبي سعيد وولي القضاء بنيسابور بعد أبي سعيد 309
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة
ذكر الحرب بين السلطان سنجر وخوارزم شاه
في هذه السنة في المحرم سار السلطان سنجر إلى خوارزم شاه وهو ابن ملكشاه محارباً لخوارزم شاه اتسز بن محمد وسبب ذلك أن سنجر بلغه أن اتسز يحدث نفسه بالامتناع عليه وترك الخدمة له وأن هذا الأمر قد ظهر على كثير من أصحابه وأمرائه فأوجب ذلك قصده وأخذ خوارزم شاه فجمع عساكره وتوجه نحوه فلما قرب من خوارزم شاه في عساكره خرج خوارزم شاه إليه في عساكره فلقيه وعني كل واحد منهما عساكره وأصحابه فاقتتلوا فلم يكن للخوارزمية قوة بالسلطان فلم يثبتوا وولوا منهزمين وقتل منهم خلق كثير ومن جملة القتلى ولد لخوارزم شاه فحزن عليه أبوه حزناً عظيماً ووجد وجداً شديداً وملك سنجر خوارزم وأقطعها غياث الدين سليمان شاه ولد أخيه محمد ورتب له وزيراً وأتابكاً وحاجباً
وقرر قواعده وعاد إلى مرو في جمادى الآخرة من هذه السنة فلما فارق خوارزم عائداً انتهز خوارزم شاه الفرصة فرجع إليها وكان أهلها يكرهون العسكر السنجري ويؤثرون عودة خوارزم شاه فلما عاد أعانوه على ملك البلد ففارقها سليمان شاه واختلفا بعد الاتفاق ففعل خوارزم شاه في خراسان سنة ست وثلاثين وخمسمائة ما نذكر إن شاء الله
ذكر قتل محمود صاحب دمشق وملك أخيه محمد
في هذه السنة في شوال قتل شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري بن طغدكين صاحب دمشق على فراشه غيلة قتله ثلاثة من غلمانه خواصه وأقرب الناس إليه في خلوته وجلوته وكانوا ينامون عنده فقتلوه وخرجوا من القلعة وهربوا فنجا أحدهم وأخذ الآخران فصلبا
وكتب معين الدين أنز من دمشق إلى أخيه جمال الدين 310 محمد بن بوري صاحب بعلبك وهو بها بصورة الحال واستدعاه ليملك بعد أخيه فحضر في أسرع وقت فلما دخل البلد جلس للعزاء بأخيه وحلف له الجند وأعيان الرعية وسكن الناس وفوض أمر دولته إلى معين الدين أنز مملوك جده وزاد في علو مرتبته وصار هو الجملة والتفصيل وأقطعه بعلبك وزوجه بأمه وكان أنز خيراً عاقلاً حسن السيرة فجرت الأمور عنده على أحسن نظام
ذكر ملك زنكي بعلبك
في هذه السنة في ذي القعدة سار عماد الدين أتابك زنكي بن آقسنقر إلى بعلبك فحصرها ثم ملكها وسبب ذلك أن محموداً صاحب دمشق لما قتل كانت والدته زمرد خاتون عند أتابك زنكي بحلب قد تزوجها فوجدت لقتل ولدها وجداً شديداً وحزنت عليه وأرسلت إلى زنكي وهو بديار الجزيرة تعرفه الحادثة وتطلب منه أن يقصد دمشق ويطلب بثأر ولدها
فلما وقف على هذه الرسالة بادر في الحال من غير توقف ولا تريث وسار مجداً ليجعل ذلك طريقاً إلى ملك البلد وعبر الفرات عازماً على قصد دمشق فاحتاط من بها واستعدوا واستكثروا من الذخائر ولم يتركوا شيئاً مما يحتاجون إليه إلا وبذلوا الجهد في تحصيله وأقاموا ينتظرون وصوله إليهم فتركهم وسار إلى بعلبك وقيل كان السبب في ملكها أنها كانت لمعين الدين أنز كما ذكرناه وكان له جارية يهواها فلما تزوج أم جمال الدين سيرها إلى بعلبك فلما سار زنكي إلى الشام عازماً على قصد دمشق سير إلى أنز يبذل له البذول العظيمة ليسلم إليه دمشق فلم يفعل وسار أتابك إلى بعلبك فوصل إليها في العشرين من ذي الحجة في السنة فنازلها في عساكره وضيق عليها وجد في محاربتها ونصب عليها من المنجنيقات أربعة عشر عدداً ترمي ليلاً ونهاراً فأشرف من بها على الهلاك وطلبوا الأمان وسلموا إليه المدينة وبقيت القلعة وبها جماعة من الشجعان شجعان الأتراك فقاتلهم فلما أيسوا من معين ونصير طلبوا الأمان فأمنهم فسلموا إليه القلعة فلما نزلوا منها وملكها غدر بهم وأمر بصلبهم فصلبوا ولم ينج إلا القليل
فاستقبح الناس ذلك من فعله واستعظموه وخافه غيرهم وحذروه لا سيما أهل دمشق فقالوا لو ملكنا لفعل بنا مثل فعله بهؤلاء فازدادوا نفوراً وجدوا في محاربته ولما ملك زنكي بعلبك أخذ الجارية التي كانت لمعين الدين أنز بها فتزوجها بحلب فلم تزل بها إلى أن قتل فسيرها ابنه نور الدين 311 محمود إلى معين الدين أنز وهي كانت أعظم الأسباب في المودة بين نور الدين وبين أنز والله أعلم
ذكر استيلاء قراسنقر على بلاد فارس وعوده عنها
وفي هذه السنة جمع أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان عساكر كثيرة وسار طالباً بثأر أبيه الذي قتله بوزابة في المصاف المقدم ذكره فلما قارب السلطان مسعوداً أرسل إليه يطلب منه قتل وزيره الكمال فقتله كما ذكرناه فلما قتل سار قراسنقر إلى بلاد فارس فلما قاربها تحصن بوزابة منه في القلعة البيضاء ووطئ قراسنقر البلاد وتصرف فيها وليس له دافع ولا مانع إلا أنه لم يمكنه المقام وملك المدن التي في فارس فسلم إلى الملك سلجوق شاه بن السلطان محمود وقال له هذه البلاد لك فاملك الباقي
وعاد إلى أذربيجان فنزل حينئذ بوزابة من القلعة سنة أربع وثلاثين وهزم سلجوق شاه وملك البلاد وأسر سلجوق شاه وسجن في قلعة بفارس
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في صفر توفي الوزير شرف الدين أنو شروان بن خالد معزولاً ببغداد وحضر جنازته وزير الخليفة فمن دونه ودفن في داره ثم نقل إلى الكوفة فدفن في مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكان فيه تشيع وهو كان السبب في عمل المقامات الحريرية وكان رجلاً عاقلاً شهماً ديناً خيراً وزر للخليفة المسترشد وللسلطان محمود وللسلطان مسعود وكان يستقيل من الوزارة فيجاب إلى ذلك ثم يخطب إليها فيجب كارهاً
وفيها قدم السلطان مسعود بغداد في ربيع الأول وكان الزمان شتاء وصار يشتي بالعراق ويصيف بالجبال ولما قدمها أزال المكوس وكتب الألواح بإزالتها ووضعت على أبواب الجوامع والأسواق وتقدم أن لا ينزل جندي في دار عامي من أهل بغداد إلا بإذن فكثر الدعاء له والثناء عليه وكان السبب في ذلك الكمال الخازن وزير السلطان
وفيها في صفر كانت زلازل كثيرة هائلة بالشام والجزيرة وكثير من البلاد وكان أشدها بالشام وكانت متوالية عشر ليال كل ليلة عشر دفعات فخرب كثير من البلاد ولا سيما حلب
فإن أهلها لما كثرت عليهم فارقوا البلاد والبيوت وخرجوا إلى الصحراء وعدوا ليلة واحدة جاءتهم ثمانين مرة ولم تزل 312 بالشام تتعاهدهم من رابع صفر إلى تاسع عشرة وكان معها صوت وهزة شديدة
وفيها أغار الفرنج على أعمال بانياس فسار عسكر دمشق في أثرهم فلم يدركوهم فعادوا
وفيها توفي أبو القاسم طاهر بن طاهر الشجاعي النيسابوري بها ومولده سنة ست وأربعين وأربعمائة وكان إماماً في الحديث مكثراً عالي الإسناد
وتوفي عبد الله بن أحمد بن عبد القاهر بن محمد بن يوسف أبو القاسم بن أبي الحسين البغدادي بها ومولده سنة اثنتين وخميبن وأربعمائة
وعبد العزيز بن عثمان بن إبراهيم بن محمد الأسدي البخاري كان قاضي بخارى وكان من الفقهاء أولاد الأئمة حسن السيرة
وتوفي محمد بن شجاع بن أبي بكر بن علي بن إبراهيم اللفتواني الأصفهاني بأصفهان في جمادى الآخرة ومولده سنة ست وتسعين وأربعمائة وسمع الحديث الكثير بأصفهان وبغداد وغيرهما 313
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وخمسمائه
ذكر حصار أتابك زنكي دمشق
في هذه السنة حصر أتابك زنكي دمشق مرتين فأما المرة الأولى فإنه سار إليها في ربيع الأولى من بعلبك بعد الفراغ من أمرها وتقرير قواعدها وإصلاح ما تشعث منها ليحاصرها فنزل البقاع وأرسل إلى جمال الدين محمد صاحبها يبذل إليه بلداً يقترحه ليسلم إليه دمشق فلم يجبه إلى ذلك فرحل وقصد دمشق فنزل على داريا ثالث عشر ربيع الأول فالتقت الطلائع واقتتلوا وكان الظفر لعسكر زنكي وعاد الدمشقيون منهزمين فقتل كثير منهم
ثم تقدم زنكي إلى الموصل فنزل هناك ولقيه جمع كثير من جند دمشق وأحداثها ورجالة الغوطة فقاتلوه فانهزم الدمشقيون وأخذهم السيف فقتل فيهم وأكثر وأسر كذلك ومن سلم عاد جريحاً
وأشرف البلد ذلك اليوم على الأخذ وأن يملك لكن عاد زنكي وأمسك عند عشرة أيام وتابع الرسل إلى صاحب دمشق وبذل له بعلبك وحمص وغيرهما مما يختاره من البلاد فمال إلى أن يسلم وامتنع غيره من أصحابه من ذلك وخوفوه عاقبة فعله وأن يفعل ويغدر كما فعل بأهل بعلبك فلما لم يسلموا إليه
عاد القتال والزحف ثم إن جمال الدين محمداً صاحب دمشق مرض ومات ثامن شعبان وطمع زنكي حينئذ في البلد وزحف إليه زحفاً شديداً ظناً منه أنه ربما يقع بين المقدمين والأمراء خلاف فيبلغ به الغرض وكان ما أمله بعيداً فلما مات جمال الدين ولي بعده مجير الدين أبق ولده وتولى ترتيب دولته معين الدين أنز فلم يظهر لموت أبيه أثر مع أن عدوهم على باب المدينة فلما رأى أنز أن زنكي لا يفارقهم ولا يزول عن حصرهم راسل الفرنج واستدعاهم إلى نصرته وأن يتفقوا على دفع زنكي عن دمشق وبذل لهم بذولاً وأن يحضر بانياس ويأخذها ويسلمها وخوفهم من زنكي إن ملك دمشق فعلموا صحة قوله وعلموا أنه إن ملكها لا يبقي لهم معه بالشام مقام وأن الفرنج اجتمعوا وعزموا 314 على المسير إلى دمشق ليجتمعوا مع صاحبها وعسكرها على قتال زنكي فحين علم زنكي بذلك سار إلى حوران خامس رمضان عازماً على قتال الفرنج قبل أن يجتمعوا بالدمشقيين
فلما سمع الفرنج خبره لم يفارقوا بلادهم فلما رآهم كذلك عاد إلى حصر دمشق ونزل بعذرا شماليها سادس شوال فأحرق عدة قرى من المرج والغوطة ورحل عائداً إلى بلاده
ووصل الفرنج إلى دمشق واجتمعوا بصاحبها وقد رحل زنكي فعادوا فسار معين الدين أنز إلى بانياس في عسكر دمشق وهي في طاعة زنكي كما تقدم ذكره ليحصرها ويسلمها إلى الفرنج وكان واليها قد سار قبل ذلك منها بجمعة إلى مدينة صور للإغارة على بلاده فصادفه صاحب أنطاكية وهو قاصد إلى دمشق نجدة لصاحبها على زنكي فاقتتلا فانهزم المسلمون وأخذوا إلى بانياس فقتل ونجا من سلم إلى بانياس وجمعوا معهم كثيراً من البقاع وغيرها وحفظوا القلعة فنازلها معين الدين فقاتلهم وضيق عليهم ومعه طائفة من الفرنج فأخذها وسلمها إلى الفرنج
وأما الحصر الثاني لدمشق فإن أتابك لما سمع الخبر بحصر بانياس عاد إلى بعلبك ليدفع عنها من يحصرها فأقام هناك فلما عاد عسكر دمشق بعد أن ملكوها وسلموها إلى الفرنج فرق أتابك زنكي عسكره على الإغارة على حوران وأعمال دمشق وسار هو جريدة مع خواصه فنازل دمشق سحراً ولم يعلم به أحد من أهلها فلما أصبح الناس ورأوا عسكره خافوا وارتج البلد واجتمع العسكر والعامة على السور وفتحت الأبواب وخرج الجند والرجالة فقاتلوه فلم يمكن زنكي عسكره من الإقدام في القتال لأن عامة عسكره كانوا قد تفرقوا في البلاد والنهب والتخريب وإنما قصد دمشق لئلا يخرج منها عسكر إلى عسكره وهم متفرقون فلما اقتتلوا ذلك اليوم قتل بينهم جماعة
ثم أحجم زنكي عنهم وعاد إلى خيامه ورحل إلى مرج راهط وأقام ينتظر عودة عسكره فعادوا إليه وقد ملأوا أيديهم من الغنائم لأنهم طرقوا البلاد وأهلها غافرون فلما اجتمعوا عنده رحل بهم عائداً إلى بلادهم
ذكر ملك زنكي شهرزور وأعمالها
في هذه السنة ملك أتابك زنكي شهرزور وأعمالها وما يجاورها من الحصون وكانت بيد قفجاق بن أرسلان تاش التركماني وكان حكمه نافذاً على قاصي التركمان ودانيهم وكلمته لا تخالف يرون طاعته فرضاً فتحامى الملوك قصده ولم يتعرضوا 315 لولايته لأنها منيعة كثيرة المضايق فعظم شأنه وازداد جمعه وأتاه التركمان من كل فج عميق فلما كان هذه السنة سير إليه أتابك زنكي عسكراً فجمع أصحابه ولقيهم فتصافوا واقتتلوا فانهزم قبجاق واستبيح عسكره
وسار الجيش الأتابكي في أعقابهم فحصروا الحصون والقلاع فملكوها جميعها وبذلوا الأمان لقبجاق فصار إليهم وانخرط في سلك العساكر ولم يزل هو وبنوه في خدمة البيت على أحسن قضية إلى بعد سنة ستمائة بقليل وفارقوها
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة جرى بين أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله وبين الوزير شرف الدين على ابن طراد الزينبي منافرة وسببها أن الوزير كان يعترض الخليفة في كل ما يأمر به فنفر الخليفة من ذلك
فغضب الوزير ثم خاف فقصد دار السلطان في سميرية وقت الظهر ودخل إليها واحتمى بها فأرسل إليه الخليفة في العود إلى منصبه فامتنع وكانت الكتب تصدر باسمه واستنيب قاضي القضاة الزينبي
وهو ابن عم الوزير وأرسل الخليفة إلى دار السلطان رسلاً في معنى الوزير فأرخص له السلطان في عزله فحينئذ أسقط اسمه من الكتب وأقام بدار السلطان ثم عزل الزينبي من النيابة وناب سديد الدولة بن الأنباري
وفيها قتل المقرب جوهر وهو من خدم السلطان سنجر وكان قد حكم في دولته وجميعها من جملة أقطاعه ومن مماليكه عباس صاحب الري وكان سائر عسكر السلطان يخدمونه ويقفون ببابه وكان قتله بيد الباطنية وقف له جماعة منهم بزي النساء واستغثن به فوقف يسمع كلامهم فقتلوه
فلما قتل جمع صاحبه العساكر وقصد الباطنية فقتل منهم وأكثر وفعل بهم ما لم يفعله غيره ولم يزل يغزوهم ويقتل فيهم ويخرب بلادهم إلى أن مات
وفيها زلزلت كنجة وغيرها من أعمال أذربيجان وأران إلا أن أشدها كان بكنجة فخرب منها الكثير وهلك عالم لا يحصون كثرة قيل كان الهلكى مائتي ألف وثلاثين ألفاً وكان من جملة الهلكى ابنان لقراسنقر صاحب البلاد وتهدمت قلعة هناك لمجاهد الدين بهروز وذهب له فيها من الذخائر والأموال شيء عظيم
وفيها شرع مجاهد الدين بهروز في عمل النهروانات سكر سكراً عظيماً سرد الماء إلى مجراه الأول وحفر مجرى الماء القديم وخرق إليه مجراة تأخذ من ديالى ثم استحال بعد ذلك وجرى الماء ناحية من 316 السكر وبقي السكر في البر لا ينتفع به أحد ولم يتعرض أحد إلى رده إلى مجراه عند السكر إلى وقتنا هذا
وفيها انقطع الغيث ببغداد والعراق ولم يجئ غير مرة واحدة في أذار ثم انقطع ووقع الغلاء وعدمت الأقوات
وفيها في جمادى الآخرة دخل الخليفة بفاطمة خاتون بنت السلطان مسعود وكان يوم حملها إلى دار الخليفة يوماً مشهوداً غلقت بغداد عشرة أيام وزينت وتزوج السلطان مسعود بابنة الخليفة
وفيها في ربيع الأول توفي القاضي أبو الفضل يحيى ابن قاضي دمشق المعرف بالزكي 317
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وخمسمائة
ذكر مسير جهاردانكي إلى العراق وما كان منه
في هذه السنة أمر السلطان مسعود الأمير اسماعيل المعروف بجهاردنكي والبقش كون خر بالمسير إلى خوزستان وفارس وأخذها من بوزابة وأطلق لهم نفقة على بغداد فساروا فيمن معهما إلى بغداد فمنعهم مجاهد الدين بهروز عن دخولها فلم يقبلوا منه فأرسل إلى المعابر فخسفها وغرقها وجد في عمارة السور وسد باب الظفرية وباب كلواذي وأغلق باقي الأبواب وعلق عليها السلاسل وضرب الخيام للمقاتلة
فلما علم بذلك عبرا بصرصر وقصدا الحلة فمنعا فقصدا واسط فخرج إليهم الأمير طرنطاي وتقاتلوا فانهزم طرنطاي ودخلوا واسطاً فنهبوها ونهبوا بلد فرسان والنعمانية ولفهم طرنطاي إلى حماد بن أبي الخير صاحب البطيحة ووافقهم عسكر البصرة وفارق اسماعيل والبقش عسكرهما وصارا مع طرنطاي فضعف أولئك فصار إلى تستر واستشفع اسماعيل إلى السلطان فعفا عنه
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة وصل رسول من السلطان سنجر ومعه بردة النبي والقضيب وكان قد أخذا من المسترشد فأعادهما الآن إلى المقتفي
وفي هذه السنة توفي أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان وأرانية بمدينة أردبيل وكان مضره السل وكان من مماليك الملك طغرل وسلمت أذربيجان وأرانية إلى الأمير جاولي الطغرلي وكان قراسنقر عظم محله على سلطانه وخافه السلطان
وفيها كان بين أتابك زنكي وبين داود سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا حرب شديدة وانهزم داود وملك زنكي من بلاده قلعة بهمرد وأدركه الشتاء فعاد إلى الموصل
وفيها ملك 318 الإسماعيلية حصن مصيات بالشام وكان واليه مملوكاً لبني منقذ أصحاب شيزر فاحتالوا عليه ومكروا به حتى صعدوا إليه وقتلوه وملكوا الحصن وهو أيديهم إلى الآن
وفيها توفي سديد الدولة بن الأنباري واستوزر الخليفة بعده نظام الدين أبا نصر محمد بن جبير وكان قبل ذلك أستاذ الدار
وفيها توفي برتقش بازدار صاحب قزوين
وفيها في رجب ظفر ابن الداتشمند صاحب ملطية وغيرها من تلك النواحي بجمع من الروم فقتلهم وغنم ما معهم
وفيها في رمضان سارت طائفة من الفرنج فخرج إليهم العسكر الذي بعسقلان فقاتلهم فظفر المسلمون وقتلوا من الفرنج كثيراً فعادوا منهزمين
وفيها بنيت المدرسة الكمالية ببغداد بناها كمال الدين أبو الفتوح بن طلحة صاحب المخزن ولما فرغت درس فيها الشيخ أبو الحسن بن الخل وحضره أرباب المناصب وسائر الفقهاء
وفيها في رجب مات القاضي ألو لكر بن محمد بن عبد الباقي الأنصاري قاضي المارستان عن نيف وسبعين سنة وله الإسناد والعوالي وكان عالماً بالمنطق والحساب والهيئة وغيرها من علوم الأوائل وهو آخر من حدث في الدنيا عن اسحاق البرمكي والقاضي أبي بكر الطبري وأبي طالب العشاري وأبي محمد الجوهري وغيرهم
وتوفي الإمام الحافظ أبو القاسم اسماعيل بن محمد بن الفضل الأصفاني عشر ذي الحجة ومولده سنة تسع وخمسين وله التصانيف المشهورة وتوفي يوسف بن أيوب بن يوسف بن الحسين بن يعقوب الهمذاني من أهل بروجرد وسكن مرو وتفقه على أبي اسحاق الشيرازي وروى الحيث واشتغل بالرياضيات والمجاهدات ووعظ ببغداد فقام إليه متفقه يقال له ابن السقاء
وسأله وآذاه في السؤال
فقال اسكت إني أشم منك ريح الكفر
فسافر الرجل إلى بلد الروم وتنصر
وفيها مات أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر الشهور 319
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وخمسمائة
ذكر انهزام السلطان سنجر من الأتراك الخطا وملكهم ما وراء النهر
ثم ذكر أصحاب التواريخ في هذه الحادثة أقاويل نحن نذكرها جميعها للخروج من اختلافها وعدتها فنقول في هذه السنة من المحرم وقيل في صفر انهزام السلطان سنجر من الترك الكفار وسبب ذلك أن سنجراً كان قتل ابناً لخوارزم شاه أتسز بن محمد كما ذكرناه قبل فبعث خوارزم شاه إلى الخطا وهم بما وراء النهر يطعمهم في البلاد ويروج عليهم أمرها وحثهم على قصد مملكة السلطان سنجر فساروا في ثلاثمائة ألف فارس وسار إليهم سنجر في عساكره فالتقوا بما وراء النهر واقتتلوا أشد قتال وانهزم سنجر وعساكره وقتل منهم مائة ألف قتيل منهم اثنا عشر ألفاً كلهم صاحب عمامة وأربعة آلاف امرأة وأسرت زوجة السلطان سنجر وتم السلطان منهزماً إلى ترمذ وسار منها إلى بلخ ولما انهزم سنجر قصد خوارزم شاه مدينة مرو فدخلها مراغمة للسلطان سنجر وقتل بها وقبض على أبي الفضل الكرماني الفقيه الحنفي وعلى جماعة من الفقهاء مغيرهم من أعيان البلد ولم يزل السلطان سنجر مسعوداً إلى وقتنا هذا لم تنهزم له راية ولما تمت عليه هذه السنة الهزيمة أرسل إلى السلطان مسعود أذن له في التصرف في الري وما يجري معها على قاعدة أبيه السلطان محمد
وأمره أن يكون مقيماً فيها بعساكره بحيث إن دعت حاجة استدعاه لأجل هذه الهزيمة فوصل عباس صاحب الري إلى بغداد بعساكره وخدم السلطان مسعوداً خدمة عظيمة وسار السلطان إلى الري امتثالاً لأمر عمه سنجر 320 وقيل إن بلاد تركستان وهي كاشغر وبلاد بلاساغون وختن وطراز وغيرها مما يجاورها من بلاد ما وراء النهر كانت بيد الملوك الخانية الأتراك وهم مسلمون من نسل أفراسياب التركي إلا أنهم مختلفون وكان سبب إسلام جده شبق قراخاقان أنه رأى في منامه كأن رجلاً نزل من السماء فقال بالتركية ما معناه أسلم تسلم في الدنيا والآخرة فأسلم في منامه وأصبح فأظهر إسلامه
فلما مات قام مقامه ابنه موسى بن شبق ولم يزل الملك بتلك الناحية في أولاده إلى أرسلان بن علي بن موسى بن شبق فخرج على قدرخان فانتزع الملك منه فقتل قدرخان كما ذكرناه سنة أربع وتسعين وأربعمائة وأعاد الملك إلى أرسلان خان وثبت قدمه وخرج خوارج فاستصرخ السلطان سنجر فنصره وأعاده إلى ملكه وكان من جنده نوع من الأتراك يقال لهم القارغلية والأتراك الغزية الذين نهبوا خراسان على ما نذكره إن شاء الله وهم نوعان نوع يقال لهم أجق وأميرهم طوطى بن داديك وقوم يقال برق وأميرهم يقال له قرغوت بن عبد الحميد فحسن الشريف الأشرف بن محمد بن أبي شجاع العلوي السمرقندي لولد أرسلان خان المعروف بنصر خان طلب الملك من أبيه وأطمعه فسمع محمد بن خان الخبر فقتل الابن والشريف الأشرف وجرت بين أرسلان خان وبين جنده القارغلية وحشة دعتهم إلى العصيان عليه وانتزع الملك منه فعاود الاستعانة بالسلطان سنجر فعبر جيحون بعساكره سنة أربع وعشرين وخمسمائة وكان بينهما مصاهرة فوصل إلى سمرقند وهرب القارغلية من بين يديه
واتفق أن السلطان سنجر خرج إلى الصيد فرأى خيالة فقبض عليهم فقررهم فأقروا أن أرسلان خان وضعهم على قتله فعاد إلى سمرقند فحصر أرسلان خان بالقلعة فملكها وأخذه أسيراً وسيره إلى بلخ فمات بها وقيل بل غدر به سنجر واستضعفه فملك البلد منه فأشاع عنه ذلك فلما ملك سمرقند استعمل عليها بعده قلج طمغاج أبا المعالي الحسن بن علي بن عبد المؤمن المعروف بحسن تكين وكان من أعيان بيت الخانية إلى الآن إلا أن أرسلان خان اطرحه فلما ولي سمرقند وكان هذا حسن ابن 321 أخت سنجر لم تطل أيامه فمات عن قليل فأقام سنجر مقامه الملك محمود بن أرسلان خان محمد بن سليمان بن داود بغراخان وهو ابن الذي أخذ منه سنجر سمرقند وكان هذا محمود ابن أخت سنجر وكان قبل ذلك سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة قد وصل الأعور وهو كوخان الصيني إلى حدود كاشغر في عدد كثير لا يعلمهم إلا الله فاستعد له صاحب كاشغر وهو الخان أحمد بن الحسن وجمع جنوده فخرج إليه
والتقوا فاقتتلوا وانهزم الأعور الصيني وقتل كثير من أصحابه ثم إنه مات فقام مقامه كوخان الصيني وكوبلسان الصين لقب لأعظم ملوكهم وخان لقب الملوك الترك فمعناه أعظم الملوك وكان يلبس لبسة ملوكهم من المقنعة والخمار وكان مانوياً ولما خرج من الصين إلى تركستان انضاف إليه الأتراك الخطا وكانوا قد خرجوا قبله من الصين وهم في خدمة الخانية أصحاب تركستان وكان أرسلان خان محمد بن سليمان يسير على ستة عشر ألف خركاة ومنزلهم على الدروب التي بينه وبين الصين يمنعون أحداً من الملوك أن يتطرق إلى بلاده وكان لهم على ذلك جرايات واقطاعات فاتفق أنه وجد عليهم في بعض السنين فمنعهم عن نسائهم لئلا يتوالدوا فعظم عليهم ولم يعرفوا وجهاً يقصدونه وتحيروا فاتفق أن اجتاز بهم قفل عظيم فيه الأموال الكثيرة والأمتعة النفسية فأخذوه وأحضروا التجار وقالوا لهم إن كنتم تريدون أموالكم فعرفونا بلداً كثير المرعى فسيحاً يسعنا ويسع أموالنا فاتفق رأي التجار على بلد بلاساغون فوصفوه لهم فأعادوا إليهم أموالهم وأخذوا الموكلين الذين كانوا بهم لمنعهم عن نسائهم وكتفوهم وأخذوا نساءهم وساروا إلى بلاساغون وكان أرسلان خان يغزوهم ويكثر جهادهم فخافوه خوفاً عظيماً فلما طال ذلك عليهم وخرج كوخان الصيني انضافوا إليه أيضاً فعظم شأنهم وتضاعف جمعهم وملكوا بلاد تركستان وكانوا إذا ملكوا المدينة لا يغيرون على أهلها شيئاً بل يأخذون من كل بيت ديناراً من أهل البلاد وغيرها من القرى وأما المزروعات وغير ذلك فلأهلها وكل من أطاعهم من الملوك شد في وسطه شبه لوح فضة فتلك علامة من أطاعهم ثم ساروا إلى بلاد ما وراء النهر فاستقبلهم الخاقان محمود بن محمد من حدود خجندة في رمضان سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة واقتتلوا فانهزم الخاقان محمود بن محمد وعاد إلى سمرقند فعظم الخطب على أهلها واشتد الخوف والحزن وانتظروا البلاء صباحاً ومساء وكذلك أهل بخارى وغيرهما من بلاد من وراء النهر 322 وأرسل الخاقان محمود إلى السلطان سنجر يستمده وينهي إليه ما لقي المسلمون ويحثه على نصرتهم فجمع العساكر فاجتمع عنده ملوك خراسان صاحب سجستان والغور وملك غزنة وملك مازندران وغيرهم فاجتمع إليه أكثر من مائة ألف فارس وبقي العرض ستة أشهر وسار سنجر إلى لقاء الترك فعبروا إلى ما وراء النهر في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة فشكا إليه محمود بن محمد خان من الأتراك القارغلية فقصدهم سنجر فالتجؤوا إلى كوخان الصيني ومن معه من الكفار وأقام سنجر بسمرقند فكتب إليه كوخان كتاباً يتضمن الشفاعة في الأتراك القارغلية ويطلب منه أن يعفو عنهم فلم يشفعه فيهم وكتب إليه يدعوه إلى الإسلام ويهدده إن لم يجب إليه ويتوعده بكثرة عساكره ووصفهم وبالغ في قتالهم بأنواع السلاح حتى قال وإنهم يشقون الشعر بسهامهم فلم يرض هذا الكتاب وزير السلطان طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك فلم يصغ إليه وسير الكتاب فلما قرئ الكتاب على كوخان أمر بنتف لحية الرسول وأعطاه إبرة وكلفه شق شعرة من لحيته فلم يقدر أن يفعل ذلك فقال كيف يشق غيرك شعرة بسهم وأنت عاجز عن شقها بإبرة واستعد كوخان للحرب وعنده جنود الترك والصين والخطا وغيرهم وقصد السلطان سنجر فالتقى العسكران وكانا كالبحرين العظيمين بموضع يقال له قطوان وطاف بهم كوخان حتى ألجأهم إلى واد يقال له ديرغم وكان على ميمنة سنجر الأمير قماج وعلى ميسرته ملك سجستان والأبطال وراءهم فاقتتلوا خامس صفر سنة ست وثلاثين وخمسمائة وكانت الأتراك القارغلية الذين هربوا من سنجر من أشد الناس قتالاً ولم يكن ذلك اليوم من عسكر السلطان سنجر أحسن قتالاً من صاحب سجستان فأجلت الحرب عن هزيمة المسلمين فقتل منهم ما لا يحصى من كثرتهم واشتمل وادي ديرغم على عشرة آلاف من القتلى والجرحى
ومضى السلطان سنجر منهزماً وأسر صاحب سجستان والأمير قماج وزوجة السلطان سنجر وهي اينة ارسلان خان فأطلقهم والحسام عمر بن عبد العزيز بن مازة البخاري الفقيه الحنفي المشهور ولم يكن في الإسلام وقعة أعظم من هذه ولا أكثر ممن قتل فيها بخراسان
واستقرت دولة الخطا والترك والكفار بما وراء النهر وبقي كرخان إلى رجب من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة فمات فيه وكان جميلاً حسن الصورة لا يلبس إلا الحرير 323 الصيني له هيبة عظيمة على أصحابه ولم يسلط أميراً على أقطاع بل كان يعطيهم من عنده ويقول متى أخذوا الأقطاع ظلموا وكان لا يقدم أميراً على أكثر من مائة فارس حتى لا يقدر على العصيان عليه وكان ينهي أصحابه عن الظلم وينهي عن السكر ويعاقب عليه ولا ينهي عن الزنا ولا يقبحه
وملك بعده ابنة له فلم تطل مدتها حتى ماتت فملك بعدها أمها زوجة كوخان وابنه محمد وبقي ما وراء النهر بيد الخطا إلى أن أخذه منهم علاء الدين محمد خوارزم شاه سنة اثنتي عشرة وستمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر ما فعله خوارزم شاه بخراسان
قد ذكرنا قبل قصد السلطان سنجر خوارزم وأخذها من خوارزم شاه أتسن وعوده إليها وقتل ولد خوارزم شاه وأنه هو الذي راسل الخطا وأطمعهم في بلاد الإسلام فلما لقيهم السلطان سنجر وعاد منهزماً سار خوارزم شاه إلى خراسان فقصد سرخس في ربيع الأول من السنة فلما وصل إليها لقي الإمام أبا محمد الزيادي وكان قد جمع بين الزهد والعلم فأكرمه خوارزم شاه إكراماً عظيماً ورحل من هناك إلى مرو الشاهجان فقصده الإمام أحمد الباخرزي وشفع في أهل مرو وسأل أن لا يعترض إليهم أحد من العسكر فأجابه إلى ذلك ونزل بظاهر البلد واستدعى أبا الفضل الكرماني الفقيه وأعيان أهلها فثار عامة مرو وقتلوا بعض أهل خوارزم شاه وأخرجوا أصحابه من البلد وأغلقوا أبوابه واستعدوا للامتناع فقاتلهم خوارزم شاه ودخل مدينة مرو سابع عشر ربيع الأول من السنة وقتل كثيراً من أهلها وممن قتل إبراهيم المروزي الفقيه الشافعي وعلي بن محمد بن أرسلان وكان ذا فنون كثيرة من العلم وقتل الشريف علي بن اسحاق الموسوي وكان رأس فتنة وملقح شر وقتل كثيراً من أعيان أهلها وعاد إلى خوارزم واستصحب معه علماء كثيراً من أهلها ومنهم أبو الفضل الكرماني وأبو منصور العبادي والقاضي الحسين بن محمد الأرسابندي وأبو محمد الخرقي الفيلسوف وغيرهم
ثم سار إلى شوال من السنة إلى نيسابور فخرج إليه جماعة من فقهائها وعلمائها وزهادها وسألوه أن لا يفعل بأهل نيسابور ما فعل بأهل مرو فأجابهم إلى ذلك لكنه استقصى في البحث عن أموال أصحاب السلطان فأخذها وقطع خطبة السلطان سنجر 324 أول ذي القعدة وخطبوا له فلما ترك الخطيب ذكر السلطان سنجر وذكر خوارزم شاه صاح الناس وثاروا وكادت الفتنة تثور والشر يعود جديداً وإنما منع الناس ذوو الرأي والعقل نظراً في العاقبة فقطعت إلى أول المحرم سنة سبع وثلاثين فأعيدت خطبة السلطان سنجر ثم سير خوارزم شاه جيشاً إلى أعمال بيهق فأقاموا بها يقاتلون أهلها خمسة أيام ثم سار عنها ذلك الجيش ينهبون البلاد وعملوا بخراسان أعمالاً عظيمة ومنع السلطان من مقاتلة أتسز خوارزم شاه لأجل قوة الخطا بما وراء النهر ومجاورتهم وملك خوارزم شه هذه البلاد وغيرها من خراسان
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة ملك أتابك زنكي بن آقسنقر مدينة الحديثة ونقل من كان بها من آل مهراش إلى الموصل ورتب أصحابه فيها
وفيها أيضاً خطب لزنكي بمدينة آمد وصار صاحبها في طاعته وكان قبل ذلك موافقاً لداود على قتال زنكي فلما رأى قوة زنكي صار معه
وفيها عزل مجاهد الدين بهروز عن شحنكية بغداد ووليها قزل أمير أخور وهو من مماليك السلطان محمود وكان له بروجرد والبصرة فأضيف إليه شحنكية بغداد ثم وصل السلطان إلى بغداد فرأى من تبسط العيارين وفسادهم ما ساءه فأعاد بهروز إلى الشحنكية فتاب كثير منهم ولم ينتفع الناس بذلك لأن ولد الوزير وأخا امرأة السلطان كانا يقاسمان العيارين فلم يقدر بهروز على منعهم
وفيها تولى عبد الرحمن طغابرك حجبة السلطان واستولى على المملكة وعزل الأمير تبر الطغرلي عنها وآل أمره إلى أن مشى في ركاب عبد الرحمن
وفيها توفي إبراهيم السهاوي مقدم الإسماعيلية فأخرجه ولد عباس صاحب الري في تابوته
وفيها حج كمال الدين بن طلحة صاحب المخزن وعاد وقد لبس ثياب الصوفية وتخلى عن جميع ما كان عليه وأقام في داره مرعي الجانب محروس القاعدة
وفيها وصل السلطان إلى بغداد وكان الوزير الزيني بدار السلطان كما ذكرناه فسأل السلطان أن يشفع فيه ليرده الخليفة إلى داره فأرسل السلطان وزيره إلى دار 325 الخلافة ومعه الوزير شرف الدين الزيني وشفع أن يعود إلى داره فأذن له في ذلك وأعاد أخاه إلى نقابة النقباء فلزم الوزير داره ولم يخرج منها إلا إلى الجامع
وفيها أغار عسكر أتابك زنكي من حلب على بلاد الفرنج فنهبوا وأهرقوا وظفروا بسرية الفرنج فقتلوا فيهم وأكثروا فكان عدد القتلى سبعمائة رجل
وفيها أفسد بنو خفاجة بالعراق فسير السلطان مسعود سرية إليهم من العسكر فنهبوا خلتهم وقتلوا من ظفروا به منهم وعادوا سالمين
وفيها سير رجار الفرنجي صاحب صقلية أسطولاً إلى أطراف أفريقية فأخذوا مراكب سيرت من مصر إلى الحسن صاحب أفريقية وغدر بالحسن ثم راسله الحسن وجدد الهدنة لأجل حمل الغلات من صقلية إلى أفريقية لأن الغلاء كان فيها شديداً والموت كثير
وفيها توفي أبو القاسم عبد الوهاب بن عبد الواحد الحنبلي الدمشقي وكان عالماً
وفيها توفي ضياء الدين أبو سعيد الكفرتوثي وزير أتابك زنكي وكان حسن السيرة في وزارته كريماً رئيساً
وفيها توفي أبو محمد بن طاوس إمام الجامع بدمشق في المحرم وكان رجلاً صالحاً فاضلاً
وفيها توفي أبو القاسم اسماعيل بن أحمد بن عمر بن أبي الأشعث المعروف بابن السمرقندي ولد بدمشق سنة أربع وخمسين وأربعمائة وكان مكثراً من الحديث عالي الرواية 326
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وخمسمائة
ذكر ملك عماد الدين أتابك زنكي قلعة أشب وغيرها من الهكارية
في هذه السنة أرسل أتابك زنكي جيشاً إلى قلعة أشب وكانت أعظم حصون الأكراد الهكارية وأمنعها وبها أموالهم وأهلهم فحصروها وضيقوا على من بها فملكوها فأمر بإخرابها وبناء القلعة المعروفة بالعمادية عوضاً عنها وكانت هذه القلعة العمادية حصناً عظيماً من حصونهم فخربوه لكبره لأنه كبير جداً وكانوا يعجزون عن حفظه فخربت الآن أشب وعمرت العمادية وإنما سميت العمادية نسبة إلى لقبه وكان نصير الدين جقر نائبه بالموصل قد فتح اكثر القلاع الجبلية
ذكر حصر الفرنج طرابلس الغرب
وفي هذه السنة سارت مراكب الفرنج من صقلية إلى طرابلس الغرب فحصروها وسبب ذلك أن أهلها في أيام الأمير الحسن صاحب أفريقية لم يدخلوا أبداً في طاعته ولم يزالوا مخالفين مشافقين له قد قدموا عليهم من بني مطروح مشايخ يدبرون أمرهم فلما رآهم ملك صقلية كذلك جهز إليهم جيشاً في البحر فوصلوا إليهم تاسع ذي الحجة فنازلوا البلد وقاتلوه وعلقوا الكلاليب في سوره ونقبوه فلما كان الغد وصل جماعة من العرب نجدة لأهل البلد فقوي أهل طرابلس بهم فخرجوا إلى الأسطول فحملوا عليهم حملة منكرة فانهزموا هزيمة فاحشة وقتل منهم خلق كثير ولحق الباقون بالأسطول وتركوا الأسلحة والأثقال والدواب والآلات فنهبها العرب وأهل البلد ورجع الفرنج إلى صقلية فجهزوا أسلحتهم وتجهزوا إلى المغرب فوصلوا إلى جيجل فلما رآهم أهل البلد هربوا إلى البراري والجبال فدخلها الفرنج وسبوا من أدركوا فيها وهدموها وأحرقوها وأخربوا القصر الذي بناه يحيى بن العزيز بن حماد للنزهة ثم عادوا 327
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة خرج حسن أمير الأمراء على السلطان سنجر بخراسان
وفيها توفي محمد بن دانشمند صاحب ملطية والثغر واستولى على بلاده الملك مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية وهو من السلجوقية
وفيها خرج من الروم عسكر كثير إلى الشام فحصروا الفرنج بأنطاكية فخرج صاحبها واجتمع بملك الروم واصلح حاله معه وعاد إلى مدينته ومات في رمضان من هذه السنة
ثم إن ملك الروم بعد أن صالح صاحب انطاكية سار إلى طرابلس فحصرها ثم سار عنها
وفيها قبض السلطان مسعود على الأمير ترشك وهو من خواص الخليفة وممن ربي عنده وفي داره فساء ذلك الخليفة ثم أطلقه السلطان حفظاً لقلب الخليفة
وفيها كان بمصر وباء عظيم فهلك منه أكثر البلاد 328
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة
ذكر صلح الشهيد السلطان مسعود وأتابك زنكي
في هذه السنة وصل السلطان مسعود إلى بغداد على عادته في كل سنة وجمع العساكر وتجهز لقصد أتابك زنكي وكان حقد عليه حقداً شديداً وسبب ذلك أن أصحاب الأطراف الخارجين على السلطان مسعود كانوا يخرجون عليه على ما تقدم ذكره فكان ينسب ذلك إلى أتابك زنكي ويقول هو الذي سعى فيه وأشار به لعلمه أنهم كلهم كانوا يصدرون عن رأيه فكان أتابك زنكي لا شك يفعل ذلك لئلا يخلو السلطان فيتمكن منه ومن غيره
فلما تفرغ السلطان هذه السنة جمع العساكر ليسيروا إلى بلاده فسير أتابك يستعطفه ويستميله فأرسل إليه السلطان أبا عبد الله بن الأنباري في تقرير القواعد فاستقرت القاعدة على مائة ألف دينار يحملها إلى السلطان ليعود عنه فحمل عشرين ألف دينار أكثرها عروض
ثم تنقلت الأحوال بالسلطان إلى أن احتاج إلى مداراة أتابك وأطلق له الباقي استمالةً له وحفظاً لقلبه وقعود السلطان عنه كان سببه حصانة بلاده وكثرة عساكره وأمواله
ومن جيد الرأي ما فعله الشهيد في هذه الحادثة فإنه كان ولده الأكبر سيف الدين غازي لا يزال عند السلطان سفراً وحضرا بأمر والده فأرسل إليه ثانية وأرسل إليه نائبه بها نصير الدين جقر فيقول له ليمنعه عن الدخول إلى الموصل والوصول إليه فهرب غازي وبلغ الخبر ولده فأرسل إليه يأمره بالعودة إلى السلطان ولم يجتمع به وأرسل معه رسولاً إلى السلطان يقول له إن ولدي هرب خوفاً من السلطان لما رأى تغيره علي وقد أعدته إلى الخدمة ولم اجتمع به فإنه مملوكك والبلاد لك فحل 329 ذلك من السلطان محلاً عظيماً
ذكر ملك أتابك بعض ديار بكر
وفي هذه السنة سار أتابك زنكي إلى ديار بكر ففتح منها عدة بلاد وحصون فمن ذلك مدينة طنزة ومن ذلك مدينة أسعرد ومدينة حيزان وحصن الدوق وحصن مطليس وحصن بانسبة وحصن ذي القرنين وغير ذلك مما لم يبلغ غيره هذه الأماكن وأخذ أيضاً من بلد ماردين مما هو بيد الفرنج حملين والموزر وتل موزر وغيرها من حصون جوسلين ورتب أمور الجميع وخلى فيها من الاجناد من يحفظها وقصد مدينة آمد وحانى فحصرهما وأقام بتلك الناحية مصلحاً لما فتحه محاصراً لما لم يفتحه
ذكر أمر العيارين ببغاد
وفي هذه السنة زاد أمر العيارين وكثر لأمنهم من الطلب بسبب ابن الوزير وابن قاورت أخي زوجة السلطان لأنهما كان لهما نصيب من الذي يأخذه العيارون وكان النائب في شحنكية بغداد مملوكاً اسمه أيلدكز وكان صارماً مقداماً ظالماً فحمله الإقدام إلى أن حضر عند السلطان فقال له السلطان إن السياسة قاصرة والناس قد هلكوا قال يا سلطان العالم إذا كان عقيد العيارين ولد وزيرك واخا امرتك فأي قدرة لي على المفسدين وشرح له الحال فقال له الساعة تخرج وتكبس عليهما أين كانا وتصلبهما فإن فعلت وإلا صلبتك فأخذ خاتمه وخرج فكبس على ابن الوزير فلم يجده فأخذ من كان عنده وكبس على ابن قاروت فأخذه وصلبه فأصبح الناس وهرب ابن الوزير وشاع الأمر ورئي ابن قاروت مصلوباً فهرب أكثر العيارين وقبض على من أقام وكفي الناس شرهم
ذكر حصر سنجر خوارزم وصلحه مع خوارزم شاه
قد ذكرنا سنة اثنتين وثلاثين مسير سنجر إلى خوارزم وملكه لها وعود أتسز خوارزم شاه إليها وأخذها وما كان منه بخراسان بعد ذلك فلما كان في هذه السنة سار السلطان سنجر إلى خوارزم شاه فجمع خوارزم شاه عساكره وتحصن بالمدينة ولم يخرج منها لقتال لعلمه أنه لا يقوى لسنجر وكان القتل يجري بين الفريقين من وراء السور فاتفق في يوم من بعض الأيام أن هجم أمير من أمراء سنجر اسمه سنقر على 330 البلد من جانب الغربي فلم يبق غير ملكه قهرا وعنوه وكان مثقال التاجي هجم من الشرق فانهزم مثقال عند البلد وبقي سيقر وحده في البلد فقوي عليه خوارزم شاه أتسز فأخرجه من البلد وبقي سنجر وحده واشتد في حقظه فلما رأى السلطان قوه البلد وامتناعه عزم على العود الى مرو ولم يمكنه من غيرقاعده تستقر بينهما فاتغق أن خوارزم شاه أرسل رسلا يبذل المال و الطاعه و الخدمه ويعود الى ما كان عليه من الانقياد فأجابه الى ذلك واصطلحا وعاد سنجر الى مرو وأقام خوارزم شاه بخوارزم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنه سير أتابك زنكي عسكر الى مدينه عانه من أعمال الفرات فملكوها وفيها في المحرم توفي أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد الأنباطي الحافظ ببغداد ومولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة وفيها توفي أبو الفتوح محمد بن الفضل بن محمد الاسفرايني الواعظ من أهل اسفراين من خراسان وأقام مدة ببغداد يعظ وسار الى خراسان فلما مات حضر الغزنوي عزاءه ببغداد وبكى وأكثر فقال بعض أصحاب أبي الفتوح للغزنوي كلاما أغلظ له فيه فلما قام الغزنوي لامه بعض تلامذته على حضور الغزاء وكثرة البكاء وقال له كنت مهاجرا لهذا الرجل فلما مات حضرت عزاءه وأكثرت البكاء وأظهرت الحزن قال كنت أبكي على نفسي كان يقال فلان وفلان فمن يعدم النظير أيقن بالرحيل وأنشد هذه الأبيات ( ذهب المبرد وانقضت أيامه
وسينقضي بعد المبرد ثعلب ) ( بيت من الآداي أصبح نصفه
خربا وباق نصفه فسيخرب ) ( فتزودوا أن تكتبوا أنفاسه
إن كانت الأنفاس مما يكتب ) وفيها توفي الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي في رمضان معزولا ودفن بداره بباب الأزج ثم نقل الى الحربيه وفيها توفي أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري النحوي المفسر و ( زمخشر ) إحدى قرى خوارزم 331
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وخمسمائة
ذكر فتح الرها وغيرها من البلاد الجزرية
في هذه السنة سادس جمادى الآخرة فتح أتابك عماد الدين زنكي بن آقسنقر مدينة الرها من الفرنج وفتح غيرها من حصونهم بالجزيرة أيضا وكان ضررهم قد عم بلاد الجزيرة وشرهم قد استطار فيها ووصلت غاراتهم إلى أدانيها وأقاصيها وبلغت آمد ونصيبين ورأس العين والرقة وكانت مملكتهم بهذه الديار من قريب ماردين إلى الفرات مثل الرها وسروج والبيرة وسن ابن عطير وحملين والموزر والفرادي وغير ذلك وكانت هذه الأعمال مع غيرها مما هو غرب الفرات لجوسلين وكان صاحب رأي الفرنج والمقدم على عسكرهم لما هو عليه من الشجاعة والمكر وكان أتابك يعلم أنه متى قصد حصرها اجتمع فيها من الفرنج ما يمنعها فيتعذر عليه ملكها لما هب عليه من الحصانة فاشتغل بديار بكر ليوهم الفرنج أنه غير متفرغ إلى قصد بلادهم فلما رأوه أنه غير قادر على ترك الأرتقية وغيرهم من ملوك ديار بكر حيث أنه محارب لهم اطمأنوا وفارق جوسلين الرها وعبر الفرات إلى بلاد الغربية فجاءت عيةن أتابك إليه فأخبروه الخبر فنادى في العسكر بالرحيل وأن لا يتخلف عن الرها أحد من غد يومه وجمع الأمراء عنده وقال قدموا الطعام وقال لا يأكل معي على مائدتي هذه إلا من يطعن غدا معي بباب الرها فلم يتقدم إليه غير أمير واحد وصبي لا يعرف لما يعلمون من إقدامه وشجاعته وأن أحدا لا يقدر على مساواته في الحرب فقال الأمر لذلك الصبي ما أنت في هذا المقام فقال أتابك دعه فوالله إني أرى وجها لا يتخلف عني وسار والعساكر معه ووصل إلى الرها وكان هو أول من حمل على الفرنج وحمل ذلك الصبي وحمل فارس من خيالة الفرنج على أتابك عرضا فاعترضه ذلك الأمير فطعنه فقتله وسلم الشهيد ونازل البلد وقاتله ثمانية وعشرين يوما فزحف إليه عدة دفعات وقدم النقابين فنقبوا سور البلد ولج في 332 قتاله خوفا من اجتماع الفرنج والمسير إليه واستنقاذ البلد منه فسقطت البدنة التي نقبها النقابون وأخذ البلد عنوة وقهرا وحصر قلعته فملكها أيضا ونهب الناس الأموال وسبوا الذرية وقتلوا الرجال فلما رأى أتابك البلد أعجبه ورأى أن تخريب مثله لا يجوز في السياسة فأمر فنودي في العساكر برد ما أخذوه من الرجال والنساء والأطفال إلى بيوتهم وإعادة ما غنموه من أثاثهم وأمتعتهم فردوا الجميع عن آخره لم يفقد منه شيء إلا النادر الذي أخذ وفارق من أخذه العسكر فعاد البلد على حاله الأول وجعل فيه عسكرا يحفظه وتسلم مدينة سروج وسائر الأماكن التي كانت بيد الفرنج شرقي الفرات ما عدا البيرة فإنها حصينة منيعة وعلى شاطئ الفرات فسار إليها وحصرها وكانوا قد أكثروا ميرتها ورجالها فبقي على حصارها إلى أن رحل عنها ما ندكره إن شاء الله تعالى
حكي أن بعض الحكماء بالأنساب والتواريخ قال كان صاحب جزيرة صقلية قد أرسل سرية في البحر إلى طرابلس الغرب وتلك الأعمال فنهبوا وقتلوا وكان بصقلية إنسان من العلماء المسلمين وهو من أهل الصلاح وكان صاحب صقلية يكرمه ويحترمه ويرجع إلى قوله ويقدمه على من عنده من القسوس والرهبان وكان أهل ولايته يقولون إنه مسلم بهذا السبب ففي بعض الأيام كان جالسا في منظرة تشرف على البحر وإذ قد أقبل مركب لطيف وأخبره من فيه أن عسكره دخل بلاد الإسلام وغنموا وقتلوا وظفروا وكان المسلم إلى جانبه وقد أغفى فقال له الملك يا فلان أما تسمع ما يقولون قال لا قال إنهم يخبرون بكذا وكذا أين كان محمد عن تلك البلاد وأهلها فقال له كان غاب عنهم وشهد فتح الرها وقد فتحها المسلمون الآن
فضحك منه من كان هناك من الفرنج فقال الملك لا تضحكوا فوالله ما يقول إلا الحق فبعد أيام وصلت الأخبار من فرنج الشام بفتحها
وحكى لي جماعة من أهل الدين والصلاح أن إنسانا صالحا رأى الشهيد في النوم فقال له ما فعل الله بك قال غفر لي بفتح الرها
ذكر قتل نصير الدين جقر وولاية زين الدين على كوجك قلعة الموصل
في هذه السنة في ذي القعدة قتل نصير الدين جقر نائب أتابك زنكي بالموصل والأعمال جميعها التي شرق الفرات وسبب قتله أن الملك ألب أرسلان المعروف 333 بالخفاجي ولد السلطان محمود كان عند أتابك الشهيد وكان يظهر للخلفاء والسلطان مسعود وأصحابه بالأطراف أن هذه البلاد لهذا الملك وأنا نائبه فيها وكان ينتظر وفاة السلطان مسعود ليخطب له بالسلطنة ويملك البلاد باسمه
وكان هذا الملك بالموصل هذه السنة ونصير الدين يقصده كل يوم ليقوم بخدمة إن عرضت له فحسن له بعض المفسدين طلب الملك وقال له إن قتلت نصير الدين ملكت الموصل وغيرها من البلاد ولا يبقى مع أتابك زنكي فارس واحد فوقع هذا منه موقعا حسنا وظنه صدقا فلما دخل نصير الدين إليه وثب عليه من عنده من أجناد أتابك ومماليكه فقتلوه والقوا برأسه إلى أصحابه ظنا منهم أن أصحابه يتفرقون ويخرج الملك ويملك البلد وكان الأمر خلاف ما ظنوه فإن أصحابه وأصحاب أتابك الذين في خدمته لما رأوا رأسه قاتلوا من بالدار مع الملك واجتمع معهم الخلق الكثير وكانت دولة أتابك مملوءة بالرجال والأجناد ذوي الرأي والتجربة ثم دخل إليه القاضي تاج الدين يحيى بن الشهرزوري ولم يزل به يخدعه وكان فيما قال له لما رآه منزعجا يا مولانا لم تحرد من هذا الكلب هذا وأستاذه مماليك والحمد لله الذي أراحنا منه ومن صاحبه على يدك وما الذي يقعدك في هذه الدار قم لتصعد القلعة وتأخذ الأموال والسلاح وتملك البلد وتجمع الجند وليس دون الموصل مانع فقام معه وأصعده القلعة فلما قاربها أراد من بها من النقيب والأجناد القتال فتقدم إليهم القاضي تاج الدين وقال لهم افتحوا الباب وتسلموه وافعلوا به ما أردتم ثم فتح الباب ودخل الملك والقاضي إليها ومعهما من أعان على قتل نصير الدين فسجنوا ونزل القاضي وبلغ الخبر أتابك زنكي وهو يحاصر قلعة البيرة وقد أشرف على ملكها فخاف أن تختلف البلاد الشرقية بعد قتل نصير الدين ففارق البيرة وأرسل زين الدين علي بن بكتكين إلى قلعة الموصل واليا على ما كان نصير الدين يتولاه
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة قبض السلطان مسعود على وزيره البروجردي ووزر بعده المزربان بن عبيد الله بن نصر الأصفهاني وسلم إليه البروجردي فاستخرج أمواله ومات مقبوضا
وفيها كان أتابك عماد الدين زنكي يحاصر البيرة وهي للفرنج شرق الفرات بعد 334 ملك الرها وهي من أمنع الحصون وضيق عليها وقارب أن يفتحها فجاءه خبر قتل نصير الدين نائبه بالموصل فرحل عنها وأرسل نائبا للموصل وأقام ينتظر الخبر فخاف من بالبيرة من الفرنج أن يعود إليهم وكانوا يخافونه خوفا شديدا فأرسلوا إلى نجم الدين صاحب ماردين وسلموها له فملكها المسلمون
وفيها خرج أسطول الفرنج من صقلية إلى ساحل أفريقية والغرب ففتحوا مدينة برشك وقتولا أهلها وسبوا حريمهم وباعوه بصقلية على الملمين
وفيها توفي تاشفين بن علي بن يوسف صاحب المغرب وكانت ولايته تزيد على أربع سنين
وولي بعده أخوه وضعف أمر الملثمين وقوي عبد المؤمن وقد ذكرنا ذلك سنة أربع عشرة وخمسمائة
وفيها في شوال ظهر كوكب عظيم له ذنب من جانب المشرق وبقي إلى نصف ذي القعدة ثم غاب
ثم طلع من جانب الغرب فقيل هو هو
وقيل بل غيره
وفيها كانت فتنة عظيمة بين الأمير هاشم بن فليتة بن القاسم العلوي الحسيني أمير مكة والأمير نظر الخادم أمير الحاج فنهب أصحاب هاشم الحجاج وهم في المسجد يطوفون ويصلون ولم يرقبوا فيه إلا ولا ذمة
وفيها في ذي الحجة توفي عبد الله أحمد بن محمد بن عبد الله بن حمدويه أبو المعالي المروزي بمرو وسافر الكثير وسمع الحديث الكثير وبني بمرو رباطا ووقف فيه كتبا كثيرة وكان كثير الصدقة والعبادة
وتوفي محمد بن عبد الملك بن حسن بن إبراهيم بن خيرون أبو منصور المقري في رجب ومولده في رجب سنة أربع وخمسين وأربعمائة وهو آخر من روى عن الجوهري بالإجازة
وفي ذي الحجة منها توفي أبو منصور سعيد بن محمد بن عمر المعروف بابن الرزاز مدرس النظامية ببغداد ومولده سنة اثنتين وستين وأربعمائة وتفقه على الغزالي والشاشي ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق 335
ثم دخلت سنة أربعين وخمسمائة
ذكر اتفاق بوزابة وعباس على منازعة السلطان
في هذه السنة سار بوزابة صاحب فارس وخوزستان وعساكره إلى قاشان ومعه الملك محمد ابن السلطان محمود ووصل إليهما الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد واجتمع بوزابة والأمير عباس صاحب الري واتفقا على الخروج عن طاعة السلطان مسعود وملكا كثيرا من بلاده ووصل الخبر إليه وهو ببغداد ومعه الأمير عبد الرحمن طغايرك وهو أمير حاجب حاكم في الدولة وكان ميله إليهما فسار السلطان في رمضان عن بغداد ونزل بها الأمير مهلهل ونظر وجماعة من غلمان بهروز وسار السلطان وعبد الرحمن معه فتقارب العسكران ولم يبق إلا المصاف فلحق سليمان شاه بأخيه مسعود وشرع عبد الرحمن في تقرير الصلح على القاعدة التي أرادوها وأضيف إلى عبد الرحمن ولاية أذربيجان وأرانية إلى ما بيده وصار أبو الفتح بن دارست وزير السلطان مسعود وهو وزير بوزابة فصار السلطان معهم تحت الحجر وأرسلوا بك أرسلان بن بلنكري المعروف بخاص بك وهو ملازم السلطان وتربيته وصار في خدمته عبد الرحمن ليحقن دمه وصار الجماعة في خدمة السلطان بالصورة لا بالمعنى والله أعلم
ذكر استيلاء علي بن دبيس بن صدقة على الحلة
في هذه السنة سار علي بن دبيس إلى الحلة هاربا فملكها وكان سبب ذلك أن السلطان لما أراد الرحيل من بغداد أشار عليه مهلهل أن يحبس علي بن دبيس بقلعة تكريت فعلم ذلك فهرب في جماعة يسيرة نحو خمسة عشر فمضى إلى الأزير وجمع بني أسد وغيرهم وسار إلى الحلة وبها أخوه محمد بن دبيس فقاتله فانهزم محمد وملك علي الحلة واستهان السلطان أمره أولا فاستفحل وضم إليه 336 جمعا من غلمانه وغلمان أبيه وأهل بيته وعساكرهم وكثر جمعهم فسار إليه مهلهل فيمن معه في بغداد من العسكر وضربوا معه مصافا فكسرهم وعادوا منهزمين إلى بغداد وكان أهلها يتعصبون لعلي بن دبيس وكانوا يصيحون إذا رأوا مهلهلا وبعض أصحابه يا علي كله
وكثر ذلك منهم بحيث امتنع مهلهل من الركوب ومد علي يده في أقطاع الأمراء بالحلة وجعلهم على السور لحفظه وراسل عليا فأعاد بأنني العبد المطيع مهما رسم لي فعلت فسكن الناس ووصلت الأخبار بعد ذلك أن السلطان مسعودا تفرق خصومه عنه فازداد سكون الناس لذلك
ذكر عدة حوادث
حج بالناس هذه النة قايماز الأرجواني صاحب أمير الحاج نظر واحتج بأن بركه نهب في كسرة الحلة وأن بينه وبين أمير مكة من الحروب ما لا يمكنه معه الحج
وفيها اتصل بالخليفة عن أخيه أبي طالب ما كرهه فضيق عليه واحتاط على غيره من أقاربه
وفيها ملك الفرنج لعنهم الله مدينة شنترين وماجة وماردة وأشبونة وسائر المعاقل المجاورة لها من بلاد الإسلام بالأندلس فخيب الله ظنه وكان ما نذكره
وفيها سار أسطول الفرنج من صقلية ففتحوا جزيرة قرقنة من أفريقية فقتلوا رجالها وسبوا حريمهم فأرسل الحسن صاحب أفريقية إلى رجال ملك صقلية يذكره بالعهود التي بينهم فاعتذر بأنهم غير مطيعين له
وفي هذه السنة توفي مجاهد الدين بهروز الغيائي وكان حاكما بالعراق نيفا وثلاثين سنة وبرتقش الزكوي صاحب أصفهان وكان أيضا شحنة بالعراق وهو خادم أرمني لبعض التجار
ونوفي الأمير أيلدكر شحنة بغداد والشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجوليقي اللغوي ومولده في ذي الحجة سنة خمس وستين وأربعمائة وأخذ اللغة عن أبي زكريا التبريزي وكان يؤم بالمقتفي أمير المؤمنين 337 وتوفي أحمد بن محمد بن الحسن بن علي بن أحمد بن سليمان أبو سعيد بن أبي الفضل الأصفهاني ومولده سنة ثلاث وستين وأربعمائة
وروى الحديث الكثير وكان على سيرة السلف كثير الاتباع للسنة رحمة الله عليه 338
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وخمسمائة
ذكر ملك الفرنج طرابلس الغرب
في هذه السنة ملك الفرنج لعنهم الله طرابلس الغرب وسبب ذلك أن رجار ملك صقلية جهز أسطولا كثيرا وسيره إلى طرابلس فأحاطوا بها برا وبحرا ثالث المحرم فخرج إليهم أهلها وأنشبوا القتال فدامت الحرب بينهم ثلاثة أيام
فلما كان اليوم الثالث سمع الفرنج بالمدينة ضجة عظيمة وخلت الأسوار من المقاتلة
وسبب ذلك أن أهل طرابلس كانوا قبل وصول الفرنج بأيام يسيرة قد اختلفوا فأخرج طائفة منهم بني مطروح وقدموا عليهم رجلا من الملثمين قدم يريد الحج ومعه جماعة فولوه أمرهم فلما نازلهم الفرنج اعادت الطائفة الأخرى بني مطروح فوقع الحرب بين الطائفتين وخلت الأسوار فانتهز الفرنج الفرصة ونصبوا السلالم وطلعوا على السور واشتد القتال فملكت الفرنج المدينة عنوة وقهرا بالسيف فسفكوا دماء أهلها وسبوا نساءهم وأخذوا أموالهم وهرب من قدر على الهرب والتجأ إلى البربر والعرب فنودي بالأمان في كافة الناس
فرجع كل من فر منها وأقام الفرنج ستة أشهر حتى حصنوا سورها وحفروا خنادقها ولما عادوا أخذوا رهائن أهلها ومعهم بنو مطروح والملثم ثم أعادوا رهائنهم وولوا عليها رجلا من مطروح وأخذوا رهائنه وحده واستقامت أمور المدينة وألزم أهل صقلية والسفن والروم بالسفر إليها فانعمرت سريعا
ذكر حصن زنكي حصن جعبر وفنك
في هذه السنة سار اتابك زنكي إلى حصن جعبر وهو مطل على الفرات 339 وكان بيد سالم بن مالك العقيلي سلمه السلطان ملكشاه إلى أبيه لما أخذ منه حلب وقد ذكرناه فحصره وسير جيشا إلى قلعة فنك وهي تجاور جزيرة ابن عمر بينهما فرسخان فحصرها أيضا وصاحبها حينئذ الأمير حسام الدين الكردي البشنوي وكان سبب ذلك أنه كان لا يريد أن يكون في وسط بلاده ما هو ملك غيره جزما واحتياطا فنازل قلعة جعبر وحصرها وقاتله من بها فلما طال عليه ذلك أرسل إلى صاحبها مع الأمير حسان المنجي لمودة كانت بينهما في معنى تسليمهما وقال له تضمن عني الأقطاع الكثير والمال الجزيل فإن أجاب إلى التسليم وإلا فقل له والله لأقيمن عليك إلى أن أملكها عنوة ثم لا أبقي عليك ومن الذي يمنعك مني فصعد إليه حسان وأدى إليه الرسالة ووعده وبذل له ما قيل له فامتنع من التسليم فقال له حسان فهو يقول لك من يمنعك من قتالي ومن يمنعك مني فقال يمنعني منه الذي منعك من الأمير بلك فعاد حسان وأخبر الشهيد بامتناعه ولم يذكر له هذا فقتل أتابك بعد أيام
كانت قصة حسان مع بلك ابن أخي بلغازي أن حسانا كان صاحب منبج فحصره بلك وضيق عليه فبينما هو كذلك في بعض الأيام يقاتله جاءه سهم لا يعرف من رماه فقتله وخلص حسان من الحصر وقد تقدم ذكره وكان هذا القول من الاتفاق الحسن ولما قتل أتابك زنكي رحل العسكر الذين كانوا يحاصرون قلعة فنك عنها وهي بيد عقاب صاحبها إلى الآن وسمعتهم يذكرون أنهم لهم بها نحو ثلاثمائة سنة ولهم مقصد حسن وفيهم وفاء وعصبية يأخذون بيد كل من يلتجئ إليهم ويقصدهم ولا يسلمونه إلى طالبه كائنا من كان قريبا أم غريبا
ذكر قتل أتابك عماد الدين زنكي وشيء من سيرته
في هذه السنة لخمس مضين من ربيع الآخر قتل أتابك الشهيد عماد الدين زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل والشام وهو يحاصر قلعة جعبر على ما ذكرناه قتله جماعة من مماليكه ليلا غيلة وهربوا إلى قلعة جعبر فصاحوا على من بها من 340 أهلها من العسكر يعلمونهم بقتله وأظهروا الفرح فدخل أصحابه إليه فأدركوه وبه رمق
حدثني والدي عن بعض خواصه قال دخلت إليه في الحال وهو حي فحين رآني ظن أني أريد قتله فأشار إلي بأصبعه السبابة يستعطفني فوقعت من هيبته فقلت يا مولاي من فعل هذا فلم يقدر على الكلام وفاضت نفسه رحمه الله
قال وكان حسن الصورة أسمر اللون مليح العينين قد وخطه الشيب وكان قد زاد عمره على ستين سنة لأنه كان لما قتل والده صغيرا كما ذكرناه قبل ولما قتل دفن بالرقة وكان شديد الهيبة على عسكره ورعيته عظيم السياسة لا يقدر القوي على ظلم الضعيف وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابا من الظلم وتنقل الولاة ومجاورة الفرنج فعمرها وامتلأت أهلا وسكانا
حكى لي والدي قال رأيت الموصل وأكثرها خراب بحيث يقف الإنسان قريب محلة الطيالين ويرى الجامع العتيق والعرصة ودار السلطان وليس بين ذلك عمارة قط وكان الإنسان لا يقدر على المشي إلى الجامع العتيق إلا ومعه من يحميه لبعده عن العمارة وهو الآن في وسط العمارة وليس في هذه البقاع المذكورة كلها أرض مراح قال وحدثني أيضا أنه وصل إلى الجزيرة في الشتاء فدخل الأمير عز الدين الدبيسي وهو من أكابر أمرائه ونم جملة اقطاعه مدينة دقوقا ونزل في دار إنسان يهودي فاستغاث اليهودي إلى أتابك وأنهى حاله إليه فنظر إلى الدبيسي فتأخر ودخل البلد وأخرج بركه وخيامه قال فلقد رأيت غلمانه ينصبون خيامه في الوحل وقد جعلوا على الأرض تبنا يقيهم الطين وخرج فنزلها وكانت سياسته إلى هذا الحد وكانت الموصل من أقل بلاد الله فاكهة فصارت فلي أيامه وما بعدها من أكثر البلاد فواكه ورياحين وغير ذلك
وكان أيضا شديد الغيرة ولا سيما على نساء الأجناد وكان يقول إن لم تحفظ نساء الأجناد وإلا فسدن لكثرة غياب أزواجهن في الأسفار وكان أشجع خلق الله أما قبل أن يملك فيكفيه أنه حضر مع الأمير مودود صاحب الموصل مدينة طبرية وهي للفرنج فوصلت طعنته باب البلد وأثرت فيه وحمل أيضا على قلعة عقر الحميدية وهي على جبل عال فوصلت طعنته إلى سورها إلى أشياء
وأما بعد الملك فقد كان الأعداء محدقين ببلاده وكلهم يقصدها ويريدون 341 أخذها وهو لا يقنع بحفظها حتى أنه لا ينقضي عليه عام حتى يفتح من بلادهم فقد كان الخليفة المسترشد بالله مجاوره في ناحية تكريت وقصد الموصل وحصرها ثم إلى جانبه من ناحية شهرزور وتلك الناحية السلطان مسعود ثم ابن سقمان صاحب خلاط ثم داود بن سقمان صاحب حصن كيفا ثم صاحب آمد وماردين ثم الفرنج من مجاورة ماردين إلى دمشق ثم أصحاب دمشق فهذه الولايات قد اختلطت بولايته من كل جهاتها فهو يقصد هذا مرة وهذا مرة ويأخذ من هذا ويصانع هذا إلى أن ملك من كل مزيليه طرفا من بلاده وقد أتينا على أخباره في كتاب الباهر في تاريخ دولته ودولة أولاده فليطلب من هناك
ذكر ملك ولديه سيف الدين غازي ونور الدين محمود
لما قتل أتابك زنكي أخذ نور الدين محمود ولده خاتمه من يده وكان حاضرا معه وسار إلى حلب فملكها وكان حينئذ يتولى ديوان زنكي ويحكم في دولته من أصحاب العمائم كمال الدين محمد بن علي وهو المنفرد بالحكم ومعه أمير حاجب صلاح الدين محمد الباغيسياني فاتفقا على حفظ الدولة وكان مع الشهيد أتابك الملك ألب أرسلان ابن السلطان محمود فركب ذلك اليوم وأجمعت العساكر عليه وحضر عنده جمال الدين وحسنا له الاشتغال بالشرب والمغنيات والجواري وأدخلاه الرقة فبقي بها أياما لا يظهر ثم سار إلى ماكسين فدخلها وأقام بها أياما وجمال الدين يحلف الأمراء لسيف الدين غازي بن أتابك زنكي ويسيرهم إلى الموصل فلما وصلوا إلى سنجار أرسل جمال الدين إلى الدزدار يقول له ليرسل إلى ولد السلطان يقول له إني مملوكك ولكن نبغي الموصل فإن ملكتها سلمت إليك سنجار فسار إلى الموصل فأخذه جمال الدين وقصد به مدينة بلد وقد بقي معه من العسكر القليل فأشار عليه بعبور دجلة فعبرها إلى الشرق في نفر يسير وكان سيف الدين غازي بمدينة شهرزو وهي أقطاعه فأرسل إليه زين الدين علي نائب أبيه 342 بالموصل يستدعيه إلى الموصل فحضر قبل وصول الملك فلما علم جمال الدين بوصول سيف الدين إلى الموصل أرسل إليه يعرفه قلة من معه فأرسل إليه بعض عسكره فقبضه وحبس في قلعة الموصل واستقر ملك سيف الدين البلاد وبقي أخوه نور الدين بحلب وهي له وسار إليه صلاح الدين الباغيسياني مدبر أمره والقائم بدولته وحفظها وقد استقصينا شرح هذه الحادثة في التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية
ذكر عصيان الرها لما قتل أتابك
كان جوسلين الفرنجي الذي كان صاحب الرها في ولايته وهي تل باشر وما يجاورها فراسل أهل الرها وعامتهم من الأرمن وحملهم على العصيان والامتناع من المسلمين وتسليم البلد إليه فأجابوه إلى ذلك وواعدهم يوما يصل إليهم فيه وسار في عساكره إلى الرها وملك البلد وامتنعت القلعة عليه بمن فيها من المسلمين فقاتلهم فبلغ الخبر إلى نور الدين محمود بن زنكي وهو بحلب فسار مجدا إليها في عسكره فلما قاربها أخرج جوسلين هاربا عائدا إلى بلده ودخل نور الدين المدينة ونهبها حينئذ وسبى أهلها وفي هذه الدفعة نهبت وخلت من أهلها ولم يبق منهم إلا القليل وكثير من الناس يظن أنها نهبت لما فتحها الشهيد وليس كذلك وبلغ الخبر إلى سيف الدين غازي بعصيان الرها فسير العساكر إليها فسبقه الملك نور الدين إلى البلد واستباحه وهم في الطريق فعادوا
ومن أعجب ما يحكى أن زين الدين عليا الذي كان نائب الشهيد وأولاده بقلعة الموصل جاءه هدية أرسلها إليه نور الدين من هذا الفتح وفي الجملة جارية فلما دخل إليها وخرج من عندها وقد اغتسل وقال لمن عنده تعلمون ما جرى لي في يومنا هذا قالوا لا قال لما فتحنا الرها مع الشهيد وقع في يدي من السبي جارية رائعة أعجبني حسنها ومال قلبي إليها فلم يكن أسرع من أن أمر الشهيد فنودي برد السبي والمال المنهوب وكان مهيبا مخوفا فرددتها وقلبي متعلق بها فلما كان الآن جاءتني هدية نور الدين وفيها عدة جوار فيها تلك الجارية فوطئتها خوفا أن تقع مثل تلك الردة
ذكر استيلاء عبد المؤمن على جزيرة الأندلس
في هذه السنة سير عبد المؤمن بن علي جيشا إلى جزيرة الأندلس فملكوا ما فيها من بلاد الإسلام وسبب ذلك أن عبد المؤمن لما كان يحاصر مراكش جاء إليه جماعة 343 من أعيان الأندلس منهم أبو جعفر أحمد بن محمد بن حمدين ومعهم مكتوب يتضمن بيعة أهل البلاد التي هم فيها لعبد المؤمن ودخولهم في زمرة أصحابه الموحدين وإقامتهم لأمره فقبل عبد المؤمن ذلك منهم وشكرهم عليه وطيب قلوبهم وطلب منهم النصرة وطلبوا منه النصرة على الفرنج فجهز جيشا كثيفا وسير معهم وعمر أسطولا وسيره في البحر فسار الأسطول إلى الأندلس وقصدوا مدينة أشبيلية وصعدوا في نهرها وبها جيش من الملثمين فحصروها برا وبحرا وملكوها عنوة وقتل فيها جماعة وأمن الناس فسكنوا واستولت العساكر على البلاد وكان لعبد المؤمن من بها
ذكر قتل عبد الرحمن طغايرك وعباس صاحب الري
في هذه السنة قتل السلطان مسعود أمير حاجب دولة عبد الرحمن طغايرك وهو صاحب خلخال وبعض أذربيجان والحاكم في دولة السلطان وليس للسلطان معه حكم
وكان سبب قتله أن السلطان لما ضيق عليه عبد الرحمن وبقي معه شبه الأسير ليس له في البلاد حكم حتى أن عبد الرحمن قصد غلاما كان للسلطان وهو بك أرسلان المعروف بابن خاص بك عقل وتدبير وجودة قريحة وتوصل لما يزنه بعقله فجمع عبد الرحمن العساكر وخاص بك فيهم وقد استقر بينه وبين السلطان مسعود أن يقتل عبد الرحمن فاستدعى خاص بك جماعة ممن يثق بهم وتحدث معهم في ذلك فكل منهم خاف الإقدام عليه إلا رجلا اسمه زنكي وكان جاندارا فإنه بذل من نفسه أن يبدأه بالقتل ووافق خاص بك على القيام في الأمر جماعة من الأمراء فبينما عبد الرحمن في موكبه ضربه زنكي الجندار بمقرعة حديد كانت في يده على رأسه فسقط إلى الأرض فأجهز عليه خاص بك وأعانه على حماية زنكي والقائمين معه من كان واطأه على ذلك من الأمراء
وكان قتله بظاهر جنزة وبلغ الخبر إلى السلطان مسعود وهو ببغداد ومعه الأمير عباس صاحب الري وعسكره أكثر من عسكر السلطان فأنكر ذلك وامتعض منه فداراه السلطان ولطف به واستدعى الأمير البقش كون خروتتر وهو أمير اللحف وتتر الذي كان حاجبا فلما قوي بهما أحضر عباسا إليه في داره فلما دخل إليه منع أصحابه من الدخول 344 معه وعدلوا إلى حجرة وقالوا له اخلع الزردية فقال إن لي مع السلطان أيمانا وعهودا فلكموه وخرج له غلمان أعدوا لذلك فحينئذ تشهد وخلع الزردية وألقاها وضربوه بالسيوف واحتزوا رأسه وألقوه إلى أصحابه ثم ألقوا جسده ونهب رحله وانوعج البلد لذلك وكان عباس من غلمان السلطان محمود حسن السيرة عادلا في رعيته كثير الجهاد للباطنية قتل منهم خلقا كثيرا وبنى رؤوسهم متارة بالري وحصر قلعة الموت ودخل إلى قرية من قراهم فألقى فيها النار فأحرق كل من فيها ن رجل وامرأة وصبي وغير ذلك وقتل بالجانب الغربي فأرسلت ابنته فحملته إلى الري فدفنته هناك
وكان مقتله في ذي القعدة
ومن الاتفاق العجيب أن العبادي كان يعظ يوما فحضره عباس فأسمع بعض أهل المجلس ورمى بنفسه نحو الأمير عباس فضربه أصحابه ومنعوه خوفا عليه لأنه كان شديد الاحتراس من الباطنية لا يزال لابسا الزردية لا تفارقه الغلمان الأجلاد فقال له العبادي كم هذا الاحتراز والله لئن قضي عليك بأمر لتحلن أنت بيدك أزرار الزردية فينفذ القضاء فيك وكان والله كما قال
وقد كان السلطان استوزر ابن دارست وزير بوزابة كارها على ما تقدم ذكره فعزله الآن لأنه اختار العزل والعود إلى صاحبه بوزابة فلما عزله قرر معه أن يصلح له بوزابة ويزيل ما عنده من الاشمئزاز بسبب قتل عبد الرحمن وعباس فسار الوزير وهو لا يعتقد النجاة فوصل إلى بوزابة وكان ما نذكره
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة حبس السلطان مسعود أخاه سليمان شاه بقلعة تكريت
وفيها توفي الأمير جاولي الطغرلي صاحب أرانية وبعض أذربيجان وكان قد تحرك للعصيان وكان موته فجأة مدقوسا فنزف دما فمات
وتوفي شيخ الشيوخ صدر الدين اسماعيل بن أبي سعيد الصوفي مات ببغداد 345 ودفن بظاهر رباط الدوري بباب البصرة ومولده سنة أربع وستين وأربعمائة
وقام في منصبه ولده عبد الرحيم
وفيها توفي مسعود بن بلال شحنة بغداد وسار السلطان عنها
وفيها كان بالعراق جراد كثير أمحل أكثر البلاد
وفيها ورد العبادي الواعظ رسولا من السلطان سنجر إلى الخليفة ووعظ ببغداد وكان له قبول بها وحضر مجلسه السلطان مسعود فمن دونه
وأما العامة فإنهم كانوا يتركون أشغالهم لحضورهم مجلسه والمسابقة إليه
وفيها بعد قتل الشهيد زنكي بن ىقسنقر قصد صاحب دمشق حصن بعلبك وحصره وكان به نجم الدين أيوب بن شاذي فخاف أن أولاد زنكي لا يمكنهم انجاده بالعاجل فصالحه وسلم القلعة إليه وأخذ منه أقطاعا ومالا وملكه عشر قرى من بلاد دمشق وانتقل أيوب إلى دمشق فسكنها وأقام بها
وفي هذه السنة في ربيع الآخر توفي عبد الله بن علي بن أحمد المقري ابن بنت الشيخ أبي منصور ومولده في شعبان سنة أربع وستين وأربعمائة وكان مقرئا نحويا محدثا وله تصانيف في القراءات 346
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة
ذكر قتل بوزابة
لما اتصل بالأمير بوزابة قتل عباس جمع عساكره من فارس وخوزستان وسار إلى أصفهان فحصرها وسير عسكرا آخر إلى همذان وعسكر ثالثا إلى قلعة الماهكي بلد اللحف فأما عسكره بالماهكي فإنه سار إليهم الأمير البق كون خر فدفعهم عن أعماله وكانت أقطاعه ثم عن بوزابة سار عن أصفهان يطلب السلطان مسعودا فراسله السلطان في الصلح فلم يجب إليه وسار مجدا فالتقيا بمرج قراتكين وتصافا فاقتتل العسكران فانهزم منه السلطان مسعود وميسرته واقتتل القلبان أشد قتال وأعظمه صبر فيه الفريقان وصار الحرب بينهما فسقط بوزابة عن فرسه بسهم أصابه وقيل بل عثر به الفرس فأخذ أسيرا وحمل إلى السلطان فقتل بين يديه وانهزم أصحابه لما أخذ هو أسيرا وبلغت هزيمة العسكر السلطاني من الميمنة والميسرة إلى همذان وخراسان وقتل من الفريقين خلق كثير وكان هذا الحرب من أعظم الحروب الكائنة بين الأعاجم
ذكر طاعة أهل قابس للفرنج وغلبة المسلمين عليها
كان صاحب مدينة قابس قبل هذه السنة إنسانا اسمه رشيد فتوفي وخلف أولادا
فعمد مولى له اسمه يوسف إلى ولده الصغير واسمه محمد فولاه الأمر وأخرج ولده الكبير معمرا واستولى يوسف على البلد وحكم على محمد لصغر سنه وجرى من أشياء من التعرض إلى حرم سيده والعهدة على ناقله
وكان من جملتهن امرأة من بني قرة فأرسلت إلى أخوتها تشكو إليهم ما هي فيه فجاء أخرتها لأخذها فمنعها منهم وقال هذه حرمة مولاي ولم يسلمها فسار بنو قرة ومعمر بن رشيد إلى الحسن صاحب أفريقيا وشكوا إليه ما يفعل يوسف فكاتبه الحسن في 347 ذلك فلم يجبه وقال لئن لم يكف الحسن عني وإلا سلمت قابس إلى صاحب صقلية فجهز الحسن العسكر إليه فلما سمع يوسف بذلك أرسل إلى رجار الفرنجي صاحب صقلية وبذل له الطاعة وقال له أريد منك خلعة وعهدا بولاية قابس لأكون نائبا عنك كما فعلت مع بني مطروح أصحاب طرابلس فسير إليه رجار الخلعة والعهد فلبسها وقرئ العهد بمجمع الناس فجد حينئذ الحسن في تجهيز العسكر إلى قابس فساروا إليها ونازلوها وحصروها فثار أهل البلد بيوسف لما اعتمده من طاعة الفرنج وسلموا البلد إلى عسكر الحسن وتحصن يوسف في القصر فقاتلوه حتى فتحوه وأخذ يوسف أسيرا فتولى عذابه معمر بن رشيد وبنو قرة فقطعوا ذكره وجعلوه في فيه وعذب بأنواع العذاب وولي معمر قابس مكان أخيه وأخذ بنو قرة أختهم وهرب عيسى أخو يوسف وولد يوسف وقصدوا رجار صاحب صقلية فاستجاروا به وشكوا إليه ما لقوا من الحسن فغضب لذلك وكان ما نذكره سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من فتح المهدية إن شاء الله تعالى
وهذا الذي كان من يوسف والله أعلم
ذكر حادثة ينبغي أن يحتاط العاقل من مثلها
كان هذا يوسف صاحب قابس قد أرسل رسولا إلى رجار صاحب صقلية فاجتمع هو والحسين رسول صاحب المهدية عنده فجرى بين الرسولين مناظرة فذكر رسول يوسف الحسن ونال منه وذمه ثم إنهما عادا في وقت واحد وركبا البحر كل واحد منهما في مركبه فأرسل رسول الحسن رقعة على جناح طائر يخبره بما كان من رسول يوسف فسير الحسن جماعة من أصحابه في البحر فأخذوا رسول يوسف وأحضروه عند الحسن فسبه وقال ملكت الفرنج بلاد الإسلام وطولت لسانك بذمي ثم أركبه جملا وعلى رأسه جلاجل وطيف به في البلد ونودي عليه هذا جزاء من سعى أن يملك الفرنج بلاد المسلمين فلما توسط المهدية ثار به العامة فقتلوه بالحجارة
ذكر ملك الفرنج المرية وغيرها من الأندلس
في هذه السنة في جمادى الأولى حضر الفرنج مدينة المرية من الأندلس وضيقوا عليها برا وبحرا فملكوها عنوة وأكثروا القتل بها والنهب وملكوا أيضا مدينة 348 شاسة وولاية جيان وكلها بالأندلس ثم استعادها المسلمون بعد ذلك منهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر ملك نور الدين محمود بن زنكي عدة مواضع من بلدة الفرنج
في هذه السنة دخل نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب بلد الفرنج ففتح منه مدينة ارتاح بالسيف ونهبها وحصر مابولة وبصرفوت وكفرلاثا وكان الفرنج بعد قتل والده زنكي قد طمعوا وظنوا أنهم بعده يستردون ما أخذه فلما رأوا من نور الدين هذا الجد في أول أمره علموا أن ما أملوه بعيد وخاب ظنهم وأملهم
ذكر أخذ الحلة من علي بن دبيس وعوده إليها
في هذه السنة كثر فساد أصحاب علي بن دبيس بالحلة وما جاورها وكثرت الشكاوى منه فأقطع السلطان مسعود الحلة سلاركرد فسار إليها من همذان ومعه عسكر وانضاف إليه جماعة من عسكر بغداد وقصدوا الحلة فجمع على عسكره وحشد والتقى العسكران بمطيرباذ فانهزم علي وملك سلاركرد الحلة واحتاط على أهل علي ورجعت العساكر وأقام هو بالحلة ومماليكه وأصحابه وسار علي بن دبيس فلحق بالبقش كون خر وكان بأقطاعه في اللحف متجنيا على السلطان فاستنجده فسار معه إلى واسط واتفق هو الطرنطاوي وقصدوا الحلة فاستنقذوها من سلاركرد في ذي الحجة وفارقها سلاركرد وعاد إلى بغداد
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في جمادة الأولى خطب للمستنجد بالله يوسف بن المقتفي لأمر الله بولاية العهد
وفيها ولي عون الدين يحيى بن هبير كتابة ديوان الزمام ببغداد وولي زعيم الدين يحيى بن جعفر المخزن
وفيها في ربيع الأول مات أبو القاسم طاهر بن سعيد بن أبي سعيد بن أبي الخير الميهني شيخ رباط البسطامي ببغداد 349
وفي ربيع الآخر توفيت فاطمة خاتون بنت السلطان محمد زوجة المقتفي لأمر الله
وفي رجب منها مات أبو الحسن محمد بن المظفر بن علي بن المسلمة ابن رئيس الرؤساء ومولده سنة أربع وثمانين وكان قد تصوف وجعل داره التي في القصر رباطا للصوفية
وفيها سار سيف الدين غازي بن زنكي إلى قلعة دارا فملكها وغيرها من بلد ماردين ثم سار إلى ماردين وحصرها وخرب بلدها ونهبه وكان سبب ذلك أن أتابك زنكي لما قتل تطاول صاحب ماردين وصاحب الحصن إلى ما كان قد فتحه من بلادهما فأخذاه فلما ملك سيف الدين وتمكن سار إلى ماردين وحصرها وفعل ببلدها الأفاعيل العظيمة فلما رأى صاحبها وهو حينئذ حسام الدين تمرتاش ما يفعل في بلده قال كنا نشكو من أتابك الشهيد وأين أيامه لقد كانت أعيادا قد حصرنا غير مرة فلم يأخذ هو ولا أحد من عسكره مخلاة تبن بغير ثمن ولا تعدى هو وعسكره حاصل السلطان وأرى هذا ينهب البلاد ويخربها ثم راسله وصالحه وزوجه ابنته ورحل سيف الدين عنه وعاد إلى الموصل وجهزت ابنة حسام الدين وسيرت إليه فوصلت وهو مريض قد أشفى على الموت فلم يدخل بها وبقيت عنده إلى أن توفي وملك قطب الدين مودود فتزوجها على ما نذكره إن شاء الله تعالى
وفيها اشتد الغلاء بأفريقية ودامت أيامه فإن أوله كان سنة سبع وثلاثين وخمسمائة وعظم الأمر على أهل البلاد حتى أكل بعضهم بعضا وقصد أهل البوادي المدن من الجوع فأغلقها أهلها دونهم وتبعه وباء وموت كثير حتى خلت البلاد وكان أهل البيت لا يبقى منهم أحد وسار كثير منهم إلى صقلية في طلب القوت ولقوا أمرا عظيما 350
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة
ذكر ملك الفرنج مدينة المهدية بإفريقية
قد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة , مسير آهل يوسف صاحب قابس إلى رجار ملك صقلية واستغاثتهم به فغضب لذلك وكان بينه وبين الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي صاحب إفريقية صلح وعهود إلى مدة سنتين وعلم أنه فاته فتح البلاد في هذه الشدة التي أصابتهم وكانت الشدة دوام الغلاء في جميع المغرب من سنة سبع وثلاثين إلى هذه السنة وكان أشد ذلك سنة اثنتين وأربعين فإن الناس فارقوا البلاد والقرى ودخل أكثرهم إلى مدينة صقلية وأكل الناس بعضهم بعضا وكثر الموت في الناس فاغتنم رجار هذه السنة فعمر الأسطول وأكثر منه فبلغ نحو مائتين وخمسين شينيا مملوءة رجالا وسلاحا وقوتا وسار الأسطول عن صقلية ووصل إلى جزيرة قوصرة وهي ما بين المهدية وصقلية فصدفوا بها مركبا ووصل إلى المهدية فأخذ أهله واحضروا بين يدي جرجي مقدم الأسطول فسألهم عن حال أفريقية ووجد في المركب قفص حمام فسألهم هل أرسلوا منها فحلفوا بالله أنهم لم يرسلوا شيئا فأمر الرجل الذي كان في الحمام صحبته أن يكتب بخطه إننا لما وصلنا جزيرة قوصرة وجدنا بها مراكب من صقلية فسألناهم عن الأسطول المخذول فذكروا أنه أقلع إلى جزائر القسطنطينية وأطلق الحمام فوصل إلى المهدية فسر الأمير الحسن والناس وأراد جرجي بذلك أن يصل بغتة ثم سار وقدر وصولهم إلى المهدية وقت السحر ليحيط بها قبل أن يخرج أهلها فلو تم له ذلك لم يسلم منهم أحد فقدر الله تعالى أن أرسل عليهم ريحا هائلا فلم يقدروا على السير إلا بالمقاذيف فطلع النهار ثاني صفر في هذه 351 السنة قبل وصولهم فرآهم الناس فلما رأى جرجي ذلك وأن الخديعة فاتته أرسل إلى الأمير الحسن يقول إنما جئت بهذا الأسطول طالبا بثأر محمد بن رشيد صاحب قابس ورده إليها وأما أنت فبيننا وبينك عهود وميثاق إلى مدة ونريد منك عسكرا يكون معنا
فجمع الحسن الناس من الفقهاء والأعيان وشاورهم فقالوا نقاتل عدونا فإن بلدنا حصين فقال أخاف أن ينزل إلى البر ويحصرنا برا وبحرا ويحول بيننا وبيت الميرة وليس عندنا ما يقوتنا شهرا فنؤخذ قهرا وأنا أرى سلامة المسلمين من الأسر والقتل خيرا من الملك وقد طلب مني عسكرا إلى قابس فإن فعلت فما يحل لي معونة الكفار على المسلمين وإن امتنعت يقول انتقض ما بيننا من الصلح وليس يريد إلا أن يثبطنا وحتى يحول بيننا وبين البر وليس لنا بقتاله طاقة والرأي أن نخرج بالأهل والولد وننزل عن البلد فمن أراد أن يفعل كفعلنا فليبادر معنا وأمر في الحال بالرحيل وأخذ معه من حضره وما خف حمله وخرج الناس على وجههم بأهليهم وأولادهم وما خف من أموالهم وأثاثهم ومن الناس من اختفى عند النصارى وفي الكنائس وبقي الأسطول في البحر تمنعه الريح من الوصول إلى المهدية إلى ثلثي النهار فلم يبق في البلد ممن عزم على الخروج أحد فوصل الفرنج ودخلوا البلد بغير مانع ولا دافع ودخل جرجي القصر فوجده على حاله لم يأخذ الحسن منه إلا ما خف من ذخائر الملوك وفيه جماعة من حظاياه ورأى الخزائن مملوءة من الذخائر النفيسة وكل شيء غريب يقل وجود مثله فختم عليه وجمع سراري الحسن من قصره وكان عدة من ملك منهم من زيري بن مناد إلى الحسن تسعة ملوك ومدة ولايتهم مائة سنة وثمانين سنة من إحدى وستين وثلاثمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وكان بعض القواد قد أرسله الحسن إلى رجار برسالة فأخذ لنفسه وأهله منه أمانا فلم يخرج معهم ولما ملك المدينة نهبت مقدار ساعتين ونودي بالأمان خرج من كان مستخفيا وأصبح جرجي من الغد فأرسل إلى من قرب من العرب فدخلوا إليه فأحسن إليهم وأعطاهم أموالا جزيلة وأرسل من جند المهدية الذين تخلفوا بها جماعة ومعهم أمان لأهل المهدية الذين خرجوا منها ودواب يحملون عليها الأطفال والنساء وكانوا قد أشرفوا على الهلاك من الجوع ولهم بالمهدية خبايا وودائع فلما وصل إليهم الأمان رجعوا فلم يمض غير جمعة حتى رجع أكثر أهل البلد وأما الحسن فإنه سار بأهله وأولاده وكانوا اثني عشر ولدا ذكرا غير 352 الاناث وخواص خدمه قاصدا إلى محرز بن زياد وهو بالمعلقة فلقيه في طريقه أمير من العرب يسمى حسن بن ثعلب فطلب منه مالا انكر له في ديوانه فلم يمكن الحسن من إخراج مال لئلا يؤخذ فسلم إليه ولده يحيى رهينة وسار فوصل في اليوم الثاني إلى محرز وكان الحسن قد فضله على جميع العرب وأحسن إليه ووصله بكثير من المال فلقيه محرز لقاء جميلا وتوجع لما حل به فأقام عنده شهورا والحسن كاره للإقامة فأراد المسير إلى ديار مصر إلى الخليفة الحافظ العلوي واشترى مركبا لسفره فسمع جرجي الفرنجي فجهز شواني ليأخذه فعاد الحسن عن ذلك وعزم على المسير إلى عبد المؤمن بالمغرب فأرسل كبار أولاد يحيى وتميما وعليا إلى يحيى بن عبد العزيز وهو من بني حماد وهما أولاد عم يستأذنه في الوصول إليه وتجديد العهد به والمسير من عنده إلى عبد المؤمن فأذن له يحيى فسار إليه فلما وصل لم يجتمع به يحيى وسيره إلى جزيرة بني مزغنان هو وأولاده ووكل به من يمنعهم من التصرف فبقوا كذلك إلى أن ملك عبد المؤمن بجاية سنة سبع وأربعين فحضر عنده وقد ذكرنا حاله هناك ولما استقر جرجي بالمهدية سير أسطولا بعد أسبوع إلى مدينة سفاقس وسير أسطولا آخر إلى مدينة سوسة فأما سوسة فإن أهلها سمعوا خبر المهدية وكان واليها علي بن الحسن الأمير فخرج إلى أبيه وخرج الناس لخروجه فدخلها الفرنج بلا قتال ثاني عشر صفر
وأما سفاقس فإن أهلها أتاهم كثير من العرب فامتنعوا بهم فقاتلهم الفرنج فخرج إليهم أهل البلد فأظهر الفرنج الهزيمة وتبعهم الناس حتى ابعدوا عن البلد ثم عطفوا عليهم فانهزم قوم إلى البلد وقوم إلى البرية وقتل منهم جماعة ودخل الفرنج البلد فملكوه بعد قتال شديد وقتلى كثير وأسر من الرجال وسبي الحريم وذلك في الثالث والعشرين من صفر ثم نودي بالأمان فعاد أهلها إليها وافتكوا حرمهم وأولادهم ورفق بهم وبأهل سوسة والمهدية وبعد ذلك وصلت كتب من رجار لجميع أهل إفريقية بالأمان والمواعيد الحسنة ولما استقرت أحوال البلاد سار جرجي في أسطول إلى قلعة اقليبية وهي قلعة حصينة فلما وصل إليها سمعته العرب فاجتمعوا إليها ونزل إليهم الفرنج فاقتتلوا فانهزم الفرنج وقتل منه خلق كثير فرجعوا خاسرين إلى المهدية وصار للفرنج من طرابلس الغرب إلى قريب تونس ومن المغرب إلى دون القيروان والله أعلم 353
ذكر حصر الفرنج دمشق وما فعل سيف الدين غازي بن زنكي
في هذه السنة سار ملك الألمان من بلاده في خلق وجمع عظيم من الفرنج عازما على قصد بلاد الإسلام وهو لا يشك في ملكها بأيسر قتال لكثرة جموعه وتوفر أمواله وعدده فلما وصل إلى الشام قصده من به من الفرنج وخدموه وامتثلوا أمره ونهيه فأمرهم بالمسير معه إلى دمشق ليحصرها ويملكها بزعمه فساروا معه ونازلوها وحصروها وكان صاحبها مجير الدين أبق بن محمد بن بوري بن طغدكين وليس له من الأمر شيء وإنما الحكم في البلد لمعين الدين أنز مملوك جده طغدكين وهو الذي أقام مجير الدين وكان معين الدين عاقلا عادلا خيرا حسن السيرة فجمع العساكر وحفظ البلد وأقام الفرنج يحاصرونهم ثم إنهم زحفوا سادس ربيع الأول بفارسهم وراجلهم فخرج إليهم أهل البلد والعسكر فقاتلوهم وصبروا لهم وفيمن خرج للقتال الفقيه حجة الدين يوسف بن ذي باس الفندلاوي المغربي كان شيخا كبيرا فقيها صالحا فلما رآه معين الدين وهو راجل قصده وسلم عليه وقال له يا شيخ أنت معذور لكبر سنك ونحن نقوم بالذب على المسلمين وسأله أن يعود فلم يفعل وقال له قد بعت واشترى مني فوالله لا أقلته وى استقلته يعني قول الله تعالى (
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة )
وتقدم فقاتل الفرنج حتى قتل عند النيرب نحو نصف ف سخ عن دمشق وقوي الفرنج وضعف المسلمون فتقدم ملك الألمان حتى نزل بالميدان الأخضر فأيقن الناس بأنه يملك البلد وكان معين الدين قد أرسل إلى سيف الدين غازي بن أتابك زنكي يدعوه إلى نصرة المسلمين وكف العدو عنهم فجمع عساكره وسار إلى الشام واصطحب معه أخاه نور الدين محمود من حلب فنزلوا بمدينة حمص وأرسل إلى معين الدين يقول له قد حضرت ومعي كل من يحمل السلاح من بلادي فأريد أن يكون نوابي بمدينة دمشق لأحضر وألقى الفرنج فإن انهزمت دخلت أنا وعسكري البلد واحتمينا به وإن ظفرنا فالبلد لكم لا أنازعكم فيه
فأرسل إلى الفرنج يتهددهم إن لم يرحلوا عن البلد فكف الفرنج عن القتال خوفا من كثرة الجراح وربما اضطره إلى قتال سيف الدين فأبقوا على نفوسهم فقوي أهل البلد على حفظه واستراحوا من 354 ملازمة الحرب وأرسل معين الدين إلى الفرنج الغرباء يقول لهم إن ملك المشرق قد حضر فإن رحلتم وإلا سلمت البلد إليه وحينئذ تندمون
وأرسل إلى فرنج الشام يقول لهم بأي عقل تساعدون هؤلاء علينا وأنتم تعلمون أنهم إن ملكوا دمشق أخذوا ما بأيدكم من البلاد الساحلية وأما أنا فإن رأيت الضعف عن حفظ البلد سلمته إلى سيف الدين وأنتم تعلمون أنه إن ملك دمشق لا يبقى لكم معه مقام في الشام فأجابوه إلى التخلي عن ملك الألمان وبذل لهم تسلم حصن بانياس إليهم واجتمع الساحلية بملك الألمان وخوفوه من سيف الدين وكثرة عساكره وتتابع الأمداد إليه وإنه ربما أخذ دمشق وتضعف عن مقاومته ولم يزالوا به حتى رحل عن البلد وتسلموا قلعة بانياس وعاد الفرنج الألمانية إلى بلادهم وهي بزوراء القسطنطينية وكفى الله المؤمنين شرهم
وقد ذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في تاريخ دمشق أن بعض العلماء حكى له أنه رأى الفندلاوي في المنام فقال له ما فعل الله بك وأين أنت فقال غفر لي وأنا في جنات عدن على سرر متقابلين
ذكر ملك نور الدين محمود بن زنكي حصن العزيمة
لما سار الفرنج عن دمشق رحل نور الدين إلى حصن العزيمة وهو للفرنج فملكه وسبب ذلك أن ملك الألمان لما خرج إلى الشام كان معه ولد الفنش صاحب طليطلة وهو من أولاد أكابر ملوك الفرنج وكان جده هو الذي أخذ طرابلس من القمص إلى نور الدين محمود وقد اجتمع هو ومعين الدين أنز ببعلبك يقول له ولمعين الدين ليقصدا حصن العزيمة ويملكا ولد الفنش فسارا إليه مجدين في عساكرهما وأرسلا إلى سيف الدين وهو بحمص يستنجدانه فأمدهما بعسكر كثير من الأمير عز الدين أبي بكر الدبيسي صاحب جزيرة ابن عمر وغيرها فنازلوا الحصن وحضروه وبه ابن الفنش وامتنع به فزحف المسلمون إليه غير مرة وتقدم إليه النقابون فنقبوا السور فاستسلم حينئذ من به من الفرنج فملكه المسلمون وأخذوا كل من به من فارس وراجل وصبي وامرأة وفيهم ابن الفنش وأخربوا الحصن وعادوا إلى سيف 355 الدين وكان مثل ابن الفنش كما قيل خرجت النعامة تطلب قرنين فعادت بغير أذنين
ذكر الخلف بين السلطان مسعود وجماعة من الأمراء ووصولهم إلى بغداد وما كان منهم بالعراق
في هذه السنة فارق السلطان مسعود جماعة من أكابر الأمراء وهم من أذربيجان أيلدكز المسعودي صاحب كنجة وأرنية وقيصر ومن الجبل البقش كون خر وتتر الحاجب وهو مسعودي أيضا وطرنطاوي المحمودي شحنة واسط والدين وقرقوب وابن طغايرك وكان سبب ذلك ميل السلطان إلى خاص بك واطراحه لهم فخافوا أن يفعل بهم مثل فعله بعبد الرحمن وعباس وبوزابة ففارقوه وساروا نحو العراق فلما بلغوا حلوان خاف الناس ببغداد وأعمال العراق وغلت الأسعار وتقدم الإمام المقتفي لأمر الله بإصلاح السور وترميمه وأرسل الخليفة إليهم بالعبادي الواعظ فلم يرجعوا إلى قوله ووصلوا إلى بغداد في ربيع الآخر والملك محمد ابن السلطان محمود معهم ونزلوا بالجانب الشرقي وفارق مسعود بلال شحنة بغداد البلد خوفا من الخليفة وسار إلى تكريت وكانت له فعظم الأمر على أهل بغداد ووصل إليهم علي بن دبيس صاحب الحلة فنزل بالجانب الغربي فجند الخليفة أجنادا يحتمي بهم ووقع القتال بين الأمراء وبين عامة بغداد ومن بها من العسكر واقتتلوا عدة دفعات
ففي بعض الأيام انهزم الأمراء الأعاجم من عامة بغداد مكرا وخديعة وتبعهم العامة فلما أبعدوا عادوا عليهم وصار بعض العسكر من ورائهم ووضعوا السيف فقتل من العامة خلق كثير ولم يبقوا على صغير ولا كبير وفتكوا فيهم فأصيب أهل بغداد بما لم يصابوا بمثله وكثر القتلى والجرحى وأسر منهم خلق كثير فقتل البعض وشهر بالبعض ودفن الناس من عرفوا ومن لم يعرف ترك طريحا بالصحراء وتفرق العسكر في المحال الغربية فأخذوا من أهلها الأموال الكثيرة ونهبوا بلد دجيل وغيره وأخذوا النساء والولدان ثم إن الأمراء اجتمعوا ونزلوا مقابل التاج وقبلوا الأرض واعتذروا وترددت الرسل بينهم وبين الخليفة إلى آخر النهار وعادوا إلى خيامهم ورحلوا إلى النهروان فنهبوا البلاد وأفسدوا فيها وعاد مسعود بلال شحنة بغداد من تكريت إلى بغداد ثم إن هؤلاء الأمراء تفرقوا وفارقوا العراق وتوفي 356 الأمير قيصر بأذربيجان وهذا كله والسلطان مسعود مقيم ببلد الجبل والرسل بينه وبين عمه السلطان سنجر متصلة وكان السلطان سنجر قد أرسل إليه يلومه على تقديم خاص بك ويأمره بإبعاده ويتهدده بأنه إن لم يفعل أن يقصده ويزيله عن السلطنة وهو يغالط ولا يفعل فسار السلطان سنجر إلى الري فلما علم السلطان مسعود بوصوله سار إليه وترضاه واستنزله عما في نفسه فسكن وكان اجتماعهما سنة أربع وأربعين على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر انهزام الفرنج بيغرى
في هذه السنة هزم نور الدين محمد بن زنكي الفرنج بمكان اسمه يغرى من أرض الشام وكانوا قد تجمعوا ليقصدوا أعمال حلب ليغيروا عليها فعلم نور الدين فسار إليهم في عسكره فالتقوا بيغرى واقتتلوا قتالا شديدا أجلت المعركة عن انهزام الفرنج وقتل كثير منهم وأسر جماعة من مقدميهم ولم ينج من ذلك الجمع إلا القليل وأرسل من الغنيمة والأسارى إلى أخيه سيف الدين وإلى الخليفة ببغداد وإلى السلطان مسعود وغيرهم وفي هذه الوقعة يقول ابن القيسراني في قصيدته التي أولها
( يا ليت أن الصد مصدود
أو لا فليت النوم مردود )
ومنها ما هو في ذكر نور الدين
( وكيف لا يثنى على عيشنا ال
محمود والسلطان محمود )
( وصارم الإسلام لا ينثني
إلا وشلو الكفر مقدود )
( مكارم لم تك موجودة
إلا ونور الدين موجود )
( وكم له من وقعة يومها
عند الملوك الكفر مشهود )
ذكر ملك الغورية غزنة وعودهم عنها
في هذه السنة قصد سوري بن الحسين ملك الغور مدينة غزنة فملكها وسبب ذلك أن أخاه ملك الغورية قبله محمد بن الحسين كان قد صاهر بهرام شاه مسعود بن غبراهيم صاحب غزنة وهو من بيت سبكتكين فعظم شأنه بالمصاهرة وعلت همته فجمع جموعا كثيرة وسار إلى غزنة ليملكها
وقيل إنما 357 سار إليها مظهرا الخدمة والزيارة وهو يريد المكر والغدر فعلم به بهرام شاه فأخذه وسجنه ثم قتله فعظم قتله على الغورية ولم يمكنهم الأخذ بثأره ولما قتل ملك بعده أخوه سام بن الحسين فمات بالجدري وملك بعده أخوه الملك سوري بن الحسين بلاد الغور والله أعلم
وقوي أمره وتمكن في ملكه فجمع عسكره من الفارس والراجل وسار إلى غزنة طالبا بثأر أخيه المقتول وقاصدا ملك غزنة فلما وصل إليها ملكها في جمادى الأولى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة وفارقها بهرام شاه إلى بلاد الهند وجمع جموعا كثيرة وعاد إلى غزنة وعلى مقدمته السلار الحسين وإبراهيم العلوي أمير هندوستان وكان عسكر غزنة الذين أقاموا مع سوري بن الحسين الغوري وخدموه قلوبهم مع بهرام شاه وإنما هم بظواهرهم مع سوري فلما التقى سوري وبهرام شاه رجع عسكر غزنة في المحرم سنة أربع وأربعين وصلب الملك سوري مع السيد الماهياني في المحرم أيضا من السنة
وكان سوري أحد الأجواد له الكرم الغزير والمروءة العظيمة حتى إنه كان يرمي الدراهم في المقاليع إلى الفقراء لتقع بيد من تقع ومن يتفق له
ثم عاود الغورية وملكوها وخربوها وقد ذكرناه سنة سبع وأربعين وذكرنا هناك ابتداء دولة الغورية لأنهم في ذلك الوقت عظم محلهم وفارقوا الجبال وقصدوا خراسان وعلا شأنهم وفي بعض الخلف كما ذكرناه والله أعلم
ذكر ملك الفرنج مدنا من الأندلس
في هذه السنة ملك الفرنج بالأندلس مدينة طرطوشة وملكوا معها جميع قلاعها وحصون لاردة وأفراغه ولم يبق للمسلمين في تلك الجهات شيء إلا واستولى الفرنج على جميعه لاختلاف المسلمين بينهم وبقي بأيدهم إلى الآن
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة توفي أبو بكر المبارك بن الكامل بن أبي غالب البغدادي المعروف أبو بالخفاف سمع الحديث الكثير وكان مفيد بغداد
وفيها غلت الأسعار بالعراق وتعذرت الأقوات بسبب العسكر الوارد وقدم أهل 358 السواد إلى بغداد منهزمين قد أخذت أموالهم وهلكوا جوعا وعريا وكذلك أيضا كان الغلاء في أكثر بلاد خراسان وبلاد الجبل وأصفهان وديار فارس والجزيرة والشام وأما المغرب فكان أشد غلاء بسبب انقطاع الغيث ودخول العدو إليها
وفيها توفي إبراهيم بن نبهان الرقي ومولده سنة تسع وخمسين وأربعمائة وصحب الغزالي والشاسي وروى الجمع بين الصحيحين للحميدي عن مصنفه
وفيها في ذي القعدة توفي الإمام أبو الفضل الكرماني الفقيه الحنفي إمام خراسان 359
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وخمسمائة
ذكر وفاة سيف الدين غازي بن أتابك زنكي وبعض سيرته وملك أخيه قطب الدين
في هذه السنة توفي سيف الدين غازي بن أتابك زنكي صاحب الموصل بها بمرض حاد ولما اشتد مرضه أرسل إلى بغداد واستدعى أوحد الزمان فحضر عنده فرأى شدة مرضه فعالجه فلم ينجح فيه الدواء وتوفي أواخر جمادى الآخرة
وكانت ولايته ثلاث سنين وشهرا وعشرين يوما وكان حسن الصورة والشباب وكانت ولادته سنة خمسمائة ودفن بالمدرسة التي بناها بالموصل وخلف ولدا ذكرا فرباه عمه نور الدين محمود وأحسن تربيته وزوجه ابنة أخيه قطب الدين مودود فلم تطل أيامه وتوفي في عنفوان شبابه فانقرض عقب سيف الدين وكان كريما شجاعا عاقلا وكان يصنع كل يوم لعسكره طعاما كثيرا بكرة وعشية فأما الذي بكرة فيكون مائة رأس غنم جيدة وهو أول من حمل على رأسه السنجق وأمر الأجناد أن لا يركبوا إلا بالسيف في أوساطهم والدبوس تحت أركبهم فلما فعل ذلك اقتدى به أصحاب الأطراف وبنى المدرسة الأتابكية العتيقة بالموصل وهي من أحسن المدارس ووقفها على الحنفية والشافعية وبنى رباطا للصوفية بالموصل أيضا على باب المشرعة ولم تطل أيامه ليفعل ما في نفسه من الخير وكان عظيم الهمة ومن جملة كرمه أنه قصده شهاب الدين الحيص بيص وامتدحه بقصيدته التي أولها
( إلام يراك المجد في زي شاعر
وقد نحلت شوقا فروع المنابر )
فوصلت بألف دينار عين سوى الخلع وغيرها
ولما توفي سيف الدين غازي كان أخوه قطب الدين مقيما بالموصل فاتفق جمال الدين الوزير وزين الدين علي أمير الجيش على تمليكه فأحضروه واستحلفوه وحلفوا له وأركبوه إلى دار السلطنة وزين الدين في ركابه وأطاعه جميع بلاد أخيه 360 سيف الدين كالموصل والجزيرة ولما ملك تزوج الخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش التي كان قد تزوجها أخوه سيف الدين وتوفي قبل الدخول بها وهي أم أولاد قطب الدين سيف الدين وعز الدين وغيرهما من أولاده
ذكر استيلاء نور الدين على سنجار
لما ملك قطب الدين مودود الموصل بعد أخيه سيف الدين غازي كان أخوه الأكبر نور الدين محمود بالشام وله حلب وحماة فكاتبه جماعة من الأمراء وطلبوه وفيمن كاتبه المقدم عبد الملك والد شمس الدين محمد وكان حينئذ مستحفظا لسنجار فأرسل إليه يستدعيه ليتسلم سنجار فسار جريدة في سبعين فارسا من أمراء دولته فوصل إلى ماكسين في نفر يسير قد سبق من أصحابه وكان يوما شديد المطر فلم يعرفهم الذي يحفظ الباب فأخبر الشحنة أن نفرا من التركمان المتجندين قد دخلوا البلد فلم يستتم كلامه حتى دخل نور الدين الدار على الشحنة فقام إليه وقبل يده ولحق به باقي أصحابه
ثم سار إلى سنجار فوصلها وليس معه غير ركابي وسلاح دار ونزل بظاهر البلد وأرسل إلى المقدم يعلمه بوصوله فرآه الرسول وقد سار إلى الموصل وترك ولده شمس الدين محمدا بالقلعة فأعلمه بمسير والده إلى الموصل وأقام من لحق أباه بالطريق فأعلمه بوصول نور الدين فعاد إلى سنجار فسلمها إليه فدخلها نور الدين وأرسل إلى فخر الدين قرا أرسلان صاحب الحصن يستدعيه إليه لمودة كانت بينهما فوصل إليه في عسكره فلما سمع أتابك قطب الدين وجمال الدين وزين الدين بالموصل بذلك جمعوا عساكرهم وساروا نحو سنجار فقال لهم جمال الدين ليس من الرأي محاقنته وقتاله فإننا نحن قد عظمنا محله عند السلطان وما هو بصدده من الغزاة وجعلنا أنفسنا دونه وهو يظهر للفرنج تعظيما وأنه تبعنا ولا يزال يقول لهم إن كنتم كما يجب وإلا سلمت البلاد لصاحب الموصل وحينئذ يفعل بكم ويصنع فإذا لقيناه فإن هزمناه طمع السلطان فينا ويقول هذا الذي كان يعظمونه ويحتمون به أضعف منهم وقد هزموه وإن هو هزمنا طمع فيه الفرنج ويقولون إن الذين كان يحتمي بهم أضعف منه وقد هزمهم وبالجملة فهو ابن أتابك وأشار بالصلح وسار هو إليه فاصطلح وسلم سنجار إلى أخيه قطب الدين وسلم مدينة 361 حمص والرحبة بأرض الشام إليه وبقي الشام له وديار الجزيرة لأخيه واتفقا وعاد نور الدين إلى حلب وأخذ معه ما كان قد ادخره أبو عماد الدين أتابك فيها من الخزائن وكانت كثيرة جدا
ذكر وفاة الحافظ وولاية الظافر ووزارة ابن السلار
في هذه السنة في جمادى الآخرة توفي الحافظ لدين الله عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم بن المنتصر بالله العلوي صاحب مصر وكانت خلافته عشرين سنة إلا خمسة أشهر وعمره نحو من سبع وسبعين سنة ولم يزل في جميعها محكوما عليه يحكم عليه وزراؤه حتى أنه جعل ابنه حسنا وزيرا وولى عهده فحكم عليه واستبد بالأمر دونه وقتل كثيرا من أمراء دولته وصادر كثيرا فلما رأى الحافظ ذلك سقاه سما فمات وقد ذكرناه
ولم يل الأمر من العلويين المصريين من أبوه غير خليفة غير الحافظ والعاضد وسيرد ذكر نسب العاضد وولي الخلافة بعده بمصر ابنه الظاهر بأمر الله أبو منصور اسماعيل بن عبد المجيد الحافظ واستوزر ابن مصال فبقي أربعين يوما يدبر الأمور فقصده العادل بن السلار من ثغر الإسكندرية ونازعه في الوزارة وكان ابن مصال قد خرج من القاهرة في طلب بعض المفسدين من السودان فخالفه العادل بالقاهرة وصار وزيرا وسير عباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي في عسكره وهو ربيب العادل إلى ابن مصال فظفر به وقتله وعاد إلى القاهرة واستقر العادل وتمكن ولم يكن للخليفة معه حكم
وأما سبب وصول عباس إلى مصر فإن جده يحيى أخرج أبا الفتوح من المهدية فلما توفي يحيى وولي بعده بلاد إفريقية ابنه علي بن يحيى بن تميم بن يحيى صاحب افريقية أخرج أخاه أبا الفتوح والد عباس من أفريقية سنة تسع وخمسمائة فسار إلى الديار المصرية ومعه زوجته بلارة بالعادل بن السلار وشب العباس وتقدم عند الظافر حتى ولي الوزارة بعد العادل فإن العادل قتل في المحرم سنة ثمان وأربعين
قيل وضع ربيبه عباس من قتله فلما قتل ولي الوزارة بعده وتمكن منها وكان جلدا حازما ومع هذا ففي أيامه 362 أخذ الفرنج عسقلان واشتد وهن الدولة بذلك
وفي أيامه أخذ نور الدين محمود دمشق من مجير الدين أبق وصار الأمر بعد هذا إلى أن أخذت مصر منهم على ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى
ذكر عود جماعة من الأمراء إلى العراق
في هذه السنة في رجب عاد البقش كون خر والطرنطاوي وابن دبيس ومعهم ملكشاه ابن السلطان محمود إلى العراق وراسلوا الخليفة في الخطبة لملكشاه فلم يلتفت إليه وجمع العساكر وحصن بغداد وأرسل إلى السلطان مسعود يعرفه بالحال فوعده بالوصول إلى بغداد فلم يحضر وكان سبب ذلك ما ذكرناه من وصول عمه السلطان سنجر إلى الري في معنى خاص بك فلما وصل إلى الري سار إليه السلطان مسعود ولقيه واسترضاه فرضي عنه فلما علم البقش بمراسلة الخليفة إلى مسعود نهب النهروان وقبض على الأمير علي بن دبيس في رمضان فلما علم الطرنطاوي بذلك هرب إلى النعمانية ووصل السلطان مسعود منتصف شوال ورحل البقش كون خر من النهروان وأطلق علي بن دبيس فلما وصل السلطان إلى بغداد قصده علي وألقى بنفسه بين يديه واعتذر فرضي عنه
وذكر بعض المؤرخين هذه الحادثة سنة أربع وأربعين وذكر أيضا مثلها سنة ثلاث وأربعين فظنهما حادثتين وأنا أظنها واحدة ولكنا تبعناه في ذلك ونبهنا عليه
ذكر قتل البرنس صاحب انطاكية وهزيمة الفرنج
في هذه السنة غزا نور الدين محمود بن زنكي بلاد الفرنج من ناحية انطاكية وقصد حصن حارم وهو للفرنج فحصره وخرب ربضه ونهب سواده ثم رحل إلى حصن أنب فحصره أيضا
فاجتمعت الفرنج مع البرنس صاحب انطاكية وحارم وتلك الأعمال وساروا إلى نور الدين ليرحلوه عن أنب فلقيهم واقتتلوا قتالا عظيما وباشر نور الدين القتال ذلك اليوم فانهزم الفرنج أقبح هزيمة وقتل منهم جمع كثير وأسروا مثلهم وكان ممن قتل البرنس ملك بعده ابنه بيمند وهو طفل فتزوجت امه ببرنس آخر ليدبر البلد إلى أن يكبر ابنها وأقام معها بأنطاكية ثم إن نور الدين غزاهم غزوة أخرى فاجتمعوا ولقوه فهزمهم وقتل فيهم وأسر وكان فيمن أسر 363 البرنس الثاني زوج أم بيمند فتمكن حينئذ بيمند بأنطاكية وأكثر الشعراء مديح نور الدين وتهنئته بهذا الظفر فإن قتل البرنس كان عظيما عند الطائفتين وممن قال فيه القيسراني الكاتب في القصيدة المشهورة التي أولها
( هذي العزائم لا ما تدعي القضب
وذي المكارم لا ما قالت الكتب )
( وهذه الهمم اللاتي متى خطبت
تعثرت خلفها الأشعار والخطب )
( صافحت يا ابن عماد الدين ذروتها
براحة للمساعي دونها تعب )
( ما زال جدك يبني كل شاهقة
حتى بنى قبة أوتادها الشهب )
( أغرت سيوفك بالإفرنج راجفة
فؤاد رومية الكبرى لها يجب )
( ضربت كبشهم منها بقاصمة
أودى بها الصلب وانحطت بها الصلب )
( طهرت أرض الأعادي من دمائهم
طهارة كل سيف عندها جنب )
ذكر الخلف بين صاحب صقلية وملك الروم
في هذه السنة اختلف رجار الفرنجي صاحب صقلية وملك القسطنطينية وجرى بينهما حروب كثيرة ودامت عدة سنين فاشتغل بعضهم ببعض عن المسلمين ولولا ذلك لملك رجار جميع بلاد أفريقية وكان القتال بينهم برا وبحرا والظفر في جميع ذلك لصاحب صقلية حتى إن اسطوله في بعض السنين وصل إلى مدينة القسطنطينية ودخل فم المينا وأخذوا عدة شواني من الروم وأسروا جمعا منهم ورمى الفرنج طاقات قصر الملك بالنشاب وكان الذي يفعل هذا بالروم والمسلمين جرجي وزير صاحب صقلية فمرض عدة أمراض منها البواسير والحصا ومات سنة ست وأربعين وخمسمائة فسكنت الفتنة واستراح الناس من شره وفساده ولم يكن عند صاحب صقلية من يقوم مقامه بعده
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة زلزلت الأرض زلزلة عظيمة فقيل إن جبلا مقابل حلوان ساخ في الأرض
وفيها ولي أبو المظفر يحيى بن هبيرة وزارة الخليفة المقتفي لأمر الله وكان قبل ذلك صاحب ديوان الزمام وظهر له كفاية عظيمة عند نزول العساكر بظاهر بغداد 364 وحسن قيام في ردهم فرغب الخليفة فيه فاستوزره يوم الأربعاء رابع ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وكان القمر على تربيع زحل فقيل له لو أخرت لبس الخلعة لهذه التربيعات فقال وأي سعادة أكبر من وزارة الخليفة ولبسها ذلك اليوم
وفيها في المحرم توفي قاضي القضاة علي بن الحسين الزيني وولي القضاء عماد الدين أبو الحسن علي بن أحمد الدامغاني
وفيها في المحرم رخصت الأسعار بالعراق وكثرت الخيرات وخرج أهل السواد إلى قراهم
وفيها توفي الأمير نظر أمير الحاج وكان قد سار بالحاج إلى الحلة فمرض واشتد مرضه واستخلف على الحاج قايماز الأرجواني وعاد إلى بغداد مريضا فتوفي في ذي القعدة وكان خصيا عاقلا خيرا له معروف كثير وصدقات وافرة
وفيها توفي أحمد بن نظام الملك الذي كان وزير السلطان محمد والمسترشد بالله
وفيها توفي علي بن رافع بن خليفة الشيباني وهو من أعيان خراسان وله مائة وسبع سنين شمسية
ومات الإمام مسعود الصوابي في المرحم منها
وفيها توفي معين الدين أنز نائب أبق صاحب دمشق وهو كان الحاكم والأمر إليه وكان ابق صورة أمير لا معنى تحتها
وفيها توفي القاضي أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني أبو بكر قاضي تستر وله شعر حسن فمنه قوله
( ولما بلوت الناس أطلب عندهم
أخا ثقة عند اعتراض الشدائد )
( تطلعت في حالي رخاء وشدة
وناديت في الأحياء هل من مساعد )
( فلم أر فيما ساءني غير شامت
ولم أر فيما سرني غير حاسد )
( تمتعتما يا ناظري بنظرة
وأوردتما قلبي أمر الموارد )
( أعيني كفا عن فؤادي فإنه
من البغي سعى اثنين في قتل واحد )
وفيها توفي أبو عبد الله عيسى بن هبة الله بن عيسى البزاز وكان ظريفا وله شعر حسن كتب إليه صديق له رقعة وزاد في خطابه فأجابه
( قد زدتني في الخطاب حتى
خشيت نقصا من الزيادة )
( فاجعل خطابي خطاب مثلي
ولا تغير علي عاده ) 365
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وخمسمائة
ذكر أخذ العرب الحجاج
في هذه السنة رابع عشر المحرم خرج العرب زعب ومن انضم إليها على الحجاج بالغرابي بين مكة والمدينة فأخذوهم ولم يسلم منهم إلا القليل
وكان سبب ذلك أن نظرا أمير الحاج لما عاد من الحلة على ما ذكرنا وسار على الحاج قايماز الأرجواني وكان حدثا غرا فسار بهم إلى مكة فلما رأى أمير مكة قايماز استصغره وطمع في الحاج وتلطف قايماز الحال معه إلى أن عادوا فلما سار عن مكة سمع باجتماع العرب فقال للحاج من المصلحة ألا نمضي إلى المدينة فضج العجم وهددوه بالشكوى منه إلى السلطان سنجر فقال لهم فأعطوا العرب مالا نستكفي به شرهم فامتنعوا من ذلك فسار بهم إلى الغرابي وهو منزل يخرج إليه من مضيق جبلين فوقفوا على فم مضيق وقاتلهم قايماز ومن معه فلما رأى عجزه أخذ لنفسه أمانا وظفروا بالحجاج وغنموا أموالهم وجميع ما معهم وتفرق الناس في البر وهلك منهم خلق كثير لا يصحون كثرة ولم يسلم إلا القليل فوصل بعضهم إلى المدينة وتحملوا منها إلى البلاد وأقام بعضهم مع العرب حتى وصل إلى البلاد
ثم إن الله تعالى اقتص للحاج من زعب فلم يزالوا في نقص وذلة ولقد رأيت شابا منهم بالمدينة سنة ست وسبعين وخمسمائة وجرى بيني وبينه مفاوضة قلت له فيها إنني والله كنت أميل إليك حتى سمعت أنك من زعب فنفرت وخفت شرك فقال لم فقلت بسبب أخذكم الحاج فقال لي أنا لم أدرك ذلك الوقت وكيف رأيت الله صنع بنا والله ما أفلحنا ولا نجحنا قل العدد وطمع العدو فينا 366
ذكر فتح حصن فاميا
في هذه السنة فتح نور الدين محمود بن الشهيد زنكي حصن فاميا من الفرنج وهو مجاور شيزر وحماة على تل عال من أحصن القلاع وأمنعها فسار نور الدين إليه وحصره وبه الفرنج وقاتلهم وضيق على من بها منهم فاجتمع من بالشام من الفرنج وساروا نحوه ليرحلوه عنهم فلم يصلوا إلا وقد ملكه وملأه ذخائر وسلاحا ورجالا وجميع ما يحتاج إليه فلما بلغ سير الفرنج إليه رحل عنه وقد فرغ من أمر الحصن وسار إليهم يطلبهم فحين رأوا أن الحصن قد ملك وقوة عزم نور الدين على لقائهم عدلوا عن طريقه ودخلوا بلادهم وراسلوه في المهادنة وعاد سالما مظفرا ومدحه الشعراء وذكروا هذا الفتح فمن ذلك قال ابن الرومي من قصيدة أولها
( أسنى الممالك ما اطلت منارها
وجعلت مرهفة الدسار دسارها )
( وأحق من ملك البلاد وأهلها
رؤوف تكنف عدله أقطارها )
ومنها في وصف الحصن
( أدركت ثأرك في البغاة وكنت يا
مختار امة أحمد مختارها )
( ضاءت نجومك فوقها ولطالما
باتت تنافثها النجوم شرارها )
( عارية الزمن المعير ثمالها
منك المعيرة فاسترد معارها )
( أمست مع الشعرى العبور وأصبحت
شعراء تستفلى الفحول شوارها )
وهي طويلة
ذكر حصن الفرنج قرطبة ورحيلهم عنها
في هذه السنة سار السليطين وهو الأذفونش وهو ملك طليطلة وأعمالها وهو من ملوك الجلانقة نوع من الفرنج في أربعين ألف فارس إلى مدينة قرطبة فحصرها وهي في ضعف وغلاء فبلغ الخبر إلى عبد المؤمن وهو بمراكش فجهز عسكرا كثيرا وجهز مقدمهم أبا زكريا يحيى بن يرموز ونفذهم إلى قرطبة فلما قاربوا منها لم يقدروا أن يلقوا عسكر السليطين في الوطاء وأرادوا الاجتماع بأهل قرطبة 367 ليمنعوها لخطر العاقبة بعد القتال فسلكوا الجبال الوعرة والمضايق المتشعبة فساروا نحو خمسة وعشرين يوما في الوعر في مسافة أربعة أيام في السهل فوصلوا إلى الجبل المطل على قرطبة فلما رآهم السليطين وتحقق أمرهم رحل عن قرطبة وكان فيها القائد أبو الغمر السائب من ولد القايد بن غلبون وهو من أبطال أهل الأندلس وأمرائها فلما رحل الفرنج خرج منها لوقته وصعد إلى ابن يرموز وقال له انزلوا عاجلا وادخلوا البلد ففعلوا وباتوا فيها فلما أصبحوا من الغد رأوا عسكر السليطين على رأس الجبل الذي كان فيه عسكر عبد المؤمن فقال لهم أبو الغمر هذا الذي خفته عليكم لأني علمت أن السليطين ما أقام إلا طالبا لكم فإن من الموضع الذي كان فيه طريق سهلة ولو لحقكم هناك نال مراده منكم ومن قرطبة فلما رأى السليطين أنهم قد فاتوه علم أنه لم يبق له طمع في قرطبة فرحل عائدا إلى بلاده وكان حصره لقرطبة ثلاثة أشهر والله أعلم
ذكر ملوك الغورية هراة
في هذه السنة سار ملك الغور الحسن بن الحسين وكان أهلها قد كاتبوه وطلبوا تسليمها إليه هربا من الأتراك لهم وزوال هيبة السلطنة عنهم فامتنع أهل هراة عليه ثلاثة أيام ثم خرجوا إليه وسلموا البلد وأطاعوه فأحسن إليهم وأفاض عليهم النعم وغمرهم بالعدل وأظهر طاعة للسلطان سنجر والقيام على الوفاء له والانقياد إليه
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة أمر علاء الدين محمود بن مسعود الغالب على أمر طريثيث إقامة الخطبة للخليفة ولبس السواد ففعل الخطيب ذلك فثار به عمه وأقاربه ومن وافقهم وقاتلوه وكسروا المنبر وقتلوا الخطيب وكان فعل علاء الدين هذا لأن أباه كان مسلما فلما تغلب الإسماعيلية على طريثيث أظهر موافقتهم وأبطن اعتقاد الشريعة وكان يناظر على مذهب الشافعي وازداد تقدما بطريثيث وجرت أمورها بإرادته فلما حضر الموت أوصى أن يغسله فقيه شافعي وأوصى إلى ابنه علاء الدين إن امكنه أن يعيد فيها إظهار شريعة الإسلام فعل فلما رأى من نفسه قوة 368 فعله فلم يتم له وفيها كثر المرض بالعراق لا سيما ببغداد وكثر الموت أيضا فيها ففارقها السلطان مسعود
وفيها توفي الأمير علي بن دبيس بن صدقة صاحب الحلة بأسد أباد واتهم طبيبه محمد بن صالح بالمواطأة عليه فمات الطبيب بعده بقريب
وفيها استوزر عبد المؤمن صاحب بلاد المغرب أبا جعفر بن أبي أحمد الأندلسي وكان مأسورا عنده فوصف له بالعقل وجودة الكتابة فأخرجه من الحبس واستوزره وهو أول وزير كان للموحدين
وفي هذه السنة في المحرم جلس يوسف الدمشقي مدرسا في النظامية ببغداد وكان جلوسه بغير أمر الخليفة فمنع يوم الجمعة من دخول الجامع فصلى في جامع السلطان ومنع من التدريس فتقدم السلطان مسعود إلى الشيخ أبي النجيب بأن يدرس فيها فامتنع بغير أمر الخليفة فاستخرج السلطان إذن الخليفة في ذلك فدرس منتصف المحرم من السنة
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن علي مهران الفقيه الشافعي تفقه على الهراسي وولي قضاء نصيبين ثم ترك القضاء وتزهد فأقام بجزيرة ابن عمر ثم انتقل إلى جبل ببلد الحصن في زاوية وكان له كرامات ظاهرة
وفيها مات الحسن بن ذي النون بن أبي القاسم بن أبي الحسن المسعري أبو المفاخر النيسابوري
سمع الحديث الكثير وكان فقيها أديبا دائم الاشتغال يعظ الناس وكان مما ينشد
( مات الكرام وولوا وانقضوا ومضوا
ومات من بعدهم تلك الكرامات )
( وخلفوني في قوم ذوي سفه
لو أبصروا طيف ضيف في الكرى ماتوا ) 369
ثم دخلت سنة ست وأربعين وخمسمائة
ذكر انهزام نور الدين من جوسلين وأسر جوسلين بعد ذلك
في هذه السنة جمع نور الدين محمود عسكره وسار إلى بلاد جوسلين الفرنجي وهي شمال حلب منها تل باشر وعين تاب وإعزاز وغيرها وعزم على محاصرتها وأخذها وكان جوسلين لعنه الله فارس الفرنج غير مدافع قد جمع الشجاعة والرأي فلما علم بذلك جمع الفرنج فأكثر وسار نحو نور الدين فالتقوا واقتتلوا فانهزم المسلمون وقتل منهم وأسر جمع كثير وكان في جملة من أسر سلاح دار نور الدين فأخذه جوسلين ومعه سلاح نور الدين فسيره إلى الملك مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية واقصرا وقال له هذا سلاح زوج ابنتك وسيأتيك بعده ما أعظم منه فلما علم نور الدين الحال عظم عليه ذلك وعمل الحيلة على جوسلين وهجر الراحة ليأخذ بثأره وأحضر جماعة من أمراء التركمان وبذل لهم الرغائب إن هم ظفروا بجوسلين وسلموه إليه إما قتيلا أو أسيرا لأنه علم أنه متى قصده بنفسه احتمى بجموعه وحصونه فجعل التركمان عليه العيون فخرج متصيدا فلحقت به طائفة منهم وظفروا به فصانعهم على مال يؤديه إليهم فأجابوه إلى إطلاقه إذا حضر المال فأرسل في إحضاره فمضى بعضهم إلى أبي بكر بن الداية نائب نور الدين بحلب فأعلمه الحال فسير عسكرا معه فكبسوا أولئك التركمان وجوسلين معهم فأخذوه أسيرا وأحضروه عنده وكان أسره من أعظم الفتوح لأنه كان شيطانا عاتيا شديدا على المسلمين قاسي القلب وأصيبت النصرانية كافة بأسره ولما أسر سار نور الدين إلى قلاعه فملكها وهي تل باشر وعين تاب وإعزاز وتل خالد وقورس والراوندان وبرج الرصاص وحصن البارة وكفر سود 370 وكفر لاثا ودلوك ومرعش ونهر الجوز وغير ذلك
من أعماله في مدة يسيرة يرد تفصيلها
وكان نور الدين كلما فتح منها حصنا نقل إليه من كل ما تحتاج إليه الحصون خوفا من نكثة تلحق المسلمين من الفرنج فتكون بلادهم غير محتاجة إلى ما يمنعها من العدو ومدحه الشعراء فممن قال فيه القيسراني من قصيدة في ذكر جوسلين
( كما أهدت الأقدار للقمص أسره
وأسعد قرن من حواملك الأسر )
( طغى وبغى عدوا على غلوائه
فأوبقه الكفران عدواه والكفر )
( وأمست عزاز كاسمها بك عزة
تشق على النسرين لو أنها وكر )
( فسر واملك الدنيا ضياء وبهجة
فبالأفق الداجي إلى ذا السنا فقر )
( كأبي بهذا العزم لا فل حده
وأقصاه بالأقصى وقد قضي الأمر )
( وقد أصبح البيت المقدس طاهرا
وليس سوى جاري الدماء له طهر )
ذكر حصر غرناطة والمرية من بلاد الأندلس
في هذه السنة سير عبد المؤمن جيشا كثيفا نحو عشرين الف فارس إلى الأندلس مع أبي حفص عمر بن يحيى الهنتاتي وسير معهم نساءهم فكن يسرن مفردات عليهن البرانس السود ليس معهن غير الخدم ومتى قرب منهن رجل ضرب بالسياط فلما قطعوا الخليج ساروا إلى غرناطة وبها جمع من المرابطين فحصرها عمر وعسكره وضيقوا عليها فجاء إليه أحمد بن ملحان صاحب مدينة وادي آش وأعمالها بجماعته ووحدوا وصار معه وأتاه إبراهيم بن همشك صهر ابن مردنيش صاحب جيان وأصحابه ووحدوا وصاروا أيضا معه فكثر جيشه وحرضوه على المسارعة إلى ابن مردنيش ملك بلاد شرق الأندلس ليبغته بالحصار قبل أن يتجهز فلما سمع ابن مردنيش ذلك خاف على نفسه فأرسل إلى ملك برشلونة من بلاد الفرنج يخبره ويستنجده ويستحثه على الوصول إليه فسار إليه الفرنجي في عشرة لاف فارس وسار عسكر عبد المؤمن فوصوا إلى حمة بلقوارة وبينها وبين مرسية التي هي مقر ابن مردنيش مرحلة فسمعوا بوصول الفرنج فرجع وحصر مدينة المرية وهي للفرنج عدة شهور فاشتد الغلاء في العسكر وعدمت الأقوات فرحلوا عنها وعادوا إلى أشبيلية فأقاموا بها 371
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة فلي ربيع الآخر توفي العبادي الواعظ واسمه المظفر بن اردشير بخوزستان وكان الخليفة المقتفي لأمر الله قد سيره في رسالة إلى الملك محمد بن السلطان محمود ليصلح بينه وبين بدر الحوائزي فتوفي هناك وجلس ولده ببغداد للعزاء وأقيم بحاجب من الديوان العزيز وكان ابنه يجلس ويعظ ويذكر والده ويبكي هو والناس كافة ونقل العبادي إلى بغداد ودفن بالشونيزي ومولده سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وسمع الحديث من أبي بكر السروي وزاهر الشحامي وغيرهما
وفيها انفجر بثق النهروان الذي أتمه يهروز بكثرة الزيادة في تامرا وإهمال أمرها حتى عظم ذلك وتضرر به الناس
وفيها سار الأمير قجق في طائفة من عسكر السلطان سنجر إلى طريثيت بخراسان وأغار على بلاد الإسماعيلية فنهب وسبى وخرب وأحرق المساكن وفعل بهم أفاعيل عظيمة وعاد سالما 372
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وخمسمائة
ذكر ملك عبد المؤمن بجاية وملك بني حماد
في هذه السنة سار عبد المؤمن بن علي إلى بجاية وملكها وملك جميع ممالك بني حماد وكان لما أراد قصدها سار من مراكش إلى سبتة سنة ست وأربعين فأقام بها مدة يعمل الأسطول ويجمع العساكر القريبة منه وأما ما هو على طريقه إلى بجاية من البلاد فكتب إليهم ليتجهزوا ويكونوا على الحركة أي وقت طلبهم والناس يظنون أنه يريد العبور إلى الأندلس فأرسل في قطع السابلة عن بلاد شرق المغرب برا وبحرا وسار من سبتة في صفر سنة سبع وأربعين فأسرع السير وطوى المراحل والعساكر تلقاه في طريقه فلم يشعر أهل بجاية إلا وهو في أعمالها وكان ملكها يحيى بن العزيز بن حماد آخر ملوك بني حماد وكان مولعا بالصيد واللهو لا ينظر في شيء من أمور مملكته قد حكم فيها بنو حمدون فلما اتصل الخبر بميمون بن حمدون جمع العسكر وسار عن بجاية نحو عبد المؤمن فلقيهم مقدمته وهي تزيد على عشرين ألف فارس فانهزم أهل بجاية من غير قتال ودخلت مقدمة عبد المؤمن بجاية قبل وصول عبد المؤمن بيومين وتفرق جميع عسكر يحيى بن العزيز وهربوا برا وبحرا وتحصن يحيى بقلعة قسطنطينية الهواء وهرب اخواه الحرث وعبد الله إلى صقلية ودخل عبد المؤمن بجاية وملك جميع بلاد ابن العزيز بغير قتال ثم إن يحيى نزل إلى عبد المؤمن بالأمان فأمنه وكان يحيى قد فرح لما أخذت بلاد أفريقية من الحسن بن علي بن فرحا ظهر عليه فكان يذمه ويذكر معايبه فلم تطل المدة حتى أخذت بلاده ووصل الحسن بن علي إلى عبد المؤمن في جزائر بني مزغنان وقد ذكرنا سنة ثلاث وأربعين سبب مصيره إليها واجتمعا عنده فأرسل عبد المؤمن يحيى بن العزيز إلى بلاد المغرب وأقام بها وأجرى عليه 373 شيئا كثيرا وأما الحسن بن علي فإنه أحسن إليه والزمه صحبته وأعلى مرتبته فلزمه إلى أن فتح عبد المؤمن المهدية فجعله فيها وأمر واليها أن يقتدي برأيه ويرجع إلى قوله ولما فتح عبد المؤمن بجاية لم يتعرض إلى مال أهلها ولا غيره وسبب ذلك أن بني حمدون استأمنوا فوفى لهم بأمانه
ذكر ظفر عبد المؤمن بصنهاجه
لما ملك عبد المؤمن بجاية تجمعت صنهاجة في أمم لا يحصيها إلا الله تعالى وتقدم عليهم رجل اسمه أبو قصبة واجتمع معهم من كتامة ولواثة وغيرها خلق كثير وقصدوا حرب عبد المؤمن فأرسل إليهم جيشا كثيرا ومقدمهم أبو سعيد يخلف وهو من الخمسين فالتقوا في عرض الجبل شرقي بجاية فانهزم أبو قصبة وقتل أكثر من معه ونهبت أموالهم وسبيت نساؤهم وذراريهم ولما فرغوا من صنهاجة ساروا إلى قلعة بني حماد وهي من أحصن القلاع وأعلاها لا ترام على رأس جبل شاهق لا يكاد الطرف يحققها لعلوها ولكن القدر إذا جاء لا يمنع منه معقل ولا جيوش فلما رأى أهلها عساكر الموحدين هربوا منها في رؤوس الجبال وملكت القلعة وأخذ جميع ما فيها من مال وغيره وحمل إلى عبد المؤمن فقسمه بين أصحابه
ذكر وفاة السلطان مسعود وملك ملكشاه محمد بن محمد
في هذه السنة أول رجب توفي السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بهمذان وكان مرضه حمى حادة نحو اسبوع وكان مولده سنة اثنين وخمسمائة في ذي القعدة ومات معه سعادة البيت السلجوقي فلم يقم له بعده راية يعتمد بها ولا يلتفت إليها
( فما كان قيس هلكه هلك واحد
ولكنه بنيان قوم تهدما )
وكان رحمه الله حسن الأخلاق كثير المزاح والانبساط مع الناس فمن ذلك أن أتابك زنكي صاحب الموصل أرسل إليه القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله ابن القاسم الشهرزوري في رسالة فوصل إليه وأقام معه في العسكر فوقف يوما على خيمة الوزير حتى قارب أذان المغرب فعاد إلى خيمته فأذن المغرب وهو في الطريق فرأى إنسانا فقيها في خيمة فنزل إليه فصلى معه المغرب ثم سأله كمال الدين من أين هو فقال أنا قاضي مدينة كذا فقال له كمال الدين القضاة ثلاثة 374 قاضيان في النار وهو أنا وأنت وقاض في الجنة وهو من لم يعرف أبواب هؤلاء الظلمة ولا يراهم فلما كان الغد أرسل السلطان وأحضر كمال الدين إليه فلما دخل عليه ورآه ضحك
وقال القضاة ثلاثة فقال كمال الدين نعم يا مولانا فقال والله صدقت ما أسعد من لا يرانا ولا نراه ثم أمر أن تقضى حاجته وأعاده من يومه وكان كريما عفيفا عن الأموال التي للرعايا حسن السيرة فيهم من أصلح السلاطين سيرة وألينهم عريكة سهل الأخلاق لطيفا فمن ذلك أنه اجتاز يوما في بعض أطراف بغداد فسمع امرأة تقول لأخرى انظري إلى السلطان فوقف وقال حتى تجيء هذه الست تنظر إلينا
وله فضائل كثيرة ومناقب جمة وكان عهد إلى ملكشاه ابن أخيه السلطان محمود فلما توفي خطب له الأمير خاص بك ورتب الأمور وقررها بين يديه وأذعن له جميع العسكر بالطاعة ولما وصل الخبر إلى بغداد بموت السلطان مسعود هرب الشحنة بها وهو مسعود بلال إلى تكريت واستظهر الخليفة المقتفي لأمر الله على داره ودور أصحاب السلطان ببغداد وأخذ كل ما لهم فيها وكل من كان عنده وديعة لأحد منهم أحضرها بالديوان وجمع الخليفة الرجال والعساكر وأكثر التجنيد وتقدم بإراقة الخمور من مساكن أصحاب السلطان ووجد في دار مسعود بلال شحنة بغداد كثير من الخمر فأريق ولم يكن الناس يظنون أنه شرب الخمر بعد الحج وقبض على المؤيد الأنوسي الشاعر وعلى الحيص بيص الشاعر ثم أطلق الحيص بيص وأعيد عليه ما أخذ منه
ثم إن السلطان ملكشاه سير سلاركرد في عسكر إلى الحلة فدخلها فسار إليه مسعود بلال شحنة بغداد وأظهر له الاتفاق معه فلما اجتمعا قبض عليه مسعود بلال وغرقه واستبد بالحلة فلما علم الخليفة ذلك جهز العساكر إليه مع عون الدين بن هبيرة فسار إليه فلما قاربوا الحلة عبر مسعود بلاد الفرات إليهم وقاتلهم فانهزم من عسكر الخليفة ونادى أهل الحلة بشاعر الخليفة فلم يدخلها وتمت الهزيمة عليه وعلى أصحابه فعاد إلى تكريت وملك عسكر الخليفة الحلة وسير الوزير عسكرا إلى الكوفة وعسكرا إلى واسط فملكوها ثم إن عساكر السلطان وصلت إلى واسط ففارقها عسكر الخليفة فلما سمع الخليفة ذلك تجهز بنفسه وسار عن بغداد إلى واسط ففارقها العسكر السلطاني وملكها الخليفة وسار منها إلى الحلة ثم عاد إلى بغداد فوصلها تاسع عشر ذي القعدة وكانت غيبته خمسة وعشرين يوما 375
ثم إن خاص بك بن بلنكري قبض على الملك ملكشاه الذي خطب له بالسلطة بعد مسعود وأرسل إلى أخيه الملك محمد سنة ثمان وأربعين وهو بخوزستان يستدعيه وكان قصده أن يحضر عنده فيقضه ويخطب لنفسه بالسلطنة فسار الملك محمدا إليه فلما وصل أجلسه على تخت السلطنة أوائل صفر وخطب له بالسلطنة وخدمه وبالغ في خدمته وحمل له هدايا عظيمة جليلة المقدار ثم إنه دخل إلى الملك محمد ثاني يوم وصوله فقتله محمد وقتل معه زنكي الجاندار وألقى برأسهما فتفرق أصحابهما ولم ينتطح فيهما عنزان وكان أيدغدي التركماني المعروف بشملة مع خاص بك فنهاه عن الدخول إلى الملك محمد فلم ينتبه فقتل ونجا شملة فنهب جشير الملك محمد ومضى طالبا خوزستان وأخذ محمد من أموال خاص بك شيئا كثيرا واستقر محمد في السلطنة وتمكن وبقي خاص بك ملقى حتى أكلته الكلاب وكان صبيا تركمانيا اتصل بالسلطان مسعود فتقدم على سائر الأمراء ثم كان هذا خاتمة أمره
ذكر الحرب بين نور الدين محمود وبين الفرنج
في هذه السنة تجمعت الفرنج وحشدت الفارس والراجل وساروا نحو نور الدين وهو ببلاد جولين ليمنعوه عن ملكها
فوصلوا إليه وهو بدلوك فلما قربوا منه رجع إليهم ولقيهم وجرى المصاف بينهم عند دلوك واقتتلوا أشد قتال رآه الناس وصبر الفريقان ثم انهزم الفرنج وقتل منهم وأسر كثير وعاد نور الدين إلى دلوك فملكها واستولى عليها ومما قيل في ذلك
( أعدت بعصرك هذا الأنيق
فتوح النبي وأعصارها )
( فواطأت يا حبذا أحدبها
وأسررت من بدر أبدارها )
( وكان مهاجرها تابعيك
وأنصار رأيك أنصارها )
( فجددت إسلام سلمانها
وعمر جدك عمارها )
( وما يوم أنب إلا كذاك
بل طال بالنوع أشبارها )
( صدمت عزيمتها صدمة
أذابت مع الماء أحجارها )
( وفي تل باشر باشرتهم
بزحف تسور أسوارها )
( وإن دالكتهم دلوك فقد
شددت فصدقت أخبارها ) 376
ذكر الحرب بين سنجر والغورية
في هذه السنة كان بين السلطان سنجر وبين الغورية حرب وكانت دولتهم أول ما قد ظهرت وأول من ملك منهم رجل اسمه الحسين بن الحسين ملك جبال الغور ومدينة فيروزكوه وهي تقارب أعمال غزنة وقوي أمره وتلقب بعلاء الدين وتعرض إلى أعمال ثم جمع جيشا وقصد هراة محاصرا لها فنهب عسكره ناب وأوبة ومارباد من هراة الرود وسار إلى بلخ وحصرها فقاتله الأمير قماج ومعه جمع من الغز فغدروا به وصاروا مع الغوري فملك بلخ فلما سمع السلطان سنجر بذلك سار إليه ليمنعه فثبت له علاء الدين واقتتلوا فانهزم الغورية وأسر علاء الدين وقتل من الغورية خلق كثير ولا سيما الرجالة وأحضر السلطان سنجر علاء الدين بين يديه وقال له يا حسين لو ظفرت بي ما كنت تفعل فأخرج له قيد فضة وقال كنت أقيدك بهذا وأحملك إلى فيروزكوه فخلع عليه سنجر ورده إلى فيروزكوه فبقي بها مدة ثم إنه قصد غزنة وملكها حينئذ بهرام شاه بن مسعود بن محمود بن سبكتكين فلم يثبت بها بين يدي علاء الدين بل فارقها إلى مدينة كرمان وهي مدينة بين غزنة والهند وسكانها قوم يقال لهم أبغان وليست هذه بالولاية المعروفة بكرمان فلما فارق بهرام شاه غزنة ملكها علاء الدين إلى بلد الغور وأمر أخاه أن يخلع على أعيان البلد خلعا نفيسة ويصلهم بصلات سنية ففعل ذلك وأحسن إليهم فلما جاء الشتاء ووقع الثلج وعلم أهل غزنة أن الطريق قد انقطع إليهم فكاتبوا بهرام شاه الذي كان صاحبها واستدعوه إليهم فسار نحوهم في عسكره فلما قارب البلد ثار أهله على سيف الدين فأخذوه بغير قتال وكان العلويين هم الذين تولوا أسره وانهزم الذين كانوا معه فمنهم من نجا ومنهم من أخذ ثم إنهم سودوا وجه سيف الدين وأركبوه بقرة وأطافوا به البلد ثم صلبوه وقالوا فيه أشعارا يهجونه وغنوا بها حتى النساء فلما بلغ الخبر إلى أخيه علاء الدين الحسين قال شعرا معناه إن لم أقلع غزنة في مرة واحدة فلست الحسين بن الحسين ثم توفي بهرام شاه وملك بعده ابنه خسروشاه وتجهز علاء الدين الحسين وسار إلى غزنة سنة خمسين وخمسمائة فلما بلغ الخبر إلى خسروشاه سار عنها إلى لهاوور وملكها علاء الدين ونهبها ثلاثة ايام وأخذ 377 العلويين الذين أسروا أخاه فألقاهم من رؤوس الجبال وخرب المحلة التي صلب فيها وأخذ النساء اللواتي قيل عنهن أنهن كن يغنين بهجاء أخيه والغورية فأدخلهن حماما ومنعهن من الخروج حتى متن فيه وأقام بغزنة حتى أصلحها ثم عاد إلى فيروزكوه ونقل معه من أهل غزنة خلقا كثيرا وحملهم المخالي مملوءة ترابا فبنى به قلعة فلي فيروزكوه وهي موجودة إلى الآن وتلقب بالسلطان المعظم وحمل الخبر على عادة السلاطين السلجوقية
وقد تقدم سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة من أخبارهم وفيه مخالفة لهذا في بعض الأمر وكلا سمعناه ورأيناه في مصنفاتهم فلهذا ذكرنا الأمرين وأقام الحسين على ذلك مدة واستعمل ابني أخيه وهما غياث الدين وشهاب الدين
ذكر ملك غياث الدين وشهاب الدين الغوريين
لما قوي أمر عمهما علاء الدين الحسين بن الحسين استعمل العمال والأمراء على البلاد وكان ابنا أخيه وهما غياث الدين أبو الفتح محمد بن سام وشهاب الدين أبو المظفر محمد بن سام فيمن استعمل على بلد من بلاد الغور اسمه سنجة وكان غياث الدين يلقب حينئذ شمس الدين ويلقب الآخر شهاب الدين فلما استعملهما أحسنا السيرة في عملهما وعدلا وبذلا الأموال فمال الناس إليهما وانتشر ذكرهما فسعى بهما من يحسدهما إلى عمهما علاء الدين وقال إنهما يريدان الوثوب بك وقتلك والاستيلاء على الملك فأرسل عمهما يستدعيهما إليه فامتنعا وكانا قد علما الخبر فلما امتنعا جهز اليهما عسكرا مع قائد يسمى خروش الغوري فلما التقوا انهزم خروش ومن معه وأسر هو وأبقيا عليه وأحسنا إليه وخلعا عليه وأظهرا عصيان عمهما وقطعا خطبته فتوجه إليهما علاء الدين وسارا هما أيضا إليه فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم علاء الدين وأخذ أسيرا وانهزم عسكره فنادى فيهم ابنا أخيه بالأمان فأحضرا عمهما وأجلساه على التخت ووقفا في خدمته فبكى علاء الدين وقال هذان صبيان قد فعلا ما لو قدرت عليه منهما لم أفعله وأحضر القاضي في الحال وزوج غياث الدين بنتا له وجعله ولي عهده وبقي كذلك إلى أن مات
فلما توفي ملك غياث الدين بعده وخطب لنفسه في الغور وغزنة بالملك وبقي كذلك إلى أن ملك الغز غزنة بعد موت علاء الدين طمعوا فيها 378 بموته وبقيت بأيديهم خمس عشر سنة يصبون على أهلها العذاب ويتابعون الظلم كعادتهم في كل بلدة ملكوها ولو أنهم لما ملكوا أحسنوا السيرة في الرعايا لدام ملكهم فلم يزل الغز بغزنة هذه المدة وغياث الدين يقوي أمره ويحسن السيرة والناس يميلون إليه ويقصدونه محبة له
ذكر ملك غياث الدين غزنة وما جاورها من البلاد
لما قوي أمر غياث الدين جهز جيشا كثيفا مع اخيه شهاب الدين إلى غزنة فيه أصناف الغورية والخلج والخراسانية فساروا إليها فلقيهم الغز وقاتلوهم فانهزم الغورية وثبت شهاب الدين فيمن ثبت معه على صاحب علمهم فقتله وأخذ العلم وتركه على حاله فتراجع الغز ولم يكونوا علموا بما كان من شهاب الدين فجاؤوا يطلبون عملهم فكلما جاء إليه طائفة قتلهم فأتى على أكثرهم ودخل غزنة وتسلمها وأحسن السيرة في أهلها وأفاض العدل وسار في غزنة إلى كرمان وشنوران فملكها ثم تعدى إلى ماء السند وعمل على العبور إلى بلد الهند وقصد لها وورد بها يومئذ خسروشاه بن بهرام شاه المقدم ذكر والده فلما سمع خسروشاه بذلك سار فيمن معه إلى ماء السند فمنعه من العبور فرجع عنه وقصد خرشابور فملكها وما يليها من جبال الهند وأعمال الابغان والله أعلم
ذكر ملك شهاب الدين لهاوور
لما ملك شهاب الدين جبال الهند قوي أمره وجنانه وعظمت هيبته في قلوب الناس وأحبوه لحسن سيرته فلما خرج الشتاء وأقبل الربيع من سنة تسع وسبعين وخمسمائة سار نحو لهاوور في جمع عظيم وحشد كثير من خراسان والغور وغيرها فعبر إلى لهاوور وحصرها وأرسل صاحبها خسروشاه إلى أهلها يتهددهم إن منعوه وأعلمهم أنه لا يزول حتى يملك البلد وبذل لخسروشاه الأمان على نفسه وأهله وماله ومن الأقطاع ما أراد وأن يزوج ابنته بابن خسروشاه على أن يطأ بساطه ويخطب لأخيه فامتنع عليه وأقام شهاب الدين محاصرا له مضيقا عليه فلما رأى أهل البلد والعسكر ذلك ضعفت نياتهم في نصرة صاحبهم فخذلوه فأرسل لما رأى ذلك قاضي البلد والخطيب يطلبون له الأمان فأجابه شهاب الدين إلى ذلك وحلف له وخرج إليه ودخل الغورية إلى المدينة وبقي كذلك شهرين مكرما عند 379 شهاب الدين فورد رسول من غياث الدين إلى شهاب الدين يأمره بإنفاذ خسروشاه إليه
ذكر انقراض دولة سبكتكين
لما أنفذ غياث الدين إلى أخيه شهاب الدين يطلب إنفاذ خسروشاه إليه أمره شهاب الدين بالتجهز والمسير فقال أنا لا أعرف أخاك ولا لي حديث إلا معك ولا يمين إلا في عنقك فمناه وطيب قلبه وجهزه وسيره وسير معه ولده وأصحبهما جيشا يحفظونهما فسارا كارهين فلما بلغا فرشابور خرج أهلها إليهما يبكون ويدعون لهما فزجرهم الموكلون بهما وقالوا سلطان يزور سلطانا آخر لأي شيء تبكون وضربوهم فعادوا وخرج ولد خطيبها إلى خسروشاه متوجعا له قال فلما دخلت عليه أعلمته رسالة أبي وقلت إنه قد اعتزل الخطابة ولا حاجة بي إلى خدمة غيركم فقال لي سلم عليه وأعطاني فرجة فوطا ومصلى من عمل الصوفية وقال هذه تذكرة أبيك عند أبي فسلمها إليه وقل له در مع الدهر كيفما دار أنشد بلسان فصيح
( وليس كعهد الدار يا أم مالك
ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل )
قال فانصرفت إلى أبي وعرفته الحال فبكى وقال قد أيقن الرجل بالهلاك ثم رحلوا فلما بلغوا بلد الغور لم يجتمع بهما غياث الدين بل أمر بهما فرفعا إلى بعض القلاع فكان آخر العهد بهما وهو آخر ملوك آل سبكتكين وكان ابتداء دولتهم سنة ست وستين وثلاثمائة فتكون مدة ولايتهم مائتي سنة وثلاث عشرة سنة تقريبا وكان ملوكهم من أحسن الملوك سيرة ولا سيما جدهم محمود فإن آثاره في الجهاد معروفة وأعماله للآخرة مشهورة
( لو كان يقعد فوق الشمس من كرم
قوم بآبائهم أو مجدهم قعدوا )
فتبارك الذي لا يزول ملكه ولا تغيره الدهور فأف لهذه الدهور وأف لهذه الدنيا الدنية تفعل هذا بأبنائها نسأل الله تعالى أن يكشف عن قلوبنا حتى نراها بعين الحقيقة وأن يقبل بنا إليه وأن يشغلنا به عما سواه إنه على كل شيء قديير هكذا ذكر بعض فضلاء خراسان أن خسروشاه آخر ملوك آل سبكتكين وقد ذكر غيره أنه توفي في الملك وملك بعده ابنه ملكشاه وسنذكر في سنة تسع وخمسين وخمسمائة 380 وبالجملة فابتداء دولة الغورية عندي فيها خلف ولو ينكشف الحق فأصلحه إن شاء الله تعالى
ذكر الخطبة لغياث الدين بالسلطنة
لما استقر ملكهم بلهاوور واتسعت مملكتهم وكثرت عساكرهم وأموالهم كتب غياث الدين إلى أخيه شهاب الدين بإقامة الخطبة به بالسلطنة وتلقب بألقاب السلاطين كان لقبه شمس الدين فتلقب غياث الدين والدنيا معين الإسلام قسيم أمير المؤمنين ولقب أخاه بعز الدين ففعل شهاب الدين ذلك وخطب له بالسلطنة
ذكر ملك غياث الدين وغيرها من خراسان
لما فرغ شهاب الدين من إصلاح أمر لهاوور وتقرير قواعدها سار إلى أخيه غياث الدين فلما اجتمع به استقر رأيهما على المسير إلى خراسان وقصد مدينة هراة ومحاصرتها فسارا في العساكر الكثيرة اليها وكان بها جماعة من الأتراك السنجرية فنازلا البلد وحصراه وضيقا على من به فاستسلموا اليهما وأرسلوا يطلبون الأمان منهما فأجاباهم إلى ذلك وأمناهم فتسلما البلد وأخرجا من فيه من الأمراء السنجرية واستناب فيه غياث الدين خزنك الغوري وسار غياث الدين وأخوه إلى فوشنج فملكاها ثم إلى باذغيس وكالين وبيوار فملكاها أيضا وتسلم ذلك جميعه غياث الدين وأحسن السيرة في أهل البلاد ورجع إلى فيروزكوه ورجع شهاب الدين إلى غزنة وكان ينبغي أن حوادث الغورية تذكر في السنين وإنما جمعناها ليتلو بعضها بعضا ولأن فيه ما لم يعرف تاريخه فتركناه بحاله
ذكر مالك شهاب الدين مدينة آجرة من بلد الهند
لما رجع شهاب الدين من خراسان إلى غزنة أقام بها حتى أراح واستراح هو وعساكره ثم سار إلى بلد الهند فحاصر مدينة آجرة وبها ملك من ملوك الهند فلم يظفر منه بطائل وكان للهندي زوجة غالبة على أمره فراسلها شهاب الدين أنه يتزوجها فأعادت الجواب أنها لا تصلح له وانها لها ابنة جميلة تزوحه إياها فأرسل إليها يجيبها إلى التزويج بابنتها فسقت زوجها سما فمات وسلمت البلد إليه فلما تسلمه أخذ الصبية فأسلمت وتزوجها وحملها إلى غزنة وأجرى عليها الجرايات الوافرة 381 ووكل بها من علمها القرآن وتشاغل عنها فتوفيت والدتها ثم توفيت هي بعد عشر سنين ولم يرها ولم يقربها فبنى لها مشهدا ودفنها فيه وأهل غزنة يزورون قبرها ثم عاد إلى بلد الهند فذل له صعابها وتيسر له فتح الكثير من بلادهم ودوخ ملوكهم وبلغ منهم ما لم يبلغه أحد قبله من ملوك المسلمين
ذكر ظفر الهند على المسلمين
لما اشتدت نكاية شهاب الدين في بلاد الهند وإثخانه في أهلها واستيلاؤه عليهم اجتمع ملوكهم وتآمروا بينهم ووبخ بعضهم بعضا فاتفق رأيهم على الاجتماع والتعاضد على حربه فجمعوا عساكرهم وحشدوا وأقبل إليهم الهنود من كل فج عميق على الصعب والذلول وجاؤوا بحدهم وحديدهم وكان الحاكم على جميع الملوك المجتمعين امرأة هي من أكبر ملوكهم فلما سمع باجماعهم ومسيرهم إليه تقدم هو أيضا إليهم في عسكر عظيم منن الغورية والخلج والخراسانية فالتقوا واقتتلوا فلم يكن بينهم كثير قتال حتى انهزم المسلمون وركبهم الهند يقتلون ويأسرون وأثخنوا فيهم وأصاب شهاب الدين ضربة بطلت منها يده اليسرى وضربة أخرى على رأسه سقط منها إلى الأرض وحجز الليل بين الفريقين فأحس شهاب الدين بجماعة من غلمانه الأتراك في ظلمة الليل وهم يطلبونه في القتلى ويبكون وقد رجع الهنود إلى ورائهم فكلمهم وهو على ما به من الجهد فجاؤوا إليه مسرعين وحملوه على رؤوسهم رجالة يتناوبون حمله حتى بلغوا مدينة آجرة مع الصباح وشاع خبر سلامته في الناس فجاؤوا إليه يهنئونه من أقطار البلاد فأول ما عمل أنه أخذ امراء الغورية الذين انهزموا عنه وأسلموه فملأ مخالي خيلهم شعيرا وحلف لئن لم يأكلوه ليضربن أعناقهم فأكلوه ضرورة وبلغ الخبر إلى أخيه غياث الدين فأرسل إليه يلومه على عجلته وإقدامه وأنفذ إليه جيشا عظيما
ذكر ظفر المسلمين بالهند
لما سلم شهاب الدين وعاد إلى آجرة وأتاه المدد من أخيه غياث الدين وعاد الهنود جددوا سلاحهم ووفروا جمعهم وأقاموا عوض من قتل منهم وسارت ملكتهم وهم معها في عدد يضيق عنه الفضاء فراسلها شهاب الدين يخدعها بأنه يتزوجها فلم تجبه إلى ذلك وقالت إما الحرب وإما أن تسلم بلاد الهند وتعود إلى 382 غزنة فأجابها إلى العود إلى غزنة وأنه يستأذن أخاه غياث الدين
فعل ذلك مكرا وخديعة
وكان بين العسكرين نهر وقد حفظ الهنود المخاضات فلا يقدر أحد من المسلمين أن يجوزه وأقاموا ينتظرون ما يكون جواب غياث الدين بزعمهم فبينما هم كذلك إذ وصل إنسان هندي إلى شهاب الدين وأعلمه أنه يعرف مخاضا قريب من عسكر الهنود وطلب أن يرسل معه جيشا يعبرهم المخاض ويكسبون الهنود وهم غارون آمنون فخاف شهاب الدين أن تكون خديعة ومكرا فأقام له ضمناء من أهل آجرة والمولتان فأرسل معه جيشا كثيفا وجعل عليهم الأمير الحسين ابن خرميل الغوري وهو الذي صار بعد صاحب هراة وكان من الشجاعة والرأي بالمنزلة المشهورة فسار الجيش مع الهندي فعبروا النهر فلم يشعر الهنود إلا وقد خالطهم المسلمون ووضعوا السيف فيهم فاشتغل الموكلون بحفظ المخاضات فعبر شهاب الدين بعد هذه الوقعة من بلاد الهند وأمن معرة فسادهم والتزموا له بالأموال وسلموا إليه الرهائن وصالحوه وأقطع مملوكه قطب الدين أيبك مدينة دهلي وهي كرسي الممالك التي فتحها من الهند فأرسل عسكرا من الخلج مع محمد بن بختيار فملكوا من بلاد الهند مواضع ما وصل اليها مسلم قبله حتى قاربوا حدود الصين من جهة المشرق وقد حدثني صديق لي من التجار بوقعتين تشبه هاتين الوقعتين المذكورتين وبينهما بعض الخلاف وقد ذكرناهما سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة توفي يعقوب الكاتب ببغداد وكان يسكن بالمدرسة النظامية وحضر متولي التركات وختم على الغرفة التي كان يسكنها بالمدرسة فثار الفقهاء وضربوا المتولي وهذه عادتهم فيمن يموت بها وليس له وارث فقبض حاجب الباب على رجلين من الفقهاء وعاقبهما وحبسهما فأغلق الفقهاء المدرسة وألقوا كرسي الوعاظ في الطريق وصعدوا سطح المدرسة ليلا واستغاثوا وتركوا الأدب وكان حينئذ مدرسهم الشيخ أبا النجيب فجاء وألقى نفسه تحت التاج يعتذر فعفي عنه 383
وفيها توفي حسام الدين تمرتاش صاحب ماردين وميافارقين وكانت ولايته نيفا وثلاثين سنة وتولى بعده ابنه نجم الدين ألبي
وفيها مات أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرموي الشافعي المحدث ومولده سنة تسع وخمسين وأربعمائة
وفيها توفي أبو الأسعد عبد الرحمن القشيري في شوال وهو شيخ شيوخ خراسان
وفيها في المحرم باض ديك ببغداد بيضة وباض بازي بيضتين وباضت نعامة لا ذكر معها بيضة 384
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وخمسمائة
ذكر انهزام سنجر من الغز ونهبهم خراسان وما كان منهم
في هذه السنة في المحرم انهزم السلطان من الأتراك الغز وهم طائفة من الترك مسلمون كانوا بما وراء النهر فلما ملك الخطا أخرجوهم منه كما ذكرنا فقصدوا خراسان وكانوا خلقا كثيرا فأقاموا بنواحي بلخ يرعون في مراعيها وكان لهم أمراء إسم أحدهم دينار والآخر بختيار والآخر طوطي والآخر أرسلان والآخر جفز والآخر محمود فأراد الأمير قماج وهو مقطع بلخ إبعادهم فصانعوه بشيء بذلوه له فعاد عنهم فأقاموا على حالة حسنة لا يؤذون أحدا ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ثم إن قماج عاودهم وأمرهم بالانتقال عن ببلده فامتنعوا وانضم بعضهم إلى بعض واجتمع معهم غيرهم من طوائف الترك فسار قماج إليهم في عشرة آلاف فارس فجاء إليه أمراؤهم وسألوه أن يكف عنهم ويتركهم في مراعيهم ويعطونه من كل بيت مائتي درهم فلم يجبهم إلى ذلك وشدد عليهم في الانتزاح عن بلده فعادوا عنه واجتمعوا وقاتلوه فانهزم قماج ونهبوا ماله ومال عسكره وأكثروا القتل في العسكر والرعايا واسترقوا النساء والأطفال وعملوا كل عظيمة وقتلوا الفقهاء وخربوا المدارس وانتهت الهزيمة بقماج إلى مرو وبها السلطان سنجر فأعلمه الحال فراسلهم سنجر يتهددهم فأمرهم بمفارقة بلاده فاعتذروا وبذلوا بذلا كثيرا ليكف عنهم ويتركهم في مراعيهم فلم يجبهم إلى ذلك وجمع عساكره من أطراف البلاد واجتمع معه ما يزيد على مائة ألف فارس وقصدهم ووقع بينهم حرب شديد فانهزمت عساكر سنجر وانهزم هو أيضا وتبعهم الغز قتلا وأسرا فصار قتلى العسكر كالتلال
وقتل علاء الدين قماج وأسر السلطان سنجر وأسر معه جماعة من الأمراء فأما الأمراء فضربوا أعناقهم وأما السلطان سنجر فإن 385 أمراء الغز اجتمعوا وقبلوا الأرض بين يديه وقالوا نحن عبيدك لا نخرج عن طاعتك فقد علمنا أنك لم ترد قتالنا وإنما حملت عليه فأنت السلطان ونحن العبيد فمضى على ذلك شهران أو ثلاثة ودخلوا معه إلى مرو وهي كرسي ملك خراسان وطلبها منه بختيار اقطاعا فقال السلطان هذا دار الملك ولا يجوز أن تكون أقطاعا لأحد فضحكوا منه وحنق له بختيار بغمه فلما رأى ذلك نزل عن سرير الملك ودخل خانكاه مرو وحنق له بختيار بغمه فلما رأى ذلك نزل عن سرير الملك ودخل خانكاه مرو وتاب عن الملك واستولى الغز على البلاد وظهر منهم من الجور ما لم يسمع بمثله وولوا على نيسابور واليا فقسط على الناس كثيرا وعسفهم وضربهم وعلق في الأسواق ثلاثة غرائر وقال أريد ملء هذه ذهبا فثار عليه العامة فقتلوه ومن معه فركب الغز ودخلوا نيسابور ونهبوها نهبا مجحفا وجعلوها قاعا صفصفا وقتلوا الكبار والصغار وأحرقوا وقتلوا القضاة والعلماء في البلاد كلها فممن قتل الحسين بن محمد الأرسابندي والقاضي علي بن مسعود والشيخ محيي الدين محمد بن يحيى وأكثر الشعراء في مرائي محمد بن يحيى فممن قال فيه علي ابن إبراهيم الكاتب
( مضى الذي كان يجني الدر من فيه
يسيل بالفضل والإفضال واديه )
( مضى ابن يحيى الذي قد كان صوب حيا
لا بر شهر ومصباحا لداجيه )
( خلا خراسان من علم ومن ورع
لما نعاه إلى الآفاق ناعيه )
( لما أماتوه مات الدين واأسفا
من ذا الذي بعد محيي الدين يحييه )
ويتعذر وصف ما جرى منهم بتلك البلاد جميعا ولم يسلم من خراسان شيء لم تنهبه الغز غير هراة ودهستان لأنها كانت حصينة فامتنعت
وقد ذكر بعض مؤرخي خراسان من أخبارهم ما فيه زيادة وضوح وقال إن هؤلاء الغز قوم انتقلوا من نواحي الثغر من اقاصي الترك إلى ما وراء النهر في أيام المهدي وأسلموا واستنصر بهم المقنع صاحب المخاريق الشعبذة حتى تم أمره فلما سارت العساكر إليه خذله هؤلاء الغز وأسلموه وهذه عادتهم في كل دولة كانوا فيها وفعلوا مثل ذلك مع الملوك الخاقانية إلا أن الأتراك القارغلية قمعوهم وطردوهم من أوطانهم فدعاهم الأمير زنكي بن خليفة الشيباني المستولي على حدود طخارستان إليه وأنزلهم بلاده وكانت بينه وبين الأمير قماج عداوة أحكمتها الأيام 386 للمجاورة التي بينهما وكل منهما يريد أن يعلو على الآخر ويحكم عليه فتقوى بهم زنكي وساروا معه إلى بلخ لمحاربة قماج فكاتبهم قماج فمالوا إليه وخذلوا زنكي عند الحرب فأخذ زنكي وابنه أسيرين فقتل قماج ابن زنكي وجعل يطعم أباه لحمه ثم قتل الأب أيضا
وأقطع قماج الغز مواضع وأباحهم مراعي بلاده
فلما قام الحسين بن الحسين الغوري وقصد بلخ خرج إليه قماج وعساكره ومعه الغز ففارقه الغز وانضموا إلى الغوري حتى ملك مدينة بلخ فسار السلطان سنجر إلى بلخ ففارقها الغوري بعد قتال انهزم منه ثم دخل إلى السلطان سنجر لعجره عن مقاومته فرده إلى غزنة وبقي الغز بنواحي طخارستان وفي نفس قماج منهم الغيظ العظيم لما فعلوه معه فأراد صرفهم عن بلاده فتجمعوا وانضم إليهم طوائف من الترك وقدموا عليهم أرسلان موقا التركي فجمع أرسلان قماج عسكره ولقيهم فاقتتلوا يوما كاملا إلى الليل فانهزم قماج وعسكره وأسر هو وابنه أبو بكر فقتلوهما واستولوا على نواحي بلخ وعاثوا فيها وأفسدوا بالنهب والقتل والسلب
وبلغ السلطان سنجر الخبر فجمع عساكره وسار إليهم فراسلوه يعتذرون ويتنصلون فلم يقبل عذرهم ووصل إليهم مقدمة السلطان وفيها محمد بن أبي بكر بن قماج المقتول والمؤيد أي أبه في المحرم من سنة ثمان وأربعين وخمسمائة ووصل بعدهم السلطان سنجر فالتقاه الغز بعد أن أرسلوا يعتذرون ويبذلون الأموال والطاعة والانقياد إلى كل ما يؤمرون به فلم يقبل سنجر ذلك منهم وسار إليهم فلقوه وقاتلوه وصبروا له ودام قتالهم فانهزم عسكر سنجر وهو معهم فتوجهوا إلى بلخ على أقبح صورة وتبعهم الغز واقتتلوا مرة ثانية فانهزم السلطان سنجر أيضا ومضى منهزما إلى مرو في صفر من السنة فقصد الغز إليها فلما سمع العسكر الخراسني بقربهم منهم أجفلوا من بين أيديهم هاربين لما دخل في قلوبهم من خوفهم والرعب منهم فلما فارقها السلطان والعسكر دخلها الغز ونهبوها أفحش نهب وأقبحه وذلك في جمادى الأولى من السنة وقتل بها كثير من أهلها وأعيانها منهم قاضي القضاة الحسن بن محمد الأرسابندي والقاضي علي بن مسعود وغيرهما من الأئمة العلماء ولما خرج سنجر من مرو قصد بوزابة وأخذه الغز أسيرا وأجلسوه على تخت السلطنة على عادته وقاموا بين يديه وبذلوا له الطاعة ثم عاودوا الغارة على مرو في رجب من السنة فمنعهم أهلها وقاتلوهم 387 قتالا شديدا بذلوا فيه جهدهم وطاقتهم ثم إنهم عجزوا فاستسلموا إليهم فنهبوها أقبح من النهب الأول لم يتركوا بها شيئا وكان قد فارق سنجر جميع أمراء خراسان ووزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك ولم يبق عنده غير نفر يسير من خواصه وخدمه فلما وصلوا إلى نيسابور أحضروا الملك سليمان شاه بن السلطان محمود فوصل إلى نيسابور تاسع عشر جمادى الآخرة من السنة فاجتمعوا عليه وخطبوا له بالسلطنة
وسار في هذا الشهر جماعة من العسكر السلطاني إلى طائفة كثيرة من الغز فوقعوا بهم وقتلوا منهم كثيرا وانهزم الباقون إلى أمرائهم الغزية فاجتمعوا معهم ولما اجتمعت العساكر على الملك سليمان شاه وساروا إلى مرو يطلبون الغز فبرز الغز إليهم فساعة رآهم العسكر الخراساني انهزموا وولوا على أدبارهم وقصدوا نيسابور وتبعهم الغز فمروا بطوس وهي معدن العلماء والزهاد فنهبوها وسبوا نساءها وقتلوا رجالها وخربوا مساجدها ومساكن أهلها ولم يسلم من جميع ولاية طوس إلا البلد الذي فيه مشهد علي بن موسى الرضا ومواضع أخر يسيرة لها أسوار وممن قتل من أعيان أهلها إمامها محمد المارشكي ونقيب العلويين بها علي الموسوي وخطيبها اسماعيل بن المحسن وشيخ شيوخها محمد بن محمد وأفنوا من بها من الشيوخ الصالحين وساروا منها إلى نيسابور فوصلوا إليها في شوال سنة تسع وأربعين ولم يجدوا دونها مانعا ولا مدافعا فنهبوها نهبا ذريعا وقتلوا أهلها فأكثروا حتى ظنوا أنهم لم يبقوا بها أحد حتى أنه أحصي في محلتين خمسة عشر ألف قتيل من الرجال دون النساء والصبيان وسبوا نساءها وأطفالها وأخذوا أموالها وبقي القتلى في الدروب كالتلال بعضهم فوق بعض واجتمع أكثر أهلها بالجامع المنبعي تحصنوا به فحصرهم الغز فعجز أهل نيسابور من منعهم فدخل الغز إليهم فقتلوهم عن آخرهم وكانوا يطلبون من الرجال المال فإذا أعطاهم أحد قتلوه وقتلوا كثيرا من أئمة العلماء والصالحين منهم محمد بن يحيى الفقيه الشافعي الذي لم يكن في زمانه مثله كان رحلة الناس من أقصى الغرب والشرق إليه ورثاه جماعة من العلماء منهم أبو الحسن علي بن أبي القاسم البيهقي فقال
( يا سافكا دم عالم متبحر
قد طار في أقصى الممالك صيته )
( بالله قل لي يا ظلوم ولا تخف
من كان محيي الدين كيف تميته ) 388 منهم الزاهد عبد الرحمن بن عبد الصمد الأكاف وأحمد بن الحسين الكاتب سبط القشيري وأبو البركات الفراوي والإمام علي الصباغ المتكلم وأحمد بن محمد بن حامد وعبد الوهاب المقاباذي والقاضي صاعد بن عبد الملك بن صاعد والحسن بن عبد الحميد الرازي وخلق كثير من الأئمة والزهاد والصالحين وأحرقوا ما بها من خزائن الكتب ولم يسلم إلا بعضها وحصروا شارستان وهي منيعة فأحاطوا بها وقاتلهم أهلها من فوق سورها وقصدوا جوين وبذلوا نفوسهم لله تعالى وأحموا بيضتهم والباقي أتى النهب والقتل عليه ثم قصدوا اسفراين فنهبوها وخربوها وقتلوا في أهلها فأكثروا وممن قتل عبد الرشيد الأشعثي وكان من أعيان دولة السلطان فتركها وأقبل على الاشتغال بالعلم وطلب الآخرة وأبو الحسن الفندورجي وكان من ذوي الفضائل لا سيما في علم الأدب
لما فرغ الغز من جوين واسفراين عادوا إلى نيسابور فنهبوا ما بقي فيها بعد النهب الأول وكان قد لحق بشهرستان كثير من أهلها فحصرهم الغز واستولوا عليها ونهبوا ما كان فيها لأهلها ولأهل نيسابور وهتكوا الحرم والأطفال وفعلوا ما لم يفعله الكفار مع المسلمين وكان العيارون أيضا ينهبون نيسابور أشد من نهب الغز ويفعلون أقبح من فعلهم ثم إن السلطان سليمان شاه ضعف وكان قبيح السيرة سيء التدبير وأن وزيره طاهر بن فخر الملك بن نظام الملك توفي في شوال سنة ثمان وأربعين فضعف أمره واستوزر سليمان شاه بعده ابنه نظام الملك أبا علي الحسن بن ظاهر وانحل أمر دولته بالكلية ففارق خراسان في صفر سنة تسع وأربعين وعاد إلى جرجان
فاجتمع الأمراء وراسلوا الخان محمود بن محمد بن بغراخان وهو ابن أخت السلطان سنجر وخطبوا له على منابر خراسان واستدعوه إليهم فملكوه أمورهم وانقادوا له في شوال سنة تسع وأربعين وخمسمائة وساروا معه إلى الغز وهم يحاصرون هراة وجرت بينهم حروب كان الظفر في أكثرها للغز ورحلوا في جمادى الأولى من سنة خمسين وخمسمائة وسار معهم من على هراة إلى مرو وعاودوا المصادرة لأهلها وسار الخان محمود بن محمد إلى نيسابور وقد غلب عليها المؤيد على ما نذكره وراسل الغز في الصلح فاصطلحوا في رجب من سنة خمسين وخمسمائة هدنة على دخل وسيرد باقي أخبارهم سنة اثنتين وخمسين 389
ذكر ملك المؤيد نيسابور وغيرها
كان للسلطان سنجر مملوك اسمه أي أبه ولقبه المؤيد فلما كانت هذه الفتنة تقدم وعلا شأنه وأطاعه كثير من الأمراء فاستولى على نيسابور وطوس ونسا وابيورد وشهرستان والدامغان وأزاح الغز عن الجميع وقتل منهم خلقا كثيرا وأحسن السيرة وعدل في الرعية واستمال الناس ووفر الخراج على أهله وبالغ في مراعاة أرباب البيوت فاستقرت البلاد له ودانت له الرعية لحسن سيرته وعظم شأنه وكثرت جموعه فراسله خاقان محمود بن محمد في تسليم البلاد والحضور عنده فامتنع وترددت الرسل بينهم حتى استقر على المؤيد مال يحمله إلى الملك محمود فكف عنه محمود وأقام المؤيد بالبلاد هو والسلطان محمود
ذكر ملك ايتاخ الري
كان ايتاخ أحد مماليك السلطان سنجر فلما كان من فتنة الغز ما ذكرناه هرب من خراسان ووصل إلى الري فاستولى عليها وأقام بها وأرسل السلطان محمد شاه بن محمود صاحب همذان وأصفهان وغيرهما يخدمه وهاداه وأرضاه وأظهر له الطاعة وبقي بها إلى أن مات السلطان محمد فاستولى على عدة بلاد تجاور الري فملكها فعظم أمره وعلا شأنه وصارت عساكره عشرة آلاف فارس فلما ملك سليمان شاه همذان على ما نذكره حضر عنده وأطاعه لأنسه به كان أيام مقام سليمان شاه بخراسان فتقوى أمره بذلك
ذكر قتل ابن السلار وزير الظافر ووزارة عباس
في هذه السنة في المحرم قتل العادل بن السلار وزير الظافر بالله قتله ربيبه عباس ابن أبي الفتوح بن يحيى الصنهاجي أشار إليه بذلك الأمير أسامة بن منقذ ووافق عليه الخليفة الظافر بالله فأمر ولده نصرا فدخل على العادل وهو عند جدته أم عباس فقتله وولي الوزارة بعده ربيبه عباس وكان بعاس قد قدم من المغرب كما ذكرناه إلى مصر وتعلم الخياطة وكان خياطا حسنا فلما تزوج ابن السلار بأمه أحبه وأحسن تربيته فجازاه بأن قتله وولي بعده وكانت الوزارة في مصر لمن غلب والخلفاء وراء الحجاب والوزارة كالمتملكين وقل أن وليها أحد بعد الأفضل إلا 390 بحرب وقتل وما شاكل ذلك فلذلك ذكرناه في تراجم مفردة
والله أعلم
ذكر الحرب بين العرب وعساكر عبد المؤمن
في هذه السنة في صفر كانت الحرب بين عسكر عبد المؤمن والعرب عند مدينة سطيف وسبب ذلك أن العرب وهم بنو هلال والأبتج وعدي ورياح وزعب وغيرهم من العرب لما ملك عبد المؤمن بلاد بني حماد اجتمعوا من أرض طرابلس إلى أقصى المغرب وقالوا إن جاورنا عبد المؤمن أجلانا من المغرب وليس الرأي إلا إلقاء الجد معه وإخراجه من البلاد قبل أن يتمكن وتحالفوا على التعاون والتظافر وأن لا يخون بعضهم بعضا وعزموا على لقائه بالرجال والأهل والمال ليقاتلوه قتال الحريم واتصل الخبر بالملك رجار الفرنجي صاحب صقلية فأرسل إلى أمراء العرب وهم محرز بن زياد وجبارة بن كامل وحسن بن ثعلب وعيسى بن حسن وغيرهم يحثهم على لقاء عبد المؤمن ويعرض عليهم أن يرسل إليهم خمسة آلاف فارس من الفرنج يقاتلون معهم على شرط أن يرسلوا إليه الرهائن فشكروه وقالوا ما بنا حاجة إلى نجدته ولا نستعين بغير المسلمين وساروا في عدد لا يحصى وكان عبد المؤمن قد رحل من بجاية إلى بلاد المغرب فلما بلغه خبرهم جهز من الموحدين ما يزيد على ثلاثين ألف فارس واستعمل عليهم عبد الله بن عمر الهنتاني وسعد الله بن يحيى وكان العرب أضعافهم فاستجرهم الموحدون وتبعهم العرب إلى أن وصلوا إلى أرض شطيف بين جبال فحمل عليهم عسكر عبد المؤمن والعرب على غير أهبة التقى الجمعان وترك العرب جميع ما لهم من أهل ومال وأثاث ونعم فأخذ الموحدون جميع ذلك وعاد الجيش إلى عبد المؤمن بجميعه فقسم جميع الأموال على عسكره وترك النساء والأولاد تحت الاحتياط ووكل بهم من الخدم الخصيان من يخدمهم ويقوم بحوائجهم وأمر بصيانتهم فلما وصلوا معه إلى مراكش أنزلهم في المساكن الفسيحة وأجرى لهم النفقات الواسعة وأمر عبد المؤمن ابنه محمدا أن يكاتب أمراء العرب ويعلمهم أن نساءهم وأولادهم تحت الحفظ والصيانة وأنه قد بذل لهم الأمان والكرامة
فلما وصل كتاب محمد إلى العرب سارعوا إلى المسير إلى مراكش فلما وصلوا إليها أعطاهم عبد المؤمن نساءهم 391 وأولادهم وأحسن إليهم وأعطاهم أموالا جزيلة فاسترق قلوبهم بذلك وأقاموا عنده وكان بهم حفيا واستعان بهم على ولاية ابنه محمد للعهد على ما نذكره سنة إحدى وخمسين
ذكر ملك الفرنج مدينة بونة وموت رجار وملك ابنه غليالم
في هذه السنة سار أسطول رجار ملك الفرنج بصقلية إلى مدينة بونة وكان المقدم عليهم فتاه فيلب المهدوي فحصرها واستعان بالعرب عليها فأخذها في رجب وسبى أهلها وملك ما فيها غير أنه أغضى عن جماعة من العلماء والصالحين حتى خرجوا بأهليهم وأموالهم إلى القرى فأقام بها عشرة أيام وعاد إلى المهدية وبعض الأسرى معه وعاد إلى صقلية فقبض رجار عليه لما اعتمد من الرفق بالمسلمين في بونة وكان فيلب يقال إنه وجميع فتيانه مسلمون يكتمون ذلك وشهدوا عليه أنه لا يصوم مع الملك وأنه مسلم فجمع رجار الأساقفة والقسوس والرهبان فحكموا بأن يحرق فأحرق في رمضان وهذا أول وهن دخل على المسلمين بصقلية ولم يمهل الله رجار بعده إلا يسيرا حتى مات في العشر الأول من ذي الحجة من السنة وكان مرضه الخوانيق وكان عمره قريب ثمانين سنة وكان ملكه نحو عشرين سنة
ولما مات ملك بعده ابنه غليالم وكان فاسد التدبير سيء التصوير فاستوزر مايو البرصاني فأساء التدبير فاختلفت عليه حصون من جزيرة صقلية وبلاد قلورية وتعدى الأمر إلى أفريقية على ما نذكره
ذكر وفاة بهرام شاخ صاحب غزنة
في هذه السنة في رجب توفي السلطان بهرام شاه بن مسعود بن إبراهيم بن مسعود ابن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة بها وكانت ولاية بهرام شاه ستا وثلاثين سنة وكان عادلا حسن السيرة جميل الطريقة محبا للعلماء مكرما لهم باذلا لهم الأموال الكثيرة جامعا للكتب تقرأ بين يديه ويفهم مضمونها ولما مات ملك ولده خسروشاه الملك بعده
ذكر ملك الفرنج مدينة عسقلان
في هذه السنة ملك الفرنج بالشام مدينة عسقلان وكانت من جملة مملكة الظافر 392 بالله العلوي المصري وكان الفرنج كل سنة يقصدونها ويحصرونها فلا يجدون إلى ملكها سبيلا وكان الوزراء بمصر لهم الحكم في البلاد والخلفاء معهم إسم لا معنى تحته وكان الوزراء كل سنة يرسلون إليها من الذخائر والأسلحة والأموال والرجال من يقوم بحفظها فلما كان في هذه السنة قتل ابن السلار على ما ذكرناه واختلفت الأهواء في مصر وولي عباس الوزارة وإلى أن استقرت قاعدة اغتنم الفرنج اشتغالهم عن عسقلان فاجتمعا وحصروها فصبر أهلها وقاتلوهم قتالا شديدا حتى أنهم بعض الأيام قاتلوا خارج السور وردوا الفرنج إلى خيامهم مقهورين وتبعهم أهل البلد إليها فأيس حينئذ من ملكه فبينا هم على عزم الرحيل إذ قد أتاهم الخبر أن البلد قد وقع بين أهله خلاف وقتل منهم قتلى فصبروا وكان سبب هذا الاختلاف أنهم لما عادوا عن قتال الفرنج قاهرين منصورين ادعى كل طائفة منهم أن النصرة من جهتهم كانت وأنهم هم الذين ردوا الفرنج خاسرين فعظم الخصام بينهم إلى أن قتل من إحدى الطائفتين قتيل واشتد الخطب وعظم حينئذ وتفاقم الشر ووقعت الحرب بينهم فقتل بينهم قتلى فطمع الفرنج وزحفوا إليه وقاتلوا عليه فلم يجدوا من يمنعهم فملكوه
ذكر حصر عسكر الخليفة تكريت وعودهم عنها
في هذه السنة سير الخليفة المقتفي لأمر الله عسكرا إلى تكريت ليحصروها وأرسل معهم مقدما عليهم ابن الوزير عون الدين بن هبيرة وترشك وهو من خواص الخليفة وغيرهما فجرى بين ابن الوزير ترشك فعرف ذلك فأرسل إلى مسعود بلال صاحب تكريت فصالحه وقبض على ابن الوزير ومن معه من المقدمين وسلمهم إلى مسعود بلال فانهزم العسكر وغرق منه كثير وسار مسعود بلال وترشك من تكريت إلى طريق خراسان فنهبا وأفسدا فسار المقتفي عن بغداد لدفعهما فهربا من بين يديه فقصد تكريت فحصرها أياما وجرى له مع أهلها حروب من وراء السور فقتل من العسكر جماعة بالنشاب فعاد الخليفة عنها ولم يملكها 393
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة وصلت مراكب من صقلية فيها جمع من الفرنج فنهبوا مدينة تنيس بالديار المصري
وفيها كان بين الكرج بأرمينية وبين صلتق صاحب أرزن الروم مصاف وحرب شديد وانهزم صلتق وأسره الكرج ثم أطلقوه
وفيها توفي أبو العباس أحمد بن أبي غالب الوراق المعروف بابن الطلاية الزاهد البغدادي بها وكان من الصالحين وله حديث ورواية
وتوفي عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل أبو الفتح بن أبي القاسم الكروخي الهروي راوي جامع الترمذي ومولده سنة اثنتين ومن طريقه سمعناه 394
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وخمسمائة
ذكر قتل الظافر وولاية ابنه الفائز
في هذه السنة في المحرم قتل الظافر بالله أبو المنصور اسماعيل بن الحافظ لدين الله عبد المجيد العلوي صاحب مصر وكان سبب قتله أن وزيره عباسا كان له ولد اسمه نصر فأحبه الظافر وجعله من ندمائه الذين لا يقدر على فراقهم ساعة واحدة فاتفق أن قدم من الشام مؤيد الدولة الأمير أسامة بن منقذ الكناني في وزارة ابن السلار واتصل بعباس فحسن له قتل العادل بن السلار زوج أمه فقتله وولاه الظافر الوزارة فاستبد بالأمر وتم له ذلك وعلم الأمراء والأجناد أن ذلك من فعل ابن منقذ فعزموا على قتله فخلا بعباس وقال له كيف تصبر على ما أسمع من قبيح القول قال وما ذلك قال الناس يزعمون أن الظافر يفعل بابنك نصر وكان نصر خصيصا بالظافر وكان ملازما له ليله ونهاره وكان من اجمل الناس صورة وكان الظافر يتهم به فانزعج لذلك وعظم عليه وقال كيف الحيلة قال تقتله فيذهب عنا العار
فذكر الحال لولده نصر فاتفقا على قتله وقيل إن الظافر أقطع نصر بن عباس قرية قليوب وهي من أعظم قرى مصر فدخل إليه مؤيد الدولة بن منقذ وهو عند أبيه عباس قال له نصر قد أقطعني مولانا قرية قليوب فقال له مؤيد الدولة ما هي في مهرك بكثير
فعظم عليه وعلى أبيه وأنف من هذه الحال وشرع في قتل الظافر فأمر ابنه فحضر نصر عند الظافر وقال له اشتهي أن تجيء إلى داري لدعوة صنعتها ولا تكثر من الجمع فمشى معه في نفر يسير من الخدم ليلا فلما دخل الدار قتله ومن معه وأفلت خويدم صغير اختبأ فلم يروه ودفن القتلى في داره وأخبر أباه عباسا الخبر فبكر إلى القصر وطلب من الخدم الخصيصين بخدمة الظافر أن يطلبوا له إذنا في الدخول عليه لأمر يريد أن يأخذ رأيه فيه فقالوا إنه ليس في القصر فقال لا بد 395 منه وكان غرضه أن ينفي التهمة عنه بقتله وأن يقتل كل من بالقصر ممن يخاف أن ينازعه فيمن يقيمه في الخلافة فلما ألح عليهم عجزوا عن إحضاره فبينما هم يطلبونه حائرين دهشين لا يدرون ما الخبر إذ وصل إليهم الخويدم الصغير الذي شاهد قتله وقد هرب من دار عباس عند غفلتهم عنه وأخبرهم بقتل الظافر فخرجوا إلى عباس وقالوا له سل ولدك عنه فإنه يعرف أين هو لأنهما خرجا جميعا فلما سمع ذلك منهم قال أريد أن اعترض القصر لئلا يكون قد اغتاله أحد من أهله فاستعرض القصر فقتل أخوين للظافر وهما يوسف وجبريل وأجلس الفائز بنصر الله أبا القاسم عيسى بن الظافر بأمر الله اسماعيل ثاني يوم قتل أبوه وله من العمر خمس سنين فحمله عباس على كتفه وأجلسه على سرير الملك وبايع له الناس وأخذ عباس من القصر من الأموال والجواهر والأعلاق النفيسة ما أراد ولم يترك فيه إلا ما لا خير فيه
ذكر وزارة الملك الصالح بن رزيك
كان السبب في وزارة الملك الصالح بن رزيك أن عباسا لما قتل الظافر وأقام الفائز ظن أن الأمر يتم له على ما يريده فكان الحال خلاف ما اعتقده فإن الكلمة اختلفت عليه وثار به الجند والسودان وصار إذا أمر بالأمر لا يلتفت إليه ولا يسمع قوله فأرسل من بالقصر من النساء والخدم إلى الصالح طلائع بن رزيك يستغيثون به وأرسلوا شعورهم على الكتب وكان في منية بني خصيب واليا عليها وليست من الأعمال الجليلة وإنما كانت أقرب الأعمال إليهم وكان يه شهامة فجمع ليقصد عباسا وسار إليه فلما سمع عباس ذلك خرج من مصر نحو الشام بما معه من الأموال التي لا تحصى كثرة والتحف والأشياء التي لا توجد إلا هناك مما كان أخذه من القصر فلما سار وقع به الفرنج فقتلوه وأخذوا جميع ما معه فتقووا به وسار الملك الصالح فدخل القاهرة بأعلام سود وثياب سود حزنا على الظافر والشعور التي أرسلت إليه من القصر على رؤوس الرماح وكان هذا من الفأل العجيب فإن الأعلام السواد العباسية دخلتها وأزالت الأعلام العلوية بعد خمس عشرة سنة ولما دخل الصالح القاهرة خلع عليه خلع الوزارة واستقر في الأمر وأحضر الخادم الذي شاهد قتل الظافر فأراه موضع دفنه فأخرجه ونقله إلى مقابرهم بالقصر ولما قتل الفرنج 396 عباسا أسروا ابنه فأرسل الملك الصالح إلى الفرنج وبذل لهم مالا وأخذه منهم فسار من الشام مع أصحاب الصالح فلم يكلم أحدا كلمة واحدة إلى أن أرى القاهرة فأنشد
( بلى نحن كنا أهلها فأبادنا
صروف الليالي والجدود العواثر )
وأدخل القصر فكان آخر العهد به فإنه قتل وصلب على باب زويلة واستقصى الصالح البيوت الكبار والأعيان
وأدخل القصر فكان آخر العهد به فإنه قتل وصلب على باب زويلة واستقصى الصالح البيوت الكبار والأعيان بالديار المصرية فأمسك أهلها وأبعدهم عن ديارهم وأخذ أموالهم فمنهم من هلك ومنهم تفرق في البلاد والحجاز واليمن وغيرها فعل ذلك خوفا منهم أن يثوروا عليه وينازعوه في الوزارة وكان ابن منقذ قد هرب مع عباس فلما قتل هرب إلى الشام
ذكر حصر تكريت ووقعة بكمزا
في هذه السنة أرسل الخليفة المقتفي لأمر الله رسولا إلى والي تكريت بسبب من عندهم من المأمورين وهم ابن الوزير وغيره فقبضوا على الرسول فسير الخليفة عسكرا إليهم فخرج أهل تكريت فقاتلوا العسكر ومنعوه من الدخول إلى البلد فسار الخليفة بنفسخ مستهل صفر فنزل على البلد فهرب أهله فدخل العسكر فشعثوا ونهبوا بعضه ونصب على القلعة ثلاثة عشرة منجنيقا فسقط من أسوارها برج وبقي الحصر كذلك إلى الخامس والعشرين من ربيع الأول وأمر الخليفة بالقتال والزحف فاشتد القتال وكثر القتلى ولم يبلغ منها غرضا فرحل عائدا إلى بغداد فدخلها آخر الشهر ثم أمر الوزير عون الدين بن هبيرة بالعودة إلى محاصرتها والاستعداد والاستكثار من الآلات للحصار فسار إليها سابع ربيع الآخر ونازلها وضيق عليها فول الخبر بأن مسعود بلال وصل إلى شهرابان ومعه البقش كون خروترشك وعسكر كثير ونهبوا البلاد فعاد الوزير إلى بغداد وكان سبب وصول هذا العسكر أنهم حثوا الملك محمد ابن السلطان محمود على قصد العراق فلم يتهيأ له ذلك 397 فسير هذا العسكر وانضاف إليهم خلق كثير من التركمان فخرج الخليفة إليهم فأرسل بلال مسعود إلى تكريت وأخرج منها الملك أرسلان ابن السلطان طغرل بن محمد وكان محبوسا بتكريت وقال إن هذا سلطان نقاتل بين يديه بإزاء الخليفة والتقى العسكران عند بكمزا وبالقرب من يعقوبا ودام بينهم المناوشة والمحاربة ثمانية عشر يوما ثم إنهم التقوا آخر رجب فاقتتلوا فانهزمت ميمنة عسكر الخليفة وبعض القلب حتى بلغت الهزيمة بغداد ونهبت خزائنه وقتل خازنه فحمل الخليفة بنفسه هو وولي عهده وصاح يا آل هاشم كذب الشيطان وقرأ (
ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ) وحمل باقي العسكر معه فانهزم مسعود والبقش وجميع من معهم وتمت الهزيمة وظفر الخليفة بهم وغنم عسكره جميع مال التركمان من دواب وغنم وغير ذلك فبيع كل كبش بدانق وكانوا قد حضروا بنسائهم وأولادهم وخركاواتهم وجميع مالهم فأخذ جميعه ونودي من أخذ من اولاد التركمان ونسائهم شيئا فليرده فردوه فأخذ البقش كون خر الملك أرسلان وانهزم إلى بلد اللحف وقلعة الماهكين
وفي هذه الحرب غدر بنو عوف من عسكر الخليفة ولحقوا بالعجم ومضى هندي الكردي أيضا معهم وكان الملك محمد قد أرسل عسكرا مع خاص بك بن آقسنقر نجدة لكون خر فلما وصلوا إلى الراذان بلغهم خبر الهزيمة فعاد ورجع الخليفة إلى بغداد فدخلها أوائل شعبان فوصل الخبر أن مسعود بلال وترشك قصدا مدينة واسط فنهبوا وخربوا فسير الخليفة الوزير ابن هبيرة في عسكر خاص عشر شعبان فانهزم العجم فلحقهم عسكر الخليفة ونهب منهم شيئا كثيرا وعاد إلى بغداد فلقب الوزير سلطان العراق ملك الجيوش وسير الخليفة عسكرا إلى بلد اللحف فأخذه وصار في جملته وأما الملك ألب أرسلان بن طغرل فإن البقش أخذه معه إلى بلده فأرسل إليه الملك محمد يقول له ليحضر عنده وأرسلان معه
فمات البقش كون خر في رمضان في هذه السنة وبقي أرسلان مع ابن البقش وحسن الجاندار فحملاه إلى الجبل فخاف السلطان محمد أن يصل أرسلان إلى زوج أمه أبي بكر فيجعله ذريعة إلى قهر البلاد فلم ينفعه حذره واتصل أرسلان بأبي بكر زوج أمه فصار معه وهو أخو بلهوان بن أيلدكز لأمه وطغرل الذي قتله خوارزم شاه ولد أرسلان هذا وكان طغرل آخر السلجوقية 398
ذكر ملك نور الدين محمود مدينة دمشق
في هذه السنة في صفر ملك نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر مدينة دمشق وأخذها من صاحبها مجير الدين أنز بن محمد بن بوري بن طغدكين أتابك وكان سبب حرصه على ملكها أن الفرنج لما ملكوا في العام الماضي مدينة عسقلان لم يكن لنور الدين طريق إلى إزعاجهم عنها لاعتراض دمشق بينه وبين عسقلان فلما ملك الفرنج عسقلان طمعوا في دمشق حتى أنهم استعرضوا كل من بها من مملوك وجارية من النصارى فمن أراد المقام بها تركوه ومن أراد العود إلى وطنه أخذوه قهرا شاء صاحبه أم أبى وكان لهم على أهلها كل سنة قطيعة يأخذونها منهم فكان رسلهم يدخلون البلد ويأخذونها منهم فلما رأى نور الدين ذلك خاف أن يملكها الفرنج فلا يبقى حينئذ للمسلمين بالشام مقام فأعمل الحيلة في أخذها حيث علم أنها لا تملك قوة لأن صاحبها متى رأى غلبة ممن يقصده راسل الفرنج واستعان بهم لئلا يملكها من يقوى بها على قتالهم فراسل مجير الدين صاحبها واستماله وواصله بالهدايا وأظهر له المودة حتى وثق إليه فكان نور الدين يقول له في بعض الأوقات إن فلانا قد كاتبني في تسليم دمشق يعني بعض أمراء مجير الدين فكان يبعد الذي قيل عنه ويأخذ أقطاعه فلما لم يبق عنده من الأمراء أحدا قدم أميرا يقال له عطاء بن حفاظ السلمي الخادم وكان شهما شجاعا وفوض إليه أمر دولته فكان نور الدين لا يتمكن معه من أخذ دمشق فقبض عليه مجير الدين وقتله فسار نور الدين حينئذ إلى دمشق وكان قد كاتب من بها من الأحداث واستمالهم فوعدوه بالتسليم إليه فلما حضر نور الدين البلد أرسل مجير الدين إلى الفرنج يبذل لهم الأموال وتسليم قلعة بعلبك إليهم لينجدوه ويرحلوا نور الدين عنه فشرعوا في جمع فارسهم وراجلهم ليرحلوا نور الدين عن البلد فإلى أن اجتمع لهم ما يريدون تسلم نور الدين البلد فعادوا بخفي حنين
أما كيفية تسليم دمشق فإنه لما حصرها ثار الأحداث الذين راسلهم فسلموا إليه البلد من الباب الشرقي وملكه وحصر مجير الدين في القلعة وراسله في تسليمها وبذل له أقطاعا من جملته مدينة حمص فسلمها إليه وسار إلى حمص واعطاه عوضا عنها بالس فلم يرضها وسار منها إلى العراق وأقام ببغداد وابتنى بها 399 دارا بالقرب من النظامية وتوفي بها
ذكر قصد الإسماعيلية
في هذه السنة في ربيع الآخر اجتمع جمع كثير من الإسماعيلية من قهستان بلغت عدتهم سبعة آلاف رجل ما بين فارس وراجل وساروا يريدون خراسان لاشتغال عساكرهم بالغز وقصدوا أعمال خواف وما يجاورها فلقيهم الأمير فرخشاه بن محمود الكاساني في جماعة من حشمه وأصحابه فعلم أن لا طاقة له بهم وسار عنهم وأرسل إلى الأمير محمد بن أنز وهو من أكابر امراء خراسان وأشجعهم يعرفه الحال وطلب منه المسير إليهم بعسكره ومن قدر عليه من الأمراء ليجتمعوا عليهم ويقاتلوهم فسار محمد بن أنز في جماعة من الأمراء وكثير من العسكر واجتمعوا هم وفرخشاه ودافعوا الإسماعيلية وقاتلوهم وطال الحرب بينهم ثم نصر الله المسلمين وانهزم الإسماعيلية وكثر القتل فيهم وأخذهم السيف من كل مكان وهلك أعيانهم وساداتهم بعضهم قتل وبعضهم أسر ولم يسلم منهم إلا القليل الشريد وخلت قلاعهم وحصونهم من حام ومانع فلولا اشتغال العساكر بالغز لكانوا ملكوها بغير تعب ولا مشقة وأراحوا المسلمين منهم ولكن لله أمر وهو بالغه
ذكر ملك نور الدين تل باشر
في هذه السنة أو التي بعدها ملك نور الدين محمود بن زنكي قلعة تل باشر وهي شمالي حلب من أمنع القلاع
وسبب ملكها أن الفرنج لما رأوا ملك نور الدين دمشق خافوه وعلموا أنه يقوى عليهم ولا يقدرون على الإنتصاف منه لما كانوا يرون منه قبل ملكها فراسله من بهذه القلعة من الفرنج وبذلوا له تسليمها فسير إليهم الأمير حسان المنبجي وهو من أكابر أمرائه وكان اقطاعه ذلك الوقت مدينة منبج وهي تقارب تل باشر وامره أن يسير اليها وتسلمها منهم وحصنها ورفع إليها من الذخائر ما يكفيها سنين كثيرة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة مات أستاذ دار أبو الفتوح عبد الله بن هبة الله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء وكان له صدقات ومعروف كثير ومجالسه للفقراء ولما مات ولي الخلافة 400 ابنه الأكبر عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله ما كان إلى أبيه
وتوفي عبد الرحمن بن عبد الصمد بن أحمد بن علي أبو القاسم الأكاف النيسابوري كان زاهدا عابدا فقيها مناظرا وكان السلطان سنجر يزوره ويتبرك بدعائه وكان ربما حجبه فلا يمكنه من الدخول إليه
وفيها توفي ثقة الدولة أبو الحسن علي بن محمد الزويني القزويني وكان يخدم أبا نصر محمد بن الفرج الأبري وزوجة ابنته شهدة الكاتبة فقربه المقتفي لأمر الله ووكله فبنى مدرسة بباب الأزج 401
ثم دخلت سنة خمسين وخمسمائة
في هذه السنة سار الخليفة المقتفي لأمر الله إلى دقوقا فحصرها وقاتل من بها ثم رحل عنها لأنه بلغه أن عسكر الموصل قد تجهزوا للمسير لمنعه عنها فرحل ولم يبلغ غرضا
وفيها استولى شملة التركماني على خوزستان وصاحبه حينئذ ملكشاه محمود ابن محمد فسير الخليفة إليه عسكرا فلقيهم شملة وأطلقهم وأرسل يعتذر فقبل عذره وسار إلى خوزستان فملكها وأزاح عنها ملكشاه بن السلطان محمود بن محمد
وفيها سار الغزالى نيسابور فملكوها بالسيف ودخلوها وقتلوا محمد بن يحيى الفقيه الشافعي ونحوا من ثلاثين ألفا وكان السلطان سنجر له اسم السلطنة وهو معتقل لا يلتفت إليه حتى أنه أراد كثيرا من الايام ان يركب فلم يكن له من يحمل سلاحه فشده على وسطه وركب وكان إذا قدم إليه طعام يدخر منه ما يأكله وقتا آخر خوفا من انقطاعه عنه لتقصيرهم في واجبه ولأنهم ليس هذا مما يعرفونه
وفيها وثب قسوس الأرمن بمدينة آني فأخذوها من الامير شداد وسلموها إلى أخيه فضلون
وفيها في ذي الحجة قتل الأتراك القارغلية طمغاج خان بن محمد ما وراء النهر وألقوه في الصحراء ونسبوه إلى أشياء قبيحة وكان مدة ملكه مستضعفا غير مهيب
وفيها توفي ابو الفضل محمد بن ناصر بن علي البغدادي الحافظ الأديب وكان 402 مشهورا بالفضل وكان شافعيا وصار حنبليا مغاليا ومولده سنة سبع وستين وأربعمائة في شعبان وكان موته أيضا في شعبان
وفيها كان بالعراق وما جاوره من البلاد زلزلة كبيرة في ذي الحجة
وفيها توفي يحيى الغساني النحوي الموصلي وكان فضلا خيرا وتاج الدين أبو طاهر يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري قاضي جزيرة ابن عمر 403
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
ذكر عصيان الجزائر وافريقية على ملك الفرنج بصقلية وما كان منهم
قد ذكرنا سنة ثمان وأربعين وخمسمائة موت رجار ملك صقلية وملك ولده غليالم وأنه كان فاسد التدبير فخرج عن حكمه عدة من حصون صقلية فلما كان هذه السنة قوي طمع الناس فيه فخرج من طاعته جزيرة جربة وجزيرة فرقنة وأظهروا الخلاف عليه وخالف عليه أهل افريقية فأول من أظهر الخلاف عليه عمر بن أبي الحسين الفريابي بمدينة سفاقس وكان رجار قد استعمل عليها لما فتحها أباه أبا الحسين وكان من العلماء الصالحين فأظهر العجز والضعف وقال استعمل ولدي
فاستعمله وأخذ أباه رهينة إلى صقلية فلما أراد المسير إليها قال لولده عمر إنني كبير السن وقد قارب أجلي فمتى أمكنتك الفرصة في الخلاف على العدو فافعل ولا تراقبهم ولا تنظر في أنني أقتل واحسب أني قدمت
فلما وجد هذه الفرصة دعا أهل المدينة إلى الخلاف وقال يطلع جماعة منكم إلى السور وجماعة يقصدون مساكن الفرنج والنصارى جميعهم ويقتلونهم كلهم فقالوا له إن سيدنا الشيخ والدك نخاف عليه قال هو أمرني بهذا وإذا قتل بالشيخ ألوف من الاعداء فما مات
فلم تطلع الشمس حتى قتلوا الفرنج عن آخرهم وكان ذلك أول سنة إحدى وخمسين وخمسمائة ثم اتبعه يحيى بن مطروح بطرابلس وبعدهما محمد بن رشيد بقابس وسار عسكر عبد المؤمن إلى بونة فملكها وخرج جميع افريقية عن حكم الفرنج ما عدا المهدية وسوسة وأرسل عمر بن أبي الحسين إلى زويلة وهي مدينة بينها وبين المهدية نحو ميدان يحرضهم على الوثوب على من معهم فيها من النصارى فعلوا ذلك وقدم عرب البلاد إلى زويلة فأعانوا أهلها على من 404 بالمهدية من الفرنج وقطعوا الميرة عن المهدية فلما اتصل الخبر بغليالم ملك صقلية أحضر أبا الحسين وعرفه ما عمل ابنه فأمره أن يكتب إليه ينهاه عن ذلك ويأمره بالعود إلى طاعته ويخوفه عاقبة فعله فقال من قدم على هذا يرجع بكتاب فأرسل ملك صقلية إليه رسولا يتهدده ويأمره بترك ما ارتكبه فلم يمكنه عمر من دخول البلد يومه ذلك فلما كان الغد خرج أهل البلد جميعهم ومعهم جنازة والرسول يشاهدهم فدفنوها وعادوا وأرسل عمر إلى الرسول يقول له هذا أبي قد دفنته وقد جلست للعزاء به فاصنعوا به ما اردتم فعاد الرسول يقول له هذا أبي قد دفنته وقد جلست للعزاء به فاصنعوا به ما اردتم فعاد الرسول إلى غليالم فأخبره بما صنع عمر بن أبي الحسين فأخذ أباه وصلبه فلم يزل يذكر الله تعالى حتى مات وأما أهل زويلة فإنهم كثر جمعهم بالعرب وأهل سفاقس وغيرهم فحصروا المهدية وضيقوا عليها وكانت الأقوات بالمهدية قليلة فسير إليهم صاحب صقلية عشرين شينيا فيها الرجال والطعام والسلاح فدخلوا البلد وأرسلوا إلى العرب وبذلوا لهم مالا لينهزموا وخرجوا من الغد فاقتتلوا هم وأهل زويلة فانهزمت العرب وبقي أهل زويلة وأهل سفاقس وركبوا في البحر فنجوا وبقي أهل زويلة فحمل عليهم الفرنج فانهزموا إلى زويلة فوجدوا أبوابها مغلقة فقاتلوا تحت السور وصبروا حتى قتل أكثرهم ولم ينج إلا القليل فتفرقوا ومضى بعضهم إلى عبد المؤمن فلما قتلوا هرب من سلم من الحرم والصبيان والشيوخ في البر ولم يعرجوا على شيء من أموالهم ودخل الفرنج زويلة فقتلوا من وجدوا فيها من النساء والأطفال ونهبوا الأموال واستقر الفرنج بالمهدية إلى أن أخذها منهم عبد المؤمن على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر القبض على سليمان شاه وحبسه بالموصل
في هذه السنة قبض زين الدين على كوجك نائب قطب الدين مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل على الملك سليمان شاه بن السلطان محمد بن ملكشاه وكان سليمان شاه عند عمه السلطان سنجر قديما وقد جعله ولي عهده وخطب له على منابر خراسان فلما جرى لسنجر مع الغز ما ذكرناه وتقدم على عسكر خراسان وضعفوا عن الغز مضى إلى خوارزم شاه فزوجه ابنة أخيه أتسيس ثم بلغه عنه ما كرهه فأبعده فجاء إلى أصفهان فمنعه شحنتها من الدخول فمضى إلى قاشان 405 فسير إليه محمد بن شاه ابن أخيه محمود بن محمد عسكرا أبعدوه عنها فسار إلى خوزستان فمنعه ملكشاه عنها فقصد اللحف ونزل البندنيجين وأرسل رسولا إلى الخليفة المقتفي يعلمه بوصوله وترددت الرسل بينهما إلى أن استقر الأمر على أن يرسل زوجته تكون رهينة فأرسلها إلى بغداد ومعها كثير من الجواري والأتباع وقال قد أرسلت هؤلاء رهائن فإن أذن أمير المؤمنين في دخول بغداد فعلت وإلا رجعت فأكرم الخليفة زوجته ومن معها وأذن له في القدوم إليه فقدم ومعه عسكر خفيف يبلغون ثلاثمائة رجل فخرج ولد الوزير ابن هبيرة لتلقيه ومعه قاضي القضاة والنقيبان ولم يترجل له ابن الوزير ودخل بغداد وعلى رأسه الشمسة وخلع عليه الخليفة وأقام ببغداد إلى أن دخل المحرم من سنة إحد وخمسين وخمسمائة فأحضر فيه سليمان شاه إلى دار الخليفة وأحضر قاضي القضاة والشهود وأعيان العباسيين وحلف للخليفة على النصح والموافقة ولزوم الطاعة وأنه لا يتعرض إلى العراق بحال فلما حلف خطب له ببغداد ولقب ألقاب أبيه غياث الدنيا والدين وباقي ألقابه وخلع عليه خلع السلطنة وسير معه من عسكر بغداد ثلاثة آلاف فارس وجعل الأمير قويدان صاحب الحلة أمير حاجب معه وسار نحو بلاد الجبل في ربيع الأول وسار الخليفة إلى حلوان وأرسل إلى ملكشاه ابن السلطان محمود أخي السلطان محمد صاحب همذان وغيرها يدعوه إلى موفقته فقدم في ألفي فارس فحلف كل منها لصاحبه وجعل ملكشاه ولي عهد سليمان شاه وقواهما الخليفة بالمال والأسلحة وغيرها فساروا واجتمعوا هم وايلدكز فصاروا في جمع كبير فلما سمع السلطان محمد خبرهم أرسل إلى قطب الدين مودود صاحب الموصل ونائبا زين الدين يطلب منهما المساعدة ويبذل لهما البذول الكثيرة إن ظفر فأجاباه إلى ذلك ووافقا فقويت نفسه وسار إلى لقاء سليمان شاه ومن اجتمع معه من عساكره ووقعت الحرب بينهم في جمادى الأولى واشتد القتال بين الفريقين وانهزم سليمان شاه ومن معه وتشتت العسكر ووصل من عسكر الخليفة وكانوا ثلاثة آلاف رجل نحو من خمسين رجلا ولم يقتل منهم أحد وإنما أخذت خيولهم وأموالهم وتشتتوا وجاؤوا متفرقين وفارق سليمات شاه ايلدكز وسار نحو بغداد على شهرزور فخرج إليه زين الدين علي في جماعة من عسكر الموصل وكان بشهرزور الأمير بزان مقطعا لها من جهة زين الدين وسارا فوقفا على طريق سليمان شاه فأخذاه 406 أسيرا وحمله زين الدين إلى قلعة الموصل وحبسه بها مكرما ومحترما إلى أن كان من أمره ما نذكره سنة خمس وخمسين إن شاء الله
فلما قبض سليمان شاه أرسل زين الدين إلى السلطان محمود يعرفه ذلك ووعده المعاضدة على كل ما يريده منه والمساعدة له
والله أعلم
ذكر حصر نور الدين قلعة حارم
في هذه السنة سار نور الدين محمود بن زنكي إلى قلعة حارم وهي للفرنج ثم لبيمند صاحب أنطاكية وهي تقارب انطاكية من شرقيها وحصرها وضيق على أهلها وهي قلعة منيعة في نحور المسلمين فاجتمعت الفرنج من قرب منها ومن بعد وساروا نحوه ليرحلوا عنها وكان بالحصن شيطان من شياطينهم يعرفون عقله ويرجعون إلى رأيه فأرسل إليهم يقول إننا نقدر على حفظ القلعة وليس بنا ضعف فلا تخاطروا أنتم باللقاء فإنه إن هزمكم أخذها وغيرها والرأي مطاولته فأرسلوا إليه وصالحوه على أن يعطوه نصف أعمال حارم فاصطلحوا على ذلك ورحل عنهم فقال بعض الشعراء
( ألبست دين محمد يا نوره
عزا له فوق السها آساد )
( ما زلت تشمله بمياد القنا
حتى تثقف عوده المياد )
( لم يبق مذ أرهفت عزمك دونه
عدد يراع به ولا استعداد )
( إن المنابر لو تطيق تكلما
حمدتك عن خطائبها الأعواد )
( ملق بأطراق القريحة كلكلا
طرفاه ضرب صادق وجلاد )
( حاموا فلما عاينوا خوض الردى
حاموا فرائس كيدهم أو كادوا )
( ورأى البرنس وقد تبرنس ذلة
حزما لحارم والمصاد مصاد )
( من منكر أن ينسف الليل الربا
وأبوه ذاك العارض المداد )
( أو أن يعيد الشمس كاسفة السنى
نار لها ذاك الشهاب زناد )
( لا ينفع الآباء ما سمكوا من ال
علياء حتى يرفع الأولاد )
وهي طويلة
ذكر وفاة خوارزم شاه أتسز وغيره من الملوك
في هذه السنة تاسع جمادى الآخرة توفي خوارزم شاه أتسز بن محمد بن 407 أنوشتكين وكان قد أصابه فالج فتعالج منه فلم يبرأ فاستعمل أدوية شديدة الحرارة بغير أمر الأطباء فاشتد مرضه وضعفت قوته فتوفي وكان يقول عند الموت
( ما أغنى عني ماليه
هلك عني سلطانيه )
وكانت ولادته في رجب سنة تسعين وأربعمائة ولما توفي ملك بعده ابنه أرسلان فقتل نفرا من أعمامه وسمل أخا له فمات بعد ثلاثة أيام وقيل بل قتل نفسه وأرسل إلى السلطان سنجر وكان قد هرب من أسر الغز على ما نذكره ببذل الطاعة والانقياد فكتب له منشورا بولاية خوارزم وسير الخلع له في رمضان فبقي في ولايته ساكنا آمنا وكان أتسز حسن السيرة كافا عن أموال رعيته منصفا لهم محبوبا لهم مؤثرا للاحسان والخير إليهم وكان الرعية معه بين أمن غامر وعدل شامل
وفي سابع عشر الشهر المذكور توفي أبو الفوارس بن محمد بن ارسلان شاه ملك كرمان وملك بعده ابنه سلجوق شاه
وفيها توفي الملك مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان قتلمش صاحب قونية وما يجاورها من بلاد الروم وملك بعده ابنه قلج أرسلان
ذكر هرب السلطان سنجر من الغز
في هذه السنة في رمضان هرب السلطان سنجر بن ملكشاه من أسر الغز وجماعة من الأمراء الذين معه وسار إلى قلعة ترمذ واستظهر بها على الغز وكان خوارزم شاه أتسز بن محمد بن أنوشتكين والخاقان محمود بن محمد يقصدان الغز فيقاتلانهم فيمن معهما فكانت الحرب بينهم سجالا وغلب كل واحد من الغز والخراسانيين على ناحية من خراسان فهو يأكل دخلها لا رأس لهم يجمعهم وسار السلطان سنجر من ترمذ إلى جيحون يريد العبور إلى خراسان فاتفق أن مقدم الأتراك القارغلية واسمه علي بك توفي وكان أشد شيء على السلطان سنجر وعلى غيره وكذلك غيره كثير الشر والفساد وإثارة الفتن فلما توفي أقبلت القارغلية على السلطان سنجر وكذلك غيرهم من سائر الامم من أقاصي البلاد وأدانيها وعاد إلى دار ملكه بمرو في رمضان فكانت مدة أسره مع الغز من سادس جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين إلى رمضان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
ذكر البيعة لمحمد بن عبد المؤمن بولاية عهد أبيه
في هذه السنة أمر عبد المؤمن بالبيعة لولده محمد بولاية عهده وكان الشرط 408 والقاعدة بين عبد المؤمن وبين عمه أن يلي الأمر بعد عبد المؤمن فلما تمكن عبد المؤمن من الملك وكثر أولاده أحب أن ينقل الملك اليهم فأحضر أمراء العرب من هلال وزغب وعدي وغيرهم إليه ووصلهم وأحسن إليهم ووضع عليهم من يقول لهم ليطلبوا من عبد المؤمن ويقولوا له نريد أن تجعل لنا ولي عهد من ولدك يرجع الناس إليه بعدك ففعلوا ذلك فلم يجبهم إكراما لعمر لعلو منزلته في الموحدين وقال لهم إن الأمر لأبي حفص عمر فلما علم عمر ذلك خاف على نفسه فحضر عند عبد المؤمن وأجاب على خلع نفسه فحينئذ بويع لمحمد بولاية العهد وكتب إلى جميع بلاده بذلك وخطب له فيها جميعها فأخرج عبد المؤمن في ذلك اليوم من الأموال شيئا كثيرا
ذكر استعمال عبد المؤمن أولاده على البلاد
في هذه السنة استعمل عبد المؤمن أولاده على البلاد فاستعمل ولده أبا محمد عبد الله على بجاية وأعمالها واستعمل ابنه أبا الحسن عليا على فاس وأعمالها وولى ابنه أبا سعيد سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة وكذلك غيرهم ولقد سلك في استعمالهم طريقا عجيبا وذلك انه كان قد استعمل على البلاد شيوخ الموحدين المشهورين من اصحاب المهدي محمد بن تومرت وكان يتعذر عليه أن يعزلهم فأخذ اولادهم وتركهم عنده يشتغلون في العلوم فلما تمهروا فيها وصاروا يقتدى بهم قال لآبائهم إني أريد أن تكون عندي استعين بكم على ما أنا بصدده ويكون أولادكم في الأعمال لأنهم علماء فقهاء فأجابوا إلى ذلك وهم فرحون مسرورون فولى أولادهم ثم وضع عليهم بعضهم ممن يعتمد عليه فقال إني أرى أمرا عظيما قد فعلتموه فارقتم فيه الحزم والأدب فقالوا وما هو فقال أولادكم في الأعمال وأولاد أمير المؤمنين ليس لهم منها شيء مع ما فيهم من العلم وحسن السياسة وإني أخاف أن ينظر في هذا فتسقط منزلتكم عنده فعلموا صدق القائل فحضروا عند عبد المؤمن وقالوا نحب أن تستعمل على البلاد السادة أولادك فقال لا أفعل فلم يزالوا حتى فعل ذلك لهم بسؤالهم إياه
ذكر حصر السلطان محمد بغداد
في هذه السنة في ذي الحجة حصر السلطان محمد بغداد
وسبب ذلك أن 409 السلطان محمد بن محمود كان قد أرسل إلى الخليفة يطلب أن يخطب له ببغداد والعراق فامتنع الخليفة من إجابته إلى ذلك فسار من همذان في عساكر كثيرة نحو العراق ووعده أتابك قطب الدين صاحب الموصل ونائبه زين الدين علي بإرسال العساكر إليه نجدة له على حصر بغداد فقدم العراق في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين واضطرب الناس ببغداد وأرسل الخليفة يجمع العساكر فأقبل خطلوبرس في عسكر واسط ورحل مهلهل إلى الحلة فأخذها واهتم الخليفة وعون الدين ين هبيرة بأمر الحصار وجمع جميع السفن وقطع الجسر وجعل الجميع تحت التاج ونودي منتصف المحرم سنة اتثنتين وخمسين أن لا يقيم أحد بالجانب الغربي فأجفل الناس وأهل السواد ونقلت الأموال إلى حريم دار الخلافة وخرب الخليفة ونهب أصحابه ما وجدوا وخرب أصحاب محمد شاه نهر القلائين والتوثة وشارع ابن رزق الله وباب الميدان وقطفتا
وأما أهل الكرخ وأهل باب البصرة فإنهم خرجوا إلى عسكر محمد وكسبوا معهم أموالا كثيرة وعبر السلطان محمد فوق حراقة إلى الجانب الغربي ونهبت أونا واتصل به زين الدين هناك وساروا فنول محمد شاه عند الرملة وفرق الخليفة السلاح على الجند والعامة ونصب المنجنيقات والعرادات فلما كان في العشرين من المحرم ركب عسكر محمد شاه وزين الدين علي ووقفوا عند الرقة ورموا بالنشاب إلى ناحية التاج فعبر إليهم عامة بغداد فقاتلوهم ورموهم بالنفط وغيره ثم جرى بينهم عدة حروب وفي ثالث صفر عادوا القتال واشتدت الحرب وعبر كثيير من أهل بغداد سباحة وفي السفن فقتلوا وكان يوما مشهودا ولم تزل الحرب بينهم كل وقت وعمل الجسر على دجلة وعبر عليه أكثر العسكر إلى الجانب الشرقي وصار القتال في الجانبين وبقي زين الدين في الجانب الغربي وأمر الخليفة فنودي كل من جرح فله خمسة دنانير فكان كلما جرح إنسان يحضر عند الوزير فيعطيه خمسة دنانير فاتفق أن بعض العامة جرح جرحا ليس بكبير فحضر إلى الوزير يطلب الدنانير فقال له الوزير ليس هذا الجرح بشيء فعاود القتال فضرب فانشقت جوفه وخرج شيء من شحمها فحمل إلى الوزير فلما رآه قال يا مولانا الوزير أيرضيك هذا فضحك منه وأضعف له ورتب له من يعالج جراحته إلى أن برئ
وتعذرت الأقوات في العسكر إلا أن اللحم والفواكه والخضر كثيرة وكانت 410 الغلات ببغداد كثيرة لأن الوزير كان يفرقها في الجند عوض الدنانير يبيعونها فلم تزل الأسعار عندهم رخيصة إلا أن اللحم والفاكهة والخضر قليل عندهم واشتد الحصار على أهل بغداد لانقطاع المواد عنهم وعدم المعيشة لأهلها وكان زين الدين وعسكر الموصل غير مجدين في القتال لأجل الخليفة والمسلمين وقيل لأن نور الدين محمود ابن زنكي وهو أخو قطب الدين صاحب الموصل الأكبر أرسل إلى زين الدين يلومه على قتال الخليفة ففتر وأقصر ولم تزل الحرب في أكثر الأيام وعمل السلطان محمد شاه أربعمائة سلم ليصعد الرجال فيها إلى السور وزحفوا وقاتلوا ففتح أهل بغداد أبواب البلد وقالوا أي حاجة بكم الى السلالم هذه الأبواب مفتحة فادخلوا منها فلم يقدروا على أن يقربوها
فبينما الأمر على ذلك إذ وصل الخبر إلى السلطان محمد أن أخاه ملكشاه وايلدكز صاحب بلاد أران ومعه الملك أرسلان ابن الملك طغرل بن محمد وهو ابن امرأة ايلدكز قد دخلوا همذان واستولوا عليها وأخذوا أهل الأمراء الذين مع محمد شاه وأموالهم فلما سمع محمد شاه ذلك جد في القتال لعله يبلغ مناه فلم يقدر على شيء ورحل عتها نحو همذان في الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة
وعاد زين الدين إلى الموصل وتفرق ذلك الجمع على عزم العود إذ فرغ محمد شاه من إصلاح بلاده فلم يعودوا يجتمعون وفي كثرة حروبهم لم يقتل بينهم إلا نفر يسير وإنما الجراح كان كثيرا
ولما ساروا نهبوا يعقوبا وغيرها من طريق خراسان
ولما رحل العسكر عن بغداد أصاب أهلها أمراض شديدة حادة وموت كثير للشدة التي مرت بهم
وأما ملكشاه وإيلدكز ومن معهما فإنهم ساروا من همذان إلى الري فخرج إليهم إينانج شحنتها وقاتلهم فهزموه فأرسل الملك محمد الأمير سقمس بن قيماز الحرامي في عسكر نجدة لإينانج فسار سقمس وكان إيلدكز وملكشاه ومن معهما قد عادوا من الري يريدون محاصرة الخليفة فلقيهم سقمس وقاتلهم فهزموه ونهبوا عسكره وأثقالهم فاحتاج الملك محمد إلى الإسراع فسار فلما بلغ حلوان بلغه أن ايلدكز بالدينور وأتاه رسول من نائبه اينانج أنه دخل همذان وأعاد الخطبة له فيها فقويت نفسه وهرب شملة صاحب خوزستان إلى بلاده وتفرق أكثر جمع ايلدكز 411 وملكشاه وبقيا في خمسة آلاف فارس فعادا إلى بلادهما شبه الهارب ولما دخل محمد شاه همذان أراد التجهيز لقصد بلاد ايلدكز فابتدأ به مرض السل وبقي به إلى أن مات
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في ربيع الأول أطلق أبو الوليد البدر الوزير بن هبيرة من حبس تكريت ولما قدم بغداد خرج أخوه والموكب يتلقونه وكان يوما مشهودا وكان مقامه في الحبس يزيد على ثلاث سنوات
وفيها احترقت بغداد في ربيع الآخرة وكثر الحريق بها واحترق درب فراشا ودرب الدواب ودرب اللبان وخرابة بن حربة والظفرية والخاتونية ودار الخلافة وباب الأزج وسوق السلطان وغير ذلك
وفي في شوال قصد الإسماعيلية طبس بخراسان فأوقعوا بها وقعة عظيمة وأسروا جماعة من أعيان دولة السلطان ونهبوا أولادهم ودوابهم وقتلوا فيهم
وفيها في ذي القعدة توفي شيخ الإسلام أبو المعالي الحسن بن عبيد الله بن أحمد بن محمد المعروف بابن الرزاز بنيسابور وهو من أعيان الأفاضل
وفي هذه السنة توفي مريد الدين بن بيسان رئيس آمد والحاكم فيها على صاحبها وولي ما كان إليه بعده ابنه كمال الدين أبو القاسم
وتوفي أبو الحسن علي بن الحسين الغزنوي الواعظ المشهور ببغداد وكان قدم إليها سنة ست عشرة وخمسمائة وكان له قبول عظيم عند السلاطين والعامة والخلفاء إلا أن المقتفي أعرض عنه بعد موت السلطان مسعود لإقبال السلطان عليه وكان موته في المحرم
وتوفي أبو الحسن بن الخل الفقيه الشافعي شيخ الشافعية ببغداد وكان يؤم بالخليفة في الصلاة
وتوفي ابن الآمد الشاعر وهو من أهل النيل من أعيان الشعراء في طبقة الغزي والأرجاني وكان عمره قد زاد على تسعين سنة 412
وفيها قتل مظفر بن حماد بن أبي الخير صاحب البطيحة قتله نفيس بن فضل ابن أبي الخير في الحمام وولي بعده
وفيها توفي الواوا الحلبي الشاعر المشهور
وفيها في رمضان توفي الحكيم أبو جعفر بن محمد البخاري باسفراين وكان عالما بعلوم الحكماء الأوائل 413
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة
ذكر الزلازل بالشام
في هذه السنة في رجب كان بالشام زلازل قوية خربت كثيرا من البلاد وهلك فيها ما لا يحصى كثرة فخرب منها بالمرة حماه وشيزر وكفر طاب والمعرة وأفاميه وحمص وحصن الأكراد وعرقة واللاذقية وطرابلس وأنطاكية وأما ما لم يكثر فيه الخراب ولكن خرب أكثره في جميع الشام وتهدمت أسوار البلاد والقلاع فقام نور الدين محمود في ذلك المقام المرضي وخاف على بلاد الإسلام من الفرنج حيث خربت الأسوار فجمع عساكره وأقام بأطراف البلاد فلم يزل كذلك حتى فرغ من أسوار البلاد وأما كثرة القتلى فيكفي أن معلما كان بالمدينة وهي مدينة حماه ذكر عنه أنه فارق المكتب لمهم عرض له فجاءت الزلزلة فخربت البلد وسقط المكتب على الصبيان جميعهم قال المعلم فلم يأت أحد يسأل عن صبي كان له بالمكتب
ذكر ملك نور الدين حصن شيزر
نبتدئ بذكر هذا الحصن ولمن كان قبل أن يملكه نور الدين محمود زنكي فنقول هذا الحصن قريب من حماه بينهما نصف نهار وهو على جبل عال منيع لا يسلك إليه إلا من طريق واحدة وكان لآل منقذ الكنانيين يتوارثونه من أيام صالح بن مرداس إلى أن انتهى الأمر إلى أبي المرهف نصر بن علي بن نصر بن منقذ بعد أبيه أبي الحسن علي وكان بيده إلى أن مات سنة إحدى وتسعين وأربعمائة وكان شجاعا كريما فلما حضره الموت استخلف أخاه أبا سلامة مرشد بن علي فقال والله لا وليته ولأخرجن من الدنيا كما دخلتها وكان عالما بالقرآن وهو والد مؤيد الدولة أسامة بن منقذ فولاها أخاه الأصغر سلطان بن علي واصطحبا أجمل صحبة مدة من 414 الزمان فأولد مرشد عدة أولاد ذكور وكبروا وسادوا منهم عز الدولة أبو الحسن علي ومؤيد الدولة أسامة وغيرهما ولم يولد لأخيه سلطان ولد ذكر إلى أن كبر فجاءه أولاد ذكور فحسد أخاه على ذلك وخاف أولاد أخيه على أولاده وسعى بينهم المفسدون فغيروا كلا منهما على أخيه فكتب سلطان إلى أخيه مرشد أبيات شعر يعاتبه على أشياء بلغته عنه فأجابه بشعر في معناه رأيت إثبات ما تمس الحاجة إليه منه وهي هذه الأبيات
( ظلوم أبت في الظلم إلا تماديا
وفي الصد والهجران إلا تغاليا )
( شكت هجرنا والذنب في ذاك ذنبها
فيا عجبا من ظالم جاء شاكيا )
( وطاوعت الواشين في وطالما
عصيت عذولا في هواها وواشيا )
( ومال بها تيه الجمال إلى القلى
وهيهات أن أمسى لها الدهر قاليا )
( ولا ناسيا ما أودعت من عهودها
وإن هي أبدت جفوة وتناسيا )
( ولما أتاني من قريضك جوهر
جمعت المعالي فيه لي والمعانيا )
( وكنت هجرت الشعر حينا لأنه
تولى برغمي حين وليا شبابيا )
( وأين من السنين لفظ مفرق
إذا رمت أدنى القول منه عصانيا )
( وقلت أخي يرعى بني وأسرتي
ويحفظ عهدي فيهم وذماميا )
( ويجزيهم ما لم أكلفه فعله
لنفسي فقد أعددته من تراثيا )
( فمالك لما أن حنى الدهر صعدتي
وثلم مني صارما كان ماضيا )
( تنكرت حتى صار برك قسوة
وقربك مني جفوة وتناسيا )
( وأصبحت صفر الكف مما رجوته
أرى اليأس قد عفى سبيل رجائيا )
( على أنني ما حلت عما عهدته
ولا غيرت هذي السنون وداديا )
( فلا غرو عند الحادثات فإنني
أراك يميني والأنام شماليا )
( تحل بها عذراء لو قرنت بها
نجوم السماء لم تعد دراريا )
( تحلت بدر من صفاتك زانها
كما زان منظوم اللآلي الغوانيا )
( وعش بانيا للمجد ما كان واهيا
مشيدا من الإحسان ما كان هاويا )
وكان الأمر بينهما فيه تماسك فلما توفي مرشد سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة قلب أخوه لأولاده ظهر المجن وبادأهم بما يسوءهم وأخرجهم من شيزر فتفرقوا وقصد أكثرهم نور الدين وشكوا إليه ما لقوا من عمهم
فغاظه ذلك ولم يمكنه قصده 415 والأخذ بثأرهم وإعادتهم إلى وطنهم لاشتغاله بجهاد الفرنج ولخوفه أن يسلم شيزر إلى الفرنج ثم توفي سلطان وولي بعده أولاده فبلغ نور الدين عنهم مراسلة الفرنج فاشتد حنقه عليهم وانتظر فرصة تمكنه فلما خربت القلعة هذه السنة بما ذكرناه من الزلزلة لم ينج من بني منقذ الذين بها احد وسبب هلاكهم أجمعين أن صاحبها منهم كان قد ختن ولدا له وعمل دعوة للناس وأحضر جميع بني منقذ عنده في داره وكان له فرس يحبه ولا يكاد يفارقه وإذا كان في مجلس أقيم الفرس على بابه وكان المهر في ذلك اليوم على باب الدار فجاءت الزلزلة فقام الناس ليخرجوا من الدار فرمح الفرس رجلا كان أولهم فقتله وامتنع الناس من الخروج فسقطت الدار عليهم كلهم وخربت القلعة وسقط سورها وكل بناء فيها ولم ينج منها إلا الشريد فبادر إليها بعض امرائه وكان بالقرب منها فصعد إليها وتسلمها نور الدين منه فملكها وعمر أسوارها ودورها وأعادها جديدة
ذكر وفاة الدبيسي صاحب جزيرة ابن عمر واستيلاء قطب الدين مودود على الجزيرة
كانت الجزيرة لأتابك زنكي فلما قتل سنة إحدى وأربعين أقطعها ابنه سيف الدين غازي للأمير أبي بكر الدبيسي وكان من أكابر أمراء والده فبقيت بيده إلى الآن وتمكن منها وصار بحيث تعذر على قطب الدين أخذها منه فمات في ذي الحجة سنة اثنتين وخمسين ولم يخلف ولدا فاستولى عليها مملوك له اسمه غلبك وأطاعه جندها فحصرهم مودود ثلاثة أشهر ثم تسلمها من غلبك في صفر من سنة ثلاث وخمسين وأعطاه عوضها أقطاعا كثيرة
ذكر وفاة السلطان سنجر
في هذه السنة في ربيع الأول توفي السلطان سنجر بن ملكشاه بن ألب أرسلان أبو الحرث أصابه قولنج ثم بعده إسهال فمات منه ومولده بسنجار من ديار الجزيرة في رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة وسكن خراسان واستوطن مدينة مرو ودخل بغداد مع أخيه السلطان محمد واجتمع معه بالخليفة المستظهر بالله فعهد إلى محمد بالسلطنة وجعل سنجرا ولي عهده فلما مات محمد خوطب لسنجر بالسلطان واستقام أمره وأطاعه السلاطين وخطب له على أكثر منابر الإسلام بالسلطنة نحو 416 أربعين سنة وكان قبلها يخاطب بالملك عشرين سنة ولم يزل أمره عاليا وجده متراقيا إلى أن أسره الغز على ما ذكرناه ثم إنه خلص بعد مدة وجمع إليه أطرافه وكاد يعود إليه ملكه فأدركه أجله وكان مهيبا كريما رفيقا بالرعية وكانت البلاد في زمانه آمنة ولما مات دفن في قبة بناها لنفسه سماها دار الآخرة ولما وصل خبر موته إلى بغداد قطعت خطبته ولم يجلس له في الديوان للعزاء ولما حضر السلطان سنجر الموت استخلف على خراسان الملك محمود بن محمد بن بغراخان وهو ابن اخت السلطان سنجر فأقام بها خائفا من الغز فقصد جرجان يستظهر بها وعاد الغز إلى مرو وخراسان واجتمع طائفة من عساكر خراسان على أي أبه المؤيد فاستولى على طرف من خراسان وبقيت خراسان على هذا الاختلال إلى سنة أربع وخمسين
وراسل الغز الملك محمودا على ما نذكره سنة ثلاث وخمسين وسألوه أن يحضر عندهم ليملكوه عليهم فلم يثق إليهم وخافهم على نفسه فأرسل ابنه إليهم فأطاعوه مديدة ثم لحق بهم الملك محمود على ما نذكره سنة ثلاث وخمسين
ذكر ملك المسلمين مدينة المرية وانقراض دولة الملثمين بالأندلس
في هذه السنة انقرضت دولة الملثمين بالأندلس وملك أصحاب عبد المؤمن مدينة المرية من الفرنج
وسبب ذلك أن عبد المؤمن لما استعمل ابنه أبا سعيد على الجزيرة الخضراء ومالقة عبر ابو سعيد البحر إلى مالقة واتخذها دارا وكاتبه ميمون بن بدر اللمتوني صاحي غرناطة أن يوحد ويسلم إليه غرناطة فقبل أبو سعيد ذلك منه وتسلم غرناطة فسار ميمون إلى مالقة بأهله وولده فتلقاه أبو سعيد وأكرمه ووجهه إلى مراكش فأقبل عليه عبد المؤمن وانقرضت دولة الملثمين ولم يبق لهم إلا جزيرة ميورقة مع حمو بن غانية فلما ملك أبو سعيد غرناطة جمع الجيوش وسار إلى مدينة المرية وهي بأيدي الفرنج أخذوها من المسلمين سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة فلما نازلها وافاه الأسطول من سبتة وفيه خلق كثير من المسلمين فحصروا المرية برا وبحرا وجاء الفرنج إلى حصنها فحصرهم فيها ونزل عسكره على الجبل المشرف عليها وبنى أبو سعيد سورا على الجبل المذكور إلى البحر وعمل عليه خندقا فصارت المدينة والحصن الذي فيه الفرنج محصورا بهذا السور والخندق ولا يمكن من ينجدهما من أن يصل إليهما فجمع الأذفونش ملك الفرنج بالأندلس المعروف 417 بالسليطين في اثني عشر ألف فارس من الفرنج ومعه محمد بن سعيد بن مردنيش في ستة آلاف فارس من المسلمين وراموا الوصول إلى المدينة ودفع المسلمين عنها فلم يطيقوا ذلك فرجع السليطين وابن مردنيش خائبين فمات السليطين في عوده قبل أن يصل إلى طليطلة وتمادى الحصار على المرية ثلاثة أشهر فضاقت الميرة وقلت الأقوات على الفرنج فطلبوا الأمان ليسلموا الحصن فأجابهم أبو سعيد إليه وأمنهم وتسلم الحصن ورحل الفرنج في البحر عائدين إلى بلادهم فكان ملكهم المرية مدة عشر سنين
ذكر غزو صاحب طبرستان الإسماعيلية
في هذه السنة جمع شاه مازندران رستم بن علي بن شهريار عسكره وسار ولم يعلم أحدا جهة مقصده وسلك المضايق وجد السير إلى بلد ألموت وهي للإسماعيلية فأغار عليها وأحرق القرى والسواد وقتل فأكثر وغنم أموالهم وسبى نساءهم واسترق أبناءهم فباعهم في السوق وعاد سالما غانما وانخذل الإسماعيلية ودخل عليهم من الوهن ما لم يصابوا بمثله وخرب من بلادهم ما لا يعمر في السنين الكثيرة
ذكر أخذ حجاج خراسان
في هذه السنة في ربيع الأول سار حجاج خراسان فلما رحلوا عن بسطام أغار عليهم جمع من الجند الخراسانية قد قصدوا طبرستان فأخذوا من أمتعتهم وقتلوا نفرا منهم وسلم الباقون وساروا من موضعهم فبينما هم سائرون إذ طلع عليهم الإسماعيلية فقاتلهم الحجاج قتالا عظيما وصبروا صبرا عظيما فقتل أميرهم فانخذلوا وألقوا بأيديهم واستسلموا وطلبوا الأمان وألقوا أسلحتهم مستأمنين فأخذهم الإسماعيلية وقتلوهم ولم يبقوا منهم إلا شرذمة يسيرة وقتل فيهم من الأئمة العلماء والزهاد والصلحاء جمع كثير وكانت مصيبة عظيمة عمت بلاد الإسلام وخصت خراسان ولم يبق بلد إلا وفيه المأتم فلما كان الغد طاف شيخ في القتلى والجرحى ينادي يا مسلمون يا حجاج ذهب الملاحدة وأنا رجل مسلم فمن أراد الماء سقيته فمن كلمه قتله وأجهز عليه فهلكوا أجمعين إلا من سلم وولى هاربا وقليل ما هم 418
ذكر الحرب بين المؤيد والأمير إيثاق
قد ذكرنا تقدم الأمير أي أبه مملوك السلطان سنجر وتقدمه على عساكر خراسان فحسده جماعة من الأمراء منهم الأمير إيثاق وهو من الأمراء السنجرية وانحرف عنه وكان تارة يقصد خوارزمشاه وتارة مازندران وتارة يظهر الموافقة للمؤيد ويبطن المخالفة فلما كان الآن فارق مازندران ومعه عشرة آلاف فارس قد اجتمع معه كل من يريد الغارة على البلاد وكل منحرف عن المؤيد وقصد خراسان وأقام بنواحي نسا وأبيورد لا يظهر المخالفة للمؤيد بل يراسله بالموافقة والمعاضدة له ويبطن ضدها وانتقل المؤيد من المكاتبة إلى المكافحة وسار إليه جريدة فأغار عليه وأوقع به فتفرق عنه جموعه ونجا بحشاشة نفسه وغنم المؤيد وعسكره كل ما لإيثاق ومضى منهزما إلى مازندران وكان ملكها رستم بينه وبين أخ له اسمه علي تنازع على الملك وقد قوي رستم فلما وصل إيثاق إلى مازندران قتل عليا وحمل رأسه إلى أخيه رستم فعظم ذلك على رستم واشتد واستشاط غضبا وقال آكل لحمي ولا اطعمه غيري ولم يزل ايثاق يتردد في خراسان بالنهب والغارة لا سيما مدينة اسفراين فإنه أكثر من قصدها حتى خربت فراسله السلطان محمود بن محمد والمؤيد يدعوانه إلى الموافقة فسار إليه فلي العساكر فلما قارباه أتاهما كثير من عسكره فمضى من بين أيديهما إلى طبرستان في صفر سنة ثلاث وخمسين فتبعاه في عساكرهما فأرسل شاه مازندران يطلب الصلح فأجابه واصطلحوا وحمل شاه مازندران أموالا جليلة وهدايا نفيسة وسير إيثاق ابنه رهينة فعاد عنه
ذكر الحرب بين المؤيد وسنقر العزيزي
كان سنقر العزيزي من أمراء السلطان سنجر وممن يناوي أيضا المؤيد أي أبه فلما اشتغل المؤيد بحري إيثاق سار سنقر من عسكر السلطان محمود بن محمد إلى هراة ودخلها وبها جماعة من الأتراك وتحصن بها فأشير عليه بأن يعتضد بالملك الحسين ملك الغورية فلم يفعل واستبد بنفسه منفردا لأنه رأى اختلاف الأمراء على السلطان محمود بن محمد فطمع وحدث نفسه بالقوة فقصده المؤيد إلى هراة فلما وصل إليها قاتل من بها شيئا من قتال ثم إن الأتراك مالوا إلى المؤيد وأطاعوه وانقطع خبر سنقر العزيزي من ذلك الوقت ولم يعلم ما كان منه فقيل إنه سقط عن فرسه 419 فمات وقيل بل اغتاله الأتراك فقتلوه وتقدم السلطان محمود إلى ولاية هراة في عساكره وجنوده والتحق جماعة من عسكر سنقر بالأمير إيثاق وأغاروا على طوس وقراها فبطلت الزروع والحرث واستولى الخراب على البلاد وعمت الفتن أطراف خراسان وأصابهم العين فإنهم كانوا أيام السلطان سنجر في أرغد عيش وأمنه وهذا دأب الدنيا لا يصفو نعيمها وخيرها من كدر وشوائب وآفات وقلما يخلص شرها من خير فنسأل الله أن يحسن لنا العون والعقبى بمحمد وآله
ذكر ملك نور الدين بعلبك
في هذه السنة ملك نور الدين محمود بعلبك وقلعتها وكانت بيد إنسان يقال له ضحاك البقاعي منسوب إلى بقاع بعلبك وكان قد ولاه إياها صاحب دمشق فلما ملك نور الدين دمشق امتنع ضحاك بها فلم يمكن نور الدين محاصرته لقربه من الفرنج فتلطف الحال معه إلى الآن فملكها واستولى عليها
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة قلع الخليفة المقتفي لأمر الله باب الكعبة وعمل عوضه بابا مصفحا بالنقرة المذهبة وعمل لنفسه من الباب الأول تابوتا يدفن فيه إذا مات
وفيها توفي محمد بن عبد اللطيف بن محمد بن ثابت أبو بكر الخجندي رئيس اصحاب الشافعي بأصفهان وسمع الحديث بها من أبي علي الحداد وكان صدرا مقدما عند السلاطين وكان ذا حشمة عظيمة وجاه عريض ووقعت لموته فتنة عظيمة بأصفهان وقتل فيها خلق كثير
وفيها كان بخراسان غلاء شديد أكلت فيه سائر الدواب حتى الناس وكان بنيسابور طباخ فذبح إنسانا علويا وطبخه وباعه في الطبيخ ثم ظهر عليه أنه فعل ذلك فقتل وأسفر الغلاء وصلحت أحوال الناس
وفيها توفي القاضي أبو العباس أحمد بن بختيار بن علي المايد أي الواسطي قاضيها وكان فقيها عالما
وفيها في ربيع الآخر توفي القاضي برهان الدين ابو القاسم منصور بن أبي سعد محمد بن أبي نصر أحمد الصاعدي قاضي نيسابور وكان من أئمة الفقهاء الحنفية 420
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
ذكر الحرب بين سنقر وأرغش
في هذه السنة كان حرب شديدة بين سنقر الهمذاني وأرغش المسترشدي وسببها أن سنقر الهمذاني كان قد نهب سواد بغداد بطريق خراسان وكثر جمعه فخرج الخليفة المقتفي لأمر الله في جمادى الأولى بنفسه يطلبه فلما وصل إلى بلد اللحف قال له الأمير خطلوبرس أنا أكفيك هذا المهم وكان بينه وبين سنقر مودة فركب إليه وتلاقيا وجرى بينهما عتاب طويل لأجل خروجه عن طاعة الخليفة فأجاب سنقر إلى الطاعة وعاد خطلوبرس وأصلح حاله فأقطعه بلد اللحف والأمير أرغش فرآه محتزرا فتحاربا واقتتلا قتالا شديدا وغدر بأرغش أصحابه فعاد منهزما إلى بغداد وانفرد سنقر ببلد اللحف وخطب فيه للملك محمد فسير من بغداد عسكرا لقتاله مقدمهم خطلوبرس فجرت بينهما حرب شديدة انهزم في آخرها سنقر وقتلت رجاله ونهبت أمواله التي في العسكر وسار هو إلى قلعة الماهكي وأخذ ما كان له فيها واستخلف فيها بعض غلمانه وسار هو إلى همذان فلم يلتفت إليه الملك محمد شاه فعاد إلى قلعة الماهكي
ذكر الحرب بين شملة وقايماز السلطاني
في هذه السنة أيضا كان قتال بين شملة صاحب خوزستان ومعه ابن مكلية وبين قايماز السلطاني في ناحية بادرايا فجمعا عسكرهما وسارا إليه فأتاه الخبر بذلك وهو يشرب فلم يحفل بذلك وركب إليهم في نحو ثلاثمائة فارس وكان معجبا بنفسه فحمل عليهم واختلط بهم فأحدقوا به وقاتل أشد قتال فانهزم أصحابه وأخذ هو أسيرا فتسلمه إنسان تركماني كان له عليه دم لأنه قتل ابنا 421 للتركماني فقتله بابنه وأرسل رأسه إلى محمد شاه وأرسل الخليفة عسكرا ليقاتل شملة ومن معه فانزاحوا من بين أيديهم ولحقوا بالملك ملكشاه بخوزستان فهلك كثير منهم بالبرد
ذكر معاودة الغز الفتنة بخراسان
كان الأتراك الغزية قد أقاموا ببلخ واستوطنوها وتركوا النهب والقتل ببلاد خراسان واتفقت الكلمة بها على طاعة السلطان خاقان محمود بن محمد أرسلان وكان المتولي لأمور دولته المؤيد أي أبه وعن رأيه يصدر محمود فلما كان هذه السنة في شعبان سار الغز من بلخ إلى مرو وكان السلطان محمود بسرخس في العساكر فسار المؤيد في طائفة من العسكر إليهم فأوقع بطائفة منهم وظفر بهم ولم يزل يتبعهم إلى أن دخلوا إلى مرو أوائل رمضان وغنم من أموالهم وقتل كثيرا وعاد إلى سرخس فاتفقا هو والسلطان محمود على قصد الغز وقتالهم فجمعا العساكر وحشدا وسارا إلى الغز فالتقوا سادس شوال إلى نصف الليل من ليلة الأربعاء الحادي عشر من الشهر تواقعوا عدة وقعات متتابعة ولم يكن بينهما راحة ولا نزول إلا لما لا بد منه انهزم الغز فيها ثلاث دفعات وعادوا إلى الحرب فلما أسفر الصبح يوم الأربعاء انكشفت الحرب عن هزيمة عساكر خراسان وتفرقهم في البلاد وظفر الغز بهم وقتلوا فأكثروا فيهم وأما الجرحى والأسرى فأكثر من ذلك وعاد المؤيد ومن سلم معه إلى طوس فاستولى الغز على مرو وأحسنوا السيرة وأكرموا العلماء والأئمة مثل تاج الدين ابي سعد السمعاني وشيخ الإسلام علي البلخي وغيرهما وأغاروا على سرخس وخربت القرى وجلى أهلها وقتل من أهل سرخس نحو عشرة آلاف قتيل ونهبوا طوس أيضا وقتلوا أهلها إلا القليل وعادوا إلى مرو
وأما السلطان محمود بن محمد الخان والعساكر التي معه فلم يقدروا على المقام بخراسان من الغز فساروا إلى جرجان ينتظرون ما يكون من الغز
فلما دخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة أرسل الغز إلى السلطان يسألونه أن يحضر عندهم ليملكوه أمرهم فلم يثق بهم وخافهم على نفسه فأرسلوا يطلبون منه ابنه جلال الدين عمر ليملكوه أمرهم ويصدروا عن أمره ونهيه في قليل الأمور وكثيرها وترددت 422 الرسل واحتاط السلطان محمود لولده بالعهد والمواثيق وتقرير القواعد ثم سيره من جرجان إلى خراسان فلما سمع الأمراء الغزية بقدومه ساروا من مرو إلى طريقه فالتقوه بنيسابور وأكرموه وعظموه ودخل نيسابور واتصلت به العساكر الغزية واجتمعوا عنده في الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وخمسمائة ثم إن السلطان محمودا سار من جرجان إلى خراسان في الجيوش التي معه من الأمراء السنجرية وتخلف عنه المؤيد أي أبه فوصل إلى حدود نسا وأبيورد وأقطع نسا لأمير اسمه عمر بن حمزة النسوي فقام في حفظها المقام المرضي ومنع عنها أيدي المفسدين وأقام السلطان محمود بظاهر نسا حتى انسلخ جمادى الآخرة من السنة
ولما كان الغز بنيسابور هذه السنة أرسلوا إلى طوس يدعونهم إلى الطاعة والموافقة فامتنع أهل راذكان من اجابتهم إلى ذلك واغتروا بسور بلدهم وبما عندهم من الشجاعة والقوة والعدة الوافرة والذخائر الكثيرة فقصدها طائفة من الغز وحصروهم وملكوا البلد وقتلوا فيه ونهبوا وأكثروا ثم عادوا إلى نيسابور وساروا مع جلال الدين محمد ابن السلطان محمود الخان إلى بيهق وحصروا سابزوار سابع عشر جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وخمسمائة فامتنع أهلها عليهم وقام بأمرهم النقيب عماد الدين علي بن محمد بن يحيى العلوي الحسيني نقيب العلويين واجتمعوا معه ورجعوا إلى أمره ونهيه ووقفوا عند إشارته فامتنعوا على الغز وحفظوا البلد منهم وصبروا على القتال فلما رأى الغز امتناعهم عليهم وقوتهم أرسلوا إليهم يطلبون الصلح فاصطلحوا ولم يقتل من أهل سابزوار في تلك الحروب غير رجل واحد ورحل الملك جلال الدين والغز عن سابزوار في السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وخمسمائة وساروا إلى نسا وأبيورد
ذكر أسر المؤيد وخلاصه
قد ذكرنا أن المؤيد أي أبه تخلف عن السلطان ركن الدين محمود بن محمد بجرجان فلما كان الآن سار من جرجان إلى خراسان فنزل بقرية من قرى 423 خبوشان اسمها زانك وبها حصن فسمع الغز بوصوله إلى زانك فساروا إليه وحصروه فيه فخرج منه هاربا فرآه واحد من الغز فأخذه فوعده بمال جزيل إن أطلقه فقال الغزي وأين المال فقال هو مودع في بعض هذه الجبال فسار هو والغزي فوصلا إلى جدار قرية فيها بساتين وعيون فقال للفارس المال ههنا وصعد الجدار ونزل من ظهره ومضى هاربا فرأى الغز قد ملؤوا الأرض فدخل قرية فعرفه طحان فيها فأعلم زعيم القرية به وطلب منه مركبا فأتاه بما أراد وأعانه على الوصول إلى نيسابور فوصل إليها واجتمعت العساكر وقوي أمره وعاد إلى حاله وأحسن إلى الطحان وبالغ في الإحسان إليه
ذكر اجتماع السلطان محمود مع الغز وعودهم إلى نيسابور
لما عاد الغز ومعهم محمد بن محمود الخان إلى نيسا وأبيورد كما ذكرناه خرج والده السلطان محمود الخان وكان هناك فيمن معه من العساكر الخراسانية فاجتمع بهم واتفقت الكلمة على طاعته وأراد عمارة البلاد وحفظها فلم يقدر على ذلك فلما اجتمعوا ساروا إلى نيسابور وبها المؤيد أي أبه في شعبان فلما سمع بقربهم منه رحل عنها إلى خواف في سادس عشرة ووصلوا إليها في الحادي والعشرين منه ونزلوا فيه وخافهم الناس خوفا عظيما فلم يفعلوا بهم شيئا وساروا عنها في السادس والعشرين منه إلى سرخس ومرو وكان بها الفقيه المؤيد بن الحسين الموفقي رئيس الشافعية وله بيت قديم وهو من أجناد الإمام أبي سهل الصعلوكي وله مصاهرة إلى بيت أبي المعالي الجويني وهو المقدم في البلد والمشار إليه وله من الأتباع ما لا يحصى فاتفق أن بعض أصحابه قتل إنسانا من الشافعية اسمه أبو الفتوح الفستقاني خطأ وهذا أبو الفتوح له تعلق بنقيب العلويين بنيسابور وهو ذخر الدين أبو القاسم زيد بن الحسن الحسيني وكان هذا النقيب هو الحاكم هذه المدة بنيسابور فغضب من ذلك وأرسل إلى الفقيه المؤيد يطلب منه القاتل ليقتص منه ويتهدده إن لم يفعل فامتنع المؤيد من تسليمه وقال لا مدخل لك من اصحابنا إنما حكمك على الطائفة العلويين فجمع النقيب أصحابه ومن يتبعه وقصد الشافعية فاجتمعوا له وقاتلوه فقتل منهم جماعة ثم إن النقيب أحرق سور العطارين وأحرقوا سكة معاد أيضا وسكة باغ طاهر ودار إمام الحرمين أبي المعالي الجوينس وكان 424 الفقيه المؤيد الشافعي بها للصهر الذي بينهم
وعظمت المصيبة على كافة الناس وجمع بعد ذلك المؤيد الفقيه جموعا من طوس واسفراين وجوين وغيرهم وقتلوا واحدا من اتباع النقيب زيد يعرف بابن الحاجي الأشناني فأهم العلوية ومن معهم فاقتتلوا ثامن عشر شوال من سنة أربع وخمسين وقامت الحرب على ساق وأحرقت المدارس والأسواق والمساجد وكثر القتل في الشافعية فالتجأ المؤيد الشافعي في شرذمة إلى قلعة فرخك وقصر باع الشافعية عن القتال ثم انتقل المؤيد إلى قرية من قرى طوس وبطلت دروس الشافعية بنيسابور وخرب البلد وكثر القتل فيه
ذكر حصر صاحب حتلان ترمذ وعوده وموته
في هذه السنة في رجب سار الملك أبو شجاع فرخشاه وهو يزعم أنه من أولاده بهرام جور وقد تقدم ذكره أيام كسرى أبرويز إلى ترمذ وحصرها وكان سبب ذلك انه كان في طاعة السلطان سنجر فلما خرج عليه الغز طلبه ليحضر معه حربه لهم فجمع عسكره وأظهر أنه واصل فيمن عنده من العساكر إليه وأقام ينتظر ما يكون منه فإن ظفر حضر وقال له سبقتني بالحرب وإن كان الظفر للغز قال لهم إنما تأخرت محبة وإرادة أن تملكوا فلما انهزم سنجر وكان ما ذكرناه بقي إلى الآن فسار إلى ترمذ ليحصرها فجمع صابحها فيروزشاه أحمد بن أبي بكر بن قماج عسكره ولقيه ليمنعه فاقتتلوا فانهزم فيروزشاه ومضى منهزما لا يلوي على شيء فأصابه في الطريق قولنج فمات منه
ذكر عود المؤيد إلى نيسابور وتخريب ما بقي منها
في هذه السنة عاد المؤيد أي أبه إلى نيسابور في عساكره ومعه الإمام المؤيد الموفقي الشافعي الذي تقدم ذكر الفتنة بينه وبين ذخر الدين نقيب العلويين وخروجه من نيسابور فلما خرج منها صار مع المؤيد وحضر مع المؤيد وحضر معه حصار نيسابور وتحصن النقيب العلوي بشارستان واشتد الخطب وطال الحرب وسفكت الدماء وهتكت الأستار وخربوا ما بقي من نيسابور من الدور وغيرها وبالغ الشافعية ومن معهم من الانتقام فخربوا المدرسة الصندلية لأصحاب أبي حنيفة وخربوا غيرها وحصروا قهندز وهذه الفتنة استأصلت نيسابور ثم رحل المؤيد أي أبه عنها إلي بيهق في شوال من سنة أربع وخمسين وخمسمائة كان ينبغي أن تكون هذه 425 الحوادث الغزية الواقعة في سنة أربع وخمسين مذكورة في سنتها وإنما قدمناها ههنا ليتلو بعضها بعضا فيكون أحسن لسياقتها
ذكر ملك ملكشاه خوزستان
في هذه السنة ملك ملكشاه ابن السلطان محمود بلد خوزستان وأخذه من شملة التركماني وسبب ذلك أن الملك محمد ابن السلطان محمود لما عاد من حصار بغداد كما ذكرناه مرض وبقي مريضا بهمذان ومضى أخوه ملكشاه إلى قم وقاجان وما والاها فنهبها جميعها وصادر أهلها وجمع أمولا كثيرة فراسله أخوه محمد شاه يأمره بالكف عن ذلك ليجعله ولي عهده في الملك فلم يفعل ومضى إلى أصفهان فلما قاربها أرسل رسولا إلى ابن الخجندي وأعيان البلد في تسليم البلد إليه فامتنعوا من ذلك وقالوا لأخيك في رقابنا يمين ولا نغدر به فحينئذ شرع ملكشاه في الفساد والمصادرة لأهل القرى فلما سمع محمد شاه الخبر سار عن همذان وعلى مقدمته كردبازوه الخادم فتفرقت جموع ملكشاه عند فرسيسين فلحق به قويدان وكان قد فارق المقتفي لأمر الله واتفق مع سنقر الهمذاني فلحق كلاهما به وحسنا له قصد بغداد فسار عن بلد خوزستان إلى واسط ونزل بالجانب الشرقي وهم على غاية الضر من الجوع فنهبوا القرى نهبا فاحشا ففتح بثق بتلك الناحية فغرق منهم كثير ونجا ملكشاه ومن سلم معه وساروا إلى خوزستان فمنعه شملة من العبور فراسله ليمكنه من العبور إلى أخيه الملك محمد شاه فلم يجبه إلى ذلك وكاتب حينئذ الأكراد الكر الذين هناك واستدعاهم إليه ففرحوا به ونزل إليه من تلك الجبال خلق كثير فأطاعوه فرحل ونزل على كرخانا وطلب من شملة الحرب فألان له شملة القول وقال أنا أخطب لك فلقيه ملكشاه ومعه سنقر الهمذاني وقويدان وغيرهما من الأمراء فاقتتلوا فانهزم شملة وقتل كثير من أصحابه وصعد إلى قلعته دندرزين وملك ملكشاه البلاد وجبى الأموال الكثيرة وأظهر العدل
وتوجه إلى أرض فارس
ذكر الحرب بين التركماني والإسماعيلية بخراسان
كان بنواحي قهستان طائفة من التركمان فنزل إليهم جمع من الإسماعيلية من قلاعهم وهم ألف وسبعمائة فأوقعوا بالتركمان فلم يجدوا الرجال وكانوا قد فارقوا 426 بيوتهم فنهبوا الأموال وأخذوا النساء والأطفال وأحرقوا ما لم يقدروا على حمله وعاد التركمان فرأوا ما فعل بهم فتبعوا أثر الإسماعيلية فأدركوهم وهم يقتسمون الغنيمة فكبروا وحملوا عليهم ووضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاؤوا حتى أفنوهم قتلا وأسرا ولم ينج إلا تسعة رجال لا غير
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة كثر فساد التركمان أصحاب ترجم الإيوائي بالجبل فسير إليهم من بغداد عسكر مقدمهم منكبرس المسترشدي فلما قاربهم اجتمع التركمان فالتقوا واقتتلوا هم ومنكبرس فانهزم التركمان أقبح هزيمة وقتل بعضهم وأسر بعض وحملت الرؤوس والأسارى إلى بغداد
وفيها حج الناس فلما وصلوا إلى مدينة النبي وصل لهم الخبر أن العرب قد اجتمعت لتأخذهم فتركوا الطريق وسلكوا طريق خيبر فوجدوا مشقة شديدة ونجوا من العرب
وفيها توفي الشيخ نصر بن منصور بن الحسين العطار أبو القاسم الحراني ومولده بحران سنة أربع وثمانين وأربعمائة وأقام ببغداد وكثر ماله وصدقاته أيضا زكان يقرأ القرآن وهو والد ظهير الدين الذي حكم في دولة المستضيء بأمر الله على ما نذكره إن شاء الله
وفيها توفي أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي ببغداد وهو سجزي الأصل هروي المنشأ وكان قدم إلى بغداد سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة يريد الحج فسمع الناس بها عليه صحيح البخاري وكان عالي الإسناد فتأخر لذلك عن الحج فلما كان هذه السنة عزم على الحج فمات
وفيها توفي يحيى بن سلامة بن الحسن بن محمد الفضل الحصكفي الأديب بميافارقين وله شعر حسن ورسائل جيدة مشهورة وكان يتشيع ومولده بطنزة فمن شعره 427
( وخليع بت أعذله
ويرى عذلي من العبث )
( قلت إن الخمر مخبثة
قال حاشاها من الخبث )
( قلت فالأرفاث تتبعها
قال طيب العيش في الرفث )
( قلت منها القي قال أجل
شرفت عن مخرج الحدث )
( وسأسلوها فقلت متى
قال عند الكون في الحدث ) 428
ثم دخلت سنة اربع وخمسين وخمسمائة
ذكر ملك عبد المؤمن مدينة المهدية من الفرنج وملكه جميع أفريقية
428
ثم دخلت سنة اربع وخمسين وخمسمائة
ذكر ملك عبد المؤمن مدينة المهدية من الفرنج وملكه جميع أفريقية
قد ذكرنا سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ملك الفرنج مدينة المهدية من صاحبها الحسن بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي وذكرنا أيضا سنة إحدى وخمسين ما فعله الفرنج بالمسلمين في زويلة المجاورة للمهدية من القتل والنهب فلما قتلهم الفرنج ونهبوا أموالهم هرب منهم جماعة وقصدوا عبد المؤمن صاحب المغرب وهو بمراكش يستجيرونه فلما وصلوا إليه ودخلوا عليه أكرمهم وأخبروه بما جرى على المسلمين وأنه ليس في ملوك الإسلام من يقصد سواه ولا يكشف هذا الكرب غيره فدمعت عيناه وأطرق ثم رفع رأسه وقال أبشروا لأنصرنكم ولو بعد حين وأمر بإنزالهم وأطلق لهم ألفي دينار ثم أمر بعمل الروايا والقرب وما يحتاج إليه العساكر في السفر وكتب إلى جميع نوابه في الغرب وكان قد ملك إلى قريب تونس يأمرهم بحفظ جميع ما يتحصل من الغلات وأن يترك في سنبله ويخزن في مواضعه وأن يحفروا الآبار في الطرق ففعلوا جميع ما أمرهم به وجمعوا الغلات ثلاث سنين ونقلوها إلى المنازل وطينوا عليها فصارت كأنها تلال فلما كان في صفر من هذه السنة سار عن مراكش وكان أكثر أسفاره في صفر فسار يطلب أفريقية واجتمع من العساكر مائة ألف مقاتل ومن الأتباع والسوقة أمثالهم وبلغ من حفظه لعساكره أنهم كانوا يمشون بين الزروع فلا تتأذى بهم سنبلة وإذا نزلوا صلوا جميعهم مع إمام واحد بتكبيرة واحدة لا يتخلف منهم أحد كائنا من كان وقدم بين يديه الحسن بن علي بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس الصنهاجي وكان صاحب المهدية وأفريقية وقد ذكرنا سبب مصيره عند عبد المؤمن فلم يزل يسير إلى أن وصل إلى مدينة تونس في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة من السنة وبها صاحبها أحمد بن خراسان وأقبل اسطوله في البحر في سبعين شينيا وطريدة وشلندي فلما نازلها أرسل إلى أهلها يدعوهم إلى طاعته فامتنعوا فقاتلهم من الغد أشد قتال فلم 429 يبق إلا أخذها ودخول الأسطول إليها فجاءت ريح عاصف منعت الموحدين من دخول البلد فرجعوا ليباكروا القتال ويملكوه فلما جن الليل نزل سبعة عشر رجلا من أعيان أهلها إلى عبد المؤمن يسألونه الأمان لأهل بلدهم فأجابهم إلى الأمان لهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم لمبادرتهم إلى الطاعة وأما من عداهم من أهل البلد فيؤمنهم في أنفسهم وأهاليهم ويقاسمهم على أموالهم وأملاكهم نصفين وأن يخرج صاحب البلد هو وأهله فاستقر ذلك وتسلم البلد وأرسل إليه من يمنع العسكر من الدخول وأرسل أمناءه ليقاسموا الناس على أموالهم وأقام عليها ثلاثة أيام وعرض الإسلام على من بها من اليهود والنصارى فمن أسلم سلم ومن امتنع قتل وأقام أهل تونس بها بأجرة تؤخذ عن نصف مساكنهم وسار عبد المؤمن منها إلى المهدية والأسطول يحاديه في البحر فوصل إليها ثامن عشر رجب وكان حينئذ بالمهدية أولاد ملوك الفرنج وأبطال الفرسان وقد أخلوا زويلة وبينها وبين المهدية غاية سهم فدخل عبد المؤمن من زويلة وامتلأت بالعساكر والسوقة فصارت مدينة معمورة في ساعة ومن لم يكن له موضع من العسكر نزل بظاهرها وانضاف إليه من صنهاجة والعرب وأهل البلاد ما يخرج عن الاحصاء وأقبلوا يقاتلون المهدية مدة أيام فلا يؤثر فيها لحصانتها وقوة سورها وضيق موضع القتال عليها لأن البحر دائر بأكثرها فكأنها كف في البحر وزندها متصل بالبر وكانت الفرنج تخرج شجعانهم إلى أطراف العسكر فتنال منه ويعودون سريعا فأمر عبد المؤمن أن يبنى سور من غرب المدينة يمنعهم من الخروج وأحاط الأسطول بها في البحر وركب عبد المؤمن في شيني ومعه الحسن بن علي الذي كان صاحبها وطاف بها في البحر فهاله ما رأى من حصانتها وعلم أنها لا تفتح بقتال برا ولا بحرا وليس لها إلا المطاولة وقال للحسن كيف نزلت عن مثل هذا الحصن فقال لقلة من يوثق به وعدم القوت وحكم القدر فقال صدقت وعاد من البحر وأمر بجمع الغلات والأقوات وترك القتال فلم يمض غير قليل حتى صار في العسكر كالجبلين من الحنطة والشعير فكان من يصل إلى العسكر من بعيد يقولون متى حدثت هذه الجبال فيقال لهم هي حنطة وشعير فيتعجبون من ذلك وتمادى الحصار وفي مدته أطاع سفاقس عبد المؤمن ومدينة طرابلس وجبال نفوسة وقصور أفريقية وما والاها وفتح مدينة قابس بالسيف وسير ابنه أبا محمد عبد الله في جيش ففتح بلادا ثم إن أهل مدينة 430 قفصة لما رأوا تمكن عبد المؤمن أجمعوا على المبادرة إلى طاعته وتسليم المدينة إليه فتوجه صاحبها يحيى بن تميم بن المعز ومعه جماعة من أعيانها وقصدوا عبد المؤمن فلما أعلمه حاجبه بهم قال له عبد المؤمن قد اشتبه عليك ليس هؤلاء أهل قفصة فقال له لم يشتبه علي قال له عبد المؤمن كيف يكون ذلك والمهدي يقول إن أصحابنا يقطعون أشجارها ويهدمون أسوارها ومع هذا فتقبل منهم وتكف عنهم ( ( ما هز عطفيه بين البيض والأسل
مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي )>
ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) فأرسل إليهم طائفة من أصحابه ومدحه شاعر منهم بقصيدة أولها
( ما هز عطفيه بين البيض والأسل
مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي )
فوصله بألف دينار
ولما كان في الثاني والعشرين من شعبان من السنة جاء أسطول صاحب صقلية في مائة وخمسين شينيا غير الطرائد وكان قد وفد من جزيرة يابسة من بلاد الأندلس وقد سبى أهلها وأسرهم وحملهم معه فأرسل إليهم ملك الفرنج يأمرهم بالمجيء إلى المهدية فقدموا في التاريخ فلما قاربوا المهدية حطوا شرعهم ليدخلوا المبنى فخرج إليهم أسطول عبد المؤمن وركب العسكر جميعه ووقفوا على جانب البحر فاستعظم الفرنج ما رأوه من كثرة العساكر ودخل الرعب قلوبهم وبقي عبد المؤمن يمرغ وجهه على الأرض ويبكي ويدعو للمسلمين بالنصر
واقتتلوا في البحر فانهزمت شواني الفرنج وأعادوا القلوع وتبعهم المسلمون فأخذوا منهم سبع شواني ولو كان معهم شواني لأخذوا أكثرهم وكان أمرا مجيبا وفتحا قريبا وعاد أسطول المسلمين مظفرا منصورا وفرق فيهم عبد المؤمن الأموال ويئس أهل المهدية حينئذ من النجدة وصبروا على الحصار ستة أشهر إلى آخر شهر ذي الحجة من السنة فنزل حينئذ من فرسان الفرنج إلى عبد المؤمن عشرة وسألوا الأمان لمن فيها من الفرنج على أنفسهم وأموالهم ليخرجوا منها ويعودوا إلى بلادهم وكان قوتهم قد فني حتى أكلوا الخيل فعرض عليهم الإسلام ودعاهم إليه فلم يجيبوا ولم يزالوا يترددون إليه أياما بالكلام اللين فأجابهم إلى ذلك وأمنهم وأعطاهم سفنا فركبوا فيها وساروا وكان الزمان شتاء فغرق أكثرهم ولم يصل منهم إلى صقلية إلا النفر اليسير 431 وكان صاحب صقلية قد قال إن قتل عبد المؤمن أصحابنا بالمهدية قتلنا المسلمين الذين هم بجزيرة صقلية وأخذنا حرمهم وأموالهم فأهلك الله الفرنج غرقا وكان مدة ملكهم المهدية اثنتي عشر سنة
ودخل عبد المؤمن المهدية بكرة عاشوراء من المحرم سنة خمس وخمسين وخمسمائة وسماها عبد المؤمن سنة الأخماس وأقام بالمهدية عشرين يوما فرتب أحوالها وأصلح ما انثلم من سورها ونقل إليها الذخائر من الأقوات والرجال والعدد واستعمل عليها بعض أصحابه وجعل معه الحسن بن علي الذي كان صاحبها وأمره أن يقتدي برأيه في أفعاله وأقطع الحسن بها أقطاعا وأعطاه دورا نفيسة يسكنها وكذلك فعل بأولاده ورحل من المهدية أول صفر من السنة إلى بلاد الغرب
ذكر إيقاع عبد المؤمن بالعرب
لما فرغ عبد المؤمن من أمر المهدية وأراد العود إلى الغرب جمع أمراء العرب من بني رياح الذين كانوا بأفريقية وقال لهم قد وجبت علينا نصرة الإسلام فإن المشركين قد استفحل أمرهم بالأندلس واستولوا على كثير من البلاد التي كانت بأيدي المسلمين وما يقاتلهم أحد مثلكم فبكم فتحت البلاد أول الإسلام وبكم يدفع عنها العدو الآن ونريد منكم عشرة آلاف فارس من أهل النجدة والشجاعة يجاهدون في سبيل الله فأجابوا بالسمع والطاعة فحلفهم على ذلك باله تعالى وبالمصحف فحلفوا ومشوا معه إلى مضيق جبل زغوان وكان منهم إنسان يقال له يوسف بن مالك وهو من أمرائهم ورؤوس القبائل فيهم فجاء إلى عبد المؤمن بالليل وقال له سرا إن العرب قد كرهت المسير إلى الأندلس وقالوا ما غرضه إلا إخراجنا من بلادنا وأنهم لا يفون بما حلفوا عليه فقال يأخذ الله عز وجل الغادر فلما كان الليلة الثانية هربوا إلى عشائرهم ودخلوا البر ولم يبق منهم إلا يوسف بن مالك فسماه عبد المؤمن يوسف الصادق ولم يحدث عبد المؤمن في أمرهم شيئا وسار مغربا يحث السير حتى قرب من القسطنطينية فنزل في موضع مخصب يقال له وادي النساء والفصل ربيع والكلأ مستحسن فأقام به وضبط الطرق فلا يسير من العسكر أحد البتة وذام كذلك عشرين يوما فبقي الناس في جميع البلاد لا يعرفون لهذا العسكر خبرا مع كثرته وعظمه ويقولون ما أزعجه إلا خبر وصله من الأندلس فحث لأجله في السير فعادت العرب الذين جفلوا منه من البرية إلا البلاد لما أمنوا جانبه وسكنوا 432 البلاد التي ألفوها واستقروا في البلاد فلما علم عبد المؤمن برجوعهم جهز إليهم ولديه أبا محمد وأبا عبد الله في ثلاثين ألف مقاتل من أعيان الموحدين وشجعانهم فجدوا السير وقطعوا المفاوز فما شعر العرب إلا والجيش قد أقبل بغتة من ورائهم من جهة الصحراء ليمنعوهم الدخول إليها إن راموا ذلك وكانوا قد نزلوا جنوبا من القيروان عند جبل يقال له جبل القرن وهم زهاء ثمانين ألف بيت والمشاهير من مقدميهم أبو محفوظ محرز بن زياد ومسعود بن زمام البلاط وجبارة بن كامل وغيرهم فلما أطلت عساكر عبد المؤمن عليهم اضطربوا واختلفت كلمتهم ففر مسعود وجبارة بن كامل ومن معهما من عشائرهما وثبت محرز بن زياد وأمرهم بالثبات والقتال فلم يلتفتوا إليه فثبت هو ومن معه من جمهور العرب فناجزهم الموحدون القتال في العشر الأوسط من ربيع الآخر من السنة وثبت الجمعان واشتد العراك فاتفق أن محرز بن زياد قتل ورفع رأسه على رمح فانهزمت جموع العرب عند ذلك وأسلموا البيوت والحريم والأولاد والأموال وحمل جميع ذلك إلى عبد المؤمن وهو بذلك المنزل فأمر بحفظ النساء العربيات الصرائح وحملهن معه تحت الحفظ والبر والصيانة إلى بلاد الغرب وفعل معهن مثل ما فعل في حريم الأبثج ثم اقبلت إليه وفود رياح مهاجرين في طلب حريمهم كما فعل الأبثج فأجمل الصنيع لهم ورد الحريم إليهم فلم يبق منهم أحد إلا صار عنده وتحت حكمه وهو يخفض لهم الجناح ويبذل فيهم الإحسان ثم إنه جهزهم إلى ثغور الأندلس على الشرط الأول وجمعت عظام العرب المقتولين في هذه المعركة عند جبل قرن فبقيت دهرا طويلا كالتل العظيم يلوح للناظرين من مكان بعيد وبقيت أفريقية مع نواب عبد المؤمن آمنة ساكنة لم يبق فيها من أمراء العرب خارج عن طاعته إلا مسعود البلاط بن زمام وطائفته في أطراف البلاد
ذكر غرق بغداد
في هذه السنة ثامن ربيع الآخر كثرت الزيادة في دجلة وخرق القورج فوق بغداد وأقبل المد إلى البلد فامتلأت الصحارى وخندق البلد وأفسد الماء السور ففتح فيه فتحة يوم السبت تاسع عشر الشهر فوقع بعض السور عليها فسدها ثم فتح الماء فتحة أخرى وأهملوها ظنا أنها تنفس عن السور لئلا يقع فغلب الماء 433 وتعذر سده فغرق قراح طغر والأجمة والمختارة والمقتدية ودرب القبار وخرابة ابن جردة والرياني وقراح القاضي وبعض القطيعة وبعض باب الأزج وبعض المأمونية وقراح أبي الشحم وبعض قراح ابن رزين وبعض الظفرية ودب الماء تحت الأرض إلى أماكن فوقعت وأخذ الناس يعبرون إلى الجانب الغربي فبلغت المعبرة عدة دنانير ولم يكن يقدر عليها ثم نقص الماء وتهدم السور وبقي الماء الذي داخل السور يدب في المحال التي لم يركبها الماء فكثر الخراب وبقيت المحال لا تعرف وإنما هي تلول فأخذ الناس حدود دورهم بالتخمين وأما الجانب الغربي فغرقت فيه مقبرة أحمد بن حنبل وغيرها من المقابر وانخسفت القبور المبنية وخرج الموتى على رأس الماء وكذلك المشهد والحربية وكان أمرا عظيما
ذكر عود سنقر الهمذاني إلى اللحف وانهزامه
في هذه السنة عاد سنقر الهمذاني إلى أقطاعه وهو قلعة الماهكي وبلد اللحف وكان الخليفة قد أقطعه للأمير قايماز العميدي ومعه أربعمائة فارس فأرسل إليه سنقر يقول له ارحل عن بلدي فامتنع فسار إليه وجرى بينهما قتال شديد انهزم فيه العميدي ورجع إلى بغداد بأسوأ حال فبرز الخليفة وسار في عسكره إلى سنقر فوصل إلى النعمانية وسير العساكر مع ترشك ورجع إلى بغداد ومضى ترشك نحو سنقر الهمذاني فتوغل سنقر في الجبال هاربا ونهب ترشك ما وجد له ولعسكره من مال وسلاح وغير ذلك وأمر وزيره بقتل من رأى من أصحابه ونزل على الماهكي وحصرها أياما ثم عاد إلى البندنيجين وأرسل إلى بغداد بالبشارة وأما سنقر فإنه لحق بملكشا فاستنجده فسير معه خمسمائة فارس فعاد ونزل على قلعة هناك وأفسد أصحابه في البلاد وأرسل ترشك إلى بغداد يطلب نجدة فجاءته فأراد سنقر أن يكبس ترشك فعرف ذلك فاحترز فعدل سنقر إلى المخادعة فأرسل رسولا إلى ترشك يطلب منه أن يصلح حاله مع الخليفة فاحتبس ترشك الرسول عنده وركب 434 فيمن خف من أصحابه فكبس سنقر ليلا فانهزم هو وأصحابه وكثر القتل فيهم وغنم ترشك أموالهم ودوابهم وكل ما لهم ونجا سنقر جريحا
ذكر الفتنة بين عامة استراباذ
في هذه السنة وقع في استراباذ فتنة عظيمة بين العلويين ومنيتبعهم من الشيعة وبين الشافعية ومن معهم وكان سببها أن الإمام محمد البزوي وصل إلى استراباذ فعقد مجلس الوعظ وكان قاضيها أبو نصر سعد بن محمد بن اسماعيل النعيم شافعي المذهب أيضا فثار العلويون ومن يتبعهم من الشيعة بالشافعية ومن يتبعهم باستراباذ ووقعت بين الطائفتين فتنة عظيمة انتصر فيها العلويون فقتل من الشافعية جماعة وهرب القاضي ونهبت داره ودور من معه وجرى عليهم من الأمور الشنيعة ما لا حد عليه فسمع شاه مازندران الخبر فاستعظمه وأنكر على العلويين فعلهم وبالغ في الإنكار مع أنه شديد التشيع وقطع عنهم جرايات كانت لهم ووضع الجبايات والمصادرات على العامة فتفرق كثير منهم وعاد القاضي إلى منصبه وسكنت الفتنة
ذكر وفاة الملك محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه
في هذه السنة توفي السلطان محمد بن محمود بن محمد وهو الذي حاصر بغداد طالبا السلطنة وعاد عنها فأصابه سل وطال به فمات بباب همذان وكان مولده في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة فلما حضره الموت أمر العساكر فركبت وأحضر أمواله وجواهره وحظاياه ومماليكه فنظر إلى الجميع من طيارة تشرف على ما تحتها فلما رآه بكى وقال هذه العساكر والأموال والمماليك والسراري ما أرى يدفعون عني مقدار ذرة ولا يزيدون في أجلي لحظة وأمر بالجميع فرفع بعد أن فرق منه شيئا كثيرا وكان عظيما كريما عاقلا كثير التأني في أموره وكان له ولد صغير فسلمه إلى آقسنقر الأحمديلي وقال له أنا أعلم أن الناس لا تطيع مثل هذا الطفل وهو وديعة عندك فارحل به إلى بلادك فرحل إلى مراغة فلما مات اختلفت الأمراء فطائفة طلبوا ملكشاه أخاه وطائفة طلبوا سليمان شاه وهم الأكثر وطائفة طلبوا أرسلان الذي مع أيلدكز قأما ملكشاه فإنه سار من خوزستان ومعه دكلا صاحب فارس وشملة التركماني يدعوهما فوصل إلى أصفهان فسلمها إليه ابن 435 الخجندي وجمع له مالا أنفقه عليه وأرسل إلى العساكر بهمذان يدعوهم إلى طاعته فلم يجيبوه لعدم الاتفاق بينهم ولأن اكثرهم كان يريد سليمان شاه
ذكر أخذ حران من نور الدين وعودها غليه
في هذه السنة مرض نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب مرضا شديدا أرجف بموته وكان بقلعة حلب ومعه أخوه الأصغر أميران فجمع الناس وحصر القلعة وكان شيركوه وهو أكبر أمرائه بحمص فبلغه خبر موته فسار إلى دمشق ليتغلب عليها وبها أخوه نجم الدين أيوب فأنكر عليه أيوب ذلك وقال أهلكتنا والمصلحة أن تعود إلى حلب فإن كان نور الدين حيا خدمته في هذا الوقت وإن كان قد مات أنا في دمشق نفعل ما نريد من ملكها فعاد إلى حلب مجدا وصعد القلعة وأجلس نور الدين في شباك يراه الناس وكلمهم فلما رأوه حيا تفرقوا عن أخيه أميران فسار إلى حران فملكها فلما عوفي نور الدين قصد حران ليخلصها فهرب أخوه منه وترك أولاده بحران في القلعة فملكها نور الدين وسلمها إلى زين الدين علي نائب أخيه قطب الدين صاحب الموصل ثم سار نور الدين بعد أخذ حران إلى الرقة وبها أولاد أميرك الجاندار وهو من أعيان الأمراء وقد توفي وبقي اولاده فنازلها فشفع جماعة من الأمراء فيهم فغضب من ذلك وقال هلا شفعتم في أولاد أخي لما أخذت منهم حران وكانت الشفاعة م\فيهم من أحب الأشياء فلم يشفعهم وأخذها منهم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة مرض الخليفة المقتفي لأمر الله واشتد مرضه وعوفي فضربت البشائر ببغداد وفرقت الصدقات من الخليفة ومن أرباب الدولة وغلق البلد أسبوعا
وفيها عاد ترشك إلى بغداد ولم يشعر به أحد إلا وقد ألقى نفسه تحت التاج ومعه سيف وكفن وكان قد عصي على الخليفة والتحق بالعجم فعاد الآن فرضي عنه وأذن له في دخول دار الخلافة وأعطي مالا
وفيها في جمادى الأولى أرسل محمد بن أنز صاحب قهستان عسكر إلى بلد الإسماعيلية من الجبال فقتلوا كثيرا من العسكر وأسروا الأمير الذي كان مقدما 436 عليهم اسمه قيبة وهو صهر ابن أنز فبقي عندهم أسيرا عدة شهور حتى زوج ابنته من رئيس الإسماعيلية علي بن الحسن وخلص من الأسر
وفيها توفي شرف الدين علي بن أبي القاسم منصور بن أبي سعد الساعدي قاضي نيسابور في شهر رمضان وكان موته بالري ودفن في مقبرة محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة الله عنهما وكان القاضي حنفيا أيضا 437
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة
ذكر مسير سليمان شاه إلى همذان
في هذه السنة سار سليمان شاه من الموصل إلى همذان ليتولى السلطنة وقد تقدم سبب قبضه وأخذه إلى الموصل وسبب مسيره إليها أن الملك محمد ابن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه لما مات أرسل أكابر الأمراء من همذان إلى أتابك قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل يطلبون منه إرسال الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملكشاه إليهم ليولوه السلطنة فاستقرت القاعدة بينهم أن يكون سليمان شاه سلطانا وقطب الدين أتابكه وجمال الدين وزير قطب الدين وزيرا لسليمان شاه وتحالفوا على هذا وجهز سليمان شاه بالأموال الكثيرة والبرك والدواب والآلات وغير ذلك مما يصلح للسلاطين وسار ومعه زين الدين علي وعسكر الموصل إلى همذان فلما قاربوا بلاد الجبل أقبلت العساكر إليهم أرسالا كل يوم يلقاه طائفة وأمير فاجتمع مع سليمان شاه عسكر فخافهم زين الدين على نفسه لأنه رأى من تسلطهم على السلطان واطراحهم للأدب معه ما أوجب الخوف معه فعاد إلى الموصل فحين عاد عنه لم ينتظم أمره ولم يتم له ما أراده وقبض العسكر عليه بباب همذان في شوال سنة ست وخمسين وخطبوا لأرسلان شاه ابن الملك طغرل وهو الذي زوج أيلدكز بأمه وسيذكر مشروحا إن شاء الله
ذكر وفاة الفائز وولاية العاضد العلويين
في هذه السنة توفي الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن اسماعيل الظافر صاحب مصر وكانت خلافته ست سنين ونحو شهرين وكان له لما ولي خمس سنين كما ذكرناه 438 ولما مات دخل الصالح بن رزيك القصر واستدعى خادما كبيرا وقال له من ههنا يصلح للخلافة فقال ههنا جماعة وذكر أسماءهم وذكر له منهم إنسانا كبير السن فأمر بإحضاره فقال له بعض أصحابه سرا لا يكون عباس أحزم منك حيث اختار الصغير وترك الكبار واستبد بالأمر فأعاد الصالح الرجل إلى موضعه وأمر حينئذ بإحضار العاضد لدين الله أبي محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ ولم يكن أبوه خليفة وكان العاضد ذلك الوقت مراهقا قارب البلوغ فبايع له بالخلافة وزوجه الصالح ابنته ونقل معها من الجهاز ما لا يسمع بمثله وعاشت بعد موت العاضد وخروج الأمر من العلويين إلى الأتراك وتزوجت
ذكر وفاة الخليفة المقتفي لأمر الله وشيء من سيرته
وفي هذه السنة ثاني ربيع الأول توفي أمير المؤمنين المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله أبي العباس أحمد بن المقتدي بأمر الله رضي الله عنه بعلة التراقي وكان مولده ثاني عشر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين وأربعمائة وأمه أم ولد تدعى ياعي وكانت خلافته أربعا وعشرين سنة وثلاثة أشهر وستة عشر يوما ووافق أباه المستظهر بالله في علة التراقي وماتا جميعا في ربيع الأول وكان حليما كريما عادلا حسن السيرة من الرجال ذوي الرأي والعقل الكثير وهو أول من استبد بالعراق منفردا عن سلطان يكون معه من أول أيام الديلم إلى الآن وأول خليفة تمكن من الخلافة وحكم على عسكره وأصحابه من حين تحكم المماليك على الخلفاء من عهد المستنصر إلى الآن إلا أن يكون المعتضد وكان شجاعا مقداما مباشرا للحروب بنفسه وكان يبذل الأموال العظيمة لأصحاب الأخبار في جميع البلاد حتى كان لا يفوته منها شيء
ذكر خلافة المستنجد بالله
وفي هذه السنة بويع المستنجد بالله أمير المؤمنين واسمه يوسف وأمه أم ولد تدعى طاوس بعد موت والده وكان للمقتفي حظية وهي أم ولده أبي علي فلما اشتد مرض المقتفي وأيست منه أرسلت إلى جماعة من الأمراء وبذلت لهم الإقطاعات الكثيرة والأموال الجزيلة ليساعدوها على أن يكون ولدها الأمير أبو علي خليفة فقالوا كيف الحيلة مع ولي العهد فقالت إذا دخل على والده قبضت عليه وكان 439 يدخل إلى أبيه كل يوم فقالوا لا بد لنا من أحد من أرباب الدولة فوقع اختيارهم على أبي المعالي ابن الكيا الهراسي فدعوه إلى ذلك فأجابهم على أن يكون وزيرا فبذلوا له ما طلب فلما استقرت القاعدة بينهم وعلمت أم أبي علي أحضرت عدة من الجواري وأعطتهن السكاكين وأمرتهن بقتل ولي العهد المستنجد بالله وكان له خصي صغير يرسله كل وقت يتعرف أخبار والده فرأى الجواري بأيديهن السكاكين ورأى بيد أبي علي وأمه سيفين فعاد إلى المستنجد وأخبره وأرسلته هي إلى المستنجد تقول له إن والده قد حضره الموت ليحضر ويشاهده فاستدعى أستاذ دار عضد الدولة وأخذه معه وجماعة من الفراشين ودخل الدار وقد لبس الدرع وأخذ بيده السيف فلما دخل ثار الجواري فضرب واحدة منهن فجرحها وكذلك أخرى وصاح ودخل أستاذ الدار ومعه الفراشون فهرب الجواري وأخذ أخاه أبا علي وأمه فسجنهما وأخذ الجواري فقتل منهن وغرق منهن ودفع الله عنه فلما توفي المقتفي لأمر الله جلس للبيعة فبايعه أهله وأقاربه وأولهم عمه أبو طالب ثم أخوه أبو جعفر بن المقتفي وكان أكبر من المستنجد ثم بايعه الوزير بن هبيرة وقاضي القضاة وأرباب الدولة والعلماء وخطب له يوم الجمعة ونثرت الدنانير والدراهم
حكى عنه الوزير عون الدين بن هبيرة أنه قال رأيت رسول الله في المنام منذ خمس عشرة سنة وقال لي يبقى أبوك في الخلافة خمس عشرة سنة فكان كما قال قال ثم رأيته قبل موت أبي المقتفي بأربعة اشهر فدخل بي في باب كبير ثم ارتقى إلى رأس جبل وصلى بي ركعتين ثم ألبسني قميصا ثم قال لي قل اللهم اهدني فيمن هديت وذكر دعاء القنوت ولما ولي الخلافة أقر ابن هبيرة على وزارته وأصحاب الولايات على ولاياتهم وأزال المكوس والضرائب وقبض على القاضي ابن المرخم وكان بئس الحاكم وأخذ منه مالا كثيرا وأخذت كتبه فأحرق منها في الرحبة ما كان في علوم الفلاسفة فكان منها كتاب الشفاء لابن سينا وكتاب إخوان الصفا وما يشاكلهما
وقدم عضد الدين ابن رئيس الرؤساء وكان أستاذ الدار ومكنه وتقدم إلى الوزير أن يقوم له وعزل قاضي القضاة أبا الحسن علي بن أحمد الدامغاني ورتب مكانه أبا جعفر عبد الواحد الثقفي وخلع عليه 440
ذكر الحرب بين عسكر خوارزمشاه والأتراك البرزية
في هذه السنة في ربيع الأول ثار طائفة من عسكر خوارزمشاه إلى أجنة وهجموا على يغمرخان بن أودك ومن معه من الأتراك البرزية فأوقعوا بهم وأكثروا القتل فانهزم يغمرخان وقصد السلطان محمود بن محمد الخان والأتراك الغزية الذين معه وتوسل إليهم بالقرابة وظن يغمرخان أن اختيار الدين إيثاق هو الذي هيج الخوارزمية عليه فطلب من الغز إنجاده
ذكر أحوال المؤيد بخراسان هذه السنة
قد ذكرنا سنة ثلاث وخمسين عود المؤيد أي أبه إلى نيسابور وتمكنه منها وأن ذلك كان سنة أربع وخمسين وخمسمائة ورأى المؤيد تحكمه في نيسابور وتمكنه في دولته وكثرة جنده وعسكره
احسن السيرة في الرعية لا سيما أهل نيسابور فإنه جبرهم وبالغ في الإحسان إليهم وشرع في إصلاح أعمالها وإصلاح ولايتها فسير طائفة من عسكره إلى ناحية اسقيل وكان بها جمع قد تمردوا وأكثروا العيث والفساد في البلاد وطال تماديهم في طغيانهم فأرسل إليهم المؤيد يدعوهم إلى ترك الشر والفساد ومعاودة الطاعة والصلاح فلم يقبلوا ولم يرجعوا عما هم عليه فسير إليهم سرية كثيرة فقاتلوهم وأذاقوهم عاقبة ما صنعوا فأكثروا القتل فيهم وخربوا حصنهم وسار المؤيد من نيسابور إلى بيهق فوصلها رابع عشر ربيع الآخر من السنة وقصد منها حصن خسروجرد وهو حصن منيع بناه كيخسرو الملك قبل فراغه من قتل أفراسياب وفيه رجال شجعان فامتنعوا على المؤيد فحصرهم ونصب عليهم المجانيق وجد في القتال فصبر أهل الحصن حتى نفد صبرهم ثم ملك المؤيد القلعة وأخرج كل من فيها ورتب فيها من يحفظها وعاد منها إلى نيسابور في الخامس والعشرين من جمادى الأولى من السنة
ثم سار إلى هراة فلم يبلغ منها غرضا فعاد إلى نيسابور وقصد مدينة كندر وهي من أعمال طربثيث وقد تغلب عليها رجل اسمه أحمد كان خربنده واجتمع معه جماعة من الزنود وقطاع الطريق والمفسدين فخربوا كثيرا من البلاد وقتلوا كثيرا من الخلق وغنموا من الأموال ما لا يحصى وعظمت المصيبة بهم على خراسان وزاد البلاد فقصدهم المؤيد فتحصنوا بالحصن الذي لهم فقوتلوا أشد قتال ونصب 441 عليهم العرادات والمنجنيقات فأذعن هذا الخربنده أحمد إلى طاعة المؤيد والانخراط في سلك أصحابه وأشياعه فقبله أحسن قبول وأحسن إليه وأنعم عليه ثم إنه عصي على المؤيد وتحصن بحصنه فأخذه المؤيد منه قهرا وعنوة وقيده واحتاط عليه ثم قتله وأراح المسلمين منه ومن شره وفساده
وقصد المؤيد في شهر رمضان ناحية بيهق عازما على قتالهم لخروجهم عن طاعته فلما قاربها أتاه زاهد من أهلها ودعاه إلى العفو عنهم والحلم عن ذنوبهم ووعظه وذكره فأجاب إلى ذلك ورحل عنهم فأرسل السلطان محمود بن محمد الخان وهو مع الغزالي المؤيد بتقرير نيسابور وطوس وأعمالها عليه ورد الحكم فيها إليه فعاد إلى نيسابور رابع ذي القعدة من السنة ففرح الناس بما تقرر بينه وبين الملك محمود وبين الغز من إبقاء نيسابور عليه ليزول الخلف والفتن عن الناس
ذكر الحرب بين شاه مازندان ويغمرخان
لما قصد يغمرخان الغز وتوسل إليهم لينصروه على إيثاق لظنه أنه هو الذي حسن للخوارزمية قصده فأجابوه إلى ذلك وساروا معه على طريق نسا وأبيورد ووصلوا إلى الأمير إيثاق فلم يجد لنفسه بهم قوة فاستنجد شاه مازندان فجاءه ومعه الأكراد والديلم والأتراك والتركمان الذين يسكنون نواحي أيسكون جمع كثير فاقتتلوا ودامت الحرب بينهم وانهزم الأتراك الغزية والبرزية من شاه مازندان خمس مرات ويعودون وكان على ميمنة شاه مازندان الأمير إيثاق فحملت الأتراك الغزية عليه لما أيسوا من الظفر بقلب شاه مازندان فانهزم إيثاق وتبعه باقي العسكر ووصل شاه مازندان إلى سارية وقتل من عسكره أكثرهم وحكي أن بعض التجار كفن ودفن من هؤلاء القتلى سبعة آلاف رجل وأما إيثاق فإنه قصد في هربه خوارزم وأقام بها وسار الغز من المعركة إلى دهستان وكان الحرب قريبا منها فنقبوا سورها وأوقعوا بأهلها ونهبوهم أوائل سنة ست وخمسين وخمسمائة بعد أن خربوا جرجان وفرقوا أهلها في البلاد وعادوا إلى خراسان
ذكر وفاة خسروشاه صاحب غزنة وملك ابنه بعده
في هذه السنة في رجب توفي السلطان خسروشاه بن بهرام شاه بن مسعود بن 442 إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وكان عادلا حسن السيرة في رعيته محبا للخير وأهله مقربا للعلماء محسنا إليهم راجعا إلى قولهم وكان ملكه تسع سنين وملك بعده ابنه ملك شاه فلما ملك نزل علاء الدين الحسين ملك الغور إلى غزنة فحصرها وكان الشتاء شديدا والثلج كثيرا فلم يمكنه المقام عليها فعاد إلى بلاده في صفر سنة ست وخمسين
ذكر الحرب بين إيثاق وبغراتكين
في هذه السنة منتصف شعبان كان بين الأمير إيثاق والأمير بغراتكين برغش الجركاني حرب وكان إيثاق قد سار إلى بغراتكين في آخر أعمال جوين فنهب وأخذ أمواله وكل ماله وكان ذا نعمة عظيمة وأموال جسيمة فانهزم بغراتكين عنها وخلاها فافتتحها إيثاق واستغنى بها وقويت نفسه وكثرت جموعه وقصده الناس
وأما بغراتكين فإنه أرسل إلى المؤيد صاحب نيسابور وسار في جملته ومعدودا من أصحابه فتلقاه المؤيد بالقبول
ذكر وفاة ملكشاه بن محمود
في هذه السنة توفي ملكشاه ابن السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان بأصفهان مسموما وكان سبب ذلك أنه لما كثر جمعه بأصفهان أرسل إلى بغداد وطلب أن يقطعوا خطبة عمه سليمان شاه ويخطبوا له ويعيدوا القواعد بالعراق إلى ما كانت أولا وإلا قصدهم فوضع الوزير عون الدين بن هبيرة خصيا كان خصيصا به يقال له أغلبك الكوهراييني فمضى إلى بلاد العجم واشترى جارية من قاضي همذان بألف دينار وباعها من ملكشاه وكان قد وضعها على سمه ووعدها أمورا عظيما على ذلك وسمته في لحم مشوي فأصبح ميتا وجاء الطبيب إلى دكلا وشملة فعرفهما أنه مسموم فعرفوا أن ذلك من فعل الجارية فأخذت وضربت وأقرت وهرب أغلبك ووصل إلى بغداد ووفي له الوزير بجميع ما استقر الحال عليه ولما مات أخرج أهل اصفهان أصحابه من عندهم وخطبوا لسليمان شاه واستقر ملكه بتلك البلاد وعاد شملة إلى خوزستان فأخذ ما كان ملكشاه تغلب عليه منها 443
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة حج أسد الدين شيركوه بن شاذي مقدم جيوش نور الدين محمود ابن زنكي صاحب الشام وشيركوه هذا هو الذي ملك الديار المصرية وسيرد ذكره إن شاء الله تعالى
وفيها أرسل زين الدين علي نائب قطب الدين صاحب الموصل رسولا إلى المستنجد يعتذر مما جناه من مساعدة محمد شاه في حصار بغداد ويطلب أن يؤذن له في الحج فأرسل إليه يوسف الدمشقي مدرس النظامية وسليمان بن قتلش يطيبان قلبه عن الخليفة ويعرفانه الإذن في الحج فحج ودخل إلى الخليفة فأكرمه وخلع عليه
وفيها توفي قايماز الأرجواني أمير الحاج سقط عن الفرس وهو يلعب بالأكرة فسال مخه من مناخيره وأذنيه فمات
وفيها في ربيع الآخر توفي محمد بن يحيى بن علي بن مسلم أبو عبد الله الزبيدي من أهل زبيد مدينة باليمن مشهورة وقدم بغداد سنة تسع وأربعين وخمسمائة وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وكان نحويا واعظا وصحبه الوزير بن هبيرة مرة وكان موته ببغداد 444
ثم دخلت سنة ست وخمسين وخمسمائة
ذكر الفتنة ببغداد
في هذه السنة في ربيع الأول خرج الوزير ابن هبيرة من داره إلى الديوان والغلمان يطرقون له وأرادوا يردون باب المدرسة الكمالية بدار الخليفة فمنعهم الفقهاء وضربوهم بالآجر فشهر أصحاب الوزير السيوف وأرادوا ضربهم فمنعهم الوزير ومضى إلى الديوان فكتب الفقهاء مطالعة يشكون أصحاب الوزير فأمر الخليفة بضرب الفقهاء وتأديبهم ونفيهم من الدار فمضى أستاذ الدار وعاقبهم هناك واختفى مدرسهم الشيخ أبو طالب ثم إن الوزير أعطى كل فقير دينارا واستحل منهم وأعادهم إلى المدينة وظهر مدرسهم
ذكر قتل ترشك
في هذه الأيام قصد جمع من التركمان إلى البندنيجين فأمر الخليفة بتجهيز عسكر إليهم وأن يكون مقدمهم ترشك وكان في أقطاعه بلد اللحف فأرسل إليه الخليفة يستدعيه فامتنع من المجيء إلى بغداد وقال يحضر العسكر فأنا أقاتل بهم وكان عازما على الغدر فجهز العسكر وساروا إليه وفيهم جماعة من الأمراء فلما اجتمعوا بترشك قتلوه وأرسلوا رأسه إلى بغداد وكان قتل مملوكا للخليفة فدعا أولياء المقتول وقيل لهم إن أمير المؤمنين قد اقتص لأبيكم ممن قتله
ذكر قتل سليمان شاه والخطبة لأرسلان
في هذه السنة في ربيع الآخر قتل السلطان سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملكشاه وسبب ذلك أنه كان فيه تهور وخرق وبلغ به شرب الخمر حتى أنه شربها في رمضان نهارا وكان يجمع المساخر ولا يلتفت إلى الأمراء فأهمل العسكر أمره 445 وصاروا لا يحضرون بابه وكان قد رد جميع الأمور إلى شرف الدين كردباز والخادم وهو من مشايخ الخدم السلجوقية يرجع إلى دين وعقل وحسن وتدبير فكان الأمراء يشكون إليه وهو يسكنهم فاتفق أنه شرب يوما بظاهر همذان في الكشك فحضر عنده كردبازو حتى أن بعضهم كشف له سوأته فخرج مغضبا فلما صحا سليمان أرسل إليه يعتذر فقبل عذره إلا أنه تجنب الحضور عنده فكتب سليمات إلى إينانج صاحب الري يطلب منه أن ينجده على كردبازو فوصل الرسول واينانج مريض فأعاد الجواب يقول إذا أفقت من مرضي حضرت إليك بعسكري فبلغ الخبر كردبازو فازداد استيحاشا فأرسل إليه سليمان يوما يطلبه فقال إذا جاء إينانج حضرت وأحضر الأمراء واستحلفهم على طاعته وكانوا كارهين لسليمان فحلفوا له فأول ما عمل أن قتل المساخرة الذين لسليمان وقال إنما أفعل ذلك لملكك ثم اصطلحا
وعمل كردبازو دعوة عظيمة حضرها السلطان والأمراء فلما صار السلطان سليمان شاه في داره قبض عليه كردبازو وعلى وزيره ابن القاسم محمود بن عبد العزيز الحامدي وعلى أصحابه في شوال سنة خمس وخمسين وخمسمائة فقتل وزيره وخواصه وحبس سليمان شاه في قلعة ثم أرسل إليه من خنقه وقيل بل حبسه في دار مجد الدين العلوي رئيس همذان وفيها قتل وقيل بل سقي سما فمات والله أعلم
وأرسل إلى ايلدكز صاحب أرانية وأكثر بلاد أذربيجان يستدعيه إليه ليخطب للملك أرسلان شاه الذي معه وبلغ الخبر إلى اينانج صاحب الري فسار ينهب البلاد إلى أن وصل إلى همذان فتحصن كردبازو فطلب منه إينانج أن يعطيه مصافا فقال أنا لا أحاربك حتى يصل الأتابك الأعظم ايلدكز
وسار ايلدكز في عساكره جميعها يزيد على عشرين ألف فارس ومعه أرسلان شاه بن طغرل بن محمد ابن ملكشاه فوصل إلى همذان فلقيهم كردبازو وأنزله دار المملكة وخطب لأرسلان شاه بالسلطنة بتلك البلاد وكان أيلدكز أتابكه والبهلوان حاجبه وهو أخوه لأمه وكان أيلدكز هذا هو أحد مماليك السلطان مسعود وأمرائه في أول أمره فلما ملك أقطعه أران وبعض أذربيجان واتفق الحروب والاختلاف فلم يحضر عند أحد من السلاطين السلجوقية وعظم شأنه وقوي أمره وتزوج بأم الملك أرسلان شاه فولدت له أولادا منهم البهلوان محمد وقزل أرسلان عثمان وقد ذكرنا سبب انتقال أرسلان شاه 446 إليه وبقي عنده إلى الآن فلما خطب له بهمذان أرسل ايلدكز إلى بغداد يطلب الخطبة لأرسلان شاه أيضا وأن تعاد القواعد إلى ما كانت عليه أيام السلطان مسعود فأهين رسوله وأعيد إليه على أقبح حالة وأما اينانج صاحب الري فإن ايلدكز راسله ولاطفه فاصطلحا وتحالفا على الاتفاق وتزوج البهلوان بن ايلدكز بابنة اينانج ونقلت إليه بهمذان
ذكر الحرب بين بن آقسنقر وعسكر ايلدكز
لما استقر الصلح بين ايلدكز واينانج أرسل إلى ابن آقسنقر الأحمد يلي صاحب مراغة يدعوه إلى الحضور في خدمة السلطان أرسلان شاه فامتنع من ذلك وقال إن كففتم عني وإلا فعندي سلطان وكان عنده ولد محمد شاه بن محمود كما ذكرناه وكان الوزير ابن هبيرة قد كاتبه يطمعه في الخطبة لولد محمود شاه فجهز ايلدكز عسكرا مع ولده البهلوان فبلغ الخبر إلى ابن آقسنقر فأرسل إلى شاه أرمن صاحب خلاط وحالفه وصارا يدا واحدة فسير إليه أرمن عسكرا كثيرا
واعتذر عن تأخره بنفسه لأنه في ثغر لا يمكنه مفارقته فقوي بهم ابن آقسنقر وكثر جمعه وسار نحو البهلوان فالتقيا على نهر أسبيرود فاشتد القتال بينهم فانهزم البهلوان أقبح هزيمة ووصل هو وعسكره إلى همذان على أقبح صورة واستأمن أكثر أصحابه إلى ابن آقسنقر وعاد إلى بلده منصورا
ذكر الحرب بين أيلدكز واينانج
لما مات ملكشاه ابن السلطان محمود كما ذكرناه أخذ طائفة من اصحابه ابنه محمودا وانصرفوا به نحو بلاد فارس فخرج عليهم صاحبها زنكي بن دكلا السلغري فأخذه منهم وتركه في قلعة اصطخر فلما ملك ايلدكز والسلطان أرسلان شاه الذي معه البلاد وأرسل ايلدكز إلى بغداد يطلب الخطبة للسلطان كما ذكرناه شرع الوزير عون الدين أبو المظفر يحيى بن هبيرة وزير الخليفة في إثارة أصحاب الأطراف عليه وراسل الأحمديلي وكان كما ذكرناه وكاتب زنكي بن دكلا صاحب بلاد فارس يبذل له أن يخطب للملك الذي عنده وهو ابن ملكشاه وعلق الخطبة له بظفره بايلدكز فخطب ابن دكلا للملك الذي عنده وأنزله من القلعة وضرب الطبل على بابه خمس نوب وجمع عساكره وكاتب اينانج صاحب الري يطلب 447 منه الموافقة وسمع ايلدكز الخبر فحشد وجمع وكثر عسكره وجموعه فكانت أربعين ألفا وسار إلى أصفهان يريد بلاد فارس وأرسل إلى زنكي ابن دكلا يطلب منه الموافقة وأن يعود يخطب لأرسلان شاه فلم يفعل وقال إن الخليفة قد أقطعني بلاده وأنا سائر إليه فرحل ايلدكز وبلغه أن جشيرا لأرسلان بوقا وهو أمير من أمراء زنكي وفي إقطاعه أرجان بالقرب منه فأنفذ سرية للغارة عليه فاتفق أن أرسلان بوقا عزم على تغيير الخيل التي معه فأضعفها وأخذ عوضها من ذلك الجشير فسار في عسكره إلى الجشير فصادف العسكر الذي سيره أيلدكز لأخذ دوابه فقاتلهم وأخذهم وقتلهم وأرسل الرؤوس إلى صاحبه فكتب بذلك إلى بغداد وطلب المدد فوعد بذلك وكان الوزير عون الدين بن هبيرة أيضا قد كاتب الأمراء الذين مع ايلدكز يوبخهم على طاعته ويضعف رأيهم ويحرضهم على مساعدة زنكي بن دكلا واينانج
وكان اينانج قد برز زمن الري في عشرة آلاف فارس فأرسل إلي ابن آقسنقر الأحمديلي خمسة آلاف فارس وهرب ابن البازدار صاحب قزوين وابن طغيرك وغيرهما فلحقوا باينانج وهو في صحراء ساوة وأما ايلدكز فإنه استشار نصحاءه فأشاروا بقصد اينانج لأنه أهم فرحل إليه ونهب زنكي إليهم فلقيهم وقاتلهم فانهزم عسكر ايلدكز إليه فتجلد ايلدكز وأرسل يطلب عساكر أذربيجان فجاءته مع ولده قزل أرسلان وسير زنكي بن دكلا عسكرا كثيرا إلى اينانج واعتذر عن الحضور بنفسه عنده لخوفه على بلاده من شملة صاحب خوزستان فسار ايلدكز إلى اينانج وتدانى العسكران فالتقوا تاسع شعبان وجرى بينهم حرب عظيمة أجلت عن هزيمة اينانج فانهزم أقبح هزيمة وقتلت رجاله ونهبت أمواله ودخل الري وتحصن في قلعة طبرك وحصر ايلدكز الري تم الصلح واقترح اينانج اقتراحات فأجابه ايلدكز إليها وأعطاه جرماذقان وغيرها وعاد ايلدكز إلى همذان وكان ينبغي أن تتأخر هذه الحادثة والتي قبلها وإنما قدمت لتتبع أخواتها
ذكر وفاة ملك الغور وملك ابنه محمد
في هذه السنة في ربيع الآخر توفي الملك علاء الدين الحسين بن الحسين الغوري ملك الغور بعد انصرافه عن غزنة وكان عادلا من احسن الملوك سيرة في 448 رعيته
ولما مات ملك بعده ابنه سيف الدين محمد وأطاعه الناس وأحبوه وكان قد صار في بلادهم جماعة من دعاة الإسماعيلية وكثر أتباعهم فأخرجهم من تلك الديار جميعها
ولم يبق فيها منهم أحد وراسل الملوك وهاداهم واستمال المؤيد أي أبه صاحب نيسابور وطلب موافقته
ذكر الفتنة بنيسابور وتخريبها
كان أهل العبث والفساد بنيسابور قد طمعوا في نهب الأموال وتخريب البيوت وفعل ما أرادوا فإذا نهبوا لم ينتهوا فلما كان الآن تقدم المؤيد أي أبه بقبض أعيان نيسابور منهم نقيب العلويين أبو القاسم زيد بن الحسن الحسيني وغيره وحبسهم في ربيع الآخر سنة ست وخمسين وقال : أنتم الذين أطمعتم الزنود والمفسدين حتى فعلوا هذه الفعال ولو أردتم منعهم لامتنعوا وقتل من أهل الفساد جماعة فخربت نيسابور بالكلية ومن جملة ما خرب مسجد عقيل وكان مجمعا لأهل العلم وفيه خزائن الكتب الموقوفة وكان من اعظم منافع نيسابور وخرب أيضا من مدارس الحنفية ثمان مدارس ومن مدارس الشافعية سبع عشرة مدرسة وأحرق خمس خزائن للكتب ونهب سبع خزائن كتب وبيعت بأبخس اللأثمان هذا ما أمكن احصاؤه سوى ما لم يذكر
ذكر خلع السلطان محمود ونهب طوس وغيرها من خراسان
في هذه السنة في جمادى الآخرة قصد السلطان محمود بن محمد الخان وهو ابن أخت السلطان سنجر وقد ذكرنا انه ملك خراسان بعده ففي هذه السنة حصر المؤيد صاحب نيسابور بشاذياج وكان الغز مع السلطان محمود فدامت الحرب إلى آخر شعبان سنة ست وخمسين وخمسمائة ثم إن محمودا اظهر انه يريد دخول الحمام فدخل إلى شهرستان آخر شعبان كالهارب من الغز وأقاموا على نيسابور إلى آخر شوال ثم عادوا راجعين فعاثوا في القرى ونهبوها ونهبوا طوس نهبا فاحشا واحضروا المشهد الذي لعلي بن موسى وقتلوا كثيرا ممن فيه ونهبوهم ولم يعرضوا للقبة التي فيها القبر
فلما دخل السلطان محمود إلى نيسابور أمهله المؤيد إلى أن دخل رمضان من سنة سبع وخمسين وخمسمائة وأخذه وكحله وأعماه وأخذ ما كان معه من الأموال والجواهر والأعلاق النفيسة وكان يخفيها خوفا عليها من الغز لما كان 449 معهم وقطع المؤيد خطبته من نيسابور وغيرها مما هو في تصرفه وخطب لنفسه بعد الخليفة المستنجد بالله وأخذ ابنه جلال الدين محمدا الذي كان قد ملكه الغز أمرهم قبل أبيه وقد ذكرنا ذلك وسمله أيضا وسجنهما ومعهما جواريهما وحشمهما وبقيا فيها فلم تطل أيامها ومات السلطان محمود ثم مات ابنه بعده من شدة وجده لموت أبيه والله أعلم
ذكر عمارة شاذياخ نيسابور
كانت شاذياخ قد بناها عبد الله بن طاهر بن الحسين لما كان أميرا على خراسان للمأمون وسبب عمارتها أنه رأى امرأة جميلة تقود فرسا تريد سقيه فسألها عن زوجها فأخبرته به فأحضره وقال له خدمة الخيل بالرجال أشبه فلم تقعد أنت في دارك وترسل امرأتك مع فرسك فبكى الرجل وقال له ظلمك يحملنا على ذلك فقال وكيف قال لأنك تنزل الجند معنا في دورنا فإن خرجت أنا وزوجتي بقي البيت فارغا فيأخذ الجندي ما لنا فيه وإن سقيت أنا الفرس فلا آمن على زوجتي من الجندي فرأيت أن أقيم في البيت وتخدم زوجتي الفرس
فعظم الأمر عليه وخرج من البلد لوقته ونزل في الخيام وأمر الجند فخرجوا من دور الناس وبنى شاذياخ دارا له ولجنده وسكنها وهم معه
ثم إنها دثرت بعد ذلك فلما كان أيام السلطان ألب أرسلان ذكرت له هذه القصة فأمر بتجنيدها ثم إنها تشعثت بعد ذلك فلما كان الآن وخرجت نيسابور ولم يمكن حفظها والغز تطرق البلاد وتنهبها أمر المؤيد حينئذ بعمل سورها وسد ثلمه وسكناه ففعل ذلك وسكنها هو والناس معه وخربت حينئذ نيسابور كل خراب ولم يبق فيها اثنان
ذكر قتل الصالح بم رزيك ووزارة ابنه رزيك
في هذه السنة في شهر رمضان قتل الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن رزيك الأرمني وزير العاضد العلوي صاحب مصر وكان سبب قتله أنه تحكم في الدولة التحكم العظيم واستبد بالأمر والنهي وجباية الأموال إليه لصغر العاضد ولأنه هو الذي ولاه ووتر الناس فإنه أخرج كثيرا من أيمانهم وفرقهم في البلاد ليأمن وثوبهم عليه ثم إنه زوج ابنته من العاضد فعاداه أيضا الحرم من القصر فأرسلت عمة العاضد 450 الأموال إلى أمراء المصريين ودعتهم إلى قتله وكان أشدهم عليه في ذلك إنسان يقال له ابن الداعي فوقفوا له في دهليز القصر فلما دخل ضربوه بالسكاكين على دهش فجرحوه جراحات مهلكة إلا أنه حمل إلى داره وفيه حياة فأرسل إلى العاضد يعاتبه على الرضا بقتله مع أثره في خلافته فأقسم العاضد أنه لا يعلم بذلك ولم يرض به فقال إن كنت بريئا فسلم عمتك إلي حتى انتقم منها فأمر بأخذها فأرسل إليها فأخذها قهرا وأحضرت عنده فقتلها ووصى بالوزارة لابنه رزيك ولقب العادل فانتقل الأمر إليه بعد وفاة أبيه وللصالح أشعار حسنة بليغة تدل على فضل غزير فمنها في الافتخار
( أبى الله إلا أن يدوم لنا الدهر
ويخدمنا في ملكنا العز والنصر )
( علمنا بأن المال تفنى ألوفه
ويبقى لنا من بعده الأجر والذكر )
( خلطنا الندى بالبأس حتى كأننا
سحاب لديه البرق والرعد والقطر )
( قرانا إذا رحنا إلى الحرب مرة
قرانا ومن أضيافنا الذئب والنسر )
( كما أننا في السلم نبذل جودنا
ويرتع في أنعامنا العبد والحر )
وكان الصالح كريما فيه أدب له شعر جيد وكان لأهل العلم عنده إنفاق ويرسل إليهم العطاء الكثير بلغه أن الشيخ أبا محمد بن الدهان النحوي البغدادي المقيم بالموصل قد شرح بيتا من شعره وهو هذا
( تجنب سمعي ما تقول العواذل
وأصبح لي شغل من الغزو شاغل )
قجهز إليه هدية سنية ليرسلها إليه فقتل قبل إرسالها وبلغه أيضا أن إنسانا من أعيان الموصل قد أثنى عليه بمكة فأرسل إليه كتابا يشكره ومعه هدية وكان الصالح إماميا لم يكن على مذهب العلويين المصريين ولما ولي العاضد الخلافة وركب سمع الصالح ضجة عظيمة فقال ما الخبر فقيل إنهم يفرحون بالخليفة فقال كأني بهؤلاء الجهلة وهم يقولون ما مات الأول حتى استخلف هذا وما علموا أنني كنت من ساعة أستعرضهم استعراض الغنم قال عمارة دخلت إلى صالح قبل قتله بثلاثة أيام فناولني قرطاسا فيه بيتان من شعره وهما
( نحن في غفلة ونوم وللموت
عيون يقظانة لا تنام ) 451
( قد رحلنا إلى الحمام سنينا
ليت شعري متى يكون الحمام )
فكان آخر عهدي به
وقال عمارة أيضا ومن عجيب الاتفاق أنني أنشدت ابنه قصيدة أقول فيها
( أبوك الذي تسطو الليالي بحده
وأنت يمين إن سطا وشمال )
( لرتبته العظمى وإن طال عمره
إليك مصير واجب ومنال )
( تخالصك اللحظ المصون ودونها
حجاب شريف لا انقضا وحجال )
فانتقل الأمر إليه بعد ثلاثة أيام
ذكر الحرب بين العرب وعسكر بغداد
في هذه السنة في شهر رمضان اجتمعت خفاجة إلى الحلة والكوفة وطالبوا برسومهم من الطعام والتمر وغير ذلك فمنعهم أمير الحاج أرغش وهو مقطع الكوفة ووافقه على منعه الأمير قيصر شحنة الحلة وهما من مماليك الخليفة فأفسدت خفاجة ونهبوا سواد الكوفة والحلة فأسرى إليهم الأمير قيصر شحنة الحلة في مائتين وخمسين فارسا وخرج إليه أرغش في عسكر وسلاح فانتزح خفاجة من بين أيديهم وتبعه العسكر إلى رحبة الشام فأرسل خفاجة يعتذرون ويقولون قد قنعنا بلبن الإبل وخبز الشعير وأنت تمنعونا رسومنا وطلبوا الصلح فلم يجبهم أرغش وقيصر وكان قد اجتمع مع خفاجة كثير من العرب فتصافوا واقتتلوا وأرسلت العرب طائفة إلى خيام العسكر ورحالهم فحالوا بينهم وبينها وحمل العرب حملة منكرة فانهزم العسكر وقتل كثير منهم وقتل الأمير قيصر وأسرت جماعة أخرى وجرح أمير الحاج جراحة شديدة ودخل الرجبة فحماه شحنتها وأخذ له الأمان وسيره إلى بغداد ومن نجا مات عطشا في البرية وكان إماء العرب يخرجن بالماء يسقين الجرحى فإذا طلبه منهن أحد من العسكر أجهزن عليه وكثر النوح والبكاء ببغداد على القتلى وتجهز الوزير عون الدين بن هبيرة والعساكر معه فخرج في طلب خفاجة فدخلوا البرية وخرجوا إلى البصرة ولما دخلوا البر عاد الوزير إلى بغداد وأرسل بنو خفاجة يعتذروا ويقولون بغي علينا وفارقنا البلاد فتبعوني واضررنا إلى القتال وسألوا العفو عنهم فأجيبوا إلى ذلك 452
ذكر حصر المؤيد شارستان
في هذه السنة حصر المؤيد أي أبه مدينة شارستان قريب نيسابور وقاتله أهلها ونصب المجانيق والعرادات فصبر أهلها خوفا على أنفسهم من المؤيد وكان مع المؤيد جلال الدين الموفقي الفقيه الشافعي فبينما هو راكب إذ وصل إليه حجر منجنيق فقتله خامس جمادى الآخرة من السنة وتعدى الحجر منه إلى شيخ من شيوخ بيهق فقتله فعظمت المصيبة بقتل جلال الدين على أهل العلم خصوصا أهل السنة والجماعة وكان في عنفوان شبابه رحمه الله لما قتل ودام الحصار إلى شعبان سنة سبع وخمسين وخمسمائة فنزل خواجكي صاحبها بعدما كثر القتل ودام الحصر وكان لهذه القلعة ثلاثة رؤساء هم أرباب النهي والأمر وهم الذين حفظوها وقاتلوا عنها أحدهم خواجكي هذا والثاني داعي بن محمد ابن أخي حرب العلوي والثالث الحسين بن أبي طالب العلوي الفارسي فنزلوا كلهم أيضا إلى المؤيد أي أبه فيمن معهم من أشياعهم وأتباعهم فأما خواجكي فإنه أثبت عليه أنه قتل زوجته ظلما وعدوانا وأخذ مالها فقتل بها وملك المؤيد شارستان وصفت له فنهبها عسكره إلا أنهم لم يقتلوا امرأة ولا سبوها
ذكر ملك الكرج مدينة آني
في هذه السنة في شعبان اجتمعت الكرج مع ملكهم وساروا إلى مدينة آني من بلاد آران وملكوها وقتلوا فيها خلقا كثيرا فانتدب لهم شاه أرمن بن ابراهيم بن سكمان صاحب خلاط وجمع العساكر واجتمع معه من المتطوعة خلق كثير وسار إليهم فلقوه وقاتلوه فانهزم المسلمون وقتل أكثرهم وأسر كثير منهم وعاد شاه أرمن مهزوما ولم يرجع معه غير أربعمائة فارس من عسكره
ذكر ولاية عيسى مكة حرسها الله تعالى
كان أمير مكة هذه السنة قاسم بن فليتة بن قاسم بن أبي هاشم العلوي الحسيني فلما سمع بقرب الحجاج من مكة صادر المجاورين وأعيان أهل مكة وأخذ كثيرا من أموالهم وهرب من مكة خوفا من أمير الحاج أرغش وكان قد حج هذه السنة زين الدين علي بن بكتكين صاحب جيش الموصل ومعه طائفة صالحة من 453 العسكر فلما وصل أمير الحاج إلى مكة رتب مكان قاسم بن فليتة عمه عيسى بن قاسم بن هاشم فبقي كذلك إلى شهر رمضان ثم إن قاسم بن فليتة جمع جمعا كثيرا من العرب أطمعهم في مال له بمكة فاتبعوه فسار بهم إليها فلما سمع عمه عيسى فارقها ودخلها قاسم فأقام بها أميرا أياما ولم يكن له مال يوصله إلى العرب ثم إنه قتل قائدا كان معه حسن السيرة فتغيرت نيات أصحابه عليه وكاتبوا عمه عيسى فقدم عليهم فهرب وصعد جبل أبي قبيس فسقط عن فرسه فأخذه أصحاب عيسى وقتلوه فعظم عليه قتله فأخذه وغسله ودفنه بالمعلى عند أبيه فليتة واستقر الأمر بعده لعيسى والله أعلم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة سار عبد المؤمن بن علي إلى جبل طارق وهو على ساحل الخليج بما يلي الأندلس فعبر المجاز إليه وبنى عليه مدينة حصينة وأقام بها عليه عدة شهور وعاد إلى مراكش
وفيها في المحرم ورد نيسابور جمع كثير من تركمان بلاد فارس ومعهم أغنام كثيرة للتجارة فباعوها وأخذوا الثمن ونزلوا على مرحلتين من طابس كنكلي وباتوا هناك فنزل إليهم الإسماعيلية وكبسوهم ليلا ووضعوا السيف فيهم فقتلوا وأكثروا ولم ينج منهم إلا الشريد وغنم الإسماعيلية جميع ما معهم من مال وعروض وعادوا إلى قلاعهم
وفيها كثرت الأمطار في أكثر البلاد ولا سيما خراسان فإن الأمطار توالت فيها من العشرين من المحرم إلى منتصف صفر لم تنقطع ولا رأى الناس فيها شمسا
وفيها كان بين الكرج وبين الملك صلتق بن علي صاحب أرزن الروم قتال وحرب انهزم فيه صلتق وعسكره وأسر هو وكانت أخته شاه بانوار قد تزوجها شاه أرمن بن سكمان بن إبراهيم بن سكمان صاحب خلاط فأرسلت إلى ملك الكرج هدية جليلة المقدار وطلبت منه أن يفاديها بأخيها فأطلقه فعاد إلى ملكه
وفيها قصد صاحب صيدا من الفرنج نور الدين محمود صاحب الشام ملتجئا إليه فأمنه وسير معه عسكرا يمنعه من الفرنج أيضا فظفر عليهم في الطريق 454 كمين للفرنج فقتلوا من المسلمين جماعة وانهزم الباقون
وفيها ملك قرا أرسلان صاحب حصن كيفا قلعة شاتان وكانت لطائفة من الأكراد يقال لهم الجونية فلما ملكها خربها وأضاف ولايتها إلى حصن طالب
وفيها توفي الكمال حمزة بن علي بن طلحة صاحب المخزن كان جليل القدر أيام المسترشد بالله وولي المقتفى وبنى مدرسة لأصحاب الشافعي بالقرب من داره ثم حج وعاد وقد لبس الفوط وزي الصوفية وترك الأعمال فقال بعض الشعراء فيه
( يا عضد الإسلام يا من سمت
إلى العلا همته الفاخره )
( كانت لك الدنيا فلم ترضها
ملكا فأخلدت إلى الآخره ) 455
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وخمسمائة
ذكر فتح المؤيد طوس وغيرها
في هذه السنة في السابع والعشرين من صفر نازل المؤيد أي أبه أبا بكر جاندار بقلعة وسكرة خوي من طوس وكان قد تحصن بها وهي حصينة منيعة لا ترام فقاتله وأعانه أهل طوس على أبي بكر لسوء سيرته كانت فيهم وظلمه فلما رأى أبو بكر ملازمة المؤيد ومواصلة القتال عليه خضع وذل ونزل من القلعة بالأمان في العشرين من ربيع الأول من السنة فلما نزل منها حبسه المؤيد وأمر بتقييده ثم سار منها إلى كرستان وصاحبها أبو بكر فاخر فنزل من قلعته وهي من أمنع الحصون على رأس جبل عال وصار في طاعة المؤيد ودان له ووافقه وسير جيشا في جمادى الآخرة منها إلى اسفراين فتحصن رئيسها عبد الرحمن بن محمد ابن علي الحاج بالقلعة وكان أبوه كريم خراسان على الإطلاق ولكن كان عبد الرحمن هذا بئس الخلف فلما تحصن أحاط به العسكر المؤيدي واستنزلوه من الحصن وحملوه مقيدا إلى شاذياخ وحبس بها وقيل في ربيع الآخر سنة ثمان وخمسين وخمسمائة
وملك المؤيد أيضا قهندز نيسابور واستدارت مملكة المؤيد حول نيسابور وعادت إلى ما كان عليه قبل إلا أن أهلها انتقلوا إلى شاذياخ وخربت المدينة العتيقة وسير المؤيد جيشا إلى خواف وبها عسكر مع بعض الأمراء اسمه أرغش فكمن أرغش جمعا في تلك المضايق والجبال وتقدم إلى عسكر المؤيد فقاتلهم وطلع الكمين فانهزم عسكر المؤيد وقتل منهم جمع وعاد الباقون إلى المؤيد بنيسابور وسير جيشا إلى بوشنج هراة وهي في طاعة الملك محمد بن الحسين الغوري فحصروها واشتد الحصار عليها وقام القتال والزحف فسير الملك محمد الغوري 456 جيشا إليها ليمنع عنها فلما قاربوا هراة فارقها العسكر الذي يحصرها وعادوا عنها وصفت تلك الولاية للغورية
ذكر أخذ ابن مردنيش غرناطة من عبد المؤمن وعودها إليه
في هذه السنة أرسل أهل غرناطة من بلاد الأندلس وهي لعبد المؤمن إلى الأمير إبراهيم بن همشك صهر ابن مردنيش فاستدعوه إليهم ليسلموا إليه البلد وكان قد وحد وصار من أصحاب عبد المؤمن وفي طاعته وممن يحرضه على قصد ابن مردنيش فلما وصل إليه رسل أهل غرناطة سار معهم إليها فدخلها وبها جمع من أصحاب عبد المؤمن فامتنعوا بحصنها فبلغ الخبر أبا سعيد عثمان بن عبد المؤمن وهو بمدينة مالقة فجمع الجيش الذي كان عنده وتوجه إلى غرناطة لنصرة من فيها من أصحابهم فعلم بذلك إبراهيم بن همشك فاستنجد ابن مردنيش ملك البلاد بشرق الأندلس فأرسل إليه ألفي فارس من أنجاد أصحابه ومن الفرنج الذين جندهم معه فاجتمعوا بنواحي غرناطة فالتقوا هم ومن بغرناطة من عسكر عبد المؤمن قبل وصول أبي سعيد إليهم فاشتد القتال بينهم فانهزم عسكر عبد المؤمن وقدم أبو سعيد واقتتلوا أيضا فانهزم كثير من أصحابه وثبت معه طائفة من الأعيان والفرسان المشهورين والرجالة والأجلاد حتى قتلوا عن آخرهم وانهزم حينئذ أبو سعيد ولحق بمالقة وسمع عبد المؤمن الخبر وكان قد سار إلى مدينة سلا فسير في الحال ابنه أبا يعقوب يوسف في عشرين ألف مقاتل فيهم جماعة من شيوخ الموحدين فجدوا المسير فبلغ ذلك ابن مردنيش فسار بنفسه وجيشه إلى غرناطة ليعين ابن همشك فاجتمع منهم بغرناطة جمع كثير فنزل ابن مردنيش في الشريعة بظاهرها ونزل العسكر الذي أمر به ابن همشك أولاً وهم ألفا فارس بظاهر القلعة الحمراء ونزل ابن همشك بباطن القلعة الحمراء فيمن معه ووصل عسكر عبد المؤمن إلى جبل قريب من غرناطة فأقاموا في سفحه أياماً ثم سيروا سرية أربعة آلاف فارس فبيتوا العسكر الذي بظاهر القلعة الحمراء وقاتلوهم من جهاتهم فما لحقوا يركبون فقتلوهم عن آخرهم وأقبل عسكر عبد المؤمن بجملته فنزلوا بضواحي غرناطة فعلم ابن مردنيش وابن همشك أنهم لا طاقة لهم بهم ففروا في الليلة الثانية ولحقوا بلادهم واستولى الموحدون على غرناطة في باقي السنة المذكورة وعاد عبد المؤمن من مدينة سلا إلى مراكش 457
ذكر حصر نور الدين حارم
في هذه السنة جمع نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الشام العساكر بحلب وسار إلى قلعة حارم وهي للفرنج غربي حلب فحصرها وجد في قتالها فامتنعت عليه بحصانتها وكثرة من بها من فرسان الفرنج ورجالهم وشجعانهم فلما علم الفرنج ذلك جمعوا فارسهم وراجلهم من سائر البلاد وحشدوا واستعدوا وساروا نحوه ليرحلوا عنها فلما قاربوه طلب منهم المصاف فلم يجيبوه إليه وراسلوه وتلطفوا الحال معه فلما رأى انه لا يمكنه أخذ الحصن ولا يجيبونه إلى المصاف عاد إلى بلاده
وممن كان معه في هذه الغزوة مؤيد الدولة أسامة بن مرشد ابن منقذ الكناني وكان من الشجاعة في الغاية فلما عاد إلى حلب دخل إلى مسجد شيزر وكان قد دخله في العام الماضي سائراً إلى الحج فلما دخل الآن كتب على حائطه
( لك الحمد يا مولاي كم لك منة
علي وفضل لا يحيط به شكري )
( نزلت بهذا المسجد العام قافلاً
من الغزو موفور النصيب من الأجر )
( ومنه رحلت العيس في عامي الذي
مضى نحو بيت الله والركن والحجر )
( فأديت مفروضي وأسقطت ثقل ما
تحملت من وزر الشبيبة عن ظهري )
ذكر ملك الخليفة قلعة الماهكي
في هذه السنة في رجب ملك الخليفة المستنجد بالله قلعة الماهكي وسبب ذلك أن سنقر الهمذاني صاحبها سلمها إلى أحد مماليكه ومضى إلى همذان فضعف هذا المملوك عن مقاومة ما حولها من التركمان والأكراد فأشير عليه ببيعها من الخليفة فراسل في ذلك فاستقرت على خمسة عشر ألف دينار وسلاح وغير ذلك من الأمتعة وعدة من القرى فسلمها وتسلم ما استقر له وأقام ببغداد وهذه القلعة لم تزل من أيام المقتدر بالله بأيدي التركمان والأكراد إلى الآن
ذكر الحرب بين المسلمين والكرج
في هذه السنة في شعبان اجتمعت الكرج في خلق كثير يبلغون ثلاثين ألف 458 مقاتل ودخلوا بلاد الإسلام وقصدوا مدينة دوين أذربيجان فملكوها ونهبوها وقتلوا من أهلها وسوادها نحو عشرة آلاف قتيل وأخذوا النساء سبايا وأسروا كثيراً وأعروا النساء وقادوهن حفاة عراة وأحرقوا الجامع والمساجد فلما وصلوا إلى بلادهم أنكر نساء الكرج ما فعلوا بنساء المسلمين وقلن لهم قد احوجتم المسلمين إلى أن يفعلوا بنا مثل ما فعلتم بنسائهم وكسونهن ولما بلغ الخبر إلى شمس الدين ايلدكز صاحب أذربيجان والجبل وأصفهان جمع عساكره وحشدها وانضاف إليه شاه أرمن بن سكمان القطبي صاحب خلاط وابن آقسنقر صاحب مراغة وغيرها فاجتمعوا في عسكر كثير يزيدون على خمسين ألف مقاتل وساروا إلى بلاد الكرج في صفر سنة ثمان وخمسين ونهبوها وسبوا النساء والصبيان وأسروا الرجال ولقيهم الكرج واقتتلوا أشد قتال صبر فيه الفريقان ودامت الحرب بينهم أكثر من شهر وكان الظفر للمسلمين فانهزم الكرج وقتل منهم كثير وأسر كذلك وكان سبب الهزيمة أن بعض الكرج حضر عند ايلدكز فأسلم على يديه وقال له تعطيني عسكراً حتى أسير بهم في طريق أعرفها وأجيء إلى الكرج من ورائهم وهم لا يشعرون فاستوثق منه وسير معه عسكراً وواعده يوماً يصل فيه إلى الكرج فلما كان ذلك اليوم قاتل المسلمون الكرج فبينما هم في القتال وصل ذلك الكرجي الذي أسلم ومعه العسكر وكبروا وحملوا على الكرج من ورائهم فانهزموا وكثر القتل فيهم والأسر وغنم المسلمون من أموالهم ما لا يدخل تحت الإحصاء لكثرته فإنهم كانوا متيقنين الظفر لكثرتهم فخيب الله ظنهم وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون ثلاثة أيام بلياليها وعاد المسلمون منصورين قاهرين
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة وصل الحجاج إلى منى ولم يتم الحج لأكثر الناس لصدهم عن دخول مكة والطواف والسعي فمن دخل يوم النحر مكة طاف وسعى وكمل ومن تأخر عن ذلك منع دخول مكة لفتنة جرت بين أمير الحاج وأمير مكة وكان سببها أن جماعة من عبيد مكة أفسدوا في الحاج بمنى فنفر عليهم بعض أصحاب أمير الحاج فقتلوا منهم جماعة ورجع من سلم إلى مكة وجمعوا جمعاً وأغاروا على جمال الحاج وأخذوا منها قريباً من ألف جمل فنادى أمير الحاج في جنده فركبوا 459 بسلاحهم ووقع القتال بينهم فقتل جماعة ونهب جماعة من الحاج وأهل مكة فرجع أمير الحاج ولم يدخل مكة ولم يقم بالزاهر غير يوم واحد وعاد كثير من الناس رجالة لقتل الجمال ولقوا شدة
وممن حج هذه السنة جدتنا أم أبينا ففاتها الطواف والسعي فاستفتى لها الشيخ الإمام أبو القاسم بن البرزي فقال تدوم على ما بقي عليها من إحرامها وإن أحبت تفدي وتحل من إحرامها إلى قابل وتعود إلى مكة فتطوف وتسعى فتكمل الحجة الأولى ثم تحرم إحراماً ثانياً وتعود إلى عرفات فتقف وترمي الجمار وتطوف وتسعى فتصير لها حجة ثانية فبقيت على إحرامها إلى قابل وحجت وفعلت كما قال فتم حجها الأول والثاني
وفيها نزل بخراسان برد كثير عظيم المقدار أواخر نيسان وكان أكثره بجوين ونيسابور وما والاهما فأهلك الغلات ثم جاء بعده مطر كثير دام عشرة أيام
وفيها في جمادى الآخرة وقع الحريق ببغداد احترق سوق الطيوريين والدور التي تليه مقابلة إلى سوق الصفرة الجديد والخان الذي في الرحبة ودكاكين البزوريين وغيرها
وفيها توفي الكيا الصباحي صاحب ألموت مقدم الإسماعيلية وقام ابنه مقامه فأظهر التوبة وأعاد هو ومن معه الصلوات وصيام شهر رمضان وأرسلوا إلى قزوين يطلبون من يصلي بهم ويعلمهم حدود الإسلام فأرسلوا إليهم
وفيها في رمضان درس شرف الدين يوسف الدمشقي في المدرسة النظامية ببغداد وكان مدرساً بمدرسة أبي حنيفة وكان موته في ذي القعدة
وفيها توفي صدقة ابن وزير الواعظ
وفيها في المحرم توفي الشيخ عدي بن مسافر الزاهد المقيم ببلد الهكارية من أعمال الموصل وهو من الشام من بلد بعلبك فانتقل إلى الموصل وتبعه أهل السواد والجبال بتلك النواحي وأطاعوه وحسنوا الظن فيه وهو مشهور جداً 460
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة
ذكر وزارة شاور للعاضد بمصر ثم وزارة الضرغام بعده
في هذه السنة في صفر وزر شاور للعاضد لدين الله العلوي صاحب مصر وكان ابتداء أمره ووزارته أنه كان يخدم الصالح بن زريك ولزمه فأقبل عليه الصالح وولاه الصعيد وهو أكبر الأعمال بعد الوزارة فلما ولي الصعيد ظهرت منه كفاية عظيمة وتقدم زائد واستمال الرعية والمقدمين من العرب وغيرهم فعسر أمره على الصالح ولم يمكنه عزله فاستدام استعماله لئلا يخرج عن طاعته فلما جرح الصالح كان من جملة وصيته لولده العادل أنه لا يغير على شاور فإنني أنا أقوى منك وقد ندمت على استعماله ولم يمكني عزله فلا تغيروا ما به فيكون لكم منه ما تكرهون فلما توفي الصالح من جراحته وولي ابنه العادل الوزارة حسن له أهله عزل شاور واستعمل بعضهم مكانه وخوفوه منه إن أقره على عمله فأرسل إليه بالعزل فجمع جموعاً كثيرة وسار إلى القاهرة بهم فهرب منه العادل بن الصالح بن رزيك فأخذ وقتل فكانت مدة وزارته ووزارة أبيه قبله تسع سنين وشهراً وأياماً وصار شاور وزيراً وتلقب بأمير الجيوش وأخذ أموال بني زيك وودائعهم وذخائرهم وأخذ منه أيضاً طي والكامل ابنا شاور شيئاً كثيراً وتفرق كثير منها وجحد وظهرت عليهم عند انتقال الدولة عن شاور والمصريين إلى الأتراك ثم إن الضرغام جمع جموعاً كثيرة ونازع شاور في الوزارة في شهر رمضان وظهر أمره وانهزم شاور منه إلى الشام على ما نذكره سنة تسع وخمسين وخمسمائة وصار ضرغام وزيراً
كان هذه السنة ثلاثة وزراء العادل بن رزيك وشاور وضرغام فلما تمكن ضرغام من الوزارة قتل كثيراً من الأمراء المصريين لتخلو له البلاد من منازع فضعفت الدولة بهذا السبب حتى خرجت البلاد عن أيديهم 461
ذكر وفاة عبد المؤمن وولاية ابنه يوسف
في هذه السنة في العشرين من جمادى الآخرة توفي عبد المؤمن بن علي صاحب بلاد المغرب وأفريقية والأندلس وكان قد سار من مراكش إلى سلا فمرض بها ومات ولما حضره الموت جمع شيوخ الموحدين من أصحابه وقال لهم قد جربت ابني محمداً فلم أره يصلح لهذا الأمر وإنما يصلح له ابن يوسف وهو أولى بها فقدموه ووصاهم به وبايعوه ودعي بأمير المؤمنين وكتموا موت عبد المؤمن وحمل من سلا في محفة بصورة مريض إلى أن وصل إلى مراكش وكان ابنه أبو حفص في تلك المدة حاجباً لأبيه فبقي مع أخيه على مثل حاله مع أبيه يخرج فيقول للناس أمير المؤمنين أمر بكذا ويوسف يقعد مقعد أبيه إلى أن كملت المبايعة له في جميع البلاد واستقرت قواعد الأمور ثم أظهر موت أبيه عبد المؤمن فكانت ولايته ثلاثة وثلاثين سنة وشهوراً وكان عاقلاً حازماً سديد الرأي حسن السياسة للأمور كثير البذل للأموال إلا أنه كان كثير السفك لدماء المسلمين على الذنب الصغير وكان يعظم أمر الدين ويقويه ويلزم الناس في سائر بلاده بالصلاة ومن رآه وقت الصلاة غير مصل قتل
وجمع الناس بالغرب على مذهب مالك في الفروع وعلى مذهب أبي الحسن الأشعري في الأصول
وكان الغالب على مجلسه أهل العلم والدين المرجع إليهم والكلام معهم ولهم
ذكر ملك المؤيد أعمال قومس والخطبة للسلطان أرسلان بخراسان
في هذه السنة سار المؤيد أي أبه صاحب نيسابور إلى بلاد قومس فملك بسطام ودامغان واستناب بقومس مملوكه تنكز فأقام تنكز بمدينة بسطام فجرى بين تنكز وبين شاه مازندران اختلاف أدى إلى الحرب فجمع كل منهما عسكره والتقوا أوائل ذي الحجة في هذه السنة واقتتلوا فانهزم عسكر مازندران وأخذت أسلابهم وقتل منهم طائفة كبيرة ولما ملك المؤيد بلاد قومس أرسل إليه السلطان أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه خلعاً نفيسة وألوية معقودة وهدية جليلة وأمره أن يهتم بإشعاث بلاد خراسان ويتولى ذلك أجمع وأن يخطب له فلبس المؤيد الخلع فخطب له في البلاد التي هي بيده وكان السبب في هذا أتابك شمس الدين أيلدكز فإنه كان هو الذي يحكم في مملكة أرسلان وليس لأرسلان غير الاسم وكان بين 462 أيلدكز وبين المؤيد مودة ذكرناها عند قتل المؤيد فلما أطاع المؤيد السلطان أرسلان خطب له ببلاد وهي قومس ونيسابور وطوس وأعمال نيسابور جميعها و من نسا إلى طبس كنكلي وكان يخطب لنفسه بعد أرسلان وكانت الخطبة في جرجان ودهستان لخوارزمشاه بن أرسلان بن أتسز وبعده للأمير إيثاق وكانت الخطبة في مرو وبلخ وهراة وسرخس وهذه البلاد بيد الغز إلى هراة فإنها بيد الأمير ايتكين وهو مسالم للغز فكانوا يخطبون للسلطان سنجر فيقولون اللهم اغفر للسلطان السعيد المبارك سنجر وبعده للأمير الذي هو الحاكم في تلك البلاد
ذكر قتل الغز ملك الغور
في هذه السنة في رجب قتل سيف الدين محمد بن الحسين الغوري ملك الغور قتله الغز وسبب ذلك أنه جمع عساكره وحشد فأكثر وسار من جبال الغور يريد الغز وهو ببلخ واجتمعوا وتقدموا اليه فاتفق أن ملك الغور خرج من معسكره في جماعة من خاصته جريدة فسمع به أمراء الغز فساروا يطلبونه مجدين قبل أن يعود إلى معسكره فأوقعوا به فقاتلهم أشد قتال رآه الناس فقتل ومعه نفر ممن كان معه وأسر طائفة وهربت طائفة فلحقوا بمعسكرهم وعادوا إلى بلادهم منهزمين لا يقف الأب على أبيه ولا الأخ على أخيه وتركوا كل ما معهم بحاله ونجوا بنفوسهم فكان عمر ملك الغور لما قتل نحو عشرين سنة وكان عادلاً حسن السيرة فمن عدله وخوفه عاقبة الظلم أنه حاصر أهل هراة فلما ملكها أراد عسكره منها وقال هذا خير من أن تنبهوا أموال المسلمين وتسخطوا الله تعالى فإن الملك يبقي على الكفر ولا يبقي على الظلم ولما قتل عاد الغز إلى بلخ ومرو وقد غنموا شيئاً كثيراً من العسكر الغوري لأن أهله تركوه ونجوا
ذكر انهزام نور الدين محمود من الفرنج
في هذه السنة انهزم نور الدين محمود بن زنكي من الفرنج تحت حصن الأكراد وهي الوقعة المعروفة بالبقيعة تحت حصن الأكراد محاصراً له وعازماً على قصد طرابلس ومحاصرتها فبينما الناس يوما في خيامهم وسط النهار لم يرعهم إلا ظهور صلبان الفرنج من وراء الجبل الذي عليه حصن الأكراد وذلك أن الفرنج اجتمعوا 463 واتفق رأيهم على كبسة المسلمين نهاراً فإنهم يكونون آمنين فركبوا من وقتهم ولم يتوقفوا حتى يجمعوا عساكرهم وساروا مجدين فلم يشعر بذلك المسلمين إلا وقد قربوا منهم فأرادوا منعهم فلم يطيقوا ذلك فأرسلوا إلى نور الدين يعرفونه الحال فرهقهم الفرنج بالحملة فلم يثبت المسلمون وعادوا يطلبون معسكر المسلمين والفرنج في ظهورهم فوصلوا معا إلى العسكر النوري فلم يتمكن المسلمون من ركوب الخيل وأخذ السلاح إلا وقد خالطوهم فأكثروا القتل والأسر وكان أشدهم على المسلمين الدوقس الرومي فإنه كان قد خرج من بلاده إلى الساحل في جمع كثير من الروم فقاتلوا محتسبين في زعمهم فلم يبقوا على أحد وقصدوا خيمة نور الدين وقد ركب فيها فرسه ونجا بنفسه ولسرعته ركب الفرس والشحبة في رجله فنزل إنسان كردي قطعها فنجا نور الدين وقتل الكردي فأحسن نور الدين إلى مخلفيه ووقف عليهم الوقوف ونزل نور الدين على بحيرة قدس بالقرب من حمص وبينه وبين المعركة أربع فراسخ وتلاحق به من سلم من العسكر وقال له بعضهم ليس من الرأي أن تقيم ههنا فإن الفرنج ربما حملهم الطمع على المجيء إلينا فتؤخذ ونحن على هذا الحال فوبخه واسكته وقال إذا كان معي ألف فارس لقيتهم ولا أبالي بهم ووالله لا أستظل بسقف حتى آخذ بثأري وثأر الإسلام ثم أرسل إلى حلب ودمشق وأحضر الأموال والثياب والخيام والسلاح والخيل فأعطى الناس عوض ما أخذ منهم جميعه بقولهم فعاد العسكر كأن لم تصبه هزيمة وكل من قتل أعطى أقطاعه لأولاده وأما الفرنج فإنهم كانوا عازمين على قصد حمص بعد الهزيمة لأنها أقرب البلاد إليهم فلما بلغهم نزول نور الدين بينها وبينهم قالوا لم يفعل هذا إلا وعنده قوة يمنعنا بها ولما رأى أصحاب نور الدين كثرة خرجه قال له بعضهم إن لك في بلادك إدرارات وصدقات كثيرة على الفقهاء والفقراء والصوفية والقراء فلو استعنت في هذا الوقت لكان أصلح فغضب من ذلك وقال والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطي وأصرفها إلى من لا يقاتل عني إلا إذا رآني بسهام قد تصيب وقد تخطي وهؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال كيف يحل لي أن اعطيه غيرهم ثم إن الفرنج راسلوا نور الدين يطلبون منه الصلح فلم يجبهم وتركوا عند حصن الأكراد من يحميه وعادوا إلى بلادهم 464
ذكر إجلاء بني أسد من العراق
في هذه السنة أمر الخليفة المستنجد بالله بإهلاك بني أسد أهل الحلة المزيدية لما ظهر من فسادهم ولما كان في نفس الخليفة منهم من مساعدتهم السلطان محمدا لما حصر بغداد فأمر يزدن بن قماج بقتالهم وإجلائهم من البلاد وكانوا منبسطين في البطائح واللوير فلا يقدر عليهم فتوجه يزدن إليهم وجمع عساكر كثيرة من فارس وراجل وأرسل إلى ابن معروف مقدم المتفق وهو بأرض البصرة فجاء في خلق كثير وحصرهم وسكر عنهم الماء وصابرهم مدة فأرسل الخليفة يعتب على يزدن ويعجزه وينسبه إلى موافقته في التشيع وكان يزدن يتشيع فجد هو وابن معروف في قتالهم والتضييق عليهم وسد مسالكهم في الماء فاستسلموا حينئذ فقتل منهم أربعة آلاف قتيل ونودي فيمن بقي من وجد بعد هذا في الحلة المزيدية فقد حل دمه فتفرقوا في البلاد ولم يبق منهم بالعراق من يعرف وسلمت بطائحهم إلى ابن معروف وبلادهم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة وقع في بغداد حريق في باب درب فراشا إلى مشرعة الصباغين من الجانبين
وفيها في رجب توفي سديد الدولة أبو عبد الله بن عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم المعروف بابن الأنباري كاتب الإنشا بديوان الخلافة وكان فاضلا أديبا ذا تقدم كثير عند الخلفاء والسلاطين وخدم من سنة ثلاثين وخمسمائة إلى الآن في ديوان الخلافة وعاش حتى قارب تسعين سنة وهو من الشعراء المشهورين إلا أنه كثير الهجو ومن شعره
( يا من هجرت ولا تبالي
هل ترجع دولة الوصال )
( هل أطمع يا عذاب قلبي
أن ينعم في هواك بالي )
( الطرف كما عهدت باك
والجسم كما ترين بال )
( ما ضرك أن تعلليني
في الوصل بموعد المحال )
( أهواك وأنت حظ غيري
يا قاتلتي فما احتيالي )
وهي أكثر من هذا 465
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وخمسمائة
ذكر مسير شيركوه وعساكر نور الدين إلى ديار مصر وعودهم عنها
في هذه السنة في جمادى الأولى سير نور الدين محمود بن زنكي عسكرا كثيرا إلى مصر وجعل عليهم الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذي وهو مقدم عسكره وأكبر أمراء دولته وأشجعهم وسنذكر سنة أربع وستين سبب اتصاله بنور الدين وعلو شأنه عنده إن شاء الله تعالى وكان سبب إرسال هذا الجيش أن شاور وزير العاضد لدين الله العلوي صاحب مصر نازعه في الوزارة ضرغام وغلب عليها فهرب شاور منه إلى الشام ملتجئا إلى نور الدين ومستجيرا به فأكرم مثواه وأحسن إليه وأنعم عليه وكان وصوله في ربيع الأول من السنة وطلبه منه إرسال العساكر معه إلى مصر ليعود إلى منصبه ويكون لنور الدين ثلث دخل البلاد بعد إقطاعات العساكر ويكون شيركوه مقيما بعساكره في مصر ويتصرف هو بأمر نور الدين يقدم إلى هذا الغرض رجلا ويؤخر أخرى فتارة يحمله رعاية قصد شاور بابه وكلب الزيادة في الملك والتقوى على الفرنج وتارة يمنعه خطر الطريق وأن الفرنج فيه وتخوف أن شاور إِ استقرت قاعدته رقما لا يفي ثم قوي عزمه على إرسال الجيوش فتقدم بتجهيزها وإزاحة عللها وكان هوى أسد الدين في ذلك وعنده من الشجاعة وقوة النفس ما لا يبالي بمخافة فتجهز وساروا جميعا وشاور في صحبتهم في جمادى الأولى من سنة تسع وخمسين وتقدم نور الدين إلى شيركوه أن يعيد شاور إلى منصبه وينتقم له ممن نازعه فيه وسار نور الدين إلى طرف بلاد الفرنج مما يلي دمشق بعساكره ليمنع الفرنج من التعرض لأسد الدين ومن معه فكان قصارى الفرنج حفظ بلادهم من نور الدين ووصل أسد الدين والعساكر معه إلى مدينة بلبيس فخرج إليهم ناصر الدين أخو ضرغام بعسكر المصريين ولقيم فنهزم وعاد إلى القاهرة ووصل 466 أسد الدين فنزل على القاهرة أواخر جمادى الآخرة فخرج ضرغام من القاهرة سلخ الشهر فقتل عند مشهد السيدة نفيسة وبقي يومين ثم حمل ودفن في القرافة وقتل أخوه فارس المسلمين وخلع على شاور مستهل رجب وأعيد إلى الوزارة وتمكن منها
وأقام أسد الدين بظاهر القاهرة فغدر به شاور وعاد عما كان قرره لنور الدين من البلاد المصرية ولأسد الدين أيضا وأرسل إليه يأمره بالعود إلى الشام فأعاد الجواب بالامتناع وطلب ما كان قد استقر بينهم فلم يجبه شاور إليه فلما رأى ذلك أرسل إلى نوابه فتسلموا مدينة بلبيس وحكم على البلاد الشرقية فأرسل شاور إلى الفرنج يستمدهم ويخوفهم من نور الدين إن ملك مصر وكان الفرنج قد أيقنوا بالهلاك إن تم ملكه لها فلما أرسل شاور يطلب منهم أِ يساعدوه على إخراج أسد الدين من البلاد جاءهم فرج لم يحتسبوه وسارعوا إلى تلبية دعوته ونصرته وطمعوا في تلك الديار المصرية وكان قد بذل لهم مالا على المسير إليه وتجهزوا وساروا فلما بلغ نور الدين ذلك سار بعساكره إلى أطراف بلادهم ليمتنعوا عن المسير فلم يمنعهم ذلك لعلمهم أن الخطر في مقامهم إذا ملك أسد الدين مصر أشد فتركوا في بلادهم من يحفظها وسار ملك القدس في الباقين إلى مصر وكان قد وصل إلى الساحل جمع كثير من الفرنج في البحر لزيارة البيت المقدس فاستعان بهم الفرنج الساحلية فأعانوهم فسار بعضهم فسار بعضهم معهم وأقام بعضهم في البلاد لحفظها فلما قارب الفرنج مصر فارقها أسد الدين وقصد مدينة بلبيس فأقام بها هو وعسكره وجعلها له ظهرا يتحصن به فاجتمعت العساكر المصرية والفرنج ونازلوا أسد الدين شيركوه بمدينة بلبيس وحصروه بها ثلاثة أسهر وهو ممتنع بها مع أن سورها قصير جدا وليس لها خندق ولا فصل يحميها وهو يغاديهم القتال ويراوحهم فلم يبلغوا منه غرضا ولا نالوا منه شيئا فبينما هم كذلك إذ أتاهم الخبر بهزيمة الفرنج على حارم وملك نور الدين حارم ومسيره إلى بانياس على ما نذكره إِ شاء الله تعلى فحينئذ سقط في أيديهم وأرادوا العودة إلى بلادهم ليحفظوها فراسلوا أسد الدين في الصلح والعودة إلى الشام ومفارقة مصر وتسليم ما بيده منها إلى المصريين فأجابهم إلى ذلك لأنه لم يعلم ما فعله نور الدين بالشام بالفرنج ولأن الأقوات والذخائر قلت عليه وخرج من بلبيس في ذي الحجة فحدثني من رأى أسد الدين حين خرج من 467 بلبيس قال أخرج أصحابه بين يديه وبقي في آخرهم وبيده لت من حديد يحمي ساقتهم والمسلمون والفرنج ينظرون إليه قال فأتاه فرنجي من الغرباء الذين خرجوا من البحر فقال له أما تخاف أن يغدر بك هؤلاء المصريون والفرنج وقد أحاطوا بك وبأصحابك ولا يبقى لكم بقية فقال شيركوه يا ليتهم فعلوه حتى كنت ترى ما أفعله كنت والله أضع السيف فلا يقتل منا رجل حتى يقتل منهم رجال وحينئذ يقصدهم الملك العادل نور الدين وقد ضعفوا وفني شجعانهم فنملك بلادهم ونهلك من بقي والله لو أطاعني هؤلاء لخرجت إليكم من أول يوم ولكنهم امتنعوا فصلب على وجهه وقال كنا نعجب من فرنج هذه البلاد ومبالغتهم في صفتك وخوفهم منك والآن فقد عذرناهم ثم رجع عنه وسار شيركوه إلى الشام فرصل سالما وكان الفرنج قد وضعوا له على مضيق في الطريق رصدا ليأخذوه أو ينالوا منه ظفرا فعلم بهم فعاد عن ذلك الطريق ففيه يقول عمارة
( أخذتم عن الإفرنج كل ثنية
وقلت لأيدي الخيل مري على ( مري ) )
( لئن نصبوا في البر جسرا فإنكم
عبرتم ببحر من حديد على الجسر )
ولفظه مري في آخر البيت الأول اسم ملك الفرنج ذكر هزيمة الفرنج وفتح حارم
في هذه السنة في شهر رمضان فتح نور الدين محمود بن زنكي قلعة حارم من الفرنج وسبب ذلك أن نور الدين لما عاد منهزما من البقيعة تحت حصن الأكراد كما ذكرناه قبل فرق الأموال والسلام وغير ذلك من الآلات على ما تقدم فعاد العسكر كأنهم لم يصابوا وأخذ في الاستعداد للجهاد والأخذ بثأره واتفق مسير بعض الفرنج مع ملكهم إلى مصر كما ذكرناه فأراد أن يقصد بلادهم ليعودوا عن مصر فأرسل إلى أخيه قطب الدين مودود صاحب الموصل وديار الجزيرة وإلى فخر الدين قرا أرسلان صاحب حصن كيفا وإلى نجم الدين ألبي صاحب ماردين وغيرهم من أصحاب الأطراف يستنجدهم فأما قطب الدين فإنه جمع عسكره وسار مجدا وفي مقدمته زين الدين علي أمير جيشه وأما فخر الدين صاحب 468 الحصن فبلغني عنه أنه قال له ندماؤه وخواصه على أي شيء عزمت فقال على القعود فإن نور الدين قد تحشف من كثرة الصوم والصلاة وهو يلقي نفسه في المهالك فكلهم وافقه على هذا الرأي فلما كان الغد أمر بالتجهيز للغزاة فقال له أولئك ما عدا مما بدا فارقناك أمس على حالة فنراك اليوم على ضدها فقال إِ نور الدين قد سلك معي طريقا إن لم أنجده خرج أهل بلادي عن طاعتي وأخرجوا البلاد عن يدي فإنه قد كاتب زهادها وعبادها والمتقطعين عن الدنيا يذكر لهم ما لقي المسلمون من الفرنج وما نالهم من القتل والأسر ويستمد منهم الدعاء ويطلب أن يحثوا المسلمين على الغزاة فقد قعد كل واحد من أولئك ومعه أصحابه وأتباعه وهم يقرؤون كتب نور الدين ويبكون ويلعنونني ويدعون علي فلا بد من المسير إليه ثم تجهز وسار بنفسه وأما نجم الدين فإِه سير عسكرا
فلما اجتمعت العساكر سار نحو حارم فحصرها ونصب عليها المجانيق و تابع الزحف إليها فاجتمع من بقي بالساحل من الفرنج فجاءوا في حدهم وحديدهم وملوكهم وفرسانهم وقسوسهم ورهبانهم وأقبلوا إليه من كل حدب ينسلون وكان المقدم عليهم البرنس بيمند صاحب أنطاكية وقمص صاحب طرابلس وأعمالها وابن جوسلين وهو من مشاهير الفرنج والدوك وهو مقدم كبير من الروم وجمعوا الفارس والراجل فلما قاربوه رحل عن حارم إلى أرتاخ طمعا أن يتبعوه فيتمكن منهم ببعدهم عن بلادهم إذا لقوه فساروا فنزلوا على غمر ثم علموا عجزهم عن لقائه فعادوا إلى حارم فلما عادوا تبعهم نور الدين في أبطال المسلمين على تعبية الحرب فلما تقاربوا اصطفوا للقتال فبدأ الفرنج بالحملة على ميمنة المسلمين وفيها عسكر حلب وصاحب الحصن فانهزم المسلمون فيها وتبعهم الفرنج
فقيل كانت تلك الهزيمة من الميمنة على اتفاق ورأي دبروه وهو أن يتبعهم الفرنج فيبعدوا عن راجلهم فيميل عليهم من بقي من المسلمين بالسيوف فإذا عاد فرسانهم لم يلقوا راجلا يلجؤون إليه ولا وزيرا يعتمدون عليه ويعود المنهزمون في آثارهم فيأخذهم المسلمون من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم فكان الأمر على ما دبروه فإن الفرنج لما تبعوا المنهزمين عطف عليهم 469 زين الدين علي في عسكر الموصل على راجل الفرنج فأفناهم قتلا وأسرا وعاد خيالتهم ولم يمنعوا في الطلب خوفا على راجلهم فعاد المنهزمون في آثارهم فلما وصل الفرنج رأوا رجالهم قتلى وأسرى فسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد هلكوا وبقوا في الوسط قد أحدق بهم المسلمون من كل جانب فاشتدت الحرب وقامت على ساق وكثر القتل فغي الفرنج وتمت عليهم الهزيمة فعدل حينئذ المسلمون عن القتل إلى الأسر فإسروا ما لا يحد وفي جملة الأسرى صاحب أنطاكية والقمص صاحب طرابلس وكان شيطان الفرنج وأشدهم شكيمة على المسلمين والدوك مقدم الروم وابن جوسلين وكان عدة القتلى تزيد على عشرة آلاف قتيل وأشار المسلون على نور الدين بالمسير إلى أنطاكية وتملكها لخلوها من حام يحميها ومقاتل يدب عنها فلم يفعل وقال أما المدينة فأمرها سهل وأما المدينة القلعة فمنيعة وربما سلموها إلى ملك الروم لأن صاحبها ابن أخيه ومجاورة بيمند أحب إلي من مجاورة صاحب قسطنطينية وبث السرايا في تلك الأعمال فنهبوها وأسروا أهلها وقتلوهم ثم إنه فادى برنس بيمند صاحب أنطاكية واشترى من المسلمين خلقا كثيرا فأطلقهم ذكر ملك نور الدين قلعة بانياس من الفرنج أيضا
في ذي الحجة من هذه السنة فتح نور الدين محمود قلعة بانياس وهي بالقرب من دمشق وكانت بيد الفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ولما فتح حارم أذن لعسكر الموصل وديار بكر بالعود إلى بلادهم وأظهر أنه يريد طبرية فجعل من بقي من الفرنج همتهم حفظها وتقويتها فسار محمود إلى بانياس لعلمه بقلة من فيها من الحماة المانعين عنها نازلها وضيق عليها وقاتلها وكان في جملة عسكره أخوه نصرة الدين أمير أميران فأصابه سهم فأذهب إحدى عينيه فلما رآه نور الدين قال له لو كشف لك عن الأجر الذي أعد لك لتمنيت ذهاب الأخرى وجد في حصارها فسمع الفرنج فجمعوا فلم تتكامل عدتهم حتى فتحها على أن الفرنج كانوا قد ضعفوا بقتل رجالهم بحارم وأسرهم فملك القلعة وملأها ذخائر وعدة ورجالا وشاطر الفرنج في أعمال طبرية وقرروا له على الأعمال التي لم يشاطرهم علها مالا في كل سنة ووصل خبر ملك حارم وحصن بانياس إلى الفرنج بمصر فصالحوا شيركوه وعادوا ليدركوا بانياس فلم يصلوا إلا وقد ملكها ولما عاد منها إلى دمشق 470 كان بيده خاتم بفص ياقوت من أحسن الجوهر وكان يسمى الجبل لكبره وحسنه فسقط من يده في شعراء بانياس وهي كثيرة الأشجار ملتفة الأغصان فلما أبعد عن المكان الذي ضاع فيه علم به فأعاد أصحابه في طلبه ودلهم على المكان الذي كان آخرهم عهده به فيه وقال أظنه هناك سقط فعادوا إليه فوجوده فقال بعض الشعراء الشاميين أظنه ابن منير يمدحه ويهنئه بهذه الغزاة ويذكر الجبل الياقوت
( إن يمتر الشكاك فيك بأنك ال
مهدي مطفي جمرة الدجال )
( فلعودة الجبل الذي أضللته
بالأمس بين غياطل وجبال )
( لم يعطها إلا سليمان وقد
نبت الربا بموشك الأعجال )
( فلو البحار السبعة استهوينه
وأمرتهن قذفنه في الحال )
ولما فح الحصن كان معه ولد معين الدين أنز الذي سلم بانياس إلى الفرنج فقال له للمسلمين بعد الفتح فرحة واحدة ولك فرحتان فقال كيف ذاك قال لأن اليوم برد الله جلد والدك من نار جهنم ذكر أخذ الأتراك غزنة من ملكشاه وعوده إليها
في هذه السنة قصد بلاد غزنة الأتراك المعروفون بغز ونهبوها وخربوها وقصدوا غزنة وبها ملكشاه بن خسروشاه المحمودي فعلم أنه لا طاقة له بهم ففارقها وسارا إلى مدينة لهاوور وملك الغز مدينة غزنة وكان القيم بأمرهم أميرا اسمه زنكي وعاد ملكها ملكشاه ودخلها في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وخمسمائة وتمكن في دار ملكه ذكر وفاة جمال الدين الوزير وشيء من سيرته
في هذه السنة توفي جمال الدين أبو جعفر محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير قطب الدين صاحب الموصل في شعبان مقبوضا وكان قد قبض عليه سنة ثمان وخمسين فبقي في الحبس نحو سنة 471
حكى لي إنسان صوفي يقال له أبو القاسم كان مختصا بخدمته في الحبس قال لم يزل مشغولا في محبسه بأمر آخرته وكان يقول كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر فلما اتفق أن مرض قال لي في بعض الأيام يا أبا القاسم إذا جاء طائر أبيض إلى الدار فعرفني قال فقلت نفسي قد اختلط عقله فلما كان الغد أكثر السؤال عنه وإذا طائر أبيض لم أر مثله قد سقط فقلت جاء الطائر فاستبشر ثم قال جاء الحق وأقبل على الشهادة وذكر الله تعالى إلى أن توفي فلما توفي طار ذلك الطائر فعلمت أنه رأى شيئا في معناه ودفن بالموصل عند فتح الكرامي رحمة الله عليهما نحو سنة ثم نقل إلى المدينة فدفن بالقرب من حرم النبي في رباط بناه لنفسه وقال لأبي القاسم بيني وبين أسد الدين شيركوه عهد من مات منا قبل صاحبه حمله إلى المدينة فدفنه بها في التربة التي عملها فإذا أنا مت فامض إليه وذكره فلما توفي سار أبو القاسم إلى شيركوه في المعنى فقال له شيركوه كم تريد فقال أريد أجرة جمل يحمله وجمل يحملني وزادي فانتهره وقال مثل جمال الدين يحمل هكذا إلى مكة واعطاه مالا صالحا ليحمل معه جماعة يحجون عن جمال الدين وجماعة يقرؤون عليه بين يدي تابوته إذا حمل وإذا نزل عن الجمل وإذا وصل إلى مدينة يدخل أولئك القراء ينادون للصلاة عليه فيصلى عليه في كل بلدة يجتاز بها واعطاه أيضا مالا للصدقة عنه فصلى عليه في تكريت وبغداد والحلة وفيد ومكة والمدينة وكان يجمع له في كل بلد من الخلق ما لا يحصى ولما أرادوا الصلاة عليه بالحلة صعد شاب على موضع مرتفع وأنشد بأعلى صوته
( سري نعشه فوق الرقاب وطالما
سرى جوده فوق الركاب ونائله )
( يمر على الوادي فتثني ماله
عليه وبالنادي فتثني أرامله )
فلم تر باكيا أكثر من ذلك اليوم فطافوا به حول الكعبة وصلوا عليه بالحرم الشريف وبين قبره وقبر النبي خمسة عشر ذراعا
وأما سيرته فكان رحمه الله أسخى الناس وأكثرهم بذلا للمال رحيما بالخلق متعطفا عليهم عادلا فيهم فمن أعماله الحسنة أنه جدد بناء مسجد الخيف بمنى وغرم عليه أموالا كثيرة جسيمة وبنى الحجر بجانب الكعبة وزخرف الكعبة وذهبها وعملها بالرخام ولما أراد ذلك أرسل إلى المقتفي لأمر الله هدية جليلة 472 وطلب منه ذلك وأرسل الأمير عيسى أمير مكة هدية كبيرة وخلعا سنية منها عمامة شراها ثلاثمائة دينار حتى مكنه من ذلك وعمر أيضا المسجد الذي على جبل عرفات والدرج التي يصعد فيها إليه وكان الناس يلقون شدة في صعودهم وعمل بعرفات أيضا مصانع للماء وأجرى الماء إليها من نعمان في طرق معمولة تحت الأرض فخرج عليها مال كثير وكان يجري الماء في المصانع كل ستة أيام عرفات وبنى سورا على مدينة النبي وعلى قيد وبنى لها أيضا فصيلا وكان يخرج على باب داره كل يوم للصعاليك والفقراء مائة دينار أميري هذا سو الإدارات والتعهدات للأئمة والصالحين وأرباب البيوت ومن أبنيته العجيبة التي لم ير الناس مثلها الجسر الذي بناه على دجلة عند جزيرة ابن عمر بالحجر المنحوت والحديد والرصاص والكاس فقبض قبل أِ يفرغ وبنى عندها أيضا جسرا كذلك على النهر المعروف بالأرماد وبنى الربط وقصده الناس من أقطار الأرض ويكفيه أن ابن الخجندي رئيس أصحاب الشافعي بأصفهان قصده وابن الكافي قاضي همذان فأخرج عليهما مالا عظيما وكانت صدقاته وصلاته من أقاصي خراسان إلى حدود اليمن وكان يشتري الأسرى كل سنة بعشرة آلاف دينار هذا من الشام حسب سوى ما يشترى من الكرج
حمى لي والدي عنه قال كثيرا ما كنت أرى جمال الدين إذا قدم إليه الطعام يأخذ منه ومن الحلوى ويتركه في خبز بين يديه فكنت أنا ومن يراه نظن أنه يحمله إلى أم ولده علي فاتفق أنه في بعض السنين جاء إلى الجزيرة مع قطب الدين وكنت أتولى ديوانها وحمل جاريته أم ولده إلى داري لتدخل الحمام فبقيت في الدار أياما فبينما أنا عنده في الخيام وقد أكل الطعام فعل كما كان يفعل ثم تفرق الناس فقمت فقال أقعد فقعدت فلما خلا المكان قال لي قد آثرتك اليوم على نفسي فإنني في الخيام ما يمكنني أن أفعل ما كنت أفعله خذ هذا الخبز واحمله أنت في كمك في هذا المنديل واترك الحماقة من رأسك وعد إلى بيتك فإذا رأيت في طريقك فقيرا يقع في نفسك أنه مستحق فاقعد أنت بنفسك وأطعمه هذا الطعام
قال ففعلت ذلك وكان معي جمع كثير ففرقتهم في الطريق لئلا يروني أفعل ذلك وبقيت في غلماني فرأيت في موضع إنسانا أعمى وعنده أولاده وزوجته وهم من الفقر في حال شديد فنزلت عن دابتي إليهم وأخرجت الطعام وأطعمتهم إياه 473 وقلت للرجل تجيء غدا بكرة إلى دار فلان أعني داري ولم أعرفه نفسي فإنني آخذ لك من صدقة جمال الدين شيئا ثم ركبت إليه العصر فلما رآني قال ما الذي فعلت في الذي قلت لك فأخذت أذكر له شيئا يتعلق بدولتهم فقال ليس عن هذا أسألك وإنما أسألك عن الطعام الذي سلمته إليك فذكرت له الحال ففرح ثم قال بقي أنك لو قلت للرجل يجيء إليك هو وأهله فتكسوهم وتعطيهم دنانير وتجري لهم كل شهر دنانير قال فقلت له قد قلت للرجل حتى يجيء إلي فازداد فرحا وفعلت بالرجل ما قال ولم يزل يصل إليه رسمه حتى قبض وله من هذا كثير فمن ذلك أنه تصدق بثيابه من على بدنه في بعض السنين التي تعذرت الأقوات فيها
ذكر اجلاء القارغلية من وراء النهر
كان خان خانان الصيني ملك الخطا قد فوض ولاية سمرقند وبخارا إلى الخان جفري خان بن حسن تكين واستعمله عليهما وهو من بيت الملك قديم الأبوة فبقي فيها مدبرا لأمرها فلما كان الآن أرسل إليه ملك الخطا بإجلاء الأتراك القارغلية من أعمال بخارا وسمرقند إلى كاشغر وأن يتركوا حمل السلاح ويشتغلوا بالزراعة وغيرها من الأعمال فتقدم جعري خان إليهم بذلك فامتنعوا فألزمهم وألح عليهم بالانتقال فاجتمعوا وصارت كلمتهم واحدة فكثروا وساروا إلى بخارا فأرسل الفقيه محمد بن عمر بن برهان الدين عبد العزيز بن مازة رئيس بخارا إلى جعري خان يعلمه ابن مازة يقول لهم إن الكفار ذلك ويحثه على الوصول إليهم بعساكره قبل أن يعظم سره وينهب البلاد وأرسل إليهم بالأمس لما طرقوا هذه البلاد امتنعوا عن النهب والقتل وأنتم مسلمون غزاة يقبح بكم مد الأيدي إلى الأموال والدماء وأنا أبذل لكم من الأموال ما ترضون به لتكفوا عن النهب والغارة فترددت الرسل بينهم في تقرير القاعدة وابن مازة يطاول بهم ويمادي الأيام إلى أن وصل جغري خان فلم يشعر الأتراك القارغلية إلا وقد دهمهم جغري خان في جيوشه وجموعه بغتة ووضع السيف فيهم فانهزموا وتفرقوا وكثر القتال فيهم والنهب واختفى طائفة منهم في الغياض والآجام ثم ظفر بهم أصحاب جغري خان فقطعوا دابرهم ودفعوا عن بخارا ونواحيها ضررهم وخلت الأرض منهم 474
ذكر استيلاء سنقر على الطالقان وغرشتان
في هذه السنة استولى الأمير صلاح الدين سنقر وهو من مماليك السنجرية على بلاد الطالقان واغار على حدود غرشتان وتابع الغارات عليها حتى ملكها فصار الولايتان له وبحكمه وله فيها حصون منيعة وقلاع حصينة وصالح الأمراء الغزية وحمل لهم الإتاوة كل سنة
ذكر قتل صاحب هراة
كان صاحب هراة ايتكين بينه وبين الغز مهادنة فلما توفي ملك الغور محمد طمع في بلادهم فغزاهم غير مرة ونهب وأغار فلما كان في شهر رمضان من هذه السنة جمع ايتكين جموعه وسار إلى بلاد الغور وساروا إلى باميان وإلى ولاية بست والرخج فقاتله صاحبها طغرل تكين برنقش العلكي من قبل الغورية فطهروا وأما آيتكين فإئه توغل في بلاد الغور فأتاه أهلها وقاتلوه وصده وصدقوه القتال فانهزم عسكره وقتل هو في المعركة
ذكر ملك شاه مازندران قومس وبسطام
قد ذكرنا استيلاء المؤيد صاحب نيسابور على قومس وبسطام وكل البلاد وأنه استناب بها مملوكه تنكر فلما كان هذه السنة جهز شاه مازندران جيشا واستعمل عليهم أميرا له يعرف بسابق الدين القزويني فسار إلى دامغان فملكها فجمع إلى تنكز من عنده من العساكر وسار إليه إلى دامغان فخرج إليه القزويني فوصل إلى تنكز على غرة منه فلم يشعر هو وعسكره إلا وقد كسبهم القزويني ووضع السيف فيهم فتفرقوا وولوا منهزمين واستولى عسكر شاه مازندران على تلك البلاد وعاد تنكز إلى المؤيد صاحب نيسابور واشتغل بالغارة على بسطام وبلاد قومس
ذكر عصيان غمارة بالمغرب
لما تحقق الناس موت عبد المؤمن سنة تسع وخمسين ثارت قبائل غمارة مع مفتاح بن عمرو وكان مقدما كبير وتبعوه بأجمعهم وامتنعوا في جبالهم وهي معاقل 475 مانعة وهم أمم جمة فتجهز إليهم أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن ومعه أخواه عمرو وعثمان في جيش كبير من الموحين والعرب وتقدموا إليهم فاقتتلوا سنة إحدى وستين وخمسمائة فانهزمت عمارة وقتل منهم كثير و فيمن قتل مفتاح بن عمرو مقدمهم وجماعة من أعيانهم ومقدمهم وملكوا بلادهم عنوة وكان هناك قبائل كثيرة يريدون الفتنة فانتظروا ما يكون من غمارة فلما قتلوا ذلت تلك القبائل وانقادوا للطاعة ولم بيق متحرك لفتنة ومعصية فسكنت الدهماء في جميع المغرب
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة أغار الأمير محمد بن أنز على بلد الإسماعيلية بخراسان وأهلها غافلون فقتل منهم وغنم وأسر وأكثر وملأ أصحابه أيديهم من ذلك
وفيها توفي أبو الفضل نصر بن خلف ملك سجستان وعمره أكثر من مائة سنة ومدة ملكه ثمانون سنة وملك بعده ابنه شمس الدين أبو الفتح أحمد بن نصر وكان أبو الفضل ملكا عادلا عفيفا عن رعيته وله آثار حسنة في نصرة السلطان ينجر في غير موقف
وفيها خرج ملك الروم من القسطنطينية في عساكر لا تحصى وقصد بلاد الإسلام التي بيد قلج أرسلان وابن دانشمند فاجتمع التركمان في تلك البلاد في جمع كثير فكانوا يغيرون على أطراف عسكره ليلا فإذا أصبح لا يرى أحدا وكثر القتل في الروم حتى بلغت عدة القتلى عشرات ألوف فعاد إلى القسطنطينية ولما عاد ملك المسلمون منه عدة حصون
وفيها توفي الإمام عمر الخوارزمي خطيب بلخ ومفتيها بها والقاضي أبو بكر المحمودي صاحب التصانيف والأشعار وله مقامات بالفارسية عل نمط مقامات الحريري بالعربية 476
ثم دخلت سنة ستين وخمسمائة
ذكر وفاة شاه مازندران وملك ابنه بعده
في هذه السنة ثامن ربيع الأول توفي شاه مازندران رستم بن علي بن شهريار بن قارن ولما توفي كتم ابنه علاء الدين الحسن موته أياما حتى استولى على سائر الحصون والبلاد ثم أظهره فلما ظهر خبر وفاته أظهر إيثاق صاحب جرجان ودهستان المنازعة لولده في الملك ولم يرع حق أبيه عليه فإنه لم يزل يذب عنه ويحميه إذا التجأ إليه ولكن الملك عقيم ولم يحصل من منازعته على شيء غير سوء السمعة وقبح الأحدوثة
ذكر حصر عسكر المؤيد نسا ورحيلهم عنها
كان المؤيد قد سير جيشا إلى مدينة نسا فحصروها إلى جمادى الأولى في هذه السنة فسير خوارزمشاه بن أرسلان بن أتسن جيشا إلى نسا فلما قاربوها رحل عنها عسكر المؤيد وعادوا إلى نيسابور فتقدم العسكر المؤيدي ليردوهم عنها فلما سمع العسكر الخوارزمي بهم عاد عنهم وصار صاحب نسا في طاعة خوارزمشاه والخطبة له فيها وسار عسكر خوارزم إلى دهستان فالتجأ صاحبها الأمير إيثاق إلى المؤيد صاحب نيسابور بعد تمكن الوحشة بينهما فقبله المؤيد بأحسن قبول وسير إليه جيشا كثيفا فأقاموا عنده حتى دفع الضرر عن نفسه وبلده من جهة طبرستان وأمادهستان فإِ عسكر خوارزم غلبوا عليها وصار لهم فيها شحنة
ذكر استيلاء المؤيد على هراة
قد ذكرنا قتل صاحب هراة سنة تسع وخمسين فلما قتل تجهز الأمراء الغزية 477 وساروا إلى هراة وخصروها وقد تولى أمرها إنسان يلقب أثير الدين وكان له ميل إلى الغز وهو يحاربهم ظاهرا ويراسلهم باطنا فهلك لهذا السبب خلق كثير من أهل هراة فاجتمع إليها أهلها فقتلوه وقام مقامه أبو الفتوح بن علي بن فضل الله الطغرائي فإرسل أهلها إلى المؤيد أي أبه صاحب نيسابور بالطاعة والانقياد إليه فسير إليهم مملوكه سيف الدين تنكز في جيش وسير جيشا آخر أغاروا على سرخس ومرو فأخذوا دواب الغز وعادوا سالمين فلما سمع الغز بذلك رحلوا عن هراة إلى مرو
ذكر الحرب بين قلج أرسلان وبين ابن الدانشمند
في هذه السنة كانت الفتنة بين الملك قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان صاحب قونية وما يجاورها من بلد الروم وبين ياغي أرسلان بن دانشمند صاحب ملطية وما يجاورها من بلد الروم وجرى بينهما حرب شديدة وسببها أن قلج أرسلان تزوج ابنة الملك صلتق بن علي بن أبي القاسم فسيرت الزوجة إلى قلج أرسلان مع جهاز كثيلا لا يعلم قده وأغار ياغي صاحب ملطية عليه وأخذ العوس وما معها وأراد أن يزوجها بابن أخيه ذي النون بن محمد بن دانشمند فأمرها بالردة عن الإسلام فزوجها من ابن اخيه فجمع قلج أرسلان عسكره وسار إلى ابن دانشمند فالتقيا واقتتلا فانهزم قلج أرسلان والتجأ إلى ملك الروم واستنصره فأرسلا إليه جيشا كثيرا فمات ياغي أرسلان بن دانشمند في تلك الأيام وملك قلج أرسلان بعض بلاده واصطلح هو والملك إبرهيم بن محمد بن دانشمند لأنه ملك البلاد بعد عمه ياغي أرسلان واستولى ذو النون بن محمد بن دانشمند على مدينة قيسارية وملك شاهان شاه بن مسعود أخو قلج أرسلان على مدينة أنكورية واستقرت القواعد بينهم واتفقوا
ذكر الفتنة بين نور الدين وقلج أرسلان
في هذه السنة كانت وحشة متأكدة بين نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام وبين قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان صاحب الروم أدت إلى الحرب والتضاغن فلما بلغ خبرها إلى مصر كتب الصالح بن رزيك وزير صاحب مصر إلى قلج أرسلان ينهاه عن ذلك ويأمره بموافقته وكتب فيه شعرا 478
( نقول ولكن أين من يتفهم
ويعلم وجه الرأي والرأي مبهم )
( وما كل من قاس الأمور وساسها
يوفق للأمر الذي هو أحزم )
( وما أحد في الملك يبقى مخلدا
وما أحد مما قضى الله يسلم )
( أمن بعد ما ذاق العدا طعم حربكم
بفيهم وكانت وهي صاب وعلقم )
( رجعتم إلى حكم التنافس بينكم
وفيكم من الشحناء نار تضرم )
( أما عندكم من يتقي الله وحده
أما في رعاياكم من الناس مسلم )
( تعالوا لعل الله ينصر دينه
إذا ما نصرنا الدين نحن وأنتم )
( وتنهض نحو الكافرين بعزمة
بأمثالها تحوى البلاد وتقسم )
وهي أطول من هذا
هكذا ذكر بعض العلماء هذه الحادثة وأن الصالح أرسل بهذا الشعر فإن كان الشعر للصالح فينبغي أن بكون الحادثة قبل هذا التاريخ ويحتمل أن يكون هذا التنافس كان أيام الصالح فكتب الأبيات ثم امتد إلى الآن
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في صفر وقع بأصفهان فتنة عظيمة بين صدر الدين عبد اللطيف ابن الخجندي وغيره من أصحاب المذاهب بسبب التعصب للمذاهب فدام القتال بين الطائفتين ثمانية أيام متتابعة قتل فيها خلق كثير واحترق وهدم كثير من الدور والأسواق ثم افترقوا على أقبح صورة
وفيها بنى الإسماعيلية قلعة بالقرب من قزوين فقيل لشمس الدين ايلدكز عنها فلم يكن له إنكار لهذه الحال خوفا من شرهم وغائلتهم فتقدموا بعد ذلك إلى قزوين فحصروها وقاتلهم أهلها أشد قتال رآه الناس وحكى لي بعض أصدقائنا بل مشايخنا من الأئمة الفضلاء قال كنت بقزوين أشتغل بالعلم وكان بها إنسان يقود جمعا كبيرا وكان موصوفا بالشجاعة وله عصابة حمراء إذا قاتل عصب بها رأسه قال فكنت أحبه وأشتهي الجلوس معه قال فبينما أنا عنده يوما وإذا هو يقول كأني بالملاحدة وقد قصدوا البلد غدا فخرجنا إليهم وقاتلناهم فكنت أول الناس وأنا متعصب بهذه العصابة فقاتلناهم فلم يقتل غيري ثم ترجع الملاحدة ويرجع 479 أهلها البلد قال فوالله لما كان الغد إذ قد وقع الصوت بوصول الملاحدة فخرج الناس قال فذكرت قول الرجل فخرجت والله وليس لي همة إلا أني أنظر هل يصح ما قال أم لا قال فلم يكن إلا قليل حتى عاد الناس وهو محمول على أيديهم قتيلا بعصابته الحمراء وذكروا أنه لم يقتل بينهم غيره فبقيت متعجبا من قوله كيف صح ولم يتغير منه شيء ومن أين له هذا اليقين ولما حكي لي هذه الحكاية لم أسأله عن تاريخها وإنما كان في هذه المدة في تلك البلاد فلهذا أثبتها هذه السنة على الظن والتخمين
وفيها قبض المؤيد أي أبه صاحب نيسابور على وزيره ضياء الملك محمد بن أبي طالب سعد بن أبي القاسم محمود الرازي وحبسه وابتوزر بعده نصير الدين أبا بكر محمد بن أبي نصر محمد المستوفي وهو من أعيان الدولة السنجرية
وفي هذه السنة وردت الأخبار أن الناس حجوا سنة تسع وخمسين ولقوا شدة وانقطع منهم خلق كثير في فيدوا الثعلبية وواقصة وغيرها وهلك كثير ولم يمض الحجاج إلى النبي لهذه الأسباب ولشدة الغلاء فيها وعم ما يقتات ووقع الوباء في البادية وهلك منهم عالم لا يحصون وهلكت مواشيهم وكانت الأسعار بمكة غالية
وفيها في صفر قبض المستنجد بالله على الأمير توبة بن العقيلي وكان قد قرب منه قربا عظيما بحيث يخلو معه وأحبه المستنجد محبة كثيرة فحسده الوزير ابن هبيرة فوضع كتبا من العجم مع قوم وأمرهم أن يتعوضوا فيؤخذوا ففعلوا ذلك وأخذوا وأخضروا عند الخليفة فأظهروا الكتب بعد الامتناع الشديد فلما وقف الخليفة عليها خرج إلى نهر الملك يتصيد وكانت حلل توبة على الفرات فحضر عنده فأمر بالقبض عليه فقبض وأدخل بغداد ليلا وحبس فكان آخر العهد به فلم يمنح الوزير بعده بالحياة بل مات بعد ثلاثة أشهر وكان توبة من أ : مل العرب مروءة وعقلا وسخاء وإجازة واجتمع فيه من خلال الكمال ما تفرق في الناس
وفيها في ربيع الأول توفي الشهاب محمود بن عبد العزيز الحامدي الهروي وزير السلطان أرسلان ووزير أتابك شمس الدين أيلدكز 480
وفيها توفي عون الدين الوزير ابن هبيرة واسمه يحيى بن محمد بن المظفر وزير الخليفة وكان موته في جمادى الأولى ومولده سنة تسعين وأربعمائة ودفن بالمدرسة التي بناها للحنابلة بباب البصرة وكان حنبلي المذهب دينا خيرا عالما يسمع حديث النبي وله فيه التصانيف الحسنة وكان ذا رأي سديد ونافق على المقتفي نفاقا عظيما حتى أن المقتفي كان يقول لم يوزر لبني العباس مثله ولما مات قبض على أولاده وأهله
وتوفي بهذه السنة محمد بن سعيد البغدادي بالموصل وله شعر حسن فمن قوله
( أفدي الذي وكلني حبه
بطول إعلالي وأمراضي )
( ولست أدري بعد ذا كله
أساخط مولاي أم راضي )
وفيها توفي الشيخ الإمام أبو القاسم عمر بن عكرمة بن البرزي الشافعي تفقه على الفقيه الكيا الهراسي وكان واحد عصره في الفقه تأتيه الفتاوى من العراق وخراسان وسائر البلاد وهو من جزيرة ابن عمر 481
ثم دخلت سنة إحدى وستين وخمسمائة
ذكر فتح المنيطرة من الفرنج
في هذه السنة فتح نور الدين محمود بن زنكي حصن المنيطرة من الشام وكان بيد الفرنج ولم يحشد له ولا جمع عساكره وإنما سار إليه جريدة على غرة منهم وعلم أنه إن جمع العساكر حذروا فسار إليه جريدة وانتهز الفرصة وحصره وجد في قتاله فأخذه عنوة وقهرا وقتل من بها وسبى وغنم غنيمة كثيرة فإن الدين به كانوا آمنين فأخذتهم خيل الله بغتة وهم لا يشعرون ولم يجتمع الفرنج لدفعه إلا وقد ملكه ولو علموا أنه جريدة في قلة من العساكر لأسرعوا إليه وإنما ظنوه أنه في جمع كثير فلما ملكه تفرقوا وأيسوا من رده
ذكر قتل خطلوبرس مقطع واسط
في هذه السنة قتل خطلوبرس مقطع واسط قتله ابن أخي شملة صاحب خوزستان وسبب ذلك أن ابن شنكا وهو ابن أخي شملة كان قد صاهر منكبرس مقطع البصرة فاتفق أن المستنجد بالله قتل منكبرس سنة تسع وخمسين وخمسمائة فلما قتل قصد ابن شنكا بالبصرة ونهب قراها فأرسل من بغداد إلى كمشتكين صاحب البصرة بمحاربة ابن شنكا فقال أنا عامل لست بصاحب جيش يعني أنه ضامن لا يقدر على إقامة عسكر فطمع ابن شنكا واصعد إلى واسط ونهب سوادها فجمع خطلوبرس مقطعها جمعا وخرج إلى قتاله وكاتب ابن شنكا الأمراء الذين مع خطلوبرس فاستمالهم ثم قاتلهم فانهزم عسكره فقتله وأخذ ابن شنكا علم خطلوبرس فنصبه فلما رآه أصحابه ظنوه باقيا فجعلوا يعودون إليه وكل من رجع أخذه ابن شنكا فقتله أو أسره 482
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة خرج الكرج في جمع كثير وأغاروا على بلدان حتى بلغوا كنجة فقتلوا وأسروا وسبوا كثيرا ونهبوا ما لا يحصى
وفيها توفي الحسن بن العباس بن رستم أبو عبد الله الأصفهاني الرستمي الشيخ الصالح وهو مشهور يروى عن أحمد بن خلف وغيره
وفيها في ربيع الآخر توفي الشيخ عبد القادر ابن أبي صالح أبو محمد الجيلي المقيم ببغداد ومولده سنة سبعين وأربعمائة وكان من الصلاح على حال وهو حنبلي المذهب ومدرسته ورباطه مشهوران ببغداد