1 ل عبلة سليم شريم الكامل في التاريخ للإمام أبي الحسن علي بن أبي الكرم الشيباني 3
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وخمسمائة
ذكر عود أسد الدين شيركوه
قد ذكرنا سنة تسع وخمسين وخمسمائة مسير أسد الدين شيركوه إلى مصر وما كان منه وقفوله إلى الشام فلما وصل إلى الشام أقام على حاله في خدمة نور الدين إلى الآن وكان بعد عوده منها لا يزال يتحدث بها ويقصدها وكان عنده من الحرص على ذلك كثير فلما كان هذه السنة تجهز وسار في ربيه الآخر في جيش قوي وسير معه نور الدين جماعة من الأمراء فبلغت عدتهم ألفي فارس وكان كارها لذلم ولكن لما رأى جد أسد الدين في المسير لم يمكنه إلا يسير معه جمعا خوفا من حادث يتجدد عليهم فيضعف الإسلام فلما اجتمع معه عسكره سار إلى مصر على البر وترك بلاد الفرنج على يمينه فوصل الديار المصرية فقصد إطفيح وعبر النيل عندها إلى الجانب الغربي ونزل بالجيزة مقابل مصر وتصرف في البلاد الغربية وحكم عليها وأقام نيفا وخمسين يوما
وكان شاور لما بلغه مجيء أسد الدين إليهم قد أرسل إلى الفرنج يستنجدهم فأتوه على الصعب والذلول طمعا في ملكها وخوفا أن يملكها أسد الدين فلا يبقى لهم في بلادهم مقام معه ومع نور الدين فالرجاء يقودهم والخوف يسوقهم فلما وصلوا إلى مصر عبروا إلى الجانب الغربي وكان أسد الدين وعساكره قد ساروا إلى الصعيد فبلغ مكانا يعرف بالبابين وسارت العساكر المصرية والفرنج وراءه فأدركوه بها في الخامس والعشرين من جمادي الآخرة وكان أرسل إلى المصريين والفرنج جواسيس فعادوا إليه وأخبروه بكثرة عددهم وعددهم وجدهم في طلبه فعوم على قتالهم إلا أنه خاف من أصحابه أن تضعف نفوسهم عن القتال في هذا المقام الخطر الذي عطبهم فيه أقرب من سلامتهم لقلة عددهم وبعدهم عن أوطانهم 4 وبلادهم وخطر الطريق فاستشارهم فكلهم أشاروا عليه بعبور النيل إلى الجانب الشرقي والعود إلى الشام وقالوا له إن نحن انهزمنا وهو الذي يغلب على الظن فإلى أين نلتجئ وبمن نحتمي وكل من في هذه الديار من جندي وعامي وفلاح عدو لنا فقام أمير من مماليك نور الدين يقال له شرف الدين برغش صاحب شقيف وكان شجاعا وقال من يخاف القتال والأسر فلا يخدم الملوك بل يكون في بيته مع امرأته والله لئن عدنا إلى نور الدين من غير غلبة ولا بلاء نعذر فيه ليأخذن مالنا من أقطاع وجامكية وليعودن علينا بجميع ما أخذناه منذ خدمناه إلى يومنا هذا ويقولون تأخذون أموال المسلمين وتفرون عن عدوهم وتسلمون مثل مصر إلى الكفار والحق بيده
فقال أسد الدين هذا الرأي وبه أعمل وقال ابن أخيه صلاح الدين مثله وكثر الموافقون لهم واجتمعت الكلمة على القتال فأقام بمكانه حتى أدركه المصريون والفرنج وهو على تعبية وجعل الأثقال في القلب يتكثر بها ولأنه لم يمكنه أن يتركها بمكان آخر فينهبها أهل البلاد وجعل صلاح الدين في القلب وقال له ولمن معه إن المصريين والفرنج يجعلون حملتهم على القلب ظنا منهم أني فيه فإذا حملوا عليكم فلا تصدقوهم القتال ولا تهلكوا نفوسكم واندفعوا قدامهم بين أيديهم فإذا عادوا عنكم فارجعوا في أعقابهم واختار هو من شجعان عسكره جمعا يثق بهم ويعرف صبرهم في الحرب ووقف بهم في الميمنة فلما تقاتل الطائفتان فعل الفرنج ما ذكره وحملوا على القلب فقاتلهم من به قتالا يسيرا وانهزموا بين أيديهم غير متفرقين ومعهم الفرنج فحمل حينئذ أسد الدين فيمن معه على من تخلف من الذين حملوا من المسلمين والفرنج الفارس والراجل فهزمهم ووضع السيف فيهم فأثخن وأكثر القتل والأسر فلما عاد الفرنج من أثر المسلمين رأوا عسكرهم مهزوما والأرض منهم قفرا فانهزموا أيضا وكان هذا من أعجب ما يؤرخ أن ألفي فارس تهزم عساكر مصر وفرنج الساحل
ذكر ملك أسد الدين الإسكندرية وعوده إلى الشام
لما انهزم المصريون والفرنج من أسد الدين بالبابين سار إلى ثغر الإسكندرية وجبى ما في القرى على طريقه من الأموال ووصل إلى الإسكندرية فتسلمها بمساعدة من أهلها سلموها إليه فاستناب بها صلاح الدين ابن أخيه وعاد إلى 5 الصعيد فملكه وجبى أمواله وأقام به حتى صام رمضان وأما المصريين والفرنج فإنهم عادوا واجتمعوا على القاهرة وأصلحوا حال عساكرهم وجمعوا وساروا إلى الإسكندرية فحضروا صلاح الدين بها واشتد الحصار وقل الطعام على من بها فصبر أهلها على ذلك وسار أسد الدين من الصعيد إليهم وكان شاور قد أفسد بعض من معه من التركمان فوصل رسل الفرنج واالمصريين يطلبون الصلح وبذلوا له خمسين ألف دينار سوى ما أخذه من البلاد فأجاب إلى ذلك وشرط على الفرنج أن لا يقيموا بالبلاد ولا يتملكوا منها قرية واحدة فأجابوا إلى ذلك واصطلحوا وعادوا إلى الشام وتسلم المصريون الإسكندرية في نصف شوال ووصل شيركوه إلى دمشق ثامن عشر ذي القعدة وأما الفرنج فإنهم استقر بينهم وبين المصريين أن يكون لهم بالقاهرة شحنة وتكون أبوابها بيد فرسانهم ليمتنع نور الدين من إنقاذ عسكر إليهم ويكون لهم من دخل مصر كل سنة مائة ألف دينار هذا كله استقر مع شاور فإن العاضد لم يكن له معه حكم لأنه قد حجر عليه وحجبه عن الأمور كلها وعاد الفرنج إلى بلادهم بالساحل الشامي وتركوا بمصر جماعة من مشاهير فرسانهم وكان الكامل شجاع بن شاور قد أرسل إلى نور الدين مع بعض الأمراء ينهى محبته وولاءه ويسأله الدخول في طاعته وضمن على نفسه أنه يفعل هذا وبذل ما لا يحمله كل سنة فأجابه إلى ذلك وحمل إليه مالا جزيلا فبقى الأمر على ذلك إلى أن قصد الفرنج مصر سنة أربع وستين وخمسمائة فكان ما نذكره هناك إن شاء الله تعالى
ذكر ملك نور الدين صافيثا وعريمه
في هذه السنة جمع نور الدين العساكر فسار إليه أخوه قطب الدين من الموصل وغيره فاجتمعوا على حمص فدخل نور الدين بالعساكر بلاد الفرنج فاجتازوا على حصن الأكراد فأغاروا ونهبوا وقصدوا عرقة فنازلوها وحصروها وحصروا حلبة وأخذوها وخربوها وسارت عساكر المسلمين في بلادهم يمينا وشمالا تغير وتخرب البلاد وفتحوا العريمة وصافيثا وعادوا إلى حمص فصاموا بها رمضان ثم ساروا إلى بانياس وقصدوا حصن هونين هو للفرنج أيضا من أمنع حصونهم ومعاقلهم فانهزم الفرنج عنه وأحرقوه فوصل نور الدين من الغد فهدم سوره جميعه وأراد الدخول إلى بيروت فتجدد في العسكر خلف أوجب التفرق فعاد 6 قطب الدين إلى الموصل وأعطاه نور الدين مدينة الرقة على الفرات وكانت له فأخذها في طريقه وعاد إلى الموصل
ذكر قصد ابن شنكا البصرة
في هذه السنة عاودا ابن شنكا فقصد البصرة ونهب بلدها وخربه من الجهة الشرقية وسار إلى مطارا فخرج إليه كمستكين صاحب البصرة وواقعه فاجتمع بشرف الدين أبي جعفر بن البلدي الناظر فيها ومعها مقطعهما ارغش واتصلت الأخبار بأن ابن شنكا واصل إلى واسط فخاف الناس منه خوفا شديدا فلم يصل إليها
ذكر قصد شملة العراق
في هذه السنة وصل شملة صاحب خوزستان إلى قلعة الماهكي من أعمال بغداد وأرسل إلى الخليفة المستنجد بالله يطلب شيئا من البلاد ويشتط في الطلب فسير الخليفة أكثر عساكره إليه ليمنعوه وأرسل إليه يوسف الدمشقي يلومه ويحذره عاقبة فعله فاعتذر بأن ايلدكز والسلطان أرسلان نشاه أقطعا الملك الذي عنده وهو ولد ملكشاه البصرة وواسط وعرض التوقيع بذلك وقال أنا أقنع بثلث ذلك فعاد الدمشقي بذلك فأمر الخليفة بلعنه وأنه من الخوارج وجمعت العساكر وسيرت إلى أرغش المستر شدي وكان بالنعمانية هو وشرف الدين أبو جعفر بن البلدي ناظر واسط مقابل شملة ثم إن شملة أرسل قلج ابن أخيه في طائفة من العساكر لقتال طائفة من الأكراد فركب في بعض العسكر الذي عنده وسار إلى قلج فحاربه فأسر قلج وبعض أصحابه وسيرهم إلى بغداد وبلغ شملة وطلب الصلح فلم تقع الإجابة إليه ثم إن أرغش سقط عن فرسه بعد الوقعة فمات وبقي شملة مقيما مقابل عسكر الخليفة فلما علم أنه لا قدرة له عليهم وحل عاد إلى بلاده وكانت مدة سفره أربعة أشهر
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة عصى غازي بن حسان المنبجي على نور الدين محمود بن زنكي 7 صاحب الشام وكان نور الدين قد أقطعه مدينة سنبج فامتنع عليه فيها فسير إليه عسكرا فحصروه وأخذوه منه وأقطعها نور الدين أخاه قطب الدين ينال بن حسان وكان عادلا خيرا محسنا إلى الرعية جميل السيرة فبقي فيها إلى أن أخذها منه صلاح الدين يوسف بن أيوب سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة
وفيها توفي فخر الدين أرسلان بن داود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا وأكثر ديار بكر ولما اشتد مرضه أرسل إلى نور الدين محمود صاحب الشام يقول له بيننا صحبة في جهاد الكفار أريد أن ترعى بها ولدي ثم توفي وملك بعده ولده محمد فقام نور الدين الشامي بنصرته والذب عنه بحيث إن أخاه قطب الدين مودودا صاحب الموصل أراد قصد بلاده فأرسل إليه أخوه نور الدين يمنعه ويقول له إن قصدته أو تعرضت إلى بلاده منعتك قهرا فامتنع من قصده
وفيها توفي أبو المعالي محمد بن الحسين بن حمدون الكاتب ببغداد وكان على ديوان الزمام فقبض عليه فمات محبوسا 8
ثم دخلت سنة ثلاث
وستين وخمسمائة
ذكر فراق زين الدين الموصل وتحكم قطب الدين في البلاد
في هذه السنة فارق زين الدين علي بن بكتكين النائب عن قطب الدين مودود ابن زنكي صاحب الموصل خدمة صاحبه بالموصل وسار إلى إربل وكان هو الحاكم في الدولة وأكثر البلاد بيده منها إربل وفيه بيته وأولاده وخزائنه ومنها شهروزر وجميع القلاع التي معها وجميع بلد الهكارية وقلاعه منه العمادية وغيرها وبلد الحميدية وتكريت وسنجار وحران وقلعة الموصل هوبها وكان قد أصابه طرش وعمى أيضا فلما عزم على مفارقة الموصل إلى بيته بإربل سلم جميع ما كان بيده من البلاد إلى قطب الدين مودود وبقي معه إربل حسب وكان شجاعا عاقلا حسن السيرة سليم القلب ميمون النقيبة لم ينهزم من حرب قط وكان كريما كثير العطاء للجند وغيرهم مدحه الحيص بيص بقصيدة فلما أراد أن ينشد قال أنا لا أعرف ما يقول ولكني أعلم أنه يريد شيئا فأمر له بخمسمائة دينار وفرس وخلعة مجموع ذلك ألف دينار ولم يزل بإربل إلى أن مات بها بهذه السنة ولما فراق زين الدين قلعة الموصل سلمها قطب الدين إلى فخر الدين عبد المسيح وحكمه في البلاد فعمر القلعة وكانت خرابا لأن زين الدين كان قليل الالتفات إلى العمارة وسار عبد المسيح سيرة سديدة وسياسة عظيمة وهو خصي أبيض من مماليك زنكي أتابك عماد الدين
ذكر الحرب بين البهلوان وصاحب مراغة
في هذه السنة أرسل آقسنقر الأحمديلي صاحب مراغة إلى بغداد يسأل أن يخطب للملك الذي هو عنده وهو ولد السلطان محمد شاه ويبذل أنه لا يطأ أرض العراق ولا يطلب شيئا غير ذلك وبذل ما لا يحمله إذا أجيب إلى ما التمسه فأجيب 9 بتطييب قلبه وبلغ الخبر ايلدكز صاحب البلاد فساءه ذلك وجهز عسكرا كثيفا وجعل المقدم عليهم ابنه البهلوان وسيرهم إلى آقسنقر فوقعت بينهم حرب أجلت عن هزيمة آقسنقر وتحصنه بمراغة ونازله البهلوان وحصره وضيق عليه ثم ترددت الرسل بينهم فاصطلحوا وعاد البهلوان إلى أبيه بهمذان
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة استوزر الخليفة المستنجد بالله شرف الدين أبا جعفر أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن البلدي وكان ناظرا بواسط أبان في ولايتها عن كفاية عظيمة فأحضره الخليفة واستوزره وكان عضد الدين أبوالفرج ابن رئيس الرؤساء قد تحكم تحكما عظيما فتقدم الخليفة إلى ابن البلدي بكف يده وأيدي أهله وأصحابه ففعل ذلك ووكل بتارج الدين أخي استاذ الدار وطالبه بحساب نهر الملك لأنه يتولاه من أيام المقتفي وكذلك فعل بغيره فحصل بذلك أموالا جمة وخافه أستاذ الدار على نفسه فحمل مالا كثيرا
وفي هذه السنة توفي عبد الكريم بن محمد بن منصورا أبو سعيد بن أبي المظفر السمعاني المروزي الفقيه الشافعي وكان مكثرا من سماع الحديث سافر في طلبه وسمع منه ما لم يسمعه غيره ورحل إلى ما وراء النهر وخراسان دفعات ودخل إلى بلد الجبل وأصفهان والعراق والموصل والجزيرة والشام وغير ذلك من البلاد وله التصانيف المشهورة منها ذيل تاريخ بغداد وتاريخ مدينة مرو وكتاب النسب وغير ذلك أحسن فيها ما شاء وقد جمع مشيخته فزادت عدتهم على أربعة آلاف شيخ وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي فقطعه فمن جملة قوله فيه إنه كان يأخذ الشيخ ببغداد ويعبر به إلى فوق نهر عيسى فيقول حدثني فلان بما وراء النهر وهذا بارد جدا فإن الرجل سافر إلى ما وراء النهر حقا وسمع في عامة بلاده من عامة شيوخه فأي حاجة به إلى هذا التدليس البارد وإنما ذنبه عند ابن الجوزي أنه شافعي وله أسوة بغيره فإن ابن الجوزي لم يبق على أحد إلا مكسري الحنابلة
وفيها توفي قاضي القضاء ابو البركات جعفر بن عبد الواحد الثقفي في جمادي الآخرة 10
وفيها توفي يوسف الدمشقي مدرس النظامية بخوزستان وكان قد سار رسولا إلى شملة
وفيها توفي الشيخ أبو النجيب الشهرزوري الصوفي الفقيه وكان من الصالحين المشهورين ودفن ببغداد 11
ثم دخلت سنة أربع وستين وخمسمائة
ذكر ملك نور الدين قلعة جعبر
في هذه السنة ملك نور الدين محمود بن زنكي قلعة جعبر أخذها من صاحبها شهاب الدين مالك بن علي بن مالك العقلي وكانت بيده ويد آبائه من قبله من أيام السلطان ملكشاه وقد تقدم ذكر ذلك وهي من أمنع القلاع وأحصنها مطلة على الفرات من الجانب الشرقي وأما سبب ملكها فإن صاحبها نزل منها يتصيد فأخذه بنو كلاب وحملوه إلى نور الدين في رجب سنة ثلاث وستين فاعتقله وأحسن اليه ورغبه في الأقطاع والمال ليسلم إليه القلعة فلم يفعل فعدل الى الشدة والعنف وتهدده فلم يفعل فسير إليها نور الدين عسكرا مقدمه الأمير فخر الدين مسعود بن علي الزعفرتني فحصرها مدة فلم يظفر منها بشيء فأمدهم بعسكر آخر وجعل على الجميع الأمير مجد الدين أبا بكر المعروف بابن الداية وهو رضيع نور الدين وأكبر أمرائه فحصرها أيضا فلم ير له فيها مطمعا فسلك مع صاحبها طريق اللين وأشار عليه أن يأخذ من نور الدين العوض ولا يخاطر في حفظها بنفسه فقبل قوله وسلمها فأخذ عوضا عنها سروج وأعمالها والملاحة التي بين بلد حلب وباب بزاعة وعشرين ألف دينار معجلة وهذا إقطاع عظيم جدا إلا أنه لا حصن فيه وهذا آخر أمر بني مالك بالقلعة ولكل أمر أمد ولكل ولاية نهاية بلغني أنه قيل لصاحبها أيما أحب إليك وأحسن مقاما سروج والشام أم القلعة فقال هذه أكثر مالا وأما العز ففارقناه بالقلعة
ذكر ملك أسد الدين مصر وقتل شاور
في هذه السنة في ربيع الأول سار أسد الدين شيركوه بن شاذي إلى ديار مصر 12 فملكها ومعه العساكر النورية وسبب ذلك ما ذكرناه من تمكن الفرنج من البلاد المصرية وأنهم جعلوا لهم في القاهرة شحنة وتسلموا أبوابها وجعلوا لهم فيها جماعة من شجعانهم وأعيان فرسانهم وحكموا على المسلمين حكما جائرا وركبوهم بالأذى العظيم فلما رأوا ذلك وأن البلاد ليس فيها من يردهم أرسلوا إلى ملك الفرنج بالشام وهو مري ولم يكن للفرنج مذ ظهر بالشام مثله شجاعة ومكرا ودهاء يستدعونه ليملكها وأعلموه خلوها من موانع وهونوا عليه فلم يجبهم فاجتمع إليه فرسان الفرنج وذو الرأي منهم وأشاروا عليه بقصدها وتملكها فقال لهم الرأي عندي أننا لا نقصدها ولا طمعة لنا فيها وأموالها تساق الينا نتقوى بها على نور الدين وإن نحن قصدناها لنملكها فإن صاحبها وعساكره وعامة بلاده وفلاحيها لا يسلمونها إلينا ويقاتلوننا دونها ويحملهم الخوف منا على تسليمها إلى نور الدين ولئن صار له فيها مثل أسد الدين فهو هلاك الفرنج وإجلاؤهم من أرض الشام فلم يقبلوا قوله وقالوا له إنها لا مانع فيها ولا حتمي وإلى أن يتجهز عسكر نور الدين ويسير إليها نكون نحن قد ملكناها وفرغنا من أمرها وحينئذ يتمنى نور الدين منا السلامة فسار معهم على كره وشرعوا يتجهزون ويظهرون أنهم يريدون قصد مدينة حمص فلما سمع نور الدين شرع أيضا يجمع عساكره وأمرهم بالقدوم عليه وجد الفرنج في السير إلى مصر فقدموها ونازلوا مدينة بلبيس وملكوها قهرا مستهل صفر ونهبوها وقتلوا فيها وأسروا وكان جماعة من أعيان المصريين قد كاتبوا الفرنج ووعدوهم النصرة عداوة منهم لشاور بن الخياط وابن فرجلة فقوي جنان الفرنج وساروا من بلبيس إلى مصر فنزلوا على القاهرة عاشر صفر وحصروها فخاف الناس منهم أن يفعلوا بهم كما فعلوا بأهل بلبيس فحملهم الخوف منهم على الامتناع فحفظوا البلد وقاتلوا دونه وبذلوا جهدهم في حفظه فلو أن الفرنج احسنوا السيرة في بلبيس ملكوا مصر والقاهرة ولكن الله تعالى حسن لهم ذلك أي ما فعلوا (
ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) وأمر شاور بإحراق مدينة مصر تاسع صفر وأمر أهلها بالانتقال منها إلى القاهرة وأن ينهب البلد فانتقلوا وبقوا على الطرق ونهبت المدينة وافتقر أهلها وذهبت أموالهم ونعمتهم قبل نزول الفرنج عليهم بيوم خوفا أن 13 يملكها الفرنج فبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوما وأرسل الخليفة العاضد إلى نور الدين يستغيث به ويعرفه ضعف المسلمين عن دفع الفرنج وأرسل في الكتب شعور النساء وقال هذه شعور نسائي من قصري يستغثن بك لتنفيذهن من الفرنج فشرع في تسيير الجيوش
أما الفرنج فإنهم اشتدوا في حصار القاهرة وضيقوا على أهلها وشاور هو المتولي للأمر والعساكر والقتال فضاق به الأمر وضعف عن ردهم فأخلدا إلى إعمال الحيلة فأرسل إلى ملك الفرنج يذكر له مودة ومحبة له قديما وأن هواه معه لخوفه من نور الدين والعاضد وإنما المسلمون لا يوافقونه على التسليم إليه ويشير بالصلح وأخذ مال لئلا يتسلم البلاد نور الدين فأجابه إلى ذلك على أن يعطوه ألف ألف دينار مصرية يعجل البعض ويمهل البعض فاستقرت القاعدة على ذلك ورأى الفرنج أن البلاد قد امتنعت عليه وربما سلمت إلى نور الدين فأجابوا كارهين وقالوا نأخذ المال فنتقوى به ونعاود البلاد بقوة لا نبالي معها بنور الدين (
ومكروا ومكر الله خير الماكرين ) فجعل لهم شاور مائة ألف دينار وسألهم الرحيل عنه ليجمع لهم المال فرحلوا قريبا وجعل شاور يجمع لهم المال من أهل القاهرة ومصر فلم يتحصل له إلا قدر لا يبلغ خمسة آلاف دينار وسببه أن أهل مصر كانوا قد احترقت دورهم وما فيها وما سلم نهب وهم لا يقدرون على الأقوات فضلا عن الأقساط
وأما أهل القاهرة فالأغلب على أهلها الجند وغلمانهم فلهذا تعذرت عليهم الأموال وهم في خلال هذا يراسلون نور الدين بما الناس فيه وبذلوا له ثلث بلاد مصر وأن يكون أسد الدين مقيما عندهم في عسكر وإقطاعهم من البلاد المصرية أيضا خارجا عن الثلث الذي لهم وكان نور الدين لما وصله كتب العاضد بحلب أرسل إلى أسد الدين يستدعيه إليه فخرج القاصد في طلبه فلقيه على باب حلب وقد قدمها من حمص وكانت أقطاعه
وكان سبب وصوله أن كتب المصريين وصلته أيضا في المعنى فسار أيضا إلى نور الدين واجتمع به وعجب نور الدين من حضوره في الحال وسره ذلك وتفاءل به وأمر بالتجهيز إلى مصر وأعطاه مائتي ألف دينار سوى الثياب والدواب والأسلحة وغير ذلك وحكمه في العسكر والخزائن واختار 14 من العسكر ألفي فارس وأخذ المال وجمع ستة آلاف فارس وسار هو ونور الدين إلى باب دمشق فوصلها سلخ صفر ورحل إلى رأس الماء وأعطى نور الدين كل فارس ممن مع أسد الدين عشرين دينارا معونة غير محسوبة من جامكيته وأضاف إلى أسد الدين جماعة أخرى من الأمراء منهم مملوكه عز الدين جرديك وغرس الدين قلج وشرف الدين برغش وعين الدولة الياروقي وقطب الدين ينال بن حسان المنبجي وصلاح الدين يوسف بن أيوب أخي شيركوه على كره منه ( وسار أسد الدين شيركوه من رأس الماء مجدا منتصف ربيع الأول فلما قارب مصر رحل الفرنج إلى بلادهم بخفي حنين خائبين مما أملوا وسمع نور الدين بعودهم فسره ذلك وأمر بضرب البشائر في البلاد وبث رسله في الآفاق مبشرين بذلك فإنه كان فتحا جديدا لمصر وحفظا لبلاد الشام وغيرها فأما أسد الدين فإنه وصل إلى القاهرة سابع جمادى الآخرة ودخل إليها واجتمع بالعاضد لدين الله وخلع عليه وعاد إلى خيامه بالخلعة العاضدية وفرح به أهل مصر وأجريت عليه وعلى عسكره الجرايات الكثيرة والإقامات الوافرة ولم يمكن شاور المنع عن ذلك لأنه رأى العساكر كثيرة مع شيركوه وهوى العاضد معهم فلم يتجاسر على إظهار ما في نفسه وشرع يماطل أسد الدين في تقرير ما كان بذل لنور الدين من المال وإقطاع الجند وإفراد ثلث البلاد لنور الدين وهو يركب كل يوم إلى أسد الدين ويسير معه ويعده ويمنيه (>
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ) أحب نور الدين مسير صلاح الدين وفيه ذهاب بيته وكره صلاح الدين المسير وفيه سعادته وملكه وسيرد ذلك عند موت شيركوه إن شاء الله تعالى
وسار أسد الدين شيركوه من رأس الماء مجدا منتصف ربيع الأول فلما قارب مصر رحل الفرنج إلى بلادهم بخفي حنين خائبين مما أملوا وسمع نور الدين بعودهم فسره ذلك وأمر بضرب البشائر في البلاد وبث رسله في الآفاق مبشرين بذلك فإنه كان فتحا جديدا لمصر وحفظا لبلاد الشام وغيرها فأما أسد الدين فإنه وصل إلى القاهرة سابع جمادى الآخرة ودخل إليها واجتمع بالعاضد لدين الله وخلع عليه وعاد إلى خيامه بالخلعة العاضدية وفرح به أهل مصر وأجريت عليه وعلى عسكره الجرايات الكثيرة والإقامات الوافرة ولم يمكن شاور المنع عن ذلك لأنه رأى العساكر كثيرة مع شيركوه وهوى العاضد معهم فلم يتجاسر على إظهار ما في نفسه وشرع يماطل أسد الدين في تقرير ما كان بذل لنور الدين من المال وإقطاع الجند وإفراد ثلث البلاد لنور الدين وهو يركب كل يوم إلى أسد الدين ويسير معه ويعده ويمنيه (
وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) ثم أنه عزم على أن يعمل دعوة يدعو إليها أسد الدين والأمراء الذين معه ويقبض عليهم يستخدم من معهم من الجند فيمنع بهم البلاد من الفرنج فنهاه ابنه الكامل وقال له والله لئن عزمت على هذا الأمر لأعرفن شيركوه فقال له أبوه والله لئن لم نفعل هذا لنقلن جميعا فقال صدقت ولأن نقتل ونحن مسلمون والبلاد إسلامية خير من أن نقتل وقد 15 ملكها الفرنج فإنه ليس بينك وبين عود الفرنج إلا أن يسمعوا بالقبض على شيركوه وحينئذ لو مشي العاضد إلى نور الدين لم يرسل معه فارسا وتحدا ويملكون البلاد فترك ما كان عزم عليه ولما رأى العسكر النوري مطل شاور خافوا شره فاتفق صلاح الدين يوسف بن أيوب وعز الدين جرديك وغيرهم على قتل شاور فنهاهم أسد الدين فسكنوا وهم على ذلك العزم من قتله فاتفق أن شاور قصد عسكر أسد الدين على عادته فلم يجده في الخيام كان قد مضى يزور قبر الشافعي رضي الله تعالى عنه فلقيه صلاح الدين ويوسف وجرديك في جمع من العسكر وخدموه وأعلموه بأن شيركوه في زيارة قبر الإمام الشافعي فقال نمضي إليه فساروا جميعا فسايره صلاح الدين وجرديك وألقوه إلى الأرض عن فرسه فهرب أصحابه عنه فأخذ أسيرا فلم يمكنهم قتله بغير أمر أسد الدين فتوكلو بحفظه وسيروا أعلموا أسد الدين فحضر ولم يمكنه إلا إتمام ما عملوه وسمع الخليفة العاضد صاحب مصر الخبر فأرسل إلى أسد الدين يطلب منه رأس شاور وتابع الرسل بذلك فقتل وأرسل رأسه إلى العاضد في السابع عشر من ربيع الآخرةودخل أسد الدين القاهرة فرأى من اجتماع الخلق ما خافهم على نفسه فقال لهم أمير المؤمنين يعني العاضد يأمركم بنهب دار شاور فتفرق الناس عنه إليها فنهبوها وقصد هو قصر العاضد فخلع عليه خلع الوزارة ولقب الملك المنصور أمير الجيوش وسار بالخلع إلى دار الوزارة وهي التي كان فيها شاور فلم ير فيها ما يقعد عليه واستقر في الأمر وغلب عليه ولم يبق له مانع ولا منازع واستعمل على الأعمال من يثق إليه من أصحابه وأقطع البلاد لعساكره وأما الكامل بن شاور فإنه لما قتل أبوه دخل القصر هو وإخوته معتصمين به فكان آخر العهد بهم فكان شيركوه يتأسف عليه كيف عدم لأنه بلغه ما كان منه مع أبيه في منعه من قتل شيركوه وكان يقول وددت أنه بقي لأحسن إليه جزاء الصنيعة
ذكر وفاة أسد الدين شيركوه
لما ثبت قدم أسد الدين وظن أنه لم يبق له منازع أتاه أجله (
حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ) فتوفى يوم السبت الثاني من جمادى الآخرة سنة أربع وستين 16 وخمسمائة وكانت ولايته شهرين وخمسة أيام وأما ابتداء أمره وسبب اتصاله بنور الدين فإنه كان هو وأخوه نجم الدين أيوب ابنا شاذي من بلودين من أذربيجان وأصلها من الأكراد الزوادية وهذا القبيل هم أشرف الأكراد فقدما العراق وخدما مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد فرأى من نجم الدين عقلا وافرا وحسن سيرة وكان أكبر من شيركوه فجعله مستحفظا لقلعة تكريت وهي له فسار إليها ومعه أخوه شيركوه فلما انهزم أتابك الشهيد زنكي بن آقسنقر بالعراق من قراجا الساقي على ما ذكرناه سنة ست وعشرين وخمسمائة وصل منهزما إلى تكريت فخدمه نجم الدين وأقام له السفن فعبر دجلة هناك وتبعه أصحابه فأحسن أيوب صحبتهم وسيرهم ثم إن شيركوه قتل إنسانا بتكريت لملاحاة جرت بينهما فأخرجهما بهروز من القلعة فسار إلى الشهيد زنكي فأحسن إليهما وعرف لهما خدمتهما وأقطعهما أقطاعا حسنا فلما ملك قلعة بعلبك جعل أيوب مستحفظا بها فلما قتل الشهيد حصر عسكر دمشق بعلبك وهو بها فضاق عليه الأمر وكان سيف الدين غازي بن زنكي مشغولا عنه بإصلاح البلاد فاضطر إلى تسليمها إليهم فسلمها على أقطاع ذكره فأجيب إلى ذلك وصار من أكبر الأمراء بدمشق واتصل أخوه أسد الدين شيركوه بنور الدين محمود بعد قتل زنكي وكان يخدمه في أيام والده فقربه وقدمه ورأى منه شجاعة يعجز غيره عنها فزاده حتى صار له حمص والرحبة وغيرهما وجعله مقدم عسكره فلما أراد نور الدين ملك دمشق أمره فراسل أخاه أيوب وهو بها وطلب منه المساعدة على فتحها فأجاب إلى ذلك على ما يراد منه على أقطاع ذكره له ولأخيه وقرى يتملكانها فأعطاهما ما طلبا وفتح دمشق على ما ذكرناه ووفى لهما وصارا أعظم أمراء دولته فلما أراد أن يرسل العساكر إلى مصر لم ير لهذا الأمر العظيم والمقام الخطر غيره فأرسله ففعل ما ذكرناه أولا وآخرا والله أعلم
ذكر ملك صلاح الدين مصر
لما توفي أسد الدين شيركوه كان معه صلاح الدين يوسف ابن أخيه أيوب ابن شاذي قد سار معه على كره منه للسير
حكى لي عنه بعض أصدقائنا ممن كان قريبا إليه خصيصا به لما وردت كتب العاضد على الدين يستغيث به من الفرنج ويطلب إرسال العساكر أحضرني وأعلمني الحال وقال تمضي إلى عمك أسد الدين بحمص مع رسولي إليه ليحضر وتحثه أنت على الإسراع فما يحتمل 17 الأمر التأخير ففعلت وخرجنا من حلب فما كنا على ميل من حلب حتى لقيناه قادما في هذا المعنى فأمره نور الدين بالمسير فلما قال له نور الدين ذلك التفت عمي إليفقال لي تجهز يا يوسف فقلت والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها فلقد قاسيت بالإسكندرية وغيرها ما لا أنساه أبدا فقال لنور الدين لا بد من مسيره معي فتأمر به فأمرني نور الدين وأنا استقيل وانقضى المجلس وتجهز أسد الدين ولم يبق غير المسير قال لي نور الدين لا بد من مسيرك مع عمك فشكوت إليه الضائقة وعدم البرك فأعطاني ما تجهزت به فكأنما أساق إلى الموت فسرت معه وملكها ثم توفي فملكني الله تعالى ما لا كنت أطمع في بعضه
وأما كيفية ولايته فإن جماعة من الأمراء النورية الذين كانوا بمصر طلبوا التقدم على العساكر وولاية الوزارة العاضدية بعده منهم عين الدولة الباروقي وقطب الدين ينال وسيف الدين المشطوب الهكاري وشهاب الدين محمد الحامي وهو خال صلاح الدين وكل واحد من هؤلاء يخطبها وقد جمع أصحابه ليغالب عليها فأرسل العاضد إلى صلاح الدين أحضره عنده وخلع عليه وولاه الوزارة بعد عمه وكان الذي حمله على ذلك أن أصحابه قالوا له ليس في الجماعة أضعف ولا أصغر سنا من يوسف والرأي أن يولى فإنه لا يخرج من تحت حكمنا ثم نضع على العساكر من يستمليهم إلينا فيصير عندنا من الجنود من نمنع بهم البلاد ثم نأخذ يوسف أو نخرجه فلما خلع عليه لقب الملك الناصر ولم يعطه أحد من أولئك الأمراء الذين يريدون الأمر لأنفسهم ولا خدموه وكان الفقيه عيسى الهلكاري معه فسعى مع المشطوب حتى أماله إليه وقال له إن هذا الأمر لا يصل إليك مع عين الدولة والحارمي وغيرهما ثم قصد الحامي وقال هذا صلاح الدين هو ابن اختك وعزه وملكه لك وقد استقام له الأمر فلا تكن أول من يسعى في إخراجه عنه ولا يصل اليك فمال إليه أيضا ثم فعل مثل هذا بالباقين وكلهم أطاع غير عين الدولة الباروقي فإنه قال أنا لا أخدم يوسف وعاد إلى نور الدين بالشام ومعه غيره من الأمراء وثبت قدم صلاح الدين ومع هذا فهو نائب عن نور الدين وكان نور الدين يكاتبه بالأمير الأسفهسلار ويكتب علامته على رأس الكتاب تعظيما عن أن يكتب اسمه وكان لا يفرده بكتاب بل يكتب الأمير الأسفهسلار صلاح الدين وكافة الأمراء 18 بالديار المصرية يفعلون كذا واستمال صلاح الدين قلوب الناس وبذل الأموال فمالوا إليه وأحبوه وضعف أمر العاضد ثم أرسل صلاح الدين بطلب من نور الدين أن يرسل إليه إخوته وأهله فأرسلهم إليه وشرط عليهم طاعته والقيام بأمره ومساعدته وكلهم فعل ذلك وأخذ إقطاعات الأمراء المصريين فأعطاها أهله والأمراء الذين معه وزادهم فازدادوا له حبا وطاعة
قد اعتبرت التواريخ فرأيت كثيرا من التواريخ الإسلامية التي يمكن ضبطها ورأيت كثيرا ممن يبتدى الملك تنتقل الدولة عن صلبه إلى بعض أهله وأقاربه منهم أول الإسلام معاوية بن أبي سفيان أول من ملك من أهل بيته فتنقل الملك من أعقابه بني مروان من بني عمه ثم من بعده السفاح أول من ملك من بني العباس انتقل الملك من أعقابه إلى أخيه اسماعيل بن احمد وأعقابه ثم يعقوب الصفار وهو أول من ملك من أهل بيته فانتقل الملك إلى أخيه عمرو وأعقابه ثم عماد الدولة بن بويه أول من ملك من أهله انتقل الملك عنه إلى أخويه ركن الدولة وعز الدولة ثم خلص في عقاب ركن الدولة ومعز الدولة ثم خلص في أعقاب ركن الدولة ثم الدولة السلجوقية أول من ملك منهم طغرلبك انتقل الملك إلى أولاد أخيه داود ثم هذا شيركوه كما ذكرناه انتقل الملك إلى أعقاب أخيه أيوب ثم إن صلاح الدين لما أنشأ الدولة وعظمها وصار كأنه أول لها نقل الملك إلى أعقاب أخيه العادل ولم يبق بيد أعقابه غير حلب وهذه أعظم الدول الإسلامية ولولا خوف التطويل لذكرنا أكثر من هذا والذي أظنه السبب في ذلك أن الذي يكون أول دولة يكثر ويأخذ الملك وقلوب من كان فيه متعلقة به فلهذا يحرمه الله أعقابه ومن يفعل ذلك من أجلهم عقوبة له
ذكر وقعه السودان بمصر
في هذه السنة ف ] اوائل ذي القعدة قتل مؤتمن الخلافة وهو خصي كان بقصر العاضد إليه الحكم فيه والتقدم على جميع من يحويه فاتفق هو وجماعة من المصريين على مكاتبة الفرنج واستدعائهم إلى البلاد والتقوي بهم على صلاح 19 الدين ومن معه وسيروا الكتب مع إنسان يثقون إليه وأقاموا ينتظرون جوابه وسار ذلك إلى القاصد إلى البئر البيضاء فلقيه إنسان تركماني فرأى معه نعلين جديدين فأخذهما منه وقال في نفسه لو كان مما يلبسه هذا الرجل لكانا خلقين فإنه رث الهيئة وارتاب به وبهما فأتى به صلاح الدين ففتقهما فرأى الكتاب فيهما فقرأه وسكت عليه وكان مقصود مؤتمن الخلافة أن يتحرك الفرنج إلى الديار المصرية فإذا وصلوا إليها خرج صلاح الدين في العساكر إلى قتالهم فيثور مؤتمن الخلافة بمن معه من المصريين على متخلفيهم فيقتلونهم ثم يخرجون بأجمعهم يتبعون صلاح الدين فيأتونه من وراء ظهره والفرنج من بين يديه فلا يبقى لهم باقية فلما قرأ الكتاب سأل عن كاتبه فقيل رجل يهودي فأحضر فأمر بضربه وتقريره فابتدأ وأسلم وأخبره الخبر وأخفى صلاح الدين الحال وأن مؤتمن الخلافة استشعر فلازم القصر ولم يخرج منه خوفا وإذا خرج لم يبعد من صلاح الدين وصلاح الدين لا يظهر له شيئا من الطلب لئلا ينكر ذلك فلما طال الأمر خرج من القصر إلى قرية له تعرف بالخرقانية للتنزه فلما علم به صلاح الدين أرسل إليه جماعة فأخذوه وقتلوه وأتوا برأسه وعزل جميع الخدم الذين يتولون أمر قصر الخلافة واستعمل على الجميع بهاء الدين قراقوش وهو خصي أبيض وكان لا يجري في القصر صغير ولا كبير إلا بأمره فغضب السودان لقتل مؤتمن الخلافة للجنسية ولأنه كان يتعصب لهم فحشدوا وجمعوا فزادت عدتهم على خمسين ألفا وقصدوا حرب الأجناد الصلاحية فاجتمع العسكر أيضا وقاتلوهم بين القصرين وكثر القتل في الفريقين فأرسل صلاح الدين إلى محلتهم االمعروفة بالمنصورة فأحرقها على أموالهم وأولادهم فلما أتاهم الخبر بذلك ولوا منهزمين فركبهم السيف وأخذت عليهم أفواه السكك فطلبوا الأمان بعد أن كثر فيهم القتل فأجيبوا إلى ذلك فأخرجوا من مصر إلا الجيزة فعبر اليهم شمس الدولة أخو صلاح الدين الأكبر في طائفة من العسكر فأبادهم بالسيف ولم يبق منهم إلا القليل الشريد وكفى الله تعالى شرهم والله أعلم
ذكر ملك شملة فارس واخراجه عنها
في هذه السنة ملك شملة صاحب خوزستان بلاد فارس وأخرج عنها 20 وسبب ذلك أن زنكي بن دكلا صاحبها اساء السيرة مع عسكره فأرسلوا إلى شملة بخوزستان وحسنوا له قصد فارس فجمع عساكره وتجهز وسار إليها فخرج إليه زنكي بن دكلا ووقعت بينهم حرب خامر فيها أصحاب زنكي عليه فانهزم في شرذمة من عسكره ونجا بنفسه وقصد الأكراد الشوانكار والتجأ إليهم فأجاره صاحبها وأحسن ضيافته ونزل شملة ببلاد فارس فملكها فأساء السيرة إلى أهلها ونهب ابن أخيه ابن شنكا البلاد فتغيرت بواطن أهلها عليه واجتمع إلى زنكي بعض العسكر الذين خامروا عليه لما رأوا من سوء سيرة شملة واستعاد زنكي بلاده ورجع إلى ملكه وعاد شملة إلى بلاد خوزستان
ذكر ملك ايلدكز الري
في هذه السنة ملك ايلدكز مدينة الري والبلاد التي كانت بيد اينانج وسبب ذلك أن ايلدكز كان قد استقر الأمر بينه وبين إينانج على مال يؤديه إلى ايلدكز فمنعه سنتين فأرسل ايلدكز يطلب المال فاعتذر بكثرة غلمانه وحاشيته فتجهز ايلدكز وقصد الري فالتقاه اينانج وحاربه حربا عظيما فانهزم اينانج ومضى منهزما فتحصن بقلعة طبرك فحصره ايلدكز فيها وراسل سرا جماعة من مماليكه فأطمعهم في الإقطاعات والأموال والإحسان العظيم ليقتلوا اينانج فقتلوه وكانوا جماعة كثيرة وسلموا البلد إلى ايلدكز فرتب فيه عمر بن علي ياغ وعاد إلى همذان ولم يف للغلمان الذين قتلوا اينانج وسلموا البلد إليه بما وعدهم وقال مثل هؤلاء ينبغي أن لا يستخدموا وأبعدهم عنه فتفرقوا في البلاد فسار بعضهم وهو الذي تولى قتله إلى خوارزمشاه فصلبه خوارزمشاه نكالا بما فعل بصاحبه
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة رؤي في دار الخليفة رجل غريب في الطريق التي يركب فيه وفي يده سكين صغيرة وفي يده الأخرى سكين كبيرة فأخذوه وقرروه فقال أنا من حلب فحبس وعوقب البواب ولم يعلم من أين دخل
وفيها قبض ابن البلدي وزير الخليفة على الحسين بن محمد المعروف بابن السني وعلى أخيه الأصغر وكانا ابني عمه عضد الدين أستاذ الدار وكان الأصغر 21 عامل البيمارستان فقطعت يده ورجله قيل كان عنده صنج يقبض بها ويحمل إلى الديوان بالصنج الصحيحة وقيل غير ذلك وحمل إلى البيمارستان فمات به وكان شاعرا فمن شعره وهو محبوس هذه الأبيات
( سلام على أهلي وصحبي وجلاسي
ومن في فؤادي ذكرهم راسب راسي )
( أعالج فيكم كل هم ولا أرى
لداء همومي غير رؤيتكم آسي )
( لقد أبدت الأيام لي كل شدة
تشيب لها الأكباد فضلا عن الراس )
( فيا ابنة عبد الله صبر على الذي
لقيت فهذا الحكم من مالك الناس )
( فلو أبصرت عيناك ذلي بكيت لي
بدمع سوي بالمدامع رجاس )
( أقول لقلبي والهموم تنوشه
وقد حدثته النفس بالضر واليأس )
( فلو هم طيف من خيالي يزوركم
لمانعه دون المغالق حراسي )
( وما حذري إلا على النفس لا على
سواها لأني حلف فقر وإفلاس )
وفيها توفي المعمر بن عبد الواحد بن رجار أبو أحمد الأصفهاني الحافظ يروي عن أصحاب أبي نعيم وكان موته بالبادية ذاهبا إلى الحج في ذي القعدة
وفي رجب منها توفي الشيخ أبو محمد الفارقي المتكلم على الناس وكان أحد الزهاد له كرامات كثيرة وكان يتكلم على الخاطر وكلامه مجموع مشهور
وفيها مات جعيفر الرقاص من ندماء دار الخلافة
وفي شوال منها توفي القاضي أبو الحسن علي بن يحيى القرشي الدمشقي
وفي ذي الحجة توفي نجم الدين بن محمد بن علي بن القاسم الشهرزوري قاضي الموصل وولي ابنه حجة الدين عبد القاهر القضاء 22
ثم دخلت سنة خمس وستين وخمسمائة
ذكر حصر الفرنج دمياط
في هذه السنة في صفر نزل الفرنج على مدينة دمياط من الديار المصرية وحصروها وكان الفرنج بالشام لما ملك أسد الدين شيركوه مصر قد خافوه وأيقنوا بالهلاك وكاتبوا الفرنج الذين بصقلية والأندلس وغيرها يستمدونهم ويعرفونهم ما تجدد من ملك الأتراك مصر وأنهم خائفون على البيت المقدس منهم فأرسلوا جماعة من القسوس والرهبان يحرضونهم على الحركة فأمدوهم بالأموال والرجال والسلاح واستعدوا للنزول على دمياط ظنا منهم أنهم يملكونها ويتخذونها ظهر يملكون به الديار المصرية (
ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ) فإلى أن دخلوا كان أسد الدين قد مات وملك صلاح الدين فاجتمعوا عليها وحصروها وضيقوا على من بها فأرسل إليها صلاح الدين العساكر في النيل وحشر فيها كل من عنده وأمدهم بالأموال والسلاح والذخائر وأرسل إلى نور الدين يشكو ما هم فيه من المخافة ويقول إني إن تأخرت عن دمياط ملكها الفرنج وإن سرت إليها خلفني االمصريون في أهلها بالشر وخرجوا عن طاعتي وساروا في أثري والفرنج أمامي فلا يبقى لنا باقية فسير نور الدين العساكر إليه أرسالا يتلو بعضها بعضا ثم سار هو بنفسه إلى بلاد الفرنج الشامية فنهبها وأغار عليها واستباحها فوصلت الغارات إلى ما لم تكن تبلغه قبل لخلو البلاد من مانع فلما رأى الفرنج تتابع العساكر إلى مصر ودخول نور الدين إلى بلادهم ونهبها وتخريبها رجعوا خائبين لم يظفروا بشيء ووجدوا بلادهم خرابا وأهلها بين قتيل وأسير فكانوا موضع المثل خرجت النعامة تطلب قرنين رجعت بلا أذنين
وكانت مدة مقامهم على دمياط خمسين يوما 23 أخرج فيها صلاح الدين أموالا لا تحصى
حكي أنه قال ما رأيت أكرم من العاضد أرسل إلي مرة لمقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية سوى الثياب وغيرها
ذكر حصر نور الدين الكرك
في هذه السنة في جمادى الآخرة سار نور الدين إلى بلد الفرنج فحصر الكرك وهو من أمنع المعاقل على طرف البر وكان سبب ذلك أن صلاح الدين أرسل إلى نور الدين يطلب أن يرسل إليه والده نجم الدين أيوب فجهزه نور الدين وسيره وسير معه عسكرا واجتمع معه من التجار خلق كثير وانضاف إليهم من كان له مع صلاح الدين أنس وصحبة فخاف نور الدين عليهم من الفرنج فسار في عساكره إلى الكرك فحصره وضيق عليه ونصب عليه المنجنيقات فأتاه الخبر أن الفرنج قد جمعوا له وساروا إليه وقد جعلوا في مقدمتهم إليه ابن هنفري وقريب من الرقيق وهما فارسا الفرنج في وقتهما فرحل نور الدين نحو هذين المقدمين ليلقاهما ومن معهما قبل أن يلتحق بهما باقي الفرنج فلما قاربهما رجعا القهقرى واجتمعا بباقي الفرنج وسلك نور الدين وسط بلادهم ينهب ويحرق ما على طريقه من القرى إلى أن وصل إلى بلاد الإسلام فنزل على عشترا وأقام ينظر حركة الفرنج ليلقاهم فلم يبرحوا من مكانهم فأقام هو حتى أتاهم خبر الزلزلة الحادثة فرحل أما نجم الدين أيوب فإنه وصل إلى مصر سالما هو ومن معه وخرج العاضد الخليفة التقاه إكراما له
ذكر غزوة لسرية نورية
كان شهاب الدين الياس بن ايلغازي بن أرتق صاحب قلعة البيرة قد سار في عسكره وهو في مائتي فارس إلى نور الدين وهو بعشترا فلما وصل إلى قرية اللبوة وهي من عمل بعلبك ركب متصيدا فصادف ثلاثمائة فارس من الفرنج قد ساروا للإغارة على بلاد الإسلام سابع عشر شوال فوقع بعضهم على بعض واقتتلوا واشتد القتال وصبر الفريقان لا سيما المسلمون فإن ألف فارس لا يصبرون لحملة ثلاثمائة فارس أفرنجية وكثر القتلى بين الطائفتين فانهزم الفرنج وعمهم القتل والأسر فلم يفلت منهم إلا من لا يعتد به وسار شهاب الدين برؤوس 24 القتلى وبالأسرى إلى نور الدين فركب نور الدين والعسكر فلقوهم فرأى نور الدين في الرؤوس رأس مقدم الاسبتار صاحب حصن الأكراد وكان من الشجاعة بمحل كبير وكان شجا في حلوق المسلمين
ذكر الزلزلة وما فعلته بالشام
في هذه السنة أيضا ثاني عشر شوال كانت زلازل عظيمة متتابعة هائلة لم ير الناس مثلها وعمت أكثر البلاد من الشام والجزيرة والموصل والعراق وغيرها من البلاد وأشدها كان بالشام فخرجت كثيرا من دمشق وبعلبك وحمص وحماة وشيزر وبعرين وحلب وغيرها وتهدمت أسوارها وقلاعها وسقطت الدور على أهلها وهلك منهم ما يخرج عن الحد فلما أتاه الخبر سار إلى بعلبك ليعمر ما انهدم من سورها وقلعتها فلما وصلها أتاه خبر باقي البلاد وخراب أسوارها وقلاعها وخلوها من أهلها فجعل ببعلبك من يعمرها ويحفظها وسار إلى حمص ففعل مثل ذلك ثم إلى حماه ثم إلى بعرين وكان شديد الحذر على سائر البلاد من الفرنج ثم أتى مدينة حلب فرأى فيها من آثار الزلزلة ما ليس بغيرها من البلاد فإنها كانت قد أتت عليها وبلغ الرعب ممن نجا كل مبلغ وكانوا لا يقدرون يأوون مساكنهم خوفا من الزلزلة فأقام بظاهرها وباشر عمارتها بنفسه فلم يزل كذلك حتى أحكم أسوار البلاد وجوامعها وأما بلاد الفرنج فإن الزلازل ايضا عملت بها كذلك فاشتغلوا بعمارة بلادهم خوفا من نور الدين عليها فاشتغل كل منهم بعمارة بلاده خوفا من الآخر
ذكر وفاة قطب الدين مودود بن زنكي وملك ابنه سيف الدين غازي
في هذه السنة في ذي الحجة مات قطب الدين مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل بالموصل وكان مرضه حمى حادة ولما اشتد مرضه وصى بالملك بعده لابنه الأكبر عماد الدين زنكي وعدل عنه إلى ابنه الآخر سيف الدين غازي وإنما صرف الملك عن ابنه الأكبر عماد الدين زنكي بن مودود لأن القيم بأمور دولته والمقدم فيها كان خادما له يقال له فخر الدين عبد المسيح وكان يكره عماد الدين لأنه كان طوع عمه نور الدين لكثرة مقامه عنده ولأنه زوج ابنته وكان نور الدين يبغض عبد المسيح فاتفق فخر الدين وخاتون ابنة حسام الدين تمرتش بن ايلغازي 25 وهي والدة سيف الدين على صرف الملك عن عماد الدين إلى سيف الدين فدخل عماد الدين إلى عمه نور الدين مستنصرا به ليعينه على أخذ الملك لنفسه وتوفي قطب الدين وعمره نحو أربعين سنة وكان ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا وكان فخر الدين هو المدبر للأمور والحاكم في الدولة وكان قطب الدين من أحسن الملوك سيرة وأعفهم عن أموال رعيته محسنا إليهم كثير الإنعام عليهم محبوبا إلى كبيرهم وصغيرهم عطوفا على شريفهم ووضيعهم كريم الأخلاق حسن الصحبة لهم فكأن القائل أراده بقوله
( خلق كماء المزن مذاقة
والروضة الغناء طيب نسيم )
( كالسيف لكن فيه حلم واسع
عمن جنى والسيف غير حليم )
( كالغيث إلا أن وابل جوده
أبدا وجود الغيث غير مقيم )
( كالدهر إلا أنه ذو رحمة
والدهر قاسي القلب غير رحيم )
وكان سريع الانفعال للخير بطيئا عن الشر جم المناقب قليل المعايب رحمه الله ورضي عنه وعن جميع المسلمين بمنه وكرمه أنه جواد كريم
ذكر حالة ينبغي للملوك أن يحترزوا من مثلها
حدثني والدي رحمه الله قال كنت أتولى جزيرة ابن عمر لقطب الدين كما علمتم فلما كان قبل موته بيسير أتانا كتاب من الديوان بالموصل يأمرون بمساحة جميع بساتين العقيمة وهذه العقيمة هي قرية تحاذي الجزيرة منها دجلة ولها بساتين كثيرة بعضها يمسح فيؤخذ منه على كل جريب شيء كعلوم وبعضها عليه خراج وبعضها مطلق عن الجميع قال وكان لي فيها ملك كثير فكنت أقول إن المصلحة أن لا يغير على الناس شيء وما أقول هذا لأجل ملكي فإنني أنا أمسح ملكي وإنما أريد أن يدوم الدعاء من الناس للدولة فجاءني كتاب النائب يقول لا بد من المساحة قال فأظهرت الأمر وكان بها قوم صالحون لي بهم أنس وبيننا مودة فجاءني الناس كلهم وأولئك معهم يطلبون المراجعة فأعلمتهم أني راجعت وما أجبت إلى ذلك فجاءني منهم رجلان أعرف صلاجهما وطلبا مني المعاودة ومخاطبة ثانية ففعلت فأصروا على المماسحة فعرفتهما الحال قال فما مضى إلا عدة أيام وإذ قد جاءني الرجلان فلما رأيتهما ظننت أنهما جاءا يطلبان المعاودة فعجبت 26 منهما وأخذت أعتذر إليهما فقالا ما جئنا إليك في هذا وإنما جئنا نعرفك أن حاجتنا قضيت قال فظننت أنهما قد أرسلا إلى الموصل إلى من يشفع لهما فقلت من الذي خاطب في هذا بالموصل فقالا إن حاجتنا قد قضيت من السماء ولكافة أهل العقيمة قال فظننت أن هذا مما قد حدثا به نفوسهما ثم قاما عني فلم يمض غير عشرة أيام وإذا قد جاءنا كتاب من الموصل يأمرون بإطلاق المساجين والمحبوسين والمكوس ويأمرون بالصدقة ويقال إن السلطان يعني قطب الدين مريض يعني على حالة شديدة ثم بعد يومين أو ثلاثة جاءنا الكتاب بوفاته فعجبت من قولهما واعتقدته كرامة لهما فصار والدي بعد ذلك يكثر إكرامهما واحترامهما ويزورهما
ذكر الحرب بين عساكر ابن عبد المؤمن وابن مردنيش
كان محمد بن سعيد بن مردنيش ملك شرق الأندلس قد اتفق هو والفرنج وامتنع على عبد المؤمن وابنه بعده فاستفحل أمره لا سيما بعد وفاة عبد المؤمن فلما كان هذه السنة حهز إليه يوسف بن عبد المؤمن فجاسوا بلاده وخربوها وأخذوا مدينتين من بلاده وأخافوا عساكره وجنوده وأقاموا ببلاده مدة ينتقلون فيها ويجبون أموالها
ذكر وفاة صاحب كرمان والخلف بين أولاده
في هذه السنة توفي الملك طغرل بن قاورت صاحب كرمان واختلف أولاده بهرام شاه وأرسلان شاه وهو الأكبر وجرى بينهما قتال انهزم فيه بهرام شاه إلى خراسان فدخل على المؤيد صاحب نيسابور واستنجده فأنجده بعساكر سار بها إلى كرمان فجرى بين الأخوين حرب ظفر فيها بهرام شاه وهرب أرسلان شاه فقصد أصفهان مستجيرا بإيلدكز فأنفذ معه عسكرا واستنفذوا البلاد من بهرام شاه وسلموها إلى أخيه أرسلان شاه فعاد بهرام شاه إلى نيسابور مستجيرا بالمؤيد صاحبها فأقام عنده فاتفق أن أخاه أرسلان شاه مات فسار إلى كرمان فملكها وأقام بها بغير منازع 27
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة كثرت الأذية من عبد الملك بن عطاء وتطرق الى بلاد حلوان ونهب وأفسد وأخذ من الحجاج فأنفذ إليه من بغداد عسكر فنازلوه في قلاعه وضايقوا ونهبوا أمواله وأموال أهله حتى أذعن بالطاعة ولا يعاود أذى الحجاج ولا غيرهم فعاد عنهم العسكر وفيها توفي مجد الدين أبو بكر بن الداية وهو رضيع نور الدين وكان أعظم الأمراء منزلة عنده وله في اقطاعه حلب وحارم وقلعة جعبر فلما توفي رد نور الدين ما كان له إلى أخيه شمس الدين علي بن الداية
وفيها في شعبان توفي أحمد بن صالح بن شافع أبو الفضل الجيلي وهو من مشهوري المحدثين الجبلي بالجيم والياء تحتها نقطتان 28
ثم دخلت سنة ست وستين وخمسمائة
ذكر وفاة المستنجد بالله
في هذه السنة تاسع ربيع الآخر توفي المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله وقد تقدم باقي النسب في غير موضع وأمه أم ولد اسمها طاوس وقيل نرجس رومية ومولده مستهل ربيع الآخر سنة عشر وخمسمائة وكان أسمر تام القامة طويل اللحية وكان سبب موته أنه مرض واشتد مرضه وكان قد خافه أستاذ الدار عضد الدين أبو الفرج ابن رئيس الرؤساء وقطب الدين قايماز المقتفوي وهو حينئذ أكبر أمير ببغداد فلما اشتد مرض الخليفة اتفقا ووضعا الطبيب على أن يصف له ما يؤذيه فوصف له دخول الحمام فامتنع لضعفه ثم إنه دخل وأغلق عليه بابه فمات وهكذا سمعت من غير واحد ممن يعلم الحال وقيل إن الخليفة كتب إلى وزيره مع طبيبه ابن صفية يأمره بالقبض على أستاذ الدار وقطب الدين وصلبهما فاجتمع ابن صفية بأستاذ الدار وأعطاه خط الخليفة فقال له تعود وتقول إنني أوصلت الخط إلى الوزير ففعل ذلك وحضر أستاذ الدار قطب الدين ويزدن أخاه تنامش وعرض الخط عليهم فاتفقوا على قتل الخليفة فدخل إليه يزدن وقايماز الحميدي فحملاه إلى الحمام وهو يستغيث وألقياه وأغلقا الباب عليه وهو يصيح إلى أن مات رحمه الله وكانوزيره أبا جعفر بن البلدي وبينه وبين أستاذ الدار وبين قطب الدين عداوة مستحكمة لأن المستنجد بالله كان يأمره بأشياء تتعلق بهما فيفعلهما فكانا يظنان أنه هو الذي يسعى بهما فلما مرض المستنجد وأرجف بموته ركب الوزير ومعه الأمراء والأجناد وغيرهما بالعدد فلم يتحقق عنده خبر موته فأرسل إليه عضد الدين يقول إن أمير المؤمنين قد خف ما به من المرض وأقبلت العافية فخاف الوزير أن يدخل دار 29 الخلافة بالجند فربما أنكر عليه ذلك فعاد إلى داره وتفرق الناس عنه وكان عضد الدين وقطب الدين قد استعد للهرب لما ركب الوزير خوفا منه إن دخل الدار أن يأخذهما فلما عاد أغلق أستاذ الدار أبواب الدار وأظهروا وفاة المستنجد وأحضر هو وقطب الدين ابنه أبا محمد الحسن وبايعاه بالخلافة ولقباه المستضيء بأمر الله وشرطا عليه شروطا أن يكون عضد الدين وزيرا وابنه كمال الدين أستاذ الدار وقطب الدين أمير العسكر فأجابهم إلى ذلك ولم يتول الخلافة من اسمه الحسن إلا الحسن ابن علي بن أبي طالب والمستضيء بأمر الله واتفقا في الكنية والكرم فبايعه أهل بيته البيعة الخاصة يوم توفي أبوه وبايعه الناس من الغد في التاج بيعة عامة وأظهر من العدل أضعاف ما عمل أبوه وفرق أموالا جليلة المقدار وعلم الوزير ابن البلدي فسقط في يده وقرع سنة ندما على ما فرط في عوده حيث لا ينفعه وأتاه من يستدعيه للجلوس للعزاء والبيعة للمستضيئ فمضى إلى دار الخلافة فلما دخلها صرف إلى موضع وقتل وقطع قطعا وألقي في دجلة رحمه الله وأخذا جميع ما في داره فرأيا فيها خطوط المستنجد بالله يأمره فيها بالقبض عليهما وخط الوزير قد راجعه في ذلك وصرفه عنه فلما وقفا عليها عرفا براءته مما كانا يظنا فيه فندما حيث فرطا في قتله وكان المستنجد بالله من أحسن الخلفاء سيرة مع الرعية عادلا فيهم كثير الرفق بهم وأطلق كثيرا من المكوس ولم يترك بالعراق منها شيئا وكان شديدا على أهل العيث والفساد والسعاية بالناس
بلغني أنه قبض على إنسان كان يسعى بالناس فأطال حبسه فشفع فيه بعض أصحابه المختصين بخدمته وبذل عنه عشرة آلاف دينار فقال أنا أعطيك عشرة آلاف دينار وتحضر لي إنسانا آخر مثله لأكف شره عن الناس ولم يطلقه ورد كثيرا من الأموال على أصحابها أيضا وقبض على القاضي ابن المرخم وأخذ منه مالا كثيرا فأعاده على أصحابه أيضا وكان ابن المرخم ظالما جائرا في أحكامه
ذكر ملك نور الدين الموصل وإقرار سيف الدين عليها
لما بلغ نور الدين محمودا وفاة أخيه قطب الدين مودود صاحب الموصل وملك ولده سيف الدين غازي الموصل والبلاد التي كانت لأبيه بعد وفاته وقام فخر الدين عبد المسيح بالأمر معه وتحكمه عليه وكان يبغض فخر الدين لما يبلغه عنه من 30 خشونة سياسته فقال أنا أولى بتدبير أولاد أخي وملكهم وسار عند انقضاء العزاء جريدة في قلة من العسكر وعبر الفرات عند قلعة جعبر مستهل المحرم من هذه السنة وقصد الرقة فحصرها وأخذها ثم سار إلى الخابور فملكه جميعه وملك نصيبين وأقام بها فجمع العساكر فأتاه بها نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود صاحب حصن كيفا وكثر جمعه وكان قد ترك أكثر عساكره بالشام لحفظ ثغوره فلما اجتمعت العساكر سار إلى سنجار فحصرها ونصب المنجنيقات وملكها وسلمها إلى عماد الدين ابن أخيه قطب الدين وكان قد جاءته كتب الأمراء الذين بالموصل سرا يبذلون له الطاعة ويحثونه على الوصول إليهم فسار إلى الموصل فأتى مدينة بلد وعبر دجلة عندها مخاضة إلى الجانب الشرقي وسار فنزل شرقي الموصل على حصن نينوى ودجلة بينه وبين الموصل ومن العجب أن يوم نزوله سقط من سور الموصل بدنة كبيرة وكان سيف الدين غازي قد سير عز الدين مسعود بن قطب الدين إلى أتابك شمس الدين أيلدكز صاحب همذان وبلد الجبل وأذربيجان وأصفهان والري وتلك الأعمال يستنجده على عمه نور الدين فأرسل أيلدكز رسولا إلى نور الدين ينهاه عن التعرض إلى الموصل وقول له إن هذه البلاد للسلطان فلا تقصدها فلم يلتفت إليه وقال للرسول قل لصاحبك أنا أصلح لأولاد أخي منك فلم تدخل نفسك بيننا وعند الفراغ من إصلاح بلادهم يكون الحديث معك على باب همذان فإنك قد ملكت هذه المملكة العظيمة وأهملت الثغور حتى غلب الكرج عليها وقد بليت أنا ولي مثل ربع بلادك بالفرنج وهم أشجع العالم فأخذت معظم بلادهم وأسرت ملوكهم ولا يحل لي السكوت عنك فإنه يجب علينا القيام بحفظ ما أهملت وإزالة الظلم عن المسلمين فأقام نور الدين على الموصل فعزم من بها من الأمراء على مجاهرة فخر الدين عبد المسيح وتسليم البلد إلى نور الدين فعلم ذلك فأرسل إلى نور الدين في تسليم البلد إليه على أن يقره بيد سيف الدين ويطلب لنفسه الأمان ولما له فأجابه إلى ذلك وشرط أن فخر الدين يأخذه معه إلى الشام ويعطيه عنده إقطاعا يرضيه فتسلم البلد ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة ودخل القلعة من باب السر لأنه لما بلغه عصيان عبد المسيح عليه حلف أن لا يدخلها إلا من أحصن موضع فيها ولما ملكها أطلق ما بها من المكوس وغيرها من أبواب المظالم وكذلك فعل بنصيبين وسنجار والخابور 31 وهكذا كان جميع بلاده من الشام ومصر ووصله وهو على الموصل يحاصرها خلعة من الخليفة المستضيء بأمر الله فلبسها ولما ملك الموصل خلعها على سيف الدين ابن اخيه وأمره وهو بالموصل بعمارة الجامع النوري وركب هو بنفسه إلى موضعه فرآه وصعد منارة مسجد أبي حاضر فأشرف منها على موضع الجامع فأمر أن يضاف إلى الأرض التي شاهدها ما يجاورها من الدور والحوانيت وأن لا يؤخذ منها شيء بغير اختيار أصحابه وولي الشيخ محمد لملا عمارته وكان من الصالحين الأخيار فاشترى الأملاك من أصحابها بأوفر الأثمان وعمره فخرج عليه أموال كثيرة وفرغ من عمارته سنة ثمان وستين وخمسمائة
وأما نور الدين فإنه عاد إلى الشام واستناب في قلعة الموصل خصيا كان له اسمه كمشتكين ولقبه سعد الدين وأمر سيف الدين أن لا ينفرد عنه بقليل من الأمور ولا بكثير وحكمه وأقطع مدينة سنجار لعماد الدين ابن اخيه قطب الدين فلما فعل ذلك قال كمال الدين بن الشهرزوري هذا طريق الى أذى يحصل ببيت أتابك لأن عماد الدين كبير لا يرى طاعة سيف الدين وسيف الدين هو الملك لا يرى الإغضاء لعماد الدين فيحصل الخلف ويطمع الأعداء فكان كذلك على ما نذكره سنة سبعين وخمسمائة وكان مقام نور الدين بالموصل أربعة وعشرين يوما واستصحب معه فخر الدين عبد المسيح وغير اسمه فسماه عبد الله وأقطعه إقطاعا كبيرا
ذكر غزو صلاح الدين بلاد الفرنج وفتح أيلة
وفي هذه السنة سار صلاح الدين أيضا عن مصر إلى بلاد الفرنج فأغار على أعمال عسقلان والرمة وهجم على ربض غزة فنهبه وأتاه ملك الفرنج في قلة من العسكر مسرعين لرده عن البلاد فقاتلهم وهزمهم وأفلت ملك الفرنج بعد أن أشرف أن يؤخذ أسيرا وعاد إلى مصر وعمل مراكب مفصلة وحملها قطعا على الجمال في البر وقصد أيلة فجمع قطع المراكب وألقاها في البحر وحصر أيلة برا وبحرا وفتحها في العشر الأول من ربيع الآخر واستباح أهلها وما فيها وعاد الى مصر
ذكر ما اعتمده صلاح الدين بمصر هذه السنة
كان بمصر دار للشحنة تسمى دار المعونة يحبس فيها من يريد جبسه فهدمها 32 صلاح الدين وبناها مدرسة للشافعية وأزال ما كان فيها من الظلم وبنى دار العدل مدرسة للشافعية أيضا وعزل قضاة المصريين وكانوا شيعة وأقام قاضيا شافعيا في مصر فاستناب القضاة الشافعية في جميع البلاد في العشرين من جمادى الآخرة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة اشترى تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين منازل العز بمصر وبناها مدرسة للشافعية
وفيها أغار شمس الدولة تورانشاه أخو صلاح الدين على الأعراب الذين بالصعيد وكانوا قد أفسدوا في البلاد ومدوا أيديهم فكفوا عما كانوا يفعلونه
وفيها مات القاضي ابن الخلال من أعيان الكتاب المصريين وفضلائهم وكان صاحب ديوان الإنشاء بها
وفيها وقع حريق ببغداد في درب المطبخ وفي خرابة ابن جردة
وفيها توفي الأمير نصر بن المستظهر بالله عم المستنجد بالله وحموه وهو آخر من مات من أولاد المستظهر بالله وكان موته في ذي القعدة ودفن في الترب بالرصافة
وفيها جعل ظهير الدين أبو بكر نصر بن العطار صاحب المخزن ببغداد ولقب ظهير الدين
وفيها حج بالناس الأمير طاشتكين المستنجدي وكان نعم الأمير رحمه الله 33
ثم دخلت سنة سبع وستين وخمسمائة
ذكر إقامة الخطبة العباسية بمصر
وانقراض الدولة العلوية
في هذه السنة في ثاني جمعة من المحرم قطعت خطبة العضد لدين الله أبي محمد الإمام عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد بن أبي القاسم محمد بن المستنصر بالله أبي تميم معد بن الظاهر لإعزاز دين الله أبي الحسن علي بن الحاكم بأمر الله أبي علي المنصور بن العزيز بالله أبي منصور بن نزار بن المعز لدين الله أبي تميم معد بن المنصور بالله أبي الظاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله أبي القاسم محمد بن المهدي بالله أبي محمد عبيد الله وهو أول العلويين من هذا البيت الذين خطب لهم بالخلافة وخوطبوا بأمرة المؤمنين وكان سبب الخطبة العباسية بمصر أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبت قدمه بمصر وأزال المخالفين له وضعف أمر الخليفة بها العاضد وصار قصره يحكم فيه صلاح الدين ونائبه قراقوش وهو خصي كان من أعيان الأمراء الأسدية كلهم يرجعون إليه فكتب إليه نور الدين محمود بن زنكي يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة المستضيئية فامتنع صلاح الدين واعتذر بالخوف من قيام أهل الديار المصرية عليهم لميلهم إلى العلويين وكان صلاح الدين يكره قطع الخطبة لهم ويريد بقاءهم خوفا من نور الدين فإنه كان يخافه أن يدخل إلى الديار المصرية يأخذها منه فكان يريد يكون العاضد معه حتى إن قصده نور الدين امتنع به وبأهل مصر عليه فلما اعتذر إلى نور الدين بذلك لم يقبل عذره وألح عليه بقطع خطبته وألزمه إلزاما لا فسحة له في مخالفته وكان على الحقيقة نائب نور الدين واتفق أن العاضد مرض هذا الوقت مرضا شديدا فلما عزم صلاح الدين على قطع خطبته استشار أمراءه فمنهم من أشار به ولم يفكر في المصريين ومنهم من خافه إلا أنه ما يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين 34 وكان قد دخل إلى مصر إنسان أعجمي يعرف بالأمير العالم رأيته أنا بالموصل فلما رأى ما هم فيه من الإحجام وأن أحدا لا يتجاسر يخطب للعباسي قال أنا ابتدئ بالخطبة له فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب ودعا للمستضيء ففعلوا ذلك فلم يتنطح فيها عنزان وكتب بذلك إلى سائر بلاد مصر ففعلوا وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أحد من أهله وأصحابه بقطع الخطبة وقالوا إن عوفي فهو يعلم وإن توفي فلا ينبغي أن نفجعه بمثل هذه الحادثة قبل موته فتوفي يوم عاشوراء ولم يعلم بقطع الخطبة ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصر الخلافة وعلى جميع ما فيه فحفظه بهاء الدين قراقوش الذي كان قد رتبه قبل موت العاضد فحمل الجميع إلى صلاح الدين وكان من كثرته يخرج عن الإحصاء وفيه من الأعلاق النفيسة الأشياء الغريبة ما تخلو الدنيا عن مثله ومن الجواهر التي لم توجد عند غيرهم فمنه الحبل الياقوت وزنه سبعة عشر درهما أو سبعة عشر مثقالا أنا لا أشك فإنني رأيته ووزنته واللؤلؤ الذي لم يوجد مثله ومنه النصاب الزمرد الذي طوله أربع أصابع في عرض عقد كبير ووجد فيه طبل كان بالقرب من موضع العاضد وقد احتاطوا بالحفظ فلما رأوه ظنوه عمل لأجل اللعب فيه فسخروا من العاضد فأخذ إنسان فضرب به فضرط فتضاحكوا منه ثم آخر كذلك وكان كل من ضرب به ضرط فألقاه أحدهم فكسره فإذا الطبل لأجل قولنج فندموا على كسره لما قيل لهم ذلك وكان فيه من الكتب النفيسة المعدومة المثل ما لا يعد فباع جميع ما فيه ونقل أهل العاضد إلى موضع من القصر ووكل بهم من يحفظهم وأخرج جميع من فيه من أمة وعبد فباع البعض وأعتق البعض ووهب البعض وخلا القصر من سكانه كأن لم يغن بالأمس فسبحان الحي الدائم الذي لا يزول ملكه ولا تغيره الدهور ولا يقرب النقص حماه ولما اشتد مرض العاضد أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه فظن ذلك خديعة فلم بمض إليه فلما توفي علم صدقة فندم على تخلفه عنه وكان يصفه كثيرا بالكرم ولين الجانب وغلبة الخير على طبعه وانقياده وكان في نسبه تسع خطب لهم بالخلافة وهم الحافظ والمستنصر والظاهر والحاكم والعزيز والمعز والمنصور والقائم والمهدي ومنهم من لم يخطب له بالخلافة أبوه يوسف بن الحافظ وجد أبيه وهو الأمير أبو القاسم محمد بن المستنصر وبقي من خطب له بالخلافة وليس من آبائه 35 المستعلي والآمر والظافر والفائز وجميع من خطب له منهم بالخلافة أربعة عشر خليفة منهم بأفريقتة المهدي والقائم والمنصور والمعز إلى أن سار إلى مصر ومنهم بمصر المعز المذكور وهو أول من خرج إليها من أفريقية والعزيز والحاكم والظاهر والمستنصر والمستعلي والآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد وجميع مدة ملكهم من حين ظهر المهدي بسجلماسة في ذي الحجة من سنة تسع وتسعين ومائتين إلى أن توفي العاضد مائتان واثنتان وسبعون سنة وشهر تقريبا وهذا دأب الدنيا لم تعط إلا واستردت ولم تحل إلا وتمررت ولم تصف إلا وتكدرت بل صفوها لا يخلو من الكدر وكدرها قد يخلو من الصفو نسأل الله تعالى أن يقبل قلوبنا إليه ويرينا الدنيا حقيقة ويزهدنا فيها ويرغبنا في الآخرة إنه سميع الدعاء قريب من الإجابة
ولما وصلت البشارة إلى بغداد بذلك ضربت البشائر بها عدة أيام وزينت بغداد وظهر من الفرح والجذل ما لا حد عليه وسيرت الخلع مع عماد الدين صندل وهو من خواص الخدم المقتفوية والمقدمين في الدولة لنور الدين وصلاح الدين فسار صندل إلى نور الدين وألبسه الخلعة وسير الخلعة التي لصلاح الدين وللخطباء بالديار المصرية والأعلام السود ثم إن هذا صندلا صار أستاذ دار الخليفة المستضيء بأمر الله ببغداد وكان يدري الفقه على مذهب الشافعي وسمع الحديث ورواه ويعرف أشياء حسنة وفيه دين وله معروف كثير وهو من محاسن بغداد
ذكر الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين باطنا
في هذه السنة جرت أمور أوجبت أن تأثر نور الدين من صلاح الدين ولم يظهر ذلك وكلن سببه أن صلاح الدين يوسف بن أيوب سار عن مصر في صفر من هذه السنة إلى بلاد الفرنج غازيا ونازل حصن الشوبك وبينه وبين الكرك يوم وحصره وضيق على من به من الفرنج وأدام القتال وطلبوا الأمان واستمهلوه عشرة أيام فأجابهم إلى ذلك فلما سمع نور الدين بما فعله صلاح الدين سار عن دمشق قاصدا بلاد الفرنج أيضا ليدخل إليه من جهة أخرى فقيل لصلاح الدين إن دخل نور الدين بلاد الفرنج وهم على هذه الحال أنت من جانب ونور الدين من جانب ملكها ومتى زال الفرنج عن الطريق وأخذ ملكهم لم يبق بديار مصر مقام 36 مع نور الدين وإن جاء نور الدين إليك وأنت ههنا فلا بد لك من الاجتماع به وحينئذ يكون هو المتحكم فيك بما شاء إن شاء تركك أولا فقد لا يقدر على الامتناع عليه والمصلحة الرجوع إلى مصر فرحل عن الشوبك عائدا إلى مصر ولم يأخذه من الفرنج وكتب إلى نور الدين يعتذر باختلال البلاد المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعته العلويين وإنهم عازمون على الوثوب بها فإنه يخاف عليها من البعد عنها أن يقوم أهلها على من تخلف بها فيخرجوهم وتعود ممتنعة وأطال الاعتذار فلم يقبلها نور الدين منه وتغير عليه وعزم على قصد مصر وإخراجه عنها وظهر ذلك فسمع صلاح الدين الخبر فجمع أهله وفيهم أبوه نجم الدين أيوب وخاله شهاب الدين الحارمي ومعهم سائر الأمراء وأعلمهم ما بلغه من عزم نور الدين وحركته إليه واستشارهم فلم يجبه أحد بكلمة واحدة فقام تقي الدين عمر بن أخي صلاح الدين فقال إذا جاءنا قاتلناه ومنعناه عن البلاد ووافقه غيره من أهلهم فشتمهم نجم الدين أيوب وأنكر ذلك واستعظمه وشتم تقي الدين وأقعده وقال لصلاح الدين أنا أبوك وهذا خالك شهاب الدين ونحن أكثر محبة لك من جميع من ترى والله لو رأيت أنا وهذا خالك نور الدين لم نمكث إلا أن نقتل بين يديه ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا فإذا كنا نحن هكذا فما ظنك بغيرنا وكل من تراه عندك من الأمراء لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسروا على الثبات على سروجهم وهذه البلاد له ونحن مماليكه ونوابه فيها فإن أراد سمعنا وأطعنا والرأي أن تكتب كتابا مع نجاب تقول فيه بلغني أنك تريد الحركة لأجل البلاد فأي حاجة إلى هذا يرسل المولى نجابا يضع في رقبتي منديلا ويأخذني إليك وما ههنا من يمتنع وقام الأمراء وغيرهم وتفرقوا على هذا فلما خلى به أيوب قال له بأي عقل فعلت هذا أما تعلم أن نور الدين إذا سمع عزمنا على منعه ومحاربته جعلنا أهم الوجوه إليه وحينئذ لا نقوى عليه وأما الآن إذا بلغه ما جرى وطاعتنا له تركنا واشتغل بغيرنا والأقدار تعمل عملها ووالله لو أراد نور الدين قصبة من قصب السكر لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل ففعل صلاح الدين ما أشار به فترك نور الدين قصده واشتغل بغيره فكان الأمر كما ظنه أيوب فتوفي نور الدين ولم يقصده وملك صلاح الدين البلاد وكان هذا من أحسن الآراء وأجودها 37
ذكر غزوة إلى الفرنج بالشام
وفي هذه السنة خرج مركبان من مصر إلى الشام فأرستا بمدينة لاذقية فأخذهما الفرنج وهما مملوءتان من الأمتعة والتجارة وكان بينهم وبين نور الدين هدنة فنكثوا وغدروا فأرسل نور الدين إليهم في المعنى وإعادة ما أخذوه من أموال التجار فغالطوه واحتجوا بأمور منها أن المركبين كانا قد انكسرا ودخلهما الماء وكان الشرط أن كل مركب ينكسر ويدخله الماء يأخذونه فلم يقبل مغالطتهم وجمع العساكر وبث السرايا في بلادهم بعضها نحو أنطاكية وبعضها نحو طرابلس وحصر هو حصن عرقة وخرب ربضة وأرسل طائفة من العسكر إلى حصن صافيثا وعريمة فأخذهما عنوة ونهب وخرب وغنم المسلمون غنائم كثيرة وعادوا إليه وهو بعرقة فسار في العساكر جميعها إلى أن قارب طرابلس ينهب ويخرب ويحرق ويقتل وأما الذين ساروا إلى أنطاكية ففعلوا في ولايتها مثل ما فعل في ولاية طرابلس فراجعه الفرنج وبذلوا جميع ما أخذوه من المركبين وتجديد الهدنة معهم فأجابهم إلى ذلك وأعادوا ما أخذوا وهم صاغرون وقد خربت بلادهم وغنمت أموالهم
ذكر وفاة ابن مردنيش وملك يوسف بن عبد المؤمن بلاده
في هذه السنة توفي الأمير محمد بن سعد بن مردنيش صاحب البلاد بشرق الأندلس وهي مرسية وبلنسية وغيرهما ووصى أولاده أن يقصدوا بعد موته الأمير أبا يعقوب وكان قد اجتاز إلى الأندلس في مائة ألف مقاتل قبل موت ابن مردنيش فحين رآهم يوسف فرح بهم وسره قدومهم عليه وتسلم بلادهم وتزوج أختهم وأكرمهم وعظم أمرهم ووصلهم بالأموال الجزيلة وأقاموا معه
ذكر عبور الخطا جيحون والحرب بينهم وبين خوارزمشاه
في هذه السنة عبر الخطا نهر جيحون يريدون خوارزم فسمع صاحبها خوارزمشاه ايل أرسلان بن أتسز فجمع عساكره وسار إلى أمرية ليقاتلهم ويصدهم فمرض وأقام بها وسير بعض جيشه مع أمير كبير إليهم فلقيهم فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم الخوارزميون وأسر مقدمهم ورجع به الخطا إلى ما وراء النهر 38 وعاد خوارزمشاه إلى خوارزم مريضا
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة اتخذ نور الدين بالشأن الحمام الهوادي وهي التي يقال لها المناسيب وهي تطير من البلاد البعيدة إلى أوكارها وجعلها في جميع بلاده وسبب ذلك أنه لما اتسعت بلاده وطالت مملكته وعرضت أكنافها وتباعدت أوائلها عن أواخرها ثم إنها جاورت بلاد الفرنج وكانوا ربما نازلوا حصنا من ثغوره فالى أن يصل الخبر ويصل إليهم قد بلغوا غرضهم منه أمر بالحمام ليصل الخبر اليه في يومه
وأجرى الجرايات على المرتبين لحفظها وإقامتها فحصل منها الراحة العظيمة والنفع الكبير للمسلمين
وفيها عزل الخليفة المستضيء بأمر الله وزيره عضد الدين أبا الفرج ابن رئيس الرؤساء لأن قطب الدين قايماز ألزمه بعزله فلم يمكنه مخالفته
وفيها مات أبو محمد عبد الله بن أحمد الخشاب اللغوي وكان قيما بالعربية وسمع الحديث
وفيها مات البوري الفقيه الشافعي تفقه على محمد بن يحيى وقدم بغداد ووعظ وكان يذم الحنابلة وكثرت أتباعه فأصابه إسهال فمات هو وجماعة من أصحابه فقيل إن الحنابلة أعدوا له حلوا فأكل منها فمات وكل من أكل منها
وفيها مات القرطبي أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمتم الأزدي الأندلسي وكان إماما في القراءة والنحو وغيره من العلوم زاهدا عابدا انتفع به الناس في كثير من البلاد ولا سيما أهل الموصل فإنه أقام بها وفيها توفي رحمه الله 39
ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة
ذكر وفاة خوارزمشاه ايل أرسلان وملك ولده سلطانشاه وبعده ولده
الآخر تكش وقتل المؤيد وملك ابنه
في هذه السنة توفي خوارزمشاه ايل أرسلان بن أتسز بن محمد بن أنوشتكين قد عاد من قتال الخطا مريضا فتوفي وملك بعده سلطانشاه محمود ودبرت والدته المملكة والعساكر وكان ابنه الأكبر علاء الدين تكش مقيما في الجند قد أقطعه أبوه إياه فلما بلغه موت أبيه وتولية أخيه الصغير أنف من ذلك وقصد ملك الخطأ واستمده على أخيه وأطعمه في الأموال وذخائر خوارزم فسير معه جيشا كثيفا مقدمهم قرما فساروا حتى قاربوا خوارزم فخرج سلطانشاه وأمه إلى المؤيد وأهدى له هدية جليلة المقدار ووعده أموال خوارزم وذخائرها فاغتر بقوله وجمع جيوشه وسار معه حتى بلغ سوبرلي بليدة على عشرين فرسخا من خوارزم وكان تكش قد عسكر بالقرب منها فتقدم إليهم فلما تراءى الجمعان انهزم عسكر المؤيد وكسر المؤيد وأخذ أسيرا وجيء به إلى خوارزمشاه تكش فأمر بقتله فقتل بين يديه صبرا وهرب سلطانشاه وأخذ إلى دهستان فقصده خوارزمشاه تكش فافتح المدينة عنوة فهرب سلطانشاه وأخذت أمه فقتلها تكش وعاد إلى خوارزم ولما عاد المنهزمون إلى نيسابور ملكوا صفانشاه أبا بكر بن المؤيد واتصل به سلطانشاه ثم سار من هناك إلى غياث الدين ملك الغورية فأكرمه وعظمه وأحسن ضيافته وأما علاء الدين تكش فإنه لما ثبت قدمه بخوارزم اتصلت به رسل الخطا بالاقتراحات والتحكم كعادتهم فأخذته حمية الملك والدين وقتل أحد أقارب الملك وكان قد ورد إليه ومعه جماعة أرسله ملكهم في مطالبة خوارزمشاه بالمال فأمر خوارزمشاه أعيان خوارزم اتصلت به رسل الخطا بالاقتراحات والتحكم كعادتهم فأخذته حمية الملك والدين وقتل أحد أقارب الملك وكان قد ورد إليه 40 ومعه جماعة أرسله ملكهم في مطالبة خوارزمشاه بالمال فأمر خوارزمشاه أعيان خوارزم فقتل كل واحد منهم رجلا من الخطا فلم يسلم منهم أحد ونبذوا إلى ملك الخطا عهده وبلغ ذلك سلطانشاه فسار إلى ملك الخطا واغتنم الفرصة بهذه الحال واستنجده على أخيه علاء الدين تكش وزعم له أن أهل خوارزم معه يريدونه ويختارون ملكه عليهم ولو رأوه لسلموا البلد إليه فسير معه جيشا كثيرا من الخطا مع قرما أيضا فوصلوا إلى خوارزم فحصروها فأمر خوارزمشاه علاء الدين بإجراء ماء جيحون عليها فكادوا يغرقون فرحلوا ولم يبغلوا منها غرضا ولحقهم الندم حيث لم ينفعهم ولاموا سلطانشاه وعنفوه فقال لقرما لو أرسلت معي جيشا إلى مرو فاستخلصتها من يد دينار الغزي وكان قد استولى عليها من حين كانت فتنة الغز إلى الآن فسير معه جيشا فنزل على سرخس على غرة من أهلها وهجم على الغز فقتل مقتلة عظيمة فلم يتركوا بها أحدا منهم وألقى دينار ملكهم نفسه في خندق القلعة فأخرج منه ودخل القلعة وتحصن بها وسار سلطانشاه إلى مرو فملكها وعاد الخطا إلى ما وراء النهر وجعل سلطانشاه دأبه قتال الغز والقتل فيهم والنهب منهم فلما عجز دينار عن مقاومته أرسل إلى نيسابور إلى طغان شاه بن المؤيد يقول له ليرسل إليه من يسلم إليه قلعة سرخس فأرسل إليه جيشا مع أمير اسمه قراقوش فسلم إليه دينار القلعة ولحق بطغان شاه فقصد سلطان شاه سرخس وحصر قلعتها
وبلغ ذلك طغان شاه فجمع جيوشه وقصد سرخس فلما التقى هو وسلطان شاه قرطغان شاه إلى نيسابور وذلك سنة ست وسبعين وخمسمائة فأخلى قراقوش قلعة سرخس ولحق بصاحبه وملكها سلطان شاه ثم أخذ طوس والزام وضيق الأمر على طغان شاه بعلو همته وقلة قراره وحرصه على طلب الملك وكان طغان شاه يحب الدعة ومعاقرة الخمر فلم يزل الحال كذلك إلى أن مات طغان شاه سنة اثنين وثمانين وخمسمائة في المحرم وملك ابنه سنجر شاه فغلب عليه مملوك جده المؤيد اسمه منكلي تكين فتفرق الأمراء أنفة من تحكمه واتصل أكثرهم بسلطان شاه وسار الملك دينار إلى كرمان ومعه الغز فملكها وأما منكلي تكين فإنه أساء السيرة في الرعية وأخذ أموالهم وقتل بعض الأمراء فسمع خوارزمشاه بذلك فسار إليه فحصره بنيسابور في ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة فحصرها شهرين 41 فلم يظفر بها وعاد إلى خوارزم ثم رجع سنة ثلاث وثمانين إلى نيسابور فحصرها وطلبوا منه الأمان فأمنهم فسلموا البلد إليه فقتل منكلي تكين وأخذ سنجر شاه وأكرمه وأنزله بخوارزم وأحسن إليه فأرسل إلى نيسابور يستميل أهلها ليعود إليهم فسمع به خوارزمشاه فأخذ سنجر شاه فسمله وكان قد تزوج بأمه وزوجه بابنته فماتت فزوجه بأخته وبقي عنده إلى أن مات سنة خمس وتسعين وخمسمائة ذكر هذا أبو الحسن بن أبي القاسم البيهقي في كتاب مسارب التجارب
وقد ذكر غيره من العلماء بالتواريخ هذه الحوادث مخالفة لهذا في بعض الأمور مع تقديم وتأخير ونحن نوردها فقال إن تكش خوارزمشاه بن أرسلان أخرج أخاه سلطان شاه من خوارزم وكان قد ملكها بعد موت أبيه فجاء إلى مرو فملكها وأزاح الغز عنها فخرجوا أياما ثم عادوا عليه فأخرجوه منها وانتهبوا خزانته وقتلوا أكثر رجاله فعبر إلى الخطا فاستنجدهم وضمن لهم مالا وجاء بجيش عظيم فأخرج الغز عن مرو وسرخس ونسا وأبيورد وملكها ورد الخطا
فلما أبعدوا كاتب غياث الدين الغوري يطلب منه أن ينزل عن هراة وبوشنج وبادغيس وما والاها ويتوعده إن هو لم ينزل عن ذلك فأجابه غياث الدين يطلب منه إقامة الخطبة له بمرو وسرخس وما ملكه من بلاد خراسان فلما سمع الرسالة سار عن مرو وشن الغارات على بادغيس وبيوار وما والاها وحصر بوشنج ونهب الرساتيق وصادر الرعايا فلما سمع غياث الدين ذلك لم يرض لنفسه أن يسير هو بل سير ملك سجستان وكاتب ابن أخته بهاء الدين سام صاحب باميان باللحاق به لأن أخاه شهاب الدين كان بالهند والزمان شتاء فجاء بهاء الدين ابن أخت غياث الدين وملك سجستان ومن معهما من العساكر ووافق ذلك وصول سلطان شاه إلى هراة فلما علم بوصولهم عاد إلى مرو من غير أن يقاتلها وأحرق كل ما مر به من البلاد ونهب وأقام بمرو إلى الربيع وأعاد مراسلة غياث الدين في المعنى فأرسل إلى أخيه شهاب الدين يعرفه الحال فنادى في عساكره الرحيل لساعته
وعاد إلى خرسان واجتمع هو وأخوه غياث الدين وملك سجستان وغيرهم من العساكر وقصدوا سلطان شاه فلما علم ذلك جمع عساكره واجتمع عليه من الغز والمفسدين وقطاع الطريق ومر عنده طمع خلق كثير فنزل غياث الدين ومن معه في الطالقان ونزل سلطان شاه بمرو الروذ وتقدم عسكر الغورية إليه وتواعدوا 42 للمصاف وبقوا كذلك شهرين والرسل تتردد بين غياث الدين وبين سلطان شاه وشهاب الدين يطلب من أخيه غياث الدين إلى سلطان بوشنج وباعغيس وقلاع بيوار وكره ذلك شهاب الدين وبهاء الدين صاحب باميان إلا أنهما لم يخالفان غياث الدين وفي آخر الأمر حضر رسول سلطان شاه عند غياث الدين وحضر الأمراء ليكتب العهد فقال الرسول إن سلطان شاه يطلب أن يحضر شهاب الدين وبهاء الدين هذا الأمر فأرسل غياث الدين إليهما فأعادا الجواب إننا مماليكك ومهما تفعله لا يمكننا مخالفتك فبينما الناس مجتمعون في تحرير الأمر وإذ قد أقبل مجد الدين العلوي الهروي إليه وكان خصيصا بغياث الدين بحيث يفعل في ملكه ما يختار فلا يخالف فجاء العلوي ويده في يد ألب غازي ابن أخت غياث الدين وقد كتبوا الكتاب وقد أحضر غياث الدين أخاه شهاب الدين وبهاء الدين سام ملك الباميان فجاء العلوي كأنه يسارر غياث الدين ووقف في وسط الحلقة وقال للرسول يا فلان تقول لسلطان شاه قد تم لك الصلح من جانب السلطان الأعظم ومن شهاب الدين وبهاء الدين ويقول لك العلوي خصمك أنا ومولانا ألب غازي بيننا وبينك السيف ثم صرخ صرخة ومزق ثيابه وحثى التراب على رأسه وأقبل على غياث الدين وقال له هذا واحد طرده أخوه وأخرجه فريدا وحيدا لم نترك له ما ملكناه بأسيافنا من الغز والأتراك والسنجرية فإذا سمع هذا عنا يجيء أخوه يطلب منازعته والهند وجميع ما بيدك فحرك غياث الدين رأسه ولم يفه بكلمة فقال ملك سجستان للعلوي أترك الأمر ينصلح فلما لم يتكلم غياث الدين يمنع العلوي قال شهاب الدين لجاووشيته نادوا في العسكر بالتجهز للحرب والتقدم إلى مرو الروذ وقام وأنشد العلوي بيتا من الشعر عجميا معناه إن الموت تحت السيوف أسهل من الرضا بالدنية فرجع الرسول إلى سلطان شاه وأعلمه الحال فرتب عساكره للمصاف والتقى الفريقان واقتتلوا فصبروا للحرب فانهزم سلطان شاه وعسكره وأخذ أكثر أصحابه أسارى فأطلقهم غياث الدين
ودخل سلطان شاه مرو في عشرين فارسا ولحق به من أصحابه نحو ألف وخمسمائة فارس ولما سمع خوارزمشاه تكش بما جرى لأخيه سار من خوارزم في ألفي فارس وأرسل إلى جيحون ثلاثة آلاف فارس يقطعون الطريق على أخيه إن أراد الخطا وجد في السير ليقبض على أخيه قبل أن يقوى فأتت الأخبار سلطان شاه 43 بذلك فلم يقدر على عبو جيحون إلى الخطا فسار إلى غياث الدين وكتب إليه يعلمه قصده إليه فكتب إلى هراة وغيرها من بلاده بإكرامه واحترامه وحمل الإقامات إليه ففعل به ذلك وقدم على غياث الدين والتقاه وأكرمه وأنزله معه في داره وأنزل أصحاب سلطان شاه كل إنسان منهم عند من هو في طبقته فأنزل الوزير عند وزيره والعارض عند عارضه وكذلك غيره وأقام عنده حتى انسلخ الشتاء فأرسل علاء الدين بن خوارزمشاه إلى غياث الدين يذكره ما صنعه أخوه سلطان شاه من تخريب بلاده وجمع العساكر عليه ويشير بالقبض عليه ورده إليه فأنزل الرسول وإذا قد أتى كتاب نائبه بهراة يخبره أن كتاب خوارزمشاه جاءه يتهدده فأجابه أنه لا يظهر لخوارزمشاه أنه أعلمه بالحال وأحضر الرسول وقال له يقول بعلاء الدين أما قولك إن السلطان شاه أخرب البلاد وأراد ملكها فلعمري أنه ملك وابن ملك وله همة عالية وإذا أراد الملك فمثله أراده وتعطيه نصيبه مما خلف أبوه ومن الأملاك التي خلف والأموال وأحلف لكما يمينا على المودة والمصافاة وتخطب لي بخوارزم وتزوج أخي شهاب الدين بأختك فلما سمع خوارزمشاه الرسالة امتعض لذلك وكتب إلى غياث الدين كتابا يتهدده بقصد بلاده فجهز غياث الدين العساكر مع اين أخت ألب غازي وصاحب سجستان وسيرهما مع سلطان شاه إلى خوارزم وكتب إلى المؤيد صاحب نيسابور يستنجده وكان قد صار بينهم مصاهرة زوج المؤيد ابنه طعان شاه بابنة غياث الدين فجمع المؤيد عساكره وأقام بظاهر نيسابور على طريق خوارزم
وكان خوارزمشاه قد سار عن خوارزم إلى لقاء عسكر الغورية الذين مع أخيه سلطان شاه وقد نزلوا بطرف الرمل فبينما هو من مسيره أتاه خبر المؤيد أنه قد جمع عساكره وأنه على قصد خوارزم إذا فارقها فوقع في قلبه وعاد إلى خوارزم فأخذ أمواله وذخائره وعبر جيحون إلى الخطا وأخلى خوارزم فوقع بها خبط عظيم فحضر جماعة من أعيانها عند ألب غازي وسألوه إرسال أمير معهم يضبط البلد فخاف أن تكون مكيدة فلم يفعل فبينما هم على ذلك توفي سلطان شاه سلخ رمضان سنة تسع وثمانين وخمسمائة فكتب ألب غازي إلى غياث الدين يعلمه الخبر فكتب إليه يأمره بالعود إليه فرجع ومعه أصحاب سلطان شاه فأمر غياث الدين 44 بأن يستخدموا وأقطع الأجناد الإقطاعات الجيدة وكلهم قابل إحسانه بكفران وسنذكر باقي أخبارهم ولما سمع خوارزمشاه تكش بوفاة أخيه عاد إلى خوارزم وأرسل إلى سرخس ومرو شحناء فجهز إليهم أمير هراة عمر المرغني جيشا فأخرجوهم وقال حتى نستأذن السلطان غياث الدين وأرسل خوارزمشاه رسولا إلى غياث الدين يطلب الصلح والمصاهرة وسير مع رسوله جماعة من فقهاء خراسان والعلويين ومعهم وجيه الدين محمود بن محمود وهو الذي جعل غياث الدين شافعيا وكان له عنده منزلة كبيرة فوعظوه وخوفوه الله تعالىوأعلموه أن خوارزمشاه يراسلهم يتهددهم بأنه يجيء بالأتراك والخطا ويستبيح حريمهم وأموالهم وقالوا له إما أن تحضر أنت بنفسك وتجعل مرو دار ملكك حتى ينقطع طمع الكافرين ويأمن أهلها وإما أن تصالح خوارزمشاه فأجاب إلى الصلح وترك معارضة البلاد فلما سمع من بخراسان من الغز بذلك طمعوا في البلاد فعاودوا النهب والإحراق والتخريب فسمع خوارزمشاه فجمع عساكره وحضر بخراسان ودخل مرو وسرخس ونسا وأبيورد وغيرها وأصلح البلاد وتطرق إلى طوس وهي للمؤيد صاحب نيسابور فجمع المؤيد جيوشه وسار إليه فلما سمع خوارزمشاه بمسيره إليه عاد إلى خوارزم فلما وصل إلى الرمل أقام بطرفه فلما سمع المؤيد بعودة خوارزمشاه طمع فيه وتبعه فلما سمع خوارزمشاه بذلك أرسل إلى المناهل التي في البرية فألقى فيها الجيف والتراب بحيث لا يمكن الانتفاع بها فلما توسط المؤيد البرية طلب الماء فلم يجده خوارزمشاه إليه وهو على تلك الحال ومعه الماء على الجمال فأحاط به فأما عسكره فاستسلموه بأسرهم وجيء بالمؤيد أسيرا إلى خوارزمشاه فأمر بضرب عنقه فقال له يا مخنث هذا فعال الناس فلم يلتفت إليه وقتله وحمل رأسه إلى خوارزم
فلما قتل ملك نيسابور ملك ما كان له ابنه طغان شاه فلما كان من قابل جمع خوارزمشاه عساكره وسار إلى نيسابور فحاصرها وقاتلها فتبعه طغان شاه وأخذه وزوجه أخته وحمله معه إلى خوارزم وملك نيسابور وما كان لطغان شاه وقوي أمره
هذا الذي ذكره في هذه الرواية مخالف لما تقدم ولو أمكن الجمع بين الروايتين لفعلت فإن أحدهما قد قام ما أخره الآخر فلها أوردنا جميع ما قالاه ولبعد البلاد 45 عنا لم نعلم أي القولين أصح لنذكره ونترك الآخر وإنما أوردتها في موضع واحد لأن أيام سلطان شاه لم تطل له ولأعقابه حتى تتفرق على السنين فلهذا أوردتها متتابعة
ذكر غارة الفرنج على بلد حوران وغترة المسلمين على بلد الفرنج
في هذه السنة في ربيع الأول اجتمعت الفرنج وساروا إلى بلد حوران من أعمال دمشق للغارة عليه وبلغ الخبر إلى نور الدين وكان قد برز ونزل هو وعسكره بالكسوة فسار إليهم مجدا وقدم بجموعه عليهم فلما علموا بقربه منهم دخلوا إلى السواد وهو من أعمال دمشق أيضا ولحقهم المسلمون فتحفظوا من ساقتهم ونالوا منهم وسار نور الدين فنزل غي عشترا وسير منها سرية إلى أعمال طبرية فشنوا الغارات عليها فنهبوا وسبوا وأحرقوا وخربوا فسمع الفرنج ذلك فرحلوا إليهم ليمنعوا عن بلدهم فلما وصلوا كان قد فرغ المسلمون من نهبهم وغنيمتهم وعادوا وعبروا النهر وأدركهم الفرنج فوقف مقابلهم شجعان المسلمين وحماتهم فقاتلوهم فاشتد القتال وصبر الفريقان الفرنج يرومون أن يلحقوا الغنيمة فيردوها والمسلمون يريدون أن يمنعوهم عنها لينجو بها من قد سار معها فلما طال القتال بينهم وأبعدت الغنيمة وسلمت مع المسلمين عاد الفرنج ولم يقدروا أن يستردوا منها شيئا
ذكر مسير شمس الدولة إلى بلد النوبة
في هذه السنة في جمادى الأولى سار شمس الدولة تورانشاه بن أيوب أخو صلاح الدين الأكبر من مصر إلى بلد النوبة فوصل إلى أول بلادهم ليتغلب عليه ويملكه وكان سبب ذلك أن صلاح الدين وأهله كانوا يعلمون أن نور الدين كان على عزم الدخول إلى مصر فاستقر الرأي بينهم أنهم يتملكون إما بلاد النوبة أو بلاد اليمن حتى إذا وصل اليهم نور الدين لقوه وصدوه عن البلاد فإن قووا على منعه أقاموا بمصر وإن عجزوا عن منعه ركبوا البحر ولحقوا بالبلاد التي قد افتتحوها فجهز شمس الدولة وسار إلى أسوان ومنها إلى بلد النوبة فنازل قلعة اسمها ابزيم فحصرها وقاتله أهلها فلم يكن لهم بقتال العسكر الإسلامي قوة لأنهم ليس لهم 46 جنة تقيهم السهام وغيرها من آلة الحرب فسلموها فملكها وأقام بها ولم ير للبلاد دخلا يرغب فيه وتحتمل المشقة لأجله وقوتهم الذرة فلما رأى عدم الحاصل وقشف العيش مع مباشرة الحروب ومعاناة التعب والمشقة تركها وعادج إلى مصر بما غنم وكان عامة غنيمتهم العبيد والجواري
ذكر ظفر مليح بن ليون بالروم
في هذه السنة في جمادى الأولى هزم مليح بن ليون الأرمني صاحب بلاد الدروب المجاورة لحلب عسكر الروم من القسطنطسنية وسبب ذلك أن نور الدين كان قد استخدم مليحا المذكور وأقطعه سنيا وكان ملازما الخدمة لنور الدين ومشاهدا لحروبه مع الفرنج ومباشرا لها وكان هذا من جيد الأي وصائبه فإن نور الدين لما قيل له في معنى استخدامه وإعطائه الأقطاع في بلاد الشام قال أستعين به على قتال أهل ملته وأريح طائفة من عسكري تكون بإزائه لنمنعه من الغارة على البلاد المجاورة له وكان مليح أيضا يتقوى بنور الدين على من يجاوره من الأرمن والروم وكانت مدينة أذنة واالمصيصة وطرسوس بيد ملك الروم صاحب القسطنطينية فأخذها مليح منهم لأنها تجاور بلاده فسير إليه ملك الروم جيشا كثيفا وجعل عليهم بعض أعيان البطارقة من أقاربه فلقيهم مليح ومعه طائفة من عسكر نور الدين فقاتلهم وصدقهم القتال وصابرهم فانهزمت الروم وكثر فيهم القتل والأسر وقويت شوكة مليح وانقطع أمل الروم من تلك البلاد وأرسل مليح إلى نور الدين كثيرا من غنائمهم ومن الأسرى ثلاثين رجلا من مشهوريهم وأعيانهم فسير نور الدين بعض ذلك إلى الخليفة المستضيء بأمر الله وكتب يعتد بهذا الفتح لأن بعض جنده فعلوه
ذكر وفاة ايلدكز
في هذه السنة توفي أتابك شمس الدين ايلدكز بهمذان وملك بعده ابنه محمد البهلوان ولم يختلف عليه أحد وكان ايلدكز هذا مملوكا للكمال السميرمي وزير السلطان محمود فلما قتل الكمال كما ذكرناه سارا ايلدكز إلى السلطان محمود فلما ولي السلطان مسعود السلطنة ولاه أرانية فمضى إليها ولم يعد يحضر عند السلطان مسعود ولا غيره ثم ملك أكثر أذربيجان وبلاد الجبل وهمذان وغيرها وأصفهان والري 47 وما والاهما من البلاد وخطب السلطنة لابن امرأته ارسلان شاه بن طغرل وكان عسكره خمسين ألف فارس سوى الأتباع واتسع ملكه من باب تفليس إلى مكران ولم يكن للسلطان أرسلان معه حكم إنما كان له جراية تصل إليه وبلغ من تحكمه عليه أنه شرب ليلة فوهب ما في خزانته وكان كثيرا فلما سمع ايلدكز بذلك استعاده جميعا وقال له متى أخرجت المال في غير وجهة أخذته أيضا من غير وجهة وظلمت الرعية وكان ايلدكز عاقلا حسن السيرة يجلس بنفسه للرعية ويسمع شكاويهم وينصف بعضهم من بعض
ذكر وصول الترك إلى إفريقية وملكهم طرابلس وغيرها
في هذه السنة سار طائفة من الترك من ديار مصر مع قراقوش مملوك تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى جبال نفوسة واجتمع به مسعود بن زمام االمعروف بمسعود البلاط وهو من أعيان الأمراء هناك وكان خارجا عن طاعة عبد المؤمن فاتفقا وكثر جميعهما ونزلا على طرابلس الغرب فحاصراها وضيقا على أهلها ثم فتحت فاستولى عليها قراقوش وأسكن أهله قصرها وملك كثيرا من بلاد إفريقية ما خلا المهدية وسفاقس وقفضة وتونس وما والاها من القرى والمواضع وصار مع قراقوش عسكر كثير فحكم على تلك البلاد بمساعدة العرب بما جبلت عليه من التخريب والنهب والإفساد بقطع الأشجار والثمار وغير ذلك فجمع بها أموالا عظيمة وجعلها بمدينة قابس وقويت نفسه وحديثه بالاستيلاء على جميع إفريقية لبعد أبي يعقوب بن عبد المؤمن صاحبها عنها وكان ما سنذكره إن شاء الله
ذكر غزو ابن عبد المؤمن الفرنج بالأندلس
في هذه السنة جمع أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن عساكره وسار من إشبيلية إلى الغزو فقصد بلاد الفرنج ونزل على مدينة رندي وهي بالقرب من طليطلة شرقا منها وحصرها واجتمعت الفرنج على ابن الفنش ملك طليطلة في جمع كثير فلم يقدموا على لقاء المسلمين فاتفق أن الغلاء اشتد على المسلمين وعدمت الأقوات عندهم وهو في جمع كثير فاضطروا إلى مفارقة بلاد الفرنج فعادوا إلى أشبيلية وأقام يعقوب بها سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وهو على ذلك يجهز العساكر 48 ويسيرها إلى بلاد الفرنج في كل وقت فكان له فيها عدة وقائع وغزوات ظهر فيها للعرب من الشجاعة ما لا يوصف وصار الفارس من العرب يبرز بين الصفين ويطلب مبارزة الفارس المشهور من الفرنج فلا يبرز إليه أحد ثم عاد أبو يعقوب إلى مراكش
ذكر نهب نهاوند
في هذه السنة نهب عسكر شملة نهاوند وسبب ذلك أن شملة كان أيام ايلدكز لا يزال يطلب منه نهاوند لكونها مجاورة بلاده ويبذل فيها الأموال فلا يجيبه إلى ذلك فلما مات أيلدكز وملك بعده ولده محمد البهلوان وسار إلى أذربيجان لإصلاحها نفذ شملة ابن أخيه ابن شنكا لأخذ نهاوند وبلغ أهل البلد الخبر فتحصنوا وحصرهم وقاتلهم وقاتلوه وأفحشوا في سبه فلما علم أنه لا طاقة له بهم رجع إلى تستر وهي قريبة منها وأرسل أهل نهاوند إلى البهلوان يطلبون منه نجدة فتأخرت عنهم فلما اطمأنوا خرج ابن شنكا من تستر في خمسمائة فارس وسار يوما وليلة فقطع أربعين فرسخا حتى وصل إلى نهاوند وضرب البوق وأظهر أنه من أصحاب البهلوان لأنه جاءهم من ناحيته ففتح أهل البلد له الأبواب فدخله فلما توسط قبض على القاضي والرؤساء وصلبوهم ونهب البلدوقطع أنف الوالي وأطلقه وتوجه نحو ماسيزان قاصدا للعراق
ذكر قصد نور الدين بلاد قلج أرسلان
في هذه السنة سار نور الدين محمود بن زنكي إلى مملكة عز الدين قلج أرسلان ابن مسعود بن قلج أرسلان وهي ملطية وسيواس واقصرا وغيرها ملازما على حربه وأخذ بلاده منه وكان سبب ذلك أن ذا النون بن دانشمند صاحب ملطية وسيواس قصده قلج أرسلان وأخذ بلاده وأخرجه عنها طريدا فريدا فصار إلى نور الدين مستجيرا به وملتجئا إليه فأكرم نزله وأحسن إليه وحمل له ما يليق أن يحمل الى الملوك ووعده النصرة والسعي في رد ملكه إليه ثم إنه أرسل إلى قلج أرسلان يتشفع في إعادة ملكه فلم يجبه إلى ذلك فسار نور الدين إليه فابتدأ بكبسون وبهنسي ومرعش ومزبان فملكها وما بينها وكان ملكه لمرعش أوائل ذي القعدة والباقي بعدها فلما ملكها سير طائفة من عسكره إلى سيواس فملكوها وكان قلج أرسلان 49 لما سار نور الدين إلى بلاده قد سار من طرقها التي تلي الشام إلى وسطها وراسل نور الدين يستعطفه ويسأله الصلح فتوقف نور الدين عن قصده رجاء أن ينصلح الأمر بغير حرب فأتاه عن الفرنج ما أزعجه فأجابه إلى الصلح وشرط عليه أن ينجده بعساكر إلى الغزاة وقال له أنت مجاور الروم ولا تغزوهم وبيدك قطعة كبيرة من بلاد الإسلام ولا بد من الغزاة معي فأجابه إلى ذلك وتبقى سيواس على حالها بيد نواب نور الدين وهي لذي النون فبقي العسكر في خدمة ذي النون إلى أن مات نور الدين فلما مات رحل عسكره عنها وعاد قلج أرسلان وملكها وهي بيد أولاده إلى الآن سنة نيف وعشرين وستمائة ولما كان نور الدين في هذه السفرة جاءه رسول كمال الدين أبي الفضل محمد بن عبد الله الشهرزوري من بغداد ومعه منشور من الخليفة بالموصل والجزيرة وبإربل وخلاط والشام وبلاد قلج أرسلان وديار مصر
ذكر رحيل صلاح الدين من مصر إلى الكرك وعوده عنها
في هذه السنة في شوال رحل صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر بعساكرها جميعها إلى بلاد الفرنج يريد حصر الكرك والاجتماع مع نور الدين عليه والاتفاق على قصد بلاد الفرنج من جهتين كل واحد منهما في جهة بعسكره وسبب ذلك أن نور الدين لما أنكر على صلاح الدين عوده من بلاد الفرنج في العام الماضي وأراد نور الدين قصد مصر وأخذها منه أرسل يعتذر ويعد من نفسه بالحركة على ما يقرره نور الدين فاستقرت القاعدة بينهما أن صلاح الدين يخرج من مصر ويسير نور الدين من دمشق فأيهما سبق صاحبه يقيم إلى أن يصل الآخر إليه وتواعدا على يوم معلوم يكون وصولهما فيه فسار صلاح الدين عن مصر لأن طريقه أبعد وأشق ووصل إلى الكرك وحصوه وأما نور الدين فإنه لما وصل إليه كتاب صلاح الدين برحيله من مصر فرق الأموال وحصل الأزواد وما يحتاج إليه وسار إلى الكرك فوصل إلى الرقيم وبينه وبين الكرك مرحلتان فلما سمع صلاح الدين بقربه خافه هو وجميع أهله واتفق رأيهم على العود إلى مصر وترك الاجتماع بنور الدين لأنهم علموا أنه إن اجتمعا كان عزله على نور الدين سهلا فلما عاد أرسل الفقيه عيسى إلى نور الدين يعتذر عن رحيله بأنه قد استخلف أباه نجم الدين أيوب على ديار مصر وأنه مريض شديد المرض ويخاف أن يحدث حادث الموت فتخرج البلاد عن أيديهم وأرسل معه من 50 التحف والهدايا ما يجل عن الوصف فجاء الرسول إلى نور الدين وأعلمه ذلك فعظم عليه وعلم المراد من العود إلا أنه لم يظهر للرسول تأثرا بل قال له حفظ مصر أهم عندنا من غيرها وسار صلاح الدين إلى مصر فةجد أباه قد قضى نحبه ولحق بربه وكلمة تقول لقائلها دعني وكان سبب موت نجم الدين أنه ركب يوما فرسا بمصر فتفر به الفرس نفرة كبيرة شديدة فسقط عنه فحمل إلى قصره وقيذا وبقي أياما ومات في السابع والعشرين من ذي الحجة وكان خيرا عاقلا حسن السيرة كريما جوادا كثير الإحسان إلى الفقراء والصوفية والمجالسة لهم وقد تقدم من ذكره وابتداء أمره وأمر أخيه شيركوه ما لا حاجة إلى إعادته
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة زادت دجلة زيادة كثيرة أشرفت بها بغداد على الغرق في شعبان وسدوا أبواب الدروب ووصل الماء إلى قبة أحمد بن حنبل ووصل إلى النظامية ورباط شيخ الشيوخ واشتغل الناس بالعمل في القورج ثم القورج ثم نقص وكفى الناس شره
وفيها وقعت النار ببغداد من درب بهروز إلى باب جامع القصر ومن الجانب الآخر من حجر النحاس إلى دار أم الخليفة
وفيها أغار بنو حزن من خفاجة على سواد العراق وسبب ذلك أن الحماية كانت لهم لسواد العراق فلما تمكن يزدن من البلاد وتسلم الحلة أخذها منهم وجعلها لبني كعب من خفاجة وأغار بنو حزن على السواد فسار يزدن في عسكر ومعه الغضبان الخفاجي وهو من بني كعب لقتال بني حزن فبينما هم سائرون ليلا رمى بعض الجند الغضبان بسهم فقتله لفساده وكان في السواد فلما قتل عاد العسكر إلى بغداد وأعيدت خفارة السواد إلى بني حزن
وفيها خرج ترجم الإيوائي في جمع من التركمان في حياة أيلدكز وتطرق أعمال همذان ونهب الدينور واستباح الحريم وسمع أيلدكز الخبر وهو بنقجوان فسار مجدا فيمن خف من عسكره فقصده فهرب ترجم إلى أن قارب بغداد وتبعه أيلدكز فظن الخليفة أنها حيلة ليصل إلى بغداد فجأة فشرع في جمع العساكر وعمل السور فأرسل إلى أيلدكز الخلع والألقاب الكبيرة فاعتذر أنه لم يقصد إلا كف الأمير 51 يزدن وهو من أكابر أمراء بغداد وكان يتشيع فوقع بسببه فتنة بين السنية والشيعة بواسط لأن الشيعة جلسوا له للعزاء وأظهر السنية الشماتة به فآل الأمر إلى القتال فقتل بينهم جماعة ولما مات أقطع أخوه تنامش ما كان لأخيه وهي مدينة واسط ولقب علاء الدين
وفيها أرسل نور الدين محمود بن زنكي رسولا إلى الخليفة وكان الرسول القاضي كمال الدين أبا الفضل محمد بن عبد الله الشهرزوري قاضي بلاده جميعها مع الوقوف والديوان وحمله رسالة مضمونها الخدمة للديوان وما هو عليه من جهاد الكفار وفتح بلادهم ويطلب تقليدا بما بيده من البلاد مصر والشام والجزيرة والموصل وبما في طاعته كديار بكر وما يجاور ذلك كخلاط وبلاد قلج أرسلان وأن يعطى من الأقطاع بسواد العراق ما كان لأبيه زنكي وهو صريفين ودرب هرون والتمس أرضا على شاطئ دجلة يبنيها مدرسة للشافعية ويوقف عليها صريفين ودرب هرون فأكرم كمال الدين إكراما لم يكرمه رسول قبله وأجيب إلى ما التمسه فمات نور الدين قبل الشروع في بناء المدرسة رحمه الله 52
ثم دخلت سنة تسع وستين وخمسمائة
ذكر ملك شمس الدولة زبيد وغيرها من بلاد اليمن
قد ذكرنا قبل أن صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب مصر وأهله كانوا يخافون من نور الدين محمود أن يدخل إلى مصر فيأخذها منهم فشرعوا في تحصيل مملكة يقصدونها ويتملكونها تكون عدة لهم إن أخرجهم نور الدين من مصر ساروا إليها وأقاموا بها فسيروا شمس الدولة تورانشاه بن أيوب وهو أخو صلاح الدين الأكبر إلى بلد النوبة فكان ما ذكرناه فلما عاد إلى مصر استأذنوا نور الدين في أن يسير إلى اليمن لقصد عبد النبي صاحب زبيد لأجل قطع الخطبة العباسية فأذن في ذلك وكان بمصر شاعر اسمه عمارة من أهل اليمن فكان يحسن لشمس الدولة قصد اليمن ويصف البلاد له ويعظم ذلك في عينه فزاده قوله رغبة فيها فشرع يتجهز ويعد الأزواد والروايا والسلاح وغيره من الآلات وجند الأجناد فجمع وحشد وسار عن مصر مستهل رجب فوصل إلى مكة أعزها الله تعالى ومنها إلى زبيد وفيها صاحبها المتغلب عليها المعروف بعبد النبي فلما قرب منها رآه أهلها فاستقل من معه فقال لهم عبد النبي كأنكم بهؤلاء وقد حمي عليهم الحر فهلكوا إلا أكلة رام فخرج إليها بعسكره فقاتلهم شمس الدولة ومن معه فلم يثبت أهل زبيد وانهزموا ووصل المصريون إلى سور زبيد فلم يجدوا عليه من يمنعهم فنصبوا السلالم وصعدوا السور فملكوا البلد عنوة ونهبوه وأكثروا النهب وأخذوا عبد النبي أسيرا وزوجته المدعوة بالحرة وكانت امرأة صالحة كثيرة الدقة لا سيما إذا حجت فإن فقراء الحاج كانوا يجدون عندها صدقة دارة وخيرا كثيرا ومعروفا عظيما فلما أسر شمس الدولة عبد النبي وسلم شمس الدولة عبد النبي إلى بعض أمرائه يقال له سيف الدولة مبارك بن كامل من بني منقذ أصحاب شيزر وأمره أن يستخرج منه الأموال فأعطاه منها 53 شيئا كثيرا
ثم إنه دلهم على قبر كان قد صنعه لوالده وبنى عليه بنية عظيمة وله هناك دفائن كثيرة فأعلمهم بها فاستخرجت الأموال من هناك وكانت جليلة المقدار
وأما الحرة فإنها أيضا كانت تدلهم على ودائع لها فأخذ منها مالا كثيرا ولما ملكوا زبيد واستقر الأمر لهم بها ودانت أهلها وأقيمت فيها الخطبة العباسية أصلحوا حالها وساروا إلى عدن وهي على البحر ولها مرسى عظيم وهي فرضة الهند والزنج والحبشة وعمان وكرمان وكيش وفارس وغير ذلك وهي من جهة البر من أمنع البلاد وأحصنها وصاحبها إنسان اسمه ياسر فلو أقام بها ولم يخرج عنها لعادوا خائبين وإنما حمله جهله وانقضاء مدته على الخروج إليهم ومباشرة قتالهم فسار إليهم وقاتلهم فانهزم ياسر ومن معه وسبقهم بعض عسكر شمس الدولة فدخلوا البلد قبل أهله فملكوه وأخذوا صاحبها ياسرا أسيرا وأرادوا نهب البلد فمنعهم شمس الدولة وقال ما جئنا لنخرب البلاد وإنما جئنا لنملكها ونعمرها وننتفع بدخلها فلم ينهب أحد منها شيئا فبقيت على حالها وثبت ملكه واستقر أمره ولما مضى إلى عدن كان معه عبد النبي صاحب زبيد مأسورا فلما دخل إلى عدن قال سبحان الله كنت قد علمت أني أدخل إلى عدن في موكب كبير فأنا أنتظر ذلك وأسر به ولم أكن أعلم أنني أدخلها على هذا الحال ولما فرغ شمس الدولة من أمر عدن عاد إلى زبيد وحصر ما في الجبل من الحصون فملك قلعة تعز وهي من أحصن القلاع وبها تكون خزائن صاحب زبيد وملك أيضا قلعة النعكر والجند وغيرها من المعاقل والحصون واستناب بعدن عز الدين عثمان بن الزنجبيلي وبزبيد سيف الدولة مبارك بن منقذ وجعل في كل قلعة نائبا من أصحابه وألقى ملكهم باليمن جرانه ودام وأحسن شمس الدولة إلى أهل البلاد واستصفى طاعتهم بالعدل والإحسان وعادت زبيد إلى أحسن أحوالها من العمارة والأمن بعد خرابها
ذكر قتل جماعة من المصريين أرادوا الوثوب بصلاح الدين
في هذه السنة ثاني رمضان صلب صلاح الدين يوسف بن أيوب جماعة ممن أراد الوثوب به بمصر من أصحاب الخلفاء العلويين وسبب ذلك أن جماعة من الشيعة منهم عمارة بن أبي الحسن اليمني الشاعر وعبد الصمد الكاتب والقاضي العويرس وداعي الدعاة وغيرهم من جند المصريين ورجالتهم السودان وحاشية 54 القصر وافقهم جماعة من امراء صلاح الدين وجنده واتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقيلة ومن ساحل الشام إلى ديار مصر على شيء بذلوه لهم من المال والبلاد وأعادوا الدولة العلوية وعاد من معه من العسكر الذين وافقوهم عنه فلا يبقى له مقام مقابل للفرنج وإن كان صلاح الدين يقيم ويرسل العساكر إليهم ثاروا به وأخذوه أخذا باليد لعدم الناصر له وقال لهم عمارة وأنا قد أبعدت أخاه إلى اليمن خوفا أن يسد مسده وتجتمع الكلمة عليه بعده
وأرسلوا إلى الفرنج وصقلية والساحل في ذلك وتقررت تاقاعدة بينهم ولم يبق إلا رحيل الفرنج
وكان من لطف الله بالمسلمين أن الجماعة المصريين أدخلوا معهم زين الدين علي ابن نجا الواعظ والقاضي المعروف بابن نجية ورتبوا الخليفة والوزير والحاجب والداعي والقضاة إلا أن بني رزيك قالوا يكون الوزير منا وبني شاور والقاضي قالوا يكون الوزير منا فلما علم ابن نجا الحال حضر عنده صلاح الدين وأعلمه حقيقة الأمر فأمره بملازمتهم ومخالطتهم ومواطأتهم على ما يريدون يفعلونه وتعريفه ما يتجدد أولا بأول ففعل ذلك وصار يطالعه بكل ما عزموا عليع ثم وصل رسول من ملك الفرنج بالساحل بهدية ورسالة وهو في الظاهر إليه والباطن إلى أولئك الجماعة وكان يرسل إليهم بعض النصارى وتأتيه رسلهم فأتى الخبر إلى صلاح الدين من بلاد الفرنج بجلية الحال فوضع صلاح الدين على الرسول بعض من يثق إليه من النصارى وداخله فأخبره الرسول بالخبر على حقيقته فقبض حينئذ على المقدمين في هذه الحادثة منهم عمارة وعبد الصمد الكاتب والعويرس وغيرهم وصلبهم وقيل في كشف أمرهم أن عبد الصمد المذكور كان إذا لقي القاضي الفاضل الصلاحي يخدمه ويتقرب إليه بجهده وطاقته فلقيه يوما فلم يلتفت إليه فقال القاضي الفاضل ما هذا إلا لسبب وخاف أن يكون قد صار له باطن مع صلاح الدين فأحضر علي بن نجا الواعظ وأخبره الحال وقال أريد تكشف لي الأمر فسعى في كشفه فلم ير له من جانب صلاح الدين شيئا فعدل إلى الجانب الأخر فكشف الحال وحضر عند القاضي الفاضل وأعلمه فقال تحضر الساعة عند صلاح الدين وتنهي الحال إليه فحضر عند صلاح الدين وهو في الجامع فذكر له الحال فقام وأخذ الجماعة وقررهم فأقروا 55 فأمر بصلبهم وكان عمارة بينه وبين الفاضل عداوة من أيام العاضد وقبلها فلما أراد صلبه قام القاضي الفاضل وخاطب صلاح الدين في إطلاقه وظن عمارة أنه يحرض على هلاكه فقال صلاح الدين يا مولانا لا تسمع منه في حقي فغضب الفاضل وخرج وقال صلاح الدين لعمارة إنه كان يشفع فيك فندم ثم أخرج عمارة ليصلب فطلب أن يمر به على مجلس الفاضل فاجتازوا به عليه فأغلق بابه ولم يجتمع به فقال عمارة
( عبد الرحيم قد احتجب
إن الخلاص هو العجب )
ثم صلب هو والجماعة ونودي في أجناد المصريين بالرحيل من ديار مصر ومفارقتها إلى أقاصي الصعيد واحتيط على من بالقصر من سلالة العاضد وغيره من أهله وأما الذين نافقوا على صلاح الدين من جنده فلم يعرض لهم ولا أعلمهم أنه علم بحالهم وأما الفرنج فإن فرنج صقلية قصدوا الإسكندرية على ما نذكره إن شاء الله تعالى لأنهم لم يتصل بهم ظهور الخبر عند صلاح الدين وأما فرنج الساحل الشامي فإنهم لم يتحركوا لعلمهم بحقيقة الحال وكان عمارة شاعرا مفلقا فمن شعره
( لو أن قلبي يوم كاظمة معي
لملكته وكظمت فيض الأدمع )
( قلب كفاك من الصبابة أنه
لبى نداء الظاعنين وما دعي )
( ما القلب أول غادر فألومه
هي شيمة الأيام مذ خلقت معي )
( ومن الظنون الفاسدات توهمي
بعد اليقين بقاءه في أضلعي )
وله أيضا
( لي في هوى الرشا العذري إعذار
لم يبق لي مذ أقر الدمع إنكار )
( لي في القدود وفي لثم الخدود وفي
ضم النهود لبانات وأوطار )
( هذا اختياري فوافق إن رضيت به
أو لا فدعني وما أهوى واختار )
وله ديوان شعر مشهور في غاية الحسن والرقة والملاحة
ذكر وفاة نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله
في هذه السنة توفي نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الشام وديار 56 الجزيرة ومصر يوم الاربعاء حادي عشر شوال بعلة الخوانيق ودفن بقلعة دمشق ونقل منها إلى المدرسة التي أنشأها بدمشق عند سوق الخواصين
ومن عجيب الإتفاق أنه ركب ثاني شوال وإلى جانبه بعض الأمراء الأخيار فقال له الأمير سبحان من يعلم هل نجتمع هنا في العام المقبل أم لا فقال نور الدين لا تقل هكذا بل سبحان من يعلم هل نجتمع بعد شهر أم لا فمات نور الدين رحمه الله بعد أحد عشر يوما ومات الأمير قبل الحول فأخذ كل منهما بما قاله وكان قد شرع يتجهز للدخول إلى مصر لأخذها من صلاح الدين يوسف بن أيوب فإنه رأى منه فتورا في غزو الفرنج من ناحيته وكان يعلم أنه إنما يمنع صلاح الدين من الغز والخوف منه ومن الاجتماع به فإنه يؤثر كون الفرنج في الطريق ليمتنع بهم على نور الدين فأرسل إلى الموصل وديار الجزيرة وديار بكر يطلب العساكر للغزاة وكان عزمه أن يتركها مع ابن أخيه سيف الدين غازي صاحب الموصل والشام ويسير هو بعساكره إلى مصر فبينما هو يتجهز لذلك أتاه أمر الله الذي لا مرد له
حكى لي طبيب كان يخدم نور الدين وهو من حذاق الأطباء قال استدعاني نور الدين في مرضه الذي توفي فيه مع غيري من الأطباء فدخلنا إليه وهو في بيت صغير بقلعة دمشق وقد تمكنت الخوانيق منه وقارب الهلاك فلا يكاد يسمع صوته وكان يخلو فيه للتعبد فابتدأ به المرض فلم ينتقل عنه فلما دخلنا ورأينا ما به قلت له كان ينبغي أن لا تؤخر إحضارنا إلى أن يشتد بك المرض الآن وينبغي أن تعجل الانتقال من هذا الموضع إلى مكان فسيح مضيء فله أثر في هذا المرض وشرعنا في علاجه وأشرنا بالقصد فقال ابن ستين لا يقتصد وامتنع منه فعالجناه بغيره فلم ينجع فيه الدواء وعظم الداء ومات رحمه الله ورضي عنه وكان أسمر طويل القامة ليس له لحية إلا في حنكه وكان واسع الجبهة حسن الصورة حلو العينين وكان قد اتسع ملكه جدا وخطب له بالحرمين الشريفين وباليمن لما دخلها شمس الدولة بن أيوب وملكها وكان مولده سنة إحدى عشرة وخمسمائة وطبق ذكره الأرض بحسن سيرته وعدله وقد طالعت سير الملوك المتقدمين فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته ولا أكثر تحريا منه للعدل وقد أتينا على كثير من ذلك في كتاب الباهر من أخبار دولتهم ولنذكر ههنا نبذة لعل يقف عليها من له حكم فيقتدي به فمن ذلك زهده وعبادته وعلمه فإنه كان لا يأكل ولا يلبس ولا 57 يتصرف إلا في الذي يخصه من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة ومن الأموال المرصدة لمصالح المسلمين ولقد شكت إليه زوجته من الضائقة فأعطاها ثلاث دكاكين في حمص كانت له يحصل له منها في السنة نحو العشرين دينار فلما استقلتها قال ليس لي إلا هذا وجميع ما يبدي أنا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه ولا أخوض نار جهنم لأجلك وكان يصلي كثيرا بالليل وله أوراد حسنة وكان كما قيل
( جمع الشجاعة والخشوع لربه
ما أحسن المحراب في المحراب )
وكان عارفا بالفقه على مذهب أبي حنيفة ليس عنده فيه تعصب وسمع الحديث وأسمعه طلبا للأجر وأما عدله فإنه لم يترك في بلاده على سعتها مكسا ولا عشرا بل أطلقها جميعا في مصر والشام والجزيرة والموصل وكان يعظم الشريعة ويقف عند أحكامها وأحضره إنسان إلى مجلس الحكم فمضى معه إليه وأرسل إلى القاضي كمال الدين بن الشهرزوري يقول قد جئت محاكما فاسلك معي ما تسلك مع الخصوم وظهر الحق له فوهبه الخصم الذي أحضره وقال أردت أن أترك له ما يدعيه إنما خفت أن يكون الباعث لي على ذلك الكبر والأنفة من الحضور إلى مجلس الشريعة فحضرت ثم وهبته ما يدعيه وبنى دار العدل في بلاده وكان يجلس هو والقاضي فيها ينصف المظلوم ولو أنه يهودي من الظالم ولو أنه ولده أو أكبر أمير عنده وأما شجاعته فإليها النهاية وكان في الحرب يأخذ قوسين وتركشين ليقاتل بها فقال له القطب النساوي الفقيه بالله عليك لا تخاطر بنفسك وبالإسلام فإن أصبت في معركة لا يبقى من المسلمين أحد إلا أخذه السيف فقال نور الدين ومن محمود حتى يقال له هذا من قبلي من حفظ البلاد والإسلام ذلك الله الذي لا إله إلا هو وأما ما فعله من المصالح فإنه بنى أسوار مدن الشام جميعها وقلاعها فمنها دمشق وحمص وحماة وحلب وشيزر وبعلبك وغيرها وبنى المدارس الكثيرة للحنفية والشافعية وبنى الجامع النوري بالموصل وبنى البيمارستانات والخانات في الطرق وبنى الخانكاهات في جميع البلاد وأوقف على الجميع الوقوف الكثيرة سمعت أن حاصل وقفه كل شهر تسعة آلاف دينار صوري وكان يكرم العلماء وأهل الدين ويعظمهم ويقوم إليهم ويجلسهم معه وينبسط معهم ولا يرد لهم قولا ويكاتبهم 58 بخط يده وكان وقورا مهيبا مع تواضعه وبالجملة فحسناته كثيرة ومناقبه عزيزة لا يحتملها هذا الكتاب
ذكر ملك ولده الملك الصالح
لما توفي نور الدين قام ابنه الملك الصالح إسماعيل بالملك بعده وكان عمره إحدى عشر سنة وحلف له الأمراء والمقدمون بدمشق وأقام بها وأطاعه الناس بالشام وصلاح الدين بمصر وخطب له بها وضرب السكة باسمه وتولى تربيته الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم وصار مدبر دولته فقال له كمال الدين صاحب مصر هو من أصحاب نور الدين والمصلحة أن نشاوره في الذي نفعله ولا نخرجه من بيننا فيخرج عن طاعتنا ويجعل ذلك حجة علينا وهو أقوى منا لأنه قد انفرد اليوم بملك مصر فلم يوافق هذا القول أغراضهم وخافوا أن يدخل صلاح الدين ويخرجهم فلم يمض غير قليل حتى وردت كتب صلاح الدين إلى الملك الصالح يعزيه ويهنئه بالملك وأرسل دنانير مصرية عليها اسمه ويعرفه أن الخطبة والطاعة له كما كانت لأبيه فلما سار سيف الدين غازي صاحب الموصل وملك البلاد الجزرية على ما نذكره
فأرسل صلاح الدين أيضا إلى الملك الصالح يعتبه حيث لم يعلمه قصد سيف الدين بلاده وأخذها ليحضر في خدمته ويكشف سيف الدين وكتب إلى كمال الدين والأمراء يقول لو أن نور الدين يعلم أن فيكم من يقوم مقامي أو يثق إليه مثل ثقته إلي لسلم إليه مصر التي هي أعظم ممالكه وولاياته ولو لم يعجل عليه الموت لم يعهد إلى أحد بتربية ولده والقيام بخدمته غيري وأراكم قد تفردتم بمولاي وابن مولاي دوني وسوف أصل إلى خدمته وأجازي إنعام والده بخدمة يظهر أثرها وأجازي كلا منكم على سوء صنيعه في ترك الذب عن بلاده وتمسك ابن المقدم وجماعة الأمراء بالملك الصالح ولم يرسلوه إلى حلب خوفا أن يغلب عليهم شمس الدين علي بن الداية فإنه كان أكبر الأمراء النورية وإنما منعه من الاتصال به والقيام بخدمته مرض لحقه وكان هو وإخوته بحلب وأمرها إليهم وعساكرها معهم في حياة نور الدين وبعده ولما عجز عن الحركة أرسل إلى الملك الصالح يدعوه إلى حلب لتمتنع به البلاد الجزرية من سيف الدين ابن عمه قطب الدين فلم يمكنه الأمراء الذين معه من الانتقال إلى حلب لما ذكرنا 59
ذكر ملك سيف الدين البلاد الجزرية
كان نور الدين قبل أن يمرض قد أرسل إلى البلاد الشرقية الموصل وديار الجزيرة وغيرها يستدعي العساكر منها لحجة الغزاة والمراد غيرها وقد تقدم ذكره فسار سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود بن زنكي صاحب الموصل في عساكره وعلى مقدمته الخادم سعد الدين كمشتكين الذي كان قد جعله نور الدين بقلعة الموصل مع سيف الدين فلما كانوا ببعض الطريق وصلت الأخبار بوفاة نور الدين فأما سعد الدين فإنه كان في المقدمة فهرب جريدة وأما سيف الدين فأخذ كل ما كان له من برك وغيره وعاد إلى نصيبين فملكها وأرسل الشحن إلى الخابور فاستولوا عليه وأقطعه وسار هو إلى حران فحصرها عدة أيام وبها مملوك لنور الدين يقال له قايماز الحراني فامتنع بها وأطاع بعد ذلك على أن تكون حران له ونزل إلى خدمة سيف الدين فقبض عليه وأخذ حران منه وسار إلى الرها فحصرها وملكها وكان بها خادم أسود لنور الدين فسلمها وطلب عوضها قلعة الزعفران من أعمال جزيرة ابن عمر فأعطيها ثم أخذت منه ثم صار إلى أن يستعطي ما يقوم به وبقوته وسير سيف الدين إلى الرقة فملكها وكذلك سروج واستكمل جميع بلاد الجزيرة سوى قلعة جعبر فإنها كانت منيعة وسوى رأس عين فإنها كانت لقطب الدين صاحب ماردين وهو ابن خال سيف الدين فلم يتعرض إليها وكان شمس الدين علي بن الداية وهو أكبر الأمراء النورية بحلب مع عساكرها فلم يقدر على العبور إلى سيف الدين ليمنعه من أخذ البلاد لفالج كان به فأرسل إلى دمشق يطلب الملك الصالح فلم يرسل إليه لما ذكرناه ولما ملك سيف الدين الجزيرة قال له فخر الدين عبد المسيح وكان قد وصل إليه من سيواس بعد موت نور الدين وهو الذي أقر له الملك بعد أبيه فظن أن سيف الدين يرعى له ذلك فلم يجن ثمرة ما غرس وكان عنده كبعض الأمراء قال له الرأي أن تعبر إلى الشام فليس به مانع فقال له أكبر أمرائه وهو أمير يقال له عز الدين محمود المعروف بزلفندار قد ملكت أكثر ما كان لأبيك والمصلحة أن تعود فرجع لإلى قوله وعاد إلى الموصل (
ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) 60
ذكر حصر الفرنج بانياس وعودهم عنها
لما مات نور الدين محمود صاحب الشام اجتمعن الفرنج وساروا إلى قلعة بانياس من أعمال دمشق فحصروها فجمع شمس الدين محمد بن عبد الملك ابن المقدم العسكر عنده بدمشق فخرج عنها فراسلهم ولاطفهم ثم أغلظ لهم في القول وقال لهم إن أنتم صالحتمونا وعدتم عن بانياس فنحن على ما كنا عليه وإلا فنرسل إلى سيف الدين صاحب الموصل ونعلمه ونصالحه ونستنجده ونرسل إلى صلاح الدين بمصر فنستنجده ونقصد بلادكم من جهاتها كلها ولا تقومون لنا وأنتم تعلمون أن صلاح الدين كان يخاف أن يجتمع بنور الدين والآن فقد زال ذلك الخوف وإذا طلبناه إلى بلادكم فلا يمتنع فعلموا صدقه فصالحوه على شيء من المال أخذوه وأسرى أجطلقوا لهم كانوا عند المسلمين وتقررت الهدنة فلما سمع صلاح الدين بذلك أنكره واستعظمه وكتب إلى الملك الصالح والأمراء الذين معه يقبح لهم ما فعلوه ويبذل من نفسه قصد بلاد الفرنج ومقارعتهم وإزعاجهم عن قصد شيء من بلاد الملك الصالح وكان قصده أن يصير له طريق إلى بلاد الشام ليتملك البلاد والأمراء الشاميون إنما صالحوا الفرنج خوفا منه ومن سيف الدين غازي صاحب الموصل فإنه كان قد أخذ البلاد الجزرية وخافوا منه أن يعبر إلى الشام فرأوا صلح الفرنج أصلح من أن يجيء هذا من الغرب وهذا من الشرق وهم مشغولون عن ردهم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في المحرم وقع الحريق ليلا ببغداد فاحترق أكثر الظفرية ومواضع غيرها ودام الحريق إلى بكرة وطفئت النار
وفيها في شعبان بنى ابن شنكا وهو ابن أخي شملة صاحب خوزستان قلعة بالقرب من الماهكي ليتقوى بها على الاستيلاء على تلك الأعمال فسير إليه الخليفة العساكر من بغداد لمنعه فالتقوا فحمل بنفسه على الميمنة فهزمها واقتتل الناس قتالا عظيما وأسر ابن أخي شملة وحمل رأسه إلى بغداد فعبق بباب النوبي وهدمت القلعة 61
وفيها في رمضان وكان الزمان ربيعا توالت الأمطار في ديار بكر والجزيرة والموصل فدامت أربعين يوما ما رأينا الشمس فيها غير مرتين كل مرة مقدار لحظة وخربت المساكن وغيرها وكثر الهدم ومات تحته كثير من الناس وزادت دجلة زيادة عظيمة وكان أكثرها ببغداد فإنها زادت على كل زيادة تقدمت منذ بنيت بغداد بذراع وكسر وخاف الناس الغرق وفارقوا البلد وأقاموا على شاطئ دجلة خوفا من انفتاح القورج وغيره وكانوا كلما انفتح موضع بادروا بسده ونبع الماء في البلاليع وخرب كثيرا من الدور ودخل الماء إلى البيمارستان العضدي ودخلت السفن من الشبابيك التي له فإنها كانت قد تقلعت فمن الله تعالى على الناس بنقص الماء بعد أن أشرفوا على الغرق
وفيها في جمادي الأولى كانت الفتنة ببغداد بين قطب الدين قايماز والخليفة وسببها أن الخليفة أمر بإعادة عضد الدين ابن رئيس الرؤساء إلى الوزارة فمنع منه قطب الدين وأغلق باب النوبي وباب العامة وبقيت دار الخليفة كالمحاصرة فأجاب الخليفة إلى ترك وزارته فقال قطب الدين لا أقنع إلا بإخراج عضد الدين من بغداد فأمر بالخروج منها فالتجأ إلى صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسماعيل فأخذه إلى رباطه وأجاره ونقله إلى دار الوزير بقطفتا فأقام بها ثم عاد إلى بيته في جمادى الآخرة
وفيها سقط الأمير أبو العباس أحمد بن الخليفة وهو الذي صار خليفة من قبة عالية إلى أرض التاج ومعه غلام له اسمه نجاح فألقى نفسه بعده وسلم ابن الخليفة ونجا فقيل لنجاح لم ألقيت نفسك فقال ما كنت أريد البقاء بعد مولاي فرعى له الأمير ابو العباس ذلك فلما صار خليفة جعله شرابيا وصارت الدولة جميعها بحكمه ولقيه الملك الرحيم عز الدين وبالغ في الإحسان إليه والتقديم له وخدمه جميع الأمراء بالعراق والوزاراء وغيرهم
وفيها في رمضان وقد ببغداد برد كبار ما رأى الناس مثله فهدم الدور وقتل جماعة من الناس وكثيرا من المواشي فوزنت بردة منها فكانت سبعة أرطال وكان عامته كالنارنج يكسر الأغصان هكذا ذكره أبو الفرج بن الجوزي في تاريخه والعهدة عليه 62
وفيها كانت وقعة عظيمة بين المؤيد صاحب نيسابور وبين شاه مازندران قتل فيها كثير من الطائفتين فانهزم شاه مازندران ودخل المؤيد بلد الديلم وخربها وفتك بأهلها وعاد عنها
وفيها وقعت كبيرة بين أهل باب البصرة وأهل باب الكرخ وسببها أن الماء لما زاد سكر أهل باب الكرخ سكرا رد الماء عنهم فغرق مسجد فيه شجرة فانقلعت فصاح أهل الكرخ انقلعت الشجرة لعن الله العشرة فقامت الفتنة فتقدم الخليفة إلى علاء الدين تنامش فمال على أهل باب البصرة لأنه كان شيعيا وأراد دخول المحلة فمنعه أهلها وأغلقوا الأبواب ووقفوا على السور وأراد أحراق الأبواب فبلغ ذلك الخليفة فأنكره أشد إنكار وأمر بإعادة تنامش فعاد ودامت الفتنة أسبوعا ثم انفصل الحال من غير توسط سلطان
وفيها عبر ملك الروم خليج القسطنطينية وقصد بلاد قلج أرسلان فجرى بينهما حرب اشتظهر فيها المسلمون فلما رأى ملك الروم عجزه عاد إلى بلده وقد قتل من عسكره وأسر جماعة كثيرة
وفيها في جمادى الأولى مات أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن عبد الله أبو عبد الله العلوي الحسيني نقيب العلويين ببغداد وكان يلقب الظاهر وسمع الحديث الكثير ورواه وكان حسنة أهل بغداد
وفيها توفي الحافظ أبو العلاء الحسن بن أحمد بن محمد العطار الهمداني سافر الكثير في طلب الحديث وقراءة القرآن واللغة وكان من أعيان المحدثين وكان له قبول عظيم ببلد عند العامة والخاصة 63
ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة
ذكر وصول أسطول صقلية إلى مدينة الإسكندرية وانهزامهم منها
في هذه السنة ظفر أهل الإسكندرية وعسكر مصر بأسطول الفرنج من صقلية وكان سبب ذلك ما ذكرناه من إرسال أهل مصر إلى ملك الفرنج بساحل الشام وإلى صاحب صقلية ليقصدوا ديار مصر ليثوروا بصلاح الدين ويخرجوه من مصر فجهز صاحب صقلية أسطولا كثيرا عدته مائتي شيني تحمل الرجالة وستا وثلاثين طريدة تحمل الخيل وست مراكب كبارا تحمل آلة الحرب وأربعين مركبا تحمل الأزواد وفيها من الراجل خمسون ألفا ومن الفرسان ألف وخمسمائة منها خمسمائة تركبلي وكان المقدم عليهم ابن عم صاحب صقلية وسيره إلى الإسكندرية من ديار مصر فوصلوا إليها في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة تسع وستين على حين غفلة من أهلها وطمأنينة فخرج أهل الإسكندرية بسلاحهم وعدتهم ليمنعوهم من النزول وأبعدوا عن البلد فمنعهم الوالي عليهم من ذلك وأمرهم بملازمة السور ونزل الفرنج إلى البر مما يلي البحر والمنارة وتقدموا إلى المدينة ونصبوا عليها الدبابات والمنجنيقات وقاتلوا أشد قتال وصبر لهم أهل البلد ولم يكن عندهم من العسكر إلا القليل ورأى الفرنج من شجاعة أهل الإسكندرية وحسن سلاحهم ما راعهم
وسيرت الكتب بالحال إلى صلاح الدين يستدعونه لدفع العدو عنهم ودام القتال أول يوم إلى آخر النهار ثم عاود الفرنج القتال اليوم الثاني وجدوا ولازموا الزحف حتى وصلت الدبابات إلى قريب السور ووصل ذلك اليوم من العساكر الإسلامية كل من كان في أقطاعه وهو قريب من الإسكندرية فقويت بهم نفوس أهلها وأحسنوا القتال والصبر
فلما كان اليوم الثالث فتح المسلمون باب البلد وخرجوا منه على الفرنج من كل 64 جانب وهم غارون وكثر الصياح من كل الجهات فارتاع الفرنج واشتد القتال فوصل المسلمون إلى الدبابات فأحرقوها وصبروا للقتال فأنزل الله نصره عليهم وظهرت أماراته ولم يزل القتال إلى آخر النهار
ودخل أهل البلد إليه وهم فرحون مستبشرون بما رأوا من تباشير الظفر وقوتهم وفشل الفرنج وفتور حربهم وكثرة القتل والجراح في رجالتهم
وأما صلاح الدين فإنه لما وصله الخبر سار بعساكره وسير مملوكا له ومعه ثلاثة جنائب ليجد السير عليها إلى الإسكندرية يبشر بوصوله وسير طائفة من العسكر إلى دمياط خوفا عليها واحتياطا لها فسار ذلك المملوك فوصل الإسكندرية من يومه وقت العصر والناس قد رجعوا من القتال فنادى في البلد بمجيء صلاح الدين والعساكر مسرعين فلما سمع الناس ذلك عاودوا إلى القتال وقد زال ما بهم من تعب وألم الجراح وكل منهم يظن أن صلاح الدين معه فهو يقاتل قتال من يريد أن يشاهد قتاله
وسمع الفرنج بقرب صلاح الدين في عساكره فسقط في أيديهم وزادوا تعبا وفتورا فهاجم المسلمون عند اختلاط الظلام ووصلوا إلى خيامهم فغنموها بما فيها من الأسلحة الكثيرة والتحملات العظيمة وكثر القتل في رجالة الفرنج فهرب كثير منهم إلى البحر وقربوا شوانيهم إلى الساحل ليركبوا فيها فسلم بعضهم وركب وغرق بعضهم
وغاص بعض المسلمين في الماء وخرق بعض شواني الفرنج فغرقت فخاف الباقون من ذلك فولوا هاربين واحتمى ثلاثمائة من فرسان الفرنج على رأس تل فقاتلهم المسلمون إلى بكرة ودام القتال إلى أن أضحى النهار فغلبهم أهل البلد وقهروهم فصاروا بين قتيل وأسير وكفى الله المسلمين شرهم
ذكر خلاف الكنز بصعيد مصر
وفي أول هذه السنة خالف الكنز بصعيد مصر واجتمع إليه من رعية البلاد والسودان والعرب وغيرهم خلق كثير وكان هناك أمير من الصلاحية في أقطاعه وهو أخو الأمير أبي الهيجاء السمين فقتله الكنز فعظم قتله على أخيه وهو من أكبر الأمراء وأشجعهم فسار إلى قتال الكنز وسير معه صلاح الدين جماعة من الأمراء وكثيرا من العسكر ووصلوا إلى مدينة طود فاحتمت عليهم فقاتلوا من بها وظفروا بهم وقتلوا منهم كثيرا وذلوا بعد 65 العز وقهروا واستكانوا
ثم سار العسكر بعد فراغهم من طود إلى الكنز وهو في طغيانه يعمه فقاتلوه فقتل هو ومن معه من الأعراب وغيرهم وأمنت بعده البلاد واطمأن أهلها
ذكر ملك صلاح الدين دمشق
في هذه السنة سلخ ربيع الأول ملك صلاح الدين يوسف بن أيوب مدينة دمشق
وسبب ذلك أن نور الدين لما مات وملك ابنه الملك الصالح بعده كان بدمشق وكان سعد الدين كمشتكين قد هرب من سيف الدين غازي إلى حلب كما ذكرناه فأقام بها عند شمس الدين علي بن الداية فلما استولى سيف الدين على البلاد الجزرية خاف ابن الداية أن يغير إلى حلب فيملكها فأرسل يعد الدين إلى دمشق ليحضر الملك الصالح ومعه العساكر إلى حلب فلما قارب دمشق سير إليه شمس الدين محمد بن المقدم عسكرا فنهبوه وعاد منهزما إلى حلب فأخلف عليه ابن الداية عوض ما أخذ منه
ثم إن الأمراء الذين بدمشق نظروا في المصلحة فعلموا أن مسيره إلى حلب أصلح الدولة من مقامه بدمشق فأرسلوا إلى ابن الداية يطلبون إرسال سعد الدين ليأخذ الملك الصالح فجهزه وسيره وعلى نفسها براقش تجني فسار إلى دمشق في المحرم من هذه السنة وأخذ الملك الصالح وعاد إلى حلب
فلما وصلوا إليها قبض سعد الدين على شمس الدين بن الداية وإخوته وعلى رئيس بن الخشاب رئيس حلب ومقدم الأحداث بها ولولا مرض شمس الدين بن الداية لم يتمكن من ذلك واستبد سعد الدين بتربية الملك الصالح فخاف ابن المقدم وغيره من الأمراء الذين بدمشق وقالوا إن استقر أمر حلب أخذ الملك الصالح وسار به إلينا وفعل مثل ما فعل بحلب
وكاتبوا سيف الدين غازي صاحب الموصل ليعبر الفرات إليهم ليسلموا إليه دمشق فلم يفعل وخاف أن تكون مكيدة عليه ليعبر الفرات ويسير إلى دمشق فيمنع عنها ويقصده ابن عمه وعسكر حلب من وراء ظهره فيهلك أشار عليه بهذا زلفندار عز الدين والجبان يقدر البعيد من الشر قريبا يرى الجبن حزما كما قال
( يرى الجبناء أن الجبن حزم
وتلك طبيعة الرجل الجبان )
فلما أشار عليه بهذا الرأي زلفندار قبله وامتنع من قصد دمشق وراسل سعد الدين والملك الصالح وصالحهما على مأخذه من البلاد فلما امتنع عن العبور إلى دمشق 66 عظم حزمهم وقالوا حيث صالحهم سيف الدين لم يبق لهم مانع عن المسير إلينا فكاتبوا حينئذ صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب مصر واستدعوه ليملكوه عليهم وكان كبيرهم في ذلك شمس الدين بن المقدم ومن أشبه أباه فما ظلم وقد ذكرنا مخامرة أبيه في تسليم سنجار سنة أربع وأربعين وخمسمائة
فلما وصلت الرسل إلى صلاح الدين بذلك لم يلبث وسار جريدة في سبعمائة فارس والفرنج في طريقه فلم يبال بهم فلما وطئ أرض الشام قصد بصرى وكان بها حينئذ صاحبها وهو من جملة من كاتبه فخرج ولقيه فلما رأى قلة من معه خاف على نفسه واجتمع بالقاضي الفاضل وقال ما أرى معكم عسكرا وهذا بلد عظيم لا يقصد بمثل هذا العسكر ولو منعكم من به ساعة من النهار أخذكم أهل السواد
قال كان معكم مال سهل الأمر فقالوا هنا مال كثير يكون خمسين ألف دينار فضرب صاحب بصرى على رأسه وقال هلكتم وأهلكتمونا وجميع ما كان معهم عشرة آلاف دينار ثم سار صلاح الدين إلى دمشق فخرج كل من بها من العسكر إليه فلقوه وخدموه ودخل البلد ونزل في دار والده المعروفة بدار العقيقي وكانت القلعة بيد خادم اسمه ريحان
فأحضر صلاح الدين كمال الدين بن الشهرزوري وهو قاضي البلد والحاكم في جميع أموره من الديوان والوقف وغير ذلك وأرسله إلى ريحان ليسلم القلعة إليه
وقال أنا مملوك الملك الصالح وما جئت إلا لأنصره وأخدمه وأعيد البلاد التي أخذت منه إليه وكان يخطب له في بلاده كلها فصعد كمال الدين إلى ريحان ولم يزل معه حتى سلم القلعة فصعد صلاح الدين إليها وأخذ ما فيها من الأموال وأخرجها واتسع بها وثبت قدمه وقويت نفسه وهو مع هذا يظهر طاعة الملك الصالح ويخاطبه بالمملوك والخطبة والسكة باسمه
ذكر ملك صلاح الدين مدينتي حمص وحماة
لما استقر ملك صلاح الدين لدمشق وقرر أمرها استخلف بها أخاه سيف الإسلام طغدكين بن أيوب وسار إلى مدينة حمص مستهل جمادى الأولى وكانت حمص وحماة وقلعة بعرين وسلمية وتل خالد والرها من بلد الجزيرة في أقطاع الأمير فخر الدين مسعود الزعفراني فلما مات نور الدين لم يمكنه المقام بها لسوء سيرته في أهلها ولم 67 يكن له في قلاع هذه البلاد حكم إنما فيها ولاة لنور الدين وكان بقلعة حمص وال يحفظها فلما نزل صلاح الدين على حمص حادي عشر الشهر المذكور راسل من فيها بالتسليم فامتنعوا فقاتلهم من الغد فملك البلد وأمن أهله وامتنعت عليه القلعة وبقيت ممتنعة إلى أن عاد من حلب على ما نذكره إن شاء الله وترك بمدينة حمص من يحفظها ويمنع من بالقلعة من التصرف وأن تصعد إليهم مسيرة
وسار إلى مدينة حماة وهو في جميع أحواله لا يظهر إلا طاعة الملك الصالح بن نور الدين وأنه إنما خرج لحفظ بلاده عليه من الفرنج واستعادة ما أخذ سيف الدين غازي صاحب الموصل من البلاد الجزرية فلما وصل إلى حماة ملك المدينة مستهل جمادى الآخرة وكان بقلعتها الأمير عز الدين جورديك وهو من المماليك النورية فامتنع من التسليم إلى صلاح الدين فأرسل إليه صلاح الدين يعرفه ما هو عليه من طاعة الملك الصالح وإنما يريد حفظ بلاده عليه فاستحلفه جورديك على ذلك وسيره إلى حلب في اجتماع الكلمة على طاعة الملك الصالح وفي إطلاق شمس الدين علي وحسن وعثمان أولاد الداية من السجن فسار جورديك إلى حلب واستخلف بقلعة حماة أخاه ليحفظها فلما وصل جورديك إلى حلب قبض عليه كمشتكين وسجنه فلما علم أخوه بذلك سلم القلعة إلى صلاح الدين فملكها
ذكر حصر صلاح الدين حلب وعوده عنها وملك قلعة حمص وبعلبك
لما ملك صلاح الدين حماة سار إلى حلب فحصرها ثالث جمادى الآخرة فقاتله أهلها وركب الملك الصالح وهو صبي وعمره اثنتا عشرة سنة وجمع أهل حلب وقال لهم قد عرفتم إحسان أبي إليكم ومحبته لكم وسيرته فيكم وأنا يتيمكم
وقد جاء هذا الظالم الجاحد إحسان والذي إليه يأخذ بلدي ولا يراقب الله تعالى ولا الخلق
وقال من هذا كثيرا وبكى فأبكى الناس فبذلوا له الأموال والأنفس واتفقوا على القتال دونه والمنع عن بلده وجدوا في القتال وفيهم شجاعة قد ألفوا الحرب واعتادوها حيث كان الفرنج بالقرب منهم فكانوا يخرجون ويقاتلون صلاح الدين عند جبل حوشن فلا يقدر على القرب من البلد وأرسل سعد الدين إلى سنان مقدم الإسماعيلية وبذل له أموالا كثيرة ليقتلوا صلاح الدين فأرسلوا جماعة منهم إلى عسكره فلما وصلوا رآهم أمير اسمه خمارتكين صاحب قلعة بوقيس فعرفهم لأنه جارهم في البلاد كثير الاجتماع بهم والقتال 68 لهم فلما رآهم قال لهم ما الذي أقدمكم وفي أي شيء جئتم فجرحوه جراحات مثخنة وحمل أحدهم على صلاح الدين ليقتله فقتل دونه وقاتل الباقون من الإسماعيلية فقتلوا جماعة ثم قتلوا
وبقي صلاح الدين محاصرا لحلب إلى سلخ جمادى الآخرة ورحل عنها مستهل رجب
وسبب رحيله أن القومص الصنجيلي صاحب طرابلس كان قد أسره نور الدين علي حارم سنة تسع وخمسين وخمسمائة وبقي في الحبس إلى هذه السنة فأطلقه سعد الدين بمائة ألف وخمسين ألف دينار صورية وألف أسير فلما وصل إلى بلده اجتمع الفرنج عليه يهنئونه بالسلامة وكان عظيما فيهم من أعيان شياطينهم فاتفق أن مري ملك الفرنج لعنه الله مات أول هذه السنة وكان أعظم ملوكهم شجاعة وأجودهم رأيا ومكرا ومكيدة فلما توفي خلف ابنا مجذوبا عاجزا عن تدبير الملك فملكه الفرنج صورة لا معنى تحتها وتولى القمص ريمند تدبير الملك الحل والعقد عن أمره يصدرون فأرسل إليه من حلب يطلبون منه أن يقصد بعض البلاد التي بيد صلاح الدين ليرحل عنهم فسار إلى حمص ونازلها سابع رجب فلما تجهز لقصدها سمع صلاح الدين الخبر فرحل عن حلب فوصل إلى حماة ثامن رجب بعد نزول الفرنج على حمص بيوم ثم رحل إلى الرستن فلما سمع الفرنج بقربه رحلوا عن حمص ووصل صلاح الدين إليها فحصر القلعة إلى أن ملكها في الحادي والعشرين من شعبان من السنة فصار أكثر الشام بيده ولما ملك حمص سار منها إلى بعلبك وبها خادم اسمه يمن وهو وال عليها من أيام نور الدين فحصها صلاح الدين فأرسل يمن يطلب الأمان له ولمن عنده فأمنهم صلاح الدين وتسلم القلعة رابع عشر رمضان من السنة المذكورة
ذكر حصر سيف الدين أخاه عماد الدين بسنجار
لما ملك صلاح الدين دمشق وحمص وحماة كتب الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين إلى ابن عمه سيف الدين غازي بن قطب الدين مودود يستنجده على صلاح الدين ويطلب أن يعبر إليه ليقصدا صلاح الدين ويأخذا البلاد منه فجمع سيف الدين عساكره وكاتب أخاه عماد الدين زنكي صاحب سنجار يأمره أن ينزل إليه بعساكره 69 ليجتمعوا على المسير إلى الشام فامتنع من ذلك وكان صلاح الدين قد كاتب عماد الدين وأطمعه في الملك لأنه هو الكبير فحمله الطمع على الامتناع على أخيه فلما رأى سيف الدين امتناعه جهز أخاه عز الدين مسعودا في عسكر كثير هو معظم عسكره وسيره إلى الشام وجعل المقدم على العسكر أكبر أمير معه يقال له عز الدين محمود ويلقب أيضا زلفندار وجعله المدبر للأمر
وسار سيف الدين إلى سنجار فحصرها في شهر رمضان وقاتلها وجد في القتال وامتنع عماد الدين بها وجد في حفظها والذب عنها فدام الحصار عليها فبينما هو يحاصرها أتاه الخبر بانهزام عسكره الذي مع أخيه عز الدين مسعود من صلاح الدين فراسل حينئذ أخاه عماد الدين وصالحه على ما بيده ورحل إلى الموصل وثبت قدم صلاح الدين بعد هذه الهزيمة وخافه الناس وترددت الرسل بينه وبين سيف الدين غازي في الصلح فلم يستقر حال
ذكر انهزام سيف الدين من صلاح الدين وحصره مدينة حلب
في هذه السنة سار عسكر سيف الدين مع أخيه عز الدين زلفندار إلى حلب واجتمع معهما عساكر حلب وساروا كلهم إلى صلاح الدين ليحاربوه
فأرسل صلاح الدين إلى سيف الدين يبذل تسليم حمص وحماة وأن يقر بيده مدينة دمشق وهو فيها نائب الملك الصالح فلم يجب إلى ذلك وقال لا بد من تسليم جميع ما أخذ من الشام والعود إلى مصر
وكان صلاح الدين يجمع عساكره ويتجهز للحرب فلما امتنع سيف الدين من إجابته إلى ما بذل سار في عساكره إلى عز الدين مسعود وزلفندار فالتقوا تاسع عشر رمضان بالقرب من مدينة حماة بموضع يقال له قرون حماة وكان زلفندار جاهلا بالحروب والقتال غير عالم بتدبيرها مع جبن فيه إلا أنه قد رزق سعادة وقبولا من سيف الدين فلما التقى الجمعان لم يثبت العسكر السيفي وانهزموا لا يلوي أخ على أخيه وثبت عز الدين أخو سيف الدين بعد انهزام أصحابه فلما رأى صلاح الدين ثباته قال إما أن هذا أشجع الناس أو أنه لا يعرف الحرب وأمر أصحابه بالحملة عليه فحملوا فأزالوه عن موقفه وتمت الهزيمة وتبعهم صلاح الدين وعسكره حتى جازوا معسكرهم وغنموا منهم غنائم كثيرة وآلة وسلاحا عظيما ودواب فارهة وعادوا بعد طول البيكار مستريحين وعاد المنهزمون إلى حلب وتبعهم صلاح الدين فنازلهم بها محاصرا لها ومقاتلا وقطع حينئذ خطبة الملك الصالح بن نور الدين وأزال اسمه عن السكة في بلاده ودام محاصرا 70 لهم فلما طال الأمر عليهم راسلوه في الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام ولهم ما بأيديهم منها فأجابهم إلى ذلك وانتظم الصلح ورحل عن حلب في العشر الأول من شوال ووصل إلى حماة ووصلت إليه بها خلع الخليفة مع رسوله
ذكر ملك صلاح الدين قلعة بعرين
في هذه السنة في العشر الآخر من شوال ملك صلاح الدين قلعة بعرين من الشام وكان صاحبها فخر الدين مسعود بن الزعفراني وهو من أكابر الأمراء النورية فلما رأى قوة صلاح الدين نزل منها واتصل بصلاح الدين وظن أن صلاح الدين يكرمه ويشاركه في ملكه ولا ينفرد عنه بأمر مثل ما كان مع نور الدين فلم ير من ذلك شيئا ففارقه ولم يكن بقي له من أقطاعه التي كانت له في الأيام النورية غير بعرين ونائبه بها فلما صالح صلاح الدين الملك الصالح بحلب عاد إلى حماة وسار منها إلى بعرين وهي قريبة منها فحصرها ونصب عليها المنجنيقات وأدام قتالها فسلمها وإليها بالأمان فلما ملكها عاد إلى حماة فأقطعها خاله شهاب الدين محمود بن تكش الحارمي وأقطع حمص ناصر الدين ابن عمه شيركوه وسار منها إلى دمشق فدخلها أواخر شوال من السنة
ذكر ملك البهلوان مدينة تبريز
في هذه السنة ملك البهلوان بن أيلدكز مدينة تبريز وهي من جملة بلاد آقسنقر الأحمديلي
وسبب ذلك أن البهلوان سار إلى مراغة وحصرها وكان ابن آقسنقر الأحمديلي قد مات ووصى بالملك لابنه فلك الدين فقصده البهلوان ونزل على قلعة رويندز وحصرها فامتنعت عليه فتركها وحصر مراغة وسير أخاه قزل أرسلان في جيش إلى مدينة تبريز فحصرها أيضا وكان البهلوان يقاتل أهل مراغة فظفرا بطائفة من عسكره فخلع عليهم صدر الدين قاضي مراغة وأطلقهم فحسن ذلك عند البهلوان وشرع القاضي في الصلح على أن يسلموا تبريز إلى البهلوان فأجيب إلى ذلك واستقرت القاعدة عليه وحلف كل واحد منهما لصاحبه وتسلم البهلوان تبريز وأعطاها أخاه قزل أرسلان ورحل عن مراغة بعسكره 71
ذكر وفاة شملة
في هذه السنة مات شملة التركماني صاحب خوزستان وكان قد كثرت ولايته وعظم شأنه وبنى عدة حصون وبقي كذلك على عشرين سنة وكان سبب موته أنه قصد بعض التركمان فعلموا بذلك فاستعانوا بشمس الدين البهلوان بن أيلدكز صاحب عراق العجم فسير إليهم جيشا فاقتتلوا فأصاب شملة سهم ثم أخذ أسيرا وولده وابن أخيه وتوفي بعد يومين وهو من التركمان الأقشرية
ولما مات ملك ابنه بعده
ذكر هرب قطب الدين قايماز من بغداد
في هذه السنة في شوال سير علاء الدين تنامش وهو من أكابر الأمراء ببغداد وكان قطب الدين قايماز زوج أخته عسكرا إلى العراق فنهبوا أهله وبالغوا في أذاهم فجاء منهم جماعة إلى بغداد واستغاثوا فلم يغاثوا لضعف الخليفة مع قايماز وتنامش وتحكمها عليه فقصدوا جامع القصر واستغاثوا فيه ومنعوا الخطيب وفاتت الصلاة أكثر الناس فأنكر الخليفة ما جرى فلم يلتفت قطب الدين وتنامش إلى ما فعل واحتقروه فلا جرم لم يمهلهم الله تعالى لاحتقارهم الدعاء وازدرائهم أهله فلما كان خامس ذي القعدة قصد قطب الدين قايماز أذى ظهير الدين بن العطار وكان صاحب المخزن وهو خاص الخليفة وله به عناية تامة فلم يراع الخليفة في صاحبه فأرسل إليه يستدعيه ليحضر عنده فهرب فأحرق قطب الدين داره وحالف الأمراء على المساعدة والمظاهرة له وجمعهم وقصد دار الخليفة لعلمه أن ابن العطار فيها
فلما علم الخليفة ذلك ورأى الغلبة صعد إلى سطح داره وظهر للعامة وأمر خادما فصاح واستغاث وقال للعامة مال قطب الدين لكم ودمه لي فقصد الخلق كلهم دار قطب الدين للنهب فلم يمكنه المقام لضيق الشوارع وغلبة العامة فهرب من داره من باب فتحه في ظهرها لكثرة الخلق على بابها وخرج من بغداد ونهبت داره وأخذ منها من الأموال ما لا يعد ولا يحصى فرئي فيها من التنعم ما ليس لأحد مثله فمن جملة ذلك أن بيت الطهارة الذي كان له فيه سلسلة ذهب من السقف إلى محاذى وجه القاعدة على الخلا وفي أسفلها كرة كبيرة ذهب مخرمة محشوة بالمسك والعنبر ليسمها إذا قعد فتشبث إنسان وقطعها ودخل بعض 72 الصعاليك فأخذ عدة أكياس مملوءة دنانير وكان الأقوياء قد وقفوا على الباب يأخذون ما يخرج به الناس فلما أخذ ذلك الصعلوك الأكياس قصد المطبخ فأخذ منه قدرا مملوءة طبيخا وألقى الأكياس فيها وحملها على رأسه والناس يصحكون منه فيقول أنا أريد شيئا أطعمه عيالي اليوم فنجا بما معه فاستغنى بعد ذلك فظهر المال ولم يبق من نعمة قطب الدين في ساعة واحدة قليل ولا كثير ولما خرج من البلد تبعه تنامش وجماعة من الأمراء فنهبت دورهم أيضا وأخذت أموالهم وأحرق أكثرها وسار قطب الدين إلى الحلة ومعه الأمراء فسير الخليفة إليه صدر الدين عبد االرحيم شيخ الشيوخ فلم يزل به يخدعه حتى سار عن الحلة إلى الموصل على البر فلحقه ومن معه عطش عظيم فهلك أكثرهم من شدة الحر والعطش ومات قطب الدين قبل وصوله إلى الموصل فحمل ودفن بظاهر باب العمادي وقبره مشهور هناك
وهذا عاقبة عصيان الخليفة وكفران الإحسان والظلم وسوء التدبير فإنه ظلم أهل العراق وكفر إحسان الخليفة الذي كان قد غمره ولو أقام بالحلة وجمع العساكر وعاود بغداد لاستولى على الأمور كلها كما كان فإن عامة بغداد كانوا يريدونه وكان قويا بالإحسان على البلاد فأطاعوه ولما مات في ذي الحجة وصل علاء الدين تنامش إلى الموصل فأقام مديدة ثم أمره الخليفة بالقدوم إلى بغداد فعاد إليها وبقي بها إلى أن مات بغير إقطاع وكان هذا آخر أمرهم ولما أقام قطب الدين بالحلة امتنع الحاج من السفر فتأخروا إلى أن رحل عنها فدخلوا من الكوفة في ثمانية عشر يوما وهذا ما لم يسمع بمثله وفات كثيرا منهم الحج ولما هرب قطب الدين خلع الخليفة على عضد الدين الوزير وأعيد إلى الوزارة
قال بعض الشعراء في قطب الدين وتنامش هذه الأبيات
( إن كنت معتبرا بملك زائل
وحوادث عنقية الإدلاج )
( فدع العجائب والتواريخ الأولى
وانظر إلى قيماز وابن قماج )
( عطف الزمان عليهما فسقاهما
من كأسه صرفا بغير مزاج )
( فتبدلوا بعد القصور وظلها
ونعيمها بمهامة وفجاج )
( فليحذر الباقون من أمثالها
نكبات دهر خائن مزعاج )
وكان قطب الدين كريما طلق الوجه محبا للعدل والإحسان كثير البذل للمال 73 والذي كان جرى منه وإنما كان يحمله عليه تنامش ولم يكن بإرادته
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة مات زعيم الدين صاحب المخزن واسمه يحيى بن عبد الله بن محمد بن المعمر بن جعفر أبو الفضل وحج بالناس عدة سنين وإليه الحكم في الطريق وناب عن الوزارة وتنقل في هذه الأعمال أكثر من عشرين سنة وكان يحفظ القرآن 74
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة
ذكر انهزام سيف الدين من صلاح الدين
في هذه السنة عاشر شوال كان المصاف بين سيف الدين غازي بن مودود وبين صلاح الدين يوسف بن أيوب بتل السلطان على مرحلة من حلب على طريق حماه وانهزم سيف الدين وسبب ذلك أنه لما انهزم أخوه عز الدين مسعود من صلاح الدين في العام الماضي وصالح سيف الدين أخاه عماد الدين صاحب سنجار عاد إلى الموصل وجمع عساكره وفرق فيهم الأموال واستنجد صاحب حصن كيفا وصاحب ماردين وغيرهما فاجتمعت معه عساكر كثيرة بلغت عدتهم ستة آلاف فارس فسار إلى نصيبين في ربيع الأول من هذه السنة وأقام بها فأطال المقام حتى انقضى الشتاء وهو مقيم فضجر العسكر ونفدت نفقاتهم وصار العود إلى بيوتهم مع الهزيمة أحب إليهم من الظفر لما يتوقعونه إن ظفروا من طول المقام بالشام بعد هذه المدة ثم سار إلى حلب فنزل إليه سعد الدين كمشتكين الخادم مدبر دولة الملك الصالح ومعه عساكر حلب وكان صلاح الدين في قلة من العساكر لأنه كان صالح الفرنج في المحرم من هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله
وقد سير عساكره إلى مصر فأرسل يستدعيها فلو عالجوه لبلغوا غرضهم منه لكنهم تريثوا وتأخروا عنه فجاءته عساكره فسار من دمشق إلى ناحية حلب ليلقى سيف الدين فالتقى العسكران بتل السلطان وكان سيف الدين قد سبقه فلما وصل صلاح الدين كان وصوله العصر وقد تعب هو وأصحابه وعطشوا فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس فيهم حركة فأشار على سيف الدين جماعة بقتاهم وهو على هذا الحال فقال زلفندار ما بنا هذه الحاجة إلى قتال هذا الخارجي في هذه الساعة غدا 75 بكرة نأخذهم كلهم فترك القتال إلى الغد فلما أصبحوا اصطفوا للقتال فجعل زلفندار وهو المدبر للعسكر السيفي أعلامهم في وهدة من الأرض لا يراها إلا من هو بالقرب منها فلما لم يرها الناس ظنوا أن السلطان قد انهزم فلم يثبتوا وانهزم ولم يلو أخ على أخيه ولم يقتل بين الفريقين مع كثرتهم غير رجل واحد ووصل سيف الدين إلى حلب وترك بها أخاه عز الدين مسعودا في جمع من العسكر ولم يقم هو وعبر الفرات وسار إلى الموصل وهو لا يصدق أنه ينجو وظن أن صلاح الدين يعبر الفرات ويقصده بالموصل فاستشار وزيره جلال الدين ومجاهد الدين قايماز في مفارقة الموصل والاعتصام بقلعة عقرا الحميدية فقال له مجاهد الدين أرأيت إن ملكت الموصل عليك أتقدر أن تمتنع ببعض أبراج الفصيل فقال لا فقال برج في الفصيل خير من العقر وما زال الملوك ينهزمون ويعاودون الحرب واتفق هو والوزير على شد أزره وتقوية قلبه فثبت ثم أعرض عن زلفندار وعزله واستعمل مكانه على إمارة الجيوش مجاهد الدين قايماز على ما نذكر إن شاء الله
وقد ذكر العماد الكاتب في كتاب البرق الشامي في تاريخ الدولة الصلاحية أن سيف الدين كان عسكره في هذه الوقعة عشرين ألف فارس ولم يكن كذلك وإنما كان على التحقيق يزيدون على ستة آلاف فارس أقل من خمسمائة فإنني وقفت على جريدة العرض وترتيب العسكر المصاف ميمنة وميسرة وقلبا وجاليشية وغير ذلك وكان المتولى لذلك والكاتب له أخي مجد الدين أبا السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم رحمه الله إنما قصد العماد أن يعظم أمر صاحبه بأنه هزم بستة آلاف عشرين ألفا والحق أحق أن يتبع ثم ياليت شعري كم هي الموصل وأعمالها إلى الفرات حتى يكون لها وفيها عشرون ألف فارس
ذكر ما ملكه صلاح الدين بعد الكسرة من بلاد الصالح بن نور الدين
لما انهزم سيف الدين وعسكره ووصلوا إلى حلب عاد سيف الدين إلى الموصل كما ذكرناه
وترك بحلب أخاه عز الدين مسعودا في طائفة من العسكر نجدة للملك الصالح وأما صلاح الدين فإنه لما استولى على أثقال العسكر الموصلي هو وعسكره وغنموها واتسعوا بها وفروا سار إلى بزاعة فحصرها 76 وقاتله من بالقلعة ثم تسلمها وجعل فيها من يحفظها وسار إلى مدينة منبج فحصرها آخر شوال وبها صاحب قطب الدين ينال بن حسان المنبجي وكان شديد العداوة لصلاح الدين والتحريض عليه والاطماع فيه والطعن فيه فصلاح الدين حنق عليه متهدد له فأما المدينة فملكها ولم تمتنع عليه وبقي القلعة وبها صاحبها قد جمع إليها الرجال والسلاح والذخائر فحصره صلاح الدين
وضيق عليه وزحف الى القلعة فوصل النقابون إلى السور فتقبوها وملكوها عنوة وغنم العسكر الصلاحي كل ما فيها وأخذ صاحبها أسيرا فأخذ صلاح الدين كل ماله وأصبح فقيرا لا يملك نقيرا ثم أطلقه صلاح الدين فسار إلى الموصل فأقطعه سيف الدين غازي مدينة الرقة ولما فرغ صلاح الدين من منبج سار إلى القلعة إعزاز فنازلها ثالث ذي القعدة من السنة وهي من أحصن القلاع وأمنعها فنازلها وحصرها وأحاط بها وضيق على من فيها ونصب عليها المنجنيقات وقتل عليها كثير من العسكر
فبينما صلاح الدين يوما في خيمة لبعض أمرائه يقال له جاولي وهو مقدم الطائفة الأسدية إذ وثبت عليه باطني فضر به بسكين في رأسه فجرحه فلولا أن المغفر الزرد تحت القلنسوة لقتله فأمسك صلاح الدين يد الباطني بيده إلا أنه لا يقدر على منعه من الضرب بالكلية إنما يضرب ضربا ضعيفا فبقي الباطني يضربه في رقبته بالسكين وكان عليه كزاغند فكانت الضربات تقع في زيق الكزاغند فتقطعه والزردية تمنعها من الوصول الى رقبته لبعد أجله فجاء أمير من أمرائه اسمه يازكش فأمسك السكين بكفه فجرحه الباطني ولم يطلقها من يده إلى أن قتل الباطني وجاء آخر من الاسماعيلية فقتل أيضا وثالث فقتل وركب صلاح الدين إلى خيمته كالمذعور لا يصدق بنجاته ثم اعتبر جنده فمن أنكره أبعده ومن عرفه أقره على خدمته ولازم حصار إعزاز ثمانية وثلاثين يوما كل يوم أشد قتالا مما قبله وكثرت النقوب فيها فأذعن من بها وسلموا القلعة إليه فتسلمها حادي عشر ذي الحجة
ذكر حصر صلاح الدين مدينة حلب وصالح عليها
لما ملك صلاح الدين قلعة إعزاز رحل إلى حلب فنازلها منتصف ذي الحجة وحصرها وبها الملك الصالح ومن معه من العساكر وقد قام العامة في حفظ البلد 77 القيام المرضي بحيث إنهم منعوا صلاح الدين من القرب من البلد لأنه كان إذا تقدم للقتال خسر هو وأصحابه وكثر الجراح فيهم والقتل وكانوا يخرجون ويقاتلونه ظاهر البلد فترك القتال وأخلد للمطاولة وانقضت سنة إحدى وسبعين ودخلت سنة اثنتين وسبعين وهو محاصر لها ثم ترددت الرسل بينهم في الصلح في العشرين من المحرم فوقعت الإجابة إليه من الجانبين لأن أهل حلب خافوا من طول الحصار فإنهم ربما ضجروا وضعفوا وصلاح الدين رأى أنه لا يقدر على الدنو من البلد ولا على قتال من به فأجاب أيضا وتقررت القاعدة في الصلح للجميع للملك الصالح ولسيف الدين صاحب الموصل ولصاحب الحصن ولصاحب ماردين وتحالفوا واستقرت القاعدة أن يكونوا كلهم عونا على الناكث الغادر فلما انفصل الأمر رحل عن حلب بعد أن أعاد قلعة إعزاز إلى الملك الصالح فإنه أخرج صلاح الدين أختا له صغير طفله فأكرمها صلاح الدين وحمل لها شيئا كثيرا وقال لها ما تريدين قالت أريد قلعة إعزاز وكانوا قد علموها ذلك
فسلمها إليهم ورحل إلى بلد الإسماعيلية
ذكر الفتنة بمكة وعزل أميرها وإقامة غيره
في هذه السنة في ذي الحجة كان بمكة حرب شديدة بين أمير الحاج طاشتكين وبين الأمير مكثر بن عيسى أمير مكة وكان الخليفة قد أمر أمير الحاج بعزل مكثر وإقامة أخيه داود مقامه وسبب ذلك أنه كان قد بنى قلعة على جبل أبي قبيس فلما سار الحاج عن عرفات لم يبيتوا بالمزدلفة وإنما اجتازوا بها فلم يرموا الجمار إنما بعضهم رمى بعضها وهو سائر ونزلوا الأبطح فخرج إليهم ناس من أهل مكة فحاربوهم وقتل من الفريقين جماعة وصاح الناس الغزاة إلى مكة فهجموا عليها
فهرب أمير مكة مكثر فصعد إلى القلعة التي بناها على جبل أبي قبيس فحصروه بها
ففارقها
وسار عن مكة وولي أخوه داود الإمارة ونهب كثيرا من الحاج وأخذوا من أموال التجارة المقيمين بها شيئا كثيرا وأحرقوا دورا كثيرة ومن أعجب ما جرى فيها ان إنسانا زراقا ضرب دارا بقارورة نفط فأحرقها وكانت لأيتام فأحرقت ما فيها
ثم أخذ قارورة أخرى ليضرب بها مكانا آخر فأتاه حجر فأصاب القارورة فكسرها
فاحترق هو بها فبقي ثلاثة أيام يعذب بالحريق ثم مات 78
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في شهر رمضان انكسفت الشمس جميعها وأظلمت الأرض حتى بقي الوقت كأنه ليل مظلم وظهرت الكواكب وكان ذلك ضحوة النهار يوم الجمعة التاسع والعشرين منه وكنت حينئذ صبيا بظاهر جزيرة ابن عمر مع شيخ لنا من العلماء أقرأ عليه الحساب فلما رأيت ذلك خفت خوفا شديدا وتمسكت به فقوى قلبي وكان عالما بالنجوم أيضا وقال لي الآن ترى هذا جميعه انصرف فانصرف سريعا
وفيها ولى الخليفة المشتضيء بأمر الله حجبة الباب أبا طالب نصر بن علي الناقد وكان يلقب في صغره قنبرا فصاروا يصيحون به ذلك إذا ركب فأمر الخليفة أن يركب معه جماعة من الأتراك ويمنعون الناس من ذلك فامتنعوا فلما كان قبل العيد خلع عليه ليركب في الموكب فاشترى جماعة من أهل بغداد من القنابر شيئا كثيرا وعزموا على إرسالها في الموكب إذ رأوا ابن الناقد فأنهى ذلك إلى الخليفة وقيل له يصير الموكب ضحكة فعزله وولى ابن المعوج
وفيها في ذي الحجة يوم العيد وقعت فتنة ببغداد بين العامة وبين الأتراك بسبب أخذ جمال النحر فقتل بينهم جماعة ونهب شيء كثير من الأموال ففرق الخليفة أموالا جليلة فيمن نهب ماله
وفيها زلزلت بلاد العجم من جهة العراق إلى ما وراء الري وهلك فيها خلق كثير وتهدمت دور كثيرة وأكثر ذلك كان بالري وقزوين
وفيها في ربيع الأخر استوزر سيف الدين غازي صاحب الموصل جلال الدين أبا الحسن بن جمال الدين محمد بن علي وكان جمال الدين وزير البيت الأتابكي وقد تقدمت أخباره وهو المشهور بالجود والإفضال ولما ولى جلال الدين الوزارة ظهرت منه كفاية عظيمةومعرفة تامة بقوانين الوزارة وله مكاتبات وعهود حسنة مدونة مشهورة وكان جوادا فاضلا خيرا وكان عمره لما ولى الوزارة خمسا وعشرين سنة
وفيها في ذي الحجة استناب سيف الدين أيضا عنه بقلعة الموصل مجاهد الدين قايماز وفوض إليه الأمور وكان قبل ذلك إليه الأمر بمدينة إربل وأعمالها وكان رحمه الله من صالحي الأمراء وأرباب المعروف بنى كثيرا من الجوامع والخانات في 79 الطرق والقناطر على الأنهار والربط وغير ذلك من أبواب البر وكان دائم الصدقة كثير الإحسان عادل السيرة رحمه الله
وفيها قبض الخليفة على سنجر المقتفوي أستاذ الدار ورتب مكانه أبا الفضل هبة الله بن علي بن هبة الله بن الصامت
وفيها في رمضان قدم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب الذي ملك اليمن إلى دمشق ولما سمع أن أخاه صلاح الدين ملكها حن إلى الوطن والأتراب ففارق اليمن وسار إلى الشام وأرسل من الطريق إلى أخيه صلاح الدين يعلمه بوصوله وكتب في الكتاب شعرا من قول ابن المنجم المصري
( وإلى صلاح الدين أشكوا أنني
من بعده مضني الجوامح مولع )
( جزعا لبعد الدار منه ولم أكن
لولا هواه لبعد دار أجزع )
( فلأركبن إليه متن عزائمي
ويخب بي ركب الغرام ويوضع )
( ولأقطعن من النهار هواجرا
قلب النهار بحرها يتقطع )
( ولأسرين الليل لا يسري به
طيف الخيال ولا البروق اللمع )
( وأقدمن إليه قلبي مخبرا
أني بجسمي من قريب أتبع )
( حتى أشاهد منه أسعد طلعة
من أفقها صبح السعادة يطلع )
وفي هذه السنة في المحرم برز صلاح الدين من دمشق وقد عظم شأنه بما ملكه من بلاد الشام وبكسره عسكر الموصل فخافه الفرنج وغيرهم وعزم على دخول بلدهم ونهبه والإغارة عليه فأرسلوا إليه يطلبون الهدنة معه فأجابهم إليها وصالحهم فأمر العساكر المصرية بالعودة إلى مصر والاستراحة إلى أن يعاود طلبهم وشرط عليهم أنه متى أرسل يستدعيهم لا يتأخرون فساروا إليها وأقاموا بها إلى أن استدعاهم للحرب مع سيف الدين على ما ذكرناه
وفيها مات أبو الحسن علي بن عساكر البطائحي المقري وكان قد سمع الحديث الكثير ورواه وكان نحويا جيدا
وفي ذي الحجة منها توفي أبوسعد محمد بن سعيد بن محمد بن الرزاز سمع 80 الحديث ورواه وله شعر جيد فمن ذلك أنه كتب إليه بعض أصدقائه مكاتبة وضمنها شعرا فأجابه
( يا من أياديه تغني من يعددها
وليس يحصي مداها من لها يصف )
( عجزت عن شكر ما أوليت من كرم
وصرت عبدا ولي في ذلك الشرف )
( أهديت منظوم شعر كله درر
فكل ناظم عقد عنده يقف )
( إذا أتيت ببيت منه كان لنا
قصرا ودر المعاني فوقه شرف )
( وإن أتيت أنا بيتا يناقضه
أتيت لكن ببيت سقفه يكف )
( ما كنت منه ولا من أهله أبدا
وإنما حين أدنو منه أقتطف ) 81
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة
ذكر نهب صلاح الدين بلد الإسماعيلية
لما رحل صلاح الدين حلب على ما ذكرناه قبل قصد بلاد الإسماعيلية في المحرم ليقاتلهم بما فعلوه من الوثوب عليه وإرادة قتله فنهب بلدهم وخربه وأحرقه وحصر قلعة مصيات وهي أعظم حصونهم وأحصن قلاعهم فنصب عليها المنجنيقات وضيق على من بها ولم يزل كذلك فأرسل سنان مقدم الإسماعيلية إلى شهاب الدين الحارمي صاحب حماة وهو خال صلاح الدين يسأله أن يدخل بينهم ويصلح الحال ويشفع فيهم ويقول له إن لم تفعل قتلناك وجميع أهل صلاح الدين فشفع فيهم وسأل الصفح عنهم فأجابه إلى ذلك وصالحهم ورحل عنهم وكان عسكره قد ملوا من طول البيكار وقد امتلأت أيديهم من غنائم عسكر الموصل ونهب بلد الإسماعيلية فطلبوا العود إلى بلادهم للاستراحة فأذن لهم وسار هو إلى مصر مع عسكرها لأنه كان قد طال عهده عنها ولم يمكنه المضي إليها فيما تقدم خوفا على بلاد الشام فلما انهزم سيف الدين وحصر هو حلب وملك بلادها واصطلحوا أمن على البلاد فسار إلى مصر وأمر ببناء سور على مصر والقاهرة التي على جبل المقطم دوره تسعة وعشرين ألف ذراع وثلثمائة ذراع بالذراع الهاشمي ولم يزل العمل فيه إلى أن مات صلاح الدين
ذكر ظفر للمسلمين بالفرنج وللفرنج بالمسلمين
كان شمس الدين محمد بن عبد الملك بن المقدم صاحب بعلبك فأتاه خبر أن جمعا من الفرنج قد قصدوا البقاع من أعمال بعلبك وأغاروا عليها فسار إليهم وكمن لهم في الشعراء والغياض وأوقع بهم وقتل فيهم وأكثر وأسر نحو مائتي 82 رجل منهم وسيرهم إلى صلاح الدين وكان شمس الدولة تورانشاه أخو صلاح الدين وهو الذي ملك اليمن وقد وصل إلى دمشق كما ذكرناه وهو فيها فسمع أن طائفة من الفرنج قد خرجوا من بلادهم إلى أعمال دمشق فسار إليهم ولقيهم عند عين الجر في تلك المروج فلم يثبت لهم وانهزم عنهم فظفروا بجمع من أصحابه فأسروهم منهم سيف الدين وأبو بكر بن السلار وهو من أعيان الجند الدمشقينين واجترأ الفرنج بعدها وانبسطوا في تلك الولاية وجبروا الكسر الذي ناله منهم ابن المقدم
ذكر عصيان صاحب شهرزور على سيف الدين وعوده الى طاعته
في هذه السنة عصي شهاب الدين محمد بن يزان صاحب شهرزور على سيف الدين غازي وكان في طاعته وتحت حكمه وكان سبب ذلك أن مجاهد الدين قايماز كان متوليا مدينة إربل وكان بينه وبين ابن يزان عداوة محكمة فلما استناب سيف الدين مجاهد الدين بالموصل خاف ابن يزان أن يناله منه أذى فأظهر الامتناع من النزول إلى الخدمة فأرسل إليه جلال الدين وزير سيف الدين كتابا يأمره بمعاودة الطاعة ويحذره عاقبة المخالفة وهو من أحسن الكتب وأبلغها في هذا المعنى ولولا خوف التطويل لذكرته فيطلب من مكاتباته فلما وصل إليه الكتاب والرسول بادر الى حضور الخدمة بالموصل وزال الخلف
ذكر فرج بعد شدة يتعلق بالتاريخ
بالقرب من جزيرة ابن عمر حصن منيع من أمنع المعاقل اسمه فنك وهو على رأس جبل عال وهو للأكراد البشنوية له بأيديهم نحو ثلثمائة سنة وكان صاحبه هذه السنة أميرا منهم اسمه ابراهيم وله اخ اسمه عيسى قد أخرج منه وهو لا يزال يسعى في أخذه من أخيه ابراهين فأطاعه بعض بطانة إبراهيم وفتح باب السر ليلا وأصعد منه إلى رأس القلعة نيفا وعشرين رجلا فقبضوا على إبراهيم ومن عنده ولم يكن عنده إلا نفر من خواصه وهذه قلة على صخرة كبيرة مرتفعة عن سائر القلعة ارتفاعا كثيرا وبها يسكن الأمير وأهله وخواصه وباقي الجند في القلعة تحت القلة فلما قبضوا إبراهيم جعلوه في خزانة وضربه بعضهم بسيف في يده على عاتقه فلم يصنع شيئا فلما جعل في الخزانة وكل به رجلين وصعد الباقون إلى سطح القلعة ولا 83 يشكون أن القلعة لهم لا مانع عنها ووصل من الغد بكرة الأمير عيسى ليتسلم القلعة وبينهما دجلة وكانت امرأة الأمير إبراهيم في خزانة أخرى وفيها شباك حديد ثقيل يشرف إلى القلعة فجذبته بيدها فانقلع وجند زوجها في القلعة لا يقدرون على شيء فلما قلعت الشباك أرادت أن تدلي حبلا ترفع به الرجال إليها فلم يكن عندها غير ثياب خام فوصلت بعضها ببعض ودلتها إلى القلعة وشدت طرفيها عندها في عود فأصعدت إليها عشرة رجال ولم يكن يراهم الذين على السطح ورأى الأمير عيسى وهو على جانب دجلة الرجال يصعدون فصاح هو ومن معه إلى أولئك الذين على السطح ليحذروا وكان كلما صاحوا صاح أهل القلعة لتختلف الأصوات فلا يفهم الذين على السطح فينزلون ويمنعون من ذلك فلما اجتمع عندها عشرة رجال أرسلت مع خادم عندها إلى زوجها قدح شراب وأمرته أن يقرب منه كأنه يسقيه الشراب ويعرفه الحال ففعل ذلك وجلس بين يديه ليسقيه وعرفه الحال فقال ازدادوا من الرجال فأصعدت عشرين رجلا وخرجوا من عندها فمد إبراهيم يده إلى الرجلين الموكلين به فأخذ شعورهما وأمر الخادم بقتلهما وكان عنده فقتلهما بسلاجهما فخرج واجتمع بأصحابه وأرادوا فتح القلعة ليصعد إليه أصحابه من القلة فلم يجد المفاتيح وكانت مع أولئك الرجال الذين على السطح فاضطروا إلى الصعود إلى سطح القلعة ليأخذوا أصحاب عيسى فعملوا الحال فجاؤوا ووقفوا على رأس الممرق فلم يقدر أحد يفعل فأخذ بعض أصحاب إبراهيم ترسا وجعله على رأسه وحصل في الدرجة وصعد وقاتل القوم على رأس الممرق حتى صعد أصحابه فقتلوا الجماعة وبقي منهم رجل القى نفسه من السطح فنزل الى اسفل الجبل فتقطع
فلما رأى عيسى ما حل بأصحابه عاد خائبا مما أمله واستقر الأمير ابراهيم في قلعته على حاله
ذكر نهب البندنيجين
في هذه السنة وصل الملك الذي بخوزستان عند شملة وهو ابن ملكشاه بن محمود الى البندنيجين فخربها ونهبها وفتك في الناس وسبى حريمهم وفعل كل 84 قبيح ووصل الخبر إلى بغداد فخرج الوزير عضد الدين وعرض العسكر ووصل العسكر الحلة وواسط مع طاشتكين أمير الحاج وغرغلي وساروا نحو العدو فلما سمع بوصولهم فارق مكانه وعاد وكان معه من التركمان جمع كثير فنهبهم عسكر بغداد ورجعوا من غير أمر بالعود فأنكر عليهم ذلك وأمروا بالعود إلى مواقفهم فعادوا لأوائل شهر رمضان وقد رجع الملك فنهب من البندنيجين ما كان سلم في الأول ووقعت بينهم وبين الملك وقعة ثم افترقوا فمضى الملك وفارق ولاية العراق
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في جمادى الأولى أقيمت الصلاة في الجامع الذي بناه فخر الدولة ابن المطلب بقصر المأمون غربي بغداد أمر صلاح الدين ببناء المدرسة التي على قبر الشافعي رضي الله عنه بمصر وعمل بالقاهرة بيمارستان ووقف عليهما الوقوف العظيمة الكبيرة
وفيها رأيت بالموصل خروفين ببطن واحد ورأسين وركبتين وظفرين وثماني قوائم كأنهما خروفان ببطن واحد وجه أحدهما الى وجه الآخر وهذا من العجائب
وفيها انقض كوكب أضاءت له الأرض إضاءة كثيرة وسمع له صوت عظيم وبقي أثره في السماء مقدار ساعة وذهب
وفيها توفي تاج الدين أبو علي الحسن بن عبد الله المظفر بن رئيس الرؤساء أخو الوزير عضد الدين وزير الخليفة
وفيها في المحرم توفي القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري قاضي دمشق وجميع الشام وإليه الوقوف بها والديوان وكان جوادا فاضلا رئيسا ذا عقل ومعرفة في تدبير الدول رحمه الله ورضي عنه 85
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
ذكر انهزام صلاح الدين بالرملة
في هذه السنة في جمادى الأولى سار صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر إلى ساحل الشام لقصد غزاة بلاد الفرنج وجمع معه عساكره وجنوده فلم يزالوا يجدون السير حتى وصلوا إلى عسقلان في الرابع والعشرين منه فنهبوا وأسروا وقتلوا وأحرقوا وتفرقوا في تلك الأعمال مغيرين فلما رأوا أن الفرنج لم يظهر لهم عسكرا ولا اجتمع لهم من يحمي البلاد من المسلمين طمعوا وانبسطوا وساحوا في الأرض آمنين
وصل صلاح الدين إلى الرملة عازما على أن يقصد بعض حصونهم ليحصره فوصل إلى نهر فازدحم الناس للعبور فلم يرعهم إلا والفرنج قد أشرفت عليهم بأطلابها وأبطالها وكان مع صلاح الدين بعض العسكر لأن أكثرهم تفرقوا في طلب الغنيمة فلما رآهم وقف لهم فيمن معه وتقدم بين يديه محمد ابن أخي صلاح الدين فباشر القتال بنفسه بين يدي عمه فقتل من أصحابه جماعة وكذلك من الفرنج وكان لتقي الدين ولد اسمه أحمد وهو من أحسن الشباب أول ما تكاملت لحيته فأمره أبوه بالحملة عليهم فحمل عليهم وقاتلهم وعاد سالما قد أثر فيهم أثرا كثيرا فأمره بالعودة إليهم ثانية فحمل عليهم فقتل شهيدا ومضى حميدا رحمه الله ورضي عنه وكان أشد الناس قتالا ذلك اليوم الفيه عيسى رحمه الله وتمت الهزيمة على المسلمين وحمل بعض الفرنج على صلاح الدين فقاربه حتى كاد يصل إليه فقتل الفرنجي بين يديه وتكاثر الفرنج عليه فمضى منهزما يسير قليلا ويقف ليلحقه العسكر إلى أن دخل الليل فسلك البرية إلى أن مضى في نفر يسير إلى مصر 86 ولقوا في طريقهم مشقة شديدة وقل عليهم القوات والماء وهلك كثير من دواب العسكر جوعا وعطشا وسرعة سير
وأما العسكر الذي كانوا دخلوا بلاد الفرنج في الغارة فإن أكثرهم ذهب ما بين قتيل وأسير وكان من جملة من أسر الفقيه عيسى الهكاري وهو من أعيان الأسدية وكان جمع العلم والدين والشجاعة وأسر ايضا أخوه الظهير وكانا قد سارا منهزمين فضلا الطريق فأخذا ومعها جماعة من أصحابهما وبقوا سنين في الأسر فافتدى صلاح الدين الفقيه عيسى بستين الف دينار وجماعة كثيرة من الأسرى ووصل صلاح الدين إلى القاهرة نصف جمادى الآخرة ورأيت كتابا كتبه صلاح الدين بخط يده إلى أخيه شمس الدولة تورانشاه وهو بدمشق يذكر الوقعة وفي أوله
( ذكرتك والخطي يخطر بيننا
وقد نهلت منا المثقفة السمر )
ويقول فيه لقد اشرفنا على الهلاك غير مرة وما أنجانا الله سبحانه منه إلا لأمر يريد سبحانه
( وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر
)
ذكر حصر الفرنج مدينة حماة
في هذه السنة في جمادى الأولى حصر الفرنج أيضا مدينة حماة وسبب ذلك أنه وصل من البحر الى الساحل الشامي كند كبير من الفرنج من أكبر طواغيتهم فرأى صلاح الدين بمصر وقد عاد منهزما فاغتنم خلو البلاد لأن شمس الدولة بن أيوب كان بدمشق ينوب عن صلاح الدين وليس عنده كثير من العسكر زكان أيضا كثير الانهماك في اللذات مائلا الى الراحات فجمع ذلك الكند الفرنجي من بالشام من الفرنج وفرق فيهم الأموال وسار الى مدينة حماة فحصرها وبها صاحبها شهاب الدين محمود الحارمي خال صلاح الدين وهو مريض شديد المرض وكان طائفة من العسكر الصلاحي بالقرب منها فدخلوا إليها وأغاثوا من بها وقاتل الفرنج على البلد قتالا شديدا وهجموا بعض الأيام على طرف منه وكادوا يملكون البلد قهرا وقسرا فاجتمع أهل البلد مع العسكر إلى تلك الناحية واشتد القتال وعظم الخطب على الفريقين واستقتل المسلمون وحاموا عن الأنفس والأهل والمال فأخرجوا الفرنج 87 من البلد إلى ظاهرة ودام القتال ظاهر البلد ليلا ونهارا وقويت نفوس المسلمين حين أخرجوهم من البلد وطمعوا فيهم وأكثروا فيهم القتل فرحل الفرنج حينئذ خائبين وكفى الله المسلمين شرهم فساروا إلى حارم فحصروها وكان مقامهم على حماة أربعة أيام ولما رحل الفرنج عن حماة مات صاحبها شهاب الدين الحارمي وكان له ابن من أحسن الناس شبابا مات قبله بثلاثة أيام
ذكر قتل كمشتكين وحصر الفرنج حارم
في هذه السنة قبض الملك الصالح بن نور الدين على سعد الدين كمشتكين وكان المتولي لأمر دولته والحاكم فيها وسبب قبضه أنه كان بحلب إنسان من أعيان أهلها يقال له أبو صالح بن العجمي وكان مقدما عند نور الدين محمود فلما مات نور الدين تقدم أيضا في دولة ولده الملك الصالح وصار بمنزلة الوزير الكبير المتمكن لكثرة أتباعه بحلب وصار كل من كان يحسد كمشتكين انضم إلى صالح وقووا جنانه وكثروا سواده وكان عنده إقدام وجراءة فصار واحد الدولة بحلب ومن يصدر الجماعة عن رأيه وأمره فبينما هو في بعض الأيام في الجامع وثب به الباطنية فقتلوه ومضى شهيدا وتمكن بعده سعد الدين وقوى حاله فلما قتل أحال الجماعة قتله على سعد الدين وقالوا هو وضع الباطنية عليه حتى قتلوه وذكروا ذلك للملك الصالح ونسبوه إلى العجز وأنه ليس له حكم وأن سعد الدين قد تحكم عليه واحتقره واستصغره وقتل وزيره ولم يزالوا به حتى قبض عليه وكانت قلعة حارم لسعد الدين قد أقطعه اياها الملك الصالح فامتنع من بها بعد قبضه وتحصنوا فيها فسير سعد الدين إليها تحت الاستظهار ليأمر اصحابه بتسليمها إلى الملك الصالح فأمرهم بذلك فامتنعوا فعذب كمشتكين وأصحابه يرونه ولا يرحمونه فمات في العذاب وأصر أصحابه على الامتناع والعصيان
فلما رأى الفرنج ذلك ساروا إلى حارم من حماة في جمادى الأولى على ما نذكره ظنا منهم أنهم لا ناصر لهم وان الملك الصالح صبي قليل العسكر وصلاح الدين بمصر فاغتنموا هذه الفرصة ونازلوها وأطالوا المقام عليها مدة أربعة أشهر ونصبوا عليها المنجنيقات والسلالم فلم يزالوا كذلك إلى أن بذل لهم الملك الصالح مالا وقال لهم أن صلاح الدين واصل إلى الشام وربما يسلم القلعة من بها إليه فأجابوه حينئذ إلى الرحيل عنها فلما رحلوا عنها سير إليها الملك 88 الصالح جيشا فحصروها وقد بلغ الجهد منهم بحصار الفرنج وصاروا كأنهم طلائع وكان قد قتل من أهلها وجرح كثير فسلموا القلعة إلى الملك الصالح فاستناب بها مملوكا كان لأبيه اسمه سرخك
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في المحرم خطب للسلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل بن محمد ابن ملكشاه المقيم عند أيلدكز بهمذان وكان ابوه أرسلان قد توفي
وفيها سابع شوال هبت ببغداد ريح عظيمة فزلزلت الأرض واشتد الأمر على الناس حتى ظنوا أن القيامة قد قامت فبقي ذلك ساعة ثم انجلت وقد وقع كثير من الدور ومات فيها جماعة كثيرة
وفيها رابع ذي القعدة قتل عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله ابن المظفر ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة وزير الخليفة وكان قد عزم على الحج فعبر دجلة ليسير وعبر معه أرباب المناصب وهو في موكب عظيم وتقدم إلى أصحابه أن لا يمنعوا عنه أحدا فلما وصل إلى باب قطيبا لقيه كهل فقال أنا مظلوم وتقدم ليسمع الوزير كلامه فضربه بسكين في خاصرته فصاح الوزير قتلني ووقع من الدابة وسقطت عمامته فغطى رأسه بكمه وضرب الباطني بسيف وعاد إلى الوزير فضربه وأقبل حاجب الباب ابن المعوج لينصر الوزير فضربه الباطني بسكين وقيل بل ضربه رفيق كان للباطني ثم قتل الباطني ورفيقه وكان لهما رفيق ثالث فصاح وبيده سكين فقتل ولم يعمل شيئا وأحرقوا ثلاثتهم وحمل الوزير إلى دار له هناك وحمل حاجب الباب مجروحا إلى بيته فمات هو والوزير وحمل الوزير فدفن عند أبيه بمقبرة الرباط عند جامع المنصور وكان الوزير قد رأى في المنام أنه معانق عثمان بن عفان وحكى عنه والده أنه اغتسل قبل خروجه وقال هذا غسل الإسلام وأنا مقتول بلا شك وكان مولده في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وخمسمائة وكان أبوه استاذ دار المقتفي لأمر الله فلما مات ولى هو مكانه كذلك إلى أن مات المقتفي فأقره المستنجد على ذلك ورفع قدره فلما ولى المستضيء استوزره وكان حافظا للقرآن سمع الحديث وله معروف كثير وكانت داره مجمعا 89 للعلماء وختمت أعماله بالشهادة وهو على قصد الحج
وفيها كانت فتنة ببغداد وسببها أنه حضر قوم من مسلمي المدائن إلى بغداد فشكوا من يهودها وقالوا لنا مسجد نؤذن فيه ونصلي وهو مجاور الكنيسة فقال لنا اليهود قد آذيتمونا بكثرة الأذان فقال المؤذن ما نبالي بذلك فاختصموا وكانت فتنة استظهر فيها اليهود فجاء المسلمون يشكون منهم فأمر ابن العطار وهو صاحب المخزن بحبسهم ثم أخرجوا فقصدوا جامع القصر واستغاثوا قبل صلاة الجمعة فخفف الخطيب الخطبة والصلاة فعادوا يستغيثون فأتاهم جماعة من الجند ومنعوهم فلما رأى العامة ما فعل بهم غضبوا نصرة للإسلام فاستغاثوا وقالوا أشياء قبيحة وقلعوا طوابيق الجامع ورجموا الجند فهربوا ثم قصد العامة دكاكين المخلطين لأن أكثرهم يهود فنهبوها واراد حاجب الباب منعهم فرجموه فهرب منهم وانقلب البلد وخربوا الكنيسة التي عند دار البساسيري وأحرقوا التوراة وأمر الخليفة أن تنقض الكنيسة التي بالمدائن وتجعل مسجدا وتصب بالرحبة أخشاب ليصلب عليها قوم من المفسدين فظنها العامة نصبت تخويفا لهم لأجل ما فعلوا فعلقوا عليها في الليل جرذانا ميتة وأخرج جماعة من الحبس لصوص فصلبوا عليها
وفيها في شعبان قبض سيف الدين غازي صاحب الموصل على وزيره جلال الدين علي بن جمال الدين لغير جرم ولا عجز ولا لتقصير بل لعجز سيف الدين فإن جلال الدين كان بينه وبين مجاهد الدين قايماز مشاحنة فقال مجاهد الدين لسيف الدين لا بد من قبض الوزير فقبض عليه كارها لذلك ثم شفع فيه ابن رئيس آمد لصهورة بينهما فأخرج وسار إلى آمد فمرض بها وعاد إلى دنيسر فمات سنة خمس وسبعين وعمره سبع وعشرين سنة وحمل إلى مدينة النبي فدفن عند والده في الرباط الذي بناه بها وكان رحمه الله من محاسن الدنيا جمع كرما وعلما ودينا وعفة وحسن سيرة واستحلفه سيف الدين أنه لا يمضي إلى صلاح الدين لأنه خاف أن يمضي إليه للمودة التي كانت بين جمال الدين وبين نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه فبلغني أن صلاح الدين طلبه فلم يقصده لليمين
وفيها اجتمع الفرنج طائفة منهم وقصدوا اعمال حمص فنهبوها وغنموا وأسروا وسبوا فسار ناصر الدين محمد بن شيركوه صاحب حمص وسبقهم ووقف على 90 طريقهم وكمن لهم فلما وصلوا إليه خرج إليه هو والكمين ووضعوا السيف فيهم فقتل أكثرهم وأسر جماعة من مقدميهم ومن سلم منهم لم يفلت إلا وهو مثخن بالجراح واسترد منهم جميع ما غنموا فرده على أصحابه
وفيها في ربيع الآخر توفي صدقة بن الحسين الحداد الذي ذيل تاريخ الزغواني ببغداد
وفيها في جمادى الأولى توفي محمد بن احمد بن عبد الجبار الفقيه الحنفي المعروف بالمشطب ببغداد 91
ثم دخلت سنة أربع وسبعين وخمسمائة
ذكر قصد الفرنج مدينة حماة أيضا
في هذه السنة في ربيع الأول سار جمع كثير من الفرنج بالشام إلى مدينة حماة وكثر جمعهم من الفرسان والرجالة طمعا في النهب والغارة فشنوا الغارة ونهبوا وخربوا القرى وأحرقوا وأسروا وقتلوا فلما سمع العسكر المقيم بحماة ساروا إليهم وهو قليل متوكلين على الله تعالى فالتقوا واقتتلوا وصدق المسلمون القتال فنصرهم الله تعالى وانهزم الفرنج وكثر القتل والأسر فيهم واستردوا ما غنموه من السواد وكان صلاح الدين قد عاد من مصر إلى الشام في شوال من السنة المتقدمة وهو نازل بظاهر حمص فحملت الرؤوس والأسرى والأسلاب إليه فأمر بقتل الأسرى فقتلوا
ذكر عصيان ابن المقدم على صلاح الدين وحصر بعلبك وأخذ البلد منه
في هذه السنة عصى شمس الدين محمد بن عبد الملك المقدم على صلاح الدين ببعلبك وكانت له قد سلمها إليه صلاح الدين لما فتحها جزاء له حيث سلم إليه ابن المقدم دمشق على ما سبق ذكره فلم تزل بيده إلى الآن فطلب شمس الدولة محمد بن أيوب أخو صلاح الدين منه بعلبك وألح عليه في طلبها لأن تربيته ومنشأة كان بها وكان يحبها ويختارها على غيرها من البلاد وكان الأكبر فلم يمكن صلاح الدين مخالفته فأمر شمس الدين بتسليمها إلى أخيه ليعوضه عنها فلم يجب إلى ذلك وذكره العهود التي له وما اعتمده معه من تسليم البلاد إليه فلم يصغ إليه وألح في أخذها وسار ابن المقدم إليها واعتصم بها فوجه إليه صلاح الدين عسكرا وحصره بها مدة ثم رحل عنها من غير أن يأخذها وترك عليه عسكرا يحصره فلما طال عليه 92 الحصار أرسل إلى صلاح الدين يطلب العوض عنها ليسلمها إليه فعوضه عنها وسلمها فأقطعها صلاح الدين أخاه شمس الدولة
ذكر الغلاء والوباء العام
في هذه السنة انقطعت الأمطار بالكلية في سائر البلاد الشامية والجزيرة والعراقية والديار البكرية والموصل وبلاد الجبل وخلاط وغيرذلك واشتد الغلاء وكان عاما في سائر البلاد فبيعت الغرارة الحنطة بدمشق وهي أربعة عشر مكوكا بالموصلي بعشرين دينارا صورية عتق وكان الشعير بالموصل كل ثلاث مكاكي بدينار أميري وفي سائر البلاد ما يناسب ذلك واستسقى الناس في أقطار الأرض فلم يسقوا وتعذرت الأقوات وأكلت الناس الميتة وما ناسبها ودام كذلك إلى آخر سنة خمس وسبعين ثم تبعه بعد ذلك وباء شديد عام أيضا كثر فيه الموت وكان مرض الناس شيئا واحدا وهو السرسام وكان الناس لا يلحقون يدفنون الموتى
إلا أن بعض البلاد كان أشد من البعض ثم إن الله تعالى رحم العباد والبلاد والدواب وأرسل الأمطار وأرخص الأسعار
ومن عجيب ما رأيت أنني قصدت رجلا من العلماء الصحالحين الجزيرة لأسمع عليه شيئا من حديث النبي في شهر رمضان سنة خمس وسبعين والناس في أشد ما كانوا غلاء وقنوطا من الأمطار وقد توسط الربيع ولم تجيء قطرة واحدة من المطر فبينما أنا جالس ومعي جماعة تنتظر الشيخ وإذ قد أقبل إنسان تركماني قد أثر عليه الجوع وكأنه قد أخرج من قبر فبكى وشكى الجوع فأرسلت من يشتري له خبزا فتغيمت السماء وجاءت نقط من المطر متفرقة فضج الناس واستغاثوا ثم جاء الخبز فأكل التركماني بعضه وأخذ الباقي ومشى واشتد المطر ودام المطر من تلك الليلة
ذكر غارات الفرنج على بلاد المسلمين
في هذه السنة في ذي القعدة اجتمع الفرنج وساروا إلى بلد دمشق مع ملكهم فأغاروا على أعمالها فنهبوها وأسروا وقتلوا وسبوا فأرسل صلاح الدين 93 فرخشاه ولد أخيه في جمع من العسكر إليهم وأمر أنه إذا قاربهم يرسل إليه يخبره على جناح طائر ليسير إليه وتقدم إليه أن يأمر أهل البلاد بالنتزاح من بين يدي الفرنج فسار فرخشاه في عسكره يطلبهم فلم يشعر إلا والفرنج قد خالطوه فاضطر إلى القتال فاقتتلوا أشد قتال رآه الناس وألقى فرخشاه نفسه عليهم وغشى الحرب ولم يكلها إلى سواه
فانهزم الفرنج ونصر المسلمون عليهم وقتل من مقدميهم جماعة ومنهم هنفري وما أدراك ما هنفري كان يضرب به المثل في الشجاعة والرأي في الحرب وكان بلاء صبه الله على المسلمين فأراح الله من شره وقتل غيره من أضرابه ولم يبلغ عسكر فرخشاه ألف فارس
وفيها أيضا أغار البرنس صاحب انطاكية واللاذقية على حشير المسلمين بشيزر وأخذه وأغار صاحب طرابلس على جمع كثير من التركمان فأجحف بأموالهم وكان صلاح الدين على بانياس على ما نذكره إن شاء الله فسير ولد أخيه تقي الدين عمر إلى حماة وابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه إلى حمص وأمرهما بحفظ البلاد وحياطة أطرافها من العدو دمرهم الله تعالى
ذكر عدة حوادث
ليلة النصف من ربيع الآخر انكسف القمر نحو ثلث الليل الأخير وغاب منكسفا
وفيها ايضا في التاسع والعشرين انكسفت الشمس وقت العصر فغربت منكسفة
وفي هذه السنة في شعبان توفي الحيص بيص الشاعر واسمه سعد بن محمد بن سعد أبو الفوارس وكان قد سمع الحديث ومدح الخلفاء والسلاطين والأكابر وشعره مشهور فمنه قوله
( كلما أوسعت حلمي جاهلا
أوسع الفحش له فحش المقال )
( وإذا شاردة فهت بها
سبقت مر النعامي والشمال )
( لا تلمني في شقائي بالعلا
رغد العيش لربات الحجال )
( سيف عز زانه رونقه
فهو بالطبع غني عن صقال ) 94
وفي المحرم ماتت شهدة بنت أحمد بن عمر بن الإبري وسمعت الحديث من السراج وطراد وغيرهما وعمرت هي قاربت مائة سنة وسمع عليها خلق كثير الحديث لعلو إسنادها 95
ثم دخلت سنة خمس وسبعين وخمسمائة
ذكر تخريب الحصن الذي بناه الفرنج عند مخاضة الأحزان
كان الفرنج قد بنوا حصنا منيعا يقارب بانياس عند بيت يعقوب عليه السلام بمكان يعرف بمخاضة الأحزان فلما سمع صلاح الدين بذلك سار من دمشق إلى بانياس وأقام بها وبث الغارات على بلاد الفرنج ثم سار إلى الحصن وحصره ليخبره ثم يعود إليه عند اجتماع العساكر فلما نازل الحصن قاتل من به من الفرنج ثم عاد عنه فلما دخلت سنة خمس وسبعين لم يفارق بانياس بل أقام بها وخيله تغير على بلاد العدو وأرسل جماعة من عسكره مع جالي الميرة فلم تشعر إلا والفرنج مع ملكهم قد خرجوا عليهم فأرسلوا إلى صلاح الدين يعرفونه الخبر فسار في العساكر مجدا حتى وافاهم وهم في القتال فقاتل الفرنج قتالا شديدا وحملوا على المسلمين عدة حملات كادوا يزيلونهم عن مواقفهم ثم أنزل الله نصره على المسلمين وهزم المشركين وقتلت منهم مقتلة كثيرة ونجا ملكهم فريدا وأسر منهم كثير منهم ابن بيرزان صاحب الرملة ونابلس وهو أعظم الفرنج محلا بعد الملك وأسروا أيضا أخاه صاحب جبيل وصاحب طبرية ومقدم الداوية ومقدم الاسبتارية وصاحب جينين وغيرهم من مشاهير فرسانهم وطواغيتهم
فأما ابن بيرزان فإنه فدى نفسه بمائة ألف وخمسين ألف دينار صورية وإطلاق ألف أسير من المسلمين وكان أكثر العمل في هذا اليوم لعز الدين فرخشاه ابن أخي صلاح الدين وحكى عنه قال ذكرت في تلك الحال بيتي المتنبي وهما
( فإن تكن الدولات قسما فإنها
لمن يرد الموت الزؤام تؤول )
( ومن هون الدنيا على النفس ساعة
وللبيض في هام الكماة صليل ) 96
فهان الموت في عيني فألقيت نفسي إليه وكان ذلك سبب الظفر ثم عاد صلاح الدين إلى بانياس من موضع المعركة وتجخز للدخول الى ذلك الحصن ومحاصرته فسار اليه في ربيع الأول وأحاط به وقوى طمعه بالهزيمة المذكورة في فتحه وبث العساكر في بلد الفرنج للإغارة ففعلوا ذلك وجمعوا من الأخشاب والزرحون شيئا كثيرا ليجعله متارس للمنجنيقات فقال له جاولي الأسدي وهو مقدم الأسدية ومن أكابر الأمر الرأى أننا نجربهم بالزحف أول مرة ونذوق قتال من به وننظر الحال معهم فإن استضعفناهم وإلا فنصب المنجنيقات ما يفوت فقبل رأيه وأمر فنودي بالزحف إليه والجد في قتاله فزحفوا واشتد القتال وعظم الأمر فصعد إنسان من العامة بقميص خلق في باشورة الحصن وقاتل على السور لما علاه وتبعه غيره من أضرابه ولحق بهم الجند فملكوا الباشورة فصعد الفرنج حينئذ منها لإلى أسوار الحصن ليحموا نفوسهم وحصنهم إلى أن يأتيهم المدد وكان الفرنج قد جمعوا بطبرية فألح المسلمون في قتال الحصن خوفا من وصول الفرنج إليهم وإزاحتهم عنه وأدركهم الليل فأمر صلاح الدين بالمبيت بالباشورة النيران فيه وانتظروا سقوط السور فلم يسقط لعرضه فإنه كان تسعة أذرع بالنجاري يكون الذراع ذراعا ونصفا فانتظروه يومين فلم يسقط فأمر صلاح الدين بإطفاء النار التي في النقب فحمل الماء وألقى عليها فطفئت وعاد النقابون فنقبوا وخرقوا السور وألقوا فيه النار فسقط يوم الخميس لست بقين من ربيع الأول ودخل المسلمون الحصن عنوة وأسروا كل من فيه وأطلقوا من كان به من أسارى المسلمين وقتل صلاح الدين كثيرا من أسرى الفرنج وأدخل الباقين إلى دمشق فسجنوا وأقام صلاح الدين بمكانه حتى هدم الحصن وعفى أثره وألحقه بالأرض وكان قد بذل للفرنج ستين ألف دينار مصرية ليهدموه بغير قتل فلم يفعلوا ظنا منهم أنه إذا بقي بناؤه تمكنوا به من كثير من بلاد الإسلام وأما الفرنج فاجتمعوا بطبرية ليحموا الحصن فلما أتاهم الخبر بأخذه فت في أعضادهم فتفرقوا إلى بلادهم وأكثر الشعراء فيه فمن ذلك قول صديقنا النشو بن نفاذة رحمه الله
( هلاك الفرنج أتى عاجلا
وقد آن تكسير صلبانها )
( ولو لم يكن قد دنا حتفها
لما عمرت بيت أحزانها ) 97
وقول علي بن محمد الساعاتي الدمشقي
( أتسكن أوطان النبيين عصبة
تمين لدى أيمانها وهي تحلف )
( نصحتكم والنصح للدين واجب
ذروا بيت يعقوب جاء يوسف )
ذكر الحرب بين عسكر صلاح الدين وعسكر قلج أرسلان
في هذه السنة كان الحرب بين عسكر صلاح الدين يوسف بن أيوب ومقدمهم ابن أخيه تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب وبين عسكر الملك قلج ارسلان بن مسعود بن قلج أرسلان صاحب بلاد قونية واقصرا وسببها أن نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر رحمه الله كان قد أخذ قديما من قلج ارسلان حصن رعبان وكان بيد شمس الدين بن المقدم إلى الآن فطمع فيه قلج أرسلان بسبب أن الملك الصالح بحلب بينه وبين صلاح الدين فأرسل اليه من يحضره فاجتمع عليه جمع كثير يقال كانوا عشرين ألف فأرسل اليهم صلاح الدين تقي الدين في ألف فارس فواقعهم وقاتلهم وهزمهم وأصلح حال تلك الولاية وعاد إلى صلاح الدين ولم يحضر معه تخريب حصن الأحزان فكان يفتخر ويقول هزمت بألف مقاتل عشرين ألفا
ذكر وفاة المستضيء بأمر الله وخلافة الناصر لدين الله
في هذه السنة في ثاني ذي القعدة توفي الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين أبو محمد الحسن بن يوسف المستنجد رضي الله عنه وأمه أم ولد أرمنية تدعى غضة وكانت خلافته نحو تسع سنين وسبعة أشهر وكان مولده سنة ست وثلاثين وخمسمائة وكان عادلا حسن السيرة في الرعية كثير البذل للأموال غير مبالغ في أخذ ما جرت العادة بأخذه وكان الناس معه في أمن عام وإحسان شامل وطمأنينة وسكون لم يروا مثله وكان حليما قليل المعاقبة على الذنوب محبا للعفو والصفح عن المذنبين فعاش حميدا ومات سعيدا رضي الله عنه فلقد كانت أيامه كما قيل
( كأن أيامه من حسن سيرته
مواسم الحج والأعياد والجمع )
ووزراؤه عضد الدين أبو الفرج بن رئيس الرؤساء إلى أن قتل في ذي القعدة سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
ولما قتل حكم في الدولة ظهير الدين أبو بكر منصور 98 ابن نصر المعروف بابن العطار وكان جبيرا حسن السيرة كثير العطاء وتمكن تمكنا كثيرا فلما مات المستضيء قام ظهير الدين بن العطار في أخذ البيعة لولده الناصر لدين الله أمير المؤمنين فلما تمت البيعة صار الحاكم في الدولة أستاذ الدار مجد الدين أبا الفضل بن الصاحب
وفي سابع ذي القعدة قبض على ابن العطار ظهير الدين ووكل عليه في داره ثم نقل إلى التاج وقيد ووكل به وطلب ودائعه وأمواله وفي ليلة الأربعاء ثامن عشر ذي القعدة أخرج ميتا على رأس حمال سرا فغمز به بعض الناس فصار به العامة فألقوه عن رأس الحمال وكشفوا سوأته وشدوا في ذكره حبلا وسحبوه في البلد وكانوا وضعوا بيده مغرفة يعني أنها قلم وقد غمسوها في العذرة ويقولون وقع لنا يا مولانا إلى غير هذا من الأفعال الشنيعة ثم خلص من أيديهم ودفن هذا فعلهم به مع حسن سيرته فيهم وكفه عن أموالهم وأعراضهم وسيرت الرسل إلى الآفاق لأخذ البيعة فسير صدر الدين شيخ الشيوخ إلى البهلوان صاحب همذان وأصفهان والري وغيرها فامتنع من البيعة فراجعه صدر الدين وأغلظ له في القول حتى إنه قال لعسكره في حضرته ما لهذا عليكم طاعة ما لم يبالغ أمير المؤمنين بل يجب عليكم أن تخلعوه من الامارة وتقاتلوه فاضطر إلى البيعة والخطبة وأرسل رضي الدين القزويني مدرس النظامية إلى الموصل لأخذ البيعة فبايع صاحبها وخطب للخليفة الناصر لدين الله
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة هبت ريح سوداء مظلمة بالديار الجزرية والعراق وغيرها وعمت أكثر البلاد من الظهر إلى أن مضى من الليل ربعه وبقيت الدنيا مظلمة لا يكاد الإنسان يبصر صاحبه وكنت حينئذ بالموصل فصلينا العصر والمغرب والعشاء الآخرة على الظن والتخمين وأقبل الناس على التضرع والتوبة والاستغفار وظنوا أن القيامة قد قامت فلما مضى مقدار ثلث الليل زال ذلك الظلام والعتمة التي غطت السماء فنظرنا فرأينا النجوم فعلمنا مقدار ما مضى من الليل لأن الظلام لم يزد بدخول الليل وكان كل من يصل من جهة من الجهات يخبر بمثل ذلك
وفيها في ذي القعدة نزل شمس الدولة أخو صلاح الدين عن بعلبك وطلب 99 عوضا عنها الإسكندرية فأجابه صلاح الدين الى ذلك وأقطع بعلبك لعز الدين فرخشاه ابن أخيه فسار إليها وجمع أصحابه وأغار على بلاد الفرنج حتى وصل الى قلعة صفد وهي مطلة على طبرية فسبى وأسر وغنم وخرج وفعل في الفرنج أفاعيل عظيمة وأما شمس الدولة فإنه سار إلى مصر وأقام بالاسكندرية وإذا أراد الله أن يقبض رجلا بأرض جعل له إليها حاجة فإنه أقام بها إلى أن مات بها
وفيها قارب الجامع الذي بناه مجاهد الدين قايماز بظاهر الموصل من جهة باب الجسر الفراغ وأقيمت فيه الصلوات الخمس والجمعة وهو من أحسن الجوامع
وفيها توفي أحمد بن عبد الرحمن الصوفي شيخ رباط الزوزني وسمع الحديث وكان يصوم الدهر
وعبد الحق بن عبد الخالق بن يوسف سمع الحديث ورواه وهو من بيت الحديث والقاضي عمر بن علي بن الخضر أبو الحسن الدمشقي سمع الحديث ورواه وولي قضاء الحريم وعلي بن أحمد اليزيدي سمع الحديث الكثير وله وقف كتب كثيرة ببغداد وكان زاهدا خيرا صالحا ومحمد بن علي بن حمزة بن الاقساسي نقيب العلويين بالكوفة وكان ينشد كثيرا
( رب قوم في خلائقهم
غرر قد صيروا غررا )
( ستر المال القبيح لهم
سترى إن زال ما سترا )
ومحمد بن محمد بن عبد الكريم المعروف بابن سديد الدولة الأنباري كاتب الإنشاء بعد أبيه وأبو الفتوح نصر بن عبد الرحمن الدامغاني الفقيه كان مناظرا حسن المناظرة كثير العبادة ودفن عند قبر أبي حنيفة 100
ثم دخلت سنة ست وسبعين وخمسمائة
ذكر وفاة سيف الدين صاحب الموصل
وولاية أخيه عز الدين بعده
في هذه السنة ثالث صفر توفي سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي صاحب الموصل وديار الجزيرة وكان مرضه السل وطال به ثم أدركه في آخره برسام ومات
ومن عجيب ما يحكى أن الناس خرجوا سنة خمس وسبعين يستسقون لانقطاع الغيث وشدة الغلاء وخرج سيف الدين في موكبه فثار به الناس وقصدوه بالاستغاثة وطلبوا منه أن يأمر بالمنع من بيع الخمر فأجابهم إلى ذلك فدخلوا البلد وقصدوا مساكن الخمارين وخربوا أبوابها ودخلوها ونهبوها وأرقوا ما بها من خمور وكسروا الظروف وعملوا ما لا يحل فاستغاث أصحاب الدور الى نواب السلطان وخصوا بالشكوى رجلا من الصالحين يقال له أبو الفرج الدقاق ولم يكن في الذي فعله العامة من النهب وما لا يجوز فعله إنما هو أراق الخمور ونهى العامة عن الذي يفعلونه فلم يسمعوا منه فلما شكى الخمارون منه أحضر بالقلعة وضرب على رأسه فسقطت عمامته فلما أطلق لينزل من القلعة نزل مكشوف الرأس فأرادوا تغطيته بعمامته فلم يفعل وقال والله لا غطيت رأسي حتى ينتقم الله لي ممن ظلمني فلم يمض غير أيام حتى توفي الزردار الذي تولى أذاه ثم بعقبه مرض سيف الدين واستمر إلى أن مات وعمره حينئذ نحو ثلاثين سنة وكانت ولايته عشر سنين وثلاثة أشهر وكان حسن الصورة مليح الشباب تام القامة أبيض اللون وكان عاقلا وقورا قليل الالتفات إذا ركب وإذا جلس عفيفا لم يذكر عنه ما ينافي العفة وكان غيورا شديد الغيرة لا يدخل دوره غير الخدم الصغار فإذا كبر أحدهم منعه وكان لا يحب سفك الدماء ولا أخذ الأموات على شح فيه وجبن ولما اشتد مرضه أراد أن يعهد 101 بالملك لابنه معز الدين سنجرشاه وكان عمره حينئذ اثنتي عشر سنة فخاف على الدولة من ذلك لأن صلاح الدين يوسف بن أيوب كان قد تمكن بالشام وقوى أمره وامتنع اخوه عز الدين مسعود بن مودود من الإذعان لذلك والإجابة إليه فأشار الأمراء الاكابر ومجاهد الدين قايماز بأن يجعل الملك بعده في عز الدين أخيه لما هو عليه من كبر السن والشجاعة والعقل وقوة النفس وأن يعطي ابنيه بعض البلاد ويكون مرجعهما إلى عز الدين عمهما والمتولي لأمرهما مجاهد الدين قايماز ففعل ذلك وجعل الملك في أخيه وأعطى جزيرة ابن عمر وقلاعها لولده سنجر شاه وقلعة عقر الحميدية لولده الصغير ناصر الدين كسك فلما توفي سيف الدين ملك بعده الموصل والبلاد أخوه عز الدين وكان المدبر للدولة مجاهد الدين وهو الحاكم في الجميع واستقرت الأمور ولم يختلف اثنان
ذكر مسير صلاح الدين لحرب قلج أرسلان
في هذه السنة سار صلاح الدين يوسف بن أيوب من الشام إلى بلاد قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان وهي ملطية وسنواس وما بينهما وقونية ليحاربه وسبب ذلك أن نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود صاحب حصن كيفا وغيره من ديار بكر كان قد تزوج ابنة قلج أرسلان المذكور وبقيت عنده مدة ثم إنه أحب مغنية فتزوجها ومال إليها وحكمت في بلاده وخزائنه وأعرض عن ابنة قلج أرسلان وتركها نسيا منسيا فلبغ أباها الخبر فعزم على نور الدين وأخذ بلاده فأرسل نور الدين إلى صلاح الدين يستجير به ويسأله كف يد قلج أرسلان عنه فأرسل صلاح الدين إلى قلج أرسلان في المعنى فأعاد الجواب إنني كنت قد سلمت إلى نور الدين عدة حصون تجاور بلاده لما تزوج ابنتي فحيث آل الأمر معه إلى ما يعلمه فأنا أريد أن يعيد إلي ما أخذه مني وترددت الرسل بينهما فلم يستقر حال فيهما فهادن صلاح الدين الفرنج وسار في عساكره وكان الملك الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود بها فتركها ذات اليسار وسار على تل باشر إلى رعبا فأتاه بها نور الدين محمد وأقام عنده 102
فلما سمع قلج أرسلان بقربه منه أرسل إليه أكبر أمير عنده ويقول له إن هذا الرجل فعل مع ابنتي كذا ولا بد من قصد بلاده وتعريفه محل نفسه فلما وصل الرسول واجتمع بصلاح الدين وأدى الرسالة امتعض صلاح الدين لذلك واغتاظ وقال للرسول قل لصاحبك والله الذي لا إله إلا هو لئن لم يرجع لأسيرن إلى ملطية وبيني وبينها يومان ولا أنزل عن فرسي إلا في البلد ثم أقصد جميع بلاده وآخذها منه فرأى الرسول أمرا شديدا فقام من عنده وكان قد رأى العسكر وما هو عليه من القوة والتجمل وكثرة السلاح والدواب
وغير ذلك ليس عنده ما يقاربه فعلم أنه إن قصدهم أخذ بلادهم فأرسل إليه من الغد يطلب أن يجتمع به فأحضره فقال له أريد أن أقول شيئا من عندي ليس رسالة عن صاحبي وأحب أن تنصفني فقال له قل قال يا مولانا ما هو قبيح بمثلك وأنت أعظم السلاطين وأكبرهم شأنا أن تسمع الناس عنك إنك صالحت الفرنج وتركت الغزو ومصالح المملكة وأعرضت عن كل ما فيه صلاح لك ولرعيتك وللمسلمين عامة وجمعت العساكر من أطراف البلاد البعيدة والقريبة وسرت وخسرت أنت وعساكرك الأموال العظيمة لأجل قحبة مغنية ما يكون عذرك عند الله تعالى ثم عند الخليفة وملوك الإسلام وكافة العالم وأحسب أن أحدا ما يواجهك بهذا أما يعلمون أن الأمر هكذا ثم أحسب أن قلج ارسلان مات وهذه ابنته قد أرسلتني إليك تستجيرك وتسألك أن تنصفها من زوجها فإن فعلت فهو الظن بك أن لا تردها فقال والله الحق بيدك وإن الأمر لكما تقول ولكن هذا الرجل دخل علي واستجار بي ويقبح بي تركه لكنك أنت اجتمع به وأصلح الحال بينكم على ما تحبون وأنا أعينكم عليه وأقبح فعله ووعد من نفسه بكل جميل فاجتمع الرسول بصاحب الحصن وتردد القول بينهم فاستقر أن صاحب الحصن يخرج المغنية عنه بعد سنة وإن كان لا يفعل ينزل صلاح الدين عن نصرته ويكون هو وقلبج أرسلان عليه واصطلحوا على ذلك وعاد صلاح الدين عنه إلى الشام وعاد نور الدين إلى بلاده فلما انقضت المدة أخرج نور الدين المغنية عنه فتوجهت إلى بغداد وأقامت بها إلى أن ماتت
ذكر قصد صلاح الدين بلد ابن ليون الأرمني
وفيها قصد صلاح الدين بلد ابن ليون الأرمني بعد فراغه من أمر قلج أرسلان 103 وسبب ذلك أن ابن ليون الأرمني كان قد استمال قوما من التركمان وبذل لهم الأموال فأمرهم أن يرعوا مواشيهم في بلاده وهي بلاد حصينة كلها حصون منيعة والدخول إليها صعب لأنها مضايق وجبال وعرة ثم غدر بهم وسبى حريمهم وأخذ أموالهم وأسر رجالهم
بعد أن قتل منهم من حان أجله ونزل صلاح الدين على النهر الأسود وبث الغارات على بلاده فخاف ابن ليون على حصن له على رأس جبل أن يؤخذ فخربه وأحرقه فسمع صلاح الدين بذلك فأسرع السير إليه فأدركه قبل أن ينقل ما فيه من ذخائر وأقوات فغنمها وانتفع المسلمون بما غنموه فأرسل ابن ليون يبذل إطلاق من عنده من الأسرى والسبى وإعادة أموالهم على أن يعودوا عن بلاده فأجابه صلاح الدين إلى ذلك واستقر الحال وأطلق الأسرى وأعيدت أموالهم وعاد صلاح الدين عنه في جمادى الآخرة
ذكر ملك يوسف بن عبد المؤمن مدينة قفصة بعد خلاف صاحبها عليه
في هذه السنة سار أيو يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن إلى أفريقية وملك قفصة وكان سبب ذلك أن صاحبها علي بن المعز بن المعتز لما رأى دخول الترك إلى أفريقية واستيلاءهم على بعضها وانقياد العرب إليهم طمع أيضا في الاستبداد والانفراد عن يوسف وكان في طاعته فأظهر ما في نفسه وخالفه وأظهر العصيان ووافقه أهل قفصة فقتلوا كل من كان عندهم من الموحدين أصحاب أبي يعقوب وكان ذلك في شوال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة فأرسل والي بجاية إلى يوسف بن عبد المؤمن يخبره باضطراب أمور البلاد واجتماع كثير من العرب إلى قراقوش التركي الذي دخل الى افريقية وقد تقدم ذكر ذلك وما جرى في قفصة من قتل الموحدين ومساعدة أهل قفصة صاحبهم على ذلك فشرع في سد الثغور التي يخافها بعد مسيرة فلما فرغ من جميع ذلك تجهز العسكر وسار إلى أفريقية سنة خمس وسبعين ونزل على مدينة قفصة وحصرها ثلاثة أشهر وهي بلدة حصينة وأهلها أنجاد وقطع شجرها فلما اشتد الأمر على صاحبها وأهلها خرج منها مستخفيا لم يشعر به أحد من أهل قفصة ولا من عسكره وسار إلى خيمة يوسف وعرف حاجبه أنه قد حضر إلى أمير المؤمنين يوسف فدخل الحاجب وأعلم يوسف بوصول صاحب قفصة إلى باب خيمته فعجب منه كيف أقدم على الحضور عنده بغير عهد وأمر بإدخاله عليه فدخل وقبل يده وقال 104 قد حضرت أطلب عفو أمير المؤمنين عني وعن أهل بلدي وأن يفعل ما هو أهله واعتذر فرق له يوسف فعفا عنه وعن أهل البلد وتسلم المدينة أول سنة ست وسبعين وسير علي بن المعز صاحبها إلى بلاد المغرب فكان فيها مكرما عزيزا وأقطعه ولاية كبيرة ورتب يوسف لقفصة طائفة من أصحابه الموحدين وحضر مسعود بن زمام أمير العرب عند يوسف أيضا فعفا عنه وسيره الى مراكش وسار يوسف إلى المهدية فأتاه بها رسول ملك الفرنج صاحب صقلية يلتمس منه الصلح فهادنه عشر سنين وكانت بلاد أفريقية مجدبة فتعذر على العسكر القوت وعلف الدواب فسار الى المغرب مسرعا والله أعلم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة توفي شمس الدولة تورانشاه بن أيوب أخو صلاح الدين الأكبر بالاسكندرية وكان قد أخذها من أخيه إقطاعا فأقام بها فتوفى وكان له أكثر بلاد اليمن ونوابه هناك يحملون إليه الأموال من زبيد وعدن وما بينهما من البلاد والمعاقل وكان أجود الناس واسخاهم كفا يخرج كل ما يحمل إليه من أموال اليمن ودخل الإسكندرية وحكمه في بلاد أخيه صلاح الدين وأمواله نافذ ومع هذا فلما مات كان عليه نحو مائتي ألف دينار مصرية دين فوفاها أخوه صلاح الدين عنه لما دخل الى مصر فإنه لما بلغه خبر وفاته سار إلى مصر في شعبان من السنة واستخلف بالشام عز الدين فرخشاه ابن أخيه شاهنشاه وكان عاقلا حازما شجاعا
وفيها توفي أبو طاهر احمد بن محمد بن سلفة الأصفهاني بالاسكندرية وكان حافظ الحديث وعالما به سافر في طلب الكثير وتوفي أيضا في المحرم علي بن عبد الرحيم المعروف بابن العصار اللغوي ببغدام وسمع الحديث وكان من أصحاب ابن الجواليقي 105
ثم دخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة
ذكر غزاة إلى بلاد الكرك من الشام
في هذه السنة سار فرخشاه نائب صلاح الدين بدمشق إلى أعمال كرك ونهبها وسبب ذلك أن البرنس أرناط صاحب الكرك كان من شياطين الفرنج ومردتهم وأشدهم عداوة للمسلمين فتجهز وجمع عسكره ومن أمكنه الجمع وعزم على المسير في البر إلى تيماء ومنها إلى مدينة النبي للاستيلاء على تلك النواحي الشريفة فسمع عز الدين فرخشاه ذلك فجمع العساكر الدمشقية وسار إلى بلده ونهبه وخربه وعاد إلى طرف بلادهم وأقام بها لمنع البرنس من المسلمين فامتنع من مقصده فلما طال مقام كل واحد منهما في مقابلة الآخر علم البرنس أن المسلمين لا يعودون حتى تفرق جمعه وانقطع طمعه من الحركة فعاد فرخشاه إلى دمشق وكفى الله المؤمنين من الكفار
ذكر تلبيس ينبغي أن يحتاط من مثله
كان سيف الدولة مبارك بن كامل بن منفذ الكناني ينوب عن شمس الدولة أخي صلاح الدين باليمن وتحكم في الأموال والبلاد بعد أن فرقها شمس الدولة كما ذكرنا وكان هواه بالشام لأنه وطنه فأرسل إلى شمس الدولة يطلب الإذن في المجيء إليه فأذن له في المجيء فاستناب بزبيد أخاه حطان بن كامل بن منقذ الكناني وعاد إلى شمس الدولة وكان معه بمصر فمات شمس الدولة وبقي مع صلاح الدين فقيل عنه إنه أخذ أموال اليمن وادخرها وسعى به أعداؤه فلم يعارضه صلاح الدين فلما كان هذه السنة وصلاح الدين بمصر اصطنع سيف الدولة طعاما وعمل دعوة كبيرة ودعا إليها أعيان الدولة الصلاحية بقرية تسمى العدوية وأرسل أصحابه يتجهزون من البلد ويشترون ما يحتاجون إليه من الأطعمة وغيرها فقيل لصلاح الدين 106 إن ابن منقذ يريد الهرب وأصحابه يتزودون له ومتى دخل اليمن أخرجه عن طاعتك فأرسل صلاح الدين فأخذه والناس عنده وحبسه فلما سمع صلاح الدين جلية الحال علم أن الحيلة تمت لأعدائه في قبضه فخفف ما كان عنده وسهل أمره وصانعه على ثمانين ألف دينار مصرية سوى ما لحقها من الحمل لإخوة صلاح الدين وأصحابه وأطلقه وأعاده إلى منزلته وكان أديبا شاعرا
ذكر إرسال صلاح الدين العساكر إلى اليمن
في هذه السنة سير صلاح الدين جماعة من أمرائه منهم صارم الدين قتلغ أبه والي مصر إلى اليمن للإختلاف الواقع بها بين نواب أخيه شمس الدولة وهم عز الدين عثمان بن الزنجبيلي والي عدن وحطان بن منقذ والي زبيد وغيرهما فإنه لما بلغهم وفاة صاحبهم اختلفوا وجرت بين عز الدين عثمان وبين حطان حرب وكل واحد منهما يروم أن يغلب الآخر على ما بيده واشتد الأمر فخاف صلاح الدين أن يطمع أهل البلاد فأرسل هؤلاء الأمراء اليها واستولى قتلغ أبه على زبيد وأزال حطان عنها ثم مات قتلغ أبه فعاد حطان إلى إمارة زبيد وأطاعه الناس لجوده وشجاعته
ذكر وفاة الملك الصالح وملك ابن عمه عز الدين مسعود مدينة حلب
في هذه السنة في رجب توفي الملك الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود صاحب حلب بها وعمره نحو تسع عشرة سنة ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر للتداوي فقال لا افعل حتى استفتى الفقهاء فاستفتى فأفتاه فقيه من مدرسي الخنفية بجواز ذلك فقال له أرأيت إن قدر الله تعالى بقرب الأجل أيؤخره شرب الخمر فقال له الفقيه لا فقال والله لا لقيت الله سبحانه وقد استعملت ما حرمه علي ولم يشربه فلما أيس من نفسه أحضر الأمراء وسائر الأجناد ووصاهم بتسليم البلد إلى ابن عمه عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي واستحلفهم على ذلك فقال له بعضهم إن عماد الدين بن عمك أيضا وهو زوج اختك وكان والدك يحبه ويؤثره وهو تولى تربيته وليس له غير سنجار فلو اعطيته البلد لكان أصلح وعز الدين له من البلاد من الفرات إلى همذان ولا حاجة به إلى بلدك فقال له إن هذا لم يغب عني ولكن قد علمتم أن صلاح الدين قد تغلب على عامة بلاد الشام سوى ما بيدي 107 ومتى سلمت حلب إلى عماد الدين يعجز عن حفظها وإن ملكها صلاح الدين لم يبق لأهلما معه مقام وإن سلمتها إلى عز الدين أمكنه حفظها بكثرة عساكره وبلاده فاستحسنوا قوله وعجبوا من جودة فطنته مع شدة مرضه وصغر سنه ثم مات وكان حليما كريما عفيف اليد والفرج واللسان ملازما للدين لا يعرف له شيء مما يتعاطاه الملوك والشباب من شرب خمر او غيره حسن السيرة في رعيته عادلا فيهم ولما قضى نحبه أرسل الأمراء إلى أتابك عز الدين يستدعونه إلى حلب فسار هو ومجاهد الدين قايماز إلى الفرات وأرسل احضر الأمراء عنده من حلب فحضروا وساروا دميعا إلى حلب ودخلها في العشرين من شعبان وكان صلاح الدين حينئذ بمصر ولولا ذلك لزاحمهم عليها وقاتلهم فلما اجتاز في طريقه إليها من الفرات كان تقي الدين عمر ابن اخي صلاح الدين بمدينة منبج فسار عنها هاربا إلى حماة وثار أهل حماة ونادوا بشعار عز الدين فأشار عسكر حلب على عز الدين بقصد دمشق وأطمعوه فيها وفي غيرها من بلاد الشام وأعلموه محبة اهلها له ولأهل بيته فلم يفعل وقال بيننا يمين فلا نغدر به وأقام بحلب عدة شهور ثم سار عنها إلى الرقة
ذكر تسليم حلب إلى عماد الدين وأخذ سنجار عوضا عنها
لما دخل عز الدين الى الرقة جاءته رسل اخيه عماد الدين صاحب سنجار يطلب أن يسلم إليه حلب ويأخذ عوضا عنها مدينة سنجار فلم يجبه إلى ذلك ولج عماد الدين في ذلك وقال إن سلمتم إلي حلب وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين فأشار حينئذ جماعة من الأمراء بتسليمها إليه وكان أشدهم في ذلك مجاهد الدين قايماز فلم يمكن عز الدين مخالفته لتمكنه من الدولة وكثرة عساكره وبلاده وإنما حمل مجاهد الدين على ذلك خوفه من عز الدين لأنه عظم في نفسه وكثر معه العسكر وكان الأمراء الحلبيون لا يلتفتون إلى مجاهد الدين ويسلكون معه من الأدب ما يفعله عسكر الموصل فاستقر الأمر على تسليم حلب إلى عماد الدين وأخذ سنجار عوضا عنها فسار عماد الدين فتسلمها وسلم سنجار إلى أخيه وعاد إلى الموصل وكان صلاح الدين بمصر قد بلغه خبر ملك عز الدين حلب فعظم الأمر عليه وخاف أن يسير منها إلى دمشق وغيرها ويملك الجميع وأيس من حلب فلما بلغه ملك عماد الدين 108 لها برز من مصر من يومه وسار إلى الشام وكان من الوهن على دولة عز الدين ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر حصر صاحب ماردين قلعة البيرة ومسير صاحبها مع صلاح الدين
كانت قلعة البيرة وهي مطلة على الفرات من أرض الجزيرة لشهاب الدين الأرتقي وهو ابن عم قطب الدين ايلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن ايلغازي بن أرتق صاحب ماردين وكان في طاعة نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام فمات شهاب الدين وملك القلعة بعده ولده وصار في طاعة عز الدين مسعود صاحب الموصل فلما كان هذه السنة أرسل صاحب ماردين إلى عز الدين يطلب منه أن يأذن له في حصر البيرة , اخذها فأذن له في ذلك فسار في عسكره إلى قلعة سميساط وهي له ونزل بها وسير العسكر إلى البيرة فحصرها فلم يظفر منها بطائل إلا أنهم لازموا الحصار فأرسل صاحبها إلى صلاح الدين وقد خرج من ديار مصر على ما نذكره يطلب منه أن ينجده ويرحل العسكر المارداني عنه ويكون هو في خدمته كما كان أبوه في خدمة نور الدين فأجابه الى ذلك وأرسل رسولا إلى صاحب ماردين يشفع فيه ويطلب أن يرحل عسكره عنه فلم يقبل شفاعته واشتغل صلاح الدين بما نذكره من الفرنج فلما رأى صاحب ماردين طول مقام عسكره على البيرة ولم يبلغوا منها غرضا أمرهم بالرحيل عنها وعاد إلى ماردين فسار صاحبها إلى صلاح الدين وكان معه حتى عبر معه الفرات على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة كثرت المنكرات ببغداد فأقام حاجب الباب جماعة لإرافة الخمور وأخذ المفسدات فبينما امرأة منهن في موضع علمت بمجيء أصحاب حاجب الباب فاضطجعت وأظهرت أنها مريضة وارتفع أنبنها فرأوها على تلك الحال فتركوها وانصرفوا فاجتهدت بعدهم أن تقوم فلم تقدر وحملت تصيح الكرب الكرب إلى أن ماتت وهذا من أعجب ما يحكى
وفيها في عاشر ذي الحجة توفي الامير همام الدين تتر صاحب قلعة تكريت بالمزدلفة كان قد استخلف الأمير عيسى بن أخي مودود وحج فتوفى ودفن بالمعلى 109 مقبرة مكة
وفيها في شعبان توفي عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد أبو البركات النحوي المعروف بابن الأنباري ببغداد وله تصانيف حسنة في النحو وكان فقيها صالحا
وفيها توفي إبراهيم بن محمد بن مهران الفقيه الشافعي بجزيرة ابن عمر وكان فاضلا كثير الورع 110
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وخمسمائة
ذكر مسير صلاح الدين إلى الشام وإغارته على الفرنج
في هذه السنة خامس المحرم سار صلاح الدين عن مصر إلى الشام ومن عجيب ما يحكى من التطير أنه لما برز من القاهرة أقام بخيمته حتى تجتمع العساكر والناس عنده وأعيان دولته والعلماء وأرباب الأداب فمن بين مودع له وسائر معه وكل منهم يقول شيئا في الوداع والفراق وما هم بصدده من السفر وفي الحاضرين معلم لبعض أولاده فأخرج رأسه من بين الحاضرين وأنشد
( تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار )
فانقبض صلاح الدين بعد انبساطه وتطير وتنكد المجلس على الحاضرين فلم يعد إليها إلى أن مات مع طول المدة ثم سار عن مصر وتبعه من التجار وأهل البلاد ومن كان قصد مصر من الشام بسبب الغلاء بالشام وغيره عالم كثير فلما سار جعل طريقه على أيلة فسمع أن الفرنج قد جمعوا له ليحاربوه ويصدوه عن المسير فلما قارب بلادهم سير الضعفاء والأثقال مع أخيه تاج الملوك بوري إلى دمشق وبقي هو في العساكر المقاتلة لا غير فشن الغارات بأطراف بلادهم وأكثر ذلك ببلد الكرك والشوبك فلم يخرج إليه منهم أحد ولا أقدم على الدنو منه ثم سار فأتى دمشق فوصلها حادي عشر صفر من السنة
ذكر ملك المسلمين شقيفا من الفرنج
في هذه السنة أيضا في صفر فتح المسلمون بالشام شقيفا من الفرنج يعرف بحبس جلدك وهو من أعمال طبرية مطل على السواد وسبب فتحه أن الفرنج لما بلغهم مسير صلاح الدين من مصر إلى الشام جمعوا له وحشدوا الفارس والراجل واجتمعوا 111 بالكرك بالقرب من الطريق لعلهم ينتهزون فرصة أو يظفرون بنصرة وربما عاقوا المسلمين عن المسير بأن يقفوا على بعض المضايق فلما فعلوا ذلك خلت بلادهم من ناحية الشام فسمع فرخشاه الخبر فجمع من عنده من عساكر الشام ثم قصد بلاد الفرنج وأغار عليها ونهب دبورية وما يجاورها من القرى وأسر الرجال وقتل وأكثر وسبى النساء وغنم الأموال وفتح منهم الشقيف وكان على المسلمين منه أذى شديد ففرح المسلمون بفتحه فرحا عظيما وأرسل إلى صلاح الدين بالبشارة فلقيه في الطريق ففت ذلك في عضد الفرنج وانكسرت شوكتهم
ذكر إرسال سيف الإسلام إلى اليمن وتغلبه عليه
في هذه السنة سير صلاح الدين أخاه سيف الإسلام طغدكين إلى بلاد اليمن وأمره بتملكها وقطع الفتن بها وفوض إليه أمرها وكان بها حطان بن منقذ كما ذكرناه قبل وكتب عز الدين عثمان الزنجبيلي متولي عدن إلى صلاح الدين يعرفه باختلال البلاد ويشير بإرسال بعض أهله اليها لأن حطان كان قوي عليه فخافه عثمان فجهز صلاح الدين أخاه سيف الإسلام وسيره إلى بلاد اليمن فوصل إلى زبيد فخافه حطان بن منقذ واستشعر منه وتحصن في بعض القلاع فلم يزل به سيف الإسلام يؤمنه ويهدي إليه ويتلطفه حتى نزل إليه فأحسن صحبته وعمل معه ما لم يكن يتوقعه من الإحسان فلم يثق حطان به وطلب منه دستورا ليقصد الشام فامتنع من إجابته إظهارا للرغبة في كونه عنده فلم يزل حطان يراجعه حتى أذن له فأخرج أثقاله وأمواله ودوابه وأهله وأصحابه وكل ما له وسير الجميع بين يديه فلما كان الغد دخل إلى سيف الإسلام ليودعه فقبض عليه واسترجع جميع ماله فأخذه عن آخره لم يسلم منه قليل ولا كثير ثم سجنه في بعض القلاع وكان آخر العهد به فقيل إنه قتله وكان في جملة ما أخذ منه من الأموال الذهب العين في سبعين غلافا زردية مملوءة ذهبا عينا وأما عز الدين عثمان الزنجبيلي فإنه لما سمع ما جرى على حطان خاف فسار نحو الشام خائفا يترقب وسير معظم أمواله في البحر فصادفهم مراكب فيها أصحاب سيف الإسلام فأخذوا كل ما لعز الدين ولم يبق له إلا ما صحبه في الطريق وصفت زبيد وعدن وما معهما من البلاد لسيف الإسلام 112
ذكر إغارة صلاح الدين على الغور وغيره من بلاد الفرنج وأعمالها
لما وصل صلاح الدين إلى دمشق كما ذكرناه أقام أياما يريح ويستريح وهو وجنده ثم سار إلى بلاد الفرنج في ربيع الأول فقصد طبرية فنزل بالقرب منها وخيم في الأقحوانة من الأردن وجاءت الفرنج بجموعها فنزلت بطبرية فسير صلاح الدين فرخشاه ابن أخيه بيسان فدخلها قهرا وغنم ما فيها وقتل وسبى وجحف الغور غارة شعواء فعم أهله قتلا وأسرا وجاءت العرب فأغارت على جينين واللجون وتلك الولاية حتى قاربوا مرج عكا وسار الفرنج من طبرية فنزلوا تحت جبل كوكب فتقدم صلاح الدين إليهم وأرسل العساكر عليهم يرمونهم بالنشاب فلم يبرحوا ولم يتحركوا لقتال فأمر ابني أخيه تقي الدين عمر وعز الدين فرخشاه فحملا على الفرنج فيمن معهما فقاتلوا قتالا شديدا ثم أن الفرنج انحازوا على حاميتهم فنزلوا غفر بلا فلما رأى صلاح الدين ما قد أثخن فيهم وفي بلادهم عاد عنهم إلى دمشق
ذكر حصر بيروت
ثم إنه سار عن دمشق إلى بيروت فنهب بلدها وكان قد أمر الأسطول المصري بالمجيء في البحر إليها فساروا ونازلوها وأغاروا عليها وعلى بلدها وسار صلاح الدين فوافاهم ونهب ما لم يصل الأسطول إليه وحصرها عدة أيام وكان عازما على ملازمتها إلى أن يفتحها فأتاه الخبر وهو عليها أن البحر قد ألقى بسطة للفرنج فيها جمع عظيم منهم إلى دمياط كانوا قد خرجوا لزيارة البيت المقدس فأسروا من بها بعد أن غرق منهم كثير فكان عدة الأسرى ألفا وستمائة وستة وسبعين فضربت بذلك البشائر
ذكر عبور صلاح الدين الفرات وملكه ديار الجزيرة
في هذه السنة عبر صلاح الدين الفرات إلى الديار الجزرية وملكها وسبب ذلك أن مظفر الدين كوكبري بن زين الدين علي بن بكتكين وهو مقطع حران كان قد أقطعه إياها عز الدين أتابك المدينة والقلعة تقوية واعتمادا أرسل إلى صلاح الدين وهو يحاصر بيروت يعلمه أنه معه محب لدولته ووعده النصرة له إذا عبر الفرات ويطمعه في البلاد ويحثه على الوصول فسار صلاح الدين عن بيروت وأرسل مظفر الدين 113 تترى إليه يحثه على المجيء فجد صلاح الدين في السير مظهرا أنه يريد حصر حلب تسترا للحال فلما قارب الفرات سار إليه مظفر الدين فعبر الفرات واجتمع به فقصد البيرة وهي قلعة منيعة على الفرات من الجانب الجزري وكان صاحبها قد سار مع صلاح الدين وفي طاعته وقد ذكرنا سبب ذلك قبل فعبر هو وعسكره الفرات على الجسر الذي عند البيرة وكان عز الدين صاحب الموصل ومجاهد الدين لما بلغهما وصول صلاح الدين إلى الشام قد جمعا العسكر وسارا إلى نصيبين ليكونا على أهبة واجتماع لئلا يتعرض صلاح الدين إلى حلب ثم تقدما إلى دار فنزلا عندها فجاءهما أمر لم يكن في الحساب فلما بلغهما عبور صلاح الدين الفرات عادا إلى الموصل وأرسلا إلى الرها عسكرا يحميها ويمنعها فلما سمع صلاح الدين ذلك قوي طمعه في البلاد ولما عبر صلاح الدين الفرات كاتب الملوك أصحاب الأطراف ووعدهم وبذل لهم البذول على نصرته فأجابه نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب الحثن إلى ما طلب منه لقاعدة استقرت بينهما لما كان نور الدين عنده بالشام فإنه استقر الحال أن صلاح الدين يحصر آمد ويملكها ويسلمها إليه
وسار صلاح الدين الى مدينة الرهافحصرها في جمادى الأولى وقاتلها أشد قتال فحدثني بعض من كان بها من الجند أنه عد في غلاف رمح أربعة عشر خرقا وقد خرقته السهام ووالى الزحف عليها وكان بها حينئذ مقطعها وهو الأمير فخر الدين مسعود الزعفراني فحيث رأى شدة القتال أذعن إلى التسليم وطلب الأمان وسلم البلد وصار في خدمة صلاح الدين فلما ملك المدينة زحف الى القلعة فسلمها اليه الدزدار الذي بها على مال أخذه فلما ملكها سلمها الى مظفر الدين مع حران ثم سار عنها على حران إلى الرقة فلما وصل اليها كان بها مقطعها قطب الدين ينال بن حسان المنبجي فسار عنها الى عز الدين أتابك وملكها صلاح الدين وسار إلى الخابور قرقيسيا وماكسين وعرابان فملك جميع ذلك فلما استولى على الخابور جميعه سار الى نصيبين فملك المدينة لوقتها وبقيت القلعة فحصرها عدة أيام فملكها أيضا وأقام بها ليصلح شأنها ثم أقطعها أميرا كان معه يقال له أبو الهيجاء السمين وسار عنها ومعه نور الدين صاحب الحصن وأتاه الخبر أن الفرنج قصدوا دمشق ونهبوا القرى ووصلوا إلى داريا وأرادوا تخريب جامعها فأرسل النائب بدمشق اليهم جماعة من النصارى يقول لهم إن اخربتم الجامع جددنا عمارته وأخربنا كل بيعة لكم في بلادنا ولا نمكن أحدا من عمارتها 114 فتركوه ولما وصل الخبر إلى صلاح الدين بذلك أشار عليه من يتعصب لعز الدين بالعود فقال يخربون قرى ونملك عوضها بلادا ونعود ونعمرها ونقوى على قصد بلادهم ولم يرجع فكان كما قال
ذكر حصر صلاح الدين الموصل
لما ملك صلاح الدين نسيبين جمع أمراء وأرباب المشورة عنده واستشارهم بأي البلاد يبدأ وأيها يقصد بالموصل أم بسنجار أم بجزيرة ابن عمر فاختلفت آراؤهم فقال له مظفر الدين كوكبري بن زين الدين لا ينبغي أن يبدأ بغير الموصل فإنها في أيدينا لا مانع لها فإن عز الدين ومجاهد الدين متى سمعا بمسيرنا اليها تركاها وسارا عنها إلى بعض القلاع الجبلية ووافقه ناصر الدين محمد ابن عمه شيركوه وكان قد بذل لصلاح الدين مالا كثيرا ليقطعه الموصل إذا ملكها وقد أجابه صلاح الدين إلى ذلك فأشار بها الرأي لهواه فسار صلاح الدين إلى الموصل وكان عز الدين صاحبها ومجاهد الدين نائبه قد جمعا بالموصل العساكر الكثيرة ما بين فارس وراجل وأظهرا من السلاح وآلات الحصار ما حارت له الأربصار وبذلا الأموال الكثيرة وأخرج مجاهد الدين من ماله كثيرا واصطلى الأمور بنفسه فأحسن تدبيرها وشحنوا ما بقي بأيديهم من البلاد كالجزيرة وسنجار والموصل وإربل وغيرها من البلاد بالرجال والسلاح والأموال وسار صلاح الدين حتى قارب الموصل وترك عسكره وانفرد هو ومظفر الدين ابن عمه ناصر الدين بن شيركوه ومعهم نفر من أعيان دولته وقربوا من البلد فلما قربوا ورآه وحققه رأى ما هاله وملأ صدره وصدر أصحابه فإنه رأى بلدا عظيما كبيرا ورأى السور والفصيل قد ملئا من الرجال وليس فيها شرافة إلا وعليها رجل يقاتل سوى من عليه من عامة البلد المتفرجين فلما رأى ذلك علم أنه لا يقدر على أخذه وأنه يعود خائبا فقال لناصر الدين ابن عمه إذا رجعنا إلى المعسكر فاحمل ما بذلت من المال فنحن معك على القول
فقال قد رجعت عما بذلت من المال فإن هذا البلد لا يرام فقال له ولمظفر الدين غررتماني وأطمعتماني في غير مطمع ولو قصدت غيره قبله لكان أسهل أخذا بالاسم والهيبة التي حصلت لنا ومتى نازلناه وعدنا منه ينكسر ناموسنا ويفل حدنا وشوكتنا ثم رجع إلى معسكره وصبح البلد وكان نزوله عليه في رجب فنازله وضايقه ونزل محاذي باب كندة وأنزل صاحب الحصن بباب 115 الجسر وأنزل أخاه تاج الملوك عند باب العمادي وأنشب القتال فلم يظفر وخرج إليه يوما بعض العامة غنالوا منه ولم يمكن عز الدين ومجاهد الدين أحدا من العسكر بل ألزموا الأسوار ثم إن تقي الدين أشار على عمه صلاح الدين بنصب منجنيق فقال مثل هذا البلد لا ينصب عليه منجنيق ومتى نصبناه أخذوه ولو خربنا برجا وبدنه من يقدر على الدخول للبلد وفيه هذا الخلق الكثير فألح تقي الدين وقال نجربهم به فنصب منجنيقا فنصب عليه من البلد تسعة منجنيقات وخرج جماعة من العامة فأخذوه وجرى عنده قتال كثير فأخذ بعض العامة لالكة من رجليه فيها المسامير الكثيرة ورمى بها أميرا يقال له جاولي الأسدي وكبيرهم فأصاب صدره فوجد لذلك ألما شديدا وأخذ للالكة وعاد عن القتال إلى صلاح الدين وقال قد قاتلنا أهل الموصل بحماقات ما رأينا بعد مثلها وألقى اللالكة وحلف أنه لا يعود يقاتل عليها أنفة حيث ضرب بهذه
ثم إن صلاح الدين رحل من قرب البلد ونزل متأخرا خوفا من البيات فإنه لقربه كان لا يأمن ذلك وكان سببه أيضا أن مجاهد الدين في بعض الليالي جماعة من باب السر الذي للقلعة ومعهم المشاعل فكان أحدهم يخرج من الباب وينزل إلى دجلة مما يلي عين الكبريت ويطفيء المشعل فرأى العسكر الناس يخرجون فلم يشكوا في الكبسة فحملهم ذلك على الرحيل والتأخر ليتعذر البيات على أهل الموصل وكان صدر الدين شيخ الشيوخ رحمه الله قد وصل إليه قبل نزوله على الموصل ومعه بشير الخادم وهو من خواص الخليفة الناصر لدين الله في الصلح فأقاما معه على الموصل وترددت الرسل الى عز الدين ومجاهد الدين في الصلح فطلب عز الدين إعادة البلاد التي أخذت منهم فأجاب صلاح الدين إلى ذلك بشرط أن تسلم إليه حلب فامتنع عز الدين ومجاهد الدين ثم نزل عن ذلك وأجاب الى تسليم البلاد بشرط أن يتركوا أنجاد صاحب حلب عليه فلم يجيبوا إلى ذلك أيضا وقال عز الدين هو أخي وله العهود والمواثيق ولا يسعني أن أنكثها ووصلت أيضا رسل قزل أرسلان صاحب أذربيجان ورسل شاه أرمن صاحب خلاط في المعنى فلم ينتظم أمر ولا تم صلح فلما رأى صلاح الدين أنه لا ينال من الموصل غرضا ولا يحصل على غير العناء والتعب وأن من بسنجار من العساكر الموصلية يقطعون طريق من يقصدونه من عساكره وأصحابه سار من الموصل إليها 116
ذكر ملكه مدينة سنجار
لما سار صلاح الدين عن الموصل إلى سنجار سير مجاهد الدين اليها عسكرا قوة لها ونجدة فسمع بهم صلاح الدين فمنعهم من الوصول إليها وأوقع بهم وأخذ سلاحهم ودوابهم وسار إليها ونازلها وكان بها شرف الدين أمير أميران هندوا أخو عز الدين صاحب الموصل في عسكر معه فحصر البلد وضايقه وألح في قتاله فكاتبه بعض أمراء الأكراد الذين به من الزرزارية وخامر معه وأشار بقصده من الناحية التي هو بها ليسلم إليه البلد فطرقه صلاح الدين ليلا فسلم إليه ناحيته فملك الباشورة لا غير فلما سمع شرف الدين الخبر استكان وخضع وطلب الأمان فأمن ولو قاتل على تلك الناحية أخرج العسكر الصلاحي عنها ولو امتنع بالقلعة لحفظها ومنعها ولكنه عجز فلما طلب الأمان أجابه صلاح الدين إليه فأمنه وملك البلد وسار شرف الدين ومن معه إلى الموصل واستقر جميع ما ملكه صلاح الدين بملك سنجار فإنه كان قصد أن يسترده المواصلة إذا فارقه لأنه لم يكن فيه حصن غير الرها لا غير فلما ملك سنجار صارت على الجميع كالسور واستناب بها سعد الدين بن معين الدين أنز وكان من أكابر الأمراء وأحسنهم صورة ومعنى
ذكر عود صلاح الدين إلى حران
لما ملك صلاح الدين سنجار وقرر قواعداها سار إلى نصيبين فلقيه أهلها شاكين من أبي الهيجاء السمين باكين من ظلمه متأسفين على دولة عز الدين وعدله فيهم فلما سمع ذلك انكر على أبي الهيجاء ظلمه وعزله عنهم وأخذه معه وسار إلى حران وفرق عساكره ليستريحوا وبقي جريدة في خواصه وثقاب أصحابه وكان وصوله إليها أوائل ذي القعدة من السنة
ذكر اجتماع عز الدين وشاه أرمن
في هذه السنة في ذي الحجة اجتمع أتابك عز الدين صاحب الموصل وشاه ارمن صاحب خلاط على قتال صلاح الدين وسبب ذلك أن رسل عز الدين ترددت إلى شاه ارمن يستنجده ويستنصره على صلاح الدين فأرسل شاه ارمن الى صلاح الدين عدة رسل في الشفاعة اليه بالكف عن الموصل وما يتعلق بعز الدين فلم يجبه إلى ذلك 117 وغالطه فأرسل إليه اخيرا مملوكه سيف الدين بكتمر الذي ملك خلاط بعد شاه أرمن فأتاه وهو يحاصر سنجار يطلب اليه ان يتركها ويرحل عنها وقال له إن رحل عنها وإلا فتهدده بقصده ومحاربته فأبلغه بكتمر الشفاعة فسوفه في الجواب رجاء أن يفتحها فلما رأى بكتمر ذلك أبلغه الرسالة بالتهديد وفارقه غضبان ولم يقبل منه خلعة ولا صلة وأخبر صاحبه الخبر وخوفه عاقبة الإهمال والتواني عن صلاح الدين فسار شاه أرمن من خلاط وكان مخيما بظهرها وسار إلى ماردين وصاحبها حينئذ قطب الدين ابن نجم الدين ألبي وهو ابن اخت شاه ارمن وابن خال عز الدين وحموه لأن عز الدين قد زوج ابنة قطب الدين وحضر مع شاه أرمن دولة شاه صاحب بدليس وأرزن وسار أتابك عز الدين من الموصل في عسكره جريدة من الأثقال وكان صلاح الدين قد ملك سنجار وسار عنها إلى حران وفرق عساكره فلما سمع باجتماعهم سير إلى تقي الدين ابن اخيه وهو بحماة يستدعيه فوصل إليه مسرعا واشار عليه بالرحيل وحذره منه آخرون وكان هوى صلاح الدين في الرحيل فرحل إلى رأس عين فلما سمعوا برحيله تفرقوا فعاد شاه أرمن إلى خلاط واعتذر بأنني أجمع العساكر وأعود ورجع عز الدين إلى الموصل وأقام قطب الدين بماردين وسار صلاح الدين فنزل بجوزم تحت ماردين عدة أيام
ذكر الظفر بالفرنج في بحر عيذاب
في هذه السنة عمل البرنس صاحب الكرك أسطزلا وفرغ منه بالكرك ولم يبق إلا جمع قطعه بعضها إلى بعض وحملها إلى بحر أيلة وجمعها في أسرع وقت وفرغ منها وشحنها بالمقاتلة وسيرها فساروا في البحر وافترقوا فرقتين فرقة قامت على حصن أيلة يحصرونه ويمنعون أهله من ردود الماء فنال أهله شدة شديدة وضيق عليهم وأما الفرقة الثانية فإنهم ساروا نحو عيذب وأفسدوا في السواحل ونهبوا وأخذوا ما وجدوا من المراكب الإسلامية ومن فيها من التجار وبغتوا الناس في بلادهم على حين غفلة منهم فإنهم لم يعهدوا بهذا البحر فرنجيا لا تاجرا ولا محاربا وكان بمصر الملك العادل أبو بكر بن أيوب ينوب عن أخيه صلاح الدين فعمر أسطولا وسيره وفيه جمع كثير من المسلمين ومقدمهم حسام الدين لؤلؤ الحاجب وهو متولي الأسطول بديار مصر وكان مظفرا فيه شجاعا كريما فسار لؤلؤ مجدا في كلبهم فابتدأ بالذين على 118 أيلة فانقض عليهم انقضاض العقاب على صيده فقتل بعضهم وأسر الباقي وسار من وقته بعد الظهر بقص أثر الذين قصدوا عيذاب فلم يرهم وكانوا أغاروا على ما وجدوه بها وقتلوا من لقوه عندها وساروا إلى غير ذلك المرسى ليفعلوا كما فعلوا فيه وكانوا عازمين على الدخول إلى الحجاز مكة والمدينة حرسهما الله تعالى وأخذ الحاج ومنعهم عن البيت الحرام والدخول بعد ذلك إلى اليمن فلما وصل لؤلؤ الى عيذاب ولم يرهم سار يقفو أثرهم فبلغ رابغ وساحل الجوزاء وغيرهما فأدركهم بساحل الجوزراء فأوقع بهم هناك فلما رأوا العطب وشاهدوا الهلاك خرجوا إلى البر واعتصموا ببعض تلك الشعاب فنزل لؤلؤ من مراكبه إليهم وقاتلهم أشد قتال وأخذ خيلا من الأعراب الذين هناك فركبها وقاتلهم فرسانه ورجاله فظفر بهم وقتل أكثرهم وأخذ الباقين أسرى وأرسل بعضهم الى منى لينحروا بها عقوبة لمن رام إخافة حرم الله تعالى وحرم رسوله وعاد بالباقين إلى مصر فقتلوا جميعهم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في جمادى الأولى توفي عز الدين فرخشاه ابن أخي صلاح الدين وكان ينوب عنه بدمشق وهو ثقته من أهله وكان اعتماده عليه أكثر من جميع أهله وأمرائه وكان شجاعا كريما فاضلا عالما بالأدب وغيره وله شعر جيد من بين أشعار الملوك وكان ابتداء مرضه أنه خرج من دمشق إلى غزو الفرنج فمرض وعاد مريضا فمات ووصل خبر موته إلى صلاح الدين وقد عبر الفرات إلى الديار الجزرية فأعاد شمس الدين محمد بن المقدم إلى دمشق ليكون مقدما على عسكرها
وفيها مات فخر الدولة أبو المظفر بن الحسن بن هبة الله بن المطلب كان أبوه وزير الخليفة وأخوه أستاذ الدار فتصوف هو من زمن الصبا وبنى مدرسة ورباطا ببغداد عند عقد المصطنع وبنى جامعا بالجانب الغربي منها
وفيها توفي الأمير أبو منصور هاشم ولد المستضيء بأمر الله ودفن عند أبيه
وفيها توفي أبو العباس أحمد بن علي بن الرفاعي من سواد واسط وكان صالحا ذا قبول عظيم عند الناس وله من التلاميذة ما لا يحصى 119
ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة
ذكر ملك صلاح الدين آمد وتسليمها إلى صاحب الحصن
قد ذكرنا نزول صلاح الدين بجوزم تحت ماردين فلم ير لطمعه وجها وسار عنها إلى آمد على طريق البارعية وكان نور الدين محمد بن قرا أرسلان يطالبه في كل وقت بقصدها
وأخذها وتسليمها إليه على ما استقرت القاعدة بينهما فوصل إلى آمد سابع عشر ذي الحجة من سنة ثمان وسبعين ونازلها وأقام يحاصرها وكان المتولي لأمرها والحاكم فيها بهاء الدين بن نيسان وكان صاحبها وليس له من الأمر شيء مع ابن نيسان فلما نازلها صلاح الدين أساء ابن نيسان التدبير ولم يعط الناس من الذخائر شيئا ولا فرق فيهم دينارا واحدا ولا قوتا وقال لأهل البلد قاتلوا عن نفوسكم
فقال له بعض أصحابه ليس العدو بكافر حتى يقاتلوا عن نفوسهم فلم يفعل شيئا وقاتلهم صلاح الدين ونصب المنجنيقات وزحف إليها وهي الغاية في الحصانة والمنعة بها وبسورها يضرب المثل وابن نيسان على حاله من الشح بالمال وتصرفه وتصرف من ولت سعادته وأدبرت دولته فلما رأى الناس ذلك منه تهاونوا بالقتال وجنحوا إلى السلامة وكانت أيام ابن نيسان قد طالت وثقلت على أهل البلد لسوء سيرته وصنيعه وتضييقه عليهم في مكاسبهم فالناس كارهون لها محبون لانقراضها وأمر صلاح الدين أن يكتب على السهام إلى أهل البلد يعدهم الخير والإحسان إن أطاعوه ويتهددهم إن قاتلوه فزادهم ذلك تقاعدا وتخاذلا واحبوا ملكه وتركوا القتال فوصل النقابون إلى السور فنقبوه وعلقوه فلما رأى الجند وأهل البلد ذلك طمعوا في ابن نيسان واشتطوا في المطالب فحين صارت الحال لذلك أخرج ابن نيسان نساءه إلى القاضي الفاضل وزير صلاح الدين يسأله أن يأخذ له الأمان ولأهله وماله وأن يؤخره ثلاثة أيام حتى ينقل ما له بالبلاد من الأموال والذخائر فسعى له الفاضل في 120 ذلك فأجابه صلاح الدين إليه فسلم البلد في العشر الأول من المحرم هذه السنة وأخرج خيمة إلى ظاهر البلد ورام نقل ماله فتعذر ذلك عليه لزوال حكمه عن اصحابه واطراحهم أمره ونهيه فأرسل إلى صلاح الدين يعرفه الحال ويسأله مساعدته على ذلك فأمر له بالدواب والرجال فنقل البعض وسرق البعض وانقضت الأيام الثلاث قبل الفراغ فمنع من الباقي وكانت أبراج المدينة مملوءة من أنواع الذخائر فتركها بحالها ولو أخرج البعض منها لحفظ البلد وسائر نعمه وأمواله لكن إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه فلما تسلمها صلاح الدين سلمها لصاحب الحصن نور الدين فقيل له قبل تسليمها إن هذه المدينة فيها من الذخائر ما يزيد على ألف ألف دينار فلو أخذت ذلك وأعطيته جندك وسلمت البلد إليه فارغا لكان راضيا فإنه لا يطمع في غيره فامتنع من ذلك وقال ما كنت لأعطيه الأصل وأبخل بالفرع فلما تسلم نور الدين البلد اصطنع دعوة عظيمة ودعا إليها صلاح الدين وأمراءه ولم يكن دخل البلد وقدم له ولأصحابه من التحف والهدايا أشياء كثيرة
ذكر ملك صلاح الدين تل خالد وعينتاب من أعمال الشام
لما فرغ صلاح الدين من أمر آمدسار إلى الشام وقصد تل خالد وهو أعمال حلب فحصرها ورماها بالمنجنيق فنزل أهلها وطلبوا الأمان فأمنهم وتسلمها في المحرم أيضا ثم سار منها إلى عينتاب فحصرها وبها ناصر الدين محمد وهو أخو الشيخ اسماعيل الذي كان خازن نور الدين محمود بن زنكي وصاحبه وكان قد سلمها إليه نور الدين فبقيت معه إلى الآن فلما نازله صلاح الدين أرسل اليه يطلب أن يقر الحصن بيده وينزل إلى خدمته ويكون تحت حكمه وطاعته فأجابه صلاح الدين إلى ذلك وحلف له عليه فنزل إليه وصار في خدمته وكان ايضا في المحرم من هذه السنة
ذكر وقعتين مع الفرنج في البحر والشام
في هذه السنة في العاشر من المحرم سار اسطول المسلمين من مصر في البحر فلقوا بطسة فيها نحو ثلاثمائة من الفرنج بالسلاح التام ومعهم الأموال والسلام إلى فرنج الساحل فقاتلوهم وصبر الفريقان وكان الظفر للمسلمين وأخذوا الفرنج أسرى 121 فقتلوا بعضهم وأبقوا بعضهم أسرى وغنموا ما معهم وعادوا الى مصر سالمين
وفيها ايضا سارت عصابة كبيرة من الفرنج من نواحي الداروم إلى نواحي مصر ليغيروا وينهبوا فسمع بهم المسلمون فخرجوا إليهم على طريق صدر وأيلة فانتزح الفرنج من بين أيديهم فنزلوا بماء يقال له العسيلة وسبقوا المسلمين إليه فأتاهم المسلمون وهم عطاش قد أشرفوا على الهلاك فرأوا الفرنج قد ملكوا الماء فأنشأ الله سبحانه وتعالى بلطفه سحابة عظيمة فمطروا منها حتى رووا وكان الزمان قيظا والحر شديد في بر مهلك فلما رأوا ذلك قويت نفوسهم ووثقوا بنصر الله لهم وقاتلوا الفرنج فنصرهم الله عليهم فقتلوهم ولم يسلم منهم إلا الشريد الفريد وغنم المسلمون ما معهم من سلاح ودواب وعادوا منصورين قاهرين بفضل الله تعالى
ذكر ملك صلاح الدين حلب
وفي هذه السنة سار صلاح الدين من عينتاب إلى حلب فنزل عليها في المحرم أيضا في الميدان الأخضر وأقام به عدة أيام ثم انتقل إلى جبل جوشن فنزل بأعلاه وأظهر أنه يريد أن يبني مساكن له ولأصحابه وعساكره وأقام عليها أياما والقتال بين العسكرين كل يوم وكان صاحب حلب عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي ومعه العسكر النوري وهم مجدون في القتال فلما رأى كثرة الخرج كأنه شح بالمال فحضر يوما عنده بعض أجناده وطلبوا منه شيئا فاعتذر بقلة المال عنده فقال له بعضهم من يريد أن يحفظ مثل حلب يخرج الأموال ولو باع حلى نسائه فمال حينئذ إلى تسليم حلب وأخذ العوض منها وأرسل مع الأمير طمان الياروقي وكان يميل إلى صلاح الدين أنه يسلم حلب ويأخذ عوضها سنجار ونصيبين والخابور والرقة وسروج وجرت اليمين على ذلك وباعها بأوكس الأثمان اعطى حصنا مثل حلب وأخذ عوضها قرى ومزارع فنزل عنها ثامن عشر صفر وتسلمها صلاح الدين فعجب الناس كلهم من ذلك وقبحوا ما أتى حتى إن بعض عامة حلب أحضر إجانة وماء وناداه أنت لا يصلح لك الملك وإنما يصلح لك ان تغسل الثياب وأسمعوه المكروه واستقر ملك صلاح الدين بملكها وكان مزلزلا فثبت قدمه بتسليمها وكان على شفا جرف هار وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له وسار عماد الدين إلى البلاد التي اعطيها فتسلمها وأخذ 122 صلاح الدين حلب واستقر بينهما أن عماد الدين يحضر في خدو صلاح الدين بنفسه وعسكره إذ استدعاه لا يحتج بحجة ومن الاتفاقات العجيبة أن محيي الدين بن الزكي قاضي دمشق مدح صلاح الدين بقصيدة منها
( وفتحكم حلبا بالسيف في صفر
مبشر بفتوح القدس في رجب )
فوافق فتح القدس في رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى ومما كتبه القاضي الفاضل في المعنى عن صلاح الدين فأعطيناه عن حلب كذا وكذا وهو صرف على الحقيقة أعطيناه الدراهم ونزلنا عن القرى واحرزنا العواصم وكتب أيضا اعطيناه ما لم يخرج عن اليد يعني أنه متى شاء أخذه لعدم حصانته وكان في جملة من قتل على حلب تاج الملوك بوري أخو صلاح الدين الأصغر وكان فارسا شجاعا كريما حليما جامعا لخصال الخير ومحاسن الأخلاق طعن في ركبته فانفكت فمات منها بعد ان استقر الصلح بين عماد الدين وصلاح الدين على تسليم حلب قبل أن يدخلها صلاح الدين فلما استقر منه الصلح حضر صلاح الدين عند أخيه يعوده وقال له هذه حلب قد أخذناها وهي لك
فقال ذلك لو كان وأنا حي ووالله لقد أخذتها غالية حيث تفقد مثلي فبكى صلاح الدين وأبكى ولما خرج عماد الدين إلى صلاح الدين وقد عمل له دعوة احتفل فيها فبينما هم في سرور إذ جاء إنسان فأسر إلى صلاح الدين بموت أخيه فلم يظهر هلعا ولا جزعا وأمر بتجهيزه سرا ولم يعلم عماد الدين ومن معه في الدعوة واحتمل الحزن وحده لئلا يتنكد ما هم فيه وكان هذا من الصبر الجميل
ذكر فتح صلاح الدين حارم
لما ملك صلاح الدين حلب كان بقلعة حارم وهي من اعمال حلب بعض المماليك النورية واسمه سرخك وولاه عليها الملك الصالح عماد الدين فامتنع من تسليمها إلى صلاح الدين فراسله صلاح الدين في التسليم وقال له اطلب من الإقطاع ما أردت ووعده الإحسان فاشتط في الطلب وترددت الرسل بينهم فراسل الفرنج ليحتمي بهم فسمع من معه من الأجناد أنه يراسل الفرنج فخافوا أن يسلمها إليهم فوثبوا عليه وقبضوه وحبسوه وراسلوا صلاح الدين يطلبون منه الأمان 123 والإنعام فأجابهم إلى ما طلبوا وسلموا إليه الحصن فرتب به دزدارا بعض خواصه وأما باقي قلاع حلب فإن صلاح الدين أقر عينتاب بيد صاحبها كما تقدم وأقطع تل خالد لأمير يقال له داروم الياروقي وهو صاحب تل باشر وأما قلعة إعزاز فإن عماد الدين اسماعيل كان قد خربها فأقطعها صلاح الدين لأمير يقال له سليمان بن جندر فعمرها وأقام صلاح الدين بحلب إلى أن فرغ من تقرير قواعدها وأحوالها وديوانها وأقطع أعمالها وأرسل منها فجمع العساكر من جميع بلاده
ذكر القبض على مجاهد الدين وما حصل من الضرر بذلك
في هذه السنة في جمادى الأولى قبض عز الدين مسعود صاحب الموصل على نائبه مجاهد الدين قايماز وكان اليه الحكم في جميع البلاد واتبع في ذلك هوى من أراد المصلحة لنفسه ولم ينظر في مضرة صاحبه وكان الذي أشار بذلك عز الدين محمود زلفندار وشرف الدين أحمد بن أبي الخير الذي كان أبوه صاحب الغراف وهما من أكابر الأمراء فلما أراد القبض عليه لم يقدم على ذلك لقوة مجاهد الدين فأظهر أنه مريض وانقطع عن الركوب عدة أيام فدخل إليه مجاهد الدين وحده وكان خصيا لا يمتنع من الدخول على النساء فلما دخل عليه قبض عليه وركب لوقته إلى القلعة فاحتوى على الأموال التي لمجاهد الدين وخزائنه وولى زلفندار قلعة الموصل بعد مجاهد الدين وجعل ابن صاحب الغراف أمير حاجب وحكمهما في دولته وكان تحت حكم مجاهد الدين حينئذ إربل وأعمالها ومعه فيها زين الدين علي وهو صبي صغير ليس له من الحكم شيء والحكم والعسكر إلى مجاهد الدين وتحت حكمه أيضا جزيرة ابن عمر وهي لمعز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود وهو أيضا صبي والحكم والنواب والعسكر لمجاهد الدين وبيده أيضا شهرزور واعمالها ونوابه فيها ودقوقا ونائبه فيها وقلعة عقر الحميدية ونائبه فيها ولم يبق لعز الدين مسعود بعد أن أخذ صلاح الدين البلاد الجزيرية سوى الموصل وقلعتها بيد مجاهد الدين وهو على الحقيقة الملك واسمه عز الدين فلما قبض عليه امتنع صاحب اربل من طاعة عز الدين واستبد وكذلك ايضا صاحب جزيرة ابن عمر وأرسل الخليفة إلى دقوقا فحضرها وأخذها ولم يحصل لعز الدين مسعود غير شهرزور والعقر وصارت إربل 124 والجزيرة أضر شيء على صاحب الموصل وأرسل صاحبها إلى صلاح الدين بالطاعة له والكون في خدمته وكان الخليفة الناصر لدين الله قد أرسل صدر الدين شيخ الشيوخ ومعه بشير الخادم الخاص إلى صلاح الدين في الصلح مع عز الدين صاحب الموصل وسير عز الدين معه القاضي محيي الدين أبا حامد بن الشهرزوري في المعنى فأجاب صلاح الدين إلى ذلك وقال ليس لكم مع الجزيرة وإربل حديث فامتنع محيي الدين عن ذلك وقال هما لنا فلم يجب صلاح الدين إلى الصلح إلا بأن تكون إربل والجزيرة معه فلم يتم أمره وقوي طمع صلاح الدين في الموصل بقبض مجاهد الدين فلما رأى صاحب الموصل الضرر بقبض مجاهد الدين قبض على شرف الدين أحمد بن صاحب الغراف وزلفندار عقوبة لهما ثم أخرج مجاهد الدين على ما نذكره إن شاء الله
ذكر غزو بيسان
لما فرغ صلاح الدين من أمر حلب جعل فيها ولده الملك الظاهر غازي وهو صبي وجعل معه الأمير سيف الدين يازكج وكان اكبر الأمراء الأسدية وسار إلى دمشق وتجهز للغزو ومعه عساكر الشام والجزيرة وديار بكر وسار إلى بلد الفرنج فعبر نهر الأردن تاسع جمادى الآخرة من السنة فرأى أهل تلك النواحي قد فارقوها خوفا فقصد بيسان فأحرقها وخربها وأغار على ما هناك فاجتمع الفرنج وجاؤوا إلى قبالته فحين رأوا كثرة عساكره لم يقدموا عليه فأقام عليهم وقد استندوا إلى جبل هناك وخندقوا عليهم فأحاط بهم وعساكر الإسلام ترميم بالسهام وتناوشهم القتال فلم يخرجوا وأقاموا كذلك خمسة أيام وعاد المسلمون عنهم سابع عشر الشهر لعل الفرنج يطمعون ويخرجون فيستدرجهونهم ليبلغوا منهم غرضا فلما رأى الفرنج ذلك لم يطمعوا أنفسهم في غير السلامة وأغار المسلمون على تلك الأعمال يمينا وشمالا ووصلوا فيها الى ما لم يكونوا يطمعون في الوصول اليه والإقدام عليه فلما كثرت الغنائم معهم رأوا العود إلى بلادهم بما غنموا مع الظفر أولى فعادوا إلى بلادهم على عزم الغزو
ذكر غزو الكرك وملك العادل حلب
لما عاد صلاح الدين والمسلمون من غزوة بيسان تجهزوا لغزو الكرك فسار اليه 125 في العساكر وكتب إلى أخيه العادل أبي بكر بن أيوب وهو نائبه بمصر يأمره بالخروج بجميع العساكر إلى الكرك وكان العادل قد أرسل إلى صلاح الدين يطلب منه مدينة حلب وقلعتها فأجابه إلى ذلك وأمره أن يخرج معه بأهله وماله فوصل صلاح الدين الى الكرك في رجب ووفاه أخوه العادل في العسكر المصري وكثر جمعه وتمكن من حصره وصعد معه المسلمون إلى ربضه وملكه وحصر الحصن من الربض وتحكم عليه في القتال ونصب عليه سبع منجنيقات لا تزال ترمي بالحجارة ليلا ونهارا وكان صلاح الدين يظن ان الفرنج لا يمكنونه من حصر الكرك وانهم يبذلون جهدهم في رده عنه فلم يستصحب معه من آلات الحصار ما يكفي لمثل ذلك الحصن العظيم والمعقل المنيع فرحل عنه منتصب شعبان وسير تقي الدين ابن أخيه إلى مصر نلئبا عنه ليتولى ما كان اخوه العادل يتولاه واستصحب أخاه العادل معه إلى دمشق وأعطاه مدينة حلب وقلعتها وأعمالها ومدينة منبج وما يتعلق بها وسيره إليها في شهر رمضان من السنة وأحضر ولده الظاهر منها الى دمشق
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة فتح الرباط الذي بنته أم الخليفة بالمأمونية
وفيها في ذي الحجة توفي مكرم بن بختيال ابو الخير الزاهد ببغداد روى الحديث وكان كثير البكاء وفي جمادى الآخرة توفي محمد بن بختيار بن عبد الله أبو عبد المولد الشاعر ويعرف بالأبله فمن جملة شعره
( أراق دمعي لا بل أراق دمي
ظلما بظلم من ريقه الشم )
( ذو قامة كالقضيب ناضرة
وناظر من سقامه سقمي )
( حصلت من وعده على أصدق
الوعد ومن وصله على التهم ) 126
ثم دخلت سنة ثمانين وخمسمائة
ذكر إطلاق مجاهد الدين من الحبس وانهزام العجم
في هذه السنة في المحرم أطلق أتابك عز الدين صاحب الموصل مجاهد الدين قايماز من الحبس بشفاعة شمس الدين البلهوان صاحب همذان وبلاد الجبل وسيره إلى البهلوان وأخيه قزل يستنجدهما على صلاح الدين فسار إلى قزل أولا وهو صاحب أذربيجان فلم يمكنه من المضي إلى البهلوان وقال مهما تختاره أنا أفعله وجهز معه عسكرا كثيرا نحو ثلاثة آلاف فارس وساروا نحو إربل ليحصروها فلما قاربوها أفسدوا في البلاد وخربوها ونهبوا وسبوا وأخذوا النساء قهرا ولم يقدر مجاهد الدين على منعهم فسار اليهم زين الدين يوسف صاحب إربل في عسكره فلقيهم وهم متفرقون في القرى ينهبون ويحرقون فانتهز الفرصة فيهم بتفرقهم وألقى بنفسه وعسكره على أول من لقيه منهم فهزمهم وتمت الهزيمة على الجميع وغنم الأربليون أموالهم ودوابهم وسلاحهم وعاد العجم إلى بلادهم منهزمين وعاد صاحب إربل إلى بلده مظفرا غانما وعاد مجاهد الدين إلى الموصل فكان يحكي أنني ما زلت انتظر العقوبة من الله تعالى على سوء أفعال العجم فإنني رأيت منهم ما لا كنت أظنه يفعله مسلم بمسلم وكنت أنهاهم فلا يسمعون حتى كان من الهزيمة ما كان
ذكر وفاة يوسف بن عبد المؤمن وولاية ابنه يعقوب
في هذه السنة سار أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن إلى بلاد الأندلس وجاز البحر إليها في جمع عظيم من عساكر المغرب فإنه جمع وحشد الفارس والراجل فلما عبر الخليج قصد غربي البلاد فحصر مدينة شنترين وهي للفرنج شهرا فأصابه بها مرض فمات منه في ربيع الأول وحمل في تابوت إلى مدينة اشبيلية من الأندلس 127 وكانت مدة ملكه اثنتين وعشرين سنة وشهرا ومات عن غير وصية بالملك لأحد من أولاده فاتفق رأي قواد الموحدين وأولاد عبد المؤمن على تمليك ولده أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن فملكوه من الوقت الذي مات فيه أبوه لئلا يكونوا بغير ملك يجمع كلمتهم لقربهم من العدو فقام في ذلك أحسن قيام وأقام راية الجهاد وأحسن السيرة في الناس وكان دينا مقيما للحدود في الخاص والعام فاستقامت له الدولة وانقادت إليه بأسرها مع سعة أقطارها ورتب ثغور الأندلس وشحنها بالرجال ورتب المقاتلة في سائر بلادها وأصلح أحوالها وعاد إلى مراكش وكان أبوه يوسف حسن السيرة وكان طريقه ألين من طريق أبيه مع الناس يحب العلماء ويقربهم ويشاورهم وهم أهل خدمته وخاصته وأحبه الناس ومالوا إليه وأطاعه من البلاد ما امتنع على أبيه وسلك في جباية الأموال ما كان أبوه يأخذه ولم يتعده إلى غيره واستقامت له البلاد بحسن فعله مع اهلها ولم يزل كذلك إلى أن توفي رحمه الله تعالى
ذكر غزو صلاح الدين الكرك
في هذه السنة في ربيع الآخر سار صلاح الدين من دمشق يريد الغزو وجمع عساكره فأتته من كل ناحية وممن أتاه نور الدين محمد بن فرا أرسلان صاحب الحصن وكتب الى مصر ليحضر عسكرها عنده على الكرك فنازل الكرك وحصره وضيق على من به وأمر بنصب المنجنيقات على ربضه واشتد القتال فملك المسلمون الربض وبقي الحصن وهو والربض على سطح جبل واحد إلا ان بينهما خندقا عظيما عمقه نحو ستين ذراعا فأمر صلاح الدين بإلقاء الأحجار والتراب فيه ليطمه فلم يقدر أحد على الدنو منه لكثرة الرمي عليهم بالسهام من الجرخ والقوس والأحجار من المنجنيقات فأمر أن يبنى بالأخشاب واللبن ما يمكن الرجال يمشون تحت السقائف ويلقون في الخندق ما يطمه ومنجنيقات المسلمين مع ذلك ترمي الحصن ليلا ونهارا وأرسل من فيه من الفرنج إلى ملكهم وفرسانهم يستعدونهم ويعرفونهم عجزهم وضعفهم عن حفظ الحصن فاجتمعت الفرنج عن آخرها وساروا إلى نجدتهم عجلين فلما بلغ الخبر بمسيرهم إلى صلاح الدين رحل عن الكرك إلى طريقهم ليلقاهم ويصاففهم ويعود بعد أن يهزمهم إلى الكرك فقرب منهم وخيم 128 ونزل ولم يمكنه الدنو منهم لخشونة الأرض وصعوبة المسلك اليهم وضيقه فأقام أياما ينتظر خروجهم من ذلك المكان ليتمكن منهم فلم يبرحوا منه خوفا على نفوسهم فلما رأى ذلك رحل عنهم عدة فراسخ وجعل بإزائهم من يعلمه بمسيرهم فساروا ليلا إلى الكرك فلما علم صلاح الدين ذلك علم أنه لا يتمكن حينئذ ولا يبلغ غرضه فسار الى مدينة نابلس ونهب كل ما على طريقه من البلاد فلما وصل الى نابلس أحرقها وخربها وقتل فيها وأسر وسبى فأكثر وسار عنها إلى سبسطية وبها مشهد زكريا عليه السلام وبها كنيسة وبها جماعة أسرى من المسلمين فاستنقذهم ورحل إلى جينين فنهبها وخربها وعاد إلى دمشق ونهب ما على طريقه وخربه وبث السرايا في طريقه يمينا وشمالا يغنمون ويخربون ووصل إلى دمشق
ذكر ملك الملثمين بجاية وعودها إلى أولاد عبد المؤمن
في هذه السنة في شعبان خرج علي بن اسحق المعروف بابن غانية وهو من أعيان الملثمين الذين كانوا في المغرب وهو حينئذ صاحب جزيرة ميورقة إلى بجاية فملكها وسبب ذلك أنه لما سمع بوفاة يوسف بن عبد المؤمن عمر اسطوله فكان عشرين قطعة وسار في جموعه فأرسى في ساحل بجاية وخرجت خيله ورجاله من الشواني فكانوا نحو مائتي فارس من الملثمين وأربعة آلاف راجل فدخل مدينة بجاية بغير قتال لأنه اتفق أن واليها سار عنها قبل ذلك بأيام إلى مراكش ولم يترك فيها جيشا ولا ممانعا لعدم عدو يحفظها منه فجاء الملثم ولم يكن في حسابهم أنه يحدث نفسه بذلك فأرسى بها ووافقه جماعة من بقايا دولة بني حماد وصاروا معه فكثر جمعه بهم وقويت نفسه فسمع خبره والي بجاية فعاد من طريقه ومعه من الموحدين ثلاثمائة فارس فجمع من العرب والقبائل الذين في تلك الجهات نحو ألف فارس فسمع بهم وبقربهم منه فخرج اليهم وقد صار معه قدر ألف فارس وتوافقوا ساعة فانضاف جميع الجموع التي كانت مع والي بجاية الى الملثم فانهزم حينئذ والي بجاية ومن معه من الموحدين وساروا إلى مراكش وعاد الملثم فجمع جيشه وخرج إلى أعمال بجاية فأطاعه جميعها إلا قسطنطينية الهوى فحصرها إلى أن جاء جيش من الموحدين من مراكش في صفر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة إلى بجاية من البر والبحر وكان بها يحيى وعبد الله أخو علي بن اسحاق الملثم فخرجا منها 129 هاربين ولحقا بأخيهما فرحل عن القسطنطينية وسار الى افريقية وكان سبب إرسال الجيش من مراكش أن والي بجاية وصل الى يعقوب بن يوسف صاحب المغرب وعرفه ما جرى ببجاية واستيلاء الملثمين عليها وخوفه عاقبة التواني فجهز العساكر في البر عشرين ألف فارس وجهز الأسطول في البحر في خلق كثير واستعادوها
ذكر وفاة صاحب ماردين وملك ولده
في هذه السنة مات قطب الدين أيلغازي بن نجم الدين بن ألبي بن تمرتاش بن أيلغازي بن أرتق صاحب ماردين وملك بعده ابنه حسام الدين بولق أرسلان وهو طفل وقام بتربيته وتدبير مملكته نظام الدين البقش مملوك أبيه وكان شاه أرمن صاحب خلاط خال قطب الدين فحكم في دولته وهو رتب البقش مع ولده وكان البقس دينا خيرا عادلا حسن السيرة سليما فأحسن تربية الولد وتزوج أمه فلما كبر الولد لم يمكنه النظام من مملكته لخبط وهوج كان فيه وكان لنظام الدين هذا مملوك اسمه لؤلؤ قد تحكم في دولته وحكم فيها فكان يحمل النظام على ما يفعله مع الولد ولم يزل الأمر كذلك إلى أن مات الولد وله أخ اصغر منه لقبه طب الدين فربته النظام في الملك وليس له منه إلا الاسم والحكم إلى النظام ولؤلؤ فبقي كذلك إلى سنة أحدى وستمائة فمرض النظام البقش فأتاه قطب الدين يعوده فلما خرج من عنده خرج معه لؤلؤ وضربه قطر الدين بسكين معه فقتله ثم دخل إلى النظام وبيده السكين فقتله ايضا وخرج وحده
ومعه غلام له وألقى الرأسين إلى الأجناد وكانوا كلهم قد أنشأهم النظام ولؤلؤ فأذعنوا له بالطاعة فلما تمكن أخرج من أراد وترك من أراد واستولى على قلعة ماردين وأعمالها وقلعة البارعية وصور وهو إلى الآن حاكم فيها حازم في أفعاله
ذكر عدة حوادث
وفي هذه السنة توفي صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحمن بن شيخ الشيوخ اسماعيل بن شيخ الشيوخ أبي سعيد احمد في شعبان وكان قد سار في ديوان الخلافة رسولا إلى صلاح الدين معه شهاب الدين بشير الخادم في معنى الصلح بينه وبين عز الدين صاحب الموصل فوصل دمشق وصلاح الدين يحصر الكرك فأقام إلى أن عاد 130 فلم يستقر في الصلح أمر ومرضا وطلبا العودة إلى العراق فأشار عليهما صلاح الدين بالمقام إلى أن يصطلحا فلم يفعلا وسارا في الحر فمات بشير بالسخنة ومات صدر الدين بالرحبة ودفن بمشهد البوق وكان واحد زمانه قد جمع بين رياسة الدين والدنيا وكان ملجأ لكل خائف صالحا كريما حليما وله مناقب كثيرة ولم يستعمل قي مرضه هذا دواء توكلا على الله تعالى
وفيها توفي عبد اللطيف بن محمد بن عبد اللطيف الخجندي الفقيه الشافعي رئيس اصفهان وكان موته بباب همذان وقد عاد من الحج وله شعر فمنه
( بالحمى دار ساقها مدمعي
يا سقى الله الحمى من مربع )
( ليت شعري والأماني ضلة
هل إلى وادي الغضى من مرجع )
( أذنت علوة للواشي بنا
ما على علوة لو لم تسمع )
( أو تحرت رشدا فيما وشى
أو عفت عني فما قلبي معي )
رحمه الله ورضي عنه وأرضاه 131
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة
ذكر حصر صلاح الدين الموصل
ورحيله عنها لوفاة شاه ارمن
في هذه السنة حصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الموصل مرة ثانية وكان مسيره من دمشق في ذي القعدة من السنة الماضية فوصل إلى حلب وأقام بها الى أن خرجت السنة وسار منها فعبر إلى أرض الجزيرة فلما وصل حران قبض على مظفر الدين كوكبري بن زين الدين الذي كان سبب ملكه الديار الجزرية وسبب قبضه عليه أن مظفر الدين كان يراسل صلاح الدين كل وقت ويشير عليه بقصد الموصل ويحسن له ذلك ويقوي طمعه حتى انه بذل له إذا سار إليها خمسين ألف دينار فلما وصل صلاح الدين إلى حران لم يف له بما بذل من المال وأنكر ذلك فقبض عليه ووكل به ثم أطلقه وأعاد إليه مدينتي حران والرها وكان قد أخذها منه وإنما أطلقه لأنه خاف انحراف الناس عنه بالبلاد الجزرية لأنهم كلهم علموا بما اعتمده مظفر الدين معه من تمليك البلاد فأطلقه وسار صلاح الدين عن حران في ربيع الأول فحضر عنده عساكر الحصن ودارا ومعز الدين سنجر شاه صاحب الجزيرة وهو ابن أخي عز الدين صاحب الموصل وكان قد فارق طاعة عمه بعد قبض مجاهد الدين وسار مع صلاح الدين إلى الموصل فلما وصل إلى مدينة بلد سير أتابك عز الدين والدته إلى صلاح الدين ومعها ابنة عمه نور الدين محمود بن زنكي وغيرهما من النساء وجماعة من أعيان الدولة يطلبون منه المصالحة وبذلوا له الموافقة والأنجاد بالعساكر ليعود عنهم وإنما أرسلهن لأنه وكل من عنده ظنوا أنهن إذا طلبن منه الشام أجابهن إلى ذلك لا سيما ومعهم ابنة مخدومه وولي نعمته نور الدين فلما وصلن إليه أنزلهن وأحضر اصحابه واسشارهم فيما يفعله ويقوله فأشار أكثرهم بإجابتهن إلى ما طلبن منه
وقال له الفقيه عيسى وعلي بن أحمد المشطوب وهما من بلد الهكارية من أعمال 132 الموصل مثل الموصل لا يترك لامرأه فإن عز الدين ما أرسلهن إلا وقد عجز عن حفظ البلد ووافق ذلك هواه فأعادهن خائبات واعتذر بأعذار غير مقبولة ولم يكن إرسالهم عن ضعف ووهن إنما أرسلهن طلبا لدفع الشر بالتي هي أحسن فلما عدن رحل صلاح الدين إلى الموصل وهو كالمتيقن أنه يملك البلد وكان الأمر بخلاف ذلك فلما قارب البلد نزل على فرسخين منه وامتد عسكره في تلك الصحراء بنواحي الحلة المراقية وكان يجري بين العسكر مناوشات بظاهر الباب العمادي وكنت إذ ذاك بالموصل وبذل العامة نفوسهم غيظا وحنقا لرده النساء فرأى صلاح الدين ما لم يكن يحسبه فندم على رده النساء ندامة الكسعي حيث فاته الذكر وملك البلد وعاد على الذين أشاروا بردهن باللوم والتوبيخ وجاءته كتب القاضي الفاضل وغيره ممن ليس له هوى في الموصل يقبحون فعله وينكرونه وأتاه وهو على الموصل زين الدين يوسف ابن زين الدين صاحب إربل فأنزله ومعه أخوه مظفر كوكبري وغيرهما من الأمراء بالجانب الشرقي من الموصل وسير من المنزلة علي بن أحمد المشطوب الهكاري إلى قلعة الجزيرة من بلد الهكارية فحصرها واجتمع عليه من الأكراد والهكارية كثير وبقي هناك إلى أن رحل صلاح الدين عن الموصل وكان عامة الموصل يعبرون دجلة فيقاتلون من الجانب الشرقي من العسكر ويعودون ولما كان صلاح الدين يحاصر الموصل بلغ اتابك عز الدين صاحبها أن نائبه بالقلعة يكاتبه فمنعه من الصعود إلى القلعة وعاد يقتدي برأي مجاهد الدين وكان قد أخرجه كما ذكرناه ويصدر عن رأيه وضبط الأمور وأصلح ما كان فسد من الأحوال حتى آل الأمر إلى الصلح على ما نذكره إن شاء الله
وحضر عند صلاح الدين إنسان بغدادي أقام بالموصل ثم خرج إلى صلاح الدين فأشار عليه بقطع دجلة عن الموصل إلى ناحية نينوى وقال إن دجلة إذا نقلت عن الموصل عطش أهلها فملكناها بغير قتال فظن صلاح الدين ان قوله صدق فعزم على ذلك حتى علم أنه لا يمكن قطعه بالكلية فإن المدة تطول والتعب يكثر ولا فائدة وراءه وقبحه عنده أصحابه فأعرض عنه وأقام بمكانه من أول ربيع الآخرة إلى أن قارب آخره ثم رحل عنها إلى ميافارقين
وكان سبب ذلك أن شاه أرمن صاحب خلاط توفي بها تاسع ربيع الآخر فوصل الخبر بوفاته في العشرين منه فعزم على الرحيل إليها وتملكها حيث إن شاء أرمن لم يخلف ولدا ولا أحدا من أهل بيته يملك بلاده بعده وإنما قد استولى عليها 133 مملوك اسمه بكتمر ولقبه سيف الدين فاستشار صلاح الدين أمراءه ووزراءه فاختلفوا فأما من هواه بالموصل فيشير بالمقام وملازمة الحصار لها وأما من يكره أذى البيت الأتابكي فإنه أشار بالرحيل وقال إن ولاية خلاط أكبر وأعظم وهي سائبة لا حافظ لها وهذه لها سلطان يحفظها ويذب عنها وإذا ملكنا تلك سهل أمر هذه وغيرها فتردد في أمره فاتفق أنه جاءه كتب جماعة من أعيان خلاط من أهلها وأمرائها يستدعونه ليسلموا اليه البلد فسار عن الموصل وكانت مكاتبة من كابة خديعة ومكرا فإن شمس الدين البهلوان بن ايلدكز صاحب أذربيجان وهمذان وتلك المملكة قد قصدهم ليأخذ البلاد منهم وكان قبل ذلك قد زوج شاه ارمن على كبر بنتا له ليجعل ذلك طريقا إلى ملك خلاط وأعمالها فلما بلغهم مسيره إليهم كاتبوا صلاح الدين يستدعونه اليهم ليسلموا البلد اليه ليدفعوا به البهلوان ويدفعوه بالبهلوان وتبقى البلد بأيديهم فسار صلاح الدين وسير في مقدمته ابن عمه ناصر الدين محمد ابن شيركوه ومظفر الدين بن زين الدين وغيرهما فساروا إلى خلاط ونزلوا بطوانة بالقرب من خلاط وسار صلاح الدين إلى ميافارقين وأما البهلوان فإنه سار إلى خلاط ونزل قريبا منها وترددت رسل أهل خلاط بينهم وبينه وبين صلاح الدين ثم انهم اصلحوا أمرهم مع البهلوان وصاروا من حزبه وخطبوا له
ذكر وفاة نور الدين صاحب الحصن
في هذه السنة توفي نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن داود صاحب الحصن وآمد لما كان صلاح الدين على الموصل وخلف ابنين فملك الأكبر منهما واسمه سقمان ولقبه قطب الدين وتولى تدبير الأمور وزيره القوام بن سماقا الأسعردي وكان عماد الدين بن قرا أرسلان قد سيره أخوه نور الدين في عساكره إلى صلاح الدين وهو يحاصر الموصل وهو معه فلما بلغه خبر وفاة أخيه سار ليملك البلاد بعده لصغر أولاده فتعذر عليه ذلك فسار إلى خرت برت فلمكها وهي بيد أولاده إلى سنة عشرين وستمائة ولما حضر صلاح الدين ميافارقين حضر عنده ولد نور الدين فأقره على ملك أبيه ومن جملته آمد وكانوا خافوا أن يأخذها منهم فلم يفعل وردهم إلى بلادهم وشرط عليهم أن يراجعوه فيما يفعلونه ويصدون عن أمره ونهيه ورتب معه أميرا لقبه صلاح الدين من أصحاب أبيه 134
ذكر ملك صلاح الدين ميافارقين
لما سار صلاح الدين إلى خلاط جعل طريقه على ميافارقين مطمع ملكها حيث كان صاحبه قطب الدين صاحب ماردين قد توفي كما ذكرنا وملك بعده ابنه وهو طفل وكان حكمها إلى شاه أرمن وعسكره فيها فلما توفي طمع في أخذها فلما نازلها رآها مشحونة بالرجال وبها زوجة قطب الدين المتوفى ومعها بنات لها منه وهي أخت نور الدين محمد صاحب الحصن فأقام صلاح الدين عليها يحصرها من أول جمادى الأولى وكان المقدم على أجنادها أمير اسمه يرنقش ولقبه أسد الدين وكان شجاعا شهما يحفظ البلد فأحسن إليه واشتد القتال عليه ونصب المنجنيقات والعرادات فلم يصل صلاح الدين إلى ما يريد منها فلما رأى ذلك عدل من القوة والحرب إلى إعمال الحيلة فراسل امرأة قطب الدين المقيمة بالبلد يقول لها إن أسد الدين يرنقش قد مال إلينا في تسليم البلد ونحن نرعى حق أخيك نور الدين فيك بعد وفاته ونريد أن يكون لك في هذا الأمر نصيب وأنا أزوج بناتك لأولادي وتكون ميافارقين وغيرها لك وبحكمك ووضع من أرسل إلى الأسد يعرفه أن الخاتون قد مالت للمقاربة والانقياد إلى السلطان وأن من بخلاط قد كاتبوه ليسلموا إليه فخذ لنفسك واتفق أن رسولا وصله من خلاط يبذلون له الطاعة وقالوا له من الاستدعاء إليهم ما كانوا يقولونه فأمر صلاح الدين الرسول فدخل إلى ميافارقين وقال للأسد أنت عمن تقاتل وأنا قد جئت في تسليم خلاط إلى صلاح الدين فسقط في يده وضعف قوته وأرسل يقترح أقطاعا ومالا فأجيب إلى ذلك وسلم البلد جمادى الأولى وعقد النكاح لبعض أولاده على بعض بنات خاتون وأقر بيدها قلعة هناخ لتكون فيها هي وبناتها
ذكر عود صلاح الدين إلى بلد الموصل والصلح بينه وبيه أتابك عز الدين
لما فرغ صلاح الدين من أمر ميافارقين وأحكم قواعدها وقرر اقطاعاتها وولاياتها أجمع على العود إلى الموصل فسار نحوها وجعل طريقه على نصيبين فوصل إلى كفر زمار والزمان شتاء فنزلها في عساكره وعزم على المقام بها وإقطاع جميع بلاد الموصل وأخذ غلاتها ودخلها وإضعاف الموصل بذلك إذ علم أنه لا يمكنه التغلب 135 عليها وكان نزوله في شعبان وأقام بها شعبان ورمضان وترددت الرسل بينه وبين عز الدين صاحب الموصل وصار مجاهد الدين يراسل ويتقرب وكان قوله مقبولا عند سائر الملوك لما علموا من صحته فبينما الرسل تتردد في الصلح إذ مرض صلاح الدين وسار مع كفر زمار وعاد إلى حران فلحقه الرسل بالاجابة الى ما طلب فتقرر الصلح وحلف على ذلك وكانت القاعدة ان يسلم إليه عز الدين شهرزور وأعمالها وولاية القرابلي وجميع ما وراء الزاب من أعمال وأن يخطب له على منابر بلاده ويضرب اسمه على السكة فلما حلف أرسل رسله فحلف عز الدين له وتسلم البلاد التي استقرت القاعدة على تسليمها ووصل صلاح الدين إلى حران فأقام بها مريضا وأمنت الدنيا وسكنت الدهماء وانحسمت مادة الفتن وكان ذلك بتوصل مجاهد الدين قايماز رحمه الله وأما صلاح الدين فإنه طال مرضه بحران وكان عنده من أهله أخوه الملك العادل وله حينئذ حلب وولده الملك العزيز عثمان واشتد مرضه حتى أيسوا من عافيته فحلف الناس لأولاده وجعل لكم منهم شيئا من البلاد معلوما وجعل أخاه العادل وصيا على الجميع ثم إنه عوفي وعاد إلى دمشق في المحرم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة ولما كان مريضا بحران كان عنده ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه وله من الأقطاع حمص والرحبة فسار من عنده إلى حمص فاجتاز بحلب واحضر جماعة من الدمشقيين وواعدهم على تسليم البلد إليه إذا مات صلاح الدين وأقام بحمص ينتظر موته ليسير إلى دمشق فيملكها فعوفي وبلغه الخبر على جهته فلم يمض غير قليل حتى مات ابن شيركوه ليلة عيد الأضى فإنه شرب الخمر وأكثر منه فأصبح ميتا فذكروا والعهدة عليهم أن صلاح الدين وضع إنسانا يقال له الناصح بن العميد وهو من دمشق فحضر عنده ونادمه وسقاه سما فلما اصبحوا من الغد لم يروا الناصح فسألوا عنه فقيل إنه سار من ليلته إلى صلاح الدين فكان هذا مما قوى الظن فلما توفي أعطى أقطاعه لولده شيركوه وعمره اثنتا عشرة سنة وخلف ناصر الدين من الأموال والخيل والآلات شيئا كثيرا فحضر صلاح الدين في حمص واستعرض تركته وأخذ أكثرها ولم يترك إلا ما لا خير فيه وبلغني أن شيركوه بن ناصر الدين حضر عند صلاح الدين بعد موت أبيه بسنة فقال له إلى أين بلغت من القرآن فقال إلى قوله تعالى (
إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) فعجب صلاح الدين والحاضرون من ذكائه 136
ذكر الفتنة بين التركمان والأكراد بديار الجزيرة والموصل
في هذه السنة ابتدأت الفتنة بين التركمان والأكراد بديار الجزيرة والموصل وديار بكر وخلاط والشام وشهرزور وأذربيجان وقتل فيها من الخلق ما لا يحصى ودامت عدة سنين وتقطعت الطرق ونهبت الأموال وأريقت الدماء وكان سببها أن امرأة من التركمان تزوجت بإنسان تركماني واجتازوا في طريقهم بقلعة من الزوزان الأكراد فجاد أهلها وطلبوا من التركمان وليمة العرس فامتنعوا من ذلك وجرى بينهم كلام صاروا منه إلى القتال فنزل صاحب تلك القلعة فأخذ الزوج فقتله فهاجت الفتنة وقام التركمان على ساق وقتلوا جمعا كثيرا من الأكراد وثار الأكراد فقتلوا من التركمان أيضا كذلك وتفاقم الشر ودام ثم إن مجاهد الديار قايماز رحمه الله جمع عنده جمعا من رؤساء الأكراد والتركمان وأصلح بينهم وأعطاهم الخلع والثياب وغيرها وأخرج عليهم مالا جما فانقطعت الفتنة وكفى الله شرها وعادوا إلى ما كانوا عليه من الطمأنينة والأمان
ذكر ملك الملثمين والعرب إفريقية وعودها إلى الموحدين
قد ذكرنا سنة ثمانين ملك علي بن اسحق الملثم بجاية ولإرسال يعقوب بن يوسف ابن عبد المؤمن العساكر واستعادتها فسار إلى افريقية فلما وصل إليها اجتمع سليم ورياح ومن هناك من العرب وانضاف إليهم الترك الذين كانوا قد دخلوا من مصر مع شرف الدين قراقوش وقد تقدم ذكر وصوله إليها ودخل أيضا من أتراك مصر مملوك لتقي الدين ابن أخي صلاح الدين اسمه بوزابه فكثر جمعهم وقويت شوكتهم فلما اجتمعوا بلغت عدتهم مبلغا كثيرا وكلهم كاره لدولة الموحدين واتبعوا جميعهم علي ابن أسحق الملثم لأنه من بيت المملكة والرياسة القديمة وانقادوا إليه ولقبوه بأمير المسلمين وقصدوا بلاد إفريقية فملكوها جميعها شرقا وغربا إلا مدينتين تونس والمهدية فإن الموحدين أقاموا بها وحفظوها على خوف وضيق وشدة وانضاف إلى المفسد الملثم كل مفسد في تلك الأرض ومن يريد الفتنة والنهب والفساد والشر فخربوا البلاد والحصون والقرى وهتكوا الحرم وقطعوا الأشجار وكان الوالي على إفريقية حينئذ عبد الواد بن عبد الله الهنتاتي وهو بمدينة تونس فأرسل إلى ملك 137 المغرب يعقوب وهو بمراكش يعلمه الحال
وقصد الملثم جزيرة باشرا وهي بقرب تونس تشتمل على قرى كثيرة فنازلها وأحاط بها فطلب اهلها منه الأمان فأمنهم فلما دخلها العسكر نهبوا جميع ما فيها من الأموال والدواب والغلات وسلبوا الناس حتى ثيابهم وامتدت الأيدي إلى النساء والصبيان وتركوهم هلكى فقصدوا مدينة تونس فأما الأقوياء فكانوا يخدمون ويعملون ما يقوم بقوتهم وأما الضعفاء فكانوا يستعطون ويسألون الناس ودخل عليهم فصل الشتاء فأهلكهم البرد ووقع فيهم الوباء فأحصي الموتى منهم فكانوا اثني عشر ألفا هذا من وضع واحد فما الظن بالباقي ولما استولى الملثم على إفريقية قطع خطبة أولاد عبد المؤمن وخطب للإمام الناصر لدين الله الخليفة العباسي وأرسل إليه يطلب الخلع والأعلام السود وقصد في سنة اثنتين وثمانين مدينة قفصة فحصرها فأخرج أهلها الموحدين من عساكر ولد عبد المؤمن وسلموها إلى الملثم فرتب فيها جندا من الملثمين والأتراك وحصنها بالرجال مع حصانتها في البناء وأما يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن فإنه لما وصله الخبر اختار من عساكره عشرين ألف فارس من الموحدين وقصد قلة العسكر لقلة القوت في البلاد ولما جرى فيها من التخريب والأذى وسار في صفر سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة فوصل إلى مدينة تونس وأرسل ستة آلاف فارس مع ابن أخيه فساروا إلى علي بن اسحق الملثم ليقاتلوه وكان بقفصة فوافوه وكان مع الموحدين جماعة من الترك فخامروا عليهم فانهزم الموحدون وقتل جماعة من مقدميهم وكان ذلك في ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين فلما بلغ يعقوب الخبر أقام بمدينة تونس إلى نصف رجب من السنة ثم خرج فيمن معه من العساكر يطلب الملثم والأتراك فوصل إليهم فالتقوا بالقرب من مدينة قابس واقتتلوا فانهزم الملثم ومن معه فأكثر الموحدون القتل حتى كادوا يفنونهم فلم ينج منهم إلا القليل فقصدوا البر ورجع يعقوب من يومه إلى قابس ففتحها وأخذ منها أهل قراقوش وأولاده وحملهم إلى مراكش وتوجه إلى مدينة الترك الذين فيها يطلبون الأمان لأنفسهم ولأهل البلد فأجابهم إلى ذلك وخرج الأتراك منها سالمين وسير الأتراك 138 ألى الثغور لما رأى من شجاعتهم ونكايتهم في العدو وتسلم يعقوب البلد وقتل من فيه من الملثمين وهدم أسواره وترك المدينة مثل قرية وظهر ما أنذر به المهدي بن تومرت فإنه قال إنها تخرب أسوارها وتقطع أشجارها وقد تقدم ذكر ذلك فلما فرغ يعقوب من أمر قفصة واستقامت افريقية عاد إلى مراكش وكان وصوله إليها سنة أربع وثمانين وخمسمائة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة فارق الرضى أبو الخير اسماعيل القزويني الفقيه الشافعي بغداد وكان مدرس النظامية بها وعاد إلى قزوين ودرس فيها بعده الشيخ أبو طالب المبارك صاحب ابن الخل وكان من العلماء الصالحين
وفيها كان بين أهل الكرخ ببغداد وبين أهل باب البصرة فتنة عظيمة جرح فيها كثير منهم وقتل ثم أصلح النقيب الظاهر بينهم
وفيها توفي الفقيه مهذب الدين عبد الله بن أسعد الموصلي وكان عالما بمذهب الشافعي وله نظم ونثر أجاد فيه وكان من محاسن الدنيا وكانت وفاته بحمص 139
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة
ذكر نقل العادل من حلب والملك العزيز إلى مصر
وإخراج الأفضل من مصر إلى دمشق وإقطاعه إياها
في هذه السنة أخرج صلاح الدين ولده الأفضل علي من مصر إلى دمشق وأقطعها له وأخذ حلب من أخيه العادل وسيره مع ولده العزيز عثمان إلى مصر وجعله نائبا عنه واستدعى تقي الدين منها وسبب ذلك أنه كان قد استناب تقي الدين بمصر كما ذكرناه وجعل معه ولده الأكبر الأفضل علي فأرسل تقي الدين يشكو من الأفضل ويذكر أنه قد عجز عن جباية الخراج معه لأنه كان حليما كريما إذا أراد تقي الدين معاقبة أحد منعه فأحضر ولده الأفضل وقال لتقي الدين لا تحتج في الخراج وغيره بحجة وتغير عليه بذلك وظن أنه يريد إخراج ولده الأفضل ينفرد بمصر حتى يملكها إذا مات صلاح الدين فلما قوي هذا الخاطر عنده أحضر أخاه العادل من حلب سيره إلى مصر ومعه ولده العزيز عثمان واستدعى تقي الدين إلى الشام فامتنع من الحضور وجمع الأجناد والعساكر ليسير إلى مملوكه قراقوش وكان قد استولى على جبال نفوسه وبرقة وغيرها وقد كتب إليه برغبة في تلك البلاد فتجهز للسفر إليه واستحصب معه أنجاد العسكر وأكثر منهم فلما سمع ذلك صلاح الدين ساءه وعلم أنه إن أرسل إليه يمنعه لم يجبه فأرسل إليه يقول له أريد أن تحضر عندي لأودعك وأوصيك بما تفعله فلما حضر عنده منعه وزاد في أقطاعه فصار إقطاعه حماة ومنبج والمعرة وكفر طاب وميافارقين وجبل جور بجميع أعمالها وكان تقي الدين قد سير في مقدمته مملوكه بوزابة فاتصل بقراقوش وكان منهم ما ذكرناه سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وقد بلغني من خبير بأحوال صلاح الدين أنه إنما حمله على أخذ حلب من 140 العادل وإعادة تقي الدين إلى الشام أن صلاح الدين لما مرض بحران على ما ذكرناه أرجف بمصر أنه قد مات فجرى من تقي الدين حركات من يريد أن يستبدل بالملك فلما عوفي صلاح الدين بلغه ذلك فأرسل الفقيه عيسى الهكاري وكان كبير القدر عنده مطاعا في الجند إلى مصر وأمره بإخراج تقي الدين والمقام بمصر فسار مجدا فلم يشعر تقي الدين إلا وقد دخل الفقيه عيسى إلى داره بالقاهرة وأرسل إليه يأمره الخروج منها فطلب أن يمهل إلى أن يتجهز فلم يفعل وقال تقيم خارج المدينة وتتجهز فخرج وأظهر أنه يريد الدخول إلى الغرب فقال له اذهب حيث شئت فلما سمع صلاح الدين الخبر أرسل إليه يطلبه فسار إلى الشام فأحسن إليه ولم يظهر له شيئا مما كان لأنه كان حليما كريما صبورا رحمه الله
وأما أخذ حلب من العادل فإن السبب فيه أنه كان من جملة جندها أمير كبير اسمه سليمان بن جندر بينه وبين صلاح الدين صحبة قديمة قبل الملك وكان صلاح الدين يعتمد عليه وكان عاقلا ذا مكر ودهاء فاتفق أن الملك العادل لما كان بحلب لم يفعل معه ما كان يظنه وقدم غيره عليه فتأثر بذلك فلما مرض صلاح الدين وعوفي سار إلى الشام فسايره يوما سليمان بن جندر فجرى حديث مرضه فقال له سليمان بأي رأي كنت تظن أنك تمضي إلى الصيد فلا يخالفونك بالله ما تستحي يكون الطائر أهدى منك إلى المصلحة قال وكيف ذلك وهو يضحك قال إذا أراد الطائر ان يعمل عشا لفراخه أولادك على الأرض هذه حلب بيد أخيك وحماة بيد تقي الدين وحمص بيد ابن شيركوه وابنك العزيز مع تقي الدين بمصر يخرجه أي وقت أراد وهذا ابنك الآخر مع أخيك في خيمة يفعل به ما أراد فقال له صدقت واكتم هذا الأمر ثم أخذ حلب من أخيه وأخرج تقي الدين من مصر ثم أعطى أخاه العادل حران والرها وميافارقين ليخرجه من الشام ومصر لتبقى لأولاده فلم ينفعه ما فعل لما أراد الله تعالى نقل الملك عن أولاده على ما نذكره
ذكر وفاة البهلوان وملك أخيه قزل
في هذه السنة في أولها توفي البهلوان محمد بن ايدلكز صاحب بلد الجبل والري وأصفهان وأذربيجان وأرانية وغيرها من البلاد وكان عادلا حسن السيرة عاقلا حليما ذا 141 سياسة حسنة للملك وكانت تلك البلاد في أيامه آمنة والرعايا مطمئنة فلما مات جرى بأصفهان بين الشافعية والحنفية من الحروب والقتل والإحراق والنهب ما يجل عن الوصف وكان قاضي البلد رأس الحنفية وابن الخجندي رأس الشافعية وكان بمدينة الري أيضا فتنة عظيمة بين السنية والشيعة وتفرق أهلها وقتل منهم وخربت المدينة وغيرها من البلاد ولما مات البهلوان ملك أخوه ارسلان واسمه عثمان وكان السلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه مع البهلوان والخطبة له في البلاد بالسلطنة وليس له من الأمر شيء وإنما البلاد والأمراء والأموال بحكم البهلوان فلما مات البهلوان خرج طغرل عن حكم قزل ولحق به جماعة من الأمراء والجند فاستولى على بعض البلاد وجرت بينه وبين قزل حروب نذكرها إن شاء الله تعالى
ذكر اختلاف الفرنج بالشام وانحياز القمص صاحب طرابلس إلى صلاح الدين
كان القمص صاحب طرابلس واسمه ريمند بن ريمند الصنجيلي قد تزوج بالقومصة صاحبة طبرية وانتقل إليها وأقام عندها بطبرية ومات ملك الفرنج بالشام وكان مجذوما وأوصى بالملك إلى ابن اخت له وكان صغيرا فكفله القمص وقام بسياسة الملك وتدبيره لأنه لم يكن للفرنج ذلك الوقت أكبر منه شأنا ولا أشجع ولا أجود رأيا منه فطمع في الملك بسبب هذا الصغير فاتفق أن الصغير توفي فانتقل الملك إلى أمه فبطل ما كان القمص يحدث نفسه به ثم إن هذه الملكة هويت رجلا من الفرنج الذين قدموا الشام اسمه كي فتزوجته ونقلت الملك اليه وجعل التاج على رأسه واحضرت البطرك والقسوس والرهبان والاسبتارية والدوابة والبارونية واعلمتهم انها قد ردت الملك إليه وأشهدتهم عليها بذلك فأطاعوه ودانوا له فعظم ذلك على القمص وسقط في يديه وطولب بحساب ما جبي من الأموال مدة ولاية الصبي فادعى أنه أنفقه عليه وزاده ذلك نفورا وجاهر بالمشاققة والمباينة وراسل صلاح الدين وانتمى إليه واعتضد به وطلب منه المساعدة على بلوغ غرضه من الفرنج ففرح صلاح الدين والمسلمون بذلك ووعده النصرة والسعي له في كل ما يريد وضمن له أنه يجعله ملكا مستقلا للفرنج قاطبة وكان عنده جماعة من فرسان 142 القمص فأطلقهم فحل ذلك عنده أعظم محل وأظهر طاعة صلاح الدين ووافقه على ما فعل جماعة من الفرنج فاختلفت كلمتهم وتفرق شملهم وكان ذلك من أعظم الأسباب الموجبة لفتح بلادهم واستنقاذ البيت المقدس منهم على ما نذكره إن شاء الله وسير صلاح الدين السرايا من ناحية طبرية فشنت الغارات على بلاد الفرنج وخرجت سالمة غانمة فوهن الفرنج بذلك وضعفوا وتجرأ المسلمون عليهم وطمعوا فيهم
ذكر غدر البرنس أرناط
كان البرنس أرناط صاحب الكرك من اعظم الفرنج وأخبثهم وأشدهم عداوة للمسلمين وأعظمهم ضررا عليهم فلما رأى صلاح الدين ذلك منه قصده بالحصر مرة بعد مرة وبالغارة على بلاده كرة بعد أخرى فذل وخضع وطلب الصلح من صلاح الدين فأجابه الى ذلك وهادنه وتحالفا وترددت القوافل من الشام إلى مصر ومن مصر إلى الشام فلما كان هذه السنة اجتاز به قافلة عظيمة غزيرة الأموال كثيرة الرجال ومعها جماعة صالحة من الجند فغدر اللعين بهم وأخذهم عن آخرهم وغنم أموالهم ودوابهم وسلاحهم وأودع السجون من أسر منهم فأرسل إليه صلاح الدين يلومه ويقبح فعله وغدره ويتوعده إن لم تطلق الأسرى والأموال فلم يجب إلى ذلك وأصر على الامتناع فندر صلاح الدين نذرا أن يقتله إن ظفر به فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
كان المنجمون قدينا وحديثا قد حكموا أن هذه السنة التاسع والعشرين من جمادى الآخرة تجتمع الكواكب الخمسة في برج الميزان ويحدث باقترانها رياح شديدة فلم يكن لذلك صحة ولم يهب من الرياح شيء البتة حتى إن الغلال الحنطة والشعير تأخر نجازها لعدم الهواء الذي يذري به الفلاحون فأكذب الله احدوثة المنجمين وأخزاهم
وفيها توفي عبد الله بن بري بن عبد الجبار بن بري النحوي المصري وكان إماما في النحو رحمه الله تعالى 143
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة
اتفق أول هذه السنة يوم السبت وهو يوم النوروز السلطاني ورابع عشر اذار سنة ألف وأربعمائة وثمان وتسعين اسكندرية وكان القمر والشمس في الحمل واتفق أول سنة العرب وأول سنة الفرس التي جددوها أخيرا وأول سنة الروم والشمس والقمر في أول البروج وهذا يبعد وقوع مثله
ذكر حصر صلاح الدين الكرك
في هذه السنة كتب صلاح الدين إلى جميع البلاد يستنفر الناس للجهاد وكتب إلى الموصل وديار الجزيرة وإربل وغيرها من بلاد الشرق وإلى مصر وسائر بلاد الشام يدعوهم إلى الجهاد ويحثهم عليه ويأمرهم بالتجيز له بغاية الامكان ثم خرج من دمشق اواخر المحرم في عسكرها وحلقتها الخاص فسار إلى رأس الماء وتلاحقت به العساكر الشامية فلما اجتمعوا جعل عليهم ولده الملك الأفضل علي ليجتمع اليه من يرد إليه منها وسار هو إلى بصرى جريدة وكان سبب مسيره وقصد إليها أنه أتته الأخبار أن البرنس أرناط صاحب الكرك يريد أن يقصد الحجاج ليأخذهم من طريقهم وأظهر أنه إذا فرغ من أخذ الحجاج يرجع إلى طريق العسكر المصري يصدهم عن الوصول إلى صلاح الدين فسار الى بصرى ليمنع البرنس أرناط من طلب الحجاج ويلزم بلده خوفا عليه وكان من الحجاج جماعة من أقاربه منهم محمد بن لاجين وهو ابن أخت صلاح الدين وغيره فلما سمع أرناط بقرب صلاح الدين من بلده لم يفارقه وانقطع عما طمع فيه فوصل الحجاج سالمين فلما وصلوا وفر سره من جهتهم سار إلى الكرك وبث سراياه من هناك على ولاية الكرك والشوبك وغيرها فنهبوا وخربوا وأحرقوا والبرنس محصور لا يقدر على المنع عن بلده وسائر الفرنج قد لزموا 144 طرق بلادهم خوفا من العسكر الذي مع ولده الأفضل فتمكن من الحصر والنهب والحريق والتخريب هذا فعل صلاح الدين
ذكر الغارة على بلد عكا
أرسل صلاح الدين إلى ولده الأفضل يأمره أن يرسل قطعة صالحة من الجيش إلى بلد عكا ينهبونه ويخربونه فسير مظفر الدين كوكبري بن زين الدين صاحب حران والرها وأضاف اليه قايماز النجمي ودلدرم الياقوتي وهما من أكابر الأمراء وغيرهما فساروا ليلا وصبحوا صفورية أواخر صفر فخرج اليهم الفرنج في جمع من الداوية والاسبتارية وغيرهما فالتقوا هناك وجرت بينهم حرب تشيب لها المفارق السود ثم أنزل الله تعالى نصره على المسلمين فانهزم الفرنج وقتل منهم جماعة وأسر الباقون وفيمن قتل مقدم الاسبتارية وكان من فرسان الفرنج المشهورين وله النكايات العظيمة في المسلمين ونهب المسلمون ما جاورهم من البلاد وغنموا وسبوا وعادوا سالمين وكان عودهم على طبرية وبها القمص فلم ينكر ذلك فكان فتحا كثيرا فإن الداوية والاسبتارية هم جمرة الفرنج وسيرت البشائر إلى البلاد بذلك
ذكر عود صلاح الدين إلى عسكره ودخوله إلى الفرنج
لما أتت صلاح الدين البشارة بهزيمة الاسبتارية والداوية وقتل من قتل منهم وأسر من أسر منهم عاد عن الكرك الى العسكر الذي مع ولده الملك الأفضل وقد تلاحقت سائر الأمراء والعساكر واجتمع بهم وساروا جميعا وعرض العسكر فبلغت عدتهم اثني عشر الف فارس ممن له الأقطاع والجامكية سوى المتطوعة فعلى عسكره قلبا وجناحين وميمنة وميسرة وجاليشية وساقة وعرف كل منهم موضعه وموقفه وأمره بملازمته وسار على تعبية فنزل بالأقحوانة بقرب طبرية وكان القمص قد انتمى إلى صلاح الدين كما ذكرناه وكتبه متصلة إليه يعده النصرة ويمنيه المعاضدة
وما يعدهم الشيطان إلا غرورا
فلما رأى الفرنج العساكر الإسلامية وتصميم العزم على قصد بلادهم أرسلوا إلى القمص البطرك والقسوس والرهبان وكثيرا من الفرسان فأنكروا عليه انتماءه إلى صلاح الدين وقالوا له لا شك اسلمت وإلا لم تصبر على فعل المسلمين أمس بالفرنج 145 يقتلون الداوية والاسبتارية ويأسرونهم ويجتازون بهم عليك وأنت لا تنكر ذلك ولا تمتنع عنه ووافقهم على ذلك من عنده من عسكر طبرية وطرابلس وتهدده البطرك أنه يحرمه ويفسخ عليه نكاح زوجته إلى غير ذلك من التهديد فلما رأى القمص شدة الأمر عليه خاف واعتذر وتنصل وتاب فقبلوا عذره وغفروا زلته وطلبوا منه الموافقة على المسلمين والمؤازرة على حفظ بلادهم فأجابهم إلى المصالحة والانضمام إليهم والاجتماع بهم وسار معهم إلى ملك الفرنج واجتمعت كلمتهم بعد فرقتهم ولم تغن عنهم من الله شيئا وجمعوا فارسهم وراجلهم ثم ساروا من عكا إلى صفورية وهم يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى قد ملئت قلوبهم رعبا
ذكر فتح صلاح الدين طبرية
لما اجتمع الفرنج وساروا إلى صفورية جمع صلاح الدين أمراءه واستشارهم فأشار أكثرهم عليه بترك اللقاء وان يضعف الفرنج بشن الغارات وإخراب الولايات مرة بعد مرة فقال له بعض امرائه الرأي عندي أننا نجوس بلادهم وننهب ونخرب ونحرق ونسبي فإن وقف أحد من عسكر الفرنج بين أيدينا لقيناه فإن الناس بالمشرق يلعنوننا ويقولون ترك قتال الكفار وأقبل يريد قتال المسلمين والرأي أن نفعل فعلا نعذر فيه ونكف الألسنة عنا فقال صلاح الدين الرأي عندي أن نلقى بجمع المسلمين جمع الكفار فإن الأمور لا تجري بحكم الإنسان ولا نعلم قدر الباقي من أعمارنا ولا ينبغي أن نفرق هذا الجمع إلا بعد الجد بالجهاد ثم رحل من الأقحوانة اليوم الخامس من نزوله بها وهو يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر فسار حتى خلف طبرية وراء ظهره وصعد جبلها وتقدم حتى قارب الفرنج فلم يرمنهم احدا ولا فارقوا خيامهم فنزل وأمر العسكر بالنزول فلما جنه الليل جعل في مقابل الفرنج من يمنعهم من القتال ونزل جريدة إلى طبرية وقاتلها ونقب بعض أبراجها وأخذ المدينة عنوة في ليلة ولجأ من بها إلى القلعة التي لها فامتنعوا بها وفيها صاحبتها ومعها أولادها فنهب المدينة وأحرقها فلما سمع الفرنج بنزول صلاح الدين إلى طبرية وملكه المدينة وأخذ ما فيها وإحراقها وإحراق ما تخلف مما لا يحمل اجتمعوا للمشورة فأشار بعضهم بالتقدم إلى المسلمين وقتالهم ومنعهم عن طبرية فقال القمص إن طبرية لي ولزوجتي وقد فعل صلاح الدين بالمدينة ما فعل وبقي القلعة وفيها زوجتي وقد رضيت 146 أن يأخذ القلعة وزوجتي ومالنا بها ويعود فوالله لقد رأيت عساكر الإسلام قدينا وحديثا ما رأيت مثل هذا العسكر الذي مع صلاح الدين كثرة وقوة وإذا أخذا طبرية لا يمكنه المقام بها فمتى فارقنا وعاد عنها أخذناها وإن أقام بها لا يقدر على المقام بها إلا بجميع عساكره ولا يقدرون على الصبر طول الزمان عن اوطانهم وأهليهم فيضطر إلى تركها ونفتك من أسر منا فقال له برنس أرناط صاحب الكرك قد أطلت في التخويف من المسلمين ولا شك أنك تريدهم وتميل إليهم وإلا ما كنت تقول هذا وأما قولك أنهم كثيرون فإن النار لا يضرها كثرة الحطب فقال أنا واحد منكم إن تقدمتم تقدمت وإن تأخرتم تأخرت وسترون ما يكون فقوي عزمهم على التقدم الى المسلمين وقتالهم فرحلوا من معسكرهم الذي لزموه وقربوا من عساكر الإسلام
فلما سمع صلاح الدين بذلك عاد عن طبرية إلى عسكره وكان قريبا منه وإنما كان قصده بمحاصرة طبرية أن يفارق الفرنج مكانهم ليتمكن من قتالهم وكان المسلمون قد نزلوا على الماء والزمان قيظ شديد الحر فوجد الفرنج العطش ولم يتمكنوا من الوصول إلى ذلك الماء من المسلمين وكانوا قد أفنوا ما هناك من ماء الصهاريج ولم يتمكنوا من الرجوع خوفا من المسلمين فبقوا على حالهم إلى الغد وهو يوم السبت وقد أخذ العطش منهم وأما المسلمون فإنهم طمعوا فيهم وكانوا من قبل يخافونهم فباتوا يحرض بعضهم بعضا وقد وجدوا ريح النصر والظفر وكلما رأوا حال الفرنج خلاف عادتهم مما ركبهم من الخذلان زاد طمعهم وجرأتهم فأكثروا التكبير والتهليل طول ليلتهم ورتب السلطان تلك الليلة الجاليشية وفرق فيهم النشاب
ذكر انهزام الفرنج بحطين
اصبح صلاح الدين والمسلمون يوم السبت لخمس بقين من ربيع الآخر فركبوا وتقدموا إلى الفرنج فركب الفرنج ودنا بعضهم من بعض إلا أن الفرنج قد اشتد بهم العطش وانخذلوا فاقتتلوا واشتد القتال وصبر الفريقان ورمى جاليشية المسلمين من النشاب ما كان كالجراد المنتشر فقتلوا من خيول الفرنج كثيرا هذا القتال بينهم والفرنج قد جمعوا نفوسهم براجلهم وهو يقاتلون سائرين نحو طبرية لعلهم يردون 147 الماء فلما علم صلاح الدين مقصدهم صدهم عن مرادهم ووقف بالعسكر في وجوههم وطاف بنفسه على المسلمين يحرضهم ويأمرهم بما يصلحهم وينهاهم عما يضرهم والناس يأتمرون لقوله ويقفون عند نهبه فحمل مملوك من مماليكه الصبيان حملة منكرة على صف الفرنج فقاتل قتالا عجب منه الناس ثم تكاثر الفرنج عليه فقتلوه فحين قتل حمل المسلمون حملة منكرة ضعضعوا الكفار وقتلوا منهم كثيرا فلما رأى القمص شدة الأمر علم أنهم لا طاقة لهم بالمسلمين فاتفق هو وجماعة وحملوا على من يليهم وكان المقدم من المسلمين في تلك الناحية تقي الدين عمر ابن اخي صلاح الدين فلما رأى حملة الفرنج حملة مكروب علم أنه لا سبب إلا الوقوف في وجوههم فأمر اصحابه ان يفتحوا لهم طريقا يخرجون منه وكان بعض المتطوعة قد القى في تلك الأرض نارا وكان الحشيش كثيرا فاحترق وكانت الريح فحملت حر النار والدخان إليهم فاجتمع عليهم العطش وحر الزمان وحر النار والدخان وحر القتال فلما انهزم القمص سقط في أيديهم وكادوا يستسلمون ثم علموا أنهم لا ينجيهم من الموت إلا الإقدام عليه فحملوا حملات متداركة كادوا يزيلون المسلمين على كثرتهم عن مواقفهم لولا لطف الله بهم إلا ان الفرنج لا يحملون حملة فيرجعون إلا وقد قتل منهم فوهنوا لذلك وهنا عظيما فأحاط بهم المسلمون إحاطة الدائرة بقطرها فارتفع من بقي من الفرنج إلى تل بناحية حطين وأرادوا أن ينصبوا خيامهم ويحموا نفوسهم به فاشتد القتال عليهم من سائر الجهات ومنعهوهم عما ارادوا ولم يتمكنوا من نصب خيمة غير خيمة ملكهم لا غير وأخذ المسلمون صليبهم الأعظم الذي يسمونه صليب الصلبوت ويذكرون أن فيه قطعة من الخشبة التي صلب عليها المسيح عليه السلام بزعمهم فكان أخذه عندهم من أعظم المصائب عليهم وأيقنوا بعده بالقتل والهلاك هذا والقتل والأسر يعملان في فرسانهم ورجالتهم فبقي الملك على التل في مقدار مائة وخمسين فارسا من الفرسان المشهورين والشجعان المذكورين
فحكى لي عن الملك الأفضل ولد صلاح الدين قال كنت إلى جانب أبي في ذلك المصاف وهو أول مصاف شاهدته فلما صار ملك الفرنج على التل في تلك الجماعة حملوا حملة منكرة على من بإزائهم من المسلمين حتى الحقوهم بوالدي 148
قال فنظرت إليه وقد علته كآبة واربد لونه وأمسك بلحيته وتقدم وهو يصيح كذب الشيطان قال فعاد المسلمون على الفرنج فرجعوا فصعدوا إلى التل فلما رأيت الفرنج قد عادوا والمسلمون يتبعونهم صحت من فرحي هزمناهم فعاد الفرنج فحملوا حملة ثانية مثل الأولى ألحقوا المسلمين بوالدي وفعل مثل ما فعل أولا وعطف المسلمون عليهم فألحقوهم بالتل فصحت أنا أيضا هزمناهم فالتفت والدي إلي وقال اسكت ما نهزمهم حتى تسقط تلك الخيمة قال فهو يقول لي وإذا الخيمة قد سقطت فنزل السلطان وسجد شكرا لله تعالى فبكى من فرحه
وكان سبب سقوطها أن الفرنج لما حملوا تلك الحملات ازدادوا عطشا وقد كانوا يرجون الخلاص في بعض تلك الحملات مما هم فيه فلم يجدوا إلى الخلاص طريقا فنزلوا عن دوابهم وجلسوا على الأرض فصعد المسلمون إليهم فألقوا خيمة الملك وأسروهم عن بكرة أبيهم وفيهم الملك وأخوه والبرنس أرباط صاحب الكرك ولم يكن في الفرنج أشد منه عداوة للمسلمين وأسروا أيضا صاحب جبيل وابن هنفري ومقدم الداوية وكان من أعظم الفرنج شأنا وأسروا أيضا جماعة من الداوية وجماعة من الإسبتارية وكثر القتل والأسر فيهم فكان من يرى القتلى لا يظن انهم أسروا واحدا ومن يرى الأسرى لا يظن أنهم قتلوا أحدا وما اصيب الفرنج منذ خرجوا إلى الساحل وهو سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى الآن بمثل هذه الوقعة
فلما فرغ المسلمون منهم نزل صلاح الدين في خيمته وأحضر ملك الفرنج عنده وبرنس صاحب الكرك وأجلس إلى جانبه وقد اهلكه العطش فسقاه ماء مثلوجا فشرب وأعطى فضله برنس صاحب الكرك فشرب صلاح الدين إن هذا الملعون لم يشرب الماء بإذني فينال أماني ثم كلم البرنس وقرعه بذنوبه وعدد عليه عوراته وقام إليه بنفسه فضرب رقبته وقال كنت نذرت دفعتين أن أقتله إن ظفرت به إحداهما لما أراد المسير إلى مكة والمدينة والثانية لما أخذ القفل غرا فلما قتله وسحب وأخرج ارتعدت فرائص الملك فسكن جأشه وأمنه وأما القمص صاحب طرابلس فإنه لما نجا من المعركة كما ذكرناه وصل الى صور ثم قصد طرابلس ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى مات غيظا وحنقا مما جرى على الفرنج خاصة وعلى دين النصرانية عامة 149
ذكر عود صلاح الدين إلى طبرية وملك قلعتها مع المدينة
لما فرغ صلاح الدين من هزيمة الفرنج أقام بموضعه باقي يومه وأصبح يوم الأحد عاد إلى طبرية ونازلها فأرسلت صاحبتها تطلب الأمان لها ولأولادها وأصحابها ومالها فأجابها إلى ذلك فخرجت بالجميع فوفي لها فسارت آمنة ثم أمر بالملك وجماعة من أعيان الأسرى فأرسلوا إلى دمشق وأمر بمن أسر من الداوية والاسبتارية أن يجمعوا ليقتلهم ثم علم أن من عنده أسير لا يسمح به لما يرجو من فدائه فبذل في كل أسير من هذين الصنفين خمسين دينارا مصرية فأحضر عنده في الحال مائتا أسير فأمر بهم فضربت أعناقهم وإنما خص هؤلاء بالقتل لأنهم أشد شوكة من جميع الفرنج فأراح الناس من شرهم وكتب إلى نائبه بدمشق ليقتل من دخل البلد منهم سواء كان له أو لغيره ففعل ذلك ولقد اجتزت بموضع الوقعة بعدها بنحو سنة فرأيت الأرض ملأى من عظامهم تبين على البعد منها المجتمع بعضه على بعض ومنها المفترق هذا سوى ما جحفته السيول وأخذته السباع في تلك الأكام والوهاد
ذكر فتح مدينة عكا
لما فرغ صلاح الدين من طبرية سار عنها يوم الثلاثاء ووصل إلى عكا يوم الأربعاء وقد صعد أهلها على سورها يظهرون الامتناع والحفظ فعجب هو والناس من ذلك لأنهم علموا أن عساكرهم من فارس وراجل بين قتيل وأسير وأنهم لم يسلم منهم إلا القليل إلا انه نزل يومه وركب يوم الخميس وقد صمم على الزحف الى البلد وقتاله فبينما هو ينظر من أين يزحف ويقاتل إذ خرج كثير من أهلها يضرعون ويطلبون الأمان فأجابهم إلى ذلك وأمنهم على أنفسهم وأموالهم وخيرهم بين الإقامة والظعن فاختاروا الرحيل خوفا من المسلمين وساروا عنها متفرقين وحملوا ما امكنهم حمله من أموالهم وتركوا الباقي على حاله ودخل المسلمون اليها يوم الجمعة مستهل جمادى الأولى وصلوا بها الجمعة في جامع كان للمسلمين قديما ثم جعله الفرنج بيعة ثم جعله صلاح الدين جامعا
وهذه الجمعة أول جمعة أقيمت بالساحل الشامي بعد أن ملكه الفرنج وسلم البلد إلى ولده الأفضل وأعطى جميع ما كان فيه للداوية من أقطاع وضياع وغير ذلك للفقيه عيسى وغنم المسلمون ما بقي مما لم يطق الفرنج حمله وكان من كثرته يعجز الإحصاء عنه فرأوا فيها من الذهب والجوهر والسقلاط 150 والبندقي والشكر والسلاح وغير ذلك من أنواع الأمتعة كثيرا فإنها كانت مقصدا للتجار الفرنج والروم وغيرهم من اقصى البلاد وأدناها وكان كثير منها قد خزنه التجار وسافروا عنه لكساده فلم يكن له من ينقله ففرق صلاح الدين وابنه الأفضل ذلك جميعه على اصحابهما واكثر ذلك فعله الأفضل لأنه كان مقيما بالبلد وكان شيمته في الكرم معروفة واقام صلاح الدين بمكا عدة أيام لإصلاح حالها وتقرير قواعدها
ذكر فتح مجدل يابا
لما هزم صلاح الدين الفرنج أرسل إلى أخيه العادل بمصر يبشره بذلك ويأمره بالمسير إلى بلاد الفرنج من جهة مصر بمن بقي عنده من العسكر ومحاصرة ما يليه منها فسارع إلى ذلك وسار عن مصر فنازل حصن مجدل يابا وحصره وغنم ما فيه ورد كتابه بذلك إلى صلاح الدين وكانت بشارة كبيرة
ذكر فتح عدة حصون
في مدة مقام صلاح الدين بعكا تفرق عسكره إلى الناصرة وقيسارية وحيفا وصفورية ومعليا والشقيف والفولة وغيرها من البلاد المجاورة لعكا فملكوها ونهبوها وأسروا رجالها وسبوا نساءها وأطفالها وقدموا من ذلك بما سد الفضاء وسير تقي الدين فنزل على تبنين ليقطع الميرة عنها وعن صور وسير حسام الدين عمر بن لاجين في عسكر الى نابلس فأتى سبصطية وبها قبر زكريا فأخذه من أيدي النصارى وسلمه إلى المسلمين ووصل إلى نابلس فدخلها وحصر قلعتها واستنزل من فيها بالأمان وتسلم القلعة وأقام أهل البلد به وأقرهم على أملاكهم وأموالهم
ذكر فتح يافا
لما خرج العادل من مصر وفتح مجدل يابا كما ذكرنا سار الى مدينة يافا وهي على الساحل فحصرها وملكها عنوة ونهبها وأسر الرجال وسبى الحريم وجرى على اهلها ما لم يجر على احد من اهل تلك البلاد وكان عندي جارية من اهلها وانا بحلب ومعها طفل عمره نحو سنة فسقط من يدها فانسلخ وجهه فبكت عليه كثيرا فسكنتها واعلمتها انه ليس بولدها ما يوجب البكاء فقال ماله أبكي إنما أبكي لما جرى علينا 151 كان لي ستة إخوة كلهم هلكوا جميعهم وزوج واختان لا اعلم ما كان منهم هذا من امرأة واحدة والباقي بالنسبة ورأيت بحلب امرأة فرنجية قد جاءت مع سيدها الى باب فطرقه سيدها فخرج صاحب البيت فكلمهم ثم اخرج امرأة فرنجية فحين رأتها الأخرى صاحتا واعتنقتا وهما يصرخان ويبكيان وسقطتا الى الأرض ثم قعدتا تتحدثان وإذا هما اختان وكان لهما عدة من الأهل ليس لهما علم بأحد منهم
ذكر فتح تبنين وصيدا وجبيل وبيروت
فأما تبنين فقد ذكرنا انفاذ صلاح الدين تقي الدين ابن اخيه الى تبنين فلما وصلها نازلها وأقام عليها فرأى حصرها لا يتم إلا بوصول عمه صلاح الدين إليه فأرسل اليه يعلمه الحال ويحثه على الوصول إليه فرحل ثامن جمادى الأولى ونزل عليه حادي عشرة فحصرها وضايقها وقاتلها بالزحف وهي من القلاع المنيعة على جبل فلما ضاق عليهم الأمر واشتد الحصر أطلقوا من عندهم من أسرى المسلمين وهم يزيدون على مائة رجل فلما دخلوا العسكر أحضرهم صلاح الدين وكساهم وأعطاهم نفقة وسيرهم الى اهليهم وبقي الفرنج كذلك خمسة أيام ثم أرسلوا يطلبون الأمان فأمنهم على أنفسهم فسلموها إليه ووفى لهم وسيرهم إلى مأمنهم
وأما صيدا فإن صلاح الدين لما فرغ من تبنين رحل عنها إلى صيدا فاجتاز في طريقه بصرفند فأخذها صفوا عفوا بغير قتال وسار عنها إلى صيدا وهي من مدن الساحل المعروفة فلما سمع صاحبها بمسيره نحوه سار عنها وتركها فارغة من مانع ومدافع فلما وصلها صلاح الدين تسلمها ساعة وصوله وكان ملكها لتسع بقين من جمادى الأولى
وأما بيروت فهي من احصن مدن الساحل وأنزهها وأطيبها فلما فتح صلاح الدين صيدا سار عنها من يومه نحو بيروت ووصل إليها من الغد فرأى أهلها قد صعدوا على سورها وأظهروا القوة والجلد والعدد وقاتلوا على سورها قتالا شديدا واغتروا بحصانة البلد وظنوا أنهم قادرون على حفظه وزحف المسلمون إليهم مرة بعد مرة فبينما الفرنج يقاتلون إذ سمعوا من البلد جلبة عظيمة وغلبة زائدة فأتاهم من أخبرهم أن البلد قد دخله المسلمون من الناحية الأخرى قهرا وغلبة فأرسلوا ينظرون ما الخبر 152 وإذا ليس له صحة فأرادوا تسكين من به فلم يمكنهم ذلك لكثرة ما اجتمع فيه من السواد فلما خافوا على انفسهم من الاختلاف الواقع أرسلوا يطلبون الأمان فأمنهم على نفوسهم وأموالهم وتسلمها في التاسع والعشرين من جمادى الأولى من السنة فكان مدة حصرها ثمانية أيام وأما جبيل فإن صاحبها كان من جملة الأسرى الذين سيروا إلى دمشق مع ملكهم فتحدث مع نائب صلاح الدين بدمشق في تسليم جديد على شرط إطلاقه فعرف صلاح الدين بذلك فأحضره مقيدا عنده تحت الاستظهار والاحتياط وكان العسكر حينئذ على بيروت فسلم حصنه وأطلق اسرى المسلمين الذين به وأطلقه صلاح الدين كما شرط له وكان هذا صاحب جبيل من أعيان الفرنج واصحاب الرأي والمكر والشر به يضرب المثل بينهم وكان للمسلمين منه عدو أزرق وكان إطلاقه من الأسباب الموهنة للمسلمين على ما يأتي بيانه
ذكر خروج المركيش الى صور
لما انهزم القمص صاحب طرابلس من حطين الى مدينة صور فأقام بها وهي أعظم بلاد الشام حصانة وأشد امتناعا على من رامها فلما رأى السلطان قد ملك تبنين وصيدا وبيروت خاف أن يقصد صلاح الدين صور وهي فارغة ممن يقاتل فيها ويحميها ويمنعها فلا يقوى على حفظها وتركها وسار الى مدينة طرابلس فبقيت صور شاغرة لا مانع لها ولا عاصم من المسلمين فلو بدأ بها صلاح الدين قبل تبنين وغيرها لأخذها بغير مشقة لكنه استعظمها لحصانتها فأراد أن يفرغ باله مما يجاورها من نواحيها ليسهل أخذها فكان ذلك سبب حفظها (
وكان أمر الله قدرا مقدورا ) واتفق أن إنسانا من الفرنج الذين داخل البحر يقال له المركيش لعنه الله خرج في البحر بمال كثير للزيارة والتجارة ولم يشعر بما كان من الفرنج فأرسى بعكا وقد رابه ما رأى من ترك عوائد الفرنج عند وصول المراكب من الفرح وضرب الأجراس وغير ذلك وما رأى أيضا من زي أهل البلد فوقف ولم يدر ما الخبر وكانت الريح قد ركدت فأرسل الملك الأفضل إليه بعض أصحابه في سفينة يبصر من هو ومن يريد فأتاه القاصد فسأله المركيش عن الأخبار لما أنكره فأخبره بكسرة الفرنج وأخذ عكا وغيرها وأعلمه ان صور بيد الفرنج وعسقلان وغيرها وحكى الأمر له على وجهه فلم يمكنه الحركة لعدم الريح فرد 153 الرسول يطلب الأمان ليدخل البلد بما معه من متاع ومال فأجيب إلى ذلك فردده مرار كل مرة يطلب شيئا لم يطلبه في المرة الأولى وهو يفعل ذلك انتظارا لهبوب الهواء ليسير به فبينما هو في مراجعاته اذهبت الريح فسار نحو صور وسير الملك الأفضل الشواني في طلبه فلم يدركوه فأتى صور وقد اجتمع بها من الفرنج خلق كثير لأن صلاح الدين كان كلما فتح مدينة من عكا وبيروت وغيرهما مما ذكرنا أعطى أهلها الأمان فساروا كلهم إلى صور وكثر الجمع بها إلا انهم ليس لهم رأس يجمعهم ولا مقدم يقاتل بهم وليسوا أهل حرب وهم عازمون على مراسلة صلاح الدين وتسليم البلد إليه فأتاهم المركيش وهم على ذلك العزم فردهم عنه وقوى نفوسهم وضمن لهم حفظ المدينة وبذل ما معه من الأموال وشرط عليهم أن تكون المدينة وأعمالها له دون غيره فأجابوه إلى ذلك فأخذ أيمانهم عليه وأقام عندهم ودبر أحوالهم وكان من شياطين الإنس حسن التدبير والحفظ له شجاعة عظيمة وشرع في تحصينها فجدد حفر خنادقها وعمل أسوارها وزاد في حصانتها واتفق من بها على الحفظ والقتال دونها
ذكر فتح عسقلان وما يجاورها
لما ملك صلاح الدين بيروت وجبيل وغيرهما كان أمر عسقلان والقدس أهم عنده لأسباب منها أنهما على طريق مصر يقطع بينهما وبين الشام وكان يختار أن تتصل الولايات له ليسهل خروج العسكر منها ودخولهم إليها ولما في فتح القدس من الذكر الجميل والصيت العظيم إلى غير ذلك من الأغراض فسار عن بيروت نحو عسقلان واجتمع بأخيه العادل ومن معه من عساكر مصر ونازلوها يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة وكان صلاح الدين قد أحضر ملك الفرنج ومقدم الداوية إليه من دمشق وقال لهما إن سلمتما البلاد إلي فلكما الأمان فأرسلا إلى من بعقسلان من الفرنج يأمرانهم بتسليم البلد فلم يسمعوا أمرهما وردوا عليهما أقبح رد وجبهوهما بما يسوءهما فلما رأى السلطان ذلك جد في قتال المدينة ونصب المنجنيقات عليها مرة أخرى وتقدم النقابون إلى الصور فنالوا من باشورته شيئا هذا وملكهم يكرر المراسلات إليهم بالتسليم ويشير عليهم ويعدهم أنه اذا اطلق من الأسر أضرم البلاد على المسلمين نارا واستنجد بالفرنج من البحر وأجلب الخيل والرجل من أقاصي بلاد الفرنج وأدانيها وهم لا يجيبون إلى ما يقول ولا يسمعون ما يشير به ولما رأوا أنهم كل يوم 154 يزدادون ضعفا ووهنا وإذا قتل منهم الرجل لا يجدون له عوضا ولا لهم نجدة ينتظرونها راسلوا صلاح الدين في تسليم البلد على شروط اقترحوها فأجابهم صلاح الدين اليها وكانوا قتلوا في الحصار أميرا كبيرا من المهرانية فخافوا عند مفارقة البلد أن عشيرته يقتلون منهم بشأره فاحتاطوا فيما اشترطوا لأنفسهم فأجيبوا الى ذلك جميعه وسلموا المدينة سلخ جمادى الآخرة من السنة وكانت مدة الحصار أربعة عشر يوما وسيرهم صلاح الدين ونساءهم وأموالهم وأولادهم إلى بيت المقدس ووفي لهم بالأمان
ذكر فتح البلاد والحصون المجاورة لعسقلان
لما فتح صلاح الدين عسقلان أقام بظاهرها وبث السرايا في أطراف البلاد المجاورة لها ففتحوا الرملة والداروم وغزة ومشهد إبراهيم الخليل عليه السلام وتبنين وبيت لحم وبيت جبريل والنطرون وكل ما كان للداوية
ذكر فتح البيت المقدس
لما فرغ صلاح الدين من أمر عسقلان وما يجاورها من البلاد على ما تقدم وكان قد أرسل إلى مصر أخرج الأسطول الذي بها في جمع من المقاتلى ومقدمهم حسام الدين لؤلؤ الحاجب وهو معروف بالشجاعة والشهامة ويمن النقيبة فأقاموا في البحر يقطعون الطريق على الفرنج كلما رأوا لهم مركبا غنموه وشانيا أخذوه فحين وصل الأسطول وخلا سره من تلك الناحية سار عن عسقلان الى البيت المقدس وكان به البطرك المعظم عندهم وهو أعظم شأنا من ملكهم وبه ايضا باليان بن بيرزان صاحب الرملة وكانت مرتبته عندهم تقارب من مرتبة الملك وبه أيضا من خلص أيضا من فرسانهم من حطين وقد جمعوا وحشدوا واجتمع أهل تلك النواحي عسقلان وغيرها فاجتمع به كثير من الخلق كلهم يرى الموت أيسر عليه من أن يملك المسلمون البيت المقدس ويأخذوه منهم ويرى أن بذل نفسه وماله وأولاده بعض ما يجب عليه من حفظه وحصنوه تلك الأيام بما وجدوا إليه سبيلا وصعدوا على سوره بحدهم وحديدهم مجتمعين على حفظه والذب عنه بجهدهم وطاقتهم مظهرين العزم على المناضلة دونه بحسب استطاعتهم ونصبوا المنجنيقات ليمنعوا من يرسد الدنو منه والنزول عليه ولما قرب 155 صلاح الدين منه تقدم أمير في جماعة عن أصحابه غير محتاط ولا حذر فلقيه جمع من الفرنج قد خرجوا من القدس ليكونوا يزكا فقاتلوه وقاتلهم فقتلوه وقتلوا جماعة ممن معه فأهم المسلمين قتله وفجعوا بفقده وساروا حتى نزلوا على القدس منتصف رجب فلما نزلوا عليه رأى المسلمون على سوره من الرجال ما هالهم وسمعوا لأهله من الغلبة والضجيج من وسط المدينة ما استدلوا به على كثرة الجمع
وبقي صلاح الدين خمسة أيام يطوف حول المدينة لنظر من أين يقاتله لأنه في غاية الحصانة والامتناع فلم يجد عليه موضع قتال إلا من جهة الشمال نحو باب عمود أو كنيسة صهيون فانتقل إلى هذه الناحية في العشرين من رجب ونزلها ونصب تلك الليلة المنجنيقات فأصبح من الغد وقد فرغ من نصبها ورمى بها ونصب الفرنج على سور البلد منجنيقات ورموا بها وقوتلوا أشد قتال رآه أحد من الناس كل واحد من الفريقين يرى ذلك دينا وحتما واجبا فلا يحتاج فيه إلى باعث سلطاني بل كانوا يمنعون ولا يمتنعون ويزجرون ولا ينزجرون وكان خيالة الفرنج كل يوم يخرجون إلى ظاهر البلد يقاتلون ويبارزون فيقتل من الفريقين وممن استشهد من المسلمين الأمير عز الدين عيسى بن مالك وهو من أكابر الأمراء وكان أبوه صاحب قلعة جعبر وكان يصطلي القتال بنفسه كل يوم فقتل الى رحمة الله تعالى وكان محبوبا الى الخاص والعام فلما رأى المسلمون مصرعه عظم عليهم ذلك وأخذ من قلوبهم فحملوا حملة رجل واحد فأزالوا الفرنج عن مواقفهم فأدخلوهم بلدهم ووصل المسلمون الى الخندق فجاوزوه والتصقوا الى السور فنقبوه وزحف الرماة يحمونهم المنجنيقات توالي الرمي لتكشف الفرنج عن الأسوار ليتمكن المسلمون من النقب فلما نقبوه حشوه بما جرت به العادة فلما رأى الفرنج شدة قتال المسلمين وتحكم المنجنيقات بالرمي المتدارك وتمكن النقابين من النقب وأنهم قد أشرفوا على الهلاك اجتمع مقدموهم يتشاورون فيما يأتون ويذرون فاتفق رأيهم على طلب الأمان وتسليم البيت المقدس إلى صلاح الدين لإارسلوا جماعة من كبرائهم وأعيانهم في طلب الأمان فلما ذكروا ذلك للسلطان امتنع من إجابتهم وقال لا أفعل بكم إلا كما فعلتم بأهله حين ملكتموه سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة من القتل والسبي وجزاء السيئة بمثلها فلما رجع الرسل خائبين محرومين أرسل باليان بن بيرزان وطلب الأمان لنفسه 156 ليحضر عند صلاح الدين في هذا الأمر وتحريره فأجيب إلى ذلك وحضر عنده ورغب في الأمان وسأل فيه فلم يجبه إلى ذلك واستعطفه فلم يعطف عليه واسترحمه فلم يرحمه فلما أيس من ذلك قال له أيها السلطان اعلم اننا في هذه المدينة في خلق كثير لا يعلمهم إلا الله تعالى وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان ظنا منهم أنك تجيبهم إليه كما اجبت غيرهم وهم يكرهون الموت ويرغبون في الحياة فإذا رأينا الموت لا بد منه فوالله لنقتلن أبناءنا ونساءنا ونحرق أموالنا وامتعتنا ولا نترككم تغنمون منها دينارا واحدا ولا درهما ولا تسبون وتأسرون رجلا ولا امرأة وإذا فرغنا من ذلك اخربنا الصخرة والمسجد الأقصى وغيرهما من الموضع ثم نقتل من عندنا من أسارى المسلمين وهم خمسة آلاف اسير ولا نترك لنا دابة ولا حيوانا الا قتلناه ثم خرجنا إليكم كلنا قاتلناكم قتال من يريد أن يحمي دمه ونفسه وحينئذ لا يقتل الرجل حتى يقتل أمثاله ونموت أعزاء او نظفر كراما
فاستشار صلاح الدين أصحابه فاجمعوا على اجابتهم الى الامان وان لا يخرجوا ويحملوا على ركوب ما لا يدرى عاقبة الأمر فيه عن أي شيء تنجلي ونحسب انهم اسارى بأيدينا فنبيعهم نفوسهم بما يستقر بيننا وبينهم فأجاب صلاح الدين حينئذ إلى بذل الامان للفرنج فاستقر أن يؤخذ من الرجل عشرة دنانير يستوي فيه الغني والفقير ويزن الطفل من الذكور والبنات دينارين وتزن المرأة خمسة دنانير فمن أدى ذلك إلى أربعين يوما فقد نجا ومن انقضت الأربعون يوما عنه ولم يؤد ما عليه فقد صار مملوكا فبذل باليان بن بيرزان عن الفقراء ثلاثين ألف دينار فأجيب الى ذلك وسلمت المدينة يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب وكان يوما مشهودا ورفعت الأعلام الإسلامية على أسواره ورتب صلاح الدين على ابواب البلد في كل باب أمينا من الأمراء ليأخذوا من أهله ما استقر عليهم فاستعلموا الخيانة ولم يؤدوا فيه أمانة واقتسم الأمناء الأموال وتفرقت أيدي سبا ولو أديت فيه الأمانة لملأ الخزائن وعم الناس فإنه كان فيه على الضبط ستون ألف رجل ما بين فارس وراجل سوى من يتبعهم من النساء والولدان ولا يعجب السامع من ذلك فإن البلد كبير واجتمع اليه من تلك النواحي من عسقلان وغيرها والداروم والرملة وغزة وغيرها من القرى بحيث امتلأت الطرق والكنائس وكان الإنسان لا يقدر أن يمشي ومن الدليل على كثرة الخلق أن اكثرهم 157 وزن ما استقر من القطيعة واطلق باليان بن بيرزان ثمانية عشر الف رجل وزن عنهم ثلاثين ألف دينار وبقي بعد هذا جميعه من لم يكن معه ما يعطي وأخذ أسيرا ستة عشرة الف آدمي ما بين رجل وامرأة وصبي هذا بالضبط واليقين ثم إن جماعة من الأمراء ادعى كل واحد منهم ان جماعة من رعية إقطاعه مقيمون بالبيت المقدس فيطلقهم ويأخذ هو قطيعتهم
وكان جماعة من الأمراء يلبسون الفرنج زي الجند المسلمين ويخرجونهم ويأخذون منهم قطيعة قرروها واستوهب جماعة من صلاح الدين عددا من الفرنج فوهبهم لهم فأخذوا قطيعتهم وبالجملة فلم يصل إلى خزائنه إلا القليل وكان بالقدس بعض نساء الملوم من الروم وقد ترهبت وأقامت به ومعها من الحشم والعبيد والجواري خلق كثير ولها من الأموال والجواهر النفيسة شيء عظيم فطلبت الأمان لنفسها ومن معها فأمنها وسيرها وكذلك ايضا اطلق ملكة القدس التي كان زوجها الذي أسره صلاح الدين قد ملك الفرنج بسببها ونيابة عنها كان يقوم بالملك وأطلق مالها وحشمها واستأذنته في المصير إلى زوجها وكان حينئذ محبوسا بقلعة نابلس فأذن لها فأتته واقامت عنده وأتته ايضا امرأة للبرنس أرناط صاحب الكرك وهو الذي قتله صلاح الدين بيده يوم المصاف بحطين فشفعت في ولد لها مأسور فقال لها صلاح الدين إن سلمت الكرك أطلقته فسارت الى الكرك فلم يسمع منها الفرنج ولم يسلموه فلم يطلق ولدها ولكنه أطلق ما لها ومن تبعها وخرج البطرك الكبير الذي للفرنج ومعه من اموال البيع منها الصخرة والأقصى وقمامة وغيرها ما لا يعلمه إلا الله تعالى وكان له من المال مثل ذلك فلم يعرض له صلاح الدين فقيل له ليأخذ ما معه يقوي به المسلمين فقال لا أعذر به ولم يأخذ منه غير عشرة دنانير وسير الجميع ومعهم من يحميهم إلى مدينة صور وكان على رأس قبة الصخرة صليب كبير مذهب فلما دخل المسلمون البلد يوم الجمعة تسلق جماعة منهم إلى اعلى القبة ليقلعوا الصليب فحين صعدوا صاح الناس كلهم صوتا واحدا من البلد ومن ظاهره المسلمون والفرنج أما المسلمون فكبروا فرحا وأما الفرنج فصاحوا تفجعا وترجعا فسمع الناس صيحة كادت الأرض أن تميد بهم لعظمها وشدتها
فلما ملك البلد وفارقه الكفار أمر صلاح الدين إعادة الابنية الى حالها القدين فإن 158 الداوية بنوا غربي الأقصى أبنية ليسكنوها وعملوا فيها ما يحتاجون إليه من هري ومستراح وغير ذلك وادخلوا بعض الأقصى في أبنيتهم فأعيد إلى الأول وأمر بتطهير المسجد والصخرة من الاقذار والأنجاس ففعل ذلك اجمع ولما كان الجمعة الأخرى رابع شعبان صلى المسلمون فيه الجمعة ومعهم صلاح الدين وصلى في قبة الصخرة وكان الخطيب والإمام محيي الدين بن الزنكي قاضي دمشق
ثم رتب فيه صلاح الدين خطيبا وإماما برسم الصلوات الخمس وأمر أن يعمل له منبر فقيل له إن نور الدين محمودا كان قد عمل بحلب منبرا أمر الصناع بالمبالغة في تحسينه وإتقانه وقال هذا قد علمناه لينصب بالبيت المقدس فعمله النجارون في عدة سنين لم يعمل في الإسلام مثله فأمر بإحضاره فحمل من حلب ونصب بالقدس وكان بين عمل المنبر وحمله ما يزيد على عشرين سنة وكان هذا من كرامات نور الدين وحسن مقاصده رحمه الله
ولما فرغ صلاح الدين من صلاة الجمعة تقدم بعمارة المسجد الأقصى واستنفاد الوسع في تحسينه وترصيفه وتدقيق نقوشه فأحضروا من الرخام الذي لا يوجد ومن الفص المذهب القسطنطيني وغير ذلك مما يحتاجون اليه قد ادخر على طول السنين فشرعوا في عمارته ومحوا ما كان في تلك الأبنية من الصورة وكان الفرنج فرشوا الرخام فوق الصخرة وغيبوها فأمر بكشفها وكان سبب تغطيتها بالفرش أن القسيسين باعوا كثيرا منها للفرنج الواردين اليهم من داخل البحر للزيارة يشترونه بوزنه ذهبا رجاء بركتها وكان احدهم إذا دخل إلى بلاده باليسير منها بنى له الكنيسة ويجعل في مذبحها فخاف بعض ملوكهم أن تفنى فأمر بها ففرش فوقها حفظا لها فلما كشفت نقل إليها صلاح الدين المصاحف الحسنة والربعات الجيدة ورتب القراء وأدر عليهم الوظائف الكثيرة فعاد الإسلام هناك غضا طريا وهذه المكرمة من فتح البيت المقدس لم يفعلها بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه غير صلاح الدين رحمه الله وكفاه ذلك فخرا وشرفا وأما الفرنج من أهله فإنهم أقاموا وشرعوا في بيع مالا يمكنهم حمله من أمتعتهم وذخائرهم وأموالهم وما لا يطيقون حمله وباعوا ذلك بأرخص الثمن فاستراه التجار من أهل العسكر واشتراه النصارى من أهل القدس الذين ليسوا من الفرنج فإنهم طلبوا من صلاح الدين ان يمكنهم من المقام في مساكنهم ويأخذ منهم الجزية فأجابهم الى ذلك فاستقرو فاشتروا حينئذ من أموال الفرنج وترك الفرنج ايضا اشياء كثيرة لم يمكنهم بيعها من الأسرة والصناديق والبنيات وغير ذلك 159 وتركوا ايضا من الرخام الذي لا يوجد مثله من الأساطين والألواح والفص وغيره شيئا كثيرا ثم ساروا
ذكر رحيل صلاح الدين إلى صور ومحاصرتها
لما فتح صلاح الدين البيت المقدس أقام بظاهره الى الخامس والعشرين من شعبان يرتب أمور البلد وأحواله وتقدم بعمل الربط والمدارس فجعل دار الاسبتار مدرسة للشافعية وهي في غاية ما يكون من الحسن فلما فرغ من أمر البلد سار الى مدينة صور وكانت قد اجتمع فيها من الفرنج عالم كثير وقد صار المركيش صاحبها والحاكم فيها وقد ساسهم أحسن سياسة وبالغ في تحصين البلد ووصل صلاح الدين الى عكا وأقام بها أياما فلما سمع المركيش بوصوله اليها جد في عمل سور صور وخنادقها وتعميقها ووصلها من البحر الى البحر من الجانب الاخر فصارت المدينة كالجزيرة في وسط الماء لا يمكن الوصول اليها ولا الدنو منها ثم رحل صلاح الدين من عكا فوصل الى صور تاسع شهر رمضان فنزل على نهر قريب البلد بحيث يراه حتى اجتمع الناس وتلاحقوا وسار في الثاني والعشرين من رمضان فنزل على تل يقارب سور البلد بحيث يرى القتال وقسم القتال على العسكر كل جمع منهم له وقت معلوم يقاتلون منه بحيث أن يتصل القتال على أهل البلد على ان الموضع الذي يقاتلون منه قريب المسافة يكفيه الجماعة اليسيرة من اهل البلد لحفظه وعليه الخنادق التي قد وصلت من البحر الى البحر فلا يكاد الطير يطير عليها فإن المدينة كالكف في البحر والساعد متصل بالبر والبحر والبحر من جانبي الساعد والقتال إنما هو في الساعد فزحف المسلمون مرة بالمنجنيقات والعرادات والجروخ والدبابات
وكان أهل صلاح الدين يتناوبون القتال مثل ولده الأفضل وولده الظاهر غازي وأخيه العادل بن أيوب وابن اخيه تقي الدين وكذلك سائر الأمراء وكان للفرنج شواني وحراقات يركبون فيها في البحر ويقفون من جانبي الموضع الذي يقاتل المسلمون منه أهل البلد فيرمون المسلمين من جانبهم بالخروج ويقاتلونهم وكان ذلك يعظم عليهم لأن أهل البلد يقاتلونهم من بين أيديهم وأصحاب الشواني يقاتلونهم من جانبيهم فكانت سهامهم تنفذ من احد الجانبي الى الجانب الاخر لضيق الموضع فكثرت الجراحات في المسلمين والقتل ولم يتمكنوا من النو الى البلد فأرسل 160 صلاح الدين الى الشواني التي جاءته من مصر وهي عشر قطع وكانت بعكا فأحضرها برجالها ومقاتلتها وعدتها وكانت في البحر تمنع شواني أهل صور من الخروج الى قتال المسلمين فتمكن المسلمون حينئذ من القرب من البلد ومن قتاله فقاتلوه برا وبحرا وضايقوا حتى كادوا يظفرون فجاءت الأقدار لما لم يكن في الحساب وذلك ان خمس قطع من شواني المسلمين باتت في بعض تلك الليالي مقابل مينا صور ليمنعوا من الخروج منه والدخول اليه فباتوا ليلتهم يحرسون وكان مقدمهم عبد السلام المغربي الموصوف بالحذف في صناعته وشجاعته فلما كان وقت السحر أمنوا فناموا فما شعروا إلا بشواني الفرنج قد نازلتهم وضايقتهم فأوقعت بهم فقتلوا من ارادوا قتله وأخذوا الباقين بمراكبهم وأدخلوهم مينا صور والمسلمون في البر ينظرون اليهم ورمى جماعة من المسلمين انفسهم من الشواني في البحر فمنهم من سبح فنجا ومنهم من غرق
وتقدم السلطان الى الشواني الباقية بالمسير الى بيروت لعدم انتفاعه بها لقلتها فسارت فتبعها شواني الفرنج فحين رأى من في شواني المسلمين الفرنج مجدين في طلبهم ألقوا نفوسهم في شوانيهم إلى البر فنجوا وتركوها فأخذها صلاح الدين ونقضها وعاد الى مقاتله صور في البر وكان ذلك قليل الجدوى لضيق المجال وفي بعض الايام خرج الفرنج فقاتلوا المسلمين من وراء خنادقهم فاشتد القتال بين الفريقين ودام إلى آخر النهار وكان خروجهم قبل العصر وأسر منهم فارس كبير مشهور بعد أن كثر القتال عليه من الفريقين لما سقط فلما أسر قتل وبقوا ذلك عدة أيام
ذكر الرحيل عن صور إلى عكا وتفريق العساكر
لما رأى صلاح الدين أن امر صور يطول رحل عنها وهذه كانت عادته متى ثبت البلد بين يديه ضجر منه ومن حصاره فرحل عنه وكان هذه السنة لم يطل مقامه على مدينة بل فتح الجميع في الأيام القريبة كما ذكرناه بغير تعب ولا مشقة فلما رأى هو وأصحابه شدة أمر صور ملوها وطلبوا الانتقال عنها ولم يكن لأحد ذنب في أمرها غير صلاح الدين فإنه هو جهز جنود الفرنج وأمدها بالرجال والأموال من أهل عكا وعسقلان والقدس وغير ذلك كما سبق ذكره كان يعطيهم الأمان ويرسلهم الى صور فصار فيها فرسان الفرنج بالساحل بأموالهم وأموال التجار وغيرهم فحفظوا المدينة 161 وراسلوا الفرنج داخل البحر يستمدونهم فأجابوهم بالتلبية لدعوتهم ووعدوهم بالنصرة وأمروهم بحفظ صور لتكون دار هجرتهم يحتمون بها ويلجؤون إليها فزادهم ذلك حرصا على حفظها والذب عنها وسنذكر إن شاء الله ما صار إليه الأمر بعد ذلك ليعلم أن الملك لا ينبغي أن يترك الحزم وان ساعدته الأقدار فلأن يعجز حازما خير له من أن يظفر مفرطا مضيعا للحزم وأعذر له عند الناس
ولما أراد الرحيل استشار امراءه فاختلفوا فجماعة يقولون الرأي أن يرحل فقد جرح الرجال وقتلوا وملوا وفنيت النفقات وهذا الشتاء قد حضر والشوط بطين فنريح ونستريح في هذا البرد فإذا جاء الربيع اجتمعنا وعاودناها وغيرها وكان هذا قول الأغنياء منهم وكأنهم خافوا ان السلطان يقترض منهم ما ينفقه في العسكر إذا أقام لخلو الخزائن وبيوت الأموال من الدرهم والدينار فإنه كان يخرج كل ما حمل إليه منها وقالت الطائفة الأخرى الرأي ان نصابر البلد ونضايقه فهو الذي يعتمدون عليه من حصونهم ومتى أخذناه منهم انقطع طمع من داخل البحر من هذا الجانب وأخذنا باقي البلاد صفوا فبقي صلاح الدين مترددا بين الرحيل والإقامة فلما رأى من يرى الرحيل اقامته اخل بما رد إليه من المحاربة والرمي بالمنجنيق واعتذروا بجراح رجالهم وانهم قد أرسلوا بعضهم ليحضروا نفقاتهم والعلوفات لدوابهم والأقوات لهم الى ذلك من الأعذار فصاروا مقيمين بغير قتال فاضطر الى الرحيل فرحل عنها آخر شوال وكان أول كانون الأول الى عكا فأذن العساكر جميعها بالعود الى اوطانهم والاستراحة في الشتاء والعود في الربيع فعادت عساكر الشرق والموصل وغيرها وعساكر الشام وعساكر مصر وبقي حلقته الخاص مقيما بعكا فنزل بقلعتها ورد أمر البلد الى عز الدين جورديك وهو من اكابر المماليك النورية جمع الديانة والشجاعة وحسن السيرة
ذكر فتح هونين
لما فتح صلاح الدين تبنين امتنع من بهونين من تسليمها وهي من احصن القلاع وامنع فلم ير التعريج عليها ولا الاشتغال بمحاصرتها بل سير اليها جماعة من 162 العسكر والأمراء فحصروها ومنعوا من حمل الميرة اليها واشتغل بما تقدم ذكره من فتح عسقلان والبيت المقدس وغير ذلك فلما كان يحاصر مدينة سور أرسل من فيها يطلبون الأمان فأمنهم فسلموا ونزلوا منها فوفى لهم بأمانهم
ذكر حصر صفد وكوكب والكرك
لما سار صلاح الدين الى عسقلان جعل على قلعة كوكب وهي مطلة على الأردن من يحصرها ويحفظ الطريق للمجتازين لئلا ينزل من به من الفرنج يقطعونه وسير طائفة اخرى من العسكر ايضا الى قلعة صفد فحصروها وهي مطلة على مدينة طبرية وكان حصن كوكب للاسبتار وحصن صفد للداوية وهما قريبان من حطين موضع المصاف فلجأ اليهما جمع ممن سلم من الداوية والاسبتار فحموهما فلما حصرهما المسلمون استراح الناس من شر من فيها واتصلت الطرق حتى كان يسير فيها المنفرد فلا يخاف وكان مقدم الجماعة الذين يحصرون قلعة كوكب اميرا يقال له سيف الدين وهو اخو جاولي الأسدي وكان شهما شجاعا يرجع الى دين وعبادة فأقام عليه إلى آخر شوال وكان اصحابه يحرسون نوبا مرتبة فلما كان آخر ليلة من شوال غفل الذين كانت نوبتهم في الحراسة وكان قد صلى ورده من الليل الى السحر وكانت ليلة كثيرة الرعد والبرق والريح والمطر فلم يشعر المسلمون وهم نازلون الا والفرنج قد خالطوهم بالسيوف ووضعوا السلاح فيهم فقتلوهم أجمعين وأخذوا ما كان عندهم من طعام وسلاح وغيره وعادوا الى قلعتهم فقووا بذلك قوة عظيمة امكنهم ان يحفظوا قلعتهم الى ان اخذت اواخر سنة اربع وثمانين على ما سنذكره إن شاء الله وأتى الخبر الى صلاح الدين بذلك عند رحيله عن صور فعظم ذلك عليه مضافا الى ما ناله من أخذ شوانيه ومن فيها ورحيله عن صور ثم رتب على حصن كوكب الأمير قايماز النجمي في جماعة أخرى من الأجناد فحصروها
ذكر الفتنة بعرفات وقتل ابن المقدم
في هذه السنة يوم عرفة قتل شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم بعرفات وهو أكبر الأمراء الصلاحية وقد تقدم من ذكره ما فيه كفاية وسبب قتله أنه لما فتح المسلمون البيت المقدس طلب إذنا من صلاح الدين ليحج ويحرم من 163 القدس ويجمع في سنته بين الجهاد والحج وزيارة الخليل عليه السلام ومن بالشام من مشاهد الأنبياء وبين زيارة رسول فأذن له وكان قد اجتمع تلك السنة من الحجاج بالشام الخلق العظيم من البلاد والعراق والموصل وديار الجزيرة وخلاط وبلاد الروم ومصر وغيرها ليجمعوا بين زيارة بين المقدس ومكة فجعل ابن المقدم اميرا عليهم فساروا حتى وصلوا الى عرفات سالمين ووقفوا في تلك المشاعر وأدوا الواجب والسنة فلما كان عشية عرفة تجهز هو واصحابه ليسيروا من عرفات فأمر بضرب كؤساته التي هي امارة الرحيل فضربها اصحابه فأرسل اليه امير الحاج العراقي وهو مجير الدين طاشتكين ينهاه عن الافاضة من عرفات قبله ويأمر بكف اصحابه عن ضرب كؤساته فأرسل اليه يقول إني ليس لي معه تعلق أنت أمير الحاج العراقي وأنا أمير الحاج الشامي وكل منا يفعل ما يراه ويختاره وسار ولم يقف ولم يسمع قوله فلما رأى طاشتكين إصراره على مخالفته ركب في اصحابه وأجناده وتبعه من غوغاء الحاج العراقي وبطاطيهم وطماعتهم العالم الكثير والجم الغفير وقصدوا حاج الشام مهولين عليهم فلما قربوا منهم خرج الأمر من الضبط وعجزوا عن تلافيه وسبيت جماعة من نسائهم إلا أنهن رددن عليهم وجرح ابن المقدم عدة جروح وكان يكف أصحابه عن القتال ولو أذن لهم لانتصف منهم وزاد ولكنه راقب الله تعالى وحرمة المكان واليوم فلما اثخن بالجراحات أخذه طاشتكين إلى خيمته وأنزله عنده ليمرضه ويستدرك الفارط في حقه وساروا تلك الليلة من عرفات فلما كان الغد مات بمنى ودفن بمقبرة المعلى ورزق الشهادة بعد الجهاد وشهود فتح البيت المقدس رحمه الله تعالى
ذكر قوة السلطان طغرل على قزل
في هذه السنة قوي أمر السلطان طغرل وكثر جمعه وملك كثيرا من البلاد فأرسل قزل إلى الخليفة يستنجده ويخوفه من طغرل ويبذل من نفسه الطاعة والتصرف على ما يختارونه وأرسل طغرل رسولا إلى بغداد يقول أريد أن يتقدم الديوان بعمارة دار السلطنة لأسكنها إذا وصلت فأكرم رسول قزل ووعده بالنجدة ورد رسول 164 السلطان طغرل بغير جواب وأمر الخليفة بنقض دار السلطنة فهدمت إلى الأرض وعفي أثرها
ذكر ملك شرستى من الهند وانهزام المسلمين بعدها
في آخر هذه السنة سار شهاب الدين الغوري ملك غزنة إلى بلاد الهند وقصد بلاد أجمير وتعرف بولاية السوالك واسم ملكهم كولة وكان شجاعا شهما فلما دخل المسلمون بلاده ملكوا مدينة تبرندة وهي حصن منيع عامر وملكوا شرستى وملكوا كوة رام فلما سمع ملكهم جمع العساكر فأكثر وسار إلى المسلمين فالتقوا وقامت الحرب على ساق وكان مع الهند أربعة عشر فيلا فلما اشتدت الحرب انهزمت ميمنة المسلمين وميسرتهم فقال لشهاب الدين بعض خواصه قد انكسرت الميمنة والميسرة فانج بنفسك لا يهلك المسلمون فأخذ شهاب الدين الرمح وحمل على الهنود فوصل إلى الفيلة فطعن فيلا منها في كتفه وجرح الفيل لا يندمل فلما وصل شهاب الدين إلى الفيلة زرقه بعض الهنود بحربة فوقعت الحربة في ساعده فنفذت الحربة من الجانب الآخر فوقع حينئذ إلى الارض فقاتل فيه أصحابه فركبوه فرسه وعادوا به منهزمين فلم يتبعهم الهنود فلما أبعدوا عن موضع الوقعة بمقدار فرسخ أغمي على شهاب الدين من كثرة خروج الدم فحمله الرجال على أكتافهم في محفة اليد أربعة وعشرين فرسخا فلما وصل إلى الهاوور أخذ الأمراء الغورية وهم الذين انهزموا ولم يثبتوا وعلق على كل واحد منهم عليق شعير وقال أنتم دواب ما أنتم أمراء وسار إلى غزنة وأمر بعضهم فمشى إليها ماشيا فلما وصل إلى غزنة أقام بها ليستريح الناس ونذكر ما فعله بملك الهند الذي هزمه سنة ثمان وثمانين إن شاء الله تعالى
ذكرة عدة حوادث
في هذه السنة في ربيع الأول قتل مجد الدين أبو الفضل بن الصاحب وهو أستاذ دار الخليفة أمر الخليفة بقتله وكان متحكما في الدولة ليس للخليفة معه حكم وكان هو القيم بالبيعة له وظهر له أموال عظيمة أخذ جميعها وكان حسن السيرة عفيفا عن 165 الأموال وكان الذي سعى به إنسان من أصحابه وصنائعه يقال له عبيد الله بن يونس فسعى به إلى الخليفة وقبح آثاره فقبض عليه وقتله
وفيها في ربيع الآخر وقع حريق في الحظائر ببغداد احترقت احطاب كثيرة وسببه أن فقيها بالمدرسة النظامية كان يطبخ طعاما يأكله فغفل عن النار والطبيخ فعلقت النار واتصلت فاحترقت جميعها واحترق درب السلسلة وغيره مما يجاوره
وفيها في شوال استورز الخليفة الناصر لدين الله أبا المظفر عبيد الله بن يونس ولقبه جلال الدين ومشى أرباب الدولة في ركابه حتى قاضي القضاة وكان ابن يونس من شهوده وكان يمشي ويقول لعن الله طول العمر
وفيها في المحرم توفي عبد النغيث بن زهير الحري ببغداد وكان من أعيان الحنابلة قد سمع الحديث الكثير وصنف كتابا في فضائل يزيد بن معاوية أتى فيه بالعجائب وقد رد عليه أبو الفرج بن الجوزي وكان بينهما عداوة
وفيها توفي قاضي القضاة أبو الحسن بن الدامغاني وولي القضاء للمقتفي بعد موت الزينبي ثم للمستنجد بالله ثم عزل ثم أعيد إلى المستضيء بأمر الله
وفيها توفي علي بن خطاب بن ظفر الشيخ الصالح من جزيرة ابن عمر وكان من الأولياء أرباب الكرامات وصحبته أنا مدة فلم أر مثله حسن خلق وسمت وكرم عبادة رحمه الله
وفيها ولدت امرأة من سواد بغداد بنتا لها أسنان
وفيها توفي نصر بن فتيان بن مطر أبو الفتح بن المنى الفقيه الحنبلي لم يكن لهم مثله رحمه الله تعالى 166
ثم دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة
ذكر حصر صلاح الدين كوكب
في هذه السنة في المحرم انحسر الشتاء فسار صلاح الدين من عكا فيمن تخلف عنده من العسكر إلى قلعة كوكب فحصرها ونازلها ظنا منه أن ملكها سهلا وأخذها عجلا وهو في قلة من العسكر متيسر فلما رآها عالية منيعة والوصول إليها متعذر وكان عنده منها ومن صفد والكرك المقيم المقعد لأن البلاد الساحلية من عكا إلى جهة الجنوب كانت قد ملك جميعها ما عدا هذه الحصون وكان يختار أن لا يبقى في وسطها ما يشغل قلبه ويقسم همه ويحتاج إلى حفظه ولئلا ينال الرعايا والمجتازين منهم الضرر العظيم فلما حصر كوكب ورأها منيعة يبطئ ملكها وأخذها رحل عنها وجعل عليها قايماز النجمي مستديما لحصاره وكان رحيله عنها في ربيع الأول وأتاه رسل الملك قلج أرسلان وقزل أرسلان وغيرهما يهنونه بالفتح والظفر وسار من كوكب إلى دمشق ففرح الناس بقدومه وكتب إلى البلاد جميعها باجتماع العساكر بها وأقام بها إلى أن سار إلى الساحل بالبلاد الشامية
ذكر رحيل صلاح الدين إلى بلد الفرنج
لما أراد صلاح الدين المسير عن دمشق حضر عنده القاضي الفاضل مودعا له ومستشيرا وكان مريضا وودعه وسار عن دمشق منتصف ربيع الأول إلى حمص فنزل على بحيرة قدس غربي حمص وجاءته العساكر فأول من أتاه من أصحاب الأطراف عماد الدين زنكي بن مودود بن أقسنقر صاحب سنجار ونصيبين والخابور وتلاحقت العساكر من الموصل وديار الجزيرة وغيرها فاجتمعت عليه وكثرت عنده فسار حتى نزل تحت حصن الأكراد من الجانب الشرقي وكنت معه حينئذ فأقام يومين وسار 167 جريدة وترك أثقال العسكر موضعها تحت الحصن ودخل إلى بلد الفرنج فأغار على صافيثا والعريمة ويحمور وغيرها من البلاد والولايات ووصل الى قريب طرابلس وأبصر البلاد وعرف من أين يأتيها وأين يسلك منها
ثم عاد إلى معسكره سالما وقد غنم العسكر مكن الدواب على اختلاف أنواعها ما لا حد له وأقام تحت حصن الأكراد إلى آخر ربيع الأخر
ذكر فتح جبلة
لما أقام صلاح الدين تحت حصن الأكراد أتاه قاضي جبلة وهو منصور بن ثبيل يستدعيه إليه ليسلمها إليه وكان هذا القاضي عند بيمند صاحب أنطاكية وجبلة مسموع الكلمة له الحرمة الوافرة والمنزلة العالية وهو يحكم على جميع المسلمين بجبلة ونواحبها وعلى ما يتعلق بالبيمند فحملته الغيرة للدين على قصد السلطان وتكفل له بفتح جبلة ولاذقية والبلاد الشمالية فسار صلاح الدين معه رابع جمادى الأولى فنزل بانطرطوس سادسه فرأى الفرنج قد أخلوا المدينة واحتموا في برجين حصينين كل واحد منها قلعة حصينة ومعقل منيع فخرب المسلمون دورهم ومساكنهم وسور البلد ونهبوا ما وجدوه من ذخائر وكان الداوية بأحد البرجين فحصرها صلاح الدين فنزل إليه من في أحد البرجين بأمان وسلموه بأمنهم وخرب البرج وألقى حجارته في البحر وبقي الذي فيه الداوية لم يسلموه وكان معهم مقدمهم الذي أسره صلاح الدين فنزل إليه من في أحد البرجين بأمان وسلموه بأمنهم وخرب البرج وألقى حجارته في البحر وبقي الذي فيه الداوية لم يسلموه وكان معهم مقدمهم الذي أسره صلاح الدين يوم المصاف وكان قد أطلقه لما ملك البيت المقدس فهو الذي حفظ هذا الحصن فخرب صلاح الدين ولاية انطرطوس ورحل عنها وأتى مرقية وقد أخلاها أهلها ورحلوا عنها وساروا إلى المرقب وهي من حصونهم التي لا ترام ولا تحدث احدا نفسه بملكه لعلوه وامتناعه وهو للاسبتار والطريق تحته فيكون الحصن على يمين المجتاز إلى جبلة والبحر عن يساره والطريق مضيق لا يسلكه إلا الواحد بعد الواحد فاتفق أن صاحب صقلية من الفرنج قد سير نجدة إلى فرنج الساحل في ستين قطعة من الشواني وكانوا بطرابلس فلما سمعوا بمسير صلاح الدين جاؤوا ووقفوا في البحر تحت المرقب في شوانيهم ليمنعوا من يجتاز بالسهام فلما رأى صلاح الدين ذلك أمر بالطارقيات والجفتيات فصفت على الطريق مما يلي البحر من أول المضيق إلى آخره وجعل وراءها الرماة فمعنوا الفرنج من الدنو إليهم فاجتاز المسلمون عن 168 آخرهم حتى عبروا المضيق ووصلوا إلى جبلة ثامن عشر جمادى الأولى وتسلمها وقت وصوله وكان قاضيها قد سبق إليعا ودخل فلما وصل صلاح الدين رفع أعلامه على سورها وسلمها إليه وتحصن الفرنج الذين كانوا بها تحصنا واحتموا بقلعتها فما زال قاضي جبلة يخوفهم ويرغبهم حتى استنزلهم بشرط الامان
وأن يأخذ رهائنهم يكونون عنده إلى أن يطلق الفرنج رهائنهم من المسلمين من أهل جبلة وكان بيمند صاحبها قد أخذ رهائن القاضي ومسلمي جبلة وتركهم عنده بأنطاكية فأخذ القاضي رهائن الفرنج وجاء رؤساء أهل الجبل إلى صلاح الدين بطاعة أهله وهو من أمنع الجبال وأشقها مسلكا وفيه حصن يعرف ببكسرايل بين جبلة ومدينة حماه فملكه المسلمون وصار الطريق في هذا الوقت عليه من بلاد الإسلام إلى العسكر وكان الناس يلقون شدة في سلوكه وقرر صلاح الدين أحوال جبلة وجعله فيها لحفظها الأمير سابق الدين عثمان بن الداية صاحب شيرز وسار عنها
ذكر فتح لاذقية
لما فرغ السلطان من أمر جبلة سار عنها الى لاذقية فوصل إليها في الرابع والعشرين من جمادى الأولى فترك الفرنج المدينة لعجزهم عن حفظها وصعدوا إلى حصنين لها على الجبل فامتنعوا بهما فدخل المسلمون المدينة وحصروا القلعتين اللتين فيهما للفرنج وزحفوا إليهما ونقبوا الأسوار ستين ذراعا وعلقوه وعظم القتال واشتد الأمر عند الوصول إلى السور فلما أيقن الفرنج بالعطب ودخل إليهم قاضي جبلة فخوفهم من المسلمين فطلبوا الأمان فأمنهم صلاح الدين ورفعوا الاعلام الإسلامية إلى الحصنين وكان ذلك في اليوم الثالث من النزول عليها وكانت عمارة اللاذقية من أحسن الأبنية وأكثرهم زخرفة مملوءة بالرخام على اختلاف أنواعه فخرب المسلمون كثيرا منها ونقلوا رخامها وشعتوا كثيرا من بيعها التي قد غرم على كل واحدة منها الأموال الجليلة المقدار وسلمها إلى ابن أخيه تقي الدين عمر فعمرها وحصن قلعتعا حتى إذا رآها اليوم من رآها ينكرها فلا يظن أن هذه تلك وكان عظيم الهمة في تحصين القلاع والغرامة الوافرة عليها كما فعل بقلعة حماه
ذكر حال اسطول صقلية
لما نازل صلاح الدين لاذقية ووصل أسطول صقلية الذي تقدم ذكره فوقف بإزاء 169 مينا لاذقية فلما سلمها الفرنج الذين بها إلى صلاح الدين عزم أهل هذا الأسطول على أخذ من يخرج منها من أهلها غيظا وحنفا حيث سلموها سريعا فسمع بذلك أهل لاذقية فأقاموا وبذلوا الجزية وكان سبب مقامهم ثم إن مقدم هذا الأسطول طلب من السلطان الأمان ليحضر عنده فأمنه وحضر وقبل الأرض بين يديه وقال ما معناه إنك سلطان رحيم كريم وقد فعلت بالفرنج ما فعلت فذلوا فاتركهم يكونون مماليك وجندك تفتح بهم البلاد والممالك وترد عليهم بلادهم وإلا جاءك من البحر ما لا طاقة لك به فيعظم عليك الأمر ويشتد الحال فأجابهم صلاح الدين بنحو من كلامه من إظهار القوة والاستهانة بكل من يجيء من البحر وأنهم إن خرجوا أذاقهم ما أذاق أصحابهم من القتل والأسر فانقلب على وجهه ورجع إلى أصحابه
ذكر فتح صهيون وعدة الحصون
ثم رحل صلاح الدين عن لاذقية في السابع من جمادي الأولى وقصد قلعة صهيون وهي قلعة منيعة شاهقة في الهواء صعبة المرتقى على قرنة جبل يطيف بها واد عميق فيه ضيق في بعض المواضع بحيث أن حجر المنجنيق يصل منه إلى الحصن إلا أن الجبل متصل بها من جهة الشمال وقد عملوا لها خندقا عميقا لا يرى قعره وخمسة أسوار منيعة فنزل صلاح الدين على هذا الجبل الملتصق بها ونصبت عليه المنجنيقات ورماها وتقدم إلى ولده الظاهر صاحب حلب فنزل على المكان الضيق من الوادي ونصب عليه المنجنيقات فرمى الحصن منه وكان معه من الرجالة الحلبيين كثير وهم في الشجاعة بالمنزلة المشهورة ودام رشق السهام من قسى اليد والجرح والزنبوك والزيار فجرح أكثر من بالحصن وهم يظهرون التجلد والامتناع وزحف المسلمون اليهم ثاني جمادى الآخرة فتعلقوا بقرنة من ذلك الجبل قد أغفل الفرنج إحكامها فتسلقوا منها بين الصخور حتى التحقوا بالسور الأول فملكوا منها ثلاثة وغنموا ما فيها من أبقار ودواب وذخائر وغير ذلك واحتمى الفرنج بالقلة التي للقلعة فقاتلهم المسلمون عليها فنادوا وطلبوا الأمان فلم يجبهم صلاح الدين اليه فقرروا على أنفسهم مثل قطيعة البيت المقدس وتسلم الحصن وسلمه إلى أمير يقال له ناصر الدين منكورس صاحب قلعة أبي قبيس فحصنه وجعله من أحصن الحصون ولما ملك المسلمون صهيون تفرقوا في تلك النواحي فملكوا حصن بلاطنوس وكان 170 من به من الفرنج قد هربوا منه وتركوه خوفا ورعبا وملك ايضا حصن العيد وحصن الجماهرتين فاتسعت المملكةالإسلامية بتلك الناحية إلا أن الطريق إليها من البلاد الإسلامية على عقبة بكسرائيل شاق شديد لأن الطريق السهلة كانت غير مسلوكة لأن بعضها بيد الإسماعيلية وبعضها بيد الفرنج
ذكر فتح حصن بكاس والشغر
ثم سار صلاح الدين عن صهيون ثالث جمادى الآخرة فوصل إلى قلعة بكاس فرأى الفرنج قد اخلوها وتحصنوا بقلعة الشغر فملك قلعة بكاس بغير قتال وتقدم إلى قلعة الشغر وهي وبكاس على الطريق السهل المسلوك إلى لاذقية وجبلة والبلاد التي افتتحها صلاح الدين من بلاد الشام الإسلامية فلما نازلها رآها منيعة حصينة لا ترام ولا يوصل إليها بطريق من الطرق
إلا أنه أمر بمزاحفتهم ونصب المنجنيق عليهم ففعلوا ذلك ورمى بالمنجنيق فلم يصل من أحجاره إلى القلعة شيء إلا القليل الذي لا يؤذي فبقي المسلمون عليه أياما لا يرون فيه طمعا وأهله غير مهتمين بالقتال لامتناعهم عن ضرور يتطرق إليهم وبلاء بنزل عليهم فبينما صلاح الدين جالس وعنده أصحابه وهم في ذكر القلعة وإعمال الحيلة في الوصول إليها فقال بعضهم هذا الحصن كما قال الله تعالى (
فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ) فقال صلاح الدين أو يأتي الله بنصر من عنده وفتح فبينما هم في هذا الحديث إذ قد أشرف عليهم فرنجي ونادى بطلب الأمان لرسول يحضر عند صلاح الدين فأجيب إلى ذلك ونزل رسول وسأل انتظارهم ثلاثة أيام فإن جاءهم إليه وأخذ رهائنهم على الوفاء به فلما كان اليوم الثالث سلموها إليه واتفق أنه يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة وكان سبب استمالهم أنهن أرسلوا إلى البيمند صاحب أنطاكية وكان هذا الحصن له يعرفونه أنهم محصورون ويطلبون منه أن يرحل عنهم المسلمين فإن فعل وإلا سلموها وإنما فعلوا ذلك لرعب قذفه الله تعالى في قلوبهم وإلا فلو أقاموا الدهر الطويل لم يصل إليهم احد ولا بلغ المسلمون منه غرضا فلما تسلم صلاح الدين الحصن سلمه إلى أمير يقال له قلج وأمره بعمارته ورحل عنه 171
ذكر فتح سرمينية
لما كان صلاح الدين مشغولا بهذه القلاع والحصون سير ولده الظاهر غازي صاحب حلب فحصر سرمينية وضيق على أهله واستنزلهم على قطيعة قررها عليهم فلما أنزلهم وأخذ منهم المقاطعة هدم الحصن وعفى أثره وعالي بنيانه وكان فيه وفي هذه الحصون من أسارى المسلمين الجم الغفير فأطلقوا وأعطوا كسوة ونفقة وكان فتحه في يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الآخرة واتفق أن فتح هذه المدن والحصون جميعها من جبلة الى سرمينية مع كثرتها كان في ست جمع مع أنها في أيدي أشجع الناس وأشدهم عداوة للمسلمين فسبحان من إذا أراد أن يسهل الصعب فعل وهي جميعها من أعمال انطاكية ولم يبق لها سوى القصير وبغراس ودرب ساك وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في مكانه
ذكر فتح برزية
لما رحل صلاح الدين من قلعة الشغر سار إلى قلعة برزية وكانت قد وصفت له وهي تقابل حصن اقامية وتناصفها في أعمالها وبينهما بحيرة تجتمع من ماء العاصي وعيون تتفجر من جبل برزية وغيره وكان أهلها أضر شيء على المسلمين يقطعون الطريق ويبالغون في الأذى فلما وصل إليها نزل شرقيها في الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ثم ركب من الغد وطاف عليها لينظر موضعا يقاتلها منه فلم يجده إلا من جهة الغرب فنصب له هناك خيمة صغيرة ونزل فيها ومعه بعض العسكر جريدة لضيق المواضع وهذه القلعة لا يمكن أن تقاتل من جهة الشمال والجنوب البتة لفإنها لا يقدر أحد أن يصعد جبلها من هاتين الجهتين وأما الجانب الشرقي فيمكن الصعود منه لكن لغير مقاتل لعلوه وصعوبته وأما جهة الغرب فإن الوادي المطيف بجبلها قد ارتفع هناك ارتفاعا كثيرا حتى قارب القلعة بحيث يصل منه حجر المنجنيق والسهام فنزل له المسلمون ونصبوا عليه المنجنيقات ونصب أهل القلعة عليها منجنيقا أبطلها ورأيت أنا من رأس جبل عال يشرف على القلعة لكنه لا يصل منه شيئ إليها امرأة ترمي من القلعة عن المنجنيق وهي التي أبطلت منجنيق المسلمين فلما رأى صلاح الدين أن 172 المنجنيق لا ينتفعون به عزم على الزحف ومكاثرة أهلها بجموعه فقسم عسكره ثلاثة أقسام يزحف قسم فإذا تعبوا وكلوا عادوا وزحف القسم الثاني فإذا تعبوا وضجروا عادوا وزحف القسم الثالث ثم يدور الدور مرة بعد أخرى حتى يتعب الفرنج وينصبوا فإنه لم يكن عندهم من الكثرة ما يتقسمون كذلك فإذا تعبوا وأعيوا سلموا القلعة فلما كان الغد وهو السابع والعشرين من جمادى الآخرة تقدم أحد الأقسام وكان المقدم عليهم عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي صاحب سنجار وزحفوا وخرج الفرنج من حصنهم فقاتلهم على فصيلهم ورماهم المسلمون بالسهام من وراء الجفتيات والجنويات والطارقيات ومشوا إليهم حتى قربوا إلى الجبل فلما قاربوا الفرنج عجزوا عن الدنو منهم لخشونة المرتقى وتسلط الفرنج عليهم لعلو مكانهم بالنشاب والحجارة فإنهم كانوا يلقون الحجارة الكبار فتتدحرج إلى اسفل الجبل فلا يقوم لها شيء فلما تعب هذا القسم انحدروا وصعد القسم الثاني وكانوا جلوسا ينتظرونهم وهم حلقة صلاح الدين الخاص فقاتلوا قتالا وكان الزمان حرا شديدا فاشتد الكرب على الناس وصلاح الدين في سلاحه يطوف عليهم ويحرضهم وكان تقي الدين ابن أخيه كذلك فقاتلوهم الى قريب الظهر ثم تعبوا ورجعوا فلما رآهم صلاح الدين قد عادوا تقدم إليهم وبيده جماق يردهم وصاح في القسم الثالث وهم جلوس ينتظرون نوبتهم فوثبوا ملبين وساعدوا إخوانهم وزحفوا معهم فجاء الفرنج ما لا قبل لهم به وكان أصحاب عماد الدين قد استراحوا فقاموا أيضا معهم فحينئذ اشتد الأمر على الفرنج وبلغت القلوب الحناجر وكانوا قد اشتد تعبهم ونصبهم فظهر عجزهم عن القتال وضعفهم عن حمل السلاح لشدة الحر والقتال فخالطهم المسلمون فعاد الفرنج يدخلون الحصن فدخل المسلمون معهم وكان طائفة قليلة في الخيام شرقي الحصن فرأوا الفرنج قد أهملوا ذلك الجانب لأنهم لم يروا فيه مقاتلا وليكثروا في الجهة التي فيها صلاح الدين فصعدت تلك الطائفة من العسكر فلم يمنعهم مانع فصعدوا أيضا الحصن من الجهة الأخرى فالتقوا مع المسلمين الداخلين مع الفرنج فملكوا الحصن عنوة وقهرا
ودخل الفرنج القلة التي للحصن وأحاط بها المسلمون وأرادوا نقبها وكان الفرنج قد رفعوا من عندهم من أسرى المسلمين إلى سطح القلة وأرجلهم في القيود والخشب المثقوب فلما سمعوا تكبير المسلمين في نواحي القلعة كبروا في سطع القلة وظن الفرنج أن المسلمين قد صعدوا على السطح فاستسلموا 173 وألقوا بأيديهم إلى الأسر فملكها المسلمون عنوة ونهبوا ما فيها وأسروا وسبوا من فيها وأخذوا صاحبها وأهله وأمست خالية لا ديار بها وألقى المسلمون النار في بعض بيوتهم فاحترقت
ومن اعجب ما يحكى من السلامة أنني رأيت رجلا من المسلمين على هذا قد جاء من طائفة من المؤمنين شمالي القلعة إلى طائفة أخرى من المسلمين جنوبي القلعة وهو يعدو في الجبل عرضا فألقيت عليه الحجارة وجاءه حجر كبير لو ناله لبعجه فنزل عليه فناداه الناس يحذرونه فالتفت ينظر ما الخبر فسقط علو وجهه من عثرة فاسترجع الناس وجاء الحجر إليه فلما قاربه وهو منبطح على وجهه لقيه حجر آخر ثابت في الأرض فوق الرجل فضربه المنحدر فارتفع عن الأرض وجاز الرجل ثم عاد إلى الأرض من جانبه الآخر لم ينله منه أذى ولا ضرر وقام يعدو حتى لحق بأصحابه فكان سقوطه سبب نجاته فتعست أم الجبان
وأما صاحب برزية فإنه أسر هو وأصحابه وامرأته وأولاده ومنهم بنت له معها زوجها فتفرقهم العسكر فأرسل صلاح الدين في الوقت وبحث عنهم واشتراهم وجمع شمل بعضهم ببعض فلما قارب أنطاكية أطلقهم وسيرهم اليها وكانت امرأة صاحب برزية أخت امرأة بيمند صاحب انطاكية وكانت تراسل صلاح الدين وتهاديه وتعلمه كثيرا من الأموال التي تؤثر فأطلق هؤلاء لأجلها
ذكر فتح درب ساك
لما فتح صلاح الدين حصن برزية رحل عنه من الغد فأتى جسر الحديد وهو على العاصي بالقرب من انطاكية فأقام عليه حتى وافاه من تخلف عنه من عسكره ثم سار عنه إلى قلعة درب ساك فنزل عليها ثامن رجب وهي من معاقل الداوية الحصينة وقرعهم التي يدخرونها لحماياتهم عند نزول الشدائد فلما نزل عليها نصب المنجنيقات وتابع الرمي بالحجارة فهدمت من سورها شيئا يسيرا فلم يبال من فيه بذلك فأمر بالزحف عليها ومهاجمتها فبادرها العسكر بالزحف وقاتلوها وكشفوا الرجال عن سورها وتقدم النقابون فنقبوا منها برجا وعلقوه فسقط واتسع المكان الذي يريد المقاتلة يدخلون منه وعادوا يومهم ذلك ثم باكروا الزحف من الغد وكان من فيه قد أرسلوا إلى صاحب انطاكية يستنجدونه فصبروا وأظهروا الجلد وهم ينتظرون جوابه إما بإنجادهم وازاحة المسلمين عنهم وإما بالتخلي عنهم ليقوم عذرهم في 174 التسليم فلما علموا عجزه عن نصرتهم وخافوا هجوم المسلمين عليها وأخذهم بالسيف وقتلهم وأسرهم ونهب أموالهم طلبوا الأمان فأمنهم على شرط أن لا يخرج أحد إلا بثيابه التي عليه بغير مال ولا سلاح ولا أثاث بيت ولا دابة ولا شيء مما بها ثم أخرجهم منه وسيرهم إلى انطاكية وكان فتحه تاسع عشر رجب
ذكر فتح بغراس
ثم سار عن درب ساك إلى قلعة بغراس فحصرها بعد ان اختلف أصحابه في حصرها فمنهم من أشار به ومنهم من نهى عنه وقال هو حصن حصين وقلعة منيعة وهو بالقرب من انطاكية ولا فرق بين حصره وحصرها ويحتاج أن يكون أكثر العسكر في اليزك مقابل انطاكية فإذا كان الأمر كذلك قل المقاتلون عليه ويتعذر الوصول إليها فاستخار الله تعالى وسار إليها وجعل اكثر عسكره يزكا مقابل أنطاكية يغيرون على أعمالها وكانوا حذرين من الخوف من أهلها إن غفلوا لقربهممنها وصلاح الدين في بعض أصحابه على القلعة يقاتلها ونصب المنجنيقات فلم يؤثر فيها شيئا لعلوها وارتفاعها فغلب على الظنون تعذر فتحها وتأخر ملكها وشق على المسلمين قلة الماء عندهم إلا أن صلاح الدين نصب الحياض وأمر بحمل الماء اليها فخفف الأمر عليهم فبينما هو على هذه الحال إذ قد فتح باب القلعة وخرج منه إنسان يطلب الأمان فأجيب إلى ذلك فأذن له في الحضور فحضر وطلب الأمان لمن في الحصن حتى يسلموه إليه بما فيه على قاعدة درب ساك فأجابهم إلى ما طلبوا فعاد الرسول ومعه الأعلام الإسلامية فرفعت على رأس القلعة ونزل من فيها وتسلم المسلمون القلعة بما فيها من ذخائر وأموال وسلاح وأمر صلاح الدين بتخريبة فخرب وكان ذلك مضرة عظيمة على المسلمين فإن ابن ليون صاحب الأرمن خرج إليه من ولايته وهو مجاوره فجدد عمارته وأتقنه وجعل فيه جماعة من عسكره يغيرون منه على البلاد فتأذى بهم السواد الذي لحلب وهو الى الآن بأيديهم
ذكر الهدنة بين المسلمين وصاحب انطاكية
لما فتح صلاح الدين بغراس عزم على التوجه إلى أنطاكية وحصرها فخاف البيمند صاحبها من ذلك وأشفق منه فأرسل إلى صلاح الدين يطلب الهدنة وبذل إطلاق كل أسير عنده من المسلمين فاستشار من عنده من أصحاب الأطراف وغيرهم فأشار 175 أكثرهم بإجابته إلى ذلك ليعود الناس ليستريحوا ويجددوا ما يحتاجون إليه فأجاب إلى ذلك واصطلحوا ثمانية أشهر أولها أول تشرين الأول وآخرها آخر أيار وسير رسوله إلى صاحب انطاكية يستحلفه ويطلق من عنده من الأسرى وكان صاحب انطاكية في هذا الوقت أعظم الفرنج شأنا وأكثرهم ملكا فإنه كان الفرنج قد سلموا اليه طرابلس بعد موت القمص وجميع أعمالها مضافا إلى ما كان له لأن القمص لم يخلف ولدا فلما سلمت إليه طرابلس جعل ولده الأكبر فيها نائبا عنه وأما صلاح الدين فإنه عاد إلى حلب ثالث شعبان فدخلها
وسار منها إلى دمشق وفرق العساكر الشرقية كعماد الدين زنكي بن مودود صاحب سنجار والخابور وعسكر الموصل وغيرها ثم رحل من حلب إلى دمشق وجعل طريقه على قبر عمر بن عبد العزيز فزاره وزار الشيخ الصالح أبا زكريا المغربي وكان مقيما هناك وكان من عباد الله الصالحين وله كرامات ظاهرة وكان مع صلاح الدين الأمير عز الدين أبو الفليتة قاسم بن المهنا العلوي الحسيني وهو أمير مدينة النبي كان قد حضر عنده وشهد معه مشاهده وفتوحه وكان صلاح الدين قد تبرك برؤيته وتيمن بصحبته وكان يكرمه كثيرا وينبسط معه ويرجع إلى قوله في أعماله كلها ودخل دمشق أول شهر رمضان فأشير عليه بتفريق العساكر فقال ان العمر قصير والأجل غير مأمون وقد بقي بيد الفرنج هذه الحصون كوكب وصفد والكرك وغيرها ولا بد من الفراغ منها فإنها في وسط بلاد الإسلام ولا يؤمن شر أهلها وإن أغفلناهم ندمنا فيما بعد والله أعلم
ذكر فتح الكرك وما يجاوره
كان صلاح الدين قد جعل على الكرك عسكرا يحصره فلازموا الحصار هذه المدة الطويلة حتى فنيت أزواد الفرنج وذخائرهم وأكلوا دوابهم وصبروا حتى لم يبق للصبر مجال فراسلوا الملك العادل أخا صلاح الدين وكان جعله صلاح الدين على قلعة الكرك في جمع من العسكر يحصرها ويكون مطلعا على هذه الناحية من البلاد لما أبعد هو الى درب ساك وبغراس فوصلته رسل الفرنج من الكرك يبذلون تسليم القلعة إليه ويطلبون الأمان فأجابهم الى ذلك وأرسل إلى مقدم العسكر الذي يحصرها في المعنى فتسلم القلعة منهم وأمنهم وتسلم أيضا ما يقاربه من الحصون كالشوبك وهزموا الوعيرة والسلع وفرغ القلب من تلك الناحية وألقى الإسلام هناك جرانه 176 وأمنت قلوب من في ذلك الصقع من البلاد كالقدس وغيره فإنهم كانوا ممن بتلك الحصون وجلين ومن شرهم مشفقين
ذكر فتح قلعة صفد
لما وصل صلاح الدين إلى دمشق وأشير عليه بتفريق العساكر وقال لا بد من الفرنج من صفد وكوكب وغيرها أقام بدمشق إلى منتصف رمضان وسار عن دمشق إلى قلعة صفد فحصرها وقاتلها ونصب عليها المنجنيقات وأدام الرمي اليها ليلا ونهارا بالحجارة والسهام وكان اهلها قد قارب ذخائرهم وأزوادهم أن تفنى في المدة التي كانوا فيها محاصرين فإن عسكر صلاح الدين كان يحاصرهم كما ذكرناه فلما رأى أهله جد صلاح الدين في قتالهم خافوا أن يقيم إلى أن يفنى ما بقي معهم من أقواتهم وكانت قليلة ويأخذهم عنوة ويهلكهم أو أنهم يضعفون عن مقاومته قبل فناء ما عندهم من القوت فيأخذهم فأرسلوا يطلبون الأمان فأمنهم وتسلمها منهم فخرجوا عنها إلى مدينة صور وكفى الله المؤمنين شرهم فإنهم كانوا وسط البلاد الإسلامية
ذكر فتح كوكب
لما كان صلاح الدين يحاصر صفد اجتمع من بصور من الفرنج وقالوا إن فتح المسلمون قلعة صفد لم تبق كوكب ولو انها معلقة بالكوكب وحينئذ ينقطع طمعنا من هذا الطرف من البلاد فاتفق رأيهم على إنفاذ نجدة لها سرا من رجال وسلاح وغير ذلك فأخرجوا مائتي رجل من شجعان الفرنج وأجلادهم فساروا الليل مستخفين وأقاموا النهار مكمنين فاتفق من قدر الله تعالى أن رجلا من المسلمين الذين يحاصرون كوكب خرج متصيدا فلقي رجلا من تلك النجدة فاستغربه بتلك الأرض فضربه ليعلمه بحاله وما الذي أقدمه إلى هناك فأقر بالحال ودله على أصحابه فعاد الجندي المسلم الى قايماز النجمي وهو مقدم ذلك العسكر فأعلمه الخبر والفرنجي معه فركب في طائفة من العسكر إلى الموضع الذي قد اختفى فيه الفرنج فكبسهم فأخذهم وتتبعهم في الشعاب والكهوف فلم يفلت منهم أحد فكان معهم مقدمان من فرسان الاسبتار فحملوا إلى صلاح الدين وهو على صفد فأحضرهما ليقتلهما وكانت عادته قتل الداوية والاسبتارية لشدة عداواتهم للمسلمين وشجاعتهم فلما أمر 177 بقتلهما قال له أحدهما ما أظن ينالنا سوء وقد نظرنا إلى طلعتك المباركة ووجهك الصبيح وكان رحمه الله كثير العفو يفعل الاعتذار والاستعطاف فيه فيعفو ويصفح فلما سمع كلامهما لم يقتلهما وأمر بهما فسجنا ولما فتح صفد سار عنها إلى كوكب ونازلها وحصرها وأرسل إلى من بها من الفرنج يبذل لهم الأمان إن سلموا ويتهددهم بالقتل والسبي والنهب إن امتنعوا فلم يسمعوا قوله وأصروا على الامتناع فجد في قتالهم ونصب عليهم المنجنيقات وتابع رمي الأحجار اليهم وزحف مرة بعد مرة وكانت الأمطار كثيرة لا تنقطع ليلا ولا نهارا فلم يتمكن المسلمون من القتال على الوجه الذي يريدونه وطال مقامهم عليها وفي آخر الأمر زحف اليها دفعات متناوبة في يوم واحد ووصلوا إلى باشورة القلعة ومعهم النقابون والرماة يحمونهم بالنشاب عن قوس اليد والجروخ فلم يقدر أحد منهم أن يخرج رأسه من أعلى السور فنقبوا الباشورة فسقطت وتقدموا إلى السور الأعلى فلما رأى الفرنج ذلك اذعنوا بالتسليم وطلبوا إليها واجتمع بها من شياطين الفرنج وشجعانهم كل صنديد فاشتدت شوكتهم وحميت جمرتهم وتابعوا الرسل إلى من بالأندلس وصقلية وغيرها من جزائر البحر يستغيثون ويستنجدون والأمداد كل قليل تأتيهم وكان ذلك كله بتفريط صلاح الدين في إطلاق كل من حصره حتى عض بنانه ندما وأسفا حيث لم ينفعه ذلك واجتمع للمسلمين بفتح كوكب وصفد من حدايلة إلى أقصى أعمال بيروت لا يفصل بينه غير مدينة صور وجميع أعمال انطاكية سوى القصير ولما ملك صلاح الدين صفد سار إلى البيت المقدس فعيد فيه عيد الأضحى ثم سار منه إلى عكا فأقام بها حتى انسلخت السنة
ذكر ظهور طائفة من الشيعة بمصر
في هذه السنة ثار بالقاهرة جماعة من الشيعة عدتهم اثنا عشر رجلا ليلا ونادوا بشعار العلويين يال علي يال علي وسلكوا الدروب ينادون ظنا منهم أن رعية البلد يلبون دعوتهم ويخرجون معهم فيعيدون الدولة العلوية ويخرجون بعض من بالقصر محبوسا منهم ويملكون البلد فلم يلتفت أحد منهم إليهم ولا أعارهم سمعه فلما رأوا ذلك تفرقوا خائفين فأخذوا وكتب بذلك إلى صلاح الدين فأهمه أمرهم وأزعجه 178 فدخل عليه القاضي الفاضل فأخبره الخبر
فقال القاضي الفاضل ينبغي أن تفرح بذلك ولا تحزن ولا تهتم حيث علمت من بواطن رعيتك المحبة لك والنصح ولترك الميل إلى عدوك ولو وضعت جماعة يفعلون مثل هذه الحالة لتعلم بواطن أصحابك ورعيتك وخسرت الأموال الجلية عليهم لكان قليلا فسرى عنه وكان هذا القاضي الفاضل صاحب دولة صلاح الدين وأكبر من بها وستأتي مناقبه عند وفاته ما تراه
ذكر انهزام عسكر الخليفة من السلطان طغرل
في هذه السنة جهز الخليفة الناصر لدين الله عسكرا كثيرا وجعل المقدم عليهم وزيره جلال الدين عبيد الله بن يونس وسيرهم الى مساعدة قزل ليكف الناس طغرل عن البلاد فسار العسكر ثالث صفر إلى أن قارب همذان فلم يصل قزل اليهم وأقبل طغرل اليهم فالتقوا ثامن ربيع الأول بداي مرج عند همذان واقتتلوا فلم يثبت عسكر بغداد بل انهزموا وتفرقوا وثبت الوزير قائما ومعه مصحف وسيف فأتاه من عسكر طغرل من أسره وأخذ مع معه من خزانة وسلاح ودواب وغير ذلك وعاد العسكر الى بغداد متفرقين وكنت حينئذ بالشام في عسكر صلاح الدين يريد الغزاة فأتاه الخبر مع النجابين بمسير العسكر البغدادي فقال كأنكم وقد وصل الخبر بانهزامهم فقال له بعض الحاضرين وكيف ذلك فقال لا شك ان اصحابي واهلي أعرف بالحرب من الوزير وأطوع في العسكر منه ومع هذا فما أرسل أحدا منهم في سرية للحرب إلا وأخاف عليه وهذا الوزير غير عارف بالحرب وقريب العهد بالولاية ولا يراه الأمراء أهلا أن يطاع وفي مقابله سلطان شجاع قد باشر الحرب بنفسه ومن معه يطيعه وكان الأمر كذلك ووصل الخبر إليه بانهزامهم فقال لأصحابه كنت اخبرتكم بكذا وكذا وقد وصل الخبر بذلك ولما عادت عساكر بغداد منهزمة قال بعض الشعراء وهو احمد بن الواثق بالله
( اتركونا من جائحات الجريمه
طلعة طلعة تكون وخيمة )
( بركات الوزير قد شملتنا
فلهذا أمورنا مستقيمة )
( خرجت جندنا تريد خراسان
جميعا بأبهات عظيمه )
( بخيول وعدة وعديد
وسيوف مجربات قديمه )
( ووزير وطاق طنب ونقش
وخيول معدة للهزيمه ) 179
( هم رأوا غرة العدو وقد
أقبل ولوا وانحل عقد العزيمه )
( وأتونا ولا يخفى حنين
بوجوه سود قباح دميمه )
( لو رأى صاحب الزمان ولو
عاين أفعالهم وقبح الجريمه )
( قابل الكل بالنكال
وناهيك بها سبة عليهم مقيمه )
كان ينبغي أن تتقدم هذه الحادثة وإنما أخرتها لتتبع الحوادث المتقدمة بعضها بعضا لنعلق كل واحدة منها بالأخرى
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة توفي شيخنا أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن سويدة التكريتي كان عالما بالحديث وله تصانيف حسنة
وفيها توفيت سلجوقة خاتون بنت قلج أرسلان بن مسعود بن قلج ارسلان زوجة الخليفة وكانت قبله زوجة نور الدين محمد بن قرا أرسلان صاحب الحصن فلما توفي عنها تزوجها الخليفة ووجد الخليفة عليها وجدا عظيما ظهر الناس كلهم وبنى على قبرها تربة بالجانب الغربي وإلى جانب التربة رباطه المشهور بالرملة
وفيها توفي علاء الدين تنامش وحمل تابوته إلى مشهد الحسن عليه السلام
وفيها توفي خادم الخليفة وكان أكبر أمير ببغداد
ومات أبو الفرج بن النقور العدل ببغداد وسمع الحديث الكثير وهو من بيت الحديث رحمه الله 180
ثم دخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة
ذكر فتح شقيف أرنوم
في هذه السنة في ربيع الأول سار صلاح الدين إلى شقيف أرنوم وهو من أمنع الحصون ليحصره فنزل بمرج عيون فنزل صاحب الشقيف وهو أرناط صاحب صيدا وكان هذا أرناط من أعظم الناس دهاء ومكرا فدخل اليه واجتمع به واظهر له الطاعة والمودة وقال له أنا محب لك ومعترف بإحسناك وأخاف أن يعرف المركيس ما بيني وبينك فينال أولادي وأهلي منه أذى فإنهم عنده فأشتهى أن تمهلني حتى أتوصل في تخليصهم من عنده وحينئذ أحضر أنا وهم عندك ونسلم الحصن إليك وأكون أنا وهم في خدمتك نقنع بما تعطينا من أقطاع فظن صلاح الدين صدقه فأجابه إلى ما سأل فاستقر الأمر بينهما أن يتسلم الشقيف في جمادى الآخرة وأقام صلاح الدين بمرج عيون ينتظر الميعاد وهو مفكر لقرب انقضاء مدة الهدنة بينه وبين البيمند صاحب أنطاكية فأمر تقي الدين ابن أخيه أن يسير فيمن معه من عساكره ومن يأتي من بلاد المشرق ويكون مقابل أنطاكية لئلا يغير صاحبها على بلاد الإسلام عند انقضاء الهدنة وكان أيضا منزعج الخاطر كثير الهم لما بلغه من اجتماع الفرنج بمدينة صور وما يتصل بهم من الأمداد في البحر وأن ملك الفرنج الذي كان قد أسره صلاح الدين وأطلقه بعد فتح القدس قد اصطلح هو والمركيس بعد اختلاف كان بينهما وأنهم قد اجتمعوا في خلق لا تحصى فإنهم قد خرجوا من مدينة صور إلى ظاهرها فكان هذا وأشباهه مما يزعجه ويخاف من ترك الشقيف وراء ظهره والتقدم إلى صور وفيها الجموع المتوافرة فتنقطع الميرة عنه إلا أنه مع هذه الأشياء مقيم على العهد مع أرناط صاحب الشقيف وكان أرناط في مدة الهدنة يشتري الأقوات من سوق العسكر والسلاح وغير ذلك مما يحصن به شقيفه وكان صلاح الدين يحسن الظن وإذا قيل له عنه مما هو فيه من المكر وأن قصده المطاولة إلى أن يظهر الفرنج من صور وحينئذ يبدي فضيحته 181 ويظهر مخالفته لا يقبل فيه فلما قارب انقضاء الهدنة تقدم صلاح الدين من معسكره إلى القرب من شقيف أرنوم وأحضر عنده أرناط وقد بقي من الأجل ثلاثة أيام فقال له في معنى تسليم الشقيف فاعتذر بأولاده وأهله وأن المركيس لم يمكنهم من المجيء إليه وطلب التأخير مدة أخرى فحينئذ علم السلطان مكره وخداعه فأخذه وحبسه وأمره بتسليم الشقيف فطلب قسيسا ذكره ليحمل رسالة إلى من بالشقيف ليسلموه فأحضروه عنده فساره بما لم يعلموا فمضى ذلك القسيس إلى الشقيف فأظهر أهله العصيان فسير صلاح الدين ارناط إلى دمشق وسجنه وتقدم إلى الشقيف فحصره وضيق عليه وجعل عليه من يحفظه ويمنعه عن الذخيرة والرجال
ذكر وقعة اليزك مع الفرنج
لما كان صلاح الدين بمرج عيون وعلى الشقيف جاءته كتب من أصحابه الذين جعلهم يزكا في مقابل الفرنج على صور يخبرونه فيها أن الفرنج قد أجمعوا على عبور الجسر الذي لصور وعزموا على حصار صيدا فسار صلاح الدين جريدة في شجعان أصحابه سوى من جعله على الشقيف فوصل إليهم وقد فات الأمر وذلك أن الفرنج قد فارقوا صور وساروا عنها لمقصدهم فلقيهم اليزك على مضيق هناك وقاتلوهم ومنعوهم وجرى لهم معهم حرب شديدة يشيب لها الوليد وأسروا من الفرنج جماعة وقتلوا جماعة وقتل من المسلمين أيضا جماعة منهم مملوك لصلاح الدين كان من أشجع الناس فحمل وحده على صف الفرنج فاختلط بهم وضربهم بسيفه يمينا وشمالا فتكاثروا عليه فقتلوه رحمه الله
ثم إن الفرنج عجزوا عن الوصول إلى صيدا فعادوا إلى مكانهم
ذكر وقعة ثانية للغزاة المتطوعة
لما وصل صلاح الدين إلى اليزك وقد قاتته تلك الوقعة أقام عندهم في خيمة صغيره ينتظر عودة الفرنج لينتقم منهم ويأخذ بثأر من قتلوه من المسلمين فركب في بعض الأيام في عدة يسيرة على أن ينظر إلى مخيم الفرنج من الجبل ليعمل بمقتضى ما يشاهده وظن من هناك من غزاة العجم والعرب المتطوعة أنه على قصد المصاف والحرب فساروا مجدين وأوغلوا في أرض العدو مبعدين وفارقوا الحزم وخلفوا 182 السلطان وراء ظهورهم وقاربوا الفرنج فأرسل صلاح الدين عدة من الأمراء يردونهم ويحمونهم إلى أن يخرجوا فلم يسمعوا ولم يقبلوا وكان الفرنج قد اعتقدوا أن وراءهم كمينا فلم يقدموا عليهم فأرسلوا من ينظر حقيقة الأمر فأتاهم الخبر انهم منقطعون عن المسلمين وليس وراءهم ما يخاف فحملت الفرنج عليهم حملة رجل واحد فقاتلوهم فلم يلبثوا أن أناموهم وقتل معهم جماعة من المعروفين وشق على صلاح الدين والمسلمين ما جرى عليهم وكان ذلك بتفريطهم في حق أنفسهم رحمهم الله ورضي عنهم وكانت هذه الوقعة تاسع جمادى الأولى فلما رأى صلاح الدين ذلك انحدر من الجبل اليهم في عسكره فحملوا على الفرنج فألقوهم إلى الجسر وقد اخذوا طريقهم فالقوا أنفسهم في الماء فغرق منهم نحو مائة دراع سوى من قتل وعزم السلطان على مصابرتهم ومحاصرتهم فتسامع الناس فقصدوه واجتمع معه خلق كثير فلما رأى الفرنج ذلك عادوا إلى مدينة صور فلما عادوا اليها عاد صلاح الدين إلى تبنين ثم إلى عكا ينظر حالها ثم عاد إلى العسكر والمخيم
ذكر وقعة ثالثة
لما عاد صلاح الدين إلى العسكر أتاه الخبر أن الفرنج يخرجون من صور للاحتطاب والاحتشاش متبددين فكتب إلى من بعكا من العسكر وواعدهم يوم الاثنين ثامن جمادى الآخرة ليلاقوهم من الجانبين ورتب كمناء في موضع من تلك الأودية والشعاب واختار جماعة من شجعان عسكره وأمرهم أنهم إذا حمل عليهم الفرنج قاتلوهم شيئا من قتال ثم تطاردوا لهم وأروهم العجز عن مقاتلتهم فإذا تبعهم الفرنج استجروهم إلى أن يجوزوا مواضع الكمين ثم يعطفوا عليهم ويخرج الكمين من خلفهم فخرجوا على هذه العزيمة فلما تراءى الجمعان والتقت الفئتان أنف فرسان المسلمين أن يظهر عنهم اسم الهزيمة وثبتوا فقاتلوهم وصبر بعضهم لبعض واشتد القتال وعظم الأمر ودامت الحرب وطال على الكمناء الانتظار فخافوا على أصحابهم فخرجوا من مكانهم نحوهم مسرعين وإليهم قاصدين فأتوهم وهم في شدة الحرب فازداد الأمر شدة على شدة وكان فيهم أربعة أمراء من ربيعة طي وكانوا يجهلون تلك الأرض فلم يسلكوا مسلك أصحابهم فسلكوا الوادي ظنا منهم أنه يخرج بهم إلى أصحابهم وتبعهم بعض مماليك صلاح الدين فلما رآهم الفرنج 183 بالوادي علموا أنهم جاهلون فأتوهم وقاتلوهم وأما المملوك فإنه نزل عن فرسه وجلس على صخرة واخذ قوسه بيده وحمى نفسه وجعلوا يرمونه بسهام الزنبورك وهو يرميهم فجرح منهم جماعة وجرحوه جراحات كثيرة فسقط فأتوه وهو بآخر رمق فتركوه وانصرفوا وهم يحسبونه ميتا ثم إن المسلمين جاؤوا من الغد إلى موضعهم فرأوا القتلى ورأوا المملوك حيا فحملوه في كساء وهو لا يكاد يعرف من الجراحات فأيسوا من حياته وأعرضوا عليه الشهادة وبشروه بالشهادة فتركوه ثم عادوا إليه فرأوه وقد قويت نفسه فأقبلوا عليه بمشروب فعوفي ثم كان بعد ذلك لا يحضر مشهدا إلا كان له فيه الأثر العظيم
ذكر مسير الفرنج إلى عكا وماصرتها
لما كثر جمع الفرنج بصور على ما ذكرناه من صلاح الدين كان كلما فتح مدينة أو قلعة أعطى أهلها الأمان وسيرهم إليها بأموالهم ونسائهم وأولادهم فاجتمع بها منهم عالم كثير لا يعد ولا يحصى ومن الأموال ما لا يفنى على كثرة الإنفاق في السنين الكثيرة ثم إن الرهبان والقسس وخلقا كثيرا من مشهوريهم وفرسانهم لبسوا السواد وأظهروا الحزن على خروج البيت المقدس من أيديهم وأخذهم البطرك الذي كان بالقدس ودخل بهم بلاد الفرنج يطوفها بهم جميعا ويستنجدون أهلها ويستجيرون بهم ويحثونهم على الأخذ بثار البيت المقدس وصور والمسيح عليه السلام وجعلوا صورة رجل عربي والعربي يضربه وقد جعلوا الدماء على صورة المسيح عليه السلام وقالوا لهم هذا االمسيح يضربه محمد نبي المسلمين وقد جرحه وقتله فعظم ذلك على الفرنج فحشروا وحشدوا حتى النساء فإنهم كان معهم على عكا عدة من النساء يبارزون الأقران على ما نذكره إن شاء الله تعالى ومن لم يستطع الخروج استأجر من يخرج عوضه أو يعطيهم مالا على قدر حالهم فاجتمع لهم من الرجال والأموال ما لا يتطرق إليه الإحصاء
ولقد حدثني بعض المسلمين المقيمين بحصن الأكراد وهو من أجناد أصحابه الذين سلموه إلى الفرنج قديما وكان هذا الرجل قد ندم على ما كان منه من موافقة الفرنج في الغارة على بلاد الإسلام والقتال معهم والسعي معهم وكان سبب اجتماعي به ما أذكره سنة تسعين وخمسمائة إن شاء الله تعالى قال لي هذا الرجل إنه دخل مع 184 جماعة من الفرنج من حصن الأكراد إلى البلاد البحرية التي للفرنج والروم في أربع شواني يستنجدون
وقال فانتهى بنا التطواف إلى رومية الكبرى فخرجنا منها وقد ملأنا الشواني نقرة
وحدثني بعض الأسرى منهم أن له والدة ليس لها ولد سواه ولا يملكون من الدنيا غير بيت باعته وجهزته بثمنه وسيرته لاستنقاذ البيت المقدس فأخذ أسيرا وكان عند الفرنج من الباعث الديني والنفساني ما هذا حده فخرجوا على الصعب والذلول برا وبحرا من كل فج عميق ولولا الله تعالى لطف بالمسلمين وأهلك ملك الألمان لما خرج على ما نذكره عند خروجه إلى الشام وإلا كان يقال إن الشام ومصر كانتا للمسلمين فهذا كان سبب خروجهم فلما اجتمعوا بصور يموج بعضهم في بعض ومعهم الأموال العظيمة والبحر يمدهم بالأقوات والذخائر والعدد والرجال من بلادهم فضاقت عليهم صور باطنها وظاهرها فأرادوا قصد صيدا وكان ما ذكرناه فعادوا واتفقوا على قصد عكا ومحاصرتها ومصابرتها فساروا إليها بفارسهم وراجلهم وقضهم وقضيضهم ولزموا البحر في مسيرهم لا يفارقونه في السهل والوعر الضيق والسعة ومراكبهم تسير مقابلهم في البحر فيها سلاحهم وذخائرهم ولتكون عدة لهم إن جاءهم ما لا قبل لهم به ركبوا فيها وعادوا وكان رحيلهم ثامن رجب ونزولهم على عكا في منتصفه ولما كانوا سائرين كان يزك المسلمين يتخطفونهم ويأخذون المنفرد منهم ولما رحلوا جاء الخب إلى صلاح الدين برحيلهم فسار حتى قاربهم ثم جمع امراءه واستشارهم هل يكون المسير محاداة الفرنج ومقاتلتهم وهم سائرون أو يكون في غير الطريق التي سلكوها فقالوا لا حاجة بنا إلى احتمال المشقة في مسايرتهم فإن الطريق وعر وضيق ولا يتهيأ لنا ما نريده منهم والرأي أننا نسير في الطريق المهيع ونجتمع عليهم عند عكا فنفرقهم ونمزقهم فعلم ميلهم إلى الراحة المعجلة فوافقهم وكان رأيه مسايرتهم ومقاتلتهم وهم سائرون وقال إن الفرنج إذا نزلوا لصقوا بالأرض فلا يتهيأ لنا إزعاجهم ولا نيل الغرض منهم والرأي قتالهم قبل الوصول إلى عكا فخالفوه فتبعهم وساروا على طريق كفركنا فسبقهم الفرنج وكان صلاح الدين قد جعل في مقابل الفرنج جماعة من الأمراء يسايرونهم ويناوشونهم القتال ويتخطفونهم ولم يقدم الفرنج عليهم مع قلتهم فلو أن العساكر اتبعت رأى صلاح الدين في 185 مسايرتهم ومقاتلتهم قبل نزولهم على عكا لكان بلغ غرضه وصدهم عنها ولكن إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه ولما وصل صلاح الدين إلى عكا رأى الفرنج قد نزلوا عليها من البحر إلى البحر من الجانب الآخر ولم يبق للمسلمين إليها طريق فنزل صلاح الدين عليهم وضرب خيمته على تل كيسان وامتدت ميمنته إلى تل الغياظية وميسرته إلى النهر الجاري ونزلت الأثقال بصفورية وسير الكتب إلى الأطراف باستدعاء العساكر فأتاه عسكر الموصل وديار بكر وسنجار وغيرها من بلاد الجزيرة وأتاه تقي الدين ابن أخيه وأتاه مظفر الدين بن زين الدين وهو صاحب حران والرها وكانت الأمداد تأتي المسلمين في البر وتأتي الفرنج في البحر وكان بين الفريقين مدة مقامهم على عكا حروب كثيرة ما بين صغيرة وكبيرة منها اليوم المشهور ومنها ما هو دون ذلك وما عداها كان قتالا يسيرا من بعضهم مع بعض فلا حاجة إلى ذكره ولما نزل السلطان عليهم لم يقدر على الوصول اليهم ولا إلى عكا حتى انسلخ رجب ثم قاتلهم مستهل شعبان فلم ينل منهم ما يريد وبات الناس على تعبية فلما كان الغد باكرهم القتال بحده وحديده واستدار عليهم من سائر جهاتهم من بكرة الى الظهر وصبر الفريقان صبرا حار له من رآه فلما كان وقت الظهر حمل عليهم تقي الدين حملة منكرة من الميمنة على من يليه منهم فأزاحهم عن مواقفهم فركب بعضهم بعضا لا يلوي أخ على أخ والتجؤوا إلى من يليهم من أصحابهم واجتمعوا بهم وأخلوا نصف البلد وملك تقي الدين مكانهم والتصق بالبلد وصار ما أخلوه بيده ودخل المسلمون البلد وخرجوا منه واتصلت الطرق وزال الحصر عمن فيه وأدخل صلاح الدين إليه من أراد من الرجال وما أراد من الذخائر والأموال والسلاح وغير ذلك ولو أن المسلمين لزموا قتالهم إلى الليل لبلغوا ما أرادوه فإن للصدمة الأولى روعة لكنهم لما نالوا منهم هذا القدر أخلدوا إلى الراحة وتركوا القتال وقالوا نباكرهم غدا ونقطع دابرهم وكان في جملة من أدخله صلاح الدين إلى عكا من جملة الأمراء حسان الدين أبو الهيجاء السمين وهو من أكابر امراء عسكره وهو من الأكراد الخطية من بلد إربل وقتل من الفرنج هذا اليوم جماعة كبيرة
ذكر وقعة أخرى ووقعة العرب
ثم ان المسلمين نهضوا إلى الفرنج من الغد وهو سادس شعبان عازمين على بذل 186 جهدهم واستنفاد وسعهم في استئصالهم فتقدموا على تعبيتهم فرأوا الفرنج حذرين محتاطين قد ندموا على ما فرطوا فيه بالامس وهم قد حفظوا أطرافهم ونواحيهم وشرعوا في حفر خندق يمنع من الوصل إليهم فألح المسلمون عليهم في القتال فلم يتقدم الفرنج اليهم ولا فارقوا مرابضهم فلما رأى المسلمون ذلك عادوا عنهم ثم إن جماعة من العرب بلغهم أن الفرنج تخرج من الناحية الأخرى إلى الاجتطاب وغيره من اشغالهم فكمنوا لهم في معاطف النهر ونواحيه سادس عشر شعبان فلما خرج جمع من الفرنج على عادتهم حملت عليهم العرب فقتلوهم عن آخرهم وغنموا ما كان معهم وحملوا الرؤوس الى صلاح الدين فأحسن إليهم وأعطاهم الخلع
ذكر الوقعة الكبرى على عكا
لما كان بعد هذه الوقعة المذكورة بقي المسلمون الى العشرين من شعبان كل يوم يغادون القتال مع الفرنج ويراوحونه والفرنج لا يظهرون من معسكرهم ولا يفارقونه ثم إن الفرنج اجتمعوا للمشورة فقالوا إن عسكر مصر لم يحضروا الحال مع صلاح الدين هكذا فكيف يكون إذا حضروا والرأي اننا نلقي المسلمين غدا لعلنا نظفر بهم قبل اجتماع العساكر والأمداد إليهم وكان كثير من عسكر صلاح الدين غائبا عنه بعضهم مقابل أنطاكية ليردوا غائلة البيمند صاحبها عن أعمال حلب وبعضهم في حمص مقابل طرابلس ليحفظ ذلك الثغر أيضا وعسكر في مقابل صور لحماية ذلك البلد وعسكر بمصر يكون بثغر دمياط والاسكندرية وغيرهما والذي بقي من عسكر مصر كانوا لم يصلوا لطول بيكارهم كما ذكرناه قبل وكان هذا مما أطمع الفرنج في الظهور إلى قتال المسلمين وأصبح المسلمون على عادتهم منهم من يتقدم إلى القتال ومنهم من هو في خيمته ومنهم من قد توجه في حاجته في زيارة صديق وتحصيل ما يحتاج إليه هو وأصحابه ودوابه الى غير ذلك فخرج الفرنج من معسكرهم كأنهم الجراد المنتشر يدبون على وجه الأرض قد ملؤوها طولا وعرضا وطلبوا ميمنة المسلمين وعليها تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين فلما رأى أن الفرنج نحوه قاصدين حذر هو وأصحابه فتقدموا إليه فلما قربوا منه تأخر عنهم فلما رأى صلاح الدين الحال وهو في القلب أمد تقي الدين برجال من عنده ليتقوى بهم وكان عسكر ديار بكر وبعض الشرقيين في جناح القلب فلما رأى الفرنج قلة الرجال في القلب وأن كثيرا منهم قد ساروا نحو 187 الميمنة مددا لهم عطفوا على القلب فحملوا حملة رجل واحد فاندفعت العساكر بين أيديهم منهزمين وثبت بعضهم فاستشهد جماعة منهم كالأمير مجلى بن مروان والظهير أخي الفقيه عيسى وكان والي البيت المقدس قد جمع بين الشجاعة والعلم والدين وكالحاجب خليل الهلكاري وغيرهم من الشجعان الصابرين في مواطن الحرب ولم يبق بين أيديهم في القلب من يردهم فقصدوا التل الذي عليه خيمة صلاح الدين فقتلوا من مروا به ونهبوا وقتلوا عند خيمة صلاح الدين جماعة منهم شيخنا جمال الدين أبو علي بن رواحة الحموي وهو من أهل العلم وله شعر حسن وما ورث الشهادة من بعيد فإن جده عبد الله بن رواحة صاحب رسول الله قتله الروم يوم مؤته وهذا قتله الفرنج يوم عكا وقتلوا غيره وانحدروا الى الجانب الآخر من التل فوضعوا السيف فيمن لقوه وكان من لطف الله تعالى بالمسلمين أن الفرنج لم يلقوا خيمة صلاح الدين ولو ألقوها لعلم الناس وصولهم إليها وانهزام العساكر بين أيديهم فكانوا انهزموا أجمعون ثم إن الفرنج نظروا وراءهم فرأوا أمدادهم قد انقطعت عنهم فرجعوا خوفا أن ينقطعوا عن أصحابهم وكان سبب انقطاعهم أن الميمنة وقفت مقابلهم فاحتاج بعضهم يقف مقابلها وحملت ميسرة المسلمين على الفرنج فاستغل المدد بقتال الواصلين إلى خيمة صلاح الدين صادفوهم وهم راجعون فقاتلوهم وثار بهم غلمان العسكر وكان صلاح الدين لما انهزم القلب قد تبعهم يناديهم ويأمرهم بالكرة ومعاودة القتال فاجتمع معه منهم جماعة صالحة فحمل بهم على الفرنج من وراء ظهورهم وهم مشغولون بقتال الميسرة فأخذتهم سيوف الله من كل جانب فلم يفلت منهم أحد بل قتل أكثرهم وأخذ الباقون أسرى
وفي جملة من أسر مقدم الداوية الذي كان في أسره صلاح الدين وأطلقه فلما ظفر به الآن قتله وكانت عدة القتلى سوى من كان الى جانب البحر نحو عشرة آلاف قتيل فأمر بهم فألقوا في النهر الذي يشرب الفرنج منه وكان عامة القتلى من فرسان الفرنج فإن الرجالة لم يلحقوهم وكان في جملة الأسرى ثلاث نسوة فرنجيات كن يقاتلن على الخيل فلما أسرن والقي عنهن السلاح عرفن أنهن نساء وأما المنهزمون من المسلمين فمنهم من رجع من طبرية ومنهم من جاوز الأردن وعاد ومنهم من بلغ دمشق ولولا 188 أن العساكر تفرقت في الهزيمة لكانوا بلغوا من الفرنج من الاسسئصال والإهلاك مرادهم على أن الباقين بذلوا جهدهم وجدوا في القتال وصمموا على الدخول مع الفرنج في معسكرهم لعلهم يفزعون منهم فجاءهم الصريخ بأن رحالهم وأموالهم قد نهبت وكان سبب هذا النهب أن الناس لما رأوا الهزيمة حملوا أثقالهم على الدواب فثار بهم أوباش العسكر وغلمانه فنهبوه وأتوا عليه وكان في عزم صلاح الدين أن يباكرهم القتال والزحف فرأى اشتغال الناس بما ذهب من أموالهم وهم يسعون في جمعها وتحصيلها فأمر بالنداء بإحضار ما أخذ فأحضر منه ما ملأ الأرض من المفارش والعيب المملوءة والثياب والسلاح وغير ذلك فرد الجميع على أصحابه ففاته ذلك اليوم ما أراد فسكن روع الفرنج وأصلحوا شأن الباقين منهم
ذكر رحيل صلاح الدين عن الفرنج وتمكنهم من حصر عكا
لما قتل من الفرنج ذلك العدد الكثير جافت الأرض من نتن ريحهم وفسد الهواء والجو ووجدت الأمزجة فسادا وانحرف مزاج صلاح الدين وحدث له قولنج مبرح وكان يعتاده فحضر عنده الأمراء وأشاروا عليه بالانتقال من ذلك الموضع وترك مضايقة الفرنج وحسنوه له وقالوا قد ضيقنا على الفرنج ولو أرادوا الانفصال عن مكانهم لم يقدروا والرأي اننا نبعد عنهم بحيث يتمكنون من الرحيل والعود فإن رحلوا فقد كفينا شرهم وكفوا شرنا وإن أقاموا عاودنا القتال ورجعنا معهم إلى ما نحن فيه ثم إن مزاجك منحرف والألم شديد ولو وقع إرجاف لهلك الناس والرأي على كل تقدير البعد عنهم ووافقهم الأطباء على ذلك فأجابهم إليه إلى ما يريد الله أن يفعله (
وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) فرحلوا إلى الخروبة رابع شهر رمضان وأمر من بعكا من المسلمين بحفظها وإغلاق أبوابها والاحتياط وأعلمهم بسبب رحيله فلما رحل هو وعساكره أمن الفرنج وانبسطوا في تلك الأرض وعادوا وحصروا عكا وأحاطوا بها من البحر الى البحر ومراكبهم ايضا في البحر تحصرها وشرعوا في حفر الخندق وعمل السور من التراب الذي يخرجونه من الخندق وجاؤوا بما لم يكن في الحساب وكان اليزك كل يوم يوافقهم وهم لا يقاتلون ولا يتحركون إنما هم معتمدون بحفر الخندق والسور عليهم ليتحصنوا به من صلاح الدين إن عاد إلى قتالهم فحينئذ ظهر رأي المشيرين بالرحيل وكان اليزك كل يوم يخبرون صلاح الدين بما يصنع الفرنج 189 ويعظمون الأمر عليه وهو مشغول بالمرض لا يقدر على النهوض للحرب واشار عليه بعضهم بأن يرسل العساكر جميعها إليها ليمنعهم من الخندق والسور ويقاتلوهم ويتخلف هو عنهم فقال إذا لم احضر معهم لا يفعلون شيئا وربما كان من الشر أضعاف ما نرجوه من الخير فتأخر الأمر إلى أن عوفي فتمكن الفرنج وعملوا ما أرادوا وأحكموا أمورهم وحصنوا نفوسهم بما وجدوا إليه السبيل وكان من بعكا يخرجون إليهم كا يوم ويقاتلونهم وينالون منهم بظاهر البلد
ذكر وصول عسكر مصر والأسطول المصري في البحر
في منتصف شوال وصلت العساكر المصرية ومقدمها الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب فلما وصل قويت نفوس الناس به وبمن معه واشتدت ظهورهم واحضر معه من آلات الحصار من الدرق والطارقيات والنشاب والأقواس شيئا كثيرا ومعهم من الرجالة الجم الغفير وجمع صلاح الدين من البلاد الشامية راجلا كثيرا وهو على عزم الزحف إليهم بالفارس والراجل ووصل بعده الأسطول المصري ومقدمه الأمير لؤلؤ وكان شهما شجاعا مقداما خبيرا بالبحر والقتال فيه ميمون النقيبة فوصل بغتة فوقع على بطسة كبيرة للفرنج فغنمها وأخذ منها أموالا كثيرة وميرة عظيمة فأدخلها إلى عكار فسكنت نفوس من بها بوصول الأسطول وقوي جنانهم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في صفر خطب لولي العهد أبي نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله ببغداد ونثرت الدنانير والدراهم وأرسل إلى البلاد في اقامة الخطبة ففعل ذلك
وفيها في شوال ملك الخليفة تكريت وسبب ذلك أن صاحبها وهو الأمير عيسى قتله إخوته وملكوا القلعة بعده فسير الخليفة إليهم عسكرا فحصروها وتسلموها ودخل اصحابه إلى بغداد فأعطوا أقطاعا
وفيها في صفر فتح الرباط الذي بناه الخليفة بالجانب الغربي من بغداد وحضر الخلق العظيم فكان يوما مشهودا
وفي هذه السنة في رمضان مات شرف الدين أبو سعد عبد الله بن محمد بن هبة الله 190 ابن أبي عصرون الفقيه الشافعي بدمشق وكان قاضيها وأضر وولي القضاء بعده ابنه وكان الشيخ من أعيان الفقهاء الشافعية
وفيها في ذي القعدة توفي الفقيه ضياء الدين عيسى الهكاري بالخروبة مع صلاح الدين وهو من أعيان أمراء عسكره ومن قدماء الأسدية وكان فقيها جنديا شجاعا كريما ذا عصبية ومروءة وهو من أصحاب الشيخ الإمام أبي القاسم بن البرزي تفقه عليه بجزيرة ابن عمر ثم اتصل بأسد الدين شيركوه فصار إماما له فرأى من شجاعته ما جعل له أقطاعا وتقدم عند صلاح الدين تقدما عظيما
وفيها في صفر توفي شيخنا أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن وهبان المعروف بابن أفضل الزمان بمكة وكان رحمه الله عالما متبحرا في علوم كثيرة خلاف فقه مذهبه والأصولين والحساب والفرائض والنجوم والهيئة والمنطق وغير ذلك وختم أعماله بالزهد ولبس الخشن وأقام بمكة حرسها الله تعالى مجاورا فتوفي بها وكان من أحسن الناس صحبة وخلقا
وفيها في ذي القعدة مات أبو طالب المبارك بن المبارك الكرخي مدرس النظامية وكان من أصحاب أبي الحسن بن الخل وكان صالحا خيرا له عند الخليفة والعامة حرمة عظيمة وجاه عريض وكان حسن الخط يضرب به المثل 191
ثم دخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة
ذكر وقعة الفرنج واليزك وعود صلاح الدين إلى منازلة الفرنج
قد ذكرنا رحيل صلاح الدين عن عكا إلى الخروبة لمرضه فلما برأ أقام بمكانه إلى أن ذهب الشتاء وفي مدة مقامه بالخروبة كان يزكه وطلائعه لا تنقطع عن الفرنج فلما دخل صفر من سنة ست وثمانين وخمسمائة سمع الفرنج أن صلاح الدين قد سار للصيد ورأى العسكر الذي في اليزك عندهم قليلا وأن الوحل الذي في مرج عكا كثير يمنع من سلوكه من أراد أن ينجد اليزك فاغتنموا ذلك وخرجوا من خندقهم على اليزك وقت العصر فقاتلهم المسلمون وحموا أنفسهم بالنشاب وأحجم الفرنج عنهم حتى فني نشابهم فحملوا عليهم حينئذ حملة رجل واحد فاشتد القتال وعظم الأمر وعلم المسلمون أنه لا ينجيهم إلا الصبر وصدق القتال فقاتلوا قتال مستقل إلى أن جاء الليل وقتل من الفريقين جماعة كثيرة وعاد الفرنج إلى خندقهم ولما عاد صلاح الدين إلى المعسكر سمع خبر الوقعة فندب الناس إلى نصر أخوانهم فأتاه الخبر أن الفرنج عادوا إلى خندقهم فأقام ثم إنه رأى الشتاء قد ذهب وجاءته العساكر من البلاد القريبة منه دمشق وحمص وحماه وغيرها فتقدم من الخروبة نحو عكا فنزل بتل كيسان وقاتل الفرنج كل يوم ليشغلهم عن قتال من بعكا من المسلمين فكانوا يقاتلون الطائفتين ولا يسأمون
ذكر إحراق الأبراج ووقعة الأسطول
كان الفرنج في مدة مقامهم على عكا قد عملوا ثلاثة أبراج من الخشب عالية جدا طول كل برج منها خمس طبقات كل طبقة مملوءة من المقاتلة وقد جمع أخشابها من الجزائر فإن مثل هذه الأبراج العظيمة لا يصلح لها من الخشب الا القليل النادر وغشوها بالجلود والخل والطين والأدوية التي تمنع النار من إحراقها وأصلحوا الطرق 192 لها وقدموها نحو مدينة عكا من ثلاث جهات وزحفوا بها من العشرين من ربيع الأول فأشرفت على السور وقاتل من بها من عليه فانكشفوا وشرعوا في طم خندقها فأشرف البلد على أن يملك عنوة وقهرا فأرسل أهله إلى صلاح الدين إنسانا سبح في البحر فأعلمه ما هم فيه من الضيق وما قد أشرفوا عليه من أخذهم وقتلهم فركب هو وعساكره وتقدموا إلى الفرنج وقاتلهم من جميع جهاتهم قتالا عظيما دائما يشغلهم عن مكاثرة البلد فافترق الفرنج فرقتين فرقة تقاتل صلاح الدين وفرقة تقاتل أهل عكا إلا أن الأمر قد خف عمن بالبلد ودام القتال ثمانية أيام متتابعة آخرها الثامن والعشرون من الشهر وسئم الفريقان القتال وملوا منه لملازمته ليلا ونهارا والمسلمون قد تيقنوا استيلاء الفرنج على البلد لما رأوا من عجز من فيه عن دفع الأبراج فإنهم لم يتركوا حيلة إلا عملوها فلم يفد ذلك ولم يغن عنهم شيئا وتابعوا رمي النفط الطيار عليها فلم يؤثر فيها فأيقنوا بالبوار والهلاك فأتاهم الله بنصر من عنده وأذن من إحراق الأبراج
وكان سبب ذلك أن إنسانا من أهل دمشق كان مولعا بجمع آلات النفاطين وتحصيل عقاقير تقوي عمل النار فكان من يعرفه يلومه على ذلك وينكره عليه وهو يقول هذه حالة لم أباشرها بنفسي إنما أشتهي معرفتها وكان بعكا لأمر يريده الله فلما رأى الأبراج قد نصبت على عكا شرع في عمل ما يعرفه من الأدوية المقوية للنار بحيث لا يمنعها شيء من الطين والخل وغيرهما فلما فرغ منها حضر عند الأمير قراقوش وهو متولي الأمور بعكا والحاكم فيها وقال له يأمر المنجنيقي أن يرمي في المنجنيق المحاذي لبرج من هذه الأبراج ما أعطيه حتى أحرقه وكان عند قراقوش من الغيظ والخوف على البلد ومن فيه ما يكاد يقتله فازداد غيظا بقوله وحرد عليه فقال له قد بالغ أهل هذه الصناعة في الرمكي بالنفط وغيره فلم يفلحوا فقال له من حضر لعل الله تعالى قد جعل الفرج على يد هذا ولا يضرنا أن نوافقه على قوله فأجابه إلى ذلك وأمر المنجنيقي بامتثال أمره فرمى عدة قدور نفطا وأدوية ليس فيها نار فكان الفرنج إذا رأوا القدر لا يحرق شيئا يصيحون ويرقصون ويلعبون على سطح البرج حتى علم أن الذي ألقاه قد تمكن من البرج ألقى قدرا مملوءة وجعل فيها النار فاشتعل البرج وألقى قدرا ثانية وثالثة فاضطرمت النار في نواحي البرج وأعجلت من في طبقاته الخمس عن الهرب والخلاص فاحترق هو ومن فيه وكان فيه من الزرديات 193 والسلاح شيء كثير وكان طمع الفرنج بما رأوا أن القدور الأولى لا تعمل يحملهم على الطمأنينة وترك السعي في الخلاص حتى عجل الله لهم النار في الدنيا قبل الآخرة فلما احترق البرج الأول انتقل الى الثاني وقد هرب من فيه لخوفهم فأحرقه وكذلك الثالث وكان يوما مشهودا لم ير الناس مثله والمسلمون ينظرون ويفرحون وقد اسفرت وجوههم بعد الكآبة فرحا بالنصر وخلاص المسلمين من القتل لأنهم ليس فيهم أحد إلا وله في البلد إما نسيب وإما صديق
وحمل ذلك الرجل إلى صلاح الدين فبذل له الأموال الجزيلة والأقطاع الكثيرة فلم يقبل منه الحبة الفرد وقال إنما عملته الله تعالى ولا أريد الجزاء إلا منه وسيرت الكتب إلى البلاد بالبشائر وأرسل يطلب العساكر الشرقية فأول من أتاه عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي وهو صاحب سنجار وديار الجزيرة ثم أتاه علاء الدين ولد عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي سيره أبوه مقدما على عسكره وهو صاحب الموصل ثم وصل زين الدين يوسف صاحب إربل وكان كل منهم إذا وصل يتقدم إلى الفرنج بعسكره وينضم إليه غيرهم ويقاتلونهم ثم ينزولون ووصل الأسطول من مصر فلما سمع الفرنج بقربه جهزوا الى طريقه اسطولا ليلقاه ويقاتله فركب صلاح الدين في العساكر جميعها وقاتلهم من جهاتهم ليشتغلوا بقتاله عن قتال الاسطول ليتمكن من دخول عكا فلم يشتغلوا عن قصده بشيء فكان القتال بين الفريقين برا وبحرا وكان يوما مشهودا لم يؤرخ مثله وأخذ المسلمون من الفرنج مركبا فيه من الرجال والسلاح وأخذ الفرنج من المسلمين مثل ذلك إلا أن القتل في الفرنج كان أكثر منه في المسلمين ووصل الأسطول الإسلامي سالما
ذكر وصول ملك الألمان إلى الشام وموته
في هذه السنة خرج ملك الألمان من بلاده وهم نوع من الفرنج من أكثرهم عددا وأشدهم بأسا وكان قد ازعجه ملك الإسلام البيت المقدس فجمع عساكره وازاح علتهم وسار عن بلاد وطريقه على القسطنطينية فأرسل ملك الروم بهذا إلى صلاح الدين يعرفه الخبر ويعده أنه لا يمكنه من العبور في بلاده فلما وصل ملك الألمان الى القسطنطينية عجز ملكه عن منعه من العبور لكثرة جموعه لكنه منع عنهم الميرة ولم يمكن أحدا من رعيته من حمل ما يريدونه إليهم فضاقت بهم الأزواد والأقوات وساروا 194 حتى عبروا خليج القسطنطينية وساروا على أرض بلاد الإسلام وهي مملكة الملك قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن قلمش بن سلجق فلما وصلوا إلى أوائلها ثار بهم التركمان الأرج فما زالو يسايرونهم ويقتلون من انفرد ويسرقن ما قدروا عليه وكان الزمان شتاء والبرد يكون في تلك البلاد شديدا والثلج متراكما فأهلكهم البرد والجوع والتركمان فقل عددهم فلما قاربوا مدينة قونية خرج إليهم الملك قطب الدين ملك شاه بن قلج أسلان ليمنعهم فلم يكن له بهم قوة فعاد إلى قونية وبها أبوه قد حجر ولده المذكور عليه وتفرق أولاده في بلاده وتغلب كل واحد منهم على ناحية منها فلما عاد عنهم قطب الدين أسرعوا السير في أثره فنازلوا قونية وأرسلوا إلى قلج أرسلان هدية وقالوا له ما قصدنا بلادك ولا أردناها وإنما قصدنا البيت المقدس وطلبوا منه أن يأذن لرعيته في إخراج ما يحتاجون إليه من قوت وغيره فأذن في ذلك فأتاهم ما يريدون فشبعوا وتزودوا وساروا ثم طلبوا من قطب الدين أن يأمر رعيته بالكف عنهم وأن يسلم إليهم جماعة من أمرائه رهائن وكان يخافهم فسلم إليهم نيفا وعشرين أميرا كان يكرههم فساروا بهم معهم ولو يمتنع اللصوص وغيرهم من قصدهم والتعرض إليهم فقبض ملك الألمان على من منعه من الأمراء وقيدهم فمنهم من هلك في أسره ومنهم من فدى نفسه وسار ملك الألمان حتى أتى بلاد الأرمن وصاحبها لافون بن اصطفانة بن ليون فأمدهم بالأقوات والعلوفات وحكمهم في بلاده وأظهر الطاعة لهم ثم ساروا نحو أنطاكية وكان في طريقهم نهر فنزلوا عنده ودخل ملكهم إليه ليغتسل فغرق في مكان منه لا يبلغ الماء وسط الرجل وكفى الله شره
وكان معه ولد له فصار ملكا بعده وسار إلى أنطاكية فاختلف أصحابه عليه فأحب بعضهم العود إلى بلاده فتخلف عنه وبعضهم مال إلى تمليك أخ له فعاد أيضا وأسار فيمن صحت نيته له فعرضهم وكانوا نيفا وأربعين ألفا ووقع فيهم الوباء والموت فوصلوا إلى انطاكية وكأنهم قد نبشوا من القبور فتبرم بهم احبها وحسن لهم المسير إلى الفرنج على عكا فساروا على جبلة ولاذقية وغيرهما من البلاد التي ملكها المسلمون وخرج أهل حلب وغيرها إليهم وأخذوا منهم خلقا كثيرا ومات أكثر من أخذ فبلغوا طرابلس وأقاموا بها أياما فكثر فيهم الموت فلم يبق منهم إلا نحو ألف رجل فركبوا في البحر إلى الفرنج الذين على عكا ولما وصلوا ورأوا ما نالهم في طريقهم وما 195 هم فيه من الاختلاف عادوا إلى بلادهم فغرقت بهم المراكب ولم ينج منهم احد وكان الملك قلج أرسلان يكاتب صلاح الدين بأخبارهم ويعده أنه يمنعهم من العبور في بلاده فلما عبروا وخلفوها أرسل يتعذر بالعجز عنهم لأن أولاده حكموا عليه وحجروا عليه وتفرقوا عنه وخرجوا عن طاعته وأما صلاح الدين عند وصول الخبر بعبور ملك الألمان فإنه استشار أصحابه فأشار كثير منهم عليه بالمسير الى طريقهم ومحاربتهم قبل أن يتصلوا بمن على عكا فقال بل نقيم إلى أن يقربوا منا وحينئذ نفعل ذلك لئلا يستسلم من بعكا من عساكرنا لكنه سير من عنده من العساكر منها عسكر حلب وجبلة ولاذقية وشيرز وغير ذلك إلى أعمال حلب ليكونوا من أطراف البلاد يحفظونها من عاديتهم وكان حال المسلمين كما قال الله عز وجل (
إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ) فكفى الله شرهم ورد كيدهم في نحرهم ومن شدة خوفهم أن بعض أمراء صلاح الدين كان له ببلد الموصل قرية وكان أخي رحمه الله يتولاها فحصل دخلها من حنطة وشعير وتبن فأرسل إليه في ربيع الغلة فوصل كتابه يقول لا تبع الحبة الفرد واستكثر لنا من التبن ثم بعد ذلك وصل كتابه يقول تبيع الطعام فما بنا حاجة اليه ثم إن ذلك الأمير قدم الموصل فسألناه عن المنع من بيع الغلة ثم الإذن فيها بعد مدة يسيرة فقال لما وصلت الأخبار بوصول ملك الألمان أيقنا أننا ليس لنا بالشام مقام فكتبت بالمنع من بيع الغلة لتكون ذخيرة لنا إذا جئنا اليكم فلما أهلكهم الله تعالى وأغنى عنها كتبت ببيعها والانتفاع بثمنها
ذكر وقعة للمسلمين والفرنج على عكا
وفي هذه السنة في العشرين من جمادى الآخرة خرجت الفرنج فارسها وراجلها من وراء خنادقهم وتقدموا إلى المسلمين وهم كثير لا يحصى عددهم وقصدوا نحو عسكر مصر ومقدمهم الملك العادل أبو بكر بن أيوب وكان المصريون قد ركبوا واصطفوا للقاء الفرنج فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانجاز المصريون عنهم ودخل الفرنج خيامهم ونهبوا أموالهم فعطف المصريون عليهم فقاتلوهم من وسط خيامهم فأخرجوهم عنها وتوجهت طائفة من المصريين نحو خنادق الفرنج فقطعوا المدد عن اصحابهم الذين خرجوا وكانوا متصلين كالنمل فلما انقطعت امدادهم ألقوا 2196 بأيديهم وأخذتهم السيوف من كل ناحية فلم ينج منهم إلا الشريد وقتل منهم مقتلة عظيمة يزيد عدد القتلى على عشرة آلاف قتيل وكانت عساكر الموصل قريبة من عسكر مصر وكان مقدمهم علاء الدين خرم شاه بن عز الدين مسعود صاحب الموصل فحملوا أيضا على الفرنج وبالغوا في قتالهم ونالوا منهم نيلا كثيرا هذا جميعه ولم يباشر القتال أحد من الحلقة الخاص التي مع صلاح الدين ولا أحد من الميسرة وكان بها عماد الدين زنكي صاحب سنجار وعسكر إربل وغيرهم ولما جرى على الفرنج هذه الحادثة خمدت جمرتهم ولانت عريكتهم واشار المسلمون على صلاح الدين بمباكرتهم القتال ومناجزتهم وهم على هذه الحال من الهلع والجزع فاتفق انه وصله من الغد كتاب من حلب يخبر فيه بموت ملك الألمان وما أصاب أصحابه من الموت والقتل والأسر وما صار أمرهم إليه من القلة والذلة واشتغل المسلمون بهذه البشرى والفرح بها عن قتال من بإزائهم وظنوا أن الفرنج إذا بلغهم هذا الخبر ازدادوا وهنا هلى وهنهم وخوفا على خوفهم
فلما كان بعد يومين أتت الفرنج أمداد في البحر مع كند من الكنود البحرية يقال له الكند هري ابن أخي ملك إفرنسيس لأبيه وابن أخي ملك إنكلتار لأمه ووصل معه من الأموال شيء كثير يفوق الإحصاء فوصل إلى الفرنج فجند الأجناد وبذل الأموال فعادت نفوسهم قوية واطمأنت وأخبرهم أن الأمداد واصلة إليهم يتلو بعضها بعضا فتماسكوا وحفظوا مكانهم ثم أظهروا أنهم يريدون الخروج إلى لقاء المسلمين وقتالهم فانتقل صلاح الدين من مكانه إلى الخروبة في السابع والعشرين من جمادى الآخرة ليتسع المجال وكانت المنزلة قد أنتنت بريح القتلى ثم إن الكند هرى نصب منجنيقا ودبابات وعرادات فخرج من بعكا من المسلمين فأخذوها وقتلوا عندها كثيرا من الفرنج ثم إن الكند هري بعد أخذ منجنيقاته أراد أن ينصب منجنيقا فلم يتمكن من ذلك لأن المسلمين بعكا كانوا يمنعون من عمل ستائر يستتر بها من يرمي من المنجنيق فعملا تلا من تراب بالبعد من البلد ثم إن الفرنج كانوا ينقلون التل إلى البلد بالتدريج ويستترون به ويقربونه إلى البلد فلما صار من البلد بحيث يصل من عنده حجر منجنيق نصبوا وراءه منجنيقين وصار التل سترة لهما وكانت الميرة قد قلت بعكا فأرسل صلاح الدين إلى الإسكندرية يأمرهم بإنفاذ الأقوات واللحوم وغير ذلك في 197 المراكب إلى عكا فتأخر إنفاذها فسير إلى نائبه بمدينة بيروت في ذلك فسير بطسة عظيمة مملوؤة من كل ما يريدونه وأمر من بها فلبسوا ملبس الفرنج وتشبهوا بهم ورفعوا عليها الصلبان فلما وصلوا إلى عكا لم يشك الفرنج أنها لهم فلم يتعرضوا لها فلما حازت ميناء عكا ادخلها من بها ففرح بها المسلمون وانتعشوا وقويت نفوسهم وتبلغوا بما فيها إلى أن أتتهم الميرة من الإسكندرية وخرجت ملكة من الفرنج من داخل البحر في نحو ألف مقاتل فأخذت بنواحي الإسكندرية وأخذ من معها ثم إن الفرنج وصلهم كتاب من بابا وهو كبيرهم الذي يصدرون عن أمره وقوله عندهم كقول النبيين لا يخالف والمحروم عندهم من حرمه والمقرب من قربه وهو صاحب رومية الكبرى يأمرهم بملاومة ما هم بصدده ويعلمهم أنه قد ارسل إلى جميع الفرنج يأمرهم بالمسير إلى نجدتهم برا وبحرا ويعملهم بوصول الأمداد إليهم فازدادوا قوة وطمعا
ذكر خروج الفرنج من خنادقهم
لما تتابعت الأمداد إلى الفرنج وجند لهم الكند هري جمعا كثيرا بالأموال التي وصلت معه عزموا على الخروج من خنادقهم ومناجزة المسلمين فتركوا على عكا من يحصرها ويقاتل أهلها وخرجوا حادي عشر شوال في عدد كالرمل كثرة وكالنار جمرة فلما رأى صلاح الدين ذلك نقل أثقال المسلمين إلى ميمون وهوعلى ثلاثة فراسخ عن عكا وكان قد عاد إليه من فرق من عساكره لما هلك ملك الألمان ولقي الفرنج على تعبية حسنة وكان أولاده الأفضل علي والظاهر غازي والظافر مما يلي القلب وأخوه العادل أبو بكر في الميمنة ومعه عساكر مصر ومن انضم إليه وكان في الميسرة عماد الدين صاحب سنجار وتقي الدين صاحب حماه ومعز الدين سنجر شاه صاحب جزيرة ابن عمر مع جماعة من أمرائه واتفق أن صلاح الدين أخذه مغس كان يعتاده فنصب له خيمة صغيرة على تل مشرف على العسكر ونزل فيها ينظر إليهم فسار الفرنج شرقي نهر هناك حتى وصلوا إلى رأس النهر فشاهدوا عساكر الإسلام وكثرتها فارتاعوا لذلك ولقيهم الجالشية وأمطروا عليهم من السهام ما كاد يستر الشمس فلما رأوا ذلك تحولوا إلى غربي النهر ولزمهم الجالشية يقاتلونهم والفرنج قد تجمعوا ولزم بعضهم بعضا وكان غرض الجالشية أن تحمل الفرنج عليهم فيلقاهم المسلمون ويلتحم القتال فيكون الفصل ويستريح الناس وكان الفرنج قد ندموا على مفارقة 198 خنادقهم فلزموا مكانهم وباتوا ليلتهم تلك فلما كان الغد عادوا نحو عكا ليعتصموا بخندقهم والجالشية في اكتافهم يقاتلونهم تارة بالسيوف وتارة بالرماح وتارة بالسهام وكلما قتل من الفرنج قتيل أخذوه معهم لئلا يعلم المسلمون ما أصابهم فلولا ذلك الألم الذي حدث بصلاح الدين لكانت هي الفصل وإنما لله أمر هو بالغه فلما بلغ فلما بلغ الفرنج خلقا كثيرا وفي الثالث والعشرين من شوال أيضا كمن جماعة من المسلمين وتعرض للفرنج جماعة أخرى فخرج إليهم أربعمائة فارس فقاتلهم المسلمون شيئا من قتال وتطاردوا لهم وتبعهم الفرنج حتى جازوا الكمين فخرجوا عليهم فلم يفلت منهم أحد واشتد الغلاء على الفرنج حتى بلغت غرارة الحنطة اكثر من مائة دينار صوري فصبروا على هذا وكان المسلمون يحملون إليهم الطعام من البلدان منهم الأمير اسامة مستحفظ بيروت كان يحمل الطعام وغيره ومنهم سيف الدين علي بن أحمد المعروف بالمشطوب كان يحمل من صيدا أيضا إليهم وكذلك من عسقلان وغيرها لولا ذلك لهلكوا جوعا خصوصا في الشتاء عند انقطاع مراكبهم عند تهيج البحر
ذكي تسيير البدل إلى عكا والتفريط فيه حتى أخذت
لما هجم الشتاء وعصفت الرياح خاف الفرنج على مراكبهم التي عندهم لأنها لم تمكن من المينا فسيروها إلى بلادهم صور والجزائر فانفتح الطريق إلى عكا في البحر فأرسل أهلها إلى صلاح الدين يشكون الضجر والملالة والسآمة وكان بها الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين مقدما على جندها فأمر صلاح الدين بإقامة البدل وإنفاذه إليها وإخراج من فيها وأمر أخاه الملك العادل بمباشرة ذلك فانتقل إلى جانب البحر ونزل تحت جبل حيفا وجمع المراكب والشواني وكلما جاءه جماعة من العسكر سيرهم إليها وأخرج عوضهم فدخل إليها عشرون أميرا وكان بها ستون أميرا فكان الذين دخلوا قليلا بالنسبة إلى الذين خرجوا وأهمل نواب صلاح الدين تجنيد الرجال وإنفاذهم وكان على خزانة ماله قوم من النصارى وكانوا إذا جاءهم جماعة قد جندوا تعنتوهم بأنواع شتى تارة بإقامة معرفة وتارة بغير ذلك فتفرق بهذا السبب خلق كثير وانضاف إلى ذلك تواني صلاح الدين ووثوقه بنوابه وإهمال النواب فانحسر الشتاء والأمر كذلك وعادت مراكب الفرنج إلى عكا وانقطع الطريق إلا من سابح يأتي 199 بكتاب وكان من جملة الأمراء الذين دخلوا إلى عكا سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وعز الدين أرسل مقدم الأسدية بعد جاولي وغيرهم وكان دخولهم عكا أول سنة سبع وثمانين وكان قد أشار جماعة على صلاح الدين بأن يرسل إلى من بعكا النفقات الواسعة والذخائر والأقوات الكثيرة ويأمرهم بالمقام فإنهم قد جربوا وتدربوا واطمأنت نفوسهم على ما هم فيه فلم يفعل وظن فيهم الضجر والملل وأن ذلك يحملهم على الضجر والفشل فكان الأمر بالضد
ذكر وفاة زين الدين يوسف صاحب إربل ومسير أخيه مظفر الدين إليها
كان زين الدين يوسف بن زين الدين علي صاحب إربل قد حضر عند صلاح الدين بعساكره فمرض ومات ثامن عشر شهر رمضان وذكر العماد الكاتب في كتابه البرق الشامي قال جئنا إلى مظفر الدين نعزيه بأخيه وظننا به الحزن وليس له أخ غيره ولا ولد يشغله عنه فإذا هو في شغل شاغل عن العزاء مهتم بالاحتياط على ما خلفه وهو جالس في خيام أخيه المتوفى وقد قبض على جماعة من أمرائه واعتقلهم وعجل عليهم وما أغفلهم منهم بلد أجي صاحب قلعة خفتيذ كان وأرسل إلى صلاح الدين يطلب منه إربل لينزل عن حران والرها فأقطعه إياها وأضاف إليها شهرزور وأعمالها ودربندقرابلي وبني قفجاق ولما مات زين الدين كاتب من كان بإربل مجاهد الدين قايماز لهواهم فيه وحسن سيرته كانت فيهم وطلبوه إليهم ليملكوه فلم يجسر هو ولا صاحبه عز الدين أتابك مسعود بن مودود على ذلك خوفا من صلاح الدين وكان أعظم الأسباب في تركها أن عز الدين كان قد قبض على مجاهد الدين فتمكن زين الدين من إربل ثم إن عز الدين أخرج مجاهد الدين من القبض وولاه نيابته وقد ذكرنا ذلك أجمع فلما ولاه النيابة عنه لم يمكنه وجعل معه إنسانا كان من بعض غلمان مجاهد الدين فكان يشاركه في الحكم ويحل عليه ما يعقده فلحق مجاهد الدين من ذلك غيظ شديد فلما طلب إلى إربل قال لمن يثق إليه لا أفعل لئلا يحكم فيها فلان ويكف يدي عنها فجاء مظفر الدين إليها وملكها وبقي غصة في حلق البيت الأتابكي لا يقدرون على إساغتها وسنذكر ما اعتمده معهم مرة بعد أخرى إن شاء الله تعالى
ذكر ملك الفرنج مدينة شلب وعودها إلى المسلمين
في هذه السنة ملك ابن الرنك وهو من ملوك الفرنج غرب بلاد الأندلس مدينة 200 شلب وهي من كبار مدن المسلمين بالأندلس واستولى عليها فوصل الخبر بذلك إلى الأمير أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب الغرب والأندلس فتجهز في العساكر الكثيرة وسار إلى الأندلس وعبر المجاز وسير طائفة كثيرة من عسكره في البحر ونازلها وحصرها وقاتل من بها قتالا شديدا حتى ذلوا وسألوا الأمان فأمنهم وسلموا البلد وعادوا إلى بلادهم وسير جيشا من الموحدين ومعهم جمع كثير من العرب ففتحوا أربع مدن كان الفرنج قد ملكوها قبل ذلك بأربعين سنة وفتكوا في الفرنج فخافهم ملك طليطلة من الفرنج وأرسل يطلب الصلح فصالحه خمس سنين وعاد أبو يوسف إلى مراكش وامتنع من هذه الهدنة طائفة من الفرنج لم يرضوها ولا امكنهم إظهار الخلاف فبقوا متوقفين حتى دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة فتحركوا وسنذكر خبرهم هناك إن شاء الله تعالى
ذكر الحرب بين غياث الدين وسلطان شاه بخراسان
كان سلطان شاه أخو خوارزم شاه قد تعرض إلى بلاد غياث الدين ومعز الدين ملكي الغورية من خراسان فتجهز غياث الدين وخرج من فيروزكوه إلى خراسان سنة خمس وثمانين وخمسمائة فبقي يتردد بين بلاد الطالقان وينجده ومرو وغيرها يريد حرب سلطان شاه فلم يزل كذلك إلى أن دخلت سنة ست وثمانين فجمع سلطان شاه عساكره وقصد غياث الدين فتصافا واقتتلا فانهزم سلطان شاه وأخذ غياث الدين بعض بلاده وعاد إلى غزنة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في ربيع الأول تسلم الخليفة الناصر لدين الله حديثه عانة وكان سير إليها جيشا حصروها سنة خمس وثمانين فقاتلوا عليها قتالا شديدا ودام الحصار وقتل من الفريقين خلق كثير فلما ضاقت عليهم الأقوات سلموها على اقطاع عينوها ووصل صاحبها وأهلها إلى بغداد وأعطوا أقطاعا ثم تفرقوا في البلاد واشتدت الحاجة بهم حتى رأيت بعضهم وأنه يتعرض بالسؤال إلى بعض خدم الناس نعوذ بالله من زوال نعمته وتحول عافيته
وفي هذه السنة توفي مسعود بن البادر وكان مكثرا من الحديث حسن الخط خيرا 201 ثقة
وفيها توفي أبو حامد محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري بالموصل كان قاضيا وقبلها ولي قضاء حلب وجميع الأعمال وكان رئيسا جوادا ذا مروءة عظيمة يرجع إلى دين وأخلاق 202
ثم دخلت سنة سبع وثمانين وخمسمائة
ذكر حصر عز الدين صاحب الموصل الجزيرة
في هذه السنة في ربيع الأول سار أتابك عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي صاحب الموصل إلى جزيرة ابن عمر فحصرها وكان بها صاحبها سنجر شاه بن سيف الدين غازي بن مودود وهو ابن اخي عز الدين وكان سبب حصره أن سنجر شاه كان كثير الأذى لعمه عز الدين والشناعة عليه والمراسلة إلى صلاح الدين في حقه تارة يقول إنه يريد قصد بلادك وتارة يقول إنه يكاتب أعداءك ويحثهم على قصدك إلى غير ذلك من الأمور المؤذية وعز الدين يصبر على ما يكره لأمور تارة للرحم وتارة خوفا من تسليمها إلى صلاح الدين فلما كان في السنة الماضية سار صاحبها إلى صلاح الدين وهو على عكا في جملة من سار من أصحاب الأطراف وأقام عنده قليلا وطلب دستورا للعود إلى بلده فقال له صلاح الدين عندنا من أصحاب الأطراف جماعة منهم عماد الدين صاحب سنجار وغيرها وهو أكبر منك ومنهم ابن عمك عز الدين وهو أصغر منك وغيرهم ومتى فتحت هذا الباب اقتدى بك غيرك فلم يلتفت إلى قوله وأصر على ذلك وكان عند صلاح الدين جماعة من أهل الجزيرة يستغيثون على سنجر شاه لأنه ظلمهم وأخذ اموالهم وأملاكهم فكان يخافه لهذا ولم يزل في طلب الإذن في العود إلى البلد إلى عيد الفطر من سنة ست وثمانين فركب تلك الليلة سنجر شاه وجاء إلى خيمة صلاح الدين وأذن لأصحابه في المسير فساروا بالأثقال وبقي جريدة فلما وصل إلى خيمة صلاح الدين أرسل يطلب الإذن وكان صلاح الدين قد بات محموما وقد عرق فلم يمكن أن يأذن له فبقي كذلك مترددا على باب خيمته إلى أن أذن له فلما دخل عليه هنأه بالعيد وأكب عليه يودعه فقال له ما علمنا بصحة عزمك على الحركة فتصبر علينا حتى نرسل ما جرت به العادة فما يجوز أن تنصرف عنا بعد مقامك 203 عندنا على هذا الوجه فلم يرجع وودعه وانصرف وكان تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين قد أقبل من بلده حماه في عسكره فكتب إليه صلاح الدين يأمره بإعادة سنجر شاه طوعا أو كرها فحكى له عن تقي الدين أنه قال ما رأيت مثل سنجر شاه لقيته بعقبة فيق فسألته عن سبب انصرافه فغالطني فقلت له سمعت بالحال ولا يليق أن تنصرف بغير تشريف السلطان وهديته فيضيع تعبك وسألته العود فلم يصغ إلى قولي فكلمني كأنني بعض مماليكه فلما رأيت ذلك منه قلت له إن رجعت بالتي هي أحسسن وإلا اعدتك كارها فنزل عن دابته وأخذ ذيلي وقال قد استجرت بك وجعل يبكي فعجبت من حماقته أولا وذلته ثانيا فعاد معي فلما عاد بقي عند صلاح الدين عشرة أيام وكتب صلاح الدين إلى عز الدين أتابك يأمره بقصد الجزيرة ومحاصرتها وأخذها وأنه يرسل إلى طريق سنجر شاه ليقبض عليه إذا عاد فخاف عز الدين أن صلاح الدين قد فعل ذلك مكيدة ليشنع عليه بنكث العهد فلم يفعل شيئا من ذلك بل أرسل إليه يقول أريد خطك بذلك ومنشورا منك بالجزيرة فترددت الرسل في ذلك إلى أن انقضت سنة ست وثمانين فاستقرت القاعدة بينهما فسار عز الدين إلى الجزيرة فحصرها أربعة أشهر وأياما آخرها شعبان ولم يملكها بل استقرت القاعدة بينه وبين سنجر شاه على يد رسول صلاح الدين فإنه كان قد أرسل بعد قصدها يقول إن صاحب سنجار وصاحب إربل وغيرهما قد شفعا في سنجر شاه فاستقر الصلح على أن لعز الدين نصف أعمال الجزيرة ولسنجر شاه نصفها وتكون الجزيرة بيد سنجر شاه من جملة النصف وعاد عز الدين إلى الموصل وكان صلاح الدين بعد ذلك يقول ما قيل لي عن أحد شيء من الشر فرأيته إلا كان دون ما يقال فيه إلا سنجر شاه فإنه كان يقال لي عنه أشياء استعظمتها فلما رأيته صغر في عيني ما قيل
ذكر عبور تقي الدين الفرات وملكه حران وغيرها من البلاد الجزرية ومسيره
إلى خلاط وموته
في هذه السنة في صفر سار تقي الدين من الشام إلى البلاد الجزرية حران والرها كان قد أقطعه أياها عمه صلاح الدين بعد أخذها من مظفر الدين مضافا إلى ما كان له بالشام وقرر معه أنه يقطع البلاد للجند ويعود وهم معه ليتقوى بهم على الفرنج فلما عبر الفرات وأصلح حال البلاد سار إلى ميافارقين وكانت له فلما بلغها تجدد له طمع 204 في غيرها من البلاد المجاورة لها فقصد مدينة حانى من ديار بكر فحصرها وملكها وكان في سبعمائة فارس فلما سمع سيف الدين بكتمر صاحب خلاط بملكه حانى جمع عساكره وسار إليه فاجتمعت عساكره أربعة آلاف فارس فلما التقوا اقتتلوا فلم يثبت عسكر خلاط لتقي الدين بل انهزموا وتبعهم تقي الدين ودخل بلادهم وكان بكتمر قد قبض على مجد الدين بن رشيق وزير صاحبه شاه أرمن وسجنه في قلعة هناك فلما انهزم كتب إلى مستحفظ القلعة يأمره بقتل ابن رشيق فوصل القاصد وتقي الدين قد نازل القلعة فأخذ الكتاب وملك القلعة وأطلق ابن رشيق وسار إلى خلاط فحصرها ولم يكن في كثرة من العسكر فلم يبلغ منها غرضا فعاد عنها وقصد ملازكرد وحصرها وضيق على من بها وطال مقامه عليها فلما ضاق عليهم الأمر طلبوا منه المهلة أياما ذكروها فأجابهم إليها ومرض تقي الدين فمات قبل انقضاء الأجل بيومين وتفرقت العساكر عنها وحمله ابنه وأصحابه ميتا إلى ميافارقين وعاد بكتمر قوي أمره وثبت ملكه بعد أن أشرف على الزوال وهذه الحادثة من الفرج بعد الشدة فإن ابن رشيق نجا من القتل وبكتمر نجا من أن يؤخذ
ذكر وصول الفرنج من الغرب في البحر إلى عكا
وفي هذه السنة وصلت أمداد الفرنج في تابحر إلى الفرنج الذين على عكا وكان أول من وصل منهم الملك فليب أفرنسيس وهو من أشرف ملوطهم نسبا وإن كان ملكه ليس بالكثير وكان وصوله إليها ثاني عشر ربيع الأول ولم يكن في الكثرة التي ظنوها وإنما كان معه ست بطس كبار عظيمة فقويت به نفوس من على عكا منهم ولحوا في قتال المسلمين الذيم فيها وكان صلاح الدين بشفرعم فكان يركب كل يوم ويقصد الفرنج ليشغلهم بالقتال عن مزاحفة البلد وأرسل إلى الأمير أسامة مستحفظ بيروت يأمره بتجهيز ما عنده من الشواني والمراكب وتشحينها بالمقاتلة وتسييرها في البحر ليمنع الفرنج من الخروج إلى عكا ففعل ذلك وسير الشواني في البحر فصادفت خمسة مراكب مملوءة رجالا من أصحاب ملك إنلكتار الفرنج وكان قد سيرهم بين يديه وتأخر هو بجزيرة قبرس ليملكها فاقتتلت شواني المسلمين مع مراكب الفرنج فاستظهر المسلمون عليهم وأخذوهم وغنموا ما معهم من قوت ومتاع ومال وأسروا الرجال 205
وكتب أيضا صلاح الدين إلى من بالقرب من النواب له يأمرهم بمثل ذلك ففعلوا وأما الفرنج الذين على عكل فإنهم لازموا قتال من بها ونصبوا عليها سبع منجنيقات رابع جمادى الأولى فلما رأى صلاح الدين ذلك تحول من شفرعم ونزل عليهم لئلا يتعب العسكر كل يوم في المجيء إليهم والعود عنهم فقرب منهم وكانوا كلما تحركوا للقتال ركب وقاتلهم من وراء خندقهم فكانوا يشتغلون بقتالهم فيخف القتال عمن بالبلد ثم وصل ملك إنكلتار ثالث عشر جمادى الأولى وكان قد استولى في طريقه على جزيرة قبرس وأخذها من الروم فإنه لما وصل إليها غدر بصاحبها وملكها جميعا فكان ذلك زيادة في ملكه وقوة للفرنج فلما فرغ منها سار عنها إلى من على عكا من الفرنج فوصل إليهم في خمس وعشرين قطعة كبارا مملوءة رجالا وأموالا فعظم به شر الفرنج واشتدت نكايتهم في المسلمين وكان رجل زمانه شجاعة ومكرا وجلدا وصبرا وبلي المسلمون منه بالداهية التي لا مثل لها
ولما وردت الأخبار بوصوله أمر صلاح الدين بتجهيز بسطة كبيرة مملوءة من الرجال والعدد والأقوات فتجهزت وسيرت من بيروت وفيها سبعمائة مقاتل فلقيها ملك إنكلتار مصادفة فقاتلها وصبر من فيها على قتالها فلما أيسوا من الخلاص ونزل مقدم من بها إلى أسفلها وهو يعقوب الحلبي مقدم الجندارية يعرف بغلام ابن شقتين فخرقها خرقا واسعا لئلا يظفر الفرنج بمن فيها وما معهم من الذخائر فغرق جميع ما فيها وكانت عكا محتاجة إلى رجال لما ذكرناه من سبب نقصهم ثم إن الفرنج عملوا دبابات وزحفوا بها فخرج المسلمون وقاتلوهم بظاهر البلد وأخذوا تلك الكباش فلما رأى الفرنج أن ذلك جميعه لا ينفعهم عملوا تلا كبيرا من التراب مستطيلا وما زالوا يقربونه إلى البلد ويقاتلون من ورائه لا ينالهم من البلد أذى حتى صار على نصف علوه فكانوا يستظلون به ويقاتلون من خلفه فلم يكن للمسلمين فيه حيلة لا بالنار ولا بغيرها فحينئذ عظمت المصيبة على من بعكا من المسلمين فأرسلوا إلى صلاح الدين يعرفونه حالهم فلم يقدر لهم على نفع
ذكر ملك الفرنج عكا
في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة استولى الفرنج لعنهم الله على مدينة عكا وكان أول وهن دخل على من بالبلد أن الأمير سيف الدين علي بن أحمد الهكاري المعروف بالمشطوب كان فيها ومعه عدة من الأمراء كان هو أمثلهم 206 وأكبرهم فخرج إلى ملك أفرنسيس وبذل تسليم البلد بما فيه على أن يطلق المسلمين الذين فيه ويمكنهم من اللحاق بسلطانهم فلم يجبه إلى ذلك فعاد علي بن أحمد إلى البلد فوهن من فيه وضعفت نفوسهم وتخاذلوا وأهمتهم أنفسهم ثم إن أميرين ممن كان بعكا لما رأوا ما فعلوا بالمشطوب والفرنج لم يجيبوا إلى الأمان اتخذوا الليل جملا وركبوا في شيء صغير وخرجوا سرا من أصحابهم ولحقوا بعسكر المسلمين وهم عز الدين أرسل الأسدي وابن عز الدين جاولي وسنقر الوشاقي ومعهم غيرهم فلما أصبح الناس ورأوا ذلك ازدادوا وهنا إلى وهنهم وضعفا إلى ضعفهم وأيقنوا بالعطب ثم إن الفرنج أرسلوا إلى صلاح الدين في معنى تسليم البلد فأجابهم إلى ذلك والشرط بينهم أن يطلق من أسراهم بعدد من في البلد ليطلقوا هم من بعكا وأن يسلم إليهم صليب الصلبوت فلم يقنعوا بما بذل فأرسل إلى من بعكا من المسلمين يأمرهم أن يخرجوا من عكا يدا واحدة ويتركوا البلد بما فيه ووعدهم أنه يتقدم إلى تلك الجهة التي يخرجون منها بعساكره ويقاتل الفرنج فيها ليلحقوا به فشرعوا في ذلك واشتغل كل منهم باستصحاب ما يملكه فما فرغوا من أشغالهم حتى أسفر الصبح فبطل ما عزموا عليه لظهوره فلما عجز الناس من حفظ البلد زحف إليهم الفرنج بحدهم وحديدهم فظهر من بالبلد على سوره يحركون أعلامهم ليراها المسلمون وكانت هي العلامة إذا اخترمهم أمر فلما رأى المسلمون ذلك ضجوا بالبكاء والعويل وحملوا على الفرنج من جميع جهاتهم طلبا منهم أن الفرنج يشتغلون عن الذين بعكا وصلاح الدين يحرضهم وهو في أولهم وكان الفرنج قد خفوا عن خنادقهم ومالوا إلى جهة البلد فقرب المسلمون من خنادقهم حتى كادوا يدخلونها عليهم ويضعون السيف فيهم فوقع الصوت فعاد الفرنج ومنعوا المسلمين وتركوا في مقابلة من بالبلد من يقاتلهم فلما رأى المشطوب أن صلاح الدين لا يقدر على نفع ولا يدفع عنهم ضرا خرج إلى الفرنج وقررمعهم تسليم البلد وخروج من فيه بأموالهم وأنفسهم وبذل لهم عن ذلك مائتي ألف دينار وخمسمائة أسير من المعروفين وإعادة صليب الصلبوت وأربعة عشر ألف دينار للسركيس صاحب صور فأجابوه إلى ذلك وحلقوا له عليه وأن يكون مدة تحصيل المال والأسرى إلى شهرين فلما حلفوا له سلم البلد إليهم ودخلوه سلما فلما ملكوه غدروا واحتاطوا على من فيه من المسلمين وعلى أموالهم وحبسوهم وأظهروا أنهم يفعلون ذلك ليصل إليهم ما بذل لهم وراسلوا 207 صلاح الدين في إرسال المال والأسرى والصليب حتى يطلقوا من عندهم فشرع في جمع المال وكان هو الأمان له إنما يخرج ما يحصل إليه من دخل البلاد أولا بأول فلما اجتمع عنده من المال مائة ألف دينار جمع الأمراء واستشارهم فأشاروا بأن لا يرسل شيئا حتى يعاود يستحلفهم على إطلاق أصحابه وأن يضمن الداوية ذلك لأنهم أهل دين يرون الوفاء فراسلهم صلاح الدين في ذلك فقال الداوية لا نحلف ولا نضمن لأننا نخاف غدر من عندنا وقال ملوكهم لإذا سلمتم إلينا المال والأسرى والصليب فلنا الخيار فيمن عندنا فحينئذ علم صلاح الدين عزمهم على الغدر فلم يرسل إليهم شيئا وأعاد الرسالة إليهم وقال نحن نسلم إليكم هذا المال والأسرى والصليب ونعطيكم رهنا على الباقي وتطلقون أصحابنا وتضمن الداوية الرهن ويحلفون على الوفاء لهم فقالوا لا نحلف إنما نرسل المائة ألف دينار التي حصلت والأسرى والصليب ونحن نطلق من أصحابكم من نريد ونترك من نريد حتى يجيء باقي المال فعلم الناس حينئذ غدرهم وإنما يطلقون غلمان العسكر والفقراء والأكراد ومن لا يؤبه له ويمسكون عندهم الأمراء وأرباب الأموال ويطلبون منهم الفداء فلم يجبهم السلطان إلى ذلك فلما كان يوم الثلاثاء السابع والعشرين من رجب ركب الفرنج وخرجوا إلى ظاهر البلد بالفارس والراجل وركب المسلمون إليهم وقصدوهم وحملوا عليهم فانكشفوا عن مواقفهم ولإذ أكثر من كان عندهم من المسلمين قتلى قد وضعوا فيهم السيف واستبقوا الأمراء والمقدمين ومن كان له مال وقتلوا من سواهم من سوادهم وأصحابهم ومن لا مال له فلما رأى صلاح الدين ذلك تصرف في المال الذي كان جمعه وسير الأسرى والصليب إلى دمشق
ذكر رحيل الفرنج إلى ناحية عسقلان وتخريبها
لما فرغ الفرنج بعنهم الله من إصلاح أمر عكا برزوا منها في الثامن والعشرين من رجب وساروا مستهل شعبان نحو حيفا مع شاطئ البحر لا يفارقونه فلما سمع صلاح الدين برحيلهم نادى في عسكره بالرحيل فساروا وكان على اليزك ذلك اليوم الملك الأفضل ولد صلاح الدين ومعه سيف الدين إيازكوش وعز الدين جورديك وعدة من شجعان الأمراء فضايقوا الفرنج في مسيرهم وأرسلوا عليهم من السهام ما كان يحجب الشمس ووقعوا على سلقة الفرنج فقتلوا منها جماعة وأسروا جماعة وأرسل الأفضل 208 إلى والده يستمده ويعرفه الحال فأمر العساكر بالمسير إليه فاعتذروا بأنهم ما ركبوا باهبة الحرب وإنما كانوا على عزم المسير لا غير فبطل المدد وعاد ملك الإنكلتار إلى ساقة الفرنج فحماها وجمعهم وساروا حتى أتوا حيفا فنزلوا بها ونزل المسلمون بقيمون قرية بالقرب منهم وأحضر الفرنج من عكا عوض من قتل منهم وأسر ذلك اليوم وعرض ما هلك من الخيل ثم ساروا إلى قيسارية والمسلمون يسايرونهم ويتحفظون منهم من قدروا عليه فيقتلونه لأن صلاح الدين كان قد أقسم أنه لا يظفر بأحد منهم إلا قتله بمن قتلوا ممن كان بعكا فلما قاربوا قيسارية لاصقهم المسلمون وقاتلوهم أشد قتال فنالوا منهم نيلا كثيرا ونزل الفرنج بها وبات المسلمون قريبا منهم فلما نزلوا خرج من الفرنج جماعة فأبعدوا عن جماعتهم فأوقع بهم المسلمون الذين كانوا في اليزك فقتلوا منهم وأسروا منهم ثم ساروا من قيسارية إلى أرسوف وكان المسلمون قد سبقوهم إليها ولم يمكنهم مسايرتهم لضيق الطريق فلما وصل الفرنج إليهم حمل المسلمون عليهم حملة منكرة ألحقوهم بالبحر ودخله بعضهم فلما رأى الفرنج ذلك اجتمعوا وحملت الخيالة على المسلمين حملة رجل واحد فولوا منهزمين لا يلوي أحد على أحد وكان كثير من الخيالة والسوقة قد ألفوا القيام وقت الحرب قريبا من المعركة فلما كان ذلك اليوم كانوا على حالهم فلما انهزم المسلمون عنهم قتل منهم كثير والتجأ المنهزمون إلى القلب وفيه صلاح الدين فلو علم الفرنج أنها هزيمة لتبعتهم واشتهرت الهزيمة وهلك المسلمون لكن كان بالقرب من المسلمين شعرة كثيرة الشجر فدخلوها وظنها الفرنج مكيدة فعادوا وزال عنهم ما كانوا فيه من الضيق وقتل من الفرنج كند كبير من طواغيتهم وقتل من المسلمين مملوك لصلاح الدين اسمه أياز الطويل وهو من الموصوفين بالشجاعة والشهامة لم يكن في زمانه مثله فلما نزل الفرنج نزل المسلمون وأعنة خيلهم بأيديهم ثم سار الفرنج إلى يافا فنزلوها ولم يكن بها أحد من المسلمين فملكوها ولما كان من المسلمين بأرسوف من الهزيمة ما ذكرناه سار صلاح الدين عنهم إلى الرملة واجتمع بأثقاله بها وجمع الأمراء واستشارهم فيما يفعل فأشاروا عليه بتخريب عسقلان وقالوا له قد رأيت ما كان منا بالأمس وإذا جاء 209 الفرنج إلى عسقلان ووقفنا في وجوههم نصدهم عنها فهم لا شك يقاتلوننا لننزاح عنها وينزلون عليها فإذا كان ذلك عدنا إلى مثل ما كنا عليه على عكا ويعظم الأمر علينا لأن العدو قد قوي بأخذ عكا وما فيها من الأسلحة وغيرها ونحن قد ضعفنا بما خرج عن أيدينا ولم تطل المدة حتى نستجد غيرها فلم تسمح نفسه بتخريبها وندب الناس إلى دخولها وحفظها فلم يجبه أحد إلى ذلك وقالوا إن أردت حفظها فادخل أنت معنا أو بعض أولادك الكبار وإلا فما يدخلها منا أحد لئلا يصيبنا ما أصاب أهل عكا فلما رأى الأمر كذلك سار إلى عسقلان وأمر بتخريبها تاسع عشر شعبان وألقيت حجارتها في البحر وهلك فيها من الأموال والذخائر التي للسلطان والرعية ما لا يمكن حصره وعفى أثرها حتى لا يبقى للفرنج في قصدها مطمع ولما سمع الفرنج بتخريبها أقاموا مكانهم ولم يسيروا إليها
وكان المركيس لعنه الله لما أخذ الفرنج عكا قد أحس من ملك إنكلتار بالغدر به فهرب من عنده إلى مدينة صور وهي له وبيده وكان رجل الفرنج رأيا وشجاعة وكل هذه الحروب هو أثارها فلما خربت عسقلان أرسل إلى ملك إنكلتار يقول له مثلك لا ينبغي أن يكون ملكا ويتقدم على الجيوش تسمع أن صلاح الدين قد خرب عسقلان وتقيم مكانك يا جاهل لما بلغك أنه قد شرع في تخريبها كنت سرت إليه مجدا فرحلته وملكتها صفوا عفوا بغير قتال ولا حصار فإنه ما خربها إلا وهو عاجز عن حفظها وحق المسيح لو أنني معك كانت عسقلان اليوم بأيدينا لم يخرب منها غير برج واحد فلما خربت عسقلان رحل صلاح الدين عنها ثاني شهر رمضان ومضى إلى الرملة فخرب حصنها وخرب كنيسة لد وفي مدة مقامه لتخريب عسقلان كانت العساكر مع الملك العادل أبي بكر بن أيوب تجاه الفرنج ثم سار صلاح الدين إلى القدس بعد تخريب الرملة فاعتبره وما فيه من سلاح وذخائر وقرر قواعده وأسبابه وما يحتاج إليه وعاد إلى المخيم ثامن رمضان وفي هذه الأيام خرج ملك إنكلتار من يافا ومعه نفر من الفرنج من معسكرهم فوقع به نفر من المسلمين فقاتلوهم قتالا شديدا وكاد ملك إنكلتار يؤسر ففداه بعض أصحابه بنفسه فتخلص الملك وأسر ذلك الرجل وفيها أيضا كانت وقعة بين طائفة من المسلمين وطائفة من الفرنج انتصر فيها المسلمون 210
ذكر رحيل الفرنج إلى نطرون
لما رأى صلاح الدين أن الفرنج قد لزموا يافا ولم يفارقوها وشرعوا في عمارتها رحل من منزلته إلى النطرون ثالث عشر رمضان وخيم به فراسله ملك إنكلتار يطلب المهادنة فكانت الرسل تتردد إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب أخي صلاح الدين فاستقرت القاعدة أن ملك إنكلتار يزوج أخته من العادل ويكون القدس وما بأيدي المسلمين من بلاد الساحل للعادل ويكون عكا وما بيد الفرنج من البلاد لأخت إنكلتار مضافا إلى مملكة كانت لها داخل البحر قد ورثتها من زوجها وأن يرضى الداوية بما يقع الاتفاق عليه فعرض العادل ذلك على صلاح الدين فأجاب إليه فلما ظهر الخبر اجتمع القسيسون والأساقفة والرهاب إلى أخت إنكلتار وأنكروا عليها فامتنعت من الإجابة وقيل كان المانع منه غير ذلك والله أعلم وكان العادل وملك إنكلتار يجتمعان بعد ذلك ويتجاريان حديث الصلح وطلب من العادل أن يسمعه غناء المسلمين فأحضر له مغنية تضرب بالجنك فغنت له فاستحسن ذلك ولم يتم بينهما صلح وكان ملك إنكلتار يفعل ذلك خديعة ومكرا ثم إن الفرنج أظهروا العزم على قصد بيت المقدس فسار صلاح الدين إلى الرملة جريدة وترك الأثقال بالنطرون وقرب من الفرنج وبقي عشرين يوما ينتظرهم فلم يبرحوا فكان بين الطائفتين مدة المقام عدة وقعات في كلها ينتصر المسلمون على الفرنج وعاد صلاح الدين إلى النطرون ورحل الفرنج من يافا إلى الرملة ثالث ذي القعدة على عزم قصد البيت المقدس فقرب بعضهم من بعض فعظم الخطب واشتد الحذر فكان كل ساعة يقع الصوت في العسكرين باللقاء فلقوا من ذلك شدة شديدة وأقبل الشتاء وحالت الأحوال والأمطار بينهما
ذكر مسير صلاح الدين إلى القدس
لما رأى صلاح الدين أن الشتاء قد هجم والأمطار متوالية متتابعة والناس منها في ضنك وحرج ومن شدة البرد ولبس السلاح والسهر في تعب دائم وكان كثير من العساكر قد طال ببكارها فأذن لهم في العود إلى بلادهم للإستراحة والإراحة وسار هو إلى البيت المقدس فيمن بقي معه فنزلوا جميعا داخل البلد فاستراحوا مما كانوا فيه ونزل هو بدار الأقصى مجاور بيعة قمامة وقدم إليه عسكر مصر مقدمهم الأمير أبو 211 الهيجاء السمين فقويت نفوس المسلمين بالقدس وسار الفرنج من الرملة إلى النطرون ثالث ذي الحجة على عزم قصد القدس فكانت بينهم وبين يزك والمسلمين وقعات أسر المسلمين في وقعة منهانيفا وخمسين فارسا من مشهوري الفرنج وشجعانهم وكان صلاح الدين لما دخل القدس أمر بعمارة سوره وتجديد ما رث منه فأحكم الموضع الذي ملك البلد منه وأتقنه وأمر بحفر خندق خارج الفصيل وسلم كل برج إلى أمير يتولى عمله فعمل ولده الأفضل من ناحية باب عمود إلى باب الرحمة وأرسل أتابك عز الدين مسعود صاحب الموصل جماعة من الجصاصين لهم في قطع الصخر اليد الطولى فعملوا له هناك برجا وبدنة وكذلك جميع الأمراء ثم إن الحجارة قلت عند العمالين فكان صلاح الدين رحمه الله يركب وينقل الحجارة بنفسه على دابته من الأمكنة البعيدة فيقتدي به العسكر فكان يجمع عنده من العمالين في اليوم الواحد من يعملون قدر عدة أيام
ذكر عود الفرنج إلى الرملة
في العشرين من ذي الحجة عاد الفرنج إلى الرملة وكان سبب عودهم أنهم كانوا ينقلون ما يريدونه من الساحل فلما أبعدوا عنه كان المسلمون يخرجون على من يجلب لهم الميرة فيقطعون الطريق ويغنمون ما معهم ثم إن ملك إنكلتار قال لمن معه من الفرنج الشاميين صوروا لي مدينة القدس فإني ما رأيتها فصوروها له فرأى الوادي يحيط بها ما عدا موضعا يسيرا من جهة الشمال فسأل عن الوادي وعن عمقه فأخبر أنه عميق وعر المسالك فقال هذه مدينة لا يمكن حصرها مهما كان صلاح الدين حيا وكلمة المسلمين مجتمعة لأننا إن نزلنا في الجانب الذي يلي المدينة بقيت سائر الجوانب غير محصورة فيدخل إليهم منها الرجال الذخائر وما يحتاجون إليه وإن نحن افترقنا فنزل بعضنا من جانب الوادي وبعضنا من الجانب الآخر جمع صلاح الدين أصحابه وواقع إحدى الطائفتين ولم يكن للطائفة الأخرى إنجاد أصحابهم لأنهم إن فارقوا مكانهم خرج من بالبلد من المسلمين فغنموا ما فيه وإن تركوا فيه من يحفظه وساروا نحو أصحابهم فإلى أن يتخلصوا من الوادي ويلحقوا بهم قد فرغ صلاح الدين منهم هذا سوى ما يتعذر علينا من إيصال ما يحتاج إليه من العلوفات والأقوات فلما قال لهم ذلك علموا صدقه ورأوا قلة الميرة عندهم وما يجري 212 للجالبين لهما من المسلمين فأشاروا عليه بالعود إلى الرملة فعادوا خائبين خاسرين
ذكر قتل قزل أرسلان
في شعبان من هذه السنة قتل قزل أرسلان واسمه عثمان بن أيلدكز وقد ذكرنا أنه ملك البلد بعد وفاة أخيه البهلوان ملك أران وأذربيجان وهمذان وأصفهان والري وما بينهما وأطاعه صاحب فارس وخوزستان واستولى على السلطان طغرل فاعتقله في بعض القلاع ودانت له البلاد وفي آخر أمره سار إلى أصفهان والفتن بها متصلة من لدن توفي البهلوان إلى ذلك الوقت فتعصب على الشافعية وأخذ جماعة من أعيانهم فصلبهم وعاد إلى همذان وخطب لنفسه بالسلطنة وضرب النوب الخمس ثم إنه دخل ليلة قتل إلى منزله لينام وتفرق أصحابه فدخل إليه من قتله على فراشه ولم يعرف قاتله فأخذ أصحابه صاحب بابه ظنا وتخمينا وكان كريما حسن الأخلاق يحب العدل ويؤثره ويرجع إلى حلم وقلة عقوبة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة قدم معز الدين قيصر شاه بن قلج أرسلان صاحب بلاد الروم على صلاح الدين في رمضان وكان سبب قدومه أن والده عز الدين قلج أرسلان فرق مملكته على أولاده وأعطى ولده هذا ملطية وأعطى ولده قطب الدين ملكشاه سيواس فاستولى قطب الدين على أبيه وحجر عليه وأزال حكمه وألزمه أن يأخذ ملطية من أخيه وسلمها إليه فخاف معز الدين فسار إلى صلاح الدين ملتجئا إليه معتضدا به فأكرمه صلاح الدين وزوجه بابنة أخيه الملك العادل فامتنع قطب الدين من قصده وعاد معز الدين إلى ملطية في ذي القعدة وحدثني من أثق به قال رأيت صلاح الدين وقد ركب ليودع هذا معز الدين فترجل له معز الدين وترجل صلاح الدين وودعه راجلا فلما أراد الركوب عضده هذا معز الدين وركب وسوى ثيابه علاء الدين خرمشاه بن عز الدين صاحب الموصل قال فعجبت من ذلك وقلت ما تبالي يا ابن أيوب أي موته تموت يركبك ملك سلجوقي وابن أتابك زنكي
وفيها توفي حسام الدين محمد بن عمر بن لاجين وهو ابن أخت صلاح الدين وعلم الدين سليمان بن جندر وهو من أكابر أمراء صلاح الدين أيضا
وفي رجب توفي الصفي بن القابض وكان متولي دمشق لصلاح الدين يحكم في جميع بلاده 213
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وخمسمائة
ذكر عمارة الفرنج عسقلان
في هذه السنة في المحرم رحل الفرنج نحو عسقلان وشرعوا في عمارتها وكان صلاح الدين بالقدس فسار ملك إنكلتار جريدة من عسقلان إلى يزك المسلمين فواقعهم وجرى بين الطائفتين قتال شديد انتصف بعضهم من بعض وفي مدة مقام صلاح الدين بالقدس ما برحت سراياه تقصد الفرنج فتارة تواقع طائفة منهم وتارة تقطع الميرة عنهم ومن جملتها سرية كان مقدمها فارس الدين ميمون القصري وهو من مقدمي المماليك الصلاحية خرج على قافلة كبيرة للفرنج فأخذها وغنم ما فيها
ذكر قتل المركيس وملك الكندهري
في هذه السنة في ثالث عشر ربيع الآخر قتل المركيس الفرنجي لعنه الله صاحب صور وهو أكبر شياطين الفرنج وكان سبب قتله أن صلاح الدين راسل مقدم الاسماعيلية وهو سنان أن أرسل من يقتل ملك إنكلتار وإن قتل المركيس فله عشرة آلاف دينار فلم يمكنهم قتل ملك إنكلتار ولم يره سنان مصلحة لهم لئلا يخلو وجه صلاح الدين من الفرنج ويتفرغ لهم وشره في أخذ المال فعدل إلى قتل المركيس فأرسل رجلين في زي الرهبان واتصلا بصاحب صيدا وابن بارزان صاحب رملة وكانا مع المركيس بصور فأقاما معهما ستة أشهر يظهران العبادة فانسر بهما المركيس ووثق إليهما فلما كان بعد التاريخ عمل الأسقف بصور دعوة المركيس فحضرها وأكل طعامه وشرب مدامه وخرج من عنده فوثب عليه الباطنيان المذكوران فجرحاه جراحا وثيقة وهرب أحدهما ودخل كنيسة يختفي فيها فاتفق أن المركيس حمل إليها ليشد جراحه فوثب عليه ذلك الباطني فقتله وقتل الباطنيان بعده ونسب الفرنج قتله إلى 214 وضع من ملك إنكلتار لينفرد بملك الساحل الشامي فلما قتل ولي بعده مدينة صور كند من الفرنج من داخل البحر يقال له الكندهري وتزوج بالملكة في ليلته ودخل بها وهي حامل وليس الحمل عندهم مما يمنع النكاح وهذا الكندهري هو ابن أخت ملك إفرنسيس من أبيه وابن أخت ملك إنكلتار من أمه وملك هذا كندهري بلاد الفرنج بالساحل بعد عود ملك إنكلتار وعاش إلى سنة أربع وتسعين وخمسمائة فسقط من سطح فمات وكان عاقلا كثير المداراة والاحتمال ولما رحل ملك إنكلتار إلى بلاده أرسل هذا كندهري إلى صلاح الدين يستعطفه ويسثميله يطلب منه خلعة وقال أنت تعلم أن لبس القباء والشربوش عندنا عيب وأنا ألبسهما منك محبة لك فأنفذ إليه خلعة سنية منها القباء والشربوش فلبسهما بعكا
ذكر نهب بني عامر البصرة
في هذه السنة في صفر اجتمع بنو عامر في خلق كثير وأميرهم عميرة وقصدوا البصرة وكان الأمير بها اسمه محمد بن اسماعيل ينوب عن مقطعها الأمير طغرل مملوك الخليفة الناصر لدين الله فوصلوا إليها يوم السبت سادس صفر فخرج إليهم الأمير محمد فيمن معه من الجند فوقعت الحرب بينهم بدرب الميدان بجانب الخريبة ودام القتال إلى آخر النهار فلما جاء الليل ثلم العرب في السور عدة ثلم ودخلوا البلد من الغد فقاتلهم أهل البلد فقتل بينهم قتلى كثيرة من الفريقين ونهبت العرب الخانات بالشاطئ وبعض محال البصرة وعبر أهلها إلى شاطئ الملاحين وفارق العرب البلد في يومهم وعاد أهله إليه وكان سبب سرعة العرب في مفارقة البلد أنهم بلغهم أن خفاجة والمنتفق وعادوا إلى البصرة بكرة الاثنين وكان الأمير قد جمع من أهل البصرة والسواد جمعا كثيرا فلما عادت عامر قاتلهم أهل البصرة ومن اجتمع معهم فلم يقوموا للعرب وانهزموا ودخل العرب البصرة ونهبوها وفارق البصرة أهلها ونهبت أموالهم وجرت أمور عظيمة ونهبت القسامل وغيرها يومين وفارقها العرب وعاد أهلها إليها وقد رأيت هذه القصة بعينها في سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة والله أعلم 215
ذكر ما كان من ملك إنكلتار
في تاسع جمادى الأولى من هذه السنة استولى الفرنج على حصن الداروم فخربوه ثم ساروا إلى البيت المقدس وصلاح الدين فيه فبلغوا بيت نوبة وكان سبب طمعهم أن صلاح الدين فرق عساكره الشرقية وغيرها لأجل الشتاء ويستريحوا وليحضر البلد عوضهم وسار بعضهم مع ولده الأفضل وأخيه العادل إلى البلاد الجزرية لما نذكره إن شاء الله تعالى وبقي من حلقته الخاص بعض العساكر المصرية فظنوا أنهم ينالون غرضا فلما سمع صلاح الدين بقربهم منه فرق أبراج البلد على الأمراء وسار الفرنج من بيت نوبة إلى قلونية سلخ الشهر وهي فرسخين من القدس فصب المسلمون عليهم البلاء وتابعوا إرسال السرايا قبل الفرنج منهم بما لا قبل لهم به وعلموا أنهم إذا نازلوا القدس كان الشر إليهم أسرع والتسلط عليهم أمكن فرجعوا القهقري وركب المسلمون أكتافهم بالرماح والسهام ولما بعد الفرنج عن يافا سير صلاح الدين سرية من عسكره إليها فقاربوها وكمنوا عندها فاجتاز بهم جماعة من فرسان الفرنج مع قافلة فخرجوا عليهم فقتلوا منهم وأسروا وغنموا وكان ذلك آخر جمادى الأولى
ذكر استيلاء الفرنج على عسكر للمسلمين وقفل
في تاسع جمادى الآخرة بلغ الفرنج الخبر بوصول عسكر من مصر ومعهم قفل كبير ومقدم العسكر فلك الدين سليمان أخو العادل لأمه ومعه عدة من الأمراء فأسرى الفرنج إليهم فواقعهم بنواحي الخليل فانهزم الجند ولم يقتل منهم أحد من المشهورين إنما قتل من الغلمان والأصحاب وغنم الفرنج خيامهم وآلاتهم وأما القفل فإنه أخذ بعضه وصعد من نجاجبل الخليل فلم يقدم الفرنج على اتباعهم ولو اتبعوهم نصف فرسخ لأتوا عليهم وتفرق من نجا من القفل وتقطعوا ولقوا شدة إلى أن اجتمعوا
حكى لي بعض أصحابنا وكنا قد سيرنا معه شيئا للتجارة إلى مصر وكان قد خرج في هذه القفل قال لما وقع الفرنج علينا كنا قد رفعنا أحمالنا للسير فحملوا علينا وأوقعوا بنا فضربت جمالي وصعدت الجبل ومعي عدة أجمال لغيري فلحقنا قوم من الفرنج فأخذوا الأجمال التي في صحبتي وكنت بين أيديهم بمقدار رمية 216 سهم فلم يصلوا إلي فنجوت بما معي وسرت لا أدري أين أقصد وإذ قد لاح لي بناء كبير على جبل فسألت عنه فقيل لي هذا الكرك فوصلت إليه ثم عدت منه إلى القدس سالما وسار هذا الرجل من القدس سالما فلما بلغ بزاعة عند حلب أخذه الحرامية فنجا من العطب وهلك عند ظنه السلامة
ذكر سير الأفضل والعادل إلى بلاد الجزيرة
قد تقدم ذكر موت تقي الدين عمر بن صلاح الدين واستيلاء ولده ناصر الدين محمد على بلاد الجزيرة فلما استولى عليها أرسل إلى صلاح الدين يطلب تقريرها عليه مضافا إلى ما كان لأبيه بالشام فلم ير صلاح الدين أن مثل تلك البلاد تسلم إلى صبي فما أجابه إلى ذلك فحدث نفسه بالامتناع على صلاح الدين لاشتغاله بالفرنج فطلب الأفضل علي بن صلاح الدين من أبيه أن يقطعه ما كان لتقي الدين وينزل عن دمشق فأجابه إلى ذلك وأمره بالمسير إليها فسار إلى حلب في جماعة من العسكر وكتب صلاح الدين إلى أصحاب البلاد الشرقية مثل صاحب الموصل وصاحب سنجار وصاحب الجزيرة وصاحب ديار بكر وغيرها يأمرهم بإنفاذ العساكر الى ولده الأفضل فلما رأى ولد تقي الدين ذلك علم أنه لا قوة له بهم فراسل الملك العادل عم أبيه يسأله إصلاح حاله مع صلاح الدين فأنهى ذلك إلى صلاح الدين وأصلح حاله وقرر قاعدته بأن يقرر له ما كان لأبيه بالشام وتؤخذ منه البلاد الجزرية وهي حران الرها وسميساط وميافارقين وحانى العادل وسيره إلى ابن تقي الدين ليتسلم منه البلاد ويسيره إلى صلاح الدين ويعيد الملك الأفضل أين أدركه فسار العادل فلحق الأفضل بحلب فأعاده إلى أبيه وعبر العادل الفرات وتسلم البلاد من ابن تقي الدين وجعل نوابه فيها واستصحب ابن تقي الدين معه وعاد إلى صلاح الدين بالعساكر وكان عوده في جمادى الآخرة من هذه السنة
ذكر عود الفرنج إلى عكا
لما عاد الملك الأفضل فيمن معه وعاد الملك العادل وابن نقي الدين فيمن معهما من عساكرهما ولحقتهم العساكر الشرقية عسكر الموصل وعسكر ديار بكر وعسكر سنجار وغير ذلك من البلاد واجتمعت العساكر بدمشق أيقن الفرنج أنهم لا طاقة لهم 217 بها إذا فارقوا البحر فعادوا نحو عكا يظهرون العزم على قصد بيروت ومحاصرتها فأمر صلاح الدين ولده الأفضل أن يسير إليها في عسكره والعساكر الشرقية جميعها معارضا للفرنج في مسيرتهم نحوها فسار إلى مرج العيون واجتمعت العساكر معه فأقام هنالك ينتظر مسير الفرنج فلما بلغهم ذلك أقاموا بعكا ولم يفارقوها
ذكر ملك صلاح الدين يافا
لما رحل الفرنج نحو عكا كان قد اجتمع عند صلاح الدين عسكر حلب وغيرها فسار إلى مدينة يافا وكانت بيد الفرنج فنازلها وقاتل من بها منهم وملكها في العشرين من رجب بالسيف عنوة ونهبها المسلمون وغنموا ما فيها وقتلوا الفرنج وأسروا كثيرا وكان بها أكثر ما أخذوه من عسكر مصر والقفل الذي كان معهم وقد ذكر ذلك وكان جماعة من المماليك الصلاحية قد وقفوا على أبواب المدينة وكل من خرج من الجند ومعه شيء من الغنيمة أخذوه منه فإن امتنع ضربوه وأخذوا ما معه قهرا ثم زحفت العساكر الى القلعة فقاتلوا عليها آخر النهار وكادوا يأخذونها فطلب من بالقلعة الأمان على أنفسهم وخرج البطرك الكبير الذي لهم ومعه عدة من أكابر الفرنج في ذلك وترددوا وكان قصدهم منع المسلمين عن القتال فأدركهم الليل وواعدوا المسلمين أن ينزلوا بكرة غد ويسلموا القلعة فلما أصبح الناس طالبهم صلاح الدين بالنزول عن الحصن فامتنعوا واذ قد وصلهم نجدة من عكا وأدركهم ملك انكلتار فأخرج من بيافا من المسلمين وأتاه المدد من عكا وبرزوا إلى ظاهر المدينة واعترض المسلمين وحده وحمل عليهم فلم يتقدم إليه أحد فوقف بين الصفين واستدعى طعاما من المسلمين ونزل أكل فأمر صلاح الدين عسكره بالحملة عليهم وبالجد في قتالهم فتقدم إليه بعض أمرائه يعرف بالجناح وهو أخو المشطوب بن علي ابن أحمد الهكاري فقال له يا صلاح الدين قل لمماليكك الذين اخذوا امس الغنيمة وضربوا الناس بالحماقات يتقدمون فيقاتلون إذا كان القتال فنحن واذا كانت الغنيمة فلهم فغضب صلاح الدين من كلامه وعاد عن الفرنج وكان رحمه الله حليما كريما لمقدرة ونزل في خيامه وأقام حتى اجتمعت العساكر وجاء إليه ابنه الأفضل وأخوه العادل وعساكر الشرق فدخل بهم إلى الرملة لينظر ما يكون منه ومن الفرنج فلزم الفرنج يافا ولم يبرحوا منها 218 ذكر الهدنة مع الفرنج وعود صلاح الدين الى دمشق
في العشرين من شعبان من هذه السنة عقدت بين المسلمين والفرنج هدنة لمدة ثلاث سنين وثمانية اشهر اولها هذا التاريخ وافق أول أيلول وسبب الصلح أن ملك إنلكتار لما رأى اجتماع العساكر وانه لا يمكنه مفارقة ساحل البحر وليس بالساحل للمسلمين بلد يطمع فيه قد طالت غيبته عن بلاده وأرسل صلاح الدين في الصلح وأظهر من ذلك ضد ما كان يظهره أولا فلم يجبه صلاح الدين إلى ما طلب ظنا منه أنه يفعل ذلك خديعة ومكرا وأرسل يطلب منه المصاف والحرب فأعاد الفرنجي رسله مرة بعد مرة وترك تتمة عمارة عسقلان وعن غزة والداروم والرملة وأرسل إلى الملك العادل في تقرير هذه القاعدة فأشار هو وجماعة الأمراء بالإجابة إلى الصلح وعرفوه ما عند العسكر من الضجر والملل وما قد هلك من أسلحتهم ودوابهم ونفد من نفقاتهم وقالوا إن هذا الفرنجي إنما طلب الصلح ليركب البحر ويعود إلى بلاده فإن تأخرت إجابته إلى ان يجيء الشتاء وينقطع الركوب في البحر نحتاج نبقى ههنا سنة أخرى وحينئذ يعظم الضرر على المسلمين وأكثروا القول له في هذا المعنى فأجاب حينئذ إلى الصلح فحضر رسل الفرنج وعقدوا الهدنة وتحالفوا على هذه القاعدة وكان في جملة من حضر عند صلاح الدين باليان بن بارزان الذي كان صاحب الرملة ونابلس فلما حلف صلاح الدين قال له ما عمل أحد في الإسلام ما عملت ولا هلك من الفرنج مثل ما هلك منهم هذه المدة فإننا احصينا من خرج إلينا في البحر من المقاتلة فكانوا ستمائة ألف رجل ما عاد منهم إلى بلادهم من كل عشرة واحد بعضهم قتلتهم أنت وبعضهم مات وبعضهم غرق ولما انفصل أمر الهدنة أذن صلاح الدين للفرنج في زيارة بيت المقدس فزاروه وتفرقوا وعادت كل طائفة إلى بلادها وأقام بالساحل الشامي ملكا على الفرنج والبلاد الي بأيديهم الكندهري وكان خير الطبع قليل الشر رفيقا بالمسلمين محبا لهم وتزوج بالملكة التي كانت تملك بلاد الفرنج قبل أن يملكها صلاح الدين كما ذكرناه وأما صلاح الدين فإنه بعد تمام الهدنة سار إلى البيت المقدس وأمر بإحكام سوره وعمل المدرسة والرباط والبيمارستان وغير ذلك من مصالح المسلمين ووقف عليها الوقوف وصام رمضان بالقدس وعزم على الحج والإحرام منه فلم يمكنه ذلك فسار عنه خامس شوال نحو دمشق واستناب بالقدس أميرا اسمه جورديك وهو من المماليك النورية ولما سار عنه جعل طريقه على الثغور 219 الإسلامية كنابلس وطبرية وصفد وتبنين وبيروت وتعهد هذه البلاد وأمر بإحكامها فلما كان في بيروت أتاه بيمند صاحب أنطاكية وأعمالها واجتمع به وخدمه فخلع عليه صلاح الدين وعاد إلى بلده فلما عاد رحل صلاح الدين الى دمشق فدخلها في الخامس والعشرين من شوال وكان يوم دخوله إليها يوما مشهودا وفرح الناس به فرحا عظيما لطول غيبته وذهاب العدو عن بلاد الإسلام
ذكر وفاة قلج أرسلان
في هذه السنة منتصف شعبان توفي الملك قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن قتلش بن سلجوق السلجوقي بمدينة قونية وكان له من البلاد قونية وأعمالها وأقصراوسيواس وملطية وغير ذلك من البلاد وكانت مدة ملكه نحو تسع وعشرين سنة وكان ذا سياسة حسنة وهيبة عظيمة وعدل وافر وغزوات كثيرة الى بلاد الروم فلما كبر فرق بلاده على أولاده فاستضعفوه ولم يلتفتوا إليه وحجر عليه ولده قطب الدين وكان قلج أرسلان قد استناب في مدينة ملكه رجلا يعرف باختيار الدين حسن فلما غلب قطب الدين على الأمر قتل حسنا ثم أخذ والده وسار به إلى قيسارية ليأخذ من أخيه الذي سلمها إليه أبوه فحصرها مدة فوجد والده قلج ارسلان فرصة فهرب ودخل وحده فلما علم قطب الدين ذلك عاد إلى قونية وأقصر فملكها ولم يزل قلج أرسلان يتحول من ولد إلى ولد وكل منهم يتبرم به حتى مضى إلى ولده غياب الدين كيخسرو صاحب مدينة برغلوا فلما رآه فرح به وخدمه وجمع العساكر وسار هو معه إلى قونية فملكها وسار إلى أقصرا ومعه والده قلج أرسلان فحصرها فمرض أبوه فعاد به إلى قونية فتوفي بها ودفن هناك وبقي ولده غياث الدين في قونية مالكا لها حتى أخذها منه أخوه ركن الدين سليمان على ما نذكره إن شاء الله تعالى
وقد حدثني بعض من أثق إليه من أهل العلم مما يحكيه وكان قد وصل تلك البلاد بغير هذا ونحن نذكره قال إن قلج أرسلان قسم بلاده بين أولاده في حياته فسلم دوقاط إلى ابنه ركن الدين سليمان وسلم قونية إلى ولده كيخسر وغياث الدين وسلم انقرة وهي التي تسمى أنكورية إلى ولده محيي الدين وسلم ملطية إلى ولده معز الدين قيصر شاه وسلم ابلستين إلى ولده مغيث الدين وسلم قيسارية إلى ولده نور الدين محمود وسلم سيواس واقصرا إلى ولده قطب الدين وسلم تكسار إلى ولد 220 آخر وسلم أماسيا إلى ولد أخيه وهذه أمهات البلاد وينضاف إلى كل بلد من هذه ما يجاورها من البلاد الصغار التي ليست مثل هذه ثم إنه ندم على ذلك وأراد أن يجمع الجميع لولده الأكبر قطب الدين وخطب له ابنة صلاح الدين يوسف صاحب مصر والشام ليقوى به فلما سمع باقي أولاده بذلك امتنعوا عليه وخرجوا عن طاعته وزال حكمه عنهم فسار يتردد بينهم على سبيل الزيارة فيقيم عند كل واحد منهم مدة وينتقل إلى الآخر ثم إنه مضى إلى ولده كيخسرو صاحب قونية على عادته فخرج إليه ولقيه وقبل الأرض بين يديه وسلم قونية إليه وتصرف عن أمره فقال لكيخسرو أريد أسير إلى ولدي الملعون محمود وهو صاحب قيسارية وتجيء أنت معي لآخذها منه فتجهز وسار معه وحصر محمودا بقيسارية فمرض قلج أرسلان وتوفي عليها فعاد كيخسرو وبقي كل واحد من الاولاد على البلد الذي بيده
وكان قطب الدين صاحب أقصرا وسيواس إذا أراد أن يسير من إحدى المدينتين إلى الأخرى يجعل طريقه على قيسارية وبها أخوه نور الدين محمود وليست على طريقه إنما كان يقصدها ليظهر المودة لأخيه والمحبة له وفي نفسه الغدر فكان أخوه محمود يقصده ويجتمع به ففي بعض المرات نزل بظاهر البلد على عادته وحضر اخوه محمود عنده غير محتاط فقتله قطب الدين وألقى رأسه الى اصحابه وأراد أخذ البلد فامتنع من به من اصحاب أخيه عليه ثم انهم سلموه اليه على قاعدة استمرت بينهم وكان عند محمود أمير كبير وكان يحذره من أخيه قطب الدين ويخوفه فلم يصغ إليه وكان جوادا كثير الخير والتقدم في الدولة عند نور الدين فلما قتل قطب الدين أخاه قتل حسنا معه وألقاه على الطريق فجاء كلب يأكل من لحمه فثار الناس وقالوا لا سمعا ولا طاعة هذا رجل مسلم وله ههنا مدرسة وتربة وصدقات دارة وأفعال حسنة لا نتركه تأكله الكلاب فأمر به فدفن في مدرسته وبقي أولاد قلج أرسلان على حالهم ثم إن قطب الدين مرض ومات فسار أخوه ركن الدين سليمان صاحب دوقاط إلى سيواس وهي تجاوره فملكها ثم سار منها إلى قيسارية واقصرا ثم بقي مديدة وسار إلى قونية وبها أخوه غياث الدين فحصره بها وملكها ففارقها غياث الدين إلى الشام ثم إلى بلد الروم وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى ثم سار بعد ذلك إلى ركن الدين إلى نكسار وأماسيا فملكها وسار إلى ملطية سنة سبع وتسعين وخمسمائة فملكها 221 وفارقها أخوه معز الدين إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب وكان هذا معز الدين تزوج ابنة العادل فأقام عنده واجتمع لركن الدين ملك جميع الأخوة ما عدا أنقرة فإنها منيعة لا يوصل اليها فجعل عليها عسكرا يحصرها صيفا وشتاء ثلاث سنين فتسلمها سنة إحدى وستمائة ووضع على أخيه الذي كان بها من يقتله إذا فارقها فلما سار عنها قتل وتوفي ركن الدين في تلك الايام ولم يسمع خبر قتل أخيه بل عاجله الله تعالى لقطع رحمه وإنما أوردنا هذه الحادثة ههنا لنتبع بعضها بعضا ولأني لم أعلم تواريخ كل حادثة منها لأثبته فيه
ذكر ملك شهاب الدين أجمير وغيرها من الهند
قد ذكرنا سنة ثلاث وثمانين غزوة شهاب الدين الغوري إلى بلد الهند وانهزامه وبقي إلى الآن وفي نفسه الحقد العظيم على الجند الغورية الذين انهزموا وما ألزمهم من الهوان فلما كانت هذه السنة خرج من غزنة وقد جمع عساكره وسار فيها يطلب غزوة الهندي الذي هزمه تلك النوبة فلما وصل إلى يرشاوور تقدم إليه شيخ من الغورية كان يدل عليه فقال له قد قربنا من العدو وما يعلم أحد أين يمضي ولا من يقصد ولا نرد على الأمراء سلاما وهذا لا يجوز فعله فقال له السلطان أعلم أنني منذ هزمني هذا الكافر ما نمت مع زوجتي ولا غيرت ثياب البياض عني وأنا سائر إلى عدوي ومعتمد على الله تعالى لا على الغورية ولا على غيرهم فإن نصرني الله سبحانه ونصر دينه فمن فضله وكرمه وإن انهزمنا فلا تطلبوني فما انهزمت ولو هلكت تحت حوافر الخيل فقال له الشيخ سوف ترى بني عمك من الغورية مما يفعلون فينبغي أن تكلمهم وترد سلامهم ففعل ذلك وبقي أمراء الغورية يتضرعون ويقولون سوف ترى ما نفعل
وسار إلى أن وصل إلى موضع المصاف الأول وجازه مسيرة أربعة أيام وأخذ عدة مواضع من بلاد العدو فلما سمع الهندي تجهز وجمع عساكره وسار يطلب المسلمين فلما بقي بين الطائفتين مرحلة عاد شهاب الدين وراء والكافر في أعقابه أربعة منازل فأرسل الكافر إليه يقول له اعطني يدك أنك تصاففني في باب غزنة حتى أجيء وراءك وإلا فنحن مثقلون ومثلك لا يدخل البلاد شبيه اللصوص ثم يخرج عاربا ما هذا فعل السلاطين فأعاد الجواب إنني لا اقدر على حربك وتم على حاله عائدا إلى أن بقي بينه وبين بلاد الإسلام ثلاثة أيام والكافر في أثره يتبعه حتى لحقه قريبا من مرندة 222 فجرد شهاب الدين من عسكره سبعين ألفا وقال أريد هذه الليلة تدورون حتى تكونوا وراء عسكر العدو وعند صلاة الصبح تأتون أنتم من تلك الناحية وأنا من هذه الناحية ففعلوا ذلك وطلع الفجر ومن عادة الهنود انهم لا يبرحون من مضاجعهم إلى أن تطلع الشمس فلما اصبحوا حمل عليهم عسكر المسلمين من كل جانب وضربت الكؤسات فلم يلتفت ملك الهند إلى ذلك وقال من يقدم علي أنا هذا والقتل قد أكثر في الهنود والنصر قد ظهر للمسلمين فلما رأى ملك الهند ذلك احضر فرسا له سابقا وركبه ليهرب فقال له أعيان أصحابه إنك حلفت لنا أنك لا تخلينا وتهرب فنزل عن الفرس وركب الفيل ووقف موضعه والقتال شديد والقتل قد كثر في أصحابه فانتهى المسلمون إليه وأخذوه أسيرا وحينئذ عظم القتل والأسر في الهنود ولم ينج منهم إلا القليل وأحضر الهندي بين يدي شهاب الدين فلم يخدمه فأخذ بعض الحجاب بلحيته وجذبه إلى الأرض حتى اصابها جبينه وأقعده بين يدي شهاب الدين فقال له شهاب الدين لو استأسرتني ما كنت تفعل بي فقال الكافر قد استعملت بلد قيدا من ذهب أقيدك به فقال شهاب الدين بل نحن ما نجعل لك من القدر ما نقيدك وغنم المسلمون من الهنود أموالا كثيرة وأمتعة عظيمة وفي جملة ذلك أربعة عشر فيلا من جملتها الفيل الذي جرح شهاب الدين في تلك الوقعة وقال ملك الهند لشهاب الدين إن كنت طالبا بلاد فما بقي فيها من يحفظها وإن كنت طالب أموال فعندي أموال تحمل أجمالك فسار شهاب الدين وهو معه إلى الحصن الذي له يعول عليه وهو أجمير فأخذه وأخذ جميع البلاد التي تقاربه وأقطع جميع البلاد لمملوكه قطب الدين أيبك وعاد إلى غزنة وقتل ملك الهند
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة قبض على أمير الحاج طاشتكين ببغداد وكان نعم الأمير عادلا في الحاج رفيقا بهم محبا لهم له اوراد كثيرة من صلوات وصيام وكان كثير الصدقة لا جلام وقفت اعماله بين يديه فخلص من السجن على ما نذكره إن شاء الله تعالى
وفيها خرج السلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل من الحبس بعد موت قزل أرسلان ابن أيلدكز والتقى هو وقتغ أينانج بن البهلوان بن أيلدكز فانهزم أينانج إلى الري على ما نذكره إن شاء الله تعالى سنة تسعين وخمسمائة 223
وفيها في رجب توفي الأمير السيد علي بن المرتضى العلوي الحنفي مدرس جامع السلطان ببغداد
وفي شعبان منها توفي أبو علي الحسن بن هبة الله بن البوقي الفقيه الشافعي الواسطي وكان عالما بالمذهب انتفع به الناس 224
ثم دخلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة
ذكر وفاة صلاح الدين وبعض سيرته
في هذه السنة في صفر توفي صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي صاحب مصر والشام والجزيرة وغيرها بدمشق ومولده بتكريت وقد ذكرنا سبب انتقالهم منها وملكهم مصر سنة أربع وستين وخمسمائة وكان سبب مرضه أنه خرج يلتقي الحاج فعاد ومرض من يومه مرضا حادا بقي به ثمانية أيام وتوفي رحمه الله وكان قبل مرضه قد أحضر ولده الأفضل عليا وأخاه الملك العادل أبا بكر واستشارهما فيما يفعل وقال قد تفرغنا من الفرنج وليس لنا في هذه البلاد شاغل فأي جهة نقصد فأشار عليه أخوه العادل بقصد خلاط لأنه كان قد وعده إذا أخذها أن يسلمها إليه وأشار ولده الأفضل بقصد بلد الروم التي بيد أولاد قلج أرسلان وقال هي اكثر بلادا وعسكرا ومالا وأسرع مأخذا وهي أيضا طريق الفرنج إذا خرجوا على البر فإذا ملكناها منعناهم من العبور فيه فقال كركما مقصر ناقص الهمة بل أقصد أنا بلد الروم وقال لأخيه تأخذ أنت بعض أولادي وبعض العسكر وتقصد خلاط فإذا فرغت أنا من بلد الروم جئت إليكم وندخل منها أذربيجان ونتصل ببلاد العجم فما فيها من يمنع عنها ثم أذن لأخيه العادل في المضي إلى الكرك وكان له وقال له تجهز واحضر لتسير فلما سار إلى الكرك مرض صلاح الدين وتوفي قبل عوده وكان رحمه الله كريما حليما حسن الأخلاق متواضعا صبورا على ما يكره كثير التغافل عن ذنوب أصحابه يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه
وبلغني أنه كان جالسا وعنده جماعة فرمى بعض المماليك بعضا بسرموز فأخطأته ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته ووقعت بالقرب منه فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه ليتغافل عنها وطلب مرة الماء فلم يحضر وعاود الطلب في 225 مجلس واحد خمس مرات فلم يحضر فقال يا اصحابنا والله قد قتلني العطش فأحضر الماء فشربه ولم ينكر التواني في إحضاره وكان مرة قد مرض مرضا شديدا أرجفت عليه بالموت فلما برء منه وأدخل الحمام كان الماء حارا فطلب ماء باردا فأحضره الذي يخدمه فسقط من الماء شيء على الأرض فناله منه شيء فتألم لضعفه ثم طلب البارد أيضا فأحضر فلما قاربه سقطت الطاسة على الأرض فوقع الماء جميعه عليه فكاد يهلك فلم يزد على أن قال للغلام إن كنت تريد قتلي فعرفني فاعتذر إليه فسكت عنه
وأما كرمه فإنه كان كثير البذل لا يقف في شيء يخرجه ويكفي دليلا على كرمه أنه لما مات لم يخلف في خزائنه غير دينار واحد صوري وأربعين درهما ناصرية وبلغني أنه اخرج في مدة مقامه على عكا قبالة الفرنج ثمانية عشر الف دابة من فرس وبغل سوى الجمال وأما العين والثياب والسلاح فإنه لا يدخل تحت الحصر ولما انقرضت الدولة العلوية بمصر أخذ من ذخائرهم من سائر الأنواع ما يفوت الإحصاء ففرقه جميعه
وأما تواضعه فإنه كان ظاهرا لم يتكبر على أحد من أصحابه وكان يعيب الملوك المتكبرين بذلك وكان يحضر عنده الفقراء والصوفية ويعمل لهم السماع فإذا قام أحدهم لرقص أو سماع يقول له فلا يقعد حتى يفرغ الفقير ولم يلبس شيئا مما ينكره الشرع وكان عنده علم ومعرفة وسمع الحديث واسمعه وبالجملة فكان نادرا في عسكره كثير المحاسن والأفعال الجميلة عظيم الجهاد في الكفار وفتوحه تدل على ذلك وخلف سبعة عشر ولدا ذكرا
ذكر حال أهله وأولاده بعده
لما مات صلاح الدين بدمشق كان معه بها ولده الأكبر الأفضل نور الدين علي وكان قد حلف له العساكر جميعهم غير مرة في حياته فلما مات ملك دمشق والساحل والبيت المقدس وبعلبك وصرخد وبصرى وبانياس وهونين وتبنين وجميع الأعمال إلى الداروم وكان ولده الملك العزيز عثمان بمصر فاستولى عليها واستقر ملكه بها وكان ولده الظاهر غازي بحلب فاستولى عليها وعلى جميع أعمالها مثل حارم وتل باشر وإعزاز وبرزية ودرب ساك ومنبج وغير ذلك وكان بحماة محمود بن تقي الدين عمه 226 فأطاعه وصار معه وكان بحمص شيركوه بن محمد بن شيركوه فأطاع الملك الأفضل وكان الملك العادل بالكرك قد سار اليه كما ذكرنا فامنع فيه ولم يحضر عند أحد أولاد أخيه فأرسل إليه الملك الأفضل يستدعيه ليحضر عنده فوعده ولم يفعل فأعاد مراسلته وخوفه من الملك العزيز صاحب مصر ومن أتابك عز الدين صاحب الموصل فإنه كان قد سار عنها إلى بلاد العادل الجزرية على ما نذكره ويقول له إن حضرت جهزت العساكر وسرت إلى بلادك حفظتها وان اقمت قصدك أخي الملك العزيز لما بينكما من العداوة وإذا ملك عز الدين بلادك فليس له دون الشام مانع وقال لرسوله إن حضر معك وإلا فقل له قد أمرني إن سرت إليه بدمشق عدت معك وإن لم تفعل أسير إلى الملك العزيز احالفه على ما يختار فلما حضر الرسول عنده وعده بالمجيء فلما رأى أن ليس معه منه شيء غير الوعد أبلغه ما قيل له في معنى موافقة العزيز فحينئذ سار الى دمشق وجهز الأفضل معه عسكر من عنده وأرسل إلى صاحب حمص وصاحب حماة وإلى أخيه الملك الظاهر بحلب يحثهم على إنفاذ العساكر مع العادل إلى البلد الجزرية ليمنعها من صاحب الموصل ويخوفهم إن هم لم يفعلوا ومما قال لأخيه الظاهر قد عرفت صحبة أهل الشام لبيت أتابك فوالله لئن ملك عز الدين حران ليفركن أهل حلب عليك ولتخرجن منها وأنت لا تعقل وكذلك يفعل في أهل دمشق فاتفقت كلمتهم على تسيير العساكر معه فجهزوا عساكرهم وسيروها إلى العادل وقد عبر الفرات فعسكر عساكرهم بنواحي الرها بمرج الرحان وسنذكر ما كان منه إن شاء الله تعالى
ذكر مسير أتابك عز الدين إلى بلاد العادل وعوده بسبب مرضه
لما بلغ أتابك عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي صاحب الموصل وفاة صلاح الدين جمع أهل الرأى في أصحابه وفيهم مجاهد الدين قايماز كبير دولته والمقدم على كل من فيها وهو نائبه فيهم واستشارهم فيما يفعل فسكتوا فقال له بعضهم وهو أخي مجد الدين ابو السعادات المبارك أنا أرى أنك تخرج مسرعا جريدة فيمن خف من أصحابك وحلقتك الخاص وتنقدم إلى الباقين باللحاق بك وتعطي من هو محتاج إلى شيء ما يتجهز به ويلحق بك إلى نصيبين وتكاتب أصحاب الأطراف مثل مظفر 227 الدين بن زين الدين صاحب إربل وسنجر شاه ابن اخيك صاحب جزيرة ابن عمر وأخاك عماد الدين صاحب سنجار ونصيبين تعرفهم أنك قد سرت وتطلب منهم المساعدة وتبذل لهم اليمين على ما يلتمسونه فمتى رأوك قد سرت خافوك وإن أجابك اخوك صاحب سنجار ونصيبين الى الموافقة وإلا بدأت بنصيبين أخذتها وتركت فيها من يحفظها ثم سرت نحو الخابور وهو له ايضا فأقطعه وتركت عسكره مقابل أخيك يمنعه من الحركة إن أرادها أو قصدت الرقة فلا تمنع نفسها وتأتي حران والرها فليس فيهما من يحفظهما لا صاحب ولا عسكر ولا ذخيرة فإن العادل أخذهما من ابن تقي الدين ولم يقم فيهما ليصلح حالهما وكان القوم يتكلمون على قوتهم فلم يظنوا هذا الحادث فإذا فرغت من ذلك الطرف عدت إلى من امتنع من طاعتك فقاتلته وليس وراءك ما تخاف عليه فإن بلدك عظيم لا يبالي بكل من وراءك فقال مجاهد الدين المصلحة أننا نكاتب اصحاب الأطراف ونأخذ رأيهم في الحركة ونستميلهم فقال له أخي إن أشاروا بترك الحركة تقبلون منهم قال لا فإنهم لا يشيرون إلا بتركها لأنهم لا يريدون أن يقوى هذا السلطان خوفا منه وكأني بهم يغالطونكم مهما كانت البلاد الجزرية فارغة من صاحب وعسكر فإذا جاء إليها من يحفظها جاهروكم بالعداوة ولم يمكنه أكثر من هذا خوفا من مجاهد الدين حيث رأى ميله إلى ما تكلم به فانفصلوا على أن يكاتبوا أصحاب الأطراف فكاتبوهم فكل أشار بترك الحركة الى ان ينظر ما يكون من أولاد صلاح الدين وعمهم فتثبط
ثم إن مجاهد الدين كرر المراسلات إلى عماد الدين صاحي سنجار يعده ويستميله فبينما هم على ذلك إذ جاءهم كتاب الملك العادل من المناخ بالقرب من دمشق وقد سار عن دمشق إلى بلاده يذكر فيه موت أخيه وأن البلاد قد استقرت لولد الملك الأفضل والناس متفقون على طاعته وأنه هو المدبر لدولة الأفضل وقد سيره في عسكر جم كثير العدد لقصد ماردين لما بلغه أن صاحبها تعرض إلى بعض القرى التي له وذكر من هذا النحو شيئا كثيرا فظنوه حقا وأن قوله لا ريب فيه ففتروا عن الحركة وذلك الرأي فسيروا الجواسيس فأتتهم الأخبار بأنه في ظاهر حران من نحو مائتي خيمة لا غير فعادوا تحركوا فإلى أن تقررت القواعد بينهم وبين صاحب سنجار وأقبلت العساكر الشامية التي سيرها الأفضل وغيره إلى العادل فامتنع بها وسار أتابك عز الدين عن الموصل إلى نصيبين واجتمع هو وأخوه عماد الدين بها وساروا على سنجار نحو الرها وكان العادل قد عسكر قريبا منها بمرج 228 الريحان فخافهم خوفا عظيما فلما وصل أتابك عز الدين إلى تل موزن مرض بالإسهال فأقام عدة أيام فضعفت منه الحركة وكثر مجيء الدم منه فخاف الهلاك فترك العساكر مع لأخيه عماد الدين وعاد جريدة في مائتي فارس ومعه مجاهد الدين وأخي مجد الدين فلما وصل إلى دنيسر استولى عليه الضعف فأحضر أخي وكتب وصية ثم سار فدخل الموصل وهو مريض أول رجب
ذكر وفاة أتابك عز الدين وشيء من سيرته
في هذه السنة توفي أتابك مسعود بم مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل بالموصل وقد ذكرنا عوده إليها مريضا فبقي في مرضه إلى التاسع والعشرين من شعبان فتوفي رحمه الله ودفن بالمدرسة التي أنشأها مقابل دار المملكة وكان قد بقي ما يزيد على عشرة أيام لا يتكلم إلا بالشهادتين وتلاوة القرآن وإذا تكلم بغيرها استغفر الله ثم عاد إلى ما كان عليه فرزق خاتمه خير رضي الله عنه وكان رحمه الله خير الطبع كثير الخير والإحسان لا سيما إلى شيوخ قد خدموا أباه فإنه كان يتعهدهم بالبر والإحسان والصلة والإكرام ويرجع إلى قولهم ويزور الصالحين ويقر بهم ويشفعهم وكان حليما قليل المعاقبة كثير الحياء لم يكلم جليسا له إلا وهو مطرق وما قال في شيء يسأله لا حياء وكرم طبع وكان قد حج وليس بمكة حرسها الله خرقة التصوف وكان يلبس تلك الخرقة كل ليلة ويخرج إلى مسجد قد بناه في داره ويصلي فيه نحو ثلث الليل وكان رفيق القلب شفيقا على الرعية
بلغني عنه أنه قال بعض الأيام إنني سهرت الليلة كثيرا وسبب ذلك أني سمعت صوت نائحة فظننت أو ولد فلان قد مات وكان قد سمع أنه مريض قال فضاق صدري وقمت من فراشي أدور في السطح فلما طال علي الأمر أرسلت خادما إلى الجاندارية فأرسل منهم واحدا يستعلم الخبر فعاد وذكر إنسانا لا أعرفه فسكن بعض ما عندي فنمت ولم يكن الرجل الذي ظن أن ابنه مات من اصحابه إنما كان من رعيته كان ينبغي أن تتأخر وفاته وإنما قدمناها لتتبع أخبارها بعضها بعضا 229
ذكر قتل بكتمر صاحب خلاط
في هذه السنة أول جمادى الأولى قتل سيف الدين بكتمر صاحب خلاط وكان بين قتله وموت صلاح الدين شهران فإنه أسرف في إظهار الشماتة بموت صلاح الدين فلم يهمله الله تعالى ولما بلغه موت صلاح الدين فرح فرحا كثيرا وعمل تختا جلس عليه ولقب نفسه بالسلطان المعظم صلاح الدين وكان لقبه سيف الدين فغيره وسمى نفيه عبد العزيز وظهر منه اختلال وتخليط وتجهز ليقصد ميافارقين يحصرها فأدركته منيته وكان سبب قتله أن هزارديناري وهو أيضا من مماليك شاه أرمن من ظهير الدين كان قد قوي وكثر جمعه وتزوج ابنة بكتمر فطمع في الملك فوضع عليه من قتله فلما قتل ملك بعده هزارد ديناري بلاد خلاط وأعمالها وكان بكتمر دينا خيرا صالحا كثير الخير والصلاح والصدقة محبا لأهل الدين والصوفية كثير الإحسان اليهم قريبا منهم ومن سائر رعيته محبوبا إليهم عادلا فيهم وكان جوادا شجاعا عادلا في رعيته حسن السيرة فيهم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة شتى شهاب الدين ملك غزنة في برشاوور وجهز مملوكه أيبك في عساكر كثيرة فأدخله بلاد الهند يغنم ويسبي ويفتح من البلاد ما يمكنه فدخلها وعاد وخرج هو وعساكره سالما قد ملؤوا أيديهم من الغنائم
وفيها في رمضان توفي سلطان شاه صاحب مرو وغيرها من خراسان وملك اخوه علاء الدين تكش بلاده وسنذكره سنة تسعين إن شاء الله
وفيها أمر الخليفة الناصر لدين الله بعمارة خزانة الكتب بالمدرسة النظامية ببغداد ونقل إليها من الكتب النفسية ألوفا لا يوجد مثلها
وفيها في ربيع الأول فرغ من عمارة الرباط الذي أمر بإنشائه الخليفة أيضا بالحريم الظاهري غربي بغداد على دجلة وهو من أحسن الربط ونقل اليه كتبا كثيرة من أحسن الكتب
وفيها ملك الخليفة قلعة من بلاد خوزستان وسبب ذلك أن صاحبها سوسيان بن شملة جعل فيها دردارا فأساء السيرة مع جندها فغدر به بعضهم فقتله ونادوا بشعار الخليفة فأرسل إليها وملكها 230
وفيها انقض كوكبان عظيمان وسمع صوت هدة عظيمة وذلك بعد طلوع الفجر وغلب ضوءها القمر وضوء النهار
وفيها مات الأمير داود بن عيسى بن محمد بن أبي هاشم أمير مكة وما زالت مكة تكون له تارة ولأخيه مكثر تارة إلى أن مات 231
ثم دخلت سنة تسعين وخمسمائة
ذكر الحرب بين شهاب الدين وملك بنارس الهندي
كان شهاب الدين الغوري ملك غزنة قد جهز مملوكه قطب الدين وسيره إلى بلد الهند للغزاة فدخلها فقتل فيها وسبى وغنم وعاد فلما سمع به ملك بنارس وهو اكبر ملك في الهند ولايته من حد الصين إلى بلاد ملاوا طولا ومن البحر الى مسيرة عشرة أيام من لهاوور عرضا وهو ملك عظيم فعندها جمع جيوشه وحشرها وسار يطلب بلاد الإسلام ودخلت سنة تسعين فسار شهاب الدين الغوري من غزنة بعساكره نحوه فالتقى العسكران على ماخون وهو نهر كبير يقارب دجلة بالموصل وكان مع الهندي سبعمائة فيل ومن العسكر على ما قيل ألف ألف رجل ومن جملة عسكره عدة أمراء مسلمين كانوا في تلك البلاد أب عن جد من أيام السلطان محمود بن سبكتكين يلازمون شريعة الإسلام ويواظبون على الصلوات وأفعال الخير فلما التقى المسلمون والهنود اقتتلوا فصبر الكفار لكثرتهم وصبر المسلمون لشجاعتهم فانهزم الكفار ونصر المسلمون وكثر القتل في الهنود حتى امتلأت الأرض وجافت وكانوا لا يأخذون إلا الصبيان والجواري وأما الرجال فيقتلون وأخذ منهم تسعين فيلا وباقي الفيلة قتل بعضها وانهزم بعضها وقتل ملك الهند ولم يعرفه أحد إلا أنه كانت أسنانه قد ضعفت أصولها فأمسكوها بشريط الذهب فلذلك عرفوه فلما انهزم الهنود دخل شهاب الدين بلاد بنارس وحمل من خزائنها على ألف وأربعمائة جمل وعاد إلى غزنة ومعه الفيلة التي أخذها من جملتها فيل أبيض حدثني من رآه لما أخذت الفيلة وقدمت إلى شهاب الدين وأمرت بالخدمة فخدمت جميعها إلا الابيض فإنه لم يخدم ولا يعجب أحد من قولنا الفيلة تخدم فإنها تفهم ما يقال لها وقد شاهدت فيلا بالموصل وفياله يحدثه فيفعل ما يقول له 232
ذكر قتل السلطان طغرل وملك خوارزم شاه الري ووفاة أخيه سلطان شاه
قد ذكرنا سنة ثمان وثمانين خروج السلطان طغرل بن ألب أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان السجلقي من الحبس وملكه همذان وغيرها وكان قد جرى بينه وبين قتلغ اينانج من البهلوان صاحب البلاد حرب انهزم فيها قتلغ اينانج وتحصن بالري وسار طغرل الى همذان وأرسل قتلغ اينانج إلى خوارزم شاه علاء الدين تكش يستنجده فسار إليه في ستنة ثمان وثمانين فلما تقاربا ندم قتلغ اينانج على استدعاء خوارزام شاه وخاف على نفسه فمضى من بين يديه وتحصن في قلعة له فوصل خوارزام شاه إلى الري وملكها وحصر قلعة طبرك ففتحها في يومين وراسله طغرل واصطلحا وبقيت الري في يد خوارزم شاه فرتب فيها عسكرا يحفظها وعاد الى خوارزم لانه بلغه ان أخاه سلطان شاه قد قصد خوارزم فجد في السير خوفا عليها فأتاه الخبر وهو في الطريق أن أهل خوارزم منعوا سلطان شاه عنها ولم يقدر على القرب منها وعاد عنها خائبا فشتى خوارزم شاه بخوارزم فلما انقضى الشتاء سار إلى مرو لقصد أخيه سنة تسع وثمانين فترددت الرسل بينهما في الصلح فبينما هم في تقرير الصلح وإذ قد ورد على خوارزم شاه رسول من مستحفظ قلعة سرخس لأخيه سلطان شاه يدعوه ليسلم إليه القلعة لأنه قد استوحش من صاحبه سلطان شاه فسار خوارزم شاه إليه مجدا فتسلم القلعة وصار معه وبلغ ذلك سلطان شاه ففت ذلك في عضده وتزايد كمده فمات سلخ رمضان سنة تسع وثمانين وخمسمائة فلما سمع خوارزم شاه بموته سار من ساعته إلى مرو فتسلمها وتسلم مملكو أخيه سلطان شاه جميعها وخزائنه وأرسل إلى ابنه علاء الدين محمد وكان يلقب حينئذ قطب الدين وهو بخوارزم فأحضره فولاه نيسابور وولى ابنه الكبير ملكشاه مرو وذلك في ذي الحجة سنة تسع وثمانين فلما دخلت سنة تسعين وخمسمائة قصد السلطان طغرل بلد الري فأعاز على من به من أصحاب خوارزم شاه ففر منه قتلغ اينانج بن البهلوان وأرسل إلى خوارزم شاه يعتذر ويسأل إنجازه مرة ثانية ووافق ذلك وصول رسول الخليفة إلى خوارزم شاه يشكو من طغرل ويطلب منه قصد بلاده ومعه منشور بإقطاعه البلاد فسار من نيسابور إلى الري فتلقاه قتلغ اينانج ومن معه بالطاعة وساروا معه فلما سمع السلطان طغرل بوصوله كانت عساكره متفرقة فلم يقف ليجمعها بل سار إليه فيمن معه فقيل له إن الذي 233 تفعله ليس برأي والمصلحة أن تجمع العساكر فلم يقبل وكان فيه شجاعة بل تمم مسيره فالتقى العسكران بالقرب من الري فحمل طغرل بنفسه في وسط عسكر خوارزم شاه فأحاطوا به والقوه عن فرسه وقتلوه في الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول وحمل رأسه الى خوارزم شاه فسيره من يومه إلى بغداد فنصب بها بباب النوبي عدة أيام وسار خوارزم شاه إلى همذان وملك تلك البلاد جميعها وكان الخليفة الناصر لدين الله قد سير عسكرا إلى نجدة خوارزم شاه وسير له الخلع السلطانية مع وزيره مؤيد الدين بن القصاب فنزل على فرسخ من همذان فأرسل إليه خوارزم شاه يطلبه اليه فقال مؤيد الدين ينبغي ان تحضر أنت وتلبس الخلعة من خيمتي وترددت الرسل بينهما في ذلك فقيل لخوارزم شاه إنها حيلة عليك حتى تحضر عنده ويقبض عليك فدخل خوارزم شاه إليه قصدا لأخذه فاندفع بين يديه إلى بضع الجبال فامتنع به فرجع خوارزم شاه إلى همذان ولما ملك همذان وتلك البلاد سلمها إلى قتلغ اينانج وأقطع كثيرا منها لمماليكه وجعل المقدم عليهم مياجق وعاد إلى خوارزم
ذكر مسير وزير الخليفة إلى خوزستان وملكها
في هذه السنة في شعبان خلع الخليفة الناصر لدين الله على النائب في الوزارة مؤيد الدين أبي عبد الله محمد بن علي المعروف بابن القصاب خلع الوزارة وحكم في الولاية وبرز في رمضان وسار إلى بلاد خوزستان وولي الأعمال بها وصار له فيها اصحاب واصدقاء ومعارف وعرف البلاد ومن أي وجه يمكن الدخول اليها والاستيلاء عليها فلما ولي ببغداد نيابة الوزارة أشار على الخليفة بأن يرسله في عسكر إليها ليملكها له وكان عزمه أنه إذا ملك البلاد واستقر فيها أقام مظهرا للطاعة مستقلا بالحكم فيها ليأمن على نفسه فاتفق ان صاحبها ابن شملة توفي واختلف أولاده بعده فراسل بعضهم مؤيد الدين يستنجده لما بينهم من الصحبة القديمة فقوي الطمع في البلاد فجهزت العساكر وسيرت معه إلى خوزستان فوصلها سنة إحدى وتسعين وجرى بينه وبين أصحاب البلاد مراسلات ومحاربة عجزوا عنها وملك مدينة تستر في المحرم وملك غيرها من البلاد وملك القلاع منها قلعة الناظر وقلعة كاكرد وقلعة الأمواج وغيرها من الحصون والقلاع وأنفذ بني شملة أصحاب بلاد خوزستان إلى بغداد فوصلوا في ربيع الأول 234
ذكر حصر العزيز مدينة دمشق
في هذه السنة وصل الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين وهو صاحب مصر إلى مدينة دمشق فحصرها وبها أخوه الأكبر الملك الأفضل علي بن صلاح الدين وكنت حينئذ بدمشق فنزل بنواحي ميدان الحصى فأرسل الأفضل إلى عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب وهو صاحب الديار الجزرية يستنجده وكان الأفضل غاية الواثق به والمعتمد عليه وقد سبق ما يدل على ذلك فسار الملك العادل الى دمشق هو والملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب وناصر الدين محمد بن تقي الدين صاحب حماة وأسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه صاحب حمص وعسكر الموصل وغيرها كل هؤلاء اجتمعوا بدمشق واتفقوا على حفظها علما منهم أن العزيز إن ملكها أخذ بلادهم فلما رأى العزيز اجتماعهم علم أنه لا قدرة له على البلد فترددت الرسل حينئذ في الصلح فاستقرت القاعدة على أن يكون البيت المقدس وما جاوره من أعمال فلسطين للعزيز وتبقى دمشق وطبرية وأعمالها الغور للأفضل على ما كانت عليه وان يعطي الأفضل اخاه الملك الظاهر جبلة ولاذقية وأن يكون للعادل بمصر اقطاعه الأول واتفقوا على ذلك وعاد العزيز الى مصر ورجع كل واحد من الملوك إلى بلده
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة كانت زلزلة في ربيع الأول بالجزيرة والعراق وكثير من البلاد سقطت منها الجبانة التي عند مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام
وفيها في جمادى الآخرة اجتمعت زغب وغيرها من العرب وقصدوا مدينة النبي فخرج اليهم هاشم بن قاسم أخو امير المدينة فقاتلهم فقتل هاشم وكان امير المدينة قد توجه إلى الشام فلهذا طمعت العرب فيه
وفيها توفي القاضي ابو الحسن احمد بن محمد بن عبد الصمد الطرسوسي الحلبي بها في شعبان وكان من عباد الله الصالحين رحمه الله تعالى 235
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة
ذكر ملك وزير الخليفة همذان وغيرها من بلاد العجم
قد ذكرنا ملك مؤيد الدين بن القصاب بلاد خوزستان فلما ملكها سار منها الى ميسان من اعمال خوزستان فوصل إليه قتلغ اينانج بن البهلوان صاحب البلاد وقد تقدم ذكر تغلب خوارزم شاه عليها ومعه جماعة من الأمراء فأكرمه وزير الخليفة وأحسن إليه وكان سبب مجيئه انه جرى بينه وبين عسكر خوارزم شاه ومقدمهم مياجق مصاف عند زنجان واقتتلوا فانهزم قتلغ اينانج وعسكره وقصد عسكر الخليفة ملتجئا إلى مؤيد الدين الوزير فأعطاه الوزير الخيل والخيام وغير ذلك مما يحتاج إليه وخلع عليه وعلى من معه من الأمراء ورحلوا إلى كرمانشاه ورحل منها إلى همذان وكان بها ولد خوارزم شاه ومياجق والعسكر الذين معهما فلما قاربهم عسكر الخليفة فارقها الخوارزميون وتوجهوا إلى الري واستولى الوزير على همذان في شوال من هذه السنة ثم رحل هو وقتلغ اينانج خلفهم فاستولوا على كل بلد جازوا به منها خراقان ومزدغان وساوة وآوة وساروا إلى الري ففارقها الخوارزميون الى خوار الري فسير الوزير خلفهم عسكرا ففارقها الخوارزميون إلى دامغان وبسطام وجرجان فعاد عسكر الخليفة إلى الري فأقاموا بها فاتفق قنلغ اينانج ومن معه من الأمراء على الخلاف على الوزير وعسكر الخليفة لأنهم رأوا البلاد قد خلت من عسكر خوارزم شاه فطمعوا فيها فدخلوا الري فحصرها وزير الخليفة ففارقها قتلغ اينانج وملكها الوزير وونهبها العسكر فأمر الوزير بالنداء بالكف عن النهب
وسار قتلغ اينانج ومن معه من الأمراء إلى مدينة آوه وبها شحنة الوزير فمنعهم من دخولها فساروا عنها ورحل الوزير في أثرهم نحو همذان فبلغه وهو في الطريق أن قتلغ أينانج قد اجتمع معه عسكر وقصد مدينة كرج وقد نزل على دربند هناك فطلبهم 236 الوزير فلما قاربهم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم قتلغ اينانج ونجا بنفسه ورحل الوزير من موضع المصاف إلى همذان فنزل بظاهرها فأقام نحو ثلاثة أشهر فوصله رسول خوارزم شاه تكش وكان قد قصدهم منكرا أخذه البلاد من عسكره ويطلب إعادتها وتقرير قواعدها والصلح فلم يجب الوزير إلى ذلك فسار خوارزم شاه مجدا إلى همذان وكان الوزير مؤيد الدين بن القصاب قد توفي في أوائل شعبان فوقع بينه وبين عسكر الخليفة مصاف نصف شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة فقتل بينهم كثير من العسكرين وانهزم عسكر الخليفة وغنم الخوارزميون منهم شيئا كثيرا وملك خوارزم شاه همذان ونبش الوزير من قبره وقطع رأسه وسيره إلى خوارزم وأظهروا انه قتله في المعركة ثم إن خوارزم شاه أتاه من خراسان ما أوجب ان يعود إليها فترك البلاد وعاد إلى خراسان
ذكر غزو ابن عبد المؤمن الفرنج بالاندلس
في هذه السنة في شعبان غزا أبو يوسف يعقوب بن عبد المؤمن صاحب بلاد المغرب والأندلس بلاد الفرنج بالأندلس وسبب ذلك أن الفنش ملك الفرنج بها ومعه ملكة مدينة طليطلة كتب إلى يعقوب كتابا باسمك اللهم فاطر السموات والأرض أما بعد أيها الأمير فإنه لا يخفى على كل ذي عقل لازب ولاذي لب ثاقب أنك أمير الملة الحنيفية كما أنا أمير الملة النصرانية وأنك من لا يخفى عليه ما هو عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال الرعية واشتمالهم على الراحات وأنا أسومهم الخسف وأخلي الديار وأسبي الذاراري وأمثل بالكهول وأقتل الشباب ولا عذر لك في التخلف عن نصرتهم وقد امكنتك يد القدرة وأنتم تعتقدون أن الله فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم والآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فقد فرض عليكم قتال اثنين منا بواحد منكم ونحن الآن نقاتل عددا منكم بواحد منا ولا تقدرون دفاعا ولا تستطيعون امتناعا ثم حكي لي عنك أنك اخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال وتمطل نفسك عاما بعد عام تقدم رجلا وتؤخر أخرى ولا أدري الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما أنزل عليك ثم حكي لي عنك أنك لا تجد سبيلا للحرب لعلك ما يسوغ لك التقحم فيها فها أنا أقول لك ما فيه واعتذر عنك ولك أن توفيني بالعهود والمواثيق والأيمان أن تتوجه بجملة من عندك في المراكب والشواني وأجوز إليك بحملتي وأبارزك في أعز الأماكن عندك فإن كان لك فغنيمة عظيمة جاءت إليك وهدية مثلث بين يديك وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك واستحققت إمارة الملتين والتقدم على الفئتين والله 237 يسهل الارادة ويوفق السعادة بمنه لا رب غيره ولا خير إلا خيره فلما وصل كتابه وقرأه يعقوب كتب في أعلاه هذه الآية (
ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ) فأعاده إليه وجمع العساكر العظيمة من المسلمين وعبر المجاز إلى الأندلس وقيل كان سبب عبوره إلى الأندلس أن يعقوب لما قاتل الفرنج سنة ست وثمانين وصالحهم بقي طائفة من الفرنج لم ترض الصلح كما ذكرناه فلما كان الآن جمعت تلك الطائفة جمعا من الفرنج وخرجوا إلى بلاد الإسلام فقتلوا وسبوا وغنموا وأسروا وعاثوا فيها عيثا شديا فانتهى ذلك الى يعقوب فجمع العساكر وعبر المجاز إلى الأندلس في جيش يضيق عنه الفضاء فسمعت الفرنج بذلك فجمعت قاصيهم ودانيهم وأقبلوا إليه مجدين على قتاله واثقين بالظفر لكثرتهم فالتقوا تاسع شعبان شمالي قرطبة عند قلعة رياح بمكان يعرف بمرج الحديد فاقتتلوا قتالا شديدا فكانت الدائرة أولا على المسلمين ثم عادت على الفرنج فانهزموا قبح هزيمة وانتصر المسلمون عليهم (
وجعل الله كلمة الذين كفروا السفلى وكلمته هي العليا والله عزيز حكيم )
وكان عدد من قتل من الفرنج مائة الف وستة وأربعين ألفا , اسر ثلاثة عشر ألفا وعنم المسلمون منهم شيئا عظيما فمن الخيام مائة ألف وثلاثة وأربعون ألفا ومن الخيل ستة وأربعون ألفا ومن البغال مائة الف ومن الحمير مائة ألف وكان يعقوب قد نادى في عسكره من غنم شيئا فهو له سوى السلاح واحصى ما حمل إليه منه فكان زيادة على سبعين ألف لبس وقتل من المسلمين نحو عشرين ألفا ولما انهزم الفرنج اتبعهم أبو يوسف فرآهم قد اخلوا قلعة رياح وساروا عنها من الرعب والخوف فملكها وجعل فيها واليا وجندا يحفظونها وعاد إلى مدينة أشبيلية
وأما الفنش فإنه لما انهزم حلق رأسه ونكس صليبه وركب حمارا وأقسم أن لا يركب فرسا ولا بغلا حتى تنصر النصرانية فجمع جموعا عظيمة وبلغ الخبر بذلك إلى يعقوب فأرسل الى بلاد الغرب مراكش وغيرها يستنفر الناس من غير إكراه فأتاه من 238 المتوطعة والمرتزقين جمع عظيم فالتقوا في ربيع الأول سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة فانهزم الفرنج هزيمة قبيحة وغنم المسلمون ما معهم من الأموال والسلاح والدواب وغيرها وتوجه إلى مدينة طليطلة فحصرها وقاتلها قتالا شديدا وقطع أشجارها وشن الغارة على ما حولها من البلاد وفتح فيها عدة حصون فقتل رجالها وسبى حريمها وخرب دورها وهدم أسوارها فضعفت النصرانية حينئذ وعظم أمر الإسلام بالأندلس وعاد يقوب إلى أشبيلية فأقام بها فلما دخلت سنة ثلاث وتسعين سار عنها الى بلاد الفرنج وذلوا واجتمع ملوكهم وأرسلوا يطلبون الصلح فأجابهم إليه بعد ان كان عازما على الامتناع مريدا لملازمة الجهاد الى ان يفرغ منهم فأتاه خبر علي بن إسحق الملثم تاميورقي أنه فعل بافريقية ما نذكره من الأفاعيل الشنيعة فترك عزمه وصالحهم مدة خمس سنين وعاد الى مراكش آخر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
ذكر فعلة الملثم بافريقية
لما عبر أبو يوسف يعقوب صاحب المغرب إلى الأندلس كما ذكرناه وأقام مجاهدا ثلاث سنين انقطعت اخباره عن افريقية فقوي طمع علي بن إسحاق الملثم الميورقي وكان بالبرية مع العرب فعاود قصد افريقية فانبث جنوده في البلاد فخربوها وأكثروا الفساد فيها فمحيت آثار تلك البلاد وتغيرت وصارت خالية من الأنيس خاوية على عروشها وأراد المسير إلى بجاية ومحاصرتها لاشتغال يعقوب بالجهاد وأظهر أنه اذا استولى على بجاية سار إلى المغرب فوصل الخبر الى يعقوب بذلك فصالح الفرنج على ما ذكرناه وعاد الى مراكش عازما على قصده واخراجه من البلاد كما فعله سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وقد ذكرناه
ذكر ملك عسكر الخليفة اصفهان
في هذه السنة جهز الخليفة الناصر لدين الله جيشا وسيره الى اصفهان ومقدمهم سيف الدين طغرل مقطع بلد اللحف من العراق وكان بأصبهان عسكر لخوارزم شاه مع ولده وكان أهل أصفهان يكرهونهم فكتب صدر الدين الخجندي رئيس الشافعية بأصفهان الديوان ببغداد يبذل من نفسه تسليم البلد إلى من يصل من الديوان من العساكر وكان بعد الحاكم بأصفهان على جميع أهلها فسيرت العساكر فوصلوا الى 239 اصفهان ونزلوا بظاهر البلد وفارقه عسكر خوارزم شاه وعادوا إلى خراسان وتبعهم بعض عسكر الخليفة فتحفظوا منهم وأخذوا من ساقة العسكر من قدروا عليه ودخل عسكر الخليفة الى اصفهان وملكوها
ذكر ابتداء حال كوكجا وملكه بلد الري وهمذان وغيرها
لما عاد خوارزم شاه إلى خراسان كما ذكرنا اتفق المماليك الذين للبهلوان والأمراء وقدموا على أنفسهم كوكجة وهو من أعيان البهلوانية واستولوا على الري وما جاورها من البلاد وساروا الى اصفهان لإخراج الخوارزمية منها فلما قاربوها سمعوا بعسكر الخليفة عندها فأرسل إلى مملوك الخليفة سيف الدين طغرل يعرض نفسه على خدمة الديوان ويظهر العبودية وأنه إنما قصد أصفهان في طلب العساكر الخوارزمية وحيث رآهم فارقوا أصفهان سار في طلبهم فلم يدركهم وسار عسكر الخليفة من أصفهان إلى همذان وأما كوكجة فإنه تبع الخوارزمية إلى طبس وهي من بلاد الإسماعيلية وعاد فقصد أصفهان وملكها وأرسل الى بغداد يطلب أن يكون له الري وخوار الري وساوة وقم وقاجان وما ينضم إليها من حد مزدغان وتكون اصفهان وهمذان وزنجان وقزوين لديوان الخليفة فأجيب الى ذلك وكتب له منشور بما طلب وأرسلت له الخلع فعظم شأنه وقوي أمره وكثرت عساكره وتعظم على أصحابه
ذكر حصر العزيز دمشق ثانية وانهزامه عنها
وفي هذه السنة أيضا خرج الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين من مصر في عساكره الى دمشق يريد حصرها فعاد عنها منهزما وسبب ذلك أن من عنده من مماليك أبيه المعروفين بالصلاحية فخر الدين جركس وسر انقر وقراجا وغيرهم كانوا منحرفين عن الأفضل علي بن صلاح الدين لأنه كان قد أخرج من عنده منهم مثل ميمون القصري وسنقر الكبير وأبيك وغيرهم فكانوا لا يزالون يخوفون العزيز من أخيه ويقولون إن الأكراد والمماليك الأسدية من عسكر مصر يريدون أخاك ونخاف ان يميلهم اليه ويخرجوك من البلاد والمصلحة ان تأخذ دمشق فخرج في العام الماضي وعاد كما ذكرناه فتجهز هذه السنة ليخرج فبلغ الخبر إلى الأفضل فسار من دمشق إلى عمه الملك العادل فاجتمع به بقلعة جعبر ودعاه إلى نصرته وسار من عنده إلى 240 حلب إلى أخيه الملك الظاهر غازي فاستنجد به وسار الملك العادل من قلعة جعبر إلى دمشق فسبق إليها ودخلها وكان الآفضل لثقته به قد أمر نوابه بإدخاله إلى القلعة ثم عاد الأفضل من حلب إلى دمشق فأرسل مقدم الأسدية وهو سيف الدين أيازكوش وغيره منهم ومن الأكراد أبو الهيجاء السمين وغيره إلى الأفضل والعادل بالانحياز إليهما والكون معهما ويأمرهما بالاتفاق على العزيز والخروج من دمشق ليسلموه إليهما
وكان سبب الانحراف عن العزيز وميلهم الى الأفضل أن العزيز لما ملك مصر مال إلى المماليك الناصرية وقدمهم ووثق بهم ولم يلتفت إلى هؤلاء الأمراء فأنفوا من ذلك ومالوا إلى أخيه وأرسلوا إلى الأفضل والعادل فاتفقا على ذلك واستقرت القاعدة بحضور رسل الأمراء أن الأفضل يملك الديار المصرية ويسلم دمشق إلى عمه الملك العادل وخرجا من دمشق فانجاز إليهما من ذكرنا فلم يمكن العزيز المقام بل عاد منهزما يطوي المراحل خوف الطلب ولا يصدق بالنجاة وتساقط أصحابه عنه إلى أن وصل إلى مصر وأما العادل والأفضل فإنهما أرسلا إلى القدس وفيه نائب العزيز فسلمه إليهما وسارا فيمن معهما من الأسدية والأكراد إلى مصر فرأى العادل انضمامه العساكر الى الأفضل واجتماعهم عليه فخاف أنه يأخذ مصر ولا يسلم اليه دمشق فأرسل حينئذ سرا إلى العزيز يأمره بالثبات وأن يجعل بمدينة بلبيس من يحفظها وتكفل بأنه يمنع الأفضل وغيره من مقاتلة من بها فجعل العزيز الناصرية ومقدمهم فخر الدين جركس بها ومعهم غيرهم ووصل العادل والأفضل إلى بلبيس فنازلوا من بها من النصرية وأراد الأفضل مناجزتهم أو تركهم بها والرحيل إلى مصر فمنعه العادل من الأمرين وقال هذه عساكر الإسلام فإذا اقتتلوا في الحرب فمن يرد العدو الكافر وما بها حاجة إلى هذا فإن البلاد لك وبحكمك ومتى قصدت مصر والقاهرة وأخذتهما قهرا زالت هيبة البلاد وطمع فيها الأعداء وليس فيها من يمنعك عنها وسلك معه مثال هذا فطالت الايام وأرسل إلى العزيز سرا يأمره بإرسال القاضي الفاضل وكان مطاعا عند البيت الصلاحي لعلو منزلته كانت عند صلاح الدين فحضر عندهما وأجرى ذكر الصلح وزاد القول ونقص وانفسخت العزائم واستقر الأمر على أن يكون للأفضل القدس وجميع البلاد بفلسطين 241 وطبرية والأردن وجميع ما بيده ويكون للعادل أقطاعه الذي كان قديما ويكون مقيما بمصر عند العزيز وإنما اختار ذلك لأن الأسدية والأكراد لا يريدون العزيز فهم يجتمعون معه فلا يقدر العزيز على منعه عما يريد فلما استقر الأمر على ذلك وتعاهدوا عاد الأفضل إلى دمشق وبقي العادل بمصر عند العزيز
ذكر عدة حوادث
في ذي القعدة تاسع عشر وقع حريق عظيم ببغداد بعقد المصطنع فاحترقت المربعة التي بين يديه ودكان ابن البخيل الهراس وقيل كان ابتداؤها من دار ابن البخيل 242
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة
ذكر ملك شهاب الدين بهنكر وغيرها من بلد الهند
في هذه السنة سار شهاب الدين الغوري صاحب غزنة إلى بلد الهند وحصر قلعة بهنكر وهي قلعة عظيمة منيعة فحصرها فطلب أهلها منه الأمان على أن يسلموا إليه فأمنهم وتسلمها وأقام عندها عشرة أيام حتى رتب جندها وأحوالها وسار عنها إلى قلعة كوالبر وبينهما مسيرة خمسة أيام وفي الطريق نهر فجازه ووصل إلى كوالبر وهي قلعة منيعة حصينة على جبل لا يصل إليها حجر منجنيق ولا نشاب وهي كبيرة فأقام عليها صفرا جميعه يحاصرها فلم يبلغ منها غرضا فراسله من بها في الصلح فأجابهم إليه على أن يقر القلعة بأيديهم على مال يحملونه إليه فحملوا إليه فيلا حمله ذهب فرحل عنها إلى بلاد آي وسور فأغار عليها ونهبها وسبى وأسر ما يعجز العاد حصره ثم عاد إلى غزنة سالما
ذكر ملك العادل مدينة دمشق من الأفضل
في هذه السنة في السابع والعشرين من رجب ملك الملك العادل أبو بكر بن أيوب مدينة دمشق من ابن أخيه الأفضل علي بن صلاح الدين وكان أبلغ الأسباب في ذلك وثوق الأفضل بالعادل وأنه بلغ من وثوقه أنه أدخله بلده وهو غائب عنه ولقد أرسل إليه أخوه الظاهر غازي صاحب حلب يقول له أخرج عما من بيننا فإنه لا يجيء علينا منه خير ونحن ندخل لك تحت كل ما تريد وأنا أعرف به منك واقرب اليه فإنه عمي مثل ما هو عمك وأنا زوج ابنته ولو علمت أنه يريد لنا خيرا لكنت أنا أولى به منك
فقال له الأفضل أنت سيء الظن في كل أحد أي مصلحة لعمنا في أن يؤذينا ونحن إذا اجتمعت كلمتنا وسيرنا معه العساكر من عندنا كلنا ملك من البلاد أكثر من بلادنا ونربح سوء الذكر وهذا كان أبلغ الأسباب ولا يعلمها كل احا 243
وأما غير هذا فقد ذكرنا مسير العادل والأفضل الى مصر وحصارهم بلبيس وصلحهم مع الملك العزيز ابن صلاح الدين ومقام العادل معه بمصر فلما أقام عنده استماله وقرر معه أنه يخرج معه إلى دمشق ويأخذها من أخيه ويسلمها اليه فسار معه من مصر إلى دمشق وحصروها واستمالوا أميرا من أمراء الأفضل يقال له العزيز بن أبي غالب الحمصي وكان الأفضل كثير الإحسان اليه والاعتماد عليه والوثوق به فسلم اليه بابا من أبواب دمشق يعرف بالباب الشرقي ليحفظه فمال إلى العزيز والعادل ووعدهما أنه يفتح لهما الباب ويدخل العسكر منه الى البلد غفلة ففتحه اليوم السابع والعشرين من رجب وقت العصر وأدخل الملك العادل منه ومعه جماعة من أصحابه فلم يشعر الأفضل إلا وعمه معه في دمشق وركب الملك العزيز ووقف بالميدان الأخضر غربي دمشق فلما رأى الأفضل أن البلد قد ملك خرج إلى أخيه وقت المغرب واجتمع به ودخلا كلاهما البلد واجتمعا بالعادل وقد نزل في دار أسد الدين شيركوه وتحادثوا فاتفق العادل والعزيز على أن أوهما الأفضل أنهما يبقيان عليه البلد خوفا أنه ربما جمع من عنده من العسكر وثار بهما ومعه العامة فأخرجهم من البلد لأن العادل لم يكن في كثرة وأعاد الأفضل إلى القلعة وبات العادل في دار شيركوه وخرج العزيز إلى الخيم فبات فيها وخرج العادل من الغد إلى جوسقه فأقام به وعساكره في البلد في كل يوم يخرج الأفضل إليهما ويجتمع بهما فبقوا كذلك أياما
ثم أرسلا إليه وأقراه بمفارقة القلعة وتسلم البلد على قاعدة ان تعطى قلعة صرخد له ويسلم جميع أعمال دمشق فخرج الأفضل ونزل في جوسق بظاهر البلد غربي دمشق وتسلم العزيز القلعة ودخلها وأقام بها أياما فجلس يوما في مجلس شرابه فلما أخذت منه الخمر جرى على لسانه أنه يعيد البلد إلى الأفضل فنقل ذلك الى العادل في وقته فحضر المجلس في ساعته والعزيز سكران فلم يزل به حتى سلم البلد إليه وخرج منه وعاد إلى مصر وسار الأفضل إلى صرخد وكان العادل يذكر أن الأفضل سعى في قتله فلهذا أخذ البلد منه وكان الأفضل ينكر ذلك ويتبرأ منه (
والله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون )
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة هبت ريح شديدة بالعراق واسودت لها الدنيا ووقع رمل أحمر واستعظم الناس ذلك وكبروا واشتعلت الأضواء بالنهار وفيها قتل صدر الدين محمود بن 244 عبد اللطيف بن محمد بن ثابت الخجندي رئيس الشافعية بأصفهان قتله فلك الدين سنقر الطويل شحنة اصفهان بها وكان قدم بغداد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة واستوطنها وولي النظر في المدرسة النظامية ببغداد ولما سار مؤيد الدين بن القصاب إلى خوزستان سار في صحبته فلما ملك الوزير أصفهان أقام ابن الخجندي بها في بيته وملكه ومنصبه فجرى بينه وبين سنقر الطويل شحنة اصفهان للخليفة منافرة فقتله سنقر
وفي رمضان درس مجير الدين أبو القاسم محمود بن المبارك البغدادي الفقيه الشافعي بالمدرسة النظامية ببغداد
وفي شوال منها أثبت نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الرازي في الوزارة ببغداد وكان قد توجه إلى بغداد لما ملك ابن القصاب الري
وفيها ولي أبو طالب يحيى بن سعيد بن زيادة ديوان الإنشاء ببغداد وكان كاتبا مفلقا وله شعر جيد
وفي صفر منها توفي الفخر محمود بن علي القوفاني الفقيه الشافعي بالكوفة عائدا من الحج وكان من أعيان أصحابه محمد بن يحيى
وفي رجب منها توفي أبو الغنائم بن علي بن المعلم الشاعر الهرثي والهرث بضم الهاء والثاء المثلثة قرية من أعمال واسط عن إحدى وتسعين سنة
وفي رابع شعبان منها توفي الوزير مؤيد الدين أبو الفضل محمد بن علي بن القصاب بهمذان وقد ذكرنا من كفايته ونهضته ما فيه كفاية 245
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
ذكر إرسال الأمير أبي الهيجاء إلى همذان وما فعله
وصل إلى بغداد أمير كبير من أمراء مصر اسمه ابو الهيجاء ويعرف بالسمين لأنه كان كثير السمن وكان من أكابر أمراء مصر وكان في أقطاعه أخيرا البيت المقدس وغيره مما يجاوره فلما ملك العزيز والعادل مرتبة دمشق من الأفضل أخذ القدس منه ففارق الشام وعبر الفرات إلى الموصل ثم انحدر إلى بغداد لأنه طلب من ديوان الخلافة فلما وصل إليها أكرم إكراما كثيرا ثم أمر بالتجهيز والمسير الى همذان مقاما على عساكر البغدادية فسار إليها والتقى عندها بالملك أوزبك بن البهلوان وأمير علم وابنه وابن سطمش وغيرهم وهم قد كاتبوا الخليفة بالطاعة فلما اجتمع بهم وثقوا إليه ولم يحذروه فقبض على أوزبك وابن سطمش وابن قرا بموافقة من أمير علم فلما وصل الخبر بذلك إلى بغداد أنكرت هذه الحال على إبي الهيجاء وأمر بالإفراج عن الجماعة وسيرت لهم الخلع من بغداد تطييبا لقلوبهم فلم يسكنوا بعد هذه الحادثة ولا آمنوا ففارقوا أبا الهيجاء السمين فخاف الديوان فلم يرجع إليه ولم يمكنه أيضا المقام فعاد يريد إربل لأنه من بلدها هو فتوفي قبل وصوله إليها وهو من الأكراد الحكمية من بلد إربل
ذكر ملك العادل يافا من الفرنج وملك الفرنج بيروت من المسلمين وحصر الفرنج تبنين ورحيلهم عنها
في هذه السنة في شوال ملك العادل أبو بكر بن أيوب مدينة يافا من الساحل الشامي وهو بيد الفرنج لعنهم الله وسبب ذلك أن الفرنج كان قد ملكهم الكندهري على ما ذكرناه قبل وكان الصلح قد استقر بين المسلمين والفرنج أيام صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله تعالى فلما توفي وملك أولاده بعده كما 246 ذكرناه جدد الملك العزيز الهدنة مع الكندهري وزاد في مدة الهدنة وبقي ذلك إلى الآن وكان بمدينة بيروت أمير يعرف بأسامة وهو مقطعها فكان يرسل الشواني تقطع الطريق على الفرنج فاشتكى الفرنج من ذلك غير مرة إلى الملك العادل بدمشق وإلى الملك العزيز بمصر فلم يمنعا اسامة من ذلك فأرسلوا إلى ملوكهم الذين داخل البحر يشتكون إليهم ما يفعل بهم المسلمون ويقولون إن لم تنجدونا وإلا أخذ المسلمون البلاد فأمدهم الفرنج بالعساكر الكثيرة وكان أكثرهم من ملك الألمان وكان المقدم عليهم قس يعرف بالخنصلير فلما سمع العادل بذلك أرسل إلى العزيز بمصر يطلب العساكر وأرسل إلى ديار الجزيرة والموصل يطلب العساكر فجاءته الأمراء واجتمعوا على عين جالوت فأقاموا شهر رمضان وبعض شوال ورحلوا إلى يافا وملكوا المدينة وامتنع من بها بالقلعة التي لها فخرب المسلمون المدينة وحصروا القلعة فملكوها عنوة وقهرا بالسيف في يومها وهو يوم الجمعة وأخذ كل ما بها غنيمة وأسرا وسببا
ووصل الفرنج من عكا الى قيسارية ليمنعوا المسلمين عن يافا فوصلهم الخبر بها بملكها فعادوا وكان سبب تأخرهم أن ملكهم الكندهري سقط من موضع عال بعكا فمات قاختلفت احوالهم فتأخروا لذلك وعاد المسلمون إلى عين جالوت فوصلهم الخبر بأن الفرنج على عزم قصد بيروت فرحل العادل من العسكر في ذي القعدة إلى مرج العيون وعزم على تخريب بيروت فسار إليها جمع من العسكر وهدموا سور المدينة سابع ذي الحجة وشرعوا في تخريب دورها وتخريب القلعة فمنعهم أسامة من ذلك وتكفل بحفظها ورحل الفرنج من عكا إلى صيدا وعاد عسكر المسلمين من بيروت فالتقوا هم والفرنج بنواحي صيدا وجرى بينهم مناوشة فقتل من الفريقين جماعة وحجز بينهم الليل وسار الفرنج تاسع ذي الحجة فوصلوا إلى بيروت فلما قاربوها هرب منها أسامة وجميع من معه من المسلمين فملكوها صفوا عفوا بغير حرب ولا قتال فكانت غنيمة باردة
فأرسل العادل الى صيدا من خرب ما كان بقي منها فإن صلاح الدين كان قد خرب أكثرها وسافرت العساكر الإسلامية الى صور فقطعوا أشجارها وخربوا ما لها من قرى وأبراج فلما سمع الفرنج بذلك رحلوا من بيروت إلى صور وأقاموا عليها ونزل المسلمون عند قلعة هونين وأذن للعساكر الشرقية بالعود ظنا منه أن الفرنج يقيمون ببلادهم وأراد أن يعطي العساكر المصرية دستورا بالعود فأتاه الخبر منتصف المحرم أن الفرنج يريدون أن يحصروا حصن تبنين فسير العادل إليه عسكرا يحمونه 247 ويمنعون عنه
ورحل الفرنج من صور ونازلوا تبنين أول صفر سنة أربع وتسعين وقاتلوا من به وجدوا في القتال ونقبوه من جهاتهم فلما علم العادل بذلك أرسل إلى العزيز بمصر يطلب منه أن يحضر هو بفسه ويقول له إن حضرت وإلا فلا يمكن حفظ هذا الثغر فسار العزيز مجدا فيمن بقي معه من العساكر وأما من تحصن بتبنين فإنهم لما رأوا الثقوب قد خربت القلعة ولم يبق إلا أن يملكوها بالسيف نزل بعض من فيها إلى الفرنج يطلب الأمان على أنفسهم وأموالهم ليسلموا القلعة وكان المرجع إلى القسيس الخنصلير من أصحاب ملك الألمان فقال لهؤلاء المسلمين بعض الفرنج الذين من ساحل الشام إن سلمتم الحصن استأسركم هذا وقتلكم فاحفظوا نفوسكم فعادوا كأنهم يراجعون من في القلعة ليسلموا فلما صعدوا إليها أصروا على الامتناع وقاتلوا قتال من يحمي نفسه فحموها إلى أن وصل الملك العزيز إلى عسقلان في ربيع الأول فلما سمع الفرنج بوصوله واجتماع المسلمين وأن الفرنج ليس لهم ملك يجمعهم وأن أمرهم إلى امرأة وهي الملكة فاتفقوا وأرسلوا إلى ملك قبرس واسمه هيمري فأحضروه وهو أخو الملك الذي أسر بحطين كما ذكرناه فزوجوه بالملكة زوجة الكندهري وكان رجلا عاقلا يحب السلامة والعافية فلما ملكهم لم يعد إلى الزحف على الحصن ولا قاتل واتفق وصول العزيز أول شهر ربيع الآخر ورحل هو والعساكر إلى جبل الخيل الذي يعرف بجبل عاملة فأقاموا أياما والأمطار متداولة فبقي إلى ثالث عشر الشهر ثم سار وقارب الفرنج وأرسل رماة النشاب فرموهم ساعة وعادوا ورتب العساكر ليزحف إلى الفرنج ويجد في قتالهم فرحلوا إلى صور خامش عشر الشهر المذكور ليلا ثم رحلوا إلى عكا فسار المسلمون فنزلوا اللجون وتراسلوا في الصلح وتطاول الأمر فعاد العزيز إلى مصر قبل انفصال الحال وسبب رحيله أن جماعة من الأمراء وهم ميمون القصري وأسامة وسراسنقر والجحاف وابن المشطوب وغيرهم قد عزموا على الفتك به وبفخر الدين جركس مدبر دولته والله سبحانه وتعالى أعلم بذلك فلما سمع بذلك سار الى مصر وبقي العادل وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصلح في شعبان سنة أربع وتسعين فلما انتظم الصلح عاد العادل إلى دمشق وسار منها إلى ماردين من أرض الجزيرة فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى 248
ذكر وفاة سيف الإسلام وملك ولده
في شوال من هذه السنة توفي سيف الإسلام طغتكين بن أيوب أخو صلاح الدين وهو صاحب اليمن بزبيد وقد ذكرنا كيق ملك وكان شديد السيرة مضيقا على رعيته يشتري أموال التجار لنفسه ويبيعها كيف شاء وأراد ملك مكة حرسها الله تعالى فأرسل الخليفة الناصر لدين الله إلى أخيه صلاح الدين في المعنى فمنعه من ذلك وجمع من الأموال مالا يحصى حتى أنه من كثرته كان يسبك الذهب ويجعله كالطاحون ويدخره ولما توفي ملك بعده ابنه اسماعيل وكان أهوج كثير التخليط بحيث أنه ادعى أنه قرشيمن بني أمية وخطب لنفسه بالخلافة وتلقب بالهادي فلما سمع عمه الملك العادل ذلك ساءه وأهمه وكتب إليه يلومه ويوبخه ويأمره بالعود إلى نسبه الصحيح وبترك ما ارتكبه مما يضحك الناس منه فلم يلتفت إليه ولم يرجع وانضاف إلى ذلك أنه أساء السيرة مع أجناده وأمرائه فوثبوا عليه فقتلوه وملكوا بعده أميرا من مماليك أبيه
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في ربيع الآخر توفي أبو بكر عبد الله بن منصور بن عمران والباقلاني المقري الواسطي بها عن ثلاث وسبعين سنة وثلاثة أشهر وأيام وهو آخر من بقي من أصحاب القلانسي وفي جمادى الآخرة توفي قاضي القضاة أبو طالب علي بن البخاري ببغداد ودفن بتربته في مشهد باب التين
وفيها في ربيع الآخر توفي ملكشاه من خوارزم شاه تكش بنيسابور وكان أبوه قد جعله فيها واضاف إليه عساكر جميع بلاده التي بخراسان وجعله ولي عهده في الملك وخلف ولد اسمه هند وخان فلما مات جعل فيها أبوه خوارزم شاه بعده ولده الآخر قطب الدين محمدا وهو الذي ملك بعد أبيه وكان بين الأخوين عداوة مستحكمة أفضت الى ان محمدا لما ملك بعد أبيه هرب هندوخان بن ملكشاه منه على ما نذكره
وفيها توفي شيخنا أبو القاسم يعيش بن صدقة بن علي الفراتي الضرير الفقيه الشافعي كان إماما في الفقه مدرسا صالحا كثير الصلاح سمعت عليه كثيرا لم أر مثله رحمه الله تعالى ولقد شاهدت منه عجبا يدل على دينه وإرادته بعمله وجه الله تعالى وذلك أني كنت اسمع عليه ببغداد سنن أبي عبد الرحمن النسائي وهو كتاب كبير 249 والوقت ضيق لأني كنت مع الحجاج قد دعدنا من مكة حرسها اللله فبينما نحن نسمع عليه مع أخي الأكبر مجد الدين أبي السعادات إذ قد أتاه إنسان من أعيان بغداد وقال له قد برز الأمر لنحضر كذا فقال أنا مشغول بسماع هؤلاء السادة ووقتهم يفوت والذي يراد مني لا يفوت فقال أنا لا أحسن أذكر هذا في مقابل أمر الخليفة فقال لا عليك قل قال أبو القاسم لا احضر حتى يفرغ السماع فسألناه ليمشي معه فلم يفعل ذلك وقال اقرؤا فقرأنا فلما كان الغد حضر غلام لنا وذكر ان امير الحاج الموصلي قد رحل فعظم الأمر علينا فقال ولم يعظم عليكم العود إلى أهلكم وبلدكم فقلنا لأجحل فراغ هذا الكتاب فقال إذا رحلتم أستعير دابة وأركبها فأسير معكم وأنتم تقرؤون فإذا فرغتم عدت فمضي الغلام ليتزود ونحن نقرأ فعاد وذكر أن الحجاج لم يرحلوا ففرغنا من الكتاب فانظر إلى هذا الدين المتين يرد أمر الخليفة وهو يخافه ويرجوه ويريد يسير معنا ونحن غرباء لا يخافنا ولا يرجونا 250
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وخمسمائة
ذكر وفاة عماد الدين وملك ولده قطب الدين محمد
في هذه السنة في المحرم توفي عماد الدين زنكي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب سنجار ونصيبين الخابور والرقة وقد تقدم ذكره كيف ملكها سنة تسع وسبعين وكان رحمه الله عادلا حسن السيرة في رعيته عفيفا عن اموالهم واملاكهم مواضعا يحب أهل العلم والدين ويحترمهم ويجلس معهم ويرجع إلى أقوالهم إلا أنه كان بخيلا شديد البخل وملك بعده ابن قطب الدين محمد وتولى تدبير دولته مجاهد الدين برتقش مملوك أبيه وكان دينا خيرا عادلا حسن السيرة كثير البر والإحسان إلى الفقراء وكان رحمه الله شديد التعصب على مذهب الحنفية كثير الذم للشافعية فمن تعصبه انه بنى مدرسة للحنفية بسنجار وشرط أن يكون النظر للحنفية من أولاده دون الشافعية وشرط أن يكون البواب والفراش على مذهب أبي حنيفة وشرط للفقهاء طبيخا يطبخ ذلك كل يوم وهذا نظر حسن رحمه اللخ
ذكر ملك نور الدين نصيبين
في هذه السنة في جمادى الأولى سار نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود صاحب الموصل إلى مدينة نصيبين فملكها وأخذها من ابن عمه قطب الدين محمد وسبب ذلك أن عمه عماد الدين كان له نصيبين فتطاول نوابه بها واستولوا على عدة قرى من أعمال بين النهرين من ولاية الموصل وهي تجاور نصيبين فبلغ الخبر مجاهد الدين قايماز القائم بتدبير مملكة نور الدين بالموصل كلها والمرجوع إليه فيها فلم يعلم مخدومه بذلك لما علم من قلة صبره على احتمال مثل هذا وخاف ان يجري خلف بينهم فأرسل من عنده رسولا إلى عماد الدين في المعنى وقبح هذا الفعل الذي فعله النواب بغير أمره وقال إنني ما أعلمت نور الدين بالحال لئلا يخرج عن يدك فإنه 251 ليس كوالده وأخاف أن يبدو منه ما يخرج الأمر فيه عن يدي فأعاد الجواب أنهم لم يفعلوا إلا ما أمرتهم به وهذه القرى من أعمال نصيبين فترددت الرسل بينهما فلم يرجع عماد الدين عن أخذها فحينئذ أعلم مجاهد الدين نور الدين بالحال فأرسل نور الدين رسولا من مشايخ دولته ممن خدم جدهم الشهيد زنكي ومن بعده وحمله رسالة فيها بعض الخشونة فمضى الرسول فلحق عماد الدين قد مرض فلما سمع الرسالة لم يلتفت وقال لا أعيد ملكي فأشار الرسول من عنده حيث هو من مشايخ دولتهم بترك وتسليم ما أخذه وحذره عاقبة ذلك فأغلط عليه عماد الدين القول وعرض بذم نور الدين واحتقاره فعاد الرسول وحكى لنور الدين جلية الحال فغضب نور الدين وعزم على المسير إلى نصيبين وأخذها من عمه فاتفق أن عمه مات وملك بعده ابنه فقوي طمعه فمنعه مجاهد الدين فلم يمتنع وتجهز وسار إليها فلما سمع قطب الدين صاحبها سار إليها من سنجار في عسكره ونزل عليها ليمتنع نور الدين عنها فوصل نور الدين وتقدم إلى البلد وكان بينهما نهر فجازه بعض امرائه وقاتل من بإزائه فلم يثبتوا له فعبر جميع العسكر النوري وتمت الهزيمة على قطب الدين فصعد هو ونائبه مجاهد الدين برتقش إلى القلعة نصيبين وأدركهم الليل فخرجوا منها هاربين إلى حران وراسلوا الملك العادل أبا بكر بن أيوب صاحب حران وغيرها وهو بدمشق وبذلوا له الأموال الكثيرة لينجدهم ويعيد نصيبين اليهم وأقام نور الدين بنصيبين مالكها فتضعضع عسكره بكثرة الأمراض وعودهم إلى الموصل وموت كثير منهم ووصل العادل إلى الديار الجزرية فحينئذ فارق نور الدين نصيبين وعاد إلى الموصل في شهر رمضان فلما فارقها تسلمها قطب الدين
وممن توفي من أمراء الموصل عز الدين جورديك شمس الدين عبد الله بن إبراهيم وفخر الدين عبد الله بن عيسى المهرانيان ومجاهد الدين قايماز وظهير الدين يولق بن بلنكري وجمال الدين محاسن وغيرهم ولما عاد نور الدين الى الموصل قصد العادل قلعة ماردين فحصرها وضيق على أهلها على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر ملك الغورية مدينة بلخ من الخطأ الكافرة
في هذه السنة ملك بهاء الدين سام بن محمد بن مسعود وهو ابن اخت غياث 252 الدين وشهاب الدين صاحبي غزنة وغيرها وله باميان مدينة بلخ وكان صاحبها تركيا اسمه ازيه وكان يحمل الخراج كل سنة إلى الخطأ بما وراء النهر فتوفي هذه السنة فسار بهاء الدين سام إلى المدينة فملكها وتمكن منها وقطع الحمل إلى الخطأ وخطب لغياث الدين وصارت من جملة بلاد الإسلام بعد أن كانت في طاعة الكفار
ذكر انهزام الخطا من الغورية
وفي هذه السنة عبر الخطأ نهر جيحون إلى ناحية خراسان فعاثوا في البلاد وأفسدوا فلقيهم عسكر غياث الدين الغوري وقاتلهم فانهزم الخطا وكان سبب ذلك أن خوارزم شاه تكش كان قد سار إلى بلد الري وهمذان وأصفهان وما بينهما من البلاد وملكها وتعرض إلى عساكر الخليفة وأظهر طلب السلطنة والخطبة ببغدجاد فأرسل الخليفة إلى غياث الدين ملك الغور وغزنة يأمره بقصد بلاد خوارزم شاه ليعود عن قصد العراق وكان خوارزم شاه قد عاد إلى خوارزم فراسله غياث الدين يقبح له فعله ويتهدده بقصد بلاده وأخذها فأرسل خوارزم إلى الخطا يشكو اليهم من غياث الدين ويقول إن لم تدركوه بإنفاذ العساكر وإلا أخذ غياث الدين بلاده كما أخذ مدينة بلخ وقصد بعد ذلك بلادهم ويتعذر عليهم منعه ويعجزون عنه ويضعفون عن رده عما وراء النهر فجهز ملك الخطا جيشا كثيفا وجعل مقدمهم المعروف بطاينكوا وهو كالوزير فساروا وعبروا جيحون في جمادى الآخرة وكان الزمان شتاء وكان شهاب الدين الغوري أخو غياث الدين ببلاد الهند والعساكر معه وغياث الدين به من النقرس ما يمنعه من الخركة إنما يحمل في محفة والذي يقود الجيش ويباشر الحروب أخوه شهاب الدين فلما وصل الخطا إلى جيحون سار خوارزم شاه إلى طوس عازما على قصد هراة ومحاصرتها وعبر الخطا النهر ووصلوا إلى بلاد الغور مثل مرزيان وشبرقان وغيرهما وقتلوا وأسروا ونهبوا وسبوا كثيرا لا يحصى فاستغاث الناس بغياث الدين فلم يكن عنده من العساكر ما يلقاهم بها فراسل الخطا بهاء الدين سام ملك باميان يأمرونه بالإفراج عن بلخ وانه يحمل ما كان من قبله يحمله من المال فلم يجبهم إلى ذلك
وعظمت المصيبة على المسلمين بما فعله الخطا فانتدب الأمير محمد بن جربك الغوري وهو مقطع الطالقان من قبل غياث الدين وكان شجاعا وكاتب الحسين بن خرميل وكان بقلعة كرزيان واجتمع معهما الأمير حروش الغوري وساروا بعساكرهم 253 إلى الخطا فبيتوهم وكبسوهم ليلا من عادة الخطا أنهم لا يخرجون من خيامهم ليلا ولا يفارقونها فأتاهم هؤلاء الغورية وقاتلوهم وأكثروا القتل في الخطا وانهزم من سلم منهم من القتل وأين ينهزمون والعسكر الغوري خلفهم وجيحون بين أيديهم وظن الخطا أن غياث الدين قد قصدهم في عساكره فلما أصبحوا وعرفوا من قاتلهم وعلموا أن غياث الدين بمكانه قويت قلوبهم وثبتوا عامة نهارهم فقتل من الفريقين خلق عظيم ولحقت المتطوعة بالغوريين وأتاهم مدد من غياث الدين وهم في الحرب فثبت المسلمون وعظمت نكايتهم في الكفار وحمل الأمير حروش على قلب الخطا وكان شيخا كبيرا فأصابه جراحة توفي منها ثم إن محمود بن جربك وابن خرميل حملا في اصحابهما وتنادوا أن لا يرمي أحد بقوس ولا يطعن برمح وأخذوا اللنوت وحملوا على الخطا فهزموهم وألحقوهم بجيحون فمن صبر قتل ومن ألقى نفسه في الماء غرق ووصل الخبر إلى ملك الخطا فعظم عليه وأرسل إلى خوارزم شاه يقول له أنت قتلت رجالي وأريد عن كل قتيل عشرة آلاف دينار وكان القتلى اثني عشر الفا وأنفذ إليه من رده إلى خوارزم وألزموه بالحضور عنده فأرسل حينئذ خوارزم شاه إلى غياث الدين يعرفه حاله مع الخطا ويشكو إليه ويستعطفه غير مرة فأعاد الجواب يأمره بطاعة الخليقة وإعادة ما أخذه الخطا من بلاد الإسلام فلم ينفصل بينهما حال
ذكر ملك خوارزم شاه مدينة بخارا
لما ورد رسول ملك الخطا على خوارزم شاه بما ذكرناه اعاد الجواب ان عسكرك إنما قصد انتزاع بلخ ولم يأتوا إلى نصرتي ولا اجتمعت بهم ولا أمرتهم بالعبور وإن كنت فعلت ذلك فأنا مقيم بالمال المطلوب مني ولكن حيث عجزتم انتم عن الغورية عدتم علي بهذا القول وهذا المطلب وأما أنا فقد أصلحت الغورية ودخلت في طاعتهم ولا طاعة لكم عندي فعاد الرسول بالجواب فجهز ملك الخطا جيشا عظيما وسيره إلى خوارزم شاه يخرج إليهم كل ليلة ويقتل منهم خلقا عظيما وأتاه من المتطوعة خلق كثير فلم يزل هذا فعله بهم حتى أتى على أكثرهم فدخل الباقون إلى بلادهم ورحل خوارزم شاه في آثارهم وقصد بخارا فنازلها وحصرها وامتنع أهلها منه وقاتلوه مع الخطا حتى أنهم أخذوا كلبا أعور وألبسوه قباء وقلنسوة وقالوا هذا خوارزم شاه لأنه كان أعورا وطافوا به على السور ثم ألقوه في منجنيق إلى 254 العسكر وقالوا هذا سلطانكم وكان الخوارزميون يسبونهم ويقولون يا أجناد الكفر أنتم قد ارتدتم عن الإسلام فلم يزل هذا دأبهم حتى ملك خوارزم شاه البلد بعد أيام يسيرة عنوا وعفا عن أهله وأحسن إليهم وفرق فيهم مالا كثيرا وأقام بها مدة ثم عاد إلى خوارزم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في ذي الحجة توفي ابو طالب يحيى بن سعيد بن زيادة كاتب الإنشاء بديوان الخليفة وكان عالما فاضلا له كتابة حسنة وكان رجلا عاقلا خيرا كثير النفع للناس وله شعر جيد
وفيها حصر الملك العادل أبو بكر بن أيوب قلعة ماردين في شهر رمضان وقاتل من بها وكان صاحبها حسام الدين يولق أرسلان بن أيلغازي بن البي بن تمرتاش بن ايلغازي بن أرتق كل هؤلاء ملوك ماردين وقد تقدم من اخبارهم ما يعلم به محلهم وكان صبيا والحاكم في بلده ودولته مملوك أبيه النظام يرنقش وليس لصحابه معه حكم البتة في شي من الأمور ولما حصر العادل ماردين ودام عليها سلم إليه بعض أهلها الربض بمخامرة منهم فنهب العسكر أهله نهبا قبيحا وفعلوا بهم أفعالا عظيمة لم يسمع بمثلها فلما تسلم الربض تمكن من حصر القلعة وقطع الميرة عنها وبقي عليها إلى أن رحل عنها سنة خمس وتسعين على ما نذكره إن شاء الله
وفيها توفي الشيخ أبو علي الحسن بن مسلم بن أبي الحسن القادسي الزاهد المقيم ببغداد والقادسية التي ينسب إليها قرية بنهر عيسى من أعمال بغداد وكان من عباد الله الصالحين العالمين ودفن بقريته أبو المجد علي بن أبي الحسن علي بن الناصر بن محمد الفقيه الحنفي مدرس أصحاب ابي حنيفة ببغداد وكان من أولاد محمد بن الحنفية ابن امير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه 255
ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمائة
ذكر وفاة الملك العزيز وملك أخيه الأفضل ديار مصر
في هذه السنة في العشرين من المحرم توفي الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب صاحب ديار مصر وكان سبب موته أنه خرج الى الصيد فوصل إلى الفيوم متصيدا فرأى ذءبا فركض فرسه في طلبه فعثر الفرس فسقط عنه في الأرض ولحقته حمى فعاد إلى القاهرة مريضا فبقي كذلك إلى أن توفي فلما مات كان الغالب على أمره مملوك والده فخر الدين جهاركس هو الحاكم في بلده فأحضر إنسانا كان عندهم من أصحاب الملك العادل أبي بكر بن أيوب وأراه العزيز ميتا وسيره إلى العادل وهو يحاصر ماردين كما ذكرناه ويستدعيه ليملكه البلاد فسار القاصد مجدا فلما كان بالشام رأى بعض أصحاب الأفضل علي علي بن صلاح الدين فقال له قل لصاحبك إن أخاه العزيز توفي وليس في البلاد من يمنعها فليسر اليها فليس دونها مانع وكان الأفضل محبوبا الى الناس يريدونه فلم يلتفت الأفضل إلى هذا القول وإذ قد وصله رسل الأمراء من مصر يدعونه اليهم ليملكوه وكان السبب في ذلك أن الأمير سيف الدين يازكج مقدم الأسدية والفرقة الأسدية والأمراء الأكراد يريدونه ويميلون اليه وكان المماليك الناصرية الذين هم ملك أبيه يكرهونه فاجتمع سيف الدين مقدم الأسدية وفخر الدين جهاركس مقدم الناصرية ليتفقوا على من يولونه الملك فقال فخر الدين نولي ابن الملك العزيز فقال سيف الدين إنه طفل وهذه البلاد ثغر الإسلام ولا بد من قيم بالملك يجمع العساكر ويقاتل بها والرأي أننا نجعل الملك في هذا الطفل الصغير ونجعل معه بعض أولاد صلاح الدين يدبره إلى أن يكبر فإن العساكر لا تطيع غيرهم ولا تنقاد لأمير فاتفقا على هذا فقال جهاركس فمن يتولى هذا فأشار يازكج بغير الأفضل فجرى بينه وبين جهاركس منازعة لئلا يتهم وينفر جهاركس عنه فامتنع 256 من ولايته فلم يزل يذكر من أولاد صلاح الدين واحدا بعد آخر إلى أن ذكر آخرهم الأفضل فقال جهاركس هو بعيد عنا وكان بصرخد مقيما فيها من حين أخذت منه دمشق فقال يازكج ترسل إليه من يطلبه مجدا فأخذ جهاركس يغالطه فقال يازكج نمضي الى القاضي الفاضل ونأخذ رأيه فاتفقا على ذلك وأرسل يازكج يعرفه ذلك ويشير بتمليك الأفضل فلما اجتمعا عنده وعرفاه صورة الحال أشار بالأفضل فأرسل يازكج في الحال القصاد وراء فسار عن صرخد لليلتين بقيتا من صفر متنكرا في تسعة عشر نفسا لأن البلاد كانت للعادل وبضبط نوابه الطرق لئلا يجوز إلى مصر ليجيء العادل ويملكها فلما قارب الأفضل القدس وقد عدل عن الطريق المؤدي إليه لقيه فارسان قد أرسلا إليه من القدس فأخبراه أن من بالقدس قد صار في طاعته وجد في السير فوصل إلى بلبيس خامس ربيع الأول ولقيه إخوته وجماعة الأمراء المصرية وجميع الأعيان فاتفق أن أخاه الملك المؤيد مسعودا صنع له طعاما وصنع له فخر الدين مملوك أبيه طعاما فابتدأ بطعام أخيه ليمين حلفها أخوه أنه يبدأ به فظن جهاركس أنه فعل هذا انحرافا عنه وسوء اعتقاد فيه فتغيرت نيته وعزم على الهرب فحضر عند الأفضل وقال إن طائفة من العرب قد اقتتلوا ولئن لم نمض إليهم نصلح بينهم يؤدي ذلك إلى فساد فأذن له الأفضل في المضي إليهم ففارقه وسار مجدا حتى وصل إلى البيت المقدس ودخله وتغلب عليه ولحقه جماعة من الناصرية منهم قراجة الزرمكش وسراسنقر وأحضروا عندهم ميمونا القصرى صاحب نابلس وهو أيضا من المماليك الناصرية فقويت سوكتهم به واجتمعت كلمتهم على خلاف الأفضل وأرسلوا إلى الملك العادل وهو على ماردين يطلبونه اليهم ليدخلوا معه الى مصر ليملكوها فلم يسر إليهم لأنه كانت أطماعه قد قويت في أخذ ماردين وقد عجز من بها عن حفظها وأنه يأخذها والذي يريدونه لا يفوته وأما الأفضل فإنه دخل إلى القاهرة سابع ربيه الأول وسمع بهرب جهاركس فأهمه ذلك وترددت الرسل بينه وبينهم ليعودوا إليه فلم يزدادوا إلا بعدا ولحق بهم حماعة من الناصرية أيضا فاستوحش الأفضل من الباقين فقبض عليهم وهم شقيرة وأيبك فطيس والبكى الفارس وكل هؤلاء بطل مشهور ومقدم مذكور سوى من ليس مثلهم في التقدم وعلو القدر وأقام الأفضل بالقاهرة وأصلح الأمور وقرر القواعد والمرجع في جميع الأمور إلى سيف الدين يازكج 257
ذكر حصر الأفضل مدينة دمشق وعودة عنها
لما ملك الأفضل مصر واستقر بها ومعه ابن أخيه الملك العزيز اسم الملك له لصغره واجتمعت الكلمة على الأفضل بها وصل إليه رسول أخيه الملك الظاهر غازي صاحب حلب ورسل ابن عمه أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه صاحب حمص يحثانه على الخروج إلى دمشق واغتنام الفرصة بغية العادل عنها وبذلا له المساعدة بالمال والنفس والرجال فبرز من مصر منتصف جمادى الأولى من السنة على عزم المسير إلى دمشق وأقام بظاهر القاهرة إلى ثالث رجب ورحل فيه وتعوق في مسيره ولو بادر وعجل المسير لملك دمشق لكنه تأخر فوصل إلى دمشق ثالث عشر شعبان فنزل عند جسر الخشب على فرسخ ونصف من دمشق وكان العادل قد أرسل إليه نوابه بدمشق يعرفونه قصد الأفضل لهم ففارق ماردين وخلف ولده الكامل محمدا في جميع العساكر على حصارها وسار جريدة فجد في السير فسبق الأفضل فدخل دمشق قبل الأفضل بيومين وأما الأفضل فإنه تقدم إلى دمشق من الغدر وهو رابع عشر شعبان ودخل ذلك اليوم بعينه طائفة يسيرة من عسقلان إلى دمشق من باب السلامة وسبب دخولهم ان قوما من أجناده ممن بيوتهم مجاورة الباب اجتمعوا بالأمير مجد الدين أخي الفقيه عيسى الهكاري وتحدثوا معه في أن يقصد هو والعسكر باب السلامة بيفتحوه لهم فأراد مجد الدين أن يختص بفتح الباب وحده فلم يعلم الأفضل ولا أخذ معه أحدا من الأمراء بل سار وحده ومعه نحو خمسين فارسا من أصحابه ففتح له الباب فدخله هو ومن معه فلما رآهم عامة البلد نادوا بشعار الأفضل واستسلم من به من الجند ونزلوا عن الأسوار وبلغ الخبر إلى الملك العادل فكاد يستسلم وتماسك وأما الذين دخلوا البلد فإنهم وصلوا إلى البريد فلما رأى عسكر العادل بدمشق قلة عددهم وانقطاع مددهم وثبوا بهم وأخرجوهم منه وكان الأفضل قد نصب خيمة بالميدان الأخضر وقارب عسكره الباب الحديد وهو من أبواب القلعة فقدر الله تعالى أن أشير على الأفضل بالانتقال إلى ميدان الحصى ففعل ذلك فقويت نفوس من فيه وضعفت نفوس العسكر المصري ثم إن الأمراء الأكراد منهم تحالفوا فصاروا يدا واحدة ويغضبون لغضب أحدهم ويرضون لرضا أحدهم فظن الأفضل وباقي الأسدية أنهم فعلوا بقاعدة بينهم وبين الدمشقيين فرحلوا من موضعهم وتأخروا في العشرين من 258 شعبان ووصل أسد الدين شيركوه صاحب حمص إلى الأفضل الخامس والعشرين من شعبان ووصل بعده الملك الظاهر صاحب حلب ثاني عشر شهر رمضان وأراد الزحف الى دمشق فمنعهم الملك الظاهر مكرا بأخيه وحسدا له ولم يشعر أخوه الأفضل بذلك وأما الملك العادل فإنه لما رأى كثرة العساكر وتتابع الإمداد إلى الأفضل عظم عليه فأرسل إلى المماليك الناصرية بالبيت المقدس يستدعيهم إليه فساروا سلخ شعبان فوصل خبرهم إلى الأفضل فسير أسد الدين صاحب حمص ومعه جماعة من الأمراء إلى طريقهم ليمنعوهم فسلكوا غير طريقهم فجاء اولئك ودخلوا دمشق خامس رمضان فقوي العادل بهم قوة عظيمة وأيس الأفضل ومن معه من دمشق وخرج عسكر دمشق في شوال فكبسوا العسكر المصري فوجدوهم قد حذروهم فعادوا عنهم خاسرين وأقام العسكر على دمشق ما بين قوة وضعف وانتصار وتخاذل حتى أرسل الملك العادل خلف ولده الملك الكامل محمد وكان قد رحل عن ماردين على ما نذكره إن شاء الله تعالى وهو بحران فاستدعاه إليه بعسكره فسار على طريق البر فدخل إلى دمشق ثاني عشر صفر سنة ست وتسعين وخمسمائة فعند ذلك رحل العسكر عن دمشق إلى ذيل جبل الكسوة سابع عشر صفر واستقر أن يقيموا بحوران حتى يخرج الشتاء فرحلوا إلى رأس الماء وهو موضع شديد البرد فتغير العزم عن المقام واتفقوا على أن يعود كل منهم الى بلده فعاد الظاهر صاحب حلب وأسد الدين صاحب حمص إلى بلادهما وعاد الأفضل الى مصر فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر وفاة يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن وولاية ابنه محمد
في هذه السنة ثامن عشر ربيع الآخر وقيل جمادى الأولى توفي أبو يوسف يعقوب بن أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب والأندلس بمدينة سلا وكان قد سار إليها من مراكش وكان قد بنى مدينة محاذية لسلا وسماها المهدية من أحسن البلاد وأنزهها فسار إليها يشاهدها فتوفي بها وكانت ولايته خمس عشر سنة وكان ذا جهاد للعدو ودين حسن وسيرة وكان يتظاهر بمذهب الظاهرية وأعرض عن مذهب مالك فعظم أمر الظاهرية في أيامه وكان بالمغرب منهم خلق كثير يقال لهم الحزمية منسوبون إلى ابن محمد بن حزم رئيس الظاهرية إلا أنهم مغمورون بالمالكية 259 ففي أيامه ظهروا وانتشروا ثم في آخر أيامه استقضى الشافعية على بعض البلاد ومال إليهم
ذكر عصيان أهل المهدية على يعقوب وطاعتها لولده محمد
كان أبو يوسف يعقوب صاحب المغرب لما عاد من إفريقية كما ذكرناه سنة إحدى وثمانين وخمسمائة استعمل أبا سعيد عثمان وأبا علي يوسف بن عمر اينتي وهما وأبوهما من أعيان الدولة فولى عثمان مدينة تونس وولى أخاه المهدية وجعل قائد الجيش بالمهدية محمد بن عبد الكريم وهو شجاع مشهور فعظمت نكايته في العرب فلم يبق منهم إلا من يخافه فاتفق انه أتاه الخبر بأن طائفة من عوف نازلين بمكان فخرج إليهم وعدل عنهم حتى جازهم ثم اقبل عائدا يطلبهم وأتاهم الخبر بخروجه إليهم فهربوا من بين يديه فلقيهم أمامهم فهربوا وتركوا المال والعيال من غير قتال فأخذ الجميع ورجع إلى المهدية وسلم العيال إلى الوالي وأخذ من الأسلاب والغنيمة ما شاء وسلم الباقي إلى الوالي وإلى الجند ثم إن العرب من بني عوف قصدوا أبا سعيد بن عمر اينتي فوجدوا وصاروا من حزب الموحدين واستجاروا به في رد عيالهم وأموالهم فأحضر محمد بن عبد الكريم وأمره بإعادة ما أخذ لهم من النعم فقال أخذه الجند ولا اقدر على رده فأغلظ له في القول وأراد أن يبطش به فاستمهله الى ان يرجع الى المهدية ويسترد من الجند ما يجده عندهم وما عدم منه غرم العوض عنه من ماله فأمهله فعاد الى المهدية وهو خائف فلما وصلها جمع أصحابه وأعلمهم ما كان من أبي سعيد وحالفهم على موافقته فحلفوا له فقبض على أبي علي يونس وتغلب على المهدية وملكها فأرسل اليه ابو سعيد في معنى اطلاق أخيه يونس فأطلقه على اثني عشر ألف دينار فلما أرسلها إليه أبو سعيد فرقها في الجند وأطلق يونس وجمع أبو سعيد العساكر وأراد قصد محاصرته فأرسل محمد بن عبد الكريم إلى علي بن اسحق الملثم فحالفه واعتضد به فامتنع أبو سعيد من قصده ومات يعقوب وولي ابنه محمد فسير عسكرا مع عمه في البحر وعسكرا آخر في البر مع ابن عمه الحسن بن أبي حفص بن عبد المؤمن فلما وصل عسكر البحر إلى بجاية وعسكر السير إلى قسنطينة الهوى هرب الملثم ومن معه من العرب من بلاد افريقية الى الصحراء ووصل الأسطول إلى المهدية فشكا محمد بن عبد الكريم ما لقي من ابي 260 سعيد وقال أنا على طاعة أمير المؤمنين محمد ولا أسلمها إلى أبي سعيد وإنما أسلمها الى من يرسله أمير المؤمنين فأرسل محمد من يتسلمها منه وعاد إلى الطاعة
ذكر رحيل عسكر الملك العادل عن ماردين
في هذه السنة زال الحصار عن ماردين ورحل عسكر الملك العادل عنها مع ولده الملك الكامل وسبب ذلك أن الملك العادل لما حصر ماردين عظم ذلك على نور الدين صاحب الموصل وغيره من ملوك ديار بكر والجزيرة وخافوا إن ملكها لا يبقي عليهم إلا أن العجز عن منعه حملهم على طاعته فلما توفي العزيز صاحب مصر وملك الأفضل مصر كما ذكرناه وبينه وبين العادل اختلاف فأرسل أخذ عسكر مصر من عنده وأرسل إلى نور الدين صاحب الموصل وغيره من الملوك يدعوهم إلى موافقته فأجابوه إلى ذلك فلما رحل الملك العادل عن ماردين إلى دمشق كما ذكرناه برز نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود صاحب الموصل عنها ثاني شعبان وسار إلى دنيسر فنزل عليها ووافقه ابن عمه قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود صاحب سنجار وابن عمه الآخر سنجر شاه بن غازي بن مودود صاحب جزيرة ابن عمر فاجتمعوا كلهم بدنيسر إلى أن عيدوا عيد الفطر ثم ساروا عنها سادس شوال ونزلوا بحرزم وتقدم العسكر إلى تحت الجبل ليرتادوا موضعا للنزول وكان أهل ماردين قد عدمت الأقوات عندهم وكثرت الأمراض فيهم حتى أن كثيرا منهم كان لا يطيق القيام فلما رأى النظام وهو الحاكم في دولة صاحبها ذلك ارسل إلى ابن العادل في تسليم القلعة إليه إلى أجل معلوم ذكره على شرط أن يتركهم يدخل اليهم من الميرة ما يقوتهم حسب فأجابهم إلى ذلك وتحالفوا عليه ورفعوا أعلامهم إلى رأس القلعة وجعل ولد العادل بباب القلعة أميرا لا يترك يدخلها من الأطعمة إلا ما يكفيهم يوما بيوم فأعطى من بالقلعة ذلك الأمير شيئا فمكنهم من إدخال الذخائر الكثيرة فبينما هم كذلك إذ أتاهم خبر وصول نور الدين صاحب الموصل فقويت نفوسهم وعزموا على الامتناع فلما تقدم عسكره إلى ذيل جبل ماردين قدر الله تعالى أن الملك الكامل بن العادل نزل بعسكره من ربض ماردين إلى لقاء نور الدين وقتاله ولو اقاموا بالربض لم يمكن نور الدين ولا غيره الصعود اليهم ولا ازالتهم لكن نزلوا ليقضي الله أمرا كان مفعولا فلما أصحروا من 261 الجبل اقتتلوا وكان من عجيب الاتفاق ان قطب الدين صاحب سنجار كان قد واعد العسكر العادلي أن ينهزم إذا التقوا ولم يعلم بذلك أحدا من العسكر فقدر الله تعالى أنه لما نزل العسكر العادلي واصطفت العساكر للقتال الجأت قطب الدين الضرورة بالزحمة إلى أن وقف في سفح بجبل ماردين ليس اليه طريق للعسكر العادلي ولا يرى الحرب الواقعة بينهم وبين نور الدين ففاته ما أراده من الانهزام فلما التقى العسكران واقتتلوا حمل ذلك اليوم نور الدين بنفسه واصطلى الحرب الناس أنفسهم بين يديه فانهزم العسكر العادلي وصعدوا في الجبل الى الربض وأسر منهم كثير فحملوا إلى بين يدي نور الدين فأحسن اليهم ووعدهم الإطلاق إذا انفصلوا ولم يظن أن الملك الكامل ومن معه يرحلون عن ماردين سريعا فجاءهم أمر لم يكن في الحساب فإن الملك الكامل لما صعد إلى الربض رأى أهل القلعة قد نزلوا إلى الذين جعلوهم بالربض من العسكر فقاتلوهم ونالوا منهم ونهبوا فألقى الله الرعب في قلوب الجميع فأعملوا رأيهم على مفارقة الربض ليلا فرحلوا ليلة الاثنين سابع شوال وتركوا كثيرا من أثقالهم ورحالهم وما اعدوه فأخذه أهل القلعة ولو ثبت العسكر العادلي بمكانه لم يمكن أحدا أن يقرب منهم ولما رحلوا نزل صاحب ماردين حسام الدين يولق بن ايلغازي إلى نور الدين ثم عاد إلى حصنه وعاد أتابك إلى دنيسر ورحل عنها إلى رأس عين على عزم قصد حران وحصرها فأتاه رسول من الملك الظاهر يطلب الخطبة والسكة وغير ذلك فتغيرت نية نور الدين وفتر عزمه عن حصرها فعزم على العود إلى الموصل فهو يقدم إلى العود رجلا ويؤخر أخرى إذ اصابه مرض فتحقق عزم العود الى الموصل فعاد إليها وأرسل رسولا إلى الملك الأفضل والملك الظاهر يعتذر عن عوده بمرضه فوصل الرسول ثاني ذي الحجة إليهم وهم على دمشق وكان عود نور الدين من سعادة الملك العادل فإنه كان وكل من عنده ينتظرون ما يجيء من أخباره فإن من بحران استسلموا فقدر الله تعالى أنه عاد فلما عاد جاء الملك الكامل إلى حران وكان قد سار عن ماردين إلى ميافارقين فلما رجع نور الدين سار الكامل إلى حران وسار إلى أبيه بدمشق على ما ذكرناه فازداد به قوة والأفضل ومن معه ضعفا 262
ذكر الفتنة بفيروز وزكوه من خراسان
في هذه السنة كانت فتنة عظيمة بعسكر غياث الدين ملك الغور وغزنة وهو بفيروزكوه عمت الرعية والملوك والأمراء وسببها أن الفجر محمد بن عمر بن الحسين الرازي الإمام المشهور الفقيه الشافعي كان قدم إلى غياث الدين مفارقا لبهاء الدين سام صاحب باميان وهو ابن أخت غياث الدين فأكرمه غياث الدين واحترمه وبالغ في إكرامه وبنى له مدرسة بهراة بالقرب من الجامع فقصده الفقهاء من البلاد فعظم ذلك على الكرامية وهو كثيرون بهراة وأما الغورية فكلهم كرامية وكرهوه وكان أشد الناس عليه الملك ضياء الدين وهو ابن عم غياث الدين وزوج ابنته فاتفق أن حضر الفقهاء من الكرامية والحنفية والشافعية عند غياث الدين بفيروزكوه للمناظرة وحضر فخر الدين الرازي والقاضي مجد الدين عبد المجيد بن عمر المعروف بابن القدوة وهو من الكرامية الهيصمية وله عندهم محل كبير لزهده وعلمه وبيته فتكلم الرازي فاعترض عليه ابن القدوة وطال الكلام فقام غياث الدين فاستطال عليه الفخر وسبه وشتمه وبالغ في أذاه وابن القدوة لا يزيد على أن يقول لا يفعل مولانا وأخذك الله استغفر الله فانفصلوا على هذا وقام ضياء الدين في هذه الحادثة وشكر إلى غياث الدين وذم الفخر ونسبه إلى الزندقة ومذهب الفلاسفة فلم يصغ غياث الدين إليه فلما كان الغد وعظ ابن عمر المجد بن القدوة بالجامع فلما صعد المنبر قال بعد أن حمد اللخ وصلى على النبي ى إله إلا الله ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين أيها الناس إنا لا نقول إلا ما صح عندنا عن رسول الله وأما علم ارسطاطاليس وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلا نعلمها فلأي حال يشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين الله وعن سنة نبيه وبكى وضج الناس وبكى الكرامية واستغاثوا وأعابهم من يؤثر بعد الفخر الرازي عن السلطان وثار الناس من كل جانب وامتلأ البلد فتنة وكادوا يقتتلون ويجري ما يهلك فيه خلق كثير فبلغ ذلك السلطان فأرسل جماعة من عنده إلى الناس وسكنهم ووعدهم بإخراج الفخر من عندهم وتقدم إليه بالعود إلى هراة فعاد اليها
ذكر مسير خوارزم شاه إلى الري
في هذه السنة في ربيع الأول سار خوارزم شاه علاء الدين تكش إلى الري وغيرها 263 من بلاد الجبل لأنه بلغه أن نائبه بها مياجق قد تغير عن طاعته فسار إليه فخافه مياجق فجعل يفر من بين يديه وخوارزم شاه في طلبه يدعوه إلى الحضور عنده وهو يمتنع فاستأمن من أكثر أصحابه إلى خوارزم شاه وهرب هو فحصل بقلعة من أعمال مازندران فامتنع بها فسارت العساكر في طلبه فأخذ منها وأحضر بين يدي خوارزم شاه فأمر بحبسه بشفاعة أخيه أقجة وسيرت الخلع من الخليفة لخوارزم شاه ولولده قطب الدين محمد وتقليد ما بيده من البلاد فلبس الخلعة واشتغل بقتال الملاحدة فافتتح قلعة على باب قزوين تسمى أرسلان كشاه وانتقل الى حصار الموت فقتل عليها صدر الدين محمد بن الوزان رئيس الشافعية بالري وكان قد تقدم عنده نقدما عظيما قتله الملاحدة وعاد خوارزم شاه إلى خوارزم فوثب الملاحدة على وزيره نظام الملك مسعود بن علي فقتلوه في جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين فأمر تكش ولده قطب الدين بقصد الملاحدة فقصد قلعة ترشيش وهي من قلاعهم فحصرها فأذعنوا له بالطاعة وصالحوه على مائة ألف دينار ففارقها وإنما صالحهم لأنه بلغه خبر مرض أبيه وكانوا يراسلونه بالصلح فلا يفعل فلما سمع بمرض أبيه لم يرحل حتى صالحهم على المال المذكور والطاعة ورحل
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في ربيع الأول توفي مجاهد الدين قايماز رحمه الله بقلعة الموصل وهو الحاكم في دولة نور الدين والمرجوع إليه فيها وكان ابتداء ولايته قلعة الموصل في ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وولي إربل سنة تسع وخمسين وخمسمائة فلما مات زين الدين علي كوكج سنة ثلاث وستين بقي هو الحاكم فيها ومعه من يختاره من أولاد زين الدين ليس لواحد منهم معه حكم وكان عاقلا أديبا خبيرا فاضلا يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة ويحفظ من التاريخ والأشعار والحكايات شيئا كثيرا وكان كثير الصوم يصوم من كل سنة نحو أربعة أشهر وله أوراد كثيرة حسنة كل ليلة ويكثر الصدقة وكان له فراسة حسنة فيمن يستحق الصدقة ويعرف الفقير المستحق ويبرهم وبنى عدة جوامع منها الجامع الذي بظاهر الموصل بباب الجسر وبنى الربط والمدارس والخانات في الطرق وله من المعروف شيء كثير رحمه الله فلقد كان من محاسن الدنيا 264
وفيها فارق غياث الدين صاحب غزنة وبعض خراسان مذهب الكرامية وصار شافعي المذهب وكان سبب ذلك انه كان عنده إنسان يعرف بالفخر مبارك شاه يقول الشعر بالفارسية متفننا في كثير من العلوم فأوصل إلى غياث الدين الشيخ وجيه الدين أبا الفتح محمد بن محمود المروروذي الفقيه الشافعي فوضح له مذهب الشافعي وبين له فساد مذهب الكرامية فصار شافعيا وبنى المدارس للشافعية وبنى بغزنة مسجدا لهم أيضا وأكثر مراعاتهم فسعى الكرامية في أذى وجيه الدين فلم يقدرهم الله تعالى على ذلك وقيل إن غياث الدين وأخاه شهاب الدين لما ملكا في خراسان قيل لهما إن الناس في جميع البلاد يزرون على الكرامية ويحتقرونهم والرأي أن تفرقا مذاهبهم فصارا شافعيين وقيل إن شهاب الدين كان حنفيا والله أعلم
وفي هذه السنة توفي أبو القاسم يحيى بن علي بن فضلان الفقيه الشافعي وكان إماما فاضلا ودرس ببغداد وكان من أعيان أصحاب محمد بن يحيى نجي النيسابوري 265
ثم دخلت سنة ست وتسعين وخمسمائة
ذكر ملك العادل الديار المصرية
قد ذكرنا سنة خمس وتسعين حصر الأفضل والظاهر ولدي صلاح الدين دمشق ورحيلهما إلى رأس الماء على عزم المقام بحوران إلى أن يخرج الشتاء فلما أقاموا برأس الماء وجد العسكر بردا شديدا لأن البرد في ذلك المكان في الصيف موجود فكيف في الشتاء فتغير العزم على المقام واتفقوا على أن يعود كل إنسان منهم إلى بلده ويعودوا إلى الاجتماع فتفرقوا تاسع ربيع الأول فعاد الظاهر وصاحب حمص إلى بلادهما وسار الأفضل إلى مصر فوصل بلبيس فأقام بها ووصلته الأخبار بأن عمه الملك العادل قد سار من دمشق قاصدا مصر ومعه المماليك الناصرية وقد حلفوه أن يكون ولد الملك العزيز هو صاحب البلاد وهو المدبر للملك إلى أن يكبر فساروا على هذا وكان عسكره بمصر قد تفرق عن الأفضل من الخشبي فسار كل منهم إلى أقطاعه ليربعوا دوابهم فرام الأفضل جمعهم من أطراف البلاد فأعجله الأمر عن ذلك ولم يجتمع منهم إلا طائفة يسيرة ممن قرب أقطاعه ووصل العادل فأشار بعض الناس على الأفضل أن يخرب سور بلبيس ويقيم بالقاهرة وأشار غيرهم بالتقدم إلى اطراف البلاد ففعل ذلك فسار عن بلبيس ونزل موضعا يقال له السائح في طرف البلاد والتقى هو والعادل سابع ربيع الآخر فانهزم الأفضل ودخل القاهرة ليلا
وفي تلك الليلة توفي القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني كاتب الإنشاء لصلاح الدين ووزيره فحضر الأفضل الصلاة عليه وسار العادل فنزل على القاهرة وحصرها فجمع الأفضل من عنده من الأمراء واستشارهم فرأى منهم تخاذلا فأرسل رسولا إلى عمه في الصلح وتسليم البلاد وأخذ العوض عنها وطلب دمشق فلم يجبه فنزل عنها إلى حران والرها فلم يجبه فنزل إلى ميافارقين وحاني وجبل جور فأجابه إلى 266 ذلك وتحالفوا عليه وخرج الأفضل من مصر ليلة السبت ثامن عشر ربيع الآخر واجتمع بالعادل وسار إلى صرخد ودخل العادل إلى القاهرة يوم السبت ثامن عشر ربيع الآخر ولما وصل الأفضل إلى صرخد أرسل من تسلم ميافارقين وحاني وجبل جور فامتنع نجم الدين أيوب بن الملك العادل من تسليم ميافارقين وسلم ما عداها فترددت الرسل بين الأفضل والعادل في ذلك والعادل يزعم أن ابنه عصاه فأمسك عن المراسلة في ذلك لعلمه أن هذا فعل بأمر العادل ولما ثبت قدم العادل بمصر قطع خطبة الملك المنصور ابن الملك العزيز في شوال من السنة وخطب لنفسه وحاقق الجند في اقطاعاتهم واعترضهم في أصحابهم ومن عليهم من العسكر المقرر فتغيرت لذلك نياتهم فكان ما نذكره سنة سبع وتسعين إن شاء الله
ذكر وفاة خوارزم شاه
في هذه السنة في العشرين من رمضان توفي خوارزم شاه تكش بن أرسلان صاحب خوارزم وبعض خراسان والري وغيرها من البلاد الجبالية بشهر ستانة بين نيسابور وخوارزم وكان قد سار من خوارزم الى خراسان وكان به خوانيق فأشار عليه الأطباء بترك الحركة فامتنع وسار فلما بلغ شهرستانة اشتد مرضه ومات ولما اشتد مرضه أرسلوا إلى ابنه قطب الدين محمد يستدعونه ويعرفونه شدة مرض أبيه فسار إليهم وقد مات أبوه فولي الملك بعده ولقب علاء الدين لقب أبيه وكان لقبه قطب الدين وأمر فحمل أبوه ودفن بخوارزم في تربة عملها في مدرسة بناها كبيرة عظيمة وكان عادلا حسن السيرة له معرفة حسنة وعلم يعرف الفقه على مذهب أبي حنيفة ويعرف الأصول وكان ولده علي شاه بأصفهان فأرسل إليه أخوه خوارزم شاه محمد يستدعيه فسار إليه فنهب أهل أصفهان خزانته ورحله فلما وصل إلى أخيه ولاه حرب خراسان والتقدم على جندها وسلم إليه نيسابور وكان هندوخان ملك شاه بن خوارزم شاه تكش يخاف عمه محمدا فهرب منه ونهب كثيرا من خزائن جده تكش لما مات وكان معه وسار إلى مرو ولما سمع غياث الدين ملك غزنة وفاة خوارزم شاه أمر أن لا تضرب نوبته ثلاثة أيام وجلس للعزاء على ما بينهما من العداوة والمحاربة فعل 267 ذلك عقلا منه ومروءة ثم ان هندوخان جمع جمعا كثيرا بخراسان فسير إليه عمه خوارزم شاه جيشا مقدمهم جقر التركي فلما سمع هندوخان بمسيرهم هرب عن خراسان وسار إلى غياث الدين يستنجده على عمه فأكرم لقاءه وإنزله وأقطعه ووعده النصرة فأقام عنده ودخل جقر مدينة مرو وبها والدة هندوخان وأولاده فاستظهر عليهم وأعلم صاحبه فأمره بإرسالهم إلى خوارزم مكرمين فلما سمع غياث الدين ذلك أرسل إلى محمد بن جربك صاحب الطالقان يأمره أن يرسل إلى جقر يتهدده ففعل وسار من الطالقان فأخذ مرو الروذ والخمس قرى وتسمى بالفارسية بنج ده وأرسل إلى جقر يأمره بإقامة الخطبة بمرو لغياث الدين أو يفارق البلد فأعاد الجواب يتهدد ابن جربك ويتوعده وكتب إليه سرا يسأله أن يأخذ له أمانا من غياث الدين ليحضر خدمته فكتب الى غياث الدين بذلك فلما قرأ كتابه علم أن خوارزم شاه ليس له قوة فلهذا طلب جقر الانحياز إليه فقوي طمعه في البلاد وكتب إلى أخيه شهاب الدين يأمره بالخروج إلى خراسان ليتفقا على أخذ بلاد خوارزم شاه محمد
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في جمادى الآخرة وثب الملاحدة الإسماعيلية على نظام الملك مسعود بن علي وزير خوارزم شاه تكش فقتلوه وكان صالحا كثير الخير حسن السيرة شافعي المذهب بنى للشافعية بمرو جامعا مشرفا على جامع الحنفية فتعصب شيخ الإسلام وهو مقدم الحنابلة بها فيهم والرياسة وجمع الأوباش فأحرقه فأنفذ خوارزم شاه فأحضر شيخ الإسلام وجماعة ممن سعى في ذلك فأغرمهم مالا كثيرا
وينى الوزير أيضا مدرسة عظيمة بخوارزم وجامعا وجعل فيها خزانة كتب وله آثار حسنة بخراسان باقية ولما مات خلف ولدا صغيرا فاستوزره خوارزم شاه رعاية لحق أبيه فأشير عليه أن يستعفي فأرسل يقول إنني صبي لا أصلح لهذا المنصب الجليل فيولي السلطان فيه من يصلح له أن أكبر فإن كنت أصلح فأنا المملوك فقال خوارزم شاه لست اعفيك وأنا وزيرك فكن مراجعي في الأمور فإنه لا يقف منها شيء فاستحسن الناس هذا ثم إن الصبي لم تطل أيامه فتوفى قبل خوارزم شاه بيسير
وفي هذه السنة في ربيع الأول توفي شيخنا أبو الفرج عبد المنعم بن عبد الوهاب 268 ابن كليب الحراني المقيم ببغداد وله ست وتسعون سنة وشهران وكان عالي الإسناد في الحديث وكان ثقة صحيح السماع
وفي ربيع الآخر منها توفي القاضي عبد الرحيم البيساني الكاتب لم يكن في زمانه أحسن كتابة منه ودفن بظاهر مصر بالقرافة وكان دينا كثير الصدقة والعبادة وبه وقوف كثيرة على الصدقة وفك الأسارى وكان يكثر الحج والمجاورة مع اشتغاله بخدمة السلطان وكان السلطان صرح الدين يعظمة ويحترمه ويكرمه ويرجع إلى قوله رحمهما الله 269
ثم دخلت سنة سبع وتسعين وخمسمائة
ذكر ملك الملك الظاهر صاحب حلب منبج وغيرها من الشام وحصره هو وأخوه الأفضل مدينة دمشق وعودهما عنها
قد ذكرنا قبل ملك العادل ديار مصر وقطعه خطبة الملك المنصور ولد الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب وأنه لما فعل ذلك لم يرضه الأمراء المصريون وخبث نياتهم في طاعته فراسلوا أخويه الظاهر بحلب والأفضل بصرخد وتكررت المكاتبات والمراسلات بينهم يدعونهما إلى قصد دمشق وحصرها ليخرج الملك العادل اليهم فإذا خرج إليهم من مصر أسلموه وصاروا معهما فتملكا البلاد وكثر ذلك حتى فشا الخبر واتصل بالملك العادل وانضاف إلى ذلك أن النيل لم يزد بمصر الزيادة التي تركب الأرض ليزرع الناس فكثر الغلاء فضعفت قوة الجند وكان فخر الدين جهاركس قد فارق مصر إلى الشام هو وجماعة من المماليك الناصرية لحصار بانياس ليأخذها لنفسه بأمر العادل وكانت لأمير كبير تركي اسمه بشارة قد اتهمه العادل فأمر جهاركس بذلك وكان أمير من أمراء العادل يعرف بعز الدين اسامة قد حج هذه السنة فلما عاد من الحج وقارب صرخد نزل الملك الأفضل فلقيه وأكرمه ودعاه إلى نفسه فأجابه وحلف له وعرفه الأفضل جلية الحال وكان أسامة من بطانة العادل وإنما حلف لينكشف له الأمر فلما فارق الأفضل أرسل إلى العادل وهو بمصر يعرفه الخبر جميعه فأرسل إلى ولده الذي بدمشق يأمره بحصر الأفضل بصرخد وكتب إلى إياس جركس وميمون القصرى صاحب بلبيس وغيرهما من الناصرية يأمرهم بالاجتماع مع ولده على حصر الأفضل وسمع الأفضل الخبر فسار إلى أخيه الظاهر بحلب مستهل جمادى الأولى من السنة ووصل إلى حلب عاشر الشهر
وكان الظاهر قد أرسل أميرا كبيرا من أمرائه إلى عمه العادل فمنعه العادل من الوصول إليه وأمره بأن يكتب رسالته فلم يفعل وعاد لوقته فتحرك الظاهر لذلك وجمع 270 عسكره وقصد منبج فملكها السادس والعشرين من رجب وسار إلى قلعة نجم وحصرها فتسلمها سلخ رجب وأما الملك المعظم عيسى بن العادل المقيم بدمشق فإنه سار إلى بصرى وأرسل إلى جهاركس ومن معه وهم على بانياس بحصرونها يدعوهم إليه فلم يجيبوه إلى ذلك بل غالطوه فلما طال مقامه على بصرى عاد إلى دمشق وأرسل الأمير أسامة إليهم يدعوهم إلى مساعدته فاتفق أنه جرى بينه وبين البكاء الفارس بعض المماليك الكبار الناصرية منافرة أغلظ له البكاء القول وتعدى إلى الفعل باليد وثار العسكر جميعه على أسامة فاستذم بميمون فأمنه وأعاده إلى دمشق واجتمعوا كلهم عند الملك الظافر خضر بن صلاح الدين وأنزلوه من صرخد وأرسلوا إلى الملك الظاهر والأفضل يحثونهما على الوصول إليهم والملك الظاهر يتربص ويتعوق فوصل من منبج إلى حماة في عشرين يوما وأقام على حماة يحصرها وبها صاحبها ناصر الدين بن تقي الدين إلى تاسع عشر رمضان فاصطلحا وحمل له ابن تقي الدين ثلاثين ألف دينار صورية وساروا عنها الى حمص وسار منها إلى دمشق على طريق بعلبك فنزلوا عليها عند مسجد القدم فلما نزلوا على دمشق أتاهم المماليك الناصرية مع الملك الظافر خضر بن صلاح الدين وكانت القاعدة استقرت بين الظاهر وأخيه الأفضل أنهم إذا ملكوا دمشق تكون بيد الأفضل ويسيرون إلى مصر فإذا ملكوها تسلم الظاهر دمشق فيبقى الشام جميعه له وتبقى مصر للأفضل
وسلم الأفضل صرخد إلى زين الدين قراجة مملوك والده ليحضر في خدمته وأنزل والدته وأهله منها وسيرهم إلى حمص فأقاموا عند أسد الدين شيركوه صاحبها وكان الملك العادل قد سار من مصر إلى الشام فنزل على مدينة نابلس وسير جمعا من العسكر إلى دمشق ليحفظها فوصلوا قبل وصول الظاهر والأفضل وحضر فخر الدين جهاركس وغيره من الناصرية فوصلوا قبل وصول الظاهر والأفضل وزحفوا إلى دمشق وقاتلوها رابع عشر ذي القعدة واشتد القتال عليها فالتصق الرجال بالسور فأدركهم الليل فعادوا وقد قوي الطمع في أخذها ثم زحفوا إليها مرة ثانية وثالثة فلم يبق إلا ملكها لأن العسكر صعد إلى سطح خان ابن المقدم وهو ملاصق السور فلو لم يدركهم الليل لملكوا البلد فلما أدركهم الليل وهم عازمون على الزوحف بكرة وليس لهم عن البلد مانع حسد الظاهر أخاه الأفضل فأرسل إليه يقول له تكون دمشق له وبيده ويسير العساكر معه إلى مصر فقال له الأفضل قد علمت أن 271 والدتي وأهلي وهم أهلك أيضا على الأرض ليس لهم موضع يأوون إليه فاحسب أن هذا البلد لك تعيرنا إياه ليسكنها أهلي هذه المدة إلى أن يملك مصر فلم يجبه الظاهر في ذلك ولج فلما رأى الأفضل ذلك الحال قال للناصرية وكل من جاء إليهم من الجند إن كنتم جئتم إلي فقد أذنت لكم في العود إلى العادل وإن كنت جئتم إلى أخي الظاهر فأنتم وهو أخبر وكان الناس كلهم يريدون الأفضل فقالوا ما نريد سواك والعادل أحب إلينا من أخيك فأذن لهم في العود فهرب فخر الدين جهاركس وزير الدين قراجة الذي أعطاه الأفضل صرخد فمنهم من دخل دمشق ومنهم من عاد إلى أقطاعه فلما انفسخ الأمر عليهم عادوا إلى تجديد الصلح مع العادل فترددت الرسل بينهم واستقر الصلح على أن يكون للظاهر منبج وأفامية وكفر طاب وقرى معينة من المعرة ويكون للأفضل سميساط وسروج ورأس العين وحملين ورحلوا عن دمشق أول المحرم سنة ثمان وتسعين فقصد الأفضل حمص فأقام بها وسار الظاهر إلى حلب ووصل العادل إلى دمشق تاسع المحرم وسار الأفضل إليه من حمص فاجتمع به بظاهر دمشق وعاد من عنده إلى حمص وسار منها ليتسلم سميساط فتسلمها وتسلم باقي ما استقر له برأس العين وسروج وغيرها
ذكر ملك غياث الدين وأخيه ما كان لخوارزم شاه بخراسان
قد ذكرنا مسير محمد بن خرميل من الطالقان واستيلاءه على مروروذ وسؤال جقر التركي نائب علاء الدين محمد خوارزم شاه بمرو أن يكون في جملة عسكر غياث الدين ولما وصل كتاب ابن خرميل إلى غياث الدين في معنى جقر علم أن هذا إنما دعاه إلى الانتماء إليهم ضعف صاحبه فأرسل إلى أخيه شهاب الدين يستدعيه إلى خراسان فسار من غزنة في عساكره وجنوده وعدته وما يحتاج إليه وكان بهراة الأمير عمر بن محمد المرغني نائبا عن غياث الدين وكان يكره خروج غياث الدين إلى خراسان فأحضره غياث الدين واستشاره فأشار بالكف عن قصدها وترك المسير إليها فأنكر عليه ذلك وأراد إبعاده عنه ثم تركه ووصل شهاب الدين في عساكره 272 وعساكر سجستان وغيرها في جمادى الأولى من هذه السنة فلما وصلوا إلى ميمنة وهي قرية بين الطالقان وكرزيان وصل إلى شهاب الدين كتاب جقر مستحفظ مرو يطلبه ليسلمها اليه فاستأذن أخاه غياث الدين فأذن له فسار إليها فخرج أهلها مع العسكر الخوارزمي وقاتلوه فأمر أصحابه بالحملة عليهم والجد في قتالهم فحملوا عليهم فأدخلوهم البلد وزحفوا بالفيلة الى ان قاربوا السور فطلب أهل البلد الأمان فأمنهم وكف الناس عن التعرض إليهم وخرج جقر إلى شهاب الدين فوعده الجميل ثم حضر غياث الدين إلى مرو بعد فتحها فأخذ جقر وسيره إلى هراة مكرما وسلم مرو إلى هندوخان ابن ملك شاه بن خوارزم شاه تكش وقد ذكرنا هربه من عمه خوارزم شاه محمد بن تكش إلى غياث الدين ووصاه بالإحسان إلى أهلها
ثم سار غياث الدين إلى مدينة سرخس فأخذها صلحا وسلمها إلى الأمير زنكي بن مسعود وهو من أولاد عمه وأقطعه معها نساو أبيورد ثم سار بالعساكر إلى طوس فأراد الأمير الذي بها أن يمتنع فيها ولا يسلمها فأغلق باب البلد ثلاثة أيام فبلغ الخبر ثلاثة أمناء بدينار ركني فضج أهل البلد عليه فأرسل إلى غياث الدين يطلب الأمان فأمنه فخرج إليه فخلع عليه وسيره إلى هراة ولما ملكها أرسل إلى علي شاه بن خوارزم شاه تكش وهو نائب أخيه علاء الدين محمد بنيسابور يأمره بمفارقة البلد ويحذره إن أقام سطوة أخيه شهاب الدين وكان مع علي شاه عسكر من خوارزم شاه فاتفقوا على الامتناع من تسليم البلد وحصره وخربوا ما بظاهره من العمارة وقطعوا الأشجار وسار غياث الدين إلى نيسابور فوصل إليها أوائل رجب وتقدم عسكر أخيه شهاب الدين إلى القتال فلما رأى غياث الدين ذلك قال لولده محمود قد سبقنا عسكر غزنة بفتح مرو وهم يريدون يفتحون نيسابور فيحصلون بالإسم فاحمل إلى البلد ولا ترجع حتى تصل السور فحمل وحمل معه وجوه الغورية فلم يردهم أحد عن السور حتى اصعدوا علم غياث الدين اليه فلما رأى شهاب الدين علم أخيه على السور قال لأصحابه اقصدوا بنا هذه الناحية واصعدوا السور من ههنا وأشار إلى مكان فيه فسقط السور متهدما فضج الناس بالتكبير وذهل الخوارزميون وأهل البلد ودخل الغورية البلد وملكوه عنوة ونهبوه ساعة من نهار فبلغ الخبر إلى غياث الدين فأمر 273 بالنداء من نهب مالا أو آذى أحدا فدمه حلال فأعاد الناس ما نهبوه عن آخره ولقد حدثني بعض أصدقائنا من التجار وكان بنيسابور في هذه الحادثة نهب من متاعي شيء من جملته سكر فلما سمع العسكر النداء ردوا جميع ما أخذوا مني وبقي لي بساط وشيء من السكر مع جماعة فطلبته منهم فقالوا أما السكر فأكلناه فنسألك ان لا يسمع أحد وإن أردت ثمنه أعطيناك فقلت أنتم في حل منه ولم يكن البساط مع أولئك قال فمشيت الى باب البلد مع النظارة فرأيت البساط الذي لي قد ألقي عند باب البلد لم يجسر أحد يأخذه فأخذته وقلت هذا لي فطلبوا مني من يشهد به فأحضرت من شهد لي وأخذته ثم إن الخوارزميين تحصنوا بالجامع فأخرجهم أهل البلد فأخذهم الغورية ونهبوا مالهم وأخذ علي شاه بن خوارزم شاه وأحضر عند غياث الدين راجلا فأنكر ذلك على من أحضره وعظم الأمر فيه وحضرت دابة كانت لعلي شاه وقال لغياث الدين أهكذا يفعل بأولاد الملوك فقال لا بل هكذا وأخذ بيده وأقعده معه على السرير وطيب نفسه وسير جماعة الأمراء الخوارزمية إلى هراة تحت الاستظهار وأحضر غياث الدين ابن عمه وصهره على ابنة ضياء الدين محمد بن أبي الغوري وولاه حرب خراسان وخراجها ولقبه علاء الدين وجعل معه وجوه الغورية ورحل إلى هراة وسلم علي شاه إلى أخيه شهاب الدين وأحسن إلى أهل نيسابور وفرق فيهم مالا كثيرا
ثم رحل بعده شهاب الدين إلى ناحية قهستان فوصل إلى قرية فذكر له أن أهلها إسماعيلية فأمر بقتل المقاتلة ونهب الأموال وسبى الذراري وخرب القرية فجعلها خاوية على عروشها ثم سار إلى كناباد وهي من المدن التي جميع أهلها إسماعيلية فنزل عليها وحصرها فأرسل صاحب قهستان إلى غياث الدين يشكو أخاه شهاب الدين ويقول بيننا عهد فما الذي بدا منا حتى تحاصر بلدي واشتد خوف الإسماعيلية الذين بالمدينة من شهاب الدين فطلبوا الأمان ليخرجوا منه فأمنهم وأخرجهم وملك المدينة وسلمها إلى بعض الغورية فأقام بها الصلوات وشعار الإسلام ورحل شهاب الدين فنزل على حصن آخر للإسماعيلية وصل إليه رسول أخيه غياث الدين فقال الرسول معي تقدم من السلطان فلا يجري حردان فعلته فقال لا أرحل قال إذن أفعل ما أمرني قال افعل فسل سيفه وقطع اطناب سرادق شهاب الدين 274 وقال ارحل بتقدم السلطان فرحل شهاب الدين والعسكر وهو كاره إلى بلد الهند ولم يقم بغزنة غضبا لما فعله أخوه
ذكر قصد نور الدين بلاد العادل والصلح بينهما
في هذه السنة أيضا تجهز نور الدين أرسلان صاحب الموصل وجمع عساكره وسار إلى بلاد الملك العادل بالجزيرة حران والرها وكان سبب حركته أن الملك العادل لما ملك مصر على ما ذكرناه قبل اتفق نور الدين والملك الظاهر صاحب حلب وصاحب ماردين وغيرهما على أن يكونوا يدا واحدة متفقين على منع العادل عن قصد أحدهم فلما تجدد حركة الأفضل والظاهر أرسلا إلى نور الدين ليقصد البلاد الجزرية فسار عن الموصل في شعبان من هذه السنة وسار معه ابن عمه قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكي صاحب سنجار ونصيبين وصاحب ماردين ووصل إلى رأس العين وكان الزمان قيظا فكثرت الأمراض في عسكره وكان بحران ولد للعادل يلقب بالملك الفائز ومعه عسكر يحفظ البلاد فلما وصل نور الدين إلى رأس العين جاءت رسل الفائز ومن معه أكابر الأمراء يطلبون الصلح ويرغبون فيه وكان نور الدين قد سمع بأن الصلح بدأ يتم بين الملك العادل والملك الظاهر والأفضل وانضاف إلى ذلك كثرة الأمراض في عسكره فأجاب إليه وحلف الملك الفائز ومن عنده من أكابر الأمراء على القاعدة التي استقرت وحلفوا انهم يحلفون الملك العادل له فإن امتنع كانوا معه عليه وحلف هو للملك العادل وسارت الرسل من عنده ومن عند ولده في طلب اليمين من العادل فأجاب إلى ذلك وحلف له واستقرت القاعدة وامنت البلاد وعاد نور الدين إلى الموصل في ذي القعدة من السنة
ذكر ملك شهاب الدين نهرواله
لما سار شهاب الدين من خراسان على ما ذكرناه لم يقم بغزنة وقصد بلاد الهند وأرسل مملوكه قطب الدين أيبك إلى نهرواله فوصلها سنة ثمان وتسعين فلقيه عسكر الهنود فقاتلوه قتالا شديدا فهزمهم أيبك واستباح معسكرهم ومالهم فيه من الدواب وغيرها وتقدم إلى نهرواله فملكها عنوة وهرب ملكها فجمع وحشد فكثر جمعه وعلم شهاب الدين أنه لا يقدر على حفظها إلا بأن يقيم هو فيها ويخليها من 275 أهلها فيتعذر عليه ذلك فإن البلد عظيم هو اعظم بلاد الهند وأكثرهم أهلا فصالح صاحبها على ما يؤديه إليه عاجلا وآجلا وأعاد عساكره عنها وسلمها إلى صاحبها
ذكر ملك ركن الدين ملطية من أخيه وأرزن الروم
في هذه السنة في شهر رمضان ملك ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان مدينة ملطية وكانت لأخيه معز الدين قيصرشاه فسار إليه وحصره أياما وملكها وسار منها إلى ارزن الروم وكانت لولد الملك ابن محمد بن صلتق وهم ببيت قد ملكوا أرزن الروم مدة طويلة فلما سار اليها وقاربها خرج صاحبها اليه ثقة به ليقرر معه الصلح على قاعدة يؤثرها ركن الدين فقبض عليه واعتقله عنده وأخذ البلد وكان هذا آخر أهل بيته الذين ملكوا فتبارك الله الحي القيوم الذي لا يزول ملكه أبدا سرمدا
ذكر وفاة سقمان صاحب آمد وملك أخيه محمود
في هذه السنة توفي قطب الدين سقمان بن محمد بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان صاحب آمد وحصن كيفا سقط من سطح جوسق كان له بظاهر حصن كيفا فمات وكان شديد الكراهة لأخيه هذا والنفور عنه قد أبعده وأنزله حصن منصور في آخر بلادهم واتخذ مملوكا اسمه إياس فزوجه اخته وأحبه حبا شديدا وجعله ولي عهده فلما توفي ملك بعده عدة أيام وتهدد وزيرا كان لقطب الدين وغيره من أمراء الدولة فأرسلوا إلى أخيه محمود سرا يستدعونه فسار مجدا فوصل إلى آمد وقد سبقه اليها إياس مملوك أخيه فلم يقدم على الامتناع فتسلم محمود البلاد جميعها وملكها وحبس المملوك فبقي مدة محبوسا ثم شفع له صاحب بلاد الروم فأطلق من الحبس وسار إلى الروم فصار اميرا من أمراء الدولة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة اشتد الغلاء بالبلاد المصرية لعدم زيادة النيل وتعذرت الأقوات حتى أكل الناس الميتة وأكل بعضهم بعضا ثم لحقهم عليه وباء وموت كثير أفنى الناس
وفي شعبان تزلزلت الأرض بالموصل وديار الجزيرة كلها والشام ومصر وغيرها فأثرت في الشام آثارا قبيحة وخربت كثيرا من الدور بدمشق وحمص 276 وحماة وانخسفت قرية من قرى بصرى وأثرت في الساحل الشامي أثرا كثيرا فاستولى الخراب على طرابلس وصور وعكا ونابلس وغيرها من القلاع ووصلت الزلزلة إلى بلد الروم وكانت بالعراق يسيرة لم تهدم دورا
وفيها ولد ببغداد طفل له رأسان وذلك ان جبهته مفروقة بمقدار ما يدخل فيها ميل
وفي هذه السنة في شهر رمضان توفي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحنبلي الواعظ ببغداد وتصانيفه مشهورة وكان كثير الوقيعة في الناس لا سيما في العلماء المخالفين لمذهبه والموافقين له وكان مولده سنة عشر وخمسمائة
وفيها أيضا توفي عيسى بن نصير النميري الشاعر وكان حسن الشعر وله أدب وفضل وكان موته ببغداد وفيها توفي العماد أبو عبد الله محمد بن محمد بن حامد بن محمد بن عبد الله بن علي بن محمود بن هبة الله بن أله باللام المشددة المضمومة وهو العماد الكاتب الأصفهاني كتب لنور الدين محمود بن زنكي ولصلاح الدين يوسف بن أيوب رضي الله عنهما وكان كاتبا مفلقا قادرا على القول
وفيها جمع عبد الله بن حمزة العلوي المتغلب على جبال اليمن جموعا كثيرة فيها اثنا عشر ألف فارس ومن الرجالة ما لا يحصى كثرة وكان قد انضاف إليه من جند المعز بن إسماعيل بن سيف الإسلام طغدكين بن أيوب صاحب اليمن خوفا منه وأيقنوا بملك البلاد واقتسموها وخافهم ابن سيف الإسلام خوفا عظيما فاجتمع قواد عسكر ابن حمزة ليلا ليتفقوا على رأي يكون العمل بمقتضاه وكانوا اثني عشر قائدا فنزلت عليهم صاعقة أهلكتهم جميعهم فأتى الخبر ابن سيف الإسلام في باقي الليلة بذلك فسار اليهم مجدا فأوقع بالعسكر المجتمع فلم يثبتوا له وانهزموا بين يديه ووضع السيف فيهم فقتل منهم ستة آلاف قتيل أو اكثر من ذلك وثبت ملكه واستقر أمره
وفيها وقع في بني عنزة بأرض الشراة بين الحجاز واليمن وباء عظيم وكانوا يسكنون في عشرين قرية فوقع الوباء في ثمان عشرة قرية فلم يبق منهم أحد وكان الإنسان إذا قرب من تلك القرى يموت ساعة ما يقاربها فتحاماها الناس وبقيت إبلهم وأغنامهم لا مانع لها وأما القريتان الأخريان فلم يمت فيهما أحد ولا احسوا بشيء مما كان فيه أولئك 277
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة
ذكر ملك خوارزم شاه ما كان أخذه الغورية من بلاده
قد ذكرنا في سنة وتعسين ملك غياث الدين أوخيه شهاب الدين ما كان لخوارزم شاه محمد بن تكش بخراسان ومرو ونيسابور وغيرها وعودهما عنها بعد إن أقطعا البلاد ومسير شهاب الدين إلى الهند
فلما اتصل بخوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش عود العساكر الغورية عن خراسان ودخول شهاب الدين الهند أرسل إلى غياث الدين يعاتبه ويقول كنت اعتقد أن تخلف علي بعد أبي وان تنصرني على الخطا وتردهم عن بلادي فحيث لم تفعل فلا أقل من أن لا تؤذيني وتأخذ بلادي والذي أريده أن تعيد ما أخذته مني إلي وإلا انتصرت عليك بالخطا وغيرهم من الأتراك إن عجزت عن أخذ بلادي فإنني إنما شغلني عن منعكم عنها الاشتغال بعزاء والدي وتقرير أمر بلادي وإلا فما أنا بعاجز عنكم وعن أخذ بلادك خراسان وغيرها فغالطه غياث الدين في الجواب ليمهد الأيام بالمراسلات ويخرج أخوه شهاب الدين من الهند بالعساكر فإن غياث الدين كان عاجزا باستيلاء النقرس عليه
فلما وقف خوارزم شاه على رسالة غياث الدين أرسل إلى علاء الدين الغوري نائب غياث الدين بخراسان يأمره بالرحيل عن نيسابور ويتهدده إن لم يفعل فكتب علاء الدين إلى غياث الدين بذلك ويعرفه ميل أهل البلد إلى الخوارزميين فأعاد غياث الدين جوابه يقوي قلبه ويعده النصرة والمنع عنه وجمع خوارزم شاه عساكره وسار عن خوارزم نصف ذي الحجة سنة سبع وتسعين وخمسمائة فلما قارب نساوأبيورد هرب هندوخان ابن أخي ملك شاه من مرو إلى غياث الدين بفيروزكوه وملك خوارزم شاه مدينة مرو وسار إلى نيسابور وبها علاء الدين فحصره وقاتله قتالا شديدا وطال مقامه عليها وراسله غير مرة في تسليم البلد إليه وهو لا يجيب إلى ذلك انتظارا للمدد من غياث الدين فبقي نحو 278 شهرين فلما أبطأت عليه النجدة أرسل إلى خوارزم شاه يطلب الأمان لنفسه ولمن معه من الغورية وأنه لا يتعرض إليهم بحبس ولا غيره من الأذى فأجابه إلى ذلك وحلف لهم وخرجوا من البلد وأحسن خوارزم شاه إليهم ووصلهم بمال جليل وهدايا كثيرة وطلب من علاء أن يسعى في الصلح بينه وبين غياث الدين وأخيه فأجابه إلى ذلك وسار إلى هراة وفيها إقطاعه ولم يمض إلى غياث الدين تجنيا عليه لتأخر أمداده
ولما خرج الغورية من نيسابور أحسن خوارزم شاه إلى الحسين بن خرميل وهو من أعيان أمرائهم زيادة على غيره وبالغ في إكرامه فقيل إنه من ذلك اليوم استحلفه لنفسه وأن يكون معه بعد غياث الدين وأخيه شهاب الدين ثم سار خوارزم شاه إلى سرخس وبها الأمير زنكي فحصره أربعين يوما وجرى بين الفريقين حروب كثيرة فضاقت الميرة على أهل البلد لا سيما الحطب فأرسل زنكي إلى خوارزم شاه يطلب منه أن يتأخر عن باب البلد حتى يخرج هو وأصحابه ويترك البلد له فراسله خوارزم شاه في الاجتماع به ليحسن إليه وإلى من معه فلم يجبه إلى ذلك واحتج بقرب نسبه من غياث الدين فأبعد خوارزم شاه عن باب البلد بعساكره فخرج زنكي فأخذ منه من كان قد ضاق به الأمر وكتب إلى خوارزم شاه العود أحمد فندم حيث لم ينفعه الندم ورحل عن البلد وترك عليه جماعة من الأمراء يحصرونه فلما أبعد خوارزم شاه سار محمد بن جربك من الطالقان وهو من أمراء الغورية وأرسل إلى زنكي أمير سرخس يعرفه أنه يريد يكبس الخوارزميين لئلا ينزعج إذا سمع الغلبة وسمع الخوارزميون الخبر ففارقوا سرخس وخرج زنكي ولقي محمد بن جربك وعسكرا في مرو الروذ وأخذ أخراجها وما يجاورها فسير اليهم خوارزم شاه عسكرا مع خاله فلقيهم محمد بن جربك وقاتلهم وحمل بلت في يده على صاحب علم الخوارزمية فضربه فقتله وألقى علمهم وكسر كوساتهم فانقطع صوتها عن العسكر ولم يروا أعلامهم فاهزموا وركبهم الغورية قتلا وأسرا نحو فرسخين فكانوا ثلاثة آلاف فارس وابن جربك في تسعمائة فارس وغنم جميع معسكرهم فلما سمع خوارزم شاه ذلك عاد إلى خوارزم وأرسل إلى غياث الدين في الصلح فأجابه عن رسالته مع أمير كبير من الغورية يقال له الحسين بن محمد المرغني ومرغن من قرى الغور فقبض عليه خوارزم شاه 279
ذكر حصر خوارزم شاه هراة وعوده عنها
لما أرسل خوارزم شاه إلى غياث الدين في الصلح وأجابه عن رسالته مع الحسين المرغني مغالطا قبض خوارزم شاه على الحسين وسار إلى هراة ليحاصرها فكتب الحسين إلى أخيه عمر بن محمد المرغني أمير هراة يخبره بذلك فاستعد للحصار وكان سبب قصد خوارزم شاه حصار هراة ان رجلين اخوين ممن كان يخدم محمدا سلطان شاه اتصلا بغياث الدين بعد وفاة سلطان شاه فأكرمهما غياث الدين وأحسن إليهما يقال لأحدهما الأمير الحاجي فكاتبا خوارزم شاه وأطمعاه في البلد وضمنا له تسليه إليه فسار لذلك ونازل المدينة وحصرها فسلم الأمير عمر المرغني أمير البلد مفاتح الأبواب إليهما وجعلهما على القتال ثقة منه بهما وظنا منه أنهما عدوا خوارزم شاه تكش وابنه محمد بعده فاتفق أن بعض الخوارزمية أخبر الحسين المرغني عند خوارزم شاه بحال الرجلين وأنهما هما اللذان يدبران خوارزم شاه ويأمرانه بما يفعل فلم يصدقه وأتاه بخط الأمير حاجي فأخذه وأرسله إلى أخيه عمر أمير هراة فأخذهما واعنقلهما وأخذ اصحابهما ثم إن ألب غازي وهو ابن اخت غياث الدين جاء في عسكر من الغورية فنزل على خمسة فراسخ من هراة فكان يمنع الميرة عن عسكر خوارزم شاه ثم إن خوارزم شاه سير عسكرا إلى أعمال الطالقان للغارة عليها فلقيهم الحسن بن جربك فقاتلهم فظفر بهم فلم يفلت منهم أحد
وسار غياث الدين عن فيروزكوه إلى هراة في عسكره فنزل برباط رزين بالقرب من هراة ولم يقدم على خوارزم شاه لقلة عسكره لأن أكثر عساكره كانت مع أخيه بالهند وغزنة فأقام خوارزم شاه على هراة أربعين يوما وعزم على الرحيل لأنه بلغه انهزم أصحابه بالطالقان وقرب غياث الدين وكذلك أيضا قرب ألب غازي وسمع أيضا أن شهاب الدين قد خرج من الهند إلى غزنة وكان وصوله اليها في رجب من هذه السنة فخاف أن يصل بعساكره فلا يمكنه المقام على البلد فأرسل إلى أمير البلد عمر المرغني فصالحه على مال حمله إليه وارتحل عن البلد وأما شهاب الدين فإنه لما وصل إلى غزنة بلغه الخبر بما فعله خوارزم شاه بخراسان وملكه لها فسار إلى خراسان فوصل إلى بلخ ومنها إلى باميان ثم إلى مرو عازما على حرب خوارزم شاه وكان نازلا هناك فالتقت أوائل عسكريهما واقتتلوا قتالا شديدا فقتل من الفريقين خلق كثير ثم إن خوارزم شاه ارتحل عن مكانه شبه المنهزم وقطع القناطر وقتل الأمير سنجر صاحب نيسابور لأنه 280 اتهمه بالمخامرة عليه وتوجه شهاب الدين إلى طوس فأقام بها تلك الشتوة على عزم المصير إلى خوارزم ليحصرها فأتاه الخبر بوفاة أخيه غياث الدين فقصد هراة وترك ذلك العزم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة درس مجد الدين أبو علي يحيى بن الربيع الفقيه الشافعي بالنظامية ببغداد في ربيع الأول
وفيها توفيت بنفشه جارية الخليفة المستنصر بأمر الله وكان كثير الميل إليها والمحبة لها وكانت كثيرة المعروف والإحسان والصدقة
وفيها ايضا توفي الخطيب عبد الملك بن زيد الدولعي خطيب دمشق وكان فقيها شافعيا والدولعية قرية من أعمال الموصل 281
ثم دخلت سنة تسع وتسعين وخمسمائة
ذكر حصر العادل ماردين وصلحه مع صاحبها
في هذه السنة في المحرم سير الملك العادل أبو بكر بن أيوب صاحب دمشق ومصر عسكرا مع ولده الملك الأشرف موسى إلى ماردين فحصروها وشحنوا على أعمالها وانضاف إليه عسكر الموصل وسنجار وغيرهما ونزلوا بخرزم تحت ماردين ونزل عسكر من قلعة البارعية وهي لصاحب ماردين يقطعون الميرة عن العسكر العادلي فسار إليهم طائفة من العسكر العادلي فاقتتلوا فانهزم عسكر البارعية وثار التركمان وقطعوا الطريق في تلك الناحية وأكثروا الفساد فتعذر سلوك الطريق إلا لجماعة من أرباب السلاح فسار طائفة من العسكر العادلي إلى رأس العين لإصلاح الطريق وكف عادية الفساد وأقام ولد العادل ولم يحصل له غرض فدخل الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف صاحب حلب في الصلح بينهم وأرسل إلى عمه العادل في ذلك فأجاب إليه على قاعدة أن يحمل له صاحب ماردين مائة وخمسين ألف دينار فجاء صرف الدينار أحد عشر قيراطا من أميري ويخطب له ببلاده ويضرب اسمه على السكة ويكون عسكره في خدمته أي وقت طلبه وأخذ الظاهري عشرين ألف دينار من النقد المذكور وقرية القرادي من أعمال شيختان فرحل ولد العادل عن ماردين
ذكر وفاة غياث الدين ملك الغور وشيء من سيرته
في هذه السنة في جمادى الأولى توفي غياث الدين أبو الفتح محمد بن سام الغوري صاحب غزنة وبعض خراسان وغيرها وأخفيت وفاته وكان أخوه شهاب الدين بطوس عازما على قصد خوارزم شاه فأتاه الخبر بوفاة أخيه فسار إلى هراة فلما وصل إليها جلس للعزاء بأخيه في رجب وأظهرت وفاته حينئذ وخلف غياث الدين من الولد 282 ابنا اسمه محمود لقب بعد موت أبيه غياث الدين وسنورد من أخباره كثيرا
ولما سار شهاب الدين من طوس استخلف بمرو الأمير محمد بن جربك فسار إليه جماعة من الأمراء الخوارزمية فخرج إليهم محمد ليلا وبيتهم فلم ينج منهم إلا القليل وأنفذ الأسرى والرؤوس إلى هراة فأمر شهاب الدين بالاستعداد لقصد خوارزم على طريق الرمل وجهز خوارزم شاه جيشا وسيرهم مع برفور التركي الى قتال محمد بن جربك فسمع بهم فخرج إليهم ولقيهم على عشرة فراسخ من مرو فاقتتلوا قتالا شديدا قتل بين الفريقين خلق كثير وانهزم الغورية ودخل محمد بن جربك مرو في عشرة فرسان وجاء الخوارزميون فحصروه خمسة عشر يوما فضعف عن الحفظ فأرسل في طلب الأمان فحلفوا له إن خرج إليهم على حكمهم أنهم لا يقتلونه فخرج فقتلوه وأخذوا كل ما معه وسمع شهاب الدين الخبر فعظم عليه وترددت الرسل بينه وبين خوارزم شاه فلم يستقر الصلح وأراد العود إلى غزنة فاستعمل على هراة ابن أخيه ألب غازي وفلك الملك علاء الدين محمد بن أبي علي الغوري على مدينة فيروزكوه وجعل إليه حرب خراسان وأمر كل ما يتعلق بالمملكة وأتاه محمد ابن أخيه غياث الدين فولاه مدينة بست واسفرار وتلك الناحية وجعله بمعزل من الملك جميعه ولم يحسن الخلافة عليه بعد أبيه ولا على غيره من أهله فمن جملة فعله أن غياث الدين كانت له زوجة كانت مغنية فهويها وتزوجها فلما مات غياث الدين قبض عليها وضربها ضربا مبرحا وضرب ولدها غياث الدين وزوج أختها وأخذ أموالهم وأملاكهم وسيرهم ألى بلد الهند فكانوا في أقبح صورة وكانت قد بنت مدرسة ودفنت فيها أباها وأمها وأخاها فهدمها ونبش قبور الموتى ورمى بعظامهم منها وأما سيرة غياث الدين وأخلاقه فإنه كان مظفرا منصورا في حروبه لم تهزم له راية قط وكان قليل المباشرة للحروب وإنما كان له دهاء ومكر وكان جوادا حسن الاعتقاد كثير الصدقات والوقوف بخراسان بنى المساجد والمدارس بخراسان لأصحاب الشافعي وبنى الخانكاهات في الطرق وأسقط المكوس ولم يتعرض إلى أحد من الناس ومن مات ببلده يسلم ماله إلى أهل بلده من التجار فإن لم يجد أحدا يسلمه إلى القاضي ويختم عليه إلى أن يصل من يأخذه بمقتضى الشرع وكان إذا وصل إلى بلد عم إحسانه أهله والفقهاء وأهل الفضل يخلع عليهم ويفرض لهم الأعطيات كل سنة من خزانته ويفرق الأموال في الفقراء وكان يراعي كل من وصل إلى حضرته من العلويين والشعراء 283 وغيرهم وكان فيه فضل غزير وأدب مع حسن خط وبلاغة وكان رحمه الله ينسخ المصاحف بخطه ويوقفها الى المدارس التي بناها ولم يظهر منه تعصب على مذهب ويقول التعصب في المذاهب من الملك قبيح إلا أنه كان شافعي المذهب
فهو يميل إلى الشافعية من غير أن يطمعهم في غيرهم ولا أعطاهم ما ليس لهم
ذكر أخذ الظاهر قلعة نجم من أخيه الأفضل
في هذه السنة أخذ الظاهر غازي قلعة نجم من أخيه الأفضل وكانت في جملة ما أخذ من العادل لما صالحه سنة سبع وتسعين فلما كان هذه السنة أخذ العادل من الأفضل سروج وحملين ورأس العين وبقي بيده سميساط وقلعة نجم فأرسل الظاهر اليه يطلب منه قلعة نجم وضمن له أنه يشفع إلى عمه العادل في إعادة ما أخذ منه فلم يعطه فتهدده بأن يكون ألبا عليه ولم تزل الرسل تتردد حتى سلمها إليه في شعبان وطلب منه أن يعوضه قرى أو مالا فلم يفعل وكان هذا من أقبح ما سمع عن ملك يزاحم أخاه في مثل قلعة نجم مع خستها وحقارتها وكثرة بلاده هو وعدمها لأخيه وأما العادل فإنه لما أخذ سروج ورأس العين من الأفضل أرسل والدته إليه لتسأل في ردها فلم يشفعها وردها خائبة ولقد عوقب البيت الصلاحي بما فعله أبوهم مع البيت الأتابكي فإنه لما قصد حصار الموصل سنة ثمانين وخمسمائة أرسل صاحب الموصل والدته وابنه عم نور الدين إليه يسألانه أن يعود فلم يشفعهما فجرى لأولاده هذا وردت زوجته خائبة كما فعل ولما رأى الأفضل عمه وأخاه قد أخذا ما كان بيده أرسل إلى ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان صاحب ملطية وقونية وما بينهما من البلاد يبذل له الطاعة وأن يكون في خدمته ويخطب له ببلده ويضرب السكة باسمه فأجابه ركن الدين إلى ذلك وأرسل له خلعة فلبسها الأفضل وخطب له بسميساط في سنة ستمائة وصار في جملته
ذكر ملك الكرج مدينة دوين
في هذه السنة استولى الكرج على مدينة دوين من أذربيجان ونهبوها واستباحوها وأكثروا في أهلها وكانت هي وجميع بلاد أذربيجان للأمير أبي بكر بن البهلوان وكان على عادته مشغولا بالشرب ليلا ونهارا لا يفيق ولا يصحو ولا ينظر في أمر مملكته 284 ورعيته وجنده قد ألقى الجميع عن قلبه وسلك طريق من ليس له علاقة وكان أهل تلك البلاد قد أكثرت الاستغاثة اليه وإعلامه بقصد الكرج بلادهم بالغارة مرة بعد أخرى فكأنهم ينادون صخرة صماء فلما حصر الكرج هذه السنة مدينة دوين سار منهم جماعة يستغيثون فلم يغثهم وخوفه جماعة من أمراءه عاقبة إهماله وتوانيه وإصراره ما هو فيه فلم يصغ إليهم فلما طال الأمر على أهلها ضعفوا وعجزوا وأخذهم الكرج عنوة بالسيف وفعلوا ما ذكرنا ثم إن الكرج بعد أن استقر أمرهم بها أحسنوا إلى من بقي من أهلها فالله تعالى ينظر إلى المسلمين ويسهل لثغورهم من يحفظها ويحميها فإنها مستباحة لا سيما هذه الناحية فإنا لله وإنا إليه راجعون فقد بلغنا من فعل الكرج بأهل دوين من القتل والسبي والأمر ما تقشعر منه الجلود
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة أحضر الملك العادل محمدا ولد العزيز صاحب مصر إلى الرها وذلك انه لما قطع خطبته من مصر سنة ست وتسعين كما ذكرناه خاف شيعة أبيه أن يجتمعوا عليه ويصير له معهم فتنة فأخرجه سنة ثمان وتسعين إلى دمشق ثم نقله هذه السنة إلى الرها فأقام بها ومعه جميع إخوته وأخواته ووالدته ومن يخصه
وفيها في رجب توفي الشيخ وجيه الدين محمد بن محمود المروروذي الفقيه الشافعي وهذا الذي كان السبب في أن صار غياث الدين شافعيا
وفي ربيع الأول منها توفي أبو الفتح عبيد الله بن أبي المعمر الفقيه الشافعي المعروف بالمستملي ببغداد وله حظ حسن
وفي ربيع الآخر توفيت زمرد خاتون أم الخليفة الناصر لدين الله وأخرجت جنازتها ظاهرة وصلى الخلق الكثير عليها ودفنت في التربة التي بنتها لنفسها وكانت كثيرة المعروف 285
ثم دخلت سنة ستمائة
ذكر حصار خوارزم شاه هراة ثانية
في هذه السنة أول رجب وصل خوارزم شاه محمد إلى مدينة هراة فحصرها وبها ألب غازي ابن اخت شهاب الدين الغوري ملك غزنة بعد مراسلات جرت بينه وبين شهاب الدين في الصلح فلم يتم وكان شهاب الدين قد سار عن غزنة إلى لهاوور عازما على غزو الهند فأقام خوارزم شاه على حصار هراة إلى سلخ شعبان وكان القتال دائما والقتل من الفريقين كثير وممن قتل رئيس خراسان وكان كبير القدر يقيم بمشهد طوس وكان الحسين بن خرميل بكرزيان وهي أقطاعه فأرسل إلى خوارزم شاه يقول له ارسل إلي عسكرا لنسلم إليهم الفيلة وخزانة شهاب الدين فأرسل إليه ألف فارس من أعيان عسكره إلى كرزيان فخرج عليه هو والحسين بن محمد الميرغني فقتلوهم إلا القليل فبلغ الخبر إلى خوارزم شاه فسقط ما في يديه وندم على إنفاذ العسكر وأرسل إلى ألب غازي يطلب منه أن يخرج إليه من البلد ويخدمه خدمة سلطانية ليرحل عنه فلم يجبه إلى ذلك فاتفق أن ألب غازي مرض واشتد مرضه فخاف أن يشتغل بمرضه فيملك خوارزم شاه البلد فأجاب إلى ما طلب منه واستحلفه على الصلح وأهدى له هدية جليلة وخرج من البلد ليخدمه فسقط إلى الأرض ميتا ولم يشعر أحد بذلك وارتحل خوارزم شاه عن البلد وأحرق المجانيق وسار إلى سرخس فأقام بها
ذكر عود شهاب الدين من الهند وحصر خوارزم وانهزامه من الخطا
في هذه السنة في رمضان عاد شهاب الدين الغوري الى خراسان من قصد الهند 286 وسبب ذلك أنه بلغه حصر خوارزم شاه هراة وموت ألب غازي نائبه بها فعاد حنقا على خوارزم شاه فلما بلغ ميمند عدل إلى طريق أخرى قاصدا إلى خوارزم فأرسل خوارزم شاه يقول له ارجع إلي لأحاربك وإلا سرت إلى هرة ومنها إلى غزنة وكان خوارزم شاه قد سار من سرخس إلى مرو فأقام بظاهرها فأعاد إليه شهاب الدين جوابه لعلك تنهزم كما فعلت تلك الدفعة لكن خوارزم تجمعنا ففرق خوارزم شاه عساكره وأحرق ما جمعه من العلف ورحل يسابق شهاب الدين إلى خوارزم فسبقه إليها فقطع الطريق وأجرى المياه فيها فاعذر على شهاب الدين سلوكها وأقام أربعين يوما يصلحها حتى أمكنه الوصول إلى خوارزم والتقى العسكران بسوقرا ومعناه الماء الأسود فجرى بينهم قتال شديد كثرت القتلى فيه بين الفريقين وممن قتل من الغورية الحسين المرغني وغيره وأسر جماعة من الخوارزمية فأمر شهاب الدين بقتلهم فقتلوا
وأرسل خوارزم شاه إلى الأتراك الخطا يستنجدهم وهم حينئذ أصحاب ما وراء النهر فاستعدوا وساروا إلى بلاد الغورية فلما بلغ شهاب الدين ذلك عاد عن خوارزم فلقي أوائلهم في صحراء اندخوي أول صفر سنة إحدى وستمائة فقتل فيهم وأسر كثيرا فلما كان اليوم الثاني دهمه من الخطا ما لا طاقة له بهم
فانهزم المسلمون هزيمة قبيحة وبقي شهاب الدين في نفر يسير وقتل بيده أربعة أفيال له لأنها أعيت وأخذ الكفار فيلين ودخل شهاب الدين اندخوي فيمن معه وحصره الكفار ثم صالحوه على أن يعطيهم فيلا آخر ففعل وخلص ووقع الخبر في جميع بلاده بأنه قد عدم وكثرت الأراجيف بذلك ثم وصل إلى الطالقان في سبعة نفر وقد قتل أكثر عسكره ونهبت خزائنه جميعها فلم يبق منها شيء فأخرج له الحسين بن خرميل صاحب الطالقان خياما وجميع ما يحتاج إليه وسار إلى غزنة وأخذ معه الحسين بن خرميل لأنه قيل له عنه إنه شديد الخوف لانهزامه وانه قال إذا سار السلطان هربت إلى خوارزم شاه فأخذه معه وجعله أمير حاجب ولما شرع الخبر بقتل شهاب الدين جمع تاج الدين الدز وهو مملوك اشتراه شهاب الدين أصحابه وقصد قلعة غزنة ليصعد اليها فمنعه مستحفظها فعاد إلى داره فأقام بها وأفسد الخلج وسائر المفسدين في البلاد وقطعوا الطرق وقتلوا كثيرا فلما عاد شهاب الدين إلى غزنة بلغه ما فعله الدر فأراد قتله فشفع فيه سائر المماليك فأطلقه ثم اعتذر وسار شهاب الدين في البلاد 287 فقتل من المفسدين من تلك الأمم نفرا كثيرا وكان له ايضا مملوك آخر اسمه أيبك بال تر فسلم من المعركة ولحق بالهند ودخل المولتان وقتل نائب السلطان بها وملك البلد وأخذ الأموال السلطانية وأساء السيرة في الرعية وأخذ أموالهم وقال قتل السلكان وأنا السلطان وكان يحمله على ذلك ويحسنه له إنسان اسمه عمر بن يزان وكان زنديقا ففعل ما أمره وجمع المفسدين وأخذ الأموال فأخاف الطريق فبلغ خبره إلى شهاب الدين فسار إلى الهند وأرسل إليه عسكرا فأخذوه ومعه عمر بن يزان فقتلهما أقبح قتلة وقتل من وافقهما في جمادى الآخرة من سنة إحدى وستمائة ولما رأهم قتل قرأ (
إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ) الآية وأمر شهاب الدين في جميع بلاده بالتجهز لقتال الخطا وغزوهم والأخذ بثارهم وقيل كان سبب انهزامه أنه لما عاد إلى الخطا من خوارزم فرق عسكره في المفازة التي في طريقه لقلة الماء وكان الخطا قد نزلوا على طرف المفازة فكلما خرج من أصحابه طائفة فتكوا فيهم بالقتل والأسر ومن سلم من عسكره انهزم نحو البلاد ولم يرجع إليه أحد يعلم الحال وجاء شهاب الدين في ساقة العسكر في عشرين ألف فارس ولم يعلم الحال فلما خرج من البرية لقيه الخطا مستريحين وهو ومن معه قد تعبوا وأعيوا وكان الخطا اضعاف أصحابه فقاتلهم عامة نهاره وحمى نفسه منهم وحصروه في اندخوي فجرى بينهم في عدة أيام ربعة عشر مصافا منها مصاف واحد كان من العصر إلى بكرة الغد ثم إنه بعد ذلك سير طائفة من عسكره ليلا سرا وأمرهم أن يرجعوا إليه بكرة كأنهم قد أتوه مددا من بلاده فلما فعلوا ذلك خافه الخطا وقال لهم صاحب سمرقند وكان مسلما وهو في طاعة الخطا وقد خاف على الإسلام والمسلمين ان هم ظفروا بشهاب الدين فقال لهم إن هذا الرجل لا نجد قط أضعف منه لما خرج من المفازة ومع ضعفه وتعبه وقلة من معه لم نظفر به والأمداد أتته وكأنكم بعساكره وقد أقبلت من كل طريق وحينئذ نطلب الخلاص منه فلا نقدر عليه والرأي لنا الصلح معه فأجابوا إلى ذلك فأرسلوا إليه في الصلح وكان صاحب سموقند قد أرسل إليه وعرفه الحال سرا وأمره بإظهار الامتناع من الصلح أولا والاجابة اليه اخيرا فلما أتته الرسل امتنع واظهر القوة بانتظار الأمداد وطال الكلام فاصطلحوا على أن الخطا لا يعبرون النهر إلى بلاده ولا يعبر إلى 288 بلادهم ورجعوا عنه وخلص هو وعاد إلى بلاده والباقي نحو ما تقدم
ذكر قتل طائفة من الاسماعيلية بخراسان
في هذه السنة وصل رسول الى شهاب الدين الغوري من عند مقدم الاسماعيلية بخراسان برسالة أنكرها فأمر علاء الدين محمد بن أبي علي متولي بلاد الغورية بالمسير إليهم ومحاصرة بلادهم فسار في عساكر كثيرة إلى قهستان وسمع به صاحب زوزن فقصده وسار معه وفارق خدمة خوارزم شاه ونزل علاء الدين على مدينة قاين وهي للاسماعيلية وحصرها وضيق على أهلها ووصل خبر قتل شهاب الدين على ما نذكره فصالح أهلها على ستين ألف دينار ركنية ورحل عنهم وقصد حصن كاخك فأخذوه وقتل المقاتلة وسبى الذرية ورحل إلى هراة ومنها إلى فيروزكوه
ذكر ملك القسطنطينية من الروم
في هذه السنة في شعبان ملك الفرنج مدينة القسطنطينية من الروم وأزالوا ملك الرزم عنها وكان سبب ذلك أن ملك الروم بها تزوج أخت ملك إفرنسيس وهو من أكبر ملوك الفرنج فرزق منها ولدا ذكرا ثم وثب على الملك أخ له فقبض عليه وملك البلد منه وسمل عينيه وسجنه فهرب ولده ومضى إلى خاله مستنصرا به على عمه فاتفق ذلك وقد اجتمع كثير من الفرنج ليخرجوا إلى بلاد الشام لاستنقاذ البيت المقدس فأخذوا ولد الملك معهم وجعلوا طريقهم على القسطنطينية قصدا لإصلاح الحال بينه وبين عمه ولم يكن له طمع في سوى ذلك فلما وصلوا خرج عمه في عسكر الروم محاربا لهم فوقع القتال بينهم في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وخمسمائة فانهزمت الروم ودخلوا البلد فدخله الفرنج معهم فهرب ملك الروم إلى أطراف البلاد وقيل إن ملك الروم لم يقاتل الفرنج بظاهر البلد وإنما حصروه فيها وكان بالقسطنطينية من الروم من يريد الصبي فألقوا النار في البلد فاشتغل الناس بذلك ففتحوا بابا من أبواب المدينة فدخلها الفرنج وخرج ملكها هاربا وجعل الفرنج الملك في ذلك الصبي وليس له من الحكم شيء وأخرجوا أباه من السجن إنما الفرنج هم الحكام في البلد فثقلوا الوطأة على أهله وطلبوا منهم أموالا عجزوا عنها وأخذوا أموال البيع وما فيها من ذهب ونقرة وغير ذلك حتى ما على الصلبان وهو على صورة المسيح عليه السلام والحواريين وما على الأناجيل من 289 ذلك أيضا فعظم ذلك على الروم وحملوا منه خطبا عظيما فعمدوا إلى ذلك الصبي الملك فقتلوه وأخرجوا الفرنج من البلد وأغلقوا الأبواب واستحضروا ذلك وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ستمائة فأقام الفرنج بظاهره محاصرين للروم وقاتلوهم ولازموا قتالهم ليلا ونهارا وكان الروم قد ضعفوا ضعفا كثيرا فأرسلوا إلى السلطان ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان صاحب قونية وغيرها من البلاد يستنجدونه فلم يجد إلى ذلك سبيلا وكان بالمدينة كثير من الفرنج مقيمين يقاربون ثلاثين ألفا ولعظم البلد لا يظهر أمرهم فتواضعوا هم والفرنج الذين بظاهر البلد ووثبوا فيه وألقوا النار مرة ثانية فاحترق نحو ربع البلد وفتحوا الأبواب فدخلوها ووضعوا السيف ثلاثة أيام وفتكوا بالروم قتلا ونهبا فأصبح الروم كلهم ما بين قتيل أو فقير لا يملك شيئا ودخل جماعة من أعيان الروم الكنيسة العظمى التي تدعى سوفيا فجاء الفرنج إليها فخرج إليهم جماعة من القسيسين والأساقفة والرهبان بأيديهم الإنجيل والصليب يتوسلون بها إلى الفرنج ليبقوا عليهم فلم يلتفتوا إليهم وقتلوهم أجمعين ونهبوا الكنيسة وكانوا ثلاثة مملوك ودوقس البنادقة وهو صاحب المراكب البحرية وفي مراكبه ركبوا إلى القسطنطينية وهو شيخ أعمى إذا ركب تقاد فرسه والآخر يقال له المركيس وهو مقدم الإفرنسيس والآخر يقال له كند أفلند وهو أكثرهم عددا فلما استولى على القسطنطينية اقترعوا على الملك فخرجت القرعة على كند أفلند فأعادوا القرعة ثانية وثالثة فخرجت عليه فملكوه والله يؤتي ملكه من يشاء وينزعه ممن يشاء فلما خرجت القرعة عليه ملكوه عليها وعلى ما يجاورها وتكون لدوقس البنادقة الجزائر البحرية مثل جزيرة إقريطش وجزيرة رودس وغيرهما ويكون لمركيس الإفرنسيس البلاد التي هي شرقي الخليج مثل أزنيق ولاذيق فلم يحصل لأحد منهم شيء غير الذي أخذ القسطنطينية وأما الباقي فلم يسلم من به من الروم وأما البلاد التي كانت لملك القسطنطينية شرقي الخليج المجاورة لبلاد ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان ومن جملتها أزنيق ولاذيق فإنها تغلب عليها بطريق الروم اسمه لشكري وهي بيده إلى أن توفي
ذكر انهزام نور الدين صاحب الموصل من العساكر العادلية
في هذه السنة في العشرين من شوال انهزم نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل من العساكر العادلية وسبب ذلك أن نور الدين كان بينه وبين عمه قطب الدين محمد بن 290 زنكي صاحب سنجار وحشة مستحكمة أولا فاتفقا وسار معه إلى ميافارقين سنة خمس وتسعين وقد ذكرناه فلما كان الآن أرسل الملك العادل أبو بكر بن أيوب صاحب مصر ودمشق وبلاد الجزيرة إلى قطب الدين واستماله فمال إليه وخطب له فلما سمع نور الدين ذلك سار إلى مدينة نصيبين سلخ شعبان وهي لقطب الدين فحصرها وملك المدينة وبقيت القلعة فحصرها عدة أيام فبينما هو يحاصرها وقد أشرف على أن يتسلمها أتاه الخبر أن مظفر الدين بوكبري زين الدين على صاحب إربل قد قصد أعمال الموصل فنهب نينوى وأحرق غلاتها فلما بلغه ذلك من نائبه المرتب بالموصل يحفظها سار عن نصيبين إلى الموصل على عزم العبور إلى إربل ونهبه جزاء بما فعل صاحبها ببلده فوصل إلى مدينة بلد وعاد مظفر الدين إلى بلده وتحقق نور الدين أن الذي قيل له وقع فيه زيادة فسار إلى تل أعفر من بلد وهب لصاحب سنجار وحصرها وأخذها ورتب أمورها وأقام عليها سبعة عشر يوما وكان الملك الأشرف موسى بن الملك العادل بن أيوب قد سار من مدينة حران إلى رأس عين نجدة لقطب الدين صاحب سنجار ونصيبين وقد اتفق هو ومظفر الدين صاحب إربل وصاحب الحصن وآمد وصاحب جزيرة ابن عمر وغيرهم على ذلك وعلى منع نور الدين من أخذ شيء من بلاده وكلهم خائفون منه ولم يمكنهم الاجحتماع وهو على نصيبين فلما فارقها نور الدين سار الأشرف إليها وأتاه أخوه نجم الدين صاحب ميافارقين وصاحب الحصن وصاحب الجزيرة وصاحب دارا وساروا عن نصيبين نحو بلد البقا قريبا من بوشري وسار نور الدين من تل أعفر إلى كفر زمار وعزم على المطاولة ليتفرقوا فأتاه كتاب من بعض مماليكه يسمى جرديك وقد أرسله يتجسس أحبارهم فيقللهم في عينه ويطمعه فيهم ويقول إن أذنت لي لقيتهم بمفردي فسار حينئذ نور الدين إلى بوشري فوصل إليها من الغد الظهر وقد تعبت دوابه وأصحابه ولقوا شدة من الحر فنزل بالقرب منهم أقل من ساعة وأتاه الخبر أن عساكر الخصم قد ركبوا فركب هو وأصحابه وساروا نحوهم فلم يروا لهم أثرا فعاد إلى خيامه ونزل هو وعساكره 291 وتفرق كثير منهم في القرى لتحصيل العلوفات وما يحتاجون إليه فجاءه من أخبره بحركة الخصم وقصده فركب نور الدين وعسكره وتقدموا إليهم وبينهم نحو فرسحين فوصلوا وقد زاد تعبهم والخصم مستريح فالتقوا واقتتلوا فلم يطل الحرب بينهم حتى انهزم عسكر نور الدين وانهزم هو أيضا وطلب الموصل فوصل إليها في أربعة أنفس وتلاحق الناس وأتى الأشرف ومن معه فنزلوا في كفر زمار ونهبوا البلاد نهبا قبيحا وأهلكوا ما لم يصلح لهم لا سيما مدينة بلد فإنهم أفحشوا في نهبها ومن أعجب ما سمعنا أن امرأة كانت تطبخ فرأت النهب فألقت سوارين كانتا في يديها في النار وهربت فجاء بعض الجند ونهب ما في البيت فرأى فيه بيضا فأخذه وجعله في النار ليأكله فحرك فرأى السوارين فيها فأخذهما وطال مقامهم والرسل تتردد في الصلح فوقف الأمر على إعادة تل أعفر ويكون الصلح على القاعدة الأولى وتوقف نور الدين في إعادة تل أعفر فلما طال الأمر سلمها إليهم وصطلحوا أوائل سنة إحدى وستمائة وتفرقت العساكر من البلاد
ذكر خروج الفرنج بالشام إلى بلاد الإسلام والصلح معهم
في هذه السنة خرج كثير من الفرنج في البحر إلى الشام وسهل الأمر عليهم بذلك لملكهم قسطنطينية وأرسوا بعكا وعزموا على قصد البيت المقدس حرسه الله واستنقاذه من المسلمين فلما استراحوا بعكا ساروا فنهبوا كثيرا من بلاد الإسلام بنواحي الأردن وسبوا وفتكوا في المسلمين وكان الملك العادل بدمشق فأرسل في جمع العساكر من بلاد الشام ومصر وسار فنزل عند الطور بالقرب من عكا لمنع الفرنج من قصد بلاد الإسلام ونزل الفرنج بمرج عكا واغاروا على كفر كنا فأخذوا كل من بها وأموالهم والأمراء يحثون العادل على قصد بلادهم ونهبها فلم يفعل فبقوا كذلك إلى أن انقضت السنة وذلك سنة إحدى وستمائة فاصطلح هو والفرنج على دمشق وأعمالها وما بيد العادل من الشام ونزل لهم عن كثير من المناصفات في الرملة وغيرها وأعطاهم ناصرة وغيرها وسار نحو الديار المصرية فقصد الفرنج مدينة حماة فلقيهم صاحبها ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب فقاتلهم وكان في قلة فهزموه إلى البلد فخرج العامة إلى قتالهم فقتل الفرنج منهم جماعة وعاد الفرنج 292
ذكر قتل كوكجة ببلاد الجبل وولاية أيتغمش
قد ذكرنا قبل تغلب كوكجة مملوك البهلوان على الري وهمذان وبلد الجبل وبقي الآن وكان قد اصطنع مملوكا آخر كان للبهلوان اسمه أيتغمش وقدمه وأحسن إليه ووثق به فجمع أيتغمش الجوع من المماليك وغيرهم ثم قصد كوكجة فتصافا واقتتل الفريقان فقتل كوكجة في الحرب واستولى أيتغمش على البلاد وأخذ معه أوزبك بن البهلوان له اسم الملك وأيتغمش هو المدبر له والقيم بأمر المملكة وكان شهما شجاعا ظالما وكان كوكجة عادلا حسن السيرة رحمه الله
ذكر وفاة ركن الدين بن فلج أرسلان وملك ابنه بعده
وفي هذه السنة سادس ذي القعدة توفي ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن سجلوق صاحب ديار الروم ما بين ملطية وقونية وكان موته بمرض القولنج في سبعة أيام وكان قبل مرضه بخمسة أيام قد غدر بأخيه صاحب أنكورية وتسمى أيضا أنقرة وهي مدينة منيعة وكان مشاققا لركن الدين فحصره عدة سنين حتى ضعف وقلت الأقوات عنده فأذعن بالتسليم على عوض يأخذه فعوضه قلعة في أطراف بلده وحلف له عليها فنزل أخوه عن مدينة أنقرة وسلمها ومعه ولدان له فوضع ركن الدين عليه من أخذه وأخذ أولاده معه فقتله فلم يمض غير خمسة أيام حتى أصابه القولنج فمات واجتمع الناس بعده على ولده قلج أرسلان وكان صغيرا فبقي في الملك إلى بعد سنة إحدى وستمائة وأخذ منه على ما نذكره هناك وكان ركن الدين شديدا على الأعداء قيما بأمر الملك إلا أن الناس كانوا ينسبون إلى فساد الاعتقاد كان يقال إنه يعتقد أن مذهبه مذهب الفلاسفة وكان كل من يرمى بهذا المذهب يأوي إليه ولهذه الطائفة منه إحسان كثير إلا أنه كان عاقلا فلا يحب ستر هذا المذهب لئلا ينفر الناس عنه
حكي لي عنه أنه كان عنده إنسان وكان يرمي بالزندقة ومذهب الفرسفة وهو قريب منه فحضر يوما عنده فقيه فتناظرا فأظهر شيئا من اعتقاد الفلاسفة فقام الفقيه إليه ولطمه وشتمه بحضرة ركن الدين وركن الدين ساكت وخرج الفقيه فقال لركن الدين يجري علي مثل هذا في حضرتك ولا تنكره
فقال لو تكلمت لقتلنا جميعا ولا يمكن إظهار ما تريده أنت 293
ذكر قتل الباطنية بواسط
قي هذه السنة في رمضان قتل الباطنية بواسط وسبب كونهم بها وقتلهم أنه ورد إليها رجل يعرف بالركم محمد بن طالب بن عصية وأصله من القاروب من قرى واسط وكان باطنيا ملحدا ونزل مجاورا لدور بني الهروي وغشيه الناس وكثر أتباعه وكان ممن يغشاه رجل يعرف بحسن الصابوني فاتفق أنه اجتاز بالسويقة فكلمه رجل نجار في مذهبهم فرد عليه الصابوني ردا غليظا فقام إليه النجار وقتله وتسامع الناس بذلك فوثبوا وقتلوا من وجدوا ممن ينتسب إلى هذا المذهب وقصدوا دار ابن عصية وقد اجتمع إليه خلق من أصحابه وأغلقوا الباب وصعدوا إلى سطحها ومنعوا الناس عنهم فصعدوا إليهم من بعض الدور من على السطح وتحصن من بقي في الدار بإغلاق الأبواب والممارق فكسروها ونزلوا فقتلوا من وجدوا في الدار وأحرقوا وقتل ابن عصية وفتح الباب وهرب منهم فقتلوا وبلغ الخبر إلى بغداد وانحدر فخر الدين أبو البدر بن أمسينا الواسطي لإصلاح الحال وتسكين الفتنة
ذكر استيلاء محمود على مرباط وغيرها من حضرموت
في هذه السنة استولى إنسان اسمه محمود بن محمد الحميري على مدينة مرباط وظفار وغيرهما من حضرموت وكان ابتداء أمره أنه له مركب يكريه في البحر للتجار ثم وزر لصاحب مرباط وفيه كرم وشجاعة وحسن سيرة فلما توفي صاحب مرباط ملك المدينة بعده وأطاعه الناس محبة له لكرمه وسيرته ودامت أيامه بها فلما كان سنة تسع عشرة وستمائة خرب مرباطا وظفارا وبنى مدينة جديدة على ساحل البحر بالقرب من مرباط وعندها عين عذبة كبيرة أجراها إلى المدينة وعمل عليها سورا وخندقا وحصنها وسماها الأحمدية وكان يحب الشعر ويكثر الجائزة عليه
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة خرج أسطول من الفرنج إلى الديار المصرية فنهبوا مدينة فوة وأقاموا خمسة أيام يسبون وينهبون وعساكر مصر مقابلهم بينهم النيل ليس لهم وصول إليهم لأنهم لم تكن لهم سفن
وفيها كانت زلزلة عظيمة عمت أكثر البلاد مصر والشام والجزيرة وبلاد الروم 294 وصقلية وقرس ووصلت إلى الموصل والعراق وغيرها وخربت من مدينة صور سورها وأثرت في كثير من الشام
وفيها في رجب اجتمع جماعة من الصوفية برباط شيخ الشيوخ ببغداد وفيهم صوفي اسمه أحمد بن إبراهيم الداري ومن أصحاب شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسماعيل رحمهم الله ومعهم مغن يغنى بقول الشعر
( أعاذلتي أقصري كفى بمشيبي عذل
شباب كأن لم يكن وشيب كأن لم يزل )
( وحق ليالي الوصال وآخرها والأول
وصفرة لون المحب عند استماع العذل )
( لئن عاد عيشي بكم حلا العيش لي واتصل
)
فتحرك الجماعة عادة الصوفية في السماع وطرب الشيخ المذكور وتواجد ثم سقط مغشيا عليه فحركوه فإذا هو ميت فصلي عليه ودفن وكان رجلا صالحا
وفيها توفي أبو الفتوح أسعد بن محمود العجلي الفقيه الشافعي بأصفهان في صفر وكان إماما فاضلا
وفي رمضان منها توفي هراة عمدة الدين الفضل بن محمود بن صاعد الساوي وولي بعده ابنه صاعد 295
ثم دخلت سنة إحدى وستمائة
ذكر ملك كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد الروم من ابن أخيه
في هذه السنة في رجب ملك غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بلاد الروم التي كانت بيد أخيه ركن الدين سليمان وكان سبب ملك غياث الدين لها أن ركن الدين كان قد أخذ ما كان لأخيه غياث الدين وهو مدينة قونية فهرب غياث الدين منه وقصد الشام إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين صاحب حلب فلم يجد عنده قبولا وقصر به فسار من عنده وتقلب في البلاد إلى أن وصل إلى القسطنطينية فأحسن إليه ملك الروم وأقطعه وأكرمه فأقام عنده وتزوج بابنة بعض البطارقة الكبار وكان لهذا البطريق قلعة من عمل القسطنطينية فلما ملك الفرنج القسطنطينية هرب غياث الدين إلى حميه وهو بقلعته فأنزله عنده وقال له اشترك في هذه القلعة وتقنع بداخلها فأقام عنده فلما مات أخوه سنة ستمائة كما ذكرناه اجتمع الأمراء على ولده وخالفهم الأتراك الأوج وهم كثير بتلك البلاد وأنف من اتباعهم وأرسل إلى غياث الدين يستدعيه إليه ليملكه البلاد فسار إليه فوصل في جمادى الأولى اجتمع به وكثر جمعه وقصد مدينة قونية ليحصرها وكان ولد ركن الدين والعساكر بها فأخرجوا إليه طائفة من العسكر فلقوه فهزموه فبقي حيران لا يدري أين يتوجه فقصد بلدة صغيرة يقال لها أو كرم بالقرب من قونية فقدر الله تعالى أن أهل مدينة اقصرا وثبوا على الوالي فأخرجوه منها ونادوا بشعار غياث الدين فلما سمع أهل قونية بما فعله أهل اقصرا قالوا نحن أولى بفعل هذا لأنه كان حسن السيرة فيهم لما كان ملكهم فنادوا باسمه أيضا وأخرجوا من عندهم واستدعوه فحضر عندهم وملك المدينة وقبض ابن أخيه ومن معه وآتاه الله الملك وجمع له البلاد جميعها في ساعة واحدة فسبحان من إذا أراد أمرا هيأ أسبابه وكان أخوه قيصر شاه كان صاحب ملطية لما أخذها ركن 296 الدين منه سنة سبع وتسعين خرج منها وقصد الملك العادل أبا بكر بن أيوب لأنه كان زوج ابنته مستنصرا به فأمره بالمقام بمدينة الرها فأقام بها فلما سمع بملك أخيه غياث الدين سار إليه فلم يجد عنده قبولا إنما أعطاه شيئا وأمره بمفارقة البلاد فعاد إلى الرها وأقام بها
فلما استقر ملك غياث الدين سار إليه الأفضل صاحب سميساط فلقيه بمدينة قيسارية وقصده أيضا نظام الدين صاحب خرت برت وصار معه فعظم شأنه وقوي أمره
ذكر حصر صاحب آمد خرت برت ورجوعه عنها
كانت خرت برت لعماد الدين بن قرا أرسلان فمات وملكها بعده ابنه نظام الدين أبو بكر والتجأ إلى ركن الدين بن قلج أرسلان وبعده إلى أخيه غياث الدين ليمتنع به من ابن عمه ناصر الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان فامتنع به وكان صاحب آمد ملتجئا إلى الملك العادل وفي طاعته وحضر مع ابنه الملك الأشرف قتال صاحب الموصل على شرط أنه يسير معه عساكره ويأخذ له خرت برت وإنما طمع فيها بموت ركن الدين فلما دخلت هذه السنة طلب ما كان استقر الأمر عليه فسار معه الملك الأشرف وعساكر ديار الجزيرة من سنجار وجزيرة ابن عمر والموصل وغيرها وكان نزولهم عليها في شعبان وفي رمضان تسلموا ربضها وكان قد اجتمع بغياث الدين بعد أن ملك البلاد الرومية وصار معه في طاعته فلما نزل صاحب آمد على خرت برت خاطب صاحبها غياث الدين يستنجده بعسكر يرحلهم عنه فجهز عسكرا كثيرا عدتهم ستة آلاف فارس وسيرهم مع الملك الأفضل صاحب سميساط فلما وصل العسكر إلى ملطية فارق صاحب آمد ومن معه من خرت برت ونزلوا إلى الصحراء وحصروا البحيرة المعروفة ببحيرة سهنين وبها حصنان أحدهما لصاحب آمد والآخر لصاحب خرت برت فحصره وزاحفه ففتحه ثاني ذي الحجة ووصل صاحب خرت برت مع العسكر الرومي إلى خرت برت فرحل صاحب آمد عن البحيرة وقوى الحصن الذي فتحه فيها فأزاح علته ورحل إلى خلف مرحلة ونزل وترددت الرسل والعسكر الرومي يطلب إعادة البحيرة وصاحب آمد يمتنع من ذلك فلما طال الأمر بقي الحصن بيد صاحب آمد وانفصل العسكران وعاد كل فريق إلى بلاده 297
ذكر الفتن ببغداد
في سابع عشر شعبان جرت فتنة ببغداد بين أهل باب الأزج وأهل المأمونية وسببها أن أهل باب الأزج قتلوا سبعا وأرادوا أن يطوفوا به فمنعهم أهل المأمونية فوقعت الفتنة بينهما عند البستان الكبير فجرح منهم خلق كثير وقتل جماعة وركب صاحب الباب لتسكين الفتنة فجرح فرسه فعاد فلما كان الغد سار أهل المأمونية إلى باب الأزج فوقعت بينهم فتنة شديدة وقتال بالسيوف والنشاب واشتد الأمر فنهب الدور القريبة منهم وسعى الركن بن عبد القادر ويوسف في تسكين الناس وركب الأتراك فصاروا يبيتون تحت المنظرة فامتنع أهل الفتنة من الاجتماع فسكنوا
وفي العشرين منه جرت فتنة بين أهل قطفتا والقرية من محال الجانب الغربي بسبب قتل سبع أيضا أراد أهل قطفتا أن يجتمعوا ويطوفوا به فمنعهم أهل القرية أن يجروا به عندهم فاقتتلوا وقتل بينهم عدة قتلى فأرسل إليهم عسكر من الديوان لتلافي الأمر ومنع الناس عن الفتنة فامتنعوا وفي تاسع رمضان كانت فتنة بين أهل سوق السلطان والجعفرية منشؤها أن رجلين من المحلتين اختصما وتوعد كل واحد منهما صاحبه فاجتمع أهل المحلتين واقتتلوا في مقبرة الجعفرية فسير إليهم من الديوان من تلافي الأمر وسكنه فلما كثرت الفتن رتب أمير كبير من مماليك الخليفة ومعه جماعة كثيرة فطاف في البلد وقتل جماعة ممن فيه شبهة فسكن الناس
ذكر غارة الكرج على بلاد الإسلام
في هذه السنة أغارت الكرج على بلاد الإسلام من ناحية أذربيجان فأكثروا العيث والفساد والنهب والسبي ثم أغاروا على ناحية خلاط من أرمينية فأوغلوا في البلاد حتى بلغوا ملازكرد ولم يخرج إليهم أحد من المسلمين يمنعهم فجاسوا خلال البلاد ينهبون ويأسرون وكلما تقدموا تأخرت عساكر المسلمين منهم ثم إنهم رجعوا فالله تعالى ينظر إلى الإسلام وأهله وييسر لهم من يحمي بلادهم ويحفظ ثغورهم ويغزو أعداءهم
وفيها أغارت الكرج على بلاد خلاط فأتوا إلى أرجيش ونواحيها فنهبوا وسبوا وخربوا البلاد وساروا إلى حصن التين من أعمال خلاط وهو مجاور أزن الروم 298 فجمع صاحب خلاط عسكره وسار إلى طغل شاه ولده قلج أرسلان صاحب أرزن الروم فاستنجده على الكرج فسير عسكره جميعه معه فتوجهوا نحو الكرج فلقوهم وتصافوا واقتتلوا فانهزمت الكرج وقتل زكرى الصغير وهو من أكابر مقدميهم وهو الذي كان مقدم هذا العسكر من الكرج والمقاتل بهم وغنم المسلمون ما معهم من الأموال والسلاح والكراع وغير ذلك وقتلوا منهم خلقا كثيرا وأسروا كذلك وعاد إلى بلاده
ذكر الحرب بين أمير مكة وأمير المدينة
وفي هذه السنة أيضا كانت الحرب بين الأمير قتادة الحسيني أمير مكة وبين الأمير سالم بن قاسم الحسيني أمير المدينة ومع كل واحد منهما جمع كثير فاقتتلوا قتالا شديدا
وكانت الحرب بذي الحليفة بالقرب من المدينة وكان قتادة قد قصد المدينة ليحصرها ويأخذها فلقيه سالم بعد أن قصد الحجرة على ساكنها الصلاة والسلام فصلى عندها ودعا وسار فلقيه فانهزم قتادة وتبعه سالم إلى مكة فحصره بها فأرسل قتادة إلى من مع سالم من الأمراء فأفسدهم عليه فمالوا إليه وحالفوه فلما رأى سالم ذلك رحل عنه عائدا إلى المدينة وعاد أمر قتادة قويا
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة قطعت خطبة ولي العهد وأظهر خط قرىء بدار الوزير نصير الدين بن مهدي الرازي وإذا هو خط ولي العهد الأمير أبي نصر بن الخليفة إلى أبيه الناصر لدين الله أمير المؤمنين يتضمن العجز عن القيام بولاية العهد ويطلب الإقامة وشهد عدلان أنه خطه وأن الخليفة أقاله وعمل بذلك محضر شهد فيه القضاة والعدول والفقهاء
وفي هذه السنة ولدت امرأة ببغداد ولدا له رأسان وأربع أرجل ويدان ومات في يومه
وفيها أيضا وقع الحريق في خزانة السلاح التي للخليفة فاحترق فيها منه شيء كثير وبقيت النار يومين وسار ذكر هذا الحريق في البلدان فحمل الملوك من السلاح إلى بغداد شيئا كيرا
وفي هذه السنة وقع الثلج بمدينة هراة أسبوعا كاملا فلما سكن 299 جاء بعده سيل من الجبل من باب سرا خرب كثيرا من البلد ورمى من حصنه قطعة عظيمة ةجاء بعده برد شديد أهلك الثمار فلم يكن بها تلك السنة شيء إلا اليسير
وفيها في شعبان خرج عسكر من الغورية مقدمهم الأمير زنكي بن مسعود إلى مدينة مرو فلقيهم نائب خوارزم شاه بمدينة سرخس وهو الأمير جقر وكمن لهم كمينا فلما وصلوا إليه هزمهم وأخذ وجوه الغورية أسرى فلم يفلت منهم إلا القليل وأخذ أميرهم زنكي أسيرا فقتل برا وعلقت رؤسهم بمرو أياما
وفيها في ذي القعدة سار الأمير عماد الدين عمر بن الحسين الغوري صاحب بلخ إلى مدينة ترمذ وهي للأتراك الخطا فافتتحها عنوة وجعل بها ولده الأكبر وقتل من بها من الخطا ونقل العلويين منها إلى بلخ وصارت ترمذ دار إسلام وهي من أمنع الحصون وأقواها
وفيها توفي صدر الدين السجزي شيخ خانكاه السلطان بهراة وفيها في صفر توفي أبو علي الحسن بن محمد بن عبدوس الشاعر الواسطي وهو من الشعراء المجيدين واجتمعت به بالموصل وردها مادحا لصاحبها نور الدين أرسلان شاه وغيره من المقدمين وكان نعم الرجل حسن الصحبة والعشرة
وفيها اجتمع ببغداد رجلان أعميان على رجل أعمى أيضا وقتلاه بمسجد طمعا أن يأخذا منه شيئا فلم يجدا معه ما يأخذانه وأدركهما الصباح فهربا من الخوف يريدان الموصل ورؤي الرجل مقتولا ولم يعلم قاتله فاتفق أن بعض أصحاب الشحنة اجتاز من الحريم في خصومة جرت فرأى الرجلين الضريرين فقال لمن معه هذان اللذان قتلا الأعمى يقوله مزحا فقال أحدهما هذا والله قتله
فقال الآخر بل أنت قتلته فأخذا إلى صاحب الباب فأقرا فقتل أحدهما وصلب الآخر على باب المسجد الذي قتلا فيه الرجل 300
ثمدخلت سنة اثنتين وستمائة
ذكر الفتنة بهراة
في هذه السنة في المحرم ثار العامة بهراة وجرت فيه فتنة عظيمة بين أهل السوقين الحدادين والصفارين قتل فيها جماعة ونهبت الأموال وخربت الديار فخرج أمير البلد ليكفهم فضربه بعض العامة بحجر ناله منه ألم شديد واجتمع الغوغاء عليه فرفع إلى القصر الفيروزي واختفى أياما إلى أن سكنت الفتنة ثم ظهر
ذكر قتال شهاب الدين الغوري بني كوكر
قد ذكرنا انهزام شهاب الدين محمد بن سام الغوري صاحب غزنة من الخطا الكفار وأن الخبر ظهر ببلاده أنه عدم من المعركة لم يقف أصحابه له على خبر فلما اشتهر هذا الخبر ثار المفسدون في أطراف البلاد وكان ممن أفسد دانيال صاحب الجودي فإنه كان قد أسلم فلما بلغه الخبر ارتد عن الإسرم وتابع بني كوكر ومساكنهم في جبال بين لهاوور والمولتان حصينة منيعة وكانوا قد أطاعوا شهاب الدين وحملوا له الخراج فلما بلغهم خبر عدمه ثاروا فيمن معهم من قبائلهم وعشائرهم وأطاعوا صاحب جبل الجودي وغيره من القاطنين بتلك الجبال ومنعوا الطريق من لهاوور وغيرها إلى غزنة فلما بلغ شهاب الدين من قتل مملوكه أيبك وقد ذكرناه أرسل إلى نائبه بلهاوور والمولتان وهو محمد بن أبي علي يأمره بحمل المال لسنة ستمائة وسنة إحدى وستمائة ليتجهز به لحرب الخطا فأجاب أن أولاد كوكر قد قطعوا الطريق ولا يمكنه إرسال المال وحضر جماعة من التجار وذكروا أن قفلا كبيرا أخذه أولاد كوكر ولم ينج منه إلا القليل فأمر شهاب الدين مملوكه أيبك مقدم عساكر الهند أن يراسل بني كوكر يدعوهم إلى الطاعة ويتهددهم إن لم يجيبوا ففعل ذلك فقال ابن كوكر لأي معنى لم يرسل السلطان إلينا رسولا فقال له الرسول وما قدركم أنتم حتى يرسل إليكم وإنما مملوكه يبصركم رشدكم ويهددكم فقال ابن كوكر لو كان شهاب 301 الدين حيا لراسلنا وقد كنا ندفع الأموال إليه فحيث عدم فقل لأيبك يترك لنا لهاوور وما والاها وفرشابور ونحن نصالحه فقال الرسول نفذ أنت جاسوسا نثق إليه يأتيك بخبر شهاب الدين من فرشابور فلم يصغ إلى قوله فرده فعاد وأخبر بما سمع ورأى فأمر شهاب الدين مملوكه قطب الدين مملوكه قطب الدين أيبك بالعود الى بلاده وجمع العساكر وقتال بني كوكر فعاد إلى دهلى وأمر عساكره بالاستعداد فأقام شهاب الدين في فرشابور إلى نصف شعبان من سنة وستمائة ثم عاد إلى غزنة فوصلها أول رمضان وأمر بالنداء في العساكر بالتجهز لقتال الخطا وأن المسير يكون أول شوال فتجهزوا لذلك فاتفق أن الشكايات كثرت من بني كوكر وما يتعهدونه من إخافة السبل وأنهم قد أنفذوا شحنة إلى البلاد ووافقهم أكثر الهنود وخرجوا من طاعة أمير لهاوور والمولنان وغيرهما ووصل كتاب الوالي يذكر ما قد دهمه منهم وأن عماله قد أخرجهم بنو كوكر وجبوا الخراج وأن ابن كوكر مقدمهم أرسل إليه ليترك له لهاوور والبلاد وإلا قتله ويقول له إن لم يحضر السلطان شهاب الدين بنفسه ومعه العساكر وإلا خرجت البلاد من يده
وتحدث الناس بكثرة من معهم من الجموع وما لهم من القوة فتغير عزم شهاب الدين حينئذ عن غزو الخطا
وأخرج خيامه وسار عن غزنة خامس ربيع الأول سنة اثنتين وستمائة فلما سار وأبعد انقطعت أخباره عن الناس بغزنة وفرشابور حتى أرجف الناس بانهزامه وكان شهاب الدين لما سار عن فرشابور أتاه خبر ابن كوكر أنه نازل في عساكره ما بين حبلم وسودرة فجد السير إليه فدهمه قبل الوقت الذي كان يقدر وصوله فيه فاقتتلوا قتالا شديدا يوم الخميس لخمس بقين من ربيع الآخر من بكرة إلى العصر واشتد القتال فبينما هم في القتال وإذ قد أقبل قطب الدين أيبك في عساكره فنادوا بشعار الإسلام وحملوا حملة صادقة فانهزم الكوكرية ومن انضم إليهم وقتلوا بكل مكان وقصدوا أجمة هناك فاحتموا بها وأضرموا نارا فكان أحدهم يقول لصاحبه لا تترك المسلمين يقتلونك ثم يلقي نفسه في النار فيلقي صاحبه نفسه بعده فيها فعمهم الفناء قتلا وحرقا (
فبعدا للقوم الظالمين ) وكان أهلهم وأموالهم معهم لم 302 يفارقوها فغنم المسلمون منهم ما لم يسمع بمثله حتى إن المماليك كانوا يباعون كل خمسة بدينار ركني ونحوه وهرب ابن كوكر بعد أن قتل إخوته وأهله وأما ابن دانيال صاحب جبل الجودي فإنه جاء ليلا إلى قطب الدين أيبك فاستجار به فأجاره وشفع فيه إلى شهاب الدين فشفعه فيه وأخذ منه قلعة الجودى فلما فر منهم سار نحو لهاوور ليؤمن أهلها ويسكن روعهم وأمر الناس بالرجوع إلى بلادهم والتجهيز لحرب الخطا وأقام شهاب الدين بلهاوور إلى سادس عشر رجب وعاد نحو غزنة وأرسل إلى بهاء الدين سام صاحب باميان ليتجهز للمسير إلى سمرقند ويعمل جسرا ليعبر هو وعساكره عليه
ذكر الظفر بالتيراهية
كان من جملة الخارجين المفسدين أيضا على شهاب الدين التيراهية فإنهم خرجوا إلى حدود سوران ومكرهان للغارة على المسلمين فأوقع بهم نائب تاج الدين الدز مملوك شهاب الدين بتلك الناحية ويعرف بالخايجي وقتل منهم خلقا كثيرا وحمل رؤوس المعروفين فعلقت ببلاد الإسلام وكانت فتنة هؤلاء التيراهية على بلاد الإسلام عظيمة قديما وحديثا وكان إذا وقع بأيديهم أسير من المسلمين عذبوه بأنواع العذاب وكان أهل فرشابور معهم في ضر شديد لأنهم يحيطون بتلك الولاية من جوانبها لا سيما آخر أيام سبكتكين فإن الملوك ضعفوا وقوي هؤلاء عليهم وكانوا يغيرون على أطراف البلاد وكانوا كفارا لا دين لهم يرجعون إليه ولا مذهب يعتمدون عليه إلا أنهم كانوا إذا ولد لأحدهم بنت وقف على باب داره ونادى من يتزوج هذه من يقبلها فإن أجابه أحد تركها وإلا قتلها ويكون للمرأة عدة أزواج فإذا كان أحدهم عندها جعل مداسه على الباب فإذا جاء غيره من أزواجها ورأى مداسه عاد ولم يزالوا كذلك حتى أسلم طائفة منهم آخر أيام شهاب الدين الغوري فكفوا عن البلاد وسبب إسلامهم أنهم أسروا إنسانا من فرشابور فعذبوه فلم يمت ودامت أيامه عندهم فأحضره يوما مقدمهم وسأله عن بلاد الإسلام وقال له لو حضرت أنا عند شهاب الدين ماذا كان يعطيني فقال له كان يعطيك الأموال والأقطاع ويرد إليك حكم جميع البلاد التي لكم فأرسله إلى شهاب الدين في الدخول في الإسلام فعاد ومعه رسول بالخلع والمنشور بالإقطاع فلما وصل إليه الرسول سار هو وجماعة من أهله 303 إلى شهاب الدين فأسلموا وعادوا وكان للناس بهم راحة فلما كانت هذه الفتنة واختلفت البلاد نزل أكثرهم من الجبال فلم يكن لهذه الطائفة بهم قدرة ليمنعوهم فأقسدوا وعملوا ما ذكرناه
ذكر قتل شهاب الدين الغوري
في هذه السنة أول ليلة من شعبان قتل شهاب الدين أبو المظفر محمد بن سام الغوري ملك غزنة وبعض خراسان بعد عوده من لها وور بمنزل يقال له دميك وقت صلاة العشاء وكان سبب قتله أن نفرا من الكفار الكوكرية لزموا عسكره عازمين على قتله لما فعل بهم من القتل والأسر والسبي فلما كان هذه الليلة تفرق عنه أصحابه وكان قد عاد ومعه من الأموال ما لا يحد فإنه كان عازما على قصد الخطا والاستكثار من العساكر وتفريق المال فيهم وقد أمر عساكره بالهند باللحاق به وأمر عساكره الخراسانية بالتجهز إلى أن يصل إليهم فأتاه الله من حيث لم يحتسب ولم يغن عنه ما جمع من مال وسلاح ورجال لكن كان على نية صالحة من قتال الكفار فلما تفرق عنه أصحابه وبقي وحده في خركاه فثار أولئك النفر فقتل أحدهم بعض الحرس بباب سرادق شهاب الدين فلما قتلوه صاح فثار أصحابه من حول السرادق لينظروا ما بصاحبهم فأخلوا مواقفهم وكثر الزحام فاغتنم الكوكرية غفلتهم عن الحفظ فدخلوا على شهاب الدين وهو في الخركاه فضربوه بالسكاكين اثنتين وعشرين ضربة فقتلوه فدخل عليه أصحابه فوجدوه على مصلاه قتيلا وهو ساجد فأخذوا أولئك الكفار فقتلوهم وكان فيهم اثنان مجنونان وقيل إنما قتله الإسماعيلية لأنهم خافوا خروجه إلى خراسان وكان له عسكر يحاصر بعض قلاعهم على ما ذكرناه فلما قتل اجتمع الأمراء عند وزيره مؤيد الملك ابن خوجا سجستان فتحالفوا على حفظ الخزانة والملك ولزوم السكينة إلى أن يظهر من يتولاه وأجلسوا شهاب الدين وخيطوا جراحه وجعلوه في المحفة وساروا به ورتب الوزير الأمور وسكن الناس بحيث لم ترق محجمة دم ولم يوجد في أحد شيء وكانت المحفة محفوفة بالحشم والوزير والعسكر والشمسية على حاله في حياته وتقدم الوزير إلى أمير دار العسكر بإقامة السياسة وضبط العسكر وكانت الخزانة التي في صحبته ألفي حمل ومائتي حمل وشغل الغلمان الأتراك الصغار لينهبوا المال فمنعهم الوزير والأمراء الكبار من المماليك وهو صونج صهر الذز وغيره وأمروا كل من له إقطاع عند قطب الدين أيبك مملوك شهاب الدين ببلاد 304 الهند بالعود إليه وفرقوا فيهم أموالا كثيرة فعادوا وسار الوزير ومعه من له أقطاع وأهل بغزنة وعلموا أنه يكون من غياث الدين محمود بن غياث الدين أخي شهاب الدين الأكبر وبين بهاء الدين صاحب باميان وهو ابن أخت شهاب الدين حروب شديدة وكان ميل الوزير والأتراك وغيرهم إلى غياث الدين محمود وكان الأمراء الغورية يميلون إلى بهاء الدين سام صاحب باميان فأرسل كل طائفة إلى من يميلون إليه يعرفونه قتل شهاب الدين وجلية الأمور وجاء بعض المفسدين من أهل غزنة فقال للمماليك إن فخر الدين الرازي قتل مولاكم لأنه هو أوصل من قتله فوضع من خوارزمشاه فثاروا به ليقتلوه فهرب وقصد مؤيد الملك الوزير فأعلمه الحال فسيره سرا إلى مأمنه ولما وصل العسكر والوزير إلى فرشابور اختلفوا فالغورية يقولون نسير إلى غزنة على طريق مكرهان وكان غرضهم أن يقربوا من باميان ليخرج صاحبها بهاء الدين سام فيملك الخزانة قال الأتراك بل نسير على طريق سوران وكان مقصودهم أن يكونوا قريبا من تاج الدين الدز مملوك شهاب الدين وهو صاحب كرمان مدينة بين غزنة ولهاوور وليست بكرمان التي تجاور بلاد فارس ليحفظ الدز الخزانة ويرسلون من كرمان إلى غياث الدين يستدعونه إلى غزنة ويملكونه وكثر بينهم الاختلاف حتى كادوا يقتتلون فتوصل مؤيد الملك مع الغورية حتى أذنوا له وللأتراك بأخذ الخزانة والمحفة التي فيها شهاب الدين والمسير على كرمان وساروا هم على طريق مكرهان ولقي الوزير ومن معه مشقة عظيمة وخرج عليهم الأمم الذين في تلك الجبال التيراهية وأوغان وغيرهم فنالوا من أطراف العسكر إلى أن وصلوا إلى كرمان فخرج إليهم تاج الدين الدز يستقبلهم فلما عاين المحفة وفيها شهاب الدين ميتانزل وقبل الأرض على عادته في حياة شهاب الدين وكشف عنه فلما رآه ميتا مزق ثيابه وصاح وبكى فأبكى الناس وكان يوما مشهودا
ذكر ما فعله الدز
كان الدز من أول مماليك شهاب الدين وأكبرهم وأقدمهم وأكبرهم محلا عنده بحيث إن أهل شهاب الدين كانوا يخدمونه ويقصدونه في أشغالهم فلما قتل صاحبه طمع أن يملك غزنة فأول ما عمل أنه سأل الوزير مؤيد الملك عن الأموال والسلاح والدواب فأخبره بما خرج من ذلك وةبالباقي معه فأنكر الحال وأساء أدبه في 305 الجواب وقال إن الغورية قد كاتبوا بهاء الدين سام صاحب باميان ليملكوه غزنة وقد كتب إلي غياث الدين محمود وهو مولاي يأمرني أنني لا أترك أحدا يقرب من غزنة وقد جعلني نائبه فيها وفي سائر الولاية المجاورة لها لأنه مشتغل بأمر خراسان وقال للوزير إنه أمرني أيضا أن أتسلم الخزانة منك فلم يقدر على الامتناع لميل الأتراك إليه فسلمها إليه وسار بالمحفة والمماليك والوزير إلى غزنة فدفن شهاب الدين في التربة بالمدرسة التي أنشأها ودفن لبنته فيها وكان وصوله إليها في الثاني والعشرين من شعبان من السنة
ذكر بعض سيرة شهاب الدين
كان رحمه الله شجاعا مقداما كثير الغزو إلى بلاد الهند عادلا في رعيته حسن السيرة فيهم حاكما بينهم بما يوجبه الشرع المطهر وكان القاضي بغزنة يحضر داره من كل أسبوع السبت والأحد والاثنين والثلاثاء ويحضر معه أمير حاجب وأمير دار وصاحب التربة فيحكم القاضي وأصحاب السلطان ينفذون أحكامه على الصغير والكبير والشريف والوضيع وإن طلب أحد الخصوم والحضور عنده أحضره وسمع كلامه وأمضى عليه أوله حكم الشرع فكانت الأمور جارية على أحسن نظام
حكي عنه أنه لقيه صبي علوي عمره نحو خمس سنين فدعا له وقال لي خمسة أيام ما أكلت شيئا فعاد من الركوب لوقته ومعه الصبي فنزل في داره وأطعم العلوي أطيب الطعام بحضرته ثم أعطاه مالا بعد أن أحضر أباه وسلمه إليه وفرق في سائر العلويين مالا عظيما
وحكي أن تاجرا من مراغة كان بغزنة وله على بعض مماليك شهاب الدين دين مبلغه عشرة آلاف دينار فقتل المملوك في حرب كانت له فرفع التاجر حاله فأمر بأن يقر أقطاع المملوك بيد التاجر إلى أن يستوفي دينه ففعل ذلك
وحكي عنه أنه كان يحضر العلماء بحضرته فيتكلمون من المسائل الفقهية وغيرها وكان فخر الدين الرازي يعظ في داره فحضر يوما فوعظ وقال في آخر كلامه يا سلطان لا سلطانك يبقى ولا تلبيس الرازي وأن مردنا إلى الله فبكى شهاب الدين حتى رحمه الناس لكثرة بكائه وكان رقيق القلب وكان شافعي المذهب مثل أخيه قيل وكان حنفيا والله أعلم 306
كر مسير بهاء الدين سام إلى غزنة وموته
لما ملك غياث الدين أبو الفتح محمد بن سام باميان أقطعها ابن عمه شمس الدين محمد بن مسعود وزوجه أخته فأتاه منها ولد اسمه سام فبقي فيها إلى أن توفي وملك بعده ابنه الأكبر واسمه عباس وأمه تركية فغضب غياث الدين وأخوه شهاب الدين في ذلك وأرسلا من أحضر عباسا عندهما فأخذ الملك منه وجعلا ابن أختهما سام ملكا على باميان وتلقب بهاء الدين وعظم شأنه ومحله وجمع الأموال ليملك البلاد بعد خاله وأحبه أمراء الغورية حبا شديدا وعظموه فلما قتل خاله شهاب الدين سار بعض الأمراء الغورية إلى بهاء الدين سام فأخبره بذلك فلما بلغه قتله كتب إلى من بغزنة من الأمراء الغورية يأمرهم بحفظ البلد ويعرفهم أنه على الطريق سائر إليهم وكان والي قلعة غزنة ويعرف بأمير دار وقد أرسل ولده إلى بهاء الدين سام يستدعيه إلى غزنة فأعاد جوابه أنه تجهز ويصل إليه ويعده الجميل والإحسان وكتب بهاء الدين إلى علاء الدين محمد بن أبي علي ملك الغور يستدعيه إليه وإلى غياث الدين محمود بن غياث الدين وإلى ابن خرميل وإلى هراة يأمرهما بإقامة الخطبة له وحفظ ما بأيديهما من الأعمال ولم يظن أن أحدا يخالفه فأقام أهل غزنة ينتظرون وصوله أو وصول غياث الدين محمود والأتراك ويقولون لا نترك غير ابن سيدنا يعنون غياث الدين يدخل غزنة والغورية يتظاهرون بالميل إلى بهاء الدين ومنع غيره فسار من باميان إلى غزنة في عساكر ومعه ولداه علاء الدين محمود وجلال الدين فلما سار عن باميان مرحلتين وجد صداعا فنزل يستريح ينتظر خفته عنه فازداد الصداع وعظم الأمر عليه فأيقن بالموت فأحضر ولديه وعهد إلى علاء الدين وأمرهما بقصد غزنة وحفظ مشايخ الغورية وضبط الملك وبالرفق بالرعايا وبذل الأموال وأمرهما أن يصالحا غياث الدين على أن يكون له خراسان وبلاد الغور ويكون لهما غزنة وبلاد الهند
ذكر ملك علاء الدين غزنة وأخذها منه
لما فرغ بهاء الدين من وصيته توفي فسار ولداه إلى غزنة فخرج أمراء الغورية وأهل البلد فلقوهما وخرج الأتراك معهم على كره منهم ودخلوا البلد وملكوه ونزل علاء الدين وجلال الدين دار السلطنة مستهل رمضان وكانوا قد وصلوا في ضر وقلة من 307 العسكر وأراد الأتراك منعهم فنهاهم مؤيد الملك وزير شهاب الدين لقلتهم ولاشتغال غياث الدين بابن خرميل والي هراة على ما نذكره فلم يرجعوا ولما استقرا بالقلعة ونزلا بدار السلطانية راسلهما الأتراك بأن يخرجا من الدار وإلا قاتلوهما ففرقا فيهم أموالا كثيرة واستحلفاهم فحلفوا واستبوا غياث الدين محمودا وأنفذا خلعا إلى تاج الدين الدز وهو بأقطاعه مع رسول وطلباه إلى طاعتهما وواعداه بالأموال والزيادة في الأقطاع وإمارة الجيش والحكم في جميع الممالك فأتاه الرسول فلقيه وقد سار عن كرمان في جيش كثير من الترك والخلج والغز وغيرهم فأبلغه الرسالة فلم يلتفت إليه وقال لهما يعودان إلى باميان وفيها كفاية فإبي قد أمرني مولاي غياث الدين أن أسير إلى غزنة وأمنعهما عنها فإن عادا إلى بلدهما ولإلا فعلت بهما وبمن معهما ما يكرهون ورد ما معه من الهدايا والخلع ولم يكن قصد الدز بهذا حفظ بيت صاحبه وإنما أراد أن يجعل هذا طريقا إلى ملك غزنة لنفسه فعاد الرسول وأبلغ علاء الدين رسالة الدز فأرسل وزيره وكان قبله وزير أبيه إلى باميان وبلخ وترمذ وغيرها من بلادهم ليجمع العساكر ويعود إليه فأرسل الدز إلى الأتراك الذين بغزنة يعرفهم أن غياث الدين أمره أن يقصد غزنة ويخرج علاء الدين وأخاه منها فحضروا عند وزير علاء الدين وطلبوا منه سلاحا ففتح خزانة السلاح فهرب ابن الوزير إلى علاء الدين وقال له قد كان كذا وكذا فلم يقدر أن يفعل شيئا وسمع مؤيد الملك وزير شهاب الدين فركب وأنكر على الخازن تسليم المفاتيح وأمره فاسترد ما نهبه الترك جميعه لأنه كان كطاعا فيهم ووصل الدز إلى غزنة فأخرج إليه علاء الدين جماعة من الغورية ومن الأتراك وفيهم صونج صهر الدز فأشار عليه أصحابه أن لا يفعل وينتظر العسكر مع وزيره فلم يقبل منهم وسير العساكر فالتقوا خامس رمضان فلما لقوه خدعه الأتراك وعادوا معه على عسكر علاء الدين فقاتلوهم فهزموهم وأسروا مقدمهم وهو محمد بن علي بن حردون ودخل عسكر الدز المدينة فنهبوا بيوت الغورية والبامانية وحصر الدز القلعة فخرج جلال الدين منها في عشرين فارسا وسار عن غزنة
فقالت له امرأة تستهزئ به إلى أين تمضي خذ الجتر والشمسة معك ما أقبح خروج السلاطين هكذا فقال لها إنك سترين ذلك اليوم وأفعل بكم ما تقرون به بالسلطنة لي وكان قد قال لأخيه احفظ القلعة إلى أن آتيك بالعساكر فبقي الدز يحاصرها وأراد من مع الدز نهب البلد فنهاهم عن ذلك 308
وأرسل إلى علاء الدين يأمره بالخروج من القلعة وتهدده إن لم يخرج منها وترددت الرسل بينهما في ذلك فأجاب إلى مفارقتها والعود إلى بلده وأرسل من حلف له الدز أن لا يؤذيه ولا يعترض إليه ولا إلى أحد ممن يحلف له وسار عن غزنة فلما رأه الدز وقد نزل من القلعة عدل إلى تربة شهاب الدين مولاه ونزل إليها ونهب الأتراك ما كان مع علاء الدين وألقوه عن فرسه وأخذوا ثيابه وتركوه عريانا بسراويله فلما سمع الدز ذلك أرسل إليه بدواب وثياب ومال واعتذر إليه فأخذ ما لبسه وترك الباقي فلما وصل إلى باميان لبس ثياب سواد وركب حمارا فأخرجوا له مراكب ملوكية وملابس جميلة فلم يركب ولم يلبس وقال أريد أن يراني الناس وما صنع بي أهل غزنة حتى إذا عدت إليها وخربتها ونهبتها لا يلومني أحد ودخل دار الإمارة وشرع في جمع العساكر
ذكر ملك الدز غزنة
قد ذكرنا استيلاء الدز على الأموال والسلاح والدواب وغير ذلك مما كان صحبة شهاب الدين وأخذه من الوزير مؤيد الملك فجمع له العساكر من أنواع الناس الأتراك والخلج وغيرهم وسار إلى غزنة وجرى له مع علاء الدين ما ذكرنا فلما خرج علاء الدين من غزنة أقام الدز بداره أربعة أيام يظهر طاعة غياث الدين إلا أنه لم يأمر الخطيب بالخطبة له ولا لغيره وإنما يخطب للخليفة ويترحم على شهاب الدين الشهيد حسب فلما كان في اليوم الرابع أحضر مقدمي الغورية والأتراك وذم من كاتب علاء الدين وأخاه وقبض على أمير دار والي غزنة فلما كان الغد وهو سادس عشر رمضان أحضر القضاة والفقهاء والمقدمين وأحضر رسول الخليفة وهو الشيخ مجد الدين أبو علي بن الربيع الفقيه الشافعي مدرس النظامية ببغداد وكان قد ورد إلى غزنة رسولا إلى شهاب الدين فقتل شهاب الدين وهو بغزنة فأرسل إليه والى قاضي غزنة يقول له إنني أريد أن أنتقل إلى الدار السلطانية وأن أخاطب بالملك ولا بد من حضورك والمقصود من هذا أن تستقر أمور الناس فحضر عنده فركب الدز والناس في خدمته وعليه ثياب الحزن وجلس في الدار في غير مجلس كان يجلس فيه شهاب الدين فتغيرت لذلك نيات كثير من الأتراك لأنهم كانوا يطيعونه ظنا منهم أنه يريد الملك لغياث الدين فحيث رأوه يريد الانفراد تغيروا عن طاعته حتى إن بعضهم بكى غيظا من فعله وأقطع 309 الإقطاعات الكثيرة وفرق الأموال الجليلة وكان عند شهاب الدين جماعة من أولاد ملوك الغور وسمرقند وغيرهم فأنفوا من خدمة الدز وطلبوا منه أن يقصدوا خدمة غياث الدين وأخيه صاحبي باميان وأرسل غياث الدين إلى الدز يشكره ويثني عليه لإخراج أولاد بهاء الدين من غزنة وسير له الخلع وطلب منه الخطبة والسكة فلم يفعل وأعاد الجواب فغالطه وطلب منه أن يخاطبه بالملك وأن يعتقه من الرق لأن غياث الدين ابن أخي سيده لا وارث له سواه وأن يزوج ابنه بابنة الدز فلم يجبه إلى ذلك واتفق أن جماعة من الغوريين من عسكر صاحب باميان أغاروا على أعمال كرمان وسوران وهي أقطاع الدز القديمة فغنموا وقتلوا فأرسل صهره صونج في عسكر فلقوا عسكر الباميان فظفر بهم وقتل منهم كثيرا وأنفذ رؤوسهم إلى غزنة فنصبت بها وأجرى الدز في غزنة رسول شهاب الدين وفرق في أهلها أموالا جليلة المقدار وألزم مؤيد الملك أن يكون وزيرا له فامتنع من ذلك فألح عليه فأجابه على كره منه فدخل على مؤيد الملك صديق له يهنئه فقال بماذا تهنئني من بعد ركوب الجواد بالحمار وأنشد
( ومن ركب الثور بعد الجواد
أنكر إطلاقه والغيب )
بينا الدز يأتي بابي ألف مرة حتى آذن له في الدخول أصبح على بابه ولو حفظ النفس مع هؤلاء الأتراك لكان لي حكم آخر
ذكر حال غياث الدين بعد قتل عمه
وأما غياث الدين محمود بن غياث الدين فإنه كان في أقطاعه وهو بست واسفرار وكان الملك علاء الدين بن محمد بن علي قد ولاه شهاب الدين بلاد الغور وغيرها من أرض الراون فلما بلغه قتله سار إلى فيروزكوه خوفا أن يسبقه إليها غياث الدين فيملك البلد ويأخذ الخزائن التي بها وكان علاء الدين حسن السيرة من أكابر بيوت الغورية إلا أن الناس كرهوه لميلهم إلى غياث الدين وأبي الأمراء من خدمته مع وجود ولد غياث الدين سلطانهم ولأنه كان كراميا مغاليا في مذهبه وأهل فيروزكوه شافعية وألومهم أن يجعلوا الإقامة مثنى فلما وصل إلى فيروزكوه أحضر جماعة من الأمراء منهم محمد المرغني وأخوه ومحمد بن عثمان وهم من أكابر الأمراء وحلفهم على مساعدته على 310 قتال خوارزمشاه وبهاء الدين صاحب باميان ولم يذكر غياث الدين احتقارا له فحلفوا له ولولده من بعده وكان غياث الدين بمدينة بست لم يتحرك في شيء انتظارا لما يكون من صاحب باميان لأنهما كانا قد تعاهدا أيام شهاب الدين أن تكون خراسان لغياث الدين وغزنة والهند لبهاء الدين وكان بهاء الدين أقوى فلهذا لم يفعل شيئا فلما بلغه خبر موت بهاء الدين جلس على التخت وخطب لنفسه بالسلطنة عاشر رمضان وحلف الأمراء الذين قصدوه وهم إسماعيل الخلجي وسونج أمير اشكار وزنكي بن خرجوم وحسين الغوري صاحب تكيا باذ وغيرهم وتلقب بألقاب أبيه غياث الدين
وكتب إلى علاء الدين محمد بن أبي علي وهو بفيروزكوه يستدعيه إليه ويستعطفه ليصده عن رأيه ويسلم مملكته إليه وكتب إلى الحسين بن خرميل وإلى هراة مثل ذلك أيضا ووعده الزيادة في الإقطاع فأما علاء الدين فأغلظ له في الجواب وكتب إلى الأمراء الذين معه يتهددهم فرحل غياث الدين إلى فيروزكوه فأرسل علاء الدين عسكرا مع ولده وفرق فيهم مالا كثيرا وخلع عليهم ليمنعوا غياث الدين فلقوه قريبا من فيروزكوه فلما تراءى الجمعان كشف إسماعيل الخلجي المغفر عن وجهه وقال الحمد لله أن الأتراك الذين لا يعرفون أباءهم لم يضيعوا حق التربية وردوا ابن ملك باميان وأنتم مشايخ الغورية الذين أنعم عليكم والد هذا السلطان ورباكم وأحسن إليكم كفرتم الإحسان وجئتم تقاتلون ولده أهذا فعل الأحرار فقال محمد المرغني وهو مقدم العسكر الذين يصدرون عن رأيه لا والله ثم ترجل عن فرسه وألقى سلاحه وقصد غياث الدين وقبل الأرض بين يديه وبكى بصوت عال وفعل سائر الأمراء كذلك فانهزم أصحاب علاء الدين مع ولده فلما بلغه الخبر خرج عن فيروزكوه هاربا نحو الغور وهو يقال أنا أمشي أجاور بمكة فأنفذ غياث الدين خلفه من رده إليه فأخذه وحبسه وملك فيروزكوه وفرح به أهل البلد وقبض غياث الدين على جماعة من أصحاب علاء الدين الكرامية وقتل بعضهم ولما دخل غياث الدين فيروزكوه ابتدأ بالجامع فصلى فيه ثم ركب إلى دار أبيه فسكنها وأعاد رسوم أبيه واستخدم حاشيته وقدم عليه عبد الجبار بن محمد الكيراني وزير أبيه واستوزره وسلك طريق أبيه في الإحسان والعدل ولما فرغ غياث الدين لم يكن له همة إلا ابن خرميل بهراة واجتذابه إلى طاعته فكاتبه وراسله واتخذه أبا واستدعاه إليه وكان ابن 311 خرميل قد بلغه موت شهاب الدين ثامن رمضان فجمع أعيان الناس منهم قاضي هراة صاعد بن الفضل النيسابوري وعلي بن عبد الخلاق بن زياد مدرس النظامية بهراة وشيخ الإسلام رئيس هراة ونقيب العلويين ومقدمي المحال وقال لهم قد بلغني وفاة السلطان شهاب الدين وأنا في نحو خوارزمشاه وأخاف الحصار وأريد أن تحلفوا لي على المساعدة على كل من نازعني فأجابه القاضي وابن زياد بأننا نحلف على كل الناس إلا ولد غياث الدين فحقد عليهما فلما وصل كتاب غياث الدين خاف ميل الناس إليه فغالطه في الجواب
وكان ابن خرميل قد كاتب خوارزمشاه يطلب منه أن يرسل إليه عسكرا ليصير في طاعته ويمتنع به على الغورية فطلب منه خوارزمشاه إنفاذ ولده رهينة ويرسل إليه عسكرا فسير ولده إلى خوارزمشاه فكتب خوارزمشاه إلى عسكره الذين بنيسابور وغيرها من بلاد خراسان يأمرهم بالتوجه إلى هراة وأن يكونوا يتصرفون بأمر ابن خرميل ويمتثلون أمره هذا وغياث الدين يتابع الكتب إلى ابن خرميل وهو يحتج بشيء بعد شيء انتظارا لعسكر خوارزمشاه ولا يؤيسه من طاعته ولا يخطب له ويعطيه طاعة غير مستوية ثم إن الأمير علي بن أبي علي صاحب كالوين أطلع غياث الدين على حال ابن خرميل فعزم غياث الدين على التوجه إلى هراة فثبطه بعض الأمراء الذين معه وأشاروا عليه بانتظار آخر أمره وترك محاققته واستشار ابن خرميل القاضي في أمر غياث الدين فقال له علي بن عبد الخلاق بن زياد مدرس النظامية بهراة وهو متولي وقوف خراسان التي بيده للغورية جميعها ينبغي أن تخطب للسلطان غياث الدين وتترك المغالطة إنني أخاف على نفسي فامض أنت وتوثق لي منه وكان قصده أن يبعده عن نفسه فمضى برسالته إلى غياث الدين وأطلعه على ما يريد ابن خرميل يفعله من الغدر به والميل إلى خوارزمشاه وحثه على قصد هراة وقال له أنا أسلمها إليك ساعة تصل إليها ووافقه بعض الأمراء وخالفه غيرهم وقال ينبغي أن لا تترك له حجة فترسل إليه تقليدا بولاية هراة ففعل ذلك وسيره مع ابن زياد وبعض أصحابه ثم إن غياث الدين كاتب أميران بن قيصر صاحب الطالقان يستدعيه إليه فتوقف وأرسل إلى صاحب مرو ليسير إليه فتوقف أيضا فقال له أهل البلد إن لم تسلم البلد إلى غياث الدين وتتوجه وإلا سلمناك وقيدناك وأرسلناك إليه فاضطر إلى المجيء إلى فيروزكوه 312 فخلع عليه غياث الدين وأقطعه إقطاعات شتى وأقطع الطالقان سونج مملوك أبيه المعروف بأمير اشكار
ذكر استيلاء خوارزمشاه على بلاد الغورية بخراسان
قد ذكرنا مكاتبة الحسين بن خرميل والي هراة خوارزمشاه ومراسلته في الانتماء إليه والطاعة له وترك طاعة الغورية وخداعه لغياث الدين ومغالطته له بالخطبة له والطاعة انتظترت لوصول عسكر خوارزمشاه ووصول رسول غياث الدين وابن زياد بالخطبة فقال يوم الجمعة نخطب له فاتفق قرب عسكر خوارزمشاه منهم فلما كان يوم الجمعة قيل له في معنى الخطبة فقال نحن في شغل أهم منها بوصول هذا العدو فطالت المجادلات بينهم في ذلك وهو مصر على الامتناع منها ووصل عسكر خوارزمشاه فلقيهم ابن خرميل وأنزلهم على باب البلد فقالوا له قد أمرنا خوارزمشاه أننا لا نخالف لك أمر فشكرهم على ذلك وكان يخرج إليهم كل يوم وأقام لهم الوظائف الكثيرة وأتاه الخبر أن خوارزمشاه نزل على بلخ فحاصرها فلقيه صاحبها وقاتله بظاهر البلد فلم ينزل بالقرب منها فنزل على أربعة فراسخ فندم ابن خرميل على طاعة خوارزمشاه وقال لخواصه لقد أخطأنا حيث صرنا مع هذا الرجل فإنني أراه عاجزا وشرع في إعادة العسكر فقال للأمراء إن خوارزمشاه قد أرسل إلى غياث الدين يقول له إنني على العهد الذي بيننا وأنا أترك ما كان لأبيك بخراسان والمصلحة أن ترجعوا حتى ننظر ما يكون فعادوا وأرسل إليهم الهدايا الكثيرة
وكان غياث الدين حيث اتصل به وصول عسكر خوارزمشاه إلى هراة أخذ إقطاع ابن خرميل وأرسل إلى كرزيان وأخذ كل ما له بها من مال وأولاد ودواب وغير ذلك وأخذ أصحابه في القيود وأتاه كتب من يميل إليه من الغورية يقولون له إن رآك غياث الدين قتلك ولما سمع أهل هراة بما فعل غياث الدين بأهل ابن خرميل وماله عزموا على قبضه والمكاتبة إلى غياث الدين بإنفاذ من يتسلم البلد وكتب القاضي صاعد قاضي هراة وابن زياد إلى غياث الدين بذلك فلما سمع ابن خرميل بما فعله غياث الدين بأهله وبما عزم عليه أهل هراة خاف أن يعالجه بالقبض فحضر عند القاضي وأحضر أعيان البلد وألا لهم القول وتقرب إليهم وأظهر طاعة غياث الدين وقال 313 قد رددت عسكر خوارزمشاه وأريد أرسل رسولا إلى غياث الدين بطاعتي والذي أوثره منكم أن تكتبوا معه كتابا بطاعتي فاستحسنوا قوله وكتبوا له بما طلب وسير رسوله إلى فيروزكوه وأمره إذا جنه الليل أن يرجع على طريق نيسابور يلحق عسكر خوارزمشاه ويجد السير فإذا لحقهم ردهم إليه ففعل الرسول ما أمره ولحق العسكر على يومين من هراة فأمرهم بالعود فعادوا فلما كان اليوم الرابع من سير الرسول وصلوا إلى هراة والرسول بين أيديهم فلقيهم ابن خرميل وأدخلهم البلد والطبول تضرب بين أيديهم فلما دخلوا أخذ ابن زياد الفقيه فسمله وأخرج القاضي صاعدا من البلد فسار إلى غياث الدين بفيروزكوه وأخرج من عنده من الغورية وكل من يعلم أنه يريدهم وسلم أبواب البلد إلى الخوارزمية
وأما غياث الدين فإنه برز من فيروزكوه نحو هراة وأرسل عسكرا فأخذوا حشيرا كان لأهل هراة فخرج الخوارزمية فشنوا الغارة على هراة الروذ وغيره فأمر غياث الدين عسكره بالتقدم إلى هراة وجعل المقدم عليهم على بن أبي علي وأقام هو بفيروزكوه لما بلغه أن خوارزمشاه على بلخ فسار العسكر وعلى يزكه الأمير أميران بن قيصر الذي كان صاحب الطالقان فأرسل إلى ابن خرميل يعرفه أنه على اليزك ويأمره بالمجيء إليه فإنه لا يمنعه وحلف له على ذلك فسار ابن خرميل في عسكره فكبس عسكر غياث الدين فلم يلحقوا يركبون خيولهم حتى خالطوهم فقتلوا فيهم فكف ابن خرميل أصحابه عن الغورية خوفا أن يهلكوا وغنم وأسر إسماعيل الخلجي وأقام بمكانه وأرسل عسكره فشنوا الغارة على البلاد باذغيس وغيرها وعظم الأمر على غياث الدين فعزم على المسير إلى هراة بنفسه فأتاه الخبر أن علاء الدين صاحب باميان قد عاد إلى غزنة على ما نذكره فأقام ينتظر ما يكون منهم ومن الدز
وأما بلخ فإن خوارزم شاه لما بلغه قتل شهاب الدين أخرج من كان عنده من الغوريين الذين كان أسرهم في المصاف على باب خوارزم فخلع عليهم وأحسن إليهم وأعطاهم الأموال وقال إن غياث الدين أخي ولا فرق بيني وبينه فمن أحب منكم المقام عندي فليقم ومن أحب أن يسير إليه فإني أسيره ولو أراد مني مهما أراد نزلت له عنه وعهد إلي محمد بن علي بن بشير وهو من أكابر الأمراء الغورية فأحسن إليه وأقطعه استمالة للغورية وجعله سفيرا بينه وبين صاحب بلخ فسير أخاه علي شاه بين يديه في عسكره إلى بلخ فلما قاربها خرج إليه عماد الدين عمر بن الحسين الغوري أميرها 314 فدفعه عن النزول عليها فنزل على أربعة فراسخ عنها فأرسل إلى أخيه خوارزم شاه يعلمه قوتهم فسار إليها في ذي لقعدة من السنة فلما وصل إلى بلخ خرج صاحبها فقاتلهم فلم يقوبهم لكثرتهم فنزلوا فصار يوقع بهم ليلا فكانوا معه على أقبح سورة فأقام صاحب بلخ محاصرا وهو ينتظر المدد من أصحابه أولاد بهاء الدين صاحب باميان وكانوا قد اشتغلوا عنه بغزنة على ما ذكرناه إن شاء الله تعالى فأقام خوارزم شاه على بلخ أربعين يوما كل يوم يركب إلى الحرب فيقتل من أصحابه كثير ولا يظفر بشيء فراسل صاحبها عماد الدين مع محمد بن علي بن بشير الغوري وبذل له بذلا كثيرا ليسلم إليه البلد فلم يجبه إلى ذلك وقال لا أسلم البلد إلا إلى أصحابه فعزم على المسير إلى هراة فلما سار أصحابه أولاد بهاء الدين صاحب باميان إلى غزنة المرة الثانية على ما نذكره إن شاء الله تعالى وأسرهم تاج الدين الدز عاد عن ذلك العزم وأرسل محمد بن علي بن بشير إلى عماد الدين نائبه يعرفه حال أصحابه وأسرهم وأنه لا يبقى عليه حجة ولا له في التأخر عنه عذر فدخل إليه ولم يزل يخدعه تارة يرغبه وتارة يرهبه حتى أجاب إلى طاعة خوارزم شاه والخطبة له وذكر اسمه على السكة وقال أنا أعلم أنه لا يفي له وأرسل من يستحلفه على ما أراد فتم الصلح وخرج إلى خوارزم شاه فخلع عليه وأعاد إلى بلده وكان سلخ ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة ثم سار خوارزم شاه إلى كرزيان ليحاصرها وبها علي بن أبي علي وأرسل إلى غياث الدين يقول إن هذه كان قد أقطعها عمك لابن خرميل فتنزل عنها فامتنع وقال بيني وبينكم السيف فأرسل إليه خوارزم شاه مع محمد بن علي بن بشير فرغبه وآيسه من نجدة غياث الدين ولم يزل به حتى نزل عنها وسلمها وعاد إلى فيروزكوه فأمر غياث الدين بقتله فشفع فيه الأمراء فتركه وسلم خوارزم شاه كرزيان إلى ابن خرميل ثم أرسل إلى عماد الدين صاحب بلخ يطلبه إليه ويقول قد حضر معهم ولا غنى عن حضورك فأنت اليوم من أخص أوليائنا فحضر عنده فقبض عليه وسيره إلى خوارزم ومضى هو إلى بلخ فأخذها واستناب بها جعفرا التركي
ذكر ملك خوارزم شاه ترمذ وتسلمها إلى الخطا
لما أخذ خوارزمشاه مدينة بلخ سار عنها إلى مدينة ترمذ مجدا وبها ولد عماد الدين الذي كان صاحب بلخ فأرسل إليه محمد بن علي بن بشير يقول له إن أباك قد 315 صار من أخص أصحابي وأكابر أمراء دولتي وقد سلم إلي بلخ وإنما ظهر لي منه ما أنكرته فسيرته إلى خوارزم مكرما محترما وأما أنت فتكون عندي أخا ووعده وأقطعه الكثير فخدعه محمد بن علي فرأى صاحبها أن خوارزم شاه قد حصره من جانب والخطا قد حصروه من جانب آخر وأصحابه قد أسرهم الدز بغزنة فضعفت نفسه وأسل من يستحلف له خوارزم شاه فحلف له وتسلم منه ترمذ وسلمها الى الخطا فلقد اكتسب بها خوارزمشاه مسبة عظيمة وذكرا قبيحا في عاجل الأمر ثم ظهر للناس بعد ذلك أنه إنما سلمها إليهم ليتمكن بذلك من ملك خراسان ثم يعود إليهم فيأخذها وغيرها منهم لأنه لما ملك خراسان وقصد بلاد الخطا وأخذها وأفناهم ظهر على الناس أنه فعل ذلك خديعة ومكرا غفر الله له
ذكر عود أصحاب باميان إلى غزنة
قد ذكرنا قبل وصول الدز التركي إلى غزنة وإخراجه علاء الدين وجلال الدين ولدي بهاء الدين سام صاحب باميان منها بعد أن ملكها وأقام هو في غزنة من عاشر رمضان سنة اثنتين وستمائة إلى خامس ذي القعدة من السنة يحسن السيرة ويعدل في الرعية وأقطع البلاد للأجناد فبعضهم قام وبعضهم سار إلى غياث الدين ولم يخطب لأحد ولا لنفسه وكان يعد الناس بأن رسولي عند مولاي غياث الدين فإذا عاد خطبت له ففرح الناس بقوله وكان يفعل ذلك مكرا وخديعة بهم وبغياث الدين لأنه لو لم يظهر ذلك لفارقه أكثر الأتراك وسائر الرعايا وكان حينئذ يضعف عن مقاومة صاحب باميان فكان يستخدم الأتراك وغيرهم بهذا القول وأشباهه فلما ظفر بصاحب باميان على ما نذكره أظهر ما كان يضمره فبينما هو في هذا أتاه الخبر بقرب علاء الدين وجلال الدين ولدي بهاء الدين صاحب باميان في العساكر الكثيرة وأنهم قد عزموا على نهب غزنة واستباحة الأموال والأنفس فخاف الناس خوفا شديدا وجهز الدز كثيرا من عسكره وسيرهم إلى طريقهم فلقوا أوائل العسكر فقتل من الأتراك وأدركهم العسكر فلم يكن لهم قوة بهم فانهزموا وتبعهم عسكر علاء الدين يقتلون ويأسرون فوصل المنهزمون إلى غزنة فخرج عنها الدز منهزما يطلب بلده كرمان فأدركه بعض عسكر باميان نحو ثلاثة آلاف فارس فقاتلهم قتالا شديدا فردهم عنه وأحضر من كرمان مالا كثيرا وسلاحا ففرقه في العسكر وأما علاء الدين وأخوه فإنهما تركا غزنة لم يدخلاها وسارا في أثر الدز فسمع بهم فسار عن كرمان فنهب الناس 316 بعضهم بعضا وملك علاء الدين كرمان وأمنوا أهلها وعزموا على العود إلى غزنة ونهبها
فسمه أهلها بذلك فقصدوا القاضي سعيد بن مسعود وشكوا إليه حالهم فمشى إلى وزير علاء الدين المعروف بالصاحب وأخبره بحال الناس فطيب قلوبهم وأخبرهم غيره ممن يثقون إليه أنهم مجمعون على النهب فاستعدوا وضيقوا أبواب الدروب والشوارع وأعدوا العرادات والأحجار وجاءت التجار من العراق والموصل والشام وغيرهم وشكوا إلى أصحاب السلطان فلم يسكنهم أحد فقصدوا دار مجد الدين ابن الربيع رسول الخليفة واستغاثوا به فسكنهم ووعدهم الشفاعة فيهم وفي أهل البلد فأرسل إلى أمير كبير من الغورية يقال له سليمان بن سيسر وكان شيخا كبيرا يرجعون إلى قوله يعرفه الحال ويقول له يكتب إلى علاء الدين وأخيه يتشفع في الناس ففعل وبالغ عن الناس بعد مراجعات كثيرة وكانوا قد وعدوا من معهم من العساكر بنهب غزنة فعوضوهم من الخزانة فسكن الناس
وعاد العسكر إلى غزنة أواخر ذي القعدة ومعهم الخزانة التي أخذها الدز من مؤيد الملك لما عاد ومعه شهاب الدين قتيلا فكانت مع ما أضيف إليها من الثياب والعين تسعمائة حمل ومن جملة ما كان فيها من الثياب الممزج المنسوج بالذهب إثني عشر ألف ثوب وعزم علاء الدين أن يستوزر مؤيد الملك فسمع أخوه جلال الدين فأحضره وخلع عليه على كراهة منه للخلعة واستوزره فلما سمع علاء الدين بذلك قبض على مؤيد الملك وقيده وحبسه فتغيرت نيات الناس واختلفوا ثم إن علاء الدين وجلال الدين اقتسما الخزانة وجرى بينهما من المشاحنة ما لا يجري بين التجار فاستدل بذلك الناس على أنهما لا يستقيم لهما حال لبخلهما واختلافهما وندم الأمراء على ميلهم إليهما وتركهم غياث الدين مع ما ظهر من كرمه وإحسانه ثم إن جلال الدين وعمه عباسا سارا في بعض العسكر إلى باميان وبقي علاء الدين بغزنة فأساء وزيره عماد الملك السيرة مع الأجناد والرعية ونهب أموال الأتراك حتى أنهم باعوا أمهات أولادهم وهن يبكين ويصرخن ولا يلتفت إليهن
ذكر عود الدز إلى غزنة
لما سار جلال الدين عن غزنة وأقام بها أخوه علاء الدين جمع الدز ومن معه من 317 الأتراك عسكرا كثيرا وعادوا إلى غزنة فوصلوا إلى كلوا فملكوها وقتلوا جماعة من الغورية ووصل المهزمون إلى كرمان فسار الدز إليهم وجعل على مقدمته مملوكا كبيرا من مماليك شهاب الدين اسمه أي دكز التتر في ألفي فارس من الخلج والأتراك والغز والغورية وغيرهم وكان بكرمان عسكر لعلاء الدين مع أمير يقال له ابن المؤيد ومعه جماعة من الأمراء منهم أبو علي بن سليمان بن سيسر وهو وأبوه من أعيان الغورية وكانا مشتغلين باللعب واللهو والشرب لا يفتران من ذلك فقيل لهما إن عسكر الأتراك قد قربوا منكم فلم يلتفتا إلى ذلك ولا تركا ما كانا عليه فهجم عليهم أي دكز التتر ومن معه من الأتراك فلم يمهلهم يركبون خيولهم فقتلوا عن آخرهم منهم من قتل في المعركة ومنهم من قتل صبرا ولم ينج إلا من تركه الأتراك عمدا ولما وصل الدز فرأى أمراء الغورية كلهم قتلى قال كل هؤلاء قاتلونا فقال أي دكز التتر لا بل قتلناهم صبرا فلامه على ذلك ووبخه وأحضر رأس ابن المؤيد بين يديه فسجد شكرا لله تعالى وأمر بالمقتولين فغسلوا ودفنوا وكان في جملة القتلى أبو علي بن سليمان ابن سيسر ووصل الخبر إلى غزنة في العشرين من ذي الحجة من هذه السنة فصلب علاء الدين الذي جاء بالخبر فتغيمت السماء وجاء مطر شديد خرب بعض غزنة وجاء بعده برد كبار مثل بيض الدجاج فضج الناس إلى علاء الدين بإنزال المصلوب فأنزله آخر النهار فانكشفت الظلمة وسكن ما كانوا فيه وملك الدز كرمان وأحسن إلى أهلها وكانوا في ضر شديد مع أولئك ولما صح الخبر عند علاء الدين أرسل وزيره الصاحب إلى أخيه جلال الدين في باميان يخبره بحال الدز ويستنجده وكان قد أعد العساكر ليسير إلى بلخ يرحل عنها خوارزمشاه فلما أتاه هذا الخبر ترك بلخ وسار إلى غزنة وكان أكثر عسكره من الغورية قد فارقوه وفارقوا أخاه وقصدوا غياث الدين فلما كان أواخر ذي الحجة وصل الدز إلى غزنة ونزل هو وعسكره بإزاء قلعة غزنة وحضر علاء الدين وجرى بينهم قتال شديد وأمر الدز فنودي في البلد بالأمان وتسكين الناس من أهل البلد والغورية وعسكر باميان وأقام الدز محاصرا للقلعة فوصل جلال الدين في أربعة آلاف من عسكر باميان وغيرهم فرحل الدز إلى طريقهم وكان مقامه إلى أن سار إليهم أربعين يوما فلما سار الدز سير علاء الدين من كان عنده من العسكر وأمرهم أن يأتوا الدز من خلفه ويكون أخوه من بين يديه فلا يسلم من عسكره أحد فلما خرجوا من القلعة سار سليمان بن سيسر الغوري إلى غياث الدين 318 بفيروزكوه فلما وصل أكرمه وعظمه وجعله أمير دار فيروزكوه وكان ذلك في صفر سنة ثلاث وستمائة
وأما الدز فإنه سار إلى طريق جلال الدين فالتقوا بقرية بلق فاقتتلوا قتالا صبروا فيه فانهزم جلال الدين وعسكره وأخذ جلال الدين أسيرا وأتي به إلى الدز فلما رآه ترجل وقيل يده وأمر بالاحتياط عليه وعاد إلى غزنة وجلال الدين معه أسير يقول له ليسلم القلعة إليه وإلا قتل من عنده من الأسرى فلم يسلمها فقتل منهم أربعمائة أسير بإزاء القلعة فلما رأى علاء الدين ذلك أرسل مؤيد الملك يطلب الأمان فأمنه الدز فلما خرج قبل عليه ووكل به وبأخيه من يحفظهما وقبض على وزيره لسوء سيرته وكان هندوخان ملكشاه بن خوارزمشاه تكش مع علاء الدين بقلعة غزنة فلما خرج منها قبض عليه أيضا وكتب إلى غياث الدين بالفتح وأرسل إليه الأعلام وبعض الأسرى
ذكر قصد صاحب مراغة وصاحب إربل أذربيجان
في هذه السنة اتفق صاحب مراغة وهو علاء الدين هو ومظفر الدين كوكبري صاحب إربل على قصد أذربيجان وأخذها من صاحبها أبي بكر بن البلهوان لاشتغاله بالشرب ليلا ونهارا وتركه النظر في أحوال المملكة وحفظ العساكر والرعايا فسار صاحب إربل إلى مراغة واجتمع هو وصاحبها علاء الدين وتقدما نحو تبريز فلما علم صاحبها أبو بكر أرسل إلى ايتغمش صاحب بلاد الجبل همذان وأصفهان والري وما بينهما من البلاد وهو مملوك أبيه البهلوان وهو في طاعة أبي بكر إلا أنه قد غلب على البلاد فلا يلتفت إلى أبي بكر فأرسل إليه أبو بكر يستنجده ويعرفه الحال وكان حينئذ ببلد الإسماعيلية فلما أتاه الخبر سار إليه في العساكر الكثيرة فلما حضر عنده أرسل إلى صاحب إربل يقول له إننا كنا نسمع عنك أنك تحب أهل العلم والخير وتحسن إليهم فكنا نعتقد فيك الخير والدين فلما كان الآن ظهر لنا منك ضد ذلك لقصدك بلاد الإسلام وقتال المسلمين ونهب أموالهم وإثارة الفتنة فإذا كنت كذلك فمالك عقل تجيء إلينا وأنت صاحب قرية ونحن لنا من باب خراسان إلى خلاط وإلي إربل وأحسب أنك هزمت هذا أما تعلم أن له مماليك أنا أحدهم ولو أخذ من كل قرية شحنة أو من كل مدينة عشرة رجال لاجتمع له أضعاف عسكرك فالمصلحة أنك ترجع إلى 319 بلدك وإنما أقول هذا أبقاء عليك ثم سار نحوه عقيب هذه الرسالة فلما سمعها مظفر الدين وبلغه مسير ايتغمش عزم على العود فاجتهد به صاحب مراغة ليقيم بمكانه ويسلم عسكره إليه وقال له إنني قد كاتبني جميع أمرائه ليكونوا معي إذا قصدتهم فلم يقبل مظفر الدين من قوله وعاد إلى بلده وسلك الطريق الشاقة والمضايق الصعبة والعقاب الشاهقة خوفا من الطلب ثم إن أبا بكر وايتغمش قصدا مراغة وحصراها فصالحهما صاحبها على تسليم قلعة من حصونة إلى أبي بكر هي كانت سبب الاختلاف وأقطعه أبو بكر مدينتي استوا وأرمية وعاد عنه
ذكر إيقاع أيتغمش بالإسماعيلية
وفي هذه السنة أيتغمش إلى بلاد الإسماعيلية المجاورة لقزوين فقتل منهم مقتلة كبيرة ونهب وسبي وحصر قلاعهم ففتح منها خمس قلاع وصمم العزم على حصر الموت واستئصال أهلها فاتفق ما ذكرنا من حركة صاحب مراغة وصاحب إربل واستدعاه الأمير أبو بكر ففارق بلادهم وسار إلى أبي بكر كما ذكرناه
ذكر وصول عسكر خوارزم إلى بلاد الجبل وما كان منهم
وفي هذه السنة سار من عسكر خوارزم طائفة كبيرة نحو عشرة آلاف فارس بأهليهم وأولادهم فوصلوا إلى زنكان وكان أيتغمش صاحبها مشغولا مع صاحب إربل وصاحب مراغة واغتنموا خلو البلاد فلما عاد مظفر الدين إلى بلده وانفصل الحال بين ايتغمش وصاحب مراغة سار أيتغمش نحو الخوارزمية فلقيهم وقاتلهم فاشتد القتال بين الطائفتين ثم انهزم الخوارزميون وأخذهم السيف فقتل منهم وأسر خلق كثير ولم ينج منهم إلا الشريد وسبي نساؤهم وغنمت أموالهم وكانوا قد أفسدوا في البلاد بالنهب والقتل فلقوا عاقبة فعلهم
ذكر الغارة من ابن ليون على أعمال حلب
وفي هذه السنة توالت الغارة من ابن ليون الأرمني صاحب الدروب على ولاية حلب فنهب وحرق وأسر وسبى فجمع الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف صاحب حلب عساكره واستنجد غيره من الملوك فجمع كثيرا من الفارس والراجل وسار عن حلب نحو ابن ليون وكان ابن ليون قد نزل في طرف بلاده مما يلي بلد 320 حلب فليس إليه طريق لأن جميع بلاده لا طريق إليها إلا من جبال وعرة ومضايق صعبة فلا يقدر غيره على الدخول إليها لا سيما من ناحيى حلب فإن الطريق منها متعذر جدا فنزل الظاهر على خمسة فراسخ من حلب وجعل على مقدمته جماعة من عسكره مع أمير كبير من مماليك أبيه يعرف بميمون القصري ينسب إلى قصر الخلفاء العلويين بمصر لأن أباه منهم أخذه فأنفذ الظاهر ميرة وسلاحا إلى حصن له مجاور لبلاد ابن ليون اسمه دربساك وأنفذ إلى ميمون ليرسل طائفة من العسكر الذي عنده إلى طريق هذه الذخيرة ليسيروا معها إلى دربساك ففعل ذلك وسير جماعة كثيرة من عسكره وبقي في قلة فبلغ الخبر إلى ابن ليون فجد فوفاه وهو مخف من العسكر فقاتله واشتد القتال بينهم فأرسل ميمون إلى الظاهر يعرفه وكان بعيدا عنه فطالت الحرب بينهم وحمى ميمون نفسه وأثقاله على قلة من المسلمين وكثرة من الأرمن فانهزم المسلمون ونال العدو منهم فقتل وأسر وكذلك أيضا فعل المسلمون بالأرمن من كثرة القتل وظفر الأرمن بأثقال المسلمين وساروا بها فصادفهم المسلمون الذين كانوا قد ساروا مع الذخائر إلى دربساك فلم يشعروا بالحال فلم يرعهم إلا العدو وقد خالطهم ووضع السيف فيهم فاقتتلوا أشد قتال ثم انهزم المسلمون أيضا وعاد الأرمن إلى بلادهم بما غنموا واعتصموا بجبالهم وحصونهم
ذكر نهب الكرج أرمينية
في هذه السنة قصدت الكرج في جموعها ولاية خلاط من أرمينية ونهبوا وقتلوا وأسروا وسبوا أهلها كثيرا وجاسوا خلال الديار آمنين ولم يخرج إليهم من خلاط من يمنعهم فبقوا متصرفين في النهب والسبي والبلاد شاغرة لا مانع لها لأن صاحبها صبي والمدبر لدولته ليست له تلك الطاعة على الجند فلما اشتد البلاء على الناس تذامروا وحرض بعضهم بعضا واجتمعت العساكر الإسلامية التي بتلك الولاية جميعها وانضاف إليهم من المتطوعة كثير فساروا جميعهم نحو الكرج وهم خائفون فرأى بعض الصوفية الأخبار الشيخ محمد البستي وهو من الصالحين وكان قد مات فقال له الصوفي أراك ههنا فقال جئت لمساعدة المسلمين على عدوهم فاستيقظ فرحا بمحل البستي من الإسلام وأتى إلى مدبر العسكر والقيم بأمره وقص عليه رؤياه ففرح بذلك وقوي عزمه على قصد الكرج وسار بالعساكر إليهم فنزل 321 منزلا فوصلت الأخبار إلى الكرج فعزموا على كبس المسلمين فانتقلوا من موضعهم بالوادي إلى أعلاه فنزلوا فيه ليكبسوا المسلمين إذا أظلم الليل فأتى المسلمين الخبر فقصدوا الكرج وأمسكوا عليهم رأس الوادي وأسفله وهو واد ليس إليه غير هذين الطريقين فلما رأى الكرج ذلك أيقنوا بالهلاك وسقط في أيديهم وطمع المسلمون فيهم وضايقوهم وقاتلوهم فقتلوا منهم كثيرا وأسروا مثلهم ولم يفلت من الكرج إلا القليل وكفى الله المسلمين شرهم بعد أن كانوا أشرفوا على الهلاك
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في جمادى الآخرة توفي الأمير طاشتكين مجير الدين أمير الحاج بتستر وكان قد ولاه الخليفة على جميع خوزستان وكان أميرا على الحاج سنين كثيرة وكان خيرا صالحا حسن السيرة كثير العبادة يتشيع ولما مات ولى الخليفة على خوزستان مملوكه سنجر وهو صهر طاشتكين زوج ابنته
وفيها قتل سنجر بن مقلد بن سليمان بن مهارش أمير عبادة بالعراق وكان سبب قتله أنه سعى بأبيه مقلد إلى الخليفة الناصر لدين الله فأمر بالتوكيل على أبيه فبقي مدة ثم أطلقه الخليفة ثم إن سنجرا قتل أخا له اسمه
فأوغر بهذه الأسباب صدور أهله وإخوانه فلما كان هذه السنة في شعبان نزل بأرض المعشوق وركب في بعض الأيام ومعه إخوته وغيرهم من أصحابه فلما انفرد عن أصحابه ضربه أخوه علي بن مقلد بالسيف فسقط إلى الأرض فنزل إخوته إليه فقتلوه
وفيها تجهز غياث الدين خسر وشاه صاحب مدينة الروم إلى مدينة طرابزون وحصر صاحبها لأنه كان قد خرج عن طاعته فضيق عليه فانقطعت لذلك الطرق من بلاد الروم والروس وقفجاق وغيرها برا وبحرا ولم يخرج منهم أحد إلى بلاد غياث الدين فدخل بذلك ضرر عظيم على الناس لأنهم كانوا يتجرون معهم ويدخلون بلادهم ويقصدهم التجار من الشام والعراق والموصل والجزيرة وغيرها فاجتمع منهم بمدينة سيواس خلق كثير فحيث لم ينفتح الطريق تأذوا أذى كثيرا فكان السعيد منهم من عاد إلى رأس ماله 322
وفيها تزوج أبو بكر بن البهلوان صاحب أذربيجان وأران بابنة ملك الكرج وسبب ذلك أن الكرج تابعت الغارات منهم على بلاده لما رأوا من عجزه وانهاكه في الشرب واللعب وما جانسهما وإعراضه عن تدبير الملك وحفظ البلاد فلما رأى هو أيضا ذلك ولم يكن عنده من الحمية والأنفة من هذه المناجس ما يترك ما هو مصر عليه وأنه لا يقدر على الذب عن البلاد عدل إلى الذب عنها بأيره فخطب ابنة ملكهم فتزوجها فكف الكرج عن النهب والإعارة والقتل فكان كما قيل أغمد سيفه وسل أيره
وفيها حمل إلى أزيك خروف وجهه صورة آدمي وبدنه بدن خروف وكان هذا من العجائب
وفيها توفي القاضي أبو محمد بن محمد المانداي الواسطي بها
وفيها في شوال توفي فخر الدين مبارك شاه بن الحسن المروروذي وكان حسن الشعر بالفارسية والعربية وله منزلة عظيمة عند غياث الدين الكبير صاحب غزنة وهراة وغيرهما وكان له دار ضيافة فيها كتب شطرنج فالعلماء يطالعون الكتب والجهال يلعبون بالشطرنج
وفيها في ذي الحجة توفي أبو الحسن علي بن علي بن سعادة الفارقي الفقيه الشافعي ببغداد وبقي مدة طويلة معيدا بالنظامية وصار مدرسا بالمدرسة التي أحدثتها أم الخليفة الناصر لدين الله وكان مع علمه صالحا طلب للنيابة في القضاء ببغداد فامتنع فألزم بذلك فوليه يسيرا ثم في بعض الأيام مشى إلى جامع ابن المطلب فنزل ولبس مئزر صوف غليظ وغير ثيابه وأمر الوكلاء وغيرهم بالانصراف وأقام به حتى سكن الطلب عنه وعاد إلى داره بغير ولاية
وفيها وقع الشيخ أبو موسى المكي المقيم بمقصورة جامع السلطان ببغداد من سطح الجامع فمات وكان رجلا صالحا كثير العبادة
وفيها توفي العفيف أبو المكارم عرفة بن علي بن بصلا البندنيجي ببغداد وكان رجلا صالحا منقطعا إلى العبادة رحمه الله 323
ثم دخلت سنة ثلاث وستمائة
ذكر ملك عباس باميان وعودها إلى ابن أخيه
في هذه السنة ملك عباس باميان من علاء الدين وجلال الدين ولدي أخيه بهاء الدين وسبب ذلك أن عسكر باميان لما انهزموا من الدز وعادوا إليها أخبروا أن علاء الدين وجلال الدين أسرا وأن الدز ومن معه غنموا ما في أيديهما فأخذ وزير أبيهما المعروف بالصاحب من الأموال كثيرا ومن الجواهر وغيرها من التحف وأخذ فيلا وسار إلى خوارزم شاه يستنجده على الدز ليسير معه عسكرا يستخلص به صاحبه فلما فارق باميان ورأى عمهما عباس خلو البلد منه ومن ابني أخيه جمع أصحابه وقام في البلد فملكه وصعد إلى القلعة فملكها وأخرج اصحاب ابني اخيه جمع أصحابه وقام في البلد فملكه وصعد إلى القلعة فملكها وأخرج اصحاب ابني اخيه علاء الدين وجلال الدين منها فبلغ الخبر إلى الوزير السائر إلى خوارزم شاه فعاد إلى باميان وجمع الجموع الكثيرة وحصر عباسا في القلعة وكان مطاعا في جميع ممالك بهاء الدين وولديه من بعده وأقام محاصرا إلا أنه لم يكن معه من المال ما يقوم بما يحتاج إليه إنما كان معه ما أخذه إلى خوارزم شاه فلما خلص جلال الدين من أسر الدز على ما نذكره وسار الى باميان فوصل إلى أرصف وهي مدينة باميان وجاء إليه وزير أبيه الصاحب واجتمع به وسار إلى القلاع وأرسبوا عباسا المنقلب عليها ولاطفوه فسلم الجميع إلى جلال الدين وقال إنما حفظتها خوفا أن يأخذها خوارزم شاه فاستحسن فعله وعاد إلى مكة
ذكر ملك خوارزم شاه الطالقان
لما سلم خوارزم شاه ترمذ إلى الخطا سار عنها إلى ميهنة واندخوي وكتب إلى سونج أمير الشكار نائب غياث الدين محمود بالطالقان يستميله فعاد الرسول خائبا لم يجبه سونج إلى ما أراد منه وجمع عسكره وخرج يحارب خوارزم شاه فالتقوا 324 بالقرب من الطالقان فلما تقابل العسكران حمل سونج وحده مجدا حتى قارب عسكر خوارزم شاه فالقى نفسه إلى الأرض ورمى سلاحه عنه وقبل الأرض وسأل العفو فظن خوارزم شاه أنه سكران فلما علم أنه صاح ذمه وسبه وقال من يثق إلى هذا وأشباهه ولم يلتفت إليه وأخذ ما بالطالقان من مال وسلاح ودواب وأنفذه إلى غياث الدين مع رسول وحمله رسالة تتضمن التقرب إليه والملاطفة له واستناب بالطالقان بعض أصحابه وسار إلى قلاع كالوين وبيوار فخرج إليه حسام الدين علي بن أبي علي صاحب كالوين وقاتله على رؤوس الجبال فأرسل إليه خوارزم شاه يتهدده إن لم يسلم إليه فقال أما أنا فمملوك وهذه الحصون فهي أمانة بيدي ولا أسلمها إلا إلى صاحبها فاستحسن خوارزم شاه منه هذا وأثنى عليه وذم سونج ولما بلغ غياث الدين خبر سونج وتسليم الطالقان إلى خوارزم شاه عظم عنده وشق عليه فسلاه أصحابه وهونوا الأمر
ولما فرغ خوارزم شاه من الطالقان سار إلى هراة فنزل بظاهرها ولم يمكن ابن خرميل أحدا من الخوارزميين أن يتطرق بالأذى إلى أهلها وإنما كان يجتمع منهم الجماعة بعد الجماعة فيقطعون الطريق وهذه عادة الخوارزميين ووصل رسول غياث الدين إلى خوارزم شاه بالهدايا ورأى الناس عجبا وذلك أن الخوارزميين لا يذكرون غياث الدين الكبير والد هذا غياث الدين ولا يذكرون أيضا شهاب الدين أخاه وهما حيان إلا بالغوري صاحب غزنة وكان وزير خوارزم شاه الآن مع عظم شأنه وقلة شأن غياث الدين هذا لا يذكره إلا بمولانا السلطان مع ضعفه وعجزه وقلة بلاده وأما ابن خرميل فإنه سار من هراة في جمع من عسكر خوارزم شاه فنزل على اسفرار في صفر وكان صاحبها قد توجه إلى غياث الدين فحصرها وأرسل إلى من بها يقسم بالله لئن سلموها أن يؤمنهم وإن امتنعوا أقام عليهم إلى أن يأخذهم فإذا أخذهم قهرا لا يبقي على كبير ولا صغير فخافوا فسلموها في ربيع الأول فأمنهم ولم يتعرض إلى أهلها بسوء فلما أخذها أرسل إلى حرب بن محمد صاحب سجستان يدعوه إلى طاعة خوارز شاه والخطبة له ببلاده فأجابه إلى ذلك وكان غياث الدين قد راسله قبل ذلك في الخطبة والدخول في طاعته فغالطه ولم يجبه إلى ما طلب ولما كان خوارزم شاه على هراة عاد إليها القاضي صاعد بن الفضل الذي كان ابن خرميل قد اخرجه من هراة في العام الماضي وسار إلى غياث الدين فعاد الآن من عنده فلما وصل قال ابن خرميل 325 لخوارزم شاه إن هذا يميل إلى الغورية ويريد دولتهم ووقع فيه فسجنه خوارزم شاه بقلعة زوزن وولى القضاء بهراة الصفي أبا بكر بن محمد السرخسي وكان ينوب عن صاعد وابنه في القضاء بهراة
ذكر حال غياث الدين مع الدز وأيبك
لما عاد الدز إلى غزنة وأسر علاء الدين وأخاه جلال الدين كما ذكرناه وكتب اليه غياث الدين يطالبه بالخطبة له فأجابه في هذه المدة أشد منه فيما تقدم وأعاد غياث الدين اليه يقول إما أن تخطب لنا وإما أن تعرفنا ما في نفسك فلما وصل الرسول بهذا أحضر خطيب غزنة وأمره يخطب لنفسه بعد الترحم على شهاب الدين فخطب لتاج الدين الدز بغزنة فلما سمع الناس ذلك ساءهم وتغيرت نياتهم ونيات الأتراك الذين معه ولم يروه أهلا أن يخدموه وإنما كانوا يطيعونه ظنا منهم أنه ينصر دولة غياث الدين فلما خطب لنفسه أرسل إلى غياث الدين يقول له بماذا تشتط علي وتتحكم هذه الخزانة نحن جمعناها بأسيافنا وهذا الملك قد أخذته وأنت قد اجتمع عندك الذين هم اساس الفتنة وأقطعتهم الإقطاعات ووعدتني بأمور لم تف بها فإن أنت اعتقتني خطبت لك وحضرت خدمتك فلما وصل الرسول أجابه غياث الدين إلى عتق الدز بعد الامتناع الشديد والعزم على مصالحة خوارزم شاه على ما يريد وقصد غزنة ومحاربته بها فلما أجابه إلى العتق أشهد عليه به وأشهد عليه أيضا بعتق قطب الدين أيبك مملوك شهاب الدين ونائبه وببلاد الهند وأرسل إلى كل واحد منهما ألف قباء وألف قلنسوة ومناطق الذهب وسيوفا كثيرا وجترين ومائة رأس من الخيل وأرسل إلى كل واحد منهما رسولا فقبل الدز الخلع ورد الجتر وقال نحن عبيد ومماليك والجتر له أصحاب وسار رسول أيبك إليه وكان بفرشابور قد ضبط المملكة وحفظ البلاد ومنع المفسدين من الفساد والأذى والناس معه في أمن فلما قرب الرسول منه لقيه على بعد وترجل وقبل حافر الفرس ولبس الخلعة وقال أما الجتر فلا يصلح للمماليك وأما العتق فمقبول وسوف اجازيه بعبودية الأبد وأما خوارزم ساه فإنه أرسل إلى غياث الدين يطلب منه أن يتصاهرا ويطلب منه ابن خرميل صاحب هراة إلى طاعته ويسير معه في العساكر إلى غزنة فإذا ملكها من الدز اقتسموا المال أثلاثا ثلثا لخوارزم شاه وثلثا لغياث الدين وثلثا للعسكر فأجابه إلى ذلك ولم يبق إلا الصلح فوصل الخبر إلى خواروزم شاه بموت صاحب مازندران فسار عن هراة إلى مرو 326
وسمع الدز بالصلح فجزع لذلك جزعا عظيما ظهر أثره عليه وأرسل إلى غياث الدين يقول له ما حملك على هذا فقال حملني عليه عصيانك وخلافك علي فثار الدز إلى تكياباذ فأخذها وإلى بست وتلك الأعمال فملكها وقطع خطبة غياث الدين منها وأرسل إلى صاحب سجستان بأمره بإعادة الترحم على شهاب الدين وقطع خطبة خوارزم شاه وأرسل إلى ابن خرميل صاحب هراة بمثل ذلك وتهددهما بقصد بلادهما فخالفه الناس ثم إن الدز أخرج جلال الدين صاحب باميان من أسره وسير معه خمسة آلاف فارس مع أيدكز التتر مملوك شهاب الدين إلى باميان ليعيدوه إلى ملكه ويزيلوا ابن عمه عنه وزوجه ابنته وسار ومعه ايدكز فلما خلا به لامه على لبسه خلعة الدز وقال أنتم ما رضيتم تلبسون خلعة غياث الدين وهو أكبر سنا منكم وأشرف بيتا تلبس خلعة هذا المزبون يعني الدز ودعاه إلى العود معه إلى غزنة واعلمه أن الأتراك كلهم مجمعون على خلاف الدز فلم يجبه إلى ذلك فقال ايدكز فإني لا أسير معك وعاد إلى كابل وهي أقطاعه فلما وصل ايدكز إلى كابل لقيه رسول من قطب الدين أيبك إلى الدز يقبح له فعله ويأمره بإقامة خطبة غياث الدين ويخبره انه قد خطب له في بلاده ويقول له إن لم يخطب له هو ايضا بغزنة ويعود إلى طاعته وإلا قصده وحاربه فلما علم ايدكز ذلك قويت نفسه على محاربة الدز وصمم العزم على قصد غزنة ووصل أيضا رسول أيبك إلى غياث الدين بالهدايا والتحف ويشير بإجابة خوارزم شاه إلى ما طلب
الآن وعند الفراغ من أمر غزنة تسهل امور خوارزم شاه وغيره وأنفذ له ذهبا عليه اسمه فكتب أيدكز إلى أيبك يعرفه عصيان الدز على غياث الدين وما فعله في البلاد وأنه على عزم مشافقة الدز وهو ينتظر أمره فأعاد أيبك جوابه يأمره بقصد غزنة فإن حصلت له القلعة أقام بها إلى أن يأتيه وإن لم تحصل له القلعة وقصده الدز انحاز إليه أو إلى غياث الدين أو يعود إلى كابل فسار إلى غزنة وكان جلال الدين قد كتب إلى الدز يخبره خبر أيدكز وما عزم عليه فكتب الدز إلى نوابه بقلعة غزنة يأمرهم بالاحتياط منه فوصلها ايدكز أول رجب من السنة وقد حذروه فلم يسلموا إليه القلعة ومنعوه عنها فأمر اصحابه بنهب البلد فنهبوا عدة مواضع منه فتوسط القاضي الحال بأن سلم إليه من الخزانة خمسين ألف دينار ركنية وأخذ له من التجار شيئا آخر وخطب أيدكز بغزنة لغياث الدين وقطع خطبة الدز ففرح الناس بذلك وكان مؤيد الملك ينوب عن الدز بالقلعة 327
ووصل الخبر إلى الدز بوصول أيدكز إلى غزنة ووصول رسول أيبك إليه ففت في عضده وخطب لغياث الدين في تكياباذ وأسقط اسمه من الخطبة فخطب له ورحل إلى غزنة فلما قاربها ورحل ايدكز عنها إلى بلد الغور فأقام في تمران وكتب إلى غياث الدين يخبره بحاله وأنفذ إليه المال الذي أخذه من الخزانة ومن أموال الناس فأرسل إليه يخبره بحاله وأنفذ إليه المال الذي أخذه من الخزانة ومن أموال الناس فأرسل إليه خلعا واعتقه وخاطبه بملك الأمراء ورد عليه المال الذي كان أخذه من الخزانة وقال له أما مال الخزانة فقد أعدناه إليك لتخرجه وأما أموال التجار وأهل البلد فقد أرسلته مع رسولي ليعاد إلى أربابه لئلا نفتتح دولتنا بالظلم وقد عوضتك عنه ضعفه وأرسل أموال الناس إلى غزنة إلى قاضي غزنة وأمره أن يرد المال المنفذ على أربابه فأنهى القاضي الحال إلى الدز وأشار عليه بالخطبة لغياث الدين وقال أنا أسعى في الوصلة بينكما والصلح فأمره بذلك فبلغ الخبر إلى غياث الدين فأرسل إلى القاضي ينهاه عن المجيء غليه وقال لا تسأل في عبد أبق قدبان فساده واتضح عناده فأقام هو والدز وسير غياث الدين عسكر إلى أيدكز التتر فأقاموا معه وسير الدز عسكر إلى روين كان وهي لغياث الدين وقد أقطعها لبعض الأمراء فهجموا على صاحبها فنهبوا ماله وأخذوا أولاده فنجا وحده إلى غياث الدين فاقتضى الحال أن سار غياث الدين إلى بست وتلك الولاية فاستردها وأحسن إلى أهلها وأطلق لهم خراج سنة لما نالهم من الدز من الأذى
ذكر وفاة صاحب مازندران والخلف بين أولاده
في هذه السنة توفي حسام الدين أردشير صاحب مازندران وخلف ثلاثة أولاد فملك بعده شاه تكش أخو خوارزم شاه محمد وهو ينوب عن أخيه فيها فشكا إليه ما صنع به أخوه من إخراجه من البلاد وطلب منه أن ينجده عليه ويأخذ له البلاد ليكون في طاعته فكتب علي شاه إلى أخيه خوارزم شاه في ذلك فأمره بالمسير معه إلى مازندران وأخذ البلاد له وإقامة الخطبة لخوارزم شاه فيها فساروا عن جرجان فاتفق أن حسام الدين صاحب مازندران مات في ذلك الوقت وملك البلاد بعده أخوه الأصغر واستولى على القلاع والأموال فوصل علي شاه البلاد ومعه صاحب مازندران فنهبوها وخربوها وامتنع منهم الأخ الصغير بالقلاع وأقام بقلعة كورا وهي التي فيها الأموال والذخائر وحصره فيها بعد أن ملكوا أسامة البلاد مثل سارية وآمل 328 وغيرها من البلاد والحصون وخطب لخوارزم شاه فيها جميعها فصارت في طاعته وعاد علي شاه إلى جرجان وأقام ابن ملك مازندران في البلاد مالكها جميعها سوى القلعة التي فيها أخوه الأصغر وهو يراسله ويستميله ويستعطفه وأخوه لا يرد جوابا ولا ينزل في حصنه
ذكر ملك غياث الدين كيخسرو مدينة أنطاكية
في هذه السنة ثالث شعبان ملك غياث الدين كيخسرو صاحب قونية وبلد الروم مدينة أنطاكية بالأمان وهي للروم على ساحل البحر وسبب ذلك أنه كان حصرها قبل هذا التاريخ وأطال المقام عليها وهدم عدة أبراج من سورها ولم يبق إلا فتحها عنوة فأرسل من بها من الروم إلى الفرنج الذين بجزيرة قبرس وهي قريبة منها فاستنجدوهم فوصل إليها جماعة منهم فعند ذلك يئس غياث الدين منها ورحل عنها وترك طائفة من عسكره بالقرب منها بالجبال التي بينها وبين بلاده وأمرهم بقطع الميرة عنها فاستمر الحال على ذلك مدة حتى ضاق بأهل البلد واشتد الأمر عليهم فطلبوا من الفرنج الخروج لدفع المسلمين عن مضايقتهم فظن الفرنج أن الروم يريدون إخراجهم من المدينة بهذا السبب فوقع الخلف بينهم فاقتتلوا فأرسل الروم إلى المسلمين وطلبوهم ليسلموا إليهم البلد فوصلوا إليهم واجتمعوا معهم على قتال الفرنج فانهزم الفرنج ودخلوا الحصن فاعتصموا له فأرسل المسلمون يطلبون غياث الدين وهو بمدينة قونية فسار إليهم مجدا في طائفة من عسكره فوصلها ثاني شعبان وتقرر الحال بينه وبين الروم وتسلم المدينة ثالثة وحصر الحصن الذي فيه الفرنج وتسلمه وقتل كل من كان به من الفرنج
ذكر عزل ولد بكتمر صاحب خلاط وملك بلبان ومسير صاحب ماردين إلى خلاط وعوده
وفي هذه السنة قبض عسكر خلاط على صاحبها ولد بكتمر وملكها بلبان مملوك شاه أرمن بن سكمان وكتب اهل خلاط إلى ناصر الدين ارتق بن أيلغازي بن ألبي بن تمرتاش بن أيلغازي بن أرتق يستدعونه إليها وسبب ذلك أن ولد بكتمر كان صبيا جاهلا فقبض على الأمير شجاع الدين قتلغ مملوك من مماليك شاه أرمن وهو كان 329 أتابكه ومدبر بلاده وكان حسن السيرة مع الجند والرعية فلما قتله اختلفت الكلمة عليه من الجند والعامة واشتغل هو باللهو واللعب وإدمان الشرب فكاتب جماعة من أهل خلاط وجماعة من الجند ناصر الدين صاحب ماردين يستدعونه إليهم وإنما كاتبوه دون غيره من الملوك لأن أباه قطب الدين أيلغازي كان ابن اخت شاه ارمن بن سكمان وكان شاه ارمن قد حلف له الناس في حياته لأنه لم يكن له ولد فلما تجددت بعده هذه الحادثة تذاكروا تلك الأيمان وقالوا نستدعيه ونملكه فإنه من أهل شاه ارمن فكاتبوه وطلبوه إليهم ثم ان بعض مماليك شاه أرمن اسمه بلبان وكان قد جاهر ولد بكتمر بالعداوة والعصيان سار من خلاط إلى بلاد ماز كرد وملكها واجتمع الأجناد عليه وكثر جمعه وسار إلى خلاط فملكها واتفق وصول صاحب ماردين إليها وهو يظن أن أحدا لا يمتنع عليه ويسلمون إليه المدينة فنزل قريبا من خلاط عدة أيام فأرسل إليه بلبان يقول له إن أهل خلاط قد اتهموني بالميل إليك وهم ينفرون من العرب والرأي أنك ترحل عائدا مرحلة واحدة وتقيم فإذا تسلمت البلد سلمته إليك لأنني لا يمكنني أن أملكه أنا ففعل صاحب ماردين ذلك فلما أبعد عن خلاط أرسل إليه يقول له تعود إلى بلدك وإلا جئت إليك وأوقعت بك وبمن معك وكان في قلة من الجيش فعاد إلى ماردين وكان الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب صاحب حران وديار الجزيرة قد أرسل إلى صاحب ماردين لما سمع أنه يريد قصد خلاط يقول له إن سرت الى خلاط قصدت بلدك وانما خاف ان يملك خلاط فيقوى عليهم فلما سار الى خلاط جمع الأشرف العساكر وسار إلى ولاية ماردين فأخذ دخلها وأقام بدنيسر حتى تجيء الأموال إليه فلما فرغ منه عاد إلى حران فكان مثل صاحب ماردين كما قيل خرجت النعامة تطلب قرنين عادت بلا أذنين
وأما بلبان فإنه جمع العسكر وحشد وحصر خلاط وضيق على أهلها وبها ولد بكتمر فجمع من عنده بالبلد من الأجناد والعامة وخرج إليه فالتقوا فانهزم بلبان ومن معه من بين يديه وعاد إلى الذي بيده من البلاد وهو ملان كرد وأرجيش وغيرهما من الحصون وجمع العساكر واستكثر منها وعاود حصار خلاط وضيق على أهلها فاضطرهم إلى خذلان ولد بكتمر لصغره وجهله بالملك واشتغاله بلهوه ولعبه ثم قبضوا عليه في القلعة وارسلوا إلى بلبان وحلفوه على ما أرادوا وسلموا إليه البلد وابن بكتمر 330 واستولى على جميع أعمال خلاط وسجن ابن بكتمر في قلعة هناك واستقر ملكه فسبحان من إذا أراد أمرا هيأ أسبابه بالأمس يقصدها شمس الدين محمد بن البهلوان وصلاح الدين يوسف بن أيوب فلم يقدر أحدهما عليها والآن يظهر هذا المملوك العاجز القاصر عن الرجال والبلاد والأموال فيملكها صفوا عفوا ثم إن نجم الدين أيوب بن العادل صاحب ميافارقين سار نحو ولاية خلاط وكان قد استولى على عدة حصون من أعمالها منها حصن موسى ومدينته فلما قارب خلاط أظهر له بلبان العجز عن مقابلته فطمع وأوغل في القرب فأخذ عليه بلبان الطريق وقاتله فهزمه ولم يفلت من أصحابه إلا القليل وهم جرحى وعاد إلى ميافارقين
ذكر ملك الكرج مدينة قرس وموت ملكة الكرج
في هذه السنة ملك الكرج حصن قرس من أعمال خلاط وكانوا قد حصروه مدة طويلة وضيقوا على من فيه وأخذوا دخل الولاية عدة سنين وكل من نزل خلاط لا ينجدهم ولا يسعى في راحة تصل إليهم وكان الوالي بها يواصل رسله في طلب النجدة وإزاحة من عليه من الكرج فلا يجاب له دعاء فلما طال الأمر عليه ورأى أن لا ناصر له صالح الكرج على تسليم القلعة على مال كثير وأقطاع يأخذه منهم وصارت دار شرك بعد أن كانت دار توحيد فإنا لله وإنا إليه راجعون ونسأل الله أن يسهل للإسلام وأهله نصرا من عنده فإن ملوك زماننا قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم وظلمهم عن سد الثغور وحفظ البلاد ثم إن الله تعالى نظر إلى قلة ناصر الإسلام فتولاه فأمات ملكة الكرج واختلفوا فيما بينهم وكفى الله شرهم إلى آخر السنة
ذكر الحرب بين عسكر الخليفة وصاحب كرستان
في هذه السنة في رمضان سار عسكر الخليفة من خوزستان مع مملوكه سنجر وهو كان المتولي لتلك الأعمال وليها بعد موت طاشتكين أمير الحاج لأنه زوج ابنة طاشتكين إلى جبال كرستان وصاحبها يعرف بأبي طاهر وهي جبال منيعة بين فارس وأصبهان وخوزستان فقاتلوا أهلها وعادوا منهزمين وسبب ذلك أن مملوكا للخليفة الناصر لدين الله اسمه قشتمر من أكابر مماليكه كان قد فارق الخدمة لتقصير رآه من الوزير نصير الدين العلوي الرازي واجتاز بخوزستان وأخذ منها ما أمكنه ولحق بأبي طاهر صاحب كرستان فأكرمه وعظمه وزوجه ابنته ثم توفي أبو طاهر فقوي أمر قشتمر 331 وأطاعة أهل تلك الولاية فأمر سنجر بجمع العساكر وقصده وقتاله ففعل سنجر ما أمر به وجمع العساكر وسار إليه فأرسل قشتمر يعتذر ويسأل أن لا يقصده ويخرج إلى الخروج عن العبودية ولم يقبل عذره فجمع أهل تلك الأعمال ونزل إلى العسكر فلقيهم فهزمهم وأرسل إلى صاحب فارس بن دكلا وشمس الدين أيتغمش صاحب اصبهان وهمذان والري يعرفها الحال ويقول إني لا قوة لي بعسكر الخليفة لما أضيف اليهم عساكر أخرى من بغداد وعادوا إلى حربي وحينئذ لا أقدر بهم وطلب منهما النجدة وخوفهما من عسكر الخليفة إن ملك تلك الجبال فأجاباه إلى ما طلب فقوي جنابه واستمر على حاله
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة قتل صبي صبيا آخر ببغداد وكانا يتعاشران وعمر كل واحد منهما يقارب عشرين سنة فقال احدهما للآخر الساعة أضربك بهذه السكين يمازحه بذلك وأهوى نحوه بها فدخلت في جوفه فمات فهرب القاتل ثم أخذ وأمر به ليقتل فلما أرادوا قتله طلب دواة وبيضاء وكتب فيها من قوله
( قدمت على الكريم بغير زاد
من الأعمال بالقلب السليم )
( وسوء الظن أن تعتد زادا
إذا كان القدوم على كريم )
وفيها حج برهان الدين صدر جهان محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن مارة البخاري رئيس الحنفية ببخارا وهو كان صاحبها على الحقيقة يؤدي الخراج إلى الخطا وينوب عنهم في البلد فلما حج لم تحمد سيرته في الطريق ولم يصنع معروفا وكان قد أكرم ببغداد عند قدومه من بخارا فلما عاد لم يلفت اليه لسوء سيرته مع الحاج وسماه الحجاج صدر جهنم
وفيها في شوال مات شيخنا أبو الحرم مكي بن ريان بن شبه النحوي المقري بالموصل وكان عارفا بالنحو واللغة والقراءات لم يكن في زمانه مثله وكان ضريرا وكان يعرف سوى هذه العلوم من الفقه والحساب وغير ذلك معرفة حسنة وكان من خيار عباد الله وصالحيهم كثير التواضع لا يزال الناس يشتغلون عليه من بكرة إلى الليل 332
وفيها فارق أمير الحاج مظفر الدين سنقر مملوك الخليفة المعروف بوجه السبع الحاج بموضع يقال له المرخوم ومضى في طائفة من اصحابه إلى الشام وسار الحاج ومعهم الجند فوصلوا سالمين ووصل هو إلى الملك العادل أبي بكر بن أيوب فأقطعه أقطاعا كثيرا بمصر وأقام عنده إلى أن عاد إلى بغداد سنة ثمان وستمائة في جمادى الأولى فإنه لما قبض الوزير أمن على نفسه وأرسل يطلب العود فأجيب إليه فلما وصل أكرمه الخليفة وأقطعه الكوفة
وفيها في جمادى الآخرة توفي ابو الفضل عبد المنعم بن عبد العزيز الإسكندراني المعروف بابن النظروني في مارستان ببغداد وكان قد مضى إلى المايورقي في رسالة بافريقية فحصل له منه عشرة آلاف دينار مغربية ففرقها جميعها في بلده على معارفه وأصدقائه وكان فاضلا خيرا نعم الرجل رحمه الله وله شعر حسن وكان قيما بعلم الأدب وأقام بالموصل مدة واشتغل على الشيخ أبي الحرم واجتمعت به كثيرا عند الشيخ أبي الحرم رحمه الله 333
ثم دخلت سنة أربع وستمائة
ذكر كلك خوارزم شاه وراء النهر وما كان بخراسان من الفتن وإصلاحها
في هذه السنة عبر علاء الدين محمد بن خوارزم شاه نهر جيحون لقتال الخطا وسبب ذلك أن الخطا كانوا قد طالت أيامهم ببلاد تركستان وما وراء النهر وثقلت وطأتهم على أهلها ولهم في كل مدينة نائب يجبي إليهم الأموال وهم يسكنون الخركاهات على عادتهم قبل أن يملكوا وكان مقامهم بنواحي أوزكند وبلاساغون وكاشغر وتلك النواحي فاتفق أن سلطان سمرقند وبخارا ويلقب خان خانان يعني سلطان السلاطين وهو من أولاد الخانية عريق النسب في الإسلام والملك أنف وضجر من تحكم الكفار على المسلمين فأرسل إلى خوارزم شاه يقول له إن الله عز وجل قد أوجب عليك بما أعطاك من سعة الملك وكثرة الجنود أن تستنقذ المسلمين وبلادهم من أيدي الكفار وتخلصهم مما يجري عليهم من التحكم في الأموال والأبشار ونحن نتفق معك على محاربة الخطا ونحمل إليك ما نحمله إليهم ونذكر اسمك في الخطبة وعلى السكة فأجابه إلى ذلك وقال أخاف أنكم لا توفون لي فسير إليه صاحب سمرقند وجوه أهل بخارا وسمرقند بعد أن حلفوا صاحبهم على الوفاء بما تضمنه وضمنوا عنه الصدق والثبات على بذل وجعلوا عنده رهائن فشرع في إصلاح أمر خراسان وتقرير قواعدها فولى أخاه علي شاه طبرستان مضافة إلى جرجان وأمر بالحفظ والاحتياط وولى الأمير كزلك خان وهو من أقارب أمه وأعيان دولته بنيسابور وجعل معه عسكرا وولى الأمير جلدك مدينة الخام وولى الأمير أمين الدين أبا بكر مدينة زوزن وكان هذا أمين الدين حمالا ثم صار أكبر الأمراء وهو الذي ملك كرمان على ما نذكره إن شاء الله تعالى وأقر الأمير الحسين على هراة وجعل معه فيها ألف فارس من الخوارزمية وصالح غياث الدين محمودا على ما بيده من بلاد الغور 334 وكرمسير واستناب في مرو وسرخس وغيرهما من خراسان نوابا وأمرهم بحسن السياسة والحفظ والاحتياط وجمع عساكره جميعها وسار إلى خوارزم وتجهز منها وعبر جيحون واجتمع بسلطان سمرقند وسمع الخطا فحشدوا وجمعوا وجاؤوا إليه فجرى بينهم وقعات كثيرة ومغاورات فتارة له وتارة عليه
ذكر قتل ابن خرميل وحصر هراة وأسر خوارزمشاه وخلاصه
ثم إن خرميل صاحب هراة رأى سوء معاملة عسكر خوارزمشاه للرعية وتعديهم إلى الأموال فقبض عليهم وحبسهم وبعث رسولا إلى خوارزمشاه يعتذر ويعرفه ما صنعوا فعظم عليه ولم يمكنه محاققته لاشتغاله بقتال الخطا فكتب اليه يتحسن فعله ويأمره بانفاذ الجند الذين قبض عليهم لحاجته إليهم وقال له إنني قد أمرت عز الدين جلدك ابن طغرل صاحب الخام أن يكون عندك لما أعلمه من عقله وحسن سيرته وأرسل إلى جلدك يأمره بالمسير إلى هراة وأسر إليه أن يحتال في القبض على حسين بن خرميل ولو أول ساعة يلقاه فسار جلدك في ألفي فارس وكان أبوه طغرل أيام السلطان سنجر واليا بهراة فهوى إليها بالأشواق يختارها على جميع خراسان فلما قارب هراة أمر ابن خرميل الناس بالخروج بتلقيه وكان للحسين وزير يعرف بخواجه الصاحب وكان كبيرا قد حنكته التجارب فقال لابن خرميل لا تخرج إلى لقائه ودعه يدخل إليك منفردا فإنني أخاف أن يغدر بك وأن يكون خوارزمشاه أمر بذلك فقال لا يجوز أن يقدم مثل هذا الأمير ولا ألتقيه وأخاف أن يضطغن ذلك على خوارزمشاه وما أظنه يتجاسر علي فخرج إليه الحسين بن خرميل فلما بصر كل واحد منهما بصاحبه ترجل للالتقاء وكان جلدك قد أمر أصحابه بالقبض عليه فاختلطوا بهما وحالوا بين ابن خرميل وأصحابه وقبضوا عليه فانهزم اصحابه ودخلوا المدينة وأخبروا الوزير بالحال فأمر بإغلاق الباب والطلوع إلى الأسوار واستعد للحصار ونزل جلدك على البلد وأرسل إلى الوزير يبذل له الأمان ويتهدده إن لم يسلم البلد بقتل ابن خرميل فنادى الوزير بشعار غياث الدين محمود الغوري وقال لجلدك لا أسلم البلد إليك ولا إلى الغادر ابن خرميل وإنما هو لغياث الدين ولأبيه قبله فقدموا ابن خرميل إلى السور فخاطب الوزير وأمره بالتسليم فلم يفعل فقتل ابن خرميل وهذه عاقبة الغدر فقد تقدم من أخباره عند شهاب الدين الغوري ما يدل على غدره وكفرانه الإحسان 335 ممن أحسن إليه فلما قتل ابن خرميل كتب جلدك إلى خوارزمشاه بجلية الحال فأنفذ خوارزمشاه إلى كزلك خان وإلى نيسابور أمين الدين أبي بكر صاحب زوزن يأمرهما بالمسير إلى هراة وحصارها وأخذها فسارا في عشرة آلاف فارس فنزلوا على هراة وراسلوا الوزير بالتسليم فلم يلتفت إليهم وقال ليس لكم من المحل ما يسلم إليكم مثل هراة لكن إذا وصل السلطان خوارزمشاه سلمتها إليه فقاتلوه وجدوا في قتاله فلم يقدروا عليه وكان ابن خرميل قد حصن هراة وعمل لها أربعة أسوار محكمة وحفر خندقها وشحنها بالميرة فلما فرغ من كل ما أراد قال بقيت أخاف على هذه المدينة شيئا واحدا وهو ان تسكر المياه التي لها أياما كثيرة ثم ترسل دغعة واحدة فتخرق أسوارها فلما حصرها هؤلاء سمعوا قول ابن خرميل فسكروا المياه حتى اجتمعت مثيرا ثم اطلقوها على هراة فأحاطت بها ولم تصل إلى السور لأن أرض المدينة مرتفعة فامتلأ الخندق ماء وصار حولها وحل فانتقل العسكر عنهم ولم يمكنهم القتال لبعدهم عن المدينة وهذا كان قصد ابن خرميل أن يمتلئ الخندق ماء ويمنع الوحل من القرب عن المدينة فأقاموا مدة حتى نشف الماء فكان قول ابن خرميل من أحسن الحيل
ونعود الى قتال خوارزمشاه الخطا وأسره وأما خوارزمشاه فإنه دام القتال بينه وبين الخطا ففي بعض الأيام اقتتلوا واشتد القتال ودام بينهم ثم انهزم المسلمون هزيمة قبيحة وأسر كثير منهم وقتل كثير وكان من جملة الأسرى خوارزمشاه وأسر معه أمير كبير يقال له فلان بن شهاب الدين مسعود أسرهما رجل واحد ووصلت العساكر الإسلامية إلى خوارزم ولم يروا السلطان معهم فأرسلت أخت كزلك خان صاحب نيسابور وهو يحاصر هراة وأعلمته الحال فلما أتاه الخبر سار عن هراة ليلا إلى نيسابور وأحسن به الأمير أمين الدين أبو بكر صاحب زوزن فأراد هو ومن عنده من الأمراء منعه مخافة أن يجري بينهم حرب يطمع بسببها أهل هراة فيهم فيخرجون اليهم فيبلغون منهم ما يريدونه فامسكوا عن معارضته وكان خوارزمشاه قد خرب سور نيسابور لما ملكها من الغورية فشرع كزلك خان يعمره وأدخل اليها الميرة واستكثر من الجند وعزم على الإستيلاء على خراسان إن صح فقد السلطان وبلغ خبر عدم السلطان إلى أخيه علي شاه وهو بطبرستان فدعا إلى نفسه وقطع خطبة أخيه واستعد لطلب السلطنة واختلطت خراسان اختلاطا عظيما وأما السلطان خوارزمشاه فإنه لما 336 أسر قال له ابن شهاب الدين مسعود يجب ان تدع السلطنة في هذه الأيام وتصير خادما لعلي احتال في خلاصك فشرع يخدم ابن مسعود ويقدم له الطعام ويخلعه ثيابه وخفه ويعظمه فقال الرجل الذي أسرهما لابن مسعود أرى هذا الرجل يعظمك فمن أنت فقال أنا فلان وهذا غلامي فقال إليه وأكرمه وقال لولا أن القوم عرفوا بمكانك عندي لأطلقتك ثم تركه أياما فقال له ابن مسعود إني خاف ان يرجع المنهزمون فلا يراني أهلي معهم فيظنون أني قتلت فيعملون العزاء والمأتم وتضيق صدورهم لذلك ثم يقتسمون مالي فأهلك واحب أن تقرر علي شيئا من المال حتى أحمله إليك فقرر عليه مالا وقال له أريد أن تأمر رجلا عاقلا يذهب بكتابي الى اهلي ويخبرهم بعافيتي ويحضر معه من يحمل المال ثم قال إن اصحابكم لا يعرفون أهلنا ولكن هذا غلامي أثق به ويصدقه أهلي فأذن له الخطائي بإنفاذه فسيره وأرسل معه الخطائي فرسا وعدة من الفرسان يحمونه فساروا حتى قاربوا خوارزم وعاد الفرسان عن خوارزمشاه ووصل خوارزمشاه إلى خوارزم فاستبشر به الناس وضربت البشائر وزينوا البلد وأتته الأخبار بما صنع كزلك بنيسابور وبما صنع أخوه علي شاه بطبرستان
ذكر ما فعله خوارزمشاه بخراسان
لما وصل خوارزمشاه إلى خوارزم أتته الأخبار بما فعله كزلك خان وأخوه علي شاه وغيرهم فسار إلى خراسان وتبعته العساكر فتقطعت ووصل هو إليها في اليوم السادس ومعه ستة فرسان وبلغ كزلك خان وصوله فأخذ أمواله وعساكره وهرب نحو العراق وبلغ أخاه علي شاه فخافه وسار على طريق قهستان ملتجئا الى غياث الدين محمود الغوري صاحب فيروزكوه فتلقاه وأكرمه وأنزله عنده وأما خوارزم شاه فإنه دخل نيسابور وأصلح أمرها وجعل فيها نائبا وسار إلى هراة فنزل عليها مع عسكره الذين يحاصرونه وأحسن إلى أولئك الأمراء ووثق بهم لأنهم صبروا على تلك الحال ولم يتغيروا ولم يبلغوا من هراة غرضا بحسن تدبير ذلك الوزير فأرسل خوارزمشاه إلى الوزير يقول له إنك وعدت عسكري أنك تسلم المدينة إذا حضرت فسلم فقال لا أفعل لأني أعرف أنكم غدارون لا تبقون على أحد ولا أسلم البلد إلا إلى غياث الدين محمود فغضب خوارزمشاه من ذلك وزحف إليه بعساكره فلم يكن فيه حيلة فاتفق جماعة من أهل هراة وقالوا هلك الناس من الجوع والقلة وقد تعطلت علينا 337 معايشنا وقد مضى سنة وشهر وكان الوزير وعد تسليم البلد إلى خوارزمشاه إذا وصل إليه وقد حضر خوارزمشاه ولم يسلم ويجب أن نحتال في تسليم البلد والخلاص من هذه الشدة التي نحن فيها فانتهى ذلك إلى الوزير فبعث إليهم جماعة من عسكره وأمره بالقبض عليهم فمضى الجند إليهم فثارت فتنة في البلد عظم خطبها فاحتاج الوزير إلى تداركها بنفسه فمضى لذلك فكتب من البلد خوارزمشاه بالخبر وزحف إلى البلد وأهله مختلطون فخربوا برجين من السور ودخلوا البلد فملكوه وقبضوا على الوزير فقتله خوارزمشاه وملك البلد وذلك سنة خمس وستمائة وأصلح حاله وسلمه إلى خاله أمير ملك وهو من أعيان امرائه فلم تزل بيده حتى هلك خوارزمشاه وأما ابن شهاب الدين مسعود فإنه أقام عند الخطا مديدة فقال له الذي استأسره يوما إن خوارزمشاه قد عدم فإيش عندك من خبره فقال له أما تعرفه قال لا قال هو اسيرك الذي كان عندك
فقال لم لا عرفتني حتى كنت أخدمه وأسير بين يديه إلى مملكته قال خفتكم عليه فقال الخطائي سر بنا إليه فسار إليه فأكرمهما وأحسن إليهما وبالغ في ذلك
ذكر قتل غياث الدين محمود
لما سلم خوارزمشاه هراة إلى خاله أمير ملك وسار إلى خوارزم أمره أن يقصد غياث الدين محمود بن غياث الدين محمد بن سام الغوري صاحب الغور وفيروزكوه وأن يقبض عليه وعلى أخيه علي شاه بن خوارزمشاه ويأخذ فيروزكوه من غياث الدين فسار أمير ملك إلى فيروزكوه وبلغ ذلك إلى محمود فأرسل يبذل الطاعة ويطلب الأمان فأعطاه ذلك فنزل إليه محمود فقبض عليه أمير ملك وعلى علي شاه أخي خوارزمشاه فسألاه أن يحملهما إلى خوارزمشاه ليرى فيهما رأيه فأرسل إلى خوارزمشاه يعرفه الخبر فأمره بقتلهما فقتلا في يوم واحد واستقامت خراسان كلها لخوارزمشاه وذلك سنة خمس وستمائة أيضا وهذا غياث الدين هو آخر ملوك الغورية ولقد كانت دولتهم من أحسن الدول سيرة وأعدلها وأكثرها جهادا وكان محمود هذا عادلا حليما كريما من أكرم الملوك أخلاقا رحمه الله تعالى
ذكر عود خوارزمشاه إلى الخطا
لما استقر أمر خراسان لمحمد خوارزمشاه وعبر نهر جيحون جمع له الخطا 338 جمعا عظيما وساروا إليه والمقدم عليهم شيخ دولتهم القائم مقام الملك فيهم المعروف بطاينكوه وكان عمره قد جاوز مائة سنة ولقي حروبا كثيرة وكان مظفرا حسن التدبير والعقل واجتمع خوارزمشاه وصاحب سمرقند وتصافوا هم والخطا سنة ست وستمائة فجرت حروب لم يكن مثلها شدة وصبروا فانهزم الخطا هزيمة منكرة وقتل منهم وأسر خلق لا يحصى وكان فيمن أسر طاينكوه مقدمهم وجيء به إلى خوارزمشاه فأكرمه وأجلسه على سريره وسيره إلى خوارزم ثم قصد خوارزمشاه إلى بلد ما وراء النهر فملكها مدينة مدينة وناحية ناحية حتى بلغ أوزكند وجعل نوابه فيها وعاد إلى خوارزم ومعه سلطان سمرقند وكان من أحسن الناس صورة فكان أهل خوارزم يجتمعون حتى ينظروا إليه فزوجه خوارزمشاه بابنته ورده إلى سمرقند وبعث معه شحنة يكون بسمرقند على ما كان رسم الخطا
ذكر غدر صاحب سمرقند بالخوارزميين
لما عاد صاحب سمرقند إليها ومعه شحنة لخوارزمشاه وأقام معه نحو سنة فرأى سوء سيرة الخوارزميين وقبح معاملتهم ندم على مفارقة الخطا فأرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه ويعود إلى طاعته وأمر بقتل كل من في سمرقند من الخوارزمية ممن سكنها قديما وحديثا وأخذ أصحاب خوارزمشاه فكان يجعل الرجل منهم قطعتين ويعلقهم في الأسواق كما يعلق القصاب اللحم وأساء غاية الإساءة ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته ابنة خوارزمشاه فأغلقت الأبواب ووقفت بجواريهاا تمنعه وأرسلت إليه تقول أنا لمرأة وقتل مثلي قبيح ولم يكن مني اليك ما استوجب به هذا منك ولعل تركي احمد عاقبة فاتق الله في فتركها ووكل بها من يمنعها التصرف في نفسها ووصل الخبر إلى خوارزمشاه فقامت قيامته وغضب غضبا شديدا وأمر بقتل كل من بخوارزم من الغرباء فمنعته أمه عن ذلك وقالت إن هذا قد أتاه الناس من أقطار الأرض ولم يرض كلهم بما كان من هذا الرجل فأمر بقتل أهل سمرقند فنهته أمه فانتهى وأمر عساكره بالتجهيز إلى ما وراء النهر وسيرهم أرسالا كلما تجهز جماعة عبروا جيحون فعبر منهم خلق كثير لا يحصى ثم عبر هو بنفسه في آخرهم ونزل على سمرقند وأنفذ إلى صاحبها بقول له قد فعلت ما لم يفعله مسلم واستحللت من دماء المسلمين ما لا يفعله عاقل لا مسلم ولا كافر وقد عفا الله عما 339 سلف فاخرج من البلاد وامض حيث شئت فقال لا اخرج وافعل ما بدا لك فأمر عساكره بالزحف فأشار عليه بعض من معه بأن يأمر بعض الأمراء إذا فتحوا البلدان يقصدوا الدرب الذي يسكنه التجار فيمنع من نهبه والتطرق إليهم بسوء فإنهم غرباء وكلهم كارهون لهذا الفعل فأمر بعض الأمراء بذلك وزحف ونصب السلاليم على السور فلم يكن بأسرع من أن أخذوا البلد وأذن لعسكره بالنهب وقتل من يجدونه من أهل سمرقند فنهب البلد وقتل أهله ثلاثة أيام فيقال إنهم قتلوا منهم مائتي ألف إنسان وسلم ذلك الدرب الذي فيه الغرباء فلم يعدم منهم الفرد ولا الآدمي الواحد ثم أمر بالكف عن النهب والقتل ثم زحف إلى القلعة فرأى صاحبها ما ملأ قلبه هيبة وخوفا فأرسل يطلب الأمان فقال لا أمان لك عندي فرحفوا عليها فملكوها وأسروا صاحبها وأحضروه عند خوارزمشاه فقبل الأرض فطلب العفو فلم يعف عنه وأمر بقتله فقتل صبرا وقتل معه جماعة من أقاربه ولم يترك أحدا ممن ينسب إلى الخانية ورتب فيها وفي سائر البلاد نوابه ولم يبق لأحد معه في البلاد حكم
ذكر الوقعة التي أفنت الخطا
لما فعل خوارزم شاه بالخطا ما ذكرناه مضى من سلم منهم إلى ملكهم فإنه لم يحضر الحرب فاجتمعوا عنده وكان طائفة عظيمة من التتر قد خرجوا من بلادهم حدود الصين قديما ونزلوا وراء بلاد تركستان وكان بينهم وبين الخطا عداوة وحروب فلما سمعوا بما فعله خوارزمشاه بالخطا قصدوهم مع ملكهم كشلي خان فلما رأى ملك الخطا ذلك أرسل إلى خوارزمشاه يقول له أما ما كان منك من أخذ بلادنا وقتل رجالنا فعفو عنه وقد أتى من هذا العدو من لا قبل لنا به وإنهم إن انتصروا علينا وملكونا فلا دافع لهم عنك والمصلحة أن تسير إلينا بعساكرك وتنصرنا على قتالهم ونحن نحلف لك أننا إذا ظفرنا بهم لا نتعرض إلى ما أخذت منالبلاد ونقنع بما في أيدينا وأرسل إليه كشلي خان ملك التتر يقول إن هؤلاء الخطا اعداؤك وأعداء آبائك واعداؤنا فساعدنا عليهم ونحلف أننا إذا انتصرنا عليهم لا تقرب بلادك ونقنع بالمواضع التي ينزلونها فأجاب كلا منهما أنني معك ومعا ضدك على خصمك وسار بعساكره إلى أن نزل قريبا من الموضع الذي تصافوا فيه فلم يخالطهم مخالطة يعلم بها أنه من أحدهما فكانت كل طائفة منهم تظن أنه معها وتواقع الخطا والتتر فانهزم الخطا هزيمة عظيمة فمال 340 حينئذ خوارزمشاه وجعل يقتل ويأسر وينهب ولم يترك احدا ينجو منهم فلم يسلم منهم إلا طائفة يسيره مع ملكهم في موضع من نواحي الترك يحيط به جبال ليس إليه طريق إلا من جهة واحدة تحصنوا فيه وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة وساروا في عسكره وأنفذ خوارزمشاه إلى كشلي خان ملك التتر يمن عليه بأنه حضر لمساعدته ولولاه ما تمكن من الخطا فاعترف له كشلي خان بذلك مدة ثم ارسل إليه يطلب منه المقاسمة على بلاد الخطا وقال كما انا اتفقنا على ابادتهم ينبغي أن نقسم بلادهم فقال ليس لك عندي غير السيف ولستم بأقوى من الخطا شوكة ولا اعز ملكا فإن قنعت بالمساكنة وإلا سرت إليك وفعلت بك شرا مما فعلت بهم وتجهز وسار حتى نزل قريبا منهم وعلم خوارزمشاه أنه لا طاقة له به فكان يراوغه فإذا سار إلى موضع قصد خوارزمشاه أهله وأثقالهم فينهبها وإذا سمع أن طائفة سارت عن موطنهم سار إليها فأوقع بها فأرسل إليه كشلي خان يقول له ليس هذا فعل الملوك هذا فعل اللصوص وإلا إن كنت سلطانا كما تقول فيجب أن نلتقي فإما أن تهزمني وتملك البلاد التي بيدي وإما أن أفعل أنا بك ذلك فكان يغالطه ولا يجيبه إلى ما طلب لكنه أمر أهل الشاش وفرغانه واسفيجاب وكاسان وما حولها من المدن التي لم يكن في الدنيا أنزه منها ولا احسن عمارة بالجلاء منها واللحاق ببلاد الإسلام ثم خربها جميعها خوفا من التتر أن يملكوها ثم اتفق خروج هؤلاء التتر الآخر الذين خربوا الدنيا وملكهم جنكزخان التهرجي على كشلي خان التتري الأول فاشتغل بهم كشلي خان عن خوارزمشاه فخلا وجهه فعبر النهر إلى خراسان
ذكر ملك نجم الدين بن الملك العادل خلاط
في هذه السنة ملك الملك الأوحد نجم الدين أيوب بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب مدينة خلاط وسبب ذلك أنه كان بمدينة ميافارقين من جهة أبيه فلما كان من ملك بلبان خلاط ما ذكرناه قصد هو مدينة موش وحصرها وأخذها وأخذ غيرها مما يجاورها وكان بلبان لم تثبت قدمه حتى يمنعه فلما ملكها طمع في خلاط فسار اليها فهزمه بلبان كما ذكرناه أيضا فعاد إلى بلده وجمع وحشد وسير إليه أبوه جيشا فقصد خلاط فسار إليه بلبان فتصافا واقتتلا فانهزم بلبان وتمكن نجم الدين من البلاد وازداد منها ودخل بلبان خلاط واعتصم بها وأرسل رسولا مغيث الدين طغرل شاه بن قلج أرسلان وهو صاحب ارزن الروم يستنجده على نجم الدين فحضر 341 بنفسه ومعه عسكره فاجتمعا وهزما نجم الدين وحصرا موش فأشرف الحصار على أن تملك فغدر ابن قلج ارسلان بصاحب خلاط وقتله طمعا في البلاد فلما قتله سار الى خلاط فمنعه اهلها عنها فسار الى ملازكرد فرده أهلها ايضا وامتنعوا عليه فلما لم يجد في شيء من البلاد مطمعا عاد إلى بلده فأرسل أهل خلاط إلى نجم الدين يستدعونه إليهم ليملكوه فحضر غندهم وملك خلاط وأعمالها سوى اليسير منها وكره الملوك المجاورون له ملكه لها خوفا من أبيه وكذلك ايضا خافه الكرج وكرهوه فتابعوا الغارات على أعمال خلاط وبلادها ونجم الدين مقيم بخلاط لا يقدر على مفارقتها فلقي المسلمون من ذلك اذى شديدا واعتزل جماعة من عسكر خلاط واستولوا على حصن وان وهو من اعظم الحصون وامنعها وعضوا على نجم الدين واجتمع اليهم جمع كثير وملكوا مدينة أرجيش فأرسل نجم الدين إلى أبيه الملك العادل يعرفه الحال ويطلب منه نجدة وان يمده بعسكر فسير إليه أخاه الملك الأشرف موسى بن العادل في عسكر فاجتمعا في عسكر كثير وحصرا قلعة وان وبها الخلاطية وجدوا في قتالهم فضعف أولئك عن مقاومتهم فسلموها صلحا وخرجوا منها وتسلمها نجم الدين واستقر ملكه بخلاط وأعمالها وعاد أخوه الاشرف إلى بلده حران والرها
ذكر غارات الفرنج بالشام
وفي هذه السنة كثر الفرنج الذين بطرابلس وحصن الأكراد وأكثروا الاغارة على بلد حمص وولاياتها ونازلوا مدينة حمص وكان جميعهم كثيرا فلم يكن لصاحبها أسد الدين سيركوه بن محمد بن شيركوه بهم قوة ولا يقدر على دفعهم ومنعهم فاستنجد الظاهر غازي صاحب حلب وغيره من ملوك الشام فلم ينجده أحد إلا الظاهر فإنه سير له عسكرا اقاموا عنده ومنعوا الفرنج عن ولايته ثم إن الملك العادل خرج من مصر بالعساكر الكثيرة وقصد مدينة عكا فصالحه صاحبها الفرنجي على قاعدة استقرت من إطلاق أسرى من المسلمين وغير ذلك ثم سار إلى حمص فنزل على بحيرة قدس وجاءته عساكر الشرق وديار الجزيرة ودخل الى بلاد طرابلس وحاصر موضعل يسمى القليعات وأخذه صلحا وأطلق صاحبه وغنم ما فيه من دواب وسلاح وخربه وتقدم الى طرابلس فنهب وأحرق وسبى وغنم وعاد إلى بحيرة قدس وترددت الرسل بينه وبين الفرنج في الصلح فلم تستقر قاعدة ودخل الشتاء وطلبت العساكر الشرقية العود إلى بلادهم قبل البرد فنزل طائفة من العسكر بحمص عند صاحبها 342 وعاد إلى دمشق فشتى بها وعادت عساكر ديار الجزيرة إلى اماكنها وكان سبب خروجه من مصر بالعساكر أن أهل قبرس الفرنج اخذوا عدة قطع من اسطول مصر واسروا من فيها فأرسل العادل الى صاحب عكا في رد ما أخذوا ويقول نحن صلح فلم غدرتم باصحابنا فاعتذر بأن أهل قبرس ليس لي عليهم حكم وأن مرجعهم إلى الفرنج الذين بالقسطنطينية ثم إن أهل قبرس ساروا إلى القسطنطينية بسبب غلاء كان عندهم تعذرت عليهم اقوات وعاد حكم قبرس إلى صاحب عكا وأعاد العادل مراسلته فلم ينفصل حال فخرج بالعساكر وفعل بعكا ما ذكرناه فأجابه حينئذ صاحبها إلى ما طلب وأرسل الأسرى
ذكر الفتنة بخلاط وقتل كثير من أهلها
لما تم ملك خلاط وأعمالها للملك الأوحد نجم الدين بن العادل سار عنها إلى ملازكرد ليقرر قواعدها أيضا ويفعل ما ينبغي أن يفعله فيها فلما فارق خلاط وثب أهلها على من بها من العسكر فاخرجوه من عندهم وعصوا وحصروا القلعة وبها أصحاب الأوحد ونادوا بشعار شاه أرمن وإن كان ميتا يعنون بذلك رد الملك إلى اصحابه ومماليكه فبلغ الخبر إلى الملك الأوحد فعاد إليهم وقد وافاه عسكر من الجزيرة فقوي بهم وحصر خلاط فاختلف اهلها فمال اليه بعضهم حسدا للاخرين فملكها وقتل بها خلقا كثيرا من أهلها وأسر جماعة من الأعيان فسيرهم إلى ميافارقين وكان كل يوم يرسل إليهم فيقتل منهم جماعة فلم يسلم إلا القليل وذل أهل خلاط بعد هذه الوقعة وتفرقت كلمة الفتيان وكان الحكم إليهم وكفى الناس شرهم فإنهم كانوا قد صاروا يقيمون ملكا ويقتلون آخر السلطنة عندهم لا حكم لها وإنما الحكم لهم وإليهم
ذكر ملك أبي بكر بن البهلوان مراغة
في هذه السنة ملك الأمير نصرة الدين أبو بكر بن البهلوان صاحب أذربيجان مدينة مراغة وسبب ذلك أن صاحبها علاء الدين قراسنقر مات هذه السنة وولي بعده ابن له طفل وقام بتدبير دولته وتربيته خادم كان لأبيه فعصى عليه أمير كان مع أبيه وجمع جمعا كثيرا فأرسل اليه الخادم من عنده من العسكر فقاتلهم ذلك الأمير فانهزموا 343 واستقر ملك ولد علاء الدين إلا أنه لم تطل أيامه حتى توفي في أول سنة خمس وستمائة وانقرض أهل بيته ولم يبق منهم أحد فلما توفي سار نصرة الدين أبو بكر من تبريز الى مراغة فملكها واستولى على جميع مملكة آل قراسنقر ما عدا قلعة روين فإنها اعتصم بها الخادم وعنده الخزائن فامتنع بها على الأمير أبي بكر
ذكر عزل نصير الدين وزير الخليفة
كان هذا نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي من أهل الري من بيت كبير فقدم بغداد لما ملك مؤيد الدين بن القصاب وزير الخليفة الري ولقي من الخليفة قبولا فجعله نائب الوزارة ثم جعله وزيرا وحكم ابنه صاحب المخزن فلما كان في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة عزل وأغلق بابه وكان سبب عزله أنه اساء السيرة مع أكابر مماليك الخليفة فمنهم أمير الحاج مظفر الدين سنقر المعروف بوجه السبع فإنه هرب من يديه الى الشام سنة ثلاث وستمائة فارق الحاج بالمرخوم وأرسل يعتذر ويقول إن الوزير يريد أن لا يبقي في خدمة الخليفة أحدا من مماليكه ولا شك أنه يريد أن يدعي الخلافة وقال الناس في ذلك فأكثروا وقالوا الشعر فمن ذلك قول بعضهم
( ألا مبلغا عني الخليفة أحمدا
توق وقيت السوء ما أنت صانع )
( وزيرك هذا بين أمرين فيهما
فعالك يا خير البرية ضائع )
( فإن كان حقا من سلالة أحمد
فهذا وزيد في الخلافة طامع )
( وإن كان فيما يدعي غير صادق
فأضيع ما كانت لديه الصنائع )
فعزله وقيل في سبب ذلك غيره ولما عزل أرسل إلى الخليفة يقول إنني قدمت إلى ههنا وليس لي دينار ولا درهم وقد حصل لي من الأموال والاعلاق النفيسة وغير ذلك ما يزيد على خمسو آلاف دينار ويسأل أن يؤخذ منه الجميع ويمكن من المقام بالمشهد أسوة ببعض العلويين فأجابه إننا ما أنعمنا عليك بشيء فنوينا إعادته ولو كان ملء الأرض ذهبا ونفسك في أمان الله وأماننا لم يبلغنا عنك ما تستوجب به ذلك غير ان الأعداء قد اكثروا فيك فاختر لنفسك موضعا تنتقل إليه موقرا محترما فاختار ان يكون تحت الاستظهار من جانب الخليفة لئلا يتمكن منه العدو فتذهب نفسه ففعل به ذلك وكان حسن السيرة قريبا إلى الناس حسن اللقاء لهم والانبساط معهم عفيفا عن 344 أموالهم غير ظالم لهم فلما قبض عاد أمير الحاج من مصر في الخدمة العادلية وعاد أيضا قشتمر واقيم في النيابة في الوزارة فخر الدين أبو البدر محمد بن أحمد بن امسينا الواسطي إلا أنه لم يكن متحكما
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة ليلة الأربعاء لخمس بقين من رجب زلزلت الأرض وقت السحر وكنت حينئذ بالموصل ولم تكن بها شديدة وجاءت الأخبار من كثير من البلاد بأنها زلزلت ولم تكن بالقوية
وفيها أطلق الخليفة الناصر لدين الله جميع حق البيع وما يؤخذ من أرباب الأمتعة من الموكس من سائر المبيعات وكان مبلغا كثيرا وكان سبب ذلك أن بنتا لعز الدين نجاح شرابي الخليفة توفيت فاشترى لها بقرة لتذبح ويتصدق بلحمها عنها فرفعوا في حساب مؤنة البقرة فكانت كثيرة فوقف الخليفة على ذلك وأمر بإطلاق المؤنة جميعها
وفيها في شهر رمضان أمر الخليفة ببناء دور في المحال ببغداد ليفطر فيها الفقراء وسميت دور الضيافة يطبخ فيها اللحم الضأن والخبر الجيد عمل ذلك في جانبي بغداد وجعل في كل دار من يوثق بأمانته وكان يعطي كل إنسان قدحا مملوءا من الطبيخ واللحم ومنا من الخبز فكان يفطر كل ليلة على طعامه خلق لا يحصون كثرة
وفيها زادت دجلة زيادة كثيرة ودخل الماء في خندق بغداد من ناحية باب كلواذي فخيف على البلد من الغرق فاهتم الخليفة بسد الخندق وركب فخر الدين نائب الوزارة وعز الدين الشرابي ووقفا ظاهر البلد فلم يبرحا حتى سد الخندق
وفيها توفي الشيخ حنبل بن عبد الله بن الفرج المكبر بجامع الرصافة وكان عالي الإسناد روي عن ابن الحصين مسند أحمد بن حنبل وله إسناد حسن وقدم الموصل وحدث بها وبغيرها 345
ثم دخلت سنة خمس وستمائة
ذكر ملك الكرج أزجيش وعودهم عنها
في هذه السنة سارت الكرج في جموعها إلى ولاية خلاط وقصدوا مدينة أزجيش فحصروها وملكوها عنوة ونهبوا جميع ما بها من الأموال والأمتعة وغيرها وأسروا وسبوا أهلها وأحرقوها وخربوها بالكلية ولم يبق بها من أهلها أحد فأصبحت خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس وكان نجم الدين أيوب صاحب أرمينية بمدينة خلاط وعنده كثير من العساكر فلم يقدم على الكرج لأسباب منها كثرتهم وخوفه من أهل خلاط لما كان أسلف اليهم من القتل والأذى وخاف ان يخرج منها فلا يمكن من العود اليها فلما لم يخرج الى قتال الكفار عادوا إلى بلادهم سالمين لم يذعرهم ذاعر وهذا جميعه وان كان عظيما شديدا على الإسلام وأهله فإنه يسير بالنسبة الى ما كان مما نذكره سنة أربع عشرة إلى سنة سبع عشرة وستمائة
ذكر قتل سنجر شاه وملك ابنه محمود
في هذه السنة قتل سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب جزيرة ابن عمر وهو ابن عم نور الدين صاحب الموصل قتله ابنه غازي ولقد سلك ابنه في قتله طريقا عجيبا يدل على مكر ودهاء وسبب ذلك أن سنجر كان سيء السيرة مع الناس كلهم من الرعية والجند والحريم والأولاد وبلغ من قبيح فعله مع أولاده أنه سير ابنيه محمودا ومودودا إلى قلعة فرح من بلد الزوزان وأخرج ابنه هذا إلى دار بالمدينة اسكنه فيها ووكل به من يمنعه من الخروج وكانت الدار إلى جانب بستان لبعض الرعية فكان يدخل إليه منها الحيات والعقارب وغيرهما من الحيوان المؤذي ففي بعض الأيام اصطاد حية وسيرها في منديل إلى أبيه لعله يرق له فلم يعطف عليه فإعمل الحيلة حتى نزل من الدار التي كان بها واختفى ووضع إنسانا كان يخدمه 346 فخرج منه الجزيرة وقصد الموصل وأظهر أنه غازي بن سنجر فلما سمع نور اليد بقربه منها أرسل نفقة وثيابا وخيلا وأمره بالعود وقال إن أباك يتجنى لنا الذنوب التي لم نعلمها ويقبح ذكرنا فإذا صرت عندنا جعل ذلك ذريعة للشناعات والبشاعات ونفع معه في صدام لا ينادى وليده فسار إلى الشام
وأما غازي بن سنجر فإنه تسلف إلى دار أبيه واختفى عند بعض سراريه وعلم به أكثر من بالدار فسترت عليه بغضا لأبيه وتوقعا للخلاص منه لشدته عليهن فبقي كذلك وترك أبوه الطلب له ظنا منه أنه بالشام فاتفق أن أباه في بعض الأيام شرب الخمر بظاهر البلد مع ندمائه فكان يقترح على المغنين أن يغنوا في الفراق وما شاكل ذلك ويبكي ويظهر في قوله قرب الأجل ودنو الموت وزوال ما هو فيه فلم يزل كذلك إلى آخر النهار وعاد إلى داره وسكر عند بعض حظاياه ففي الليل دخل الخلاء وكان ابنه عند تلك الحظية فدخل اليه فضربه بالسكين أربع عشرة ضربة ثم ذبحه وتركه ملقى ودخل الحمام وقعد يلعب مع الجواري فلو فتح باب الدار وأحضر الجند واستحلفهم لملك البلد لكنه أمن واطمأن ولم يشك في الملك فاتفق أن بعض الخدم الصغار خرج إلى الباب وأعلم أستاذ دار سنجر الخبر فأحضر أعيان الدولة وعرفهم ذلك وأغلق الابواب على غازي واستحلف الناس لمحمود بن سنجر شاه وأرسل إليه أحضره من فرح ومعه أخوه مودود فلما حلف الناس وسكنوا فتحوا باب الدار على غازي ودخلوا عليه ليأخذوه فمانعهم عن نفسه فقتلوه وألقوه على باب الدار فأكلت الكلاب بعض لحمه ثم دفن باقيه ووصل محمود إلى البلد وملكه ولقب بمعز الدين لقب أبيه فلما استقر أخذ كثيرا من الجواري اللواتي لأبيه فغرقهن في دجلة
ولقد حدثني صديق لنا أنه رأى بدجلة في مقدار غلوة سهم سبع جواري مغرقات منهن ثلاث قد أحرقت وجوههن بالنار فلم أعلم سبب ذلك الحريق حتى حدثتني جارية اشتريتها بالموصل من جواريه أن محمودا كان يأخذ الجارية فيجعل وجهها في النار فإذا احترقت ألقاها في دلجة وباع من لم يغرقه منهن فتفرق أهل تلك الدار أيدي سبا وكان سنجرشاه قبيح السيرة ظالما غاشما كثير المخاتلة والمواربة والنظر في دقيق الأمور وجليلها لا يمتنع من قبيح يفعله مع رعيته وغيرهم من أخذ الأموال والأملاك والقتل والاهانة وسلك معهم طريقا وعرا من قطع الألسنة والأنوف والآذان 347 وأما اللحى فإنه حلق منها ما لا يحصى وكان جل فكره في ظلم يفعله وبلغ من شدة ظلمه أنه كان إذا استدعى إنسانا ليحسن إليه لا يصل إلا وقد قارب الموت من شدة الخوف واستعلى في أيامه السفهاء ونفقت سوق الأشرار والساعين بالناس فخرب البلد وتفرق أهله لا جرم سلط الله عليه أقرب الخلق إليه فقتله ثم قتل ولده غازي وبعد قليل قتل ولده محمود أخاه مودودا وجرى في داره من التحريق والتغريق والتفريق ما ذكرنا بعضه ولو رمنا شرح قبح سيرته لطال والله تعالى بالمرصاد لكل ظالم
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة ثاني المحرم توفي أبو الحسن ورام بن أبي فراس الزاهد بالحلة السيفية وهو منها وكان صالحا وفي صفر توفي الشيخ مصدق بن شبيب النحوي وهو من أهل واسط
وفي شعبان توفي القاضي محمد بن أحمد بن المنداي الواسطي بها وكان كثير الرواية للحديث وله اسناد عال وهو آخر من حدث بمسند أحمد بن حنبل على ابن الحصين وفيه توفي القوم أبو فراس نصر بن ناصر بن مكي المدائني صاحب المخزن ببغداد وكان أديبا فاضلا كامل المروءة يجب الأدب وأهله ويحب الشعر ويحسن الجوائز عليه ولما توفي ولي بعده أبو الفتوح المبارك بن الوزير عضد الدين أبي الفرج بن رئيس الرؤساء وأكرم وأعلى محله فبقي متوليا إلى سابع ذي القعدة وعزل لعجزه
وفيها كانت زلزلة عظيمة بنيسابور وخراسان وكان اشدها بنيسابور وخرج أهلها الى الصحراء أياما حتى سكنت وعادوا إلى مساكنهم 348
ثم دخلت سنة ست وستمائة
ذكر ملك العادل الخابور ونصيبين وحصر سنجار وعوده عنها واتفاق نور الدين أرسلان شاه ومظفر الدين
في هذه السنة ملك العادل أبو بكر بن أيوب بلد الخابور ونصيبين وحصر مدينة سنجار والجميع من اعمال الجزيرة وهي بيد قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود وسبب ذلك أن قطب الدين المذكور كان بينه وبين ابن عمه نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود صاحب الموصل عداوة مستحكمة وقد تقدم ذكر ذلك فلما كان سنة خمس وستمائة حصلت مصاهرة بين نور الدين والعادل فإن ولد العادل تزوج بابنة لنور الدين وكان لنور الدين وزراء يحبون أن يشتغل عنهم فحسنوا له مراسلة العادل والاتفاق معه على أن يقتسما بالبلاد التي لقطب الدين وبالولاية التي لولد سنجر شاه ابن غازي بن مودود وهي جزيرة ابن عمر واعمالها فيكون ملك قطب الدين للعادل وتكون الجزيرة لنور الدين فوافق هذا القول هوى نور الدين فأرسل إلى العادل في المعنى فأجابه الى ذلك مستبشرا وجاءه ما لم يكن يرجوه لأنه علم أنه متى ملك هذه البلاد أخذ الموصل وغيرها وأطمع نور الدين أيضا في أن يعطي هذه البلاد إذا ملكها لولده الذي هو زوج ابنة نور الدين ويكون مقامه في خدمته بالموصل واستقرت القاعدة على ذلك وتحالفا عليها فبادر العادل إلى المسير من دمشق إلى الفرات في عساكره وقصد الخابور فأخذه فلما سمع نور الدين بوصوله كأنه خاف واستشعر فأحضر من يرجع إلى رأيهم وقولهم وعرفهم وصول العادل واستشارهم فيما يفعله فأما من أشار عليه فسكتوا وكان فيهم من لم يعلم هذه الحال فعظم الأمر وأشار بالاستعداد للحصار وجمع الرجال وتحصيل الذخائر وما يحتاج إليه فقال نور الدين نحن فعلنا ذلك وخبره فقال بأي رأي تجيء إلى عدو لك هو أقوى منك وأكثر جمعا وهو بعيد منك متى تحرك لقصدك تعلم به فلا يصل إلا وقد فرغت من جميع ما 349 تريده تسعى حتى يصير قريبا منك ويزداد قوة إلى قوته ثم إن الذي استقر بينكما أنه لما يملكه أولا بغير تعب ولا مشقة وتبقى أنت لا يمكنك أن تفارق الموصل إلى الجزيرة وتحصرها والعادل ههنا هذا إن وفى لك بما استقرت القاعدة عليه لا يجوز أن تفارق الموصل وإن عاد إلى الشام لأنه قد صار له ملك خلاط وبعض ديار بكر وديار الجزيرة جميعها والجميع بيد أولاده فمتى سرت عن الموصل أمنكم أن يحولوا بينك وبينها فما زدت على أن آذنت نفسك وابن عمك وقويت عدوك وجعلته شعارك وقد فات الأمر وليس يجوز إلا أن تقف معه على ما استقر بينكما لئلا يجعل ذلك حجة ويتبدئ بك هذا والعادل قد ملك الخابور ونصيبين وسار إلى سنجار فحصرها وكان عزم صاحبها قطب الدين أن يسلمها إلى العادل بعوض يأخذه عنها فمنعه من ذلك أمير كان معه اسمه أحمد بن يرفقش مملوك أبيه زنكي وقام بحفظ المدينة والذب عنها وجهز نور الدين عسكرا مع ولده الملك القاهر ليسيروا الى الملك العادل فبينما الأمر على ذلك إذ جاءهم أمر لم يكن لهم في حساب وهو أن مظفر الدين كوكبري صاحب إربل أرسل وزيره إلى نور الدين يبذل من نفسه المساعدة على منع العادل عن سنجار وأن الاتفاق معه على ما يريده فوصل الرسول ليلا وأبلغه الرسالة فأجاب نور الدين إلى ما طلب من الموافقة وحلف له على ذلك
وعاد الوزير من ليلته فسار مظفر الدين واجتمع هو ونور الدين ونزلا بعساكرهما بظاهر الموصل وكان سبب ما فعله مظفر الدين أن يستشفع به إلى العادل ليتقي عليه سنجار وكان مظفر الدين يظن أنه لو شفع في نصف ملك العادل لشفعه لأثره الجميل في خدمته وقيامه في الذب عن ملكه غير مرة كما تقدم فشفع اليه فلم يشفعه العادل ظنا منه أنه بعد اتفاقه مع نور الدين لا يبالي بمظفر الدين فلما رده العادل في شفاعته راسل نور الدين في الموافقة عليه ولما وصل إلى الموصل واجتمع بنور الدين أرسلا إلى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين وهو صاحب حلب وإلى كيخسرو بن قلج أرسلان صاحب بلاد الروم بالاتفاق معها فكلاهما أجاب الى ذلك وتداعوا على الحركة وقصد بلاد العادل إن امتنع من الصلح والابقاء على صاحب سنجار وأرسلا أيضا إلى الخليفة الناصر لدين الله ليرسل رسولا إلى العادل في الصلح أيضا فقويت حينئذ نفس صاحب سنجار على الامتناع ووصلت رسل الخليفة وهو هبة الله بن المبارك بن الضحاك استاذ الدار والأمير آق باش وهو من خواص مماليك الخليفة 350 وكبارهم فوصلا إلى الموصل وسارا منها إلى العادل وهو يحاصر سنجار وكان من معه لا يناصحونه في القتال لا سيما أسد الدين شيركوه صاحب حمص والرحبة فإنه كان يدخل إليها الأغنام وغيرها من الأقوات ظاهرا ولا يقاتل عليها وكذلك غيره فلما وصل رسول الخليفة إلى العادل أجاب أولا إلى الرحيل ثم امتنع عن ذلك وغالط واطال الأمر لعله يبلغ منها غرضا فلم ينل منها ما أمله واجاب الى الصلح على ان له ما أخذه وتبقى سنجار لصاحبها واستقرت القاعدة على ذلك وتحالفوا على هذا كلهم وعلى أن يكونوا يدا واحدة على الناكث منهم ورحل العادل عن سنجار إلى حران وعاد مظفر الدين إلى إربل وبقي كل واحد من الملوك في بلده وكان مظفر الدين عند مقامه بالموصل قد زوج ابنتين له بولدين لنور الدين وهما عز الدين مسعود وعماد الدين زنكي
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في ربيع الأول عزل فخر الدين بن امسنا عن نيابة الوزارة للخليفة وألزم بيته ثم نقل الى المخزن على سبيل الاستظهار عليه وولي بعده نيابة لوزارة مكين الدين محمد بن محمد بن برزالقمي كاتب الإنشاء ولقب مؤيد الدين ونقل إلى دار الوزارة مقابل باب النوبى
وفيها في شوال توفي مجد الدين يحيى بن الربيع الفقيه الشافعي مدرس النظامية ببغداد
وفيها توفي فخر الدين أبو الفضل محمد بن عمر بن خطيب الري الفقيه الشافعي صاحب التصانيف المشهورة في الفقه والأصول وغيرهما وكان إمام الدنيا في عصره وبلغني أن مولده سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة
وفيها في سلخ ذي الحجة توفي أخي مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد ابن عبد الكريم الكاتب مولده في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وكان عالما في عدة علوم منها الفقه والأصولان والنحو والحديث واللغة وله تصانيف مشهورة في التفسير والحديث والنحو والحساب وغريب الحديث وله رسائل مدونة وكان كاتبا مفلقا يضرب به المثل ذا دين متين ولزوم طريق مستقيم رحمه الله ورضي عنه فلقد كان 351 من محاسن الزمان ولعل من يقف على ما ذكرته يتهمني في قولي ومن عرفه من أهل عصرنا يعلم أني مقصر
وفيها توفي المجد المطرزي النحوي الخوارزمي وكان إماما في النحو له فيه تصانيف حسنة
وفيها توفي المؤيد بن عبد الرحيم بن الاخوة بأصفهان وهو من أهل الحديث رحمه الله 352
ثم دخلت سنة سبع وستمائة
ذكر عصيان سنجر مملوك الخليفة بخوزستان ومسير العساكر اليه
كان قطب الدين سنجر مملوك الخليفة الناصر لدين الله قد ولاه الخليفة خوزستان بعد طشتكين أمير الحاج كما ذكرناه فلما كان سنة ست وستمائة بدا منه تغير عن الطاعة فروسل في القدوم إلى بغداد فغالط ولم يحضر وكان يظهر الطاعة ويبطن التغلب على البلاد فبقي الأمر كذلك الى ربيع الأول من هذه السنة فتقدم الخليفة إلى مؤيد الدين نائب الوزارة والى عز الدين بن نجاح الشرابي خاص الخليفة بالمسير بالعساكر إليه بخوزستان وإخراجه عنها فسارا في عساكر كثيرة فلما تحقق سنجر قصدهم إليه فارق البلاد ولحق بصاحب شيراز وهو أتابك عز الدين سعد بن دكلا ملتجئا إليه فأكرمه وقام دونه ووصل عسكر الخليفة إلى خوزستان في ربيع الآخر بغير ممانعة فلما استقروا في البلاد راسلوا سنجر يدعونه إلى الطاعة فلم يجب الى ذلك فساروا إلى ارجان عازمين على قصد صاحب شيراز فأدركهم الشتاء فأقاموا شهورا والرسل مترددة بينهم وبين صاحب شيراز فلم يجبهم إلى تسليمه فلما دخل شوال رحلوا يريدون شيراز فحينئذ أرسل صاحبها إلى الوزير والشرابي يشفع فيه ويطلب العهد له على أن لا يؤذى فأجيب إلى ذلك وسلمه اليهم هو وماله وأهله فعادوا إلى بغداد وسنجر معهم تحت الاستظهار وولى الخليفة بلاد خوزستان مملوكه ياقوتا أمير الحاج ووصل الوزير الى بغداد في المحرم سنة ثمان وستمائة هو والشرابي والعساكر وخرج أهل بغداد إلى تلقيهم فدخلوها وسنجر معهم راكبا على بغل بأكلف وفي رجله سلسلتان في يد كل جندي سلسلة وبقي محبوسا إلى أن دخل صفر فجمع الخلق الكثير من الأمراء والأعيان الى دار مؤيد الدين نائب الوزارة فأحضر سنجر وقرر بأمور نسبت إليه منكرة فأقر بها فقال مؤيد الدين للناس قد عرفتم ما تقتضيه السياسة من 353 عقوبة هذا الرجل وقد عفا امير المؤمنين عنه وأمر بالخلع عليه فلبسها وعاد إلى داره فعجب الناس من ذلك وقيل إن اتابك سعد نهب مال سنجر وخزانته ودوابه وكل ما له ولأصحابه وسيرهم فلما وصل سنجر إلى الوزير والشرابي طلبوا المال فأرسل شيئا يسيرا والله أعلم
ذكر وفاة نور الدين أرسلان شاه وشيء من سيرته
في هذه السنة أواخر رجب توفي نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر صاحب الموصل وكان مرضه قد طال ومزاجه قد فسد وكانت مدة ملكه سبع عشرة سنة وأحد عشر شهرا وكان شهما شجاعا ذا سياسة للرعايا شديدا على اصحابه فكانوا يخافونه خوفا شديدا وكان ذلك مانعا من تعدي بعضهم على بعض وكان له همة عالية اعاد ناموس البيت الأتابكي وجاهه وحرمته بعد ان كانت قد ذهبت وخافه الملوك وكان سريع الحركة في طلب الملك إلا أنه لم يكن له صبر فلهذا لم يتسع ملكه ولو لم يكن له من الفضيلة إلا أنه لما رحل الكامل بن العادل عن ماردين كما ذكرناه سنة خمس وتسعين وخمسمائة عف عنها وأبقاها على صاحبها ولو قصدها وحصرها لم يكن فيها قوة الامتناع لأن من كان بها كانوا قد هلكوا أو ضجروا ولم يبق لهم رمق فأبقاها على صاحبها ولما ملك استغاث إليه انسان من التجار فسأل عن حاله فقيل إنه قد أدخل قماشه إلى البلد لبيبعه فلم يتم له البيع ويريد إخراجه وقد منع من ذلك فقال من منعه فقيل ضامن البز يريد منه ما جرت به العادة من المكس
وكان القيم بتدبير مملكته مجاهد الدين قايماز وهو الى جانبه فسأله عن العادة كيف هي فقال إن اشترط صاحبه إخراج متاعه مكن من اخراجه وان لم يشترط ذلك لم يخرج حتى يؤخذ ما جرت العادة بأخذه فقال والله ان هذه العادة مدبرة انسان لا يبيع متاعه لاي شيء يؤخذ منه ماله فقال مجاهد الدين لا شك في فساد هذه العادة فقال إذا قلت أنا وانت انها عادة فاسدة فما المانع من تركها وتقدم بإخراج مال الرجل وأن لا يؤخذ إلا ممن باع وسمعت أخي مجد الدين أبا السعادات رحمه الله وكان من اكثر الناس اختصاصا به يقول ما قلت له يوما في فعل خير فامتنع منه بل بادر إليه بفرح واستبشار واستدعى في بعض الأيام أخي المذكور فركب إلى داره 354 فلما كان بباب الدار لقيته امرأة وبيدها رقعة وهي تشكو وتطلب عرضها على نور الدين فأخذها فلما دخلاليه جاراه في مهم له فقال قبل كل شيء تقف على هذه الرقعة وتقضي شغل صاحبتها فقال لا حاجة إلى الوقوف عليها عرفنا إيش فيها
فقال والله لا أعلم
إلا أنني رأيت امرأة بباب الدار وهي متظلمة شاكية فقال نعم عرفت حالها ثم انزعج فظهر منه الغيظ والغضب وعنده رجلان هما القيمان بأمور دولتهفقال لأخي ابصر إلى أي شيء قد دفعت مع هذين هذه المرأة كان لها ابن وقد مات في الموصل وهو غريب وخلف قماشا ومملوكين فاحتاط نواب بيت المال على القماش واحضروا المملوكين الينا فبقيا عندنا ننتظر من يستحق التركة ليأخذها فحضرت هذه المرأة ومعها كتاب حكمي بأن المال الذي مع ولدها لها فتقدمنا بتسليم ما لها إليها وقلت لهذين اشتريا المملوكين منها وانصفاها في الثمن فعادا وقالا لم يتم بيننا بيع لأنها طلبت ثمنا كثيرا فأمرتهما بإعادة المملوكين إليها من مدة شهرين وأكثر وإلى الآن ما عدت سمعت لها حديثا وظنن انها اخذت ما لها ولا شك أنهما لم يسلما المملوكين إليها وقد استغاثت إليهما فلم ينصفاها فجاءت إليك وكل من رأى هذه المرأة تشكو وتستغيث يظن أني أنا منعتها من مالها فيذمني وينسبني إلى الظلم وليس لي علم وكل هذا فعل هذين اشتهى ان تتسلم أنت المملوكين وتسلمهما إليها فأخذت المرأة ما لها وعادت شاكرة داعية وله من هذا الجنس كثير لا نطول بذكره
ذكر ولاية ابنة الملك القاهر
لما حضر نور الدين الموت أمر ان يرتب في الملك بعده ولده الملك القاهر عز الدين مسعود وأحلف له الجند وأعيان الناس وكان قد عها اليه قبل موته بمدة فجدد العهد له عند وفاته وأعطى ولده الأصغر عماد الدين زنكي قلعة عقر الحميدية وقلعة شوش وولايتها وسيره إلى العقر وأمر أن يتولى تدبير مملكتها ويقوم بحفظها والنظر في مصالحها فتاه الأمير بدر الدين لؤلؤ لما رأى من عقله وسداده وحسن سياسته وتدبيره وكمال خلال السياسة فيه وكان عمر القاهر حينئذ عشر سنين ولما اشتد مرضه وأيس من نفسه أمره الأطباء بالانحدار الى الحالة المعروفة بعين القيارة وهي بالقرب من الموصل فانحدر إليها فلم يجد بها راحة وازداد ضعفا فأخذه بدر الدين واصعده في الشبارة الى الموصل فتوفي في الطريق ليلا ومعه الملاحون 355 والأطباء بينه وبينهم ستر وكان مع بدر الدين عند نور الدين مملوكان فلما توفي نور الدين قال لهما لا يسمع احد بموته
وقال للأطباء والملاحين لا يتكلم أحد فقد نام السلطان فسكتوا ووصلوا إلى الموصل في الليل فأمر الأطباء والملاحين بمفارقة الشبارة لئلا يروه ميتا وأبعدوا فحمله هو والمملوكان وأدخله الدار وتركه في الموضع الذي كان فيه ومعه المملوكان ونزل على بابه من يثق إليه لا يمكن أحدا من الدخول والخروج وقعد مع الناس يمضي أمورا كان يحتاج إلى اتمامها فلما فرغ من جميع ما يريده أظهر موته وقت العصر ودفن ليلا بالمدرسة التي أنشأها مقابل داره وضبط البلد تلك الليلة ضبطا جيدا بحيث أن الناس في البلد لم يزالوا مترددين لم يعدم من أحد مقدار الحبة الفرد واستقر الملك لولده وقام بدر الدين بتدبير الدولة والنظر في مصالحها
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في شهر ربيع الآخر درس القاضي ابو زكريا بن القاسم بن المفرج قاضي تكريت بالمدرسة النظامية ببغداد استدعى من تكريت اليها
وفيها نقصت دجلة بالعراق نقصا كثيرا حتى كان يجري الماء ببغداد في نحو خمسة اذرع وأمر الخليفة ان يكري دجلة فجمع الخلق الكثير وكانوا كلما حفروا شيئا عاد الرمل وغطاه وكان الناس يخوضون دجلة فوق بغداد وهذا لم يعهد مثله وحج بالناس هذه السنة علاء الدين محمد ولد الأمير مجاهد الدين ياقوت أمير الحاج وكان قد ولاه الخليفة خوزستان وجعله هو امير الحاج وجعل معه من يدبر الحاج لأنه كان صبيا
وفيها في العشرين من ربيع الآخر توفي ضياء الدين احمد عبد الوهاب بن علي بن عبد الله الأمير البغدادي ببغداد وهو سبط صدر الدين اسماعيل شيخ الشيوخ وعمره سبع وثمانون سنة وشهور
وكان صوفيا فقيها محدثا سمعنا معه الكثير رحمه الله وكان من عباد الله الصالحين كثير العبادة والصلاح
وفيها توفي شيخنا أبو حفص عمر بن محمد بن المعمر بن طبرزذ البغدادي وكان عالي الإسناد 356
ثم دخلت سنة ثمان وستمائة
ذكر استيلاء منكلي على بلاد الجبل وأصفهان وغيرها وهرب أيتغمش
في هذه السنة في شعبان قدم ايتغمش صاحب همذان وأصفهان والري وما بينهما من البلاد الى بغداد هاربا من منكلي وسبب ذلك أن ايتغمش كان قد تمكن في البلاد وعظم شأنه وانتشر صيته وكثر عسكره حتى إنه حصر صاحبه أبا بكر بن البهلوان صاحب هذه البلاد أذربيجان وأران كما ذكرناه فلما كان الآن خرج عليه مملوك اسمه منكلي ونازعه في البلاد وكثر اتباعه واطاعه المماليك البهلوانية فاستولى عليها وهرب منه شمس الدين أيتغمش الى بغداد فلما وصل اليها أمر الخليفة بالاحتفال به في اللقاء فخرج الناس كافة وكان يوم وصوله مشهودا ثم قدمت زوجته في رمضان في محمل فأكرمت وأنزلت عند زوجها وأقام ببغداد إلى سنة عشر وستمائة فسار عنها فكان من أمره ما نذكره
ذكر نهب الحاج بمنى
وفي هذه السنة نهب الحاج بمنى وسبب ذلك أن باطنيا وثب على بعض أهل الأمير قتادة صاحب مكة فقتله بمنى ظنا منه أنه قتادة فلما سمع قتادة ذلك جمع الأشراف والعرب والعبيد وأهل مكة وقصدوا الحاج ونزلوا عليهم من الجبل ورهوهم بالحجارة والنبل وغير ذلك وكان أمير الحاج ولد الأمير ياقوت المقدم ذكره وهو صبي لا يعرف كيف يفعل فخاف وتحير وتمكن أمير مكة من نهب الحاج فنهبوا منهم من كان في الأطراف واقاموا على حالهم الى الليل فضطرب الحاج وباتوا بأسوأ حال من شدة الخوف من القتل والنهب فقال بعض الناس لأمير الحاج لينتقل بالحجاج الى منزلة حجاج الشام فأمر بالرحيل فرفعوا أثقالهم على الجمال واشتغل 357 الناس بذلك فطمع العدو فيهم وتمكن من النهب والتحق من سلم بحجاج الشام فاجتمعوا بهم ثم رحلوا الى الزاهر ومنعوا من دخول مكة ثم اذن لهم في ذلك فدخوها وتمموا حجتهم وعادوا ثم ارسل قتادة ولده وجماعة من اصحابه الى بغداد فدخلوها ومعهم السيوف مسلولة والأكفان فقبلوا العتبة واعتذروا مما جرى على الحجاج
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة اظهر الاسماعيلية ومقدمهم جلال الدين بن فلان بن حسن بن الصباح الانتقال عن فعل المحرمات واستحلالها وأمر باقامة الصلوات وشرائع الإسلام ببلادهم من خراسان والشام ولأرسل مقدمهم رسلا الى الخليفة وغيره من ملوك الإسلام يخبرهم بذلك وأرسل والدته الى الحج فأكرمت ببغداد إكراما عظيما وكذلك بطريق مكة
وفيها سلخ جمادى الآخرة توفي أبو حامد محمد بن يونس بن ميعة الفقيه الشافعي بمدينة الموصل وكان إماما فاضلا إليه انتهت رياسة الشافعية لم يكن في زمانه مثله وكان حسن الاخلاق كثير التجاوز عن الفقهاء والإحسان اليهم رحمه الله
وفيها في شهر ربيع الأول توفي القاضي ابو الفضائل علي بن يوسف بن احمد بن الأمدي الواسطي قاضيها وكان نعم الرجل
وفيها في شعبان توفي المعين ابو الفتوح عبد الواحد بن احمد بن علي الأمين شيخ الشيوخ ببغداد وكان موته بجزيرة كاس مضى اليها رسولا من الخليفة وكان من اصدقائنا وبيننا وبينه مودة متأكدة وصحبة كثيرة وكان من عباد الله الصالحين رحمه الله ورضي عنه وله كتابة حسنة وشعر جيد وكان عالما بالفقه وغيره ولما توفي رتب أخوه زين الدين عبد الرزاق بن أبي احمد وكان ناظرا على المارستان العضدي فتركه واقتصر على الرباط
وفيها في ذي الحجة توفي محمد بن يوسف بن محمد بن عبيد الله النيسابوري الكاتب الحسن الخط وكان يؤدي طريقة ابن البواب وكان فقيها حاسبا متكلما وفيها توفي 358 عمر بن مسعود أبي العز أبو القاسم البزار البغدادي بها وكان من الصالحين يجتمع إليه الفقراء كثيرا ويحسن اليهم وتوفي أيضا أبو سعيد الحسن بن محمد بن الحسن بن حمدون الثعلبي العدوي وهو ولد مصنف التذكرة وكان عالما 359
ثم دخلت سنة تسع وستمائة
ذكر قدوم ابن منكلي بغداد
في هذه السنة في المحرم قدم محمد بن منكلي المستولي على بلاد الجبل الى بغداد وسبب ذلك ان أباه منكلي لما استولى على بلاد الجبل وهرب ايتغمش صاحبها منها الى بغداد خاف ان يساعده الخليفة ويرسل معه العساكر فيعظم الأمر عليه لأنه لم يكن قد تمكن في البلاد فأرسل ولده محمدا ومعه جماعة من العسكر فخرج الناس ببغداد على طبقاتهم يلتقونه وأنزل وأكرم وبقي ببغداد إلى أن قتل أيتغمش فخلع عليه وعلى من معه وأكرموا وسيرهم إلى أبيه
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة قبض الملك العادل أبو بكر بن أيوب صاحب مصر والشام على علي أمير اسمه أسامة كان اه أقطاع كثيرة من جملتها حصن كوكب من اعمال الأردن بالشام وأخذ منه حصن كوكب وخربه وعفى أثره ومن بعده بنى حصنا بالقرب منه على جبل يسمى الطور وهو معروف هناك وشحنه بالرجال والذخائر والسلاح
وفيها توفي الفقيه محمد بن اسماعيل بن أبي الصيف اليمني فقيه الحرم الشريف بمكة 360
ثم دخلت سنة عشر وستمائة
ذكر قتل ايتغمش
في هذه السنة في المحرم قتل أيتغمش الذي كان صاحب همذان وقد ذكرنا سنة ثمان انه قدم إلى بغداد وأقام بها فأنعم عليه الخليفة وشرفه بالخلع وأعطاه الكوسات وما يحتاج إليه وسيره إلى همذان فسار في جمادى الآخرة عن بغداد قاصدا إلى همذان فوصل إلى بلاد ابن ترجم واجتمعا وأقام ينتظر وصول عساكر بغداد اليه ليسير معه على قاعدة استقرت بينهم وكان الخليفة قد عزل سليمان بن ترجم عن الامارة على عشيرته من التركمان الايوانية وولى أخاه الأصغر فأرسل سليمان إلى منكلي يعرفه بحال أيتغمش ومضى هو على وجهه فأخذوه فقتلوه وحملوا رأسه إلى منكلي وتفرق من معه من اصحابه في البلاد لا يلوي أخ على أخيه ووصل الخبر بقتله إلى بغداد فعظم على الخليفة ذلك وأرسل إلى منكلي ينكر عليه ما فعل فأجاب جوابا شديدا وتمكن من البلاد وقوي أمره وكثرت جموعه وعساكره وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله
ذكر عدة حوادث
حج بالناس في هذه السنة أبو فراس بن جعفر بن فراس الحلي نيابة عن أمير الحاج ابي ياقوت ومنع ابن ياقوت عن الحج لما جرى للحاج في ولايته
وفيها في المحرم توفي الحكيم المهذب علي بن احمد بن مقبل الطبيب المشهور كان اعلم أهل زمانه بالطب روى الحديث وكان مقيما بالموصل وبها مات وكان كثير الصدقة حسن الأخلاق وله تصنيف حسن في الطب
وفيها توفي اسماعيل بن علي البغدادي الفقيه الحنبلي صاحب ابن المني 361
وفيها توفي ايضا احمد بن مسعود التركستاني الفقيه الحنفي ببغداد وهو مدرس مشهد ابي حنيفة
وفيها في جمادى الأولى توفي معز الدين أبو المعاني سعد بن علي المعروف بابن حديد الذي كان وزير الخليفة الناصر لدين الله وكان قد ألزم بيته ولما توفي حمل تابوته الى مشهد أمير المؤمنين علي عليه السلام بالكوفة وكان حسن السيرة في وزارته كثير الخير والنفع للناس 362
ثم دخلت سنة إحدى عشر وستمائة
ذكر ملك خوارزمشاه علاء الدين كرمان ومكران والسند
هذه الحادثة لا أعلم الحقيقة أي سنة كانت إنما هي إما هذه السنة أو قبلها بقليل أو بعدها بقليل لأن الذي خبر بها كان من اجناد الموصل وسافر الى تلك البلاد واقام بها عدة سنين وسار مع الأمير أبي بكر الذي فتح كرمان ثم عاد فأخبرني بها على شك من وقتها وقد حضرها فقال خوارزمشاه محمد بن تكش كان من جملة أمراء أبيه أمير اسمه ابو بكر ولقبه تاج الدين وكان في ابتداء امره جمالا يكري الجمال في الاسفار ثم جاءته السعادة فاتصل بخوارزمشاه وصار سيروان جماله فرأى منه جلدا وأمانة فقدمه إلى أن صار من اعيان امراء عسكره فولاه مدينة زوزن وكان عاقلا ذا رأي وحزم وشجاعة فتقدم عند خوارزمشاه تقدما كثيرا فوثق به اكثر من جميع امراء دولته فقال ابو بكر لخوارزمشاه إن بلاد كرمان مجاورة لبلدي فلو أضاف السلطان إلي عسكرا لملكتها في اسرع وقت فسير معه عسكرا كثيرا فمضى إلى كرمان وصاحبها اسمه حرب بن محمد بن أبي الفضل الذي كان صاحب سجستان أيام السلطان سنجر فقاتله فلم يكن له به قوة وضعف فملك أبو بكر بلاده في اسرع وقت وسار منها إلى نواحي مكران فملكها كلها الى السند من حدود كابل وسار إلى هرمز مدينة على ساحل بحر مكران فأطاعه صاحبها واسمه ملتك وخطب بها لخوارزمشاه وحمل عنها مالا وخطب له بقلهات وبعض عمان لأن اصحابها كانوا يطيعون صاحب هرمز وسبب طاعتهم له مع بعد الشقة والبحر يقطع بينهم أنهم يتقربون إليه بالطاعة ليأمن اصحاب المراكب التي تسير اليهم عنده فإن هرمز مرسى عظيم ومجمع للتجار من اقاصي الهند والصين واليمن وغيرها من البلاد وكان بين صاحب هرمز وبين صاحب كيش حروب وغارات وكل منهما ينهى اصحاب المراكب 363 ان ترسي ببلد خصمه وهم كذلك إلى الآن وكان خوارزمشاه يصيف بنواحي سمرقند لأجل التتر أصحاب كشلي خان لئلا يقصد بلاده وكان سريع السير إذا قصد جهة سبق خبره
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة قتل مؤيد الملك الشحري وكان قد وزر لشهاب الدين الغوري ولتاج الدين الدز بعده وكان حسن السيرة جميل الاعتقاد محسنا إلى العلماء وأهل الخبر يزورهم ويبرهم ويحضر الجمعة ماشيا وكان سبب قتله أن بعض عسكر الدركرهوه وكان كل سنة يتقدم الى البلاد الحارة بين يدي الدز أول الشتاء فسار هذه كعادته فجاء اربعون نفرا أتراكا قالوا له السلطان يقول لك تحضر جريدة في عشر نفر لمهم تجدد فسار معهم جريدة في عشر مماليك فلما وصلوا الى نهوند بالقرب من ماء السند قتلوه وهربوا ثم إنهم ظفر بهم خوارزمشاه محمد فقتلهم
وفيها في رجب توفي الركن أبو منصور عبد السلام بن عبد الوهاب بن عبد القادر الجيلي البغدادي بغداد وكان قد ولي عدة ولايات وكان يتهم بمذهب الفلاسفة حتى انه رأى أبوه يوما عليه قميصا بخاريا فقال ما هذا القميص فقال بخاري فقال أبوه هذا عجب ما زلنا نسمع مسلم والبخاري وأما كافر والبخاري ما سمعنا وأخذت كتبه قبل موته بعدة سنين وأظهرت في ملأ من الناس ورؤي فيها من تبخير النجوم ومخاطبة زحل بالإلهية وغير ذلك من الكفريات ثم احرقت بباب العامة وحبس ثم افرج عنه بشفاعة أبيه واستعمل بعد ذلك
وفيها ايضا توفي ابو العباس احمد بن هبة الله بن العلاء والمعروف بابن الزاهد ببغداد وكان عالما بالنحو واللغة
وفي شعبان منها توفي ابو المظفر محمد بن علي بن ألبل اللوري الواعظ ودفن برباط على نهر عيسى ومولده سنة عشر وخمسمائة
وفي شوال منها توفي عبد العزيز بن محمود بن الأخضر وكان من فضلاء المحدثين وله سبع وثمانون نة 364
ثم دخلت سنة اثنتي عشر وستمائة
ذكر قتل منكلي وولاية اغلمش ما كان بيده من الممالك
في هذه السنة في جمادى الأولى انهزم منكلي صاحب همذان وأصفهان والري وما بينهم من البلاد ومضى هاربا فقتل وسبب ذلك أنه كان قد ملك البلاد كما ذكرناه وقتل ايتغمش فأرسل إليه من الديوان الخلفي رسول ينكر ذلك عليه وكان اوحش الأمير أوزبك بن البهلوان صاحب اذربيجان وهو صاحبه ومخفأرسل الخليفة اليه يحرضه على منكلي ويعده النصرة وأرسل ايضا الى جلال الدين الايماعيلي صاحب قلاع الاسماعيلية ببلاد العجم الموت وغيرها يأمره بمساعدة أوزبك على قتال منكلي واستقرت القاعدة بينهم على أن يكون للخليفة بعض البلاد ولأوزبك بعضها ويعطي جلال الدين بعضها فلما استقرت القواعد على ذلك جهز الخليفة عسكرا كثيرا وجعل مقدمهم مملوكه مظفر الدين سنقر المقلب بوجه السبع وأرسل الى مظفر الدين كوكبري بن زين الدين على كوجك وهو اذ ذاك صاحب إربل وشهرزور واعمالها يأمره أن يحضر بعساكره ويكون مقدم العساكر جميعها وإليه المرجع في الحرب فحضر وحضر معه عسكر الموصل وديار الجزيرة وعسكر حلب فاجتمعت عساكر كثيرة وساروا إلى همذان فاجتمعت العساكر كلها فانزاح منكلي من بين أيديهم وتعلق بالجبال وتبعوه فنزلوا بسفح جبل هو في أعلاء بالقرب من مدينة كرج وضاقت الميرة والأقوات على العسكر الخليفي جميعه ومن معهم فلو أقام منكلي بموضعه لم يمكنهم المقام عليه اكثر من عشرة أيام لكنه طمع فنزل ببعض عسكره من الجبل مقابل الأمير أوزبك فحملوا عليه فلم يثبت أوزبك ومضى منهزما فعاد اصحاب منكلي وصعدا الجبل وعاد اوزبك الى خيامه فطمع منكلي حينئذ ونزل من الغد في جميع عسكره واصطدمت العساكر للحرب واقتتلوا اشد 365 قتال يكون فانهزم منكلي وصعد الجبل فلو أقام بمكانه لم يقدر أحد على الصعود إليه وكان قصاراهم العود عنه لكنه اتخذ الليل جملا وفارق موضعه ومضى منهزما فاتبعه نفر يسير من عسكره وفارقه الباقون وتفرقوا أيدي سبا واستولى عسكر الخليفة وأوزبك على البلاد فاعطى جلال الدين ملك الاسماعيلية من البلاد ما كان استقر له وأخذ الباقي أوزبك فسلمها الى اغلمش مملوك أخيه وكان قد توجه إلى خوارزمشاه علاء الدين محمد وبقي عنده ثم عاد عنه وشهد الحرب وأبلى فيها فولاه أوزبك البلاد وعاد كل طائفة من العسكر الى بلادهم وأما منكلي فإنه مضى منهزما إلى مدينة ساوة وبها شحنة هو صديق له فأرسل إليه يستأذنه في الدخول الى البلد فأذن له ودخل اليه وخرج فلقيه وقبل الأرض بين يديه وادخله البلد وأنزله في داره ثم أخذ سلاحه وأراد أن يقيده ويرسله إلى أغلمش فسأله ان يقتله هو ولا يرسله فقتله وأرسل رأسه إلى أوزبك وأرسله أوزبك إلى بغداد وكان يوم دخولها يوما مشهودا إلا أنه لم تتم المسيرة للخليفة بذلك فانه وصل ومات ولده في تلك الحال فأعيد ودفن
ذكر وفاة ابن الخليفة
في هذه السنة في العشرين من ذي القعدة توفي ولد الخليفة وهو الأصغر وكان يلقب الملك المعظم واسمه أبو الحسن علي وكان احب ولدي الخليفة إليه وقد رشحه لولاية العهد بعده وعزل ولده الأكبر عن ولاية العهد واطرحه لأجل هذا الولد وكان رحمه الله كريما كثير الصدقة والمعروف حسن السيرة محبوبا الى الخاص والعام وكان سبب موته أنه اصابه إسهال فتوفي وحزن عليه الخليفة حزنا لم يسمع بمثله حتى انه ارسل الى اصحاب الأطراف ينهاهم عن انفاذ رسول اليه يعزيه بولده ولم يقرأ كتابا ولا سمع رسالة وانقطع وخلا بهمومه واحزانه ورؤي عليه من الحزن والجزع ما لم يسمع بمثله ولما توفي اخرج نهارا ومشى جميع الناس بين يدي تابوته إلى تربة جدته عند قبر معروف الكرخي فدفن عندها ولما أدخل التابوت اغلقت الأبواب وسمع الصراخ العظيم من داخل التربة فقيل إن ذلك صوت الخليفة وأما العامة ببغداد فإنهم وجدوا عليه وجدا شديدا ودامت المناحات عليه في اقطار بغداد ليلا ونهارا ولم يبق ببغداد محلة إلا فيها النوح ولم تبق امرأة إلا وأظهرت الحزن وما سمع ببغداد مثل ذلك في قديم الزمان وحديثه وكان موته وقت وصول رأس منكلي إلى 366 بغداد فإن الموكب أمر بالخروج الى لقاء الرأس فخرج الناس كافة فلما دخلوا بالرأس درب حبيب وقع الصوت بموت ابن الخليفة فأعيد الرأس وهذا دأب الدنيا لا يصفو أبدا فرحها من ترح وقد تخلص مصائبها من شائبة الترح
ذكر ملك خوارزمشاه غزنة واعمالها
في هذه السنة في شعبان ملك خوارزمشاه محمد بن تكش مدينة غزنة واعمالها وسبب ذلك أن خوارزمشاه لما استولى على عامة خراسان وملك باميان وغيرها ارسل الى تاج الدين صاحب غزنة وقد تقدمت اخباره حتى ملكها يطلب منه ان يخطب له ويضرب السكة باسمه ويرسل إليه فيلا واحدا ليصالحه وبيده غزنة ولا يعارضه فيها فأحضر الأمراء واعيان دولته واستشارهم وكان فيهم اكبر امير اسمع قتلغ تكين وهو من مماليك شهاب الدين الغوري ايضا وإليه الحكم في دولة الدز وهو النائب عنه يغزنة فقال الرأي أن يخطب له وتعطيه ما طلب وتستريح من الحرب والقتال وليس لنا بهذا السلطان قوة فقال الجماعة مثل قوله فأجاب الى ما طلب منه وخطب لخوارزمشاه وضرب السكة باسمه وأرسل إليه رسولا وأعاد رسوله اليه ومضى إلى الصيد فأرسل قتلغ تكين من غزنة إلى خوارزمشاه يطلبه ليسلم إليه غزنة فسار مجدا وسبق خبره فسلم إليه قتلغ تكين غزنة وقلعتها فلما دخل اليها قتل من بها من عسكر الغورية لا سيما الأتراك فوصل الخبر إلى الدز بذلك فقال ما فعل قتلغ تكين وكيف ملك القلعة مع وجوده فيها فقيل هو الذي احضره وسلم إليه فمضى هاربا هو ومن معه إلى لهاوور وأقام خوارزمشاه بغزنة فلما تمكن منها احضر قتلغ تكين فقال له كيف حالك مع الدز وكان عالما به وإنما أراد أن تكون له الحجة عليه فقال كلآنا مماليك شهاب الدين ولم يكن الدز يقيم بغزنة إلا أربعة اشهر الصيف وانا الحاكم فيها والمرجع إلييي في كل الأمور فقال له خوارزمشاه اذا كنت لا ترعى لرفيقك ومن احسن اليك صحبته وإحسانه فكيف يكون حالي أنا معك وما الذي تصنع مع ولدي إذا تركته عندك فقبض عليه وأخذ منه أموالا جمة حملها ثلاثون دابة من أصناف الأموال والأمتعة وأحضر أربعمائة مملوك فلما أخذ ماله قتله وترك ولده جلال الدين بغزنة مع جماعة من عسكره وامرائه وقيل إن ملك خوارزمشاه غزنة كان سنة ثلاث عشرة وستمائة 367
ذكر استيلاء الدز على لهاوور وقتله
لما هرب الدز من غزنة الى لهاوور لقيه صاحبها ماصر الدين قباجة وهو من مماليك شهاب الدين الغوري أيضا وله من البلاد لهاوور وملتان وأوجه وديبل وغير ذلك الى ساحل البحر ومعه نحو خمسة عشر الف فارس وكان قد بقي مع الدز نحو الف وخمسمائة فارس فوقع بينهما مصاف واقتتلوا فانهزمت ميمنة الدز وميسرته وأخذت الفيلة التي معه ولم يبق له غير فيلين معه في القلب فقال الفيال إذا اخاطر بسعادتك وأمر احد الفيلين ان يحمل على العلم الذي لقباجة يأخذه وأمر الفيل الآخر الذي له ايضا ان يأخذ الجتر الذي له فأخذه ايضا والفيلة المعلمة تفهم ما يقال لها هذا رأيناه فحمل الفيلان وحمل معهما الدز فيمن بقي عنده من العسكر وكشف رأسه وقال بالعجمية ما معناه إما ملك وإما هلك واختلط الناس بعضهم ببعض وفعل الغيلان ما أمرهما الفيال من أخذ العلم والختر فانهزم قباجة وعسكره وملك الدز مدينة لهاوور ثم سار إلى بلاد الهند ليملك مدينة دهلة وغيرها مما بيد المسلمين وكان صاحب دهلة امير اسمه الترمش ولقبه شمس الدين وهو من مماليك قطب الدين أيبك مملوك شهاب الدين أيضا وكان قد ملك الهند بعد سيده فلما سمع به الترمش سار اليه في عساكره كلها فلقيه عند مدينة سمانا فاقتتلوا فانهزم الدز وعسكره واخذ وقتل وكان الدز محمود السيرة في ولايته كثير العدل والاحسان الر الرعية لا سيما التجار والغرباء ومن محاسن اعماله انه كان له اولاد ولهم معلم يعلمهم فضرب المعلم احدهم فمات فاحضره الدز وقال له يا مسكين ما حملك على هذا فقال والله ما أردت إلا تأديبه فاتفق ان مات
فقال صدقت وأعطاه نفقة وقال له تغيب فان أمه لا تقدر على الصبر فربما اهلكتك لا اقدر أمنع عنك فلما سمعت أم الصبي بموته طلبت الأستاذ لتقتله فلم تجده فسلم وكان هذا من احسن ما يحكى عن احد من الناس
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة توفي الوجيه المبارك بن أبي الأزهر سعيد بن الدهان الواسطي النحوي الضرير كان نحريرا فاضلا قرأ على الكمال بن الأنباري وعلى غيره وكان حنبليا فصار حنفيا ثم صار شافعيا فقال فيه ابو البركات بن زيد التكريتي 368
( ألا مبلغا عني الوجيه رسالة
وإن كان لا تجدي لديه الرسائل )
( تمذهبت للنعمان بعد ابن حنبل
وفارقته إذ اعوزتك المآكل )
( وما اخترت رأي الشافعي تدينا
ولكنما تهوى الذي هو حاصل )
( وعما قليل أنت لا شك صائر
إلى مالك فافطن لما أنا قائل ) 369
ثم دخلت سنة ثلاث عشر وستمائة
ذكر وفاة الملك الظاهر
في هذه السنة في جمادى الآخر توفي الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين يوسف بن ايوب وهو صاحب مدينة حلب ومنبج وغيرهما من بلاد الشام وكان مرضه إسهالا وكان شديد السيرة ضابطا لأموره كلها كثير الجمع للأموال من غير جهاتها المعتادة عظيم العقوبة على الذنب لا يرى الصفح وله مقصد يقصده كثير من أهل البيوتات من اطراف البلاد والشعراء وأهل الدين وغيرهم فيكرمهم ويجري عليهم الجاري الحسن ولما اشتدت علته عهد بالملك بعده لولد له صغير اسمه محمد ولقبه الملك العزيز غياث الدين عمره ثلاث سنين وعدل عن ولد كبير لأن الصغير كانت أمه ابنة عمه الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب مصر ودمشق وغيرهما من البلاد فعهد بالملك له ليبقي عمه البلاد عليع ولا ينازعه فيها ومن أعجب ما يحكى ان الملك الظاهر قبل مرضه أرسل رسولا الى عمه العادل بمصر يطلب منه ان يخلف لولده الصغير فقال العادل سبحان الله أي حاجة إلى هذه اليمين الملك الظاهر مثل بعض أولادي فقال الرسول وقد طلب هذا واختاره ولا بد من اجابته اليه فقال العادل كم من كبش في المرعى وخروف عند القصاب وحلف فاتفق في تلك اليام أن توفي الملك الظاهر والرسول في الطريق ولما عهد الظاهر إلى ولده بالملك جعل أتابكه ومربيه خادما رومسا اسمه طغريل ولقبه شهاب الدين وهو من خيار عباد الله كثير الصدقة والمعروف ولما توفي الظاهر أحسن هذا شهاب الدين السيرة في الناس وعدل فيهم وأزال كثيرا من السنن الجارية واعاد املاكا كانت قد اخذت من اربابها وقام بتربية الطفل احسن قيام وحفظ بلاده واستقامت الأمور بحسن سيرته وعدله وملك ما كان يتعذر على الظاهر ملكه فمن ذلك تل باشر كان 370 الملك الظاهر لا يقدر ان يتعرض إليه فلما توفي ملكها كيكاوس ملك الروم كما نذكره إن شاء الله تعالى انتقلت الى شهاب الدين وما اقبح بالملوك وابناء الملوك ان يكون الرجل الغريب المنفرد احسن سيرة واعف من اموال الرعية وأقرب إلى الخير منهم ولا اعلم اليوم في ولاة امور المسلمين احسن سيرة منه فالله يبقيه ويدفع عنه فلقد بلغني عنه كل حسن وجميل
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في المحرم وقع بالبصرة برد كثير وهو مع كثرته عظيم القدر قيل كان اصغره مثل النارنجة الكبيرة وقيل في أكبره ما يستحي الانسان ان يذكره فكسر كثيرا من رؤوس النخيل وفي المحرم ايضا سير الخليفة الناصر لدين الله ولدي ابنه المعظم علي الى تستر وهما المؤيد والموفق وسار معهما مؤيد الدين النائب عن الوزارة وعز الدين الشرابي فأقاما بها يسيرا ثم عاد الموفق مع الوزير والشرابي إلى بغداد أواخر ربيع الآخر
وفيها في صفر هبت ببغداد ريح سوداء شديدة كثيرة الغبار والقيام وألقت رملا كثيرا وقلعت كثيرا من الشجر فخاف الناس وتضرعوا ودامت من العشاء الآخرة الى ثلث الليل وانكشفت
وفيها توفي التاج زيد بن الحسن بن زيد الكندي أبو اليمن البغدادي المولد والمنشأ انتقل بالشام فأقام بدمشق وكان إماما في النحو واللغة وله الاسناد العالي في الحديث وكان ذا فنون كثيرة من انواع العلوم رحمه الله 371
ثم دخلت سنة أربع عشر وستمائة
ذكر ملك خوارزم شاه بلد الجبل
في هذه السنة سار خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش الى بلاد الجبل فملكها وكان سبب حركته في هذا الوقت اشياء أحدها انه كان قد استولى على ما وراء النهر وظفر بالخطا وعظم أمره وعلا شأنه واطاعه القريب والبعيد ومنها أنه كان يهوى أن يخطب له ببغداد ويلقب بالسطلان وكان الأمر بالصد لأنه كان لا يجد من ديوان الخلافة قبولا وكان سبيله إذا ورد إلى بغداد ان يقدم غيره عليه ولعل في عسكره مائة مثل الذي يقدم سبيله عليه فكان إذا سمع ذلك يغضبه ومنها ان اغلمش لما ملك بلاد الجبل خطب له فيها جميعها كما ذكرناه فلما قتله الباطنية غضب له وخرج لئلا تخرج البلاد عن طاعته فسار مجدا في عساكر تطبق الأرض فوصل إلى الري فملكها
وكان أتابك سعد بن دكلا صاحب بلاد فارس لما بلغه مقتل أغلمش جمع عساكره وسار نحو بلاد الجبل طمعا في تملكها لخلوها عن حام وممانع فوصل إلى أصفهان فاطاعه أهلها وسار منها يريد الري ولم يعلم بقدوم خوارزم شاه فلقيه مقدمة خوارزم شاه فظنها عساكر تلك الديار قد اجتمعت لقتاله ومنعه عن البلاد فقاتلهم وجد في محاربتهم حتى كاد يهزمهم فبينما هو كذلك وإذ هو قد ظهر له جتر خوارزم شاه فسأل عنه فأخبر به فاستسلم وانهزمت عساكره وأخذ أسيرا وحمل الى بين يدي خوارزم شاه فأكرمه ووعده الإحسان والجميل وأمنه على نفسه واستحلفه على طاعته واستقرت القاعدة بينهما على ان يسلم بعض البلاد إليه ويبقي بعضها واطلقه وسير معه جيشا إلى بلاد فارس ليسلم إليهم ما استقرت القاعدة عليه فلما قدم على ولده الأكبر رآه قد تغلب على بلاد فارس فامتنع من التسليم إلى أبيه ثم إنه ملك 372 البلاد كما نذكره وخطب فيها لخوارزم شاه وسار خوارزم شاه إلى ساوة فملكها وأقطعها العماد الملك عارض جيشه وهو من أهلها ثم سار الى قزوين وزنجان وأبهر فملكها كلها بغير ممانع ولا مدافع ثم سار الى همذان فملكها واقطع البلاد لأصحابه وملك اصفهان وكذلك قم وقاشان واستوعب ملك جميع البلاد واستقرت القاعدة بينه وبين أوزبك بن البهلوان صاحب اذربيجان وأران بان يخطب له اوزبك في بلاده ويدخل في طاعته ثم انه عزم على المسير الى بغداد فقدم بين يديه أميرا كبيرا في خمسة عشر الف فارس واقطعه حلوان فسار حتى وصل إليها ثم أتبعه بأمير آخر فلما سار عن همذان يومين أو ثلاثة سقط عليهم من الثلج ما لم يسمع بمثله فهلكت دوابهم ومات كثير منهم وطمع فيمن بقي بنو ترجم الأتراك وبنو هكار الأكراد فتخطفوهم فلم يرجع منهم الى خوارزم شاه إلا اليسير فتطير خوارزم شاه من ذلك الطريق وعزم على العود إلى خراسان خوفا من التتر لأنه ظن أنه يقضي حاجته ويفرغ من إرادته في المدة اليسيرة فخاب ظنه ورأى البيكار بين يديه طويلا فعزم على العود فولى همذان اميرا من أقاربه من جهة والدته يقال له طائيسي وجعل في البلاد جميعها ابنه ركن الدين وجعل معه متوليا لأمر دولته عماد الملك الساوي وكان عظيم القدر عنده وكان يحرص على قصد العراق
وعاد خوارزم شاه إلى خراسان فوصل إلى مرو في المحرم سنة خمس عشرة وستمائة وسار من وجهه إلى ما وراء النهر ولما قدم إلى نيسابور جلس يوم الجمعة عند المنبر وأمر الخطيب بترك الخطبة للخليفة الناصر لدين الله وقال إنه قد مات وكان ذلك في ذي القعدة سنة أربع عشر وستمائة ولما قدم مرو قطع الخطبة بها وكذلك ببلخ وبخارى وسرخس وبقي خوارزم وسمرقند وهراة لم تقطع الخطبة فيها إلا عن قصد لتركها لأن البلاد كانت لا تعارض من اشباه هذا ان احبوا خطبوا وإن ارادوا قطعوا فبقيت كذلك الى أن كان منه ما كان وهذه من جملة سعادات هذا البيت الشريف العباسي لم يقصده أحد بأذى إلا لقيه فعله وخبث نيته لا جرم لم يمهل هذا خوارزم شاه حتى جرى له ما نذكره مما لم يسمع بمثله في الدنيا قديما ولا حديثا
ذكر ما جرى لأتابك سعد مع اولاده
لما قتل أغلمش صاحب بلاد الجبل همذان وأصفهان وما بينهما من البلاد جمع 373 أتابك سعد بن دكلا صاحب فارس عساكره وسار عن بلاده أصفهان فملكها وأطاعه أهلها فطمع تلك البلاد جميعها فسار عن أصفهان إلى الري فلما وصل إليها لقي عساكر خوارزمشاه قد وصلت كما ذكرناه فعزم على محاربة مقدمة العسكر فقاتلها حتى كاد يهزمها فظهرت عساكر خوارزم شاه ورأى الجتر فسقط في يده والقى نفسه وضعفت قوته وقوة عسكره فولوا الأدبار وأخذ أتابك سعد أسيرا وأحضر بين يدي خواروزمشاه فأكرمه وطيب نفسه ووعده الإحسان واستصحبه معه إلى ان وصل إلى اصفهان فسيره منها الى بلاده وهي تجاورها وسير معه عسكرا مع أمير كبير ليتسلم منه ما كان استقر بينهما فإنهما اتفقا على ان يكون لخوارزمشاه بعض البلاد ولأتابك سعد بعضها وتكون الخطبة لخوارزمشاه في البلاد جميعها وكان أتابك سعد قد استخلف ابنا له على البلاد فلما سمع الابن بأسر أبيه خطب لنفسه بالمملكة وقطع خطبة أبيه فلما وصل أبوه ومعه عسكر خوارزمشاه امتنع الابن من تسليم البلاد إلى أبيه وجمع العساكر وخرج يقاتله فلما تراءى الجمعان انحازت عساكر فارس إلى صاحبهم أتابك سعد وتركوا ابنه في خصاصته فحمل على أبيه فلما رآه أبوه ظن أنه لم يعرفه فقال له أنا فلان فقال إياك أردت فحينئذ امتنع منه وولى الابن منهزما ووصل أتابك سعد إلى البلاد فدخلها مالكا لها وأخذ ابنه اسيرا فسجنه إلى الآن إلا أنني سمعت الآن وهو سنة عشرين وستمائة أنه قد خفف حبسه ووسع عليه ولما عاد خوارزم شاه إلى خراسان غدر سعد بالأمير الذي عنده فقتله ورفع عن طاعة خوارزم شاه واشتغل خوارزم شاه بالحادثة العظمى التي شغلته عن هذا وغيره لكن الله انتقم له بابنه غياث الدين كما ذكرناه سنة عشرين وستمائة لأن سعدا كفر إحسان خوارزم شاه وكفر الإحسان عظيم العقوبة
ذكر ظهور الفرنج إلى الشام ومسيرهم إلى ديار مصر
وملكهم مدينة دمياط وعودها إلى المسلمين
كان من أول هذه الحادثة إلى آخرها اربع سنين غير شهر وإنما ذكرناها ههنا لأن ظهورهم كان فيها وسقناها سياقة متتابعة ليتلو بعضها بعضا فنقول في هذه السنة وصلت أمداد الفرنج في البحر من رومية الكبرى وغيرها من بلاد الفرنج في الغرب والشمال إلا أن المتولي لها كان صاحب رومية لأنه ينزل عند الفرنج بمنزلة عظيمة 374 لا يرون مخالفة أمره ولا العدول عن حكمه فيما سرهم وساءهم فجهز العساكر من عنده مع جماعة من مقدمي الفرنج وأمر غيره من ملوك الفرنج أن يسير بنفسه أو يرسل جيشا ففعلوا ما أمرهم فاجتمعوا بعكا من ساحل الشام وكان الملك العادل أبو بكر ابن أيوب بمصر فسار منها إلى الشام فوصل إلى الرملة ومنها إلى لد وبرز الفرنج من عكا ليقصدوه فسار العادل نحوهم فوصل الى نابلس عازما على أن يسبقهم إلى أطراف البلاد مما يلي عكا ليحميها منهم فساروا هم فسبقوه فنزل على بيسان من الأردن فتقدم الفرنج إليه في شعبان عازمين على محاربته لعلمهم أنه في قلة من العسكر لأن العساكر كانت متفرقة في البلاد فلما رأى العادل قربهم منه لم ير أن يلقاهم في الطائفة التي معه خوفا من هزيمة تكون عليه وكان حازما كثير الحذر ففارق بيسان نحو دمشق ليقيم بالقرب منها ويرسل الى البلاد ويجمع العساكر فوصل الى مرج الصفر فنزل فيه وكان أهل بيسان وتلك الأعمال لما رأوا الملك العادل عندهم اطمأنوا فلم يفارقوا بلادهم ظنا منهم أن الفرنج لا يقدمون عليه فلما أقدموا على غفلة من الناس فلم يقدر على النجاة إلا القليل فأخذ الفرنج كل ما في بيسان من ذخائر قد جمعت وكانت كثيرة وغنموا شيئا كثيرا ونهبوا البلاد من بيسان إلى بانياس وبثوا السرايا في القرى فوصلت إلى خسفين ونوى وأطراف السواد ونازلوا بانياس وأقاموا عليها ثلاثة أيام ثم عادوا عنها الى مرج عكا ومعهم من الغنائم والسبي والأسرى ما لا يحصى كثرة سوى ما قتلوا وأحرقوا وأهلكوا فأقاموا أياما استراحوا ثم جاؤوا الى صور وقصدوا بلد الشقيف ونزلوا بينهم وبين بانياس مقدار فرسخين فنهبوا البلاد صيدا والشقيف وعادوا الى عكا وكان هذا من نصف رمضان الى العيد والذي سلم من تلك البلاد كان مخفا حتى قدر على النجاة ولقد بلغني أن العادل لما سار الى مرج الصفر رأى في طريقه رجلا يحمل شيئا وهو يمشي تارة وتارة يقعد ليستريح فعدل العادل إليه وحده فقال له يا شيخ لا تعجل وارفق بنفسك فعرفه الرجل فقال يا سلطان المسلمين أنت لا تعجل فإنا إذا رأيناك قد سرت إلى بلادك وتركتنا مع الاعداء كيف لا نعجل وبالجملة الذي فعله العادل هو الحزم والمصلحة لئلا يخاطر باللقاء على حال تفرق من العساكر ولما نزل العادل على مرج الصفر سير ولده الملك المعظم عيسى وهو صاحب دمشق في قطعة صالحة من الجيش الى نابلس ليمنع الفرنج عن البيت المقدس 375
ذكر حصر الفرنج قلعة الطور وتخريبها
لما نزل الفرنج بمرج عكا تجهزوا وأخذوا معهم آلة الحصار من مجانيق وغيرها وقصدوا قلعة الطور وهي قلعة منيعة على رأس جبل بالقرب من عكا كان العادل قد بناها عن قريب فتقدموا إليها وحصروها وزحفوا اليها وصعدوا في جبلها حتى وصلوا الى سورها وكادوا يملكونه فاتفق ان بعض المسلمين ممن فيها قتل بعض ملوكهم فعادوا عن القلعة فتركوها وقصدوا عكا وكان مدة مقامهم على الطور سبعة عشر يوما ولما فارقوا الطور أقاموا قريبا ثم ساروا في البحر الى ديار مصر على ما نذكره إن شاء الله تعالى فتوجه الملك المعظم الى قلعة الطور فخربها الى ان الحقها بالأرض لأنها بالقرب من عكا ويتعذر حفظها
ذكر حصر الفرنج دمياط إلى أن ملكوها
لما عاد الفرنج من حصار الطور أقاموا بعكا إلى أن دخلت سنة خمس عشرة وستمائة فساروا في البحر إلى دمياط فوصلوا في صفر فأرسلوا إلى بر الجيزة بينهم وبين دمياط النيل فإن بعض النيل يصب في البحر المالح عند دمياط وقد بني في النيل برج كبير منيع وجعلوا فيه سلاسل من حديد غلاظ ومدوها في النيل الى سور دمياط لتمنع المراكب الواصلة من البحر المالح ان تصعد في النيل إلى ديار مصر ولولا هذا البرج وهذه السلاسل لكانت مراكب العدو لا يقدر أحد على منعها عن اقاصي ديار مصر وأدانيها فلما نزل الفرنج على بر الجيزة وبينهم وبين دمياط النيل بنوا عليهم سورا وجعلوا خندقا يمنعهم ممن يريدهم وشرعوا في قتال من بدمياط وعملوا آلات ومرمات وأبراجا يزحفون بها في المراكب الى هذا البرج ليقاتلوه ويملكوه وكان البرج مشحونا بالرجال وقد نزل الملك الكامل ابن الملك العادل وهو صاحب دمياط وجميع ديار مصر بمنزلة تعرف بالعادلية بالقرب من دمياط والعساكر متصلة من عنده الى دمياط ليمنع العدو من العبور إلى أرضها وأدام الفرنج قتال البرج وتابعوه فلم يظفروا منه بشيء وكسرت مرماتهم وآلاتهم ومع هذا غهم ملازمون لقتاله فبقوا كذلك أربعة اشهر ولم يقدروا على أخذه ثم بعد 376 ذلك ملكوا البرج فلما ملكوه قطعوا السلاسل لتدخل مراكبهم من البحر المالح في النيل ويتحكموا في البر فنصب الملك عوض السلاسل جسرا عظيما امتنعوا به من سلوك النيل ثم انهم قاتلوا عليه أيضا قتالا شديدا كثيرا متتابعا حتى قطعوه فلما قطع اخذ الملك الكامل عدة مراكب كبار وملأها وخرقها في النيل فمنعت المراكب من سلوكه فلما رأى الفرنج ذلك قصدوا خليجا هناك يعرف بالأزرق كان النيل يجري عليه قديما فحفروا ذلك الخليج وعمقوه فوق المراكب التي جعلت في النيل واجروا الماء فيه الى البحر المالح واصعدوا مراكبهم فيه الى موضع يقال له بورة على ارض الجيزة ايضا مقابل المنزلة التي فيها الملك الكامل ليقاتلوه من هناك فإنهم لم يكن لهم إليه طريق يقاتلوه في الماء وزحفوا اليه غير مرة فلم يظفروا بطائل ولم يتغير على أهل دمياط شيء لأن الميرة والأمداد متصلة بهم والنيل يحجز بينهم وبين الفرنج فهم ممتنعون لا يصل اليهم اذى وأبوابها مفتحة وليس عليها من الحصر ضيق ولا ضرر فاتفق لما يريد الله عز وجل أن الملك العادل توفي في جمادى الآخرة من سنة خمس عشر وستمائة على ما نذكره إن شاء الله فضعفت نفوس الناس لأنه السلطان حقيقة وأولاده وإن كانوا ملوكا إلا أنهم بحكمه والأمر إليه وهو ملكهم البلاد فاتفق موته والحال هكذا من مقاتلة العدو
وكان من جملة الأمراء بمصر أمير يقال له عماد الدين احمد بن علي ويعرف بابن المشطوب وهو من الأكراد الهكارية وهو اكبر أمير بمصر وله لفيف كثير وجميع الأمراء ينقادون اليه ويطيعونه لا سيما الأكراد فاتفق هذا الأمير مع غيره من الأمراء وأرادوا ان يخلعوا الملك الكامل من الملك ويملكوا أخاه الملك الفائز بن العادل ليصير الحكم اليهم عليه وعلى البلاد فبلغ الخبر الى الكامل ففارق المنزلة ليلا جريدة وسار إلى قرية يقال لها شمعون طناح فنزل عندها واصبح العسكر وقد فقدوا سلطانهم فركب كل انسان منهم هواه ولم يقف الأخ على أخيه ولم يقدروا على أخذ شيء من خيامهم وذخائرهم وأموالهم وأسلحتهم الا اليسير الذي يخف حمله وتركوا الباقي بحاله من ميرة وسلاح ودواب وخيام وغير ذلك ولحقوا بالكامل وأما الفرنج فإنهم اصبحوا من الغد فلم يروا من المسلمين أحذا على شاطىء النيل كجاري عادتهم فبقوا لا يدرون ما الخبر وإذا قد أتاهم من اخبرهم الخبر على حقيقته فعبروا 377 حينئذ النيل إلى بر دمياط آمنين بغير منازع ولا مانع وكان عبورهم في العشرين من ذي القعدة سنة خمس عشرة وستمائة فغنموا ما في عسكر المسلمين فكان عظيما يعجز العادين وكان الملك الكامل قد فارق الديار المصرية لأنه لم يثق بأحد من عسكره وكان الفرنج ملكوا الجميع بغير تعب ولا مشقة فاتفق من لطف الله تعالى بالمسلمين ان الملك المعظم عيسى بن الملك العادل وصل إلى أخيه الكامل بعد هذه الحركة بيومين والناس في أمر مريج فقوي به قلبه واشتد ظهره وثبت جنانه وأقام بمنزلته وأخرجوا ابن المشطوب الى الشام فاتصل بالملك الأشرف وصار من جنده فلما عبر الفرنج الى ارض دمياط اجتمعت العرب على اختلاف قبائلها ونهبوا البلاد المجاورة لدمياط وقطعوا الطريق وأفسدوا وبالغوا في الإفساد فكانوا أشد على المسلمين من الفرنج
وكان اضر شيء على أهل دمياط أنها لم يكن بها من العسكر أحد لأن السلطان ومن معه من العساكر كانوا عندها يمنعون العدو عنها فأتتهم هذه الحركة بغتة فلم يدخلها أحد من العسكر وكان ذلك من فعل ابن المشطوب لا جرم لم يمهله الله وأخذه اخذة رابية على ما نذكره إن شاء الله واحاط الفرنج بدمياط وقاتلوها برا وبحرا وعملوا عليهم خندقا يمنعهم ممن يريدهم من المسلمين وهذه كانت عادتهم وأداموا القتال واشتد الأمر على أهلها وتعذرت عليهم الأقوات وغيرها وسئموا القتال وملازمته لأن الفرنج كانوا يتناوبون القتال عليهم لكثرتهم وليس بدمياط من الكثرة ما يجعلون القتال بينهم مناوبة ومع هذا فصبروا صبرا لم يسمع بمثله وكثر القتل فيهم والجراج والموت والأمراض ودام الحصار عليهم الى السابع والعشرين من شعبان سنة ست عشرة وستمائة فعجز من بقي من أهلها عن الحفظ لقلتهم وتعذر القوت عندهم فسلموا البلد ألى الفرنج في هذا التاريخ بالأمان فخرج منهم قوة وأقام آخرون لعجزهم عن الحركة فتفرقوا أيدي سبا
ذكر ملك المسلمين دمياط من الفرنج
لما ملك الفرنج دمياط اقاموا بها وبثوا سراياهم في كل ما جاورهم من البلاد ينهبون ويقتلون فجلى أهله عنها وشرعوا في عمارتها وتحصينها وبالغوا في ذلك حتى انها بقيت لا ترام وأما الملك الكامل فانه أقام بالقرب منهم في اطراف بلاده 378 يحميها ولما سمع الفرنج في بلادهم بفتح دمياط على أصحابهم اقبلوا يهرعون من كل فج عميق واصبحت دار هجرتهم وعاد الملك المعظم صاحب دمشق الى الشام فخرب البيت المقدس في ذي القعدة من السنة وإنما فعل ذلك لأن الناس كافة خافوا الفرنج وأشرف الإسلام وكافة أهله وبلاده على خطة خسف في شرق الأرض وغربها وأقبل التتر من المشرق حتى وصلوا إلى نواحي العراق وأذربيجان وأران وغيرها على ما نذكره إن شاء الله تعالى
واقبل الفرنج من المغرب فملكوا مثل دمياط في الديار المصرية مع عدم الحصون المانعة بها من الأعداء وأشرف على سائر البلاد بمصر والشام وصاروا يتوقعون البلاء صباحا ومساء وأراد أهل مصر الجلاء عن بلادهم خوفا من العدو ولات حين مناص والعدو قد أحاط بهم من كل جانب ولو مكنهم الكامل من ذلك لتركوا البلاد خاوية على عروشها وإنما منعوا منه فثبتوا وتابع الملك الكامل كتبه إلى أخويه المعظم صاحب دمشق والملك الأشرف موسى بن العادل صاحب ديار الجزيرة وأرمينية وغيرهما يستنجدهما ويحثهما على الحضور بأنفسهما فإن لم يمكن فيرسلان العساكر إليه فسار صاحب دمشق إلى الأشرف بنفسه فرآه مشغولا عن انجاده بما دهمه من اختلاف الكلمة عليه وزوال الطاعة عن كثير ممن كان يطيعه ونحن نذكر ذلك سنة خمس عشرة وستمائة إن شاء الله عند وفاة الملك القاهر صاحب الموصل فليطلب من هناك فعذره وعاد عنه وبقي الأمر كذلك مع الفرنج فأمر الملك الأشرف فزال الخلف من بلاده ورجع الملوك الخارجون عن طاعته إليه واستقامت له الأمور الى سنة ثمان عشرة وستمائة والملك الكامل مقابل الفرنج فلما دخلت سنة ثمان عشرة وستمائة علو بزوال المانع للأشرف عن انجاده فأرسل الى دمشق فيمن معه من العساكر والعود إلى بلاده خوفا من اختلاف يحدث فلم يقبل قولهم
وقال قد خرجت للجهاد ولا بد من إتمام ذلك العزم فسار إلى مصر وكان الفرنج قد ساروا عن دمياط الفارس والراجل وقصدوا الملك الكامل ونزلوا مقابله بينهما خليج من النيل يسمى بحر أشمون وهم يرمون بالمنجنيق والجرخ إلى عسكر المسلمين وقد تيقنوا هم وكل الناس أنهم يملكون الديار المصرية وأما الأشرف فإنه 379 سار حتى وصل مصر فلما سمع أخوه الكامل بقربه منهم توجه اليه فلقيه واستبشر هو وكافة المسلمين باجتماعهما لعل الله يحدث بذلك نصرا وظفرا
وأما الملك المعظم صاحب دمشق فإنه سار أيضا إلى ديار مصر وقصد دمياط ظنا منه أن اخويه وعسكريهما قد نازلوها وقيل بل أخبر في الطريق أن الفرنج قد توجهوا إلى دمياط فسابهم اليها ليلقاهم من بين أيديهم وأخواه من خلفهم والله أعلم ولما اجتمع الأشرف بالكامل استقر الأمر بينهما على التقدم الى خليج من النيل يعرف ببحر المحلة فتقدموا إليه فقاتلوا الفرنج وزادادوا قربا وتقدمت شواني المسلمين من النيل وقاتلوا شواني الفرنج فأخذوا منها ثلاث قطع بمن فيها من الرجال وما فيها من الأموال والسلاح ففرح المسلمون بذلك واستبشروا وتفاءلوا وقويت نفوسهم واستطالوا على عدوهم
هذا يجري والرسل مترددة بينهم في تقرير قاعدة الصلح وبذل المسلمون لهم تسليم البيت المقدس وعسقلان وطبرية وصيدا وجبلة واللاذقية وجميع ما فتحه صلاح الدين ما عدا الكرك ليسلموا دمياط فلم يرضوا وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضا عن تخريب القدس ليعمروه بها فلم يتم بينهم أمر وقالوا لا بد من الكرك فبينما الأمر في هذا وهم يمنعون فاضطر المسلمون الى قتالهم وكان الفرنج لاقتدارهم في نفوسهم لم يستصحبوا معهم ما يقوتهم عدة ايام ظنا منهم أن العساكر الإسلامية لا تقوم لهم وان القرى والسواد جميعه يبقى بأيديهم يأخذون منه ما أرادوا من الميرة لأمر يريده الله تعالى بهم فعبر طائفة من المسلمين الى الأرض التي عليها الفرنج ففجروا النيل فركب الماء اكثر تلك الأرض ولم يبق للفرنج جهة يسلكون منها غير جهة واحدة فيها ضيق فنصب الكامل حينئذ الجسور على النيل عند اشمون وعبرت العساكر عليها فملك الطريق الذي يسلكه الفرنج ان ارادوا العود الى دمياط فلم يبق لهم خلاص واتفق في تلك الحال انه وصل إليهم مركب كبير للفرنج من أعظم المراكب يسمى مرمة وحوله عدة حراقات تحميه والجميع مملوءة من الميرة والسلاح وما يحتاجون اليه فوقع عليها شواني المسلمين وقاتلوهم فظفروا بالمرمة وبما معها من الحراقات وأخذوها فلما رأى الفرنج ذلك سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا الصواب بمفارقة دمياط في أرض يجهلونها هذا وعساكر المسلمين محيطة بهم يرمونهم بالنشاب ويحملون على أطرافهم فلما اشتد الأمر على الفرنج 380 احرقوا خيامهم ومجانيقهم وأثقالهم وأرادوا الزحف الى المسلمين ومقاتلتهم لعلهم يقدرون على العود الى دمياط فرأوا ما أملوه بعيدا وحيل بينهم وبين ما يشتهون لكثرة الوحل والمياه حولهم والوجه الذي يقدرون على سلوكه قد ملكه المسلمون فلما تيقنوا أنهم قد أحيط بهم من سائر جهاتهم وأن ميرتهم قد تعذر عليهم وصولها وان المنايا قد كشرت لهم عن أنيابها ذلت نفوسهم وتنكست صلبانهم وضل عنهم شيطانهم فراسلوا الملك الكامل والأشرف يطلبون الأمان ليسلموا دمياط بغير عوض فبينما المراسلات مترددة اذ اقبل جيش كبير لهم رهجشديد وجلبة عظيمة من جهة دمياط فظنه المسلمون نجدة اتت للفرنج فاستشعروا وإذ هو الملك المعظم صاحب دمشق قد وصل اليهم وكان قد جعل طريقه على دمياط لما ذكرناه فاستدت ظهور المسلمين وازداد الفرنج خذلانا ووهنا وتمموا الصلح على تسليم دمياط واستقرت القاعدة والأيمان سابع رجب من سنة ثمان عشر وستمائة وانتقل ملوك الفرنج وكنودهم وقمامصتهم إلى الملك الكامل والأشرف رهائن على تسليم دمياط ملك عكا ونائب بابا صاحب رومية وكندريش وغيرهم وعدتهم عشرون ملكا وراسلوا قسوسهم ورهبانهم الى دمياط في تسليمها فلم يمتنع من بها وسلموها الى المسلمين تاسع رجب المذكور وكان يوما مشهودا ومن العجب ان المسلمين لما تسلموها وصلت للفرنج نجدة في البحر فلو سبقوا المسلمين اليها لامتنعوا من تسليمها ولكن سبقهم المسلمون ليقضي الله امرا كان مفعولا ولم يبق بها من اهلها الا آحاد وتفرقوا ايدي سبا بعضهم سار عنها باختياره وبعضهم مات وبعضهم أخذه الفرنج ولما دخلها المسلمون رأوها حصينة قد حصنها الفرنج تحصينا عظيما بحيث بقيت لا ترام ولا يوصل اليها وأعاد الله سبحانه وتعالى الحق الى نصابه ورده الى اربابه واعطىالمسلمين ظفرا لم يكن في حسابهم فإنهم كانت غاية امانيهم ان يسلموا البلاد التي اخذت منهم بالشام ليعيدوا دمياط فرزقهم الله إعادة دمياط وبقيت البلاد بأيديهم على حالها فالله المحمود المشكور على ما أنعم به على الاسلام والمسلمين من كف عادية هذا العدو وكفاهم شر التتر على ما نذكره ان شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في المحرم كانت ببغداد فتنة بين اخل المأمونية وبين أهل باب 381 الأزج بسبب قتل سبع وزاد الشر بينهم واقتتلوا فجرح بينهم كثير فحضر نائب الباب وكفهم عن ذلك فلم يقبلوا ذلك واسمعوه يكره فأرسل من الديوان امير من مماليك الخليفة فرد أهل كل محلة الى محلتهم وسكنت الفتنة
وفيها كثر الفار ببلدة دجيل من اعمال بغداد فكان الانسان لا يقدر أن يجلس إلا معه عصا يرد الفار عنه وكان يرى الكثير منه ظاهرا يتبع بعضه بعضا
وفيها زادت دجلة زيادة عظيمة لم يشاهد في قديم الزمان مثلها وأشرفت بغداد على الغرق فركب الوزير وكافة الأمراء والأعيان وجمعوا الخلق العظيم من العامة وغيرهم لعمل القورج حول البلد وقلق الناس لذلك وانزعجوا وعاينوا الهلاك واعدوا السفن لينجوا فيها وظهر الخليفة للناس وحثهم على العمل وكان مما قال لهم لو كان يفدى ما أرى بمال او غيره لفعلت ولو دفع بحرب لفعلت ولكن أمر الله لا يرد ونبع الماء من البلاليع والآبار من الجانب الشرقي وغرق كثير منه وغرق مشهد أبي حنيفة وبعض الرصافة وجامع المهدي وقربة الملكية والكشك وانقطعت الصلاة بجامع السلطان وأما الجانب الغربي فتهدم اكثر القرية ونهر عيسر والشطيات وخربت البساتين ومشهد باب التين ومقبرة احمد بن حنبل والحريم الظاهري وبعض باب البصرة والدور التي على نهر عيسى واكثر محلة قطفتا
وفيها توفي احمد بن ابي الفضائل عبد المنعم بن أبي البركات محمد بن طاهر بن سعيد بن فضل الله بن سعيد بن أبي الخير الميهني الصوفي ابو الفضل شيخ رباط الخليفة ببغداد وكان صالحا من بيت التصوف والصلاح 382
ثم دخلت سنة خمس عشرة وستمائة
ذكر وفاة الملك القاهر وولاية ابنة نور الدين
وما كان من الفتن بسبب موته الى ان استقرت الأمور
في هذه السنة توفي الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان شاه من مسعود بن مودود بن زنكي بن آق سنقر صاحق الموصل ليلة الاثنين لثلاث بقين من شهر ربيع الأول وكانت ولايته سبع سنين وتسعة اشهر وكان موته أن أخذته حمى ثم فارقته الغد وبقي يومين موعوكا ثم عاودته الحمى مع قيء كثير وكرب شديد وقلق متتابع ثم برد بدنه وعرق وبقي كذلك الى وسط الليل ثم توفي وكان كريما حليما قليل الطمع في أموال الرعية كافا عن أذى يوصله إليهم مقبلا على لذاته كأنما ينهبها ويبادر بها الموت وكان عنده رقة شديدة ويكثر ذكر الموت
حكى لي بعض من كان يلازمه قال كنا ليلة قبل وفاته بنصف شهر عنده فقال لي قد وجدت ضجرا من القعود فقم بنا نتمشى الى الباب العمادي
قال فقمنا نخرج من داره نحو الباب العمادي فوصل التربة التي عملها لنفسه عند داره فوقف عندها مفكرا لا يتكلم ثم قال لي والله ما نحن في شيء أليس مصيرنا الى ههنا وندفن تحت الأرض وأطال الحديث في هذا ونحوه ثم عاد إلى الدار
فقلت له ألا نمشي الى الباب العمادي
فقال ما بقي عندي نشاط إلى هذا ولا إلى غيره ودخل داره وتوفي بعد ايام واصيب أهل بلاده بموته وعظم عليهم فقده وكان محبوبا إليهم قريبا من قلوبهم ففي كل دار لأجله رنة وعويل ولما حضرته الوفاة اوصى بالملك لولده الأكبر نور الدين ارسلان شاه وعمره نحو عشر سنين وجعل الوصي عليه والمدبر لدولته بدر الدين لؤلؤ وهو الذي كان يتولى دولة القاهر ودولة أبيه نور الدين قبله وقد تقدم من اخباره ما يعرف به محله وسيرد منها ايضا ما يزيد الناظر بصيرة فيه فلما قضى نحبه قام بدر الدين بأمر نور الدين اجلسه في مملكة أبيه وأرسل الى الخليفة يطلب له التقليد 383 والتشريف وأرسل إلى الملوك واصحاب الأطراف المجاورين لهم يطلب تجديد العهد لنور الدين على القاعدة التي كانت بينهم وبين أبيه فلم يصبح إلا وقد فرغ من كل ما يحتاج إليه وجلس للعزاء وحلف الجند والرعايا وضبط المملكة من التزلزل والتغير مع صغر السلطان وكثرة الطامعين في الملك فإنه كان معه في البلد اعمام أبيه وكان معه عماد الدين زنكي بن أرسلان شاه بولايته وهي قلعة عقر الحميدية يحدث نفسه بالملك لا يشك في أن الملك يصير اليه بعد أخيه فرفع بدر الدين ذلك الخرق ورتق ذلك الفتق وتابع الاحسان والخلع على كافة الناس وغير ثياب الحداد عنهم فلم يخض بذلك شريفا دون مشروف ولا كبيرا دون صغير واحسن السيرة وجلس لكشف ظلامات الناس وانصاف بعضهم من بعض ويعد ايام وصل التقليد من الخليفة لنور الدين بالولاية ولبدر الدين بالنظر في أمر دولته والتشريفات لهمل أيضا وأتتهم رسل الملوك بالتعزية وبذل ما طلب منهم من العهود واستقرت القواعد لها
ذكر ملك عماد الدين زنكي قلاع المكارية والزوزان
قد ذكرنا عند وفاة نور الدين سنة سبع وستمائة انه أعطى ولده الأصغر زنكي قلعتي العقر وشوش وهما بالقرب من الموصل فكان تارة يكون بالموصل وتارة بولايته متجنيا لكثرة تلونه وكان بقلعة العمادية مستحفظ من مماليك جده عز الدين مسعود بن مودود قيل إنه جرى له مع زنكي مراسلات في معنى تسليم العمادية اليه فنمي الخبر بذلك إلى بدر الدين فيادره بالعزل مع امير كبير وجماعة من الجند لم يمكنه الامتناع وسلم القلعة الى نائب بدر الدين كذلك وجعل بدر الدين في غير العمادية من القلاع نوابا له وكان نور الدين بن القاهر لا يزال مريضا من جروح كانت به وغيرها من الأمراض وكان يبقى المدة الطويلة لا يركب ولا يظهر للناس فأرسل زنكي الى من بالعمادية من الجند يقول إن ابن اخي توفي ويريد بدر الدين يملك البلاد وأنا احق بملك آبائي واجدادي فلم يزل حتى استدعاه الجند منها وسلموا اليه ثامن عشر رمضان سنة خمس عشرة وستمائة وقبضوا على النائب البدري وعلى من معه فوصل الخبر الى بدر الدين ليلا فجد في الأمر ونادى في العسكر لوقته بالرحيل فساروا مجدين الى العمادية وحصروها وكان الزمان شتاء والبرد شديد والثلج هناك كثير فلم 384 يتمكنوا من القتال من بها لكنهم اقاموا يحصرونها وقام مظفر الدين كوكبري بن زين الدين صاحب إربل في نصر عماد الدين وتجرد لمساعدته فراسله بدر الدين يذكره الايمان والعهود التي من جملتها انه لا يتعرض الى شيء من اعمال الموصل ومنها قلاع الهكارية والزوزان باسمائها ومتى تعرض اليها احد من الناس من كان منعه بنفسه وعساكره واعان نور الدين وبدر الدين على منعه ويطالبه بالوفاء بها ثم نزل عند هذا ورضي منه بالسكوت لا لهم ولا عليهم فلم يفعل وأظهر معاضدة عماد الدين زنكي فحينئذ لم تكن مكاثرة زنكي بالرجال والعساكر لقرب هذا الخصم واعمالها الا ان العسكر البدري محاصر العمادية وبها زنكي
ثم إن بعض الأمراء من عسكر الموصل ممن لا علم له بالحرب وكان شجاعا وهو جديد الإمارة اراد ان يظهر شجاعته ليزداد بها تقدما واشار على من هناك من العسكر بالتقدم الى العمادية ومباشرتها بالقتال وكانوا قد تأخروا عنها شيئا يسيرا لشدة البرد والثلج فلم يوافقوه وقبحوا رأيه فتركهم ورحل متقدما اليهم ليلا فاضطروا الى اتباعه خوفا عليه من اذى يصيبه ومن معه فساروا اليه على غير تعبية لضيق المسلك ولأنه اعجلهم عن ذلك وحكم الثلج عليهم ايضا فسمع زنكي ومن معه فنزلوا ولقوا اوائل الناس وأهل مكة اخبر بشعابها فلم يثبتوا لهم وانهزموا وعادوا الى منزلتهم ولم يقف العسكر عليهم فاضطروا الى العود فلما عادوا راسل زنكي باقي قلاع الهكارية والزوزان واستدعاهم إلى طاعته فأجابوه وسلموا إليه فجعل فيها الولاة وتسلمها وحكم فيها
ذكر اتفاق بدر الدين مع الملك الأشرف
لما رأى بدر الدين خروج القلاع عن يده واتفاق مظفر الدين وعماد الدين عليه لم ينفع معهم اللين ولا الشدة وأنهما لا يزالان يسعيان في أخذ بلاده ويتعرضان الى اطرافها بالنهب والأذى أرسل الى الملك الأشرف موسى بن الملك العادل وهو صاحب ديار الجزيرة كلها الا القليل وصاحب خلاط وبلادها يطلب منه الموافقة والمعاضدة وانتمى اليه وصار في طاعته منخرطا في سلك موافقته فأجابه الأشرف بالقبول والفرح به والاستبشار وبذل له المساعدة والمعاضدة والمحاربة دونه واستعادة ما أخذ من القلاع التي كانت له وكان الملك الأشرف حينئذ بحلب نازلا 385 بظاهرها لما ذكرناه من تعرض كيكاوس ملك بلاد الروم التي بيد المسلمين قونية وغيرها الى اعمالها وملكوا بعض قلاعها فأرسل الى مظفر الدين يقبح هذه الحالة ويقول له إن هذه القاعدة تقررت بين جميعنا بحضور رسلك واننا نكون على الناكث الى ان يرجع الى الحق ولا بد من اعادة ما اخذ من بلد الموصل لندوم على اليمين التي استقرت بيننا فإن امتنعت واصررت على معاضدة زنكي ونصرته فأنا اجيء بنفسي وعساكري واقصد بلادك وغيرها واسترد ما اخذتموه واعيده الى اصحابه والمصلحة انك توافق وتعود الى الحق لنجعل شغلنا جمع العساكر وقصد الديار المصرية واجلاء الفرنج عنها قبل ان يعظم خطبهم ويستطير شرهم فلم تحصل بالاجابة منه الى شيء من ذلك وكان ناصر الدين محمود صاحب الحصن وآمد قد امتنع عن موافقة الاشرف وقصد بعض بلاده ونهبها وكذلك صاحب ماردين واتفقا مع مظفر الدين فلما رأى الأشرف ذلك جهز عسكرا وسيره الى نصيبين نجدة لبدر الدين إن احتاج إليهم
ذكر انهزام عماد الدين زنكي من العسكر البدري
لما عاد العسكر البدري من حصار العمادية وبها زنكي كما ذكرناه قويت نفسه وفارقها وعاد الى قلعة العقر التي له ليتسلط على اعمال الموصل بالصحراء فإن بلد الجبل كان قد فرغ منه وأمده مظفر الدين بطائفة كثيرة من العسكر فلما اتصل الخبر ببدر الدين سير طائفة من عسكره الى اطراف بلد الموصل يحمونها فأقاموا على اربعة فراسخ من الموصل ثم إنهم اتفقوا بينهم على المسير الى زنكي وهو عند العقر في عسكره ومحاربته ففعلوا ذلك ولم يأخذوا أمر بدر الدين بل اعلموه بمسيرهم جريدة ليس معهم إلا سلاحهم ودواب يقاتلون عليها فساروا ليلتهم وصبحوا زنكي بكرة الأحد لأربع بقين من المحرم من سنة ست عشرة وستمائة فالتقوا واقتتلوا تحت العقر وعظم الخطب فأنزل الله نصره على العسكر البدري فانهزم عماد الدين وعسكره وسار الى إربل منهزما وعاد العسكر البدري إلى منزلته التي كان بها وحضرت الرسل من الخليفة الناصر لدين الله ومن الملك الأشرف في تجديد الصلح فاصطلحوا وتحالفوا بحضرة الرسل 386
ذكر وفاة نور الدين صاحب الموصل وملك أخيه
ولما تقرر الصلح توفي نور الدين أرسلان شاه بن الملك القاهر صاحب الموصل وكان لا يزال مريضا بعدة أمراض فرتب بدر الدين في الملك بعده أخاه ناصر الدين وله من العمر نحو ثلاث سنين ولم يكن للقاهر ولد غيره وحلف له الجند وركبه فطابت نفوس الناس لأن نور الدين كان لا يقدر على الركوب لمرضه فلما ركبوا هذا علموا ان لهم سلطانا من البيت الأتابكي فاستقروا واطمأنوا وسكن كثير من الشغب بسببه
ذكر انهزام بدر الدين من مظفر الدين
لما توفي نور الدين وملك اخوه ناصر الدين تجدد لمظفر الدين ولعماد الدين طمع لصغر سن ناصر الدين فجمعا الرجال وتجهزا للحركة فظهر ذلك وقصد بعض اصحابهم طرف ولاية الموصل بالنهب والفساد وكان بدر الدين قد سير ولده الاكبر في جمع صالح من العسكر الى الملك الأشرف بحلب نجدة له بسبب اجتماع الفرنج بمصر وهو يريد ان يدخل بلاد الفرنج التي بساحل الشام ينهبها ويخربها ليعود بعض من بدمياط الى بلادهم فيخف الأمر على الملك الكامل صاحب مصر فلما رأى بدر الدين تحرك مظفر الدين وعماد الدين وأن بعض عسكره بالشام أرسل الى عسكر الملك الأشرف الذي بنصيبين يستدعيهم ليعتضد بهم وكان المقدم عليهم مملوك الأشرف اسمه أيبك فسار الى الموصل رابع رجب سنة ست عشرة فلما رآهم بدر الدين استقلهم لأنهم كانوا اقل من العسكر الذي له بالشام أو مثلهم فألح ايبك على عبور دجلة ةقصد بلاد إربل فمنعه بدر الدين من ذلك وأمره بالاستراحة فنزل بظاهر الموصل أياما وأصر على عبور دجلة فعبرها بدر الدين موافقة له ونزلوا على فرسخين من الموصل شرقي دجلة فلما سمع مظفر الدين ذلك جمع عسكره وسار إليهم ومعه زنكي فعبر الزاب وسبق خبره فسمع به بدر الدين فعبى اصحابه وجعل ايبك في الجالشية ومعه شجعان أصحابه وأكثر معه منهم بحيث انه لم يبق معه إلا اليسير وجعل في مسيرته اميرا كبيرا وطلب الانتقال عنها الى الميمنة فنقله فلما كان وقت العشاء الآخرة اعاد ذلك الأمير الطلب بالانتقال من الميمنة الى الميسرة والخصم 387 بالقرب منهم فمنعه بدر الدين وقال متى انتقلت انت ومن معك في هذا الليل ربما ظنه الناس هزيمة فلا يقف احد فأقام بمكانه وهو في جمع كبير من العسكر فلما انتصف الليل سار أيبك فأمره بدر الدين بالمقام الى الصبح لقرب العدو منهم فلم يقبل لجهله بالحرب فاضطر الناس لاتباعه فتقطعوا في الليل والظلمة والتقوا هم والخصم في العشرين من رجب على ثلاثة فراسخ من الموصل فأما عز الدين فإنه تيامن والتحق بالميمنة وحمل في اطلابه هو والميمنة على ميسرة مظفر الدين فهزمها وبها زنكي وكان الأمير الذي انتقل الى الميمنة قد ابعد عنها فلم يقاتل فلما رأى ايبك قد هزم الميسرة تبعه وتقدم إليه مظفر الدين فيمن معه في القلب لم يتفرقوا فلم يمكنه الوقوف فعاد إلى الموصل وعبر دجلة إلى القلعة ونزل منها إلى البلد فلما رآه الناس فرحوا به وساروا معه وقصد باب الجسر والعدو بإزائه بينهما دجلة فنزل مظفر الدين فيمن سلم معه من عسكره وزايل حصن نينوى فأقام ثلاثة أيام فلما رأى اجتماع العسكر البدري بالموصل وأنهم لم يفقد منهم إلا ليسيرة وبلغه الخبر ان بدر الدين يريد العبور إليه ليلا بالفارس والراجل على الجسور وفي السفن ويكبسه فرحل ليلا من غير أن يضرب كأسا أو بقوا وعادوا نحو أربل فلما عبروا الزاب نزلوا ثم جاءت الرسل وسعوا في الصلح فاصطلحوا على أن كل من بيده شيء هو له وتقررت العهود والأيمان على ذلك
ذكر ملك عماد الدين قلعة كواشى وملك بدر الدين
تل يعفر وملك الملك الأشرف سنجار
كواشي هذه من احصن قلاع الموصل وأعلاها وأمنعها وكان الجند الذين بها لما رأوا ما فعل أهل العمادي وغيرها من التسليم الى زنكي وانهم قد تحكموا في القلاع لا يقدر احد على الحكم عليهم احبوا ان يكونوا كذلك فأخرجوا نواب بدر الدين عنهم وامتنعوا بها وكانت رهائنهم بالموصل وهم يظهرون طاعة بدر الدين ويبطنون المخالفة فترددت الرسل في عودهم الى الطاعة فلم يفعلوا وراسلوا زنكي في المجيء إليهم وتسلم القلعة وأقام عندهم فروسل مظفر الدين يذكر بالايمان القريبة العهد ويطلب منه إعادة كواشي فلم تقع الإجابة إلى ذلك حينئذ بدر الدين إلى الملك الأشرف وهو بحلب يستنجده فسار وعبر الفرات الى حران واختلفت عليه الأمور 388 من عدة جهات منعته من سرعة السير وسبب هذا كان الاختلاف ان مظفر الدين كان يراسل الملوك اصحاب الأطراف ليستميلهم ويحسن لهم الخروج على الأشرف ويخوفهم منه إذا خلى وجهه فأجابه إلى ذلك عز الدين كيكاوس كيخسرو بن قلج أرسلان صاحب بلاد الروم وصاحب آمد وحصن كيفا وصاحب ماردين واتفقوا كلهم على طاعة كيكاوس وخطبوا له في بلادهم ونحن نذكر ما كان بينه وبين الأشرف عند منبج لما قصد بلاد حلب فهو موغر الصدر عليه فاتفق ان كيكاوس مات في ذلك الوقت وكفي الأشرف وبدر الدين شره ولا جدالا ما أقعص عنك الرجال وكان مظفر الدين قد راسل جماعة من الأمراء الذين مع الأشرف واستمالهم فأجابوه منهم احمد ابن علي بن المشطوب الذي ذكرنا أنه فعل على دمياط ما فعل وهو أكبر أمير معه ووافقه غيره منهم عز الدين محمد بن بدر الحميدي وغيرهما وفارقوا الأشرف ونزلوا بدنيسر تحت ماردين ليجتمعوا مع صاحب آمد ويمنعوا الأشراف من العبور الى الموصل لمساعدة بدر الدين فلما اجتمعوا هناك عاد صاحب آمد الى موافقة الأشرف وفارقهم واستقر الصلح بينهما وسلم اليه الأشرف مدينة حاني وجبل جوز وضمن له أخذ دارا وتسليمها اليه فلما فارقهم صاحب آمد انحل امرهم فاضطر بعض أولئك الأمراء الى العود الى طاعة الأشرف وبقي ابن المشطوب وحده فسار الى نصيبين ليسير الى إربل فخرج إليه شحنة نصيبين فيمن عنده من الجند فاقتتلوا فانهزم ابن المشطوب وتفرق من معه من الجمع ومضى منهزما فاجتاز بطرف بلد سنجار فسير إليه صاحبها فروخ شاه بن زنكي بن مودود بن زنكي عسكرا فهزموه وأخذوه أسيرا وحملوه الى سنجار وكان صاحبها موافقا للأشرف وبدر الدين فلما صار عنده ابن المشطوب حسن له مخالفة الأشرف فأجابه إلى ذلك وأطلقه فاجتمع معه من يريد الفساد فقصدوا البقعاء من أعمال الموصل ونهبوا فيها عدة قرى وعادوا الى سنجار ثم ساروا وهم معهم إلى تل يعفر وهي لصاحب سنجار ليقصدوا بلد الموصل وينهبوا في تلك الناحية فلما سمع بدر الدين بذلك سير اليه عسكرا فقاتلوهم فمضى منهزما وصعد الى تل يعفر واحتمى بها منهم ونازلوه وحصره فيها فسار بدر الدين من الموصل اليه يوم الثلاثاء لتسع بقين من ربيع الأول سنة سبع عشرة 389 وستمائة وجد في حصره وزحف إليها مرة بعد أخرى فملكها سابع عشر ربيع الآخرة من هذه السنة وأخذ ابن المشطوب معه الى الموصل فسجنه بها ثم اخذه منه الأشرف
فسجن بحران الى ان توفي في ربيع الآخر سنة تسع عشرة وستمائة ولقاه الله عقوبة ما صنع بالمسلمين بدمياط
وأما الملك الأشرف فإنه لما اطاعه صاحب الحصن وآمد وتفرق الأمراء كما ذكرناه رحل من حران إلى دنيسر فنزل عليها واستولى على بلد ماردين وشحن عليه وأقطعه ومنع الميرة عن ماردين وحضر معه صاحب آمد وترددت الرسل بينه وبين صاحب ماردين في الصلح فاصطلحوا على ان يأخذ الأشرف رأس العين وكان هو قد اقطعها لصاحب ماردين ويأخذ منه ايضا ثلاثين ألف دينار ويأخذ منه صاحب آمد الموزر من بلد شبختان فلما تم الصلح سار الأشرف من دنيسر إلى نصيبين يريد الموصل فبينما هو في الطريق لقيه رسل صاحب سنجار يبذل تسليمها إليه ويطلب العوض عنها مدينة الرقة وكان السبب في ذلك أخذ تل يعفر منه فانخلع قلبه وانضاف الى ذلك أن ثقاته ونصحاءه خانوه وزادوه رعبا وخوفا لأنهم تهددوه فتغدوه به قبل ان يتعشى بهم ولأنه قطع رحمه وقتل اخاه الذي ملك سنجار بعد أبيه قتله كما نذكره إن شاء الله وملكها فلقاه الله سوء فعلهولم يمتعه بها فلما تيقن رحيل الأشرف تحير في الأمر فأرسل في التسليم اليه فأجابه الأشرف الى العوض وسلم اليه الرقة وتسلم سنجار مستهل جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة وفارقها صاحبها واخوته بأهليهم وأموالهم وكان هذا آخر ملوك البيت الأتابكي بسنجار فسبحان الحي الذي ليس لملكه آخر وكان مدة ملكهم لها أربعا وتسعين سنة وهذا دأب الدنيا بأبنائها فتعسا لها من دار ما أغدرها بأهلها
ذكر وصول الأشرف الى الموصل والصلح مع مظفر الدين
لما ملك الملك الأشرف سنجار سار يريد الموصل ليجتاز منها فقدم بين يديه عساكره فكان يصل كل يوم منهم جمع كثير ثم وصل هو في آخرهم يوم الثلاثاء تاسع عشر جمادى الأولى من السنة المذكورة وكان يوم وصولبه مشهودا وأتاه رسل الخليفة ومظفر الدين في الصلح وبذل تسليم القلاع المأخوذة جميعها الى بدر الدين ما عدا قلعة العمادية فإنها تبقى بيد زنكي وأن المصلحة قبول هذا لتزول الفتن 390 ويقع الاشتغال بجهاد الفرنج وطال الحديث في ذلك نحو شهرين ثم رحل الأشرف يريد مظفر الدين صاحب إربل فوصل الى قرية السلامية بالقرب من نهر الزاب وكان مظفر الدين نازلا عليه من جانب إربل فأعاد الرسل
وكان العسكر قد طال بيكاره والناس قد ضجروا وناصر الدين صاحب آمد يميل بهواه إلى مظفر الدين فأشار بالاجابة الى ما بذل وأعانه عليه غيره فوقعت الاجابة اليه واصطلحوا على ذلك وجعل لتسليمها أجل
وحمل زنكي إلى الملك الأشرف يكون عنده رهينة إلى حين تسليم القلاع وسلمت قلعة العقر وقلعة شوش أيضا وهما لزنكي إلى نواب الأشرف رخنا على تسليم ما استقر من القلاع فإذا سلمت أطلق زنكي وأعيد عليه قلعة العقر شوش وحلفوا على هذا وسلم الأشرف إلى زنكي القلعتين وعاد إلى سنجار وكان رحيله عن الموصل ثاني شهر رمضان من سنة سبع عشرة وستمائة فأرسلوا إلى القلاع لتسلم إلى نواب بدر الدين فلم يسلم إليه غير قلعة جل صورا من أعمال الهكارية وأما باقي القلاع فإن جندها أظهروا الاماتناع من ذلك ومضى الأجل ولم يسلم الأجل صورا ولزم عماد الدين زنكي لشهاب الدين غازي بن الملك العادل وخدمه وتقرب إليه فاستعطف له أخاه الملك الأشرف فمال إليه وأطلقه وأزال نوابه من قلعة العقر وشوش وسلمها إليه وبلغ بدر الدين عن الملك الأشرف ميل إلى قلعة تل يعفر وأنها كانت لسنجار من قديم الزمان وحديثه وطال الحديث في ذلك فسلمها إليه بدر الدين
ذكر عود قلاع الهكارية والزوزان الى بدر الدين
لما ملك زنكي قلاع الهكارية والزوزان لم يفعل مع اهلها ماظنوه من الاحسان والإنعام بل فعل ضده وضيق عليهم وكان يبلغهم افعال بدر الدين مع جنده ورعاياه وإحسانه اليهم وبذله الأموال لهم وكانوا يريدون العود اليه ويمنعهم الخوف منه لما اسلفوه من ذلك فلما كان الآن اعلنوا بما فعل معهم فأرسلوا الى بدر الدين في المحرم سنة ثمان عشرة وستمائة في التسليم إليه وطلبوا منه اليمين والعفو عنهم وذكروا شيئا من اقطاع تكون لهم فأجابهم إلى ذلك وأرسل إلى الملك الأشرف يستأذنه في ذلك فلم يأذن له وعاد زنكي من عند الأشرف فجمع جموعا وحصر قلعة العمادية فلم يبلغ منهم غرضا واعادوا مراسلة بدر الدين التسليم اليه فكتب الى 391 الملك الأشرف في المعنى وبذل له قلعة جديدة ونصيبين وولاية بين النهرين ليأذن له في أخذها فأذن له فأرسل اليها النواب وتسلموها واحسن إلى أهلها ورحل زنكي عنها ووفى له بدر الدين بما بذله له فلما سمع جنديا في القلاع بما فعلوا وما وصلهم من الاحسان والزيادة ورغبوا كلهم في التسليم فسير اليهم النواب واتفقت كلمة أهلها على طاعته والانقياد إليه والعجب ان العساكر اجتمعت من الشام والجزيرة وديار بكر وخلاط وغيرها في استعادة هذه القلاع فلم يقدروا على ذلك فلما تفرقوا حضر اهلها وسألوا ان تؤخذ منهم فعادت صفوا عفوا بغير منة ولقد احسن من قال
( لا سهل إلا ما جعلت سهلا
وإن تشأ تجعل بحزن وحلا )
فتبارك الله الفعال لما يريد لا مانع لما اعطى ولا معطي لما منع وهو على كل شيء قدير
ذكر قصد كيكاوس ولاية حلب وطاعة صاحبها للأشرف وانهزام كيكاوس
في هذه السنة سار عز الدين كيكاوس بن كيسخرو ملك الروم الى ولاية حلب قصدا للتغلب عليها ومعه الأفضل بن صلاح الدين يوسف وسبب ذلك انه كان بحلب رجلان فيهما شر كثير وسعاية بالناس فكانا ينقلان الى صاحبها الملك الظاهر بن صلاح الدين عن رعيته فأوغروا صدره فلقي الناس منهما شدة فلما توفي الظاهر وولي الأمر شهاب الدين طغرل أبعدهما ممن يفعل فعلهما وسد هذا الباب على فاعله ولم يطرق إليه احدا من أهله فلما رأى الرجلان كساد سوقهما لزما بيوتهما وثار بهما الناس وآذوهما وتهددوهما لما كانا أسلفاه من الشر فخافا ففارقا حلب وقصدا كيكاوس فأطمعاه فيها وقررا في نفسه انه متى قصدها لا يثبت بين يديه وانه يملكها ويهون عليه ملك ما بعدها فلما عزم على ذلك أشار عليه ذوو الرأي من اصحابه وقالوا له لا يتم لك هذا الا بأن يكون معك احد من بيت أيوب ليسهل على أهل البلاد وجندها الانقياد إليه وهذا الأفضل بن صلاح الدين هو في طاعتك والمصلحة أنك تستصحبه معك وتقرر بينكما فاعدة فيما تفتحانه من البلاد فمتى كان معك اطاعك الناس وسهل عليك ما تريد فأحضر الأفضل من سميساط إليه وأكرمه وحمل اليه شيئا كثيرا من الخيل والخيام والسلاح وغير ذلك واستقرت القواعد بينهما ان يكون ما يفتحه من حلب وأعمالها للأفضل وهو في طاعة كيكاوس والخطبة له 392 ذلك أجمع ثم يقصدون ديار الجزيرة فما يفتحونه مما بيد الملك الأشرف مثل حران والرها من البلاد الجزرية تكون لكيكاوس وجرت الأيمان على ذلك وجمعوا العساكر وساروا فملكوا قلعة رعيان فتسلمها الأفضل فمال الناس حينئذ إليهما ثم سارا الى قلعة تل باشر وفيها صاحبها ابن بدر الدين دلدرم الياروقي فحصروه وضيقوا عليه وملكوها منه فأخذها كيكاوس لنفسه ولم يسلمها الى الأفضل فاستشعر الأفضل من ذلك وقال هذا أول الغدر وخاف انه ان ملك حلب يفعل به هكذا فلا يحصل إلا أن يكون قد قلع بيته لغيره ففترت نيته واعرض عما كان يفعله وكذلك أيضا أهل البلاد فكانوا يظنون أن الأفضل يملكها فيسهل عليهم الأمر فلما رأوا ضد ذلك وقفوا
واما شهاب الدين أتابك ولد الظاهر صاحب حلب فإنه ملازم قلعة حلب لا ينزل منها ولا يفارقها البتة وهذه كانت عادته مذمات الظاهر خوفا من ثائر يثور به فلما حدث هذا الأمر خاف ان يحصروه وربما سلم أهل البلد والجند والمدينة الى الأفضل لميلهم اليه فأرسل الى الملك الأشرف ابن الملك العادل صاحب الديار الجزرية وخلاط وغيرها يستدعيه لتكون طاعتهم له ويخطبون له ويجعل السكة باسمه ويأخذ من أعمال حلب ما اختار ولأن ولد الظاهر هو ابن اخته فأجاب الى ذلك وسار إليهم في عساكره التي عنده وأرسل الى الباقين يطلبهم إليه وسره ذلك للمصلحة العامة لجميعهم وأحضر اليه العرب من طيء وغيرهم ونزل بظاهر حلب ولما اخذ كيكاوس تل باشر كان الأفضل يشير بمعالجة حلب قبل اجتماع العساكر بها وقبل أن يحتاطوا او يتجهزوا فعاد عن ذلك وصار يقول الرأي اننا نقصد منبج وغيرها لئلا يبقى لهم وراء ظهورنا شيء قصدا للتمادي ومرور الزمان في لا شيء فتوجهوا من تل باشر الى جهة منبج وتقدم الأشرف نحوهم وسارت العرب في مقدمته وكان طائفة من عسكر كيكاوس نحو الف فارس قد سبقت مقدمته له فالتقوا هم والعرب ومن معهم من العسكر الأشرفي فاقتتلوا فانهزم عسكر كيكاوس وعادوا إليه منهزمين واكثر العرب الأسر منهم والنهب لجودة خيلهم ودير خيل الروم فلما وصل إليه اصحابه منهزمين لم يثبت بل ولى على أعقابه يطوي المراحل الى بلاده خائفا يترقب فلما وصل الى اطرافها اقام وإنما فعل هذا لأنه صبي غر لا معرفة له بالحرب وإلا فالعساكر ما برحت تقع مقدماتها بعضها على بعض فسار حينئذ الأشرف فملك رعيان وحصر تل باشر وبها 393 جمع من عسكر كيكاوس فقاتلوه حتى غلبوا فأخذت القلعة منهم وأطلقهم الأشرف فلما وصلوا الى كيكاوس جعلهم في دار وأحرقها عليهم فهلكوا فعظم ذلك على الناس كافة واستقبحوه واستضعفوه لا جرم لم يمهله الله تعالى وعجل عقوبته للؤم قدرته وشدة عقوبته ولعدم الرحمة في قلبه ومات عقيب هذه الحادثة وسلم الأشرف تل باشر وغيرها من بلد حلب الى شهاب الدين أتابك صاحب حلب وكان عازما على اتباع كيكاوس ويدخل بلاده فأتاه الخبر بوفاة أبيه الملك العادل فاقتضت المصلحة العود الى حلب لأن الفرنج بديار مصر ومثل ذلك السلطان العظيم إذا توفي ربما جرى خلل في البلاد لا تعرف العاقبة فيه فعاد إليها وكفي كل منهما أذى صاحبه
ذكر وفاة الملك العادل وملك أولاده بعده
توفي الملك العادل أبو بكر بن أيوب سابع جمادي الآخرة من سنة خمس عشر وستمائة وقد ذكرنا ابتداء دولتهم عند ملك عمه اسد الدين شيركوه ديار مصر سنة أربع وستين وخمسمائة ولما ملك أخوه صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر بعد عمه وسار الى الشام استخلفه بمصر ثقة به واعتمادا عليه وعلما بما هو عليه من توفر العقل وحسن السيرة فلما توفي أخوه صلاح الدين ملك دمشق كما ذكرناه وبقي مالكا للبلاد الى الأن فلما ظهر الفرنج كما ذكرناه سنة أربع عشر وستمائة قصد هو مرج الصفر فلما سار الفرنج الى ديار مصر انتقل هو الى عالقين فأقام به ومرض وتوفي وحمل الى دمشق فدفن بالتربة التي له وكان عاقلا ذا رأي سديد ومكر شديد وخديعة صبورا حليما ذا أتاه يسمع ما يكره ويغض عليه حتى كأنه لم يسمعه كثير الحرج وقت الحاجة لا يقف في شيء وذا لم تكن حاجة فلا وكان عمره خمسا وسبعين سنة وشهورا لأن مولده كان في المحرم من سنة أربعين وخمسمائة وملك دمشق في شعبان سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة من الأفضل ابن أخيه وملك مصر في ربيع الآخر من سنة ست وتسعين منه ايضا ومن أعجب ما رأيت من منافاة الطوالع انه لم يملك الأفضل مملكة قط إلا وأخذها منه عمه العادل فأول ذلك أن صلاح الدين اعطى ابنه الأفضل حران والرها وميافارقين سنة ست وثمانين بعد فرده من حلب وأخذ هذه البلاد منه ثم ملك الأفضل بعد وفاة أبيه مدينة دمشق فأخذها منه ثم ملك مصر بعد وفاة أخيه الملك العزيز 394 فأخذها أيضا منه ثم ملك صرخد فأخذها منه وأعجب من هذا أنني رأيت بالبيت المقدس سارية من الرخام ملقاه في بيعة صهيون ليس يوجد مثلها فقال القس الذي بالبيعة هذه كان قد أخذها الملك الأفضل لينقلها الى دمشق ثم ان العادل أخذها بعد ذلك من الأفضل طلبها منه فأخذها وهذا غاية وهو من اعجب ما يحكي وكان العادل قد قسم البلاد في حياته بين أولاده فجعل بمصر الملك الكامل محمدا وبدمشق والقدس وكبرية والأردن والكرك وغيرها من الحصون المجاورة لها ابنه المعظم عيسى وجعل بعض ديار الجزيرة وميافارقين وخلاط وأعمالها لابنه الملك الأشرف موسى وأعطى الرها لولده شهاب الدين غازي وأعطى قلعة جعفر لولده الحافظ أرسلان شاه فلما توفي ثبت كل منهم في المملكة التي أعطاه إياها أبوه واتفقوا اتفاقا حسنا لم يجر بينهم من الاختلاف ما جرى العادة ان يجري بين أولاد الملوك بعد آبائهم بل كانوا كالنفس الواحدة كل منهم يثق الى الاخر بحيث يحضر عنده منفردا من عسكره ولا يخافه فلا جرم زاد ملكهم ورأوا من نفاذ الأمر والحكم ما لم يره ابوهم ولعمري أنهم نعم الملوك فيهم الحلم والجهاد والذب عن الاسلام وفي نوبة دمياط كفاية
وأما الملك الأشرف فليس للمال عنده محل بل يمطره مطرا كثيرا كعفته عن أموال الرعية دائم الإحسان لا يسمع سعاية ساع
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في ذي القعدة رحل الملك الكامل بن العادل عن أرض دمياط لأنه بلغه أن جماعة من الأمراء قد اجتمعوا على تمليك أخيه الفائز عوضه فخافهم ففارق منزلته فانتقل الفرنج إليها وحصروا حينئذ دمياط برا وبحرا وتمكنوا من ذلك وقد تقدم مستقصى سنة اربع عشرة وستمائة
وفيها في المحرم توفي شرف الدين محمد بن علوان بن مهاجر الفقيه الشافعي وكان مدرسا في عدة مدارس بالموصل وكان صالحا كثير الخير والدين سليم القلب رحمه الله
وفيها توفي عز الدين نجاح الشرابي خاص الخليفة واقرب الناس اليه وكان الحاكم في دولته كثير العدل والإحسان والمعروف والعصبية للناس وأما عقله وتدبيره 395 فإليه كانت النهاية وبه يضرب المثل
وفيها توفي علي بن نصر بن هارون أبو الحسن الحلي النحوي الملقب بالحجة قرأ على الخشاب وغيره 396
ثم دخلت سنة ست عشرة وستمائة
ذكر وفاة كيكاوس وملك كيقباذ أخيه
في هذه السنة توفي الملك الغالب عز الدين كيكاوس بن كيخسرو بن قلج أرسلان صاحب قونية واقصرا وملطية وما بينهما من بلاد الروم وكان قد جمع عساكره وحشد وسار إلى ملطية على قصد بلاد الملك الأشرف لقاعدة استقرت بينه وبين ناصر الدين صاحب آمد ومظفر الدين صاحب إربل وكانوا قد خطبوا له وضربوا اسمه على السكة في بلادهم واتفقوا على الملك الأشرف وبدر الدين بالموصل فسار كيكاوس إلى ملطية ليمنع الملك الأشرف عن المسير إلى الموصل نجدة لصاحبها بدر الدين لعل مظفر الدين يبلغ من الموصل غرضا وكان قد علق به السل فلما اشتد مرضه عاد عنها فتوفي وملك بعده أخوه كيقباذ وكان محبوسا قد حبسه أخوه كيكاوس لما أخذ البلاد وأشار عليه بعض أصحابه بقتله فلم يفعل فلما توفي لم يخلف ولدا يصلح للملك لصغرهم فأخرج الجند كيقباذ وملكوه ومن بغي عليه لينصرنه الله وقيل بل أرسل كيكاوس لما اشتد مرضه فأحضره عنده من السجن ووصى له بالملك وحلف الناس له فلما ملك خالفه عمه صاحب أرزن الروم وخاف أيضا من الروم المجاورين لبلاده فأرسل إلى الملك الأشرف وصالحه وتعاهدا على المصافاة والتعاضد وتصاهرا وكفى الأشرف شر تلك الجهة وتفرغ [ اله لإصلاح ما بين يديه ولقد صدق القائل وجدك طعان بغير سنان وهذا ثمرة حسن النية فإنه حسن النية لرعيته وأصحابه كافا عن أذى يتطرق إليهم منه غير قاصد إلى البلاد المجاورة لبلاده بأذى وملك مع ضعف أصحابها وقوته لا جرم تأتيه البلاد صفوا عفوا 397
ذكر موت صاحب سنجار وملك ابنه ثم قتل ابنه وملك أخيه
وفي هذه السنة ثامن صفر توفي قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود بن زنكي صاحب سنجار وكان كريما حسن السيرة في رعيته حسن المعاملة مع التجار كثير الإحسان إليهم وأما أصحابه فكانوا معه في أرغدعيش يعمهم بإحسانه ولا يخافون أذاه وكان عاجزا عن حفظ بلده مسلما الأمور إلى نوابه ولما توفي ملك بعده ابنه عماد الدين شاهانشاه وركب الناس معه وبقي مالكا لسنجار عدة شهور وسار إلى تل أعفر وهي له فدخل عليه أخوه عمر بن محمد بن زنكي ومعه جماعة فقتلوه وملك أخوه عمر بعده فبقي كذلك إلى أن سلم سنجار إلى الملك الأشرف على ما نذكره إن شاء الله تعالى ولم يمتع بملكه الذي قطع رحمه وأرق الدم الحرام لأجله ولما سلم سنجار أخذ عوضها الرقة ثم أخذت منه عن قريب وتوفي بعد أخذها منه بقليل وعدم روحه وشبابه وهذه عاقبة قطيعة الرحم فإن صلتها تزيد في العمر وقطيعتها تهدم العمر
ذكر إجلاء بني معروف عن البطائح وقتلهم
في هذه السنة في ذي القعدة أمر الخليفة الناصر لدين الله الشريف معدا متولي بلاد واسط أن يسير إلى قتال بني معروف فتجهز وجمع معه من الرحالة من تكريت وهيت والحديثة والأنبار والحلة والكوفة وواسط والبصرة وغيرها خلقا كثيرا وسار إليهم ومقدمهم حينئذ معلى بن معروف وهم قوم من ربيعه وكانت بيوتهم غربي الفرات تحت سوراء وما يتصل بذلك من البطائح وكثر فسادهم وأذاهم لما يقاربهم من القرى وقطعوا الطريق وأفسدوا في النواحي المقاربة لبطيحة الغراف فشكا أهل تلك البلاد الديوان منهم فأمر معدا أن يسير إليهم في الجموع فسار إليهم فاستعد بنو معروف لقتاله فاقتتلوا بموضع يعرف بالمقبر وهو تل كبير بالبطيحة بقرب الغراف وكثر القتل بينهم ثم انهزم بنو معروف وكثر القتل فيهم والأسر والغرق وأخذت أموالهم وحملت رؤوس كثيرة من القتلى إلى بغداد في ذي الحجة من السنة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في المحرم انهزم عماد الدين زنكي من عسكر بدر الدين 398
وفيها في العشرين من رجب انهزم بدر الدين من مظفر الدين صاحب إربل وعاد مظفر الدين إلى بلده وقد تقدم ذلك مستوفى في سنة خمس عشرة وستمائة
وفيها في السابع والعشرين من شعبان ملك الفرنج مدينة دمياط وقد ذكر سنة أربع عشرة مشروحا
وفيها توفي افتخار الدين عبد المطلب بن الفضل الهاشمي العباسي الفقيه الحنفي رئيس الحنفية بحلب روى الحديث عن عمر البسطامي نزيل بلخ وعن أبي سعد السمعاني وغيرهما
وفيها توفي أبو البقاء عبد الله بن الحسن بن عبد الله العكبري الضرير النحوي
وفيها توفي أبو الحسن علي بن أبي محمد القاسم بن علي بن الحسن بن عبد الله الدمشقي الحافظ بن الحافظ المعروف بابن عساكر وكان قد قصد خراسان وسمع بها الحديث فأكثر وعاد إلى بغداد فوقع على القفل حرامية فجرح وبقي ببغداد وتوفي في جمادى الأولى رحمه الله 399
ثم دخلت سنة سبع عشرة وستمائة
ذكر خروج التتر إلى بلاد الإسلام
لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك فياليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا فنقول هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التي عقت الأيام والليالي عن مثلها عمت الخلائق وخصت المسلمين فلو قال قائل إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها
ومن أعظم ما يذكرون من الحوادث ما فعله بختنصر ببني إسرائيل من القتل وتخريب البيت المقدس وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من البلاد التي كل مدينة منها أضعاف البيت المقدس
وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى من قتلوا فإن أهل مدينة واحدة ممن قتلوا أكثر من بني إسرائيل ولعل الخلق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم وتفنى الدنيا إلا يخوخ ومأجوج وأما الدجال فإنه يبقي على من اتبعه ويهلك من خالفه وهؤلاء لم يبقوا على أحد بل قتلوا النساء والرجال والأطفال وشقوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنة فإنا لله ولإنا اليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم لهذه الحادثة التي استطار شررها وعم ضررها وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح فإن قوما خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاساغون ثم منها إلى بلاد ما وراء النهر مثل سمرقند وبخاري وغيرهما فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره ثم تعبر طائفة 400 منهم إلى خراسان فيفرغون منها ملكا وتخريبا وقتلا ونهبا ثم يتجاوزونها إلى الري وهمذان وبلد الجبل وما فيه من البلاد إلى حد العراق ثم بلاد أذربيجان وأرانية ويخربونها ويقتلون أكثر أهلها ولم ينج إلا الشريد النادر في أقل من سنة هذا ما لم يسمع بمثله ثم لما فرغوا من أذربيجان وأرانية ساروا إلى دربندشروان فملكوا مدنه ولم يسلم غير القلعة التي بها ملكهم
وعبروا عندها إلى بلد اللان واللكز ومن في ذلك الصقع من الأمم المختلفة فأوسعوهم قتلا ونهبا وتخريبا ثم قصدوا بلاد قفجاق وهم من أكثر الترك عددا فقتلوا كل من وقف لهم فهرب الباقون إلى الغياض ورؤوس الجبال وفارقوا بلادهم واستولى هؤلاء التتر عليها فعلوا هذا في أسرع زمان لم يلبثوا إلا بمقدار مسيرهم لا غير ومضى طائفة أخرى غير هذه الطائفة إلى غزنة وأعمالها وما يجاورها من بلاد الهند وسجستان وكرمان ففعلوا فيها مثل فعل هؤلاء وأشد هذا ما لم يطرق الأسماع مثله فإن الإسكندر الذي اتفق المؤرخون على أنه ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة إنما ملكها في نحو عشر سنين ولم يقتل أحدا إنما رضي من الناس بالطاعة وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأكثره عمارة وأهلا وأعدل أهل الأرض أخلاقا وسيرة في نحو سنة ولم يبت أحد من البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يتوقعهم ويترقب وصولهم إليه ثم إنهم لا يحتاجون إلى ميرة ومدد يأتيهم فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل وغير ذلك من الدواب يأكلون لحومها لا غير وأما دوابهم التي يركبونها فإنها تحفر الأرض بحوافرها وتأكل عروق النبات لا تعرف الشعير فهم إذا نزلوا منزلا لا يحتاجون إلى شيء من خارج وأما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها ولا يحرمون شيئا فإنهم يأكلون جميع الدواب حتى الكلاب والخنازير وغيرها ولا يعرفون نكاحا بل المرأة يأتيها غير واحد من الرجال فإذا جاء الولد لا يعرف أباه ولقد بلي الإسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الأمم منها هؤلاء التتر قبحهم الله أقبلوا من المشرق ففعلوا الأفعال التي يستعظمها كل من سمع بها وستراها مشروحة متصلة إن شاء الله تعالى
ومنها خروج الفرنج لعنهم الله من المغرب إلى الشام وقصدهم ديار مصر وملكهم ثغر دمياط منها وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف 401 الله تعالى ونصره عليهم وقد ذكرناه سنة أربع عشرة وستمائة
ومنها أن الذي سلم من هاتين الطائفتين فالسيف بينهم مسلول والفتنة قائمة على ساق وقد ذكرناه أيضا فإنا لله وإنا إليه راجعون نسأل الله أن ييسر للإسلام والمسلمين نصرا من عنده فإن الناصر والمعين والذاب عن الإسلام معدوم (
وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال ) فإن هؤلاء التتر إنما استقام لهم هذا الأمر لعدم المانع وسبب عدمه أن خوارزمشاه محمدا كان قد استولى على البلاد وقتل ملوكها وأفناهم وبقي هو وحده سلطان البلاد جميعها فلما انهزم منهم لم يبق في البلاد من يمنعهم ولا من يحميها ( ذكر خروج التتر إلى تركستان وما وراء النهر وما فعلوه>
ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) وهذا حين نذكر ابتداء خروجهم إلى البلاد
ذكر خروج التتر إلى تركستان وما وراء النهر وما فعلوه
في هذه السنة ظهر التتر إلى بلاد الإسلام وهم نوع كثير من الترك ومساكنهم جبال طمغاج من نحو الصين وبينها وبين بلاد الإسلام ما يزيد على ستة أشهر وكان السبب في ظهورهم أن ملكهم ويسمى بجنكزخان المعروف بتموجين كان قد فارق بلاده وسار إلى نواحي تركستان وسير جماعة من التجار والأتراك ومعهم شيء كثير من النقرة والقندر وغيرهما إلى بلاد ما وراء النهر سمرقند وبخارا ليشتروا له ثيابا للكسوة فوصلوا إلى مدينة من بلاد الترك تسمى أوترار وهي آخر ولاية خوارزمشاه وكان له نائب هناك فلما وردت عليه هذه الطائفة من التتر أرسل إلى خوارزمشاه يعلمه بوسولهم ويذكر له ما معهم من الأموال فبعث إليه خوارزمشاه يأمر بقتلهم وأخذ ما معهم من الأموال وإنفاذه إليه فقتلهم وسير ما معهم وكان شيئا كثيرا فلما وصل إلى خوارزمشاه فرقه على تجار بخارا وسمرقند وأخذ ثمنه منهم وكان بعد أن ملك ما وراء النهر من الخطا قد سد الطرق عن بلاد تركستان وما بعدها من البلاد وأن طائفة من التتر أيضا كانوا قد خرجوا قديما والبلاد للخطا فلما ملك خوارزمشاه البلاد بما وراء النهر من الخطا وقتلهم واستولى هؤلاء التتر على تركستان كاشغار وبلاساغون وغيرها وصاروا يحاربون عساكر خوارزمشاه فلذلك منع الميرة عنهم من الكسوات 402 وغيرها وقيل في سبب خروجهم إلى بلاد الإسلام غير ذلك مما لا يذكر في بطون الدفاتر
( فكان ما كان مما لست أذكره
فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر )
فلما قتل نائب خوارزمشاه أصحاب جنكزخان أرسل جواسيس إلى جنكزخان لينظر ما هو وكم مقدار ما معه من اليزك وما يريد أن يعمل فمضى الجواسيس وسلكوا المفازة والجبال التي على طريقهم حتى وصلوا إليه فعادوا بعد مدة طويلة وأخبروه بكثرة عددهم وأنهم يخرجون عن الإحصاء وأنهم من أصبر خلق الله على القتال لا يعرفون هزيمة وأنهم يعملون ما يحتاجون إليه من السلاح بأيديهم فندم خوارزمشاه على قتل أصحابهم وأخذ أموالهم وحصل عنده فكر زائد فأحضر الشهاب الحيوفي وهو فقيه فاضل كبير المحل عنده لا يخالف ما يشير به فحضر عنده فقال له قد حدث أمر عظيم لا بد من الفكر فيه فأخذ رأيك في الذي نفعله وذاك أنه قد تحرك إلينا خصم من ناحية الترك في كثرة لا تحصى فقال له عساكرك كثيرة ونكاتب الأطراف ونجمع العساكر ويكون النفير عاما فإنه يجب على المسلمين كافة مساعدتك بالمال والنفس ثم نذهب بجميع العساكر إلى جانب سيحون وهو نهر كبير يفصل بين بلاد الترك وبلاد الاسلام فتكون هناك فإذا جاء العدو وقد سار مسافة بعيدة لقيناه ونحن مستريحون وهو وعساكره قد مسهم النصب والتعب فجمع خوارزمشاه أمراءه ومن عنده من أرباب المشورة فاستشارهم فلم يوافقوه على رأيه بل قالوا نتركهم يعبرون سيحون الينا ويسلكون هذه الجبال والمضايق فإنهم جاهلون بطرقهم ونحن عارفون بها فنقوى حينئذ عليهم ونهلكهم فلا ينجو منهم أحد فبينما الأتراك كذلك إذ ورد رسول من هذا اللعين جنكزخان معه جماعة يتهدد خوارزمشاه ويقول تقتلون أصحابي وتأخذون أموالهم استعدوا للحرب فإني واصل إليكم بجمع لا قبل لكم به
وكان جنكز خان قد سار إلى تركستان فملك كاشغار وبلاساغون وجميع البلاد وأزال عنها التتر الأولى فلم يظهر لهم خبر ولا بقي لهم أثر بل بادوا كما أصاب الخطا وأرسل الرسالة المذكورة إلى خوارزمشاه فلما سمعها خوارزمشاه أمر بقتل رسوله فقتل وأمر بحلق لحى الجماعة الذين كانوا معه وأعادهم إلى صاحبهم جنكز 403 خان يخبرونه بما فعل بالرسول ويقولون له إن خوارزمشاه يقول لك أنا سائر إليك ولو أنك في آخر الدنيا حتى أنتقم وأفعل بك كما فعلت بأصحابك وتجهز خوارزمشاه وسار بعد الرسول مبادرا ليسبق خبره ويكبسهم فأدمن السير فمضى وقطع مسيرة أربعة أشهر فوصل إلى بيوتهم فلم ير فيها إلا النساء والصبيان والأطفال فأوقع بهم وغنم الجميع وسبى النساء والذرية وكان سبب غيبة الكفار عن بيوتهم أنهم ساروا إلى محاربة ملك من ملوك الترك يقال له كشلوخان فقاتلوه وهزموه وغنموا أمواله وعادوا فلقيهم في الطريق الخبر بما فعل خوارزمشاه بمخلفيهم فجدوا السير فأدركوه قبل أن يخرج عن بيوتهم وتصافوا للحرب واقتتلوا قتالا لم يسمع بمثله فبقوا في الحرب ثلاثة أيام بلياليها فقتل من الطائفتين ما لا يعد ولم ينهزم أحد منهم
أما المسلمون فإنهم صبروا حمية للدين وعلموا أنهم إن انهزموا لم يبق للمسلمين باقية وأنهم يؤخذون لبعدهم عن بلادهم وأما الكفار فصبروا لاستنقاذ أهليهم وأموالهم واشتد بهم الأمر حتى إن أحدهم كان ينزل عن فرسه ويقاتل قرنه راجلا ويتضاربون بالسكاكين وجرى الدم على الأرض حتى صارت الخيل تزلق من كثرته واستنقد الطائفتان وسعهم في الصبر والقتال هذا القتال جميعه مع ابن جنكيز خان ولم يحضر أبوه الوقعة ولم يشعر بها فأحصي من قتل من المسلمين في هذه الوقعة فكانوا عشرين ألفا وأما من الكفار فلا يحصى من قتل منهم فلما كان الليلة الرابعة افترقوا فنزل بعضهم مقابل بعض فلما أظلم الليل أوقد الكفار نيرتهم وتركوها بحالها وساروا وكذلك فعل المسلمون أيضا كل منهم سئم القتال فأما الكفار فعادوا إلى ملكهم جنكزخان وأما المسلمون فرجعوا إلى بخاري فاستعد للحصار لعلمه بعجزه لأن طائفة من عسكره لم يقدر خوارزمشاه على أن يظفر بهم فكيف إذا جاؤا جميعهم مع ملكهم فأمر أهل بخارى وسمرقند بالاستعداد للحصار وجمع الذخائر للامتناع وجعل في بخاري عشرين ألف فارس من العسكر يحملونها وفي سمرقند خمسين ألفا وقال لهم احفظوا البلد حتى أعود إلى خوارزم وخراسان وأجمع العساكر واستنجد بالمسلمين وأعود إليكم فلما فرغ من ذلك رحل عائدا إلى خراسان فعبر جيحون ونزل بالقرب من بلخ فعسكر هناك وأما الكفار فإنهم رحلوا بعد أن استعدوا يطلبون ما وراء النهر فوصلوا إلى بخارى بعد خمسة أشهر من وصول 404 خوارزمشاه وحصروها وقاتلوها ثلاثة أيام قتالا شديدا متتابعا فلم يكن للعسكر الخوارزمي بهم قوة ففارقوا البلد عائدين إلى خراسان فلما أصبح أهل البلد وليس عندهم من العسكر أحد ضعفت نفوسهم فأرسلوا القاضي وهو بدر الدين قاضيخان ليطلب الأمان للناس فأعطوهم الأمان وكان قد بقي من العسكر طائفة لم يمكنهم الهرب مع أصحابهم فاعتصموا بالقلعة فلما أجابهم جنكزخان إلى الأمان فتحت أبواب المدينة يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة من سنة ست عشرة وستمائة فدخل الكفار بخارى ولم يتعرضوا إلى أحد بل قالوا لهم كل ما هو للسلطان عندكم من ذخيرة وغيره أخرجوه إلينا وساعدونا على قتال من بالقلعة وأظهروا عندهم العدل وحسن السيرة ودخل جنكزخان بنفسه وأحاط بالقلعة ونادى في البلد بأن لا يتخلف أحد ومن تخلف قتل فحضروا جميعهم فأمرهم بطم الخندق فطموه بالأخشاب والتراب وغير ذلك حتى إن الكفار كانوا يأخذون المنابر وربعات القرآن فيقلونها في الخندق فإنا لله وإنا إليه راجعون وبحق سمى الله نفسه صبورا حليما وإلا خسف بهم الأرض عند فعل مثل هذا
ثم تابعوا الزحف إلى القلعة وبها نحو أربعمائة فارس من المسلمين فبذلوا جهدهم ومنعوا القلعة اثني عشر يوما يقاتلون جمع الكفار وأهل البلد فقتل بعضهم ولم يزالوا كذلك حتى زحفوا إليهم ووصل النقابون إلى سور القلعة فنقبوه واشتد حينئذ القتال ومن بها من المسلمين يرمون بكل ما يجدون من حجارة ونار وسهام فغضب اللعين ورد أصحابه ذلك اليوم وباكرهم من الغد فجدوا في القتال وقد تعب من بالقلعة ونصبوا وجاءهم مالا قبل لهم به فقهرهم الكفار ودخلوا القلعة وقاتلهم المسلمون الذين فيها حتى قتلوا عن آخرهم فلما فرغ من القلعة أمر أن يكتب له رؤوس البلد ورؤساؤهم ففعلوا ذلك فلما عرضوا عليه أمر بإحضارهم فحضروا فقال أريد منكم النقرة التي باعكم خوارزمشاه فإنها لي ومن أصحابي أخذت وهي عندكم فأحضر كل من كان عنده شيء منها بين يديه ثم أمرهم بالخروج من البلد فخرجوا من البلد مجردين من أموالهم ليس مع أحد منهم غير ثيابه التي عليه ودخل الكفار البلد فنهبوه وقتلوا من وجدوا فيه وأحاط بالمسلمين فأمر أصحابه أن يقتسموهم فاقتسموهم وكان يوما عظيما من كثرة البكاء من الرجال والنساء والولدان 405 وتفرقوا أيدي سبا وتمزقوا كل ممزق واقتسموا النساء أيضا وأصبحت بخارى خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس وارتكبوا من النساء العظيم والناس ينظرون ويبكون ولا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شيئا مما نزل بهم فمنعهم من لم يرض بذلك واختار الموت على ذلك فقاتل حتى قتل
وممن فعل ذلك واختار أن يقتل ولا يرى ما نزل بالمسلمين الفقيه الإمام ركن الدين إمام زاده وولده فإنهما لما رأيا ما يفعل بالحرم قاتلا حتى قتلا وكذلك فعل القاضي صدر الدين خان ومن استسلم أخذ أسيرا وألقوا النار في البلد والمدارس والمساجد وعذبوا الناس بأنواع العذاب من طلب المال ثم رحلوا نحو سمرقند وقد تحققوا عجز خوارزمشاه عنهم وهم بمكانه بين ترمذ وبلخ واستصحبوا معهم من سلم من أهل بخارى أسارى فساروا بهم مشاة على أقبح صورة فكل من أعيا وعجز عن المشي قتل فلما قاربوا سمرقند قدموا الخيالة وتركوا الرجالة والأسارى والأثقال وراءهم حتى تقدموا شيئا فشيئا ليكون أرعب لقلوب المسلمين فلما رأى أهل البلد سوادهم استعظموه فلما كان اليوم الثاني وصل الأسارى والرجالة والأثقال ومع كل عشرة من الأسارى علم فظن أهل البلد أن الجميع عساكر مقاتلة وأحاطوا بالبلد وفيه خمسون ألف مقاتل من الخوارزمية وأما عامة البلد فلا يحصون كثرة فخرج إليهم شجعان أهله وأهل الجلد والقوة رجالة ولم يخرج معهم من العسكر الخوارزمي أحد لما في قلوبهم من خوف هؤلاء الملاعين فقاتلهم الرجالة بظاهر البلد فلم يزل التتر يتأخرون وأهل البلد يتبعوهم ويطمعون فيهم وكان الكفار قد كمنوا لهم كمينا فلما جاوزوا الكمين خرجوا عليهم وحالوا بينهم وبين البلد ورجع الباقون الذين أنشبوا القتال أولا فبقوا في الوسط وأخذهم السيف من كل جانب فلم يسلم منهم أحد قتلوا عن آخرهم شهداء رضي الله عنهم وكانوا سبعين ألفا على ما قيل فلما رأى الباقون من الجند والعامة ذلك ضعفت نفوسهم وأيقنوا بالهلاك فقال الجند وكانوا أتراكا نحن من جنس هؤلاء ولا ويقتلوننا فطلبوا الأمان فأجابوهم إلى ذلك ففتحوا أبواب البلد ولم يقدر العامة على منعهم وخرجوا إلى الكفار بأهليهم وأموالهم فقال لهم الكفار ادفعوا إلينا سلاحكم وأموالكم ودوابكم ونحن نسيركم إلى مأمنكم ففعلوا ذلك فلما أخذوا أسلحتهم ودوابهم وضعوا السيف فيهم وقتلوهم عن آخرهم وأخذوا أموالهم ودوابهم 406 ونساءهم فلما كان اليوم الرابع نادوا في البلد أن يخرج أهله جميعهم ومن تأخر قتلوه فخرج جميع الرجال والنساء والصبيان ففعلوا مع أهل بخارى من النهب والقتل والسبي والفساد ودخلوا البلد فنهبوا ما فيه وأحرقوا الجامع وتركوا باقي البلد على حاله وافتضوا الأبكار وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال وقتلوا من لم يصلح للسبي وكان ذلك في المحرم سنة سبع عشرة وستمائة وكان خوارزمشاه بمنزلته كلما اجتمع إليه عسكر سيره إلى سمرقند فيرجعون ولا يقدمون على الوصول إليها نعوذ بالله من الخذلان سير مرة عشرة آلاف فارس فعادوا وسير عشرين ألفا فعادوا أيضا
ذكر مسير التتر إلى خوارزمشاه وانهزامه وموته
لما ملك الكفار سمرقند عمد جنكزخان لعنه الله وسير عشرين ألف فارس وقال لهم اطلبوا خوارزمشاه أين كان ولو تعلق بالسماء حتى تدركوه وتأخذوه وهذه الطائفة تسميها التتر المغربة لأنها سارت نحو غرب خراسان ليقع جنكزخان بالمسير ساروا وقصدوا موضعا يسمى فنجاب ومعناه خمس مياه فوصلوا إليه فلم يجدوا هناك سفينة فعملوا من الخشب مثل الأحواض الكبار وألبسوها جلود البقر لئلا يدخلها الماء ووضعوا فيها سلاحهم وأمتعتهم وألقوا الخيل في الماء وأمسكوا أذنابها وتلك الحياض التي من الخشب مشدودة إليهم فكان الفرس يجذب الرجل والرجل يخذب الحوض المملوء من السلاح وغيره فعبروا كلهم دغعة واحدة فلم يشعر خوارزمشاه إلا وقد صاروا معه على أرض واحدة وكان المسلمون قد ملئوا منهم رعبا وخوفا وقد اختلفوا فيما بينهم أنهم كانوا يتماسكون بسبب ان نهر جيحون بينهم فلما عبروه إليهم لم يقدروا على الثبات ولا على المسير مجتمعين بل تفرقوا أيدي سبا وطلب كل طائفة منهم جهة ورحل خوارزمشاه لا يلوي على شيء في نفر من خاصته وقصدوا نيسابور فلما دخلها اجتمع عليه بعض العسكر فلم يستقر حتى وصل أولئك التتر إليها وكانوا لم يتعرضوا في مسيرهم لشيء لا بنهب ولا قتل بل يجدون السير في طلبه لا يمهلون حتى يجمع لهم فلما سمع بقربهم منه رحل إلى مازندران وهي له أيضا فرحل التتر المغربون في أثره ولم يعرجوا على نيسابور بل تبعوه فكان رحل عن 407 منزلة نزلوها فوصل إلى مرسى من بحر طبرستان تعرف باب سكون وله هناك قلعة في البحر فلما نزل هو وأصحابه في السفن وصلت التتر فلما رأوا خوارزمشاه وقد دخل البحر وقفوا على ساحل البحر فلما أيسوا من لحاق خوارزمشاه رجعوا فهم الذين قصدوا الري وما بعدها على ما نذكره إن شاء الله هكذا لي بعض الفقهاء ممن كان ببخارى وأسروه معهم إلى سمرقند ثم نجا منهم ووصل إلينا وذكر غيره من التجار أن خوارزم شاه سار من مازندران حتى وصل إلى الري ثم منها إلى همذان والتتر أثره ففارق همذان في نفر يسير جريدة ليستر نفسه ويكتم خبره وعاد إلى مازندران وركب في البحر إلى هذه القلعة وكان هذا هو الصحيح فإن الفقيه كان حينئذ مأسورا وهؤلاء التجار أخبروا أنهم كانوا بهمذان ووصل خوارزمشاه ثم وصل بعده من أخبره بوصول التتر ففارق همذان وكذلك أيضا هؤلاء التجار فارقوها ووصل التتر إليها بعدهم ببعض نهارفهم يخبرون عن مشاهدة ولما وصل خوارزمشاه إلى هذه القلعة المذكورة توفي فيها
ذكر صفة خوارزمشاه وشيء من سيرته
هو علاء الدين محمد بن علاء الدين تكش وكان مدة ملكه أحدى وعشرين سنة وشهورا تقريبا واتسع ملكه وعظم محله وأطاعه العالم بأسره ولم يملك بعد السلجوقية أحد مثل ملكه فإنه ملك من حد العراق إلى تركستان وملك بلاد غزنة وبعض الهند وملك سجستان وكرمان وطبرستان وجرجان وبلاد الجبال وخراسان وبعض فارس وفعل بالخطا الأفاعيل العظيمة وملك بلادهم وكان فاضلا عالما بالفقه والأصول وغيرهما وكان مكرما للعلماء محبا لهم محسنا إليهم يكثر مجالستهم ومناظراتهم بين يديه وكان صبورا على التعب وإدمان السير غير متنعم ولا مقبل على اللذات إنما همه في الملك وتدبيره وحفظه وحفظ رعاياه وكان معظما لأهل الدين مقبلا عليهم متبركا بهم
حكى لي بعض خدم حجرة النبي وقد عاد من خراسان قال وصلت الى خوارزم فنزلت ودخلت الحمام ثم قصدت باب السلطان علاء الدين فحين حضرت لقيني إنسان فقال ما حاجتك فقلت له أنا من خدم حجرة النبي فأمرني 408 بالجلوس وانصرف عني ثم عاد إلي واخذني الى دار السلطان فتسلمني منه حاجب من حجاب السلطان وقال لي قد اعلمت السلطان خبرك فأمر بإحضارك عنده فدخلت اليه وهو جالس في صدر إيوان كبير فحين توسطت صحن الدار قام قائما ومشى إلي بين يدي فأسرعت السير فلقيته في وسط الايوان فأردت ان اقبل يده فمنعني واعتنقني وجلس وأجلسني إلى جانبه وقال لي أنت تخدم حجرة النبي فقلت نعم فأخذ يدي وأمرها على وجهه وسألني عن حالنا وعيشنا وصفة المدينة ومقدارها وأطال الحديث معي فلما خرجت من عنده قال لولا أننا على عزم السفر هذه الساعة لما ودعتك إنما نريد أن نعبر جيحون إلى الخطا وهذا طريق مبارك حيث رأينا من خدم حجرة النبي ثم ودعني وأرسل إلي جملة كثيرة من النفقة ومضى وكان منه ومن الخطا ما ذكرناه وبالجملة فاجتمع فيه ما تفرق في غيره من ملوك العالم رحمه الله ولو اردنا ذكر مناقبه لطال
ذكر استيلاء التتر المغربة على مازندران
لما أيس التتر المغربة من إدراك خوارزمشاه عادوا فقصدوا بلاد مازندران فملكوها في أسرع وقت مع حصانتها وصعوبة الدخول اليها وامتناع قلاعها فإنها لم تزل ممتنعة قديم الزمان وحديثه حتى إن المسلمين لما ملكوا بلاد الاكاسرة جميعها من العراق إلى أقاصي خراسان بقيت اعمال مازندران يؤخذ منهم الخراج ولا يقدرون على دخول البلاد الى ان ملكت أيام سليمان بن عبد الملك سنة تسعين وهؤلاء الملاعين ملكوها صفوا عفوا لأمر يريده الله تعالى ولما ملكوا بلد مازندران قتلوا وسبوا ونهبوا وأحرقوا البلاد ولما فرغوا من مازندران سلكوا نحو الري فرأوا في الطريق والدة خوارزمشاه ونساءه وأموالهم وذخائرهم التي لن يسمع بمثلها من الاعلاق النفيسة وكان سبب ذلك أن والدة خوارزمشاه لما سمعت بما جرى على ولدها خافت ففارقت خوارزم وقصدت نحو الري لتصل الى أصفهان وهمذان وبلد الجبل تمتنع فيها فصادفوها في الطريق وما معها قبل وصولها الى الري فكان فيه ما ملأ عيونهم وقلوبهم وما لم يشاهد الناس مثله من كل غريب من المتاع ونفيس من الجواهر وغير ذلك وسيروا الجميع الى جنكزخان بسمرقند 409
ذكر وصول التتر الى الري وهمذان
في سنة سبع عشرة وستمائة وصل التتر لعنهم الله الى الري في طلب خوارزمشاه محمد لأنهم بلغهم أنه مضى منهزما منهم نحو الري فجدوا السير في أثره وقد انضاف إليهم كثير من عساكر المسلمين والكفار وكذلك ايضا من المفسدين من يريد النهب والشر فوصلوا الى الري على حين غفلة من اهلها فلم يشعروا إلا وقد وصلوا اليها وملكوها ونهبوها وسبوا الحريم واسترقوا الأطفال وفعلوا الأفعال التي لم يسمع بمثلها ولم يقيموا ومضوا مسرعين في طلب خوارزمشاه فنهبوا في طريقهم كل مدينة وقرية مروا عليها وفعلوا في الجميع اضعاف ما فعلوا في الري وأحرقوا وخربوا ووضعوا السيف في الرجال والنساء والأطفال فلم يبقوا على شيء وتموا على حالهم الى همذان وكان خوارزمشاه قد وصل اليها في نفر من اصحابه ففارقها وكان آخر العهد به فلا يدرى ما كان منه فيما حكاه بعضهم عنه وقيل غير ذلك وقد ذكرناه فلما قاربوا همذان خرج وئيسها ومعه الحمل من الأموال والثياب والدواب وغير ذلك يطلب الأمان لأهل البلد فأمنوهم ثم فارقوها وساروا الى زنجان ففعلوا أضعاف ذلك ثم وصلوا الى قزوين فاعتصم أهلها منهم بمدينتهم فقاتلوهم وجدوا في قتالهم ودخلوها عنوة بالسيف فاقتتلوا هم وأهل البلد في باطنه حتى صاروا يقتتلون بالسكاكين فقتل من الفريقين ما لا يحصى ثم فارقوا قزوين فعد القتلى من أهل قزوين فزادوا على أربعين الف قتيل
ذكر وصول التتر إلى أذربيجان
لما هجم الشتاء على التتر في همذان وبلد الجبل رأوا بردا شديدا وثلجا متراكما فساروا إل أذربيجان ففعلوا في طريفهم بالقرى والمدن الصغار من القتل والنهب مثل ما تقدم منهم وخربوا وأحرقوا ووصلوا الى تبريز وبها صاحب أذربيجان اوزبك بن البهلوان فلم يخرج إليهم ولا حدث نفسه بقتالهم لاشغاله بما هو بصدده من إدمان الشرب ليلا ونهارا لا يفيق وإنما أرسل إليهم وصالحهم على مال وثياب ودواب وحمل الجميع إليهم فساروا من عنده يريدون ساحل البحر لأنه يكون قليل البرد ليشتوا عليه والمراعي به كثيرة لأجل جوابهم فوصلوا الى موفان وتطرفوا في طريقهم الى بلاد 410 الكرج فجاء اليهم من الكرج جمع كثير من العسكر نحو عشرة آلاف مقاتل فقاتلوهم فانهزمت الكرج وقتل أكثرهم وأرسل الكرج الى اوزبك صاحب أذربيجان يطلبون منه الصلح والاتفاق معهم على دفع التتر فاصطلحوا ليجتمعوا اذا انحسر الشتاء وكذلك ارسلوا الى الملك الأشرف بن الملك العادل صاحب خلاط وبديار الجزيرة يطلبون منه الموافقة عليهم وظنوا جميعهم ان التتر يصبرون في الشتاء الى الربيع فلم يفعلوا كذلك بل تحركوا وساروا نحو بلاد الكرج
وانضاف اليهم مملوك تركي من مماليك اوزبك اسمه أقوش وجمع أهل تلك الجبال والصحراء من التركمان والأكراد وغيرهم فاجتمع معهم خلق كثير وراسل التتر في الانضمام اليهم فأجابوه الى ذلك ومالوا اليه للجنسية فاجتمعوا وساروا في مقدمة التتر الى الكرج فملكوا حصنا من حصونهم وخربوه ونهبوا البلاد وخربوها وقتلوا أهلها ونهبوا أموالهم حتى وصلوا إلى قريب تفليس فاجتمعت الكرج وخرجت بحدها وحديدها إليهم فلقيهم أقوش أولا فيمن اجتمع إليه فاقتتلوا قتالا شديدا صبروا فيه كلهم فقتل من اصحاب اقوش خلق كثير وأدركهم التتر وقد تعب الكرج من القتال فقتل منهم أيضا كثير فلم يثبتوا للتتر وتهزموا أقبح هزيمة وركبهم السيف من كل جانب فقتل منهم ما لا يحصى كثرة وكانت الوقعة في ذي القعدة من هذه السنة ونهبوا من البلاد ما كان سلم منهم ولقد جرى لهؤلاء التتر ما لم يسمع بمثله من قديم الزمان وحديثه طائفة تخرج من حدود الصين لا تنقضي عليهم سنة حتى يصل بعضهم الى بلاد ارمينية من هذه الناحية ويجاوزون العراق من ناحية همذان وتالله لا اشك ان من يجيء بعدنا اذا بعد العهد ويرى هذه الحادثة مسطورة ينكرها ويستبعدها والحق بيده فمتى استبعد ذلك فلينظر أنا سطرنا نحن وكل من جمع التاريخ في ازماننا هذه في وقت كل من فيه يعلم هذه الحادثة استوى في معرفتها العالم والجاهل لشهرتها يسر الله للمسلمين والاسلام من يحفظهم ويحوطهم فلقد دفعوا من العدو الى عظيم ومن الملكوك المسلمين الى من لا تتعدى همته بطنه وفرجه ولم ينل المسلمين اذى وشدة مذ جاء النبي الى هذا الوقت مثل ما دفعوا إليه الآن هذا العدو الكافر التتر قد وطؤوا بلاد ما وراء النهر وملكوها وخربوها وناهيك به سبعة بلاد وتعدت طائفة منهم النهر الى خراسان فملكوها وفعلوا مثل ذلك ثم الى الري وبلد الجبل 411 وأذربيجان وقد اتصلوا بالكرج فغلبوهم على بلادهم والعدو الآخر الفرنج قد ظهر من بلادهم في لقصى بلاد الروم بين الغرب والشمال ووصلوا الى مصر فملكوا مثل دمياط وأقاموا فيها ولم يقدر المسلمون على ازعاجهم عنها ولا إخراجهم منها وباقي ديار مصر على خطر فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
ومن اعظم الامور على المسلمين ان سلطانهم خوارزمشاه محمدا قد عدم لا يعرف حقيقة خبره فتارة يقال مات عن همذان وأخفي موته وتارى دخل اطراف بلاد فارس ومات هناك وأخفى موته لئلا يقصدها التتر في اثره وتارة يقال عاد الى طبرستان وركب البحر فتوفي في جزيرة هناك وبالجملة فقد عدم ثم صح موته ببحر طبرستان وهذا عظيم مثل خراسان وعراق العجم اصبح سائبا لا مانع له ولا سلطان يدفع عنه والعدو يجوس البلاد يأخذ ما أراد ويترك ما أراد على انهم لم يبقوا على مدينة إلا خربوها وكل ما مروا عليه نهبوه وما لا يصلح لهم احرقوه فكانوا يجمعون الإبريسم تلالا ويلقون فيه النار وكذلك غيره من الامتعة
ذكر ملك التتر مراغة
في صفر سنة ثمان عشر وستمائة ملك التتر مدينة مراغة من أذربيجان وسبب ذلك اننا ذكرنا سنة سبع عشرة وستمائة ما فعله التتر بالكرج وانقضت تلك السنة وهم في بلاد الكرج فلما دخلت سنة ثمان عشرة وستمائة ساروا من ناحية الكرج لأنهم رأوا أن بين أيديهم شوكة قوية ومضايق تحتاج إلى قتال وصراع فعدلوا عنهم وهذه كانت عادتهم إذا قصدوا مدينة ورأوا عندها امتناعا عدلوا عنها فوصلوا الى تبريز وصانعهم صاحبها بمال وثياب ودواب فساروا عنه الى مدينة مراغة فحصروها وليس بها صاحب يمنعها لأن صاحبها كانت امرأة وهي مقيمة بقلعة رويندز وقد قال النبي لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة فلما حصروها قاتلهم أهلها فنصبوا عليها المجانيق وزحفوا اليها وكانت عادتهم اذا قاتلوا مدينة قدموا من معهم من أسارى المسلمين بين ايديهم يزحفون ويقاتلون فإن عادوا قتلوا فكانوا يقتلون كرها وهم المساكين كما قيل كالاشقر إن تقدم ينحر وإن تأخر يعقر وكانوا هم يقاتلون وراء المسلمين فيكون القتل في المسلمين الأسارى وهم بنجوة منه فأقاموا عليها عدة أيام ثم ملكوا المدينة عنوة وقهرا رابع صفر ووضعوا السيف في أهلها فقتل منهم ما 412 يخرج عن الحد والاحصاء ونهبوا كل ما صلح لهم وما لا يصلح لهم واحرقوه واختفى بعض الناس منهم فكانوا يأخذون الأسارى ويقولون لهم نادوا في الدروب ان التتر قد رحلوا فإذا نادى أولئك خرج من اختفى فيؤخذ ويقتل
وبلغني أن امرأة من التتر دخلت دارا وقتلت جماعة من أهلها وهم يظنونها رجلا فوضعت السلاح وإذا هي امرأة فقتلها رجل اخذته اسيرا
وسمعت من بعض أهلها ان رجلا من التتر دخل فيه مائة رجل فما زال يقتلهم واحدا واحدا حتى أفناهم ولم يمد أحد يده اليه بسوء ووضعت الذلة على الناس فلا يدفعون عن نفوسهم قليلا ولا كثيرا نعوذ بالله من الخذلان ثم رحلوا عنها نحو مدينة إربل ووصل الخبر إلينا بذلك بالموصل فخفنا حتى إن بعض الناس هم بالجلاء خوفا من السيف وجاءت كتب مظفر الدين صاحب إربل الى بدر الدين صاحب الموصل يطلب منه نجدة من العساكر فسير جمعا صالحا من عسكره وأراد ان يمضي إلى طرف بلاده من جهة التتر ويحفظ المضايق لئلا يجوزها احد فإنها جميعها جبال وعرة ومضايق لا يقدر أن يجوزها إلا الفارس بعد الفارس ويمنعهم من الجواز إليه ووصلت كتب الخليفة ورسله الى الموصل والى مظفر الدين يأمر الجميع بالاجتماع مع عساكره بمدينة دقوقا ليمنعوا التتر فإنهم ربما عدلوا عن جبال إربل لصعوبتها الى هذه الناحية ويطرقون العراق فسار مظفر الدين من إربل في صفر وسار إليهم جمع من عسكر الموصل وتبعهم من المتطوعة كثير وأرسل الخليفة ايضا الى الملك الأشرف يأمره بالحضور بنفسه في عسكره ليجتمع الجميع على قصد التتر وقتالهم فاتفق ان الملك المعظم بن الملك العادل وصل من دمشق إلى أخيه الأشرف وهو بحران يستنجده على الفرنج الذين بمصر وطلب منه ان يحضر بنفسه ليسيروا كلهم الى مصر ليستنقذوا دمياط من الفرنج فاعتذر الى الخليفة بأخيه وقوة الفرنج وإن لم يتداركها خرجت هي وغيرها وشرع يتجهز للسير الى الشام ليدخل مصر وكان ما ذكرناه من استنقاذ دمياط فلما اجتمع مظفر الدين والعساكر بدقوقا سير الخليفة اليهم مملوكه قشتمر وهو اكبر امير بالعراق ومعه غيره من الأمراء في نحو ثمانمائة فارس فاجتمعوا هناك ليتصل بهم باقي عسكر الخليفة وكان المقدم على الجميع مظفر الدين فلما رأى قلة العسكر لم يقدر على قصد التتر 413
وحكى مظفر الدين قال لما أرسل إلي الخليفة في معنى التتر قلت له إن العدو قوي وليس لي من العسكر ما ألقاه به فإن اجتمع معي عشرة آلاف فارس استنقذت ما أخذ من البلاد فأمرني بالمسير وواعدني بوصول العسكر فلما سرت لم يحضر عندي غير عدد لم يبلغوا ثمانمائة طواشي فأقمت وما رأيت المخاطرة بنفسي وبالمسلمين ولما سمع التتر باجتماع العساكر لهم رجعوا القهقرى ظنا منهم ان العسكر يتبعهم فلما لم يروا أحدا يطلبهم أقاموا وأقام العسكر الاسلامي عند دقوقا فلما لم يروا ان العدو يقصدهم ولا المدد يأتيهم تفرقوا وعادوا إلى بلادهم
ذكر ملك التتر همذان وقتل أهلها
لما تفرق العسكر الإسلامي عاد التتر الى همذان فنزلوا بالقرب منها وكان لهم بها شحنة يحكم فيها فأرسلوا إليه يأمرونه ليطلب من اهلها مالا وثيابا وكانوا قد استنفدوا أموالهم في طول المدة وكان رئيس همذان شريفا علويا وهو من بيت رياسة قديمة لهذه المدينة وهو الذي يسعى في امور اهل البلد مع التتر ويوصل إليهم ما يجمعه من الأموال فلما طلبوا الآن منهم المال لم يجد أهل همذان ما يحملونه إليهم فحضروا عند الرئيس ومعه انسان فقيه قد قام في اجتماع الكلمة على الكفار قياما مرضيا فقالوا لهما هؤلاء الكفار قد افنوا اموالنا ولم يبق لنا ما نعطيهم وقد هلكنا من أخذهم اموالنا وما يفعله النائب عنهم بنا من الهوان وكانول قد جعلوا بهمذان شحنة لهم يحكم في اهلها بما يختاره فقال الشريف إذا كنا نعجز عنهم فكيف الحيلة فليس لنا إلا مصانعتهم بالأموال فقالوا له أنت أشد علينا من الكفار وغلظوا له في القول
فقال أنا واحد منكم فاصنعوا ما شئتم فأشار الفقيه بإخراج شحنة التتر من البلد والامتناع فيه ومقاتلة التتر فوثب العامة على الشحنة فقتلوه وامتنعوا في البلد فتقدم التتر اليهم وحصروهم
وكانت الأقوات متعذرة في تلك البلاد جميعها لخرابها وقتل أهلها وجلاء من سلم منهم فلا يقدر أحد على الطعام إلا قليلا وأما التتر فلا يبالون لعدم الأقوات لأنهم لا يأكلون إلا اللحم ولا تأكل دوابهم إلا نبات الأرض حتى إنها تحفر بحوافرها الأرض عن عروق النبات فتأكلها فلما حصروا همذان قاتلهم أهلها والرئيس والفقيه في أوائلهم فقتل من التتر خلق كثير وجرح الفقيه عدة جراحات وافترقوا ثم خرجوا من 414 الغد فاقتتلوا أشد من القتال الأول وقتل أيضا من التتر اكثر من اليوم الأول وجرح الفقيه ايضا عدة جراحات وهو صابر وأرادوا ايضا الخروج في اليوم الثالث فلم يطق الفقيه الركوب وطلب الناس الرئيس العلوي فلم يجدوه وكان قد هرب في سرب صنعه الى ظاهر البلد هو وأهله الى قلعة هناك جبل عال فامتنع فيها فلما فقده الناس بقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون إلا أنهم اجتمعت كلمتهم على القتال إلى ان يموتوا فأقاموا في البلد ولم يخرجوا منه وكان التتر قد عزموا على الرحيل لكثرة من قتل منهم فلما لم يروا أحدا خرج إليهم من البلد طمعوا واستدلوا على ضعف أهله فقصدوهم وقاتلوهم في رجب من سنة ثمان عشرة وستمائة ودخلوا المدينة بالسيف وقاتلهم الناس في الدروب فبطل السلاح للزحمة واقتتلوا بالسكاكين فقتل من الفريقين ما لا يحصيه إلا الله تعالى وقوي التتر على المسلمين فأفنوهم قتلا ولم يسلم الا من كان عمل له نفقا يختفي فيه وبقي القتل في المسلمين عدة أيام ثم ألقوا النار في البلد فأحرقوه ورحلوا عنها إلى مدينة أردويل
وقيل كان السبب في ملكها أن اهل البلد شكوا الى الرئيس الشريف ما يفعل بهم الكفار أشار عليهم بمكاتبة الخليفة لينفذ اليهم عسكرا مع أمير يجمع كلمتهم فاتفقوا على ذلك فكتب الى الخليفة ينهي إليه ما هم عليه من الخوف والذل وما يركبهم به العدو من الصغار والخزي ويطلب نجدة ولو ألف فارس من أمير يقاتلون معه ويجتمعون عليه فلما سار القصاد بالكتب أرسل بعض من علم بالحال الى التتر يعلمهم ذلك فأرسلوا الى الطريق فأخذوهم واخذوا الكتب منهم وأرسلوا الى الرئيس ينكرون عليه الحال فجحد فأرسلوا اليه كتبه والجماعة فسقط في أيديهم وتقدم اليهم التتر حينئذ وقاتلوهم وجرى في القتال كما ذكرنا
ذكر مسير التتر الى اذربيجان وملكهم أردويل وغيرهم
لما فرغ التتر من همذان ساروا الى اذربيجان فوصلوا الى اردويل فملكوها وقتلوا فيها واكثروا وخربوا أكثرها وساروا منها إلى تبريز وكان قد قام بأمرها شمس الدين الطغرائي وجمع كلمة أهلها وقد فارقها صاحبها أوزبك بن البهلوان وكان أميرا مختلفا لا يزال منهمكا في الخمر ليلا ونهارا يبقى الشهر والشهرين لا يظهر وإذا سمع هيعة طار مجفلا لها وله جميع أذربيجان وأران وهو اعجز خلق الله عن البلاد من 415 عدو يريدها ويقصدها فلما سمع بمسير التتر من همذان فارق هو تبريز وقصد نقجوان وسير أهله ونساءه إلى خوى ليبعد عنهم فقام هذا الطغرائي بأمر البلد وجمع الكلمة وقوى نفوس الناس على الامتناع وحذرهم عاقبة التخاذل والتواني وحصن البلد بجهده وطاقته فلما قاربه التتر وسمعوا بما أهل البلد عليه من اجتماع الكلمة على قتالهم وانهم قد حصنوا المدينة واصلحوا اسوارها وخندقها ارسلوا يطلبون منهم مالا وثيابا فاستقر الأمر بينهم على قدر معلوم من ذلك فسيروه إليهم فأخذوه ورحلوا الى ما مروا به من البلاد والقرى وخربوا وقتلوا من ظفروا به من أهلها فلما وصلوا الى بيلقان حصروها فاستدعى اهلها منهم رسولا يقرون معه الصلح فأرسلوا إليهم رسولا من أكابرهم ومقدمهم فقتله أهل البلد فزحف التتر اليهم وقاتلوهم ثم إنهم ملكوا البلد عنوة في شهر رمضان سنة ثمان عشرة ووضعوا السيف فلم يبقوا على صغير ولا كبير ولا امرأة حتى إنهم يشقون بطون الحبالى ويقتلون الاجنة وكانوا يفجرون بالمرأة ثم يقتلونها وكان الانسان منهم يدخل الدرب فيه الجماعة فيقتلهم واحدا بعد واحد حتى يفرغ من الجميع لا يمد أحد منهم اليه يدا فلما فرغوا منها استقصوا ما حولها من النهب والتخريب وساروا الى مدينة كنجة وهي أم بلاد أران فعلموا بكثرة أهلها وشجاعتهم لكثرة دربتهم بقتال الكرج وحصانتها فلم يقدموا عليها فأرسلوا الى اهلها يطلبون منهم المال والثياب فحملوا إليهم ما طلبوا فساروا عنهم
ذكر وصول التتر الى بلاد الكرج
لما فرغ التتر من بلاد المسلمين بأذربيجان وأران بعضه بالملك وبعضه بالصلح وساروا الى بلاد الكرج من هذه الأعمال أيضا وكان الكرج قد اعدوا لهم واستعدوا وسيروا جيشا كثيرا الى طرف بلادهم ليمنعوا التتر عنها فوصل إليهم التتر فالتقوا فلم يثبت الكرج بل ولوا منهزمين فأخذهم السيف فلم يسلم منهم الا الشريد ولقد بلغني أنهم قتل منهم نحو ثلاثين ألفا ونهبوا ما وصلوا اليه من بلادهم وخربوها وفعلوا بها ما هو عادتهم فلما وصل المنهزمون الى تفليس وبها ملكهم جمع جموعا اخرى وسيرهم الى التتر ايضا ليمنعوهم من توسط بلادهم فرأوا التتر وقد 416 دخلوا البلاد لم يمنعهم جبل ولا مضيق ولا غير ذلك فلما رأوا فعلهم عادوا إلى تفليس فأخلوا البلاد ففعل التتر فيها ما أرادوا من النهب والقتل والتخريب ورأوا بلادا كثيرة المضايق والدربندات فلم يتجاسروا على الوغول فيها فعادوا عنها وداخل الكرج منهم خوف عظيم حتى سمعت عن بعض اكابر الكرج وكان قدم رسولا انه قال من حدثكم ان التتر انهزموا وأسروا فلا تصدقوه واذا حدثتم انهم قتلوا فصدقوا فإن القوم لا يفرون أبدا ولقد اخذنا أسيرا منهم فألقى نفسه من الدابة وضرب رأسه بالحجر الى ان مات ولم يسلم نفسه للأسرة
ذكر وصولهم الى دربند شروان وما فعلوه
لما عاد التتر من بلد الكرج قصدوا دربندشروان فحصروا مدينة شماخي وقاتلوا اهلها فصبروا على الحصر ثم ان التتر صعدوا سورها بالسلاليم وقيل بل جمعوا كثيرا من الجمال والبقر والغنم وغير ذلك ومن قتلى الناس منهم وممن قتل من غيرهم والقوا بعضه فوق بعض فصار مثل الغل وصعدوا عليه فأشرفوا على المدينة وقاتلوا اهلها فصبروا واشتد القتال ثلاثة أيام فأشرفوا على أن يؤخذوا فقالوا السيف لا بد منه فالصبر اولى بنا نموت كراما فصبروا تلك الليلة فأنتنت تلك الجيف وانهضمت فلم يبق للتتر على السور استعلاء ولا تسلط على الحرب فعاودوا الزحف وملازمة القتال فضجر اهلها ومسهم التعب والكلال والاعياء فضعفوا فملك التتر البلد وقتلوا فيه كثيرا ونهبوا الأموال واستباحوها فلما فرغوا منه ارادوا عبور الدربند فلم يقدروا على ذلك فأرسلوا رسولا الى شروان شاه ملك دربندشروان يقولون له ليرسل إليهم رسولا يسعى بينهم في الصلح فأرسل عشرة رجال من أعيان اصحابه فأخذوا احدهم فقتلوه ثم قالوا للباقين إن أنتم عرفتمونا طريقا نعبر فيه فلكم الأمان وإن لم تفعلوا قتلناكم كما قتلنا هذا فقالوا لهم ان هذا الدربند ليس فيه طريق البتة ولكن فيه موضع هو اسهل ما فيه من الطرق فساروا معهم الى ذلك الطريق فعبروا فيه وخلفوه وراء ظهورهم
ذكر ما فعلوه باللان وقفجاق
لما عبر التتر دربند شروان ساروا في تلك الأعمال وفيها أمم كثيرة منهم اللان واللكز وطوائف من الترك فنهبوه وقتلوا من اللكز كثيرا وهم مسلمون وكفار وأوقعوا 417 بمن عداهم من أهل تلك البلاد ووصلوا الى اللان وهم أمم كثيرة وقد بلغهم خبرهم فجدوا وجمعوا عندهم جمعا من قفجان فقاتلوهم فلم تظفر احدى الطائفتين بالأخرى فأرسل التتر الى قفجاق يقولون نحن وأنتم جنس واحد وهؤلاء اللان ليسوا منكم حتى تنصروهم ولا دينكم مثل دينهم ونحن نعاهدكم اننا لا نعترض إليكم ونحمل اليكم من الأموال والثياب ما شئتم وتتركون بيننا وبينهم فاستقر الأمر بينهم على مال حملوه وثياب وغير ذلك فحملوا إليهم ما استقر وفارقهم قفجاق فأوقع التتر باللان فقتلوا منهم وأكثروا ونهبوا وسبوا وساروا الى قفجاق وهم آمنون متفرقون لما استقر بينهم من الصلح فلم يسمعوا بهم إلا وقد طرقوهم ودخلوا بلادهم فأوقعوا بهم الأول فالأول وأخذوا منهم أضعاف ما حملوا إليهم وسمع من كان بعيد الدار من قفجان الخبر ففروا من غير قتال وأبعدوا وبعضهم اعتصم بالغياض وبعضهم بالجبال وبعضهم لحق ببلاد الروس وأقام التتر في بلاد قفجان وهي أرض كثيرة المراعي في الشتاء والصيف وفيها اماكن باردة في الصيف كثيرة المرعى وأماكن حارة في الشتاء كثيرة المرعى وهي غياض على ساحل البحر ووصلوا الى مدينة سوادق وهي مدينة قفجاق التي منها مادتهم فإنها على بحر حزرية والمراكب تصل إليها وفيها الثياب فتشتري منهم وتبيع عليهم الجواري والمماليك والبرطاسي والقندر والسنجاب وغير ذلك مما هو في بلادهم وبحر خزرية هذا بحر متصل بخليج القسطنطينية ولما وصل التتر الى سوادق ملكوها وتفرق اهلها منها فبعضهم صعد الجبال بأهله وماله وبعضهم ركب البحر وسار الى بلاد الروم التي بيد المسلمين من أولاد قلج أرسلان
ذكر ما فعله التتر قفجاق والروس
لما استولى التتر على ارض قفجاق كما ذكرنا سار طائفة كثيرة منهم الى بلاد الروس وهي بلاد كثيرة طويلة عريضة تجاورهم وأهلها يدينون بالنصرانية فلما وصلوا إليهم اجتمعوا كلهم واتفقت كلمتهم على قتال التتر ان قصدوهم وأقام التتر بأرض قفجاق مدة ثم انهم ساروا سنة عشرين وستمائة الى بلاد الروس فسمع الروس وقفجان خبرهم وكانوا مستعدين لقتالهم فساروا الى طريق التتر ليلقوهم قبل ان يصلوا الى بلادهم ليمنعوهم عنها فبلغ مسيرهم التتر فعادوا على اعقابهم راجعين فطمع الروس وقفجاق فيهم وظنوا انهم عادوا خوفا منهم وعجزا عن قتالهم فجدوا في 418 اتباعهم ولم يزل التتر راجعين واولئك يقفون اثرهم اثني عشر يوما ثم ان التتر عطفوا على الروس وقفجان فلم يشعروا بهم الا وقد لقوهم على غرة منهم لأنهم كانوا قد أمنوا التتر واستشعروا القدرة عليهم فلم يجتمعوا للقتال الا وقد بلغ التتر منهم مبلغا عظيما فصبر الطائفتان صبرا لم يسمع بمثله ودام القتال بينهم عدة ايام ثم إن التتر ظفروا واستظهروا فانهزم قفجان والروس هزيمة عظيمة بعد ان اثخن فيهم التتر وكثر القتل في المنهزمين فلم يسلم منهم الا القليل ونهب جميع ما معهم ومن سلم وصل الى البلاد على أقبح صورة لبعد الطريق والهزيمة وتبعهم كثير يقتلون وينهبون ويخرجون البلاد حتى خلا اكثرها فاجتمع كثير من اعيان تجار الروس وأغنيائهم وحملوا ما يعز عليهم وساروا يقطعون البحر الى بلاد الإسلام في عدة مراكب فلما قاربوا المرسى الذي يريدونه انكسر مركب من مراكبهم فغرق الا ان الناس نجوا وكانت العادة جارية ان السلطان له المركب الذي ينكسر فأخذ من ذلك شيئا كثيرا وسلم باقي المراكب وأخبره من بها بهذه الحال
ذكر عود التتر من بلاد الروس وقفجاق الى ملكهم
لما فعل التتر بالروس ما ذكرناه ونهبوا بلادهم عادوا عنها وقصدوا بلغار أواخر سنة عشرين وستمائة فلما سمع اهل بلغار بقربهم منهم كمنوا لهم في عدة مواضع وخرجوا إليهم فلقوهم واستجروهم الى ان جاوزوا موضع الكمناء فخرجوا عليهم من وراء ظهورهم فبقوا في الوسط وأخذهم السيف من كل ناحية فقتل اكثرهم ولم ينج منهم الا القليل قيل كانوا نحو اربعة آلاف رجل فساروا الى سقين عائدين الى ملكهم جنكزخان وخلت ارض قفجاق منهم فعاد من سلم منهم الى بلادهم وكان الطريق منقطعا مذ دخلها التتر فلم يصل منهم شيء من البرطاسي والسنجاب والقندر وغيرها مما يجعل من تلك البلاد فلما فارقوها عادوا الى بلادهم واتصلت الطريق وحملت الأمتعة كما كانت هذا اخبار التتر المغربة قد ذكرناها سياقة واحدة لئلا تنقطع
ذكر ما فعله التتر بما وراء النهر بعد بخارى وسمرقند
قد ذكرنا ما فعله التتر المغربة التي سيرها ملكهم جنكزخان لعنه الله إلى خوارزمشاه وأما جنكزخان فإنه بعد ان سير هذه الطائفة الى خوارزم شاه وبعد 419 انهزام خوارزمشاه من خراسان قسم اصحابه عدة أقسام فسير قسما منها إلى بلاد فرغانة ليملكوها وسير قسما آخر منها الى ترمذ وسير قسما منها الى كلابة وهي قلعة خصينة على جانب جيحون من أحصن القلاع وامنع الحصون فسارت كا طائفة إلى الجهة التي أمرت بقصدها ونازلتها واستولت عليها وفعلت من القتل والأسر والسبي والنهب والتخريب وانواع الفساد مثل ما فعل اصحابهم فلما فرغوا من ذلك عادوا الى ملكهم جنكزخان وهو بسمرقند فجهز جيشا عظيما مع احد اولاده وسيره الى خوارزم وسير جيشا آخر فعبروا جيحون الى خراسان
ذكر ملك التتر خراسان
لما سار الجيش المنفذ الى خراسان عبروا جيحون وقصدوا مدينة بلخ فطلب أهلها الأمان فأمنوهم فسلم البلد سنة سبع عشرة وستمائة ولم يتعرضوا اليه بنهب ولا قتل بل جعلوا فيه شحنة وساروا وقصدوا الزوزان وسميند واندخوي وقاريات فملكوا الجميع وجعلوا فيه ولاة ولم يتعرضوا الى اهلها بسوء ولا اذى سوى أنهم كانوا يأخذون الرجال ليقاتلوا بهم من يمتنع عليهم حتى وصلوا الى الطالقان وهي ولاية تشتمل على عدة بلاد وفيها قلعة حصينة يقال لها منصوركوه لا ترام علوا وارتفاعا وبها رجال يقاتلون شجعان فحصروها مدة ستة اشهر يقاتلون اهلها ليلا ونهارا ولا يظفرون منها بشيء فأرسلوا الى جنكزخان يعرفونه بعجزهم عن ملك هذه القلعة لكثرة من فيها من المقاتلة ولا متناعها بحصانتها فسار بنفسه وبمن عنده من جموعه اليهم وحصرها ومعه خلق كثير من المسلمين اسرى فأمرهم بمباشرة القتال وإلا قتلهم فقاتلوا معه وأقام عليها أربعة أشهر أخرى فقتل من التتر عليها خلق كثير فلما رأى ملكهم ذلك أمر أن يجمع له من الحطب والأخشاب ما امكن جمعه ففعلوا ذلك وصاروا يعملون صفا من خشب وفوقه صفا من تراب فلم يزالوا كذلك حتى صار تلا عاليا يوازي القلعة فاجتمع من بها وفتحوا بابها وخرجوا منها وحملوا حملة رجل واحد فسلم الخيالة منهم ونجوا وسلكوا تلك الجبال والشعاب واما الرجالة فقتلوا ودخل التتر القلعة وسبوا النساء والأطفال ونهبوا الأموال والأمتعة ثم إن جنكزخان جمع أهل البلاد التي اعطاهم الأمان ببلخ وغيرها وسيرهم مع بعض أولاده الى مدينة مرو فدخلوا إليها وقد اجتمع بها من الأعراب والأتراك وغيرهم ممن نجا 420 من المسليمن ما يزيد على مائتي ألف رجل وهم معسكرون بظاهر مرو وهم عازمون على لقاء التتر ويحدثون نفوسهم بالغلبة لهم والاستيلاء عليهم فلما وصل التتر إليهم التقوا واقتتلوا فصبر المسلمون وأما التتر فلا يعرفون الهزيمة حتى ان بعضهم أسر فقال وهو عند المسلمين إن قيل إن التتر يقتلون فصدقوا وإن قيل إنهم ينهزمون فلا تصدقوا فلما رأى المسلمون صبر التتر واقدامهم ولوا منهزمين فقتل التتر منهم وأسروا الكثير ولم يسلم إلا القليل ونهبت اموالهم وسلاحهم ودوابهم
وأرسل التتر الى ما حولهم من البلاد يجمعون الرجال لحصار مرو فلما اجتمع لهم ما ارادوا تقدموا الى مرو وحصروها وجدوا في حصرها ولازموا القتال وكان اهل البلد قد ضعفوا بانهزام ذلك العسكر وكثرة القتل والأسر فيهم فلما كان اليوم الخامس من نزولهم ارسل التتر الى الأمير الذي بها متقدما على من فيها يقولون له لا تهلك نفسك وأهل البلد واخرج الينا فنحن نجعلك امير هذه البلدة ونرحل عنك فأرسل يطلب الأمان لنفسه ولأهل البلد فأمنهم فخرج اليهم فخلع عليه ابن جنكزخان واحترامه وقال له اريد ان تعرض على اصحابك حتى تنظر من يصلح لخدمتنا استخدمناه وأعطيناه اقطاعا ويكون معنا فلما حضروا عنده وتمكن منهم قبض عليهم وعلى أميرهم وكتفوهم فلما فرغ منهم قال لهم اكتبوا الى تجار البلد ورؤسائه وأرباب الأموال في جريدة واكتبوا الى ارباب الصناعات والحرف في نسخة اخرى واعرضوا ذلك علينا ففعلوا ما امرهم فلما وقف على النسخ أمر ان يخرج أهل البلد منه بأهلهم فخرجوا كلهم ولم يبق فيه احد فجلس على كرسي من ذهب وأمر ان يحضر أولئك الأجناد الذين قبض عليهم فأحضروا وضربت رقابهم صبرا والناس ينظرون إليهم ويبكون
وأما العامة فإنهم قسموا الرجال والنساء والأطفال فكان يوما مشهودا من كثرة الصراخ والبكاء والعويل وأخذوا ارباب الأموال فضربوهم وعذبوهم بأنواع العقوبات في طلب الأموال فربما مات احدهم من شدة الضرب ولم يكن بقي له ما يفتدي به نفسه ثم انهم احرقوا البلد وأحرقوا تربة السلطان سنجر ونبشوا القبر طلبا للمال فبقوا كذلك ثلاثة أيام فلما كان اليوم الرابع أمر بقتل أهل البلد كافة وقال هؤلاء عصوا علينا فقتلوهم اجمعين وأمر باحصاء القتلى فكانوا نحو سبعمائة الف قتيل فإنا لله 421 وإنا اليه راجعون مما جرى على المسلمين ذلك اليوم ثم ساروا الى نيسابور فحصروها خمسة أيام وبها جمع صالح من العسكر الإسلامي فلم يكن لهم بالتتر قوة فملكوا المدينة وأخرجوا أهلها إلى الصحراء فقتلوهم وسبوا حريمهم وعاقبوا من اتهموه بمال كما فعلوا بمرو وأقاموا خمسة عشر يوما يخربون ويفتشون المنازل عن الأموال وكانوا لما قتتلوا أهل مرو قيل لهم ان قتلاهم سلم منهم كثير ونجوا الى بلاد الإسلام فأمروا بأهل نيسابور ان تقطع رؤوسهم لئلا يسلم من القتل أحد فلما فرغوا من ذلك سيروا طائفة منهم الى طوس ففعلوا بها كذلك أيضا وخربوها وخربوا المشهد الذي فيه الامام علي بن موسى الرضا ع والرشيد حتى جعلوا الجميع خرابا ثم ساروا الى هراة وهي من احصن البلاد فحصروها عشرة أيام فملكوها وأمنوا اهلها وقتلوا منهم البعض وجعلوا عند من سلم منهم شحنة وساروا الى غزنة فلقيهم جلال الدين ابن خوارزم شاه فقاتلهم وهزمهم على ما نذكره إن شاء الله فوثب اهل هراة على الشحنة فقتلوه فلما عاد المنهزمون إليهم دخلوا البلد قهرا وعنوة وقتلوا كل من فيه ونهبوا الأموال وسبوا الحريم ونهبوا السواد وخربوا المدينة جميعها وأحرقوها وعادوا الى ملكهم جنكزخان وهو بالطالقان يرسل السرايا الى جميع بلاد خراسان ففعلوا بها كذلك ولم يسلم من شرهم وفسادهم شيء من البلاد وكان جميع ما فعلوه بخراسان سنة سبع عشرة
ذكر ملكهم خوارزم وتخريبها
واما الطائفة من الجيش التي سيرها جنكزخان الى خوارزم فإنها كانت اكثر السرايا جميعها لعظم البلد فساروا حتى وصلوا الى خوارزم وفيها عسكر كبير وأهل البلد معروفون بالشجاعة والكثرة فقاتلوهم اشد قتال سمع به الناس ودام الحصر لهم خمسة اشهر فقتل من الفريقين خلق كثير إلا أن القتلى من التتر كانوا اكثر لأن المسلمين كان يحميهم السور فأرسل التتر الى ملكهم جنكزخان يطلبون المدد فأمدهم بخلق كثير فلما وصلوا إلى البلد زحفوا زحفا متتابعا فملكوا طرفا منه فاجتمع أهل البلد وقاتلوهم في طرف الموضع الذي ملكوا فلم يقدروا على افراجهم ولم يزالوا يقاتلونهم والتتر يملكون منهم محلة بعد محلة وكلما ملكوا محلة قاتلهم المسلمون في المحلة التي تليهم فكان الرجال والنساء 422 والصبيان يقاتلون فلم يزالوا كذلك حتى ملكوا البلد جميعه وقتلوا كل من فيه ونهبوا كل ما فيه ثم إنهم فتحوا السكر الذي يمنع ماء جيحون عن البلد فدخله الماء فغرق البلد جميعه وتهدمت الابنية وبقي موضعه ماء ولم يسلم من اهله احد البتة فإن غيره من البلاد قد كان يسلم بعض اهله منهم من يختفي ومنهم من يهرب ومنهم من يخرج ثم يسلم ومنهم من يلقي نفسه بين القتلى فينجو وأما أهل خوارزم فمن اختفى من التتر غرفة الماء او قتله الهدم فأصبحت خرابا يبابا
( كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامر )
وهذا لم يسمع بمثله في قديم الزمان وحديثه نعوذ بالله من الخور بعد الكور ومن الخذلان بعد النصر فلقد عمت هذه المصيبة الإسلام وأهله فكم من قتيل من أهل خراسان وغيرها لأن القاصدين من التجار وغيرهم كانوا كثيرا مضى الجميع تحت السيف ولما فرغوا من خراسان وخوارزم عادوا الى ملكهم بالطالقان
ذكر ملك التتر غزنة وبلاد الغور
لما فرغ التتر من خرسان وعادوا الى ملكهم جيشا كثيفا وسيره الى غزنة وبها جلال الدين بن خوارزمشاه مالكا لها وقد اجتمع إليه من سلم من عسكر أبيه قيل كانوا ستين الفا فلما وصلوا الى اعمال غزنة خرج إليهم المسلمون مع ابن خوارزمشاه الى موضع يقال له بلق فالتقوا هناك واقتتلوا قتالا شديدا وبقوا كذلك ثلاثة أيام ثم أنزل الله نصره الى المسلمين فانهزم التتر وقتلهم المسلمون كيف شاؤوا ومن سلم منهم عاد إلى ملكهم بالطالقان فلما سمع أهل هراة بذلك ثاروا بالوالي الذي عندهم للتتر فقتلوه فسير إليهم جنكزخان عسكرا فملكوا البلد وخربوه كما ذكرناه فلما انهزم التتر أرسل جلال الدين رسولا إلى جنكزخان يقول له في أي موضع تريد يكون الحرب حتى نأتي اليه فجهز جنكزخان عسكرا كثيرا اكثر من الأول مع بعض أولاده وسيره اليه فوصل الى كابل فتوجه العسكر الإسلامي اليهم وتصافوا هناك وجرى بينهم قتال عظيم فانهزم الكفار ثانيا فقتل كثير منهم وغنم المسلمون ما معهم وكان عظيما وكان معهم من أسارى المسلمين خلق كثير فاستنقذوهم ثم ان المسلمين جرى بينهم فتتة لأجل الغنيمة وسبب ذلك ان اميرا منهم يقال له سيف الدين بغراق أصله 423 من الأتراك الخلج كان شجاعا مقداما ذا رأي في الحرب ومكيدة واصطلى الحرب مع التتر بنفسه وقال لعسكر جلال الدين تأخروا أنتم فقد ملئتم منهم رعبا وهو الذي كسر التتر على الحقيقة
وكان من المسلمين أيضا أمير كبير يقال له ملك خان بينه وبين خوارزمشاه نسب وهو صاحب هراة فاختلف هذان الأميران في الغنيمة فاقتتلوا فقتل بينهم أخ لبغراق فقال بغراق أنا اهزم الكفار ويقتل أخي لأجل هذا السحت فغضب وفارق العسكر وسار الى الهند فتبعه من العسكر ثلاثون ألفا كلهم يريدونه فاستعطفه جلال الدين بكل طريق وسار بنفسه إليه وذكره الجهاد وخوفه من الله تعالى وبكى بين يديه فلم يرجع وسار مفارقا فانكسر لذلك المسلمون وصعفوا فبينما هم كذلك اذ ورد الخبر أن جنكزخان قد وصل في جموعه وجيوشه فلما رأى جلال الدين ضعف المسلمين لأجل من فارقهم من العسكر ولم يقدر على المقام سار نحو بلاد الهند فوصل إلى ماء السند وهو نهر كبير فلم يجد من السفن ما يعبر فيه وكان جنكزخان يقص أثره مسرعا فلم يتمكن جلال الدين من العبور حتى ادركه جنكزخان في التتر فاضطر المسلمون حينئذ إلى القتال والصبر لتعذر العبور عليهم وكانوا في ذلك كالأشقر ان تقدم ينحر وان تأخر يعقر فتصافوا واقتتلوا أشد قتال اعترفوا كلهم ان كل ما مضى من الحروب كان لعبا بالنسبة إلى هذا القتال في الكفار اكثر والجراح اعظم فرجع الكفار عنهم فأبعدوا ونزلوا فلما رأى المسلمون انهم لا مدد لهم وقد ازدادوا صعفا بمن قتل منهم وجرح ولم يعلموا بما أصاب الكفار من ذلك فأرسلوا يطلبون السفن فوصلت وعبر المسلمين ليقضي الله امرا كان مفعولا فلما كان الغد عاد الكفار الى غزنة وقد قويت نفوسهم بعبور المسلمين الماء الى جهة الهند وبعدهم فلما وصلوا اليها ملكوها لوقتها لخلوها من العساكر والمحامي فقتلوا اهلها ونهبوا الأموال وسبوا الحريم ولم يبق احد وخربوها وأحرقوها وفعلوا بسوادها كذلك ونهبوا وقتلوا وأحرقوا فأصبحت تلك الأعمال جميعها خالية من الأنيس خاوية على عروشها كأن لم تغن بالأمس 424
ذكر تسليم الأشرف خلاط الى اخيه شهاب الدين غازي
أواخر هذه السنة اقطع الملك الأشرف موسى بن العادل مدينة خلاط وجميع الأعمال ارمينية ومدينة ميافارقين من ديار بكر ومدينة حابي أخاه شهاب الدين غازي ابن العادل وأخذ منه مدينة الرها ومدينة سروج من بلاد الجزيرة وسيره الى خلاط أول سنة ثمان عشرة وستمائة وسبب ذلك ان الكرج لما قصد التتر بلادهم وهزموهم ونهبوها وقتلوا كثيرا من اهلها ارسلوا الى أوزبك صاحب اذربيجان واران يطلبون منه المهادنة والموافقة على دفع التتر وأرسلوا الى الملك الأشرف في هذا المعنى وقالوا للجميع إن لم توافقونا على قتال هؤلاء القوم ودفعهم عن بلادنا وتحضروا بنفوسكم وعساكركم لهذا المهم وإلا صالحناهم عليكم فوصلت رسلهم الى الاشرف وهو يتجهز الى الديار المصرية لأجل الفرنج وكانوا عنده أهم الوجوه لأسباب أولها ان الفرنج كانوا قد ملكوا دمياط وقد أشرفت الديار المصرية على أن تملك فلو ملكوها لم يبق بالشام ولا غيره معهم ملك لأحد وثانيها أن الفرنج أشد شكيمة وطالبو ملك فإذا ملكوا قرية لا يفارقونها إلا بعد ان يعجزوا عن حفظها يوما واحد وثالثها أن الفرنج قد طمعوا في كرسي مملكة البيت العادلي وهي مصر والتتر لم يصلوا إليها ولم يجاوزوا شيئا من بلادهم وليسوا أيضا ممن يريد المنازعة في الملك وما غرضهم إلا النهب والقتل وتخريب البلاد والانتقال من بلد إلى آخر فلما أتاه رسل الكرج بما ذكرناه أجابهم يتعذر بالمسير إلى مصر لدفع الفرنج ويقول لهم إنني قد أقطعت ولاية خلاط لأخي وسيرته إليها ليكون بالقرب منكم وتركت عنده العساكر فمتى احتجتم إلى نصرته حضر لدفع التتر وسار هو إلى مصر كما ذكرناه
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في ربيع الآخر ملك بدر الدين قلعة تل اعفر
وفيها في جمادى الأولى ملك الأشرف مدينة سنجار
وفيها أيضا وصل الموصل وأقام بظاهرها ثم سار يريد إربل لقصد صاحبها فترددت الرسل بينهم في الصلح فاصطلحوا في شعبان وقد تقدم هذا جميعه مفصلا 425 سنة خمس عشرة وستمائة
وفيها وصل التتر الري فملكوها وقتلوا كل من فيها ونهبوها وساروا عنها فوصلوا الى همذان فلقيهم رئيسها بالطاعة والحمل فأبقوا على أهلها وساروا الى أذربيجان فخربوا وحرقوا البلاد وقتلوا وسبوا وعملوا ما لم يسمع بمثله وقد تقدم أيضا مفصلا
وفيها توفي نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الذي كان وزير الخليفة وصلي عليه بجامع القصر وحضره أرباب الدولة ودفن بالمشهد
وفيها توفي صدر الدين ابو الحسن محمد بن عمر بن حموية الجويني شيخ الشيوخ بمصر والشام وكان موته بالموصل وردها رسولا وكان فقيها فاضلا وصوفيا صالحا من بيت كبير من خراسان رحمه الله كان نعم الرجل
وفيها عاد جمع بني معروف الى مواضعهم من البطيحة وكانوا قد ساروا الى الاجنا والقطيف فلم يمكنهم المقام لكثرة اعدائهم فقصدوا شحنة البصرة وطلبوا منه ان يكاتب الديوان ببغداد بالرضا عنهم فكتب معهم بذلك وسيرهم مع اصحابه الى بغداد فلما قاربوا واسط لقيهم قاصد من الديوان بقتلهم فقتلوا 426
ثم دخلت سنة ثمان عشرة وستمائة
ذكر وفاة قتادة امير مكة وملك ابنه الحسن وقتل أمير الحاج
في هذه السنة في جمادى الآخرة توفي قتادة بن ادريس العلوي ثم الحسيني امير مكة حرسها الله وكان عمره نحو سبعين سنة وكانت ولايته قد اتسعت من حدود اليمن الى مدينة النبي وله قلعة ينبع بنواحي المدينة وكثر عسكره واستكثر من المماليك وخافه العرب في تلك البلاد خوفا عظيما وكان أول ملكه لما ملك مكة حرسها الله حسن السيرة وأزال عنها العبيد المفسدين وحمى البلاد وأحسن إلى الحجاج وأكرمهم وبقي كذلك مدة ثم إنه بعد ذلك اساء السيرة وجدد المكوس بمكة وفعل افعالا شنيعة ونهب الحاج في بعض السنين كما ذكرناه ولما مات ملك بعده ابنه الحسن وكان له ابن آخر اسمه راجح مقيم في العرب بظاهر مكة يفسد وينازع اخاه في مسلكه فلما سار حاج العراق كان الأمير عليهم مملوكا من مماليك الخليفة الناصر لدين الله اسمه اقباش وكان حسن السيرة مع الحاج في الطريق كثير الحماية فقصده راجح بن قتادة وبذل له وللخليفة مالا ليساعده على ملك مكة فأجابه الى ذلك ووصلوا الى مكة ونزلوا بالزاهر وتقدم الى مكة مقاتلا لصاحبها حسن وكان حسن قد جمع جموعا كثيرة من العرب وغيرها فخرج إليه من مكة وقاتله وتقدم أمير الحاج من بين يدي عسكره منفردا وصعد الجبل إذلالا بنفسهوانه لا يقدم احد عليه فأحاط به اصحاب حسن وقتلوه وغلقوا رأسه فانهزم عسكر امير المؤمنين واحاط حسن بالحاج لينهبوهم فأرسل اليهم حسن عمامته أمانا للحجاج فعاد اصحابه ولم ينهبوا منهم شيئا وسكن الناس وإذن لهم حسن في دخول مكة وفعل ما يريدونه من الحج والبيع وغير ذلك واقاموا بمكة عشرة ايام وعادوا فوصلوا الى العراق سالمين وعظم الأمر على الخليفة فوصلت رسل حسن يعتذرون ويطلبون العفو عنه فأجيب الى ذلك 427
وقيل في موت قتادة أن ابنه حسن خنقه فملت وسبب ذلك أن قتادة جمع جموعا كثيرة وسار عن مكة يريد المدينة فنزل بوادي الفرع وهو مريض وسير أخاه على الجيش ومعه ابنه الحسن بن قتادة فلما ابعدوا بلغ الحسن أن عمه قال لبعض الجند إن أخي مريض وهو ميت لا محالة وطلب منهم ان يحافوا له ليكون هو الأمير بعد أخيه قتادة فحضر الحسن عند عمه واجتمع إليه كثير من الأجناد والمماليك الذين لأبيه فقال الحسن لعمه قد فعلت كذا وكذا فقال لم افعل فأمر حسن الحاضرين بقتله فلم يفعلوا وقالوا أنت أمير وهذا أمير ولا نمد ايدينا الى احد كما قال له غلامان لقتادة نحن عبيدك فمرنا بما شئت فأمرهما أن يجعلا عمامة عمه في عنقه ففعلا ثم قتله فسمع قتادة الخبر فبلغ منه الغيظ كل مبلغ وحلف ليقتلن ابنه وكان على ما ذكرناه من المرض فكتب بعض اصحابه الى الحسن يعرفه الحال ويقول له ابدأ به قبل ان يقتلك فعاد الحسن الى مكة فلما وصلها قصد دار أبيه في نفر يسير فوجد على باب الدار جمعا كثيرا فأمرهم بالانصراف الى منازلهم ففارقوا الدار وعادوا الى مساكنهم ودخل الحسن إلى أبيه فلما رآه أبوه شتمه وبالغ في ذمه وتهديده فوثب اليه الحسن فخنقه لوقته وخرج الى الحرم الشريف
واحضر الأشراف وقال ان أبي قد اشتد مرضه وقد أمركم ان تحلفوا لي ان اكون انا اميركم فحلفوا له ثم إنه أظهر تابوتا ودفنه ليظن الناس انه مات وكان قد دفنه سرا فلما استقرت الامارة بمكة له ارسل الى اخيه الذي بقلعة الينبع على لسان أبيه يستدعيه وكتم موت أبيه عنه فلما حضر أخوه قتله أيضا واستقر أمره وثبت قدمه وفعل بأمير الحاج ما تقدم ذكره فارتكب عظيما قتل أباه وعمه وأخاه في أيام يسيرة لا جرم لم يمهله الله سبحانه وتعالى نزع ملكه وجعله طريدا شريدا خائفا يترقب
وقيل إن قتادة كان يقول شعرا فمن ذلك انه طلب ليحضر عند أمير الحاج كما جرت عادة أمراء مكة فامتنع فعوتب من بغداد فأجاب بأبيات شعر منها
( ولي كف ضرغام أدل ببطشها
وأشري بها بين الورى وأبيع )
( تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها
وفي سطحها للمجد بين ربيع )
( أأجعلها تحت الرحا ثم أبتغي
خلاصا لها إني إذا لرقيع )
( وما أنا إلا المسك في كل بلدة
يضوع وأما عندكم فيضيع ) 428
ذكرة عدة حوادث
في هذه السنة استعاد المسلمون مدينة دمياط بالديار المصرية من الفرنج وقد تقدم ذكرها مشروحا مفصلا
وفيها في صفر ملك التتر مراغة وخربوها واحرقوها وقتلوا اكثر اهلها ونهبوا أموالهم وسبوا حريمهم وسار التتر منها الى همذان وحصروها فقاتلهم اهلها وظفر بهم التتر وقتلوا منهم ما لا يحصى ونهبوا البلد وساروا إلى أذربيجان فأعادوا النهب ونهبوا ما بقي من البلاد ولم ينهبوه أولا ووصلوا الى بيلقان من بلاد اران فحصروها وملكوها وقتلوا اهلها حتى كادوا حتى كادوا يفنونهم وقتل منهم كثير ونهبت اموالهم وأكثر بلادهم وقصدوا دريندشروان فحصروا مدينة شماخي وملكوها وقتلوا كثيرا من أهلها وساروا الى بلد اللان واللكز ومن عندهم من الأمم فأوقعوا ورحلوا عن قفجاق وأجلوهم عنهم واستولوا عليها وساحوا في تلك الأرض حتى وصلوا الى بلاد الروس وقد تقدم ذكر جميعه مستقصى وإنما أوردناه ههنا جملة ليعلم الذي كان في هذه السنة من حوادثهم
وفيها توفي صديقنا أمين الدين ياقوت الكاتب الموصلي ولم يكن في زمانه من يكتب ما يقاربه ولا من يؤدي طريقة ابن البواب مثله وكان ذا فضائل جمة من علم الأدب وغيره وكان كثير الخير نعم الرجل مشهورا في الدنيا والناس متفقون على الثناء الجميل عليه والمدح له ولهم فيه أقوال كثيرة نظما ونثرا فمن ذلك ما قاله نجيب الدين الحسين بن علي الواسطي من قصيدة يمدحه بها
( جامع شارد العلوم ولولاه
لكانت الفضائل ثكلى )
( ذو يراع تخاف سطوته الأسد وتعنو له الكتائب دلا
)
( وإذا افتر ثغره عن سواد
في بياض فالبيض والسمر خجلى )
( أنت بدر والكاتب بن هلال
كأبيه لا فخر فيمن تولى )
ومنها
إن يكن أولا فإنك بالتفضيل أولى لقد سبقت وصلى 429
وهي طويلة والكاتب بن هلال هو ابن البواب الذي هو أشهر من أن يعرف
وفيها توفي جلال الدين الحسن وهو من أولاد الحسن بن الصباح الذي تقدم ذكره صاحب الموت وكردكوه وهو مقدم الاسماعيلية وقد ذكرنا أنه كان قد اظهر شريعة الإسلام من الأذان والصلاة وولي بعده ابنه علاء الدين محمد 430
ثم دخلت سنة تسع عشرة وستمائة
ذكر خروج طائفة من قفجاق إلى أذربيجان وما فعلوه بالكرج وما كان منهم
لما استولى التتر على أرض قفجاق تفرق قفجاق فطائفة قصدت بلاد الروس وطائفة تفرقت في جبالهم واجتمع طائفة كثيرة منهم وساروا الى دربند شروان وأرسلوا الى صاحبه واسمه رشيد وقالوا له إن التتر قد ملكوا بلادنا ونهبوا أموالنا وقد قصدناك لنقيم في بلادك ونحن مماليك لك ونفتح البلاد لك وأنت سلطاننا فمنعهم من ذلك وخافهم فأعادوا الرسالة إليه إننا نحن نرهن عندك أولادنا ونساءنا على الطاعة والخدمة لك والانقياد لحكمك فلم يجبهم الى ما طلبوا فسألوه ان يمكنهم ليتزودوا من بلده تدخل عشرة عشرة فإذا اشتروا ما يحتاجون إليه فارقوا بلاده فأجابهم إلى ذلك فصاروا يدخلون متفرقين ويشترون ما يريدون ويخرجون ثم إن بعض كبرائهم والمقدمين منهم جاء الى رشيد وقال إنني كنت في خدمة السلطان خوارزمشاه وأنا مسلم والدين يحملني على نصحك اعلم ان قفجاق اعداؤك ويريدون الغدر بك فلا تمكنهم من المقام ببلادك فاعطني عسكرا حتى أقاتلهم وأخرجهم من البلاد ففعل ذلك وسلم اليه طائفة من عسكره واعطاهم ما يحتاجون من سلاح وغيره فساروا معه فأوقعوا بطائفة من قفجاق فقتل منهم جماعة ونهب منهم فلم يتحرك قفجاق لقتال بل قالوا نحن مماليك الملك شروان شاه رشيد ولولا ذلك لقاتلنا عسكره فلما عاد ذلك المقدم القفجاقي ومعه عسكر رشيد سالمين فرح بهم ثم ان قفجاق فارقوا موضعهم فساروا ثلاثة أيام فقال ذلك القفجاقي لرشيد أريد عسكرا اتبعهم فأمر له من العسكر بما أراد فسار يقفو أثر القفجاقي فأوقع بأواخرهم وغنم منهم
وقصده جمع كثير من قفجاق من الرجال والنساء يبكون وقد جزوا شعورهم 431 ومعهم تابوت وهم محيطون به يبكون حوله وقالوا له إن صديقك فلانا قد مات وقد أوصى ان نحمله إليك فتدفنه في أي موضع شئت ونكون نحن عندك فحمله معه والذين يبكون عليه أيضا وعاد الى شروان شاه رشيد وأعلمه أن الميت صديق له وقد حمله معه وقد طلب أهله ان يكونوا عنده في خدمته فأمر أن يدخلوا البلد وأنزلهم فيه فكان أولئك الجماعة يسيرون مع ذلك المقدم ويركبون بركوبه ويصعدون معه الى القلعة التي لرشيد ويقعدون عنده ويشربون معهم ونساؤهم فأحب رشيد امرأة ذلك الرجل الذي قيل له انه ميت ولم يكن مات وإنما فعلوا هكذا مكيدة حتى دخلوا البلد والذي أظهروا موته معهم في المجلس ولا يعرفه رشيد هو من أكبر مقدمي قفجاق فيقوا كذلك عدة أيام فكل يوم يجيء جماعة من قفجاق متفرقين فاجتمع بالقلعة منهم جماعة وأرادوا قبض رشيد وملك بلاده ففطن لذلك عن القلعة من باب السر وهرب ومضى إلى شروان وملك قفجاق القلعة وقالوا لأهل البلد نحن خير لكم من رشيد وأعادوا باقي أصحابهم اليهم وأخذوا السلاح الذي في البلد جميعه واستولوا على الأموال التي كانت لرشيد في القلعة ورحلوا عن القلعة وقصدوا قبلة وهي للكرج فنزلوا عليها وحصروها فلما سمع رشيد بمفارقتهم القلعة رجع اليها وملكها وقتل من بها من قفجاق ولم يشعر القفجاق الذي عند قبلة بذلك فأرسلوا طائفة منهم الى القلعة فقتلهم رشيد أيضا فبلغ الخبر الى القفجاق فعادوا الى دربند فلم يكن لهم في القلعة طمع وكان صاحب قبلة لما كانوا يحصرونه قد أرسل إليهم وقال لهم أنا أرسل الى ملك الكرج حتى يرسل اليكم الخلع والأموال ونجتمع نحن وأنتم ونملك البلاد فكفوا عن نهب ولايته أياما ثم انهم مدوا ايديهم بالنهب والفساد ونهبوا بلاد قبلة جميعها وساروا الى قريب كنجة من بلاد أرادن وهي للمسلمين فنزلوا هناك فأرسل اليهم الأمير بكنجة وهو مملوك لأوزبك صاحب أذربيجان اسمه كوشخرة عسكرا فمنعهم من الوصول الى بلاده وسير رسولا إليهم يقول لهم غدرتم بصاحب شروان واخذتم قلعته وغدرتم بصاحب قبلة ونهبتم بلاده فما يثق بكم أحد فأجابوا أننا ما جئنا الا قصدا لخدمة سلطانكم فمنعنا شروان شاه عنكم فلهذا قصدنا بلاده وأخذنا قلعته ثم تركناها من غير خوف وأما صاحب قبلة فهو عدو لكم ولو أردنا أن نكون عند الكرج لما كنا جعلنا طريقنا على دربندشروان فإنه اصعب واشق وأبعد وكنا جئنا الى بلادهم على عادتنا ونحن نوجه الرهائن اليكم فلما سمع هذا سار 432 اليهم فسمع به قفجاق فركب اميران منهم هما مقدماهم في نفر يسير وجاؤوا اليه ولقوه وخدموه وقالوا له قد اتيناك جريدة في قلة من العدد لتعلم أننا ما قصدنا إلا الوفاء والخدمة لسلطانكم فأمرهم كوشخرة بالرحيل والنزول عند كنجة وتزوج ابنة احدهم وأرسل الى صاحبه أوزبك يعرفه حالهم فأمر لهم بالخلع والنزول بجبل كيلكون ففعلوا ذلك وخافهم الكرج فجمعوا لهم ليكبسوهم فوصل الخبر بذلك إلى كوشخرة أمير كنجة فأخبر قفجاق وأمرهم بالعود والنزول عند كنجة فعادوا ونزاوا عندها وسار امير من امراء قفجاق في جمع منهم الى الكرج فكبسهم وقتل كثيرا منهم وهزمهم وغنم ما معهم واكثر القتل فيهم والأسر منهم وتمت الهزيمة عليهم ورجع قفجاق الى جبل كيلكون فنزلوا فيه كما كانوا فلما نزلوا اراد الأمير الآخر من أمراء قفجاق أن يؤثر في الكرج مثل ما فعل صاحبه فسمع كوشخرة فأرسل إليه ينهاه عن الحركة إلى أن يكشف له خبر الكرج فلم يقف فسار الى بلادهم في طائفته ونهب وخرب وأخذ الغنائم فسار الكرج من طريق يعرفونها وسبقوه فلما وصل اليهم قاتلوه وحملوا عليه وعلى من معه على غرة وغفلة فوضعوا السيف فيهم وأكثروا القتل فيهم واستنقذوا الغنائم منه فعاد هو ومن معه على أقبح حالة وقصدوا برذعة وأرسلوا إلى كوشخرة يطلبون ان يحضر عندهم هو بنفسه ليقصدوا الكرج فيأخذوا بثأرهم منهم فلم يفعل وأخافهم وقال انتم خالفتموني وعملتم برأيكم فلا انجدكم بفارس واحد فأرسلوا يطلبون الرهائن الذين لهم فلم يعطهم فاجتمعوا واخذوا كثيرا من المسلمين عوضا من الرهائن فثار بهم المسلمون من اهل البلاد وقاتلوهم فقتلوا منهم جماعة كثيرة فخافوا وساروا نحو شروان وجازوا الى بلد اللكز فطمع الناس فيهم المسلمون والكرج واللكز وغيرهم فأفنوهم قتلا ونهبا وأسرا وسبيا بحيث ان المملوك منهم كان يباغ في دربند شروان بالثمن البخس
ذكر نهب الكرج بيلقان
في هذه السنة في شهر رمضان سار الكرج من بلادهم الى بلاد أران وقصدوا مدينة بيلقان وكان التتر قد خربوها ونهبوها كما ذكرناه قبل فلما سار التتر إلى بلاد قفجاق عاد من سلم من اهلها اليها وعمروا ما أمكنهم عمارته من سورها فبينما هم كذلك اذا اتاهم الكرج ودخلوا البلد وملكوه وكان المسلمون في تلك البلاد ألفوا من 433 الكرج انهم إذا ظفروا ببلد صانعوهم بشيء من المال فيعودون عنهم فكانوا احسن الأعداء مقدرة فلما كان هذه الدفعة ظن المسلمون انهم يفعلون مثل ما تقدم فلم يبالغوا في الامتناع منهم ولا هربوا من بين أيديهم فلما ملك الكرج المدينة وضعوا السيف في أهلها وفعلوا من القتل والنهب ما فعل بهم التتر هذا جميعه يجري وصاحب بلاد أذربيجان أوزبك بن البهلوان بمدينة تبريز ولا يتحرك في صلاح ولا يتجه لخير بل قد قنع بالأكل وادمان الشرب والفساد فقبحه الله ويسر للمسلمين من يقوم بنصرهم وحفظ بلادهم بمحمد وآله
ذكر ملك بدر الدين قلعة شوش
في هذه السنة ملك بدر الدين صاحب الموصل قلعة شوش من اعمال الحميدية وبينها وبين الموصل اثنا عشر فرسخا وسبب ذلك انها كانت هي وقلعة العقر متجاورتين لعماد الدين زنكي بن أرسلانشاه وكان بينهما من الخلف ما تقدم ذكره فلما كان هذه السنة سار زنكي الى اذربيجان ليخدم صاحبها أوزبك بن البهلوان فاتصل به وصار معه واقطعه اقطاعات وأقام عنده فسار بدر الدين إلى قلعة شوش فحاصرها وضيق عليها وهي على رأس جبل عال فطال مقامه عليها لحصانتها فعاد الى الموصل وترك عسكره محاصرا لها فلما طال الأمر على من بها ولم يروا من يرحله عنهم ولا من ينجدهم سلموها على قاعدة استقرت بينهم من اقطاع وخلع وغير ذلك فتسلمها نوابه في التاريخ ورتبوا أمورها وعادوا الى الموصل
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة في العشرين من شعبان ظهر كوكب في السماء في الشرق كبير له ذؤابة طويلة غليظة وكان طلوعه وقت السحر فبقي كذلك عشرة أيام ثم انه ظهر اول الليل في الغرب مما يلي الشمال فكان كل ليلة يتقدم الى جهة الجنوب نحو عشرة أذرع في رأي العين فلم يزل يقرب من الجنوب حتى صار غربا محضا ثم صار غربا مائلا الى الجنوب بعد ان كان غربا مما يلي الشمال فبقي كذلك الى آخر شهر رمضان من السنة ثم غاب 434
وفيها توفي ناصر الدين محمود بن محمد قزا أرسلان صاحب حصن كيفا وآمد وكان ظالما قبيح السيرة في رعيته قيل إنه كان يتظاهر بمذهب الفلاسفة في أن الأجساد لا تحشر كذبوا لعنهم الله ولما مات ملك ابنه الملك المسعود 435
ثم دخلت سنة عشرين وستمائة
ذكر ملك صاحب اليمن مكة حرسها الله تعالى
في هذه السنة سار الملك المسعود اتسز بن الملك الكامل محمد صاحب مصر الى مكة وصاحبها حينئذ حسن بن قتادة بن ادريس العلوي الحسيني قد ملكها بعد ابيه كما ذكرنا وكان حسن قد أساء إلى الأشراف والمماليك الذين كانوا لأبيه وقد تفرقوا عنه ولم يبق عنده غير أخواله من غيره فوصل صاحب اليمن الى مكة ونهبها عسكره الى العصر فحدثني بعض المجاورين المتأهلين أنهم نهبوها حتى أخذوا الثياب عن الناس وأفقروهم وأمر صاحب اليمن أن ينبش قبر قتادة ويحرق فنبشوه فظهر التابوت الذي دفنه ابنه الحسن والناس ينظرون اليه فلم يروا فيه شيئا فعلموا حينئذ ان الحسن دفن أباه سرا وانه لم يجعل في التابوت شيئا وذاق الحسن عاقبة قطيعة الرحم وعجل الله مقابلته وأزال عنه ما قتل أباه وأخاه وعمه لأجله خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين
ذكر حرب بين المسلمين والكرج بأرمينية
في هذه السنة في شعبان سار صاحب قلعة سرماري وهي من اعمال ارمينية الى خلاط لانه كان في طاعة صاحب خلاط وهو حينئذ شهاب الدين غازي بن العادل أبي بكر بن ايوب فحضر عنده واستخلف ببلده اميرا من أمرائه فجمع هذا الأمير جمعا وسار الى بلاد الكرج فنهب منها عدة قرى وعاد فسمعت الكرج بذلك فجمع صاحب دوين واسمه شلوة وهو من أكابر امراء الكرج عسكره وسار الى سرماري فحصرها أياما ونهب بلدها وسوادها ورجع فسمع صاحب سرماري الخبر فعاد الى سرماري فوصل إليها في اليوم الذي رحل الكرج عنها فأخذ عسكره وتبعهم فأوقع بساقنهم فقتل منهم وغنم واستنقذ ما أخذوا من غنائم بلاده ثم إن صاحب دوين جمع 436 عسكره وسار الى ساماري ليحصرها فوصل الخبر الى صاحبها بذلك فحصنها وجمع الذخائر وما يحتاج إليه فأتاه من اخبره ان الكرج نزلوا بواد بين دوين وسرماري وهو واد ضيق فسار بجميع عسكره جريدة وجد السير ليكبس الكرج فوصل الى الوادي الذي هم فيه وقت السحر ففرق عسكره فرقتين فرقة من أعلى الوادي وفرقة من أسفله وحملوا عليهم وهم غافلون ووضعوا السيف فيهم فقتلوا وأسروا فكان في جملة الأسرى شلوة أمير دوين في جماعة كثيرة من مقدميهم ومن سلم من الكرج عاد الى بلدهم على حال سيئة ثم إن ملك الكرج ارسل الى الملك الأشرف موسى بن العادل صاحب ديار الجزيرة وهو الذي أعطى خلاط وأعمالها الأمير شهاب الدين يقول له كنا نظن أننا على صلح والآن فقد عمل صاحب سرماري هذا العمل فإن كنا على الصلح فنريد إطلاق أصحابنا من الأسر وإن كان الصلح قد انفسخ بيننا فتعرفنا حتى ندبر أمرنا فأرسل الأشرف الى صاحب سرماري يأمره بإطلاق الأسرى وتجديد الصلح مع الكرج ففعل ذلك واستقرت قاعدة الصلاح وأطلق الأسرى
ذكر الحرب بين غياث الدين وبين خاله
في هذه السنة في جمادي الآخرة انهزم إيغان طائسي وهو خال غياث الدين بن خوارزمشاه محمد بن تكش وهذا غياث الدين هو صاحب بلاد الجبل والري وأصبهان وغير ذلك وله أيضا بلاد كرمان وكان سبب ذلك ان خاله إيغان طائسي كان معه وفي خدمته وهو اكبر أمير معه لا يصدر غياث الدين الا عن رأيه والحكم إليه في جميع المملكة فلما عظم شأنه حدث نفسه بالاستيلاء على الملك وحسن له ذلك غيره وأطعمه فيه
قيل إن الخليفة الناصر لدين الله اقطعه البلاد سرا وأمره بذلك فقويت نفسه على الخلاف فاستفسد جماعة من العسكر واستمالهم فلما تم له أمره أظهر الخلاف على غياث الدين وخرج عن طاعته أوزبك وصار في البلاد يفسد ويقطع الطريق وينهب ما أمكنه من القرى وغيرها وانضاف إليه جمع كثير من أهل العنف والفساد ومعه مملوك آخر اسمه أيبك الشامي كانا متفقين على العصيان فقوي بهما وساروا جميعهم إلى غياث الدين ليقاتلوه ويملكوا بلاده ويخرجوه منها فجمع غياث الدين عسكره والتقوا بنواحي 437 واقتتلوا فانهزم خال غياث الدين ومن معه وقتل من عسكره وأسر كثير وعاد المنهزمون إلى أذربيجان على أقبح حال وأقام غياث الدين في بلاده وثبت قدمه
حادثة غريبة لم يوجد مثلها
كان أهل مملكة الكرج لم يبق منهم غير امرأة وقد انتهى الملك إليها فوليته وقامت بالأمر فيهم وحكمت فطلبوا لها رجلا يتزوجها ويقوم بالملك نيابة عنها ويكون من اهل بيت مملكة فلم يكن فيها من يصلح لهذا الأمر وكان صاحب أرزن الروم هذا الوقت هو مغيث الدين طغرلشاه بن قلج ارسلان بن مسعود قلج ارسلان وبيته مشهور من أكابر ملوك الاسلام وهم من الملوك السلجوقية وله ولد كبير فأرسل الى الكرج يطلب الملكة لولده ليتزوجها فامتنعوا من إجابته وقالوا لا نفعل هذا لأننا لا يمكننا ان يملك أمرنا مسلم فقال لهم إن ابني يتنصر ويتزوجها فأجابوه إلى ذلك فأمر ابنه فتنصر ودان بالنصرانية وتزوج الملكة وانتقل فيها وأقام عند الكرج حاكما في بلادهم واستمر على النصرانية نهوذ بالله من الخذلان ونسأله ان يجعل خير اعمالنا آخرها وخير أعمالنا خواتيمها وخير ايامنا يوم نلقاه ثم كانت هذه الملكة الكرجية تهوى مملوكا لها فكان زوجها يسمع عنها القبائح ولا يمكنه الكلام لعجزه ثم إنه يوما دخل عليها فرآها نائمة مع مملوكها في فراش فأنكر ذلك وواجهها بالمنع منه فقالن إن رضيت بهذا وإلا فأنت أخبر فقال إنني لا ارضى بهذه فنقلته الى بلد آخر ووكلت به من يمنعه من الحركة وحجرت عليه وأرسلت الى بلد اللان وأحضرت رجلين كانا قد وصفا بحسن الصورة فتزوجت أحدهما فبقي معها يسيرا ثم إنها فارقته واحضرت انسانا آخر من كنجة وهو مسلم فطلبت منه ان يتنصر ليتزوجها فلم يفعل فأرادت ان تتزوجه وهو مسلم فقام عليها جماعة الأمراء ومعهم إيواني وهو مقدم العساكر الكرجية فقالوا لها قد افتضحنا بين الملوك بما تفعلين ثم تريدين ان يتزوجك مسلم وهذا لا نمكن منه ابدا والأمر بينهم متردد والرجل الكنجي عندهم لم يجبهم الى الدخول في النصرانية وهي تهواه
ذكر حوادث عدة
في هذه السنة كان الجراد في اكثر البلاد وأهلك كثيرا من الغلات والخضر بالعراق والجزيرة وديار بكر وكثير من الشام وغيرها 438
وفيها في رمضان توفي عبد الرحمن بن هبة الله بن عساكر الفقيه الشافعي الدمشقي بها وكان غزير العلم عالما بالمذهب كثير الصلاح والزهد والخير رحمه الله
وفيها تجمع العرب في خلق كثير على حجاج الشام وأرادوا قطع الطريق عليهم وأخذهم وكان الأمير على الحجاج شرف يعقوب من محمد وهو من اهل الموصل أقام بالشام وتقدم فيه فمنعهم بالرغبة والرهبة ثم صانعهم بمال وثياب وغير ذلك فأعطى الجميع من ماله ولم يأخذ من الحجاج الدرهم الفرد وفعل فعلا جميلا وكان عنده كثير من العلوم ويرجع الى دين متين 439
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وستمائة
ذكر عود طائفة من التتر الى الري وهمذان وغيرهما
أول هذه السنة وصل طائفة من التتر من عند ملكهم جنكزخان وهؤلاء غير الطائفة الغربية التي ذكرنا اخبارها قبل وصول هؤلاء الري وكان من سلم من اهلها قد عادوا إليها وعمروها فلم يشعروا بالتتر الا وقد وصلوا اليهم فلم يمتنعوا عنهم فوضعوا في اهلها السيف وقتلوهم كيف شاؤوا ونهبوا البلد وخربوه وساروا الى ساوة ففعلوا بها كذلك ثم الى قم وقاشان وكانتا قد سلمتا من التتر أولا فإنهم لم يقربوهما والحقوهما بغيرهما من البلاد الخراب ثم ساروا في البلاد يخربون ويقتلون وينهبون ثم قصدوا همذان وكان قد اجتمع بها كثير ممن سلم من اهلها فأبادوهم قتلا وأسرا ونهبا وخربوا البلد وكانوا لما وصلوا الى الري رأوا بها عسكرا كثيرا من الخوارزمية فكبسوهم وقتلوا منهم وانهزم الباقون الى اذربيجان فنزلوا بأطرافها فلم يشعروا إلا والتتر ايضا قد كبسوهم ووضعوا السيف فيهم فولوا منهزمين فوصل طائفة منهم الى تبريز وأرسلوا الى صاحبها أوزبك بن البهلوان يقولون إن كنت موافقنا فسلم إلينا من عندك من الخوارزمية وإلا فعرفنا أنك غير موافق لنا ولا في طاعتنا فعمد الى من عنده من الخوارزمية فقتل بعضهم وأسر بعضهم وحمل الأسرى والرؤوس الى التتر وانفذ معها من الأموال والثياب والدواب شيئا كثيرا فعادوا عن بلاده نحو خرسان فعلوا هذا وليسوا في كثرة كانوا نحو ثلاثة آلاف فارس وكان الخوارزمية الذين انهزموا منهم نحو ستة آلاف فارس وعسكر اوزبك اكثر من الجميع ومع هذا فلم يحدث نفسه ولا الخوارزمية بالامتناع منهم نسأل الله أن ييسر للإسلام والمسلمين من يقوم بنصرتهم فقد دفعوا الى امر عظيم من قتل النفوس ونهب الأموال واسترقاق الأولاد وسبي الحريم وقتلهن وتخريب البلاد 440
ذكر ملك غياث الدين بلاد فارس
قد ذكرنا ان غياث الدين بن خوارزمشاه محمد كان بالري وله معها أصفهان وهمدان وما بينهما من البلاد وله ايضا بلاد كرمان فلما هلك أبوه كما ذكرناه وصل التتر الى بلاده وامتنع بأصفهان وحصره التتر فيها فلم يقدروا عليها فلما فارق التتر بلاده وساروا الى بلاد قفجاق عاد وملك البلاد وعمر ما أمكنه منها وأقام بها الى اواخر سنة عشرين وستمائة وجرى له ما ذكرناه ففي آخر سنة عشرين سار الى بلاد فارس فلم يشعر صاحبها وهو أتابك سعد بن دكلا إلا وقد وصل غياث الدين الى أطراف بلاده فلم يتمكن من الامتناع فقصد قلعة اصطخر فاحتمى بها وسار غياث الدين الى مدينة شيراز وهي كرسي مملكة فارس وأكبرها وأعظمها فملكها بغير تعب أول سنة احدى وعشرين وستمائة وبقي غياث الدين بها واستولى على اكثر البلاد ولم يبق بيد سعد الدين إلا الحصون المنيعة فلما طال الأمر على سعد الدين صالح غياث الدين على أن يكون لسعد الدين من البلاد قسم اتفقوا عليه ولغياث الدين الباقي وأقام غياث الدين بشيراز وازداد اقامة وعزما على ذلك لما سمع أن التتر قد عادوا الى الري والبلاد التي له وخربوها
ذكر عصيان شهاب الدين غازي على أخيه الملك الأشرف وأخذ خلاط منه
كان الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر بن أيوب قد اقطع أخاه شهاب الدين غازي مدينة خلاط وجميع أعمال أرمينية وأضاف إليها ميافارقين وحاني وجبل جور ولم يقنع بذلك حتى جعله ولي عهده في البلاد التي له جميعها وحلف له جميع النواب والعساكر في البلاد فلما سلم إليه أرمينية سار إليها كما ذكرناه وأقام بها إلى آخر سنة عشرين وستمائة فأظهر مغاضبة أخيه الملك الأشرف والتجني عليه والعصيان والخروج عن طاعته فراسله الأشرف يستميله ويعاتبه على ما فعل فلم يرعو ولا ترك ما هو عليه بل اصر على ذلك واتفق هو واخوه المعظم عيسى صاحب دمشق ومظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل على الخلاف للأشرف والاجتماع على محاربته واظهروا ذلك وعلم الاشرف فأرسل الى أخيه الكامل بمصر يعرفه ذلك وكانا متفقين وطلب منه نجدة فجهز العساكر وأرسل إلى اخيه صاحب دمشق يقول له إن تحركت من بلدك سرت إليه وأخذته وكان قد سار نحو ديار الجزيرة 441 للميعاد الذي بينهم فلما وصلت إليه رسالة أخيه وسمع بتجهيز العساكر عاد الى دمشق واما صاحب إربل فإنه جمع العساكر وسار الى الموصل فكان منه ما نذكره إن شاء الله وأما الأشرف فإنه لما اتفق عصيان اخيه جمع العساكر من الشام والجزيرة والموصل وسار الى خلاط فلما قرب منها خافه اخوه غازي ولم يكن له قوة على ان يلقاه محاربا ففرق عسكره في البلاد ليحصنها وانتظر ان يسير صاحب اربل الى ما يجاوره من الموصل وسنجار وان يسير أخوه صاحب دمشق الى بلاد اىشرف عند الفرات الرقة وحران وغيرهما فيضطر الأشرف حينئذ الى العود عن خلاط فسار الأشرف إليه وقصد خلاط وكان أهلها يريدونه ويختارون دولته لحسن سيرته كانت فيهم وسوء سيرة غازي فلما حصرها سلمها أهلها إليه يوم الاثنين ثاني عشر جمادى الآخرة وبقي غازي في القلعة ممتنعا فلما جنه الليل نزل الى أخيه معتذرا ومتنصلا فعاتبه الأشرف وأبقى عليه ولم يعاقبه على فعله لكن اخذ البلاد منه وأبقى عليه ميافارقين
ذكر حصار صاحب إربل الموصل
قد ذكرنا اتفاق مظفر الدين كوكبري بن زين الدين على صاحب إربل وشهاب الدين غازي صاحب خلاط والمعظم عيسى صاحب دمشق على قصد بلاد الملك الأشرف فأما صاحب دمشق فإنه سار عنها مراحل يسيرة وعاد اليها لأن اخاه صاحب مصر أرسل إليه يتهدده ان سار عن دمشق أنه يقصدها ويحصرها فعاد
وأما غازي فإنه استحصر في خلاط وأخذت منه كما ذكرناه وأما صاحب أربل فإنه جمع عسكره وسار إلى بلد الموصل وحصرها ونازلها يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة ظنا منه ان الملك الأشرف اذا سمع بنزوله عليها رحل عن خلاط ويخرج غازي في طلبه فتتخبط أحواله وتقوى نفس صاحب دمشق على المجيء إليهم فلما نازل الموصل كان صاحبها بدر الدين لؤلؤ قد أحكم امورها من استخدام الجند على الأسوار وإظهار آلة الحصار وإخراج الذخائر وإنما قوي طمع صاحب إربل على حصر الموصل لأن اكثر عسكرها كان قد سار الى الملك الأشرف الى خلاط وقد قل العساكر فيها وكان الغلاء شديدا في البلاد جميعها والسعر في الموصل كل ثلاث مكاكي بدينار فلهذا السبب أقدم على حصرها فلما نزل عليها أقام عشرة أيام ثم رحل عنها 442 يم الجمعة لسبع بقين من جمادى الآخرة وكان سبب رحيله انه رأى امتناع البلد عليه وكثرة من فيه وعندهم من الذخائر ما يكفيهم الزمان الكثير ووصل إليه خير الملك الأشرف انه ملك خلاط فانفسخ عليه كل ما كان يؤمله من صاحبها ومن دمشق وبقي وحده متلبسا بالأمر فلما وصلت الاخبار اليه بذلك سقط في يده ورأى انه قد اخطأ الصواب فرحل عائدا الى بلده وأقام على الزاب ومدة مقامه على الموصل لم يقاتلها إنما كان في بعض الأوتات يجيء بعض الترك الذين له يقاتلون البلد فيخرج إليهم بعض الفرسان وبعض الرجالة فيجري بينهم قتال ليس بالكثير ثم يتفرقون وترجع كل طائفة الى صاحبها
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة أول آب جاء ببغداد مطر برعد وبرق وجرت المياه بباب البصرة والحربية وكذلك بالمحول بحيث أن الناس كانوا يخوضون في الماء والوحل بالمحول
وفيها سار صاحب المخزن الى يقوبا في ذي القعدة فعسف أهلها فنقل إليه عن انسان منها انه يسبه فأحضره وأمر بمعاقبته وقال له تسبني فقال له انتم تسبون أبا بكر وعمر لأجل اخذهما فدك وهي عشر نخلات لفاطمة عليها السلام وانتم تأخذون مني ألف نخلة ولا اتكلم فعفا عنه
وفيها وقعت فتنة بواسط بين السنية والشيعة على جاري عادتهم
وفيها قلت الأمطار في البلاد
فلم يجبى منها شيء الى شباط ثم إنها كانت تجيء في الاوقات المتفرقة مجيئا قريبا لا يحصل منه الري للزرع فجاءت الغلات قليلة ثم خرج عليها الجراد ولم يكن في الأرض من النبات ما يشتغل به عنها فأكلها إلا القليل وكان كثيرا خارجا عن الحد فغلت الأسعار في العراق والموصل وسائر ديار الجزيرة وديار بكر وغيرها وقلت الأقوات إلا ان اكثر الغلاء كان بالموصل وديار الجزيرة 443
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وستمائة
ذكر حصر الكرج مدينة كنجة
في هذه السنة سارت الكرج في جموعها الى مدينة كنجة من بلاد أران قصدا لحصرها وامتدوا لها بما امكنهم من القوة لأن اهل كنجة كثير عددهم قوية شوكتهم وعندهم شجاعة كبيرة من طول ممارستهم للحرب مع الكرج فلما وصلوا إليها وقاربوا قاتلوا اهلها عدة ايام من وراء السور ولم يظهر من اهلها أحد ثم في بعض الأيام خرج اخل كنجة ومن عندهم من العسكر من البلد وقاتلوا الكرج بظاهر البلد أشد قتال وأعظمه فلما رأى الكرج ذلك علموا انهم لا طاقة لهم بالبلد فرحلوا بعد ان اثخن أهل كنجة فيهم (
ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا )
ذكر وصول جلال الدين بن خوارزمشاه الى خوزستان والعراق
في أول هذه السنة وصل جلال الدين بن خوارزمشاه محمد بن تكش الى بلاد خوزستان والعراق وكان مجيئه من بلاد الهند لأنه كان وصل اليها لما قصد التتر غزنة وقد ذكرنا ذلك فلما تعذر عليه المقام ببلاد الهند سار عنها على كرمان ووصل الى اصفهان وهي بيد اخيه غياث الدين وقد تقدمت اخباره فملكها وسار عنها إلى بلاد فارس وكان اخوه قد استولى على بعضها كما ذكرناه
فأعاد ما كان اخوه اخذه منها الى اتابك سعد صاحبها وصالحه وسار من عنده الى خوزستان فحصر مدينة تستر في المحرم وبها الأمير مظفر الدين المعروف بوجه السبع مملوك الخليفة الناصر لدين الله حافظا لها وأميرا عليها فحصره جلال الدين وضيق عليه فحفظها وجه السبع وبالغ في الحفظ والاحتياط وتفرق الخوارزمية ينهبون حتى وصلوا الى بادرايا وباكسايا وغيرهما وانحدر بعضهم إلى ناحية البصرة فنهبوا هنالك فسار إليهم شحنة البصرة وهو الأمير ملتكين فأوقع بهم وقتل منهم جماعة فدام الحصار نحو شهرين ثم رحل 444 عنها بغتة وكانت عساكر الخليفة مع مملوكه جمال الدين قشتمر بالقرب منه فلما رحل جلال الدين لم يقدر العسكر على منعه فسار الى ان وصل الى يعقوبا وهي قرية مشهورة بطريق خراسان بينها وبين بغداد نحو سبعة فراسخ فلما وصل الخبر الى بغداد تجهزوا للحصار واسلحوا السلاح من الجروخ والقسي والنشاب والنفط وغير ذلك وعاد عسكر الخليفة الى بغداد واما عسكر جلال الدين فنهب البلاد وأهلها وكان قد وصل هو وعسكره الى خوزستان في ضر شديد وجهد جهيد وقلة من الدواب والذي معهم فهو من الضعف إلى حد لا ينتفع به فغنموا من البلاد جميعها واستغنوا واكثروا من اخذ الخيل والبغال فانهم كانوا في غاية الحاجة اليها وسار من يعقوبا الى دقوقا فحصرها فصعد أهلها إلى السور وقاتلوه وسبوه وأكثروا من التكبير فعظم ذلك عنده وشق عليه وجد في قتالهم ففتحها عنوة وقهرا ونهبتها عساكره وقتلوا كثيرا من اهلها فهرب من سلم منهم من القتل وتفرقوا في البلاد
ولما كان الخوارزميون على دقوقا سارت سرية منهم الى البت والراذان فهرب اهلها الى تكريت فتبعهم الخوارزميون فجرى بينهم وبين عسكر تكريت وقعة شديدة فعادوا إلى العسكر ولقد رأيت بعض أعيان أهل دقوقا وهم بنو يعلى وهم أغنياء فنهبوا وسلم احدهم ومعه ولدان له وشيء يسير من المال فسير ما سلم معه الى الشام مع الولدين ليتجر بما ينتفعون به وينفقونه على نفوسهم فمات احد الولدين بدمشق واحتاط الحاكم على ما معهم فلقد رأيت أباهم على حالة شديدة لا يعلمها الا الله يقول اخذت الأملاك وقتل بعض الأهل وفارقنا من سلم منهم والوطن بهذا القدر الحقير اردنا نكف به وجوهنا من السؤال ونصون أنفسنا فقد ذهب الولد والمال ثم سار إلى دمشق ليأخذ ما سلم مع ابنه الآخر فأخذه وعاد إلى الموصل فلم يبق غير شهر حتى توفي
( ان الشقي بكل حبل يخنق
)
وأما جلال الدين فإنه لما فعل بأهل دقوقا ما فعل خافه أهل البوازيج وهي لصاحب الموصل فأرسلوا اليه يطلبون منه ارسال شحنة اليهم يحميهم وبذلوا له شيئا من المال فأجابهم إلى ذلك وسير اليهممن يحميهم قيل كان بعض أولاد جنكزخان ملك التتر أسره جلال الدين في بعض حروبه مع التتر فأكرمه فحماهم وأقام بمكانه 445 الى اواخر ربيع الآخر والرسل مترددة بينه وبين مظفر الدين صاحب اربل فاصطلحوا فسار جلال الدين الى اذربيجان وفي مدة مقام جلال الدين بخوزستان والعراق ثارت العرب في البلاد يقطعون الطريق وينهبون القرى ويخيفون السبيل فنال الخلق منهم أذى شديد وأخذوا في طريق العراق قفلين عظيمين كانا سائرين إلى الموصل فلم يسلم منهم شيء البتة
ذكر وفاة الملك الأفضل وغيره من الملوك
في هذه السنة في صفر توفي الملك الأفضل علي بن صلاح الدين يوسف بن ايوب فجأة بقلعة سميساط وكان عمره نحو سبع وخمسين سنة وقد ذكرنا سنة تسع وثمانين وخمسمائة عند وفاة والده رحمه الله ملكه مدينة دمشق والبيت المقدس وغيرهما من الشام وذكرنا سنة اثنتين وتسعين اخذ الجميع منه وانتقل الى سميساط وأقام بها ولم يزل بها الى الان فتوفي بها وكان رحمه الله من محاسن الزمان لم يكن في الملوك مثله كان خيرا عادلا فاضلا حليما كريما قل أن عاقب على ذنب ولم يمنع طالبا وكان يكتب خطا حسنا وكتابة جيدة وبالجملة فاجتمع فيه من الفضائل والمناقب ما تفرق في كثير من الملوك لا جرم حرم الملك والدنيا وعاداه الدهر ومات بموته كل خلق جميل وفعل حميد فرحمه الله ورضي عنه ورأيت من كتابته أشياء حسنة فمما بقي على خاطري منها أنه كتب إلى أصحابه لما أخذت دمشق منه كتابا من فصوله وأما أصحابنا بدمشق فلا علم لي بأحد منهم وسبب ذلك أني
( أي صديق سألت عنه ففي الذل
وتحت الخمول في الوطن )
( وأي ضد سألت حالته
سمعت مالا تحبه أذني )
فتركت السؤال عنهم وهذا غاية الجودة في الاعتذار عن ترك السؤال عنهم ولما مات اختلف أولاده وعمهم قطب الدين موسى ولم يقو أحد منهم على الباقين ليستبد بالأمر
ومات في هذه السنة صاحب ارزن الروم وهو مغيث الدين طغرل بن قلج أرسلان وهو الذي سير ولده إلى الكرج وتنصر وتزوج ملكة الكرج ولما مات ملك 446 بعده ابنه
ومات فيها ملك ارزنكان وتوفي فيها عز الدين الخضر بن إبراهيم بن أبي بكر بن قرا أرسلان بن داود بن سقمان صاحب خرت برت وملك بعده ابنه نور الدين أرتق شاه وكان المدبر لدولته ودولة والده معين الدين عبد الرحمن
ذكر خلع شروان شاه وظفر المسلمين بالكرج
في هذه السنة ثار على شروان شاه ولده فنزعه من الملك وأخرجه من البلاد وملك بعده وسبب ذلك أن شروان شاه كان سيء السيرة كثير الفساد والظلم يتعرض الى اموال الرعايا وأملاكهم وقيل أيضا إنه كان يتعرض إلى النساء والولدان فاشتدت وطأته على الناس فاتفق بعض العسكر مع ولده وأخرجوا اباه من البلاد وملك الابن واحسن السيرة فأحبه العساكر والرعية وأرسل الولد الى أبيه يقول له إني أردت أن أتركك في بعض القلاع وأجري لك الجرايات الكثيرة ولكل من تحب أن يكون عندك والذي حملني على ما فعلت معك سوء سيرتك وظلمك لأهل البلاد وكراهيتهم لك ولدولتك فلما رأى الأب ذلك سار إلى الكرج واستنصر بهم وقرر معهم أن يرسلوا معه عسكرا يعيدونه إلى ملكه ويعطيهم نصف البلاد فسيروا معه عسكرا كثيرا فسار حتى قارب مدينة شروان فجمع ولده العسكر وأعلمهم الحال وقال إن الكرج متى حصرونا ربما ظفروا بنا وحينئذ لا يبقي أبي على احد منا ويأخذ الكرج نصف البلاد وربما أخذوا الجميع وهذا أمر عظيم إننا نسير إليهم جريدة ونلقاهم فإن ظفرنا بهم فالحمد لله وإن ظفروا بنا فالحصر بين أيدينا فأجابوه إلى ذلك فخرج في عسكره وهم قليل نحو الف فارس ولقوا الكرج وهم في ثلاثة آلاف مقاتل فالتقوا واقتتلوا وصبر أهل شروان فانهزم الكرج فقتل كثير منهم وأسر كثير ومن سلم عاد بأسوأ حال وشروان شاه المخلوع معهم فقال له مقدموا الكرج إننا لم نلق بسببك خيرا ولا نؤاخذك بما كان منك فلا تقم ببلادنا ففارقهم وبقي مترددا لا يأوي إلى احد واستقر ولده في الملك وأحسن الى الجند والرعية وأعاد الى الناس أملاكهم ومصادراتهم فاغتبطوا بولايته 447
ذكر ظفر المسلمين بالكرج ايضا
وفي هذه السنة ايضا سار جمع من الكرج من تفليس يقصدون أذربيجان والبلاد التي بيد اوزبك فنزلوا وراء مضيق في الجبال لا يسلك إلا للفارس معه الفرس فنزلوا آمنين من المسلمين استضعافا لهم واغترار بحصانة موضعهم وأنه لا طريق اليهم وركب طائفة من العساكر الإسلامية وقصدوا الكرج فوصل الى ذلك المضيق فجازوه مخاطرين فلم يشعر الكرج إلا وقد غشيهم المسلمون ووضعوا فيهم السيف فقتلوهم كيف شاؤوا وولى الباقون منهزمين لا يلوي والد على ولده ولا أخ على أخيه وأسر منهم جمع كثير صالح فعظم الأمر عليهم وعزموا على الأخذ بثارهم والجد في قصد أذربيجان واستئصال المسلمين منه وأخذوا يتجهزون على قدر عزمهم فبينما هم في ذلك إذ وصل اليهم الخبر بوصول جلال الدين بن خوارزمشاه إلى مراغة على ما نذكره إن شاء الله فتركوا ذلك وأرسلوا إلى أوزبك صاحب أذربيجان يدعونه إلى الموافقة على رد جلال الدين وخوفوه منه إن لم نتفق نحن وأنت وإلا أخذك ثم أخذنا فعاجلهم جلال الدين قبل اتفاقهم واجتماعهم فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر ملك جلال الدين أذربيجان
في هذه السنة استولى جلال الدين على أذربيجان وسبب ذلك انه لما سار من دقوقا كما ذكرناه قصد مراغة فملكها وأقام بها وشرع في عمارة البلد فاستحسنه فلما وصل اليها أتاه الخبر أن الأمير إيغان طائيسي وهو خال أخيه غياث الدين قد قصد همذان قبل وصول جلال الدين بيومين وكان ايغان طائيسي هذا قد جمع عسكرا يتجاوز خمسين الف فارس ونهب كثيرا من أذربيجان وسار الى البحر من بلد أران فشتى هنالك لقلة البرد ولما عاد الى همذان نهب أذربيجان ايضا مرة ثانية وكان سبب مسيره الى همذان أن الخليفة الناصر لدين الله راسله وأمره بقصد همذان وأقطعه إياها وغيرها فسار ليستولي عليها كما أمر فلما سمع جلال الدين بذلك سار جريدة إليه فوصل إلى ايغان طائيسي ليلا وكان إذا نزل جعل حول عسكره جميع ما غنموا من أذربيجان وأران من خيل وبغال وحمير وبقر وغنم فلما وصل جلال الدين أحاط بالجميع فلما أصبح عسكر إيغان طائيسي ورأى العسكر والجتر الذي يكون 448 على رأس السلطان علموا أنه جلال الدين فسقط في أيديهم لأنهم كانوا يظنونه عند دقوقا فأرسل ايغان طائيسي زوجته وهي اخت جلال الدين تطلب له الأمان فأمنه وأحضره عنده وانضاف عسكره إلى جلال الدين وبقي إيغان طائيسي وحده الى ان اضاف إليه جلال الدين عسكرا وعاد إلى مراغة وأعجبه المقام بها وكان أوزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان وأران قد سار من تبريز الى كنجة خوفا من جلال الدين وأرسل جلال الدين إلى من في تبريز من وال وأمير ورئيس يطلب منهم أن يتردد عسكره إليهم يمتارون فأجابوه إلى ذلك وأطاعوه فتردد العسكر اليها وباعوا واشتروا الأقوات والكسوان وغيرها ومدوا أيديهم الى اموال الناس فكان أحدهم يأخذ الشيء ويعطي الثمن ما يريد فشكا بعض أهل تبريز إلى جلال الدين منهم فأرسل إليهم شحنة يكون عندهم وأمر أن يقيم بتبريز ويكف أيدي الجند عن أهلها ومن تعدى على أحد منهم صلبه فأقام الشحنة ومنع الجند من التعدي على أحد من الناس وكانت زوجة أوزبك وهي ابنة السلطان طغرل بن ارسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه مقيمة بتبريز وهي كانت الحاكمة في بلاد زوجها وهو مشغول بلذاته من أكل وشرب ولعب
ثم إن أهل تبريز شكوا من الشحنة وقالوا انه يكلفنا اكثر من طاقتنا فأمر جلال الدين أنه لا يعطي إلا ما يقيم به لا غير ففعلوا ذلك وسار جلال الدين إلى تبريز وحصرها خمسة أيام وقاتل أهلها قتالا شديدا وزحف اليها فوصل العسكر إلى السور فأذعن أهلها بالطاعة وأرسلوا يطلبون الأمان منه لأنه كان يذمهم ويقول قتلوا اصحابنا المسلمين وأرسلوا رؤوسهم إلى التتر الكفار وقد تقدمت الحادثة سنة إحدى وعشرين وستمائة فخافوا منه لذلك فلما طلبوا الأمان ذكر لهم فعلهم بأصحاب أبيه وقتلهم فاعتذروا بأنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك وإنما فعله صاحبهم ولم يكن لهم من القدرة ما يمنعونه فعذرهم وأمنهم وطلبوا منه أن يؤمن زوجة أوزبك ولا يعارضها في الذي لها بأذربيجان ومدينة خوى وغيرها من ملك ومال وغيره فأجابهم إلى ذلك وملك البلد سابع عشر رجب من هذه السنة وسير زوجة أوزبك إلى خوى ومعها طائفة من العسكر من رجل كبير القدر عظيم المنزلة وأمرهم بخدمتها فإذا وصلت الى خوى من العسكر من رجل كبير القدر عظيم المنزلة وأهرهم بخدمتها فإذا وصلت الى خوى عادوا عنها ولما رحل جلال الدين الى تبريز امر ان لا يمنعوا عنه احدا من أهلها فأتاه الناس مسلمين عليه فلم يحجبوا عنه وأحسن إليهم وبث فيهم العدل ووعدهم 449 الإحسان والزيادة منه وقال لهم قد رأيتهم ما فعلت بمراغة من الإحسان والعمارة بعد أن كانت خرابا وسترون كيف أصنع معكم من العدل فيكم وعمارة بلادكم وأقام الى يوم الجمعة فحضر الجامع فلما خطب الخطيب ودعا للخليفة قام قائما ولم يزل كذلك حتى فرغ من الدعاء وجلس ودخل الى كشك كان أوزبك قد عمره وأخرج عليه من الأموال كثيرا فهو في غاية الحسن مشرف على البساتين فلما طاف فيه خرج منه وقال وهذا مسكن الكسالى لا يصلح لنا وأقام أياما استولى فيها على غيرها من البلاد وسير الجيوش إلى بلاد الكرج
ذكر انهزام الكرج من جلال الدين
قد ذكرنا فيما تقدم من السنين ما كان يفعلونه في بلاد الإسلام خلاط وأعمالها وأذربيجان وأران وأرزن الروم ودربند شروان وهذه ولايات تجاور بلادهم وما كانوا يسفكون من دماء المسلمين وينهبون من أموالهم ويملكون من بلادهم والمسلمون معهم في هذه البلاد تحت الذل والخزي كل يوم قد أغاروا وفتكوا فيهم وقاطعوهم على ما شاؤوا من الأموال فكنا كلما سمعنا بشيء من ذلك سألنا الله تعالى نحن والمسلمون في أن ييسر للإسلام والمسلمين من يحميهم وينصرهم ويأخذ بثارهم فإن أوزبك صاحب أذربيجان منعكف على شهوة بطنه وفرجه لا يفيق من سكره وإن هو أفاق فهو مشغول بالقمار بالبيض وهذا ما لم يسمع أن أحدا من الملوك فعله لا يهتدي لمصلحة ولا يغضب لنفسه بحيث ان بلاده مأخوذة وعساكره طماعة ورعيته قد قهرها وقد كان كل من أراد أن يجمع جمعا ويتغلب على بعض البلاد فعل كما ذكرناه من حال بغدي وأبيك الشامي ولإيغان طائيسي فنظر الله تعالى إلى أهل هذه البلاد المساكين بعين الرحمة فرحمهم ويسر لهم جلال الدين هذا ففعل بالكرج ما تراه وانتقم للإسلام والمسلمين منهم فنقول في هذه السنة كان المصاف بين جلال الدين وبين الكرج في شهر شعبان فإن جلال الدين من حين قصد إلى هذه النواحي لا يزال يقول إنني أريد أقصد بلاد الكرج واقاتلهم وأملك بلادهم فلما ملك أذربيجان أرسل إليهم يؤذنهم فأجابوه بأننا قد قصدنا التتر الذين فعلوا بأيبك وهو أعظم منك ملكا وأكثر عسكرا وأقوى نفسا ما تعلمه وأخذوا بلادكم فلم نبال بهم وكان قصاراهم السلامة منا وشرعوا يجمعون العساكر 450 فجمعوا ما يزيد على سبعين ألف مقاتل فسار اليهم فملك مدينة دوين وهي للكرج كانوا قد أخذوها من المسلمين كما ذكرناه وسار منها اليهم فلقوه وقاتلوه اشد قتال وأعظمه وصبر كل منهم لصاحبه فانهزم الكرج وأمر ان يقتلوا بكل طريق ولا يبقوا على احد منهم فالذي تحققنا انه قتل منهم عشرون الفا وقيل اكثر من ذلك فقيل الكرج جميعهم قتلوا وافترقوا وأسر كثير من أعيانهم من جملتهم شلوة فتمت الهزيمة عليهم ومضى إيواني منهزما وهو المقدم على الكرج جميعهم ومرجعهم إليه ومعولهم عليه وليس لهم ملك إنما الملك امرأة ولقد صدق رسول الله حيث يقول ( لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) فلما انهزم إيواني أدركه الطلب فصعد قلعة لهم على طريقهم فاحتمى فيها وجعل جلال الدين عليها من يحصرها ويمنعه من النزول وفرق عساكره في بلاد الكرج ينهبون ويقتلون ويسبون ويخربون البلاد فلولا ما أتاه من تبريز مما أوجب عوده لملك البلاد بغير تعب ولا مشقة لأن اهلها كانوا قد هلكوا فهم بين قتيل وأسير وطريد
ذكر عود جلال الدين إلى تبريز وملكه مدينة كنجة ونكاحه زوجة أوزبك
لما فرغ جلال الدين من هزيمة الكرج ودخل البلاد وبث العساكر فيها أمرهم بالمقام بها مع أخيه غياث الدين وعاد الى تبريز وسبب عوده انه كان قد خلف وزيره شرف الدين في تبريز ليحفظ البلد وينظر في مصالح الرعية فبلغه عن رئيس تبريز وشمس الدين الطغرائي وهو المقدم على كل من في البلد وعن غيرهما من المقدمين انهم قد اجتمعوا وتحالفوا على الامتناع على جلال الدين واعادة البلد إلى اوزبك وقالوا إن جلال الدين قد قصد بلاد الكرج فلا يقدر على المقام ويجتمع اوزبك والكرج ويقصدونه فينحل نظام امره وتتم عليه الهزيمة فبنوا أمرهم على ان جلال الدين يسير الهوينا إلى بلاد الكرج ويتريث في الطريق احتياطا منهم فلما اتفقوا على ذلك أتى الخبر إلى الوزير فأرسل إلى جلال الدين يعرفه الحال فأتاه الخبر وقد قارب بلاد الكرج فلم يظهر من ذلك شيئا وسار نحو الكرج مجدا فلقيهم وهزمهم فلما فرغ منهم قال لأمراء عسكره إنني قد بلغني من الخبر كذا وكذا فتقيمون انتم في البلاد على ما انتم عليه من قتل من ظفرتم به وتخريب ما امكنكم من بلادهم فإنني خفت ان اعرفكم قبل هزيمة الكرج لئلا يلحقكم وهن وخوف فأقاموا على 451 حالهم وعاد هو الى تبريز وقبض على الرئيس والطغرائي وغيرهما فأما الرئيس فأمر أن يطاف به على أهل البلد وكل من له عليه مظلمة فليأخذها منه وكان ظالما ففرح الناس بذلك ثم قتله وأما الباقون فحبسوا فلما فرغ منهم واستقام له أمر البلد تزوج زوجة أوزبك ابنة السلطان طغرل وإنما صح له نكاحها لانه ثبت عن اوزبك انه حلف بطلاقها انه لا يقتل مملوكا له اسمه . . . . . . ثم قتله فلما وقع الطلاق بهذا اليمين نكحها جلال الدين وأقام بتبريز مدة وسير منها جيشا الى مدينة كنجة فملكوها وفارقها أوزبك الى قلعة كنجة فتحصن فيها فبلغني ان عساكر جلال الدين تعرضوا إلى اعمال هذه القلعة بالنهب والأخذ فأرسل أوزبك الى جلال الدين يشكو ويقول كنت لا ارضى بهذه الحال لبغض اصحابي فأنا أسأل ان نكف الايدي المتطرقة إلى هذه الأعمال عنها فأرسل جلال الدين اليها من يحميها من التعرض لها من اصحابه وغيرهم
ذكر وفاة الخليفة الناصر لدين الله
في هذه السنة آخر ليلة من شهر رمضان توفي الخليفة الناصر لدين الله أبو العباس احمد بن المشتضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله أبي المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله أبي العباس محمد بن المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن الذخيرة محمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي العباس احمد بن اسحق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس احمد بن الموفق أبي احمد محمد بن جعفر المتوكل على الله ولم يكن الموفق خليفة وإنما كان ولي عهد أخيه المعتمد على الله فمات قبل المعتمد فصار ولده المعتضد بالله ولي عهد المعتمد على الله وكان المتوكل على الله بن المعتصم بالله أبي اسحق بن هرون الرشيد محمد المهدي بن أبي جعفر عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله أبي جعفر بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهم
( نسب كأن عليه من شمس الضحى
نورا ومن فلق الصباح عمودا )
فكان في آبائه أربعة عشر خليفة وهم كل من له لقب والباقون غير خلفاء وكان فيهم من ولي العهد محمد بن القائم والموفق بن المتوكل وأما باقي الخلفاء من بني 452 العباس فلم يكونوا من آبائه فكان السفاح أبو العباس عبد الله أخا المنصور ولي قبله وكان موسى أخا الرشيد ولي قبله وكان محمد الأمين وعبد الله المأمون ابنا الرشيد أخوي المعتصم وليا قبله وكان محمد المنتصر بن المتوكل ولي بعده ثم ولي بعد المنتصر بالله المستعين بالله أبو العباس احمد بن محمد بن المعتصم وولي بعد المستعين المعتز بالله محمد وقيل طلحة وهو ابن المتوكل وولي بعد المعتز المهتدي بالله محمد بن الواثق ثم ولي بعده المعتمد على الله احمد بن المتوكل فالمنتصر والمعتز والمعتمد أخوه الموفق والمهتدي ابن عمه والموفق من اجداد الناصر لدين الله ثم ولي المعتضد بعد المعتمد وولي بعد المعتضد ابنه ابو محمد علي المكتفي بالله وهو اخو المقتدر بالله وولي بعد المقتدر اخوه القاهر بالله ابو منصور محمد بن المعتضد وولي بعد القاهر الراضي بالله ابو العباس محمد بن المقتدر ثم ولي بعده المقتفي لله ابو اسحق ابراهيم بن المقتدر ثم ولي بعده المكتفي بالله ابو القاسم عبد الله بن المكتفي بالله علي بن المعتضد ثم ولي بعده المطيع لله ابو بكر عبد الكريم فالقاهر أخو المقتدر والراضي والمقتفي والمطيع بنوه والمستكفي ابن أخيه المكتفي ثم ولي بعد الطائع القادر بالله وهو من اجداد الناصر لدين الله ثم ولي بعد المستظهر بالله ثم ولي بعده ابنه المسترشد بالله ابو منصور وولي بعد المسترشد بالله ابنه الراشد ابو جعفر فالمسترشد أخو المقتفي والراشد ابن أخيه فجميع من ولي الخلافة ممن ليس في سياق نسب الناصر تسعة عشر خليفة وكانت أم الناصر او ولد تركية اسمها زمرد وكانت خلافته ستا وأربعين سنة وعشرة اشهر وثمانية وعشرين يوما وكان عمره نحو سبعين سنة تقريبا فلم يل الخلافة اطول مدة منه إلا ما قيل عن المستنصر بالله العلوي صاحب مصر فإنه ولي ستين سنة ولا اعتبار به فانه ولي له سبع سنين فلا تصح ولايته وبقي الناصر لدين الله ثلاث سنين عاطلا عن الحركة بالكلية وقد ذهبت احدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا وفي آخر الأمر أصلبه دوسنطاريا عشرين يوما ومات ووزر له عدة وزراء وقد تقدم ذكرهم
ولم يطلق في طول مرضه شيئا كان احدثه من الرسوم الجائرة وكان قبيح السيرة في رعيته ظالما فخرب في أيامه العراق وتفرق أهله في البلاد وأخذ املاكهم واموالهم وكان يفعل الشيء وضده فمن ذلك انه عمل دور الضيافة ببغداد ليفطر 453 الناس عليها في رمضان فبقيت مدة ثم قطع ذلك ثم عمل دور الضيافة للحجاج فبقيت مدة ثم ابطلها واطلق بعض المكوس التي جددها ببغداد خاصة ثم اعادها وجعل جل همه في رمي البندق والطيور المناسيب وسراويلات الفتوة فبطل الفتوة في البلاد جميعها إلا من يلبس منه سراويل يدعى اليه ولبس كثير من الملوك منه سراويلات الفتوة وكذلك ايضا منع الطيور المناسيب لغيره إلا ما يؤخذ من طيوره ومنع الرمي بالبندق الا من ينتمي اليه فأجابه الناس بالعراق وغيره إلى ذلك إلا انسانا واحدا يقال له ابن السفت من بغداد فإنه هرب من العراق ولحق بالشام فأرسل إليه يرغبه في المال الجزيل ليرمي عنه وينسب في الرمي اليه فلم يفعل فبلغني ان بعض اصدقائه أنكر عليه الامتناع من اخذ المال فقال يكفيني فخرا انه ليس في الدنيا احد إلا رمى للخليفة إلا انا فكان غرام الخليفة بهذه الاشياء من اعجب الأمور وكان سبب ما ينسبه العجم اليه صحيحا من انه هو الذي اطمع التتر في البلاد وراسلهم في ذلك فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم
ذكر خلافة الظاهر بأمر الله
قد ذكرنا سنة خمس وثمانين وخمسمائة الخطبة للأمير ابي نصر محمد بن الخليفة الناصر لدين الله بولاية العهد في العراق وغيره من البلاد ثم بعد ذلك خلعه الخليفة من ولاية العهد وأرسل إلى البلاد في قطع الخطبة له وإنما فعل ذلك لأنه كان يميل إلى ولده الصغير علي فاتفق ان الولد الصغير توفي سنة اثنتي عشر وستمائة ولم يكن للخليفة ولد غير ولي العهد فاضطر إلى اعادته إلا انه تحت الاحتياط والحجر لا يتصرف في شيء فلما توفي أبوه ولي الخلافة واحضر الناس لأخذ البيعة وتلقب بالظاهر بأمر الله وعنى أن أباه وجميع اصحابه أرادوا صرف الأمر عنه فظهر وولي الخلافة بأمر الله لا يسعى من أحد ولما ولي الخلافة أظهر من العدل والاحسان ما اعاد به سنة العمرين فلو قيل إنه لم يل الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقا فإنه اعاد من الأموال المغصوبة في أيام أبيه وقبله وشيئا كثيرا واطلق المكوس في البلاد جميعها وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق وأن يسقط جميع ما جدده أبوه وكان كثيرا لا يحصى فمن ذلك أن قرية يعقوبا كان يحصل منها قديما نحو عشرة الاف دينار فلما تولى الناصر لدين الله كان يؤخذ منها كل سنة ثمانون الف دينار 454 فحضر أهلها واستغاثوا وذكروا أن املاكهم أخذت حتى صار يحصل منها هذا المبلغ فأمر أن يؤخذ الخراج الأول وهو عشرة آلاف دينار فقيل له ان هذا المبلغ يصل الى المخزن فمن أين يكون العوض فأقام لهم العوض من جهات أخرى فإذا كان المطلق من جهة واحدة سبعين ألف دينار فما الظن بباقي البلاد ومن أفعاله الجميلة أنه أمر بأخذ الخراج الأول من باقي البلاد جميعها فحضر كثير من أهل العراق وذكروا ان الاملاك التي كان يؤخذ منها الخراج قديما قد يبس أكثر اشجارها وخرجت ومتى طولبوا بالخراج الأول لا يفي دخل الباقي بالخراج فأمر أن لا يؤخذ الخراج إلا من كل شجرة سليمة وأما الذهب فلا يؤخذ منه شيء وهذا عظيم جدا ومن ذلك ايضا ان المخزن كان له صنجة الذهب تزيد على صنجة البلد نصف قيراط يقبضون بها المال ويعطون بالصنجة التي للبلد يتعامل بها الناس فسمع بذلك فخرج خطه إلى الوزير وأوله (
ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك انهم مبعوثون ليوم عظيم ) وقد بلغنا أن الأمر كذا وكذا فتعاد صنجة المخزن إلى الصنجة التي يتعامل بها المسلمون واليهود والنصارى فكتب بعض النواب اليه يقول إن هذا مبلغ كثير وقد حسبناه فكان في السنة الماضية خمسة وثلاثين ألف دينار فأعاد الجواب ينكر على القائل ويقول لو انه ثلاثمائة الف وخمسون الف دينار يطلق وكذلك ايضا فعل في إطلاق زيادة الصنجة التي للديوان وهي في كل دينار حبة وتقدم الى القاضي أن كل من عرض عليه كتابا صحيحا بملك يعيده إليه من غير إذن وأقام رجلا صالحا في ولاية الحشري وبيت المال وكان الرجل حنبليا فقال إنني من مذهبي أن أورث ذوي الأرحام فإن أذن أمير المؤمنين أن أفعل ذلك وليت وإلا فلا فقال له أعط كل ذي حق حقه واتق الله ولا تتق سواه
ومنها ان العادة كانت ببغداد أن الحارس بكل درب يبكر ويكتب مطالعة إلى الخليفة بما تجدد في دربه من اجتماع بعض الأصدقاء ببعض على نزهة أو سماع أو غير ذلك ويكتب ما سوى ذلك من صغير وكبير فكان الناس من هذا في حجر عظيم فلما ولي هذا الخليفة جزاه الله خيرا أتته المطالعات على العادة فأمر بقطعها وقال أي غرض لنا في معرفة أحوال الناس في بيوتها فلا يكتب احد الينا إلا ما يتعلق 455 بمصالح دولتنا فقيل له إن العامة تفسد بذلك ويعظم شرها فقال نحن ندعو الله في أن يصلحهم
ومنها انه لما ولي الخلافة وصل صاحب الديوان من واسط وكان قد سار اليها أيام الناصر لتحصيل الأموال فأصعد ومعه من المال ما يزيد على مائة الف دينار وكتب مطالعة تتضمن ذكر ما معه ويستخرج الأمر في حمله فأعاد الجواب بأن يعاد إلى أربابه فلا حاجة لنا إليه فأعيد عليهم
ومنها أنه أخرج كل من كان في السجون وأم بإعادة ما أخذ منهم وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليعطيها عن كل من هو محبوس في حبس الشرع وليس له مال ومن حسن نيته للناس أن الأسعار في الموصل وديار الجزيرة كانت غالية فرخصت الأسعار وأطلق حمل الأطعمة إليها وأن يبيع كل من أراد البيع للغلة فحصل منها الكثير الذي لا يحصى فقيل له ان السعر قد غلا شيئا والمصلحة منع حمله فقال أولئك مسلمون وهؤلاء مسلمون وكما يجب علينا النظر في أمر هؤلاء كذلك يجب علينا النظر لأولئك وأمر أن يباع من الأهراء التي له طعام أرخص مما يبيع غيره ففعلوا ذلك فرخصت الأسعار عندهم ايضا اكثر مما كانت أولا وكان السعر في الموصل لما ولي كل مكوكين بدينار وثلثي قيراط فصار كل أربعة مكاكيك بدينار في أيام قليلة وكذلك باقي الأشياء من التمر والدبس والأرز والسمسم وغيرها فالله تعالى يؤيده وينصره ويبقيه فإنه غريب في هذا الزمان الفاسد ولقد سمعت عنه كلمة اعجبتني جدا وهي أنه قيل له في الذي يخرجه ويطلقه من الأموال التي لا تسمح نفس ببعضها فقال لهم أنا فتحت الدكان بعد العصر فاترموني أفعل الخير فكم أعيش وتصديق ليلة عيد الفطر من هذه السنة وفرق في العلماء وأهل الدين مائة ألف دينار
ذكر ملك بدر الدين قلعتي العمادية وهرور
في هذه السنة ملك بدر الدين قلعة العمادية من أعمال الموصل
وقد تقدم ذكر عصيان أهلها عليه سنة خمس عشرة وستمائة وتسليمها الى عماد الدين زنكي ثم عودهم الى طاعة بدر الدين وخلافهم على عماد الدين فلما عادوا إلى بدر الدين 456 أحسن إليهم وأعطاهم الاقطاع الكثير وملكهم القرى ووصلهم بالأموال الجزيلة والخلع السنية فبقوا كذلك مدة يسيرة ثم شرعوا يراسلون عماد الدين زنكي ومظفر الدين صاحب اربل وشهاب الدين غازي بن العادل لما كان بخلاط ويعدون كلا منهم بالانحياز اليه والطاعة له وأظهروا من المخالفة لبدر الدين ما كانوا يبطنونه فكانوا يمكنون أن يقيم عندهم من أصحاب بدر الدين إلا من يريدونه ويمنعون من كرهوه فطال الأمر وهو يحتمل فعلهم ويداريهم وهم لا يزدادون إلا طمعا وخروجا عن الطاعة وكانوا جماعة فاختلفوا فقوي بعضهم وهم أولاد خواجة إبراهيم وأخوه ومن معهم على الباقين فأخرجوهم عن القلعة وغلبوا عليها وأصروا على ما كانوا عليه من النفاق فلما كان هذه السنة سار بدر الدين إليهم في عساكره فأتاهم بغتة فحصرهم وضيق عليهم وقطع الميرة عنهم وأقام بنفسه عليهم وجعل قطعة من الجيش على قلعة هرور يحصرونها وهي من أمنع الحصون وأحصنها لا يوجد مثلها وكان أهلها أيضا قد سلكوا طريق أهل العمادية من عصيان وطاعة ومخادعة فأتاهم العسكر وحصروهم وهم في قلة من الذخيرة فحصروها أياما ففني ما في القلعة فأضطر أهلها إلى التسليم فسلموها ونزلوا منها وعاد العسكر الى العمادية فأقاموا عليها مع بدر الدين فبقي بدر الدين بعد أخذ هرور يسيرا وعاد الى الموصل وترك العسكر بحالة مقيما عليهم مع نائبه أمين الدين لؤلؤ فبقي الحصار إلى أول ذي القعدة فأرسلوا يذعنون بالطاعة ويطلبون العوض عنها ليسلموها فاستقرت القواعد على العوض من قلعة يحتمون فيها وأقطاع ومال وغير ذلك فأجابهم بدر الدين إلى ما طلبوا وحضر نوابهم ليحلفوا بدر الدين فبينما هو يريد أن يحلف لهم وقد احضر من يشهد اليمين إذ قد وصل طائر من العمادية وعلى جناحه وقعة من أمين الدين لؤلؤ يخبرانه قد ملك العمادية قهرا وعنوة وأسر بني خواجة الذين كانوا تغلبوا عليه فامتنع بدر الدين من اليمين
وأما سبب غلبة أمين الدين عليها فإنه كان قد ولاه بدر الدين عليها لما عاد أهلها الى طاعته فبقي فيها مدة فأحسن اليهم واحسن السيرة فيهم واستمال جماعة منهم ليتقوى بهم على الحزب الذين عصوا أولا فنمي الخبر البهم فأساؤوا مجاورته واستقالوا من ولايته عليهم ففارقهم الى الموصل وكان اولئك الذين استمالهم يكاتبونه ويراسلونه فلما حصرهم كانوا ايضا يكاتبونه في النشاب يخبرونه بكل ما 457 يفعله أولاد خواجه من انفاذ رسول وغير ذلك وبما عندهم من الذخائر إلا انهم لم يكونوا في الكثرة إلى انهم يقهرون أولئك فلما كان الآن واستقرت القواعد من التسليم لم يذكر أولاد خواجة احدا من جند القلعة في نسخة اليمين بمال ولا غيره من امام واقطاع فسخطوا هذه الحال وقالوا لهم قد حلفتم لأنفسكم بالحصون والقرى والمال ونحن قد خربت بيوتنا لأجلكم فلم تذكرونا فأهانوهم ولم يلتفتوا إليهم فحضر عند أمين الدين رجلان منهم ليلا وطلبوا منه أن يرسل إليهم جمعا يصعدونهم الى القلعة ويثبتون بأولئك ويأخذونهم فامتنع وقال أخاف أن لا يتم هذا الأمر وينفسد علينا كل ما فعلناه فقالوا نحن نقبض عليهم غدا بكرة وتكون أنت والعسكر على ظهر فإذا سمعتم النداء باسم بدر الدين وشعاره تصعدون إلينا فأجابهم إلى ذلك وركب بكرة هو والعسكر على العادة
وأما أولئك فانهم اجتمعوا وقبضوا على أولاد خواجة ومن معهم ونادوا بشعار بدر الدين فبينما العسكر قيام اذا الصوت من القلعة باسم بدر الدين فصعدوا اليها وملكوها وتسلم امين الدين أولاد خواجه فحبسهم وكتب الرقعة على جناح الطائر بالحال وملكوا القلعة صفوا عفوا بغير عوض وكان يريد أن يغرم مالا جليلا وأقطاعا كثيرة وحصنا منيعا فتوفر الجميع عليه وأخذ منهم كل ما احتقبوه وادخروه وإذا أراد الله أمرا فلا مرد له
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة ليلة الأحد والعشرين من صفر زلزلت الأرض بالموصل وديار الجزيرة والعراق وغيرها زلزلة متوسطة
وفيها اشتد الغلاء بالموصل وديار الجزيرة جميعها فأكل الناس الميتة والكلاب والسنانير فقل الكلاب والسنانير بعد أن كانوا كثيرا ولقد دخلت يوما إلى داري فرأيت الجواري يقطعن اللحم ليطبخوه فرأيت سنانير استكثرتها فعددتها فكانت اثني عشر سنورا ورأيت اللحم في هذه الغلاء في الدار وليس عنده من يحفظه من السنانير لعدمها وليس بين المرتين كثير وغلا مع الطعام كل شيء فبيع الرطل الشيرج بقيراطين بعد ان كان بنصف قيراط قبل الغلاء وأما قبل ذلك فكان كل ستين رطلا بدينار ومن العجب ان السلق والجزر والسلجم بيع كل خمسة ارطال بدرهم وبيع البنفسج كل ستة أرطال بدرهم وبيع في بعض الأوقات كل سبعة أرطال بدرهم وهذا 458 ما لم يسمع بمثله ولقد رأينا ما لم نر ولا سمعنا بمثله فإن الدينار ما زالت قديما وحديثا إذا غلت الأسعار متى جاء المطر رخصت إلا هذه السنة فإن الأمطار ما زالت متتابعة من أول الشتاء إلى آخر الربيع وكلما جاء المطر غلت الأسعار وهذا ما لم يسمع بمثله فبلغت الحنطة مكوك وثلث بدينار وقيراط يكون وزنه خمسة وأربعين رطلا دقيقا بالبغدادي وكان الملح مكوك بدرهم فصار المكوك بعشرة دراهم وكان الأرز مكوك باثني عشر درهما فصار المكوك بخمسين درهما وكان التمر كل اربعة ارطال وخمسة أرطال بقيراط فصار كل رطلين بقيراط
ومن عجيب ما يحكى أن السكر النادر الأسمر كان كل رطل بدرهم وكان السكر الأبلوج المصري النقي كل رطل بدرهمين فصار السكر الأسمر كل رطل بثلاثة دراهم ونصف والسكر الأبلوج كل رطل بثلاثة دراهم وربع وسببه أن الأمراض لما كثرت واشتد الوباء قال النساء هذه الأمراض باردة والسكر الأسمر حار فينفع منها والأبلج بارد يقويها وتبعهن الأطباء استمالة لقلوبهن ولجهلهن فغلا الأسمر بهذا السبب وهذا من الجهل المفرط وما زالت الأشياء هطذا إلى أول الصيف واشتد الوباء وكثر الموت والمرض في الناس فكان يحمل على النعش الواحد عدة من الموتى فممن مات فيه شيخنا عبد المحسن بن عبد الله الخطيب الطوسي خطيب الموصل وكان من صالحي المسلمين وعمره ثلاث وثمانون سنة وشهور
وفيها انخسف القمر ليلة الثلاثاء خامس عشر صفر
وفيها هرب أمير حاج العراق وهو حسام الدين أبو فراس الحلي الكردي الوارمي وهو ابن أخي الشيخ ورام كان عمه من صالحي المسلمين وخيارهم من أهل الحلة السيفية فارق الحاج بين مكة والمدينة وسار إلى مصر حكى لي بعض أصدقائه انه إنما حمله على الهرب كثرة الخرج في الطريق وقلة المعونة من الخليفة ولما فارق الحاج خافوا خوفا شديدا من العرب فأمن الله خوفهم ولم يرفعهم ذاعر في جميع الطريق ووصلوا آمنين إلا أن كثيرا من الجمال هلك اصابها غدة عظيمة لم يسلم إلا القليل
وفيها في آب جاء مطر شديد ورعد وبرق ودام حتى جرت الأودية وامتلأت الطرق 459 بالوحل ثم جاء الخبر من العراق والشام والجزيرة وديار بكر انه كان عندهم مثله ولم يصل إلينا احد الا واخبر ان المطر كان عندهم في ذلك التاريخ
وفيها كان في الشتاء ثلج كثير ونزلت بالعراق فسمعت انه نزل في جميع العراق حتى في البصرة أما الى واسط فلا شك فيه وأما البصرة فإن الخبر لم يكثر عندنا بنزوله فيها
وفيها خرجت قلعة الزعفران من أعمال الموصل وهي حصن مشهور يعرف قديما بدير الزعفران وهو على جبل عال قريب من فرشابور
وفيها ايضا خربت القلعة الجديدة من بلد الهكارية من اعمال الموصل ايضا وأضيف عملها وقراها الى العمادية
وفيها في ذي الحجة سار جلال الدين بن خوارزم شاه من تبريز الى بلد الكرج قاصدا لأخذ بلادهم واستئصالهم وخربت السنة ولم يبلغنا انه فعل بهم شيئا ونحن نذكر ما فعله بهم سنة ثلاث وعشرين وستمائة إن شاء الله
وفيها ثالث شباط سقط ببغداد ثلج وبرد الماء بردا شديدا وقوي البرد حتى مات به جماعة من الفقراء
وفيها في ربيع الأول زادت دجلة زيادة عظيمة واشتغل الناس بإصلاح سكر القورج وخافوا فبلغت الزيادة قريبا من الزيادة الأولى ثم نقص الماء واستبشر الناس 460
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وستمائة
ذكر ملك جلال الدين تفليس
في هذه السنة ثامن ربيع الأول فتح جلال الدين بن خوارزمشاه مدينة تفليس من الكرج وسبب ذلك انا قد ذكرنا سنة اثنتين وعشرين وستمائة الحرب بينه وبينهم وانهزامهم منه وعوده إلى تبريز بسبب الخلف الواقع فيها فلما استقر الأمر في أذربيجان عاد الى بلد الكرج في ذي الحجة من السنة وخرجت سنة اثنتين وعشرين وستمائة ودخلت هذه السنة فقصد بلادهم وقد عادوا وحشدوا وجمعوا من الأمم المجاورة لهم اللان واللكز وقفجاق وغيرهم فاجتمعوا في جمع كثير لا يحصى فطمعوا بذلك ومنتهم أنفسهم الأباطيل ووعدهم الشيطان الظفر (
وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) فلقيهم وجعل لهم الكمين في عدة مواضع والتقوا واقتتلوا فولى الكرج منهزمين لا يلوي الأخ على أخيه ولا الوالد على ولده وكل منهم قد أهمته نفسه وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب فلم ينج منهم الا اليسير الشاذ الذي لا يعبأ به وأمر جلال الدين عسكره أن لا يبقوا على أحد وان يقتلوا من وجدوا فتبعوا المنهزمين يقتلونهم وأشار عليه اصحابه بقصد تفليس دارملكهم فقال لا حاجة لنا إلى ان نقتل رجالنا تحت الأسوار إنما اذا افنيت الكرج اخذت البلاد صفوا عفوا ولم تزل العساكر تتبعهم وتستقصي في طلبهم الى ان كادوا يفنونهم فحينئذ قصد تفليس ونزل بالقرب منها وسار في بعض الأيام في طائفة من العسكر وقصدها لينظر ويبصر مواضع النزول عليها وكيف يقاتلها فلما قاربها كمن اكثر العسكر الذي معه في عدة مواضع ثم تقدم اليها في نحو ثلاثة آلاف فارس فلما رآه من بها من الكرج طمعوا فيه لقلة من معه ولم يعلموا ما معهم فظهروا اليه فقاتلوه 561 فتأخر عنهم فقوي طمعهم فظنوه منهزما متبعوه فلما توسطوا العساكر خرجوا عليهم ووضعوا السيف فيهم فقتل اكثرهم وانهزم الباقون الى المدينة فدخلوها وتبعهم المسلمون فلما وصلوا اليها نادى المسلمون من اهلها بشعار الإسلام وباسم جلال الدين فألقى الكرج بأيديهم واستسلموا لأنهم كانوا قد قتل رجالهم في الوقعات المذكورة فقل عددهم وملئت قلوبهم خوفا ورعبا فملك المسلمون البلد عنوة وقهرا بغير أمان وقتل كل من فيه من الكرج ولم يبق على كبير ولا صغير إلا من اذعن بالإسلام وأقر بكلمتي الشهادة فإنهم أبقى عليهم وأمرهم فتختنوا وتركهم ونهب المسلمون الأموال وسبوا النساء واسترقوا الأولاد ووصل الى المسلمين الذين بها بعض الأذى من قتل ونهب وغيره
وهذه تفليس من أحصن البلاد وأمنعها وهي على جانبي نهر الكرج وهو نهر كبير ولقد جل هذا الفتح وعظم موقعه في بلاد الإسلام وعند المسلمين فإن الكرج كانوا قد استطالوا عليهم وفعلوا بهم ما ارادوا فكانوا يقصدون أي بلاد أذربيجان ارادوا فلا يمنعهم عنها مانع ولا يدفعهم عنها دافع وهكذا أرزن الروم حتى إن صاحبها لبس خلعة ملك الكرج ورفع على رأسه علما منه في اعلاه صليب وتنصر ولده رغبة في نكاح ملكة الكرج وخوفا منهم ليدفع الشر عنه وقد تقدمت القصة وهكذا دربند شروان وعظم امرهم الى حد ان ركن الدين بن قلج ارسلان صاحب قونية واقصرا وملطية وسائر بلاد الروم التي للمسلمين جمع عساكره وحشد معها غيرها فاستكثر وقصد أرزن الروم وهي لأخيه طغرل شاه بن قلج ارسلان فأتاه الكرج وهزموه وفعلوا به وبعسكره كل عظيم وكان أهل دربند شروان معهم في الضنك والشدة وأما ارمينية فإن الكرج دخلوا مدينة أرجيش وملكوا قرس وغيرها وحصروا خلاط فلولا أن الله سبحانه من على المسلمين بأسر ايواني مقدم عساكر الكرج لملكوها فاضطر اهلها الى ان بنوا لهم بيعة في القلعة يضرب فيها الناقوس فرحلوا عنهم وقد تقدم تفصيل هذه الجملة ولم يزل هذا الثغر من اعظم الثغور ضررا على المجاورين من الفرس قبل الإسلام وعلى المسلمين بعدهم من اول الإسلام إلى الآن ولم يقدم احد عليهم هذا الإقدام ولا فعل بهم هذه الأفاعيل فإن الكرج ملكوا تفليس سنة خمس عشرة وخمسمائة والسلطان حينئذ محمود بن محمد ابن ملكشاه السلجوقي وهو من اعظم السلاطين منزلة وأوسعهم مملكة وأكثرهم 462 عساكر فلم يقدر على منعهم عنها هذا مع سعة بلاده فإنه كان له الري وأعمالها وبلد الجبل واصفهان وفارس وخوزستان والعراق وأذربيجان وأران وأرمينية وديار بكر والجزيرة والموصل والشام وغير ذلك وعمه السلطان سنجر له خراسان وما وراء النهر فكان اكثر بلاد الإسلام بأيديهم ومع هذا فإنه جمع عساكره سنة تسع عشرة وخمسمائة وسار إليهم بعد ان ملكوها فلم يقدر عليهم ثم ملك بعده اخوه السلطان مسعود فكذلك وملك الدكز بلد الجبل والري وأذربيجان وأران واطاعة صاحب خلاط وصاحب فارس وصاحب خوزستان وجمع وحشد لهم وكان قصاراه ان يتخلص منهم ثم ابنه البهلوان بعده وكانت البلاد في أيام أولئك كثيرة الأموال والرجال فلم يحدثوا انفسهم بالظفر بهؤلاء حتى جاء هذا السلطان والبلاد خراب قد اضعفها الكرج اولا ثم استأصلتها التتر لعنهم الله على ما ذكرنا ففعل بهم هذه الأفاعيل فسبحان من إذا أمرا قال له كن فيكون
ذكر مسير مظفر الدين صاحب اربل الى الموصل وعوده عنها
في هذه السنة في جمادي الآخرة سار مظفر الدين بن زين الدين صاحب اربل الى اعمال الموصل قاصدا اليها وكان السبب في ذلك انه استقرت القاعدة بينه وبين جلال الدين بن خوارزمشاه وبين الملك المعظم صاحب دمشق وبين صاحب آمد وبين ناصر الدين صاحب ماردين ليقدوا البلاد التي بيد الأشرف ويتغلبوا عليها ويكون لكل منهم نصيب ذكره واستقرت القواعد بينهم على ذلك فبادر مظفر الدين الى الموصل واما جلال الدين فإنه سار من تفليس يريد خلاط فأتاه الخبر بذلك ترك خلاط ولم يقصدها إلا أن عسكره نهب بعض بلدها وخربوا كثيرا منه وسار مجدا إلى كرمان فانفسخ جميع ما كانوا عزموا عليه إلا أن مظفر الدين سار من إربل ونزل على جانب الزاب ولم يمكنه العبور الى بلد الموصل وكان بدر الدين قد أرسل من الموصل إلى الأشرف وهو بالرقة يستنجده ويطلب منه أن يحضر بنفسه الموصل ليدفعوا مظفر الدين فسار منها الى حران ومن حران إلى دنيسر فخرب بلد ماردين وأهلكه تخريبا ونهبا وأما المعظم صاحب دمشق فإنه قصد بلد حمص وحماة وأرسلت إلى مظفر الدين ليرجع عن بلد الموصل فرحل الأشرف عن 463 ماردين وعاد كل منهم إلى بلده وخرجت أعمال الموصل وأعمال ماردين بهذه الحركة فإنها كانت قد أجحف بها تتابع الغلاء وطول مدته وجلاء أكثر أهلها فأتتها هذه الحادثة فازدادت خرابا
ذكر عصيان كرمان على جلال الدين ومسيره اليها
في هذه السنة في جمادى الآخرة وصل الى جلال الدين ان نائبه بكرمان وهو امير كبير اسمه بلاق حاجب قد عصى عليه وطمع في البلدان يتملكها ويستبد بها لبعد جلال الدين عنها واشتغاله بما ذكرناه من الكرج وغيرهم وانه ارسل الى التتر يعرفهم قوة جلال الدين وملكه كثيرا من البلاد وان اخذ الباقي عظمت مملكته وكثرت عساكره وسار اليكم وأخذ ما بأيديكم من البلاد فلما سمع جلال الدين ذلك وكان قد سار يريد خلاط فتركها وسار الى كرمان يطوي المراحل أرسل بين يديه رسولا إلى صاحب كرمان ومعه الخلع ليطمئن ويأتيه وهو غير محتاط ولا مستعد للامتناع منه فلما وصل الرسول علم ان ذلك مكيدة عليه لما يعرفه من عادته فأخذ ما يعز عليه وصعد الى قلعة منيعة فتحصن بها وجعل من يثق اليه من اصحابه في الحصون يمتنعون بها وأرسل الى جلال الدين يقول إنني أنا العبد والمملوك ولما سمعت بمسيرك الى هذه البلاد اخليتها لك لأنها بلادك ولو علمت انك تبقى علي لحضرت بابك ولكني اخاف وهذا جميعه والرسول يحلف له ان جلال الدين بتفليس وهو لا يلتفت الى قوله فعاد الرسول فعلم جلال الدين انه لا يمكنه أخذ ما بيده من الحصون لأنه يحتاج ان يحصرها مدة طويلة فوقف بالقرب من اصفهان وارسل اليه الخلع وأقره على ولايته فبينما الرسل تتردد اذ وصل رسول من وزير جلال الدين اليه من تفليس يعرفه ان عسكر الملك الأشرف الذي بخلاط قد هزموا بعض عسكره واوقعوا بهم ويحثه على العود الى تفليس فعاد اليها مسرعا
ذكر الحرب بين عسكر الأشرف وعسكر جلال الدين
لما سار جلال الدين الى كرمان ترك بمدينة تفليس عسكرا مع وزيره شرف الملك فقلت عليهم الميرة فساروا الى اعمال ارزن الروم فوصلوا اليها ونهبوها وسبوا النساء وأخذوا من الغنائم شيئا كثيرا لا يحصى وعادوا فكان طريقهم على اطراف ولاية خلاط فسمع النائب من الأشرف بخلاط وهو الحاجب حسام الدين على الموصل 464 فجمع العسكر وسار اليهم فأوقع بهم واستنقذ ما معهم من الغنائم وغنم كثيرا مما معهم وعاد هو وعساكره سالمين فلما فعل ذلك خاف وزير جلال الدين منهم فأرسل الى صاحبه بكرمان يعرفه الحال ويحثه على الوصول اليه ويخوفه عاقبة التواني والاهمال فرجع فكان ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر وفاة الخليفة الظاهر بأمر الله
في هذه السنة في الرابع عشر من رجب توفي الإمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله أبي العباس احمد بن المستضيء بأمر الله وقد تقدم نسبه عند وفاة أبيه رضي الله عنهما فكانت خلافته تسعة أشهر وأربعة عشر يوما وكان نعم الخليفة جمع الخشوع مع الخضوع لربه والعدل والإحسان إلى رعيته وقد تقدم عند ذكر ولايته الخلافة من افعاله ما فيه كفاية ولم يزل كل يوم يزداد من الخير والإحسان الى الرعية فرضي الله عنه وأرضاه واحسن متقلبه ومثواه فلقد جدد من العدل ما كان دارسا وأذكر من الاحسان ما كان منسيا وكان قبل وفاته اخرج توقيعا الى الوزير بخطه على أرباب الدولة وقال الرسول ( امير المؤمنين يقول ليس غرضنا ان يقال برز مرسوم أو نفذ مثال ثم لا يبين له أثر بل انتم الى امام فعال احوج منكم إلى امام قوال ) فقرؤه فإذا أوله بعد البسلمة (
اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالا ولا اغضاؤنا إغفالا ولكن لنبلوكم أيكم احسن عملا وقد عفونا لكم ما سلف من اخراب البلاد وتشريد الرعايا وتقبيح الشريعة وإظهار الباطل الجلي في صورة الحق الخفي حيلة ومكيدة وتسمية والاحتياج استيفاء واستدراكا لأغراض انتهزتم فرصها مختلسة من براثن ليث باسل وأنياب أسد مهين تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى وأنت أمناؤه وثقاته فتميلون رأيه إلى هواكم وتمزجون باطلكم بحقه فيطيعكم وأنتم له عاصون ويوافقكم وانتم له مخالفون والآن قد بدل الله سبحانه بخوفكم امنا وبفقركم غنى وبباطلكم حقا ورزقكم سلطانا يقيل العثرة ولا يؤاخذ إلا من اصر ولا ينتقم الا ممن استمر يأمركم بالعدل وهو يريده منكم وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم يخاف الله تعالى فيخوفكم مكره ويرجو الله تعالى ويرغبكم في طاعته فإن سلكتم مسالك نواب خلفاء الله في ارضه وأمنائه على خلقه وإلا هلكتم والسلام ) ولما توفي وجدوا في بيت في داره الوف رقاع كلها مختومة لم 465 يفتحها فقيل له ليفتحها
فقال لا حاجة لنا فيها كلها سعايات ولم أزل علم الله سبحانه مذ ولي الخلافة أخاف عليه قصر المدة لخبث الزمان وفساد أهله وأقول لكثير من اصدقائنا وما اخوفني ان تقصر مدة خرفته لان زماننا وأهله لا يستحقون خلافته فكان كذلك
ذكر خلافة ابنه المستنصر بالله
لما توفي الظاهر بأمر الله بويع بالخلافة ابنه الأكبر أبو جعفر المنصور ولقب المستنصر بالله وسلك في الخير والإحسان إلى الناس سيرة أبيه رضي الله عنه وأمر فنودي ببغداد بإفاضة العدل وان من كان له حاجة أو مظلمة يطالع بها تقضى حاجته وتكشف مظلمته فلما كان أول جمعة أتت على خلافته اراد ان يصلي الجمعة في المقصورة التي كان يصلي فيها الخلفاء فقيل له ان المطبق الذي يسلك فيه اليها خراب لا يمكن سلوكه فركب فرسا وسار الى الجامع جامع القصر ظاهرا يراه الناس بقميص أبيض وعمامة بيضاء بسكاكين حرير ولم يترك احدا يمشي معه من اصحابه بالصلاة الى الموضع الذي كان يصلي فيه وسار هو ومعه خادمان وركابدار لا غير فصلى وعاد وكذلك الجمعة الثانية حتى اصلح له المطبق وكان السعر قد تحرك بعد وفاة الظاهر بأمر الله رضي الله عنه فبلغت الكارة ثمانية عشر قيراطا فأمر أن تباع الغلات التي له كل كارة بثلاثة عشر قيراطا فرخصت الأسعار واستقامت الأمور
ذكر الحرب بين كيقباذ وصاحب آمد
في هذه السنة في شعبان سار علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج ارسلان ملك بلاد الروم الى بلاد الملك المسعود صاحب آمد وملك عدة من حصونه وسبب ذلك ما ذكرناه من اتفاق صاحب آمد مع جلال الدين خوارزمشاه والملك المعظم صاحب دمشق وغيرهما على خلاف الأشرف فلما رأى الأشرف ذلك أرسل إلى كيقباذ ملك الروم وكانا متفقين يطلب منه أن يقصد بلد صاحب آمد ويحاربه وكان الأشرف حينئذ على ماردين فسار ملك الروم الى ملطية وهي له فنزل عندها وسير العساكر الى ولاية صاحب آمد ففتحوا حصن منصور وحصن شمكازاد وغيرها فلما رأى صاحب آمد ذلك راسل الأشرف وعاد الى موافقته فأرسل الأشرف إلى كيقباذ يعرفه 466 ذلك ويقول له ليعيد الى صاحب آمد ما أخذ منه فلم يفعل وقال لم اكن نائبا للأشرف يأمرني وينهاني فاتفق ان الأشرف سار الى دمشق ليصلح أخاه الملك المعظم وأمر العساكر التي له بديار الجزيرة بمساعدة صاحب آمد ان اصر ملك الروم على قصده فسارت عساكر الأشرف الى صاحب آمد وقد جمع عسكره ومن بلاده ممن يصلح للحرب وسار الى عسكر ملك الروم وهم يحاصرون قلعة الكختا فالتقوا هناك في شوال فانهزم صاحب آمد ومن معه من العسكر هزيمة عظيمة وجرح كثير وأسر وملك عسكر كيقباذ قلعة الكختا بعد الهزيمة وهي من أمنع الحصون والمعاقل فلما ملكوه عادوا الى صاحبهم
ذكر حصر جلال الدين مدينتي آني وقرس
في هذه السنة في رمضان عاد جلال الدين من كرمان كما ذكرناه الى تفليس وسار منها الى مدينة آني وهي للكرج وبها إيوائي مقدم عساكر الكرج فيمن بقي معه من اعيان الكرج فحصره وسير طائفة من العسكر الى مدينة قرس وهي للكرج ايضا وكلاهما من احصن البلاد وامنعها فنازلهما وحضرهما وقاتل من بهما ونصب عليهما المجانيق وجد في القتال عليهما وحفظهما تلكرج وبالغوا في الحفظ والاحتياط لخوفهم منه ان يفعل بهم ما فهل بأشياعهم من قبل بمدينة تفليس وأقام عليهما الى ان مضى بعض شوال ثم ترك العسكر عليهما يحصرونهما وعاد الى تفليس وسار من تفليس مجدا الى بلاد ابخاز وبقايا الكرج فأوقع بمن فيها فنهب وقتل وسبى وخرب البلاد واحرقها وغنم عساكره ما فيها وعاد منها الى تفليس
ذكر حصر جلال الدين خلاط
قد ذكرنا ان جلال الدين عاد من مدينة آني الى تفليس ودخل بلاد ابخاز وكان رحيله مكيدة لأنه بلغه ان النائب عن الملك الأشرف وهو الحاجب حسام الدين على مدينة خلاط قد احتاط واهتم بالأمر وحفظ البلاد لقربه منه فعاد الى تفليس ليطمئن أهل خلاط وتركوا الاحتياط والاستظهار ثم يقصدهم بغتة فكانت غيبته ببلاد ابخاز عشرة ايام وعاد وسار مجدا على عادته فلم يكن عنده من يراسل نواب الأشرف بالأخبار لفجأهم على غفلة منهم وإنما كان عنده بعض ثقاته يعرفهم أخباره وكتب 467 اليهم يحذرهم فوصل الخبر اليهم قبل وصوله بيومين ووصل جلال الدين فنازل مدينة ملازكرد يوم السبت ثالث عشر ذي القعدة ثم رحل عنها فنازل مدينة خلاط يوم الاثنين خامس عشر فلم ينزل حتى زحف اليها وقاتل اهلها قتالا شديدا فوصل عسكره سور البلد وقتل بينهم قتلى كثيرة ثم زحف اليها مرة ثانية وقاتل اهل البلد قتالا عظيما فعظمت نكاية العسكر في أهل خلاط ووصلوا الى سور البلد ودخلوا الربض الذي له ومدوا أيديهم في النهب وسبي الحريم فلما رأى أهل خلاط ذلك تذامروا وحرض بعضهم بعضا فعادوا الى العسكر فقاتلوهم وأخرجوهم من البلد وقتل بينهم خلق كثير وأسر العسكر الخوارزمي من أمراء خلاط جماعة وقتل منهم كثير وترجل الحاجب علي ووقف في نحر العدو وأبلي بلاء عظيما ثم إن جلال الدين استراح عدة أيام وعاود الزحف مثل أول يوم فقاتلوه حتى ابعدوا عسكره عن البلد وكان أهل خلاط مجدين في القتال حريصين على المنع عن انفسهم لما رأوا من سوء سيرة الخوارزميين ونهبهم البلاد وما فيهم من الفساد فهم يقاتلون قتال من يمنع عن نفسه وحريمه وماله ثم أقام عليها إلى أن اشتد البرد ونزل شيء من الثلج فرحل عنها يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة من السنة وكان سبب رحيله مع خوف الثلج ما بلغه عن التركمان الإيوائية من الفساد ببلاده
ذكر ايقاع جلال الدين بالتركمان الايوائية
كان التركمان الايوائية قد تغلبوا على مدينة أشتر وأرمية من نواحي اذربيجان وأخذوا الخراج من اهل خوي ليكفوا عنهم واغتروا باشتغال جلال الدين بالكرج وبعدهم بخلاط وازداد طمعهم وانبسطوا بأذربيجان ينهبون ويقطعون الطريق والأخبار تأتي الى خوارزمشاه جلال الدين وهو يتغافل عنهم لاشتغاله بما هو أهم عنده وبلغ من طمعهم انهم قطعوا الطريق بالقرب من تبريز واخذوا من تجار اهلها شيئا كثيرا ومن جملة ذلك أنهم اشتروا غنما من ارزن الروم وقصدوا بها تبريز فلقيهم الايوائية قبل وصولهم الى تبريز فأخذوا جميع ما معهم ومن جملته عشرون الف رأس غنم فلما اشتد ذلك على الناس وعظم الشر أرسلت زوجة جلال الدين ابنة السلطان طغرل ونوابه في البلاد إليه يسغيثون ويعرفونه أن البلاد قد خربها الإيوائية ولئن لم يلحقها وإلا هلكت بالمرة فاتفق هذا الى خوف الثلج فرحل عن خلاط وجد السير الى 468 الايوائية وهم آمنون مطمئنون لعلمهم ان خوارزمشاه على خلاط وظنوا انه لا يفارقها فلولا هذا الاعتقاد لصعدوا إلى جبال لهم منيعة شاهقة لا يرتقى اليها إلا بمشقة وعناء فإنهم كانوا إذا خافوا صعدوا اليها وامتنعوا بها فلم يرعهم إلا والعساكر الجلالية قد احاطت بهم واخذهم السيف من كل جانب فأكثروا القتل فيهم والنهب والسبي واسترقوا الحريم والأولاد واخذوا من عندهم ما لايدخل تحت الحصر فرأوا كثيرا من الأمتعة التي اخذوها من التجار بحالها في الشذوات لم تحل هذا سوى ما كانوا قد حلوه وفصلوا فلما فرغ عاد الى تبريز
ذكر الصلح بين المعظم والأشرف
نبتدئ بذكر سبب الاختلاف فنقول لما توفي الملك العادل أبو بكر بن أيوب اتفق أولاده الملوك بعده إتفاقا حسنا وهم الملك الكامل محمد صاحب مصر والملك المعظم عيسى صاحب دمشق والبيت المقدس وما يجاورها من البلاد والملك الأشرف موسى وهو صاحب ديار الجزيرة وخلاط واجتمعت كلمتهم على دفع الفرنج عن الديار المصرية ولما رحل الكامل عن دمياط لما كان الفرنج يحصرونها صادقة أخوه المعظم من الغد وقويت نفسه وثبت قدمه ولولا ذلك لكان الأمر عظيما وقد ذكرنا ذلك مفصلا ثم إنه عاد من مصر وسار إلى أخيه ببلاد الجزيرة مرتين يستنجده على الفرنج ويحثه على مساعدة أخيه الكامل ولم يزل به حتى أخذه وسار إلى مصر وأزالوا الفرنج عن الديار المصرية كما ذكرناه قبل فكان اتفاقهم سببا لحفظ بلاد الإسلام وسر الناس أجمعون بذلك فلما فارق الفرنج مصر وعاد كل من الملوك أولاد العادل إلى بلده بقوا كذلك يسيرا ثم سار الأشرف إلى أخيه الكامل بمصر فاجتاظ بأخيه المعظم بدمشق فلم يستصحبه معه وأطال المقام بمصر فلا شك أن المعظم سار إلى مدينة حماة وحصرها فأرسل إليه أخواه من مصر ورحلاه عنها كارها فازداد نفورا وقيل إنه نقل إليه عنهما أنهما اتفقا عليه والله أعلم بذلك ثم انضاف إلى ذلك أن الخليفة الناصر لدين الله رضي الله عنه كان قد استوحش من الكامل لما فعله ولده صاحب اليمن بمكة من الاستهانة بأمير الحاج العراقي فأعرض عنه وعن أخيه الأشرف لاتفاقهما وقاطعهما وراسل مظفر الدين كوكبري بن زين الدين على صاحب إربل لعلمه بانحرافه عن الأشرف واستماله واتفقا 469 على مراسلة المعظم وتعظيم الأمر عليه فمال إليهما وانحرف عن أخويه ثم اتفق ظهور جلال الدين وكثرة ملكه فاشتد الأمر على الأشرف بمجاورة جلال الدين خوارزمشاه ولاية خلاط ولان المعظم بدمشق يمنع عنه عساكر مصر ان تصل إليه وكذلك عساكر حلب وغيرها من الشام فرأى الأشرف ان يسير إلى أخيه المعظم بدمشق فسار إليه من شوال واستماله وأصلحه فلما سمع الكامل بذلك عظم عليه وظن أن اتفاقهما عليه ثم إنهما راسلاه وأعلماه بنزول جلال الدين على خلاط وعظما الأمر عليه وأعلماه أن هذه الحال تقتضي الاتفاق لعمارة البيت العادلي وانتضت السنة والأشرف بدمشق والناس على موضعهم ينتظرون خروج الشتاء ما يكون من الخوازميين وسنذكر ما يكون سنة أربع وعشرين وستمائة إن شاء الله تعالى
ذكر الفتنة بين الفرنج والأرمن
في هذه السنة جمع البرنس الفرنجي صاحب انطاكية جموعا كثيرة وقصد الارمن الذين في الدروب من بلاد ابن ليون فكان بينهم حرب شديدة وسبب ذلك ان ابن ليون الأرمني صاحب الدروب توفي قبل ولم يخلف ولدا ذكرا إنما خلف بنتا فملكها الأرمن عليهم ثم علموا ان الملك لا يقوم بامرأة فزوجوها من ولد البرنس فتزوجها وانتقل الى بلدهم واستقر في الملك نحو سنة ثم ندموا على ذلك وخافوا ان يستولي الفرنج على بلادهم فثاروا بابن البرنس فقبضوا عليه وسجنوه فأرسل أبوه يطلب أن يطلق ويعاد في الملك فلم يفعلوا فأرسل الى بابا ملك الفرنج برومية الكبرى يستأذنه في قصد بلادهم وهذا ملك رومية أمره عند الفرنج لا يخالف فمنعه عنهم
وقال إنهم اهل ملتنا ولا يجوز قصد بلادهم فخالفه وأرسل الى علاء الدين كيقباذ ملك قونية وملطية وما بينهما من بلاد المسلمين وصالحه ووافقه على قصد بلاد ابن ليون والاتفاق على قصدها فاتفقا على ذلك وجمع البرنس عساكره ليسير الى بلاد الارمن فخالف عليه الداوية والاسبتار وهما جمرة الفرنج فقالوا إن ملك رومية نهايا عن ذلك إلا انه اطاعه غيرهم فدخل اطراف بلاد الأرمن وهي مضايق وجبال وعرة فلم يتمكن من فعل ما يريد وأما كيقباذ فإنه قصد بلاد الارمن من جهتخ وهي اسهل مدخلا من جهة الشام فدخلها سنة اثنتين وعشرين وستمائة فنهبها وأحرقها وحصر عدة حصون ففتح اربعة حصون وادركه الشتاء فعاد عنها فلما سمع بابا ملك 470 الفرنج برومية أرسل الى الفرنج بالشام يعلمهم أنه قد حرم البرنس فكان الداوية والاسبتارية وكثير من الفرنج لا يحضرون معه ولا يسمعون قوله وكان اهل بلاده وهي انطاكية وطرابلس اذا جاءهم عيد يخرج من عندهم فإذا فرغوا من عيدهم دخل البلد ثم إنه ارسل الى ملك رومية يشكو من الأرمن وانهم لم يطلقوا ولده فأرسل الى الارمن يأمرهم بإطلاق ابنه واعادته الى الملك فإن فعلوا والا فقد أذن له في قصد بلادهم فلما بلغتهم الرسالة لم يطلقوا ولده فجمع البرنس وقصد بلاد الأرمن فأرسل الارمن الى الاتابك شهاب الدين بحلب يستنجدونه ويخوفونه من البرنس ان استولى على بلادهم لأنها تجاور اعمال حلب فأمدهم بجند وسلاح فلما سمع البرنس ذلك صمم العزم على قصد بلادهم فسار اليهم وحاربهم فلم يحصل على غرض فعاد عنهم
حدثني بهذا رجل من عقلاء النصارى ممن دخل تلم البلاد وعرف حالها وسألت غيره فعرف البعض وأنكر البعض
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة انخسف القمر مرتين اولاهما ليلة رابع عشر صفر
وفيها كانت اعجوبة بالقرب من الموصل حامة تعرف بعين القيارة شديدة الحرارة تسميها الناس عين ميمون ويخرج مع الماء قليل من القار فكان الناس يسبحون فيها دائما في الربيع والخريف لأنها تنفع من الأمراض الباردة كالفالج وغيره نفعا عظيما فكان من يسبح فيها يجد الكرب الشديد من حرارة الماء ففي هذه السنة برد الماء فيها حتى كان السابح فيها يجد البرد فتركوها وانتقلوا الى غيرها
وفيها كثرت الذئاب والخنازير والحيات فقتل كثير فلقد بلغني ان ذئبا دخل الموصل فقتل فيها
وحدثني صديق لنا له بستان بظاهر الموصل أنه قتل فيه في سنة اثنتين وعشرين وستمائة جميع الصيف حيتين وقتل هذه السنة الى اول حزيران سبع حيات لكثرتها وفيها انقطع المطر بالموصل واكثر البلاد الجزرية من خامس شباط الى ثاني عشر نيسان ولم يجر شيء يعتد به لكنه سقط اليسير منه في بعض القرى فجاءت الغلات 471 قليلة ثم خرج الجراد الكثير فازدادت الناس اذى وكانت الأسعار قد صلحت شيئا فعادت لكثرة الجراد غلت ونزل ايضا في كثير من القرى برد كبير اهلك زروع اهلها وأفسدها واختلفت اقاويل الناس في اكبره كان وزن بردة مائتي درهم وقيل رطل وقيل غير ذلك إلا انه اهلك كثيرا من الحيوان وانقضت هذه السنة والغلاء باق واشتد بالموصل
وفيها اصطاد صديق لنا أرنبا فرآه وله انثيان وذكر وفرج انثى فلما شقوا بطنها رأوا فيها حريفين سمعت هذا منه ومن جماعة كانوا معه وقالوا ما زلنا نسمع ان الأرنب يكون سنة ذكرا وسنة أنثى ولا نصدق بذلك فلما رأينا هذا علمنا أنه قد حمل وهو أنثى وانقضت السنة فصار ذكرا فإن كان كذلك فيكون في الارانب كالخنثى من بني آدم يكون لأحدهم فرج الرجل وفرج الأنثى
فإني كنت بالجزيرة ولنا جار له بنت اسمها صفية فبقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة إذ قد كلع لها ذكر رجل ونبتت لحيتها فكان لها فرج امرأة وذكر رجل
وفيها ذبح إنسان عندنا رأس غنم فوجد لحمه مرا شديد المرارة حتى رأسه واكارعه ومعلاقه وجميع اجزائه وهذا ما لم يسمع بمثله
وفيها في يوم الاربعاء الخامس والعشرين من ذي القعدة ضحوة النهار زلزلت الأرض بالموصل وكثير من البلاد العربية والعجمية وكان اكثرها بشهروزر فإنها خرب اكثرها لا سيما القلعة فإنها اجحفت بها وخرب من تلك الناحية ست قلاع وبقيت الزلزلة تتردد فيها نيفا وثرثين يوما ثم كشفها الله عنهم وأما القرى بتلك الناحية فخرب أكثرها
وفيها في رجب توفي القاضي حجة الدين أبو منصور المظفر بن عبد القاهر بن الحسن بن علي بن القاسم الشهرزوري قاضي الموصل بها وكان قد اضر قبل وفاته بنحو سنتين وكان عالما بالقضاء عفيفا نزها ذا رياسة كبيرة وله صلات دارة للمقيم والوارد رحمه الله فلقد كان من محاسن الدنيا ولم يخلف غير بنت توفيت بعده بثلاثة اشهر 472
ثم دخلت سنة اربع وعشرين وستمائة
ذكر دخول الكرج مدينة تفليس وإحراقها
في هذه السنة في ربيع الأول وصل الكرج مدينة تفليس ولم يكن بها من العسكر الاسلامي من يقوم بحمايتها وسبب ذلك ان جلال الدين لما عاد من خلاط كما ذكرنا قبل وأوقع بالايوائية فرق عساكره إلى المواضع الحارة الكثيرة المرعى ليشتوا بها وكان عسكره قد أساؤوا السيرة في رعية تفليس وهم مسلمون وعسفرهم فكاتبوا الكرج يستدعونهم اليهم ليملكوهم البلد فاغتنم الكرج ذلك لميل اهل البلد إليهم وخلوه من العسكر فاجتمعوا وكلنوا بمدينتي قرس وآني وغيرهما من الحصون وساروا الى تفليس وكانت خالية كما ذكرناه ولأن جلال الدين استضعف الكرج لكثرة من قتل منهم ولم يظن فيهم حركة فملكوا البلد ووضعوا السيف فيمن بقي من اهله وعلموا انهم لا يقدرون على حفظ البلد من جلال الدين فأحرقوها جميعها وأما جلال الدين فإنه لما بلغه الخبر سار فيمن عنده من العساكر ليدركهم فلم ير منهم احدا كانوا قد فارقوا تفليس لما احرقوها
ذكر نهب جلال الدين بلد الإسماعيلية
في هذه السنة قتل الإسماعيلية اميرا كبيرا من أمراء جلال الديم وكان قد أقطعه جلال الدين مدينة كنجة واعمالها وكان نعم الأمير كثير الخير حسن السيرة ينكر على جلال الدين ما يفعله من النهب وغيره من الشر فلما قتل ذلك الأمير عظم قتله على جلال الدين واشتد عليه فسار في عساكره الى بلاد الاسماعيلية من حدود الموت الى كردكوه بخراسان فحارب الجميع وقتل أهلها ونهب الأموال وسبى الحريم واسترق الأولاد وقتل الرجال وعمل بهم الأعمال العظيمة وانتقم منهم 473 وكانوا قد عظم شرهم وزداد ضررهم وطمعوا مذ خرج التتر الى بلاد الإسلام الى الان فكف عاديتهم وقمعهم ولقاهم الله ما عملوا بالمسلمين
ذكر الحرب بين جلال الدين والتتر
لما فرغ جلال الدين من الاسماعيلية بلغه الخبر ان طائفة من التتر عظيمة قد بلغوا الى دامغان بالقرب من الري عازمين على بلاد الإسلام فسار اليهم وحاربهم واشتد القتال بينهم فانهزموا منه فأوسعهم قتلا وتبع المنهزمين عدة ايام يقتل ويأسر فبينما هو كذلك قد أقام بنواحي الري خوفا من جمع آخر للتتر إذ أتاه الخبر بأن كثيرا منهم واصلون إليه فأقام ينتظرهم وسنذكر خبرهم سنة خمس وعشرين وستمائة
ذكر دخول العساكر الأشرفية إلى اذربيجان وملك بعضها
في هذه السنة في شعبان سار الحاجب علي حسام الدين وهو النائب عن الملك الأشرف بخلاط والمقدم على عساكرها الى بلاد أذربيجان فيمن عنده من العساكر وسبب ذلك ان سيرة جلال الدين كانت جائرة وعساكره طامعة في الرعايا وكانت زوجته ابنة السلطان طغرل السلجوقي وهي التي كانت زوجة اوزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان فتزوجها جلال الدين كما ذكرناه قبل وكانت مع اوزبك تحكم في البلاد جميعها ليس له ولا لغيره معها حكم فلما تزوجها جلال الدين أهملها ولم يلتفت اليها فخافته مع حرمته من الحكم والأمر والنهي فأرسلت هي وأهل خوى الى حسام الدين الحاجب يستدعونه ليسلموا البلاد له فسار ودخل البلاد بلاد أذربيجان فملك مدينة خوى وما يجاورها من الحصون التي بيد امرأة جلال الدين وملك مرندو كاتبه أهل مدينة نقجوان فمضى اليهم فسلموها اليه وقويت شوكتهم بتلك البلاد ولو داموا لملكوها جميعها إنما عادوا الى خلاط واستصحبوا معهم زوجة جلال الدين ابنة السلطان طغرل الى خلاط وسنذكر باقي خبرهم سنة خمس وعشرين إن شاء الله تعالى
ذكر وفاة المعظم صاحب وملك ولده
في هذه السنة توفي الملك المعظم عيسى بن الملك العادل ابي بكر بن ايوب صاحب دمشق يوم الجمعة سلخ ذي القعدة وكان مرضه دوسنطاريا وكان ملكه لمدينة 474 دمشق من حين وفاة والده الملك العادل عشر سنين وخمسة اشهر وثلاثة وعشرين يوما وكان عالما بعدة علوم فاضلا فيها منا الفقه على مذهب أبي حنيفة فإنه كان قد اشتغل به كثيرا وصار من المتميزين فيه ومنها علم النحو فإنه اشتغل به ايضا اشتغالا زائدا وصار فيه فاضلا وكذلك اللغة وغيرها وكان قد أمر أن يجمع له كتاب في اللغة جامع كبير فيه كتاب الصحاح للجوهري ويضاف اليه ما فات الصحاح من التهذيب للأزهري والجمهرة لابن دويد وغيرهما وكذلك ايضا امر بأن يرتب مسند احمد بن حنبل على الأبواب ويرد كل حديث الى الباب الذي يقتضيه معناه مثاله ان يجمع احاديث الطهاة وكذلك يفعل في الصلاة وغيرها من الرقائق والتفسير والغزوات فيكون كتابا جامعا وكان قد سمع المسند من بعض اصحاب ابن الحصين ونفق العلم في سوقه وقصده العلماء من الآفاق فأكرمهم وأجرى عليهم الجرايات الوافرة وقربهم وكان يجالسهم ويستفيد منهم ويفيدهم وكان يرجع الى علم وصبر على سماع ما يكره لم يسمع احد ممن يصحبه منه كلمة تسوءه وكان حسن الاعتقاد يقول كثيرا إن اعتقادي في الأصول ما سطره أبو جعفر الطحاوي ووصى عند موته بأن يكفن في البياض ولا يجعل في اكفانه ثوب فيه ذهب وأن يدفن في لحد ولا يبنى عليه بناء بل يكون قبره في الصحراء تحت السماء ويقول في مرضه لي عند الله تعالى في أمر دمياط ما ارجو ان يرحمني به ولما توفي ولي بعده ابنه داود ويلقب الملك الناصر وكان عمره قد قارب عشرين سنة
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة دام الغلاء في ديار الجزيرة ودامت الأسعار تزيد قليلا وتنقص قليلا وانقطع المطر جميع شباط وعشرة ايام من اذار فازداد الغلاء فبلغت الحنطة كل مكوكين بالموصلي بديار وقيراطين بالموصل والشعير كل ثلاثة مكاكيك بالموصلي بدينار وقيراطين أيضا
وكل شيء بهذه النسبة في الغلاء
وفيها في الربيع قل لحم الغنم بالموصل وغلا سعره حتى بيع كل رطل لحم بالبغدادي بحبتين بالصنجة وربما زاد في بعض الأيام على هذا الثمن وحكى لي من يتولى بيع الغنم بالموصل انهم باعوا خروفا واحدا لا غير وفي بعضها خمسة رؤوس وفي بعضها ستة وأقل وأكثر وهذا ما لم يسمع بمثله ولا رأيناه في جميع اعمارنا 475 ولا حكي لنا مثله لأن الربيع مظنة رخص اللحم لأن التركمان والأكراد والكيلكان ينتقلون من الأمكنة التي شتوا بها الى الزوزان فيبيعون الغنم رخيصا وكان اللحم كل سنة في هذا الفصل يكون سعره كل ستة ارطال وسبعة بقيراط صار هذه السنة الرطل بحبتين
وفيها عاشر آذار وهو العشرين من ربيع الأول سقط الثلج مرتين وهذا غريب مجدا لم يسمع بمثله فأهلك الأزهار التي خرجت كزهر اللوز والمشمش والاجاص والسفرجل وغيرها ووصلت الأخبار من العراق جميعه مثل ذلك فهلكت به ازهار الثمار ايضا وهذا اعجب من حال ديار الجزيرة والشام فإنه أشد حرا من جميعها
وفيها ظفر جمع من التركمان كانوا بأطراف اعمال حلب بفارس مشهور من الفرنج الداوية بأنطاكية فقتلوه فعلم الداوية بذلك فساروا وكبسوا التركمان فقتلوا منهم وأسروا وغنموا من أموالهم فبلغ الى اتابك شهاب الدين المتولي لأمور حلب فراسل الفرنج وتهددهم بقصد بلادهم واتفق ان عسكر حلب قتلوا فارسين كبيرين من الداوية ايضا فأذعنوا بالصلح وردوا الى التركمان كثيرا من اموالهم وحريمهم وأسرهم
وفيها في رجب اجتمع طائفة كثيرة من ديار بكر وأرادوا الإغارة على جزير ابن عمر وكان صاحب الجزيرة قد قتل فلما قصدوا بلد الجزيرة اجتمع أهل قرية كبيرة من بلد الجزيرة اسمها سلكون ولقوهم من ضحوة النهار الى العصر وطال القتال بينهم ثم حمل أهل القرية على الأكراد فهزموهم وقتلوا فيهم ونهبوا ما معهم وعادوا سالمين 476
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وستمائة
ذكر الخلف بين جلال الدين واخيه
فب هذه السنة خاف غياث الدين بن خوارزمشاه وهو اخو جلال الدين من ابيه أخاه وخافه معه جماعة من الأمراء واستشعروا منه وأراد الخلاص منه فلم يتمكنوا من ذلك إلى أن خرجت التتر واشتغل بهم جلال الدين فهرب غياث الدين ومن معه وقصدوا خوزستان وهي من بلاد الخليفة فلم يمكنهم النائب بها من الدخول الى البلد خوفا ان تكون هذه مكيدة فبقي هناك فلما طال عليه الأمر فارق خوزستان وقصد بلاد الإسماعيلية فوصل اليهم واحتمى بهم واستجار بهم وكان جلال الدين قد فرغ من أمر التتر وعاد تبريز فأتاه الخبر وهو بالميدان يلعب بالكرة أن أخاه قد قصد اصفهان فألقى الجو كان من يده وسار مجدا فسمع أن أخاه قصد الإسماعيلية ملتجئا إليهم ولم يقصد اصفهان فعاد الى بلاد الإسماعيلية لينهب بلادهم إن لم يسلموا إليه أخاه وأرسل بطلبه من مقدم الإسماعيلية فأعاد الجواب يقول إن اخاك قد قصدنا وهو سلطان ابن سلطان ولا يجوز لنا ان نسلمه لكن نحن نتركه عندنا ولا نمكنه ان يقصد شيئا من بلادك ونسألك ان تشفعنا فيه والضمان علينا بما قلنا ومتى كان منه ما تكره في بلادك فبلادنا حينئذ بين يديك تفعل فيها ما تختار فأجابهم الى ذلك واستحلفهم على الوفاء بذلك وعاد منهم وقصد خلاط على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر الحرب بين جلال الدين والتتر
في هذه السنة عاود التتر الخروج الى الري وجرى بينهم وبين جلال الدين حروب كثيرة اختلف الناس علينا في عددها كان اكثرها عليه وفي الأخير كان الظفر له وكانت في أول حرب بينهم عجائب غريبة وكان هؤلاء التتر قد سخط ملكهم جنكزخان 477 على مقدمهم وأبعده عنه وأخرجه من بلاده فقصد خراسان فرآها خرابا فقصد الري ليتغلب على تلك النواحي والبلاد فلقيه بها جلال الدين فاقتتلوا اشد قتال ثم انهزم جلال الدين وعاود ثم انهزم وقصد اصفهان واقام بينهما وبين الري وجمع عساكره ومن طاعته فكان فيمن أتاه صاحب بلاد فارس وهو ابن أتابك سعد ملك بعد وفاة أبيه كما ذكرناه وعاد جلال الدين الى التتر فلقيهم فبينما هم مصطفون كل طائفة مقابل الأخرى انفرد غياث الدين أخو جلال الدين فيمن وافقه من الأمراء على مفارقة جلال الدين واعتزلوا وقصدوا الجهة ساروا اليها فلما رآهم التتر قد فارقوا العسكر ظنوهم يريدون ان يأتوهم من وراء ظهورهم ويقاتلوهم من جهتين فانهزم التتر لهذا الظن وتبعهم صاحب بلاد فارس وأما جلال الدين فإنه لما رأى مفارقة اخيه إياه ومن معه من الأمراء ظن ان التتر قد رجعوا خديعة ليستدرجوه فعاد منهزما ولم يجسر يدخل اصفهان لئلا يحصروه فمضى الى سميدم واما صاحب فارس فلما أبعد في اثر التتر ولم ير جلال الدين ولا عسكره معه خاف التتر فعاد عنهم وأما التتر فلما لم يروا في آثارهم احدا يطلبهم وقفوا ثم عادوا الى اصفهان فلم يجدوا في طريقهم من يمنعهم فوصلوا الى اصفهان فحصروها وأهلها يظنون ان جلال الدين قد عدم فبينما هم كذلك والتتر يحصروهم اذ وصل قاصد من جلال الدين اليهم يعرفهم سلامته ويقول إني متعوق او يجتمع إلي من سلم من العسكر وأقصدكم ونتفق انا وانتم على ازعاج التتر ونرحلهم عنكم فأرسلوا اليه يستدعونه اليهم ويعدونه النصرة والخروج معه الى عدوه وفيهم شجاعة عظيمة فسار اليهم واجتمع بهم وخرج اهل اصفهان معه فقاتلوا التتر فانهزم التتر اقبح هزيمة وتبعهم جلال الدين الى الري يقتل ويأسر فلما ابعدوا عن الري أقام بها وأرسل اليه ابن جنكزخان يقول إن هؤلاء ليسوا من اصحابنا انما نحن ابعدناهم عنا فلما امن جانب جنكزخان امن وعاد الى اذربيجان
ذكر خروج الفرنج الى الشام وعمارة صيدا
وفي هذه السنة خرج كثير من الفرنج من بلادهم التي هي في الغرب من صقلية وما وراءها من البلاد الى بلادهم التي بالشام عكا وصور وغيرهما من ساحل الشام فكثر جميعهم وكان قد خرج قبل هؤلاء جمع آخر ايضا الا انهم لم تمكنهم الحركة 478 والشرع في أمر الحرب لأجل ان ملكهم الذي هو المقدم عليهم هو ملك الالمان ولقبه انبرور قيل معناه ملك الأمراء ولأن المعظم كان حيا وكان شهما شجاعا مقدما فلما توفي المعظم كما ذكرناه وولي بعده ابنه وملك دمشق طمع الفرنج وظهورا من عكا وصور وبيروت الى مدينة صيدا وكانت مناصفة بينهم وبين المسلمين وسورها خراب فعمروها واستولوا عليها وأزالوا عنها حكم المسلمين وإنما تم لهم ذلك بسبب تخريب الحصون القريبة منها تبنين وهونين وغيرهما وقد تقدم ذكر ذلك قبل مستقصى فعظمت شوكة الفرنج وقوي طمعهم واستولى في طريقه على جزيرة قبرس وملكها وسار منها الى عكا فارتاع المسلمون لذلك والله تعالى يخذله وينصر المسلمين بمحمد وآله ثم إن ملكهم انبرور وصل الى الشام
ذكر ملك كيقباذ أرزنكان
وفي هذه السنة ملك علاء الدين كبقباذ بن كيخسرو بن قلج ارسلان وهو صاحب قونية واقصروا وملطية وغيرها من بلاد الروم أرزنكان وسبب ملكه اياها ان صاحبها وبهرام شاه وكان قد طال ملكه لها وجاوز ستين سنة توفي ولم يزل في طاعة قلج ارسلان واولاده بعده فلما توفي ملك بعده ولده علاء الدين داود شاه فأرسل اليه كيقباذ يطلب منه عسكرا ليسير معه الى مدينة ارزن الروم ليحصرها ويكون هو مع العسكر ففعل ذلك وسار في عسكره اليه فلما وصل قبض عليه واخذ مدينة أرزنكان منه وله حصن من امنع الحصون اسمه كماخ وفيه مستحفظ لداود شاه فأرسل اليه ملك الروم يحصره فلم يقدر العسكر على القرب منه لعلوه وارتفاعه وامتناعه فتهدد داود شاه ان لم يسلم كماخ فأرسل إلى نائبه في التسليم فسلم القلعة الى كيقباذ وأراد كيقباذ المسير الى ارزن الروم ليأخذها وبها صاحبها ابن عمه طغرل شاه بن قلج ارسلان فلما سمع صاحبها بذلك أرسل الى الأمير حسام الدين علي النائب عن الملك الأشرف بخلاط يستنجده واظهر طاعة الأشرف فسار حسام الدين فيمن عنده من العساكر وكان قد جمعها من الشام وديار الجزيرة خوفا من ملك الروم خافوا انه اذا ملك ارزن الروم يتعدى او يقصد خلاط فسار الحاجب حسام الدين إلى ارزن الروم ومنع عنها ولما سمع كيقباذ بوصول العساكر اليها لم يقدر على قصدها فسار من ارزنبكان الى بلاده وكان قد أتاه الخبر ان الروم الكفار المجاورين لبلاده قد ملكوا منه حصنا 479 يسمى صنوب وهو من احصن القلاع مطل على البحر بحر الخزر فلما وصل الى بلاده سير العسكر اليه وحصره برا وبحرا فاستعاده من الروم وسار الى انطاكية ليشتي بها على عادته
ذكر خروج الملك الكامل
في هذه السنة في شوال سار الملك الكامل محمد بن الملك العادل صاحب مصر الى الشام فوصل الى البيت المقدس حرسه الله تعالى وجعله دار السلام أبدا ثم سار عنه وولى بمدينة نابلس وشحن على تلك البلاد جميعها وكانت من اعمال دمشق وهو إلى الملك المعظم فخاف ان يقصده ويأخذ دمشق منه فأرسل الى عمه الملك الأشرف يستنجده ويطلبه ليحضر عنده بدمشق فسار اليه جريدة فدخل دمشق فلما سمع الكامل بذلك لم يتقدم إليه لأن البلد منيع وقد صار به من يمنعه ويحميه وأرسل اليه الملك الأشرف يستعطفه ويعرفه انه ما جاء الى دمشق إلا طاعة له وموافقة لأغراضه والاتفاق معه على منع الفرنج عن البلاد فأعاد الكامل الجواب يقول إني ما جئت الى هذه البلاد الا بسبب الفرنج فانهم لم يكن في البلاد من يمنعهم عما يريدونه وقد عمروا صيدا وبعض قيسارية ولم يمنعوا وأنت تعلم ان عمنا السلطان صلاح الدين فتح البيت المقدس فصار لنا بذلك الذكر الجميل على تقضي الأعصار وممر الأيام فإن أخذه الفرنج حصل لنا من سوء الذكر وقبح الأحدوثة ما يناقض ذلك الذكر الجميل الذي ادخره عمنا وأي وجه يبقى لنا عند الناس وعند الله تعالى ثم انهم ما يقنعون حينئذ بما اخذوه ويتعدون الى غيره وحيث قد حضرت انت فأنا أعود الى مصر واحفظ انت البلاد ولست بالذي يقال عني اني قاتلت اخي او حصرته حاشى لله تعالى وتأخر عن نابلس نحو الديار المصرية ونزل تل العجول فخاف الأشرف والناس قاطبة بالشام وعلموا أنه إن عاد استولى الفرنج على البيت المقدس وغيره مما يجاوره لا مانع دونه فترددت الرسل وسار الأشرف بنفسه إلى الكامل أخيه فحضر عنده وكان وصوله ليلة عيد الأضحية ومنعه من العود إلى مصر فأقاما بمكانهما
ذكر نهب جلال الدين بلاد ارمينية
في هذه السنة وصل جلال الدين خوارزمشاه الى بلاد خلاط وتعدى خلاط الى 480 صحراء موش وجبل حور ونهب الجميع وسبى الحريم واسترق الأولاد وقتل الرجال وخرب القرى وعاد الى بلاده ولما وصل الخبر الى البلاد الجزرية حران وسروج وغيرهما انه قد جاز خلاط الى جور وانه قد قرب منهم خاف اهل البلاد ان يجيء اليهم لأن الزمان كان شتاء وظنوا انه يقصد الجزيرة ليشتي بها لأن البرد بها ليس بالشديد وعزموا على الانتقال من بلادهم الى الشام ووصل بعض اهل سروج الى منبج من ارض الشام فأتاهم الخبر انه قد نهب البلاد وعاد فأقاموا وكان سبب عوده ان الثلج سقط ببلاد خلاط كثيرا لم يعهد مثله فأسرع العود
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة رخصت الأسعار بديار الجزيرة جميعها وجاءت الغلات لهم من الحنطة والشعير جيدا الا ان الرخص لم يبلغ الأول الذي كان قبل الغلاء انما صارت الحنطة كل خمس مكاكيك بدينار والشعير كل سبعة عشر مكوكا بالموصلي بدينار 481
ثم دخلت سنة ست وعشرين وستمائة
دكر تسليم البيت المقدس الى الفرنج
في هذه السنة أول ربيع الآخر تسلم الفرنج لعنهم الله البيت المقدس صلحا اعاده الله الى الاسلام سريعا وسبب ذلك ما ذكرناه سنة خمس وعشرين وستمائة من خروج الانبرور وملك الفرنج من بلاد داخل البحر الى ساحل الشام وكانت عساكره قد سبقته ونزلوا بالساحل وأفسدوا من يجاورهم من بلاد المسلمين ومضى اليهم وهم بمدينة صور طائفة من المسلمين يسكنون الجبال المجاورة لمدينة صور واطاعوهم وصاروا معهم وقوي طمع الفرنج بموت الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب صاحب دمشق ولما وصل الأنبرور الى الساحل نزل بمدينة عكا وكان الملك الكامل صاحب مصر قد خرج من الديار المصرية يريد الشام بعد وفاة اخيه المعظم وهو نازل بتل العجول يريد ان يملك دمشق من صلاح الدين داود بن المعظم وهو صاحبها يومئذ وكان داود لما سمع بقصد عمه الملك الكامل له قد أرسل الى عمه الملك الأشرف صاحب البلاد الجزرية يستنجده ويطلب منه المساعدة على دفع عمه عنه فسار الى دمشق فترددت الرسل بينه وبين اخيه الملك الكامل في الصلح فاصطلحا واتفقا وسار الملك الأشرف الى الملك الكامل واجتمع به فلما اجتمعا ترددت الرسل بينهما وبين الانبرور ملك الفرنج دفعات كثيرة فاستقرت القاعدة على ان يسلموا اليه البيت المقدس ومعه مواضع يسيرة من بلاده ويكون باقي البلاد مثل الخليل ونابلس والغور وطبرية وغير ذلك بيد المسلمين ولا يسلم الى الفرنج إلا البيت المقدس والمواضع التي استقرت معه وكان سور البيت المقدس خرابا قد خربه الملك المعظم وقد ذكرنا ذلك وتسلم الفرنج البيت المقدس واستعظم المسلمون ذلك واكبروه ووجدوا له من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه يسر الله فتحه وعوده الى المسلمين بمنه وكرمه
آمين 482
ذكر ملك الملك الأشرف مدينة دمشق
وفي هذه السنة يوم الاثنين ثاني شعبان ملك الملك الأشرف بن الملك العادل مدينة دمشق من ابن اخيه صلاح الدين داود بن المعظم وسبب ذلك ما ذكرناه ان صاحب دمشق لما خاف من عمه الملك الكامل أرسل الى عمه الأشرف يستنجده ويستعين به على دفع الكامل فسار اليه من البلاد الجزرية ودخل دمشق وفرح به صاحبها وأهل البلد وكانوا قد احتاطوا وهم يتجهزون للحصار فأمر بإزالة ذلك وترك ما عزموا عليه من الاحتياط وحلف لصاحبها على المساعدة والحفظ له ولبلاده عليه وراسل الملك الكامل واصطلحا وظن صاحب دمشق انه معهما في الصلح وسار الأشرف الى اخيه الكامل واجتمعا في ذي الحجة من سنة خمس وعشرين يوم العيد وسار صاحب دمشق الى بيسان وأقام بها وعاد الملك الأشرف من عند أخيه واجتمع هو وصاحب دمشق ولم يكن الأشرف في كثرة من العسكر فبينما هما جالسان في خيمة لهما وإذ قد دخل عز الدين أيبك مملوك المعظم الذي كان صاحب دمشق وهو أكبر أمير مع ولده فقال لصاحبه داود قم اخرج والاقبضت الساعة فأخرجه ولم يمكن الأشرف منعه لأن أيبك كان قد أركب العسكر الذي له جميعه وكانوا أكثر من الذين مع الأشرف فخرج داود وسار هو وعسكره الى دمشق وكان سبب ذلك أن أيبك قيل له ان الأشرف يريد القبض على صاحبه واخذ دمشق منه ففعل ذلك فلما عادوا وصلت العساكر من الكامل الى الأشرف وسار فنازل دمشق وحصرها وأقام محاصرا لها الى ان وصل اليه الملك الكامل فحينئذ اشتد الحصار وعظم الخطب على أهل البلد وبلغت القلوب الحناجر وكان من أشد الأمور على صاحبها ان المال عنده قليل لأن امواله بالكرك ولوثوقه بعمه الأشرف لم يحضر منها شيئا فاحتاج الى ان باع حلي نسائه وملبوسهم وضاقت الأمور عليه فخرج الى عمه الكامل وبذل له تسليم دمشق على ان يبقي عليه الكرك وقلعة الشويك والغور ونابلس وتلك الأعمال وان يبقى على ايبك صرخد واعمالها وتسليم الكامل دمشق وجعل نائبه بالقلعة الى ان سلم اليه اخوه الأشرف حران والرها والرقة وسروج ورأس العين من الجزيرة فلما تسلم ذلك سلم قلعة دمشق الى اخيه الأشرف فدخلها وأقام بها وسار الكامل الى الديار الجزرية فأقام بها الى ان استدعى اخاه الأشرف بسبب حصر جلال الدين خوارزمشاه مدينة خلاط فلما حضر عنده بالرقة عاد الكامل الى ديار مصر وأما 483 الأشرف فكان منه ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر القبض على الحاجب علي وقتله
وفي هذه السنة ارسل الملك الأشرف مملوكه عز الدين أيبك وهو امير كبير في دولته الى مدينة خلاط وأمره بالقبض على الحاجب حسام الدين علي بن حماد وهو المتولي لبلاد خلاط والحاكم فيها من قبل الأشرف ولم تعلم شيئا يوجب القبض عليه لأنه كان مشفقا عليه ناصحا له حافظا لبلاده حسن السيرة مع الرعية ولقد وقف هذه المدة الطويلة في وجه خوارزمشاه جلال الدين وحفظ خلاط حفظا يعجز غيره عنه وكان مهتما بحفظ بلاده وذابا عنها وقد تقدم من ذكر قصده بلاد جلال الدين والاستيلاء على بعضها ما يدل على همة عالية وشجاعة تامة وصار لصاحبه به منزلة عظيمة فإن الناس يقولون بعض غلمان الملك الأشرف يقاوم خوارزمشاه وكان رحمه الله كثير الخير والاحسان لا يمكن احدا من ظلم وعمل كثيرا من اعمال البر من الخانات في الطرق والمساجد في البلاد وبنى بخلاط بيمارستانا وجامعا وعمل كثيرا من الطرق واصلحها كان يشق سلوكها فلما وصل ايبك الى خلاط قبض عليه ثم قتله غيلة لأنه كان عدوه ولما قتل ظهر اثر كفايته فإن جلال الدين حصر خلاط بعد قبضه وملكها على ما نذكره إن شاء الله ولم يمهل الله ايبك بل انتقم منه سريعا فإن جلال الدين أخذ أيبك اسيرا لما ملك خلاط مع غيره من الأمراء فلما اصطلح الأشرف وجلال الدين اطلق الجميع وذكر ان ايبك قتل وكان سبب قتله أن مملوكا للحاجب علي كان قد هرب الى جلال الدين فلما أسر ايبك طلبه ذلك المملوك من جلال الدين ليقتله بصاحبه الحاجب علي فسلمه اليه فقتله وبلغني أن الملك الأشرف رأى في المنام كأن الحاجب عليا قد دخل الى مجلس فيه أيبك فأخذ منديلا وجعله في رفبة أيبك وأخذه وخرج فأصبح الملك الأشرف وقال قد مات أيبك فإبي رأيت في المنام كذا وكذا
ذكر ملك الكامل مدينة حماة
وفي هذه السنة اواخر شهر رمضان ملك الملك الكامل مدينة حماة وسبب ذلك ان الملك المنصور محمد بن تقي الدين عمر وهو صاحب حماة توفي على ما نذكره ولما حضرته الوفاة حلف الجند وأكابر البلد لولده الأكبر ويلقب بالملك المظفر وكان قد سيره ابوه الى الملك الكامل صاحب مصر لأنه كان قد تزوج بابنته وكان 484 لمحمد ولد آخر اسمه قلج أرسلان ولقبه صلاح الدين وهو بدمشق فحضر إلى مدينة حماة فسلمت إليه واستولى على المدينة وعلى قلعتها فأرسل الملك الكامل يأمره ان يسلم البلد إلى أخيه الأكبر فإن أباه أوصى له به فلم يفعل وترددت الرسل في ذلك الى الملك المعظم صاحب دمشق فلم تقع الاجابة
فلما توفي المعظم وخرج الكامل الى الشام وملك دمشق سير جيشا الى حماة فحصرها ثالث شهر رمضان وكان المقدم على هذا الجيش أسد الدين شيركوه صاحب حمص وأمير كبير من عسكره يقال له فخر الدين عثمان ومعهما ولد محمد تقي الدين الذي كان عند الكامل فبقي الحصار على البلد عدة أيام وكان الملك الكامب قد سار عن دمشق ونزل على سلمية يريد العبور الى البلاد الجزرية حران وغيرها فلما نازلها قصده صاحب حماة صلاح الدين ونزل اليه من قلعته ولم يكن لذلك سبب إلا أمر الله تعالى
فإن صلاح الدين قال لأصحابه أريد النزول الى الملك الكامل فقالوا له ليس بالشام احصن من قلعتك وقد جمعت من الذخائر ما لا حد له فلأي شيء تنزل اليه ليس هذا برأي فأصبر على النزول واصروا على منعه فقال في آخر الأمر اتركوني انزل وإلا القيت نفسي من القلعة فحينئذ سكتوا عنه فنزل في نفر يسير ووصل الى الكامل فاعتقله الى ان سلم مدينة حماة وقلعتها الى اخيه الاكبر الملك المظفر وبقي بيده قلعة بارين حسب فإنها كانت له
وكان هو كالباحث بظلفه على حتفه
ذكر حصر جلال الدين خلاط وملكها
وفي هذه السنة اوائل شوال حصر جلال الدين خوارزمشاه مدينة خلاط وهي للملك الأشرف وبها عسكره فامتنعوا بها وأعانهم اهل البلد خوفا من جلال الدين لسوء سيرته وأسرفوا في الشتم والسفه فأخذه اللجاج معهم وأقام عليهم جميع الشتاء محاصرا وفرق كثيرا من عساكره في القرى والبلاد القريبة من شدة البرد وكثرة الثلج فإن خلاط من اشد البلاد بردا واكثرها ثلجا وأبان جلال الدين عن عزم قوي وصبر تحار العقول منه ونصب عليها عدة منجنيقات ولم يزل يرميها بالحجارة حتى خرب بعض سورها فأعاد اهل البلد عمارته ولم يزل مصايرهم وملازمهم الى اواخر جمادى الأولى من سنة سبع وعشرين فزحف اليها زحفا متتابعا وملكها عنوة وقهرا يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الأولى سلمها اليه بعض الأمراء غدرا فلما ملك 485 البلد صعد من فيه من الأمراء الى القلعة التي لها وامتنعوا بها وهو منزلهم ووضع السيف في أهل البلد وقتل من وجد به منهم وكانوا قد قلوا فإن بعضهم فارقوه خوفا وبعضهم خرج منه من شدة الجوع وبعضهم مات من القبلة وعدم القوت فإن الناس في خلاط اكلوا الغنم ثم البقر ثم الجواميس ثم الخيل ثم الحمير ثم البغال والكلاب والسنانير وسمعنا أنهم كانوا يصطادون الفار ويأكلونه وصبروا صبرا لم يلحقهم فيه احد ولم يملك من بلاد خلاط وغيرها وما سواها من البلاد لم يكونوا ملكوه وخربوا خلاط وأكثروا القتل فيها ومن سلم هرب في البلاد وسبوا الحريم واسترقوا الأولاد وباعوا الجميع فتمزقوا كل ممزق وتفرقوا في البلاد ونهبوا الأموال وجرى على اهلها ما لم يسمع بمثله لا جرم لم يمهله الله تعالى وجرى عليه من الهزيمة بين المسلمين والتتر ما نذكره ان شاء الله تعالى
ذكر عدة حوادث
في اواخر هذه السنة قصد الفرنج حصن بارين بالشام ونهبوا بلاده واعماله وأسروا وسبوا ومن جملة من ظفروا به طائفة من التركمان كانوا نازلين في ولاية بارين فأخذوا الجميع ولم يسلم منهم إلا النادر الشاذ والله أعلم 486
ثم دخلت سنة سبع وعشرين وستمائة
ذكر انهزام جلال الدين من كيقباذ والأشرف
في هذه السنة يوم السبت الثامن والعشرين من رمضان انهزم جلال الدين خوارزمشاه من علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج ارسلان صاحب بلاد الروم قونية واقصروا وسيواس وملطية وغيرها ومن الملك الأشرف صاحب دمشق وديار الجزيرة وخلاط وسبب ذلك ان جلال الدين كان قد اطاعه صاحب ارزن الروم وهو ابن عم علاء الدين ملك الروم وبينه وبين علاء الدين عداوة مستحكمة وحضر صاحب ارزن الروم عند جلال الدين على خلاط واعانه على حصرها فخافهما علاء الدين فأرسل الى الملك الكامل وهو حينئذ بحران يطلب منه ان يحضر اخاه الأشرف من دمشق فإنه كان مقيما بها بعد ان ملكها وتابع علاء الدين الرسل بذلك خوفا من جلال الدين فأحضر الملك الكامل أخاه الأشرف من دمشق فحضر عنده ورسل علاء الدين اليهما متتابعة يحث الأشرف على المجيء اليه والاجتماع به حتى قيل إنه في يوم واحد وصل إلى الكامل والأشرف من علاء الدين خمسة رسل ويطلب من الجميع وصول الأشرف إليه ولو وحده فجمع عساكر الجزيرة والشام وسار إلى علاء الدين فاجتمعا بسيواس وسارا نحو خلاط فسمع جلال الدين بهما فسار اليهما مجدا في السير فوصل اليهما بمكان يعرف بباسي حمار وهو من اعمال ارزنجان فالتقوا هناك وكان مع علاء الدين خلق كثير قيل كانوا عشرين الف فارس وكان مع الأشرف نحو خمسة آلاف إلا انهم من العساكر الجيدة الشجعان لهم السلاح الكثير والدواب الفارهة من العربيات وكل منهم قد جرب الحرب وكان المقدم عليهم امير من أمراء عساكر حلب يقال له عز الدين عمر بن علي وهو من الأكراد الهكارية ومن الشجاعة في الدرجة العليا وله الأوصاف الجميلة والأخلاق الكريمة 487 فلما التقوا بهت جلال الدين لما رأى من كثرة العساكر لا سيما لما رأى عسكر الشام فإنه شاهد من تجملهم وسلاحهم ودوابهم ما ملأ صدره رعبا فأنشب عز الدين بن علي القتال ومعه عسكر حلب فلم يقم لهم جلال الدين ولا صبر ومضى منهزما هو وعسكره لا يلوي الأخ علي أخيه وتفرقت اصحابه وتمزقوا كل ممزق وعاد الى خلاط فاستصحبوا معهم من فيها من اصحابهم وعادوا الى اذربيجان فنزلوا عند مدينة خوى ولم يكونوا قد استولوا على شيء من اعمال خلاط سوى خلاط ووصل الملك الأشرف الى خلاط فرآها خاوية على عروشها خالية من الأهل والسكان قد جرى عليهم ما ذكرناه قبل
ذكر ملك علاء الدين ارزن الروم
قد ذكرنا ان صاحب ارزن الروم كان مع جلال الدين على خلاط ولم يزل معه وشهد معه المصاف المذكور فلما انهزم جلال الدين أخذ صاحب أرزن الروم أسيرا فأحضر عند علاء الدين كيقباذ ابن عمه فأخذه وقصد ارزن الروم فسلمها صاحبها اليه هي وما يتبعها من القلاع والخزائن وغيرها فكان كما قيل خرجت النعامة تطلب قرنين فعادت بلا أذنين وهكذا هذا المسكين جاء الى جلال الدين يطلب الزيادة فوعده بشيء من بلاد علاء الدين فأخذ ماله وما بيديه من البلاد وبقي اسيرا فسبحان من لا يزول ملكه
ذكر الصلح بين الأشرف وعلاء الدين وبين جلال الدين
لما عاد الأشرف الى خلاط ومضى جلال الدين منهزما الى خوى ترددت الرسل بينهما فاصطلحوا كل منهم على ما بيده واستقرت القواعد على ذلك وتحالفوا فلما استقر الصلح وجرت الأيمان عاد الأشرف الى سنجار وسار منها الى دمشق فأقام جلال الدين ببلاده من اذربيجان الى ان خرج عليه التتر على ما نذكره ان شاء الله تعالى
ذكر ملك شهاب الدين غازي مدينة ارزن
كان حسام الدين صاحب مدينة ارزن من ديار بكر لم يزل مصاحبا للملك الأشرف مناصحا له مشاهدا جميع حروبه وحوادثه وينفق امواله في طاعته ويبذل نفسه وعساكره في مساعدته فهو يعادي اعداءه ويوالي اولياءه ومن جملة موافقته انه كان 488 في خلاط لما حصرها جلال الدين ولقي من الشدة والخوف ما لقيه بها وصبر الى ان ملكها جلال الدين فأسره جلال الدين وأراد ان يأخذ منه مدينة ارزن فقيل له ان هذا من بيت قديم عريق في الملك وانه ورث هذه أرزن من اسلافه وكان لهم سواها من البلاد فخرج الجميع من أيديهم فعطف عليه ورق له وأبقى عليه مدينته وأخذ عليه العهود والمواثيق انه لا يقاتله فعاد الى بلده وأقام به فلما جاء الملك الأشرف وعلاء الدين محاربين لجلال الدين سار شهاب الدين غازي بن الملك العادل وهو اخو الأشرف وله مدينة ميافارقين ومدينة حانى وهو بمدينة ارون فحصره بها ثم ملكها صلحا وعوضه عنها بمدينة حانى من ديار بكر وحسام الدين هذا نعم الرجل حسن السيرة كريم جواد لا يخلو بابه من جماعة يريدون اليه يستمنحونه وسيرته جميلة في ولايته ورعيته وهو من بيت قديم يقال له بيت طغان أرسلان كان لهم من أرزن بدليس ووسطان وغيرهما ويقال لهم بيت الأحدب وهذه البلاد معهم من أيام ملكشاه بن الب ارسلان السجلوقي فأخذ بكتمر صاحب خلاط منهم بدليس اخذها من عم حسام الدين هذا لأنه كان موافقا لصلاح الدين يوسف بن أيوب فقصده بكتمر لذلك وبقيت ارزن بيد هذا الى الان فأخذت منه ولكل أول آخر فسبحان من لا أول له ولا آخر لبقائه
ذكر ملك صونج قشيالوا قلهة روينذر
وفي هذه السنة ظهر أمير من أمراء التركمان اسمه صونج ولقبه شمس الدين واسم قبيلته قشيالوا وقوي امره وقطع الطريق وكثر جمعه وكان بين إربل وهمذان وهو ومن معه يقطعون الطريق ويفسدون في الأرض ثم انه تعدى الى قلعة منيعة اسمها سارو وهي لمظفر الدين وقتل عندها اميرا كبيرا من امراء مظفر الدين يعرف بعز الدين الحميدي فجمع مظفر الدين وأراد استعادتها منه فلم يمكنه لحصانتها ولكثرة الجموع مع هذا الرجل فاصطلحت على ترك القلعة بيده وكان عسكر لجلال الدين خوارزمشاه يحصرون قلعة رويندز وهي من قلاع أذربيجان من احصن القلاع وامنعها لا يوجد مثلها وقد طال الحصار على من بها فأذعنوا بالتسليم فأرسل جلال الدين بعض خواص اصحابه وثقاته ليتسلمها وأرسل معه الخلع والمال لمن بها فلما صعد ذلك القاصد الى القلعة وتسلمها اعطى بعض من بالقلعة ولم يعط 489 البعض واستذلهم وطمع فيهم حيث استولى على الحصن فلما رأى من لم يأخذ شيئا من الخلع والمال ما فعل بهم ارسلوا الى صونج يطلبونه ليسلموا اليه القلعة فسار اليهم في اصحابه فسلموها اليه فسبحان من اذا أراد أمرا سهله هذه قلعة روينذر لم تزل تتقاصر عنها قدرة أكابر الملوك وعظمائهم من قديم الزمان وحديثه وتضرب الأمثال بحصانتها لما اراد الله سبحانه وتعالى ان يملكها هذا الرجل الضعيف سهل له الأمور فملكها بغير قتال ولا تعب وزال عنها اصحاب مثل جلال الدين الذي كل ملوك الأرض نهابه وتخافه وكان اصحاب جلال الدين كما قيل رب ساع لقاعد فلما ملكها صونج طمع في غيرها لا سيما مع اشتغال جلال الدين بما اصابه من الهزيمة ومجيء التتر فنزل من القلعة الى مراغة وهي قريب منها فحصرها فأتاه سهم غرب فقتله فلما قتل ملك رويندز أخوه ثم إن هذا الأخ الثاني نزل من القلعة وقصد أعمال تبريز ونهبها وعاد إلى القلعة ليجعل فيها من ذلك النهب والغنيمة ذخيرة خوفا من التتر وكانوا قد خرجوا فصادفه طائفة من التتر فقتلوه وأخذوا ما معه من النهب ولما قتل ملك القلعة ابن اخت له وكان هذا جميعه في مدة سنتين فأف لدينا لا تزال تتبع فرحة بترحة وكل حسنة بسيئة 490
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين وستمائة
ذكر خروج التتر الى اذربيجان وما كان منهم
في اول هذه السنة وصل التتر من بلاد ما وراء النهر الى اذربيجان وقد ذكرنا قبل كيف ملكوا ما وراء النهر وما صنعوه بخراسان وغيرها من البلاد من النهب والتهريب والقتل واستقر ملكهم بما وراء النهر وعادت بلاد ما وراء النهر انعمرت وعمروا مدينة تقارب مدينة خوارزم عظيمة وبقيت مدن خراسان خرابا لا يجسر احد من المسلمين يسكنها وأما التتر فكانوا تغير كل قليل طائفة منهم ينهبون ما يرونه بها فالبلاد خاوية على عروشها فلم يزالوا كذلك الى ان ظهر منهم طائفة سنة خمس وعشرين فكان بينهم وبين جلال الدين ما ذكرناه وبقوا كذلك فلما كان الآن وانهزم جلال الدين من علاء الدين كيقباذ ومن الأشرف كما ذكرناه سنة سبع وعشرين أرسل مقدم الاسماعيلية الملاحدة الى التتر يعرفهم ضعف جلال الدين بالهزيمة الكائنة عليه ويحثهم على قصده عقيب الضعف ويضمن لهم الظفر به للوهن الذي صاروا إليه وكان جلال الدين سيء السيرة قبيح التدبير لملكه لم يترك احدا من الملوك المجاورين له الا عاداه ونازعه الملك وأساء مجاورته فمن ذلك انه اول ما ظهر في اصفهان وجمع العساكر قصد خوزستان فحصر مدينة ششتر وهي للخليفة فحصرها وسار الى دقوقا فنهبها وقتل فيها فأكثر وهي خليفة ايضا ثم ملك اذربيجان وهي لأوزبك فملكها وقصد الكرج وهزمهم وعاداهم ثم عادى الملك الأشرف صاحب خلاط ثم عادى علاء الدين صاحب بلاد الروم وعادى الاسماعيلية ونهب بلادهم وقتل فيهم فأكثر وقرر عليهم وظيفة من المال كل سنة وكذلك غيرهم فكل من الملوك تخلى عنه ولم يأخذ بيده فلما وصلت كتب مقدم الإسماعيلية الى التتر يستدعيهم الى قصد جلال الدين بادر طائفة منهم فدخلوا بلاده 491 واستولوا على الري وهمذان وما بينهما من البلاد ثم قصدوا اذربيجان فخربوا ونهبوا وقتلوا من ظفروا به من أهلها وجلال الدين لا يقدم على أن يلقاهم ولا يقدر على منعهم على البلاد قد ملئ رعبا وخوفا وانضاف الى ذلك ان عسكره اختلفوا عليه وخرج وزيره عن طاعته في طائفة كثيرة من العسكر وكان السبب ان غريبا اظهر من قلة عقل جلال الدين ما لم يسمع بمثله وذلك أنه كان له خادم خصي وكان جلال الدين يهواه واسمه قلج فاتفق ان الخادم مات فأظهر من الهلع والجزع عليه ما لم يسمع بمثله ولا لمجنون ليلى وأمر الجند والأمراء ان يمشوا في جنازته رجالة وكان موته بموضع بينه وبين تبريز عدة فراسخ فمشى الناس رجالة ومشى بعض الطريق راجلا فألزمه امراؤه ووزيره بالركوب فلما وصل الى تبريز ارسل الى اهل البلد فأمرهم بالخروج عن البلد لتلقي تابوت الخادم ففعلوا فأنكر عليهم حيث لم يبعدوا ولم يظهروا من الحزن والبكاء اكثر مما فعلوا وأراد معاقبتهم على ذلك فشفع فيهم امراؤه فتركهم ثم لم يدفن ذلك الخصي وإنما كان يستصحبه معه اين ساروا وهم يلطم ويبكي فامتنع من الأكل والشراب وكان اذا قدم له قدم له طعام يقول احملوا من هذا الى قلج ولا يتجاسر احد يقول انه مات فانه قيل له مرة إنه مات فقيل القائل له ذلك إنما كانوا يحملون اليه الطعام ويعودون يقولون إنه يقبل الأرض ويقول إنني اصلح مما كنت فلحق امراءه من الغيظ والأنفة من هذه الحالة ما حملهم على مفارقة طاعته والانحياز عنه مع وزيره فبقي حيران لا يدري ما يصنع لا سيما لما خرج التتر فحينئذ دفن الغلام الخصي وراسل الوزير واستماله وخدعه الى ان حضر عنده فلما وصل اليه بقي أياما وقتله جلال الدين وهذه نادرة غريبة لم يسمع بمثلها
ذكر ملك التتر مراغة
وفي هذه السنة حر التتر مراغة من اذربيجان فامتنع اهلها ثم اذعن اهلها بالتسليم على امان طلبوه فبذلوا لهم الأمان وتسلموا البلد وقتلوا فيه إلا انهم لم بكثروا القتل وجعلوا في البلد شحنة وعظم حينئذ شأن التتر واشتد خوف الناس منهم بأذربيجان فالله تعالى ينصر الإسلام والمسلمين نصرا من عنده فما نرى في ملوك الإسلام من له رغبة في الجهاد ولا في الدين بل كل منهم مقبل على لهوه ولعبه وظلم رعيته وهذا اخوف عندي من العدو وقال الله تعالى (
اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) 492
ذكر وصول جلال الدين إلى آمد وانهزامه عندها وما كان منه
لما رأى جلال الدين ما يفعله التتر في بلاد أذربيجان وانهم مقيمون بها يقتلون وينهبون ويخربون السواد ويجبون الأموال وهم عازمون على قصده ورأى ما هو عليه من الوهن والضعف فارق اذربيجان الى بلاد خلاط وأرسل الى النائب بها عن الملك الأشرف يقول له ما جئنا للحرب ولا للأذى انما خوف هذا العدو حملنا على قصد بلادكم وكان عازما على ان يقصد ديار بكر والجزيرة ويقصد باب الخليفة يستنجده وجميع الملوك على التتر ويطلب منهم المساعدة على دفعهم ويحذرهم عاقبة اهمالهم فوصل الى خلاط فبلغه ان التتر يطلبونه وهم مجدون في أثره فسار الى آمد وجعل اليزك في عدة مواضع خوفا من لبيات فجاءت طائفة من التتر يقصدون أثره فوصلوا اليه على غير الطريق الذي فيه اليزك فأوقعوا به ليلا وهو بظاهر مدينة آمد فمضى منهزما على وجهه وتفرق من معه من العسكر في كل وجه فقصد طائفة من عسكره حران فأوقع بهم الأمير صواب مقدم الملك الكامل بحران ومعه العسكر فأخذوا ما معهم من مال وسلاح ودواب وقصد طائفة منهم نصيبين والموصل وسنجار واربل وغير ذلك من البلاد فتخطفهم الملوك والرعايا وطمع فيهم كل احد حتى الفلاح والكردي والبدوي وغيرهم وانتقم منهم وجازاهم على سوء صنيعهم وقبيح فعلهم في خلاط وغيرها وبما سعوا في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين فازداد جلال الدين ضعفا الى ضعفه ووهنا الى وهنه وبمن تفرق من عسكره وبما جرى عليهم فلما فعل التتر بهم ذلك ومضى منهزما منهم دخلوا ديار بكر في طلبه لأنهم لم يعلموا اين قصد ولا أي طريق سلك فسبحان من بدل امنهم خوفا وعزهم ذلا وكثرتهم قلة فتبارك الله رب العالمين الفعال لما يشاء
ذكر دخول التتر ديار بكر والجزيرة وما فعلوه في البلاد من الفساد
لما انهزم جلال الدين من التتر على آمد نهب التتر سواد آمد وارزن وميافارقين وقصدوا مدينة اسعرد فقاتلهم أهلها فبذل لهم التتر الأمان فوثقوا منهم واستسلموا فلما تمكن التتر منهم بذلوا فيهم السيف وقتلوهم حتى كادوا يأتون عليهم فلم يسلم منهم إلا من اختفى وقليل ما هم 493
حكى لي بعض التجار وكان قد وصل آمد انهم حزروا القتلى ما يزيد على خمسة عشر الف قتيل وكان مع هذا التاجر جارية من اسعرد فذكرت ان سيدها خرج ليقاتل وكان له ام فمنعته ولم يكن لها ولد سواه فلم يصغ الى قولها فمشت معه فقتلا جميعا وورثها ابن الاخ للام فباعها من هذا التاجر وذكرت من كثرة القتلى أمرا عظيما وان مدة الحصار كانت خمسة أيام ثم ساروا منها الى مدينة طنزة ففعلوا فيها كذلك وساروا من طنزة الى واد بالقرب من طنزة يقال له وادي القريشية فيه طائفة من الأكراد يقال لهم القريشية وفيه مياه جارية وبساتين كثيرة والطريق اليه ضيق فقاتلهم القريشية فمنعوهم عنه وامتنعوا عليهم وقتل منهم كثير فعاد التتر ولم يبلغوا منهم غرضا وساروا في البلاد لا مانع يمنعهم ولا احد يقف بين أيديهم فوصلوا الى ماردين فنهبوا ما وجدوا من بلدها واحتمى صاحب ماردين وأهل دنيسر بقلعة ماردين وغيرهم ممن جاور القلعة احتمى بها ايضا ثم وصلوا الي نصيبين الجزيرة فأقاموا عليها بعض نهار ونهبوا سوادها وقتلوا من ظفروا به وغلقت ابوابها فعادوا عنها ومضوا الى بلد سنجار ووصلوا الى الجبال من اعمال سنجار فنهبوها ودخلوا الى الخابور فوصلوا الى عرابان فنهبوا وقتلوا وعادوا ومضى طائفة منهم على طريق الموصل فوصلوا الى قرية تسمى المؤنسة وهي على مرحلة من ننصيبين بينها وبين الموصل فنهبوها واحتمى اهلها وغيرهم بخان فيها فقتلوا كل من فيه
وحكي لي عن رجل منهم انه قال اخفيت منهم ببيت فيه تبن فلم يظفروا بي وكنت اراهم من نافذة في البيت فكانوا اذا ارادوا قتل انسان فيقول لا بالله فيقتلونه فلما فرغوا من القرية ونهبوا ما فيها وسبوا الحريم رأيتهم وهم يلعبون على الخيل ويضحكون ويغنون بلغتهم بقول لا بالله ومضى طائفة منهم الى نصيبين الروم وهي على الفرات وهي من اعمال آمد فنهبوها وقتلوا فيها ثم عادوا إلى آمد ثم إلى بلد بدليس فتحصن اهلها بالقلعة والجبال فقتلوا فيها يسيرا واحرقوا المدينة
وحكى انسان من اهلها قال لو كان عندنا خمسمائة فارس لم يسلم من التتر احد لأن الطريق ضيق بين الجبال والقليل يقدر على منع الكثير ثم ساروا من بدليس الى خلاط فحصروا مدينة من أعمال خلاط يقال لها بكري وهي من أحصن البلاد فملكوها عنوة وقتلوا كل من بها وقصدوا مدينة ارجيش من اعمال خلاط 494 وهي مدينة كبيرة عظيمة ففعلوا كذلك وكان هذا في ذي الحجة ولقد حكي لي عنهم حكايات يكاد سامعها يكذب بها من الخوف الذي القاه الله سبحانه وتعالى في قلوب الناس منهم حتى قيل ان الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية أو الدرب وبه جمع كثير من الناس فلا يزال يقتلهم واحدا بعد واحد لا يتجاسر احد يمد يده الى ذلك الفارس ولقد بلغني ان انسانا منهم اخذ رجلا ولم يكن مع التتري ما يقتله به فقال له ضع رأسك على الأرض ولا تبرح فوضع رأسه على الأرض ومضى التتري احضر سيفا فقتله به
وحكى لي رجل قال كنت انا ومعي سبعة عشر رجلا في طريق فجاءنا فارس من التتر وقال لنا حتى يكتف بعضنا بعضا فشرع اصحابي يفعلون ما أمرهم فقلت لهم هذا واحد فلم لا نقتله ونهرب فقالوا نخاف فقلت هذا يريد قتلكم الساعة فنحن نقتله فلعل الله يخلصنا فوالله ما جسر احد يفعل ذلك فأخذت سكينا وقتلته وهربنا فنجونا وامثال هذا كثير
ذكر وصول طائفة من التتر الى اربل ودقوقا
في هذه السنة في ذي الحجة وصل طائفة من التتر من اذربيجان الى اعمال اربل فقتلوا من على طريقهم من التركمان الأيوائية والأكراد والجوزقان وغيرهم الى ان دخلوا بلد اربل فنهبوا القرى وقتلوا من ظفروا به أهل تلك الأعمال وعملوا الأعمال الشنيعة التي لم يسمع بمثلها من غيرهم وبرز مظفر الدين صاحب اربل في عساكره واستمد عساكر الموصل فساروا اليه فلما بلغه عود التتر الى اذربيجان اقام في بلاده ولم يتبعهم فوصلوا الى بلد الكرخيني وبلد دقوقا وغير ذلك وعادوا سالمين لم يذعرهم احد ولا وقف في وجوههم فارس وهذه مصائب وحوادث لم ير الناس من قديم الزمان وحديثه ما يقاربها فالله سبحانه وتعالى يلطف بالمسلمين ويرحمهم ويرد هذا العدو عنهم وخرجت هذه السنة ولم نتحقق لجلال الدين خبرا ولا نعلم هل قتل او اختفى بم يظهر نفسه خوفا من التتر أو فارق البلاد الى غيرها والله أعلم
ذكر طاعة أهل أذربيجان للتتر
في أول هذه السنة أطاع أهل بلاد اذربيجان جميعها للتتر وحملوا اليهم الأموال 495 والثياب الخطائي والخويي والعتابي وغير ذلك وسبب طاعتهم أن جلال الدين لما انهزم على آمد من التتر وتفرقت عساكره وتمزقوا كل ممزق وتحفظهم الناس وفعل التتر بديار بكر والجزيرة واربل وخلاط ما فعلوا ولم يمنعهم احد ولا وقف في وجوههم فارس وملوك الإسلام منحجرون في الاثقاب وانضاف الى هذا انقطاع اخبار جلال الدين فإنه لم يظهر له خبر ولا علموا له حالا سقط في أيديهم واذعنوا للتتر بالطاعة وحملوا اليهم ما طلبوا منهم من الأموال والثياب من ذلك مدينة تبريز التي هي اصل بلاد اذربيجان ومرجع الجميع اليها والى من بها فإن ملك التتر نزل في عساكره بالقرب منها وأرسل الى اهلها يدعوهم الى طاعته ويتهددهم ان امتنعوا عليه فأرسلوا اليه المال الكثير والتحف من انواع الثياب الا بريسم وغيرها وكل شيء حتى الخمر وبذلوا له الطاعة فأعاد الجواب يشكرهم ويطلب منهم ان يحضر مقدموهم عنده فقصده قاضي البلد ورئيسه وجماعة من اعيان اهله وتخلف عنهم شمس الدين الطغرائي وهو الذي يرجع الجميع اليه الا انه يظهر شيئا من ذلك فلما حضروا عنده سألهم عن امتناع الطغرائي فقالوا إنه رجل منقطع ما له بالملوك تعلق ونحن الأصل فسكت ثم طلب ان يحضروا عنده من صناع الثياب الخطائي وغيرها ليستعمل لملكهم الأعظم فإن هذا هو من اتباع ذلك الملك فاحضروا الصناع فاستعملهم في الذي ارادوا ووزن اهل تبريز الثمن وطلب منهم خركاة لملكهم ايضا فعلموا له خركاة لم يعمل مثلها وعملوا غشاءها من الأطلس الجيد المزركش وعملوا من داخلها السمور والقندر فجاءت عليهم بجملة كثيرة وقرر عليهم من المال كل سنة شيئا كثيرا ومن الثياب كذلك وترددت رسلهم الى ديوان الخلافة وإلى جماعة من الملوك يطلبون منهم انهم لا ينصرون خوارزمشاه ولقد وقفت على كتاب وصل من تاجر من اهل الري كان قد انتقل الى الموصل وأقام بها هو ورفقاء له ثم سافر الى الري في العام الماضي قبل خروج التتر فلما وصل التتر الى الري وأطاعهم اهلها وساروا الى اذربيجان سار هو معهم الى تبريز فكتب الى اصحابه بالموصل يقول إن الكافر لعنه الله ما نقدر نصفه ولا كثرة جموعه حتى لا تنقطع قلوب المسلمين فإن الأمر عظيم ولا تظنوا ان هذه الطائفة التي وصلت الى نصيبين والخابور والطائفة الأخرى التي وصلت الى اربل ودقوقا كان قصدهم النهب إنما ارادوا ان يعلموا هل في البلاد من يردهم ام لا فلما عادوا اخبروا ملكهم بخلو البلاد من مانع ومدافع وان البلاد 496 خالية من ملك وعساكر فقوي طمعهم وهم في الربيع يقصدونكم وما يبقى عندكم مقام الا ان كان في بلد الغرب فان عزمهم على قصد البلاد جميعها فانظروا لأنفسكم هذا مضمون الكتاب فانا لله وإنا اليه راجعون ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وأما جلال الدين فإلى آخر سنة ثمان وعشرين لم يظهر له خبر وكذلك الى سلخ صفر سنة تسع لم نقف له على حال والله المستعان
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة قلت الأمطار بديار الجزيرة والشام لا سيما حلب واعمالها فإنها كانت قليلة بالمرة وغلت الأسعار بالبلاد وكان اشدها غلاء حلب الا انه لم يكن بالشديد مثل ما تقدم في السنين الماضية فأخرج اتابك شهاب الدين وهو والي الأمر بحلب والمرجع إلى امره ونهيه وهو المدبر لدولة سلطانها الملك العزيز بن الملك الظاهر والمربي له من المال والغلات كثيرا وتصدق صدقات دارة وساس البلاد سياسة حسنة بحيث لم يظهر للغلاء اثر فجزاه الله خيرا
وفيها بنى أسد الدين شيركوه صاحب حمص والرحبة قلعة عند سلمية وسماها سميس وكان الملك الكامل لما خرج من مصر الى الشام قد خدمه اسد الدين ونصح له وله اثر عظيم في طاعته والمقاتلة بين يديه فأقطعه مدينة سلمية فبنى هذه القلعة بالقرب من سلمية وهي على تل عال
وفيها قصد الفرنج الذين بالشام مدينة جبلة وهي بين جملة المدن المضافة الى حلب ودخلوا اليها وأخذوا منها غنيمة وأسرى فسير اتابك شهاب الدين اليهم العساكر مع امير كان اقطعها فقاتل الفرنج وقتل منهم كثيرا واسترد الأسرى والغنيمة
وفيها توفي القاضي ابن غنائم بن العديم الحلبي الشيخ الصالح وكان من المجتهدين في العبادة والرياضة والعاملين بعلمهم فلو قال قائل انه لم يكن في زمانه اعبد منه لكان صادقا فرضي الله عنه وارضاه فإنه من جملة شيوخنا سمعنا عليه الحديث وانتفعنا برؤيته وكلامه
وفيها ايضا في الثاني عشر من ربيع الأول توفي صديقنا ابو القاسم عبد المجيد بن العجمي الحلبي وهو وأهل بيته مقدمو السنة بحلب وكان رجلا ذا مروءة غزيرة وخلق 497 حسن وحلم وافر ورياسة كثيرة يحب اطعام الطعام وأحب الناس اليه من يأكل طعامه ويقبل بره وكان يلقى اضيافه بوجه منبسط ولا يقعد عن ايصال راحة وقضاء حاجة فرحمه الله رحمة واسعة
ثم دخلت سنة تسع وعشرين وستمائة
( تم بعون الله تعالى كتاب الكامل في التاريخ ) والحمد لله أولا وآخرا