فهرست عناوين فهرست اشعار
فتح المغيث شرح الفيه الحديث

مولف:سخاوي ، علي بن محمد ، 558-643ق.


1

فتح المغيث شرح ألفية الحديث تأليف الإمام الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنه 902 ه


5

بسم الله الرحمن الرحيم ربي زدني علما وفهماِ رب يسر يا كريم آمين

الحمد لله الذي جعل العلم بفنون الخبر مع العمل المعتبر بها إليه أتم وسيلة ووصل من أسند في بابه وانقطع إليه فأدرجه في سلسله المقربين لديه وأوضح له المشكل الغريب وتعليله

وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد أنزل على عبده أحسن الحديث وعلمه تأويله

وأشهد أن سيدنا محمدا المرسل بالآيات الباهرة والمعجزات المتواترة والمخصوص بكل شرف وفضيلة

صلى الله عليه وعلى آله صحبه وأنصاره وحزبه الذين صار الدين بهم عزيزا بعد فشو كل شاذ ومنكر ورذيلة ورضي الله عن أتباعهم المعول على اجتماعهم ممن اقتفى أثرة وسلك سبيله صلاة وسلاما دائمين غير مضطربين ينال بها العبد في الدارين تأميله

وبعد فهذا تنقيح لطيف وتلقيح للفهم المنيف شرحت فيه أليفه الحديث وأوضحت به ما اشتملت عليه من القديم والحديث ففتح من كنوزها المحصنة الأقفال كل مرتج وطرح عن رموزها الإشكال ما بين الحجج سابكا لها فيه بحيث لا تتخلص منه إلا بالتمييز لأنه أبلغ في إظهار


6
المعنى تاركا لمن لا يرى حسن ذلك في خصوص النظم والترجيز لكونه أن لم يكن متعنتا لم يذق الذي هو أهنى مراعيا فيه الاعتناء بالناظم رجاء بركته ساعيا في إفادة ما لا غنى عنه لأئمة الشأن وطلبته غير طويل ممل لا قصير مخل استغناء عن تطويله بتصنيفي المبسوط المقرر المضبوط الذي جعلته كالنكت عليها وعلى شرحها للمؤلف وعلما بنقص همم أماثل الوقت فضلا عن المتعرف إجابة لمن سألني فيه من الأئمة ذوي الوجاهة والتوجيه ممن خاض معي في الشرح وأصله وارتاض فكرة بما يرتقي به عن أقرانه وأهله

نفعني الله وإيام والمسلمين بذلك ويسرنا إلى كل خير أقرب المسالك بمنه وكرمه

( يقول راجي ربه المقتدر
عبد الرحيم بين الحسين الأثري )
( من بعد حمد الله ذي الآلاء
على امتنان جل عن إعطاء )
( ثم صلاة وسلام دائم
على نبي الخير ذي المراحم )
( فهذه المقاصد المهمة
توضح من علم الحديث رسمه )
( نظمتها تبصرة للمبتدي
وتذكرة للمنتهى المسند )
( لخصت فيها ابن الصلاح اجمعه
إذا ظللت الدهر أبكى اجمعا )
( وزدتها علما تراه موضعه
)
( فحيث جاء الفعل والضمير
لواحد ومن له مستور )
( أو أطلقت لفظ الشيخ ما
أريد إلا ابن الصلاح مبهما )
( وإن يكن لاثنين نحو التزما
فمسلم مع البخاري هما )
( والله أرجو في أموري كلها
معتصما في صعبها وسهلها )

* * *

قال رحمه الله ( يقول ) من القول وهو لفظ دال على معنى مفيد كما هنا أو غير مفيد ( راجي ) اسم فاعل من الرجا ضد الخوف وهو توقع ممكن تقتضي حصول ما فيه مسرة ( ربه ) أي مالكه الإله الذي لا تطلق الربوبيه على سواه


7
( المقتدر ) على ما أراد وهو من صفات الجلال والعظمة ولذل كان أبلغ في قوة الرجاء إذ وجودة مع استحضار صفات الجلالِ أدل على وجوده مع استحضار صفات الجمال ( عبد الرحيم ) بيان الراجي فاعل يقول أو بدل منه ( ابن الحسين ) ابن عبد الرحمن بن أبو الفضل ( الأثري ) بفتح الهمزة والمثلثة نسبه إلى الأثر وهو لغة البقية واصطلاحا لأحاديث مرفوعة كانت او موقوفة على المعتمد ومنه شرح المعاني الآثار لاشتماله عليها وإن قصره بعض الفقهاء على الموقوف كما سيأتي في بابه

وانتسب كذلك جماعه وحسن الانتساب إليه ممن يصنف في فنونه ويعرف أيضا بالعراقي لكون جده يكتبها بخطه انتسابا لعراق العرب وهو القطر الأعم كما قاله ابن كان إماما علامة مقربا ففيها شافعي المذهب أصوليا منقطع القرين في فنون الحديث وصناعته ارتحل فيه إلى البلاد النائية وشهد له بالتفرد فيه أئمة عصرة وعولوا عليه فيه وسارت تصانيفه فيه وفي غيرة ودرس وأفتى وحدث وحدث وأملي وولي قضاء المدينة الشريفة ثلاث سنين انتفع به الأجلاء مع الزهد والورع والتحري في الطهارة وغيرها وسلامه الفطرة والمحافظة على أنواع العبادة والتقنع باليسير وسلوك التواضع والكرم والوقار مع الأبهة والمحاسن الجمة وقد أفرد ابنه ترجمته بالتأليف فلا نطيل فيها وهو في مجموعه كلمه إجماع وقد أخذت عن خلق من أصحابه

وأما ألفيته وشرحها فتلقيتها مه جل أصلها دراية عن شيخنا إمام الأئمة وأجل جماعته والألفية فقط عن جماعه مات في شعبان سنه ستة وثمان مائه عن أزيد من إحدى وثمانين سنة رحمه الله وإيانا

وهو وإن قدم ما أسلفه وضعا فذاك من بعد ذكر حمد الله لفظا عملا بحديث كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع ومن بالكسر حرف خاض تأتي غالبا لابتداء الغاية كما هنا ولغيره وبعد بالجر نقيض قبل والحمد هو الثناء على المحمود بأفعاله الجميلة وأوصافه الحسنة الجليلة


8

والله علم على المعبود بحق وهو الباري سبحانه المحمود حقيقة على كل حال وهو خاص به لا يشركه فيه غيرة ولا يدعي به أحد سواه قبض الله الألسنة على ذلك على أنه قال قد يقال أن سبق التعريف بالقائل غير مخل بالابتداء ولو لم يلفظ به ففي حديث قال الحاكم إنه غريب حسن أنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى معاذ بن جبل رضي الله عنه من محمد رسول الله إلى معاذ سلام عليك فإني أحمد الله إليك إلى آخره وكذا في غيرة من الأحاديث لكن مع الابتداء قبل اسمه بالبسملة كما وقع للمؤلف وفعله أيضا أبو بكر الصديق وزيد بن ثابت رضي الله عنهما وعزاه حماد بن سلمه لمكاتبه المسلمين بل يقال أيضا هذا الحديث روي أيضا ببسم الله بدل بحمد الله فكأنه أريد بالحمدلة والبسملة ما هو أعلم منها وهو ذكر الله والثناء عليه على الجملة بصيغه الحمد أو غيرها

ويؤيده رواية ثالثه لفظها بذكر الله وحمده فالحمد والذكر والبسملة سوى فمن ابتدأ بواحد منها حصل المقصود من الثناء على ذي الآلاء أي صاحب النعم والجود والكرم وفي واحد الآلاء سبع لغات إلى بكسر الهزة وبفتحها مع التنوين وعدمه ومثلث النمرة مع سكون اللام والتنوين على امتنان من الله به من العطاء الكثير الذي منه التوغل في علوم الحديث النبوي على قائلة افضل الصلاة والسلام واختصاص الناظم بكونه ولله الحمد فيه إماما مقتدى به والمان الذي يبدأ بالنوال قبل السؤال جل أي عظم عطاؤه عن احصاء بعدد قال تعالى ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) ثم صلا وسلام بالجر عطفا على حمدا دائم كل منهما أو تلفظي بهما أو لاقترانهما غالبا صارا كالواحد وفي عطفه بثم المقتضية للترتيب مع المهملة إشعار بأنه أثنى على الله سبحانه زيادة على ما ذكر بينهما


9

والصلاة من الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه ومن الملائكة وغيرهم طلب الزيادة له للعلم بتناهيه في كل شرف ولم يفردها عن السلام لتصريح النووي رحمه الله بكراهة إفراد أحدهما عن الآخر وإن خصها شيخي بمن جعله ديدنا لوقوع الإفراغ في كلام إمامنا الشافعي ومسلم والشيخ أبي إسحاق وغيرهم من أئمة الهدى منهم النووي نفسه في خطبة تقريبة كما في كثير من نسخة وكذا أتى بها مع الحمد عملا بقوله في بعض الطرق الحديث الماضي بحمد الله والصلاة على فهو أبتر مسحوق من كل بركة وإن كان سنده ضعيفا لأنه في الفضائل مع ما فيها إثباتها في الكتاب من الفضل كما سيأتي في محله على نبي الخير الجامع لكل محمود في الدنيا والآخرة ذي أي صاحب المراحم نبينا محمد وحقيقة النبي والأكثر في التلفظ به عدم الهمز إنسان أوحى إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه فإن أمر بالتبليغ فرسول أيضا ولذا كان الوصف بها أشمل

فالعدول عنها إما للتأسي بالخبر الآتي في الجمع بين وصفي النبوة والرحمة أو لمناسبته علوم الخبرٍ لأن احد ما قيل في اشتقاقه أنه من البناء وهو الخبر أو لأنه في مقام التعريف الذي يحصل الإكتفاء فيه بأي صفه أدت المراد في مقام الوصف

على أن العز بن عبد السلام جنح لتفضيل النبوة على الرسالة وذهب غيرة إلى خلافه كما سأوضحه في إبدال الرسول بالنبي والمراحم جمع مرحمة مصدر ميمي مفعلة من الرحمة

ففي صحيح مسلم أنه قال أنا نبي التوبة ونبي المرحمة وفي نسخه منه وهي التي اعتمدها الدمياطي ونبي الملحمة باللام بدل الراءِ وفي أخرى نبي المرحمه وفي حديث أخر أن الله بعثني ملحمة ومرحمة وفي آخر أنا نبي الملاحم ونبي الرحمة

قال النووي فيما عدا الملحمة معناها واحد متقارب ومقصودها أنه


10
جاء بالتوبه وبالمراحم

قلت وأما الملحمه فهي المعركه فكأنه المبعوث بالقتال والجهاد وقد وصف الله المؤمنين بقوله ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) ( 1 ) ( وتواصوا بالمرحمة ) ( 2 ) أي يرحم بعضهم بعضا وهي في حقنا بالمعنى اللغوي رقه في القلب وتعطف ومن الرحيم إراده الخير بعبيده ومن الملائكة طلبها منه لنا ثم إنه لقوة الاسباب عند المرء فيما يوجهه إلى عزمه ويجمع عليه دائه يصير في الحكم الموجود الحاضر بحيث ينزله منزلته ويعامله بالإشارة إليه معاملته ولذا قال مع التخلص في التعبير أو لا بيقول عن اعتذار

( فهذه ) والفاء أما الفضيحة فالمقول ما بعدها أو جواب شرط محذوف تقديره إن كنت أيها الطالب تريد البحث عن علوم الخبر فهذه المقاصد جمع مقصد وهو ما يؤمها الإنسان من أمر ويطلبه المهمة من الشيء المهم وهو الأمر الشديد الذي يقصد بعزم ( توضح ) بضم أوله من أوضح أي تظهر وتبين ( من علم الحديث ) الذي هو معرفة القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي ( رسمه ) أي أثره الذي تبني عليه أصوله

وفي التعبير به إشارة إلى دروس كثير من هذا العلم الذي باد حماله وهاد عن السنن المعتبر عماله وإنه لم تبق منه إلا آثاره بعد أن كانت ديار أوطانه بأهله آهلة وخيول فرسانه في ميدانه صاهلة وقد كنا نعدهم قليلا فقد صاروا أقل من القليل

والحديث لغة ضد القديم واصطلاحا ما أضيف إلى النبي قولا له أو فعلا أو تقريرا أو صفة حتى الحركات والسكنات في اليقظة والمنام فهو أعم من السنة الآتية قريبا

وكثيرا ما يقع في كلام أهل الحديث ومنهم الناظم ما يدل لترادفهما


11
( نظمتها ) أي المقاصد حيث سلكت في جمعها المشي على بحر من البحور المعروفة عند أهل الشعر وإن كان النظم في الأصل أعم من ذلك إذ هو جمع الأشياء على هيئة متناسقة تبصره للمبتدى بترك همزة يتبصر بها ما لو يكن به عالما وتذكرة للمنتهى وهو الذي حصل من الشيء أكثره وأشهره وصلح مع ذلك لإفادته وتعلمه وارشاد إليه وتفهيمه يتذكر بها ما كان عنه ذاهلا وكذا للراوي ( المسند ) الذي اعتنى بالإسناد فقط فهو يتذكر بها كيفيه التحمل والأداء ومتعلقاته كما يتذكر بها المنتهى مجموع الفن فبين المسند والمنتهى عموم وخصوص من وجه وأشير بالتبصرة والتذكرة إلى لقب هذه المنظومه وهما بالنصب مفعول له ترك فيه العاطف ولم أتكلف تخليص ما اشتملت عليه من بطون الكتب والدفاتر ولكن ( لخصت فيها ابن الصلاح ) أي مقاصد كتابه الشهير على حد قوله وأسال القرية حيث اختصرت من ألفاظ وأثبت مقصوده ( أجمعه ) ولا ينافي التأكيد حذف كثير من أمثلته وتعاليله وغير ذلك إذ هو تأكيد للمقصود المقدر كأنه قال لخصت المقصود أجمعه

والتأكيد بأجمع غير مسبوق بكل واقع في القرآن وغيرة جائز ومنه

( إذا ظللت الدهر أبكي أجمعا ) وأجمع بينهما للتقوية نحو فسجد للملائكة كلهم أجمعون

والصلاح تخفيف من لقب والده فإنه هو العلامه الفقيه حافظ الوقت مفتي الفرق شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمر وعثمان بن الإمام البارع صلاح الدين أبي القاسم ! عبد الرحمن بن عثمان الشهرزورى الموصلي ثم الدمشقي الشافعي كان إماما بارعا حجه متبجرا في العلوم الدينية بصيرا بالمذهب ووجوهه خبيرا بأصوله عارفا بالمذاهب جيدا لماده من اللغة العربية حافظا للحديث متقنا فيه حسن الضبط كبير القدر وافر الحرمه عديم النظر في زمانه مع الدين والعبادة والنسك والصيانة والورع والتقوى انتفع به خلق


12
وعولوا على تصانيفه خصوصا كتابة المشار اليه

فهو كما قال شيخنا وقد سمعته عليه بحثا إلا يسيرا من أوله كما تقدم ما نصه لا يحصى كم ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر مات في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة عن ست وستين سنة رحمه الله

ومع استيفائي فيها لمقاصد كتابه زدتها علما من إصلاح لخلل وقع في كلامه أوزيادة في عد أقسام تلك المسألة أو فائدة مستقلة تراه أي المزيد موضعه

بملاحظة أصلها لأنه وإن ميز أول كثير منه بقلت أو تميز بنفسه عند العارف لكونه حكاية عن متأخر عن ابن الصلاح بالصريح أو بالإشارة أو تعقبا لكلامه برد أو إيضاح فآخره قد لايتميز وأيضا فقد فاته أشياء كثيرة لم يميزها بقلت ولا تميزت بما أشير إليه كما سأوضح ذلك في محاله

وكذا أشرت من أجل التلخيص لعزو ما يكون من اختيارات ابن الصلاح وتحقيقاته إله فحيث الفاء هي الفصيحة أو تفريعية على لخصت جاء الفعل والضمير على البدل لواحد لا لاثنين ومن أي والذي كان من الفعل والضمير له مستور أي غير معلوم تشبيها له بالمغطى بان لم يذكر فاعل الفعل معه ولا تقدم كلا من الفعل أو الضمير الموحدين اسم يعود عليه كقال في أمثلة الفعل من مثل قوله في الحسن قال بأن لي بإمعان النظر وله في الضمير من مثل قوله في حكم الصحيحين كذا له أو أطلقت لفظ الشيخ كقوله فالشيخ فيما بعد قد حققه ما أريد بكل من الفاعل او صاحب الضمير والشيخ إلا ابن الصلاح مبهما بفتح الهاء حال من المفعول وهو ابن الصلاح وبكسرها حال من فاعل أريد وهو الناظم وإن يكن أي المذكور من الفعل أو الضمير لاثنين ففي الفعل نحو قولك التزما وقوله واقطع بصحته لما قد أسند أو في الضمير نحو وأرفع الصحيح مرويهما فمسلم مع البخاري هما وقد الأول للضرورة لا سيما وإضافته للثاني بالمعية مشعرة


13
بالتبعية والمرجوعية

وربما يعكر على هذا الاصطلاح ما تكون ألفه للإطلاق كقوله وقيل ما لم نتصل

وقال وكقوله في اختلاف ألفاظ الشيوخ وما ببعض ذا وذا وقالا وإن كان متميزا برسم الكتابة والله بالنصب معمول أرجو وقدم للإختصاص نحو ( إياك نعبد وإياك نستعين ) في اموري كلها معتصما بفتح الصاد تميز للنسبة أي أرجوه من جهة الاعتصام بمعنى الحفظ والوقاية وبكسرها أي ممتنعا على أنه حال من الفاعل وهو الناظم أي أدخل الله في حالته كوني معتصما في صعبها أي أموري ( و ) في سهله أو الصعب وكذا الحزن ضد السهل فبأي لفظ جيء به منهما تحصل المطابقة المحصنة من أنواع البديع ولكن بالحزن الإتيان أبلغ لما فيه من التأسي به صلى الله عليه وسلم حيث قال وأنت إن شئت جعلت الحزن سهلا وحيث أمر بتغيير حزن بسهل والله الموفق


14
أقسام الحديث
( وأهل هذا الشأن قسموا السنن
إلى صحيح وضعيف وحسن )
( فالأول المتصل الإسناد
بنقل عدل ضابط الفؤاد )
( وبالصحيح والضعيف قصدوا
في ظاهر لا القطع المعتمد )
( إمساكنا عن حكمنا على سند
بأنه أصح مطلعا وقد )
( خاض به قوم فقيل مالك
عن نافع بما رواة الناسك )
( عن مثله من غير ما شذوذ
من عله قادحة فتؤذي )
( مولاة واختر حيت عنه بسند
الشافعي قلت عنه وأحمد )
( وجزم ابن حنبل الزهري
عن سالم أي عن أبيه البري )
( وقيل زين العابدين عله أبه
عن جدة وابن شهاب عنه به )
( أو فابن سيرين عن السلماني
او الأعمش فيه ذي الشأن )
( النخعي عن ابن علقمة
عن ابن مسعود ولم من عممه )

* * *

جمع قسم وهو والنوع والصنف والضرب معانيها متقاربه وربما تستعمل بمعنى واحد واهل هذا الشأن الحديث قسموا بالتشديد السنن المضافه للنبي قولا له أو فعلا أو تقريرا إلى صحيح وضعيف وحسن وذلك بالنظر لما استقر اتفاقهم بعد الاختلاف عليه وإلا فمنهم


15
كما سيأتي في الحسن بما حكاة ابن الصلاح في غير هذا الموضوع من علومه من يدرج الحسن الصحيح لاشتراكهما في الاحتجاج بل نقل ابن تيمية إجماعهم إلا الترمذي خاصه عليه

وبالنظر لأنه لم يقع في مجموع كلامهم التقسيم لأكثر من الثلاثه وإن اختلفوا في بعضهما كما في ركب القوم دوابهم وخصت الثلاثه بالتقسيم لشمولها لما وعدها مما سيذكر من مباحث المتن دون مختلفه وغريبه وناسخه بل ولأكثر مباحث السند كالتدليس والاختلاط والعنعنه والمزيد في متصل الأسانيد ومن تقبل روايته أو تردد والثقات والضعفاء والصحابه والتابعين وطرق التحمل والأداء أو المبهمات والحاصل شمولها لكل ما يتوقف عليه القبول والرد منها ولخروج ما يخرج من الأنواع عنها أشار ابن الصلاح بقوله في آخر الضعيف والملحوظ فيما نورده من الأنواع أي بعده عموم أنواع علوم الحديث لا خصوص أنواع التقسيم الذي فرغنا الآن من تقسيمه وأدرج الضعيف في السنن تغليبا وإلا فهو لا يسمى بسنه وكذا أقدم على الحسن للضرورة أو لمراعاة المقابله بينه وبين الصحيح أو لملاحظه صنع الأكثرين لاسيما والحسن رتبه متوسطه بينهما فأعلاها ما أطلق عليه اسم الحسن لذاته وأدناها ما أطلق عليه باعتبار الإنجبار والأول صحيح عند قوم حسن عند قوم والثاني حسن عند قوم ضعيف عند قوم وهم من لا يثبت الواسطه أو بالنظر إلى الانفراد والأول أظهر لتاخيرة الضعيف حين تفصيلهما ولا يخدش في تيسر تأخيرة في نظم بعض الآخرين عن الناظم حيث قال علم الحديث راجع الصنوف إلى صحيح حسن ضعيف فالأول أي الصحيح لاستحقاقه التقديم رتبه ووضعا وترك تعريفه لغه بأنه ضد المكسور والسقيم وهو حقيقه في الأجسام بخلافه في الحديث والعباده والمعامله وسائر المعاني فمجاز من باب الإستعارة وبالتبعيه لكونه


16
خروجا عن الغرض المتصل الإسناد أي السالم إسناده الذي هو كما قال شيخنا في شرح النخبه الطريق الموصله إلى المتن مع قوله في موضع آخر منه أن حكايه طريق المتن وهو أشبه فذاك تعريف المسند والمر سهل عن سقط بحيث يكون كل من رواته سمع ذلك للمروي من شيخه

وهذا هو الشرط الأول وبه خرج المنقطع والمرسل بقسميه

والعقل الآتي تعريفها في محالها والمعلق الصادر ممن لم يشترط الصحه كالبخاري لأن تعاليقه المجزومه المستجمعه للشروط فيمن بعد المتعلق عنه لها حكم الإتصال وإن لم يقف عليها من طريق المعلق عنه فهو لقصورنا وتقصيرنا واتصاله بنقل عدل وهو من له ملكه تحمله على ملازمه التقوى والمروءة على ما سياتي مع البسط في محله

وهذا هو ثاني الشروط وبه خرج من في سنده من عرف ضعفه أو جهلت عينه أو حاله حسبما يجيء في بيانهما ضابط أي حازم الفؤاد بضم الفاء ثم واو مهموزة ثم مهمله أي القلب فلا يكون مغفلا غير يقظ ولا متقن لئلا يروي عن كتابه الذي تطرق إليه الخلل وهو لا يشعر أو من حفظه المختل فيخطئ إذ الضبط ضبطان ضبط صدر وضبط كتاب

فالأول هو الذي يثبت ما سمعه بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء

والثاني هو صونه له عن تطرق الخلل إليه حين سمع فيه إلى أن يؤدي وإن منع بعضهم الروايه من الكتاب

هذا على الضبط وهو ثالث الشروط على ما ذهب إليه الجمهور حيث فرقوا بين الصدوق والثقه والضابط وجعلوا لكل صفه منها مرتبه دون التي بعدها وعليه مشى المصنف وقال إنه احترز به عما في سنده رواة معقل كثير الخطأ في روايته وإن عرف بالصدق وبالعداله


17

ويتايد بتفصيل شروط العداله عن شروط الضبط في معرفه من تقبل روايته ولذلك تعقب المصنف الخطابي في اقتصاره على العدالة وانتصر شيخنا للخطابي حيث كاد أن يجعل الضبط من أوصافها لكن قال في موضع آخر أن تفسير الثقه بمن فيه وصف زائد على العداله وهو الضبط إنما هو اصطلاح لبعضهم

وعلى كل حال فاشتراطه في الصحيح لابد منه والمراد التام كما فهم من الإطلاق المحمول على الكامل وحينئذ فلا يدخل الحسن لذاته المشترط فيه مسمى الضبط خاصه هنا لكن يخرج إذا اعتضد وصار صحيحا لغيرة كأنه اكتفى بذكرة بعد وإن تضمن كون الحد غير جامع ثم إنه لابد أن يكون إقلاله عن مثله يعني وهكذا إلى منتهاة سواء انتهى إلى النبي أو إلى الصحابي أو إلى من دونه حتى يشمل الموقوف ونحوة ولكن قد يدعى أن الإتيان بعن مثله تصريح بما هو مجرد توضيح وأنه قد فهم مما قبله ولذلك حذفه شيخنا في نخبته اختصارها من غيرها أي من غير شذوذ وغير عله قادحه

وهذان الرابع والخامس من الشروط وسيأتي تعريفها وهما سلبيان بمعنى اشتراط نفيهما ولا يخدش في ذلك عدم ذكر الخطابي لهما إذا لم يخالف أحد فيه بل هو أيضا مقتضى توجيه ابن دقيق العيد قوله وفيهما نظر على مقتضى نظر الفقهاء حيث قال كثيرا من العلل التي يعلل بها المحدثون لا تجري على أصول الفقهاء إذ ظاهره أن الخلاف إنما هو فيما يسمى علة فالكثير منه يختلفون فيه والبعض المحتمل لأن يكون إلا أكثر أو غيره يوافق الفقيه المحدث على التعليل به ولذلك احترز بقوله كثير

ومن المسائل المختلف فيها إذا أثبت الراوي عن شيخه شيئا فنفاه من هو أحفظ أو أكثر عددا أو أكثر ملازمة منه فإن الفقيه والأصولي يقولان المثبت مقدم على النافي فيقبل والمحدثون يسمونه شاذا لأنهم فسروا الشذوذ


18
المشترط نفيه هنا بمخالفة الراوي في روايته من هو أرجح منه عند تعسر الجمع بين الروايتين ووافقهم الشافعي على التفسير المذكور بل صرح بأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد أي لأن تطرق السهو أقرب من تطرقه إلى العدد الكثير وحينئذ فرد قول الجماعة بقول الواحد بعيد

ومنها الحديث الذي يرويه العدل عن تابعي مثلا عن صحابي ويرويه آخر مثله سواء عن ذلك التابعي بعينه لكن عن صحابي آخر فإن الفقهاء وأكثر المحدثين يجوزون أن يكون التابعي سمعه معا إن لم يمنع منه مانع وقامت قرينة الإسناد في ثاني قسمي المقلوب وفي الصحيحين الكثير من هذا

وبعض المحدثين يعلون بهذا متمسكين بأن الاضطراب دليل على عدم الضبط في الجملة والكل متفقون على التعليل بما إذا كان أحد المتردد فيهما ضعيفا بل توسع بعضهم فرد بمجرد العلة ولو لم تكن قادحة وأما من لم يتوقف من المحدثين والفقهاء في تسمية ما يجمع الشروط الثلاثة صحيحا ثم إن ظهر شذوذ أو علة رده فشاذ وهو استرواح حيث يحكم على الحديث بالصحة قبل الإمعان في الفحص تتبع طرقه التي يعلم بها الشذوذ والعلة نفيا وإثباتا فضلا عن أحاديث الباب كله التي ربما احتيج إليها في ذلك

وربما تطرق إلى التصحيح متمسكا بذلك من لا يحسن فالأحسن سد هذا الباب وإن أشعر تعليل ابن الصلاح ظهور الحكم بصحة المتن من إطلاق الإمام المعتمد صحة الإسناد بجواز الحكم قبل التفتيش حيث قال لأن عدم العلة والقادح هو الأصل الظاهر فتصريحه بالاشتراط يدفعه مع أن قصر الحكم على الإسناد وإن كان أحق لا يسلم من الفقهاء

وكذا لا ينبغي الحكم بالانقطاع ولا بجهالة الراوي المبهم بمجرد


19
الوقوف على طريق كذلك بل لا بد من الإمعان في التفتيش لئلا يكون متصلا ومعينا في طريق آخر فيعطل بحكمه الاستدلال به كما سيجيء في المرسل والمنقطع والمعضل

على أن شيخنا مال إلى النزاع في ترك تسمية الشاذ صحيحا وقال غاية ما فيه رجحان رواية على أخرى والمرجوحية لا تنافي الصحة وأكثر ما فيه أن يكون هناك صحيح وأصح فيعمل بالراجح ولا يعمل بالمرجوح لأجل معارضة له لا لكونه لم يصح طريقة ولا يلزم من ذلك الحكم عليه بالضعف وإنما غايته أن يتوقف عن العمل به ويتأيد بمن يقول صحيح شاذ كما سيأتي في هو وهذا كما في الناسخ والمنسوخ سواء قال ومن تأمل الصحيحين وجد فيهما أمثلة من ذلك انتهى

وهو أيضا شبيه بالاختلاف في العام قبل وجود المخصص وفي الأمر قبل وجود الصارف له عن الوجود

وبالجملة فالشذوذ سبب للترك إما صحة أو عملا خلاف العلة القادحة كالإرسال الخفي فتوذي بوجودها الصحة الظاهرة ويمتنع معها الحكم والعمل معا ( و ) إذا تم هذا فبالصحيح في قولا بل هذا الشأن هذا الحديث صحيح بالضعيف في قولهم هذا الحديث ضعيف قصدوا الصحة والضعف في ظاهر للحكم بمعنى أنه اتصل سنده مع سائر الأوصاف المذكورة أو فقد شرطا من شروط القبول لجواز الخطأ والنسيان على الثقة والضبط والإتقان وكذا الصدق على غيره كما ذهب إليه جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين ومنهم الشافعي مع التقيد بالعمل به متى ظنناه صدقا وتجنيه في ضده ( لا ) أنهم قصدوا ( والقطع ) بصحته أو ضعفه إذ القطع إنما يستفاد من التواتر أو القرائن المحتف بها الخبر ولو كان آحادا كما سيأتي تحقيقه عند حكم الصحيحين


20

وأما من ذهب كحسين الكرابيسي وغيره إلى أن خبر الوحد يوجب العلم الظاهر والعمل جميعا فهو محمول على إرادة غلبة الظن أو التوسع لا سيما من قدم منهم الضعيف على القياس كأحمد وإلا فالعلم عند المحققين لا يتفاوت

فالجار في الصحيح يتعلق بقصد وأوفى ظاهر بمحذوف ولا القطع معطوف على محل في ظاهر والتقدير قصدوا الصحة ظاهرا لا قطعا والحاصل أن الصحة والضعف مرجعهما إلى وجود الشرائط وعدمها بالنسبة إلى غلبة الظن لا بالنسبة إلى الواقع في الخارج من الصحة وعدمها

واعلم أنه لا يلزم من الحكم بالصحة في سند خاص الحكم بالأصحية لفرد مطلقا بل المعتمد إمساكنا أي كفنا عن حكمنا على سند معين بأنه أصح الأسانيد مطلقا كما صرح به غير واحد من أئمة الحديث وقال النووي إنه المختار لأن تفاوت مراتب الصحيح مترتب على تمكن الإسناد من شروط الصحة وبغير وجود أعلى درجات القبول من الضبط والعدالة ونحوهما في كل فرد فرد من رواة الإسناد من ترجمة واحدة بالنسبة لجميع الرواة الموجودين في عصره إذ لا يعلم أو يظن أن هذا الراوي حاز أعلى الصفات حتى يوازي بينه وبين كل فرد فرد من جميع من عاصره

وقد خاض إذا اقتحم بالغمرات به أي بالحكم بالأصحية المطلقة ( قوم ) فتكلموا في ذلك واضطربت أقوالهم فيه لاختلاف اجتهادهم فقيل كما ذهب إليه إمام الصنعة البخاري أصح الأسانيد ما رواه مالك نجم السنن القائل فيه ابن مهدي لا أقدم عليه في صحة الحديث أحدا والشافعي إذا جاء الحديث عنه فاشدد به كان حجة الله على خلقه بعد التابعين عن شيخه نافع القائل في حقه أحمد عن سفيان أي حديث أوثق من حديثه ( بما ) أي بالذي ( رواه ) له الناسك أي العابد مولاه أي مولى نافع


21
وهو سيده عبد الله بن عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما والمولى يطلق على كل من المعتق والمعتق وكان جديرا بالوصف بالنسك لأنه كان من التمسك بالآثار النبوية بالسبيل المتين وقال فيه نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا وقال جابر رضي الله عنه ما منا أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها إلا هو

واحتر إذا جنحت لهذا أو زدت راويا بعد مالك حيث عنه يسند إمامنا الشافعي فقد روينا عن أحمد بن حنبل قال كنت سمعت الموطأ من بضعة عشر رجلا من حفاظ أصحاب مالك فأعدته على الشافعي لأني وجته اقومهم به انتهى بل هو أجل من جميع من أخذ عن مالك رحمهما الله

قال الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي أنه أي الإسناد أجل الأسانيد لإجماع أصحاب الحديث أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الشافعي ( قلت و ) اختر كما قاله الصلاح العلائي شيخ المصنف إن زدت بعد الشافعي أحدا حيث ( عنه ) يسند ( أحمد ) وهو حقيق بالإلحاق فقد قال الشافعي أنه خرج من بغداد وما خلف بها أفقه ولا أزهد ولا أروع ولا أعلم منه

ولاجتماع الأئمة الثلاثة في هذه الترجمة قيل لها سلسلة الذهب فإن قيل فلم أكثر أحمد في مسنده من الرواية عن ابن مهدي ويحيى بن سعيد حيث أورد حديث مالك ولم لم يخرج البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الأصول ما أوردوه من حديث مالك

ومن جملة الشافعي عنه أمكن أن يقال عن أحمد بخصوصه لعل جمعه المسند كان قبل سماعه من الشافعي وأما من عداه فلطلب العلو وقد أوردت في هذا الموضع من النكت أشياء مهمة

منها إيراد الحديث الذي أوردها الشارح بهذه الترجمة بإسناد كنت فيه كأني أخذته عنه فأحببت إيراده هنا تبركا


22

أخبرني به أبو زيد عبد الرحمن بن عمر المقدسي الحنبلي في كتابه والعز أبو محمد عبد الرحيم بن محمد المصري الحنفي سماعا قال الأول أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي الفداء ابن الخباز أذنا أخبرنا أبو القائم المسلم بن محمد بن المسلم بن مكي القيسي الدمشقي وقال الثاني أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الجوخي في كتابه أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الجوخي في كتابه أخبرتنا أم أحمد زينب ابنه مكي بن علي بن كامل الحرانيه قلا أخبرنا أبو علي أحمد بن عبد الله الرصافي أخبرنا أبو القاسم هبه الله بن محمد بن الحصين الشيباني أخبرنا أبو علي الحسن بن علي التميمي الواعظ أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطعي أخبرنا أبو عبد الرحمن عبدالله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني حدثني أبي حدثنا محمد بن إدريس الشافعي أخبرنا مالك عن نافع ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال لا يبع بعضكم على بيع بعض ونهى عن النجش ونهى عن حبل الحبلى ونهى عن المزابنه والمزابنه بيع الثمر بالتمر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا وهو مما اتفقا عليه من حديث مالك إلا الجمله الثالثه فهي من إفراد البخاري فوقع لنا بدلا لهما وجزم الإمام أحمد ابن حنبل نسبه لجدة قاسم أبيه محمد حين تذاكر في ذلك مع جماعه بأجوديه روايه الإمام ابي محمد بن مسلم بن عبيد الله ابن شاب القرشي الزهري المدني القائل فيه الليث رحمهما الله ما رأيت عالما أجمع منه ولا أكثر علما لو سمعته يحدث في الترغيب لقلت لا يحسن إلا هذا أو الأنساب فكذلك أو عن القران والسنه فحديثه جامع عن سالم هو ابن عبدالله بن عمر الذي قال فيه ابن المسيب إنه كان أشبه ولد أبيه ومالك ( ( سقط ) ) يكن في زمنه أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه أي مما رواة سالم عن أبيه عبدالله بن عمر البر بفتح الموحدة لأنه كان رجا بع عمل الصالح

ووافق احمد على مذهبه في ذلك اسحاق بن ابراهيم الحنظلي المعروف


23
بابن راهويه لكن معبرا بالأصحيه ولا فرق بين اللفظين اصطلاحا ولذا قرن شيخنا تبعا للشارح بين الرجلين في حكايه الأصحيه نعم الوصف يجيد عند الجهبذ أنزل رتبه من الوصف ( وقبل ) كما ذهب إليه عبد الرازق بن همام وأبو بكر بن أبي شيبه إن صح عنه والنسائي لكنه أدرجه مع غيره أصح الأسانيد ما رواه ( زين العابدين ) وابنه علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي قال فيه مالك بلغني أنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة حتى مات ( عن آبه ) بحذف المثناة التحتانية على لغة النقص كقوله بابه اقتدى عدي في الكرم وهو السيد الحسين الشهيد سبط الرسول وريحانته من الدنيا ( عن علي بن ) أبي طالب ( جده ) اي جد زين العابدين ( و ) ذلك مما رواه ( ابن شهاب ) الزهري ( عنه ) اي عن زين العابدين ( آبه ) أي بالسند المذكور فهذه أقوال ثلاثة

ولأجل تنويع الخلاف في ذلك يقال أصح الأسانيد إما ما تقدم ( او فما ) رواه أبوبكر محمد ( ابن سيرين ) الأنصاري البصري التابعي الشهير بكثرة الحفظ والعلم والإتقان وتعبير الرؤيا والذي قال فيه مورق ما رأيت أفقه في ورعه ولا أروع في فقهه منه ( عن ) أبي عمرو عبيدة بفتح العين ( السلماني ) بسكون اللام على الصحيح حي من مراد الكوفي التابعي الذي كاد أن يكون صحابيا فإنه أسلم قبل الوفاة النبوية وكان فقيها يوازي شريحا في الفضائل بل كان شريح يراسله فيما يشكل عليه قال ابن معين إنه ثقة لا يسأل عن مثله عنه يعني عن علي صحابي الترجمة التي قبلها وهو قول عمرو بن علي الفلاص وكذا علي بن المديني وسليمان بن حرب بزياده أيوب السختياني حيث قالا أصح الأسانيد أيوب عن ابن سيرين إلى آخرة وجاء مرة أخرى عن أولهما بإبدال عبدالله بن عون من السختياني وبأجود من أصح وهما كما تقدم سواء وممن ذهب إلى أصحيه أيوب مع باقي الترجمه النسائي لكن مع إدراج غيرة أو ما رواه ابو محمد سليمان بن


24
مهران الكوفي الأعمش الإمام الحافظ الثقه الذي كان شعبه يسميه لصدقه - المصحف عن الفقيه المتوقي الصالح ذي الشأن أبي عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي بفتح النون والمعجمه نسبه للنخع قبيله من مذحج الكوفي عن راهب أهل الكوفه عباده وعلما وفضلا وفقها ابن قيس علقمه ابن قيس عن أبي عبد الرحمن عبد الله ابن مسعود رضي اللع عنه وهو قول ابن معين

وكذا قال غيرة لكن بإبدال منصور بن المعتمر من الأعمش فقال عبد الرزاق حديث سفيان عن منصور بهذه الترجمه فقال هذا المشرف على الكراسي بل سأل ابن معين أيهما أحب إليك في إبراهيم الأعمش أو منصور ? فقال منصور ووافقه غيرة على ذلك فقال أبو حاتم وقد سئل عنهما الأعمش حافظ يخلط ويدلس ومنصور أتقن لا يخلط ولا يدلس لكن قال وكيع أن الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور

وفي المسأله أقوال أخر أوردت منها في النكت مما لم يذكر هنا ما يزاحم عشرين قولا والاعتناء بتتبعها ما يفيد أحد أمرين إما ترجيح ما عورض منها بذلك على غيرة أو تمكن الناظر المتقن فيها من ترجيح بعضها على بعض بالنظر لترجيح القابلين إن تهيأ

وقد أفرد الناظر في الأحكام كتابا لطيفا جمعه من تراجم سته عشر قيل فيها إنها أصح الأسانيد إما مطلقا أو مقيدا وهي ما عدا الثالثه مما ذكر هنا ومالك عن أبي الزناد عن الأعرج ومعمر عن همام والزهري عن سعيد بن المسيب ويحيى بن أبي كثير عن أبي سلمه كل من الأربعه عن أبي هريرة وعبد ى الرحمن ابن القاسم وعبدالله بن عمر مما رواة يحيى بن سعيد عنه كل منهما عن القاسم والزهري عن عروة كل منهما عن عائشه ومالك عن الزهري عن أنس والحسن ابن واقد عن عبدالله بن بريده عن أبيه وابن عيينه عن عمرو بن دينار عن جابر والليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب


25
عن أبي الخير عن عقبه بن عامر والزهري عن سالم عن أبيه عن جده عمرو حينئذ فهو من أصح الصحيح

و على كل حال لم كما رواة المصنف بضم اللام أي أعذل وأعنت من عممه أي الذي عمم الحكم بالأصحيه لسند معين لأنه حصر في باب واسع جدا شديد الانتشار والحاكم فيه على خطر من الخطأ والانتقاص كما قيل بمثله في قولهم ليس في الرواة من اسمه كذا سوى فلان بل إن كان ولا بد فتقيد كل ترجمه بصاحبيها أو بالبلد التي منها أصحاب تلك الترجمه فهو أقل انتشارا أو أقرب إلى حصر كما قيل في أفضل التابعين وأصح الكتب وأحاديث الباب فيقولون أصح احاديث باب كذا أو مسأله كذا حديث كذا

وأعلم أنهم كم تكلموا في اصح أسانيد فلان مشوا في او هى أسانيد فلان أيضا وفائدته ترجيح بعض الأسانيد على بعض وتميز ما يصلح الإعتبار مما لا يصلح ولكن هذا المختصر يضيق ة عن بسط ذلك وتتماته فليراجع أصله بعد تحريره إن شاء الله تعالى


26
أصح كتب الحديث
( أول من صنف في الصحيح
محمد وخص بالترجيح )
( ومسلك بعد وبعض الغرب مع
أبي علي فضلوا ذا لو نفع )
( ولم يعماه ولكن قل ما
عن ابن الأخرم منه قد فاتهما )
( ورد لكن قال يحيى البر
لم يفت الخمسة إلا النذر )
( وفيه ما فيه لقول الجعفي
أحفظ منه عشر ألف ألف )
( وعله أراد بالتكرار
لها وموقوف وفي البخاري )
( أربعه الآلاف والمكرر
فوق ثلاثه ألوفا ذكروا )

* * *

ومناسبته لما قبله ظاهرة أول من صنف في الصحيح السابق تعريفه كتابا مختصا به الامام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري كما صرح به أبو علي بن السكن ومسلمه بن قاسم وغيرهما وموطأ مالك وإن كان سابقا فمصنفه لم يتقيد بما اجتمع فيه الشروط السابقة لإدخاله فيه المرسل والمنقطع ونحوهما على سبيل الاحتجاج بخلاف ما يقع في البخاري من ذلك وقول الشافعي رحمه الله ما على ظهر الأرض كتاب في العلم بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك كان قبل وجوده ( و ) لتقدم البخاري في الفن ومزيد استقصائه ( خص ) ما أسنده في صحيحه دون التعاليق والتراجم وأقوال الصحابة والتابعين ( بالترجيح ) على سائرٍ


27
الصحاح ومسلم بعد بضم الدال أي بعد البخاري وضعا ورتبة وحذف المضاف إليه ونوى معناه للعلم به

هذا ما ذهب إليه الجمهور من أهل الإتقان والحذق والخوض على الأسرار ( وبعض ) أهل ( الغرب ) جسما حكاه القاضي عياض عمن لم يسمه من شيوخ أبي مروان الطبني بضم المهملة ثم موحدة ساكنة على المشهور بعدها نون مدينة بالمغرب من عمل أفريقية مما وجد التصريح به عن أبي محمد بن حزم منهم ( مع ) الحافظ ( أبي علي ) الحسين بن علي بن يزيد النيسابوري أحد شيوخ صاحب المستدرك أبي عبدالله الحاكم فيما نقله عنه أبو عبد الله بن منده الحافظ ( فضلوا ذا ) أي صحيح مسلم ولكن ( لو نفع ) هذا القول لقيل من قائله لكنه لم ينفع لضعفه ومخالفة الجمهور بل وعدم صراحة مقالهم في المراد

أما المغاربة فإن ابن حزم علل ذلك كما نقله أبو محمد القاسم التجيبي عنه بأنه ليس فيه بعد الخطبة إلا الحديث السرد وهو غير راجع إلى الأصحية ويجوز أن يكون تفضيل من لم يسم أيضا لذلك وقريب منه قول مسلمة بن قاسم لم يضع أحد مثله

ولكون ابن الصلاح لم يقف على كلام ابن حزم تردد في جهة التفصيل وقال ما معناه إن كان المراد إن كتاب مسلم يترجح بأنه لم يمازجه غير الصحيح يعني بخلاف البخاري فإنه أودع تراجم أبوابه كثيرا من موقوفات الصحابة والتابعين وغير ذلك فهذا لابأس به لكن لا يلزم منه المدعي وإن الأرجحية من حيثية الصحة فمردود على قائله

وأما المنقول عن أبي علي فلفظه كما رويناه من طريق ابن منده المذكور عنه ما تحت أديم السماء كتاب أصبح من كتاب مسلم وهو كما أشار إليه شيخنا محتمل للمدعي أولنفي الأصحية خاصة دون المساواة

فقد قال ابن القطاع في شرح ديوان المتنبي ذهب من لايعرف معاني


28
الكلام إلى أن مثل قوله وما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر مقتضاه أن يكون أبو ذر أصدق العلم أجمع

وقال وليس المعنى كذلك وإنما نفى أن يكون أحد أعلى رتبة في الصدق منه ولم ينف أن يكون في الناس مثله في الصدق ولو أراد ما ذهبوا إليه لقال أبو ذر أصدق من كل من أقلت والحاصل أن قول القائل فلان أعلم أهل البلد بفن كذا أليس كقوله ما في البلد أعلم من فلان بفن كذا

لأنه في الأول أثبت له الأعلمية وفي الثاني نفى أن يكون في البلد أحد أعلم منه فيجوز أن يكون فيها من يساويه فيه قال وإذا كان لفظ أبي علي محتملا لكل من الأمرين لم يحسن أن ينسب إليه الجزم بالأصحية يعني كما فعل جماعة منهم النووي في شرح مسلم وغيره حيث قال وقال أبوعلي كتاب مسلم أصح وقد سبقه كل من شيخيه المؤلف والعز ابن جماعة إلى الإرشاد لذلك بل لعدم صراحة مثل ذلك

قال الإمام أحمد ما تروي عن أثبت من هشام الدستوائي أما مثله فعسى ويتأيد كل هذا بحكاية التساوي قولا ثالثا في المسألة بل فيها رابع وهو الموقف إذا علم هذا

فدليل الجمهور إجمالي وتفصيلي

أما الإجمالي فاتفاقهم على أن البخاري كان أعلم بالفن من مسلم وأنه تلميذه وخريجه حتى قال الدارقطني لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء

ولكن قد يقال لا يلزم من ذلك أرجحية المصنف كما أنه لا يستلزم المرجوحية ويجاب بأنه الأصل ومن ثم اتجه تعلق الأولية بالمقصود

وقول النووي إن كتاب البخاري أكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة وأما التفصيلي فالإسناد الصحيح مداره على الاتصال وعدالة الرواة

وكتاب البخاري أعدل رواة وأشد اتصالا وبيانه أن الذين انفرد


29
البخاري بالإخراج لهم دون مسلم أربعمائة وخمسة وثلاثون رجلا المتكلم فيه بالضعف منهم نحو من ثمانين

والذين انفرد مسلم بإخراج حديثهم دون البخاري ستمائة وعشرون رجلا المتكلم فيه منهم مائة وستون رجلا على الضعف من كتاب البخاري

ولا شك أن التخريج عمن لا يتكلم فيه أصلا أولى من التخريج عمن تكلم فيه ولو كان ذلك غير شديد وأيضا فالذين انفرد بهم البخاري عمن تكلم فيه لم يكثر من تخريج أحاديثهم بخلاف مسلم والذين انفرد بهم البخاري ممن تكلم فيه أكثرهم من شيوخه الذين لقيهم وخبرهم وخبر حديثهم بخلاف مسلم فأكثر من ينفرد به ممن تكلم فيه من المتقدمين

ولا شك أن المرء أعرف بحديث شيوخه من حديث غيرهم ممن تقدم وأكثر هؤلاء الذين تكلم فيهم من المتقدمين يخرج البخاري أحاديثهم غالبا في الاستشهادات ونحوها بخلاف مسلم

وأما من يتعلق بالاتصال فمسلم كان مذهبه بل نقل فيه الإجماع في أول صحيحه أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال إذا تعاصر المعنعن والمعنعن عنه وإن لم يثبت اجتماعهما والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرة واحده

ولذا قال النووي وهذا المذهب يرجح كتاب البخاري قال وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقا كثيرة يتعذر معها وجود هذا الحكم الذي جوزة انتهى

وما ذكره بعضهم من المرجحات لكتاب مسلم سوى ما سلف عن ابن حزم فهو مع كونه كما من مر غير مستلزم الأصحيه معارض بوجود مثله أو أحسن منه من نمطه في البخاري مما لا نطيل إيضاحه هذا وقد قال الحافظ الفقيه الإمام الناظر أبو بكر الإسماعيلي أنه أي مسلما رام ما رام البخاري إلا أنه لم يضايق نفسه مضايقته وروى عن جماعه لم يتعرض البخاري للروايه عنهم قال وكل


30
قصد الخير وما هو الصواب عنده

غير أن أحد منهم لم يبلغ من التشديد مبلغ أبي عبدالله ولا تسبب إلى استنباطه المعاني واستخراج لطائف فقه الحديث وتراجم الأبواب الداله على ماله وصله بالحديثه فيه لسببه ولله الفضل يختص به من يشاء

وبالجمله به فكتاباهما أصح كتب الحديث ولكنهما لم يعماه أي لم يستوعبا كل الصحيح في كتابيهما بل لو قيل إنهما لم يستوعبا مشروطهما لكان موجها وقد صرح كل منهما بعدم الإستيعاب فقال البخاري فيما رويناه من طريق ابراهيم بن معقل عنه ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحيح خشيه أن يطول الكتاب

وقال مسلم إنما أخرجت هذا الكتاب وقلت هو صحاح ولم أقل أنه مالم أخرجه من الحديث فيه ضعيف

وحينئذ فإلزام الدارقطني لهما في جزء أفرده بالتصنيف بأحاديث رجال من الصحابه رويت عنهم من وجوه صحاح تركاها مع كونها على شرطهما وكذا قول ابن حبان ينبغي أن يناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث ي من شرطهما ليس بلازم

وكذلك قال الحاكم أبو عبدالله ولم يحكما ولا واحد منهما أنه لم يصح من الحديث غير ما خرجه قال وقد تبع في عصرنا هذا جماعه من المبتدعه يشمتون برواة الآثار بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة الآف حديث ونحو ما ذكر السلفي في عجم السفر أن بعضهم رأى في المنام أبا داود صاحب السنن في آخرين مجتمعين وأن أحدهما قال كل حديث لم يروه البخاري فأفلت عنه رأس دابتك ومن ثم صرح بعض المغاربه بتفضيل كتاب النسائي على صحيح البخاري وقال إن شرط الصحه فقد جعل لمن لم يستكمل في الإدراك سببا إلى الطعن على ما لم يدخل وجعل للجدال موضعا فيما أدخل وهو قول شاذ لا يعول عليه حكما وتعليلا


31

والحق أنهما لم يلتزما حصر الصحيح فيما أودعاة كتابيهما ولكن قل ما أي الذي عند الحافظ أبي عبدالله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني النيسابوري ابن الأحزم شيخ الحاكم وهو بمعجمه ثم مهمله وميم مدغمه في ميم منه أبي من الصحيح قد فاتهما ورد من ابن اصلاح بقول ولقائل أن يقول ليس ذلك بالقليل فإنه يصفو من مستدرك الحاكم عليهما صحيح كثير

لكن قال الشيخ محيي الدين أبو زكريا يحيى النووي البر لما اجتمع فيه من الزهد والورع وأصناف البر ما فات بحيث قال بعضهم أنه كان سالكا منهاج الصحابه لا تعلم من عصرة ة من سلكه غيرة في كتابه الإرشاد بعد قوله والصحيح قول غير ابن الأحزم أنه فاتهما كثير ويدل عليه المشاهده

قلت والصواب قول من قال لم يفت الكتب الخمسه أصول الإسلام وهي الصحيحان والسنن الثابته إلا النذر يعني القليل وكأنما أراد بالقبائل الحافظ أبا أحمد بن الفرضي فإنه وصف مصنف أبي علي بن السكن مع اشتماله على ما عدا الترمذي منها بأنه لم يبق عليه إلا القليل وفيه أي وفي تصويب النووي رحمه الله أيضا ما فيه كتابة ضعفه لقول الجعفي مولاهم البخاري حسبما حكاه ابن الصلاح كالمستظهر بظاهره للرد على ابن الأحزم أحفظ منه أي من الصحيح عشر ألف ألف حديث أي مائة ألف كما هي عبارته وبقيه كلامه ومئة ألف حديث غير صحيح والخمسة فضلا عن الصحيحين دون ذلك بكثير وقد يجاب عنهما معا بأن يقال مما أشار إليه ابن الصلاح عله أي على البخاري وهي لغة في لعل ومنه

( لا تهن الفقير علك أن
تركع يوما والدهر قد دفعه )

أراد بلوغ العدد المذكور بالتكرار لها وموقوف يعني بعد المكرر والموقوف وكذا آثار الصحابة والتابعين وغيرهم وفتاويهم مما كان السلف


32
يطلقون على كل حديث وحينئذ يسهل الخطب فرب حديث له مائة طريق فأكثر

وهذا حديث الاعمال بالنيات نقل مع ما فيه عن الحافظ أبي اسماعيل الأنصاري الهروي أنه كتبه من حديث سبعمائة من أصحاب رواية يحيى بن سعيد الأنصاري وقال الإسماعيلي عقب قول البخاري وما تركت من الصحيح أكثر ما نصه لو أخرج كل حديث عنده يجمع في الباب الواحد حديث جماعة من الصحابه ولذكر طرق كل واحد منهم إذا صحت

وقال الجوزقي إنه إستخرج على أحاديث الصحيحين فكانت عدته خمسة وعشرون ألف طريق وأربعمائة وثمانين طريقا

قال شيخنا وإذا كان الشيخان مع ضيق شرطهما بلغ جملة ما في كتابيهما بالمكرر ذلك فلما لم يخرجاه من الطرق للمتون التي أخرجاها لعلة يبلغ ذلك أيضا أو يزيد وما لم يخرجاه من المتون من الصحيح الذي على شرطهما لعله يبلغ ذلك أيضا أو يستويمنه فإذا انضاف ذلك إلى ما جاء عن الصحابة والتابعين بلغ العدة التي يحفظها البخاري بل ربما زادت

وهذا الحمل متعين وإلافلو عدت أحاديث المسانيد والجوامع والسنن والمعاجم والفوائد والأجزاء وغيرها مما هو بأيدينا صحيحها وغيرة ما بلغت ذلك بدون تكرار بل ولا تصنيف انتهى

وبمقتضى ما تقرر ظهر أن كلام البخاري لا ينافي مقاله ابن الأحزم فضلا عن النووي وإن كان ابن الصلاح استنتج من ظاهرة مع قوله وفي صحيح البخاري من الاحاديث بدون تكرير أربعه الآلاف بزياده ال للضرورة والمكرر منها فوق ثلاثة ألوفا بالنصب على التمييز أي ثلاثه الآلاف ومائتان وخمسه وسبعون حديثا كما ذكروا أي أبو محمد السرخسي راوي الصحيح ومن تبعه أن الذي لم يخرجه البخاري من الصحيح أكثر مما خرجه على انه قد أجيب أيضا بغير هذا فحمل بعضهم كلام ابن الأحزم فيما فاتهما على الصحيح المجمع عليه وحينئذ فلا يتعقب بالمستدرك فقد قال بعض الحفاظ


33
إنه لم ير فيه ضعف على شرطهما إلا ثلاثة أحاديث بل لم يستثن غيره شيئا

قال شيخنا والظاهر أنه إنما أراد مما عرفاه وأطلعا عليه مما يبلغ شرطهما لا يقيد كتابيهما كما فهمه ابن الصلاح انتهى

ويتأيد بعدم موافقه التاج التبريزي على التقييد بكتابيهما كما أوضحت كل هذا في النكت مع فوائد لا يسعها هذا المختصر منها أنه المعتمد في العدة سبعه الآف وثلامائه وسبعه وتسعون حديثا بزياده مائه واثنين وعشرين كل ذلك سوى المعلقات والمتابعات والموقوفات على الصحايبه والمقطوعات عن التابعين فمن بعدهم والخالص من ذلك بلا تكرير ألفا حديث وستمائه وحديثان وإذا ضمت المتون المعلقه المرفوعه التي لم يوصلها في موضع آخر منه وهي مائة وتسعة وخمسون صار مجموع الخالص ألفي حديث وسبعمائة وواحد وستين حديثا


34
الصحيح الزائد على الصحيحين
( وخذ زيادة الصحيح إذ تنص
صحته أو من مصنف يخص )
( بجمعه نحو ابن حبان الزكي
وابن خزيمة وكالمستدرك )
( على تساهل وقال ما انفرد
فذاك حسن مالم يرد )
( علة والحق أن يحكم
بما يليق والبستي يداني الحاكم )

* * *

( وخذ ) أيها الطالب بعد ما تقدر لك أن الشيخين لم يستوعباه ( زيادة الصحيح ) المشتمل على شرطيهما وغيره مما حكم له بالصحة ( إذ ) أي حيث ( تنص صحته ) من إمام معتمد كأبي داود والترمذي والنسائي والدار قطني والخطابي والبيهقي وغيرهم من أصحاب الكتب الشهيرة فيها وكذا في غيرها إذا صح الطريق إليهم كما إذا وجد ذلك عن يحيى بن سعيد القطان وابن معين وغيرهما ممن لم يشتهر لهم تصنيف خلافا لا بن الصلاح فيما عدا الكتب الشهيرة بناء على مذهبه من عدم إمكان التصحيح في الأزمان المتأخرة لا ستلزامه الحكم على السند الموصل إليهم بالصحة

وما وقع في كلام النووي رحمه الله من التقيد بالتصانيف تبعا لابن الصلاح كأنه للاكتفاء بما صححه بعد من لا مكان ثم إنه لا انحصار لأخذ الزيادة فيما سبق بل إما منه ( أو من مصنف ) بفتح النون ( يخص بجمعه ) أيالصحيح بمقتضى ما عند مصنفه ( نحو ) صحيح أبي حاتم ( ابن حيان ) بكسر


35
المهمله قم موحده محمد التميمي البستي الشافعي الحافظ الفقيه القاضي الزكي أي الزاكي لنموه عند غير واحد من الأئمه كالخطيب فإنه قال كان ثقه ثبتا فاضلا فيها

وقال الحاكم كان من أوعيه العلم في الفقه واللغه والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال واسم مصنفه التقاسيم والأنواع ونحو صحيح إمام الأئمه أبي بكر ابن خزيمه بمعجمتين أولاهما مضمومه وبالصرف وتركه هنا واسمه محمد ابن إسحاق السلمي النيسابوري الفقيه الشافعي شيخ ابن حبان القائل فيه ما رأيت على الأرض من يحسن صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها حتى كان السنن كلها بين عينيه غيره وآخر عنه مع تقدمه لكون صحيحه عدم أكثره بخلاف صحيح ابن حبان فهو موجود بتمامه

( وكالمستدرك ) على الصحيحين مما فاتهما للحاكم أبي عبدالله الضبي النيسابوري الحافظ الثقة ( على تساهل ) متنه فيه بإدخاله فيه عدة موضوعات حملة على تصحيحها إما التعصب لما رمى به من التشيع وإما غيره فضلا عن الضعيف وغيره بل يقال إن السبب في ذلك أنه صنفه في أواخر عمره وقد حصلت له غفلة وتغير أو أنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل بالنسبة لباقيه فإنه وجد عنده إلى هنا انتهى إملاء الحاكم

وقول أبي سعد الماليني أنه طالعه بتمامه فلم ير فيه حديثا على شرطهما غير مرضي نعم هو معروف عند أهل العلم بالتساهل في التصحيح والمشاهدة تدل عليه ( و ) لذلك ( قال ) ابن الصلاح ما حاصله ( ما انفرد ) الحكم به أي بتصحيحه ليخرج ما شاركه غيره في تصحيحه وكذا ماأخرجه فقط غير مصحح له فذاك حسن ما لم يرد للقدح فيه ( عله ) أي لإمام تقتضي الرد هذا ما مشى عليه النووي والبدر بن جماعة في اختصارها ابن الصلاح والموجود في نسخه إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به وظاهره عدم


36
الحصر في أحدهما وأنه جعل ما لم يكن مردودا من أحاديثه دائر بين الصحة والحسن احتياطا

وحينئذ فلم يتحكم بغير دليل نعم جر سده باب التصحيح إلى عدم التمييز أحدهما من الآخر لاشتراكهما كما صرح به في الحجية ( والحق ) كما أرشد إليه البدر بن جماعة ( ان ) يتتبع الكتاب ويكشف عن أحاديثه ( ويحكم ) بسكون الميم لغة أي تقضي على كل منهما ( بما يليق ) به من الصحة أو الحسن أو الضعف

ثم أن السبب في تخصيص الحاكم عن غيره ممن ذكر بالتصريح بذلك مزيد تساهل ( و ) إلا فابن حبان ( البستي ) وهو بضم الموحدة وإسكان المهملة وبعدها مثناة فوقانية نسبة لمدينة من بلاد كابل بين هراة وغزنة وصف بأنه ( يداني ) أي يقارب ( الحاكم ) في التساهل وذلك يقتضي النظر في أحاديثه أيضا لأنه غير متقيد بالمعدلين بل ربما يخرج للمجهولين لا سيما مذهبه إدراج الحسن في الصحيح مع أن شيخنا قد نازع في نسبته إلى التساهل من هذه الحيثية

وعبارته إن كانت باعتبار وجدان الحسن في كتابه فهي مشاحجة في الإصطلاح لأنة يسميه صحيحا وإن كانت باعتبار خفة شروطه فإنه يخرج في الصحيح ما كان رواية ثقة غير مدلس سمع ممن فوقه وسمع منه الأخذعنه ولا يكون هناك إرسال ولا انقطاع وإذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل وكان كل من شيخه والراوي عنه ثقة ولم يأت بحديث منكر فهو عنده ثقة وفي كتاب الثقات له كثير ممن هذه حاله

ولأجل هذا ربما اعترض عليه في جعلهم من الثقات من لم يعرف اصطلاحه ولا اعتراض عليه فإنه لا يشاحج في ذلك

قلت ويتأيد بقول الحازمي ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم وكذا قال العماد ابن كثير قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة وهما خير من المستدرك بكثير وأنظف أسانيدا ومتونا وعلى كل حال فلا بد من النظر للتمييز وكم في كتاب ابن خزيمة أيضا من حديث محكوم منه بصحته وهو لا


37
يرتقي عن رتبة الحسن بل وفيما صححه الترمذي من ذلك جمله مع أنه ممن يفرق بين الصحيح والحسن

وكذا من مظان الصحيح المختارة مما ليس في الصحيحين أو أحدهما للضياء المقدسي الحافظ وهي أحسن من المستدرك لكنها مع كونها على المسانيدلا الأبواب لم يكمل تصنيفها وتقع أيضا في صحيح أبي عوانة الذي عمله مستخرجا على مسلم أحاديث كثيرة زائدة على أصله وفيها الصحيح والحسن بل والضعيف أيضا فينبغي التحرز في الحكم عليها أيضا

وأما ما يقع فيه وفي غيره من المستخرجات على الصحيحين من زيادة في أحاديثهما أو تتمة لمحذوف أو نحو ذلك فهي صحيحة لكن مع وجود الصفات المشترطة في الصحيح فيمن بين صاحب المستخرج والراوي الذي اجتمعا فيه كما سيأتي قريبا


38
المستخرجات
( واستخرجوا على الصحيح كابي
عوانة ونحوه واجتنب )
( عزوك الفاظ المتون لهما
اذ خالفت لفظا ومعنى ربما )
( وما يزيد فاحكمن صحته
فهو مع العلو من فائدته )
( والاصل - يعني - البيهقي ومن عزا
وليت اذ زاد الحميدي ميزا )

* * *

والاستخراج أن يعمد حافظ إلى صحيح البخاري مثلا فيورد احاديثه حديثا حديثا بأسانيد لنفسه غير ملتزم فيها ثقة الرواة وإن شذ بعضهم حيث جعله شرطا من غير طريق البخاري إلى أن يلتقي معه في شيحه أو في شيخ شيخه وهكذا ولو في الصحابي كما صرح به بعضهم

لكن لا يسوغ للمخرج العدول عن الطريق التي يقرب اجتماعه مع مصنف الأصل فيها إلى الطريق البعيدة إلا لغرض من علو أو زيادة حكم مهم أو نحو ذلك ومقتضى الاكتفاء بالالتقاء في الصحابي أنهما لو اتفقا في الشيخ مثلا ولم يتحد سنده عندهما ثم اجتمع في الصحابي إدخاله فيه وإن صرح بعضهم بخلافه

وربما عز على الحافظ وجود الأحاديث فيتركه أصلا أو يعلقه عن بعض رواته أو يورده من جهة مصنف الأصل ( و ) قد ( استخرجوا ) أي جماعة من الحافظ ( على الصحيح ) لكل من البخاري ومسلم الذي انجز الكلام بسببهما إلى


39
بيانه وإلا فقد استخرجوا على غيرهما من الكتب

والذين تقيدوا بالاستخراج على الصحيح جماعة ( ك ) الحافظ ( أبي عوانة ) بالصرف للضرورة يعقوب بن اسحاق الأسفرائيني الشافعي استخرج على مسلم ( ونحوه ) أي أبي عوانة كالحافظ الشافعية أبوي بكر أحمد بن إبراهيم بن اسماعيل الاسماعيلي على البخاري فقط وأحمد بن محمد بن أحمد الخوارزمي البرقاني بتثليث الموحدة وأبي نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد الاصفهاني كلاهما عليهما وهما في عصر واحد والذي قبلهما شيخ أولهما وهو تلميذ أبي عوانة ولذا خص بالتصريح به ولم يلاحظ كون غيره استخرج على الصحيحين أو على البخاري الذي هو أعلى لاسيما وهو مناسب للباب قبله لما اختص به كتابه من زيادات متون مستقلة وطرق متعددة غيرما اشترك مع غيره فيه من زيادة مستقلة في أحاديثثهما ونحوهما كما بينته قريبا

وإنما وقعت الزيادات في المستخرجات لعدم التزام مصنفيها لفظ الصحيحين ( و ) لهذا قيل للناقل اجتنب عزوك ألفاظ التون أي الأحاديث التي تنقلها منها ( لهما ) أي للصحيحين فلا تقل حيث نورده للحجة كالتصنيف على الأبواب حسبما قيده ابن دقيق العيد أخرجه البخاري أو مسلم بهذا اللفظ إلا بعد مقابلته أو تصريح المخرج بذلك ( إذا ) قد ( خالفت ) المستخرجات ( لفظا ) كثيرا لتقيد بألفاظ رواياتهم ( و ) كذا ( معنى ربما ) خالفت أي قليلا ( و ) إذا كان كذلك فانظر ( ما تزيد ) بالمثناة الفوقانية أو التحتانية أي المستخرجات أالمستخرج

( فاحكمن ) بنون التوكيد الخفيفة ( بصحته ) بشرط ثبوت الصفات المشترطة في الصحة للرواة الذين بين المخرج والراوي الذي اجتمعا فيه كما يرشد إليه التعليل بأنها خارجة من مخرج الصحيح فالمستخرجون ليس جل قصدهم إلا العلو يجتهدون أن يكونوا هم والمخرج عليه سواء فإن فاتهم فاعلا ما يقدرون عليه كما صرح به بعض الحفاظ مما يساعده الوجدان وقد لا يتهيأ


40
لهم علو فيوردونه نازلا وإذا كان القصد إنما هو العلو ووجدوه فإن اتفق فيه شرطا لصحيح فذاك الغاية وإلا فقد حصلوا على قصدهم فرب حديث أخرجه البخاري من طريق بعض أصحاب الزهري عنه مثلا فأورده المخرج من طريق آخر ممن تكلم فيه عن الزهري بزيادة فلا يحكم حينئذ بها بالصحة

وقد خرج الإسماعيلي في مستخرجه لإبراهيم بن الفضل المخزومي وهو ضعيف عندهم وأبو نعيم لمحمد بن الحسن بن زبالة وقد اتهموهوإذا حكمت بالصحة بشرطها وعدم منافاتها ( فهو ) أي الحكم بالصحة للزيادة الدالة على حكم لا يدل له حديث الأصل أو الموضحة لمعنى لفظه ( مع ) ما تشمل عليه المستخرجات من ( العلو ) الذي هو كما مقدر قصد المخرج في أحاديث الكتاب بالنسبة لما أورده من الأصل مثاله حديث في جامع عبد الرزاق فلو رواه أبو نعيم مثلا من طريق أحد الشيخين لم يصل إليه إلا بأربعة وإذا رواه عن الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم الدبري عنه وصل باثنين ( منفائدته ) أي الاستخراج إلى غير ذلك من الفوائد التي أوردت منها في النكت نحو العشرين

ثم إن أصحاب المستخرجات غير متفردين بصنيعهم بل أكثر المخرجين للمشيخات والمعاجم وكذا للأبواب يوردون الحديث بأسانيدهم ثم يصرحون بعد إنتهاء سياقه غالبا يعزوه إلى البخاري أو مسلم أو إليهما معا مع اختلاف الألفاظ وغيرها يريدون أصله ( و ) لذلك ( الأصل ) بالنصب مفعول مقدم لا الألفاظ ( يعني ) الحافظ الفقيه ناصر السنة أبو بكر أحمد بن الحسين ( البهيقي ) نسبة لبهيق قريء مجتمعة بنواحي نيسابور الشافعي في تصانيفه كالسن الكبرى والمعرفة ( ومن عزا ) للشيخين أو أحدهما كالإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي الفقيه الشافعي في شرح السنة وغيره ممن أشرت إليهم وذلك في المشيخات ونحوها أسهل منه في الأبواب خصوصا مع تفاوت المعنى وكون القصد بالتبويب منه ليس عند صاحب الصحيح ولذلك استنكره ابن دقيق العيد فيها


41

ولكن جلالة البهيقي ووفود إمامته تمنع ظن ارتكابه المحذور منه وعلى تقدير تجويز ذلك في غيره فالإنكار فيه أخف ممن عمد إلى الصحيحين فجمع بينهما لا على الأبواب بل مسانيد الصحابة بحذف أسانيدها ويدرج في أثناء أحاديثهما ألفاظا من المستخرجات وغيرها لأن موضوعه الإقتصار عليهما فإدخال غير ذلك مخل ( وليت إذ زاد ) الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر ( الحميدي ) بالتصغير نسبة لجده الأعلى حميد الأندلسي القرطبي فاعل ذلك في جمعه ( ميزا ) فإنه ربما يسوق الحديث الطويل ناقلا له من مستخرج البرقاني أو غيره ثم يقول اختصره البخاري فأخرج طرفا منه ولا يبين القدر المقتصر عليه فيلتبس على الواقف عليه ولا يميزه إلا بالنظر في أصله ولكنه في الكثير يميز بأنه يقول بعد سياق الحديث بطوله اختصر منه البخاري على كذا وزاد فيه البرقاني مثلا كذا

ولأجل هذا وما يشبهه انتقد ابن الناظم وشيخنا دعوى عدم التمييز خصوصا وقد صرح العلائي ببيان الحميدي للزيادة وهو كذلك لكن في بعضها ما لا يتميز كما قررته وبالجملة فيأتي في النقل منه ومن البهيقي ونحوه ما سبق في المستخرجات


42
مراتب الصحيح
( وارفع الصحيح مرويها
ثم البخاري فمسلم فما )
( شروطهما حوى فشرط الجعفي
فمسلم فشرط غير يكفي )
( وعنده التصحيح ليس يمكن
في عصرنا وقال يحيى ممكن )

* * *

مطلقا وارفع الصحيح مرويهما أي البخاري ومسلم لاشتماله على أعلى الأوصا فالمقتضية للصحة وهو المسمى بالمتفق عليه وبالذي أخرجه الشيخان إذا كان المتن عن صحابي واحد كما قيده شيخنا وقال إن في عد المتن الذي يخرجه كل منهما عن صحابي من المتفق عليه نظرا على طريقة المحدثين وهو على ما اتفقا عليها أنواع

فأعلاه ما وصف بكونه متواترا ثم مشهورا ثم أصح كمالك عن نافع عن ابن عمر ثم ما وافقهما ملتزمواالصحة ثم أحدهم على تخريبه ثم أصحاب السنن ثم المسانيد ثم ما انفردوا به ولا يخرجه بذلك كله عن كونه مما اتفقا عليه ( ثم ) يليه البخاري فقط وهو القسم الثاني لأن شرطه أضيق فيليه مروي مسلم وحده لمزاحمته للذي قبله وهو الثالث

هذا هو الأصل الأكثر وقد يعرض للمفوق ما يجعله فائقا كأن يتفق


43
مجيء ما انفرد به مسلم من طرق يبلغ بها التواتر أو الشهرة القوية ويوافقه على تخرجه مشترطوا الصحة فهذا أقوى مما انفرد به البخاري مع اتحاد مخرجه وكذا نقول فيما انفرد به البخاري بالنسبة لما اتفقا عليه بل وفي غيره من الأقسام المفضولة بالنسبة لما هو أعلى منه إذا إنضم إليه ذلك ( ف ) يلي ما انفرد به مسلم وما شرطهما مفعول حوى أي جمع شرطهما وهو الرابع

والدليل لتأخرة عن الذين قبله التلقي لكل من الصحيحين بالقبول على أن شيخنا تردد في كونه أعلى من الذي قبله أو مثله كما تردد غيرة في تأخير الثالث عن الثاني إذا كان على شرطه ولم ينص على تعليله ويساعده أنهما لم يستوعبا مشروطهما وإذا كان على ما قرروه ( ف 0 ) يلي الذي على شرطهما ماحوى للشرط الجعفي البخاري وهو الخامس

فما حوى شرط مسلم وهو السادس فما حوى شرط غير من الأئمه سوى البخاري ومسلم وهو السابع

مع أنه لو لوحظ الترجيح بين شروط من عند الشيخين كما فعل فيهما لزادت الأقسام ولكن ما ذكر يكفي لما في ذلك من التطويل وعدم تصريح ابن الصلاح بالاكتفاء لايخالفه لأنه قد يلزم منه الخوض في التصحيح واستعمال غير بلا إضافه قليل وعنده أي ابن الصلاح التصحيح وكذا التحسين ليس يمكن بل جنح لمنع الحكم بكل منهما في الأعصار المتأخرة الشامله له في عصرنا واقتصر فيهما على ما نص عليه الأئمه في تصانيفهم المعتمده التي يؤمن فيها لشرتها من التغيير والتحريف محتجا بأنه ما من إسناد إلا وفي روايه من اعتمد على ما فيه كتابه عريا عن الضبط واإتقان

وظاهر كلامه كما قال شيخنا على ما سيأتي في أول التنبيهات التي بآخر المقلوب القول بذلك في التضعيف أيضا ولكن لم يوافق ابن الصلاح على


44
ذلك كله حكما ودليلا

أما الحكم في صحح جماعه من المعاصرين له كأبي الحسن بن القطان مصنف الوهم والإيهام والضياء المقدسي صاحب المختارة وممن توفي بعده كالزكي المنذري والدمياطي طبقه إلى شيخنا ومن شاء الله بعده وقال الشيخ أبو زكريا يحيى النووي رحمه الله الأظهر عنده جوازة وهو ممكن لمن تمكن وقويت معرفته لتسير طرقه وأما الدليل فالخلل الواقع في الأسانيد المتأخرة إنما هو في بعض الرواة لعدم الضبط والمعرفه بهذا العلم وهو في الضبط منجبر بالاعتماد على المقيد عنهم كما أنهم اكتفوا بقول بعض الحفاظ فيما عنعنه المدلس هذا الحديث سمعه هذا المدلس من شيخه

وحكموا لذلك بالاتصال وفي عدم المعرفه بضبطهم كتبهم من وقت السماع إلى حين التأديه وراء أن هذا الكتاب المشهور الغني بشهرته عن اعتبار الإسناد منا إلى مصنفه ككتاب النسائي مثلا لا يحتاج في صحه نسبته إلى النسائي الى اعتبار حال الإسناد من إليه كما اقتضاة كلامه إذا روي مصنفه فيه حديثا لم يعلله وجمع إسناده شروط الصحه ولم يطع المحث فيه على عله فما المانع من الحكم بصحته ولو لم ينص عليها أحد من المتقدمين لا سيما وأكثر ما يوجد من هذا القبيل مارواته رواه الصحيح وفيهما لضابطون المتقنون الحفاظ بكثرة هذا لا ينازع فيه من له ذوق في هذا الفن أفاده شيخنا ومن قبله ابن الناظر في ديباجه شرحه لأبي داؤد ولعل ابن الصلاح اختار حسم الماده لئلا يتطرق إليه بعض المتشبهين ممن يزاحم في الوثوب على الكتب لايهتدي للكشف منها والوظائف التي لاتبرأ ذمته بمباشرتها

( وللحديث رجال يعرفون به
وللدواوين كتاب وحساب )


45

ولذلك قال بعض أئمه الحديث في هذا المحل للذي يطلق عليه اسم المحدث في عرف المدثين أن يكون كتب وقرأ وسمع ووعى ورحل إلى المدائن والقرى وحصل أصولا وعلق فروعا من كتب المسانيد والعلل والتواريخ التي تقرب من ألف تصنيف فغذا كان ذلك فلا ينكر له ذلك

وأما إذا كان رأسه طليسان وفيه رجليه نبلان وصحب أميرا من أمراء الزمان * أو من تحلى بالؤلؤ ومرجان أو بثياب ذات ألوان فحصل تدريس حديث بالإفك والبهتان * وجعل نفسه لعبه للصبيان * لا يفهم ما يقرأ عليه من جزء ولا ديوان * فهذا لا يطلق عليه اسم محدث بل ولا إنسان * وإنه مع الجهاله آكل حرام فإن استحله خرج من دين الإسلام انتهى

والظاهر أنها نفثه مصدور ورميه معذور وبها يتسلى القائم في هذا الزمان بتحقيق هذا الشأن مع قله الأعوان وكثرة الحسد والخذلان والله المستعان وعليه التكلان

إذا تقرر هذا فاعلم أنه لم يصرح أحد من الشيخين بشرط في كتابه ولا في غيرة كما جزم به غير واحد منهم النووي وإنما عرف بالسبر كتابيهما ولذا أختلف الأئمه في ذلك فقال أبو الفضل ابن طاهر الحافظ في جزء سمعناه أفرده لشروط السته شرطهما أن يخرجا الحديث المتفق على ثقه نقلته إلى الصحابي المشهور من غير إختلاف بين الثقات الأثبات ويكون اسناده متصلا غير مقطوع وإن كان للصحابي روايان فصاعدا فحسن وإن لم يكن له إلاراو واحد وصح الطريق إليه كفى وما ادعاه من الاتفاق على ثقة نقلتهما قد لا يخدش فيه وجود حكاية التضعيف في بعضهم ممن قبلهما لتجويز أنهما لم يرياه قادحا فنزلا كلام الجمهور والمعتمد عندهما منزله الإجماع وكذا قوله من غير اختلاف بين الثقات ليس على إطلاقه فإنه ليس كل خلاف مؤثر وإنما المؤثر مخالفه الثقه لمن هو أحظ منه أو أكثر عددا من الثقات كما سيأتي في الشاذ


46

وقال الحافظ أبو بكر الحازمي في جزء شروط الخمسه مما سمعناه أيضا ما حاصله أن شرط الصحيح أن يكون إسناده متصلا وأن يكون راويه مسلما صادقا غير مدلس ولا مختلط متصفا بصفات العداله ضابطا متحفظا سليم الذهن قليل الوهم سليم الإعتقاد

وإن شرط البخاري أن يخرج ما اتصل إسناده بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنه ملازمه طويله سفرا وحضرا وإنه قد يخرج أحيانا ما يعتمده عن أعيان الطبقه التي يلي هذخ في الإتقان والملازمه لمن ردوا عنه فلم يلزموه إلا ملازمه يسيرة

وأما مسلم فيخرج أحاديث الطبقتين على سبيل الإستيعاب وقد يخرج حديث من لم يسلم من غوائل الجرح إذا كان طويل الملازمه لمن أخذ عنه كمحاد بن سلمه في ثابت البناني فإنه لكثرة ملازمته له وطول صحبته إياة صارت صحيفه ثابت على ذكرة وحفظه بعد الإختلاط كما كانت قبله وعمل مسلم في هذه كعمل البخاري في الثانيه

قلت ولا يمنع من هذا اكتفاء مسلم في السند المعنعن بالمعاصره والبخاري باللقاء ولو مرة لمزيد تحريمها في صحيحهما

وقال ابن الجوزي اشترط البخاري ومسلم الثقة والاشتهار قال وقد تركا أشياء تركها قريب وأشياء لا وجه لتركها فمما تركه البخاري الراوية عن حماد بن سلمة مع علمه بثقته لأنه قيل إنه كان له ربيب يدخل في حديثه ما ليس منه وترك الراوية عن سهيل بن أبي صالح لأنه قد تكلم في سماعه من أبيه وقيل صحيفة واعتمد عليه مسلم لما وجده تارة يحدث عن أبيه وتارة عن عبدالله بن دينار عن أبيه ومرة عن الأعمش عن أبيه فلو كان سماعه صحيفة كان يروي الكل عن أبيه انتهى

ورد كل من الحازمي وابن طاهر على الحاكم دعواه التي وافقه عليها


47
صاحبه البهيقي من أن شرطهما أن يكون للصحابي المشهور بالرواية عن النبي راويان فصاعدا ثم يكون للتابعي المشهور وله روايان ثقتان ثم يرويه عنه من اتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور وله رواة ثقات من الطبقه الرابعه ثم يكون شيخ البخاري ومسلم حافظا متقنا مشهورا بالعداله في روايته وله رواة ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا كالشهاده على الشهاده

قال شيخنا وهو إن كان منقضا في حق بعض الصحابه الذين أخرجا لهم فإنه معتبر في حق من بعدهم فليس في حق من بعدهم فليس في الكتاب حديث أصل من روايه من ليس له إلا راو واحد قط انتهى

وقد وجدت في كلام الحاكم التصريح باستثناء الصحابه من ذلك وإن كان مناقضا لكلامه الأول ولعله رجع عنه إلى هذا فقال الصحابي المعروف إذا لم نجد له راويا غير تابعي واحد معروف احتججنا به وصححنا حديثه إذ هو صحيح على شرطهما جميعا فإن البخاري قد احتج بحديث قيس ابن أبي حازم عن كل من مرداس الأسلمي وعدي بن عميريه وليس لهما راو غيرة وكذلك احتج مسلم بأحاديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه وأحاديث مجزاة ابن زاهر الأسلمي عن أبيه

وحينئذ فكلام الحاكم قد استقام وزال بما تممت به عنه الملام وإن كان الذي أخرج حديث عدي إنما هو مسلم لا البخاري مع كون قيس لم ينفرد عنه والذي أخرج حديث زاهر إنما هو البخاري لا مسلم نعم أخرجا معا للمسبب بن حزن مع إنه لم يرو عنه سوى ابنه سعيد ولكن له ذكر في السير

قال ابن يونس قدم مصر لغزو أفيقية سنة سبع وعشرين

وأورد الحاكم أيضا حديث أبي الأحوض عوف بن مالك الجشمي عن أبيه في مستدركه وقال قد أخرج مسلم لأبي المليح بن أسامة عن أبيه ولأبي


48
مالك الأشجعي عن أبيه ولا راوي لوالدهما غير ولدهما وهذا أولى من ذلك كله انتهى وسيأتي الإشارة لذلك فيمن لم يرو عنه إلا واحد ثم ما المراد بقوله على شرطهما

فعند النووي وابن دقيق العيد والذهبي تبعا لابن الصلاح هو أن يكون رجال ذلك الإسناد المحكوم عليه بأعيانهم في كتابيهما وتصرف الحاكم يقويه فإنه إذا كان عنده الحديث قد أخرجا معا أو أحدهما لرواته قال صحيح على شرطهما أو أحدهما وإذا كان بعض رواته لم يخرجا له قال صحيح الإسناد

حسب ويتأيد بأنه حكم على حديث من طريق أبي عثمان بأنه صحيح الإسناد

ثم قال وأبو عثمان هذا ليس هو النهدي ولو كان النهدي لحكمته بالحديث على شرطهما وإن خالف الحاكم ذلك فيحمل على السهو والنسيان ككثير من أحواله ولا ينافيه قوله في خطبة مستدركه وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما لأنا نقول المثليه أعم من أن تكون في الأعيان أو الأوصاف لا انحصار لها في الأوصاف لكنها في أحدهما حقيقه وفي الآخر مجاز فاستعمل المجاز حيث قال عقب ما يكون عن نفس رواتهما على شرطهما والحقيقه حيث قال عقب ما هو عن أمثال رواتهما صحيح

أفاده شيخنا وعليه مشى في توضيح النخبه فقال لأن المراد به يعني شرطهما رواتهما مع باقي شروط الصحيح يعني من نفي الشذوذ والعله وسبقه لنحوه غيرة قال رجل لشريح إني قلت لهذا اشتر لي مثل هذا الثوب الذي معك فاشترى ذلك الثوب بعينه فقال شريح لا شيء أشبه بالشيء من الشيء بعينه وألزمه أخذ الثوب

وكذا أهل المراد بالمثليه عندهما أو عند غيرهما الظاهر كما قال المؤلف الأول وتعرف بتنصيصهما وقل ما يوجد ذلك أو بالألفاظ


49
الداله على مراتب التعديل ولكن ينبغي ملاحظه الراوي مع شيخه فقد يكون من شرط الصحيح في بعض شيوخه دون بعض وعدم النظر في هذا من جمله الأسباب المقتضيه لوهم الحاكم ولذا لما قال عقب حديث أخرجه من طريق الحسن عن سمرة صحيح على شرط البخاري

قال ابن دقيق العيد ليس من رواته الحسن عن سمرة من شرط البخاري وإن أراد أن الحسن أو سمرة في الجمله من شرطه فهو من شرط مسلم أيضا انتهى فعلم منه أن الشرط إنما يتم إذا خرج لرجال السند بالصورة المجتمعه ويمكن أن يجاب عن الحاكم بأنه أراد أن مسلما ينبغي سماع الحسن بن سمرة أصلا والبخاري ممن يثبت ذلك إخراجه في صحيح من حديث حبيب بن الشهيد أنه قال قال لي ابن سيرين سئل الحسن ممن سمع حديث العقيقه فسألته فقال من سمرة


50
حكم الصحيحين الماضي ذكرهما فيما أسند فيهما وغيرة والتعليق
( واقطع بصحة لما قد أسندا
كذا له وقيل ظنا ولدى )
( محققيهم قد عزاة النووي
وفي الصحيح بعض شيء قد روي )
( مضعفا ذالهما بلا سند
أشياء فإن يجزم فصحح أو ورد )
( ممرضا فلا ولكن يشعر
بصحه الأصل له كيذكر )
( وإن يكن أول الإسناد حذف
مع صيغه الجزم فتعليقا عرف )
( ولو إلى آخرة أما الذي
لشيخه عزا بقال فكذي )
( عنعنه كخبر المعارف
لا تضع لابن حزم المخالف )

* * *

أي وتعريف التعليق الواقع فيهما وفي غيرهما لما أشير إلى شرط صاحبي الصحيحين وأنجز الكلام فيه إلى أن العدد ليس شرطا عند واحد منهما حسن بيان الحكم فيهما لسائله أيرتقي عن أخبار الآحاد لسموهما وجلالتهما وشفوف تحريهما في الصحيح أم لا فقيل له واقطع بصحه لما قد أسند أي أن الذي أورده البخاري ومسلم مجتمعين ومنفردين باسناديهما المتصل دون ما سيأتي إستثناؤة من المنتقد والتعاليق وشبههما مقطوع بصحته لتلقي الأمه المعصومه في إجماعها عن الخطأ كما وصفه بقوله لا تجتمع أمتي على ضلاله ل 1 ذلك بالقبول من حيث الصحه وكذا العمل مالم يمنع منه نسخ أو تخصيص


51
أو نحوهما

وتلقي الأمه للخير المحنط عن درجة المتواتر بالقبول يوجب العلم النظري ( كذا له ) أي لابن الصلاح حيث صرح باختياره له والجزم بأنه هو الصحيح وإلا فقد سبقه إلى القول بذلك في الخبر المتلقي بالقبول الجمهور من المحدثين والأصوليين وعامة السلف بل وكذا غير واحد في الصحيحين

ولفظ الأستاذأبي إسحاق الإسفرائيني أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها ولا يحصل الخلاف فيها بحال وإن حصل فذاك اختلاف في طرقها ورواتها قال فمن خالف حكمه خبرا منها وليس له تأويل سايغ للخبر نقضنا حكمه لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول ( وقيل ) هو صحيح ( ظنا ) لأنه لا يفيد في أصله قبل التلقي لكونه خبر آحاد إلا الظن وهو لا ينقلب بتلقيهم قطعيا وتصحيح الأئمة للخبر المستجمع للشروط المقتضية للصحة إنما هو مجرى على حكم الظاهر كما تقدم في ثاني مسائل الكتاب وأيضا فقد صح تلقيهم بالقبول لما ظنت صحته ( و ) هذا القول ( لدى ) أي عند ( محققيهم ) وكذا الأكثرين هو المختار كما ( قد عزاه ) إليهم الأمام ( النووي )

لكن قد وافق اختيار ابن الصلاح جماعة من المتأخرين مع كونه لم ينفرد بنقل الإجماع على التلقي بل هو كلام إمام الحرمين أيضا فإنه قال لإجماع علماء المسلمين على صحتها وكذا هو في كلام ابن طاهر وغيره لا شك كما قال عطاء أن ما أجمعت عليه الأمة أقوى من الإسناد ونحوه

قول شيخنا الإجماع على القول بصحة الخبر أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق وكذا من القرائن المحتفة التي صرح غير واحد بإفادتها العلم لا سيما وقد انضم إلى هذا التلقي الاحتفاف بالقرائن وهي جلالة


52
قدر مصنفيهما ورسوخ قدمهما في العلم وتقدمهما المعرفة بالصناعة وجودة تمييزالصحيح من غيره وبلوغهما أعلى المراتب في الاجتهاد ولإمامة في وقتهما

على أن شيخهما قد ذكر في توضيح النخبة أن الخلاف في التحقيق لفظي قال لأن من جوز إطلاق العلم قيده بكونه نظريا وهو الحاصل عن الاستدلال ومن أبي الاطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر وما عداه عنده ظني لكنه لا ينفي أن ما أحتف بالقرائن أرجح مما خلا منها ولأجل كونه نظريا قيل ( في الصحيح ) لكل من البخاري ومسلم ( بعض شيء ) وهو يزيد على مائتي حديث ( قد روى ) حال كونه ( مضعفا ) بالنسبة لبعض من تأخر عنهما وفات بذلك فيه تلقي كل الأئمة المشار إليه

من ثم استثناءة ابن الصلاح من المقطع بقوله سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره وهي معروفة عند أهل هذا الشأن انتهى

ولا يمنع الاستثناء اجتهاد جماعة في الجواب عنه ودفع انتقاد ضعفه وأفرد الناظم مؤلفا لذلك عدمت مسودته قبل تبيضها وتكفل شيخنا في مقدمة شرح البخاري بما يخصه منه والنووي في شرح مسلم بما يخصه منه فكان فيهما مع تكلف في بعض أجزاء في الجملة

وأماما ادعاه ابن حزم في كون كل واحد من الشيخين مع اتقانه وحفظه وصحة معرفته تم عليه الوهم في حديث أورده لا يمكن الجواب عنه وحكم على حديث مسلم خاصة بالوضع فقد رده بعض الحفاظ في جزء مفرد وأوضحت الكلام على ذلك مع مهمات كثيرة في هذا الباب وفي غيره في النكت لا يستغني من يروم التبحر في الفن عنها ويستثني من القطع أيضا ما وقع التجاذب بين مدلوليه حيث لا ترجيح أن يفيد المتناقضان العام


53
بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر قاله شيخنا وك ( ذا لهما ) في صحيحيهما ( بلا سند ) أصلا أو كامل حيث أضيف لبعض رواته أما الصحابي أو التابعي فمن دونه مع قطع السند مما يليهما ( أشيا ) بالقصر للضرورة كأن يقال قال رسول الله أوقال ابن عباس أوعكرمة أو الزهري والجمع بالنظرإليهما معا إذ ليس عند مسلم بعد المقدمة مما لم يوصله فيه سوى موضع واحد والحكم في ذلك مختلف ( فإن يجزم ) المعلق بنسبته إلى رسول الله أو غيره ممن أضافه إليه ( فصحح ) أيها الطالب إضافته لمن نسب إليه فإنه لن يستجيز إطلاقه إلا وقد صح عنده عنه ولا إلتفات لمن نقض هذه القاعدة بل هي صحيحة مطردة لكن مع عدم التزام كونه على شرط ( أو ) لم يأت المعلق بالجزم بل ورد ممرضا فلا تحكم أنه بالصحة عنده عن المضاف إليه بمجرد هذه الصيغة لعدم إفادتها ذلك وحينئذ فلا ينتقد بما وقع بها مع وصله له في موضع آخر من كتابه

على ان شيخنا وهو ائمة الاستقراء خصوصا في هذا النوع إفاداته لايتفق له مثل ذلك إلا حيث علقه بالمعنى واختصره وجزم بأن ما يأتي به بصيغة التمريض أي فيما عداه مشعر بضعفه عنده إلى من علقه عنه لعله خفية فيه وقد لا تكون قادحة ولذلك فيه ما هو حسن بل صحيح عند بعض الأئمة بل رواه مسلم في صحيحه وما قاله هو التحقيق وإن أوهم صنيع ابن كثير خلافه ( ولكن ) حيث تجردت فإيراد صاحب الصحيح للمعلق الضعيف كذلك في أثناء صحيحه يشعر بصحة الأصل له إشعارا يؤنس به ويركن إليه وألفاظ التمريض كثيرة ( كيذكر ) ويروي وروى ويقال وقيل ونحوها واستغنى بالإشارة إلى بعضها عن أمثلة الجزم كذكر وزاد وروي وقال وغيرها لوضوحه حتى نقل النووي اتفاق محققي المحدثين وغيرهم على اعتبارها كذلك وإنه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف لأنها صيغة تقتضي صحته عن المضاف إليه فلا ينبغي أن تطلق إلا فيما صح


54

قال أهمل ذلك كثير من المصنفين من الفقهاء وغيرهم واشتد إنكار البهيقي على من خالف ذلك وهو تساهل قبيح جدا من فاعله إذ يقول في الصحيح يذكر ويروي وفي الضعيف قال وروي وهذا قلب للمعاني وحيد عن الصواب قال وقد اعتنى البخاري رحمه الله باعتبار هاتين الصيغتين وإعطائهما حكمهما في صحيحه فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريض وبعضه بجزم مراعيا لما ذكرنا وهذا مشعر بتحريه وروعه انتهى وستأتي المسألة في التنبيهات التي بآخرالمقلوب

والحاصل أن المجزوم به يحكم بصحته إبتداء وما لعله يكون كذلك من الممرض إنما يحكم عليه بها بعد النظر لوجود الأقسام الثلاثة فيه فافترقا وإذا حكمت للمجزوم به بالصحة فانظر فيمن أبرز من رجاله تجد مراتبه مختلفة فتارة تلتحق بشرطه وتارة تتقاعد عن ذلك وهو إما إن يكون حسنا صالحا للحجة كالمعلق عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رفعه الله أحق أن يستحي منه من الناس فهو حسن مشهور عن بهز أخرجه أصحاب السنن بل ويكون صحيحا عند غيره وقد يكون ضعيفا لكن لا من جهة قدح في رجاله بل من جهته انقطاع يسير في إسناده كالمعلق عن طاووس قال قال معاذ فإن إسناده إلى طاووس صحيح إلا أنه لم يسمعه من معاذ وحينئذ فإطلاق الحكم بصحتها ممن يفعله من الفقهاء ليس بجيد

والأسباب في تعليق ما هو ملتحق بشطه إما التكرار أو أنه أسند معناه في الباب ولو من طريق آخر فنبه عليه بالتعليق اختصار أو أنه لم يسمعه ممن يثق به بقد العلو أو مطلقا وهو معروف من جهة الثقات عن المضاف إليه أوسمعه لكن في حالة المذاكرة فقصد بذلك الفرق بين ما يأخذه عن مشايخه في حالة التحديث أو المذاكرة احتياطا

وفي المتقاعد عن شرطه إما كونه في معرض المتابعة أو الاستشهاد


55
المتسامح في إيراده مطلقا فضلا عن التعليق أو أنه نبه به على موضع يوهم تعليل الرواية التي على شرطه أو غير ذلك في الطرفين

وبما تقدم تأيد حمل قول البخاري ما أدخلت في كتابي إلا ما صح على مقصوده به وهوالأحاديث الصحيحة المسندة دون التعاليق والآثار الموقوفة على الصحابه فمن بعدهم والأحاديث المترجم بها ونحو ذلك وظهر افتراق ما لم يكن بطريق القصد في الحكم عن غيره واستثناؤه من إفادة العلم وإن يكن أول الإسناد بوصل الهمزة من جهة صاحب الصحيح مثلا كشيخه فمن فوقه ( حذف ) وأضيف لمن بعد المحذوف مما هو في البخاري كثير كما تقدم مع صيغة الجزم أي مع الإتيان بها بل والتمريض عند جماعة ممن تأخر عن ابن الصلاح كانووي والمزي في أطرفه مما تقدم حكمه في كليهما فتعليقا عرف أي عرف بالتعليق بين أئمة هذا الشأن كالحميدي والدارقطني بل كان أول من وجد في كلامه وهو مأخوذ منتعليق الجدار والطلاق ومحوه لما يشترك فيه الجمع من قطع الاتصال

واستبعد شيخنا أخذه من تعليق الجدار وانه من الطلاق وغيره أقرب وشيخه البلقيني على خلافه ولا يشترط في تسميته تعليقا بقاء أحد من رجال السند بل ولول حذف من أوله إلى آخره واقتصر على الرسول في المرفوع أو على الصحابي في الموقوف كأن تعليقا حكاه ابن الصلاح عن بعضهم وأقره ولم يذكره المزي في أطرافه بل ولا ما اقتصر فيه على الصحابي مع كونه مرفوعا وكان يلزمه بخلال ما لو سقط البعض من اثنائه أو من آخره لاختصاصه بألقاب غيره كالعضل والقطع والإرسال

وهل يلتحق بذلك ما يحذف فيه جميع الإسناد مع عدم الإضافة لقائل كقول البخاري في صحيحه وكانت أم الدرداء تجلس في الصلاة جلسة الرجل وكانت فقيه وهو عنده في تاريخه الصغير وعند غيره عن مكحول الظاهر نعم


56
وحكمه من غير ملتزمي الصحة والانقطاع ولذا ذكره ابن الصلاح رابع التفريعات التالية للمنقطع ومن ملتزميها ما تقدم قريبا ( أما ) المصنف الذي لشيخه عزى ما أورده ( بقال ) وزاد ونحوهما ( فك ) إسناد ذي عنعنة فيشترط للحكم باتصاله شيئان لقاء الراوي لمن عنعن عنه وسلامته من التدليس كما سيأتي في بابه وأمثلة هذه الصيغه كثيرة كخبر المعازف بالمهملة والزاي والفاء وهي آلات الملاهي المروي عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري مرفوعا في الأعلام بمن يكون في أمته يستحلها ويستحل الحر بالمهملتين وكسر الأولى مع التخفيف يعني الزنا فإنه اسم لفرج المرأة والحرير فإن البخاري أورده في الأشربة من صحيحه بقوله قال هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وساقه سندا ومتنا فهشام أحد شيوخ البخاري حدث عنه بأحاديث حصرها صاحب الزهرة في أربعة ولم يصف البخاري أحد بالتدليس وحينئذ فلا يكون تعليقا خلافا للحميدي في مثله وإن صوبه ابن دقيق اليد مع حكمه بصحته عن قائله

وعلى الحكم بكونه تعليقا مشى المزي في أطرافه ولم يقل أن حكمه الانقطاع ولكن قد حكم عبد الحق وابن العربي السني بعدم اتصاله

وقال الذهبي حكمه الانقطاع ونحوه قول أبي نعيم أخرجه البخاري بلا رواية وهو مقتضى كلام ابن منده حيث صرح بأن قال تدليس فالصواب الاتصال عند ابن الصلاح ومن تبعه فلا تعول على خلافه ولا تصع لابن حزم الحافظ أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد المنسوب هنا لجد أبيه الأندلسي القرطبي الظاهري المخالف في أمور كثيرة نشأت عن غلظه وجموده على الظاهر مع صحة حفظه وسيلان ذهنه كما وصفه حجة الإسلام الغزالي وقول العز بن عبد السلام ما رأيت في كتب الإسلام مثل كتابه المحلى والمغنى لابن قدامة الى غير ذلك وكانت وفاته في شعبان سنة ست وخمسين وأربعمائة عن اثنتين وسبعين سنة حيث حكم بعم اتصاله


57
أيضا مع تصريحه في موضع آخر بأن العدل الراوي إذا روى عمن أدركه من العدول فهو على اللقاء والسماع سواء قال أخبرنا أوحدثنا أو عن فلان أو قال فلان فكل ذلك محمول منه على السماع وهو تناقض بل وما اكتفى حتى صرح لأجل تقرير مذهبه الفاسد في إباحة الملاهي بوضعه مع كل ما في الباب وأخطأ فقد صححه ابن حبان وغيره من الأئمة

ووقع لي من حديث عشرة من أصحاب هشام عنه بل ولم ينفرد به كل من هشام وصدقة وابن جابر ثم إنه كان الحامل لهم على الحكم بالانقطاع ما يوجد للبخاري من ذلك مرويا في موضع آخر عن ذاك الشيخ بعينه بالواسطة مرة وتصريحه بعدم سماعه له منه أخرى ولا حجة لهم فيه فقد وقع له إيراد بعض الأحاديث عن بعض شيوخه بقال في موضع وبالتصريح في آخر

وحينئذ فكل ما يجيء عنه بهذه الصيغه محتمل للسماع وعدمه بل وسماعه محتمل لأن يكون في حاله المذاكرة أو غيرها ولا يسوغ مع الإحتمال الجزم بالانقطاع بل ولا الاتصال أيضا لتصريح الخطيب كما سيأتي بأنها لا تحمل على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه لا يطلقها إلا فيما سمعه نعم قال ما حاصله أن من سلك الاحتياط في روايه مالم يسمعه بالإجازة أو غيرها من الجهات الموثوق بها يعني كالمناوله فحديثه محتج به وإن لم يصرح بالسماع بناء على الأصل في تصحيح الإجازة انتهى

وهذا يقتضي أن يكون الحكم الموصول لكن قال ابو نعيم في المستخرج عقب حديث قال فيه البخاري كتب إلى محمد بن بشار أنه لا يعلم له في كتابه حديثا بالإجازة يعني عن شيوخه غيرة

وتوسط بعض متأخري المغاربه فوسم البارد بقال بالتعليق المتصل من حيث الظاهر المنفصل من حيث المعنى لكنه أدرج معها قال لي ونحوها مما هو متصل جزما وتوزع فيه كما سيأتي في أة ل أقسام التحمل


58
إن شاء الله وبالجمله فالمختار الذي لا يحد عنه

كما قال شيخنا أن حكم قال في الشيوخ مثل غيرها من التعاليق المجزمه


59
نقل الحديث من الكتب المعتمده
( وأخذ متن من كتاب لعمل
أو احتجاج حيث ساغ قد جعل )
( عرضا له على أصول يشترط
وقال يحيى النووي أصل فقط )
( قلت ولا بن خير امتناع
نقل سوى مرويه إجماع )
* * *

التي اشتهرت نسبتها لمصنفيها أو صحت وقدم على الحسن المشارك الصحيح في الحجه لمشابهته للتعليق في الجمله وأخذ متن أي حديث من كتاب من الكتب المعتمده كالبخاري ومسلم وأبي عوانه وابن خزيمه وابن حبان مما اشتهر أو صح لعمل بمضمونه في الفضائل والترغيبات وكذا الأحكام التي لا يجد فيها الأخذ نصا لإمامه أو يجده فيبرز دليله الذي لعل بوجوده يضعف مخالفه

وربما يكون إمامه علق قول فيه على ثبوت الخبر أو غير ذلك مما يشتمله قول إبن الصلاح أو احتجاج به لذي مذهب حيث ساغ بمهمله ثم معجمه أي جاز للأخذ ذلك وكان متأهلا له والأهليه في كل شيئ مما ذكر يحسبه مع العلم بالاختلاف في انقطاع المجتهد للقيد فضلا عن المطلق لنقض الهمم قد جعل أي ابن الصلاح عرضا له أي مقابله للمأخوذ على أصول متعدده بروايات متنوعه يعني فيما تكثر الروايات فيه كالفربري والنسفي وحماد بن شاكر وغيرهم بالنسبه لصحيح البخاري أو أصول


60
متعدده فيما مدارة على روايه واحده كأكثر الكتب يشترط أي جعله شرطا ليحصل بذلك جبر الخلل الواقع في أثناء الأشانيد

وقد تكثر تلك الأصول المقابل بها كثرة تتنزل بمنزله التواتر أو الاستفاضه وعبارته فسبيل أي طريق وهذا ظاهر في اشتراط التعدد وإن حمله غير واحد على الاستحباب والاستظهار وقال الشيخ أبو زكريا يحيى النووي بالاكتفاء بالمقابله على صل معتمد فقط إذا الأصل الصحيح تحصل به الثقه التي مدار الاعتماد عليها صحه احتجاجا على أن ابن الصلاح قد تبعهم في عدم اشتراط التعدد في مقابله المروي ومع تقاربهما لكن قد يفرق بينهما بمزيد الاحتياط للاحتجاج والعمل وإذا حمل كلامه هنا على الاستحباب كان موافقا لما سيأتي له عند الحسن في نسخ الترمذي واختلافها في الحكم أهو بالحسن فقط أو بالصحه فقط أو بهما معا أو بغير ذلك أنه ينبغي أن تصحح أصلك بجماعه أصول حيث عمل على الاستحباب

وإن كان ينبغي ليست صريحه في ذلك مكما أومأ إليه الشارح ولاشك أن القول بالأول فيه تضيق يفضي إلى التعليل وعدم تعقب النووي والقول بالتعدد في الترمذي لافتراقه عمل تقدم باختلاف نسخه

ثم هل مشترط النقل للعمل أو الاحتجاج أن تكون له به روايه الظاهر مما تقدم عدمه وبه صرخ ابن برهان في الأوسط فقال ذهب الفقهاء كافه إلى انه لايتوقف العمل بالحديث على سماعه بل إذا صحت عنده النسخة من الصحيحين مثلا أو من السنن جاز له العمل بها وإن لم يسمع وكذا روى عن الشافعي أنه يجوز أن يحدث بالخبر أي ينقله وإن لم يعلم أنه سمعه قلت ولابن خير بفتح المعجمة ثم تحتانية ساكنة وآخرة مهملة وهوالحافظ المقريء أبو بكر محمد الأموي بفتح الهمزة المتولي الأشبيلي المالكي خال مصنف روض الأنفالحافظ أبي القاسم السهيلي وأحد الأئمة المشهورين بالاتقان والتقدم في العربية والقراءات والروايات والضبط بحيث تغالي


61
الناس في كتبه بعد موته وزادت عدة من كتب هو عنه على مائة مات في ربيع الأول سنة خمس وسبعين وخمسمائة عن ثلاث وسبعين سنة مما وجد بأول برنامجه الذي وضعه في أسماء شيوخه ومروياته امتناع ) أي تحريم نقل سوى أي غير مرويه وهو أعم من ان يكون للرواية المجردة أو العمل أو الاحتجاج والتحريم فيه عنده ( إجماع ) ونص كلامه وقد اتفق العلماء رحمهم الله على أنه لا يصح لمسلم أن يقول قال رسول الله كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويا ولو على أقل وجوه الروايات لقول رسول الله من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار وفي بعض الروايات من كذب علّى مطلقا بدون تقييد وهو ظاهر في الجزم خاصة ولذا عبر الناظم كما في خطه به مكان نقل المشعر بمجرد النقل ولو ممرضا لكنه جزم في خطبه تقريب الأسانيد له بذلك أيضا لكن بدون عزو فإنه بعد أن قرر أنه يفتح بالطالب أن لا يحفظ بإسناده عدة من الإخبار يستغني بها عن كذا وكذا قال ويتخلص به من الحرج بنقل ما ليست له به رواية فإنه خير سائغ بإجماع أهل الدراية فإما أن يكون اعتمد في حكاية الإجماع ابن خير فقط أو وقف عليه في كلام غيره نقلا عن المحدثين إنهم لا يلتفتون إلى صحة النسخة إلا أن يقول الراوي أنا أروي وهم في هذا الباب أهل الفن على الحقيقة ولكن انتصر للأول جماعة حتى قيل وإن كان فيه نظر أن الثاني لم يقل به إلا بعض المحدثين ولو صح لخدش في دعوى الإجماع كما يخدش فيها قول ابن برهان إلا إن حمل على إجماع مخصوص وأيضا فلو لم يورد ابن خير الحديث الدال على تحريم نسبة الحديث إلى النبي متى يتحقق أنه قال لكان مقتضى كلامه منع إيراد ما يكون في الصحيحين أو أحدهما حيث لا رواية له به وجواز نقل ماله به رواية لو كان ضعيفا لا سيما وأول كلامه كالصريح فيما صحت نسبته إليه حيث ذكر كما حكيته في أصله من فوائد التخلص من الحرج في حكاية كلامه من غير رواية


62
القسم الثاني الحسن
( والحسن المعروف مخرجا وقد
اشتهرت رجاله بذاك حد )
( حمد وقال الترمذي ماسلم
من الشذوذ مع راو ماتهم )
( بكذب ولم يكن فردا ورد
قلت وقد حسن بعض ما انفرد )
( وقيل ما ضعف قريب محتمل
فيه وما بكل ذا حد حصل )
( وقال بان لي فيه بامعان النظر
أن له قسمين كل قد ذكر )
( قسما وزاد كونه ما عللا
ولا ينكر أو شذوذ شملا )
( والفقهاء كلهم يستعمله
والعلماء الجل منهم يقبله )
( وهو باقسام الصحيح ملحق
حجيه وإن يكن لا يلحق )
( فإن يقل يحتج بالضعيف
فقل إذا كان من الموصوف )
( رواته بسوء حفظ يحير
بكونه من غير وجه يذكر )
( وإن يكن لكذب أو شذا
أو قوي الضعف فلم يجبر ذا )
( ألا ترى المرسل حيث أسندا
أو أرسلوا كما يجيئ اعتضدا )
( والحسن المشهور بالعداله
والصدق روايه إذا أتى له )
( طرق أخرى نحوها من الطرق
صححته لمتن لولا أن أشق )
( إذ تابعوا محمد بن عمروا
عليه فارتق الصحيح يجري )
( وقال مظن منه للحسن
جمع أبي داود أي في السنن )


63
القسم الثاني الحسن
( فإنه قال ذكرت فيه
ما صح أو قارب أن يحكيه )
( وما به وهن شديد قلته
وحيث لا فصالح خرجته )
( فما به ولمم يصحح وسكت
عليه عنده الحسن ثبت )
( وابن رشيد قال وهو متجه
قد بيلغ الصحه عند مخرجه )
( وللامام اليعمري إنما
قول أبي داود يحكي مسلما )
( حيث قال جمله الصحيح لا
توجد عند مالك والنبلا )
( فاحتاج أن ينزل في الإسناد
إلى يزيد ابن أبي زياد )
( ونحوة وإن يكن ذي السبق
قد فاته أدرك باسم الصدق )
( هلا قضى على كتاب مسلم
بما قض ى عليه بالتحكم )
( والبغوي إذ قسم المصابحا
إلى الصحاح والحسان جانحا )
( إن الحسان ما رووة في السنن
رد عليه إذ بها غير الحسن )
( كان أبو داود أقوى ما وجد
يرويه والضعيف حيث لا يجد )
( في الباب غيرة فذاك عنده
من رأى أقوى قاله ابن منده )
( والنسائي يخرج من لم يجمعوا
عليه تركا مذهب متسع )
( ومن عليها أطلق الصحيحا
فقد أتا تساهلا صريحا )
( ودونها في رتبه ماجعلا
على المسانيد فيدعى الجفلا )
( كمسند الطيالسي وأحمدا
وعده للدارمي انتقدا )
( والحكم للاسناد بالصحه أو
بالحسن دون الحكم للمتن رأو )
( وأقبله إن أطلقه من يعتمد
ولم يعقبه بضعف ينتقد )
( واستشكل الحسن مع الصحه في
متن فإن لفظا يرد قفل صف )

( به الضعيف أو يرد ما


64
( ولا بي الفتح في الاقتراح
أن انفرد الحسن ذو اصلاح
( وإن يكن صح فليس يلتبس
كل صحيح حسن لا ينعكس
( وأوردوا ما صح من أفراد
حيث اشترطنا غير ما اسناد
* * *

وقدم لاشتراكه مع الصحيح في الحجة والحسن لما كان بالنظر لقسميه الاثنين تتجاذبه الصحة والضعف اختلف تعبير الأئمة في تعريفه فقيل هو المعروف مخرجا أي المعروف مخرجه وهو كونه شاميا عراقيا مكيا كوفيا كأن يكون الحديث من رواية راو قد اشتهر برواية حديث أهل بلده كقتادة ونحوه في البصريين فإن حديث البصريين إذا جاء عن قتادة ونحوه كان مخرجه معروفا بخلافة عن غيرهم وذلك كنابة عن الاتصال إذا المرسل والمتقطع والمعضل لعدم بروز رجالها لا يعلم مخرج الحديث منها وكذا المدلس بفتح اللام وهو الذي سقط منه بعضه مع إيهام الاتصال وقد اشتهرت رجاله بالعدالة وكذا الضبط المتة سط بين الصحيح والضعيف ولا بد مع هذين الشرطين أن لايكون شاذا ولا معللا لكن بذاك أي بما تقدم من الاتصال والشهرة حد الإمام الحافظ الفقيه أبو سليمان حمد ) بدون همزة وقيل بإثباتها ولا يصح ابن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي الشافعي مصنف أعلام الجامع الصحيح للبخاري ومعالم السنن لأبي داود وغيرهما وأحد شيوخ الحاكم مات لست في ربيع الآخر ثمان وثمانين وثلاثمائة

كما عرف الصحيح بأنه ما اتصل سنده وعدلت نقلته غير متعرض لمزيد ولأجل تعريفه له في معالمه بجانبه نوّع العبارة وتعين حمل الاشتهار فيه على المتوسط كما قررته وتقوى به قول ابن دقيق العيد وكأنه أي الخطابي أراد ما لم يبلغ مرتبة الصحيح قال وإلا فليس في عبارته كبير


65
تلخيص لدخول الصحيح في التعريف لأنه أيضا قد عرف مخرجه واشتهر رجاله

هذا مع أن التاج التبريزي ألزم ابن دقيق العيد بانتقده إدخال الصحيح في الحسن مع قوله في الجواب عن استشكال جمع الترمذي بين الحسن والصحة كما سيأتي كل صحيح حسن التناقض وقال إن دخول الخاص وهو هنا الصحيح في حد العام ضروري والتقييد بما يخرجه مخل للحد وقال الشارح إنه متجه انتهى

وبه أيضا انفع الاعتراض وحاصله إن ما وجدت فيه هذه القيود كان حسنا وما كان فيه معها قيد آخر يصير صحيحا ولا شك في صدق ما ليس فيه على ما فيه إذا وجدت قيود الأول لكن قال شيخنا إن هذا كله بناء على أن الحسن أعم مطلقا من الصحيح

أما إذا كان من وجه كما هو واضح ممن تدبره فلا يرد اعتراض التبريزي إذ لا يلزم من كون الصحيح أخص من الحسن من وجه أن يكون أخص منه مطلقا حتى يدخل الصحيح في الحسن انتهى

وبيان كونه وجيها فيما يظهر أنها يجتمعان فيما إذا كان الصحيح لغيره والحسن لذاته ويفترقان في الصحيح لذاته والحسن لغيره ويعبر عنه بالمباينة الجزئية

ثم رجع شيخنا فقال والحق أنها متباينان لأنهما قسمان في الأحكام فلا يصدق أحدهما على الآخر البتة

قلت ويتأيد التباين بأنهما وإن اشتركا في الضبط فحقيقته في أحدهما غير الأخرى وهو مثل من جعل المباح من جنس الواجب لكون كل منهما مأذونا فيه وغفل عن فصل المباح وهو عدم الذم لتاركه فإن من جعل الحسن من جنس الصحيح للاجتماع في القبول غفل عن فضل الحسن وهو قصور


66
ضبط راويه

على أنه نقل شيخنا مما لم يصح عندي الاعتناء بإبن دقيق العيد بأنه إنما ذكر أن الصحيح أخص استطرادا وبحثا بخلاف مناقشته مع الخطابي فهي في أصل الباب وما يكون في بابه هو المعتمد وليس بظاهر بل الكلامان في باب واحد ( وقال ) الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة ( الترذي ) بكسر المثناه والميم وقيل بعضهما وقيل بفتح ثم كسر كلها مع إعجام الذال نسبة لمدينة قديمة على طرف جيحون نهر بلخ أحد تلاميذة البخاري الآتي ذكره في تاريخ الرواة والوفيات في العلل التي بآخر جامعه ما حاصله وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فهو عندنا ما سلم من الشذوذ يعني بالتفسير الماضي في الصحيح ( مع راو ) أي مع أن رواة سنده كل منهم ما اتهم بكذب فيشمل ما كان بعض رواته سيىء الحظ ممن وصف بالغلظ أو الخطأ أو مستورا لم ينقل فيه جرح ولا تعديل وكذا إذا نقلا ولم يترجح أحدهما على الآخر أو مدلسا بالعنعنة أو مختلطا بشطه لعدم منافاتها اشتراط نفي الاتهام بالكذب

ولأجل ذلك مع اقتضاء كل منهما التوقف عن الاحتجاج به لعدم الضبط في سيىء الحفظ والجهل بحال المستور والمدلس وكذا لشموله ما به انقطاع بين ثقتين حافظين والمرسل الذي يرسله إمام حافظ لعدم اشتراطه الاتصال اشترط ثالثا فقال ولم يكن فردا ورد بل جاء أيضا من وجه آخر فأكثر فوقه أومثله لا دونه ليرتجح به أحد الإحتمالين لأن المستور مثلا حيث يروى يحتمل أن يكون ضبط المروي ويحتمل أن لايكون ضبطه فإذا ورد مثل ما رواه أو معناه من وجه آخر غلب على الظن أنه ضبط

وكلما كثر المتابع قوي الظن كما في افراد المتواتر فإن أولهما من رواية الإفراد ثم لا يزال يكثر إلى أن يقطع بصدق المروي ولا يستطيع سامعه أن


67
يدفع ذلك عن نفسه

على أنه يمكن إخراج اشتراط الاتصال من اشتراط عدم الاتهام في روايته لتعذر الحكم به مع الانقطاع كما مضى في تعذر معرفة المخرج معه ولكن ما جزمت به هو المطابق لما في جامعه فقد حكم بالحسن مع وجود الانقطاع في أحاديث بل وكذا في كل ما لا ينافيه نفي الاتهام مما صرحت به

وحينئذ فقد تبين عدم كون هذا التعريف جامعا للحسن بقسميه فضلا عن دخول الصحيح بقسميه وإن زعمه بعضهم فراويه لا يكتفي في وصفه بما ذكر بل لا بد من وصفه بما يدل على الاتقان ( قلت و ) مع اشتراط الترمذي عدم التفرد فيه قد حسن في جامعه بعض ما انفرد راويه به من الاحاديث بتصريحه هو بذلك حيث يورد الحديث ثم يقول عقبه أنه حسن غريب أو حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه

ولكن قد أجاب عنه ابن سيد الناس بأنه عرف ما يقول فيه حسن فقط من غير صفة أخرى لا الحسن مطلقا

وتبعه شيخنا مع تردده في سبب اقتصاره عليه وإنه إما لغموضه أو لأنه اصطلاح جديد له وهو الذي أقتصر عليه ابن سيد الناس بل خصه بجامعه فقط وقال إنه لو حكم في غيره من كتبه على حديث بأنه حسن وقال قائل لنا أن نفسر الحسن هناك بما هو مفسر به هنا إلا بعد البيان لكان له ذلك ولكن يتأيد الأول بقول المصنف في الكبير الظاهر أنه لم يرد بقوله عندنا حكاية اصطلاحه مع نفسه وإنما أراد عند أهل الحديث كقول الشافعي وإرسال ابن المسيب عندنا أي أهل الحديث فإنه كالمتفق عليه بينهم انتهى

وبعد قوله وما ذكرنا وكذا قوله فإنما أردنا به وحينئذ فالنون لإظهار نعمة التلبس بالعلم المتأكد تعظيم أهله بقوله تعالى ( وأما بنعمة ربك


68
فحدث ) ( 1 ) مع اأمن من الإعجاب ونحوه المذموم معه مثل هذا وعلى كل حال فما اقتصر عليه الترمذي كما سيأتي في الشاذ ( وقيل ) مما عزاه ابن الصلاح لبعض المتأخرين مريدا به الحافظ أبا الفرج بن الجوزي حيث قال في تصنيفيه الموضوعات والعلل المتناهية الحسن ما به ضعف قريب يحتمل بفتح الميم ( فيه ) هذا كلام صحيح في نفسه لكنه ليس على طريقة التعاريف فإن هذه صفة الحسن الموصوف بالحسن إذا اعتضد بغيره حتى لو انفرد لكان ضعيفا واستمر على عدم الاحتجاج به على أنه يمكن أن يقال إنه صفته الحسن مطلقا فالحسن لذاته إذا عارض الصحيح كان مرجوحا واصحيح راجحا فضعفه بالنسبه لما هو أرجح منه والحسن لغيره أصله ضعيف وإنما طرأعليه الحسن بالعاضد الذي عضده فاحتمل لوجود العاضد ولولا العاضد لا ستمرت صفة الضعف فيه

ولكن مع ما تكلفناه في توجيه هذه الأقوال الثلاثة ( ما بكل ذا ) أي ما تقدم ( حد ) صحيح جامع للحسن ( حصل ) بل هو مستبهم لا يشفي الغليل يعني لعدم ضبط القدر المحتمل من غيره بضابط في آخرها وكذا في الشهرة في أولها ولغير ذلك فيهما وفي تعريف الترمذي الذي زعم بعض الحفاظ أنه أجودها ولذلك قال ابن دقيق العيد إن في تحقيق معناه اضطرابا ( وقال ) أي ابن الصلاح ( بان ) أي ظهر لي بإمعان أي يإطالتي وإكثاري ( النظر ) والبحث جامعا بين أطراف كلامهم ملاحظا مواقع استعمالهم ( أن له ) أي الحسن ( قسمين ) أحدهما يعني وهو المسمى بالحسن لغيره أن يكون في الإسناد مستور لم يتحقق أهلية غير مغفل ولا كثير الخطأ في روايته ولا متهم بتعمد الكذب فيها ولا ينسب إلى مفسق آخر واعتضد بمتابع أو شاهد


69

وثانيهما يعني وهو الحسن لذاته أن تشتهر رواته بالصدق ولم يصلوا في الحفظ رتبة رجال الصحيح

قلت وهذا الثاني هو الحسن حقيقة بخلاف الآخر فهو لكنه يطلق على مرتبة من مراتب الضعيف مجاز كما يطلق اسم الصحيح مجازا على الثاني ثم أن القسمين ( كل ) من الترمذي والخطابي ( قد ذكر ) منهما قسما وترك آخر لظهوره كما هو مقتضى كل من الاحتمالين الماضيين في الترمذي أو ذهوله فكلام الترمذي يتنزل عند ابن الصلاح على أولهما وكلام الخطابي على ثانيهما لكن ليس الأول عنده من قبيل الحسن بل من قبيل الضعيف

وحينئذ فتركه له لذلك لا لما تقدم ( وزاد ) أي ابن الصلاح في كل منهما كونه ما عللا ولا بنكر أو شذوذ أي بكل منهما ( شملا ) بناء على تغايرهما أما مع ترادفهما كما سيأتي البحث فيه فاشتراط انتفاء أحدهما كاف ولذا اقتصر في الصحيح على نفي الشذوذ بل وكذا الحسن كما صرح به الترمذي وحينئذ فزيادة ابن الصلاح له إنما هي بالنسبة للخطابي خاصة بخلاف العلة

ولكن قد قرر شيخنا منع اشتراط الترمذي نفيها وظهر بما قررته تفصيل ما أجمله ابن دقيق العيد حيث قال عقب ابن الصلاح وفيه مباحثات ومناقشات على بعض الألفاظ ولذلك مع اختلال غيرها من تعاريفه قيل إنه لا مطمع في تمييزه ولكن الحق أن من خاض بحار هذا الفن سهل ذلك عليه كما قاله شيخنا ولذا عرف الحسن لذاته فقال هو الحديث المتصل الإسناد برواة معروفين بالصدق في ضبطهم قصور عن ضبط رواة الصحيحة ولا يكون معلولا ولا شاذا

ومحصله أنه هو والصحيح سواء إلا في تفاوت الضبط فراوي


70
الصحيح يشترط أن يكون موصوفا بالضبط الكامل وراوي الحسن لا يشترط أن يبلغ تلك الدرجة وإن كان ليس عريا عن الضبط في الجملة ليخرج عن كونه مغفلا وعن كونه كثير الخطأ وما عدا ذلك من الأوصاف الشترطة في الصحيح فلا بد من اشتراط كله في النوعين انتهى

وأما مطلق الحسن فهو الذي اتصل سنده بالصدق الضابط المتقن غير تامهما أو بالضعيف بما عدا الكذب إذا اعتضد مع خلوهما عن الشذوذ والعلة

إذا علم فقد قال الخطابي متصلا بتعريفه السابق لكونه متعلقا به في الجملة لا أنه تتمته وعليه أي الحسن مدار أكثر الحديث أي بالنظر لتعددالطرق فإن غالبها لا يبلغ رتبة الصحيح المتفق عليه

ونحوه قول البغوي أكثر الأحكام ثبوتها بطريق حسن ثم قال الخطابي والفقهاء كلهم وهو وإن عبر بعامتهم فمراده كلهم ( تستعمله ) أي في الاحتجاج والعمل الاحكام وغيرها ( والعلماء ) من المحدثين والأصوليين ( الجل ) أي المعظم ( منهم يقبله ) فيهما وممن خالف في ذلك من أئمة الحديث أبو حاتم الرازي فإنه سئل عن حديث فحسنه فقيل له أتحتج به فقال إنه حسن فأعيد السؤال مرارا وهو لا يزيد على قوله إنه حسن

ونحوه أنه سئل عن عبد ربه بن سعيد فقال إنه لا بأس به فقيل له أتحتج بحديثه فقال هو حسن الحديث ثم قال الحجة سفيان وشعبه وهذا يقتضي عدم الاحتجاج به والمعتمد الأول ( وهو ) أي الحسن لذاته عند الجمهور كما اقتضاه كلام الخطابي الذي لم يشمل تعريفه كما تبين غيره بأقسام الصحيح ملحق حجية أي في الاحتجاج ( وإن يكن ) كما أشار إليه ابن الصلاح ( لا يلحق ) الصحيح في الرتبة على ما تقرر عند من يسميه حسنا بل وصحيحا فإنه أيضا لا ينكر دونه قال فهذا اختلاف اذا في العبارة


71
دون المعنى وكذا يمكن التمسك بظاهر تعريف ابن الجوزي للحسن وقوله متصلا به ويصلح للعمل به في إلحاق الحسن لغيره بذلك في الاحتجاج وهو كذلك لكن فيما تكثر طرقه

ولذلك قال النووي رحمه الله في بعض الأحاديث وهذه وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوى بعضه بعضا ويصير الحديث حسنا ويحتج به وسبقه البهيقي في تقوية الحديث بكثرة الضعيفة

وظاهر كلام أبي الحسن بن القطان يرشد اليه فإنه قال هذا القسم لا يحتج به كله بأن يعمل به في فضائل الأعمال ويتوقف عن العمل به في الأحكام إلا إذا كثرت طرقه أو عضده اتصال عمل موافقة شاهد صحيح أوظاهر القرآن واستحسنه شيخنا

وصرح في موضع آخر بأن الضعف الذي ضعفه ناشيء عن سوء حغظه إذا كثرت طرقه ارتقى إلى مرتبة الحسن ولكنه متوف في شمول الحسن المسمى بالصحيح عند من لا يفرق بينهما لهذا

وكلام ابن دقيق العيد أيضا يشير إلى التوقفى في إطلاق الاحتجاج بالحسن وذلك أنه قال في الاقتراح إن يكون هذا الحديث المسمى بالحسن مما وجدت فيه هذه الصفات على أقل الدرجات التي يجب معها القبول أولا فإن وجدت فذلك صحيح وإن لم توجد فلا يجوز الاحتجاج به وإن سمي حسنا اللهم إلا أن هذا إلى أمر اصطلاحي وهو أن يقال إن الصفات التي يجب معها قبول الرواية لها مراتب ودرجات فأعلاها هو الصحيح وكذلك أوسطها وأدناها الحسن وحينئذ يرجع الأمر في ذلك إلى الاصطلاح ويكون الكل صحيحا في الحقيقة

والأمر في الاصطلاح قريب لكن من أراد هذه الطريقة فعليه أن يعتبر ما سماه أهل الحديث حسنا وتحقق وجود الصفات التي يجب معها قبول


72
الرواية في تلك الاحاديث

قلت قد وجد إطلاقه على المنكر قال إبن عدي في ترجمة سلام بن سليمان المدايني حديثه منكر وعامته حسان إلا أنه لا يتابع عليه

وقيل لشعبه لأي لا تروي عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي وهو حسن الحديث فقال من حسّنه فررت وكأنهما أراد المعنى اللغوي وهو حسن المتن وربما أطلق على الغريب قال إبراهيم النخعي كانوا اذا اجتمعوا كرهوا أن يخرج الرجل حسان حديثه فقد قال ابن السمعاني أنه عني الغرائب

ووجد للشافعي إطلاقه في المتفق على صحته ولابن المديني في الحسن لذاته وللبخاري في الحسن لغيره ونحوه فيما يظهر قول ابي حاتم الرازي فلان مجهول والحديث الذي رواه حسن وقول إبراهيم بن يعقوب الجوزاتي في الطلحي إنه ضعيف الحديث مع حسنه على أنه يحتمل إرادتهما المعنى اللغوي أيضا

وبالجملة فالترمذي هو الذي أكثر من التعبير بالحسن ونوه بذكره كما قاله ابن الصلاح ولكن حيث ثبت اختلاف صنيع الأئمة في اطلاقه فلا يسوغ إطلاق القول بالاحتجاج به بل لابد من النظر في ذلك

فما كان منه منطبقا على الحسن لذاته فهو حجة أو الحسن لغيره فيفضل بين ما تكثر طرقه فيحتج ومالا فلا وهذه أمور جملية تدرك تفاصيلها بالمباشرة ( فإن يقل ) حيث تقرر أن الحسن لا يشترط في ثاني قسميه ثقة رواته ولا إتصال سنده واكتفى في عاضده بكونه مثله مع أن كلا منهما بانفراده ضعيف لا تقوم به الحجة فكيف ( يحتج بالضعيف ) مع اشتراطهم او جمهورهم الثقة في القبول ( فقل ) إنه لامانع ( إذا كان ) الحديث من الموصوف رواته واحد فأكثر ( بسوء حفظ ) أو تدليس مع كونهم من أهل الصدق


73
واديانة فذاك يجبر بكونه أي المتن من غير وجه يذكر ويكون العاضد الذي لا ينحط عن الأصلي معه كافيا مع الخدش فيه بما تقدم قريبا من كلام النووي وغيره الظاهر في اشتراط التعدد الذي قد لا ينافيه ما يجيء عن الشافعي في المرسل قريبا لاشتراطه ما يجير به التقرر وإنما الخبر لاكتسابه من الهيئة المجموعة قوة كما في إفراد المتواتر والصحيح لغيره أيضا

فالحكم على الطريق الأولى بالضعف إنما هو لأجل الاحتمال المستوى الطرفين في المستور مثلا هل ضبط أم لا فبارواية الأخرى غلب الظن أنه ضبط على ما تقرر كل ذلك قريبا عند تعريف الترمذي ( وإن يكن ) ضعف الحديث ( لكذب ) رواية ( أو شذا ) أي وشذوذ في روايته بإن خالف من هو أحفظ أو أكثر ( أوقوة الضعف ) بغيرهما ما يقتضي الرد فلم يجبر ذا أي الضعف بواحد من هذه الأسباب ولو كثرت طرقه كحديث من حفظ على أمتي أربعين حديثا فقد نقل النووي اتفاق الحفاظ على الحفاظ ضعفه مع كثرة طرقه ولكن بكثرة طرقه القاصرة عن درجة الاعتبار بحيث لا يجبر بعضها ببعض يرتقي عن مرتبه المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في الفضائل

وربما تكون تلك الطرق الواهية بمنزلة الطريق التي فيها ضعف يسير بحيث لو فرض مجيء ذلك الحديث بإسناد فيه ضعف يسير كان مرتقيا بها إلى مرتبة الحسن لغيره ( ألاترى ) الحديث ( المرسل ) مع ضعفه عند الشافعي ومن وافقه ( حيث أسندا ) من وجه آخر ( أو إرسلوا أي أو أرسل من طريق تابعي أخذ العلم عن غير رجال التابعي الأول ( كما يجيء ) تقريره في بابه عن نص الشافعي ( اعتضدا ) وصار حجة

ثم كما أن الحسن على قسمين كذلك الصحيح فما سلف هو الصحيح لذاته ( و ) الحديث ( الحسن ) لذاته وهو المشهور بالعدالة


74
والصدق راويه غير أنه كما تقدم متأخر بالمرتبة وفي الضبط والإتقان عن راوي الصحيح إذا أتى له طرق أخرى نحوها أي نحو طريقه الموصوفة بالحسن ( من الطرق ) المنحطة عنها ( صححته ) أما عند التساوي أو الرجحان فمجيئه من وجه آخر كاف وهذا هو الصحيح لغيره وتأخيره لكونه كالدليل أيضا لدفع الإيراد قبله

وله أمثله كثيرة ( كمتن ) أي حديث ( لولا أن أشق ) على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة إذ تابعوا محمد بن عمرو بن علقمة راويه عن أبي سلمة ( عليه ) في شيخ شيخه حيث رواه جماعة غير أبي سلمة عن أبي هريرة اتفق الشيخان عليه من حديث الأعرج أحدهم نعم تابعه محمد بن إبراهيم فيما رواه محمد بن اسحاق عنه عن أبي سلمة لكنه جعل صحابي الحديث زيد بن خالد الجهني لاأبا هريرة وفيه قصة

وكذا تابعه المقبري فيما رواه محمد بن عجلان عنه عن أبي سلمة فجعل الصحابي عائشة وكل منهما متابعة قاصرة وقد صححه الترمذي عن أبي سلمة عن أبي هريرة وزيد وصححه ابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها فارتقى المتن من طريق ابن علقمة بهذه المتابعات ( الصحيح يجري ) إليه وإلا فهو إذا انفرد لا يرتفي حديثه عن الحسن لكونه مع صدقه وجلالته الموثق بهما كأن يخطىء بحيث ضعف ولم يخرج له البخاري إلا مقرونا بغيره وخرج له مسلم في المتابعات ثم إنه لا يلزم من الاقتصار على هذا المثال الذي تعددت طرقه إشتراط ذلك بل المعتمد ما قدمته

وكذا من أمثلة ما رواه الترمذي من طريق إسرائيل عن عامر بن شقيق عن أبي وائل عن عثمان بن عفان أن النبي كان يخلل لحيته تفرد به عامر وقد قواه البخاري والنسائي وابن حبان ولينه ابن معين وأبوحاتم

وحكم البخاري فيما حكاه الترمذي في العلل بأن حديثه هذا حسن


75
وكذا قال أحمد فيما حكاه عنه أبو داود أحسن شيء في هذا الباب حديث عثمان وصححه مطلقا الترمذي والدار قطني وابن خزيمة والحاكم وغيرهم وذلك لما عضده من الشواهد كحديث أبي المليح الرقي عن الوليد بن زروان عن أنس أخرجه أبو داود وإسناده حسن لأن الوليد وثقه ابن حبان ولم يضعفه أحد

وتابعه عليه ثابت البنانب عن أنس أخرجه الطبراني في الكبي من روايه عمر بن ابراهيم العبدي عنه وعمر لابأس به ورواة الذهلي في الزهريات من طريق الزبيدي عن الزهري عن أنس إلا أنه له عله لكنها غير فادحه كما قال ابن القطان ورواة الترمذي والحاكم من طريق قتاده عن حسان بن بلال عن عمار بن ياسر وهو معلول

قال شيخنا وله شواهد أخرى دون ماذكرنا في المرتبه وبجموع ذلك حكموا على أصل الحديث بالصحه وكل طريق منها بمفردها لا تبلغ درجه الصحيح

ثم إن ابن الصلاح قد سلك في هذا القسم شبيه ما سلكه في الذي قبله حيث بين هناك أن الصحيحين أصح كتبه وأن الزياده عليها تؤخذ من كذا وأما هنا فبعد أن أفاده إكثار الدارقنطي من التنصيص عليه في سننه وأن الترمذي هو المنوة به والمكثر في ذكرة في جامعه مع وقوعه في كلام من قبله كشيخه البخاري الذي كان كما قال شيخى اقتفى في شيخه ابن المديني لوقوعه في كلامه أيضا قال ومن مظنه المعجمه مفعله من الظن بمعنى العلم أي موضوع معه ومعدن للحسن سوى ماذكر جمع الإمام الحافظ الحجه الفقيه التالي لصاحبي الصحيحين والمقول فيه أنه ألين له الحديث كما ألين لداود عليه إسلام الحديد أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الآتي في الوفيات أي في كتابه السنن الشهير الذي صرح حجه الإسلام الغزالي باكتفاء المجتهد به في الأحاديث


76

وقال النووي في خطبه شرحه أنه ينبغي للمشتغل بالفقه ولغيرة الاعتناء به وبمعرفته المعرفه التامه فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه مع سهوله تناوله وتلخيص أحاديثه وبراعه مصنفه واعتناءة بتهذيبه إلى غير ذلك من الثناء على الكتاب ومؤلفه فإنه قال ما معناه ذكرت فيه كتاب السنن ما صح أو قارب الصحيح أو يحكيه أي يشبه إذ لفظه فيما رويناة في تاريخ الخطيب من طريق ابن داسته عنه ة ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه وأو هنا للتقسيم أو لغيرة من أنواع العطف المقتضى للمغايرة ولا شك فيها هنا فما يشبه الشيء وما يقاربه ليس به ولذا قيل إن الذي يشبهه هو الحسن الذي يقاربه الصالح ولزوم منه جعل الصالح قسما آخر

وقول يعقوب بن شيبه إسناد وسط ليس بالثبت ولا بالساقط هو صالح قد يساعدة

وقال أبو داود أيضا فيما رويناة في رسالته في وصف السنن ما معناه وما كان في كتابي من حديث به وهن وفي نسخه من الرساله وهي شديد فقط قلته أي بينت وهنه أو وهاؤة وقال في موضوع آخر منها وإذا كان فيه حديث منكر بينته أنه منكر وليس على نحوة في الباب غيرة

وتردد شيخي زحمه الله في محل هذا البيان أهو عقب كل حديث على حده ولو تكرر ذلك الإسناد بعينه مثلا أة يكتفي بالكلام على وهن إسناد مثلا فإذا عاد لم يبينه إكتفاءلا بما تقدم ويكون كأنه قد بينه وقال هذا الثاني أقرب عندي

قلت على أنه لامانع من أن يكون سكوته هنا لوجود متابع أو شاهد

قال شيخنا وقد يقع البيان في بعض النسخ دون بعض ولا سيما روايه أبي الحسن بن العيد فإن فيها من كلام أبي داود شيئا زاد على روايه اللؤلؤي


77

وسبقه ابن كثير فقال الروايات عن أبي داود لكتابه كثيرة جدا ويوجد في بعضها من الكلام بل والأحاديث ما ليس في الأخرى

قال ولأبي عبيد الآجري عنه أسئله في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل كتاب مفيد ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه ثم تردد هل المراد بالبيان في سننه فقط أو مطلقا وقال إنه مما ينبغي التنبيه عليه والتيقظ له انتهى والظاهر الأول ولكن يتعين ملاحظه ما وقع في غيرها مصرحا فيه والضعف الشديد مما سكت عليه في السنن لامطلق الضعف وكذا ينبغي عدم المبادرة لنسبه السكوت إلا بعد جمع الروايات واعتماد ما اتفقت عليه لما تقدم وقد صرح ابن الصلاح مما تبعه في النووي بذلك في نسخ الترمذي حيث قرر إختلافها في التحسين والتصحيح

ثم قال أبو داود وحيث لا وهن فيه ولم أذكر فيه شيئا فهو صالح وفي لفظ أورده ابن كثير مصرحا فهو حسن خرجته وبعضه أصح من بعض قال ابن الصلاح فعلى هذا ما وجدناة مذكورا به أي بالكتاب ولم يصحح عند واحد من الشيخين ولا غيرهما ممن يميز بين الصحيح والحسن وسكت أي أبي داود عليه فهو عنده أي أبي داود له الحسن ثب

وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيرة ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به على ما سبق ولا سيما ومذهب أبي داود تخرج الضعيف إذا لم يكن فغي الباب غيرة كما سيأتي انتهى

ويتأيد تسمبته حسنا بالروايه المحكيه لابن كثير وهو الذي مثنى عليه المنذري فإنه قال في خطبه الترغيب وكل حديث عزوته إلى أبي داود وسكت عنه فهو كما ذكر أبي داود ولا ينزل عن درجه الحسن وقد يكون على


78
شرط الشيخين انتهى

لكن المعتمد اللفظ الأول ولذلك اعترض الحافظ المتقن الثقه المصنف أبو عبدالله وقيل أبو بكر ابن رشيد بضم الراء وفتح المعجمه وهو محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن ادريس السبتي الأندلسي المالكي المتوفى سنه اثنتين وعشرين وسبعمائه بفاس عن خمس وستين على ابن صلاح حيث قال فيما حكاة عنه ابن سيد الناس في شرح الترمذي وحسنه وهو متجه ليس يلزم أن يستفاد من كون الحديث لم ينص عليه أبو داود بضعف ولا نص عليه غيرة بصحه أن الحديث عندة حسن بل قد يبلغ الصحه عند مخرجه أي أبي داود وإن لم يكن عنده غير كذلك ويساعده ماسيأتي من أن أفعل في قوله أصح من بعض يقتضي المشاركه غالبا فالمسكوت عليه إما صحيح أو أصح إلا أن الواقع خلافه ولا مانع من استعمال أصح بالمعنى اللغوي أي بالتشبه بل قد استعمله كذلك غير واحد منهم الترمذي فإنه يورد الحديث من جهه الضعيف ثم من حهه غيرة ويقول عقب الثاني أنه أصح من حديث فلان الضعيف وصنيع أبي داود يقتضيه لما في المسكوت عليه من الضعيف بالاستقراء وكذا هو واضح من حصرة التبيين في الوهن الشديد إذ مفهومه أن غير الشديد لا يبينه

وحينئذ فالصلاحية في كلامه أعم من أن تكون للاحتجاج أو الإستشهاد فما ارتقى إلى الصحة ثم إلى الحسن فهو بالمعنى الأول وما عداهما فهو بالمعنى الثاني وما قصر عن ذلك فهو الذي فيه وهن شديد وقد التزم بيانه وقد تكون الصلاحية على ظاهرها في الإحتجاج ولا ينافيه وجود الضعيف لأنه كما سيأتي يخرج الضعيف إذا لم يجد في الباب غيرة وهو أقوى عنده من رأى الرجال ولذلك قال ابن عبد البر إن كل ما سكت عليه صحي عنده لاسيما إن لم يكن في الباب غيره على أن في قول ابن الصلاح وقد يكون في ذلك وما ليس يحسن عند غيرة ما يوحي إلى التنبيه لما أشار إليه


79
ابن رشيد كما نبه عليه ابن سيد الناس لأنه جوز أن يخالف حكمه حكم غيره في طرف فكذلك يجوز أن يخالفه في طرف آخر وفيه نظر لاستلزامه نقض ماقرره

وبالجملة فالمسكوت عنه أقسام منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة أو حسن لذاته أو الاعتضاد وهما كثير في كتابه جدا ومنه ما هو ضعيف لكنه من رواية من لم يجمع على تركه

وقد قال النووي رحمه الله الحق إن ما وجدناه مالم يبينه ولم ينص على صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد فهو حسن وإن نص على ضعفه من يعتمد أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف ولا جابر له حكم بضعفه ولم يلفت إلى سكوته انتهى

وما أشعر به كلامه من التفرقه بين الضعيف وغيره فيه نظر والتحقيق التمييز لمن له أهلية النظر ورد المسكوت عليه إلى ما يليق بحاله من صحة وحسن وغيرهما كما هو المعتمد ورجحه هو في بابه وإن كان رحمه الله قد أقر في مختصريه ابن الصلاح على دعواه هنا التي تعرب من صنيعه المتقدم في مستدرك الحاكم وغيره مما ألجأه إليها مذهبه ومن لم يكن ذا تمييز فالأحوط أن يقول في المسكوت عليه صالح كما هي عبارته خصوصا وقد سلك جماعة وكذا للإمام الحافظ الثقة أبي الفتح فتح الدين محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس اليعمري بفتح التحتانية والميم حسبما اقتصر عليه ابن نقطة وغيرة من الحفاظ وبضم الميم أيضا كما ضبطه النووي الأندلسي الأصل القاهري الشافعي مؤلف السيرة النبويه وغيرها المتوفى في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة عن ثلاث وستين سنه والمدفون بالقرافة في القطعه التي شرحها من الترمذي اعتراض آخر على ابن الصلاح فإنه قال لم يرسم أبو داود شيئا بالحسن إنما قول أبي داود يعني الماضي وهو ذكرت


80
الصحيح وما يشبهه أي في الصحة وما يقاربه أي فيها أيضا كما دل على ذلك

وقوله إن بعضها أصح من بعض فإنه إلى القدر المشترك ومنها لما يقتضيه صيغه أفعل في الأكثر يحكي مسلما أي يشبه قول مسلم صاحب الصحيح حيث يقول أي مسلم في صحيحه جمله الصحيح لاتوجد عند الإمام مالك والنبلا كشعبه وسفيان الثوري فاحتاج أي مسلم أن ينزل في الإسناد عن حديث أهل الكطبقه العليا في الضبط والإتقان إلى حديث يزيد بن أبي ونحوه كليث بن أبي سليم وعطاء بن السائب ممن يليهم في ذلك وإن يكن ذو أي صاحب السبق في الحفظ والإتقان وهو مالك مثلا قد فاته أي سبق بحفظه وإتقانه يزيد مثلا فقد أدرك أي حق المسبوق السابق في الجملة باسم العدالة والصدق ويجوز أن يكون الضمير في فاته لمسلم ويكون المعنى وإن يكن قد فات مسلما وجود مالا يستغنى عنه من حديث السبق أما لكونه لم يسمعه هو أو ذاك السابق فقد أدرك أي بلغ مقصوده من حديث من يشترك معه في الجملة

وحينئذ فمعنى كلام مسلم وأبي داود واحد ولا فرق بين الطريقين غير أن مسلما شرط الصحيح فاجتنب حديث الطبقة الثالثة وهو الضعيف الواهي وأتى بالقسمين الآخرين وأبا داود لم يشترطه فذكر ما يشتد وهنه عنده واتزم بيانه ( فهلا قضى ) أي ابن الصلاح على كتاب مسلم بما قضى به عليه أي على أبي داود وكتابه بالتحكم المذكور قال بعض المتأخرين وهو تعقب متجه ورده شيخنا بقوله بل هو تعقب واه جدا لا يساوي سماعه

وهو كذلك لتضمنه أحد شيئين وقوع غير الصحيح في مسلم أو تصحيح كلما سكت عليه أبو داود وقد بين رده الشارح بأن مسلما شرط الصحيح فليس لنا أن تحكم على حديث في كتابه بأنه حسن وأبو داود إنما قال ما سكت عليه فهو صالح والصالح يجوز أن يكون صحيحا ويجوز أن


81
يكون حسنا فالاحتياط أن يحكم عليه بالحسن وبنحوة أجاب عن اعتراض ابن رشيد الماضي وسبقه شيخه العلائي فأجاب بماهو أمتن من هذا

وعبارته هذا الذي قاله يعني ابن سيد الناس ضعيف وقول ابن الصلاح أقوى لأن درجات الصحيح إذا تفاوتت فلا يعني بالحسن إلا الدرجة الدنيا منها والدرجة الدنيا منها لم يخرج منها مسلم شيئا في الأصول إنما يخرجها في المتابعات والشواهد

وارتضاه شيخنا وقال إنه لو كان يخرج جميع أهل القسم الثاني في الأصول بل وفي المتابعات لكان كتابه أضعاف ما هو الآن مع كونه لم يورد لفظ ابن السائب إلا في المتابعات وكونه من المكثرين ليس له عنده سوى مواضع يسيره

وكذا ليس لابن إسحاق عنده في المتابعات إلا ستة أو سبعة وهو ممن يجوز الحديث ولم يخرج لليث بن أبي سليم ولا ليزيد بن أبي زياد ولا لمجالد بن سعيد إلا مقرونا وهذا بخلاف أبي داود فإنه يخرج أحاديث هؤلاء في الأصول محتجا بها ولأجلها تخلف كتابه عن شرط الصحة والبغوي نسبة لبلدة من بلاد خرسان بين مرو وهراة يقال لها بغّ وهو الإمام الفقيه المفسر الحافظ الملقب محيي السنة أبو محمد ركن الدين الحسين بن مسعود ويعرف بابن الفراء لكونها صنعة أبيه مصنف معالم التنزيل في التفسير وشرح السنة والمصابيح في الحديث والتهذيب في الفقه وكان سيدا زاهدا قانعا يأكل الخبز وحده فليم في ذلك فصار يأكله بالزيت مات بمرو الرذوذ في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة وقد أشرف على التسعين ظنا ودفن عند شيخه القاضي حسين

إذ قسم كتابه المصابحا بحذف الياء تخفيفا جمع مصباح وهو السراج إلى الصحاح والحسان جانجا أي صائرا إلى أن الصحاح ما رواه


82
الشيخان في صحيحيهما أو أحدهما والحسان ما رووه أي أبو داود والترمذي وغيرهما من الأئمة كالنسائي والدارمي وابن ماجه في سنن من تصانيفهم مما يتضمن مساعدة ابن الصلاح لا ستلزامه تحسين المسكوت عليه عند أبي داود رد عليه فقال النووي أنه ليس بصواب واسبقه ابن الصلاح فقال إنه صطلاح لا يعرف وليس الحسن عند أهل الحديث عبارة عن ذلك

أولها أي يكتب السنن المشار إليها غير الحسن من الصحيح والضعيف فقد كان أبو داود يتتبع من حديثه أقوى ما وجد بالبناء للمفعول كما رأيته بخط الناظم ويجوز بناؤه للفاعل وهو أظهر في المعنى وإن كان الأول أنسب يرويه ويرويالحديث الضعيف أي من قبل سوء حفظ راويه ونحو ذلك كالمجهول علينا أو حالا لا مطلق الضعيف الذي يشمل ما كان راويه منهما بالكذب حيث لا يجد في الباب حديثا غيره فذاك أي الحديث الضعيف عنده من رأى أي من جميع آراء الرجال أقوى كما قاله أي كونه يخرج الضعيف ويقدمه على الآراء الحافظ أحد أكابر هذه الصناعة ممن جاب وجال ولقي الأعلام والرجال وشرق وغرب وبعد وقرب

أو عبد الله ابن مندة وهو محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى العبدي الأصبهاني ومندة لقب لوالد يحيى واسمه فيما يقال ابراهيم بن الوليد مات في سلخ ذي القعدة سنة خمس وتسعين وثلاثمائة عن نحو أربع وثمانين سنة أبو داود تابع في ذلك شيخه الأمام أحمد

فقد روينا من طريق عبد الله بن أحمد بالإسناد الصحيح إليه قال سمعت أبي يقول لاتكاد ترى أحدا ينظر في الرأي إلا وفي قلبه غل والديث الضعيف أحب إلي من الرأي قال فسألته عن الرجل يكون ببلد لا


83
يجد فيها إلا صاحب حديث لا يدري صحيحه من سقيمه وصاحب رأي فمن يسأل قال يسألصاحب الحديث ولا يسأل صاحب الرأي

وكذا نقل ابن المنذر أن أحمد كان يحتج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم يكن في الباب غيره وفي رواية عنه أنه قال لابنه لو أردت أن أقتصره على ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث إني لاأخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب شيء يدفعه وذكر ابن الجوزي في الموضوعات أنه كان يقدم الضعيف على القياس بل حكى الطوفي عن النقي بن تيمية أنه قال اعتبرت مسند أحمد فوجته مواقفا بشرط داود انتهى

ونحو ما حكى عن أحمد ما سيأتي في المرسل حكايه عن الماوردي مما نسبه لقول الشافعي في الجديد أن المرسل يحتج به إذا لم يوجد دلاله سواة وزعم ابن حزم أن جميع الحنفيه على أن مذهب إمامهم أيضا ضعيف الحديث أولى عنده من الرأي والقياس على أن بعضهم كما حكاة المؤلف في أثناء من تقيل روايته وتردد من النكت حمل قول ابن منده على أنه أريد بالضعيف هذا الحديث الحسن هو معيد

وكلام أبي داود في رسالته التي وصف فيها كتابه إلى أهل مكه مشعر بخلافه فإنه قال سألتهم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب فاعلموا أنه كذلك كله إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين وأحدهما أقدم إسنادا والأخر صاحبه قدم في الحفظ فربما كتبت ذلك أي الذي هو أقدم إسنادا

ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث ولم أكتب في الباب إلا حديثا وحديثين وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنها تكثر وإنما أردت قرب منفعته فإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين وثلاثه فإنما هو من زياده


84
كلام فيه وربما تكون فيه كلمه زائده على الأحاديث وربما اختصرت الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من يسمعه المراد منه ولا يفهم موضوع الفقه منه فاختصرته لذلك إلى أن قال وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء وإذا قال فيه حديث منكر بينته أنه منكر وليس على نحوة في الباب غيرة

قال وقد ألفته نسقا ماصح عندي فإن ذكر لك عن النبي سنه ليس فيما خرجته فالعم أنه حديث واهي إلا أن تكون في كتابي من طريق آخر فإني لم أخرج الطرق لأنه يكثر على المتعلم ولا أعلم أحدا أجمع على الاستقصاء غيري إلى آخر الرساله وقد روينا أنه عرض سننه على شيخه أحمد فاستحسنه

وكذا فيما حكى ابن منده أيضا مما سمعه بمصر بن محمد بن سعد الباوردي كان الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن والأتي في الوفيات لايقتصر في التخريج على المتفق عليه قبولهم بل يخرج حديث من لم يجمعوا أثمه الحديث عليه تركا أي على تركه حتى أنه يخرج للمجهولين حالا وعينا للاختلاف فيهم كما سيأتي وهو كما زاده الناظم مذهب متسع يعني أنه لم يرد إجماع خاص كما قررة شيخنا حيث قال إن كل طبقه ممن نقاد الرجال لاتخلوا من تشدد ومتوسط فمن الأولى شعبه والثوري وشعبه أشدهما ومن الثانيه يحيى القطان وابن مهدي ويحيى أشدهما وعن الثالثه ابن معين واحمد وابن معين أشدهما ومن الرابعه أبو حاتم والبخاري وابو حاتم أشدهما

فقال النسائي لا يترك الرجل عندي حتى يجمع الجميع على تركه فأما إذا أوثقه ابن مهدي وضعفه القطان مثلا فإنه لايترك لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقد


85

حينئذ فقول ابن منده وكذلك أبي داود يأخذ ما أخذ النسائي يعني في عدم التقيد بالثقه والتخريج لمن ضعف في الجمله وإن اختلف صنيعهما

وقول المنذري في مختصر السنن له حكايه عن ابن منده إن شرط أبي داود والنسائي إخراج حديث قوم لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال محمول على هذا وإلا فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديث بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعه من رجال الشيخين حتى قال بعض الحفاظ إن شرطه في الرجال أشد من شرطهما على أنه قد انتصر التاج التبريزي للبغوي وقال إنه لا مشاحه في الإصطلاح بل تخطيه المرء في اصطلاحه بعيده عن الصواب

والبغوي قد صرح في ابتداء كتابه بقوله أعني بالصحاح كذا وبالحسان كذا وما قال أراد والمحدثون بهما كذا فلا يرد عليه شيء مما ذكرة خصوصا وقد قال وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشرته إليه وأعرضت عما كان منكرا أو موضوعا وأيده شيخنا بحكمه في قسم الحسان بصحه بعض أحاديثه تارة إما نقلا عن الترمذي أإو غيرة وضصعفه بأخرى بحسب ما يظهر له من ذلك إذ لو أراد بالحسان الاصطلاح العام مانوعه

ولا تضر المناقشه له في ذكرة مما يكون منكرا بعد التزامه الإعراض عنه وله في باب السلام من الأدب ويروي عن جابر عن النبي السلام قبل الكلام وهذا منكر

ولا تصريحه بالصحه والنكارة في بعض ما أطلق عليه الحسان كما يضرة ترك حكاية تنصيص الترمذي في بعضها بالصحه أحيانا ولا إدخاله في الفصل الأول المسمى بالصحاح عده روايات ليست في الصحيحين ولا في أحدهما مع التزامه الاقتصار عليهما لأن ذلك يكون لأمر خارجي يرجع إلى الذهول ونحوة بل أحسن من هذا في العذر عنه بالنسبه إلى الأخير فقط أنه يذكر


86
أصل الحديث منها أو من أحدهما ثم يتبع ذلك باختلاف لفظه ولو بزياده في نفس ذلك الخبر يكون بعض من خرج السنن أو ردها فيشير هو إليها لكمال الفائده ومن عليها أي السنن كلها أو بعضها أطلق الصحيحه كالحاكم والخطيب حيث طلقا الصحه على الترمذي وابن منده وابن السكن على كتابي أبي داود وجماعه منهم ابو علي النيسابوري وأبو أحمد بن مهدي والدار قطني والخطيل على كتاب النسائي حيث شذ بعض المغاربه ففضله على كتاب البخاري كما قدمته في أصح كتب الحديث مع ردة

بل ذكر الحافظ أبو طاهر السلفي اتفاق علماء المشرق والمغرب على صحه الكتب الخمسه فقد أتى تساهلا صريحا لأن ما فيها ما صرحوا بكونه ضعيفا أو منكرا أو نحو ذلك من اوصاف الضعيف قال ابن الصلاح وقد صرح أبو داود فيما قدمناه بانقسام مافي كتابه إلى صحيح وغيرة الترمذي ومصرح فيما كتابه بالتمييز بين الصحيح والحسن

وأما حمل ابن سيد الناس في شرحه الترمذي قول السلفي على مالم يقع التصريح فيه من مخرجها وغيرة بالضعف فيقتضي كما قال الشارح في الكبير إن ما كان في الكتب الخمسه مسكوتا عنه ولم يصرح بضعفه أن يكون صحيحا وليس هذا الإطلاق صحيحا بل في كتب السنن أحاديث لم يتكلم فيها الترمذي أو أبو داود ولم نجد لغيرهم فيها كلاما ومع ذلك فهي ضعيفه

وأحسن من هذا القول الثوري مراد السلفي أن معظم الكتب الثلاثه يحتج به أي صالح لأن يحتج بع لئلاا يرد على اطلاق عبارته المنسوخ أو المرجوح عند المعارضه

ويجوز أن يقال إنه لم يعتبر الضعيف الذي فيها لقلته بالنسبه إلى النوعين

وبالجمله فكتاب النسائي أقلها بعد الصحيحين حديثا ضعيفا ولذلك


87
قال ابن رشيد أنه أبدع الكتب المصنفه في السنن تصنيفا وأحسنها توصيفا وهو جامع بينى طريقتي البخاري ومسلم مع حط كثير من بيان العلل

بل قال بعض المكبين من شيوخ ابن الأحمر إنه أشرف المصنفات كلها وما وضع في الإسلام مثله انتهى .

ويقاربه كتاب أبي داود بل قال الخطابي إنه لم يصنف في علم الدين مثله وهو أحسن وصفا وأكثر فقها من الصحيحين

ويقارنه كتاب الترمذي بل كان أبو إسماعيل الهروي يقول هو عندي أنفع من كتابي البخاري ومسلم لأنهما لا يقف على الفائده منهما إلا المتبحر العالم وهو يصل إلى الفائده منه كل أحد من الناس

وأما كتاب ابن ماجه فإنه تفرد بأحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقه الأحاديث مما حكم عليها بالبطلان أو السقوط أو النكارة حتى كان العلائي يقول ينبغي أن يكون كتاب الدارمي سادسا للخمسه بدله فإنه قليل الرجال الضعفاء نادر الأحاديث المنكطرة والشاذة وإن كان فيه أحاديث مرسله وموقوفه فهو مع ذلك أولى منه

على أن بعض العلماء كرزين السرقسطي وتبعه المجد بن الأثير في جامع الأصول وكذا غيرة جعلوا السندس الموطأ ولكن أول من أضاف ابن ماجه إلى الخمسه أبو الفضل بن طاهر حيث أدرجه معها في الأطراف وكذا في شروط الأئمه السته ثم الحافظ غبد الغني في كتاب الإكمال في أسماء الرجال الذي هذبه الحافظ المزي وقدموة على الموطأ لكثرة زوائده على الخمسه بخلاف الموطأ ودونها في رتبه أي رتية الاحتجاج الذي هو أصل بقيه المبوبين ما جعلا على المسانيد التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حده من غير تقييد بالمحتج به ف بهذا السبب يدعى فيه الحديث الدعوة الجفلا بفتح الجيم والفاء مقصورا أي إمامه المحتج به وغيرة وهو استهارة يقال دعا فلان الجفلا


88
إذ عم بدعوته ولم يخص قوما دون قوم والنفري وزنه أيضا هي الخاصه وكان الركون لأجل هذا لما يورد في تلك أكثر لاسيما واستخراج الحاجه منها أيسر وإن جلت مرتبه هذه بجلاله مؤلفيها وتقدم تاريخ من سابقيه منهم ولا سيما وقد نقل البيهيقي في المدخل عن شيخه الحاكم الفرق بين التصنيف على الأبواب والتراجم فقال الرتاجم يذكر فيها ما روى الصحابي عن النبي فيقول المصنف ذكر ما روى عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي ثم يترجم على المسند فيقول ذكر ما روى قيس بن حازم عن أبي بكر فيورد جميع ما وقع له من ذلك صحيحا كان أو سقيما

وأما الأبواب فإن مصنفها يقول كتاب الطهارة مثلا فكأنه يقول ذكر ما صحح عن النبي في أبواب الطهارة ثم يوردها انتهى

والمسانيد كثيرة كمسند الحافظ الثقه أبي داود سليمان بن داود بن الجاورد القرشي الفارسي الأصل البصري الطيالسي نسبه إلى الطيالسه التي تجعل على العمائم مات بالبصرة في ربيع الأول سنه أربع أو ثلاث ومائتين عن نحو سبعين سنه وهذا المسند يسير بالنسبه لما كان عنده فقد كان يحفظ أربعين ألف حديث والسبب في ذلك عدم تصنيفه هو له إنما تولى جمعه بعض حفاظ الأصبهانيين من حديث يونس بن حبيب الراوي

وكمسند أبي محمد عبيدالله أبي موسى العبسي الكوفي فأبي بكر الحميدي وأبي الحسن مسدد بن مسرهد وأبي بكر بن أبي شيبه وأبي يعقوب إسحق بن إبراهيم ابن راهويه والإمام المبجل أحمد الأتي ذكرة في الوفيات وابن أبي عمر العدني وأبي جعفر أحمد بن منيع وأبي محمد عبد بن حميد الكشي وغيرهم ممن عاصرهم أو كان بعدهم ولكن عده أي ابن الصلاح في علومه الدارمي أي لمسند درامي نسبه إلى دارم بن مالك بظني كبير من تميم وهو الحافظ أبو محمد عبدالله ابن عبدالرحمن بن الفضل التميمي السمرقندي توفى في يوم الترويه ودفن في يوم عرفه سنه خمس وخمسين ومائتين ومولده سنة إحدى وثمانين في المسانيد انتقد عليه فإنه على الأبواب كما علم مما تقدمه قريبا


89
على أنه يحتمل على بعد أن يكون أراد مسنده الذي ذكرة الخطيب في تصانيفه فأنه قال إنه صنف المسند والتفسير والجامع

وكذا انتقد بعضهم على ابن الصلاح كما قرأته بخط الشارح تفصيل كتب السنن على مسند أحمد الذي هو أكثر هذه المسانيد مطلقا وأحسنها سياقا متمسكا بكونه لم يدخل فيه إلا ما يحتج به كما دل عليه عدم استيعاب ما عنده من أحاديث الصحابه فيه وإنما انتقاة من أكثر من سبعمائه وخمسين ألف حديث وقال ما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله فارجعوا إليه فإن وجدتموة فيه وإلا فليس بحجه بل بالغ بعضهم فأطلق عليه الصحه

والحق أن فيه أحاديث كثير ضعيفه وبعضها أشد في الضعف من بعض حتى أن ابن الجوزي أدخل كثيرا منها موضوعاته لكن قد تعقبه في بعضها الشارح وفي سائرها شيخنا وحقق كما سمعته منه نفي الوضع عن جميع أحاديثه وإنه أحسن انتقاءا وتحريرا من الكتب التي لم تلتزم الصحه في جمعها

وقال ليست الأحاديث الزائده فيه على ما في الصحيحين بأكثر ضعفا من الأحاديث الزائده في سنن أبي داود والترمذي عليهما

وبالجملة فسبيل من أراد الاحتجاج بحديث من السنن لا سيما ابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة وعبد الرزاق مما الأمر فيها أشد أو بحديث من المسانيد واحد إذ جميع ذلك لم يشترط من جمعه الصحة ولا الحسن خاصة وهذا المحتج إن كان متأهلا لمعرفة الصحيح من غيره فليس له أن يحتج بحديث من السنن من غير أن ينظر في اتصال إسناده وحال رواته كما أنه ليس له أن يحتج بحديث من المسانيد حتى يحيط علما بذلك وإن كان غير متأهل لدرك ذلك فسبيله أن ينظر في الحديث فإن وجد أحدا من الأئمة صححه أو حسنه فله أن


90
يقلده وإن لم يجد ذلك فلا يقدم على الاحتجاج بهفيكون كحاطب بل فلعله يحتج بالباطل ومن لا يشعر

ولما انتهى الكلام على كل من القسمين با نفرده ناسب إردافها بمسألتين متعلقتين بهما فلذا قال ابن الصلاح والحكم الصادر من المحدث للإسناد بالصحة كهذا إسناد صحيح أو بالحسن كهذا إسناد حسن دون الحكم منه بذلك للمتن كهذا حديث أو حسن كما رأوا حسبما اقتضاه تصريحهم بانه لا تلازم بين الإسناد والمتن إذ قد يصح المسند أو يحسن لإستجماع شروطه من الاتصال والعدالة والضبط دون المتن لشذوذ أو علة ولا يخدش في عدم التلازم ما تقدم من أن قولهم هذا حديث صحيح مرادهم به اتصال سنه مع سائر الأوصاف في الظاهر لا قطعا لعدم استلزامه الحكم لكل فرد من أسانيد ذاك الحديث

وعلى كل حال فالتقييد الإسناد ليس صريحا في صحة المتن ولا ضعفه بل هو على الاحتمال إن صدد ممن لم يطرد له عمل فيه أو اطرد فيما لم تظهر له صحة متنه ولذلك كان منحط الرتبة عن الحكم للحديث وأقبله أي الحكم للإسناد بالصحة أو الحسن في المتن أيضا إن أطلقه أي الحكم للإسناد بواحد منهما من يعتمد أي ممن عرف باطراد عدم التفرقة بين اللفظين خصوصا إن كان في مقام الاحتجاج والاستدلال الذي يظهر أنه الحاصل لابن الصلاح على التفرقة فإنه قال غير أن المصنف المعتمد منهم إلى آخره فكأنه خص الأول بمن لم يصنف ممن نقل عنه الكلام على الأحاديث إجابة لمن سأله أو صنفه لا على الأبواب بل على المشيخات والمعاجم وما أشبه ذلك ولا مانع من هذا الحمل فقد قيل لنحوه في العذر والأصل المستخرجات مما ينقلها بدون مقابلة عليه حيث فرق بين التصنيف على الأبواب وغيرها

ولم يرد ابن الصلاح التفرقة بين المعتمد وغيره إذ غير المعتمد لا يعتمد إلا


91
أن يقال الكل معتمدون غير أن بعضهم أشد اعتمادا وقد يعبر عن الغاية في العمدة بالجهبذ ( و ) وذلك حيث لم يعقبه أي الحطم للإسناد بضعف ينتقد به المتن إما نقلا عن غيره أو بنقده هو وتصرفه إذ الظاهر من هذا الإمام المصنف كما قال ابن الصلاح الحكم له بأنه صحيح في نفسه أي في نفس المتن لأن عدم العلة والقادح هو الأصل والظاهر أي في هذا المتن خاصة نظرا إلى أن هذا الإمام المصنف إنما أطلق بعد الفحص عن ابتغاء ذلك ولإ فلو كان عدم العلة والقادح هو الأصل مطلقا ما اشترط عدمه في الصحيح

ويلتحق بذلك الحكم للإسناد بالضعف إذ قد يضعف لسوء حفظ وانقطاع ونحوهما وللمتن طريق آخر صحيح او حسن كما سيأتي أول التنبيهات التالية للمقلوب ولكن المحدث المعتمد لو لم يفحص عن انتفاء المتابعات والشوابه ما أطلق

ثم إنه مع ما تقرر قد يدعي أرجحية ما نص فيه على المتن لما علم من الفرق بين ما الدلالة عليه بالعبارة والنص على ما هو بالظهور واللزوم ومما يشهد لعدم التلازم ما رواه النسائي من حديث أبي بكر بن خلاد عن محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه تسحروا فإن في السحور بركة وقال هذا حديث منكر وإسناده حسن وأحسب الغلط من محمد بن فضيل وكذا أورد الحاكم في مستدركه غير حديث يحكم على إسناده بالصحة وعلى المتن بالوهاء لعلته أو شذوذ إلى غيرهما من المتقدمين وكذا من المتأخرين كالمزي حيث تكرر منه الحكم بصلاحية الإسناد ونكارة المتن

وروى الترمذي في فضائل القرآن حديثا من طريق خيثمة البصري عن الحسن عن عمران بن حصين مرفوعا من قرأ القرآن فليسأل الله به وقال بعده هذا حديث حسن ليس إسناده بذلك ونحوه ما أخرجه ابن عبد البر في كتاب العلم له من حديث معاذ بن جبل رفعه تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية الحديث بطوله وقال عقبة هو حديث حسن جدا ولكن ليس إسناده


92
يقوي والثانيه استشكل الحسن الواقع جمعه في كلام الترمذي كثير أو غيرة كالبخاري مع الصحه في متن واحد كهذا حديث حسن صحيح لما تقرر من أن الحسن قاصر عن الصحيح ففي الجمع بينهما في حديث واحد جمع بين نفي ذلك القصور وإثباته ويقال في الجواب لا يخلوا إما أن يكون هذا القائل أراد الحسن الاصطلاحي أو اللغوي فإن لفظا يرد أي فإن يرد القائل به اللغوي لكونه مما فيه بشري للمكلف تسهيل عليه وتيسير له وغير ذلك مما قيل إليه النفس ولا يأباة القلب وهو اللغوي فهو كما قال ابن الصلاح غير مستنكر الإدارة وبه يزول الإشكال

ولكن قد تعقبه ابن دقيق العيد بأنه إن أريد حسن اللفظ فقط فقل صف به أي بالحسن الضعيف ولو بلغ رتبه الوضع يعني كما هو قصد الواصفين غالبا وذلك لايقوله أحد من أهل الحديث إذا جروا على اصطلاحهم بل صرح البلقيني بأنه لا يحل إطلاقه في الموضوع يعني ولو خرجوا عن اصطلاحهم لأنه ربما أوقع في ليس وأيضا فحسن لفظه معارض بفتح الوضع أو الضعف

لكن أجاب بمنع وروده بعد الحكم عليه بالصحه الذي هو فرض المسأله وهو حسن ولذلك تبعه شيخنا وغيرة فيه

على أنه قد يدعي أن تقييد الترمذي بلإسناد حيث قال إنما أردنا به حسن إسناده يدفع إراده حسن اللفظ ولكن لايأتي هذا إذا مشينا على أن تعريفه إنما هو لما يقول فيه حسن فقط

وإما قول ابن سيد الناس في دفع كلام ابن الصلاح حديث النبي صلى الله عليه وسلم كله حسن الألفاظ بليغ المعاني يعني فلم يخص بالوصف بذلك بعضه دون بعض فهو كذلك جزماً لكن فيه ما هو في الترهيب ونحوه كمن نوقش الحساب عذب وما هو في الترغيب والفضائل كالزهد والرقائق ونحوة


93
ذلك ولا مانع من النص في الثاني ونحوة على الحسن اللغوي

ورد بأن المطابق للواقع في الترمذي غير محصور فيه والانفصال عنه كما قال البلقيني إن الوصف بذلك ولو كان في الترهيب باعتبار ما فيه من الوعيد والزجر بالأساليب البديعة

وحينئذ فالإشكال باق أو أن يرد ما يختلف سند بأن يكون الحديث بإسنادين أحدهما حسن والآخر صحيح فيقتسم الجمع بين الوصفين باعتبار تعدد الإسنادين وهذا الجواب لابن الصلاح أيضا

وقد تعقبه ابن دقيق العيد أيضا بأنه وإن أمكن فيما روى من غير وجه لاختلاف مخرجه ( فكيف ) يمكن أن حديث فرد وصف بذلك كما يقع التصريح به في كلام الترمذي نفسه حيث يقول في غير حديث إنه حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه أو لا نعرفه إلا من حديث فلان وتبعه في رد هذين الجوابين تلميذه ابن سيد الناس قال وأيضا فلو أراد أي الجامع بين الوصفين واحد منهما الحسن أن يأتي بواو العطف المشتكرة فيقول حسن وصحيح لتكون أوضح في الجمع بين الطريقين أو أسند والمتن ولأبي الفتح تقي محمد ابن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري المنفلوطي ثم القاهري المالكي ثم الشافعي عرف بابن دقيق العيد وهوالحافظ العلامة الشهير أعلم أهل عصره تفقه بحديث وعلله وقوة الاستنباط منه ومعرفة طرق الاجتهاد مع تقدمه في الزهد والورع والولاياة بحيث كان يتكلم على الخواطر وناهيك بأنه القائل ما تكلمت بكلمة ولا فعلت فعلا إلا أعددت لذلك جوابا بين يدي الله تعالى ذو التصانيف الكثيرة في الفنون وأحد من ولي قضاة مصر وفاق في القيام بالحق والصلابه في الحكم وعدم المحاباة بل كان إذا تخاصم إليه أحد من أهل الدوله بلغ في التشديد والتثبت فإن سمع ما يكرهه عزل نفسه فعل ذلك مرارا وهو يعاد وكان يقول ضابطا ما يطلب مني ما يجوز شرعا لا أبخل به واستمر في القضاء حتى مات في


94
صفر سنه اثنتين وسبعمائه ودفن بالقرافه ومولده في شعبان سنه خمس وعشرين وستمائه في كتابه الاقتراح في علوم الحديث الذي نظمه الناظم وشرحته بعد ردهما كما تقدم في الجواب عن الإشكال ما حصله ان انفرد الحسن في سند أو متن الحسن فيه ذو اصطلاح أي الاصطلاح المشترط فيه القصور عن الصحه وإن يكن الحديث صح أي وصف مع الحسن بالصحه فليس يلتبس حينئذ الجمع بين الوصفين بل الحسن حاصل لا محاله تبعا للصحه وشرح هذا وبيانه أن ههنا صفات للرواة يقتضي قبول الروايه ولتلك الصفات درجات بعضها فوق بعض كالتقيظ والحفظ والإتقان مثلا ووجود الدرجه الدنيا كالصدق منه وعدم التهمه بالكذب لاينافيه وجود ماهو أعلى منه كالحفظ والإتقان فإذا وجدت الدرجه العليا لم يناف ذلك وجود الدنيا كالحفظ مع الصدق فيصح أن يقال في هذا إنه حسن باعتبار وجود صفه الدنيا وهي أصدق مثلا صحيح باعتبار الصفه العليا وهي الحفظ والإتقان قال وعلى هذا كل صحيح حسن لا ينعكس أي وليس كل حسن صحيحا ويتأيد الشق الأول بقولهم هذا حديث حسن في الأحاديث الصحيحه كما هو موجود في كلام المتقدمين وسبقه ابن المواق فقال لم يخص الترمذي يعني في تعريفه السابق الحسن بصفه تميزة عن الصحيح فلا يكون صحيحا إلا وهو غير شاذ ولا يكون صحيحا حتى تكون رواته غير مهتمين بل ثقات

قال فظهر من هذا إن الحسن عنده صفه لاتخص هذا القسم بل قد يشركه فيها الصحيح فكل صحيح عنده حسن ولا ينعكس ويشهد لهذا أنه لايكاد يقول في حديث يصححه إلا حسن صحيح ( و ) لكن قد أوردوا أي ابن سيد الناس ومن وافقه على ذلك كما أشير إليه أول القسم ما صح من أحديث ( أفراد ) أي ليس لها إلا إسناد واحد لعدم اشتراط التعدد في الصحيح حديث اشترطنا كالترمذي في الحسن غير ما إسناد أي غير إسناد


95
فانتفى حينئذ كما قال ابن سيد الناس أن يكون كل صحيح حسنا قال نعم قوله وليس كل حسن صحيحا صحيح

قال شيخنا وهو تعقب وارد ورد واضح انتهى

لكن قد سلف قول ابن سيد الناس نفسه أن الترمذي عرف نوعا خاصا من الحسن يعني فاعداة لا يشترط فيه التعد كالصحيح

وحينئذ فالعموم الذي أشار إليه ابن دقيق العيد بالنسبه إليه مطلق وبالحمل عليه يستقيم كلامه وأما إذا كان وجيها فالإشكال باق

هذا مع أن شيخنا صرح بأن جواب ابن دقيق العيد أقوى الأجوبة عن هذا الإشكال ولكن التحقيق ماقاله أيضا كما سبق بيانه عند تعريف الخطابي أنهما متباينان ولذا مشى في توضيح النخبة على ثاني الأجوبة إذا لم يحصل التفرد

وذكر آخر التفرد لابن سيد الناس وعبارته ومحصل الجواب في الجمع بينهما أن تردد أئمة الحديث في حال ناقله اقتضى للمجتهد أن لا يصفه بأحدالوصفين فيقال فيه حسن باعتبار وصفه عند قوم صحيح باعتبار وصفه عند قوم وغاية ما فيه أنه حذف منصرف التردد لأن حقه أن يقول حسن أو صحيح وهذا كما حذف حرف العطف يعني من الآخر

وعلى هذا فما قيل فيه حسن صحيح دون ما قيل فيه صحيح لأن الجزم أقوى من التردد وهذا حيث التفرد وإلا أي إذا لم يحصل التفرد فإطلاق الوصفين معا على الحديث يكون باعتبار إسنادين أحدهما صحيح ولآخر حسن

وعلى هذا إنما قيل فيه حسن صحيح فوق ما قيل فيه صحيح فقط إذا كان فردا لأن كثرة الطرق تقويه والله أعلم


96
القسم الثالث الضعيف
( أما الضعيف فهو مالم يبلغ
مرتبه الحسن وإن بسط بغى )
( فقاقد شرط قبول قسم
واثنين قسم غيرة وضموا )
( سواهما فثالث وهكذا
وعد لشرط غير مبدو فذا )
( قسم سواهما ثم زد غير الذي
قدمته ثم على ذا فاحتذي )
( وعده البستي فيما أوعى
لتسعه وأربعين نوعا )
* * *

أما الضعيف الضعيف فهو ما لم يبلغ مرتبة الحسن ولو يفقد صفة من صفاته ولا احتياج لضم الصحيح إليه فإنه حيث قصر عن الحسن كان عن الصحيح أقصر ولو بتباينهما إن بسط بغي أي وإن طلب بسط وتركيب لأقسامه ففاقد شرط قبول أي شرطا من شروط المقبول الذي هو أعم من الصحيح واحسن وهيستة اتصال السند والعدالة والضبط ونفي الشذوذ ونفي العلة القادحة والعاضد الاحتياج إلية التي بالنظر لانتفائهما اجتماعا وانفرادا تتعدد أقسامة قسم ففقد الاتصال مثلا قسم تحتة ثلاثة المرسل والمنقطع والمعضل وفاقد اثنين منها وهما الاتصال مع اخر من الخمسة الباقية قسم غيره أي غير الاول تحتة ثمانية عشر بالنظر إلى الضعيف والمجهول اللذين يشملهما فقد العدالة لأنك تضربهما والاربعة الباقية في الثلاثة الداخلة تحت فقد الاتصال فتبلغ ذلك وحينئذ


97
فمجموع القسمين أحد وعشرين قسما وضموا سواهما أي وضم واحد غير فقد الاتصال والأخر الذي فقد معة من باقيها إليهما بحيث يصير المفقود ثلاثة لا غير فذاك قسم ثالث تحت ستة وثلاثون لأنك تضم إلى ما فقد فيه الاتصال بأقسامه مع قسمي العدالة وإلى ما فقد فيه الاتصال بأقسامه مع الضبط وإلى ما فقد فيه الاتصال بأقسامه مع العاضد الشذوذ مرة والعلة مرة أخرى وإلى ما فقد فيه الاتصال بأقسامه مع قسمي العدالة لضبت الاتصال بأقسامه مع الضبط وإلى ما فقد فيه الاتصال بأقسامه مع العاضد الشذوذ مرة والعلة أخرى وإلى ما فقد فيه الاتصال بأقسامه مع قسمي العدالة الضبط تارة والعاضد أخرى وكذا ما فقد فيه الاتصال بأقسامه مع شرطين آخرين وهما اجتماعالشذوذ والعلة فتلك ثلاثة وبها يصير هذا القسم تسعة وثلاثين وهكذا فافعل إلى آخر الشروط فخذ ما فقد فيه شرط آخر مضموما إلى فقد الشروط الثلاثة فيه المتقدمة فهو قسم آخر تحته إثنا عشر لأنك تضم إلى ما فقد فيه الاتصال بأقسامه قسمي العدالة وإلى ما فقد الاتصال بأقسامه مع الضبط وإلى ما فقد الاتصال بأقسامه مع العاضد والشذوذ والعلة معا

ثم ارتقى الى ما فقد فيه أو ستة منها فقد الاتصال بحسب الإمكان من غير أن تجمع أقسام الاتصال أو اثنين منها وكذا قسمي العدالة بأن تجعل مثلا المرسل مع المنقطع أو مع المعضل أو الضعيف مع المجهول في قسم واحد ( و ) بعد الانتهاء من هذا الشرط وهو الاتصال ( عد ) أي ارجع الشرط غير مبدوء به أو لاوهو العدالة مثلا قد قسم سواها أي الأقسام الماضية تحته إثنان ( ثم زد ) مع كل من هذين غير الذي قدمته وتحته ثمانية لأنك تضم ما فقد فيه الضبط أو العاضد أو فيه شذوذ أو علة لكل منهما ثم على ذا الحذو ( فاحتذى بمهملة ثم مثناه مفتوحة بعدها معجمة أي افتد أنت والمعنى أنك تكمل هذا العمل الثاني الذي بدأته بفقد الشرط المثنى به كما كملت الأول بأن تضم إلى فقد العدالة بقسميها الآخر الذي فقد معه من باقيها ثالثا إلى أن ينتهي


98
العمل ثم عد فإبدأ بما فقد فيه شرط غير الأولين الذين بدأت بكل منهما في عمليك وهو الضبط ثم ضمه إلى واحد من الثلاثة الباقية ثم إلى اثنين وهكذا فافعل في فقد العاضد ثم عد فخذ الشاذ منفردا ثم مضموما مع المعلل ثم عد فخذ العلل منفردا

وإلى هنا انتهى العمل وهو مع كونه بحسب الفرض لا الواقع ليس بآخره بل لو نظرنا إلى أن فقد الاتصال يشتمل أيضا والمعلق النقطع الخفي كالتدليس وفقد العداله يشمل الضعيف بكذب راويه أو تهمته بذلك أو فسقه أو بدعته أو جهالة عينه أو جهالة حاله وفقد الضبط يشمل كثرة الغلط والغفله والوهم وسوء الحفظ والاختلاط والمخالفة لزادت الأقسام كثيرا كما أشار إليه ابن الصلاح لقوله وما كان من الصفات له شروط فاعمل في شروطه نحو ذلم فتتضاعف بذلك الأقسام

ولكن قد صرح غير واحد منهم شيخنا بأن ذلك مع كثرة التعب فيه قليل الفائدة

ولا يقال إن فائدته كون ما كثر فقد شروط القبول فيه أضعف لأنه ليس على إطلاقه فقد يكون الفاقد للصدق وحده أضعف من فاقد ما عداه ذكر لأن فقد العداله غير منحصر في الكذب وقول ابن الصلاح ثم ما عدم فيه جميع صفات القبول فهو القسم الأرذل فقد لايعارضه كما أنه لايقال

فائدته تخصيص كل قسم منها بلقب إذ لم يلقي منها إلا المرسل والمنقطع والمعضل والمعلل والشاذ وكذا لقب مما لم يذكر في الاقسام المقطوع والمدرج والمقلوب والمضطرب والموضوع والمطروح والمنكر وهو بمعنى الشاذ كما سيأتي بيانها وحينئذ فالاشتغال بغيرة من مهمات الفن الذي لا يتسع العمر الطويل لاستقصائه آكد وقد خاض غير واحد ممن لم يعلم هذا الشأن في ذلك فتعبوا واتبعوا


99

ولو قيل لأطولهم وأعرضهم أوجدنا مثالا لما يلقب منها بلقب خاص لبقي ووراء هذا كله أن في بعض الأقسام نزاعا وذلك أن اجتماع الشذوذ مع الضعيف أو المجهول كما قاله الشارح غير ممكن على الصحيح لأن الشذوذ تفردالثقة عند الجمهور وجوزه شيخنا بأن يكون في السند ثقة خولف وضعيف

قال وفائدة ذلك قوة الضعف لكثرة الأسباب لكن قد يقال إنه إذا كان في السند ضعيف بحال ما في الخبر من تعبير عليه نعم إن عرف من خارج إن المخالفة من الثقة أو كان الضعيف بعد الراوي الذي شذ جاء ما قاله شيخنا

وبالجملة فلما كان التقسيم المطلوب صعب المرام في بادي الرأي لحضه شيخنا بقوله فقد الأوصاف راجع إلى ما في رواية طعن أو في سنده سقط فالسقط إما أن تكون في أوله أو في آخره أو في أثنائه ويدخل تحت ذلك بالمرسل والمعلق والمدلس والمنقطع والمعضل وكل واحد من هذه إذا انضم إليه وصف من أوصاف الطعن وهي تكذيب الراوي أو تهمته بذلك أو فحش غلطه أو مخالفته أو بدعته أو جهالة عينه أوجهالة حاله فباعتبار ذلك يخرج منه أقسام كثيرة مع الاحتراز من التداخل المفضي إلى التكرار فإذا فقد ثلاثة أوصاف من مجموع ما ذكر حصلت منه أقسام أخرى مع الاحتراز مما ذكر ثم إذا فقد أربعة أصاف فكذلك ثم كذلك إلى آخره

فكل ما عمدت فيه صفه واحده يعني غير الكذب يكون أخف مما عدمت فيه صفتان إن لم تكن بتلك الصفه التي جبرتها صفه مقويه يعني كما كان ابن الصلاح من غير أن يخلفها جابر على حسب ما تقرر في الحسن وهكذا إلى أن ينتهي الحديث إلى درجه الموضوع المختلق بأن ينعدم فيه شروط القبول


100
ويوجد فيه ما يشترط انعدامه من جميع أسباب الطعن والسقط

قال لكن قال شيخنا يعني الشارح أنه لا يلزم من ذلك ثبوت الحكم بالوضع وهو متجه لكن مدار الحكم في الأنواع على غلبة الظن وهي موجودة هنا انتهى ولا يزيد عليه في الحسن وبهذا الاعتبار تزيد اقسامه جملة ( وعده ) أي قسم الضعيف أبو حاتم ابن حبان ( البستي ) الماضي في الصحيح الزائد على الصحيحين ( فيما أوعى ) أي حفظ وجمع كما نفله ابن الصلاح عنه لكن غير معين للتصنيف الواقع فيه

وزعم الزركشي أن ذلك في أول كتابه في الضعفاء وليس كذلك فالذي فيه إنما هو تقسيم الأسباب الموجبة لتضعيف الرواة لاتقسيم الحديث الضعيف وهو التباس بعيد خصوصا وعدة ما ذكره عشرون قسما ( لتسعة ) بتقديم الثناة وأربعين نوعا خمسين قسما إلا واحدا كما هي عبارة ابن الصلاح ولكن الأولى أخضر مع موافقتها الاصطلاح الحساب في تقديم العطف على الاستثناء والثانية أسلم من عروض التصحيف ومن دخول اللام لكون عد متعديا مع نطق الرآن بهما في قوله تسع وتسعون نعجة وألف سنة إلا خمسين عاما

على أنه كان يمكن الناظم كما قال شيخنا أن يقول مسوعبا خمسين إلا نوعا وللخوف من التصحيف أيضا ثبت الجمع بينهما في الصحيحين إن لله تسعة وتسعين إسما مائة إلا واحدا إذا علم هذا فسيأتي قبيل من تقبل روايته ومن ترد مسائل تدخل في هذا القسم لا بأس باستحضارها

تتمة أفراد ابن الجوزي عن هذا نوعا آخر سماه المضعف وهو الذي لم يجمع على ضعفه بل فيه إما في المتن أو في السند تضعيف لبعض أهل الحديث وتقوية لآخرين وهو أعلى مرتبة من الضعف المجمع عليه انتهى


101

ومحل هذا إذا كان التضعيف هو الراجح أو لم يترجح شيء وإلا فيوجد في كتب ملتزمي الصحة حتى البخاري مما يكون من هذا القبيل أشياء


102
المرفوع
( وسم مرفوعا مضافا للنبي
واشترط الخطيب رفع الصاحب )
( ومن يقابله بذي الإرسال
فقد عنى بذاك ذا اتصال )
* * *

وقدم على ما بعده لتمحضه في شريف الإضافة ( وسم ) أيها الطالب مرفوعا مضافا للنبي أي وسم كل ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولا له أو فعلا أو تقريرا سواء أضافه إليه صحابي أو تابعي أو من بعدهما حتى يدخل فيه قول المصنفي ولو تأخرو قال رسول الله فعلي هذا يدخل فيه المتصل والمرسل والمنقطع والمعضل والمعلق لعدم إشتراط الاتصال ويخرج الموقوف والمقطوع لاشتراط الإضافة المخصومة

واشترط الحافظ الحجة أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي ( الخطيب ) الآتي في الوفيات فيه رفع الصاحب فقط ولفظه المرفوع ما أخبر فيه الصحابي عن قول الرسول أو فعله فعلى هذا مايضيفه التابعي فمن بعده الى النبي لا يسمى مرفوعا ولكن المشهور الأول مع أن شيخنا قد توقف في كونه قيدا فإنه قال يجوز أن يكون ذكر الخطيب الصحابي على سبيل المثال أو الغالب لكون غالب ما يضاف الى النبي هو من إضافة الصحابة أنه ذكره على سبيل التقييد فلا يخرج حينئذ عن الأول ويتأيد بكون الرفع إنما ينظر فيه إلى المتن دون الأسناد انتهى وفيه نظر


103

ومن يقابله أي المرفوع بذي الارسال أي بالمرسل كأن يقول في حديث واحد رفعه فلان وأرسله فلان مثاله حديث عيسى بن يونس عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة كان النبي يقبل الهدية ويتيب عليها

قال الآجري سألت أبو داود عنه فقال تفرد برفغه عيسى وهو عند الناس مرسل ونحوه قول الترمذي لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عيسى فقد عني القائل بذاك اللفظ ذا اتصال أي المتصل بالنبي وحينئذ فهو رفع مخصوص إذ المرفوع أعم كما قررناه على أن ابن النفيس مشى على ظاهر هذا فقيد المرفوع بالاتصال


104
المسند
( والمسند المرفوع أو ما قد وصل
أو مع وقف وهو في هذا يقل )
( والثالث الرفع مع الوصل معا
شرط به الحاكم فيه قطعا )
* * *

وقدم على ما بعده نظرا للقول الأول والأخير ( والمسند ) كما قاله أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد هو ( المرفوع ) إلى النبي خاصة وقد يكون متصلا كمالك عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله أو منقطعا كمالك عن الزهري عن ابن عباس عن رسول الله فهو وإن كان منقطعا لأن الزهري لم يسمع من ابن عباس فهو مسند لأنه قد أسند إلى النبي

قلت ونحوه قول ابن أبي حاتم يسأل أبي أسمع زرارة بن أوفى عبد الله بن سلام فقال ما أراه سمع منه ولكنه يدخل في المسند وعلى هذا فهما أعني المسند والمرفوع - على القول المعتمد فيه كما صرح به ابن عبد البر شيء واحد والانقطاع يدخل عليهما جميعا ويلزم من ذلك أيضا شموله المرسل والمعضل قال شيخنا وهو مخالف للمستفيض من عمل أئمة الحديث في مقابلتهن بين المرسل والمسند فيقولون أسنده فلان وأرسله فلان انتهى

ويأتي فيه سلف قريبا من مقابلة للمرفوع بالمرسل وممن اقتضى صيغة أن المسند المرفوع الدارقطني فقد نقل الحاكم عنه أنه قال في سعيد بن عبيد


105
الله ابن جبير بن حية الثقفي إنه ليس بالقوي يحدث بأحاديث بسندها وغيره يوقفها ( أو ) المسند ما قد وصل إسناده ( ولو ) كان الوصل مع وقف على الصحابي أو غيره وهذا هو القول الثاني وعليه فالمسند والمتصل سواء لإطلاقهما على كل من المرفوع والموقوف ولكن الأكثر استعمال المسند في الأول كما قاله الخطيب فإنه بعد أن عزى في الكفاية لأهل الحديث أنه الذي اتصل إسناده بين راويه وبين من أسند عنه

قال إلا أن أكثر استعمالهم له فيما أسند عن النبي خاصة ( وهو ) أي المسند في هذا أي فيما وقف على الصحابة وغيرهم يقل أي قليل وحينئذ فافتراقهما من جهة أن استعمال التصل في المرفوع والموقوف على حد سواء بخلاف المسند فاستعماله في المرفوع أكثر دون الموقوف

ثم إن في كلام الخطيب الذي قد أقره ابن الصلاح عليه إشعارا باستعماله المسند قليلا في المقطوع بل وفي قول من بعد التابعي وصريح كلامهم يأباه ( و ) القول الثالث إنه الرفع أي المرفوع إلى النبي مع الوصل أي مع اتصال إسناده معا كما حكا ابن عبد البر في التمهيد عن قوم وهو شرط به الحافظ أبو عبد الله النيسابوري الحاكم صاحب المستدرك في كيابه علوم الحديث فيه أي في المسند ( قطعا ) حيث لم يحك فيه كما قال ابن الصلاح غيره وكالناظم إنما أخره تبعا لأصله لا لضعفه فإنه هو الصحيح كما قال شيخنا وأشعر به تمريض ابن دقيق العيد الأول وتقديمه لهذا عليه

وقال المحب الطبري في المعتصر أيضا إنه أصح اذا لا تمييز إلا به يعني لكون قائله لحظ فيه الفرق بينه وبين التصل والمرفوع من حيثية أن المرفوع ينظر فيه إلى حال المتن مع قطع النظر عنن الإسناد اتصل أم لا والمتصل تنظر إلى حال الإسناد مع قطع النظر عن المتن مرفوعا كان أو موقوفا


106
والمسند ينظر فيه إلى الحالين معا فيجمع شرطي الاتصال والرفع فيكون بينه وبين كل من الرفع والاتصال عموم وخصوص مطلق فكل مسند مرفوع وكل مسند متصل ولا عكس فيهما

هذا مع شيخنا قال ما نصه والذي يظهر لي بالاستقراء من كلام أئمة الحديث وتصرفهم أن المسند هو ما أضاف من سمع النبي إليه بسند ظاهر الاتصال قال فمن سمع أعم من أن يكون صحابيا أو تحمل في كفره وأسلم بعد النبي لكنه يخرج من لم يسمع كالمرسل والمعضل ويسند يخرج ما كان بلا سند كقول القائل من المنصفين قال رسول الله فإن هذا من قبيل المعلق وظهور الاتصال يخرج المنقطع لكن يدخل فيه الإنقطاع الخفي كنعنعة المدلس والنوع المسمى بالمرسل الخفي ونحوهما مما ظاهره الاتصال وقد تفتش فيوجد منقطعا واستشهد للأخير بأن لفظ الحاكم المسند ما رواه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه ليس يحتمله وكذلك سماع شيخه من شيخه متصلا إلى صحابي مشهور إلى رسول الله وفيه نظر

فالظاهر أن قوله ليس يحتمله يخرج عنعنة المدلس خصوصا وقد صرح الحاكم بعد باشتراط عدم التدليس في رواته

ولكن الواقع أن أصحاب المسانيد من الأءمة لا يتحامون فيها تخريج معنعنات المدلسين ولا أحاديث من ليس له من النبي إلا مجرد الرؤية من غير تكبير بل عبادة الخطيب واتصال الإسناد فيه أن يكون كل واحد من رواته سمعه ممن فوقه حتى ينتهي إلى آخره إن لم يبين في السماع بل اقتصر على العنعنة


107
المتصل والموصول
( وإن تصل بسند منقولا
فسمه متصلا موصولا )
( سواء الموقوف والمرفوع
ولم يروا أن يدخل المقطوع )
* * *

وقدم على ما بعده نظرا لوقوعه على المرفوع ( وأن تصل ) أيها الطالب ( بسند ) أي وإن ترو بإسناد متصل منقولا قسمه متصلا وموصولا وكذا مؤتصلا بالفك والهمزة كما هي عبارة الشافعي في مواضع من الأم وعزاها إليه البيهقي وقال ابن الحاجب في تصريفه إنها لغته فهي مترادفة ( سواء ) في ذلك حيث اتصل إسناده ( الموقوف ) على الصحابة والمرفوع إلى النبي فخرج بقيد الآتصال المرسل والمنقطع والمعضل والمعلق وكذا معنعن المدلس قبل تقين سماعه ولم يروا أن يدخل المقطوع الذي هو كما سيأتي قيبا قول التابعي ولو اتصل إسناده التننافر بين لفظ القطع والوصل هذا عند الإطلاق كما يشير إليه قول ابن الصلاح ومطلقه أي المتصليقع على المرفوع والموقوف أما مع التقييد فهو جائز بل أيضا في كلامهم

يقولون هذا متصل إلى سعيد بن المسيب أو إلى الزهري أو إلى مالك ونحو قلت


108
الموقوف
( وسم بالموقوف ما قصرته
بصاحب وصلت أو قطعته )
( وبعض أهل الفقه سماة الأثر
وإن تقف بغيرة قيد تبر )
* * *

وقدم على ما بعده لاختصاصه بالصحابي ( وسم ) أيها الطالب بالموقوف ما قصته بصاحب أي على صابي قولا له وفعلا أو نحوهما مما لا قرينة فيه للرفع سواء ( وصلت ) السند بذلك أو قطعته وشذ الحاكم فاشترط عدم الانقطاع واختلافه فيه هل يسمى خبرا أم لا فمقتضى القول المرجوح لعدم مرادفة الخبر للحديث وإن الخبر ما جاء عن غير النبي الأول وبعض أهل الفقه من الشافعية سماه الأثر بل حكاه أبو القاسم الغوراني من الخرسانيين عن الفقهاء وأطلق فإنه قال الفقهاء يقولون الخبر ما كان عن النبي ولأثر ما يروى عن الصحابة انتهى

وظاهر تسمية البهيقي كتابه المشتمل عليهما بمعرفة السنن والآثار معهم وكان سلفهم فيه إمامهم فقد وجد ذلك في كلامه كثيرا واستحسنه بعض المتأخرين قال لأن التفاوت في المراتب يقتضي التفاوت في المترتب عليها فيقال لما نسب لصاحب الشرع الخبر وللصحابة الأمر وللعلماء القول والمذهب


109

ولكن المحدثونكما عزاه إليهم النووي في كتابيه يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف

وظاهر تسمية الطحاوي لكتابه المشتمل عليهما شرح معاني الآثار معهم وكذا أبو جعفر الطبري في تهذيب الآثار له إلا أن كتابه اقتصر فيه على المرفوع وما يورده فيه من الوقوف فبطريق التبعية بل في الجامع للخطيب من حديث عبد الرحيم بن حبيب الفاريابي عن صالح بن بيان عن أسد بن سعيد الكوفي عن جعفربن محمد عن أبيه عن جده مرفوعا ما جاء عن الله فهو فيضة وما جاء عني فهو حتم وفريضة وما جاء عن أصحابي فهو سنة وما جاء عن اباعهم فهو أثر وما جاء عمن دونهم فهو بدعة

قال شيخنا وينظر في سنده فإنني أظن أنه باطل

قلت بل لا يخفى بطلانه على أحد أتباعه فالفاريابي رمى بالوضع وفي ترجمته أورده الذهبي في الميزان واللذان فوقه قال المستغفري في كل منهما يروى العجائب وينفرد بالمناكير

وأصل ما ظهر من مشى الشخص على الأرض

قال زهير

( والمرء ما عاش ممدود له الأثر
لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر )

ثم إنه لا اختصاص في الموقوف بالصحابي بل ولو أضيف المروي للتابعي وكذا لمن بعده كما اقتضاه كلام ابن الصلاح بسماع تسميته موقوفا ( و ) لكن أن تقف بغيره أي على غير الصحابي وفي بعض النسخ بتابعي والأول أشمل فقيد ذلك بقولك موقوف على فلان تبرأ أي يزكو عملك ولا ينكر


110
المقطوع
( وسم بالمقطوع قول التابعي
وفعله قد رأى للشافعي )
( تعبيرة به عن المنقطع
قلت وعكسه اصطلاح البردي )
* * *

ويجوز في جمعه المقاطيع والمقاطع بإثبات التحتانية وحذفها اختيارا كالمسانيد والمراسيل لكن المنقول في مثل المقاطيع عن البصريين الجرمي الإثبات جزما والجرمي مع الكوفيين في جواز الحذف واختاره ابن مالك وسم بالمقطوع قول التابعي وفعله حيث لا قرينة للرفع فيه كالذي قبله ليخرج ما هو بحسب اللفظ قول تابعي أو صحابي ويحكم له بالرفع للقرينة كما سيأتي قريبا في سادس الفروع

وبذلك يندفع منع إدخالهما في أنواع الحديث بكون أقوال الصحابة والتابعين ومذاهبهم لا مدخل لها فيه بل قال الخطيب في جامعه إنه يلزم كتبها والنظر فيها ليتخير من أقوالهم ولا يشذ عن مذاهبهم

قلت لا سيما وهي أحد ما يعتضد به المرسل وربما يتضح بها المعنى المحتمل من المرفوع

وقال الخطيب في الموقوفات على الصحابة جعلها كثير من الفقهاء بمنزلة المرفوعات إلى النبي في لزوم العمل بها وتقديما على القياس


111
وإلحاقها بالسنن انتهى

ومسألة الاحتجاج بالصحابي مبسوطة في غير هذا المحل ثم إن شيخنا أدرج في المقطوع ما جاء عن دون التابعي وعبارته ومن دون التابعي من أتباع التابعين فمن بعدهم فيه أي في الإسم بالمقطوع مثله أي مثل ما ينتهي إلى التابعي وقد رأى أي ابن الصلاح للشافعي رحمه الله تعبيره به أي بالمقطوع عن المنقطع أي الذي لم يتصل إسناده ولكنه وإن كان سابقا حدوث الاصطلاح فقد أفاد ابن الصلاح أنه رأى ذلك أيضا في كلام الطبراني وغيره ممن تأخر يعني كالدارقطني والحميدي وابن الحصار فالتعبير بالمقطوع في مقام المنقطع موجود في كلامهم أيضا

قلت وعكسه أي عكس ما للشافعي ومن معه ( اصطلاح ) الحافظ الثقة أبي بكر أحمد بن هارون بن روح البرديجي البردعي بإهمال داله نسبة لبردعة بلدة من أقصى بلاد آذربيجان بينها وبين برديجة اربعة عشر فرسخا المتوفى في رمضان سنة إحدى وثلاثمائة حيث قال في جزء له لطيف تكلم فيه على المنقطع والمرسل المنقطع هو قول التابعي وهذا وإن حكاه ابن الصلاح فإنه لم يعين قائله بل قال كما سيأتي في المنقطع

وحكى الخطيب عن بعض أهل العلم بالحديث أن المنقطع ما وري عن التابعي أو من دونه موقوفا عليه من قوله أو فعله وحينئذ فهو أعم

ولكن قال ابن الصلاح إنه غريب بعيد وشبه أن يكون سلف شيخنا فيما أسلفته عنه قريبا


112
فروع
( قول الصحابي من السنه أو
نحو أمرنا حكمه الرفع ولو )
( بعد النبي قاله بأعصر
على الصحيح وهو قول الأكثر )
( وقوله كنا نرى إن كان مع
عصر النبي من قبيل ما رفع )
( وقيل لا أو لا فلا كذاك له
وللخطيب قلت لكن جعله )
( مرفوعا الحاكم والرازي
ابن الخطيب وهو القوي )
* * *

سبعة حسن إيرادها بعد الإنتهاء من كل من المرفوع والموقوف

أحدها وقدم على غيره مما يصدر عن الصحابي لقربه إلى الصراحة قول الصحابي رضي الله عنه ومن السنة كذا كقول علي رضي الله عنه من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة أو نحو أمرنا بالبناء للمفعول كأمر فلان وكنا نؤمر بلا إضافة ونهينا كقول أم عطية رضي الله عنها أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور وأمر الحيض أن يعتزلن مصلي المسلمين ونهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا وأبيح أو رخص لنا أو حرم أو أوجب علينا كل ذلك مع كونه موقوفا لفظا وحكمة الرفع ولو بعد وفاة النبي قاله بأعصر فضلا عن كونه يسيرا وفي زمنه


113
في الزمن النبوي في أمرنا أبعد عن الاحتمال فيما يظهر

ويساعده تصريح بعض أئمة الأصول بقوة الاحتمال في السنة لكثرة استعمالها في الطريقة وسواء قاله في محل الاحتجاج أم لا تأمر عليه غير النبي أم لا كبيرا كان أو صغيرا

وإن لم أر تصريحهم به في الصغير فهو محتمل ويمكن إخراجه من تقييد الحاكم الصحابي لمعروف الصحبة وكذا من التفرقة بين المجتهد وغيره كما سيأتي وما تقدم في المسألتين هو على صحيح عند المحدثين والفقهاء والأصوليين

ونص الشافعي في الأم في باب عددكفن الميت بعد أن ذكر ابن عباس والضحاك بن قيس وابن عباس والضحاك رجلان من أصحاب النبي لايقولان السنة إلا سنة رسول الله

على أن البهيقي قد جزم بنفي الخلاف عن أهل النقل فيهما وإنه مسند يعني مرفوع

وكذا شيخنا الحاكم حيث قالفي الجنائز من مستدركه أجمعوا على أن قول الصابي من السنة كذا حديث مسند وقال في موضع آخر إذ قال الصحابي أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا أو كنا نفعل كذا أو نتحدث كذا فإني لا أعلم بين أهل النقل خلافا فيه أنه مسند

وممن حكى الاتفاق أيضا لكن في السنة ابن عبد البر والحق ثبوت الخلاف فيهما نعم قيد ابن دقيق العيد محل الخلاف بما إذا كان المأمور به يحتمل التردد بين شيئين أما إذا كان مما لامجال للاجتهاد فيه كحديث أمر بلال أن يشفع الأذان فهو محمول على الرفع قطعا

وممن ذهب إلى خلاف ما حكيناه فيهما من الشافعية أب بكر الصيرفي


114
صاحب الدلائل ومن الحنفية أبو الحسن الكرخي وفي السنة فقط الشافعي في أحد قوليه من الجديد كما جزم الرافعي بحكايتهما عنه ورجحه حماعة بل حكاه إمام الحرمين في البرهان عن المحققين

ومن الحنفية أبو بكر الرازي وابن حزم من الظاهرية وبالغ في إنكار الرفع مستدلا بقول ابن عمر رضي الله عنهما أليس حسبكم سنة نبيكم أن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا قال لأنه لم يقع منه إذ مد ما ذكره ابن عمر بل حل حيث كان بالحديبية وكذا من أولتهم لمنع الرفع استلزامه ثبوت سنة للنبي بأمر محتمل إذ يحتمل إرادة سنة غيره من الخلفاء فقد سماها النبي سنة في قوله عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين أو سنة البلد وهي الطريقة ونحو ذلك

ونحوه تعليل الكرخي لأمرنا فإنه متردد بين كونه مضافا إلى النبي صلى الله عليه وسلمأو إلى أمر القرآن أو الأمة أو بعض الأئمة أو القياس والاستنباط وسوغ إضافته إلى صاحب الشرع يعني لكونه صاحب الأمر حقيقة بناء على أن القياس مأمور باتباعه من الشارع

قال وهذه احتمالات تمنع كونه مرفوعا وفي أمرنا فقط كما قال ابن الصلاح فريق منهم أبو بكر الإسماعيلي وخص ابن الأثير كما في مقدمة جامع الأصول له نفي الخلاف فيها بأب بكر الصديق رضي الله عنه خاصة إذ لم يتأمر عليه أحد غير النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره فقد تأمر عليهم أبو بكر وغيره من الأمراء في زمنه ووجب عليهم امتثال أمره فطرقه الاحتمال الناشىء عنه الاختلاف

ونحوه قول غيره في أمر بلال أن يشفع الأذان أنه نظر فلم يجد أحد تأمر عليه في الآذان غير النبي فتمخص أن يكون هو الآمر


115

ويتأيد بالرواية المصرحة بذلك وكذا قال آخر ينبغي أن يقيد الاختلاف فيهما بما إذا كان في غير محل الاحتجاج أما في محل الاحتجاج فإن المجتهد لا يقلد مثله فلا يريد بالسنة و بالأمر والنهي إلا من له ذلك حقيقة لكن الأول هو الصحيح في هما كما تقدم وهو قول الأكثر من العلماء إذ هو المتبادر إلى الذهن من الإطلاق لأن سنة النبي أصل وسنة غيره تبع لسنته وكذلك الأمر والنهي لا ينصرف بظاهره إلا لمن هو الشارع وأمر غيره تبع فحمل كلامهم على الأصل أولى خصوضا والظاهر أن مقصود الصحابة بيان الشرع

وقال ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول في أبيح وما بعدها يقوي في جانبه أن لا يكون مضافا إلا إلى النبي لأن هذه الأمور له دون غيره قال ولا يقال أوجب الإمام إلا على تأويل

واستدلال ابن حزم الماضي للمنع بقول ابن عمر ممنوع بأنه لا انحصار لمسنده في الفعل حتى يمنع إرادة ابن عمر بالسنة الرفع في من صد عن الحج ممن هو بمكة بقصة الحديبية التي صد فيها عن دخولها بل الدائرة أوسع من القول أو الفعل أو غيرهما ويتأيد بإضافته السنة إلى ,

وكذا ما أبداه الكرخي من الاحتمالات في المنع أيضا بعيد كما قاله شيخنا فإن أمر الكتاب ظاهر للكل فلا يختص بمخعرفته الواحد دون غيره وعلى تقدير التنزل فهو مرفوع لأن الصحابي وغيره إنما تلقوه عن النبي وأمر الأمة لايمكن الحمل عليه لأن الصحابي من الأئمة وهو لا يأمرنفسه

وأمر بعض الأئمة إن أراد من الصحابة مطلقا فبعيد لأن قوله ليس حجة على غيره منهم وإن أراد من الخلفاء فكذلك لأن الصحابي في مقام تعريف الشرع بهذا الكلام والفتوى فيجب حمله على من صدر منه الشرع وبالجملة فهم من حيث أنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر إلا أن يكون القائل


116
ليس من مجتهدي الصحابة

فيحتمل ألا نه يريد بالآمر أحد المجتهدين منهم

وحمله على القياس والاستنباط بعيد أيضا لأن قوله أمرنا بكذا يفهم منه حقيقه الأمر والنهي لاخصوص الأمر باتباع القياس وما قاله ابن الأثير في الصديق فهو كما قال شيخنا وغيرة مقبول وإن تأمر عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل على جيش فيه الشيخان أرسل بهما النبي في صدد وأمر عليه أبا عبيده بن الجراح فلما قدم بهم على عمر وصار الأمير بل كان أبو عبيده أمير سريه الخبط على ثلاثمائه من المهاجرين والأنصار فيهم عمر وأظن أبا بكر أيضا

وكذا تأمر أسامه بن زيد على جيش هما فيه وأبو عبيده وخلق المهاجرين والأنصار وتوفي قبل خروجه فأنفذه أبو بكر بعد أن استحلف امتثالا لوصيه رسول الله

وقيل ان أبا بكر سأل أسامه أن يأذن لعمر في الإقامه فأذن له وفي شرحها طول

وبالجمله فقد ثبت أن كلا من أبي عبيده وعمو وأسامه تأمر عليهما وصار ذلك أحد الأدله في ولايه المفضول على الفاضل أو بحضرته فطروق الاحتمال فيه بعيد جدا وما قيل في بلال ليس بمتفق عليه فلأن أبي شبيه وابن عبد البر أنه أذن لأبي بكر مده خلافته ولم يؤذن لعمر نعم هو مقتضى قول مالك لم يأذن لغير النبي صلى اللع عليه وسلم سوى مرة لعمر حين دخل الشام فبكى الناس بكاءا شديدا ومن أدله الأكثرين سوى ما تقدم مارواة البخاري في صحيحه عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر أن الحجاج عام نزل بابن الزبير سأل عبد الله يعني ابن عمر رضي الله عنهما عنه كيف تصنع في الموقف يوم عرفه ? فقال سالم إن كنت تريد السنه فهجر بالصلاة يوم عرفه فقال ابن


117
عمر صدق إنهم كانوا يجمعون بين الظهر والعصر في السنه

قال الزهري فقلت لسالم أفعله رسول الله فقال وهل متبعون في ذلك إلا سنته انتهى

وكل سلف فيما إذا لم يضف السنة إلى النبي فلو أضافها كقول عمر للصبي بن معبد هديت لسنة نبيك للمقتضى كلام الجمهور السابق الدفع بل أولى وابن حزم يخالف فيه كما تقدم بل نقل أبو الحسين ابن القطان عن الشافعي أنه قال قد يجوز أن يراد بذلك ما هو الحق من سنة النبي

وجزم البلقيني في محاسنه بأنها على مراتب في احتمال الوقف قربا وبعدا فأرفعها مثل قول ابن عباس الله أكبر سنة أبي القاسم ودونها قول عمرو بن العاص لا تلبسوا علينا سنة نبينا عدة أم الولد كذا ودونها قول عمر لعقبة بن عامر اصبت السنة إذ الأول أبعد احتمالا والثاني أقرب اتمالا والثالث لا إضافة فيه انتهى

وقال غيره في قول عمرو بن العاص قال الدارقطني الصواب فيه لا تلبسوا علينا وبيننا موقوف فدل قوله هذا على أن الأول مرفوع أما إذا صرح بالأمر كقوله أمرنا رسول الله بكذا أو سمعته يأمر بكذا فهو مرفوع بلا خلاف لانتفاء الاحتمال السابق لكن حكى القاضي ابو الطيب الطبري وتلميذه ابن الصباغ في العدة عن داود الظاهري وبعض التكلمين إنه لايكون حجة ابن الصباغ في العدة عن داود الظاهري وبعض المتكلمين إنه لا يكون حجة حتى ينقل لفظه لاختلاف الناس في صيغ الأمر والنهي فيحتمل أن يكون سمع صيغة ظنها أمرا أو نهيا وليست كذلك في نفس الأمر

وقال الشارح إنه ضعيف مردود ثم وجهه بما له وجه في الجملة ووجهه غيره يجوز أن نحو هذا من الرواية بالمعنى وهم ممن لا يجوزها

وأما شيخنا فرده أصلا فيما نقله عن غيره حيث قال وأجيب بأن الظاهر


118
من حال الصحابي مع عدالته ومعرفته بأوضاع اللغة أنه لا يطلق ذلك إلا فيما تحقق أنه أمر أو نهي من غير شك نفيا للتلبيس عنه بنقل ما يوجب على سامعه إعتقاد الأمر والنهي فيما ليس هو أمر ولا نهي

تتمة قول الصحابي إني لأشبهكم صلاة بالنبي وما أشبه كلأ قربن لكم صلاة النبي كله مرفوع وهل ملتحق التابعي بالصحابي في من السنة أو أمرنا سيأتي في خامس الفروع وقول النبي أمرت هو كقوله أمرني الله لأنه لا آمر إلا الله كما سيأتي نظيره في يرفعه ويرويه وأمثلته كثيرة

فمن المتفق عليه أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب ومن غيره أمرنا أن نضع أيماننا على شمائلنافي الصلاة

والحاصل أن من اشتهر بطاعة كبير إذا قال ذلك فهم منه أن الآمر له هو ذلك الكبير والله أعلم

والفرع الثاني ( قوله ) أي الصحابي كنا نرى كذا أو نفعل كذا أو نقول كذا أو نحو ذلك وحكمه أنه إن كان ذلك مع ذكر عصر النبي كقول جابر كنا نعزل على عهد رسول الله أو كنا نأكل لحوم الخيل على عهد رسول الله وقول غيره كنا لا نرى بأسا بكذا ورسول الله فينا أو كان يقال كذا وكذا على عهده أو كانوا يفعلون كذا وكذا في حياته إلى غيرها من الألفاظ المفيدة للتكرار والاستمرار

فهو وإن كان موقوفا لفظا من قبيلما رفع الصحابي بصريح الإضافة كما ذهبت إليه الجمهور من المحدثين وغيرهم وقطع به الخطيب ومن قبله الحاكم كما سيأتي

ومن الأصوليين الإمام فخر الدين وأتباعه وعللوه بأن غرض الرازي بيان الشرع وذلك يتوقف على علم النبي صلى الله عليه وسلموعدم إنكاره قال ابن الصلاح


119
وهو الذي عليه الاعتماد لأن ظاهر ذلك مشعر بأنه أطلع عليه وقدرهم وتقريره كقوله وفعله قال الخطيب ولو علم الصحابي إنكارامنه في ذلك لبينه قال شيخنا ويدل له احتجاج أبي سعيد الخدري على جواز العزل بفعلهم له في زمن نزول الوحي فقال كنا نعزل والقرآن ينزل لو كان شيء ينهي عنه لنى عنه القرآن وهو استدلال واضح لأن الزمان زمانه تشريع

وكذا يدل له مجيء بعض ما أتى ببعض هذه الصيغ بصريح الرفع وقيل لا يكون مرفوعا حكاه ابن الصلاح عن البرقاني بلاغا أنه سأل الإسماعيلي عنه فأنكر أن يكون مرفوعا كما خالف في نحو أمرنا يعني بل هو موقوف مطلقا قيد أم لا بخلاف القول الأول فهو مفصل فإن قيد بالعصر النبوي كما تقدم فمرفوع ( أولا ) أي وإن لم يقيد ( فلا ) يكون مرفوعا كذلك له أي لابن الصلاح حيث جزم به ولم يحك فيه غيره ( و ) كذا للخطيب أيضا في الكفاية كما زاده الناظم مع أنه قد فهم عن مشترطي القيد في الرفع وهم الجمهور كما تقدم القول به

ولذلك قال النووي في شرح مسلم وقال الجمهور من المحدثين وأصحاب الفقه والأصول إن لم يضفه فهو موقوف قلت لكن قد جعله أي هذا اللفظ لم يقيد بالعصر النبوي مرفوعا الحاكم أبو عبد الله النيسابوري وعبارته في علومه ومنه أي ومما لم يصرح فيه بذكر الرسول قول الصحابي المعروف بالصبحة أمرنا أن نفعل كذا ونهينا عن كذا وكذا نؤمر بكذا وكذا انتهى عن كذا وكذا نفعل كذا وكذا نقول ورسول الله فينا كذا وكنا لا نرى بأسا بكذا وكان يقال كذا وكذا وقول الصحابي من السنة كذا وأشباه ما ذكرناه إذا قاله الصحابي المعروف بالصحبة فهو حديث مسند أي مرفوع

وكذا جعله مرفوعا الإمام فخر الدين الرازي نسبة بإلحاق الزاي للري مدينة مشهورة كبيرة من بلاد الديلم بين قومس والخيال صاحب التفسير


120
والمحصول ومناقب الشافعي وشرح الوجيز للغزالي وغيرها وأحد الأئمة وهو أبو عبد الله وأبو الفضائل محمد بن الخطيب بالري تلميذ محي السنة البغوي الإمام ضياء الدين عمر بن الحسين بن الحسن بن علي القرشي البكري التيمي الشافعي توفي بهراة في سنة ست وستمائة عن ثلاث وستين سنة كما نص على ذلك في المحصول

ولم يفرقا بين المضاف غيره وحينئذ فعن الفخر في المسألة قولان

وقال ابن الصباح في العدة إنه الظاهر قال الناظم تبعا للنووي في شرح المهذب ( وهو القوي ) يعني من حديث المعنى زاد النووي انه ظاهر إستعمال كثير من المحدثين والصحابة في كتب الفقه وإعتمده الشيخان في صحيحهما وأكثر منه البخاري

قلت ومما خرجه من أمثلة المسألة حديث سالم بن أبي الجعد عن جابر كنا اذا صعدنا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا

وبتأيد القول بالرفع بإبراد النسائي له من وجه آخر عن جابر قال كنا نسافر مع رسول الله ( فإذا صعدنا وذكره فتحصل في المسألة ثلاثة أقوال الرفع مطلقا الوقوف مطلقا التفصيل

وفيها رابع أيضا وهو التفصيل بين أن يكون ذلك الفعل مما لا يخفى غالبا فمرفوع ويخفى كقول بعص الأنصار كنا نجامع فنكسل ولا نغتسل فموقوف وبه قطع الشيخ أ [ و إسحق الشيرازي وكذا قاله ابن السمعاني وحكاه النووي في شرح مسلم عن آخرين

وخامس وهو أنه إن أورده في معرض الإحتجاج فمرفوع وإلا فموقوف حكاه القرطبي

وسادس وهو أنه إن كان قائله من أهل الإجتهاد فموقوف وإلا فمرفوع


121

وسابع وهو الفرق بين كنا نرى وكنا نفعل بأن الأول مشتق من الرأي فيحتمل أن يكون مستنده تنصيصا واستنباطا

وتعليل السيف الآمري وأتباعه كون كنا نفعل ونحوه حجة بأنه ظاهر في قول كل الأئمة لا يحسن إدراجهم مع القائلين بالأول كما فعل الشارح لاختلاف المدركين

وكل ما اوردناه من الخلاف حيث لم يكن في القصة إطلاعه

أما إذا كان كقول ابن عمر كنا نقول ورسول الله حي أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان ويسمع ذلك رسول الله فلا ينكره فحكمه الرفع إجماعا

ثم إن النفي كالإثبات فيما تقدم كما علم من التمثيل ولذلك مثل ابن الصباغ للمسألة بقول عائشة كانت اليد لا تقطع في الشيء التافه

لكن حديث كان باب المصطفى ( يقرع ) من الصحابة ( بالأظفار ) تأدبا وإجلالا له كما عرف ذلك منهم في حقه وإن قال السهيلي إنه لأن بابه الكريم لم يكن له حلق يطرق بها مما وقفا حكما أي حكمة الوقف لدى أي عند الحاكم فإنه قال بعد أن أسنده كما سيأتي هذا حديث يتوهمه من ليس من أهل الصنعة مسند الذكر لرسول الله وليس بمسند فإنه موقوف على صحابي حكى عن أقرانه من الصحابة فعلا وليس يسنده واحد منهم ( و ) كذا عند ( الخطيب ) أيضا في جامعه نحوه

وإن أنكر البلقيني تبعا لبعض مشايخه وجوده فيه فعبارته في الموقوف الخفي الذي ذكر من أمثلته هذا الحديث نصها قد يتوهم أنه هو مرفوع لذكر النبي وإنما هو موقوف على صحابي حكى فيه عن غير النبي فعلا وذلك متعقبه عليهما ( والرفع ) في هذا الحديث ( عند الشيخ ) ابن الصلاح ذو تصويب قال والحاكم معترف يكون ذلك من قبيل المرفوع يعني لأنه جنح الى الرفع في غير المضاف فهو هنا أولى لكونه كما قال ابن الصلاح أحرى وبإطاعه


122

قال وقد كنا عددنا هذا فيما أخذنا عليه ثم تأولناه له على أنه أراد أنه ليس بمسند لفظا بل هو موقوف كسائر ما تقدم وإنما جعلناه مرفوعا من حيث المعنى انتهى

وهو جيد وحاصله كما قال شيخنا إن له جهتين جهة الفعل وهو صادر من الصحابة فيكون موقوفا وجهة التقرير وهو مضاف إلى النبي من حيث أن فائدة قرع بابه أنه يعلم أنه قرع ومن لازم علمه بكونه قرع مع عدم إنكار ذلك على فاعله التقريع على ذلك الفعل فيكون مرفوعا لكن يخدش فيه أنه يلزم منه أِ يكون جميع قسم التقرير بجوز أن يسمى موقوفا لأن فاعله غير النبي قطعا وإلا فما إختصاص حديث القرع بهذا الإطلاع

قلت والظاهر أنه يلتزمه في غير التقرير الصريح كهذا الحديث وغيره لا يلزمه ويستأنس له بمنع الإمام أحمد وابن مبارك من رفع حديث حذف السلام ينة كما سيأتي في آخر هذه الفروع على أنه يحتمل أن الحاكم ترجح عنده إحتمال كون القرع بعده بِأن الإستئذان في حياته كان ببلال أو برباح أو بغيرهما وربما كان بإعلام المرء بنفسه بل في حديث يسر بن سعيد عن زيد بن ثابت إحتجز النبي في المسجد حجرة وفيه أنه لم يخرج إليهم ليلة قال فتنحنحنوا ورفعوا أصواتهم وحصبوا بابه ولم يجيء في خبر صريح الإستئذان عليه بالقرع وإن فائدة ذكر القرع مع كونه بعده ما تضمنه من إستمرارهم على مزيد الأدب بعده إذ حرمته ميتا كحرمته حيا وإذا كان كذلك فهو موقوف مطلقا فالله أعلم

والحديث المشار إليه أخرجه الحاكم في علومه وكذا في الأماني كما عزاه إليها البيهقي في مدخله حيث أخرجه عن راو ورواه أبو نعيم في


123
المستخرج على علوم الحديث له عن راو أخر كلاهما عن أحمد بن عمرو الزيبقي بالزاي المكسورة المشددة ثم تحتانية عن زكريا بن يحيى المنقري عن الأصمعي عن كيسان مولى هشام بن حسان في رواية أبي نعيم عن هشام بن حسان وفي رواية الأخرين عن محمد بن حسان زاد البيهقي هو آخر هشام بن حسان وهو حسن الحديث

ثم إتفقوا عن محمد بن سيرين زاد أبو نعيم في روايته عن عمرو بن وهب ثم إتفقوا عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال كان أصحاب رسول الله يقرعون بابه بالأضافير

وفي الباب عن أنس أخرجه الخطيب في جامعه من طريق أبي غسان مالك ابن اسماعيل النهدي وضرار بن صرد شيخ حميد بن الربيع فيه كلاما عن المطلب ابن زياد الثقفي ثم افترقا ففي رواية أبي غسان أخبرني أبو بكر بن عبد الله الأصبهاني عن محمد بن مالك بن المنتصر وفي رواية حميد بن عمر بن سويد يعني العجلي كلاهما عن أنس بن مالك قال كان باب رسول الله يقرع بالآظافير لفظا حميد ولفظ الآخر كانت أبواب النبي والباقي سواء وكذا أخرجه البخاري في الأدب المفرد والتاريخ عن أبي غسان والبزار في مسند عن حميد بن الربيع عن ضراريه ( وأما عد ما فسره الصحابي ) الذي شاهد الوحي والتنزيل من أي القرآن ( رفعا ) أي مرفوعا كما فعل الحاكم وعزاه للشيخين وهو الفرع الثالث ( فمحمول على الأسباب ) للنزول ونحوها مما لا مجال للرأي فيه لتصريح الخطيب فيها بقوله في حديث جابر الآتي قد يتوهم أنه موقوف وإنما هو مسند لأن الصحابي الذي شاهد الوحي إذا أخبر عن آية نزلت في كذا كان مسندا وتبعه ابن الصلاح وقيد به إطلاق الحاكم وانما كان كذلك لأن من التفسير مما ينشأ عن معرفة البلاغة واللغة كتفسير مفرد بمفرد أو يكون متعلقا بحكم شرعي ونحو ذلك مما للرأي فيه


124
مجال فلا يحكم لما يكون من هذا القبيل بالرفع لعدم تحتم إضافته إلى الشارع

أما اللغة والبلاغة فلكونهم في الفصاحة والبلاغة بالمحمل الرفيع

وأما الأحكام فلاحتمال أن يكون مستفادا من القواعد بل هو معدود في الموقوفات

ومنه وهو المرفوع ما لا تعلق للسان ( سقط ص ) به ولا مجال للرأي فيه كتفسير أمر مغيب من أمر الدنيا أو الآخرة أو الجنة أو النار وتعيين ثواب أو عقاب ونحو ذلك من سبب نزول كقول جابر كانت اليهود تقول من أتى امرأته من دبرها في قلبها جاء الولد أحول فأنزل الله ( نساءكم حرث لكم ) ' 1 الآية

على أنه قد يقال إنه يكفي في تسويغ الأخبار بالسبب البناء على ظاهر الحال كما لو سمع من الكفار كلاما ثم أنزل الله تعالى ما يناقضه إذ الظاهر أنه نزل ردا عليهم من غير احتياج إلى أن يقول له النبي هذا أنزل بسبب كذا فقد وقع الأخبار منهم بالكثير بناء على ظاهر الحال ومن ذلك قول الزبير رضي الله عنه في قصة الذي خاصمه في شراج الحرة إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ' 2 وهو وإن كانفي بعض الروايات جزم الزبير ذلك فالراجح الأول وإنه كان لا يجزم به وإذا كان كذلك فطرقه الاحتمال

وأما التقييد في قائل ما لامجال للرأي فيه بكونه ممن لم يعرف بالنظر في


125
الكتب القديمة فسيأتي في سادس الفروع ( و ) الفرع الرابع وآخرلصدور ألفاظه عمن دون الصحابي ( قولهم ) أي التابعي فمن دونه بعد ذكر الصحابة ( يرفعه ) أو رفعه أو مرفوعا كحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس الشفاء في ثلاثشربة عسل وشرطه محجم وكيه نار وأنهى أمتي عن الكي رفع الحديث

وكذا قولهم ( يبلغ به ) أو ( رواية ) أو يرويه كحديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة يبلغ به الناس تبع لقريش وبه عن أبي هريرة رواية تقاتلون قوما صغار الأعين وكحديث سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رواية الفطرة خمس أو ينميه بفتح أوله وسكون النون وكسر الميم كحديث مالك عن أبي حازم عن سهيل بن سعد قال كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة قال أبو حازم لاأعلم إلا أنه ينمي ذلك وكذا قولهم يسنده أو يأثره مما الحاصل عليه وعلى العدول عن التصريح بالإضافة أما الشك في الصيغة التي سمع بها أهي ( قال رسول الله ) ( أو نبي الله ) أو نحو ذلك كسمعت أو حدثني وهو ممن لا يرى الإبدال كما أفاد حاصله المنذري أو طلبا للتخفيف وإثارا للاختصار أو للشك في ثبوته كما قالهما شيخنا أو ورعا حيث علم أن المؤدي بالمعنى ( رفع ) أي مرفوعبلا خلاف كما صرح به النووي واقتضاه قول ابن الصلاح

وكل هذا وأمثاله كناية عن رفع الصحابي الحديث إلى رسول الله و حكم ذلك عند أهل العلم حكم المرفوع صريحا انتهى

ويدل لذلك مجيء بعض المكني به بالتصريح ففي بعض الروايات لحديث الفطرة خمس يبلغ به النبي وفي بعضها قال رسول الله وفي بعضها لحديث سهل ينمى إلى النبي وفي بعضها قال مالك


126
ينمي أي يرفع الحديث والاسطلاح في هذه اللفظة موافق للغة قال أهلها نميت الحديث إلى غيري نميا إذا أسندته ورفعته وكذا في قوله وأنهى أمتي عن الكي دليل لذلك ( فانبت ) لهذه الألفاظوما أشبهها مما الاصطلاح عن الكناية بها عن الرفع

تتمة وقع في بعض الأحاديث قول الصحابي عن النبي يرفعه وهو في حكم قوله عن الله عز وجل وأمثلته كثيرة منها حديث حسن أن المؤمن عندي بمنزلة كل خير يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه وهذا من الأحاديث الإلهية وقد جمع منها ابن المفضل الحافظ طائفة وأفردها غيره وإن يقل واحد من الألفاظ المتقدمة في الفرع قبله من راو وعن تابع من التابعين

وهو الفرع الخامس وقدم على ما بعده لاشتراكه مع الذي قبله في أكثر صيغة وتوالي كلام ابن الصلاح فمرسل مرفوع بلا خلاف ولذا قال ابن القيم جزما ( قلت ) ومن السنة كذا ( عنه ) أي عن التابعي كقول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة التابعي السنة تكبير الإمام يوم الفطر ويوم الأضحى حين يجلس على المنبر قبل الخطبة تسع تكبيرات نقلوا تصحيح وقفه على الصحابي عن الوجهين اللذين حكاهما النووي في شروحه لمسلم والمهذب والوسيط لأصحاب الشافعي أهو موقوف متصل أو مرفوع مرسل وهو ممن صحح أيضا أولهما

وحينئذ فيفرق بينهما وبين ما قبلهما من صيغ هذا الفرع حيث اختلف الحكم فيهما بأن يرفغ الحديث تصريح بالرفع وقريب منه ما ذكر معها بخلاف من السنة فيطرقها احتمال إرادة سنة الخلفاء الراشدين فكثيرا ما يعبرون بها فيما يضاف إليهم وقد يريدون سنة البلد وهذا الاحتمال وإن قيل به في الصحابي فهو في التابعي أقوى ولذلك اختلف الحكم في الموضوعين كما


127
افترق فيما تقرر من التابعي نفسه نعم ألحق الشافعي رحمه الله بالصحابة سعيد بن المسيب عن الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال يفرق بينهما قال أبو الزناد فقلت سنة فقال سعيد سنة قال الشافعي والذي يشبه قول سعيد سنة أن يكون أراد سنة النبي

وكذا قال النبي المديني إذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به وحينئذ فهو مستثنى من التابعين كالمرسل على ما يأتي

أما إذا جاء التابعي كنا نفعل فليس بمرفوع قطعا ولا بموقوف إن لم يضفه لزمن الصحابة بل مقطوع فإن أضافه احتمل الوقف لأن الظاهر اصطلاحهم على ذلك وتقريرهم له ويحتمل عدمه لأن تقرير الصحابي لاينسب إليه بخلاف تقريره وذو احتمال للإرسال والوقف نحو أمرنا بالبناء المفعول بكذا إذا أتى ( منه ) أي التابعي للغزالي في المستصفى فإنه قال إذا قال التابعي أمرنا بكذا يحتمل أنه يريد أمر الشارع أو أمر كل الأمة فيكون حجة أو بعض ألصحابة فلا ومن ذلك ينشأ احتمالا الرفع والوقف

ولكن قوله فيكون حجة كأنه يريد في الجملة إن شمل الأول فإنه مرسل ثم إنه يصرح بترجيح واحد منهما نعم يؤخذ من كلامه ترجيح إرادة الرفع أو الإجماع وذلك أنه قال بعد قوله فلا لكن لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك إلا وهو يريد من تجب طاعته

وجزم أبو نصر بن الصباغ في العدة في أصول الفقه بأنه مرسل وحكي في سعيد بن المسيب هل يكن ما يأتي به من ذلك حجة وجهين وإما إذا قال التبعي كانوا يفعلون بكذا فلا يدل كما قال النووي في شرح مسلم تبعا للغزالي على فعل جميع الأمة بل على البعض فلا حجة فيه إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع فيكون نقلا لإجماع


128

وفي ثبوته بخبر الواحد خلاف والذي قاله أكثر الناس واختاره الغزالي أنه لا يثبت

وذهبت طائفة وهو اختيار الرازي إلى ثبوته وبه جزم الماوردي وقال وليس آكد من سنن الرسول وهي تثبيت به قال وسواء كان من أهل الاجتهاد أم لا أما إذا قال لا أعرف بينهم فيه خلافا فإن كان من أهل الاجتهاد فاختلف أصحابنا فأثبت الإجماع به قوم ونفاه آخرون وإن لم يكن من أهل الإجتهاد ولا ممن أحاط علما بالإجماع والاختلاف لم يثبت الإجماع بقوله ( و ) الفرع السادس وآخر هو الذي بعده لأنهما من الزيادات ما أتى عن صاحب من أصحاب رسول الله موقوفا عليه لكنه مما لا مجال للاجتهاد فيه بحيث لا يقال رأيا أي من قبل الرأي حكمة الرفع تحسينا للظن بالصحابي على ما قال الإمام فخر الين الرازي في المحصول نحو من أتى ساحرا أو عرافا فقد كفر بما أنزل على محمد المروي عن ابن مسعود رضي الله عنه ولم ينفرد بذلك فالحاكم الرافع لهذا أيضا اثبتا حيث ترجم عليه في علومه معرفة المسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله وأدخل معه في الترجمة كنا نفعل وكان يقال ونحو ذلك مما مضى بل حكى ابن عبد البر إجماعهم على أن قول أبي هريرة وقد رأى رجلا خارجا من المسجد بعد الآذان أما هذا فقد عصى أبا القاسم أنه مسند

وادخل في كتابه التقصي الموضوع لما في الموطأ من المرفوع يييعدة أحاديث ذكرها مالك في الموطأ موقوفة منها حديث سهل بن أبي خيثمة في صلوات الخوف

وصرحفي التمهيد بأنه لا يقال من جهة الرأي وقال أبو عمرو الداني قد يحكي الصحابي قولا يوقفه على نفسه فيخرجه أهل الحديث في المسند لامتناع أن يكون الصحابي قاله لايتوقف كحديث أبي صالح السمان عن أبي


129
هريرة أنه قال نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات فمثل هذا لا يقال من قبل الرأي فيكون من جملة المسند

وقال ابن العربي في القبس إذا قال الصحابي قولا يقتضيه القياس فإنه محمول على المسند إلى النبي ومذهب مالك وأبي حنيفة أنه كالمسند انتهى

وهو الظاهر من احتجاج الشافعي رحمه الله في الجديد بقول عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين حيث أعطاه حكم المرفوع لكونه مما لا مجال للرأي فيه وإلا فقد نص على أن قول الصحابي ليس بحجة

ومن أمثلة ذلك أيضا قول أبي هريرة ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله وقول عمار بن ياسر من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم

لكن قد جوز شيخنا في ذلك وما شبهه احتمال إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد بل يمكن أن يقال ذلك أيضا في الحديث الأول أما الساحر فلقوله تعالى ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله )

وأما العراف وهو المنجم فلقوله تعالى ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله ) ' 2 '

قال شيجنا لكن الأول يعني الحكم لها بالرفع أظهر انتهى

على أن حديث ابن مسعود وإن جاء من أوجه عنه بصورة الموقوف


130
فقدجاء من بعضها بالتصريح بالرفع ومن الأدلة للأظهر أن أبا هريرة رضي الله عنه حدث كعب الأحبار بحديث فقدت أمة من بني اسرائيل لا يدري ما فعلت فقال له كعب أأنت سمعت النبي يقوله فقال له أبو هريرة نعم وتكرر ذلك مرارا فقال له أبو هريرة أفأقرأ التوراة أخرجه البخاري في الجن من بدو الخلق من صحيحه

قال شيخنا فيه إن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب وإن الصحابي الذي يكون كذلك إذا أخبر بما لا مجال للرأي والإجتهاد فيه يكون للحديث حكم الرفع انتهى

وهذا يقتضي تقيد الحكم بالرفع لصدوره عن من لم يأخذ عن أهل الكتاب وقد صرح بذلك فقال في مسألة تفسير الصحابي الماضية ما نصه إلا أنه يستثنى من ذلك ما إذا كان الصحابي المفسر ممن عرف بالنظر في الإسرائيليات كعبد الله بن سلام وغيره من مسلمة أهل الكتاب وكعبد الله بن عمرو بن العاص فإنه كان حصل له في وقعة اليرموك كتب كثيرة من كتب أهل الكتاب فكان يخبر بما فيها من الأمور المغيبة حتى كان بعض أصحابه ربما قال له حدثنا عن النبي ولا تحدثناعن الصحيفة فمثل هذا لا يكون حكم ما يخبر به من الأمور النقلية الرفع لقوة الاحتمال ولم يتعرض لتجويزه السابق لكون الأظهر كما قال خلافه

وسبقه شيخه الشارح لهذا التقييد فإنه بعد أن نقل أن كثيرا ما يشنع ابن حزم في المحلي على القائلين بالرفع يعني في أهل المسألة قال وما ملخصه ولإنكاره وجه فإنه وإن كان مما لا مجال للرأي فيه يحتمل أن يكون ذاك الصحابي سمعه من أهل الكتاب ككعب الأحبار حين سمع منه العبادلة وغيرهم من الصحابة مع قوله حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج قلت وفي ذلك نظر فإنه يبعد أن الصحابي المتصف بالأخذ عن أهل الكتاب يسوغ


131
حكاية شيء من الأحكام الشرعية التي لا مجال للرأي فيها مستندا لذلك من غير عزو مع علمه بما وقع فيه من التبديل والتحريف بحيث سمي ابن عمرو بن العاص صحيفة النبوية الصادقة احتزازا عن الصحيفة اليرموكية ,

وقال كعب الأحبار حين سأل أبا مسلم الخولاني كيف تجد قومك لك قال مكرمين ما نصه ما صدقتني التوراة لأن فيها إذا ما من رجل حكيم في قوم إلا بغوا عليه وحسدوه وكونه في مقام تبيين الشريعة المحمدية كما قيل به في أمرنا ونهينا وكنا نفعل ونحو ذلك فحاشاهم من ذلك خصوصا وقد منع عمر رضي الله عنه كعبا من التحديث بذلك قائلا له لتتركنه أولا لحقنك بأرض القردة

وأصرح منه منع ابن عباس له ولو وافق كتابنا وقال إنه لا حاجة بنا إلى ذلك وكذا نهى عن مثله ابن مسعود وغيره من الصحابة بل امتنعت عائشة من قبول هداية رجل معللة المنع بكونه ينعت الكتب الأول ولا ينافيه حدثوا عن بني اسرائيل فهو خاص بما وقع فيهم من الحوادث والأخبار المحكية عنهم لما في ذلك من العبارة والعظة بدليل قوله تلوه في رواية فإنه كانت فيهم الأعاجيب

وما أحسن قول بعض أئمتنا هذا دال على سماعه للفرجة لا للحجة كما بسطت ذلك كله واضحا في كتابي الأصل الأصيل في الإجماع على تحريم النقل من التوراة والانجيل

إذا علم هذا فقد ألحق ابن العربي بالصحابة في ذلك ما يجيء عن التابعين أيضا مما لا مجال للاجتهاد فيه فنص على أنه يكون في حكم المرفوع وادعى أنه مذهب مالك قال وهذا أدخل عن سعيد بن المسيب صلاة الملائكة خلف المصلي انتهى

وقد يكون ابن المسيب اختص بذلك عن التابعين كما اختص دونهم


132
بالحكم في قوله من السنة وأمرنا والاحتجاج بمراسيله كما تقرر في أماكنه ولكن الظاهر أن مذهب مالك هنا التعميم وبهذا الحكم أجيب من اعترض في إدخال المقطوع والموقوففي علوم الحديث كما أشرت إليه في المقطوع ( و ) الفرع السابع ما رواه عن أبي هريرة بكسر تاء التأنيث رضي الله عنه محمد بن سيرين ( و ) رواه ( عنه ) أي ابن سيرين أهل البصرة بفتح الموحدة على المشهور ( وكر ) رأى ابن سيرين أو الراوي من البصريين عنه قال بعد أي بعد أبي هريرة بأن قال بعده قال قال بحذف فاعل

قال الثاني مثاله ما رواه الخطيب في الكفاية من طريق دعلج حدثنا موسى ابن هارون هو إكمال بحديث حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه وقد رواه كذلك النسائي في الكبرى عن عمرو بن زرارة عن إسماعيل بن علية عن أيوب

ومن حديث النصر بن شميل عن عبد الله بن عون كلاهما عن ابن سيرين فالخطيب روى عن موسى المذكور به أي في الآتي كذلك الرفع فإنه قال إذا قال حماد بن زيد والبصريون قال قال فهو مرفوع وقال الخطيب عقبة قلت للبرقاني أحسب أن موسى عنى بهذا القول أحاديث ابن سيرين خاصة فقال كذا يجب

قال الخطيب ويحققه وساق من طريق بشر بن الفضل عن خالد قال قال محمد بن سيرين كل شيء حديث عن أبي هريرة فهو مرفوع ولذلك أمثلة كثيرة منها ما رواه البخاري في المناقب من صحيحه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد به إلى أبي هريرة قال قال أسلم وغفار وشيء من مزينة الحديث وروى غيره من حديث عبد الوارث عن أيوب عن محمد عن أبي


133
هريرة قال قال إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة ( وإذا ) أي الحكم بالرفع فيما يأتي عن ابن سيرين بتكرير قال خاصة عجيب لتصريحه بالتعميم في كل ما رواه عن أبي هريرة بل لولا ثبوت هذا القول عنه لم يسغ الجزم بالرفع في ذلك إذ مجرد التكرير من ابن سيرين وغيره على الاحتمال وإن كان جانب الرفع أقوى فقد وجدنا الكثير مما جاء عن غير ابن سيرين كذلك جاء بصريح الرفع في رواية أخرى

بحديث شعبة عن إدريس الأودي عن أبيه عن أبي هريرة قال قال لا يصلي أحدكم وهو يجد الخبث

وحديث زيد بن الحباب عن أبي المنيب عن ابن بريدة عن أبيه قال قال الوتر حق فمن لم يوتر فليس منا

وحديث أبي نعامة السعدي عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال قال كيف أنتم أو قال كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة الحديث فآخرها جاء من حديث أبي العالية البراء عن ابن الصامت بصريح الرفع والأولان ذكر الخطيب مع قوله شبه فيهما أنهما جاء من طريقين آخرين مرفوعين

خاتمة لو أريد عزو لفظ مما جاء بشيء من كنايات الرفع وما أشبههاعلى ما تفرد في هذه الفروع بصريح ( ا ) الإضافة إلى رسول الله كان ممنوعا فقد نهى أحمد بن حنبل الفريابي وابن المبارك عيسى بن يونس الرملي عن رفع حديث حذف السلام سنة وقال المصنف بعد حكايته في تخريجه الكبير للإحياء ما حصله المنهي عنه عزو هذا القول إلى النبي إلا الحكم بالرفع


134
المرسل
( مرفوع تابع على المشهور
مرسل أو قيده بالكبير )
( أو سقط راو منه ذو أقوال
والأول الأكثر في استعمال )
( واحتج مالك كذا النعمان
وتابعوهما به ودانوا )
( وردة جماهير النقاد
للجهل بالساقط في الإسناد )
( وصاحب التمهيد عنهم نقله
ومسلم صدر الكتاب أصله )
( لكن إذا صح لنا مخرجه
بمسند أو مرسل يخرجه )
( من ليس يروي عن رجال الأول
نقبله قلت الشيخ لم يفصل )
( والشافعي بالكبار قيد
بمن روى عن الثقات أبدا )
( ومن إذا شارك أهل الحفظ
وافقهم إلا بنقص لفظ )
( فإن يقل فالمسند المعتمد
فقل دليلان به يعتضد )
( ورسموا منقطعا عن رجل
وفي الأصول نعته بالمرسل )
( أما الذي أرسله الصحابي
فحكمه الموصل على الصواب )
* * *

وجمعه مراسيل بإثبات الياء وحذفها أيضا وأصله كما هو حاصل كلام العلائي مأخوذ من الإطلاق وعدم المنع كقوله تعالى ( إنا أرسلنا


135
الشياطين على الكافرين ) ' 1 فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده بر أو معروف أو من قولهم ناقة مرسال أي سريعة السير كأن المرسل أسرع فيه عجلا فحذف بعض إسناده قال كعب
( أمست سعاد بأرض لايبلغها
إلا العتاق النجيبات المراسيل )

أو من قولهم جاء القوم أرسالا أي متفرقين لأن بعض الإسناد منقطع من بقيته وأما في الإصطلاح فمرفوع ) أي مضاف ( تابع ) من التابعين الى النبي بالتصريح أو لكنه على المشهور عند أئمة المحدثين مرسل كما نقله الحاكم وابن عبد البر عنهم واختاره الحاكم وغيره ووافقهم جماعة من الفقهاء والأصولين وعبر عنه بعضهم كالقوافي في التنقيح بإسقاط الصحابي من السند وليس بمتعين فيه ونقل الحاكم تقييدهم له باتصال سنده إلى التابعي وقيده في المدخل بما لم يأت اتصاله من وجه آخر كما سيأتي كل منهما

وكذا قيده شيخنا بما سمعه التابعي من غير النبي ليخرج من لقبه كافرا فسمع منه ثم أسلم بعد وفاته وحدث بما سمعه منه كالتنوخي رسول هرقل فإنه مع كونه تابعيا محكوم لما سمعه بالاتصال إلا الإرسال وهو متعين وكأنهم أعرضوا عنه لندوره

وخرج بقيد التابعي مرسل الصحابي كبيرا كان أو صغيرا وسيأتي آخر الباب وشمل إطلاقه الكبير منهم وهو الذي لقي جماعة من الصحابة وجالسهم وكانت جل روايته عنهم والصغير الذي لم يلق منهم إلا العدد


136
اليسيرأو لقي جماعة إلا أن أجل رواية عن بعض التابعين ( أو قيده ب ) التابعي ( الكبير ) كما مقتضى القول بأن مرفوع صغير التابعين إنما منقطعا

قال ابن عبد البر في مقدمة التمهيد المرسل أو قعوه بإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي ومثل بجماعة منهم قال وكذلك من دونهم وسمى جماعة قال وكذلك وسمي من دونهم أيضا ممن صح له لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم

قال ومثله أيضا مرسل من دونهم فأشار بهذا الأخير إلى مراسيل صغار التابعين ثم قال وقال آخرون لا يعني لا يكون حديث صغار التابعين مرسلا بل يسمى منقطعا لأنهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد أو الإثنين فأكثر روايتهم عن التابعين

وإلى هذا الاختلاف أشار ابن الصلاح بقوله وصورته التي لا خلاف فيها حديث التابعي الكبير قال شيخنا ولم أر التقييد بالكبير صريحا عن أحد نعم قيد الشافعي المرسل الذي يقبل إذا اعتضد كما سيأتي بأن يكون من رواتهالتابعي الكبير ولا يلزم من ذلك أنه لا يسمى ما رواه التابعي الصغير مرسلا بل الشافعي صرح بتسمية رواية من دون كبار التابعين مرسله وذلك في قوله ومن نظر في العلم بخبرة وقلة غفلة استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين بدلائل ظاهرة ( وسقط راو منه ) أي ما سقط راو من سنده سواء كان في أوله أو آخره أو بينهما واحد أو أكثر كما يوميء إليه تنكير راو وجعله اسم جنس ليشمل كما صرح به الشارح سقوط راو فأكثر بحيث يدخل فيه المنقطع والمعضل والمعلق وهو ظاهر عبارة الخطيب حيث أطلق الانقطاع فإنه قال في كفايته المرسل هو ما انقطع إسناده بأن لا يكون في رواته من لم يسمعه ممن فوقه وكذا قال في موضع آخر منها لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال


137
الحديث الذي ليس بمدلس هو رواية الراوي عن من لم يعاصره كالتابعين عن النبي وابن جريج عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ومالك عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق أو عن من عاصره ولم يلقه كالثوري وشعبة عن الزهري قال وما كان نحو ذلك فالحكم فيه وكذا فيمن لقي من أضاف إليه وسمع منه إلا أنه لم يسمع منه ذلك الحديث واحد

وحاصله التسوية بين الإرسال الظاهر والخفي والتدليس في الحكم ونحوه وقوله أبي الحسن بن القطان في بيان الوهم والإيهام كما سيأتي في التدليس الإرسال رواية الراوي عن من لم يسمع منه وهو الذيحكاه ابن الصلاح عن الفقهاء الأصوليين بل وعن الخطيب فإنه قال والمعروف في الفقه وأصوله ان ذلك كله أي المنقطع والمعضل يسمى مرسلا

قال وإليه ذهب من أهل الحديث الخطيب وقطع به ونحوه قول النووي في شرح مسلم المرسل عند الفقهاء والأصوليين والخطيب وجماعة من المحدثين ما انقطع إسناده على أي وجه كان فهو عندهم بمعنى المنقطع فإن قوله على أي وجه كان يشمل الابتداء والآنتهاء وما بينهما الواحد فأكثر

وأصرح منه قوله في شرح المهذب ومرادنا بالمرسل هنا ما انقطع إسناده فسقط من رواية واحد فأكثر وخالفنا أكثر المحدثين فقالوا هو رواية التابعي عن النبي انتهى

وممن صرح بحوه من المحدثين الحاكم فإنه قال في المدخل وتبعه البغوي في شرح السنة هو قول التابعي أو تابع التابعي قال رسول الله وبينه وبين الرسول قرن أو قرنان ولا يذكر سماعه من الذي سمعه يعني في رواية أخرى كما سيأتي أو آخرالباب ولكن الذي مشى عليه في علومه خلاف ذلك وكذا أطلق أبو نعيم في مستخرجه على التعليق مرسلا وممن أطلق المرسل على المنقطع من أئمتنا أبو زرعة وأبو حاتم ثم الدارقطني ثم


138
البهيقي بل صرح البخاري في حديث لإبراهيم بن يزيد النخعي عن أبي سعيد الخدري بأنه مرسل لكون إبراهيم لم يسمع من أبي سعيد

وكذا صرح هو وأبو داود في حديث لعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود بأنه مرسل لكونه لم يدرك ابن مسعود والترمذي في حديث لابن سيرين عن حكيم بن حزام بأنه مرسل وإنما رواه ابن سيرين عن يوسف ابن ماهك عن حكيم وهو الذي مشى عليه أبو داود في مراسليه في آخرين

وأما أبو الحسن بن القطان من متقدمي أئمة اصحابنا فإنه قال المرسل أن يروي بعض التابعين عن النبي خبرا أو يكون بين الراوي وبين رجل ورجل

وقال الأستاذ أبو منصور المرسل ما سقط من إسناده واحد فإن سقط أكثر فهو معضل ثم إنه على القول شموله المعضل والمعلق قد توسع من أطلقه من الحنفية على قول الرجل من أهل هذه الأعصار قال النبي وكذا كان ذلك سلف الصفدي حيث قال في تذكرته حكاية عن بعض المتأخرين المرسل ما رفع إلى النبي من غير عنعنة والمسند ما رفعه راويه بالعنعنة فإن الظاهر أن قائله أراد بالعنعنة الإسناد فهو كقول ابن الحاجب تبعا لغيره من أئمة الأصول المرسل قول غير الصحابي قال رسول الله فإنه يتناول ما لو كثرت الوسائط

ولكن قد قال العلائي إن الظاهر عند التأمل في أثناء استدلالهم أنهم لا يريدونه إنما مرادهم ما سقط منه التابعي مع الصحابي أو ما سقط منه اثنان بعد الصحابي ونحو ذلك ويدل عليه قول إمام الحرمين في البرهان مثاله أن يقول الشافعي قال رسول الله كذا وإلا فيلزم من الإطلاق المتقدم بطلان اعتبار الأسانيد التي هي من خصائص هذه الأمة وترك النظر في أحوال


139
الرواة والإجماع في كل عصر على خلاف ذلك وظهور فساده غني عن الإطالة فيه انتهى

ولذلك خصه بعض المحققين من الحنفية بأهل الاعصار الأول يعني القرون الفاضلة لما صح عنه أنه قال خير الناس قرني ثم الذين يلونهم قال الراوي فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة وفي رواية جزم فيها بثلاثة بعد قرنه بدون شك ثم يفشو الكذب وفي رواية ثم ذكر قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون وحينئذ فالمرسل ( ذو أقوال ) الثالث أوسعها والثاني أضيقها الأول الأكثر في استعمال أهل الحديث كما قاله الخطيب وعبارة عقب حكاية الثالث من كفايته إلا أن أكثرها ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن النبي أما رواه تابع التابعي فيسمونه المعضل

بل صرح الحاكم في علومه بأن مشايخ الحديث لم يختلفوا أنه هو الذي يرويه المحدث بأسانيد متصلة إلى التابعي ثم يقول التابعي قال رسول الله ووافقه غيره على حكاية الاتفاق ( واحتج ) الإمام مالك هو ابن أنس في المشهور عنه ( وكذا ) الإمام أبو ححنيفة ( النعمان ) بن ثابت وتابعوهما المقلدون لهما والمراد الجمهور من الطائفتين بل وجماعة من المحدثين والإمام أحمد في رواية حكاها النووي وابن القيم وابن كثير وغيرهم به أي بالمرسل ودانوا بمضمونه أي جعل كل واحد منهم ما هو عنده مرسل دينا يدين به في الأحكام وغيرها وحكاه النووي في شرح المهذب عن كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم قال ونقله الغزالي عن الجماهير

وقال أبو داود في رسالته وأما المراسيل قفد كان أكثر العلماء يحتجون بها فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك والأوزاعي حتى جاء الشافعي رحمه الله فتكلم في ذلك وتابعه عليه أحمد وغيره انتهى


140

فكان من لم يذكر أحمد في هذا الفريق رأى ما في الرسالة أقوى مع ملاحظة صنيعه في العلل كما سيأتي قريبا وكونه يعمل بالضعيف الذي يندرج فيه المرسل إذا لم يجد في الباب غيره كما تقدم ثم اختلفوا أهو على من المسند أو دونه أو مثله وتظهر فائدة الخلاف عند التعارض

والذي ذهب إليه أحمد وأكثر المالكية والمحققون من الحنفية كالطحاوي وأبي بكر الرازي تقديم المسند قال ابن عبد البر وشبهوا ذلك بالشهود يكون بعضهم أفضل حالا من بعض وأقعد وأتم معرفة وإن كان الكل عدولا جائزي الشهادة انتهى

والقائلون بأنه أعلى من المسند وجهوه بأن من أسند فقد أحالك على إسناده والنظر في أحوال رواته والبحث عنهم

ومن أرسل مع علمه ودينه وإمامته وثقته فقد قطع لك بصحته وكفاك النظر فيه ومحل الخلاف فيما قيل إذا لم ينضم إلى الإرسال ضعف في بعض رواته وإلا فهو حينئذ أسوأمن مسند ضعيف جزما ولذا قيل إنهم اتفقوا على اشتراط ثقة المرسل وكونه لا يرسل إلا عن الثقات قاله ابن عبد البر وكذا أبو الوليد الباجي من المالكية وأبو بكر الرازي من الحنفية

وأما الثاني لاخلاف أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسله غير متحرز بل يرسل عن غير الثقات أيضا وعبارة الأول فقال لم تزل الأئمة يحتجون بالمرسل إذا تقارب عصر المرسل والمرسل عنه ولم يعرف المرسل بالرواية عن الضعفاء

وممن اعتبر ذلك من مخالفتهم الشافعي فجعله شرطا في المرسل المعتضد ولكن يد توقف شيخنا في صحة نقل الاتفاق من الطرفين قبولا وردا قال لكن ذلك فيهما عن جمهورهم مشهور انتهى

وفي كلام الطحاوي ما يوحي إلى احتياج المرسل ونحوه إلى الاختلاف


141
بقرينة وذلك أنه قال في حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود إنه سئل كان عبد الله مع النبي ليلة الجن قال لا ما نصه فإن قيل هذا منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئا يقال نحن لم نحتج به من هذه الجهة إنما احتججنا به لأن مثل أبي عبيدة على تقدمه في العلم وموضعه من عبد الله وخلطته بخاصته من بعده لا يخفى عليه مثل هذا من أموره فجعلنا قوله حجة لهذا من أمور فجعلنا قوله لا من الطريق التي وصفت

ونحوه قول الشافعي رحمه الله في حديث لطاووس عن معاذ طاووس لم يلق معاذا لكنه عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أخذ عن معاذ وهذا لا أعلم من أحد فيه خلافا وتبعه البيهقي وغيره

ومن الحجج لهذا القول أن احتمال الضعف في الواسطة حيث كان تابعيا لا سيما بالكذب بعيد جدا بإنه أثنى على عصر التابعين وشهد له بعد الصحابة بالخيرية ثم للقرنين كما تقدم بحيث استدل بذلك على تعديل أهل القرون الثلاثة وإن تفاوتت منازلهم في الفضل فإرسال التابعي بل ومن اشتمل عليه باقي القرون الثلاثة الحديث بالجزم من غير وثوق بمن قاله مناف لها هذا مع كون المرسل عنه ممن اشترك معهم في هذا الفضل

وأوسع من هذا القول عمر رضي الله عنه المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلدوا في حد ومجربا عليه شهاده زور أو ظنيا في ولاء أو قرابه

قالوا فاكتفى رضي الله عنه بظاهر الاسلام في القبول إلا أن يعلم منه خلاف العداله ولم يكن الواسطه من هذا القبيل لما أرسل عنه التابعي والأصل قبول خبرة حتى يثبت عنه ما يقتضي الرد وكذا ألزم بعضهم المانعين بأن مقتضى الحكم لتعاليق البخاري المجزومه بالصحه إلى من علق عنه أنه من يجزم من أئمه التابعين عن النبي يستلزم صحته من باب أولى لاسيما وقد قيل إن المرسل لو لم يحتج بالمحذوف لما حذفه فكأنه عدله

ويمكن إلزامهم لهم أيضا بأن مقتضى تصحيحهم في قول التابعي من


142
السنه وفقه على الصحابي حمل قول التابعي قال رسول الله على أن المحدث له بذلك صحابي تحسينا للظن به في حجج بطول إيرادها لاستلزامه التعرض للرد في كون جامع التحصيل في هذه المسأله للعلائي متكفل بذلك كله وكذا صنف فيها ابن بد الهادي جزءا وردة أي الإحتجاج بالمرسل جماهر بحذف الياء تخفيفا جمع جمهور أي معظم النقاد من المحدثين كالشافعي احمد وحكموا بضعفه لجهل بالساقط في الإسناد فإنه يحتمل أن يكون تابعيا لعدم تقيدهم بالروايه عن الصحابه ثم يحتمل أن يكون ضعيفا لعدم تقيدهم بالثقات وعلى تقدير كونه ثقه يحتمل أن يكون روي عن تابعي أيضا يحتمل أن يكون ضعيفا وهلم جرا إلى سته فهو أكثر ما وجد من روايه بعض التابعين عن بعض واجتماع سته في حديث يتعلق بسورة إخلاص وصاحب التمهيد وهو أبو عمر بن البر عنهم يعني المحدثين نقله بل حكى الإجماع عن طلب عداله المخبر ومسلم وهو ابن الحجاج صدر الكتاب الشهير الذي صنفه في الصحيح أصله أي رد الاحتجاج به فإنه قال في أثناء كلام ذكرة في مقدمه الصحيح على وجه الإيراد على لسان خصمه والمرسل من الروايات في اصل قولنا وقول أهل العلم بلأخبار ليس بحجه وأقرة ومشى عليه في كتابه وهو محكي عن أحمد كما قدمته

ومشى عليه في العلل حيث يعل الطريق المسنده بالطريق المرسله ولو كان المرسل عنده حجه لأزمه لما أعل به ويكفينا نقل صاحبه أبي داود أنه تبع فيه الشافعي كما تقدم

وكذا حكى عن مالك وهو غريب فالمشهور عنه الأول وممن حكى الثاني عن مالك الحاكم وقال النووي في شرح المهذب المرسل لا يحتج به عندنا وعند جمهور المحدثين وجماعه من الفقهاء وجماهير أصحاب الأصول والنظر قال وحكا الحاكم أبو عبدالله بن سعيد بن المسيب


143
ومالك وجماعه أهل الحديث والفقهاء انتهى

وبسعيد يرد على ابن جرير الطبري من المتقدمين وابن الحاجب من المتأخرين ادعاؤهما إجماع التابعين على قبوله إذ هو من كبارهم مع أنه لم يتفرد مرة بينهم بذلك بل قال به من ابن سيرين والزهري

و ( غايته ) انهم غير متفقين على مذهب واحد كاختلاف من بعدهم ثم إن ما أشعر به كلام أبي داود في كون الشافعي أول من ترك الاحتجاج به ليس على ظاهرة بل هو قول ابن مهدي ويحيى القطان وغير واحد ممن قبل الشافعي ويمكن أن اختصاص الشافعي لمزيد التحقيق فيهُ

وبالجمله فالمشهور عن أهل الحديث خاصه القول بعد صحته بل هو قول بتهور الشافعيه واختيار اسماعيل القاضي وابن عبد البر وغيرهما من المالكيه والقاضي أبي بكر الباقلاني وجماعه كثيرين من أئمه الأصول

وبالغ بعضهم في التضييق فرده مراسيل الصحابه كما بالغ من توسع من أهل الطرف الآخر فقيل مراسيل أهل هذه الإعصار وما قبلها وبينا هناك ردة

وسنبين رد الآخر آخر الباب وما أوردته من حجج الأولين مردود

أما الحديث فمحمول على الغالب والأكثريه وإلا فقد وجد فيمن بعد الصحابه من القرنين من وجدت فيه الصفات المذمومه لكن بقله بخلاف من بعد القرون الثلاثه فإن ذلك أكثرهم فيهم واشتهر

وقد روى الشافعي عن عمه حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال إني لأسمع الحديث استحسنه فما يمنعني من ذكرة إلا كراهيه أن يسمعه سامع فيقتدى به وذلك أني أسمعه من الرجل لاأثق به قد حدث به عمن أثق به أو أسمعه من رجل أثق به قد حدث ب عمن لا أثق به


144

وهكذا كما قال ابن عبد البر يدل على أن ذلك الزمان أي زمان الصحابه والتابعين كان يحدث فيه الثقه وغيرة

ونحوة ما أخرجه العقيلي من حديث ابن عون قال ذكر أيوب السختياني لمحمد بن سيرين حديثا عن أبي قلابه فقال أبو قلابه رجل صالح ولكن عمن ذكرة ابو قلابه

ومن حديث عمران بن حدير أن رجلا حدثه عن سليمان التيمي عن محمد ابن سيرين أن من زار قبرا أو صلى إليه فقد برىء الله منه قال عمران فقلت لمحمد عن أبي مجلز أن رجلا ذكر عنك كذا فقال أبو مجلز كنت أحسبك يا أبا بكر أشد اتقاءا فإذا لقيت صاحبك فاقرأه السلام وأخبره أنه كذب قال ثم رأيت سليمان عند أبي مجلز فذكرت ذلك له فقال سبحان الله إنما حدثنيه مؤذن لنا ولم أظنه يكذب فإنه هذا والذي قبله فيهما رد أيضا على من يزعم أن المراسيل لم تزل مقبولة معمولا بها

ومثل هذه حديث عاصم عن ابن سيرين قال كانوا لا يسألون عن الإسناد حتى وقعت الفتنة بعد وأعلى من ذلك ما رويناه في الحلية من طريق ابن مهدي عن ابن لهيعة أنه سمع شيخا من الخوارج يقول بعد ما قال إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا انتهى

ولذا قال شيخنا إن هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمرسل إذ بدعة الخوارج كانت في مبدأ الإسلام والصحابة متوافرون ثم في عصر التابعين فمن بعدهم وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرا جعلوه حديثا وأشاعوه فربما سمع الرجل الشيء فحدث به ولم يذكر ممن حدثه به تحسينا للظن فيحمله عنه غيره ويحيى الذي يحتج بالمقاطع فيحتج به مع كونه أصلهما ذكرت فلا حول ولا قوة إلا بالله


145

وأما الإلزام بتعاليق البخاري فهو قد علم شرطه في الرجال وتقييده بالصحة بخلاف التابعين وأما بعده فالتعديل المحقق في المبهم لا يكفي على المعتمد كما سيأتي في سادس فروع من تقبل روايته فكيف بالاسترسال إلى هذا الحد

نعم قد قال ابن كثير المبهم الذي لم يسمى أو سمى ولم تعرف عينه لايقبل وايته أحد علمناه ولكن إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود لها بالخير فإنه يستأنس بروايته ويستضيء بها في مواطن

وقد وقع في مسند أحمد وغيره من هذا القبيل كثير وكذا يمكن الانفصال عن الأخير بأن الموقوف لا انحصار له فيما اتصل بخلف المحتج به

وبهذا أو غيره مما لا نطيل بإيراده قويت الحجة في رد المرسل وإدراجه في جملة الضعيف ( لكن إذا صح ) يعني ثبت ( لنا ) أهل الحديث خصوصا الشافعية تبعا لنص إمامهم ( مخرجه ) أي المرسل ( بمسند ) يجيء من وجه آخر صحيح أو حسن أو ضعيف يعتضد به أو بمرسل آخر يخرجه أي يرسله من ليس يروي عن رجال أي شيوخ راوي المرسل ( الأول ) حتى يغلب على الظن عدم اتحادهما ( فقبله ) بالجزم جوابا لاإذا الشرطية كما صرح ابن مالك في التسهيل بجوازه في قليل من الكلام وهو ظاهر كلام انبه الشارح ولكن نصوص مشاهير النحاة على اختصاصه بضرورة الشعر على أنه لو قال متى بدل إذا ويقبل بدل نقبله كما قال شيخنا لكان أحسن وكذا يعتضد بما ذكره مع هذين الشافعي كما سيأتي من مواقفه قول بعض الصحابي أو فتوى عوام أهل العلم مع كونه الآعتضاد بها في الترتيب هكذا

وقد نظم الزائد بعض الآخذين عن الناظم فقال

( أو كان قول واحد من مصحب
خير الأنام عجم وعرب )


146
( أو كان فتوى جل أهل العلم
وشيخنا أهمله في النظم )

قلت الشيخ ابن الصلاح لم يفصل في المرسل المعتضد بين كبار التابعين وصغارهم بل أطلق كما ترى وأنه بناء على المشهور في تعريفه كما تقدم ( والشافعي ) الذي اعتمد ابن الصلاح مقاله في ذلك ( بالكبار ) منهم ( قيدا ) المعتضد وتبع ابن الصلاح في الإطلاق النووي في عامة كتبه ثم تنبه للتقييد في شرحه للوسيط وهو من أواخر تصنيفه فإنه قال فيه وأما الحديث المرسل فليس بحجة عندنا إلا أن الشافعي كان يرى الاحتجاج بمرسل الكبار من التابعين بشرط أن يعتضد بأحد أمور أربعة وذكرها ( و ) كذا قيده الشافعي بمن روى منهم عن الثقات أبدا بحيث إذا عين شيخه في مرسله في رواية أخرى أو في مطلق حديثه حسبما يحتملها كلام الشافعي الآتي لا يسمى مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه ولا يكفي قوله أنه لم يكن يأخذ إلا عن الثقات كما جاء عن سعيد بن المسيب وغيره فالتوثيق مع الإبهام لا يكفي على ما سيأتي نعم قد قال الشافعي في سعيد بخصوصه إنه ما عرفه روى إلا عن ثقة وأجاب بذلك من عارضه في قبول مراسليه خاصة بل وزاد أنه لا يحفظ له منقطعا إلا وجد ما يدل على تسديده

ولهذا قال ابن الصلاح عقب العاضد بمجيئه من وجه آخر ولهذا احتج الشافعي بمرسلات سعيد فإنها وجدت مسانيد من وجوه أخر قال ولا يختص ذلك عنده بإرسال ابن المسيب انتهى

وتبعه أحمد فنقل الميموني وحنبل معا عنه إنه قال مراسيل سعيد صحاح لا نرى أصح من مراسلاته

وقال ابن معين هي أحب إلي من مراسلات الحسن ولكن قد قال النووي في الإرشاد اشتهر عند الفقهاء أصحابنا أن مرسل سعيد حجة عند الشافعي


147
حتى أن كثيرا منهم لا يعرفون غير ذلك وليس الأمر على ذلك ثم بينه بما ذكر معناه في شرح المهذب فإنه قال فيه عقب نقله عن الشافعي في المختصر مما رواه عنه الربيع أيضا إرسال ابن المسيب عندنا حسن ما نصه اختلف أصحابنا المتقدمون في معناه على وجهين حكاهما الشيخ أبو إسحاق في اللمع والخطيب في كتابيه الفقيه والمتفقه والكفاية وآخرون

أحدهما أنها حجة عنده بخلاف غيرها من المراسيل قالوا لأنها فتشت فوجدت مسندة

ثانيهما أنها ليست بحجة عنده بل هي كغيرها على ما ذكرناه قالوا وإنما رجح الشافعي لمرسله والترجيح بالمرسل جائز

قال الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه والصواب الثاني وأما الأول فليس بشيء وكذا قال في الكفاية إن الثاني هو الصحيح لأن في مراسيل سعيد ما لم يوجد بحال من وجه يصح

قال البيهقي وقد ذكرنا لابن المسيب مراسيل لم يقبلها الشافعي حيث لم ينضم إليها ما يؤكدها ومراسيل لغيره قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها قال وزيادة ابن المسيب في هذا على غيره أنه أصح التابعين إرسالا فيما زعم الحفاظ قال وأما قول القفال المروزي في أول كتابه شرح التخليص قال الشافعي في الرهن الصغير مرسل سعيد عندنا حجة فهو محمول على التفصيل الذي قدمناه عن البيهقي والخطيب والمحققين

قلت وممن صرح بأن كل ما أرسله مسند محمد بن حميد قال أبو داود في سننه سمعته يقول كل شيء حدثتك عن جعفر عن سعيد بن جبير عن النبي فهو مسند عن ابن عباس عن النبي ( و ) قيده أيضا بمن إذا شاركمنهم أهل الحفظ في أحاديثهم ( وافقهم ) فيها ولم يخالفهم إلا بنقص لفظ لا يختل معه المعنى فإن ذلك الشرح للباء لا يضر في قبول مرسله


148
وكل من هذه أعني روايته عن الثقات ومواقفه الحفاظ وكونه من الكبار صفة للمرسل بكسر المهملة دالة على صحة مرسله المروي عنه

وثانيهما جار في كل راو أرسل أو أسند كما قيل إن المحتج بالمرسل أيضا يشترط أولهما كما تقدم مع النزاع فيه

وهذا سياق نص الشافعي ليعلم أن الشارح وغيره ممن أورده أخل منه بأشياء مهمة

فروى البيقي في المدخل عن شيخه الحاكم عن الأصم عن الربيع عنه أنه قال والمنقطع مختلف فمن شاهد أصحاب رسول الله من التابعين فحدث حديثا متقطعا عن النبي اعتبر بأمور منها أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث فإن شركه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله بمثل معنى ما روى كانت هذه دلالة على صحة ما قبل عنه وحفظه وإن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما ينفرد به من ذلك ويعتبر عليه بأن ينظر هل يوافقه مرسل غيره ممن فبل العلم من غير رجاله الذين قبل عنهم فإن وجد ذلك كانت دلالة تقوي له مرسله وهي أضعف من الأولى وإن لم يوجدذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب النبي قولا له فإن وجد يوافق ما روي عن رسول الله كانت هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عن النبي ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روي عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه فيستدل بذلك على صحته فيما يروى عنه ويكون إذا شرك أحدا من الحفاظ في حديث لم يخالفه فإن خالفه ووجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على فإن خالفه صحة مخرج حديثه

ومتى خالف ما وصفت أضر بحديثه حتى لا يسع أحدا منهم قبول مرسله


149

قال وإذا وجدت الدلائل لصحة حديثه بما وصفت أحببنا يعني اخترناكما قاله البيهقي أن نقبل مرسله ولا تستطيع أن نزعم أن الحجة يثبت به ثبوتها بالمؤتصل وذلك أن معنى المنقطع مغيب يحتمل أن يكون حمل عمن يرغب عن الرواية عنه إذا سمى وإن بعض المنقطعات وإن وافقه مرسل مثله - فقد يحتمل أن يكون مخرجهما واحدا من حديث من لو سمى لم تقبل وإن قول بعض اصحاب رسول الله صلى اللهعليه وسلم إذا قال برأيه لو وافقه لم يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظر فيها ويمكن أن يكون إنما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب رسول الله يوافقه ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه بعض الفقهاء

قال فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب النبي فلا أعلم منهم واحدا يقبل مرسله لأمور

أحدهما إنهم أشد تجوزا فيمن يروون عنه والآخر أنهم توجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه والآخرة كثرة الإحالة في الأخبار وإذا كثرت الإحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه

وكذا رواه الخطيب في الكفاية من طريق أحمد بن موسى الجوهري ومحمد ابن أحمد أن الطرائقي كلاهما عن الربيع به بزيادة قوله في أواخره عن التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض الصحابة فليس عند البيهقي وهو مفيد فائدة جليلة

وقد زاد بعضهم مما يعتضد به المرسل فعل صحابي أو انتشار أو عمل أهل العصر أو قياس معتبر

ويمكن رجوعها إلى كلام الشافعي بتكلف في بعضها ثم إن ما تقدم عن الشافعي من عدم الاحتجاج بالمرسل إلا إن اعتضده هو المعتمد وإن زعم الماوردي أنه في الجديد يحتج بالمرسل إذا لم يوجد دليل سواه وكذا نقله


150
غيره فقد ورده ابن السمعاني بإجماع النقلة من العراقيين والخراسانيين للمسألة عنه على أنه عنده غير حجة نعم

قال التاج السبكي ما معناه إنه إذا دل على محظور ولم يوجد سواه فالأظهر وجوبالانكفاف يعني احتياطا ( فإن يقل ) على وجه الخدش في الاعتضاد بمسند فالمسند هو المعتمد حينئذ ولا حاجة إلى المرسل فقل مجيبا بما هو حاصل كلام ابن الصلاح أن المرسل تقوي بالمسند وبأنبه قوة الساقط منه وصلاحيته للحجة وأيضا فكما قال النووي وعليه اقتصد الناظم لتضمنه إبداء فائدة ذلك هما دليلان إذ المسند دليل برأسه والمرسل به أي المسند يعتضد ويصير دليلا آخر فيرجع بهما الخبر عند معارضته خبر ليس له سوى طريق مسند

قال غيره وربما يكون المسند حسنا فيرتقي عن هذه المرتبة ولكن هذا الإيراد إنما يأتي إذا كان المسند بمفرده صالحا للحجة أما إذا كان مما يفتقر إلى اعتضاد فلا إذ كل منهما اعتضد بالآخر وصار به حجة

ولذا قيده الإمام الفخر الرازي في المحصول بقوله هذا في مسند لم تقم به الحجة إذا انفرد أفاده شيخنا وحينئذ فيكون اعتضاده بهذا المسند كاعتضاده بمرسل آخر لاشتراكهما في عدم الصلاحية للحجة ويجيء القول بعدم الفائدة في ذلك لأنه انضمام غير مقبول إلى مثله فهو بمثابة شهادة غير العدل إذا انضمت إلى مثلها

ولكن قد أجيب بأن القوة إنما حصلت من هيئة الاجتماع إذ بانضمام أحدهما إلى الآخرقوي الظن بأن له أصلا كما تقدم في تقرير الحسن لغيره

ان الضعيف الذي ضعفه من جهة قلة حفظ راويه وكثرة غلطهلا من جهة اتهامه بالكذب إذا روى مثله بسند آخر نظيره في الرواية ارتقى إلى درجة الحسن لأنه يزول عنه حينئذ ما يخاف من سوء حفظ الراوي ويعتضدكل منهما بالآخر ويشهد لذلك إفراد المتواتر


151

والتشبيه بالشهادة ليس بمرضي لانفراقهما في أشياء كثيرة ( ورسموا ) أي سمى جمهور أهل الحديث ( منقطعا ) قولهم عن رجل أو شيخ أو نحو ذلك مما يبهم الراوي فيه وأمثلته كثيرة

وممن صرح بذلك ابن القطان في الوهم والإيهام له ومن قبله الحاكم وأشار إلى أنه لا يسمى مرسلا وفي كتب الأصول كالبرهان لإمام الحرمين لغته يعني تسميته بالمرسل وذلك أنه جعل من صوره أن يقول رجل عن فلان الراوي من غير أن يسميه أو أخبرني موثوق به رضي قال وكذلك إسناد الأخبار إلى كتب رسول الله ملحق بالمرسل للجهل بناقل الكتاب بل في المحصول أن الراوي إذا سمى الأصل باسم لا يعرف به فهو كالمرسل وهذا يشمل المهمل كعن محمد وهو يحتمل جماعة يسمون بذلك وكذا المجهول إذ لا فرق وممن أخرج المبهمات في المراسيل أبو داود وكذا أطلق النووي في غير موضع على رواية المبهم مرسلا وكل من هذين القولين خلاف ما عليه الأكثرون من علماء الرواية وأرباب النقل كما حكاه الرشيد العطار في كتابه الغرر المجموعة عنهم على أنه متصل في اسناده مجهول واختاره العلائي في جامع التحصيل وأشار إليه بعض تلامذة الناظم بقوله

( قلت الأصح إنه متصل
لكن في إسناده من يجهل )

ولكن ليس ذلك على إطلاقه بل هو مقيد بأن يكون المبهم صرح بالتحديث ونحوة لاحتمال أن يكون مدلسا وهو ظاهر وكذا قيل القول بغطلاق الجهاله بما إذا لم يجيء مسمى في روايه أخرى

وإذا كان كذلك فلا ينبغي المبادرة إلى الحكم عليه بالجهاله إلا بعد التفتيش لما ينشأ عنه من توقف الفقيه عن الإستدلال به للحكم مع كونه مسمى في روايه أخرى وليس بإسناده ولا متنه ما يمنع كونه حجه ولذا


152
كان الإعتناء بذلك من أهم المبهمات كما سيأتي

وكلام الحاكم في اتلمنقطع يشير إليه فإنه قال وقد يروي الحديث وفي إسناده رجل غير مسمى وليس بمنقطع ذكر مثالا من وجهين يسمى الراوي في أحدهما وأبهم في الآخر كما وقع للبخاري فإنه أورد حديثا من وجهين إلى أيوب السختياني قال في أحدهما عن رجل عن أنس وفي الآخر عن أبي قلابه عن أنس

ثم قال الحاكم وهذا لايقف عليه إلا الحافظ الفهم المتبحر في الصنعة وبذلك صرح في المعضل كما سيأتي ثم إن صورة المسألة في وقوع ذلك من غير التابعي فأما لو قال التابعي عن رجل فلا يخلو إما أن يصفه بالصحة أم لا فإن لم يصفه بها فلا يكون ذلك متصلا لحتمال أن يكون تابعيا آخر بل هو مرسل على بابه

وإن وصفه بالصحبة فقد وقع في أماكن من السنن وغيرها للبيهقي تسميته أيضا مرسلا ومراده مجرد التسمية فلا يحوي عليه حكم الإرسال في نفي الاحتجاج كما صرح بذلك في القراءة خلف الإمام من معرفته عقب حديث رواه عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من الصحابة فإنه قال وهذا إسناد صحيح وأصحاب النبي كلهم ثقة فترك ذكر تأسمائهم في الاسناد لا يضر إذا لم يعارضه ما هو أصح منه انتهى

وبهذا القيد ونحوه يجاب عما توقف عن الاحتجاج به من ذلك لا لكونه لم يسم ولو لم يصرح به ويتأيد كون مثل ذلك حجة بما روى البخاري عن الحميدي قال إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من الصحابة فهو حجة وإن لم يسم

وكذا قال الأثرم قلت لأحمد إذا قال رجل من التابعين حدثني رجل من الصحابة ولم يسمه فالحديث صحيح قال نعم ولكن قيده ابن


153
الصيرفي بأن يكون صرح بالتحديث ونحوه أما إذا قال عن رجل من الصحابة وما أشبه ذلك فلا يقبل قال لأني لا أعلم أسمع ذلك التابع منه أم لا إذ قد يحدث التابعي عن رجل وعن رجلين عن الصحابي ولا أدري هل أمكن لقاء ذلك الرجل أم لا فلو علمت إمكانه فيه لجعلته كمدرك العصر قال الناظم هو حسن متجه وكلام من اطلق محمول عليه

وتوقف شيخنا في ذلك لأن التابعي إذا كان سالما من الندليس حملت عنعنته على السماع وهو ظاهر

قال ولا يقال إنما يأتي هذا في حق كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابه بلا واسطه واما صغار التابعين الذين جل روايتهم عن التابعين فلا بد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي

والغرض أنه لم أسمه حتى نعلم هل أدركه أم لا ? لأنا نقول سلامته من التدليس كافيه في ذلك إذ مدار هذا يمل قوة ظن وهي حاصله في هذا المقام أما الخبر الذي أرسله الصحابي الصغير عن النبي كان عباس وابن الزبير ونحوهما ممن لم يحفظ عن النبي صلى الل 0 ه عليه وسلم إلا اليسير وكذا الصحابي الكبير فيما ثبت عن أنه لم يسمعه إلا بواسطة فحكمه الوصل المقتضى للإحتجاج به لأن غالب راويه الصغار منهم عن الصحابه وروايتهم عن غيرهم كما قال النووسي في شرح المهذب زيادة فإذا رووها بينوها وحيث أطلقوا فالظاهر أنهم عن الصحابه انتهى

ولا شك أنهم عدول لا يقدح فيهم الجهاله بأعيانهم وأيضا ى فيما يرويه عن التابعين غالبه بل عامته إنما هو من الإسرائيليات وما أشبهها من الحكايات وكذا الموقوفات والحكم المذكور على الصواب المشهور بل أهل الحديث وإن سموه مرسلا لاخلاف بينهم في إحتجاج به وإن نقل ابن كثير عن ابن الأثير وغيره فيه خلافا وقول الأستاذ أبي اسحق الإسفرائيني وغيرة من


154
أئمة الأصول إن لا يحتج به ضعيف وإن قال ابن برهان في الأوسط إنه الصحيح أي لا فرق بين مراسيل الصحابة ومراسيل غيرهم

وقال القاضي عبد الجبار إن مذهب الشافعي إن الصحابي إذا قال قال رسول الله كذا قبيل إلا إن علم أنه أرسله وكذا نقله ابن بطال في أوائل شرحه للبخاري عن الشافعي فالنقل بذلك عن الشافعي خلاف المشهور من مذهبه وقد صرح ابن برهان في الوجيز أن مذهبه أن المراسيل لايجوز الاحتجاج بها إلا مراسيل الصحابة ومراسيل سعيد وما انعقد الإجماع على العمل به

أما من أ حضر إلى النبي غير مميز كعبيد الله بن عدي ابن الخيار فإن أباه قتل يوم بدر كافرا على ما قاله ابن ماكولا وعد ابن سعد أباه في مسلمة الفتح وكمحمد بن أبي بكر رضي الله عنهما فإنه ولد عام حجة الوداع فهذا مرسل لكن لا يقال إنه مقبول كمراسيل الصحابة لأن رواية الصحابة إما أن تكون عن النبي أو عن صحابي آخر والكل مقبول واحتمال كون الصحابي الذي أدرك وسمع يروي عن التابعين بعيدا جدا بخلاف مراسيل هؤلاء فإنها عن التابعين بكثرة فقوى احتمال أن يكون الساقط غير الصحابي وجاء احتمال كونه غير ثقة

واعلم أنه تكلم العلماء في عدة الأحاديث التي صرح ابن عباس بسماعها من النبي فكان من الغريب قول الغزاليفي المستصفى وقلده جماعة إنها أربعة ليس إلا

وعن يحيى القطان وابن معين وأبي داود صاحب السنن تسعة

وعن منذر عشرة وعن بعض المتأخرين أنها دون العشرين من وجوه صحاح

وقد اغنيني شيخنا بجمع الصحيح والحسن فقط من ذلك فزاد على


155
الأربعين سوى ما هو في حكم السماع كحكاية حضور شيء فعل بحضرة النبي وأشار شيخنا لذلك عقب قول البخاري في الحديث الثالث من باب الحشر من الرقائق هذا مما يعد أن ابن عباس سمعه

خاتمة المرسل مراتب أعلاها ما أرسله صحابي ثبت سماعه ثم صحابي له رواية فقط ولم يثبت سماعه ثم المخضرم ثم المتقن كسعيد بن المسيب ويليها من كان يتحرى في شيوخه كالشعبي ومجاهد ودونها مراسيل من كان يأخذ عن كل أحد كالحسن وأما مراسيل صغار التابعين كقتادة والزهري وحميد الطويل فإن غالب رواية هؤلاء عن التابعين وهل يجوز تعمده قال شيخنا إن كان شيخه الذي حدثه به عدلا عنده وعند غيره فهو جائز بلا خلاف أولا فممنوع بلا خلاف أو عدلا عنده فقط أو عند غيره فقط فالجواز فيهما محتمل بحسب الأسباب الحاملة عليه الآتي في التدليس الإشارة لشيء منها

وقد بسطنا الكلام في هذا النوع بالنسبة لما قبله لكونه كما قال النووي في الإشارة من أجل الأبواب فإنه احكام محضة ويكثر استعماله بخلاف غيره


156
المنقطع والمعضل
( وسم بالمنقطع الذي سقط
قبل الصحابي به راو فقط )
( وقيل ما لم يتصل وقالا
بأنه الأقرب الاستعمالا )
( والمعضل الساقط منه إثنان
فصاعدا ومنه قسم ثنان )
( حذف النبي والصحاب معا
ووقف متنه على نت تبعا )

* * *

وسم أيها الطالب بالمنقطع على المشهور الذي أسقط من روايته قبل الصحابي به أي بسنده راو فقط من أي موضع كان ولا اختصاصله عند الحاكم ومن وافقه بذلك بل سموا ما بينهم فيه الراوي كعن رجل منقطعا كما تقدم قريبا في المرسل وبالغ أبو العباس القرطبي أسرى ابن الصلاح فسمى السند المشتمل إجازة منقطعا وسيأتيرده في الإجازة

وكذا لا انحصار له في السقط من موضع واحد بل لو سقط من مكانين أو أماكن بحيث لا يزيد كل سقط منها على راو لم يخرج عن كونه منقطعا ولا في المرفوع بل يدخل فيه موقوف الصحابة وخرج بقيد الواحد المعضل وبما قبل الصحابي المرسل ولذا عرفه الحاكم في علومه بقوله هو غير المرسل قال وقل ما يوجد في الحفاظ من يميز بينهما كذا قال

الذي حققه شيخنا أن أكثر المحدثين على التغاير يعني كما قررناه لكن


157
عند إطلاق الإسم وأما عند استعمال الفعل المشتق فإنهم يقتصرون على الإرسال فيقولون أرسله فلان سواء كان مرسلا أو منقطعا قال ومن ثم أطلق غير واحد ممن لم يلاحظ مواقع استعمالهم يعني كالحاكم على كثير من المحدثين أنهم لا يغايرون بينهما وليس كذلك لما حررناه وقل من نبه علي النكتة في ذلك انتهى

ثم بين الحاكم أن المنقطع على ثلاثة أنواع ولم يفصح بالأولين منها بل ذكر مثالين علما منهما فأولهما رواية أبي العلاء بن الشخير عن رجلين من بني حنظلة عن شدادبن أوس وثانيهما حاصله ما أتى فيه الإبهام في بعض الروايات مع كونه مسمى في رواية أخرى ولكن لا تقف عليه إلا الحافظ المتبحر كما قدمته قريبا في النوع قبله ثم قال والثالث ما في سنده قبل الوصل الى التابعي الذي هو محل الإرسال راو لم يسمع من الذي فوقه وذكر له مثالا فيه قبل التابعي سقط من موضعين فظهر أنه لم يحصر المنقطع في الساقط قبل الوصول الى التابعي بل جعله نوعا منه وهو كذلك بلا شك

وإذا كان يسمى ما أبهم فيه من هو في محل التابعي منقطعا فبالاحرى أن يسميه كذلك مع إسقاطنا وقيل أن المنقطع ما لم يتصل إسناده ولوكان الساقط أكثر من واحد كما صرح به ابن الصلاح في المرسل واقتضاه كلام الخطيب حيث قال والمنقطع مثل المرسل الذي مشى فيه على أنه المنقطع الإسناد فيدخل فيه المرسل والمعضل والمعلق

وكذا قال ابن عبد البر المنقطع عندي كل ما لم يتصل سواء كان معزوا إلى النبي أو إلى غيره فيدخل فيه الموقوف على الصحابي فمن دونه أيضا ويقرب منه قول البرديجي المنقطع هو المضاف الى التابعي فمن دونه قولا له أو فعلا إلا أنه لابد فيه عند الخطيب من فقد اتصال السند بخلاف البريجي لذلك كما تقدم في المقطوع استبعده ابن الصلاح


158

وأبعد منه قول الكيا الهراسي أنه قول الرجل بدون إسناده قال رسول الله وزعم أنه مصطلح المحدثين ورده ابن الصلاح في فوائد رحلته وقال إنه لا يعرف لغيره

قلت وشبيه بقوله من توسع في المرسل من الحنفية كما بينته هناك مع رده والحاصل أن في المنقطع أربعة أقوال وقالا بألف الإطلاق أي ابن الصلاح بأنه أي الثاني منها الأقرب أي من حيث المعنى اللغوي فإن الإنقطاع نقيض الإتصال وهما في المعاني كهما في الأجسام فيصدق بالواحد والكل وما بينهما

وقال وقد صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم بل هو الذي ذكره الخطيب في كفايته يعني كما تقدم ( لا ) أنه الآكثر ( استعمالا ) بل أغلب استعمالهم فيه القول الأول حسبما صرح به الخطيب فإنه قال إلا أن هذه العبارة تستعمل غالبا في رواية من دون بعين عن الصحابة مثل مالك عن ابن عمر والثوري عن جابر وشعبه عن أنس يعني بخلاف المرسل فأغلب استعماله منها أضافه التابعي إلى رسول الله

تتمة قد مضى في المرسل عن الشافعي وغيره ما يدل على قبول المنقطع إذا احتف بقرينه وقال ابن السمعاني من منع قبول المرسل فهو أشد منعا لقبول المنقطعات ومن قبل المراسيل اختلفوا انتهى

وإنما يجيء هذا المعتمد في الفرق بينهما والمعضل وهو بفتح المعجمة من الرباعي ( و ) المعتدي يقال أعضله فهو معضل وعضيل كما سمع في أعقدت العسل فهو عقيد بمعنى معقد وأعله المرض فهو عليل بمعنى معل وفعيل بمعنى مفعل إنما يستعمل في المعتدى

والعضيل المستغلق الشديد ففي حديث أن عبدا قال يا رب لك


159
الحمد كما ينبغي بجلال وجهك وعظيم سأنك فأعضلت بالملكين فلم يدرينا كيف يكتبا الحديث قال أبو عبيد الله هو من العضال الأمر الشديد الذي لا يقوم له صاحبه انتى

فكأن المحدث الذي حدث به أعضله حيث ضيق المجال على من يوفيه إليه وحال بينه وبين معرفة روايته بالتعديل أو الجرح وشدد عليه الحال ويكون ذاك الحديث معضلا لإعضال الراوي له هذا تحقيق لغة وبيان استعارته هو في الإصطلاح الساقط منه أي من إسناده اثنان فصاعدا أي مع التوالي حتى لو سقط كل واحد من موضع كان منقطعا كما سلف لا معضلا ولعدم التقيد باثنين

قال ابن الصلاح إن قول المصنفين قال رسول الله من قبيل المعضل يعني كما قيل بمثله في المرسل والمنقطع وسواء في سقوط اثنين هذا الصحابي والتابعي أو أثنان بعدهما من أي موضع كان كل ذلك مع التقيد بالرفع الذي استغنى وعن التصريح به بما يفهم من القسم الثاني وعلم بهذا التعريف أنه أعم من المعلق من وجه ومبائن للمقطوع والموقوف وكذا مبائن للمرسل والمنقطع بالنظر لكثرة استعمالهم فيهما

ولا يأتي قول ابن الصلاح أنه لقب لنوع خاص من المنقطع فكل معضل منقطع ولا عكس إلا بالنظر للقول الآخر في المنقطع الذي لا يحصره في سقط راو واحد ولا يخصه بالمرفوع ز

وقول الحاكم نقلا عن علي بن المعتمد وغيره عن أئمتنا المعضل هو أن يكون بين المرسل الى النبي أكثر من رجل شامل أيضا لأكثر من اثنين لا سيما وقد صرح بعد بقوله فربما أعضل اتباع التابعين وأتباعهم الحديث إلى آخر كلامه الذي أرشد فيه لما تقدم مثله في أواخر المرسل مع كونه لم ينفرد به بل وافقه عليه أبو نصر السجزي وعزاه لأصحاب الحديث وهو عدم المبادرة


160
إلى الحكم قبل الفحص وإلا فقد يكون الحديث عن الراوي من وجه معضلا ومن آخر متصلا كحديث مالك الذي في الموطأ أنه بلغه أن أبا هريرة قال قال رسول الله ' للملوك طعامه وكسوتهفهذا معضل عن مالك لكونه قد روي عنه لكن خارج الموطأ عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة به

واستفيد من هذا المثال أيضا أن الحاكم لايخص السقط بانتهاء السند بل ولو كان في اقنائه كما علم مما تقدم ونحوه قول ابن الصلاح وكذلك ما يرويه من دون تابع التابعي عن أبي بكر وعمر وغيرهما يعني عن النبي ثم إن هذا الحديث بخصوصه لو لم نعلم كون الساقط منه اثنين لم يسغ التمثيل به وإنماهو منقطع على رأي الحاكم وغيره ممن يسمى المبهم منقطعا أو متصل في إسناده مجهول لأن قول مالك بلغني يقتضي ثبوت مبلغ ولا يمتنع أن يكون واحدا ومنه أي ومن المعضل قسم ثان وهو حذف النبي والصحابي رضي الله عنه معا ووقف متنه على من تبعا أو على التابع كقول الأعمش عن الشعبي يقال للرجل يوم القيامة عملت كذا وكذا فيقول ما عملته فيختم على فيه فتنطق جوارحه أو لسانه فيقول لجوارحه أبعدكن الله ماخاصمت إلا فيكن أخرجه الحاكم

وقال عقبة أعضله الأعمش وهو عند الشعبي متصل مسند أخرجه مسلم في صحيحه وساقه من حديثه فضيل بن عمر وعن الشعبي عن أنس قال كنا عند رسول الله فضحك فقال هل تدرون مم ضحكت قلنا الله ورسوله أعلم قال من مخاطة العبد ربه عز وجل يوم القيامة يقول يا رب ألم تجرني من الظلم فيقول بلى قال فإني لا أجيز اليوم على نفسي ساهدامني فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا فيختم على فيه ثم يقال لأركانه انطقي الحديث نحوه


161

وقال ابن الصلاح إنه حسن فالانقطاع بواحد مع الوقف صدق عليه الانقطاع باثنين الصحابي والرسول وهو باستحقاق اسم الإعضال أولى انتهى

ولا يتهيأ الحكم بكل ما أضيف إلى التابعي بذلك إلا بعد تنبيه أي على التابعي بجهة أخرى فقد يكون مقطوعا ثم إنه قد يكون الحديث معضلا ويجيء من غير طريق من أعضله متصلا كحديث خليد بن دعلج عن الحسن أخذ المؤمن عن الله أدبا حسنا إذا وسع عليه وسع وإذا قتر عليه قتر فهو مروي من حديث معاوية بن عبد الكريم الضال عن أبي همزة عن ابن عمر رفعة به ذكره الحاكم

وأعلم أنه قد وقع كما أفاده شيخنا التغيير بالمعضل في كلام جماعه من أئمه الحديث فيما لم يسقط منه شيء البته بل لإشكال في معناه وذكر لذلك أمثله ولم يذكر منها ما رواة الدولابي في الكنى من طريق خليد بن دعلج عن معاويه ابن قرة عن أبيه رضي الله عنه رفعه من كانت وصيته على كتاب الله كانت كفارة لما ترك من زكاته وقال هذا معضل معضل يكاد يكون باطلا

قال شيخنا فإما أن يكون يطلق على كل من المعنيين أو يكون المعرف به وهو المتعلق بالإسناد بفتح الضاد والواقع في كلام من أشير إليه بكسرها ويعنون به المستغلق الشديد أي الإسناد والمتن قال وبالجمله فالتنبيه عليه كان متعينا

تتمه قد يؤخذ من ترتيب الناظم تبعا لأصله هذه الأنواع الثلاثه أنها في الرتبه كذلك ويتأيد بقول الجوزجاني المعضل أسوأ حالا من المنقطع وهو


162
أسوأ حالا من المرسل وهو لايقوم به حجه انتهى

ومحل الأول في المنقطع من موضع واحد أما إن كان من موضعين أو أكثر فقد يكونان سواء


163
العنعنه
( وصحوا وصل معنعن سلم
من دلسه راويه واللقاء علم )
( وبعضهم حكا بذا إجماعا
ومسلم لم يشرط اجتماعا )
( لكن تعاصرا وقيل يشترط
طول صحابه وبعضهم شرط )
( معرفه الراوي بالأخذ عنه
وقيل كل ما أتانا منه )
( منقطع حتى يبين الوصل
وحكم أن حكم عن والجل )
( سووا وللقطع نحا البرديجي
حتى يبين الوصل في التخريج )
( قال ومثله رآى ابن شيبه
كذا له ولم يصوب صوبه )
( قلت الصواب أن من أدرك ما
راوة بالشرط الذي تقدما )
( يحكم له بالوصل كيفما روى
بقال أو عن أو بأن فسوا )
( وما حكى عن أحمد بن حنبل
وقول يعقوب على ذا نزل )
( وكثر استعمال عن في ذا الزمن
إجازة وهو بوصل ما قمن )
* * *

وما ألحق بها من المؤنن وقد يقال له المؤنان لما انتهى المنقطع جزما أردفه بالمختلف فيه والعنعنه فعلله من عنعن الحديث إذا راوة بعن من غير بيان للتحديث أو الإخبار أو السماع وصححوا أي الجمهور من


164
أئمه الحديث وغيرهم وصل مسند معنعن أتى عن رواة مسمين معروفين أن سلم من دلسه بضم الدال فعله من دلس وهو قياس مصدر فعل بكسر العين في الألوان والعيوب أي من تدليس راويه واللقاء المكنى به عن السماع بينه وبين من عنعن عنه علم وعليه العمل بحيث أودعه مشترطو والصحيح تصانيفهم وقبلوه

وقال أبو بكر الصيرفي الشافعي كل من علم له يعني ممن لم يظهر تدليسه سماع من إنسان فحدث عنه فهو على السماع حتى يعلم أنه لم يسمع منه ما حكاة وكل من علم له لقاء إنسان فحدث عنه فحكمه هذا الحكم

قال ابن الصلاح ومنى الحجه في ذلك في سائر الباب أنه لو لم يكن قد سمعه منه لكان بإطلاقه الروايه عنه من غير ذكر الواسطه بينه وبينه مدلسا والظاهر السلامه من وصمه التدليس والكلام فيمن لم يعرف بالتدليس وبعضهم كالحاكم حكي بذا المذهب إجماعا وعبارته الأحاديث المعنعنه التي ليس فيها تدليس متصله بإجماع أئمه النقل

وكذا قال الخطيب أهل العلم مجمعون على أن قول المحدث غير المدلس فلان صحيح معمول به إذا كان لقيه وسمع منه

وابن عبد البر في مقدمه تمهيده أجمعوا أي أهل الحديث على قبول الإسناد المعنعن لاخلاف بينهم في ذلك إذا أجمع شروطا ثلاثه العداله واللقاء مجالسه ومشاهده والبراءة من التدليس قال وهو قول مالك وعامه أهل العلم

ثم قال ومن الدليل على أن عن محموله عند أهل العلم بالحديث على الإتصال حتى يتبين ويعرف الإنقطاع فيها وساق الأدله وادعى أبو عمرو الداني أيضا تبعا للحاكم إجماع النقل على ذلك وزاد فاشترط ما سيأتي عنه قريبا


165

وبخدش في دعوى الإجماع قول الحارث المحاسبي وهو من أئمه الحديث والكلام ما حاصله اختلف ? أهل العلم فيما يثبت به الحديث على ثلاثه أقوال

أولها إنه لابد أن يقول كل عدل في الاسناد حدثني لو سمعت إلى أن ينتهي إلى النبي فإن لم يقولو أو بعضهم ذلك فلا لما عرف من روايتهم بالعنعنه فيما لم يسمعوة إلا أن يقال إن الاجماع راجع إلى ما استقر عليه ظالأمر بعد انقراض الخلاف السابق فيتخرج على المسأله الأصوليه في ثبوت الوفاق بعد الخلاف

ومع ذلك فقد قال القاضي أبو بكر بن الباقلاني إذا قال الصحابي فقال رسول الله كذا أو عن رسول الله كذا أو أن رسول الله قال كذا لم يكن صريحا في أنه سمعه من النبي بل هو محتمل لأن يكون قد سمعه منه أو من غيرة أفاده شيخنا ولا يتم الخدش به إلا إن كان قائلا باستواء الاحتمالين أما مع ترجيح أولهما فلا فيما يظهر

وممن صرح باشتراط ثبوت اللقاء علي بن المديني والبخاري وجعلاة شرطا في أصل الصحه وإن زعم بعضهم إن البخاري إنما إلتزم ذلك في جامعه فقط وكذا عزا اللقاء للملتحققين النووي بل هو مقتضى كلام الشافعي كما قاله شيخنا واقتضاة ما في شرح الرساله لأبي بكر الصيرفي ولكن مسلم لم يشرط في الحكم بالاتصال اجتماعا بينهما بل أكر استراطه في مقدمه صحيحه وادعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه وإن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثا ما ذهب هو إليه من عدم اشتراطه لكن اشترط تعاصرا أي كونهما في عصر واحد فقط وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا وتشافها يعني تحسينا الظن بالثقه قال ابن الصلاح وفيما قاله نظر انتهى


166

ووجهه فيما يظهر ما علم من تجويز أهل ذاك العصر فلو لم يكن مدلسا وحدث بالعنعنه عن بعض من عاصرة لم يدل ذلك على أنه سمع منه لأنه وإن كان غير مدلس فقد يحتما أن يكون أرسل عنه لشيوع الإرسال بينهم فاشترطوا أن يثبت أنه لقيه وسمع منه لتحمل عنعنته على السماع لأنه لو لم يحمل حينئذ على السماع لكن مدلسا والفرض السلامه من التدليس فبان رجحان اشتراطه

ويؤيده قول أبي حاتم في ترجمه أبي قلابه الجرمي أنه روى عن جماعه لم يسمع منهم لكنه عاصرهم كأبي زيد عمرو بن أخطب وقال مع ذلك أنه لا يعرف له تدليس ولذا قال شيخنا عقب حكايته في ترجمه أبي قلابه من تهذيبه إن هذا مما يقوى من ذهب إلى اشتراط اللقاء غير مكتف بالمعاصرة على أن مسلما موافق للجماعه فيما إذا عرف استحاله لقاء التابعي لذلك الصحابي في الحكم على ذلك بالانقطاع

وحينئذ فإكتفاة بالمعاصرة إنما هو فيما يمكن فيه اللقاء وقيل إنه يشترط طول صحابه بين المعنعن والذي فوقه قال أبو المظفر بن السمعاني وفيه تضضيق وبعضهم وهو ابن عمرو الداني شرط معرفه الراوي المعنعن بالأخذ عمن عنعن عنه كما حكاة ابن الصلاح عنه لكن بلفظ إذا كان معروفا بالروايه عنه والأمر فيه فريب

نعم الذي حكاة الزركشي عن قول الداني في جزء له في علوم الحديث مما هو منقول عن أبي الحسن القابسي أيضا اشترط إدراك الناقل للمنقول عنع إدراكا بينا فإما أن يكون أحدهما وهما أو قالهما معا فإنه لا مانع من الجمع بينهما بل قد يحتمل الكنايه بذلك عن اللقاء إذ معرفه الراوي بالأخذ عن شيخ بل وإكثارة عنه قد يحصل لمن لم يقله إلا مرة وقيل في أصل المسأله قول آخر وهو كل ما آتانا منه أي من سند معنعن وصف روايه


167
بالتدليس أم لا منقطع لا يحتج به حتى يبين الوصل بمجيئه من طريق المعنعن نفسه بالتحديث ونحوة

ولم يسم ابن الصلاح قائله كما وقع للرامهرمزي في كتابه المحدث الفاصل حيث نقله عن بعض المتأخرين من الفقهاء ووجهه بعضهم بأن عن لا إشعار لها بشيء من أنواع التحمل ويصح وقوعها فيما هو منقطع كما إذا قال الواحد منا مثلا عن رسول الله أوعن أنس أو نحوه

ولذلك قال شعبة كل إسنادليس فيه حدثنا وأحبرنا فهو خل وبقل

وقال أيضا فلان عن فلان ليس بحديث ولكن هذا القول كما قال النووي مردود بإجماع السلف انتهى

وفيه من التشديد مالا يخفي ويليه اشتراط طول الصحبه ومقابله في الطرف الآخر الاكتفاء بالمعاصرة وحينئذ فالمذهب الوسط الاقتصار على اللقاء وما خدشه به مسلم من وجود أحاديث اتفق الأئمه على صحتها مع أنها ما رويت إلا معنعنه ولم يأت في خبر قط أن بعض رواتها لقي شيخه فغير لازم إذ لم يلزم من نفي ذلك عنده نفيه في نفس الأمر

وكذا ما ألزم به من المعنعن دائما لاحتمال عدم السماع ليس بوارد إذ المسأله مفروضه كما تقدم في غير المدلس ومتى فرض أنه لم يسمع ما عنعنه كان مدلسا

فائدة قد ترد عن ولا يقصد بها الروايه بل يكون المراد سياق قصه سواء أدركها ويكون هناك شيء محذوف تقديرة عن قصه فلان وله أمثله كثيرة من أبينها ما رواة ابن أبي خيثمه في تاريخه حدثنا أبي حدثنا أبو بكر بن عياش حدثنا أبو اسحاق هو السبيعي عن أبي الأحوص يعني عوف بن مالك أنه خرج عليه خوارج فقتلوة


168

قال شيخنا فهذا لم يرد أبو اسحاق عن أبي الأحوص إنه أخبرة به وإن كان قد لقيه وسمع منه لأنه يستحيل أن يكون حدثه به بعد قتله وإنما المراد على حذف مضاف تقديره عن قصة أبي الأحوص وقد روى ذلك النسائي في الكنى من طريق يحيى بن آدم عن أبكر بن عياش سمعت أباإسحاق يقول خرج أبو الأحوص إلى الخوارج فقاتلهم فقتلوه

ولذا قال موسى بن هارون فيما نقله ابن عبد البر في التمهيد عنه كان المشيحة الأولى جائزا عندهمأن يقولوا عن فلان ولايريدون بذلك الرواية وإنما معناه عن قصة فلان وحكم أن بالتشديد والفتح حكم عن فيما تقدم فالجل بضم الجيم وتشديداللام أي المعظم من أهل العلم ومنهم مالك كما حكاه عنهم ابن عبد البر في التمهيد سووا بينهما وإنه لا اعتبار بالحروف والألفاظ وإنما هو باللقاء والمجالسه والسماع يعني مع السلامه من التدليس فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحا كان حديث بعضهم عن بعض بأي لفظ ورد محمولا على الإتصال حتى يتبين فيه الانقطاع يعني مالم يعلم استعماله خلافه كما سيأتي ويتأيد التسويه بين أن وعن بأن لغه بني تميم إبدال العين من الهمزة ولكن للقطع وعدم اتصال السند الآتي بأن محي بالحاء المهمله أي ذهب الحافظ أبو بكر البرديجي بفتح الموحده كما هو على اللسنه مع أن نسبه لبرديج على مثال فعليل بالكسر خاصه كما حكماة االصفاني في العياب حتى يبين أي يظهر الوصل بالتصريح منه بالسماع ونحوة لذلك الخبر بعينه في التخريج يعني في راويه أخرى حكاة ابن عبد البر عنه قال وعندي غنه لامعنى لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء قال فيه الصحابي قال رسول الله أو أن أو عن أو سمعت فكله عند العلماء سواء انتهى ولا يلزم من كونها في أحاديث الصحابه سواء أطراد ذلك فيمن بعدهم


169
على أن البرديجي لم ينفرد بذلك فقد قال أبو الحسن الحصار إن فيها اختلافا والاولى أن تلحق بالمقطوع أذ لم يتفقوا على عدها في المسند ولولا إجماعهم في عن لكان فيه نظر

قلت قد تقدم فيها الخلاف أيضا بل قال الذهبي عقب قول البرديجي إنه قوي قال ابن الصلاح ومثله بالنصب على المفعوليه أي مثل الذي نحاة البرديجي رأي الحافظ الفحل ابن شيبه عو أبو يوسف يعقوب السدوسي البصري في مسنده الفحل يعني الآتي في أدب الطالب فإنه حكم على راويه أبي الزبير عن محمد بن الحنفيه عن عمار قال أتيت النبي وهو يصلي فسلمت عليه فرد علي السلام بالإتصال

وعلى روايه قيس بن سعد عن عطاء بن أبي رباح عن ابن الحنفيه أن عمارا مر بالنبي وهو يصلي بالإرسال من حيث كونه قال إن عمارا ولم يقل عن عمار كذا له أي لابن الصلاح حيث فهم الفرق بين الصيغتين من مجردهما ولم يصوب أي لم يعرج صوبه أي صوب مقصد يعقوب في الفرق وذلك أن حكمه بالارسال إنما هو من جهه كونه أضاف إلى الصيغه الفعل الذي لم يدركه محمد بن الحنفيه أحد التابعين وهو مرور عمار إذ لا فرق بين أن يقول ابن الحنفيه أن عمارا مر بالنبي أو أن النبي مر بعمار فكلاهما سواء في ظهور الإرسال بخلاف الروايه الأخرى فإنه حكاها عن عمار فكانت متصله ولو كان أضاف لأن القول كأن يقول عن ابن الحنفيه أن عمارا قال مررت بالنبي لكان ظاهر الإتصال أيضا

وقد صرح البيهقي في تعليل الحكم بالإنقطاع فيما شبه هذا بذلك فإنه قال في حديث عكرمه بن عمار عن قيس بن طلق إن طلقا سأل النبي عن رجل يمس ذكرة وهو في الصلاة فقال لا بأس به إنما هو كبعض جسده هذا من يشهد سؤال طلق قلت وبالجمله


170
الصواب أن من أدرك ما رواة من قصه أو واقعه بالشرط الذي تقدما وهو السلامه من التدليس فيمن دون الصحابي يجكم بسكون الميم له أي لحديثه بالوصل كيف ما روى يقال أو بعن أو بأن وكذا ذكر وفعل وحدث وكان يقول وما جانسها فكلها سوا بفتح المهمله والقصر للضرورة ويجوز أن يكون سكن الهمزة ثم أبدلها الفاء وهي لغه فصيحه جاء بها القرآن

وممن صرح بالتسوية ابن عبد البر كما تقدم ولكن ينبغي تقييده لمن لم يعلم له استعمال خلافه كالبخاري فإنه قد يورد عن شيوخه يقال ما يرويه في موضع آخر بواسطة عنهم كما تقدم في التعليق وبمن عدى المتأخرين كما سيأتي قريبا

ولذا قال شيخنا إن ما وجد في عبارات المتقدمين يعني من ذلك فهو محم 3 ول على السماع بشرط إلا من عرف من عادته استعمال إصطلاح حادث

قال ابن المواق وهو أي التقييد بالإدراك أمر بين لاخلاف بين أهل التمييز من أهل هذا الشأن في انقطاع ما يعلم أن الراوي لم يدرك زمان القصه فيه

قال شيخنا وهو كما قال لكن في نقل الإتفاق نظر فقد قال أبو عمر بن عبد البر في الكلام على حديث ضمرة عن عبيد الله بن عبدالله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي ماذا كان يقرأ به النبي في الأضحى والفطر الحديث قال قوم هذا منقطع لأن عبيد الله لم يلق عمرو قال قوم بل هو متصل لأن عبيد الله لقي أبا واقد قال فثبت بهذا الخدش في الأتفاق وإن كنا لانسلمه لأبي عمر انتهى وفيه نظر فالظاهر أن الحكم عليه بالإتصال إنما هو لتجويز تحديث أبي واقد لعبيد الله وحينئذ يطول عندهم متصلا ولا يتم الخدش وقد نص ابن خزيمه على انقطاع حيث عبيد الله هذا وما


171
حكى أي ابن الصلاح عن الإمام أحمد بن حنبل أن عن عروة أن عائشه قالت يا رسول الله وعن عروة عن عائشه ليسا سواء

وكذا ما حكاه عن قول يعقوب بن شيبة على ذا أي المذكور من القاعدة نزال ثم إن حكم يعقوب بالإرسال مع الطريق المتصلة لامانع منه فعادة النقاد جارية بحكاية الاختلاف في الإرسال والوصل وكذا الرفع والوقف ونحو ذلك

ثم يرجحون ما يؤدي اجتهادهم إليه وقد لا يتهيأ لهم ترجيح ومما ينبه عليه شيئان أحدهما أن الخطيب مثل لهذه المسألة بحديث نافع عن ابن عمر عن عمر أنه سأل النبي أينام أحدنا وهو جنب وفي رواية عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال يا رسول الله ثم قال وظاهر الأولى يوجب أن تكون مسند عمر والثانية أن تكون من مسند ابن عمر

قال ابن الصلاح وليس هذا المثال مماثلا لما نحن بصدده لأنالاعتماد فيه في الحكم بالإتصالعلى مذهب الجمهور إنما هو على اللقاء والإدراك وذلك في هذا الحديث مشترك متردد لتعلقه بالنبي صلى الله عليه وسلام وبعمر وصحبه ابن عمر لهما فاقتضى ذلك من جهة كونه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلام ومن جهة أخرى كونه رواه عن عمر عن النبي

ثانيهما أن ما تقدم في كون عن وما أشبهها محمولا على السماع والحكم له بالاتصال بالشرطين المذكورين هو في المتقدمين خاصة وإلافقد قال ابن الصلاح لاأرى الحكم يستمر بعدهم فيما وجد من المصنفين في تصانيفهم مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه ذكر فلان قال فلان ونحو ذلك أي فليس له حكم الإتصال إلا إن كان له من شيخه أجازة يعني فإنه لا يلزم من كونه سمع عليه أو أخذ عنه أن تكون له منه أجازة قال بل كثير استعمالها بين المصنفين في التعليق وتعمد حذف الإسناد وهو فيما إذا لم يعز


172
ما يجيء بها الكتاب أصلا يعني كأن يقال في الكتاب الفلاني عن فلان أشد قال وكثر بين المنتسبين إلى الحديث استعمال عن في ذا الزمن المتأخر أي بعد الخمسمائة إجازة بالنصب على البيان فإذا قال الواحد من أهله قرأت على فلان عن فلان أو نحو ذلك فظن به أنه رواه بالإجازة وهومع ذلك بوصل ما أي بنوع من الوصل قمن بفتح القاف وكذا الميم للمناسبة وإن كان فيها الكسر أيضا أي جدير بذلك على ما لايخفى وإنما لم يثبت ابن الصلاح الحكم في أنه رواه بالإجازة لكونه كان قريبا من وقت استعمالهم لها كذلك وقبل فشوه

وأما الآن فقد تقرر واشتهر فليجزم به وقول الراوي أنا فلان أن فلانا حدثه

سيأتي في أواخر رابع أقسام التحمل حكاية أن ذلك إجازة مع النزاع فيه


173
تعارض الوصل والارسال أو الرفع والوقف
( واحكم ليوصل ثقه في الأظهر
وقيل بل إرساله للأكثر )
( ونسب الأزل للنظار
إن صححوة وقفي البخاري )
( لوصل لا نكاح إلا بولي
مع كون من ارسله كالجبل )
( وقيل الأكثر الأحفظ
فما إرسال عدل يحفظ )
( يقدح في أهليه الواصل أو
مسنده على الصح ورأوا )
( أن الأصح الحكم للرفع ولو
من واحد في ذا وذا كما حكوا )
* * *

وكان الأنسب ضمه لزيادات الثقات لتعلقه كما قال ابن الصلاح به ولكنه لما انجز الكلام في العنعنة لحديث عمار المروي متصلا من وجه ومرسلا من آخر ناسب أردافه بالحكم في مثل ذلك ونحوه فقال مبتدئا بالمسألة الأولى واحكم أيها الطالب فيما يختلف الثقات فيه من الحديث بأن يرويه بعضهم مرسلا لوصل ثقة ضابط سواء كان المخالف له واحدا أو جماعة أحفظ أم لا في الأظهر الذي صححه الخطيب وعزاه النووي للمحققين من أصحاب الحديث

قلت ومنهم البزار فإنه قال في حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رفعه لا تحل الصدقة إلا لخمسة رواه غير واحد منهم مالك


174
وابن عيينه كلاهما عن زيد بن أسلم عن عطاء مرسلا وأسنده عبد الرزاق عن معمر والثوري كلاهما عن زيد وإذا حدث بالحديث ثقة فأسنده كان عندي هو الصواب

قال الخطيب ولعل المرسل أيضا مسند عند الذين رووه مرسلا أو عند بعضهم إلا أنهم أرسلوه لغرض أو نسيان والناسي لا يقضي له على الذكر وقيل بل احكم لإرساله أي الثقة وهذا عزاء الخطيب للأكثر من أصحاب الحديث فسلوك غير الجادة دال على مزيد التحفظ كما أشار إليه النسائي وقيل إن الإرسال نوع قدح في الحديث فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل كما سيأتي آخر زيادات الثقات مع ما فيه ونسب ابن الصلاح القول الأول من هذين للنظار بضم النونوتشديد الظاء وآخر راء وزن فعال وهو جمع كثرة لما كان على فاعل وهو هنا أهل الفقه والأصول إن صححوه بفتح الهمزة وتخفيف النون من أن المصدرية منصوب على البدل أي تصحيحه إذا كان الراوي عدلا وكذا عزاه أبو الحسن بن القطان لاختيار أكثر الأصوليين واختياره هو أيضا وارتضاه ابن سيد الناس من جهة النظر لكن إذا استويا في رتبة الثقة والعدالة أو تقاربا وقضى إمام الصنعة البخاري لوصل حديث لانكاح إلا بولي الذي اختلف فيه على راويه أبي إسحاق السبيعي فرواه شعبة والثوري عنه عن أبي بردة عن النبي مرسلا ووصله عن حفيده إسرائيل بن يونس وشريك وأبو عوانة بذكر أبي موسى مع كون من أرسله كالجبل لأن لهما في الحفظ والإتقان الدرجة العالية قال البخاري الزيادة من الثقة مقبولة انتهى

ويشكل عليه وكذا على التعليق به أيضا في تقديم الرفع بل وعلى إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة نص إمامهم في شروط المرسل كما تقدم على أن يكون إذا شارك أحد من الحفاظ لا يخالف إلا أن يكون المخالفة بأنقص فإنها لا تضر لاقتضائه أن المخالفة بالزيادة تضر


175

وحينئذ فهو دال على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مطلقا وقياس هذا هنا يكون الحكم لمن أرسل أو وقف ويمكن أن يقال كلام الشافعي في راو يزيد اختيار حاله حيث لم نعلمه قبل بخلاف زيادة الثقة فليتأمل ولكن الحق أن القول بذلك ليس على إطلاقه كما سيأتي في بابه مع الجواب عن استشكال عزو الخطيب الحكم بالإرسال للأكثرين من أهل الحديث ونقله ترجيح الزيادة من الثقة عن الأكثرين من المحدثين والفقهاء وقيل وهو القول الثالث المعتبرما قاله الأكثر من وصل أو إرسال كما نقله الحاكم في المدخل عن أئمة الحديث لأن تطرق السهو والخطأ إلى الأكثر أبعد وقيل وهو الرابع المعتبر ما قاله الأحفظ من وصل أو إرسال

وفي المسألة قول خامس وهو التساوي قاله السبكي والظاهر أن محل الأقوال فيما لم يظهر فيه ترجيح كما أشار إليه شيخنا وأومأ إليه ما قدمته عن ابن سيد الناس وإلا فالحق حسب الاستقراء من صنيع متقدمي الفن كابن مهدي والقطان وأحمد والبخاري عدم المراد حكم كلي بل ذلك دائر مع الترجيح فتارة يترجح الوصل وتارة الإرسال وتارة يترجح عدد الذوات على الصفات وتارة العكس ومن راجع أحكامهم الجزئية تبين له ذلك والحديث المذكور لم يحكم له البخاري بالوصل المجرد أن الواصل معه زيادة بل لما اضم لذلك من قرائن رجحته ككون يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي أسحق موصولا ولا شك أن آل الرجل أحص به من غيرهم لا سيما وإسرائيل قال فيه ابن مهدي إنه كان يحفظ حديث جده كما يحفظ سورة الحمد

ولذلك قال الدارقطني يشبه أن يكون القول قوله ووافقهم على الوصل عشرة من أصحاب أبي إسحق ممن سمعته من لفظه واختلفت مجالسهم في الأخذ عنه كما جزم به الترمذي وأما شعبة والثوري فكان أخذهما له عنه عرضا في مجلس واحد لما رواه


176
الترمذي من طريق الطيالسي حدثنا شعبه قال سمعت الثوري يسأل أبا إسحاق أسمعت أبا بردة يقول قال رسول الله لا نكاح إلابولي فقال أبو إسحق نعم

ولا يخفى رجحان الأول هذا إذا قلنا حفظ الثوري وشعبه في مقابل عدد الأخرين مع أن الشافعي يقول العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد ويتأيد كل ذلك بتقديم البخاري نفسه للأرسال في أحاديث آخر لقرائن قامت عنده ومنها أنه ذكر لأبي داود الطيالسي حديثا وصله وقال إرساله أثبت

هذا حاصل ما أفاده شيخنا مع زيادة وسبقه لكون ذلك مقتضى كلام الأئمة العلائي ومن قبله ابن دقيق العيد وغيرهما وسيأتي قي المعلل أنه كثر الإعلال بالإرسال والوقف للوصل والرفع إنقويا عليها وهو شاهد لما قررناه ثم إذا مشينا على القول الرابع في الاعتبار بالأحفظ فما إرسال عدل يحفظ يقدح أي قدحا في أهليه الواصل من ضبط حيث لم تكثر المخالفة وعدالة أو في مسنده أي في جميع حديثه الذي رواه بسنده لا في المختلف فيه للقدح فيه بلا شك واو هنا للجمع المطلق كالواو كما دلت عليه عبارة ابن الصلاح الآتية

وحينئذ فهو تأكيد وإلا فقد يقال إن التصريح بعدم القدح في الضبط والعدالة يغني عن التصريح بعدم القدح في مروية لا ستلزامها ذلك غالبا وما هي النافية الحجازية وإرسال عدل يحفظ اسمها وخبرها جملة يقدح فإن قيل كيف اجتمع الرد لمسنده هذا مع عدم القدح في عدالته ? فالجواب أن الرد للاحتياط وعدم القدح فيه لإمكان إصابته ووهم الأحفظ وعلى تقديره تحقق خطأه مرة لا يكون مجرحا به كما سيأتي قريبا التصريح به عن الدارقطني وهذا الحكم على الأصح من القولين فهو الذي قدمه ابن الصلاحُُُُ


177
حيث قال ثم لا يقدح في عدالة من وصله وأهليه قال ومنهم من قال من أسند حديثا قد أرسله الحفاظ فإرسالهم له يقدح في مسنده وعدالته وأهليته وعبارة الخطيب في الأول لأن إرسال الراوي للحديث ليس بجرح لمن وصله ولاتكذب له

وفي الثاني على لسان القائلين به لأن إرسالهم له يقدح في مسنده فيقدح في عدالته ورأوا أي أهل الحديث في تعارض الرفع والوقف بأن يروي الحديث بعض الثقات مرفوعا وبعضهم موقوفا وهي المسألة الثانية إن الأصح كما قال ابن الصلاح الحكم للرفع لأن روايه مثبت وغيره ساكت ولو كان نافيا فالمثبت مقدم عليه لأنه علم ما خفى عليه

والثاني أن الحكم لمن وقف حكاه الخطيب أيضا عن أكثر أصحاب الحديث وفيها ثالث أشار إليه ابن الجوزي في موضوعاته حيث قال إن البخاري ومسلما تركا أشياء تركها قريب وأشياء لا وجه لتركها فمما لا وجه لتركه أن يرفع الحديث ثقة فيقفه آخر فترك هذا لا وجه له لأن الرفع زيادة والزيادة من الثقة مقبولة إلا أن يقفه الأكثرون ويرفعه واحد فالظاهر غلطة وإن كان من الجائز أن يكون حفظ دونهم انتهى ونحوه قول الحاكم

قلت للدارقطني فخلاد بن يحيى فقال ثقة إنما أخطأ في حديث واحد فرفعه ووقفه الناس وقلت له فسعيد بن عبيد الله الثقفي فقال ليس بالقوي يحدث بأحاديث يسندها وغيره يقفها ولكن الأول كما تقدم أصح ولو كان الاختلاف من راو واحد في ذا وذا أي في كل من الموضعين كان يرويه مرة متصلا أو مرفوعا ومرة مرسلا أو موقوفا كما حكوا أي الجمهور وصرح ابن الصلاح بتصحيحه وعبارة الناظم في تخريجه الكبير للاحياء عقب حديث اختلف راويه في رفعه ووقفه الصحيح الذي عليه الجمهور أن الراوي إذا روى الحديث مرفوعا وموقوفا فالحكم للرفع لأن معه في حالة الرفع زيادة هذا هو المرجع عند أهل الحديث انتهى


178

وأما الأصوليون فصحح بعضهم كالإمام فخر الدين وأتباعه أن الاعتبار في المسألتين بما وقع منه أكثر وزعم بعضهم أن الراجح في قول أئمة الحديث في كليهما التعارض على أن الماوردي قد نقل عن الشافعي رحمه الله أنه يحمل الموقوف على مذهب الراوي والمسند على أنه روايته يعني فلا تعارض حينئذ

ونحوه قول الخطيب اختلاف الروايتين في الرفع والوقف لايؤثر في الحديث ضعفا لجواز أن يكون الصحابي يسند الحديث ويرفعه إلى النبي مرة ويذكره مرة على سبيل الفتوى بدون رفع فيحفظ الحديث عنه على الوجهين جميعا لكن خص شيخنا هذا بأحاديث الأحكام أما ما لا مجال للرأي فيه فيحتاج إلى نظر يعني في توجيه الإطلاق وإلا فقد تقدم أن حكمه الرفع لا سيما وقد رفعه أيضا ثم إن محل الخلاف كما قاله ابن عبد الهادي إذا اتحد السند أما إذا اختلف فلا يقدح أحدهما في الآخر إذا كان ثقة جزما كراوية ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رفعه إذا اختلطوا فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس الحديث في صلاة الخوف

ورواه ابن جريج أيضا عن ابن كثير عن مجاهد من قوله فلم يعدوا ذلك علة لاختلاف السندين فيه بل الموفوع في صحيح البخاري ولشيخنا يبان الفصل لما رجح فيه الإرسال على الوصل ومزيد النفع لمعرفة ما رجح فيه الوقف على الرفع


179
التدليس
( تدليس الإسناد كمن يسقط من
حدثه ويرتقي بعن وإن )
( وقال يوهم اتصالا واختلف
في أهله فالرد مطلقا تقف )
( والأكثرون قبلوا ما صرحا
ثقاتهم وصله وصححا )
( وفي الصحيح علة كالأعمش
وكهشيم بعده وفتش )
( وذمه شعبه ذو الرسوخ
ودونه التدليس للشيوخ )
( أن يصف الشيخ بما لا يعرف
به وذا بمقصد يختلف )
( فشرة للضعف واستصغارا
والخطيب يوهم استكثارا )
( والشافعي أثبته بمرة
قلت وشرها أخو التسويه )
* * *

لما تم جرى الكلام إليه رجع لبيان التدليس المفتقر حكم العنعنة واشتقاقه من الدلس بالتحريك إذ هو اختلاص الظلام كأنه لتغطيته على المواقف عليه أظلم أمره تدليس الإسناد وهو قسمان أولهما أنواع كمن يسقط من حدثه من الثقات لصغره أو الضعفاء إما مطلقا أو عند من عداه ويرتقي الشيخ شيخه فمن فوقه ممن عرف إلقاؤه له بعن وإن بتشديد النون المسكنة للضرورة وقال وغيرها من الصيغ المحتملة لئلا يكون كذبا يوهم بذلك إتصالا فخرج باللقاء الرسل الخفي فهما وإن اشتركا


180
في الانقطاع فالمرسل يختص بمن روى عمن عاصره ولم يعرف أنه لقيه كما حققه شيخنا تبعا لغيره على ما سيأتي في بابه قال وهو الصواب لإطباق أهل العلم بالحديث

على أن رواية المخضرمي كأبي عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم عن النبي من قبيل الإرسال لا من قبيل التدليس فلو كان مجرد المعاصره يكتفي به في التدليس لكان هو لا مدلسين لأنهم عاصروا النبي صلى اله عليه وسلم قطعا ولكن لم يعرفه هل لقوة أملا وكني شيخنا باللقاء عن السماع لتصريح غير واحد من الأئمة في تعريفه بالسماء كما أشار إليه الناظم في تقييده فإن قال بعد قول ابن الصلاح إنه رواية الراوي عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه أو عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه لقيه وسمعه وقد حده غير واحد من الحفاظ منهم البزاز بما هو أخص من هذا فقال في جزء له في معرفة من يترك حديثه أو يقبل هو أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه

وكذا قال الحافظ أبو السحن بن القطان في بيان الوهم والإيهام له قال والفرق بينه وبين الإرسيا هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه

ولما كان في هذا أنه قد سمع كانت روايته عنه بما لم يسمع منه كأنها إيهام سماعه ذلك الشيء فلذلك يسمى تدليسا وارتضاه شيخنا لتضمنه الفرق بين النوعين

وخالف شيخه في ارتضائه هنا من شرحه حد ابن الصلاح وفي قوله في التقييد إنه هو المشهور بين أهل الحديث وقال إن كلام الخطيب في كفايته يؤيد ما قاله ابن القطان

قلت وعبارته فيها هو تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه أنه سمعه منه أي التدليس ويعدل عن


181
البيان لذلك

قال ولو بين أنه لم يسمعه من الشيخ الذي دلسه عنه وكشف ذلك لصار ببيانه مرسلا للحديث غير مدلس فيه لأن الإرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعا ممن لم يسمع منه وملاقيا لمن يلقه إلا أن التدليس الذي ذكرناه متضمن الإرسال لامحالة لامساك المدلس عن ذكر الواسطة

وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمعه فقط وهو الموهن لأمره فوجب كون التدليس متضمنا للارسال والإرسال لا يتضمن التدليس لأنه لا يقتضي إبهام السماع ممن لم يسمع منه ولهذا لم يذم العلماء من أرسل يعني لظهور السقط وذموا من دلس وأصرح منه قول ابن عبد البر في التمهيد التدليس عند جماعتهم إتفاقا هو ان يروي عمن لقيه وسمع منه وحدث عنه بما لم يسمعه منه وإنما سمعه من غيره ممن ترضى حاله أو لا ترضى على أن الأغلب في ذلك أنه لو كانت حاله مرضية لذكره وقد يكون لأنه استضغره

قال وأما حديث الرجل عمن لم يلقه كمالك عن سعيد بم المسيب والثوري عن ابراهيم النخعي فاختلفوا فيه فقالت فرقه إنه تدليس لأنهما لو شاء يسيما من حديثهما كما فعلا في الكثير مما بلغهما عنهما قالوا أبو سكوت المحدث عن ذكر من حدثه من علمه به دلسه وقالت طائفه من أهل الحديث إنما هو إرسال قلوا فكما جاز أنه يرسل سعيد عن النبي وعن أبي بكر وعمر وهو لم يسمع منهما ولم يسم أحد من أهل العلم ذلك تدليسا كذلك مالك عن سعيد قال وليس كان هذا تدليسا فما أعلم أحد من العلماء قديما ولا حديثا سلم منه إلا شعبه والقطان فإنهما ليسا يوجد لهما شيء من هذا ولا سيما شعبه انتهى

وكلامه بالنظر لما اعتمدة يشير أيضا إلى الفرق بين التدليبس والإرسال


182
الخفي والجلي لإدراك مالك لسعيد في الجمله وعدم إدراك الثوري للنخعي أصلا ولكنه لم يتعرض لتخصيصه بالثقه فتخصصه بها في موضع آخر من تمهيده اقتصار على الجائز منه لأنه قد صرح في مكان آخر منه بذمه في غير الثقه فقال ولا يكون ذلك عندهم إلا عن ثقه فإن دلس عن غير ثقه فهو تدليس مذموم عند جماعه أهل الحديث

وكذلك إن حدث عمن لم يسمع منه فقد جاوز حد التدليس الذي رخص فيه من رخص من العلماء إلى ما ينكرونه ويذمونه ولا يحمدونه وسبقه لذلك يعقوب بن شيبه كما كاه الخطيب عنه وهو مع قوله في موضع آخر إنه إذا وقع فيمن لم يلقه أقبح اسمج يقتضي أن الإرسال أشد بخلاف قوله الأول فهو مشعر بأنه أخف فكأنه هذا عني الخفي لما فيه من إيهام اللقاء والسماع معا وهناك غبي الجلي لعدم الإلتباس فيه لا سيما وقد ذكر أيضا أن الإرسال قد يبعث عليه أمور لا تضبر كأن يكون سمع الخبر من جماعه عن المرسل عنه بحيث صح عنده ووقر في نفسه أو نسي شبخه فيه مع علمه به عن المرسل عنه أو كان أخذه له مذاكرة فينتقل الإسناد لذلك دون الإرسال أو لمعرفه المتخاطبين بذلك الحديث وإشتهارة بينهم أو لغير ذلك مما هو في معناة

والظاهر أن هذا في الجلي إذا علم فقد أدرج الخطيب ثم النووي في هذا القسم تدليس التسويه كما سيأتي

ووصف غير واحد بالتدليس من روى عمن رآة ولم يجالسه وبالصيغه الموهومه بل وصف به من صرح بالإخبار في الإجازة كأبي نعيم أو بالتحديث في الوجاده كإسحاق بن راشد الجزري وكذا فيما لم يسمه كفطر بن خليفه أحد من روى له البخاري مقرونا ولذا قال على بن المديني قلت ليحيى بن سعيد القطان يعتمد على قول فطرثنا ويكون موصولا فقال لا فقلت أكان ذلك منه شجبه قال نعم وكذا قال القلاس أن القطان قال


183
له وما ينتفع بقوله فطرثنا عطا ولم يسمع منه

وقال ابن عمار عن القطان كان فطر صاحب ذي سمعت سمعت يعني أنه يدلس فيما عداها ولعله تجوز في صيغة الجمع فأوهم دخوله كقول الحسن البصري خطبنا ابن عباس وخطبنا عتبة بن غزوان وأراد أهل البصرة بلده فإنه لم يكن بها حين خطبتها ونحوه في قوله حدثنا أبو هريرة وقول طاؤس قدم علينا اليمن وأراد أهل بلده فإنه لم يدركه كما سيأتي الإشارة لذلك في أول أقسام التحمل ولكن ضيع فطر فيه عبارة تستلزم تدليسا صعبا كما قال شيخنا وسبقه عثمان بن خرار فإنه لما قال لعثمان بن أبي شيبة إن أبا هشام الرفاعي يسرق حديث غيره ويرونه وقال له ابن أبي شيبة أعلى وجه التدليس أو على وجه الكذب قال كيف يكون تدليسا وهو يقول حدثنا

وكذا من أسقط أداة الرواية أصلا مقتصرا على إسم شيخه ويفعله أهل الحديث كثيرا ومن أمثلته وعليه إقتصر إبن الصلاح في التمثيل لتدليس الإسناد ما قال علي بن حشرم كنا عند إبن عيينة فقال الزهري فقيل له حدثك الزهري فسكت ثم قال الزهري فقيل له أسمعته من الزهري فقال لا لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أخرجه الحاكم ونحوه أن رجلا قال لعبد الله بن عطاء الطائفي حدثنا بحديث من توضأ فأحسن الوضوء دخل من أي أبواب الجنة شاء فقال عقبة بن عامر فقيل سمعته من قال لا حدثني سعد بن إبراهيم فقيل لسعد فقال حدثني زياد بن مخراق فقيل لزياد حدثني رجل عن شهر بن حوشب يعني عن عقبة

وسماه شيخنا في تصنيفه في المدليس القطع ولكنه قد مثل له في نكته على ابن الصلاح بما في الكامل لابن عدي وغيره عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول حدثنا ثم يسكت وينوي القطع ثم يقول هشام


184

بن عروة عن أبيه عن عائشة وحينئذ فهو نوعان ونحوه تدليس العطف وهو أن يصرح بالتحديث في شيخ له ويعطف عليه شيخا آخر له ولا يكون سمع ذلك المروي منه سواء إشتراكا في الراوية عن شيخ واحد كما قيده به شيخنا لأجل المثال الذي وقع له وهو أخف أم لا فروى الحاكم في علومه قال احتمع اصحاب هشيم فقالوا لا تكتب عنه اليوم شيئا مما يدلسه ففطن لذلك فلما جلس قال حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم وساق عدة أحاديث فلما فرغ قال هل دلست لكم شيئا قالوا لا فقال بلى كلما حدثتكم عن حصين فهو سماع ولم أسمع من مغيرة شيئا وهذا محمول على أنه نوى القطع ثم قال وفلان أي وحدث فلان وبالجملة فهذه أنواع لهذا القسم ( واختلف في أهله ) أي أهل هذا القسم المعروفين به أيرد حديثهم أم لا ( فالرد ) لهم ( مطلقا ) سواء تبينوا للسماع أم لا دلسوا عن الثقات أم لا ( تقف ) بضم المثلثة بعدها قاف ثم فاء أي وجد كما قال ابنت الصلاح تبعا للخطيب وغيره عن فريق من المحدثين والفقهاء حتى بعض من احتج بالمرسل محتجين لذلك بأن التدليس نفسه جرح لما فيه من التهمة والغش حيث عدل عن الكشف إلى الإحتمال وكذا التشيع بما لم يعط حيث يوهم السماع لما لم يسمعه والعلو وهو عنده بنزول الذي قال إبن دقيق العيد أنه أكثر قصد المتأخرين به

وممن حكى هذا القول القاضي عبد الوهاب في الملخص فقال التدليس جرح فمن ثبت تدليسه لا يقبل حديثه مطلقا قال وهو الظاهر على أصول مالك وقيده إبن السمعاني في القواطع بما إذا استكشف فلم يخبر بإسم من يروي عنه

قال لأن التدليس تزوير وإيهام لما لا حقيقه له وذلك إما أن أخبر فلا والثاني القبول مطلقا صرحوا أم لا حكاه الخطيب في كفايته عن خلق كثيرين من أهل العلم


185

قال وزعموا أن نهاية أمره أن يكون مرسلا والثالث وعزاه ابن عبد البر الأكثر ائمة الحديث التفصيل من كان لا يدلس إلا عن الثقات كان تدليسه عند أهل العلم مقبولا وإلا فلا قاله البزاز وبه أشعر قول ابن الصباغ في تدليس الضعيف يجب أن لا تقبل خبره وبالتفصيل صرح أبو الفتح الآزدي

وأشار إليه الفقيه أبو بكر الصيرفي في شرح الرسالة وجزم به أبو حاتم ابن حبان وابن عبد البر وغيرهما في حق سفيان بن عيينة

وبالغ ابن حبان في ذلك حتى قال إنه لا يوجد له تدليس قط إلا وجد بعينه قد بين سماعه فيه من ثقة يعني كما قيل في سعيد بن المسيب على ما معنى في المرسل

وفي سؤالات الحاكم للدارقطني أنه يسأل عن تدليس ابن جريج فقال يجتنب وأما ابن عيينة فإنه يدلس عن الثقات

ولذا قيل أما الإمام ابن عيينة فقد اغتفروا تدليسه من غير رد ومما وقع لابن عيينة أنه روى بالعنعنة عن عمرو بن دينار ثم تبين حين سئل أن بينهما علي بن المديني عن أبي عاصم عن ابن جريج أخرجه الخطيب وتقدم عنه التدليس عن الزهري بواسطتين فقط لكن مع حذف الصيغة أصلا

وكذا قيل في حميد الطويل إنه لم يسمع من أنس إلا اليسير وجل حديثه إنما هو عن ثابت عنه ولكنه يدلسه

فقال العلائي ردا على من قال إنه لا يحتج من حديث حميد إلا بما صرح فيه قد تبين الواسطة فيها وهو ثقة محتج به

والرابع إن كان وقوع التدليس منه نادرا قبلت عنعنة ونحوها وإلا فلا وهو ظاهر جواب ابن المديني فإن يعقوب بن شيبة قال سألته عن


186
الرجل يدلس أيكون حجة فيما لم تقل فيه حدثنا فقال إذا كان الغالب عليه التدليس فلا والأكثرون من أئمة الحديث والفقه والأصول قبلوا من حديثهم ما صرحا ثقافتهم خاصة بوصلة كسمعت وحدثنا وشبههما لأن التدليس ليس كذبا وإنما هو تحسين لظاهر الإسناد كما قال البزاز وضرب من الإيهام بلفظ محتمل فإذا صرح قبلوه واحتجوا به وردوا ما أتى منه باللفظ المحتمل وجعلوا حكمه حكم المرسل ونحوة وهذا التفضيل هو خامس الأقوال فيهم وصححا ببنائه للمفعول أي هذا القول وممن صححه الخطيب وابن الصلاح فعلى هذا فيجوز فتح أوله أي صحح ابن الصلاح هذا القول ولكنه لم يصرح بحكايته عن الأكثرين

ومن حكاة العلائي بل نفي ابن القطان الخلاف في ذلك وعبارته إذا صرح المدلس الثقه بالسماع قبل بلا خلاف وإن عنعن ففيه الخلاف

وقريب منه قوا ابن عبد البر المدلس لا يقبل حديثه حتى يقول حدثنا أو سمعت فهذا مالا أعلم به خلافا وكأنه سلف النووي رحمه الله في حكايته في شرح المذهب الاتفاق على أن المدلس لا يحتج بخبرة إذا عنعن ولكنه متعقب بما تقدم إلا أن قيد بمن لا يحتج بالمرسل وكذا يتعقب نفي ابن القطان اخلاف فيما إذا صرح بما تقدم وإن وافق على حكايته الخلاف في المعنعن

وممن ذهب إلى هذا التفضيل الشافعي وابن معين وابن المديني بل وظاهر كلامه قبول عنعنتهم إذا كان التدليس نادرا كما حكيته قريبا وفي كتب الصحيح لكل من البخاري ومسلم وغيرهما عله من الرواة المدلسين مخرج لحديثهم مما صرحوا فيه بالتحديث كالأعمش مع قول مهنا سألت أحمد لم كرهت مراسيله قال لأنه كان لا يبالي عمن حدث وكهشيم مصغر بن بشير بالتكبير الواسطي المتاخر بعده واحد الآخذين عنه فقط


187

قال ابن سعد سإنه كان يدلس كثيرا فما قال فيه أما فهو حجه وإلا فليس بشيء وسئل ما يحملك على التدليس فقال إنه أشهى شيء وغيرهما كحميد الطويل فإنه قال ابن سعد أيضا ثقه كثير الحديث إلا أنه ربما دلس على أنس وقتاده وفتش الصحاح فإنك تجد بها التخريج بجماعه كثيرين مما صرحوا فيه بل ربما يقع فيها من معنعنهم ولكن هو كما قال الصلاح وتبعه النووي وغيرة محمول على ثبوت السماع عندهم فيه من جهه أخرى إذا كان في أحاديث الأصول لا المتبعات تحسينا للظن بمصنفيها يعني ولو لم تقف نحن على ذلك لا في المستخرجات التي هي مظنه لكثير منه ولا في غيرها وأشار ابن دقيق العبد إلى التوقيف في ذلك فإنه قال بعد تقرير أن معنعن المدلس كالمنقطع ما نصه وهذا جاز عللاى القياس إلا أن الجي عليه في تصرفات المحدثين وتخريجاتهم صعب عسير يوجب أطراح كثير من الأحاديث التي صححوها إذ يتعذر علينا صعب عسير سماع المدلس فيها من شيخه اللهم إلا أن يدعي مدع أن الأولين اطلعوا على ذلك وإن لم نطلع نحن عليه وفي ذلك نظر انتهى

وأحسن من هذا كله قول القطب الحلبي في القدح المعلى أكثر العلماء أن المعنعنات التي في الصحيحين منزلة منزلة السماع يعني إما لمجيئها من وجه آخر بالتصريح أو لكونه المعنعن ال يدلس إلا عن ثقة أو عن بعض شيوخه أو لوقوعها من جهة بعض النقاد الحققين سماع المعنعن لها ولذا استثنى من هذا الخلاف الأعمش وأبو اسحق وقتاده بالنسبه لحديث شعبة خاصة عنهم فإنه قال كفيتم تدليسهم فإذا جاء حديثهم من طريقه بالعنعنة حمل على السماع جزما وأبو اسحاق فقط بالنسبة لحديث القطان عن زهير عنه وأبو الزبير عن جابر بالنسبة لحديث الليث خاصة والثوري بالنسبة لحديث القطان عنه بل قال البخاري لا يعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ولا عن سلمة بن كهيل ولا عن منصور عن كثير من مشايخه تدليس


188
ما أقل تدليسه

وما أشار إليه شيخنا من إطلاق تخريج أصحاب الصحيح لطائفة منهم حيث جعل منهم قسما احتمل الأئمة تدليسه وخرجوا له في الصحيح لإمامة وقلة تدليسه في جنب ما روى كالثوري يتنزل على هذا لا سيما وقد جعل من هذا القسم من كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة

وكلام الحاكم يساعده فإنه قال ومنهم جماعة من المحدثين المتقدمين والمتأخرين فخرج حديثهم في الصحيح إلا أن المتبحر في هذا العلم يميز ما سمعوه وبين ما دلسوه

وكذا يستثنى من الخلاف من أكثر التدليس عن الضعفاء والمجاهيل كبقية ابن الوليد لاتفاقهم كما قاله شيخنا على انه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا بالسماع فيه أو من ضعف بأمر آخر سوى التدليس فإن هؤلاء حديثهم مردود جزما ولو صرحوا بالسماع إلا إن توبعوا أو لو كان الضعف يسيرا كابن لهيعة

وأما حكمه فقال يعقوب بن شيبة جماعة من المحدثين لا يرون بالتدليس بأسا يعني وهو الفاعلون له أو معظمهم وذمة أي أصل التدليس لا خصوص هذا القسم شعبة بن الحجاج ذو الرسوخ في الحفظ والإتقان بحيث لقب أمير المؤمنين في الحديث فروى الشافعي عنه أنه قال التدليس أخو الكذب وقال غندر عنه إنه أشد من الزنا ولأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أدلس

وقال أبو الوليد الطيالسي عنه لأن أخرمن السماء إلى الأرض أحب إلى من أقول زعم فلان ولم أسمع ذلك الحديث منه

ولم ينفرد شعبة بذمه بل شاركه ابن المبارك في الجملة الأخيرة وزاد


189
أن الله لا يقبل التدليس

وممن أطلق على فاعله الكذب أبو أسامة وكذا قرنه به بعضهم وقرنه آخر بقذف المحصنات وقال سليمان بن داود المنقري التدليس والغش والغرور والخداع والكذب تحشر يوم تبلى السرائر في نفار واحد بالمعجمة أي طريق وقال عبد الوارث بن سعيد إنه ذل يعني لسؤاله أسمع أم لا

وقال ابن معين إني لأزين الحديث بالكلمة فأعرف مذلة ذلك في وجهي فأدعه

وقال حماد بن زيد هو متشبع بما لم يعط ونحوه قول أبي عاصم النبيل أقل حالاته عندي إنه يدخل في حديث المتشبع بما لم يعط كلابس ثوب زور

وقال وكيع الثوب لايحل تدليسه فكيف الحديث وقال بعضهم أدنى ما فيه التزين وقال يعقوب بن شيبة وكرهه جماعة من المحدثين ونحن نكرهه زاد غيره وتشتد الكراهة إذا كان المتروك ضعيفا فهو حرام ولكن اختص شعبة منه مع تقدمه بالمزيد كما ترى على أن شعبة قد عيب بقوله لأن أزني أحب إلى من أن أحدث عن يزيد من أبان الرقاشي فقال يزيد بن هارون راوي ذلك عنه ما كان أهون عليه الزنا

قال الذهبي وهو أي التدليس داخل في قوله عليه السلام من غشنا فليس منا لأنه يوهم السامعين إن حديثه متصل وفيه انقطاع هذا إن دلس عن ثقة فإن كان ضعيفا فقد خان الله ورسوله بل هو كما قال بعض الأئمة حرام إجماعا وأما ما نقله ابن دقيق العبد عن الحافظ أبي بكر أنه قال التدليس اسم ثقيل شنيع الظاهر لكنه خفيف الباطن سهل المعنى فهو محمول على غير المحرم منه ودونه أي دون الأول من تسمى تدليس الإسناد وفصل عنه لعدم الحذف فيه التدليس للشيوخ ثاني قسميه لتصريح ابن الصلاح بأن أمره


190
أخف وهو أن يصف المدلس الشيخ الذي سمع ذاك الحديث منه بما لا يعرف أي يشتهر به من اسم أو كنيته أو نسبه إلى قبيلة أو بلدة أو صنعه أو نحو ذلك كي يوعر معرفة الطريق على السامع ويجوز أن تكون أن وما بعدها في موضع رفع على البيان لقوله التدليس ومن أمثلة ذلك قول أبي بكر بن مجاهد المقري حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله يريد به الحافظ أبا بكر ابن صاحب السنن الحافظ أبي داود

وقوله أيضا حدثنا محمد بن سند يريد به أبا بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد النقاش نسبة لجد له وذا الفعل ( ب ) اختلاف مقصد بكسر المهملة حامل لفاعله عليه يختلف في الكراهة فشره ما كانت تعطيه للضعف في الراوي كما فعل في محمد السائب الكلبي الضعيف حيث قيل فيه حماد لتضمنه الخيانة والغش والغرور وذلك حرام هنا وفي الذي قبله كما تقدم إجماعا إلا أن يكون ثقة عند فاعله فهو اسهل ان لم يكن قد انفرد هو بتوثيقه مع علمه بتضعيف الناس له ومع ذلك فهت أسهل من الأول أيضا كما أشرت إليه في المرسل ( و ) يكون استصغار لسن الذي حدثه به إما بأن يكون أصغر منه أكبر لكن بيسير أو بكثير لكن تأخرت وفاته حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه

وقد روى الحارث بن أبي أسامة عن أبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن أبي الدنيا الحافظ الشهير صاحب التصانيف فلكون الحارث أكبر منه قال فيه مرة عبد الله بن عبيد ومرة عبيد الله بن سفيان ومرة أبو بكر بن سفيان ومرة أبو بكر الأموي قال الخطيب وذلك خلاف موجب العدالة ومقتضى الديانة من التواضع في طلب العلم وترك الحميئة في الإخبار بأخذ العلم عمن أخذه

قلت وقد يكون للخوف من عدم أخذه عنه وانتشاره مع الاحتياج إليه


191
أو لكون المدلس عنه حيا وعدم التصريح به أبعد عن المحذور الذي نهى الشافعي عنه لأجله

ومنه قول شيخنا أخبرنا أبو العباس بن أبي الفرج بن أبي عبد الله الصحراوي بقرائتي عليه بالصالحية وعني لذلك الولي أبا زرعة ابن شيخه الزين أبي الفضل العراقي ولم يتنبه له إلا أقرأه مع تحديثه لذلك حتى لجماعة من خواص الولي وملازميه وما علموه ويكون كفعل الخطيب الحافظ المكثر من الشيوخ والمسموع في تنويع الشيخ الواحد حيث قال مرة أخبرنا الحسن بن محمد الخلال ومرة أخبرنا الحسن بن أبي طالب ومرة أخبرنا أبو محمد الخلال والجميع واحد

وقال مرة عن أبي القاسم الأزهري ومرة عن عبيد الله بن أبي القاسم الفارسي ومرة عن عبيد الله بن أحمد بنت عثمان الصيرفي والجميع واحد

وقال مرة أخبرنا علي بن أبي علي البصري ومرة أخبرنا علي بن المحسن ومرة أخبرنا أبو القاسم التنوخي ومرة أخبرنا علي بن الحسن ويصفه مرة بالقاضي ومرة بالعدل إلى غيرها مراده بهذا كله أبو القاسم علي بن أبي على المحسن ابن علي التنوخي البصري لأهل القاضي وهو مكثر في تصانيفه من ذلك جدا ويقرب منه ما يقع البخاري في شيخه الذهلي فإنه تارة يقول حدثنا محمد ولا ينسبه وتارة محمد بن عبدالله فينسبه إلى جده وتارة محمد بن خالد فينسبه إلى والد جده ولم يقل في موضعه محمد بن يحيى في نظائر لذلك كثيرة وستأتي جملة منها فيمن ذكر بنعوت متعددة يوهم الفاعل بذلك استكثارا من الشيوخ حيث يظن الواحد ببادىء الرأي جماعة وإلى ذلك أشار الخطيب بقوله أو تكون أحاديثه التي عنده كثيرة فلا يجب تكرار الرواية عنه فيعتبر حاله لذلك

قلت ولكن لا يلزم من كون الناظر قد يتوهم الإكثار أن يكون مقصود


192
تأويل الظن بالأئمة خصوصا من اشتهر إكثاره مع ورعه خلافا لما يتضمن من التشبع والتزين الذي يراعي تجنبه أرباب الصلاح والقلوب كما نبه عليه ياقوتة العلماء المعافى بن عمران وكان من أكابر العلماء والصلحاء ولا مانع من قصدهم به الاختبار لليقظة والإلفات إلى حسن النظر في الرواة وأحوالهم وأنسابهم الى قبائلهم وبلدانهم وحرفهم وألقابهم وكناهم وكذا الحال في آبائهم فتدليس الشيوخ دائر بين ما وصفنا

وقد ذكر الذهبي في فوائد رحلته أنه لما اجتمع بابن دقيق العيد سأله النقي من أبو محمد الهلالي فقال سفيان بن عيينة فأعجبه استحضاره وألطف منه قوله من أبو العباس الذهبي فقال أبو طاهر المخلص

وكذا مر في صحيح ابن حبان وأنا بين يدي شيخنا قوله حدثنا أبو العباس الدمشقي فقال من هذا فبادرته مع إنه لم يقصدني بذلك وقلت هو أبو الحسن أحمد بن عمير بن جوصا فأعجبه الجواب دون المبادرة لتقويه ما عرضنا له ولذا قال ابن دقيق العيد إن في تدليس الشيخ الثقه مصلحه وهي امتحان الأذهان واستخراج ذلك وإلقاؤة إلى من يراد اختبار حفظه ومعرفته بالرجال على أنه قد قيل في فعل البخاري في الذهلي إنه لما كان بينهما ما عرف في ملحه بحديث منع الذهلي أصحابه من الحضور عند البخاري ولم يكن ذلك بمانع للبخاري من التخريج عنه لوفور ديانته وأمانته وكونه عذرة في نفسه بالتأويل غير أنه خشي من التصريح به أن يكون كأنه بتعديله له صدقه على نفسه فأخفى إسمه وااله اعلم بمراده

والأكثر في هذا القسم وقوعه من الراوي وقد يقع من الطالب بقصد التغطيه على شيخه ليتوفر عليه ما جرت عادته بأخذه في حديث ذاك المدلس كما سيأتي في الفصل الحادي عشر من معرفع من تقبل روايته وهو أخفها وأظرفها ويجمع الكل مفسده تضييع المروي عنه كما قال ابن الصلاح وذلك حيث جهل إلا أنه نادر فالحذاق لا يخفي ذلك عنهم غالبا فإن جهل


193
كان من لازمه تضيع المروي أيضا بل قد يتفق أن يوافق ما دلس به شهرة راو ضعيف من أهل طبقته ويكون المدلس ثقه وكذا بالعكس وهو فيه أشد بهذا وكنأ بأول المقاصد بهذا القسم قد ينازع في كونه دون الذي قبله

ولكن الحق أن هذا قل أن يخفى على النقاد بخلاف الأول ويعرف كل من التدليس واللقاء باخبارة أو بجزم بعض النقاد كما سيأتي في خفي الإرسال والشافعي رحمه الله أثبته أي أصل التدليس لاخصوص هذا لقسم للراوي بمرة وعبارته ومن عرفنا دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته وليست تلك العورة تكذب فيرد بها حديثه إلى آخر كلامه وحكاة البيهقي أيضا فقال من عرف بالتدليس مرة لا يقبل منه ما يقبل من أهل النصيحه في الصدق حتى يقول حدثني أو سمعت كذلك ذكرة الشافعي انتهى

وبيان ذلك أنه بثبوت تدليسه مرة صار ذلك هو الظاهر من حاله في معنعناته كما إنه ثبوت اللقاء مرة ار الظاهر من حاله السماء وكذا من عرف بالكذب في حديث واحد صار الكذب هو الظاهر من حاله وسقط العمل بجميع حديثهمع جواز ونه صادقا في بعضه قلت وشرها أي أنواع أي أنواع التدليس حتى ما ذكر ابن الصلاح أنه شرة أخو أي صاحب التسويه الذي أشار غليه الخطيب بقوله وربما لم يسقط المدلس اسم شيخه الذي حدثه لكنه يسقط ممن بعد في الإسناد رجلا يكون ضعيفا في الروايه أي صغير السن الحديث بذلك وتبعه النووي في ذلك في القسم الأول من تقريبه وجماعه ليس فيهم ابن الصلاح منهم العلائي وتلميذه الناظم لكن جعله قسما ثالثا للتدليس

وخفق تلميذه شيخنا أن نوع من الأول وصنيع النووي في شرح مسلم وتقريبه يقتضيه وبالتسويه سماة أبو الحسن من القطان فمن بعده فقال سواة فلان


194

وأما القدماء فسموه تجويدا حيث قالوا جوده فلان وصورته أن يروي المدلس حديثا عن شيخ ثقة بسند فيه راو ضعيف فيحذفه المدلس من بين الثقتين الذي لقي أحدهما الآخر ولم يذكر أولهما بالتدليس ويأتي بلفظ محتمل فيستوي الإسناد كله ثقات

ويصرح المدلس بالاتصال عن شيخه لأنه قد سمعه منه فلا يظهر في الإسناد ما يقتضي رده إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل ويصير الإسناد عاليا وهو في الحقيقة نازل وهو مذموم جداُُُُ لما فيه من مزيد الغش والتغطية وربما يلحق الثقه الذي دون الضعيف الضرر من ذلك بعد تبين الساقط بإلصاق ذلك به مع براءته

قال ابن حزم صح قوم إسقاط المجرو وضم القوي إلى القوي تلبيسا على من يحدث وغرور المن يأحذ عنه فهو مجروح وفسقه ظاهر وخبره مردود لأنه ساقط العدالة انتهى

وممن كان يفعله بقية بن الوليد والوليد بن مسلم وبالتقييد باللقاء خرج الإرسال فقد ذكر ابن عبد البر وغيره إن مالكا سمع من ثور بن زيد أحاديث عن عكرمة عن ابن عباس ثم حدث بها بحذف عكرمة لأنة كان يكره الرواية عنه ولا يرى الاحتجاج بحديثه انتهى في أمثلة لذلك عن مالك بخصوصه فلو كانت التسمية بالإرس ال تدليسا لعد مالك في المدلسين وقد أنكروا على من عده فيهم فقال ابن القطان ولقد ظن بمالك على بعده عن عمله

وقال الدارقطني إن مالكا ممن عمل به وليس عيبا عندهم

قلت وهو محمول على أن مالكا ثبت عنده الحديث عن ابن عباس وإلا فقد قال الخطيب إنه لا يجوز هذا الصنيع وإن احتج بالمرسل لأنه


195
قد علم أن الحديث عمن ليس بحجة عنده وكذا بالتقييد بالضعيف كان اختص من المنقطع على أن بعضهم قد أدرج في تدليس التسوية ما كان المحذوف ثقة

ومنِأِمثلة ما رواه هشيم عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري عن عبدالله بن الحنفية عن أبيه هو محمد بن الحنفية عن علي في تحريم لحوم الحمر الأهلية قالوا ويحيى لم يسمعه من الزهري وإن جزم به ابن عبد البر وغيره ويتأيد بقول الخطيب الذي أسلفته في أول هذا القسم أو صغير السن

ويلتحق بتدليس التسوية في مزيد الذم ما حكيناه في القسم الأول عن فطر

تتمه المدلسون مطلقا على خمس مراتب بينها شيخنا رحمه الله في تضيف المختص بهم المستمد فيه من جامع التحصيل العلائي وغيره من لم يوصف به إلا نادرا كالقطان ويزيد بن هارون من كان تدليسه به قليلا بالنسبة لما روي مع إمامته وجلالته وتحويه كالسفيانين من أكثر منه غير متقيد بالثقات من كان تدليسه عن الضعفاء أو المجاهيل من انضم اليه ضعيف بأمر آخر

ثم أن جميع ما تقدم تدليس الاسناد وأما تدليس المتن فلم يذكروه وهو المدرج وتعمده حرام كما سيأتي في بابه ولهم أيضا تدليس البلاد وكان يقول المصري حدثني فلان بالعراق يريد موضعا بأخميم أو بزبيد يريد موضعا بقوص أو بزقاق حلب يريد موضعا بالقاهرة أو بالأندلس يريد موضعا بالقرافة أو بما وراء النهر موهما دجلة وهو أخف من غيره لكنه لا يخلو عن كراهة وإن كان صحيحا في نفس الأمر لإيهام الكذب بالرحلة والتشبع بما لم يعط


196
( وذو الشذوذ ما يخالف الثقه
فيه الملا فالشافعي حققه )
( والحاكم الخلاف فيه ما اشترط
وللخليلي مفرد الراوي فقط )
( ورد ما قالا بفرد الثقه
النهي عن بيع الولا والهبه )
( يقول مسلم روى الزهري
تسعين فردا كلها قوي )
( اختار فيما لم يخالف إن من
يقرب من ضبط ففرده حسن )
( أو بلغ الضبط فصحح أو بعد
فمما شذ فاطرحه ورد )
* * *

لما كان ستعارض المرسل والارسال مفتقرا لبيان الحكم فيما يقابل الراجح منهما ناسب بعد التدليس المقدم مناسبته ذكر الشاذ ثم المنكر

والشاذ لغة المنفرد عن الجمهور يقال شذ يشذ بضم الشين المعجمة وكسرها شذوذا إذا انفرد وذو الشذوذ اصطلاحا وما يخالف الراوي الثقة فيه بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن الملا بالهمز وسهل تخفيفا أي الجماعة الثقات من الناس بحيث لا يمكن الجمع بينهما فالشافعي بهذا التعريف حققه وكذا حكاه أبو يعلي الخليلي عن جماعة من أهل الحجاز وغيره عن المحققين لأن العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد وهو مشعر بأن مخالفته للواحد الأحفظ كافية في الشذوذ


197
وفي كلام ابن الصلاح ما يشير إليهحيث قال فإن كان مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك واضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا

ولذلك قال شيخنا فإن خولف أي الراوي بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات فالراجح يقال له المحفوظ ومقابله وهو المرجوح يقال له الشاذ

ومن هنا يتبين أنه لا يحكم في تعارض الوصل والرفع مع الإرسال والوقف بشيء معين بل إن كان من أرسل أو وقف من الثقات أرجح قدم وكذا بالعكس

مثال الشذوذ في السند ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن ابن عباس أن رجلا توفي على عهد رسول الله ولم يدع وارثا إلى مولى هو أعتقه الحديث فإن حماد بن زيد رواه عن عمرو مرسلا بدون ابن عباس ولكن قد تابع ابن عيينة على وصله إبن جريج وغيره ولذا قال أبو حاتم المحفوظ حديث ابن عيينة هذا مع كون حماد من أهل العدالة والضبط ولكنه رجح رواية من هم أكثر عددا منه

ومثاله في المتن زيادة يوم عرفة في حديث أيام التشريق أيام أكل وشرب فإن الحديث من جميع طرقه بدونها وإنما جاء بها موسى بن علي بن رباح عن أبيه عن عفبة بن عامر كما أشار إليه ابن عبد البر

قال الأثرم والأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ وقد يهم الحافظ أحيانا على أنه قد صحح حديث موسى هذا ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال إنه على شرط مسلم وقال الترمذي إنه حسن صحيح وكان ذلك لأنها زيادة ثقة غير منافية لإمكان حملها على حاضري عرفة وبما تقرر علم أن الشافعي قيد التفرد بقيدين الثقة والمخالطة والحاكم صاحب


198
المستدرك ذا المعرفة الخلاف للغير فيه أي في الشاذ ما اشترط بل هو عنده ما انفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة فاقتصر على قيد الثقة وحده وبين ما يؤخذ منه إنه يغاير المعلل من حيث أن ذلك وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه من إدخال حديث في حديث أو وصل مرسل أو نحو ذلك كما سيأتي

والشاذ لم يوقف له على علة أي معينة وهذا يشعر باشتراك هذا مع ذاك في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه وأنه من أغمض الأنواع وأدقها ولا يقوم به إلا من رزقه الله الفهم الثاقب والحفظ الواسع والمعرفة التامة بمراتب الرواة والملكة القوية بالأسانيد والمتون وهو كذلك بل الشاذ كما نسب لشيخنا أدق من المعلل بكثير

ثم إن الحاكم لم ينفرد بهذا التعريف بل قال النووي في شرح المهذب إنه مهذب جماعات من أهل الحديث قال وهذا ضعيف وللخليلي نسبة لجده الأعلى لأنه الحافظ أبو يعلي الخليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن الخليل القزويني وهو قول ثالث فيه مفرد الراوي فقط ثقة كان أو غير ثقة خالف أو لم يخالف فما انفرد به القة يتوقف فيه ولا يحتج به ولكن يصلح أن يكون شاهدا وما الفردية غير الثقة فمتروك

والحاصل كما قال الشيخ من كلامهم إن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح فكلامه أعم وأخص منه كلام الحاكم لأنه يخرج تفرد غير الثقة ويلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ بل اعتمد ذلك في صنيعه حيث ذكر في أمثلة الشاذ حديثا أخرجه البخاري في صحيحه من الوجه الذي حكم عليه بالشذوذ

وأخص منه كلام الشافعي لتقييده بالمخالفة مع كونه يلزم عليه ما يلزم


199
على قول الحاكم لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح وإن الرواية الراجحة أولى وهل يلزم من ذلك عدم الحكم عليه بالصحة محل توقف أشير إليه في الكلام على الصحيح وإنه يقدح في الاحتجاج لافي التسمية ويستأنس لذلك بالمثال الذي أورده الحاكم مع كونه في الصحيح فإنه موافق على صحته إلا أنه يسميه شاذا ولا مشاحة في التسمية ولكن رد ابن الصلاح ما قالا أي الحاكم والخليلي بفرد الثقة المخرج في كتب الصحيح المشترط فيه نفي الشذوذ لكون العدد غير شرط فيه على المعتمد بل الصحة تجامع لغرابة

وأمثلة ذلك فيها كثيرة كحديث النهي عن بيع الولا بالقصر للضرورة والهبة فإنه لم يصلح إلا من رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر حتى قال مسلم عقبة الناس كلهم في هذا الحديث عيال عليه وحديث ابن عيينة المخرج في الصحيحين عن عمرو بن دينار عن أبي العباس الشاعر عن عبد الله بن عمر في حصار الطائف تفرد به ابن عيينة عن عمرو وعمرو عن أبي العباس وأبو العباس عن ابن عمر

وكذا رده بقول مسلم هو ابن الحجاج في الإيمان والنذور من صحيحه روى الزهري نحن تسعين بتقديم المثناة فردا لا يشاركه أحد في روايتها كلها إسنادها قوي هذا مع إمكان الجواب عن الحاكم بما أشعر به اقتصاره على جهة واحدة في المغايرة بينه وبين المعلل من كون الشاذ أيضا ينقدح في نفس الناقد أنه غلط حيث يقال ما في الصحيح من الإفراد منتف عنه ذلك

وأما الخليلي فليس في كلامه ما ينافي ذلك أيضا لا سيما وليس هو ممن يشترط العدد في الصحيح ( و ) وبعد أن رد ابن الصلاح كلامهما اختار مما استخرجه من صنيع الأئمة فيما لم يخالف الثقة فيه غيره وإنما أتى شيء انفرد به إن من يقرب من ضبط تام ففرده حسن منه حديث


200
إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه عن عائشة قالت كان رسول الله إذا خرج من الخلاء قال غفرانك فقد قال الترمذي عقب تخريجه حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل عن يوسف عن أبي بردة

قال ولا نعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة أو بلغ الضبط التام فصحح فرده وقد تقدم مثاله أو بعد عنه بأن لم يكن ضابطا أصلا ( ف ) فرده مما شذ فاطرحه ورد وما وقع لك منه وأمثلته كثيرة

وحينئذ فالشاذ المردود كما قاله ابن الصلاح قسمان أحدهما الحديث الفرد المخالف وهو الذي عرفه الشافعي وثانيهما الفرد الذي ليس في رواية من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجب التفرد والشذوذ من النكارة والضعف انتهى

وتسمية ما انفرد به غير الثقة شاذا كتسمية ما كان في رواته من ضعف أو يسيء الحفظ أو غير ذلك من الأمور الظاهرة معللا وذلك فيهما مناف لغموضهما فالأليق في حد الشاذ ما عرفه به الشافعي ولذا اقتصر شيخنا في شرح النخبة عليه كما أن الأليق في الحسن ما اقتصر عليه الترمذي


201
المنكر
( والمنكر الفرد كذا البرديجي
أطلق والصواب في التخريج )
( اجراء تفصيل لدى الشذوذ مر
فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر )
( نحو كلوا البلح بالتمر الخبر
ومالك سمى من عثمان عمر )
( قلت فماذا بل حديث نزعه
خاتمه عند الخلاء وضعه )

* * *

والمنكر الحديث الفرد وهو الذي لا يعرف متنه من غير جهه راويه فلا متابع له فيه ولا شاهد كذا الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي أطلق والصواب في التخريج يعني المروي كذلك اجراء تفصيل لدى أي عند الشذوذ مرة بحيث يكون أيضا على قسمين فهو أي المنكر بمعناه أي الشاذ كذا الشيخ ابن الصلاح ذكر من غير تمييز بينهما وأما جمع الذهبي بينهما في حكمه على بعض الأحاديث فيحتمل أن يكون تقدم الفرق بينهما ويحتمل غيره وقد حقق شيخنا التمييز بجهة اختلافهما في مراتب الرواة فالصدوق إذا تفرد بما لا متابع له فيه ولا شاهد ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في المقبول فهذا أحد قسمي الشاذ

فإن خولف من هذه صفته مع ذلك كان أشد في شذوذه وربما سماه بعضهم منكرا وإن بلغ تلك الرتبة في الضبط لكنه خالف من هو أرجح منه


202
في الثقة والضبط

فهذا القسم الثاني من الشاذ وهو المعتمد كما قدمناه في تسميته وأما إذا انفرد المستور أو الموصوف بسوء الحفظ أو المضعف في بعض مشايخه خاصة أو نحوهم ممن لا حكم لحديثهم بالقبول بغير عاضد يعضده بما لا متابع له ولا شاهد فهذا أحد قسمي المنكر وهو الذي يوجد إطلاق المنكر عليه من المحدثين كأحمد والنسائي وإن خولف مع ذلك فهو القسم الثاني وهو المعتمد على رأي الأكثرين في تسميته فبان بهذا فضل المنكرين الشاذ وأن كلا منهما قسمان يجتمعان في مطلق التفرد أو مع قيد المخالفة ويفترقان في أن الشاذ راويه ثقة أو صدوق غير ضابط والمنكر راويه ضعيف بسوء حفظه أو جهالته أو نحو ذلك وكذا فرق في شرح النخبة بينهما لكن مقتصرا في كل منهما على قسم المخالفة فقال في الشاذ إنه ما رواه المقبول مخالفا لمن هو أولى منه

وفي المنكر إنه ما رواه الضعيف مخالفا والمقابل للمنكر هو المعروف الشاذ كما تقدم هو المحفوظ

قال وقد عقل من سوى بينهما زاد في غيره وقد ذكر مسلم في مقدمة صحيحه ما نصه وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضى خالفت روايته روايتهم ولم تكد توافقها فإن كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبولة ولا مستعملة

قال شيخنا فالرواة الموصوف بهذا هم المتروكون قال فعلى هذا رواته المتروك عند مسلم يسمى منكرة وهذا هو المختار ولكل من قسمي المنكر أمثلة كثيرة نحو كلوا البلح بالتمر الخبر وتمامه فإن ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان وقال عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق فقد


203
صرح النسائي بأنه منكر

وتبعه ابن الصلاح وهو منطبق على أحد قسميه فإن أبا ذكير وهو يحيى بن محمد بن قيس البصري راويه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة المتفرد به كما قال الدارقطني وابن عدي وغيرهما وكذا قال العقيلي لايتابع عليه ولا يعرف إلا به ونحوه قول الحاكم هو من أفراد البصريين عن المدنيين إذا لم يروه غيره ممن ضعف لخطائه وهو في عداد من ينجبر

ولذا قال الساجي إنه صدوق يهم وفي حديثه لين ونحوه قول ابن حبان إنه يقلب الأسانيد ويرفع المراسل من غير تعمد فلا يحتج به

وقول الخليلي فيه إنه شيخ صالح فإنما أراد صلاحيته في دينه جريا على عادتهم في إطلاق الصلاحية حيث يريدون بها الديانة أما حيث أريد في الحديث فيقيدونها ويتأيد بباقي كلامه فإنه قال غير إنه لم يبلغ رتبة من يحتمل تفرده وقول أبي حاتم يكتب حديثه أي في المتابعات والشواهد ولذا خرج له مسلم موضعا واحدا متابعة بل توسع ابن الجوزي فأدخله في الموضوعات وكان الحامل له على ذلك نكارة معناه أيضا وركة لفظه

وأورده الحاكم في مستدركه لكنه لم يتعرض له أي الحديث بصحة ولا غيرها ونحو مالك حيث سمى ابن عثمان الذي الناس كلهم على إنه عمرو بفتح أوله عمر بضمه ولم يثبت عن خلافة وذلك لما روى حديثه عن أسامة بن زيد مرفوعا لا يرث الكافر المسلم عن الزهري عن علي بن حسين عنه ولم يتابعه كما قال النسائي أحد على ذلك بل حكم مسلم وغيره عليه بالوهم فيه وكان مالك يشير بيده لو أراد عمر فكأنه علم أنهم يخالفونه

ويدل لذلك ما رواه أبو الفضل السليماني من حديث إبراهيم بن المنذر


204
الحزامي سمعت معن بن عيسى يقول قلت لمالك إن الناس يقولون إنك تخطىء في أسامة الرجال تقول عبد الله الصنابحي وإنما هو أبو عبد الله وتقول عمر ابن عثمان وإنما هو عمرو وتقول عمر بن الحكم وإنما هو معاوية

فقال مالك هكذا أحفظنا وهكذا وقع في كتابي ونحن نخطىء ومن يسلم من الخطأ قلت فماذا يترقب على تفرد مالك من بين الثقات باسم هذا الراوي مع كون كل منهما ثقة إذا لا يلزم مما يكون كذلك نكارة المتن ولا شذوذه بل المتن على كل حال صحيح إلا أن يقال أن تمثيل ابن الصلاح به المنكر السند خاصة فالنكارة تقع في كل منهما ويتأيد بأنه ذكر في المعلل مثالا لما يكون معلول السند مع صحة متنه وهو ابدال يعلي بن عبيد عمرو بن دينار بعبد الله بن دينار كما سيأتي في محله على أن هشيما قد رواه عن الزهري فخالف فيه مخالفة أشد مما وقع لمالك مع كونها في المتن وذلك أنه رواه بلفظ لا يتوارث أهل ملتين ولذا حكم النسائي وغيره على هشيم فيه بالخطأ

قال شيخنا وأظنه رواة من حفظه بلفظ ظن أن يؤدي معنى ما سمع فلم يصب لأن اللفظ الذي أتى به أعم من الذي سمعه وقد كان سمع من الزهري ولم يضبط عنه ما سمع فكان يحدث عنه من حفظه فيهم في المتن أو في الإسناد وحينئذ فلو مثل بروايه هشيم كان أسلم بل من أمثلته كما للناظم حديث نزعه خاتمه عند دخول الخلا بالقصر للضرورة ووضعه الذي رواة همام بن يحيى عن ابن جريح عن الزهري عن أنس كما أخرجه أصحاب السنن الأربعه فقد قال أبو داود عقبه إنه منكر

قال وإنما يعرف عن ابن جريح عن زياد بن سعد عن الزهري عن


205
أنس ان النبي اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاة قال والوهم من همام ولم يروة غيرة وكذا قال النسائي إنه غير محظوظ انتهى

وهمام ثقه احتج به أهل الصحيح ولكنه خالف الناس قاله الشارح ولم يوافق أبو داود على الحكم عليه بالنكارة فقد قال موسى بن هارون لا أدفع أن يكونا حديثين ومال اليه ابن حبان فصححهما معا

ويشهد له أن ابن سعد أخرج بهذا السند أن أنسا نقش في خاتمه مح

مدا رسول الله قال فكان ى إذا أراد الخلاء لا سيما وهمام لم ينفرد به بل تابعه عليه يحيى بن المتوكل عن ابن جريح وصححه الحاكم على شرط الشيخين ولكنه متعقب فإنهما لم يخرجا لهمام عن ابن جريح وإن اخرجا لكل منهما على انفراده

وقول الترمذي إنه حسن صحيح غريب في نظر !

وبالجمله فقد قال شيخنا إنه لا عله له عندي إلا تدليس ابن جريح فإن وجد عند التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي انتهى

وقد روى ابن عدي حدثنا محمد بن سعد الحراني حدثنا عبد الله بن محمد ابن عبشون حدثنا أبو قتاده عن ابن جريح عن ابن عقيل يعني عبد الله بن محمد ابن عقيل عن عبد الله بن جعفر قال كان النبي يلبس خاتمه في يمينه أو قال كان ينزع خاتمه إذا أراد الجنابه ولكن أبو قتاده وهو عبد الله بن واقد الحراني مع كونه صدوقا كان يخطئ ولذا أطلق غير واحد تضعيفه

وقال البخاري منكر الحديث تركوة بل قال أحمد أظنه كان يدلس وأورده شيخنا في المدلسين وقال إنه متفق على ضعفه ووصفه احمد


206
بالتدليس انتهى

فروايته لاتغل روايه همام وعلى كل حال فالتمثيل به للمنكر وكذا يقول مالك إنما هو على مذهب اببن الصلاح من عدم الفرق بينه وبين الشاذ


207
الاعتبار والمتابعات والشواهد
( الاعتبار سبرك الحديث هل
شارك راو غيرة فيما حمل )
( عن شيخه فإن يكن شورك من
معتبر به فهو تابع وإن )
( شورك شيخه ففوق فكذا
وقد يسعى شاهدا إذا )
( متن بمعناة أتى فهو الشاهد
وما خلا عن كل ذا مفارد )
( مثاله لو أخذوا إهابها
فلفظه الدباغ ما أتى بها )
( عن عمرو إلا ابن عيينه وقد
توبع عمرو في الدباغ فاعتضد )
( ثم وجدنا أيما إهاب
فكان فيه شاهد في الباب )
* * *

لما انتهى الشاذ والمنكر المجتمعان في الانفراد أردنا ببيان الطريق المبين للانفراد وعدمه ولكنه لو أخر عن الإفراد والغريب لأتبين وكان أنسب والاعتبار سبرك بفتح المهملة ثم موحدة ساكنة أي اختيارك ونظرك الحديث من الدواوين المبوبة والمسندة وغيرهما كالمعاجم والمشيخات والفوائد لتنظر هل شارك راويه الذي يظن تفرده به راو غيره أو قفل هل شارك راو من رواية غيره فيما حمل عن شيخه سواء اتفقا في رواية ذاك الحديث بلفظه عن شيخ واحد أم لا فبان أن الاعتبار ليس قسيما


208
لما معه كما قد توهمه الترجمة بل هو الهيئة الحاصلة في الكشف عنهما وكأنه أريد شرح الألفاظ الثلاثة لوقوعها في كلام أئمتهم فإن يكن ذاك الراوي شورك من راو معتبر به بأن لم يتهم بكذب وضعف إما لسوء حفظه أو غلطه أو نحو ذلك حيثما يجيء إيضاحه في مراتب الجرح والتعديل أوفوقه من باب اولى فهو تابع حقيقة وهي المتابعة التامة إن اتفقا في رجال السند كلهم وإن شورك شيخه في روايته له عن شيخه ففوق بضم القاف مبنيا أي أو شورك من فوق شيخه إلى آخر السند واحد حتى الصحابي فكذا أي فهو تابع أيضا ولكنه في ذلك قاصر عن مشاركته هو كلما بعد فيه المتابعكان أنقص

وقد يسمى أي كل واحد من المتابع لشيخه فمن فوقه شاهدا ولكن تسميته تابعا أكثر ثم بعد فقد المتابعات على الوجه المشروح إذا متن آخر في الباب إما عن ذاك الصحابي أو غيره بمعناه أتى فصح الشاهد ما فهم اختصاص التابع باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم غيره

وقد حكاه شيخنا مع اختصاص بالمعنى كذلك عن قوم يعني كالبيهقي ومن وافقه ولكنه رجح أنه لا اقتصار في التابع على اللفظ ولا في الشاهد على المعنى وإن افتراقهما بالصحابي فقط فكلما جاء عن ذاك الصحابي فتابع أو عن غيره فشاهد قال وقد تطلق المتابعة على الشاهد وبالعكس والأمر فيه سهل ويستفاد من ذلك كله التقوية وما خلا عن كل ذا أي المذكور من تابع وشاهد فهو مفارد أي افراد وينقسم بعد ذلك القسم المنكر والشاذ كما تقرر وممن صرح بما تقدم في كيفية الاعتبار ابن حبان حيث قال مثاله أن يروي حماد بن سلمة حديثا لم يتابع عليه عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي فينظر هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين فإن وجد علم أن للخير أصلا يرجع إليه وإن لم


209
يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي فأن ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه فلا انتهى

وكما أنه لا انحصار للمتابعات في الثقة كذلك الشواهد ولذا قال ابن الصلاح واعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج بحديثه وحده بل يكون معدودا في الضعفاء وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكرهم في المتابعات والشواهد وليس كل ضعيف يصلح لذلك

ولهذا يقول الدارقطني وغيره فلان يعتبر به وفلان لايعتبر به

قال النووي في شرح مسلم وإنما يفعلون هذا أي إدخال الضعفاء في المتابعات والشواهد لكون المتابع لا اعتماد عليه حدثنا جماعتهما تجعل القوة مثاله أي المذكور من التابع والشاهد لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به المروي عند مسلم والنسائي من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن رسول الله مر بشاة مطروحة أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة فقال وذكره فلفظه الدباغ فيه ما أتى بها عن عمرو من أصحابه إلا ابن عيينة بالصرف للضرورة فإنه انفرد بها ولم يتابع عليها وقد توبع شيخه عمرو عن عطاء في الدباغ فأخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق ابن وهب عن أسامة بن يزيد الليثي عطاء عن ابن عباس أن النبي قال لأهل شاة ماتت ألا نزعتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به

قال البيهقي وهكذا رواه الليث بن سعيد عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاء وكذلك رواه يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عطاء فهذه متابعات لابن عيينة في شيخ شيخه فاعتضد بها ثم وجدناه من رواية عبد الرحمن


210
بن وعلة عن ابن عباس مرفوعا أيما إهاب بكسر الهمزة أي جلد دبغ فقد طهر أخرجه مسلم وأصحاب السنن ولفظ مسلم إذا دبغ الإهاب فكان فيه لكونه بمعنى حديث ابن عيينة شاهد في الباب أي عند ممن لا يعتبر فيه أن يكون عن صحابي آخر ما يكتفي بالمعنى

وأما من يقصر الشاهد على الآتي من حديث صحابي آخر وهم الجمهور فعندهم أن رواية ابن وعلة هذه متابعة لعطاء وهذا أعدل شيخنا عن التمثيل به ومثله بحديث فيه المتابعة التامة والقاصرة والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى جميعا وهو ما رواه الشافعي في الأم عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين فإنه في جميع المطئات عن مالك بهذا السند بلفظ فإن غم عليكم فاقدروا له

وأشار البيهقي إلى أن الشافعي تفرد بهذا اللفظ عن مالك فنظرنا فإذا البخاري قد روى الحديث في صحيحه فقال حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي حدثنا مالك به بلفظ الشافعي سواء فهذه متابعة تامة في غاية الصحة لرواية الشافعي فالعجب من البيهقي كيف خفيت عليه ودل هذا على أنه مالكا رواه عن عبد الله بن دينار باللفظين معا

وقد توبع فيه عبد الله بن دينار من وجهين عن ابن عمر أحدهما أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فذكر الحديث وفي آخره فإن غمي عليكم فاقدروا ثلاثين

والثاني أخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عاصم بن محمد بن زيد عن أبيه عن جده بن عمر بلفظ فإن غم عليكم فاكملوا ثلاثين فهذه متابعة أيضا لكنها ناقصة وله شاهدان


211

أحدهما من حديث أبي هريرة رواه البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زيادة عن أبي هريرة ولفظه فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين

وثانيهما من حديث ابن عباس أخرجه النسائي من رواية عمرو بن دينار عن محمد بن حنين عن ابن عباس بلفظ حديث ابن دينار عن ابن عمر سواء انتهى

وقد ذكرت من أمثلته في الحاشية غير ذلك


212
زيادات الثقات
( واقبل زيادات الثقات منهم
ومن سواهم عليه المعظم )
( وقيل لا وقيل لا منهم وقد
قسمه الشيخ فقال ما نفرد )
( دون الثقات ثقه خالفهم
فيه صريحا فهو رد عندهم )
( أو لم يخالف فاقبلنه وادعى
فيه الخطيب الإتفاق مجمعا )
( وخالف الإطلاق نحو جعلتت
تربه الأرض فهي فرد نقلت )
( فالشافعي وأحمد احتجا بذا
والوصل والإرسال من ذا أخذا )
( لكن في الإرسال جرحا فاقتضى
تقديمه ورد أن مقتضى )
( هذا قبول الوصل أذ فيه وفي
الجرح علم زائد للمقتضى )
* * *

وهو فن لطيف يستحسن العناية به يعرف بجمع الطرق والأبواب ومناسبته لما قبله ظاهرة ولكن كان الأنسب كما قدمناه ذكره مع تعارض الوصل والإرسال وقد كان إمام الأئمة ابن خزيمة لجمعه بين الفقه والحديث مشار إليه به بحيث قال تلميذه ابن حبان ما رأيت على أديم الأرض من يحفظ الصحاح بألفاظها ويقوم بزيادة كل لفظة زاد في الخبر ثقة حتى كأن السنن كلها نصب عيينة غيره وكذا كان الفقيه أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد وأبو


213
الوليد حسان بن محمد القرشي النيسابوريان وغيرهما من الأئمة كأبي نعيم بن عدي الجرجاني ممن اشتهر بمعرفة زيادات الألفاظ التي تستنبط منها الأحكام الفقهية في المتون

واقبل أيها الطالب زيادات الثقات من التابعين فمن بعدهم مطلقا منهم أي من الثقات الراوين للحديث بدونها بأن رواه أحدهم مرة ناقصا ومرة بالزيادة ومن سواهم أي من سوى الراوين بدونها من الثقات أيضا سواء كانت في اللفظ أو المعنى تعلق بها حكم شرعي أم لا غيرت الحكم الثابت أم لا أوجبت نقصا من أحكام ثبتت بخبر آخر أم لا علم اتحاد المجلس أم لا كثر الساكتون عنها أم لا فهذا كما حكاه الخطيب هو الذي مشى عليه المعظم من الفقهاء وأصحاب الحديث كابن حبان والحاكم وجماعة من الأصوليين والغزالي في المستصفى وجرى عليه النووي في مصنفاته وهو ظاهر تصرف مسلم في صحيحه

وقيده ابن خزيمة باستواء الطرفين في الحفظ والإتقان فلو كان الساكت عددا أو واحدا أحفظ منه أو لم يكن هو حافظا ولو كان صدوق فلا

وممن صرح بذلك ابن عبد البر فقال في التمهيد إنما تقبل إذا كان راويها أحفظ وأتقن ممن قصرا ومثله في الحفظ فإن كانت من غير حافظ ولا متقن فلا التفات إليها ونحوه قول الخطيب الذي نختاره القبول إذا كان راويها عدلا حافظا ومتقنا ضابطا

وكذا قال الترمذي إنما تقبل ممن يعتمد على حفظه أي في طرف الثاني ونحوه عن أبي بكر الصيرفي

وقال ابن طاهر إنما تقبل عند أهل الصنعة من الثقة المجمع عليه وكذا قيد ابن الصباغ في العدة القبول إذا كان راوي الناقصة أكثر بتعدد مجلس التحمل لأنهما حينئذ كالخبرين يعمل بهما


214

وإمام الحرمين بما إذا سكت الباقون عن نفيه أما مع النفي على وجه يقبل فلا وبعض المتكلمين كما حكاه ابن الصباغ بما إذا لم تكن مغيرة للإعراب وإلا كانا متعارضين أي زيادة في اللفظ وإن جعله بعضهم في المعنى

وبعضهم بما إذا أفادت حكما شرعيا أو كانت في اللفظ خاصة كزيادة أحاقيف جودان في حديث المحرم الذي وقصته ناقته فإن ذكر الموضع لا يتعلق به حكم شرعي وإلا فلا حكاهما الخطيب عمن لم يعينهم وابن السمعاني ومن وافقه بما إذا لم يكن الساكتون ممن لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة أو لم تكن مما يتوفر الدواعي على نقله وخرج شيخنا من تفرقة ابن حبان في مقدمة الضعفاء له بين المحدث والفقيه في الرواية بالمعنى التفرقة أيضا هنا بينهما في الإسناد والمتن فنقبل من المحدث في السند لا المتن ومن الفقيه عكسه لزيادة اعتناء كل منهما بما قبل منه قال بل سياق كلام ابن حبان يرشد إليه إلى غير ذلك وقيل لا تقبل الزيادة مطلقا لا ممن رواه ناقصا ولا من غيره حكاه الخطيب وابن الصباغ عن قوم من المحدثين

وحكى عن أبي بكر الأبهري قالوا لان ترك الحفاظ لنقلها وذهابهم عن معرفتها يوهنها ويضعف أمرها ويكون معارضا لها وليست كالحديث المستقل إذ غير ممتنع في العادة سماع واحد فقط للحديث من الراوي وانفراده به ويمتنع فيها سماع الجماعة أي في العادة لحديث واحد وذهاب زيادة فيه عليهم ونسيانها إلا الواحد وقيل لا تقبل الزيادة منهم فقط أي ممن رواه بدونها ثم رواه بها لأن روايته لها ناقصا أورثت شكا في الزيادة وتقبل من غير من الثقات حكاه الخطيب عن فرقة من الشافعية

وكذا قال به منهم أبو نصر القشيري قال بعضهم سواء كانت روايته للزائدة سابقة أو لاحقة


215

ونحوه قول ابن الصباغ بوجوب التوقف حيث لم يذكر إنه نسيها فإنه قال ولو تكررت روايته ناقصا ثم رواه بالزيادة فإن ذكر أنه كان نسيها قبلت وإلا وجب التوقف

وردالخطيب الثاني بأنه لاتمنع تعددالمجلس وسهوالراوي في اقتصاره على الناقصه في أحدهما أو اكتفاءه بكونه كان أئمة قبل وضبطه الثقه عنه فنقل كل من الفريقين مما سمعه وإنه على تقدير اتحاد المجلس لايمنع أن يكون بعضهم حضر في أثناء الكلام أو فارق قبل انتهائه أو عرض له شاغل من نوم أو فكر أو نحوهما

والثالث بأنه لايمتنع أن يكون سمعه من راو تاما ومن آخر ناقصا ثم حدث به كل مرة عن واحد أو يرويه بدونها لشك أو نسيان ثم يتيقنها أو يتذكرها

واختار الأول كما تقدم ولكنه ليس على إطلاقه وإن كان في استدلال على قبولها منه نفسه بقبوله إذا روى حديثا مثبتا لحكم وحديثا ناسخا له مايشعر بالقبول مع التنافي فتصريح إمام الحرمين يردها عند نفي الباقين وابن الصباغ بأنهما كالخبرين يعمل منهما كما تقدم قد يؤخذ منه التقيد وهو الذي مشى عليه شيخنا تبعا لغيره فاشترط لقبولها كونها غير منافية لرواية من هو أوثق من راويها

وكلام الشافعي الماضي في المرسل مع الإشارة إليه في تعارض الوصل والإرسال يشير إلى عدم الإطلاق وقد قسمه أي ما ينفرد به الثقه من الزياده الشيخ ابن الصلاح فقال حسبما حررة من تصرفهم فقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقه إلى ثلاثه أقسام ما انفرد بروايته دون الثقات أوثقه احفظ ثقه خالفهم أو خالف الواحد الأحفظ فيه أي فيما انفرد به صريحا في المخالفه بحيث لا يمكن الجمع بينهما ويلزم من قبولها رد الأخرى فهو رد أي مردود عندهم أي المحققين ومنهم الشافعي أو لم يخالف فيما


216
انفرد به مارووة أو الا حفظ اصلا فاقبلنه بنون التوكيد الخفيفه لأنه جازم بما روتة وهو ثقه ولا معارض لروايته إذا الساكت عنها لم ينفعها لفظا ولا معنى ولا في سكوته دلاله على وهمها بل هي كالحديث المستقل الذي تفرد بحملته ثقه ولا مخالفه فيه أصلا كما سبق كل من هذين القسمين في الشاذ وادعى فيه أي في قبول هذا القسم الخطيب الإتفاق بين العلماء حال كونه مجمعا ولكن غزو حكايته الاتفاق في مسألتنا ليس صريحا في كلام الخطيب فعبارته والدليل على صحه ذلك أي القول بقبول الزياده أمور

أحدهما اتفاق جميع أهل العلم على أنه لو انفرد الثقه بنقل حديث لم ينقله غير وجب قبوله ولم يكن ترك الرواة لنقله إن كانوا عرفوة وذهابهم عن العمل به معارضا له ولا قادحا في عداله راويه ولا مبطلا له فكذلك سبيل الإنفراد بالزياده أو خالف الإطلاق فزاد لفظه معنويه في حديث لم يذكرها سائر من رواة نحو جعلت تربه الأرض بالنقل لنا طهورا في حديث فضلت على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكه وجعلت لنا الأرض مسجدا فهي أي زياده التربه فرد نقلت تفرد بروايتها أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي عن ربعي عن حذيفه أخرجهما مسلم في صحيحه وكذا أخرجهما ابن خزيمه وغيرة بلفظ التراب وسائر الروايات الصحيحه من غير حديث حذيقه لفظهما وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا فقال فهذا وما أشبهه يشبه القسم الأول من حيث أن ما رواة الجماعه عام معنى لشموله جميع أجزاء الأرض وما رواة المنفرد بالزياده مخصوص يعني بالتراب وفي ذلك مغايرة في الصفه ونوع مخالفه تختلف بها الحكم

ويشبه أيضا القسم الثاني من حيث أنه لا منافاة بينهما فالشافعي وأحمد احتجا بذا أي باللفظ المزيد هنا حيث خصا التيمم بالتراب وكذا بزياتده من المسلمين في حديث زكاة الفطر الذي شرح ابن الصلاحج في التمثيل به كما صرح باحتجاجهما مع غيرهما من الأئمه بها فيه خاصه واستغنى به


217
عن التصريح في هذا القسم بحكم حتى قال النووي كذا قال يعني ابن الصلاح والصحيح قبوله

وأما شيخنا فإنه حقق تبعا للعلائي أن الذي يجري على قواعد المحدثين انهم لا يحكمون عليه بحكم مطرد من القبول والرد بل يرجحون بالقرائين كما في تعارض الوصل والإرسال فهما على حد سواء كما جزب به ابن الحاجب المرجح عنده وعند ابن الصلاح فيهما سواء بل قال ما معناة والوصل والإرسال في تعارضهما من ذا أي من باب زياده الثقات أخذا فالوصل زياده ثقه وبينه وبين الإرسال نحو ما ذكر هذا في ثالث الأقسام وبيانه في الشق الأول واضح

وأما في الثاني فإما أن يكون يحمل أحدهما على الآخر أو لكون كل منهما يوافق الآخر في كونه من كلام النبي لكن بالنون المشدده في الإرسال فقط جرحا في الحديث فاقتضى تقديمه أي للأكثر من قبيل تقديم الجرح على التعديل يعنني فافترقا ونحوة قول غيرة الإرسال عله في السند فكان وجودها قادحا في الوصل وليست الزياده في المتن كذلك

ولكن قال شيخنا إن الفرق بينهما لا يخلو من تكلف وتعسف انتهى

وبالجمله فقد بان تباين ماخذ الأكثرين في الموضوعيت لئلا يكون تناقضا حيث يحكى الخطيب هناك عن أكثر أهل الحديث ترجيح الإرسال وهنا عن الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث قبول الزياده مع أن الوصل زياده ثقه وإلى الاستشكال أشار ابن الصلاح هنا بعد الحكايه عن الخطيب بقوله وقد قدمنا عنه أي عن الخطيب حكايته عن أكثر أهل الحديث ترجيح الإرسال ثم ختم الباب بالزامهم مقابله لكونه رجحه هناك فقال ما معناه ورد أي تقديم الإرسال ب أن مقتضى هذا أي الذي علل به تقديمه قبول الوصل أيضا إذ فيه أي في الوصل وفي الجرح علم زائدو للمقتضى


218
أي للمتبع

وأيضا فقد تقدم عن بعض القائلين بترجيح الإرسال تعليله بأن من أرسل معه زياده علم

والحق أن الزياده مع الواصل وأن الإرسال نقص في الحفظ لما جبل عليه الإنسان من النسيان وحينئذ فالجواب عن الخطيب أن يقال إن المحكي هناك عن أهل الحديث خاصه وهو كذلك

وأما هنا فمن الجمهور من الفقهاء والمحدثين والأكثريه بالنظر للجموع من الفرقين ولا يلزم من ذلك اختصاص أهل الحديث بالأكثريه

تتمه الزياده الحاصله من بعض الصحابه على صاحبي آخر إذا صح السند بقبوله بالإتفاق


219
الإفراد
( الفرد قسمان ففرد مطلقا
وحكمه عند الشذوذ سبقا )
( والفرد بالنسبه ما قيدته
بثقه أو تكبر ذكرته )
( أو عن فلان نحو قول القائل
لم يروده عن بكر إلا وائل )
( لم يروة ثقه إلا ضمرة
لم يرو هذا غير أهل البصرة )
( فإن يريدوا واحدا من أهلها
تجوزا فاجعله من أولها )
( وليس في إفراده النسبيه
ضعف لها من هذه الحيثيه )
( لكن ذا قيد ذاك بالثقه
فحكمه يقرب مما أطلقه )
* * *

ومناسبته لما قبله واضحة ولكن لو ضم إلى المنكر كما قدمنا كان أنسب الفرد قسمان ففرد يقع مطلقا وهو أولهما بأن ينفرد به الراوي الواحد عن كل أحد من الثقات وغيرهم وحكمه مع مثاله عند نونغ الشذوذ سبقا والفرد بالنسبة إلى جهة خاصة وهوثانيهما وهو أنواع ماقيدته بثقة أو بلد وبلد معين كمكة والبصرة والكوفة ذكرته صريحا كما سيأتي التمثيل لهما أو براو مخصوص حيث لم يروه عن فلان إلأ فلان نحو قول القائل أبي الفضل بن طاهر في أطراف الغرائب له عقب الحديث المروي في سنن الأربعة من طريق سفيان بن عيينة عنوائل بن داود عن ولده بكر بن وائل عن


220
الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على صفية بسويق وتتمر و لم يروه عن بكر إلأ وائل بنقل الهمزة يعني أباة ولم يروة عن وائل غير إبن عيينة فهو غريب وكذا قال الترمذي إنه حسن غريب

قال وقد رواه غير واحد عن إبن عيينة عن الزهري يعني بدون وائل وولده قال وكان إبن عيينة ربما دلسهما

قلت ممن رواه عنه كذلك إبراهيم بن المنذر وأبو الخطاب زياد بن يحيى وعبد الله بن محمد الزهري وعلى ابن عمرو الأنصاري وابن المقري وصرح عبد الله من بينهم بأن ابن عيينة قال سمعته من الزهري ولم أحفظه فسمعته من آخر ورواه سهل بن صفير عن ابن عيينة بدون بكر وحده

ورواه أبو يعلى محمد بن الصلت الثوري عن ابن عيينة فجعل الواسطة بدلهما زياد بن سعد قال الدارقطني ولم يتابع عليه والمحفوظ عن ابن عيينة الأول

قلت وممن رواه عنه كذلك إبراهيم بن بشار وحامد بن يحيى البلخي والحميدي وغياث بن جعفر الرحبي وابن أبي عمر العبدي وهو المعتمد وإنما لم يكن من القسم الأول لرواية النسائي له من حديث سليمان بن بلال والبخاري نحوه من حديث إسماعيل بن جعفر كلاهما عن حميد عن أنس ونحوه عند النسائي أيضا من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس ونحو حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر في قصة الكدية التي عرضت لهم يوم الخندق أخرجه البخاري فإنه تفرد به عبد الواحد عن أبيه وقد روى من غير حديث جابر

ومن أمثلة النوع الأول قول القائل في حديث قراءة النبي في الأضحى والفطر بقاف واقتربت لم يروه أي الحديث ثقة إلاضمرة بنقل الهمزة


221
أي ابن سعيد فقد انفرد به عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي واقد الليثي صحابية وإنما قيد بالثقة لرواية الدارقطني له من جهة ابن لهيعة وهو ممن ضعفه الجمهور لاحتراق كتبه عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة

ومن أمثلة النوع الثاني قول القائل في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه أبو داود في كتابيه السنن والتفرد عن أبي الوليد الطيالسي عن حماد عن قتادة عن أبي نضرة عنه قال أمرنا رسول الله أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر لم يرو هذا الحديث غير أهل البصرة فقد قال الحاكم إنهم تفردوا بذكر الأمر فيه من أول الإسناد إلى آخره ولم يشركهم في لفظة سواهم

وكذا قال في حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله إن قوله ومسح رأسه بماء غير فضل يده سنة غريبة تفرد بها أهل مصر ولم يشركهم فيها أحد

وحديث القضاة ثلاثة تفرد به أهل مرو عن عبد الله بن بريدة عن أبيه

وحديث يزيد مولى المنبعث عن زيد بن خالد الجهني في اللفظة تفرد به أهل المدينة عنه فإن يريدوا أي القائلون بقولهم هذا وما أشبه واحدا من أهلها بأن يكون المتفرد به من أهل تلك البلد واحدا فقط وهو أكثر صنيعهم وأطلقوا البلد تجوزا كما يضاف فعل واحد من قبيلة إليها مجازا فاجعله من أولها أي الصور المذكورة في الباب وهو الفرد المطلق

ومنه حديث عبد الله بن زيد المذكور فإنه لم يروه من أهل مصر إلا عمرو ابن الحارث عن حبان بن واسع الأنصاري عن أبيه عنه فأطلق


222
الحاكم أهل البلد وأورد واحدا منهم وليس في إفراده أي هذا الباب النسبية وهي أنواع القسم الثاني ضعف لها من هذه الحيثية أي جهة الفردية إلا إن انضم إليها ما يقتضيه لكن ذا قيد القائل من الأئمة والحفاظ ذاك أي التفرد بالثقة كقوله لم يروه ثقة إلا فلان فحكمه إن كان راويه الذي ليس بثقة ممن بلغ رتبة من يعتبر حديثه يقرب مما أطلقه أي من القسم الأول وإن كان ممن لا يعتبر به فكالمطلق لأن روايته كلا رواية

والحاصل أن القسم الثاني أنواع منها ما يشترك الأول معه فيه كإطلاق تفرد أهل بلد بما يكون راويه منها واحدا فقط

وتفرد الثقة بما يشترك معه في روايته ضعف ومنها ما هو مختص به وهي تفرد شخص عن شخص أو عن أهل بلد أو أهل بلد عن شخص أو عن بلد أخرى وضعف في الإفراد الدارقطني وابن شاهين وغيرهما وكتاب الدارقطني حافل في مائة جزء حديثيه سمعت منه عدة أجزاء

وعمل أبو الفضل بن طاهر أطرافه ومن مظانها الجامع للترمذي وزعم بعض المتأخرين أن جميع ما فيه من القسم الثاني

ورده شيخنا بتصريحه في كثير منه بالتفرد المطلق وكذا من مظانها مسند البزار والمعجمان الأوسط والصغير للطبراني

وصنف أبو داود السنن التي تفرد بكل سنة منها أهل بلد كحديث طلق في مس الذكر قال إنه تفرد به أهل اليمامة

وحديث عائشة في صلاة النبي على سهيل بن بيضاء قال الحاكم تفرد أهل المدينة بهذه السنة وكل ذلك لا ينهض به إلا متسع الباع في الرواية والحفظ وكثيرا ما يقع التعقب في دعوى الفردية حتى إنه يوجد عند نفس مدعيها المتابع ولكن إنما يحسن الجزم بالتعقب حيث لم تختلف السياق أو يكون المتابع ممن يعتبر به لاحتمال إرادة شيء من ذلك بالإطلاق


223

وقد قال ابن دقيق العيد إنه إذا قيل في حديث تفرد به فلان عن فلان احتمل أن يكون تفردا مطلقا واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعين خاصة ويكون مرويا عن غيره ذلك المعين فليتنبه لذلك فإنه قد يقع فيه المؤاخذة على قوم من المتكلمين على الأحاديث ويكون له وجه كما ذكرناه الآن انتهى

تتمة قولهم لا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير فلان جوز ابن الحاجب في غير الرفع والنصب وأطال في تقريره


224
المعلل
( وسم ما بعله مشمول
معللا ولا تقل معلول )
( وهي عبارة عن أسباب طرت
فيها غموض وخفاء أثرت )
( تدرك بالخلاف والتفرد
مع قرائن تضم يهتدي )
( جهبذا إلى اطلاعه على
تصويب إرسال لما قد وصلا )
( وقف ما يرفع أو متن دخل
في غيرة وهم واهم حصل )
( ظن فأمضى أو وقف فاحجما
مع كونه ظاهرة إن سلما )
( وهي تجيء غالبا في السند
تقدح في المتن بقطع مسند )
( أو وقف مرفوع وقد لا تقدح
كالبيعان بالخيار صرحوا )
( بوهم يعلى بين عبيد أبدلا
عمرا بعبد الله حين نقلا )
( وعله المتن كنفي البسمله
إذ ظن راو نفيها فنقله )
( وصح أن أنسا يقول لا
أحفظ شيئا في حين سئلا )
( وكثر التعليل باإرسال
للوصل إن يقو على اتصال )
( وقد يعلون بكل قدح
فسق وغفله ونوع جرح )
( ومنهم من يطلق اسم العله
لغير قادح كوصل ثقه )


225
( يقول معلول صحيح كالذي
يقول صح معه شذوذ اجتذى )
( والنسخ سمى الترمذي عليه
فإن يرد في عمل فانجح له )
* * *

وفيه تصانيف عدة كما سيأتي في أدب الطالب إن شاء الله تعالى يقال ومناسبته للفرد الشامل للشاذ ظاهرة لاشتراط الجمهور نفيهما في الصحيح ولاشتراطهما كما تقدم هناك في كثير وسم أيها الطالب ما هو من الحديث بعلة أي خفية من علله الآتية في سنده أو متنه مشمول معللا كام قاله ابن الصلاح ولا تقل فيه هو معلول وإن وقع في كلام البخاري والترمذي وخلق من أئمة الحديث قديما وحديثا وكذا الأصوليين في باب القياس حيث قالوا العلة والمعلول والمتكلمون بل وأبو إسحق الزجاج في المتقارب من العروض لأن المعلول من عله بالشراب أي سقاه بعد أخرى

ومنه من جزيل عطائك المعلول إلا أن مما يساعد صنيع المحدثين ومن أشير إليهم أستعمال الزجاج اللغوي له وقول الصحاح على الشيء فهو معلول يعني من العلة ونص جماعة كابن القوطبة في الأفعال على أنه ثلاثي فإنه قال عل الإنسان الإنسان علة مرض والشيء أصابته العلة ومن ثم سمى شيخنا كتابه الزهر المطلول في معرفة المعلول ولكن الأعرف أن فعله من الثلاثي المزيد تقول أعله الله فهو معل ولا يقال معلل فإنهم إنما يستعملونه من علله بمعنى ألهاه بالشيء وشغله به ومنه تعليل الصبي بالطعام وما يقع من استعمال أهل الحديث له حيث يقولون علله فلان فعلى طريق الاستعارة وهي أي العلة الخفية عبارة عن أسباب بنقل الهمزة جمع سبب وهو لغة ما يتوصل به الى غيره واصطلاحا ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدم العدمه طرت بحذف الهمزة تخفيفا أي طلعت بمعنى


226
ظهرت للناقد فاطلع عليها فيها أي في تلك الأسباب غموض أي عدم وضوح وخفاء أثرت أي قدحت تلك الأسباب في قبوله تدرك أي اأسباب بعد جمع طرق الحديث والفحص عنها بالخلاف من راوي الحديث لغيره ممن هو أحفظ وأضبط وأكثر عددا أو عليه ( و ) التفرد بذلك وعدم المتابعة عليه مع قرائن قد يقصر التعبير عنها تضم لذلك يهتدي بمجموعه ( جهبذها ) بكسر الجيم والموحده ثم ذال معجمة أي الحاذق في النقد من أهل هذه الصناعة لا كل محدث إلى اطلاعه على تصويب إرسال يعني خفى ونحوه لما قد وصلا أو تصويب وقف ما كان يرفع أو تصويب فصل متن أو بعض متن دخل ورجا في متن غيره وكذا بإدراج لفظه أو جملة ليست من الحديث فيه ( أو ) اطلاعه على وهم واهم حصل بغير ما ذكر كإبدال راو ضعيف بثقة كما اتفق لابن مردويه في حديث موسى بن عقبة عن عبد الله ابن دينار عن ابن عمر رفعه أن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية فإنه قال إن راويه غلط في تسميته موسى بن عقبة وإنما هو موسى بن عبيدة وذاك ثقة وابن عبيدة وكذا وقع لأبي أسامة حماد بن أسامة الكوفي أحد الثقات حيث روى عن عبد الرحمن بن يزيد وسمى جده جابرا فإنه كما جزم به أبو حاتم وغيره إنما هو عبد الرحمن بن يزيد المسمى جده تميما والأول ثقة والثاني منكر الحديث ظن الجهبذ قوة ما وقف عليه من ذلك فأمضى الحكم بما ظنه مبنى هذا على غلبه الظن أو وقف بإدغام فائه في فاء فاحجما بمهملة ثم جيم أي كف عن الحكم بقبول الحديث وعدمه احتياطا لتردده بين تعليله وبذلك أولا ولو كان ظن تعليله أنقص كل ذلك مع كونه أي الحديث المعل أو المتوقف فيه ظاهره قبل الوقوف على العلة إن سلما أي السلامة منها لجمعه شروط القبول الظاهرة ولا يقال القاعدة إن اليقين لا يترك بالشك إذ لا يقين هنا

وإن المصدرية وما بعدها في موضع رفع على الخبرية لقوله ظاهره


227
والجملة في موضع نصب خبرا لكونه

وحينئذ فالعمل أو المعلول خبر ظاهره السلامة اطلع فيه بعد التفتيش على قادح

ومن أمثلته حديث ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا من جلس مجلسا أكثر فيه العظة فإن موسى بن إسماعيل أبا سلمة المنقري رواه عن وهيب بن خالد الباهلي عن سهيل المذكور فقال عن عوف بن عبد الله بن عتبة بن مسعود التابعي وجعله من قوله

وبذلك أعله البخاري وقضى لوهيب مع تصريحه بأنه لا يعرف في الدنيا بسند أبن جريج بهذا إلا هذا الحديث وقال لا نذكر لموسى سماعا من سهيل وكذا أعله أحمد وأبو حاتم وأبو زرعة والوهم فيه من سهيل فإنه كان قد أصابته علة نسي من أجلها بعض حديثه ووهيب أعرف بحديثه من ابن عقبة على أن هذه العلة قد خفيت على مسلم حتى بينها له إمامه وكذا اغتر غير واحد من الحفاظ بظاهر هذا الإسناد وصححوا حديث ابن جريج

وحديث حماد بن سلمة وغيره عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر رفعه من باع عبدا وله مال ومن باع نخلا قد أبرت الحديث فإن بعض الثقات رواه عن عكرمة فقال عن الزهري عن ابن عمر فرجع الحديث إلى الزهري والزهري إنما رواه عن سالم عن أبيه وهو الصواب ومع ذلك فهو معل أيضا لأن نافعا رواه عن ابن عمر فجعل الجملة الأولى عن عمر من قوله والثانية عن النبي والقول قوله كما صرح به ابن المديني والدارقطني والنسائي

قال وإن كان سالم أجل منه قال شيخنا وهذه علة خفية فإن


228
عكرمة هذا أكبر من الزهري وهو معروف بالرواية عن ابن عمر فلما وجد الحديث من رواية حماد وغيره عنه كان ظاهره الصحة واعتضد بذلك ما رواه الزهري عن سالم عن أبيه وترجح به ما رواه نافع ثم فتشنا فبان أن عكرمة سمعه ممن هو أصغر منه وهو الزهري والزهري لم يسمعه من أبن عمر إنما سمعه من سالم فوضح أن رواية حماد مدلسة أو مسراة

ورجع هذا الإسناد الذي كان يمكن الاعتضاد به إلى الإسناد المحكوم عليه بالوهم

وكان سبب حكمهم عليه بذلك كون سالم أو من دونه سلك الجادة فإن العادة في الغالب أن الإسناد إذا انتهى إلى الصحابي بعده عن النبي فلما جاء هنا بعد الصحابي ذكر صحابي آخر والحديث من قوله كان ظنا غالبا على أن من ضبطه هكذا أتقن ضبطا وهي أي العلة الخفية تجيء غالبافي السند أي وقليلا في المتن فالتي في السند تقدح في قبول المتن بقطع مسند متصل او بوقف مرفوع أو بغير ذلك من موانع القوبل وذلك لازم إن كانت من جهة اختلاف على راوي الحديث الذي لا يعرف من غير جهته ولم يكن الجمع وراويها أرجح ولو في شيء خاص وكذا اذا تبين أن راوي الطريق الفرد لم يسمع ممن فوقه مع معاصرته له كحديث أشعث بن سوار عن محمد بن سيرين عن تميم الداري فإن ابن سيرين لم يسمع من تميم لأن مولده لسنتين بقيتا من خلافة عثمان وكان قتل عثمان رضي الله عنه في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وتميم مات سنة أربعين ويقال قبلها

وكان ابن سيرين مع أبويه بالمدينة ثم خرجوا إلى البصرة فكان إذ ذاك صغيرا وتميم مع ذلك كان بالمدينة ثم سكن الشام وكان انتقاله إليها عند قتل عثمان

وحينئذ فهو منقطع بخفاء الإرسال وقد خفي ذلك على الضياء مع


229
جلالته وأخرج حديث هذه الترجمة في المختارة اعتمادا على ظاهر السند في الاتصال من جهة المواثرة وكون أشعث وابن سيرين أخرج لهما مسلم وقد لا تقدح وذلك إذا كان الخلاف فيما له أكثر من طريق أو في تعيين واحد من ثقتين ( ك ) حديث البيعان بالخيار المروي من جهة عبد الله بن دينار المدني عن مولاه ابن عمر فقد صرحوا أي النقاد بوهم راويه يعلي بن عبيد الطنافسي أبدلا عمرو أهو ابن دينار المكي بعبد الله ابن دينار الذي هو الصواب في السند فالباء داخله في المتروك حين نقلا أي روى ذلك يعلي عن سفيان الثوري وشذ بذلك عن سائر أصحاب الثوري فكلهم قالوا عبد الله بل توبع الثوري فرواه جماعة كثيرون عن عبد الله

وقد أفرد الحافظ أبو نعيم طرقة من جهة عبد الله خاصة فبلغت عدة رواته عنه نحو الخمسين وكذا لم ينفرد به عبد الله فقد رواه مالك وغيره من حديث نافع عن ابن عمر

وسبب الاشتباه على يعلي اتفاقهما في اسم الأب وفي غير واحد من الشيوخ وتقاربهما في الوفاة ولكن عمرو أشهرهما مع اشتراكهما في الثقة ونظير هذا تسمية مالك كما تقدم في المنكر عمرو بن عثمان عمر بضم العين على أن إبراز ذلك في المقلوب كما قال شيخنا أليق وكذا إن كان الخلاف على تابعي الحديث كعروة بن الزبير من ضابطين متساويين بأن يجعله أحدهما عنه عن عائشة والآخر عنه عن أبي هريرة على المعتمد كما سلف عند الصحيح

وعلة المتن القادحة فيه ( ك ) حديث نفي قراءة البسملة في الصلاة المروي عن أنس إذ ظن راو من رواته حين سمع قول أنس رضي الله عنه صليت خلف النبي وأبي بكر وعثمان رضي الله عنهم فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين نفيها أي البسملة بذلك


230
فنقله مصرحا بما ظنه وقال لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها

وفي لفظ فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله وصار بمقتضى ذلك حديثا مرفوعا والراوي لذلك مخطيء في ظنه ولذا قال الشافعي رحمه الله في الأم ونقله عنه الترمذي في جامعه المغني أنهم يبدأون بقراءة أم القرآن قبل ما نقرأ بعدها لأنهم يتركون البسملة أصلا وبتأيد بثبوت تسمية أم القرآن بجملة الحمد لله رب العالمين في صحيح البخاري وكذا الحديث قتادة قال سئل أنس كيف كانت قراءة الرسول الله قال كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم أخرجه البخاري في صحيحه

وكذا صححه الدار قطني والحازمي وقال إنه لا عله له لأن الظاهر كما أشار إليه أبو أسامه أن قتاده لما سأل أنسا عن الإستفتاح في الصلاة بأي صورة ? وأجابه بالحمد لله سأله عن كيفيه قرائته ففيها وكأنه لم ير إبهام السائل مانعا من تعينه بقتاده خصوصا وهو السائل أولا وقد صح حسبما صرح به الدار قطني وأخرجه ابن خزيمه في صحيحه مما يتأيد به خطأ النافي أن أنسا رضي الله عنه يقول لا أحفظ شيئا في حين سئلا من أبي مسلمه سعيد بن يزيد أكان رسول الله بستفتح بالحمد لله أو ببسم الله

ولكن قد روي هذا الحديث عن أنس جماعه منهم حميد وقتاده والتحقيق أن المعل بروايه حميد خاصه إذ رفعها وهم من الوليد بن مسلم عن مالك عنه بل ومن بعض أصحاب حميد ايضا عنه فإنها في سائر الموطآت عن مالك صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ ببسم الله لا ذكر للنبي فيه وكذا الذي عند سائر حفاظ أصحاب حميد عنه إنما هو الموقف خاصه وبه صرح ابن معين عن ابن أبي عدي حيث قال إن حميدا كان إذا رواة عن أنس لم يرفعه وإذا قال فيه عن قتاده عن أنس رفعه


231

وأما روايه قتاده وهي من روايه الوليد بن مسلم وغيرة عن الأوزاعي أن قتاده كتب إليه يخبر أن أنسا حدثه قال صليت فذكرة بلفظ لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أو قراءة ولا في آخرها فلم يتفق أصحابه عنه على هذا اللفظ بل أكثرهم لا ذكر عندهم للنفي فيه وجماعه منهم بلفظ فلم يكونوا يجهرون ببسم الله

وممن اختلف عليه من اصحابه شعبه فجماعه منهم عندر لا ذكر عندهم فيه للنفي وأبو داود الطيالسي فقط حسبما وقع من طريق غير واحد بلفظ فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله وهي موافقه للأوزاعي وأبو عمر الدوري وكذا الطيالسي وغندر أيضا بلفظ فلم أسمع أحدا منهم يقرأ ببسم الله بل كذا اختلف فيه غير قتاده من أصحاب أنس فإسحاق بن أبي طلحه وثابت البناني باختلاف عليهما ومالك بن دينار ثلاثتهم عن أنس بدون نفي واسحاق وثابت أيضا ومنصور بن زاذان وأبو قلابه وأبو نعامه كلهم عنهم باللفظ النافي للجهر خاصه ولفظ إسحاق منهم يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين فيما يجهر فيه

وحينئذ فطريق الجمع بين هذه الروايات كما قال شيخنا ممكن يحمل نفي القراءة على نفي السماع ونفي السماع على نفي الجهر ويؤيده أن لفظه روايه منصور بن زادان فلم سمعنا قراءة بسم الله وأصرح منهما روايه الحسن عن أنس كما عند ابن خزيمه كانوا يسيرون بسم الله وبهذا الجمع زالت دعوى الإضطراب كما أنه ظهر أن الأوزاعي الذي رواة عن قتاده مكاتبه مع كون قتاده ولد اكمه وكتابه مجهول لعدم تسميته لم ينفرد به

وحينئذ فيجاب عن قول أنس لا أحفظ بأن المثبت مقدم على النافي خصوصا وقد تضمن النفي عدم استحضار أنس رضي الله عنه لأهم شيء يستحضروة وبإمكان نسيانه حين سؤال بن مسلمه له وتذكرة له بعد فإنه ثبت أن


232
قتاده أيضا سأله أيقرأ الرجل في الصلاة بسم الله فقال صليت وراء رسول الله وأبي بكر وعمر فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله ونحتاج إذا استقر محصل حديث أنس على نفي الجهر إلى دليل له وإن لم يكن من مباحثتنا وقد ذكر له الشارح دليلا

وأرشد شيخنا إلى ما يؤخذ منه ذلك بل قال إن قول نعيم المجهر صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ولا الضالين فقال آمين وقال الناس آمين وكان كلما سجد وإذا أقام من الجلوس في الإثنتين يقول الله أكبر ويقول إذا سلم والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله أصح حديث ورد فيه ولا عله له

وممن صححه ابن خزيمه وابن حبان وقد بوب عليه النسائي الجهر بسم الله الرحمن الرحيم ولكن تعقب الإستدلال به باحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله أشبهكم في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها لا سيما وقد رواة عنه جماعه غير نعيم بدون ذكر البسمله وأجيب بأن نعيما ثقه فزيادته مقبوله

والخبر ظاهر في جميع الأجزاء فيحمل على عمومه حتى يثبت دليل يخصصه ومع ذلك فيطرقه احتمال أن يكون سماع نعيم لها من أبي هريرة حال مخافته لقربه منه

وقد قال الإمام فخر الدين الرازي في تصنيف له في الفاتحه روى الشافعي بإسناده أن معاويه قدم المدينه فصلى بهم ولم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ولم يكبر عند الخفض إلى الركوع والسجود فلما سلم ناداة المهاجرون والأنصار يا معويه سرقت الصلاة أين بسم الله الرحمن الرحيم أين التكبير عند الركوع والسجود فاعاد الصلاة مع التسميه والتكبير ثم قال الشافعي وكان معاويه سلطانا عظيم القوة شديد الشوكه


233
فلولا أن الجهر بالتسميه كان كالأمر المتقرر عند كل الصحابه من المهاجرين والأنصار لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب تركه انتهى

وهو حديث حسن أخرجه الحاكم في صحيحه والدار قنطي وقال إن رجال ثقات ثم قال الإمام بعد وقد بينا أن هذا يعني الإنكار المتقدم يدل على أن الجهر بهذه الكلمه كالأمر المتواتر فيما بينهم

وكذا قال الترمذي عقب إيراده بعد أن ترجم بالجهر بالبسمله حديث معتمر ابن سليمان عن اسماعيل بن حماد بن أبي سليمان عن أبي خالد الوالبي الكوفي عن ابن عباس قال كان النبي يفتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم ووافقه على تخريجه الدارقنطي وأبو داود وضعفه بل وقال الترمذي ليس إسناده بذاك والبهيقي في المعرفه واستشهد له بحديث سالم الأفطس عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم يمد بها صوته الحديث وهو عند الحاكم في مستدركه أيضا ما نصه

وقد قال بهذا عده من أهل العلم من أصحاب النبي منهم أبو هريرة وابن عمرو وابن الزبير ومن بعدهم من التابعيين رووا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وبه يقول الشافعي وكثر من أهل الحديث حسبما يقع في كتب التعلعل كما عبر به ابن الصلاح أو الإعلال كما لغيرة بالإرسال الظاهر للوصل وبالوقف للرفع إن يقو الإرسال وكذا الوقف بكون راويه أضبط أو أكثر عددا على اتصال ورفع ذلك مع كونه مؤيدا لأن القول بتقديم الموصل إنما هو فيما لم يظهر فيه ترجيح كما قدمناه في بابه ضاف لتعريف العله

ولكن الظاهر أن قصدهم جمع مطلق العله خفيه كانت أو ظاهرة لا سيما وهو يفيد الإرشاد لبيان الراجح من غيرة بجمع الطرق فقد قال ابن المديني الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤة


234

وكان بعض الحفاظ يقول إن لم يكن للحديث عندي مائة طريق فأنا فيه يتم وسيأتي شيء من هذا في آداب طالب الحديث

ويحتمل أن التعليل بالإرسال من الخفي يخفاء القرائن المرجحة له غالبا وقد يعلون أي أهل الحديث كما في كتبهم أيضا الحديث بكل قدح ظاهر ( فسق ) في راويه يكذب أو غيره ( وغفلة ) منه ونوع جرح فيه كسوء حفظ ونحو ذلك من الأمور الوجودية التي يأباها أيضا كون العلة خفية ولذا صرح الحاكم بامتناع الإعلال بالجرح ونحوه فإن حديث المجروح ساقط واهي ولا يعلل الحديث إلا بما ليس للجرح فيه مدخل انتهى

ولكن ذلك منهم بالنسبة للذي قبله قليل على أنه يحتمل أيضا أن التعليل بذلك من الخفي لخفاء وجود طريق آخر ليخبر بها ما في هذا من ضعف فكأن المعلل أشار إلى تفرده وفسق وما بعده بالجر على البدلية ومنهم بالضم وهو أبو يعلي الخليلي من يطلق اسم العلة توسعا ( ل ) شيء غير قادح كوصل ثقة ضابط أرسله من هو دونه أو مثله ولا مرجح حيث يقول في إرشاده إن الحديث على أقسام معلول صحيح ومتفق على صحته أي لا علة فيه وتختلف فيها أي بالنظر للاختلاف في استجماع شروطها أو مثله لأولها بحديث مالك في الموطأ إنه بلغه أن أبا هريرة قال قال رسول الله للملوك طعامه وكسوته حيث وصله مالك خارج الموطأ بمحمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة كما قتدم في المعضل

وقال فقد صار الحديث بتبين الإسناد أي بعد الفحص عنه صحيحا يعتمد عليه أي اتفاقا بعد أن كان ظاهرة خلاف ذلك

وحينئذ فهو من الصحيح المبين بحجة ظهرت وما سلكه الخليلي في ذلك هو ( ك ) الحديث الذي يقول فيه بعضهم كالحاكم صح مع شذوذ فيه مناف عند الجمهور للصحة ( احتذى ) أي اقتدى في الأولى بهذه وبه يتأيد شيخنا في كون الشذوذ يقدح في الإحتجاج لا في التسمية


235
كما أشير إليه في بابه

وفي الصحيح أيضا والنسخ مفعول مقدم سمى الترمذي علة زاد الناظم فإن يرد الترمذي إنه علة في عمل بمعنى إنه لا يعمل بالمنسوخ لا العلة الإصطلاحية فاجنح بالجيم ثم نون مهملة أي مل ( له ) لأن في الصحيحين فضلا عن غيرهما من كتب الصحيح الكثير من المنسوخ بل وصحح الترمذي نفسه من ذلك جملة فتعين لذلك إرادته

خاتمة هذا النوع من أغمض الأنواع وأدقها ولذا لم يتكلم فيه كما سلف إلا الجهابذة أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب مثل ابن المديني وأحمد والبخاري ويعقوب ابن شيبة وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني ولخفائه كان بعض الحفاظ يقول معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل وقال ابن مهدي هي إلهام لو قلت للقيم بالعلل من أين لك هذا لم تكن له حجة يعني يعبر بها غالبا وإلا ففي نفسه حجيج للقبول وللرفع

وسئل أبو زرعة عن الحجة لقوله فقال إن تسألني عن حديث ثم تسأل عنه ابن وارة وأبا حاتم وتسمع جواب كل منا ولا تخبر واحدا منا بجواب الآخر فإن اتفقنا فاعلم حقيقة ما قلنا وإن اختلفنا فاعلم أنا تكلمنا بما رادنا ففعل فاتفقوا فقال السائل أشهد أن هذا العلم إلهام

وسأل بعض الأجلاء من أهل الرأي أبا حاتم عن أحاديث فقال في بعضها هذا خطأ دخل لصاحبه حديث في حديث وهذا باطل وهذا منكر وهذا صحيح فسأله من أين علمت هذا أخبرك الراوي بأنه غلط او كذب فقل له لا ولكني علمت ذلك فقال له الرجل أتدعي الغيب ? فقال ما هذا ادعاء غيب قال فما الدليل على قولك ? فقال أن تسأل غيري من أصحابنا فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف

فذهب الرجل الى أبي زرعة وسأله عن تلك الأحاديث بعينها فاتفقنا


236
فتعجب السائل من اتفاقهما من غير مواطأة فقال له أبو حام أفعلمت أنا لم نجازف ثم قال والدليل على صحة قولنا أنك تحمل دينارا نهرجا إلى صيرفي فإن أخبرك أنه نهرج وقلت له أكنت حاضرا حين يهرج أو هل أخبرك الذي يهرجه بذلك يقول لك لا ولكن علم رزقنا معرفته وكذلك إذا حملت إلى جوهري فص ياقوت وفص زجاج يعرف ذا من ذا ونحن نعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه وإن يكون كلاما يصلح أن يكون كلام النوة ونعرف سقمه ونكارته بتفرد من لم تصح عدالته

وهو كما قال غيره أمر يهجم على قلبهم لا يمكنهم رده وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر لا ينكر عليهم بل يشاركهم ويحذو حذوهم وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة هذا مع اتفاق للفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله ومن تعاطي تحرير فن غير فنه فهو متعنى فالله تعالى بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالا نقادا تفرغوا له وأفنوا أعمرهم في تحصيله والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله ومعرفة مراتبهم في القوة واللين فتقليدهم والمشي وراءهم وإمعان النظر في تواليفهم وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم وجودة التصور ومدومة الاشتغال وملازمة التقوى والتواضع يوجب لك إن شاء الله معرفة السنن النبوية ولا قوة إلا بالله


237
المضطرب
( مضطرب الحديث ما قد وردا
مختلفا من واحد فأزيدا )
( في متن أو في سند إن اتضح
فيه تساوى الخلف أما إن رجح )
( بعض الوجوة لم يكن مضطربا
والحكم للراجح منها وجبا )
( كخط للسترة جم الخلف
وافضطراب موجب للضعف )
* * *

لما انتهى من المعل الذي شرط الحكم به ترجيح جانب العله ناسب إرفاده بما لم يظهر فيه ترجيح مضطرب الحديث بكسر الراء اسم فاعل من إضطراب ما قد وردا حال كونه مختلفا من راو واحد بأن رواة مرة على وجه وأخرى على آخر مخالف له فأزيد بأن يضطرب فيه كذلك راويان فأكثر في لفظ متن أو في صورة سند رواته ثقات إما باختلاف في وصل وإرسال أو في إثبات راوٍ وحذفه أو غير ذلك وربما يكون في السند والمتن معا هذا كله إن اتضح فيه تساوي الخلف أي الإختلاف في الجهتين أو الجهات بحيث لم يترجح منه شيء ولم يكن الجمع أما أن رجح بعض الوجوة والوجهين على غيرة بأحفظيه أو أكثريه ملازمه للمروى عنه أو غيرهما من وجوة الترجيح لم يكن حينئذ مضطربا والحكم للراجح منهما أي من الوجوة أو من الوجهين وجبا إذا


238
المرجوح لا يكون مانعا من التمسك بالراجح وكذا لااضطراب إن أمكن الجمع بحيث يمكن أن يكون المتكلم معبرا باللفظين فأكثر عن معنى واحد ولو لم يترحج شيء

ولمضطربي المتن والسند أمثلة كثيرة فالذي في السند وهو الأكثر يؤخذ من العلل للدارقطني

ومما التقطه شيخنا منها مع زوائد وسماه المقترب في بيان المضطرب ( ك ) حديث ( الخط ) من المصلي ( للسترة ) الذي لفظه إذا لم يجد عصى ينصبها بين يديه فليحفظ خطا أي يدير دوارة منعطفة كالهلال فيما قاله أحمد أو يجعله بالطول فيما قاله مسدد فإن إسناد هذا الحديث ( جم ) بفتح الجيم وتشديد الميم أي كثير ( الخلف ) أي الإختلاف على راويه وهو إسماعيل بن أمية فإنه قيل عنه عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده حديث عن أبي هريرة

وقيل عنه عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة وقيل عنه عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث عن جده حريث بن سليم عن أبي هريرة وقيل عنه عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده حريث رجل من بني عذرة عن أبي هريرة وقيل عنه عن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن أبي هريرة وقيل عنه عن محمد بن عمرو بن حريث عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقيل عنه عن حريث بن عمار عن أبي هريرة وقيل عنه عن أبي عمرو بن محمد عن جده حريث بن سليمان عن أبي هريرة وقيل عنه عن أبي عمرو بن حريث عن جده حريث عن أبي هريرة وقيل غير ذلك

ولذا حكم غير واحد من الحفاظ كالنووي في الخلاصة وابن عبد الهادي وغيره من المتأخرين باضطراب سنده بل عزاه النووي للحفاظ


239

قال الدارقطني لا يثبت وقال الطحاوي لا يحتج بمثله وتوقف الشافعي فيه في الجديد بعد أن اعتمده في القديم لأنه مع اضطراب سنده زعم ابن عيينة أنه لم يجيء إلا من هذا الوجه ولم يجد شيئا يشذه به لكن صححه ابن المديني وأحمد وجماعة منهم ابن حبان والحاكم وابن المنذر وكذا ابن خزيمة وعمد إلى الترجيح فراجح القول الأول من هذا الإختلاف ونحوه حكاية ابن أبي حاتم عن أبي زرعة ولا ينافيه القول الثاني لإمكان أن يكون نسب الراوي فيه إلى جده وسمى أبا لظاهر السياق وكذا لا ينافيه الثالث والتاسع والثامن إلا في سليمان مع سليم وكان أحدهما تصحف أو سليما لقب كما لا ينافيه الرابع إلا بالقلب بل قال شيخنا إن هذه الطرق كلها قابلة لترجيح بعضها على بعض والراجحة منها يمكن التوفيق بينها وحينئذ فينتفي الاضطراب عن السند أصلا ورأسا ولذلك أسنده الشافعي محتجا به في المبسوط للمزني وما تقدم عزوه إليه ففيه نظر

وقال البيهقي لا بأس بهذا الحديث في مثل هذا الحكم إن شاء الله قال النووي وهذا الذي اختاره هو المختار ثم إن اختلاف الرواة في اسم رجل أو نسبه لا يؤثر ذلك لأنه إن كان الرجل ثقة كما هو مقتضى صنيع من صحح هذا الحديث فلا ضير كا تقدم في كل من المعل والمنكر لا سيما وفي الصحيحين مما اختلف فيه على راويه جملة أحاديث وبذلك يرد على من ذهب من أهل الحديث إلى أن الاختلاف يدل على عدم الضبط في الجملة فيضر ذلك ولو كانت رواته ثقات إلا أن يقوم دليل على أنه عند الراوي المختلف عليه عنهما جميعا أو بالطريقتين جميعا والحق إنه لا يضر فإنه كيف ما دار كان على ثقة

وقد قال النووي في آخر الكلام على المجهول من تقريبه ومن عرفته عينه وعدالته وجهل اسمه احتج به وإن كان ضعيفا كام هو الحق هنا لجزم شيخنا في تقريبه بأن شيخ إسماعيل مجهول فضعف الحديث إنما هو من قبل


240
ضعفه لا من قبل اختلاف الثقات في إسمه هذا مع أن دعوى ابن عيينة الفردية في المتن منتقضة بما روينا في فوائد عبدان الجو البقي قال حدثنا داهر بن نوح حدثنا يوسف بن خالد عن أبي معاذ الخرساني عن عطاء بن ميناء عن أبي هريرة قال قال رسول الله ليصلي أحدكم إلى ما يستره فإن لم يجد فليحفظ خطأ

وكذا روينا في أول جزء ابن فيل قال حدثنا عيسى بن عبد الله العسقلاني حدثنا داود بن الجراح عن الأوزاعي عن أيوب بن موسى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا صلى أحدكم فليصل إلى مسجد أو الى شجرة أو إلى بعير فإن لم يجد فليحفظ خطأ بين يديه ولا يضره من مر بين يديه

ورواه أبو مالك النخعي عن أيوب فقال عن المقبري بدل أبي سلمة وادعى الدارقطني في الإفراد تفرد أبي مالك بهذا الحديث بل في الباب أيضا عن غير أبي هريرة فضد أبي يعلى الموصلي في مسنده من حديث إبراهيم بن أبي محذورة عن أبيه عن جده قال رأيت رسول الله دخل المسجد من قبل باب بني شيبة حتى جاء إلى وجه الكعبة فاستقبل القبلة فخط من بين يديه خطا عرضا ثم كبر فصلى والناس يطوفون بين الخط والكعبة

وكذا عند الطبراني من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وفي سندهما ضعف لكنهما مع طريقين إحديهما مرسلة والأخرى مقطوعة يتقوى بها حديث أبي هريرة وإذا ظهر أن الاضطراب الواقع في هذا السند غير مؤثر فلنذكر مثالا لاخدش فيه مما اختلف فيه الثقات مع تساويهم وتنذر الجمع بين ما أتوا به وهو حديث شيبتني هود وأخواتها فإنه اختلف فيه على أبي اسحق السبيعي فقيل عنه عن عكرمة عن أبي بكر ومنهم من زاد بينهما ابن عباس وقيل عنه عن أبي جحيفة عن أبي بكر وقيل عنه عن البراء عن أبي بكر وقيل عن أبي ميسرة عن أبي بكر وقيل عنه عن مسروق


241
عن أبي بكر وقيل عنه عن مسروق عن عائشة عن أبي بكر وقيل عنه عن علقمة عن أبي بكر وقيل عنه عن عامر بن سعد البجلي عن أبي بكر وقيل عنه عن عامر بن سعد عن أبيه عن أبي بكر وقيل عنه عن مصعب بن سعد عن أبيه عن أبي بكر وقيل عنه عن أبي الأحوص عن ابن مسعود ذكره الدارقطني مبسوطا

وأما أمثلة الاضطراب في التن أقل أن يوجد مثال سالم له كحديث نفي البسملة حيث زال الاضطراب عنه بالجمع المتقدم في النوع قبله وحديث ابن جريج في وضع الخاتم حيث زال بما تقدم في المنكر وحديث فاطمة إن في المال لحقا سوى الزكاة الذي ذكره الشارح حيث زال بإمكان سماعها للفظين وحمل المثبت على المقطوع والنافي على الواجب ويتأيد بزيادة ثم قرأ أي رسول الله وآتى المال على حبه في بعض طرقه

وفي لفظ آخر قال أبو حمزة قلت للشعبي إذا زكا الرجال ماله أطيب له ماله فقرأ ليس البر الآية هذا مع ضعفه بغير الاضطراب فإن أبا حمزة شيخ شريك فيه ضعيف ووراء هذا نفي بعضهم الاضطراب عنه بأن لفظ الحديث في الترمذي وابن ماجه سواء وهو الإثبات لكنه لم يصب وإن سبقه لنحوه البيهقي

فمنها الاختلاف في الصلاة في قصة ذي اليدين فمرة شك الراوي أهي الظهر أو العصر ومرة قال إحدى صلاتي العشى إما الظهر وإما العصر ومرة جزم بالظهر وأخرى بالعصر وأخرى قال وأكبر ظني أنها العصر

وعند النسائي ما يشهد لأن الشك فيها كان من أبي هريرة ولفظه صلى النبي إحدى صلاتي العشى قال أبو هريرة ولكني نسيت

قال شيخنا فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرا على الشك وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر فجزم بها وتارة غلب على ظنه أنها العصر فجزم


242
بها ثم طرأ الشك في تعيينها على ابن سيرين أيضا لما ثبت عنه أنه قال سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصة من الأحكام الشرعية وأبعد من جمع بأن القصة وقعت مرتين

ولكن كثيرا ما يسلك الحفاظ كالنووي رحمه الله ذلك في الجمع بينالمختلف توصلا إلى تصحيح كل من الروايات صونا للرواة الثقات أن يتوجه الغلط إلى بعضهم وقد لايكون الواقع التعدد نعم قد رجح شيخنا في هذا المثال الخاص رواية من عين العصرفي حديث أبي هريرة ( والاضطراب ) حيث وقع في سند أو متن ( موجب للضعف ) لإشعاره بعدم ضبط راويه أو رواته


243
المدرج
( المدرج الملحق آخر الخبر
من قول راو ما بلا فصل ظهر )
( نحو إذا قلت التشهد وصل
ذلك زهير وابن ثوبان فصل )
( قلت ومنه مدرج قبل قلب
اسبغوا الوضوء ويل للعقب )
( وطمنه جمع ما أتى كل طرف
منه باسناد بواحد سلف )
( كوائل في صفه الصلاة قد
أدرج ثم جثتهم وما اتحد )
( ومنه أن يدرج بعض مسند
فس غيرة مع اختلاف السند )
( نحو ولا تنافسوا في متن لا
تباغضوا فمدرج قد نقلا )
( من متن لا تجسوا أدرجه
ابن أبي مريم إذا أخرجه )
( ومنه متن عن جماعه ورد
وبعضهم خالف بعضا في السند )
( فيجمع الكل بإسناد ذكر
كمتن أي الذنب أعظم الخبر )
( فان عمرا عند واصل فقط
بين شقيقين وابن مسعود سقط )
( وزاده الأعمش كذا منصور
وعمد الادراج لها محظور )
* * *

لما انتهى مما هو قسيم المعل من حيثية الترجيح والتساوي كما قدمت وكان مما يعل به إدخال متن ونحوه في متن ناسب الإرداف بذلك


244
( المدرج ) ويقع في السند والمتن ولكل منهما أقسام اقتصر ابن الصلاح في المتن على أحدهما هو القول الملحق آخر الخبر المرفوع من قول راو ما من رواته أما الصحابي أو التابعي أو من بعده بلا فصل ظهر بين هذا الملحق يعزوه نقائلة وبين كلام النبوة بحيث يتوهم أن الجميع مرفوع ثم قد يكون تفسير الغريب في الخبر وهو الأكثر كحديث النهي عن نكاح الشغار والنهي عن المحاقلة والمزابنة ونظائرها أو استنباطا لما فهمه منه أحد رواته كثاني حديثي ابن مسعود ألا يتبين في الطريق لمعرفة الإدراج أو كلاهما مستقلا وربما يكون حديثا آخر كاسبغوا الوضوء والأمر في أولها سهل إذ الراوي أعرف بمعنى ما روى

وقد يكون في المرفوع كما تقدم أوفي الموقوف على الصحابي بإلحاق التابعي فمن بعده أو في المقطوع بإلحاق تابعي التابعي فمن بعده

ولكن الأهم من ذلك ما اقتصر عليه ابن الصلاح وله أمثلة ( نحو ) قول ابن مسعود في آخر حديث القاسم بن مخيمرة عن علقمة بن قيس عنه في تعليم النبي له التشهد في الصلاة إذا قلت هذا التشهد فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد فقد وصل داك بالمرفوع ( زهير ) هو ابن معاوية أبو خيثمة كما قاله جمهور أصحابه عنه في روايته له عن الحسن بن الحر عن القاسم بسنده المذكور وابن ثوبان هو عبد الرحمن بن ثابت أحد من رواه عن ابن الحر ( فصل ) الموقوف عن المرفوع بقوله قال ابن مسعود بل رواه شبابة ابن سوار وهو ثقة عن زهير نفسه أيضا كذلك

ويتأيد باقتصار حسين الجعفي وابن عجلان ومحمد بن أبان في روايتهم عن ابن الحر بل وكل من روى التشهد عن علقمة وغيره عن ابن مسعود على المرفوع فقط ولذلك صرح غير واحد من الأئمة بعدم رفعه بل اتفقوا كما قال النووي في الخلاصة على أنه مدرج ثم إنه لو صح رفعه لكان


245
ظاهره معارضا لقوله تحليلها التسليم مع أن الخطابي جمع بينهما على تقدير التنزل في عدم الإدراج بأن قوله فقد قضيت صلاتك أي معظمها قلت ومنه أي ومن المدرج مما هو من أقسام المتن أيضا مدرج قبل أي قبل الآخر بأن يكون في أوله أو أثنائه ( قلب ) بالنسبة لما الإدراج في آخره ولكل منهما أمثلة كحديث ( أسبغوا ) بفتح الهمزة أي اكملوا الوضوء ويل العقب أي مؤخر القدم وفي لفظ وهو الأكثر للأعقاب من النار فإن شبابة بن سوار وأبا قطن عمرو بن الهيثم روياه عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة برفع الجملتين مع كون الأولى من كلام أبي هريرة كما فصله جمهور الرواة عن شعبة واتفق الشيخان على تخريجه كذلك من حديث بعضهم واقتصر بعضهم على المرفوع فقط فهو مثال لما الإدراج في أوله وهو نادر جدا حتى قال شيخنا إنه لم يجد غيره إلا ما وقع في بعض طرق حديث بسرة الآتي ثم إن قول أبي هريرة ( أسبغوا ) قد ثبت في الصحيح مرفوعا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وكحديث عائشة في بدء الوحي حيث أدرج فيه الزهري والتحنث التعبد وحديث فضالة بن عبيد رفعه أنا زعيم ببيت في رياض الجنة حيث أدرج فيه ابن وهب والزعيم الحميل

وحديث هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن بسرة ابنة صفوان مرفوعا من مس ذكره أو أنثييه أو رفعه فليتوضأ

قال عبد الحميد بن جعفر رواه عن هشام وكذا أبو كامل الجحدري عن يزيد بن زريع عن أيوب السختياني عن هشام كذلك مع كون الأثننيين والرفع إنما هو من قول عروة كما فصله حماد بن يزيد وغيره عن هشام وهو الذي رواه جمهور أصحاب يزيد بن زريع عنه ثم جمهور أصحاب السختياني عنه واقتصر عشرون من حفاظ أصحاب هشام على المرفوع فقط وممن صرح بأن ذلك قول عروة الدارقطني والخطيب فهي أمثلة لما الإدراج في وسطه


246

لكن قد روى آخرها الطبراني في الكبير من حديث محمد بن دينار الطاحي عن هشام فقدم المدرج ولفظه من مس دفغه أو انثييه أو ذكره وحينئذ فهو مع تكلف مثال للذي قبله أيضا كما أشير إليه قريبا

ورواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن هشام بن حسان عن هشام بلفظ إذا مس ذكره أو انثييه فقط أخرجه ابن شاهين في الأبواب

ورواه ابن يزيد بن هارون عن هشام بن حسان بلفظ إذا مس أحدكم ذكره أو قالب أو فرجه أو قال انثييه فتردده فيه كما قال شيخنا يدل على أنه ما ضبطه

واعلم أن الطريق لمعرفة الإدراج إما باستحالة إضافته إلى النبي كقول أبي هريرة في حديث للعبد المملوك أجران ما نصه والذي نفسي بيده لولا الجهاد في سبيل الله وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك

أو قول ابن مسعود كما جزم به سليمان بن حرب في حديث الطيرة شرك ما نصه وما منا إلا أو بتصريح صحابية بأنه لم يسمعه من النبي كحديث ابن مسعود سمعت رسول الله يقول من جعل لله ندا دخل النار قال وأخرى أقولها ولم أسمعها منه من مات لا يجعل لله ندا أدخله الجنة أو بتصريح بعض الرواة بالفصل بإضافته لقائله ويتقوى الفصل باقتصار بعض الرواة على الأصل كحديث التشهد وثالثهما أكثرها

وما أحسن صنيع مسلم حيث أخرج حديث عبد الأعلى بن داود عن الشعبي عن علقمه عن ابن مسعود في جيء داعي الجن إلى النبي وذهابه معهم وقراءته عليهم القرآن قال ابن مسعود فانطلق بنا فأرانا آثارهم وأثار نيرانهم وسألوة الزاد فقال لكم كل عظم إلى آخرة ثم رواة من جهه إسماعيل ابن ابراهيم عن داود وقال بسنده إلى قوله وآثار نيرانهم فقال الشعبي وسألوة الزاد إلى آخرة فبين أنه من قول الشعبي منفصلا من حديث


247
عبد الله ثم رواة من حديث عبد الله ابن ادريس عن داود به بدون ذكر وسألوة إلى آخرة لا متصلا ولا منفصلا

ولكن الحكم للإدراج بها مختلف فبالأول قطعا وبباقيها بحسب غلبه الظن للناقد بل أشار ابن دقيق العيد في الإقتراح إلى ضعفه حيث كان أو الخبر كقوله قال رسول الله أصبغوا الوضوء أو من مس أنثييه لا سيما وإن جاء ما بعده بواو العطف وكذا حين قال في أثناء اللفظ المتفق على رفعه ولذا قال في اظفمام له إنما يكون الإدراج بلفظ تابع يمكن استقلاله عن اللفظ السابق انتهى

وكان الحامل لهم على عدم تخصيص ذلك بآخر الخبر تجويز كون التقديم والتأخير من الراوي لظنه الرفع في الجميع واعتماده الروايه بالمعنى فبقي المدرج حينئذ في أول الخير وأثنائه بخلاف قبل ذلك

وإلى نحوة أشار الناظم في شرح الترمذي وقال إن الراوي راى أشياء متعاطفه فقدم واخر لجواز ذلك عنده وصار الموقوف لذلك او الخبر أو وسطه ولا شك أن الفاصل معه زياده عدم فهم أولى وبالجمله فقد قال شيخنا إنه لا انع من الحكم على ما في الأول او الآخر أو الوسط بالإدراج إ 1 ذ قام الدليل المؤثر غلبه الظن

وقد قال أحمد كان وكيع يقول في حديث يعني كذا وكذا وربما طرح ويعني وذكر التفسير في الحديث وكذا كان الزهري يفسر الأحاديث كثيرا وربما أسقط أداة التفسير فكان بعض أقرانه دائما يقول له أفضل كلامك من كلام النبي إلى غير ذلك من الحكايات

ومن مدرج المتن أن يشرك جماعه عن شيخ في روايه ويكون لأحدهم زياده يختص بها فيرويه عنهم راويا لزياده من غير تميز كراويه الوزاعي عن الزهري عن أبي سلمه بن عبد الرحمن وسعيد بن


248
المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث ثلاثتهم عن أبي هريرة حديث لا يزني الزاني وفيه لا ينتهب نهبه

فجملة الهبة إنما رواها الزهري عن أبي بكر خاصة بل رواها الزهري أيضا عن عبد الملك بن أبي بكر عن أبيه أبي بكر المذكور أن أبا هريرة كان يلحقها في الخبر أي من قوله ( ومنه ) أي المدرج وهو الأول من ثلاثة أقسام ذكرها ابن الصلاح في السند جمع ما أتى كل طرف منه عن رواته بإسناد غير إسناد الطرف الآخر بواحد سلف من المسندين ( ك ) حديث ( وائل ) هو ابن حجر في صفة الصلاة النبوية الذي رواه زائدة وابن عيينة وشريك جميعا عن عاصم بن كليب عن أبيه عنه ( قد أدرج ) من بعض رواته في آخره بهذا السند ( ثم جئتهم ) بعد ذلك بزمان فيه برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب تحرك أيديهم تحت الثياب ( وما اتحدا ) شيخ عاصم في الجملتين بل الذي عنده بهذا السند صفة صلاة النبي خاصة

وأما الجملة الثانية فإنما رواها عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل فبينهما واسطتان بخلاف الأول كذلك فصلهما زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد ورجح روايتهما موسى بن هارون البغدادي الفقيه الحافظ عرف بإكمال وقضى على الأول وهو جمعهما بسند واحد بالوهم

وقال ابن الصلاح إنه الصواب ونحو هذا القسم وأفرده شيخنا عنه أن يكون المتن عند راويه عن شيخ له إلا بعضه فإنما هو عنده بواسطة بينه وبين ذاك الشيخ فيدرجه بعض الرواة عنه بلا تفصيل ( ك ) حديث إسماعيل بن جعفر عن حميد عن أنس في قصة العرينين وأن النبي قال لهم لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها وأبوالها فإن لفظة وأبوالها إنما سمعها حميد من قتادة عن أنس كما ينه محمد بن أبي عدي ومروان بن معاوية ويزيد ابن هارون وآخرون إذ رووه عن حميد عن أنس بلفظ فشربتم من ألبانها فعندهم قال حميد قال قتادة عن أنس وأبوالها فرواية إسماعيل على هذا فيها إدراج يتضمن


249
تدليسا ( ومنه ) وهو ثاني الثلاثة ( أن يدرج ) من الراوي ( بعض ) حديث ( مسنده في ) حديث غيره وهما عند راو واحد أيضا لكن مع اختلاف السند جميعه فيهما ( نحو ) حديث ولا تنافسوا حيث أدخل في متن لا تباغضوا المرفوع الثابت عن مالك عن الزهري عن أنس بلفظ لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا فقط فلفظ ولا تنافسوا مدرج فيه قد نقلا من راويه من متن لا تجسسوا بالجيم أو الحاء المرفوع الثابت عن مالك أيضا عن أبي الزناد الأعرج عن أبي هريرة بلفظ الظن إياكم والظن فإن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا أدرجه أي ولا تنافسوا في السند الأول من الثاني ابن أبي مريم هو الحافظ أبو محمد سعيد بن محمد بن الحكم الجمحي المصري شيخ البخاري إذا أخرجه أي رواه عن مالك وصيرهما بإسناد واحد وهو وهم منه كما جزم به الخطيب وصرح هو وابن عبد البر معا بأنه خالف بذلك جميع الرواة عن مالك في الموطأ وغيره

وكذا قال حمزة الكتاني لا أعلم أحدا قالها عن مالك في حديث أنس وغيره

قلت وكذا أدرجها عبد الرحمن بن اسحقعن الزهري وخالف الحفاظ من أصحاب الزهري ولكن إنما يتم التمثيل في هذا القسم بحديث مالك ( ومنه ) وهو ثالث الثلاثة ( متن ) أي حديث عن جماعة من الرواة ورد وبعضهم أي والحال أن بعضهم خالف بعضا بالزيادة أو النقص في السند فيجمع بعض الرواة الكل بإسناد واحد ( ذكر ) من غير بيان الاختلاف بل يدرج روايتهم على الاتفاق كمتن أي الذنب أعظم قال أن تجعل لله ندا ( الخبر ) المروي عن ابن مسعود قال قلت يا رسول الله وذكره فإن عمروا أهو ابن شرحبيل أبوميسرة أحد الكبار من التابعين عند واصل فقط ( بين ) شيخه ( شقيق ) هو ابن سلمة أبو وائل أحد كبار


250
التابعين أيضا بل هو ممن أدرك النبي لكن لم يره ( و ) بين ابن مسعود سقط وزاده ( الأعمش ) بنقل الهمزة وكذا منصور بن المعتمر حيث روياه عن شقيق فلما رواه الثوري حسبما وقع من حديث ابن مهدي ومحمد بن كثير عنه عن الثلاثة أعني واصلا والأعمش ومنصور أثبته في روايتهم وصارت رواية واصل مدرجة على رواية الآخرين

وممن رواه عن واصل بحذف سعيد بن مسروق وشعبة ومالك بن مغول ومهدي بن ميمون بل رواه عمرو بن علي الفلاس عن يحيى بن سعيد القطان عن الثوري نفسه بالتفصيل المذكور

قال الفلاس فذكرت ذلك لابن مهدي يعني لكونه خلاف ما كان حدثه بل وحدث غيره به فقال دعه دعه فقوله دعه يحتمل أنه أمر بالتمسك بما حدثه به وعدم الالتفات لخلافه ويحتمل أنه أمر بترك عمرو من حديث واصل لكونه نذكر أنه هو الصواب أو لكونه كان عنده محمولا على رفيقيه فلما سأله عنه بانفراده أخبره بالواقع لكن يعكر عليه رواية بندار عن ابن مهدي عن الثوري عن واصل وحده بإثباته

وإن أمكن الجواب عنه بأن ذلك من تصرف بعض الرواة حيث ظن من رواية ابن مهدي حديث الثلاثة بالإثبات اتفاق طرقهم ولزم من ذلك أنه لما رواه من طريق واصل خاصة أثبته بناء على ما ظنه وذلك غير لازم ولهذا لا ينبغي كما سيأتي التنبيه عليه في اختلاف ألفاظ الشيوخ لمن يروي حديثا من طريق جماعة عن شيخ أن يحذف بعضهم بل يأتي به عن جميعهم لاحتمال أن يكون اللفظ سندا أو متنا لأحدهم الذي ربما يكون هو المحذوف ورواية من عداه محمولة عليه على أنه قد اختلف على الأعمش أيضا في إثباته عمرو وحذفه

وبالجملة فهو في هذا المثال من المزيد في متصل الأسانيد لكون


251
شقيق روى عن كل من عمرو وابن مسعود لكن قد يتضمن ارتكاب مثل هذا لصيغ إيهام وصل مرسل أو اتصال منقطع وما أحسن محافظة الإمام مسلم على التحري في ذلك وكذا شيخه الإمام أحمد

ومن أقسام مدرج الإسناد أيضا وهو رابع أو خامس أن لايذكر المحدث متن الحديث بل المسوق إسناده فقط ثم يقطعه قاطع فيذكر كلاما فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد

وله أمثلة منها قصة ثابت بن موسى الزاهد مع شريك القاضي فقد جزم ابن حبان بأنه من المدرج ومثل بها ابن الصلاح لشبه الوضع كما سيأتي ( وعمد ) أي تعمد الإدراج لها أي لكل الأقسام المتعلقة بالمتن والسند محظور أي حرام لما يتضمن من عزو الشيء لغير قائله وأسوأه ما كان في المرفوع مما لادخل له في الغريب المتسامح في خلطه أو الاسنباط وقد صنف الخطيب في هذا النوع كتابا سماه الفصل للوصل المدرج في النقل ولخصه شيخنا مع ترتيبه له على الأبواب وزيادة للعلل وغيره

وسماه تقريب المنهج بترتيب المدرج وقال فيه إنه وقعت له جملة أحاديث على شرط الخطيب وإنه عزم على جمعها وتحريرها وإلحاقها بهذا المختصر أو في آخره مفردة كالذيل وكأنه لم يبيضها فما رأيتها بعد


252
الموضوع
( شر الضعيف الخبر الموضوع
الكذب المختلق المصنوع )
( وكيف كان لم يخبروا ذكرة
لم أعلم مالم يبين أمرة )
( وأكثر الجامع فيه إذا خرج
لمطلق الضعف عن أبا الفرج )
( والواضعون للحديث اضرب
أخرهم قوم لزهد نسبوا )
( قد وضعوها حسبه فقبلت
منهم ركونا لهم ونقلت )
( فقيض الله لها نقادها
فبينوا بنقدهم قسادها )
( نحو أبي عصمه إذ رأى الورى
زعما نأوا عن القرآن فافترى )
( حديثا في فضائل السور
عن ابن عباس فبئس ما ابتكر )
( وكذا الحديث عن أبي اعترف
راويه بالوضع وبئس ما اقترف )
( وكل من أو ضعه كتابه
كالواحدي مخطئ صوابه )
( وجوزوا الوضع على الترغيب
قوم ابن كرام وفي الترهيب )
* * *

وناسبته لما قبله ظاهرة إذ من أقسامه ما يلحق في المرفوع من غيره ولذا تجاذبا بعض الأمثلة ( شر ) أنواع الضعيف من المرسل والمنقطع وغيرهما الخبر الموضوع وهو لغة كما قاله ابن دحية الملصق يقال وضع


253
فلان على فلان كذا أي الصقه به وهو أيضا الحط والإسقاط لكن الاط الأول أليق بهذه الحيثية كما قاله شيخنا واصطلاحا ( الكذب ) على رسول الله ( المختلق ) بفتح اللام الذي لا ينسب إليه يوجه الموضوع من واضعه وجيء في تعريفه بهذه الألفاظ الثلاثة المتقاربة للتأكيد في التغيير منه والأول منها من الزوائد

وقد بلغنا أن بعض علماء العجم أنكر على الناظم قوله في حديث سئل عنه إنه كذب محتجا بأنه في كتاب من كتب الحديث ثم جاء به من الموضوعات لابن الجوزي فتعجبوا من كونه لا يعرف موضوع الموضوع ولم ينفرد ابن الصلاح بكونه شر الضعيف بل سبقه لذلك الخطابي ولا ينافيه قول ابن الصلاح أيضا في أول الضعيف ما عدم صفات الصحيح والحسن هو القسم الآخر الأرذل الجمل ذاك على مطلق الواهي الذي هو أعم من الموضوع وغيره كما قيل أفضل عبادات البدن الصلاة مع تفاوت مراتبها

وأما هنا فإنه بين نوعا منه وهو شر أنواعه لكن قد يقال إن أفعل التفضيل ليست هذا على بابها حتى لا يلزم الاشتراك بين الضعيف والموضوع في الشر اللهم إلا أن يقال إن ذلك في الضعيف بالنسبه أي المقبول

ثم إن ثم إن وراء هذا النزاع في إدراج الموضوع في نوع الحديث لكونه ليس بحديث ولكن قد أجيب بإردة القدر المشترك وهو ما يحدث به أو بالنظر لما في زعم واضعه وأحسن منهما أنه لأجل معرفه الطرق التي يتوصل بها لمعرفته لينفي عن المقبول ونحوة وكيف كان الموضوع أي ي أي معنى كان من الأحكام أو القصص أو الفضائل أو الترغيب والترهيب أو غيرها لم يخبروا أي العلماء بالحديث وغيرة ذكرة بروايه غيرها لمن علم بإدغام ميمها فيما بعدها إنه موضوع لقوله من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين أو يرى مضبوطه بضم الياء بمعنى يظن في الكاذبين روايتان


254

إحداهما بفتح الباء على إرادة التثنيه والأخرى بكسرها على صيغه الجمع وكفى بهذه الجمله وعيدا شديدا في حق من روى الحديث وهو يظن أنه كذب فضلا عن أن يتحقق ذلك ولأبينه لأنه جعل المحدث ذلك شاركا لكاذبه في موضعه وقد روى الثوري عن حبيب بن أبي ثابت أنه قال من روى الكذب فهو الكذاب ولذا قال الخطيب يجب على المحدث أن لا يرى شيئا من الأخبار المصنوعه والأحاديث الباطله الموضوعه فمن فعل ذلم باء بالإثم المبين ودخل في جمله الكذابين

وكتب البخاري على حديث موضوع من حدث بهذا استوجب الضرب الشديد والحبس الطويل لكن محل هذا مالم يبين ذاكرة آمرة كان يقول هذا كذب أو باطل أو نحوهما من الصريح في ذلك

وفي الإقتصاد على التعريف بكونه موضوعا نظر قرب من يعرف موضوعه كما قدمت الحكايه فيه وكذا لايبرأ من العهده في هذه الإعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك لعدم إلا من المحذور به وإن صنعه أكثر المحدثين في الأعصار الماضيه في سنه مائتين وهلم جرا خصوصا الطبراني وأبو نعيم وابن منده فإنهم إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برثوا من عهده حتى بالغ ابن الجوزي فقال في الكلام على حديث أبي الآتي أن شرة جمهور المحدثين يحمل على ذلك فإن من عاداتهم تنفيق حديثهم ولو بالأباطيل وهذا قبيح منهم

قال شيخنا وكان ذكر الإسناد عندهم من الجمله لبيان هذا مع إلحاق اللوم لمن سمينا بسببه

وأما الشارح فإنه قال إن من أبرز إسناده به فهو أبسط لعذرة إذا قال ناظرة على الكشف عن سنده وإن كان لا يجوز له السكوت عليه من غير بيان


255

قال الخطيب ومن روى حديثا موضوعا على سبيل البيان لحال واضعه ة الاستشهاد على عظيم ما جاء به والتعجب منه والتنفير عنه ساغ له ذلك وكان بمثابة إظهار جرح الشاهد في الحاجة إلى كشفه والإبانة عنه

وأما الضعيف فسيأتي بيان حكمه في ذلك إن شاء الله قبيل معرفة من تقبل روايته قريبا ويوجد الموضوع كثيرا في الكتب المصنفة في الضعفاء وكذا في العلل ولقد أكثر الجامع فيه مصنفا نحو مجلدين إذ خرج عن موضوع كتابه مطلق الضعف حيث أخرج فيه كثيرا من الأحاديث الضعيفة التي لا دليل معه على وضعها وعنى ابن الصلاح لهذا الجامع الشهير أبا الفرج ابن الجوزي بل ربما أدرج فيها الحسن والصحيح مما هو في أحد الصحيحين فضلا عن غيرهما وهو مع إصابته في أكثر ما عنده توسع منكر ينشأ عن غاية الضرر من ظن ما ليس بموضوع بل هو صحيح موضوعا مما قد يقلده فيه العارف تحسينا للظن به حيث لم يبحث فضلا عن غيره

ولذا انتقد العلماء صنيعه إجمالا والموقع له في استناده في غالبه لضعف راويه الذي رمى بالكذب مثلا غافلا عن مجيئه من وجه آخر

وربما يكون اعتماده في التفرد قول غيره ممن يكون كلامه فيه محمولا على النسبي هذا مع أن مجرد تفرد الكذاب بل الوضاع ولو كان بعد الاستقصاء في التفتيش من حافظ متبحر تام الاستقراء غير مستلزم لذلك بل لا بد معه من انضمام شيء مما سيأتي

ولذا كان الحكم من المتأخرين عسرا جدا وللنظر فيه مجال بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابنه مهدي ونحوهم

وأصحابهم مثل أحمد وابن المدني وابن معين وابن راهوية وطائفة ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي


256
وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي ولم يجيء بعدهم مساولهم ولا مقارب أفاده العلائي وقال فمتى وجدنا في كلام أحد من المتقدمين الحكم به كان معتمدا لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح انتهى

وفي جزمه باعتمادهم في جميع ما حكموا به من ذلك توقف ثم إن من العجب إيراد ابن الجوزي في كتابه العلل المتناهية في الأحاديث الواهية كثيرا مما أورده في الموضوعات كما أن في الموضوعات كثيرا من الأحاديث الواهية بل قد أكثر في تصانيفه الوعظية وما أشبهها من إيراد الموضوع وشبهه قال شيخنا وفاته من نوعي الموضوع والواهي في الكتابين قدر ما كتب

قال ولو انتدب شخص لتهذيب الكتاب ثم لإلحاق ما فاته لكان حسنا وإلا فبما عدم الانتفاع به إلا للناقد إذ ما من حديث إلا ويمكن أن لا يكون موضوعا وهو الحاكم في مستدركه على الصحيحين طرفا نقيض يعني فإنه أدرج فيه الحسن بل والضعيف وربما كان فيه الموضوع

وممن أفرد بعد ابن الجوزي في الموضوع كراسة الرغبي الصغاني اللغوي ذكر فيها أحاديث من الشهاب للقضاعي والنجم للاقليشي وغيرهما كالأربعين لابن ودعان وفضائل العلماء لمحمد بن سرور البلخي والوصية لعلي بن أبي طالب وخطبة الوداع وآداب النبي وأحاديث ابن أبي الدنيا الأشج ونسطور ونعيم بن سالم ودينار الحبشي وأبي هدبة إبراهيم ابن هدبة ونسخه سمعان عن أنس وفيها الكثير أيضا من الصحيح والحسن وما فيه ضعف يسير

وقد أفرده للناظم في جزء وللجوزفاني أيضا كتاب الأباطيل أكتب فيه من الحكم بالوضع بمجرد مخالفته السنة


257

قال شيخنا وهو خطأ إلا أن تعذر الجمع ومن ذلك الحديث لا يؤمن عيد عبدا فيخفض نفسه بدعوة دونهم الحديث حكم عليه بعضهم بالوضع لأنه قد صح أنه كان يقول اللهم با عد بيني وبين خطاياي

وهذا خطأ لإمكان حمله على ما لم يشرع للمصلي من الأدعية بخلاف ما يشترك فيه الإمام والمأموم وكذا صنف عمر بن بدر الموصلي كتابا سماه المغني عن الحفظ والكتاب بقولهم لم يصح شيء في هذا الباب وعليه فيه مؤاخذات كثيرة وإن كان له في كل من أبوابه سلف من الأئمة خصوصا المتقدمين والواضعون جمع واضع للحديث وهم جمع كثيرون معروفون في كتب الضعفاء خصوصا الميزان للذهبي ولسانه لشيخنا بل أفردهم الحافظ البرهان الحلبي في في تأليف سماه الكشف الحثيث عمن رمى بوضع الحديث وهو قابل للاستدراك ويختلف حالهم في الكثرة والقلة وفي السبب الحاصل لهم على الوضع ( اضرب ) أي أصناف فصنف كالزنادقة وهم المبطنون للكفر المظهرون للإسلام أو اللذين لا يتدينون بدين بفعلون ذلك استخفافا بالدين ينقلوا به الناس

فقد قال حماد بن زيد فيما أخرجه العقيلي أنهم وضعوا أربعة عشر ألف حديث

وقال المهدي فيما رويناه عنه أقر عندي رجل من الزنادقة بوضع مائة حديث فهي تجول في أيدي الناس

ومنهم الحارث الكذاب الذي ادعى النبوة ومحمد بن سعيد المصلوب والمغيرة بن سعيد الكوفي وغيرهم كعبد الكريم بن أبي العوجا خال معن بن زائدة الذي أمر بقتله وصلبه محمد بن سليمان بن علي العباسي أمير البصرة في زمن المهدي بعد الستين ومائة واعترف حينئذ بوضع أربعة آلاف حديث يحرم حلالها ويحل حرامها


258

وصنف كالخطابة فرقة من غلاء الشيعة المشايعين عليا رضي الله عنه ينتسبون لأبي الخطاب الأسدي كان يقول بالحلول في أناس من أهل البيت على التعاقب ثم ادعى الإلهية وقتل

وهذه الطائفة مندرجة في الرافضة إذ الرافضة فرق متنوعة من الشيعة وانتسبوا كذلك لأنهم تابعوا زيد بن علي ثم قالوا له تبرأ من الشيخين فأبى وقال كانا وزيري جدي فتركوه ورفضوه وكالسالمية فرقة ينتسبون لمذهب الحسن بن محمد بن أحمد بن سالم السالمي في الأصول وكان مذهبا مشهورا بالبصرة وسوادها فهؤلاء كلهم يفعلونه انتصارا وتعصبا لمذهبهم

وقد روى ابن أبي حاتم في مقدمة كتاب الجرح والتعديل عن شيخ من الخوارج إنه كان يقول بعد ما شاب انظروا عمن تأخذون دينكم فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا زاد غيره في رواية ونحتسب الخير في إضلالكم

وكذا قال محرز أبو راخاء وكان يرى القدر فتاب منه لاترووا عن أحد من أهل القدر شيخا فوالله لقد كنا نضع الأحاديث ندخل بها الناس في القدر نحتسب بها إلى غير ذلك بل قال الشافعي كما سيأتي في معرفة من تقبل روايته ما في أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة وصنف يتقربون لبعض الخلفاء والأمراء لوضع ما يوافق فعلهم وآراءهم ليكون كالعذر لهم فيما أتوه وأرادوه كغياث بن إبراهيم النخعي حيث وضع للمهدي محمد بن المنصور عبد الله العباسي والد هارون الرشيد في حديث لا سبق إلا في نصل أو خف فزاد فيه أو جناح ' وكان المهدي إذ ذاك يلعب بالحمام فأمر ببدرة يعني عشرة آلاف درهم فلما قفى قال أشهد على قفاك أنه قفا كذاب ثم ترك الحمام بل وأمر بذبحها وقال أنا حملته على ذلك ذكرها أبو خيثمة


259

لكن أسند الخطيب في ترجمة وهب بن وهب أبي البختري من تاريخه من طريق إبراهيم الحربي أنه قال قيل للإمام أحمد أتعلم أن أحمدا روى لاسبق إلا في خف أو حافر أو جناح فقال ما روى ذاك إلا ذاك الكذاب أبو البختري

بل روى الخطيب في ترجمته أيضا من طريق زكريا الساجي أن أبا البختري دخل وهو قاض على الرشيد وهو إذ ذاك يطير الحمام فقال هل تحفظ في هذا شيئا فقال حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي كان يطير الحمام فقال الرشيد أخرج عني ثم قال لولا أنه رجل قريش لعزلته

وصنف في ذم من يريدون ذمه كما روينا عن سعد بن طريف الإسكاف المخرج له في الترمذي وابن ماجه أنه رأى ابنه يبكي فقال مالك قال ضربني المعلم فقال أما والله لأخزينهم حدثني عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله قال معلموا صبيانكم شراركم

وصنف كانوا يتكسبون بذلك ويرتزقون به في قصصهم ومواعظهم

وصنف يلجأون إلى إقامة دليل على ما أفتوا فيه بآرائهم فيضعونه وقد حصل الضرر بجميع هؤلاء وأضرهم قوم لزهد وصلاح نسبوا كأبي بشر أحمد ابن محمد المروزي الفقيه وأبي داود النخعي قد وضعوها أي الأحاديث في الفضائل والرغائب حسبة أي للحسبة بمعنى أنهم يحتسبون بزعمهم الباطل وجهلهم الذي لا يفرقون بسببه بين ما يجوز لهم ويمتنع عليهم في صنيعهم ذلك الأجر وطلب الثواب لكونهم يرونه قربة ويحتسبون أنهم يحسنون صنعا كما يحكي عمن كان يتصدى للشهادة برواية هلال رمضان من غير رؤية زاعما للخير بذلك لكون اشتغال الناس بالتعبد بالصوم يكفهم عن مفاسد تقع منهم ذلك اليوم فقبلت تلك الموضوعات منهم ركونا لهم أي ميلا إليهم ووثوقا بهم لما يتصفوا به من التدين ونقلت عنهم على لسان من


260
هو في الصلاح والخيرية بمكان لما عنده من حسن الظن وسلامة الصدر وعدم المعرفة المقتضى لحمل ما سمعه على الصدق وعدم الإهتداء لتمييز الخطأ من الصواب فقيض الله لها أي لهذه الموضوعات نقادها جمع ناقد يقال نقدت الدراهم إذا استخرجت منها الزيف وهم الذين خصهم الله بنور السنة وقوة البصيرة فلم تخف عنهم حال مفتر ولا زور كذاب فبينوا بنقدهم فسادها وميزوا الغث من السمين والمزلزل والمكين وقاموا بأعباء ما تحملوه

ولذا لما قيل لابن المبارك هذه الأحاديث المصنوعة قال تعيش لها الجهابذة ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ) انتهى

ومن حفظه هتك من يكذب على رسول الله وقال الدارقطني يا أهل بغداد لا تظنوا أن أحدا يقدر أن يكذب على رسول الله وأنا حي وقد تعين جماعة من كل هذه الأصناف عند أهل الصنعة وعلماء الرجال

ولذلك لا سيما لا خير أمثلة ( نحو ) ما رويناه عن أبي عصمة بكسر أوله نوح بن أبي مريم القرشي مولاهم المروزي قاضيها في حياة شيخه أبي حنيفة والملقب لجمعه بين التفسير والحديث والمغازي والفقه مع العلم بأمور الدنيا الجامع

( إذ رأى الورى ) أي الخلق ( زعما ) بتثليث الزاي باطلا منه ( نأوا ) أي أعرضوا ( عن القرآن ) بنقل حركة الهمزة كقراءة ابن كثير واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحق مع أنهما من شيوخه ( فافترى ) أي اختلق ( لهم ) أي للورى من عند نفسه حسبه باعترافه حسبما نقله عنه أبو عمار أحد المجاهيل حديثا في فضائل السور كلها سورة سورة ورواه عن عكرمة عن ابن


261
عباس رضي الله عنهما فبئس كما زاده الناظم ما ابتكر في وضع هذا الحديث وما أدركه بسببه وممن صرح بوضع أبي عصمة له الحاكم وكأنه ثبت عنده الطريق

وقال هو وابن حبان إنه جمع كل شيء إلا الصدق وكذا الحديث الطويل وعن أبي هو ابن كعب رضي الله عنه في فضائل سور القرآن أيضا اعترف راويه بالوضع له فقد روى الخطيب من طريق أبي عبد الرحمن المؤمل بن اسماعيل العدوي البصري ثم المكي المتوفي بعد المائتين وكان كما قال أبو حاتم شديدا في السنة

ورفع أبو داود من شأنه ما معناه أنه لما سمعه من بعض الشيوخ سأله عن شيخه فيه فقال رجل بالمدائن وهو حي فارتحل إليه فأحال على شيخ بواسط فارتحل إليه فأحال على شيخ بالبصرة فارتحل إليه فأحال على شيخ بعبادان قال المؤمل فلما صرت إليه أخذ بيدي فأدخلني بيتا فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ فقال هذا الشيخ حدثني فقلت له يا شيخ من حدثك بهذا الحديث فقال لم يحدثني به أحد ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعتا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن

وعن ابن المبارك فيما رواه ابن الجوزي من طريقه قال أظن الزنادقة وضعته بل قيل إن أبا عصمة واضع الذي قبله هو الذي وضع هذا أيضا

وعلى كل حال فهو موضوع وإن كان له عن أبي طرق وبئس كما زاده الناظم أيضا ما اقترف أي اكتسب واضعه ( و ) لهذا كل من أودعه كتابه في التفسير ( ك ) أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي بمهملتين

قال ابن مكتوم لاأدري لم نسب كذلك إلا أنه يقال هو واحد قومه وواحد أمه فلعله نسب إلى أب أو جد أو قريب هذه صفته


262

وأبي بكر بن مردوية وأبي إسحق الثعلبي وأبي القاسم الزمخشري وفي فضائل القرآن كأبي بكر بن أبي داود الحافظ ابن الحافظ فهو ( مخطيء ) في ذلك ( صوابه ) إذ الصواب تجنب إيراد الموضوع إلا مقرونا ببيانه كما تقدم والزمخشري أشدهم خطأ حيث أورده بصيغة الجزم غير مبرز لسنده وتبعه البيضاوي بخلاف الآخرين فإنهم ساقوا إسناده وإن حكينا فيما تقدم قريبا عدم جوازه أيضا ( وجوزالوضع ) على النبي ( على ) وجه الترغيب للناس في الطاعة وفضائل الأعمال ( قوم ) أبي عبد الله محمد بن كرام بالتشديد على المشهور كما قاله شيخنا وغيره وكذلك ضبطه الخطيب وابن ما كولا وابن السمعاني وجزم به مسعود الحارثي

وقال ابن الصلاح إنه لا يعدل عنه وأباه متكلم الكرامية محمد بن الهيصم فقال المعروف في السنة المشايخ يعني مشايخهم بالفتح والتخفيف وزعم أنه بمعنى كرامة أو كريم قال ويقال بكسر الكاف على لفظ جمع كريم قال وهو الجاري على السنة أهل سجستان وقول أبي الفتح البستي فيه وكان ولعا بالجناس إن الذين يجهلهم لم يقتدوا بمحمد بن كرام غير كرام الفقه أبي حنيفة وحده والدين دين محمد بن كرام شاهد للتخفيف فيه وهو السجستان الذي كان عابدا زاهدا ثم خذل كما قال ابن حبان ( شعر ) فالتقط من المذاهب أردأها ومن الأحاديث أوهاها

وصحب أحمد بن عبد الله الجوباري فكان يضع له الحديث على وفق مذهبه ( و ) وكذا جوزوا الوضع في الترهيب زجرا عن المعصية محتجين في ذلك مع كونه خلاف إجماع من يعتد به من المسلمين بأن الكذب في الترغيب والترهيب هو للشارع لكونه مقويا لشريعته لا عليه والكذب عليه إنما هو كان يقال إنه ساحر أو مجنون أو نحو ذلك مما يقصد شينه به وعيب دينه وبزيادة ليضل به الناس في حديث من كذب علي متعمدا التي هي مقيدة للإطلاق وبكون حديث من كذب إنما ورد في رجل معين ذهب إلى قوم


263
وادعى أنه رسول رسول الله إليهم فحكم في دمائهم وأموالهم فبلغ ذلك رسول الله فأمر بقتله وقال هذا الحديث

وفي هذه متمسك للمحتسبين أيضا الذين هم أخص من هؤلاء لكنها مردودة عليهما أما الأول فهو كما قال شيخنا جهل منهم باللسان لأنه كذب عليه في وضع الأحكام فإن المندوب قسم منها ويتضمن ذلك الإخبار عن الله الوعد على ذلك العمل بذلك الثواب

وأما الثاني فالزيادة المذكورة اتفق الأئمة على ضعفها وعلى تقدير قبولها فاللام ليست للتعليل وإنما هي لام العاقبة أي يصير كذبهم للإضلال كما في قوله تعالى ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) وهم لم يلتقطوه لأجل ذلك أو لام التأكيد يعني كما قاله الطحاوي ولا مفهوم لها كما في قوله تعالى ( فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم ) لأن افتراءه الكذب على الله محرم مطلقا سواء قصد به الإضلال أم لم يقصد

وأما الثالث فالسبب المذكور لم يثبت إسناده ولو ثبت لم يكن لهم فيه متمسك لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ونحو هذا المذهب الرموي قول محمد بن سعيد الآتي قريبا ومما يرويه على أهل هذا المذهب أن فيما ورد من الآيات والأخبار كفاية عن غيرها فقد قال تعالى ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) وقول القائل إن ذلك تكرر على الأسماع وسقط وقعه وما هو جديد فوقفه أعظم هو كما قال الغزالي في الإحياء هوس والكذب على رسول الله من الكبائر التي لا يقاومها شيء بحيث لا تقبل رواية من


264
فعله وإن تاب وحسنت توبته كما سيأتي بل بالغ أبو محمد الجوني فكفر متعمده والواضعون أيضا بعضهم قد صنعا ما وضعه على رسول الله كلاما مبتكرا من عند نفسه وبعض قد وضعا كلام بعض الحكماء والزهاد أو الصحابة أو ما يروى في الإسرائيليات في المسند المرفوع إلى النبي ترويجا له

وقد روى العقيلي في الضعفاء عن محمد بن سعيد كأنه المصلوب أنه لا بأس إذا كان كلام حسن أن يضع له إسنادا

وذكر الترمذي في العلل التي بآخر جامعه عن أبي مقاتل الخرساني أنه حدث عن عون بن أبي شداد بأحاديث طوال في وصية لقمان فقال له ابن أخيه يا عم لاتقل حدثنا عون فأنك لم تسمع منه هذا فقال يا ابن أخي إنه كلام حسن

وأغرب من هذا كله ما عزاه الزركشي وتبعه شيخنا لأبي العباس القرطبي صاحب المفهم قال استجار بعض فقهاء أصحاب الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس إلى رسول الله نسبة قولية فيقول في ذلك قال رسول الله كذا ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة لأنها تشبه فتاوي الفقهاء ولا تليق بجزالة كلام سيد المرسلين ولأنهم لا يقيمون لها سندا صحيحا قال وهؤلاء يشملهم الوعيد في الكذب على رسول الله انتهى

واقتصر الشارح على حكاية بعض هذه المقالة والضرر بهؤلاء شديد ولذلك قال العلائي أشد الأصناف ضررا أهل الزهد كما قاله ابن الصلاح وكذا المتفقه الذين استجاروا نسبة ما دل عليه القياس إلى النبي

وأما باقي الأصناف كالزنادقة فالأمر فيهم أسهل لأن كون تلك الأحاديث كذبا لا يخفى إلا على الأغبياء وكذا أهل الأهواء من الرافضة


265
والمجسمة والقدرية في شد بدعهم وأمر أصحاب الأمر والقصاص أظهر لأنهم في الغالب ليسوا من أهل الحديث

قال شيخنا وأخفى الأصناف من لم يتعمد الوضع مع الوصف بالصدق كمن يغلط فينسب إلى النبي كلام بعض الصحابة أو غيرهم وكمن ابتلى بمن يدس في حديثه ما ليس منه كما وقع لحماد بن زيد مع أبيه ولسفيان بن وكيع مع وراقه ولعبد الله بن صالح كاتب الليث مع جاره ولجماعة من الشيوخ المصريين في ذلك العصر مع خالد بن نجيح المدايني المصري

وكمن تدخل عليه آفة في حفظه أو في كتابه أو في بصره فيروى ما ليس من حديثه غالطا فإن الضرر بهم شديد لدقة استخراج ذلك إلا من الأئمة النقاد انتهى

والأمثلة لمن يضع كلامه أو كلام غيره كثيرة كحديث المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء فإن هذا لا يصح رفعه إلى النبي بل هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب أو غيره وحديث من عمل بما يعلم أورثه الله علم ما لم يعلم كما سيأتي قريبا

وحديث حب الدنيا رأس كل خطيئة فقد رواه البيهقي في الزهد وأبو نعيم في ترجمة الثوري من الحلية من قول عيسى بن مريم عليه السلام وجزم ابن تيمية بأنه من قول جندب البجلي رضي الله عنه وأورده ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان له من قول مالك بن دينار وابن يونس في ترجمة سعد بن مسعود التجيبي من تاريخ مصر له من قول سعد هذا

ولكن قد أخرجة البيهقي أيضا في الحادي و السبعن من الشعب بسند حسن إلى الحسن البصري رفعه مرسلا وأورده الديلمي في الفردوس وتبعه ولده بلا إسناد عن علي بن أبي طالب رفعه أيضا

ولا دليل للحكم عليه بالوضع مع وجود هذا ولذا لايصح التمثيل به


266
اللهم إلا أن يكون سنده مما ركب فقد ركبت أسانيد مقبولة لمتون ضعيفة أو متوهمة كما سيأتي هذا وفي النوع بعده فيكون من أمثلة الوضع السندي ( ومنه ) أي الموضوع نوع وضعه لم يقصد نحو حديث ثابت هو ابن موسى الزاهد الذي رواه إسماعيل بم محمد الطلحي عنه عن شريك بن عبد الله القاضي عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر رفعه من كثرت صلاته بالليل ( الحديث ) وتمامه حسن وجهه بالنهار فإن هذا الأصل له عن النبي وإن أغرب القضاعي حيث قال في مسند الشهاب له لما ساقه من طرق ما طعن أحد مهنم أي من الحفاظ الذين أشار إليهم في إسناده ولا متنه

واغتر الركن بن القوبع المالكي حيث قال من أبيات ومن كثرت صلاة الليل منه يحسن وجهه قول النبي ولكن لم يقصد راويه الأول وهوثابت وضعه إنما دخل على شريك وهو في مجلس إملائه عند قوله حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال قال رسول الله ولم يذكر المتن الحقيقي لهذا السند أو ذكره حسبما اقتضاه كلام ابن حبان وهويعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم فقال شريك متصلا بالسند أو المتن حين نظر إلى ثابت من كثرت إلى آخره قاصدا بذلك مماجنة ثابت لزهده وورعه وعبادته فظن ثابت أن هذا متن ذاك السند أو بقية المتن لمناسبته له فكان يحدث به كذالك مدرجا له في المتن الحقيقي أو منفصلا عنه وهو الذي رأيته وذلك ( وهلة ) أي غلطة من ثابت لغفلته التي أدى إليها صلاحه ( سرت ) تلك الغلطة بحيث انتشرت فرواه عنه غير واحد وقرن بعضهم بشريك سفيان الثوري ولن تضع جماعة من الضعفاء بروايته عن ثابت مع تصريح ابن عدي بأنه لا يعرف إلا به بل سرقوه منه ثم رووه عن شريك نفسه

ولذا قال عبد الغني بن سعيد الحافظ إن كل من حدث به عن شريك فهو غير ثقة ونحوه قول العقيلي إنه حديث باطل ليس له أصل ولا يتابعه عليه ثقة ولايخدش في قولهما رواية زكريا بن يحيى زحموية مع كونه ثقة له


267
عن شريك فالراوي له عن زحموية ضعيف وكذا سرقه بعضهم ورواه عن الأعمش وبعضهم فصير له إسنادا إلى الثوري وابن جريج كلاهما عن أبي الزبير عن جابر وجعله بعضهممن مسند أنس وفي قيام الليل لابن نصر ومسند الشهاب للقضاعي والموضوعات لابن الجوزي من طرقه الكثير إلى غير ذلك مما لم يذكروه ولكنه من جميعها على اختلافها باطل كشف النقاد سترها وبينوا أمرها بما لا نطيل بشرحه ولا اعتداد بما يخالف هذا كما تقدم وإنما يعرف معناه عن الحسن البصري فيما رواه مسبح بن حاتم حدثنا عبد الله بن محمد عن إسماعيل المكي عنه أنه سئل ما بال المتهجدين بالليل أحسن الناس وجوها قال لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره

وظهر بما تقرر أن قول ابن الصلاح تبعا للخليلي في الإرشاد وإنه شبه الوضع حسن إذ لم يضعه ثابت وإن كان ابن معين قال فيه إنه كذاب نعم الطرق المركبة له موضوعه ولذا جزم أبو حاتم بأنه موضوع والظاهر إنهم توهموه حديثا وحملهم الشدة ومحبة الظهور على ادعاء سماعه وهم صنف من الوضاعين كما وقع لبعضهم حين سمع الإمام احمد يذكر عن بعض التابعين مما نسبه لعيسى عليه السلام من عمل بما يعلم أورثه الله علم ما لم يعلم فتوهمه كما ذكره أبو نعيم في ترجمة أحمد بن أبي الحواري من الحلية عن النبي فوضع له عن الإمام أحمد سندا وهو عن يزيد بن هارون عن حميد عن أنس لسهولته وقربه وجلالة الإمام تنبأ عن هذا

وأما ابن حبان فسماه مدرجا حيث قال إن ثابتا قاله عقب حديث يعقد الشيطان فأدرجه في الخبر فعلى هذا فهو من أقسام المدرج كما أشرت إليه هناك إذ لم يشترطوا في إطلاق الإدراج كونه عمدا بل يطلقونه على ما هو أعم من ذلك ويعرف الوضع للحديث بالإقرار بنقل الهمزة من واضعه كما وقع لأبي عصمة وغيره مما تقدم ( و ) وكذا ب ( ما نزل منزلته ) كما اتفق


268
أنهم اختلفوا بحضرة أحمد بن عبد الله الجوباري في سماع الحسن من أبي هريرة فروى لهم بسنده إلى النبي قال سمع الحسن من أبي هريرة رواه البيهقي في المدخل

ونحوه أن عبد العزيز بن الحارث التميمي جد رزق الله بن عبد الوهاب الحنبلي سأل عن فتح مكة فقال عنوة فطولب بالحجة فقال حدثنا ابن الصواف حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنا أبي حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس أن الصحابة اختلفوا في فتح مكة أكان صلحا أو عنوة فسألوا عن ذلك رسول الله فقال كان عنوة هذا مع إنه اعترف أنه صنعه في الحال ليندفع به الخصم وربما يعرف بالركة أي الضعف عن قوة فصاحته في اللفظ والمعنى معا مثل ما يروى في وفاة النبي وكذا في أحدهما لكنه في اللفظ وحده مقيد بما إذا صرح بأن لفظ الشارع ولم يحصل التصرف بالمعنى في نقله لا سيما إن كان لا وجه له في الإعراب

وقد روى الخطيب وغيره من طريق الربيع بن خثيم التابعي الجليل قال إن للحديث ضوء كضوء النهار يعرف وظلمة كظلمة الليل تنكر

ونحوه قول ابن الجوزي الحديث المنكر يقشعر منه جلد طالب العلم وينفر منه قلبه في الغالب وعنى بذلك الممارس لألفاظ الشارع الخبير بها وبرونقها وبهجتها ولذا قال ابن دقيق العيد وكثيرا ما يحكمون بذلك أي بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة الفاظ النبي لهيئة نفسانية ولمكة قوية يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبوة وما لايجوز انتهى

والركة في المعنى وكأن يكون مخالفا للعقل ضرورة أو استدلالا ولا يقبل تأويلا بحال نحو الإخبارعن الجمع بين الضدين وعن نفي


269
الصانع وقدم الأجسام وما أشبه ذلك لأنه لا يجوز أن يرد الشرع بما ينافي مقتضى العقل

قال ابن الجوزي وكل حديث رأيته يخالفه العقول أو يناقض الأصول فاعلم أنه موضوع فلا يتكلف اعتباره أي لا تعتبر رواته ولا تنظر في مجرحهم أو يكون مما يدفعه الحسن والمشاهدة أو مباينا لنص الكتاب أو السنة التواترة أو الإجماع القطعي حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل أو يتضمن الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر اليسير أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير وهذا الأخير كثير موجود في حديث القصاص والطرقية ومن ركة المعنى لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها

ولذا جعل بعضهم ذلك دليلا على كذب راويه وكل هذا من القرائن في المروي وقد تكون في الراوي كقصة غياث مع المهدي وحكاية سعد بن طريف الماضي ذكرها واختلاف المأمون بن أحمد الهروي قيل له ألا ترى الشافعي ومن تبعه الخراسان ذاك الكلام القبيح حكاه الحاكم في المدخل

قال بعض المتأخرين وقد رأيت رجلا قام يوم جمعه قبل الصلاة فابتدأ ليورده فسقط من قامته مغشيا عليه أو انفراده عمن لم يدركه بما لم يوجد عند غيرهما أو انفراده بشيء مع كونه فيما يلزم المكلفين علمه وقطع العذر فيه كما قرره الخطيب في أول الكفاية أو بأمر جسيم يتوفر الدواعي على نقله كحصر العد وللحاج عن البيت أو بما صرح بتكذيبه فيه جمع كثير يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب أو تقليد بعضهم بعضا ( قلت ) وقد استشكلا التقي ابن دقيق العيد الثبجي بمثلثة ثم موحدة مفتوحتين وجيم لأنه ولد ثبج البحر بساحل ينبع من الحجاز في كتابه الاقتراح مما تقدم من أدلة الوضع القطع بالوضع على ما أي المروي الذي اعترف الواضع فيه على نفسه


270
بالوضع بمجرد الاعتراف من غير قرينة معه إذ قد يكذب في خصوص اعترافه أما لقصد التنفير عن هذا المروي أو لغير ذلك مما يورث الريبة والشك وإذا كان كذلك فالاحتياط عدم التصريح بالوضع بلى نرده أي المروي لاعتراف راويه بما يوجب فسقه وعنه نضرب أي نعرض عنه فلا نحتج به بل ولا نعمل به ولا في الفضائل مؤاخذة له بإقراره

ونص الاقتراح وقد ذكر فيه أي في هذا النوع إقرار الراوي بالوضع وهذا كاف في رده لكنه ليس بقاطع في كونه موضوعا لجواز يكذب في هذ الإقرار بعينه

والظاهر أنه لم يرد بقاطع هذا القطع المطابق للواقع لما تفرد في كون الحكم بالصحة وغيرها إنما هو بحسب الظاهر لا ما في نفس الأمر وإنما أراد مجرد المنع من تسميته موضوعا

ولكن الذي قرره شيخنا خلافة فإنه قال وقد يعرف الوضع بإقرار واضعه

قال ابن دقيق العيد لكن لايقطع بذلك الاحتمال أن يكون كذب في ذلك الإقرار قال وفهم منه بعضهم أي كابن الجزري إنه لايعمل بذلك الإقرار أصلا وليس ذلك مراده وإنما نفي القطع بذلك ولا يلزم من نفي القطع نفي الحكم لأن الحكم يقع بالظن الغالب وهو هنا كذلك ولولا ذلك لما ساغ قتل المقر بالقتل ولا رجم المعترف بالزنا لاحتمال ان يكونا كاذبين فيما اعترفا به

زاد في موضع آخر وكذا حكم الفقهاء على من أقر بأنه شهد بالزور بمقتضى اعترافه وقال أيضا ردا على من توقف في كلام ابن دقيق العيد فقال فيه بعض ما فيه ونحن لو فتحنا باب التجويز والاحتمال لوقعنا في الوسوسة


271
وغيرها ما نصه ليس في هذا وسوسة بل هو في غاية التحقيق وابن دقيق العيد نفي القطع بكونه موضوعا بمجرد ذلك لا الحكم بكونه موضوعا لأنه إذا أقر يؤاخذه بإقراره فيحكم بكون الحديث موضوعا أما أنه يقطع بذلك فلا

قلت وفيه نظر والظاهر ما قدرته ولا ينازع فيه الفروع المذكورة وكذا تعقب شيخنا شيخه الشارح حيث مثل في النكت لقول ابن الصلاح أو ما يتنزل منزلة إقراره بما إذا حدث عن شيخ ثم ذكر أن مولده في تاريخ بعلم تأخره عن وفاة ذاك الشيخ بجريان الاحتمال المذكور أيضا فيجوز أن يكذب في تاريخ مولده بل يجوز أن يغلط في التاريخ ويكون في نفس الأمر صادقا ويمكن أن يقال إن تنزيله منزلته يقتضي فاكتفى به ذلك فاكتفى به عن التصريح وعلى كل حال فما مثلت به أولى فإنه لم يصدر منه قول أصلا

تتمة يقع في كلامهم المطروح وهو غير الموضوع جزما وقد أثبته الذهبي نوعا مستقلا وعرفه بأنه ما نزل عن الضعيف وارتفع عن الموضوع ومثل له الحديث عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الحسن عن علي وبجويبر عن الضحاك عن ابن عباس

وقال شيخنا وهو المتروك في التحقيق يعني الذي زاده في نخبته وتوضيحها وعرفه بالمتهم راويه بالكذب


272
القلوب
( وقسموا المقلوب قسمين إلى
ما كان مشهورا براو كابدلا )
( بواحد نظيرة كي يرغبا
فيع للأغراب إذا ما استغربا )
( ومنه العمد قلب سند لمتن
نحو امتحانهم إمام الفن )
( في مايه لما أتى بغدادا
فردها وجود الإسنادا )
( قلب لم يقصدوا الرواة
نحو إذا أقيمت الصلاة )
( حدثه في مجلس البناني
حجاج أعني ابن أبي عثمان )
( فظنه عن ثابت جرير
كما بينه حماد الضرير )
* * *

وحقيقة القلب تغيير من يعرف برواية ما بغيره عمدا أو سهوا أو مناسبة لما قبله واضحة لتقسيم كل منهما إلى سند ومتن وإن لم يصرح بهما التقسيم في الموضوع بخصوصه وأيضا فقد قدمنا فيه إن من الوضاعين من يحمله الشدة ومحبة الظهور لأن يقلب سندا ضعيفا بصحيح ثم تارة تقلب جميع السند وتارة بعضه وقد لا يكون في الصورتين المزال ضعيفا بل صحيحا بصحيح ولا شك في صحة تسمية هذا كله وضعا وقلبا ولذا عد الشارح المغرب في أصناف الوضاعين وإن شوحح فيه ولكن قد جزم شيخنا بأن الإغراب من أقسام الوضع ( وقسموا ) أي أهل الحديث المقلوب السندي


273
خاصة لكونه الأكثر كاقتصارهم في الموضوع على المثنى لكونه الأهم قسمين عمدا وسهوا والعمد إلى ما كان متنه مشهورا براو ك سالم أبدلا بواحد من الرواة ( نظيره ) في الطبقة كنافع كي يرغبا فيه أي في روايته عنه ويروج سوقه به للأغراب إذ ما استغربا ممن وقف عليه لكون المشهور خلافه

وممن كان يفعله بهذا المقصد على سبيل الكذب حماد بن عمرو النصيبي أحد المذكور بالوضع كما وقع له حيث روى الحديث المعروف بسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤهم بالسلام

عن الأعمش عن أبي صالح ليغرب به وهو لا يعرف عن الأعمش كما صرح به العقيلي وقد قيل في فاعل هذا ليسرق الحديث وربما قيل في الحديث نفسه مسروق

وفي إطلاق السرقه على ذلك نظر إلا أن يكون الراوي المبدل به عند بعض المحدثين منفردا به فسرقه الفاعل منه وللخوف من هذه الآفه كة أهل الحديث تتبع الغرائب كما سيأتي في بابه إن شاء الله ومنه وهي ثاني قسمي العمد قلب سند تام لمتن فيجعل المتن آخر مروي بسند يقصد امتحان حفظ المحدث واختبارة هل اختلط أم لا كما اتفق معهم مع أبي اسحاق الهجيمي حين جاز المائه كما سيأتي في آداب المحدث إن شاء الله وهل تقبل التلقين الذي هو قبول ما يلقى إليه كالصغير من غير توقف أم لا إن وافق على القلب فغير حافظ أو مختلط أو خالف فضابط نحو امتحانهم أي المحدثين ببغداد إمام الفن وشيخ الصنعه البخاري صاحب الصحيح في مايه من الحديث لما أتى إليهم بغدادا بالمهمله آخرة على إحدى اللغات حيث اجتمعوا على تقليب متونها وأسانيدها وصيروا متن هذا السند هذا المتن لمتن آخر وانتخبوا عشرة من الرجال فدفعوا لكل


274
منهم منها عشرة وتواعدوا كلهم على الحضور لمجلس البخاري ثم يلقى عليه كل واحد منهم العشرة أحاديثه بحضرتهم فلما حضروا واطمأن المجلس بأهله البغداديين ومن انضم إليهم من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم تقدم إليه واحد من العشرة وسأله عن أحاديثه واحدا واحدا والبخاري يقول له في كل منها لا أعرفه وفعل الثاني كذلك إلى أن استوفى العشرة المائة وهولا يزيد في كل منها على قوله لا أعرفه فكان الفهماء ممن حضر يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون فهم الرجل ومن كان منهم غير ذلك تقضي عليه بالعجز إلى بعض ويقولون فهم الرجل ومن كان منهم غير ذلك تقضي عليه بالعجز والتقصير وقلة الفهم لكونه عنده لمقتضى عدم تمييزه لم يعرف واحدا من مائة ولما فهم البخاري من قرينة الحال انتهاؤهم من مسألتهم التفت للسائل الأول وقال له سألت عن حديث كذا وصوا به كذا إلى آخر أحاديثه وهكذا الباقي فردها أي المائة إلى حكمها المعتبر قبل القلب وجود الإسنادا ولم يرتج عليه موضع واحد مما قلبوه وركبوه فأقر له الناس بالحفظ وعظم عندهم جدا وعرفوا منزلته في هذا الشأن وأذعنوا له رويناها في مشايخ البخاري لأبي أحمد بن عدي قال سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمدا ابن اسماعيل البخاري قدم فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث فقبلوا متوتنها وأسانيدها

ومن طريق ابن عدي رواها الخطيب في تاريخه وغيره ولا يضر جهالة شيوخ ابن عدي فيها فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم ثم إنه لا يتعجب من حفظ البخاري لها وتفطنه لتمييز صوابها من خطئها لأنه في الحفظ بمكان وإنما يتعجب من حفظه لتواليها كما ألقيت عليه من مرة واحدة

وقد قال العجلي ما خلق الله أحدا كان أعرف بالحديث من ابن معين لقد كان يؤتى بالأحاديث قد خلطت وقبلت فيقول هذا كذا وهذا وكذا فيكون كما قال

وفي ترجمة العقيلي من الصلة لمسلمة بن قاسم إنه كان لا يخرج أصله لمن يجيئه من أصحاب الحديث بل يقول له اقرأ في كتابك فأنكرنا أهل


275
الحديث ذلك فيما بيننا عليه وقلنا إما أن يكون من أحفظ الناس أو من أكذبهم ثم عمدنا إلى كتابة أحاديث من روايته بعد أن بدلنا منها ألفاظا وزدنا فيها ألفاظا وتركنا منها أحاديث صحيحة وأتيناه بها والتمسنا منه سماعها فقال لي اقرأ فقرأتها عليه فلما انتهيت إلى الزيادة والنقصان فظن وأخذ مني الكتاب فألحق فيه بخطه النقص وضرب على الزيادة وصححها ذما كانت ثم قرأنا علينا فانصرفنا وقد طابت أنفسنا وعلمنا أنه من أحفظ الناس

وقال حماد بن سلمه كنت أسمع أن القصاص لا يحفظون الحديث فكتب أقلبت فكنت على ثابت الحديث اعل أنسا لابن أبي ليلى وابن أبي ليلى لأنس أشوشها عليه فيجيء بها على الإستواء

وحكى العماج بن كثير قال أتى صاحبنا ابن عبد الهادي إلى المزي فقال له انتخبت من روايتك أربعين حديثا أريد قرائتها عليك فقرأ الحديث الأول وكان الشيخ متكيئا فجلس فلما أتى على الثاني تبسم وقال ما هو أنا ذاك البخاري

قال ابن كثير فكان قوله هذا عندنا أحسن من ردة كل متن إلى سنده وقال هبه الله بن المبارك الذواتي اجتمعت بالأمير أبي نصر بن مأكولا فقال لي خذ جزأين من الحديث واجعل متن الحديث الذي في هذا الجزء على إسناد الذي في هذا الجزء من أوله إلى آخره حتى أرده إلى حالته الأولى من أوله إلى آخره وربما يقصد بقلب السند كل الاغراب أيضا إذ لا انحصار له في الراوي الواحد كما أنه قد يقصد الامتحان بقلب راو واحد زاختلف في حكمه

فممن استعمله بهذا المقصد سوى من حكيناه عنهم حماد بن سلمة وشعبة وأكثر منه ولكن أنكره عليه حرمي لما حدثه بهز أنه قلب أحاديث على أبان بن أبي عياش فقال يا بئس ما صنع وهذا يحل

وقال يحيى القطان كما سيأتي قريبا لا استحمله وكأنه لما يترتب عليه من طغليط من يمتحنه واستمراره على روايته لظنه أنه صواب وقد يسمعه من لا خبرة


276
له فيرويه ظنا منه أنه صواب

واشتد غضب محمد بن عجلان على من فعل به ذلك فروينا في المحدث الفاضل للرامهرمزي من طريق يحيى بن سعيد القطان قال قدمت الكوفه وبها ابن عجلان وبها ممن يطلب الحديث مليح بن الجراح أخو وكيع وحفص ابن غياث ويوسف بن خالد السمتي فكنا نأتي ابن العجلان فقال يوسف هل نقلب عليه حديثه حتى ننظر فهمه

قال ففعلوا فما كان عن أبيه جعلوه عن سعيد المقبري وما كان عن سعيد جعلوه عن أبيه قال يحيي فقلت لهم لا استحل هذا فدخلوا عليه فاعطوه الجزء فمر فيه فلما كان عند آخر الكتاب انتبه فقال اعد فعرضت عليه فقال ما كان عن أبي فهو عن سعيد وما كان عن سعيد فهو عن أبي ثم اقبل على يوسف فقال ان كنت أردت شيني وعيبي فسلبك الله الاسلام وقال لحفص فابتلاك الله في دينك ودنياك وقال لمليح لأنفعك الله بعلمك

قال يحيي فمات مليح قبل أن ينتفع بعلمه وابتلى حفص في بدنه بالفالج وفي دينه بالقضاء ولم يمت يوسف حتى اتهم بالزندقة ولذا اشتد غضب أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري في ذلك أيضا

قال أحمد بن منصور الرمادي خرجت مع أحمد ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق أخذهما فلما عندا إلى الكوفه قال يحيى لأحمد أريد أن أختبر أبا نعيم فقال له أحمد لا تفعل الرجل ثقة فقال لا بد لي فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثا من حديث أبي نعيم وجعل على كل عشرة منها حديثا ليس من حديثه ثم جاؤوا إلى أبي نعيم فخرج فجلس على دكان فأخرج يحيى القطان فقرأ عليه عشرة ثم قرأ الحادي عشر فقال أبو نعيم ليس من حديثي أضرب عليه ثم قرأ العشر الثاني وأبو نعيم ساكت فقرأ الحديث


277
الثاني فقال ليس من حديثي أضرب عليه ثم قرأ العشر الثالث وقرأ الحديث الثالث فانقلبت عيناه وأقبل يحيى فقال أما هذا وذراع أحمد في يده فأروع من أن يعمل هذا وأما هذا يريدني فأقل من أن يعمل هذا ولكن هذا من فعل يا فاعل ثم أخرج رجله فرفسه فرمى به وقام فدخل داره فقال أحمد ليحيى ألم أقل لك إنه ثبت قال والله لرفسته أحب إلى من سفرتي

وقال الشارح وفي جوازه نظر إلا أنه إذا فعله أهل الحديث لا يستقر حديثا

قلت إلا في النادر وبالجملة فقد قال شيخنا إن مصلحته أي التي منها معرفة رتبته في الضبط في أسرع وقت أكثر من مفسدته قال وشرطه أي الجواز أن لا يستمر عليه بل ينتهي بانتهاء الحاجة

والقسم الثاني قلب ما لم يقصد الرواة قلبه بل وقع القلب فيه على سبيل السهو والوهم وله أمثلة ( نحو ) حديث أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني فإنه حدثه أي الحديث في مجلس أبي محمد ثابت بن أسلم البصري البناني بضم أوله نسبته لملحله بالبصرة عرفت بنيانه ابن سعدي بن لوي حجاج أعني بالنقل والتنوين ابن أبي عثمان بالصرف هو الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي فظنه أي الحديث عن ثابت أبو النضر جرير بن حازم ورواه جريربمقتضى هذا الظن عن ثابت البناني عن أنس كما بينه حماد وهو ابن زيد الضرير فيما وصفه به ابن منجوية وابن حبان وهو مما طرأ عليه لما حكاه ابن أبي خيثمة أن أنسانا سأل عبيد الله بن عمر أكان حماد أميا فقال أنا رأيته في يوم مطير وهو يكتب ثم ينفخ فيه ليجف والراوي عن حماد لما نبه عليه من غلط جرير إسحق بن عيسى بن الطباع كما رواه أحمد في العلل


278
وكما عند الخطيب في الكفاية والبيهقي في المدخل ويحيى بن حسان كما عند أبي داود في المراسيل كلاهما واللفظ لأولهما عن حماد قال كنت أنا وجرير عند ثابت فحدث حجاج عن يحيى بن أبي كثير يعني بهذا الحديث بسنده المتقدم فظن جرير أنه فيما حدث به ثابت عن أنس يعني وليس كذلك وكذا قال البخاري فيم حكاه عند الترمذي في باب ما جاء في الكلام بعد نزول الإمام من المنبر في كتاب الجمعة من جامعه

ويروى عن حماد بن زيد قال كنا عند ثابت فحدث حجاج الصواف وذكره

وكذا من أمثلته حديث النهي عن كل ذي خطفة وعن كل ذي نهبة وعن كل ذي ناب رواه أبو أيوب الإفريقي عن صفوان بن سليم عن سعيد ابن المسيب عن أبي الدرداء ولم يسمعه سعيد من أبي الدرداء وإنما حدث به رجل في مجلس سعيد عن أبي الدرداء فسمعه أصحاب سعيد منه

قال سهيل ابن أبي صالح حدثنا عبد الله بن يزيد بن المنبعث قال سألت سعيد بن المسيت عن الضبع فقال شيخ عنده حدثنا أبو الدرداء فذكره

قال الدارقطني وهذا أشبه بالصواب ونحوه أن ابن عجلان روي عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه الدين النصيحة فقد قال محمد بن نصر المروزي إنه غلط وإنما حدث أبو صالح عن أبي هريرة بحديث إن الله يرضى لكم ثلاثا وكان عطاء بن يزيد حاضرا فحدثهم عن تميم الداري بحديث إن الدين النصيحة فسمعهما سهيل منهما

والحاصل أنه دخل عليه حديث في حديث ومن هذا القسم ما يقع الغلط فيه بالتقديم في الأسماء والتأخير كمرة بن كعب فيجعله كعب بن مرة ومسلم بن الوليد فيجعله الوليد بن مسلم ونحو ذلك مما أوهمه كون اسم


279
أحدهما اسم أبي الآخر وقد صنف كل من الخطيب وشيخنا في هذا القسم خاصة

فأما الخطيب ففيما كان من نمط المثال الأخير فقط وسماه رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والأنساب وهو في مجلد ضخم وأما شيخنا فإنه أفرد من علل الدارقطني مع زيادة كثير ما كان من نمط المثالين اللذين قبله وسماه جلاء القلوب في معرفة المقلوب وقال إنه لم يجد من أفرده مع مسيس الحاجة إليه بحيث أدى الإخلال به إلى عد الحديث الواحد أحاديث إذا وقع القلب في الصحابي ويوجد ذلك في كلام الترمذي فضلا عمن دونه حيث يقال وفي الباب عن فلان وفلان ويكون الواقع إنه حديث واحد اختلف على راويه

وقد كان بعض القدماء يبالغ في عيب من وقع له ذلك فروينا في مسند الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال حدث سفيان الثوري عن عبيد الله بن عمر عن نافق عن ابن عمرعن النبي أنه قال لا تصحب الملائكه رفقه فيما جرس فقلت له تعست يا أبا عبد الله أي عثرت فقال كيف هو قلت حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن سالم عن أبي الجراح عن ام حبيبه عن النبي قال صدقت

وقد اشتمل هذا الخبر على عظم دين الثوري وتواضعه وإنصافه وعلى قوة حافظه تلميذه القطان وجرأته على شيخه حتى خاطبه بذلك ونبهه على عثورة حيث سلك الجارة لأن جل روايته نافع هي عن ابن عمر فكان قول الذي يسلك غيرها إذا كان ضابطا أرجح وكذا بيحيى القطان شعبه حيث حدثوة عنه بحديث لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر عن أبي اسحاق عن الحارث عن علي وقال حدثنا به سفيان عن أبي أسحق عن الحارث عن ابن مسعود وهذا هو الصواب ولا يأتي ليحيى أن يحكم على شعبه بالخطأ إلا


280
بعد أن يتيقن الصواب في غير روايته فأين هذا ممن يستروح فيقول مثلا يحتمل أن يكون عند أبي إسحق على الوجهين فحدث به كل مرة على إحداهما

وهذا الإحتمال بعيد عن التحقيق إلا إن جاءت روايه عن الحارث بجمعهما ومدار الأمر عند أئمه هذا الفن على ما تقوى في الظن

وأما الإحتمال المرجوح فلا تعويل عندهم عليه انتهى مع زياده وحذف واختار في تسميته فتسمى العمد الإبدال لا القلب

وأما ابن الجزري فقال في الثاني إنه عندي بالمركب أشبه وجعله نوعا مستقلا

وأما القلب المتن فحقيقته أن يعطي أحد الشيئين ما اشتهر للآخر ونحوة قول ابن الجزري هو الذي يكون على وجه فينقلب بعض لفظه على الراوي فيتغير معناه وربما العكس وجعله نوعا مستقلا سماة المتقلب فاجتمع بما ذكرناه أربعه أنواع هي في الحقيقه أقسام

وأمثلته في المتن قليله كحديث حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه فإنه جاء مقلوبا بلفظ حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله

وما اعتنى بجمعها بل ولا بالإشارة إليها أفراد منهم من المتأخرين الجلال ابن البلقيني في جزء مفرد ونظمها في أبيات ومما ذكرة تبعا لمحاسن والده رحمهما الله حديث عائشه مرفوعا أن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال فهو مقلوب إذ الصحيح في لفظه عن عائشه أن بلال يؤذن بليل الحديث وكذا جاء عن ابن عمر ولم ترتض البلقيني جمع ابن خزيمه بينهما بتجويز أن يكون كان جعل آذان الليل نوبا بينهما فجاء الخبران على حسب الحالين وإن تابعه إبن حبان عليه بل بالغ فجزم به

وقال البلقيني إنه يعيد ولو فتحنا باب التأويل لا ندفع كثير من علل المحدثين


281

وأما شيخنا فمال إلى ضعيف روايه القلب وقال ابن عبد البر المحفوظ حديث ابن عمر وهو الصواب

ومن أمثلته ما رواة البخاري من طريق عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى ابن حبان عن واسع بن حبان عن ابن عمر قال ارتقيت فوق بيت حفصه فرأيت رسول الله يقتضي حاجته مستدير القبله مستقبل الشام فرواة ابن حبان كما في نسخه صحيحه معتمده قديمه جدا من طريق وهيب عن عبيد الله بن عمو وغيرة عن محمد بن يحيى بلفظ مستقبل القبله مستدير الشام رواة عن الحسن بن سفيان عن ابراهيم بن الحجاج عن وهيب وهو مقلوب

وقد رواة الإسماعيلي في مستخرجه عن أبي يعلي عن ابراهيم فقال مستدبر القبله مستقبل الشام كالجارة فانحصر في الحسن بن سفيان أو ابن حبان


282
تنبيهات
( وان تجد متنا ضعيف السند
فقل ضعيف أي بهذا فاقصد )
( ولا تضعف مطلقا بناء
على الطريق إذ لعل جاء )
( بسند مجود بل يقف
ذاك على حكم إمام يصف )
( بيان ضعفه فإ ن أطلقه
فالشيخ فيما بعد قجد حققه )
( وإن ترد نقلا لواة أو لما
يشك فيه لا بإسنادهما )
( فأت بمري كيروي واجزم
بنقل ما صح كقال فاعلم )
( وسهلوا من غير موضوع رووا
من غير تبيين لضعف ورأوا )

( بيانه في الحكم والعقائد


283
في معرفه من تقبل روايته ومن ترد
( اجمع جمهورا أئمه الأثر
والفقه في قبول ناقل الخبر )
( بأن يكون ضابطات معدلا
أي يقظا ولم يكن مغفلا )
( يحفظ إن حدث حفظا ويحوي
كتابه إن كان منه يروي )
( يعلم ما في اللفظ من احاله
إن يروا بالمعنى وفي العداله )
( بأن يكون مسلما ذا عقل
قد بلغ الحلم سليم الفعل )
( من فسق خرم مروءة ومن
زكاة عدلان فعدل مؤتمن )
( وصححوا اكتفائهم بالواحد
جرحا وتعديلا خلاف الشاهد
( وصححوا استغناء ذي الشهرة عن
تزكيه كمالك نجم السنن )
( ولابن عبد البر كل من غنى
بحمله العلم ولم يوهنا )
( فإنه عدل يقول المصطفى
يحمل هذا العلم لكن خولفا )
( ومن يوافق غالبا ذو الضبط
فهو فضابط أو نادر فمخطى )
( وصححوا قبول تعديل بلا
ذكر لأسباب له أن تثقلا )
( ولم يروا قبول جرح أبهما
للخلف في أسبابه وربما )
( استفسر الجرح فلم يقدح كما
فسرة شعبه بالركض فما )
( هذا الذي عليه حفاظ الأثر
كشيخي الصحيح من أهل النظر )


284
( فإن تقل قل بيان من جرح
كذا إذا قالو لمتن لم يصح )
( وأبهموا فالشيخ قد أجابا
أن يجيب الوقف إذا استرابا )
( حتى يبين بحثه قبوله
كمن أولو الصحيح خرجوا له )
( ففي البخاري احتجاجا عكرمه
مع ابن مرزوق وغير ترجمه )
( واحتج مسلم عن فد ضعفا
نحو سويد إذ يجرح ما اكتفى )
( قلت وقد قال أبو المعالي
واختارة تلميذه الغزالي )
( وابن الحطيب أن يحكم بما
أطلقه العالم بأسبابهما )
( وقدموا الجرح وقيل إن ظهر
من عدل الأكثر فهو المعتبر )
( ومبهم التعديل ليس مكتفى
به الخطيب والفقيه الصيرفي )
( وقيل يكفي نحو أن يقالا
حدثني الثقه بل لو قالا )
( جميع أشياخي ثقات لو لم
اسم لا يقبل من قد أبهمن )
( وبعض من حق لم يرده
عالم من حق من قلده )
( ولم يرو فتاة أو عمله
على وفاق المتن تصحيحا له )
( وليس تعديلا على الصحيح
روايه العدل على التصريح )
( واختلفوا هل يقبل المجهول
وهو على ثلاثه مجعول )
( مجهول عين من له راو فقط
ورده الأكثر والقسم الوسط )
( مجهول حال باطن وظاهر
وحكمه الرد لدى المجاهير )
( والثالث المجهول للعداله
في باطن فقط قد رأى له )
( حجيه في الحكم بعض من منع
ما قبله منهم سليم فقطع )
( به وقال الشيخ إن العملا
يشبه أنه علي ذا جعلا )
( في كتب من الحديث اشتهرت
خبرة بعض من بها تعذرت )


285
( في باطن الأمر وبعض يشهر
ذا القسم مستورا وفيه نظر )
( والخلف في مبتدع ما كفرا
قيل يرد مطلقا واستنكرا )
( وقيل بل إذا استحل الكذبا
نصرة مذهب له ونسبا )
( للشافعي إذ يقول أقبل
من غير خطابيه ما نقلوا )
( والأكثرون حبان اتفاقا ورآة
عن أهل بدع في الصحيح ما دعوا )
( وللحميدي والإمام أحمدا
بأن من يكذب تعمدا )
( أي في الحديث لم نعد نقبله
وإن يتب والصيرفي مثله )
( وأطلق الكذب وزاد أن من
ضعف نقلا لم يقوا بعد أن )
( وليس كالشاهد والسمعاني
أبو المظفر يرى في الجاني )
( بكذب في خبر إسقاط ما
له من الحديث قد تقدما )
( ومن روى عن ثقه فكذبه
فقد تعارضا ولكن كذبه )
( لا تثبتن يقول شيخه فقد
كذبه الآخر فاردد ما جحد )
( وإن يرده بلا أذكر أو
ما يقتضي نسيانه فقد رأوا )
( الحكم للذاكر عند المعظم
وحكى الإسقاط عن بعضهم )
( كقصه الشاهد واليمين إذ
نسيه سهيل الذي أخذ )
( عنه فكان بعد عن ربيعه
عن نفسه يرويه لن يضيعه )
( والشافعي نها ابن عبد الحكم
يروي عن الحق لخوف التهم )
( ومن روى الحديث بأجرة لم يقبل
إسحاق والرازي وابن حنبل )
( وهو شبيه أجرة القرآن
يخرم من مروءة الإنسان )
( لكن أبو نعيم الفضل أخذ
وغيرة ترخصا فإن ننبذ )
( شغلا به الكسب أجز إرفاقا
أفتى به الشيخ أيو اسحاقا )


286
( ورد ذو تساهل في الحمل
كالنوم والأدا كلا من أصل )
( أو قبل التلقين أو قد وصفا
بالمنكرات كثرة أو عرفا )
( بكثرة السهو وما حدث من
أصل صحيح فهو رد ثم إن )
( بين له غلطه فما رجع
سقط عندهم حديثه جمع )
( كذا الحميدي مع ابن حنبل
وابن المبارك رأو في العمل )
( قال وفيه نظر نعم إذا
كان عنادا فيه ما ينكر ذا )
( واعرضوا في هذه الدهور
عن اجتماع هذه الأمور
( لعسرها بل يكتفي بالعاقل
المسلم البالغ غبر الفاعل )
( للفسق ظاهرا وفي الضبط بان
يثبت ما روعى بخط مؤتمن )
( وأنه يروي في خط وافقا
لأصل شيخه كما قد سبقا )
( لنحو ذاك البهقي فلقد
آل السماع لتسلسل السند )

* * *

ثلاثه أرداف أنواع الضعيف بها مناسب كما أردف الصحيح والحسن بما يناسبهما لكن كان جمع أوليهما بمكان واحد لكونهما كالمسألة الواحدة انسب أحدهما ( وإن تجد متنا ) أي حديثا ضعيف السند فقل فيه ضعيف أي بهذا السند بخصوصه ( فاقصد ) أي أتوا ذلك فإن صرحت به فأولى ولا تضعف ذلك المتن مطلقا بنا بالمد على ضعف ذاك الطريق إذ لعله جاء بالمد أيضا بسند آخر مجود يثبت المتن بمثله أو بمجموعهما بل يقف جواز ذاك أي الإطلاق على حكم إمام من أئمة الحديث صحيح الإطلاع معتبر الاستقراء والتتبع يصف بيان وجه ضعفه أي الحديث بأنه ليس إسناد يثبت هذا المتن بمثله أو بأنه ضعيف بشذوذ أو نكارة أو نحوهما فإن أطلقه أي أطلق ذاك الإمام الضعف فالشيخ ابن الصلاح فيما بعد بيسير مسألة كون الجرح لايقبل إلا مفسرا قد حققه ثم إن ما ذهب إليه من المنع إما ان يكون بالنسبة لمن لم يفحص عن الطرق


287
ويبحث عنها مطلقا كما او اختاره شيخنا حيث قال والظاهر إنه مشى على أصله في تعذر استقلال المتأخرين بالحكم على الحديث بما يليق به والحق خلافه كما تقرر في موضعه فإذا بلغ الحافظ المتأهل الجهد وبذل الوسع في التفتيش على ذلك المتن من مظانه فلم يجده إلا من تلك الطريق الضعيفة ساغ له الحكم بالضعيف بناء على غلبة ظنه

وكذا إذا وجد جزم إمام من أئمة الحديث بأن رواية الفلاني تفرد به وعرف المتأخر أن ذاك المنفرد قد ضعف بقادح أيضا ووراء إنه على كل حال يكفي في المناظرة تضعيف الطريق التي أبداها المناظر وبنقطع إذ الأصل عدم ما سواها حتى تثبت بطريق أخرى قاله ابن كثير

ثانيها وإن ترد نقلا له حديث واه يعني ضعيفا قل الضعف أو كثر ما لم يبلغ الوضع أولما يشك من أهل الحديث فيه أصحيح أو ضعيف إما بالنظر إلى اختلافهم في رواية أو غير ذلك لا بإبراز إسنادهما أي المشكوك فيه والمجزوم به بل بمجرد إضافتهما إلى النبي او إلى الصحابي أو من دونه بحيث يشمل المعلق فات بتمريض كيروي ويذكر وبلغنا وروى بعضهم ونحوها من صيغ التمريض التي اكتفى بها عن التصريح بالضعف ولا يجزم بنقله خوفا من الوعيد واحتياطا فإن سقت إسنادهما فيؤخذ حكمه مما بعده واجزم فيما تورده لا بسند بنقل ما صح بالصيغ المعروفة بالجزم كقال ونحوها فاعلم ذلك ولا تنقله بصيغة التمريض وإن فعله بعض الفقهاء واستحضر ما أسلفتهلك من كلام النووي وغيره مما يتعلق بهذه المسألة عند العليق

ثالثا وسهلوا في غير موضوع رووا حيث اقتصر وأعلى سياق إسناده من غير تبيين الضعف لكن فيما يكون الترغيب والترهيب من المواعظ والقصص وفضائل الأعمال ونحو ذلك خاصة وراو بيانه وعدم التساهل في ذلك ولو ساقوا إسناده في أحاديث الحكم الشرعي من الحلال


288
والحرام وغيرهما ( و ) كذا في العقائد كصفات الله تعالى وما يجوز له ويستحيل عليه ونحو ذلك ولذا كان ابن خزيمة وغيره من أهل القرية إذا روى حديثا ضعيفا قال حدثنا فلان مع البراءة من عهدته وربما قال هو والبيهقي إن صح الخبر وهذا التساهل والتشديد منقول عن ابن مهدي عبد الرحمن وغير واحد من الأئمة كأحمد بن حنبل وابن معين وابن المبار والسفيانين بحيث عقد أبو أحمد بن عدي في مقدمة كاملة والخطيب في كفايته لذلك بابا

وقال ابن عبد البر أحاديث الفضائل لا نحتاج فيها إلى من يحتج به وقال الحاكم سمعت أبا زكريا الغبري يقول الخبر إذا ورد لم يحرم حلالا ولم يحل حراما ولم يوجب حكما وكان في ترغيب أو ترهيب أغمض عنه وتسهل في رواته

ولفظ ابن مهدي فيما أخرجه البيهقي في المدخل إذا روينا عن النبي في الحلال والحرام والأحكام شددنا في الأسانيد وانتقدنا في الرجال وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب سهلنا في الأسانيد وتسامحنا في الرجال ولفظ أحمد في روايه الميموني عنه الأحاديث الرقايق يحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيه حكم وقال في روايه عباس الدوري عنه ابن اسحق رجل تكتب عنه هذه الأحاديث يعني المغازي ونحوها وإذا جاء الحلال والحرام أردنا قوما هكذا وقبض أصابع يديه الأربع

لكنه احتج رحمه الله بالضعيف حتى لم يكن في الباب غيرة وتبعه أبو داود وقدماه على الرأي والقياس يقال عن أبي حنيفه أيضا ذلك وإن الشافعي يحتج بالمرسل إذا لم يجد غيرة كما سلف كل ذلك في أواخر الحسن

وكذا إذا تلقت الأمه الضعيف بالقبول يعمل به على الصحيح حتى أنه


289
ينزل منزله المتواتر في أنه ينسخ المقطوع به ولهذا قال الشافعي رحمه الله في حديث لا وصيه لوارث إنه لا يثبته أهل الحديث ولكن العامه تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوة ناسخا لآيه الوصيه له

وكان في موضع احتياط كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهه بعض البيوع أو الأنكحه فإن المستحب كما قال النووي أن يتنزة عنه ولكن لا يجب وضع ابن العربي المالكي العمل بالضعيف مطلقا

ولكن قد حكى النووي في عدة من تصانيفه إجماع أهل الحديث وغيرهم على العمل به في الفضائل ونحوها خاصة فهذه ثلاثة مذاهب أفاد شيخنا إن محل الأخير فيها حيث لم يكن الضعف شديدا وكان مندرجا تحت أهل عام حيث لم يقم على المنع منه دليل آخر أخص من ذلك العموم ولم يعتقد عند العمل به ثبوته كما بسطها في موضع آخر في معرفة صفة من تقبل روايته من نقله الأخبار ومن ترد بها التحقيق بذلك وذكره بعد مباحث المتن وما التحق به مناسب وفيه فصول

الأول أجمع جمهور أئمة الأثر أي الحديث المحتج به بالقراءة ليخرج الحسن بغيره بشرط أن يكون ضابطا معدلا أي ولكل منها شروط فأما شروط الضبط الذي تنكيره شمل التام والقاصر فهي أن يكون يقظا بضم القاف وكسرها ( و ) ذلك بأن لم يكن مغفلا لا يميز الصواب من الخطأ كالنائم والساهي إذ المتصف بها لا يحصل الركون إليه ولا تميل النفس إلى الاعتماد عليه وأن يكون يحفظ أي يثبت ما سمعه في حفظه بحيث يبعد زواله عن القوة الحافظة ويتمكن من استحضاره متى شاء إن حدث حفظا أي من حفظه ويحوي كتابه أي يحتوي عليه ويصونه عن تطرق التزوير والتغيير إليه من حين سمع فيها إلى أن يؤدي إن كان منه يروى وأن يكون يعلم ما في اللفظ من إحالة بحيث يؤمن من تغيرها يرويه إن يرو بالمعنى ولم يود الحديث كما سمعه بحروفه على ما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله


290

وهذه الشروط موجودة في كلام الشافعي في الرسالة صريحا إلا الأول فيؤخذ من قوله أن يكون عاقلا لما يحدث به لقول ابن حبان هو أن يعقل من صناعة الحديث ما لا يرفع موقوفا ولا يصل مرسلا أو يصحف سماعا فهذا كناية عن اليقظة

وقد ضبط ابن الأثير الضبط في مقدمة جامعة فقال هو عبارة عن احتياط في باب العلم وله طرفان العلم عند السماع والحفظ بعد العلم عند التكلم حتى إذا سمع ولم يعلم لم يكن معتبرا كما لو سمع صياحا لا معنى له أو لم يفهم اللفظ بمعناه لم يكمن ضبطا وإذا لم شك في حفظه بعد العلم والسماع لم يكن ضبطا

قال ثم الضبط نوعان ظاهر وباطن فالظاهر ضبط معناه من حيث اللغة والباطن ضبط معناه من حيث تعلق الحكم الشرعي به وهو الفقه ومطلق الضبط الذي هو شرط في الراوي هو الضبط ظاهرا عند الأكثر لأنه يجوز نقل الخبر المعنى فيلحقه تهمة تبديل المعنى بروايته قبل الحفظ أو قبل العلم حين سمع ولهذا المعنى قلت الرواية عن أكثر الصحابة لتعذر هذا المعنى

قال وهذا الشرط وإن كان على ما بينا فإن أصحاب الحديث قل ما يعتبرونه في حق الطفل المغفل فإنه متى صح عندهم سماع الطفل أو حضوره اجازوا روايته والأول أحوط للدين وأولى

قلت وفي بعضه نظر ففيما تقدم قريبا وكذا فيما سيأتي ما يرده أو الشروط في العدالة وضابطها إجمالا أنها ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة فهي خمسة ( بان ) أي أن يكون مسلما بالإجماع ذا عقل فلا يكون مجنونا سوى المطبق والمنقطع إذا أثر في الإفاقة قد بلغ الحلم بضم المهملة


291
وسكون اللام أي الإنزال في النوم والمراد البلوغ به أو بنحوه كالحيض أو باستكمال خمس عشرة سنة إذ هو مناط التكليف سليم الفعل من فسق وهو إرتكاب كبيرة أو إصرار على صغيرة أو أي وسليم الفعل من خرم مروة على أنه قد اعترض على ابن الصلاح في إدراجه آخرها في المتفق عليه وقيل إنه لم يشرطها فيما ذكر الخطيب وغيره سوى الشافعي وأصحابه ولكنه مردود بأن العدالة لا تتم عند كل شرطها وهم أكثر العلماء بدونها بل لم يشترط مزيدا على الاسلام واكتفى بعدم ثبوت ما ينافي العدالة وأن ظهر منه ما ينافيها لم تقبل شهادته ولا روايته قد لا ينافيه

نعم قد حقق الماوردي أن الذي تجنبه منها شرط في العدالة وارتكابه مفض إلى الفسق ما سخف من الكلام المؤذي والضحك وما قبح من الفعل الذي يلهو به ويستقبح بمعرته كنتف اللحية وخضابها بالسواد وكذا البول قائما يعني في الطريق وبحيث يراه الناس وفي الماء الراكد وكشف العورة إذا خلا والتحدث بمساوىء الناس

وأما ما ليس بشرط فكعدم الإضال بالماء والطعام والمساعدة بالنفس والجاه وكذا الأكل في الطريق وكشف الرأس بين الناس والمشي حافيا ويمكن أن يكون هذا منشأالاختلاف ولكن في بعض ما ذكره من الشقين نظر

وما أحسن قول الزنجابي في شرح الوجيز المروة يرجع في معرفتها إلى العرف فلا تتعلق بمجرد الشارع وأنت تعلم أن الأمور العرفية قلما تضبط بل هي تختلف باختلاف الأشخاص والبلدان فكم من بلد جرت عادة أهله بمباشرة أمور لو باشرها غيرهم لعد خرما للمروءة

وفي الجملة رعاية مناهج الشرع وآدابه والاهتداء بالسلف والاقتداء بهم أمر واجب الرعاية


292

قال الزركشي وكأنه يشير بذلك إلى انه ليس المراد سيرة مطلق الناس بل الذين نقتدي بهم وهو كما قال ثم إن اشترط البلوغ هو الذي عليه الجمهور والا فقد جعل بعضهم رواية الصبي المميز الموثوق به ولذا كان في المسألة لأصحابنا وجهان قيدهما الرافعي واتبعه النووي بالمراهق مع وصف النووي للقبول بالشذوذ

وقال الرافعي في موضع آخر وفي الصبي بعد التميز وجهان كما في رواية أخبار الرسول واختصره النووي بالصبي المميز ولا تناقض فمن قيد بالمراهق عن المميز والصحيح عدم قبول غير البالغ وهو الذي حكاه النووي عن الأكثرين

وحكى في شرح المهذب تبعا للمتولي عن الجمهور قبول أخبار الصبي المميز فيما طريقه المشاهدة يخلاف ما طريقة النفل كالافتاء ورواية الأخبار ونحوه وإليه أشار شيخنا بقوله وقبل الجمهور أخبارهم إذا انضمت إليها قرينة انتهى

أما غير المميز فلا تقبل قطعا وكذا لم يشترطوا في عدل الرولع الحريه بل أجمعوا كما حكاة الخطيب على قبول روايه العبد بالشروط المذكورة واجاز شهادته جماعه من السلف ولكن الجمهور في الشهاده على خلافه و هو مما افترقا فيه كما افترقا في مسأله التزكيه الآتيه بعد

وقد نظم ذلك شيخنا فقال العدل من شرطه المروءة والإسلام والعقل والبلوغ معا بجانب الفسق راويا ومنى يشهد فخريه تضف تبعا

ولا الذكورة خلافا لما نقله الماوردي في الحاوي عن أبي حنيفه قال واستثنى أخبار عائشه وأم سلمه واما من شرط في الروايه العدد كالشهاده فهو قول شاذ مخالف لما عليه الجمهور كما أسلفته في مرتاب الصحيح بل تقبل روايه الواحد إذا جمع أوصاف القبول وأدله ذلك كثيرة شهيرة


293

أو كون الراوي فقيها عالم كأبي حنيفة حيث شرط فقه الراوي إن خالف القياس وغيره حيث قصره على الغريب فكله خلاف ماعليه الجمهور وحجتهم قول الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن جائكم فاسق بنبأ فتبينوا ) فمقتضاه أن لا يثبت في غير خبر الفاسق ولو لم يكن عالما

وفي قوله نضر الله امرا سمع مقالتي فوعاها الحديث أقوى دليل على ذلك لأنه لم يفرق بل صرح بقوله فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من أفقه منه

وكذا من شرط عدم عماه أو كونه مشهورا بسماع الحديث أو معروف النسب أو أن لا ينكر راوي الأصل رواية الفرع عنه على وجه النسيان أيضا

الثاني فيما تعرف به العدالة من تزكيه وغيرها ومن زكاه أي عدله في روايته عدلان فهو عدل مؤتمن بفتح الميم أي اتفاقا وصحيح اكتفاؤهم أي أئمة الأثر فيها ( ب ) قول العدل الواحد جرحا وتعديلا أي من جهة الجح والتعديل خلاف أي بخلاف الشاهد فالصحيح عدم الاكتفاء فيه بدون اثنين لأنه إن كان المركزي للراوي ناقلا عن غيره فهو جملة الأخبار أو كان اجتهادا من قبل نفسه فهو بمنزلة الحاكم وفي الحالتين لا يشترط العدد والفرق بينهما ضيق الأمر في الشاهدة لكونها في الحقوق الخاصة التي يمكن المترافع فيها وهي محل الأغراض بخلاف الراوية فإنها في شيء عام للناس غالبا لا ترافع فيه ونحوه قول بن عبد السلام الغالب من المسلمين مهابة الكذب على النبي أبخلاف شهادة الزور ولأنه قد ينفرد بالحديث واحد فلو لم تقبل لفاتت المصلحة بخلاف فوات حق واحد على واحد في المحاكمات ولأن بين الناس إحن وعداوات تحملهم على شهادة الزور بخلاف الرواية


294

والقول الثاني إشتراط إثنين في الرواية أيضا حكاه القاضي ابو بكربن الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم لأن التزكية صفة فتحتاج في ثبوتها إلى عدلين كالرشد والكفاءة وغيرهما وقياسا على الشاهد بالنسبة لما هو المرجع فيها عند الشافعية والمالكية بل هو قول محمد بن الحسن واختاره الصحاوي وإلا فأبو عبيد لا تقبل في التزكية فيها أقل من ثلاثة متمسكا بحديث قبيضة فيمن تحل له المسألة حتى تقوم ثلاثة من ذوي الحجاج فيشهدون له قال وإذا كان هذا في حق الحاجة فغيرها أولى ولكن المعتمد في الأول والحديث فمحمول على الاستحباب فيمن عرف له مال قبل

ومن رجح الحكم كذلك في البابين الفخر الرازي والسيف الآمدي ونقله هو وابن الحاجب عن الأكثرين ولا ينافيه الحكاية الماضية للتسوية عن الأكثرين لتقييدها هناك بالفقهاء

وممن اختار التفرقة أيضا الخطيب وغيره وكذا اختار القاضي أبو بكر بعد حكاية ما تقدم الاكتفاء بواحد لكن في البابين معا كما نقل عن أبي حنيفة وأبي يوسف في الشاهد خاصة وعبارته والذي يوجبه القياس وجوب قبول تزكية كل عدل مرضي ذكر أو انثى حر أوعبد لشاهد ومخبر أي عارف بما يجب أن يكون عليه العدل وما به يحصل الجرح كما اقتضاه أول كلامه الذي حكاه الخطيب عنه وهو ظاهر واستثنى تزكية المرأة في الحكم الذي لاتقبل شهادتها فيه كل ذلك بعد حكايته عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم عدم قبول تزكية النساء مطلقا في البابين

وكذا اشار لتخصيص تزكية العبد بالرواية لقبوله فيها دون الشهادة ولكن التعميم في قبول تزكية كل عدل لأنها كما قال الطحاوي خبر وليست شهادة صرح به أيضا صاحب المحصوب وغيره من غير تقييد


295

وقال النووي في التقريب نقبل أي في الرواية تعديل العبد والمرأة العارفين ولم يحك غيره

قال الخطيب في الكفاية الأصل في هذا الباب سؤال النبي في قصة الإفك بريرة عن حال عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وجوابها له يعني الذي ترجم عليه البخاري في صحيحه تعديل النساء بعضهم بعضا

ولا تقبل تزكية الصبي المراهق ولا الغلام الضابط جزما وإن اختلف في روايتهما لأن الغلام وإن كانت حاله ضبط ما سمعه والتعبير عنه على وجهه فهو غير عارف بأحكام أفعال المكلفين وما به منها يكون العدل عدلا والفاسق فاسقا فذلك إنما يكمل له المكلف وأيضا فلكونه غير مكلف لا يؤمن منه تفسيق العدل وتعديل الفاسق ولا كذلك المرأى والعبد فافترق الأمر فيهما قاله الخطيب وصححوا كما هو مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في أصول الفقه ومشى عليه الخطيب مما تثبت به العدالة أيضا وهو الاستفاضة استغناء ذي الشهرة ونباهة لا الذكر بالاستقامة والصدق مع البصيرة والفهم وهو الاستفاضة عن تزكية صريحة كمالك هو ابن أنس نجم السنن كما وصفه به إمامنا الشافعي رحمهما الله وكشعبة ووكيع وأحمد وابن معين ومن جرى مجراهم فهؤلاء وأمثالهم كما قال الخطيب وقد عقد بابا لذلك في كفايته لا يسأل عن عدالتهم وإنما يسأل عن عدالتة من كان في عداد المجهولين أو كلام خفي أمره على الطالبين

وساق بسنده أن الإمام أحمد سئل عن إسحق بن راهويه فقال مثل إسحق يسأل عنه إسحق عندنا إمام من أئمة المسلمين وإن ابن معين سئل عن أبي عبيد فقال مثلي يسأل عنه هو يسأل عن الناس وعن ابن جابر أنه قال لا يؤخذ العلم إلا ممن شهد له بالطلب وفي رواية عن ابن مسهر إلا عن جليس العالم فإن ذلك طلبه

قال الخطيب أراد أن من عرفت مجالسته للعلماء أو أخذه عنهم أغنى


296
ظهور ذلك من أمره عن أن يسأل عن حاله وعن القاضي أبي بكر بن الباقلاني أنه قال الشاهد والمخبر إنما يحتاجان إلى التزكية متى لم يكونا مشهورين بالعدالة والرضى وكان أمرهما مشكلا ملتبسا ومجوزا فيه العدالة وغيرها

قال والدليل على ذلك أن العلم بظهور سترهما أي المستور من أمرهما واشتهار عدالتهما أقوى في النفوس من تعديل واحد أو اثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة في تعديله وأغراض داعية لهما إلى وصفه بغير صفته وبالرجوع إلى النفوس يعلم أن ظهور ذلك من حاله أقوى في النفس من تزكية المعدل لهما فصح بذلك ما قلناه قال ويدل على ذلك أيضا أن نهاية حال تزكية العدل أن تبلغ مبلغ ظهور ستره وهي لا تبلغ ذلك أبدا فإذا ظهر ذلك فما الحاجة إلى التعديل انتهى

ومن هنا لما شهد أبو إبراهيم المزني صاحب الشافعي عند القاضي بكار بن قتيبة رحمهم الله وقيل له إنه أبو ابراهيم ولم يكن يعرفه قبلها فقال تقام البينة عندي بذلك فقط

وكذا يثبت الجرح بالاستفاضة أيضا وذهب بعضهم إلى أن مما يثبت به العدالة رواية جماعة من الجلة عن الراوي وهذه طريقة البزار في مسنده وجنح إليها ابن القطان في الكلام على حديث قطع السدر من كتابه الوهم ة الإيهام ونحوه قول الذهبي في ترجمة مالك بن الخير الزيادي من ميزانه

وقد نقل عن ابن القطان إنه ممن لم يثبت عدالته يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة قال وفي رواة الصحيحين عدد كثير ما علمنا أن أحدا نص على توثيقهم

والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح لكن قد تعقبه شيخنا بقوله ما نسبه للجمهور لم يصرح به أحد من أئمة النقد إلا ابن حبان نعم هو حق فيمن كان مشهور


297
بطلب الحديث والانتساب إليه كما قررته في علوم الحديث وأغرب منه ما حكاه ابن الصلاح في طبقاته عن ابن عبدان أنه حكى في كتابة شرائط الأحكام عن بعض أصحابنا إنه لم يعتبر في ناقل الخبر ما يعتبر في الدماء والفروج من التزكية بل إذا كان ظاهره الدين والصدق قبل خبره واستغرابه ابن الصلاح ولابن عبد البر قول فيه توسع أيضا وهو كل من عني بضم أوله بحمله العلم زاد الناظم ولم يوهن بتشديد الهاء المفتوحة أي لم يضعف فإنه عدل بقول المصطفى يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله يفنون عنه تحريف الغالين أي المتجاوزين الحد وانتحال أي ادعاء المبطلين وتأويل الجاهلين لكن قد خولفا ابن عبد البرلكون الحديث مع كثرة طرقه ضعيف بحيث قال الشارح إنه لا يثبت منها شيء بل قال ابن عبد البر نفسه أسانيده كلها مضطربة غير مستقيمة

وقال الدارقطني إنه لايصح مرفوعا يعني مسندا وقال شيخنا وأورده ابن عدي من طرق كثيرة كلها ضعيفة وحكم غيره عليه بالوضع وإن قال العلائي في حديث أسامة منها إنه حسن غريب

وصحح الحديث الإمام أحمد وكذا نقل العسكري في الأمثال عن أبي موسى عيسى بن صبيح تصحيحه فأبو موسى هذا ليس بعمدة وهو من كبار المعتزلة

وأحمد فقد تعقب ابن القطان كلامه وحديث أسامة لمخصوصه قال فيه أبو نعيم إنه لا يثبت

وقال ابن كثير في صحته نظر قوي والأغلب عدم صحته ولو صح لكان ما ذهب إليه قويا انتهى

وسأحقق الأمر فيه إن شاء الله تعالى فإن عندي من غير مرسل إبراهيم العذري عن أسامة بن زيد بن سمرة وابن عباس وابن عمر وابن


298
عمرو وابن مسعود وعلي ومعاذ وأبي أمامة وأبي هريرة رضي الله عنهم وعلى كل حال من صلاحيته للحجة أو ضعفه فإنما يصح الاستدلال به أن لو كان خبرا ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة

وكيف يكون خبرا وابن عبد البر نفسه يقول فهو عدل محمول في أمره على العدالة حتى يتبين جرحه فلم يبق له محمل إلا على الأمر ومعناه أنه أمر الثقات بحمل العلم لأن العلم إنما يقبل عن الثقات

ويتأيد بأنه في بعض طرقه ليحمل بلام الأمر على أنه لا مانع من إرادة الأمر أن يكون بلفظ الخبر

وحينئذ سواء روى بالرفع على الخبرية أو بالجزم على إرادة الأمر فمعناها واحد بل لامانع أيضا من كونه خبرا على ظاهره ويحمل على الغالب والقصد أنه مظنه لذلك

وقد قال النووي في أول تهذيبه عند ذكر هذا الحديث وهذا إخبار منه بصيانة العلم وحفظه وعدالة ناقليه وإن الله تعالى يوفق له في كل عصر خلقا من العدول يحملونه وينفون عن التحريف فلا يصنع وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر وهكذا وقع ولله حمد وهذا من اعلام النبوة ولا يضر مع هذا كون بعض الفساق ويعرف شيئا من العلم فإن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لاأن غيرهم لا يعرف شيئا منه انتهى

على أنه يقال ما يعرفه الفساق من العلم ليس بعلم حقيقه لعدم عملهم به كما أشار إليه التفتازاني في تقرير قول التلخيص وقد ينزل العالم منزله الجاهل

وصرح به الشافعي في قوله

( ولا العلم إلا مع التقي
ولا العقل إلا مع الأدب )


299

ومن الغريب في ضبطه ما حكاه الشارح في نكته عن فوائد رحلة ابن الصلاح مما عزاه لأبي عمرو محمد بن أحمد التميمي يحمل بضم التحتانية على البناء للمفعول ورفع ميم العلم وبفتح العين واللام من عدوله مع إبدال الهاء تاء منونة

ومعناه أن الخلف هو العدولة بمعنى أنه عادل كما يقال شكور بمعنى شاكر وتكون الهاء للمبالغة كما يقال رجل ضرورة فكأنه قال إن العلم يحمل عن كل خلف كامل في عدالته

لكن يتأيد بما حكاه العسكري عن بعضهم أنه قال عقب الحديث فسبيل العلم أن يحمل عمن هذه سبيله ووصفه

ونحوه ما يرى مرفوعا أن هذا العلم دين فانظر عمن تأخذ دينك ومع هذه الاحتمالات فلا يسوغ الاحتجاج به

وقوى قول ابن الصلاح إنه توسع غير مرضي ووافقه ابن أبي الدم قال إنه قريب الاستمداد من مذهب أبي حنيفة في أن ظاهر المسلمين العدالة وقبول شهادة كل مسلم مجهول الحال إلى أن يثبت جرحه

قال وهو غير مرضي عندنا لخروجه عن الاحتياط ويقرب منه ما ذهب إليه من قبول شهادة المتوسمين من أهل القافلة اعتمادا على ظاهر أحوالهم المستدل بها على العدالة والصدق فيما يشهدون به

على أن ابن عبد البر قد سبق بذلك فروينا في شرف أصحاب الحديث للخطيب من طريق محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة قال رأيت رجلا قدم آخر إلى إسماعيل بن اسحق القاضي فادعى عليه شيء فأنكر فقال للمدعي ألك بينة قال نعم فلان وفلان فقال أما فلان فمن شهودي وأما فلان فليس من شهودي قال فيعرفه القاضي قال نعم قال بماذا قال أعرفه بكتب الحديث قال فكيف تعرفه في كتبة الحديث قال ما علمت إلا


300
خيرا قال فإن النبي قال يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ومن عدله رسول الله أولى ممن عدلته أنت قال فقم فهاته فقد قبلت شهادته

نحوه قول ابن المواق من المتأخرين أهل العلم محمولين على العدالة حتى يظهر منهم خلاف ذلك وقال ابن الجوزي إن ما ذهب إليه ابن عبد البر هو الصواب وإن رده بعضهم وسبقه المزي فقال هو في زماننا مرضي بل ربما يتعين

ونحوه قول ابن سيد الناس لست أراه إلا مرضيا وكذا قال الذهبي إنه حق قال ولا يدخل في ذلك المستور فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم فكل من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث وإنه معروف بالعناية بهذا الشأن ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تبينا ولا اتفق لهم علم بأن أحدا وثقه فهذا الذي عناه الحافظ وإنه يكون مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جرح

قال ومن ذلك إخراج البخاري ومسلم لجامعة ما اطلعنا فيهم على جرح ولا توثيق فهو لا يحتج بهم لأن الشيخين احتجاجهم ولأن الدهماء أطبقت على تسميته الكتابين بالصحيحين

قلت بل أفاد التقي ابن دقيق العيد أن إطباق جمهور الأمة أوكلهم على كتابيهما يستلزم إطباقهم أو أكثرهم على تعديل الرواة المحتج بهم فيهما إجتماعا وانفرادا قال مع أنه وجد فيه من تكلم فيه

ولكن كان الحافظ أبو الحسن بن المفضل شيخ شيوخنا يقول فيهم إنهم جازوا القنطرة يعني أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيهم

قال التقي وهكذا نعتقد وبه نقول ولا نخرج عنه إلا ببيان شاف وحجة ظاهرة تزيد في غلبة الظن على ما قدمناه من استلزام الاتفاق


301

ووافقه شيخنا بل صرح بعضهم باستلزام القول بالقطع بصحة ما لم ينتقد من أحاديثهما القطع بعدالة رواتهما يعني فيما لم ينتقد ثم قال التقي نعم يمكن أن يكون للترجيح مدخل عند تعارض الروايات فيكون من لم يتكلم فيه اصلا راجحا على من قد تكلم فيه وإن اشتركا في كونهما من رجال الصحيح انتهى

ويستأنس لما ذهب إليه ابن عبد البر بما جاء بسند جيد أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى رضي الله عنهما المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو مجربا عليه شهادة زور أو ظنينا في ولاء أو نسب

قال البلقيني وهذا يقويه لكن ذاك مخصوص بحملة العلم

قلت وكذا مما يقويه أيضا كلام الخطيب الماضي قبل حكاية هذه المسألة

الثالث فيما يعرف به الضبط وتأخيره عما قبله مناسب وإن كان تقديمه أنسب لتعلق ما بعده بما قبله لاسيما وهو سابق أول الباب في الوضع ومن يوافق غالبا في اللفظ ولو أتى بأنقص لا يتغير به المعنى أو في المعنى ذا الضبط فهو ضابط محتج بحديثه ( أو ) يوافقه نادرا ويكثر من مخالفته والزيادة عليه فيما أتى به فهو مخطيء بدون همز للوزن عديم الضبط فلا يحتج بحديثه وإلى ذلك أشار الشافعي رحمه الله فيمن تقوم به الحجة فقال ويكون إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم

قال ومن كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم تقبل حديثه كما يكون من أكثر التخليط في الشهادة لم تقبل شهادته وقال فيما يعتضد به المرسل كما تقدم ويكون إذا أشرك أحدا من الحفاظ في حديث لم يخالفه فإن خالفه ووجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل على صحة مخرج


302
حديثه ويعرف الضبط أيضا بالامتحان كما تقدم في المقلوب مع تحقيق الأمر فيه

الرابع في بيان سبب الجرح والتعديل وكان إردافه بالثاني كما تقدم أنسب وصححوا أي الجمهور من المحدثين وغيرهم كما هو المشهور قبول التعديل بلا ذكر لأسباب له خشية أن تثقلا لأنها كثيرة ومتى كلف المعدل لسرد جميعها احتاج أن يقول يفعل كذا وكذا عادا ما يجب عليه فعله وليس يفعل كذا وكذا عادا ما يجب تركه وفيه طول ولم يروا أي الجمهور أيضا قبول جرح أبهما ذكر سببه من المجرح لزوال الخشية المشار إليها فإن الجرح يحصل بأمر واحد وللخلف بين الناس في أسبابه وموجبه بحيث يطلق أحدهم الجرح متمسكا بسبب يعتقد أنه يقتضيه أو لشدة تعنته وليس كذلك عند غيره فالبيان مزيل لهذا الحذور ومظهر لكونه قادحا أو لا ( و ) يؤيده أنه ربما استفسر الجرح ببيان سببه من الجارح ( ف ) يذكر ما لم تقدح كما فسره شعبة ابن الحجاج مرة بالركض وهو استحثاث الدابة بالرجل لتعدو حيث قيل له لم تركت حديث فلان قال رأيته يركض على برذون بكسر الموحدة وذال معجمة الجافي الخلقة الجلد على السير الشعاب والوعر من الخيل غير العربية وأكثر ما يجلب من اللزوم وحينئذ فما يلزم من ركضه اللهم إلا أن يكون في موضع أو على وجه لا يليق ولا ضرورة تدعو لذلك لا سيما وقد ورد عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم مرفوعا سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن

ونحوها ما روي عن شعبه أيضا أنه جاء إلى المنهال بن عمرو فسمع من دارة صوتا فتركه قال ابن أبي حاتم إنه سمع قراءة بالتطريب ونحوة قول ابن أبي حاتم كما قاله الشارح إنه سمع قراءة الحان فكرة السماع منه وقول وهب بن جرير عن شعبه أتيت منزل المنهال فسمعت منه صوت الطنبور فرجعت ولم أسأله قال وهب فقلت له فهلا سألته عسى كان لا يعلم قال


303
شيخنا وهذا اعتراض صحيح فإن هذا لا يوجب قدحا في المنهال بل ولا يجرح الثقه بمثل قول المغيرة في المنهال إنه كان حسن الصوت له لحن يقول له وزن سبعه

ولذا قال ابن القطان عقب كلام ابن أبي حاتم ما نصه هذا ليس بجرحه إلى أن يتجاوز إلى حد يحرم ولم يصح ذلك عنه انتهى

وجرحه بهذا تعسف ظاهر وقد وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما كالنسائي وابن حبان وقال الدارقنطي إنه صدوق

وإحتج به البخاري في صحيحه بل اطلق له من روايه شعبه نفسه عنه فقال في باب ما يكرة من المثله من الذبائح تابعه سليمان عن شعبه عن المنهال يعني ابن عمرو عن سعيد هو ابن جبير عن ابن عمر قال لعن النبي من مثل بالحيوان ووصله البيهقي

وفيه دليل على أن شعبه لم يترك الروايه عنه وذلك إما بما عله سمعه منه قبل ذلك أو لزوال المانع منه عنده

وقد حكى ابن أبي حاتم عن أبيه أن السماع يكرة ممن يقرأر بالألحان ونص الإمام مالك في المدونه على أن القراءة في الصلاة بالألحان الموضوعه والترجيع ترد به الشهاده

والحق في هذه المسأله أنه إن خرج بالتلحين لفظ القرآن عن صيغته بإخال حركات فيه أو إخراج حركات منه أو قصر ممدود أو مد مقصور أو تمطيط يخفى به اللفظ ويلتبس به المعنى فالقاريء فاسق والمستمع آثم وإن لم يخرجه اللحن عن لفظه وقراءته على ترتيله فلا كراهه لأنه زاد بألحانه في تحسينه وكذا استفسر غير شعبه فذكر ما الجرح به غير متفق عليه فقال شعبه قلت للحكم بن عتيبه لم لم تحمل عن زاذان قال كان كثير الكلام ولعله


304
استند إلى ما يروى عنه صلى الله عليه ويلم أنه قال من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذونوبه ومن كثرت ذنوبه فالنار أولى به وكذا الماوردي في ذم من تكلم فيما لا يعنيه

وممن تكلم في زاذان الحاكم أبو أحمد فقال إنه ليس بالمتين عندهم وقال ابن حبان كان يخطيء كثيرا لكن قد وثقه غير واحد وأخرج له مسلم

وقال جرير بن عبد الحميد أتيت سماك بن حرب فرأيته يبول قائما فلم أسأله عن حرف قلت قد خرف ولعله كان بحيث يرى الناس عورته

وقد عقب الخطيب في الكفاية لهذا بابا ومما ذكر فيه بما تبعه ابن الصلاح في إيراده أن مسلم بن إبراهيم سئل عن حديث الصالح المري فقال ما نصنع بصالح ذكروه يوما عند حماد بن سلمة فامتخط حماد وإدخال مثل هذا في هذا الباب غير جيد فصالح ضعيف عندهم ولذا حذفه المصنف بل قد بان في جميع ما ذكر عدم تحتم الجرح به هذا أي القول بالتفصيل هو الذي عليه الأئمة حفاظ الأثر أي الحديث ونقاده ( ك ) البخاري ومسلم شيخي الصحيح الذين كانا أول من صنف فيه وغيرهما من الحفاظ مع أهل النظر كالشافعي فقد نص عليه وقال ابن الصلاح إنه ظاهر مقرر في الفقه وأصوله وقال الخطيب إنه الصواب عندنا

والقول الثاني عكسه فيشترط تفسير التعديل دون الجرح لأن أسباب العدالة يكثر الصنيع فيها فيتسارع الناس إلى الثناء على الظاهر هذا الإمام مالك مع شدة نقله وتحريه قيل له في الرواية عن عبد الكريم بن أبي المخارق فقال غرني بكثرة جلوسه في المسجد يعني لما ورد من كونه بيت كل تقي

والثالث أنه لا بد من سببها معا للمعنيين السابقين فكما يجرح الجارح بما لا يقدح كذلك يوثق المعدل لما لا يقتضي العدالة مثل قول أحمد


305
بن يونس لمن قال له عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري ضعيف إنما يضعفه رافضي مبغض لآبائه لو رأيت لحيته وخضابه وهيئته لعرفت أنه ثقة فاستدل لثقته بما ليس بحجة لأن حسن الهيئة يشتركفيه العدل وغيره وهو ظاهر وإن أمكن أن يقال لعله أراد أن توسمه يقضي بعدالته فضلا عن دينه ومروءته وضبطه لكن يندفع هذا في العمري بخصوصه بأن الجمهور على ضعفه وكثيرا ما يوجد مدح المرء بأنك إذا رأيت سمته علمت أنه يخشى الله

والرابع عكسه وإذا صدر الجرح أو التعديل من عالم يصير به كما سيأتي قريبا مع الخدش في كونه قولا مستقلا فإن نقل على القول الأول قد قل فيما يحكى عن الأئمه في الكتب المعول عليها في الرجال بيان سبب جرح من جرح بل اقتصروا فيها غالبا على مجرد الحكم بأن فلانا ضعيف أو ليس بشيء أو نحو ذلك

وكذا قل بيانهم لسبب ضعف الحديث إذا قالو في كتب المتون ونحوها لتن أنه لم يصح بل اقتصروا أيضا غالبا على مجرد الحكم بضعف هذا الحديث أو عدم ثبوته أو نحو ذلك وأبهموا بيان السبب في الموضوعين واشترط البيان يفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر فالشيخ ابن الصلاح قد أجابا عن هذا السؤال أن يجيب أي يوجب الوقف عن الاحتجاج بالراوي أو بالحديث إذا سترابا أي لأجل حصول الرتبة القوية بذلك ويستمر واقفا حتى يبين بضم أوله من أبان أي يظهر بحثه وفحصه عن حال ذاك الراوي أو الحديث قبوله مطلقا أو في بعض حديثه والثقة بعدالته وعدم تأثير ما وقف عليه فيه من الجرح المجرد كمن أي كالذي من الرواة أولوا أي أصحاب الصحيح البخاري ومسلم وغيرهما خرجوا فيه له مع كونه ممن مس من غيرهم بجرح مبهم وقال فافهم ذلك فإنه مخلص حسن ففي البخاري احتجاجا عكرمة


306
أي فعكرمة التابعي مولى ابن عباس مخرج له في صحيح البخاري على وجه الاحتجاج به فضلا عن المتابعات ونحوها مع ما فيه من الكلام لكونه له عنه أتم مخلص حتى أن جماعة صنفوا في الذب عن عكرمة كأبي جعفر بن جرير الطبري ومحمد بن نصر المروزي وأبي عبد الله بن منده وابن حبان وابن عبد البر

وحقق ذلك شيخنا في مقدمته بما لانطيل به مع ابن مرزوق عمرو الباهلي البصري لكن متابعة لااحتجاج وغير ترجمة أي راو على وجه الاحتجاج وغيره ممن سبق من غيره التضعيف لهم يعرف تعيينهم والمخرج له منهم في الأصول ممن في المتابعات مع الحجة في التخريج لهم من المقدمة أيضا وكذا احتج مسلم بمن قد صعفا من غيره نحو سويد هو ابن سعيد وجماعة غيره إذ يجرح مطلق ما اكتفى كل من البخاري ومسلم لتحقيقهما نفيه بل أكثر من فسر الجرح في سويد ذكر أنه لما عمي ربما لقن الشيء وهذا وإن كان قادحا فإنما يقدح فيما حدث به يعد العمى لا فيما قبله والظاهر أن مسلما عرف أن ما خرجه عنه من صحيح حديثه أو مما لم ينفرد به طلبا للعلو

قال إبراهيم بن أبي طالب قلت لمسلم كيف استخرجت الرواية عن سويد في الصحيح فقال ومن أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة وذلك أن مسلما لم يرو في صحيحه عن أحد ممن سمع حفصا سواه وروى فيه عن واحد عن ابن وهب عن حفص قلت وقد قال في أصل مسألة إمام الحرمين أبو المعالي الجويني في كتابه البرهان واختاره تلميذه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي وكذا الإمام فخر الدين ابن الخطيب الرازي الحق أن يحكم سكن الميم أي يقضي بما أطلقه العالم سكن الميم أيضا البصير بأسبابهما أي الجرح والتعديل من غير بيان لسبب واحد منهما واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني ونقله عن الجمهور


307
فقال قال الجمهور ومن أهل العلم إذا جرح من لايعرف الجرح يجب الكشف عن ذلك ولم يوجبوا ذلك على أهل العلم بهذا الشأن

قال والذي يقوي عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالما كما لا يجب استفسار المعدل عما به صار عنده المزكى عدلا

وممن حكاه عن القاضي أبي بكر الغزالي في المستصفى لكنه حكى عنه أيضا في المتحول خلافه وما ذكره عنه في المستصفى هو الذي حكاه صاحب المحصول والآمدي هو المعروف عن القاضي كما رواه الخطيب عنه في الكفاية بإسناده الصحيح واختاره الخطيب أيضا وذلك أنه بعد تقرير القول الأول صوبه قال علي إنا نقول أيضا إن كان الذي يرجع إليه في الجرح عدلا مرضيا في اعتقاده وأفعاله عارفا بصفة العدالة والجرح وأسبابهما عالما باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك قبل قوله فيمن جرحه مجملا ولا يسأل عن سببه انتهى

وبالجملة فهذا خلاف ما اختاره ابن الصلاح في كون الجرح المبهم لا يقبل وهو عين القول الرابع المشار إليه أولا ولكن قد قال ابن جماعة إنه ليس بقول مستقل بل هو تحقيق لمحل النزاع وتحرير له إذ من لا يكون عالما بالأسباب لايقبل منه جرح ولا تعديل لا بإطلاق ولا بتقييد فالحكم بالشيء فرع عن العلم التصوري به وسبقه لنحوه التاج السبكي وقال إنه لا تعديل وجرح إلا من العالم

وكذا قيد في ترجمة أحمد بن صالح القول باستفسار الجرح بما إذا كان الجرح في حق من ثبتت عدالته وسبقه البيهقي فترجم باب لا يقبل الجرح فيمن ثبتت عدالته إلا بأن نقف على ما يجرح به

وكذا قال ابن عبد البر من صحة عدالته وثبت في العلم إمامته وبانت همته فيه وعنايته لم يلتف فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي الجارح في جرحه ببينة


308
عادلة يصح بها جرحه على طريق أحد إلا أن يأتي الجارح في جره ببينة عادلة يصح بها جرحه على طريق الشهادات والعمل بما فيها من المشاهدة لذلك بما يوجب قبوله انتهى

وليس المراد إقامة بينة على جرحه بل المعنى أنه يستند في جرحه لما يستند إليه الشاهد في شهادته وهو المشاهدة ونحوها واوضحمنه في المراد ما سبقه به محمد بن نصر المروزي فإنه قال وكل رجل ثبتت عدالته لم يقبل فيه تجريح أحد حتى يبين ذلك بأمر لا يحتمل أن يكون غير جرحه

ولذا كله كأن المختار عند شيخنا أنه إن خلا المجروح عن تعديل قبل الجرح فيه مجملا غير مبين السبب إذا صدر من عارف قال لأنه إذا لم يكن فيه تعديل فهو في حيز المجهول وأعمال قول المجرح ويؤمن إهماله قال ومال ابن الصلاح في مثل هذا التوقف انتهى

وقيد بعض المتأخرين قبول الجرح المفسر فيمن عدل أيضا بما إذا لم تكن هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها يحمل على الوقيعة من تعصب مذهبي أو مناقشة دنيوية وهو كذلك كما سيأتي إن شاء الله مع مزيد في معرفة الثقات والضعفاء

الخامس في تعارض الجرح والتعديل في راو واحد وقدموا أي جمهور العلماء أيضا الجرح على التعديل مطلقا استوى الطرفان في العدد أم لا

قال ابن الصلاح إنه الصحيح وكذا صححه الأصوليون كالفخر والآمدي بل حكى الخطيب اتفاق أهل العلم عليه إذا استوى العددان وصنيع ابن الصلاح مشعر بذلك

وعليه يحمل قول ابن عساكر أجمع أهل العلم على تقديم قول من جرح راويا على قول من عدله واقتضت حكاية الاتفاق في التساوي كون ذلك أولى


309
فيما إذا زاد عدد الجارحين

قال الخطيب والعلة في ذلك أن الجارح يخبر عن أمر باطني قد علمه ويصدق المعدل له ويقول له قد علمت عن حاله الظاهر ما علمته وتفردت بعلم لم تعلمه من اختيار أمره يعني فمعه زيادة علم قال وأخبار المعدل عن العدالة الظاهرة لا ينفي قول صدق الجارح فيما أخبر به فوجب لذلك أنه يكون الجرح أولى من التعديل وغاية قول المعدل كما قال العضد إن لم يعلم فسقا ولم يظنه تظن عدالته إذ العلم بالعدم لا يتصور والجراح يقول أنا علمت فسقه فلو حكمنا بعدم فسقه كان الجارح كاذبا ولو حكمنا بفسقه كانا صادقين فيما أخبرا به والجمع أولى ما أمكن لأن تكذيب العدل خلاف الظاهر انتهى

وإلى ذلك أشار الخطيب بما حاصله أن العمل بقول الجارح غير متضمن لتهمة المزكى بخلاف مقابله

قال ولأجل هذا وجب إذا شهد شاهدان على رجل بحق وشهد له آخران أنه قد خرج منه إذ يكون العمل بشهادة من شهد بالقضاء ألى لأن شاهدي القضاء يصدقان الآخرين وتقولان علمنا خروجه من الحق الذي كان عليه وأنتما لم تعلما ذلك ولو قال شاهدا ثبوت الحق شهد أنه لم يخرج من الحق لكانت شهادة باطلة

لكن ينبغي الحكم بتقديم الجرح بما إذا فسر وما تقدم قريبا يساعده وعليه يحمل من قدم التعديل كالقاضي أبي الطيب الطبري وغيره أما إذا تعارضا من غير تفسير فالتعديل كما قاله المزي وغيره

وقال ابن العيد إن الأقوال حينئذ أن يطلب الترجيح لأن كلا منهما ينفي قول الآخر وتعليله يخدش فيه بما تقدم وكذا قيده الفقهاء بما إذا أطلق التعديل أما إذا قال المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح لكنه


310
تاب منه وحسنت توبته فإنه يقدم المعدل ما لم يكن في الكذب على النبي كما سيأتي في محله وكذا لو نفاه بطريق معتبر كأن يقول المعدل عند الترجيح بقتله بفلان في يوم كذا أن فلانا المشار إليه قد رأيته بعد هذا اليوم وهو حي فإنه حينئذ يقع التعارض لعدم إمكان الجمع ويصار الى الترجيح

ولذا قال ابن الحاجب أما عند إثبات معين ونفيه باليقين فالترجيح وقيل إن ظهر من عدل الأكثر بالنصب حالا باعتقاد تنكيره يعني إن كان المعدولون أكثر عددا فهو أي التعديل المعتبر حكاه الخطيب عن طائفة وصاحب المحصول لأن الكثرة يقوي الظن والعمل بأقوى الظنين واجب كما في تعارض الحديثين

قال الخطيب وهذا خطأ وبعد ممن توهمه لأن المعدلين وإن كثر ما لبسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون ولو أخبروا بذلك وقالوا نشهد أن هذا لم يقع منه لخرجوا بذلك عن أن يكونوا أهل تعديل أو جرح لأنها شهادة باطلة على نفي ما يصح ويجوز وقوعه وإن لم يعلموه فثبت ما ذكرناه وإن تقديم الجرح إنما هو لتمضية زيادة خفيت على المعدل وذلك موجود مع زيادة عدد المعدل ونقصه ومساواته فلو جرحه واحد وعدلهمائة قدم الواحد لذلك

وقيل يقدم الأحفظ وقيل إنهما يتعارضان فلا يرجح أحدهما إلا بمرجح حكاه ابن الحاجب ووجهه أن مع المعدل زيادة قوة بالكثرة ومع الجارح زيادة قوة بالاطلاع على الباطن وبالجمع الممكن

ثم إن كل ما تقدم فيما إذا صدرا من قائلين أما إذا كانا من قائل واحد كما يتفق لابن معين وغيره من أئمة النقد فهذا قد لا يكون تناقضا بل نسبيا في أحدهما أو ناشئا عن تغير اجتهاد وحينئذ فلا ينضبط بأمر كلي وإن قال بعض المتأخرين إن الظاهر أن المعمول به المتأخر منهما أن علم وإلا وجب التوقف


311

السادس في التعديل لمن أبهم ومجرد الرواية عن المعين بدون تعديل وغير ذلك ومبهم التعديل أي تعديل المبهم ليس مكتفي به الحافظ أبو بكر الخطيب وعصرية أبو نصر بن الصباغ ( و ) من قبلهما الفقيه أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي شارح الرسالة وغيرهم من الشافعية كالماوردي والروياني سواء في ذلك المقلد وغيره وقيل يكفي كما لو عينه لأنه مأمون في الحالتين معا نقله ابن الصباغ أيضا في العدة عن أبي حنيفة وهو ماش على قول من يحتج بالمرسل من أجل أن المرسل لو لم يحتج بالمحذوف لما حذفه فكأنه عدله بل هو في مسألتنا أولى بالقبول لتصريحه فيها بالتعديل ولكن الصحيح الأول لأنه لا يلزم من تعديله أن يكون عند غيره كذلك فلعله إذا سماه يعرف بخلافها وربما يكون قد انفرد بتوثيقه كما وقع للشافعي في إبراهيم بن أبي حنيفة فقد قال النووي إنه لم يوثقه غيره وهو ضعيف باتفاق المحدثين بل إضراب المحدث عن تسميته ريبة توقع تردد في القلب

قال ابن أبي الدم وهذا مأخوذ من شاهد الأصل إذا شهد عليه شاهد فرع فلا بد من تسميته للحاكم المشهود عند بالاتفاق عند الشافعي وأصحابه فإذا قال شاهد الفرع أشهدني شاهد أصل أشهد بعدالته وثقته أنه يشهد بكذا لم يسمع ذلك وفاقا حتى يعنيه للحاكم ثم الحاكم إن علم عدالة شاهد الأصل عمل بموجب الشهادة وإن جهل حاله استزكاه انتهى

وصورته نحو أن يقالا حدثني الثقة أو الضابط أو العدل من غير تسمية ( بل ) صرح الخطيب بأنه لو قالا أيضا جميع أشياخي الذين رويت عنهم ثقات ولو لم اسم ثم روى عن واحد أبهم اسمه لا يقبل أيضا من قد أبهم للعلة المذكورة هذا مع كونه في هذه الصورة أعلى مما تقدم فإنه كما نقل عن المصنف إذا قال حدثني الثقة يحتمل أنه يروي عن ضعيف يعني عند غيره وإذا قال جميع أشياخي ثقات علم أنه لا يروي إلا عن


312
ثقة فهي أرفع بهذا الاعتبار وفيه نظر إذ احتمال الضعف عند غيره يطرقهما معا بل تمتاز الصورة الثانية باحتمال الذهول عن قاعدته أو كونه لم يسلك إلا في آخر أمره كما روى إبن مهدي كان يتساهل اولا في الرواية عن غير واحد بحيث كان يروي عن جابر الجعفي ثم سدد نعم جزم الخطيب بأن العالم إذا قال كل من أروي لكم عنه وأسميه فهو عدل رضي كان تعديلا منه لكل من روى عنه وسماه يعني بحيث يسوغ لنا إضافة تعديله له قال وقد يوجد فيهم الضعيف لخفاء حاله على القائل

قلت أو لكون عمله بقوله هذا مما لمراء كما قدمته وبعض من حقق كما حكاه ابن الصلاح ولم يسمعه ولعله إمام الحرمين فصل حيث لم يرده أي التعديل لمن أبهم إذا صدر من عالم كمالك والشافعي ونحوهما من المجتهدين المقلدين في حق من قلده في مذهبه فكثيرا ما يقع للأئمة ذلك فحيث روى مالك عن الثقة عن بكير بن عبد الله بن الأشج فالثقة مخرمة ولده أو عن الثقة عن عمرو بن شعيب فقيل إنه عبد الله بن وهب أو الزهري أو ابن ليعة أو عمن لا يهتم من أهل العلم فهو الليث

وجميع ما يقول بلغني عن علي سمعه من عبد الله بن إدريس الأودي وحيث روى الشافعي عن الثقة عن ابن أبي ذيب فهو ابن أبي فديك

أو الثقة عن الليث بن سعد فهو يحيى بن حسان أو عن الثقة عن الوليد ابن كثير فهو أبو أسامة أو عن الثقة عن الأوزاعي فهو عمرو بن أبي سلمة أو عن الثقة عن ابن جريج فهو مسلم بن خالد أو عن الثقة عن صالح مولي التوأمة فهو إبراهيم بن أبي يحى أو عن الثقة وذكر أحدا من العراقيين فهو أحمد بن حنبل

وما روي عن عبد الله بن أحمد أنه قال كل شيء في كتاب الشافعي أما الثقة فهو عن أبي يمكن أن يحمل على هذا نعم في مسند الشافعي


313
وساقه البيهقي في مناقبة عن الربيع أن الشافعي إذا قال أخبرني الثقة فهو يحيى بن حسان أو من لا أتهم فهو إبراهيم بن أبي يحيى أو ( أما ) بعض الناس فيريد به أهل العراق أو بعض أصحابنا فأهل الحجاز وقال شيخنا إنه يوجد في كلام الشافعي أخبرني الثقة عن يحيى بن كثير والشافعي لم يأخذ عن أحد ممن أدرك يحيى فيحمل على أنه أراد بسنده إلى يحيى بخلاف من لم يقلد كابن أسحق حيث يقول أخبرني من لا أتهم عن مقسم فذلك لا يكون حجة لغيره لا سيما وقد فسر بالحسن بن عمارة المعروف بالضعف كسيبويه فإن أبا زيد قال إذا قال سيبويه حدثني الثقة فإنما يعنيني وعلى هذا القول يدل كلام ابن الصباغ في العدة فإنه قال إن الشافعي لم يورد ذلك احتجاجا بالخبر على غيره وإنما ذكر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم وقد عرف هو من روى عنه ذلك لكن قد توقف شيخنا في هذا القول وقال إنه ليس من المبحث لأن المقلد يتبع إمامه ذكر دليله أم لا

تنبيه ألحق ابن السبكي يحدثني الثقة من مثل الشافعي دون غيره حدثني من لا أتهم في مطلق القبول لا في المرتبة وفرق بينهما الذهبي وقال إن قول الشافعي أخبرني من لا أتهم ليس بحجة لأن من أنزله من رتبة الثقة إلى أنه غير متهم فهو لين عنده ولا بد وضعيف عند غيره لأنه عندنا مجهول ولا حجة في مجهول ونفى الشافعي التهمة عمن حدثه لا يستلزم نفي الضعف فإن ابن لهيعة ووالد علي بن المديني وعبد الرحمن بن زياد الإفريقي وأمثالهم ليسوا ممن نتهمهم على السنن وهم ضعفاء لا نقبل حديثهم للإحتجاج به

قال ابن السبكي وهوصحيح إلا أن يكون قول الشافعي ذلك حين احتجاجه به فإنه هو والتوثيق حينئذ سواء في أصل الحجة وإن كان مدلول اللفظ لا يزيد على ما ذكره الذهبي ولم يروا أي الجمهور كما هو قضيته كلام


314
ابن الصلاح فتياه أو فتواه كما هي بخط الناظم أي العالم مجتهدا كان أو مقلدا أو عمله في الأقضية وغيرها على وفاق المتن أي الحديث الوارد في ذلك المعنى حيث لم يظهر أن ذلك بمفرده مسنده تصحيحا له أي للمتن ولا تعديلا لرواية لإمكان أن يكون له دليل آخر وافق ذلك المتن من متن غيره أو إجماع أو قياس أو يكون ذلك منه احتياط أو لكونه ممن يرى العمل بالضعيف وتقديمه على القياس كما تقدم عن أحمد وأبي داود ويكون اقتصاده على هذا المتن أن ذكره إما لكونه أوضح في المراد أو لأرجحيته على غيره أو بغير ذلك

قال ابن الصلاح وكذلك مخالفته للحديث ليست قدحا منه في صحته ولا في روايه قال الخطيب لأنه قد يكون عدل عنه لمعارض أرجح عنده من نسخ وغيره مع اعتقاد صحته وبه قطع ابن كبير وممن صرح بأن العمل بخبر انفرد به راو لأجله يعني جزما يكون تعديلا له الخطيب وغيره لأنه لم يعمله بخبره إلا وهو رضي عنده فكان ذلك قائما مقام التصريح بتعديله

ونحوه قول ابن الحاجب إن حكم الحاكم المشترط العدالة بالشهادة تعديل باتفاق وعمل العالم مثله ( و ) كذا ليس تعديلا مطلقا على القول الصحيح الذي قال به أكثر العلماء من المحدثين وغيرهم راوية العدل الحافظ الضابط فضلا عن غيره عن الراوي على وجه التصريح باسمه لأنه يجوز أن يروي عمن لا تعرف عدالته بل وعن غير عدلا فلا تتضمن روايته عند تعديله ولا خبرا عن صدقه كما إذا شهد شاهد فرع على شاهد أصل لا يكون مجرد أدائه الشهادة على شهادته تعديلا منه بالاتفاق وكذا إذا أشهد الحاكم على نفسه رجلا بما ثبت عنده لا يكون تعديلا له على الأصح

وقد ترجم البيهقي في المدخل على هذه المسألة لا تستدل بمعرفة صدق من حدثنا على صدق من فرقه بل صحر الخطيب بأنه لايثبت للراوي حكم العدالة بمجرد رواية اثنين مشهورين عنه


315

والثاني أنه تعديل مطلقا إذا الظاهر أنه لا يروي إلا عن عدل إذ لو علم فيه جرحا لذكره لئلا يكون غاشا في الدين حكاه جماعة منهم الخطيب

وكذا قال ابن المنير في الكفيل للتعديل قسمان صريحي وغير صريحي فالصريحي واضح وغير الصريحي وهوالضمني كرواية العدل وعمل العالم

ورده الخطيب بأنه لا يعلم عدالته ولا جرحه

كيف وقد وجد جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث أمسكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم مع علمهم بأنهم غير مرضيين وفي بعضهم شهدوا عليهم بالكذب

وكذا خطأه الفقيه أبو بكر الصيرفي وقال لأن الرواية تعريف أي مطلق تعريف يزول جهاله العين بها بشرطه والعدالة بالخبرة والرواية لا تدل على الخبرة

وقد قال سفيان الثوري إنه ليروي الحديث على ثلاثة أوجه فللحجة من رجل والتوقف فيه من آخر ولمحبة معرفة مذهب من لا اعتد بحديثه لكن قد غاب شعبة عليه ذلك وقيل لأبي حاتم الرازي أهل الحديث ربما رووا حديثا لا أصل له ولا يصح فقال علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم فروايتهم بحديث الواهي للمعرفة ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها

قال البيهقي فعلى هذا الوجه كانت رواية من روى من الأئمة عن الضعفاء

والثابت التفصيل فإن علم أنه لا يروي إلا عن عدل كانت روايته عن الراوي تعديلا له وإلا فلا وهذا هو الصحيح عند الأصوليين كالسيف


316
الآمدي وابن الحاجب وغيرهما بل وذهب إليه جمع من المحدثين وإليه ميل الشيخين وابن خزيمة في صحاحهم والحاكم في مستدركه ونحوه قول الشافعي رحمه الله فيما يتقوى به المرسل أن يكون المرسل إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه انتهى

وأما رواية غير العدل فلا يكون تعديلا باتفاق

تتمة من كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في النادر الإمام أحمد وبقي بن مخلد وحريز بن عثمان وسليمان ابن حرب وشعبة والشعبي وعبد الرحمن بن مهدي ومالك ويحيى بن سعيد القطان وذلك في شعبة على المشهور فإنه كان يتعنت في الرجال ولا يروى إلا عن ثبت والا فقد قال عاصم بن علي سمعت شعبة يقول لو لم أحدثكم إلا عن ثقة لم أحدثكم عن ثلاثة وفي نسخة ثلاثين وذلك أعتراف منه بأنه يروي عن الثقة وغيره فينظر

وعلى كل حال فهو لا يروي عن متروك ولا عن من أجمع على ضعفه

وأما سفيان الثوري فكان يترخص مع سعة علمه وشدة ورعه ويروي عن الضعفاء حتى قال فيه صاحبه شعبة لا تحملوا عن الثوري إلا عن من تعرفون فإنه لا يبالي عمن حمل

وقال الفلاس قال لي يحيى بن سعيد لا نكتب عن معتمر إلا عمن تعرف فإنه يحدث عن كل وأعلم أن ما وقع في هذا الفصل من التوسط بين مسألتيه بموافقة حديث لما أفتى به العالم أو عمل به ظاهر في المناسبة مع القول الثالث المفصل في الأول وإن خالف ابن الصلاح هذه الصيغ

السابع واختلفوا أي العلماء هل يقبل الراوي المجهول مع كونه مسمى وهو على ثلاثة من الأقسام مجهول الأول مجهول عين وهو كما قاله غير واحد من له راو واحد فقط كجبار بالجيم وموحدة وأن شداد الطائي وسعيد بن ذي حدان وعبد الله أو مالك بن أعز


317
بمهملة ثم معجمة وعمرو الملقب ذي مر الهمداني وقيس بن كركم الاحدب فان كل واحد من هؤلاء لم يرو عنه سوى ابي اسحاق السبيعي و كجري بن كليب السدوسي البصري وحلام بن جزل وسمعان بن مشيخ اومشموج وعبدالله بن سعد التيمي وعبدالرحمن بن نمر الحصيبي وعمير بن اسحاق القريشي ومحمد بن عبدالرحمن ابن الحارث بن هشام المحزومي المدني ومحمد بن عثمان بن عبد الله بن موهب وأبي يحيى مولى أبي جعدة حيث لم يرو عن الأول إلا قتادة وعن الثاني إلا أبو الطفيل الصحابي وعن الثالث إلا الشعبي وعن الرابع إلا بكير بن الأشج وعن الخامس إلا الوليد بن مسلم وعن السادس الا عبدالله بن عون وعن السابع إلاالزهري وعن الثامنإلا شعبة وعن التاسع إلا الأعمش هذا مع تخرج الشيخين لابن موهب لكن مقرونا وللبخاري لا بن نمر في المتابعة وللمخزومي تعليقا وللتيمي في الأدب المفرد ومسلم لأبي يحيى في المتابعة في أشباه لذلك تؤخذ من جزء الوجدان لمسلم كما سأنبه عليه فيمن لم يرو عنه إلا واحد إن شاء الله

وقد قيل أهل هذا القسم مطلقا من العلماء من لم يشترط في الراوي مزيدا على الإسلام وعزاه ابن المواق للحنفية حيث قال إنهم لم يفصلوا بين من روى عنه واحد وبين من روى عنه أكثر من واحد بل قبلوا رواية المجهول على الإطلاق انتهى

وهولازم كل من ذهب إلى أن رواية العدل بمجردها عن الراوي تعديل له بل عزا النووي في مقدمة شرح مسلم لكثيرين من المحققين الاحتجاج به وكذا ذهب ابن خزيمة إلى أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور وإليه يوميء قول تلميذه ابن حبان العدل من لم يعرف فيه الجرح وإذا التجريح من التعديل فمن لم يجرح فهو عدل حتى يتبين جرحه إذا لم يكلف الناس ما غاب عنهم وقال في ضابط الحديث الذي يحتج به ما محصله إنه هو الذي


318
يعري راويه من أن يكون مجروحا أو فوقه مجروح أو دونه مجروح أو كاد سنده مرسلا أو منقطعا أو كان المتن منكرا فهذا مشعر بعدالة من لم يجرح ممن لم يرو عنه إلا واحدا

ويتأيد بقوله في ثقاته أيوب الأنصاري عن سعيد بن جبير وعنه مهدي بن ميمون لا أدري من هؤلاء ابن من هو فإن هذا منه يؤيد أنه تذكر في الثقات كل مجهول روى عنه ثقة ولم يجرح ولم يكن الحديث الذي يرويه منكرا وقد سلف الإشارة لذلك في الصحيح الزايد على الصحيحين

وقيد بعضهم القبول بما إذا كان المنفرد بالرواية عنه لا يروى الا عن عدل كابن مهدي وغيره ممن سلف ذكر جماعة منهم حيث اكتفينا في التعديل بواحد على المعتمد كما تقدم وهو مخدوش بما بين قريبا

وكذا خصه عبد البر بمن يكون مشهورا أي الاستفاضة ونحوها في غير العلم بالزهد كشهرة مالك بن دينار به أو بالنجدة كعمرو بن كرب أو بالأدب والصناعة ونحوها فأما الشهرة بالعلم والثقة والأمانة فهي كافية من باب أولي تقدم في الفصل الثاني بل نقله الخطيب في الكفاية هنا أيضا عن أصحاب الحديث فإنه قال المجهول عند أصحاب الحديث هو من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به ومن لم يعرف حديثه الا من جهة راو واحد يعني حيث لم يشتهر ونحو ما نقل ابن الصلاح عنه أيضا أنه قال في أجوبة مسائل يسأل عنها المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يعرفه العلماء ومن لا يعرف حديثه الا من جهة راو واحد

ولذا قال ابن عبد البر الذي أقوله أن من عرف بالثقة والأمانة والعدالة لا يضره اذا لم يرو عنه إلا واحد ونحوه قول أبي مسعود الدمشقي الحافظ انه برواته الواحد لا ترتفع عن الراوي اسم الجهالة إلا أن يكون معروفا في قبيلته أو يروى عنه آخر


319

ويقرب من ذلك انفراد الواحد عمن يروى عن النبي حيث جزم المؤلف بأن الحق أنه إن كان المضيف إلى النبي معروفا بذكره في الغزوات أو فيمن وفد عليه او نحو ذلك فإنه تثبت صحبته بذلك مع كونه لم يرو عنه إلا واحد

وخص بعضهم القبول بمن يزكيه مع رواته الواحد أحد من أئمة الجرح والتعديل واختاره ابن القطان في بيان الوهم والإيهام وصححه شيخنا وعليه تتمشى تخريج الشيخين في صحيحهما لجماعة أفردهم المؤلف بالتأليف

فمنهم ممن اتفق عليه حصين بن محمد الأنصاري المدني وممن انفرد به البخاري جويرية أو جارية بن قدامة وزيد بن رباح المدني وعبد الله بن وديعة الأنصاري وعمر بن محمد بن جبير بن مطعم والوليد بن عبد الرحمن الجارودي وممن انفرد مسلم جابر بن اسماعيل الحضرمي وخباب المدني صاحب المقصورة حيث تفرد به الأول الزهري وعن الثاني أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي وعن الثالث مالك وعن الرابع أبو سعيد المقبري وعن الخامس الزهري وعن السادس ابنه المنذر وعن السابع ابن وهب وعن الثامن عامر بن سعيد بن أبي وقاص فإنهم مع ذلك موثقون لم يتعرض أحد من أئمة الجرح والتعديل لأحد منهم بتجهيل

نعم جهل أبو حاتم محمد بن الحكم المروزي الأحول أحد شيوخ البخاري في صحيحه والمنفرد عنه بالرواية لكونه لم يعرفه

ولكن نقول معرفة البخاري به التي اقتضت له روايته منه ولو انفرد بهما كافية في توثيقه فضلا عن أن غيره قد عرفه أيضا ولذا صرح ابن رشيد كما سيأتي بأنه لو عدله المنفرد عنه كفى

وصححه شيخنا أيضا إذا كان متأهلا لذلك ومن هنا ثبتت صحبة الصحابي برواية الواحد المصرح بصحبته عنه على أن قول أبي حاتم في الرجل


320
أنه مجهول لا يريد به أنه لم يرو عنه سوى واحد بدليل أنه قال في داود بن يزيد الثقفي مجهول مع أنه قد روى عنه جماعة ولذا قال الذهبي عقبة هذا القول يوضح لك أن الرجل قد يكون مجهولا عند أبي حاتم ولو روى عنه جماعة ثقات يعني أنه مجهول الحال وقد قال في عبد الرحيم بن كرم بعد أن عرفه برواته جماعة عنه أنه مجهول

ونحوه قوله في زياد بن جارية التميمي الدمشقي مع أنه قيل في زياد هذا أنه صحابي وبما تقرر ظهر أن قول ابن الصلاح في بعض من خرج لهم صاحبا الصحيح ممن لم يرو عنهم إلا واحد ما نصه وذلك مصير منهما إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه ليس على إطلاقه

وممن أثنى على من اعترف بأنه لم يرو عنه إلا واحد أبو داود فقال في عبد الله بن عمر بن غانم الرعيني قاضي إفريقية أحاديثه مستقيمة ما أعلم حدث عنه غير القعنبي وابن المديني فقال في جون ابن قتادة إنه معروف لم يرو عنه غير الحسن البصري

وإنما أوردت كلامه لبيان مذهبه والافجون قد روى عنه غير الحسن على أن ابن الصلاح المديني نفسه قال في موضع آخر أنه من المجهولين من شيوخ الحسن

وبالجملة فرواته إمام ناقل للشريعة لرجل ممن لم يرو عنه سوى واحد في مقام الاحتجاج كافية في تعريفه وتعديله ( و ) لكن قد ( رده ) أي مجهول العين ( الأكثر من العلماء مطلقا وعبارة الخطيب أقل من ما ترتفع به الجهالة به الجهالة أي العينية عن الراوي أن يروى عنه إثنان فصاعدا من المشهورين بالعلم بل ظاهر كلام ابن كثير الاتفاق عليه حيث قال المبهم الذي لم يسم أو من سمى ولا تعرف عينه لا يقبل روايته أحد علمناه نعم قال أنه إذا كان في عصر


321
التابعين والقرون المشهود لأهلها بالخيرية فإنه يستأنس بروايته ويستضاء بها في مواطن كما أسلفت حكايته في آخر رد الاحتجاج بالمرسل

وكأنه ابن السبكي في حكاية الإجماع على الرد ونحوه قول ابن المواق لا خلاف أعلمه بين أئمة الحديث في رد المجهول الذي لم يرو عنه إلا واحدا وإنما يحكى الخلاف عن الحنفية يعني كما تقدم

وكل هذا حيث لم يعتضدبما سلف ووراء هذا كله مخالفة ابن رشيد في تسميته من لم يرو عنه إلا واحد مجهول العين مع موافقته على عدم قبوله فإنه قال لا شك أن رواية الواحد الثقة تخرج عن جهالة العين إذا سماه ونسبه وقسم بعضهم المجهول فقال مجهول العين والحال معا من لم يسم كعن رجل والعين فقط كعن الثقة أو عن رجل من الصحابة

والحال فقط كمن روى عنه إثنان فصاعدا ولم يوثق فأما جهالة التعيين فخارجه عن هذا كله كأن يقول أخبرني فلان أو فلان ويسميهما وهما عدلان فالحجة قائمة بذلك فإن جهلت عدالة أحدهما مع التصريح باسمه أو إبهامه فلا والقسم الوسط أي الثاني مجهول حال باطن وحال ظاهر من العدالة وضدها مع عرفان عينه برواته عدلين عنه وحكمه الرد وعدم القبول لدى أي عند الجماهير من الأئمة كما قال ابن الصلاح وعزاه ابن المواق للمحققين ومنهم أبو حاتم الرازي وما حكيناه من صنيعه فيما تقدم يشهد له

وكذا قال الخطيب لا يثبت للراوي حكم العدالة برواية الإثنين عنه

وقال ابن رشيد لا فرق في جهالة الحال بين رواية واحد وإثنين ما لم يصرح الواحد أو غيره بعدالته نعم كثرة رواية الثقات عن الشخص تقوي حسن الظن فيه

وأما المجاهيل الذين لم يرو عنهم إلا الضعفاء فهم متروكون كما


322
قال ابن حبان على الأحوال كلها

وتوجيه هذا القول أن مجرد الروياة عن الراوي لا تكون تعديلا له على الصحيح كما تقدم وقيل تقبل مطلقا وهو لازم من جعل مجرد رواية العدل عن الراوي تعديلا له كما تقدم مثله في القسم الأول وأولى بل نسبه ابن المواق لأكثر أهل الحديث كالبزار والدارقطني

وعبارة الدارقطني من روى عنه ثقتان فقد ارتفعت جهالته وثبتت عدالته وقال أيضا في الديات نحوه وكذا اكتفى بمجرد روايتهما ابن حبان بل توسع كما تقدم في مجهول العين وقيل بفصل فإن كان لا يرويان الا عن عدل قبل وإلا فلا ( و ) القسم الثالث المجهول للعدالة أي المجهول العدالة في باطن فقط مع كونه عدلا في الظاهر ( ف - ) هذا قد رأى له حجية أي احتجاجا به في الحكم بعض من منع من الشافعية ما قبله من القسمين منهم الفقيه سليم بضم أوله مصغرا ابن أيوب الرازي وزاد فقطع أي جزم به لأن الأخبار تبنى على أحسن الظن بالراوي وأيضا فلتعسر الخبرة الباطنية على الناقد

ولهذا فارق الراوي الشاهد فإن الشهادة تكون عند الحكام وهم لا تتعسر عليهم لا سيما مع اجتهاد الأخصام في الفحص عنها بل عزى الاحتجاج بأهل هذا القسم كالقسم الأول لكثيرين من المحققين قاله النووي في مقدمة شرح مسلم

قلت ومنهم أبو بكر بن فورك وكذا قبله أبو حنيفة خلافا للشافعي ومن عزاه إليه فقد وهم وقال الشيخ ابن الصلاح إن العملا يشبه أنه على ذا القول الذي قطع به سليم جعلا في كتب من الحديث اشتهرت وتداولها الأئمة فمن دونهم حيث خرج فيها لرواة خبرة بعض من خرج له منهم بها أي بالكتب لتقادم العهد بهم تعذرت في باطن الأمر فاقتصر وفي البعض على


323
العدالة ظاهرة وفيه نظر بالنسبة للصحيحين فإن جهالة الحال مندفعة عن جميع من خرجا له في الأصول بحيث لا نجد أحدا ممن خرجا له كذلك يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلا كما حققه شيخنا في مقدمته وأما بالنظر لمن عداهما لا سيما من لم يشترط الصحيح فما قاله ممكن وكان الحامل لهم على هذا المسبك غلبة العدالة على الناس في تلك القرون الفاضلة

ولذا قال بعض الحنفية الحنفية المستوردفي زماننا لا يقبل لكثرة الفساد وقلة الرشاد وإنما كان مقبولا في زمن السلف الصالح هذا مع احتمال اطلاعهم على ما لم نطلع نحن عليه من أمرهم وبعض من الأئمة وهو البغوي في تهذيبه يشتهر بفتح أوله وثالثه يعني يسمى ذا القسم مستورا وتبعه عليه الرافعي ثم النووي فقال في النكاح من الروضة إن المستور من عرفت عدالته طاهرا لا باطنا وقال إمام الحرمين المستور من لم يظهر منه نقيض العدالة ولم ينفق البحث في الباطن عن عدالته

قال وقد تردد المحدثون في قبول روايته والذي صار إليه المعتبرون من الأصوليين أنها لا تقبل قال وهو المقطوع به عندنا وصحح النووي في شرح المهذب القبول وحكى الرافعي في الصوم وجهين من غير ترجيح

قيل والخلاف مبني على شرط قبول الرواية أهو العلم بالعدالة أو عدم العلم بالمفسق إن قلنا بالأول لم تقبل المستور وإلا قبلناه

وأما شيخنا فإنه بعد أن قال وإن روى عنه اثنان فصاعدا ولم يوثق فهو مجهول الحال وهو المستور

وقد قبل روايته جماعة بغير قيد يعني بعصر دون آخر وردها الجمهور قال والتحقيق أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردها ولا بقبولها بل يقال هي موقوفة إلى استبانة حاله كما جزم به أمام


324
الحرمين يعني صريحا ورأى أنا إذا كنا نعتقد على شيء يعني مما لا دليل فيه بخصوصه بل المجرى على الإباحة الأصلية فروى لنا مستور تحريمه أنه يجب الانكفاف عما كنا نستحله إلى تمام البحث عن حال الراوي

وقال وهذا هو المعروف من عادتهم وشيمهم وليس ذلك حكما منهم بالخطر المرتب على الرواية وإنما هو توقف في الأمر فالتوقف عن الإباحة يتضمن الانحجاز وهو في معنى الحظر وذلك مأخوذ من قاعدة في الشريعة ممهدة وهي التوقف عند بدء وظهور الأمور إلى استبانتها فإذا ثبتت العدالة فالحكم بالرواية اذ ذاك ولو فرض فارض التباس حال الراوي واليأس عن البحث عنها بأن يروي مجهول ثم يدخل في غمار الناس ويعتز العثور عليه فهذه مسألة اجتهادية عندي

والظاهر أن الأمر إذا انتهى إلى اليأس لم يجب الانكفاف وانقلبت الإياحة كراهية قال شيخنا ونحوه القول فالوقف قول ابن الصلاح فيمن جرح بجرح غير مفسر انتهى

وينظر في وانقلبت الإباحة كراهة أهو إثبات للكراهة أو نفي بها ? ثم أنه ممن وافق البغوي ومن تابعه في تسمية من لم تعرف عدالته الباطنية مستورا ابن الصلاح وفيه نظر إذ في عبارة الشافعي رحمه الله في اختلاف الحديث ما يدل على أن الشهادة التي يحكم فيها الحاكم بها هي العدالة الظاهرة فإنه قال في جواب سؤال أورده فلا يجوز أن يترك الحكم بشهادتهما إذا كانا عدلين في الظاهر وحينئذ فلا يحسن تعريف المستور بهذا للأمام فإن الحاكم لا يسوغ له الحكم بمن لم يعلم عدالتة الباطن وأيظا يكون خادشا في قول الرافعي في الصوم مما أشار الشارح لتأييد ابن الصلاح به العدالة الباطنية هي التي يرجع فيهاٍ إلى أقوال المزكين يعني ثبتت عند الحاكم أم لا كما حمله عليه بعض المتأخرين لكن والظاهر أن الشافعي إنما أراد الاحتراز عن الباطن الذي هو ما في نفس الأمر لخفائه عن كل أحد وكلامه في أول اختلاف الحديث


325
يرشد لذلك فإنه قرر أنا إنما كلفنا العدل بالنظر لما يظهر لنا لأنا لا نعلم مغيب غيرنا ولذا لما نقل الزركشي ما أسلفت حكايته عن الرافعي في العدالة الباطنة ذكر أن نص الشافعي في اختلاف الحديث يؤيده على أنه يمكن أن يقال لمن تمسك بظاهر كلام الشافعي الحكم بشهادتهما لما انضم إلى العدالة الظاهرة من سكوت الخصم عن إبداء قادح فيهما مع توافر الداعية على الفحص فافترقا

ولكن يمكن المنازعة في هذا بأن الخصم قد يترك حقه في الفحص بخلاف غيره من الأحكام فمحله التشدد وأما النزاع في كلام ابن الصلاح بما نقله الروياني في البحر عن نص الشافعي في الأم مما ظاهره ان المستور من لم يعلم سوى اسلامه فإنه قال لو حضر العقد رجلان مسلمان ولا يعرف حالهما من الفسق والعدالة انعقد النكاح بهما في الظاهر قال لأن الظاهر من المسلمين العدالة فيمكن أن يقال أنه لا يمنع شمول المستور لكل من هذا وما قاله البغوي كما هو مقتضى التسمية

ومن ثم جعل بعض المتأخرين أقسام المجهول كلها فيه وشيخنا ما عدا الأول وهو أشبه بل فسر بعضهم مما صححه السبكي المستور بمن ثبتت عدالته وانقطع خبره مدة يحتمل طرق نقيضها

ثم إن الشافعي إنما اكتفى بحضورهما العقد مع رده المستور لأن النكاح مبناه على التراضي بخلاف غيره من الأحكام فمحمله التشدد وأيضا فذاك عند التحمل ولهذا لو رفع العقد بهما إلى حاكم لم يحكم بصحته كما نقله في الروضة عن الشيخ أبي حامد وغيره

وبتأيد بأن الشافعي رحمه الله أطلق في اختلاف الحديث له عدم احتجاجه بالمجهول ونحوه حكاية البيهقي في المدخل عنه أنه لايحتج بأحاديث المجهولين على أن البدر الزركشي نقل عن كلام الأصوليين مما قد يتفق مع كلام الرافعي الماضي أن المراد بالعدالة الباطنة الاستقامة بلزومه أداء


326
أوامر الله وتجنب مناهيه وما يثلم مروته سواء ثبت عند الحاكم أم لا إذا علم هذا فالحجة في عدم قبول المجهول أمور

أحدها الإجماع على عدم قبول عند العدل والمجهول ليس في معنى الجدل في حصول الثقة بقوله ليلحق به

الثاني أن الفسق مانع من القبول كما أن الصبي والكفر مانعان منه فيكون الشك فيه أيظا مانعا من القبول كما أن الشك فيهما مانع منه

الثالث أن الشك المقلد في بلوع المفتي مرتبة الاجتهاد أو في عدالته مانع من تقليده فكذلك الشك في عدالة الراوي يكون مانعا من قبول خبره إذ لا فرق بين حكايته عن نفسه اجتهاده وبين حكايته خبرا عن غيره

والحجة لمقابلة قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) فأوجب التثبت عند وجود الفسق فعند عدم الفسق لا يجب التثبت فيجب العمل بقوله وهو المطلوب

وبأن النبي قبل شهادة الأعرابي برؤية الهلال ولم يعرف منه سوى الإسلام بدليل أنه قال أتشهد أن لاإله إلا الله قال نعم قال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي فرتب العمل بقوله على العلم بإسلامه وإذا جاز ذلك في الشهادة جاز في الرواية بطريق الأولى

وأجيب عن الأول بأنا إذا علمنا زوال الفسق ثبتت العدالة لأنهما ضدان لا ثالث لهما فمتى علم نفى أحدهما ثبت الآخر وعن الثاني بأن القضية محتملة من حيث اللفظ وليس في الحديث دلالة لعدم معرفة عدالته بعد ذلك لكن قضايا الأعيان تتنزل على القواعد وقاعدة الشهادة العدالة فيكون النبي قبل خبرة لأنه علم حاله إما بوحي أو بغير ذلك

الثامن في المبتدع والبدعة هي ما أحدث على غير مثال متقدم فيشمل


327
المحمود والمذموم ولذا قسمها العز بن عبد السلام كما سأشير إليه إن شاء الله عند التسميع بقراءة اللحان الى الأحكام الخمسة وهو واضح ولكنها خصت شرعا بالمذموم مما هو خلاف المعروف عن النبي فالمبتدع من اعتقد ذلك لا بمعاندة بل بنوع شبهة والخلف أي الاختلاف واقع بين الأئمة في قبول رواية مبتدع معروف بالتحرز من الكذب وبالتثبيت في الأخذ والأداء مع باقي شروط القبول ما كفرا أي لم يكفر ببدعته تكفيرا مقبولا كبدع الخوارج والرفض الذين لايغلبون ذاك الغلو وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصول السنة خلافا ظاهرا لكنه مستند الى تأويل ظاهر سائغ قيل يرد مطلقا الدعاية وغيره لاتفاقهم على رد الفاسق بغير تأويل فيلحق به المتأول فليس ذلك بعذر بل هو فاسق بقوله وبتأويله فضاعف فسقه كما استوى الكافر المتاول والمعاند بغير تأويل

قال غير واحد منهم ابن سيرين إن هذا العلم دين فانظرعمن تأخذ دينك بل روى مرفوعا من حديث أنس وأبي هريرة

وكذا روى عن ابن عمر أنه قال له يا بن عمر دينك دينك إنما لحمك ودمك فانظر عمن تأخذ خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا ولا يصح وقال علي بن حرب من قدر أن لا يكتب الحديث إلا عن الصاحب سنة فإنهم لا يكذبون كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي وهذا القول قاله الخطيب في الكفاية مروي عن طائفة من السلف منهم مالك وكذا نقله الحاكم عنه ونصه في المدونة في غير موضع يشهد له وتبعه أصحابه وكذا جاء عن القاضي أبي بكر الباقلاني وأتباعه بل نقله الآمدي عن الأكثرين وجزم به ابن الحاجب واستنكر أي أنكر هذا القول ابن الصلاح فإنه قال إنه بعيد مباعد للشائع عن أئمة الحديث فإنه كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة كما سيأتي آخر هذه المقالة وكذا قال شيخنا إنه بعيد قال وأكثر ما عللبه أن في الروايه عنه ترويجا ? لأمره وتنويها


328
بذكره

وعلى هذا لا ينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء يشاركه فيه غير مبتدع

قلت وإلى هذا التفصيل مال ابن دقيق العيد حيث قال إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه هو إخمادا لبدعته وإطفاء لناره يعني لأنه كان يقال كما قال رافع بن أشرس من عقوبة الفاسق المبتدع أن لا تذكر محاسنه وإن لم يوافقه أحد ولم يوجد ذلك الحديث إلا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته وقيل إنه لا يروى لمبتدع مطلقا بل إذا استحل الكذبا في الرواية أو الشهادة نصرة أي لنصره مذهب له أو لغيره ممن هو متابع له كما كان محرز أبو رجاء يفعل حسبما حكاه عن نفسه بعد أن تاب من بدعته فإنه كان يضع الأحاديث يدخل بها الناس في القدر وكما حكى ابن لهيعة عن بعض الخوارج ممن تاب أنهم كانوا إذا هووا أمرا صيروه حديثا فمن لم يستحل الكذب كان مقبولا لأن اعتقاد حرمة الكذب تمنع من الإقدام عليه فيحصل صدقه ونسبا هذا القول فيما نقله الخطيب في الكفاية للشافعي رحمه الله إذ يقول أي لقوله اقبل من غير خطابية بالمعجمة ثم المهملة المشددة طائفة من الرافضة شرحت شيئا من حالهم في الموضوع ما نقلو لأنهم يرون الشهادة بالزور لمواقفهم ونص عليه في الأم والمختصر قال لأنهم يرون شهادة أحدهم لصاحبه إذا سمعه يقول لي علا فلان كذا فيصدقه بيمينه أو غيرها ويشهد له اعتمادا على أنه لا يكذب

ونحوه قول بعضهم عنهم كان إذا جاء الرجل للواحد منهم فزعم أن له على فلان كذا أو أقسم بحق الإمام على ذلك يشهد له بمجرد قوله وقسمه بل قال الشافعي فيما رواه البهيقي في المدخل والخطيب في الكفاية ما في أهل الأهواء قوم أشهد بالزور من الرافضة فإما أن يكون أطلق الكل


329
وأراد البعض أو أطلق في اللفظ الأول البعض لكونهم أسوأ كذبا وأراد الكل وكذا قال أبو يوسف القاضي أجيز شهادة أصحاب الأهواء أهل الصدق منهم إلا الخطابية والقدرية الذين يقولون إن الله لا يعلم الشيء حتى يكون رواه الخطيب في الكفاية على أن بعضهم أدعى أن الخطابية لا يشهدون بالزور فإنهم لا يجوزون الكذب بل من كذب عنهم فهو مجروح مقدوح فيه خارج عن درجة الاعتبار رواية وشهادة فإنه خرج بذلك عن مذهبهم فإذا سمع بعضهم بعضا قال شيئا عرف أنه ممن لا يجوز الكذب فاعتمدوا قوله لذلك وشهد بشهادته فلا يكون شهد بالزور لمعرفته أنه محق

ونازعه البلقيني بأن ما بنى على شهادته أصل باطل فوجب رد شهادته لاعتماده أصلا باطلا وإن زعم أنه حق وتبعه ابن جماعة ومن هنا نشأ الاختلاف فيما لو شهد خطابي وذكر في شهادته ما يقطع احتمال الاعتماد فيها على قول المدعي بأن قال سمعت فلانا يقر بكذا لفلان أو رأيته أقرضه في القبول والرد

وعن الربيع سمعت الشافعي يقول كان إبراهيم بن أبي يحيى قدريا

قيل للربيع فما حمل الشافعي على أن روى عنه قال كان يقول لأن يخر إبراهيم من بعد أحب إليه يكذب فكان ثقة في الحديث

ولذا قيل كما قاله الخليلي في الإرشاد إن الشافعي كان يقول حدثنا الثقة في حديثه المتهم في دينه

قال الخطيب وحكى أيضا أن هذا مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري ونحوه عن أبي حنيفة بل حكاه الحاكم في المدخل عن أكثر أئمة الحديث وقال الفخر الرازي في المحصول أنه الحق ورجحه ابن دقيق العيد وقيل قبل مطلقا سواء الداعية وغيره كما سيأتي لأن تدينه وصدق لهجته تحجزه عن الكذب وخصه بعضهم بما إذا كان المروي يشتمل على ماترد


330
به بدعته لبعده حينئذ عن التهمة جزما وكذا خصه بعضهم بالبدعة الصغرى كالتشيع سوى الغلاة فيه وغيرهم وفإنه كثر في التابعين وأتباعهم

فلو رد حديثهم لذهب جملة من الآثار النبوية وفي ذلك مفسدة بينة أما البدعة الكبرى كالفرض الكامل والغلو فيه والحط على الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلا ولا كرامة لا سيما ولست استحضر الآن من هذا الضرب رجلا صادقا لا مأمونا بل الكذب شعارهم والنفاق والتقية دثارهم فكيف يقبل من هذا حاله حاشا وكلا قال الذهبي

قال والشعبي والغالي في زمن السلف وعرفهم من تكلم في عثمان والزبير وطلحة وطائفة ممن حارب عليا وتعرض لسبهم والغالي في زمننا وعرفنا هو الذي كفر هؤلاء السادة وتبرأ من الشيخين أيضا فهذا ضال مفتر ونحوه قول شيخنا في أبان بن تغلب من تهذيبه التشيع في عرف التقدمين هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان وأن عليا كان مصبيا في حروبه وأن مخالفه مخطىء مع تقديم الشيخين وتفضيلهما وربما اعتقد بعضهم أن عليا أفضل الخلق بعد رسول الله فإذا كان معتقد ذلك ورعا دينيا صار مجتهدا فلا ترد روايته بهذا لاسيما إن كان غير داعية وأما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض فلا يقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة والأكثرون من العلماء ورآه ابن الصلاح الأدلا والأولي من الأقوال ردوا دعاتهم فقط قال عبد الله بن أحمد قلت لأبي لم رويت عن أبي معاوية الضرير وكان مرجيا ولم ترو عن شبابة بن سوار وكان قدريا قال لأن أبا معاوية لم يكن يدعوا إلى الإرجاء وشبابة كان يدعو إلى القدر

وحكي الخطيب هذا القول لكن عن كثيرين وتردد وابن الصلاح في عزوه الكثير أو الأكثر نعم حكاه بعضهم عن الشافعية كلهم بل ونقلا


331
فيه ابن حبان اتفاقا حيث قال في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي من ثقاته وليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كانت فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز فإذا دعا اليها سقط الاحتجاج بأخباره وليس صريحا في الاتفاق لا مطلقا ولا بخصوص الشافعية ولكن الذي اقتصر ابن الصلاح عليه في العزو له الشق الثاني فقال قال ابن حبان الداعية الى البدع لايجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم فيه اختلافا هو محتمل أيضا الإرادة الشافعية أو مطلقا وعلى الثاني فالمحكي عن مالك وغيره تخدش فيه على أن القاضي عبد الوهاب في الملخص فهم من قول مالك لا تأخذ الحديث عن صاحب هو يدعوا إلى هواه التفصيل ونازعه القاضي عياض وأن المعروف عنه الرد مطلقا يعني كما تقدم وإن كانت هذه العبارة محتملة

وبالجملة فقد قال شيخنا إن ابن حبان أغرب في حكاية الاتفاق ولكن يشترط مع هذين أعني كونه صدوقا غير داعية أن لا يكون الحديث الذي يحدث به مما يعضد بدعته ويشدها ويزينها فإنا لا نأمن حينئذ عليه غلبه الهوى أفاده شيخنا وإليه يومىء كلام ابن دقيق العيد الماضي بل قال شيخنا إنه قد نص على هذا القيد في المسألة الحافظ أبو إسحق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ النسائي فقال في مقدمة كتابه في الجرح والتعديل ومنهم زابغ عن الحق صدوق اللهجة قد جرى في الناس حديثه لكنه مخذول في بدعته مأمون في روايته فهؤلاء ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف وليس بمنكر إذا لم تقو به بدعتهم فيتهمونه بذلك وقد رووا أي الأئمة النقاد كالبخاري ومسلم أحاديث عن جماعة أهل بدع بسكون الدال في الصحيح على وجه الاحتجاج بهم لأنهم ما دعوا إلى بدعهم ولا استمالوا الناس إليها منهم خالد ابن مخلدو وعبيد الله بن موسى العبسي وهما ممن اتهم بالغلو في التشيع وعبد الرزاق ابن همام وعمر بن دينار


332
وهما بمجرد التشيع وسعيد بن أبي عروبة وسلام ابن مسكين وعبد الله بن أبي نجيح المكي وعبد الوارث بن سعيد وهشام الدستوائي وهم ممن رمى بالقدر وعلقمة بن مرثد وعمروبن مرة ومحمد بن عازم أبو معاوية الضرير ومسعر بن كدام وهم ممن رمى بالإرجاء

وكالبخاري وحده لعكرمة مولى ابن عباس وهو ممن نسب إلى الإباضية من آراء الخوارج وكمسلم وحده لأبي حسان الأعرج ويقال إنه كان يرى رأى الخوارج

وكذا أخرجا بجماعة في المتابعات كداود بن الحسين وكان منهما برأي الخوارج والبخاري وحده فيها بجماعة كسيف بن سليمان وشبل بن عباد مع أنهما كانا ممن يرى القدر في آخرين عندهما اجتمعا وانفردا في الأصول والمتابعات بطول سردهم بل في ترجمة محمد بن يعقوب بن الأخرم من تاريخ نيسابور للحاكم من قوله أي ابن الأخرم ان كتاب مسلم ملآن من الشيعة مع ما اشتهر من قبول الصحابة رضي الله عنهم أخبار الخوارج وإشهاداتهم ومن جرى مجراهم من الفساق وبالتأويل ثم استمرا وعمل التابعين والخالفين فصار ذلك كما قال الخطيب كالإجماع منهم وهو أكبر الحجج في هذا الباب وبه يقوى الظن في مقاربة الصواب

وربما تبرأ بعضهم مما نسب إليه أو يثبت عنده ورجع وتاب

فإن قيل قد خرج البخاري لعمران بن حطان السدوسي الشاعر الذي قال فيه أبو العباس المبرد إنه كان رأس العقد من الصفرية وفقيههم وخطيبهم وشاعرهم مع كونه داعية إلى مذهبه فقد صرح عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي وذلك من أكبر الدعوة إلى البدعة وأيضا فالقعدية قوم الخوارج كانوا يقولون بقولهم ولا يرون بالخروج بل يدعون إلى آرائهم ويزينون مع ذلك الخروج ويحسنونه وكذا لعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني


333
مع قول أبي داود إنه كان داعية إلى الأرجاء فقد أجيب عن التخريج لأولهما بأجوبة

أحدها أنه إنما خرج له ما حمل عنه قبل ابتداعه

ثانيها أنه رجع في آخر عمرة عن هذا الرأي وكذا أجيب بهذا عن تخريج الشيخين معا لشبابه بن سوار مع كونه داعيه

ثالثا وهو المعتمد المعول عليه أنه لم يخرج له سوى حديث واحد مع كونه في المتابعات ولا يضر فيها التخريج لمثله

وأجاب شيخنا عن التخريج لثانيهما بأن البخاري لم يخرج له سوى حديث واحد احد قد رواه مسلم من غير طريق الحماني فبان أنه لم يخرج له إلا ما له أصل

هذا كله في البدع غير المكفرة أما المكفرة وفي بعضها ما لا شك في التفكير به كمنكري العلم بالمعدوم القائلين ما يعلم الأشياء حتى يخلقها أو بالجزئيات والمجسيمن تجسيما صريحا والقائلين بحلول الإلهية في على أو غيره

وفي بعضها ما اختلف فيه كالقول بخلق القرآن والناقين للرؤية فلم يتعرض ابن الصلاح للتنصيص إلى حكاية خلاف فيها

وكذا أطلق القاضي عبد الوهاب في الملخص وابن برهان في الأوسط عدم القبول وقال لاخلاف فيه نعم حكى الخطيب في الكفاية عن جماعة من أهل النقل والمتكلمين أن أخبار أهل الأهل كلها مقبولة وإن كانوا كفارا أو فساقا بالتأويل وقال صاحب المحصول الحق أنه إن اعتقد حرمة الكذب قبلنا روايته لأن اعتقاده كما قدمت لمنعه من الكذب وإلا فلا قال شيخنا والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعة لأن كل طائفة تدعي


334
أن مخالفيها مبتدعة وقد تبالغ فتكفرها فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف

فالمعتمد أن الذي ترد روايتة من أنكر أمرا متواترا من الشرع معلوما من الذين بالضرورة أي إثباتا ونفيا فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطة لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله أصلا

وقال أيضا والذي يظهر أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله وكذا من كان لازم قوله وعرض عليه فالتزمه أما من لم يلتزمه وناضل عنه فإنه لا يكون كافرا ولو كان اللازم كفرا وينبغي حمله على غير القطعي ليوافق كلامه الأول

وسبقه ابن دقيق العيد فقال الذي تقرر عندنا لا نعتبر المذاهب في الروايه إذ لا نكفر أحدا من أهل القبله إلا بإنكار قطعي من التشريعه فإذا اعتبرنا ذلك وانضم إليه الورع والتقوى فقد حصل معتمد الروايه وهذا مذهب الشافعي حيث يقبل شهادة أهل الأهواء فقال وأعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس المحدوثون والحكام فأشار بذلك إلى أنهم من أهل القبله فتقبل روايتهم كما ترثهم ونورثهم وتجري عليهم أحكام الإسلام وممن صرح بذلك النووي فقال في الشهادات من الروضه جمهور الفقهاء من أصحابنا وغيرهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة وقال في شروط الأئمة منها ولم يزل الساف والخلف على الصلاة خلف المعتزلة وغيرهمك ومناكحتهم وإجراء أحكام الإسلام عليهم

وقد قال الشافعي في الأم ذهب الناسفي تأويل القرآن والأحاديث إلى أمور تباينوغا فيها تباينا شديدا واستحل بعضهم بعضهم من بعض بما تطول حكايته وكان ذلك شفاد ما منه ما كان في عهد السلف وإلى اليوم نعلم من سلف


335
الأئمه من يقتدى به ولا من بعدهم من التابعين رد شهاده أحد بتأويل وإن خطأة وضلله ورآة استحل ما حرم الله عليه فلا يرد شهاده أحد من التأويل كان له وجه يحتمل و ' إن بلغ فيه استحلال المال والدم انتهى

وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما رويناه عنه لا تظنن بكلمه خرجت من في امريء مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محلا

التاسع في توبه الكاذب وللحميدي صاحب الشافعي وشيخ البخاري أبي بكر عبد الله بن الزبير والإمام أحمد بأن من أي أن الذي يكذب تعمدا أي في الحديث النبوي مطلقا الأحكام والفضايل وغيرهما بأن وضع أو ركب سندا صحيحا لمتن ضعيف أو نحو ذلك أو لمرة واحده بأن العمد بإفراده أو نحوة بحيث انتفى بأن يكون أخطأ أو نسى لم نعد نقبله أبدا في شيء مطلقا سواء المكذوب فيه وغيرة ولا تكتب عنه شيئا ويتحتم جرحه دائما وإن يتب وتحسن توبته تغليطا له لما ينشأ عن صنيعه من مفسده عظيمه تصبر ذلك شرعا نعم توبته كما صرح بها الإمام أحمد فيما بينه وبين الله

ويلتحق بالعمد من أخطأ بعد بيان ذلك له ممن يثق بعلمه مجرد عناد كما سيأتي في الفصل الثاني عشر أو ما من كذب عليه في فضائل الأعما متعقدا أن هذا لا يضر ثم عرف ضررة فتاب فالظاهر كما قال بعض المتأخرين قبول رواياته

وكذا كم كذب دفعا لضرر يلحقه من عدو وتاب عنه


336

ثم إن أحمد والحميدي لم يتفردا بهذا الحكم بل نقله كل من الخطيب في الكفاية والحازمي في شروط السنة عن جماعه والذهبي عن رواية ابن معين وغيره واعتمدوه ( و ) كذا الإمام أبي بكر الصيفي شارح الرسالة وأحد اصحاب الوجوه في المذهب مثله حيث قال كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه ثم نعد لقبوله بتوبة تظهر وأطلق الكذب كما ترى ولم يصرح بتقييده بالحديث النبوي ونحوه حكاية القاضي أبي الطيب الطبري عنه فإنه قال إذا روى المحدث خبرا ثم رجع عنه وقال كنت أخطأت فيه وجب قبول قوله لأن الظاهر من حال عدل الثقة الصدق في خبره فوجب أن تقبل رجوعه عنه كما تقبل روايته وإن قال كنت تعمدت الكذب فيه فقد ذكر أبو بكر الصيرفي في كتاب الأصول أنه لا يعمل بذلك الخبر ولا بغيره من روايته وقال المصنف إن الظاهر أن الصيرفي إنما أراد الكذب في الحديث النبوي خاصة يعني فلا يشمل الكذب في غيره من حديث سائر الناس فإن ذلك كغيره من المفسقات تقبل رواية التائب منه لا سيما وقوله كما قاله المصنف من أهل النقل قرينة في التقييد

بل قال في موضع آخر وليس يطعن على المحدث إلا أن يقول تعمدت الكذب فهو كاذب في الأول أي في الخبر الذي رواه واعترف بالكذب فيه ولا يقبل خبره بعد ذلك أي مؤاخذه له بإقراره على ما قرر في الوضوع وزاد أي الصيرفي على الإمام أحمد والحميدي أن من ضعف نقلا أي من جهة نقله يعني لوهم وقلة إتفاق ونحوهما وحكمنا بضعفه وإسقاط خبره لم يقو أبدا بعد أن حكم بضعفه هكذا أطلق ووزان ما تقدم عدم قبوله ولو رجع إلى التحري والإتقان ولكن قد حمله الذهبي على من يموت على ضعفه فكأنه ليكون موافقا لغيره وهو الظاهر

ثم إن في توجيه إرادة التقييد بما تقدم نظرا إذا أهل التقدم هم أهل الروايات والأخبار كيف ما كانت من غير اختصاص وكذا الوصف بالمحدث


337
أعم من أن يكون بخبر عنه أو غيره بل يدل لإرادة التعميم تنكيره الكذب

وكذا يستأنس له بقول ابن حزم في أحكامه من أسقطنا حديثه لم نعد لقبوله أبدا ومن احتججنا به نسقط روايته أبدا فإنه ظاهر في التعميم

ونحوه قول ابن حبان في آخرين بل كلام الحميدي المقرون مع أحمد أول المسألة قد يشير لذلك فإن قال قائل فما الذي لايقبل به حديث الرجل أبدا قلت هو أن يحدث عن رجل أنه سمعه ولم يدركه أو عن رجل أدركه ثم وجد عليه أنه لم يسمع منه أو بأمر يتبين عليه في ذلك كذب فلا يجوز حديثه أبدا لما أدرك عليه من الكذب فيما حدث به وبذلك جزم ابن كثير فقال التائب من الكذب في حديث الناس تقبل روايته خلافا للصيرفي

قال الصيرفي وليس الراوي في ذلك كالشاهد يعني إن الشاهد يقبل توبته بشرطها وأيضا فالشاهد إذا حدث فسقه بالكذب أو غيره لا تسقط شهادته السالفة قبل ذلك ولا بنقص الحكم بها ( و ) الإمام السمعاني أبو المظفري في الراوي الجاني بكذب في خبر ينوي اسقاط له من الحديث قد تقدما وكذا وجوب نقض ما عمل به منها كما صرح الماوردي والروياني وقالا فإن الحديث حجة لازمة لجميع المسلمين وفي جميع الأمصار فكان حكمه أغلظ يعني وتغليظ العقوبة فيه أشد مبالغة في الزجر عنه عملا بقوله إن كذبا علي ليس ككذب على أحد

وقد قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن رجل عن سعيد بن جبير أن رجلا كذب على النبي فبعث عليا والزبير فقال اذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه ولهذا حكى إمام الحرمين عن أبيه أن من تعمد الكذب على النبي يكفر وإن لم يوافقه ولده وغيره من والأئمة على ذلك والحق أنه فاحشة عظيمة


338
وموبقة كبيرة ولكن لا يكفر بها إلا أن استحمله

قال ابن الصلاح وما ذكره ابن السمعاني يضاهي من حيث المعنى ما قاله ابن الصيرفي يعني لكون رده لحديثه المستقبل إنما هو لاحتمال كذبه وذلك جار في حديثه الماضي بعد العلم بكذبه وقد افترقت الرواية والشهادة في أشياء فتكون مسألتنا منها على أنه قد حكى عن مالك في شاهد الزور إنه لا تقبل لأه شهادة بعدها

وعن أبي حنيفة في قاذف المحصن لا تقبل شهادته أبدا فاستويا في الرد لما بعد لكن المعتمد في الشهادة عندنا ما تقدم نعم سوى القاضي أبو بكر محمد ابن المظفر بن بكران الحموي الشامي من أصحابنا بينهما حيث قال في الراوي إنه لا يقبل في المردود خاصة ويقبل في غيره بل نسب الدامغاني من الحنفية قبوله في المردود وغيره وهو عجيب والأصح الأول لكن قال النووي رحمه الله في شرح مقدمة مسلم لم أر له أي للقول في أصل المسألة دليلا ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا وزجرا بليغا عن الكذب عليه لعظم مفسدته فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة

ثم قال وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية والمختار القطع بصحة توبته في هذا أي الكذب عليه وقبول رواياته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة

قال فهذا هو الجاري على قواعد الشرع وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرا فأسلم قال وأجمعوا على قبول شهادته ولا فرق بين الشهادة والرواية في هذا

وكذا قال في الإرشاد هذا مخالف لقاعدة مذهبنا ومذهب غيرنا انتهى

ويمكن أن يقال فيما إذا كان كذبه في وضع حديث وحمل عنه ودون أن


339
الإثم غير منفك عنه بل هو لاحق له أبدا فإنمن سن سيئه عليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامه والتوبة متعذره ظاهرا وإن وجد مجرد اسمها ولا ستشكل بقبولها ممن لم يمكنه التدارك برد اومحالة فالأموال الضائعة لها مرد وهو بيت المال والأعراض قد انقطع تجدد الأثم بسببهما فافترقا وأيضا فعدم قبول توبة الظالم ربما يكون باعثا له الاسترسال والتمادي في غيه فيزداد الضرر به بخلاف الراوي فإنه لو اتفق استرساله أيضا وسمه بالكذب مانع من قبول متجدداته بل قال الذهبي إن من عرف بالكذب على الرسول لا يحصل لنا ثقة بقوله إني تبت يعني كما قيل بمثله في المعترف بالوضع العاشر في إنكار الأصل تحديث الفرع بالتكذيب أو غيره ومن روى من الثقات عن شيخ ثقة أيضا حديثا فكذبه المروى عنه صريحا كقوله كذب علي فقد تعارضا في قولهما كالبينتين إذا تكاذبتا فإنهما يتعارضان إذا الشيخ قطع بكذب الراوي والراوي قطع بالنقل لكل منهما جهة ترجيح أما الراوي فلكونه مثبتا وأما الشيخ فلكونه نفي ما يتعلق به في أمر يقرب من المحصور غالبا ولكن كذبه أي الراوي لا تثبتن بنون التأكيد الخفيفة من أثبت بقول شيخه هذا بحيث يكون جرحا فإن الجرح كذلك لا يثبت بالواحد وأيضا فقده كذبه الآخر أى كذب الراوى الشيخ بالتصريح إن فرض أنه قال كذب بل سمعته منه أو بما يقوم مقام التصريح وهو جزمه بكون الشيخ حدثه به لأن ذلك قد يستلزم تكذيبه فى دعواه أنه كذب عليه وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر

وأيضا فكما قال التاج السبكى عدالة كل واحد منهما متيقنة وكذبه وشكوك فيه واليقين لا يرفع بالشك فتساقطا كرجل قال لامرأته إن كان هذا الطائر غرابا فأنت طالق وعكس آخر ولم يعرف الطائر فإنه لا يمنع واحد منهما من غشيان أمرأته مع إن إحدى المرأتين طالق وهذا بخلاف الشاهد فإن الماوردي قال إن تكذيب الأصل جرح للفرع والفرق غلط باب


340
الشهادة وضيفه وكأن إيراد في خصوص تلك الشهادة ليوافق غيره ( و ) إذا تساقط أن مسألتنا فاردد أيها الطالب ما جحد الشيخ من المروي خاصة لكذب واحد منهما لا بعينه ولكن لو حدث به الشيخ نفسه أو ثقة غير الأول عنه ولم ينكره عليه فهو مقبول كل هذا إذا صرح بالتكذيب فإن جزم بالرد بدون تصريح كقوله ما رويت هذا أو ما حدثت به قط أو أنا عالم أنني ماحدثتك أو لم أحدثك فقد سوى ابن الصلاح تبعا للخطيب وغيره بينهما أيضا وهو الذي مشى عليه شيخنا في توضيح النخبة لكنه قال في الفتح إن الراجح عندهم أي المحدثين القبول

وتمسك بصنيع مسلم حيث أخرج حديث عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس ما كنا نعرف انقضاه صلاة رسول الله إلا بالتكبير مع قول أبي معبد لعمرو لم أحدثك به فإنه دل على أن مسلما كان يرى صحة الحديث ولو أنكره راويه إذا كان الناقل عنه عدلا

وكذا صحح الحديث البخاري وغيره وكأنهم حملوا الشيخ في ذلك على النسيان كالصيغ التي بعدها

ويؤيده قول الشافعي رحمه الله في هذا الحديث بعينه كأنه نسي بعد أن حدثه بل قال قتاده حين حدث عن كثير بن أبي كثير عن أبي سلمهة عن أبي هريرة بشيء وقال كثير ما حدثت بهذا قط أنه نسي لكن إلحاق هذه الألفاظ بالصورة الأولى أظهر

ولعل تصحيح هذا الحديث بخصوصه لمرجح اقتضاه تحسينا للظن بالشيخين لا سيما وقد قيل لما أشار إليه الفخر الرازي إن الرد إنما هو عند التساوي فلو رجح أحدهما عمل به فال شيخنا وهذا الحديث من أمثلته


341

هذا مع أن شيخنا قد حكى عن الجمهور من الفقهاء في هذه الصورة القبول وعن بعض الحنفية ورواية عن أحمد الرد قياسا على الشاهد

وبالجملة فظاهر صنيع شيخنا اتفاق المحدثين على الرد في صورة التصريح بالكذب وقصر الخلاف على هذه وفيه نظر فالخلاف موجود فمن متوقف ومن قائل بالقبول مطلقا وهو اختيار ابن السبكي تبعا لإبي المظفر ابن السمعاني وقال به أبو الحسين بن القطان وإن كان الآمدي والهندي حكيا الاتفاق على الرد من غير تفضيل وهو مما يساعد ظاهر صنيع شيخنا في الصورة الأولى وينازع في الثانية

ويجاب بأن الأتفاق في الأولى والخلاف في الثانية بالنظر للمحدثين خاصة

وأما لو أنكر الشيخ المروي بالفعل كان عمل بخلاف الخبر فقد تقدم في الفضل السادس قريبا أنه لا يقدح في الخبر ولا في راويه وكذا إذا ترك العمل به وهل يسوغ عمل الراوي نفسه به بحيث لم تقبله منه الظاهر نعم إذا كان أهلا قياسا على ما سيأتي في سادس أنواع التحمل فيهما إذا علم الشيخ الطالب بإن هذا مرويه ولكن منعه من روايته إذلا فرق بهذا كله إذا لم يذكر ان الشيخ المروي ليس من حديثه أصلا ومن صرح بذلك حتى لو رواه هو ثانيا لا تقبل منه بل ذلك مقتض لجرحه

وفيه نظر ثم إن ما تقدم فيما يراه الشيخ بالصريح أو ما يقوم مقامه كما شرح وأما أن يرده بقوله لا أذكر هذا أو لا أعرف أني حدثته به أو نحوهما من الألفاظ التي فيها ما يقتضي نسيانه كبغلب على ظني أنني ما حدثته بهذا أو لا أعرف أنه من حدثني والراوي جازم به فقد رأوا أي الجمهور من المحدثين قبوله والحكم للراوي الذاكر كما هو عند المعظم من الفقهاء والمتكلمين


342
وصححه غير واحد منهم الخطيب وابن الصلاح وشيخنا بل حكى فيه اتفاق المحدثين لأن الغرض أن الراوي ثقة جزما فلا يطعن فيه بالاحتمال إذا المروي عنه غير جازم بالنفي بل جزم الراوي عنه وشكه هو قربنه لنسيانه وحكى الإسقاط في المروي وعدم القبول عن بعضهم بكسر الميم أي بعض العلماء وهم قوم من الحنفية

كما قال ابن الصلاح ونسبه النووي في شرح مسلم الكرخي بل حكاه ابن الضباغ في العدة عن أصحاب أبي حنيفة لكن في التعميم نظرا لا أن يريد المتأخرين منهم لا سيما وسيأتي في المسألة الثانية من صفة رواية الحديث وأدائه عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن أنه إذا وجد سماعه في كتابه وهو غير ذاكر لسماعه يجوز له روايته

ويتأيد بقول الطبري الكبار للطبري إنه لا يعرف لهم في مسألتنا بخصوصها كلام إلا أن أخذ من ردهم حديث إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل الذي ذكره ابن الصلاح من أمثلة من حدث ونسي

وذكر الرافعي في الاقضية إن القاضي ابن كج حكاه وجها عن بعض الأصحاب ونقله شارح اللمع عن أختبار القاضي أبي حامد المروزي وأنه قاسه على الشاهد وتوجيه هذا القول أن الفرع تبع للأصل في إثبات الحديث بحيث إذا أثبت الأصل الحديث ثبتت رواية الفرع فكذلك ينبغي أن يكون فرعا عليه وتبعا له في النفي

ولكن هذا متعقب فإن عدالة الفرع يقتضي صدقه وعدم علم الأصل لا ينافيه فالمثبت الجازم مقدم على النافي خصوصا الشاك

قال شيخنا وأما قياس ذلك بالشهادة يعني على الشهادة إذا ظهر توقف الأصل ففاسد لأن شهادة الفرع لا تسع مع القدرة على شهادة الأصل بخلاف الرواية فافترقا على أن بعض المتأخرين كما حكاه البلقيني قد أجرى في


343
الشهادة على الشهادة الوجهين فيما لو لم ينكر الحاكم حكمه بل توقف والأفق هناك لقول الأكثرين قبول الشهادة بحكمه فاستويا

وفي المسألة قول آخر وهو إن كان الشيخ رأيه يميل إلى غلبة النسيان أو كان ذلك عادته في محفوظاته قبل الذاكر الحافظ وإن كان رأيه يميل إلى جهله أصلا بذلك الخبر رد فقل ما ينسى الإنسان شيئا حفظه نسيانا لا يتذكره بالتذكير والأمور تبني على الظاهر لا على النادر قاله ابن الأثير وأبو زيد الدلوسي وقد صنف الدارقطني ثم الخطيب من حدث ونسي وفيه ما يدل على تقوية المذهب الأول الصحيح لكون كثير منهم حدث بأحاديث ثم لما عرضت عليه لم يتذكرها لكن لاعتمادهم على الرواة عنهم صاروا يروونها عن الذي رواها عنهم عن أنفسهم ولذلك أمثلة كثيرة كقصة حديث الشاهد واليمين الذي لفظه أن النبي قضى باليمين مع الشاهد إذ نسبة سهيل وابن أبي صالح الذي اخذ أي حمل عنه عن أبيه عن أبي هريرة فكان سهيل بعد بضم الدال على البناء عن ربيعة هو ابن أبي عبد الرحمن عن نفسه يرويه فيقول أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أنني حدثته إياه ولا أحفظه قال عبد العزيز الداروردي وقد كان أصابت سهيلا علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه فكان يحدث به عمن سمعه منه فأيدته سوى ما تضمنه من شدة الوثوق بالراوي عنه عالم يذكره ابن الصلاح الإعلام بالمروي وكونه لمن يضيعه بضم أوله من أضاع إذ بتركه لروايته يضيع

ومن ظريف ما اتفق في المعنى أن أبا القاسم بن عساكر وهو أستاذ زمانه حفظا وإتقانا وورعا حدث قال سمعت سعيد بن المبارك الدهان ببغداد يقول رأيت في النوم شخصا أعرفه ينشد صاحبا له

( أيها الماطل ديني
أملي وتماطل )
( علل القلب فإني
قانع منك بباطل )


344

وحدث ابن عساكر بهذا صاحبة الحافظ أبا سعيد بن السمعاني قال أبو سعد فرأيت ابن دهان فعرضت ذلك عليه فقال ما أعرفه قال أبو سعد بن عساكر من أكل من رأيت جمع له الحفظ والمعرفة والإتقان ولعل ابن الدهان نسي ثم كان ابن الدهان بعد ذلك يرويه عن أبي سعد عن ابن عساكر عن نفسه

قال الخطيب في الكفاية ولأجل أن النسيان غير مأمون على الإنسان بحيث يؤدي إلى حجر وما روى عنه تكذيب الراوي له كره من كره من العلماء التحديث عن الأحياء منهم الشعبي فإنه قال لابن عون لاتحدثني عن الأحياء ومعمر فإنه قال لعبد الرازق إن قدرت أن لاتحدث عن حي فافعل

والشافعي نهى ابن عبد الحكم هو محمد بن عبد الله يروي أي عن الرواية عن الحي وهو كما ترى الإشارة إليه للخطيب دون ابن الصلاح ل أجل خوف التهم إذا جزم الشيخ بالتقي وذلك فيما رويناه في مناقبه والمدخل كلاهما للبيهقي من طريق أبي سعيد الجصاص عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال سمعت من الشافعي حكاية فحكيتها عنه فنميت إليه فأنكرها قال فاغتم أبي أي لذلك غما شديدا وكنا نجله فقلت له يا أبت أنا اذكره لعله يتذكر فمضيت إليه فقلت له يا أبا عبد الله أليس نذكر يوم كذا وكذا في الإملاء فوفقته فوقفته على الكلمة فذكرها ثم قال لي يا محمد لا تحدث عن الحي فان الحي لا يؤممن عليه أن ينسى

لكن قد قيد بعض المتأخرين الكراهة بما إذا كان له طريق آخر سوى طريق الحي أما إذا لم يكن له سواها وحدثت واقعة فلا معنى للكراهة لما في الإمساك من كتم العلم وقد يموت الراوي قبل موت المروي عنه فيضيع العلم وهو حسن إذ المصلحة محققة والمفسدة مظنونة كما قدمناه في قبول المبتدع فيما لم تره من حديث غيره من أن مصلحة تحصيل ذاك المروي مقدمة على مصلحة إهانته وإطفاء بدعته وكذا يحسن تقييد مسألتنا بما إذا كانا في بلد واحد أما أن كانا في


345
بلدين فلا لاحتمال أن يكون إلحاقا له علم الإنكارلنفساته مع قلتها بين المتقدمين وقد حدثه عمرو بن دينار عن الزهري بشيء وسئل الزهري عنه فأنكره وبلغ ذلك عمرو فاجتمع بالزهري فقال له يا أبا بكر أليس قد حدثني بكذا فقال ما حدثته ثم قال والله ما حدثت به وأنا حي إلا أنكرته حتى توضع أنت في السجن وقد أوردت القصة في السادس من المسلسلات

الحادي عشر في الأخد على التحديث ومن روى الحديث بأجره أو نحوها كالجعالة لم يقبل إسحق بن إبراهيم الحنظلي عرف بابن راهويه ( و ) أبو حاتم الرازي وابن حنبل هو أحمد في آخرين

أما إسحق فإنه حين سئل عن المحدث يحدث بالأجر قال لايكتب عنه وكذا قال أبو حاتم حين سئل عمن يأخذ على الحديث وأما أحمد فإن قيل له أيكتب عن من يبيع الحديث فقال لا ولا كرامة فأطلق أبو حتم جواب الأخذ الشامل للإجارة والجعالة والهبة والهدية وهو ظاهر في الجعالة لوجود العلة فيها أيضا وإن كانت الإجازة أفحش

وقد قال سليمان بن حرب لم يبق أمر من أمر السماء إلا الحديث والقضاء وقد فسدا جميعا القضاة يرشون حتى يولوا والمحدثون يأخذون على حديث رسول الله الدراهم وهو أي أخذ الأجرة كما قال ابن الصلاح شبيه أجرة معلم القرآن ونحوه كالتدريس يعني في الجواز إلا أنه هناك العادة جارية بالأخذ فيه وهو هنا في العرف يخرم أي ينقص من مروءة الإنسان الفاعل له لكونه شاع بين أهله التخلق بعلو الهمم وطهارة الشيم وتنزيه العرض عن مد العين الى شيء من العرض

قال الخطيب إنما منعوا من ذلك تنزيها للراوي عن سوء الظن به فإن بعض من كان يأخذ الأجرة على الراوية عثر على تزيده وادعائه ما لم يسمع لأجل ما كان يعطي ومن هذا بالغ شعبة فيما حكى عنه وقال لا تكتبوا عن الفقراء شيئا فإنهم يكذبون ولذا امتنع من الأخذ من امتنع بل تورع الكثير منهم


346
عن قبول الهدية والهبة فقال سعيد بن عامر لما جلس الحسن البصري للحديث أهدى له فرده وقال إن من جلس هذا المجلس فليس له عند الله خلاق يعني إن أخذ وكذا لم يكن النووي يقبل ممن له به علاقة من إقراء أو انتفاع ما قال ابن العطار للخروج من حديث إهداء القوس يعني الوارد الزجز عن أخذه ممن علمه القرآن قال وربما إنه كان يرى نشر العلم متعينا عليه مع قناعة نفسه وصبرها قال والأمور المتعينة لا يجوز أخذ الجزاء عليها كالقرض الجار إلى منفعة فإنه حرام باتفاق العلماء انتهى

وقال جعفر بن يحيى البرمكي ما رأينا في القراء مثل عيسى بن يونس بن أبي إسحق السبيعي عرضت عليه مائة ألف فقال لا والله لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمنا ألا كان هذا قبل أن ترسلوا إلى فأما على الحديث فلا ولا شربة ماء ولا أهليلجة

وهذا لمعناه وأزيد عند أبي الفرج النهرواني في الجليس الصالح قال دخل الرشيد الكوفة ومعه أبناه الأمين والمأمون فسمعه من عبد الله بن إدريس وعيسى بن يونس فأمر لهما بمال جزيل فلم يقبلا وقال عيسى لا ولا أهليلجة ولا شربة ماء على حديث رسول الله ولو ملأتا لي هذا المسجد الى السقف ذهبا

وقال جرير بن عبد الحميد مر بنا حمزة الزيات فاستسقى فدخلت البيت فجئته بالماء فلما أردت أن أناوله نظر إلي فقال أنت هو قلت نعم فقال أليس تحضرنا في وقت القراءة قلت نعم فرده وأبي أن يشرب ومضى وأهدى أصحاب الحديث للأوزاعي شيئا فلما اجتمعوا قال لهم أنتم بالخيار إن شئتم قبلته ولم أحدثكم أو رددته وحدثتكم فاختاروا الرد وحدثهم ونحوه عن حماد ابن سلمة كما للخطيب في الكفاية

وقال هبة الله بن المبارك السقطي كان أبو الغنايم محمد بن علي بن علي


347
ابن الحسن بن الدجاجي البغدادي ذا وجاهة وتقدم وحال واسعة وعهدي بي وقد أخنى عليه الزمان بصروفه وقد قصدته في جماعة مثرين لنسمع منه وهو مريض فدخلنا عليه وهو على بارية وعليه جبة قد أكلت النار أكثرها وليس عنده ما يساوي درهما فحمل على نفسه حتى قرأنا عليه بحسب شرحنا ثم قمنا وقد تحمل المشقة في إكرامنا فلما خرجنا قلت هل مع سادتنا ما نصرفه إلى الشيخ فمالوا إلى ذلك فاجتمع له نحو خمسة مثاقيل فدعوت ابنته وأعطيتها ووقفت لأرى تسليمها إليه فلما دخلت وأطته لطم حر وجهه ونادى وافضيحتاه آخذ على حديث رسول الله عوضا لا والله ونهض حافيا فنادى بحرمة ما بيننا إلا رجعت فعادت إليه فبكى وقال تفضحني مع أصحاب الحديث الموت أهون من ذلك فأعدت الذهب إلى الجماعة فلم يقبلوه وتصدقوا به

ومرض أبو الفتح الكرخي راوي الترمذي فأرسل إليه بعض من كان يحضر مجلسه شيئا من الذهب فما قبله وقال بعد السبعين واقترب الأجل آخذ على حديث رسول الله شيئا ورده مع الاحتياج إليه لكن الحافظ الحجة الثبت شيخ البخاري أبو نعيم هو الفضل بن دكين قد أخذ العوض على التحديث بحيث كان إذا لم يكن معهم دراهم صحاح بل مكسرة أخذ صرفها ( و ) كذا أخذ غيره كعفان أحد الحفاظ الأثبات من شيوخ البخاري أيضا فقد قال حنبل بن اسحاق سمعت أبا عبد الله يعني الإمام أحمد يقول شيخان كان الناس يتكلمون فيهما ويذكرونهما وكنا نلقي من الناس في أمرهما ما الله به عليهم قاما لله بأمر لم يقم به أحد أو كبير أحد مثل ما قاما به عفان وأبو نعيم يعني بقيامها عدم الإجابة في المحنة

وبكلام الناس من أجل أنهما كانا يأخذان على التحديث ووصف أحمد مع هذا عفان بالمتثبت وقيل له من تابع عفان على كذا فقال وعفان يحتاج إلى أن يتابعه أحد وأبا نعيم الحجة الثبت وقال مرة إنه يزاحم به ابن عيينة وهو


348
على قلة روايته أثبت من وكيع الى غير ذلك من الروايات عنه بل وعن أبي حاتم في توثيقه وإجلاله فيمكن الجمع بين هذا وإطلاقهما كما مضى أولا عدم الكتابة بأن ذاك في حق من لم يبلغ هذه المرتبة في الثقة والتثبت أو الأخذ مختلف في الموضعين كما يشعر به بالسؤال لأحمد هناك ومضايقه البغوي التي كانت سببا لامتناع النسائي من الروايه عنه كما سياتي قريبا وعلى هذا يحمل قول محمد بن عبد الملك بن أيمن لم يكونوا يعيبون مثل هذا إنما العيب عندهم الكذب

وممن كان يأخذ ممن احتج به الشيخان يعقوب بن إبراهيم بن كثير الدورقي الحافظ المتقن صاحب المسند فقد روى النسائي في سننه عنه حديث يحيى ابن عتيق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه لا يبولن أحدكمك في الماء الدائم الحديث قال وقال عقبه إنه لم يطن يحدث به إلا بدينار

وممن أخذ عنه البخاري هشام بن عمار فقال ابن عدي سمعت قسطنطين يقول حضرت مجلسه فقال له المستملي من ذكرت ? فقال له بعض مشايخنا ثم نعس فقال المستملي لا تنتفعون به فجمعوا له شيئا فأعطوة فكان بعد ذلك يملي عليهم

بل قال الإسماعيلي عن عبد الله بن محمد بن سيار إن هشاما كان يأخذ على كل ورقتين درهما ويشارط ولذلك قال ابن وارة عزمت زمانا أن أمسك عن حديث هشام لأنه كان يبيع الحديث

وقال صالح بن محمد إنه كان لا يحدث مالم يأخذ ومنهم علي بن عبد العزيز البغوي نزيل مكه وأحد الحفازظ المكثرين مع علو الإسناد فإنه كان يطلب التحديث في آخرين سوى هؤلاء ممن فعله ترخصا أي سلوكا للرخصه ففيه للفقر والحاجه فقد قال علي بن خشرم سمعت أبا نعيم الفضل يقول يلومونني على الأخذ وفي بيتي ثلاثه عشر نفسا وما فيه رغيف

ورآة بن عبد الواحد في المنام بعد موته فسأله ما فعل بك ربك في


349
ذلك فقال نظر القاضي في امري فوجدوني ذا عيال فعفا عني

وكذا كان البغوي يعتذر بإنه محتاج وإذا عاتبوه على الأخذ حين يقرأ كتب أبي عبيد على الحاج إذا قدم عليه مكة بقول يا قوم أنا بين الأخشبين إذا خرج الحاج نادى أبو قبيس قعيقعان من بقي فيقول بقي المجاورون فيقول أطبق

لكن قد قبحه النسائي ثلاثا ولم يرو عنه شيئا لا لكذبه بل لأنه إجمع قوم للقراءة عليه فبروه بما سهل عليهم وفيهم غريب فقير فأعفوه لذلك فأبى إلا أن يدفع كما دفعوا أو يخرج عنهم فإعتذر الغريب بأنه ليس معه إلا قصعه فأمرة بإحضارها فلما أحضرها حدثهم

ونحوه أن أبا بكر الأنصاري المعروف بقاضي المرستان ثم من أبي الحسن سعد الخير لأنصاري رائحه طيبه فسأله عنها فقالا هي عود فقال ذا عود طيب فحمل إليه نذرا قليلا ودفعه لجاريه الشيخ فاستحت من إعلامه به لقلته

وجاء سعد الخير على عادته فاستخبر من الشيخ عنم وصول العود فقال له لا وطلب الجاريه فاعتذرت لقلته واحضرت ذلك فأخذه الشيخ بيده وقال لسعد الخبر أهو هذا قال نعم فرمى به إليه وقال لا حاجه لنا فيه

ثم طلب منه سعد الخير أن يسمع ولده جزء الأنصاري فحلف أن لا يسمعه إياة إلا أن يحمل إليه خمسه أمناء عود فامتنع وألح على الشيخ في تكفير يمينه فما فعل ولا حمل هو شيئا ومات الشيخ ولم يسمع ابنه الجزء ولكنه في المتأخرين أكثر

ومنهم من كان يمتنع من الأخذ من الغرباء خاصه فروى السلفي في معجم السفر له من الطريق سهل بن بشير الأسفرائيني قال اجتمعنا بمصر طبقه من طلبه الحديث فقصدنا علي بن منير الخلال فلم يأذن لنا في الدخول فجعل عبد العزيز ابن علي النخشبي فاة على كوة ببابه ورفع صوته بقوله قال


350
رسول الله من سئل عن علم الحديث قال ففتح الباب ودخلنا فقال لا أحدث اليوم إلا من وزن الذهب فأخذ من كل حضر من المصريين ولم يأخذ من الغرباء شيئا وكان فقيرا لم يكن من الدنيا شيء وهو من الثقات ومنهم من لم يكن يشرط شيئا ولا يذكرة غير أنه لا يمتنع من قبول ما يعطي بعد ذلك أو قبله

ومنهم من كان يختصر في الأخذ على الأغنياء ومنهم من كان يمتنع في الحديث خاصه

قال أبو أحمد بن سكينه قلت للحافظ بن ناصر أريد أن لأقرأ عليك شرح ديوان المتنبي لأبي زكريا وكان يرويه عنه فقال إنك دائما تقرأ على الحديث مجانا وهذا شعر ونحن نحتاج إلى دفع شيء من الأجر عليه لأنه ليس من الأمور الدينيه

قال فذكرت ذلك لوالدي فدفع إلي كاغدا فيه خمسه دنانير فأعطيته إياة وقرأت عليها الكتاب انتهى

وكان مع ذلن فقيرا ونحوة أن أبا نصر محمد بن موهوب البغدادي الضرير الفرضي كان يأخذ الأجرة ممن يعلمه الجبر والمقابله دون الفرائض والحساب ويقول الفرائض مهمه وهذا من الفضل حكاهما ابن النجار ومنهم من كان لا يأخذ شيئا ولكن يقول إن لنا جيراتا محتاجين فتصدقوا عليهم وإلا لم أحدثكم قال زيد بن الحباب عن شيخه أنه كان يفعله

ثم إن ما تقدم من الترخيص في الفقير خاصه فإن كان فقيرا وله كسب ولكن نبذ بنون ثم موحده وذال معجمه أي ألقى شغلا به أي لإشتغاله بالتحديث الكسب لعياله أخبر أيها الطالب له الأخذ إرفاقا أي


351
لأجل الإرفاق به في معيشته عرضا عما فاته من الكسب من غير زياده فقد أفتى به أي بجواز الأخذ الشيخ الولي أبو اسحق الشيرازي أحد أئمه الشافعيه حين سأله مسند العراق في وقته أبو الحسين بن الفتور لكون أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله فكان يأخذ كفايته

وعلى نسخه طالوت بن عباد بخصوصها دينارا واتفق أنه جاء غريب فقير فأراد أن يسمعها منه فاحتال بأن يخبرة عن شيخه قال حدثنا البغوي حدثنا أبو عثمان الصيرفي وساق النسخه إلى ى خرها فبلغ مقصوده بدون دينار لكون ابن التفور لم يعلم إن أبا عثمان الصيرفي هو طالوت

وسبق إلى الإفتاء بالجواز ابن عبد الحكيم فقال خالد بن سعد الأندلسي سمعت محمد بن فطيس وغيرة يقولون جمعنا لابن اخي ابن وهب يعني أحمد بن عبد الرحمن دينارة أعطيناه إياة وقرانا عليه موطأ عمه وجامعه قال محمد فصار في نفسي من ذلك فأردت أن أسأل ابن عبد الحكم فقلت أصلحك الله العالم يأخذ على قراءة العلم فاستشعر فيما ظهر لي أني إنما أسأله عن أحمد فقال لي جايز عفاك الله حلال أن لا أقرأ لك ورقه بدرهم ومن أخذني أن أقعد معك طول النهار وأدع ما يلزمني من أسباني ونفقه عيالي

إذا علم هذا الدليل لمطلق الجواز كما تقدم القياس على القرآن فقد جوز أخذ الأجرة على تعليمه الجمهور لقوله في الحديث الصحيح أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله

والأحاديث الوارده في الوعيد على ذلك لا تنهض بالمعارضه إذ ليس فيها ما تقوم به الحجه خصوصا وليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق بل هي وقائع أحوال محتمله للتأويل التوفيق الصحيح وقد حملها بعض العلماء على الأخذ فيما تعين عليه تعليمه لا سيما عند عدم الحاجه

وكذا يمكن أن يقال في تفسير أبي العاليه لقوله تعالى ( ولا تشتروا


352
بآياتي ثمنا قليلا ) ( 1 ) أي لا تأخذوا عليه أجرا وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول يا ابن آدم علم مجانا كلما علمت مجانا

وليس في قول عازب لأبي بكر حين سأله أن يأمر ابنه البراء رضي الله عنهم بحمل ما اشتراه منه معه لا حتى يحدثنا بكذا متمسك للجواز لتوفقه

كما قال شيخنا على أن عازبا لو استمر على الامتناع من إرسال إبنه لاستمر أبو بكر على الامتناع من التحديث يعني فإنه حينئذ لو لم يجز لما امتنع أبو بكر ولا أقر عازبا عليه ولكن ليس هذا بلازم لاحتمال أن يكون امتناعه تأديبا وزجرا وتقريره عازبا فلكونه فهم عنه قصد المبادرة لإسماع ابنه وكونه حاضرا معه خوفا من الفوات لا خصوص هذا المحكي وعلى هذا فما بقي فيهما متمسك وعلى كل حال فقد سبق للمنع من الاستدلال به الخطابي وابن الجوزي

وقال ومن المهم هنا أن نقول قد علم أن حرص الطلبة للعلم فقد فتر لا بل قد بطل فينبغي للعلماء أن يحببوا إليهم العلم وإلا فإذا رأى طالب الأثر أن الإسناد يباع والغالب على الطلبة الفقر ترك الطلب فكان هذا سببا لموت السنة ويدخل هؤلاء في معنى الذين يصدون عن ذكر الله وقد رأينا من كان على مأثور السلف في نشر السنة بورك له في حياته وبعد مماته وأما من كان على السيرة التي ذممناها لم يبارك له على غزارة علمه انتهى

وقد حكى ابن الأنماطي الحافظ قال رغبت أبا علي حنبل بن عبد الله البغدادي الرصافي راوي مسند احمد في السفر إلى الشام وكان فقيرا جدا فقلت له يحصل ذلك من الدنيا طرف صالح وتقبل عليك وجوه الناس ورؤساؤهم فقال دعني فوالله ما أسافر لاجلهم ولا لما يحصل منهم وإنما أسافر خدمة لحديث رسول الله أروي أحاديثه في بلد لا تروي فيه


353

قال ولما علم الله منه هذه النية الصالحة أقبل بوجوه الناس إليه وحرك الهمم للسماع عليه فاجتمع إليه جماعة لا نعلمها اجتمعت في مجلس سماع قبل هذا بدمشق بل لم يجتمع مثلها قط لأحد ممن روى المسند نسأل الله الإخلاص قولا وفعلا

الثاني عشر في التساهل وغيره ما يحزم الظبط ورد عند أهل الحديث ذو تساهل في الحمل أي التحمل للحديث وسماعه ( ك ) المتحمل حال النوم الكثير الواقع منه أو من شيخه وعدم مبالاته بذلك فلم تقبلوا روايته

وما وقع لهم من قبول الإمام الثقة الحجة عبد الله بن وهب مع وصف إبن المديني وغيره له بأنه كان روي الأخذ

وقول عثمان بن أبي شيبة أنه رآه وأخوه أبو بكر وغيرهما من الحفاظ وهو نائم في حال كونه يقرأ له على ابن عينيه وأن عثمان قال للقاريء أنت تقرأ وصاحبك نائم فضحك له ابن عيبنة قال عثمان فتركنا ابن وهب إلى يومنا هذا فقيل له ولهذا تركتموه قال نعم أتريد أكثر من ذا رواه الخطيب

فلكونه في ذلك ماشيا على مذهب أهل بلدة في تجويز الإجازة وأن يقال فيها حدثني بل قال أحمد إنه كان صحيح الحديث يفصل السماع من العرض والحديث من الحديث ما أصح حديثه فقيل له أليس كان يسيء الأخذ قال قد كان ولكنك إذا نظرت في حديثه عن مشايخه وجدته صحيحا

ثم انه لا يصر في كل من التحمل والأداء النعاس الخفيف الذي لا يختل معه فهم الكلام لا سيما من الفطن فقد كان الحافظ المزي ربما ينعس في حال إسماعه ويغلط القارىء أو يزل فيبادر للرد عليه وكذا شاهدت شيخنا غير


354
مرة بل بلغني عن بعض العلماء الراسخين في العربية إنه كان يقرىء شرح ألفية النحو لابن المصنف وهو ناعس

وما توجد في الطابق من التنبيه على نعاس السامع أو المسمع لعله فيمن جهل حاله أو علم بعدم الفهم

وأما متناع التقي ابن دقيق العيد من التحديث عن ابن المقير مع صحة سماعه منه لكونه شك هل نعس حال السماع أم لا فلورعه فقد كان من الورع بمكان

ونحوه أنه قيل لعلي بن الحسين بن شقيق المروزي أسمعت الكتاب الفلاني فقال نعم ولكن نهى حمار يوما فاشتبه علي حديث ولم أعرف تعيينه فتركت الكتاب كله ( و ) كذلك رد عندهم فناذوتساهل في حالة الأداء أي التحديث ( ك ) المودي لا من أصل صحيح مع كونه هو او القارىء او بعض السامعين خير حافظ حسبما يأتي في بابه

ومن ذلك من كان يحدث بعد ذهاب أصوله واختلال حفظه كفعل ابن لهيعة فيما حكاه هشام بن حسان فقال جاء قوم [ - 1 ] ومعهم جزء فقالوا سمعناه من ابن لهيعة فنظرت فلم أجد فيه حديثا واحدا من حديثه فأتيته وأعلمته لذلك فقال ما أصنع يجيؤني بكتاب فيقولون هذا من حديثك فأحدثهم به

ونحو مما وقع لمحمد بن خلاد السكندري جاءه رجل بعد أن ذهبت كتبه بنسخة ضمام بن إسماعيل وهمام بن عبد الرحمن فقال له أليس هذا سماعك قال نعم فحدثني بهما فقال قد ذهبت كتبي ولا أحدث من غير أصل فما ذاك حتى خدعه ولذا من سمع منه قديما قبل ذهاب كتبه كان صحيح الحديث ومن تأخر فلا

وممن وصفه بالتساهل فيهما قرة بن عبد الرحمن قال يحي بن معين إنه كان يتساهل في السماع وفي الحديث وليس بكذاب


355

والظاهر أن الرد بذلك ليس على إطلاقه وإلا فقد عرف جماعة من الأئمة المقبولين به فإما أن يكون لما انضم إليهم من الثقة وعدم الجيء بما ينكر

وكلام أحمد الماضي قريبا يشهد له أو لكون التساهل يختلف فمنه ما يقدح ومه لا يقدح

وكذا من اختل ضبطه بحيث أكثر من القلب أو الإدراج أو رفع الموقوف أو وصل المرسل أو قبل التلقين الباطل ممن يلقنه إياه في الحديث إسنادا أو متنا وبادر إلى التحديث بذلك ولو مرة لدلالته على مجازفته وعدم تثبيته وسقوط الوثوق بالمتصف به لاسيما وقد كان غير واحد يفعله اختيارا لتجربة حفظ الراوي وضبطه وحذفه

وقال حماد بن زيد فيما رواه أبو يعلى في مسنده لقنت سلمة بن علقمة حديثا فحدثني به ثم رجع فيه وقال إذا أردت أن تكذب صاحبك أي تعرف كذبه فلقنه

وكذا قال قتادة إذا أردت تكذب صاحب فلقنه

ومنهم من فعله ليرويه بعد ذلك عمن لقنه وهذا من أعظم القدح في فاعله قال عبدان الأهوازي كان البغداديون كعبد الوهاب بن عطاء يلقنون المشايخ وكنت أمنعهم

وكذا قال أبو داود كان فضلك يدور على أحاديث أبي مسهر وغيره يلقنها هشام بن عمار يعني بعد ما كبر حيث كان كلما دفع قرأه وكلما لقن تلقن فيحدثه بها

قال وكنت أخشى أن يفتق في الإسلام فتقا ولكن قد قال عبد الله بن محمد بن يسار لما لمته على التلقين قال أنا أعرف حديثي ثم قال لي بعد ساعة أن كنت تشتهي أن تعلم فأدخل إنسانا في شيء قد فتفقدت الأسانيد


356
التي فيها قليل اضراب فسألته عنها فكان يمر فيها وكان أيظا يقول قال الله ( فمن بدله بعدما سمعه فإنما إئمه على الذين يبدلونه )

ومن الأول ما وقع لحفص بن عياث فإنه نهى هو ويحيى القطان وغيرهما موسى ابن دينار المكي فجعل حفص يصنع له الحديث فيقول حدثتك عائشة طلحة عن عائشة بكذا وكذا فيقول حدثني عائشة ويقول له وحدثك القاسم بن محمد عائشة بمثله فيقول حدثتني القاسم بن محمد عن عائشة بمثلة ويقول حدثك سعيد بن جبير عن عباس بمثله فيقول حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس بمثله

فلما فرغ حفص مد يده لبعض من حضر ممن لم يعلم المقصد وليست له نباهة فأخذ اللوحة التي كتب فيها محاها وبين له كذب موسى

ومن الثاني من عمد من أصحاب الرأي إلى مسائل عن أبي حنيفة فجعلوا لها أسانيد عن يزيد بن أبي زيادة عن مجاهد عن ابن عباس ووضعوها في كتب خارجة بن مصعب فصار يحدث بها في جماعة ممن كان يقبل التلقين أفردوا بالتأليف أوقد وصفا من الأئمة ( ب ) رواية المنكرات أو الشواذ كثرة أي حال كونها ذات كثرة أو عرفا بكثرة السهو والغلط في رواية كما نص عليه الشافعي في الرسالة حال كونه حدث من حفظه وما حدث من أصل صحيح فهو أي المتصف بشيء مما ذكر رد أي مردود عندهم لأن الاتصاف بذلك كما قال ابن الصلاح يحزم الثقة بالراوي وضبطه قال شعبة لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ


357

وقيل له أيضا من الذي نترك الرواية عنه قال إذا أكثر من الرواية عن المعروف بما لا يعرف وأكثر الغلط

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني فيما حكاه الخطيب عنه من عرف بكثرة السهو والغفلة وقلة الضبط رد حديثه

قال وكذا يرد خبر من عرف بالتساهل في الحديث النبوي دون المتساهل في حديثه عن نفسه وأمثاله وما ليس بحكم في الدين يعني لا من تخلل فيه وتبعه غيره من الأصوليين فيه

ويخالفه قول ابن النفيس من تشدد في الحديث وتساهل في غيره فالأصح أن روايته ترد قال لأن الظاهر أنه إنما تشدد في الحديث لغرض وإلا للزم التشدد مطلقا وقد يتغير ذلك الغرض أو يحصل بدون تشدد فيكذب انتهى

إلا أن يحمل على التساهل فيما هو حكم في الدين ولم ينفرد ابن النفيس بهذا بل سبقه إليه الإمام أحمد وغيره لأنه قد يجر إلى التساهل في الحديث ولينبغي أن يكون محل الخلاف في تساهل لا يفضي إلى الخروج عن العدالة ولو فيما يكون به خادما للمروءة فاعلمه

أما من لم يكثر شذوذه ولا مناكيره أو كثر ذلك مع تمييزه له وبيانه أو حدث مع اتصافه بكثرة السهو من أصل صحيح بحيث زال المحذور في تحدث من حفظه فلا وكذا إذا حدث سيء الحفظ عن شيخ عرف فيه بخصوصه بالضبط والإتقان كاسماعيل بن عياش حيث قيل في الشاميين خاصة دون غيرهم

على أن بعض المتأخرين توقف في رد من كثرت المناكير وشبهها في حديثه لكثرة وقوع ذلك في حديث كثير من الأئمة ولم ترو روايتهم


358

ولكن الظاهر أن المراد من كثر ذلك في رواياته مع ظهور إلصاق ذلك به لجلالة باقي رجال المسند ثم إن بين له بضم أوله ونون ساكنة مدغمة في اللام أي الراوي الذي سهى أو غلط ولو مرة غلطة فما رجع عن خطإه بل أصر عليه سقط عندهم أي المحدثين حديثه بل مروية جمع بضم الجيم وزن مضر وممن صرح بذلك شعبة وغيره كما سيأتي آخر المقالة وكذا عبد الله بن الزبير الحميدي مع ابن حنبل الإمام أحمد وابن المبارك عبد الله وغيرهم راو إسقاط حديث المتصف بهذا في العمل إحتجاجا ورواية حتى تركوا الكتابة عنه

قال ابن الصلاح وفيه نظر وكأنه لكونه قد لا يثبت عنده ما قيل له إما لعدم اعتقاده علم المبين له وعدم أهليته أو لغير ذلك قال نعم إذا كان عدم رجوعه عنادا محضا منه لا حجة له فيه ولا مطعن عنده بيديه ف ( ما ينكر ذا ) أي القول بسقوط رواياته وعدم الكتابة عنه

ويرشد لذلك قول شعبة حين سأله ابن مهدي من الذي تترك الرواية عنه ما نصه إذا تمادى في غلط مجتمع عليه ولم يتهم نفسه عند اجتماعهم أو رجل يتهم بالكذب ونحوه قول ابن حبان من يبين له خطؤه وعلم فلم يرجع وتمادى في ذلك كان كذابا بعلم صحيح

قال التاجر التبريزي لأن المعاند كالمستحق بالحديث بترويج قوله بالباطل وأما إذا كان عن جهل فأولى بالسقوط لأنه ضم إلى جهله إنكاره الحق

وكان هذا فيمن يكون في نفسه جاهلا مع اعتقاده علم من أخبره

الثالث عشر في عدم مراعاة ما تقدم في الأزمان المتأخرة وأعرضوا أي المحدثين فضلا عن غيرهم في هذه الدهور المتأخرة عن اعتبار اجتمع هذه الأمور التي شرحت فيما مضى في الراوي وضبطه فلم يتقيدوا


359
بها في عملهم لعسرها وتعذر الوفاء بها بل استقر الحال بينهم على اعتبار بعضها وأنه يكتفي في أهلية الراوي بالعاقل المسلم البالغ غير الفاعل للفسق وما يجزم المروءة ظاهر بحيث يكون مستور الحال ( و ) يكتفي في الضبط بأن يثبت ما روى بخط ثقة مؤتمن سوى الشيخ أو القارىء أو بعض السامعين كتب على الأصل أو في مثبت بيده إذا كان الكاتب من أهل الخبرة بهذا الشأن بحيث لا يكون الاعتماد في رواية هذا الراوي عليه بل على الثقة المفيد لذلك وأنه يروي حين يحدث من آمل بنقل الهمزة واقفا لأصل شيخه كما قد سبقا لنحو ذاك الحافظ الكبير البيهقي فإنه لما ذكر توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم وذلك لتدوين الأحاديث في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث قال فمن جاء اليوم بحديث واحد لا يوجد عند جميعهم لم تقبل منه أي لأنه لا يجوز أن يذهب على جميعهم ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته والحجة قائمة برواية غيره

وحينئذ فلقد آل السماع الآن التسلسل السند أي بقاء سلسلته يحدثنا وأخبرنا لتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفا لنبيها يعني الذي لم يقع التبديل في الأمم الماضية إلا بانقطاعه

قلت والحاصل إنه لما كان الغرض أولا معرفة التعديل والتجريح وتفاوت المقامات في الحفظ والإتقان ليتوصل بذلك إلى التصحيح والتحسين والتضعيف حصل التشدد بمجموع تلك الصفات ولما كان الغرض آخر الاقتصار في التحصيل على مجرد وجود السلسلة السندية اكتفوا بما ترى

ولكن ذاك بالنظر إلى الغالب في الموضعين وإلا فقد يوجد في كل منهما من نمط الآخر وإن كان التساهل إلى هذا الحد في المتقدمين قليل


360

وقد سبق البيهقي إلى قوله شيخه الحاكم ونحوه عن السلفي وهو الذي استقر عليه العمل بل جعل التوسع فيه أيضا إلى ما وراء هذا كقراءة غير الماهر في غير أصل مقابل

بحيث كان ذلك وسيلة لإنكار غير واحد من المحدثين فضلا عن غيرهم عليهمس


361
مراتب التعديل رتبه
( والجرح والتعديل قد هذبه
ابن أبي حاتم إذ رتبه )
( والشيخ زاد فيها وزدت
ما في كلام أهله وجدت )
( فارفع التعديل ما كررته
كثقه ثبت ولو أعدته )
( ثم يليه ثقه أو ثبت أو
متقن أو حجه أو إذا عزوا )
( الحفظ أو ضبطا لعدل ويلي
ليس به أهل أو صدوق وصل )
( بذاك مأمونا خيارا وتلا
محله الصدق رووا عنه إلى )
( الصدق ما كذا شيخ وسط
أو وسط فحسب أو شيخ فقط )
( وصالح الحديث أو مقاربه
جيده حسنه مقاربه )
( صويلح صدوق إن شاء الله
أرجوا بأن ليس به بأس عراة )
( وابم معين قال من أقول لا
بأس به وثقه ونقلا )
( أن ابم مهدي أجاب من سأل
أثقه كان أبو خلده بل )
( كان صدوقا خيرا مأمونا
الثقه الثوري لو تعونا )
( وربما وصف ذا الصدق وسم
ضعفا بصالح الحديث إذ يسم )

* * *

وهي ست وقدمت أشرفها والتوازي البار قبلها التي هي من تتماته


362
ولذا أردفه بها ( الجرح والتعديل ) المنقسمان إلى أعلى وأدني وبين ذلك حسبما دل عليه تنويعهم للألفاظ المصطلح عليها لهما اختصارا مع شمول القبول والرد لها ( قد هذبه ) بالمعجمة أي هذب كلا منهما حيث نفى اللفظ لصادر منهم فيهما ابن أبي حاتم هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن لإمام أبي حاتم محمد بن ( إذ رتبه ) في مقدمه كتابه الجرح والتعديل فأجاد وأحسن كما قال إبن الرحمن الصلاح والشيخ ابن الصلاح زاد عليه فيهما ألفاظا أخذها من كلام غيرة من الأئمه وكذا زادت على كل من ابن الصلاح وابن أبي حاتم ما في كلام أئمه أهله أي الحديث وجدت من الألفاظ في ذلك يعني بدون استقصاء وإلا فمن نظرلا كتب الرجال ككتاب ابن أبي حاتم المذكور والكامل لابن عدي والتهذيب وغيرها ظفر بألفاظ كثيرة ولو اعتنى بتتبعها ووضع كل لفظه بالمرتبه المشابهه لها مع شرح معانيها لغه واصطلاحا لكان حسنا

وقد كان شسخنا يلهج بذكر ذلك فما تيسر والواقف على عبارات القوم يفهم مقاصدهم لما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال وبقرائن ترشد إلى ذلك فارفع مراتب التعديل ما أتى كما قال شيخنا بصيغه أفعل كأن يقال أوثق الخلق وأثبت الناس أو نحوهما مثل قول هشام بن حسان حدثني أصدق من أدركت من البشر محمد بن سيرين لما تدل عليه هذه الصيغه من الزياده وألحق بها شيخنا إليه المنتهي في التثبيت وهل يلتحق بها مثل قول الشافعي في ابن مهدي لا أعرف له نظيرا في الدنيا محتمل وهل يليه ما هو المرتبه الأولى عند بعضهم قولهم فلان لا يسأل عن مثله ونحو ذلك ثم يليه ا هو المرتبه الأولى عند الذهبي في مقدمه ميزانه وتبعه الناظم ما كررته مع تباين الألفاظ كثقه ثبت أو ثبت حجه ولو أعدته اب اللفظ الواحد من المرتبه التاليه لهذه خاصه كثقه ثقه أو ثبت ثبت لأن التأكيد الحاصل بالتكرار


363
فيه زياده على الكلام الخالي منه وعلى هذا فما زاد على مرتين مثلا يكون أعلى منها كقول ابن سعد في شعبه ثقه مأمون ثبت حجه صاحب حديث

وأكثر ما وقفنا عليه من ذلك قول ابن عيينه حدثنا عمرو بن دينار وكان ثقه ثقه بتسع مرات وكأنه سكت لانقطاع نفسه ثم يليه ما هو المرتبه الأولى عند ابن أبي حاتم وتبعه ابن الصلاح والثانيه عند الناظم والرابعه بالنسبه لما قررناة ثقه او ثبت بسكون الموحده الثابت القلب واللسان والكتاب والحجه

وأما بالفتح فما يثبت فيه المحدث مسموعه مع أسماء المشاركين له فيه لأنه كالحجه عند الشخص لسماعه وسماع غيرة

ومن صيغ هذه المرتبه كأنه مصحف أو فلان متقن حجه إذا عزوا بنقل الهمزة فيها أي نسب الأئمه الحفظ كأن يقال حافظ أو نسبوا ضبطا كان يقال ضابط لعدل إنه مجرد الوصف بكل منها غير كاف في التوثيق بل بين العداله وبينهما عموم وخصوص من وجه لأن توجد العداله بدونهما ويوجد أن بدونهما وتوجد الثلاثه

ويدل لذلك أن ابن حاتم سأل أبا زرعه عن رجل ? فقال حافظ فقال أهو صدوق وكان أبو أيوب سليمان بن داود الشاكوذي من الحفاظ الكبار إلا أنه كان يهتم بشرب النبيذ وبالوضع حتى قال البخاري هو أضعه عندي من كل ضعيف

ورؤي بعد موته في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي فقيل بماذا قال كنت في طريق أصبهان فأخذني مطر وكتان معي كتب ولم أكن تحت سقف ولا شيء فانكببت على كتبي حتى أصبحت وهذأ المطر فغفر الله لي في آخرين والظاهر أن مجرد الوزصف بالإتقان كذلك قياسا على الضبط إذ هما متقاربان لا يزيد الإتقان على الضبط سوى إستعارة لمزيد


364
الضبط وصنيع ابن أبي حاتم يشعر به فإنه قال إذا قيل المواحد إنه ثقه أو متقن ثبت فهو ممن يحتج بحديثه حيث أردف المتقن ثبت المقتضى للعداله بدون أو التي عبر بها في غيرها وحينئذ فلا يعتد من على ابن الصلاح في جعله لفظ ثبت من زيادته على أبي حاتم لانها فيما ظهر كما قررناه ليست مستقله

وكذا لم يقع في كلامه لفظ الحجه وما بعدها بل الثلاثه من زيادات ابن الصلاح مع تفاوتها فكلام أبي داود يقتضي أن الحجه أقوى من الثقه وذلك أن الآجري سأله عن سليمان بن بنت شرحبيل فقال

قال الآجري فقلت هو حجه قال الحجه أحمد بن حنبل وكذا قال عثمان بن أبي شبيه في أحمد بن عبد الله بن يونس ثقه وليس بحجه

وقال ابن معين في محمد بن إسحاق ثقه وليس بحجه وفي أبي وليس صدوق وليس بحجه

وكان لهذه النكته قدمها الخطيب حيث قال أرفع العبارات أن يقال حجه أو ثقه

ثم أن ما تقدم في أن الوصف بالضبط والحفظ وكذا الإتقان لا بد أن يكون في عدل هو حيث لم يصرح ذاك الإمام به إذ لو صرح به كل أعلى ولذا أدرج شيخنا عدل ضابط في التي قبلها

وخالف الذهبي فعد حافظا ثقه من هذه وأدرج في ألفاظهما إماما فقط

وجعل ثقه وقوى الحديث وصحيحه وجيد المعرفه مرتبه أخرى وفيه نظر ولا بد في آخرها أيضا أن يكون لعدل ويلي هذه المرتبه خامسه وهي قولهم ليس به بأس أو لا بأس به أو صدوق وصف بالصدق على طريق المبالغه لا محله الصدق وإن أدرجها ابن أبي حاتم ثم ابن الصلاح هنا فإنهما كما سيأتي تبعا للذهبي من التي بعدها وصل بكسر اللام بما لم


365
يذكرة ابن الصلاح بذلك أي بقول ليس به بأس والذين بعده مأمونا أو خيارا ومن الخير ضد الشر ومن ذلك الوصف بسيف بن عبيد الله بأنه من خيار الخلق كما وقع في أصل حديثه من سنن النسائي وتلا هذه المرتبه سادسه وهي محله الصدق خلافا لابن أبي حاتم ثم ابن الصلاح وتبعا للذهبي كما تقدم ورووا عنه أو روى الناس عنه أو يروى عنه أو إلى الصدق ما هو يعني أنه ليس بعيد عن الصدق وكذا شيخ وسط أو وسط فحسب أي بدون شيخ أو شيخ فقط أي بدون وسط ولم يذكر ابن الصلاح تبعا لابن أبي حاتم في هذه المرتبه التي هي عندهما ثالثه غيرهما نعم زاد عليها وسط

وروى الناس عنه ومقارب الحديث لكن لم يرتبها ومنها أيضا صالح الحديث وهي عندهما الرابعة بل حكى ابن الصلاح عن أبي جعفر بن سنان كما سيأتي قريبا

قال كان ابن مهدي ربما جرى ذكر الرجل فيه ضعف وهو صدوق فيقول صالح الحديث وهذا يقتضي أنها هي والوصف بصدوق عند ابن مهدي سواء ومنها يعتبر به أي في المتابعات والشواهد أو يكتب حديثه أو مقاربه أي الحديث من القرب ضد البعد وهو بكسر الراء كما ضبط في الأصول الصحيحة من كتاب ابن الصلاح المسموعه عليه وكذا ضبطهما النووي في مختصريه وابن الجوزي ومعناه أن حديثه مقارب لحديث غيرة من الثقات أو جيده أي الحديث من الجوده أو حسنه أو مقاربه بفتح الراء أي حديث يقاربه حديث غيرة فهو على المعتمد بالكسر والفتح وسط لا ينتهي إلى درجه السقوط ولا الجلاله وهو نوع مدح وممن ضبطهما بالوجهين ابن الغربي وابن ديحه والبطليوسي وابن رشيد في رحلته


366
قال ومعناها يقارب الناس في حديثه ويقاربونه أي ليس حديثه بشاذ ولا منكر قال وما يدلك على أن مرادهم بهذا اللفظ هذا المعنى ما قاله الترمذي في آخر باب من فضائل الجهاد من جامعه وقد جرى له ذكر إسماعيل بن رافع فقال ضعفه بعض أهل الحديث وسمعت محمدا يعني البخاري يقول هو ثقه مقراب الحديث

وقال في باب من جاء من أذن فهو يقيم والإفريقي يعني عبد الرحمن ضعيف عند أهل الحديث ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيرة وقال أحمد لا أكتب عنه

قال الترمذي ورأيت البخاري يقوي أمرة ويقول هو قارب الحديث فانظر إلى قول الترمذي إن قوله مقارب الحديث تقويه لأمرة وتفهمه فإنه من المهم الخافي الذي أوضحناه انتهى

ومنها ما أقرب حديثه أو صويلح أو صدوق إن شاء الله بنقل الهمزة أو أرجوابأن أي أن ليس به بأس عراة بمهلتين أي غشيه

وقد خالف الذهبي في أهل هذه المرتبه فجعل محله الصدق وحسن الحديث وصالحه وصدوقا إن شاء الله مرتبه وروى الناس عنه وشيخنا وصويلحا ومقاربا مع ما به ويكتب المسكين بأس حديثه وما علمت فيه جرحا أخرى وأما قولهم ما أعلم به بأسا فقد صرح ابن الصلاح بأنه دون لا بأس به وهو ظاهر

وقال الشارح إني أرجو أن لا بأس به أرفع مما أعلم به بأسا فإنه لا يلزم من عدم العلم بالشيء حصول الرجاء به وكأنه بالنظر لذلك قال مراتب التعديل على أربع أو خمس

ويحتمل على بعد أن يكون نظر التفرقه الذهبي وبالجمله فالضابط الأدنى مراتب التعديل كل ما أشعر بالقرب من أسهل التجريح ثم إن الحكم


367
في أهل هذه المراتب الإحتجاج بالأربعه الأولى منها وأما التي بعدها فإنه لا يحتج بأحد من أهلها لكون الفاظها لا تشعر بسعي بشريطه الضبط بل يكتب حديثهم ويختبر

قال ابن الصلاح وإن لم نستوف النظر المعروف يكون ذلك المحدث في نفسه ضابطا مطلقا واحتجنا إلى حديث من حديثه اعتبرنا ذلك الحديث ونظرتا هل له أصل من روايه غيرة كما تقدم بيان طريقه الإعتبار في محله

وأما السادسة فالحكم في أهلها دون أهل التي قبلها وفي بعضهم من يكتب حديثه للاعتبار دون اختبار ضبطهم لوضوح أمرهم فيه

وإلى هذا أشار الذهبي بقولة إن قولهم ثبت وحجة وإمام وثقة ومتقن من عبارات التعديل التي لا نزاع فيها وأما صدوق وما بعده يعني من أهل هاتين المرتبتين اللتين جعلهما ثلاثة فمختلف فيها بين الحفاظ هل هي توثيق أو تليين وبكل حال فهي متحفظة عن كمال رتبة التوثيق ومرتفعة عن رتب التجريح

فإن قيل ما تقدم يقتضي أن الوصف بثقة أرفع من ليس به بأس وابن معين بفتح الميم هو يحيى الإمام المقدم في الجرح والتعديل سوى بينهما إذ قيل له إنك تقول فلان ليس به بأس وفلان ضعيف قال من أقول فيه لا بأس به فثقة ومن أقول فيه ضعف فليس بثقة لا يكتب حديثه ونحوه قول أبي زرعة الدمشقي قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم يعني الذي كان في أهل الشام كأبي حاتم في أهل المشرق ما تقول في علي بن حوشب الفزاري قال لا بأس به قال فقلت ولم لا تقول ثقة ولا نعلم إلا خيرا قال قد قلت لك إنه ثقة فالجواب كما قال ابن الصلاح أن ابن معين إنما نسب ما تقدم لنفسه يخلاف ابن أبي حاتم فهو عن صنيعهم قلت ولو لم يكن صنيعهم كذلك ما سأل ابو زرعة لكن جواب دحيم


368
موافق لابن معين مكأنه اختياره أيضا

وأجاب الشارح أيضا بما حاصله أن ابن معين لم يصرح بالتسوية بينهما بل أشركهما في مطلق الثقة وذلك لا يمنع ما تقدم وهو حسن

وكذا أيده غيره بأنهم قد يطلقون الوصف بالثقة على من كان مقبولا ولو لم يكن ضابطا فقول ابن معين هنا يتمشى عليه ونقلا بالبناء للمفعول مما يتأيد به أرجحيه الوصف بالثقه أن ابن مهدي هو عبد الرحمن الإمام القدوة في هذا الشأن حين روى عن ابي خلده بسكون اللام خالد ابن دينار التميمي السعدي البصري الخياط التابعي أجاب من سأل منه وهو عمرو بن علي الفلاس أثقه كان أبو خلده بقوله بل كان صدوقا وكان خيرا او خيارا وكان مأمونا الثقه شبه وسفيان الثوري وربما وجد في بعض الروايات عن ابن مهدي صعر بدل الثوري لو كنتم تعونا أي تفهمون مراتب الرواة ومواقع ألفاظ الأئمه ما سألتم عن ذلك فصرح بأرجحيتها على كا من صدوق وخير مأمون الذي كل منها من مرتبه ليس به بأس

ولا يخدش قول ابن عبد البر كلام ابم مهدي لا معنى له في اختبار الألفاظ إذ أبو خلده ثقه عند جميعهم يعين كما صرح به الترمذي حيث قال هو ثقه عند أهل الحديث فإن هذا ر يمنع الاستدلال المشار إليه

ونحو ما حكاة المروزي قال قلت لأحمد بن حنبل عبد الوهاب بن عطاء ثقه قال تدري من الثقه يحيى بن سعيد القطان هذا مع توثيق ابن معين وجماعه له وكذا وربما أي وفي بعض الأحيان وصف ابن مهدي فيما حكاة أبو جعفر أحمد بن سنان عنه كما قدمته ذا الصدق أي الصدق من الرواة الذي و سم ضعفا أي بالضعف لسوء حظه وغلطه ونحوة لك بصالح الحديث المنحط عن مرتبه ليس به بأس إذ يسم بفتح التحتانيه وكسر المهمله أي يعرف بأوصاف الرواة إلى غير ذلك ما يشهد لاصطلاحهم


369
مراتب التجريح
( وأسوا التجريح كذاب يضع
يكذب وضاع ودجال وضع )
( وبعدها متهم بالكذب
وساقط وهالك فاجتنب )
( ذاهب متروك أو فيه نظر
وسكتوا عنه به لا يعتبر )
( وليس بالثقه ثم ردا
حديثه كذا ضعيف جدا )
( واة بمرة وهم قد طرحوا
حديثه وارم به مطرح )
( ليس بشيء لا يساوي شيئا
ثم ضعيف وكذا إن جيء )
( بمنكر الحديث أو مضطربه
واة وضعفوة لا يحتج به )
( وبعدها فيه مقال ضعف
وفيه ضعف تنكر وتعرف )
( ليس بذاك بالمتين ليس بالقوي
بحجه بعمده بالمرضى )
( ما هو فيه خلف طعنوا
فيه كذا سيء حفظ لين )
( تكلموا فيه وكل من ذكر
من بعد شيئا بحديثه اعتبر )

* * *

وهي أيضا ست وسبقت كالتي قبلها في التدلي من الأعلى إلى الأدنى مع أن العكس في هذه كما فعل ابن أبي حاتم ثم ابن الصلاح كان أنسب لتكون مراتب القسمين كلها منخرطه في سلك واحد بحيث يكون أولها الأعلى


370
من التعديل وآخرها الأعلى من التجريح وأسوأ التجريح الوصف بما دل على المبالغه فيه كما قال شيخنا قال وأصرح ذلك التعبير بأفعل كأكذب الناس وكذا قولهم إليه المنتهى في الوضع وهو ركن الكذب ونحو فهذه هي المرتبه الأولى ثم يليها كذاب أو يضع الحديث على رسول الله أو يكذب أو وضاع وكذا دجال أو وضع حديثا وآخر هذه الصيغ أسهلها بخلاف المتين قبلها وكذا الأولى فإن فيها نوع مبالغه لكنها دون المرتبه الأولى

وأما الصيغه الثانيه والثالثه وهما دالتان على ملازمه الوضع والكذب وإنما لم ترتب ألفاظ كل مرتبه من البابين للضرورة وبعدها أي المرتبه الثالثه بالنسبه لما ذكرته وهي فلان يسرق الحديث فإنها كما قال الذهبي أهون من وضعه وإختلافه في الإثم إذ سرقه الحديث أن يكون محدث ينفرد بحديث فيجيء لسارق ويدعى أنه سمعه أيضا شيخ ذلك المحدث

قلت وأن يكون الحديث عرف براو فيضيفه لراو غيرة من شاركه في طبقته قال وليس كذلك من يسرق الأجزاء والكتب فإنها أنحس بكثير من سرقه الرواة وفلان مهتم بالكذب أو بالوضع وفلان ساقط وفلان هالك فاجتنب بالروايه بل الأخذ منهم وفلان ذاهب أو ذاهب الحديث وفلان متروك أو كتروك الحديث أو تركوة

قال ابن مهدي سئل شعبه من الذي يترك حديثه قال من يهتم بالكذب ومن يكثر الغلط ومن يخطئ في حديث يجمع عليه فلا يهتم نفسه ويقيم على غلطه ورجل روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون

وقال أحمد بن صالح فيما رواة ابن الصلاح من جهته لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه يعني بخلاف قولهم ضعيف وكذا


371
منها مجمع عللى تركه وهو على يدي عدل أو موذ بالتخفيف كما سيأتي معناهما أو فيه نظر وفلان سكتوا عنه وكثيرا ما يعبر البخاري بهاتين الأخيرتين فيمن تركوا حديثه بل قال ابن كثير انهما أدنى المنازل عنده وأردأها

قلت لأنه لورعه قل أن يقول كذاب أو وضاع نعم ربما تقول كذبه فلان ورماه فلان بالكذب فعلى هذا فإدخالهما في هذه المرتبه بالنسبة للبخاري خاصة مع تجوز فيه أيضا وإلا فموضعهمامنه التي قبلها ومنها فلان به لا يعتبر عند المحدثين أو لا يعتبر بحديثه وفلان ليس بالثقة أو ليس بثقة أو غير ثقة ولا مأمون ونحو ذلك ثم يليها رابعة وهي فلان ردا حديثه بالبناء للمفعول يعني بين المحدثين أو ردوا حديثه او مردود الحديث وكذا فلان ضعيف جدا وفلان واه بمرة أي قولا واحدا لا تردد فيه وكان الباء زيدت تأكيدا وواه فقط وتالف ( و ) فلان ( هم ) أي أهل الحديث قد طرحوا حديثه وفلان ارم به مطرح أو مطرح الحديث وفلان لا يكتب حديثه أي لا حتجاجا ولا اعتبارا ولا تحمل كتبة حديثه أو لا تحل الرواية عنه ومنه قول الشافعي الرواية عن حرام بن عثمان حرام وفلان ليس بشيء أو لا شيء أو فلان لا يساوي فلسا أو لا يساوي شيئا ونحو ذلك

وما أدرج في هذه المرتبة من ليس بشيء هو المعتمد وإن قال ابن القطان إن ابن معين إذا قال في الراوي ليس بشيء إنما يريد أنه لم يرو حديثا كثيرا هذا مع أن ابن أبي حاتم قد حكى أن عثمان الدارمي سأله عن أبي دراس فقال إنما يروي حديثا واحدا ليس به بأس

على أنا قد روينا عن المزني قال سمعني الشافعي يوما وأنا أقول فلان كذاب فقال لي يا أبا إبراهيم أكس ألفاظك أحسنها لا تقل فلان كذاب ولكن قل حديثه ليس بشيء وهذا تقتضي أنها حيث وجدت في كلام الشافعي تكون من المرتبة ثم يلي هذه مرتبة خامسة وهي فلان ضعيف


372
وكذا إن جيء بمد الهمزة منهم في وصف الرواة ( ب ) لفظ منكر الحديث أو حديثه منكرا أو له ما ينكر أو مناكير ( أو ) مناكير ( أو ) بلفظ مضطربة أي الحديث وفلان ( واه و ) وفلان ضعفوه وفلان لا يحتج به وبعدها وهي سادس المراتب فلان فيه مقال أو أدنى مقال وفلان ضعف و فلان فيه أو في حديثه ضعف وفلان تنكر يعني مرة وتعرف يعني أخرى وفلان ليس بذاك وربما قيل ليس بذاك القوي أو ليس بالمتين أو ليس بالقوي قال الدارقطني في سعيد بن يحيى أبي سفيان الحميري هو متوسط الحال ليس بالقوي وفلان ليس بحجة أو ليس بعمدة أو ليس بمأمون أو ليس من إبل القباب كما قال مالك في عطاف بن خالد أحمد من اختلف في توثيقه وتجريحه

قال شيخنا في جوابه عن مسألة الأجتماع على ذكر الباقيات الصالحات وهذه العبارة يؤخذ منها أنه يروي حديثه ولا يحتج بما ينفرد به إلا يخفى من الكتابة المذكورة

ونحوه ليس من جمال المحامل أو كما قال داود بن رشد في سريج بن يونس ليس من جمازات أي أبعرة المحامل والجماز البعير أو ليس بالمرضى أو ليس يحمدونه أو ليس بالحافظ أو غيره أوثق منه وفي حديثه شيء وفلان مجهول أو فيه جهالة أو لاأدري ما هو أو للضعف ما هو يعني أنه ليس ببعيد عن الضعف وفلان فيه خلف وفلان طعنوا فيه او مطعون فيه وكذا فلان نزكوه بنون وزاي أي طعنوا فيه وفلان سيء حفظ وفلان لين الحديث أو فيه لين

قال الدارقطني إذا قلت فلان لين لا يكون ساقطا متروك الحديث ولكن مجروحا بشيء لا يسقط به عن العدالة وفلان تكلموا فيه وكذا سكتوا عنه أو فيه نظر من غير البخاري ونحو ذلك والحكم في المراتب الأربع الأول أنه لا يحتج بواحد من أهلها ولا يستشهد به ولا يعتبر به وكل من ذكر


373
من بعد لفظ لا يساوي شيئا وهو ما عدى الأربع بحديثه اعتبر أي يخرج حديثه للاعتبار لإشعار هذه الصنيع بصلاحية المتصف بها لذلك وعدم منافاتها لها

لكن قال البخاري من قلت فيه منكر الحديث يعني الذي أدرج في الخامسة لا يحتج به وفي لفظ لا تحل الرواية عنه وصنيع شيخنا يشعر بالمشي عليه حيث قال فقولهم متروك أو ساقط أو فاحش الغلط أو منكر الحديث أشد من قولهم ضعيف أو ليس بالقوي أو فيه مقال

ولكن يساعد كونها من التي بعدها قول الشارح في تخريجه الأكبر للأحياء وكثير ما يطلقون المنكر على الراوي لكونه روى حديثا واحدا ونحوه قول الذهبي في ترجمة عبد الله بن معاوية الزبيري من الميزان قولهم منكر الحديث لا يعنون به أن كل ما رواه منكر بل إذا روى الرجل جملة وبعض ذلك مناكير فهو منكر الحديث

قلت وقد يطلق ذلك على الثقة إذا روى المناكير عن الضعفاء

قال الحاكم قلت للدارقطني فسليمان بن بنت شرحبيل قال ثقة قلت أليس عنده مناكير قال يحدث بها عن قوم ضعفاء فأما هو فثقة وقال ابن دقيق العيد في شرح الإمام قولهم روى مناكير لا تقتضي بمجرده ترك روايته حتى تكثر المناكير في روايته وينتهي إلى أن يقال فيه منكر الحديث لأن منكر الحديث وصف في الرجل يستحق به الترك بحديثه والعبارة الأخرى لا تقتضي الديمومة كيف وقد قال أحمد بن حنبل في محمد بن إبراهيم التيمي يروي أحاديث منكرة وهو ممن اتفق عليه الشيخان وإليه المرجع في حديث الأعمال بالنيات

واعلم أن الصيغ عند أبي حاتم ست فقط كذاب ذاهب متروك ضعيف الحديث ليس بقوي لين الحديث وجعل الثلاث الأول منها من


374
أقصى المراتب وكل واحد مما بقي مرتبة فانحصرت المراتب عنده في أربع

وتبعه ابن الصلاح وزاد في أقصى المراتب أيضا ساقط تبعا للخطيب حيث قرنها بكذاب

وكذا زاد ابن الصلاح مما لم يعين له مرتبة لا شيء مضطرب الحديث لا يحتج به مجهول فيه ضعف ليس بذاك وقال إن قوله فيه ضعف أقل من فلان ضعيف

وأما الذهبي فالمراتب عنده ست لكن فيها بعض مخالفة لما تقدم فأرداها دجال وضاع كذاب ثم متهم ليس ثقة لا مأمون مجمع على تركه لا يحل كتابه حديثه ونحوها ثم هالك ساقط مطروح الحديث متروكه ذاهبه ثم مجمع على ضعفه ضعيف جدا ضعفوه تالف وليس بشيء ثم ضعيف ضعيف الحديث مضطربه منكره ونحوها ثم له مناكيره له ما ينكر فيه ضعف ليس بالقوي ليس بعمدة ليس بالمتين ليس بحجة ليس بذاك غيره أوثق منه تعرف وتنكر فيه جهالة ولين يكتب حديثه ويعتبر به ونحوها من العبادات الصادقة على من قد يحتج به أو يتردد فيه أو حديثه حسن غير مرتق إلى الصحيح

ومما ينبه عليه أنه ينبغي أن تتأمل أقوال المزكين ومخارجها فقد يقولون فلان ثقة أو ضعيف ولا يريدون به أنه ممن يحتج بحديثه ولا ممن يرد وإنما ذلك بالنسبة لمن قرن معه على وفق ما وجه إلى القائل من السؤال كان يسئل عن الفاضل المتوسط في حديثه ويقرن بالضعفاء فيقال ما تقول في فلان وفلان وفلان فيقول فلان ثقة يريد أنه ليس من نمط من قرن به فإذا سئل عنه بمفرده بين في المتوسط

وأمثلة ذلك كثيرة لا نطيل بها ومنها قال عثمان الدارمي سألت ابن معين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه كيف حديثهما فقال ليس به


375
بأس قلت وهو أحب إليك أو سعيد المقبري قال سعيد أوثق والعلاء ضعيف فهذا لم يرد به ابن معين أن العلاء ضعيف مطلقا بدليل قوله أنه لا بأس به وإنما أراد أنه ضعيف بالنسبه لسعيد المقبري وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة الجرح والتعديل ممن وثق رجلا في وقت وجرحه في آخر فينبغي لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل ممن بفصها ليتبين ما لعل خفي منها على كثير من الناس

وقد يكون الاختلاف لتغير اجتهاده كما هو أحد احتمالين في قول الدارقطني في الحسن بن عفير بالمعجمة إنه منكر الحديث وفي موضع آخر إنه متروك وثانيهما عدم تفرقته بين اللفظين بل هما عنده من مرتبة واحدة وكذا ينبغي تأمل الصيغ فرب صيغة يختلف الأمر فيها بالنظر إلى اختلاف ضبطها كقولهم فلان مود فإنها اختلف في ضبطها فمنهم من يخففها أي هالك قال في الصحاح أودى فلان أي هلك فهو مود ومنهم من يشددها مع الهمزهأي حسن الأداء أفاده شيخي في ترجمته سعد الأنصاري من مختصر التهذيب نقلا عن أبي الحسن ابن القطان الفاسي

وكذا أثبت الوجهين كذلك في ضبطها ابن دقيق العيد وأفاده شيخنا أيضا أن شيخه الشارح كان يقول في قول أبي حاتم هو على يدي غدل أنها من ألفاظ التوثيق وكان ينطق بها هكذا بكسر الدال الأولى بحيث تكون اللفظة للواحد ويرفع اللام ويرفع اللام وتنوينها قال شيخنا كنت أظن ذلك كذلك إلى أن ظهر لي أنها عند أبي حاتم من ألفاظ التجريح وذلك أن ابنه قال في ترجمة جبارة بن المغلس سمعت أبي يقول هو ضعيف الحديث ثم قال سألت أبي عنه فقال هو على يدي عدل ثم حكى أقوال الحفاظ فيه بالتضعيف ولم تنقل عن أحد فيه توثيقا ومع ذلك فما فهمت معناها ولا اتجه لي ضبطها ثم بان لي أنها كناية عن الهالك وهو تضعيف شديد

ففي كتاب اصلاح المنطق ليعقوب بن السكيت عن ابن الكلبي قال


376
جزء ابن سعد العشيرة ابن مالك من ولده العدل وكان ولي شرط تبع فكان تبع إذا أراد قتل رجل دفعه إليه فمن ذلك قال الناس وضع على يدي عدل ومعناه هلك

قلت ونحوه عند أبي قتيبة في أوائل أدب الكاتب وزاد ثم قيل ذلك لكل شيء قد يئس منه انتهى

وذكر أبو الفرج الأصبهاني بسند له أن أبا عيسى بن الرشيد طاهر بن الحسين كانا بها يتعذيان مع المأمون فأخذ أبو عيسى هندباة فغمسها في الخل وضرب بها عين طاهر فانزعج وقال ما أمير المومنين إحدى عيني ذاهبة والأخرى على يدي عدل يفعل لي هذا بين يديل ?

فقال المأمون يا أبا الطيب إنه والله بقيت معي بأكثر من هذا ومن ذلك مقارب الحديث حيث قيل إنه بفتح الراء رديء ولكن المعتمد كما تقدم أنه لا يختلف أمرها في فتح ولا كسر 1 360

فهرست عناوين
أقسام الحديث 14
أصح كتب الحديث 26
الصحيح الزائد على الصحيحين 34
المستخرجات 38
مراتب الصحيح 42
حكم الصحيحين الماضي ذكرهما فيما أسند فيهما وغيرة والتعليق 50
نقل الحديث من الكتب المعتمده 59
59
القسم الثاني الحسن 62
القسم الثاني الحسن 63
القسم الثالث الضعيف 96
96
المرفوع 102
102
المسند 104
104
المتصل والموصول 107
107
الموقوف 108
108
المقطوع 110
110
فروع 112
112
المرسل 134
134
المنقطع والمعضل 156
العنعنه 163
163
تعارض الوصل والارسال أو الرفع والوقف 173
173
التدليس 179
179
196
المنكر 201
الاعتبار والمتابعات والشواهد 207
207
زيادات الثقات 212
212
الإفراد 219
219
المعلل 224
225
المضطرب 237
237
المدرج 243
243
الموضوع 252
252
القلوب 272
272
تنبيهات 282
في معرفه من تقبل روايته ومن ترد 283
343
مراتب التعديل رتبه 361
مراتب التجريح 369
فهرست اشعار
( يقول راجي ربه المقتدر = عبد الرحيم بين الحسين الأثري ) 6
( من بعد حمد الله ذي الآلاء = على امتنان جل عن إعطاء ) 6
( ثم صلاة وسلام دائم = على نبي الخير ذي المراحم ) 6
( فهذه المقاصد المهمة = توضح من علم الحديث رسمه ) 6
( نظمتها تبصرة للمبتدي = وتذكرة للمنتهى المسند ) 6
( لخصت فيها ابن الصلاح اجمعه = إذا ظللت الدهر أبكى اجمعا ) 6
( وزدتها علما تراه موضعه = ) 6
( فحيث جاء الفعل والضمير = لواحد ومن له مستور ) 6
( أو أطلقت لفظ الشيخ ما = أريد إلا ابن الصلاح مبهما ) 6
( وإن يكن لاثنين نحو التزما = فمسلم مع البخاري هما ) 6
( والله أرجو في أموري كلها = معتصما في صعبها وسهلها ) 6
( وأهل هذا الشأن قسموا السنن = إلى صحيح وضعيف وحسن ) 14
( فالأول المتصل الإسناد = بنقل عدل ضابط الفؤاد ) 14
( وبالصحيح والضعيف قصدوا = في ظاهر لا القطع المعتمد ) 14
( إمساكنا عن حكمنا على سند = بأنه أصح مطلعا وقد ) 14
( خاض به قوم فقيل مالك = عن نافع بما رواة الناسك ) 14
( عن مثله من غير ما شذوذ = من عله قادحة فتؤذي ) 14
( مولاة واختر حيت عنه بسند = الشافعي قلت عنه وأحمد ) 14
( وجزم ابن حنبل الزهري = عن سالم أي عن أبيه البري ) 14
( وقيل زين العابدين عله أبه = عن جدة وابن شهاب عنه به ) 14
( أو فابن سيرين عن السلماني = او الأعمش فيه ذي الشأن ) 14
( النخعي عن ابن علقمة = عن ابن مسعود ولم من عممه ) 14
( أول من صنف في الصحيح = محمد وخص بالترجيح ) 26
( ومسلك بعد وبعض الغرب مع = أبي علي فضلوا ذا لو نفع ) 26
( ولم يعماه ولكن قل ما = عن ابن الأخرم منه قد فاتهما ) 26
( ورد لكن قال يحيى البر = لم يفت الخمسة إلا النذر ) 26
( وفيه ما فيه لقول الجعفي = أحفظ منه عشر ألف ألف ) 26
( وعله أراد بالتكرار = لها وموقوف وفي البخاري ) 26
( أربعه الآلاف والمكرر = فوق ثلاثه ألوفا ذكروا ) 26
( لا تهن الفقير علك أن = تركع يوما والدهر قد دفعه ) 31
( وخذ زيادة الصحيح إذ تنص = صحته أو من مصنف يخص ) 34
( بجمعه نحو ابن حبان الزكي = وابن خزيمة وكالمستدرك ) 34
( على تساهل وقال ما انفرد = فذاك حسن مالم يرد ) 34
( علة والحق أن يحكم = بما يليق والبستي يداني الحاكم ) 34
( واستخرجوا على الصحيح كابي = عوانة ونحوه واجتنب ) 38
( عزوك الفاظ المتون لهما = اذ خالفت لفظا ومعنى ربما ) 38
( وما يزيد فاحكمن صحته = فهو مع العلو من فائدته ) 38
( والاصل - يعني - البيهقي ومن عزا = وليت اذ زاد الحميدي ميزا ) 38
( وارفع الصحيح مرويها = ثم البخاري فمسلم فما ) 42
( شروطهما حوى فشرط الجعفي = فمسلم فشرط غير يكفي ) 42
( وعنده التصحيح ليس يمكن = في عصرنا وقال يحيى ممكن ) 42
( وللحديث رجال يعرفون به = وللدواوين كتاب وحساب ) 44
( واقطع بصحة لما قد أسندا = كذا له وقيل ظنا ولدى ) 50
( محققيهم قد عزاة النووي = وفي الصحيح بعض شيء قد روي ) 50
( مضعفا ذالهما بلا سند = أشياء فإن يجزم فصحح أو ورد ) 50
( ممرضا فلا ولكن يشعر = بصحه الأصل له كيذكر ) 50
( وإن يكن أول الإسناد حذف = مع صيغه الجزم فتعليقا عرف ) 50
( ولو إلى آخرة أما الذي = لشيخه عزا بقال فكذي ) 50
( عنعنه كخبر المعارف = لا تضع لابن حزم المخالف ) 50
( وأخذ متن من كتاب لعمل = أو احتجاج حيث ساغ قد جعل ) 59
( عرضا له على أصول يشترط = وقال يحيى النووي أصل فقط ) 59
( قلت ولا بن خير امتناع = نقل سوى مرويه إجماع ) 59
( والحسن المعروف مخرجا وقد = اشتهرت رجاله بذاك حد ) 62
( حمد وقال الترمذي ماسلم = من الشذوذ مع راو ماتهم ) 62
( بكذب ولم يكن فردا ورد = قلت وقد حسن بعض ما انفرد ) 62
( وقيل ما ضعف قريب محتمل = فيه وما بكل ذا حد حصل ) 62
( وقال بان لي فيه بامعان النظر = أن له قسمين كل قد ذكر ) 62
( قسما وزاد كونه ما عللا = ولا ينكر أو شذوذ شملا ) 62
( والفقهاء كلهم يستعمله = والعلماء الجل منهم يقبله ) 62
( وهو باقسام الصحيح ملحق = حجيه وإن يكن لا يلحق ) 62
( فإن يقل يحتج بالضعيف = فقل إذا كان من الموصوف ) 62
( رواته بسوء حفظ يحير = بكونه من غير وجه يذكر ) 62
( وإن يكن لكذب أو شذا = أو قوي الضعف فلم يجبر ذا ) 62
( ألا ترى المرسل حيث أسندا = أو أرسلوا كما يجيئ اعتضدا ) 62
( والحسن المشهور بالعداله = والصدق روايه إذا أتى له ) 62
( طرق أخرى نحوها من الطرق = صححته لمتن لولا أن أشق ) 62
( إذ تابعوا محمد بن عمروا = عليه فارتق الصحيح يجري ) 62
( وقال مظن منه للحسن = جمع أبي داود أي في السنن ) 62
( فإنه قال ذكرت فيه = ما صح أو قارب أن يحكيه ) 63
( وما به وهن شديد قلته = وحيث لا فصالح خرجته ) 63
( فما به ولمم يصحح وسكت = عليه عنده الحسن ثبت ) 63
( وابن رشيد قال وهو متجه = قد بيلغ الصحه عند مخرجه ) 63
( وللامام اليعمري إنما = قول أبي داود يحكي مسلما ) 63
( حيث قال جمله الصحيح لا = توجد عند مالك والنبلا ) 63
( فاحتاج أن ينزل في الإسناد = إلى يزيد ابن أبي زياد ) 63
( ونحوة وإن يكن ذي السبق = قد فاته أدرك باسم الصدق ) 63
( هلا قضى على كتاب مسلم = بما قض ى عليه بالتحكم ) 63
( والبغوي إذ قسم المصابحا = إلى الصحاح والحسان جانحا ) 63
( إن الحسان ما رووة في السنن = رد عليه إذ بها غير الحسن ) 63
( كان أبو داود أقوى ما وجد = يرويه والضعيف حيث لا يجد ) 63
( في الباب غيرة فذاك عنده = من رأى أقوى قاله ابن منده ) 63
( والنسائي يخرج من لم يجمعوا = عليه تركا مذهب متسع ) 63
( ومن عليها أطلق الصحيحا = فقد أتا تساهلا صريحا ) 63
( ودونها في رتبه ماجعلا = على المسانيد فيدعى الجفلا ) 63
( كمسند الطيالسي وأحمدا = وعده للدارمي انتقدا ) 63
( والحكم للاسناد بالصحه أو = بالحسن دون الحكم للمتن رأو ) 63
( وأقبله إن أطلقه من يعتمد = ولم يعقبه بضعف ينتقد ) 63
( واستشكل الحسن مع الصحه في = متن فإن لفظا يرد قفل صف ) 63
( ولا بي الفتح في الاقتراح = أن انفرد الحسن ذو اصلاح = 64
( وإن يكن صح فليس يلتبس = كل صحيح حسن لا ينعكس = 64
( وأوردوا ما صح من أفراد = حيث اشترطنا غير ما اسناد = 64
( أما الضعيف فهو مالم يبلغ = مرتبه الحسن وإن بسط بغى ) 96
( فقاقد شرط قبول قسم = واثنين قسم غيرة وضموا ) 96
( سواهما فثالث وهكذا = وعد لشرط غير مبدو فذا ) 96
( قسم سواهما ثم زد غير الذي = قدمته ثم على ذا فاحتذي ) 96
( وعده البستي فيما أوعى = لتسعه وأربعين نوعا ) 96
( وسم مرفوعا مضافا للنبي = واشترط الخطيب رفع الصاحب ) 102
( ومن يقابله بذي الإرسال = فقد عنى بذاك ذا اتصال ) 102
( والمسند المرفوع أو ما قد وصل = أو مع وقف وهو في هذا يقل ) 104
( والثالث الرفع مع الوصل معا = شرط به الحاكم فيه قطعا ) 104
( وإن تصل بسند منقولا = فسمه متصلا موصولا ) 107
( سواء الموقوف والمرفوع = ولم يروا أن يدخل المقطوع ) 107
( وسم بالموقوف ما قصرته = بصاحب وصلت أو قطعته ) 108
( وبعض أهل الفقه سماة الأثر = وإن تقف بغيرة قيد تبر ) 108
( والمرء ما عاش ممدود له الأثر = لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر ) 109
( وسم بالمقطوع قول التابعي = وفعله قد رأى للشافعي ) 110
( تعبيرة به عن المنقطع = قلت وعكسه اصطلاح البردي ) 110
( قول الصحابي من السنه أو = نحو أمرنا حكمه الرفع ولو ) 112
( بعد النبي قاله بأعصر = على الصحيح وهو قول الأكثر ) 112
( وقوله كنا نرى إن كان مع = عصر النبي من قبيل ما رفع ) 112
( وقيل لا أو لا فلا كذاك له = وللخطيب قلت لكن جعله ) 112
( مرفوعا الحاكم والرازي = ابن الخطيب وهو القوي ) 112
( مرفوع تابع على المشهور = مرسل أو قيده بالكبير ) 134
( أو سقط راو منه ذو أقوال = والأول الأكثر في استعمال ) 134
( واحتج مالك كذا النعمان = وتابعوهما به ودانوا ) 134
( وردة جماهير النقاد = للجهل بالساقط في الإسناد ) 134
( وصاحب التمهيد عنهم نقله = ومسلم صدر الكتاب أصله ) 134
( لكن إذا صح لنا مخرجه = بمسند أو مرسل يخرجه ) 134
( من ليس يروي عن رجال الأول = نقبله قلت الشيخ لم يفصل ) 134
( والشافعي بالكبار قيد = بمن روى عن الثقات أبدا ) 134
( ومن إذا شارك أهل الحفظ = وافقهم إلا بنقص لفظ ) 134
( فإن يقل فالمسند المعتمد = فقل دليلان به يعتضد ) 134
( ورسموا منقطعا عن رجل = وفي الأصول نعته بالمرسل ) 134
( أما الذي أرسله الصحابي = فحكمه الموصل على الصواب ) 134
( أمست سعاد بأرض لايبلغها = إلا العتاق النجيبات المراسيل ) 135
( أو كان قول واحد من مصحب = خير الأنام عجم وعرب ) 145
( أو كان فتوى جل أهل العلم = وشيخنا أهمله في النظم ) 146
( قلت الأصح إنه متصل = لكن في إسناده من يجهل ) 151
( وسم بالمنقطع الذي سقط = قبل الصحابي به راو فقط ) 156
( وقيل ما لم يتصل وقالا = بأنه الأقرب الاستعمالا ) 156
( والمعضل الساقط منه إثنان = فصاعدا ومنه قسم ثنان ) 156
( حذف النبي والصحاب معا = ووقف متنه على نت تبعا ) 156
( وصحوا وصل معنعن سلم = من دلسه راويه واللقاء علم ) 163
( وبعضهم حكا بذا إجماعا = ومسلم لم يشرط اجتماعا ) 163
( لكن تعاصرا وقيل يشترط = طول صحابه وبعضهم شرط ) 163
( معرفه الراوي بالأخذ عنه = وقيل كل ما أتانا منه ) 163
( منقطع حتى يبين الوصل = وحكم أن حكم عن والجل ) 163
( سووا وللقطع نحا البرديجي = حتى يبين الوصل في التخريج ) 163
( قال ومثله رآى ابن شيبه = كذا له ولم يصوب صوبه ) 163
( قلت الصواب أن من أدرك ما = راوة بالشرط الذي تقدما ) 163
( يحكم له بالوصل كيفما روى = بقال أو عن أو بأن فسوا ) 163
( وما حكى عن أحمد بن حنبل = وقول يعقوب على ذا نزل ) 163
( وكثر استعمال عن في ذا الزمن = إجازة وهو بوصل ما قمن ) 163
( واحكم ليوصل ثقه في الأظهر = وقيل بل إرساله للأكثر ) 173
( ونسب الأزل للنظار = إن صححوة وقفي البخاري ) 173
( لوصل لا نكاح إلا بولي = مع كون من ارسله كالجبل ) 173
( وقيل الأكثر الأحفظ = فما إرسال عدل يحفظ ) 173
( يقدح في أهليه الواصل أو = مسنده على الصح ورأوا ) 173
( أن الأصح الحكم للرفع ولو = من واحد في ذا وذا كما حكوا ) 173
( تدليس الإسناد كمن يسقط من = حدثه ويرتقي بعن وإن ) 179
( وقال يوهم اتصالا واختلف = في أهله فالرد مطلقا تقف ) 179
( والأكثرون قبلوا ما صرحا = ثقاتهم وصله وصححا ) 179
( وفي الصحيح علة كالأعمش = وكهشيم بعده وفتش ) 179
( وذمه شعبه ذو الرسوخ = ودونه التدليس للشيوخ ) 179
( أن يصف الشيخ بما لا يعرف = به وذا بمقصد يختلف ) 179
( فشرة للضعف واستصغارا = والخطيب يوهم استكثارا ) 179
( والشافعي أثبته بمرة = قلت وشرها أخو التسويه ) 179
( وذو الشذوذ ما يخالف الثقه = فيه الملا فالشافعي حققه ) 196
( والحاكم الخلاف فيه ما اشترط = وللخليلي مفرد الراوي فقط ) 196
( ورد ما قالا بفرد الثقه = النهي عن بيع الولا والهبه ) 196
( يقول مسلم روى الزهري = تسعين فردا كلها قوي ) 196
( اختار فيما لم يخالف إن من = يقرب من ضبط ففرده حسن ) 196
( أو بلغ الضبط فصحح أو بعد = فمما شذ فاطرحه ورد ) 196
( والمنكر الفرد كذا البرديجي = أطلق والصواب في التخريج ) 201
( اجراء تفصيل لدى الشذوذ مر = فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر ) 201
( نحو كلوا البلح بالتمر الخبر = ومالك سمى من عثمان عمر ) 201
( قلت فماذا بل حديث نزعه = خاتمه عند الخلاء وضعه ) 201
( الاعتبار سبرك الحديث هل = شارك راو غيرة فيما حمل ) 207
( عن شيخه فإن يكن شورك من = معتبر به فهو تابع وإن ) 207
( شورك شيخه ففوق فكذا = وقد يسعى شاهدا إذا ) 207
( متن بمعناة أتى فهو الشاهد = وما خلا عن كل ذا مفارد ) 207
( مثاله لو أخذوا إهابها = فلفظه الدباغ ما أتى بها ) 207
( عن عمرو إلا ابن عيينه وقد = توبع عمرو في الدباغ فاعتضد ) 207
( ثم وجدنا أيما إهاب = فكان فيه شاهد في الباب ) 207
( واقبل زيادات الثقات منهم = ومن سواهم عليه المعظم ) 212
( وقيل لا وقيل لا منهم وقد = قسمه الشيخ فقال ما نفرد ) 212
( دون الثقات ثقه خالفهم = فيه صريحا فهو رد عندهم ) 212
( أو لم يخالف فاقبلنه وادعى = فيه الخطيب الإتفاق مجمعا ) 212
( وخالف الإطلاق نحو جعلتت = تربه الأرض فهي فرد نقلت ) 212
( فالشافعي وأحمد احتجا بذا = والوصل والإرسال من ذا أخذا ) 212
( لكن في الإرسال جرحا فاقتضى = تقديمه ورد أن مقتضى ) 212
( هذا قبول الوصل أذ فيه وفي = الجرح علم زائد للمقتضى ) 212
( الفرد قسمان ففرد مطلقا = وحكمه عند الشذوذ سبقا ) 219
( والفرد بالنسبه ما قيدته = بثقه أو تكبر ذكرته ) 219
( أو عن فلان نحو قول القائل = لم يروده عن بكر إلا وائل ) 219
( لم يروة ثقه إلا ضمرة = لم يرو هذا غير أهل البصرة ) 219
( فإن يريدوا واحدا من أهلها = تجوزا فاجعله من أولها ) 219
( وليس في إفراده النسبيه = ضعف لها من هذه الحيثيه ) 219
( لكن ذا قيد ذاك بالثقه = فحكمه يقرب مما أطلقه ) 219
( وسم ما بعله مشمول = معللا ولا تقل معلول ) 224
( وهي عبارة عن أسباب طرت = فيها غموض وخفاء أثرت ) 224
( تدرك بالخلاف والتفرد = مع قرائن تضم يهتدي ) 224
( جهبذا إلى اطلاعه على = تصويب إرسال لما قد وصلا ) 224
( وقف ما يرفع أو متن دخل = في غيرة وهم واهم حصل ) 224
( ظن فأمضى أو وقف فاحجما = مع كونه ظاهرة إن سلما ) 224
( وهي تجيء غالبا في السند = تقدح في المتن بقطع مسند ) 224
( أو وقف مرفوع وقد لا تقدح = كالبيعان بالخيار صرحوا ) 224
( بوهم يعلى بين عبيد أبدلا = عمرا بعبد الله حين نقلا ) 224
( وعله المتن كنفي البسمله = إذ ظن راو نفيها فنقله ) 224
( وصح أن أنسا يقول لا = أحفظ شيئا في حين سئلا ) 224
( وكثر التعليل باإرسال = للوصل إن يقو على اتصال ) 224
( وقد يعلون بكل قدح = فسق وغفله ونوع جرح ) 224
( ومنهم من يطلق اسم العله = لغير قادح كوصل ثقه ) 224
( يقول معلول صحيح كالذي = يقول صح معه شذوذ اجتذى ) 225
( والنسخ سمى الترمذي عليه = فإن يرد في عمل فانجح له ) 225
( مضطرب الحديث ما قد وردا = مختلفا من واحد فأزيدا ) 237
( في متن أو في سند إن اتضح = فيه تساوى الخلف أما إن رجح ) 237
( بعض الوجوة لم يكن مضطربا = والحكم للراجح منها وجبا ) 237
( كخط للسترة جم الخلف = وافضطراب موجب للضعف ) 237
( المدرج الملحق آخر الخبر = من قول راو ما بلا فصل ظهر ) 243
( نحو إذا قلت التشهد وصل = ذلك زهير وابن ثوبان فصل ) 243
( قلت ومنه مدرج قبل قلب = اسبغوا الوضوء ويل للعقب ) 243
( وطمنه جمع ما أتى كل طرف = منه باسناد بواحد سلف ) 243
( كوائل في صفه الصلاة قد = أدرج ثم جثتهم وما اتحد ) 243
( ومنه أن يدرج بعض مسند = فس غيرة مع اختلاف السند ) 243
( نحو ولا تنافسوا في متن لا = تباغضوا فمدرج قد نقلا ) 243
( من متن لا تجسوا أدرجه = ابن أبي مريم إذا أخرجه ) 243
( ومنه متن عن جماعه ورد = وبعضهم خالف بعضا في السند ) 243
( فيجمع الكل بإسناد ذكر = كمتن أي الذنب أعظم الخبر ) 243
( فان عمرا عند واصل فقط = بين شقيقين وابن مسعود سقط ) 243
( وزاده الأعمش كذا منصور = وعمد الادراج لها محظور ) 243
( شر الضعيف الخبر الموضوع = الكذب المختلق المصنوع ) 252
( وكيف كان لم يخبروا ذكرة = لم أعلم مالم يبين أمرة ) 252
( وأكثر الجامع فيه إذا خرج = لمطلق الضعف عن أبا الفرج ) 252
( والواضعون للحديث اضرب = أخرهم قوم لزهد نسبوا ) 252
( قد وضعوها حسبه فقبلت = منهم ركونا لهم ونقلت ) 252
( فقيض الله لها نقادها = فبينوا بنقدهم قسادها ) 252
( نحو أبي عصمه إذ رأى الورى = زعما نأوا عن القرآن فافترى ) 252
( حديثا في فضائل السور = عن ابن عباس فبئس ما ابتكر ) 252
( وكذا الحديث عن أبي اعترف = راويه بالوضع وبئس ما اقترف ) 252
( وكل من أو ضعه كتابه = كالواحدي مخطئ صوابه ) 252
( وجوزوا الوضع على الترغيب = قوم ابن كرام وفي الترهيب ) 252
( وقسموا المقلوب قسمين إلى = ما كان مشهورا براو كابدلا ) 272
( بواحد نظيرة كي يرغبا = فيع للأغراب إذا ما استغربا ) 272
( ومنه العمد قلب سند لمتن = نحو امتحانهم إمام الفن ) 272
( في مايه لما أتى بغدادا = فردها وجود الإسنادا ) 272
( قلب لم يقصدوا الرواة = نحو إذا أقيمت الصلاة ) 272
( حدثه في مجلس البناني = حجاج أعني ابن أبي عثمان ) 272
( فظنه عن ثابت جرير = كما بينه حماد الضرير ) 272
( وان تجد متنا ضعيف السند = فقل ضعيف أي بهذا فاقصد ) 282
( ولا تضعف مطلقا بناء = على الطريق إذ لعل جاء ) 282
( بسند مجود بل يقف = ذاك على حكم إمام يصف ) 282
( بيان ضعفه فإ ن أطلقه = فالشيخ فيما بعد قجد حققه ) 282
( وإن ترد نقلا لواة أو لما = يشك فيه لا بإسنادهما ) 282
( فأت بمري كيروي واجزم = بنقل ما صح كقال فاعلم ) 282
( وسهلوا من غير موضوع رووا = من غير تبيين لضعف ورأوا ) 282
( اجمع جمهورا أئمه الأثر = والفقه في قبول ناقل الخبر ) 283
( بأن يكون ضابطات معدلا = أي يقظا ولم يكن مغفلا ) 283
( يحفظ إن حدث حفظا ويحوي = كتابه إن كان منه يروي ) 283
( يعلم ما في اللفظ من احاله = إن يروا بالمعنى وفي العداله ) 283
( بأن يكون مسلما ذا عقل = قد بلغ الحلم سليم الفعل ) 283
( من فسق خرم مروءة ومن = زكاة عدلان فعدل مؤتمن ) 283
( وصححوا اكتفائهم بالواحد = جرحا وتعديلا خلاف الشاهد 283
( وصححوا استغناء ذي الشهرة عن = تزكيه كمالك نجم السنن ) 283
( ولابن عبد البر كل من غنى = بحمله العلم ولم يوهنا ) 283
( فإنه عدل يقول المصطفى = يحمل هذا العلم لكن خولفا ) 283
( ومن يوافق غالبا ذو الضبط = فهو فضابط أو نادر فمخطى ) 283
( وصححوا قبول تعديل بلا = ذكر لأسباب له أن تثقلا ) 283
( ولم يروا قبول جرح أبهما = للخلف في أسبابه وربما ) 283
( استفسر الجرح فلم يقدح كما = فسرة شعبه بالركض فما ) 283
( هذا الذي عليه حفاظ الأثر = كشيخي الصحيح من أهل النظر ) 283
( فإن تقل قل بيان من جرح = كذا إذا قالو لمتن لم يصح ) 284
( وأبهموا فالشيخ قد أجابا = أن يجيب الوقف إذا استرابا ) 284
( حتى يبين بحثه قبوله = كمن أولو الصحيح خرجوا له ) 284
( ففي البخاري احتجاجا عكرمه = مع ابن مرزوق وغير ترجمه ) 284
( واحتج مسلم عن فد ضعفا = نحو سويد إذ يجرح ما اكتفى ) 284
( قلت وقد قال أبو المعالي = واختارة تلميذه الغزالي ) 284
( وابن الحطيب أن يحكم بما = أطلقه العالم بأسبابهما ) 284
( وقدموا الجرح وقيل إن ظهر = من عدل الأكثر فهو المعتبر ) 284
( ومبهم التعديل ليس مكتفى = به الخطيب والفقيه الصيرفي ) 284
( وقيل يكفي نحو أن يقالا = حدثني الثقه بل لو قالا ) 284
( جميع أشياخي ثقات لو لم = اسم لا يقبل من قد أبهمن ) 284
( وبعض من حق لم يرده = عالم من حق من قلده ) 284
( ولم يرو فتاة أو عمله = على وفاق المتن تصحيحا له ) 284
( وليس تعديلا على الصحيح = روايه العدل على التصريح ) 284
( واختلفوا هل يقبل المجهول = وهو على ثلاثه مجعول ) 284
( مجهول عين من له راو فقط = ورده الأكثر والقسم الوسط ) 284
( مجهول حال باطن وظاهر = وحكمه الرد لدى المجاهير ) 284
( والثالث المجهول للعداله = في باطن فقط قد رأى له ) 284
( حجيه في الحكم بعض من منع = ما قبله منهم سليم فقطع ) 284
( به وقال الشيخ إن العملا = يشبه أنه علي ذا جعلا ) 284
( في كتب من الحديث اشتهرت = خبرة بعض من بها تعذرت ) 284
( في باطن الأمر وبعض يشهر = ذا القسم مستورا وفيه نظر ) 285
( والخلف في مبتدع ما كفرا = قيل يرد مطلقا واستنكرا ) 285
( وقيل بل إذا استحل الكذبا = نصرة مذهب له ونسبا ) 285
( للشافعي إذ يقول أقبل = من غير خطابيه ما نقلوا ) 285
( والأكثرون حبان اتفاقا ورآة = عن أهل بدع في الصحيح ما دعوا ) 285
( وللحميدي والإمام أحمدا = بأن من يكذب تعمدا ) 285
( أي في الحديث لم نعد نقبله = وإن يتب والصيرفي مثله ) 285
( وأطلق الكذب وزاد أن من = ضعف نقلا لم يقوا بعد أن ) 285
( وليس كالشاهد والسمعاني = أبو المظفر يرى في الجاني ) 285
( بكذب في خبر إسقاط ما = له من الحديث قد تقدما ) 285
( ومن روى عن ثقه فكذبه = فقد تعارضا ولكن كذبه ) 285
( لا تثبتن يقول شيخه فقد = كذبه الآخر فاردد ما جحد ) 285
( وإن يرده بلا أذكر أو = ما يقتضي نسيانه فقد رأوا ) 285
( الحكم للذاكر عند المعظم = وحكى الإسقاط عن بعضهم ) 285
( كقصه الشاهد واليمين إذ = نسيه سهيل الذي أخذ ) 285
( عنه فكان بعد عن ربيعه = عن نفسه يرويه لن يضيعه ) 285
( والشافعي نها ابن عبد الحكم = يروي عن الحق لخوف التهم ) 285
( ومن روى الحديث بأجرة لم يقبل = إسحاق والرازي وابن حنبل ) 285
( وهو شبيه أجرة القرآن = يخرم من مروءة الإنسان ) 285
( لكن أبو نعيم الفضل أخذ = وغيرة ترخصا فإن ننبذ ) 285
( شغلا به الكسب أجز إرفاقا = أفتى به الشيخ أيو اسحاقا ) 285
( ورد ذو تساهل في الحمل = كالنوم والأدا كلا من أصل ) 286
( أو قبل التلقين أو قد وصفا = بالمنكرات كثرة أو عرفا ) 286
( بكثرة السهو وما حدث من = أصل صحيح فهو رد ثم إن ) 286
( بين له غلطه فما رجع = سقط عندهم حديثه جمع ) 286
( كذا الحميدي مع ابن حنبل = وابن المبارك رأو في العمل ) 286
( قال وفيه نظر نعم إذا = كان عنادا فيه ما ينكر ذا ) 286
( واعرضوا في هذه الدهور = عن اجتماع هذه الأمور 286
( لعسرها بل يكتفي بالعاقل = المسلم البالغ غبر الفاعل ) 286
( للفسق ظاهرا وفي الضبط بان = يثبت ما روعى بخط مؤتمن ) 286
( وأنه يروي في خط وافقا = لأصل شيخه كما قد سبقا ) 286
( لنحو ذاك البهقي فلقد = آل السماع لتسلسل السند ) 286
( ولا العلم إلا مع التقي = ولا العقل إلا مع الأدب ) 298
( أيها الماطل ديني = أملي وتماطل ) 343
( علل القلب فإني = قانع منك بباطل ) 343
( والجرح والتعديل قد هذبه = ابن أبي حاتم إذ رتبه ) 361
( والشيخ زاد فيها وزدت = ما في كلام أهله وجدت ) 361
( فارفع التعديل ما كررته = كثقه ثبت ولو أعدته ) 361
( ثم يليه ثقه أو ثبت أو = متقن أو حجه أو إذا عزوا ) 361
( الحفظ أو ضبطا لعدل ويلي = ليس به أهل أو صدوق وصل ) 361
( بذاك مأمونا خيارا وتلا = محله الصدق رووا عنه إلى ) 361
( الصدق ما كذا شيخ وسط = أو وسط فحسب أو شيخ فقط ) 361
( وصالح الحديث أو مقاربه = جيده حسنه مقاربه ) 361
( صويلح صدوق إن شاء الله = أرجوا بأن ليس به بأس عراة ) 361
( وابم معين قال من أقول لا = بأس به وثقه ونقلا ) 361
( أن ابم مهدي أجاب من سأل = أثقه كان أبو خلده بل ) 361
( كان صدوقا خيرا مأمونا = الثقه الثوري لو تعونا ) 361
( وربما وصف ذا الصدق وسم = ضعفا بصالح الحديث إذ يسم ) 361
( وأسوا التجريح كذاب يضع = يكذب وضاع ودجال وضع ) 369
( وبعدها متهم بالكذب = وساقط وهالك فاجتنب ) 369
( ذاهب متروك أو فيه نظر = وسكتوا عنه به لا يعتبر ) 369
( وليس بالثقه ثم ردا = حديثه كذا ضعيف جدا ) 369
( واة بمرة وهم قد طرحوا = حديثه وارم به مطرح ) 369
( ليس بشيء لا يساوي شيئا = ثم ضعيف وكذا إن جيء ) 369
( بمنكر الحديث أو مضطربه = واة وضعفوة لا يحتج به ) 369
( وبعدها فيه مقال ضعف = وفيه ضعف تنكر وتعرف ) 369
( ليس بذاك بالمتين ليس بالقوي = بحجه بعمده بالمرضى ) 369
( ما هو فيه خلف طعنوا = فيه كذا سيء حفظ لين ) 369
( تكلموا فيه وكل من ذكر = من بعد شيئا بحديثه اعتبر ) 369