فهرست عناوين فهرست اشعار
فتح المغيث شرح الفيه الحديث

مولف:سخاوي ، علي بن محمد ، 558-643ق.


3

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

متى يصح تحمل الحديث أو يستحب
( وقبلو من مسلم تحملا
في كفره كذا صبي حملا )
( ثم روى بعد البلوغ ومنع
قوم هنا ورد كالمبسطين مع )
( إحضار أهل العلم للصبيان ثم
قبولهم ما حدثوا بعد الحلم )
( وطلب الحديث في العشرين
عند الزبيري أحب حين )
( وهو الذى عليه أهل الكوفة
والعشر في البصيرة كالمألوفة )
( وفي الثلاثين لأهل الشام
وينبغي تقييده بالفهم )
( فكتبه بالضبط والسماع
حيث يصح وبه نزاع )
( فالخمس للجمهور ثم الحجة
قصة محمود وعقل المجتمع )
( وهو ابن خمسة وقيل أربعة
وليس فيه سنة ومتبعة )
( بل الصواب فهمه الخطابا
مميزا ورده الجوابا )
( وقيل لابن حنبل فرجل
قال لخمس عشرة التحمل )
( يجوز لا في دونها فغلطة
قال إذا علقه وضبطه )


4
( وقيل من بين الحمار والبقر
فرق سامع ومن لا فحضر )
( قال به الحمال وابن المقري
سمع لابن أربع ذي ذكر )

أو هل يصح حين الكفر والصبي وهل يستحب له وقت مخصوص أم لا وله مناسبة بباب من تقبل روايته ولكن كان تأخيره لأقسام التحمل النسب وقبلوا أي أهل هذا الشأن الرواية من مسلم مستكمل الشروط تحملا الحديث في حال كفره ثم أداه بعد إسلامه بالاتفاق وإن قال ابن السبكي في شرح المنهاج إنه الصحيح لعدم اشتراطهم كمال الأهلية حين التحمل محتجين بأن جبير ابن مطعم رضي الله عنه قدم على النبي في فداء أساري بدر قبل أن يسلم فسمعه حينئذ يقرأ في المغرب بالطور قال جبير وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي

وفي لفظ فأخذني من قراءته الكرب وفي آخر فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن وكان ذلك سببا لإسلامه ثم أدى هذه السنة بعد إسلامه وحملت عنه

وكذلك روايته للنبي واقفا بعرفة قبل الهجرة ونحوه تحديث أبي سفيان بقصة هرقل التى كانت قبل إسلامه بل عندنا لو تحمل الكافر والصبي شهادة ثم أدياها بعد زوال المانع قبل أيضا سواء سبق ردهما في تلك الحالة أم لا نعم الكافر المسر كفره لا تقبل منه إذا أعادها في الأصح كالفاسق غير المعلن

قال الخطيب وإذا كان هذا جائزا في الشهادة فهو في الرواية أولى لأن الرواية أوسع في الحكم من الشهادة مع أنه قد ثبت روايات كثيرة لغير واحد من الصحابة كانوا حفظوها قبل إسلامهم وأدوها بعده انتهى


5

ومن هنا أثبت أهل الحديث في الطباق اسم من تنفق حضوره مجالس الحديث من الكفار رجاء أن يسلم ويؤدي ما سمعه كما وقع في زمن التقي ابن تيمية أن الرئيس المتطيب يوسف بن عبد السيد بن المهزب إسحاق بن يحيى اليهودي الإسرائيلي عرف بابن الديان سمع في حال يهوديته مع أبيه من الشمس محمد بن عبد المؤمن الصوري أشياء من الحديث كجزء ابن عترة وكتب بعض الطلبة اسمه في الطبقة في جملة أسماء معين فأنكر عليه

وسئل ابن تيمية عن ذلك فأجازه ولم يخالفه أحد من أهل عصره بل ممن أثبت اسمه في الطبقة الحافظ المزي ويسر الله أنه أسلم بعد وسمى محمدا وأدى فسمعوا منه

وممن سمع منه الحافظ الشمس الحسين وغيره من أصحاب المؤلف ولم يتيسر له هو السماع منه مع أنه رآه بدمشق ومات في رجب سنة سبع وخمسين وسبعمائة بل ومن الغريب قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه سمعت أبا طالب يعني أباه يقول حدثني محمد ابن أخي وكان والله صدوقا فذكر شيئا

وروى من طريق أبي رافع عن أبي طالب نحوه وكلاهما عند الخطيب في رواية الأبناء عن الآباء

ومن طريق عمرو بن سعيد أن أبا طالب قال كنت بذي المجاز مع ابن أخي فأدركني العطش فذكر كلاما

ومن طريق عروة بن عمرو والفقيمي عن أبي طالب سمعت ابن أخي الأمين يقول أشكر ترزق ولا تكفر فتعذب ولكن كل هذا لا يصح وكذا يقبل عندهم فاسق تحمل في حال فسقه ثم زال وأدى من باب أولى وصبي حملا بالبناء للمفعول في حال صغره سماعا أو حضورا ثم روى بعد


6
البلوغ وكذا قبله على وجه وصفه البلقيني بالشذوذ قدمت حكايته في أول فصول من تقبل روايته ومن ترد ولكن قد منع قوم القبول هنا أي مسألة الصبي خاصة فلم يتقبلوا من تحمل قبل البلوغ لأن الصبي مظنة عدم الضبط وهو وجه للشافعية وعليه أبو منصور محمد بن المنذر بن محمد المراكشي الفقيه الشافعي

فحكى ابن النجار في ترجمته من تاريخه أنه كان يمتنع من الرواية أشد الامتناع ويقول مشايخنا سمعوا وهم صغار لا يفهمون وكذلك مشايخهم وأنا لا أرى الرواية عمن هذه سبيله وكذا كان ابن المبارك يتوقف في تحديث الصبي

فروينا من طريق الحسن بن عرفة قال قدم ابن المبارك البصرة فدخلت عليه وسألته أن يحدثني فأبى وقال أنت صبي فأتيت حماد بن زيد فقلت يا أبا إسماعيل دخلت على ابن المبارك فأبى أن يحدثني فقال يا جارية هاتي خفي وطيلساني وخرج معي يتوكأ على يدي حتى دخلنا على ابن المبارك فجلس معه على السرير وتحدثنا ساعة ثم قال له حماد يا أبا عبد الرحمن ألا تحدث هذا الغلام فقال يا أبا إسماعيل هو صبي لا يفقه ما يحمله فقال له حماد يا أبا عبد الرحمن حدثه فلعله والله أن يكون آخر من يحدث عنك في الدنيا فحدثه وكان كذلك

ونحوه ما رواه البيهقي في الشعب من طريق أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي قال لما رحل أبي إلى المغيرة يعني عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي وكان قد سمع منه أبي وأخي من قبلي فلما رآني أبو المغيرة قال لأبي من هذا قال أبني قال وما تريد به قال يسمع منك قال ويفهم فقال لي أبي وكنا في مسجد قم فصل ركعتين وارفع صوتك بالتكبير والاستفتاح بالقراءة والتسبيح في الركوع والسجود


7
والتشهد ففعلت فقال لي أبو المغيرة أحسنت

ثم قال لي أبي حدثنا فقلت حدثني أبي وأخي عن أبي المغيرة عن أم عبد الله ابنة خالد بن معدان عن أبيها قال من حق الولد على والده أن يحسن أدبه وتعليمه فإذا بلغ اثنتي عشرة فلا حق له وقد وجب حق الولد على ولده فإن هو أرضاه فليتخذه شريكا وإن لم يرضه فليتخذه عدوا فقال لي أبو المغيرة أجلس بارك الله عليك ثم حدثني وقال قد أغناك الله عن أبيك وأخيك قل حدثني أبو المغيرة

وأعلى من هذا أن زائدة بن قدامة كان لا يحدث أحدا حتى تشهد عنده عدول أنه من أهل السنة

وقال هشام بن عمار لقيت شهاب بن خراش وأنا شاب فقال لي إن لم تكن قدريا ولا مرجيا حدثتك وإلا لم أحدثك فقلت ما في من هذين شيء وكان عبد الله بن إدريس الأودي إذا لحن رجل عنده في كلامه لم يحدثه ورد على القائلين بعدم قبول الصبي بإجماع الأئمة على قبول حديث جماعة ومن صغار الصحابة مما تحملوه في حال الصغر كالسبطين وهما الحسن والحسين ابنا ابنته فاطمة الزهراء والعبادله ابن جعفر بن أبي طالب وابن الزبير وابن عباس والنعمان بن بشير والسايب بن يزيد والمسور بن مخرمة وأنس ومسلمة بن مخلد وعمر بن أبي سلمة ويوسف بن عبد الله بن سلام وأبي الطفيل وعائشة ونحوهم رضي الله عنهم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده مع إحضار أهل العلم خلفا وسلفا من المحدثين وغيرهم للصبيان مجالس العلم ثم قبولهم أي العلماء أيضا من الصبيان ما حدثوا به من ذلك بعد الحلم أي البلوغ وقد رأى أبو نعيم الفضل بن دكين أبا جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وهو يلعب مع الصبيان وقد طينوه وكان بينه وبين والده مودة فنظر إليه وقال يا مطين قد


8
آن لك أن تحضر مجلس السماع وكان ذلك سببا لتلقبه مطينا

ومات عبد الرزاق وللوبري ست سنين أو سبع ثم روى عنه عامة كتبه ونقلها الناس عنه وكذا سمع القاضي أبو عمر الهاشمي السنن لأبي داود من اللولوي وله خمس سنين واعتد الناس سماعه وحملوه عنه

وقال يعقوب الدورقي حدثنا أبو عاصم قال ذهبت بابني إلى ابن جريج وسنه أقل من ثلاث سنين فحدثه

وكفى ببعض هذا متمسكا في الرد فضلا عن مجموعة بل قيل إن مجرد إحضار العلماء للصبيان يستلزم اعتدادهم بروايتهم بعد البلوغ لكنه متعقب بأنه يمكن أن يكون الحضور لأجل التمرين والبركة ثم إن ما تقدم من سماع الصبي هو بالنظر للصحة سواء بنفسه أو بغيره وأما طلب الحديث بنفسه وكتابته وكذا الرحلة فيه فهو في العشرين من السنين بكسر النون على لغة ومنه قول الشاعر

( وماذا يبتغي الشعراء مني
وقد جاوزت حد الأربعين )

عند الإمام أبي عبد الله الزبير بن أحمد الزبيري بضم الزاء مصغر الشافعي أحب حين مما قبله لأن هذا السن مجتمع العقل قال سفيان يكمل عقل الغلام لعشرين والفهم كما قال ابن نفيس في ذلك الوقت أكمل مما قبله قال الزبيري وأحب أن يشتغل قبل الوصول إليه بحفظ القرآن والفرائض يعني الواجبات وهو أي استحباب التقيد بهذا السن في الطلب الذي عليه أهل الكوفة فقد كانوا كما حكاه موسى بن إسحق عنهم لا يخرجون أولادهم في طلب الحديث صغارا إلا عند استكمال عشرين سنة

ونحوه حكاية موسى بن هارون الحمال عنهم وقال عياض سمعت


9
بعض الشيوخ العلم يقول الرواية من العشرين والدراية من الأربعين

وقال أبو الحسن سعد الخير الأنصاري كان الأمر المواظب عليه في عصر التابعين وما يقاربه لا يكتب الحديث إلا من جاوز حد البلوغ وصلا في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم وسبقه الخطيب فقال قل من كان يكتب الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريبا منه إلا ما جاوز حد البلوغ وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم وسؤالهم

وخالفهم غيرهم العشر من السنين في أهل البصرة كالسنة المألوفة لهم حيث تقيدوا بها والطلب في بلوغ الثلاثين من السنين مألوف لأهل الشام بفتح المعجمة مقصور مهموز على إحدى اللغات حكاه موسى الحمال أيضا عن كل من الفريقين وأعلى من هذا كله قول سفيان الثوري وأبي الأحوص كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة فاجتمع في الوقت المستحب في ابتداء الطلب أقوال و الحق عدم التقيد بسن مخصوص بل ينبغي تقييده أي طلب المرء بنفسه بالفهم لما يرجع إلى الضبط لا أن المراد أنه يعرف علل الأحاديث واختلاف الروايات ولا أن يعقل المعاني واستنباطها إذ هذا ليس بشرط في الأداء فضلا عن التحمل فكتبه أي وتقيد كتب الحديث بنفسه بالتأهل للضبط أيضا وعبارة ابن الصلاح وأما الاشتغال بكتبة الحديث وتحصيله وضبطه وتقييده فمن حين يتأهل لذلك ويستعد له وذلك يختلف باختلاف الأشخاص وليس ينحصر في زمن مخصوص انتهى

وعن الحسن قال طلب الحديث في الصغر كالنقش في الحجر ولذا قال نفطويه

( آراني أنسى ما تعلمت في الكبر
ولست بناس ما تعلمت في الصغر )


10
( ولو فلق القلب المعلم في الصبى
لألفى فيه العلم كالنقش في الحجر )

ويروى معناه في الموقع من تعلم علما وهو شاب كان كوشي في حجر ومن تعلم بعد ما يدخل في السن كان كالكاتب على جمهر الماء ونحوه من تعلم القرآن في شيبته اختلط القرآن بلحمه ودمه ولا يصح واحد منها وكذا ينبغي أن نقيد السماع من الصبي للحديث بعد أن صار الملحوظ فيه إبقاء سلسلة الإسناد إذ مشينا على صحته وهو المعتمد كما تقدم بحيث أي بحين يصح أن يسمى فيه سامعا وبه أي وفي تعيينه نزاع بين العلماء فالخمس من السنين التقييديه للجمهور وعزاه عياض في الإلماع لأهل الصيغة

قال ابن الصلاح وعليه استقر عمل أهل الحديث المتأخرين فيكتبون لابن خمس فصاعدا سمع ولمن لم يبلغها حضرا واحضر ثم الحجة لهم في التقيد بها قصة محمود هو ابن الربيع وعقل المجة وهي إرسال الماء من الفم التي مجها النبي في وجهه من دلو على وجه المراعية أو التبريك عليه كما كان يفعل مع أولاد أصحابه رضي الله عنهم ثم نقله لذلك الفعل المنزل منزلة السماع وكونه سنة مقصودة وهو أي محمود ابن خمسة من الأعوام حسبما ثبت في صحيح البخاري من حديث الزبيدي عن الزهري عن محمود وبوب عليه متى يصح سماع الصغير

وأفاد شيخنا أنه لم ير التقييد بذلك في شيء من طرق حديثه لا في الصحيحين ولا في غيرهما من الجوامع والمسانيد إلا من طريق الزبيدي خاصة وهو من كبار الحفاظ المتقنين عن الزهري حتى قال الوليد بن مسلم كان الأوزاعي يفضله على جميع من سمع من الزهري وقال أبو داود ليس في حديثه خطأ

قال شيخنا ويشهد له ما وقع عند الطبراني والخطيب في الكفاية من


11
طريق عبد الرحمن بن نمر عن الزهري حدثني محمود قال وتوفي النبي وهو ابن خمس سنين

وأفادت هذه الرواية أيضا أن الواقعة التي ضبطها كانت في آخر سنة من حياة النبي ويطابق ذلك قول ابن حبان وغيره أنه مات سنة تسع و تسعين وهو ابن أربع وتسعين سنة لكن قد قال الوافدي إنه مات وهو ابن ثلاث ولعل لذا قيل إن حفظه لذلك وهو ابن أربع من الأعوام حكاه ابن عبد البر في الاستيعاب حيث قال إنه عقل المجة وهو ابن أربع سنين أو خمس كما أن بعد قول ابن عبد البر هذا مستند القاضي عياض أو غيره في وقوع في بعض الروايات وإلا فقد قال شيخنا إنه لم يقف عليه صريحا في شيء من الروايات بعد التتبع التام والأول أولى بالاعتماد لصحة إسناده على أن قول الواقدي يمكن حمله إن صح على أنه ألغى الكسر وجبره غيره

وقد حكى السلفي عن الأكثرين صحة سماع من بلغ أربع سنين بحديث محمود لكن بالنسبة لأبن العربي خاصة أما ابن العجمي فإذا بلغ سبعا وقيده الإمام أحمد فيما رويناه من طريق الحاكم عن القطيعي قال سمعت عبد الله بن أحمد يقول سمعت أبي سئل عن سماع الصبي فقال إن كان ابن عربي فابن سبع وإن كان ابن عجمي فإلى أن يفهم وقيده بالسبع مطلقا بعضهم

ونحوه ما رواه السلفي عن الربيع بن سليمان أن الشافعي سئل الإجازة لولد وقيل له إنه ابن ست سنين فقال لا تجوز الإجازة لمثله حتى يتم له سبع سنين وإذا كان هذا في الإجازة ففي السماع أولى فاجتمع أربعة أقوال في الوقت الذي يسمى فيه الصغير سامعا وبالجملة فليس فيه أي في تعيين وقته سنة بعينها متبعة إذ لزم من تمييز محمود أن تمييز كل أحد كذلك بل قد ينقص وقد يزيد وكذا لا يلزم منه أن لا يعقل مثل ذلك وسنه أقل من ذلك كما أنه لا يلزم من عقل المجة أن يعقل غيرها ما سمعه بل الصواب المعتبر في صحة سماع الصغير قول خامس وهو فهمه الخطابا


12
حال كونه مميزا ما يقصد به من ذلك مما يقصد به غيره ورد الجوابا سواء كان ابن خمس أو أقل ومتى لم يكن لعقل فهم الخطاب ورد الجواب لم يصح أي لم يكن سامعا حتى قال ابن الصلاح وإن كان ابن خمسين وبما قيدناه قد يشير إليه أيضا قول الأصوليين مما حكى فيه القشيري الإجماع يعدم قبول من لم يكن حين التحمل مميزا مع أنه قيل في المميز غير ذلك كما سيأتي

وكذا قال ابن السمعاني الأصح أنه لا تقدير وقال الأستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني إذا بلغ الصبي المبلغ الذي يفهم اللفظ بسماعه صح سماعه حتى أنه لو سمع كلمة أداها في الحال ثم كان مراعيا لما يقوله من تحديث أو لقراءة القارئ صح سماعه وإن لم يفهم معناه بل عزى النووي عدم التقدير المحققين حيث قال إن التقييد بالخمس أنكره المحققون وقالوا الصواب أن معتبر كل صبي بنفسه فقد تميز لدون خمس وقد يتجاوز الخمس ولا يميز واحتج بضبط ابن الزبير تردد والده إلى بني قريظة يوم الأحزاب وهو ابن أربع

قال شيخنا مشيرا لانتقاد الحصر في تبيين ابن الزبير الذي يظهر أنه إنما ولد في الأولى من الهجرة وقيل في الأحزاب إنها كانت سنة ست انتهى

نعم قول الحسن أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فجعلتها في في فنزعها النبي بلعابها فجعلها في التمر وقال كخ كخ يشعر بأنه دون ذلك إذ مثل هذا اللفظ لا يقال إلا للطفل المرضع أو قريب منه وذلك يقدح في التقييد بالخمس

ونحو قصة محمود ما رواه البيهقي عن عبد الله بن عتبة بن مسعود والد عبيد الله قال أذكر أن النبي أخذني وأنا خماسي أو سداسي فأجلسني في حجره ومسح رأسي ودعا لي ولذريتي بالبركة


13

وحدث القاضي أبو عمر محمد بن يوسف الحمادي عن جده يعقوب بن إسماعيل بن حماد بحديث لقنه وهو ابن أربع سنين قال ابن رشيد والظاهر أنهم أرادوا بتحديد الخمس أنها مظنة لذلك لا أن بلوغها شرط لا بد من تحققه ونحوه قول غيره اعتبر الجمهور المظنة وهي الخمس فأقاموها مقام ليئنة وهي التميز والإدراك والأولى أن تعتبر المظنة حيا لا يتحقق اليئنة وقال القاضي عياض ولعل تحديد أهل الصنعة بالخمس إنما أرادوا أن هذا السن أقل ما يحصل به الضبط وعقل ما يسمع وحفظه وإلا فمرجوع ذلك للعادة ورب بليد الطبع غبي القطرة لا يضبط شيئا فوق هذا السن ونبيل الجبلة ذكي القريحة يعقل دون هذا السن ومما يدل على أن المعتبر التمييز والفهم خاصة دون التقييد بسن أنه قيل للإمام ابن حنبل أحمد بن محمد من ولده عبد الله ما معناه فرجل هو ابن معين قال لخمس عشرة سنة التحمل يجوز لا في دونها متمسكا بأنه رد البراء وابن عمر رضي الله عنهما يوم بدر لصغرهما عن هذا السن فغلطه الإمام أحمد وقال بئس القول هذا بل إذا عقله أي الحديث وضبطه صح تحمله وسماعه ولو كان صبيا كيف يعمل بوكيع وابن عيينة وغيرهما ممن سمع قبل هذا السن قال وإنما ذاك يعني التقيد بهذا السن في القتال يعني وهو يقصد فيه مزيد القوة والجد والتبصر في الحرب فكانت مظنته البلوغ والسماع يقصد فيه الفهم فكانت مظنته التمييز

على أن قول ابن معين هذا يوجه بحمله على إرادة تحديد ابتداء الطلب بنفسه أما من سمع اتفاقا أو اعتنى فسمع وهو صغير فلا سيما وقد نقل ابن عبد البر وغيره كما أسلفته الاتفاق على قبول هذا

ومع هذا فاستدلال الإمام أحمد في الرد عليه بابن عيينة يقتضي مخالفته وإن المعتبر كما تقدم الضبط لا السن فقد قال أحمد إن ابن عيينة أخرجه


14
أبوه إلى مكة وهو صغير فسمع من الناس عمرو بن دينار وابن أبي نجيح في الفقه ليس تضمه إلى أحد من أقرانه إلا وجدناه مقدما

وعن ابن عيينة أتيت الزهرق وفي أذني قرط ولي ذؤابة فلما رآني جعل يقول واسنينه واسنينه ههنا ههنا ما رأيت طالب علم أصغر من هذا رواهما الخطيب في الكفاية

بل روى أيضا عن طريق أحمد بن النضر الهلالي قال سمعت أبي يقول كنت في مجلس ابن عيينة فنظر إلي صبي دخل المسجد فكان أهل المسجد تهاونوا به لصغر سنه فقال سفيان كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ثم قال لو رأيتني ولي عشر سنين طولي خمسة أشبار ووجهي كالدينار وأنا كشعلة نار ثيابي صغار وأكمامي قصار وذيلي بمقدار ونعلي كآذان الفار اختلف إلى علماء الأمصار مثل الزهري وعمرو بن دينار أجلس بينهم كالمسمار محبرتي كالجوزة ومقلتي كالموزة وقلمي كاللوزة فإذا دخلت المسجد قالوا أوسعوا للشيخ الصغير أوسعوا للشيخ الصغير ثم تبسم ابن عيينة وضحك واتصل تسلسله بالضحك والتبسم أبي الخطيب مع مقال في السند لكن القصد منه صحيح

وقد قال النووي في ترجمة ابن عيينة من تهذيبه وروينا عن سعد أن ابن نصر قال قال سفيان بين عيينة قرأت القرآن وأنا ابن أربع سنين وكتبت الحديث وأنا سبع سنين

وإذا علم هذا فقد ذكر بعضهم فيما يستدل به على تمييز الصغير سوى ما تقدم أن يعد من واحد إلى عشرين ذكره شارح التنبيه في الصلاة وهو من منقول القاضي أبي الطيب الطبري أو بكونه يحسن الوضوء أو الاستنجاء وما أشبه


15

وكذا بنحو ما اتفق لأبي حنيفة حين استأذن على جعفر بن محمد فإنه بينما هو جالس في دهليزه ينتظر الإذن إذ خرج عليه صبي خماسي من الدار

قال أبو حنيفة فأردت أن أسبر عقله فقلت أين يضع الغريب الغائط من بلدكم يا غلام قال فالتفت إلي مسرعا فقال فوق شطوط الأنهار ومساقط الثمار وأفنية المساجد وقوارع الطرق وتوار خلف جدار وأشل ثيابك وسم بسم الله وضعه أين شئت فقلت له من أنت فقال أنا موسى بن جعفر أوردها ابن النجار في ترجمة محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حمدان من تاريخه أو يتميز الدينار من الدرهم كما روينا في ترجمة أبي الحسن محمد بن محمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن أبي الرعد من تاريخ ابن النجار أيضا أنه قال ولدت سنة اثنتين وعشرين وأول ما سمعت من الحسن ابن شهاب العكبري في سنة سبع وعشرين إلى رجب سنة ثمان وعشرين قال وكان أصحاب الحديث لا يثبتون سماعي لصغري وأبي يحثهم على ذلك إلى أن اجمعوا على أن يعطوني دينارا ودرهما فإن ميزت بينهما يثبتون سماعي حينئذ قال فأعطوني دينارا ودرهما وقالوا ميز بينهما فنظرت وقلت أما الدينار فمغربي فاستحسنوا فهمي وذكائي وقالوا أخبر بالعين والنقد وقيل أيضا من بين الحمار أو الدابة والبقر فرق فهو سامع لتمييزه ومن لا يفرق بينهما ف يقال له حضر ولا يسمى سامعا قال به يعني بالطرف الأول خاصة موسى بن هارون الحمال بالمهملة جوابا لمن سأله متى يسمع للصبي فقال إذا فرق بين البقرة والحمار وفي لفظ إذا فرق بين الدابة والبقرة وتبعه ابن الصلاح من غير ذكر للطرف الثاني أيضا للاكتفاء بما فهم منه

وجنح له من المتأخرين الولي العراقي فكان يقول أخبرني فلان وأنا في الثالثة سامع فهم ويحتج بتمييزه بين بعيره الذى كان راكبه حين رحل به


16
أبوه الشارح أول ما طعن في السنة المذكورة وبين غيره وهو حجة و الأمام أبو بكر ابن المقري لكونه اعتبر التمييز والفهم سمع أي أفتي بإثبات السماع لابن أربع من السنين ذي ذكر وبضم الذال المعجمة أي حفظ وفهم

فروى الخطيب في الكفاية قال سمعت التاضي أبا محمد عبد الله بن محمد ابن عبد الرحمن الأصبهاني يقول حفظت القرآن ولي خمس سنين وحملت إلى أبي بكر المقري لأسمع منه ولي أربع سنين فقال بعض الحاضرين لا تسمعوا له فيما قرئ فإنه صغير فقال لي ابن المقري إقرأ سورة الكافرون فقرأتها فقال إقرأ التكوير فقرأتها فقال لي غيره إقرأ والمرسلات فقرأتها ولم أغلط فيها فقال لي ابن المقري إسمعوا له والعهدة علي

ثم قال سمعت أبا صالح صاحب الحافظ أبي مسعود أحمد بن الفرات يقول سمعت أبا مسعود يقول أتعجب من إنسان يقرأ المرسلات عن ظهر قلب ولا يغلط فيها هذا مع إنه ورد أصبهان ولم تكن كتبه معه فملأ كذا كذا ألف حديث عن ظهر قلبه فلما وصلت الكتب إليه قوبلت بما أملى فلم تختلف إلا في مواضع يسيره

قال الخطيب ومن أظرف شئ سمعناه في حفظ الصغير ما أنبأنا أبو العلاء محمد بن الحسن بن محمد بن الوراق أنبأنا أبو بكر أحمد بن كامل القاضي حدثني علي بن الحسن النجار حدثنا الصاغاني حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري قال رأيت صبيا ابن أربع سنين حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي غير أنه إذا جاع يبكي انتهى وفي صحتها نظر

وأغرب ما ثبت عندي في ذلك أن المحب ابن الهائم حفظ القرآن بتمامه والعمدة وجملة من الكافية الشافية وقد استكمل خمس سنين وكان يذكر له الآية ويسأل عما قبلها فيجيب بدون توقف


17

وروينا عن الحافظ أبي بكر الإسماعيلي أنه قال في حفيده أي معمر المفضل بن إسماعيل إنه يحفظ القرآن ويعلم الفرايض وأجاب في مسألة أخطأ فيها بعض قضاتنا كل ذلك وهو ابن سبع سنين وهل المعتبر في التمييز والفهم القوة أو الفعل الظاهر الأول ويشهد له أن شيخنا سئل عمن لا يعرف بالعربية كلمة فأمر بإثبات سماعه وكذا حكاه ابن الجزري عن كل من ابن رافع وابن كثير وابن المحب بل حكى ابن كثير أن المزي كان يحضر عنده من يفهم ومن لا يفهم يعني من الرجال ويكتب للكل السماع وكأنهم حملوا قول ابن الصلاح الماضي ومتى لم يكن يعقل فهم ومن ورد الجواب لم يصح وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين على انتفاء القوة مع الفعل أيضا وبقي شئ آخر وهو أن الذهبي قال إن الصغير إذا حضر إن الصغير له صح التحمل وإلا فلا شئ إلا كان إن كان السمع حافظا فيكون تقريره لكتابة اسم الصغير بمنزلة الأذن منه في الرواية عنه


18
أقسام التحمل والأخذ وأولها أي أعلاها رتبة سماع لفظ الشيخ
( أعلى وجوه الأخذ عند المعظم
وهي ثمان لفظ شيخ فأعلم )
( كتابا أو حفظا وقل حدثنا
سمعت أو أخبرنا أنبأنا )
( وقدم الخطيب أن يقولا
سمعت إذ لا تقبل التأويلا )
( وبعدها حدثنا حدثني
وبعد أخبرنا أخبرني )
( وهو كثير ويزيد استعمله
وغير واحد لما قد حمله )
( من لفظ شيخه وبعده تلا
أنبأنا نبأنا وقللا )
( وقوله قال لنا ونحوها
كقوله حدثنا لكنها )
( الغالب استعمالها مذاكرة
ودونها قال بلا مجاورة )
( وهي على السماع إن يدر اللقى
لا سيما من عرفوه في المضى )
( أن لا يقول ذا لغير ما سمع
منه كحجاج ولكن يمتنع )
( عمومه عند الخطيب وقصر
ذاك على الذي بذا الوصف اشتهر )

أعلى وجوه أي طرق الأخذ للحديث وتحمله عن الشيوخ عند


19
المعظم من المحدثين وغيرهم وهي أي الطرق ثمان ولها أنواع متفق على بعضها دون لعض لفظ شيخ أي السماع منه فاعلم ذلك لأن النبي أخبر الناس ابتداء وأسمعهم ما جاء به والتقرير على ما جرى بحضرته أو السؤال عنه مرتبة ثانية فالأولى أولى وفيه أقوال آخر تأتي حكايتها في القراءة على الشيخ ولكن هذا هو المعتمد سواء حدث كتابا أي من كتابه أو حفظا أي من حفظه إملاء أو غير إملاء في صورتي الحفظ والكتاب لكنه في الإملاء أعلى ما يلزم منه من تحرير الشيخ والطالب إذا الشيخ مشتغل بالتحديث والطالب بالكتابة عنه فهما لذلك أبعد عن الغفلة وأقرب إلى التحقيق وتبيين الألفاظ مع جريان العادة بالمقابلة بعده وإن حصل اشتراكه مع غيره من أنواع التحديث في أصل العلو

وأما ما تقرر في أرجحية هذا القسم هو الأصل وإلا فقد يعرض للفائق ما يجعله مفوقا كأن يكون المحدث لفظا غير ما هو إما مطلقا أو بالنسبة لبعض القراء هذا أبو علي الحسن بن عمر الكروي أحد المسندين لقنه الإمام التقي السبكي جميع الجزء الأول من حديث ابن السماك كلمة كلمة لكونه كان ثقيل السمع جدا قصدا لتحقق سماعه بذلك لأنه لو اقتصر على القراءة بالصوت المرتفع لم يزل يشك

وإن كان شيخنا قد وقع له مع ابن قوام في أخذ الموطأ رواية أبي مصعب لكونه أيضا كان ثقيل السمع جدا أنه هو وأصحابه كانوا يتناوبون القراءة عليه كلمة كلمة بصوت مرتفع كالآذان حتى زال الشك مع قرائن كصلاة المسمع على النبي وترضيه عن الصحابة ونحو ذلك فما وقع للسبكي أضبط بل ما وقع له أيضا أعلى من العرض فقط بلا شك

وأما تلقين الحجار قراءة سورة الصف قصدا لاتصال تسلسلها لكونه لم يكن يحفظها فأعلى من ذلك كله لعدم الخلل في سماعه وقل في حالة


20
الأداء سمعته من لفظ الشيخ حدثنا فلان أو سمعت فلانا أو أخبرنا أو خبرنا أو أنبأنا أو انبأنا فلان أو قال لنا أو ذكر لنا فلان على وجه الجواز في ذلك كله اتفاقا حسبما حكاه عياض يعني لغة كما صرح به الخطيب حيث قال كل هذه الألفاظ عند علماء اللسان عبارة عن التحديث وإلا فالخلاف موجود فيها اصطلاحا كما سيأتي

ومن أصرح الأدلة لذلك قوله تعالى (

يومئذ تحث أخبارها ) (

ولا ينبئوك مثل خبير ) قال ابن الصلاح وينبغي أي ندبا أن لا يطلق من هذه الألفاظ ما شاع استعماله في غير السماع لفظا لما فيه من الإبهام والإلباس يعني حيث حصلت التفرقة بين الصيغ بحسب افتراق التحمل وخص ما يلفظ به الشيخ بالتحديث وما سمع في العرض بالإخبار وما كان إجازة مشافهة بالإنباء بل عدم الإطلاق كما أشار إليه الشارح مما يتأكد في أنبأنا بخصوصها بعد اشتهار استعمالها في الإجازة لأنه يؤدي إلى إسقاط المروي ممن لا يحتج بها

وعلى كل حال فهذه الألفاظ متفاوتة وقد قدم الحافظ الخطيب منها أن يقولا أي الراوي سمعت إذ لفظها صريح لا تقبل كما سيأتي التأويل وبعدها أي بعد سمعت في الرتبة حدثنا لأن سمعت كما قال الخطيب لا يكاد أحد يقولها في الإجازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم يسمعه بخلاف حدثنا فقد استعملها في الإجازة فطر وغيره كما سبق في التدليس

وروى أن الحسن البصري كان يقول حدثنا أبو هريرة ويتأول حدث


21
أهل المدينة والحسن بها كما كان يقول خطبنا ابن عباس بالبصرة ويريد خطب أهل البصرة وكما كان ثابت يقول قدم علينا عمران بن حصين وممن صرح بنسبة الحسن لذلك البزار حيث قال إن الحسن روى عمن لم يدركه وكان يتأول فيقول حدثنا وخطبنا يعني قومه الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة ويتأيد بتصريح أيوب وبهز بن أسد ويونس بن عبيد وأحمد وأبي زرعة وأبي حاتم وابن المديني والترمذي والنسائي والبزار والخطيب وغيرهم بأنه لم يسمع من أبي هريرة بل قال يونس إنه ما رآه قط لكن يخدش في دعوى كونه صرح بالتحديث أنه قيل لأبي زرعة فمن قال عنه حدثنا أبو هريرة قال يخطئ ونحوه قول أبي حاتم وقيل له إن ربيعة بن كلثوم قال سمعت الحسن يقول حدثنا أبو هريرة لم يعمل ربيعة شيئا لم يسمع الحسن من أبي هريرة شيئا

وقول سالم الخياط في روايته عن الحسن سمعت أبا هريرة مما يبين ضعف سالم فإن حاصل هذا كله أنه لم يصح عن الحسن التصريح بالتحديث وذلك محمول من رواية على الخطأ أو غيره

لكن قال شيخنا وقع في سنن النسائي عن إسحق بن راهوية عن المغيرة ابن سلمة عن وهيب عن أيوب عن الحسن عن أبي هريرة في المختلفات قول الحسن لم أسمع من أبي هريرة غيره قال شيخنا وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته وهو يؤيد أنه سمع من أبي هريرة في الجملة كذا قال

والذى رأيته في السنن الصغرى للنسائي بخط المنذري بلفظ قال الحسن لم أسمعه من غير أبي هريرة وكذا في الكبرى بزيادة أحد زاد في الصغرى قال أبو عبد الرحمن يعني النسائي المصنف الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئا وكان جوز التدليس في هذه العبارة أيضا بإرادة لم أسمعه من


22
غير حديث أبي هريرة

على أن ابن دقيق العيد قال في التأويل الأول إنه إذا لم يقم دليل قاطع على أن الحسن لم يسمع منه لم يجز أن يصار إليه انتهى

ولكن الذى عليه العمل عدم سماعه والقول بمقابلة ضعف النقاد

وكذا مما يشهد لكونها غير صريحة في السماع ما في صحيح مسلم في حديث الذي تقتله الدجال فيقول أنت الدجال الذي حدثنا به رسول الله إذا من المعلوم تأخر ذلك الرجل فيكون حينئذ مراده حدث الأمة وهو منهم

ولكن قد خدش في هذا أيضا بأنه قد قيل إن ذاك الرجل هو الخضر عليه السلام يعني على القول ببقائه وحينئذ فلا مانع من سماعه

وبالجملة فالاحتمال فيها ظاهر وكذا بعد سمعت حدثني وهي وإن لم يطرقها الاحتمال المشار إليه لا توازي سمعت لكون حدثني كما قال شيخنا قد تطلق في الإجازة بل سمعنا بالجمع لا توازي المفرد منه لطروق الاحتمال أيضا فيه وبعدد أي حدثني وحدثنا أخبرنا وأخبرني إلا أن الأفراد أبعد عن تطرق الاحتمال

وعن بعضهم كما حكاه ابن العزبي في المسالك قال حدثنا أبلغ من أنبأنا لأن حدثنا قد تكون صفة للموصوف والمخبر من له الخبر كأنه أشار لما سيأتي عند حكاية الفرق بينهما من القسم بعده وسئل أحمد بن صالح عن حدثنا وأخبرنا وأنبأنا فقال حدثنا أحسن شئ في هذا وأخبرنا دون حدثنا وأنبأنا مثل أنا وهو أي الأداء بأنا جمعا وفرادا في السماع من لفظ الشيخ كثير في الاستعمال ويزيد بن هارون استعمله هو وغير واحد منهم حماد بن سلمة وابن مبارك وعبد الرزاق وهشيم وخلق منهم ابن منده لما قد حمله الواحد منهم من لفظ شيخه كأنهم يرون ذلك أوسع ويؤيده قول الخطيب وإنما استعمل من إستعمل أنا ورعا ونزاهة


23
لأمانتهم فلم يجعلوها للينها بمنزلة حدثنا

وممن صرح بذلك أحمد فقال أنا أسهل من ثنا حدثنا شديد قال ابن الصلاح وكان هذا كله قبل أن يشيع تخصيص أنا بالعرض لكن قد قال محمد بن رافع إن عبد الرزاق كان يقول أنبأنا حتى قدم أحمد وإسحق فقالا له قل حدثنا قال ابن رافع فما سمعته معهما كان عبد الرزاق يقول فيه حدثنا وأما قبل ذلك فكان يقول أنبأنا بل حكى عبد الله بن أحمد أن أباه قال فكان عبد الرزاق كثيرا ما يقول حدثنا لعلمه أنا نحب ذلك ثم يرجع إلى عادته وكأن أحمد أراد اللفظ الأعلى ولا ينافيه ما تقدم عنه وبعده أي بعد لفظ أنبأنا وأخبرني تلا أنبأنا أو نبأنا بالتشديد وقللا استعماله فيما يسمع من لفظ الشيخ أي قيل اشتهر استعمالها في الإجازة ثم أن ما تقدم في ترجيح سمعت من تلك الحيثية ظاهر لكن لحدثنا وأنبأنا أيضا جهة ترجيح عليها وهي ما فيهما من الدلالة على أن الشيخ رواه الحديث وخاطبه به فيهما

وقد سأل الخطيب شيخه البرقاني عن النكتة في عدوله عن واحدة منهما أني سمعت حين التحديث عن القاسم الأبندوني فقال لأن أبا القاسم كان مع ثقته وصلاحه عسرا في الرواية فكنت أجلس حيث لا يراني ولا يعلم بحضوري فلهذا أقول سمعت لأن قصده في الرواية إنما كان لشخص معين أشار إليه ابن الصلاح ومنه قول أبي داود صاحب السنن قرئ على الحارث بن مسكين وأنا شاهد ونحوه حذف النسائي الصيغة حيث يروى عن الحارث أيضا بل يقتصر على قوله الحارث بن مسكين قرأنا عليه وأنا أسمع لأن الحارث كان يتولى قضاء مصر وكان بينه وبين النسائي خشونة فلم يمكنه حضور مجلسه فكان يتستر في موضع ويسمع حيث لا يراه فلذلك تورع وتحرى


24

وهذا ظاهر من قصد إفراد شخص بعينه أو جماعة معينين كما وقع للذي أمر بدق الهاون حتى لا يسمع حديثه من قعد على باب داره ولذا نقل عن معتمر ابن سليمان أنه قال سمعت أسهل على من حدثنا وأنا وحدثني وأخبرني لأن الرجل قد يسمع ولا يحدث وقد قال لابن حدثني ابن مليكة حدثني عقبة ابن الحارث ثم قال لم يحدثني ولكني سمعته يقول تزوجت ابنة أبي إهاب فجاءت امرأة سوداء فقالت قد أرضعتكما الحديث

وقال أبو نعيم الفضل بن دكين قلت لموسى بن علي بمكة حدثك أبوك قال حدث القوم وأنا فيهم فأنا أقول سمعت وكل هذا يوافق صنيغ البرقاني وكذا حكى أبو جعفر محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح بن المديني إنه بينما هو مع أبيه عند الإمام أحمد في عيادته وكان مريضا وعنده يحيى بن معين وغيره من المحدثين إذا دخل أبو عبيد القاسم بن سلام فالتمس منه يحيى أن يقرأ عليهم كتاب الغريب له وأحضر الكتاب وأخذ يقرأ الأسانيد ويدع التفسير فقال له يا أبا عبيد دعنا من الأسانيد نحن أحذق بها منك ففعل فقال يحيى لعلي دعه يقرأه على وجهه فقال أبو عبيدة ما قرأته إلا على المأمون فأن أحببتم قراءته فاقرأوه فقال له علي إن قرأته علينا وإلا فلا حاجة لنا فيه ولم يكن أبو عبيد يعرف عليا فسأل يحيى عنه فقال له هذا علي بن المديني قال فالتزمه وقرأ حينئذ قال ممن حضر ذلك المجلس فلا يقول حدثنا أو نحوها يعني لكون علي هو المخصوص بالتحديث وكان أبي يعني عليا يقول حدثنا

وعلى هذا لو قال سمعني بالتشديد حصل التساوي من هذه الحيثية وثبت للسماع التفضيل مطلقا وأما لو قال حدث أو أخبر فلا يكون مثل سمعت في ذلك على أنا قول الحيثية المشار إليها في حدثنا وأنبأنا معارضة فيهما بما يخدش في الاتصال مما لأجله كانت سمعت أرجح منهما وقوله


25
أي الرواي قال لنا ونحوها مثل قال لي أو ذكر لنا أو ذكرني كقوله حدثنا فلان في الحكم لها بالاتصال حسبما علم مما تقدم مع الإحاطة بتقديم الإفراد على الجمع لكنها أي هذه الألفاظ الغالب من صنيعهم استعمالها فيما سمعوه في حال كونه مذاكرة وقال ابن الصلاح أنه أي السماع مذاكرة لائق به أي بهذا اللفظ وهو به أشبه من حدثنا انتهى

وممن صرح بأن البخاري بخضوصه يستعملها في المذاكرة أبو إسماعيل الهروي حيث قال عندي إن ذاك الرجل ذاكر البخاري أنه سمع من فلان حديث كذا فرواه بين المسموعات لهذا اللفظ وهو استعمال حسن ظريف ولا أحد أفضل من البخاري

وخالف أبو عبد الله بن منده في ذلك حيث جزم بأنه إذا قال قال لي فهو إجازة

وكذا قال أبو يعقوب الحافظ إنه رواية بالإجازة

وقال أبو جعفر بن حمدان إنه عرض ومناولة وهو على تقدير تسليمه منهم له حكم الاتصال أيضا على رأي الجمهور لكنه مردود عليهم فقد أخرج البخاري في الصوم من صحيحه حديث أبي هريرة قال قال إذا نسي أحدكم فأكل وشرب فقال فيه حدثنا عبدان وأورده في تاريخه بصيغة قال لي عبدان وكذا أورد حديثنا في التفسير من صحيحه من إبراهيم بن موسى بصيغة التحديث ثم أورده في الإيمان والنذور منه أيضا بصيغة قال لي إبراهيم بن موسى في أمثلة كثيرة حقق شيخنا باستقرائه لها أنه إنما يأتي بهذه الصيغة إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضع كتابه كأن يكون ظاهره الموقف أو في السند من ليس على شرطه في الاحتجاج

بل قال أبو نعيم كما قدمته في التعليق عقب الحديث من مستخرجه أخرجه البخاري بصيغة كتب إلى محمد بن بشار هذا الحديث بالإجازة ولا أعلم له في الكتاب حدثنا بالإجازة غيره


26

قال شيخنا ومراد أبي نعيم بذلك ما كان عن شيوخه بلا واسطة وإلا فقد وقع عنده في أثناء الإسناد بالإجازة الكبير يعني كما سيأتي في القسم الخامس ثم أن ابن منده نسب مسلما لذلك أيضا فزعم أنه كان يقول فيما لم يسمعه من مشايخه قال لنا فلان وهو تدليس

قال شيخنا ورده شيخنا يعني الناظم وهو هو كما قال ودونهما أي قال لي قال بلا مجاورة أي بدون ذكر الجار والمجرور التي قال ابن الصلاح أنها أوضع العبارات وهي مع ذلك محمولة على السماع إن يدر اللقي بينهما جزم به ابن الصلاح هنا وفي التعليق زاد هناك وكان القائل سالما من التدليس لا سيما من عرفوه أي أهل الحديث في المضي أي في ما مضى أن لا يقول ذا أي لفظ قال شيخه لغير ما سمع منه كحجاج بن محمد الأعور فإنه روى كتب ابن جريج بلفظ قال ابن جريج فحملها الناس عنه واحتجوا بها

وكذا قال همام ما قلت قال قتادة فأنا سمعته منه قوال شعبة لأن أزني أحب إلي من أن أقول قال فلان ولم اسمعه منه ولكن يمتنع عمومه أي الحكم بذلك عند الحافظ الخطيب إذا لم يعرف اتصافه بذلك وقصر الخطيب ? اك الحكم على الراوي الذي بذا الوصف اشتهر

قال ابن الصلاح والمحفوظ المعروف ما قدمناه وأما البخاري فاختار شيخنا كما تقدم في هذه الصيغة منه بخصوصه عدم طرد حكم معين مع القول لصحته لجزمه به كما قررته في التعليق بما أغنى عن إعادته فائدة وقع في الفتن من صحيح مسلم من طريق المعلى بن زياد رده إلى معاوية بن قرة إلى معقل بن يسار رده إلى النبي فذكر حدثنا وهو ظاهر في الاتصال ولذا أورده مسلم في صحيحه وإن كان اللفظ من حيث هو يحتمل الواسطة


27
القسم الثاني من أقسام التحمل والأخذ
القراءة على الشيخ
( ثم القراءة التي نعتها
معظمهم عرضا سوى قرأتها )
( من حفظ أو كتاب أو سمعتا
والشيخ حافظ لما عرضتا )
( أو لا ولكن أصله يمسكه
بنفسه أو ثقة ممسكة )
( قلت كذا إن ثقة من سمع
يحفظه مع استماع فامتنع )
( وأجمعوا أخذ بها وردوا
نقل الخلاف وبه ما اعتدوا )
( والخلف فيها هل تساوى الأولا
كوفة الحجاز أهل الحرم )
( عن مالك وصحبه ومعظم
أو دونه أو فوقه فنقلا )
( مع البخاري هما سيان
وابن أبي ذئب مع النعمان )
( قدر جحا العرض وعكسه أصح
وجل أهل الشرق نحوه جنح )
( وجودا فيه قرأت أو قرئ
مع وأنا أسمع ثم عبر )
( بما مضى في أول مقيدا
قراءة عليه حتى منشدا )
( أنشدنا قراءة عليه لا
سمعت لكن بعضهم قد حلل )
( ومطلق التحديث والإخبار
منعه أحمد ذو المقدار )


28
( والنسائي والتميمي يحيى
وابن المبارك الحميد سعيا )
( وذهب الزهري والقطان
ومالك وبعده سفيان )
( ومعظم الكوفة والحجاز
مع البخاري إلى الجواز )
( وابن جريج وكذا الأوزاعي
مع ابن وهب والإمام الشافعي )
( ومسلم وجل أهل الشرق
قد جوزوا أخبرنا للفرق )
( وقد عزاه صاحب الإنصاف
للنسائي من غير ما خلاف )
( والأكثرين وهو الذى اشتهر
مصطلحا لأهله أهل الأثر )
( وبعض من قال بذا أعادا
قراءة الصحيح حتى عادا )
( في كل متن قائلا أخبركا
إذ كان قال أولا حدثكا )
( قلت وذا رأى الذين أشرطوا
إعادة الإسناد وهو شطط )

ثم يلي السماع من لفظ الشيخ القراءة عليه وهي التي نعتها يعني سماها معظمهم أي أكثر أهل الحديث من الشرق وخراسان عرضا بمعنى أن القارئ يعرض على الشيخ كما يعرض القرآن على المقريء وكان أصله مع وضع عرض شئ على عرض شئ آخر لينظر في استوائهما وعدمه وأدرج فيه بعضهم عرض المناولة والتحقيق عدم إطلاقه فيه كما سيأتي سوى بفتح السين المهملة والقصر على لغة أي في تسميتها عرضا أقرأتها أي الأحاديث بنفسك على الشيخ من حفظ منكر أو كتاب لك أو للشيخ أو لغيره أو سمعتا بقراءة غيرك من كتاب كذلك أو حفظه أيضا والشيخ في حال التحديث حافظا لما عرضتا أو عرض غيرك عليه أو لا يحفظ ولكن يكون أصله معه يمسكه هو بنفسه أو ثقة ضابط غيره ممسكه كما سيأتي في أول الفروع الآتية

قلت وكذا الحكم إن كان ثقة ضابط و ممن سمع معك


29
يحفظه أي المقرئ مع استماع منه لما يقرأ وعدم عقله عنه فامتنع بذلك وإن لم يذكرها ابن الصلاح لكنه قد اكتفى بالثقة في إمساك الأصل فليكن في الحفظ

كذلك إذ لا فرق وهو ظاهر والفارق أن يفرق بأن الحفظ جواز ولا الامساك أو في الحفظ أو يجتمع لأحدهما الحفظ والإمساك وأجمعوا أي أهل الحديث أخذ أي على الأخذ والتحمل بها أي بالرواية عرضا وتصحيحها

وممن صرح بذلك عياض فقال لا خلاف إنما رواية صحيحة وردوا نقل الخلاف المحكي عن أبي عاصم النبيل وعبد الرحمن ابن سلام الجمحي ووكيع ومحمد بن سلام فإنه قال أدركت مالكا فإذا الناس يقرؤون عليه فلم أسمع منه لذلك وغيرهم من السلف من أهل العراق ممن كان يشدد ولا يعتد إلا بما سمعه من ألفاظ المشايخ وبه أي بالخلاف ما عتدوا لعلمهم بخلافه

وكان مالك يأبى أشد الإباء على المخالف ويقول كيف لا يجزيك هذا في الحديث ويجزيك في القرآن والقرآن أعظم ولذا قال بعض أصحابه صحبته سبع عشرة سنة مما رأيته قرأ الموطأ على أحد بل يقرءون عليه

وقال إبراهيم بن سعد يا أهل العراق لا تدعون تنطعكم العرض مثل السماع واستدل له أبو سعيد الحداد كما أخرجه البيهقي في المعرفة من طريق ابن خزيمة سمعت البخاري يقول قال أبو سعيد الحداد عندي خبر عن النبي في القراءة على العالم فقيل له فقال قصة ضمام بن ثعلبة قال الله أمرك بهذا قال نعم ورجع ضمام إلى قومه فقال لهم إن الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا وقد جئتكم من عنده مما أمركم به ونهاكم عنه فأسلموا عن آخرهم


30

قال البخاري فهذا أي قول ضمام الله أمرك قراءة على النبي وأخبر ضمام قومه بذلك فأجازوه أي قبلوه منه ولكن الخلف بينهم فيها أي في القراءة عرضا هل تساوي القسم الأول أي السماع لفظا أو هي دونه أو فوقه فنقلا بالبناء للمفعول عن مالك هو أنس وصحبه بل وأشباهه من أهل المدينة وعلمائها كالزهري كما قال عياض و كذا عن معظم العلماء من أهل كوفة بفتح التاء غير منصرف كالثوري و من أهل الحجاز أهل الحرم أي مكة كابن عيينة مع الناقد الحجة أبي عبد الله البخاري في جماعة من الأئمة كالحسن البصري أوردهم في أوائل صحيحه ويحيى ابن سعي القطان في رواية هما أي أنهما في القوة والصحة سيان وممن رواه عن مالك إسماعيل ابن أبي أويس فإنه قال إنه سئل عنه عن حديثه أسماع هو فقال منه سماع ومنه عرض وليس العرض عندنا بأدنى من السماع وهذا هو القول الأول إذ لكل واحد منهما وجه أرجحية ووجه مرجوحية فتعادلا وحكاه البيهقي وعياض عن أكثر أئمة المحدثين والصيرفي عن نص الشافعي

قال عوف الأعرابي جاء رجل إلى الحسن البصري فقال يا أبا سعيد منزلي بعيد والاختلاف علي يشق فإن لم تكن ترى بالقراءة بأسا قرأت عليك فقال ما أبالي قرأت عليك أو قرأت علي قال فأقول حدثني الحسن قال نعم ويروى فيه حديث مرفوع عن علي وابن عباس وأبي هريرة لفظه قراءتك على العالم وقراءة العالم عليك سواء ولا يصح رفعه والقول الثاني الوقف حكاه بعضهم وابن أبي ذئب وهو أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث القرشي العامري المدني مع الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت قد رجح العرض على السماع لفظا فروى السليماني من حديث الحسن بن زياد قال كان أبو حنيفة يقول قراءتك على المحدث أثبت وأوكد من قراءته عليك إنه إذا قرأ عليك فإنما يقرأ على ما في


31
الصحيحة وإذا قرأت عليك فقال حدث عني ما قرأت فهو تأكيد

وعن موسى داود قال إذا قرأت علي شغلت نفسي بالإنصات لك وإذا حدثتك غفلت عنك رواه الرامهرمزي ثم عياض في آخرين من المدينين وغيرهم كيحيى بن سعيد بن مروخ القطان في إحدى الروايتين عند وابن جريج وشعبة محتجين بأن الشيخ لو سهى لم يتهيأ للطالب الرد عليه إما لجهالته أو لهيبة الشيح أو لظنه فيما يكون فيه المحل قابلا للاختلاف إن ذلك مذهبه

وبهذا الأخير علل مالك إشارته لنافع القارئ بعدم الإماطة في المسجد النبوي وقال المحراب موضع محنة فإن زللت في حرف وأنت إمام حسيت قراءة وحملت عنك انتهى

ويشهد للأخير أنه قرأ في الصلاة فترك آية فلما فرغ أعلمه الصحابة بذلك فقال له فهل لا أذكرتنيها قال كنت أراها نسخت بخلاف ما إذا كان الطالب هو القارئ فإنه لا هيبة له ولا يعد خطؤه مذهبا أشار إليه عياض وكذا قال أبو عبيد القاسم بن سلام القراءة علي أثبت لي وأفهم لي من أن أتولى القراءة أنا ونحوه قال ابن فارس السامع أربط جأشا وأوعى قلبا وشغل القلب وتوزع الفكر إلى القارئ أسرع فلذلك رجح ونحوه قول من ذهب لترجيح استماع القرآن على قراءته المستمع غالبا أقوى على التدبر ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها

وهذا هو القول الثالث ونقله الدارقطني في غريب مالك والخطيب في الكفاية عن مالك وكذا رويناه في الحث على الطيب للسليماني وفي الإلماع من طريق القعنبي قال قال لي مالك قراءتك علي أصح من قراءتي عليك

ولكن المعروف عنه التسوية وما حكاه أبو خليفة عن عبد الرحمن بن سلام الجمحي أنه سمعه يقول دخلت على مالك وعلى بابه من يحجبه وبين يديه


32
ابن أبي أويس يقول حدثك نافع حدثك الزهري حدثك فلان ومالك يقول نعم فلما فرغ قلت يا أبا عبد الله عوضني بما حدثت بثلاثة أحاديث تقرؤها علي قال أعراقي أنت أخرجوه عني فمحتمل التسوية أو ترجيح العرض

بل قيل إن الذي قال أبو حنيفة إنما هو فيما إذا كان الشيخ يحدث من كتاب أما حديث حدث من حفظه فلا وعكسه أي ترجيح السماع لفظا على العرض صح وأشهر وجل أي معظم أهل الشرق وخراسان كما قاله عياض نحوه جنح لكن محله ما لم يعرض عارض يصير العرض أولى بأن يكون الطالب أعلم أو اضبط ونحو ذلك كأن يكون الشيخ في حال القراءة عليه أوعى وأيقظ منه في حال قراءته هو

وحينئذ فالحق أن كلما كان فيه الأمن من الغلط والخطأ أكثر كان أعلى مرتبة وأعلاها فيما يظهر أن يقرأ الشيخ من أصله وأحد السامعين يقابل بأصل آخر ليجتمع فيه اللفظ والعرض وجود وافيه أي ورأى أهل الحديث الأجود والأسلم في أداء ما سمع كذلك أن يقول قرأت على فلان إن كان هو الذي قرأ أو قرىء على فلان إن كان بقراءة غيره مع التصريح بقوله وأنا اسمع للأمن من التدليس

قال ابن الصلاح وهذا سائغ من غير إشكال ثم عبر أيها المحدث بما مضى في أول أي في القسم الأول مقيدا ذلك بقولك قراءة عليه فقل حدثنا فلان بقراءتي عليه أو قراءة عليه وأنا أسمع أو أنا فلان بقراءتي أو قراءة عليه أو أنبأنا أو نبأنا فلان بقراءتي أو قراءة عليه أو قال لنا فلان بقراءتي أو قراءة عليه أو نحو ذلك حتى ولو كنت منشدا نظما لغيرك سمعت بقراءة غيرك أو قراءته فقل أنشدنا فلان قراءة عليه أو بقراءتي هذا مع ظهورها فيما ينشده الشيخ لفظا لا صيغة سمعت فلانا


33
المزيدة على ابن الصلاح فإنهم استثنوها في العرض مما مضى في القسم الأول وصرح أحمد بن صالح المصري بعدم جوازها

لكن بعضهم كالسفيانين ومالك فيما حكاه عياض منهم قد حلل ذلك واستعمله بعض المتأخرين وهو كما قال ابن دقيق العيد في اقتراحه تسامح خارج عن الوضع ليس له وجه قال ولا أرى جوازه لمن اصطلحه لنفسه نعم إن كان اصطلاحا عاما فقد لقرب الأمر فيه قال ولا شك أن الاصطلاح واقع على قول المؤرخين في التراجم سمع فلانا وفلانا من غير تقييد بسماعه من لفظه

وبالجملة فالصحيح الأول وممن صححه القاضي أبو بكر الباقلاني واستبعد ابن أبي الدم الخلاف وقال ينبغي الجزم بعدم الجواز لأن سمعت صريحة في السماع لفظا يعني كما تقدم والظاهر أن ذلك عند الإطلاق وإلا فقد استعملها السلفي في كتابة الطباق فيقول سمعت بقراءتي ولذا قال ابن دقيق العيد وربما قربه بعضهم بأن يقول سمعت فلانا قراءة عليه ونحوه صنيع النووي في جمعهما لمن قرأ عليه ولذلك فائدة جليلة وهو عدم اتصافه بما يمنع السماع بل ومطلق التحديث والإخبار ممن أخذ عرضا بدون تقييد بقرابة أو قراءة غيره وهو يسمع منعه الإمام أحمد ابن حنبل ذو المقدار الجليل في المشهور عنه وكذا النسائي صاحب السنن على المشهور عنه أيضا كما صرح بن النووي و ممن منع أيضا التميم بسكون بنية الوقف يحيى ابن يحيى وابن المبارك عبد الله الحميد سعيا أي سعيه قال الخطيب وهو مذهب خلق من أصحاب الحديث وقال القاضي أبو بكر الباقلاني إنه الصحيح وذهب الإمام أبو بكر محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ويحيى بن سعيد القطان والثوري وأبو حنيفة في أحد قوليه وصاحباه ومالك ابن أنس في أحد قوليه وبعده سفيان بن عيينة والشافعي وأحمد ومعظم أهل الكوفة والحجاز مع الإمام البخاري صاحب


34
الصحيح إلى الجواز لعدم الفرق بين الصيغتين كما في القسم قبله ولفظ الزهري ما أبالي قراءة على المحدث أو حدثني كلاهما أقول فيه حدثنا وقال عثمان بن عبيد الله بن رافع رأيت من يقرأ على الأعرج وحديثه عن أبي هريرة عن رسول الله فيقول هذا حديثك يا أبا داود وهي كنية الأعرج فيقول نعم قال فأقول حدثني عبد الرحمن وقد قرأت عليك قال نعم وعليه استمر عمل المغاربة وكذا سوى بينهما يزيد بن هارون والنضر بن شميل ووهب بن جرير وثعلب والطحاوي وله فيه جزء سمعته واحتج له بآيات تقدم بعضها في القسم الأول وبغير ذلك بل حكاه عياض عن الأكثرين والخطيب وابن فارس في جزء له سمعنه سماه مآخذ العلم عن أكثر العلماء وصححه ابن الحاجب في مختصره وسأل رجل محمد بن نصر المروزي ما الفرق بينهما فقال سوء الخلق

وكذا ممن حكى عنه التسوية أبو عاصم النبيل مع الحكاية عنه أولا لعدم قبوله لعرض أصلا فينظر وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي فيما حكاه الخطيب في جامعة وكفايته كما بينته في الحاشية ثم ابن الصلاح وكذا أبو عمر وعبد الرحمن بن عمرو والاوزاعي الشامي وابن معين مع الإمام أبي حنيفة في أحد قوليه وابن وهب عبد الله المصري والإمام الأعظم ناصر السنة الشافعي مع كون الحاكم قد أدرجه في المسوين و مع مسلم صاحب الصحيح وجل أي أكثر أهل الشرق قد جوزوا إطلاق أخبرنا دون حدثنا للفرق بينهما والتمييز بين النوعين واستشهد له بعض الأئمة بأنه لو حلف أن من أخبره بكذا فهو حر ولا نية له فأخبره بذلك بعض أقاربه بكتاب أو رسول أو كلام عتق بخلاف ما لو قال من حدثني بكذا فإنه لا يعتق إلا أن شافهة زاد بعضهم والإشارة مثل الخبر

وقال ابن دقيق العيد حدثنا يعني في العرض بعيد من الوضع اللغوي


35
بخلاف أنبأنا فهو صالح لما حدث به الشيخ ولما قريء عليه فأقر به فلفظ الإخبار أعم من التحديث فكل تحديث إخبار ولا ينعكس وقد عزاه أي القول بالفرق أبو عبد الله وأبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن أحمد بن خلاد التميمي المصري الجوهري صاحب الإنصاف فيما بين الأئمة في حدثنا وأنبأنا من الاختلاف و كتاب إجماع الفقهاء أيضا لع صرية أي عبد الرحمن النسائي من غير ما خلاف أي من غير حكاية خلافه عنه وكأنه لم يستحضر ما تقدم عنه مما هو أشهر من هذا و كذا أعزاه التميمي أيضا إلى الأكثرين من أصحاب الحديث الذين لا يحصيهم أحد وهو بضم الهاء على لغة أهل الحجاز الذي اشتهر وشاع مصطلحا أي من جهة الاصطلاح لأهله أهل الأثر حيث جعلوا أنا علما يقوم مقام قوله أنا قرأنه لا أنه لفظ لي به والإصلاح لا مشاححة فيه بل خطأ من خرج عنه جماعة منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وعبارة أولهما لا يجوز فيما قرأ أو سمع أن يقول حدثنا ولا فيما سمع لفظا أن يقول أنبأنا إذ بينهما فرق ظاهر ومن لم يحفظ ذلك على نفسه كان من المدلسين

لكن قد كان بعض المتأخرين يقول إن كان الاصطلاح مباينا للغة مباينة كلية فهذا يشاحح فيه وإلا فلا وقول ابن الصلاح هنا والاحتجاج لذلك من حيث اللغة فيه عناء وتكلف يشعر بأنه لو تكلف له لأمكن أن يستخرج من اللغة ما يكون وجها للتفرقة بين اللفظين قال وخير ما يقال فيه إنه إصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين ثم خصص أولهما بالتحديث لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة

ويقال إن ابن وهب أول من أحدث التفرقة بين اللفظين لا مطلقا بل بخصوص مصر وبعض من قال بذا أي الفرق بين الصيغتين وهو أبو حاتم محمد بن يعقوب الهروي أحد رؤساء الحديث بخراسان فيما حكاه الخطيب


36
عن شيخه البرقاني عنه أعاد قراءة الصحيح للبخاري بعد قراءته له على بعض رواته عن الفربري حتى عادا أي رجع في كل متن حال كونه قائلا أخبركا الفربري إذا كان قال له أولا لظنه أنه سمعه من الفربري لفظا حدثكا الفربري بل قال لشيخه الذي قرأ عليه تسمعني أقول أحدثكم الفربري فلا تنكر علي مع غلبك بأنك إنما سمعته منه قراءة عليه

قال ابن الصلاح وهذا من أحسن أي أبلغ ما يحكى عمن يذهب هذا المذهب قلت وذا رأى الذين أشرطوا إعادة الإسناد في كل حديث من الكتاب أو النسخة مع اتحاد السند وإلا لكان يكتفي لقوله أخبركم الفربري بجميع صحيح البخاري من غير إعادة قراءة جميع الكتاب ولا تكرير الصيغة في كل حديث وهو أي اشتراط الإعادة شطط لمجاوزته الحد والصحيح والاكتفاء بالإخبار أولا وآخرا كما سيأتي في الرواية من النسخ التي إسنادها واحد


37
تفريعات
( واختلفوا إن أمسك الأصل رضى
والشيخ لا يحفظ ما قد عرضا )
( فبعض نظار الأصول يبطله
وأكثر المحدثين يقبله )
( واختاره الشيخ فإن لم يعتمد
ممسكه فذلك السماع رد )
( واختلفوا إن سكت الشيخ ولم
يقر لفظا فرآه المعظم )
( وهو الصحيح كافيا وقد منع
بعض أولى الظاهر منه وقطع )
( به أبو الفتح سليم الرازي
ثم أبو إسحاق الشيرازي )
( كذا أبو نصر وقال يعمل
به وألفاظ الأداء الأول )
( والحاكم اختار الذى قد عهدا
عليه أكثر الشيوخ في الأدا )
( حدثني في اللفظ حيث انفردا
واجمع ضميره إذا تعددا )
( والعرض إن تسمع فقل أخبرنا
أو قارئا أخبرني واستحسنا )
( ونحوه عن ابن وهب رؤيا
وليس بالواجب لكن رضيا )
( والشك في الأخذ أكان وحده
أو مع سواه فاعتبار الوحدة )
( محتمل لكن رأى القطان
الجمع فيما أوهم الإنسان )
( في شيخه ما قال والوحدة قد
اختار في ذا البيهقي واعتمد )
( وقال أحمد اتبع لفظا ورد
للشيخ في أدائه ولا تعد )


38
( ومنع الإبدال فيما صنفا
الشيخ لكن حيث راو عرفا )
( بأنه سوى فهذا ما جرى
في النقل بالمعنى ومع ذا فيرى )
( بأن ذا فيما روى ذو الطلب
باللفظ لا ما وضعوا في الكتب )
( واختلفوا في صحة السماع
من ناسخ فقال بامتناع )
( الاسفراني مع الحربي
وابن عدي وعن الصبغي )
( لا ترو تحديثا وأخبارا قل
حضرت والرازي هو الحنظلي )
( وابن المبارك كلاهما كتب
وجوز الحمال والشيخ ذهب )
( بأن خيرا منه أن يفصلا
فحيث فهم صح منه أولا )
( كما جرى للدارقطني حيث عد
املاء إسماعيل عدا وسردا )
( وذاك يجري في الكلام أو إذا
هينم حتى خفي البعض كذا )
( إن بعد السامع ثم يحتمل
في الظاهر الكلمتان أو أقل )
( وينبغي للشيخ أن يجيز مع
إسماعه جبرا النقص إن يقع )
( قال ابن عتاب ولا غنى عن
إجازة عن السماع تقرن )
( وسئل ابن حنبل إن حرفا
أرغمه فقال أرجوا يعفى )
( لكن أبو نعيم الفضل منع
في الحرف يستفهمه فلا يسع )
( إلا بأن يروي تلك الشاردة
عن مفهم ونحوه عن زائدة )
( وخلف بن سالم قد قال نا
إذ فاته حدث من حدثنا )
( من قول سفيان وسفيان اكتفى
بلفظ مستمل عن المملي اقتفى )
( كذاك حماد بن زيد أفتى
إستفهم الذى يليك حتى )
( رووا عن الأعمش كما نقعد
للنخعي فربما قد يبعد )
( البعض لا يسمعه فيسأل
البعض عنه ثم كل ينقل )


39
( وكل ذا تساهل وقولهم
يكفي من الحديث شمه فهم )
( عنوا إذا أول شيء سئلا
عرفه وما عنوا تسهلا )
( وإن يحدث من وراء ستر
عرفته بصوت أو ذي خبر )
( صح وعن شعبة لا ترو لنا
أن بلالا وحديث أمنا )
( ولا يضر سامعا أن يمنعه
الشيخ أن يروى ما قد سمعه )
( كذلك التخصيص أو رجعت
ما لم يقل أخطأت أو شككت )

ثمانية يتعلق بهذين القسمين الأول واختلفوا أي العلماء إن أمسك الأصل مع المراعاة له حين القراءة على الشيخ رضي في الثقة والضبط لذلك والشيخ حينئذ لا يحفظ ما قد عرضا الطالب عليه ولا هو ممسك أصلا بيده هل يصح السماع أم لا فبعض نظار الأصول وهو إمام الحرمين وكذلك الماذري في شرح البرهان يبطله أي السماع وحكى عياض إن القاضي أبا بكر الباقلاني تردد فيه قال وأكثر ميله إلى المنع بل نقله الحاكم عن مالك وأبي حنيفة لأنهما لا حجة عندهم إلا بما رواه الراوي من حفظه وذلك يقتضي أنه لو كان الأصل بيده فضلا عن يد ثقة غيره لا يكفي كما سيأتي في صفة رواية الحديث وأدائه وأكثر المحدثين يقبله بل هو الذى عليه عمل كافة الشيوخ وأهل الحديث كما حكاه عياض

ونقل تصحيحه عن بعضهم واختاره الشيخ ابن الصلاح ووهن السلفي الخلاف لاتفاق العلماء على العمل بهذا وذكر ما حاصله أن الطالب إذا أراد أن يقرأ على شيخ شيئا من سماعه هل يجب أن يريه سماعه في ذلك الجزء أم يكفي إعلام الطالب الثقة الشيخ أن هذا الجزء سماه على فلان وقال هما سيان على هذا عهدنا علماءنا عن آخرهم


40

قال ولم يزل الحفاظ قديما وحديثا يخرجون للشيوخ من الأصول فتكون تلك الفروع عد المقابلة أصولا وهل كانت الأصول أولا إلا فروعا انتهى

ولله در القائل

( قل لمن لا يرى المعاصر شيئا
ويرى للأوائل التقديما )
( إن ذاك القديم كان جديدا
وسيبقى هذا الجديد قديما )

وإذا اكتفى بأعلام الثقة بأصل المروي فهذا كذلك بل أولى ولو كان القارئ مع كونه موثوقا به دينا ومعرفة يقرأ في نفس الأصل صح أيضا على الصحيح كإمساك نسخته إذ لا فرق بين الاعتماد على بصره أو سمعه حيث يكون حافظا خلافا لبعض أهل التشديد في الرواية ممن لم يعتبر بما حدث به الشيخ من كتابه بل هو هنا أولى بالصحة مما لو كان الأصل بيد سامع آخر لأن القراءة في هذه الصورة أضبط في اتباع ما حمله الشيخ والذهول فيها أقل

هذا كله إن كان الممسك له أو القارئ فيه معتمدا رضي وكان الشيخ غير حافز كما تقدم فإن لم يعتمد بالبناء للمفعول ممسكة أو القاري فيه ولا هو ممن يوثق به فذلك السماع رد أي مردود غير معتمد به ولذا أصعف أئمة الصنعة رواية من سمع الموطأ على مالك بقراءة ابن حبيب كاتبه لضعفه عندهم بحيث اتهم بتصفح الأوراق ومجاوزتها بدون قراءة إما في أثناء قراءته أو بعد انتهاء المجلس حين البلاغ قصدا للعجلة وهذا مردود فمثل هذا لا يخفى عن مالك

قال عياض لكن عدم الثقة بقراءة مثله مع جواز الغفلة والسهو عن الحرف وشبهه وما لا يخل بالمعني مؤثرة في تصحيح السماع كما قالو ولهذه العلة لم يخرج البخاري من حديث ابن بكير عن مالك إلا قليلا وأكثر منه عن


41
الليث قالوا لأن سماعه كان لقراءة ابن حبيب انتهى

وإن كان الشيخ حافظا فهو كما لو كان أصله بيده بل أولى لتعاضد ذهني شخصين عليه

الثاني واختلفوا أي العلماء من المحدثين وغيرهم إن سكت الشيخ المتيقظ العارف غير المكره بعد قول الطالب له أخبرك فلان أو قلت أنا فلان أو نحو ذلك مع إصغائه إليه وفهمه لما يقول عن التعرض لإنكار المروي أو شيء منه والإنكار الإخبار ولم يقر لفظا بقوله نعم وما أشبهه كأن يوميء برأسه أو يشير بإصبعه وغلب على ظن القارئ أن سكوته إجابة فرآه المعظم من الفقهاء والمحدثين والنظار وهو الصحيح كافيه في صحة السماع كما حكاه عياض وصححه وقال إن الشرط غير لازم لأنه لا يصح من ذي دين إقرار على الخطإ في مثل هذا فلا معنى للتقرير بعد

ولعل المروي عن مالك يعني كما في صحيح مسلم وعن أمثاله في فعل ذلك للتأكيد لا للزوم

قال ابن الصلاح وسكوت الشيخ على الوجه المذكور نازل منزلة تصريحه بتصديق القاريء اكتفاء بالقرائن الظاهرة

قلت وأيضا فسكوته خصوصا بعد قوله له هل سمعت فما ليس بصحيح موهم للصحة وذلك بعيد عن العدل لما يتضمن من الغش وعدم النصح وهذه المسألة مما استثنى من أصل الشافعي رحمه الله حيث قال لا ينسب إلى ساكت قول وحينئذ فيؤدي بألفاظ العرض كلها حتى حدثني وأخبرني كما حكى تجويزه فيهما عن الفقهاء والمحدثين الآمدي وصححه ابن الحاجب بل حكى عن الحاكم أنه مذهب الأربعة

ومن هنا قال حبيب بن أبي ثابت إذا حدثني رجل عنك الحديث يعني


42
بحضرة المحدث عنه وسكوته ثم حدثت به عنك كنت صادقا

وأنكر مالك على طالب التصريح منه بالإقرار وقال ألم أفرغ لكم نفسي وسمعت عرضكم وأقمت سقطه وزلله ولهذا يتأيد التأويل الماضي فيما نقل عنه من صنيعة ولكن قد منع بعض أولي الظاهر منه أي من الاكتفاء بسكوت الشيخ في الرواية فاشترطوا إقراره بذلك نطقا والباقون من الظاهرية إما ساكتون أو مع الأولين بل نقله الخطيب عن بعض أصحاب الحديث أيضا فإنه قال زعم بعض أصحاب الحديث وقوم من أهل الظاهر أن من قرأ على شيخ حديثنا لم تجز له روايته عنه إلا بعد أن يقرأ الشيخ به انتهى

وكذا حكاه غيره عن جماعة من المشارقة

وقال الحاكم عهدت مشايخنا لا يصححون سماع من سمع من أبي بكر محمد ابن إسماعيل بن مهران الإسماعيلي الحافظ في المرض فإنه كان ما يقدر أن يحرك لسانه الإيلاء فكان إذا قيل له كما قرأنا عليك قال لا لا لا ويحرك رأسه بنعم

وأما عبد الله بن سعد فحدثني أنه كان ما يقدر أن يحرك رأسه وقال لم يصح لي عنه سوى حديث واحد فإني قرأته عليه غيره مرة إلى أن أشار بعينه إشارة فهمتها عنه أن نعم قال ابن الصلاح وقطع به أي بالمنع مطلقا من الشافعية أبو الفتح سليم الرازي ثم الشيخ أبو إسحاق بالصرف للضرورة الشيرازي وكذا أبو نصر وهو ابن الصباغ ولكنه قال إنه يعمل به أي بالمروي سواء السامع أو القاريء أو من حمله عنه ولم يمنع الرواية مع الإفصاح بالواقع حيث قال ما معناه وألفاظ الأداء لمن سمع أو قرأ كذلك وأراد روايته هي الألفاظ الأول خاصة المنبئة عن الحال الواقع المتفق عليها وهي قرأت عليه أو قريء عليه وإنما أسمع لأجمعها


43
فلا يقل حدثني ولا أخبرني وهذا ما صححه الغزالي والآمدي وحكاه عن المتكلمين بل جزم صاحب المحصول بأنه لا يقولهما وكذا سمعت لو أشار برأسه أو أصبعه للاقرار به ولم يتلفظ

قال الشارح وفيه نظر يعني فإن الإشارة قائمة مقام العبارة في الإعلام بذلك فتجري عليها الأحكام وهو ظاهر

وبالجملة فتصريح المحدث بالإقرار مستحب فقد قال الخطيب ولو قال له القاريء عند الفراغ كما قرأت عليك فأقر به كان أحب إلينا انتهى

ولو كان الاعتماد في سماعه على المفيد فالحكم فيه فيما يظهر كذلك

الثالث في افتراق الحال في الصيغة بين المنفرد أو من يكون في جماعة والحاكم أختار الأمر الذي قد عهدا عليه أكثر الشيوخ له بل وأئمة عصره في صيغ الأدا وهو أن تقول حدثني فلان بالإفراد في الذي يتحمله من شيخه بصريح اللفظ حيث انفردا بأن لم يكن معه وقت السماع غيره وأجمع أيها الطالب ضميره أي التحديث فقل حدثنا إذا تعدد بأن كان معك وقت السماع غيرك وكذا اختار في الذي تتحمله عن شيخك في العرض إنك إن تسمع بقراءة غيرك فقل أخبرنا بالجمع أو أن تكن قاربا فقل أخبرني بالإفراد واستحثنا بالبناء للمفعول من فاعله فقال ابن الصلاح وهو حسن رائق ونحوه عن ابن وهب هو عبد الله رويا كما عند الترمذي في العلل والخطيب في الكفاية فإنه قال ما قلت حدثنا فهو ما سمعت مع الناس وما قلت حدثني فهو ما سمعت وحدي وما قلت أنبأنا فهو ما قريء على العالم وأنا شاهد وما قلت أخبرني فهو ما قرأت على العالم فاتفق ابن وهب ومن نقل عنهم الحاكم في كون القاريء كما هو المشهور حسبما صرح به الشارح في النكت


44
يقول أخبرني هو محتمل لأن يكون في المنفرد ويحتمل مطلقا وهو الظاهر لكن قد قال ابن دقيق العيد في الاقتراح إن القارئ إذا كان معه غيره يقول أنبأنا بالجمع فسوى بين مسألتي التحديث والإخبار يعني فإنه إذا سمع جماعة من لفظ الشيخ يقول كل منهم حدثنا وفي التسوية نظر وإن قال بعض المتأخرين أنه قياس ظاهر

على أن السلفي قد كان يأتي بالجمع فيما يقرأه ولم يسمعه معه غيره فيكتب أول الجزء أنبأنا فلان بقراءتي ثم يكتب الطبقة بآخره ولا يثبت معه غيره وقد جاء عن أحمد إذا كانت وحدك فقل حدثني أو في ملأ فقل حدثنا أو قرأت فقل قرأت عليه أو سمعت فقل قريء عليه وأنا أسمع واستحسنه ابن الحاج وقال إنه بلغ في التحري

وقال ابن عون كان ابن سيرين يقول تارة حدثني أبو هريرة وتارة حدثنا فقلت له كيف هذا يا أبا بكر فقال أكون وحدي فأقول حدثني وأكون مع غيري فأقول حدثنا أخرجه بن أبي خيثمة

وقال شعبة أخبرني سلمة بن كهيل أو أخبر القوم وأنا فيهم قال سمعت سويد بن عفله قال خرجت مع زيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة فوجدت سوطا وذكر حديثا أخرجه مسلم في اللفظ في صحيحه وليس ما تقدم من التفصيل بالواجب عندهم ولكن رضيا بالنبأ للمفعول أي استحب عند كافة العلماء كما صرح به الخطيب للتمييز بين أحوال التحمل

وإلا فقد قال أحمد بن صالح وسئل عن الرجل يحدث الرجل وحده أيقول حدثنا قال نعم جائز في كلام العرب فعلنا وإنما هو وحده

وكذا قال ابن دقيق العيد اصطلحوا للمنفرد حدثني بالإفراد وإن جاز فيه لغة حدثنا بالجمع


45

وكذا قال أحمد لا بأس به وقال يحيى بن سعيد القطان إذا كان أصل الحديث على السماع فلا بأس أن يقول حدثني وحدثنا وسمعت وأخبرني وأنا في آخرين مصرحين بأنه جائز لمن سمع وحده أن يقول أخبرنا وحدثنا ولمن سمع مع غيره أن يقول أخبرني وحدثني ونحو ذلك لأن المحدث حدثه وحدث غيره

على أن نسبة الخطيب ما تقدم لكافة العلماء وهم الجميع ينازع فيها ما ذكره ابن فارس من أن جماعة ذهبوا إلى أنه إذا احدث المحدث جاز أن يقال حدثنا وإن قريء عليه لم يجز أن يقال حدثنا ولا أنبأنا وإن حدث جماعة لم يجز أن يقال حدثني أو حدث بلفظ لم يجز أن يتعداه وقال إنه تشديد لا وجه له وكأنه لذلك لم يعتبره الخطيب خلافا ثم إن الاستحباب المشار إليه هو فيما إذا تحقق حين التحمل صورة الحال و أما إن وقع الشك في الأخذ والتحمل أي من لفظ الشيخ أكان وحده فيأتي بحدثني بالإفراد أو كان مع بالإسكان سواه فيأتي فاعتبار الوحدة محتمل لأن الأصل عدم غيره فكذا لما شك في تحمله أهو من قبيل أنا لكونه بقراءة غيره أو أخبرني لكونه بقراءته حيث مشينا على اختيار الحاكم ومن معه في إفراد الضمير إذا قرأ يأتي بالجمع لأن سماع نفسه متحقق

وقراءته شاك فيها والأصل إنه لم يقرأ وإن سوى ابن الصلاح بين المسألتين في الإتيان بالإفراد على أن الخطيب حكى في الكفاية عن البرقاني أنه كان يقول في هذه الصورة قرأنا وهو كما قال شارح حسن فإن إفراد الضمير يقتضي قراءته بنفسه وجمعه يمكن حمله على قراءة بعض من حضر السماع فإنه لو تحقق أن الذين قرأ غيره لا بأس إنه يقول قرأنا قاله أحمد بن صالح حين سئل عنه

وقال النفيلي قرأنا على مالك مع كونه إنما قريء عليه وهو يسمع


46
لكن رأى يحيى بن سعيد القطان فيما نقله عنه علي بن المديني الجمع بحدثنا في مسألة تشبه الأولى وهي فيما إذا أوهم أي وهم بمعنى شك الأنسان في لفظ شيخه ما الذي قال حدثني أو حدثنا

قال ابن الصلاح ومقتضاه الجمع هناك أيضا وهو عندي هنا يتوجه بأن حدثني أكمل مرتبة فيقصر في حالة الشك على الناقص إحتياطا لأن عدم الزائد هو الأصل قال وهذا لطيف والوحدة معقول مقدم أي صيغة حدثني قد اختار في ذا الفرع البيهقي بعد حكايته قول القطان واعتمد ما اختاره وعلله بأنه لا يشك في واحد وإنما يشك في الزايد فيطرح الشك ويبني على اليقين انتهى وهو الظاهر الرابع في التقيد بلفظ الشيخ

وقال الإمام أحمد بن حنبل فما رويناه عنه اتبع أيها المحدث لفظا ورد للشيخ في إدائه لك من حدثنا وحدثني وسمعت وأنبأنا ونحوها ولا تعد أي ولا تتجاوز لفظه وتبدله بغيره ومشى على ذلك في مسنده وغيره من تصانيفه فيقول مثلا فلان وفلان كلاهما عن فلان قال أولهما حدثنا وقال ثانيهما أنبأنا

وفعله مسلم في صحيحه أيضا وكذا منع الإبدال لمحدثنا إذا كان اللفظ أنبأنا أو بالعكس ونحوه فيما يقع في الكتب المبوبة والمسندة وغيرهما مما صنفا بالبناء للمفعول الشيخ ابن الصلاح لاحتمال أن يكون مذهب الراوي القائل عدم التسوية بين الصيغتين يعني فيكون حينئذ كأنه قوله ما لم يقل والتعليل لذلك يقتضي إنه عند علم عدمها من باب أولى وهذا بلا خلاف لكن بإسكان النون حيث راو عرفا بالبناء للمفعول بأنه سوى بينهما ف هذا خاصة يجري فيه كما قال الخطيب في كفايته ما جرى من الخلاف في النقل بالمعنى ومع بالإسكان ذا أي إجراء الخلاف


47
فيرى ابن الصلاح بأن ذا أي الخلاف فيما روى ذو الطلب مما تحمله باللفظ من شيخه خاصة لا فيما وضعوا أي أصحاب التصانيف في الكتب المصنفة مسندها ومبوبها يعني فذاك يمتنع تغييره جزما سواء رويناه في جملة التصانيف أو نقلناه منها إلى تخاريجنا وأجزائنا كما سيأتي في الرواية بالمعنى إن شاء الله مع بيان ما نسب لابن الصلاح في اقتضاء التجويز فيما تنقله في تخاريجنا وما قيل في أنه نقل من الترمذي وغيره بالمعنى

على أن ابن أبي الدم قد منع الفرق في الصورتين بين ما يقع في التصانيف وما حصل التلفظ به خارجا أيضا بل قلل أيضا لي الثالثة إنه إذا جازت الرواية بالمعنى في الألفاظ النبوية ففي صيغ الرواية في صورة علم تسوية الراوي بينهما من باب أولى

الخامس في النسخ والكلام وغيرهما وقت السماع أو الإسماع واختلفوا أي العلماء في صحة السماع من ناسخ ينسخ حين القراءة مسمعا كان أو سامعا فقال بامتناع ذلك مطلقا في الصورتين الأستاذ الفقيه الأصولي أبو إسحق الاسفرائيني بفتح الفاء وكسر التحتانية إذ سئل عنهما معا مع أبي إسحاق إبراهيم بن إسحق الحربي وأبي أحمد بن عدي في آخرين لأن الاشتغال بالنسخ مخل بالسماع عبارة الإسفرائيني فإنه إذا اشتغل به عن الاستمتاع حتى إذا أستعيد منه تعذب عليه انتهى

وقد قيل السمع للعين والإصغاء للأذن وقيل إنه لا يسمى سامعا إنما يقال له جليس العالم حكى عن جماعة و نحوه ما جاء عن أحد أئمة الشافعية بخراسان أبي بكر أحمد بن إسحق الصبغي بكسر المهملة بعدها موحدة ثم معجمة نسبة لأبيه لكونه كان يبيع الصبغ إنه قال لا ترو أيها المحدث ما سمعته على شيخك في حال نسخه أو أنت تنسخ تحديثا ولا إخبارا يعني لا تقل حدثنا ولا أنا مع إطلاقهما بل قل حضرت يعني


48
كمن دي ما تحمله وهو صغير قيل فهم الخطاب ورد الجواب فإن كان مسألتنا أعلا ولكن أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي وهو الحنظلي نسبة لدرب حنظلة بالري وكفى به حفظا وإتقانا وابن المبارك عبد الله المروزي وكفى به دينا ونسكا وفضلا كلاهما قد كتب أما أولهما ففي حال تحمله عند كل من محمد بن الفضل الملقب عارم وعمرو بن مرزوق

وأما ثانيهما ففي حال تحديثه وذلك منهما مقتضى للجواز ومشعر بعدم التنصيص في الأداء على الحضور وكذا جوز موسى بن هارون الحمال بالمهملة ذلك بل عزى صحة السماع كذلك للجمهور سعد الخير الأنصاري والشيخ ابن الصلاح ذهب إلى القول بأن خيرا منه أي من إطلاق القول بالجواز أو بالمنع أن يفصلا فحيث صحب الكتابة فهم يعني تمييز للفظ المقروء فضلا عن معناه صح السماع منه وعليه أولا يصحبها ذلك وصار كأنه صوت عقل بطلا هذا السماع يعني وصار حضورا وسبقه لذلك سعد الخير الأنصاري فقال إذا لم تمنع الكتابة عن فهم ما قرئ فالسماع صحيح انتهى

والعمل على هذا فقد كان شيخنا ينسخ في مجلس سماعه ثم إسماعه بل ويكتب على الفتاوى ويصنف ويرد مع ذلك على القاريء ردا مفيدا

وكذا بلغنا عن الحافظ المزي وغيره ممن قبله وبعده كما جرى للدارقطني نسبة لدار القطن ببغداد إذا حضر في حدثته إملاء أبي علي إسماعيل الصغار فرآه بعض الحاضرين ينسخ فقال له لا يصح سماعك وأنت تنسخ فقال له الدارقطني فهمي للاملاء خلاف فهمك واستظهر عليه حيث عد إملاء إسماعيل المشار إليه عدا وإن جملة ما أملاه في ذاك المجلس ثمانية عشر حديثا بعد أن أسأل المنكر عليه أتعلم كم أملي حديثنا


49
فقال له لا ثم لم يكنف الدارقطني بعدها إجمالا بل ساقها على الولاء إسنادا ومتنا وسردا ذلك أحسن سرد فعجب الناس منه رواها الخطيب في تاريخه قال حدثنا الأزهري قال بلغني أن الدارقطني فذكر معناها

وقد سمعت شيخنا يحكي عن بعضهم أنه كان يقرنها بما وقع للبخاري حيث قبلت عليه الأحاديث ويتعجب شيخنا من ذلك وهو ظاهر في التعجب ثم أن هذا كله فيما إذا وقع النسخ حال التحمل أو الأداء فلو وقع ذلك فيهما معا كان أشد ووراء هذا قول بعضهم الخلاف في المسألة لفظي فإن المرء لو بلغ الغاية من الحذق والفهم لا بد أن يخفي عليه بعض المسموع وإنما العبرة بالأكثر فمن لاحظ الاحتياط قال أليس بسامع ومن لاحظ التسامح والغلبة عدة سادها ورأى أن النسخ إن حجب فهو حجاب دقيق انتهى

وما قيل في أن السمع لعين يخدشه ما رويناه في خامس المحامليات رواية ابن مهدي من حديث كلثوم الخزاعي عن أم سلمة أنها تفلي رأس النبي فجاءت زينب فرفعت طرفها إليها فقال لها النبي أقبلي علي فلايتك فإنه لا تكلمها بعينك ويلتحق بالنسخ الصلاة وقد كان الدارقطني يصلي في حال قراءة القارئ عليه وربما يشير برد ما يخطيء فيه القاريء كما اتفق له حيث قرأ القاريء عليه مرة نسير بن ذعلوق بالياء التحتانية فقال له آن والقلم ومرة عمرو بن سعيد فقال له يا شعيب أصلواتك

وقد قال الرافعي في أماليه كان شيخنا أبو الحسن الطالقاني ربما قرئ عليه الحديث وهو يصلي ويصغى إلى ما يقول القاريء وينبهه إذا زل يعني بالإشارة

وفي ترجمة أبي الحسن علي بن أحمد بن محمد بن الحسن الإستراباذي من تاريخ سمرقند للنسفي أنه كان يكتب الكتاب عامة النهار وهو يقرأ القرآن


50
ظاهرا لا يمنعه أحد الأمرين على الآخر بل كان سأل الله تعالى في الكعبة كمال القوة على قراءة القرآن وجماع النسوان فاستجيب له الدعوتان

وهل يلتحق بذلك قراءة قارئين في آن واحد فيه نظر

وقد قال الذهبي في طبقات القراء ما أعلم أحدا من المقرئين ترخص في إقراء اثنين فصاعدا إلا الشيخ علم الدين السخاوي وفي النفس من صحة كمال الرواية على هذا الفعل شئ فإن الله ما جعل لرجل من قلبين في جوفه قال وما هذا في قوة البشر بل في قدرة الربوبية

قالت عائشة رضي الله عنها سبحان من وسع سمعه الأصوات انتهى

وممن وصف العلم بذلك ابن خلكان فقال إنه رآه مرارا راكبا إلى الجبل وحوله اثنان وثلاثة يقرأون عليه دفعة واحدة في أماكن من القرآن مختلفة ويرد على الجميع

ولما ترجم التقى الفاسي في تاريخ مكة الشمس محمد بن إسماعيل بن يوسف الحلبي والد بعض من كتبت عنه قال في ترجمته وكان في بعض الأحايين يقرأ في موضع من القرآن ويقرأ عليه في موضع آخر ويكتب في موضع آخر فيصيب فيما قرأه ويكتبه وفي الرد بحيث لا يفوته شئ من ذلك على ما بلغني قال وهذا نحو مما حكى عن بعض القراء أنه كان يسمع ثلاثة نفر يقرأون عليه دفعة واحدة في أماكن مختلفة وعيب ذلك على هذا المقريء

قلت وكأنه عنى السخاوي وكذا قال شيخنا إنه شوهد ذلك من الحلبي مرارا انتهى

وفيه تساهل وتفريط ومقابلة في التشدد والإفراط فيه ما حكاه الخطيب في ترجمة الحافظ أبي عبد الله محمد بن علي بن عبد الله بن محمد الصوري إنه كان مع كثرة طلبه وكتبه صعب المذهب فيما يسمعه ربما كرر قراءة الحديث الواحد


51
على شيخه مرات وذاك أي التفصيل المذكور في مسألة النسخ يجري في الكلام من كل من السامع والمسمع في وقت السماع وكذا في إفراط القارئ في الإسراع أو إذا هينم أي أخفى صوته حتى خفى في ذلك كله البعض وكذا إن بعد السامع عن القارئ أو كان في سمعه أو المسمع بعض ثقل أو عرض نعاس خفيف بحيث يفوت سماع البعض ثم مع اعتماد التفصيل في كل ما سلف يحتمل يعني يغتفر في الظاهر الكلمتان أو أقل كالكلمة

وقد سئل أبو إسحق الإسفرائيني عن كلام السامع أو المسمع أو غير المتصل وعن القراءة السريعة والمدغمة التى شذ منها الحرف والحرفان والإعفاء اليسير فأجاب إذا كانت كلمة لا تلهيه عن السماع جازت الرواية وكذا لا يمنع ما ذكر بعد ذلك من السماع وإذا لم يكن الإدغام يجوز في اللغة يكون حينئذ تاركا بعض الكلمة انتهى

بل توسعوا حين صار الملحوظ إيقاء سلسلة الإسناد لأكثر من ذلك بحيث كان يكتب السماع عند المزي وبحضرته لمن يكون بعيدا عن القاريء وكذا للناعس والمتحدث والصبيان اللذين لا ينضبط أحدهم بل يلعبون غالبا ولا يشتغلون بمجرد السماع حكاه ابن كثير

قال وبلغني عن القاضي التقى سليمان بن حمزة أنه زجر في مجلسه الصبيان عن اللعب فقال لا تزجرهم فإنا إنما سمعنا مثلهم

وكذا حكى عن ابن المحب الحافظ التسامح في ذلك ويقول كذا كنا صغارا نسمع فربما ارتفعت أصواتنا في بعض الأحيان والقاريء يقرأ فلا ينكر علينا من حضر المجلس من كبار الحفاظ كالمزني والبرزاني والذهبي وغيرهم من العلماء

وقال الذهبي كان شيخنا ابن أبي الفتح يسرع في القراءة ويعرب لكنه


52
يدغم بعض ألفاظه ومثله ابن حبيب

وكان شيخنا أبو العباس يعني ابن تيمية يسرع ولا يدغم إلا نادرا وكان المزي يسرع ويبين وربما تمتم يسيرا انتهى

وممن وصف بسرعة السرد مع عدم اللحن والدمج البرزاني ومن قبله الخطيب الحافظ بحيث قرأ البخاري على إسماعيل بن أحمد النيسابوري الجبري الضرير راويه عن الكثميهني في ثلاثة مجالس اثنان منها في ليلتين كان يبتدي بالقراءة وقت المغرب ويختم عند صلاة الفجر والثالث من ضحوة نهار إلى طلوع الفجر قال الذهبي وهذا شئ لا أعلم أحدا في زماننا يستطيعه انتهى

وقد قرأ شيخنا في أربعين ساعة رملية وصحيح مسلم في أربعة مجالس سوى الختم من نحو يومين وشئ فإن كل مجلس كان من باكر النهار إلى الظهر

وأسرع من علمته قرأ من الخطوط المتنوعة في عصرنا مع الصحة بحث لم ينهض الأكابر لضبط شاذة ولإفادة عليه في الإعراب خاصة مع عدم تبليت مطالعة شيخنا ابن خضر ولكن ما كان يخلي من هذرمة وينبغي على وجه الاستحباب حيث لم ينفك الأمر غالبا عن أحد أمور إما خلل في الإعراب أو في الرجال أو هذرمة أو هيلمة أو كلام يسير أو نعاس خفيف أو بعد أو غير ذلك للشيخ المسمع إن يجيز السامعين رواية الكتاب أو الجزء أو الحديث الذى رواه لهم مع إسماعه لهم جبرا لنقص يصحب السماع إن يقع بسبب شئ مما ذكر وما أحسن قول ابن الصلاح فيما وجد خطة لمن سمع منه صحيح البخاري وأجزت له روايته عني مخصصا منه بالإجازة ما زل عن السمع لغفلة أو سقط عند السماع بسبب من الأسباب

وكذا كان ابن رافع يتلفظ بالإجازة بعد السماع قائلا أجزت لكم روايته


53
عني سماعا وإجازة لما خالف أصل السماع إن خالف بل قال مفتي قرطبة وعالمها ابن عتبا بمهملة ثم فوقانية مشددة هو أبو عبد الله محمد الجدامي المتوفي صفر سنة اثنتين وستين وأربعمائة فيما رويناه من طريق ولده أبو محمد عبد الرحمن وأبي علي الغساني عنه ما معناه والذي أقول إنه لا غنا لطالب العلم يعني في زمنه فما بعده عن إجازة بذاك الديوان أو الحديث مع السماع له تقرن به لجواز السهو أو الغفلة أو الاشتباه على الطالب والشيخ معا أو على أحدهما وكلامه إلى الوجوب أقرب وهو الظاهر من حاله فإنه كان كثير الاحتياط والورع حتى إنه لكون مدار الفتوى عليه كان يخاف عاقبتها ويظهر مهابتها حتى كان يقول من يحسدني فيها جعله الله مفتيا وددت أني أنجو منها كفا فأثم على كاتب الطبقة فاستحبابا التنبيه على ما وقع من إجازة المسمع فيها ويقال إن أول من كتبها في الطباق الحافظ المتقن تقي الدين أبو الطاهر إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن ابن الأنماطي المصري الشافعي المتوفي في سنة تسع عشرة وستمائة وكان دأبه النصح وكثرة الإفادة بحيث إنه استجاز لخلق ابتداء منه بدون مسألة من أكثرهم وتبعه في هذه السنة الحسنة أعني كتابة الإجازة في الطباق من بعده وحصل بذلك نفع كثير فلقد انقطعت بسبب إهمال ذلك وتركه ببعض البلاد رواية بعض الكتب لكون راويها كان قد وفاته ذلك ولم يوجد في الطبقة إجازة المسمع للسامعين فما أمكن قراءة ذلك القوت عليه بالإجازة لعدم تحلقها كما اتفق في أبي الحسن علي بن نصر الله بن الصواف الشاطبي في السنن الصغرى للنسائي لم يأخذوا عنه سوى مسموعة منه على الصغي أبي بكر بن باقا فقط وهذا مع قرب سماعه من الوقت الذى ابتكر فيه ابن الأنماطي كتابتها ولكن لعله لم يكن اشتهر على أني قد وقفت على من سبق الأنماطي لذلك في كلام القاضي عياض حيث قال وقفت على تقييد سماع لبعض نبهاء الخراسانيين من أهل المشرق بنحو ما أشار إليه ابن عتاب فقال سمع هذا الجزء فلان وفلان على الشيخ أبي الفضل عبد العزيز بن


54
إسماعيل البخاري وأجاز ما أغفل وصحف ولم يضع إليه أن يروي عنه على الصحة

قال القاضي وهذا منزع نبيل في الباب جدا انتهى

وتغفر الجهالة بالثقة الذى أجيز بسببه ولا يلزمه الإفصاح بذلك حين روايته إلا أن كثر لأن المخبر حينئذ إنه سمع كاذب لعدم مطابقته للواقع ولا تجبر الإجازة مثل هذا نعم أن أطلق الإخبار كان صادقا كما سيأتي في أواخر ثالث أقسام التحمل

وإنما كره إطلاقه في الإجازة المحضة لمخالفته العادة أو لايقاعه تهمة إذا علم أنه لم يسمع أصلا وذلك معدوم هنا لا سيما إذا كان السماع مثبتا بغير خطه لانتقاء الرتبة عنه لكل وجه أشار إليه ابن دقيق العيد

وإذا انتهت مسألة الإجازة التي كان تأخيرها أنسب لتعلق ما بعدها بما قبلها ولتكون فرعا مستقلا ولكن هكذا هي عند ابن الصلاح

فاعلم أنه قد تقدم اغتفار الكلمة والكلمتين يعني سواء اخلتا أو أخديهما بفهم الباقي لا لأن فهم المعنى لا يشترط وسواء كان يعرفهما أم لا والظاهر أن هذا بالنسبة إلى الأزمان المتأخرة وإلا ففي غير موضع من كتاب النسائي يقول وذكر كلمة معناها كذا وكذا لكونه فيما يظهر لم يسمعها جيدا وعلمها وسئل الإمام أحمد هو ابن حنبل مع ابنه صالح حيث قال له إن أدمج الشيخ أو القاريء حرفا يعني لفظا يسيرا أدغمه فلم يفهمه السامع أي لم يسمعه مع معرفته إنه كذا وكذا ترى له أن يرويه عنه فقال أرجو إنه يعفي عن ذلك ولا يضيق الحال عنه رواه البيهقي في مناقب أحمد فقيد العفو بكونه يعرفه وتمامه قال صالح فقلت له الكتاب قد طال حده عن الإنسان لا يعرف بعض حروفه فيخبره بعض أصحابه قال إن كان يعلم أنه كما في الكتاب فلا بأس به


55

قال البيهقي يعني يوقفه على الصواب فينظر في الكتاب ويعلم أنه كما قال لكن الحافظ أبو نعيم الفضل بن دكين منع من سلوكه في الحرف يعني في اللفظ اليسير مما يشدد عنه في حال سماعه من سفيان والأعمش الذى يستفهمه من بعض الحاضرين من أصحابه فقال لا يسع من وقع له مثله إلا بأن أي أن يروي تلك الكلمة الشاردة عن مفهم أفهمه إياها من صاحب ونحوه وجاء نحوه عن زائدة هو ابن قدامة قال خلف بن تميم سمعت من سفيان الثوري عشرة آلاف حديث أو نحوها فكنت أستفهم جليسي فقلت لزايدة فقال لي لا تحدث منها إلا بما تحفظ بقلبك وتسمع بأذنك قال فألقيتها وحكى عن أبي حنيفة مثله

وكل هذا إن لم يفرق بين من علم بنفسه أو استفهم أو بأن الأول في الحرف الحقيقي والثاني في الكلمة يخالف المحكي عن أحمد وأيضا فأحد الحفاظ المتقنين أبو محمد خلف بن سالم المخرمي بالتشديد نسبة لمحلة ببغداد قد قال نا مقتصرا على النون والألف إذا فاته حدث من حدثنا من قول شيخه سفيان ابن عيينه حين تحديثه عن عمرو بن دينار بخصوصه فكان يقال له قل حدثنا فيمتنع ويقول إنه لكثرة الزحام عند سفيان لم أسمع شيئا من حروف حدث فهذا مخالف لأحمد فلا شك هذا وسفيان شيخه اكتفى بسماع لفظ مستعمل عن لفظ المملي اقتفى أي اتبع المستملي لفظ المملي وذاك أن أبا مسلم المستملي قال له إن الناس كثير لا يسمعون فقال أتسمع أنت قال نعم فأسمعهم

ولعل سماع خلف لم يكن في الإملاء كذاك أو إسماعيل حماد بن زيد أفتى من استفهمه في حال إملائه واستعادة بعض الألفاظ وقال له كيف قلت فقال استفهم الذي يليك وهذا هو الذي عليه العمل بين أكابر المحدثين الذين كان يعظم الجمع في مجالسهم جدا ويجتمع فيها القيام من


56
الناس بحيث يبلغ عددهم الوفاء مؤلفة ويصعد المستملون على الأماكن المرتفعة ويبلغون عن المشايخ ما يملون إن من سمع المستملي دون سماع لفظ المملي جاز له أن يرويه عن المملي يعني بشرط أن يسمع المملي لفظ المستملي وإن أطلقه ابن الصلاح كالعرض سواء لان المستملي في حكم القاريء على المملي وحينئذ فلا يقال في الأداء لذلك سمعت فلانا كما تقدم في العرض بل الأحوط بيان الواقع كما فعله البخاري وابن خزيمة وغيرهما من الأئمة ممن كان يقول وثبتني فيه بعض أصحابنا أو وافهمني فلان بعضه حسبما يجيء مبسوطا في آخر الفصل السادس من صفة رواية الحديث وأدائه ولقصد السلامة من إغفال لفظ المملي

قال محمد بن عبد الله بن عماد الموصلي ما كتبت قط من في المستملي ولا التفت إليه لا أدري أي شئ يقول إنما كنت أكتب عن في المحدث وكذا تورع آخرون وشددوا في ذلك

قال ابن كثير وهو القياس والأول أصلح للناس حتى إنهم رووا عن سليمان بن مهران الأعمش الحافظ الحجة إنه قال كنا نقعد للنخعي إبراهيم بن يزيد أحد فقهاء التابعين حين تحديثه والحلقة متسعة فربما قد يبعد البعض ممن يحضر ولا يسمعه فيسأل ذلك البعيد البعض القريب من الشيخ ثم كل من سمع الشيخ أو رفيقه ينقل كل ذلك عن الشيخ بلا واسطة وكل ذا أي رواية مالم يسمعه إلا من رفيقه أو المستملي عن لفظ الشيخ تساهل عن فعله ولذا كان أبو نعيم الفضل وغيره كما تقدم لا يرون له التحديث بما أستفهمه إلا عن المفهم ولا يعجب أبا نعيم كما قال أبو زرعة عنه صنيعهم هنا ولا يرضى به لنفسه وقولهم كالحافظ أبي عبد الله بن منده تبعا للإمام عبد الرحمن بن مهدي يكفي من سماع الحديث شمة الذى رويناه في الوصية لأبي القاسم بن


57
منده من طريق عبد الله بن محمد بن سنان سمعت بندارا يقول سمعت ابن مهدي أصحاب الحديث يكفيهم الشم فهم أي القائلون ذلك كما قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ حسبما نقله عبد الغني بن سعيد الحافظ عنه إنما عنو به إذا أول شيء أي طرف حديث سئلا عنه المحدث عرفه واكتفى بطرفه عن ذكر باقيه فقد كان السلف يكتبون أطراف الحديث ليذاكروا الشيوخ فيحدثوهم بها قال محمد بن سيرين كنت ألقي عبيدة بن عمرو السلماني بالأطراف

وقال إبراهيم النخعي لا بأس بكتابة الأطراف وما عنوا به تسهلا في التحمل ولا الأداء وميل ابن دقيق العيد من هذا كله لما ذهب إليه الفضل وزائدة

السادس بل السابع باعتبار افراد مسألة الإجازة وإن يحدث من وراء ستر إزارا وجدار ونحو ذلك من عرفته إما بصوت ثبت لك أنه صوته بعلمك أو بإخبار ذي خبر به ممن تثق بعدالته وضبطه إن هذا صوته حيث كان يحدث بلفظه أو أنه حاضر إن السماع عرضا صح على المعتمد بخلاف الشهادة على الأشهر وإن العمل على خلافه لأن باب الرواية أوسع وكما إنه لا يشترط رؤيته له كذلك لا يشترط تمييز عينه من بين الحاضرين من باب أولى

وإن قال أبو سعد السمعاني ما نصه سمعت أبا عبد الله الفراوي يقول كنا نسمع بقراءة أبي مسند أبي عوانة على أبي القاسم القشيري فكان يخرج في أكثر الأوقات وعليه قميص أسود خشن وعمامة صغيره وكان يحضر معنا رجل من المحتشمين فيجلس بجانب الشيخ فاتفق انقطاعه بعد قراءة جملة من الكتاب ولم يقطع أبي القراءة في غيبته فقلت له لظني أنه هو المسمع يا سيدي على من تقرأ والشيخ ما حضر فقال كأنك تظن أن شيخك هو


58
المحتشم فقلت له نعم فضاق صدره واشترجع وقال بني إنما شيخك هذا القاعد ثم علم ذلك المكان حتى أعاد لي من أول الكتاب إليه وعن شعبة من الحجاج أنه قال لا ترو عمن يحدثك ممن لم تر وجهه فلعله شيطان قد تصور في صورته يقول حدثنا وأنا وهو وإن أطلق الصورة إنما أراد الصوت ووجه هذا أن الشياطين أعداء الدين ولهم قوة التشكل في الصور فضلا عن الأصوات فطرق احتمال أن يكون هذا الراوي شيطانا ولكن هذا بعيد لا سيما ويتضمن عدم الوثوق بالراوي ولو رآه لكن قال بعض المتأخرين كأنه يريد حيث لم يكن معروفا فإذا عرف وقامت عنده قرائن أنه فلان المعروف فلا يختلف فيه وعلى كل حال فقد قال ابن كثير إنه عجيب وغريب جدا انتهى

والحجة لنا في اعتماد الصوت حديث ابن عمر رفعه أن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا تأذين ابن أم مكتوم كما ذكره عبد الغني بن سعيد الحافظ حيث أمر الشارع بالاعتماد على صوته مع غيبة شخصه عمن يسمعه فقد يخدش فيه بأن الأذان لا قدرة للشيطان على سماع ألفاظه فكيف بقوله ولكن من الحجة لنا أيضا حديث أمنا معاشر المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابيات رضي الله عنهن من وراء الحجاب

والنقل لذلك عنهن ممن سمعه والاحتجاج به في الصحيح إلى غير ذلك من الأدلة

وقد ترجم البخاري في صحيحه شهادة الأعمى وأمره ونكاحه وإنكاحه ومبايعته وقبوله في التأذين وغيره وما يعرف من الأصوات وأورد من الأدلة لذلك حديث المسور بن مخرمة قدمت على النبي أقبية

فقال لي أبي انطلق بنا إليه عسى أن يعطينا منها شيئا فقام أبي على الباب


59
فتكلم فعرف النبي صوته فخرج ومعه قباء وهو يريه محاسنه وهو يقول خبأت هذا لك خبأت هذا لك

وحديث عائشة تهجد النبي في بيتي فسمع صوت عباد يصلي في المسجد فقال يا عائشة أصوات عباد هذا قلت نعم الحديث وقول سليمان بن يسار استأذنت على عائشة فعرفت صوتي قالت سليمان أدخل إلى غيرها على أن ابن أبي الدم قال إن قول شعبة محمول على احتجاب الراوي من غير عذر مبالغه في كراهة احتجابه أما النساء فلا خلاف في جواز الرواية عنهن من وجوب احتجابهن انتهى

ومقتضاه عدم جواز النظر إليهن للرواية وفيه نظر حيث لم يكن معرفتها بدونه وعلى اعتماده فهي تخالف الشهادة حيث يجوز النظر للمرأة بل يجب ولا يكفي الاعتماد على صوتها كما تقدم

الثامن ولا يضر سامعا ممن سمع لفظا أو عرضا أن يمنعه الشيخ المسمع بعد الفراغ من السماع عليه أو قبله أن يروي عنه ما قد سمعه منه بأن يقول له لا لعلة أو ريبة في المسموع أو إبداء مستند سوى المنع اليابس لا نزولا عني أو ما أذنت لك في روايته عني ونحو ذلك بل تسوغ له روايته عنه كما صرح به غير واحد من الأئمة منهم ابن خلاد في المحدث الفاصل في مسألتنا بل زاد ابن خلاد مما قال به أيضا ابن الصباغ كما سيأتي في سادس أقسام التحمل أنه لو قال له هذه روايتي لكن لا تروها عني ولا أجيزها لك لم يضره ذلك وتبعه القاضي عياض فقال وما قاله صحيح لا يقتضي النظر سواه لأنه قد حدثه وهو شئ لا يرجع فيه فلا يؤثر منعه

قال ولا أعلم مقتدى به قال خلاف هذا في تأثير منع الشيخ ورجوعه عما حدث به من حدثه وإن ذلك يقطع سنده عنه إلا أني قرأت في كتاب الفقيه أبي بكر بن أبي عبد الله المالكي في طبقات علماء إفريقية نقل عن شيخ من جلة


60
شيوخها أنه أشهد بالرجوع عما حدث به بعض أصحابه لأمر نقمه عليه

وكذلك فعل مثل هذا بعض من لقيناه من مشائخ الأندلس المنظور إليهم وهو الفقيه المحدث أبو بكر بن عطية حيث أشهد بالرجوع عما حدث به بعض جماعته لهوى ظهر له منه وأمور أنكرها عليه ولعل هذا صور منهم تأديبا وتضعيفا لهم عند العامة لا لأنهم اعتقدوا صحة تأثيره

وقياس من قاس الرواية هنا على الشهادة غير صحيح لأن الشهادة على الشهادة لا تصح إلا مع الإشهاد ولا كذلك الرواية فإنها متى صح السماع صحت بغير إذن من سمع منه انتهى

وإن روي عن بشير بن نهيك قال كنت آتي إلى أبي هريرة فأكتب عنه فلما أردت فراقة أتيته فقلت هذا حديثك أحدث به عنك قال نعم فقد قال الخطيب إنه غير لازم وصرح غيره بالاتفاق ويلحق بالسامع في ذلك المجاز أيضا وما أعلمه بأنه مرويه مما لم يجزه به صريحا كما تقدم قريبا

وكذلك لا يضر التخصيص من الشيخ لواحد فأكثر بالسماع إذا سمع هو سواء علم الشيخ بسماعه أو لم يعلم من باب أولى كما صرح بالحكم الأستاذ أبو إسحاق الأسفرائيني إذا سأله أبو سعد عبد الرحمن بن الحسن بن عكيك النيسابوري عنه في جملة من الأسئلة عندي في جزء مفرد وعمل به النسائي والسلفي وآخرون

بل ولو صرح بقوله أخبركم ولا أخبر فلانا لم يضره ولكنه لا يحسن في الأداء أن يقول حدثني ونحوها مما يدل على أن الشيخ رواه كما أسلفته في أول أقسام التحمل

وكذا لا يضر الرجوع بالكناية وما أشبها أو بالتصريح كأن يقول


61
رجعت ونحوها مما لا ينفي أنه من حديثه كما سلف في كلام القاضي عياض في المسألة الأولى ما لم يقل مع ذلك أخطأت فيما حدثت به أو تزيدت أو شككت في سماعه أو نحو ذلك كما فصل شيخنا رحمه الله إذ سمعنا عليه ذم الكلام للهروي حيث قال أذنت لكم في روايته عني ما عدا كذا وكذا فإنه والحالة هذه ليس له أن يرويه عنه ثم إنه لو أراد الشيخ سماعه بعد قوله تزيدت أو أخطأت كان قد جاء فيه بخلاف قوله شككت


62
القسم الثالث من أقسام التحمل الإجازة
( ثم الإجازة تلي السماعا
ونوعت لتسعة أنواعا )
( أرفعها بحيث لا مناولة
تعيينه المجاز والمجاز له )
( أو بعضهم حكى اتفاقهم على
جواز ذا وذهب الباجي إلى )
( نفي الخلاف مطلقا وهو غلط
قال ولا اختلاف في العمل قط )
( ورده الشيخ بأن للشافعي
قولان فيها ثم بعض تابعي )
( مذهبه قاضي الحسين منعا
وصاحب الحاوي به قد قطعا )
( قالا كشعبة ولو جازت إذن
لبطلت رحلة طلاب السنن )
( وعن أبي الشيخ مع الحربي
إبطالها كذلك للسجري )
( لكن على جوازها استقرا
عملهم والأكثرين طرا )
( قالوا به كذا وجوب العمل
بها وقيل لا كحكم المرسل )
( والثاني أن يعين المجاز له
دون المجاز وهو أيضا قبله )
( جمهورهم رواية وعملا
والخلف أقوى فيه مما قد خلا )
( والثالث التعميم في المجاز
له وقد مال إلى الجواز )
( مطلقا الخطيب وابن مندة
ثم أبو العلاء أيضا بعده )
( وجاز للموجود عند الطبري
والشيخ للإبطال مال فاحذر )


63
( وما يعم مع وصف حصر
كالعلما يومئذ بالثغر )
( فإنه إلى الجواز أقرب
قلت عياض قال لست أحسب )
( في ذا اختلافا بينهم ممن يرى
إجازة لكونه منحصرا )
( والرابع الجهل بمن أجيز له
أو ما أجيز كأجزت أزفله )
( بعض سماعاتي كذا إن سمى
كتابا أو شخصا وقد تسمى )
( به سواه ثم لما يتضح
مراده من ذاك فهو لا يصح )
( أما المسمون مع البيان
فلا يضر الجهل بالأعيان )
( وينبغي الصحة إن جملهم
من غير عد وتصفح لهم )
( والخامس التعليق في الإجازة
بمن يشاؤها الذي أجازه )
( أو غيره معينا والأولى
أكثر جهلا وأجاز الكلا )
( معا أبو يعلى الإمام الحنبلي
مع ابن عمروس وقالا ينجلي )
( الجهل إذ يشاؤها والظاهر
بطلانها أفتى بذلك طاهر )
( قلت وجدت ابن أبي خيثمة
أجاز كالثانية المبهمة )
( وإن يقل من شاء يروي قربا
ونحوه الأزدي مجيزا كتبا )
( أما أجزت لفلان إن يرد
فالأظهر الأقوى الجواز فاعتمد )
( والسادس الإذن لمعدوم تبع
كقوله أجزت لفلان مع )
( أولاده ونسله وعقبه
حيث أتوا أو خصص المعدوم به )
( وهو أوهى وأجاز الأولا
ابن أبي داود وهو مثلا )
( بالوقف لكن أبا الطيب رد
كليهما وهو الصحيح المعتمد )
( كذا أبو نصر وجاز مطلقا
عند الخطيب وبه قد سبقا )
( من ابن عمروس مع الفراء
وقد رأى الحكم على استواء )


64
( في الوقف أي في صحة من تبعا
أبا حنيفة ومالكا معا )
( والسابع الإذن لغير أهل
للأخذ عنه كافر أو طفل )
( غير مميز وذا الأخير
رأى أبو الطيب والجمهور )
( ولم أجد في كافر نقلا بلى
بحضرة المزي تترى فعلا )
( ولم أجد في الحمل أيضا نقلا
وهو من المعدوم أولى فعلا )
( وللخطيب لم أجد من فعله
قلت رأيت بعضهم قد سأله )
( مع أبويه فأجاز ولعل
ما أصفح الأسماء فيها إذ فعل )
( فينبغي البناء على ما ذكروا
هل يعلم الحمل وهذا أظهر )
( والثامن الإذن بما سيحمله
الشيخ الصحيح أنا تبطله )
( وبعض عصريي عياض بذله
وابن مغيث لم يجيب من سأله )
( وإن يقل أجزته ما صح له
أو سيصح ذا صحيح علمه )
( الدارقطني وسواه أو حذف
يصح جاز الكل حيث ما عرف )
( والتاسع الإذن بما أجيزا
لشيخه فقيل لن يجوزا )
( ورد والصحيح الاعتماد
عليه قد جوزه النقاد )
( أبو نعيم وكذا ابن عقده
والدارقطني ونصر بعده )
( والى ثلاثا بإجازة وقد
رأيت من والى بخمس يعتمد )
( وينبغي تأمل الإجازة
فحيث شيخ شيخه أجازه )
( بلفظ ما صح لديه لم يخط
ما صح عند شيخه منه فقط )

وهي مصدر وأصلها إجوازه تحركت الواو وتوهم انفتاح ما قبلها فانقلبت ألفا وحذفت إحدى الألفين إما الزائدة أو الأصلية بالنظر لاختلاف


65
سيبويه والأخفش لالتقاء الساكنين فصارت إجازة وترد في كلام العرب للعبور والانتقال والإباحة القسيمة للوجوب والامتناع وعليه ينطبق الاصطلاح فإنها إذن في الرواية لفظا أو كتبا يفيد الإخبار الإجمالي عرفا

وقال القطب القسطلاني إنها مشتقة من التجوز وهو التمدي فكأنه عدى روايته حتى أوصلها للراوي عنه وقال أبو عبد الله محمد بن سعيد بن الحجاج إن اشتقاقها من المجاز فكأن القراءة والسماع هو الحقيقة وما عداه مجازا والأصل الحقيقة والمجاز حمل عليه ويقع أجزت متعديا بنفسه وبحرف الجر كما سيأتي في لفظ الإجازة فأشرطها

ثم الإجازة تلي السماعا عرضا على المعتمد المشهور وقيل بل هي أقوى منه لأنها أبعد من الكذب وأنفى عن التهمة وسوء الظن والتخلص من الرياء والعجب قاله أبو القاسم عبد الرحمن بن منده بل كان يقول ما حدثت بحديث إلا على سبيل الإجازة حتى لا أوبق فأدخل في كتاب أهل البدعة ونحوه قول أحمد بن ميسر كما سيأتي قريبا

وقيل هما سواء قاله بقي بن مخلد وتبعه ابنه أحمد وحفيده عبد الرحمن فيما حكاه ابن عات عنهم ونحوه قول أبي طلحة منصور بن محمد المروزي الفقيه سألت أبا بكر بن خزيمة الإجازة لما بقي على من تصانيفه فأجازها لي وقال الإجازة والمناولة عندي كالسماع الصحيح وهو محتمل في إرادة الإجازة المجردة والأظهر أنه أراد المقتونة بالمناولة

وخص بعضهم الاستواء بالأزمان المتأخرة التي حصل التسامح فيها في السماع بالنسبة للمتقدمين لكونه آل لتسلسل السند إذ هو حاصل بالإجازة إلا إن وحد عالم بالحديث وفنونه وفوائده ومع ذلك فالسماع إنما هو حينئذ أولى لما يستفاد من المستمع وقت السماع لا بمجرد قوة رواية السماع على الإجازة ويتأيد هذا التفصيل بقول أبي بكر أحمد بن خالد بن ميسر


66
الاسكندري المالكي كما رواه أبو العباس الوليد بن بكر الأندلسي شيخ الحافظ أبي ذر الهروي في كتابة الوجازة في صحة القول بالإجازة عن أحمد بن محمد بن سهل العطار عنه الإجازة عندي على وجهها خير وأقوى في النقل من السماع الردي وبعضهم بما إذا تعذر السماع

وكلام ابن فارس الآتي قد يشير إليه والحق أن الإجازة دون السماع لأنه أبعد عن التصحيف والتحريف وقد نوعت لتسعة بتقديم المثناة أنواعا أي من الأنواع مع كونها متفاوتة أيضا وإنما اقتصر على هذا العدد لمسيس الحاجة إليه وإلا فتتركب منها أنواع أخر ستأتي أشار إليه ابن الصلاح آخر الأنواع هذا مع إدراجه الخامس في الرابع في السابع والسادس بحيث كانت الأنواع عنده سبعة

فارفعها مما تجرد بحيث لا مناولة معها لعلو تلك وهو الأول من أنواعها تعيينه أي المحدث المجاز به وتعيينه الطالب المجاز له

كأن يقول إما بخطه ولفظه وهو أعلى أو بأحدهما أجزت لكم أو لفلان صحيح البخاري أو فهرست بكسر أوله وثالثه الذي يجمع فيه مرويه فالمجاز عارف بما اشتمل عليه ونحو ذلك كأن يقول له وقد أدخله خزانة كتبه إرو جميع هذه الكتب عني فإنها سماعاتي من الشيوخ المكتوبة عنهم أو إحالة على تراجمها ونبهه على طرق أوائلها

وبعضهم كما حكاه القاضي عياض حكى اتفاقهم أي العلماء أهل الظاهر على جواز ذا النوع وأن المختلف فيه من أنواعها غيره ونحوه قول أبي مروان الطيني كما حكاه عياض إنما تصح عندي إذا عين المجيز للمجاز ما أجاز له

قال وعلى هذا رأيت إجازات المشرق وما رأيت مخالفا له بخلاف ما إذا أبهم ولم يسم ما أجاز بل سوى بعضهم كما حكاه عياض أيضا بينه وبين


67
المناولة قال وسماه أبو العباس بن بكر المالكي في كتابه إجازة مناولة وقال إنه يحل محل السماع والقراءة عند جماعة من أصحاب الحديث وقال إنه مذهب مالك وذهب القاضيان أبو بكر باقلاني وأبو الوليد سليمان بن خلف المالكي الباجي نسبة لباجة مدينة بالأندلس إلى نفي الخلاف عن صحة الإجازة مطلقا هذا النوع وغيره وهو غلط كما ستراه

قال الباجي كما حكاه عياض لا خلاف من سلف الأمة وخلفها في جواز الرواية بها والاختلاف إنما هو في العمل بهما قط أي فقط وكما سيأتي

ورده أي القول بنفي الخلاف وبقصره على العلم مصرحا ببطلانه الشيخ ابن الصلاح بأن مخففة من الثقيلة للشافعي وكذا لمالك قولان فيها أي في الإجازة جوازا ومنعا

وقال بالمنع جماعات من أهل الحديث والفقهاء كأشهب والأصوليين ثم رده أيضا بالقطع بمقابلة فبعض تابعي مذهبه أي الشافعي وهو القاضي الحسين المروزي منعا الرواية بها يعني جزما

وقال أحمد بن صالح المصري إنها لا تجوز البتة بدون مناولة وكذا القاضي حسن الماوردي صاحب الحاوي فيه به أي بعدم الجواز قد قطعا مع عزوة المنع لمذهب الشافعي كما رواه الربيع عنه حيث قال فاتني على الشافعي من كتابة ثلاث ورقات من البيوع فقلت له أجزها لي فقال بل أقرأها علي كما قرئت علي وكرر قوله حتى أذن لي في الجلوس وجلس فقرئ عليه وكذا قال ابن القاسم سألت مالكا عن الإجازة فقال لا أراها إنما يريد أحدهم أن يقيم المقام اليسير ويحمل العلم الكثير

وعن ابن وهب سمعت مالكا يقول لمن سأله الإجازة ما يعجبني والناس يفعلونه قال وذلك أنهم طلبوا العلم لغير الله يريدون أن يأخذوا الشيء


68
الكثير في المقام القليل ومثل هذا قول عبد الملك بن الماجشون لرسول اصبغ بن الفرج في ذلك قل له إن كنت تريد العلم فارحل له

وقالا أي القاضي الحسين والماوردي كقول شعبة بالصرف للضرورة وابن المبارك وأضرابهما ما معناه ولو حازت الإجازة إذن بالنون لجماعة منهم المبرد حتى كان يقول اشتهي أن أكون بد من يكتبها بالألف لأنها مثل أن ولن ولا يدخل التنوين في الحروف لبطلت رحلة بكسر الراء وضمها أي انتقال طلاب السنن لأجلها من بلد إلى بلد لاستغنائهم بالإجازة عنها زاد شعبه

وكل حديث ليس فيه سمعت قال سمعت فهو خل بقل ونحوه قول أبي زرعة الرازي وما رأينا أحدا يفعلها وإن تساهلنا في هذا يذهب العلم ولم يكن للطلب معنى وليس هذا من مذاهب أهل العلم

وجاء أيضا عن أبي الشيخ وهو عبد الله بن محمد الأصبهاني الحافظ صاحب التصانيف الشهيرة مع أبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي إبطالها قال أبو أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب سمعته يقول الإجازة والمناولة لا يجوز وليس هي شيء وكذا قال صالح بن محمد الحافظ جزره فيما ذكره الحاكم في ترجمته من تاريخه والخطيب في الكفاية الإجازة ليست بشيء

وحكاه الآمدي وابن الحاجب عن أبي حنيفة وأبي يوسف كذاك للسجزي بكسر المهملة ثم جيم بعدها زاء نسبة لسجستان على غير قياس وهو أبو نصر عبيد الله بن سعيد الوائلي الحافظ أحد أصحاب الحاكم القول بإبطالها بل حكاه عن بعض من لقيه فقال سمعت جماعة من أهل العلم يقولون قول المحدث قد أجزت لك إن تروي عني تقديره أجزت لك مالا يجوز في الشرع لأن الشرع لا يبيح ما لم يسمع وحكى أبو بكر محمد بن


69
ثابت الحجندي من الشافعية وهو من القائلين بالإبطال عن القاضي أبي طاهر محمد بن أحمد بن نصر الدباس من الحنفية أن من قال لغيره أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع فكأنه يقول أجزت لك أن تكذب علي

ورواه السلفي في كتابه الوجيز في ذكر المجاز من طريق الخليل ابن أحمد السجستاني عن أبي طاهر وكذا قال ابن حزم في كتابه الأحكام الإجازة يعني المجردة التي يستعملها الناس باطلة ولا يجوز أن يجيز بالكذب ومن قال لآخر أرو عني جميع روايتي أو يجزيه بها ديوانا ديوانا وإسنادا إسنادا فقد أباح له الكذب قال ولم تأت من النبي ولا عن أصحابه ولا عن أحد من التابعين وأتباعهم فحسبك بما هذه صفته

وكذا قال إمام الحرمين في البرهان ذهب ذاهبون إلى أنه لا يتلقى بالإجازة حكم ولا يسوغ التقويل عليها عملا أو رواية لكن على جوازها أي الإجازة استقر عملهم أي أهل الحديث قاطبة وصار بعد الخلف إجماعا وأحيى الله بها كثيرا من دواوين للحديث مبوبها ومسندها مطولها ومختصرها وألوفا من الأجزاء النثرية مع جملة من المشيخات والمعاجم والفوائد إنقطع إتصالها بالسماع وإقتديت بشيخ فمن قبله فوصلت بها جملة ورحم الله الحافظ علم الدين البرز إلى حيث بالغ في الاعتناء بطلب الاستجازات من المسندين للصغار ونحوهم فكتب غير واحد من الاستدعاءات ألفيا أي مشتملا على ألف اسم وتبعه أصحابه به كابن سعد والواني وانتفع الناس بذلك

وكذا ممن بالغ في عصرنا في ذلك مفيدنا الحافظ أبو النعيم المستملي عمدة المحدثين النجم بن فهر الهاشمي فجزاهم الله خيرا

وممن اختار التعويل عليها مع تحقيق الحديث إمام الحرمين وما أحسن قول الإمام أحمد إنها لو بطلت لضاع العلم ولذا قال عيسى بن مسكين


70
صاحب سحنون فيما رواه أبو عمر والداني من طريقة هي رأس مال كبير وهي قوية

وقال السلفي هي ضرورية لأنه قد يموت الرواة وتفقد الحفاظ الوعاة فيحتاج إلى بقاء الإسناد ولا طريق إلا الإجازة فالإجازة فيها نفع عظيم ووفر جسيم إذ المقصود إحكام السنن المروية في الأحكام الشرعية وأخبار الآثار وسواء كان بالسماع أو القراءة أو المناولة أو الإجازة قال وسومح بالإجازة لقوله تعالى (

وما جعل عليكم في الدين من حرج ) وقوله بعثت بالحنفية السمحة

قال ومن منافعها أنه ليس كل طالب يقدر على رحلة وسفر إما لعلة توجب عدم الرحلة أو بعد الشيخ الذي يقصده فالكتابة حينئذ أرفق وفي حقه أوفق فيكتب من بأقصى الغرب إلى من بأقصى الشرق ويأذن له في رواية ما يصح عنه انتهى

وقد كتب السلفي هذا من ثغر إسكندرية لأبي القاسم الزمخشري صاحب الكشاف وهو بمكة يستجيزه جميع مسموعاته وإجازاته ورواياته وما ألفه في فنون العلم وأنشأة من المقامات والرسائل والشعر فأجابه بجزء لطيف فيه لغة وفصاحة مع الهضم فيه لنفسه

وكان من جملته وأما الرواية فقريبة الميلاد حديثة الإسناد لم تعتضد بأشياخ نحارير ولا بأعلام مشاهير وكذا استجاز أبا شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي فأجابه بقوله في أبيات

( إني أجزت لكم عني روايتكم
لما سمعت من أشياخي وأقراني )


71
( من بعد أن تحفظوا شرط الجواز
لها مستجمعين بها أسباب إتقان )
( أرجو بذلك أن الله يذكرني
يوم النشور وإياكم بغفران )

وقال أبو الحسن ابن النغمة لم تزل مشايخنا في قديم الزمان يستعملون هذه الإجازات ويرونها من أنفس الطلبات ويعتقدونها رأس مال الطالب ويرون من عدمها المغلوب لا الغالب فإذا ذكر حديثا أو قراءة أو معنى ما قالوا أين إسناده وعلى من اعتماده فإن عدم سندا يترك سدى ونبذ قوله ولم يعلم فضله

والأكثرون من العلماء بالحديث وغيره طرا بضم الطاء وتشديد الراء المهملتين جميعا قالوا به أي بالجواز أيضا قبل انعقاد الاجتماع عليه

وحكاه الآمدي عن أصحاب الشافعي وأكثر المحدثين وبه قال الربيع وحكى عن أبي يوسف أيضا وإليه ذهب الشيخان ولكن شيخنا متوقف في كون البخاري كان يرى بها فإنه يذكر يعني في العلم من صحيحه الإجازة المجردة عن المناولة أو المكاتبة ولا الوجادة ولا الوصية ولا الأعلام المجردات عن الإجازة وكأنه لا يرى بشيء منها انتهى

وقد يغمض الاحتجاج لصحتها ويقال الغرض من القراءة الإفهام والفهم حاصل بالإجازة المفهمة وهذا مأخوذ من كلام ابن الصلاح فإنه قال وفي الاحتجاج لذلك غموض أي من جهة التحديث والإخبار بالتفاصيل ويتجه أن نقول إذا أجاز له أن يروي عنه مرياته يعني المعينة أو المعلومة فقد أخبره بها جملة فهو كما لو أخبره بها تفصيلا وإخباره له بها لا يتوقف على التصريح نطقا يعني في كل حديث كالقراءة وإنما الغرض


72
حصول الإفهام والفهم وذلك يحصل بالإجازة المفهمة وارتضاه كل من بعده

ولكن قد بحث فيه بعض المتأخرين وقال إنه قياس مجرد عن العلة فلا يكون صحيحا وأيضا فمنع الإلحاق متجه والفرق ناهض إذ لا يلزم من الجواز في المفصل الجواز في المجمل لجواز خصوصيته في المفصل ولو عكس لجاز

وفيه نظر فابن الصلاح لم يجرد القياس عن العلة بل صرح بأن الإفهام يعني الإعلام بأن هذا مروية هو المقصود بالقراءة وذلك حاصل بالإجازة المفهمة

على أن هذا الباحث قد ذكر في الرد على الدباس ومن وافقه ما لعله انتزعه من ابن الصلاح فإنه قال والحق أن الراوي بها إذا أخبر بأن الذى يسوقه من جملة تفاصيل ما تعلقت به الإجازة وأنه فرد من أفراد تلك الجملة التي وقع الإخبار بها وأنه قد أخبر به على هذه الكيفية لا من جهة تعينه وتشخيصه فلا نزاع أن هذا ليس من الكذب في شيء وعليه يتنزل الجواز انتهى

والإفصاح في الإخبار بكونه إجازة بعد اشتهار معناه كاف وكذا يستدل لها بقوله بلغوا عني الحديث فقد استدل به البلقيني كما سيأتي للإجازة العامة فتكون هنا أولى

ثم إن ما تقدم عن الشافعي حمله الخطيب والبيهقي على الكراهة ويتأيد بتصريح الربيع بالجواز بل صرح الشافعي بإجازاتها لمن بلغ سبع سنين كما تقدم في مسألة سماع الصغير ويأتي في النوع السابع أيضا ولما قال له الحسين الكرابيسي أتأذن لي أن أقرأ عليك الكتاب قال له خذ كتب


73
الزعفراني فانتسخها فقد أجزتها لك ولعل توفقه مع الربيع ليكون تحمله للكتاب على هيئة واحدة وكذا حمل الخطيب قول مالك لا أراها على الكراهة أيضا لما ثبت عنه من التصريح بصحة الرواية بأحاديث الإجازة وقد قال أبو الحسن بن المفضل الحافظ إنه نقل عنهما أعني مالكا والشافعي أقوال متعارضة بظاهرها والصحيح تأويلها والجمع بينهما وأن مذهبهما القول بصحتها انتهى

وحينئذ فالكراهة إما الخشية الاسترواح بها بحيث يترك السماع وكذا الرحلة بسببه كما صرح به شعبة ومن وافقه

وقد رده أبو الحسين بن فارس بأنا لم نقل باقتصار الطالب عليها بحيث لا يسعى ولا يرحل بل نقول بها لمن له عذر من قصور نفقة أو بعد مسافة أو صعوبة مسلك ; أكوأصحاب الحديث يعني ممن قال بها لا زالوا يتجشمون المصاعب ويركبون الأهوال في الارتحال أخذا بما حث عليه ولم يقعدهم اعتمادها عن ذلك وكلام السلفي الماضي يساعده ونحوه قول بعض المتأخرين إنها ملازمة في مقام المنع لبقاء الرحلة من جهة تحصيل المقام الذى هو أعلى من الإجازة في التحمل

نعم قد زاد الركون الآن إليها وكاد أن لا يؤخذ بالسماع ونحوه الكثير من الأصول المعول عليها لعدم تمييز السامع من المجاز أو للخوف من النسبة للتعجيز حيث لم يكن للرواية قد جاز بل قد توسع في الإذن لمن لم يتأهل بالافتاء والتدريس واستدرج للخوض في ذلك الإبهام والتلبيس وكثر المستمرين بالفقه والحديث وغيرهما من العلوم من ضعف الأحلام والفهوم فالله يحسن العاقبة

وأما التضمين حمل العلم لمن ليس من أهله ولا عرف بخدمته وحمله كما دل عليه امتناع مالك من إجازة من هذه صفته وقوله يحب أحدهم أن يدعي


74
قسما ولما يخدم الكنيسة يعني بذلك كما قال الخطيب إن الرجل يجب أن يكون فقيه بلده ومحدق مصره من غير أن يقاسي عناء الطلب ومشقة الرحلة اتكالا على الإجازة كمن أحب من رذال النصارى أن يكون قسا ومرتبته لا ينالها الواحد منهم إلا بعد استدراج طويل وتعب شديد انتهى

وقد عبر بعضهم عن هذا المعنى بقوله أتحب أن تتزبب قبل أن تتحصرم ونحوه قول مالك أيضا يريد أخذ العلم الكثير في الوقت اليسير أو نحو ذلك وكل هذا موافق لمشترط التأهل حين الإجازة كما ستأتي المسألة في النوع السابع وفي لفظ الإجازة وشرطها وما حكاه أبو نصر عن من لم يسمعه لا ينهض دليلا على البطلان بل هو عين النزاع

وكذا ما قاله الدباس وابن حزم ليس بمرضي لما علم من رده مما تقدم وأيضا فلم يقل أحد بصحة الرواية بها قبل ثبوت الخبر عن المجيز ولا بدون شروط الرواية بل قيد إمام الحرمين كما تقدم الصحة بتحقق الحديث في الأصل وهو اختيار الغزالي في المستصفى وكذا قيد البرقاني الصحة بمن كانت له نسخة منقولة من الأصل أو مقابلة به وإطلاق الحربي والمنع كما قال الخطيب محمول على من لم يكن كذلك لقول الجلاب راوي ما تقدم عنه قلت له سمعت كتاب الكلبي وقد تقطع على والدي هو عنده يريد الخروج فهل ترى أن أستجيزه أو أسأله أن يكتب به إلي

قال الإجازة ليست بشيء سله أن يكتب به إليك وكذا المعتمد وجوب العمل والاحتجاج بالمروي بها ممن يسوغ له ذلك عند الجمهور لأنه خبر متصل الرواية فوجب العمل به كالسماع إلا لمانع آخر

وقيل وهو قول أهل الظاهر ومن تابعهم لا يجب العمل به كحكم الحديث المرسل قال ابن الصلاح وهذا باطل لأنه ليس في الإجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها ولا في الثقة به بخلاف المرسل فلا إخبار فيه البتة وسبقه الخطيب فقال كيف يكون من نعرف عليه وأمانته وعدالته بمنزلة من لا


75
نعرفه قال وهذا واضح لا شبهة فيه

والنوع الثان بحذف الياء من أنواع الإجازة المجردة عن المناولة أن يعين المحدث الطالب المجازله دون الكتاب المجاز به كأن يقول إما بخطه ولفظه أو بأحدهما أجزت لك أو لكم جميع مسموعاتي أو مروياتي وما أشبه ذلك وهو أي هذا النوع أيضا قبله جمهورهم أي العلماء من المحدثين والفقهاء والنظار سلفا وخلفا رواية وعملا بالمروي به بشرطه الآتي في شرط الإجازة ولكن الخلف في كل من جواز الرواية وجوب العمل أقوى فيه أي في هذا النوع مما قد خلا في الذي قبله بل لم يحك أحد الاجماع فيه لأنه لم ينص له في الإجازة على شئ بعينه ولا أحاله على تراجم كتب بعينها من أصوله ولا من الفروع المقروءة عليه وإنما أحاله على أمر عام وهو في تصحيح ما روى الناس عنه على خطر لا سيما إذا كان كل منهما في بلد وحينئذ فيجب كما قال الخطيب على هذا الطالب التفحص عن أصول الراوي من جهة العدول الأثبات فما صح عنده من ذلك جاز له أن يحدث به ويكون مثال ما ذكرناه قول الرجل لآخر ولا وكلتك في جميع عندك أنه مالك لي أن تنظر فيه على وجه الوكالة المفوضة فإن هذا ونحوه عند الفقهاء من أهل المدينة صحيح ومتى صح عنده ملك للموكل كان له التصرف فيه فكذلك هذه الإجازة المطلقة متى صح عنده شيء من حديثه جاز له أن يحدث به

والنوع الثالث من أنواع الإجازة التعميم في المجاز له سواء عاين المجاز به أو أطلق كأن يقول إما بخطه ولفظه أو بأحدهما أجزت للمسلمين أو لكل أحد أو لمن أدرك زماني أو نحو ذلك الكتاب الفلاني أو مروياتي وقد تكلم في هذا النوع المتأخرون ممن جوز أصل الإجازة واختلفوا فيه فمال أي ذهب إلى الجواز مطلقا سواء الموجود حين الإجازة أو بعدها وقيل وفاة المجيز قيد بوصف حاصر كأهل الإقليم الفلاني أو من دخل بلد كذا أو من وقف على خطى أو من ملك نسخة من


76
تصنيفي هذا أو نحو ذلك أو لم يقيد كأهل لا إله إلا الله الحافظ أبو بكر الخطيب فإنه اختار فيما إذا أجاز بجماعة المسلمين للصحة متمسكا بأحد القولين للشافعية في الوقف على المجهول ومن لا يحصى كبني تميم وقريش الذي جنح إلى كونه أظهر القولين عنده وهو الأصح قياسا على الفقراء والمساكين إذ كل من أجاز عليه الوقف إذا أحصى وجب أن يجوز عليه ولم يخص كما قرر ذلك في مصنفه في الإجازة للمجهول والمعدوم

وممن صحح الوقف كذلك المالكية وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وقالوا ومن أجاز الوقف منهم فهو أحق به وكذا جوز هذا النوع جماعة ومال إليه الحافظ أبو عبد الله ابن منده فإنه أجاز لمن قال لا إله إلا الله ثم الحافظ الثقة أبو العلاء الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد بن محمد بن سهل الهمداني العطار جوزه أيضا بعده أي بعد ابن منده حسبما نسبه إليه بل وإلى غيره الحافظ أبو بكر الحازمي إذ سأله أبو عبد الله محمد بن سعيد التنيسي عن الرواية بها فإنه قال له لم أر في اصطلاح المتقدمين من ذلك شيئا غير أن نفرا من المتأخرين استعملوا هذه الألفاظ ولم يروا بها بأسا ورأوا أن التخصيص والتعميم في هذا سواء

وقالوا متى عدم السماع الذي هو مضاه للشهادة فلا معنى للتعيين قال ومن أدركت من الحفاظ نحو أبي العلاء يعني العطار وغيره كانوا يميلون إلى الجواز وفيما كتب إلينا الحافظ أبو طاهر السلفي من الإسكندرية في بعض مكاتباته أجاز لأهل بلدان عدة منها بغداد وواسط وهمدان وأصبهان وزنجان انتهى

وأجاز أبو محمد عبد الله بن سعيد السبيجاني أحد الجلة من شيوخ الاندلس لكل من دخل قرطبة من طلبة العلم ووافقه على ذلك جماعة منهم صاحبه أبو عبد الله ابن عتباب حكاه عنهما عياض وقال غيره إن أولهما أجاز صحيح مسلم لكل من أراد حمله عنه من جميع المسلمين وكان سمعه من


77
السجزي بمكة ثم قال عياض وإلى صحة الإجازة العامة للمسلمين من وجد منهم ومن لم يوجد ذهب غير واحد من مشايخ الحديث

وكذا جاز للموجود حين الإجازة خاصة عند القاضي أبي الطيب طاهر الطبري فيما نقله عنه صاحبه الخطيب في تصنيفه المشار إليه فإنه قال وسألته عن هذه المسألة فقال لي يجوز أن يجيز لمن كان موجودا حين إجازته من غير أن يعلق ذلك بشرط أو جهالة سواء كانت الإجازة بلفظ خاص كأجزت لفلان وفلان أو عام كأجزت لبني هاشم وبني تميم ومثله إذا قال أجزت لجماعة المسلمين فإن الحكم عند القاضي أبي الطيب في ذلك سواء إذا كانت الإجازة لموجود انتهى

ومن الأدلة لذلك سوى ما تقدم قوله بلغوا عني الحديث وقد قوى الاستدلال به البلقيني ومنع الاستدلال بما رواه ابن سعد في الطبقات من حديث أبي رافع أن عمر رضي الله عنه لما احتضر قال من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله بأن العتبق النافذ لا يحتاج إلى ضبط وتحديث وعمل بخلاف الإجازة ففيها ذلك ووجه بعضهم باشتراكهما في أن كلا منهما يستدعي تعيين المحل وتشخيصه ضرورة أن الراوي بالإجازة لا يجوز أن يكون مآله الوحدة النوعية بل مآله الوحدة الشخصية وكذلك ما ينفذ فيه العتق ويصح فيه وليس بشئ وعلى كل حال فقد قال الحازمي إن التوسع بها في هذا الشأن غير محمود

وعلى كل حال فقد قال الحازمي إن التوسع بها في هذا الشأن غير محمود فمهما أمكن العدول عنه إلى غير هذا الاصطلاح أو تهيأ تأكيده بمتابع له سماعا أو إجازة خاصة كان ذلك أحرى بل الذى اختاره الحافظ عبد الغني بن سرور كما وجده المنذر بخطه منع الرواية بها وعدم التعريج عليها قال والإتقان تركها وذهب الماوردي كما حكاه عياض إلى المنع أيضا في المجهول كله من المسلمين أو طلبة العلم من وجد منهم


78
ومن لم يوجد وكذا الشيخ ابن الصلاح للإبطال أيضا مال حيث قال ولم نر ولم نسمع عن أحد ممن يقتدي به أنه استعمل هذه الإجازة فروى بها ولا عن الشراذمة المستأخرة الذين سوغوها والإجازة في أصلها ضعيفة وتزداد بهذا التوسع والاسترسال ضعفا كثيرا لا ينبغي استعماله فاحذر أيها الطالب استعمالها رواية عملا

وقد انصف ابن الصلاح في قصره النفي على روايته وسماعه لأنه قد استعملها جماعات ممن تقدمه من الأئمة المقتدى بهم كالحافظ أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الفقيه فقد قال أبو القاسم هبة الله بن المحسن المقدسي الفقيه فيما سمعه منه السلفي كما في معجم السفر له إنه سأله الإجازة فقال قد أوجزت لك ولكل من وقع بيده جزء من رواياتي فاختار الرواية عني وكالحافظ أبي محمد الكتاني فإن صاحبه أبا محمد بن الأكفاني دخل عليه في مرضه فقال له أنا أشهدكم أني قد أجزت لكل من هو مولود الآن في الإسلام يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وروى عنه بهذا الإجازة محفوظ بن صصري التغلبي وكالحافظ السلفي حيث حدث بها عن ابن خيرون فيما قاله ابن دحية وغيره وهو وإن أستفيد من كلام الحازمي الذى صنيع ابن الصلاح مشعر باقتفائه فلعله لم يستحضره بل عزى تجويزها والرواية بها أيضا لغير واحد من الحفاظ الحافظ عبد الغني بن سعيد وحدث بها أيضا الحافظ أبو بكر محمد بن خير الأشبيلي المالكي في برنامجه الشهير وابن أبي المعمر في كتابه علوم الحديث عن السلفي وكذا أبو العلاء العطار المذكور عن أبي بكر الشيروي فيما أفاده الرافعي بل حدث بها الرافعي نفسه في تاريخ قزوين عن السلفي وقال إنه أجاز لمن أدرك حياته في سنة سبع وستين وخمسمائة

ولما ترجم الوزير بن بنيمان بن علي السلمي القزويني في تاريخه قال إنه شيخ مستور معمر ذكر أنه كان ابن خمس أو ست حين كانت الزلزلة


79
بقزوين في رمضان سنة ثلاث عشرة وخمسمائة فتناولته إجازة الشيروي العامة لأنه مات سنة عشر فقرأت عليه سنة ستمائة أحاديث مخرجة من مسموعات الشيروي انتهى

وحدث بها أبو الخطاب ابن دحية في تصانيفه عن أبي الوقت والسلفي واستعملها خلق بعد ابن الصلاح كأبي الحسن الشيباني القفطي حدث في تاريخ النحاة بها عن السلفي وأبي القاسم بن الطيلسان حدث بها عن أبي جعفر وأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مضاء التجيبي والحافظ الدمياطي حدث بها عن المؤيد الطوسي وغيره وعبد الباري الصعيدي حدث بها عن الصفراوي بمشيخته وابن جعفر بن الزبير والتقى ابن دقيق العيد والعماد بن كثير حيث حدث بها عن الدمياطي عن المؤيد عامة عن عامة والزين العراقي المصنف حدث في الأربعين العشاريات له عن أبي محمد عبد الرحمن بن مكي بن إسماعيل الزهري العوفي عن سبط السلفي إذنا عاما وولده الولي العراقي حدث عن اثنين من شيوخه ممن دخل في عموم إجازة النووي وهو أعني النووي رحمه الله ممن صحح جوارها في زيادات الروضة في الطرف الثاني في مستند قضاء القاضي من الباب الثاني من جامع آداب القضاء بعد أن ذكر أن من صورها أن يقول أجزت لكل أحد أن يروي قال وبه قطع القاضي أبو الطيب الطبري وصاحبه الخطيب البعدادي وغيرهما من أصحابنا وغيرهم الحفاظ

ونقل الحافظ أبو بكر الحازمي المتأخر من أصحابنا يعني كما تقدم أن الذين أدركهم من الحفاظ كانوا يميلون إلى جوازها وصححه أيضا في غير الروضة مت تصانيفه

وكذا رجح جوازها أبو عمرو بن الحاجب والعز بن جماعة وقال إنه أي جواز الرواية ووجوب العمل بالمروي بها الحق


80

وعمل بها النووي فإنه قال كما قرأته بخطه آخر بعض تضانيفه وأجزت روايته لجميع المسلمين وأجازها أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون الباقلاني البغدادي وأبو الوليد بن رشد المالكي وغيرهما

وأجاز لمن أدرك حياته أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء الماضي وأبو الحسين عبيد الله بن أبي الربيع القرشي والقطب محمد بن أحمد بن علي القسطلاني وأبو الحجاج المزي الحافظ وكتب بذلك خطه في آخر بعض تصانيفه والفخر بن البخاري وأبو المعالي الأبرقوهي وخلق من المستندين كالحجار وزينب ابنة الكمال حتى إنه لكثرة من جوزها أفردهم الحافظ أبو جعفر محمد بن الحسين بن أبي البدر البغدادي الكاتب في تصنيف رتبهم فيه على حروف المعجم وكذا جمعهم أبو رشيد بن الغزالي الحافظ في كتاب سماه الجمع المبارك أفاده أبو العلاء الفرضي وذكر منهم حيدر بن أبي بكر بن حيدر القزويني

وقال النووي مشيرا لتعقب ابن الصلاح في كونه لم ير من استعملها حتى ولا من سوغها حسبما تقدم إن الظاهر من كلام من صححها جواز الرواية بها وهذا مقتضى صحتها وأي فائدة لها غير الرواية انتهى واستجاز بها خلق لا يحصون كثرة منهم أبو الخطاب بن واجب فإنه سأل أبا جعفر بن مضاء الإجازة العامة في كل ما يصح إسناده إليه على اختلاف أنواعه لجميع من أراد الرواية عنه من طلبة العلم الموجودين حينئذ فأسعفهم بها وأبو الحسن محمد بن أبي الحسن الوراق فإنه سأل أبا الوليد بن رشد الإجازة لكل من أحب الحمل عنه من المسلمين حيث كانوا ممن ضمته وإياه حياة في عام الإجازة فأجابه لذلك كما حكاه ابن خير

ودعى الحافظ الزكي المنذري الناس لأخذ البخاري عن أبي العباس بن قامتيت بالإجازة العامة فأخذه عنه خلق كثيرون وسمع بها الحفاظ


81
المزي والبرزالي والذهبي وغيرهم على الركن الطاووسي بإجازته العامة من أبي جعفر الصيدلاني وغيره

وكذا لما قدم الصدر أبو المجامع إبراهيم بن محمد بن المويدي الحموي بعيد السبعمائة اجتمع عليه الحفاظ والمحدثون وسمعوا منه بإجازة العامة من الصيدلاني أيضا

وقرأ الصلاح أبو سعيد العلائي الحافظ على الحجاز بإجازته العامة من الحجاز والمحدث الرحال أبو جعفر البسكري المدني على التقي محمد بن صالح بن إسماعيل الكناني بإجازته العامة من الدمياطي والصلاح خليل الافقهسي الحافظ وغيره على زينب ابنة محمد بن عثمان بن العصيدة بإجازتها العامة من الفخر وزينب ابنة مكل ونحوهما وسمع شيخنا من الذين محمد بن أحمد بن سليمان الفيشي عرف بالمرجاني بإجازته العامة من الدمياطي ومن إسماعيل بن إبراهيم الزبيدي الداعية بإجازته العامة من البهاء أبي محمد بن عساكر والحافظ الحمال بن مرسي المراكشي وغيره من سليمان بن خالد الخضري الإسكندري بها بإجازته العامة من الفخر بن البخاري وصاحبنا النجم بن فهد الهاشمي وغيره من أحمد بن علي بن إسماعيل الزاهدي الدمشقي بها بإجازته من زينب ابنة الكمال في آخرين من المحدثين وغيرهم غير أنه اغتفر في الطلب ما لم يغتفر في الأداء بحيث أن أهل الحديث يقولون إذا كتبت فقمش أي جمع ما وجدت

وإذا حدثت ففتش أي تثبت عند الرواية وعلى كل حال فقد قال الشارح مع كونه كما قدمت ممن روى بها وفي النفس من ذلك شيء وأنا أتوقف عن الرواية بها وقال في نكتة والاحتياط ترك الرواية بها بل نقل شيخنا عدم الاعتداد بها عن متقني شيوخه ولم يكن هو أيضا يعتد بها حتى لو كان فيها بعض خصوص كأهل مصر اقتناعا بما عنده من السماع والإجازة


82
الخاصة ولا يورد في تصانيفه بها شيئا ويرى هو شيخه أن الرواية بإسناد يتوالى في الأجائز ولو كان جميعه كذلك أولى من سند فيه إجازة عامة كما سيأتي في النوع التاسع

وقال في توضيح النخبة له إن القول بها توسع غير مرضي لأن الإجازة الخاصة المعينة مختلف في صحتها اختلافا قويا عند القدماء وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين فيه دون السماع بالاتفاق فكيف إذا حصل فيها الاستراسال المذكور فإنها تزداد ضعفا لكنها في الجملة خير من إيراد الحديث معضلا

قلت والحجة للمبطلين أنها إضافة إلى مجهول فلا يصح كالوكالة

وبالجملة فلم تطب نفسي للأخذ بها فضلا عن الرواية لا سيما وأكثر من لقيناه ممن يدعي التعمير أو يدعي له في توقف حتى إن شخصا من أعيانهم له تقدم في العلوم زعم أنه جاز المائة بثلاثين فأزيد وازدحم عليه من لا يتميز له بل ومن له شهرة بينهم في هذا الشأن ثم حققت لهم أنه نحو الثمانين فقط

ونحوه ما اتفق أن شخصا كان يقال له إبراهيم بن حجي الخليلي ممن توفى بعد الثلاثين وثماني مائة ادعى أن مولده سنة خمس وعشرين وقرأ عليه بعض الطلبة بإجازته من الحجاز ونحوه من طعن الحافظ التقي الفاسي عليه في دعواه

وأما الرواية فعندي بحمد الله من المسموع والإجازة الخاصة ما يغني عن التوسع بذلك

نعم قد دخلت في إجازة خلق من المعتبرين هي إلى الخصوص أقرب وهي الاستجازة لأبناء صوفية الخانقاه البيبرسية وكنت إذ ذاك منهم فأوردتهم في معجمي مع تمييزهم عن غيرهم لاحتمال الاحتياج إليهم أو إلى أحدهم


83
وغالب الظن أن من يصحح الإجازة الخاصة لا يتوقف في هذا وقد صرح ابن الصلاح بقوله وما يعم من وثف حصر كالعلماء الموجودين يومئذ أي يوم الإجازة بالثغر دمياط أو وإسكندرية أو صيدا أو غيرها أو نحو ذلك كأجزت لمن ملك نسخة من التصنيف الفلاني فإنه في هذه الصورة إلى الجواز أقرب وهذا وإن لم يصرح فيه بتصحيح فقد عمل به حيث أجاز ورواية علوم الحديث من تصنيفيه لمن ملك منه نسخة ونحوه قول الفقيه أي الفتح نصر بن إبراهيم القدسي لمن سأله الإجازة كما تقدم أجزت لك ولكل من وقع بيده جزء من رواياتي فاختار الرواية عني

وكذا أجاز أبو الأصبغ ابن سهل القاضي لكل من طلب عليه العلم ببلده قلت وسبق ابن الصلاح عياض فقال لست احسب أي أظن في جواز ذا أي الإجازة لمن هو الآن من طلبة العلم ببلد كذا أو لمن قرأ على قبل هذا اختلافا بينهم أي العلماء ممن يرى إجازة أي يعتمد الإجازة رواية وعملا ولا رأيت منعه أي بخصوصه لأحد لكونه منحصرا موصوفا كقوله لا ولا وفلان أو إخوة فلان انتهى

وكذا جزم به شيخنا في أولاد فلان ونحوه وسبقه ابن الجوزي فقال وقع لنا وقت الطلب استدعاآت فيها أسماء معينة وفي بعضها ولفلان وأولاده الموجودين يومئذ وفي بعضها ولفلان وإخوته الموجودين في تاريخ الاستدعاء وأدركنا جماعة من هؤلاء الذين كانوا موجودين فسمعنا منهم بهذه الإجازة ولم ينكر ذلك حد من أئمتنا وأجرى مجرى من هو مسمى وفي نفسي أنه دونه انتهى

وحينئذ فكل ما قيل فيه العموم بالقرب من الخصوص الحقيقي لوجود الخصوص الإضافي فيه يكون أقرب إلى الجواز من غيره ويلتحق بذلك أجزت لأهل السنة والشيعة أو الحنفية أو الشافعية فهو أخص من جميع


84
المسلمين وأقل انتشارا لانحصار المجاز بالصفة الخاصة مع العموم فيه

والنوع الرابع من أنواع الإجازة الجهل بمن أجيز له من الناس أو بم أجيز به من المروي فالأول كأجزت بعض الناس أو أزفلة بفتح الهمزة وإسكان الزاي وفتح الفاء ثم لام مفتوحة وهاء التأنيث الجماعة من الناس والثاني كأجزت فلانا بعض سماعاتي وكذا من هذا النوع مما هو جهل بالتعيين إن سمي المجيز كتابا أو شخصا وقد تسمى به أي بذاك الكتاب أو الشخص سواه مثل أن يقول أجزت لك أن تروي عني كتاب السنن وفي مروياته عدة كتب يعرف كل منها بالسنن كأبي داود والدارقطني والبيهقي وغيرها أو يقول أجزت محمد بن عبد الله الأنصاري وفي ذلك الوقت جماعة مشتركون في هذا الاسم وقد تكون الجهالة فيهما معا كأن يقول أجزت جماعة بعض مسموعاتي أو أجزت محمد بن عبد الله الأنصاري كتاب السنن

ثم لما أي لم يتضح مراده أي المجيز من ذاك كله بقرينة فهو أي هذا النوع لا يصح للجهل في هذه الصور كلها عند السامع وعدم التمييز فيه وكونه مما لا سبيل لمعرفته وتمييزه

وممن صرح بذلك في الصورة الأولى عياض فقال قوله أجزت لبعض الناس أو لقوم أو لنفر لا غير لا تصح الرواية به ولا تفيد هذه الإجازة إذ لا سبيل إلى معرفة هذا المبهم ولا تعيينه

وصرح ابن الصلاح في الصورة الثانية بقوله فهذه إجازة فاسدة لا فائدة فيها وكذا جزم النووي بعدم الصحة فيها في زوائد الروضة عقب آداب القضاء قبيل القضاء على الغائب في مستند قضائه نعم إن اتضح مراده فيها بقرينة كان يقال له أجزت لمحمد بن عبد الله بن المثني بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري بحيث لا يلتبس مع غيره ممن اشترك معه في اسمه واسم أبيه


85
ونسبته فيقول أجزت لمحمد بن عبد الله الأنصاري أو يقال له أجزت لي كتاب السنن لأبي داود فيقول أجزت لك رواية السنن أو يقال له أجزت للجماعة المقيمين بمسجد كذا فيقول اجزت الجماعة فالظاهر صحة هذه الإجازة وتنزل على المسؤول فيه بقرينة سبق ذكره

أما الجماعة المسمون المعينون في استدعاء أو غيره مع البيان لأنسابهم شهرتهم بحيث يزول الاشتباه عنهم ويتميزون من غيرهم على العادة الشائعة في ذلك فلا يضر والحالة هذه الجهل من المجيز بالأعيان وعدم معرفته بهم والإجازة صحيحة كما أنه لا تشترط معرفة المسمع عين السامع الذي سمع منه وإن أشعر ما حكيته في سابع التفريعات التى قبل الإجازة عن بعضهم بخلافه إذ لا فرق بين السامع والمستمع في ذلك وكذا الواحد المسمى المعين ممن يجهل المجيز عينه من باب أولى

وممن نص على أنه لا تضر جهالته عين من سمى له عياض قال ابن الصلاح وينبغي الصحة إن جملهم أي جمعهم بالإجازة من غير حصر في عدو من غير تصفح لهم واحدا واحدا قياسا على السماع وإن توقف بعضهم في القياس من أجل أنه لا يلزم من كون قسم السماع يتأثر بذلك أن تكون الإجازة كذلك لإمكان ادعاء القدح في الإجازة دون السماع فالقياس ظاهر لأنه إذا صح في السماع الذي الأمر فيه أضيق لكونه لا يكون لغير الحاضر مع الجهل بعينه فصحته مع ذلك في الإجازة التي الأمر فيها أوسع لكونها للحاضر وللغائب من باب أولى

ثم إنه قد نوزع في الفرق بين الصورة الأولى من هذا النوع وهي من لم يسم أصلا وبين من سمى في الجملة مما بعدها مع اشتراك الكل في الإبهام


86

والجواب أن الاشتراك إنما هو في مطلق الجهالة والإبهام وإلا فهو في ذاك شديد لخفائه عن كل أحد بخلافه هنا فهو عند سامعه فقط والظن بالمجيز معرفته ولا يلزم من الحكم بشيء في قوي وصف الحكم بمثله في ضعيف ذلك الوصف وكذا بحث بعضهم في صحته في الأولى حملا له على العموم يعني حيث صححنا الإجازة العامة إذا اللفظ صالح ولا مانع من حمله عليه وفيه نظر إذ لم نستفد تعيين الجماعة بخلاف العموم ولكن قد فكر ابن الصلاح في فتاويه فيما إذا قالت المرأة أذنت للعاقد بهذا البلد أن يزوجني ولم تقم قرينة على إرادة واحد معين أنه يجوز لكل عاقد أن يزوجها فليفرق بينهما

والنوع الخامس من أنواع الإجازة التعليق في الإجازة ولم يفرده ابن الصلاح عن الذى قبله بل قال فيه ويتشبث بذيله الإجازة المعلقة بشرط وذكره وإفراده حسن خصوصا والصورة الأخيرة منه كما سيأتي

لا جهالة فيها ثم التعليق إما أن يكون بمن يشاؤها أي الإجازة الذي أجازه الشيخ يعني أنها معلقة بمشيئة مبهم لنفسه كأن يقول من شاء أن أجيز له فقد أجزت له أو أجزت لمن شاء وقد كتب أبو الطيب الكوكبي إلى ابن حيويه سلام عليك فقد سألني ابنك محمد بن العباس أن أجيز لك هذا التاريخ الذي حدثنا أحمد بن أبي حيثمة وقد أجزته لك ولكل من أحب ذلك فأروه عني ومن أحب ذلك أو يشاؤها غيره أي غير المجاز حال كونه معينا فهي معلقة بمشيئته مسمى لغيره كأن يقول من شاء فلان أن أجيزه فقد أجزته أو أجزت لمن يشاء فلان أو يقول لشخص أجزت لمن شئت رواية حدثني أو نحو ذلك وقد ألحق ابن الصلاح بها الصورة الأولى لكنه قال والأولى أي التعليق بمشيئة المجاز له المبهم أكثر جهلا وانتشارا من الثانية فإنها معلقة بمشتئة من لا يحصر عددهم والثانية


87
بمشيئة معين مع اشتراكهما في جهالة المجاز لهم فإن كان الغير مبهما كأن يقول أجزت لمن شاء بعض الناس أن يروي عني فأكثر جهلا لوجود الجهالة فيها في الجهتين ولذا كانت فيها بخصوصها باطلة قطعا

وأجاز الكلا أي الصورتين المتقدمتين معا القاضي أبو يعلي محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء الإمام الحنبلي والد القاضي أبي الحسين محمد مؤلف طبقات الحنابلة مع ابن عمروس بفتح أوله وآخره سين مهملة هو أبو الفضل محمد بن عبيد الله المالكي فيما نقله عنهما الحافظ الخطيب الشافعي في جزء الإجازة للمعدوم والمجهول وقالا مستدلين للجواز ينجلي الجهل فيها في ثاني الحال إذ يشاؤها أي الإجازة المجاز له

قلت ولم أر الاستدلال ولا الصورة الأولى في الجزء المذكور ولا عزاهما ابن الصلاح لهما بل كلامه محتمل لكون الاستدلال له وإن لم يوافق على الصحة فيها حيث قال هذا فيه جهالة وتعليق بشرط والظاهر بطلانها وعدم صحتها وقد أفتى بذاك القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري إذ سأله صاحبه الخطيب عنها وعلل ذلك بأنه إجازة لمجهول فهو كقوله أجزت لبعض الناس قال وهؤلاء الثلاثة يعني المجيزين والمبطل كانوا مشايخ مذاهبهم ببغداد إذ ذاك وكذا منعها الماوردي كما نقله عياض وقال لأنه تحمل يحتاج إلى تعيين المتحمل

قال الخطيب ولعل من منع صحتها لتعلقها بالوكالة فإنه إذا قال وكلتك إذا جاء رأس شهر لم يصح عند الشافعية فكذلك إذا علق الإجازة بمشيئة فلان يعني المعين قال ابن الصلاح وقد يعلل ذلك أيضا بما فيها من التعليق بالشرط فإن ما يفسد بالتعليق على ما عرف عند قوم

قلت ولكن قد وجدت الحافظ ابن أبي خثيمة أبا بكر أحمد بن زهير


88
ابن حرب أجاز بكيفية كالثانية المبهمة في المجاز فقط فإنه قال فيما كتبه بخطه أجزت لأبي زكريا يحيى بن مسلمة يروي عني ما أحب من تاريخي الذي سمعه مني أبو محمد القاسم بن الأصبغ ومحمد بن عبد الأعلى كما سمعاه مني وأذنت له في ذلك ولمن أحب من أصحابه فإن أحب أن تكون الإجازة لأحد بعد هذا فأنا أجزت له ذلك بكتابي هذا

وكذلك قال محمد بن أحمد الحافظ يعقوب بن شيبة ابن الصلت أجزت لعمر بن أحمد الخلال وولده عبد الرحمن وختنه على ابن الحسن جميع ما فاته من حديثي مما لم يدرك سماعه من المسند وغيره ولكل من أحب عمر فليرووه عني إن شاء الله حكاه الخطيب وقال وقد رأيت مثل هذه الإجازة لبعض المتقدمين إلا أن اسمه ذهب من حفظي انتهى

ولعل ما رآه هو ما حكاه عن ابن أبي خيثمة مع أنه قد فعله غيرهما من المتقدمين والمتأخرين على أنه قد يفرق بين هذا الصنيع وبين ما تقدم بأنه حصل فيه العطف على معين بخلاف ذاك وهل يلتحق بالتعليق بمشيئة المعين الإذن له في الإجازة كأن يقول أذنت لك أن تجيز عني من شئت لم أر فيها نقلا إلا ما حكاه شيخنا في ترجمة إبراهيم بن خلف بن منصور الغساني من لسان الميزان أنه كانت له وكالات بالإجازة من شيوخ وكلوه في الإذن لمن يريد الرواية عنهم قال ابن مسندي وكنت ممن كتب إلى بالإجازة عنه وعن موكله في سنة ثلاث وستمائة انتهى

وقد فعله شيخنا بل وحكى بعض المتأخرين عن بعض ما عاصره أنه فعله قال والظاهر فيه الصحة كما لو قال وكل عني ويكون مجازا من جهة الإذن وينعزل المأمون له في الإجازة بموت الآذان قبل الإجازة كالوكيل فلو قال أجزت لك أن تجيز عني فلانا كان أولى بالجواز وقد ذكر ابن الصلاح نظير هذه المسألة في قسم الكتابة كما سيأتي ثم إن كل ما تقدم في التعليق


89
لنفس الإجازة وأن يقل أجزت من شاء الرواية عني يروى وكان التعليق للرواية بالإجازة قربا القول بصحته وعبارة ابن الصلاح أنه أولى بالجواز يعني من الذى قبله عند مجيزه من حيث أن مقتضى كل إجازة تفويض الرواية بها إلى مشيئة المجاز له فكان هذا مع كونه بصيغة التعليق تصريحا بما يقتضيه الإطلاق وحكاية للحال لا تعليقا في الحقيقة يعني أنه وإن كان شرطا لفظيا فهو لازم حصوله بحصولها فكان ذكره وعدم ذكره سواء في عدم التأثير

واستظهر للأولوية بتجويز بعض الشافعية في البيع أي وهو الأصح كما في الروضة وغيرها أن يقول بعتك هذا بكذا إن شئت فيقول قبلت

ونوزع في القياس بأن المبتاع معين والمجاز له هنا مبهم وكذا تعقبه البلقيني بأنه ليس التعليق في مسألة للبيع للايجاب على ما عليه ليفرع من جهة التصريح بمقتضى الإطلاق فإن المشتري بالخيار إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل لتوقف تمام البيع على قبوله بخلافه في الإجازة فلا يتوقف على القبول فيكون قوله أجزت لمن شاء الرواية تعليقا لأنه قبل مشيئة الرواية لا يكون مجازا وبعد مشيئتها يكون مجازا

وحينئذ فلا يصح لأنه يؤدي إلى تعليق وجهل وذلك باطل كما تقدم

نعم نظير ما نحن فيه وكلت من شاء أو أوصيت لمن شاء وأمثالهم مما لا يصح فيه وإذا بطل في الوصية مع احتمالها مالا تحتمله غيرها فلأن يبطل فيما نحن فيه أولى

قال ابن الصلاح ونحوه أي نحو ما تقدم من تعليق الرواية أبو الفتح محمد بن الحسن الأزدي الموصلي الحافظ حال كونه مجيزا كتبا بخطه فقال أجزت روايته ذلك لجميع من أحب أن يرويه عني أما لو قال أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني أو كذا وكذا أو فهرستي إن


90
شئت الرواية عني أو أجزت لك إن شئت أن تروي عني أو أجزت لفلان الفلاني أن يرد أو يحب الرواية عني أو نحو ذلك مما هو نظير مسألة البيع سواء أو يشابهها فالأظهر الأقوى فيها الجواز إذا قد انتفت فيه الجهالة وحقيقة التعليق ولم يبق سوى صيغته فاعتمد ذلك وإن حكى ابن الأثير المنع فيها عن قوم لأنها تحمل فيعتبر فيه تعيين المتحمل قال وهذا هو الأجدر بالاحتياط والأولى بنجاية المحدث وحفظه انتهى

ويشهد له أنه لو قال بعتك إن شئت لا تصح الرجعة ولو قال أجزت لفلان أن يرد الإجازة فالظاهر كما قال المصنف إنه لا فرق وإن لم يصرح ابن الصلاح بتعليق الإجازة في المعين فتعليله وبعض أمثلته يقتضي الصحة فيه بعمومه

واعلم أن نفي ابن الصلاح حقيقة التعليق عن الصورة التي قبل هذه إنما يتم لو قال المجيز أذنت لمن أجزت له في الرواية عني إن شاء وإلا فلا فرق بينهما التعليق بمشيئته في الإجازة ويتأيد بتسوية المصنف بين إرادة الإجازة أو الرواية في المعين

والنوع السادس من أنواع الإجازة الإذن أي الإجازة لمعدوم وهو على قسمين إما لمعدوم تبع لموجود عطف عليه أو أدرج فيه كقوله أجزت الكتاب الفلاني أو مروياتي لفلان الفلاني مع أولاده ونسله وعقبه حيث أتوا في حياة المجيز وبعده وكذا أجزت لك ولمن يولد ولطلبة العلم ببلد كذا متى كانوا أو لما خصص المجيز فه المعدوم به أي بالإذن ولم يعطفه على موجود سابق كقوله أجزت لمن يولد لفلان الفلاني وهذا القسم الثاني وهو أو هي وأضعف من الذي قبله وذاك أقرب إلى الجواز ولذا أجاز الأولاد خاصة ابن الحافظ الشهير أبي داؤود السجستاني وهو الحافظ أبو بكر عبد الله بل


91
فعله فقال أجزت لك ولأولادك ولحبل الحبلة

قال الخطيب يعني الذين لم يولدوا بعد قال ولم أجد لأحد من الشيوخ المحدثين في ذلك قولا ولا بلغني عن المتقدمين فيه رواية سواه

قال البلقين ويحتمل أن ذلك وقع منه على سبيل المبالغة وتأكيد الإجازة لا أنه أراد حقيقة اللفظ

قلت لكن قد عزى شيخنا لأبي عبد الله بن منده استعمالها وابن الصباغ جوازها لقوم وهو مثلا أي شبه بالوقف على المعدوم حيث صح فيما كان معطوفا على موجود كما قال به أصحاب الشافعي وكذا بالوصية عن الشافعي نفسه فإنه في وصيته المكتتبة في الأم أوصى فيها أوصياء على أولاده الموجودين ومن يحدثه الله له من الأولاد ولا شك أنه يغتفر في التبع والضمن ما لا يغتفر في الأصل أما الوقف على المعدوم ابتداء كعلى من سيولد لفلان فلا على المذهب لأنه منقطع الأول ولكن القاضي أبا الطيب طاهر الطبري رد كليهما أي القسمين مطلقا فيما حكاه عنه صاحبه الخطيب الحافظ وكذا منعه الماوردي فيما حكاه عياض وهو الصحيح المعتمد الذي لا ينبغي غيره لأن الإجازة في حكم الاخبار جملة بالمجاز على ما قرر في النوع الأول فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا تصح الإجازة له بل ولو قدرنا أن الإجازة إذن لا يصح ذلك أيضا كالوكالة للمعدوم لوقوعه في حالة يتعذر فيها المأذون فيه من المأذون له

وأيضا وكما قال بعض المتأخرين يلزم من الجواز أن يتصل الرواية في بعض صور هذا النوع بين شخصين في السند من غير واسطة ولا لقاء ولا إدراك عصر ومثل هذا غير معقول وساقط عن درجا الاعتبار ولم نر من صرح باستثناء هذه الصورة وعلى كل حال فهو ما يتقوى به الرد وكذا ردها الماوردي و أبو نصر هو ابن الصباغ وبين بطلانها


92
وقال إنما ذهب إليه من يعتقد أن الإجازة إذن في الرواية لا محادثة يعني فلا يشترط فيه الوجود وقد تقدم قريبا رده وإن قلنا إنه إذن و لكن جاز الإذن للمعدوم مطلقا عند الحافظ أب بكر الخطيب قياسا على صحة الإجازة كما قاله عياض فإنه قال وإذا صحت الإجازة مع عدم اللقاء وبعد الزمان وتفرق الأعصار

وخرجه بعض المتأخرين من المغاربة على مذهب الجمهور وأهل الحق في جواز تعلق الأمر بالمعدوم خلافا للمعتزلة قال وإذا جاز فيه فهذا أولى وأجرى وفي القياس توقف ثم إن ما ذكر في استلزامه رواية الراوي عمن لم يدركه ولا عاصره قد أشار إليه الخطيب فإنه قال فإن قيل كيف يصح أن يقول أجاز فلان لي ومولده بعد موت المجيز بزمان بعيد قيل كما يجوز أن يقول وقف فلان علي وإن كان موت الواقف قبل مولده بزمان بعيد ولأن بعد أحد الزمانين من الآخر كبعد أحد الوطنين من الآخر فلو أجاز من مسكنه بالشرق لمن يسكن بالغرب صح وجاز أن يقول المجاز له أجازك فلان وإن لم يلتقيا فكذلك إذا أجاز لمن يولد بعده يجوز أن يقول أجاز لي فلان وإن لم يتعاصرا وفيه نظر فإن عدم الاجتماع في الزمان يلزم المكان و لا عكس وكأنه نظر إلى أن المقصود بلوغ الخبر بالإذن وهو حاصل فيهما وبه أي بالجواز مطلقا قد سبقا أي الخطيب من جماعة ك ابن عمروس المالكي مع أبي يعلى بن الفرا الحنبلي والقاضي أبي عبد الله الدامغاني الحنفي وأبي الطيب الطبري الشافعي فيما سمعه منه الخطيب قديما قبل أن يقول ما تقدم وكذا أجازه غيره من الشافعية بل قال عياض إنه أجازه معظم الشيوخ المتأخرين قال وبهذا استمر عملهم بعد شرقا وغربا انتهى


93

وجزم شيخنا بأنه لا يعرف في المشارقة وبعدم الصحة في القسم الثاني وبأنه الأقرب في الأول أيضا وقد رأى الحكم على استواء في الوقف في صحته أي رأى صحة الوقف في القسمين معظم من تبعا أبا حنيفة بالصرف للضرورة ومالكا رحمهما الله معا فيلزمهم القول به في الإجازة من باب أولى لأن أمرها أوسع من الوقف الذي هو تصرف مالي إلا أن يفرقوا بين البابين بأن الوقف ينتقل إلى الثاني عن الأول وإلى الثالث عن الثاني بخلاف الإجازة فهي حكم تتعلق بالمجيز والمجاز له حسب ما حكاه الخطيب عن بعض أصحابه ونحوه ما قيل إن الوقف يؤول غالبا إلى المعدوم حين الإيقان بخلاف الإجازة لا سيما وقد سلف عن أبي حنيفة القول ببطلان أصل الإجازة وتبعه من مقولية الدباس وكذا أبو يوسف في أحد القولين وهو أشهرهما عن مالك ولكن قد قال الخطيب إنه لا فرق بينهما عندي وقد صنف في هذه المسألة جزء

والنوع السابع من أنواع الإجازة الإذن أعني الإجازة لغير أهل حين الإجازة للأخذ عنه وللأداء كافر أو فاسق أو مبتدع أو مجنون أو طفل غير مميز تمييزا يصح أن يعد معه سامعا وذا الأخير أي الإجازة للطفل وهو الذي اقتصر ابن الصلاح بالتصريح مما ذكرناه عليه مع كونه لم يفرده بنوع إنما ذكره ذيل مسألة الإجازة للمعدوم رأي أي رآه صحيحا مطلقا القاضي أبو الطيب الطبري حيث سأله صاحبه الخطيب عن ذلك وفرق بينه وبين السماع بأن الإجازة أوسع فإنها تصح للغائب بخلاف السماع وكذا رآه الجمهور وحكاه السلف عمن أدركه من الشيوخ والحافظ وسبقه لذلك الخطيب فإنه قال وعلى هذا رأينا كافة شيوخنا يجيزون الأطفال الغيب عنهم من غير أن يسألوا عن مبلغ أسنانهم وحال تمييزهم


94

واحتج الخطيب لذلك بأن الإجازة إنما هي إباحة المجيز الرواية للمجاز له والإباحة تصح لغير المميز بل وللمجنون يعني لعدم افتراقهما في غالب الأحكام

قال ابن الصلاح وكأنهم رأوا الطفل أهلا لتحمل هذا النوع الخاص ليؤدي به بعد حصول أهليته حرصا على توسع السبيل إلى بقاء الإسناد الذي اختصت به هذه الأمة وتقريبه من رسول الله صلى الله عليه وسلم

والقول الثاني وحكاه الخطيب عن بعض الأصحاب البطلان وكذا أبطلها الشافعي رحمه الله لمن لم يستكمل سبع سنين كما تقدم في متى يصح التحمل

قال ابن زبر وهو مذهبي وكأن الضبط به لأنه مظنة التمييز غالبا وهذا القول لازم من ذهب إلى اشتراط كون المجاز عالما كما سيأتي في لفظ الإجازة قريبا مع ما فيه وأما باقي الصور التي لم يذكرها ابن الصلاح فالمجنون قد علم الحكم فيه قريبا من كلام الخطيب

قال الناظم ولم أجد في الإجازة لكافر نقلا مع تصريحهم بصحة سماعه بلى أي نعم بحضرة الحافظ الحجة أبي الحجاج المزي بكسر الميم نسبة للمزة قرية من دمشق تترا أي متتابعا فعلا حيث أجاز ابن عبد المؤمن الصوري لابن الديان حال يهوديته في جملة السامعين جميع مروياته وكتب اسمه في الطبقة وأقره المزي المذكور بل وأجازه ابن تيمية كما قدمت كل ذلك في متى تصح التحمل وإذا جاز في الكافر فالفاسق والمبتدع من باب أولى

وكذا لم أجد في إجازة الحمل سواء نفخ فيه الروح أو لم ينفخ عطف على موجود كأبويه مثلا أو لم يعطف أيضا نقلا وهو أي جواز


95
الإجازة له من جواز إجازة المعدوم أولى فعلا بلا شك لا سيما إذا نفخ فيه الروح ويشهد له تصحيحهم الوصية للحمل وإيجاب النفقة على الزوج لمطلقته الحامل حيث قلنا إنها لأجله تنزيلا له منزلة الموجود وللخطيب مما يتأيد به عدم النقل في الحمل لم أجد من فعله أي أجاز الحمل مع كونه ممن يرى كما تقدم صحة الإجازة للمعدوم

قلت قد رأيت بعضهم وهو أحد شيوخه المتأخرين الحافظ العمدة صلاح الدين أبو سعيد العلائي شيخ بعض شيوخنا قد سأله أي الإذن للحمل ضمنا مع أبويه إذ سئل في الإجازة لهما ولحملهما فأجاز ولم يستثن أحدا فإما أن يكون يراها مطلقا أو يغتفرها ضمنا وهو أعلم وأحفظ وأتقن من المحدث المكثر الثقة أبي الثناء محمود بن خليفة بن محمد بن خلف المنبجي الدمشقي شيخ شيوخنا الذي صرح في كتابته بما يشعر بالاحتراز عن الإجازة له بل ومن أبهم اسمه فإنه قال أجزت للمسلمين فيه

ولكن يمكن أن يقال لعل العلاي ما اصفح أي تصفح لمعنى نظر الأسماء التي فيها أي في الاستجازة حتى يعلم هل فيهما حمل أم لا إذ فعل أي حيث أجاز بناء على صحة الإجازة بدون تصفح ولا عد كما تقدم في النوع الرابع قريبا إلا أن الغالب أن أهل الحديث كما هو المشاهد لا يجيزون إلا بعد نظر المسؤول لهم على أنه يمكن أن يقال لعل المنبجي أيضا لم يتصفح الاستجازة وظن الكل مسمين أو يقال إن الحمل اسمه حينئذ فلا تنافي بين الصنيعين

وعلى كل حال فينبغي البناء بالقصر للضرورة أي بناء صحة الإجازة له على ما ذكروا أي الفقهاء هل يعلم الحمل أم لا فإن قلنا إنه لا يعلم فيكون كالأدن للمعدوم ويجري فيه الخلاف وإن قلنا إنه يعلم كما صححه


96
الرافعي صح الأذن وهذا أي البناء وكون الحمل يعلم أظهر فاعتمده

ثم إن معنى قولهم إن الحمل يعلم أنه يعامل معاملة المعلوم وإلا فقد قال إمام الحرمين لا خلاف أنه لا يعلم وبه جزم الرافعي بعد هذا بنحو صفحة في اثنا فرق ومحصل ما ذكر هنا أن الإجازة كالسماع لا يشترط فيها الأهلية عند التحمل بها

تتمة رأيت من كتب بهامش نسخته نقلا عن المصنف أنه هو السائل العلائي وأن الحمل هو ولده أحمد يعني الولي أبا زرعة وفيه نظر فمولد أبي زرعة في ذي الحجة سنة اثنتين وستين ووفاة العلائي في المحرم سنة إحدى اللهم إلا أن يكون مكث حملا أزيد من المعتاد غالبا

والنوع الثامن من أنواع الإجازة الإذن بما أي الإجازة بمعدوم سيحمله الشيخ المجيز من المروي مما لم يتحمله قبل ذلك بنوع من أنواع التحمل ليرويه المجاز له بعد أن يتحمله المجيز والصحيح بل الصواب كما قاله النووي وسبقه إليه عياض كما سيأتي قريبا أنا نبطله ولم يفصلوا بين ما يكون المعدوم فيه منعطفا على موجود كأن يقول أجزت لك ما رويته وما سأرويه أولا كما قيل في النوع السادس وبعض عصريي عياض كما حكاه في إلماعه حيث قال وهذا النوع لم أر من تكلم فيه من المشايخ قال ورأيت بعض المتأخرين والعصريين قد بذله بالمعجمة أي أعطى من سأله الإجازة كذلك ما سأله ووجهه بعضهم بأن شرط الرواية أكثر ما يعتبر عند الأداء لا عند التحمل وحينئذ فسوى تحمله بعد الإجازة أو قبلها إذا ثبت حين الأداء أنه تحمله ولكن ابن مغيث بضم الميم وكسر المعجمة وآخره مثلثة وهو أبو الوليد يونس بن عبد الله بن محمد القرطبي قاضي الجماعة وصاحب الصلاة والخطبة بها ويعرف بابن الصفار أحد العلماء بالحديث والفقه والوافر الخط من اللغة والعربية كتب إليه من


97
المشرق الدارقطني وغيره ومن تصانيفه التسلي عن الدنيا بتأميل خير الآخرة جاءه إنسان حسبما حكاه تلميذه أبو مروان عبد الملك بن زيادة الله التميمي الطيني القرطبي في فهرسته فسأله الإجازة له بجميع ما رواه إلى تاريخها وما يرويه بعد فامتنع من ذلك ولم يحب فيه من سأله فغضب السائل فنظر يونس إلى الطبني كأنه تعجب من ذلك قال الطبني فقلت له أي السائل يا هذا يعطيك ما لم يأخذ هذا محال فقال يونس هذا جوابي قال عياض بعد سياقه وهذا هو الصحيح فإن هذا يخبر بما لا خبر عنده منه ويأذن له بالتحديث بما لم يحدث به بعد ويبيح له ما لا يعلم هل يصح له الإذن فيه فيمنعه الصواب غيره والفرق بينه وبين ما رواه أن ذلك داخل في دائرة حصر العلم بأصله بخلاف ما لم يروه فإنه لم ينحصر لكن

قال ابن الصلاح إنه ينبغي بناؤه يعني صحة وعد ما على أن الإجازة هل هي في حكم الإخبار بالمجاز جملة أو هي إذن فعلى الأول لم يصح إذ كيف يجيز مالا خبر عنده منه وعلى الثاني أنبني على الخلاف في تصحيح الإذن في الوكالة فيما لم يملكه الآذن بعد كلأن يوكل في بيع العبد الذي يريد أن يشتريه وكذا في عتقه إذا اشترى وطلاق زوجته التي يريد أني تزوجها كما زادها ابن أبي الدم

وكما إذا أذن المالك لعامله في بيع ما سيملكه من العروض أو أوصى بمنافع عين يملكها قبل وجودها وهو الأصح في هاتين ووجه في ما قبلهما وكذا لو وكله في بيع كذا وأن يشتري بثمنه كذا على أشهر القولين أو في بيع ثمر نخلة قبل إثمارها كما حكاه ابن الصلاح عن الأصحاب أو ي إستيفاء ما وجب من حقوقه وما سيجب أو في بيع ما في ملكه وما سيملكه على أحد الاحتمالين للرافعي في الأخيرة وقال البلقيني إن الذي يظهر لما نص عليه الشافعي في وصيته وهو المحكي في البيان عن الشيخ أبي حامد ونقله ابن الصلاح عنه في فتاويه بل أفتى بأنه إذا وكله في المطالبة بحقوقه


98
دخل فيه ما يتجدد منها

وبالنظر لهذه الفروع صحة وإبطالا حصل التردد في مسألتنا على أن المرجح في حلها إنما يناسبه القول بصحة الإجازة في المنعطف فقط وصنيع ابن الصلاح مشعر بفرضها في غيره ولذا ساغ تنظيره بالتوكيل في بيع العبد الذي سيملكه مجردا قال بعضهم وإذا جاز التوكيل فيما لم يملكه بعد فالإجازة أولى بدليل صحة إجازة الطفل دون توكيله وعلى المعتمد فيتعين كما قال ابن الصلاح تبعا على من يريد أن يروي عن شيخ بالإجازة أن يعلم أن ما يرويه عنه مما تحمله شيخه قبل إجازته له انتهى

ويلتحق بذلك ما يتجدد بعد صدور الإجازة من نظم أو تأليف وعلى هذا يحسن للمصنف ومن أشبهه تأريخ صدور ذلك منه

و أما إن يقل الشيخ أجزته ما صح له أي حال الإجازة أو سيصح أي عنده بعدها التي أرويه فذاك صحيح سواء كان المجيز عرف أن يرويه حين الإجازة أم لا لعدم اشتراط ذلك وقد عمله الحافظ الدارقطني وسواه من الحفاظ وله أن يروي عنه ما صح عنده حين الإجازة وبعدها أنه تحمله قبلها سواء جمع الشيخ في قوله بين اللفظين أو اقتصر على قوله له وحذف قوله يصح جاز الكل حيث ما عرف الطالب حالة الأداء أنه مما تحمله شيخه قبل صدور الإجازة والفرق بين هذه والتي قبلها أنه هناك لم يرو بعد بخلافه هنا فقد روي ولكن تارة يكون عالما بما رواه وهذا لا كلام فيه وتارة لا يكون عالما فيحيل الأمر فيه على ثبوته عند المجاز

والنوع التاسع من أنواع الإجازة الإذن أي الإجازة بما أجيزا لشيخه المجيز خاصة كأن يقول أجزت لك مجازاتي أو رواية ما أجيز لي أو ما أبيح لي روايته واختلف فيه فقيل كما قال الحافظ أبو


99
البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد بن الحسن البغدادي الحنبلي عرف بابن الأنماطي أنه لن يجوزا يعني مطلقا عطف على الإذن بمسموع أم لا وصنف فيه جزأ وحكاه الحافظ أبو علي البرداني بفتح الموحدة والمهملين وقبل ياء النسبة نون عن بعض منتحلي الحديث ولم يسمه لأن الإجازة ضعيفة فيقوى ضعفها بإجتماع إجازتين ولكن قد رد هذا القول ابن الصلاح إنه قول بعض من لا يعتد به من المتأخرين والظاهر أنه كنى به عمن أبهمه البرداني وإن كان ابن الأنماطي متأخرا عن البرداني بأربعين سنة فيبعد إرادته له كونه كما قال ابن السمعاني كان حافظا ثقة متقنا وقال رفيقه السلفي كان حافظا ثقة لديه معرفة جيدة وقال ابن الجوزي كنت أقرأ عليه الحديث وهو يبكي فاستفدت ببكائه أكثر من استفادتي بروايته وانتفعت به ما لم أنتفع بغيره وكان على طريقة السلف

وقال أبو موسى المديني كان حافظ عصره ببغداد فمن يكون بهذه المرتبة لا يقال في حقه إنه لا يعتد به وإن قال البلقيني قيل كأنه يشير إليه وجزم به الزركشي مع اعترافه بأنه كان من خيار أهل الحديث وقيل إن عطف علي الإجازة بمسموع صح وإلا فلا أشار إليه بعض المتأخرين والصحيح الذي عليه العمل الاعتماد عليه أي على الإجازة بما أجيز مطلقا ولا يشبه ذلك القول بمنع الوكيل من التوكيل بغير إذن الموكل فإن الحق في الوكالة للموكل بحيث ينفذ عزله له بخلاف الإجازة فإنها صارت مختصة بالمجاز له بحيث لو رجع المجيز عنها لم ينفذ وأيضا فإن موضوع الوكالة التوصل إلى التحصيل غرض الموكل على وجه الخط والمصلحة وربما ضاع ذلك بلا واسطة بل هو الظاهر من أحوال الوسائط فلا بد من إذن الموكل في ذلك محافظة على التخلص من ذلك المحذور بخلاف الإجازة فموضوعها التوصل إلى بقاء سلسلة الإسناد مع الإلمام بالغرض من الرواية وهو الإذن في الرواية أو التحديث بها وهو حاصل تعددت الوسائط أم لا بل إنما


100
يتحقق غالبا مع التعدد فلذلك لم يحتج إلى إذن المجيز الأول في الإجازة

ولذا قال البلقيني إن القرينة الحالية من إرادة بقاء السلسلة قاضية بأن كل مجيز يمقتضى ذلك أذن لنم أجازه أن يجيزه وذلك في الإذن في الوكالة جائز يعني حيث وكله فيما لا يمكن تعاطيه بنفسه وقد جوزه أي ما مر النقاد منهم الحافظ أبو نعيم الأصبهاني فإنه قال فيما سمعه منه الحافظ أبو عمر السفاقسي المغزي الإجازة على الإجازة قوية جائزة وكذا جوزه ابن عقدة بضم المهملة وقاف ساكنة ثم مهملة وهاء تأنيث وهو أبو العباس أحمد بن بن محمد بن سعيد الكوفي لكن في المعطوف خاصة كما اقتضاه صنيعه فإنه قال أجزت لك ما سمعه فلان من حديثي وما صح عندك من حديثي وكلما أجيز لي أو قول قلته أو شيء قرأته في كتاب وكتبت إليك وبذلك فاروه عن كتابي أن أحببت

وأبو الحسن الدارقطني فإنه كتب عن أبي الحسن علي بن إبراهيم المستملي عرف بالبخاري وجميع التاريخ الكبير للبخاري بروايته له عن أبي أحمد محمد بن سليمان بن فارس النيسابوري سماعا فيما عدا أجزاء يسيرة من آخره فأجازه عن مصنفه كذلك سماعا وإجازة كما حكى كل ذلك الخطيب وعقد له بابا في كفايته

وقال إذا دفع المحدث إلى الطالب كتابا وقال له هذا من حديث فلان وهو إجازة لي منه وقد أجزت لك أن ترويه عني فإنه يجوز له روايته عند كما يجوز ذلك فيما كان سماعا للمحدث فإجازة له بل نقل الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي الاتفاق بين المحدثين القائلين بصحة الإجازة على صحة الرواية بالإجازة على الإجازة ولفظه في جواب أجاب به أبا علي البردالي إذ سأله عن ذلك لا نعرف خلافا بين القائلين بالإجازة في العمل بإجازة الإجازة على الإجازة ثم روى عن الحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك وغيره أنه


101
حدث في تاريخه عن أبي العباس هو الأصم إجازة قال وقرأته بخطه فيما أجاز له محمد ابن عبد الوهاب هو الفرا قال المقدسي وقرأت على أبي إسحاق الحبال الحافظ بمصر عن عبد الغني بن سعيد الحافظ إجازة عن بعض شيوخه إجازة انتهى

والفقيه الزاهد نصر بن إبراهيم المقدسي بعده أي الدارقطني لم يقتصر على إجازتين بل وإلى أي تابع ثالثا بعضهم عن بعض بإجازة فقال ابن طاهر سمعته ببيت المقدس يروي بالإجازة عن الإجازة وربما تابع بين ثلاث منها

وذكر الحافظ أبو الفضل محمد بن ناصر أن أبا الفتح بن أبي الفوارس حدث بجزء من العلل لأحمد عن أبي علي بن الصواف إجازة عن عبد الله بن أحمد كذلك عن أبيه كذلك قال المصنف وقد رأيت غير واحد من الأئمة والمحدثين زادوا على ثلاث إجائز فرروا بأربع متوالية يعني كأبي طالب محمد بن علي بن الفتح العشاري الحنبلي الثقة الصالح حدث بالإجازة عن ابن أبي الفوارس بالسند الذي قبله وأبي الفرج ابن الجوزي فكثير ما يروى في العلل المتناهية وغيرها من تصانيفه بالإجازة عن أبي منصور بن خيرون عن أبي محمد الجوهري عن أبي الحسن الدارقطني عن أبي حاتم بن حبان بل ومن وإلى بخمس روى بعضهم عن بعض بالإجازة ممن يعتمد من الأئمة وهو الحافظ القطب أبو محمد عبد الكريم الحلبي الحنفي فإنه روى في عدة مواضع من تاريخ مصر له عن عبد الغني بن سعيد الأزدي الحافظ بخمس أجائز متوالية

وكذا حدث الحافظ زكي الدين المنذري بالمحدث الفاضل بخمس أجائز متوالية عن ابن الجوزي عن أبي منصور بن خيرون عن الجوهري عن الدارقطني عن مصنفه لكونه علا فيه بها درجة عما لو حدث به بالسماع المتصل


102
عن أصحاب السلفي عنه عن المبارك بن عبد الجبار عن الغابي عن النهاوندي عن مصنفه

وحدث الحافظ عبد القادر الرهاوي في الأربعين الكبرى التي خرجها لنفسه بأثر في الجزء الثاني عن الحافظ أبي موسى المدني إجازة عن أبي منصور ابن خيرون بسنده الماضي أو لا إلى ابن حبان في الضعفاء له قال سمعت فذكره وقرأ شيخنا بعض الدارقطني على ابن الشيخة عن الدبوسي عن ابن المقير وسنده فقط على ابن قوام عن الحجاز عن القطيعي كلاهما عن الشهر زوروى عن ابن المهتدي عن الدارقطني ففي الثاني ست أجائز وأعلى ما رأيته من ذلك رواية شيخنا في فهرسته صحيح مسلم لقصد العلو عن العفيف النشاوري إجازة مشافهة عن سليمان بن حمزة عن ابن المقير عن ابن ناصر عن أبي القاسم بن منده عن الجوزقي عن مكي بن عبدان عن مسلم قال وهو جميعه بالإجازات وهو عندي أولى مما لو حدثت به عن محمد بن قواليح في عموم إذنه للمصريين بسماعه من زينب ابنة كندي عن المؤيد الطوسي إجازة يعني مع استوائهما في العدد قال لما قدمته من ضعف الرواية بالإجازة العامة انتهى

وفي كلام ابن نقطة وغيره ما يقتضي أن الجوزقي سمعه من مكي ومكي من مسلم فاعتمده وإن مشى شيخنا على خلافه وكذا أغرب أبو الخطاب بن دحية فحدث بصحيح مسلم عن أبي عبد الله بن زرقون عن أبي عبد الله الخولاني عن أبي ذر الهروي عن أبي بكر الجوزقي عن أبي حامد بن الشرقي عن مسلم

قال شيخنا وهذا الإسناد كله بالإجازات إلا أن الجوزقي عنده عن أبي حامد بعض الكتاب بالسماع وقد حدثه بذلك عنه في كتابة المتفق له وينبغي حيث تقررت الصحة في ذلك وجوبا لمن يريد الرواية كذلك تأمل


103
كيفية الإجازة الصاردة من شيخ شيخه لشيخه وكذا ممن فوقه لمن يليه ومقتضاها خوفا من أن يروي بها ما لم يندرج تحتها فربما قيد بعض المجيزين الإجازة فحيث شيخ شيخه إجازة أي أجاز شيخه بلفظ أجزته ما صح لديه أي عند شيخه المجاز فقط لم يحظ أي لم يتعد الراوي ما الذى صح عند شيخه منه أي من مروي المجيز فقط حتى لو صح شئ من مروي هذا المجيز عند الراوي من المجاز له لم يطلع عليه شيخه المجاز له أو أطلع عليه ولكن لم يصح عنده لا يسوغ له روايته بالإجازة

وقد نازع بعضهم في هذا وقال ينبغي أن تسوغ الرواية بمجرد صحة ذلك عنه وغن لم يتبين له أنه كان قد صح عند شيخه لأن صحة ذلك قد وجدت فلا فرق بين صحته عند شيخه وغيره قال ونظيره ما إذا علق طلاق زوجته برؤيتها الهلال فإنه يقع برؤية غيرها حملا على العلم وفيه نظر وأما ما جرت به العادة في الاستدعاءات من استجازة الشيوخ لمن بها ما صح عندهم من مسموعاتهم فالضمير في عندهم متردد بين المشايخ وبين المستجاز لهم ولكن الثاني أظهر والعمل عليه وكذا لا يسوغ للراوي حيث قيد شيخه الإجازة بمسموعاته خاصة التعدي إلى ما عنده بالإجازة كإجازة أبي الفتح أحمد بن محمد بن أحمد ابن سعيد الحداد للحافظ أبي طاهر السلفي حيث لم يجز له ما استجيز له بل ما سمعه فقط ولذا رجع السلفي عن رواية الجامع للترمذي عنه عن إسماعيل بن نيال المحبوبي عن مصنفه لكون الحداد إنما رواه عن المحبوبي بالمكاتبة إليه من مرو

وأخص من هذا من قيدها بما حدث به من مسموعاته فقط كما فعل التقي ابن دقيق العيد فإنه لم يكن يجيز برواته جميع مسموعاته بل بما حدث به منها على ما استقري من صنيعه لكونه كان يشك في بعض سماعاته على ابن المقتر فتورع عن التحديث به بل وعن الإجازة فليتنبه لذلك


104
كله لا سيما وقد غلط في بعضه غير واحد من الأئمة وكثر عثارهم من أجله لعدم التفطن له

ونحوه رواية أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري البلنسي عرف بالأندلسي وبابن اليتيم ولم يكن بالمتقن مع كونه رحل الأندلس حيث كتب سنده بصحيح البخاري عن السلفي عن ابن البطر عن ابن البيع عن المحاصلي عنه مع كونه ليس عند السلفي بهذا السند سوى حديث واحد وكذا وهم فيه بعض المتأخرين من الثغر الإسكندري بل والكرماني الشارح وآخرون فرع الرواية بالإجازة عن شيخ سمع شيخه وبالسماع من شيخ أجيز من شيخ الأول وينزلان منزلة السماع المتصل


105
لفظ الإجازة أي كيفيته وشرطها
( أجزته ابن فارس قد نقله
وإنما المعروف قد أجزت له )
( وإنما تستحسن الإجازة
من عالم به ومن أجازه )
( طالب علم والوليد ذا ذكر
عن مالك شرطا وعن أبي عمر )
( أن الصحيح أنها لا تقبل
إلا لماهر وما لا يشكل )
( واللفظ إن تجز بكتب أحسن
أو دون لفظ فانو وهو أدون )

في المجيز والمجاز والنية لمن كتب بها وكان الأنسب إيراده قبل أنواعها مع اشتقاقها وضابطها ورواتها الذي ذكرته هناك فأما لفظها فأجزته أي الراوي مسموعاتي أو مروياتي متعديا بنفسه وبدون ذكر لفظ الرواية أو نحوه الذى هو المجاز به حقيقة

ابن فارس أبو الحسين أحمد اللغوي صاحب المجمل وغيره والقائل

( اسمع مقالة ناصح
جمع النصيحة والمقه )
( إياك فاحذر أن تبيت
من الثقات على ثقة )


106

والمقتبس منه الحريري في مقاماته وضع المسائل الفقهية في المقامة الطيبة قد نقله أي تعديه بنفسه في جزء له سماه مآخذ العلم فإنه قال معنى الإجازة في كلام العرب مأخوذ من جواز الماء الذي يسقاه المال من الماشية والحرث يقال منه استجزت فلانا ما أجازني إذا أسقاك ماء لأرضك أو ماشيتك كذلك طالب العلم يسأل العالم أن يجيزه علمه أي يجيز إليه علمه فيجيزه إياه قال ابن الصلاح وإنما المعروف يعني لغة أي اصطلاحا أن يقول قد أجزت له رواية مسموعاتي يعني متعديا بحرف البحر وبدون إضمار قال وهذا يحتاج إليه من يجعل الإجازة بمعنى التسويغ والإذن والإباحة قال ومن يقول أجزت له مسموعاتي فعلى سبيل الإضمار للمضاف الذي لا يخفى نظيره وحينئذ ففي الإضمار والحذف دون الثاني الذي هو أظهر وأشهر

وفي الثالث لإضمار فقط وأما شروط صحتها فقال ابن الصلاح إنما تستحسن الإجازة من عالم به أي بالمجاز ومن أجازه أي والحال أن المجاز له طالب علم أي من أهل العلم كما هي عبارة ابن الصلاح إذ المرء ولو بلغ الغاية في العلم لا يزال له طالبا ويروى أنه قال كل عالم غرثان إلى علم أي جائع وقال أيضا أربع لا يشبعن من أربع فذكر منها وعالم من علم (

وقل رب زدني علما ) لأن الإجازة توسع وترخيص يتأهل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها وهل المراد مطلق العلم أو خصوص المجاز كما به قيد في المجيز أو الصناعة كما صرح به ابن عبد البر الظاهر الأخير والوليد بن بكر أبو العباس المالكي

ذا أي كون كل من المجيز والمجاز له علاما ذكر في كتابه الوجازة في صحة القول بالإجازة عن إمامه مالك هو بن أنس رحمه الله أنه جعله شرطا فيها وعبادته ولمالك شرط في الإجازة وهو أن يكون المجيز عالما بما يجيز ثقة في دينه وروايته معروفا بالعلم والمجاز به معارضا بالأصل حتى كأنه


107
هو والمجاز له من أهل العلم أو متسما بسمته حتى لا يوضع العلم إلا عند أهله وكان يكره الإجازة لمن ليس من أهل العلم ويقول ما أسلفته في أول أنواع الإجازة وفي أخذ الاشتراط منها نظر إلا أن أول قوله أو متسما بسمته بمن هو دون من قبله في العلم وكانت الكراهة للتحريم وعن الحافظ أبي عمر هو ابن عبد البر كما في جامع العلم له أن الصحيح أنها أي الإجازة لا تقبل إلا لماهر بالصناعة مازق فيها يعرف كيف يتناولها وفي ما لا يشكل إسناده لكونه معروفا معينا وإن لم يكن كذلك لم يؤمن أن يحدث المجاز له عن الشيخ بما ليس من حديثه أو ينقص من إسناده الرجل والرجلين وقد رأيت قوما وقعوا في هذا وإنما كره من كرة الإجازة هذا

وقريب منه ما حكاه الخطيب في الكفاية قال مذهب أحمد بن صالح أنه إذا قال للطالب أجزت لك أن تروي عني ما شئت من حدثني لا يصح أن يدفع إليه أصوله أو فروعا كتبت منها وينظر فيها ويصححها

وعن أبي الوليد الباجي قال الاستجازة إما أن تكون للعمل فيجب على المجاز له أن يكون من أهل العلم بذلك والفهم باللسان وإلا لم يحل له الأخذ بها فربما كان في مسألته فصل لو وجه لم يعلم به المجيز ولو علمه لم يكن جوابه ما أجاب به وإما أن يكون للرواية خاصة فيجب أن يكون عارفا بالنقل والوقوف على ألفاظه ما أجيز له ليسلم من التصحيف والتحريف فمن لم يكن عالما بشيء من ذلك وإنما يريد علو الإسناد بها ففي نقله بها ضعف

وقال ابن سيد الناس أصل الإجازة مختلف فيه ومن أجازها فهي قاصرة عنده عن رتبة السماع وحينئذ فينبغي أن لا يجوز من كل من يجوز منه السماع وإن ترخص ما مرخص وجوزها من كل من يجوز منه السماع فأقل مراتب المجيز أن يكون عالما بمعنى الإجازة العلم الإجمالي من أنه روى شيئا وأن معنى إجازته لغيره إذنه لذلك الغير في رواية ذلك الشيء عنه بطريق الإجازة المعهودة من أهل هذا


108
الشأن لا العلم التفصيلي بما روى وبما يتعلق بأحكام الإجازة وهذا العلم الإجمالي حاصل فيمن رأيناه من عوام الرواة فإن انحط راو في الفهم عن هذه الدرجة ولا أخال أحدا ينحط عن إدراك هذا إذا عرف به فلا أحسبه أهلا لأن يتحمل عنه بإجازة ولا سماع قال وهذا الذي أشرت إليه من التوسع في الإجازة هو طريق الجمهور

قلت وما عداه من التشديد فهو مناف لما جوزت الإجازة له من بقاء السلسلة وقد تقدم في سابع أنواعها عدم اشتراط التأهل حين التحمل بها كالسماع وفي أولها أنه لم يقل أحد بالأداء بها بدون شروط الرواية وعليه يحمل قولهم أجزت له رواية كذا بشرطه ومنه ثبوت المروي من حديث المجيز

وقد قال أبو مروان الطبني إنها لا تحتاج لغير مقابلة نسخة بأصول الشيخ وأشار إمام الحرمين لذلك بقوله الصحة مع تحقيق الحديث وقال عياض تصح بعد تصحيح شيئين تعيين روايات الشيخ ومسموعاته وتحقيقها وصحة مطابقة كتب الراوي لها والاعتماد على الأصول المصححة وقد كتب أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي كما أورده الخطيب في الكفاية وعياض في الإلماع

( كتابي إليكم فافهموه فإنه
رسول إليكم والكتاب رسول )
( فهذا سماعي من رجال لقيتهم
لهم ورع مع فهمهم وعقول )
( فإن شئتم فارووه عني فإنما
تقولون ما قد قلته وأقول )
( ألا فاحذروا التصحيف فيه فربما
تغير عن تصحيفه فيحول )

وقال غيره في أبيات

( وأكره فيما قد سألتم غروركم
ولست بما عندي من العمل أبخل )


109
( فمن يروه فليروه بصوابه
كما قاله الفراء فالصدق أجمل )

وأما قوله بعضهم الشرط كونها من معين لمعين أو كونها غير مجهولة فليس بشيء وما أحسن من كتب لمن علم منه التأهل أجزت له الرواية عني وهو لما أعلم من إتقانه وضبطه عني عن تقييدي ذلك بشرطه

ثم الإجازة تارة تكون بلفظ المجيز بعد السؤال منها من المجاز له أو غيره أو مبتدئا بها وتارة تكون بخطه على استدعاء كما جرت به العادة أو بدون استدعاء واللفظ بالإجازة أن تجز أيها المحدث بكتب أي بأن تجمعها أحسن وأولى من إفراد أحدهما أو بكتب دون لفظ فانو الإجازة وهو أي هذا الصنيع أدون من الإجازة الملفوظ بها في المرتبة لأن القول دليل رضاه القلبي بالإجازة والكتابة دليل القول الدال على الرضى والدال بغير واسطة أعلى وبالثاني يوجه صحتها بالنية فقط بل قال ابن الصلاح متصلا بذلك وغير مستبعد تصحيح ذلك بمجرد هذه الكتابة في باب الرواية الذي جعلت في القراءة على الشيخ مع أنه لم يلفظ بما قريء عليه إخبارا منه بذلك ويتأيد بقول ابن أبي الدم قد تقوم الأفعال مقام الأقوال كما في نقل الملك على القول بتصحيح المعاطاة فإن لم ينوها فقضية ما هنا وقال الشارح إنه الظاهر عدم الصحة لأن الكتابة كناية والكناية شرطها النية ولا نية هنا فبطلت وكان محل هذا حيث صرح بعدم النية أما لو لم يعلم حاله فالظاهر الصحة إذ الأصل كما قال بعضهم فيما يكتبه العاقل خصوصا فما نحن بصدده أن يكون قاصدا له ولعلها الصورة التي لم يستبعد ابن الصلاح صحتها وإن احتمل كلامه ما تقدم فهو فيها أظهر وهو الذي نظمه البرهان الحلبي حيث قال

( وحيث لا نية قد جوزها
ابن الصلاح باحثا أبرزها )

فرع كثر تصريحهم في الأجائز بما يجوز لي وعني روايته فقيل كما نقله


110
ابن الجوزي إنه لا فائدة في قول عني والظاهر أنهم يريدون بلى مروياتهم ويعني مصنفاتهم ونحوها وهو كذلك وحينئذ فكتابتها ممن ليس له تصنيف أو نظم أو نثر عبث أو جهل


111
القسم الرابع من أقسام التحمل

المناولة

( ثم المناولات إما تقترن
بالإذن أو لا فالتي فيها إذن )
( أعلى الإجازات وأعلاها إذا
أعطاه ملكا فإعارة كذا )
( أن يحضر الطالب بالكتاب له
عرضا وهذا العرض للمناولة )
( والشيخ ذو معرفة فلينظره
ثم يناول الكتاب محضره )
( يقول هذا من حديثي فاروه
وقد حكوا عن مالك ونحوه )
( بأنها تعادل السماعا
وقد أبى المفتون إذا امتناعا )
( إسحاق والثوري مع النعمان
والشافعي وأحمد الشيباني )
( وابن المبارك وغيرهم رأوا
بأنها أنقص قلت قد حكموا )
( إجماعهم بأنها صحيحة
معتمدا وإن تكن مرجوحة )
( أما إذا ناول واسترادا
في الوقت صح والمجاز أدى )
( من نسخة قد وافقت مروية
وهذه ليست لها مزية )
( على الذي عين في الإجازة
عند المحققين لكن مازه )
( أهل الحديث آخرا وقدما
أما إذا ما الشيخ لم ينظر ما )
( أحضره الطالب لكن واعتمد
من أحضر الكتاب وهو معتمد )


112
( صح وإلا بطل استيقانا
وإن يقل أجزته إن كانا )
( ذا من حديثي فهو فعل حسن
يفيد حيث وقع التبين )
( وإن خلت من إذن المناولة
قيل تصح والأصح باطلة )

وهي لغة العطية ومنه في حديث الخضر فحملوها بغير قول أي عطاء واصطلاحا إعطاء الشيخ الطالب شيئا من مروياته مع إجازته به صريحا أو كناية وآخر عن الإجازة مع كونه على المعتمد أعلى لأنها جزء لأول نوعيه حتى قال ابن سعيد إنه في معناها لكن يفترقان في أنه يفتقر إلى مشافهة المجيز للمجازله وحضوره بل بالغ بعض الأصوليين كما سيأتي في آخر النوع الثاني فأنكر مزيد فائدة فيه وقال هو راجع إليها بل اشتراط أحمد بن صالح كما مضى قريبا المناولة لصحة الإجازة وعلى كل حال فاحتج لسبق معرفتها أو قدمت لكونها تشمل المروي الكثير بخلاف المناولة على الأغلب فيهما أو لقلة استعمال المناولة على الوجه الفاضل أو لاشتمال كل من القسمين على فاضل ومفضول إذ أول أنواع الإجازة أعلى من الثاني نوعي المناولة فلم ينحصر لذلك التقديم في واحد وحينئذ فقدمت لكثرة استعمالها والأصل فيه ما علقه البخاري حيث ترجم له في العلم من صحيحه أنه كتب لأمير السرية كتابا وقال له لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا فلما بلغ المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي

وعزى البخاري الاحتجاج به لبعض أهل الحجاز وهذا قد أورداه ابن إسحاق في المغازي فقال حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال بعث رسول الله عبد الله بن جحش إلى نخلة فقال له كن بها حتى تأتينا بحبر من أحبار قريش ولم يأمره بقتال وذلك في الشهر الحرام وكتب له كتابا قبل أن يعلمه أن يسير فقال أخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين


113
فافتح كتابك وانظر فيه فما أمرتك فامض له ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على الذهاب معك فلما سار يومين فتح الكتاب فإذا فيه أن امض حتى تنزل نخلة فتأتينا من أخبار قريش

فذكر الحديث بطوله وهو مرسل جيد الإسناد قد صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث مع أنه لم يتفرد به فقد رواه الزهري أيضا عن عروة بل رويناه متصلا في المعجم الكبير للطبراني والمدخل للبيهقي من طريق أبي السوار عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه رفعه وهو حجة ولذا جزم البخاري به إذ علقه وأورده أيضا في المختارة لا يماوله شاهد عند الطبري

وغيره في التفسير من طريق عن ابن عباس

ثم المناولات على نوعين إما تقترن بالإذن أي بالإجازة أو لا بل تكون مجردة عن الإجازة ف المناولة التي فيها إذن أي أجيز وهي النوع الأول أعلا الإجازات مطلقا لما فيها من التعيين والتشخيص بل خلاف بين المحدثين فيه حتى كان ممن حكاه عن أصحاب الحديث الغزالي في المستصفي فقال وهي عندهم أعلى درجة منها

وقول ابن الأثير الظاهر أنها أخفض من الإجازة لأن أعلى درجاتها أنها إجازة مخصوصة في كتاب بعينه بخلاف الإجازة ليس بجيد فإنها وإن كانت غالبا في كتاب بعينه فهي مقترنة بما فيه مزيد ضبط بل والتخصيص أبلغ في الضبط وتحت هذا النوع صور فالجمع أولا بالنظر لذلك وهي أعني الصور متفاوتة في العلو وأعلاها إذا أعطاه أي أعطى الشيخ الطالب على وجه المناولة تصنيفا له أو أصلا من سماعه وكذا من مجازه أو فرعا مقابلا بالأصل ملكا أي على جهة التمليك له بالهية أو بالبيع أو ما يقوم مقامهما قائلا له هذا من تصنيفي أو نظمي أو سماعي أو روايتي عن فلان أو عن اثنين أو أكثر وأنا عالم بما فيه فاروه أو حدث به عني ونحو ذلك مما هو بمعنى الإجازة فضلا عن لفظها كأجزتك به بل وكذا لو لم يذكر اسم


114
شيخه واكتفى بكونه مبينا في الكتاب المناول

قال يحيى بن الزبير بن عباد الزبيري طلبت من هشام بن عروة أحاديث أبيه فأخرج إلي دفترا فقال لي هذه أحاديث أبي قد صححته وعرفت ما فيه فخذه عني ولا تقل كما يقول هؤلاء حتى أعرضه ولم يصرح ابن الصلاح بكون هذه الصورة أعلى ولكنه قدمها في الذكر كما فعل عياض وهو منهما مشعر بذلك فيليها ما يناوله الشيخ له من أصل أو فرع أيضا إعارة أي على جهة الإعارة أو إجازة ونحوها فيقول له خذه وهو روايتي على الحكم المشروح أولا فانتسخه ثم قابل به أو قابل به نسختك التي انتسختها أو نحو ذلك ثم رده إلي وهل تكفي الإشارة إلى نسخة معينة أو أمر بعض من حضر بالإعطاء الظاهر نعم وبه صرح الرازي في الإشارة غير المترفة بالإجازة كما سيأتي في النوع الثاني بل قال الخطيب إنه لو أدخله خرانة كتبه وقال أرو جميع هذه عني فإنها سماعاتي من الشيوخ المكتوبة عنهم كان بمثابة ما ذكرناه في الصحة لأنه أحاله على أعيان مسماة مشاهدة وهو عالم بما فيها وأمره برواية ما تضمنت من سماعاته فهو بمنزلة ما لو قال تصدقت عليك بما في هذا الصندوق أو نحوه وهو عالم بما فيه فقال قبلت وإليه أشار بعض المتأخرين بقوله إنه نبه بقوله أعطاه إلى آخره على أن الشيخ لو سمع في نسخة من كتاب مشهور فليس له أن يشير إلى نسخة أخرى من ذلك الكتاب ويقول سمعت هذا لأن النسخ تختلف ما لم يعلم اتفاقهما بالمقابلة فإنه يقتضي أنه لو علم اتفاقهما كفى

ويقرب من هذا لو علق على طلاقها على إعطاء كذا فوضعته بين يديه طلقت قال بعض المتأخرين وينبغي أن يجعل هذا قسما مستقلا يسمى بالإشارة ويكون أيضا على نوعين كالمناولة فلا فرق ثم إنه قد يكون في صور العارية ما يوازي التمليك بأن يناوله إياه عارية ليحدث به منه ثم يرده إليه وكذا مما يوازي الصورة المرجوحة في العلو أن يحضر الطالب بالكتاب


115
الذي هو أصل الشيخ أو فرع مقابل عليه له أي للشيخ عرضا أي لأجل عرض الشيخ له وقد سمى هذه الصورة عرضا غير واحد من الأئمة ولقصد التمييز لذلك من عرض السماع الماضي في محله يفيد

ولذا قال ابن الصلاح ما معناه وهذا العرض للمناولة والشيخ أي والحال أن الشيخ الذي أعطى الكتاب ذو معرفة وحفظ ويقظة فينظره ويتصفحه متأملا ليعلم صحته وعدم الزيادة فيه والنقص منه أو يقابله بأصل كتابه إن لم يكن عارفا كل ذلك كما صرح به الخطيب على جهة الوجوب

ثم يناول الشيخ ذلك الكتاب بعد اعتباره محضره الطالب لروايته منه ويقول له هذا من حديثي أو نحو ذلك فاروه أو حدث به عني أو نحو ذلك على الحكم المشروح أولا حتى في الاكتفاء بكون سنده به مبينا فيه وممن فعله عبد الله إما ابن عمر أو ابن عمرو بن العاص قال أبو عبد الرحمن الجيلي أتيت عبد الله بكتاب فيه أحاديث فقلت انظر في هذا الكتاب فما عرفت منه اتركه وما لم تعرفه امحه

وابن شهاب قال عبيد الله بن عمر بن حفص أشهد أنه كان يؤتي بالكتاب من كتبه فيتصفحه وينظر فيه ثم يقول هذا من حديثي أعرفه خذه عني ومالك جاءه رجل فقال يا أبا عبد الله الرقعة فأخرج رقعة وقال قد نظرت فيها وهي من حديثي فاروها عني وأحمد جاءه رجل بجزئين وسأله أن يجيزه بهما فقال ضعهما وانصرف فلما خرج أخذهما فعرض بهما كتابة كتابه وأصلح له بخطه ثم أذن له فيهما والأوزاعي كما سيأتي والذهلي وآخرون

وقد اختلفوا في موازاة هذا النوع للسماع فحكوا ومن تبعه عن الإمام مالك رحمه الله ونحوه من أئمة المدينيين كأبي بكر بن عبد الرحمن الحارث بن هشام أحد الفقهاء السبعة وابن شهاب وربيعة الرأي ويحيى بن سعيد الأنصاري وعن جماعة من المكيين كمجاهد


116
وأبي الزبير ومسلم الزنجي وابن عيينة ومن الكوفيين كعلقمة وإبراهيم النخعيين والشعبي ومن البصريين كقتادة وأبي العالية وأبي المتوكل الناجي ومن المصريين كابن وهب وابن القاسم وأشهب ومن الشاميين والخراسانيين وجماعة من مشايخ الحاكم القول بأنها أي المناولة المقرونة بالإجازة تعادل السماعا ولم يحك الحاكم لفظ مالك في ذلك وقد روى الخطيب في الكفاية من طريق أحمد بن إسحاق بن بهلول قال تذاكرنا بحضرة إسماعيل بن إسحاق السماع فقال قال إسماعيل بن أبي أويس السماع على ثلاثة أوجه القراءة على المحدث وهو أصحها وقراءة المحدث والمناولة وهو قوله أرويه عنك وأقول حدثنا وذكر عن مالك مثله فهذا مشعر عن مالك وابن أبي أويس بتسوية السماع لفظا والمناولة وحينئذ فكان عرض السماع وغرض المناولة عند مالك سيان فقد تقدم هناك رواته عنه أيضا باستواء عرض السماع والسماع لفظا

وكذا ممن ذهب إلى التسوية بين السماع وعرض المناولة أحمد فروى الخطيب أيضا من طريق المروزي عنه أنه قال إذا أعطيتك كتابي وقلت لك اروه عني وهو من حديثي فما تبالي أسمعته أو لم تسمعه وأعطاني أنا وأبا طلب المسند مناولة ونحوه قول أبي اليمان قال لي أحمد كيف تحدث عن شعيب فقلت بعضها قراءة وبعضها أخبرنا وبعضها مناولة فقال قل في كل مكان أخبرنا وسيأتي مثله في الترجمة الآتية

وعن ابن خزيمة قال الإجازة والمناولة عندي كالسماع الصحيح بل أعلى من القول بالاستواء ما نقله ابن الأثير في مقدمة جامع الأصول من أن من أصحاب الحديث من ذهب إلى المناولة أو في من السماع وكأنه يشير بذلك إلى ما أسنده عياض من حديث محمد بن الضحاك عن مالك قال كلفني يحيى بن سعيد الأنصاري فكتبت له أحاديث ابن شهاب فقال له قائل فسمعها منك قال كان أفقه من ذلك وفي لفظ بل أخذها عني وحدث بها فقد


117
قال عياض عقبة وهذا بين لأن الثقة بكتابة مع إذنه أكثر من الثقة بالسماع وأثبت لما يدخل من الوهم على السامع والمستمع

ولكن قد أبى المفتون جمع مفتى اسم فاعل من أفتى فلما أجمع جمع تصحيح التقي ساكان الياء التي آخر الكلمة واو الجمع فحذفت الياء وفي الحلال والحرام ذا أي القول بأنها حالة محل السماع فضلا عن ترجيحها امتنعا منهم إسحاق بن راهويه وسفيان الثوري بالمثلثة نسبة لثور بطن من تميم مع باقي الأئمة المتبوعين أبي حنيفة النعمان وإمامنا الشافعي وأحمد ابن حنبل الشيباني نسبته لشيبان بن ثعلبة وابن المبارك عبد الله وغيرهم كالبويطي والمزني ويحيى بن يحيى حسبما حكاه عنهم حيث رأوا القول بأنها أي المناولة أنقص من السماع والذي حكاه الحاكم عنهم أنهم لم يروها سماعا فقط ولكن مقابلته الأول به مشعر بأنها أنقص وهو الذي صححه ابن الصلاح قبل ذكره كلام الحاكم فقال والصحيح أن ذلك غير حال محل السماع وأنه منحط عن درجة التحديث لفظا والإخبار قراءة

ثم حكى عن الحاكم الغزو للمذكورين إلى أن قال قال الحاكم وعليه عهدنا أئمتنا وإليه ذهبوا وإليه نذهب واحتج لذلك قوله نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها حتى يؤديها إلى من لم يسمعها وبقوله تسمعون ويسمع منكم فإنه لم يذكر فيها غير السماع فدل على أفضليته لكن قال البلقيني إن ذلك لا يقتضي امتناع تنزيل المناولة على ما تقدم منزلة السماع في القوة قال علي أني لم أجد من صريح كلامهم ما يقتضيه انتهى وفيه نظر

وممن قال أنها أنقص مالك فأخرج الرامهرمزي من حديث أبي أو ليس قال سألت مالكا عن أصح السماع فقال قراءتك على العالم أو


118
المحدث ثم قراءة المحدث عليك ثم أن يدفع إليك كتابه فيقول إر وهذا عني وهذا يقتضي انحطاط درجتها عن القراءة لكنه مشعر لتسميتها سماعا ليكون مطابقا للسؤال على أن يكون زاد في الجواب وحينئذ فاختلف المروي عن مالك إلا أن تكون ثم لمجرد وكذا بمقتضى ما سلف اختلف المروي عن أحمد إن لم يكن الخلل من الحاكم في النقل عنه فقد قال ابن الصلاح إن في كلامه بعض التخليط من حيث كونه خلط بعض ما ورد في عرض القراءة بما ورد في عرض المناولة وساق الجميع مساقا واحدا

لكن قد حكى الخطيب عن أحمد أنه كان ربما جاءة الرجل بالرقعة من الحديث فيأخذوها فيعارض بها كتابه ثم يقرؤها على صاحبها وهذا قد يساعد الحاكم وكذاه يخدش في حكايته عن الشافعي بما حكاه البيهقي عنه أنه نص في كتاب القاضي إلى القاضي على عدم القبول إلا بشاهدين مع فتحه وقراءته عليهما قال كالصكوك للناس على الناس لا نقبلها مختومة وهما يدريان ما فيها لأن الخاتم قد يضع على الختم وتبدل الكتاب وحكى في تبديل الكتاب حكاية ولا في حكايته عن الثوري بكراهية شهادة الرجل على الوصية في صحيفة مختومة حتى يعلم ما فيها لأنا نقول باب الرواية أوسع وأيضا فالتبديل غير متوهم في صورة المناولة ومسألة الوصية وإن حكيت الكراهة فيها أيضا عن الحسن البصري وأبي قلابة الجرمي وإبراهيم النخعي كما عند البيهقي في المدخل فهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة تمسكا بقوله تعالى (

وما شهدنا إلا بما علمنا ) فقد حكى فيها أيضا الجواز عن مالك بل وعن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أنه كان يفعل ذلك إذا أراد سفرا ويدفعها إلى ابن عمه سالم بن عبد الله ابن عمرو يقول أشهد على ما فيها وبها استدل ابن شهاب حيث قيل له في جواز المناولة فقال ألم تر الرجل يشهد على الوصية ولا يفتحها فيجوز ذلك ويؤخذ به


119

وأما النزاع معه في إدراج أبي حنيفة في المجيزين بأن صاحب القنية حكى عنه وعن صاحبه محمد في عطاء الشيخ الكتاب للطالب وإجازته له به عدم الجواز إذا لم يسمع ذلك ولم يعرفه خلافا لأبي يوسف ففيه نظر إذ الظاهر أنهما معا إذا لم يكن أحد شيئين إما السماع أو معرفة الطالب بما في الكتاب أي بصحته وهذا لا يمنع ما قدمناه في أول أنواع الإجازة عن أبي حنيفة وأبي يوسف من بطلان الإجازة لجواز اختصاصه بالمجردة عن المناولة أفاد حامله المؤلف

وما حكاه أبو سفيان من الحنفية ولعله الرازي عن إمامه وصاحبه أبي يوسف أنهما الإجازة والمناولة يمكن حمله على المناولة المجردة وكذا يمكن النزاع في ابن راهويه بما سيأتي في القسم الخامس من احتجاجه على الشافعي في مسألة تحديث احتج الشافعي عليه فيها بغيره وقال له هذا سماع وذاك كتاب يعني فهو مقدم فقال له إسحق إن النبي كتب إلى كسرى وقيصر ولكن سيأتي رده بأن هذا لا يلاقي متمسك الشافعي رحمهما الله

ولأجل ما نسب للحاكم قال بعض المتأخرين عقب حكايته الاستواء وكان هؤلاء الأئمة المحكى عنهم جوزوا الرواية بها لا أنهم نزلوها منزلة السماع ونحوه جمع بعضهم بين المذهبين بأن المثلية في الحكم والإجمال وعدمها في التفصيل والتحقيق فصار الخلاف في الحقيقة لفظيا

وفي المسألة قول رابع أورده البيهقي في المدخل من طريق يحيى بن معين قال قال الأوزاعي يقول في العرض قرأت وقرئ أو في المناولة تتدين به ولا تحدث به وهذا قد لا ينافيه إدراج لحاكم له فيمن يراها دون السماع لكن قد روى البيهقي أيضا في طريق محمد بن شعيب بن شابور قال لقيت الأوزاعي ومعي كتاب كتبته من حديثه فقلت يا أبو عمرو هذا كتاب كتبته من أحاديثك فقال هاته فأخذه وانصرف إلى منزله وانصرفت أنا فلما كان بعد أيام لقيني به فقال هذا كتابك قد عرضته وصححته فقلت يا أبا عمرو أفأرويه عنك قال نعم قلت أذهب فأقول أخبرني الأوزاعي قال نعم قال ابن


120
شعيب وأنا أقول كما قال وبالجملة فعلى القول الثالث من يرد عرض القراءة يرد عرض المناولة من باب أولى

قلت ولكن قد حكوا أي القاضي عياض ومن تبعه إجماعهم أي أهل النقل على القول بأنها أي المناولة صحيحة معتمد أي من أجل اعتمادها وتصديقها يعني وإن اختلف في صحة الإجازة المجردة وعبارة عياض بعد أن قال وهي رواية صحيحة عند معظم الأئمة والمحدثين وسمى جماعة وهو قول كافة أهل النقل والأداء والتحقيق من أهل النظر

وإن تكن المناولة كما تقرر بالنسبة للسماع مرجوحة على المعتمد ثم أنه قد بقي من صور هذا النوع صورتان أما الأولى إذ ناول الشيخ الكتاب أو الجزء للطالب مع أجازته له به واستردا ذلك منه في الوقت ولم يمكنه منه بل أمسكه الشيخ عنده فقد صح هذا الصنيع وتصح به الرواية والعمل ولكن إذا أراد الطالب المجاز له الرواية لذلك أدى من نسخة قد وافقت مروية المجاز به بمقابلتها أو بإخبار ثقة بموافقتها ونحو ذلك على ما هو معتبر في الإجازات المجردة عن المناولة أو من الأصل الذي استدل منه شيخه إن ظفر به وغلب على ظنه سلامته من التغيير من باب أولى ولكن هذه الصورة تتقاعد عما سبق والخلاف فيها أقوى لعدم احتواء الطالب على المروي الذي تحمله وغيبته عنه بل ليست لها وعبارة ابن الصلاح لا يكاد يظهر لها مزية على الكتاب الذي عين في الإجازة مجردا عن المناولة عند المحققين أي من الفقهاء والأصولين كما هي عبارة ابن الصلاح وسبقه لحاصل ذلك عياض فقال ولا مزية له عند مشايخنا من أهل النظر والتحقيق لأنه لا فرق بين إجازته إياه أن يحدث عنه بكتاب الموطأ وهو غائب أو حاضر إذا المقصود تعيين ما أجاز له لكن مازه أي جعل له مزية معتبرة على ذلك أهل الحديث أو من حكى عنه منهم آخر أو قدما وسبق ابن الصلاح لذلك عياض وعبارته مع ما تقدم عنه لكن قديما وحديثا شيوخنا من أهل الحديث يرون لهذا مزية على الإجازة


121
يعني فإن كل نوع من أنواع التحمل كيف ما كان لا يصح الرواية به إلا من الأصل أو المقابل به مقابلة يوثق بمثلها وربما يستفيد بها معرفة المناول فيروي منه أو من فرعه بعد بل قال ابن كثير إنه في الكتاب المشهور كالبخاري ومسلم كصورة التمليك أو الإعارة انتهى

إذا علم هذا فقد قال السهيلي جعل الناس المناولة اليوم أن يأتي الطالب الشيخ فيقول ناولني كتابك فيناوله ثم يمسكه ساعة عنده ثم ينصرف الطالب فيقول حدثني فلان مناولة وهذه رواية لا تصح على هذا الوجه حتى يذهب بالكتاب معه وقد أذن له أن يحدث عنه بما فيه وهو ومحتمل لاقترانه بالإجازة فيكون من هذا النوع أو تجوزه ليعلم صحته ويتحقق أنه مرويه

وأما الثانية إذا ما أي إذا الشيخ لم ينظر ما أحضره إليه الطالب مما ذكر له أنه مروية عنها وهو ظاهر اللفظ فيكون من ثاني النوعين ويكون حينئذ على قسمين فالله أعلم ولكن ناوله له واعتمد في صحته وثبوته في مرويه من أحضر الكتاب وهو أي الطالب المحضر معتمد لاتقانه وثقته فقد صح ذلك كما يصح في القراءة على الشيخ الاعتماد على الطالب حتى يكون هو القاريء من الأصل إذا كان موثوقا به معرفة دينا ولم يحك ابن الصلاح فيه اختلافا

وقد حكى الخطيب في الكفاية عن أحمد التفرقة فإنه ورى من طريق حنبل بن إسحاق قال سألت أبا عبد الله عن القراءة فقال لا بأس بها إذا كان رجل يعرف ويفهم قلت له فالمناولة قال ما أدري ما هذا حتى يعرف المحدث حديثه وما يدريه ما في الكتاب

وهذا ظاهره أنه لو كان لمحضر ذا معرفة وفهم لا يكفي قال وأهل مصر يذهبون إلى هذا وأنا لا يعجبني قال الخطيب وأراه عني يعني بما نسبه لأهل مصر المناولة للكتاب وإجازته روايته من غير أن يعلم هل ما فيه من حديثه أم لا وحمل ما جاء عن ابن شهاب من أنه كان يؤتي بالكتاب فيقال له يا أبا بكر


122
هذا كتابك نرويه عنك فيقول نعم وما رآه ولا نرى عليه على أنه كان قد تقدم نظره له وعرف صحته وأنه يقول من حديثه وجاء به إليه من تثق به ولذلك استجاز الإذن في روايته من غير أن ينشره وينظر فيه ويؤيده ما تقدم عنه أنه كان يتصفح الكتاب وينظر فيه وكذا يحمل عليه ما ورد عن هشام بن عروة أنه قال جاءني ابن جريج بصحيفة مكتوبة فقال لي يا أبا المنذر هذه أحاديث أرويها عنك قال قلت نعم وإلا أي وإن لم يكن الطالب ممن يعتمد خبره ولا يوثق بخبرته فقد بطل الإذن استيقانا ولم تصح الإجازة فضلا عن المناولة

نعم إن تبين بعد ذلك بطريق معتمد صحته وثبوته في مروية فالظاهر كما قال المصنف الصحة أخذا من المسألة بعده لأنه زال ما كنا نخشى من عدم ثقة الطالب المخبر مع إمكان الفرق بينهما

وأما إن يقل أي الشيخ للطالب المعتمد وغيره أجزته إن كان ذا أي المجاز به من حديثي مع براءتي من الغلط والوهم فهو أي القول فعل جائز حسن كما قاله الخطيب وممن فعله مالك فإن ابن وهب قال كنا عنده فجاءه رجل يكتب على يديه فقال يا أبا عبد الله هذه الكتب من حديثك أحدث بها عنك فقال له مالك إن كانت من حديثي فحدث بها عني وكذا فعله غير واحد وزاد الناظم أنه يفيد حيث وقع التبين لصحة كونه من حديث الشيخ

والنوع الثاني إن خلت من إذن المناولة بأن يناول الشيخ الطالب شيئا من مرويه ملكا أو عارية لينتسخ منه أو يأتي إلى الشيخ بشئ من حديثه فيتصفحه وينظر فيه مع معرفته ثم يدفعه إليه ويقول له في الصور كلها هذا من رواياتي على الحكم المشروح في النوع الأول لكن لا يصرح له بالإذن برواية عنه وقد اختلف فيها فقيل كما حكاه الخطيب عن طائفة من العماء تصح وتجوز الرواية بها كالرجل يجيء إلى آخر بصك فيه ذكر حق فيقول له


123
أتعرف هذا الصك فيقول نعم هو دين علي لفلان أو يقول له ابتدأ في هذا الصك دين علي لفلان فيقول نعم هو دين أو يجده في يده صكا يقرؤه فيقول له ما في هذا الصك فيقول ذكر حق علي لفلان ثم يسمعه بعد ينكره فإن له أن يشهد عليه بإقراره على نفسه مع كونه لم يأذن له في أدائه

كما ذهب إليه مالك وغيره من أهل الحجاز وبه قال أصحاب الشافعي

وإذا أجاز في الشهادة بدون إذن المقر ففي الرواية من باب أولى ولعل هؤلاء ممن يجيز الرواية لمجرد إعلام الشيخ الطالب بأن هذه مرويه أو الرواية بمجرد إرساله إليه بالكتاب من بلد كما سيأتي فيهما بل هو هنا أولى لترجحه بزيادة المناولة بالنسبة لمسألة الإعلام وبالمواجهة بها بالنسبة للإرسال فإن المناولة كما قال ابن الصلاح لا تخلو من الإشعار بالإذن في الرواية فحصل الاكتفاء في هذه الصور كلها بالقرينة وبالغ بعضهم فقال إنها قريب من السماع على الشيخ إذا لم يأذن له في الرواية لاشتراكهما في العلم بالمروي وقيل يصح العمل بها دون الرواية حكي عن بعضهم ويشبه أن يكون الأوزاعي قائلا به لأنه روي عنه أنه أجاز المناولة وفعلها

وروي عنه أنه يعمل بها ولا يحدث بها فقال عياض ولعل قوله يعني الثاني فيمن لم يأذن في الحديث به عنه والأصح أنها بدون باطلة لم نر كما قال الخطيب من فعلها لعدم التصريح بالإذن فيها فلا تجوز الرواية بها

قال ابن الصلاح وعاب غير واحد من الفقهاء والأصوليين على المحدثين بتجويزها وإساغة الرواية بها فقلت منهم الغزالي فإنه قال في المستصفي مجرد المناولة دون قوله حدث به عني لا معنى له وإذا قال حدث به عني فلا معني للمناولة بل هو زيادة تكلف أخذ به بعض المحدثين بلا فائدة بل أطلق النووي في تقريبه وحكاية البطلان عن الفقهاء وأصحاب الأصول ولكن صنيع ابن الصلاح في عدم التعميم أحسن لعدم اشتراط جماعة من الأصوليين منهم الرازي في المحصول الإذن بل ولا المناولة حتى قالوا إن الشيخ لو أشار إلى


124
كتاب وقال هذا سماعي من فلان جاز لمن سمعه أن يرويه عنه سواء ناوله إياه أم لا خلافا لبعض المحدثين وسواء قال له إروه عني أم لا مقتضى كلام السيف الآمدي اشتراط الإذن في الرواية

وقيل إنه لم يقل به من الأصوليين سوى القاضي أبي بكر الباقلاني وأتباعه ووجهه القاضي أبو بكر بأنه يجوز أن يناول الكتاب الذي يشك في ما فيه وقد يصح عند الغير من حديثه ما يعتقد في كثير منه أنه لا يحدث به لعلل في حديثه هو أعرف بها كما أنه قد يحتمل الشهادة من لا يجوز عنده أن يقيمها ولا أن يشهد لها فإذا أشهد على شهدته كان ذلك بمثابة أدائه لها وعلم أنه في نفسه على صفة يجوز إقامته لها فكذلك الإجازة والمناولة من العدل الثقة انتهى

وقد مال شيخنا للتسوية بين هذا النوع وبين ثاني النوعين أيضا من القسم بعده وقال أنه لم يظهر لي فرق بينهما إذ خلا كل منهما عن الإذن


125
كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة وبالإجازة الماضيتين
( واختلفوا في من روى ما نوولا
فمالك وابن شهاب جعلا )
( إطلاقه حدثنا وأخبرا
يسوغ وهو لائق بمن روى )
( العرض كالسماع بل أجازه
بعضهم في مطلق الإجازة )
( والمرزباني وأبو نعيم
أخبر والصحيح عند القوم )
( تقييده بما يبين الواقعا
إجازة تناولا هما معا )
( أذن لي أطلق لي أجازني
سوغ لي أباح لي ناولني )
( وإن أباح الشيخ للمجاز
إطلاقه لم يجز في الجواز )
( وبعضهم أتى بلفظ موهم
شافهني كتب لي فما سلم )
( وقد أتى بخبر الأوزاعي
فيها ولم يخل من النزاع )
( ولفظ أن اختاره الخطابي
وهو مع الإسناد ذو اقتراب )
( وبضعهم يختار في الإجازة
أنبأنا كصاحب الواجازة )
( واختاره الحاكم فيما شافهه
بالإذن بعد عرضه مشافهة )
( واستحسنوا للبيهقي مصطلحا
أنبأنا إجازة فصرحا )
( وبعض من تأخر استعمل عن
إجازة وهي قريبة لمن )


126
( سماعه من شيخه فيه يشك
وحرف عن بينهما فمشترك )
( وفي البخاري قال لي فجعله
حيريهم للعرض والمناولة )

واختلفوا أي الأئمة من المحدثين وغيرهم في ما يقول من روى مانوولا المناولة المعتبرة مما تقدم فمالك هو ابن أنس وابن شهاب الزهري جعلا إطلاقه أي رواي حدثنا وأخبر أي وأخبرنا يسوغ وهو أي الإطلاق لائق بمذهب من يرى كما تقدم في محله العرض في المناولة كعرض السماع وممن حكى هذا الإطلاق عن مالك الخطيب وأنه قال قل ما شئت من حدثنا وأخبرنا

ووري أيضا عن الحسن أنه قال يبيعه أن يقول حدثني فلان عن فلان واجتمع ابن وهب وابن القاسم وأشهب على أنه يقول أخبرني وعن أحمد ابن حنبل فيمن روى الكتاب بعضه قراءة وبعضه تحديثا وبعضه مناولة وبعضه أجازة أنه يقول في كله أخبرنا بل إجازة أي إطلاقهما بعضهم كابن جريج وجماعة من المتقدمين حسبما عزاه إليهم عياض وكمالك أيضا وأهل المدينة كما حكاه عنهم صاحب الوجازة في مطلق أي في الرواية بمطلق الإجازة يعني المجردة عن المناولة حتى قيل إنه مذهب عامة حفاظ الأندلس ومنهم ابن عبد البر فيقولون فيما يجاوز حدثنا وأخبرنا

وعن عيسى بن مسكين قال الإجازة رأس مال كبير وجدير أن يقول فيهما حدثني وأخبرني واختاره بعض المتأخرين وقال إن الإجازة كيف ما كانت إخبار وتحديث فيجوز ذلك فيها والاتصال السندي واقع به إذ كل


127
واحد من نوعي الإجازة والسماع طريق تحمل والتعرض لتعيين النوع المحتمل به ليس بلازم ولا العمل متوقف عليه وقال أبو مروان الطبني له أن تقول في الإجازة بالمعين حدثني وذهب إلى الجوازة كذلك إمام الحرمين والحكيم الترمذي في نوادره الأصول محتجا له بأن مدلول التحديث لغة إلقاء المعاني إليك سواء ألقاه لفظا أو كتابة أو إجازة وقد سمى الله تعالى القرآن حديثا حدث به العباد وخاطبهم به فكل محدث أحدث إليك شفاها أو بكتاب أو بإجازة فقد حدثك به وأنت صادق في قولك حدثني ويسمى الواقع في المنام حدثنا كما قال تعالى (

ولنعلمه من تأويل الأحاديث )

وكذا أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى بن عبيد المرزباني بضم الزاي نسبه لجد له اسمه المرزبان البغدادي صاحب أخبار ورواية للأدب وتصانيف كثيرة وكان في داره خمسون ما بين لحاف ومحبرة لمن يبيت عنده مات سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وأبو نعيم الأصبهاني الحافظ صاحب التصانيف الكثيرة في علم الحديث أطلقا في الإجازة لفظ أخبر خاصة من غير بيان وممن حكاه عنهما الخطيب وعن ثانيهما فقط أبو الفضل بن طاهر وحكى الخطيب أن أولهما عيب بذلك وكذا نقل ابن طاهر ثم الذهبي في ميزانه عن الخطيب أنه عاب ثانيهما أيضا به فقال رأيت لأبي نعيم أشياء تساهل فيها مثل أن تقول في الإجازة أخبرنا من غير بيان بل أدخله لذلك ابن الجوزي ثم الذهبي في الضعفاء وقال إنه مذهب رآه هو وغيره قال وهو ضرب من التدليس

قلت أما عيب الأول به فظاهر لكونه لم يبين اصطلاحه وأكثر مع ذلك منه بحيث أن أكثر ما أورده في كتبه بالإجازة لا السماع وانضم إلى ذلك


128
أنه رمي بالاعتزال وبأنه كان يضع المحبرة وقنينة النبيذ ولا يزال يكتب ويشرب

وأما ثانيهما فبعد بيان اصطلاحه لا يكون مدلسا ولذا قال ابن دحية سخم الله وجه من يعيبه بهذا بل هو الإمام عالم الدنيا وقال شيخنا إنهم وإن عابوه بذلك فيجاب عنه بأنه اصطلاح له خالف فيه الجمهور فإنه كان يرى أنه يقول في السماع مطلقا سواء قرأ بنفسه أو سمع من لفظ شيخه أو بقراءة غيره على شيخه حدثنا بلفظ التحديث في الجميع ويخص الإخبار بالإجازة يعني كما صرح هو باصطلاحه حيث قال إذا قلت أخبرنا على الإطلاق من غير أن أذكر فيه إجازة أو كتابة أو كتب لي أو أذن لي فهو إجازة أو حدثنا فهو سماع ويقوي التزامه لذلك أنه أورد في مستخرجه على علوم الحديث للحاكم عدة أحاديث رواها عن الحاكم بلفظ الإخبار مطلقا وقال في آخر الكتاب الذي رويته عن الحاكم بالإجازة فإذا أطلق الإخبار على اصطلاحه عرف أنه أراد الإجازة فلا اعتراض عليه من هذه الحيثية بل ينبغي أن ينبه على ذلك لئلا يعترض عليه انتهى

ومع كونه اصطلاحه فقد قال ابن النجار إنه إنما يفعل نادرا لاستغنائه بكثرة المسموعات التي عنده فقد قرأت مستخرجه على مسلم فما وجدت فيه شيئا بالإجازة إلا مويضعات يسيره حدثنا عن الأصح وآخر عن خيثمة وعن غيرهما وكذا اعتذر عنه غيره بالندور وكلام المنذري أيضا مشعر به فإنه قال هذا لا ينقصه شيئا إذ هو يقول في معظم تصانيفه أخبرنا فلان إجازة قال وعلى تقدير أن يطلق في الإجازة أخبرنا بدون بيان فهو مذهب جماعة فلا يبعد أن يكون مذهبا له أيضا على أن شيخنا جوز أن الحافظ أبا نصر أحمد بن عمر الغازي الأصبهاني ممن كان يفعل ذلك أيضا وذلك أنه الحافظ ابن السمعاني لما قال في ترجمته إنه كان لا يفرق السماع من الإجازة


129

وقال الذهبي يريد أن السماع والإجازة سواء في الاتصال والاحتجاج وإلا فمن له أدنى معرفة يريد أن يفهم أن السماع شيء والإجازة شيء

قال شيخنا ما أظنه أراد ما فهمه الذهبي وإنما مراده أنه إذا حدث لا يميز هذا من هذا بل يقول مثلا في كل منهما أخبرنا ولا يعين في الإجازة كونها إجازة انتهى

وأغرب من هذا كله ما قبل من أن أبا نعيم كان يقول فيما لم يسمعه من مشايخه بل رواه إجازة أخبرنا فلان فيما قرئ عليه ولا يقول وأنا أسمع فيشد الالتباس على من لم يعرف حقيقة الحال وفي تاريخ أصبهان له شئ من ذلك كقوله أخبرنا عبد الله بن جعفر فيما قرئ عليه زاد فيها وحدثني عنه أبو محمد بن حبان وهذه الزيادة مما يتضح بها المراد فإنها تشعر أنه رواه عاليا عن الأول إجازة ويزول عن الثاني سماعا وأصرح منه قوله في ترجمة عبد الرحمن بن مهدي من الحلية أيضا أخبرنا عبد الله بن جعفر فيما قرئ علي وأذن لي فيه ولكن قد حكى ابن طاهر في أطراف الأفراد هذا المذهب أيضا عن شيخه الدارقطني وهو اصطلاح لهما غريب وكأن النكتة في التصريح عن شيخه بذلك اعتماده المروي والصحيح المختار عند جمهور القوم وهو مذهب علماء الشرق واختاره أهل التحري والورع المنع من إطلاق كل من حدثنا وأخبرنا ونحوهما في المناولة والإجازة خوفا من حمل المطلق على الكامل وتقييده أي المذكور منها بما يبين أي يوضح الوقعا في كيفيته بالتحمل من السماع أو الإجازة أو المناولة بلفظ لا إشكال فيه بحيث يتميز كل واحد منها عن الآخر كأن يقول أخبرنا أو حدثنا فلان إجازة وأخبرنا أو حدثنا تناولا أو هما معا أي إجازة مناولة أو فيما أذن لي أو فيما أطلق لي روايته عنه أو فيما


130
أجازني أو فيما سوغ لي أو فيما باح لي أو فيما ناولني

قال الخطيب وقد كان غير واحد من السلف يقول في المناولة أعطاني فلان أو دفع إلي كتابة وشبيها بهذا القول وهو الذي يستحسنه هذا مع أنه اختلف في ذلك أيضا فحكى ابن الحاجب في مختصره قولا إنه لا يجوز مع التقييد أيضا وإليه ذهب ابن دقيق العيد فإنه قال والذي أراه أن لا يستعمل فيها أي في الإجازة أخبرنا لا بالإطلاق ولا بالتقييد لبعد دلالة لفظ الإجازة عن الإخبار إذ معناها في الوضع الإذن في الرواية انتهى

وليس ما قاله متفقا عليه كما قاله في أول ثالث أقسام التحمل

وممن كان يسلك التقييد الحسن بن محمد بن الحسن الخلال فإنه يقول في كتابه اشتقاق الأسماء أخبرنا فلان إجازة وكذا أجاز لنا محمد بن أحمد الواعظ أن عبد الله بن محمد البغوي أخبرهم

وقال أبو بكر الحازمي مما يحسن الاستشهاد به للتقييد هنا أيضا أن ألجأه ضرورة من يريد تخريج حديث من باب ولم يجد مسلكا سواه أعني الرواية بالإجازة العامة استخار الله تعالى وحرر ألفاظه نحو أن يقول أخبرني فلان إجازة عامة أو فيما أجاز من أدرك حياته أو يحكى لفظ المجيز في الرواية فيتخلص عن غوائل التدليس والتشبع بما لم يعط ويكون حينئذ مقتديا ولا يعد مفتريا انتهى

وإذا كان الإطلاق في العامة مع الاضطرار للرواية بها يعد فاعله مفتريا فما بالك بمن الوقت في غنية عن تحديثه لو سمع لفظا فضلا عن كونه نقلا من المسموع والشيوخ ويروي بالإجازة العامة من غير بيان ولا إفصاح وإن أباح الشيخ المجيز للمجاز له إطلاقه حدثنا أو أخبرنا في المناولة أو الإجازة الخاصة فضلا عن العامة كما فعله من المشايخ في إجازتهم حيث قالوا لمن أجازوا له إن شاء قال حدثنا وإن شاء قال


131
أخبرنا ووجد ذلك كما حكي عن شيخنا وجزم به ابن الجوزي في إجازات المغاربة لم يكف ذلك في الجواز وإن علل ابن الصلاح كما تقدم في أثناء التفريعات التالية لثاني أقسام التحمل المنع من إبدال حدثنا بأخبرنا وعكسه باحتمال أن يكون مذهب الراوي عدم التسوية بين الصيغتين لتعقب المصنف له هناك من نكتة بأنه ليس يجيد من حيث أن الحكم لا يختلف في الجائز والممتنع بكون الشيخ يرى الجائز ممتنعا والممتنع جائزا فرع لو قرأ على شيخ شيئا بالإجازة إن لم يكن سماعا من شيخه ثم تبين أنه سمعه فالأحسن حكاية الواقع بأن يقول إجازة إن لم يكن سماعا ثم ظهر سماعه كما وقع لأبي زرعة المقدسي في سنن ابن ماجة وللصلاح ابن أبي عمر في بعض المسانيد من مسند أحمد حيث أخبر فيها

كذلك لعدم الوقوف على الأصل فيها ثم ظهر سماعه لها بل قال بعض الحفاظ إنه لا بد من التصريح بذلك ولكن اتفق رأي المحققين على عدم اشتراطه وأن إطلاق السماع كاف وهذا ما صححه ابن تيمية والمزي وغيرهما ممن عاصرهما كابن المحب شيخ شيوخنا ونحوه إخبار الزين بن الشيخة بالإجازة العامة من الحجاز ثم بان أن له منه إجازة خاصة وبعضهم أي وبعض المحدثين يقتصر على ما مضى كالحاكم حيث أتى بلفظ موهم تجوزا فيما أجازه فيه شيخه بلفظه شفاها وهو أجازنا فلان مشافهة أو شافهني وفيما أجازه به شيخه بكتابه أخبرنا فلان كتابة أو مكاتبة أو في كتابه أو كتب لي أو إلي وحكى الشق الثاني عن أبي نعيم فقال ابن النجار إنه كان يقول في الإجازة حدثني فلان في كتابه

وقال غيره إنه كثيرا ما يقول أخبرنا أبو الميمون بن راشد في كتابه وكتب إلى جعفر الخلدي وكتب إلى أبو العباس الأصم وهذه الألفاظ إن كثر استعمالها لذلك بين المتأخرين من بعد الخمسمائة وهلم جرا فما سلم من استعملها مطلقا من الإيهام وطرف من التدليس أما المشافهة فتوهم


132
مشافهة بالتحديث وأما الكتابة فتوهم أنه كتب إليه بذلك الحديث بعينه كما يفعله المتقدمون على ما سيأتي في القسم الذي يليه

ولذا نص الحافظ أبو المظفر الهمداني في جزء له في الإجازة على المنع من هذا معللا بالإيهام المذكور وقد أتى يخبرنا بالتشديد أبو عمرو الأوزاعي فيها أي في الإجازة خاصة وجعل أخبرنا بالهمزة للقراءة ولم يخل أيضا من النزاع من جهة أن معنى خبر في اللغة وكذا الاصطلاح واحد بل قيل إن خبر أبلغ وكان للأوزاعي أيضا في الرواية بالمناولة اصطلاح قال عمروا ابن أبي سلمة قلت له في المناولة أقول فيها حدثنا

فقال إن كنت حدثتك فقل حدثنا فقلت فما أقول قال قل قال أبو عمرو أو عن أبي عمرو لفظ أن بالفتح والتشديد اختاره أو حكاه الإمام أبو سليمان حمد الخطابي نسبه بجده خطاب فكان يقول فيما وحكي عنه في الرواية بالسماع عن الإجازة أخبرنا فلان أن فلانا حدثه أو أخبره قال صاحب الوجازة

وكأنه جعل دخول أن دليلا على الإجازة من مفهوم اللغة وقد تأملته فلم أجد له وجها صحيحا لأن أن المفتوحة أصلها التأكيد ومعنى أخبرنا فلان أن فلانا حدثه أي بأن فلان حدثه فدخول الباء أيضا للتأكيد وإنما فتحت لأنها صارت إسما فإن صح هذا المذهب عنه كانت الإجازة أقوى عنده من السماع لأنه خبر قرانه التأكيد وهذا لا يقوله أحد انتهى

وليس بجيد فقد سبق حكاية تفصيل الإجازة عن بعضهم بل لم ينفرد الخطابي بهذا الصنيع فقد حكاه القاضي عياض عن اختيار أبي حاتم الرازي قال وأنكره بعضهم وحقه أن ينكر فلا معنى له أن يفهم منه المراد ولا أعتيد هذا الموضع لغة ولا عرفا ولا اصطلاحا وكذا قال ابن الصلاح إنه


133
اصطلاح بعيد عن مقاصد أهل الأفكار القويمة من أهل الاصطلاح لبعده عن الإشعار بالإجازة إلا أنه قال وهو مع سماع الإسناد خاصة لشيخه من شيخه وكون الإجازة له فيما وراء الإسناد أي من حديث ونحوه ذو اقتراب فإن في هذه الصيغة إشعارا بوجود أصل الإخبار وإن أجمل الخبر ولم يذكره تفصيلا ونحوه قول ابن دقيق العيد في الاقتراح إذا أخرج الشيخ الكتاب وقال أخبرنا فلان وساق السند فهل يجوز لسامع ذلك منه أن يقول أخبرنا فلان ويذكر الأحاديث كلا أو بعضا الذي أره أنه يجوز من جهة الصدق فإنه تصريح بالإخبار بالكتاب وغاية ما فيه أن إخبار حملي ولا فرق في معنى الصدق بين الإجمال والتفصيل نعم فيه نظر من حيث أن العادة جارية بأن لا يطلق الإخبار إلا فيما قريء ويسمى مثل هذا مناولة وليس هذا عندي بالمتعين من جهة الصدق فإن أوقع تهمة فقد يمنع من هذا الوجه انتهى

ومع القرب الذي قاله ابن الصلاح فهو يلتبس باصطلاح ابن المديني في أنه إذا زاد في نسب شيخ شيخه على ما سمعه من شيخه يأتي بلفظ أن وبعضهم يختار في الإجازة لفظ أنبأناك أبو الوليد بن بكر بن مخلد بن أبي زياد الغمري بالمعجمة المفتوحة وقيل المضمومة والميم الساكنة نسبة إلى الغمر بطن من غافق الأندلسي المالكي الأديب الشاعر صاحب الوجازة وشيخ الحاكم بل حكى عياض عن شعبة أنه قالها مرة فيها

قال وروي عنه أيضا أخبرنا واستبعد ذلك المصنف عنه فإنه لم يكن ممن يرى الإجازة كما سبق في محله نعم اصطلح قوم من المتأخرين على إطلاقها فيها واختاره أي لفظ أنبأنا الحاكم أبو عبد الله فيما شافهه شيخه بالإذن في روايته بعد عرضه له عرض المناولة مشافهة قال وعليه عهدت أكثر مشايخي وأئمة عصري واستحسنوا كما أشعره صنيع ابن الصلاح ومن بعده البيهقي الحافظ مصطلحا وهو أنبأنا


134
إجازة فصرحا بالإجازة ولم يطلق الإنباء لكونه عند القوم فيما تقدم بمنزلة الإخبار وراعى في التعبير به عن الإجازة اصطلاح المتأخرين لا سيما ولم يكن الاصطلاح بذلك انتشر بل قال ابن دقيق العيد إن إطلاقها في الإجازة بعيد من الوضع اللغوي إلا أن يوضع اصطلاحا وبعض من تأخر من المحدثين استعمل كثير اللفظ عن فيما سمعه من شيخه الراوي عمن فوقه إجازة فيقول قرأت على فلان عن فلان وهي أي عن قريبة لمن أي لشيخ سماعه من شيخه فيه يشك مع تحقق إجازته منه وحرف عن بينهما أي السماع والإجازة فمشترك وأدخلت الفاء على الخبر على حد قوله ويحدث ناس والصغير فكبير وهو رأى الأخفش خاصة لا الكسائي وهذا الفرع وإن سبق في العنعنة وأنه لا يخرج بذلك عن الحكم له بالاتصال فإعادته هنا لما فيه من الزيادة وليكون منضما لما يشبهه من الاصطلاح الخاص وفي صحيح البخاري قال لي فلان فجعلته حبريهم أي المحدثين وهو بالمهملة أبو جعفر أحمد بن حمدان بن علي النيسابوري الحيري أحد الحفاظ الزهاد المجابي الدعوة فيما رواه الحاكم عن ولده أبي عمرو عنه للعرض أي لما أخذه البخاري على وجه العرض والمناولة وانفرد أبو جعفر بذلك وخالفه غيره فيه بل الذى استقرأه شيخنا كما أسلفته في آخر أول أقسام التحمل أنه إنما يستعمل هذه الصيغة في أحد أمرين أن يكون موقوفا ظاهرا وإن كان له حكم الرفع أو يكون في إسناده من ليس على شرطه وإلا فقد أورد أشياء بهذه الصيغة هي مروية عنده في موضع آخر بصيغة التحديث


135
القسم الخامس من أقسام التحمل المكاتبة
( ثم الكتابة بخط الشيخ أو
بأذنه عنه لغائب ولو )
( لحاضر فإن أجاز معها
أشبه ما ناول أو جردها )
( صح على الصحيح والمشهور
قال به أيوب مع منصور )
( والليث والسمعاني قد أجازه
وعده أقوى من الإجازة )
( وبعضهم صحة ذاك منعا
وصاحب الحاوي به قد قطعا )
( ويكتفي أن يعرف المكتوب له
خط الذى كاتبه وأبطله )
( قوم للأشتياه لكن ردا
لندرة اللبس وحيث أدى )
( فالليث مع منصور استجازا
أخبرنا حدثنا جوازا )
( وصححوا التقييد بالكتابة
وهو الذي يليق بالنزاهة )

إلى الطالب من الراوي والصيغة التي يؤدي بها وإلحاقها بالمناولة ثم الكتابة من الشيخ بشئ من مرويه حدينا فأكثروا من تصنيفه أو نظمه ويرسله إلى الطالب مع ثقة مؤتمن بعد تحريره بنفسه أو بثقة معتمد رشده وختمه احتياطا ليحصل الأمن من توهم تغييره وذلك شرط إن لم يكن الحامل


136
مؤتمنا تكون بخط الشيخ نفسه وهو أعلى أو بإذنه في الكتابة عنه لثقة غيره سواء كان لضرورة أم لا وسواء سئل في ذلك أم لا لغائب عنه في بلد آخر أو قرية أو نحوهما بل ولو كانت لحاضر عنده في بلده دون مجلسه ويبدأ في الكتابة بنفسه اقتداء بالنبي فيقول بعد البسملة من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان فإن بدا باسم المكتوب إليه فقد كرهه غير واحد من السلف وكان أحمد بن حنبل رحمه الله يستحب إذا كتب الصغير إلى الكبير أن يقدم اسم المكتوب إليه وأما هو فكان يبتدئ باسم من يكاتبه كبيرا كان أو صغيرا تواضعا

وهي كالمناولة على نوعين فإن جاز الشيخ بخطه أو يإذنه معها أي الكتابة بقوله أجزت لك ما كتبته لك أو مات كتبت به إليك أو نحو ذلك من عبارات الإجازات كانت النوع الأول المسمى بالكتابة المقترنة بالإجازة والرواية به صحيحة بلا خلاف كما صرح به ابن النفيس

وأشبه حينئذ في القوة والصحة حيث ثبت عند المكاتب أن ذلك الكتاب هو من الراوي المجيز تولاه بنفسه أو أمر معروفا بالثقة يكتبه منه ما إذا ناول مع الاقتران بالإجازة كما مشى عليه البخاري في صحيحه في مطلق المناولة والمكاتبة إذ سوى بينهما فإنه قال وذكر المناولة و كتاب أهل العلم إلى البلدان أن عبد الله بن عمر ويحيى بن سعيد ومالكا رأوا ذلك جائزا

ولكن قد رجح قوم منهم الخطيب المناولة عليها لحصول المشافهة فيها بالإذن دون المكاتبة وهذا وإن كان مرجحا فالمكاتبة تترجح أيضا بكون الكتابة لأجل الطالب ثم مقتضى الاستواء فضلا عن القول بترجيح المناولة أن يكون المعتمد أن المروي بها أنزل من المروي بالسماع كما هي المعتمد هناك ويستأنس له بمناظرة وقعت بين الشافعي وإسحاق بن راهوية بحضرة أحمد بن حنبل في جلود الميتة إذا دبغت فقال الشافعي دباغها طهورها


137
قال إسحاق فما الدليل قال حديث ابن عباس عن ميمونة هلا انتفعتم بجلدها يعني الشاة الميتة فقال إسحاق حديث ابن عكيم كتب إلينا النبي قبل موته بشهر لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب يشبه أن يكون ناسخا له لأنه قبل موتة بيسير فقال الشافعي هذا كتاب وذاك سماع فقال إسحاق إن النبي كتب إلى كسرى وقيصر وكان حجة عليهم فسكت الشافعي مع بقاء حجته كما قاله ابن المفضل المالكي يعني فإن كلامه في ترجيح السماع لا في إبطال الاستدلال بالكتاب وكأن إسحاق لم يقصد الرد لأنه ممن يرى أن المناولة أنقص من السماع كما سلف هناك بل هو ممن أخذ بالحديث الأول كالشافعي خلافا لأحمد

وممن استعمل المكاتبة المقرونة بالإجازة أبو بكر بن عياش فإنه كتب إلى يحيى بن يحيى سلام علك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد عصمنا الله وإياك من جميع الآفات جاءنا أبو أسامة فذكر أنك أحببت أن أكتب إليك بهذه الأحاديث فقد كتبها ابني إملاء مني لها إليه فهي حديث مني لك عمن سميت لك في كتابي هذا فاروها وحدث بها عني فإني قد عرفت أنك هويت ذلك ومكان يكفيك أن تسمع ممن سمعها مني ولكن النفس تطلع إلى ما هويت فبارك الله لنا ولك في جميع الأمور وجعلنا ممن يهوى طاعته ورضوانه والسلام عليك

وقال إسماعيل بن أبي أويس سمعت خالي مالك بن أنس يقول قال لي يحيى بن سعيد الأنصاري لما أراد الخروج إلى العراق التقط لي مائة حديث من حديث ابن شهاب حتى أرويها عنك قال مالك فكتبتها ثم بعثتها إليه وألحق الخطيب بهذا النوع في الصحة الكتابة بإجازة كتاب معين أو حديث خاص كما كتب إسماعيل بن إسحاق القاضي لأحمد بن إسحاق بن بهلول التنوخي بالإجازة بكتاب الناسخ والمنسوخ عن ابن زيد بن


138
أسلم وبالعلل عن ابن المديني وبالرد على محمد بن الحسن وبأحكام القرآن ومسائل ابن أبي أويس والمسائل المبسوطة عن مالك ولكن هذا قد دخل في أول أنواع الإجازة

ثم إنه لا فرق في مطلق الصحة بين أن يجيز أو لم يجز بل جردها أي الكتابة عن الإجازة وهو النوع الثاني فإنه صح أي صحيح فيه على الصحيح والمشهور بين أهل الحديث قال عياض لأن في نفس كتابة إليه به بخطه أو إجابته إلى ما طلبه عنده من ذلك أقوى إذن عنده متى صح أنه خطه وكتابه يعني كما في النوع قبله

قال وقد استمر عمل السلف فمن بعدهم من الشيوخ بالحديث بقولهم كتب لي فلان قال حدثنا فلان وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا الحديث وعدوه في المسند بغير خلاف يعرف في ذلك وهو موجود في الأسانيد كثيرا وتبعه ابن الصلاح فقال وكثيرا ما يوجد في مسانيدهم ومصنفاتهم قولهم كتب إلى فلان حدثنا فلان والمراد به هذا وذلك معمول به عندهم معدود في المسند الموصول وفيها إشعار قوي بمعنى الإجازة فهي وإن لم تقترن بالإجازة لفظا فقد تضمنتها معنى

والحاصل أن الإرسال إلى المكتوب إليه قرينة في أنه سلطة عليه فكأنه لفظ له به وإذا كان كذلك لم يحتج إلى التلفظ بالإذن ونحوه ما حكاه الرامهرمزي عن بعض أهل العلم قال الكتاب ذا متيقن من الراوي وسماع الأقران منه سواء لأن الغرض من القول باللسان فيما تقع العبارة فيه باللفظ إنما هو تعبير اللسان عن ضمير القلب فإذا وقعت العبارة عن الضمير بأي سبب كان من أسباب العبارة إما بكتاب وإما بإشارة وإما بغير ذلك مما يقوم مقامه كان ذلك كله سواء قد روي عن النبي ما يدل على أنه أقام الإشارة مقام القول في العبارة وذكر حديث الجارية وقوله لها أين ربك فأشارت إلى


140

وقال السيف الآمدي لا يرويه إلا بتسليط من الشيخ كقوله فاروه عني أو أجزت لك روايته وذهب أبو الحسن بن القطان إلى انقطاع الرواية بالكتابة المجردة و الإمام أبو الحسن الماوردي صاحب الحاوي الكبير به أي بالمنع قد قطعا ولكن هذا القول غلط كما قاله عياض أو حكاه والمعتمد الأول وهو صحته وتسويغ الراوية به واستدل له البخاري في صحيحه بنسخ عثمان رضي الله عنه المصاحف والاستدلال بذلك واضح لأهل المكاتبة لا خصوص المجردة عن الإجازة فإن عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف ومخالفة ما عداها والمستفاد من بعثة المصاحف إنما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيهما إلى عثمان لا أصل ثبوت القرآن

فإنه متواتر عندهم بل استدل بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال بعث رسول الله بكتابة رجلا وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه إلى عظيم البحرين إلى كسرى وبحديث أنس رضي الله عنه كتب النبي كتابا أو أرد أن يكتب ووجه دلالتهما على ظاهر بل ويمكن أن يستدل بأولهما للمناولة أيضا من حديث أنه ناول الكتاب لرسوله وأمره أن تخبر عظيم البحرين بأن هذا كتاب رسول الله وإن لم يكن سمع ما فيه ولا قرأه وقد صارت كتب النبي دينا يدان بها والعمل بها لازم للخلق

وكذلك ما كتب به أبو بكر وعمر وغيرهما من الخلفاء الراشدين فهو معمول به

ومن ذلك كتاب القاضي إلى القاضي يحكم به ويعمل به وفي الصحيحين اجتماعا وانفرادا أحاديث من هذا النوع من رواية التابعي عن الصحابي أو رواية غير التابعي عن التابعي ونحو ذلك فما اجتمعا عليه حديث وراد قال كتب معاوية إلى المغيرة رضي الله عنهما أن اكتب إلي ما سمعت من رسول الله فكتب إليه أن النبي كان يقول الحديث


141
وحديث عبد الله بن عون قال كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال فكتب إلي أن النبي أغار على بني المصطلق وهم غارون الحديث

وفيه حدثني هذا ابن عمر رضي الله عنهما وكان في ذلك الجيش وحديث موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله وكان كاتبا له قال كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه أن رسول الله قال واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف وحديث أبي عثمان النهدي قال أتانا كتاب عمر رضي الله عنه ونحن مع عقبة بن فرقد بأذربيجان نهى عن الحرير

ومما انفرد به البخاري حديث هشام الداستوائي قال كتب إلي يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رفعه إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني

ومما انفرد به مسلم حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص قال كتبت إلى جابر بن سمرة رضي الله عنهما مع غلامي نافع أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله قال فكتب إلي سمعت رسول الله يوم جمعة عشية رجم الأسلمي فذكر الحديث بل روى البخاري عن شيخه بالمكاتبة حيث قال في باب إذا حنث ناسيا في الأيمان والنذور كتب إلي محمد بن بشار وذكر حديثا للشعبي عن البراء ولم يقع له بهذه الصيغة عن أحد من مشايخه سواه وكأنه لم يسمع منه هذا الحديث بخصوصه فرواه عنه بالمكاتبة وإلا فقد أكثر عنه في صحيحه بالسماع وكذا روى بها أبو داود في سنة فقال كتب إلي حسين بن حريث أبو عمار المروزي فذكر حديثا

ويكتفي في الرواية بالكتابة أن يعرف المكتوب له بنفسه وكذا فيما يظهر بإخبار ثقة معتمد خط الكاتب الذي كاتبه وإن لم تقم البينة على المكاتب برؤيته وهو يكتب ذلك أو بالشهادة عليه أنه خطه أو بمعرفة أنه خطه


142
للتوسع في الرواية

وأبطله قوم فلم يجوزوا الاعتماد على الخط واشترطوا البينة بالرؤية أو الإقرار للاشتباه في الخطوط بحيث لا يتميز أحد الكاتبين عن الآخر ومنهم الغزالي فإنه قال في السمتصفى إنه لا يجوز أن يرويه عنه لأن روايته شهادة عليه بأنه قاله والخط لا يعرفه يعني جزما ولكن ردا هذا وقال ابن الصلاح إنه غير مرضي لندرة اللبس والظاهر أن خط الإنسان لا يشتبه بغيره ولا يقع فيه إلباس وكذا قال ابن أبي الدم ذهب بعض المحدثين وغيرهم إلى أنه لا يجوز الاعتماد على الخط من حيث أن الخط يتشابه أخذا من الحاكم في أنه لا يجوز له العمل بما يرد عليه من المكاتبات الحكمية من قاض آخر إذا عرف الخط على الصحيح وهذا وإن كان له اتجاه في الحكم فالأصح الذي عليه العمل يعني سلفا وخلفا منا جواز الاعتماد على الخط لأنه كان يبعث كتبه إلى عماله فيعملون بها واعتمادهم على معرفتها

قلت وإليه ذهب الأصطخري حيث اكتفى بكتاب القاضي المجرد عن الإشهاد إذا وثق القاضي المكتوب إليه بالخط والختم والصحيح ما تقدم وباب الراوية على التوسعة بل صرح في زوائد الروضة باعتماد خط المفتي إذا أخبره من يقبل خبره أنه خطه أو كان يعرف خطه ولم يشك في فروع منها لو وجد بخط أبيه الذي لا يشك فيه دينا على أحد ساغ له الحلف فيه وحينئذ فمحاكاة الخطوط فيها من المحذور مالا تخفى فيتعين اجتنابه وإن حاكى حافظ دمشق الشمس بن ناصر الدين خط الذهبي ثم حاكاه بعض تلامذته في طائفة

وحيث أدى المكاتب ما تحمله من ذلك فبأي صيغة يؤدي فالليث بن سعد مع منصور بن المعتمر استجازا إطلاق أخبرنا وحدثنا


143
جوازا لأنهما كما سلف قريبا قالا أليس إذا كتبت إليك فقد حدثتك وكذا قال لوين كتب إلي وحدثني واحد ولكن الجمهور من أهل الحديث قد منعوا الإطلاق وصححوا التقييد بالكتابة فيقول حدثنا أو أخبرنا كتابة أو مكاتبة وكذا كتب إلي إن كان بخطه ونحو ذلك وهو كما قال ابن الصلاح تبعا للخطيب الذي يليق مذاهب أهل التحري في الرواية والورع والنزاهة أي التباعد عن إبهام التلبيس

قال الحاكم الذي اختاره وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول فيما كتب إليه المحدث من مدينة ولم يشافهه بالإجازة كتب إلي فلان

وكذا قال الخطيب كان جماعة من أئمة السلف يفعلونه


144
القسم السادس من أقسام أخذ الحديث وتحمله إعلام الشيخ
( وهل لمن أعلمه الشيخ بما
يرويه أن يرويه فجزما )
( بمنعه الطوسي وذا المختار
وعدة كابن جريج صاروا )
( إلى الجواز وابن بكر نصره
وصاحب الشامل جزما ذكره )
( بل زاد بعضهم بأن لو منعه
لم يمتنع كما إذا قد سمعه )
( ورد كاسترعاء من يحمل
لكن إذا صح عليه العمل )

الطالب لفظا بشئ من مرويه من غير إذن له في روايته عنه وآخر مع كونه صريحا عن الكتابة التي هي الإعلام كناية فيها من التصريح بالإذن في أحد نوعيها وهل لمن أعلمه الشيخ بما يرويه حديثا فأكثر حسب ما اتفق له وقوعه سماعا أو إجازة أو غيرهما من أقسام التحمل مجردا عن التلفظ بالإجازة أن يرويه أم لا فجزما بمنعه أبو حامد الطوسي بضم المهملة من الشافعيين وأئمة الأصول حيث قطع به ولم يحك غيره فيما حكاه ابن الصلاح عنه

والظاهر كما قال المصنف إنه الغزالي وإن كان في أصحابنا ممن


145
وقفت عليه اثنان كل منهما أحمد بن محمد ويعرف بأبي حامد الطوسي لكونهما لم تذكر لهما تصانيف والغزالي وله بطوس وكان والده يبيع غزل الصوف في مكان بها وقل إنه نسب إلى غزالة بالتخفيف قرية من قراها ولكنه خلاف المشهور لا سيما والمسألة كذلك في المستصفى وعبارته أما إذا اقتصر على قوله هذا مسموعي من فلان فلا يجوز له الروايه عنه لأنه لم يأذن له فيها معنى بلفظه ولا بما يتنزل منزلته وهو تلفظ القاريء عليه وهو يسمع وإقراره به ولو بالسكوت حتى تكون قول الراوي عنه السامع ذلك حدثنا وأخبرنا صدقا وأنه لم يأذن له فيه

وإذا كان كذلك فلعله كما قال في المستقصى لا يجوز روايته عنه لخلل يعرفه فيه وإن سمعه يعني كما قررناه في ثاني نوعي المناولة عن القاضي أبي بكر الباقلاني ولم ينفرد بالمنع بل ذلك جماعة من المحدثين وأئمة الأصوليين كما قاله عياض وذا أي المنع هو المختار لابن الصلاح وغيره وقول السيف الآمدي في ثاني نوعي الكتابة أنه لا يروي إلا بتسليط من الشيخ كقوله فاروه عني أو أجزت لك روايته

وكذا ابن القطان والماوردي يقتضيه وعدة من أئمة كثيرين كابن جريج وعبيد الله بن عمر العمري وأصحابه المدنيين كالزهري وطوائف من المحدثين ومن الفقهاء كعبد الملك بن حبيب من المالكية ومن الأصوليين كصاحب المحصول واتباعه ومن أهل الظاهر صاروا إلى الجواز قال الواقدي قال ابن أبي الزناد شهدت ابن جريج جاء إلى هشام ابن عروة فقال الصحيفة التي أعطيتها فلانا هي حديثك قال نعم

قال الواقي فسمعت ابن جريج بعد يقول حدثنا هشام وحكاه عياض عن الكثير وأجيب بكون مذهب عبد الملك بن حبيب الجواز من غمزه بروايته عن أسد بن موسى مع قول أسد إنما طلب مني كتبي لينسخها فلا أدري ما


146
صنع أو نحو هذا بل في هذه الصورة زيادة على الإعلام المجردة وفي المناولة المجردة أيضا

ولا يخدش في ذلك كون أسد لا يجيز الإجازة وابن بكر هو الوليد الغمري في كتابه الوجازة اختاره ونصره بل وأبو نصر بن الصباغ صاحب الشامل جزما ذكره أي ذكره جزما به والحجة للجواز القياس على الشهادة فيما إذا سمع المقر يقر بشيء وإن لم يأذن له كما تقدم في المناولة المجردة وقال عياض إن اعترافه له به وتصحيحه أنه من روايته كتحديثه له بلفظه أو قراءته عليه وإن لم يجز له بل زاد بعضهم وهو الرامهرمزي أحد من اختاره فيما حكاه ابن الصلاح تبعا لعياض فصرح بأن أي بأنه لو منعه من روايته عند بعد إعلامه بأنه من مرويه صريحا بقوله لا تروه عني أو لا أجيزه لك لم تمنع بذلك عن روايته يعني فإن الإعلام طريق يصح التحمل به والاعتماد عليه في الرواية عنه فمنعه من ذلك بعد وقوعه غير معتبر ولذا قال عياض وما قاله صحيح لا يقتضي النظر سواه كما أنه لا يمتنع إذا منعه من التحديث بما قد سمعه لا لعلة وريبة في المروي لكونه هنا أيضا قد حدثه يعني إجمالا وهو شيء لا يرجع فيه كما سلف في ثامن الفروع التي قبيل الإجازة

ولكن قد رد أي القول بالجواز كما في مسألة استرعاء الشاهد من يحمله الشهادة حيث ما يكيفي إعلامه بعد بذلك أو سماعه منه في غير مجلس الحكم بل لا بد أن يأذن له أن يشهد على شهادته جواز أن يمتنع من إقامتها لتشكك أو ارتياب بدخله عند أدائها أو الاستئذان في نقلها عنه فكذلك هنا أشار إليه عياض قال ابن الصلاح وهذا مما تساوت فيه الرواية والشهادة لأن المعنى يجمع بينهما فيه وإن افترقنا في غيره انتهى

وما خدش به عياض في الاستواء من كونه إذا سمعه يؤديها عند الحاكم


147
تسوغ له الشهادة عليه بدون إذن على المعتمد وكذا لو سمعه يشهد شخصا أو سمعه يبين السبب كما ألحقهما غيره بها قد يجاب عنه بأن ذلك كله زال ما كنا نتوهمه من احتمال أن يكون في نفسه ما يمنعه من إقامتها كما أنه يسوغ لمن قرأ أو سمع رواية ذلك بغير إذا اتفاقا بل ويمكن التخلص بهذا أيضا من منع بعض المتأخرين صحة القياس على الشهادة في غير مجلس الحكم وقال إنما يصح إذا كان يجلس للحكم وقرر المنع بأن الرواية لا يتوقف على مجلس الحكم لأنها شرع عام والإثبات بأن المؤثر هو الشهادة في مجلس الحكم كما أن قول الراوي أرويه عن فلان مؤثر في إيجاب العمل مع الثقة وذاك يقتضي جواز الرواية بغير إذن قال وعلى تقدير صحة القياس في الصورة الأولى فالشهادة على الشهادة نيابة فاعتبر فيها الإذن ولهذا لو قال له بعد التحمل لا تؤد عني امتنع عليه الأداء بخلاف الرواية

وحينئذ فما قاله ابن الصلاح من استوائهما في هذه المسألة صحيح وهذا ليس على إطلاقه بل منعه لريبة وعلة مؤثرة وترجح توجيه المنع بدون إذن في الرواية وهو الذي مشى عليه شيخنا لكن إذا صح عند أحد من المتقدمين كما عليه ابن الصلاح أو المتأخرين على المختار ما حصل الإعلام به من الحديث بحيث حصل الوثوق به يجب عليه العمل بمضمونه إن كان أهلا وإن لم تجز له روايته لأن العمل يكفي فيه صحته في نفسه ولا يتوقف على أن يكون له به رواية كما سلف في نقل الحديث من الكتب المعتمدة

وحكى عياض عن محققي الأصوليين أنهم لا يختلفون فيه مع ذهاب بعضهم إلى منع الرواية به كما تقدم وإن كان مقتضى منع أهل الظاهر ومن تابعهم من العمل بالمروي بالإجازة كالمرسل منعه هنا من باب أولى

ولذا قال البلقيني هذا كلام ابن حزم السابق يعني في الإجازة تقتضي منع هذا أيضا


148
القسم السابع من أقسام أخذ الحديث وتحمله الوصية بالكتاب
( وبعضهم أجاز للموصى له
بالجزء من راو قضى أجله )
( يرويه أن لسفر أراده
ورد ما لم يرد الوجاده )

الوصية من الراوي عند موته أو سفره للطالب بالكتاب أو نحوه من مرويه

وبعضهم كمحمد بن سيرين أجاز للموصى له المعين واحد فأكثر بالجزء من أصوله أو ما يقوم مقامهما بكتبه كلها من راو له رواية بالموصى به من غير أن يعلمه صريحا بأن هذا من مرويه سواء كانت الوصية بذلك حين قضى أجله بالموت كما فعل أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري أحد الأعلام من التابعين حيث أوصى عند موته وهو بالشام إذ هرب إليها لما أريد للقضاء بكتبه إلى تلميذه أيوب السختياني إن كان حيا وإلا فلتحرق ونفذت وصيته وجيء بالكتب الموصى بها من الشام لأيوب الموصى له وهو بالبصرة وأعطى في كرائها بضعة عشر درهما ثم سأل ابن سيرين أيجوز له التحديث بذلك فأجاز له يرويه أي أن يرويه

رواه الخطيب في الكفاية أو حين توجهه لسفر أراده فإنه يجوز


149
السماء ولذا قال به أي بتصحيح هذا النوع والرواية به خلق من المتقدمين والمتأخرين منهم أيوب السختياني مع منصور بن المعتمر والليث ابن سعد

أما الليث فقد حدث عن بكير بن عبد الله بن الأشج وخالد بن يزيد وعبد الله ابن العمري وعبيد الله بن أبي جعفر وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد بالمكاتبة بل وصرح فيها بالتحديث بل قال أبو صالح كاتبه إنه كان يجيز كتب العلم لمن يسأله ويراه جائزا واسعا

وأما الآخران فقال شعبة كتب إلي منصور بحديث ثم لقيته فقلت أحدث به عنك قال أو ليس إذا كتبت إليك فقد حدثتك ثم لقيت أيوب فسألته فقال مثل ذلك وعمل به زكريا بن أبي زائدة فقال عبيد الله بن معاذ إنه كتب وهو قاضي الكوفة إلى أبيه وهو قاضي البصرة من زكريا إلى معاذ سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأسأله أن يصلي على محمد عبده أما بعد أصلحنا الله وإياك بما أصلح به الصالحين فإنه هو أصلحهم حدثنا العباس بن ذريح عن الشعبي قال كتبت عائشة إلى معاوية رضي الله عنهما أما بعد فإنه من يعلم بمعاصي الله يعد حامده من الناس له أما والسلام وصححه أيضا غير واحد من الشافعيين منه الشيخ أبو حامد الإسفرائيني والمحاملي وصاحب المحصول و أبو المظفر السمعاني بحذف ياء النسبة منهم

قد أجازه أي الكتاب المجرد بل وعده أقوى من الإجازة المجردة وإلى ذلك أعني تفصيل الكتابة المجردة على الإجازة المجردة صار جماعة من الأصوليين أيضا منهم إمام الحرمين وكأنه لما فيها من التشخيص والمشاهدة للمروي من أول وهلة وإن توقف بعض المتأخرين في ذاك لاستلزامه تقديم الكتابة على الصريح وبعضهم أي العلماء صحة ذاك أي المذكور من الكتابة المجردة منعا كالمناولة المجردة حينما تقدم فيها


149
أيضا إلحاقا بالوصية بعد الموت بل عزى شيخنا الجواز في ذلك كله لقوم من الأئمة المتقدمين

وقال ابن أبي الدم إن الرواية بالوصية مذهب الأكثرين وسبقهما القاضي عياض فقال هذا طريق قد روى فيه عن السلف المتقدم إجازة الرواية به ثم عللها بأن في دفعها له نوعا من الإذن وشبها من العرض والمناولة قال وهو قريب من الضرب الذى قبله ولكن رد القول بالجواز حسبما جنح إليه الخطيب بل نقله عن كافة العلماء وذلك أنه قال ولا فرق بين الوصية بها وابتياعها بعد موته في عدم جواز الرواية إلا على سبيل الوجادة

قال وعلى ذلك أدركنا كافة أهل العلم إلا أن تكون تقدمت من الراوي إجازة للذي سارت إليه الكتب برواية ما صح عنده من سماعاته فإنه يجوز أن يقول حينئذ فيما يرويه منها أخبرنا وحدثنا على مذهب من أجاز أن يقال ذلك في أحاديث الإجازة وتبعه ابن الصلاح حيث قال إن القول بالجواز بعيد جدا وهو زلة عالم ما لم يرد القائل به الوجادة الآتية بعد أي الرواية بها

قال ولا يصح تشبهه بواحد من قسمي الإعلام والمناولة فإن لمجوز بهما مستندا ذكرناه لا تتقرر مثله ولا قريب منه ههنا قال شيخنا وفيه نظر لأن الرواية بالوصية نقلت عن بعض الأئمة والرواية بالوجادة لم يجوزها أحد من الأئمة إلا ما نقل عن البخاري في حكاية قال فيها وعن كتاب إليه يتيقن أنه بخط أبيه دون غيره فالقول بحمل الرواية بالوصية على الوجادة غلط ظاهر وسبقه ابن أبي الدم فقال الرواية بالوجادة لم تختلف في بطلانها بخلاف الوصية فهي على هذا أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف

فالقول بأن قوله من أجاز الرواية بالوصية مؤول على إرادة الرواية بالوجادة مع كونه لا تقول بصحة الرواية بالوجادة غلط ظاهر وفيه نظر فقد


150
عمل بالوجادة جماعة من المتقدمين كما سيأتي قريبا وعلى كل حال فالبطلان هو الحق المتعين لأن الوصية ليست بتحديث لا إجمالا ولا تفصيلا ولا يتضمن الإعلام لا صريحا ولا كناية على أن ابن سيرين المفتي بالجواز كما تقدم توقف فيه بعد وقال للسائل نفسه لا آمرك ولا أنهاك بل قال الخطيب عقب حكايته يقال إن أيوب كان قد سمع تلك الكتب غير أنه لم يكن يحفظها فلذلك استفتى ابن سيرين في التحديث منها ويدل لذلك ان ابن سيرين ورد عنه كراهة الرواية من الصحف التي ليست مسموعة فقال ابن عون قلت له ما تقول في رجل يجد الكتاب أيقرؤه أو ينظر فيه قال لا حتى يسمعه من ثقة فإن هذا يقتضي المنع من الرواية بالإجازة فضلا عن الوصية ونحوه قول عاصم الأحول أردت أن أضع عنده كتابا من كتب العلم فأبى أن يقبل وقال لا يلبث عندي كتاب


151
القسم الثامن من أقسام أخذ الحديث ونقله الوجادة
( ثم الوجادة وتلك مصدر
وجدته مولدا ليظهر )
( تغاير المعنى وذاك أن تجد
بخط من عاصرت أو قبل عهد )
( ما لم يحدثك به ولم يجز
فقل بخطه وجدت واحترز )
( إن لم تثق بالخط قل وجدت
عنه أو اذكر قيل أو ظننت )
( وكله منقطع والأول
قد شيب وصلا ما وقد تسهلوا )
( فيه بعن قال وهذا دلسه
تقبح إن أوهم أن نفسه )
( حدثه به وبعض أدى
حدثنا أخبرنا وردا )
( وقيل في العمل أن المعظما
لم يره وبالوجوب جزما )
( بعض المحققين وهو الأصوب
ولابن إدريس الجواز نسبوا )
( وإن يكن بغير خطه فقل
قال ونحوها وإن لم يحصل )
( بالنسخة الوثوق قل بلغني
والجزم يرجى حله للفطنى )

ثم يلي ما تقد الوجادة بكسر الواو وتلك أي لفظ الوجادة مصدر وجدته مولدا أي غير مسموع من العرب بمعنى أن أهل الاصطلاح


152
كما أشار إليه المعافى بن زكرياء النهرواني ولدوا قولهم وجادة فيما أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة انتفاء للعرب في التفريق بين مصادر وجد للتمييز بين المعاني المختلفة ليظهر تغاير المعنى وذاك أي قسم الوجادة اصطلاحا نوعا حديث وغيره

فالأول أن تجد بخط بعض من عاصرت سواء لقيته أم لا أو بخط بعض من قبل ممن لم تعاصره ممن عهد وجوده فيما مضى في تصنيف له أو لغيره وهو يرويه من الحديث المرفوع وكذا الموقوف وما أشبهه ما لم يحدثك به ولم يجز لك روايته فقل حسبما استمر عليه العمل قديما وحديثا كما صرح به النووي فيما تورده من ذلك ما معناه بخطه أي بخط فلان وجدت كذا وجدت بخط فلان ونحو ذلك كقرأت بخط فلان أو في كتاب فلان بخطه قال إنما فلان بن فلان وتذكر شيخه وتسوق سائر الإسناد والمتن أو ما وجدته بخطه ونحو ذلك ولا تجزم بذلك إلا أن وثقت على الوجه المشروح في المكاتبة بأنه خطه واحترز عن الجزم إن لم تثق ب ذاك الخط بل قل وجدت عنه أي عن فلان أو بلغني عنه أو اذكر وجدت بخط قيل إنه خط فلان أو قال لي فلان إنه خط فلان أو ظننت أنه خط فلان أو ذكر كاتبه أنه فلان بن فلان ونحو ذلك من العبارات المفصحة بالمستند في كونه خطه فإن كان بغير خطه فالتعبير عنه يختلف بالنظر للوثوق به وعدمه كما سيأتي في النوع الثاني قريبا

ثم إن ما تقدم من التقييد بمن لم يجز هو الذي اقتصر عليه عياض وتبعه ابن الصلاح لأنه إنما أراد التكلم على الوجادة الخالية عن الإجازة أهي مستند صحيح في الرواية أو العمل وإلا فقد استعملها غير واحد من المحدثين مع الإجازة فيقال وجدت بخط فلان وأجازه لي وربما لا يصرح بالإجازة كقوله عبد الله ابن أحمد وجدت بخط أبي حدثنا فلان وذلك الاستعمال واضح كما قاله المصنف لشمول اللفظ له وكله أي المروي بالوجادة المجردة


153
سواء وثقت بكونه خط أم لا منقطع أو معلق فقد قال الرشيد العطار في القدر المجموعة له الوجادة داخلة في باب المقطوع عند علماء الرواية بل قد يقال إن عدة من التعليق أولى من المنقطع ومن المرسل يعني وبالنظر لثالث الأقوال في تعريفه وإن أجاز جماعة من المتقدمين الرواية عن الوجادة في الكتب مما ليس بسماع لهم ولا إجازة كما ذكره الخطيب في الكفاية وعقد لذلك بابا وساق فيه عن ابن عمر أنه وجد في قائم سيف أبيه عمر رضي الله عنه صحيفة فيها كذا

وعن بن سعيد القطان قال رأيت في كتاب عندي عتيق لسفيان الثوري حدثني عبد الله بن ذكوان أبو الزناد وذكر حديثا

وعن يزيد بن أبي حبيب قال أودعني فلا كتابا أو كلمة تشبه هذه فوجدت فيه عن الأعرج قال وكان يحدثنا بأشياء مما في الكتاب ولا يقول أخبرنا ولاحدثنا في آخرين فالظاهر أن ذاك عمن سمعوا منه في الجملة وعرفوا حديثه مع إيرادهم له بوجدت أو رأيت ونحوهما مع أنه قد كره الرواية عن الصحف غير المسموعة غير واحد من السلف كما حكاه الخطيب أيضا وساق عن أبي عبد الرحمن السلمي قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا وجد أحدكم كتابا فيه علم لم يسمعه من عالم فليدع بإناء ماء فلينقعه فيه حتى تختلط سواده مع بياضه

وعن وكيع قال لا ينظر في كتاب لم يسمعه لا يأمن أن يعلق بقلبه منه

ونحوه عن ابن سيرين كما في القسم الذي قبله بل قال عياض أنهم اتفقوا يعني بعد الصدر الأول وعليه يحمل كلام النووي الماضي على منع النقل والرواية بالوجادة المجردة ولذا صرح ابن كثير بأنه ليس من باب الرواية وإنما هو حكاية عما وجده ف الكتاب ولكن الأول وهو ما إذا وثق بأنه خطه قد شيب وصلا أي بوصل ما حيث قبل فيه وجدت بخط فلان


154
لما فيه من الارتباط في الجملة وزيادة قوه للخبر فإنه إذا وجد حديثا في مسند الإمام أحمد مثلا وهو بخطه فقول القائل وجدت بخط أحمد كذا أقوى من قوله قال أحمد لأن القول ربما تقبل الزيادة والنقص والتغيير ولا سيما عند من يجيز النقل بالمعنى بخلاف الخط

وقد تسهلوا أي جماعة من المحدثين كبهز بن حكيم والحسن البصري والحكم بن مقسم وأبي سفيان وطلحة بن نافع وعمرو بن شعيب ومخرمة بن بكير ووائل بن داود فيه أي في إيراد ما يجدونه بخط الشيخ فأتوا ( ب ) لفظ عن فلان أو نحوها مثل قال مكان وجدت إذا كثر رواية بهذا عن أبيه عن جده فيما قيل من صحيفة وكذا قاله شعبة في رواية أبي سفيان عن جابر وصالح جزرة وغيره في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وابن المديني في رواية وائل عن ولده بكر

وصرح بن الحسن البصري لما قيل له يا أبا سعيد عمن هذه الأحاديث التي تحدثنا فقال صحيفة وجدناها والجمهور في رواية مخرمة بن بكير عن أبيه وكذا قيل أن الحكم بن مقسم لم يسمع من ابن عباس سوى أربعة أحاديث والباقي كتاب

قال ابن الصلاح وهذا دلسه بفتح إن أوهم الواجد بأن كان معاصرا له أن نفسه أي الشخص الذي وجد المروي بخطه حدثه به أوله منه إجازة بخلاف ما إذا لم يوهم بأن لم يكن معاصرا له وبعض جازف ف أدى ما وجده كذلك بصيغة حدثنا وأخبرنا قال ابن المديني حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا صاحب لنا من أهل الري ثقة يقال له أشربين

قال قدم علينا محمد بن إسحاق فكان يحدثنا عن إسحاق بن راشد فقدم علينا إسحاق فجعل يقول حدثنا الزهري قال فقلت له أين لقيته قال لم ألقه مررت ببيت المقدس فوجدت كتابا له وحكاه القاضي


155
عياض أيضا ولكن روى عن إسحاق بن راشد أيضا أنه قال بعث محمد بن علي بن زيد بن علي الزهري فقال يقول لك أبو جعفر استوص بإسحاق خيرا فإنه منا أهل البيت

قال شيخنا وهذا يدل على أنه لقي الزهري وحينئذ فإن كان هو الذي عناه ابن الصلاح بالبعض فقد ظهر الخدش فيه لعله عنى غيره ومقتضى جزم غير واحد يكون شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص لم يسمع من جده إنما وجد كتابه فحدث منه مع تصريحه عنه في أحاديث قليلة بالسماع والتحديث إدراجه في البعض وعلى كل حال فقد ردا ذلك على فاعله

وقال عياض إني لا أعلم من يقتدي به أجاز النقل فيه بذلك ولا من عده معد المسند انتهى

ولعل فاعله كانت له من صاحب الخط إجازة وهو ممن يرى إطلاقهما في الإجازة كما ذكره عياض

ثم ابن الصلاح في القسم قبله ويستأنس له بقول أبي القاسم البلخي إن المجوزين في هذا القسم أن يقول أخبرنا فلان عن فلان احتجوا بأنه إذا وجد سماعه بخط موثوق به جاز له أن يقول حدثنا فلان يعني كما سيجيء في محله وإن لم يكن كذلك فهو أقبح تدليس قادح في الرواية ولكونه غير متصل قبل في العمل بما تضمنه إن المعظما من المحدثين والفقهاء من المالكية وغيرهم كما قاله عياض لم يره قياسا على المرسل والمنقطع ونحوهما بما لم يتصل وكان من يحتج بالمرسل ممن ذهب إلى هذا يفرق بأنه هناك في القرون الفاضلة

وأما من يرى منهم الشهادة على الخط فقد يفرق بعدم استلزامها الاتصال ولكن بالوجوب في العمل حيث ساغ جزما بعض المحققين من أصحاب الشافعي في أصول الفقه عند حصول الثقة به وقال إنه لو عرض


156
على جملة المحدثين لأبوه فإن معظمهم كما تقدم لا يرونه حجة والقطع بالوجوب هو الأصوب الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة يعني التي قصرت الهمم فيها جدا وحصل التوسع فيها فإنه توقف العمل فيها على الرواية لا نسد باب العمل بالمنقول لتعذر شرط الروية في هذا الزمان فلم يبق إلا مجرد وجادات وقال النووي إنه الصحيح

قلت وقول أبي عمران الجوني كنا نسمع بالصحيفة فيها علم فننتابها كما ينتاب الرجل الفقيه حتى قدم علينا ههنا آل الزبير ومعهم قوم فقهاء مشعر بعملهم بما فيها كالعمل بقول الفقيه ول لامام الأعظم ابن إدريس الشافعي الجواز نسبوا إلى جماعة من الفقهاء وغيرهم وقال به طائفة من نظار أصحابه قال ابن الصلاح تبعا لعياض وهو الذى نصره الجوني واختاره غيره من أرباب التحقيق فاجتمع في العمل ثلاثة أقوال المنع الوجوب الجواز وقد استدل العماد بن كثير للعمل بقوله في الحديث الصحيح أي الخلق أعجب إليكم إيمانا قالوا الملائكة قال وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم وذكروا الأنبياء قال وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم قالوا فنحن قال وكيف لا يؤمنون وأنا بين أظهركم قالوا فمن يا رسول الله قال قوم يأتون بعدكم تجدون صحفا يؤمنون بها حيث قال فيؤخذ منه مدج من عمل بالكتب المتقدمة بمجرد الوجادة وقال البلقيني وهو استنباط حسن

قلت وفي الإطلاق نظر فالوجود بمجرد لا يسوغ العمل وأما إن يكن ما وجد من مصنف لبعض العلماء ممن عاصرته أولا كما بين أولا وهو النوع الثاني فإن كان بخط مصنفه ووثقت بأنه خطه فقل أيضا وجدت بخط فلان ونحوه كما في النوع الأول وأحك كلامه أو بغير خطه ولكن وثقت بصحته النسخة بأن قائلها المصنف أوثقه غيره بالأصل أو بفرع مقابل كما قرر


157
في محله فقل قال فلان كذا ونحوها من ألفاظ الجزم كذكر فلان وإن لم يحصل بالنسخة الوثوق فقل بلغني عن فلان أنه ذكر كذا أو جدت في نسخة من الكتاب الفلاني وما أشبههما من العبارات التي لا تقتضي الجزم ولكن الجزم في المحكي لما يكون من هذا القبيل يرجى حله للفطن العالم الذي لا يخفى عليه في الغالب مواضع الإسقاط والسقط وما أحيل عن جهته أي بضرب من التأويل من غيرها

قال ابن الصلاح وإلى هذا فيما أحسب استروح كثير من المصنفين فيما نقلوه من كتب الناس مع تسامح كثيرين في هذه الأزمان بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير تحر ولا تثبت فيطالع أحدهم كتابا منسوبا إلى مصنف معين وينقل عنه من غير أن يثق بصحة النسخة قائلا قال فلان كذا ونحو ذلك والصواب ما تقدم

قلت ويلتحق بذلك ما يوجد بحواشي الكتب من الفوائد والتقييدات ونحو ذلك فإن كانت بخط معروف لا بأس بنقلها وعزوها إلى من هي له وإلا فلا يجوز اعتمادها إلا لعالم متيقن وربما تكون تلك الحواشي بخط شخص وليست له أو بعضها له وبعضها لغيره فيشتبه ذلك على ناقلة بحيث يعزو الكل لواحد


158
كتابة الحديث وضبطه
( واختلف الصحاب والأتباع
في كتبه الحديث واللإجماع )
( على الجواز بعدهم بالجزم
لقوله اكتبوا وكتب السهمي )
( وينبغي إعجام ما يستعجم
وشكل ما يشكل لا ما يفهم )
( وقيل كله لذى ابتداء
وأكدوا ملتبس الأسماء )
( وليك في الأصل وفي الهامش مع
تقطيعه الحروف فهو انفع )
( ويكره الخط الدقيق إلا
لضيق رق أو لرحال فلا )
( وشره التعليق والمشق كما
شر القراءة إذا ما هذرما )
( وينقط المهمل لا الحا أسفلا
أو كتب ذاك الحرف تحت مثلا )
( أو فوقه قلامة أقوال
والبعض نقط السين صفا قالوا )
( وبعضهم يخط فوق المهمل
وبعضهم كالهمز تحت يجعل )
( وإن أتى برمز راو ميزا
مراده واختيرا ألا يرمزا )
( وتنبغي الدارة فصلا وارتضى
إغفالها الخطب حتى يعرضا )
( وكرهوا فصل مصاف اسم الله
منه بسطر إن يناف ما تلاه )
( واكتب ثناء الله والتسليما
مع الصلاة للنبي تعظيما )
( وإن يكن أسقط في الأصل وقد
خولف في سقط الصلاة أحمد )


159
( وعله قيد بالرواية
مع نطقه كما رووا حكاية )
( والعنبري وابن المديني بيضا
لها لإعجال وعادا عوضا )
( وأجتنب الرمز لها والحذفا
منها صلاة أو سلاما تكفى )

وضبطه بالشكل ونحوه وما لحق بذلك من الخط الدقيق الرمز والدارة مما سنبين أنها من تمام الضبط ومن آداب الكتابة ونحوها مما كان الأنسب تقديمه على الضبط المسألة الأولى واختلف الصحاب أي الصحابة رضي الله عنهم بكسر المهملة وفتحها جمع صاحب كجياع وجائع ويقال إن الكسر في صحاب والفتح في صحابة أكثر وكذا الأتباع للصحابة في كتبه بكسر الكاف أي كتابة الحديث والعلم عملا وتركا فكرهها للتحريم كما صرح به جماعة منهم ابن النفيس غير واحد فمن الصحابة ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري ومن التابعين الشعبي والنخعي بل أمروا بحفظه عنهم كما أخذوه حفظا متمسكين بما ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن مت كتب عني سوى القرآن فليمحه

وفي رواية أنه استأذن النبي في كتب الحديث فلم يأذن له

وأجازها بالقول أو بالفعل غير واحد من الفريقين فمن الصحابة عمر وعلي وابنه الحسن وعبد الله بن عمرو بن العاص وأنس وجابر وابن عباس وكذا ابن عمر أيضا

ومن التابعين قتادة وعمر بن عبد العزيز بل حكاه عياض عن أكثر الفريقين وقال غير واحد منهما كما صح فيدوا العلم بالكتاب بل روى رفعه ولا يصح


160

وقال أنس كتب العلم فريضة ولكن الاجماع منعقد من المسلمين كما حكاه عياض في المائة الثانية كما زاده الذهبي على الجواز بعدهم أي بعد الصحابة والتابعين بالجزم في حكايته بدون تردد بحيث زال ذلك الخلاف كما أجمع المتقدمون والمتأخرون على جوازها في القرآن لأدلة منتشرة يدل مجموعها على فضل تدوين العلم وتقييده ك قوله وهو أصحها اكتبوا لأبي شاه يعني بهاء منونة في الوقف والدرج على المعتمد أي الخطبة التي سمعها يوم فتح مكة من رسول الله لكن قال البلقيني إنه يجوز أن يدعي فيه أنها واقعة عين وفيه نظر وكقوله مما لم يذكره ابن الصلاح في مرض موته إيتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ولكتب عبد الله بن عمر بن العاص السهمي نسبة لسهم بن عمرو بن هصيص كما ثبت من قول أبي هريرة ما من أصحاب رسول الله أحدا كثر حديثا مني إلا ما كان من عبد الله ابن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب

وكان قد أذن له في ذلك كما رواه أبو داود في رواية أنه قال يا رسول الله أكتب ما أسمعه منك في الغضب والرضا قال نعم فإني لا أقول إلا حقا وكان رضي الله عنه يسمى صحيفته تلك الصادقة كما رواه ابن سعد وغيره أختر أنها عن صحيفة كانت عنده من كتب أهل الكتاب بل روى كما في الترمذي مما ضعفه عن أبي هريرة أن رجلا شكى إلى النبي عدم الحفظ فقال له استعن بيمينك وروى عن أنس أنه قال هذه أحاديث سمعتها من رسول الله وكتبها وعرضتها وعن أبي هريرة نحوه وأسانيدها ضعيفة

ولقول علي الثابت في الصحيح ما كتبنا عن النبي إلا القرآن وما في هذه الصحيفة ولقول قتادة إذا سأله بعض أصحابه أكتب ما أسمع قال وما يمنعك من ذلك وقد أنبأك اللطيف الخبير بأنه قد كتب وقرأ في


161
كتاب لا يضل ربي ولا ينسى

وكذا قال أبو المليح الهذلي البصري يعيبون علينا أن نكتب العلم ترونه وقد قال تعالى (

علمها عند ربي في كتاب ) ولقوله تعالى مما استدل به ابن فارس في مأخذ العلم فاكتبوه حيث قال فجعل كتابة الدين وأجله ويكتبه من القسط عنده وجعل ذلك قيما للشهادة ونفيا للارتياب لقوله (

ذلك أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا )

قلت ونحوه قوله تعالى (

ولا تساموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ) قال ابن فارس وأعلى ما يحتج به قوله تعالى (

ن والقلم وما يسطرون ) فقد فسرهما الحسن بالدواة والقسم ثم روى حديث ابن عباس أول ما خلق الله القلم وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة قال بعضهم في قوله أي الذى استدل به للوجادة يجيء قوم بعدكم يجدون صحفا يؤمنون بما فيها علم من أعلام النبوة من إخباره عما سيقع وهو تدوين القرآن وكتبه في صحفه يعني وكتابة الحديث ولم يكن ذلك في زمنه إلى غير ذلك من الأدلة التي اقترن معها قصر الهمم ونقص الحفظ بالنسبة للزمن الأول لكون العرب كانوا مطبوعين على الحفظ مخصوصين به بحيث قال الزهري إني لأمر بالنقيع فأسد أذني مخافة أن يدخل فيها شيء من الخنا

فوالله ما دخل أذني شيء قط فنسيته وكذا قال الشعبي نحوه وحفظ ابن عباس رضي الله عنهما قصيدة عمر بن أبي ربيعة أمن آل نعم أنت غاد


162
فمبكرة في سمعة واحدة فيما قل بل بلغنا عن البلقيني أنه حفظ قصيدة من مرة وليس أحد اليوم على هذا فخشي من عدم تقييده أتدارسه وضياعه فدون

ولذا قال ابن الصلاح ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الأخيرة يعني كما قال عمر بن عبد العزيز في كتابه إلى أهل المدينة انظروا ما كان من حديث رسول الله فاكتبوه فإني خشيت دروس العلم وذهاب العلماء

وقال عياض والحال اليوم داعية إلى الكتابة لانتشار الطرق وطول الأسانيد وقلة الحفظ وكلال الأفهام

وقال الخطيب قد صار علم الكاتب في هذا الزمان أثبت من علم الحافظ

وعن الشافعي قال إن هذا العلم يند كما تند الإبل ولكن الكتب له حماة والأقلام عليه رعاة

وعن أحمد وإسحاق لولا الكتابة أي شيء كنا بل قال أحمد وابن معين كل من لا يكتب لا يؤمن عليه الغلط

وعن ابن المبارك قال لولا الكتاب ما حفظنا لا سيما وقد ذكروا في الجمع بين الأدلة في الطرفين طرقا أحدها أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره والإذن في غير ذلك ولذا خص بعضهم النهي بحياته ونحوه قول ابن عبد البر النهي لئلا يتخذ مع القرآن كتاب يضاهي به يعني فحيث أمن المحذور بكثرة حفاظه والمعتنين به وقوة ملكه من شاء الله منهم لتميزه عن غيره لم تمنع أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد لأنهم كانوا يسمعون تأويله فربما كتبوه معه


163

قال شيخنا ولعل من ذلك ما قرئ شاذا في قوله ما لبسوا حولا في العذاب المهين والإذن في تفريقهما أو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس كما جنح إليه ابن شاهين فإن الإذن لأبي شاه كان في فتح مكة واستظهر لذلك بما روي أن أهل مكة كانوا يكتبون

قال شيخنا وهو أقربها مع أنه لا ينافيها وقيل النهي لمن تمكن من الحفظ والإذن لغيره وقصة أبي شاه حيث كان الإذن له لما سأل فيها مشعرة بذلك وقيل النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتاب دون الحفظ والإذن لمن أمن منه ذلك ولذا روي عن ابن سيرين إن كان لا يرى بالكتابة بأسا فإذا حفظ محاه ونحوه عن عاصم بن ضمرة وهشام بن حسان وغيرهما

وعن مالك قال لم يكن القوم يكتبون إنما كانوا يحفظون فمن كتب منهم الشيء فإنما كان ليحفظه فإذا حفظه محاه وقد روى البيهقي ومن طريقه ابن الصلاح عن الأوزاعي قال كان هذا العلم كريما تتلاقاه الرجال بينهم فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله إلى غير ذلك كالقول في حديث أبي سعيد في النهي أن الصواب وقفه كما ذهب إليه البخاري وغيره

وبالجملة فالذي استقر الأمر عليه الإجماع على الاستحباب بل قال شيخنا إنه لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم ونحوه قول الذهبي إنه تعين في المائة الثالثة وهلم جرا وتحتم

قال غيرهما ولا ينبغي الاقتصار عليها حتى لا يصير له تصور ولا يحفظ شيئا فقد قال الخليل

( ليس بعلم ما حوى القمطر
ما العلم إلا ما حواه الصدر )


164

وقال آخر

( استودع العلم قرطاسا فضيعه
وبئس مستودع العلم القراطيس

ولذا قال ثعلب إذا أردت أن تكون عالما فاكسر القلم

وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة الثانية بأمر عمر بن عبد العزيز وبعث به إلى كل أرض له عليها سلطان ثم كثر الله التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير وحينئذ فقد قال السبكي ينبغي للمرء أن يتخذ كتابة العلم عبارة سواء توقع أن تترتب عليها فائدة أم لا

قال بعض العلماء وإنما لم يجد الخلاف بين المتقدمين فيه أيضا في القرآن لأن الدواعي تتوفر على حفظه وإن كان مكتوبا وذلك للذاذة نظمه وإيجازه وحسن تأليفه وإعجازه وكمال بلاغاته وحسن تناسب فواصله وغاياته وزيادة التبرك به وطلب تحصيل الأجور العظيمة بسببه

المسألة الثانية

وينبغي استحبابا متأكدا بل عبارة ابن خلاد وعياض تقتضي الوجوب وبه صرح الماوردي لكن في حق من حفظ العلم بالخط لطالب العلم لا سيما الحديث ومتعلقاته صرف الهمة لضبط ما يحصله بخطه أو بخط غيره من مرويه وغيره من كتب العلوم النافعة ضبطا يؤمن معه الالتباس وأهمه إعجام أي لفظ ما يستعجم بإغفال لفظه بحيث تصير فيه عجمة بل يميز الخاء المعجمة من الحاء المهملة والذال المعجمة من الدال المهملة كحديث عليكم بمثل حصى الخذف فيعجم كلا من الخاء والذال بالنقط وكالنقيع والبقيع فيميز ما يكون بالنون مما هو بالموحدة وكذا في الأسماء تبين خبابا من جناب وحباب وأبا الجوزاء من أبي الحوراء وما أشبه


165
ذلك وإن لم يتقيد بذلك الكثير من المتقدمين إتكالا على حفظهم كإيرادهم الموضوعات بدون تصريح بيانها فقد قال الثوري فيما نقله عنه الماوردي في أدب الدنيا والدين له الخطوط المعجمة كالبرود المعلمة

وقال بعض الأدباء

رب علم لم تعجم فصوله استعجم محصوله

وقال الأوزاعي عن ثابت بن معبد نور الكتاب العجم وكذا يروي من قول الأوزاعي وقال غيره إعجام المكتوب يمنع من استعجامه بل أورد خطيب في جامعه من طريق قيس بن عباد عن محمد بن عبيد بن أوس الغساني كاتب معاوية عن أبيه أنه قال كتب بين يدي معاوية رضي الله عنه كتابا فقال لي يا عبيد ارقش كتابك فإني كتبت بين يدي رسول الله فقال لي يا معاوية أرقش كتابك قلت وما رقشه يا أمير المؤمنين قال إعطاء كل حرف ما ينوبه من النقط

وكذا ينبغي شكل الكتاب فذلك يمنع من إشكاله لكن مقتصرا على ما يشكل إعرابه من المتون والأسماء لا ما يفهم وبدون شكل ولا نقط فإنه تشاغل بما غيره أولى منه وفيه عناء بل قد لا يكون فيه فائدة أصلا

وعن أحمد بن حنبل قال كان يحيى بن سعيد يشكل الحرف إذا كان شديدا وغير ذلك لا وكان عفان وبهز وحبان بن هلال أصحاب الشكل والتقييد وحكى علي بن إبراهيم البغدادي في كتابه سمات الخط ورقومه أن أهل العلم يكرهون الإعجام والإعراب إلا في الملبس وربما يحصل للكتاب إظلام

وقيل بل ينبغي الشكل والإعجام للمكتوب كله أشكل أم لا وصوبه عياض ل أجل ذي ابتداء في الصنعة والعلم ممن لا يعرف


166
المؤتلف والمختلف وغيرهما من السند والمتن لأنه حينئذ لا يميز المشكل من غيره ولا صواب وجه الإعراب للكلمة من خطئه وأيضا فقد يكون واضحا عند قوم مشكلا عند آخرين كالعجم ومن شاكلهم والقصد عموم الانتفاع وربما يظن هو النزعة عند المشكل واضحا بل وقد خفي عنه الصواب بعد ولذا قال ابن الصلاح وكثيرا ما يتهاون في ذلك الواثق وذلك وخيم العاقبة فإن الإنسان معرض للنسيان قال أبو الفتح البستي وكان يكثر التجنيس في شعر
( يا أفضل الناس أفضالا على الناس
وأكثر الناس إحسانا إلى الناس )
( نسيت وعدك والنسيان معتضر
فاعذر فأول ناس أول الناس )

وقال أبو تمام سميت إنسانا لأنك ناس

وممن كان كثير العجم والنقط لكتابه أو عوانة الوضاح أحد الحفاظ فقدم كتابه على حفظ غيره لشدة إتقانه وضبطه له وربما كما أشار إليه عياض يقع النزاع في حكم مستنبط من حديث يكون متوقفا على ضبط الإعراب فيه فيسأل الرواي كيف ضبط في اللفظ فيصير متخيرا لكونه أهمله أو يجسر على شيء بدون بصيرة ويقين كقوله ذكاة الجنين ذكاة أمة

فأبو حنيفة ومن تابعه يرجحون النصب لاشتراطهم التذكية والجمهور كالشافعية والمالكية وغيرهما يرجحون الرفع لإسقاطهم ذكاته على أن بعض المحققين وجه النصب أيضا بما يرجع إليه وقوله لا نورث ما تركنا صدقة فالجماعة يروونه برفع صدقة على الخبرية لأن الأنبياء لا يورثون والإمامية يروونه على التمييز والمعنى أنه لا يورث ما تركوه صدقة


167
دون غيره على أن ابن مالك وجه النصب بما يوافق الجماعة فقال التقدير ما تركنا مبذول صدقة فحذف الخبر وبقي الحال منه ونظيره (

نحن عصب ) بالنصب وقوله هو لك عبد بن زمعة فالجماعة على حذف حرف الندائين لك وعبد وبعض المخالفين من الحنفية على حدفة بين عبد وابن مع تنوين عبد ونحوه في السند عبد الله بن أبي بان سلول فلكون سلول أمه إن لم يثبت الألف في ابن سلول وينون أبي يظن أنه جد عبد الله وعبد الله بن مالك بن بحينة كما سيأتي مبسوطا فيمن نسب إلى غيرابيه ورحمه الله كلا من السلفي والمزي فقد كانا مع جلالتهما يضبطان الأشياء الواضحة حتى إن السلفي تكرر له نقط الخاء من أراد المزي قد يسكن النون من عن ولكن هذا تكلف وقد لا يكون مقصودا والحاصل أنه يبالغ في ضبط المتون لأن تغييرها يؤدي إلى أن يقال عن النبي ما لم يقل أو يثبت حكم شرعي بغير طريقة

ولكن أكدوا أي الأئمة من المحدثين وغيرهم ملتبس أي ضبط ملتبس الأسماء لا سيما الأسماء الأعجمية والقبائل الغربية لقلة المتميزين فيها بخلاف الإعراب ولأنها كما قال أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله البجيرمي أولى الأشياء بالضبط قال لأنها لا يدخلها القياس ولا قبلها ولا بعدها شيء يدل عليها وما لعله يقال في رد هذا التعليل من كون الراوي عن ذاك الملتبس أو شيخه مما يدل عليه قد يجاب عنه بأن ذلك إنما هو بالنظر للعالم به والكلام فيما هو أعم منه وممن كان يخص على الضبط حماد بن سلمة وعنان كما حكاه عنهما عياض وليك بسكون اللام كما هو الأكثر فيها مثل (

وليؤمنوا بي ) ضبطه للمشكل من الأسماء والألفاظ في الأصل

وكذا في الهامش مقابلة حسبما جرى عليه رسم جماعة من أهل


168
الضبط لأن جمعهما أبلغ في الإبانة والبعد من الالتباس بخلاف الاقتصار على أولهما فإنه ربما داخله لفظ أو شكل لغيره مما فوقه أو تحته فيحصل الالتباس لا سيما عند دقة الخط وضيق الأسطر قاله ابن الصلاح تبعا لعياض

ويكون بخطه وليك ما بالهامش من ذلك مع تقطيعه الحروف من الشكل فهو أنفع وأحسن وفائدته أنه يظهر شكل الحرف بكتابته مفردا في بعض الحروف كالنون والياء التحتانية بخلاف ما إذا كتبت مجتمعة والحرف المذكور في أولها أو وسطها وهو وإن لم يصرحا به فقد فعله غير واحد من أهل الضبط

نعم نقله الزركشي عن عياض وهو إما سهو أو رآه في غير الإلماع وممن نص عليه وحكاه عن المتقنين ابن دقيق العيد فقال في الاقتراح من عادة المتقنين أن يبالغوا في إيضاح المشكل فيفرقوا حروف الكلمة في الحاشية ويضبطوها حرفا حرفا فلا يبقى بعده إشكال

وفيما ينبه عليه شيئان أحدهما أنه ينبغي التيقظ لما يقع من الضبط نقطا وشكلا في خط الأئمة بغير خطوطهم ولو كان صوابا فضلا عن غيره فإن ذلك مما يخفى وربما لا يميزه الحذاق ويا فضيحة من اعتمد تصنيفه بقصد التخطية للأئمة

الثاني قد استثنى ابن النفيس مما تقدم القرآن الكريم وقال إن الأولى تجريده عن الإعجام والإعراب لأن هذه جميعها زوائد على المتن

وبما تقرر في كون دقة الخط قد تقتضي الالتباس كان إيضاحه مما يتم به الضبط

ويكره كراهة تنزيه الخط الدقيق أو الرقيق لا سيما والانتفاع به لمن نفع له الكتاب ممن يكون ضعيف البصر أو ضعيف الاستخراج ممتنع أو بعيد بل ربما يعيش الكاتب نفسه حتى يضعف بصره ولذلك كان شيخنا


169
يحكي أن الذي يكتب الخط الدقيق ربما يكون قصير الأمل لا يؤمل أن يعيش طويلا وأقول بل ربما يكون طويل الأمل حيث ترجى من فضل الله أنه ولو عمر لا تشق عليه قراءة الخط الدقيق

ثم إنه لا يمنع الحكم بالكراهية ما اقتضاه كلام الحكماء في كونه رياضة للبصر وتدمينا له كما يراض كل عضو من أعضاء البدن بما يخصه وأن من لم يفعل ذلك وأدمن على سواء تصعب عليه معاناته كمن يترك المشي أو لا يشم إلا الروائح الطيبة فإنه يشق عليه كل من تعاطى المشي وشم الرائحة الكريهة مشقة شديدة بخلاف من اعتاده أحيانا

وقد قال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل لابن عمه حنبل بن إسحاق بن حنبل ورآه يكتب خطا دقيقا لا تفعل فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه رواه الخطيب في جامعه وساق فيه أيضا عن أبي حكيمة قال كنا نكتب المصاحف بالكوفة فيمر علينا علي ابن أبي طالب فيقوم علينا فيقول أجل قلمك قال فقططت منه ثم كتبت فقال هكذا نوروا ما نور الله عز وجل إلا أن يكون دقة الخط لعذر كضيق رق وهو القرطاس الذى يكتب فيه ويقال له الكاغذ أيضا بأن يكون فقيرا لا يجد ثمنه أو يجد الثمن ولكن لا يجد الرق أو لرحال مسافر في طلب العلم يريد حمل كتبه معه فيحتاج إما لفقره أو لكونه اضبط أن تكون خفيفة الحمل قال محمد بن المسيب الأرغياني كنت أمشي بمصر وفي كمي مائة جزء في كل جزء ألف حديث

فلا كراهة حيث اتصف بواحد مما ذكر فضلا عن أكثر كأن يكون فقيرا رحالا وأكثر الرحالين كما قال الخطيب يجتمع في حاله الصفتان اللتان يقوم بهما العذر في تدقيق الخط يعني كما وقع لأبي بكر عبد الله ابن أحمد بن محمد بن روزيه الفارسي وكان يكتب خطا دقيقا حيث قيل له لم تفعل فقال لقلة الورق والورق وخفة الحمل على العنق


170

ولكن قال الخطيب بلغني عن بعض الشيوخ أنه كان إذا رأى خطا دقيقا قال هذا خط لا يوقن بالخلف من الله تعالى يشير إلى أن داعية الحرص على ما عنده من الورق ألجأته لذلك إذ لو كان يعلم أنه مستخلف لوسع

وشده أي الخط التعليق وهو فيما خلط الحروف التي ينبغي تفرقها وإذهاب أسنان من ينبغي إقامة أسنانه وطمس ما ينبغي إظهار بياضه وكذا المشق بفتح أوله وإسكان ثانيه وهو خفة اليد وإرسالها مع بعثرة الحروف وعدم إقامة الأسنان كما كان شيخنا يحكي أن بعضهم كان يقول لمن يراه يكتب كذلك تكتبون تمشقون تضيعون الكاغذ فيجتمعان في عدم إقامة الأسنان ويختص التعليق بخلط الحروف وضمها والمشق ببعثرتها وإيضاحها بدون القانون المألوف وذلك كما قال بعض الكتاب مفسدة لخط المبتدي ودال على تهاون المنتقي بما يكتب غير أنهم يستعملون المشق والتعليق وإغفال الشكل والنقط في المكاتبات

قال الماوردي في أدب الدين والدنيا وهو مستحسن فيها فإنهم لفرط إدلالهم بالصنعة وتقدمهم في الكتابة يكتفون بالإشارة ويقتصرون على التلويح ويرون الحاجة إلى استيفاء شروط الإبانة تقصيرا قال وإن كان كل ذلك في كتب العلم مستقبحا كما أنه شراء لقراءة إذا مما أي إذا هذرما أي أسرع بحيث يخفى السماع

فقد روى الخطيب في جامعه من طريق أبي محمد بن دستوريه عن عبد الله ابن مسلم ابن قتيبة الدينوري فيما حكاه عن عمر بن الخطاب أنه قال شر الكتابة المشق وشر القراءة الهزرمة وأجود الخط أبينه

وعنده أيضا عن علي قال الخط علامة فكلما كان أبين كان أحسن وعن ابن قتيبة أيضا عن إبراهيم بن العباس قال وزن الخط وزن


171
القراءة أجود القراءة أبينهما وأجود الخط أبينه

وحينئذ فيستحب له تحقيق الخط وهو أن يميز كل حرف بصورته المميزة له بحيث لا تشتبه العين الموصولة بالفاء أو القاف والمفصولة بالحاء أو الخاء

وقد قال علي رضي الله عنه لكاتبه أطل جلفة قلمك وأسمنها وأيمن قطتك وحرفها واسمعني طنين النون وخرير الخاء أسمن الصاد وعرج العين واشقق الكاف وعظم الفاء ورتل اللام واسلس الباء والتاء والثاء وأقم الواو على ذنبها واجعل قلمك خلف أذنك فهو أجود لك رواه الخطيب وغيره

وليس المراد أن يصرف زمنه في مزيد تحسينه وملاحة نظمه لحصول الغرض بدونه بل الزمن الذى يصرفه في ذلك يشتغل فيه بالحفظ والنظر وليست رجاءة الخط التي لا تقضي إلى الأشياء بقادحة إنما القادح الجهل ولذا بلغنا عن شيخنا العلامة الرباني الشهاب الحناوي أن بعضهم رآه يلازم بعض الكتاب في تعلم صناعته فقال له أراك حسن الفهم فأقبل على العلم ودع عنك هذا فإنك غايتك فيه أن تصل لشيخك وهو كما ترى معلم كتاب أو نحو هذا وأوشك إن اشتغلت بالعلم تسود في أسرع وقت قال فنفعني الله بذلك مع براعة في الكتابة أيضا ونحوه من رأى البدر البشتكي عند بعض الكتاب ورأى قوة عصبة وسرعة كتابته فسأله كم تكتب من هذا كل يوم فذكر له عدة كراريس فقال له ألزم هذا وأترك عنك الاشتغال بقانون الكتاب فإنه و لو ارتقيت لا تنهض في الكتابة كل يوم بما تحصله من كتابتك الآن فأعرض عن التعلم تفاق في سرعة الكتابة ومحل ما زاد على الغرض


172
من ذلك محل ما زاد على الكلام المفهوم من فصاحة الألفاظ ولذلك قالت العرب حسن الخط إحدى الفصاحتين وما أحسن قول القائل
( اعذر أخاك على رداءة خطه
واغفر رداءته لجودة ضبطه )
( والخط ليس يراد من تعظيمه
ونظامه إلا إقامة سمعه )
( فإذا أبان عن المعاني خطه
كانت ملاحته زيادة شرطه )

وليتجنبها بعد العصر لما ثبتت الوصية به من بعض الأئمة والكتابة بالحبر أولى من المداد بل ومن ماء الذهب ومن الأحمر لأنه أثبت بل قال بعض الحنفية إن الكتابة بالأحمر شعار الفلاسفة والمجوس ويكون الحبر براقا جاريا والقرطاس نقيا صافيا قالوا ولا يكون القلم صلبا جدا فلا يجري بسرعة ولا رخوا جدا فيخفى سريعا وليكن أملس العود مزال العقود فقد قيل

إن القلم الذى بآخره عقدة يورث الفقر حكاه صاحب تاريخ إربل عن بعض شيوخه واسع القمة طويل لجلفة محرف القطة من الجانب الأيمن إن لم يكن ممن عادته الكتابة بالمدور وما يقط عليه صلبا حدا ويحمد القصب الفارسي وخشب الأبنوس الناعم وسكين قلمه أحد من الموسى صافية الحديد ولا يستعملها في غيره كما بين أكثره الخطيب في جامعه ولا يتورع عن كتابة الشيء اليسير من محبرة غيره بدون إذنه إلا أن علم عدم رضاه فقد قال محمد بن إبراهيم أبو جعفر الأنماطي مربع كنت عند الإمام أحمد بن حنبل وبين يديه محبرة فذكر حديثا فاستأذنته أن اكتبه منها فقال لي اكتب يا هذا فهذا ورع مظلم ولأجل الخوف من الاحتياج لضبط الفوائد ونحوها قيل من حضر المجلس بلا محبرة فقد تعرض ليكديه وعن المبرج قال رأيت


173
الجاحظ يكتب شيئا فتبسم فقلت ما يضحكك فقال إذا لم يكن القرطاس صافيا والمداد ناميا والقلم مواتيا والقلب خاليا فلا عليك أن تكون غانيا

وكما يهتم بضبط الحروف المعجمة

كما تقدم المسألة التي أنجز الكلام إليها بالنقط كذلك ينبغي الاهتمام بضبط الحروف المهملة جليها وخفيها أو خفيها فقط كما اتضح هناك بعلامة للإهمال تدل على عدم إعجامها إذ ربما يحصل بإغفاله خلط كما يحكى أن بعضهم أمر عاملا له في رسالة أن يحصى من قبله من المخنثين ويأمرهم بكيت وكيت فقرأها بالخاء المعجمة فاشتد البلاء عليهم بذلك إلى أن وقف على حقيقته وسبيل الناس كما قال عياض في ضبطها مختلف فبعضهم يعلم وينقط الحرف المهمل كالدال والراء والصاد والطاء والعين ونحوها لا الحاء بالقصر بما فوق الحرف المعجم المشاكل له أسفلا أي أسفل الحرف المهمل ولم يصرح ابن الصلاح تبعا لعياض باستثناء الحاء اكتفاء بالعلة في القلب وهي تحصيل التمييز فمتى كان موقعا في الالتباس لم يحصل الغرض والحاء إذا جعلت نقطة الخاء المعجمة تحتها التبست بالجيم وحينئذ فترك العلامة لهذا الحرف علامة ويشير إلى هذا قول الزركشي خرج بقوله فوق ما إذا كان النقط تحت فلا يستحب وذلك كالخاء فإنها لو نقطت من تحتها لالتبست بالجيم

وقال البلقيني إنما ترك الحاء لوضوحها أو علامة المهمل عند بعض أهل المشرق والأندلس كما قال عياض كتب نظير ذاك الحرف المهمل المتصل أو المنفصل تحت أي تحته مثلا بفتحتين أي على صفة سواء كان شبيها له في الاتصال والانفصال وفي القدر أو لا غير أن كونه أصغر منه ومجردا أنسب ولذا قال ابن الصلاح يكتب تحت الحاء المهملة حاء مفردة صغيره وكذا يكتب تحت كل من الدال والصاد والطاء والسين


174
والعين صفتها صغيره أو يجعل فوقه أي المهمل قلامة كقلامة الظفر مضجعة على قفاها لتكون فرجتها إلى فوق ولأجل ذلك فقط مثلت بالقلامة إذ المشاهد في خط كثيرين لا يشابهها من كل وجه بل هي منجمعة لا هكذا من أسفلها فهذه أقوال ثلاثة وأولها تقتضي أن يكون النقط من أسفل كهيئة من فوق بحيث يكون ما تحت السين المهملة كالأثافي وهي بالمثلثة وتشديد التحتانية وقد يخفف ما يوضع عليه القدر من حديد وحجارة وغيرهما في سفر وغيره لكن الأنسب والأبعد عن اللبس قبلها فتكون النقطتان المحاذيتان للمعجمة من فوق محاذيتين للمهملة من أسفل والبعض ممن اصطلح على النقط نقط السين صفا واحدا يصف تحتها قالوا أي قالوه لئلا تزدحم النقطة أو النقطتان مع ما يحاذيها من السطر الذي يليها فيظلم بل ربما يحصل به ليس وبعضهم يخط فوق الحرف المهمل خطا صغيرا

قال ابن الصلاح وذلك موجود في كثير من الكتب القديمة ولا يفطن له كثيرون يعني لكونه خفيا غير شائع ولذا اشتبه على العلاء مغلطائي الحنفي حيث توهم فتحة لذاك الحرف إذ قرأ رضوان بفتح الراء وليست الفتحة إلا علامة الإهمال وكذا وقف على هذه العلامة للمهمل في بعض الكتب القديمة المصنف وبعضهم وهو طريق خامس أو سادس كالهمزة تحت أي تحت المهمل يجعل حكاه ابن الصلاح عن بعض الكتب القديمة وإليه أشار عياض بقوله ومنهم من يقتصر تحت المهمل على مثال النبرة وهي كما ذكر الجوهري وابن سيدة النمرة بل حكى عياض أيضا عن بعض المشارقة أنه يجعل فوق المهمل خطا صغيرا شبيه النبرة ويشبه أن يكون سادسا أو سابعا وإن تردد المصنف أهو غير الخط أو عينه ووجت أيضا سابعا أو ثامنا فروى الخطيب في جامعه من طريق أبي بكر بن أبي شيبة قال سمعت عبد الله بن إدريس يقول كتبت يعني شعبة حديث أبي الجوزاء يعني عن الحسن بن علي رضي الله عنهما فخفت أن أصحف فيه فأقول أبو الجوزاء بالجيم


175
والزاي فكتبت تحته حور عين وكذا ذكره أبو علي الغساني وإليه أشار ابن دقيق العيد بقوله وربما كتبوا ما يدل على الضبط بألفاظه كاملة دالة عليه

ونحوه رد الدارقطني وهو في الصلاة على من قرأ عليه نسير بن دعلوق بالياء بقوله والقلم ووراء هذا من يقتصر في البيان على ما هو الأسلوب الأصلي لها وهو إخلاؤها عن العلامة الوجودية لغيرها من غير زيادة في ذلك وهذا طريق من لم يسلك جانب الاستظهار وهو طلب الزيادة في الظهور لأجل تحصيل الشيء ونحوه من اصطلح في البيان مع نفسه شيئا انفرد به عن الناس لأنه يوقع غيره به في الحيرة واللبس لعدم الوقوف على مراده فيه كما اتفق في رضوان

قال ابن دقيق العيد وقد قرأت خيرا على بعض الشيوخ فكان كاتبه يعمل على الكاف علامة شبيهة بالحاء التي يكتب على الكلمات دلالة على أنها نسخة أخرى وكان الكلام يساعد على إسقاط الكلمة وإثباتها في مواضع فقرأت ذلك على أنها نسخة وبعد فراغ الجزء تبين لي اصطلاحه فاحتجت إلى إعادة قراءة الجزء انتهى

ورب علامة أحوجت إلى علامة حتى لفاعلها وحينئذ فلا ينبغي كما قال ابن الصلاح أن يأتي باصطلاح غير مألوف وإن فعل ذلك وأتى برمز راو في كتاب جمع فيه على الكيفية الآتية في ترجمة معقود لذلك بين الروايات التى اتصل له الكتاب منها كالبخاري مثلا من رواته الفربري وإبراهيم بن معقل والنسفي وحماد بن شاكر النسوي وأبي طلحة منصور بن محمد البزدوي كلهم عن البخاري بأن جعل الفربري مثلا في والنسفي س والحماد ح واللبزدوي أو لبعضهم بالحمرة ولآخر بالخضرة أو نحو ذلك مما اصطلحه لنفسه ولم يفصح بذكر الراوي بتمامه إيثارا للتخفيف فيما يتكرر كما اختصروا بنا وأنا ونحوهما ميزا مراده بتلك الرموز والعلامات في أول


176
الكتاب أو آخره إن كان في مجلد واحد وإلا ففي كل مجلد كما فعل كل من أبي ذر إذ رقم لكل من شيوخه الثلاثة أبي إسحاق المستملي وأبي محمد السرخسي وأبي الهيثم الكشميهني والحافظ أبي الحسين اليونيني إذ رقم للروايات التي وقعت له في آخرين ممن بين الرمز أو العلامات منهم أبو الحسن القابسي فهذا لا بأس به كما قاله ابن الصلاح لا سيما فيما يكثر اختلاف الرواة فيه فإن تسميته كلهم حينئذ مشق والاقتصار على الرموز أخصر ومع كونه لا بأس به اختر وعبارة ابن الصلاح الأولى له أن يكتب عند كل رواية اسم راويها بكماله مختصرا يعني بدون زائد على التعريف به فلا نقول في الفربري مثلا أبو عبد الله محمد بن يوسف بل يقتصر على الفربري أو نحوه وأن لا يرمزا له ببعض حروفه

قال شيخنا والذي يظهر أنه بعد أن شاع وعرف إنما هو من جهة نقص الأجر لنقص الكتابة وإلا فلا فرق مع معرفة الاصطلاح بين الرمز وغيره

وقول المصنف وهو أي الاتيان به بكماله أولى وأدفع للالتباس قد يوجه بكون اصطلاحه في الرمز قد تسقط به الورقة أو المجلد فيتحير الواقف عليه من مبتدئ ونحوه

ثم إن محل ما تقدم ما لم يكن الرمز من المصنف أما هو فالأحسن أن يكون ما اصطلحه لنفسه في أصل تصنيفه كما فعل المزي في تهذيبه والشاطبي وأمره فيه بديع جدا فقد اشتمل بيت منها على الرمز لستة عشر شيخا في أربع قراءات بالمنطوق

وينبغي استحبابا لأجل تمام الضبط الدارة وهي حلقة متفرجة أو مطبقة فصلا أي للفصل بها بين الحديثين وتمييز أحدهما عن الآخر زاد بعضهم لئلا يحصل التداخل يعني بأن يدخل عجز الأول في صدر الثاني أو العكس وذلك إذا تجردت المتون عن أسانيدها وعن صحاتها كأحاديث الشهاب والنجم ونحوهما ومقتضاه استحبابها أيضا بين الحديث وبين ما


177
لعله يكون بآخره من إيضاح لغرب وشرح لمعنى ونحو ذلك مما كان إغفاله أو ما يقوم مقامه أحد أسباب الإدراج من باب أولى

وممن جاء عنه الفصل بين الحديثين بالدارة أبو الزناد فروى الرامهرمزي عن ابن أبي الزناد أن كتاب أبيه كان كذلك وحكاه أيضا عن إبراهيم بن إسحاق الحربي ومحمد بن جرير الطبري بل وعن الإمام أحمد وقال ابن كثير إنه رآها كذلك في خطه ومنهم من لا يقتصر عليها بل يترك بقية السطر بياضا وكذا يفعل في التراجم ورؤوس المسائل وما أنفع ذلك

وارتضى على وجه الاستحباب إعفالها أي ترك الدارة من النقط بحيث تكون غفلا بضم المعجمة وإسكان الفاء لا علامة بها الحافظ الخطيب كما صرح به في جامعة حتى أي إلى أن يعرضا أي يقابل بالأصل ونحوه حين السماع وغيره وحينئذ فكلما فرغ من عرض حديث ينقط في الدارة التي يليه نقطة أو بخط في وسطها خطا يعني حتى لا يكون بعد في شك هل عارضه أو سها فتجاوزه لا سيما حين تخالف فيه

وقد قال عبد الله بن أحمد كنت أرى في كتاب أبي إجازة يعني دارة ثلاث مرات ومرتين وواحدة أقله فقلت له إيش تصنع بها فقال أعرفه فإذا خالفني إنسان قلت قد سمعته ثلاث مرات

قال الخطيب وقد كان بعض أهل العلم لا يعتد من سماعه إلا بما كان كذلك أو في معناه

ثم روى من طريق ابن معين قال كان غندر رجلا صالحا سليم الناحية وكل حديث من حديث شعبة ليست عليه علامة ع لا يقول فيه حدثنا لكونه لم يعرضه على شعبة بعد ما سمعه

قلت ومنهم من كان إذا أورد شيئا مما لا علاقة فيه نبه عليه قال أبو بكر بن أبي داود في كتابي عن محمد بن يحيى بغير إجازة وساق حديثا


178
وكرهوا أي أهل الحديث في الكتابة فصل مضاف اسم الله كعبد منه أي من الاسم الكريم فلا يكتبون التعبيد في آخر سطر والله أو الرحمن أو الرحيم ما بعده وهو ابن فلان مثلا ب أول سطر آخر احترازا عن قباحة الصورة وإن كان غير مقصود وهذه الكراهة للتنزيه وإن روى الخطيب في جامعة من طريق أبي عبد الله بن بطة العكبري بفتح الموحدة من أبيه ونسبته أنه قال وفي الكتاب يعني من لا يتجنبه وهو غلط أي خطأ قبيح فيجب على الكاتب أن يتوفاه ويتأمله ويتحفظ منه

وقال الخطيب إن ما قاله صحيح فيجب اجتنابه لحمل شيخنا له على التأكيد للمنع ولا شك في تأكده لا سيما إذا كان التعبيد آخر الصفحة اليسرى والاسم الكريم وما بعده أول الصفحة اليمنى فإن الناظر إذا رآه كذلك ربما لم يقلب الورقة ويبتدئ بقراءته كذلك بدون تأمل

وكذا إذا كان عزمه حبك الكتاب وكان ابتدأ ورقة لعدم الأمن من تقليب أوراقه وتفرقها ولكن لا يرتقي في كل هذا إلى الوجوب إلا إن اقترن بقصد فاسد كإيقاع لغيره في المحذور ويتأيد ما جنح إليه شيخنا بتصريح ابن دقيق العيد في الاقتراح بأن ذلك أدب بل ونصره العز بن جماعة

وكرسول من رسول الله فلا يكتب رسول في آخر مسطر واسم الله مع الصلاة في أول آخر فقد كرهه الخطيب أيضا وقال إنه ينبغي التحفظ منه وتبعه ابن الصلاح فجزم بالكراهة فيه وفيما أشبهه ويلتحق به كما قال المصنف أسماء النبي كقوله ساب النبي كافر وكذا أسماء الصحابة رضي الله عنهم كقوله قاتل ابن صفية في النار يعني بابن صفية الزبير بن العوام فلا يكتب ساب أو قاتل في آخر سطر وما بعده في أول آخر بل ولا اختصاص للكراهة بالفصل بين المضاف والمضاف إليه

فلو وجد المحذور في غير ذلك مما استشنع كقوله في شارب الخمر الذي أتى بن النبي وهو ثمل فقال عمر أخزاه الله ما أكثر ما يؤتى به وكقوله لله


179
ربي لا أشرك به شيئا بأن كتب فقال أولا في آخر سطر وما بعده في أول آخر كانت الكراهة أيضا

ومحلها في ذلك كله أن يناف بالفصل ما تلاه من اللفظ فأما إذا لم يكن في شيء منه بعد اسم الله عز وجل أو اسم نبيه أو اسم الصحابي رضي الله عنه ما ينافيه بأن يكون الاسم آخر الكتاب أو آخر الحديث ونحو ذلك أو يكون بعده شيء ملائم له غير مناف فلا بأس بالفصل نحو قوله في آخر البخاري سبحان الله العظيم فإنه إذا قصد بين المضاف والمضاف إليه كان أول السطر الله العظيم ولا منافاة في ذلك ومع هذا فجمعها في سطر واحد أولى بل صرح بعض المتأخرين بالكراهة في فصل مثل أحد عشر لكونهما بمنزلة اسم واحد آخذا من قول النحاس في صناعة الكتاب وكرهوا جعل بعض الكلمة في سطر وبعضها في أول سطر فتكون مفصولة

وأكتب أيها الكاتب على وجه الاستحباب المتأكد ثناء الله تعالى كلما مر لك ذكر الله سبحانه كعز وجل أو تبارك وتعالى أو نحوهما ففي حديث الأسود بن سريع رضي الله عنه حسبما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأحمد وغيرهما أنه أتى النبي فقال يا رسول الله قد مدحت ربي بمحامد ومدح وإياك فقال أجزي أما إن ربك يحب الحمد وفي لفظ المدح الحديث

و كذا أكتب التسليما مع الصلاة للنبي كلما مر لك ذكر النبي تعظيما لهما وإجلالا سيما وقد صرح بوجوبه كلما ذكر غير واحد من الحنفية منهم في الصلاة خاصة الطحاوي بل والحليمي والشيخ أبو حامد الإسفرائني وغيرهما من الشافعية أن أثبت في الرواية كل من الثناء والصلاة والسلام وإن يكن أسقط منها في الأصل المسموع لعدم


180
التقييد به في حذف ذلك فإنه ثناء ودعاء تثبته لا كلام ترويه ولا تسأم من تكريره عند تكرره بل وضم إليها تلفظ به لنشر تعطره فأجره عظيم وهو مؤذن بالمحبة والتعظيم

قال التجيبي وكما تصلي على نبيك بلسانك كذلك تحط الصلاة عليك ببنانك مهما كتبت اسمه الشريف في كتاب فإن لك بذلك أعظم الثواب ثم ساق الحديث الذي بينته في القول البديع الذي تعرفت بركته ورجوت ثمرته وإن ابن القيم قال الأشبه أنه من كلام جعفر بن محمد لا مرفوعا ولفظه من صلى على رسول الله في كتاب صلت عليه الملائكة غدوة ورواحا ما دام اسم رسول الله في ذلك الكتاب ولذا قال سفيان الثوري لو لم يكن لصاحب الحديث فائدة إلا الصلاة على رسول الله فإنه يصلي عليه ما دام في ذلك الكتاب بل جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه مما حسنه الترمذي وصححه ابن حبان أنه قال إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم على صلاة

وقد ترجم له ابن حبان ذكر البيان بأن أقرب الناس في يوم القيامة يكون من النبي من كان أكثر صلاة عليه في الدنيا ثم قال عقبة في هذا الخبر بيان صحيح على أن أولى الناس برسول الله في القيامة يكون أصحاب الحديث إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منها وكذا قال أبو نعيم هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله أكثر مما يعرف لها نسخا وذكرا وقال أبو اليمن ابن عساكر ليهن أهل الحديث كثرهم الله سبحانه هذه البشرى وما أتم به نعمه عليهم في هذه الفضيلة الكبرى فإنهم أولى الناس بنبيهم وأقربهم إن شاء الله إليه يوم القيامة وسيلة فإنهم يخلدون ذكره في طروسهم وتجدودون الصلاة والتسليم عليه في معظم الأوقات بمجالس مذاكرتهم وتحديثهم ومعارضتهم ودروسهم فالثناء عليه في معظم الأوقات شعارهم


181
آثارهم وبحسن نشرهم لا آثاره الشريفة تحسن أثارهم إلى آخر كلامه الذي ودعته مع كلام غيره في معناه ومنامات حسنة صحيحة

منها قول الشافعي رحمه الله وقد قيل له ما فعل بك ربك قال رحمني وغفر لي وزففت إلى الجنة كما تزف العروس ونثر علي كما ينثر على العروس وإن سبب ذلك ما في خطبة كتابه الرسالة من الصلاة على محمد ومنها أنه قال من كتب بيده قال رسول الله كان معي في الجنة في الكتاب المشار إليه

وقد خولف في سقط الصلاة والسلام على النبي الإمام أحمد فإنه حسبما رآه الخطيب بخطه يكتب كثيرا اسم النبي بدون ذلك من غير واحد من المتقدمين كابن المديني والعنبري كما سيأتي قريبا قال ابن الصلاح وعله أي لعل الإمام أحمد قيد أي تقيد في الإسقاط بالرواية لالتزامه إقتفاؤها فحيث لم يجدها في أصل شيخه وعز عليه اتصالها في جميع من فوقه من الرواة لا يكتبها تورعا من أن يزيد في الرواية ما ليس منها كمذهبه في منع إبدال النبي بالرسول وإن لم يختلف المعنى لكن مع نطقه بالصلاة والسلام إذا قرأ أو كتب كما رووا أي المحدثون كالخطيب ومن تابعه ذلك عنه حكاية غير متصلة الإسناد فإن الخطيب قال وبلغني أنه كان يصلي عليه نطقا

والتقيد في ذلك بالرواية هو الذي مشى عليه ابن دقيق العيد فإنه قال في الاقتراح والذي نميل إليه أن يتبع الأصول والروايات فإن العمدة في هذا الباب هو أن يكون الإخبار مطابقا لما في الواقع فإذا أول اللفظ على أن الرواية هكذا ولم يكن الأمر كذلك لم تكن الرواية مطابقة لما في الواقع ولهذا أقول إذا ذكر الصلاة لفظا من غير أن تكون في الأصل فينبغي أن تصحبها قرينة تدل على ذلك مثل كونه يرفع رأسه عن النظر في الكتاب بعد أن كان يقرأ فيه


182
وينوي بقلبه أنه هو المصلي لا حاكيا عن غيره وعلى هذا فمن كتبها ولم تكن في الرواية نبه على ذلك أيضا وعليه مشى الحافظ أبو الحسن اليونيني في نسخته بالصحيح التي جمع فيها بين الروايات التي وقعت له حيث يشير بالرمز إليها إثباتا ونفيا على أنه يحتمل أن لا يكون ترك الإمام أحمد كتابتها لهذا بل استعجالا كما قيدته عن شيخنا لكونه في الرحلة أو نحو ذلك مع عزمه على كتابتها بعد انقضاء ضرورته فلم يقدر لا سيما و عباس بن عبد العظيم العنبري نسبة لبني العنبر بن عمرو بن تميم وابن المديني نسبة للمدينة النبوية لكون أصله منها هو علي فيما نقله عنهما عبد الله بن سنان كما رواه النميري من طريقه لم يتركا الصلاة على النبي في كل حديث سمعاه يعني سواء وقع في الرواية أم لا

وربما بيضا في كتابهما لها الإعجال وعادا بعد عوضا بكتابة ما كان تركه للضرورة والإمام أجل منهما اتباعا مع ما روى ابن بشكوال من طريق جعفر الزعفراني قال سمعت خالي الحسن بن محمد يقول رأيت أحمد بن حنبل في النوم فقال لي يا أبا علي لو رأيت صلاتنا على النبي في الكتب كيف تزهر بين أيدينا

واجتنبت أيها الكاتب الرمز لها أي للصلاة والسلام على رسول الله في خطك بأن تقتصر منها على حرفين ونحو ذلك فتكون منقوصة صورة كما يفعله الكسائي والجهلة من أبناء العجم غالبا وعوام الطلبة فيكتبون بدلا ص أو صم أو صلم أو صلعم فذلك لما فيه من نقص الأجر لنقص الكتابة خلاف الأولى وتصريح المصنف فيه وفيما بعده بالكراهة ليس على ما به فقد روى النميري عن أبيه قال كتب رجل من العلماء نسخة من الموطأ وتأنق فيها لكنه حذف منها الصلاة على النبي حيث ما وقع له فيه ذكر وعوض عنها ص وقصد بها بعض الرؤساء ممن يرغب في شراء الدفاتر وقد أمل أن يرغب له في ثمنه ودفع الكتاب إليه فحسن موقعه وأعجب به


183
وعزم على أجزال صلته ثم إنه تنبه لفعله ذلك فيه فصرفه وحرمه وأقصاه ولم يزل ذلك الرجل محارفا مقترا عليه لكن وجد بخط الذهبي وبعض الحفاظ كتابتها هكذا صلى الله علم وربما اقتفيت أثرها فيه بزيادة لام أخرى قبل الميم مع التلفظ بهما غالبا والأولى خلافة

وكذا اجتنبت الحذفا لواحد منها صلاة أو سلاما حتى لا تكون منقوصة معنى أيضا تكفي بإكمال صلاتك عليه ما أهمك من أمر دينك ودنياك كما ثبت في الخبر وهو ظاهر في كون ذلك أيضا خلاف الأولى لكن قد صرح ابن الصلاح بكراهة الاقتصار على عليه السلام فقط وقال ابن مهدي كما رواه ابن بشكوال وغيره إنها تحية الموتى

وصرح النووي رحمه الله في الأذكار وغيره بكراهة إفراد أحدهما عن الآخر متمسكا بورد الأمر بهما معا في الآية وخص ابن الجزري الكراهة بما وقع في الكتب رواه الخلف عن السلف لأن الاقتصار على بعضه خلاف الرواية قال فإن ذكر رجل النبي صلي الله عليه وسلم فقال اللهم صل عليه مثلا فلا أحسب أنهم أرادوا أن ذلك يكره وأما شيخنا فقال إن كان فاعل أحدهما يقتصر على الصلاة دائما فيكره من جهة الإخلال بالأمر الوارد بالإكثار منهما والترغيب فيما وإن كان يصلي تارة ويسلم أخرى من غير إخلال بواحدة منهما فلم أقف على دليل تقتضي كراهته ولكن خلاف الأولى إذ الجمع بينهما مستحب لا نزاع فيه قال ولعل النووي رحمه الله أطلع على دليل خاص لذلك فإذا قالت حذام فصدقوها انتهى

ويتأيد ما خص شيخنا الكراهة به بوقوع الصلاة مفردة في خطبة كل من الرسالة لإمامنا الشافعي وصحيح مسلم والتنبيه للشيخ أبي إسحاق وبخط الخطيب الحافظ في آخرين وإليها أو إلى بعضها الإشارة يقول ابن الصلاح وإن وجد في خط بعض المتقدمين ولما حكى المصنف أنه وجده بخط


184
الخطيب في الموضح قال إنه ليس بمرضي وقد قال حمزة الكناني كنت أكتب الحديث فكنت أكتب عند ذكر النبي ولا أكتب وسلم فرأيت النبي في المنام فقال مالك لا تتم الصلاة علي فما كتبت بعد صلى الله عليه إلا كتبت وسلم رواه ابن الصلاح والرشيد العطار والذهبي في تاريخه لكن بلفظ أخف ما تختم الصلاة علي في كتابك كلهم من طريق الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده وقال ابن عبد الدائم كنت أكتب لفظ الصلاة دون التسليم فرأيت النبي في المنام فقال لي لم تحرم نفسك أربعين حسنة قلت وكيف ذاك يا رسول الله قال إذا جاء ذكري تكتب صلى الله عليه ولا تكتب وسلم وهي أربعة أحرف كل حرف بعشر حسنات قال وعدهن بيده أو كما قال رواه أبو اليمن بن عساكر

وكذا يستحب كتابة الصلاة على غير نبينا من الأنبياء كما صرح به بعض العلماء والترضي عن الصحابة والترحم على العلماء الأخيار كما صرح به النووي وفي تاريخ إربل لابن المسلوقي عن بعضهم أنه كان يسأل عن تخصيصهم عليا بكرم الله وجهه فرأى في المنام من قال له لأنه لم يسجد لصنم قط


185
المقابلة
( ثم عليه العرض بالأصل ولو
إجازة أو أصل أصل الشيخ أو )
( فرع مقابل وخير العرض مع
أستاذه بنفسه إذ يسمع )
( وقيل بل مع نفسه واشترطا
بعضهم هذا وفيه غلطا )
( ولينظر السامع حين يطلب
في نسخة وقال يحيى يجب )
( وجوز الأستاذ أن يروي من
غير مقابل وللخطيب إن )
( بين والنسخ من أصل وليزد
صحة نقل ناسخ فالشيخ قد )
( شرطه ثم اعتبر ما ذكرا
في أصل الأصل لا تكن مهورا )

وما لحق بها من المسائل ويقال لها أيضا المعارضة لقول قابلت الكتاب قبالا ومقابلة أي جعلته قبالته وصيرت في أحدهما كل ما في الآخر ومنه منازل القوم نتقابل أي تقابل بعضها بعضا وعارضت بالكتاب الكتاب أي جعلت ما في أحدهما مثل ما في الآخر مأخوذ من عارضت بالثوب إذا أعطيته وأخذت ثوبا غيره والأصل في ما رواه الطبراني في الكبير وابن السني في رياضة المتعلمين كلاهما من حديث أبي الطاهر ابن السرح قال وجدت في كتاب خالي يعني عبد الرحمن بن عبد الحميد حدثني عقيل عن سعيد بن سليمان بن زيد بن ثابت عن أبيه عن جده رضي الله عنه


186
قال كنت أكتب الوحي لرسول الله فكان إذا فرغت يقول لي اقرأه فأقرأه فإن كان فيه سقط أقامه ثم أخرج به إلى الناس وأخرجه الطبراني أيضا وكذا الخطيب في جامعه من طريق نافع بن يزيد عن عقيل فقال عن الزهري عن سعيد بنحوه

ثم بعد تحصيل الطالب للمروي بخطه أو بخط غيره عليه العرض وجوبا كما صرح به الخطيب وقال إنه شرط في صحة الرواية وكذا قال عياض أنه متعين لا بد منه وهو مقتضى قول ابن الصلاح أنه لا غنى لمجلس الإملاء عن العرض كما سيأتي

ويشير إليه ما أخرجه الخطيب في جامعه عن هشام بن عروة قال قال لي أبي أكتبت قلت نعم قال عارضت قلت لا قال فلم تكتب وفي كفايته عن أفلح بن بسام قال كنت عن القعنبي فقال لي كتبت قلت نعم قال عارضت قلت لا قال لم تصنع شيئا وهذا عند ابن السمعاني في أدب الإملام من حديث عطاء بن يسار مرسلا قال كتب رجل عند النبي فقال له كتبت قال نعم قال عرضت قال لا قال لم نكتب حتى تعرضه

وفي الكفاية والجامع معا عن يحيى بن أبي كثير قال مثل الذي يكتب ولا يعارض مثل الذي يقضي حاجته ولا يستنجي بالماء وكذا جاء عن الأوزاعي كما لابن عبد البر في جامع العلم ثم عياض في الإلماع

وعن الشافعي كما عزاه إليه ابن الصلاح وفي صحته عزوه إليه نظر والتشبيه في مطلق النقص مع قطع النظر عن شرف أحدهما وخسة الآخر كما في تشبيه الوحي بصلصلة الجرس وكذا ليس قول القائل أكتب ولا تقابل وارم على المزابل على ظاهره ولذا كان أحسن منه قول بعضهم من كتب ولم يقابل كمن غزا ولم يقاتل وقول الخلال الحنبلي من لم يعارض


187
لم يدر كيف يضع رجله

وفي جامع الخطيب عن الخليل بن أحمد قال إذا نسخ الكتاب ثلاث مرات ولم يعارض تحول بالفارسية من كثرة سقطه وفي كفايته نحوه عن الأخفش قال إذا نسخ الكتاب ولم يعارض ثم نسخ منه ولم يعارض يعني المنسوخ أيضا خرج أعجميا

والظاهر أن محل الوجوب حيث لم تثق بصحة كتابته أو نسخته أما من عرف بالاستقراء ندور السقط والتحريف منه فلا لا سيما وقد روى ابن عبد البر في جامع العلم عن معمر أنه قال لو عرض الكتاب مائة مرة ما كاد يسلم من أن يكون فيه سقط أو قال خطأ ولكنه قد بالغ كما أن قول القائل الأصل عدم الغلط معارض بقول غيره بل الأصل عدم نقل كل ما كان في الأصل نعم لا يخلو الكاتب من غلط وإن قل كما هو معروف من العرف والتجربة ولذا قال بعضهم ما قرمطنا قدمنا وما انتخبنا قدمنا وما كتبناه بدون مقابلة ندمنا

ويحصل العرض إما بالأصل الذي أخذه عن شيخه بسائر وجوه الأخذ الصحيحة ولو كان الأخذ إجازة أو بأصل أصل الشيخ الذي أخذ الطالب عنه المقابل به أصله أو بفرع مقابل بالأصل مقابلة معتبرة موثوقا بها أو بفرع قوبل كذلك على فرع ولو كثر العدد بينهما إذ الغرض المطلوب أن يكون كتاب الطالب مطابقا لأصل مرويه وكتاب شيخه فسواء حصل بواسطة فأكثر أو بدونها ثم إن تقيينه في أصل الأصل بكونه قد قوبل الأصل عليه لا بد منه وإلا فلو كان لشيخ شيخه عدة أصول قوبل أصل شيخه بأخذها لا يكفي المقابلة بغيره لاحتمال أن يكون فيه زيادة أو نقص فيكون قد أتي بما لم يروه شيخه له أو حذف شيئا مما رواه له شيخه أشار إليه ابن دقيق العيد وسيأتي نحوه في الرواية من الأصل وكذا


188
يحصل إن كان الأصل بيد الشيخ أو ثقة يقظ غيره تولاه الطالب بنفسه أو ثقة يقظ غيره رفع حالة السماع أم لا أمسك الأصل معه غيره أم كانا معا بيده ولكن خير العرض ما كان مع أستاذه أي شيخه على كتابه بمباشرة الطالب بنفسه إذ أي حين يسمع من الشيخ أو عليه أو يقرأ لما يجمع ذلك من وجوه الاحتياط والإتقان من الجانبين يعني إن كان كل منهما أهلا لذلك فإن لم تجتمع هذه الأوصاف نقص من مرتبته بقدر ما فاته منها قاله ابن الصلاح

وقيد ابن دقيق العيد في الاقتراح الخيرية بتمكن الطالب مع ذلك مع الثبت في القراءة أو السماع وإلا فتقديم العرض حينئذ أولى قال بلى أقول إنه أولى مطلقا لأنه إذا قوبل أولا كان حالة السماع أيسر

وأيضا فإن وقع إشكال كشف عنه وضبطه فقرئ على الصحة وكم من جزء وقريء بغتة فوقع فيه أغاليط وتصحيفات لم يتبين صوابها إلا بعد الفراغ فأصلحت وربما كان كذلك على خلاف ما وقعت القراءة عليه وكان كذبا إن قال قرأت لأنه لم يقرأ على ذلك الوجه وقيل وهو قول الحافظ أبي الفضل الهروي الجارودي بل أصدق العرض يعني خيره ما كان مع نفسه يعني حرفا حرفا لكونه حينئذ لم يقلد غيره ولم يجعل بينه وبين كتاب شيخه واسطة وهو بذلك على ثقة ويقين من مطابقتهما وكذا اشترطا بعضهم من أهل التحقيق هذا فجزم كما حكاه عياض عنه بعدم صحة مقابلته مع أحد غير نفسه وفيه أي الاشتراط غلطا القائل به فقال ابن الصلاح إنه مذهب متروك وهو من مذاهب أهل التشديد المرفوضة في عصرنا وصحح عدمه لا سيما والفكر يتشعب بالنظر في النسختين بخلاف الأول

والحق كما قال ابن العيد أن ذلك يختلف فرب من عادته يعني


189
لمزيد يقظته وحفظه عدم السهو عند نظره فيهما فهذا مقابلته بنفسه أولى أو عادته بعني لجمود حركته وقلة حفظه السهو فهذا مقابلته مع غيره أولى على أن الخطيب قال إنه لو سمع من الراوي ولم تكن له نسخة ثم نسخ من الأصل استحب له العرض على الراوي أيضا للتصحيح وإن قابل به لأنه يحتمل أن يكون في الأصل خطأ ونقصان حروف وغير ذلك مما يعرفه الراوي ولعله أن يكون أقره في أصله لأن الذى حدثه به كذلك رواه فكره تعيين روايته يعني فمشى على الصواب في المسألة وعول فيه على حفظه له ومعرفته به ثم حكى ذلك عن جماعة وبه يتأيد قول ابن الصلاح إن ما ذكرناه يعني من العرض مع الشيخ أولى من إطلاق الجارودي بل ولا مانع من تقييده به ويزول الاختلاف

وقد قرأت بخط شيخنا التردد في مراد الجارودي فقال إن أراد به أن صاحب الكتاب يتولاها بنفسه مع الشيخ أو مع موثوق به فهو ما يتجه فإن عناية المرء بتصحيح نسخته أشد من اعتناء غيره حتى ذهب بعض أهل التشديد إلى أن الرواية لا تصح إلا إن قابل الطالب بنفسنه مع غيره وأنه لا يقلد غيره في ذلك وإن أراد أن يقرأ سطرا من الأصل ثم يقرؤه بعينه فهذا لا يفيد لأن الشيخ لا يتمكن من المقابلة بنفسه مع نفسه من نسختين وإن أراد أن يقرأ كلمة أو كلمتين في كتاب نفسه ثم يقرأ ذلك في الأصل فهذا يصح إلا أنه قل أن يتفق مع ما فيه من التطويل الذى يضيع به العمر

قال الخطيب وليجعل للعرض قلما معدا ثم ساق عن أبي نعيم الفضل بن دكين أنه قال لرجل لاجه في أمر الحديث أسكت فإنك أبغض من قلم العرض

فائدة مضى في الباب قبله حكاة استحباب نقط الدارة الفاصلة بين المحديثين عند الانتهاء من مقابلة كل حديث لئلا يكون بعد في شك ومنهم من


190
يجعل عقب كل باب أو كراس ما يعلم منه المقرض وربما اقتصر بعضهم على الإعلام بذلك آخر الكتاب حتى كان أبو القاسم البادكلي يكتب ما نصه صح بالمعارضة وسلم بالمقابلة من المناقضة وذلك من البسملة إلى الحسبلة

ولينظر السامع استحبابا حين يطلب أي يسمع في نسخه إما له أو لمن حضر من السامعين أو الشيخ فهو أضبط وأجدر أن يفهم معه ما يستمع لوصول المقروء إلى قلبه من طريقي السمع والبصر كما أن الناظر في الكتاب إذا تلفظ به يكون أثبت في قلبه لأنه يصل إليه من طريقتين

قال الزبير بن بكار في الموفقيات على أبي وأنا أنظر في دفتر وروى فيه بيني وبين نفسي ولا أجهر فقال لي إنما لك من روايتك هذه ما أدى بصرك إلى قلبك فإذا أردت الرواية فانظر إليها واجهر بها فإنه يكون منها ما أدى بصرك إلى قلبك وما أدى سمعك إلى قلبك ولهذا قال الخطيب حدثني أو عبد الله الحميدي قال أتى جماعة من الطلبة الحافظ أبا إسحاق إبراهيم بن سعيد بن عبد الله المصري الحبال يسمعوا منه جزءا فأخرج به عشرين نسخة وناول كل واحد نسخة يعارض بها ويتأكد النظر إذا أراد السامع النقل منها كما صرح به ابن الصلاح تبعا للخطيب لكونه حينئذ كأنه قد تولى العرض بنفسه وبهذا يظهر مناسبة إدخال هذا الفرع في الترجمة وبكونه مستحبا صرح الخطيب ويشهد له قول علي بن عبد الصمد المكي قلت لأحمد بن حنبل أيجزي أن لا أنظر في النسخة حين السماع وأقول حدثنا مثل الصك يشهد بما فيه ولو لم ينظر فيه فقال لي لو نظرت في الكتاب كان أطيب لنفسك


191

وقال يحيى بن معين كما رواه الخطيب في الكفاية من طريقه بسند في وجادة وأورده لذلك ابن الصلاح بصيغة التمريض بل يجب النظر وذلك أنه سئل عمن لم ينظر في الكتاب والمحدث يقرأ أيجوز له أن يحدث بذلك عنه فقال أما عندي فلا ولكن عامة الشيوخ هكذا سماعهم قال وكان ابن أبي ذئب يحدث من الكتاب ثم يلقيه إليهم فيكتبونه من غير أن يكونوا قد نظروا فيه

ولم ينفرد ابن معين بهذا فقد أورد الخطيب أيضا عن أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وارة أنه قال أنتم أهل بلد ينظر إليكم يجيء رجل يسألني في أحاديث وأنتم تنظرون فيها ثم تكتبونها لا أجل لمن لم ينظر في الكتاب أن ينسخ منه شيئا

ونحوه عن عبد الرزاق قال لما قدم علينا الثوري قال أئتوني برجل يكتب خفيف الكتاب قال فأتيناه بهسام بن يوسف فكان هو يكتب ونحن ننظر في الكتاب فإذا فرغ ختمنا الكتاب حتى ننسخه لكن قال ابن الصلاح إن هذا من مذاهب المتشددين في الرواية والصحيح عدم اشتراطه وصحة السماع ولو لم ينظر أصل في الكتاب حالة السماع انتهى

ويمكن أن تخص الاشتراط بما إذا لم يكن صاحب النسخة مأمونا موثوقا يضبطه ولم يكن تقدم العرض بأصل الراوي فإنه حينئذ كما اقتضاه كلام الخطيب لا بد من النظر وعبارته وإذا كان صاحب النسخة مأمونا في نفسه موثوقا يضبطه جاز لمن حضر المجلس أن يترك النظر معه اعتمادا عليه في ذلك بل ويجوز ترك النظر حين القراءة إذا كان العرض قد سبق بالأمر

ثم ما تقدم من اشتراط الخطيب المقابلة في صحة الرواية هو المعتمد بين المتقدمين وبه صرح عياض أيضا فقال لا يحل للمسلم التقي الرواية ما لم يقابل ولا ينخدع في الاعتماد على نسخ الثقة العارف ولا على نسخه


192
هو بيده بدون مقابلة وتصحيح فإن الفكر يذهب والقلب يسهو والبصر يزيغ والقلم يطغى بل واختاره من المتأخرين ابن أبي الدم فقال لا يجوز أن يروي عن شيخه شيئا سمعه عليه من كتاب لا يعلم هل هو كل الذى سمعه أو بعضه وهل هو على وجهه أولا

وجوز الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني أن يروي المحدث من فرع غير مقابل بل ونسب الجواز أيضا للخطيب كما في كفايته لكن إن بين عند الرواية أنه لم يعارض و كان النسخ لذلك الرفع من أصل معتمد وسبقه أبو بكر الإسماعيلي إلى اشتراط أولهما فقال إنه لا بد أن يبين أنه يعارض لما عسى يقع من زلة أو سقوط وإليه ذهب أبو بكر البرقاني شيخ الخطيب كما حكاه عنه فقال إنه روى لنا أحاديث كثيرة قال فيها أنبأنا فلان ولم أعارض بالأصل

وليزد شرط ثالث وهو صحة نقل ناسخ لذلك الفرع بحيث لا يكون سقيم النقل كثير السقط فالشيخ ابن الصلاح قد شرطه

كل ذلك مع ملاحظة براعة القاريء أو الشيخ أو بعض السامعين لأن بمجموعة يخرج من العهدة ولا يتهم عند ظهور الأمر بخلاف ما روى لا سيما بعد اصطلاح الاستجازة التي بها ينجبر ما لعله يتفق من خلل وكون المخلوط أيضا كما أشير إليه قبيل مراتب التعديل بقاء سلسلة الإسناد خاصة بخلاف المتقدمين وإن منع ابن أبي الدم من المتأخرين ذلك كما تقدم

ثم اعتبر أيها الطالب ما ذكر من الشروط في أصل الأصل بالنقل ولا تكن لقلة مبالاتك بما يتضمن عدم الضبط والاتقان مهورا كمن يكتفي بمجرد الاطلاع على سماع شيخه بذلك الكتاب ويقرؤه من أي نسخة اتفقت بدون مبالاة


193
تخريج الساقط
( ويكتب الساقط وهو اللحق
حاشية إلى اليمين يلحق )
( ما لم يكن آخر سطر وليكن
لفوق والسطور أعلى فحسن )
( وخرجن للسقط من حيث سقط
منعطفا له وقيل صل بخط )
( وبعده اكتب صح أو زد رجعا
أو كرر الكلمة لم تسقط معا )
( وطفيه ليس ولغير الأصل
خرج بوسط كلمة المحل )
( ولعياض لا تخرج ضبب
أو صححن لخوف ليس وأبي )

وما ألحق من التخريج للحواشي ونحوها والأصل في هذا الباب قول زيد ابن ثابت في نزول قوله تعالى (

غير أولي الضرر ) بعد نزول (

لا يستوي القاعدون من المؤمنين ) كما في سنن أبي داود فألحقتها والذي نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف ويكتب الساقط غلطا من أصل الكتاب وهو أي المكتوب في اصطلاح المحدثين والكتاب اللحق بفتح اللام والمهملة وقد أنشد المبرد كأنه بين أسطر الحق مشتق


194
من الإلحاق حاشية أي في حاشية الكتاب أو بين سطوره وإن كانت متسعة لكنه في الحاشية أولى لسلامة من تغليس ما يقرأ لا سيما إن كانت السطور ضيقة متلاصقة وليكن الساقط في جميع السطر إن لم يتكرر إلى جهة اليمين من جانبي الورقة لشرفه يلحق ما لم يكن الساقط آخر سطر فإنه يلحق إلى جهة اليسار للأمن حينئذ من نقص منه بعده وليكون متصلا بالأصل وإن ألحق غير واحد من العلماء هذا أيضا لجهة اليمين فاليسار أولى فإن تكرر ألحق الثاني لجهة اليسار أيضا لأنهما لو جمعا في جهة واحدة وقع الاشتباه وإن ألحق الأول في اليسار والثاني في اليمين لقابل طرفا التخريجتين وصار يتوهم بذلك الضرب على ما بينهما لكونه أحد طرق الضرب كما سيأتي قريبا اللهم إلا أن يقال يبعد التوهم رؤية اللحق مكتوبا بالجانبين مقابل التخريجتين

وليكن الساقط في السطر عمن الجانبين إن لم يزد على سطر ملاصقا لأصل الكتاب صاعدا لفوق بضم القاف إلى أعلى الورقة لا نازلا إلى أسفلها لاحتمال وقوع سقط آخر فيه أو بعده فلا يجد له مقابلة موضعا لو كتب الأول إلى أسفل وإن زاد على سطر فلتكن السطور أعلى الطرة المقابلة لمحله إلى أسفل بحيث ينتهي سطوره إلى أصل الكتاب إن كان اللحق في جهة اليمين وإن كان في جهة الشمال ابتدأ سطوره من جانب أصل الكتاب بحيث ينتهي سطوره إلى جهة طرف الورقة

هذا فيما يكتب صاعدا فإن كان الحق نازلا حيث كان في السقط الثاني أو خالف في الأول انعكس الحال ثم إن اتفق انتهاء الهامش قبل فراغ السقط استعان بأعلى الورقة أو بأسفلها حسبما يكون اللحق من كلا الجهتين ف هذا الاصلاح قد حسن من يفعله


195

كل هذا إن اتسع المحل بعدم لحق قبله في السطر نفسه أو قريبا منه وكذا إن كان الهامش من الجهتين عريضا كما هو صنيع أكثر المتقدمين أو قريبا منه ولم يضق أحدهما مع ذلك بالحبك فإن لم يكن كذلك وتحرى فيما يزول معه الإلباس ولا يظلم به القرطاس مع الحرص على عدم إيصال الكتابة بطرف الورقة بل يدع ما يحتمل الحك مرارا فقد تعطل سبب إغفال ذلك الكثير

وخرجن للسقط أي الساقط الذى كتبته أو ستكتبه مما هو ثابت في أصل الكتاب من حيث سقط خطا صاعدا إلى تحت السطر الذي فوقه يكون منعطفا له أي لجة السقط من الحاشية يسيرا ليكون إشارة إليه وقيل لا تكفي الإشارة بالانعطاف بل صل بين الخط وأول الإلحاق بخط ممتد منها

وهذا وإن قال الرامهرمزي إنه أجود لما فيه من مزيد البيان فهو كما قال ابن الصلاح غير مرضي بل قال عياض إنه تسخيم للكتاب وتسويد له وإن رأيته في بعض الأصول لا سيما إن كثر التخريج قال والأول أحسن وعليه استمر العمل عندنا ولذا اختاره ابن الصلاح نعم إن لم يكن ما يقابل النقص خاليا واضطر لكتابته بموضع آخر مد وحينئذ الخط إلى أول اللحق كما فعله غير واحد ممن يعتمد وذلك كما قاله المصنف جيد حسن ولكن لا يتعين بل يقوم مقامه أن يكتب قباله إن اتسع المحل يتلوه كذا في الموضع الفلاني أو نحو ذلك من رمز وغيره مما يزول به اللبس

وبعده أي بعد انتهاء الساقط ولو كلمة اكتب إشارة إلى انتهائه وثبوته في الأصل صح صغيرة كما صرح به بعض المتأخرين مقتصرا عليها لو زد معها كما حكاه عياض عن بعضهم رجعا أو لا تكتب واحدة


196
منهما بل أكتب انتهى اللحق كما حكاه عياض أيضا عن بعضهم وفيهما تطويل أو اقتصر على رجع كما أفاده شيخنا

أو كرر الكلمة بسكون اللام التي لم تسقط من أصل الكتاب وهي تالية للملحق بأن تكتبها بالهامش أيضا معا وهذا وإن حكاه عياض إن اختيار بعض أهل الصنعة من المغاربة

وقال الرامهرمزي إنه أجود قال ابن الصلاح إنه ليس بمرضي وقال عياض وتبعه ابن دقيق العيد إنه ليس بحسن وفيه ليس فرب كلمة تجيء في الكلام مرتين بل ثلاثا لمعنى صحيح فإذا كررنا الكلمة لم نأمن أن توافق ما لا يمتنع تكريره إما جزما فتكون زيادة موجهة أو احتمالا فتوجب ارتيابا

وزيادة إشكال

قال والصواب التصحيح لكن قد نسب لشيخنا إن صح أيضا ربما انتظم الكلام بعدها بها فيظن أنها من الكتاب انتهى ولكنه نادر بالنسبة للذى قبله ويمكن أن يقال يبعده فيهما معا الإحاطة بسلوك المقابل له دائما فيما يحسن معه الإثبات وما لا يحسن

وعلى كل حال فالأحسن الرمز لما لا يقرأ كأن لا يجوز الحاء من صح كما هو صنيع كثيرين وكان لهذه العلة استحب بعضهم كما تقدم تصغيرها ولما يكون من غير الأصل مما يكتب في حاشية الكتاب من شرح أو فائدة أو تنبيه على غلط أو اختلاف رواية أو نسخة أو نحو ذلك خرج له بوسط بإسكان المهملة كلمة بسكون اللام المحل التي تسرح أو ينبه على ما فيها لا بين الكلمتين ليفترق بذلك عن الأول ولكن لعياض لا تخرج بل ضبب على تلك الكلمة أو صححن أي أكتب صح عليها الخوف دخول لبس فيه حيث يظن أنه من الأصل لكون ذاك هو المختص بالتخريج وقد أبى أبي ومنع ما ذهب إليه


197
عياض لأن كلا من الضبة والتصحيح اصطلح به لغير ذلك كما سيأتي قريبا فخوف اللبس أيضا حاصل بل هو فيه أقرب لافتراق صورتي التخريج في الأول واختصاص الساقط بقدر زائد وهو الإشارة في آخره بما يدل على أنه من الأصل بل ربما أشير للحاشية أيضا بحاء مهملة ممدودة والنسخة بخاء معجمة إن لم يرمز لها

ولذا قال ابن الصلاح إن التخريج أولى وأول قال وفي نفس هذا التخريج ما يمنع الالتباس وهو حسن وقرأت لخط شيخنا محل قول عياض إذا لم يكن هناك علامة تميزه كلون الحمرة أو دقة القلم انتهى

وليلاحظ في الحواشي ونحوها عدم الكتابة بين السطور وترك ما يحتمله الحك من جوانب الورقة ونحو ذلك مما قررناه ولا يضجر من الإصلاح والتحقيق له

وقد أنشد الشريف أبو علي محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي لأحمد بن حنبل

( من طلب العلم والحديث فلا
يضجر من خمسة يقاسيها )
( دراهم للعلوم يجمعا
وعند نشر الحديث يفنيها )
( يضجره الضرب في دفاتره
وكثرة اللحق في حواشيها )
( يغسل أثوابه وبزته
من أثر الحبر ليس ينقيها )

واللحق في النظم بإسكان الحاء وكأنه خففها لضرورة الشعر

وقال غيره

( خير ما يقتني اللبيب كتاب
محكم النقل متقن التقييد )


198
( خطه عارف نبيل وعانها
فصح التبييض بالتسويد )
( لم يخنه إتقان نقط وشكل
لا ولا عابه لحاق المزيد )
( وكأن التخريج في طرنيه
طرر صفقت ببيض الخدود )
( فيناجيك شخصه من قريب
ويناديك نصه من بعيد )
( فامتحنه تجده خير جليس
واختبره تجده أنس المريد )

ولا يكتب الحواشي في كتاب لا يملكه إلا بإذن مالكه وأما الإصلاح فيه فيجوزه بعضهم بدونه في الحديث قياسا على القرآن


199
التصحيح وهو كتابة صح
والتمريض وهو التضبيب
( وكتبوا صح على المعرض
للشك إن نقلا ومعنى ارتضى )
( ومرضوا فضببوا صادا تمد
فوق الذي صح ورودا وفسد )
( وضببوا في القطع والإرسال
وبعضهم في الأعصر الخوالي )
( يكتب صادا عند عطف الأسما
توهم تضبيبا كذلك إذ ما )
( يختصر التصحيح بعض يوهم
وإنما يميزه من يفهم )

وكتبوا أي من شاء الله من المحدثين أهل التقيد ومن تأسى بهم صح تامة كبيرة أو صغيرة وهو أحسن على أعلى المعرض من حرف فأكثر للشك أو الخلاف فيه لأجل تكرير أو غيره إن نقلا أي رواية ومعنى ارتضى المصحح عليه إشارة بها إلى انه لم يعقل عنه وأنه قد ضبط وصح على ذلك الوجه لئلا يبادر الواقف ممن لم يتأمل إلى تخطيئته وقال ياقوت الرومي ثم الحموي الكاتب بل إشارة إلى أنه كان شاكا فيه فبحث فيه إلى أن صح فخشي أن يعاوده الشك فكتبها ليزول عنه الشك فيما بعد

ثم إن كونها تكتب أعلى الحرف هو الأشهر الأحسن وإلا فلو كتبت عنده بالحاشية مثلا لا بجانبه لئلا يلتبس كفى لقول ابن الصلاح كتابة صح


200
على الكلام أو عنده كما أن كتابتها على المكرر من المعرض هو أيضا الأشهر وإلا فقد قال ابن دقيق العيد رأيت بعضهم إذا تكررت كلمات أو كلمة يكتب عددها في الحاشية بحروف الجمل وكذا مرضوا فضببوا ما مرضوه حيث جعلوا صادا مهملة مختصرة من صح ويجوز أن تكون معجمة من ضبة تمد بدون تجويف للمدبل هكذا فوق الذي صح من حرف فأكثر ورودا أي من جهة الورود في الرواية و لكن فسد من جهة المعنى بأن يكون غير جائز من حيث العربية أو شاذا عند جمهور أهلها أو مصحفا أو ناقصا لكلمة فأكثر أو مقدما أو مؤخرا أو أشباه ذلك من غير خلط للإشارة بالممرض لئلا يلتبس بخط الضرب الآتي لا سيما عند صغر فتحتها إشارة بنصف صح إلى أن الصحة لم تكتمل في ذاك المحل مع صحة نقله وروايته كذلك وتنبيها به لمن ينظر فيه على أنه تثبتت في نقله غير غافل وإنما اختص التمريض بهذه الصورة فيما يظهر لعدم تحتم الخطأ في المعلم عليه بل لعل غيره كما قال ابن الصلاح ممن يقف عليه يخرج له وجها صحيحا يعني ويتجه المعنى كما وقع لابن مالك في كثير من روايات الصحيح أو يظهر له هو بعد في توجيه صحته ما لم يظهر له الآن فيسهل عليه حينئذ تكميلها صح التي هي علامة المعرض للشك

ووجدت في كلام ياقوت ما يشهد له فإنه قال الضبة وهي بعض صح تكتب على شيء فيه شك ليبحث فيه فإذا تحرر أتمها بالحاء فتصير صح ولو جعل لها علامة غيرها لتكلف الكشط لها وكتب صح مكانها انتهى

وكون الضبة ليست للجزم بالخطأ مما يتأيد به الصواب من سد باب الإصلاح خوفا من ظهور توجيه ما ظن خطؤه وقد تجاسر بعضهم وأكثرهم من متأخري المحدثين كما أفاده عياض كأبي الوليد هشام بن أحمد الرقشي أحد


201
أكابر العلماء وأهل اللغة فكان كما قال تلميذه عياض إذا به شيء لم يتجه أصلحه بما يظن اعتماد على وثوقه بعلمه في العربية واللغة وغيرهما ثم يظهر أن الصواب ما كان في الكتاب وتبين وأن ما غيره إليه خطأ فاسد كما سيأتي في إصلاح اللحن والخطأ وإن كان ما وقع في الرواية خطأ محض عنه كل واقف عليه كتب فوقه كذا صغيرة كما قال ابن الجزري وتبعه غيره وبين الصواب بالهامش كما سيأتي في إصلاح اللحن واستعير اسم الضبة لما ذكرناه إما من ضمة القدح التي تجعل لما يكون به من كسر أو خلل أشار إليه ابن الصلاح ولا يخدش فيه بأن ضبة القدح للجبر وهي هنا ليست جابرة فالتشبيه في كونها جعلت في موضعين على ما فيه خلل وإما من ضبة الباب لكون الحرف مقفلا لا يتجه لقراءة كما أن الضبة يقفل بها أشار إليه أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن زكريا القرشي الزهري الأندلسي النحوي اللغوي عرف بابن الإفليلي بكسرة الهمزة وفاءة نسبة إلى إفيل قرية برأس عين من أرض الجزيرة لكون سلفه نزلولها يروي عن الأصيلي وغيره وعن أبو مروان الطيني مات في ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وأربعمائة عن تسعين سنة

قال التبريزي في مختصره ويجوز أن تكون إشارة إلى صورة ضبة ليوافق صورتها ومعناها وقرأت بخط شيخنا ما حاصله مقتضى تسميتها ضبة أن تكون ضادها معجمة ومقتضى تمتها بحاء صح أن تكون مهملة قال لكن لا يمتنع مع هذا أن تكون معجمة و ليخصوا الضبة بما تقدم بل ضببوا أيضا في موضع القطع والإرسال يشترك في معرفة محل السقط العارف وغيره

بل ربما يكون في بعض الأماكن لا يدركه العارف إلا بالنظر فيكفي بما شق به من ذلك مؤونة التعب بالتفتيش وبعضهم في الأعصر الخوالي حسبما وجد في الأصول القديمة يكتب أيضا صادا عند عطف الأسماء بعضها


202
على بعض حيث يقال مثلا حدثنا فلان وفلان وفلان فتوهم من لا خبرة له لكنوها تضبيبا وليست بضبة بل كأنها كما قال ابن الصلاح علامة وصل فيما بينهما أثبتت تأكيدا للعطف خوفا من أن يجعل غير الخبير مكان الواو عن كذاك إذ أي حث ما يختصر التصحيح بعض فيقتصر على الصاد يوهم أيضا كونه تضبيبا بل هو أقرب إلى الإيهام مما قبله وإنما يميزه بفتح أوله في الصورتين من يفهم فالفطنة والإتقان من خير ما أوتيه الإنسان


203
الكشط والمحو والضرب
( وما يزيد في الكتاب يبعد
كشطا ومحوا وبضرب أجود )
( وصله بالحروف خطا أو لا
مع عطفه أو كتب لا ثم إلى )
( أو نصف داره وإلا صفرا
في كل جانب وعلم سطرا )
( فأبق ما أول سطر ثم ما
آخر سطر ثم ما تقدما )
( أو استجد قولان ما لم يضف
أو يوصف نحوهما فألف )
الكشط والمحو والضرب

وغيرهما مما يشار به لإبطال الزائد ونحوه ومناسبة لإلحاق الساقط ظاهرة

وما يزيد في الكتاب أي يكتب على غير وجهه يبعد عنه بأحد أمور مما سلكه الأئمة إما كشطا أي بالكشط وهو بالكاف والقاف سلخ القرطاس بالسكين ونحوها تقول كشطت البعير كشطا لنزعت جلده وكشطت الجل عن ظهر الفرس والغطاء عن الشيء إذا كشفت عنه

وقد يعبر عن الكشط بالكسر تارة وبالحكمة أخرى إشارة إلى الرفق بالقرطاس و إما محوا أي بالمحو وهو الإزالة بدون سلخ حيث


204
أمكن بأن تكون الكتابة في لوح أورق أو ورق صقيل جدا في حال طراوة المكتوب وأمن نفوذ الحبر بحيث يسود القرطاس قال الصلاح ويتنوع طرق المحو يعني فتارة يكون بالأصبع أو بخرقة

قال ومن أغربها مع أنه أسلمها ما روى عن سحنون أحد الأئمة من فقهاء المالكية أنه كان ربما كتب الشيء ثم لعقه قال وإلى هذا يوميء ما روينا يعني مما أسنده عباض عن إبراهيم النخعي أنه كان يقول من المروءة أن يرى في ثوب الرجل وشفتيه مداد يعني لدلالة ذلك على الاشتغالة بالتحصيل

قال ابن العربي وهكذا أخبرني أصحاب الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أن ثيابه كأنما أمطرت مداد ولا يأنف من ذلك فقد حكى الماوردي في الأدب أن عبيد الله بن سليمان رأى على ثوبه أثر صفرة فأخذ من مداد الدواة وطلاه به ثم قال المداد بنا أحسن من الزعفران وأنشد

( إنما الزعفران عطر العذارى
ومداد الدوي عطر الرجال )

ونحوه أن بعض الفضلاء كان يأكل طعاما فوقع منه على ثوبه فكساه حبرا وقال هذا أثر علم وذاك أثر شره

وللأديب أبي الحسن الفيخكردي

( مداد الفقيه على ثوبه
أحب إلينا من الغالية )
( ومن طلب الفقه ثم الحديث
فإن له همة عالية )
( ولو اشتري الناس هذا العلوم
بأرواحهم لم تكن غالية )
( رواة الأحاديث في عصرنا
نجوم وفي العصر الخالية )


205

وعن ابن المبارك قال إذا كان يوم القيامة وزن حبر العلماء ودم الشهداء فيرجع حبر العلماء على دم الشهداء

بل يروي في حديث ضعيف عن النميري وغيره عن أنس رفعه يحشر الله أصحاب الحديث وأهل العلم يوم القيامة وحبرهم خلوق يفوح الحديث

وإما بضرب على الزائد وهو أجود من الأمرين المتقدمين وقال الخطيب إنه المستحب لقول الرامهرمزي قال أصحابنا الحك تهمة يعني بإسكان الهاء في الأكثر وقد تحرك من الإيهام لمعنى الظن حيث يتردد الواقف عليه والله وأعلم كان الكشط لكتابة شيء بدله ثم لم يتيسرا أولا ولكن قد يزول الارتياب حينئذ بكتابة صح في البياض كما رأيت بعضهم يفعله نعم ربما يثبت ما كشط في رواية أخرى صحيحة فيشق على ما رام الجمع بين الروايات عواد كتابته ثانيا فإذا كان قد خط عليه أولا اكتفى بعلامة الراوي الآخر عليه كما رواه عياض عن أبي بحر سفيان بن العاص الأسدي حكاية عن بعض شيوخه قال أعني هذا المبهم وكان الشيوخ يكرهون حضور السكين مجلس السماع حتى لا ينشر شيء ولكن قد اختار ابن الجزري تفصيلا نشأ له عن هذا التعليل فقال إن تحقق كونه غلطا سبق إليه القلم فالكشط أولى لئلا يوهم بالمضرب أن له أصلا وإلا فلا على أنه لا انحصار التعليل الأجودية فيما ذكر فقد رأيت من قال لما في الكشط من مزيد تعب يضيع به الوقت وربما أفسد الورقة ما تنفذ إليه بل ليس يخلو بعض الورق عن ذلك وما أحسن قول القائل

( حدثك في الكشط دليل على
أنك في الخط كثير الغلط )

والمحو غالبا مسود للقرطاس وأنكر أبو إسحاق الحبال الحافظ


206
المصري الحك في الكتاب من وجهين أحدهما أنه يضعف الكتاب والثاني أنه يوهم فإذا ضرب عليه يفهم المكتوب ويسلم صاحب الكتاب من التهمة

ثم إن لكون الضرب علامة بينة في الفاء المضروب عليه روينا في الجامع للخطيب من طريق عبيد الله بن المعتز أنه قال من قرأ سطرا ضرب عليه من كتاب فقد خان أن الخط يحزن ما تحته وإليه أشار اليغموري فقال قال بعض العلماء قراءة السطر المضروب خيانة

وصله أي الضرب بالحروف المضروب عليها بحيث يكون مختلطا بها حال كونه خطا كما نقله عياض عن أكثر الضابطين قال ويسمى أيضا يعني عند المغاربة الشق انتهى وهو مأخوذ من الشق وهو الصدع في الإناء زجاجا أو غيره لاشتراكهما في الصدع لا سيما والحرف صار بالخط فرقه كأنه شق أو من شق العصى وهو التفريق لكونه فرق بين الزائد والثابت

قال المصنف ويوجد في بعض النسخ من ابن الصلاح النشق بزيادة نون مفتوحة في أوله وسكون المعجمة فإن لم يكن تصحيفا وتغييرا من النساخ فكأنه مأخوذ من نشق الظبي في الحبالة وهي التي يصاد بها أي علق فيها من جهة إبطال حركة الكلمة بالخط وإهمالها حيث جعلت في صورة وثاق بمنعها من التصرف انتهى ومنه رجل نشق إذا كان ممن يدخل في أمور لا يكاد يتخلص منها ونحو ما نقله عياض قول الرامهرمزي وتبعه الخطيب وغيره أجود الضرب أن لا يطمس الحرف المضروب عليه بل يخط من فوقه خطا جيدا بينا يدل على إبطاله ولا يمنع قراءته يعني للأمن من الارتياب أولا تصل خط الضرب بالمضروب عليه بل أجعله أعلاه كالأول أيضا لكن منفصلا عنه مع عطية أي الخط من طرفي المضروب عليه بحيث يكون كالنون المنقلبة أشار إليه عياض عن بعضهم


207

وقال وتبعه ابن الصلاح أن منهم من يستفتح هذا الضرب بقسميه ويراه تسويدا وتغليسا ويقتصر على غيره مما سيأتي أو كتب أي ويبعد الزائد أيضا بكتب لا أو من في أوله ثم إلى في آخره وذلك والله أعلم فيما يجوزون أن نفيه أو إثباته غير متفق عليه في سائر الرويات ولذا يضاف إليه بعض الأصول الرمز لمن وقع عنده أو نفي عنه من الرواة وقد يقتصر على الرمز لكن حيث يكون الزائد كلمة أو نحوها

وقد قال ابن الصلاح تبعا لعياض إن مثل هذه العلامة تحسن فيما ثبت في رواية وسقط من أخرى أو نصف أي يبعد الزائد أيضا بتحويق نصف دارة كالهلال حكاهما عياض عن بعضهم واستقبح غيره ثانيهما كما حكاه ابن الصلاح والأصفرا أي يبعد بتحويق صفر وهو دائرة منطبقة صغيرة حكاه عياض عن بعض الأشياخ المحسنين لكتبهم قال وسميت بذلك لخلو ما أشير إليه بها عن الصحة كتسمية الحساب لها بذلك لخلو موضعها من عداد

ثم إذا أشير للزائد بواحد من الصفر ونصف الدائرة فليكن في كل جانب بأصل الكتاب إن اتسع المحل ولم يلتبس بالدائرة التي تجعل فصلا بين الحديثين ونحو ذلك وإلا فأعلى الزائد كالعلامة قبلهما واعلم أيها الطالب لما تبعده بأحد ما تقم سطرا سطرا إذا ما كثرت سطوره أي الزائد بأن تكرر تلك العلامة في أول كل سطر وآخر لما فيه من البيان والإيضاح أولا تكررها بل اكتف بها في طرفي الزائد فقط حكاه عياض عن بعضهم وإن حرف أتى تكريره غلطا فابق على وجه الاستحباب ما هو أول سطر سواء كان هو الحرف الأول أو الثاني ثم إن يسكن أحدهما بأوله فابق ما هو آخر سطر بحيث يكون المضروب عليه حينئذ هو الأول مراعاة لأوائل السطور ثم أواخرها أن تطمس وتشوه ثم إن كان التكرار لهما في وسط


208
السطر فابق ما تقدما منهما لأنه قد كتب على الصواب والثاني خطأ فهو أولى بالإبطال أو استجد أي أبق أجودهما صورة وأولهما على قراءته

وهذان قولان أطلق الرمهرمزي وغيره حكايتهما في أصل المسألة من غير مراعاة لأوائل السطور ومحلهما عند عياض ما إذا كانا في وسط السطر كما بيناه

وما لم يضف المكرر أو يوصف أو نحوهما بالنقل كالعطف عليه والخبر عنه فإن كان كذلك فألف بين المضاف والمضاف إليه وبين الصفة والموصوف وبين المبتدأ والخبر بأن تضرب على الحرف المتطرف من المتكرر دون المتوسط ولا تفصل بالضرب بين ذلك مراعيا بالفصل الأولى والأجود إذ مراعاة المعاني المقربة للفهم أولى من ذلك واستحسنه ابن الصلاح

ومما ينبه عليه أمور أحدها إذا وقع في الكتاب تقديم وتأخير فمنهم من يكتب أول المتقدم كتابه يؤخر وأول المتأخر يقدم وآخره إلى كل ذلك بأصل الكتاب إن اتسع المحل أو بالهامش ومنهم من يرمز لذلك بصورة ما وهذا أحسن إن لم يكن المحل قابلا لتوهم أن الميم رقم لكتاب مسلم ثم إن محله في أكثر من كلمة لكون شيخنا كان يرى في الكلمة الواحدة الضرب عليها وكتابتها في محلها

ثانيها إذا أصلح شيئا نشره حتى يجف لئلا يطبقه فينطمس فيفسد المصلح وما يقابله فإن أحب الإسراع تربه بخانة الساج ويتقي استعمال الرمل إلا إن يزيل أثره بعد جفافه فقد كان بعض الشيوخ يقول إنه سبب للأرضة وكذا يتقي التراب كما صرح به الخطيب في الجامع وساق من طريق عبد الوهاب الحجبي قال كنت في مجلس بعض المحدثين وابن معين بجانبي فكتبت صفحا ثم ذهبت لأتربة فقال لي لا تفعل فإن الأرضة


209
تسرع إليه قال فقلت له الحديث عن النبي تربوا الكتاب فإن التراب مبارك وهو أنجح للحاجة قال ذاك إسناد لا يسوي فلسا ونحوه قول العقيلي لا يحفظ هذا الحديث بإسناد جيد بل قال ابن حبان إنه موضوع

قلت وفيه نظر فهو عند الترمذي في الاستئذان من جامعة من طريق حمزة النصيبي عن أبي الزبير عن جابر رفعه إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه فإنه أنجح للحاجة وقال عقبة إنه مكر لا نعرفه إلا من هذا الوجه كذا قال وقد رواه ابن ماجة في الأدب في سننه من طرق بقية بن الوليد عن أبي أحمد بن علي الكلاعي عن أبي الزبير لكن بلفظ تربوا صحفكم أنجح لها لأن التراب مبارك بل في الباب عن ابن عباس وأبي هريرة وكلاهما وعند ابن عدي في كامله لفظ أولهما تربوا الكتاب وأمسحوه أي أنشروه من أسفله فإنه أنجح للحاجة وعن هشام بن زياد أبي المقدام عن الحجاج بن يزيد عن أبيه رفعه تربوا الكتاب فإنه أنجح له إلى غيرها من الطرق الواهية ويمكن إن ثبت حمله على الرسائل التي لا تقصد غالبا بالإبقاء

وقد قيل إن مما يدفع الأرضة كتابة فارق مارق احبس حبسا أو محبة فالله تعالى أعلم

ثالثها إذا أصلح شيئا من زيادة أو حذف أو تجريف ونحوه في كتاب قديم به اسمعة مؤرخة حسن كما رايت شيخنا فعله أن ينبه معه على تاريخ وقت إصلاحه ليكون من سمع منه أو قرأ قبل مقتصرا عليه وكذا من نقل منه على بصيرة من ذلك بل كان في كثير من أوقاته يميز ما يتجدد له في تصانيفه بالحمرة لتيسر الحاقة لمن كتبه قبل


210

رابعها الضرب والإلحاق ونحوهما مما يستدل به بين المتقدمين على صحة الكتاب فروى الخطيب في جامعه عن الشافعي أنه قال إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهد له بالصحة

وعن أبي نعيم الفضل بن دكين قال إذا رأيت كتاب صحاب الحديث مشججا يعني كثير التغيير فأقرب به من الصحة أنشد ابن خلاد لمحمد بن عبد الملك الزيات يصف دفترا

( وأرى رشوما في كتابك لم تدع
شكا لمرتاب ولا لمفكر )
( نقط وأشكال تلوح كأنها
ندب الخدوش تلوح بين الأسطر )
( تنبيك عن رفع الكلام وحفظه
والنصب فيه لحاله والمصدر )
( وتريك ما تعيا به فتعيده
كقرينة ومقدما كمؤخر )

وأما ما نراه في هذه الأزمان المتأخرة من ذلك فليس غالبا بدليل للصحة لكثرة الدخيل والتلبيس المحيل


211
كيف العمل في الجمع بين اختلاف الروايات
( وليبن أولا على رواية
كتابه ويحسن العناية )
( بغيرها بكتب راو سميا
أو رمز أو بكتبها معتنيا )
( بحمرة وحيث زاد الأصل
حوقه بحمره ويجلو )

لما مر عن بعض الطرق في إبعاد الزائد أنه يحسن فيما ثبت في بعض الروايات دون بعض ناسب إردافه بكيفية الجمع بين الروايات وليين أولا وقت الكتابة أو المقابلة على الرواية خاصة كتابه ولا يجعله ملفقا من روايتين لما فيه من الالتباس وبعد هذا يحسن العناية بغيرها أي بغير الرواية التي أمل كتابه عليها ويبين ما وقع التخالف فيه من زيادة أو نقص أو إبدال لفظ بلفظ أو حركة لإعراب أو نحوها وذلك إما يكتب ما زاد أو أبدل أو اختلف إعرابه بين السطور إن اتسعت وإلا فبالحاشية أو بكتب راو وعرف بذلك الزائد أو المحذوف أو المبدل أو الإعراب إن كان المخالف واحدا وإلا فأكثر حسبما يتفق سواء سميا هذا الراوي أي كتبه باسمه وكذا بما يقوم مقامه مما يعرف به أو رمز له بحرف أو أكثر كما مر في كتابه الحديث وضبطه مع زيادة إيضاح مما كان الأنسب ضمهما بمكان واحد أو بكتبها أي الزيادة ونحوها من إبدال وإعراب وهو الطريق الثاني حال


212
كونه معتنيا به بحمرة كما فعله أبو ذر الهروي من المشارقة وأبو الحسن القابسي من المغاربة وكثير من الشيوخ والمقيدين غير ناظرين الحكاية تلميذ صاحب الهداية من الحنفية عن السلف الصالح كراهة الكتابة بها لأنها شعار المجوس وطريقة القدماء من الفلاسفة أو بخضرة أو صفرة أو غيرها من الألوان المتبائنة للمداد المكتوب به الأصل

وحيث زاد الأصل الذى أصل عليه شيئا حوقه بدائرة كما شرح قريبا أو بلا ثم إلى وبكون ما يسلكه من هذا بحمرة أو خضرة أو غيرهما ويجلوا أي يوضح مراده من رمز أو لون بأن يقول مثلا قد رمزت في كتابي هذا لفلان بكذا أو أشرت لفلان بالحمرة أو بالخضرة أو نحو ذلك بأول كل مجلد أو أخره على ما سبق ولا يعتمد حفظه في ذلك وذكره فربما نسي ما اصطلحه فيه لطول العهد بل ويتعطل غيره ممن نفع له كتابه عن الانتفاع به حيث يصير في حيرة وعمى ولا يهتدي للمراد بتلك الرموز أو الألوان

واعلم أن العناية باختلاف الروايات مع الطرق من المهمات وهو أحد الأسباب المقتضية لامتياز شرح البخاري لشيخنا على سائر الشروح ولكن فيه محذور للقاصرين حيث يضم حين قراءته أو كتابته رواية مع أخرى فيما لا يصلح التلفيق فيه وقد قال ابن الصلاح وليكن فيما تختلف فيه الروايات قائما يضبط ما يختلف فيه في كتابه جيد التمييز بينهما كيلا تختلط وتشتبه فيفسد عليه أمرها


213
الإشارة بالرمز
( واختصروا في كتبهم حدثنا
على ثنا أو نا وقيل وثنا )
( واختصروا أخبرنا على أنا
أو أرنا والبيهقي أبنا )
( قلت ورمز قال إسنادا يرد
قافا وقال الشيخ حذفها عهد )
( خطا ولا بد من النطق كذا
قيل له وينبغي النطق بذا )
( وكتبوا عند انتقال من سند
لغيره ح وانطقن بها وقد )
( رأى الرهاوي بأن لا تقرأ
وأنها من حائل وقد رأى )
( بعض أولى الغرب بأن يقولا
مكانها الحديث قط وقيلا )
( بل حاء تحويل وقال كتب
مكانها صح فحا منها انتخب )
الإشارة بالرمز

ببعض حروف صيغ مما يتكرر وقوعه كحدثنا وأخبرنا وقال وغيرها مع مسألتي التلفظ يقال ونحوها مما يحذف خطا وحاء الواقعة بين السندين ومناسبته لما قبله ظاهرة واختصروا أي أهل الحديث ومن تبعهم في كتبهم دون نطقهم حدثنا بحيث شارع ذلك وظهر حتى لا يكاد يلتبس ولا يخرج الواقف عليه كالذي قبله إلى بيان وهم في ذلك مختلفون فمنهم من يقتصر منها على ثنا الحروف الثلاثة الأخيرة أو يلغى أول الثلاثة


214
ويقتصر على نا الضمير فقط وقيل يقتصر على دثنا فيترك منها الحاء فقط كما وجده ابن الصلاح في خط كل من الحفاظ الحاكم وأبي عبد الرحمن السلمي وتلميذهما البيهقي وكذا اختصروا أخبرنا فمنهم من يحذف الخاء والذين بعدها وهي أصول الكلمة وتقتصر على أنا الألف والضمير فقط أو يضم إلى الضمير الراء فيقتصر على أرنا وفي خط بعض المغاربة الاقتصار على ما عدا الموحدة والراء فيكتب أخ نا ولكنه لم يشتهر وكذا اقتصر البيهقي وطائفة من المحدثين على أنا بترك الخاء والراء فقط

قال ابن الصلاح وليس هذا بحسن قلت وكأنه فيما يظهر للخوف من اشتباهها بأنبأنا وإن لم يصطلحوا على اختصار أنبأنا كما ننشاهده من كثيرين وكذا يظهر أنهم إنما لم يقتصروا من أنا على الحرف الأخير من الفعل مع الضمير كما فعلوا في ثنا بحيث تصيرنا للخوف من تحريف الراء دالا فربما يلتبس بأحد الطرق الماضية في حدثنا وهذا أحسن من قول بعضهم لئلا يحرف الراء زايا

ومن اصطلاحهم حسبما استقريء من صنيعهم غالبا تحريف الألف الأخيرة منهما إلى جهة اليمين كأنه ليحصل التمييز بذلك عما يقع من الكلمات المشابهة لهما في الصورة من المتن وشبهه

وأما كتابة ح في ثنا وأخ في أنا فقال ابن الجزري إنه مما أحدثه بعض العجم وليس من اصطلاح أهل الحديث هذا كله في المذكر المضاف لضمير الجمع وأما المؤنث المضاف للجمع أيضا وكذا حدثني وأخبرني المضافين لضمير المتكلم لا يختصرونه غالبا لكن قال شيخنا إنهم ربما اقتصروا على الحروف الثلاثة من حدثني أيضا بل وعن خط السلفي الاقتصار منها على ما عدا الحاء


215

قلت وأما غير ثنا وأنا مما أشير إليه ف رمز قال الواقعة إسنادا أي في الإسناد رواته يرد حسبما رآه المصنف في بعض الكتب المعتمدة حال كونه قافا مفردة فيصير هكذا ق ثنا وربما خلطهما بعضهم كالدمياطي قيل إنه تفرد بذلك وكتب بخطه في صحيح مسلم قثنا حتى توهم بعض من رآها كذلك أنها الواو الفاصلة بين الإسنادين وليس كذلك

وبالجملة فالرمز لهما اصطلاح متروك ولكن قال الشيخ ابن الصلاح حذفها كلها أصلا ورأسا عهد فيما جرى عليه أهل الحديث خطأ حتى إنهم يحذفون الأولى من مثل عن أبي هريرة قال قال رسول الله قال ولا بد من النطق بها حال القراءة لفظا يعني لأن الأصل الفصل بين كلامي المتكلمين للتمييز بينهما وحيث لم يفصل فهو مضمر والإضمار خلاف الأصل إلا أن هذا لا يقتضي اشتراط التلفظ كما أشعر به تعبيره

نعم قد صرح في فتاويه بأن عدم النطق بها لا يبطل السماع في الأظهر

وإن كان خطأ من فاعله واحتج لذلك بأن حذف القول جائز اختصارا قد جاء به القرآن العظيم وتبعه النووي في تقريبه فقال تركها خطأ والظاهر صحة السماع بل جزم به في مقدمة شرح مسلم فإنه قال فلو ترك القاريء لفظ قال في هذا كله فقد أخطأ والسماع صحيح للعلم بالمقصود ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه وصرح الشهاب عبد اللطيف بن المرحل النحوي بإنكار اشتراط التلفظ بها

وقال الكرماني ينبغي للقاريء أن يلفظ بكل ما قال وثنا وأنا صريحا فلو ترك ذلك كان مخطئا لكن السماع صحيح للعلم بالمقصود ولدلالة الحال على المحذوف قال شيخنا وقضية كلامه في الترك لكل من الثلاثة مخطئا من حيث العدول عن اللفظ وسماعه صحيحا من حيث وجود المعنى

والذى يظهر لي امتناعه في ثنا وأنا خاصة وكذا في مثل ثناخ ثنام وجوازه في


216
حذف قال من مثل قال خ قال م لأن ثنا بمعنى قال لنا فاشترط إعادة قال يعني مما لعله ليس بشيء انتهى

وكذا مما عهد حذفه أيضا لفظ إنه في مثل ما رواه الترمذي من حديث حذيفة رضي الله عنه قال رأى رجلا الحديث فإن تقديره قال إنه رأى رجلا وقول البخاري ثنا الحسن بن الصباح سمع جعفر بن عون وكذا قيل له في مثل قريء على فلان قيل له أخبرك فلان وينبغي كما قال ابن الصلاح مع ملاحظة ما قررناه في قال للقارئ أيضا النطق بذا أي قيل له وكذا إنه ونحوهما قال ووقع في بعض ذلك قرىء على فلان حدثنا فلان فهذا ينطق فيه يقال يعني لا قيل لكونه أحضر وإلا فلو قال قيل له كما عبر به النووي في مقدمة شرح مسلم لما امتنع

وكتبوا أهل الحديث في كل من الحديث أو الكتاب أو نحوهما مما يرومون الجمع بين إسناديه أو أسانيده عند انتقال من سند لغيره ح مهملة مفردة وهي في كتب المتأخرين أكثر وفي صحيح مسلم أكثر منها في البخاري كما صرح به النووي في مقدمة شرح مسلم وهو المشاهد ثم اختلفوا أهي من الحائل أو التحويل أو صح أو الحديث وهل ينطق بها حا أو يصرح ببعض ما رمز بها له عند المرور بها في القراءة أولا قال ابن الصلاح وأنطقن بها كما كتبت مفردة ومر في قراءتك يعني حسبما عليه الجمهور من السلف وتلقاء عنهم الخلف وعليه مشى بعض البغداديين أيضا كما سمعه ابن الصلاح من بعض علماء المغاربة عنه ولكن ذلك غير متعين إلا أنه كما قال ابن الصلاح أحوط الوجوه وأعدلها

وقد رأى الحافظ الرحال أبو محمد عبد القادر الرهاوي نسبة إلى الرها بالضم للأكثر الحنبلي كما سمعه منه ابن الصلاح خلافه فجزم بأن لا تقرآ ولا يلفظ شيء عند الانتهاء إليها وأنها ليست من الرواية بل هي حا


217
من حائل الذي يحول بين الشيئين إذا حجز بينهما لكونها حالة بين الإسنادين وأنه لم يعرفه عن مشايخه وفيهم عدد كانوا حفاظ الحديث في وقته غيره ونحوه في كونها من حائل لكن مع النطق بذلك قول الدمياطي وقد قرأ على بعض المغاربة فصار كلما وصل إلى ح قاله حاجز وهو في النطق بمعناها خاصة موافق لما حكاه ابن الصلاح حيث قال وقد رأى بعض علماء أولى الغرب حين ذاكرته فيها فحكاه عن صنيع المغاربة كافة القول بأن يقولا من يمر بها مكانها الحديث قط أي فقط وحكى ابن الصلاح عن الرهاوي إنكار كونها من الحديث

قلت وكأنه لكون الحديث لم يذكر بعد فإن كانت مذكورة بعد سياق السند الأول وبعض المتن كما في البخاري فإنه أورد من حديث مالك عن سمي عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال جئت أنا وأبي حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة ثم قال ح وحدثنا وساق سندا آخر إلى الزهري عن أبي بكر المذكور أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أن عائشة وأم سلمه أخبرتاه أن النبي كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم فيمكن عدم إنكاره وكذا قيلا مما نقله ابن الصلاح أيضا عن بعض من جمعته وإياه الرحلة بخراسان عن بعض الفضلاء من الأصبهانيين أنها ليست من الحديث بل هي حاء تحويل من إسناد إلى إسناد آخر

وقال ابن الصلاح قد كتب فيما رأيته بخط الحافظين أبي عثمان الصابوني وأبي مسلم عمر بن علي الليثي البخاري والفقيه المحدث أبي سعد محمد بن أحمد بن محمد بن الخليل الخليل مكانها بدلا عنها صح صريحة يعني نحو ما يجعل بين الرواة المعطوف بعضهم على بعض كما تقدم قال فهذا يشعر بكون الحار من إلي صح فحا بالقصر منها انتخب أبي أختير في اختصارها قال وحسن إثبات صح ههنا لئلا


218
يتوهم أن حديث هذا الإسناد سقط ولئلا يركب الإسناد الثاني على الأول فيجعلا إسنادا واحدا وبالجملة فقد اختار النووي أنها مأخوذة من التحول وأن القارئ يلفظ بها ثم إنه لم يختلف من حكينا عنهم في كونها حاء مهملة بل قال ابن كثير إن بعضهم حكى الإجماع عليه قال ومن الناس من يتوهم أنها خاء معجمة أي إسناد آخر وهذا حكاه الدمياطي أيضا فقال وبعض المحدثين يستعملها بالخاء المعجمة يريد بها آخرا وخبرا زاد نغيره أو إشارة إلى الخروج من إسناد إلى إسناد والظاهر كما قال بعض المتأخرين أن ذلك اجتهاد من أئمتنا في شأنها من حيث أنهم لم تبين لهم فيها شيء من المتقدمين قال الدمياطي ويقال إن أول من تكلم على هذا الحرف ابن الصلاح وهو ظاهر من صنيعه لا سيما وقد صرح أول المسألة بقوله ولم يأتنا عن أحد ممن يعتمد بيان لأمرها


219
كتابة التسميع
( ويكتب اسم الشيخ بعد البسملة
والسامعين قبلها مكمله )
( مؤرخا أو جنبها بالطره
أو آخر الجزء وإلا ظهره )
( بخط موثوق بخط عرفا
ولو بخطه لنفسه كفى )
( إن حضر الكل وإلا استملى
من ثقة صحح شيخ أم لا )
( وليعر المسمى به إن يستعر
وإن يكن بخط مالك سطر )
( فقد رأى حفص وإسماعيل
كذا الزبيري فرضها إذ سيلوا )
( إذ خطه على الرضا به دل
كما على الشاهد ما تحمل )
( وليحذر المعار تطويلا وأن
يثبت قبل عرضه ما لم يبن )

وكيفيته وهو المسمى بالطبعة ومناسبته للعمل في اختلاف الروايات من جهة اشتراك محلهما في أول الكتاب أو آخره ولكن وسط بينهما بما هو أظهر في المناسبة مع الأول ويكتب الطالب اسم الشيخ الذي قرأ أو سمع عليه أو منه كتابا أو جزءا أو نحوه وما يلتحق بالاسم من نسب ونسبة وكنية ولقب ومذهب ونحو ذلك مما يعرف به مع سياق سنده بالمسموع لمصنفه في ثبته الذي يخصه بذلك أو في النسخة التي يروم تحصيلها من المسموع بعد البسملة


220
فيقول مثلا أنا أبو فلان فلان بن فلان الفلاني حدثنا فلان ويسوق السند إلى آخره على الوجه الذي وقع وإن سمع معه غيره فليكتب أسماء السامعين إما قبلها أي البسملة فوق سطرها من غير اختصار لما لا يتم تعريف كل من السامعين بدونه فضلا عن حذف لأحد منهم بل مكمله والحذر كما قال ابن الصلاح من إسقاط اسم أحد منهم لغرض فاسد ومن الغريب ما حكاه ابن مسندي عن ابن المفضل وشيخه السلفي أنهما كان يصدران الطباق بذوي السن فإذا أتيا على ذكرهم تركا الشباب وأدرجاهم في طي لفظه وآخرين والظاهر عدم صحته عن ثانيهما كل ذلك حال كون المكتوب مورخا بوقت السماع مذكورا محله من البلد وقارئه وكذا عدد مجالسه إن تعددت معينة وتمييز المكلمين والمفوقين والناعسين والمتحدثين والباحثين والكاتبين والحاضرين من المفطنين واليقظين والسامعين أو جنبها أي البسملة في الورقة الأولى بالطرة يعني الحاشية المتسعة لذلك حسبما أشار إلى حكايته الخطيب عن فعل شيوخه

وكذا فعله السلفي بل ربما يكتب السلفي السماع بالحاشية ولو لم يكن معه غيره أو يكتب الطالب التسميع آخر الجزء أو الكتاب وإلا أي وإن لم يكتبه فيما تقدم فيكتبه ظهره أي في ظهره وربما فعل السلفي وغيره نحوه حيث يكتبون التسميع فيما يكون للمسموع كالوقاية أو يكتبه حيث لا يخفى موضعه منه من حاشية في الأثناء ونحو ذلك فكل هذا كما قال ابن الصلاح لا بأس به مع تصريحه بأن ما قاله الخطيب أحوط له وأحرى بأن لا يخفى على من يحتاج إليه على أن ابن الجزري قد حكى عن بعض شيوخه أن الأولى من جهة الأدب عدم الكتابة فوق البسملة لشرفها ووافقه عليه

وكذا يحسن تسمية المسموع إن كتب التسميع بمحل غير مسمى فيه


221
خوفا من انفراد الورقة فيصير الواقف عليها في حيرة وأن ينبه حيث كانت الكتابة بالأثناء على محلها أول المسموع فقد رأيت شيخنا يفعله فيقول مثلا فرغه سماعا فلان والطبقة بالمكان الفلاني ويعلم بالهوامش عند انتهاء كل مجلس بأن يقول مثلا بلغ السماع في الأول على فلان لأجل من يفوته بعضها أو يسمع بعضها وينبغي أن يكون التسميع بخط شخص موثوق به غير مجهول الخط بل بخط عرفا بين أصحاب الحديث

ولو كان التسميع بخط لنفسه مع اتصافه بذلك كفى فطال ما فعل الثقات ذلك سواء كان معه غيره أم لا وعلى كاتب السماع التحري في تفصيل الأفوات وبيان السامع والمسمع والمسموع بعبارة بينة وكتابة واضحة وإنزال كل منزلته ويكون اعتماده في السامعين وتمييز فواتهم ضبط نفسه إن حضر الكل وإلا استملى ما غاب عنه من ثقة ضابط ممن حضر فذلك كما قال ابن الصلاح لا بأس به إن شاء الله سواء في اعتماد الثقة لضبط نفسه أو ثقة غيره أوضح بذلك في خطه صحح على التسميع شيخ أي الشيخ المسمع واحدا فأكثر حسبما اتفق أم لا

قال ابن الصلاح وقد حدثني بمرو الشيخ أبو المظفر بن الحافظ أبي سعيد المروزي عن أبيه عمن حدثه من الأصبهانية أن عبد الرحمن بن أبي عبيد الله بن منده قرأ ببغداد جزءا على أبي أحمد الفرضي وسأله خطه ليكون حجة به فقال له أبو أحمد يا بني عليك بالصدق فإنك إذا عرفت به لا يكذبك أحد وتصدق فيما يقول وينقل وإذا كنت غير ذلك فلو قيل لك ما هذا خط أبي أحمد ماذا تقول لهم ونحوه قول ابن الجزري قدمت لشيخنا الحافظ أبي بكر بن المحب طبقة ليصحح عليها لكونه المسمع فكره مني ذلك وقال لا تعد إليه فإنما يحتاج إلى التصحيح من يشك فيه انتهى

وما يوجد من تصحيح الشيوخ المسمعين إنما اعتمادهم فيه غالبا على


222
الضابطين وربما أفصح المتحري منهم بذلك وحينئذ فلا فائدة فيه إلا إن كان الشيخ نفسه هو الضابط كما كان ابن المصنف يفعله غالبا لقلة المتميزين في ذلك نعم ربما استظهر بعض المتشددين لما يكتبه المحدث لنفسه أنه سمعه حيث كان معه غيره بشهرة أحد السامعين بين المحدثين وحيث كان متفردا بالإلحاق والتصحيح وشبهه إذ الكتاب لا يخلو غالبا عن الاحتياج لذلك بل وتخليف الراوي فروى أبو بكر بن المقري عن الحسن بن القاسم بن رحيم الدمشقي حدثنا محمد بن سليمان قال قدم ابن معين علينا البصرة فكتب عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل التبوذكي وقال له يا أبا سلمة إني أريد أن أذكر لك شيئا فلا تغضب منه قال هات قال حديث همام عن ثابت عن أنس عن أبي بكر في الغار لم يروه أحد من أصحابك إنما رواه عفان وحبان ولم أجده في صدر كتابك إنما وجدته على ظهره قال فنقول ماذا قال تحلف لي أنك سمعته من همام فقال قد ذكرت أنك كتبت عني عشرين ألفا فإن كنت عندك فيها صادقا فما ينبغي أن تكذبني في حديث وإن كنت كاذبا في حديث فما ينبغي أن تصدقني فيها وترمي بها بنت أبي عاصم طالق ثلاثا إن لم أكن سمعته من همام ووليه لا أكلمك أبدا

وسمع عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بن رزيق بن حبان حديثا فلما فرغ قال الله يا أبا المقدام وهي كنيته أحدثك فلان بهذا أو سمعت هذا قال فجثا على ركبتيه واستقبل القبلة وقال أي والله الذي لا إله إلا هو ولعل بلغه قول علي رضي الله عنه كنت إذا سمعت من النبي حديثا نفعني الله عز وجل بما شاء أن ينفعني منه وإذا حدثني غيري استحلفته فإذا حلف لي صدقته وحدثني أبو بكر رضي الله عنه وصدق أبو بكر وذكر حديثا

وقد يبتديء الشيخ بالحلف مع اشتهار ثقته وصدقه لكن لتزداد طمأنينة


223
السامعين كما كان ابن عبد الدائم يحلف في فوتيه من صحيح مسلم أنهما أعيدا له وفعله من التابعين زيد بن وهب فقال حدثنا والله أبو ذر بالربذة وذكر حديثا وليعر من ثبت في كتابه أو جزئه أو نحوهما تسميع بخط المالك أو غيره ما أثبت فيه السماع الطالب المسمى به واحدا فأكثر إن يستعر ليكتب منه أو يقابل عليه أو ينقل سماعه أو يحدث منه وهذه العارية فيما إذا كان التسميع بغير خط المالك مستحبة وإن يكن التسميع بخط مالك للمسموع سطر فقد رأى القاضيان حفص هو ابن غياث النخعي الكوفي قاضيها بل وقاضي بغداد أيضا وصاحب الإمام أبي حنيفة الذي قاله له في جماعة أنتم مسار قلبي وجلاء حزني

وكان هو يقول ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة ولأن يدخل الرجل اصبعه في عينيه فيقلعهما فيرمي بهما خير من أن يكون قاضيا ولما ولي قال أبو يوسف لأصحابه تعالوا نكتب نوادر حفص فما وردت قضاياه عليه قال له أصحابه أين النوادر فقال إن حفصا أراد الله فوفقه مات على الأكثر سنة تسع وخمسين ومائة وإسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم الأزدي مولاهم البصري المالكي شيخ مالكية العراق وعالمهم ومصنف أحكام القرآن وغيرها المتوفى سنة اثنتين وثمانين ومائتين وكذا أبو عبد الله الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبد الله بن عاصم بن المنذر ابن الزبير بن العوام الأسدي الزبيري بالضم نسبة لجده المذكور البصري الضرير أحد أئمة الشافعية وصاحب الكافي والمسكت وغيرهما المتوفى سنة سبع عشرة وثلاثمائة فرضها أي العارية إذ سيلوا بإسكان الهمزة وإبدالها ياء للضرورة حيث ادعى عند كل من الأولين في زمنه على من امتنع من عارية كتابه وأجاب بإلزامه بإخراجه لينظر فيه فيما يكون من سماع المدعي مثبتا بخط المدعى عليه ألزمه بإعارته حسبما روى ذلك عن الثاني الخطيب وعن الأول الرامهرمزي وقال إنه سأل الثالث عنه فقال لا


224
يجيء في هذا الباب حكم أحسن من هذا إذ خطه أي صاحب المسموع فيه على الرضى به أي بالاسم المثبت دل يعني وثمرة رضاه بإثبات اسمه بخطه في كتابه عدم منع عاريته

قال ابن الصلاح ولم يبين لي وجهه أولا ثم بان لي أن ذلك كما على الشاهد المتحمل يعني سواء استدعى له أو اتفاقا ما تحمل أي أدى الذي تحمله وجوبا وإن كان فيه بذل لنفسه بالسعي إلى مجلس الحكم لأدائها ووجهه غيره أيضا بأن مثل هذا من المصالح العامة المحتاج إليه مع وجود علقة بينهما تقتضي إلزامه بإسعافه في مقصده أصله إعارة الجدار لوضع جذوع الجار الذي صح الحديث فيه وأوجبه جمع من العلماء بل هو أحد قولي الشافعي وإذا ألزمنا الجار بالعارية مع دوام الجذوع في الغالب فلأن يلزم صاحب الكتاب مع عدم دوام العارية أولى وهو ظاهر

ولو قلنا كما قاله عياض إن خطه ليس فيه أكثر من شهادته بصحة سماعه لأنا نقول إلزامه بإبرازه لحصول ثمرته وإن لم يسأله في إثبات اسمه وقت السماع كما يلزم الشاهد الأداء ولو لم يستدع للتحمل ثم إن قياس تعليل ما كتبه بخطه يكون علامة للرضى أنه لو كتبه غيره برضاه كان الحكم كذلك إذ لا فرق

وكلام ابن الصلاح يشهد له فإنه قال ويرجع حاصل أقوالهم إلى أن سماع غيره إذا ثبت في كتابه برضاه فيلزمه إعارته إياه وتبعه النووي في تقريبه بل قال الحاكم سمعت أبا الوليد الفقيه يقول مررت أنا وأبو الحسن الصباغ بمحمد بن علي الخياط يعني القاضي أبا عبد الله المروزي وهو جالس مع كاتبه فادعيت أنا أو هو أن أحدنا سمع في كتاب الأخر وأنه يمتنع من إعارته لرفيقه فسكت ساعة ثم قال بإذنك سمع في كتابك قال نعم قال فأعده سماعه وإذا كان هذا في صورة تسميع المدعي لنفسه مع


225
إمكان اعتقاد التهمة فالغير الأجنبي أولى وأحرى وتوقف بعضهم في الوجوب في ذلك كله وقال إنه ليس بشيء وأيد بأنه يمتنع على المستعين حينئذ الرواية إذا كان يروي من كتابه لغيبة عنه على مذهب من يشدد في ذلك لا سيما إذا كان ضريرا وإن كان الصواب خلافه كما سيأتي المسألة قريبا

وقد حكى ابن الصلاح في أدب الطالب عن إسحاق بن راهويه أنه قال لبعض من سمع منه في جماعة انسخ من كتابهم ما قد قرأت فقال إنهم لا يمكنونني فقال إذا والله لا يفلحون قد رأينا أقواما منعوا هذا السماع فوالله ما أفلحوا ولا أنجحوا وقال ابن الصلاح عقبه إنه أيضا رأى أقواما منعوا فما أفلحوا ولا أنجحوا وليحذر المعار له المسموع تطويلا أي من التطويل في العارية والإبطاء بما استعاره على مالكه إلا بقدر الحاجة فقد روينا عن الزهري أنه قال ليونس بن يزيد إياك وغلول الكتب قال يونس فقلت وما غلولها قال حبسها أن أصحابها

وروينا عن الفضيل بن عياض أنه قال ليس من فعل أهل الخير والروع أن يأخذ سماع رجل وكتابه فيحبسه فمن فعل ذلك فقد ظلم نفسه وأما ما رويناه في ترجمة أبي بكر محمد بن داود بن يزيد بن حازم الرازي من تاريخ نيسابور أنه قال سمعت أحمد بن أبي سريح يقول سمعت أحمد بن حنبل يقول إذا رد صاحب الحديث الكتاب بعد سنة فقد أحسن فليس على إطلاقه

وبلغنا عن ابن المصنف أنه كان يقول إذا غاب الكتاب عند المستعير أكثر من عدد ورقه فهو دليل على أنه لم يأخذه لكتابة ولا قراءة ولا مقابلة ولا مطالعة أو كما قال

ثم إن التمسك في المنع ببطء وما أشبهه لا يكفي في عدم الإلزام بالدفع فقد ساق ابن النجار في ترجمة الأمير أبي محمد عبد الله بن عثمان بن عمر من ذيله أن إسماعيل القاضي المالكي بعد أن حكم بما تقدم قال له المحكوم


226
عليه وهو صاحب الكتاب إنه يعذبني في كتبي إذا دفعتها إليه فقال له أخرج إليه ما لزمك الحكم ثم قال للمدعي إذا أعارك أخوك كتبه لتنسخها فلا تعذبه فإنه تطرق على نفسك منعك فيما تستحق فرضيا بذلك وطابا

بل وفي لفظ عند أبي بكر اليزدي في جزء عارية الكتب له المسموع لنا أن صاحب الكتاب وهو سهل ابن محمد الجوهري قال لإسماعيل أعز الله القاضي هذا رجل غريب أخاف أن يذهب بكتبي فيوثق لي حتى أعطيه فقال له القاضي فأكثر رجلا بدرهمين في كل يوم وأقعده معه حتى يفرغ من نسخ سماعه و كذا ليحذر إذا نسخ من المسموع المعار لنفسه فرعا أن يثبت سماعه فيه قبل عرضه ومقابلته بل لا ينبغي إثبات تسميع على كتاب مطلقا إلا بعد المقابلة ما لم يبن بفتح الموحدة في كل من الإثبات والنقل أن النسخة غير مقابلة


227
صفة رواية الحديث وأدائه سوى ما تقدم وفيه فصول
الفصل الأول
( وليرو من كتابه وإن عري
من حفظه فجائز لأكثر )
( وعن أبي حنيفة المنع كذا
عن مالك والصيدلاني وإذا )
( رأى سماعه ولم يذكر فعن
نعمان المنع وقال ابن الحسن )
( مع أبي يوسف ثم الشافعي
والأكثرين بالجواز الواسع )
( وإن يغب وغلبت سلامته
جازت لدى جمهورهم روايته )
( كذلك الضرير والأمي
لا يحفظان يضبط بمرضي )
( ما سمعنا والخلف في الضرير
أقوى وأولى منه في البصير )

الفصل الأول في جواز اعتماد المحدث ولو كان ضريرا أو أميا الكتاب المصون ولو غاب عنه حتى في أصل السماع وإن لم يستحضره ليرو الراوي من كتابه المتقن القابل المصون الذي صح عنده سماع ما تضمنه معتمدا عليه وإن عرى أي خلا من حفظه بحيث لم يذكر تفضيل أحاديثه حديثا حديثا أو كان يحفظه إلا أنه سيء الحفظ ف ذاك


228
جائز للأكثر من العلماء لأن الرواية مبنية على الظن الغالب لا القطع فإذا حصل كفى ولم يضره كما قال الحميدي ذلك إذا اقتصر على ما في كتابه ولم يزد فيه ولم ينقص منه ما يغير معناه ولم يقبل التلقين إذا لم يرزق من الحفظ والمعرفة بالحديث ما رزقه غيره قال لأني وجدت الشهود يختلفون في المعرفة بحد الشهادة ويتفاضلون فيها كتفاضل المحدثين ثم لا أجد بدا من إجازة شهادتهم جميعا وحينئذ فالمعول على الإتقان والضبط ولو لم يكن حافظا ولذا قال ابن مهدي الحفظ هو الاتقان

وقال مروان بن محمد الفزاري ثلاثة لا غناء للمحدث عنها الحفظ الصدق وصحة الكتب فإن أخطأه الحفظ وكان فه ما عداه لم يضره وعن ابن معين قال ينبغي للمحدث أن يتزر بالصدق ويرتدي بالكتب رواها الخطيب ولا ينافيه قول الإمام أحمد لا ينبغي للرجل إذا لم يعرف الحديث أن يحدث لا سيما وقد روى الخطيب في جامعه عن علي بن المديني قال قال لي سيدي أحمد لا تحدث إلا من كتاب

وقال ابن معين دخلت على أحمد فقلت أوصني فقال لا تحدث المسند إلا من كتاب ولا شك أن الحفظ خوان

وقد قال محمد بن إبراهيم بن بزيع الحافظ قدم علينا أبو بكر بن أبي شيبة فانقلبت له بغداد ونصب له المنبر في مسجد الرصافة فجلس عليه فقال من حفظه حدثنا شريك ثم قال هي بغداد وأخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها يا أبا شيبة يعني ابنه إبراهيم هات الكتاب وقال ابن درستويه أقعد على بن المديني بسامرا على منبر فقال يقبح لمن جلس هذا المجلس أن يحدث في كتاب ثم حدث من حفظه فغلط في أول حديث

وروي عن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي المنع وأنه لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه وتذكرة للمروي تفصيلا


229
من حين سمعه أن يؤديه قال ابن معين فيما رواه الخطيب كان أبو حنيفة يقول لا يحدث الرجل إلا بما يعرف ويحفظ وكذا روى عن الإمام مالك وهو ابن أنس كما أخرجه جماعة منهم الخطيب وأبو الفضل السليماني في الحث على طلب الحديث له واللفظ له من حديث ابن عبد الحكم

عن أشهب بن عبد العزيز قال سألت مالكا أيؤخذ العلم عمن لا يحفظه زاد الخطيب وهو ثقة صحيح قال لا قلت له إنه يخرج كتابه ويقول هو سماعي قال أما أنا فلا أرى أن يحمل عنه فإني لا آمن أن يكتب في كتابه يعني ما ليس منه زاد الخطيب بالليل ثم اتفقا وهو لا يدري

وروى أيضا عن أحد أئمة الشافعية أبي بكر الصيدلاني المروزي ونسب للزين الكتاني من المتأخرين اختياره حتى كان يقول أنا لا يحل أن أروي إلا حديث أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب لأني من حين سمعته لم أنسه وظاهر قول عمر بن الخطاب أما بعد فإني أريد أن أقول مفالة قد قدر أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن وعاها وعقلها وحفظها فليتحدث بها حتى تنتهي به راحلته ومن خشى أن لا يعبها فإني لا أحل لأحد أن يكذب علي وحديث أبي موسى الغافقي الذي أخرجه الحاكم في مستدركه بلفظ آخر ما عهد إلينا رسول الله أن قال عليكم كتاب الله وسترجعون إلى قوم يحبون الحديث عني أو كلمة تشبهها فمن حفظ شيئا فليتحدث به قد يشهد له ولذا استدل بهما الخطيب في الكفاية على وجوب التثبت في الرواية حال الأداء وأن يروي ما لا يرتاب في حفظه ويتوقف عما عارضه الشك فيه وقال الحاكم عقب المرفوع وقد جمع هذا الحديث


230
لفظتين غريبتين إحداهما قوله يحبون الحديث والأخرى قوله فمن حفظ شيئا فليحدث به وقد ذهب جماعة من أئمة الإسلام إلى أنه ليس للمحدث أن يحدث بما لم يحفظه انتهى

وكذا يشهد له قول هشيم من لم يحفظ الحديث فليس هو من أصحاب الحديث يجيء أحدهم بكتاب كأنه سجل مكاتب ومن ثم كما قال شيخنا

قلت الرواية عن بعض من قال بهذا مع كونه في نفس الأمر كثير الرواية وعلى كل حال فهو كما قال ابن الصلاح من مذاهب المتشددين الذين أفرطوا وباينوا بصنيعهم المتساهلين الذين فرطوا بحيث قالوا بالرواية بالوصية والإعلام والمناولة المجردات ومن النسخ التي لم تقابل ونحو ذلك مما بسط في محاله والصواب الأول هو الذي عليه الجمهور سواء كان كتابه بيد ثقة ضابط وإن اشترط بعضهم والحالة هذه كونه بيده كما سلف في أول الفروع التالية لثاني أقسام التحمل وسواء خرج كتابه عن يده أم لا إذا غلب على الظن سلامته وإن منع منه بعضهم كما سيأتي قريبا وسواء حدث من كتابه ابتداء أو حفظ من كتابه ثم حدث من حفظه لكن قد كان شعبة ربما نص على أن حفظه من كتابه لئلا يتوهم والله أعلم حفظه من فم شيخه ابتداء

ثم إن المصنف لم يتعرض لتصويب ابن الصلاح لما ذهب إليه الأكثر

وقد نظم ذلك بعضهم فقال

( وصوب الشيخ لقول الأكثر
وهو الصواب ليس فيه نمتري )

وإذا رأى المحدث سماعه في كتابه بخطه أن بخط من يثق به سواء الشيخ أو غيره فلا يخلو إما أن يتذكره أولا فإن تذكره وهو أرفع الأقسام جازت له روايته على المعتمد إن لم يكن حافظا له وبلا خلاف إن كان له حافظ وإن لم يتذكره بل تذكر أنه غير سماعه فقد تعارضا والظاهر اعتماد ما في ذكره


231

وقد حكى لنا شيخنا عن بعض المحدثين ممن أخذ عن شيخنا بل وأخذ شيخنا أيضا عنه وحدثنا عنه غير واحد أنه كان يكتب الطبقة قبل سماعه قصدا للإسراع لكن يؤخر تعيين التاريخ وطعن فيه بسبب ذلك ونحوه وفيه متمسك للمانعين وإن لم يذكر سماعه له يعني ولا عدمه فعن أبي حنيفة نعمان أبي النعمان أيضا المنع من روايته يعني وإن كان حافظا لما في الكتاب فضلا عما لم يعرفه كما جاء عن ابن مهدي أنه قال وجدت في كتبي بخطي عن شعبة ما لم أعرفه فطرحته وعن شعبة قال وجدت بخطي في كتاب عندي عن منصور عن مجاهد قال لم يحتجم النبي وهو محرم ما أدري كيف كتبه ولا أذكر كيف سمعته وهو مقتضى ما ذهب إليه مالك والصيدلاني أيضا في المسألة الأولى إذ ضبط أصل السماع كضبط المسموع ولعل الصيدلاني هو المقرون عند ابن الصلاح تبعا لعياض بأبي حنيفة حيث قال فعن أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي عدم الجواز وهو قول الجويني كما قال عياض بل قال القاضي حسين في فتاويه به أنه كذلك من طريق الفقه واختاره ابن دقيق العيد فقال القطب الحلبي أتيته بجزء سمعه من ابن دراج والطبقة بخطه فقال حتى أنظر فيه ثم عدت إليه فقال هو يخطيء لكن ما أحقق سماعه ولا أذكره ولم يحدث به

وقال صاحبا أبي حنيفة هو محمد بن الحسن مع شيخه ورفيقه القاضي أبي يوسف ثم إمامنا الشافعي والأكثرين من أصحابه بالجواز الواسع الذي لم يقل الشافعي وأكثر أصحابه بمثله في الشهادة لأن باب الرواية أوسع على أن الإمام من أصحابنا والصاحبان المشار إليهما ممن سوى بين البابين قال كان شيخي يتردد في من شهد شهادة ووضعها عنده في صندوق بحيث كان يتحقق أن أحد لم يصل إليه ثم دعى إلى تلك الشهادة فلم يذكر هل يجوز له أن يشهد ولكن الجواز قد حكاه القاضي حسين في فتاويه عن المحدثين ولم يحك عنهم خلافه إما بالنظر لم استقر عليه عملهم كما نقله ابن دقيق العيد أو لكونه مذهب أكثرهم كما اقتضاه تقرير


232
ابن الصلاح في كونه لا فرق بين مسألتنا والأولى التى الأكثر فيها على الجواز وعلى هذا المذهب مشى شيخنا بل وجد في صحيح ابن حبان بلاغا بخطه عند موضع منه وفي أوله أثبت ما يدل لأزيد منه فحكى حين إيراد سنده صورة الحال مع غلبة الظن بصحة كل منهما وعدم منافاة أحدهما للآخر ولذا أقول إنه يحسن الإفصاح بالواقع بل قال العز بن جماعة إنه يتعين

ثم إنه لكون المعتمد إن نسيانه غير مؤثر يجوز للفرع رواته ما سمعه من شيخه مع تصريح الشيخ بعد تحديثه إياه لما يقتضي نسيانه ولذا قال ابن كثير هنا وهذا يشبه ما إذا نسى الراوي سماعه فإنه يجوز لمن سمعه منه روايته عنه ولا يضره نسيان شيخه انتهى

على أن ابن الصباغ قد حكى في العدة في هذه الصورة إسقاط المروي عن أصحاب أبي حنيفة كما تقدم في الفصل العاشر من معرفة من قبل روايته من الإشارة للتوقف فيه فإما أن يخص بالمتأخرين منهم كما صرح به الخطيب أو يستثنى أبو يوسف ومحمد بن أصحابه أو يفرق بين البابين وبقيت مسألة أخرى عكس التي قبلها وهي ما إذا كان ذاكرا لسماعه ولكن لم يجد بذلك خطا وقد قال القاضي حسين في فتاويه إن مقتضى الفقه الجواز ونقل المنع عن المحدثين

وقال الفرغاني الديانة لا توجب روايته والعقل لا يجيز إذاعته لأنه في صورة كذاب وإن كان صادقا في نفس الأمر قال وللراوي أن يقلد فيه إذا احتاج إليه وعلم حفظه لما فيه إلا أنه لا يجوز له أن يكتب سماعه على كتابه لئلا يوهم الجزم بصحته انتهى والمعتمد الجواز

ثم إن محل الجواز كما قال ابن الصلاح يعني في مسألتي اعتماد الكذب في المسموع وأصل السماع إذا سكنت نفسه إلى صحبة ولم تشكك


233
فيه فإن تشكك يعني في تطرق التزوير ونحوه إليه بحيث لم تسكن نفسه إلى صحته أو كان كل من الطرفين على حد سواء فلا قال ابن معين من لم يكن سمحا في الحديث بمعنى أنه إذا شك في شيء تركه كان كذابا

وعن الشافعي أن مالكا كان إذا شك في شيء من الحديث تركه كله

ونحوه تقييد غيره بما إذا لم تظهر فيه قرينة التعبير لأن الضرورة دعت لاعتماد الكتاب المتقن من جهة انتشار الأحاديث والرواية انتشارا يتعذر معه الحفظ عادة فلو لم تعتمد غلبة الظن في ذلك لأبطلنا جملة من السنة أو أكثرها

وكذا خص بعض المتشددين الجواز بما إذا لم يخرج الكتاب عن يده بعارية أو غيرها قال بعضهم وهو احتياط حسن يقرب منه صنيع المتقدمين أو جلهم في المكاتبة حيث يختمون الكتاب كما تقدم في محله

وممن امتنع من رواية ما غاب عنه محمد بن عبد الله الأنصاري وإسماعيل ابن العباس جد أبي بكر الإسماعيلي وهو مقتضى صنيع بن مهدي حيث جلس مع من رام استعماره كتابة حتى نسخ منه وقال خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن الحكم والحديث وابن المبارك ورواه نازلا عن الذي أخذ منه الكتاب من رفقائه عن ذاك فإنه قال سمعت أنا وغندر حديثا من شعبة فبانت الرفعة عند غندر فحدثت به عن غندر عن شعبة وهو شبيه بمن كان يروي عن تلميذه عن نفسه ما نسي أنه حديث التلميذ به في آخرين والأصح أنه إن يغيب الكتاب عنه غيبة طويلة فضلا عن يسيره بإعارة أو ضياع أو سرقة وغلبت على الظن سلامته من التغيير والتبديل جازت لدى أي عند جمهورهم كيحيى بن سعيد القطان وفضيل بن ميسرة وغيرهما من المحدثين كما حكاه الخطيب وجنح إليه


234
روايته لا سيما إذا كان ممن لا يخفى عليه في الغالب إذا غير ذلك أو شيء منه لأن باب الرواية مبني على غلبة الظن فإذا حصل أجزأ ولم يشترط مزيد عليه

قال الخطيب وهكذا الحكم في الرجل يجد سماعه في كتاب غيره

وقد قال أحمد إنه لا بأس إذا عرف الخط وقيده القاضي أبو الطيب الطبري بأن يعرف الشيخ وذلك أن الخطيب سأله عمن وجد سماعه في كتاب من شيخ قد سمى ونسب في الكتاب غير أنه لا يعرفه أي الشيخ فقال لا يجوز له رواية ذلك الكتاب

كذلك الضرير أي الأعمى والأمي أي الذي لا يكتب اللذان لا يحفظان حديثهما من فم من حدثهما تصح روايتهما حيث يضبط المرضى الثقة لهما ما سمعاه ثم يحفظ كل منهما كتابه عن التغيير بحسب حاله ولو بثقة غيره إلى أن يؤدي مستعينا حين الأداء أيضا بثقة في القراءة منه عليه بحيث يغلب الظن سلامته من الزيادة والنقص والتغيير ونحوها من حين التحمل إلى انتهاء الأداء لا سيما إن انضم إليه من مزيد الحفظ ما يأمن معه من الإدخال عليه لما ليس من حديثه مثل يزيد بن هارون الذي قال فيه الإمام أحمد ما أفطنه وأذكاه وأفهمه والقائل هو لمستمليه بلغني أنك تريد أن تدخل علي في حديثي فأجهد جهدك لا أدعي الله عليك إن رعيت أحفظ ثلاثة وعشرون ألف حديث فإنه كان بعد أن كف بسبب كثرة بكائه في الأسحار يا من جاريته فتلقنه ويحفظ عنها ولم يلتفتوا للقول بأنه عيب بذلك

وقد كان عبد الرزاق يلقنه أصحاب الحديث فإذا اختلفوا اعتمد من علم بإتقانه منهم فيصير إليه ومع ذلك فأسندت عنه أحاديث ليست في كتبه


235
البلاء فيها ممن دونه وإذا كان من سمع منه من كتبه أصح وممن فعله في الجملة موسى بن عبيدة الربذي فإنه كان أعمى وكانت له خريطة فيها كتبه فكان إذا جاءه إنسان دفع إليه الخريطة فقال اكتب منها ما شئت ثم يقرأ عليه مع كونه لم يكن بالحافظ ولكنه ليس بحجة

ومنع مع ذلك غير واحد من الأئمة كابن معين وأحمد قال الخطيب ونرى العلة المنع هي جواز الإدخال عليهما ما ليس من سماعهما وأشار إلى أنها هي العلة التي منع مالك لأجلها غير الحافظ من الرواية معتمدا على كتبه ما تقدم

ويدل لذلك أن ابن معين المحكي عنه المنع قال في الرجل يلقن حديثه لا بأس به إذا كان يعرف ما يدخل عليه

وحكى عن أبي معاوية الضرير وكان قد عمي وهو ابن ثمان سنين أو أربع أنه كان إذا حدث بما لم يحفظه عن شيخه يقول في كتابنا أو في كتابي وكذا ذكر فلان ونحو ذلك ولا يقول حدثنا ولا سمعت إلا فيما حفظه من في المحدث وهذا يشبه أن يكون مذهبا ثالثا وللمذهبان الأولان وجهان حكاهما الرافعي في الشبهات وقال إن الجمهور على القبول

قال ابن الصلاح والخلف في الضرير أقوى وأولى منه في البصير الأمي يعني لخفة المحذور فيه وهو ظاهر بالنظر إلى الأصل خاصة لامع انضمام أمر آخر وإلا فقد يختلف الحال فيهما بالنسبة إلى الأشخاص والأوصاف ولذا قال البلقيني قد تمنع الأولوية من جهة تقصير البصير فيكون الأعمى أولى بالجواز لأنه أتى باستطاعته


236

وقال شيخنا إذا كان الاعتماد على ما كتب لهما فهما سواء

وقال شيخنا إذا كان الاعتماد على ما كتب لهما فهما سواء إذ الواقف على كتابهما يغلب على ظنه السلامة من التغيير أو عكسها على أن الرافعي قد خص الخلاف في الضرير بما سمعه بعد العمى فأما ما سمعه قبله فله أن يرويه بلا خلاف يعني بشرطه وفي نفي الخلاف توقف إذا علم هذا فتعليل ابن الصلاح اختياره عدم التصحيح في الأزمان المتأخرة بكون السند لا يخلو غالبا عمن اعتمد على ما في كتابة لا يخدش في كون المعتمد هنا اعتماد غير الحافظ لكتاب المتقن فإن تحدث المتقدمين من كتبهم مصاحب غالبا بالضبط والإتقان الذي يزول به الخلل حتى إن الحكم أدرج في المجروحين من تساهل في الرواية من نسخ مشتراة أو مستعارة غير مقابلة لتوهمهم الصدق في الرواية منها بخلاف المتأخرين في ذلك فهو غالبا عري عن الضبط والإتقان وإن نوقش في أصله كما تقرر في محله الفصل الثاني


237
الفصل الثاني الرواية من الأصل
( وليرو من أصل أو المقابل
به ولا يجوز بالتساهل )
( مما به اسم شيخه أو أخذا
عنه لدى الجمهور وأجاز ذا )
( أيوب والبرسان قد أجازه
ورخص الشيخ مع الإجازة )
( وإن يخالف حفظه كتابه
وليس منه فرأوا صوابه )
( الحفظ مع تيقن والأحسن
الجمع كالخلاف ممن يتقن )
الرواية من الأصل

أو الفرع المقابل وجوب ذلك ومن المعتمد من الحفظ والكتاب عند تخالفهما وليرو المحدث إذا رام أو أشي مما تحمله بالسماع أو القراءة أو غيرهما من أصل تحمل منه أو من الفرع المقابل المقابلة المتقنة به أي بالأصل وهو شرط ولا يجوز الأداء بالتساهل بأن يروي مما لم يكن سماعه منه ولو كان أصلا به اسم شيخه يعني


238
سماعه أو كان فرعا أخذا عنه أي عن الشيخ من ثقة من الثقات بحيث تسكن نفسه إلى صحته اعتمادا على مجرد ذلك لدى أو عند الجمهور من المحدثين كما حكاه الخطيب وقطع به الإمام أبو نصر بن الصباغ الفقيه في الصورة الثانية فقط حكاه ابن الصلاح عنه بلاغا وعلله ابن الصلاح بأنه لا يؤمن أن يكون في كل منهما زوائد ليست في نسخة سماعه و لكن قد أجاز ذا أي الأداء من كليهما ترخصا أيوب بن أبي تميمة السختياني و كذا أبو عثمان أو أبو عبد الله محمد بن بكر البرسان بضم الموحدة وسين مهملة مع حذف ياء النسبة نسبة لقبيلة الأزد البصري

قد يرخص أيضا حيث أجازه قال الخطيب والذي يوجبه النظر أنه متى عرف أن الأحاديث التي تضمنتها النسخة هي التي سمعها من الشيخ جاز له أن يرويها إذا سكنت نفسه إلى صحة النقل والسلامة من دخول الوهم لها وهو موافق لما تقدم عنه في المقابلة من جواز الرواية من فرع كتب من أصل معتمد مع كونه لم يقابل لكن بشرط البيان لذلك حين الرواية وإلى ما ذهب إليه أيوب والبرساني جنح ابن كثير من المتأخرين و كذا رخص فيه أيضا الشيخ ابن الصلاح لكن مع وقوع الإجازة من المسمع له بذلك الكتاب أو بسائر مروياته التي تقدم أنه لا غناء في كل سماع عنها احتياطا ليقع ما يسقط في السماع على وجه السهو وغيره من كلمة فأكثر مرويا بالإجازة

قال وليس فيه حينئذ أكثر من روايته تلك الزيادات بالإجازة بلفظ أنا أو ثنا من غير بيان للإجازة فيها

والأمر في ذلك قريب يقع في محل التسامح فإن كان الذي في النسخة سماع شيخ شيخه أو هي مسموعة على شيخ شيخه أو مروية عن شيخ شيخه فينبغي له حينئذ في رواية منها أن يكون له إجازة شاملة من شيخه ولشيخه إجازة شاملة من شيخه قال وهذا تيسر حسن هدانا الله


239
ولله الحمد له الحاجة إليه ماسة في زماننا جدا يعني لمزيد التوسع والتساهل فيه بناء على أن المطلوب بقاء السلسة خاصة حتى إنه صار كما قال ابن الصلاح بمجرد قول الطالب للشيخ هذا الكتاب أو الجزء من روايتك يمكنه من قراءته من غير تثبت ولا نظر في النسخة ولا تفقد طبقة سماع وما أشبه ذلك من البحث الذي يؤدي إلى حصول الثقة بصحة أصل السماع فضلا عن المسموع وأن يخالف حفظه كتابه وقلنا بالمعتمد من الاكتفاء في الرواية بكتابة المتقن المحفوظ عنده ولو لم يكن حافظ فإن كان إنما حفظ من كتابه فليرجع إليه ولو اختلف المعنى و إن يكن ليس حفظ منه وإنما حفظ من فم المحدث أو من القراءة عليه فقد رأوا أي أهل الحديث صوابه الحفظ أي اعتماد الحفظ إذا كان مع تيقن وتثبت في حفظه أما مع الشك أو سوء الحفظ فلا والأحسن مع تيقن الجمع بينهما فيقول حفظي كذا وفي كتابي كذا كما فعل همام

وقد روي حديث أنه اشترى حلة بسبع وعشرين ناقة فقال هكذا في حفظي وفي كتابي ثوبين هذا مع عدم التنافي بينهما فالحلة لا تسمى كذلك إلا أن تكون ثوبين من جنس

وفعله شعبة حيث روى حديث ابن مسعود في التشهد ثم يصلي على النبي وقال هكذا في حفظي وهو ساقط في كتابي في آخرين من الحافظ وذلك كالخلاف ممن يتقن من الحافظ له فيما حفظه حيث يحسن فيه أيضا كما كان الثوري وشعبة وغيرهما يفعلون بيان الأمرين معا فيقول في حفظ كذا وكذا وقال فيه فلان كذا وكذا أو نحو ذلك بل قيل لشعبة حيث حدث بحديث مرفوع قال إنه في حفظه كذلك وفي زعم فلان وفلان خلافه يا أبا بسطام حدثنا بحفظك ودعنا من فلان وفلان فقال ما


240
أحب أن عمري في الدنيا عمر نوح وإني حدثت بهذا وسكت عن هذا وربما ذكر ما قد يترجح به أحد القولين كقوله وقال فيه فلان وكان أحفظ مني وأكثر مجالسة لشيخه مني


241
الفصل الثالث الرواية بالمعنى
( وليرو بالألفاظ من لا يعلم
مدلولها وغيره فالمعظم )
( أجاز بالمعنى وقيل لا الخبر
والشيخ في التصنيف قطعا قد حظر )
( وليقل الراوي بمعنى أو كما
قال ونحوه كشك أبهما )

والخلاف في ذلك والاستحباب لمن روى به أن يأتي بما يدل عليه وليرو بالألفاظ التي سمع بها مقتصرا عليها بدون تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقص لحرف فأكثر ولا إبدال حرف أو أكثر بغيره ولا مشدد بمثقل أو عكسه من تحمل من غير التصانيف ممن لا يعلم مدلولها أي الألفاظ في اللسان ومقاصدها وما يحل معناها والمحتمل من غيره والمرادف منها وذلك على وجه الوجوب بلا خلاف بين العلماء لأن من أتصف بذلك لا يؤمن بتغييره من الخلل

ألا ترى إلى إسماعيل بن علية كيف أنكر على شعبة مع جلالته وإتقانه روايته بالمعنى عنه بحديث النهي أن يتزعفر الرجل بلفظ نهى عن التزعفر الدال على العموم حيث لم يفطن لما فطن له إسماعيل الذي رواية شعبة عنه


242
من رواية الأكابر عن الأصاغر من اختصاص النهي بالرجال

وأما غيره ممن يعلم ذلك ويحققه فاختلف فيه السلف وأصحاب الحديث وأرباب الفقه والأصول فالمعظم منهم جاز له الرواية بالمعنى إذا كان قاطعا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه سواء في ذلك المرفوع أو غيره كان موجبه العلم أو العمل وقع من الصحابي أو التابعي أو غيرهما أحفظ اللفظ أم لا صدر في الافتاء والمناظرة أو الرواية أتى بلفظ مرادف له أم لا كان معناه غامضا أو ظاهرا حيث لم يحتمل اللفظ غير ذاك المعنى وغلب على ظنه إرادة الشارع بهذا اللفظ ما هو موضوع له دون التجوز فيه والاستعارة وجاء للجواب عن غير واحد من الصحابة وعن بعض التابعين قال لقيت أناسا من الصحابة فاجتمعوا في المعنى واختلفوا على اللفظ فقلت ذلك لبعضهم فقال لا بأس به ما لم يحل معناه حكاه الشافعي

وقال حذيفة إنا قوم عرب نورد الأحاديث فنقدم ونؤخر وقال ابن سيرين كنت أسمع الحديث من عشرة المعنى واحد واللفظ مختلف

وممن كان يروي بالمعنى من التابعين الحسن والشعبي والنخعي بل قال ابن الصلاح إنه الذي شهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين فكيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا في أمر واحد بألفاظ مختلفة وما ذاك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ انتهى

ولانتشاره أجاب مالك من سأله لم لم تكتب عن الناس وقد أدركتهم متوافرين بقوله لا أكتب إلا عن رجل يعرف ما يخرج من رأسه وكذا تخصيصه ترك الأخذ عمن له فضل وصلاح إذا كان لا يعرف ما يحدث به بكونه كان قبل أن تدون الكتب والحديث في الصدور لأنه يخشى أن يخلط فيما يحدث به فيه إشارة كما قال شيخنا إلى أنهم كانوا يحدثون على


243
المعاني وإلا فلو حفظه لفظا لما أنكره ومن ثم اشترط الشافعي ومن تبعه فيمن لم يتقيد بلفظ المحدث كونه عاقلا لما يحيل معناه كما تقرر في معرفة من تقبل روايته

قال الماوردي والروياني وشركه أن يكون متساويا له في الجلاء والخفاء وإلا فيمتنع كقوله لا طلاق في إغلاق فلا يجوز التعبير عنه بالإكراه للعلماء ثم جعلا محل الخلاف في غير الأوامر والنواهي وجزما بالجواز فيهما ومثلا الأمر بقوله اقتلوا الأسودين الحية والعقرب فيجوز أن يقال أمر بقتلهم والنهي بقوله لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا سواء بسواء فيجوز أن يقال نهى عن كذا وكذا لأن أفعل أمر ولا تفعل نهى ونازعهما الإسنوي بأن لفظ افعل للوجوب ولا تفعل للتحريم بخلاف لفظ الأمر ولفظ النهي وفيه نظر إذ فعل ولا تفعل حقيقة عبارة عنهما وكذا عليه كما قال الخطيب المبالغة في التوقي والتحري خوفا من إحالة المعنى الذي يتغير به الحكم وقيل لا تجوز له الرواية بالمعنى مطلقا قاله طائفة من المحدثين والفقهاء والأصوليين من الشافعية وغيرهم قال القرطبي وهو الصحيح من مذهب مالك حتى إن بعض من ذهب لهذا شدد فيه أكثر التشديد فلم يجز تقديم كلمة على كلمة ولا حرف على آخر ولا إبدال حرف بآخر ولا زيادة حرف ولا حذفه فضلا عن أكثر ولا تخفيف ثقيل ولا تثقيل خفيف ولا رفع منصوب ولا نصب مجرور أو مرفوع ولو لم يتغير المعنى في ذلك كله بل اقتصر بعضهم على اللفظ ولو خالف اللغة الفصيحة

وكذا لو كان لحنا كما يبين تفصيل هذا كله الخطيب في الكفاية مما سيأتي بعضه في كل من الفصل الذي بعده والسادس والعاشر قريبا لما فيه من خوف الدخول في الوعيد عزى للنبي لفظا لم يقله ولكونه قد


244
أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا وغيره ولو كان في الفصاحة والبلاغة بأقصى غاية ليس مثله بل قد يظن توفية اللفظ بمعنى اللفظ الآخر ولا يكون كذلك في نفس الأمر كما عهد في كثير من الأحاديث

وأيضا فالاتفاق حاصل على ورود الشرع بأشياء قصد فيها الإتيان باللفظ والمعنى جميعا نحو التكبير والتشهد والأذان والشهادة وإذا كان كذلك أمكن أن يكون المطلوب بالحديث لفظه ومعناه جميعا لا سيما قد ثبت قوله نصر الله أمرا سمع منا حديثا فأداه كما سمعه ورده على الذي علمه ما لقوله عند أخذ مضجعه إذ قال ورسولك بقوله لا ونبيك قال ابن كثير وكان ينبغي أن يكون هذا المذهب هو الواقع ولكن لم يتفق ذلك انتهى

وممن اعتمده مسلم فإنه في صحيحه يميز اختلاف الرواة حتى في حرف من المتن وربما كان بعضه لا يتغير به معنى وربما كان في بعضه اختلاف في المعنى ولكنه خفاء لا يتفطن له إلا من هو في العلم بمكان بخلاف البخاري وكذا سلكه أبو داود وسبقهما لذلك شيخهما أحمد

ومن أمثلته عنده حدثنا يزيد بن هارون وعباد بن عباد المهلبي قالا أنبأنا هشام قال عباد بن زياد عن أبيه عن فاطمة ابنة الحسين عن أبيها الحسين بن علي مرفوعا ما من مسلم يصاب بمصيبة وإن طال عهدها قال عباد وإن قدم عهدها وربما نشأ عن نسبة ما يزيده بعض الرواة من الأنساب إثبات راو لا وجود له كما سأذكره في سابع الفصول

وقيل لا يجوز في الخبر يعني حديث رسول الله خاصة لما تقدم ويجوز في غيره قاله مالك فيما رواه عنه البيهقي والخطيب وغيرهما

وقيل لا يجوز إن كان موجبه عملا كتحليلها التسليم وتحريمها التكبير


245
وخمس تقتلن في الحل والحرم وإن كان موجبه علما جاز بل وفي العمل أيضا ما يجوز بالمعنى نقله ابن السمعاني

وقيل لا يجوز لغير الصحابة خاصة لظهور الخلل في اللسان بالنسبة لمن قبلهم بخلاف الصحابة فهم أرباب اللسان وأعلم الخلق بالكلام حكاه الماوردي والروياني في باب القضاء بل جزما بأنه لا يجوز لغير الصحابي وجعلا الخلاف في الصحابي دون غيره

وقيل لا يجوز لغير الصحابة والتابعين بخلاف من كان منهم وبه جزم بعض معاصري الخطيب وهو حفيد القاضي أبي بكر في أدب الرواية قال لأن الحديث إذا قيده الإسناد وجب أن لا يختلف لفظه فيدخله الكذب

وقيل لا يجوز بمن يحفظ اللفظ لزوال العلة التي رخص فيه بسببها ويجوز لغيره لأنه تحمل اللفظ والمعنى عجز عن أحدهما فلزمه أداء الآخر لأنه بتركه يكون كاتما للأحكام قاله الماوردي في الحاوي ذهب إليه

وقيل لا يجوز في الرواية والتبليغ خاصة بخلاف الإفتاء والمناظرة قاله ابن حزم في كتاب الأحكام وقيل لا يجوز بغير اللفظ المرادف له بخلافه به مع اختلاف الأصوليين في مسألة قيل إن النزاع في مسألتنا يتفرع عن النزاع فيها وحي جواز إقامة كل من المترادفين مقام الآخر على ثلاثة أقوال ثالثها التفصيل فإن كان من لغته جاز وإلا فلا

وقيل لا يجوز في المعنى الغامض دون الظاهر أشار إليه الخطيب

والمعتمد الأول وهو الذى استقر عليه العمل والحجة فيه أن في ضبط الألفاظ والجمود عليها ما لا يخفى من الحرج والنصب المؤدي إلى تعطيل الانتفاع بكثير من الأحاديث حتى قال الحسن لولا المعنى ما حدثنا وقال الثوري لو أدرنا أن نحدثكم بالحديث كما سمعناه ما حدثناكم بحرف واحد

وقال وكيع إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس


246

وأيضا فقد قال الشافعي وإذا كان الله عز وجل برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزل لتحل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه وتتبعه بنحوه يحيى بن سعيد القطان فإنه قال القرآن أعظم من الحديث ورخص أن تقرأه على سبعة أحرف وكذا قال أبو أويس سألنا الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال إن هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث إذا أصبت معنى الحديث فلم تحل به حراما ولم تحرم به حلالا فلا بأس به

بل قال مكحول وأبو الأزهر دخلنا على واثلة رضي الله عنه فقلنا له حدثنا بحديث سمعته من رسول الله ليس فيه وهم ولا تزيد ولا نسيان فقال هل قرأ أحد منكم من القرآن شيئا فقلنا نعم وما نحن له بحافظين جدا إنا لنزيد الواو والألف وننقص قال فهذا القرآن مكتوب بين أظهركم لا تألونه حفظا وأنتم تزعمون أنكم تزيدون فيه وتنقصون منه فكيف بأحاديث سمعناها من رسول الله وعسى أي لا نكون سمعناها إلا مرة واحدة حسبكم إذا حدثناكم بالحديث على المعنى

واحتج حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسى عليه السلام وعدوه فرعون بألفاظ مختلفة في معنى واحد كقوله بشهاب حبس ويقبس أو جذوة من النار وكذلك قصص سائر الأنبياء عليهم السلام في القرآن وقولهم لقومهم بألسنتهم المختلفة وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى وقد قال أبي بن كعب كما أخرجه أبو داود كان رسول الله تعالى يوتر بسبح اسم ربك وقل للذين كفروا والله الواحد الصمد فسمى السورتين الأخيرتين بالمعنى

ومن أقوى الحجج كما قال شيخنا ما حكى فيه الخطيب اتفاق الأمة من


247
جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه باللغة العربية أولى وأشار إليه ابن الحاجب واستأنسوا للجواز بحديث مرفوع قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك الحديث فلا نقدر أن نؤديه فقال إذا لم تحلوا حراما ولم تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس وهو حديث مضطرب لا يصح بل ذكره الجوزقاني وابن الجوزي في الموضوعات وفي ذلك نظر وكذا استأنسوا له بما يروى عن أبي إمامة رضي الله عنه مرفوعا من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده بين عيني جهنم قال فشق فلك على أصحابه حتى عرف في وجوههم وقالوا يا رسول الله قلت هذا ونحن نسمع منك الحديث فنزيد وننقص ونقدم ونؤخر فقال لم أعن ذلك ولكن من كذب علي يريد عيني وشين الإسلام

وقد قال الحاكم أنه أيضا حديث باطل وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية اتفقوا على تكذيبه بل قال صالح جزرة إنه كان يضع الحديث لكن له طريق أخرى رواه أحمد بن منيع في مسنده والخطيب في كفايته معا من طريق خالد بن دريك عن رجل من الصحابة أتم منه وبه تعلق بعض الوضاعين كما أشرت إليه هناك

ثم إن ما استدل به المخالف يدفعه القطع بنقل أحاديث كما تقدم قريبا في وقائع متحدة بألفاظ مختلفة من غير إنكار من أحد بحيث كان إجماعا والقصد قطعا من إيراد اللفظ إنما هو المعنى وهو حاصل وإن كان لفظ الشارع أبلغ وأوجز ويكفي في كونه معناه غلبة الظن وإلحاق حديث الرسول بألفاظ الأذان والتشهد ونحوهما من التوقيفات لا دليل له كما قاله الخطيب وحديث نظر الله ربما يتمسك به للجواز لكونه مع ما قيل إنه لم يحدث به سوى مرة واحدة

روى بألفاظ مختلفة كرحم الله ومن سمع ومقالتي وبلغه


248
وافقه ولا فقه له مكان نضر الله وأمروا ومنا حديثا وأداه وأوعى وليس بفقيه

لا سيما وفيه ما يرشد إلى الفرق بين العارف وغيره بقوله فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه وليس بفقيه إلى من هو أفقه منه وأما حديث لا ونبيك ففي الاستدلال به نظر لأنه وإن تحقق بالقطع أن المعنى في اللفظين متحد لأن الذات المحدث عنها واحدة فالمراد يفهم بأي صفة وصف بها الموصوف فيحتمل أن المنع لكون ألفاظ الأذكار كما سيأتي في الفصل الثاني عشر توقيفية ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس فيجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به وبالجملة فيستحب له أن يورد الأحاديث بألفاظها كما قاله الحسن وغيره لأن ذلك أسلم وأفضل كما قاله ابن سيرين وغيره

ولذا كان ابن مهدي فيما حكاه عند الإمام أحمد يتوقى كثيرا ويجب أن يحدث بالألفاظ هذا كله فيمن تحمل من غير التصانيف وإلا ف الشيخ ابن الصلاح لم يجر الخلاف ولا علم أن غيره أجراه في التصنيف المدون بل قطعا فيه قد حظر بالمهملة ثم المعجمة أي منع تغيير اللفظ الذي اشتمل عليه وإثبات لفظ آخر بدله بمعناه لكون المشقة في ضبط الألفاظ والجمود عليها التي هي معول الترخيص منتفية في الكتب المدونة يعني كما هو أحد الأقوال في القسم الأول المحكي فيه المنع لحافظ اللفظ وأيضا فهو إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغير تصنيف غيره

وهذا قد يؤخذ منه اختصاص المنع بما إذا روينا التصنيف نفسه أو نسخناه أما إذا نقلنا منه إلى تخاريجنا أو أجزائنا فلا إذ التصنيف حينئذ لم يتغير وهو مالك لتغيير اللفظ أشار إليه ابن دقيق العيد وأقره شيخنا وهو ظاهر


249

وإن نازع المؤلف فيه وحينئذ فهو كما قال ابن دقيق العيد لا يجري على الاصطلاح فإن الاصطلاح على أن لا تغير الألفاظ بعد الانتهاء إلى الكتب المصنفة سواء روينافيها أو نقلنا منها ووافقه المؤلف في كونه الاصطلاح لكن ميل شيخنا إلى الجواز إذا قرن بما يدل عليه كقوله بنحوه ويشهد له تسوية ابن أبي الدم كما تقدم في رابع التنبيهات التالية لثاني أقسام التحمل بين القسمين لا سيما وقد قاله ابن الصلاح في القسم الأول

وليقل الراوي عقب إيراده للحديث بمعنى أي بالمعنى لفظ أو كما قال فقد كان أنس رضي الله عنه كما عند الخطيب في الباب المعهود لمن أجاز الرواية بالمعنى لقولها عقب الحديث ونحوه من الألفاظ كقوله أو نحو هذا أو شبهه أو شكله فقد روى الخطيب أيضا عن ابن مسعود أنه قال سمعت رسول الله ثم أرعد أو رعدت ثيابه وقال أو شبه ذا أو نحو ذا وعن أبي الدرداء أنه كان إذا فرغ من الحديث عن رسول الله قال هذا أو نحو هذا أو شكله

ورواها كلها الدارقطني في مسنده بنحوها ولفظه في ابن مسعود وقال أو مثله أو نحوه أو شبيه به وفي لفظ آخر لغيره أن عمرو بن ميمون سمع يوما ابن مسعود يحدث عن النبي وقد علاه كرب وجعل العرق ينحدر منه عن جبينه وهو يقول إما فوق ذلك وإما دون ذلك وإما قريب من ذلك وهذا كشك من المحدث أو القاريء أبهما عليه الأمر به فإنه يحسن أن يقول أو كما قال بل أورد أبو داود من حديث العباس عن أبي سلام عن أبي أمامة عن عمرو وفي آخره قال العباس هكذا أخبرنا سلام عن أبي أمامة إلا أن أخطئ فاستغفر الله وأتوب إليه قال ابن الصلاح وهو أي قوله كما قال في الشك والصواب في مثله لأن قوله أو كما قال يتضمن إجازة من الراوي وإذنا في رواية الصواب عنه إذا بان ثم لا يشترط إفراد ذلك


250
بلفظ الإجازة لما قررناه معنى في الفصل الثاني

قال الخطيب الصحابة أصحاب اللسان وأعلم الأمة بمعاني الكلام ولم يكونوا يقولون إلا تخوفا من الزلل لمعرفتهم بما في الرواية على المعنى من الخطر انتهى إدراجه رحمة الله لهم في المجيزين إن كان بمجرد صنيعهم هذا ففيه نظر وكذا قال البلقيني مع أنه قد بالغ أنه فهم من بعض من لا يصح فهمه


251
الفصل الرابع الاقتصار في الرواية على بعض الحديث
( وحذف بعض المتن فامنع أو أجز
أو إن أتم أو لعالم ومز )
( ذا بالصحيح إن يكن ما اختصره
منفصلا عن الذي قد ذكره )
( وما لذي من تهمة أن يفعله
فإن أبي فجاز أن لا يكمله )
( أما إذا قطع في الأبواب
فهو إلى الجواز ذو اقتراب )

وربما غيره عنه بالاختصار مجاز أو تفريق الحديث الواحد على الأبواب وحذف بالنصب مفعول مقدم بعض المتن أي الحديث مما لا تعلق له بالمثبت فامنع إن كان لغير شك مطلقا سواء تقدمت روايته له تاما أم لا كان عرافا بما يحصل به الخلل في ذلك أم لا بناء كما قال ابن الصلاح ومن تبعه وإن توقف فيه البدر بن جماعة على منع الرواية بالمعنى مطلقا لأن رواية الحديث على النقصان والحذف لبعض متنه يقطع الخبر ويغيره عن وجهه وربما حصل الخلل والمختصر لا يشعر

قال عنبسة قلت لابن المبارك علمت أن حماد بن سلمة كان يريد أن تختصر الحديث فينقلب معناه قال فقال لي أو فظننت له وقال أبو عاصم النبيل إنهم يخطئون فحمست المادة لذلك هذا الإمام أبو حاتم بن


252
حبان وناهيك به قد ترجم في صحيحه إيجاب دخول النار لمن أسمع أهل الكتاب ما يكرهون وساق فيه حديث أبي موسى الأشعري بلفظ من سمع يهوديا أو نصرانيا دخل النار وتبعه غيره فاستدل به على تحريم غيبة الذمي وكل هذا خطأ فلفظ الحديث من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي دخل النار وكذا ترجم المحب الطبري في أحكامه الوليمة على الأخوة وسياق حديث أنس قدم عبد الرحمن بن عوف فآخي النبي بينه وبين سعد بن الربيع لكون البخاري أورده في بعض الأماكن من صحيحه باختصار قصة التزويج مقتصرا على الإخاء والأمر بالوليمة ففهم منه أن الوليمة للأخوة وليس كذلك والحديث قد أورده البخاري تاما في أماكن كثيرة وليست الوليمة فيه إلا للنكاح جزما

وحكي عن الخليل بن أحمد واحتج له بقوله فلغه كما سمعه وعن مالك فيما رواه عنه يعقوب بن شيبة أنه كان لا يرى أن يختصر الحديث إذا كان رسول الله يعني دون غيره كما صرح به أشهب إذ قال سألت مالكا عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد قال أما ما كان منها من قول رسول الله فإني أكره ذلك وأكره أن يزاد فيها وينقص منها وما كان من قول غير رسول الله فلا أرى بذلك بأسا إذا كان المعنى واحدا بل كان عبد الملك بن عمير وغيره لا يستجيزون أن يحذف منه حرف واحد فإن كان لشك فهو كما قال ابن كثير وتبعه البلقيني وغيره سائغ كان مالك يفعله كثيرا تورعا بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك هو كما قال في وصله

ونقل أيضا عن ابن علية نعم إن تعلق بالمثبت كقول داود بن الحصين في حديث الرخصة في العرايا في خمسة أو سق أو دون خمسة أوسق فلا أو هو القول الثاني أجز ذلك مطلقا احتاج إلى تغيير لا يخل بالمعنى أم لا تقدمت روايته له قاما أم لا لما سيجيء قريبا وبه قال مجاهد حيث قال


253
أنقص من الحديث ما شئت ولا تزذ فيه ونحوه قول ابن معين إذا خفت أن تخطيء في الحديث فانقص منه ولا تزد ونسبه عياض لمسلم والموجود عنه ما سيأتي أو وهو القول الثالث التفصيل فأجزه إن أتم بضم أوله مبنيا للمفعول إيراده منه أو من غيره مرة بحيث أمن بذلك من تفويت حكم أو سنه أو نحو ذلك وإلا فلا وإن جازت كما قال ابن الصلاح ومن تبعه الرواية بالمعنى أو وهو القول الرابع تفصيل آخر فأجزه كما ذهب إليه الجمهور إن وقع لعالم عارف وإلا فلا ومز أي ميز ذا القول عن سائرها فصفه بالصحيح إن يكن ما اختصره بالحذف من المتن منفصلا عن القدر الذي قد ذكره منه غير متعلق به بحيث لا يختل البيان ولا يختلف الدلالة فيما نقله بترك ما حذفه كالاستثناء مثل قوله لا يباع الذهب بالذهب إلا سواء بسواء والغاية مثل قوله لا يباع النخل حتى تزهى والشرط ونحوها

قال صاحب المستصفى من جوزه شرط عدم تلعق المذكور بالمتروك تعلقا بغير معناه أما إذا تعلق به كشرط العبادة أو ركنها فنقل البعض تحريف وتلبيس

قال الخطيب ولا فرق أن يكون ذلك تركا لنقل العبادة كنقل أفعال الصلاة أو تركا لنقل فرض آخر هو شرط في صحة العبادة كترك نقل وجوب الطهارة ونحوها قال وعلى هذا الوجه يحمل قول من قال لا يحل الاختصار انتهى

ومن الأمثلة لبعض هذا مما ذكره إمام الحرمين حديث ابن مسعود أتيت النبي بحجرين وروثه يستنجي بها فألقى الروثة وقال إنها رجس ابغ لي ثالثا فلا يجوز الاقتصار على ما عدا قوله ابغ لي ثالثا وإن كان لا يخل برمي الروثة وأنها رجس لإبهامه الاكتفاء بحجرين لكن فرق الإمام في مثل هذا بين أن يقصد الراوي الاحتجاج به لمنع استعمال الروث فيسوغ حينئذ أو لم يقصد غرضا خاصا فلا ثم إن ما ذهب إليه الجمهور لا ينازع فيه من لم يجز


254
النقل بالمعنى لأن الذى نقله والذي حذفه والحالة هذه بمنزلة خبرين منفصلين في أمرين لا تعلق لأحدهما بالآخر وإليه الإشارة بقول مسلم في مقدمة صحيحه إنه لا يكرر إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعله يكون هناك لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديث تام فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة أو يفصل ذلك المعنى من جملة حديث على اختصاره إذا أمكن ولكن تفصيله ربما عشر من جملته فأعادته بهيئته إذا ضاق ذلك أسلم فأما ما وجدتا بدا من إعادته بجملته من غير حاجة منا إليه فلا نتولى فعله والقصد أن في قوله إذا أمكن وكذا في قوله ولكن تفصيله إلى آخره الإشارة إلى ما ذهب إليه الجمهور وأنه لا يفصل إلا ما لا ارتباط له بالباقي حتى أنه لو شك في الارتباط أو عدمه تعين ذكره بتمامه وهيئته ليكون أسلم مخالفة من الخطأ والزلل قاله النووي وسواء في الجواز المعارف بشرطه رواه هو أو غيره تاما أم لا قبل واو بعد لكن محل تسويغ روايته أيضا ناقصا إذا كان رفيع المنزلة في الضبط والإتقان والثقة بحيث لا يظن به زيادة ما لم يسمعه أو نسيان ما سمعه لقلة ضبطه وكثرة غلطه وإلا فما لذي بكسر اللام وذال معجمة أي صاحب خوف من تطرق تهمة إليه بذلك أن يفعله بل واجب عليه أن ينفي هذه الظنة عن نفسه كما صرح به الخطيب وغيره

وكذا قال الغزالي في المستصفى بعد اشتراطه في الجواز روايته مرة بتمامه إن شرطه أن لا يتطرق إليه سوء الظن بالتهمة فإن علم أنه يتهم باضطراب النقل وجب الاحتراز عنه فإن خالف وأبى إلا أن يرويه ناقصا فجاز بهذا العذر كما صرح به سليم الرازي أن لا يكلمه بعد ذلك ويكتم الزيادة وتوقف فيه العز بن جماعة لأن المفسدة المترتبة على الكتم وتضييع الحكم أشد من الاتهام وما يتعلق به وأشد المفسدين بترك


255
بارتكاب الأخف إذا تعين طريقا خصوصا والزيادة غير قادحة وأخص منه إذا قلنا إنها مقبولة وكيف يكون ذلك عذرا في شيء تحمله عن النبي إلا أن تحمل العذر على أنه عذر في التأخير لا الإهمال

ويتطرق إلى هذا أيضا الكلام في وقت الحاجة باعتبار التأخير عنها نعم قيد ابن الصلاح المنع بمن تعين عليه أداء تمامه لا يجوز له أن ير ويه ابتداء ناقصا لأنه بذلك يعرض الزائد لإخراجه عن حيز الاستشهاد به أو المتابعة ونحوها

ومن الأدلة لهذا القول ما احتج به عبد الغني بن سعيد الحافظ لمطلق الجواز وهو أنه قال ليلة بآية يرددها حتى أصبح وصلى صلاة ابتدأ فيها بسورة حتى إذا بلغ ذكر موسى وعيسى أخذته سعلة فركع وإذا كان سيد الخلق قد فعل هذا في سيد الحديث وهو القرآن ففضل بعضه من بعض كان غيره بذلك أولى

ولكنا نقول على تقدير تسليم الاستدلال به العلة في جوازه في القرآن وهي حفظه في الصدور موجودة والحالة هذه حيث أمنا الإلباس من حذف الباقي ونحوه أنه قال لبلال رضي الله عنه قد سمعتك يا بلال وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة قال كلام قد يجمعه الله تعالى بعضه إلى بعض فصوبه النبي رواه أبو داود وغيره

وكذا من أدلة الجواز فيما قيل قوله نضر الله من سمع مقالتي فلم يزد فيها إذا لو لم يجز النقص لذكره كما ذكر الزيادة وأيضا فعمدة الرواية في التجويز هو الصدق وعمدتها في التحريم هو الكذب وفي ما ذكرناه الصدق حاصل فلا وجه للمنع قاله ابن الدقيق العيد قال فإن احتاج ذلك إلى تعبير لا يخل بالمعنى فهو خارج على جواز الرواية بالمعنى وكل ما تقدم في الاقتصار


256
على بعض الحديث في الرواية أما إذا قطع المتن الواحد المشتمل على عدة أحكام كحديث جابر الطويل في الحج ونحوه في الأبواب المتفرقة بأن يورد كل قطعة منه في الباب المعقود لها فهو كما قال ابن الصلاح ومن تابعه يعني إذا تجرد عن العوارض المتقدمة بأسرها إلى الجواز بخلاف من ذو اقتراب ومن المنع ذو ابتعاد وصرح الرشيد العطار بالخلاف فيه وأن المنع ظاهر صنيع مسلم فإنه لكونه لم يقصد ما قصده البخاري من استنباط الأحكام يورد الحديث بتمامه من غير تقطيع له ولا اختصار إذا لم يقل فيه مثل حديث فلان أو نحوه

ولكن قال النووي إنه يبعد طرد الخلاف فيه وقد فعله من الأئمة أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم قديما وحديثا ونسب أيضا للإمام مالك مع تصريحه كما تقدم بالمنع منه في حديث الرسول إلا أن يفرق بين الرواية والتأليف وكذا حكى الخلال عن أحمد أنه ينبغي أن لا يفعل ونحوه ونحو قول ابن الصلاح إنه لا يخلو من كراهة يعني فإنه إخراج للحديث المروي عن الكيفية المخصوصة التي أورد عليها لكن قد نازعه النووي فقال ما أظن غيره يوافقه على ذلك بل بالغ الحافظ عبد الغني بن سعيد وكاد أن يجعله مستحبا

قلت لا سيما إذا كان المعنى المستنبط من تلك القطعة يدق فإن إيراده والحالة هذه بتمامه تقتضي مزيد تعب في استخلاصه وبخلاف الاقتصار على محل الاستشهاد ففيه تخفيف والتحقيق كما أشار إليه ابن دقيق العيد في شرح الإلمام التفصيل فإن قطع بأنه لا يخل المحذوف بالباقي فلا كراهة وإن نزل عن هذه المرتبة ترتيب الكراهة بحسب مراتبه في ظهور ارتباط بعضه ببعض وخفاية


257
الفصل الخامس
التسميع من الشيخ لقراءة اللحان والمصحف والحث على الأخذ من أفواه الشيوخ
( وليحذر اللحان والمصحفا
على حديثه بأن يحرفا )
( فيدخلا في قوله من كذبا
فحق النحو على من طلبا )
( والأخذ من أفواههم لا الكتب
أدفع للتصحيف فاسمع وادأب )

وليحذر الشيخ الطالب اللحان بصيغة المبالغة أي الكثير اللحن في ألفاظ النبوة وكذا ليحذر المصحفا فيها وفي أسماء الرواة ولو كان لا يلحن على حديثه بأن يحرفا أي خوف التحريف في حركاته أو ضبطه من كل من اللحن والمصحف منهما في الحال والمآل فيدخلا أي الشيخ وكذا الطالب من باب أولى في جملة قوله من كذبا علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار لأنه لم يكن يلحن

قال النضر بن شميل جاءت هذه الأحاديث عن الأصل معربة ويتأكد الوعيد مع اختلال المعنى في اللحن والتصحيف وإلى الدخول أشار الأصمعي فقال أبو داود السجزي سمعت الأصمعي يقول إن أخوف ما


258
أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله من كذب علي لأنه لم يكن يلحن فهما رويت عنه ولحنت فيه فقد كذبت عليه

وعن سلم بن قتيبة قال كنت عند ابن هبيرة الأكبر فجرى ذكر قراءة الجريتة فقال والله ما استوى رجلان دينهما واحد وحسبهما واحد ومروتهما واحدة أحدهما يلحن والآخر لا يلحن لأن أفضلهما في الدنيا والآخرة الذي لا يلحن فقلت أصلح الله أمير هذا أفضل في الدنيا لفضل فصاحته وعربيته أرأيت الآخرة ما باله أفضل فيما قال أن يقرأ كتاب الله على ما أنزله الله وإن الذي يلحن يحمله لحنه على أن يدخل فيه ما ليس منه ويخرج ما هو فيه فقلت صدق الأمير وبر

وعن أبي أسامة حماد بن سلمة أنه قال لإنسان إن لحنت في حديثي فقد كذبت علي فإني لا ألحن وصدق رحمه الله فإنه كان مقدما في ذلك بحيث أن سيبويه شكى إلى الخليل بن أحمد أنه سأله عن حديث هشام بن عروة عن أبيه في رجل رعف يعني بضم العين على لغة ضعيفة فانتهزه وقال له أخطأت إنما هو رعف يعني بفتحها فقال له الخليل صدق أتلقى بهذا الكلام أبا أسامة وهو بما ذكر في سبب تعلم سيبويه العربية ويقال إن هذه اللفظة أيضا كانت سببا لتعلم ثابت البناني أحد التابعين من شيوخ حماد هذا لها

كما روينا في العلم للموهبي عن محمد بن زياد قال سألت ثابت البناني الحسن البصري فقال يا أبا سعيد ما تقول في رعف فقال وما رعف أتعجز أن تقول رعف فاستحيي ثابت وطلب العربية حتى قيل له من أنهماكه فيها ثابت العربي وكذا كان سبب اشتغال أبي زيد النحوي به لفظه فإنه دخل على جعفر بن سليمان فقال له أدنه فقال أنا دني فقال يا بني لا تقل أنا دني ولكن قل أنا دان وألحق بعض المتأخرين في الدخول في الوعيد قراءة الحديث بالألحان والترجيع الباعث على إشباع الحرف


259
المكسب اللفظ سماجة وركاكة فيسد الفصحاء بريء من ذلك

ويروى عن عمر رضي الله عنه قال لشخص كان يطرب في أذانه إني أبغضك في الله وللخوف من الوعيد

قال ابن الصلاح فحق النحو يعني الذي حقيقته علم بأصول مستنبطة من اللسان العربي وضعت حين اختلاط العجم ونحوهم بالعرب واضطراب العربية بسبب ذلك يعرف بها أحوال الكلمة العربية إفرادا وتركيبا وكذا اللغة التي هي العلم بالألفاظ الموضوعة للمعاني ليتوصل بها إليها تكلما

على منن طلبا الحديث وأن يتعلم من كل منهما ما يتخلص به عن شين اللحن والتحريف وظاهره الوجوب وبه صرح العز بن عبد السلام حيث قال في أواخر القواعد البدعة خمسة أقسام فالواجبة كالاشتغال بالنحو الذي نقيم به كلام الله تعالى ورسوله لأن حفظ الشريعة واجب لا يتأتى إلا بذلك فيكون من مقدمة الواجب ولذا قال الشعبي النحو في العلم كالملح في الطعام لا يستغني شيء عنه ثم قال العز وكذا من البدع الواجبة شرح الغريب وتدوين أصول الفقه والتوصل إلى تمييز الصحيح والسقيم يعني بذلك علم الحديث ثم ذكر المحرمة والمندوبة والمباحة قال وقد يكون بعض ذلك يعني ما ذكر من المباحة مكروها أو خلاف الأولى

وكذا صرح غيره بالوجوب أيضا لكن لا يجب التوغل فيه بل يكفيه تحصيل مقدمة مشيرة لمقاصده بحيث يفهمها ويميز بها حركات الألفاظ وإعرابها لئلا يلتبس فاعل بمفعول أو خبر بأمر أو نحو ذلك وإن كان الخطيب قال في جامعه إنه ينبغي للمحدث أن يتقي اللحن في روايته ولن يقدر على ذلك إلا بعد دربة النحو ومطالعته علم العربية ثم ساق عن الإمام أحمد أنه قال ليس يتقي من لا يدري ما يتقي

وممن أشار لذلك شيخنا فقال وأقل ما يكفي من يريد قراءة الحديث أن يعرف من العربية أن لا يلحن ويستأنس له بما رويناه أنهم كانوا يؤمرون أو


260

قال القائل كنا نؤمر أن يتعلم القرآن ثم السنة ثم الفرائض ثم العربية الحروف الثلاثة وفسرها بالجر والرفع والنصب وذلك لأن التوغل فيه قد يعطل عليه إدراك هذا الفن الذي صرح أئمته بأنه لا يعلق إلا بمن قصر نفسه عليه ولم يضم غيره إليه

وقد قال أبو أحمد بن فارس في جزء ذم الغيبة له إن غابة علم النحو وعلم ما يحتاج إليه منه أن يقرأ فلا يلحن ويكتب فلا يلحن فأما ما عدا ذلك فمشغلة عن العلم وعن كل خير وناهيك بهذا من مثله

وقال أبو العيناء لمحمد بن يحيى الصولي النحو في العلوم كالملح في القدر إذا أكثرت منه صار القدر زعاقا وعن الشافعي قال إنما العلم علمان علم للدين وعلم للدنيا فالذي للدين الفقه والآخر الطب وما سوى ذلك من الشعر والنحو فهو عناء وتعب رويناه في جزء بن حمكان وعلى ذلك الحمل حال من وصف من الأئمة باللحن كإسماعيل بن أبي خالد الأحمسي وعون بن أبي جميلة وأبي داود الطيالسي وهشيم ووكيع والدراوردي

وقرأ عبد الله بن أحمد بن موسى عبدان حال تحديثه وابن سريج يسمع من دعى فلم يجب بفتح التحتانية فقال له ابن سريج أرأيت أن تقول يجب يعني بضمها فأبى أن يقول وعجب من صواب ابن سريج كما تجب ابن سريج من خطائه في آخرين ممن لا أطيل بإيراد إخبارهم لا سيما وقد شرعت في جزء في ذل وإليهم أشار السلفي لما اجتمع بأبي حفص عمر بن يوسف بن محمد ابن الحذاء القيسي الصقلي بالثغر والتمس منه السماع وتعلل بأمور عمدته فيها التحرز من الوقوع في الكذب لأنه لم يتقدم له قراءة في العربية بقوله وقد كان في الرواة على هذا الوضع قوم واحتج برواياتهم في الصحاح ولا يجوز تخطيئتهم وتطخيئة من أخذ عنهم وسبقه النسائي فقال فيما رواه الخطيب في الكفاية من طريقة إنه لا يعاب اللحن على المحدثين

وقد كان إسماعيل بن أبي خالد يلحن وسفيان وذكر ثالثا ثم قال


261
وغيرهم من المحدثين

وقال السلفي أيضا في ترجمة محمد بن عبد عبيد الله بن محمد عبيد الله بن دكاش الخنبلي إنه كان قارئ بغداد والمستملي بها على الشيوخ وهو في نفسه ثقة كثير السماع ولم يكن له أنس بالعربية وكان يلحن لحن أصحاب الحديث

وقال ابن ماكولا أخبرني أبو القاسم بن ميمون الصدقي أنبأنا عبد الغني الحافظ قال قرأت على القاضي أبي الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر الذهلي كتاب العلم ليوسف القاضي فلما فرغت قلت له قرأته عليك كما قرأته أنت قال نعم إلا اللحنة بعد اللحنة فقلت له أيها القاضي أفسمعته أنت معربا قال لا قلت هذه بهذه وقمت من ليلتي فجلست عند ابن اليتيم النحوي

وقال أبو بكر الحداد والفقيه قرأت على أبي عبيد علي بن الحسين بن حرب المعروف بابن حربوية جزءا من حديث يوسف بن موسى فلما قرأت قلت قرأت كما قرأت عليك قال نعم إلا الإعراب فإنه تعرب وما كان يوسف يعرف وفي اللفظ البرقاني وعنه رواه الخطيب في الكفاية من طريق عبد الملك بن عبد الحميد ابن ميمون بن مهران قال سألت أحمد بن حنبل عن اللحن في الحديث وعين إذا لم يغير المعنى فقال لا بأس به

وأما ما ورد من الذم الشديد لمن طلب الحديث ولم يبصر العربية كقول شعبة إن مثله كمثل رجل عليه برنس وليس له رأس وقول حماد بن سلمة إنه كمثل الحمار عليه مخلاة لا شعير فيها الذي نظمه جعفر السراج شيخ السلفي في قوله مثل الطالب الحديث ولا يحسن نحوا ولا له آلات كحمار عمل أصلا على أن رب شخص يزعم معرفته بذلك وهو إن قرأ لحنه النحاة وخطأه لتصحيفه الرواة فهو كما قيل


262
( هو في الفقه فاضل لا يجاري
وأديب من جملة الأدباء )
( لا إلى هؤلاء إن طلبوا
وجدوه ولا إلى هؤلاء )

وقد كان لعمرو بن عون الواسطي مستملي يلحن كثيرا فقال أخروه وتقدم إلى وراق كان ينظر في الأدب والشعر أن يقرأ عليه فكان لكونه لا يعرف شيئا من الحديث يصحف في الرواة كثيرا فقال عمرو رددنا إلى الأول فإنه وإن كان يلحن فليس يمسخ ونحو هذا الصنيع ترجح شيخنا من عرف مشكل الأسماء والمتون دون العربية على من عرف العربية فقط

والأخذ للأسماء والألفاظ من أفواههم أي العلماء بذلك الضابطين له ممن أخذه أيضا عمن تقدم من شيوخه وهلم جرا لا من بطون الكتب والصحف من غير تدريب المشايخ أدفع للتصحيف وأسلم من التبديل والتحريف فاسمع أيها الطالب ما أقوله لك وآداب أي حد في تلقيه عن المتقين وقد روينا عن سليمان بن موسى أنه قال كان يقال لا تأخذوا القرآن من مصحفي ولا العلم من صحفي

وقال ثور بن يزيد لا يفتي الناس صحفي ولا يقرئهم مصحفي وقد استدل بعضهم بقول عمران لما حدث بحديث عن النبي وقال له بشير بن كعب إن في الحكمة كذا أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن الصحف لذلك وروينا في مسند الدارمي عن الأوزاعي أنه قال ما زال هذا العلم في الرجال حتى وقع في الصحف فوقع عند غير أهله

إذا علم هذا فاللحن كما قال صاحب المقاييس بسكون الحاء إمالة الكلام عن جهته الصحيحة في العربية يقال لحن لحنا قال وهو عندنا من الكلام المراد لأن اللحن محدث لم يكن في العرب العارية واللحن بالتحريك


263
الفطنة يقال لحن لحمت فهو لحن ولاحن وفي الحديث لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وذكر الخطابي مثله وقال يقال في الفطنة لحن بكسر الحاء يلحن بفتحها وفي الزيغ عن الإعراب لحن بفتح الحاء


264
الفصل السادس إصلاح اللحن والخطأ
( وإن أتى في الأصل لحن أو خطأ
فقيل يروي كيف جاء غلطا )
( ومذهب المحصلين يصلح
ويقرأ الصواب وهو الأرجح )
( في اللحن لا يختلف المعنى به
وصوبوا الإبقاء مع تضبيبه )
( ويذكر الصواب جانبا كذا
عن أكثر الشيوخ نقلا أخذا )
( والبدو بالصواب أولى وأشد
وأصلح الإصلاح من متن ورد )
( فليأت في الأصل بما لا يكثر
كابن وحرف حيث لا يغير )
( والسقط يدري أن من فوق أتى
به يزاد بعد يعني متبتا )
( وصححوا استدراك ما درس في
كتابه من غيره أن يعرف )
( صحته من بعض متن أو سند
كما إذا ثبته من يعتمد )
( وحسنوا البيهان كالمستشكل
كلمته في أصله فليسأل )
إصلاح اللحن والخطأ

الواقعين في الرواية والاختلاف فيه وهي من فروع الذي قبله واغتفار


265
اللحن اليسير الذي علم سهو الكاتب في حذفه وكتابه ما درس من كتابه من نسخة أخرى ونحو ذلك وإن أتى في الأصل أو ما يقوم مقامه لحن في الإعراب أو خطأ من تحريف وتصحيف فقد اختلف في روايته على الصواب وإصلاحه فقيل إنه يروى كيف يعني كما جاء اللفظ بلحنه أو خطئه حال كونه غلطا ولا يتعرض له بإصلاح وهو محكي عن غير واحد كرجاء بن حيوة والقاسم ين محمد وابن سيرين فقد روينا عنهم أنهم كانوا أصحاب أحروف يعني يحكون ألفاظ شيوخهم حتى في اللحن وكذا كان أبو معمر وعبد الله بن سخبرة يلحن افتقاء لما سمع وأبي نافع مولى ابن عمر إلا أن يلحن كما سمع وهؤلاء كلهم من التابعين وعن آخرين مثله لكن مع بيان أنه لحن

قال زياد بن خيثمة عقب رواية حديث الشفاعة بلفظ أترونها للمتقين لا ولكنها للمتلونين الخطاؤون إما إنها لحن ولكن هكذا حدثنا الذي حدثنا رويناه في مسند ابن عمر من مسند أحمد ونحوه كما سيأتي قريبا

قال ابن الصلاح وهذا غلو في مذهب إتباع اللفظ والمنع من الرواية بالمعنى لأنهم كما قلا الخطيب في جامعه يرون إتباع اللفظ واجبا وقيل وهو اختيار العز بن عبد السلام كما حكاه عنه صاحبه ابن دقيق العيد في الاقتراح إنه يترك روايته إياه عن ذاك الشيخ مطلقا لأنه إن تبعه فيه فالنبي لم يكن يلحن وإن رواه عنه على الصواب فهو لم يسمعه منه كذلك وكذا حكاه ابن كثر لكنه أبهم قائله

قال المصنف ولم أر ذلك لغير العز واستحسنه بعض المتأخرين وقاسه غيره على إذا ما وكله في بيع فاسد فإنه لا يستفيد الفاسد لأن الشرع لم يأذن فيه ولا الصحيح لأن المالك لم يأذن فيه


266

و قيل كما ذهب إليه همام وابن المبارك وابن عيينة والنضر بن شميل وأبو عبيد وعفان وابن المديني وابن راهويه والحسن بن علي الحلواني والحسن بن محمد الزعفراني وغيرهم ممن سأحكيه عنهم وغيرهم وصوبه من المتأخرين ابن كثير بل هو كما صرح به الخطيب في جامعه مذهب المحصلين والعلماء من المتحدثين أنه يصلح فيغير ويقرأ الصواب من أول وهلة قال الأوزاعي أعربوا الحديث فإن القوم كانوا عربا

وعنه أيضا لا بأس بإصلاح اللحن في الحديث وممن حكى ذلك عنه الشعبي وعطاء والقاسم بن محمد وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين حيث سئلوا عن الرجل يحدث بالحديث فيلحن أيرويه السامع له كذلك أم يعربه فقالوا بل يعربه ذكره ابن أبي خيثمة في كتاب الإعراب له

وعن الأعمش قال إن النبي لم يلحن فقوموه وروينا في جزء عبد الله بن أحمد الخرقي عن علي بن الحسن قال قلت لابن المبارك يكون في الحديث لحن نقومه قال نعم القوم لم يكونوا يلحنون اللحن منا وعن عباس الدوري أنه قيل لابن معين ما تقول في الرجل يقوم للرجل حديثه يعني ينزع منه اللحن فقال لا بأس به وقال أبو داود كان أحمد بن صالح يقوم كل لحن في الحديث قال الخطيب وهذا إجماع منهم على أن إصلاح اللحن جائز

وقال في الجامع إن الذي نذهب إليه رواية الحديث على الصواب وترك اللحن فيه وإن كان قد سمع ملحونا لأن من اللحن ما يحيل الأحكام ويصير الحرام حلالا والحلال حراما فلا يلزم اتباع السماع فيما هذه سبيله ومقتضاه أنه لا فرق في ذلك بين المغير للمعنى وغيره وهو أي الإصلاح الأرجح في اللحن الذي لا يختلف المعنى به وفي أمثاله أما الذي يختلف المعنى به فيصلح عند المحصلين جزما قال عبد الله بن أحمد


267
ما زال القلم في يد أبي حتى مات وكان يقول إذا لم ينصرف الشيء في معنى فلا بأس أن يصلح أو كما قال

واحتج ابن المغير لهذا المذهب بقوله في حديث نضر الله قرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه يعني لما فيه من الإشارة إلى عدم تقليد الراوي في كل ما يجيء به وكذا واحتج له ابن فارس بقوله في الحديث المشار إليه فبلغها كما سمع لكون المراد به كما سمع من صحة المعنى واستقامته من غير زيادة ولا نقص

وقد قال بعضهم كما روينا في جامع الخطيب إذا كتب اللحن وعن اللحان آخر مثله وعن الثاني ثالث مثله صار الحديث بالفارسية ونحوه ما قيل في ترك المقابلة كما تقم قال ابن الصلاح والقول به أي بالرواية على الصواب مع الاصطلاح لازم على مذهب الأكثرين في تجويز الرواية بالمعنى فقوله لازم يحتمل الوجوب لأنه إذا جاز التغيير في صواب اللفظ فلا يمتنع أن يجب في خطئه ولكن الظاهر أنه إنما أراد مجرد إلزامهم القول به لكونه آكد لا سيما وقد صرح الخطيب بالجواز فقال وقد أجاز بعض العلماء أن لا يذكر الخطأ الحاصل في الكتاب إذا كان متيقنا بل يروى على الصواب بل كلامهم في الكفاية قد يشير إلى الاتفاق عليها فإنه قال إذا كان اللحن يحيل المعنى فلا بد من تغييره وكثيرا من الرواة يحرفون الكلام عن وجه ويزيلون الخطاب عن موضعه وليس يلزم من أخذ عمن هذه سبيله أن يحكى لفظه إذا عرف وجه الصواب وخاصة إذا كان الحديث معروفا ولفظ العربية به ظاهرا معلوما ألا ترى أن المحدث لو قال لا يؤم المسافر المقيم بنصب المسافر ورفع المقيم كان قد أحال المعنى فلا يلزم اتباع لفظه

ونحوه قول عبد الله بن أحمد كان إذا مر بأي لحن فاحش غيره وإن كان سهلا تركه

وقال كذا قال الشيخ وكذا يشبه أن يكون محل الخلاف فيما لم يكن


268
مجمعا على الخطأ فيه إما بالاستقراء التام للسان العرب أو بوضوح الأمر فيه

وقد صرح ابن حزم في الأحكام له فيما يكون كذلك بالتحريم فإنه قال إن الواقع في الرواية إن كان لا وجه له في الكلام البتة حرم عليه تأديته ملحونا لتيقننا أنه لم يلحن قط وإن جاز ولو على لغة بعض العرب أداه كما سمعه ونحوه قول أبي عمران الفسوي فيما حكاه عنه القابسي إن كان مما لا يوجد في كلام أحد من العرب قريء على الصواب وأصلح لأنه لم يكن يلحن وإن كان مما يقوله بعض للعرب ولم يكن في لغة قريش فلا لأنه كان يكلم الناس بلغتهم يعني كقوله على لغة الأشعريين في قلب اللام ميما ليس من أم برا أم صيام في أم سفر ومن ثم أشار أبو فارس إلى التروي في الحكم على الرواية بالخطأ والبحث الشديد فإن اللغة واسعة

بل قال ابن الصلاح إن كثيرا ما نرى ما يتوهمه كثير من أهل العلم خطأ وربما غيروه صوابا إذا وجه صحيح وإن خفي واستغرب لا سيما فيما يعدونه خطأ من جهة العربية وذلك لكثرة لغات العرب وتشعبها هذا أبو الوليد الواقشي مع تقدمه في اللغة وكثرة مطالعته وافتنانه وثقوب فهمه وحدة ذهنه كان يبادر إلى الإصلاح ثم يتبين الصواب فيما كان في الرواية كما قدمته في التصحيح والتمريض وكذلك غيره ممن سلك مسلكه لا سيما وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام لأهل العربية لغة ولأهل الحديث لغة ولغة أهل العربية أقيس ولا نجد بدا من إتباع لغة أهل الحديث من أجل السماع

وروى بعض أهل الحديث في المنام وكأنه قد مر من شفته أو لسانه شيء فقيل له في ذلك فقال لفظة من حديث رسول الله غيرتها برأيي ففعل بي هذا

ولذا كله صوبوا أي أكثر الأشياخ الإبقاء لما في الكتاب وتقريره


269
على الوجه الذي وقع فيه حتى إنهم سلكوه في أحرف من القرآن جاءت على خلاف ما في التلاوة المجمع عليها بحيث لم يقرأ بها في الشواذ فضلا عن غيرها كما وقع في الصحيحين و الموطأ وغيرها كل ذلك مع تضبيبه أي اللفظ الذي جاءت به الرواية من العارف منهم بالعلامة المنبهة على خلله في الجملة ويذكر مع ذلك ما ظهر أنه الصواب جانبا أي بجانب اللفظ المختل من هامش الكتاب كذا عن أكثر الشيوخ حال كونه نقلا لعياض عنهم أخذا مما استقر عليه عملهم

وحكاه ابن فارس أيضا عن شيخه أبي الحسن علي بن إبراهيم القطان راوي سنن ابن ماجه عنه فقال إنه كان يكتب الحديث على ما سمته لحنا ويكتب على حاشية كتابه كذا قال يعني الذي حدثه به والصواب كذا

قال ابن فارس وهذا أحسن ما سمعت في هذا الباب ونحوه قول الميانشي صوب بعض المشايخ هذا وأنا أستحسنه وبه آخذ وأشار ابن الصلاح إلى أنه أبقى للمصلحة وأنفى للمفسدة يعني لما فيه من الجمع بين الأمرين ونفي التسويد عن الكتاب أن لو وجد له وجه حيث تجعل الضبة تصحيحا

كما تقدم في بابه قال والأول سد باب التغيير والإصلاح لئلا يجسر على ذلك من لا يسحن وهو أسلم مع التبيين فيذكر ذلك عند السماع كما وقع ثم يذكر وجه صوابه إما من جهة العربية وإما من جهة الرواية وممن فعله أبو عبيد القاسم بن سلام حيث أدى كما سمع وبين أن الصواب كذا

وصرح الخطيب بوجوب ذلك حيث قال في الكفاية إن الواجب الرواية على ما حمل من خطأ وتصحيف ثم بيان صوابه


270
وقال ابن الصلاح والبدو بقراءة الصواب أولا ثم التنبيه على ما وقع في الرواية بأن يقال مثلا وقع عند شيخنا أو في روايتنا أو من طريق فلان كذا لو كذا أولى من الأول الذي ابتدأ فيه بالخطأ تبعا للرواية وأسد بالمهملة أي أقوم كيلا يتقول على رسول الله وأصلح الإصلاح أن يكون ما يصلح به ذاك الفاسد مأخوذا من متن آخر ورد من غير تلك الطريق فضلا عنها لأنه بذلك آمن من أن يكون متقولا على رسول الله كما أن خير ما يفسر به غريب الحديث ما جاء في رواية أخرى كما سيأتي في محله

هذا كله في الخطأ الناشيء عن اللحن والتصحيف و أما الناشيء عمن سقط خفيف فليأت في الأصل ونحوه رواية وإلحاقا بما لا يكثر مما هو معروف عند الواقف من المحدثين عليه كابن من مثل حدثنا حجاج عن ابن جريج وإلى في الكنية ونحوهما إذا غلب على ظنه أنه من الكتاب فقط لا من شيخه وكحرف حيث لا يغير إسقاطه المعنى فإن مثل هذا كله لا بأس بروايته و إلحاقه من غير تنبيه على سقوطه كما نص عليه الإمام أحمد حيث قال له أبو داود صاحب السنن وجدت في كتابي حجاج عن جريج عن أبي الزبير يجوز لي أن أصلحه ابن جريج فقال أرجو أن يكون هذا لا بأس به وسأله ابنه عبد الله عن الرجل يسمع الحديث فيسقط من كتابه الحرف مثل الألف واللام ونحو ذلك أيصلحه فقال لا بأس به أن يصلحه ونحوه أنه قيل لمالك أرأيت حديث النبي يزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد فقال أرجو أن يكون خفيفا

وعن أبي الحسن بن المنادى قال كان جدي لا يرى بإصلاح الغلط الذي لا يشك في غلطه بأسا

وحدث أبو جعفر الدقيقي بحديث عن شعبة عن قزعة وقال كذا في كتابي والصحيح عن أبي قزعة


271
وكذا إذا كان السقط أي الساقط المثل ما تقدم مما يكون معروفا يعلم أنه من الشيخ فالحكم فيه كذلك كما وقع لأبي نعيم الفضل بن دكين إلا أنبه عليه فإنه روى عن شيخ له حديثا قال فيه عن بحينة وقال أبو نعيم إنما هو عن ابن بحينة ولكنه كذا قال أو لأكثر مما من يدري أن من فوق بضم آخره من الرواة أتى به فإنه يزاد أيضا في الأصل لكن بعد لفظ يعني حال كونه لها مثبتا فقد فعله الخطيب إذ روى حديث عائشة كان يدني إلي رأسه فأرجله عن أبي عمر بن مهدي عن المحاملي بسنده إلى عروة عن عمرة فقال يعني عن عائشة

ونبه عقبة على أن ذكر عائشة لم يكن في أصل شيخه مع ثبوته عند المحاملي وأنه لكونه لا بد منه من أجل أنه محفوظ عن عمرة عنها مع استحالة كون عمرة صحابية ألحقه ولكن ألكون شيخه لم يقله له زاد يعني اقتدى بشيوخه فقد رأى غير واحد منهم فعله في مثله بل قال وكيع أنا أستعين في الحديث بيعني ومنبع كل منهم وكذا أبو نعيم والدقيقي في البيان حسن

ولذا قال ابن الصلاح وإن كان الإصلاح بالزيادة يشتمل على معنى مغاير لما وقع في الأصل تأكد فيه الحكم بأنه يذكره ما في الأصل مقرونا بالتنبيه على ما سقط من معرة الخطأ ومن أن يقول على شيخه ما لم يقل وهو أيضا مقتضى قول ابن دقيق العيد فيما إذا سقط من كتابه الصلاة والسلام على رسول الله كما أسلفته في كتابة الحديث وضبطه

وكذا صححوا أي أهل الحديث استدراك ما درس في كتابة بتقطيع أو بلل أو نحوهما من كتاب آخر غيره أن يعرف المستدرك صحته أي ذاك الكتاب بأن يكون صاحبه ثقة ممن أخذه عن شيخه أو نحو


272
ذلك بحيث تسكن نفسه إلى أن ذلك هو الساقط من كتابه فقد فعله نعيم بن حماد وغيره لكن قيده الخطيب ومن تبعه بما إذا كان الساقط من بعض متن أو بعض سند بل ولو كان أكثر اتحد الطريق في المروي ولم يتنوع المرويات بناء على الاكتفاء بذلك في المقابلة والرواية كما تقرر في محله وامتنع أبو محمد بن مايسي من مطلق الاستدراك فإنه احترقت بعض كتبه وأكلت النار بعض حواشيها ووجد نسخا منها فلم ير أن يستدرك المحترق منها

قال الخطيب واستدراك مثل هذا عندي جائز يعني بشرطه المتقدم كما يجوز فيما إذا شك الراوي في شيء و ثبته فيه من يعتمد عليه ثقة وضبطا من حفظه أو كتابه أو أخذه هو من كتابه حسبما فعله عاصم وأبو عوانة ويزيد ابن هارون وأحمد وابن معين وغيرهم إذ لا فرق وحسنوا عنهما البيان كما صرح به الخطيب في الأولى وحكاه في الثانية عن يزيد بن هارون فإنه قال أنبأنا عاصم وثبتني فيه شعبة وعن ابن عيينة فإنه قال حدثنا الزهري وثبتني فيه معمر وممن فعله ابن خزيمة

وقال البخاري في باب تعديل النساء بعضهن بعضا حدثنا أبو الربيع سليمان بن داود وأفهمني بعضه أحمد بن يونس حدثنا فليح وساق الحديث واختلف هل أحمد رفيق أبي الربيع في الرواية عن فليح ويكون البخاري حمله عنهما جميعا على الكيفية المذكورة أو رفيق البخاري في الرواية عن أبي الربيع ولكن لسنا بصدد بيانه هنا

في باب تشبيك الأصابع في المسجد قبيل المساجد التي على طرق المدينة من صحيح البخاري أيضا من حديث عاصم بن علي حدثنا عاصم بن محمد هو ابن زيد ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال سمعت هذا الحدي من أبي فلم أحفظه فقومه لي واقد يعني أخاه عن أبيه هو محمد بن زيد قال سمعت أبي هو زيد بن عبد الله بن عمر وهو يقول قال عبد


273
الله يعني أباه قال رسول الله لعبد الله بن عمر وكيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس

وفي باب قول الله (

واجتنبوا قول الزور ) من الأدب أورد حديثا عن أحمد بن يونس عن ابن أبي ذئب ثم قال في آخره قال أحمد أفهمني رجل إسناده وأخرج أبو داود الحديث المشار إليه عن أحمد بن يونس لكنه عكس فقال في آخره قال أحمد فهمت إسناده من ابن أبي ذئب فأفهمني الحديث رجل إلى جنبه أراه ابن أخيه وهكذا أخرجه الإسماعيلي عن إبراهيم بن شريك عن أحمد ابن يونس قال شيخنا فيحمل على أن ابن يونس حدث به على الوجهين

وفي باب قوموا إلى سيدكم من الاستئذان ساق حديثا عن أبي الوليد ثم قال في آخره أفهمني بعض أصحابي عن أبي الوليد ونحوه هذا قول ابن عمر بعد قوله ويزعمون أن رسول الله قال ويهل أهل اليمن من يلملم لم أفقه هذه من رسول الله وصار يروي هذه الجملة عن غيره مع كونه سمعها لكن لم يفقهها

وفي البخاري أيضا في أواخر الأحكام عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال سمعت النبي يقول يكون اثني عشر أميرا فقال كلمة لم أسمعها فقال أبي إنه قال كلهم من قريش وأخرجه أبو داود بلفظ لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة قال فكبر الناس وسبحوا فقال كلمة خفية في لفظ كلاما لم أفهمه فقلت لأبي يا أبة ما قال فذكره وأصله عند مسلم دون قوله فكبر الناس وسبحوا ووقع عند الطبراني من وجه آخر فالتفت فإذا أنا بعمر بن الخطاب وأبي في الناس فاثبتوا بي الحديث على أنه روى بدون


274
بيان ولكن هذا أرجح وعن عقبة بن عامر وغيره من الصحابة كما أشار إليه ابن كثير نحوه

وروى الشافعي عن مالك رحمهما الله حديث مالك بن أوس بن الحدثان في الصرف بلفظ حتى يأتي خازني من الغابة أو قال جاريتي ثم قال إذا شككت وقد قرأته على مالك صحيحا لا شك فيه ثم طال على الزمان ولم أحفظ حفظا فشككت في جاريتي أو خازني وغيري يقول عنه خازني

وقد تقدم شيء مما نحن فيه في الفرع الخامس من الفروع الثالثة لثاني أقسام التحمل وهذا الفرع مما يفترق فيه الرواية مع الشهادة وإن استدل بعضهم لأصله بقوله تعالى (

فتذكر إحداهما الأخرى ) فإن بين ولم يعين من ثبته فلا بأس كما في بعض هذه الأمثلة وقد فعله أبو داود أيضا في سننه عقب حديث الحكم بن حزن الكلفي فقال ثبتني في شيء منه بعض أصحابنا

وك مسألة المستشكل كلمة من غريب العربية أو غيرها لكون وجدها في أصلة غير مقيدة فليسأل أي فلأجل ذلك يسأل عنها أهل العلم بها واحدا فأكثر وليروها على ما يخبر به وقد أمر أحمد بذلك فإنه سئل عن حرف فقال أسألوا عنه أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في قول النبي بالظن

وسيأتي في الغريب روى الخطيب في ذلك ع نه أن رجلا قال له يا أبا عبد الله الرجل يكتب الحرف من الحديث ما يدري أي شيء هو إلا أنه قد كتبه صحيحا أيريه إنسانا فيخبر به فقال لا بأس


275

وعن أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني النحوي قال كان عفان يجيء إلى الأخفش وإلى أصحاب النحو فيعرض عليهم الحديث فيعربه فقال له الأخفش عليك بهذا يعني أبا حاتم قال أبو حاتم فكان عفان بعد ذلك يجيئني حتى عرض علي حديثا كثيرا وعن الأوزاعي أنه كان يعطي كتبه إذا كان فيها لحن لمن يصححها

وعن ابن المبارك قال إذا سمعتهم مني الحديث فأعرضوه على أصحاب العربية ثم احكموه

وعن ابن راهويه أنه كان إذا شك في الكلمة يقول أههنا فلان كيف هذه الكلمة

وسمع سعيد بن شيبان وكان عالما بالعربية ابن عيينة وهو يقول تعلق من ثمار الجنة بفتح اللام فقال له تعلق يعني بضمها من علق يعني بفتح اللام فرجع ابن عيينة إليه وسمع الأصمعي شعبة أو هو في مجلسه يقول فيسمعون جرس طير الجنة بالشين المعجمة فقال له الأصمعي جرس يعني بالمهملة فقال شعبة خذوها عنه فإنه أعلم بهذا منا

وسمع أبو محمد عبد الله بن محمد الباقي شيخ الشافعية أبا القاسم الداركي أحد أئمة الشافعية أيضا يقول في تدريسه إذا أذذت الحدود فلا شفعة فسأل عنها ابن جنى النحوي فلم يعرفها فسأل المعافي بن زكريا فقال أزفت يعني بالزاء والفاء المشددة والأزف المعالم يريد إذا ثبتت الحدود وعينت المعالم وميزت فلا شفعة

إذا علم هذا فمن أراد الاستثبات من غيره عن شيء عرض له فيه شك فلا يذكر له المحل المشكوك فيه ابتداء خوفا من أن يتشكك فيه أيضا بل يذكر له طرف ذاك الحديث فإنه غالبا أقرب في حصول الأدب


276
الفصل السابع اختلاف ألفاظ الشيوخ
( وحيث أكثر من شيخ سمع
متنا بمعنى لا بلفظ فقنع )
( بلفظ واحد وسمى الكل صح
عند مجيزي النقل معنى ورجح )
( بيانه مع قال أو مع قالا
وما ببعض ذا وذا وقالا )
( اقتربا في اللفظ أو لم يقل
صح لهم والكتب إن تقابل )
( بأصل شيخ من شيوخه فهل
يسمى الجميع مع بيانه احتمل )
اختلاف ألفاظ الشيوخ

في متن أو كتاب واقتصار من سمع منهم على بعضها وحيث كان الراوي من أكثر من شيخ اثنين فأكثر سمع متنا أي حديثا بمعنى واحد اتفقوا عليه لا بلفظ واحد بل هم مختلفون فقنع حين إيراده إياه بلفظ واحد منهم وسمى معه الكل حملا للفظهم على لفظه بأن يقول فيما يكون فيه اللفظ لأبي بكر بن أبي شيبة مثلا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن مثنى ومحمد بن بشار قالوا حدثنا فلان صح ذلك


277
عند مجيزي النقل معنى أي بالمعنى وهم الجمهور كما سلف في بابه سواء بين ذلك أم لا وهون فعله حماد بن سلمة فإنه قيل إنه كان يحمل ألفاظ جماعة يسمع منهم الحديث الواحد على لفظ أحدهم مع اختلافهم في لفظه ولكن رجح بيانه عندهم أي هو أحسن بأن يعين صاحب اللفظ الذي اقتصر عليه لقوله واللفظ لأبي بكر بن أبي شيبة ونحو ذلك للخروج من الخلاف فإن لم يعلم تمييز لفظ أحدهما عن الآخر فالراجح بيانه أيضا كما وقع في الحديث الذي عند أبي داود عن مسدد عن بشر بن المفضل حدثنا ابن عون عن القاسم بن محمد وإبراهيم زعم أنه سمع منها جميعا ولم يحفظ حديث هذا من حديث هذا ولا حديث هذا من حديث هذا قالا قالت أم المؤمنين يعني عائشة بعث رسول الله بالهدى وذكر حديثا ونحوه قاله حدثنا مسدد وأبو كامل دخل حديث أحدهما في الآخر ثم هو في سلوكه البيان حيث ميز بالخيار بعد تعيين صاحب اللفظ بين أن يكون مع افراد قال أو مع قالا إن كان أخذه عن اثنين أو قالوا إن كانوا أكثر

وقد اشتدت عناية مسلم ببيان ذلك حتى في الحرف من المتن وصفة الراوي ونسبه وربما كما قدمته في الرواية بالمعنى كان بعضه لا يتغير به معنى وربما كان في بعضه تغير ولكنه خفي لا يتفطن له إلا من هو في العلوم بمكان

واستحسن له قوله ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب جميعا عن ابن عيينة فقال أبو بكر حدثنا سفيان بن عيينة من أجل أن أعادته ثانيا ذكر أحدهما خاصة يشعر كما قال ابن الصلاح بأن اللفظ المذكور له ويتأيد بقوله في موضع آخر حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير وزهير بن حرب جميعا عن حفص بن غياث قال ابن نمير حدثنا حفص عن


278
محمد بن زيد عن عمير مولى أبي اللحم قال كنت مملوكا فسألت رسول الله أتصدق من مال موالى بشيء قال نعم والأجر بينكما نصفان فإن لفظ أبي بكر كما في مصنفه حفص بدون صيغة وساق سنده قال كنت عبدا مملوكا وكنت أتصدق فسألت النبي وكان مولاي ينهاني أو سأله فقال الأجر بينكما

ولفظ زهير كما عند أبي يعلى في مسنده عنه حدثنا حفص وثاق سنده قال كنت مملوكا وكنت أتصدق بلحم من لحم مولاي فسألت النبي فقال تصدق والأجر بينكما نصفان

وعن أبي يعلى أورد ابن حبان في صحيحه أخبرنا نحصر كون اللفظ لمن أعاده ثانيا في أمثلة لذلك لا نطيل بها وربما لا يصرح برواية الجميع عن شيخهم كقوله حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم قال أبو بكر حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حسن بن عياش وربما بكون الإعادة لأجل الصيغة حيث يكون بعضهم بالعنعنة وبعضهم بالتحديث أو الإخبار وعليه فتارة يكون اللفظ متفقا وتارة مختلفا

وكثيرا ما ينبه أبو داود وغيره على التوافق في المعنى في الجملة من غير تعيين صاحب اللفظ كقوله حدثنا ابن حنبل وعثمان بن أبي شيبة ومسدد المعنى وربما قال المعنى واحد كقوله حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والمعنى واحد وهي أوضح فربما يتوهم غير المميز كونه المعنى بكسر النون نسبة لمعن ويتأكد حديث لم يقرن مع الراوي غيره

وقد يكون في حديث أحد الراويين أتقن كقول أبي داود حدثنا أبو الوليد الطيالسي وهدية بن خالد وأنا لحديثه أتقن

وممن سبق مسلما لنحو صنيعه شيخه الإمام أحمد فهو حريص على


279
تمييز الألفاظ في السند والمتن

وقد ينشأ عن بعضه لمن لم يتدبر إثبات راو لا وجود له ومنه قول أحمد حدثنا يزيد بن هارون وعباد بن عباد المهلبي قالا أنبأنا هشام قال عباد بن زياد حيث ظن بعض الحفاظ أن زيادا هو والد عباد وليس كذلك بل هو والد هشام اختص عباد بزيادته عن رفيقه يزيد ونحوه قوله أيضا حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي الأبيض قال حجاج رجل من بني عامر عن أنس فذكر حديثا فليس قوله رجل من بني عامر وصفا لحجاج بل هو مقولة وصف به أبا الأبيض انفرد بوصفه له بذلك عن رفيقه وحجاج هو ابن محمد أحد شيخي أحمد فيه

وأمثلة ذلك كثيرة وإذا تقرر هذا فلا اختصاص للصحة حيث لم يبين بما يخص فيه الراوي واحد الجميع المتن بل يلتحق به ما يأتي فيه ببعض لفظ ذا أي أحد الشيخين وبعض لفظ ذا أي الآخر مما اتحد عندهما المعنى فيه سواء من الراوي لفظ أحدهما من الآخر أولا وسواء قالا أي الراوي لفظ اقتربا أي كل من الشيخين في اللفظ أو قال المعنى واحد وما أشبههما أو لم يقل شيئا منه فإنه أيضا قد صح لهم أي لمجيزي النقل بالمعنى الأحسن أيضا البيان لا سيما وقد عيب بتركه البخاري فيما قاله ابن الصلاح وحماد بن سلمة فيما قاله غيره حتى أن البخاري لم يخرج له في الأصول من صحيحه بل واقتصر مسلم فيها كما قاله الحاكم على خصوص روايته عن ثابت لكن قد ورد على من عاب البخاري به بأن ذلك بمجرده لا يوجب أسقاطا إذا كان فاعله يستجيز الرواية بالمعنى

هذا عبد الله بن وهب لم يتأخر البخاري ولا غيره من الأئمة عن التخريج له مع كونه ممن يفعله وإنما ترك الاحتجاج بجماد مع كونه أحد


280
الأئمة الأثبات الموصوف بأنه من الأبدال لأنه قد ساء حفظه ولهذا فرق بين صنيعه وصنيع ابن وهب بأن ابن وهب أتقن لما يرويه وأحفظ

وبه يجاب عن البخاري على أن البخاري وإن كان لا يعرج على البيان ولا يلتفت إليه هو كما قال ابن كثير في الغالب وإلا فقد تعاطى البيان في بعض الأحايين كقوله في تفسير البقرة حدثنا يوسف بن راشد حدثنا جرير وأبو أسامة واللفظ لجرير فذكر حديثا وفي الصيد والذبائح حدثنا يوسف بن راشد أيضا أنبأنا وكيع ويزيد بن هارون واللفظ ليزيد ولكن ليس في هذا ما يقتضي الجزم بكونه من البخاري إذ يحتمل أن يكون ذلك من شيخه كما سيأتي في الفصل التاسع في مسألة أخرى

وربما يسلك مسلكا دقيقا يرمز فيه للبيان كقوله في الحج حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب هو الزهري عن عروة عن عائشة وحدثنا محمد بن مقاتل قال أخبرني عبد الله هو ابن المبارك أنبأنا محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت كانوا يصومون عاشوراء قبل أن لا يفرض رمضان وكان يوما تستر فيه الكعبة فلما فرض الله رمضان قال رسول الله من شاء أن يصومه فليضممه ومن شاء أن يتركه فليتركه فإن الظاهر أنه إنما عدل عن أن يقطع السند الأول عند الزهري ثم يقول بعد ابن أبي حفصة من الثاني كلاهما عن الزهري لكون اللفظ للثاني فقط ويتأيد بجزم الإسماعيلي بأن ستر الكعبة إنما هو عند ابن أبي حفصة خاصة دون عقيل وحينئذ فرواية عقيل لا تدخل في الباب الذي أوردها فيه وهو باب قول الله (

جعل الله الكعبة ) الآية ولذا قال الإسماعيلي إن عادة البخاري التجوز في مثل هذا وقول أبي داود في سننه حدثنا مسدد وأبو توبة المعنى قالا حدثنا


281
أبو الأحوص يحتمل أن يكون المعنى يتعلق بحديثهما معا وحينئذ فيكون من باب وتقاربا في اللفظ ويحتمل أن يتعلق بأبي توبة فقط ويكون اللفظ للأول وحينئذ فهو من باب واللفظ لفلان قال البلقيني ويلزم على الأول أن لا يكون رواه بلفظ واحد منهما قال وهو بعيد وكذا إذا قال أنبأنا فلان وفلان وتقاربا في اللفظ لا انحصار له في أن روايته عن كل منهما بالمعنى وأن المأتي به لفظ ثالث غير لفظيهما والأحوال كلها آيلة في الغالب إلى أنه لا بد أن يسوق الحديث على لفظ مروي له برواية واحدة والباقي بمعناه انتهى وتبعه الزركشي وفيه نظر

كما أشار إليه العز ابن جماعة فيجوز أن يكون ملفقا منهما إذ من فروع هذا القسم كما سيأتي في الفصل الثالث عشر ما إذا سمع من كل شيخ قطعة من متن فأورده عن جميعهم بدون تمييز والكتب المصنفة كالموطأ و البخاري المسموعة عند الراوي من شيخين فأكثر وهو القسم الثاني إن تقابل بأصل شيخ خاصة من شيوخه أو شيخه دون من عداه فهل له أن يسمى عند روايته لذلك الكتاب الجميع مع بيانه أن اللفظ لفلان الذي قابل بأصله

قال ابن الصلاح احتمل الجواز كالأول لأن ما أورده قد سمعه بنصه ممن ذكر أنه بلفظه واحتمل عدمه لأنه لا علم عنده بكيفية رواته من عداه حتى يخبر عنه بخلاف ما سبق فإنه اطلع فيه على موافقة المعنى وتوقف بعض المتأخرين في إطلاق الاحتمال وقال ينبغي أن يخص بما إذا لم يبين حيز الرواية الواقع أما إذا بين كما هو فرض المسألة فالأصل في الكتب عدم الاختلاف ولو فرض فهو يسير غالبا بخبره الإجازة هذا إذا لم يعلم الاختلاف فإن علمه فقد قال البدر ابن جماعة إن كان التفاوت في ألفاظ أو في لغات أو اختلاف ضبط جاز وإن كان في أحاديث مستقلة فلا


282
الفصل الثامن الزيادة على الرواية في نسب الشيخ
( والشيخ إن يأت ببعض نسب
من فوقه فلا تزد واجتنب )
( إلا بفضل نحو هو أو يعني
وجيء بأن وانسبن المعنى )
( أما إذا الشيخ أتم النسبا
في أول الجزء فقط فذهبا )
( الأكثرون لجواز أن يتم
ما بعده والفصل أولى وأتم )

حيث لم يقع فيها أصلا أو وقع لكن بأول المروي باقي أحاديثه والشيخ إن يأت في حديثه لك ببعض نسب من فوقه شيخه أو غيره كأن يقتصر على الاسم فقط أو مع اسم الأب أو على الأب فقط أو على الكنية أو نحو ذلك مما لا تتم المعرفة به لكل أو تتم فلا تزد أيها الراوي على ما حدثك به شيخك واجتنب إدراجه فيه إلا بفضل تمييز به الزائد نحو هو ابن فلان الفلاني أو يعني ابن فلان أو نحو ذلك

كما روى الخطيب عن أحمد أنه كان إذا جاء الرجل غير منسوب قال يعني ابن فلان وهو في الصحيحين وغيرهما كثيرا وجيء بأن بفتح الهمزة وتشديد النون وانسبن بنون التأكيد المشددة المعنى بالإشارة كما


283
روى البرقاني في اللفظ له عن علي بن المديني قال إذا حدثك الرجل فقال حدثنا فلان ولم ينسبه وأحببت أن تنسبه فقل حدثنا فلان أن فلان ابن فلان الفلاني حدثه

وممن لا يستجيز إيراده إلا بهو أو معنى مسلم لكونه والحالة هذه إخبارا عن شيخه بما لم يخبره به وعلى كل حال فهما أولى من أن لأنه أقرب إلى الإشعار بحقيقة الحال وإن اصطلح المتأخرون على التصرف في أسماء الرواة وأنسابهم بالزيادة والنقص وبزيادة تعيين تاريخ السماع وللقاريء والمخرج ونحو ذلك ما لم يصلوا إلى المصنفين بل ربما لقبوا الراوي بما لا يسمح به الراوي عنه المضاف ذلك إليه كأن يقال أنبأنا ابن الصلاح قال أنبأنا العلامة الإمام أوحد الزمان فلان مع كون ابن الصلاح لو عرض عليه هذا في حق شيخه لأباه وهو توسع أشار ابن دقيق العيد إلى منعه

أما وهو القسم الثاني إذا الشيخ الذى حدثك أتم النسبا لشيخه أو من فوقه في أول الجزء أو الكتاب فقط واقتصر في باقيه على اسمه خاصة أو نسبه كما يقع في حديث المخلص حيث يقال في أول الجزء حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ابن بنت أحمد بن منيع ثم يقتصر فيما بعده على حدثنا عبد الله فذهبا الأكثرون من العلماء كما حكاه الخطيب عنهم لجواز أن يتم ما بعده أي ما بعد الأول اعتمادا على ذكره كذلك أولا سواء فصل أم لا

والفرق بينه وبين ما قبله أن هناك لم يذكر المدرج أصلا فهو إدراج لشيء لم يسمعه فوجب الفصل فيه والفصل هنا أولى لما فيه من الإفصاح بصورة الحال وعدم الإدراج وأتم لجمعه بين الأمرين وقد صرح بالأولوية بعضهم كما نقله عنه الخطيب واستحسنه وخدش ما حكاه عن شيخه أبي بكر أحمد بن علي الأصبهاني نزيل نيسابور وأحد الحفاظ


284
المجودين أهل الورع والدين حيث قال وسألته عن أحاديث كثيرة رواها لنا قال فيها أخبرنا أبو عمرو بن حمدان أن أبا يعلى أحمد ابن علي بن المثنى الموصلي أخبرهم وأنبأنا أبو بكر بن المقري أن إسحاق بن أحمد بن نافع حدثهم وأنبأنا أبو أحمد الحافظ أن أبا يوسف محمد بن سفيان الصفار أخبرهم فذكر لي أن هذه الأحاديث سمعها على شيوخه في جملة نسخ نسبوا الذين حدثوه بها في أولها واقتصروا في بقيتها على ذكر أسمائهم بأن قوما من الرواة كانوا يقولون فيما أجيز يعني لشيخوهم أنبأنا فلان أن فلانا حدثهم كما تقدم في كيف يقول من روى بالمناولة قبيل قسم المكاتبة مع حكاية من أنكر هذا الصنيع

وقال الخطيب فاستعمل ما ذكرت فإنه أبقى للظنة يعني في كونه إجازة وإن كان المعنى في العبارتين واحدا وحينئذ فأولاها كما قال ابن الصلاح هو ثم يعني ثم إن ثم إيراد ما ذكر أولا ومن منع الرواية بالمعنى لا يجيز الأخير


285
الفصل التاسع الرواية من أثناء النسخ التي إسنادها واحد
( والنسخ التي بإسناد قط
تجديده في كل متن أحوط )
( والأغلب البدء ويذكر
ما بعده مع وبه الأكثر )
( جوز أن يفرد بعضا بالسند
لأخذ كذا والإفصاح أسد )
( ومن يعيد سنده الكتاب مع
آخره احتاط وخلفا ما رفع )

والنسخ والأجزاء التي متونها بإسناد واحد قط أي فقط كنسخة همام بن منيه عن أبي هريرة رواية عبد الرزاق عن معمر عنه ونسخة شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ونسخه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده تجديده أي الإسناد في كل متن منها أحوط كما يفعله بعض أهل الحديث ويوجد في كثير من الأصول القديمة بل أوبه بعض المتشددين ولكن الأغلب أي الأكثر من صنيعهم البدء وبه أي بالإسناد في أولها أو في أول كل مجلس من سماعها ويذكر ما بعده من الأحاديث مع قوله في أول كل حديث يلي الأول منها وبه أي وبالإسناد السابق أو السند ونحو ذلك والأكثر


286
ومنهم وكيع وابن معين والإسماعيلي جوز أن يفرد بعضا من أحاديثها أي من أي مكان شاء بالسند المعطوف عليه لأخذ كذا أي جوز ذلك لمن سمعها كذلك

أما وكيع فإنه قيل له المحدث يقول في أول الكتاب حدثنا سفيان عن منصور ثم يقول فيما بعده وعن منصور فهل يقال في كل من ذلك حدثنا فلان عن سفيان عن منصور فقال نعم لا بأس به

وأما ابن معين فقال أحاديث همام لا بأس أن يقطعها وقال إذ قيل له إن ورقاء بن عمر كان يقول في أول حديثه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد يعني ثم يعطف عليه فهل ترى بأسا أن يخرجها إنسان فيكتب في كل حديث ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه لا بأس به

وأما الإسماعيلي فقال إنه تجوز إذ جعل إسناد واحد لعدة من المتون أن يجدد الإسناد لكل متن ومنع منه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني في الأسئلة التي سأله عنها الحافظ أبو سعد بن عليك وقال إنه لا يجوز أن يذكر الإسناد في كل حديث منها لمن سماعه على هذا الوصف وكذا منع بعض المحدثين ورآه تدليسا يعني من جهة إيهامه أنه كذلك سمع بتكرار السند وأنه كان مكررا تحقيقا لا حكما وتقديرا إلا أن يبين كيفية العمل

والمعتمد الجواز لأن المعطوف له حكم المعطوف عليه وهو بمثابة تقطيع المتن الواحد في أبواب بإسناده المذكور في أول المتن وقريب الشبه بالنقل من أثناء الكتب التي يقع إيراد السند بها في أول الكتاب أو المجلس

وكذا في آخره غالبا لأجل من تجدد من السامعين ويكتفي في كل حديث منها بقوله وبه حيث اتفقوا على جوازه بل لا فرق


287

قال بعض المتأخرين وينبغي أن يحمل المنع عن النتربهى وما يخالف الأولى لا على التحتم إذ لا وجه للحمل على ذلك غلا أن يقال باب الرواية اتباع لا ابتداع وهو لم يرد على هذا الوجه من التفرقة فيكون ذلك من مبتدعاتها لا من اتباعاتها

والإفصاح بصورة الحال وإن جاز ما تقدم أسد بالمهملة أي أقوم وأحسن كما يفعله مسلم في صحيفة همام فإنه يقول بعد سياق إسناده إلى همام إنه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي ما نصه فذكر أحاديث منها وقال رسول الله كذا ويسوق المتن الذي يروم إيراده ولم يعدل عن هذا فيما يورده من النسخة المذكورة

وأما البخاري فربما قدم أول حديث من الصحيفة وهو حديث نحن الآخرون السابقون ثم يعطف عليه الحديث الذي يريده والأول أوضح ولذا قل من اطلع على مقصد البخاري في ذلك حتى احتاج إلى التكلف بين مطابقة الحديث الأول للترجمة واستعمل قواه في ذلك لا سيما وهو لم يطرد عمله له في جميع ما يورده من هذه النسخة بل أورده منها في الطهارة وفي البيوع وفي النفقات والشهادات والصلح وقصة موسى والتفسير وخلق آدم والاستئذان وفي الجهاد في مواضع وفي الطلب واللباس وغيرها فلم يصدر شيئا من الأحاديث المذكورة بالحديث المشار إليه وإنما ذكره في بعض دون بعض وكأنه أراد أن يبين جواز كل من الأمرين على أنه يحتمل أن يكون ذلك من صنيع شيخ البخاري وهو إسحاق بن راهويه لكن قد فعله البخاري أحيانا في ترجمة شعيب أيضا ومن ذلك في باب لا تبولوا في الماء الراكد قال حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن


288
الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول أنه سمع رسول الله يقول نحن الآخرون السابقون وبإسناده قال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الحديث والظاهر أنهما اتفقا في ابتدائهما بهذا الحديث ويتأيد بأنه قل أن يوجد حديث في إحداهما إلا وهو في الأخرى وسبقهما إلى نحوه مالك فإنه أخرج في باب صلاة الصبح والعتمة من موطئه متونا بسند واحد رجل بغض شوك والشهداء ولو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوا وليس غرضه منها إلا الأخير ولكنه أداها على الوجه الذي سمعها به وكذا وافق على مطلق البيان آخرون

ومن يعيد سند الكتاب أو الجزء المشتمل على هذه النسخة وما أشبهها مع آخره أي في آخر الكتاب فقد احتاط لما فيه من التأكيد وتضمن إجازة بالغة من أعلى أنواع الإجازات ولكن خلفا ما رفع أي لم يرفع بذلك الخلاف من أجل عدم اتصال السند بكل حديث منها بل الخلاف الماضي في إفراد كل حديث لم يزل بذلك


289
الفصل العاشر تقديم المتن على السند
( وسبق متن لو ببعض سند
لا يمنع الوصل ولا أن يبتدى )
( راو هكذا بسند فمتجه
وقال خلف النقل معنى يتجه )
( في ذا كبعض المتن قدمته على
بعض ففيه ذا الخلاف نقلا )
تقديم المتن على السند

جميعه أو بعضه وسبق متن على جميع سنده كما جاء من ابن جريج قال نزلت (

يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي بعثه النبي في سرية أخبر فيه يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وعن الربيع ابن خثيم أنه قال من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد الحديث فقيل له من حدثك بهذا قال عمرو بن ميمون يعني عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن أبي أيوب وكقول البخاري في أواخر العلم من


290
صحيحه وقال علي حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله حدثنا به عبد الله ابن موسى عن معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن علي جائزا ولو كان سبقه مقترنا ببعض سند سواء كان البعض السابق مما يلي الراوي كقول أحمد سمعت سفيان يقول إذا كفى الخادم أحدكم طعامه فليجلسه فليأكل معه الحديث وقريء عليه إسناده سمعت أبا الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي به وقوله أيضا حدثنا سفيان قال يا أيها الناس لا يقتل بعضكم بعضا إذا رميتم الجمرة فارموها بمثل حصى الخذف وقرئ عليه إسناده يزيد بن أبي زياد عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أمه يعني عن النبي به

وحكى أحمد أن شريكا له لم يكن يحدث إلا هكذا كان يذكر الحديث فيقول فلان فيقال عمن فيقول عن فلان أو مما يلي المتن كأن يقول روى عن عمرو بن دينار عن جابر عن النبي كذا أخبرنا به فلان ويسوق سنده إلى عمرو وسواء كان ذلك في مجلس واحد أو مجلسين كما حكى مالك قال كنا نجلس إلى الزهري فيقول قال ابن عمر كذا ثم نجلس إليه بعد ذلك فأقول له الذي ذكرت عن ابن عمر من أخبرك به قال ابنه سالم وممن صرح بجواز ذلك أحمد بل وفعله كما تقدم وعن سعيد بن عامر أنه لا بأس به

ولا يمنع السبق في ذلك الوصل بل يحكم بانتقاله كما إذا قدم السند على المتن وكذا لا يمنع أن يبتدي راو وتحمل من شيخه هكذا المتن بسند ويؤخر المتن كالجادة المألوفة ف هذا متجه كما جوزه بعض المتقدمين من المحدثين وكلام أحمد يشعر به فإن أبا داود سأله هل لمن سمع كذلك أن يؤلف بينهما قال نعم

وبه صرح ابن كثير من المتأخرين فقال الأشبه عندي جوازه ويلتحق


291
بذلك تقديم اسم شيخه على الصيغة كأن يقول الإمام أحمد مثلا سفيان ابن عيينة حدثني وقال ابن الصلاح وخلف أي الخلاف في النقل معنى أو بالمعنى نتجه في ذا الفرع كبعض المتن إذا قدمته على بعض ففيه أيضا إذا الخلاف كما عن الخطيب قد نقلا فلا فرق بين الفرعين ولكن قد منع البلقيني مجيء الخلاف في فرعنا وفرق بأن تقديم بعض المتن قد يؤدي إلى خلل في المقصود في العطف وعود الضمير ونحو ذلك بخلاف تقديم المتن على السند وسبقه إلى الإشارة لذلك النووي فقال في إرشاده والصحيح أو الصواب جواز هذا أو ليس كتقديم بعض المتن على بعض فإنه قد يتغير به المعنى بخلاف هذا وقال في موضع آخر الصحيح الذي قاله بعض المتقدمين القطع بجوازه وقيل فيه خلاف كتقديم بعض المتن على بعض على أن لقائل يقول إن ابن الصلاح إنما أطلق استغناء بما تقرر من شروط الرواية بالمعنى لكن قد قال النووي إنه ينبغي أن يقطع بجوازه إن لم يكن المتن المتقدم مرتبطا بالمؤخر ثم إنه يستثنى من الجواز ما يقع لابن خزيمة فإنه يفعله إذا كان في السند من فيه مقال حيث يبتدئ من المتكلم فيه ثم بعد الفراغ من المتن يذكر أو السند وقال إن من رواه على غير هذا الوجه لا يكون في حل منه ولذا قال شيخنا إنه ينبغي أن القائل بالرواية بالمعنى لا يجوز مثل هذا يعني حيث لم يبين وكذا ميز أبو بكر الإسماعيلي بين ما يخرجه في مستخرجه من طريق من يعرض في القلب منه شيء وبين الصحيح على شرطه بذكر الخبر من فوق ثم بعد فراغه منه يقول أخبرنيه فلان عن فلان كما نبه عليه في المدخل

وممن منع تقديم بعض المتن على بعض ابن عمر وذلك أنه روى حديث بني الإسلام على خمس وفيه حج البيت وصيام رمضان فأعاده


292
بعض من حضر بتقديم الصيام فقال لا أجعل الصيام آخرهن كما سمعت من رسول الله وربما شك بعضهم في ذلك فرواه مع التردد كحديث أهل بيتي والأنصار عيبتي وكرشي أو كرشي وعيبتي

وكحديث أسلم وغفار أو غفار وأسلم ومنهم من يصرح بالشك كقول عاصم في حديث أوسعوا على أنفسكم إذا وسع الله عليكم أو إذا وسع الله عليكم فأوسعوا على أنفسكم لا أدري بأيهما بدأ أورد ذلك كله الخطيب في باب المنع من تقديم كلمة على أخرى من كفايته وكذا بوب لهذا الحافظ عبد الغني بن سعيد وحكى فيه الجواز إذا لم يتغير المعنى عن الحسن وسليمان التيمي والد المعتمر


293
الفصل الحادي عشر إذا قال الشيخ مثله أو نحوه
( وقوله مع حذف متن مثله
أو نحوه يريد متنا قبله )
( فالأظهر المنع من أن يكمله
بسند الثاني وقيل بل له )
( إن عرف الراوي بالتحفظ
والضبط والتمييز للتلفظ )
( والمنع في نحو فقط قد حكيا
وذا على النقل بمعنى بنيا )
( وأختيرا أن يقول مثل متن
قبل ومتنه كذا ويبني )
( وقوله إذ بعض متن لم يسق
وذكر الحديث فالمنع أحق )
( وقيل إن يعرف كلاهما الخبر
يرجى الجواز والبيان المعتبرا )
( وقال إن يجز فبالإجازة
لما طوى واغتفروا إفرازه )

وقوله أي الشيخ الراوي مع حذف متن ورد إسناده ما نصه فذكر مثله أو نحوه يريد متنا قبله فرغ من سياقه هل يسوغ إيراد اللفظ المحال عليه بالسند الثاني المطوي متنه اختلف فيه فالأظهر عند ابن الصلاح ومن تبعه كالنووي وابن دقيق العيد المنع لمن سمعه كذلك من أن بالنقل يكلمه بسند الثاني أي بالسند الثاني فقط لعدم تيقن تماثلهما في


294
اللفظ وفي القدر المتفاوتين فيه

وقد أخرج البخاري حديث الإفك من وراية فليح ابن سليمان عن عروة وجماعة بطوله ثم من حديث فليح عن هشام بن عروة عن أبيه وقال مثله مع تفاوت كثير بين الروايتين حسبما علم من خارج ولذا قال شيخنا فكان فليحا تجوز في قوله مثله وأخرج مسلم في مقدمة صحيحه من حديث ابن مهدي ومعاذ بن معاذ كلاهما عن شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم مرفوعا مرسلا كفى المرء كذبا ثم أخرجه من طريق علي بن حفص عن شعبة فوصله بأبي هريرة ولم يسق لفظه بل قال مثله هذا مع كونه لم يقع لي من طريق على المذكور إلا بلفظ إثما وإما أن يكون مسلم لم يشدد لكونه في المقدمة أو وقع له بلفظ والأول أقرب وفي أنه الأظهر نظر إذا خشينا على أن المعتمد جواز الرواية بالمعنى لأنه وإن كان لا يلزم من كونه مثله أن يكون بعين لفظه لا يمنع أن يكون بمعناه بل هو فيما يظهر دائر بين اللفظ والمعنى لا سيما إذا اقترن بمثله لفظ سواء بل هو حينئذ أقرب إلى كونه بلفظه

وقد سبقه إلى المنع شعبة فكان لا يرى بالتحديث به على لفظ الأول وقال قول الراوي فلان عن فلان مثله لا يجزي وقوله نحوه شك أي فيكون أولى بالمنع وفي رواية من طريق وكيع عنه قال مثله ونحوه حديث أي غير الأول وهو أصح مما جاء من طريق قراد أبي نوح عبد الرحمن بن عزوان عن شعبة أنه قال مثله ليس بحديث

ثم إن مقتضى هذا المذهب أنه لا فرق بين حذف الإسناد الأول مع ذلك وإثباته ولإثباته أحوال فتارة يذكر المتن عقب كل منهما وتارة يذك عقب ثانيهما وتارة يعكس ما وقع في الرواية فيؤخر الإسناد الذي له اللفظ ويردفه بقوله مثله


295

وقيل بل يجوز له إن عرف السامع كذلك الراوي بالتحفظ والضبط وعد الحروف والتمييز للتلفظ الواقع من الرواة بحيث لا يحمل لفظ راو على آخر مسلم صاحب الصحيح فإنه يزول الاحتمال حينئذ وإلا فلا حكاه الخطيب في الكفاية عن بعض العلماء وأسند عن علي بن الحسين ابن حبان قال وجدت في كتاب أبي قيل لأبي زكريا يحيى بن معين يحدث المحدث بحديث ثم يحدث بآخر في أثره فيقول مثله يجوز لي أن أقص الكلام الأول في هذا الأخير الذي قال فيه المحدث مثله قال نعم

قلت له إنما قال المحدث فكيف أقص أنا الكلام فيه قال هذا جائز إذا قال مثله فقصصت أنت الكلام الأول في هذا الأخير لا بأس به

وعن عبد الرزاق قال قال الثوري إذا كان مثله يعن يحديثا قد تقدم فقال مثل هذا الحديث الذي تقدم فإن شئت فحدث بالمثل على لفظ الأول

وقوى البلقيني هذا القول واستظهر له بأن البيهقي صنعه حتى في الموضع المحتمل وذلك أن الدارقطني أخرج في سننه من طريق أبي هريرة حديث تقول المرأة أنفق علي وإلا طلقني ثم خرج من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في الرجل لا يجد ما ينفق على إمرأته قال يفرق بينهما

ثم أخرج من حديث أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي مثله فهذا مع احتماله أن يكون مثل الموقوف وأن يكون مثل المرفوع خرجه البيهقي من طريق الدارقطني وفيه لفظ المرفوع فروى بإسناده إلى أبي هريرة أن النبي قال إذا أعسر الرجل بنفقة امرأته يفرق بينهما ولم يقع في كتاب الدارقطني ولا في كتاب من أخذ عنه الدارقطني وإلا بلفظه مثله المحتملة انتهى


296

وحديث تقول المرأة في الدارقطني من طريق زيد بن أسلم وعاصم بن بهدلة كلاهما عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا ثم روى أثرا مقطوعا من وجهين إلى يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب في الرجل يعجز عن نفقة إمرأته يفرق بينهما ثم روى من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه قال مثله وبهذا ظهر أن زيادة أبي هريرة في أثر سعيد خطأ وأن قوله مثله أي مثل المرفوع لكونهما متحدين في السند والرفع والمنع وهو قول مفصل في نحو فقط أي دون مثل قد حكيا فيما رواه عباس بن محمد الدوري عن ابن معين حيث قال إذا كان حديث عن رجل وعن رجل آخر مثله فلا بأس أن يرويه إذا قال مثله إلا أن يقول نحوه يعني عملا بظاهر اللفظين إذ مثله يعطي المتساوي في اللفظ بخلاف نحوه

حتى قال الحاكم إنه لا يحل للمحدث أن يقول مثله إلا بعد أن يعلم أنهما على لفظ واحد ويحل أن يقول نحوه إذا كان مثله معانية

قال الخطيب وذا أي ما ذهب إليه ابن معين على النقل بمعنى أي على عدم جواز الرواية بالمعنى بنيا فأما من أجاز فلا فرق عنده بين اللفظين قال وأختير من غير واحد من العلماء حين رواية ما يكون من هذا القبيل أن يورده الإسناد يقول فذكر مثل أو نحو متن ذكر قبل ومتنه كذا ويبني اللفظ الأول على السند الثاني بهذه الكيفية

قال وهذا هو الذي اختاره يعني لما فيه من الاحتياط بالتعيين وإزالة الإبهام والاحتمال بحكاية صورة الحال وقال النووي في شرح مسلم إنه لا شك في حسنه انتهى

وما لعله يقال من كون هذا الصنيع يوهم سماع المتن الثاني وأنه إنما تركه لغرض ما ليس بقادح وقد فعله البخاري لكن حيث لم يسبق للمتن


297
المشار إليه بنحو طريقا يعود الضمير عليها فإنه أخرج في خلق آدم من أحاديث الأنبياء من طريق ابن المبارك عن معمر وعن همام عن أبي هريرة عن النبي فقال نحوه وقال عقبة ما نصه يعني لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها وكأنه لكون الرواية المحال عليها لم يسمعها أو سمعها بسند على غير شرطه أو نحو ذلك

وليس من هذا القبيل إيراده في الزكاة من طريق منصور والأعمش كلاهما عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة عن النبي وقال يعني إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها بل هذا أشار به إلى أنه ورى ما أورده من هذا الحديث بالمعنى

إذا علم هذا فما تقدم فيما إذا أورد الحديث بتمامه ثم عطف عليه وأما قوله أي الراوي إذ بعض متن لم يسق بل حذف ووقع الاقتصار على طرف منه ما نصه وذكر الحديث أو ذكره أو نحوهما كقوله الحديث بتمامه أو بطوله أو إلى آخره كما جرت به عادة كثير من الرواة فالمنع من سياق تمام الحديث في هذه الصورة أحق منه في التي قبلها وتقتصر حينئذ على العذر المثبت منه فقط إلا مع البيان وممن صرح فيها بالمنع الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني ورخص فيه بعضهم وقيل إن يعرف المحدث والطالب كلاهما مع هذه الإشارة الخبر بتمامه يرجى كما نص عليه الإسماعيلي الجواز قال والبيان مع ذلك للواقع بأن يقتص ما ذكره المحدث من الحديث ثم يقول وتمامه كذا وكذا ويسوقه هو المعتبري أي الأولى ويتأكد فيما إذا كان سمع الطالب المتن على المحدث

ولذا قال ابن كثير إنه ينبغي أن يفصل فيقال إن كان سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو في غيره


298
فتجوز الرواية ويكون الإشارة إلى شيء قد سلف بيانه وتحقق سماعه وإلا فلا

وقال ابن الصلاح إن نجز في الصورة المحكية عن الإسماعيلي ف روايته بالإجازة لما طوى من الحديث هو التحقيق

قال لكنها إجازة أكيدة قوية يعني لأنها إجازة شيء معين لمعين وفي المسموع ما يدل على المجاز مع المعرفة به فأدرج فيه واغتفروا أي من يفعله من المحدثين إفرازه عن المسموع بصيغة تدل لها قلت أو لعل فاعله ممن يذهب إلى جواز أداء المجاز بأنا وحدثنا كما سلف


299
الفصل الثاني عشر إبدال الرسول بالنبي وعكسها
( وإن رسول بنبي أبدلا
فالظاهر المنع كعكس فعلا )
( وقد رجى جوازه ابن حنبل
والنووي صوبه وهو جلي )

وإن رسول وقع في الرواية بأن قيل رسول الله بنبي أي بلفظ النبي أبدلا وقت التحمل والأداء والكتابة فالظاهر كما قال ابن الصلاح المنع منه والتقيد بما في الرواية كعكس فعلا بأن يبدل الرواية فيه بلفظ النبي برسول الله وإن جازت الرواية بالمعنى لأن المعنى هنا مختلف بعني بناء على القول بعدم تساوي مفهومهما وقد كان الإمام أحمد بن حنبل فيما رواه عنه ابنه عبد الله إذا سمع من لفظ المحدث رسول الله ضرب من كتابه نبي الله وكتب ذلك بدله لكن قال الخطيب إن ذلك ليس على وجه اللزوم بل على الاستحباب في اتباع المحدث في لفظه

وقد رجى جوازه ابن حنبل نفسه حيث قال إذ سأله ابن صالح إنه يكون في الحديث رسول الله فيجعل الإنسان بدله النبي أرجو أن لا يكون به بأس وكذا جوزه حماد بن سلمة بل قال لعفان وبهز لما جعلا يغير أن النبي


300
يعني الواقع في الكتاب برسول الله يعني الواقع من المحدث أما أنتما فلا تفقهان أبدا والإمام النووي أيضا صوبه أي الجواز وهو جلي واضح بل قال بعض المتأخرين إنه لا ينبغي أن يختلف فيه وقول ابن الصلاح إن المعنى فيهما مختلف لا يمنعه فإن المقصود إسناد الحديث إلى سيدنا رسول الله وهو حاصل بكل واحد من الصفتين وليس الباب باب تعبد في اللفظ لا سيما إذا قلنا إن الرسالة والنبوة بمعنى واحد وعن البدر بن جماعة أنه لو قيل بالجواز في إبدال النبي بالرسول خاصة لما بعد لأن في الرسول معنى زائد على النبي وهو الرسالة إذ كل رسول نبي ولا عكس وبيانه أن النبوة من النبأ وهو الخبر فالنبي في العرف هو المنبأ من جهة الله بأمر يقتضي تكليفا فإن أمر تبليغه إلى غيره فهو رسول وإلا فهو نبي غير رسول وحينئذ فالنبي والرسول اشتركا في أمر عام وهو النبأ وإفترفا في الرسالة فإذا قلت فلان رسول تضمن أنه نبي رسول وإذا قلت فلان نبي لم يستلزم أنه رسول ولكن قد نازع ابن الجزري في قولهم كل رسول نبي حيث قال هو كلام يطلقه من لا تحقيق عنده فإن جبريل عليه السلام وغيره من الملائكة المكرمين بالرسالة رسل لا أنبياء

قلت ولذا قيد الفرق بين الرسول والنبي بالرسول البشري

وحديث البراء في تعليم ما يقال عند النوم إذ رد النبي عليه إبداله لفظ النبي بالرسول فقال لا ونبيك الذي أرسلت تمنع القول بجواز تغيير النبي خاصة بل الاستدلال به لمجرد المنع ممنوع بأن ألفاظ الأذكار توقيفية فلا يدخلها القياس بل يجب المحافظة على اللفظ الذي جاءت به الرواية إذ ربما كان فيه خاصية وسر لا يحصل بغيره أو لعله أراد أن يجمع بين الوصفين في موضع واحد ولا شك أنه نبي مرسل فهو إذن أكمل فائدة وذلك يفوت بقوله وبرسولك الذي أرسلت وأيضا فالبلاغة مقتضية لذلك لعدم تكرير اللفظ لوصف واحد فيه زاد بعضهم أو لاختلاف المعنى لأن برسولك يدخل جبريل وغيره من الملائكة الذين ليسوا بأنبياء


301
الفصل الثالث عشر وفيه مسألتان السماع على نوع من الوهن أو بإسناد قرنت فيه الرواية عن رجلين
( ثم على السامع بالمذاكرة
بيانه كنوع وهن خامره )
( والمتن على شخصين واحد جرح
لا يحسن الحذف له لكن يصح )
( ومسلم عنه كنى فلم يوف
والحذف حيث وثقا فهو أخف )
( وإن يكن عن كل راو قطعه
أجز بلا ميز بخلط جمعه )
( مع البيان كحديث الإفك
وجرح بعض مقتض للترك )
( وحذف واحد من الإسناد
في الصورتين أمنع للازدياد )
السماع على نوع من الوهن أو بإسناد قرنت فيه الرواية عن رجلين

فأكثر ثم بعد استحضار ما تقدم من التحري في الأداء على السامع من حفظ المحدث بالمذاكرة أي في المذاكرة بيانه على الوجه الواقع كأن يقول أنبأنا فلان مذاكرة وذلك مستحب كما صرح به الخطيب وإن كان


302
ظاهر كلام ابن الصلاح الوجوب وقد فعله غير واحد من متقدمي العلماء بل يقال مما الظاهر خلافه إن ما يورده البخاري في صحيحه عن شيوخه بصيغة قال لي أو قال لنا أو زادنا أو زادني أو ذكر لنا أو ذكر لي ونحوها مما حمله عنهم في المذاكرة كنوع وهن خامره أي خالطه بأن سمع من غير أصل أو كان هو أو شيخه يتحدث أو ينعس أو ينسخ في وقت الإسماع أو كان سماعه أو سماع شيخه بقراءة لحان أو مصحف أو كتابة التسميع حيث لم يكن المرء ذاكر السماع نفسه بخط من فيه نظر أو نحو ذلك

وقد أورد أو داود في سننه عن شيخه محمد بن العلاء حديثا ثم قال بعده لم أفهم إسناده من ابن العلاء كما أحب وكذا أورد فيها أيضا عن بندار حديثا طويلا ثم قال في آخره خفي على منه بعضه لمشاركة السماع في المذاكرة غالبا بهذه الصور في الوهن إذ الحفظ خوان وربما يقع فيها بسبب ذلك التساهل بل أدرجها ابن الصلاح فيما فيه بعض الوهن

ولذا منع ابن مهدي وابن المبارك وأبو زرعة الرازي وغيرهم من التحمل عنهم فيها وامتنع أحمد وغيره من الأئمة من رواته ما يحفظونه إلا من كتبهم وفي إغفال البيان إيهام وإلباس يقرب من التدليس وكما يستحب البيان فيما تقدم وكذلك يستحب بيان ما فيه دلالة لمزيد ضبط وإتقان كتكرر سماعه للمروي وقد فعله غير واحد من الحفاظ فيقول حدثنا فلان غير مرة

المسألة الثانية

والمتن عن شخصين مقرونين من شيوخه الذين أخذ عنهم أو ممن فوقهم واحد منهما وثق والآخر جرح كحديث لأنس يرويه عنه مثلا ثابت البناني وأبان بن أبي عياش لا يحسن للراوي على وجه الاستحباب الحذف له أي للجروح وهو أبان والاقتصار على ثابت خوفا من أن يكون


303
فيه شيء عن أبان خاصة

وحمل المحدث عنهما أو من دونه لفظ أحدهما على الآخر قاله الخطيب قال وسئل أحمد عن مثله فقال فيه نحوا مما ذكرنا ثم ساق من طريق حرب بن إسماعيل أن أحمد قيل له في مثل هذا الجواز أن اسمي ثابتا وأترك أبان قال لا لعل في حديث أبان شيئا ليس في حديث ثابت وقال إن كان هكذا فأحب أن يسميهما وهذا ظاهر في الاستحباب وهو الذي مشى عليه ابن الصلاح حيث قال ما حاصله إنه لا يمتنع تحرما لكن تنزيها يصح لأن الظاهر إنفاق الروايتين وما ذكر من الاحتمال نادر بعيد فإنه من الإدراج الذي لا يجوز تعمده انتهى

ويتأيد بسكون مسلم مع حرصه على الألفاظ له فإنه أخرج في النكاح من صحيحه عن محمد بن عبد الله بن نمير عن عبد الله بن يزيد المقري عن حيوة بن شريح عن شرحبيل بن شريك عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو حديث الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة فإن هذا الحديث قد أخرجه النسائي عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري عن أبيه عن حيوة وذكر آخر كلامهما عن شرحبيل به وكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث الحسين ابن عيسى اليسطامي عن المقري عن حيوة وذكر آخر قالا حدثنا شرحبيل وأخرجه أحمد في مسنده عن أبي عبد الرحمن المقري عن حيوة وابن لهيعة قالا حدثنا شرحبيل إذ الظاهر من تشديد مسلم حيث حذف المجروح أنه أورده بلفظ الثقة إن لم يتحد لفظهما ونحوه ما وقع له في موضع آخر من صحيحه حيث أخرج من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح عن أبي الأسود عن عروة عن عبد الله بن عمرو حديث إن الله لا يقبض العلم ولم يسبق لفظه بل أحال به على طريق هشام بن عروة المشهورة فتبين من تصنيف ابن وهب فيما أفاق ابن طاهر أن


304
اللفظ لابن لهيعة وذلك أن ابن وهب أخرجه عن ابن لهيعة عن أبي الأسود وساق الإسناد والمتن ثم عقبه بأن قال وأخبرني عبد الرحمن بن شريح عن أبي الأسود بذلك

لكن أفاد شيخنا في هذا المتن بخصوصه أن حذف ابن لهيعة من ابن وهب لا من مسلم وأنه كان يجمع بين شيخه تارة ويفرد ابن شريح أخرى بل لابن وهب فيه شيخان آخران بسند آخر أخرجه ابن عبد البر في بيان العلم من طريق سحنون حدثنا ابن وهب حدثنا مالك وسعيد بن عبد الرحمن كلاهما عن هشام باللفظ المشهور ومسلم أيضا عنه أي عن المجروح وربما كنى حيث يصرح بالثقة ثم يقول وآخر وهو منه قليل بخلافه من البخاري فإنه أورد في تفسير النساء وآخر الطلاق والفتن وعدة أماكن من طريق حيوة وغيره

وفي الاعتصام من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح وغيره والغير في هذه الأماكن كلها هو ابن لهيعة بلا شك وكذا أورد في الطب من رواية ابن وهب عن عمرو بن الحارث وغيره وهو أيضا هو لكن فيما يغلب على الظن وفي العتق من رواية ابن وهب عن مالك وابن فلان كلاهما عن سعيد المقبري والمبهم هنا هو عبد الله بن زياد بن سمعان وكذا أكثر منه النسائي وغيره فلم يوف واحد منهم بالخروج من عهدة المجروح إن اختص عن الثقة بزيادة لكن الظن القوي بالشيخان أنهما علما اتفاقهما ولو بالمعنى ولهذا الصنيع حينئذ فائدتان وهما الإشعار بضعف المبهم وكونه ليس من شرط وكثرة الطرق التي يرجح بها عند المعارضة وإن أشار الخطيب إلى أنه لا فائدة في الصورة الخاصة فضلا عن غيرها

قال لأنه إن كان لأجر ما اعتللنا به فخبر المجهول لا يتعلق به الأحكام إذ إثبات ذكره وإسقاطه سواء وإن كان على معرفته هو به


305
فلماذا ذكره بالكناية عنه وليس بمحل للأمانة عنده قال ولا أحسب إستجازة إسقاط ذكره والاقتصار على الثقة إلا لأن الظاهر إتفاق الروايتين في لفظ الحديث يعني ممن يحرص على الألفاظ كمسلم الذي لا الاحتجاج بصنيعه فيه أعلا أو في معناه إن لم يتقيد باللفظ واحتياط في ذلك بذكر الكناية عنه مع الثقة تورعا وإن كان لا حاجة إليه

وقد أشار أبو بكر الإسماعيلي في مدخله إلى أنه في مستخرجه تارة يحذف الضعيف وتارة ينبه عليه فقال وإذا كتب الحديث فيه أي في المستخرج عن رجل يرويه عن جماعة وأحدهم ليس من شرط هذا الكتاب فإما أن أترك ذكره واكتفي بالثقة الذي الضعيف مقرون إليه أو أنبه على أنه محكي عنه في الجملة وليس من شرط الكتاب انتهى

وإذا تقررت صحة حذف المجروح فالظاهر عدم صحة الاقتصار عليه لما قد ينشأ عنه تضعيف المتن وعدم الاحتجاج به للقاصر أو المستروح وفيه من الضرر مالا يخفى

وأما الحذف لأحد الروايين حيث وثقا كما وقع للبخاري في تفسير المدثر وأنه روى عن محمد بن بشار عن ابن مهدي وغيره كلاهما عن حرب ابن شداد حديثا وفسر الغير بأنه أبو داود الطيالسي الذي لم يخرج له البخاري شيئا فهو كما قال ابن الصلاح أخف مما قبله لأنه وإن تطرق مثل الاحتمال المذكور أولا إليه وهو كون شيء منه عن المحذوف خاصة فمحذور الإسقاط فيه أقل لأنه لا يخرج عن كون الراوي ثقة كما إذا قال أخبرني فلان أو فلان فإنه وإن كان أحدهما غير ثقة وهو نحو الصورة الأولى لا يكون الخبر حجة لاحتمال اختصاصه بشيء من الخبر عن الآخر وإن كان الظاهر من المتحري خلافه كما قرر إن كانا ثقتين فالحجة به قائمة لأنه دائرين ثقتين ثم إن ما تقدم فيما يكون جميع المتن عنهما


306
وإن يكن مجموعه من جماعة من الرواة ملفقا بأن كل عن كل راو منهم قطعة ف أجز بلا ميز أي تميز بما عند كل واحد منهم منه أيضا بخلط جمعه لكن مع البيان لذلك إجمالا وإن عن كل راو بعضه كحديث الإفك فإنه في الصحيح من رواية الزهري عن عروة ابن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص الليثي وعبد الله بن عبد الله بن عتبة كلهم عن عائشة قال الزهري وكلهم حدثني طائفة من حديثها

وبعضهم أوعى من بعض وأثبته اقتصاصا وفي لفظ وبعض القوم أحسن سياقا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثه يصدق بعضا زعموا أن عائشة وساقه بطوله ولفظ ابن إسحاق قال الزهري ولك حدثني بعض هذا الحديث وقد جمعت لك الذي حدثوني ولما ضم ابن إسحاق إلى الرواية الزهري عن الأربعة رواية هو عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة وعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه كلاهما عن عائشة قال وكل حديث هؤلاء جميعا يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه وكل كان ثقة فكل حدث عنها ما سمع وذكره

ونحوه صنيع الزهري ما في الوكالة من البخاري حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح وغيره يعني كأبي الزبير يزيد بعضهم على بعض لم يبلغه كله رجل واحد منهم عن جابر وفي رواية لأبي نعيم في المستخرج لم يبلغه كله إلا رجل واحد فذكر حديثا وقريب منه قول عروة ابن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي عنهما يزيد أحدهما على صاحبه قال خرج النبي فذكر حديثا وفعله من المتأخرين عياض فقال في الشفاء وعن عائشة والحسن يعني ابن علي وأبي سعيد وغيرهم في صفته وبعضهم يزيد على بعض وكثيرا ما يستعمله أصحاب المغازي وجازف عصري ممن كثرت مناكيره فاستعمله في


307
أمر بشيع شنيع يحرم على الوجه الذي سلكه إجماعا فقال وفي إنجيل متى ولوقا ومرقص يزيد أحدهم عن الآخر وقد جمعت بين ألفاظهم وحاصل ما فعله الزهري ومن نحى نحوه أن جميع الحديث عنه مجموعهم لا أن مجموعه عن كل واحد منهم ولا يعلم من مجرد السياق القدر الذي رواه منه كل واحد من المسمين

نعم ربما يعرف حديث بعضهم أو كلهم من غير طريق ذاك الراوي بل ومن طريقه أيضا على أنه قد وقع في التفسير من الصحيح أيضا قول الزهري وبعض حديثهم يصدق بعضا وإن كان بعضهم أوعى له من بعض الذي حدثني عروة ففهم البلقيني وبعض أتباعه أن عروة حدثه بجميع الحديث وأن الذي حدثه بالبعض حتى تلفق من عداه وصارت صورة أخرى غير الأولى ولكن هذه اللفظة مع كونها ليست صريحة في ذلك بل تحتمل أيضا أن يكون المراد أن الذي حدثه عروة أول شيء منه خاصة مما زادها الليث عن سائر من رواه عن يونس عن الزهري

وعلى كل حال فقد صح كون الزهري استعمل التلفيق وهو جائز وإن قال عياض مع كونه ممن استعمله كما أسلفته أنهم افتقدوا عليه صنيعه له وقالوا كان ينبغي له أن يفرد حديث كل واحد منهم عن الآخر انتهى والأمر فيه سهل فالكل ثقات ولا يخرج الحديث بذلك عن كونه صحيحا

وجرح بعض من المروي عنهم وضعفه أن لو اتفق مع عدم التفصيل مقتض للترك لجميع الحديث لأنه ما من قطعة من الحديث إلا وجائز أن تكون عن ذاك الراوي المجروح ولهذه العلة وجوبا حذف بالنصب مفعول مقدم واحد من الرواة المجتمعين في الإسناد أو بعض الحديث في هاتين الصورتين الثقات كلهم والضعيف بعضهم أمنع للازدياد أي لأجل الزيادة على بقية الرواة لما ليس من حديثهم أو إسقاط ما


308
اختص به بعضهم

فائدة ليس من هذا الباب قول البخاري في باب كيف كان عيش النبي وأصحابه من كتاب الرفاق حدثنا أبو نعيم بنحو من نصف هذا الحديث حدثنا عمر بن ذر فإنه وإن كان صريحا في كونه لم يسمع جميعه منه يحتمل أن يكون حدث به عنه بطريق الوجادة أو الإجازة أو حمله عن شيخ آخر ممن رواه عن عمرو بن ذر غير أبي نعيم أو سمع بقية الحديث من شيخ سمعه من أبي نعيم وعلى الاحتمالين الأخيرين يكون من التعاليق ولذا أورده شيخنا رحمه الله في كتابه المختص بها


309
آداب الشيخ المحدث
( وصحح النية في التحديث
وأحرص على نشرك للحديث )
( ثم توضأ واغتسل واستعمل
طيبا وتسريحا وزير المعتلى )
( صونا على الحديث واجلس بأدب
وهيبة بصدر مجلس وهب )
( لم يخلص النية طالب فعم
ولا تحدث عجلا أو إن تقم )
( أو في الطريق ثم حيث احتج لك
في شيء أروه وابن خلاد سلك )
( بأنه يحسن للخمسينا
عاما ولا بأس لأربعيناه )
( ورد والشيخ بغير البارع
خصص لا كمالك والشافعي )
( وينبغي الإمساك إذ يخشى الهرم
وبالثمانين ابن خلاد جزم )
( فإن يكن ثابت عقل لم يبل
كأنس ومالك ومن فعل )
( والبغوي والهجيمي وفئه
كالطبري حدثوا بعد المائة )
( وينبغي إمساك الأعمى أن يخفف
وإن من سيل يجزء قد عرف )
( رجحان راو فيه دل فهو حق
وترك تحديث بحضرة الأحق )
( وبعضهم كره الأخذ عنه
ببلد وفيه أولى منه )
( ولا تقم لأحد وأقبل
عليهم وللحديث رتل )
( وأحمد وصل مع سلام ودعا
في بدء مجلس وختمه معا )


310
( واعقد للإملاء مجلسا فذاك من
أرفع الإسماع والأخذ ثم إن )
( تكثر جموع فاتخذ مستمليا
محصلا ذا يقظة مستويا )
( بعال أو فقائما يتبع ما
يسمعه مبلغا أو مفهما )
( واستحسنوا البدء بقارئ تلا
وبعد استنصت ثم بسملا )
( فالحمد فالصلاة ثم أقبل
يقول من أو ما ذكرت وأبتهل )
( له وصلى وترضى رافعا
والشيخ ترجم الشيوخ ودعى )
( وذكر معروف بشيء من لقب
كغندر أو وصف نقص أو نسب )
( لأمه فجائز ما لم يكن
يكرهه كابن علية فصن )
( وارو في الإملا عن شيوخ قدم
أولادهم وأنتقه وأفهم )
( ما فيه من فائدة ولا تزد
عن كل شيخ فوق متن واعتمد )
( عالي إسناد قصير متن
واجتنب المشكل خوف الفتن )
( واستحسن الإنشاد في الأواخر
بعد الحكايات مع النوادر )
( وإن يخرج للرواة متقن
مجالس الإملاء فهو حسن )
( وليس الإملاء حين يكمل
غنى عن العرض لزيغ يحصل )

عند إرادة الرواية ومع الطالب وفي الرواية والإملاء وما يفعله المستملي وغير ذلك مما لم يتقدم وقدمت على آداب الطالب التي كان الأليق تقديمها إما لكونهما أشرف أو لمناسبتها لأكثر الفروع التي في صفة الرواية والأداء

وقد صنف الخطيب كتابا حافلا لآداب كل منهما سماه الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع قرأته وكذا لأبي سعد السمعاني أدب الإملاء والإستملاء وصحح أيها المريد للرواية النية في الحديث وقدمها عليه بحيث تكون في ذلك مخلصا لله لا يشرك فيه غرض دنيوي بل طاهر


311
القلب من أعراضها وأدناسها بعيدا عن حب الرياسة ورعوناتها ووسائسها كالعجب والطيش والحمق والدعوى بحق فضلا عن باطل لا تحب أن يحمدك عليه أحد من الناس ولا تريد به معنى سوى التقرب إلى الله وإن لم تفعل ذلك فما صنعت شيئا ولا تأمن أن يقول لك الرب سبحانه حين قولك تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت القرآن كذبت ولكن ليقال قارئ فقد قيل ثم يؤمر بمن يكون كذلك فيستحب فيسحب على وجهه حتى يلقى في النار إذ الأعمال بالنيات ولا يتقبل الله تعالى منها إلا ما كان خالصا له وأنظر إلى قوله من سمع الناس بعلمه سمع الله به سامع خلقه وصغره وحقره ورب قائم أو صائم حظه من قيامه أو صيامه السهر أو الجوع والعطش سأل الله العفو والعافية

ومن هنا وقف كثير من السلف عن التحديث إلا بعد نية صحيحة قال حبيب ابن أبي ثابت لما سأله الثوري التحديث حتى تجيء النية وقال أبو الأحوص سلام ابن سليم لمن سأله أيضا ليست لي نية فقيل له إنك توجر فقال شعر نمير في الخير الكثير وليتني نجوت كفافا لا علي ولاليا

وقال كلثوم بن هاني وقد قيل له يا أبا سهل حدثنا إن قلبي لا خير فيه ما أكثر ما سمع ونسي هذا وهو لو شاء فعل كما قاله أبو زرعة الشيباني ولكنه أشفق من الزهو والعجب حين نصبوه ونحوه قول حماد بن زيد استغفر الله أن يذكر الإسناد في القلب خيلا وتصحيح النية وإن كان شرطا في كل عبادة إلا أن عادة العلماء تقييد سألتنا به لكونه يتساهل فيه بعض الناس ويغفل عنه لا سيما والحديث علم شريف يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وينافر مساويء الأخلاق ومشائن الشيم كما قال ابن الصلاح والنية تعز فيه لشرفه

ويستفز صاحبه اللعين بهدفه ومن حرمه فقد حرم خيرا كثيرا ومن


312
رزقه بشرطه فقد فاز فوزا عظيما ونال أجرا كبيرا وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا لأنه عبادة لذاته لا صناعة ولا ينافيه قول الثوري ليس طلب الحديث من عدة الموت ولكنه علة يتشاغل به الرجال إذا طلب الحديث كما قال الذهبي شيء غير الحديث قال وهو اسم عرفي لأمور زائدة على تحصيل ماهية الحديث وكثيرا منها مراق إلى العلم وأكثرها أمور يشغف بها المحدث من تحصيل النسخ المليحة ويطلب الإسناد العالي وتكثير الشيوخ والفرح بالألقاب وتمنى العمر الطويل ليروي وحب التفرد إلى أمور عديدة لازمة لأغراض نفسانية لا للأعمال الربانية قال فإذا كان طلبك للحديث النبوي محفوفا بهذه الآفات فمتى خلاصك منها إلى الإخلاص

وإذا كان علم الآثار مدخولا فما ظنك بعلوم الأوائل الذي ينكث الإيمان ويورث الشكوك ولم يكن والله في عصر الصحابة والتابعين بل كانت علومهم القرآن والحديث والفقه انتهى

على أن جماعة منهم الثوري قال كل منهم لا أعلم أفضل من طلب الحديث لمن أراد به الله عز وجل فيحمل على ما إذا خلص من هذه الشوائب كما هو صريحه وحينئذ فهو أفضل من التطوع بالصوم والصلاة لأنه فرض على الكفاية

وأحرص مع تصحيح النية على نشرك للحديث واجعل ذلك من أكبر همك فقد أمر النبي بالتبليغ عنه بلغوا عني ولو أية قال ابن دقيق العيد ولا خفاء بما في تبليغ العلم من الأجور لا سيما وبرواية الحديث يدخل الراوي في دعوة النبي حيث قال نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها إلى من لم يسمعها انتهى


313

ولأنه كما يروي في حديث مرفوع عن أبي هريرة عند أحمد الطبراني وغيرهم مثل الذي يتعلم علما ثم لا يحدث به كمثل من رزقه الله مالا فكثره ولم ينفق منه وفي لفظ عن ابن عمر رفعه علم لا يقال به ككنز لا ينفق منه وقال مالك بلغني أن العلماء يسألون يوم القيامة يعني عن تبليغهم كما يسأل الأنبياء ورؤي يزيد بن هارون في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي قيل بأي شيء قال بهذا الحديث الذي نشرته في الناس

والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة

ولذا كان عروة يتألف الناس على حديثه وكان المحب الصامت من المتأخرين الذين أخذنا أصحابهم يطوف على أبناء المكاتب فيحدثهم بل رحل جماعة من بلادهم إلى بلاد أخرى لذلك منهم أبو علي حنبل الرصافي فإنه سافر من بغداد إلى الشام بقصد خدمة رسول الله ورواية أحاديثه في بلد تروى هم وحدث لمسند أحمد فاجتمع بمجلسه لهذه النية الصالحة من الخلائق ما لم يجتمع في مجلس قبله بدمشق كما قاله الذهبي

وكذا كان محمد بن عبد الرحمن أبو جعفر البغدادي الصيرفي وهو من الدين على نهاية يسأل من يقصده عن مدينة بعد مدينة هل بقي فيها من يحدث فإذا علم خلو بلد عن محدث خرج إليها في السر لرغبته في بذل الحديث فحدثهم ثم رجع حكاه الخطيب في ترجمته من تاريخه

قال ابن دقيق العيد ومن أحسن ما يقصد في هذا العلم شيئان أحدهما تبعد بكثرة الصلاة على النبي كلما تكرر ذكره ويحتاج ذلك أن يكون مقصودا عند اللفظ ولا يخرج على وجه العادة والثاني قصد الانتفاع والنفع للغير كما قال ابن المبارك وقد استكثر كثرة الكتابة منه لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم أسمعها إلى الآن


314

وقال لبعض المتأخرين وإنما اقتصر على هذين لما قل الاحتياج إلى علم الحديث لتدوين الأحاديث في الكتب وانقطاع الاجتهاد غالبا والآية العظمى حفظ الشريعة المظهرة على المكلفين بها ومن أعظم فوائده الآن شيئان أحدهما ضبط ألفاظ النبي بتكرار سماعها إذ لو ترك السماع لبعد العهد بها وتطرق التحريف لها كما جرى في بلاد العجم فقد بلغنا أن بعض كبار ملوكهم أراد أن يقرأ عنده صحيح البخاري فلم يجد في مملكته من يحسن ذلك فاجتمع علماء ذلك المصر على قراءته وصار يقع منهم من التحريف في الأسماء واللغات ما لا يحصى

ثانيهما حفظ السنة من أعدائها المدخلين فيها ما ليس منها فقد اقتحم كثير من الناس أمرا عظيما ونسبوا إلى النبي ما ينبو السمع عنه فلولا أن الله حفظ الشريعة بنقاد الحديث لاضمحل الدين وتهدمت أركانه ولولا بقايا من علماء الحديث لوقع من الكذب عليه والتحريف لكلامه ما لله به عالم

ويستحب أن يكون الرواية بعد العمل بالمروي لقول الثوري تعلموا هذا الحديث فإذا علمتموه فتحفظوه فإذا حفظتموه فاعلموا به فإذا عملتم به فانشروه بل يروى في المعنى مما هو مرفوع من الصدقة أن يتعلم الرجل العلم فيعمل به ثم يعلمه

ثم عند إرادتك نشرك الحديث بالنية الصحيحة إن شاء الله توضأ وضوءك للصلاة واغتسل اغتسالك من الجنابة بحيث تكون على طهارة كاملة وتسوك وقص أظفارك وخذ شاربك واستعمل مع ذلك طيبا وبخورا في بدنك وثيابك فقد قال أنس كنا نعرف خروج رسول الله بريح الطيب وقال ابن عمر كان رسول الله يستجمر بالألوة غير الطراة وكافور بطرحه معها وكذا استعمل معه تسريحا للحيتك


315
وتمشيطا لشعرك إن كان بأن ترسله وتحله قبل المشط لما في الشمائل النبوية أنه كان يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته وألبس أحسن ثيابك وأفضلها البياض إلى ذلك مما يتجمل به من سائر أنواع الزينة المستحبة فالله ورسوله يحبان الجمال وكذا استعمل في حال تحديثك زبر أي نهر المعتلي صوتا أي صوته على قراءة الحديث والأغلاط له لشمول النهي عن رفع الصوت فوق صوته ذلك كما صرح به مالك حيث قال إن من رفع صوته عند حديثه فكأنما رفع صوته فوق صوت رسول الله

واجلس حينئذ مستقبل القبلة متمكنا بمقعدتك من الأرض لا مقعيا ونحوه بأدب ووقار وهيبة بصدر مجلس يكون القوم فيه بل وعلى فراش مرتفع يخصك أو منبر لما روينا عن مطرف قال كان الناس إذا أتوا مالكا رحمه الله خرجت إليهم الجارية فتقول لهم يقول لكم الشيخ تريدون الحديث أو المسائل فإن قالوا المسائل خرج إليهم في الوقت وإن قالوا الحديث دخل مغتسله فاغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا وتعمم ولبس ساجه وتلقى له منصة فيخرج فيجلس عليها وعليه الخشوع ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث

قال ابن أبي أويس فقيل له في ذلك فقال أحب أن أعظم حديث رسول الله ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنا ويقال إنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب

وكان عبد الله بن عمر بن أبان يخرج إلى مجلس تحديثه وهو طيب الريح حسن الثياب فلقلبه أهل خراسان لذلك مشكر أنه إذ المشك بالفارسية المسك بالكسر والمهملة والقول بأنه وعاء المسك تجوز ودانه الحبة ومعناه حبة مسك كل ذلك على وجه الاستحباب

وكرة قتادة ومالك وجماعة التنحديث على غير طهارة حنى كان الأعمش إذا كان إلى غيرها يتيمم لكن قال بعضهم إن هذه الأمور المحكية عن


316
مالك لا ينبغي أتباعه فيها إلا لمن صحت نيته في خلوص هذه الأفعال تعظيما للحديث لا لنفسه لأن للشيطان وساوس في مثل هذه الحركات فإذا عرفت أن نيتك فيها كنية مالك فافعلها ولا يطلع على نيتك غير الله

ونحوه قال شيخنا في العذبة إن فعلها بقصد السنة أجر أو للتمشيخ والشهرة حرم ولا شك أن حرمته وتعظيمه وتوقيره بعد مماته عند ذكره وذكر حديثه وسماع اسمه وسيرته كما كانت في حياته وكذا معاملة آله وعترته وتعظيم أهل بيته وصحابته لازم وربما تعرض للمحدث ضرورة لا يتمكن معها من الجلوس فلا حرج في القراءة عليه وهو قائم

قال ابن عساكر كنت اقرأ على أبي عبد الله الفراوي فمرض فنهاه الطبيب عن الإقراء وأعلمه أنه سبب الزيادة مرضه فلم يوافقه على ذلك بل كنت أقرأ عليه في مرضه وهو ملقى على فراشه إلى أن عوفي وكذا قرا السلفي وهو متكئ لدمامل كانت في مقعدته على شيخه أبي الخطاب بن البطر وغضب الشيخ لعدم علمه بالعذر

وسو بين من قصدك للتحديث وهب لم يخلص النية بحسب القرائن الدالة على ذلك طالب فلا تمنع من تحديثه بل عم جميع من سألك أو حضر مجلسك استحباب كما صرح به للخطيب في جامعه إذ التساهل وقت التحمل ليس بشرط وقد قال حسين بن علي الجعفي كنت أمتنعت أن أحدث فأتاني آت في النوم فقال مالك لا تحدث فقلت لأنهم ليسوا يطلبون به الله فقال حدث أنت ينفع من نفع ويضر من ضر

وفي زيادات المسند من طريق الشعبي عن علي قال تعلموا العلم صغارا تنتفعوا به كبارا تعلموا العلم لغير الله يصير لذات الله وعند الخطيب عن يحيى ابن يمان قال ما سمعت الثوري يعيب العلم قط ولا من يطلبه

فيقال له ليست لهم نية فيقول طلبهم للعلم نية وعن حبيب بن أبي


317
ثابت ومعمر فإنهما قالا طلبنا الحديث وما لنا فيه نية ثم رزق الله النية بعد

وفي لفظ عن معمر وقال كان يقال إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم حتى يكون لله وجاء قوم إلى سماك يطلبون الحديث فقال له جلساؤه ما ينعني لك أن تحدثهم لأنهم لا رغبة لهم ولا نية فقال لهم سماك قولوا خيرا فقد طلبنا هذا الأمر ونحن لا نريد الله به فلما بلغت منه حاجتي دلني على ما ينفعني وحجزني عما يضرني ولابن عبد البر عن الحسن البصري والثوري قالا طلبنا العلم للدنيا فجرنا إلى الآخرة وعن ابن عيينة قال طلبنا الحديث لغير الله فأعقبنا الله ما ترون ونحوه قول ابن المبارك طلبنا العلم للدنيا فدلنا على ترك الدنيا

وقال الغزالي مات والدي وخلف لي ولأخي شيئا يسيرا فلما فني وتعذر القوت علينا صرنا إلى بعض الدروس مظهرين لطلب النفقة وليس المراد سوى تحصيل القوت وكان تعلمنا العلم لذلك لا لله فأبى أن يكون إلا الله على أنه قال في الإحياء هذه الكلمة اغتر بها قوم في تعلم العلم لغير الله ثم رجوعهم إلى الله

قال وإنما العلم الذي أشار إليه هذا القائل هو علم الحديث والتفسير ومعرفة سير الأنبياء والصحابة فإن فيه التخويف والتحذير وهو سبب لإثارة الخوف من الله فإن لم يؤثر في الحال أثر المآل

فأما الكلام والقه المجرد الذي يتعلق بفتاوى المعاملات وفصل الخصومات المذهب منه والخلاف فلا يرد لراغب فيه للدنيا إلى الله تعالى بل لا يزال متماديا في حرصه إلى آخر عمره وقال في موضع آخر قال بعض المحققين إن معناه أن العلم أبى وامتنع علينا فلم تنكشف لنا حقيقته وإنما حصل لنا حديثه وألفاظه وامتنع بعض الورعين من ذلك فروى الخطيب عن


318
الفضل بن عياض أنه قيل له ألا تحدثنا تؤجر قال علي أي شيء أؤجر على شيء يتفكهون به في المجالس ونحوه ما حكى عن علي بن عثام أنه كان يقول الناس لا يؤتون من حلم يجيء الرجل فيسأل فإذا أخذ غلط ويجيء الرجل فيأخذ ثم يصحف ويجيء الرجل فيأخذ ليماري صاحبه ويجيء الرجل فيأخذ ليباهي به وليس على أن أعلم هؤلاء إلا رجل يجيء فيهتم لأمر ونية فحينئذ لا يسعني أن أمنعه وقد أسلفت في متى يصح تحمل الحديث شيئا من توقف بعض الورعين

ولكن قد فضل الماوردي في أدب الدنيا والدين تفضيلا حسنا فقال إن كان الباعث للطلب دنيا وجب على الشيخ إسعافه وإن لم يكن فإن كان مباحا كرجل دعاه طلب العلم إلى حب النباهة وطلب الرياسة فهو قريب مما قبله لأن العلم يعطفه على الدين في ثاني الحال وإن كان الداعي محظورا كرجل دعاه طلب العلم إلى شركاء من يريد أن يستعمله في شبه دينية وحيل فقهية لا يجد أهل السلامة منها مخلصا ولا عنها مدفعا فينبغي للشيخ أن يمنعه من طلبته أو يصرفه عن بغيته ولا يعينه على إمضاء مكره وإعمال شره ففي الحديث واضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير اللؤلؤ والجواهر والذهب انتهى

وقال بعض الأدباء

( أرث لرومية توسطها خنزير
وأبك لعلم حواه شرير )

وكذا كان بعضهم يمتنع من إلقاء العلم لمن لا يفهمه فحكى الماوردي أن تلميذا سأل عالما عن علم فلم يفده فقيل له لم منعته قال لكل تربة غرس ولكل بناء أس عن وهب بن منبه قال ينبغي للعالم أن يكون بمنزلة الطباخ الحاذق يعمل لكل قوم ما يشتهون من الطعام

وعن بعض البلغاء قال

( لكل ثوب لابس
ولكل علم قابس )


319

ولا تحدث عجلا بكسر الجيم أي حال كونك مستعجلا لأنه قد يفضي إلى السرعة في القراءة الناشيء عنها الهذرمة غالبا أو أن تقم أي في حال قيامك أو في الطريق ماشيا كنت أو جالسا فقد كان مالك يكره ذلك كله وقال أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله بل قيل له لم لم تكتب عن عمرو بن دينار قال أتيته والناس يكتبون عنه قياما فأجللت حديث رسول الله أن أكتبه وأنا قائم واتفق له مع أبي حازم أيضا نحوه وكذا صرح الخطيب بالكراهة فقال يكره التحديث في حالتي المشي والقيام حتى يجلس الراوي والسامع معا ويستوطنا فذلك أحضر للقلب وأجمع للفهم ولكل مقام مقال وللحديث مواضع مخصوصة شريفة دون الطرقات والأماكن الدنية قال وهكذا يكره التحديث مضطجعا

وحكاه عن سيعد بن المسيب وحين يكون مغمورا مشغولا قال ولو حدث محدث في هذه الأحوال كلها لم يكن مأثوما ولا فعل أمر محظورا

وأجل الكتب كتاب الله وقراءته في هذه الأحوال جائزة فالحديث فيها بالجواز أولى

قلت وقد فعله فيهما جماعة من المتأخرين وبالغ بعض المتساهلين فكان يقرأ عليه الماشي حال كونه راكبا وذلك قبيح منهما

تم بعد تحريك في تصحيح النية واستحضار ما تقدم من عدم التقيد في الطلب بسن مخصوص وإنما المعتبر الفهم فلا تقيد في الأداء أيضا بسن يبل حيث احتيج لك في شيء وذلك تختلف بحسب الزمان والمكان فلعل يكون في بلاد مشهورة كثيرة العلماء لا يحتاج الناس فيها إلى ما عندك ولو كنت في بلاد محجورة احتج إليك فيه فحينئذ اروه وجوبا حسبما صرح به الخطيب في جامعه فقال إن احتيج إليه في رواية الحديث قبل أن يعلو بسنه وجب عليه أن يحدث ولا تمنع لأن نشر العلم عند الحاجة إليه لازم والممتنع من ذلك عاص آثم وساق حديث من سئل عن علم نافع فكتمه


320
جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار وحديث مثل الذي يتعلم علما ثم لا يحدث به وقد مضى قريبا وقول سعيد بن جبير (

الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) فقال هذا في العلم ليس للدنيا منه شيء وقول ابن المبارك من يبخل بالعلم ابتلى بإحدى ثلاث إما أن يموت فيذهب علمه أو ينساه أوي يتبع سلطانا وقول ربيعة لا ينبغي لأحد يعلم أن عنده شيئا في العلم أن يضيع نفسه وعن علي بن حرب قال إنما حصل حسين بن علي الجعفي على التحديث أنه رأى في النوم كأنه في روضة خضراء وفيها كراسي موضوعة على كرسي منها زائدة وعلى آخر فقيل وذكر رجالا وكرسي منها ليس عليه أحد قال فأهويت نحوه فمنعت فقلت هؤلاء أصحابي أجلس إليهم فقيل لي إن هؤلاء بذلوا ما استودعوا وإنك منعته فأصبح يحدث

ولكن قال ابن الصلاح إن الذي نقوله إنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لروايته ونشره في أي سن كان فإما أن يكون يخالف الخطيب في الوجوب أو يكون الاستحباب في التصدي بخصوصه على أن الولي ابن المصنف قال والذي أقوله إنه إن لم يكن ذلك الحديث في ذلك البلد إلا عنده واحتيج إليه وجب عليه التحديث به وإن كان هناك غيره فهو فرض كفاية و على كل حال فأبو محمد ابن خلاد الرامهرمزي قد سلك في كتابه المحدث الفاضل التحديد حيث صرح بأنه يحسن أن يحدث للخمسينا عاما أي بعد استكمالها وقال إنه الذي يصح عنده من طريق الأثر والنظر لإنهاء انتباء الكهولة وفيها مجتمع الأشد قال سحيم بن وثيل الرياحي أخو خمسين مجتمع أشدي

ويخذني مزاورة الشودن يعني أحكمتني معالجة الأمور قال


321
ولا بأس به الأربعينا عاما أي بعدها فليس ذلك بمستنكر لأنها حد الاستواء ومنتهى الكمال نبيء رسول الله وهو ابن أربعين وفي الأربعين تناهى عزيمة إنسان وقوته ويتوفر عقله يجود رأيه انتهى

وقد روينا عن مجاهد عن ابن عباس أنه قرأ (

ولما بلغ أشده ) قال ثلاث وثلاثون (

واستوى ) قال أربعون سنة وقيل في الأشد غير ذلك و قد رد هذا على ابن خلاد حيث لم يعكس صنيعه ويجعل الأربعين التي وصفها بما ذكر حدا لما يستحسن والخمسين التي يأخذ صاحبها غالبا في الانحطاط وضعف القوى حدا لما لا يستنكر أو يجعل الأربعين التي للجواز أولا ثم يردف بالخمسين التي للاستحباب والأمر في ذلك سهل بل رد مطلق التحديد فقال عياض في إلماعه واستحسانه هذا لا يقوم له حجة بما قال قال وكم من السلف المتقدمين فمن بعدهم من المحدثين من لم ينته إلى هذا السن ولا استوى في هذا العمر ومات قبله وقد نشر من العلم والأحاديث مالا يحصى هذا عمر بن عبد العزيز توفي ولم يكمل الأربعين وسيعد بن جبير لم يبلغ الخمسين وكذا إبراهيم النخفي وهذا مالك قد جلس للناس ابن نيف وعشرين سنة وقيل ابن سبع عشرة والناس متوافرون وشيوخه ربيعة وابن شهاب وابن هرمز ونافع وابن المنكدر وغيرهم أحياء وقد سمع منه ابن شهاب حديث الفريعة أخت أبي سعيد الخدري ثم قال وكذلك الشافعي قد أخذ عنه العلم في سن الحداثة وانتصب لذلك في آخرين من الأئمة المتقدمين والمتأخرين انتهى

وروى الخطيب في جامعه من طريق بندار قال قد كنت عني خمسة فرون وسألوني التحديث وأنا ابن ثماني عشرة فاستحييت أن أحدثهم بالمدينة فأخرجتهم إلى البستان فأطعمتهم الرطب وحدثتهم ومن طريق أبي


322
بكر الأعين قال كتبنا عن البخاري على باب الفريابي وما في وجهه شعرة فقلت ابن كم كان قال ابن سبع عشرة سنة

قال الخطيب وقد حدثت أنا ولي عشرون سنة حين قدمت من البصرة كتب عني شيخنا أبو القاسم الأزهري أشياء أدخلها في تصانيفه وسألني فقرأتها عليه وذلك في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة قلت ولم يكن حينئذ استوفى عشر سنين من حين طلبه فقد روينا عنه أنه قال أول ما سمعت الحديث ولي إحدى عشرة سنة لأني ولدت في جمادي الأولى سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة وأول ما سمعت في المحرم سنة ثلاث وأربعمائة

وكذا حدث الحافظ أبو العباس أحمد بن مظفر وسنه ثمان عشرة سمع منه الحافظ الذهبي في السنة التي ابتدأ الطلب فيها وهي سنة ثلاث وتسعين وستمائة وحدث عنه في معجمه بحديث من الأفراد للدارقطني وقال عقبة أملاه علي ابن مظفر وهو أمرد وحدث أبو الثناء محمود بن خليفة النبجي وله عشرون سنة سمع منه التقي السبكي أحاديث من فضائل القرآن لأبي عبيد وحدث الشيخ المصنف سنة خمس وأربعين وسبعمائة وله عشرون سنة سمع منه الشهاب أبو محمد وأحمد بن محمد بن إبراهيم المقدسي وكذا سمع منه بعد ذلك سنة أربع وخمسين وشيخه العماد ابن كثير في آخرين كالمحب بن الهائم حيث حدث ودرس وقرط لشيخنا بعض تصانيفه ومات وهو ابن ثمان عشرة سنة وذلك من باب رواية الأكابر عن الأصاغر

وما أحسن قول عبد الله بن المعتز الجاهل صغير وإن كان شيخنا والعالم كبير وإن كان حدثنا

و لكن الشيخ ابن الصلاح حمل كلام ابن خلاد على محمل صحيح حيث بغير البارع في العلم خصص تحديده فإنه قال وما ذكره ابن خلاد غيره مستنكر وهو محمول على أنه قال ففيمن يتصدى للتحديث ابتداء


323
من نفسه من غير براعة في العلم تعجلت له قبل السن الذي ذكره فهذا إنما ينبغي بعد استيفاء السن المذكور فإنه مظنة للاحتياج إلى ما عنده لا كما لك والشافعي وسائر من ذكرهم عياض ممن حدث قبل ذلك لأن الظاهر أن ذلك لبراعة منهم في العلم تقدمت ظهر لهم معها الاحتياج إليهم فحدثوا قبل ذلك أو لأنهم سئلوا ذلك إما بصريح السؤال وإما بقرينة الحال انتهى

وعلى هذا يحمل كلام الخطيب أيضا فإنه قال لا ينبغي أن يتصدى صاحب الحديث للرواية إلا بعد دخوله في السن وأما في الحداثة فإن ذلك غير مستحسن ثم ساق عن عبد الله بن المعتز أنه قال جهل الشاب معذور وعلمه محقور وعن حماد بن زيد أنه قيل له إن خالدا يحدث فقال قد عجل خالد

وبالجملة فوقت التحديث دائر بين الحاجة أو سن مخصوص وهل له أمد ينتهي إليه اختلف فيه أيضا فقال عياض وابن الصلاح وينبغي له أي استحبابا الإمساك عن التحديث إذ أي حيث يخشى الهرم الناشئ عنه غالبا والتعبر وخوف الخرف والتخليط بحيث يروي ما ليس من حديثه قال ابن الصلاح والناس في السن الذي يحصل فيه الهرم يتفاوتون بحسب اختلاف أحوالهم يعني فلا ضابظ حينئذ له و لكن بضبطه بالثمانين أبو محمد ابن خلاد الرامهرمزي أيضا جزم وعبارته فإذا تناهى العمر بالمحدث فأعجب إلى أن يمسك في الثمانين فإنه حد الهرم

قال والتسبيح والذكر وتلاوة القرآن أولى بأبناء الثمانين قال فإن يكن ثابت عقل مجتمع رأي يعرف حديثه ويقوم به وتحرى أن يحدث احتسابا لم يبل أي لم يبال بذلك بل رجوت له خيرا

ولذا قال ابن دقيق العيد وهذا أي التقيد بالسن عندما يظهر منه أمارة الاخلال ويخاف منها فأما من لم يظهر ذلك فيه لا ينبغي له الامتناع لأن


324
هذا الوقت أحوج ما يكون الناس إلى روايته يعني كما وقع لجماعة من الصحابة كأنس هو ابن مالك وحكيم بن حزام حيث حدث كل منهما بعد مجاوزة المائة ولجماعة من التابعين كشريح القاضي ومن أتباعهم كالليث ومالك وهو ابن أنس وابن عيينة ومن فعل ذلك غيرهم من هذه الطباق وبعدها ومنهم الحسن بن عرفة و أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي وأبو إسحاق إبراهيم بن علي الهجيمي بالتصغير نسبة لهجيم بن عمرو وفئة غيرهم ك القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري عمن ذكر حسبما ذكره ابن الصلاح في فوائد رحلته بأنه كان إلى أن لا يحدث إلا بعد استيفاء المائة لأنه رأى في منامه أنه قد تعمم ورد على رأسه مائة وثلاث دورات فعبر له أن يعيش سنين بعددها فكان كذلك

وممن قارب المائة من شيوخنا وهو على جلالة في قوة الحافظة والاستحضار القاضي سعد الدين بن الديري ولم يتغير واحد من هؤلاء بل ساعدهم التوفيق وصحبتهم السلامة وظهر بذلك مصداق ما روى عن مالك أنه قال إنما يخرف الكذابون يعني غالبا حتى أن القارئ قرأ يوما على الهجمي بعد أن جاوز المائة حديث عائشة رضي الله عنها في قصة الهجرة وفيه أن الحمى أصابت أبا بكر وبلال أو عابر بن فهيرة وكانوا في بيت واحد فقالت له عائشة كيف تجدك يا عامر فقال

( إني وجدت الموت قبل ذوقه
إن الجبان حتفه من فوقه )
( كل إمرئ مجاهد بطوقه
كالثور يحمي جسمه بروقه )

فقال كالكلب بدل قوله كالثور ورام اختياره بذلك فقال له الهجيم قل كالثور يا ثور فإن الكلب لا روق له إذ الروق بفتح الراء ثم السكون القرن ففرح الناس بصحة عقله وجودة حسه


325

قال عياض وإنما كره من كره لأصحاب الثمانين التحديث لكون الغالب على من يبلغ هذا السن اختلال الجسم والذاكرة وضعف الحال وتغير الفهم وحلول الخرف فخيف أي يبدأ به التغيير والاختلال فلا يفطن له إلا بعد أن جازت عليه أشياء وتبعه ابن الصلاح في هذا التوجيه فقال من بلغ الثمانين ضعف حاله في الغالب وخيف عليه الاختلال والإخلال وأن لا يفطن له إلا بعد أن يخلط كما اتفق لغير واحد من الثقات منهم عبد الرزاق وسعيد ابن أبي عروبة على أن العماد بن كثير قد فصل بين من يكون اعتماده في حديثه على حفظه وضبطه فينبغي الاحتراز من اختلاطه إذا طعن في السن كان الناس أرغب في السماع منه كالحجاز فإنه جاز المائة بيقين لأنه سمع البخاري على ابن الزبيدي في سنة ثلاثين وستمائة وأسمعه في سنة ثلاثين وسبعمائة وكان عاميا لا يضبط شيئا ولا يتعقل كثيرا ومع هذا تداعى الأئمة والحفاظ فضلا عمن دونهم إلى السماع منه لأجل تفرده بحيث سمع منه نحو مائة ألف أو يزيدون

قلت وقد أفر الذهبي كراسة أو رد فيها على السنين من جاز المائة وكذا جمع شيخنا في ذلك كتابا على الحروف ولكن ما وقفت عليه بل وما أظنه بيض ويوجد فيهما جملة من أمثلة ما نحن فيه وفيه رد على أبي أمامة بن النقاش حيث زعم أنه لا يعيش أحد من هذه الأمة فوق مائة سنة متمسكا بحديث جابر في الصحيح ما على الأرض نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة حسبما سمعه البرهان الحلبي من الناظم عنه

و كذا ينبغي استحبابا إمساك الأعمى نقل الهمزة سواء القديم عماه أو الحادث عن الرواية أن يخف أن يدخل عليه في حديثه ما ليس منه لكونه غير حافظ بل ولو كان حافظا كما وقع لجماعة حسبما قدمته في الفصل


326
الأول من صفة رواية الحديث وأدائه مع الإمعان فيه وفي الأمي ما يغني عن إعادته

وينبغي استحبابا أيضا حيث بان الحض على نشر الحديث مع ما بعده من المسائل التي أنجز الكلام إليها أن لا تحمله الرغبة فيه على كراهة أن يؤخذ عن غيره فإن هذه مصيبة يبتلي بها بعض الشيوخ وهي دليل واضح على عدم إرادة وجه الله تعالى ولا على إخفاء من يعلمه من الرواة ممن لا يوازيه وأن من سئل بضم المهملة وتخفيف الهمزة للضرورة أن يحدث بجزء أو كتاب أو نحوهما قد عرف رجحان راو من أهل عصره ببلده أو غيرها فيه إما لكونه أعلى أو متصل السماع بالنسبة إليه أو غيرهما من الترجيحات ولو بالعلم والضبط فضلا على أن يكون شيخه فيه حيا دل السائل عليه وأرشده إليه ليأخذه عنه أو مستدعى منه الإجازة إن كان في غيره بلده ولم يمكنه الرحلة إليه فهو أي التنبيه بالدلالة على ذلك حق ونصيحته في العلم لكون الراجح به أحق وقد فعله غير واحد من الأئمة

قال ابن شهاب جلست إلى ثعلبة بن أبي صغير فقال لي أراك تحب العلم قلت نعم قال فعليك بذاك الشيخ يعني سعيد بن المسيب قال فلزمت سعيدا سبع سنين ثم تحولت من عنده إلى عروة فتفجرت به بحرا

وقال حمدان بن علي الوراق ذهبنا إلى أحمد فسألناه أن يحدثنا فقال تسمعون مني ومثل أبي عاصم في الحياة أخرجهما الخطيب ونحوه ما عنده في الرحلة له عن الفضل بن زياد سمعت أحمد وقال له رجل عمن ترى أن يكتب الحديث فقال له أخرج إلى أحمد بن يونس فإنه شيخ الإسلام في آخرين من السلف والخلف منهم عمرو بن دينار فإنه دل سفيان بن عيينة وغيره من أصحابه المتمكنين على السماع من صالح بن كيسان المدني حين قدمها عليهم


327
كما وقعت الإشارة لذلك في الحج في صحيح البخاري وهذا بعد نفي عمرو لصالح وأخذه عنه مع كون عمرو أقدم منه وكان شيخنا رحمه الله يحيل غالبا من يسأل في صحيح مسلم على الزين الزركشي وقال مرة لبعض أصحابنا إذا سمعت على فلان كذا وعلى فلان كذا وعلى فلان كذا كنت مساويا لي فيها في العدد بل كان يفعل شيئا أخص من هذا حيث يحضر من يعلم انفراده من المسمعين بشيء من العوالي مجلسه لأجل سماع الطلبة ومن يلوذ به له وربما قرأ لهم ذلك بنفسه

وفعل الولي ابن الناظم شيئا من ذلك على أن ابن دقيق خص ذلك بما إذا حصل الاستواء فيما عدا الصفة المرجحة إما مع التفاوت بأن يكون الأعلى عاميا لا معرفة له بالصنعة وإلا نزل عارفا ضابطا فهذا يتوقف فيه بالنسبة إلى الإرشاد المذكور لأنه قد يكون في الرواية عن هذا العامي ما يوجب خللا انتهى

فإن أحضره العلم إلى مجلسه كما فعل شيخنا وغيره أو أكرمه بالتوجه إليه أو كان القاريء أو بعض السامعين من أهل الفن فلا نزاع حينئذ في استحباب الإعلام

وكذا ينبغي استحبابا ترك تحديث بحضرة الأحق والأولى منه من جهة الإسناد أو غيره فقد روى الخطيب أن إبراهيم النخعي كان إذا اجتمع مع العشبي لا يتكلم إبراهيم بشيء فإن كان غائبا فلا

وبعضهم كره الأخذ بالنقل عنه ببلد وفيه من هو لسنه أو عمله أو ضبطه أو إسناده أولى منه لحديث سمرة لقد كنت على عهد رسول الله غلاما فكنت أحفظ عنه وما يمنعني من القول إلا أن ههنا رجالا هم أسن مني

وروى الخطيب أيضا عن عاصم قال كان زر أكبر من أبي وائل سكان


328
إذا اجتمعنا لم يحدث أبو وائل مع زر وعن عبيد الله بن عمر قال كان يحيى بن سعيد يحدثنا فإذا طلع ربيعة قطع يحيى حديثه إجلالا له وإعظاما وعن حسن بن الوليد بن النسيابوري قال سئل عبد الله بن عمر العمري المكبر عن شيء من الحديث فقال أما وأبو عثمان يعني أخاه عبيد الله المصغر حي فلا

وعن الثوري أنه قال لابن عيينة مالك لا تحدث فقال أما وأنت حي فلا ونحوه قول الناظم لما سئل أن يحدث بمسند الدارمي أما والشيخ برهان الدين التنوخي حي فلا وعن أبي عبد الله المعيطي قال رأيت أبا بكر ابن عياش بمكة وأتاه ابن عيينة فبرك بين يديه وجاء رجل فسأل ابن عيينة عن حديث فقال لا تسألني ما دام هذا الشيخ يعني أبا بكر قاعدا وعن الحسن بن علي الخلال كنا عند معتمر وهو يحدثنا إذا أقبل ابن المبارك فقطع معتمر حديثه فقيل له حدثنا فقال إنا لا نتكلم عند كبرائنا

وعن أحمد بن أبي الحواري قال سمعت ابن معين يقول إن الذي يحدث بالبلدة وبها من هو أولى بالتحديث منه أحمق وأنا إذا حدثت في بلد فيه مثل أبي مسهر يعني الذي كان أسن منه فيجب للحيتي أن تحلق

قال ابن الحواري وأنا إذا حدثت في بلدة فيها مثل أبي الوليد هشام بن عمار يعني الذي كان أسن منه فيجب للحيتي أن تحلق وعن السلفي قال كتبت بالإسناد عن بعض المتقدمين أنه قال من حدث في بلدة وبها من هو أولى بالرواية منه فهو مختل انتهى

وللأولوية يحتمل أن يكون في الإسناد أو غيره وهل تلتحق بذلك في الكراهة الجلوس للافتاء أو الإقراء علم ببلد فيه من هو أولى منه الظاهر لا لما فيه من التحجيز والتضييق الذي للناس خلفا عن سلف على خلافة حتى إن العز محمد بن جماعة حكى عن شيخه المحب ناظر الجيش أنه شاهد بمصر قبل الغناء الكبير مائة حلقة في النحو ستين منها بجامع عمرو وباقيها بجامع


329
الحاكم وقد عقد ابن عبد البر بابا لفتوى الصغير بين يدي الكبير بما ورد فيه ما يشهد لذلك

والفرق أن الطلبة تتفاوت أفهامهم فالقاصر لا يفهم عبارة الأولى ويفهم ممن هو دونه وليس كل عالم ربانيا والسماع إنما يرغب فيه للأعلى والأدن فبولغ في الاعتناء بالمحافظة على جانب الرواية على أن ابن دقيق العيد قال هكذا قالوا ولا بد أن يكون ذلك مشروطا بأن لا يعارض هذا الأدب ما هو مصلحة راجحة عليه يعني كما تقدم قريبا

ولا تقم استحبابا إذا كنت في مجلس التحديث سواء كان التحديث بلفظك أو يقرأه غيرك ولا القاريء أيضا لأحد إكراما لحديث النبي أن يقطع بقيام فقد قال الفقيه أبو زيد محمد بن أحمد بن عبد الله المروزي فيما رويناه عنه في جزء عبد الله بن أحمد الخرقي إذا قام القارئ بحديث رسول الله لأحد كتبت عليه خطيئة هذا إذا لم ينضم لذلك فإذا انضم إليه ذلك فأكرم بل هو حرام للترهيب عنه وكان أحمد بن المعدل وغيره بدار المتوكل فخرج عليهم المتوكل فلم يقم له أحد خاصة فسأل عن ذلك وزيره فاعتذر عنه بسوء بصره فرد عليه أحمد ذلك وقال للمتوكل إنما نزهتك من عذاب النار وساق له حديث من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار فجاء المتوكل فجلس إلى جانبه

وكذا لا تخص أحدا بمجلس بين من يسبق إلى موضع فهو أحق به ولا تقم أحدا لأجل أحد لحديث لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن توسعوا ولا تجلسه بين اثنين إلا بإذنهما ودخل الحيص بيص الشاعر على الشريف علي بن طراد الوزير فقال له يا علي بن طراد يا رفيع العماد يا خالد الأجواد انقضى المجلس فأين أجلس فقال له الوزير مكانك فقال أعلى قدري أم على قدرك فقال لا على قدري ولا على


330
قدرك ولكن على قدر الوقت ولا يمنع ذلك إكرامه المشايخ والعلماء وذوي الأنساب لما أمر به من إنزال كل منزلة وقد قال مالك كنا نجلس إلى ربيعة وغيره فإذا أتى ذو السن والفضل قالوا له ههنا حتى يجلس قريبا منهم قال وكان ربيعة ربما أتاه الرجل ليس له ذاك السن فيقول له ههنا ولا يرضى حتى يجلسه إلى جنبه كان يفعل ذلك لفضله عنده

ولا تقدم أحدا في غيره نوبته بل تأس بأبي جعفر بن جرير الطبري حيث حضر إليه الفضل بن جعفر بن الفرات وهو ابن الوزير وقد سبقه رجل فقال الطبري للرجل ألا تقرأ فأشار الرجل إلى ابن الوزير فقال له الطبري إذا كانت النوبة لك فلا تكترث بدجلة ولا الفرات انتهى

وهذه كما قال شيخنا من لطائف ابن جرير وبلاغته وعدم التفاته لأنباء الدنيا

وكذا لا تخص واحد بالإقبال عليه بل أقبل عليهم بكسر الميم جميعا إذا أمكن فذاك مستحب لقول حبيب بن أبي ثابت كانوا يحبون إذا حدث الرجل أن لا يقبل على الواحد فقط ولكن يعمهم وعنه أيضا أنه من السنة وأعلى من ذلك أن لا نخص أحدا بالتحديث لا سيما إن كان ممن يترفع عن الجلوس مع من يراه دونه فضلا عن مجيئك إليه

وقال سأل الرشيد عبد الله بن إدريس الأودي أن يحدث ابنه فقال إذا جاء مع الجماعة حدثناه وما أحسن قول إمامنا الشافعي فيما رويناه من جهة الربيع بن سليمان المرادي عنه

( العلم من شرطه لمن خدمه
أن يجعل الناس كلهم خدمة )
( واجب صونه عليه كما
يصون في الناس عرضه ودمه )

ولا تجلس في الظل وهم في الشمس واخفض صوتك إلا أن يكون


331
في المجلس سيء السمع وللحديث رتل استحبابا إن لم يخف منه شيء ولا تسرده سردا أي لا تتابع الحديث استعجالا لبعضه إثر بعض لئلا يلتبس أو يمنع السامع من إدراك بعضه لحديث عائشة المتفق عليه لم يكن النبي يسرد الحديث سردكم زاد الإسماعيلي إنما كان حديثه فهما تفهمه القلوب وزاد الترمذي مما قال إنه حسن صحيح ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه ولا شك أن من المعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يسردون الحديث بحيث لا يفهم بعضه بل اعتذر عن أبي هريرة الذي من أجله قالت عائشة رضي الله عنها ما قالت بأنه كان لكونه واسع الرواية كثير المحفوظ لا يتمكن من المهل عند إرادة الحديث كما قال بعض البلغاء أريد أن أقتصر فتراجم القوافي علي في

وقد قالت عائشة ما قالت فإذا خفي البعض فأولى أن ينكر ولذا قيل كما سلف في كتابه الحديث شر القراءة الهذرمة وقد قال التجاوز في صناعة الكتاب قولهم سرد المكاتبة قرأته معناه أحكمها مشتق من سرد الدرع إذا حكمها وجعل حلقها ولا غير مختلفة وأحسن صنعة المسامير

وأعلم أن القراء في هذه الأعصار المتأخرة بل وحكاه ابن دقيق العيد أيضا قد تسامحوا في ذلك وصار القاريء يستعجل استعجالا يمنع السامع من إدراك حروف كثيرة بل كلمات وقد اختلف السلف في ذلك كما تقدم في خامس الفروع التالية

الثاني أقسام التحمل ولا تطل المجلس بل اجعله متوسطا واقتصر فيه حذرا من سآمة السامع وملله وأن يؤدي ذلك إلى فتوره عن الطلب وكسله إلا إن علمت أن الحاضرين لا يتبرمون بطوله فقد قال الزهري وغيره إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب وقال المبرد من أطال الحديث وأكثر القول فقد عرض للملال وسوء الاستماع وكان يدع من حديثه فضله يعاد


332
إليها أصلح من أن يفضل عنه ما يلزم الطالب إسماعه من غير رغبة فيه ولا نشاط له

وقال الجاحظ قليل الموعظة مع نشاط الموعوظ خير من كثير واقف من الأسماع نبوة ومن القلب ملالة وقال الماوردي قال بعض العلماء كل كلام كثر على السمع ولم يطاوعه الفهم إزداد به القلب عمى وإنما يقع السمع في الآذان إذا قوي فهم القلب في الأبدان

قال الوليد بن مزيد البيروتي المستمع أسرع ملالة من المتكلم وصح قوله عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل وأحمد الله تعالى وصل على رسوله مع سلام عليه أيضا للخروج من الكراهة التي صرح بها النووي في إفراد أحدهما حسبما قدمته في كتابة الحديث في مهمات تستحضرها هنا

وكذا مع دعاء يلتقي بالحال في بدء كل مجلس وفي ختمه معا سواء جهرا فكل ذلك مستحب إذ عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة زاد بعضهم ويكون ذلك بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئا من القرآن

ومن أبلغ ذلك أن يقول الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد كلما ذكرك الذاكرون وكلما غفل عن ذكرك الغافلون وصل على سائر النبيين والمرسلين والكل وسائر الصالحين نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون

اللهم إنا نسألك من خير ما سألك فيه نبيك سيدنا محمد ونستعيذ


333
بك من شر ما استعاذ منه نبيك سيدنا محمد ونسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ونستعيذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل ونسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم ونستعيذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم وأنت المستعان وعليك التكلان وخص الختم بقول سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعل ذلك الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا يا أرحم الراحمين وما قال ابن الصلاح إنه أبلغ في ذلك قد توزع فيه فاقتصر على هذا

وأعقد إن كنت محدثا عارفا للإملاء بالنقل وبالقصر للضرورة في الحديث مجلسا من كتابك أو حفظك والحفظ أشرف لا سيما وقد اختلف في التحديث من الكتاب كما تقدم بسطه في صفة رواية الحديث فذاك أي الإملاء من أرفع وجوه الإسماع بالنقل أيضا من المحدث والأخذ أي التحمل للطالب بل هو أرفعها عند الأكثرين كما بينته مع تعليله في أول أقسام التحمل ولذا قال الحافظ السلفي فيما رويناه عنه

( واظب على كتب الأمالي جاهدا
من ألسن الحفاظ والفضلا )
( فأجل أنواع العلوم بأسرها
ما يكتب الإنسان في الإملا )

وقال الخطيب في جامعه إنه أعلى مراتب الراوين ومن أحسن مذاهب المحدثين مع ما فيه من خصال الدين والاقتداء بسنن السلف الصالحين انتهى


334

ومن فوائده اعتناء الراوي بطرق الحديث وشواهده ومتابعه وعاضده بحيث بها يتقوى وثبت لأجلها حكمه بالصحة أو غيرها ولا ينزوي ويترتب عليها إظهار الخفي من العلل ويهذب اللفظ من الخطأ والزلل ويتضح ما لعله يكون غامضا في بعض الروايات ويفصح بتعين ما أبهم أو أهمل أو أدرج فيصير من الجليات وحرصه على ضبط غريب المتن والسند وفحصه عن المعاني التي فيها نشاط النفس يأتم المستند ويعد السماع فيها عن الخطأ والتصحيف الذي قل أن يعري عنه لبيب أو حصيف وزيادة التفهم والتفهيم لكل من حضر من أجل تكرر المراجعة في تضاعيف الإملاء والكتابة والمقابلة على الوجه المعتبر وحوز فضيلتي التبليغ والكتابة والفوز بغير ذلك من الفوائد المستطلبة كما قرره الرافعي وبينه ونشره وعينه يقال أمليت الكتاب إملاء وأمللت إملالا جاء القرآن بهما جميعا قال تعالى (

فليملل وليه ) فهذا من أمل وقال تعالى (

فهي تملى عليه ) فهذا من أملى فيجوز أن يكون اللغتان بمعنى واحد ويجوز أن يكون أصل أمليت أمللت فاستثقل الجمع بين حرفين في لفظ واحد فأبدلوا من أحدهما ياء كما قالوا تظنيت يعني حيث أبدلوا من أحد النونين ياء فقالوا التظني وهو إعمال الظن وكأنه من قولهم أملى الله له أي أطال عمره فمعنى أمليت الكتاب على فلان أطلت قراءتي عليه قاله النحاس في صناعة الكتاب وهو طريقة مسلوكة في القديم والحديث لا يقوم به إلا أهل المعرفة

وقد أملى النبي الكتب إلى الملوك وفي المصالحة يوم الحديبية وفي غير ذلك وأملى واثلة رضي الله عنه كما رواه معروف الخياط الأحاديث على الناس وهم يكتبونها عنه وممن أملى شعبة وسعيد بن أبي عروبة


335
وهمام ووكيع وحماد بن سلمة ومالك وابن وهب وأبو أسامة وابن علية ويزيد ابن هارون وعاصم بن علي وأبو عاصم وعمرو بن مرزوق والبخاري وأبو مسلم الكجي وجعفر الفريابي والهجيمي في خلق يطول سردهم ويتعسر عدهم من المتقدمين والمتأخرين كابني بشران والخطيب والسلفي وابن عساكر والرافعي وابن الصلاح والمزي والناظم وكان الإملاء انقطع قبله دهرا وحاوله التاج السبكي ثم ولده الوالي العراقي على إحيائه فكان يتقلل برغبة الناس فعنه وعدم موقعه منهم وقلة الاعتناء به إلى أن شرح الله تعالى صدره لذلك واتفق شروعه فيه بالمدينة النبوية ثم عقده بالقاهرة في عدة مدارس

وكذا إملاء في زمنه يسير السراج بن الملقن ولم يرتض شيخنا صنيعه فيه وبعدهما الولي العراقي بالحرمين وعدة مدارس من القاهرة وشيخنا بالشام وحلب ومصر وبالقاهرة في عدة مدارس واقتديت بهم في ذلك بإشارة بعض محققي شيوخي فأمليت بمكة وبعده أماكن من القاهرة وبلغ عدة ما أمليته من المجالس إلى الآن نحو الستمائة والأعمال بالنيات

واختلف صنيعهم في تعين يوم لذلك وكذا في تعدد يوم من الأسبوع وعين شيخنا لذلك يوم الثلاثاء خاصة وقيل ذلك يوم الجمعة بعد صلاتها وهو المستحب وكذا يستحب أن يكون في المسجد لشرفهما فقد قال كعب إن الله تعالى اختار الأيام فجعل منهن الجمعة والبقاع فجعل منهن المساجد

وقال على المساجد مجالس الأنبياء وحرز من الشيطان وقال أبو إدريس الخولاني المساجد مجالس الكرام

ويروى في المرفوع المسجد بيت كل تقي وكتب عمر بن عبد العزيز


336
يأمر أهل العلم بنشره في المساجد فإن السنة كانت قد أميتت

واجلس مستقبل القبلة مستعملا ما تقدم قريبا في نفسك ومع أصحابك وعند الابتداء والانتهاء وفي خفة المجلس فلا فرق

ثم أن تكسر جموع من الحاضرين فاتخذ وجوبا كما صرح به الخطيب مستمليا يتلقن منك الاحتجاج إليه وإن نقل فلا لعدم الاحتياج إليه غالبا ثقة محصلا ذا يقظة وفهم وبراعة في الفن يبلغ عنك الإملاء إلى من بعد في الحلقة اقتد بأئمة الحديث وحفاظه كمالك وشعبة ووركيع بل روى أبو داود والنسائي وغيرهما من حديث رافع بن عمرو قال رأيت رسول الله يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهبا وعلى رضي الله عنه يعبر عنه والحذر أن يكون مغفلا بليدا كالمستملي الذي قال لممليه وقد قال له حدثني عدة ما نصه عدة ابن من فقال له المملي عدة ابن فقدتك وكالآخر الذي قال لممليه وقد قال له عن أنس قال رسول الله كذا في كتابي وهو رسول الله إن شاء الله ما نصه قال رسول الله وشك أبو عثمان وفي كنية المملي في الله فقال له المملي كذبت يا عدو الله ما شككت في الله قط وكالآخر الذي كان ممليه يقول له حدثنا حماد بن خالد فيكتبه حماد بن زيد ويستمليه حماد بن سلمة ثم يرجع إلى بيته فلا يحسن قراءته أصلا فيقوم عند ذلك لزوجته فيضربها فتستغيث المرأة بالمملي في حكايات من هذا النمط مضحكة تقدم بعضها في الفصل الخامس من الباب قبله

وقد قيل في كاتب يعي غير ما قلنا ويكتب غير ما وعاه ويقرأ غير ما هو كاتب فإن تكاثر الجمع بحيث لا يكفي واحد فزد بحسب الحاجة فقد كان لعاصم ابن علي الذي حرز مجلسه بأكثر من مائة ألف إنسان مستمليان

ولأبي مسلم الكجي الذي حرز بنيف وأربعين ألف محبرة سوى النظارة سبعة


337
يتلقى بعضهم عن بعض

ويستحب أن يكون المستملي جهوري الصوت فقد شبهه بعضهم بالطبال في العسكر وأن يكون كما قال الخطيب وابن السمعاني مقيدا له بما إذا كثر العدد بحيث لا يرون وجهه مستويا أي جالسا ب مكان عال من كرسي ونحوه أو فقائما على رجليه كابن عبلة بمجلس مالك وآدم بن أبي أياس بمجلس شعبة بل كان بعض الصالحين يقرأ على شيخنا وهو قائم وفعلته معه غير مرة لضرورة اقتضت ذلك ولا شك أن الجلوس بالمكان المرتفع أو قائما أبلغ للسامعين وفيه تعظيم للحديث وإجلال له

يتبع ذلك المستملي ما يسمعه منك ويؤديه على وجهه من غير تغيير وذلك مستحب كما صرح به الخطيب وابن السماني ثم رجعا إلى الوجوب وعبارتهما معا ويستحب أن لا يخالف لفظ المملي في التبليغ عنه بل يلزمه ذلك خاصة إذا كان الراوي من أهل الدراية والمعرفة بأحكام الرواية وظاهر كلام ابن الصلاح أيضا يشعر بالوجوب وهو الظاهر من قوله وعليه أن يتبع إلى آخره مبلغا بذلك من لم يبلغه لفظ المملي أو مفهما به من بلغه على بعد ولم يتفهما فيتوصل بصوت المستملي إلى تفهمه وتحققه

وقد تقدم بيان الحكم فيمن لم يسمع إلا من المستملي دون المملي في الفرع الخامس من الفروع التالية لثاني أقسام التحمل بما أغنى عن إعادته

واستحسنوا أي أهل الحديث ممن تصدى للإملاء البدء في مجالسهم ب قراءة قاريء هو المستملي كما للخطيب وابن السمعاني أو المملي كما للرافعي أو غيرهما تلا بشيء من القرآن والاختلاف في التعيين لا ينافي اجتماعهم على القراءة وعين الرافعي والخطيب أن يكون المتلو سورة زاد الرافعي خفيفة قال ويخفيها في


338
نفسه كأنه لكونه أقرب إلى الإخلاص واختار شيخنا تبعا لشيخه سورة الأعلى لذلك وكأنه من أجل قوله فيها ( ! 2 < سنقرئك فلا تنسى > 2 ! وقوله (

فذكر ) وقوله (

صحف إبراهيم وموسى )

والأصل في قراءة السورة ما رواه الخطيب من حديث أبي نضرة قال كان الصحابة إذا اجتمعوا تذاكروا وقرأوا سورة بل أخرجه أبو نعيم في رياضه المتعلمين من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال كان أصحاب رسول الله إذا قعدوا يتحدثون في الفقه يأمرون أن يقرأ الرجل سورة وبعده أي المنلو استنصب المملي كما قاله ابن السمعاني أو المستملي كما قاله الخطيب وابن الصلاح واستحسنه ابن السمعاني أهل المجلس حيث احتج لذلك اقتداء بقوله لجرير في حجة الوداع استنصت الناس متفق عليه

ثم بعد انصاتهم بسملا المستملي أي قال بسم الله الرحمن الرحيم وهذا أول شيء يقوله ف يليه الحمد لله رب العالمين ف يليه الصلاة مع السلام على رسول الله إقتداء يقوله كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم الله وفي رواية بحمد الله وفي رواية والصلاة علي فهو أقطع فإذا جمع بين الألفاظ فقد استعمل الروايات وجاز الأكمل في فضيلتها

ثم بعد ذلك أقبل المستملي على المملي يقول له من ذكرت من الشيوخ أو ما ذكرت من الأحاديث قال الرافعي ولا يقول من حدثك أو من سمعت فإنه لا يدري بأي لفظه يبتديء لكن قال ابن دقيق العيد في الاقتراح والأحسن أن يقول من حدثك أو من أخبرك إن لم يقدم


339
الشيخ ذكر أحد إلا أن يكون الأول عادة مستمرة فالاتباع أولى فكذا قال ابن السمعاني بقول من ذكرت أو من حدثك

وابتهل أي ودعى المستملي له أي للملي مع ذلك بقوله رافعا لصوته رحمك الله أو أصلحك الله أو غفر الله لك قال ابن السمعاني ويقول رضي الله عن الشيخ وعن والديه وعن جميع المسلمين يعني إن لم يكن في أبويه ما يمنع ذلك كما اتفق لشيخنا حيث قال لشيخه البرهان إبراهيم بن داود الآمدي رحمة الله ورضي الله عنكم وعن والديكم فقال له البرهان لا تقل هكذا يشير إلى أنهما لم يكونا مسلمين

قال ابن السمعاني قلو قال رضي الله عن سيدنا جاز إذا عرف المملي قدر نفسه يعني لقوله قوموا إلى سيدكم قال وكره بعضهم ذلك يعني لما فيه من الإطراء قال وقد كنت أقرا على أبي القاسم علي بن الحسين العلوي وكان شيخا صالحا من أهل بيت فقلت رضي الله عن الشيخ الإمام فلان فنهاني عنه وقال قل ورضي الله عنك وعن والديك وحرم شيبتك على النار فقتلها وهو يبكي وجرى ذلك لآخر فقال لا تعظمني عند ذكر ربي

قال يحيى بن أكتم نلت القضاء وقضى القضاء والوزارة وكذا وكذا فمما سررت بشيء مثل قول المستملي من ذكرت رحمك الله ونحوه قول المأمون ما اشتهى من لذات الدنيا إلا أن يجتمع أصحاب الحديث عندي ويجيء المستملي فيقول من ذكرت أصلحك الله

وكذا روى عن محمد بن سلام الجمحي قال قيل للمنصور هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله قال لقيت خصلة أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث ويقول المستملي من ذكرت رحمك الله قال فغدوا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر فقال لستم هم إنما هم الدنسة ثيابهم المتشققة أرجلهم الطويلة شعورهم برد الآفاق ونقلة الحديث


340

قال الخطيب وإذا انتهى أي المستملي تبعا للملي إلى ذكر النبي من الإسناد صلى يعني وسلم عليه وفعل ذلك في كل حديث مر فيه ذكر النبي استحبابا وكذا إذا انتهى إلى ذكر أحد من الصحابة رضي الله عنهم ترضى عنه بقوله رضي الله عنه أو رضوان الله عليه حال كونه رافعا صوته بذلك كله زاد غيره

فإن كان ذاك الصحابي من أبناء الصحابة أيضا كابن عباس وابن عمر قال رضي الله عنهما وإن كان أبوه وجده صحابيين وذكرهما كعائشة قال رضي الله عنهم لقوله وذكرهما يتأيد بعض من كان ينكر على القاريء من أئمة شيوخنا إذا مر به عن عائشة رضي الله عنها حيث يقول وعن أبيها وجدها وأخيها لما فيه من التطويل لا سيما إن أوهم بذلك أن في المجلس بعض الرافضة مما الواقع خلافه

وكذا يقع في كثير من الأصول القديمة حتى في أحمد وأبي داود عن علي عليه السلام تاركا لذلك في أبي بكر وغيره ممن هو أفضل منه بل يقع ذلك في فاطمة الزهراء أيضا وعندي توقف في المقتضي للتخصيص بذلك مع احتمال وقوعه ممن بعد المصنفين ولكنه بعيد

قال الخطيب والأصل في ذلك أي الترضي حديث جابر كنا عند النبي فالتفت إلى أبي بكر فقال يا أبا بكر أعطاك الله الرضوان الأكبر وحديث أنس كنا جلوسا مع النبي فقام رسول الله فقام غلام فأخذ نعله فناوله إياه فقال له رسول الله أردت رضى ربك رضي الله عنك قال فاستشهد وكذا يستحب أيضا الترضي والترحم على الأئمة فقد قال القارئ للربيع بن سليمان يوما حدثكم الشافعي ولم يقل رضي عنه فقال الربيع ولا حرف حتى يقال رضي الله عنه


341

قال الخطيب والصلاة والرضوان والرحمة من الله بمعنى واحد إلا أنها وإن كانت كذلك فإنا نستحب أن يقال للصحابي رضي الله عنه وللنبي تشريفا له وتعظيما

والشيخ المملي ترجم الشيوخ الذي روى أو أفاد عنهم بذكر بعض أوصافهم الجميلة

ودعا أيضا لهم بالمغفرة والرحمة إذ هم أباؤه في الدين ووصلة بينه وبين رب العالمين وهو مأمور بالدعاء لهم وبرهم وذكر مآثرهم والثناء عليهم وشكرهم وقد قال ابن راهويه قل ليلة إلا وأنا أدعو فيها لمن كتب عنا ولمن كتبنا عنه

وقد كان أبو هريرة يقول سمعت خليلي الصادق المصدوق وقال ابن مسعود وحدثني الصادق المصدوق وقال عبد الله بن يزيد حدثنا البراء رضي الله عنه وهو غير كذوب وقال أبو مسلم الخولاني فيما رواه مسلم حدثني الحبيب الأمين أما هو إلى فحبيب وأما هو عندي فأمين عوف بن مالك وقال مسروق حدثتني الصديقة ابنه الصديق حبيبة الله المرأة عائشة وقال عطاء بن أبي رباح حدثني البحر يريد ابن عباس

وقال الشعبي حدثنا الربيع بن خيثم وكان من معادن الصدق وقال ابن عيينة حدثنا أوثق الناس أيوب وقال شعبة حدثني سيد الفقهاء أيوب

وقال هشام بن حسان حدثني أصدق من أدركت من البشر محمد بن سيرين وقال وكيع حدثنا سفيان أمير المؤمنين وقال محمد بن بشر حدثنا الثقة الصدوق المأمون خالد بن سعيد وقال الحسن بن الصباح البزار حدثنا أحمد بن حنبل شيخنا وسيدنا وقال يعقوب بن سفيان حدثنا الحميدي وما لقيت أنصح للإسلام وأهله منه وقال ابن خزيمة حدثنا من لم تر عيناي مثله محمد بن أسلم الطوسي وقال العلائي حدثنا الإمام أبو إسحاق الطبري وهو


342
أجل شيخ لقيته في أشباه لهذا كثيرة

وليحذر من التجاوز إلى ما لا يستحقه الشيخ كأن يصفه بالحفظ وهو غير حافظ لما يترتب على ذلك من الضرر وكذا يترحم شيوخه بذكر أنسابهم فقد قال الخطيب وإذا فعل المستملي ما ذكرته يعني من قوله من ذكرت إلى آخره قال الراوي حدثنا فلان ثم نسب شيخه الذي سماه حتى يبلغ بنسبه منتهاه كقول شاذان حدثنا سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري بني تميم وحدثنا شريك بن عبد الله بن شريك بن الحارث النخعي وحدثنا الحسن بن صالح بن حي الهمداني ثم الثوري ثور همدان وحدثنا شعبة بن الحجاج أبو بسطام مولى الأزد وحدثنا عبد الله بن المبارك الخراساني قال والجمع بين اسم الشيخ وكنيته أبلغ في إعظامه وحسن في تكرمته

قال عباس الدوري قل ما سمعت أحمد يسمى ابن معين باسمه إنما كان يقول قال أبو زكريا وعن الحسن أنه قال يجب للعالم ثلاث خصال تخصه بالتحية وتعمه بالسلام مع الجماعة ولا تقل حدثنا فلان بل قل حدثنا أبو فلان وإذا قرأ فمل لا يضجر للبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال لا تسم أباك باسمه ولا تمش أمامه ولا تجلس قبله وعن شهر بن حوشب قال خرجت مع ابن عمر فقال له سالم الصلاة با أبا عبد الرحمن وعن ابن عمر أنه قال لكن أبو حفص عمر قضى قال الخطيب وجماعة تقتصرون على اسم الراوي دون نسبه إذا كان أمره لا يشكل ومنزلته من العلم لا تجهل كعامة أصحاب ابن المبارك وحيث يروون عنه باسمه فقط لا ينسبونه وكذا إذا كان اسمه مفردا عن أهل طبقته لحصول الأمان من دخول الوهم في تسميته كقتادة ومسعر ومنهم من تقتصر على شهرته بالنسبة إلى أبيه أو قبيلته ولا يسميه كابن لهيعة وابن عيينة والشعبي والثوري وكل ذلك جائز


343

وأما ذكر راو معروف بشيء من لقب بحيث اشتهر بذلك وغلب عليه كغندر بضم المعجمة وفتح المهملة وبينهم نون لمحمد بن جعفر وغيره ممن سيأتي مع جملة ألقاب في بابها أو معروف بوصف ليس نقصا في خلقته كالحمرة والزرقة والشقرة والصفرة والطول أو وصف نقص كالإقعاد لأبي معمر والحول لعاصم والشلل لمنصور والعرج لعبد الرحمن بن هرمز والعمى لأبي معاوية الضرير والعمش لسليمان والعور لهارون بن موسى والقصر لعمران أو نسب لامه كابن أم مكتوم وابن بحينة والحارث البرصاء ويعلى بن منية وغيرهم من الصحابة

ومن بعدهم كمنصور بن صفية وإسماعيل بن علية على ما سيأتي فيمن نسب إلى غير أبيه فجائز في ذلك كله صرح به الخطيب ما لم يكن في اللقب إطراء مما يدخل في النهي فإنه حرام أو لم يكن الموصوف به يكرهه كابن علية بضم المهملة مصغر وأبي الزناد وأبي سلمة التبوذكي وعلي بالتصغير بن رباح وابنه موسى ومسلمة بن علي وابن راسوبة وخالد بن مخلد القطوني فالقطواني لقبه وكان أيضا يغضب منها وزياد بن أيوب البغدادي دلوية قيل إنه كان يقول من سماني دلوية لا أجعله في حل وأبي العباس الأصم كان يكره أن يقال له الأصم وجوزي وهو لقب لأبي القاسم الأصبهاني صاحب الترغيب وكان فيما حكاه ابن السمعاني يكرهه وغيرهم فصن حينئذ نفسك من الوقوع فيه الراوي عن وصفه بذلك إذ هو حرام حسبما استثناه ابن الصلاح متمسكا بنهي الإمام أحمد لابن معين أن يقول حدثنا إسماعيل بن علية وقال له قل إسماعيل بن إبراهيم فإنه بلغني أنه كان يكره أن ينسب إلى أمه ولم يخالفه ابن معين فيه بل قال قبلناه منك يا معلم الخير وقد أقر الناظم ابن الصلاح على التحريم كما سيأتي في الألقاب وأما هنا فقال الظاهر أن ما قاله أحمد على طريق الأدب لا اللزوم انتهى ولذا قال شيخنا فهو حرام أو مكروه


344

قلت فلو علم كراهته تواصفا لما يتضمن من التزكية أنحو ذلك كما نقل عن النووي أنه قال لست أجعل في حل من لقبني محييى الدين فالأولى تجنبه

والأصل في هذا الباب قوله صلى الله عله وسلم في ركعتين من صلاة الظهر أكما يقول ذو اليدين ولذا ترجم البخاري في صحيحه بقوله ما يجوز من ذكر الناس أي بأوصافهم نحو الطويل والقصير وما لا يراد به شين الرجل وقال النبي ما يقول ذو اليدين فذهب في ذلك إلى التفصيل كالجمهور وشد قوم فشددوا حتى نقل عن الحسن البصري أنه كان يقول أخاف أن يكون قولنا حميد الطويل غيبة وكأن البخاري لمح بذلك حيث ذكر قصة ذي اليدين لقوله فيها وفي القوم رجل في يديه طول قال ابن المنير أشار البخاري إلى أن ذكر مثل هذا إن كان للبيان والتمييز فهو جائز وإن كان للتنقيص له يجز قال وجاء في بعض الحديث عن عائشة في المرأة التي دخلت عليها فأشارت بيدها أنها قصيرة فقال النبي اغتبتيها وذلك أنها لم تقل ذلك بيانا وإنما قصدت الإخبار عن صفتها فكان كالاغتياب

ومن أدلة النهي قوله تعالى (

ولا تنابزوا بالألقاب ) وكان نزوله على النبي في المدينة منهم اللقب واللقبان وعلى كل حال من التحريم أو غيره فذاك فيمن عرف بغير ذلك أما حيث لم يعرف بغير فلا وبه صرح الإمام أحمد فقال الأثرم سمعته يسأل عن الرجل يعرف بلقبه فقال إذا لم يعرف إلا به ثم قال الأعمش إنما يعرفه الناس هكذا فسهل في مثل هذا إذا شهر به وما أحسن صنيع إمامنا الشافعي رحمه الله حيث كان يقول حدثنا إسماعيل الذي يقال له ابن علية وكان أبو بكر بن إسحاق الصبيعي إذا روى


345
عن شيخه الأصم يقول فيه المعقلي نسبة لجده معقل ولا يقول الأصم لكراهة لها كما تقدم وقد قال البلقيني إنه إن وجد طريقا إلى العدول عن الوصف بما اشتهر به مما يكرهه فهو أولى

وأرو في الإملاء بالنقل وبالقصر على وجه الاستحباب عن شيوخ ممن أخذت عنهم أو عن جماعتهم كما هي عبارة الخطيب ولا تقتصر على الرواية عن شيخ واحد إذا التعدد أكثر فائدة وأسند الخطيب عن مطر قال العلم أكثر من مطر السماء ومثل الذي يروي عن عالم واحد كرجل له امرأة واحدة فإذا حاضت بقي

والمعنى أن الذي له شيخ واحد ربما احتاج من الحديث لما لا يجده عند شيخه فيصير حائرا وكذلك من له زوجة واحدة قد يتفق توقانه إلى النكاح في حال حيضها فيصير حائرا فإن كانت له زوجة أخرى أو أمة حصل الغرض وفي معاشرة الأهلين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال وجدت صاحب الواحدة إن زادت زاد وإن حاضت حاض وإن نفست نفس وكلما اعتلت اعتل معها بانتظاره لها ثم ذكر صاحب الثنتين وصاحب الثلاث والأربع قال الخطيب وقدم من الشيوخ أولاهم في علو الإسناد يعني عند الاشتراك في مطلق العلو زاد ابن الصلاح أو في غيره يعني إن اتحد العلو كالأحفظ والأسن والسبب وألا ترو وعن كذاب ولا متظاهر ببدعة ولا معروف بفسق بل اتفق في الرواية ثقات شيوخك ممن حسنت طريقته وظهرت عدالته وعلا سنده كما سيأتي

وأنتقه أي المروي أيضا بحيث يكون أبلغ نفعا وأعم فائدة وأنفعه كما قال الخطيب الأحاديث الفقهية التي تفيد معرفة الأحكام الشرعية كالطهارة والصلاة والصيام والزكاة وغيرها من العبادات وما يتعلق بحقوق المعاملات ففي الحديث ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين قال الخطيب


346
ويستحب أيضا إملاء الأحاديث المتعلقة بأصول المعارف والديانات وأحاديث الترغيب في فضائل الأعمال وما يحث على القراءة وغيرها من الأذكار زاد عيره والتزهيد في الدنيا بل الأنسب أن يتخير لجمهور الناس أحاديث الفضائل ونحوها وللمتفقهة أحاديث الأحكام

وأفهم بفتح الهمزة السامعين ما فيه من فائدة في متنه أو سنده من بيان المجمل أو غرابة ونحوهما وأظهر غامض المعنى وتفسير الغريب وتحر أيضا ذلك وبيانه كما أشار إليه الخطيب وروي عن ابن مهدي أنه قال لو استقبلت من أمري ما استدبرت لكتبت بجنب كل حديث تفسيره وعن أبي أسامة قال تفسير الحديث ومعرفته خير من سماعه وهذا على وجه الاستحباب وإلا فقد قيل للزهري في حديث ليس منا من لطم الخدود وليس منا من لم يوقر كبيرنا ما معناه فقال من الله العلم وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم

وسأل رجل مطرا عن تفسير حديث حدث به فقال لا أدري إنما أنا زاملة فقال له الرجل جزاك الله من زاملة خيرا فإن عليك من كل حلو وحامض وسئل أيوب السختياني عن تفسير حديث فقال ليتنا نقدر نحدث كما سمعنا فكيف نفسر

قال الخطيب ويستحب أن ينبه على فصل ما يرويه ويبين المعاني التي لا يعرفها إلا الحفاظ من أمثاله وذويه فإن كان الحديث قد كتبه عنه بعض الحفاظ المبرزين أو أحد الشيوخ المتقدمين نبه عليه أو كان غالبا علوا متفاوتا أرشد بوصفه إليه وإنما قيد الوصف بالعلو المتفاوت لأن المفهوم عند إطلاق العلو شمول أقل درجاته وبذلك لا يحصل تميز المتناهي

قال وكذا إذا كان رواية غاية في الثقة والعدالة أو من أهل الفقه والفتيا أو كان الحديث من عيون السنن وأصول الأحكام وصفه بذلك


347
ويعين تاريخ السماع القديم وتفرده بذلك الحديث وكونه لا يوجد إلا عنده إن كان كذلك وإن كان الحديث معلولا بين علته أو في إسناده اسم يشاكل غيره في الصورة ضبطه بالحروف ليزول الإلباس

ولا تزد عن كل شيخ من شيوخك فوق متن واحد فإنه أعم للفائدة وأكثر للمنفعة

واعتمد فيها ترويه عالي إسناد لما في العلو من الفضل وكذا اعتمد قصير متن لمزيد الفائدة فيه يعني بالنظر إلى الأحكام ونحوها حتى قال أبو عاصم الأحاديث القصار هو اللؤلؤ بخلاف الطويل غالبا إلا أن يكون يشتمل على جمل من الأحكام فيزل كل حكم منها منزلة حديث واحد

قال علي بن حجر

( وظيفتنا مائة للغريب
في كل يوم سوى ما يعاد )
( شريكية أو هشيمية
أحاديث فقه قصار جياد )

وكان على قد انفرد بشريك وهشيم

واجتنب في إملائك المشكل من الحديث الذي لا تحتمله عقول العوام كأحاديث الصفات التي ظاهر ما تقتضي للتشبيه وتجسيم وإثبات الجوارح والأعضاء للأزلي القديم وإن كان الأحاديث في نفسها صحاحا ولها في التأويل طرق ووجوه إلا أن من حقها أن لا تروي إلا لأهلها خوف الفتن بفتح الفاء وسكون التاء مصدر فتن أي الافتتان والضلالة فإنه لجهل معانيها يحملها على ظاهرها أو يستنكرها فيردها ويكذب رواتها ونقلتها

وقد صح قوله كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع وقول علي حدثوا النسا بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وقول ابن مسعود إن الرجل ليحدث بحديث فيسمعه من لا


348
يبلغ عقله فهم ذلك الحديث فيكون عليه فتنة وقول أيوب السختياني لا تحدثوا الناس بما لا يعلمون فتضروهم

وقول مالك شر العلم الغريب وخير العلم المعروف المستقيم وكذا قال الخطيب إن مما رأى العلماء أن الصدوف عن روايته للعوام أولى أحاديث الرخص وإن تعلقت بالفروع المختلف فيها دون الأصول كحديث الرخصة في النبيذ ثم ذكر أن اطراح أحاديث نبي إسرائيل المأثورة عن أهل الكتاب وما نقل عن أهل الكتاب واجب والصدوف عنه لازم

وأما ما حفظ من أخبار نبي إسرائيل وغيرهم من المتقدمين عن النبي وأصحابه وعلماء السلف فإن روايته تجوز ونقله غير محظور ثم روى عن الشافعي أن معنى حديث حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج أي لا بأس أن تحدثوا عنهم بما سمعتم وإن استحال أن يكون في هذه الأمة مثل ما روى أن ثيابهم تطول والنار التي تنزل من السماء فتأكل القربان انتهى

لكن قال بعض العلماء إن قوله ولا حرج في موضع الحال أي حدثوا عنهم حال كونه لا حرج في التحديث عنهم عنهم بما حفظ من أخبارهم عن رسول الله يعني وعن صحابته والعلماء كما قال الخطيب فإن روايته يجوز انتهى

وقد يثبت ذلك واضحا في كتابي الأصل والأصيل في تحريج النقل من التوراة والإنجيل وكذا قال الخطيب وليجتنب ما شجر من الصحابة ويمسك عن ذكر الحوادث التي كانت فيهم الحديث ابن مسعود الذي أورده في كتابه في القول في علم النجوم رفعه إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وهو عند ابن عدي من حديث ابن عمر أيضا وكلاهما لا يصح

وقد قال زيد العمى أدركت أربعين شيخا كلهم يحدثونا عن الصحابة


349
أن رسول الله قال من أحب جميع أصحابي وتولاهم واستغفر لهم جعله يوم القيامة معهم في الجنة وقال الضحاك لقد أمرهم بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيحدثون ما أحدثوا

وعن العوام بن حوشب قال أدركت من أدركت من خيار هذه الأمة وبعضهم يقول لبعض اذكروا مجالس أصحاب محمد لتأتلف عليها القلوب قلت وإنما يتيسر للمملي ما تقرر إثباتا ونفيا حيث لم يتقيد بكتاب مخصوص أما مع التقيد كما فعل الناظم في تخريج المستدرك وأما الرافعي وسيخنا في تخريج ابن الحاجب الأصلي وإلا كان ونحو ذلك فإنه والحالة هذه تابع لأصله لا يخرج عنه مع كونه لا ينهض له إلا من قويت في العلم براعته واتسعت روايته والله الموفق

واستحسن للمملي الإنشاد المباح المرفق في الأواخر من كل مجلس بعد الحكايات اللطيفة مع النوادر المستحسنة وإن كانت مناسبة لما أملاه من الأحاديث فهو أحسن كل ذلك بالأسانيد فعادة الأئمة من المحدثين جارية بذلك وكثيرا ما ينشد ابن عساكر من نظمه وكذا الناظم وربما فعله شيخنا وقد بوب له الخطيب في جامعه وساق عن ابن عباس قال قرئ عند النبي قرآن وأنشد شعر فقيل يا رسول الله أقرآن وشعر في مجلسك قال نعم وعن أبي بكرة قال أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده إعرابي ينشده الشعر فقلت يا رسول الله القرآن أو الشعر فقال يا أبا بكرة هذا مرة وهذا مرة

وعن علي أنه قال روحوا القلوب وابتغوا لها طرف الحكمة وعن الزهري أنه كان يقول لأصحابه هاتوا من أشعاركم هاتوا من حديثكم فإن الأذن مجاجة والقلب حمض وعن كثير ابن أفلح قال آخر مجلس جالسنا فيه زيد بن ثابت تناشدنا فيه الشعر وعن حماد بن زيد أنه حدث بأحاديث ثم


350
قال لنا خذوا في أبزار الجنة فحدثنا بالحكايات وعن مالك بن دينار قال الحكايات تحف أهل الجنة وساق غيره عن ابن مسعود قال القلوب تمل كما تمل الأبدان فاطلبوا لها طرائف الحكمة وعن ابن عباس أنه كان إذا أفاض في القرآن والسنن قال لمن عنده أحمضوا بنا أي خوضوا في الشعر والأخبار

ثم إن ما تقدم في العارف غير العاجز وإن تخرج للرواة الذين ليسوا من أهل المعرفة بالحديث وعلله واختلاف وجوهه وطرقه وغير ذلك من أنواع علومه أو من أهل المعرفة ولكنهم عجزوا عن التخريج والتفتيس إما لكبر سن وضعف بدن كما اتفق للناظم في إملائه بآخره لذلك شيئا هما منه رحمهما الله وإما لطروء عمي ونحوه متقن من حفاظ وقتهم مجالس الإملاء التي يريدون إملاها من الأحاديث وما يلحق بها إما بسؤال منهم له أو ابتداء فهو كما قال ابن الصلاح حسن بل قال الخطيب إنه ينبغي للقاصر أن يستعين ببعض حفاظ وقته فقد كان جماعة من شيوخنا كأبي الحسن بن بشران والقاضي أبي عمر الهاشمي وأبي القاسم السراج وغيرهم يستعينون بمن يخرج لهم وليس كما قال ابن الصلاح بإملاء حين يكمل غنى عن العرض والمقابلة ل إصلاح زيغ أو طغيان فلم يحصل يعني فإن المقابلة بعد الكتابة واجبة كما تقدم في بابها حكاية عن الخطيب وغيره إذ لا فرق وحينئذ فيأتي القول بجواز الرواية من الفرع غير المقابل للشروط المتقدمة بل كان شيخنا لكثرة من يكتب عنه الإملاء ممن لا يحسن هم أن يجعل بكل جانب واحدا من أصحابه الذين لهم بالفن إلمام في الجملة ليختبر كتابتهم ويراجعونه فيما تيسر

والتبكير بالمجلس أولى إلا أن يكون في الشيء فالأولى أن يصبر ساعة حتى يرتفع النهار واستحب للطالب السبق بالمجيء لئلا يفوته شيء


351
فتشق إعادته فالعادة جارية كما قال الخطيب بكراهة تكرير ماضيه واستثقال الإعادة الفائتة والمنقضية حتى قال الثوري ويزيد بن هارون وغيرهما
( من غاب خاب
وأكل نصيبه الأصحاب )

ولم نعد له حديثا

وقالل الزهري نقل الصخر أهون من إعادة الحديث

وقال نفطويه يخاطب ثقيلا من أبيات

( خل عنا فإنما أنت فينا
وأود عمرو وكالحديث المعاد )

ودخل بعضهم على الشيخ وقت الانصراف فأنشأ الشيخ يقول

( ولا يردون الماء إلا عشية
إذا صدر الوارد الوارد عن كل منهل )

ولذا كان خلق يبيتون ليلة إملاء علي بن المدني بمحل جلوسه حرصا على السماع وتخوفا عن الفوات


352
آداب طالب الحديث
( وأخلص النية في طلبكا
وجد وابدأ بعوالي مصركا )
( وما يهم ثم شد الرحلا
لغيره ولا تساهل حملا )
( واعمل بما تسمع في الفضائل
والشيخ بجله ولا تثاقل )
( عليه تطويلا بحيث يضجر
ولا تكن يمنعك التكبر )
( أو الحياء عن طلب واجتنب
كتم السماع فهو لؤم وأكتب )
( ما تستفيد عاليا ونازلا
لا كثرة الشيوخ صيتا عاطلا )
( ومن يقل إذا كتبت قمش
ثم إذا رويته ففتش )
( فليس من ذا والكتاب تمم
سماعه لا تنتخبه تندم )
( وإن يضق حال عن استيعابه
لعارف أجاد في انتخابه )
( أو قصر استعان ذا حفظ فقد
كان من الحفاظ من له يعد )
( وعلموا في الأصل إما خطا
أو همزتين أو بصاد أو طا )
( ولا تكن مقتصرا أن تسمعا
وكتبه من دون فهم نفعا )
( واقرأ كتابا في علوم الأثر
كابن الصلاح أو كذا المختصر )
( وبالصحيحين إبدأن ثم السنن
والبيهقي ضبطا وفهما ثم ثن )
( بما اقتضته حاجة من مسند
أحمد والموطأ الممهد )


353
( وعلل وخيرها لأحمد
الدارقطني والتواريخ عدا )
( من خيرها الكبير للجعفي
والجرح والتعديل للرازي )
( وكتب المؤتلف المشهور
والأكمل والإكمال للأمير )
( واحفظه بالتدريج ثم ذاكر
به والاتقان اصحبن وبادر )
( إذا تأهلت إلى التأليف
تمهر وتذكر وهو في التصنيف )
( طريقتان جمعه أبوابا
أو مسندا تفرده صحابا )
( وجمعه معللا كما فعل
يعقوب أعلى رتبة وما كمل )
( وجمعوا أبوابا أو شيوخا أو
تراجما أو طرقا وقد رأوا )
( كراهة الجمع لذي تقصير
كذاك الإخراج بلا تحرير )
آداب طالب الحديث

سوى ما تقدم واخلص أيها الطالب النية لله عز وجل في طلبكا للحديث فالنفع به وبغيره من العلوم الشرعية متوقف على الإخلاص به لله تعالى والضرب صفحا عما عدا ذلك من الأغراض والأعراض لتسلم من نحو أبل الأمراض ودسائس الأعراض كما سلف في الباب قبله مع كثير مما سيأتي هنا وحيث وكان كذلك تزداد علما وشرفا في الدارين واتق المفاخرة فيه والمباهاة به وأن يكون قصدك من طلبه نيل الرياسة والوظائف واتخاذ الأتباع وعقد المجالس قال إبراهيم النخعي من تعلم علما يريد به وجه الله والدار الآخرة آتاه الله تعالى من العلم ما يحتاج إليه وقال إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي من طلب هذا العلم لله شرف وسعد في الدنيا والآخرة ومن لم يطلبه لله خسر الدنيا والآخرة وقال رسول الله من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف


354
الجنة أي ريحها يوم القيامة

وقيل لابن المبارك من الغوغاء قال الذين يكتبون الحديث يتأكلون به الناس وعن حماد بن سلمة قال من طلب الحديث لغير الله مكر به ونحوه قول أبي عاصم من استخف بالحديث استخف به الحديث وفسره ابن منده بطلبه للحجة على الخصم لا للإيمان به والعمل بمضمونه

وقال الشافعي أخشى أن من طلب العلم بغير نية أن لا ينتفع وقال أبو يزيد البسطامي إنما يحسن طلب العلم وأخبار الرسول ممن يطلب المخبر به يعني النبي فأما من طلبه ليزين به نفسه عند الخلق فإنه يزداد به بعدا عن الله ورسوله وسأل أبو عمرو إسماعيل ابن نجيد أبا عمرو بن حمدان وكان من عباد الله الصالحين بأي نية أكتب الحديث قال ألستم ترون أن عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة قال نعم قال فرسول الله رأس الصالحين فإذا حضرتك نية صحيحة في الاشتغال بهذا الشأن وعزمت على سماع الحديث وكتابته ولا تحديد لذلك بسنن مخصوص بل المعتمد الفهم كما تقدم في متى يصح تحمل الحديث فينبغي أن تقدم المسألة لله تعالى أن يوفقك فيه ويعينك عليه كما قال الخطيب ثم بادر إلى السماع وجد بكسر أوله في الطلب وإحرص عليه بدون توقف ولا تأخير فمن جد وجد العلم كما قال يحيى بن كثير لا يستطاع براحة الجسم قال احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز

قال أيضا التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة ومن أبلغ ما يحكي عن السلف في ذلك قول سلمة بن شيب كنا عند يزيد بن هارون فازدحم الناس عليه فوقع صبي تحت أقدام الرجال فقال يزيد اتقوا الله وانظروا ما حال الصبي فنظروا فإذا هو قد خرج حديثا وهو يقول يا أبا خالد زدنا فقال يزيد إنا لله وإنا إليه راجعون قد نزل بهذا الغلام ما نزل


355
وهو يطلب الزيادة وامتهن نفسك بالتقنع وخشونة العيش والتواضع فقد قال الشافعي رحمه الله لا يطلب هذا العلم أحد بالتملك وعن النفس فيفلح ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش وخدمة العلماء والتواضع أفلح

وإبدأ بأ خذ عوالي شيوخ مصركا ولا تنفك عن ملازمتهم والعكوف عليهم حتى تستوفيها وابدأ منها ب ما يهم يضم أوله من ذلك وغيره كالمروي الذي انفرد به بعضهم فمن شغل نفسه كما قال أبو عبيدة بغير المهم أضر بالمهم وإن استوى جماعة في السند وأردت الاقتصار على أحدهم فالأولى أن يتخير المشهور منهم بالطلب والمشار إليه من بينهم بالإتقان فيه والمعرفة له فإن تساووا في ذلك أيضا فتخير الأشراف وذوو الأنساب منهم لحديث قدموا قريشا ولا تقدموها فإن وتساووا في ذلك فالأسن لحديث كبر كبر ثم بعد استيعابك أخد ما ببلدك من المروي وتمهرك في المعرفة به واستيعابك باقي الشيوخ ممن قنعت عما عندهم من المروي بغيرهم بالأخذ عنهم لما قل بحيث لا يفوتك من كل ما مرويها وشيوخها أحد وأخذ الفن عن الحافظ العراف به منهم شد الرحلا أو اركب البحر حيث غلبت السلامة فيه أو امش حيث استطعت بلا مزيد مشقة لغيره أي لغير مصرك من البلدان والقرى لتجمع بين الفائدتين من علو الإسنادين وعلم الطائفتين

فقد روى أنه قال أعلم الناس يجمع علم الناس إلى علمه ولك صاحب علم غرثان وعن بعضهم قال من قنع بما عنده لم يعرف سعة العلم

وعن ابن معين قال أربعة لا تؤنس منهم رشدا وذكر منهم رجلا يكتب في بلده ولا يرحل وسأل عبد الله بن أحمد أباه هل ترى لطالب العلم أن يلزم رجلا عنده علم فيكتب عنه أو يرحل إلى المواضع التي فيها العلم فيسمع فيها قال يرحل ويكتب عن الكوفيين والبصريين وأهل المدينة


356
ومكة يشام الناس يسمع منهم

وقيل لأحمد أيضا أيرحل الرجل في طلب العلم فقال بلى والله شديدا لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر فلا يقنعهما حتى يخرجا إليه فيسمعانه منه وهذا على وجه الاستحباب وهو متأكد إذا علمت أن ثم من المروي ما ليس ببلدك مطلقا أو مقيدا بالعلو ونحوه بل قد يجب إذا كان في واجب الأحكام وشرائع الإسلام ولم يتم التوصل إليه إلا به

فالوسائل تابعة للمقاصد كما صرح به القاضي عياض في ذلك وفي الاشتغال بعلوم هذا الشأن

ويروى أنه قال أطلبوا العلم ولو بالصين فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم وعن أبي مطيع معاوية بن يحيى قال أوحى الله إلى داود أن اتخذ نعلين من حديد وعصي من حديد وأطلب العلم حتى تنكسر العصي وتنخرق النعلان وقال الفضل بن عاريم في بعض الأحاديث والله لو رحلتم في طلبه إلى البحرين لكان قليلا وقصة موسى عليه السلام في لقاء الخضر بل قوله تعالى (

فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) من شواهده

وكفى بقوله من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله تعالى له به طريقا إلى الجنة ترغيبا في ذلك وعن ابن عباس في قوله (

السائحون ) قال هم طلبة العلم وقال إبراهيم بن أدهم إن الله يدفع عن هذه الأمة البلاء برحلة أصحاب الحديث وقال زكريا بن عدي رأيت ابن المبارك في النوم فقلت له ما فعل الله بك قال غفر لي برحلتي في الحديث إلى غير هذا مما أودعه الخطيب في جزء له في ذلك قد قرأته


357

ورحل جابر بن عبد الله إلى عبد الله بن أنيس رضي الله عنهما مسيرة شهر في حديث واحد وكذا رحل غيره في حديث واحد قال سعيد بن المسيب إن كنت لأغيب الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد وقال أبو قلابة لقد أقمت بالمدينة ثلاثة أيام مالي حاجة إلا رجل عنده حديث يقدم فأسمعه منه

قال الشعبي في مسألة كان الرجل يرحل فيما دونها إلى المدينة وقال ابن مسعود لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني لرحلت إليه وقال أبو العالية كنا نسمع عن الصحابة فلا نرضى حتى خرجنا إليهم فسمعنا منهم

ولم يزل السلف والخلف من الأئمة يعتنون بالرحلة والقول الذي حكاه الرامهرمزي في الفاصل عن بعض الجهلة في عدم جوازها شاذ مهجور

وقد اقتفيت ولله الحمد أثرهم في ذلك بعد موت من كانت الرحلة إليه من سائر الأقطار كالواجبة وهو شيخنا رحمه الله وأدركت في الرحلة بقايا من المعتبرين وما بقي في ذلك من سنن إلا مجرد الاسم بيقين وحيث وجدت رحلت فبادر فيها للقاء من يخشى فوته ولا تتوانى فتندم كما اتفق لغير واحد من الحفاظ في موت من قصدوه بالرحلة بعد الوصول إلى بلده واقتد بالحافظ السلفي الأصبهاني فإنه ساعة وصوله إلى بغداد لم يكن له شغل إلا المضي لأبي الخطاب بن البطر هذا مع علته بدماميل كانت في مقعدته من الركوب بحيث صار يقرأ عليه وهو متكيء للخوف من فقده لكونه كان المرحول إليه من الآفاق في الإسناد

ولما رحل شيخنا إلى البلاد الشامية قصد الابتداء ببيت المقدس ليأخذ عن ابن الحافظ العلائي سنن ابن ماجه لكونه سمعه على الحجاز فبلغه وهو بالرملة موته فعرج عنه إلى دمشق لكونها بعد فواته أهم وأجدر من المبالغة في المبادرة بحيث ترتكب ما لا يجوز فربما يكون سببا للحرمان


358

فقد حكى أن بعضهم وافى البصرة يسمع من شعبة ويكثر عنه فصادق المجلس قد انقضى وانصرف شعبة إلى منزله فبادر إلى المجيء إليه فوجد الباب مفتوحا فحمله الشره على أن دخل بغير استئذان فرآه جالسا على البالوعة يبول فقال له السلام عليكم رجل غريب قدمت من بلد بعيد تحدثني بحديث الرسول فاستعظم شعبة هذا وقال يا هذا دخلت منزلي بغير إذني وتكلمني وأنا على مثل هذه الحال تأخر عني حتى أصلح من شأني فلم يفعل واستمر في الإلحاح وشعبة ممسك ذكره بيده ليستبرئ فلما أكثر قال له أكتب حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش عن أبي مسعود أن النبي قال إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ثم قال والله لا أحدثك بغيره ولا أحدث قوما تكون فيهم انتهى

واسلك ما سلكته في بلدك من الابتداء بالأهم فالأهم ولا تكن كمن رحل من الشام إلى مصر فقرأ بها على مسند الوقت العز بن الفرات الذي انفرد بما لا يشاركه فيه في سائر الآفاق غيره الأدب المفرد للبخاري أو بإجازته من العز ابن جماعة لسماعه من أبيه البدر مع كون في مسندي القاهرة من سمعه على البدر بل وكذا في بلده التي رحل منها

ولا تتشاغل في الغربة إلا بما تحق الرحلة لأجله فشهوة السماع كما قال الخطيب لا تنتهي والنهمة من الطلب لا تنقضي والعم كالبحار المتعذر كيلها والمعادن التي لا ينقطع نيلها كل ذلك مع مصاحبتك التحري في الضبط فلا تقلد إلا الثقات ولا تساهل حملا أي ولا تتساهل في الحمل والسماع بحيث تخل بما عليك في ذلك فالمتساهل مردود كما تقدم في الفصل الثاني عشر من معرفة من تقبل روايته ومن ترد

واعمل بما تسمع ببلدك وغيرها من الأحاديث التي يسوغ العمل بها


359
في الفضائل والترغيبات لحديث مرسل قال رجل يا رسول الله ما ينفي عني حجة العلم قال العمل لقول مالك بن مغول في قوله تعالى (

فنبذوه وراء ظهورهم ) قال تركوا العمل به ولقول إبراهيم الحربي إنه ينبغي للرجل إذا سمع شيئا في آداب النبي أن يتمسك به ولأن ذلك سبب ثبوته وحفظه ونموه والاحتياج فيه إليه

قال الشعبي ووكيع كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به زاد وكيع وكنا نستعين في طلبه بالصوم حكاها أبو عمر بن عبد البر في جامع العلم وروى الجملة الأولى منه خاصة الخطيب في جامعة من طريق وكيع عن إبراهيم ابن إسماعيل بن مجمع بن جارية ولابن عبد البر عن سفيان الثوري قال العلم يهتف بالعمل فإن أجاب وإلا إرتحل ويروى أنه قال من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم وعن أبي الدرداء قال من علم بعشر ما يعلم علمه الله ما يجهل وعن ابن مسعود أنه قال ما عمل أحد بما عمله الله إلا احتاج الناس إلى ما عنده وروينا عن عمرو بن قيس الملائي أنه قال إذا بلغك شيء من الخبر فاعمل به ولو مرة تكون من أهله

وقال النووي في الأذكار ينبغي لمن بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة ليكون من أهله ولا ينبغي أن يتركه مطلقا بل يأتي بما تيسر منه لقوله وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم

قلت ويروي في الترغيب في ذلك عن جابر حديث مرفوع لفظ من بلغه عن الله عز وجل شيء فيه فضيلة فأخذ به ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن كذلك وله شواهد وقال أبو عبد الله محمد بن خفيف ما


360
سمعت شيئا من سنن رسول الله إلا واستعملته حتى الصلاة على أطراف الأصابع وهي صعبة

وقال الإمام أحمد ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى مر بي في الحديث أن النبي احتجم وأعطى أبا طيبة دينارا فأعطيت الحجام دينارا حتى احتجمت ويقال اسم أبي طيبة دينار وحكاه ابن عبد البر ولا يصح

وعن أبي عصمة عاصم بن عصام البيهقي قال بت ليلة عند أحمد فجاء بالماء فوضعه فلما أصبح نظر إلى الماء فإذا هو كما كان فقال سبحان الله رجل يطلب العلم لا يكون له ورد بالليل

وقال أحمد في قصة صاحب الحديث عندنا من يستعمل الحديث وعن الثوري قال إن استطعت أن لا تحك رأسك إلا بأثر فافعل وصلي رجل ممن يكتب الحديث بجنب ابن مهدي فلم يرفع يديه فلما سلم قال له ألم تكتب عن ابن عيينة حديث الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي كان يرفع يديه في كل تكبيرة قال نعم قال فماذا تقول لربك إذا لقيك في تركك لهذا العام وعدم استعماله

وعن أبي جعفر أحمد بن حمدان بن علي النيسابوري قال كنت في مجلس أبي عبد الله المروزي فلما حضرت الظهر وأذن أبو عبد الله خرجت من المسجد فقال لي يا أبا جعفر إلى أين قلت أتطهر للصلاة كان ظني بك غير هذا يدخل عليك وقت الصلاة وأنت على غير طهارة

وعن أبي عمرو محمد بن أبي جعفر بن حمدان قال صلى بنا أبو عثمان سعيد ابن إسماعيل ليلة بمسجده وعليه إزار ورداء فقلت لأبي يا أبتاه هو محرم فقال لا ولكنه يسمع مني المستخرج الذي خرجته على مسلم فإذا مرت به سنة لم يكن استعملها فيما مضى أحب أن يستعملها في يومه وليلته وأنه سمع من جملة ما قرئ علي أن النبي في إزار ورداء


361
فأحب أن يستعمل هذه السنة قبل أن يصبح

وعن بشر بن الحارث أنه قال يا أصحاب الحديث أتودون زكاة الحديث فقيل له يا أبا نصر وللحديث زكاة قال نعم إذا سمعتم الحديث فما كان فيه من عمل أو صلاة أو تسبيخ استعملتموه وفي لفظ عنه رويناه يعلو في جزء الحسن بن عبد الملك أنه لما قيل له وكيف تؤدي زكاته قال اعلموا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث

وروينا عن أبي قلابة قال إذا أحدث الله لك علما فأحدث له عبادة ولكن إنما همك أن تحدث به الناس

وأنشدنا غير واحد عن ابن الناظم أنه أنشدهم لنفسه

( اعمل بما تسمع عن خبر الورى
بادر إليه لا تكن مقتصرا )
( إن لم تطق كلا فبالبعض عملا
ولا بربع العشر لا محتقرا )
( وذاك في فضائل فواجب
لا تتركنه تلق حظا أخسرا )

وعن الحسن البصري قال كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وبهديه ولسانه وبصره ويده وما تقدم عن الإمام أحمد هو المشهور لكن روي أبو الفضل السليماني في كتاب الحث على طلب الحديث من طريق عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي قال سألت أحمد قلت إنا نطلب الحديث ولسنا نعمل به قال وأي عمل أفضل من طلب العلم وكذا روى ونحوه أنه قيل لبعضهم إلى متى تكتب الحديث أفلا تعمل فقال والكتابة من العمل

والشيخ بالنصب من باب الاشتغال بجله أي عظمة واحترمه ووقره لقول طاوس من السنة أن يوقر العالم بل لقوله ليس منا من لم يوقر


362
كبيرنا ولا شك أنه بمنزلة الوالد وأعظم وإجلاله من إجلال العلم وإنما الناس بشيوخهم فإذا ذهب الشيوخ فمع من العيش وقد مكث ابن عباس سنتين يهاب سؤال عمر رضي اله عنهم في مسألة وكذا قال سعيد بن المسيب قلت لسعد بن مالك رضي الله عنه إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أهابك وقال أيوب السختياني كان الرجل يجلس إلى الحسن البصري ثلاث سنين فلا يسأله عن شيء هيبة له

وقال عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي ما كان إنسان يجترئ أن يسأل سعيد ابن المسيب عن شيء حتى يستأذن كما استأذن الأمير وقال مغيرة بن مقسم الضبي كنا نهاب إبراهيم النخعي كما نهاب الأمير وقال ابن سيرين رأيت ابن أبي ليلى وأصحابه يعظمونه ويسودونه ويشرفونه مثل الأمير وقال أبو عاصم كنا عند ابن عون وهو يحدث فمر بنا إبراهيم بن عبد الله بن حسن في موكبه وهو إذ ذاك يدعى إماما بعد قتل أخيه محمد فتاجسر أحد أن يلتفت للنظر إليه فضلا عن أن يقوم هيبة لابن عون

ونحوه أن البساطي العلامة لم ينقطع عن المجيء لشيخه في يوم اجتياز السلطان دون رفقائه فإنهم تركوا الدرس لأجل التفرج عليه فأبعدهم الشيخ تأديبا وقربه وكذا كان بعض مشايخ العجم ممن لقيته يؤدب الطالب إذا انقطع عن الحضور في يومه الميعاد بترك إقرائه في اليوم الذي يليه

وقال إسحاق الشهيدي كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ثم يستند إلى اصل منارة المسجد فيقف بين يديه أحمد بن حنبل وابن معين وابن المديني والشاذكوني والفلاس على أرجلهم يسألون عن الحديث إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لواحد منهم اجلس ولا يجلسون هيبة له وإعظاما

وعن البخاري قال ما رأيت أحدا أوقر للمحدثين من ابن معين


363

ومما قيل في مالك رضي الله عنه

( يدع الجواب فلا يراجع هيبة
والسائلون نواكس الأذقان )
( نور الوقار وعز سلطان التقى
فهو المهيب وليس ذا سلطان )

وعن شعبة قال ما كتبت عن أحمد حديثا إلا وكنت له عبدا ما حييت وفي لفظ ما سمعت من أحد إلا واختلفت إليه أكثر من عدد ما سمعت

وقال ابن المنكدر ما كنا نسمي راوي الحديث والحكمة إلا العالم

واستشره في أمورك كلها وكيفية ما تعتمده من اشتغالك وما تشتغل فيه إذا كان عارفا بذلك وإحذر من معارضته وما يدعو إلى الدفعة عليه ورد قوله فما انتفع من فعل ذلك واعتقد كماله فذلك أعظم سبب لانتفاعك به وقد كان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه يقول اللهم أخف عني عيب شيخي ولا تذهب بركة علمه مني وسيده وقم له إذا قدم عليك وأقض حوائجه كلها جليلها وحقيرها وخذ بركابه وقبل يده ووقر مجلسه واحتمل غضبه واصبر على جفائه وارفق به ولا تثاقل عليه تطويلا أي ولا تتثاقل بالتطويل بحيث يضجر أي يقلق منه ويمل من الجلوس بل تحرما ما يرضيه فالإضجار كما قال الخطيب يغير الإفهام ويحيل الطباع

ثم ساق عن هشيم قال كان إسماعيل بن أبي خالد من أحسن الناس خلقا فلم يزالوا به حتى ساء خلقه وأورد قبل ذلك ألفاظا أصدرت من غير واحد من المحدثين في حق من أضجرهم من الطلاب كقول أبي الزاهرية يخاطبهم ما رأيت أعجب منكم تأتون بدون دعوة وتزورون من غير شوق ومحبة وتملون بالمجالسة وتبرمون بطول المساءلة وسأل رجل ابن


364
سيرين حين أراد أن يقوم عن حديث فقال له إنك إن كلمتني ما لم أطق لساءك ما سرك مني من خلق

وقال إسماعيل بن موسى بن بنت السدي دخلنا ونحن جماعة من الكوفيين على مالك فحدثنا سبعة أحاديث فاستزدناه فقال من كان له دين فلينصرف فانصرفوا إلا جماعة أنا منهم فقال من كان له حياء فلينصرف فانصرفوا إلا جماعة أنا منهم فقال من كانت له مروءة فلينصرف فانصرفوا إلا جماعة أنا منهم فعند ذلك قال يا غلمان ما بقاؤهم فإنه لا بقيا على قوم لا دين لهم ولا حياء ولا مروءة

ويخشى كما قال ابن الصلاح على فاعل ذلك أن يحرم الانتفاع كما وقع للشريف زيدك أحد أصحاب الناظم حين قرأ العمدة على الشهاب أحمد بن عبد الرحمن المرادي في حال مكبره وعجزه أي سماع أي اليسير بالملاطفة وأطال عليه بحيث أضجره فدعا عليه بقوله لا أحياك الله أن ترويها عني أو نحو ذلك فاستجيب دعاؤه ومات الشريف عن قرب لا سيما والمجلس إذا طال كان للشيطان فيه نصيب كنا قدمته مع شيء مما يلائمه في ألباب قبله

وينبغي أن يكون لشيخ علامته يتنبه بها الطالب للفراغ كما جاء عن الأعمش أن إبراهيم النخفي كان إذا أراد أن يقطع الحديث مس أنفه فلا يستطيع أحد أن يسأله عن شيء وكان الحسن البصري يقول اللهم لك الشكر ولا تستعمل ما قاله بعض الشعراء

( أغثت الشيخ بالسؤال تجده
سلسا يلتقيك بالراحتين )
( وإذا لم تصح صياح الثكالى
رجعت عنه وأنت صفر اليدين )

ولا تكن أيها الطالب يمنعك التكبر أو الحياء بالقصر عن طلب


365
لما تفتقر إليه من الحديث والعلم قال مجاهد كما علقه البخاري في صحيحه عنه لا ينال العلم مستحي بإسكان الحاء ولا متكبر وأراد بذلك تحريض المتعلمين على ترك العجز والتكبر لما يؤثر كل منهما من النقص في التعلم

وروينا في المجالسة للدينوري عن الحسن أنه قال من استتر عن طلب العلم بالحياء لبس الجهل سربالا فقطعوا سرابيل الحياء فإذا من رق وجهه رق علمه ولا ينافي ذلك كون الحياء من الإيمان لأن ذلك هو الشرعي الذي يقع على وجه الإجلال والاحترام للأكابر وهو محمود والذي هنا ليس بشرعي بل هو سبب لترك أمر شرعي فهو مذموم

وروينا عن عمر بن الخطاب وابنه رضي الله عنهما أنهما قالا من رق وجهه رق علمه ويفسره قول بعضهم من رق وجهه عند السؤال رق علمه عند الرجال ومنه قال علي قرنت الهيبة بالخيبة وعن الأصمعي قال من لم يحمل ذل التعليم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا أسنده ابن السمعاني فيمن اسمه إبراهيم من ذيله على تاريخ بغداد ونظمه شيخنا فقال عن الأصمعي

( جاءت إلينا مقالة تجدد
بالإحسان في الناس ذكره )
( متى يحتمل ذل التعلم ساعة
وإلا ففي ذل الجهالة دهره )

واجتنب أيها الطالب كتم السماع الذي ظفرت به لشيخ معلوم أو كتم شيخ اختصصت بمعرفته عمن لم يطلع على ذلك من إخوانك الطلبة رجاء الانفراد به عن أضرابك فهو أي الكتم لؤم من فاعله يقع من جهلة الطلبة الوضعاء كثيرا ويخاف على مرتكبه عدم الانتفاع به إذ بركة الحديث إفادته ونشره نمي ويعم نفعه قال مالك بركة الحديث إفادة الناس بعضهم بعضا وقال ابن المبارك أول منفعة الحديث أن يفيد بعضكم بعضا


366

وعن الثوري أنه قال يا معشر الشباب تعجلوا بركة هذا العلم فإنكم لا تدرون لعلكم لا تبلغون ما تؤملون منه ليفد لعضكم بعضا ومعلوم أن الدين النصيحة

بل يروي كما عند الخطيب في جامعه وأبي نعيم في رياضة المتعلمين عن ابن عباس مرفوعا يا إخواني تناصحوا في العلم ولا يكتم بعضكم بعضا فإن خيانة الرجل في علمه كخيانته في ماله والله تعالى سائلكم عنه وهو عند أبي نعيم في الحلية بلفظ فإن خيانة في العلم أشد من خيانة في المال ولهذا قال الخطيب والذي نستحبه إفادة الحديث لمن لم يسمعه والدلالة على الشيوخ التنبيه على رواياتهم فإن أقل ما في ذلك النصح للطالب والحفظ للمطلوب مع ما يكتب به من جزيل الأجر وجميل الذكر

وأغرب ابن مسدي فحكى عن ابن الفضل أنه كان يختار سماع العالي لنفسه وأن أبا الربيع بن سالم كتب إلى السلفي يطلب منه أن يستجيز له بقايا ممن يروى عن أصحاب الخطيب فكتب إليه بانقراضهم قبل الستمائة وليس كذلك فآخرهم كان في سنة ثلاث عشرة وستمائة قال وهكذا رأيت نبلاء أصحابه بمصر وإسكندرية يغارون على هذا أشد الغيرة ما خلا الأسعد بن مقرب فإنه كان مفيدا وعندي في هذا توقف كبير وقد أشرت لرد ما نسبه ابن مسدي إليهما أيضا مما يشبه هذا في كتابه التسميع

وكذا اجتنب منع عارية الجزء والكتاب المسموع للقراءة فيه أو السماع والكتابة منه لا سيما حيث لم تتعدد نسخه فإنها يتأكد لقوله من كتم علما يعلمه ألجم بلجام من نار فهو شامل لهذا وهذه العارية غير الماضية في كتابه التسميع فتلك مضى الكلام فيها مع الحكاية عن كل من إسحاق بن راهويه وابن الصلاح أنه قال قد رأينا أقواما منعوا هذا السماع فو الله ما


367
أفلحوا ولا أنجحوا ونحوه قول من تأخر أيضا ولقد شاهدنا جماعة كانوا يستأثرون بالسماع ويخفون الشيوخ ويمنعون الأجزاء والكتب عن الطلبة فحرمهم الله قصدهم وذهبوا ولم ينتفعوا بشيء وكذا أقول وكيف لا وقد قال وكيع أول بركة الحديث إعارة الكتب اللهم إلا أن يكتم عمن لم يره أهلا أو يكون ممن لا يقبل الصواب إذا أرشد إليه ونحو ذلك كما فعله السلف الصالح وقد قال الخطيب
( من أواه بجهله فرط النية والإعجاب
إلى المحامات عن الخطاء والمماراة في الصواب )
( فهو بذلك الوصف مذموم مأثوم
ومحتجر الفائدة عنه غير مؤنب ولا ملوم )

وساق عن الخليل بن أحمد أنه قال لأبي عبيدة معمر بن المثنى لا تردن على معجب خطأ فيستفيد منك علما ويتخذك به عدوا وقد قيل فيما يروى عنه إن من القول عيالا هو عرضك كلامك وحديثك على من ليس من شأنه ولا يريده

وإذا أفادك أحد من رفقائك ونحوهم شيئا فأعز ذلك إليه ولا توهم الناس إنه من قبل نفسه فقد قال أبو عبد القاسم بن سلام فيما رويناه في المدخل للبيهقي و الجامع للخطيب إن من شكر العلم أن تجلس مع الرجل فتذاكره بشيء لا تعرفه ليذكره لك ثم ترويه وتقول إنه والله ما كان عندي في هذا شيء حتى سمعت فلانا يقول فيه كذا وكذا فتعلمته فإذا فعلت ذلك فقد شكرت العلم

وسأل إنسان يونس بن عبد الأعلى عن معنى قول النبي أقروا الطير


368
على مكناتها فقال إن الله يحب الحق إن الشافعي كان صاحب ذا سمعة يقول في تفسيره تعالى وذكره ولا ينافي ذلك رغبة من شاء الله من العلماء في مجرد الإرشاد بالعلم من يغر ملاحظة تفرده إليهم كالشافعي حيث قال وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولا ينسب إلي منه شيء

واكتب حيث لزمت ترك التكبر بالسند عمن لقيته ما تستفيده أي الذي يحصل لك به الفائدة من الحديث ونحوه عاليا كان سنده ونازلا عن شيخك أو رفيقك أو من دونك في الرواية أو الدارية أو السن أو فيها جميعا فالفائدة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها بل قال وكيع وسفيان إنه لا نيل المحدث حتى يكتب عمن فوقه ومثله ودونه وكان ابن المبارك يكتب عمن دونه فيقال له فيقول لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم تقع لي وهكذا كانت سيرة السلف الصالح فكم من كبير روى عن صغير كما سيأتي في بابه وأوردت في ترجمة شيخنا من روايته عن جمع من رفقائه بل وتلامذته جملة

وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال كنت أقرئ رجلا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف وكذا كان حكيم بن حزام يقرأ على معاذ بن جبل وقيل له أتقرأ على هذا الغلام الخزرجي فقال إنما أهلكت التكبر

والأصل في هذا قراءته مع عظيم منزلته على أبي بن كعب وقالوا إنما قرأ عليه مع كونه لم يستذكر منه بذلك الغرض شيئا ليتواضع الناس ولا يستكف الكبير أن يأخذ العلم عمن هو دونه مع ما فيه من ترغيب الصغير في الازدياد وإذا رأى الكبير يأخذ عنه كما يحكي أن بعضهم سمع صبيا في مجلس بعض العلماء يذكر شيئا فطلب القلم وكتبه عنه فلما فارقه قال والله


369
إني لأعلم به منه ولكن أردت أن أذيقه حلاوة رياسة العلم ليبعثه على الاستكثار

ووقف القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري على جزء من حديث أبي الفضل الخزاعي فيه حكايات مليحة مما قرأه أبو سعد السمعاني أحد تلامذته بالكوفة على الشريف عمر بن إبراهيم الحسني بإجازته من محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي فكتبه بخطه ثم أمره بإسماعه له فقال له كيف هذا يا سيدي وأنا أفتخر بالسماع منك فقال له ذاك بحالة قال أبو سعد فقرأته وسمعه القاضي مني مع جماعة وأمر بكتابة اسمه ففعلوا وكتب هو بخطه أول الجزء حدثنا أبو سعد السمعاني

ولا تأنف من تحديثك عمن دونك فقد روينا في الوصية لأبي القاسم بن مندة من طريق خارجة بن مصعب أنه قال من سمع حديث من هو دونه فلم يروه فهو مرائي لا سيما وقد فعله غير واحد وفي رواية الأكابر عن الأصاغر والآباء عن الأبناء والأقران لذلك أمثلة كثيرة

وتوسط جماعة فرووا عمن دونهم مع تغطيتهم بنوع من التدليس بحيث لا يميزهم إلا الحاذق

ولتكن الفائدة قصدك لا كثرة الشيوخ حال كونها صيتا عاطلا من الفائدة بحيث يكون كمن حكى عنه أنه كان يقول ضيع ورقة ولا تضيعن شيخا وهي الطريقة التي سلكها جل أصحابنا من طلبة شيخنا فضلا عمن دونهم فإنهم اعتنوا بالتكثير من الشيوخ بحيث يقول الواحد منهم أخذت عن ستمائة أو نحو ذلك التكثير من المسموع حتى إنه يفوت بعض الكتب الستة أصول الإسلام فضلا عن غيرها هذا مع تصريح شيخنا بأن عكسه أولى

وقد قال أبو الوليد كتبت عن قيس بن الربيع ستة آلاف حديث هي


370
أحب إلي من ستة آلاف دينار

وإليه يشير قول ابن الصلاح وليس بموفق من ضيع شيئا من وقته في الاستكثار لمجرد الكثرة وصيتها على احتمال كلامه أيضا غير هذا المهم إلا أن يكون قصد المحدث تكثير طرق الحديث وجمع أطرافه فتكثر شيوخه لذلك فهذا لا بأس به ومن هنا وصف بالإكثار من الشيوخ خلق من الحفاظ كالثوري وابن المبارك وأبي داود الطيالسي ويونس ابن محمد المؤدب ومحمد بن يونس الكديمي والبخاري وأبي عبد الله بن مندة وكالقاسم بن داود البغدادي قال كتبت عن ستة آلاف شيخ

وممن زادت شيوخه على ألف سوى هؤلاء أبو زرعة الرازي ويعقوب بن سفيان والطبراني وابن عدي وابن حبان وأبو الوليد بن بكير وأبو بكر الفتيان وأبو صالح المؤذن وأبو سعد السمان كان له ثلاثة آلاف شيخ وستمائة وابن عساكر وابن السمعاني وابن النجار وابن الحاجب والدمياطي والقطب الحلبي والبرزالي فشيوخه ثلاثة آلاف شيخ منها ألف بالإجازة وغنيق بن عبد الرحمن العمري المصري وذكر أن شيوخه نيفوا عن الألف والفخر عثمان التوزدي بلغت شيوخه نحو الألف والذهبي وابن رافع والعز أبو عمر بن جماعة ومن لا يحصى كثرة وكم في جمع طرق الحديث من فائدة أشرت لجملة منها في الباب قبله ولذا قال أبو حاتم الرازي لو لم يكتب الحديث من ستين وجها ما عقلناه وعن ابن معين مثله لكن بلفظ ثلاثين

وقال غيرهما الباب إذا لم تجمع طرقه لم يوقف على صحة الحديث ولا على سقمه إلى غير ذلك مما أسلفت شيئا منه في آواخر المعلل

ومن يقل كأبي حاتم الرازي وكذا ابن معين فيما قرأته بخط السلفي في جزء له في شرط القراءة على الشيوخ إذا كتبت قمش أي اجمع من ههنا


371
وههنا ومه قول مالك في يحيى بن سعيد قماش ولذا قال ابن حزم معناه أنه يجمع القماش وهو الكناسة أي يروي عمن لا قدر له ولا يستحق ثم إذا رويته ففتش فليس هو من ذا أي من الاستكثار العاطل ولم يبين ما المراد به وهو محتمل لأن يكون أراد ما رواه السلفي في جزئه المشار إليه قريبا عن ابن صاعد

قال قال لي إبراهيم بن أورمة الأصبهاني اكتب عن كل إنسان فإذا حدثت فأنت بالخيار ولذا قال ابن المبارك حملت عن أربعة آلاف ورويت عن ألف وصرح شيخنا في بعض من تحمل عنه من شيوخه بأنه لا يستبيح الأداء عنه

وإليه أشار الشارح بقوله وكأنه أراد كتب الفائدة ممن سمعتها ولا تؤخر ذلك حتى ينظر فيمن حدثك أهو أهل أن يؤخذ عنه أم لا فربما فات ذلك بموت الشيخ أو سفره أو سفرك فإذا كان وقت الرواية عنه أو وقت العمل بالمروي ففتش حينئذ قال وقد ترجم عليه الخطيب باب من قال بكتب عن كل أحد ويحتمل أن يكون أراد استيعاب الكتاب المسموع وترك انتخابه أو استيعاب ما عند الشيخ وقت التحمل فإذا كان وقت الرواية أو العمل نظر فيه وتأمله

ووقع في كلام ابن مهدي ما يشير إلى الاحتمالين فإنه قال لا يكون إماما من حدث عن كل من رأى ولا بكل ما سمع ويشهد للثاني النهي عن الانتخاب لقول ابن الصلاح والكتاب أو الجزء بالنصب تمم أيها الطالب سماعه وكتابته ولا تنتخبه تندم فإنه قد يحتاج بعد ذلك إلى رواية شيء منه فلا تجده فيما انتخبته منه وقد قال ابن المبارك ما انتخبت على عالم قط إلا ندمت وفي لفظ عنه ما جاء من منتق خير قط وعن ابن معين قال سيندم المنتخب في الحديث حيث لا ينفعه الندم وفي لفظ عنه صاحب الانتخاب يندم وصاحب النسخ لا يندم


372

وقال المجدد الصرخكي من الحنفية ما قرمطنا ندمنا وما انتخبنا ندمنا وما لم نقابل قدمنا وقد أشرت إليه في المقابلة وقال أبو الزناد كنا نكتب الحلال والحرام وكان الزهري يكتب كلما سمع فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس ولم يقنع الإمام أحمد بانتخاب كتب غندر كما فعل ابن المدني وغيره بل قال ما أعلم أحدا نسخ كتبه غيرنا

و لكن إن يضق حال كما أشار إليه الخطيب عن استيعابه أي الكتاب أو الجزء لعسر الشيخ أو لكونه أو الطالب واردا غير مقيم فلا يتسع الوقت له أو لضيق يد الطالب ونحو ذلك وكذا إن اتسع مسموعه بحيث يكون كتابه الكتب أو الأجزاء كاملة كالتكرار واتفق شيء منها لعارف أي بجودة الانتخاب اجتهد وأجاد في انتخابه بنفسه فقد كان الناس على ذلك أو نفق ذلك لمن قصر عن معرفة الانتخاب استعان في انتخاب ما له في غرض ذا أي صاحب حفظ ومعرفة فقد كان من الحفاظ من له أي للانتخاب لرواته المتميزين فضلا عن القاصرين يعد أي يهيء له بحيث توجه إليه ويتصدى لفعل كأبي زرعة الرازي والنسائي وإبراهيم ابن أوزمة وعبيد العجل والجعابي وعمر بن الحاجب البصري وابن المظفر والدارقطني وابن أبي الفوارس واللالكائي فإنهم كانوا ينتخبون على الشيوخ والطلبة تسمع وتكتب بانتخابهم واقتفى من بعدهم أثرهم في ذلك إلى الناظم وتلامذته كولده والصلاح الأقفهسي وشيخنا ثم طلبة كالجمال بن موسى ومستمليه وصاحبنا النجم الهاشمي وتوسعا في ذلك إلى حد لم أرتضه منهما وإن كنت سلكته والأعمال بالنيات وإلا فمتى لم يكن عارفا وتولى ذلك بنفسه أخل كما وقع لابن معين في ابتداء أمره مما حكاه عن نفسه قال رفع إلى ابن وهب عن معاوية بن صالح خمسمائة أو ستمائة حديث فانتقيت شرارها لكوني لم يكن لي بها حينئذ معرفة وقد رأيت ما يدل على أن شرط الانتخاب أن يقتصر على ما ليس عندهم وعند من ينتخب


373
لهم فذكر أبو أحمد بن عدي عن أبي العباس بن عقدة قال كنا نحضر مع الحسين بن محمد المعروف بعبيد ويقلب أيضا العجل عند الشيوخ وهو شاب فينتخب لنا فكان إذا أخذ الكتاب كلمناه فلا يجبننا حتى يفرغ فسألناه عن ذلك فقال إنه إذا مر حديث الصحابي أحتاج أتفكر في مسند ذلك الصحابي هل الحديث فيه أم لا فلو أجبتكم خشيت أن أزل فيقولون لي لم انتخبت هذا وقد حدثنا به فلان

وعلموا أي من انتخب من الأئمة في الأصل المنتخب منه ما انتخبوه لأجل تيسر معارضة ما كتبوه به أو لإمساك الشيخ أصله بيده أو للتحديث منه أو كتابة فرع آخر منه حيث فقد الأول واختلف اختبارهم كيفية في لكونه لا حجر فيه فعلموا إما خطأ بالحمرة ثم منهم من يجعله عريضا في الحاشية اليسرى كالدارقطني أو صغيرا في أول إسناد الحديث كما للالكائي أو على الصورة همزتين بحبر في الحاشية اليمنى كأبي الفضل علي بن الحسن الفلكي أو بصاد ممدودة بحبر في الحاشية أيضا كأبي الحسن علي بن أحمد النعيمي أو بطاء مهملة ممدودة كذلك كأبي محمد الخلال أو بحائين إحداهما إلى جنب الأخرى كذلك كمحمد بن طلحة النعالي أو بجيم في الحاشية اليمنى كالجماعة أو غير ذلك

ولا تكن أيها الطالب مقتصرا أن تسمعا الحديث ونحوه وكتبه بالنصب عطفا على محل أن المصدرية على نزع الخافض أي لا تقتصر على سماع الحديث وكتبه من دون فهم لما في سنده ومتنه نفعا أي نافع فيكون كما قال ابن الصلاح قد أتعبت نفسك من غير أن تظفر بطائل ولا تحصل بذلك في عداد أهل الحديث الأماثل بل لم تزد أن صرت من المتشبهين المنقوصين المتحلين بما هم منه عاطلون وما أحسن قول غيره


374
( إن الذي يروى ولكنه
يجهل ما يروى وما يكتب )
( كصخرة تنبع أمواهها
تسقي الأراضي وهي لا تشرب )

وقد قال أبو عاصم النبيل الرياسة في الحديث بلا دراية رياسة تدله قال الخطيب هي اجتماع الطلبة على الراوي للسماع عند علو سنة يعني فإن سنده لا يعلو أو يقع الحاجة غالبا إليه إلا حين تقدمه في السن قال فإذا تميز الطالب بفهم الحديث ومعرفته تعجل بركة ذلك في شبيبته

قال ولو لم يكن في الاقتصار على سماع الحديث وتخليده الصحف دون التمييز بمعرفة صحيحه من فاسده والوقوف على اختلاف وجوهه والتصرف في أنواع علومه إلا تلقيب المعتزلة القدرية من سلك تلك الطريقة بالحشرية يعني بإسكان المعجمة وفتحها فالأول على أنهم من حشر الطلبة فلا ينتفع بهم والثاني على أنهم كانوا يحشون في حاشية حلقة الحسن البصري ليوجب على الطالب الأنفة لنفسه ورفع ذلك عنه وعن أبناء جنسه انتهى

ويروى كما لأبي نعيم في تاريخ أصبهان من حديث علي بن موسى عن أبيه عن جده عن آبائه مرفوعا كونوا دراة ولا تكونوا رواة حديث تعرفون فقهه خير من ألف تردونه وأخرجه أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود رفعه أيضا بلفظ كونوا للعلم رعاة وكذا أخرجه غيره عن ابن عباس ولله در الأديب الفاضل فارس بن الحسين حيث قال فيما رويناه من طريقه

( يا طالب العلم الذي
ذهبت بمدته الرواية )
( كن في الرواية ذا العناية
بالرواية والدراية )
( وارو القليل وراعه
فالعلم ليس له نهاية )


375

وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر فيما رويناه عنه

( واظب على جمع الحديث وكتبه
واجهد على تصحيحه في كتبه )
( واسمعه من أربابه نقلا كما
سمعوه من أشياخهم تسعد به )
( واعرف ثقات رواته من غيرهم
فيما تميز صدقه من كذبه )
( فهو المفسر للكتاب وإنما
نطق النبي كتابه عن ربه )
( وتفهم الأخبار تعلم حلة
من حرمه مع فرضه من ندبه )
( وهو المبين للعباد بشرحه
سير النبي المصطفى مع صحبه )
( وتتبع العالي الصحيح فإنه
قرب إلى الرحمن تحظ بقربه )
( وتجنب التصحيف فيها فربما
أدى إلى تحريفه بل قلبه )
( واترك مقالة من لحاك بجهله
عن كتبه أو بدعة في قلبه )
( فكفى المحدث رفعة أن يرضى
ويعد من أهل الحديث وحزبه )

واقرأ أيها الطالب عند شروعك في الطلب لهذا الشأن كتابا في معرفة علوم الأثر تعرف به آداب التحمل وكيفية الأخذ والطلب ومن يؤخذ عنه وسائر مصطلح أهله ككتاب علوم الحديث للحافظ الكبير أبي عمرو ابن الصلاح الذي قال فيه مؤلفه إنه مدخل إلى هذا الشأن مفصح عن أصوله وفروعه شارح لمصنفات أهله ومقاصدهم ومهماتهم التي تنقص المحدث بالجهل بها نقصا فاحشا

قال فهو إن شاء الله جدير بأن تقدم العناية به وعليه معول كل من جاء بعده أو كذا النظم المختصر منه الملخص فيه مقاصده مع زيادة ما يستعذب كما سلف في الخطبة وعول على شرحه هذا واعتمده فلا ترى نظيره


376
في الإتقان والجمع مع التخليص والتحقيق نفع الله به وصرف عنه من لم يحفظ معناه ولم يلحظ معناه من صالح وطالح وحاسد وناصح وصبي جهول وغبي لم يدر ما يقول متفهما لما يليق بخاطرك منها ممن يكون ممارسا للفن مطبوعا فيه عاملا به وإلا تكن كخابط عشواء ركب متن عمياء

وذلك واجب لكونه طريقا إلى معرفة الصحيح والسقيم وإذا علمت كيفية الطلب وما يلتحق بذلك فليكن من أول ما ينبغي أن تستعمله شدة الحرص على السماع المسارعة إليه والملازمة للشيوخ وتبتدي بسماع الأمهات من كتب أهل الأثر والأصول الجامعة للسنن كما قال الخطيب وهي على الأبواب والمسانيد والمبوبة

وهي كثيرة متفاوتة أنفعها بالنظر لسرعة استخراج الفائدة منها فقدمها وبالصحيحين للبخاري ومسلم منها ابدان وقدم أولهما لشدة اعتنائه باستنباط الأحكام التي هي المقصد الأعظم مع تقدمه ورجحانه كما سبق في محله إلا إن دعت ضرورة كأن يكون الراوي لصحيح مسلم انفرد به ويخشى فوته ورواه البخاري فيهم كثرة كما اتفق في عصرنا للزمن عبد الرحمن الزركشي الحنبلي آخر من سمع صحيح مسلم على البياني فإنه لو حصل التشاغل عنه بصحيح البخاري الذي استمر بعده في الدرجة التي كان فيها في حياته أكثر من أربعين سنة ربما فات ولا يوجد مثله ثم أردفها بكتب السنن المراعي مصنفوها فيها الاتصال غالبا والمقدم منها كتاب أبي داود لكثرة ما اشتمل عليه من أحاديث الأحكام ثم كتاب أبي عبد الرحمن النسائي لتتمرن في كيفية المشي في العلل ثم كتاب أبي عيسى الترمذي لاعتنائه بالإشارة لما في الباب من الأحاديث وبيانه لحكم ما يورد في صحة وحسن وغيرهما و يليها كتاب السنن للحافظ الفقيه أبي بكر البيهقي فلا تحد عنه لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام بل لا تعلم كما قال ابن الصلاح في بابه مثله ولذا كان حقه التقديم على سائر كتب السنن ولكن قدمت تلك


377
لتقدم مصنفيها في الوفاة ومزيد جلالتهم ضبطا وفهما أي الضبط في سماعك لمشكلها والفهم لخفي معانيها بحيث أنك كل ما مر بك اسم مشكل أو كلمة من حديث مشكلة تبحث عنها تودعها قلبك فبذلك يجتمع لك علم كثير في زمن يسير

وكذا اعتن من الكتب المبوبة بسماع الصحاح لابن خزيمة ولم يوجد تاما ولابن حبان ولأبي عوانة بسماع الجامع المشهور بالمسند للداري و السنن لإمامنا الشافعي مع مسنده وهو على الأبواب و السنن الكبرى للنسائي ولما اشتملت عليه من الزيادات على تلك و السنن لابن ماجه وللدارقطني و بشرح معاني الآثار للطحاوي ثم ثن ب سماع ما اقتضته حاجة من كتب المسانيد كبيرها وصغيرها ك مسند الإمام أحمد وأبي داود الطيالسي وعبد بن حميد والحميدي والعدني مسدد وأبي يعلى والحارث بن أبي أسامة والأحاديث فيها أعلى منها في التي قبلها غالبا

وكذا بما تدعو الحاجة إليه من الكتب المصنفة على الأبواب أيضا لكن كثر فيها الإيراد لغير المسندة كالمرسل وشبهه مع كونها سابقة لتلك في الوضع كمصنف ابن أبي شيبة و السنن لسعيد بن منصور و الموطأ الممهد لمقتضى السنة الإمام مالك الذي قال أبو خليد بن عتبة بن حماد إنه لما عرضه على مؤلفه في أربعة أيام قال له علم جمعته في ستين سنة أخذتموه في أربعة أيام والله لا ينفعك به أبدا

وفي لفظ لا فقهتم أبدا رواه أبو نعيم في الحلية

وككتب ابن جريج وسعيد بن أبي عروبة وابن المبارك وابن عيينة وهشيم وابن واهب والوليد بن مسلم ووكيع والموطأ قال الشافعي ما قدمنا في أصح كتب الحديث ونحوه قول الخطيب إنه المقدم في هذا النوع فيجب الابتداء به قلت وإنما سماه بذلك لأنه عرضه على بضعة عشر تابعيا فلكهم واطأه على صحته ذكره ابن الطحان في تاريخ المصريين له نقلا عن


378
ابن وهب عن مالك وعن غيره مما جرب أن الحامل إذا أمسكته بيدها تضع في الحال

ثم بالمحتاج إليه من التصانيف المفردة في أبواب مخصوصة كالطهارة والزكاة والزهد والرقائق والأدب والفضائل والسير وذلك لا ينحصر كثرة وكذا من المعاجم التي على أصحابه والتي على الشيوخ والفوائد النشرية والأجزاء الحديثية والأربعينات وقدم منه الأعلى فالأعلى وذلك لما يميزه إلا النبهاء وما أكثر ما يقع فيه من الفوائد والزوائد وكل ما سميته فأكثره بحمد الله لي مسموع وما أسمعه فعندي بالسماع من كل صنف منه ما يفوق الوصف

و اعتن بما اقتضته حاجة من كتب علل كالعلل عن ابن عيينة رواية ابن المدني عنه ولأحمد وعلي بن المدني والبخاري ومسلم وابن أبي حاتم والترمذي وشرحها ابن رجب وعلل الخلال وأبي بكر الأثرم مع ضمه لذلك معرفة الرجال وأبي بشر إسماعيل بن عبد الله والدارقطني وأبي علي النيسابوري والتمييز لمسلم وخيرها لأحمد أو لابن أبي حاتم وكتابه في مجلد ضخم مرتب على الأبواب وقد شرع الحافظ ابن عبد الهادي في شرحه فاخترمته المنية بعد أن كتب منه مجلدا على سير منه

ولأبي الحسن الدارقطني وهو على المسانيد مع أنه أجمعها وليس من جمعه بل الجامع له تلميذه الحافظ أبو بكر البرقاني لأنه كان يسأله عن علل الأحاديث فيجيبه عنها بما يقيده عنه بالكتابة فلما مات الدارقطني وجد البرقائي قمطره امتلأ من صكوك تلك الأجوبة فاستخرجها وجمعها في تأليف نسبة لشيخه ذلك الحافظ أبو الوليد بن خيرة في ترجمة إسناده القاضي أبي بكر بن العربي من برنامج شيوخه قال ومثل هذا يذكر في البارع في اللغة لأبي علي البغدادي فإنه جمعه بخطه في صكوك فلما توفي أخرجه أصحابه ونسبوه إليه

على أن الحافظ أبا الفضل بن طاهر قال في فوائد الرحلة سمعت الإمام أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي يقول إن كتاب العلل الذي أخرجه


379
الدارقطني إنما استخرجه من كتاب يعقوب بن شيبة يعني الآتي ذكره واستدل له بعدم وجود مسند ابن عباس فيهما

لكن قد تعقب شيخنا رحمه الله هذا بقوله هذا الاستدلال لا يثبت المدعي ومن تأمل العلل عرف أن الذي قاله الشيخ نصر ليس على عمومه بل يحتمل أن لا يكون نظر في علل يعقوب أصلا وقال والدليل على ما قلته أنه يذكر كثيرا من الاختلاف إلى شيوخه أو شيوخه الذين لم يدركهم يعقوب ويسوق كثيرا بأسانيده قلت ولي ذلك يلازم أيضا

وقد أفرد شخنا من هذا الكتاب ماله لقب خاص كالمقلوب والمدرج والموقوف فجعل كلا منها في تصنيف مفرد وجعل العلل المجردة في تصنيف مستقل وأما أنا فشرعت في تلخيص الكتاب مع زيادات وعزوفا انتهى منه الربع يسر إلى الله إكماله

هذا كله مع عدم وقوعه هو غيره من كتب العلل لي بالسماع بل ولا بشيخي من قبل وقبلي أروي كتاب الدارقطني بسند عال عن أبي عبد الله محمد بن أحمد الخليلي عن الصدر الميدومي عن أبي عيسى بن علاق عن فاطمة ابنة سعد الخير الأنصاري قالت أنا به أبي وأنا في الخامسة أنابه أبو غالب محمد بن الحسن بن أحمد الباقلاني عن البرقاني وأبي القاسم عبد الله بن أحمد بن عثمان الصير في بسماعهما من الدارقطني

وكذا اعتن بما اقتضت حاجة من كتب التواريخ للمحدثين المشتملة على الكلام في أحوال الرواة كابن معين رواية كل من الحسن بن حبان وعباس الدروي والمفضل بن غسان الغلابي عنه وكأبي خليفة وأبي حسان الزيادي ويعقوب الفسوي وأبي بكر بن أبي خيثمة وأبي زرعة الدمشقي وحنبل بن إسحاق والسراج الذي عدا من خيرها التاريخ الكبير بالنسبة إلى أوسط وصغير للجعفي بضم الجيم نسبة لجد أبيه المغيرة لكونه كان مولى ليمان الجعفي وإلى بخارا هي إمام الصنعة البخاري


380
فإنه كما قال الخطيب يربو على هذه الكتب كلها

وقد قال أبو العباس بن سعيد بن عقدة لو أن رجلا كتب ثلاثين ألف حديث لما استغنى عن تاريخ البخاري وتواريخ مصر لابن يونس والذيل عليه وبغداد للخطيب والذيول عليه ودمشق لابن عساكر ونيسابور للحاكم والذيل عليه وأصبهان لأبي نعيم وهي من مهمات التواريخ لما يقع فيها من الأحاديث والنوادر

ومن خيرها أيضا الجرح والتعديل للرازي هو أبو الفرج عبد الرحمن ابن أبي حاتم الذي اقتفى فيه أثر البخاري كما حكاه الحاكم أبو عبد الله في ترجمة شيخه الحاكم أبي أحمد من تاريخ نيسابور أن أبا أحمد قال كنت بالري وهم متفردون على ابن أبي حاتم يعني كتابه هذا فقلت لابن عبدويه الوراق هذه ضحكة أراكم تقرأون على شيخكم كتاب التاريخ للبخاري على الوجه وقد نسبتموه إلى أبي زرعة وأبي حاتم فقال يا أبا أحمد أعلم أن أبا زرعة وأبا حاتم لما حمل إيهما تاريخ البخاري قالا هذا علم لا يستغنى عنه ولا يحسن بنا أن نذكره عن غيرنا فأقعدا عبد الرحمن يعني ابن أبي حاتم فصار يسألهما عن رجل وبعد رحل هما يجيبانه وزادا فيه ونقصا وانتهى والبلاء قديم

وكذا اعتن بما تقتضيه الحاجة من كتب المؤتلف والمختلف النوع المشهور من المحدثين الآتي في محله مع بيان التصانيف التي فيه وهي كثيرة والأكمل منها بالنسبة لمن تقدمه الإكمال للأمير الملقب بذلك بل وبالوزير سعد الملك لكون أبيه كان وزر للخليفة القائم وولي عمه قضاء القضاء وتوجه هو رسولا عن المقتدي بأمر الله إلى سمرقند وبخارى لأخذ البيعة له على ملكها واسمه علي بن هبة الله بن علي أبو نصر بن ماكولا قال ابن الصلاح على إعواز فيه كل ذلك مع الضبط والفهم كما تقدم

واحفظه أي الحديث بالتدريج قليلا قليلا مع الأيام والليالي فذلك أحرى بأن تمنع بمحفوظك وأوعى لعدم نسيانه ولا نشره في كثرة


381
كمية المحفوظ مع قلة مرات الدرس وقلة الزمان الذي هو ظرف المحفوظ

وكذا لا تأخذ نفسك بما لا طاقة لك به بل اقتصر على اليسير الذي تضبطه وتحكم حفظه واتقانه لقوله خذوا من العمل ما تطيقون ولذا قال الثوري كنت آتي الأعمش ومنصور فأسمع أربعة أحاديث خمسة ثم انصرف كراهية أن تكثر وتفلت ريوناه في الجامع للخطيب وعنده عن شعبة وابن علية ومعمر ونحوه وعن الزهري قال من طلب العلم جملة فاته جملة وإنما يدرك العلم حديث وحديثان وعنه أيضا قال إن هذا العلم إن أخذته المكاثرة له غلبك ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذا رفيقا تظفر به

ثم بعد حفظك له ذاكر به الطلبة ونحوهم فإن لم تجد من تذاكره فذاكر مع نفسك وكرره على قلبك فالمذاكرة تعينك على ثبوت المحفوظ وهي من أقوى أسباب الانتفاع به والأصل فيها معارضة جبريل مع النبي القرآن في كل رمضان ويروى عن أنس قال كنا نكون عند النبي فنسمع منه الحديث فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه

وفي حديث مرفوع إن المؤمن نساء إذا ذكر ذكر وقال علي تذاكروا هذا الحديث وإن لا تفعلوا يدرس وقال ابن مسعود تذاكروا الحديث فإن حياته مذاكرته ونحوه عن أبي سعيد الخدري وابن عباس

وقال الخليل بن أحمد ذاكر بعلمك تذكر ما عندك وتستفيد ما ليس عندك

وقال عبد الله بن المعتز من أكثر مذاكرة العلماء لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم وقال إبراهيم النخعي من سره أن يحفظ الحديث فليحدث به ولو أن يحدث به من لا يشتهيه وقيل حب التذاكر أنفع من حب البلاذر


382

وقيل أيضا حفظ سطرين خير من كتابة ورقتين وخير منهما مذاكرة اثنين

ولبعضهم

( من حاز العلم وذاكره
صلحت دنياه وآخرته )
( فأدم للعلم مذاكرة
فحياة العلم مذاكرته )

ولا تتساهلن في المذاكرة بل الإتقان بالنصب مفعول مقدم فيها وفي شأنك كله أصحبن بنون التأكيد الخفيفة فالحفظ كما قال ابن مهدي الإتقان وبادر إذا تأهلت واستعددت إلى التأليف الذي هو أعم من التخريج والتصنيف والإتقاء إذ التأليف مطلق الضم والتخريج إخراج المحدث الأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب ونحوها وسياقها من مرويات نفسه أو بعض شيوخه أو أقرانه أو نحو ذلك والكلام عليها وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين مع بيان البدل والموافقة ونحوهما مما سيأتي تعريفه

وقد ينوسع في إطلاقه على مجرد الإخراج والتصنيف والعزو وجعل كل صنف على حده والإنتقاء النقاط مما يحتاج إليه الكتب والمسانيد ونحوها مع استعمال كل منها عرفا مكان الآخر فباشتغالك بالتأليف تمهر بالجزم مع ما بعدها جوابا للشرط المنوي في الأمر في الصناعة ويقف على غوامضها وتستبين لك الخفي من فوائدها وتذكر بذلك بين العلماء والمحصلين إلى آخر الدهر ويرجى لك بالنية الصادقة الرقي إلى أوج المنافع العظيمة والدرجات العالية الجسيمة

وقد قال الخطيب كما رويناه في جامعه قل ما يتمهر في علم الحديث ويقف على غوامضه ويستبين الخفي من فوائده إلا من جمع متفرقة وألف متشتتة وضم بعضه إلى بعض واشتغل بتصنيف أبوابه وترتيب أصنافه فإن


383
ذلك الفعل مما يقوي النفس ويثبت الحفظ ويذكي القلب ويشحذ الطبع ويبسط اللسان ويجيد البنان ويكشف المشتبه ويوضح الملتبس ويكتب أيضا جميل الذكر وتخليده إلى آخر الدهر كما قال الشاعر
( يموت قوم فيحيى العلم ذكرهم
والجهل يلحق أحياء بأموات )

انتهى

ونحوه قول الحسن بن علي البصري

( العلم أفضل شيء أنت كاسيه
فكن له طالبا ما عشت مكتسبا )
( والجاهل الحي ميت حين تنسبه
والعالم الميت حي كلما نسبا )

وما أحسن قول التاج السبكي العلم وإن امتد باعه واشتد في ميادين الجدال وقاعه واشتد ساعده حتى خرق به كل سد سد بابه واحكم امتناعه فنفعه قاصر على مدة حياته ما لم يصنف كتابا يخلد بعده أو يورث علما ينقله عنه تلميذ إذا وجد الناس فقده أو تهتدي به فئة مات عنها وقد ألبسها به الرشاد برده ولعمري إن التصنيف لأرفعها مكانا لأنه أطولها زمانا وأدومها إذا مات أحيانا لذلك لا يخلو لنا وقت يمر بنا خاليا عن التصنيف ولا يخلو لنا زمان إلا وقد تقلد عقده جواهر التأليف ولا يجلو علينا الدهر ساعة فراغ إلا ويعمل فيها العلم بالترتيب والترصيف

وقال الخطيب وينبغي أن يفرغ المصنف للتصنيف قلبه ويجمع له همه ويصرف إليه شغله ويقطع به وقته وقد كان بعض شيوخنا يقول من أراد الفائدة فليكسر قلم النسخ وليأخذ قلم التخريج


384

وحدثني محمد - بن علي بن عبد الله الصوري قال رأيت أبا محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ في المنام في سنة إحدى عشرة وأربعمائة فقال لي يا عبد الله أخرج وصنف قبل أن يحال بينك وبينه هذا أما تراني قد حيل بيني وبين ذلك ثم انتبهت وساق قبل يسير عن عبد الله بن المعتز أنه قال علم الإنسان ولده المخلد وعن أبي الفتح البستي الشاعر أنه أنشد من نظمه

( يقولون ذكر المرء يبقى بنسله
وليس له ذكر إذا لم يكن نسل )
( فقلت لهم نسلي بدائع حكمتي
فمن سره نسل فأبدانا نسلوا )

ويؤيده قوله إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو ه وهوى التأليف الأعم في التصنيف في الحديث طريقتان مألوفتان بين العلماء الأولى جمعه أي التصنيف بالسند أبوابا أي على الأبواب الفقهية وغيرها وتنويعه أنواعا وجمع ما ورد في كل حكم وكل نوع إثباتا ونفيا من باب فباب بحيث يتميز ما يدخل في الجهاد مثلا عما يتعلق بالصيام وأهل هذه الطريقة منهم من يتقيد بالصحيح كالشيخين وغيرهما ومنهم من لم يتقيد بذلك كما في الكتب الستة وغيرها مما ذكر قريبا وما لا ينحصر كالاقتصار على الأحاديث المتضمنة الترغيب والترهيب

وربما لم يذكر الإسناد واقتصر على المتن فقط كالمصابيح للبغوي ثم المشكاة وزاد على الأول عزو المتون وهما نافعان في هذه الأزمان المقصر أهلها ثم من المبوبين من يقتصر على باب واحد ومسألة واحدة كما سيأتي قريبا أو جمعه مسندا أي على المسانيد تفرده صحابا أي للصحابة واحدا وإن اختلف أنواع أحاديثه وذلك كمسند الإمام أحمد وغيرها مما ذكر قريبا وكذا مما لم يذكر كمسند عبيد الله بن موسى العيسى وإسحاق بن


385
راهويه وأبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع وأبي خيثمة وأحمد بن سنان والحسن بن سفيان وأبي بكر البزار وما يوجد من مسند يعقوب بن شيبة والموجود منه كما سيأتي القليل ومسند إسماعيل القاضي ومحمد بن أيوب الرازي وليس هو بموجود الآن ونعيم بن حماد

وقال الدارقطني إنه أول من صنف مسندا وتتبعه وأسد بن موسى وهو وإن كان أكبر من نعيم سنا وأقدم سماعا فيحتمل كما قال الخطيب أن يكون تصنيف نعيم له في حداثته وتصنيف أسد بعده في كبره انتهى

ولولا أن الجامع لمسند الطيالسي غيره بحسب ما وقع له بخصوصه من حديثه لا بالنظر لجميع ما رواه الطيالسي فإنه مكثر جدا لكلاني أول مسند فإن الطيالسي متقدم على هؤلاء وهذه هي الطريقة الثانية والقصد منها كما قال ابن الأثير تدوين الحديث مطلقا ليحفظ لفظ ولتستنبط منه الحكم يعني في الجملة

وأهلها منهم من يرتب أسماء الصحابة على حروف المعجم بأن يجعل أبي بن كعب وأسامة في الهمزة كالطبراني في معجمه الكبير ثم الضياء في مختاراته التي لم تكمل ومنهم من يرتب على القبائل فيقدم بني هاشم ثم الأقرب فالأقرب إلى رسول الله في النسب

ومنهم من يرتب على السابقة في الإسلام فيقدم العشرة ثم أهل بدر ثم أهل الحديبية ثم من أسلم وهاجر بين الحديبية والفتح ثم من أسلم يوم الفتح ثم الأصاغر الأسنان كالسائب ابن يزيد وأبي الطفيل ثم بالناسء ويبدأ منهن بأمهات المؤمنين

قال الخطيب وهي أحب إلينا وكذا قال ابن الصلاح إنها أحسن


386
يعني لتقديم الأولى فالأولى واللتان قبلها أسهل تناولا منها وأسهلهما أولاهما ثم من أهلها من يجمع في ترجمة كل صحابي ما عنده من حديثه من غير نظر لصحته وغيرها وهم الأكثر ومنهم من يقتصر على الصالح للحجة كالضياء ومنهم من يقتصر على صحابي واحد كمسند أبي بكر مثلا أو مسند عمر ومنهم من تقتصر على طرف الحديث الدال على تقية وبجمع أسانيده إما مستوعبا وإما مقيدا بكتب مخصوصة شبه ما فعل أبو العباس أحمد بن ثابت الطرفي بفتح المهملة وقاف في أطراف الخمسة والمزي في أطراف الكتب الستة وشيخنا في أطراف الكتب العشرة

وطريقة المزي أنه إن كان الصحابي من المكثرين رتب حديثه على الحروف أيضا في الرواة عنه وكذا يفعل في التابعي حيث يكون من المكثرين عن ذلك الصحابي وهكذا

وقد طرف ابن طاهر أحاديث الأفراد لدارقطني وسلك ابن حبان طريقة ثالثة فرتب صحيحه على خمسة أقسام وهي الأوامر والنواهي والإخبار عما احتيج بمعرفته كبدء الوحي والإسراء وما فضل به على الأنبياء والإباحات وأفعاله التي انفرد بفعلها مما اختص به وشبهه ونوع كل قسم منها أنواعا ولعمري إنه وعمر المسلك صعب المرتقى بحيث سمعت شيخنا يقول إنه رام تقريبه فبعده وجمعه أي الحديث في الطريقين أو الطرق معللا يعني على العلل بأن يجمع في كل متن طرقه واختلاف الرواة فيه بحيث تتضح إرسال ما يكون متصلا أو وقف ما يكون مرفوعا أو غير ذلك كما قرر في بابه ففي الأبواب كما فعل أبو محمد بن أبي حاتم وهو أحسن لسهولة تناوله وفي المسانيد كما فعل الحافظ الكبير الفقيه المالكي أبو يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت ابن عصفور السدوسي البصري نزيل بغداد وتلميذ أحمد وابن المذني وابن معين المتوفى في سنة اثنتين وستين


387
ومائتين أبو علي الحسن بن محمد الماسرحسبي النيسابوري فله مسند معلل في ألف وثلاثمائة جزء

وللدارقطني طريقة ثانية في الطريقتين وهي أعلى رتبة منه أي التصنيف فيهما أو فيها بدونها فإن معرفة العلل أجل أنواع الحديث حتى قال ابن مهدي لأن أعرف علة حديث هو عندي أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثا ليس عندي

ولكن مسند يعقوب حسبما زاده الناظم ما كمل بل الذي ظهر منه كما قال الخطيب في تاريخه مسند العشرة والعباس وابن مسعود وعتبة بن غزوان وبعض الموالي وعمار واتصل الأول من عمار خاصة للذهبي وشيخنا ومؤلفه ورأيت بعض أجزاء من مسند ابن عمر

قال الذهبي وبلغني أن مسند علي منه في خمس مجلدات قال الأزهري وقيل لي إن نسخه بسند أبي هريرة منه شوهدت بمصر فكانت مائتي جزء قال وبلغني أنه كان في منزله أربعون لحافا أعدها ملن كان يبيت عنده من الوارقين الذين يبيضون المسند ولزمه على ما خرج منه عشرة آلاف دينار يعني لمن يبيضه وقال غيره إنه لو تم لكان في مائتي مجلد ولنا ستة وقال الدارقطني لو كان مسطورا على حمام لوجب أن يكتب يعني لا يحتاج إلى سماع

وبالجملة فقد قال الأزهري سمعت الشيوخ يقولون إنه لم يتمم مسند معلل ولهم طريقة أخرى في جمع الحديث وهي جمعه على حروف المعجم فيجعل حديث إنما الأعمال بالنيات في الهمزة كأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس وكذا عمل ابن طاهر في أحاديث الكامل لابن


388
عدي وسلكت ذلك في ما اشتهر على الألسنة

ومنهم من يرتب على الكلمات لكن غير متقيد بحروف مقتصرا على ألفاظ النبوة فقط كالشهاب والمشارق للصغاني وهو أحسنهما وأجمعهما لاقتصاره على الصحيح خاصة

ثم من هؤلاء من يلم بغريب الحديث وإعرابه أو أحكامه وآرائه فيه كما سيأتي بسطه في غريب الحديث

وجمعوا أيضا أبوابا من أبواب الكتب المصنفة الجامعة للأحكام وغيرها فأفردوها بالتأليف بحيث يصير ذاك الباب كتابا مفردا ككتاب التصديق بالنظر لله تعالى للآجري والإخلاص لابن أبي الدنيا والطهور لأبي عبيد ولابن أبي داود و الصلاة لأبي نعيم الفضل بن دكين والأذان والمواقيت في تصنيفين لأبي الشيخ والقراءة خلف الإمام ورفع اليدين في تصنيفين للبخاري والبسملة لابن عبد البر وغيره والقنوت لابن منده وسجدات القرآن للحزي والتهجد لابن أبي الدنيا والعيدين له والجنائز لعمر بن شاهين وذكر الموت للموندي وابن أبي الدنيا والعزاء له والمحتضرين له والزكاة ليوسف القاضي والأموال لأبي عبيد و الصيام لجعفر الفريابي وليوسف القاضي والمناسك للحزى وللطبراني وما يفوق الوصف كالقضاء باليمين مع الشاهد للدارقطني

قال ابن الصلاح وكثر من أنواع كتابنا هذا قد أفرد وأحاديثه بالجمع والتصنيف أو جمعوا شيوخا مخصوصين من الكثيرين كالإسماعيلي في حديث الأعمش والنسائي في الفضيل بن عياض والطبراني في محمد بن جحاده قال عثمان بن سعيد الدارمي يقال من لم يجمع حديث هؤلاء الخمسة فهو مفلس في الحديث الثوري وشعبة ومالك وحماد بن زيد وابن عيينة وهم أصول الدين قال ابن الصلاح وأصحاب الحديث


389
يجمعون حديث خلق كثير سواهم منهم أيوب السختياني والزهري والأوزاعي

قلت قد سرد عنهم الخطيب في جامعه جملة وهذا غير جمع الراوي شيوخ نفسه كالطبراني في معجمه الأوسط المرتب على حروف المعجم في شيوخه وكذا له المعجم الصغير لكنه تقتصر غالبا على حديث في كل شيخ أو جمعوا سوى تراجما مخصوصة كمالك عن نافع عن ابن عمر وسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أو جمعوا طرقا لحديث واحد كطرق حديث قبض العلم للطوسي ونصر المقدسي وغيرها وطرق حديث طلب العلم فريضة لبعضهم وطرق حديث من كذب علي للطبراني وغيره في مقاصد لهم في التصنيف يطول شرحها وإذا جمعت على المسانيد فميز المرفوع من الموقوف وتحرز من إدخال المراسيل لظنك صحة المرسل أو على الأبواب الذي هو أسهل مطلقا كما صرح به جماعة منهم الخطيب كما قدمته وابن الأثير وقال الكون المرء يعني غالبا قد يعرف المعنى الذي طلب الحديث لأجله دون رواية ولكفايته المؤونه في استباط ذلك الحكم المترجم به فلا يحتاج إلى تفكر فيه ومدحه وكيع لقوله إن أردت الآخرة فصنف الأبواب وقال فيه الشعبي باب من الطلاق جسيم وكان الثوري صاحب أبواب فقدم منها كما قال الخطيب الأحاديث المسندات ثم المراسيل والموقوفات ومذاهب القدماء عن مشهور الفقهاء

وقد قال إبراهيم الحزي الأبواب تبنى على أربع طبقات فطبقة المسند وطبقة الصحابة وطبقة التابعين ويقدم قوم الكبار ومنهم مثل شريح وعلقمة والأسود والشعبي وإبراهيم ومكحول والحسن وبعدهم من هو أصغر منهم وبعد هؤلاء أتباع التابعين مثل الثوري ومالك وربيعة وابن هرمز والحسن بن صالح وعبد الله بن الحسن وابن أبي


390
ليلى وابن شبرمة والأوزاعي

قال الخطيب ولا تورد من ذلطك إلا ما ثبتت عدالة رجاله واستقامت أحوال رواته يعني فإنك بصدد الاحتجاج والاستدلال المطلوب فيه الاحتياط بخلاف المسانيد ومن هنا كانت أعلى رتبة كما سبق قبيل الضعيف

قال الخطيب فإن لم يصح في الباب حديث مسند فاقتصر على إيراد الموقوف والمرسل قال وهذان النوعان أكثر ما في كتب المتقدمين إذا كانوا الكثير من المسندات مستنكرين وقد قال أبو نعيم الفضل بن دكين لمحمد ابن يحيى بن كثير سلني ولا تسألني عن الطويل ولا المسند أما الطويل فكنا لا نحفظ وأما المسند فكان الرجل إذا والى بين حديثين مسندين رفعنا إليه رؤوسنا استنكارا لما جاءه انتهى

والاقتصار في الأبواب على ما ثبتت عدالة رواته هو الأولى وبذلك صرح شيخنا فقال والأولى أن تقتصر على ما صح أو حسن فإن جمع الجميع فليبين علة الضعيف

قال ابن دقيق العيد ولتكن عنايته بالأولى فالأولى ونحن نرى أن أهمها ما يؤدي إلى معرفة صحيح الحديث قال ومن الخطأ الاشتغال بالتتمات والتكملات مع تضيع المهمات وليتحر العبارات الواضحة والاصطلاحات المستعملة ولا تقصد بشيء منه المكاثرة قال ابن الصلاح

وعليه في كل ذلك تصحيح القصد والحذر من قصد المكاثرة ونحوه وقد بلغني عن حمزة بن محمد الكتاني أنه أخرج حديثا واحدا من نحو مائتي طريق فأعجبه ذلك فرأى يحيى بن معين في منامه فذكر له ذلك فقال له أخشى أن تدخل هذا تحت ألهاكم التكاثر وقد رووا أي الأئمة من المحدثين وغيرهم كراهة الجمع والتأليف لذي تقصير عن بلوغ مرتبته لأنه إما أن يتشاغل بما سبق به أو بما غيره أولى منه أو بما لم يتأهل بعد لاجتناء ثمرته


391
واقتناص فائدة جمعه ولذا قال ابن المدني إذا رأيت المحدث أول ما يكتب الحديث يجمع حديث الغسل وحديث من كذب علي فأكتب على قفاه لا يفلح ونحوه قول الذهبي كما سيأتي في الباب الذي يليه إذا رأيت المحدث يفرح بعوالي أبي هدية ويعلى بن الأشدق وسمى غيرهما فأعلم أنه عامي بعد

ولله در القاضي أبي بكر بن العربي حيث قال ولا ينبغي لمصنف يتصدى إلى تصنيف أن يعدل عن غرضين إما أن يخترع معنى أو يبدع وضعا ومبنى وما سوى هذين الوجهين فهو تسويد الورق

والتحلي بحلية السرق وكذلك رأي الأئمة كراهة الإخراج ممن يصنف لشيء من تصنيفه إلى الناس بلا تحرير وتهذيب وتكرير لنظره فيه وتنقيب قال ابن المعتز لحظة القلب أسرع خطوة من لحظة العين وأبعد غاية وأوسع مجالا وهي الغائصة في أعماق أودية الفكر ولمتأمله لوجوه العواقب والجامعة بين ما غلب وحضر والميزان الشاهد على ما نفع وضر والقلب كالمملي للكلام على اللسان إذا نطق واليد إذا كتبت فالعاقل يكسو المعاني وشيء الكلام في قلبه ثم يبدئها بألفاظ كواش في أحسن زينة والجاهل يستعجل بإظهار المعاني قبل العناية بتزيين معارضها واستكمال محاسنها

وليعلم كما قال هلال ابن العلاء أنه يستدل على عقل المرء بعد موته بتصنيفه أو شعره أو رسالته أو كما قال الأصمعي إن الإنسان في سلامة من أفواه الناس ما لم يضع كتابا أو يقل شعرا وكما قال العتابي إن من صنف فقد استشرف للمديح والذم فإن أحسن فقد استهدف للحسد والغيبة وإن أساء فقد تعرض للشتم واستقذف بكل لسان ونحوه ما نقله القاضي أبو يعلى بن الفراء عن عبد الله بن المقفع أنه قال من صنف استهدف فإن أحسن فقد استعطفا وأن أساء فقد استقذف


392

تم بحمد الله الجزء الثاني ويليه الجزء الثالث وأوله باب أقسام العالي من السند والنازل

فهرست عناوين
متى يصح تحمل الحديث أو يستحب 3
أقسام التحمل والأخذ وأولها أي أعلاها رتبة سماع لفظ الشيخ 18
القسم الثاني من أقسام التحمل والأخذ 27
القراءة على الشيخ 27
تفريعات 37
القسم الثالث من أقسام التحمل الإجازة 62
لفظ الإجازة أي كيفيته وشرطها 105
القسم الرابع من أقسام التحمل 111
كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة وبالإجازة الماضيتين 125
القسم الخامس من أقسام التحمل المكاتبة 135
القسم السادس من أقسام أخذ الحديث وتحمله إعلام الشيخ 144
القسم السابع من أقسام أخذ الحديث وتحمله الوصية بالكتاب 148
القسم الثامن من أقسام أخذ الحديث ونقله الوجادة 151
كتابة الحديث وضبطه 158
المسألة الثانية 164
المقابلة 185
تخريج الساقط 193
التصحيح وهو كتابة صح 199
والتمريض وهو التضبيب 199
الكشط والمحو والضرب 203
الكشط والمحو والضرب 203
كيف العمل في الجمع بين اختلاف الروايات 211
الإشارة بالرمز 213
الإشارة بالرمز 213
كتابة التسميع 219
صفة رواية الحديث وأدائه سوى ما تقدم وفيه فصول 227
الفصل الأول 227
الفصل الثاني الرواية من الأصل 237
الرواية من الأصل 237
الفصل الثالث الرواية بالمعنى 241
الفصل الرابع الاقتصار في الرواية على بعض الحديث 251
الفصل الخامس 257
التسميع من الشيخ لقراءة اللحان والمصحف والحث على الأخذ من أفواه الشيوخ 257
الفصل السادس إصلاح اللحن والخطأ 264
إصلاح اللحن والخطأ 264
الفصل السابع اختلاف ألفاظ الشيوخ 276
اختلاف ألفاظ الشيوخ 276
الفصل الثامن الزيادة على الرواية في نسب الشيخ 282
الفصل التاسع الرواية من أثناء النسخ التي إسنادها واحد 285
الفصل العاشر تقديم المتن على السند 289
تقديم المتن على السند 289
الفصل الحادي عشر إذا قال الشيخ مثله أو نحوه 293
الفصل الثاني عشر إبدال الرسول بالنبي وعكسها 299
الفصل الثالث عشر وفيه مسألتان السماع على نوع من الوهن أو بإسناد قرنت فيه الرواية عن رجلين 301
السماع على نوع من الوهن أو بإسناد قرنت فيه الرواية عن رجلين 301
المسألة الثانية 302
آداب الشيخ المحدث 309
آداب طالب الحديث 352
آداب طالب الحديث 353
فهرست اشعار
( وقبلو من مسلم تحملا = في كفره كذا صبي حملا ) 3
( ثم روى بعد البلوغ ومنع = قوم هنا ورد كالمبسطين مع ) 3
( إحضار أهل العلم للصبيان ثم = قبولهم ما حدثوا بعد الحلم ) 3
( وطلب الحديث في العشرين = عند الزبيري أحب حين ) 3
( وهو الذى عليه أهل الكوفة = والعشر في البصيرة كالمألوفة ) 3
( وفي الثلاثين لأهل الشام = وينبغي تقييده بالفهم ) 3
( فكتبه بالضبط والسماع = حيث يصح وبه نزاع ) 3
( فالخمس للجمهور ثم الحجة = قصة محمود وعقل المجتمع ) 3
( وهو ابن خمسة وقيل أربعة = وليس فيه سنة ومتبعة ) 3
( بل الصواب فهمه الخطابا = مميزا ورده الجوابا ) 3
( وقيل لابن حنبل فرجل = قال لخمس عشرة التحمل ) 3
( يجوز لا في دونها فغلطة = قال إذا علقه وضبطه ) 3
( وقيل من بين الحمار والبقر = فرق سامع ومن لا فحضر ) 4
( قال به الحمال وابن المقري = سمع لابن أربع ذي ذكر ) 4
( وماذا يبتغي الشعراء مني = وقد جاوزت حد الأربعين ) 8
( آراني أنسى ما تعلمت في الكبر = ولست بناس ما تعلمت في الصغر ) 9
( ولو فلق القلب المعلم في الصبى = لألفى فيه العلم كالنقش في الحجر ) 10
( أعلى وجوه الأخذ عند المعظم = وهي ثمان لفظ شيخ فأعلم ) 18
( كتابا أو حفظا وقل حدثنا = سمعت أو أخبرنا أنبأنا ) 18
( وقدم الخطيب أن يقولا = سمعت إذ لا تقبل التأويلا ) 18
( وبعدها حدثنا حدثني = وبعد أخبرنا أخبرني ) 18
( وهو كثير ويزيد استعمله = وغير واحد لما قد حمله ) 18
( من لفظ شيخه وبعده تلا = أنبأنا نبأنا وقللا ) 18
( وقوله قال لنا ونحوها = كقوله حدثنا لكنها ) 18
( الغالب استعمالها مذاكرة = ودونها قال بلا مجاورة ) 18
( وهي على السماع إن يدر اللقى = لا سيما من عرفوه في المضى ) 18
( أن لا يقول ذا لغير ما سمع = منه كحجاج ولكن يمتنع ) 18
( عمومه عند الخطيب وقصر = ذاك على الذي بذا الوصف اشتهر ) 18
( ثم القراءة التي نعتها = معظمهم عرضا سوى قرأتها ) 27
( من حفظ أو كتاب أو سمعتا = والشيخ حافظ لما عرضتا ) 27
( أو لا ولكن أصله يمسكه = بنفسه أو ثقة ممسكة ) 27
( قلت كذا إن ثقة من سمع = يحفظه مع استماع فامتنع ) 27
( وأجمعوا أخذ بها وردوا = نقل الخلاف وبه ما اعتدوا ) 27
( والخلف فيها هل تساوى الأولا = كوفة الحجاز أهل الحرم ) 27
( عن مالك وصحبه ومعظم = أو دونه أو فوقه فنقلا ) 27
( مع البخاري هما سيان = وابن أبي ذئب مع النعمان ) 27
( قدر جحا العرض وعكسه أصح = وجل أهل الشرق نحوه جنح ) 27
( وجودا فيه قرأت أو قرئ = مع وأنا أسمع ثم عبر ) 27
( بما مضى في أول مقيدا = قراءة عليه حتى منشدا ) 27
( أنشدنا قراءة عليه لا = سمعت لكن بعضهم قد حلل ) 27
( ومطلق التحديث والإخبار = منعه أحمد ذو المقدار ) 27
( والنسائي والتميمي يحيى = وابن المبارك الحميد سعيا ) 28
( وذهب الزهري والقطان = ومالك وبعده سفيان ) 28
( ومعظم الكوفة والحجاز = مع البخاري إلى الجواز ) 28
( وابن جريج وكذا الأوزاعي = مع ابن وهب والإمام الشافعي ) 28
( ومسلم وجل أهل الشرق = قد جوزوا أخبرنا للفرق ) 28
( وقد عزاه صاحب الإنصاف = للنسائي من غير ما خلاف ) 28
( والأكثرين وهو الذى اشتهر = مصطلحا لأهله أهل الأثر ) 28
( وبعض من قال بذا أعادا = قراءة الصحيح حتى عادا ) 28
( في كل متن قائلا أخبركا = إذ كان قال أولا حدثكا ) 28
( قلت وذا رأى الذين أشرطوا = إعادة الإسناد وهو شطط ) 28
( واختلفوا إن أمسك الأصل رضى = والشيخ لا يحفظ ما قد عرضا ) 37
( فبعض نظار الأصول يبطله = وأكثر المحدثين يقبله ) 37
( واختاره الشيخ فإن لم يعتمد = ممسكه فذلك السماع رد ) 37
( واختلفوا إن سكت الشيخ ولم = يقر لفظا فرآه المعظم ) 37
( وهو الصحيح كافيا وقد منع = بعض أولى الظاهر منه وقطع ) 37
( به أبو الفتح سليم الرازي = ثم أبو إسحاق الشيرازي ) 37
( كذا أبو نصر وقال يعمل = به وألفاظ الأداء الأول ) 37
( والحاكم اختار الذى قد عهدا = عليه أكثر الشيوخ في الأدا ) 37
( حدثني في اللفظ حيث انفردا = واجمع ضميره إذا تعددا ) 37
( والعرض إن تسمع فقل أخبرنا = أو قارئا أخبرني واستحسنا ) 37
( ونحوه عن ابن وهب رؤيا = وليس بالواجب لكن رضيا ) 37
( والشك في الأخذ أكان وحده = أو مع سواه فاعتبار الوحدة ) 37
( محتمل لكن رأى القطان = الجمع فيما أوهم الإنسان ) 37
( في شيخه ما قال والوحدة قد = اختار في ذا البيهقي واعتمد ) 37
( وقال أحمد اتبع لفظا ورد = للشيخ في أدائه ولا تعد ) 37
( ومنع الإبدال فيما صنفا = الشيخ لكن حيث راو عرفا ) 38
( بأنه سوى فهذا ما جرى = في النقل بالمعنى ومع ذا فيرى ) 38
( بأن ذا فيما روى ذو الطلب = باللفظ لا ما وضعوا في الكتب ) 38
( واختلفوا في صحة السماع = من ناسخ فقال بامتناع ) 38
( الاسفراني مع الحربي = وابن عدي وعن الصبغي ) 38
( لا ترو تحديثا وأخبارا قل = حضرت والرازي هو الحنظلي ) 38
( وابن المبارك كلاهما كتب = وجوز الحمال والشيخ ذهب ) 38
( بأن خيرا منه أن يفصلا = فحيث فهم صح منه أولا ) 38
( كما جرى للدارقطني حيث عد = املاء إسماعيل عدا وسردا ) 38
( وذاك يجري في الكلام أو إذا = هينم حتى خفي البعض كذا ) 38
( إن بعد السامع ثم يحتمل = في الظاهر الكلمتان أو أقل ) 38
( وينبغي للشيخ أن يجيز مع = إسماعه جبرا النقص إن يقع ) 38
( قال ابن عتاب ولا غنى عن = إجازة عن السماع تقرن ) 38
( وسئل ابن حنبل إن حرفا = أرغمه فقال أرجوا يعفى ) 38
( لكن أبو نعيم الفضل منع = في الحرف يستفهمه فلا يسع ) 38
( إلا بأن يروي تلك الشاردة = عن مفهم ونحوه عن زائدة ) 38
( وخلف بن سالم قد قال نا = إذ فاته حدث من حدثنا ) 38
( من قول سفيان وسفيان اكتفى = بلفظ مستمل عن المملي اقتفى ) 38
( كذاك حماد بن زيد أفتى = إستفهم الذى يليك حتى ) 38
( رووا عن الأعمش كما نقعد = للنخعي فربما قد يبعد ) 38
( البعض لا يسمعه فيسأل = البعض عنه ثم كل ينقل ) 38
( وكل ذا تساهل وقولهم = يكفي من الحديث شمه فهم ) 39
( عنوا إذا أول شيء سئلا = عرفه وما عنوا تسهلا ) 39
( وإن يحدث من وراء ستر = عرفته بصوت أو ذي خبر ) 39
( صح وعن شعبة لا ترو لنا = أن بلالا وحديث أمنا ) 39
( ولا يضر سامعا أن يمنعه = الشيخ أن يروى ما قد سمعه ) 39
( كذلك التخصيص أو رجعت = ما لم يقل أخطأت أو شككت ) 39
( قل لمن لا يرى المعاصر شيئا = ويرى للأوائل التقديما ) 40
( إن ذاك القديم كان جديدا = وسيبقى هذا الجديد قديما ) 40
( ثم الإجازة تلي السماعا = ونوعت لتسعة أنواعا ) 62
( أرفعها بحيث لا مناولة = تعيينه المجاز والمجاز له ) 62
( أو بعضهم حكى اتفاقهم على = جواز ذا وذهب الباجي إلى ) 62
( نفي الخلاف مطلقا وهو غلط = قال ولا اختلاف في العمل قط ) 62
( ورده الشيخ بأن للشافعي = قولان فيها ثم بعض تابعي ) 62
( مذهبه قاضي الحسين منعا = وصاحب الحاوي به قد قطعا ) 62
( قالا كشعبة ولو جازت إذن = لبطلت رحلة طلاب السنن ) 62
( وعن أبي الشيخ مع الحربي = إبطالها كذلك للسجري ) 62
( لكن على جوازها استقرا = عملهم والأكثرين طرا ) 62
( قالوا به كذا وجوب العمل = بها وقيل لا كحكم المرسل ) 62
( والثاني أن يعين المجاز له = دون المجاز وهو أيضا قبله ) 62
( جمهورهم رواية وعملا = والخلف أقوى فيه مما قد خلا ) 62
( والثالث التعميم في المجاز = له وقد مال إلى الجواز ) 62
( مطلقا الخطيب وابن مندة = ثم أبو العلاء أيضا بعده ) 62
( وجاز للموجود عند الطبري = والشيخ للإبطال مال فاحذر ) 62
( وما يعم مع وصف حصر = كالعلما يومئذ بالثغر ) 63
( فإنه إلى الجواز أقرب = قلت عياض قال لست أحسب ) 63
( في ذا اختلافا بينهم ممن يرى = إجازة لكونه منحصرا ) 63
( والرابع الجهل بمن أجيز له = أو ما أجيز كأجزت أزفله ) 63
( بعض سماعاتي كذا إن سمى = كتابا أو شخصا وقد تسمى ) 63
( به سواه ثم لما يتضح = مراده من ذاك فهو لا يصح ) 63
( أما المسمون مع البيان = فلا يضر الجهل بالأعيان ) 63
( وينبغي الصحة إن جملهم = من غير عد وتصفح لهم ) 63
( والخامس التعليق في الإجازة = بمن يشاؤها الذي أجازه ) 63
( أو غيره معينا والأولى = أكثر جهلا وأجاز الكلا ) 63
( معا أبو يعلى الإمام الحنبلي = مع ابن عمروس وقالا ينجلي ) 63
( الجهل إذ يشاؤها والظاهر = بطلانها أفتى بذلك طاهر ) 63
( قلت وجدت ابن أبي خيثمة = أجاز كالثانية المبهمة ) 63
( وإن يقل من شاء يروي قربا = ونحوه الأزدي مجيزا كتبا ) 63
( أما أجزت لفلان إن يرد = فالأظهر الأقوى الجواز فاعتمد ) 63
( والسادس الإذن لمعدوم تبع = كقوله أجزت لفلان مع ) 63
( أولاده ونسله وعقبه = حيث أتوا أو خصص المعدوم به ) 63
( وهو أوهى وأجاز الأولا = ابن أبي داود وهو مثلا ) 63
( بالوقف لكن أبا الطيب رد = كليهما وهو الصحيح المعتمد ) 63
( كذا أبو نصر وجاز مطلقا = عند الخطيب وبه قد سبقا ) 63
( من ابن عمروس مع الفراء = وقد رأى الحكم على استواء ) 63
( في الوقف أي في صحة من تبعا = أبا حنيفة ومالكا معا ) 64
( والسابع الإذن لغير أهل = للأخذ عنه كافر أو طفل ) 64
( غير مميز وذا الأخير = رأى أبو الطيب والجمهور ) 64
( ولم أجد في كافر نقلا بلى = بحضرة المزي تترى فعلا ) 64
( ولم أجد في الحمل أيضا نقلا = وهو من المعدوم أولى فعلا ) 64
( وللخطيب لم أجد من فعله = قلت رأيت بعضهم قد سأله ) 64
( مع أبويه فأجاز ولعل = ما أصفح الأسماء فيها إذ فعل ) 64
( فينبغي البناء على ما ذكروا = هل يعلم الحمل وهذا أظهر ) 64
( والثامن الإذن بما سيحمله = الشيخ الصحيح أنا تبطله ) 64
( وبعض عصريي عياض بذله = وابن مغيث لم يجيب من سأله ) 64
( وإن يقل أجزته ما صح له = أو سيصح ذا صحيح علمه ) 64
( الدارقطني وسواه أو حذف = يصح جاز الكل حيث ما عرف ) 64
( والتاسع الإذن بما أجيزا = لشيخه فقيل لن يجوزا ) 64
( ورد والصحيح الاعتماد = عليه قد جوزه النقاد ) 64
( أبو نعيم وكذا ابن عقده = والدارقطني ونصر بعده ) 64
( والى ثلاثا بإجازة وقد = رأيت من والى بخمس يعتمد ) 64
( وينبغي تأمل الإجازة = فحيث شيخ شيخه أجازه ) 64
( بلفظ ما صح لديه لم يخط = ما صح عند شيخه منه فقط ) 64
( إني أجزت لكم عني روايتكم = لما سمعت من أشياخي وأقراني ) 70
( من بعد أن تحفظوا شرط الجواز = لها مستجمعين بها أسباب إتقان ) 71
( أرجو بذلك أن الله يذكرني = يوم النشور وإياكم بغفران ) 71
( أجزته ابن فارس قد نقله = وإنما المعروف قد أجزت له ) 105
( وإنما تستحسن الإجازة = من عالم به ومن أجازه ) 105
( طالب علم والوليد ذا ذكر = عن مالك شرطا وعن أبي عمر ) 105
( أن الصحيح أنها لا تقبل = إلا لماهر وما لا يشكل ) 105
( واللفظ إن تجز بكتب أحسن = أو دون لفظ فانو وهو أدون ) 105
( اسمع مقالة ناصح = جمع النصيحة والمقه ) 105
( إياك فاحذر أن تبيت = من الثقات على ثقة ) 105
( كتابي إليكم فافهموه فإنه = رسول إليكم والكتاب رسول ) 108
( فهذا سماعي من رجال لقيتهم = لهم ورع مع فهمهم وعقول ) 108
( فإن شئتم فارووه عني فإنما = تقولون ما قد قلته وأقول ) 108
( ألا فاحذروا التصحيف فيه فربما = تغير عن تصحيفه فيحول ) 108
( وأكره فيما قد سألتم غروركم = ولست بما عندي من العمل أبخل ) 108
( فمن يروه فليروه بصوابه = كما قاله الفراء فالصدق أجمل ) 109
( وحيث لا نية قد جوزها = ابن الصلاح باحثا أبرزها ) 109
( ثم المناولات إما تقترن = بالإذن أو لا فالتي فيها إذن ) 111
( أعلى الإجازات وأعلاها إذا = أعطاه ملكا فإعارة كذا ) 111
( أن يحضر الطالب بالكتاب له = عرضا وهذا العرض للمناولة ) 111
( والشيخ ذو معرفة فلينظره = ثم يناول الكتاب محضره ) 111
( يقول هذا من حديثي فاروه = وقد حكوا عن مالك ونحوه ) 111
( بأنها تعادل السماعا = وقد أبى المفتون إذا امتناعا ) 111
( إسحاق والثوري مع النعمان = والشافعي وأحمد الشيباني ) 111
( وابن المبارك وغيرهم رأوا = بأنها أنقص قلت قد حكموا ) 111
( إجماعهم بأنها صحيحة = معتمدا وإن تكن مرجوحة ) 111
( أما إذا ناول واسترادا = في الوقت صح والمجاز أدى ) 111
( من نسخة قد وافقت مروية = وهذه ليست لها مزية ) 111
( على الذي عين في الإجازة = عند المحققين لكن مازه ) 111
( أهل الحديث آخرا وقدما = أما إذا ما الشيخ لم ينظر ما ) 111
( أحضره الطالب لكن واعتمد = من أحضر الكتاب وهو معتمد ) 111
( صح وإلا بطل استيقانا = وإن يقل أجزته إن كانا ) 112
( ذا من حديثي فهو فعل حسن = يفيد حيث وقع التبين ) 112
( وإن خلت من إذن المناولة = قيل تصح والأصح باطلة ) 112
( واختلفوا في من روى ما نوولا = فمالك وابن شهاب جعلا ) 125
( إطلاقه حدثنا وأخبرا = يسوغ وهو لائق بمن روى ) 125
( العرض كالسماع بل أجازه = بعضهم في مطلق الإجازة ) 125
( والمرزباني وأبو نعيم = أخبر والصحيح عند القوم ) 125
( تقييده بما يبين الواقعا = إجازة تناولا هما معا ) 125
( أذن لي أطلق لي أجازني = سوغ لي أباح لي ناولني ) 125
( وإن أباح الشيخ للمجاز = إطلاقه لم يجز في الجواز ) 125
( وبعضهم أتى بلفظ موهم = شافهني كتب لي فما سلم ) 125
( وقد أتى بخبر الأوزاعي = فيها ولم يخل من النزاع ) 125
( ولفظ أن اختاره الخطابي = وهو مع الإسناد ذو اقتراب ) 125
( وبضعهم يختار في الإجازة = أنبأنا كصاحب الواجازة ) 125
( واختاره الحاكم فيما شافهه = بالإذن بعد عرضه مشافهة ) 125
( واستحسنوا للبيهقي مصطلحا = أنبأنا إجازة فصرحا ) 125
( وبعض من تأخر استعمل عن = إجازة وهي قريبة لمن ) 125
( سماعه من شيخه فيه يشك = وحرف عن بينهما فمشترك ) 126
( وفي البخاري قال لي فجعله = حيريهم للعرض والمناولة ) 126
( ثم الكتابة بخط الشيخ أو = بأذنه عنه لغائب ولو ) 135
( لحاضر فإن أجاز معها = أشبه ما ناول أو جردها ) 135
( صح على الصحيح والمشهور = قال به أيوب مع منصور ) 135
( والليث والسمعاني قد أجازه = وعده أقوى من الإجازة ) 135
( وبعضهم صحة ذاك منعا = وصاحب الحاوي به قد قطعا ) 135
( ويكتفي أن يعرف المكتوب له = خط الذى كاتبه وأبطله ) 135
( قوم للأشتياه لكن ردا = لندرة اللبس وحيث أدى ) 135
( فالليث مع منصور استجازا = أخبرنا حدثنا جوازا ) 135
( وصححوا التقييد بالكتابة = وهو الذي يليق بالنزاهة ) 135
( وهل لمن أعلمه الشيخ بما = يرويه أن يرويه فجزما ) 144
( بمنعه الطوسي وذا المختار = وعدة كابن جريج صاروا ) 144
( إلى الجواز وابن بكر نصره = وصاحب الشامل جزما ذكره ) 144
( بل زاد بعضهم بأن لو منعه = لم يمتنع كما إذا قد سمعه ) 144
( ورد كاسترعاء من يحمل = لكن إذا صح عليه العمل ) 144
( وبعضهم أجاز للموصى له = بالجزء من راو قضى أجله ) 148
( يرويه أن لسفر أراده = ورد ما لم يرد الوجاده ) 148
( ثم الوجادة وتلك مصدر = وجدته مولدا ليظهر ) 151
( تغاير المعنى وذاك أن تجد = بخط من عاصرت أو قبل عهد ) 151
( ما لم يحدثك به ولم يجز = فقل بخطه وجدت واحترز ) 151
( إن لم تثق بالخط قل وجدت = عنه أو اذكر قيل أو ظننت ) 151
( وكله منقطع والأول = قد شيب وصلا ما وقد تسهلوا ) 151
( فيه بعن قال وهذا دلسه = تقبح إن أوهم أن نفسه ) 151
( حدثه به وبعض أدى = حدثنا أخبرنا وردا ) 151
( وقيل في العمل أن المعظما = لم يره وبالوجوب جزما ) 151
( بعض المحققين وهو الأصوب = ولابن إدريس الجواز نسبوا ) 151
( وإن يكن بغير خطه فقل = قال ونحوها وإن لم يحصل ) 151
( بالنسخة الوثوق قل بلغني = والجزم يرجى حله للفطنى ) 151
( واختلف الصحاب والأتباع = في كتبه الحديث واللإجماع ) 158
( على الجواز بعدهم بالجزم = لقوله اكتبوا وكتب السهمي ) 158
( وينبغي إعجام ما يستعجم = وشكل ما يشكل لا ما يفهم ) 158
( وقيل كله لذى ابتداء = وأكدوا ملتبس الأسماء ) 158
( وليك في الأصل وفي الهامش مع = تقطيعه الحروف فهو انفع ) 158
( ويكره الخط الدقيق إلا = لضيق رق أو لرحال فلا ) 158
( وشره التعليق والمشق كما = شر القراءة إذا ما هذرما ) 158
( وينقط المهمل لا الحا أسفلا = أو كتب ذاك الحرف تحت مثلا ) 158
( أو فوقه قلامة أقوال = والبعض نقط السين صفا قالوا ) 158
( وبعضهم يخط فوق المهمل = وبعضهم كالهمز تحت يجعل ) 158
( وإن أتى برمز راو ميزا = مراده واختيرا ألا يرمزا ) 158
( وتنبغي الدارة فصلا وارتضى = إغفالها الخطب حتى يعرضا ) 158
( وكرهوا فصل مصاف اسم الله = منه بسطر إن يناف ما تلاه ) 158
( واكتب ثناء الله والتسليما = مع الصلاة للنبي تعظيما ) 158
( وإن يكن أسقط في الأصل وقد = خولف في سقط الصلاة أحمد ) 158
( وعله قيد بالرواية = مع نطقه كما رووا حكاية ) 159
( والعنبري وابن المديني بيضا = لها لإعجال وعادا عوضا ) 159
( وأجتنب الرمز لها والحذفا = منها صلاة أو سلاما تكفى ) 159
( ليس بعلم ما حوى القمطر = ما العلم إلا ما حواه الصدر ) 163
( استودع العلم قرطاسا فضيعه = وبئس مستودع العلم القراطيس 164
( يا أفضل الناس أفضالا على الناس = وأكثر الناس إحسانا إلى الناس ) 166
( نسيت وعدك والنسيان معتضر = فاعذر فأول ناس أول الناس ) 166
( اعذر أخاك على رداءة خطه = واغفر رداءته لجودة ضبطه ) 172
( والخط ليس يراد من تعظيمه = ونظامه إلا إقامة سمعه ) 172
( فإذا أبان عن المعاني خطه = كانت ملاحته زيادة شرطه ) 172
( ثم عليه العرض بالأصل ولو = إجازة أو أصل أصل الشيخ أو ) 185
( فرع مقابل وخير العرض مع = أستاذه بنفسه إذ يسمع ) 185
( وقيل بل مع نفسه واشترطا = بعضهم هذا وفيه غلطا ) 185
( ولينظر السامع حين يطلب = في نسخة وقال يحيى يجب ) 185
( وجوز الأستاذ أن يروي من = غير مقابل وللخطيب إن ) 185
( بين والنسخ من أصل وليزد = صحة نقل ناسخ فالشيخ قد ) 185
( شرطه ثم اعتبر ما ذكرا = في أصل الأصل لا تكن مهورا ) 185
( ويكتب الساقط وهو اللحق = حاشية إلى اليمين يلحق ) 193
( ما لم يكن آخر سطر وليكن = لفوق والسطور أعلى فحسن ) 193
( وخرجن للسقط من حيث سقط = منعطفا له وقيل صل بخط ) 193
( وبعده اكتب صح أو زد رجعا = أو كرر الكلمة لم تسقط معا ) 193
( وطفيه ليس ولغير الأصل = خرج بوسط كلمة المحل ) 193
( ولعياض لا تخرج ضبب = أو صححن لخوف ليس وأبي ) 193
( من طلب العلم والحديث فلا = يضجر من خمسة يقاسيها ) 197
( دراهم للعلوم يجمعا = وعند نشر الحديث يفنيها ) 197
( يضجره الضرب في دفاتره = وكثرة اللحق في حواشيها ) 197
( يغسل أثوابه وبزته = من أثر الحبر ليس ينقيها ) 197
( خير ما يقتني اللبيب كتاب = محكم النقل متقن التقييد ) 197
( خطه عارف نبيل وعانها = فصح التبييض بالتسويد ) 198
( لم يخنه إتقان نقط وشكل = لا ولا عابه لحاق المزيد ) 198
( وكأن التخريج في طرنيه = طرر صفقت ببيض الخدود ) 198
( فيناجيك شخصه من قريب = ويناديك نصه من بعيد ) 198
( فامتحنه تجده خير جليس = واختبره تجده أنس المريد ) 198
( وكتبوا صح على المعرض = للشك إن نقلا ومعنى ارتضى ) 199
( ومرضوا فضببوا صادا تمد = فوق الذي صح ورودا وفسد ) 199
( وضببوا في القطع والإرسال = وبعضهم في الأعصر الخوالي ) 199
( يكتب صادا عند عطف الأسما = توهم تضبيبا كذلك إذ ما ) 199
( يختصر التصحيح بعض يوهم = وإنما يميزه من يفهم ) 199
( وما يزيد في الكتاب يبعد = كشطا ومحوا وبضرب أجود ) 203
( وصله بالحروف خطا أو لا = مع عطفه أو كتب لا ثم إلى ) 203
( أو نصف داره وإلا صفرا = في كل جانب وعلم سطرا ) 203
( فأبق ما أول سطر ثم ما = آخر سطر ثم ما تقدما ) 203
( أو استجد قولان ما لم يضف = أو يوصف نحوهما فألف ) 203
( إنما الزعفران عطر العذارى = ومداد الدوي عطر الرجال ) 204
( مداد الفقيه على ثوبه = أحب إلينا من الغالية ) 204
( ومن طلب الفقه ثم الحديث = فإن له همة عالية ) 204
( ولو اشتري الناس هذا العلوم = بأرواحهم لم تكن غالية ) 204
( رواة الأحاديث في عصرنا = نجوم وفي العصر الخالية ) 204
( حدثك في الكشط دليل على = أنك في الخط كثير الغلط ) 205
( وأرى رشوما في كتابك لم تدع = شكا لمرتاب ولا لمفكر ) 210
( نقط وأشكال تلوح كأنها = ندب الخدوش تلوح بين الأسطر ) 210
( تنبيك عن رفع الكلام وحفظه = والنصب فيه لحاله والمصدر ) 210
( وتريك ما تعيا به فتعيده = كقرينة ومقدما كمؤخر ) 210
( وليبن أولا على رواية = كتابه ويحسن العناية ) 211
( بغيرها بكتب راو سميا = أو رمز أو بكتبها معتنيا ) 211
( بحمرة وحيث زاد الأصل = حوقه بحمره ويجلو ) 211
( واختصروا في كتبهم حدثنا = على ثنا أو نا وقيل وثنا ) 213
( واختصروا أخبرنا على أنا = أو أرنا والبيهقي أبنا ) 213
( قلت ورمز قال إسنادا يرد = قافا وقال الشيخ حذفها عهد ) 213
( خطا ولا بد من النطق كذا = قيل له وينبغي النطق بذا ) 213
( وكتبوا عند انتقال من سند = لغيره ح وانطقن بها وقد ) 213
( رأى الرهاوي بأن لا تقرأ = وأنها من حائل وقد رأى ) 213
( بعض أولى الغرب بأن يقولا = مكانها الحديث قط وقيلا ) 213
( بل حاء تحويل وقال كتب = مكانها صح فحا منها انتخب ) 213
( ويكتب اسم الشيخ بعد البسملة = والسامعين قبلها مكمله ) 219
( مؤرخا أو جنبها بالطره = أو آخر الجزء وإلا ظهره ) 219
( بخط موثوق بخط عرفا = ولو بخطه لنفسه كفى ) 219
( إن حضر الكل وإلا استملى = من ثقة صحح شيخ أم لا ) 219
( وليعر المسمى به إن يستعر = وإن يكن بخط مالك سطر ) 219
( فقد رأى حفص وإسماعيل = كذا الزبيري فرضها إذ سيلوا ) 219
( إذ خطه على الرضا به دل = كما على الشاهد ما تحمل ) 219
( وليحذر المعار تطويلا وأن = يثبت قبل عرضه ما لم يبن ) 219
( وليرو من كتابه وإن عري = من حفظه فجائز لأكثر ) 227
( وعن أبي حنيفة المنع كذا = عن مالك والصيدلاني وإذا ) 227
( رأى سماعه ولم يذكر فعن = نعمان المنع وقال ابن الحسن ) 227
( مع أبي يوسف ثم الشافعي = والأكثرين بالجواز الواسع ) 227
( وإن يغب وغلبت سلامته = جازت لدى جمهورهم روايته ) 227
( كذلك الضرير والأمي = لا يحفظان يضبط بمرضي ) 227
( ما سمعنا والخلف في الضرير = أقوى وأولى منه في البصير ) 227
( وصوب الشيخ لقول الأكثر = وهو الصواب ليس فيه نمتري ) 230
( وليرو من أصل أو المقابل = به ولا يجوز بالتساهل ) 237
( مما به اسم شيخه أو أخذا = عنه لدى الجمهور وأجاز ذا ) 237
( أيوب والبرسان قد أجازه = ورخص الشيخ مع الإجازة ) 237
( وإن يخالف حفظه كتابه = وليس منه فرأوا صوابه ) 237
( الحفظ مع تيقن والأحسن = الجمع كالخلاف ممن يتقن ) 237
( وليرو بالألفاظ من لا يعلم = مدلولها وغيره فالمعظم ) 241
( أجاز بالمعنى وقيل لا الخبر = والشيخ في التصنيف قطعا قد حظر ) 241
( وليقل الراوي بمعنى أو كما = قال ونحوه كشك أبهما ) 241
( وحذف بعض المتن فامنع أو أجز = أو إن أتم أو لعالم ومز ) 251
( ذا بالصحيح إن يكن ما اختصره = منفصلا عن الذي قد ذكره ) 251
( وما لذي من تهمة أن يفعله = فإن أبي فجاز أن لا يكمله ) 251
( أما إذا قطع في الأبواب = فهو إلى الجواز ذو اقتراب ) 251
( وليحذر اللحان والمصحفا = على حديثه بأن يحرفا ) 257
( فيدخلا في قوله من كذبا = فحق النحو على من طلبا ) 257
( والأخذ من أفواههم لا الكتب = أدفع للتصحيف فاسمع وادأب ) 257
( هو في الفقه فاضل لا يجاري = وأديب من جملة الأدباء ) 262
( لا إلى هؤلاء إن طلبوا = وجدوه ولا إلى هؤلاء ) 262
( وإن أتى في الأصل لحن أو خطأ = فقيل يروي كيف جاء غلطا ) 264
( ومذهب المحصلين يصلح = ويقرأ الصواب وهو الأرجح ) 264
( في اللحن لا يختلف المعنى به = وصوبوا الإبقاء مع تضبيبه ) 264
( ويذكر الصواب جانبا كذا = عن أكثر الشيوخ نقلا أخذا ) 264
( والبدو بالصواب أولى وأشد = وأصلح الإصلاح من متن ورد ) 264
( فليأت في الأصل بما لا يكثر = كابن وحرف حيث لا يغير ) 264
( والسقط يدري أن من فوق أتى = به يزاد بعد يعني متبتا ) 264
( وصححوا استدراك ما درس في = كتابه من غيره أن يعرف ) 264
( صحته من بعض متن أو سند = كما إذا ثبته من يعتمد ) 264
( وحسنوا البيهان كالمستشكل = كلمته في أصله فليسأل ) 264
( وحيث أكثر من شيخ سمع = متنا بمعنى لا بلفظ فقنع ) 276
( بلفظ واحد وسمى الكل صح = عند مجيزي النقل معنى ورجح ) 276
( بيانه مع قال أو مع قالا = وما ببعض ذا وذا وقالا ) 276
( اقتربا في اللفظ أو لم يقل = صح لهم والكتب إن تقابل ) 276
( بأصل شيخ من شيوخه فهل = يسمى الجميع مع بيانه احتمل ) 276
( والشيخ إن يأت ببعض نسب = من فوقه فلا تزد واجتنب ) 282
( إلا بفضل نحو هو أو يعني = وجيء بأن وانسبن المعنى ) 282
( أما إذا الشيخ أتم النسبا = في أول الجزء فقط فذهبا ) 282
( الأكثرون لجواز أن يتم = ما بعده والفصل أولى وأتم ) 282
( والنسخ التي بإسناد قط = تجديده في كل متن أحوط ) 285
( والأغلب البدء ويذكر = ما بعده مع وبه الأكثر ) 285
( جوز أن يفرد بعضا بالسند = لأخذ كذا والإفصاح أسد ) 285
( ومن يعيد سنده الكتاب مع = آخره احتاط وخلفا ما رفع ) 285
( وسبق متن لو ببعض سند = لا يمنع الوصل ولا أن يبتدى ) 289
( راو هكذا بسند فمتجه = وقال خلف النقل معنى يتجه ) 289
( في ذا كبعض المتن قدمته على = بعض ففيه ذا الخلاف نقلا ) 289
( وقوله مع حذف متن مثله = أو نحوه يريد متنا قبله ) 293
( فالأظهر المنع من أن يكمله = بسند الثاني وقيل بل له ) 293
( إن عرف الراوي بالتحفظ = والضبط والتمييز للتلفظ ) 293
( والمنع في نحو فقط قد حكيا = وذا على النقل بمعنى بنيا ) 293
( وأختيرا أن يقول مثل متن = قبل ومتنه كذا ويبني ) 293
( وقوله إذ بعض متن لم يسق = وذكر الحديث فالمنع أحق ) 293
( وقيل إن يعرف كلاهما الخبر = يرجى الجواز والبيان المعتبرا ) 293
( وقال إن يجز فبالإجازة = لما طوى واغتفروا إفرازه ) 293
( وإن رسول بنبي أبدلا = فالظاهر المنع كعكس فعلا ) 299
( وقد رجى جوازه ابن حنبل = والنووي صوبه وهو جلي ) 299
( ثم على السامع بالمذاكرة = بيانه كنوع وهن خامره ) 301
( والمتن على شخصين واحد جرح = لا يحسن الحذف له لكن يصح ) 301
( ومسلم عنه كنى فلم يوف = والحذف حيث وثقا فهو أخف ) 301
( وإن يكن عن كل راو قطعه = أجز بلا ميز بخلط جمعه ) 301
( مع البيان كحديث الإفك = وجرح بعض مقتض للترك ) 301
( وحذف واحد من الإسناد = في الصورتين أمنع للازدياد ) 301
( وصحح النية في التحديث = وأحرص على نشرك للحديث ) 309
( ثم توضأ واغتسل واستعمل = طيبا وتسريحا وزير المعتلى ) 309
( صونا على الحديث واجلس بأدب = وهيبة بصدر مجلس وهب ) 309
( لم يخلص النية طالب فعم = ولا تحدث عجلا أو إن تقم ) 309
( أو في الطريق ثم حيث احتج لك = في شيء أروه وابن خلاد سلك ) 309
( بأنه يحسن للخمسينا = عاما ولا بأس لأربعيناه ) 309
( ورد والشيخ بغير البارع = خصص لا كمالك والشافعي ) 309
( وينبغي الإمساك إذ يخشى الهرم = وبالثمانين ابن خلاد جزم ) 309
( فإن يكن ثابت عقل لم يبل = كأنس ومالك ومن فعل ) 309
( والبغوي والهجيمي وفئه = كالطبري حدثوا بعد المائة ) 309
( وينبغي إمساك الأعمى أن يخفف = وإن من سيل يجزء قد عرف ) 309
( رجحان راو فيه دل فهو حق = وترك تحديث بحضرة الأحق ) 309
( وبعضهم كره الأخذ عنه = ببلد وفيه أولى منه ) 309
( ولا تقم لأحد وأقبل = عليهم وللحديث رتل ) 309
( وأحمد وصل مع سلام ودعا = في بدء مجلس وختمه معا ) 309
( واعقد للإملاء مجلسا فذاك من = أرفع الإسماع والأخذ ثم إن ) 310
( تكثر جموع فاتخذ مستمليا = محصلا ذا يقظة مستويا ) 310
( بعال أو فقائما يتبع ما = يسمعه مبلغا أو مفهما ) 310
( واستحسنوا البدء بقارئ تلا = وبعد استنصت ثم بسملا ) 310
( فالحمد فالصلاة ثم أقبل = يقول من أو ما ذكرت وأبتهل ) 310
( له وصلى وترضى رافعا = والشيخ ترجم الشيوخ ودعى ) 310
( وذكر معروف بشيء من لقب = كغندر أو وصف نقص أو نسب ) 310
( لأمه فجائز ما لم يكن = يكرهه كابن علية فصن ) 310
( وارو في الإملا عن شيوخ قدم = أولادهم وأنتقه وأفهم ) 310
( ما فيه من فائدة ولا تزد = عن كل شيخ فوق متن واعتمد ) 310
( عالي إسناد قصير متن = واجتنب المشكل خوف الفتن ) 310
( واستحسن الإنشاد في الأواخر = بعد الحكايات مع النوادر ) 310
( وإن يخرج للرواة متقن = مجالس الإملاء فهو حسن ) 310
( وليس الإملاء حين يكمل = غنى عن العرض لزيغ يحصل ) 310
( أرث لرومية توسطها خنزير = وأبك لعلم حواه شرير ) 318
( لكل ثوب لابس = ولكل علم قابس ) 318
( إني وجدت الموت قبل ذوقه = إن الجبان حتفه من فوقه ) 324
( كل إمرئ مجاهد بطوقه = كالثور يحمي جسمه بروقه ) 324
( العلم من شرطه لمن خدمه = أن يجعل الناس كلهم خدمة ) 330
( واجب صونه عليه كما = يصون في الناس عرضه ودمه ) 330
( واظب على كتب الأمالي جاهدا = من ألسن الحفاظ والفضلا ) 333
( فأجل أنواع العلوم بأسرها = ما يكتب الإنسان في الإملا ) 333
( وظيفتنا مائة للغريب = في كل يوم سوى ما يعاد ) 347
( شريكية أو هشيمية = أحاديث فقه قصار جياد ) 347
( من غاب خاب = وأكل نصيبه الأصحاب ) 351
( خل عنا فإنما أنت فينا = وأود عمرو وكالحديث المعاد ) 351
( ولا يردون الماء إلا عشية = إذا صدر الوارد الوارد عن كل منهل ) 351
( وأخلص النية في طلبكا = وجد وابدأ بعوالي مصركا ) 352
( وما يهم ثم شد الرحلا = لغيره ولا تساهل حملا ) 352
( واعمل بما تسمع في الفضائل = والشيخ بجله ولا تثاقل ) 352
( عليه تطويلا بحيث يضجر = ولا تكن يمنعك التكبر ) 352
( أو الحياء عن طلب واجتنب = كتم السماع فهو لؤم وأكتب ) 352
( ما تستفيد عاليا ونازلا = لا كثرة الشيوخ صيتا عاطلا ) 352
( ومن يقل إذا كتبت قمش = ثم إذا رويته ففتش ) 352
( فليس من ذا والكتاب تمم = سماعه لا تنتخبه تندم ) 352
( وإن يضق حال عن استيعابه = لعارف أجاد في انتخابه ) 352
( أو قصر استعان ذا حفظ فقد = كان من الحفاظ من له يعد ) 352
( وعلموا في الأصل إما خطا = أو همزتين أو بصاد أو طا ) 352
( ولا تكن مقتصرا أن تسمعا = وكتبه من دون فهم نفعا ) 352
( واقرأ كتابا في علوم الأثر = كابن الصلاح أو كذا المختصر ) 352
( وبالصحيحين إبدأن ثم السنن = والبيهقي ضبطا وفهما ثم ثن ) 352
( بما اقتضته حاجة من مسند = أحمد والموطأ الممهد ) 352
( وعلل وخيرها لأحمد = الدارقطني والتواريخ عدا ) 353
( من خيرها الكبير للجعفي = والجرح والتعديل للرازي ) 353
( وكتب المؤتلف المشهور = والأكمل والإكمال للأمير ) 353
( واحفظه بالتدريج ثم ذاكر = به والاتقان اصحبن وبادر ) 353
( إذا تأهلت إلى التأليف = تمهر وتذكر وهو في التصنيف ) 353
( طريقتان جمعه أبوابا = أو مسندا تفرده صحابا ) 353
( وجمعه معللا كما فعل = يعقوب أعلى رتبة وما كمل ) 353
( وجمعوا أبوابا أو شيوخا أو = تراجما أو طرقا وقد رأوا ) 353
( كراهة الجمع لذي تقصير = كذاك الإخراج بلا تحرير ) 353
( اعمل بما تسمع عن خبر الورى = بادر إليه لا تكن مقتصرا ) 361
( إن لم تطق كلا فبالبعض عملا = ولا بربع العشر لا محتقرا ) 361
( وذاك في فضائل فواجب = لا تتركنه تلق حظا أخسرا ) 361
( يدع الجواب فلا يراجع هيبة = والسائلون نواكس الأذقان ) 363
( نور الوقار وعز سلطان التقى = فهو المهيب وليس ذا سلطان ) 363
( أغثت الشيخ بالسؤال تجده = سلسا يلتقيك بالراحتين ) 364
( وإذا لم تصح صياح الثكالى = رجعت عنه وأنت صفر اليدين ) 364
( جاءت إلينا مقالة تجدد = بالإحسان في الناس ذكره ) 365
( متى يحتمل ذل التعلم ساعة = وإلا ففي ذل الجهالة دهره ) 365
( من أواه بجهله فرط النية والإعجاب = إلى المحامات عن الخطاء والمماراة في الصواب ) 367
( فهو بذلك الوصف مذموم مأثوم = ومحتجر الفائدة عنه غير مؤنب ولا ملوم ) 367
( إن الذي يروى ولكنه = يجهل ما يروى وما يكتب ) 374
( كصخرة تنبع أمواهها = تسقي الأراضي وهي لا تشرب ) 374
( يا طالب العلم الذي = ذهبت بمدته الرواية ) 374
( كن في الرواية ذا العناية = بالرواية والدراية ) 374
( وارو القليل وراعه = فالعلم ليس له نهاية ) 374
( واظب على جمع الحديث وكتبه = واجهد على تصحيحه في كتبه ) 375
( واسمعه من أربابه نقلا كما = سمعوه من أشياخهم تسعد به ) 375
( واعرف ثقات رواته من غيرهم = فيما تميز صدقه من كذبه ) 375
( فهو المفسر للكتاب وإنما = نطق النبي كتابه عن ربه ) 375
( وتفهم الأخبار تعلم حلة = من حرمه مع فرضه من ندبه ) 375
( وهو المبين للعباد بشرحه = سير النبي المصطفى مع صحبه ) 375
( وتتبع العالي الصحيح فإنه = قرب إلى الرحمن تحظ بقربه ) 375
( وتجنب التصحيف فيها فربما = أدى إلى تحريفه بل قلبه ) 375
( واترك مقالة من لحاك بجهله = عن كتبه أو بدعة في قلبه ) 375
( فكفى المحدث رفعة أن يرضى = ويعد من أهل الحديث وحزبه ) 375
( من حاز العلم وذاكره = صلحت دنياه وآخرته ) 382
( فأدم للعلم مذاكرة = فحياة العلم مذاكرته ) 382
( يموت قوم فيحيى العلم ذكرهم = والجهل يلحق أحياء بأموات ) 383
( العلم أفضل شيء أنت كاسيه = فكن له طالبا ما عشت مكتسبا ) 383
( والجاهل الحي ميت حين تنسبه = والعالم الميت حي كلما نسبا ) 383
( يقولون ذكر المرء يبقى بنسله = وليس له ذكر إذا لم يكن نسل ) 384
( فقلت لهم نسلي بدائع حكمتي = فمن سره نسل فأبدانا نسلوا ) 384