فهرست عناوين فهرست اشعار
توحيد الالوهيه

مولف:ابن تيميه ، احمد بن عبد الحليم ، 661 - 728ق.


5

وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه ( فصل (

تقرب العبد الى الله فى مثل قوله ( واسجد واقترب ( وقوله ( اتقوا الله وابتغوا اليه الوسيلة ( وقوله ( أولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة ( وقوله ( فأما ان كان من المقربين (

وقول النبى ( ( فيما يروى عن ربه من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا الحديث وقوله ما تقرب الى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه الحديث وكذلك ( القربان ( كقوله ( اذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ( وقوله ( حتى يأتينا بقربان تأكله النار ( ونحو ذلك لا ريب أنه بعلوم وأعمال يفعلها العبد وفى ذلك حركة منه وانتقال من حال الى حال


6

ثم لا يخلو مع ذلك اما أن روحه وذاته تتحرك أو لا تتحرك واذا تحركت فاما أن تكون حركتها الى ذات الله او الى شىء آخر واذا كانت الى ذات الله بقى النظر فى قرب الله اليه ودنوه واتيانه ومجيئه اما جزاء على قرب العبد واما ابتداء كنزوله الى سماء الدنيا

( فالأول ( قول ( المتفلسفة ( الذين يقولون ان الروح لا داخل البدن ولا خارجه وانها لا توصف بالحركة ولا بالسكون وقد تبعهم على ذلك قوم ممن ينتسب الى الملة

فهؤلاء عندهم قرب العبد ودنوه ازالة النقائص والعيوب عن نفسه وتكميلها بالصفات الحسنة الكريمة حتى تبقى مقاربة للرب مشابهة له من جهة المعنى ويقولون الفلسفة التشبه بالاله على قدر الطاقة فأما حركة الروح فممتنعة عندهم

وكذلك يقولون فى قرب الملائكة والذى أثبتوه من تزكية النفس عن العيوب وتكميلها بالمحاسن حق فى نفسه لكن نفيهم ما زاد على ذلك خطأ لكنهم يعترفون بحركة جسمه الى المواضع التى تظهر فيها آثار الرب كالمساجد والسماوات والعارفين

وعند هؤلاء معراج النبى ( ( انما هو انكشاف حقائق الكون له كما فسره بذلك ابن سينا ومن اتبعه كعين القضاة وابن الخطيب فى المطالب العالية


7

( الثانى ( قول المتكلمة الذين يقولون ان الله ليس فوق العرش وأن نسبة العرش والكرسى اليه سواء وانه لا داخل العالم ولا خارجه لكن يثبتون حركة العبد والملائكة فيقولون قرب العبد الى الله حركة ذاته الى الأماكن المشرفة عند الله وهى السموات وحملة العرش والجنة وبذلك يفسرون معراج النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ويتفق هؤلاء والذين قبلهم فى حركة بدن العبد الى الأماكن المشرفة كثبوت العبادات وانما النزاع فى حركة نفسه

ويسلم الأولون حركة النفس بمعنى تحولها من حال الى حال لا بمعنى الانتقال من موضع الى موضع واتفاقهم على حركة الجسم وحركة الروح ايضا عند الآخرين الى كل مكان تظهر فيه معرفة الله كالسموات والمساجد وأولياء الله ومواضع اسماء الله واياته فهو حركة الى

( الثالث ( قول ( أهل السنة والجماعة ( الذين يثبتون ان الله على العرش وأن حملة العرش اقرب اليه ممن دونهم وان ملائكة السماء العليا أقرب الى الله من ملائكة السماء الثانية وان النبى ( ( لما عرج به الى السماء صار يزداد قربا الى ربه بعروجه وصعوده وكان عروجه الى الله لا الى مجرد خلق من خلقه وان روح المصلى تقرب الى الله فى السجود وان كان بدنه متواضعا وهذا هو الذى دلت عليه نصوص الكتاب


8

ثم ( قرب الرب من عبده ( هل هو من لوازم هذا القرب كما أن المتقرب الى الشىء الساكن كالبيت المحجوج والجدار والجبل كلما قربت منه قرب منك أو هو قرب آخر يفعله الرب كما انك اذا قربت الى الشىء المتحرك اليك تحرك أيضا اليك فمنك فعل ومنه فعل آخر هذا فيه قولان لأهل السنة مبنيان على ما تقدم من ( قاعدة الصفات الفعلية ( كمسألة النزول وغيرها وقد تقدم الكلام فى ذلك

وعلى هذا فما روى من قرب الرب الى خواص عباده وتجليه لقلوبهم كما فى ( الزهد لأحمد ( ان موسى قال يا رب أين أجدك قال عند المنكسرة قلوبهم من أجلى اقترب اليها كل يوم شبرا ولولا ذلك لاحترقت هذا القرب عند المتفلسفة والجهمية هو مجرد ظهوره وتجليه لقلب العبد فهو قرب المثال

ثم المتفلسفة لا تثبت حركة الروح والجهمية تسلم جواز حركة الروح الى مكان عال واما أهل السنة فعندهم مع التجلى والظهور تقرب ذات العبد الى ذات ربه وفى جواز دنو ذات الله القولان وقد بسطت هذا فى غير هذا الموضع

وعلى مذهب ( النفاة ( من المتكلمة لا يكون اتيان الرب ومجيئه ونزوله الا تجليه وظهوره لعبده اذا ارتفعت الحجب المتصلة بالعبد المانعة من المشاهدة الباطنة او الظاهرة بمنزلة الذى كان اعمى أو اعمش فزال عماه فراى الشمس


9

والقمر فيقول جاءنى الشمس والقمر وهذا قول ( النفاة ( من المتفلسفة والمعتزلة والاشعرية لكن الاشعرية يثبتون من الرؤية ما لا يثبته المعتزلة ومنهم من يوافقهم فى المعنى الذى قصدوه

واما على مذهب ( أهل السنة والجماعة ( من السلف واهل الحديث واهل المعرفة ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية والعامة واهل الكلام ايضا فان نزوله واتيانه ومجيئه قد يكون بحركة من العبد وقرب منه ودنو اليه وهو قدر زائد على انكشاف بصيرة العبد فان هذا علم وعندهم يكون ذلك بعلم من العبد وبعمل منه فهو كشف

وعمل ولا ينكر الاشعرية ونحوهم من اهل الكلام ان يكون من العبد حركة فان ذلك ممكن وانما قد ينكرون حركته الى الله كما تقدم وقد شبه بعضهم مجىء الله بقوله ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ( اى الموقن به من الموت وما بعده

قلت هذا مثل قوله ( فاذا جاءت الطامة الكبرى ( وقوله ( فاذا جاءت الصاخة ( وقوله ( فقد جاء اشراطها ( وجعل فى ذلك هو ظهوره وتجليه

قلت وليس هو مجرد ظهوره وتجليه وان كان متضمنا لذلك بل هو متضمن لحركة العبد اليه ثم ان كان ساكنا كان مجيئه من لوازم مجىء العبد اليه وان كان فيه حركة كان مجيئه بنفسه ايضا وان كان العبد ذاهبا اليه وهكذا


10

مجىء اليقين ومجىء الساعة

وفي جانب الربوبية يكون بكشف حجب ليست متصلة بالعبد كما قال النبى ( ( حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ( فهى حجب تحجب العباد عن الادراك كما قد يحجب الغمام والسقوف عنهم الشمس والقمر فاذا زالت تجلت الشمس والقمر

وأما حجبها لله عن أن يرى ويدرك فهذا لا يقوله مسلم فان الله لا يخفى عليه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء وهو يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة السوداء ولكن يحجب ان تصل انواره الى مخلوقاته كما قال ( لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه ( فالبصر يدرك الخلق كلهم وأما السبحات فهى محجوبة بحجابه النور أو النار

والجهمية لا تثبت له حجبا اصلا لأنه عندهم ليس فوق العرش ويروون الاثر المكذوب عن علي ( أنه سمع قصابا يحلف لا والذى احتجب بسبع سموات فعلاه بالدرة فقال يا امير المؤمنين أكفر عن يمينى قال لا ولكنك حلفت بغير الله ( فهذا لا يعرف له اسناد ولو ثبت كان علي قد فهم من المتكلم انه عنى انه محتجب عن ادراكه لخلقه فهذا باطل قطعا بخلاف احتجابه عن ادراك خلقه له


11

ويدل على ذلك الحديث الصحيح ( اذا دخل اهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو الم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون اليه فما أعطاهم شيئا أحب اليهم من النظر اليه وهى ( الزيادة (

وعند من أثبت الرؤية من المتجهمة ان حجاب كل أحد معه وكشفه خلق الادراك فيه لا انه حجاب منفصل واما اتيانه ونزوله ومجيئه بحركة منه وانتقال فهذا فيه القولان لأهل السنة من أصحابنا وغيرهم والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما


12

وقال الشيخ رحمه الله تعالى الذين يجعلون الفلسفة هى التشبيه بالاله على قدر الطاقة ويوجد ( هذا التفسير ( فى كلام طائفة كأبى حامد الغزالى وامثاله ولا يثبت هؤلاء قربا حقيقيا وهو القرب المعلوم المعقول ومن جعل قرب عباده المقربين ليس اليه وانما هو الى ثوابه واحسانه فهو معطل مبطل

وذلك ان ثوابه واحسانه يصل اليهم ويصلون اليه ويباشرهم ويباشرونه بدخوله فيهم ودخولهم فيه بالاكل واللباس فاذا كانوا يكونون فى نفس جنته ونعيمه وثوابه كيف يجعل اعظم الغايات قربهم من احسانه ولا سيما والمقربون هم فوق أصحاب اليمين الابرار الذين كتابهم فى عليين ( وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون ان الأبرار لغى نعيم على الأرائك ينظرون تعرف فى وجوههم نضرة النعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون (

قال ابن عباس ( يشرب بها المقربون ( صرفا وتمزج لأصحاب اليمين مزجا


13

فقد أخبر ان الأبرار فى نفس النعيم وانهم يسقون من الشراب الذى وصفه الله تعالى ويجلسون على الارائك ينظرون فكيف يقال ان المقربين الذين هم أعلا من هؤلاء بحيث يشربون صرفها ويمزج لهؤلاء مزجا انما تقريبهم هو مجرد النعيم الذى أولئك فيه هذا مما يعلم فساده بأدنى تأمل

الإسلامية (

(

المسألة الثانية ( فى ( قربه ( الذى هو من لوازم ذاته مثل العلم والقدرة فلا ريب أنه قريب بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه لم يزل بهم عالما ولم يزل عليهم قادرا هذا مذهب جميع أهل السنة وعامة الطوائف الا من ينكر علمه القديم من القدرية والرافضة ونحوهم أو ينكر قدرته على الشىء قبل كونه من الرافضة والمعتزلة وغيرهم

(

وأما قربه بنفسه من مخلوقاته ( قربا لازما فى وقت دون وقت ولا يختص به شىء فهذا فيه للناس قولان

فمن يقول هو بذاته فى كل مكان يقول بهذا ومن لا يقول بهذا لهم أيضا فيه قولان

( أحدهما ( اثبات هذا القرب وهو قول طائفة من المتكلمين والصوفية وغيرهم يقولون هو فوق العرش ويثبتون هذا القرب

وقوم يثبتون هذا القرب دون كونه على العرش واذا كان قرب عباده منه نفسه وقربه منهم ليس ممتنعا عند الجماهير من السلف واتباعهم من أهل الحديث والفقهاء والصوفية وأهل الكلام لم يجب ان يتأول كل نص فيه


14

ذكر قربه من جهة امتناع القرب عليه ولا يلزم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذكر فيه قربه يراد به قربه بنفسه بل يبقى هذا من الامور الجائزة وينظر فى النص الوارد فان دل على هذا حمل عليه وان دل على هذا حمل عليه وهذا كما تقدم فى لفظ الاتيان والمجىء

الإسلامية (

وان كان فى موضع قد دل عندهم على أنه هو يأتى ففى موضع آخر دل على أنه يأتى بعذابه كما فى قوله تعالى ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ( وقوله تعالى ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا (

فتدبر هذا فانه كثيرا ما يغلط الناس فى هذا الموضع اذا تنازع النفاة والمثبتة فى صفة ودلالة نص عليها يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ حيث ورد دالا على الصفة وظاهرا فيها

ثم يقول النافى وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا

وقد يقول بعض المثبتة دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون انه يضاف الى الله تعالى اضافة صفة من آيات الصفات كقوله تعالى ( فرطت فى جنب الله (

وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة وهذا من أكبر الغلط فان الدلالة فى كل موضع بحسب سياقه وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية


15

وهذا موجود فى امر المخلوقين يراد بألفاظ الصفات منهم فى مواضع كثيرة غير الصفات

وانا اذكر لهذا مثالين نافعين ( أحدهما صفة الوجه ( فانه لما كان اثبات هذه الصفة مذهب اهل الحديث والمتكلمة الصفاتية من الكلابية والاشعرية والكرامية وكان نفيها مذهب الجهمية من المعتزلة وغيرهم ومذهب بعض الصفاتية من الاشعرية وغيرهم صار بعض الناس من الطائفتين كلما قرأ آية فيها ذكر الوجه جعلها من موارد النزاع فالمثبت يجعلها من الصفات التى لا تتأول بالصرف والنافى يرى أنه اذا قام الدليل على أنها ليست صفة فكذلك غيرها ( مثال ذلك ( قوله تعالى ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ( أدخلها فى آيات الصفات طوائف من المثبتة والنفاة حتى عدها ( أولئك ( كابن خزيمة مما يقرر اثبات الصفة وجعل ( النافية ( تفسيرها بغير الصفة حجة لهم فى موارد النزاع

ولهذا لما اجتمعنا فى المجلس المعقود وكنت قد قلت أمهلت كل من خالفنى ثلاث سنين ان جاء بحرف واحد عن السلف يخالف شيئا مما ذكرته كانت له الحجة وفعلت وفعلت وجعل المعارضون يفتشون الكتب فظفروا بما ذكره البيهقى فى كتاب ( الأسماء والصفات ( فى قوله تعالى ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ( فإنه ذكر عن مجاهد والشافعى ان المراد قبلة الله فقال أحد كبرائهم فى المجلس الثانى قد أحضرت نقلا عن السلف بالتأويل فوقع فى قلبى ما اعد فقلت لعلك قد ذكرت ما روى


16

فى قوله تعالى ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ( قال نعم قلت المراد بها قبلة الله فقال قد تأولها مجاهد والشافعى وهما من السلف ولم يكن هذا السؤال يرد على فانه لم يكن شيء مما ناظرونى فيه صفة الوجه ولا أثبتها لكن طلبوها من حيث الجملة وكلامى كان مقيدا كما فى الاجوبة فلم أر احقاقهم فى هذا المقام بل قلت هذه الاية ليست من آيات الصفات أصلا ولا تندرج فى عموم قول من يقول لا تؤول آيات الصفات

قال أليس فيها ذكر الوجه فلما قلت المراد بها قبلة الله قال أليست هذه من آيات الصفات قلت لا ليست من موارد النزاع فانى انما أسلم ان المراد بالوجه هنا القبلة فان ( الوجه ( هو الجهة فى لغة العرب يقال قصدت هذا الوجه وسافرت الى هذا ( الوجه ( أى الى هذه الجهة وهذا كثير مشهور فالوجه هو الجهة وهو الوجه كما فى قوله تعالى ( ولكل وجهة هو موليها ( أى متوليها فقوله تعالى ( وجهة هو موليها ( كقوله ( فأينما تولوا فثم وجه الله ( كلا الآيتين فى اللفظ والمعنى متقاربتان وكلاهما فى شأن القبلة والوجه والجهة هو الذى ذكر فى الآيتين أنا نوليه نستقبله

قلت والسياق يدل عليه لأنه قال ( أينما تولوا ( وأين من الظروف وتولوا أى تستقبلوا فالمعنى اى موضع استقبلتموه فهنالك وجه الله فقد جعل وجه الله فى المكان الذى يستقبله هذا بعد قوله ( ولله المشرق والمغرب ( وهى الجهات كلها كما فى الآية الأخرى ( قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء الى صراط مستقيم (


17

فأخبر أن الجهات له فدل على ان الإضافة اضافة تخصيص وتشريف كأنه قال جهة الله وقبلة الله ولكن من الناس من يسلم ان المراد بذلك جهة الله اى قبلة الله ولكن يقول هذه الآية تدل على الصفة وعلى أن العبد يستقبل ربه كما جاء فى الحديث ( اذا قام أحدكم الى الصلاة فان الله قبل وجهه ( وكما فى قوله ( لا يزال الله مقبلا على عبده بوجهه ما دام مقبلا عليه فاذا انصرف صرف وجهه عنه ( ويقول ان الاية دلت على المعنيين فهذا شىء آخر ليس هذا موضعه

والغرض انه اذا قيل ( فثم قبلة الله ( لم يكن هذا من التأويل المتنازع فيه الذى ينكره منكروا تأويل آيات الصفات ولا هو مما يستدل به عليهم المثبتة فان هذا المعنى صحيح فى نفسه والاية دالة عليه وإن كانت دالة على ثبوت صفة فذاك شىء آخر ويبقى دلالة قولهم ( فثم وجه الله ( على فثم قبلة الله هل هو من باب تسمية القبلة وجها باعتبار أن الوجه والجهة واحد أو باعتبار أن من استقبل وجه الله فقد استقبل قبلة الله فهذا فيه بحوث ليس هذا موضعها

( والمثال الثانى ( لفظة ( الأمر ( فان الله تعالى لما أخبر بقوله ( انما أمره اذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( وقال ( ألا له الخلق والأمر ( واستدل طوائف من السلف على أن الأمر غير مخلوق بل هو كلامه وصفة من صفاته بهذه الاية وغيرها صار كثير من الناس يطرد ذلك فى لفظ الأمر حيث ورد فيجعله صفة طردا للدلالة ويجعل دلالته على غير الصفة نقضا لها


18

وليس الأمر كذلك فبينت فى بعض رسائلى ان الامر وغيره من الصفات يطلق على الصفة تارة وعلى متعلقها أخرى ( فالرحمة ( صفة لله ويسمى ما خلق رحمة والقدرة من صفات الله تعالى ويسمى ( المقدور ( قدرة ويسمى تعلقها ( بالمقدور ( قدرة والخلق من صفات الله تعالى ويسمى خلقا والعلم من صفات الله ويسمى المعلوم أو المتعلق علما فتارة يراد الصفة وتارة يراد متعلقها وتارة يراد نفس التعلق

و ( الأمر ( مصدر فالمأمور به يسمى أمرا ومن هذا الباب سمى عيسى صلى الله عليه وسلم كلمة لأنه مفعول بالكلمة وكائن بالكلمة وهذا هو الجواب عن سؤال الجهمية لما قالوا عيسى كلمة الله فهو مخلوق والقرآن اذا كان كلام الله لم يكن الا مخلوقا فان عيسى ليس هو نفس كلمة الله وانما سمى بذلك لأنه خلق بالكلمة على خلاف سنة المخلوقين فخرقت فيه العادة وقيل له كن فكان والقرآن نفس كلام الله

فمن تدبر ما ورد فى ( باب أسماء الله تعالى وصفاته ( وأن دلالة ذلك فى بعض المواضع على ذات الله او بعض صفات ذاته لا يوجب ان يكون ذلك هو مدلول اللفظ حيث ورد حتى يكون ذلك طردا للمثبت ونقضا للنافى بل ينظر فى كل آية وحديث بخصوصه وسياقه وما يبين معناه من القرآن والدلالات فهذا أصل عظيم مهم نافع فى باب فهم الكتاب والسنة والاستدلال بهما مطلقا ونافع فى معرفة الاستدلال والاعتراض والجواب وطرد الدليل ونقضه فهو


19

نافع فى كل علم خبرى او انشائى وفى كل استدلال او معارضة من الكتاب والسنة وفى سائر ادلة الخلق

فإذا كان العبد لا يمتنع ان يتقرب من ربه وان يقرب منه ربه باحد المعنيين المتقدمين او بكليهما لم يمتنع حمل النص على ذلك اذا كان دالا عليه فإن لم يكن دالا عليه لم يجز حمله وان احتمل هذا المعنى وهذا المعنى وقف فجواز ارادة المعنى فى الجملة غير كونه هو المراد بكل نص

وأما قربه اللازم من عباده بعلمه وقدرته وتدبيره فقد تقدم وتقدم ذكر الخلاف فى قربه بنفسه قربا لازما وعرف المتفق عليه والمختلف فيه من قربه العارض واللازم فقوله سبحانه ( ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب اليه من حبل الوريد ( من الناس طوائف عندهم لا يحتاج الى تأويل ومنهم من يحوجها الى التأويل ثم اقول هذه الاية لا تخلو اما ان يراد بها قربه سبحانه أو قرب ملائكته كما قد اختلف الناس فى ذلك فان أريد بها قرب الملائكة فقوله ( اذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ( فيكون الله سبحانه وتعالى قد أخبر بعلمه هو سبحانه بما فى نفس الانسان وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه

ودليل ذلك قوله تعالى ( ونحن أقرب اليه من حبل الوريد اذ يتلقى ( ففسر ذلك بالقرب الذى هو حين يتلقى المتلقيان وبأى معنى فسر فان علمه وقدرته عام التعلق وكذلك نفسه سبحانه لا يختص بهذا الوقت وتكون هذه


20

الاية مثل قوله تعالى ( أم يحسبون انا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون ( ومنه قوله فى أول السورة ( قد علمنا ما تنقص الارض منهم وعندنا كتاب حفيظ (

وعلى هذا فالقرب لا مجاز فيه وانما الكلام فى قوله تعالى ( ونحن اقرب ( حيث عبر بها عن ملائكته ورسله او عبر بها عن نفسه او عن ملائكته ولكن قرب كل بحسبه فقرب الملائكة منه تلك الساعة وقرب الله تعالى منه مطلق كالوجه الثانى اذا اريد به الله تعالى أى نحن اقرب اليه من حبل الوريد فيرجع هذا الى القرب الذاتى اللازم وفيه القولان

( أحدهما ( اثبات ذلك وهو قول طائفة من المتكلمين والصوفية

( والثانى ( ان القرب هنا بعلمه لانه قد قال ( ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن اقرب اليه من حبل الوريد ( فذكر لفظ العلم هنا دل على القرب بالعلم

ومثل هذه الاية حديث ابى موسى ( انكم لا تدعون اصم ولا غائبا انما تدعون سميعا قريبا ان الذى تدعونه اقرب الى احدكم من عنق راحلته ( فالآية لا تحتاج الى تأويل القرب فى حق الله تعالى الا على هذا القول وحينئذ فالسياق دل عليه وما دل عليه السياق هو ظاهر الخطاب فلا يكون من موارد النزاع وقد تقدم انا لا نذم كل ما يسمى تاويلا مما فيه كفاية وانما


21

نذم تحريف الكلم عن مواضعه ومخالفة الكتاب والسنة والقول فى القرآن بالرأى (

( وتحقيق الجواب ( هو ان يقال اما ان يكون قربه بنفسه القرب اللازم ممكنا او لا يكون فان كان ممكنا لم تحتج الاية الى تأويل وان لم يكن ممكنا حملت الاية على ما دل عليه سياقها وهو قربه بعلمه وعلى هذا القول فاما ان يكون هذا هو ظاهر الخطاب الذى دل عليه السياق او لا يكون فان كان هو ظاهر الخطاب فلا كلام اذ لا تأويل حينئذ

وإن لم يكن ظاهر الخطاب فانما حمل على ذلك لأن الله تعالى قد بين فى غير موضع من كتابه أنه على العرش وأنه فوق فكان ما ذكره فى كتابه فى غير موضع انه فوق العرش مع ما قرنه بهذه الآية من العلم دليلا على أنه أراد قرب العلم اذ مقتضى تلك الايات ينافى ظاهر هذه الاية على هذا التقدير والصريح يقضى على الظاهر ويبين معناه

المجلد 6 ص 21 ( برنامج مجموع أعمال إبن تيمية ( مؤسسة

ويجوز باتفاق المسلمين ان تفسر احدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره اذ لا محذور فى ذلك عند أحد من اهل السنة وان سمى تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه ولموافقة السنة والسلف عليه لأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيرا له بالرأى والمحذور انما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين كما تقدم

وللإمام أحمد رحمه الله تعالى رسالة فى هذا النوع وهو ذكر


22

الآيات التى يقال بينها معارضة وبيان الجمع بينها وان كان فيه مخالفة لما يظهر من احدى الايتين او حمل احداهما على المجاز وكلامه فى هذا اكثر من كلام غيره من الأئمة المشهورين فإن كلام غيره أكثر ما يوجد فى المسائل العملية واما المسائل العلمية فقليل وكلام الامام احمد كثير فى المسائل العلمية والعملية لقيام الدليل من القرآن والسنة على ذلك ومن قال ان مذهبه نفى ذلك فقد افترى عليه والله أعلم

ا

والكلام على قوله تعالى ( واذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان ( مثل قوله ( ( انكم لا تدعون اصم ولا غائبا انما تدعون سميعا قريبا ان الذى تدعونه اقرب الى أحدكم من عنق راحلته ( فمن حمله على قرب نفسه قربا لازما او عارضا فلا كلام ومن قال المراد كونه يسمع دعاءهم ويستجيب لهم وما يتبع ذلك قال دل عليه السياق فلا يكون خلاف الظاهر او يقول دل عليه ما فى القرآن والسنة من النصوص التى تدل على انه فوق العرش فيكون تفسير القرآن وتأويله بالكتاب والسنة وهذا لا محذور فيه

واعلم أن من الناس من سلك هذا المسلك فى نفس ( المعية ( ويقول انه محمول على ما دل عليه السياق وان كان خلاف ظاهر الاطلاق او محمول على خلاف الظاهر لدلالة الأيات ان الله فوق العرش ويجعل بعض القرآن يفسر بعضا لكن نحن بينا انه ليس فى ظاهر المعية ما يوجب ذلك لأنا وجدنا جميع


23

استعمالات ( مع ( فى الكتاب والسنة لا توجب اتصالا واختلاطا فلم يكن بنا حاجة الى ان نجعل ظاهره الملاصقة ثم نصرفه

فأما لفظ ( القرب ( فهو مثل لفظ ( الدنو ( وضد القرب البعد فاللفظ ظاهر فى اللغة فاما ان يحمل عليه واما ان يحمل على ما يقال انه الظاهر الذى دل عليه السياق او على خلاف الظاهر لدلالة بقية النصوص وقد روى الطبرانى وغيره ان ناسا سألوا النبى ( صلى الله عليه وسلم ( اقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى ( واذا سألك عبادى عنى فانى قريب أجيب دعوة الداع اذا دعان ( وصلى الله على محمد


24

وقال رحمه الله

( فصل (

قد كتبت قبل هذا فى ( الجزء الثانى من المرتب ) الكلام فى ( قرب العبد من ربه ( وذهابه اليه و ( قرب الرب من عبده ( وتجلى الرب له وظهوره وما يعترف به المتفلسفة من ذلك ثم المتكلمة ثم أهل السنة وان ما يثبته هؤلاء من الحق يثبته أهل السنة

ثم يثبت اهل السنة ( أشياء ( لا يعرفها أهل البدعة لجهلهم وضلالهم اذ كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله

ثم المعانى الذى يثبتها هؤلاء من الحق ويتأولون النصوص عليها حسنة صحيحة جيدة لكن الضلال جاء من جهة نفيهم ما زاد عليها

وذلك مثل اثبات المتفلسفة ( لواجب الوجود ( وان ( الروح غير البدن ( وأنها باقية بعد فراق البدن وانها منعمة او معذبة نعيما وعذابا روحانيين

وكذلك ما يثبتونه من قوى البدن والنفس الصالحة وغير الصالحة كل ذلك حق لكن زعمهم ان لا معنى للنصوص الا ذلك وان لا حق وراء ذلك


25

وان ( الجنة ( و ( النار ( عبارة عن ذلك وإنما الوصف المذكور فى الكتب الالهية امثال مضروبة لتفهيم المعاد الروحانى وأن ( الملائكة ( و ( الجن ( هى اعراض وهى قوى النفس الصالحة والفاسدة وان ( الروح ( لا تتحرك وانما ينكشف له حقائق الكون فيكون ذلك قربها الى الله وان معراج النبى هو من هذا الباب هذا النفى والتكذيب كفر

وكذلك ما يثبته المتكلمة من ان العبد يتقرب ببدنه وروحه الى ( الاماكن المفضلة ( التى يظهر فيها نور الرب كالسموات والمساجد وكذلك الملائكة فهذا صحيح لكن دعواهم انهم لا يتقربون الى ذات الله وان الله ليس على العرش فهذا باطل

وانما الصواب اثبات ذلك واثبات ما جاءت به النصوص ايضا من قرب العبد الى ربه وتجلى الرب لعباده بكشف الحجب المتصلة بهم والمنفصلة عنهم وان القرب والتجلى فيه علم العبد الذى هو ظهور الحق له وعمل العبد الذى هو دنوه الى ربه

وقد تكلمت فى دنو الرب وقربه وما فيه من النزاع بين أهل السنة ثم بعض المتسننة والجهال اذا رأوا ما يثبته اولئك من الحق قد يفرون من التصديق به وان كان لا منافاة بينه وبين ما ينازعون اهل السنة فى ثبوته بل الجميع صحيح وربما كان القرار بما اتفق على اثباته اهم من الاقرار بما حصل فيه نزاع اذ ذلك اظهر وابين وهو اصل للمتنازع فيه فيحصل بعض الفتنة في نوع


26

تكذيب ونفي حال او اعتقاد كحال المبتدعة فيبقى الفريقان في بدعه وتكذيب ببعض موجب النصوص وسبب ذلك ان قلوب المثبته تبقى متعلقة باثبات ما نفته المبتدعة

وفيهم نفرة عن قول المبتدعة بسبب تكذيبهم بالحق ونفيهم له فيعرضون عن ما يثبتونه من الحق او ينفرون منه او يكذبون به كما قد يصير بعض جهال المتسننة فى اعراضه عن بعض فضائل على واهل البيت اذا رأى اهل البدعة يغلون فيها بل بعض المسلمين يصير فى الاعراض عن فضائل موسى وعيسى بسبب اليهود والنصارى بعض ذلك حتى يحكى عن قوم من الجهال انهم ربما شتموا المسيح اذا سمعوا النصارى يشتمون نبينا فى الحرب

وعن بعض الجهال انه قال سبوا عليا كما سبوا عتيقكم كفر بكفر وايمان بايمان

ل

ومثال ذلك فى ( باب الصفات ( ان العبد اذا عرف ربه واحبه بل لو عرف غير الله واحبه وتألهه يبقى ذلك المعروف المحبوب المعظم فى القلب واللسان وقد تقوى به شدة الوجد والمحبة والتعظيم حتى يستغرق به ويفنى به عن نفسه

كما قيل ان رجلا كان يحب اخر فوقع المحبوب فى اليم فالقى الاخر نفسه خلفه فقال انا وقعت فما الذى اوقعك فقال غبت بك عنى فظننت انك انى وهذا كما قيل

مثالك فى عينى وذكراك فى فمى
ومثواك فى قلبى فأين تغيب


27

وقال آخر

ساكن فى القلب يعمره
لست انساه فأذكره
هو مولى قد رضيت به
( ونصيبى منه أوفره )

ولقوة الاتصال زعم بعض الناس ان العالم والعارف يتحد بالمعلوم المعروف وآخرون يرون ان المحب قد يتحد بالمحبوب وهذا اما غلط واما توسع فى العبارة فانه نوع اتحاد هو اتحاد فى عين المتعلقات من نوع اتحاد فى المطلوب والمحبوب والمأمور به والمرضى والمسخوط واتحاد فى نوع الصفات من الارادة والمحبة والامر والنهى والرضا والسخط بمنزلة اتحاد الشخصين المتحابين وهذا له تفصيل نذكره فى غير هذا الموضع

وانما المقصود هنا أن المعروف المحبوب فى قلب العارف المحب له أحكام واخبار صادقة كقوله تعالى ( وهو الذى فى السماء اله وفى الارض اله ( وقوله تعالى ( وله المثل الاعلى فى السموات والارض ( وقوله تعالى ( وانه تعالى جد ربنا ( وقوله ( سبح اسم ربك الاعلى ( وقوله فى الاستفتاح ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا اله غيرك (

ويحصل لقلوب العارفين به استواء وتجل لا يزول عنها يقربه كل أحد لكن أهل السنة يقرون بكثير مما لا يعرفه اهل البدعة كما يقرون باستوائه على العرش


28

ومثل قوله ( ( عبدى مرضت فلم تعدنى ( فيقول اى رب كيف أعودك وانت رب العالمين فيقول ( اما علمت ان عبدى فلانا مرض فلو عدته لوجدتنى عنده (

فقد أخبر أنه عند عبده وجعل مرضه مرضه والانسان قد تكون عنده محبة وتعظيم لامير أو عالم أو مكان بحيث يغلب على قلبه ويكثر من ذكره وموافقته فى اقواله واعماله فيقال ان أحدهما الآخر كما يقال ابو يوسف ابو حنيفة

ويشبه هذا من بعض الوجوه ظهور الاجسام المستنيرة وغيرها فى الأجسام الشفافة كالمرآة المصقولة والماء الصافى ونحو ذلك بحيث ينظر الانسان فى الماء الصافى السماء والشمس والقمر والكواكب

كما قال بعضهم

اذا وقع السماء على صفاء
كدر انى يحركه النسيم
ترى فيه السماء بلا امتراء
كذاك البدر يبدو والنجوم
وكذا قلوب ارباب التجلى
يرى فى صفوها الله العظيم وكذلك


29

نرى فى المرآة صورة ما يقابلها من الشمس والقمر والوجوه وغير ذلك ثم قد يحاذى تلك المرآة مرآة اخرى فترى فيها الصورة التى رؤيت فى الاولى ويتسلل الامر فيه وهذه المرآئى المنعكسة تشبه من وجه بعيد ظهور اسم المحبوب المعظم فى الورق بالخط والكتابة سواء كان بمداد او بتنقير او بغير ذلك فانه هنا لم يظهر الا حروف اسمه فى جسم لا حس له ولا حركة وفى اأاجسام الصقيلة ظهرت صورته لكن من غير شعور بالمظهر ولا حركة فالاول مظهر اسمه وهذا مظهر ذاته

واما فى قلوب العباد وأرواحهم فيظهر المعروف المحبوب المعظم واسماؤه فى القلب الذى يعلمه ويحبه وذلك نوع أكمل وارفع من غيره بل ليس له نظير

والى ذلك اشار بقوله ( كتب فى قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه ( وهو الذى قال ( ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله ( وقال ( فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ( وكذلك قوله ( ليس كمثله شىء ( وقوله ( مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل (


30

( فصل ( فهذا القدر لا يخالف فيه عاقل فانه امر محسوس مدرك وهو اقل مراتب الإقرار بالله بل الإقرار بوجود اى شىء كان واقل مراتب عبادته ومحبته والتقرب اليه ثم مع ذلك هل يتحرك القلب والروح العارفة المحبة ام لا حركة لها الا مجرد التحول من صفة إلى صفة

( الأول ( مذهب عامة المسلمين وجمهور الخلق

( والثانى ( قول المتفلسفة ومن اتبعهم اذ عندهم ان الروح لا داخل البدن ولا خارجه ولا تتحرك ولا تسكن واما الجمهور فيقرون بتحركها نحو المحبوب المطلوب كائنا ما كان ويقر جمهور المتكلمين بأنها تتحرك الى المواضع المشرفة التى تظهر فيها اثار المحبوب وانواره كتحرك قلوب العارفين وابدانهم الى السموات والى المساجد ونحو ذلك

وكذلك تحرك ذلك الى ذات المحبوب من المخلوقين كالانبياء والملائكة وغيرهم وكل من الفريقين يقر بتجلى الرب وظهوره لقلوب العارفين وهو


31

عندهم حصول الايمان والعلم والمعرفة فى قلوبهم بدلا من الكفر والجهل وهو حصول المثل والحد والإسم فى السماء والارض

وأما حركة روح العبد أو بدنه الى ذات الرب فلا يقربه من كذب بأن الله فوق العرش من هؤلاء المعطلة الجهمية الذين كان السلف يكفرونهم ويرون بدعتهم اشد البدع ومنهم من يراهم خارجين عن الثنتين والسبعين فرقة مثل من قال أنه فى كل مكان أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه لكن عموم المسلمين وسلف الامة واهل السنة من جميع الطوائف تقر بذلك فيكون العبد متقربا بحركة روحه وبدنه الى ربه مع اثباتهم ايضا التقرب منهما الى الأماكن المشرفة واثباتهم ايضا تحول روحه وبدنه من حال الى حال

( فالأول ( مثل معراج النبى ( ( وعروج روح العبد الى ربه وقربه من ربه فى السجود وغير ذلك

( والثانى ( مثل الحج الى بيته وقصده فى المساجد

( والثالث ( مثل ذكره له ودعائه ومحبته وعبادته وهو فى بيته لكن فى هذين يقرون ايضا بقرب الروح ايضا الى الله نفسه فيجمعون بين الانواع كلها


32

وأما تجليه لعيون عباده فأقر به المتكلمون الصفاتية كالأشعرية والكلابية ومن نفى منهم علو الرب على العرش قال هو بخلق الإدراك فى عيونهم ورفع الحجب المانعة

واما اهل السنة فيقرون بذلك وبأنه يرفع حجبا منفصلة عن العبد حتى يرى ربه كما جاء فى الأحاديث الصحيحة


33

سئل شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله

عمن يقول ان النصوص تظاهرت ظواهرها على ما هو جسم أو يشعر به والعقل دل على تنزيه البارى عز وجل عنه فالاسلم للمؤمن ان يقول هذا ( متشابه ( لا يعلم تأويله الا الله فقال له قائل هذا لابد من ضابط وهو الفرق فى الصفات بين المتشابه وغيره لأن دعوى التأويل فى كل الصفات باطل وربما افضى الى الكفر ويلزم منه ان لا يعلم لصفة من صفاته معنى فلابد حينئذ من الفرق بين ما يتأول وما لا يتأول فقال كلما دل دليل العقل على انه تجسيم كان ذلك متشابها فهل هذا صحيح أم لا ابسطوا القول فى ذلك

فأجاب الحمد لله رب العالمين هذه ( مسئلة ( كبيرة عظيمة القدر اضطرب فيها خلائق من الاولين والاخرين من اوائل المائة الثانية من الهجرة النبوية فاما المائة الاولى فلم يكن بين المسلمين اضطراب فى هذا وانما نشاء ذلك فى اوائل المائة الثانية لما ظهر ( الجعد بن درهم ( وصاحبه ( الجهم بن صفوان ( ومن اتبعهما من المعتزلة وغيرهم على انكار الصفات


34

فظهرت مقالة الجهمية النفاة نفاة الصفات قالوا لأن اثبات الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك لأن ( الصفات ( التى هى العلم والقدرة والإرادة ونحو ذلك اعراض ومعان تقوم بغيرها والعرض لا يقوم الا بجسم والله تعالى ليس بجسم لأن الأجسام لا تخلو من الأعراض الحادثة وما لا يخلو من الحوادث فهو محدث

قالوا وبهذا استدللنا على حدوث الإجسام فان بطل هذا بطل الاستدلال على حدوث الاجسام فيبطل الدليل على حدوث العالم فيبطل الدليل على اثبات الصانع

قالوا واذا كانت الأعراض التى هى الصفات لا تقوم الا بجسم والجسم مركب من أجزائه والمركب مفتقر الى غيره ولا يكون غنيا عن غيره واجب الوجود بنفسه والله تعالى غنى عن غيره واجب الوجود بنفسه

قالوا وأان الجسم محدود متناهى فلو كان له صفات لكان محدودا متناهيا وذلك لابد ان يكون له مخصص خصصه بقدر دون قدر وما افتقر الى مخصص لم يكن غنيا قديما واجب الوجود بنفسه

قالوا ولأنه لو قامت به الصفات لكان جسما ولو كان جسما لكان مماثلا لسائر الأجسام فيجوز عليه ما يجوز عليها ويمتنع عليه ما يمتنع عليها وذلك ممتنع على الله تعالى


35

وزاد الجهم فى ذلك هو والغلاة من القرامطة والفلاسفة نحو ذلك فقالوا وليس له اسم كالشىء والحى والعليم ونحو ذلك لانه اذا كان له اسم من هذه الأسماء لزم أن يكون متصفا بمعنى الاسم كالحياة والعلم فان صدق المشتق مستلزم لصدق المشتق منه وذلك يقتضى قيام الصفات به وذلك محال ولانه اذا سمى بهذه الأسماء فهى مما يسمى به غيره والله منزه عن مشابهة الغير

وزاد اخرون بالغلو فقالوا لا يسمى باثبات ولا نفى ولا يقال موجود ولا لا موجود ولا حى ولا لا حى لأن فى الإثبات تشبيها له بالموجودات وفى النفى تشبها له بالمعدومات وكل ذلك تشبيه

فلما ظهر هؤلاء الجهمية أنكر السلف والأئمة مقالتهم وردوها وقابلوها بما تستحق من الإنكار الشرعى وكانت خفية الى ان ظهرت وقويت شوكه الجهمية فى أواخر ( المائة الأولى ( وأوائل ( الثانية ( فى دولة اولاد الرشيد فامتحنوا الناس المحنة المشهورة التى دعوا الناس فيها القول بخلق القرآن ولوازم ذلك مثل إنكار الرؤية والصفات بناء على ان القرآن هو من جملة الاعراض فلو قام بذات الله لقامت به الأعراض فيلزم التشبيه والتجسيم

وحدث مع الجهمية قوم شبهوا الله تعالى بخلقه فجعلوا صفاته من جنس صفات المخلوقين فأنكر السلف والأئمة على الجهمية المعطلة وعلى المشبهة الممثلة وكان امام المعتزلة ( ابو الهذيل العلاف ( ونحوه من نفاة الصفات قالوا يقتضى ان يكون جسما والله تعالى منزه عن ذلك قال هؤلاء بل هو جسم والجسم


36

هو القائم بنفسه او الموجود او غير ذلك من المقالات وطعنوا فى ادلة نفاة الجسم بكلام طويل لا يتسع له الجواب هنا

ثم من هؤلاء من قال هو جسم كالاجسام ومنهم من وصفه بخصائص المخلوقات وحكى عن كل واحدة من الطائفتين مقالات شنيعة ل

وجاء ( أبو محمد بن كلاب ( فقال هو واتباعه هو الموصوف بالصفات ولكن ليست الصفات اعراضا اذ هى قديمة باقية لا تعرض ولا تزول ولكن لا يوصف بالافعال القائمة به كالحركات لأنها تعرض وتزول

فقال ابن كرام واتباعه لكنه موصوف بالصفات وان قيل انها اعراض وموصوف بالأفعال القائمة بنفسه وان كانت حادثة ولما قيل لهم هذا يقتضى ان يكون جسما قالوا نعم هو جسم كالاجسام وليس ذلك ممتنعا دائما وانما الممتنع ان يشابه المخلوقات فيما يجب ويجوز ويمتنع ومنهم من قال اطلق لفظ الجسم لا معناه وبين هؤلاء المتكلمين النظار بحوث طويلة مستوفاة فى غير هذا الموضع

وأما ( السلف والأئمة ( فلم يدخلوا مع طائفة من الطوائف فيما ابتدعوه من نفى او اثبات بل اعتصموا بالكتاب والسنة وراوا ذلك هو الموافق لصريح العقل فجعلوا كل لفظ جاء به الكتاب والسنة من اسمائه وصفاته حقا يجب الأيمان به وان لم تعرف حقيقة معناه وكل لفظ احدثه الناس فاثبته قوم ونفاه اخرون فليس علينا ان نطلق اثباته ولا نفيه حتى نفهم مراد المتكلم فان كان


37

مراده حقا موافقا لما جاءت به الرسل والكتاب والسنة من نفى او اثبات قلنا به وان كان باطلا مخالفا لما جاء به الكتاب والسنة من نفى او اثبات منعنا القول به وراوا ان الطريقة التى جاء بها القرآن هى الطريقة الموافقة لصريح المعقول وصحيح المنقول وهى طريقة الأنبياء والمرسلين

وان الرسل صلوات الله عليهم جاؤوا بنفى مجمل واثبات مفصل ولهذا قال سبحانه وتعالى ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ( فسبح نفسه عما وصفه به المخالفون للرسل وسلم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب وطريقة الرسل هى ما جاء بها القرآن والله تعالى فى القرآن يثبت الصفات على وجه التفصيل وينفى عنه على طريق الاجمال التشبيه والتمثيل

فهو فى القرآن يخبر أنه بكل شىء عليم وعلى كل شىء قدير وانه عزيز حكيم غفور رحيم وانه سميع بصير وانه غفور ودود وانه تعالى على عظم ذاته يحب المؤمنين ويرضى عنهم ويغضب على الكفار ويسخط عليهم وانه خلق السموات والأرض فى ستة ايام ثم استوى على العرش وانه كلم موسى تكليما وانه تجلى للجبل فجعله دكا وامثال ذلك

ويقول فى النفى ( ليس كمثله شىء ( هل تعلم له سميا ( فلا تضربوا لله الامثال ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ( فيثبت الصفات وينفى مماثلة المخلوقات


38

ولما كانت طريقة السلف ان يصفوا الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ومخالفوا الرسل يصفونه بالامور السلبية ليس كذا ليس كذا فإذا قيل لهم فاثبتوه قالوا هو وجود مطلق او ذات بلا صفات

وقد علم ( بصريح المعقول ( ان المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد الا فى الأذهان لا فى الأعيان وان المطلق لا بشرط لا يوجد فى الخارج مطلقا لا يوجد الامعينا ولا يكون للرب عندهم حقيقة مغايرة للمخلوقات بل اما ان يعطلوه او يجعلوه وجود المخلوقات او جزءها او وصفها والالفاظ المجملة يكفون عن معناها ل

فإذا قال قوم ان الله فى جهة او حيز وقال قوم ان الله ليس فى جهة ولا حيز استفهموا كل واحد من القائلين عن مراده فإن لفظ الجهة والحيز فيه اجمال واشتراك فيقولون ما ثم موجود الا الخالق والمخلوق والله تعالى منزه بائن عن مخلوقاته فإنه سبحانه خلق المخلوقات بائنة عنه متميزة عنه خارجة عن ذاته ليس فى مخلوقاته شىء من ذاته ولا فى ذاته شىء من مخلوقاته ولو لم يكن مباينا لكان اما مداخلا لها حالا فيها او محلاها والله تعالى منزه عن ذلك

واما ان لا يكون مباينا لها ولا مداخلا لها فيكون معدوما والله تعالى منزه عن ذلك

والجهمية نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد او يصرحون


39

بذلك وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل فنفاتهم لا يعبدون شيئا ومثبتتهم يعبدون كل شىء ويقال أيضا فإذا كان ما ثم موجود الا الخالق والمخلوق فالخالق بائن عن المخلوق

فإذا قال القائل هو فى جهة او ليس فى جهة قيل له الجهة امر موجود او معدوم فإن كان أمرا موجودا ولا موجود الا الخالق والمخلوق والخالق بائن عن المخلوق لم يكن الرب فى جهة موجودة مخلوقة وان كانت الجهة امرا معدوما بأن يسمى ما وراء العالم جهة فإذا كان الخالق مباينا العالم وكان ما وراء العالم جهة مسماة وليس هو شيئا موجودا كان الله فى جهة معدومة بهذا الإعتبار لكن لا فرق بين قول القائل هو فى معدوم وقوله ليس فى شىء غيره فان المعدوم ليس شيئا باتفاق العقلاء

ولا ريب أن لفظ الجهة يريدون به تارة معنى موجودا وتارة معنى معدوما بل المتكلم الواحد يجمع فى كلامه بين هذا وهذا فاذا ازيل الاحتمال ظهر حقيقة الامر فاذا قال القائل لو كان فى جهة لكانت قديمة معه قيل له هذا اذا أريد بالجهة أمر موجود سواه فالله ليس فى جهة بهذا الاعتبار واذا قال لو رؤى لكان فى جهة وذلك محال قيل له ان اردت بذلك لكان فى جهة موجودة فذلك محال فإن الموجود يمكن رؤيته وان لم يكن فى موجود غيره كالعالم فانه يمكن رؤية سطحه وليس هو فى عالم اخر وان قال اردت انه لابد ان يكون فيما يسمى جهة ولو معدوما فانه اذا كان


40

مباينا للعالم سمى ما وراء العالم جهة قيل له فلم قلت انه اذا كان فى جهة بهذا الاعتبار كان ممتنعا فاذا قال لان ما باين العالم ورؤى لا يكون الا جسما او متحيزا عاد القول الى لفظ الجسم والمتحيز كما عاد الى لفظ الجهة فيقال له المتحيز يراد به ما حاذه غيره ويراد به ما بان عن غيره فكان متحيزا عنه فإن اردت بالمتحيز الاول لم يكن سبحانه متحيزا لانه بائن عن المخلوقات لا يحوزه غيره وان اردت الثانى فهو سبحانه بائن عن المخلوقات منفصل عنها ليس هو حالا فيها ولا متحدا بها

ل

فبهذا التفصيل يزول الاشتباه والتضليل والا فكل من نفى شيئا من الأسماء والصفات سمى من اثبت ذلك مجسما قائلا بالتحيز والجهة فالمعتزلة ونحوهم يسمون الصفاتية الذين يقولون ان الله تعالى حى بحياة عليم بعلم قدير بقدرة سميع بسمع بصير ببصر متكلم بكلام يسمونهم مجسمة مشبهة حشوية والصفاتية هم السلف والائمة وجميع الطوائف المثبتة للصفات كالكلابية والكرامية والاشعرية والسالمية وغيرهم من طوائف الامة قالت نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة وطائفة من الفلاسفة لهؤلاء اذا اثبتم له حياة وقدرة وكلاما فهذه اعراض والاعراض لا تقوم الا بجسم واذا قلتم يرى فالرؤية لا تكون الا لمعاين فى جهة وهذا يستلزم التجسيم

فاذا قالت الاشعرية ومن اتبعهم نحن نثبت هذه الصفات ولا نسميها اعراضا لان العرض ما يعرض لمحله وهذه الصفات باقية لا تزول قالت لهم النفاة هذا نزاع لفظى فان العرض عندكم ينقسم الى لازم لمحله لا يفارقه ما دام


41

المحل موجودا والى ما يجوز ان يفارق محله فالاول كالتحيز للجسم بل وكالحيوانية والناطقية للانسان فانه ما دام انسانا لا تفارقه هذه الصفة

وأما قولكم ان العرض لا يبقى زمانين فهذا شىء انفردتم به من بين سائر العقلاء وكابرتم به الحس لتنجو بالمغاليط عن هذه الالزامات المفحمة ثم انكم تقولون بتجدد امثاله فهذا هو معنى بقاء العرض وهذا كما قلتم انه يرى بلا مواجهة ولا مدابرة ولا يتوجه اليه الرائى بجهة من جهاته فهذا ايضا مما انفردتم به عن العقلاء وكابرتم به الحس والعقل قالت لهم النفاة فاثبتم ما يستلزم التجسيم والتشبيه والحشو او نفيتم التلازم فخالفتم صريح العقل والضرورة

ولهذا صار حذاقكم الى انكم فى الحقيقة موافقون لنا على نفى رؤية الله تعالى ولكن اظهرتم اثباتها لكونه المشهور عند ( الحشوية ( المشهورين بالسنة والجماعة ليقال انكم منهم او اثبتم ذلك تناقضا منكم فانتم دائرون بين المناقضة والمداهنة

فإن كان الرجل ممن يوافق نفاة الصفات ويثبت اسماء الله الحسنى كما تفعل المعتزلة وهم ائمة الكلام سماه نفاة اسماء الله الحسنى مشبها حشويا مجسما كما فعلت القرامطة الحاكمية الباطنية وغيرهم وقالوا اذا قلتم انه موجود عليم حى قدير فهذا هو القول بالتشبيه والتجسيم والحشو فان ذلك مشابهة لغيره من المخلوقات ولانه لا يعقل موجود حى عليم قدير الا جسما ولان هذه الاسماء تستلزم الصفات والصفات تستلزم التجسيم


42

فان كان الرجل ممن ينفى الاسماء والصفات كما تفعله غلاة الجهمية والقرامطة والفلاسفة فلابد له ان يثبت انه موجود

وحينئذ فنقول له النفاة أنت مجسم مشبه حشوى أانه اذا كان موجودا فقد شاركه غيره فى معنى الوجود وهو التشبيه لانه لا يعقل موجود الا جسم او قائم بجسم فحينئذ يحتاج ان يقول لا موجود ولا معدوم ولا حى ولا ميت أولا موجود ولا لا موجود ولا حى ولا لا حى فيلزم نفى النقيضين جميعا وما هو فى معنى النقيضين وذلك من اعظم الامور الباطلة فى بديهة العقل مع أنه يلزم على قياس قولهم تشبيهه بالممتنعات لان ما ليس بموجود ولا معدوم لا تكون له حقيقة أصلا لا موجودة ولا معدومة بل هو أمر مقدر فى الاذهان لا يتحقق فى الاعيان هذا مع ما التزمه من الكفر الصريح

ولو قدر انه نفى الوجود الواجب القديم بالكلية لكان مع الكفر الذى هو اصل كل كفر قد كابر القضايا الضرورية فانا نشهد الموجودات ونعلم ان كل موجود اما قديم واما محدث واما واجب موجود بنفسه واما ممكن بنفسه موجود بغيره وكل محدث وممكن بنفسه موجود بغيره فلابد له من قديم واجب بنفسه فالوجود بالضرورة يستلزم اثبات موجود قديم ومن الوجود ما هو ممكن محدث كما نشهده فى المحدثات من الحيوان والنبات

فاذا علم بضرورة العقول ان الوجود فيه ما هو موجود قديم واجب بنفسه وفيه ما هو محدث موجود ممكن بنفسه فهذان الموجودان اتفقا فى مسمى


43

الوجود وامتاز واحد منهما عن الآخر بخصوص وجوده فمن لم يثبت ما بين الموجودين من الاتفاق وما بينهما من الافتراق والا لزمه ان تكون الموجودات كلها قديمة واجبة بأنفسها او محدثة ممكنة مفتقرة الى غيرها وكلاهما معلوم الفساد بالاضطرار فتعين اثبات الاتفاق من وجه والامتياز من وجه ونحن نعلم ان ما امتاز به الخالق الموجود عن سائر الموجودات اعظم مما تمتاز به سائر الموجودات بعضها عن بعض فاذا كان ( الملك ( و ( البعوض ( قد اشتركا فى مسمى الوجود والحى مع تفاوت ما بينهما فالخالق سبحانه اولى بمباينته للمخلوقات وان حصلت الموافقة فى بعض الاسماء والصفات


44

( فصل ( إذا ظهرت هذه المقدمة تبين لنا ان قول القائل كلما قام دليل العقل على انه يدل على التجسيم كان متشابها جواب لا ينقطع به النزاع ولا يحصل به الانتفاع ولا يحصل به الفرق بين الصحيح والسقيم والزائغ والقويم

وذلك انه ما من ناف ينفى شيئا من الاسماء والصفات الا وهو يزعم انه قد قام عنده دليل العقل على انه يدل على التجسيم فيكون متشابها فيلزم حينئذ ان تكون جميع الاسماء والصفات متشابهات وحينئذ فيلزم التعطيل المحض وان لا يفهم من اسماء الله تعالى وصفاته معنى ولا يميز بين معنى الحى والعليم والقدير والرحيم والجبار والسلام ولا بين معنى الخلق والاستواء وبين الاماتة والاحياء ولا بين المجىء والاتيان وبين العفو والغفران

بيان ذلك ان من نفى الصفات من الجهمية والمعتزلة والقرامطة الباطنية ومن وافقهم من الفلاسفة يقولون اذا قلتم ان القرآن غير مخلوق وان لله تعالى علما وقدرة وارادة فقد قلتم بالتجسيم فانه قد قام دليل العقل على ان هذا يدل على التجسيم لان هذه معانى لا تقوم بنفسها لا تقوم الا بغيرها سواء سميت صفاتا او اعراضا او غير ذلك


45

ق

الوا ونحن لا نعقل قيام المعنى الا بجسم فاثبات معنى يقوم بغير جسم غير معقول فان قال المثبت بل هذه المعانى يمكن قيامها بغير جسم كما أمكن عندنا وعندكم اثبات عالم قادر ليس بجسم قالت المثبتة الرضا والغضب والوجه واليد والاستواء والمجىء وغير ذلك فاثبتوا هذه الصفات ايضا وقولوا انها تقوم بغير جسم

فإن قالوا لا يعقل رضا وغضب الا ما يقوم بقلب هو جسم ولا نعقل وجها ويدا الا ما هو بعض من جسم قيل لهم ولا نعقل علما الا ما هو قائم بجسم ولا قدرة الا ما هو قائم بجسم ولا نعقل سمعا وبصرا وكلاما الا ما هو قائم بجسم فلم فرقتم بين المتماثلين وقلتم ان هذه يمكن قيامها بغير جسم وهذه لا يمكن قيامها الا بجسم وهما فى المعقول سواء

فان قالوا الغضب هو غليان دم القلب لطلب الانتقام والوجه هو ذو الانف والشفتين واللسان والخد او نحو ذلك

قيل لهم ان كنتم تريدون غضب العبد ووجه العبد فوزانه أن يقال لكم ولا يعقل بصر الا ما كان بشحمة ولا سمع الا ما كان بصماخ ولا كلاما الا ما كان بشفتين ولسان ولا ارادة الا ما كان لاجتلاب منفعة او استدفاع مضرة وانتم تثبتون للرب السمع والبصر والكلام والارادة على خلاف صفات العبد فان كان ما تثبتونه مماثلا لصفات العبد لزمكم التمثيل فى الجميع وان كنتم تثبتونه على الوجه اللائق بجلال الله تعالى من غير مماثلة بصفات المخلوقات فاثبتوا الجميع على هذا الوجه المحدود ولا فرق بين صفة وصفة فان ما نفيتموه


46

من الصفات يلزمكم فيه نظير ما أثبتموه فاما ان تعطلوا الجميع وهو ممتنع واما ان تمثلوه بالمخلوقات وهو ممتنع واما ان تثبتوا الجميع على وجه يختص به لا يماثله فيه غيره وحينئذ فلا فرق بين صفة وصفة فالفرق بينهما باثبات احدهما ونفى الآخر فرارا من التشبيه والتجسيم قول باطل يتضمن الفرق بين المتماثلين والتناقض فى المقالتين

فان قال دليل العقل دل على أحدهما دون الآخر كما يقال انه دل على الحياة والعلم والارادة دون الرضا والغضب ونحو ذلك

فالجواب من وجوه

( أحدها ( ان عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول عليه فهب انه لم يعلم بالعقل ثبوت احدها فانه لا يعلم نفيه بالعقل ايضا ولا بالسمع فلا يجوز نفيه بل الواجب اثباته ان قام دليل على اثباته والا توقف فيه

( الثانى ( ان يقال انه يمكن اقامة دليل العقل على حبه وبغضه وحكمته ورحمته وغير ذلك من صفاته كما يقام على مشيئته كما قد بين فى غير هذا الموضع

( الثالث ( ان يقال السمع دل على ذلك والعقل لا ينفيه فيجب العمل بالدليل السالم عن المعارض فان عاد فقال بل العقل ينفى ذلك لان هذه الصفات تستلزم التجسيم والعقل ينفى التجسيم قيل له القول فى هذه الصفات التى تنفيها كالقول فى الصفات التى اثبتها فان كان هذا مستلزما


47

للتجسيم فكذلك الاخر وان لم يكن مستلزما للتجسيم فكذلك الآخر فدعوى المدعى الفرق بينهما بان احدهما يستلزم التشبيه او التجسيم دون الآخر تفريق بين المتماثلين وجمع بين النقيضين فان ما نفاه فى احدهما اثبته فى الآخر وما اثبته فى احدهما نفاه فى الاخر فهو يجمع بين النقيضين

ولهذا قال المحققون كل من نفى شيئا من الاسماء والصفات الثابتة بالكتاب والسنة فانه متناقض لا محالة فان دليل نفيه فيما نفاه هو بعينه يقال فيما اثبته فان كان دليل العقل صحيحا بالنفى وجب نفى الجميع وان لم يكن لم يجب نفى شىء من ذلك فاثبات شىء ونفى نظيره تناقض باطل

فإن قال المعتزلى ان الصفات تدل على التجسيم لان الصفات اعراض لا تقوم الا بجسم فلهذا تأولت نصوص الصفات دون الاسماء قيل له يلزمك ذلك فى الاسماء فان ما به استدللت على ان من له حياة وعلم وقدرة لا يكون الا جسما يستدل به خصمك على ان العليم القدير الحى لا يكون الا جسما فيقال لك اثبات حى عليم قدير لا يخلو اما ان يستلزم التجسيم او لا يستلزم فان استلزم لزمك اثبات الجسم فلا يكون لرؤيته محدودا على التقديرين وان لم يستلزم امكن ان يقال ان اثبات العلم والقدرة والارادة لا يستلزم التجسيم فان كان هذا لا يستلزم فهذا لا يستلزم وان كان هذا يستلزم فهذا يستلزم فلا فرق بينهما وان فرق فهو تناقض جلى

فان قال الجهمى والقرمطى والفلسفى الموافق لهما انا انفى الاسماء


48

والصفات معا قيل له لا يمكنك ان تنفى جميع الاسماء اذ لابد من اشارة القلب وتعبير اللسان عما تثبته فان قلت ثابت موجود محقق معلوم قديم واجب اى شىء قلت كنت قد سميته وهب انك لا تنطق بلسانك اما ان تثبت بقلبك موجودا واجبا قديما واما ان لا تثبته فان لم تثبته كان الوجود خاليا عن موجد واجب قديم وحينئذ فتكون الموجودات كلها محدثة ممكنة وبالاضطرار يعلم ان المحدث الممكن لا يوجد الا بقديم واجب فصار نفيك له مستلزما لاثباته ثم هذا هو الكفر والتعطيل الصريح الذى لا يقول به عاقل

وان قلت انا لا اخطر ببالى النظر فى ذلك ولا انطق فيه بلسانى قيل لك اعراض قلبك عن العلم ولسانك عن النطق لا يقتضى قلب الحقائق ولا عدم الموجودات فان ما كان حقا موجودا ثابتا فى نفسك فهو كذلك علمته او جهلته وذكرته او نسيته وذلك لا يقتضى الا الجهل بالله تعالى والغفلة عن ذكر الله والاعراض عنه والكفر به وذلك لا يقتضى انه فى نفسه ليس حقا موجودا له الاسماء الحسنى والصفات العلى

ولا ريب ان هذا هو غاية القرامطة الباطنية والمعطلة الدهرية انهم يبقون فى ظلمة الجهل وضلال الكفر لا يعرفون الله ولا يذكرونه ليس لهم دليل على نفيه ونفى اسمائه وصفاته فان هذا جزم بالنفى وهم لا يجزمون ولا دليل لهم على النفى وقد اعرضوا عن اسمائه وآياته وصاروا جهالا به كافرين به غافلين عن ذكره موتى القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته


49

ثم اذا فعلوا ذلك بزعمهم لئلا يقعوا فى ( التشبيه والتجسيم ( قيل لهم ما فررتم اليه شر مما فررتم عنه فان الاقرار بالصانع على اى وجه كان خير من نفيه وايضا فان هذا العالم المشهود كالسماء والارض ان كان قديما واجبا بنفسه فقد جعلتم الجسم المشهود قديما واجبا بنفسه وهذا شر مما فررتم منه وان لم يكن قديما واجبا بنفسه لزم ان يكون له صانع قديم واجب بنفسه وحينئذ تتضح معرفته وذكره بان اثبات الرب بالقلب واللسان حق لا ريب فيه سمعا وعقلا فان كان ذلك مستلزما لما سميتموه تشبيها وتجسيما فلازم الحق حق وان لم يكن مستلزما له أمكنكم اثباته بدون هذا الكلام فظهر تناقض النفاة كيف صرفت عليهم الدلالات وظهر تناقض من يثبت بعض الصفات دون بعض

فان قالت ( النفاة ( انما نفينا الصفات لان دليلنا على حدوث العالم واثبات الصانع دل على نفيها فان الصانع اثبتناه بحدوث العالم وحدوث العالم انما اثبتناه بحدوث الأجسام والأجسام انما اثبتنا حدوثها بحدوث الصفات التى هى الاعراض او قالوا انما اثبتنا حدوثها بحدوث الأفعال التى هى الحركات وان القابل لها لا يخلو منها وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث او ان ما قبل المجىء والاتيان والنزول كان موصوفا بالحركة وما اتصف بالحركة لم يخل منها او من السكون الذى هو ضدها وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فاذا ثبت حدوث الاجسام قلنا ان المحدث لابد له من محدث فاثبتنا الصانع بهذا


50

فلو وصفناه بالصفات او بالافعال القائمة به لجاز ان تقوم الافعال والصفات بالقديم وحينئذ فلا يكون دليلا على حدوث الاجسام فيبطل دليل اثبات الصفانع

فيقال لهم الجواب من وجوه

( أحدها ( ان بطلان هذا الدليل المعين لا يستلزم بطلان جميع الادلة واثبات الصانع له طرق كثيرة لا يمكن ضبط تفاصيلها وان امكن ضبط جملها

( الثانى ( ان هذا الدليل لم يستدل به احد من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين فلو كانت معرفة الرب عز وجل والايمان به موقوفة عليه للزم انهم كانوا غير عارفين بالله ولا مؤمنين به وهذا من أعظم الكفر باتفاق المسلمين

( الثالث ( أن الانبياء والمرسلين لم يأمروا أحدا بسلوك هذا السبيل فلو كانت المعرفة موقوفة عليه وهى واجبة لكان واجبا وان كانت مستحبة كان مستحبا ولو كان واجبا او مستحبا لشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان مشروعا لنقلته الصحابة

ل


51

( فصل ( فى جمل ( مقالات الطوائف ( و ( موادهم (

أما ( باب الصفات والتوحيد ( فالنفى فيه فى الجملة قول ( الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم من الجهمية ( وان كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق وكذلك بين البغداديين والبصريين اختلاف فى السمع والبصر هل هو علم او ادراك غير العلم وفى الارادة

وهذا المذهب الذى يسميه السلف قول ( جهم ( لانه اول من أظهره فى الاسلام وقد بينت اسناده فيه فى غير هذا الموضع انه متلقى من الصابئة الفلاسفة والمشركين البراهمة واليهود السحرة

والاثبات فى الجملة مذهب ( الصفاتية ( من الكلابية والاشعرية والكرامية وأهل الحديث وجمهور الصوفية والحنبلية واكثر المالكية والشافعية الا الشاذ منهم وكثير من الحنفية او اكثرهم وهو قول السلفية لكن الزيادة فى الاثبات الى حد التشبيه هو قول ( الغالية ( من الرافضة ومن جهال أهل الحديث وبعض المنحرفين

وبين نفى الجهمية واثبات المشبهة مراتب


52

( فالأشعرية ( وافق بعضهم فى الصفات الخبرية وجمهورهم وافقهم فى الصفات الحديثية واما فى الصفات القرآنية فلهم قولان

فالأشعرى والباقلانى وقدماؤهم يثبتونها وبعضهم يقر ببعضها وفيهم تجهم من جهة أخرى فان الاشعرى شرب كلام الجبائى شيخ المعتزلة ونسبته فى الكلام اليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم

وابن الباقلانى اكثر اثباتا بعد الاشعرى فى ( الابانة ( وبعد ابن الباقلانى ابن فورك فانه اثبت بعض ما فى القرآن

و ( أما الجوينى ( ومن سلك طريقته فمالوا الى مذهب المعتزلة فان ابا المعالى كان كثير المطالعة لكتب ابى هاشم قليل المعرفة بالاثار فاثر فيه مجموع الامرين

و ( القشيرى ( تلميذ ابن فورك فلهذا تغلظ مذهب الاشعرى من حينئذ ووقع بينه وبين الحنبلية تنافر بعد ان كانوا متوالفين او متسالمين

و ( أما الحنبلية ( فأبو عبدالله ابن حامد قوى فى الاثبات جاد فيه ينزع لمسائل الصفات الخبرية وسلك طريقه صاحبه القاضى ابو يعلى لكنه الين منه وابعد عن الزيادة فى الاثبات

وأما أبو عبدالله بن بطة فطريقته طريقة المحدثين المحضة كأبى بكر


53

الأجرى فى ( الشريعة ( واللالكائى فى السنن والخلال مثله قريب منه والى طريقته يميل الشيخ أبو محمد ومتأخروا المحدثين

و ( أما التميميون ( كأبى الحسن وابن ابى الفضل وابن رزق الله فهم ابعد عن الاثبات واقرب الى موافقة غيرهم والين لهم ولهذا تتبعهم الصوفية ويميل اليهم فضلاء الاشعرية كالباقلانى والبيهقى فان عقيدة احمد التى كتبها ابو الفضل هى التى اعتمدها البيهقى مع ان القوم ماشون على السنة

وأما ( ابن عقيل ( فاذا انحرف وقع فى كلامه مادة قوية معتزلية فى الصفات والقدر وكرامات الاولياء بحيث يكون الاشعرى احسن قولا منه واقرب الى السنة

فان ( الأشعرى ( ما كان ينتسب الا الى مذهب اهل الحديث وامامهم عنده احمد بن حنبل وقد ذكر ( ابو بكر عبدالعزيز ( وغيره فى مناظراته ما يقتضى انه عنده من متكلمى اهل الحديث لم يجعله مباينا لهم وكانوا قديما متقاربين الا ان فيهم من ينكر عليه ما قد ينكرونه على من خرج منهم الى شىء من الكلام لما فى ذلك من البدعة مع انه فى اصل مقالته ليس على السنة المحضة بل هو مقصر عنها تقصيرا معروفا

و ( الاشعرية ( فيما يثبتونه من السنة فرع على الحنبلية كما ان متكلمة الحنبلية فيما يحتجون به من القياس العقلى فرع عليهم وانما وقعت الفرقة بسبب فتنة القشيرى


54

ولا ريب ان ( الاشعرية ( الخراسانيين كانوا قد انحرفوا الى التعطيل وكثير من الحنبلية زادوا فى الاثبات

وصنف ( القاضى أبو يعلى ( كتابه فى ( ابطال التأويل ( رد فيه على ابن فورك شيخ القشيرى وكان الخليفة وغيره مائلين اليه فلما صار للقشيرية دولة بسبب السلاجقة جرت تلك الفتنة واكثر الحق فيها كان مع الفرائية مع نوع من الباطل وكان مع القشيرية فيها نوع من الحق مع كثير من الباطل

غ

( فابن عقيل ( انما وقع فى كلامه المادة المعتزلية بسبب شيخه ابى على ابن الوليد وابى القاسم بن التبان المعتزليين ولهذا له فى كتابه ( اثبات التنزيه ( وفى غيره كلام يضاهى كلام المريسي ونحوه لكن له فى الاثبات كلام كثير حسن وعليه استقر امره فى كتاب ( الارشاد ( مع انه قد يزيد فى الإثبات لكن مع هذا فمذهبه فى الصفات قريب من مذهب قدماء الاشعرية والكلابية فى انه يقر ما دل عليه القرآن والخبر المتواتر ويتأول غيره ولهذا يقول بعض الحنبلية انا اثبت متوسطا بين تعطيل ابن عقيل وتشبيه ابن حامد

والغزالى فى كلامه مادة فلسفية كبيرة بسبب كلام ابن سينا فى ( الشفا ( وغيره ( ورسائل اخوان الصفا ( وكلام ابى حيان التوحيدى

واما المادة المعتزلية فى كلامه فقليلة او معدومة كما ان المادة الفلسفية فى كلام ابن عقيل قليلة او معدومة

ل


55

وكلامه فى ( الاحياء ( غالبه جيد لكن فيه مواد فاسدة مادة فلسفية ومادة كلامية ومادة من ترهات الصوفية ومادة من الاحاديث الموضوعة

وبينه وبين ابن عقيل قدر مشترك من جهة تناقض المقالات فى الصفات فانه قد يكفر فى احد الصفات بالمقالة التى ينصرها فى المصنف الآخر واذا صنف على طريقة طائفة غلب عليه مذهبها

واما ( ابن الخطيب ( فكثير الاضطراب جدا لا يستقر على حال وانما هو بحث وجدل بمنزلة الذى يطلب ولم يهتد الى مطلوبه بخلاف ابى حامد فانه كثيرا ما يستقر

و ( الاشعرية ( الاغلب عليهم انهم مرجئة فى ( باب الاسماء والاحكام ( جبرية فى ( باب القدر ( واما فى الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من التجهم

و ( المعتزلة ( وعيدية فى ( باب الأسماء والأحكام ( قدرية فى ( باب القدر ( جهمية محضة

واتبعهم على ذلك متأخروا الشيعة وزادوا عليهم الامامة والتفضيل

وخالفوهم فى الوعيد وهم ايضا يرون الخروج على الائمة

واما ( الاشعرية ( فلا يرون السيف موافقة لاهل الحديث وهم فى الجملة اقرب المتكلمين الى مذهب اهل السنة والحديث

و ( الكلابية وكذلك الكرامية ( فيهم قرب الى اهل السنة والحديث وان كان فى مقالة كل من الاقوال ما يخالف اهل السنة والحديث


56

وأما ( السالمية ( فهم الحنبلية كالشىء الواحد الا فى مواضع مخصوصة تجرى مجرى اختلاف الحنابلة فيما بينهم وفيهم تصوف ومن بدع من اصحابنا هؤلاء يبدع ايضا التسمي فى الاصول بالحنبلية وغير ذلك ولا يرى أن يتسمى احد فى الاصول الا بالكتاب والسنة وهذه ( طريقة جيدة ( لكن هذا مما يسوغ فيه الاجتهاد غ

فان مسائل الدق فى الاصول لا يكاد يتفق عليها طائفة اذ لو كان كذلك لما تنازع فى بعضها السلف من الصحابة والتابعين وقد ينكر الشىء فى حال دون حال وعلى شخص دون شخص

وأصل هذا ما قد ذكرته فى غير هذا الموضع ان المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية وان سميت تلك ( مسائل اصول ( وهذه ( مسائل فروع ( فان هذه تسمية محدثة قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين وهو على المتكلمين والأصوليين اغلب لا سيما اذا تكلموا فى مسائل التصويب والتخطئة

واما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية فعندهم ان الأعمال اهم وآكد من مسائل الاقوال المتنازع فيها فان الفقهاء كلامهم انما هو فيها وكثيرا ما يكرهون الكلام فى كل مسألة ليس فيها عمل كما يقوله مالك وغيره من اهل المدينة بل الحق ان الجليل من كل واحد من الصنفين ( مسائل اصول ( والدقيق ( مسائل فروع (


57

فالعلم بوجوب الواجبات كمبانى الاسلام الخمس وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالعلم بأن الله على كل شىء قدير وبكل شىء عليم وانه سميع بصير وان القرآن كلام الله ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة ولهذا من جحد تلك الاحكام العملية المجمع عليها كفر كما ان من جحد هذه كفر

وقد يكون الاقرار بالاحكام العملية اوجب من الاقرار بالقضايا القولية بل هذا هو الغالب فان القضايا القولية يكفى فيها الاقرار بالجمل وهو الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والايمان بالقدر خيره وشره

واما الأعمال الواجبة فلابد من معرفتها على التفصيل لأن العمل بها لا يمكن الا بعد معرفتها مفصلة ولهذا تقر الامة من يفصلها على الاطلاق وهم الفقهاء وان كان قد ينكر على من يتكلم فى تفصيل الجمل القولية للحاجة الداعية الى تفصيل الاعمال الواجبة وعدم الحاجة الى تفصيل الجمل التى وجب الايمان بها مجملة

وقولنا انها قد تكون بمنزلتها يتضمن اشياء

( منها ( أنها تنقسم الى قطعى وظنى و

( منها ( ان المصيب وان كان واحدا فالمخطىء قد يكون معفوا عنه وقد يكون مذنبا وقد يكون فاسقا وقد يكون كالمخطىء فى الاحكام العملية


58

سواء لكن تلك لكثرة فروعها والحاجة الى تفريعها اطمأنت القلوب بوقوع التنازع فيها والاختلاف بخلاف هذه لان الاختلاف هو مفسدة لا يحتمل الا لدرء ما هو اشد منه

فلما دعت الحاجة الى تفريع الأعمال وكثرة فروعها وذلك مستلزم لوقوع النزاع اطمأنت القلوب فيها الى النزاع بخلاف الامور الخبرية فان الاتفاق قد وقع فيها على الجمل فاذا فصلت بلا نزاع فحسن وان وقع التنازع فى تفصيلها فهو مفسدة من غير حاجة داعية الى ذلك

ولهذا ذم اهل الاهواء والخصومات وذم اهل الجدل فى ذلك والخصومة فيه لانه شر وفساد من غير حاجة داعية اليه لكن هذا القدر لا يمنع تفصيلها ومعرفة دقها وجلها

والكلام فى ذلك اذا كان بعلم ولا مفسدة فيه ولا يوجب ايضا تكفير كل من أخطأ فيها الا ان تقوم فيه شروط التكفير هذا لعمرى فى الاختلاف الذى هو تناقض حقيقى

فأما سائر وجوه الاختلاف كاختلاف التنوع والاختلاف الاعتبارى واللفظى فأمره قريب وهو كثير او غالب على الخلاف فى المسائل الخبرية

واما ( الصوفية والعباد ( بل وغالب العامة فالاعتبار عندهم بنفس الاعمال الصالحة وتركها فاذا وجدت دخل الرجل بذلك فيهم وان أخطأ فى


59

بعض المسائل الخبرية والا لم يدخل ولو اصاب فيها بل هم معرضون عن اعتبارها والاصول عندهم هى ويسمون هذه الاصول

ومما يتصل بذلك ان المسائل الخبرية العلمية قد تكون واجبة الاعتقاد وقد تجب فى حال دون حال وعلى قوم دون قوم وقد تكون مستحبة غير واجبة وقد تستحب لطائفة او فى حال كالاعمال سواء

وقد تكون معرفتها مضرة لبعض الناس فلا يجوز تعريفه بها كما قال على رضى الله عنه ( حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون اتحبون ان يكذب الله ورسوله ( وقال ابن مسعود رضى الله عنه ( ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم الا كان فتنة لبعضهم (

وكذلك قال ابن عباس رضى الله عنه لمن سأله عن قوله تعالى ( الله الذى خلق سبع سموات ( الاية فقال ما يؤمنك انى لو اخبرتك بتفسيرها لكفرت وكفرك تكذيبك بها وقال لمن سأله عن قوله تعالى ( تعرج الملائكة والروح اليه فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة ( هو يوم اخبر الله به الله اعلم به ومثل هذا كثير عن السلف

فاذا كان العلم ( بهذه المسائل ( قد يكون نافعا وقد يكون ضارا لبعض الناس تبين لك ان القول قد ينكر فى حال دون حال ومع شخص


60

دون شخص وان العالم قد يقول القولين الصوابين كل قول مع قوم لان ذلك هو الذى ينفعهم مع ان القولين صحيحان لا منافاة بينهما لكن قد يكون قولهما جميعا فيه ضرر على الطائفتين فلا يجمعهما الا لمن لا يضره الجمع

ل

واذا كانت قد تكون قطيعة وقد تكون اجتهادية سوغ اجتهاديتها ما سوغ فى المسائل العملية وكثير من تفسير القرآن او اكثره من هذا الباب فان الاختلاف فى كثير من التفسير هو من باب المسائل العملية الخبرية لا من باب العملية لكن قد تقع الاهواء فى المسائل الكبار كما قد تقع فى مسائل العمل

وقد ينكر احد القائلين على القائل الآخر قوله انكارا يجعله كافرا او مبتدعا فاسقا يستحق الهجر وان لم يستحق ذلك وهو ايضا اجتهاد

وقد يكون ذلك التغليظ صحيحا فى بعض الاشخاص او بعض الاحوال لظهور السنة التى يكفر من خالفها ولما فى القول الاخر من المفسدة الذى يبدع قائله فهذه امور ينبغى ان يعرفها العاقل فان القول الصدق اذا قيل فان صفته الثبوتية اللازمة ان يكون مطابقا للمخبر ا

ما كونه عند المستمع معلوما او مظنونا او مجهولا او قطعيا او ظنيا او يجب قبوله او يحرم او يكفر جاحده او لا يكفر فهذه احكام عملية تختلف باختلاف الاشخاص والاحوال


61

فاذا رأيت اماما قد غلظ على قائل مقالته او كفره فيها فلا يعتبر هذا حكما عاما فى كل من قالها الا اذا حصل فيه الشرط الذى يستحق به التغليظ عليه والتكفير له فان من جحد شيئا من الشرائع الظاهرة وكان حديث العهد بالاسلام او ناشئا ببلد جهل لا يكفر حتى تبلغه الحجة النبوية

وكذلك العكس اذا رأيت المقالة المخطئة قد صدرت من امام قديم فاغتفرت لعدم بلوغ الحجة له فلا يغتفر لمن بلغته الحجة ما اغتفر للاول فلهذا يبدع من بلغته احاديث عذاب القبر ونحوها اذا انكر ذلك ولا تبدع عائشة ونحوها ممن لم يعرف بان الموتى يسمعون فى قبورهم فهذا اصل عظيم فتدبره فانه نافع

وهو ان ينظر فى ( شيئين فى المقالة ( هل هى حق ام باطل ام تقبل التقسيم فتكون حقا باعتبار باطلا باعتبار وهو كثير وغالب

ثم النظر الثانى فى حكمه اثباتا او نفيا او تفصيلا واختلاف احوال الناس فيه فمن سلك هذا المسلك اصاب الحق قولا وعملا وعرف ابطال القول واحقاقه وحمده فهذا هذا والله يهدينا ويرشدنا انه ولي ذلك والقادر عليه


62

( فصل ( قد عرف ان الاشياء لها وجود فى ( الاعيان ( ووجود فى ( الاذهان ( ووجود فى ( اللسان ( ووجود فى ( البنان ( وهو العينى والعلمى واللفظى والرسمى

ثم قال من قال ان الوجود العينى والعلمى لا يختلف باختلاف الاعصار والامصار والامم بخلاف اللفظى والرسمى فان اللغات تختلف باختلاف الامم كالعربية والفارسية والرومية والتركية

وهذا قد يذكره بعضهم فى ( كلام الله تعالى ( انه هو المعنى الذى لا يختلف باختلاف الامم دون الحروف التى تختلف كما هو قول الكلابية والاشعرية ويضمون الى ذلك الى ان كتبه انما اختلفت لاختلاف لفظها فقط فكلامه بالعبرية هو التوراة وبالعربية هو القرآن كما يقولون ان ( المعنى القديم ( يكون امرا ونهيا وخبرا فهذه صفات عارضة له لا انواع له

ويذكر بعضهم هذا القول مطلقا فى ( اصول الفقه ( فى مسائل اللغات ويذكره بعضهم فى مسألة الاسم والمسمى واسماء الله الحسنى كأبى حامد


63

قلت وهذا القول فيه نظر وبعضه باطل وذلك ان الفاظ اللغات ( منها ( متفق عليه كالتنور وكما يوجد من الاسماء المتحدة فى اللغات

و ( منها ( متنوع كأكثر اللغات واختلافها اختلاف تنوع لا تضاد كاختلاف الاسمين للمسمى الواحد وكذلك معانى اللغات فان ( المعنى الواحد ( الذى تعلمه الامم وتعبر عنه كل امة بلسانها قد يكون ذلك المعنى واحدا بالنوع فى الامم بحيث لا يختلف كما يختلف اللفظ الواحد بالعربية

وقد يكون تصور ذلك المعنى متنوعا فى الامم مثل ان يعلمه أحدهم بنعت ويعبر عنه باعتبار ذلك النعت وتعلمه الامة الاخرى بنعت اخر وتعبر عنه باعتبار ذلك النعت كما هو الواقع فى اسماء الله واسماء رسوله وكتابه وكثير من الاسماء المعبر بها عن الاشياء المتفق على علمها فى الجملة ( فتكرى وخداى ونست شك ( ونحو ذلك وان كانت اسماء لله تعالى فليس معناها مطابقا من كل وجه لمعنى اسم الله وكذلك بيغنير وبهشم ونحو ذلك

ولهذا اذا تأملت الالفاظ التى يترجم بها القرآن من الالفاظ الفارسية والتركية وغيرها تجد بين المعانى نوع فرق وان كانت متفقة فى الاصل كما ان اللغتين متفقة فى الصوت وان اختلفت فى تأليفه وقد تجد التفاوت بينها اكثر من التفاوت بين الالفاظ ( المتكافئة ( الواقعة بين المترادفة والمتباينة كالصارم والمهند وكالريب والشك والمور والحركة والصراط والطريق


64

وتختلف اللغتان ايضا فى قدر ذلك المعنى وعمومه وخصوصه كما تختلف فى حقيقته ونوعه وتختلف ايضا فى كيفيته وصفته وغير ذلك

بل الناطقان بالاسم الواحد باللغة الواحدة يتصور أحدهما منه ما لم يتصور الآخر حقيقته وكميته وكيفيته وغير ذلك فاذا كان المعنى المدلول عليه بالاسم الواحد لا يتحد من كل وجه فى قلب الناطقين بل ولا فى قلب الناطق الواحد فى الوقتين فكيف يقال انه يجب اتحاده فى اللغات المتعددة

يوضح ذلك ان ما تعلمه الملائكة منه ليس على حد ما يعلمه البشر وما يعلمه الله فيه ليس على حد ما تعلمه الملائكة لكن الاختلاف اختلاف تنوع لا تضاد

وأما قول من قال ان معانى الكتب المنزلة سواء ففساده معلوم بالاضطرار فانا لو عبرنا عن معانى القرآن بالعبرية وعن معانى التوراة بالعربية لكان أحد المعنيين ليس هو الاخر بل يعلم بالاضطرار تنوع معانى الكتب واختلافها اختلاف تنوع اعظم من اختلاف حروفها لما بين العربية والعبرية من التفاوت وكذلك معانى البقرة ليست هى معانى آل عمران

وأبعد من ذلك جعل الأمر هو الخبر ولا ينكر ان هذه المختلفات قد تشترك فى حقيقة ما كما أن اللغات تشترك فى حقيقة ما فان جاز أن يقال انها واحدة مع تنوعها فكذلك اللغات سواء بل اختلاف المعانى أشد

أما دعوى كون أحدهما صفة حقيقية والأخرى وضعية فليس كذلك


65

وهذا موضع ينتفع به فى ( الاسماء واللغات ( و ( فى اصول الدين ( و ( الفقه ( وفى معرفة ( ترجمة اللغات (

وأيضا لم يجر العرف بأن اللغة الواحدة واللفظ الواحد ( يكون ( النطق به من جميع الناطقين على حد واحد ليس فيه تفاوت اصلا فان حصل المقصود بالجميع فكذلك المعنى الواحد فان اللغات وان اختلفت فقد يحصل اصل المقصود بالترجمة فكذلك المعانى فان الترجمة تكون فى اللفظ والمعنى ولهذا سمى المسلمون ابن عباس ترجمان القرآن وهو يترجم اللفظ


66

( فصل ( مما يبين ان طريقة اتباع الانبياء من ( اهل السنة ( هى الموصلة الى الحق دون طريقة من خالفهم من الفلاسفة والمتكلمين ان المقصود هو العلم وطريقه هو الدليل والانبياء جاؤوا بالاثبات المفصل والنفى المجمل كاثبات الصفات لله مفصلة ونفى الكفؤ عنه

و ( الفلاسفة ( يجيئون بالنفى المفصل ليس بكذا ولا كذا فاذا جاء الاثبات اثبتوا وجودا مجملا واضطربوا فى ( اول مقامات ثبوته ( وهو ان وجوده هو عين ذاته او صفة ذاتية لها او عرضية ونحو ذلك من النزاعات الذهنية اللفظية

ومعلوم ان النفى لا وجود له ولا يعلم النفى والعدم الا بعد العلم بالثبوت والوجود حتى ان طائفة من المتكلمين نفوا العلم بالمعدوم الا اذا جعل شيئا لان العلم فيما زعموا لابد ان يتعلق بشىء والتحقيق ان العلم بالعدم يحصل بواسطة العلم بالموجود فاذا علمنا انه ( لا اله الا الله ( تصورنا الها موجودا وعلمنا عدم ما تصورناه الا عن الله وكذلك سائر ما ننفيه لابد ان نتصوره اولا ثم ننفيه ولا نتصوره الا


67

بعد تصور شىء موجود ثم نتصور ما شابهه او ما يتركب من اجزائه كتصور بحر زئبق وجبل ياقوت وآلهة متعددة ونحو ذلك ثم ننفيه والا فتصور معدوم مبتدع لا يناسب الموجودات بوجه لا يمكن العقل ابداعه سواء كان من العلوم النظرية او العلمية كتصور الفاعل ما يفعله قبل فعله

فانه فى الحقيقة تصور معدوم ليوجد كما ان غيره تصور معدوم ممكن او ممتنع يوجد او لا يوجد فالمعدوم الفعلى وغير الفعلى لا يبتدعه عقل الانسان من غير مادة وجودية كما لا تبدع قدرته شيئا من غير مادة وجودية وانما الابداع من خصائص الربوبية وكيف يعلم وكيف يفعل باب آخر

فتبين بهذا ان العلم بالموجود وصفاته هو الاصل وان العلم بالعدم المطلق والمقيد تبع له وفرع عليه وايضا فالعلم بالعدم لا فائدة للعالم به الا لتمام العلم بالموجود وتمام الموجود فى نفسه اذ تصور ( لا شىء ( لا يستفيد به العالم صفة كمال لكن علمه بانتفاء النقائص مثلا عن الموجود علم بكماله

وكذلك العلم بنفى الشركاء عنه علم بوحدانيته التى هى من الكمال وكذلك تصور ما يراد فعله مفض الى وجود الفعل وتصور ما يراد تركه مفض الى الترك الذى هو عدم الشر الذى يكمل الموجود بعدمه

وذلك ان هذا الذى ذكرته فى العلم والقول يقال مثله فى الارادة والعمل فان الارادة متوجهة الى الموجود بنفسه الذى هو الفعل ومتوجهة الى العدم الذى هو الترك على طريق التبع لدفع الفساد عن المقصود الموجود


68

سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه

قال السائل المسؤول من علماء الاسلام والسادة الاعلام احسن الله ثوابهم وأكرم نزلهم ومآبهم ان يرفعوا حجاب الاجمال ويكشفوا قناع الاشكال عن ( مقدمة ( جميع أرباب الملل والنحل متفقون عليها ومستندون فى ارائهم اليها حاشا مكابرا منهم معاندا وكافرا بربوبية الله جاحدا

وهى ان يقال ( هذه صفة كمال فيجب لله اثباتها وهذه صفة نقص فيتعين انتفاؤها ( لكنهم فى تحقيق مناطها فى افراد الصفات متنازعون وفى تعيين الصفات لاجل القسمين مختلفون

( فأهل السنة ( يقولون اثبات السمع والبصر والحياة والقدرة والعلم والكلام وغيرها من ( الصفات الخبرية ( كالوجه واليدين والعينين والغضب والرضا و ( الصفات الفعلية ( كالضحك والنزول والاستواء صفات كمال وأضدادها صفات نقصان


69

( و الفلاسفة ( تقول اتصافه بهذه الصفات ان أوجب له كمالا فقد استكمل بغيره فيكون ناقصا بذاته وان اوجب له نقصا لم يجز اتصافه بها

و ( المعتزلة ( يقولون لو قامت بذاته صفات وجودية لكان مفتقرا اليها وهى مفتقرة اليه فيكون الرب مفتقرا الى غيره ولانها اعراض لا تقوم الا بجسم والجسم مركب والمركب ممكن محتاج وذلك عين النقص

ويقولون أيضا لو قدر على العباد اعمالهم وعاقبهم عليها كان ظالما وذلك نقص وخصومهم يقولون لو كان فى ملكه ما لا يريده لكان ناقصا و ( الكلابية ومن تبعهم ( ينفون صفات افعاله ويقولون لو قامت به لكان محلا للحوادث والحادث ان اوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص وان لم يوجب له كمالا لم يجز وصفه به

و ( طائفة منهم ( ينفون صفاته الخبرية لاستلزامها التركيب المستلزم للحاجة والافتقار وهكذا نفيهم ايضا لمحبته لانها مناسبة بين المحب والمحبوب ومناسبة الرب للخلق نقص وكذا رحمته لان الرحمة رقة تكون فى الراحم وهى ضعف وخور فى الطبيعة وتألم على المرحوم وهو نقص وكذلك غضبه لان الغضب غليان دم القلب طلبا للانتقام وكذا نفيهم لضحكه وتعجبه لان الضحك خفة روح تكون لتجدد ما يسر واندفاع ما يضر والتعجب استعظام للمتعجب منه


70

و ( منكروا النبوات ( يقولون ليس الخلق بمنزلة ان يرسل اليهم رسولا كما ان اطراف الناس ليسوا اهلا ان يرسل السلطان اليهم رسولا

و ( المشركون ( يقولون عظمة الرب وجلاله يقتضى ان لا يتقرب اليه الا بواسطة وحجاب فالتقرب اليه ابتداء من غير شفعاء ووسائط غض من جنابه الرفيع

هذا وان القائلين بهذه ( المقدمة ( لا يقولون بمقتضاها ولا يطردونها فلو قيل لهم ايما اكمل ذات توصف بسائر انواع الادراكات من الشم والذوق واللمس ام ذات لا توصف بها كلها لقالوا الاولى اكمل ولم يصفوا بها كلها الخالق و ( بالجملة ( فالكمال والنقص من الامور النسبية والمعانى الاضافية فقد تكون الصفة كمالا لذات ونقصا لاخرى وهذا نحو الاكل والشرب والنكاح كمال للمخلوق نقص للخالق وكذا التعاظم والتكبر والثناء على النفس كمال للخالق نقص للمخلوق واذا كان الامر كذلك فلعل ما تذكرونه من صفات الكمال انما يكون كمالا بالنسبة الى الشاهد ولا يلزم ان يكون كمالا للغائب كما بين لا سيما مع تباين الذاتين

وان قلتم نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر فيها هل هى كمال او نقص فلذلك نحيل الحكم عليها باحدهما لانها قد تكون كمالا لذات نقصا لاخرى على ما ذكر


71

وهذا من العجب أن ( مقدمة ( وقع عليها الاجماع هى منشأ الاختلاف والنزاع فرضى الله عمن بين لنا بيانا يشفى العليل ويجمع بين معرفة الحكم وايضاح الدليل انه تعالى سميع الدعاء واهل الرجاء وهو حسبنا ونعم الوكيل

فأجاب رضى الله عنه

الحمد لله الجواب عن هذا السؤال مبنى على ( مقدمتين (

( احداهما ( ان يعلم ان الكمال ثابت لله بل الثابت له هو اقصى ما يمكن من الاكملية بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه الا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة وثبوت ذلك مستلزم نفى نقيضه فثبوت الحياة يستلزم نفى الموت وثبوت العلم يستلزم نفى الجهل وثبوت القدرة يستلزم نفى العجز وان هذا الكمال ثابت له بمقتضى الادلة العقلية والبراهين اليقينية مع دلالة السمع على ذلك

ودلالة القرآن على الامور ( نوعان (

( أحدهما ( خبر الله الصادق فما اخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به

و ( الثانى ( دلالة القرآن بضرب الامثال وبيان الادلة العقلية الدالة على المطلوب فهذه دلالة شرعية عقلية فهى ( شرعية ( لان الشرع دل عليها وارشد اليها و ( عقلية ( لانها تعلم صحتها بالعقل ولا يقال انها لم تعلم الا بمجرد الخبر


72

واذا اخبر الله بالشىء ودل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولا عليه بخبره ومدلولا عليه بدليله العقلى الذى يعلم به فيصير ثابتا بالسمع والعقل وكلاهما داخل فى دلالة القرآن التى تسمى ( الدلالة الشرعية (

وثبوت ( معنى الكمال ( قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة دالة على معانى متضمنة لهذا المعنى فما فى القرآن من اثبات الحمد لله وتفصيل محامده وان له المثل الاعلى واثبات معانى اسمائه ونحو ذلك كله دال على هذا المعنى

وقد ثبت لفظ ( الكامل ( فيما رواه ابن ابى طلحة عن ابن عباس فى تفسير ( قل هو الله أحد

الله الصمد ( ان ( الصمد ( هو المستحق للكمال وهو السيد الذى كمل فى سؤدده والشريف الذى قد كمل فى شرفه والعظيم الذى قد كمل فى عظمته والحكم الذى قد كمل فى حكمه والغنى الذى قد كمل فى غناه والجبار الذى قد كمل فى جبروته والعالم الذى قد كمل فى علمه والحكيم الذى قد كمل فى حكمته وهو الشريف الذى قد كمل فى انواع الشرف والسؤدد وهو الله سبحانه وتعالى

وهذه صفة لا تنبغى الا له ليس له كفؤ ولا كمثله شىء وهكذا سائر صفات الكمال ولم يعلم احد من الامة نازع فى هذا المعنى بل هذا المعنى مستقر فى فطر الناس بل هم مفطورون عليه فانهم كما انهم مفطورون على الاقرار بالخالق فانهم مفطورون على انه اجل واكبر واعلى واعلم واعظم واكمل من كل شىء


73

وقد بينا فى غير هذا الموضع ان الاقرار بالخالق وكماله يكون فطريا ضروريا فى حق من سلمت فطرته وان كان مع ذلك تقوم عليه الادلة الكثيرة وقد يحتاج الى الادلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة واحوال تعرض لها

واما لفظ ( الكامل ( فقد نقل الاشعرى عن الجبائى انه كان يمنع ان يسمى الله كاملا ويقول الكامل الذى له ابعاض مجتمعة

وهذا النزاع ان كان فى المعنى فهو باطل وان كان فى اللفظ فهو نزاع لفظى

و ( المقصود هنا ( ان ثبوت الكمال له ونفى النقائص عنه مما يعلم بالعقل

ل

وزعمت ( طائفة من أهل الكلام ( كابى المعالى والرازى والامدى وغيرهم ان ذلك لا يعلم الا بالسمع الذى هو ( الاجماع ( وان نفى الآفات والنقائص عنه لم يعلم الا بالاجماع وجعلوا الطريق التى بها نفوا عنه ما نفوه انما هو نفى مسمى الجسم ونحو ذلك وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية كالاشعرى والقاضى وابى بكر وابى اسحاق ومن قبلهم من السلف والائمة فى اثبات السمع والبصر والكلام له بالادلة العقلية وتنزيهه عن النقائص بالادلة العقلية

ولهذا صار هؤلاء يعتمدون فى اثبات هذه الصفات على مجرد السمع ويقولون اذا كنا نثبت هذه الصفات بناء على نفى الافات ونفى الافات انما يكون بالاجماع الذى هو دليل سمعى والاجماع انما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب


74

والسنة قالوا والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام اعظم من الايات الدالة على كون الاجماع حجة فالاعتماد فى اثباتها ابتداء على الدليل السمعى الذى هو القرآن أولى وأحرى

ل

والذى اعتمدوا عليه فى النفى من نفى مسمى التحيز ونحوه مع انه بدعة فى الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة ولا اثر عن احد من الصحابة والتابعين هو متناقض فى العقل لا يستقيم فى العقل فانه ما من أحد ينفى شيئا خوفا من كون ذلك يستلزم ان يكون الموصوف به جسما الا قيل له فيما أثبته نظير ما قاله فيما نفاه

وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما اثبته كالمعتزلة لما أثبتوا أنه حى عليم قدير وقالوا انه لا يوصف بالحياة والعلم والقدرة والصفات لان هذه اعراض لا يوصف بها الا ما هو جسم ولا يعقل موصوف الا جسم

فقيل لهم فأنتم وصفتموه بأنه حى عليم قدير ولا يوصف شىء بأنه عليم حى قدير الا ما هو جسم ولا يعقل موصوف بهذه الصفات الا ما هو جسم فما كان جوابكم عن الاسماء كان جوابنا عن الصفات فان جاز ان يقال بل يسمى بهذه الاسماء ما ليس بجسم جاز ان يقال فكذلك يوصف بهذه الصفات ما ليس بجسم وان يقال هذه الصفات ليست اعراضا وان قيل لفظ الجسم ( مجمل ( او ( مشترك ( وان المسمى بهذه الاسماء لا يجب ان يماثله غيره ولا ان يثبت له خصائص غيره جاز ان يقال الموصوف بهذه الصفات لا يجب ان يماثله غيره ولا ان يثبت له خصائص غيره


75

وكذلك اذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع او بالعقل مع الشرع كالرضا والغضب والحب والفرح ونحو ذلك هذه الصفات لا تعقل الا لجسم قيل لهم هذه بمنزلة الارادة والسمع والبصر والكلام فما لزم فى احدهما لزم فى الاخر مثله

وهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم اذا قالوا ثبوت هذه الصفات يستلزم كثرة المعانى فيه وذلك يستلزم كونه جسما او مركبا قيل لهم هذا كما اثبتم انه موجود واجب قائم بنفسه وانه عاقل ومعقول وعقل ولذيذ وملتذ ولذة وعاشق ومعشوق وعشق ونحو ذلك

فان قالوا هذه ترجع الى معنى واحد قيل لهم ان كان هذا ممتنعا بطل الفرق وان كان ممكنا امكن ان يقال فى تلك مثل هذه فلا فرق بين صفة وصفة والكلام على ثبوت الصفات وبطلان اقوال النفاة مبسوط فى غير هذا الموضع

والمقصود هنا ان نبين ان ثبوت الكمال لله معلوم بالعقل وان نقيض ذلك منتف عنه فان الاعتماد فى الاثبات والنفى على هذه الطريق مستقيم فى العقل والشرع دون تلك خلاف ما قاله هؤلاء المتكلمون

وجمهور اهل الفلسفة والكلام يوافقون على ان الكمال لله ثابت بالعقل والفلاسفة تسميه التمام وبيان ذلك من وجوه


76

( منها ( ان يقال قد ثبت ان الله قديم بنفسه واجب الوجود بنفسه قيوم بنفسه خالق بنفسه الى غير ذلك من خصائصه والطريقة المعروفة فى وجوب الوجود تقال فى جميع هذه المعانى

فاذا قيل الوجود اما واجب واما ممكن والممكن لابد له من واجب فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين فهو مثل ان يقال الموجود اما قديم واما حادث والحادث لابد له من قديم فيلزم ثبوت القديم على التقديرين والموجود اما غنى واما فقير والفقير لابد له من الغنى فلزم وجود الغنى على التقديرين والموجود اما قيوم بنفسه واما غير قيوم وغير القيوم لابد له من القيوم فلزم ثبوت القيوم على التقديرين والموجود اما مخلوق واما غير مخلوق والمخلوق لابد له من خالق غير مخلوق فلزم ثبوت الخالق غير المخلوق على التقديرين ونظائر ذلك متعددة

ثم يقال هذا الواجب القديم الخالق اما ان يكون ثبوت الكمال الذى لا نقص فيه للممكن الوجود ممكنا له واما ان لا يكون والثانى ممتنع لان هذا ممكن للموجود المحدث الفقير الممكن فلأن يمكن للواجب الغنى القديم بطريق الاولى والاحرى فان كلاهما موجود والكلام فى الكمال الممكن الوجود الذى لا نقص فيه

فاذا كان الكمال الممكن الوجود ممكنا للمفضول فلأن يمكن للفاضل بطريق الاولى لأن ما كان ممكنا لما هو فى وجوده ناقص فلأن يمكن لما هو


77

فى وجوده اكمل منه بطريق الاولى لا سيما وذلك افضل من كل وجه فيمتنع اختصاص المفضول من كل وجه بكمال لا يثبت للافضل من كل وجه بل ما قد ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل احق به فلان يثبت للفاضل بطريق الاولى

ولان ذلك الكمال انما استفاده المخلوق من الخالق والذى جعل غيره كاملا هو احق بالكمال منه فالذى جعل غيره قادرا اولى بالقدرة والذى علم غيره اولى بالعلم والذى احيا غيره اولى بالحياة والفلاسفة توافق على هذا ويقولون كل كمال للمعلول فهو من اثار العلة والعلة اولى به

واذا ثبت امكان ذلك له فما جاز له من ذلك الكمال الممكن الوجود فانه واجب له لا يتوقف على غيره فانه لو توقف على غيره لم يكن موجودا له الا بذلك الغير وذلك الغير ان كان مخلوقا له لزم ( الدور القبلى ( الممتنع فان ما فى ذلك الغير من الامور الوجودية فهى منه ويمتنع ان يكون كل من الشيئين فاعلا للاخر

ل

وهذا هو ( الدور القبلى ( فان الشىء يمتنع ان يكون فاعلا لنفسه فلأن يمتنع ان يكون فاعلا لفاعله بطريق الاولى والاحرى

وكذلك يمتنع ان يكون كل من الشيئين فاعلا لما به يصير الاخر فاعلا ويمتنع ان يكون كل من الشيئين معطيا للاخر كماله فان معطى الكمال احق بالكمال فيلزم ان يكون كل منهما اكمل من الاخر وهذا ممتنع لذاته فان كون هذا اكمل يقتضى ان هذا افضل من هذا وهذا افضل من هذا وفضل احدهما يمنع مساواة الاخر له فلان يمنع كون الاخر افضل بطريق الاولى


78

وايضا فلو كان كماله موقوفا على ذلك الغير للزم ان يكون كماله موقوفا على فعله لذلك الغير وعلى معاونة ذلك الغير فى كماله ومعاونة ذلك الغير فى كماله موقوف عليه اذ فعل ذلك الغير وافعاله موقوفة على فعل المبدع لا تفتقر الى غيره فيلزم ان لا يكون كماله موقوفا على غيره

فاذا قيل كماله موقوفا على مخلوقه لزم ان لا يتوقف على مخلوقه وما كان ثبوته مستلزما لعدمه كان باطلا من نفسه وايضا فذلك الغير كل كمال له فمنه وهو احق بالكمال منه ولو قيل يتوقف كماله عليه لم يكن متوقفا الا على ما هو من نفسه وذلك متوقف عليه لا على غيره

وان قيل ذلك الغير ليس مخلوقا بل واجبا اخر قديما بنفسه فيقال ان كان أحد هذين هو المعطى دون العكس فهو الرب والاخر عبده

وان قيل بل كل منهما يعطى للآخر الكمال لزم ( الدور فى التأثير ( وهو باطل وهو من ( الدور القبلى ( لا من ( الدور المعى الاقترانى ( فلا يكون هذا كاملا حتى يجعله الاخر كاملا والاخر لا يجعله كاملا حتى يكون فى نفسه كاملا لان جاعل الكامل كاملا احق بالكمال ولا يكون الاخر كاملا حتى يجعله كاملا فلا يكون واحد منهما كاملا بالضرورة فانه لو قيل لا يكون كاملا حتى يجعل نفسه كاملا ولا يجعل نفسه كاملا حتى يكون كاملا لكان ممتنعا فكيف اذا قيل حتى يجعل ما يجعله كاملا كاملا

وان قيل كل واحد له اخر يكمله الى غير نهاية لزم ( التسلل فى


79

المؤثرات ( وهو باطل بالضرورة واتفاق العقلاء فان تقدير مؤثرات لا تتناهى ليس فيها مؤثر بنفسه لا يقتضى وجود شىء منها ولا وجود جميعها ولا وجود اجتماعها والمبدع للموجودات لابد ان يكون موجودا بالضرورة

فلو قدر ان هذا كامل فكماله ليس من نفسه بل من اخر وهلم جرا للزم ان لا يكون لشىء من هذه الامور كمال ولو قدر ان الاول كامل لزم الجمع بين النقيضين واذا كان كماله بنفسه لا يتوقف على غيره كان الكمال له واجبا بنفسه وامتنع تخلف شىء من الكمال الممكن عنه بل ما جاز له من الكمال وجب له كما اقر بذلك الجمهور من اهل الفقه والحديث والتصوف والكلام والفلسفة وغيرهم بل هذا ثابت فى مفعولاته فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وكان ممتنعا بنفسه او ممتنعا لغيره لما ثم الا موجود واجب اما بنفسه واما بغيره او معدوم اما لنفسه واما لغيره والممكن إن حصل مقضيه التام وجب بغيره والا كان ممتنعا لغيره والممكن بنفسه اما واجب لغيره واما ممتنع لغيره

وقد بين الله سبحانه انه احق بالكمال من غيره وان غيره لا يساويه فى الكمال فى مثل قوله تعالى ( افمن يخلق كمن لا يخلق أفلاتذكرون ( وقد بين ان الخلق صفة كمال وان الذى يخلق افضل من الذى لا يخلق وان من عدل هذا بهذا فقد ظلم وقال تعالى ( ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شىء ومن رزقناه


80

منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل اكثرهم لا يعلمون ( فبين ان كونه مملوكان عاجزا صفة نقص وان القدرة والملك والاحسان صفة كمال وانه ليس هذا مثل هذا وهذا لله و ( ذاك ( لما يعبد من دونه

وقال تعالى ( وضرب الله مثلا رجلين احدهما ابكم لا يقدر على شىء وهو كل على مولاه اينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ( وهذا مثل اخر فالاول مثل العاجز عن الكلام وعن الفعل الذى لا يقدر على شىء والاخر المتكلم الامر بالعدل الذى هو على صراط مستقيم فهو عادل فى امره مستقيم فى فعله

فبين ان التفضيل بالكلام المتضمن للعدل والعمل المستقيم فان مجرد الكلام والعمل قد يكون محمودا وقد يكون مذموما فالمحمود هو الذى يستحق صاحبه الحمد فلا يستوى هذا والعاجز عن الكلام والفعل

وقال تعالى ( ضرب لكم مثلا من انفسكم هل لكم مما ملكت ايمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم انفسكم كذلك نفصل الايات لقوم يعقلون (

يقول تعالى اذا كنتم انتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه لما فى ذلك من النقص والظلم فكيف ترضون ذلك لى وانا أحق بالكمال والغنى منكم


81

وهذا يبين انه تعالى احق بكل كمال من كل احد وهذا كقوله ( واذا بشر احدهم بالانثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون ام يدسه فى التراب الا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالاخرة مثل السوء ولله المثل الاعلى وهو العزيز الحكيم ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم الى اجل مسمى فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ويجعلون لله ما يكرهون وتصف السنتهم الكذب ان لهم الحسنى لا جرم ان لهم النار وانهم مفرطون ( حيث كانوا يقولون الملائكة بنات الله وهم يكرهون ان يكون لأحدهم بنت فيعدون هذا نقصا وعيبا

والرب تعالى احق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم فان له ( المثل الاعلى ( فكل كمال ثبت للمخلوق فالخالق احق بثبوته منه اذا كان مجردا عن النقص وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص وعيب فالخالق اولى بتنزيهه عنه

وقال تعالى ( هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون ( وهذا يبين ان العالم اكمل ممن لا يعلم وقال تعالى ( وما يستوى الاعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور ( فبين ان البصير اكمل والنور اكمل والظل اكمل وحينئذ فالمتصف به اولى ( ولله المثل الاعلى (

وقال تعالى ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار الم يروا انه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ( فدل


82

ذلك على ان عدم التكلم والهداية نقص وان الذى يتكلم ويهدى اكمل ممن لا يتكلم ولا يهدى والرب احق بالكمال

وقال تعالى ( قل هل من شركائكم من يهدى الى الحق قل الله يهدى للحق أفمن يهدى الى الحق احق ان يتبع أم من لا يهدى الى ان يهدى فمالكم كيف تحكمون ( فبين سبحانه بما هو مستقر فى الفطر ان الذى يهدى الى الحق احق بالاتباع ممن لا يهتدى الا ان يهديه غيره فلزم ان يكون الهادى بنفسه هو الكامل دون الذى لا يهتدى الا بغيره

واذا كان لابد من وجود الهادى لغير المهتدى بنفسه فهو الاكمل وقال تعالى فى الاية الاخرى ( افلا يرون ان لا يرجع اليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ( فدل على ان الذى يرجع اليه القول ويملك الضر والنفع اكمل منه

وقال ابراهيم لابيه ( يا ابت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا ( فدل على ان السميع البصير الغنى اكمل وان المعبود يجب ان يكون كذلك

ومثل هذا فى القرآن متعدد من وصف الاصنام بسلب ( صفات الكمال ( كعدم التكلم والفعل وعدم الحياة ونحو ذلك مما يبين ان المتصف بذلك منتقص معيب كسائر الجمادات وان هذه الصفات لا تسلب الا عن ناقص معيب


83

واما ( رب الخلق ( الذى هو اكمل من كل موجود فهو احق الموجودات بصفات الكمال وانه لا يستوى المتصف بصفات الكمال والذى لا يتصف بها وهو يذكر ان الجمادات فى العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات

فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف فقد جعله من جنس الاصنام الجامدة التى عابها الله تعالى وعاب عابديها

ولهذا كانت ( القرامطة الباطنية ( من اعظم الناس شركا وعبادة لغير الله اذ كانوا لا يعتقدون فى الههم انه يسمع او يبصر او يغنى عنهم شيئا

والله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له بل ذكرها لبيان انه المستحق للعبادة دون ما سواه فأفاد ( الاصلين ( اللذين بهما يتم التوحيد وهما اثبات صفات الكمال ردا على اهل التعطيل وبيان انه المستحق للعبادة لا اله الا هو ردا على المشركين )

والشرك فى العالم اكثر من التعطيل ولا يلزم من اثبات ( التوحيد ( المنافى للاشراك ابطال قول اهل التعطيل ولا يلزم من مجرد الاثبات المبطل لقول المعطلة الرد على المشركين الا ببيان اخر

والقرآن يذكر فيه الرد على المعطلة تارة كالرد على فرعون وامثاله ويذكر فيه الرد على المشركين وهذا اكثر لان القرآن شفاء لما فى الصدور ومرض الاشراك اكثر فى الناس من مرض التعطيل وايضا فان الله سبحانه


84

اخبر ان له الحمد وانه حميد مجيد وان له الحمد فى الاولى والاخرة وله الحكم ونحو ذلك من انواع المحامد

و ( الحمد نوعان ( حمد على احسانه الى عباده وهو من الشكر وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله وهذا الحمد لا يكون الا على ما هو فى نفسه مستحق للحمد وانما يستحق ذلك من هو متصف بصفات الكمال وهى امور وجودية فان الامور العدمية المحضة لا حمد فيها ولا خير ولا كمال

ومعلوم ان كل ما يحمد فانما يحمد على ماله من صفات الكمال فكل ما يحمد به الخلق فهو من الخالق والذى منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد فثبت انه المستحق للمحامد الكاملة وهو احق من كل محمود بالحمد والكمال من كل كامل وهو المطلوب


85

( فصل ( وأما ( المقدمة الثانية ( فنقول لابد من اعتبار أمرين

( أحدهما ( ان يكون الكمال ممكن الوجود

و ( الثانى ( أن يكون سليما عن النقص فان النقص ممتنع على الله لكن بعض الناس قد يسمى ما ليس بنقص نقصا فهذا يقال له انما الواجب اثبات ما امكن ثبوته من الكمال السليم عن النقص فاذا سميت انت هذا نقصا وقدر ان انتفاء يمتنع لم يكن نقصه من الكمال الممكن ولم يكن هذا عند من سماه نقصا من النقص الممكن انتفاؤه

فاذا قيل خلق المخلوقات فى الازل صفة كمال فيجب ان تثبت له قيل وجود المخلوقات كلها او واحد منها يستلزم الحوادث كلها او واحد منها فى الازل ممتنع ووجود الحوادث المتعاقبة كلها فى آن واحد ممتنع سواء قدر ذلك الآن ماضيا او مستقبلا فضلا عن ان يكون ازليا وما يستلزم الحوادث المتعاقبة يمتنع وجوده في آن واحد فضلا عن يكون ازليا فليس هذا ممكن الوجود فضلا عن ان يكون كمالا لكن فعل الحوادث شيئا بعد شىء اكمل من التعطيل عن فعلها بحيث لا يحدث شيئا بعد ان لم يكن فان الفاعل القادر على الفعل اكمل من الفاعل العاجز عن الفعل


86

فاذا قيل لا يمكنه احداث الحوادث بل مفعوله لازم لذاته كان هذا نقصا بالنسبة الى القادر الذى يفعل شيئا بعد شىء وكذلك اذا قيل جعل الشىء الواحد متحركا ساكنا موجودا معدوما صفة كمال قيل هذا ممتنع لذاته

وكذلك اذا قيل ابداع قديم واجب بنفسه صفة كمال قيل هذا ممتنع لنفسه فان كونه مبدعا يقتضى ان لا يكون واجبا بنفسه بل واجبا بغيره فاذا قيل هو واجب موجود بنفسه وهو لم يوجد الا بغيره كان هذا جمعا بين النقيضين

مجموع أعمال إبن تيمية ( مؤسسة البرامج الإسلامية (

وكذلك اذا قيل الافعال القائمة والمفعولات المنفصلة عنه اذا كان اتصافه بها صفة كمال فقد فاتته فى الازل وان كان صفة نقص فقد لزم اتصافه بالنقائص قيل الافعال المتعلقة بمشيئته وقدرته يمتنع ان يكون كل منها ازليا

وأيضا فلا يلزم أن يكون وجود هذه فى الازل صفة كمال بل الكمال ان توجد حيث اقتضت الحكمة وجودها

وأيضا فلو كانت ازلية لم تكن موجودة شيئا بعد شىء

فقول القائل فيما حقه ان يوجد شيئا بعد شىء فينبغى ان يكون فى الازل جمع بين النقيضين وامثال هذا كثير فلهذا قلنا الكمال الممكن الوجود فما هو ممتنع فى نفسه فلا حقيقة له فضلا عن ان يقال هو موجود أو يقال هو كمال للموجود


87

واما الشرط الاخر وهو قولنا الكمال الذى لا يتضمن نقصا على التعبير بالعبارة السديدة او الكمال الذى لا يتضمن نقصا يمكن انتفاؤه على عبارة من يجعل ما ليس بنقص نقصا فاحترز عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض وهو نقص بالاضافة الى الخالق لإستلزامه نقصا كالاكل والشرب مثلا فان الصحيح الذى يشتهى الاكل والشرب من الحيوان اكمل من المريض الذى لا يشتهى الاكل والشرب لأن قوامه بالاكل والشرب

فاذا قدر غير قابل له كان ناقصا عن القابل لهذا الكمال لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب الى غيره وهو ما يدخل فيه من الطعام والشراب وهو مستلزم لخروج شىء منه كالفضلات وما لا يحتاج الى دخول شىء فيه أكمل ممن يحتاج الى دخول شىء فيه وما يتوقف كماله على غيره انقص مما لا يحتاج فى كماله الى غيره فان الغنى عن شىء اعلى من الغنى به والغنى بنفسه اكمل من الغنى بغيره

ل

ولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة الى الخالق وهو كل ما كان مستلزما لامكان العدم عليه المنافى لوجوبه وقيوميته او مستلزما للحدوث المنافى لقدمه او مستلزما لفقره المنافى لغناه


88

( فصل ( اذا تبين هذا تبين ان ما جاء به ( الرسول ( هو الحق الذى يدل عليه المعقول وان اولى الناس بالحق اتبعهم له واعظمهم له موافقة ( وهم سلف الامة وأئمتها ( الذين اثبتوا ما دل عليه الكتاب والسنة من الصفات ونزهوه عن مماثلة المخلوقات

فان الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام صفات كمال ممكنة بالضرورة ولا نقص فيها فان من اتصف بهذه الصفات فهو اكمل ممن لا يتصف بها والنقص فى انتفائها لا فى ثبوتها والقابل للاتصاف بها كالحيوان اكمل ممن لا يقبل الاتصاف بها كالجمادات

وأهل الاثبات يقولون للنفاة لو لم يتصف بهذه الصفات لا تصف بأضدادها من الجهل والبكم والعمى والصمم

فقال لهم النفاة هذه الصفات متقابلة تقابل العدم والملكة لا تقابل السلب والايجاب والمتقابلان تقابل العدم والملكة انما يلزم من انتفاء احدهما ثبوت الاخر اذا كان المحل قابلا لهما كالحيوان الذى لا يخلو اما أن


89

يكون أعمى واما أن يكون بصيرا لأنه قابل لهما بخلاف الجماد فانه لا يوصف لا بهذا ولا بهذا

فيقول لهم أهل الاثبات هذا باطل من وجوه

( أحدها ( أن يقال الموجودات ( نوعان ( نوع يقبل الاتصاف بالكمال كالحي ونوع لا يقبله كالجماد ومعلوم أن القابل للاتصاف بصفات الكمال أكمل ممن لا يقبل ذلك

وحينئذ فالرب ان لم يقبل الاتصاف بصفات الكمال لزم انتفاء اتصافه بها وان يكون القابل لها وهو الحيوان الاعمى الاصم الذي لا يقبل السمع والبصر أكمل منه فان القابل للسمع والبصر فى حال عدم ذلك اكمل ممن لا يقبل ذلك فكيف المتصف بها فلزم من ذلك أن يكون مسلوبا لصفات الكمال على قولهم ممتنعا عليه صفات الكمال فأنتم فررتم من تشبيهه بالأحياء فشبهتموه بالجمادات وزعمتم انكم تنزهونه عن النقائص فوصفتموه بما هو أعظم النقص

( الوجه الثانى ( أن يقال هذا التفريق بين السلب والايجاب وبين العدم والملكة امر اصطلاحى وإلا فكل ما ليس بحي فانه يسمى ميتا كما قال تعالى ( والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون اموات غير احياء وما يشعرون ايان يبعثون (


90

( الوجه الثالث ( أن يقال نفس سلب هذه الصفات نقص وان لم يقدر هناك ضد ثبوتي فنحن نعلم بالضرورة ان ما يكون حيا عليما قديرا متكلما سميعا بصيرا أكمل ممن لا يكون كذلك وان ذلك لا يقال سميع ولا اصم كالجماد واذا كان مجرد اثبات هذه الصفات من الكمال ومجرد سلبها من النقص وجب ثبوتها لله تعالى لأنه كمال ممكن للموجود ولا نقص فيه بحال بل النقص فى عدمه

وكذلك إذا قدرنا موصوفين بهذه الصفات

( أحدهما ( يقدر على التصرف بنفسه فيأتي ويجيء وينزل ويصعد ونحو ذلك من انواع الافعال القائمة به ( والآخر ( يمتنع ذلك منه فلا يمكن ان يصدر منه شيء من هذه الافعال كان هذا القادر على الافعال التى تصدر عنه اكمل ممن يمتنع صدورها عنه

واذا قيل قيام هذه الافعال يستلزم قيام الحوادث به كان كما اذا قيل قيام الصفات به يستلزم قيام الاعراض به

ولفظ ( الاعراض والحوادث ( لفظان مجملان فان اريد بذلك ما يعقله اهل اللغة من ان الاعراض والحوادث هى الامراض والافات كما يقال فلان قد عرض له مرض شديد وفلان قد احدث حدثا عظيما كما قال النبى ( ( اياكم ومحدثات الامور فان كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة (


91

وقال ( لعن الله من أحدث حدثا او آوى محدثا ( وقال ( اذا أحدث أحدكم فلا يصلى حتى يتوضأ ( ويقول الفقهاء الطهارة ( نوعان ( طهارة الحدث وطهارة الخبث

ويقول أهل الكلام اختلف الناس فى ( أهل الأحداث ( من أهل القبلة كالربا والسرقة وشرب الخمر ويقال فلان به عارض من الجن وفلان حدث له مرض فهذه من النقائص التى ينزه الله عنها

وان اريد بالاعراض والحوادث اصطلاح خاص فانما احدث ذلك الاصطلاح من أحدثه من أهل الكلام وليست هذه لغة العرب ولا لغة أحد من الأمم لا لغة القرآن ولا غيره ولا العرف العام ولا اصطلاح اكثر الخائضين فى العلم بل مبتدعوا هذا الاصطلاح هم من أهل البدع المحدثين فى الامة الداخلين فى ذم النبى ( (

وبكل حال فمجرد هذا الاصطلاح وتسمية هذه اعراضا وحوادث لا يخرجها عن انها من الكمال الذى يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف بها او يمكنه ذلك ولا يتصف به

و ( أيضا ( فاذا قدر اثنان أحدهما موصوف بصفات الكمال التى هى اعراض وحوادث على اصطلاحهم كالعلم والقدرة والفعل والبطش والآخر يمتنع ان يتصف بهذه الصفات التى هى اعراض وحوادث كان الأول اكمل كما ان الحى المتصف بهذه الصفات اكمل من الجمادات


92

وكذلك اذا قدر ( اثنان ( أحدهما يحب نعوت الكمال ويفرح بها ويرضاها والآخر لا فرق عنده بين صفات الكمال وصفات النقص فلا يحب لا هذا ولا هذا ولا يرضى لا هذا ولا هذا ولا يفرح لا بهذا ولا بهذا كان الأول اكمل من الثانى

ومعلوم ان الله تبارك وتعالى يحب المحسنين والمتقين والصابرين والمقسطين ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهذه كلها صفات كمال

وكذلك اذا قدر اثنان أحدهما يبغض المتصف بضد الكمال كالظلم والجهل والكذب ويغضب على من يفعل ذلك والآخر لا فرق عنده بين الجاهل الكاذب الظالم وبين العالم الصادق العادل لا يبغض لا هذا ولا هذا ولا يغضب لا على هذا ولا على هذا كان الاول اكمل

وكذلك اذا قدر اثنان أحدهما يقدر ان يفعل بيديه ويقبل بوجهه والاخر لا يمكنه ذلك اما لامتناع أن يكون له وجه ويدان واما لامتناع الفعل والاقبال عليه باليدين والوجه كان الاول اكمل

فالوجه واليدان لا يعدان من صفات النقص فى شىء مما يوصف بذلك ووجه كل شىء بحسب ما يضاف اليه وهو ممدوح به لا مذموم كوجه النهار ووجه الثوب ووجه القوم ووجه الخيل ووجه الرأى وغير ذلك وليس الوجه المضاف الى غيره هو نفس المضاف اليه فى شىء من موارد الاستعمال سواء قدر الاستعمال حقيقة او مجازا


93

( فان قيل ( من يمكنه الفعل بكلامه او بقدرته بدون يديه اكمل ممن يفعل بيديه قيل من يمكنه الفعل بقدرته او تكليمه اذا شاء وبيديه اذا شاء هو أكمل ممن لا يمكنه الفعل الا بقدرته او تكليمه ولا يمكنه ان يفعل باليد

ولهذا كان ( الانسان ( أكمل من الجمادات التى تفعل بقوى فيها كالنار والماء فاذا قدر اثنان احدهما لا يمكنه الفعل الا بقوة فيه والآخر يمكنه الفعل بقوة فيه وبكلامه فهذا أكمل فاذا قدر آخر يفعل بقوة فيه وبكلامه وبيديه اذا شاء فهو أكمل وأكمل

وأما صفات النقص فمثل النوم فان الحى اليقظان أكمل من النائم والوسنان والله لا تأخذه سنة ولا نوم وكذلك من يحفظ الشىء بلا اكتراث أكمل ممن يكرثه ذلك والله تعالى وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما

وكذلك من يفعل ولا يتعب أكمل ممن يتعب والله تعالى خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام وما مسه من لغوب

ولهذا وصف الرب بالعلم دون الجهل والقدرة دون العجز والحياة دون الموت والسمع والبصر والكلام دون الصمم والعمى والبكم والضحك دون البكاء والفرح دون الحزن


94

وأما الغضب مع الرضا والبغض مع الحب فهو اكمل ممن لا يكون منه الا الرضا والحب دون البغض والغضب للأمور المذمومة التى تستحق أن تذم وتبغض

ولهذا كان اتصافه بأنه يعطى ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل أكمل من اتصافه بمجرد الاعطاء والاعزاز والرفع لأن الفعل الآخر حيث تقتضى الحكمة ذلك أكمل مما لا يفعل الا أحد النوعين ويخل بالآخر فى المحل المناسب له ومن اعتبر هذا الباب وجده على قانون الصواب والله الهادى لأولى الألباب


95

( فصل ( وأما قول ملاحدة ( المتفلسفة ( وغيرهم ان اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالا فقد استكمل بغيره فيكون ناقصا بذاته وان أوجب له نقصا لم يجز اتصافه بها فيقال قد تقدم ان الكمال المعين هو الكمال الممكن الوجود الذى لا نقص فيه

وحينئذ فقول القائل يكون ناقصا بذاته ان اراد به أن يكون بدون هذه الصفات ناقصا فهذا حق لكن من هذا فررنا وقدرنا أنه لابد من صفات الكمال والا كان ناقصا

وان أراد به أنه انما صار كاملا بالصفات التى اتصف بها فلا يكون كاملا بذاته المجردة عن هذه الصفات فيقال اولا هذا انما يتوجه انه لو أمكن وجود ذات مجردة عن هذه الصفات أو أمكن وجود ذات كاملة مجردة عن هذه الصفات فاذا كان احد هذين ممتنعا امتنع كماله بدون هذه الصفات فكيف اذا كان كلاهما ممتنعا فان وجود ذات كاملة بدون هذه الصفات ممتنع فانا نعلم بالضرورة ان ( الذات ( التى لا تكون حية عليمة قديرة سميعة بصيرة متكلمة ليست أكمل من الذات التى تكون حية عليمة سميعة بصيرة متكلمة واذا كان صريح العقل يقضى بأن الذات المسلوبة هذه الصفات ليست مثل


96

الذات المتصفة فضلا عن أن تكون أكمل منها ويقضى بأن الذات المتصفة بها أكمل علم بالضرورة امتناع كمال الذات بدون هذه الصفات فان قيل بعد ذلك لا تكون ذاته ناقصة مسلوبة الكمال الا بهذه الصفات قيل الكمال بدون هذه الصفات ممتنع وعدم الممتنع ليس نقصا وانما النقص عدم ما يمكن

وأيضا فاذا ثبت انه يمكن اتصافه بالكمال وما اتصف به وجب له وامتنع تجرد ذاته عن هذه الصفات فكان تقدير ذاته منفكة عن هذه الصفات تقديرا ممتنعا

واذا قدر للذات تقدير ممتنع وقيل انها ناقصة بدونه كان ذلك مما يدل على امتناع ذلك التقدير لا على امتناع نقيضه كما لو قيل اذا مات كان ناقصا فهذا يقتضى وجوب كونه حيا كذلك اذا كان تقدير ذاته خالية عن هذه الصفات يوجب أن تكون ناقصة كان ذلك مما يستلزم ان يوصف بهذه الصفات

وأيضا فقول القائل اكتمل بغيره ممنوع فانا لا نطلق على صفاته انها غيره ولا انها ليست غيره على ما عليه ( أئمة السلف ( كالامام أحمد بن حنبل وغيره وهو اختيار حذاق المثبتة كإبن كلاب وغيره

ومنهم من يقول أنا لاطلق عليها أنها ليست هى هو ولا أطلق عليها أنها ليست غيره ولا أجمع بين السلبين فأقول لا هى هو ولا هى غيره وهو اختيار طائفة من المثبتة كالأشعرى وأظن أن قول أبى الحسن التميمى هو هذا او ما يشبه هذا


97

ومنهم من يجوز اطلاق هذا السلب وهذا السلب فى اطلاقهما جميعا كالقاضى أبى بكر والقاضى أبى يعلى

ومنشأ هذا أن لفظ ( الغير ( يراد به المغاير للشىء ويراد به ما ليس هو اياه وكان فى اطلاق الألفاظ المجملة ايهام لمعانى فاسدة

ونحن نجيب بجواب علمى فنقول قول القائل يتكمل بغيره أيريد به بشىء منفصل عنه أم يريد بصفة لوازم ذاته أما الأول فممتنع وأما الثانى فهو حق ولوازم ذاته لا يمكن وجود ذاته بدونها كما لا يمكن وجودها بدونه وهذا كمال بنفسه لا بشىء مباين لنفسه

وقد نص الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره وأئمة المثبتة كأبى محمد بن كلاب وغيره على أن القائل اذا قال الحمد لله أو قال دعوت الله وعبدته أو قال بالله فاسم الله متناول لذاته المتصفة بصفاته وليست صفاته زائدة على مسمى أسمائه الحسنى

واذا قيل هل صفاته زائدة على الذات أم لا قيل ان أريد بالذات المجردة التى يقربها نفاة الصفات فالصفات زائدة عليها وان اريد بالذات الذات الموجودة فى الخارج فتلك لا تكون موجودة الا بصفاتها اللازمة والصفات ليست زائدة على الذات المتصفة بالصفات وان كانت زائدة على الذات التى يقدر تجردها عن الصفات


98

( فصل ( وأما قول القائل لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا اليها وهى مفتقرة اليه فيكون الرب مفتقرا الى غيره فهو من جنس السؤال الأول

فيقال أولا قول القائل ( لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا اليها ( يقتضى امكان جوهر تقوم به الصفات وامكان ذات لا تقوم بها الصفات فلو كان أحدهما ممتنعا لبطل هذا الكلام فكيف اذا كان كلاهما ممتنعا فان تقدير ذات مجردة عن جميع الصفات انما يمكن فى الذهن لا فى الخارج كتقدير وجود مطلق لا يتعين فى الخارج

ولفظ ( ذات ( تأنيث ذو وذلك لا يستعمل الا فيما كان مضافا الى غيره فهم يقولون فلان ذو علم وقدرة ونفس ذات علم وقدرة وحيث جاء فى القرآن او لغة العرب لفظ ( ذو ( ولفظ ( ذات ( لم يجىء الا مقرونا بالاضافة كقوله ( فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم ( وقوله ( عليم بذات الصدور (

وقول خبيب رضى الله عنه

وذلك فى ذات الاله


99

ونحو ذلك

لكن لما صار النظار يتكلمون فى هذا الباب قالوا انه يقال انها ذات علم وقدرة ثم انهم قطعوا هذا اللفظ عن الاضافة وعرفوه فقالوا ( الذات ( وهى لفظ مولد ليس من لفظ العرب العرباء ولهذا أنكره طائفة من اهل العلم كأبى الفتح بن برهان وابن الدهان وغيرهما وقالوا ليست هذه اللفظة عربية ورد عليهم آخرون كالقاضى وابن عقيل وغيرهما (

وفصل الخطاب ( انها ليست من العربية العرباء بل من المولدة كلفظ الموجود ولفظ الماهية والكيفية ونحو ذلك فهذا اللفظ يقتضى وجود صفات تضاف الذات اليها فيقال ذات علم وذات قدرة وذات كلام والمعنى كذلك فانه لا يمكن وجود شىء قائم بنفسه فى الخارج لا يتصف بصفة ثبوتية اصلا بل فرض هذا فى الخارج كفرض عرض يقوم بنفسه لا بغيره

ففرض عرض قائم بنفسه لا صفة له كفرض صفة لا تقوم بغيرها وكلاهما ممتنع فما هو قائم بنفسه فلابد له من صفة وما كان صفة فلابد له من قائم بنفسه متصف به

ولهذا سلم المنازعون انهم لا يعلمون قائما بنفسه لا صفة له سواء سموه جوهرا او جسما او غير ذلك ويقولون وجود جوهر معرى عن جميع


100

الاعراض ممتنع فمن قدر امكان موجود قائم بنفسه لا صفة له فقد قدر ما لا يعلم وجوده فى الخارج ولا يعلم امكانه فى الخارج فكيف اذا علم أنه ممتنع فى الخارج عن الذهن

وكلام نفاة الصفات جميعه يقتضى ان ثبوته ممتنع وانما يمكن فرضه فى العقل فالعقل يقدره فى نفسه كما يقدر ممتنعات لا يعقل وجودها فى الوجود ولا امكانها فى الوجود

وأيضا ( فالرب تعالى ( اذا كان اتصافه بصفات الكمال ممكنا وما امكن له وجب امتنع ان يكون مسلوبا صفات الكمال ففرض ذاته بدون صفاته اللازمة الواجبة له فرض ممتنع

وحينئذ فاذا كان فرض عدم هذا ممتنعا عموما وخصوصا فقول القائل يكون مفتقرا اليها وتكون مفتقرة اليه انما يعقل مثل هذا فى شيئين يمكن وجود كل واحد منهما دون الاخر فاذا امتنع هذا بطل هذا التقدير

ثم يقال له ما تعنى بالافتقار اتعنى ان الذات تكون فاعلة للصفات مبدعة لها او بالعكس ام تعنى التلازم وهو ان لا يكون أحدهما الا بالاخر فان عنيت افتقار المفعول الى الفاعل فهذا باطل فان الرب ليس بفاعل لصفاته اللازمة له بل لا يلزمه شىء معين من افعاله ومفعولاته فكيف تجعل صفاته مفعولة له وصفاته لازمة لذاته ليست من مفعولاته وان عنيت التلازم فهو حق


101

وهذا كما يقال لا يكون موجودا الا ان يكون قديما واجبا بنفسه ولا يكون عالما قادرا الا ان يكون حيا فاذا كانت صفاته ملازمة ( لذاته ( كان ذلك أبلغ فى الكمال من جواز التفريق بينهما فانه لو جاز وجوده بدون صفات الكمال لم يكن الكمال واجبا له بل ممكنا له وحينئذ فكان يفتقر فى ثبوتها له الى غيره وذلك نقص ممتنع عليه كما تقدم بيانه فعلم ان التلازم بين الذات وصفات الكمال هو كمال الكمال


102

( فصل ( وأما القائل انها اعراض لا تقوم الا بجسم مركب والمركب ممكن محتاج وذلك عين النقص فللمثبتة للصفات فى اطلاق لفظ ( العرض ( على صفاته ( ثلاث طرق (

( منهم ( من يمنع ان تكون اعراضا ويقول بل هى صفات وليست اعراضا كما يقول ذلك الأشعرى وكثير من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيره

( ومنهم ( من يطلق عليها لفظ الاعراض كهشام وابن كرام وغيرهما ( ومنهم ( من يمتنع من الاثبات والنفى كما قالوا فى لفظ الغير وكما امتنعوا عن مثل ذلك فى لفظ الجسم ونحوه فان قول القائل ( العلم عرض ( بدعة وقوله ليس بعرض ( بدعة ( كما أن قوله ( الرب جسم ( بدعة وقوله ( ليس بجسم ( بدعة

وكذلك ايضا لفظ ( الجسم ( يراد به فى اللغة البدن والجسد كما ذكر ذلك الاصمعى وابو زيد وغيرهما من اهل اللغة

( وأما أهل الكلام ( فمنهم من يريد به المركب ويطلقه على الجوهر الفرد


103

بشرط التركيب او على الجوهرين او على اربعة جواهر او ستة او ثمانية او ستة عشر او اثنين وثلاثين او المركب من المادة والصورة

( ومنهم ( من يقول هو الموجود او القائم بنفسه

وعامة هؤلاء وهؤلاء يجعلون المشار اليه متساويا فى العموم والخصوص فلما كان اللفظ قد صار يفهم منه معان بعضها حق وبعضها باطل صار مجملا

(

وحينئذ ( فالجواب العلمى ( ان يقال اتعنى بقولك انها اعراض انها قائمة بالذات او صفة للذات ونحو ذلك من المعانى الصحيحة ام تعنى بها أنها آفات ونقائص ام تعنى بها أنها تعرض وتزول ولا تبقى زمانين فان عنيت الاول فهو صحيح وان عنيت الثانى فهو ممنوع وان عنيت الثالث فهذا مبنى على قول من يقول العرض لا يبقى زمانين فمن قال ذلك وقال هى باقية قال لا اسميها اعراضا ومن قال بل العرض يبقى زمانين لم يكن هذا مانعا من تسميتها اعراضا

وقولك العرض لا يقوم الا بجسم فيقال لك هو حى عليم قدير عندك وهذه الاسماء لا يسمى بها الا جسم كما أن هذه الصفات التى جعلتها اعراضا لا يوصف بها الا جسم فما كان جوابك عن ثبوت الاسماء كان جوابا لأهل الاثبات عن اثبات الصفات

ويقال له ما تعنى بقولك هذه الصفات اعراض لا تقوم الا بجسم أتعنى


104

بالجسم المركب الذى كان مفترقا فاجتمع او ما ركبه مركب فجمع اجزاءه او ما أمكن تفريقه وتبعيضه وانفصال بعضه عن بعض ونحو ذلك ام تعنى به ما هو مركب من الجواهر الفردة او من المادة والصورة او تعنى به ما يمكن الاشارة اليه او ما كان قائما بنفسه أو ما هو موجود

فان عنيت ( الاول ( لم نسلم ان هذه الصفات التى سميتها اعراضا لا تقوم الا بجسم بهذا التفسير وان عنيت به ( الثانى ( لم نسلم امتناع التلازم فان الرب تعالى موجود قائم بنفسه مشار اليه عندنا فلا نسلم انتفاء التلازم على هذا التقدير

وقول القائل المركب ممكن ان اراد بالمركب المعانى المتقدمة مثل كونه كان مفترقا فاجتمع او ركبه مركب او يقبل الانفصال فلا نسلم المقدمة الاولى التلازمية وان عنى به ما يشار اليه او ما يكون قائما بنفسه موصوفا بالصفات فلا نسلم انتفاء الثانية فالقول بالأعراض مركب من ( مقدمتين ( تلازمية واستثنائية بألفاظ مجملة فاذا استفصل عن المراد حصل المنع والابطال لأحدهما او لكليهما واذا بطلت احدى المقدمتين على كل تقدير بطلت الحجة


105

( فصل ( وأما قول القائل لو قامت به الافعال لكان محلا للحوادث والحادث ان اوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص وان لم يوجب له كمالا لم يجز وصفه به فيقال ( أولا ( هذا معارض بنظيره من الحوادث التى يفعلها فان كليهما حادث بقدرته ومشيئته وانما يقترنان فى المحل وهذا التقسيم وارد على الجهتين

وان قيل فى الفرق المفعول لا يتصف به بخلاف الفعل القائم به قيل فى الجواب بل هم يصفونه بالصفات الفعلية ويقسمون الصفات الى نفسية وفعلية فيصفونه بكونه خالقا ورازقا بعد ان لم يكن كذلك وهذا التقسيم وارد عليهم

وقد اورده عليهم الفلاسفة فى ( مسألة حدوث العالم ( فزعموا ان صفات الافعال ليست صفة كمال ولا نقص

فيقال لهم كما قالوا لهؤلاء ( فى الافعال ( التى تقوم به انها ليست كمالا ولا نقصا

فان قيل لابد أن يتصف اما بنقص او بكمال قيل لابد ان يتصف من


106

الصفات الفعلية اما بنقص واما بكمال فان جاز ادعاء خلو أحدهما عن القسمين امكن الدعوى فى الآخر مثله والا فالجواب مشترك

وأما ( المتفلسفة ( فيقال لهم القديم لا تحله الحوادث ولا يزال محلا للحوادث عندكم فليس القدم مانعا من ذلك عندكم بل عندكم هذا هو ( الكمال الممكن ( الذى لا يمكن غيره وانما نفوه عن واجب الوجود لظنهم عدم اتصافه به

وقد تقدم التنبيه على ابطال قولهم فى ذلك لا سيما وما قامت به الحوادث المتعاقبة يمتنع وجوده عن علة تامة ازلية موجبة لمعلولها فان العلة التامة الموجبة يمتنع ان يتأخر عنها معلولها او شىء من معلولها ومتى تأخر عنها شىء من معلولها كانت علة له بالقوة لا بالفعل واحتاج مصيرها علة بالفعل الى سبب آخر فان كان المخرج لها من القوة الى الفعل هو نفسه صار فيه ما هو القوة وهو المخرج له الى الفعل وذلك يستلزم أن يكون قابلا او فاعلا وهم يمنعون ذلك لامتناع الصفات التى يسمونها التركيب

وان كان المخرج له غيره كان ذلك ممتنعا بالضرورة والاتفاق لأن ذلك ينافى وجوب الوجود ولأنه يتضمن ( الدور المعى ( و ( التسلسل فى المؤثرات ( وان كان هو الذى صار فاعلا للمعين بعد ان لم يكن امتنع ان يكون علة تامة أزلية فقدم شىء من العالم يستلزم كونه علة تامة فى الازل وذلك يستلزم ان لا يحدث عنه شىء بواسطة وبغير واسطة وهذا مخالف للمشهود


107

ويقال ( ثانيا ( فى ابطال قول من جعل حدوث الحوادث ممتنعا هذا مبنى على تجدد هذه الامور بتجدد الاضافات والاحوال والاعدام فان الناس متفقون على تجدد هذه الامور وفرق الآمدى بينهما من جهة اللفظ فقال هذه حوادث وهذه متجددات والفروق اللفظية لا تؤثر فى الحقائق العلمية

فيقال تجدد هذه المتجددات ان اوجب له كمالا فقد عدمه قبله وهو نقص وان اوجب له نقصا لم يجز وصفه به

ويقال ( ثالثا ( الكمال الذى يجب اتصافه به هو الممكن الوجود واما الممتنع فليس من الكمال الذى يتصف به موجود والحوادث المتعلقة بقدرته ومشيئته يمتنع وجودها جميعا فى الازل فلا يكون انتفاؤها فى الازل نقصا لأن انتفاء الممتنع ليس بنقص

ويقال ( رابعا ( اذا قدر ذات تفعل شيئا بعد شىء وهى قادرة على الفعل بنفسها وذات لا يمكنها ان تفعل بنفسها شيئا بل هى كالجماد الذى لا يمكنه ان يتحرك كانت الاولى اكمل من الثانية فعدم هذه الافعال نقص بالضرورة واما وجودها بحسب الامكان فهو الكمال

ويقال ( خامسا ( لا نسلم ان عدم هذه مطلقا نقص ولا كمال ولا وجودها مطلقا نقص ولا كمال بل وجودها فى الوقت الذى اقتضته مشيئته وقدرته


108

وحكمته هو الكمال ووجودها بدون ذلك نقص وعدمها مع اقتضاء الحكمة عدمها كمال ووجودها حيث اقتضت الحكمة وجودها هو الكمال

واذا كان الشىء الواحد يكون وجوده تارة كمالا وتارة نقصا وكذلك عدمه بطل التقسيم المطلق وهذا كما ان الشىء يكون رحمة بالخلق اذا احتاجوا اليه كالمطر ويكون عذابا اذا ضرهم فيكون انزاله لحاجتهم رحمة واحسانا والمحسن الرحيم متصف بالكمال ولا يكون عدم انزاله حيث يضرهم نقصا بل هو أيضا رحمة واحسان فهو محسن بالوجود حين كان رحمة وبالعدم حين كان العدم رحمة


109

وأما نفى النافى ( للصفات الخبرية ( المعينة فلاستلزامها التركيب المستلزم للحاجة والافتقار فقد تقدم جواب نظيره فانه ان اريد بالتركيب ما هو المفهوم منه فى اللغة او فى العرف العام او عرف بعض الناس وهو ما ركبه غيره او كان متفرقا فاجتمع او ما جمع الجواهر الفردة او المادة والصورة او ما أمكن مفارقة بعضه لبعض فلا نسلم المقدمة الاولى ولا نسلم ان اثبات الوجه واليد مستلزم للتركيب بهذا الاعتبار

وان اريد به التلازم على معنى امتياز شىء عن شىء فى نفسه وان هذا ليس هذا فهذا لازم لهم فى الصفات المعنوية المعلومة بالعقل كالعلم والقدرة والسمع والبصر فان الواحدة من هذه الصفات ليست هى الاخرى بل كل صفة ممتازة بنفسها عن الاخرى وان كانتا متلازمتين يوصف بهما موصوف واحد ونحن نعقل هذا فى صفات المخلوقين كأبعاض الشمس واعراضها

وايضا فان اريد انه لابد من وجود ما بالحاجة والافتقار الى مباين له فهو ممنوع وان اريد انه لابد من وجود ما هو داخل فى مسمى اسمه وانه يمتنع وجود الواجب بدون تلك الامور الداخلة فى مسمى اسمه


110

فمعلوم انه لابد له من نفسه فلابد له مما يدخل فى مسماها بطريق الأولى والأحرى

وإذا قيل هو مفتقر الى نفسه لم يكن معناه ان نفسه تفعل نفسه فكذلك ما هو داخل فيها ولكن العبارة موهمة مجملة فاذا فسر المعنى زال المحذور

ويقال أيضا نحن لا نطلق على هذا اللفظ الغير فلا يلزمه ان يكون محتاجا الى الغير فهذا من جهة الاطلاق اللفظى واما من جهة الدليل العلمى فالدليل دل على وجود موجود بنفسه لا فاعل ولا علة فاعلة وانه مستغن بنفسه عن كل ما يباينه

وأما الوجود الذى لا يكون له صفة ولا يدخل فى مسمى اسمه معنى من المعانى الثبوتية فهذا اذا ادعى المدعى انه المعنى بوجوب الوجود وبالغنى قيل له لكن هذا المعنى ليس هو مدلول الادلة ولكن أنت قدرت ان هذا مسمى الاسم وجعل اللفظ دليلا على هذا المعنى لا ينفعك ان لم يثبت ان المعنى حق فى نفسه ولا دليل لك على ذلك بل الدليل يدل على نقيضه

فهؤلاء عمدوا الى لفظ الغنى والقديم والواجب بنفسه فصاروا يحملونها على معانى تستلزم معانى تناقض ثبوت الصفات وتوسعوا فى التعبير ثم ظنوا ان هذا الذى فعلوه هو موجب الادلة العقلية وغيرها وهذا غلط منهم


111

فموجب الادلة العقلية لا يتلقى من مجرد التعبير وموجب الادلة السمعية يتلقى من عرف المتكلم بالخطاب لا من الوضع المحدث فليس لأحد أن يقول ان الالفاظ التى جاءت فى القرآن موضوعة لمعانى ثم يريد ان يفسر مراد الله بتلك المعانى هذا من فعل أهل الالحاد المفترين

فان هؤلاء عمدوا الى معانى ظنوها ثابتة فجعلوها هى معنى الواحد والواجب والغنى والقديم ونفى المثل ثم عمدوا الى ما جاء فى القرآن والسنة من تسمية الله تعالى بأنه احد وواحد على ونحو ذلك من نفى المثل والكفؤ عنه فقالوا هذا يدل على المعانى التى سميناها بهذه الاسماء وهذا من اعظم الافتراء على الله

وكذلك ( المتفلسفة ( عمدوا الى لفظ الخالق والفاعل والصانع والمحدث ونحو ذلك فوضعوها لمعنى ابتدعوه وقسموا الحدوث الى نوعين ذاتى وزمانى وارادوا بالذاتى كون المربوب مقارنا للرب ازلا وابدا فان اللفظ على هذا المعنى لا يعرف فى لغة أحد من الأمم ولو جعلوا هذه اصطلاحا لهم لم ننازعهم فيه لكن قصدوا بذلك التلبيس على الناس وان يقولوا نحن نقول بحدوث العالم وان الله خالق له وفاعل له وصانع له ونحو ذلك من المعانى التى يعلم بالاضطرار انها تقتضى تأخر المفعول لا يطلق على ما كان قديما بقدم الرب مقارنا له ازلا وابدا

وكذلك فعل من فعل بلفظ ( المتكلم ( وغير ذلك من الاسماء ولو فعل


112

هذا بكلام سيبويه وبقراط لفسد ما ذكروه من النحو والطب ولو فعل هذا بكلام آحاد العلماء كمالك والشافعى واحمد وابى حنيفة لفسد العلم بذلك ولكان ملبوسا عليهم فكيف اذا فعل هذا بكلام رب العالمين

وهذه طريقة الملاحدة الذين ألحدوا فى اسماء الله وآياته ومن شاركهم فى بعض ذلك مثل قول من يقول ( الواحد ( الذى لا ينقسم ومعنى قوله لا ينقسم اى لا يتميز منه شىء عن شىء ويقول لا تقوم به صفة ثم زعموا ان الأحد والواحد فى القرآن يراد به هذا

ومعلوم أن كل ما فى القرآن من اسم الواحد والاحد كقوله تعالى ( وان كانت واحدة فلها النصف ( وقوله ( قالت احداهما يا ابت استأجره ( وقوله ( ولم يكن له كفوا أحد ( وقوله ( وان أحد من المشركين استجارك ( وقوله ( ذرنى ومن خلقت وحيدا ( وامثال ذلك يناقض ما ذكروه فان هذه الاسماء اطلقت على قائم بنفسه مشار اليه يتميز منه شىء عن شىء وهذا الذى يسمونه فى اصطلاحهم جسما

وكذلك اذا قالوا الموصوفات تتماثل والاجسام تتماثل والجواهر تتماثل وارادوا ان يستدلوا بقوله تعالى ( ليس كمثله شىء ( على نفى مسمى هذه الامور التى سموها بهذه الاسماء فى اصطلاحهم الحادث كان هذا افتراء على القرآن فان هذا ليس هو المثل فى لغة العرب ولا لغة القرآن ولا غيرهما قال تعالى ( وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم (


113

فنفى مماثلة هؤلاء مع اتفاقهم فى الانسانية فكيف يقال ان لغة العرب توجب ان كل ما يشار اليه مثل كل ما يشار اليه

وقال تعالى ( ألم تر كيف فعل ربك بعاد

ارم ذات العماد

التى لم يخلق مثلها فى البلاد ( فأخبر انه لم يخلق مثلها فى البلاد وكلاهما بلد فكيف يقال ان كل جسم فهو مثل لكل جسم فى لغة العرب حتى يحمل على ذلك قوله ( ليس كمثله شىء ( وقد قال الشاعر

ليس كمثل الفتى زهير وقال

ما إن كمثلهم فى الناس من بشر
ولم يقصد هذا ان ينفى وجود جسم من الأجسام

(

وكذلك لفظ ( التشابه ( ليس هو التماثل فى اللغة قال تعالى ( واتوا به متشابها ( وقال تعالى ( متشابها وغير متشابه ( ولم يرد به شيئا هو مماثل فى اللغة وليس المراد هنا كون الجواهر متماثلة فى العقل او ليست متماثلة فان هذا مبسوط فى موضعه بل المراد ان اهل اللغة التى بها نزل القرآن لا يجعلون مجرد هذا موجبا لاطلاق اسم المثل ولا يجعلون نفى المثل نفيا لهذا فحمل القرآن على ذلك كذب على القرآن


114

( فصل ( وقول القائل ( المناسبة ( لفظ مجمل فانه قد يراد بها التولد والقرابة فيقال هذا نسيب فلان ويناسبه اذا كان بينهم قرابة مستندة الى الولادة والآدمية والله سبحانه وتعالى منزه عن ذلك ويراد بها المماثلة فيقال هذا يناسب هذا أى يماثله والله سبحانه وتعالى أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ويراد بها الموافقة فى معنى من المعانى وضدها المخالفة

و ( المناسبة ( بهذا الاعتبار ثابتة فان اولياء الله تعالى يوافقونه فيما يأمر به فيفعلونه وفيما يحبه فيحبونه وفيما نهى عنه فيتركونه وفيما يعطيه فيصيبونه والله وتر يحب الوتر جميل يحب الجمال عليم يحب العلم نظيف يحب النظافة محسن يحب المحسنين مقسط يحب المقسطين الى غير ذلك من المعانى بل هو سبحانه يفرح بتوبة التائب اعظم من فرح الفاقد لراحلته عليها طعامه وشرابه فى الارض المهلكة اذا وجدها بعد اليأس فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته كما ثبت ذلك فى الصحاح عن النبى ( (


115

فاذا أريد ( بالمناسبة ( هذا وامثاله فهذه المناسبة حق وهى من صفات الكمال كما تقدمت الاشارة اليه فان من يحب صفات الكمال اكمل ممن لا فرق عنده بين صفات النقص والكمال او لا يحب صفات الكمال

واذا قدر موجودان ( أحدهما ( يحب العلم والصدق والعدل والاحسان ونحو ذلك و ( الآخر ( لا فرق عنده بين هذه الامور وبين الجهل والكذب والظلم ونحو ذلك لا يحب هذا ولا يبغض هذا كان الذى يحب تلك الامور اكمل من هذا فدل على ان جرده عن ( صفات الكمال والوجود ( بأن لا يكون له علم كالجماد فالذى يعلم اكمل منه ومعلوم ان الذى يحب المحمود ويبغض المذموم اكمل ممن يحبهما او يبغضهما

وأصل ( هذه المسئلة ( الفرق بين محبة الله ورضاه وغضبه وسخطه وبين ارادته كما هو مذهب السلف والفقهاء واكثر المثبتين للقدر من اهل السنة وغيرهم وصار طائفة من القدرية والمثبتين للقدر الى انه لا فرق بينهما

ثم قالت ( القدرية ( هو لا يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يريد ذلك فيكون ما لم يشاء ويشاء ما لم يكن

وقالت ( المثبتة ( ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن واذن قد اراد الكفر والفسوق والعصيان ولم يرده دينا او اراده من الكافر ولم يرده من المؤمن


116

فهو لذلك يحب الكفر والفسوق والعصيان ولا يحبه دينا ويحبه من الكافر ولا يحبه من المؤمن

وكلا القولين خطأ مخالف للكتاب والسنة واجماع سلف الامة وأئمتها فانهم متفقون على انه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وانه لا يكون شىء الا بمشيئته ومجمعون على أنه لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر وان الكفار يبيتون ما لا يرضى من القول والذين نفوا محبته بنوها على هذا الاصل الفاسد


117

( فصل ( واما قول القائل ( الرحمة ( ضعف وخور فى الطبيعة وتألم على المرحوم فهذا باطل

أما ( أولا ( فلأن الضعف والخور مذموم من الآدميين والرحمة ممدوحة وقد قال تعالى ( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ( وقد نهى الله عباده عن الوهن والحزن فقال تعالى ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ان كنتم مؤمنين ( وندبهم الى الرحمة وقال النبى ( ( فى الحديث الصحيح ( لا تنزع الا من شقى ( وقال ( من لا يرحم لا يرحم ( وقال ( الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء (

ومحال ان يقول لا ينزع الضعف والخور الا من شقى ولكن لما كانت الرحمة تقارن فى حق كثير من الناس الضعف والخور كما فى رحمة النساء ونحو ذلك ظن الغالط أنها كذلك مطلقا


118

و ( أيضا ( فلو قدر انها فى حق المخلوقين مستلزمة لذلك لم يجب ان تكون فى حق الله تعالى مستلزمة لذلك كما ان العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام فينا يستلزم من النقص والحاجة ما يجب تنزيه الله عنه

وكذلك ( الوجود ( و ( القيام بالنفس ( فينا يستلزم احتياجا الى خالق يجعلنا موجودين والله منزه فى وجوده عما يحتاج اليه وجودنا فنحن وصفاتنا وافعالنا مقرونون بالحاجة الى الغير والحاجة لنا امر ذاتى لا يمكن ان نخلو عنه وهو سبحانه الغنى له امر ذاتى لا يمكن ان يخلو عنه فهو بنفسه حى قيوم واجب الوجود ونحن بأنفسنا محتاجون فقراء

فاذا كانت ذاتنا وصفاتنا وافعالنا وما اتصفنا به من الكمال من العلم والقدرة وغير ذلك هو مقرون بالحاجة والحدوث والامكان لم يحب ان يكون لله ذات ولا صفات ولا أفعال ولا يقدر ولا يعلم لكون ذلك ملازما للحاجة فينا فكذلك ( الرحمة ( وغيرها اذا قدر انها فى حقنا ملازمة للحاجة والضعف لم يجب ان تكون فى حق الله ملازمة لذلك

وأيضا فنحن نعلم بالاضطرار انا اذا فرضنا موجودين احدهما يرحم غيره فيجلب له المنفعة ويدفع عنه المضرة والآخر قد استوى عنده هذا وهذا وليس عنده ما يقتضى جلب منفعة ولا دفع مضرة كان الأول أكمل


119

( فصل ( وأما قول القائل ( الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام ( فليس بصحيح فى حقنا بل الغضب قد يكون لدفع المنافى قبل وجوده فلا يكون هناك انتقام اصلا

وأيضا فغليان دم القلب يقارنه الغضب ليس ان مجرد الغضب هو غليان دم القلب كما ان ( الحياء ( يقارن حمرة الوجه و ( الوجل ( يقارن صفرة الوجه لا انه هو وهذا لأن النفس اذا قام بها دفع المؤذى فان استشعرت القدرة فاض الدم الى خارج فكان منه الغضب وان استشعرت العجز عاد الدم الى داخل فاصفر الوجه كما يصيب الحزين

وأيضا فلو قدر ان هذا هو حقيقة غضبنا لم يلزم ان يكون غضب الله تعالى مثل غضبنا كما ان حقيقة ذات الله ليست مثل ذاتنا فليس هو مماثلا لنا لا لذاتنا ولا لأرواحنا وصفاته كذاته

ونحن نعلم بالاضطرار انا اذا قدرنا موجودين أحدهما عنده قوة يدفع بها الفساد والآخر لا فرق عنده بين الصلاح والفساد كان الذى عنده تلك القوة أكمل


120

ولهذا يذم من لا غيرة له على الفواحش كالديوث ويذم من لا حمية له يدفع بها الظلم على المظلومين ويمدح الذى له غيرة يدفع بها الفواحش وحمية يدفع بها الظلم ويعلم ان هذا أكمل من ذلك

ولهذا وصف النبى ( ( الرب بالاكملية فى ذلك فقال فى الحديث الصحيح ( لا أحد اغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ( وقال ( اتعجبوزن من غيرة سعد انا اغير منه والله اغير منى ( وقول القائل ان هذه انفعالات نفسانية

فيقال كل ما سوى الله مخلوق منفعل ونحن وذواتنا منفعلة فكونها انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها لا يوجب ان يكون الله منفعلا لها عاجزا عن دفعها وكان كل ما يجرى فى الوجود فانه بمشيئته وقدرته لا يكون الا ما يشاء ولا يشاء الا ما يكون له الملك وله الحمد


121

( فصل ( وقول القائل ( ان الضحك خفة روح ( ليس بصحيح وان كان ذلك قد يقارنه

ثم قول القائل ( خفة الروح ( ان اراد به وصفا مذموما فهذا يكون لما لا ينبغى أن يضحك منه والا فالضحك فى موضعه المناسب له صفة مدح وكمال واذا قدر حيان أحدهما يضحك مما يضحك منه والآخر لا يضحك قط كان الأول أكمل من الثانى ولهذا قال النبى ( ( ينظر اليكم الرب قنطين فيظل يضحك يعلم ان فرجكم قريب ( فقال له ابو رزين العقيلى يا رسول الله او يضحك الرب قال ( نعم ( قال لن نعدم من رب يضحك خيرا فجعل الاعرابى العاقل بصحة فطرته ضحكه دليلا على احسانه وانعامه فدل على ان هذا الوصف مقرون بالاحسان المحمود وانه من صفات الكمال والشخص العبوس الذى لا يضحك قط هو مذموم بذلك وقد قيل فى اليوم الشديد العذاب انه ( يوما عبوسا قمطريرا (


122

وقد روى ان الملائكة قالت لآدم ( حياك الله وبياك ( اى اضحكك

والانسان حيوان ناطق ضاحك وما يميز الانسان عن البهيمة صفة كمال فكما ان النطق صفة كمال فكذلك الضحك صفة كمال فمن يتكلم اكمل ممن لا يتكلم ومن يضحك اكمل ممن لا يضحك واذا كان الضحك فينا مستلزما لشىء من النقص فالله منزه عن ذلك وذلك الأكثر مختص لا عام فليس حقيقة الضحك مطلقا مقرونة بالنقص كما ان ذواتنا وصفاتنا مقرونة بالنقص ووجودنا مقرون بالنقص ولا يلزم ان يكون الرب موجدا وان لا تكون له ذات

ومن هنا ضلت القرامطة الغلاة كصاحب ( الاقليد ( وامثاله فارادوا ان ينفوا عنه كل ما يعلمه القلب وينطق به اللسان من نفى واثبات فقالوا لا نقول موجود ولا لا موجود ولا موصوف ولا لا موصوف لما فى ذلك على زعمهم من التشبيه وهذا يستلزم ان يكون ممتنعا وهو مقتضى التشبيه بالممتنع والتشبيه الممتنع على الله أن يشارك المخلوقات فى شىء من خصائصها وان يكون مماثلا لها فى شىء من صفاته كالحياة والعلم والقدرة فانه وان وصف بها فلا تماثل صفة الخالق صفة المخلوق كالحدوث والموت والفناء والامكان


123

( فصل ( وأما قوله ( التعجب استعظام للمتعجب منه (

فيقال نعم وقد يكون مقرونا بجهل بسبب التعجب وقد يكون لما خرج عن نظائره والله تعالى بكل شىء عليم فلا يجوز عليه ان لا يعلم سبب ما تعجب منه بل يتعجب لخروجه عن نظائره تعظيما له والله تعالى يعظم ما هو عظيم اما لعظمة سببه او لعظمته

فانه وصف بعض الخير بأنه عظيم ووصف بعض الشر بأنه عظيم فقال تعالى ( رب العرش العظيم ( وقال ( ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم ( وقال ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم واشد تثبيتا

واذا لاتيناهم من لدنا اجرا عظيما ( وقال ( ولولا اذ سمعتوه قلتم ما يكون لنا ان نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ( وقال ( ان الشرك لظلم عظيم (

ولهذا قال تعالى ( بل عجبت ويسخرون ( على قراءة الضم فهنا هو عجب من كفرهم مع وضوح الأدلة


124

وقال النبى ( ( للذى آثر هو وامرأته ضيفهما ( لقد عجب الله ( وفى لفظ فى الصحيح ( لقد ضحك الله الليلة من صنعكما البارحة ( وقال ( ان الرب ليعجب من عبده اذا قال رب اغفر لى فانه لا يغفر الذنوب الا أنت يقول علم عبدى انه لا يغفر الذنوب الا انا ( وقال ( عجب ربك من شاب ليست له صبوة ( وقال ( عجب ربك من راعى غنم على رأس شظية يؤذن ويقيم فيقول الله انظروا الى عبدى ( أو كما قال ونحو ذلك


125

( فصل ( وأما قول القائل ( لو كان فى ملكه ما لا يريده لكان نقصا ( وقول الآخر ( لو قدر وعذب لكان ظلما والظلم نقص (

فيقال اما المقالة الاولى فظاهرة فانه اذا قدر انه يكون فى ملكه ما لا يريده وما لا يقدر عليه وما لا يخلقه ولا يحدثه لكان نقصا من وجوه

( أحدها ( ان انفراد شىء من الاشياء عنه بالاحداث نقص لو قدر أنه فى غير ملكه فكيف فى ملكه فانا نعلم انا اذا فرضنا اثنين أحدهما يحتاج اليه كل شىء ولا يحتاج الى شىء والآخر يحتاج اليه بعض الاشياء ويستغنى عنه بعضها كان الأول أكمل فنفس خروج شىء عن قدرته وخلقه نقص وهذه دلائل الواحدانية فان الاشتراك نقص بكل من المشتركين وليس الكمال المطلق الا فى الوحدانية

فانا نعلم ان من قدر بنفسه كان أكمل ممن يحتاج الى معين ومن فعل الجميع بنفسه فهو أكمل ممن له مشارك ومعاون على فعل البعض ومن افتقر اليه كل شىء فهو أكمل ممن استغنى عنه بعض الاشياء


126

( ومنها ( ان يقال كونه خالقا لكل شىء وقادرا على كل شىء أكمل من كونه خالقا للبعض وقادرا على البعض

و ( القدرية ( لا يجعلونه خالقا لكل شىء ولا قادرا على كل شىء

و ( المتفلسفة ( القائلون بأنه علة غائية شر منهم فانهم لا يجعلونه خالقا لشىء من حوادث العالم لا لحركات الأفلاك ولا غيرها من المتحركات ولا خالقا لما يحدث بسبب ذلك ولا قادرا على شىء من ذلك ولا عالما بتفاصيل ذلك والله سبحانه وتعالى يقول ( الله الذى خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا ان الله على كل شىء قدير وان الله قد أحاط بكل شىء علما ( وهؤلاء ينظرون فى العالم ولا يعلمون ان الله على كل شىء قدير ولا ان الله قد أحاط بكل شىء علما

( ومنها ( انا اذا قدرنا مالكين ( أحدهما ( يريد شيئا فلا يكون ويكون ما لا يريد ( والآخر ( لا يريد شيئا الا كان ولا يكون الا ما يريد علمنا بالضرورة ان هذا أكمل

وفى الجملة قول ( المثبتة للقدرة ( يتضمن أنه خالق كل شىء وربه ومليكه وانه على كل شىء قدير وانه ما شاء كان فيقتضى كمال خلقه وقدرته ومشيئته و ( نفاة القدر ( يسلبونه هذه الكمالات

واما

قوله ( ان التعذيب على المقدر ظلم منه ( فهذه دعوى مجردة ليس معهم فيها إلا قياس الرب على انفسهم ولا يقول عاقل ان كل ما كان نقصا


127

من اى موجود كان لزم ان يكون نقصا من الله بل ولا يقبح هذا من الانسان مطلقا بل اذا كان له مصلحة فى تعذيب بعض الحيوان وان يفعل به ما فيه تعذيب له حسن ذلك منه 2 كالذى يصنع القز فانه هو الذى يسعى فى ان دود القز ينسجه ثم يسعى فى ان يلقى فى الشمس ليحصل له المقصود من القز وهو هنا له سعى فى حركة الدود التى كانت سبب تعذيبه

وكذلك الذى يسعى فى أن يتوالد له ماشية وتبيض له دجاج ثم يذبح ذلك لينتفع به فقد تسبب فى وجود ذلك الحيوان تسببا أفضى الى عذابه لمصلحة له فى ذلك

ففى ( الجملة ( الانسان يحسن منه ايلام الحيوان لمصلحة راجحة فى ذلك فليس جنس هذا مذموما ولا قبيحا ولا ظلما وان كان من ذلك ما هو ظلم

وحينئذ فالظلم من الله اما أن يقال هو ممتنع لذاته لأن الظلم تصرف المتصرف فى غير ملكه والله له كل شىء أو الظلم مخالفة الأمر الذى تجب طاعته والله تعالى يمتنع منه التصرف فى ملك غيره او مخالفة امر من يجب عليه طاعته فاذا كان الظلم ليس الا هذا أو هذا إمتنع الظلم منه

واما أن يقال هو ممكن لكنه سبحانه لا يفعله لغناه وعلمه بقبحه ولاخباره أنه لا يفعله ولكمال نفسه يمتنع وقوع الظلم منه اذ كان العدل والرحمة من لوازم ذاته فيمتنع اتصافه بنقيض صفات الكمال التى هى من لوازمه على هذا


128

القول فالذى يفعله لحكمة اقتضت ذلك كما ان الذى يمتنع من فعله لحكمة تقتضى تنزيهه عنه

وعلى هذا فكل ما فعله علمنا ان له فيه حكمة وهذا يكفينا من حيث الجملة وان لم نعرف التفصيل وعدم علمنا بتفصيل حكمته بمنزلة عدم علمنا بكيفية ذاته وكما ان ثبوت صفات الكمال له معلوم لنا واماكنه ذاته فغير معلومة لنا فلا نكذب بما علمناه ما لم نعلمه

وكذلك نحن نعلم انه ( حكيم ( فيما يفعله ويأمر به وعدم علمنا بالحكمة فى بعض الجزئيات لا يقدح فيما علمناه من أصل حكمته فلا نكذب بما علمناه من حكمته ما لم نعلمه من تفصيلها

ونحن نعلم ان من علم حذق اهل الحساب والطب والنحو ولم يكن متصفا بصفاتهم التى استحقوا بها ان يكونوا من أهل الحساب والطب والنحو لم يمكنه أن يقدح فيما قالوه لعدم علمه بتوجيهه والعباد ابعد عن معرفة الله وحكمته فى خلقه من معرفة عوامهم بالحساب والطب والنحو فاعتراضهم على حكمته اعظم جهلا وتكلفا للقول بلا علم من العامى المحض اذا قدح فى الحساب والطب والنحو بغير علم بشىء من ذلك

وهذا يتبين بالاصل الذى ذكرناه فى الكمال وهو قولنا ان الكمال


129

الذى لا نقص فيه للممكن الوجود يجب اتصافه به وتنزيهه عما يناقضه فيقال خلق بعض الحيوان وفعله الذى يكون سببا لعذابه هل هو نقص مطلقا ام يختلف

وأيضا

فاذا كان فى خلق ذلك حكمة عظيمة لا تحصل الا بذلك فايما اكمل تحصيل ذلك بتلك الحكمة العظيمة او تفويتها وايضا فهل يمكن حصول الحكمة المطلوبة بدون حصول هذا

فهذه امور اذا تدبرها الانسان علم انه لا يمكنه ان يقول خلق فعل الحيوان الذى يكون سببا بتعذيبه نقص مطلقا

و ( المثبتة للقدر ( قد تجيب بجواب آخر لكن ينازعهم الجمهور فيه فيقولون كونه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد صفة كمال بخلاف الذى يكون مأمورا منهيا الذى يؤمر بشىء وينهى عن شىء ويقولون إنما قبح من غيره ان يفعل ما شاء لما يلحقه من الضرر وهو سبحانه لا يجوز ان يلحقه ضرر

والجمهور يقولون اذا قدرنا من يفعل ما يريد بلا حكمة محبوبة تعود اليه ولا رحمة واحسان يعود الى غيره كان الذى يفعل لحكمة ورحمة اكمل ممن يفعل لا لحكمة ولا لرحمة

ويقولون اذا قدرنا مريدا لا يميز بين مراده ومراد غيره ومريدا يميز بينهما فيريد ما يصلح ان يراد وينبغى ان يراد دون ما هو بالضد كان هذا الثانى اكمل

ويقولون المأمور المنهى الذى فوقه امر ناه هو ناقص بالنسبة الى من ليس


130

فوقه آمر ناه لكن اذا كان هو الامر لنفسه بما ينبغى ان يفعل والمحرم عليها ما لا ينبغى ان يفعل واخر يفعل ما يريده بدون امر ونهى من نفسه فهذا الملتزم لامره ونهيه الواقعين على وجه الحكمة اكمل من ذلك وقد قال تعالى ( كتب ربكم على نفسه الرحمة ( وقال ( يا عبادى انى حرمت الظلم على نفسى وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا

وقالوا أيضا اذا قيل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد على وجه بيان قدرته وانه لا مانع له ولا يقدر غيره ان يمنعه مراده ولا ان يجعله مريدا كان هذا اكمل ممن له مانع يمنعه مراده ومعين لا يكون مريدا او فاعلا لما يريد الا به

واما اذا قيل يفعل ما يريد باعتبار انه لا يفعل على وجه مقتضى العلم والحكمة بل هو ( متسفه ( فيما يفعله واخر يفعل ما يريد لكن ارادته مقرونة بالعلم والحكمة كان هذا الثانى أكمل

و ( جماع الامر ( فى ذلك ان كمال القدرة صفة كمال وكون الارادة نافذة لا تحتاج الى معاون ولا يعارضها مانع وصف كمال

واما كون ( الارادة ( لا تميز بين مراد ومراد بل جميع الاجناس عندها سواء فهذا ليس بوصف كمال بل الارادة المميزة بين مراد ومراد كما يقتضيه العلم والحكمة هى الموصوفة بالكمال فمن نقصه فى قدرته وخلقه ومشيئته فلم يقدره قدره ومن نقصه من حكمته ورحمته فلم يقدره حق قدره والكمال الذى يستحقه اثبات هذا وهذا


131

( فصل ( وأما ( منكروا النبوات ( وقولهم ليس الخلق اهلا ان يرسل الله اليهم رسولا كما ان اطراف الناس ليسوا اهلا ان يرسل السلطان اليهم رسولا فهذا جهل واضح فى حق المخلوق والخالق فان من أعظم ما تحمد به الملوك خطابهم بأنفسهم لضعفاء الرعية فكيف بارسال رسول اليهم

وأما فى حق الخالق فهو سبحانه ارحم بعباده من الوالدة بولدها وهو قادر مع كمال رحمته فاذا كان كامل القدرة كامل الرحمة فما المانع ان يرسل اليهم رسولا رحمة منه كما قال تعالى ( وما ارسلناك الا رحمة للعالمين (

وقال النبى ( ( انما انا رحمة مهداة ( ولان هذا من جملة احسانه الى الخلق بالتعليم والهداية وبيان ما ينفعهم وما يضرهم كما قال تعالى ( لقد من الله على المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ( فبين تعالى ان هذا من مننه على عباده المؤمنين


132

فان كان المنكر ينكر قدرته على ذلك فهذا قدح فى كمال قدرته وان كان ينكر احسانه بذلك فهذا قدح فى كمال رحمته واحسانه

فعلم ان ارسال الرسول من اعظم الدلالة على كمال قدرته واحسانه والقدرة والاحسان من صفات الكمال لا النقص واما تعذيب المكذبين فذلك داخل فى القدر لما له فيه من الحكمة


133

( فصل ( وأما ( قول المشركين ( ان عظمته وجلاله يقتضى ان لا يتقرب اليه الا بواسطة وحجاب والتقرب بدون ذلك غض من جنابه الرفيع فهذا باطل من وجوه

( منها ( ان الذى لا يتقرب اليه الا بوسائط وحجاب اما ان يكون قادرا على سماع كلام جنده وقضاء حوائجهم بدون الوسائط والحجاب واما ان لا يكون قادرا فان لم يكن قادرا كان هذا نقصا والله تعالى موصوف بالكمال فوجب ان يكون متصفا بأنه يسمع كلام عباده بلا وسائط ويجيب دعاءهم ويحسن اليهم بدون حاجة الى حجاب وان كان الملك قادرا على فعل اموره بدون الحجاب وترك الحجاب احسانا ورحمة كان ذلك صفة كمال

وايضا فقول القائل ان هذا غض منه انما يكون فيمن يمكن الخلق ان يضروه ويفتقر فى نفعه اليهم فأما مع كمال قدرته واستغنائه عنهم وامنه ان يؤذوه فليس تقربهم اليه غضا منه بل اذا كان اثنان أحدهما يقرب اليه الضعفاء احسانا اليهم ولا يخاف منهم والاخر لا يفعل ذلك اما خوفا اما كبرا واما غير ذلك كان الاول أكمل من الثانى


134

وايضا فان هذا لا يقال اذا كان ذلك بامر المطاع بل اذا اذن للناس فى التقرب منه ودخول داره لم يكن ذلك سوء ادب عليه ولا غضا منه فهذا انكار على من تعبده بغير ما شرع

ولهذا قال تعالى ( انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله باذنه ( وقال تعالى ( ام لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله (


135

( فصل ( واما قول القائل انه لو قيل لهم ايما اكمل ذات توصف بسائر انواع الادراكات من الذوق والشم واللمس ام ذات لا توصف بها لقالوا الاول اكمل ولم يصفوه بها

فتقول مثبتة الصفات لهم فى هذه الادراكات ثلاثة اقوال معروفة ( أحدها ( اثبات هذه الادراكات لله تعالى كما يوصف بالسمع والبصر وهذا قول القاضى ابى بكر وابى المعالى واظنه قول الاشعرى نفسه بل هو قول المعتزلة البصريين الذين يصفونه بالادراكات

وهؤلاء وغيرهم يقولون تتعلق به الادراكات الخمسة أيضا كما تتعلق به الرؤية وقد وافقهم على ذلك القاضى ابو يعلى فى ( المعتمد ( وغيره

و ( القول الثانى ( قول من ينفى هذه الثلاثة كما ينفى ذلك كثير من المثبتة ايضا من الصفاتية وغيرهم وهذا قول طوائف من الفقهاء من أصحاب الشافعى وأحمد وكثير من اصحاب الاشعرى وغيره

( والقول الثالث ( اثبات ادراك اللمس دون ادراك الذوق لان الذوق انما يكون للمطعوم فلا يتصف به الا من يأكل ولا يوصف به الا ما يؤكل


136

والله سبحانه منزه عن الاكل بخلاف اللمس فانه بمنزلة الرؤية واكثر اهل الحديث يصفونه باللمس وكذلك كثير من اصحاب مالك والشافعى واحمد وغيرهم ولا يصفونه بالذوق

وذلك ان نفاة الصفات من المعتزلة قالوا للمثبتة اذا قلتم انه يرى فقوله انه يتعلق به سائر انواع الحس واذا قلتم انه سميع بصير فصفوه بالادراكات الخمسة فقال ( اهل الاثبات قاطبة ( نحن نصفه بأنه يرى وانه يسمع كلامه كما جاء بذلك النصوص وكذلك نصفه بأنه يسمع ويرى

وقال جمهور اهل الحديث والسنة نصفه ايضا بادراك اللمس لأن ذلك كمال لا نقص فيه وقد دلت عليه النصوص بخلاف ادراك الذوق فانه مستلزم للأكل وذلك مستلزم للنقص كما تقدم

وطائفة من نظار المثبتة وصفوه بالأوصاف الخمس من الجانبين

ومنهم من قال انه يمكن ان تتعلق به هذه الانواع كما تتعلق به الرؤية لاعتقادهم ان مصحح الرؤية الوجود ولم يقولوا انه متصف بها

واكثر مثبتى الرؤية لم يجعلوا مجرد الوجود هو المصحح للرؤية بل قالوا ان المقتضى امور وجودية لا ان كل موجود يصح رؤيته وبين الامرين فرق فان الثانى يستلزم رؤية كل موجود بخلاف الاول واذا كان المصحح للرؤية هى امور وجودية لا يشترط فيها امور عدمية فما كان احق بالوجود وابعد عن العدم كان أحق بأن تجوز رؤيته ومنهم من نفى ما سوى السمع والبصر من الجانبين


137

( فصل ( واما قول القائل الكمال والنقص من الأمور النسبية فقد بينا ان الذى يستحقه الرب هو الكمال الذى لا نقص فيه بوجه من الوجوه وانه الكمال الممكن للموجود ومثل هذا لا ينتفى عن الله اصلا والكمال النسبى هو المستلزم للنقص فيكون كمالا من وجه دون وجه كالأكل للجائع كما له وللشبعان نقص فيه لأنه ليس بكمال محض بل هو مقرون بالنقص

والتعالى والتكبر والثناء على النفس وامر الناس بعبادته ودعائه والرغبة اليه ونحو ذلك مما هو من خصائص الربوبية هذا كمال محمود من الرب تبارك وتعالى وهو نقص مذموم من المخلوق

وهذا كالخبر عما هو من خصائص الربوبية كقوله ( اننى انا الله لا اله الا انا فاعبدنى ( وقوله تعالى ( ادعونى استجب لكم ( وقوله ( ان تبدوا ما فى انفسكم او تخفوه يحاسبكم به الله ( وقوله ( ام حسب الذين يعملون السيئات ان يسبقونا ( وقوله ( ان عبادى ليس لك عليهم سلطان ( وقوله ( انا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد ( وقوله ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب

ومن يتوكل


138

على الله فهو حسبه ( وامثال هذا الكلام الذى يذكر الرب فيه عن نفسه بعض خصائصه وهو فى ذلك صادق فى اخباره عن نفسه بما هو من نعوت الكمال هو ايضا من كماله فان بيانه لعباده وتعريفهم ذلك هو ايضا من كماله واما غيره فلو اخبر بمثل ذلك عن نفسه لكان كاذبا مفتريا والكذب من اعظم العيوب والنقائص

واما اذا اخبر المخلوق عن نفسه بما هو صادق فيه فهذا لا يذم مطلقا بل قد يحمد منه اذا كان فى ذلك مصلحة كقول النبى ( ( انا سيد ولد آدم ولا فخر ( واما اذا كان فيه مفسدة راجحة او مساوية فيذم لفعله ما هو مفسدة لا لكذبه والرب تعالى لا يفعل ما هو مذموم عليه بل له الحمد على كل حال فكل ما يفعله هو منه حسن جميل محمود

واما على قول من يقول الظلم منه ممتنع لذاته فظاهر واما على قول الجمهور من اهل السنة والقدرية فانه انما يفعل بمقتضى الحكمة والعدل فاخباره كلها واقواله وافعاله كلها حسنة محمودة واقعة على وجه الكمال الذى يستحق عليه الحمد وله من الامور التى يستحق بها الكبرياء والعظمة ما هو من خصائصه تبارك وتعالى

فالكبرياء والعظمة له بمنزلة كونه حيا قيوما قديما واجبا بنفسه وانه بكل شىء عليم وعلى كل شىء قدير وانه العزيز الذى لا ينال وانه قهار لكل ما سواه


139

فهذه كلها صفات كمال لا يستحقها الا هو فما لا يستحقه الا هو كيف يكون كمالا من غيره وهو معدوم لغيره فمن ادعاه كان مفتريا منازعا للربوبية فى خواصها كما ثبت فى الحديث الصحيح عن النبى ( ( قال ( يقول الله تعالى العظمة ازارى والكبرياء ردائى فمن نازعنى واحدا منهما عذبته ( وجملة ذلك أن الكمال المختص بالربوبية ليس لغيره فيه نصيب فهذا تحقيق اتصافه بالكمال الذى لا نصيب لغيره فيه ومثل هذا الكمال لا يكون لغيره فادعاؤه منازعة للربوبية وفرية على الله

ومعلوم ان النبوة كمال للنبى واذا ادعاها المفترون كمسيلمة وامثاله كان ذلك نقصا منهم لا لأن النبوة نقص ولكن دعواها ممن ليست له هو النقص وكذلك لو ادعى العلم والقدرة والصلاح من ليس متصفا بذلك كان مذموما ممقوتا وهذا يقتضى ان الرب تعالى متصف بكمال لا يصلح للمخلوق وهذا لا ينافى ان ما كان كمالا للموجود من حيث هو موجود فالخالق احق به ولكن يفيد ان الكمال الذى يوصف به المخلوق بما هو منه اذا وصف الخالق بما هو منه فالذى للخالق لا يماثله ما للمخلوق ولا يقاربه

وهذا حق فالرب تعالى مستحق للكمال مختص به على وجه لا يماثله فيه شىء فليس له سمى ولا كفؤ سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شىء للمخلوق كربوبية العباد والغنى المطلق ونحو ذلك او كان مما يثبت منه نوع للمخلوق


140

فالذى يثبت للخالق منه نوع هو اعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق عظمة هى اعظم من فضل اعلى المخلوقات على ادناها

و ( ملخص ذلك ( ان المخلوق يذم منه الكبرياء والتجبر وتزكية نفسه احيانا ونحو ذلك

واما قول السائل فان قلتم نحن نقطع النظر عن متعلق الصفة وننظر فيها هل هى كمال ام نقص وكذلك نحيل الحكم عليها باحدهما لانها قد تكون كمالا لذات نقصا لاخرى على ما ذكر

فيقال بل نحن نقول الكمال الذى لا نقص فيه للممكن الوجود هو كمال مطلق لكل ما يتصف به

وايضا فالكمال الذى هو كمال للموجود من حيث هو موجود يمتنع ان يكون نقصا فى بعض الصور لان ما كان نقصا فى بعض الصور تاما فى بعض هو كمال لنوع من الموجودات دون نوع فلا يكون كمالا للموجود من حيث هو موجود

ومن الطرق التى بها يعرف ذلك ان نقدر موجودين أحدهما متصف بهذا والاخر بنقيضه فانه يظهر من ذلك ايهما اكمل واذا قيل هذا اكمل من وجه وهذا انقص من وجه لم يكن كمالا مطلقا

والله اعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم


141

فصل قال الله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون فى أسمائه ( وقال تعالى ( قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايما تدعوا فله الأسماء الحسنى ( وقال تعالى ( الله لا اله الا هو له الاسماء الحسنى ( وقال تعالى ( هو الله الخالق البارىء المصور له الاسماء الحسنى ( و ( الحسنى ( المفضلة على الحسنة والواحد الاحاسن

ثم هنا ( ثلاثة أقوال ( اما ان يقال ليس له من الاسماء الا الأحسن ولا يدعى الا به واما ان يقال لا يدعى الا بالحسنى وان سمى بما يجوز وان لم يكن من الحسنى وهذان قولان معروفان واما ان يقال بل يجوز فى الدعاء والخبر وذلك ان قوله ( ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها ( وقال ( ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايما تدعوا فله الاسماء الحسنى ( أثبت له الاسماء الحسنى وامر بالدعاء بها فظاهر هذا ان له جميع الاسماء الحسنى


142

وقد يقال جنس ( الاسماء الحسنى ( بحيث لا يجوز نفيها عنه كما فعله الكفار وامر بالدعاء بها وامر بدعائه مسمى بها خلاف ما كان عليه المشركون من النهى عن دعائه باسمه ( الرحمن ( فقد يقال قوله ( فادعوه بها ( امر ان يدعى بالاسماء الحسنى وان لا يدعى بغيرها كما قال ( ادعوهم لآبائهم ( فهو نهى ان يدعوا لغير آبائهم

ويفرق بين دعائه والاخبار عنه فلا يدعى الا بالاسماء الحسنى واما الاخبار عنه فلا يكون باسم سيء لكن قد يكون باسم حسن او باسم ليس بسيء وان لم يحكم بحسنه مثل اسم شىء وذات وموجود اذا اريد به الثابت واما اذا اريد به ( الموجود عند الشدائد ( فهو من الاسماء الحسنى وكذلك المريد والمتكلم فان الارادة والكلام تنقسم الى محمود ومذموم فليس ذلك من الاسماء الحسنى بخلاف الحكيم والرحيم والصادق ونحو ذلك فان ذلك لا يكون الا محمودا

وهكذا كما فى حق الرسول حيث قال ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ( فأمرهم ان يقولوا يا رسول الله يا نبى الله كما خاطبه الله بقوله ( يا ايها النبى ( يا ايها الرسول ( لا يقول يا محمد يا أحمد يا أبا القاسم وان كانوا يقولون فى الاخبار كالأذان ونحوه اشهد ان محمدا رسول الله كما قال تعالى ( محمد رسول الله ( وقال ( ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد ( وقال ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله (


143

فهو سبحانه لم يخاطب محمدا الا بنعت التشريف كالرسول والنبى والمزمل والمدثر وخاطب سائر الانبياء بأسمائهم مع انه فى مقام الاخبار عنه قد يذكر اسمه فقد فرق سبحانه بين حالتى الخطاب فى حق الرسول وامرنا بالتفريق بينهما فى حقه وكذلك هو المعتاد فى عقول الناس اذا خاطبوا الاكابر من الامراء والعلماء والمشايخ والرؤساء لم يخاطبوهم ويدعوهم الا باسم حسن وان كان فى حال الخبر عن أحدهم يقال هو انسان وحيوان ناطق وجسم ومحدث ومخلوق ومربوب ومصنوع وابن انثى ويأكل الطعام ويشرب الشراب

لكن كل ما يذكر من اسمائه وصفاته فى حال الاخبار عنه يدعى به فى حال مناجاته ومخاطبته وان كانت اسماء المخلوق فيها ما يدل على نقصه وحدوثه واسماء الله ليس فيها ما يدل على نقص ولا حدوث بل فيها الاحسن الذى يدل على الكمال وهى التى يدعى بها وان كان اذا اخبر عنه يخبر باسم حسن او باسم لا ينفى الحسن ولا يجب ان يكون حسنا

وأما فى الاسماء المأثورة فما من اسم الا وهو يدل على معنى حسن فينبغى تدبر هذا للدعاء وللخبر المأثور وغير المأثور الذى قيل لضرورة حدوث المخالفين للتفريق بين الدعاء والخبر وبين المأثور الذى يقال او تعريفهم لما لم يكونوا به عارفين وحينئذ فليس كل اسم ذكر فى مقام يذكر فى مقام بل يجب التفريق


144

وقال

( فصل ( فى ( القاعدة العظيمة الجليلة ( فى ( مسائل الصفات والافعال ( من حيث قدمها ووجوبها او جوازها ومشتقاتها او وجوب النوع مطلقا وجواز الاحاد معينا

( المضاف الى الله ( سبحانه فى الكتاب والسنة سواء كانت اضافة اسم الى اسم او نسبة فعل الى اسم او خبر باسم عن اسم لا يخلو من ثلاثة أقسام

( أحدها ( اضافة الصفة الى الموصوف كقوله تعالى ( ولا يحيطون بشىء من علمه ( وقوله ( ان الله هو الرزاق ذو القوة ( وفى حديث الاستخارة ( اللهم انى استخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك (

وفى الحديث الاخر ( اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق ( فهذا فى الاضافة الاسمية

واما بصيغة الفعل فكقوله ( علم الله انكم كنتم تختانون انفسكم ( وقوله ( علم ان لن تحصوه فتاب عليكم (


145

واما الخبر الذى هو جملة اسمية فمثل قوله ( والله بكل شىء عليم ( والله على كل شىء قدير (

وذلك لان الكلام الذى توصف به الذوات اما جملة او مفرد فالجملة اما اسمية كقوله ( والله بكل شىء عليم ( او فعلية كقوله ( علم ان لن تحصوه ( اما المفرد فلابد فيه من اضافة الصفة لفظا او معنى كقوله ( بشىء من علمه ( وقوله ( هو أشد منهم قوة ( او اضافة الموصوف كقوله ( ذو القوة (

و ( القسم الثانى ( اضافة المخلوقات كقوله ( ناقة الله وسقياها ( وقوله ( وطهر بيتى للطائفين ( وقوله ( رسول الله ( و ( عباد الله ( وقوله ( ذو العرش ( وقوله ( وسع كرسيه السموات والأرض ( فهذا القسم لا خلاف بين المسلمين فى انه مخلوق كما ان القسم الاول لم يختلف اهل السنة والجماعة فى انه قديم وغير مخلوق

وقد خالفهم بعض اهل الكلام فى ثبوت الصفات لا فى أحكامها وخالفهم بعضهم فى قدم العلم واثبت بعضهم حدوثه وليس الغرض هنا تفصيل ذلك

( الثالث ( وهو محل الكلام هنا ما فيه معنى الصفة والفعل مثل قوله ( وكلم الله موسى تكليما ( وقوله ( انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون ( وقوله ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى ( وقوله ( يريدون ان يبدلوا كلام الله ( وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ( وقوله ( ان الله يحكم ما يريد ( فعال لما يريد (


146

وقوله ( فباؤوا بغضب على غضب ( وقوله ( وغضب الله عليه ولعنه ( وقوله ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ( وقوله ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ( وقوله ( رضى الله عنهم ورضوا عنه (

وقوله ( وان لم تغفر لنا وترحمنا ( وقل رب اغفر وارحم ( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا (

وكذلك قوله ( خلق السموات والارض ( لما خلقت بيدى ( وقوله ( ثم استوى على العرش ( وجاء ربك والملك صفا صفا ( هل ينظرون الا ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام والملائكة ( هل ينظرون الا ان تأتيهم الملائكة (

وفى الاحاديث شىء كثير كقوله فى حديث ( الشفاعة ( ان ربى قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ( وقوله ( ضحك الله الى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة ( وقوله ( ينزل ربنا الى سماء الدنيا ( الحديث واشباه هذا وهو باب واسع

قوله

( اذا تكلم الله بالوحى سمع اهل السموات ( فالناس فيه على قولين

( أحدهما ( وهو قول المعتزلة والكلابية والاشعرية وكثير من


147

الحنبلية ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية وغيرهم ان هذا القسم لابد ان يلحق بأحد القسمين قبله فيكون اما قديما قائما به عند من يجوز ذلك وهم الكلابية واما مخلوقا منفصلا عنه ويمتنع ان يقوم به نعت او حال او فعل او شىء ليس بقديم ويسمون هذه المسألة ( مسألة حلول الحوادث بذاته (

ويقولون يمتنع ان تحل الحوادث بذاته كما يسميها قوم آخرون فعل الذات بالذات او فى الذات ورأوا ان تجويز ذلك يستلزم حدوثه لأن الدليل الذى دلهم على حدوث الاجسام قيام الحوادث بها فلو قامت به لزم احد الامرين اما حدوثه او بطلان العلم بحدوث العالم

ومن خالفهم فى ذلك قال دليل حدوث العالم امتناع خلوه عن الحوادث وكونه لا يسبقها واما اذا جاز ان يسبقها لم يكن فى قيامها به ما يدل على الحدوث

ويقول آخرون انه ليس هذا هو الدليل على حدوث العالم بل هو ضعيف ولهم مآخذ اخر

ثم هم فريقان

( أحدهما ( من يرى امتناع قيام الصفات به أيضا لاعتقاده ان الصفات اعراض وان قيام العرض به يقتضى حدوثه ايضا وهؤلاء نفاة الصفات من


148

المعتزلة فقالوا حينئذ ان القرآن مخلوق وانه ليس لله مشيئة قائمة به ولا حب ولا بغض ونحو ذلك

وردوا جميع ما يضاف الى الله الى اضافة خلق او اضافة وصف من غير قيام معنى به

والثاني مذهب الصفاتية أهل السنة وغيرهم الذين يرون قيام الصفات به فيقولون له مشيئة قديمة وكلام قديم واختلفوا فى حبه وبغضه ورحمته واسفه ورضاه وسخطه ونحو ذلك هل هو بمعنى المشيئة او صفات اخرى غير المشيئة على قولين وهذا الاختلاف عند الحنبلية والاشعرية وغيرهم ويقولون ان الخلق ليس هو شيئا غير المخلوق وغير الصفات القديمة من المشيئة والكلام

ثم يقولون للمتكلمين فى الخلق هل هو المخلوق أربعة أقوال

( أحدها ( ان الخلق هو المخلوق

( والثانى ( انه قائم بالمخلوق

( والثالث ( انه معنى قائم بنفسه ( والرابع ( انه قائم بالخالق قال القاضى ابو يعلى الصغير من اصحابنا من قال الخلق هو المخلوق


149

ومنهم من قال الخلق غير المخلوق فالخلق صفة قائمة بذاته والمخلوق الموجود المخترع وهذا بناء على اصلنا وان الصفات ( الناشئة ( عن الافعال موصوف بها فى القدم وان كانت المفعولات محدثة قال وهذا هو الصحيح

ويقولون فى الاستواء والنزول والمجىء وغير ذلك من انواع الافعال التى هى انواع جنس الحركة أحد قولين

اما ان يجعلوها من باب ( النسب ( و ( الاضافات ( المحضة بمعنى ان الله خلق العرش بصفة التحت فصار مستويا عليه وانه يكشف الحجب التى بينه وبين خلقه فيصير جائيا اليهم ونحو ذلك وان التكليم اسماع المخاطب فقط وهذا قول اهل السنة من اهل هذا القول من الحنبلية ومن وافقهم فيه او فى بعضه من الاشعرية وغيرهم

أو يقول ان هذه ( افعال محضة ( فى المخلوقات من غير اضافة ولا نسبة فهذا اختلاف بينهم هل تثبت لله هذه النسب والاضافات مع اتفاق الناس على انه لابد من حدوث ( نسب ( و ( اضافات ( لله تعالى كالمعية ونحوها ويسمى ابن عقيل هذه النسب ( الاحوال ( لله وليست هو ( الاحوال ( التى تنازع فيها المتكلمون مثل العالمية والقادرية بل هذه النسب والاضافات يسميها الاحوال

ويقول ان حدوث هذه الاحوال ليس هو حدوث الصفات فان هذه الاحوال نسب بين الله وبين الخلق فان ذلك لا يوجب ثبوت معنى قائم


150

بالمنسوب اليه كما ان الانسان يصعد الى السطح فيصير فوقه ثم يجلس عليه فيصير تحته والسطح متصف تارة بالفوقية والعلو وتارة بالتحتية والسفول من غير قيام صفة فيه ولا تغير

وكذلك اذا ولد للانسان مولود فيصير اخوه عما وابوه جدا وابنه اخا واخو زوجته خالا وتنسب لهم هذه النسب والاضافات من غير تغير فيهم

( والقول الثانى ( وهو قول الكرامية وكثير من الحنبلية واكثر اهل الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء والصوفية وجمهور المسلمين واكثر كلام السلف ومن حكى مذهبهم حتى الاشعرى يدل على هذا القول ان هذه الصفات الفعلية ونحوها المضافة الى الله ( قسم ثالث ( ليست من المخلوقات المنفصلة عنه وليست بمنزلة الذات والصفات القديمة الواجبة التى لا تتعلق بها مشيئته لا بانواعها ولا بأعيانها

وقد يقول هؤلاء انه يتكلم اذا شاء ويسكت اذا شاء ولم يزل متكلما بمعنى انه لم يزل يتكلم اذا شاء ويسكت اذا شاء وكلامه منه ليس مخلوقا

وكذلك يقولون وان كان له مشيئة قديمة يريد اذا شاء ويغضب ويمقت

ويقر هؤلاء او اكثرهم ما جاء من النصوص على ظاهره مثل قوله ( ثم استوى على العرش ( انه استوى عليه بعد ان لم يكن مستويا عليه


151

وانه يدنو الى عباده ويقرب منهم وينزل الى سماء الدنيا ويجيىء يوم القيامة بعد ان لم يكن جائيا

سقط

من هؤلاء من قد يقول تحل ( الحوادث ( بذاته ومنهم من لا يطلق هذا اللفظ اما لعدم ورود الاثر به واما لايهام معنى فاسد من ان ذلك كحلول ( الاعراض ( بالمخلوقات كما يمتنع جمهور المتكلمين من تسمية صفاته اعراضا وان كانت صفات قائمة بالموصوف كالاعراض

وزعم ابن الخطيب ان اكثر الطوائف والعقلاء يقرون بهذا القول فى الحقيقة وان انكروه بألسنتهم حتى الفلاسفة والمعتزلة والاشعرية

أما ( الفلاسفة ( فان عندهم ان الاضافات موجودة فى الاعيان والله موجود مع كل حادث و ( المعية ( صفة حادثة فى ذاته وقد صرح ابو البركات البغدادى صاحب ( المعتبر ( بحدوث علوم وارادات جزئية فى ذاته المعينة وقال انه لا يتصور الاعتراف بكونه الها لهذا العالم الا مع القول بذلك ثم قال الاجلال من هذا الاجلال واجب والتنزيه من هذا التنزيه لازم

واما ( المعتزلة ( فان البصريين كأبى علي وأبي هاشم يقولون بحدوث المرئى والمسموع وبه تحدث صفة السمعية والبصرية لله وابو الحسين البصرى يقول بتجدد علوم فى ذاته بتجدد المعلومات والاشعرية ايضا يقولون بأن المعدومات لم تكن مسموعة ولا مرئية ثم صارت مسموعة مرئية بعد وجودها وليس السمع والبصر عندهم مجرد نسبة بل هو صفة قائمة بذات السميع


152

البصير وقد يلزمون بقولهم بأن النسخ هو رفع الحكم او انتهاؤه وقولهم علمه بالجزئيات وكذلك بانقطاع تعلق القدرة والارادة منه

والتحقيق ان التصريح بالخلاف فى هذا الاصل موجود فى عامة الطوائف ليس مخصوصا بأهل الحديث

ثم ( النفاة ( قد يقال ان هذا القول يلزمهم اذا اثبتوا لله نعوتا غير قديمة فيصير هذا الاصل متفقا عليه وهم قد يعتذرون عن تلك اللوازم تارة بأعذار صحيحة فلا يكون لازما لهم وتارة بأعذار غير صحيحة فيكون لازما لهم وهذا لا ريب فيه

واما نصوص الكتاب والسنة فلا ريب ان ظاهرها موافق لهذا القول لكن الاولون قد يتأولونها او يفرضونها واما هؤلاء فيقولون ان فيها نصوصا لا تقبل التأويل وان ما قبل التأويل قد انضم اليه من القرائن والضمائم ما يعلم قطعا ان الله ورسوله اراد ذلك او ان هذا مفهوم

ويقولون ليس للنفاة دليل معتمد وانما معهم التقليد لاسلافهم بالشناعة والتهويل على المخاطبين الذين لم يعرفوا دقيق الكلام وان هذا مذهب عامة اهل الملل وخواص عباد الله وانما خالف ذلك اهل البدع فى الملل والاولون قد يقولون هذا خلاف الاجماع وهذا كفر وهذا يستلزم التغير والحدوث وقد رأيت للناس فى هذا الاصل عجائب


153

وقال الامام أحمد فى الجزء الذى فيه ( الرد على الجهمية والزنادقة ( وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير ان نقول جوف ولا فم ولا شفتان

وقال بعد ذلك بل نقول ان الله لم يزل متكلما اذا شاء ولا نقول انه كان ولا يتكلم حتى خلق وكلامه فيه طول

قال ( باب ما انكرت الجهمية من ان الله كلم موسى (

فقلنا لم انكرتم ذلك قالوا ان الله لم يتكلم ولا يتكلم انما كون شيئا فعبر عن الله وخلق صوتا فأسمعه وزعموا ان الكلام لا يكون الا من جوف ولسان وشفتين

فقلنا هل يجوز ان يكون لمكون غير الله ان يقول ( يا موسى انى انا ربك ( او يقول ( اننى انا الله لا اله الا انا فاعبدنى واقم الصلاة لذكرى ( فمن زعم ان ذلك غير الله فقد ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمى ان الله كون شيئا كان يقول ذلك المكون ( يا موسى ان الله رب العالمين ( ولا يجوز ان يقول ( انى انا الله رب العالمين (

وقد قال جل ثناؤه ( وكلم الله موسى تكليما ( وقال ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه ( وقال ( انى اصطفيتك على الناس برسالاتى وبكلامى ( فهذا منصوص القرآن واما ما قالوا ان الله لم يتكلم ولا يكلم فكيف يصنعون بحديث الاعمش عن


154

خيثمة عن عدى بن حاتم الطائى قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( ما منكم من احد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ( واما قولهم ان الكلام لا يكون الا من جوف وفم وشفتين ولسان فنقول اليس الله قال للسموات والارض ( ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين ( أتراها انها قالت بجوف وفم وشفتين ولسان

وقال ( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ( اتراها انها يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين ولكن الله انطقها كيف شاء وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير ان نقول جوف ولا فم ولا شفتان ولا لسان

فلما خنقته الحجج قال ان الله كلم موسى الا ان كلامه غيره فقلنا وغيره مخلوق قال نعم قلنا هذا مثل قولكم الاول الا انكم تدفعون عن انفسكم الشنعة وحديث الزهرى قال لما سمع موسى كلام ربه قال ( يا رب هذا الذى سمعته هو كلامك قال نعم يا موسى هو كلامى وانما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولى قوة الالسن كلها وانا اقوى من ذلك وانما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت (

قال فلما رجع موسى الى قومه قالوا له صف لنا كلام ربك فقال ( سبحان الله وهل استطيع ان اصفه لكم ( قالوا فشبهه قال ( سمعتم اصوات الصواعق التى تقبل فى احلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله (

وقلنا للجهمية من القائل يوم القيامة ( يا عيسى بن مريم أأنت قلت


155

للناس اتخذونى وامى الهين من دون الله ( اليس الله هو القائل قالوا يكون الله شيئا فيعبر عن الله كما كونه فعبر لموسى

قلنا فمن القائل ( فلنسألن الذين ارسل اليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم ( اليس الله هو الذى يسأل قالوا هذا كله انما يكون شيئا فيعبر عن الله

فقلنا قد اعظمتم على الله الفرية حين زعمتم انه لا يتكلم فشبهتموه بالاصنام التى تعبد من دون الله لان الاصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان الى مكان

فلما ظهرت عليه الحجة قال ان الله قد يتكلم لكن كلامه مخلوق قلنا قد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم ان كلامه مخلوق ففى مذهبكم قد كان فى وقت من الاوقات لا يتكلم وكذلك بنو آدم كانوا ولا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله عن هذه الصفة علوا كبيرا

بل نقول ان الله لم يزل متكلما اذا شاء ولا نقول انه كان ولا يتكلم حتى خلق كلاما ولا نقول انه قد كان لا يعلم حتى خلق علما ولا نقول انه قد كان ولا قدرة حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول انه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورا ولا نقول انه قد كان ولا عظمة حتى خلق لنفسه عظمة وذكر كلاما طويلا فى تقرير الصفات وانها لا تنافى التوحيد


156

ومما يشبه هذا ان الصفات التى هى من جنس الحركة كالاتيان والمجىء والنزول هل تتأول بمعنى مجىء قدرته وامره على روايتين

( احداهما ( هى بمعنى مجىء قدرته وهى رواية حنبل فى المحنة

( والثانية ( تمر كسائر الصفات وهى ظاهر المذهب المشهور عند اصحابنا

ثم منهم من غلط حنبل ومنهم من قال قاله احمد الزاما لهم ومنهم من جعله رواية خاصة كابن الزاغونى وعمم ابن عقيل ذلك فى سائر الصفات

وهذا الاصل يتفرع فى اكثر مسائل الصفات لا سيما مسألة الكلام والارادة والصفات المتعلقة بالمشيئة كالنزول والاستواء وهو كان سبب وقوع النزاع بين امام الائمة محمد بن اسحاق بن خزيمة وبين طائفة من فضلاء اصحابه


157

( فصل ( قال القاضى قال ( أحمد ( فى رواية حنبل لم يزل الله متكلما عالما غفورا وقال فى رواية عبدالله لم يزل الله متكلما اذا شاء ووجدتها فى ( المحنة ( رواية حنبل لما سأله عبدالرحمن بن اسحاق قاضى ( المعتصم ( فلامه فقال ما تقول فى القرآن قال فقلت ما تقول فى العلم فسكت فقلت لعبدالرحمن القرآن من علم الله ومن زعم ان علم الله مخلوق فقد كفر بالله قال فسألت عبدالرحمن فلم يرد على شيئا وقال لى عبدالرحمن كان الله ولا قرآن فقلت كان الله ولا علم فأمسك ولو زعم ان الله كان ولا علم لكفر بالله

ثم قال ابو عبدالله لم يزل الله عالما متكلما يعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة الا بما وصف به نفسه ونرد القرآن الى عالمه الى الله فهو اعلم به منه بدأ واليه يعود

وقال فى موضع أخر سمعت ابا عبدالله يقول لم يزل الله متكلما والقرآن كلام الله غير مخلوق وعلى كل جهة ولا يوصف الله بشىء اكثر مما وصف به نفسه


158

وقال ابو بكر عبدالعزيز فى الجزء الأول من ( كتاب السنة فى المقنع ( لما سألوه انكم اذا قلتم لم يزل متكلما كان ذلك عبثا فقال لأصحابنا قولان

( أحدهما ( لم يزل متكلما كالعلم لأن ضد الكلام الخرس كما ان ضد العلم الجهل

قال ومن اصحابنا من قال قد أثبت لنفسه أنه خالق ولم يجز أن يكون خالقا فى كل حال بل قلنا انه خالق فى وقت ارادته ان يخلق وإن لم يكن خالقا فى كل حال ولم يبطل أن يكون خالقا كذلك وان لم يكن متكلما فى كل حال لم يبطل أن يكون متكلما بل هو متكلم خالق وان لم يكن خالقا فى كل حال ولا متكلما فى كل حال

قال القاضى أبو يعلى فى كتاب ( إيضاح البيان فى مسئلة القرآن ( لما أورد عليه هذا السؤال فقال نقول إنه لم يزل متكلما وليس بمكلم ولا مخاطب ولا آمر ولا ناه نص عليه أحمد فى رواية حنبل وساق الكلام الى ان ذكر عن أبى بكر ما حكاه فى المقنع ثم قال لعل هذا القائل من أصحابنا يذهب الى قول أحمد بن حنبل فى رواية عبدالله ( لم يزل متكلما اذا شاء ( قال والقائل بهذا قائل بحدوث القرآن وقد تأولنا كلام أحمد يتكلم اذا شاء فى أول المسئلة ولا يشبه هذا وصفه بالخلق والرزق لأن تلك الصفات


159

يجب أن تقدر فيها ذلك وذلك لأننا لو قدرنا وجود الفعل فيما لم يزل أفضى الى قدم العالم فأما الكلام فهو كالعلم

وقال القاضى فى أول المسألة قول أحمد لم يزل غفورا بيان أن جميع الصفات قديمة سواء كانت مشتقة من فعل كالغفران والخلق والرزق او لم تكن مشتقة وقوله لم يزل متكلما اذا شاء معناه اذا شاء ان يسمعه

قلت وطريقة القاضى هذه هى طريقة اصحابه واصحابهم وغيرهم كإبن عقيل وابن الزاغونى

وأما أكثر أهل الحديث من أصحاب أحمد وغيرهم وكثير من أهل الكلام أيضا فيخالفونه فى ذلك ويقولون فى الفعل أحد قولين

( أحدهما ( وهو القول الآخر للقاضى الذى هو الصحيح عند أصحابنا اما ان الفعل قديم والمفعول مخلوق كما نسلم ذلك لهم فى الارادة والقول المكون اى الارادة قديمة والمراد محدث وكما ان المنازع يقول التكوين قديم فالمكون مخلوق

( والثانى ( ان الفعل نفسه عندهم كالقول كلاهما غير مخلوق مع أنه يكون فى حال دون حال اذ هو قائم بالله والمخلوق لا يكون الا منفصلا عن الله ويقولون ان قول أحمد موافق لما قلناه لأنه قال لم يزل متكلما اذا شاء


160

ولم يقل لم يزل مكلما اذا شاء والمتعلق بالمشيئة عند من يقول انه قديم واجب انما هو التكليم الذى هو فعل جائز لا التكلم

فبين ذلك أن أحمد رضى الله عنه قال فى الموضع الاخر لم يزل الله متكلما عالما غفورا فذكر الصفات الثلاث الصفة التى هى قديمة واجبة وهى العلم والتى هى جائزة متعلقة بالمشيئة وهى المغفرة فهذان متفق عليهما

وذكر أيضا التكلم وهو القسم الثالث الذى فيه نزاع وهو يشبه العلم من حيث هو وصف قائم به لا يتعلق بالمخلوق ويشبه المغفرة من حيث هو متعلق بمشيئته كما فسره فى الموضع الآخر

فعلم ان قدمه عنده أنه لم يزل اذا شاء تكلم واذا شاء سكت لم يتجدد له وصف القدرة على الكلام التى هى صفة كمال كما لم يتجدد له وصف القدرة على المغفرة وان كان الكمال هو أن يتكلم اذا شاء ويسكت اذا شاء

وأما قول القاضى ان هذا قول بحدوثه فيجيبون عنه بجوابين

( أحدهما ( الا يسمى محدثا ان يسمى حديثا إذ المحدث هو المخلوق المنفصل واما الحديث فقد سماه الله حديثا وهذا قول الكرامية وأكثر أهل الحديث والحنبلية

( والثانى ( أنه يسمى محدثا كما فى قوله ( من ذكر من ربهم محدث ( وليس بمخلوق وهذا قول كثير من الفقهاء وأهل الحديث والكلام


161

كداود بن على الأصبهانى صاحب المذهب لكن المنقول عن أحمد إنكار ذلك وقد يحتج به لأحد قولى أصحابنا

قال المروذى قال أبو عبدالله من داود بن على الأصبهانى لا فرج الله عنه جاءنى كتاب محمد بن يحيى النسابورى ان داود الاصبهانى قال كذبا ان القرآن محدث وذكر أبو بكر الخلال هذه الرواية فى ( كتاب السنة ( وقال عبدالله بن أحمد إستأذن ( داود ( على ابى فقال من هذا داود لا جبر ود الله قلبه ودود الله قبره فمات مدودا

والاطلاقات قد توهم خلاف المقصود فيقال إن أردت بقولك محدث انه مخلوق منفصل عن الله كما يقوله الجهمية والمعتزلة والنجارية فهذا باطل لا نقوله وان أردت بقولك أنه كلام تكلم الله به بمشيئته بعد أن لم يتكلم به بعينه وإن كان قد تكلم بغيره قبل ذلك مع أنه لم يزل متكلما إذا شاء فانا نقول بذلك وهو الذى دل عليه الكتاب والسنة وهو قول السلف وأهل الحديث وإنما ابتدع القول الآخر الكلابية والأشعرية ولكن أهل هذا القول لهم قولان

( أحدهما ( أنه تكلم بعد أن لم يكن متكلما وإن كان قادرا على الكلام كما أنه خلق السموات والأرض بعد أن لم يكن خلقهما وان كان قادرا على الخلق وهذا قول الكرامية وغيرهم ممن يقول انه تحله الحوادث بعد ان لم تكن تحله وقول من قال أنه محدث يحتمل هذا القول وإنكار أحمد يتوجه إليه


162

( والثانى ( انه لم يزل متكلما يتكلم اذا شاء وهذا هو الذى يقوله من يقوله من أهل الحديث

وأصحاب هذا القول قد يقولون ان كلامه قديم وانه ليس بحادث ولا محدث فيريدون نوع الكلام اذ لم يزل يتكلم اذا شاء وان كان الكلام العينى يتكلم به اذا شاء ومن قال ليست تحل ذاته الحوادث فقد يريد به هذا المعنى بناء على انه لم يحدث نوع الكلام فى كيفية ذاته

وقال أبو عبدالله بن حامد فى ( أصوله ( ومما يجب الايمان به والتصديق ان الله يتكلم وان كلامه ( قديم ( وأنه لم يزل متكلما فى كل أوقاته بذلك موصوفا وكلامه قديم غير محدث كالعلم والقدرة وقد يجىء على المذهب أن يكون الكلام صفة متكلم لم يزل موصوفا بذلك ومتكلما كلما شاء واذا شاء ولا نقول أنه ساكت فى حال ومتكلم فى حال من حين حدوث الكلام

والدليل على اثباته متكلما على ما وصفناه كتاب الله وسنة نبيه واجماع اهل الحق الا طائفة الضلال ( المعتزلة ( وغيرهم من المتكلمين فانهم أبو أن يكون الله متكلما وذكر بعض أدلة الكتاب والسنة ثم قال بعد ذلك


163

( فصل ( ولا خلاف عن أبى عبدالله ان الله كان متكلما بالقرآن قبل أن يخلق الخلق وقبل كل الكائنات موجودا وان الله فيما لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء واذا شاء أنزل كلامه واذا شاء لم ينزله

وأبى ذلك ( المعتزلة ( فقالوا حادث بعد وجود المخلوقات

قلت فقد حكى القولين ابن حامد أيضا مع أنه يذكر الاتفاق عنه على أنه لم يزل متكلما كيف شاء وكما شاء لكنه نفى على القولين ان يقال هو هو ساكت فى حال ومتكلم فى حال فأثبت ان يقال هو متكلم كلما شاء واذا شاء ولا يقال أنه ساكت فى حال

وهكذا تقول الكرامية إنه لا يوصف بالسكوت والنزول فيما لم يزل لكن بين كلامه وكلامهم فرق كما سأحكيه

قال أبو عبدالله بن حامد فى ( صفات الفعل (


164

( فصل ( ومما يجب على أهل الإيمان التصديق به أن الحق سبحانه ينزل الى سماء الدنيا فى كل ليلة وينزل يوم عرفة من غير تكييف ولا مثل ولا تجديد ولا شبه

وقال هذا نص امامنا قال يوسف بن موسى قلت ( لأبى عبدالله ( ينزل الله الى سماء الدنيا كيف شاء من غير وصف قال نعم وقال فى مسألة ( الاستواء على العرش ( فيما رواه عنه حنبل ربنا على العرش بلا حد ولا صفة

وقال فى رواية المروذى قيل له عن ابن المبارك يعرف الله على العرش بحد قال بلغنى ذلك وأعجبه ثم قال أبو عبدالله ( هل ينظرون الا ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام ( وقال ( وجاء ربك والملك صفا صفا (

قال ابن حامد فالمذهب على ما ذكرنا لا يختلف ان ذاته تنزل ورأيت بعض أصحابنا يروى عن أبى عبدالله فى الاتيان انه قال يأتى بذاته قال وهذا على حد التوهم من قائله وخطأ من اضافته اليه كما قررنا عنه من النص

قال ابن حامد فاذا تقرر هذا الاصل فى نزول ذاته من غير صفة ولا حد


165

فانا نقول انه بانتقال من مكانه الذى هو فيه الا ان طائفة من أصحابنا قالت ينزل من غير انتقال من مكانه كيف شاء قال والصحيح ما ذكرنا لا غيره

قال وقد ابا أصل ( هذه المسألة ( أهل الاعتزال فقالوا لا نزول له ولا حركة ولا له من مكانه زوال وهو بكل مكان على ما كان قال وهذا منهم جهل قبيح لنص الاخبار وساق بعض الأحاديث المأثورة فى ذلك قال


166

فصل ومما يجب التصديق به والرضا مجيئه الى الحشر يوم القيامة بمثابة نزوله الى سمائه وذلك بقوله ( وجاء ربك والملك صفا صفا ( وقال تعالى ( واشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجىء بالنبيين والشهداء ( قال وهذا دليل على أنه اذا جاءهم وجلس على كرسيه اشرقت الأرض كلها بأنواره

وعبدالعزيز بن يحيى الكنانى صاحب ( الحيدة ( و ( الرد على الجهمية والقدرية ( كلامه فى الحيدة والرد على الجهمية يحتمل ذلك فان مضمون الحيدة انه ابطل احتجاج بشر المريسى بقوله ( الله خالق كل شىء ( وقوله ( انا جعلناه قرآنا عربيا ( ثم أنه احتج على المريسى بثلاث حجج

( الأولى ( أنه قال اذا كان مخلوقا فاما ان تقول خلقه فى نفسه او خلقه فى غيره او خلقه قائما بنفسه وذاته

قال فان قال خلق كلامه فى نفسه فهذا محال ولا تجد السبيل الى القول به من قياس ولا نظر ولا معقول لأن الله لا يكون مكانا للحوادث


167

ولا يكون فيه شىء مخلوق ولا يكون ناقصا فيزيد فيه شىء اذا خلقه تعالى الله عن ذلك وجل وتعظم

وان قال خلقه فى غيره فيلزمه فى النظر والقياس ان كل كلام خلقه الله فى غيره فهو كلام الله لا يقدر أن يفرق بينهما أفيجعل الشعر كلاما لله ويجعل قول القذر كلاما لله ويجعل كلام الفحش والكفر كلاما لله وكل قول ذمه الله وذم قائله كلاما لله وهذا محال لا يجد السبيل اليه ولا الى القول به لظهور الشناعة والفضيحة والكفر على قائله

وان قال خلقه قائما بذاته ونفسه فهذا هو المحال الباطل الذى لا يجد الى القول به سبيلا فى قياس ولا نظر ولا معقول لأنه لا يكون الكلام الا من متكلم كما لا تكون الارادة الا من مريد ولا العلم الا من عالم ولا القدرة الا من قدير ولا رؤى ولا يرى قط كلام قط قائم بنفسه يتكلم بذاته

فلما استحال من هذه الجهات الثلاث ان يكون مخلوقا ثبت أنه صفة لله وصفات الله كلها غير مخلوقة

( والحجة الثانية ( اتفق هو وبشر على أنه كان الله ولا شىء وكان ولما يفعل ولم يخلق شيئا

قال له فبأى شىء أحدث الاشياء قال أحدثها بقدرته التى لم تزل


168

قال ( عبدالعزيز ( فقلت صدقت أحدثها بقدرته التى لم تزل أفليس تقول انه لم يزل قادرا قال بلى فقلت له أفتقول إنه لم يزل يفعل قال لا اقول هذا قلت فلابد ان يلزمك ان تقول انه خلق بالفعل الذى كان عن القدرة وليس الفعل هو القدرة لأن القدرة صفة لله ولا يقال صفة الله هى الله ولا هى غير الله

قال بشر ويلزمك أنت أيضا ان تقول ان الله لم يزل يفعل ويخلق فاذا قلت ذلك ثبت ان المخلوق لم يزل مع الله

فقلت له ليس لك أن تحكم على وتلزمنى ما لا يلزمنى وتحكى عنى ما لم أقل أنه لم يزل الخالق يخلق ولم يزل الفاعل يفعل فتلزمنى ما قلت وانما قلت أنه لم يزل الفاعل سيفعل ولم يزل الخالق سيخلق لأن الفعل صفة لله يقدر عليه ولا يمنعه منه مانع

قال بشر وانا أقول انه احدث الأشياء بقدرته فقل أنت ما شئت

قال عبدالعزيز فقلت يا أمير المؤمنين قد أقر بشر أن الله كان ولا شىء وانه أحدث الاشياء بعد أن لم تكن شيئا بقدرته وقلت اما أنه احدثها بأمره وقوله عن قدرته فلا يخلو يا أمير المؤمنين أن يكون أول خلق خلقه الله بقول قاله او بارادة أرادها أو بقدرة قدرها واى ذلك كان فقد ثبت أن هنا ارادة ومريد ومراد وقول وقائل ومقول له وقدرة وقادر ومقدور


169

عليه وذلك كله متقدم قبل الخلق وما كان قبل الخلق متقدم فليس هو من الخلق قلت قوله قبل الخلق هو المريد القائل القادر وارادته وقوله وقدرته واما المراد المقدور عليه المقول له فاما ان يريد ثبوته فى العلم بقوله له كن أو لم يدخل فى اللفظ وهذا الكلام يقتضى ان وقد قال لم يزل سيفعل وقد فسره ايضا بفعله كما تقدم

ذكر

أبو عبدالله الحاكم فى تاريخ نيسابور فى ترجمة الامام محمد بن اسحاق بن خزيمة قضية طويلة فى الخلاف الذى وقع بينه وبين بعض اصحابه مثل ابى على الثقفى وابى بكر احمد بن اسحاق الضبعى وابى بكر بن ابى عثمان الزاهد وابى محمد بن منصور القاضى فذكر أن طائفة رفعوا الى الامام انه قد نبغ طائفة من اصحابه يخالفونه وهو لا يدرى وأنهم على مذهب الكلابية وابو بكر الامام شديد على الكلابية

قال الحاكم فحدثنى ابو بكر احمد بن يحيى المتكلم قال اجتمعنا ليلة عند بعض اهل العلم وجرى ذكر كلام الله اقديم لم يزل او يثبت عند اخباره تعالى أنه تكلم به فوقع بيننا فى ذلك خوض قال جماعة منا ان كلام البارى قديم لم يزل وقال جماعة ان كلامه قديم غير أنه لا يثبت الا باخباره بكلامه


170

فبكرت انا الى أبى على الثقفى واخبرته بما جرى فقال من أنكر أنه لم يزل فقد اعتقد ان كلام الله محدث وانتشرت ( هذه المسألة ( فى البلد وذهب منصور الطوسى فى جماعة معه الى ابى بكر محمد بن اسحاق واخبروه بذلك حتى قال منصور الم اقل للشيخ ان هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية وهذا مذهبهم فجمع ابو بكر اصحابه وقال ألم أنهكم غير مرة عن الخوض فى الكلام ولم يزدهم على هذا ذلك اليوم

ثم ذكر انه بعد ذلك خرج على اصحابه وانه صنف فى الرد عليهم وانهم ناقضوه ونسبوه الى القول بقول جهم فى ان القرآن محدث وجعلهم هو كلابية

قال الحاكم سمعت ابا سعيد عبدالرحمن بن احمد المقرى يقول سمعت ابا بكر محمد بن اسحاق يقول الذى أقول به ان القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق ومن قال ان القرآن او شيئا منه وعن وحيه وتنزيله مخلوق او يقول ان الله لا يتكلم بعد ما كان تكلم به فى الازل او يقول ان افعال الله مخلوقة او يقول ان القرآن محدث او يقول ان شيئا من صفات الله صفات الذات او اسما من اسماء الله مخلوق فهو عندى جهمى يستتاب فان تاب والا ضربت عنقه والقى على بعض المزابل هذا مذهبى ومذهب من رأيت من أهل الاثر فى الشرق والغرب من اهل العلم ومن حكى عنى خلاف هذا فهو كاذب باهت ومن نظر فى كتبى المصنفة فى العلم ظهر له وبان ان الكلابية لعنهم الله كذبة فيما يحكون عنى مما هو خلاف اصلى وديانتى قد عرف أهل الشرق والغرب أنه لم يصنف احد


171

فى التوحيد وفى القدر وفى اصول العلم مثل تصنيفى فالحاكى خلاف ما فى كتبى المصنفة كذبة فسقة

وذكر عن ابن خزيمة انه قال زعم بعض جهلة هؤلاء الذين نبغوا فى سنيننا هذه ان الله لا يكرر الكلام فلا هم يفهمون كتاب الله ان الله قد أخبر فى نص الكتاب فى مواضع انه خلق آدم وانه امر الملائكة بالسجود له فكرر هذا الذكر فى غير موضع وكرر ذكر كلامه لموسى مرة بعد أخرى وكرر ذكر عيسى بن مريم فى مواضع وحمد نفسه فى مواضع فقال ( الحمد لله الذى انزل على عبده الكتاب ( و ( الحمد لله الذى خلق السموات والأرض ( الآية و ( الحمد لله الذى له ما فى السموات والأرض ( وكرر زيادة على ثلاثين كرة ( فبأى آلاء ربكما تكذبان ( ولم اتوهم ان مسلما يتوهم ان الله لا يتكلم بشىء مرتين وهذا مقالة من زعم ان كلام الله مخلوق ويتوهم انه لا يجوز ان يقول خلق الله شيئا واحدا مرتين

وقال الحاكم سمعت ابا بكر أحمد بن اسحاق يقول لما وقع من أمرنا ما وقع ووجد بعض المخالفين يعنى المعتزلة الفرصة فى تقرير مذهبهم بحضرتنا واغتنم بعض الموافقين السعى فى فساد الحال انتصب ابو عمرو الحيرى للتوسط فيما بين الجماعة بلا ميل وذكر انهم اجتمعوا بداره

وقال ابو على الثقفى للامام ما الذى انكرت من مذاهبنا ايها الامام حتى نرجع عنه قال ميلكم الى مذهب الكلابية فقد كان أحمد بن حنبل من أشد


172

الناس على عبدالله بن سعيد وعلى اصحابه مثل الحارث وغيره حتى طال الخطاب بينه وبين ابى على فى هذا الباب

فقلت قد جمعت انا أصول مذاهبنا فى طبق فأخرجت اليه الطبق وقلت تأمل ما جمعته بخطى وبينته من هذه المسائل فان كان فيها شىء تنكره فبين لنا وجهه حتى نرجع عنه فأخذ منى ذلك الطبق وما زال يتأمله وينظر فيه حتى وقف عليه ثم رفع رأسه وقال لست ارى شيئا لا اقول به وكله مذهبى وعليه رأيت مشائخى

وسألته ان يثبت بخطه آخر تلك الأحرف انه مذهبه ثم قصده ابو فلان وفلان وفلان وقالوا ان الاستاذ لم يتأمل ما كتبه بخطه وقد غدروا بك وغيروا صورة الحال

قال الحاكم وهذه نسخة الخط يقول ابو بكر أحمد بن اسحاق ويحيى بن منصور كلام الله صفة من صفات ذاته ليس شىء من كلام الله خلق ولا مخلوق ولا فعل ولا مفعول ولا محدث ولا حدث ولا احداث فمن زعم ان شيئا منه مخلوق او محدث او زعم ان الكلام من صفة الفعل فهو جهمى ضال مبتدع

وأقول لم يزل الله متكلما ولا يزال متكلما والكلام له صفة ذات لا مثل لكلامه من كلام خلقه ولا نفاد لكلامه لم يزل ربنا بكلامه وعلمه وقدرته وصفات ذاته واحدا لم يزل ولا يزال ك

لم ربنا انبيائه وكلم موسى والله الذى قال له ( اننى انا الله لا اله الا أنا


173

فاعبدنى ( ويكلم أولياءه يوم القيامة ويحييهم بالسلام قولا فى دار عدنه وينادى عباده فيقول ( ماذا أجبتم المرسلين ( ويقول ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (

ويكلم أهل النار بالتوبيخ والعقاب ويقول لهم ( أخسئوا 2 فيها ولا تكلمون (

ويخلو الجبار بكل احد من خلقه فيكلمه ليس بينه وبين احد منهم ترجمان كما قال النبى ( ( ويكلم ربنا جهنم فيقول لها هل امتلأت وينطقها فتقول هل من مزيد

فمن زعم ان الله لم يتكلم الا مرة ولم يتكلم الا ما تكلم به ثم انقضى كلامه كفر بالله بل لم يزل الله متكلما ولا يزال متكلما لا مثل لكلامه لانه صفة من صفات ذاته نفى الله المثل عن كلامه كما نفى المثل عن نفسه ونفى النفاد عن كلامه كما نفى الهلاك عن نفسه فقال ( كل شىء هالك الا وجهه ( وقال ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربى (

كلام الله غير بائن عن الله ليس هو دونه ولا غيره ولا هو بل هو صفة من صفات ذاته كعلمه الذى هو صفة من صفات ذاته لم يزل ربنا عالما ولا يزال عالما ولم يزل متكلما ولا يزال يتكلم فهو الموصوف بالصفات


174

العلى لم يزل بجميع صفاته التى هى صفات ذاته واحدا ولا يزال ( وهو اللطيف الخبير (

كلم موسى فقال له ( انى انا ربك ( فمن زعم ان غير الله كلمه كفر بالله فان الله ينزل كل ليلة الى سماء الدنيا فيقول هل من داع فأجيبه هل من تائب فأتوب عليه فمن زعم ان علمه ينزل اوامره ضل بل ينزل الى سماء الدنيا المعبود سبحانه الذى يقال له يا رحمن يا رحيم

فيكلم عباده بلا كيف ( الرحمن على العرش استوى ( بلا كيف لا كما قالت الجهمية انه على الملك احتوى ولا استولى بل استوى على عرشه بلا كيف وهو الله الذى له الاسماء الحسنى فمن زعم ان اسما من اسمائه مخلوق أو محدث فهو جهمى والله يخاطب عباده عودا وبدءا ويعيد عليهم قصصه وامره ونهيه قرنا فقرنا من زعم ان الله لا يخاطب عباده ولا يعيد عليهم قصصه وامره ونهيه عودا وبدءا فهو ضال مبتدع بل الله بجميع صفات ذاته واحد لم يزل ولا يزال وما أضيف الى الله من صفات فعله مما هو غير بائن عن الله فغير مخلوق وكل شىء اضيف الى الله بائن عنه دونه مخلوق

واقول افعال العباد كلها مخلوقة واقول الايمان قول وعمل يزيد وينقص وخير الناس بعد الرسول ( ( ابو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على


175

واقول ان اهل الكبائر فى مشيئة الله اذا ماتوا ان شاء عذبهم ثم غفر لهم وان شاء غفر لهم من غير تعذيب واخبار الآحاد مقبولة اذا نقلها العدول وهى توجب العمل واخبار التواطىء توجب العلم والعمل

وصورة خط الامام ابن خزيمة يقول محمد بن اسحاق اقر عندى أبو بكر احمد بن اسحاق وأبو محمد يحيى بن منصور بما تضمن بطن هذا الكتاب وقد ارتضيت ذلك اجمع وهو صواب عندى

قال الحاكم سمعت ابا الحسن على بن أحمد البوشنجى الزاهد يقول فى ضمن قصة لما انتهى الينا ما وقع بين مشائخ نيسابور من الخلاف خرجت من وطنى حتى قصدت نيسابور فاجتمع على جماعة يسألون عن تلك المسائل فلم اتكلم فيها بقليل ولا كثير

ثم كتبت القول ما قاله ابو على ودخلت الرى على عبدالرحمن بن ابى حاتم فأخبرته بما جرى فى نيسابور بين ابى بكر واصحابه فقال ما لأبى بكر والكلام انما الاولى بنا وبه ان لا نتكلم فيما لا نعلمه فخرجت من عنده حتى دخلت على ابى العباس الفلانى فشرح لى تلك المسائل شرحا واضحا وقال كان بعض القدرية من المتكلمين دفع الى محمد بن اسحاق فوقع لكلامه عنده قبول


176

ثم ذكر انه عرض تلك المسائل على من وجده ببغداد من الفقهاء والمتكلمين فتابعوا ابا العباس على مقالته واغتنموا لأبى بكر بن اسحاق فيما اظهره وانه بعد ذلك قدم من نيسابور ابو عمرو النجار فكتب لأبى بكر محمد بن اسحاق الى جماعة من العلماء فى تلك المسائل وانهم كانوا يرفعون من خالف ابا بكر بن خزيمة الى السلطان

قال الحاكم سمعت ابا على محمد بن اسحاق الابيوردى يقول حضرت قرية فلانة فى تسليم لصغير اتباعها عبدالله بن حمشاد من بنى فلان وحضرها جماعة من اعيان البلد وكان قد حضرها اسحاق بن ابى الفرد والى نيسابور فاقرأنا كتاب حمويه بن على اليه بأن يمتثل فيهم امر ابى بكر محمد بن اسحاق بن خزيمة من النفى والضرب والحبس

قال فقام عبدالله بن حمشاد من ذلك المجلس فقال طوباهم ان كان ما يقال مكذوبا عليهم قال أبو على ثم قال لى عبدالله بن حمشاد من غد ذلك اليوم انى رأيت البارحة فى المنام كأن احمد بن السرى الزاهد المروزى لكمنى برجله ثم قال كأنك فى شك من امور هؤلاء الكلابية قال ثم نظر الى محمد بن اسحاق فقال ( هذا بلاغ للناس ولينذورا به وليعلموا انما هو اله واحد وليذكروا اولوا الالباب (


177

وذكر الحاكم سمعت أبا محمد الانماطى العبد الصالح يقول لما استحكمت تلك الوقعة وصار لا يجتمع عشرة فى البلد الا وقع بينهم تشاجر فيه وصارا اكثر العوام يتضاربون فيه خرج ابو عمرو الحيرى الى الرى والامير الشهيد بها حتى ينجز كتبا الى خليفته كتاب الى ابى بكر بن اسحاق بأن ينفى من البلد الاربعة الذين خالفوا أبا بكر ثم ذكر انهم عقدوا لهم مجلسا

وقال شيخ الاسلام ابو اسماعيل عبدالله بن محمد الانصارى فى اعتقاد اهل السنة وما وقع عليه اجماع اهل الحق من الأمة ( باب القول فى القرآن ( أعلم ان الله متكلم قائل مادح نفسه بالتكلم اذ عاب الاصنام والعجل انها لا تتكلم وهو متكلم كلما شاء تكلم بكلام لا مانع له ولا مكره والقرآن كلامه هو تكلم به وقد تأول ابن عقيل كلام شيخ الاسلام بنحو ما تأول به القاضى كلام أحمد

وقال شيخ الاسلام أيضا فى كتاب ( مناقب الامام أحمد بن حنبل ( فى باب الاشارة عن طريقته فى الاصول لما ذكر كلامه فى مسائل القرآن وترتيب البدع التى ظهرت فيه وانهم قالوا اولا هو مخلوق وجرت المحنة العظيمة ثم ظهرت مسألة اللفظية بسبب حسين الكرابيسى وغيره

الى ان قال ثم جاءت طائفة فقالت لا يتكلم بعد ما تكلم فيكون


178

كلامه حادثا قال وهذه سخارة اخرى تقذى فى الدين غير عين واحدة

فانتبه لها أبو بكر بن اسحاق اللنجرودى ابن خزيمة وكانت حينئذ نيسابور دار الآثار تمد اليها الرقاب وتشد اليها الركاب ويجلب منها العلم

وما ظنك بمجالس يحبس عنها الثقفى والضبعى مع ما جمعا من الحديث والفقه والصدق والورع واللسان والتثبت والقدر والمحفل لا يسرون بالكلام واشتمام لأهله فابن خزيمة فى بيت ومحمد بن اسحاق السراج فى بيت وابو حامد بن الشرقى فى بيت

قال شيخ الاسلام فطار لتلك الفتنة ذاك الامام ابو بكر فلم يزل يصيح بتشويهها ويصنف فى ردها كأنه منذر جيش حتى دون فى الدفاتر وتمكن فى السرائر ولقن فى الكتاتيب ونقش فى المحاريب ان الله متكلم ان شاء تكلم وان شاء سكت فجزى الله ذاك الامام وأولئك النفر الغر عن نصرة دينه وتوقير نبيه خيرا

قلت فى حديث سلمان عن النبى ( ( ( الحلال ما أحل الله فى كتابه والحرام ما حرم الله فى كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه ( رواه ابو داود

وفى حديث ابى ثعلبة عن النبى ( ( ان الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحدد حدودا فلا تعتدوها وحرم محارم فلا تنتهكوها وسكت عن اشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها (


179

ويقول الفقهاء فى دلالة المنطوق والمسكوت وهو ما نطق به الشارع وهو الله ورسوله وما سكت عنه تارة تكون دلالة السكوت اولى بالحكم من المنطوق وهو مفهوم الموافقة وتارة تخالفه وهو مفهوم المخالفة وتارة تشبهه وهو القياس المحض

فثبت بالسنة والاجماع ان الله يوصف بالسكوت لكن السكوت يكون تارة عن التكلم وتارة عن اظهار الكلام واعلامه كما قال فى الصحيحين عن ابى هريرة يا رسول الله أرأيتك سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول قال اقول ( اللهم باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب ( الى اخر الحديث

فقد

أخبره انه ساكت وسأله ماذا تقول فأخبره انه يقول فى حال سكوته اى سكوته عن الجهر والاعلان لكن هذان المعنيان المعروفان فى السكوت لا تصح على قول من يقول انه متكلم كما انه عالم لا يتكلم عند خطاب عباده بشىء وانما يخلق لهم ادراكا ليسمعوا كلامه القديم سواء قيل هو معنى مجرد او معنى وحروف كما هو قول ابن كلاب والاشعرى ومن قال بذلك من الفقهاء واهل الحديث والصوفية من الحنبلية وغيرهم

فهؤلاء اما ان يمنعوا السكوت وهو المشهور من قولهم او يطلقوا لفظه ويفسروه بعدم خلق ادراك للخلق يسمعون به الكلام القديم والنصوص


180

تبهرهم مثل قوله ( اذا تكلم الله بالوحى سمع اهل السماء كجر السلسلة على الصفا ( وقول النبى ( ( لما صلى بهم صلاة الصبح بالحديبية ( أتدرون ماذا قال ربكم الليلة ( وتكليمه لموسى ونداؤه له كما دل عليه الكتاب والسنة وعلى قولهم يجوز ان يسمع كل أحد الكلام الذى سمعه موسى

ثم من تفلسف منهم كالغزالى فى ( مشكاة الانوار ( وجده يجوز مثل ذلك لأهل الصفاء والرياضة وهو ما يتنزل على قلوبهم من الالهامات كقول النبى ( ( أنه قد كان فى الامم قبلكم محدثون ( وقول ابى الدرداء وعبادة بن الصامت ( رؤيا المؤمن كلام تكلم به الرب عنده فى منامه (

فيجعلون ( الايحاء ( و ( الالهام ( بينهما الا ان موسى قصد بذلك الخطاب وغيره سمع ما خوطب به غيره

ثم عند ( التحقيق ( يرجعون الى محض الفلسلفة فى انه لا فرق بين موسى وغيره بحال كما ان هؤلاء المتأولة المتفلسفة يجعلون خلع ( النعلين ( اشارة الى ترك العالمين و ( الطور ( عبارة عن العقل الفعال ونحو ذلك من تاويلات


181

الفلاسفة الصابئة ومن حذا حذوهم من القرامطة والباطنية واصحاب ( رسائل اخوان الصفا ( ونحوهم

وقد حكى القولين عن اهل السنة فى الارادة والسمع والبصر ابو عبدالله الحارث بن اسد المحاسبى فى كتاب ( فهم القرآن ( فتكلم على قوله ( حتى نعلم المجاهدين ( ونحوه وبين ان علم الله قديم وانما يحدث المعلوم الى ان قال وذلك موجود فينا ونحن جهال وعلمنا محدث قد نعلم ان كل انسان ميت فكلما مات انسان قلنا قد علمنا انه قد مات من غير ان نكون من قبل موته جاهلين انه سيموت الا انا قد يحدث لنا اللحظ من الرؤية وحركة القلب اذا نظرنا اليه ميتا لأنه ميت والله لا تحدث فيه الحوادث

الى ان قال وكذلك قوله ( لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله ( وقوله ( واذا اردنا ان نهلك قرية ( وقوله ( انما أمره اذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون (

وليس ذلك منه ببدىء الحوادث إرادة حدثت له ولا ان يستأنف مشيئة لم تكن له وذلك فعل الجاهل بالعواقب الذى يريد الشىء وهو لا يعلم العواقب فلم يزل يريد ما يعلم أنه يكون لم يستحدث ارادة لم تكن لأن الارادات انما تحدث على قدر ما يعلم المريد واما من لم يزل يعلم ما يكون وما لا يكون من خير وشر فقد أراد ما علم على ما علم لا يحدث له بدو اذ كان لا يحدث فيه علم به


182

قال أبوعبدالله الحارث وقد تأول بعض من يدعى السنة وبعض اهل البدع ذلك على الحوادث

فأما من ادعى السنة فاراد اثبات ( القدر ( فقال ( ارادة الله ( اى حدث من تقديره سابق الارادة واما بعض اهل البدع فزعموا ان الارادة انما هى خلق حادث وليست مخلوقة ولكن بها الله كون المخلوقين قال فزعمت ان الخلق غير المخلوقين وان الخلق هو الارادة وانها ليست بصفة لله من نفسه وجل ان يكون شىء حدث بغير ارادة منه وجل عن البدوات وتقلب الارادات ثم تكلم على ان الحادث هو وقت المراد لا نفس الارادة كقولهم متى تريد ان اجىء إلى ان قال وكذلك قوله ( انا معكم مستمعون ( ليس معناه ان يحدث لنا سمعا ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم قال وقد ذهب قوم من اهل السنة ان لله استماعا حادثا فى ذاته فذهب الى ما يعقل من الخلق أنه يحدث منهم على سمع لما كان من قول عمن سمعه للقول لأن المخلوق اذا سمع الشىء حدث له عقد فهم عما ادركته اذنه من الصوت

قال وكذلك قوله ( اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ( لا يستحدث بصرا ولا لحظا محدثا فى ذاته وانما يحدث الشىء فيراه مكونا كما لم يزل يعلمه قبل كونه لا يغادر شيئا ولا يخفى عليه منه خافية

وكذلك قال بعضهم ان رؤية تحدث وقال قوم انما معنى ( سيرى


183

و ( انا مستمعون ( انما المسموع والمبصر لم يخف على عينى ولا على سمعى ان أدركه سمعا وبصرا لا بالحوادث فى الله

قال أبو عبدالله ومن ذهب الى انه يحدث لله استماع مع حدوث المسموع وإبصار مع حدوث المبصر فقد زاد على الله ما لم يقل وانما على العباد التسليم لما قال الله ( انه سميع بصير ( ولا نزيد ما لم يقل وانما معنى ذلك كما قال تعالى ( حتى نعلم ( حتى يكون المعلوم وكذلك حتى يكون المبصر والمسموع فلا يخفى على ان يعلمه موجودا ويسمعه موجودا كما علمه بغير حادث فى علم الله ولا بصر ولا سمع ولا معنى حدث فى ذات الله تعالى عن الحوادث فى نفسه

وقال محمد بن الهيصم الكرامى فى كتاب ( جمل الكلام فى أصول الدين ( لما ذكر جمل الكلام فى ( القرآن ( وانها مبنية على خمسة فصول

( أحدها ( ان القرآن كلام الله فقد حكى عن ( جهم ( ان القرآن ليس كلام الله على الحقيقة وانما هو كلام خلقه الله فينسب اليه كما قيل سماء الله وأرضه وكما قيل بيت الله وشهر الله واما ( المعتزلة ( فانهم اطلقوا القول بأنه كلام الله على الحقيقة ثم وافقوا جهما فى المعنى حيث قالوا كلام خلقه بائنا منه قال وقال عامة المسلمين ان القرآن كلام الله على الحقيقة وانه تكلم به


184

( والفصل الثانى ( ان القرآن غير قديم فان الكلابية واصحاب الاشعرى زعموا ان الله كان لم يزل يتكلم بالقرآن وقال اهل الجماعة بل أنه انما تكلم بالقرآن حيث خاطب به جبرائيل وكذلك سائر الكتب ( والفصل الثالث ( ان القرآن غير مخلوق فان الجهمية والنجارية والمعتزلة زعموا انه مخلوق وقال اهل الجماعة انه غير مخلوق

( والفصل الرابع ( انه غير بائن من الله فان الجهمية واشياعهم من المعتزلة قالوا ان القرآن بائن من الله وكذلك سائر كلامه وزعموا ان الله خلق كلاما فى الشجرة فسمعه موسى وخلق كلاما فى الهواء فسمعه جبرائيل ولا يصح عندهم ان يوجد من الله كلام يقوم به فى الحقيقة

وقال اهل الجماعة بل القرآن غير بائن من الله وانما هو موجود منه وقائم به وذكر فى مسألة الارادة والخلق والمخلوق وغير ذلك ما يوافق ما ذكره هنا من الصفات الفعلية القائمة بالله التى ليست قديمة ولا مخلوقة


185

وقال شيخ الاسلام أحمد بن تيمية رحمه الله بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما

( فصل ( فى

( الاسم والمسمى (

هل هو هو أو غيره او لا يقال هو هو ولا يقال هو غيره أو هو له أو يفصل فى ذلك

فان الناس قد تنازعوا فى ذلك والنزاع اشتهر فى ذلك بعد الائمة بعد احمد وغيره والذى كان معروفا عند ( أئمة السنة ( احمد وغيره الانكار على ( الجهمية ( الذين يقولون اسماء الله مخلوقة


186

فيقولون الاسم غير المسمى واسماء الله غيره وما كان غيره فهو مخلوق وهؤلاء هم الذين ذمهم السلف وغلظوا فيهم القول لأن أسماء الله من كلامه وكلام الله غير مخلوق بل هو المتكلم به وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء

و ( الجهمية ( يقولون كلامه مخلوق واسماؤه مخلوقة وهو نفسه لم يتكلم بكلام يقوم بذاته ولا سمى نفسه باسم هو المتكلم به بل قد يقولون انه تكلم به وسمى نفسه بهذه الاسماء بمعنى انه خلقها فى غيره لا بمعنى انه نفسه تكلم بها الكلام القائم به فالقول فى اسمائه هو نوع من القول فى كلامه

والذين وافقوا ( السلف ( على ان كلامه غير مخلوق واسماءه غير مخلوقة يقولون الكلام والاسماء من صفات ذاته لكن هل يتكلم بمشيئته وقدرته ويسمى نفسه بمشيئته وقدرته هذا فيه قولان

النفى هو قول ( ابن كلاب ( ومن وافقه

والاثبات قول ( ائمة أهل الحديث والسنة ( وكثير من طوائف اهل الكلام كالهشامية والكرامية وغيرهم كما قد بسط هذا فى مواضع

( والمقصود هنا ( ان المعروف عن ( أئمة السنة ( انكارهم على من قال أسماء الله مخلوقة وكان الذين يطلقون القول بأن الاسم غير المسمى هذا م


187

رادهم فلهذا يروى عن الشافعى والاصمعى وغيرهما انه قال اذا سمعت الرجل يقول الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة ولم يعرف ايضا عن أحد من السلف أنه قال الاسم هو المسمى بل هذا قاله كثير من المنتسبين الى السنة بعد الأئمة وانكره أكثر اهل السنة عليهم

ثم منهم من أمسك عن القول فى هذه المسألة نفيا واثباتا اذ كان كل من الاطلاقين بدعة كما ذكره الخلال عن ابراهيم الحربى وغيره وكما ذكره أبو جعفر الطبرى فى الجزء الذى سماه ( صريح السنة ( ذكر مذهب أهل السنة المشهور فى القرآن والرؤية والايمان والقدر والصحابة وغير ذلك

وذكر أن ( مسألة اللفظ ( ليس لأحد من المتقدمين فيها كلام كما قال لم نجد فيها كلاما عن صحابى مضى ولا عن تابعى قفا الا عمن فى كلامه الشفاء والغناء ومن يقوم لدينا مقام الائمة الأولى ( ابو عبدالله احمد بن حنبل ( فانه كان يقول اللفظية جهمية ويقول من قال لفظى بالقرآن مخلوق فهو جهمى ومن قال غير مخلوق فهو مبتدع

وذكر ان القول فى الاسم والمسمى من الحماقات المبتدعة التى لا يعرف فيها قول لأحد من الائمة وان حسب الانسان ان ينتهى الى قوله تعالى ( ولله الاسماء الحسنى ( وهذا هو القول بأن الاسم للمسمى وهذا الاطلاق اختيار اكثر المنتسبين الى السنة من أصحاب الامام أحمد وغيره

والذين قالوا الاسم هو المسمى كثير من المنتسبين الى السنة مثل ابى بكر


188

عبدالعزيز وابى القاسم الطبرى واللالكائى وابى محمد البغوى صاحب ( شرح السنة ( وغيرهم وهو أحد قولى اصحاب ابى الحسن الاشعرى اختاره أبو بكر بن فورك وغيره

و ( القول الثانى ( وهو المشهور عن ابى الحسن ان الاسماء ثلاثة اقسام تارة يكون الاسم هو المسمى كاسم الموجود و ( تارة ( يكون غير المسمى كاسم الخالق و ( تارة ( لا يكون هو ولا غيره كاسم العليم والقدير

وهؤلاء الذين قالوا ان الاسم هو المسمى لم يريدوا بذلك أن اللفظ المؤلف من الحروف هو نفس الشخص المسمى به فان هذا لا يقوله عاقل ولهذا يقال لو كان الاسم هو المسمى لكان من قال ( نار ( احترق لسانه

ومن الناس من يظن ان هذا مرادهم ويشنع عليهم وهذا غلط عليهم بل هؤلاء يقولون اللفظ هو التسمية والاسم ليس هو اللفظ بل هو المراد باللفظ فانك اذا قلت يا زيد يا عمر فليس مرادك دعاء اللفظ بل مرادك دعاء المسمى باللفظ وذكرت الاسم فصار المراد بالاسم هو المسمى

وهذا لا ريب فيه اذا أخبر عن الاشياء فذكرت اسماؤها فقيل ( محمد رسول الله ( وخاتم النبيين ( وكلم الله موسى تكليما ( فليس المراد أن هذا اللفظ هو الرسول وهو الذى كلمه الله

وكذلك اذا قيل جاء زيد واشهد على عمرو وفلان عدل ونحو ذلك فانما تذكر الاسماء والمراد بها المسميات وهذا هو مقصود الكلام


189

فلما كانت اسماء الاشياء اذا ذكرت فى الكلام المؤلف فانما المقصود هو المسميات قال هؤلاء ( الاسم هو المسمى ( وجعلوا اللفظ الذى هو الاسم عند الناس هو التسمية كما قال البغوى والاسم هو المسمى وعينه وذاته قال الله تعالى ( انا نبشرك بغلام إسمه يحيى ( اخبر أن اسمه يحيى ثم نادى الاسم فقال ( يا يحيى ( وقال ( ما تعبدون من دونه الا أسماء سميتموها ( واراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسميات وقال ( سبح اسم ربك الاعلى ( و ( تبارك اسم ربك (

قال ثم يقال ( للتسمية ( أيضا اسم واستعماله فى التسمية اكثر من المسمى وقال أبو بكر بن فورك اختلف الناس فى حقيقة ( الاسم ( ولأهل اللغة فى ذلك كلام ولأهل الحقائق فيه بيان وبين المتكلمين فيه خلاف

فأما ( أهل اللغة ( فيقولون الاسم حروف منظومة دالة على معنى مفرد ومنهم من يقول انه قول يدل على مذكور يضاف اليه يعنى الحديث والخبر

قال واما أهل الحقائق فقد اختلفوا ايضا فى فى معنى ذلك فمنهم من قال اسم الشىء هو ذاته وعينه والتسمية عبارة عنه ودلالة عليه فيسمى اسما توسعا

وقالت الجهمية والمعتزلة ( الاسماء والصفات ( هى الاقوال الدالة على المسميات وهو قريب مما قاله بعض أهل اللغة

والثالث لا هو هو ولا هو غيره كالعلم والعالم ومنهم من قال اسم الشىء هو صفته ووصفه


190

قال والذي هو الحق عندنا قول من قال اسم الشيء هو عينه وذاته واسم الله هو الله وتقدير قول القائل بسم الله افعل أى بالله أفعل وان اسمه هو هو قال والى القول ذهب ابو عبيد القاسم بن سلام واستدل بقول لبيد

الى الحول ثم اسم ا السلام عليكما
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر

والمعنى ثم السلام عليكما فان فان اسم السلام هو السلام قال واحتج اصحابنا في ذلك بقوله تبارك وتعالى تبارك اسم ربك ذو الجلال والاكرام وهذا هو صفة للمسمى لا صفة لما هو قولا وكلام وبقوله سبح اسم ربك فان المسبح هو المسمى وهو الله وبقوله سبحانه انا نبشرك بغلام اسمه يحيى ثم قال يا يحيى خذ الكتاب بقوة فنادى الاسم وهو المسمى وبأن الفقهاء اجمعوا على ان الحالف باسم الله كالحالف بالله في بيان انه تنعقد اليمين بكل واحد منهما فلو كان اسم الله غير الله لكان الحالف بغير الله لا تنعقد يمينه فلما انعقد ولزم بالحنث فيها كفارة دل على ان اسمه هو ويدل عليه ان القائل اذا قال ما اسم معبودكم قلنا الله فاذا قالوا


191

وما معبودكم قلنا الله فنجيب فى الاسم بما نجيب به فى المعبود فدل على ان اسم المعبود هو المعبود لا غير وبقوله ( ما تعبدون من دونه الا اسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ( وانما عبدوا المسميات لا الاقوال التى هى اعراض لا تعبد

قال فان قيل أليس يقال الله اله واحد وله اسماء كثيرة فكيف يكون الواحد كثيرا قيل اذا أطلق ( أسماء ( فالمراد به مسميات المسمين والشىء قد يسمى باسم دلالته كما يسمى المقدور قدرة

قال فعلى هذا يكون معنى قوله باسم الله اى بالله والباء معناها الاستعانة واظهار الحاجة وتقديره بك استعين واليك احتاج وقيل تقدير الكلمة ابتدىء او ابدأ باسمك فيما أقول وأفعل

قلت لو اقتصروا على ان اسماء الشىء اذا ذكرت فى الكلام فالمراد بها المسميات كما ذكروه فى قوله ( يا يحيى ( ونحو ذلك لكان ذلك معنى واضحا لا ينازعه فيه من فهمه لكن لم يقتصروا على ذلك ولهذا أنكر قولهم جمهور الناس من أهل السنة وغيرهم لما فى قولهم من الامور الباطلة مثل دعواهم ان لفظ اسم الذى هو ( ا س م ( معناه ذات الشىء ونفسه وان الاسماء التى هى الاسماء مثل زيد وعمرو هى التسميات ليست هى اسماء المسميات وكلاهما باطل مخالف لما يعلمه جميع الناس من جميع الأمم ولما يقولونه

فانهم يقولون ان زيدا وعمرا ونحو ذلك هى اسماء الناس والتسمية


192

جعل الشىء اسما لغيره هى مصدر سميته تسمية اذا جعلت له اسما و ( الاسم ( هو القول الدال على المسمى ليس الاسم الذى هو لفظ اسم هو المسمى بل قد يراد به المسمى لأنه حكم عليه ودليل عليه

وأيضا فهم تكلفوا هذا التكليف ليقولوا ان اسم الله غير مخلوق ومرادهم أن الله غير مخلوق وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة فان اولئك ما قالوا الاسماء مخلوقة الا لما قال هؤلاء هى التسميات فوافقوا الجهمية والمعتزلة فى المعنى ووافقوا اهل السنة فى اللفظ ولكن ارادوا به ما لم يسبقهم احد الى القول به من أن لفظ اسم وهو ( ألف سين ميم ( معناه اذا أطلق هو الذات المسماة بل معنى هذا اللفظ هو الأقوال التى هى أسماء الأشياء مثل زيد وعمرو وعالم وجاهل فلفظ الاسم لا يدل على أن هذه الأسماء هى مسماه

ثم قد عرف أنه اذا أطلق الاسم فى الكلام المنظوم فالمراد به المسمى فلهذا يقال ما اسم هذا فيقال زيد فيجاب باللفظ ولا يقال ما اسم هذا فيقال هو هو وما ذكروه من الشواهد حجة عليهم

أما قوله ( انا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا ( ثم قال ( يا يحيى ( فالاسم الذى هو يحيى هو هذا اللفظ المؤلف من ( يا وحا ويا ( هذا هو اسمه ليس اسمه هو ذاته بل هذا مكابرة ثم لما ناداه فقال ( يا يحيى ( فالمقصود المراد بنداء الاسم هو نداء المسمى لم يقصد نداء اللفظ لكن المتكلم لا يمكنه نداء الشخص المنادى الا بذكر اسمه وندائه فيعرف


193

حينئذ أن قصده نداء الشخص المسمى وهذا من فائدة اللغات وقد يدعى بالاشارة وليست الحركة هى ذاته ولكن هى دليل على ذاته

أما

قوله ( تبارك اسم ربك ذى الجلال والاكرام ( ففيها قراءتان الأكثرون يقرءون ( ذى الجلال ( فالرب المسمى هو ذو الجلال والاكرام

وقرأ ابن عامر ( ذو الجلال والاكرام ( وكذلك هى فى المصحف الشامى وفى مصاحف أهل الحجاز والعراق هى بالياء

وأما قوله ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ( فهى بالواو باتفاقهم قال ابن الانبارى وغيره ( تبارك ( تفاعل من البركة والمعنى ان البركة تكتسب وتنال بذكر اسمه فلو كان لفظ الاسم معناه المسمى لكان يكفى قوله ( تبارك ربك ( فان نفس الاسم عندهم هو نفس الرب فكان هذا تكريرا

وقد قال بعض الناس ان ذكر الاسم هنا صلة والمراد تبارك ربك ليس المراد الاخبار عن اسمه بأنه تبارك وهذا غلط فانه على هذا يكون قول المصلى تبارك اسمك اى تباركت أنت ونفس اسماء الرب لا بركة فيها ومعلوم ان نفس اسمائه مباركة وبركتها من جهة دلالتها على المسمى

ولهذا فرقت الشريعة بين ما يذكر إسم الله عليه وما لا يذكر اسم الله عليه فى مثل قوله ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( وقوله ( وما لكم الا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( وقوله ( واذكروا اسم الله عليه ( وقول النبى


194

( ( لعدى بن حاتم ( وان خالط كلبك كلاب أخرى فلا تأكل فانك انما سميت على كلبك ولم تسم على غيره (

وأما قوله تعالى ( ما تعبدون من دونه الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ( فليس المراد كما ذكروه أنكم تعبدون الاوثان المسماة فان هذا هم معترفون به

والرب تعالى نفى ما كانوا يعتقدونه وأثبت ضده ولكن المراد أنهم سموها آلهة واعتقدوا ثبوت الالهية فيها وليس فيها شىء من الالهية فاذا عبدوها معتقدين الهيتها مسمين لها آلهة لم يكونوا قد عبدوا الا أسماء ابتدعوها هم ما أنزل الله بها من سلطان لأن الله لم يأمر بعبادة هذه ولا جعلها آلهة كما قال ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ( فتكون عبادتهم لما تصوروه فى أنفسهم من معنى الالهية وعبروا عنه بألسنتهم وذلك أمر موجود فى أذهانهم والسنتهم لا حقيقة له فى الخارج فما عبدوا الا هذه الأسماء التى تصوروها فى أذهانهم وعبروا عن معانيها بألسنتهم وهم لم يقصدوا عبادة الصنم الا لكونه الها عندهم والهيته هى فى أنفسهم لا فى الخارج فما عبدوا فى الحقيقة الا ذلك الخيال الفاسد الذى عبر عنه

ولهذا قال فى الآية الأخرى ( وجعلوا لله شركاء قل سموهم ام تنبئونه بما لا يعلم فى الارض ام بظاهر من القول ( يقول سموهم بالاسماء التى يستحقونها


195

هل هى خالقة رازقة محيية مميتة ام هى مخلوقة لا تملك ضرا ولا نفعا فاذا سموها فوصفوها بما تستحقه من الصفات تبين ضلالهم قال تعالى ( ام تنبئونه بما لا يعلم فى الأرض ( وما لا يعلم أنه موجود فهو باطل لا حقيقة له ولو كان موجودا لعلمه موجودا ( ام بظاهر من القول ( أم بقول ظاهر باللسان لا حقيقة له فى القلب بل هو كذب وبهتان

وأما قولهم ان الاسم يراد به ( التسمية ( وهو القول فهذا الذى جعلوه هم تسمية هو الاسم عند الناس جميعهم والتسمية جعله اسما والاخبار بأنه اسم ونحو ذلك وقد سلموا أن لفظ الاسم أكثر ما يراد به ذلك وادعوا ان لفظ الاسم الذى هو ( ألف سين ميم ( هو فى الأصل ذات الشىء ولكن التسمية سميت اسما لدلالتها على ذات الشىء تسمية للدال باسم المدلول ومثلوه بلفظ القدرة وليس الأمر كذلك بل التسمية مصدر سمى يسمى تسمية والتسمية نطق بالاسم وتكلم به ليست هى الإسم نفسه وأسماء الاشياء هى الالفاظ الدالة عليها ليست هى أعيان الأشياء

وتسمية المقدور قدرة هو من باب تسمية المفعول بإسم المصدر وهذا كثير شائع فى اللغة كقولهم للمخلوق خلق وقولهم درهم ضرب الامير أى مضروب الامير ونظائره كثيرة

وابن عطية سلك مسلك هؤلاء وقال الاسم الذى هو ( ألف وسين وميم ( يأتى فى مواضع من الكلام الفصيح يراد به المسمى ويأتى فى مواضع


196

يراد به التسمية نحو قوله ( ( أن لله تسعة وتسعين إسما ( وغير ذلك ومتى أريد به المسمى فانما هو صلة كالزائد كأنه قال فى هذه الآية سبح ربك الأعلى أى نزهه

قال واذا كان الاسم واحد الأسماء كزيد وعمرو فيجىء فى الكلام على ما قلت لك تقول زيد قائم تريد المسمى وتقول زيد ثلاثة أحرف تريد التسمية نفسها على معنى نزه اسم ربك عن أن يسمى به صنم او وثن فيقال له ( اله أو رب (

قلت هذا الذى ذكروه لا يعرف له شاهد لا من كلام فصيح ولا غير ذلك ولا يعرف أن لفظ اسم ( ألف سين ميم ( يراد به المسمى بل المراد به الاسم الذى يقولون هو التسمية

وأما قوله تقول زيد قائم تريد المسمى فزيد ليس هو ( ألف سين ميم ( بل زيد مسمى هذا اللفظ فزيد يراد به المسمى ويراد به اللفظ

وكذلك إسم ( ألف سين ميم ( يراد به هذا اللفظ ويراد به معناه وهو لفظ زيد وعمرو وبكر فتلك هى الأسماء التى تراد بلفظ اسم لا يراد بلفظ اسم نفس الأشخاص فهذا ما أعرف له شاهدا صحيحا فضلا عن أن يكون هو الأصل كما ادعاه هؤلاء


197

قال تعالى ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون فى أسمائه ( فأسماؤه الحسنى مثل ( الرحمن الرحيم ( و ( الغفور الرحيم ( فهذه الاقوال هى أسماؤه الحسنى وهى اذا ذكرت فى الدعاء والخبر يراد بها المسمى اذا قال ( وتوكل على العزيز الرحيم ( فالمراد المسمى ليس المراد أنه يتوكل على الأسماء التى هى أقوال كما فى سائر الكلام كلام الخالق وكلام المخلوقين

ما

ذكروه من أن القائل اذا قال ما اسم معبودكم قلنا الله فنجيب فى الاسم بما نجيب به فى المعبود فدل على ان اسم المعبود هو المعبود حجة باطلة وهى عليهم لا لهم

فان القائل اذا قال ما اسم معبودكم فقلنا الله فالمراد ان اسمه هو هذا القول ليس المراد ان اسمه هو ذاته وعينه الذى خلق السموات والأرض فانه انما سأل عن اسمه لم يسأل عن نفسه فكان الجواب بذكر اسمه

واذا قال ما معبودكم فقلنا الله فالمراد هناك المسمى ليس المراد ان المعبود هو القول فلما اختلف السؤال فى الموضعين اختلف المقصود بالجواب وان كان فى الموضعين قال الله لكنه فى أحدهما أريد هذا القول الذى هو من الكلام وفى الآخر أريد به المسمى بهذا القول كما اذا قيل ما اسم فلان فقيل زيد أو عمر فالمراد هو القول واذا قال من أميركم أو من


198

أنكحت فقيل زيد أو عمرو فالمراد به الشخص فكيف يجعل المقصود فى الموضعين واحدا

ولهذا قال تعالى ( ولله الأسماء الحسنى ( كان المراد أنه نفسه له الأسماء الحسنى ومنها اسمه الله كما قال ( قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ( فالذى له الأسماء الحسنى هو المسمى بها ولهذا كان فى كلام الامام أحمد أن هذا الإسم من أسمائه الحسنى وتارة يقول الاسماء الحسنى له اى المسمى ليس من الأسماء ولهذا فى قوله ( ولله الأسماء الحسنى ( لم يقصد أن هذا الاسم له الأسماء الحسنى بل قصد أن المسمى له الأسماء الحسنى

وفى حديث أنس الصحيح أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( كان نقش خاتمه ( محمد رسول الله ( محمد سطر ورسول سطر والله سطر ويراد الخط المكتوب الذى كتب به ذلك فالخط الذى كتب به محمد سطر والخط الذى كتب به رسول سطر والخط الذى كتب به الله سطر

ولما قال النبى ( ( يقول الله تعالى انا مع عبدى ما ذكرنى وتحركت بى شفتاه ( فمعلوم ان المراد تحرك شفتاه بذكر اسم الله وهو القول ليس المراد ان الشفتين تتحرك بنفسه تعالى

واما احتجاجهم بقوله ( سبح اسم ربك الاعلى ( وان المراد سبح ربك الأعلى وكذلك قوله ( تبارك اسم ربك ذو الجلال والاكرام ( وما أشبه ذلك فهذا للناس فيه قولان معروفان وكلاهما حجة عليهم


199

منهم من قال ( الاسم ( هنا صلة والمراد سبح ربك وتبارك ربك واذا قيل هو صلة فهو زائد لا معنى له فيبطل قولهم أن مدلول لفظ اسم ( ألف سين ميم ( هو المسمى فانه لو كان له مدلول مراد لم يكن صلة ومن قال أنه هو المسمى وأنه صلة كما قاله ابن عطية فقد تناقض فان الذى يقول هو صلة لا يجعل له معنى كما يقوله من يقول ذلك فى الحروف الزائدة التى تجىء للتوكيد كقوله ( فبما رحمة من الله لنت لهم ( و ( عما قليل ليصبحن نادمين ( ونحو ذلك

ومن قال انه ليس بصلة بل المراد تسبيح الاسم نفسه فهذا مناقض لقولهم مناقضة ظاهرة

و ( التحقيق ( أنه ليس بصلة بل أمر الله بتسبيح اسمه كما أمر بذكر اسمه والمقصود بتسبيحه وذكره هو تسبيح المسمى وذكره فان المسبح والذاكر انما يسبح اسمه ويذكر اسمه فيقول سبحان ربى الأعلى فهو نطق بلفظ ربى الأعلى والمراد هو المسمى بهذا اللفظ فتسبيح الاسم هو تسبيح المسمى ومن جعله تسبيحا للاسم يقول المعنى أنك لا تسم به غير الله ولا تلحد فى أسمائه فهذا مما يستحقه اسم الله لكن هذا تابع للمراد بالآية ليس هو المقصود بها القصد الأول

وقد ذكر ( الأقوال الثلاثة ( غير واحد من المفسرين كالبغوى قال قوله ( سبح اسم ربك الأعلى ( اى قل سبحان ربى الأعلى والى هذا ذهب جماعة


200

من الصحابة وذكر حديث ابن عباس ان النبى ( ( قرأ ( سبح اسم ربك الأعلى ( فقال ( سبحان ربى الأعلى (

قلت فى ذلك حديث عقبة بن عامر عن النبى ( ( أنه لما نزل ( فسبح باسم ربك العظيم ( قال ( اجعلوها فى ركوعكم ( ولما نزل ( سبح اسم ربك الأعلى ( قال ( اجعلوها فى سجودكم ( والمراد بذلك ان يقولوا فى الركوع سبحان ربى العظيم وفى السجود سبحان ربى الاعلى كما ثبت فى الصحيح عن حذيفة عن النبى ( ( أنه قام بالبقرة والنساء وآل عمران ثم ركع نحوا من قيامه يقول ( سبحان ربى العظيم ( وسجد نحوا من ركوعه يقول ( سبحان ربى الأعلى ( وفى السنن عن ابن مسعود عن النبى ( ( ( اذا قال العبد فى ركوعه سبحان ربى العظيم ثلاثا فقد تم ركوعه وذلك أدناه واذا قال فى سجوده سبحان ربى الأعلى ثلاثا فقد تم سجوده وذلك أدناه ( وقد أخذ بهذا جمهور العلماء

قال البغوى وقال قوم معناه نزه ربك الأعلى عما يصفه به الملحدون وجعلوا الاسم صلة قال ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحدا لأن أحدا لا يقول سبحان اسم الله وسبحان اسم ربنا انما يقولون سبحان الله وسبحان ربنا وكان معنى ( سبح اسم ربك ( سبح ربك

قلت قد تقدم الكلام على هذا والذى يقول سبحان الله وسبحان ربنا


201

إنما نطق بالاسم الذى هو الله والذى هو ربنا فتسبيحه انما وقع على الاسم لكن مراده هو المسمى فهذا يبين انه ينطق باسم المسمى والمراد المسمى وهذا لا ريب فيه لكن هذا لا يدل على أن لفظ اسم الذى هو ( ألف سين ميم ( المراد به المسمى

لكن يدل على أن ( أسماء الله ( مثل الله وربنا وربى الاعلى ونحو ذلك يراد بها المسمى مع أنها هى فى نفسها ليست هى المسمى لكن يراد بها المسمى فأما اسم هذه الأسماء ( ألف سين ميم ( فلا هو المسمى الذى هو الذات ولا يراد به المسمى الذى هو الذات ولكن يراد به مسماه الذى هو الأسماء كأسماء الله الحسنى فى قوله ( ولله الأسماء الحسنى ( فلها هذه الاسماء الحسنى التى جعلها هؤلاء هى التسميات وجعلوا التعبير عنها بالأسماء توسعا فخالفوا اجماع الأمم كلهم من العرب وغيرهم وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول (

والذين شاركوهم فى هذا الأصل وقالوا ( الأسماء ثلاثة ( قد تكون هى المسمى وقد تكون غيره وقد تكون لا هى هو ولا غيره وجعلوا الخالق والرازق ونحوهما غير المسمى وجعلوا العليم والحكيم ونحوهما للمسمى غلطوا من وجه آخر فانه اذا سلم لهم أن المراد بالاسم الذى هو ( ألف سين ميم ( هو مسمى الاسماء فاسمه الخالق هو الرب الخالق نفسه ليس هو المخلوقات المنفصلة واسمه العليم هو الرب العليم الذى العلم صفة له فليس العلم هو المسمى بل المسمى هو العليم فكان الواجب أن يقال على أصلهم الاسم هنا هو المسمى وصفته


202

وفى الخالق الاسم هو المسمى وفعله ثم قولهم ان الخلق هو المخلوق وليس الخلق فعلا قائما بذاته قول ضعيف مخالف لقول جمهور المسلمين كما قد بسط فى موضعه

فتبين أن هؤلاء الذين قالوا ( الاسم هو المسمى ( انما يسلم لهم أن أسماء الأشياء اذا ذكرت فى الكلام أريد به المسمى وهذا مما لا ينازع فيه أحد من العقلاء لأن لفظ اسم ( ألف سين ميم ( يراد به الشخص وما ذكروه من قول لبيد

الى الحول ثم اسم السلام عليكما

فمراده ثم النطق بهذا الاسم وذكره وهو التسليم المقصود كأنه قال ثم سلام عليكم ليس مراده ان السلام يحصل عليهما بدون ان ينطق به ويذكر اسمه فان نفس السلام قول فان لم ينطق به ناطق ويذكره لم يحصل

وقد احتج بعضهم بقول سيبويه ان الفعل امثلة اخذت من لفظ احداث الاسماء وبنى لما مضى ولما لم يكن بعد وهذا لا حجة فيه لأن سيبويه مقصوده بذكر الاسم والفعل ونحو ذلك الالفاظ وهذا اصطلاح النحويين سموا الألفاظ بأسماء معانيها فسموا قام ويقوم وقم فعلا والفعل هو نفس الحركة فسموا اللفظ الدال عليها باسمها

وكذلك اذا قالوا اسم معرب ومبنى فمقصودهم اللفظ ليس مقصودهم المسمى واذا قالوا هذا الاسم فاعل فمرادهم أنه فاعل فى اللفظ اى أسند اليه الفعل ولم يرد سيبويه بلفظ الاسماء المسميات كما زعموا ولو أراد ذلك فسدت صناعته


203

( فصل (

واما الذين قالوا ان الاسم غير المسمى فهم اذا أرادوا ان الاسماء التى هى أقوال ليست نفسها هى المسميات فهذا أيضا لا ينازع فيه أحد من العقلاء

وأرباب القول الأول لا ينازعون فى هذا بل عبروا عن الاسماء هنا بالتسميات وهم أيضا لا يمكنهم النزاع فى أن الأسماء المذكورة فى الكلام مثل قوله يا آدم يا نوح يا ابراهيم انما أريد بها نداء المسلمين بهذه الاسماء

واذا قيل خلق الله السموات والأرض فالمراد خلق المسمى بهذه الالفاظ لم يقصد انه خلق لفظ السماء ولفظ الأرض والناس لا يفهمون من ذلك الا المعنى المراد به ولا يخطر بقلب أحد ارادة الالفاظ لما قد استقر فى نفوسهم من أن هذه الالفاظ والاسماء يراد بها المعانى والمسميات فاذا تكلم بها فهذا هو المراد لكن لا يعلم أنه المراد ان لم ينطق بالالفاظ والاسماء المبينة للمراد الدالة عليه وهذا من البيان الذى أنعم الله به على بنى آدم فى قوله ( خلق الانسان علمه البيان ( وقد علم آدم الأسماء كلها سبحانه وتعالى


204

ولكن هؤلاء الذين اطلقوا من الجهمية والمعتزلة ان الاسم غير المسمى مقصودهم ان اسماء الله غيره وما كان غيره فهو مخلوق

ولهذا قالت الطائفة الثالثة لا نقول هي المسمى ولا غير المسمى

فيقال لهم قولكم ان اسماءه غيره مثل قولكم ان كلامه غيره وان ارادته غيره ونحو ذلك وهذا قول الجهمية نفاة الصفات وقد عرفت شبههم وفسادها فى غير هذا الموضع وهم متناقضون من وجوه كما قد بسط فى مواضع

فانهم يقولون لا نثبت قديما غير الله او قديما ليس هو الله حتى كفروا أهل الاثبات وان كانوا متأولين كما قال أبو الهذيل ان كل متأول كان تأويله تشبيها له بخلقه وتجويزا له فى فعله وتكذيبا لخبره فهو كافر وكل من أثبت شيئا قديما لا يقال له الله فهو كافر ومقصوده تكفير مثبتة الصفات والقدر ومن يقول ان اهل القبلة يخرجون من النار ولا يخلدون فيها

فما يقال لهؤلاء أن هذا القول ينعكس عليكم فأنتم أولى بالتشبيه والتجويز والتكذيب واثبات قديم لا يقال له الله فانكم تشبهونه بالجمادات بل بالمعدومات بل بالمتنعات وتقولون أنه يحبط الحسنات العظيمة بالذنب الواحد ويخلد عليه فى النار وتكذبون بما أخبر به من مغفرته ورحمته


205

واخراجه أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها وانه من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره

وانتم تثبتون قديما لا يقال له الله فانكم تثبتون ذاتا مجردة عن الصفات ومعلوم أنه ما ليس بحى ولا عليم ولا قدير فليس هو الله فمن أثبت ذاتا مجردة فقد أثبت قديما ليس هو الله وان قال انا اقول انه لم يزل حيا عليما قديرا فهو قول مثبتة الصفات فنفس كونه حيا ليس هو كونه عالما ونفس كونه عالما ليس هو كونه قادرا ونفس ذلك ليس هو كونه ذاتا متصفة بهذه الصفات فهذه معان متميزة فى العقل ليس هذا هو هذا

فان قلتم هى قديمة فقد اثبتم معانى قديمة وان قلتم هى شىء واحد جعلتم كل صفة هى الأخرى والصفة هى الموصوف فجعلتم كونه حيا هو كونه عالما وجعلتم ذلك هو نفس الذات ومعلوم أن هذا مكابرة وهذه المعانى هى معانى أسمائه الحسنى وهو سبحانه لم يزل متكلما اذا شاء

فهو المسمى نفسه بأسمائه الحسنى كما رواه البخارى فى صحيحه عن ابن عباس انه لما سئل عن قوله ( وكان الله عزيزا حكيما ( غفورا رحيما ( فقال هو سمى نفسه بذلك وهو لم يزل كذلك فأثبت قدم معانى أسمائه الحسنى وأنه هو الذى سمى نفسه بها

فاذا قلتم ان اسماءه او كلامه غيره فلفظ ( الغير ( مجمل ان اردتم ان ذلك شىء بائن عنه فهذا باطل وان اردتم أنه يمكن الشعور بأحدهما دون الآخر فقد


206

يذكر الانسان الله ويخطر بقلبه ولا يشعر حينئذ بكل معانى اسمائه بل ولا يخطر له حينئذ أنه عزيز وانه حكيم فقد أمكن العلم بهذا دون هذا واذا أريد بالغير هذا فانما يفيد المباينة فى ذهن الانسان لكونه قد يعلم هذا دون هذا وذلك لا ينفى التلازم فى نفس الامر فهى معان متلازمة لا يمكن وجود الذات دون هذه المعانى ولا وجود هذه المعانى دون وجود الذات

واسم ( الله ( اذا قيل الحمد لله أو قيل الله يتناول ذاته وصفاته لا يتناول ذاتا مجردة عن الصفات ولا صفات مجردة عن الذات وقد نص أئمة السنة كأحمد وغيره على ان صفاته داخلة فى مسمى أسمائه فلا يقال ان علم الله وقدرته زائدة عليه لكن من اهل الاثبات من قال أنها زائدة على الذات وهذا اذا اريد به انها زائدة على ما أثبته أهل النفى من الذات المجردة فهو صحيح فان اولئك قصروا فى الاثبات فزاد هذا عليهم وقال الرب له صفات زائدة على ما علمتموه

وان أراد انها زائدة على الذات الموجودة فى نفس الامر فهو كلام متناقض لأنه ليس فى نفس الأمر ذات مجردة حتى يقال أن الصفات زائدة عليها بل لا يمكن وجود الذات الا بما به تصير ذاتا من الصفات ولا يمكن وجود الصفات الا بما به تصير من الذات فتخيل وجود أحدهما دون الآخر ثم زيادة الآخر عليه تخيل باطل

وأما الذين يقولون أن ( الاسم للمسمى ( كما يقوله أكثر أهل السنة


207

فهؤلاء وافقوا الكتاب والسنة والمعقول قال الله تعالى ( ولله الاسماء الحسنى ( وقال ( ايا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى (

وقال النبى ( ( ان لله تسعة وتسعين اسما ( وقال النبى ( ( ان لى خمسة أسماء أنا محمد وأحمد والماحى والحاشر والعاقب ( وكلاهما فى الصحيحين

واذا قيل لهم أهو المسمى أم غيره فصلوا فقالوا ليس هو نفس المسمى ولكن يراد به المسمى واذا قيل أنه غيره بمعنى أنه يجب أن يكون مباينا له فهذا باطل فان المخلوق قد يتكلم بأسماء نفسه فلا تكون بائنة عنه فكيف بالخالق وأسماؤه من كلامه وليس كلامه بائنا عنه ولكن قد يكون الاسم نفسه بائنا مثل ان يسمى الرجل غيره باسم او يتكلم باسمه فهذا الاسم نفسه ليس قائما بالمسمى لكن المقصود به المسمى فان الاسم مقصوده اظهار ( المسمى ( وبيانه

وهو مشتق من ( السمو ( وهو العلو كما قال النحاة البصريون وقال النحاة الكوفيون هو مشتق من ( السمة ( وهى العلامة وهذا صحيح فى ( الاشتقاق الاوسط ( وهو ما يتفق فيه حروف اللفظين دون ترتيبهما فانه فى كليهما ( السين والميم والواو ( والمعنى صحيح فان السمة والسميا العلامة

ومنه يقال وسمته اسمه كقوله ( سنسمه على الخرطوم ( ومنه التوسم كقوله ( لآيات للمتوسمين ( لكن اشتقاقه من ( السمو ( هو الاشتقاق الخاص الذى يتفق فيه اللفظان فى الحروف وترتيبها ومعناه أخص وأتم فانهم يقولون


208

فى تصريفه سميت ولا يقولون وسمت وفى جمعه أسماء لا أوسام وفى تصغيره سمى لا وسيم ويقال لصاحبه مسمى لا يقال موسوم وهذا المعنى أخص

(

( فان العلو مقارن للظهور ( كلما كان الشىء أعلى كان أظهر وكل واحد من العلو والظهور يتضمن الآخر ومنه قول النبى ( ( فى الحديث الصحيح ( وأنت الظاهر فليس فوقك شىء ( ولم يقل فليس أظهر منك شىء لأن الظهور يتضمن العلو والفوقية فقال ( فليس فوقك شىء (

ومنه قوله ( فما استطاعوا أن يظهروه ( اى يعلوا عليه ويقال ظهر الخطيب على المنبر اذا علا عليه ويقال للجبل العظيم علم لأنه لعلوه وظهوره يعلم ويعلم به غيره قال تعالى ( ومن آياته الجوار فى البحر كالاعلام (

وكذلك ( الراية العالية ( التى يعلم بها مكان الامير والجيوش يقال لها علم وكذلك العلم فى الثوب لظهوره كما يقال لعرف الديك وللجبال العالية اعراف لأنها لعلوها تعرف فالاسم يظهر به المسمى ويعلوفيقال للمسمى سمة اى اظهره واعله اى اعل ذكره بالاسم الذى يذكر به لكن يذكر تارة بما يحمد به ويذكر تارة بما يذم به كما قال تعالى ( وجعلنا لهم لسان صدق عليا ( وقال ( ورفعنا لك ذكرك ( وقال ( وتركنا عليه فى الآخرين سلام على نوح فى العالمين (

وقال فى النوع المذموم ( واتبعناهم فى هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين ( وقال تعالى ( نتلو عليك من نبا موسى وفرعون ( فكلاهما ظهر ذكره لكن هذا امام فى الخير وهذا امام فى الشر


209

وبعض النحاة يقول سمى اسما لأنه علا على المسمى أو لأنه علا على قسيميه الفعل والحرف وليس المراد بالاسم هذا بل لأنه يعلى المسمى فيظهر ولهذا يقال سميته اى اعليته واظهرته فتجعل المعلى المظهر هى المسمى وهذا انما يحصل بالاسم

ووزنه فعل وفعل وجمعه اسماء كقنو واقناء وعضو وأعضاء وقد يقال فيه سم وسم بحذف اللام ويقال سمى كما قال والله أسماك سما مباركا

وما ليس له اسم فانه لا يذكر ولا يظهر ولا يعلو ذكره بل هو كالشىء الخفى الذى لا يعرف ولهذا يقال الاسم دليل على المسمى وعلم على المسمى ونحو ذلك

ولهذا كان ( أهل الاسلام والسنة ( الذين يذكرون أسماء الله يعرفونه ويعبدونه ويحبونه ويذكرونه ويظهرون ذكره

( والملاحدة ( الذين ينكرون اسماءه وتعرض قلوبهم عن معرفته وعبادته ومحبته وذكره حتى ينسوا ذكره ( نسوا الله فنسيهم ( ولا تكونواكالذين نسوا الله فانساهم أنفسهم ( واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والاصال ولا تكن من الغافلين ( والاسم يتناول اللفظ والمعنى المتصور فى القلب وقد يراد به مجرد اللفظ وقد يراد به مجرد المعنى فانه من الكلام ( والكلام ( اسم لفظ والمعنى وقد


210

يراد به أحدهما ولهذا كان من ذكر الله بقلبه أو لسانه فقد ذكره لكن ذكره بهما أتم

والله تعالى قد أمر بتسبيح اسمه وامر بالتسبيح باسمه كما أمر بدعائه بأسمائه الحسنى فيدعى بأسمائه الحسنى ويسبح اسمه وتسبيح اسمه هو تسبيح له اذ المقصود بالاسم المسمى كما أن دعاء هو دعاء المسمى قال تعالى ( قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى (

والله تعالى يأمر بذكره تارة وبذكر اسمه تارة كما يأمر بتسبيحه تارة وتسبيح اسمه تارة فقال ( اذكروا الله ذكرا كثيرا ( واذكر ربك فى نفسك ( وهذا كثير وقال ( واذكر اسم ربك وتبتل اليه تبتيلا ( كما قال ( وكلوا مما ذكر اسم الله ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ( فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه (

لكن هنا يقال بسم الله فيذكر نفس الاسم الذى هو ( ألف سين ميم ( واما فى قوله ( واذكر اسم ربك ( فيقال سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله

وهذا أيضا مما يبين فساد قول من جعل الاسم هو المسمى

قوله فى الذبيحة ( فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ( كقوله ( اقرأ باسم ربك الذى خلق ( وقوله ( بسم الله مجراها ومرساها ( فقوله ( اقرأ باسم ربك ( هو قراءة بسم الله فى أول السور


211

وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع وبين ان هذه الآية تدل على أن القارىء مأمور ان يقرأ بسم الله وانها ليست كسائر القرآن بل هى تابعة لغيرها وهنا يقول ( بسم الله الرحمن الرحيم ( كما كتب سليمان وكما جاءت به السنة المتواترة واجمع المسلمون بالله الرحمن الرحيم فى قوله ( واذكر اسم ربك ( فانه يقول سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله ونحو ذلك وهنا قال ( اقرأ باسم ربك ( لم يقل اقرأ اسم ربك وقوله ( واذكر اسم ربك ( يقتضى أن يذكره بلسانه

وأما قوله ( واذكر ربك ( فقد يتناول ذكر القلب وقوله ( اقرأ باسم ربك ( هو كقول الآكل باسم الله والذابح باسم الله كما قال النبى ( ( ومن لم يكن ذبح فليذبح بسم الله

وأما التسبيح فقد قال ( وسبحوه بكرة وأصيلا ( وقال ( سبح اسم ربك الأعلى ( وقال ( فسبح باسم ربك العظيم (

وفى الدعاء ( قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى ( فقوله ( ايا ما تدعوا ( يقتضى تعدد المدعو لقوله ( ايا ما ( وقوله ( فله الاسماء الحسنى ( يقتضى ان المدعو واحد له الاسماء الحسنى وقوله ( ادعو الله او ادعوا الرحمن ( ولم يقل ادعوا باسم الله او باسم الرحمن يتضمن ان المدعو هو الرب الواحد بذلك الاسم


212

فقد جعل الاسم تارة مدعوا وتارة مدعوا به فى قوله ( ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها ( فهو مدعو به باعتبار ان المدعو هو المسمى وانما يدعى باسمه وجعل الاسم مدعوا باعتبار ان المقصود به هو المسمى وان كان فى اللفظ هو المدعو المنادى كما قال ( قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ( أى ادعوا هذا الاسم أو هذا الاسم والمراد اذا دعوته هو المسمى اى الاسمين دعوت ومرادك هو المسمى ( فله الاسماء الحسنى (

فمن تدبر هذه المعانى اللطيفة تبين له بعض حكم القرآن واسراره فتبارك الذى نزل الفرقان على عبده فانه كتاب مبارك تنزيل من حكيم حميد لا تنقضى عجائبه ولا يشبع منه العلماء من ابتغى الهدى فى غيره اضله الله ومن تركه من جبار قصمه الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو قرآن عجب يهدى الى الرشد انزله الله هدى ورحمة وشفاء وبيانا وبصائر وتذكرة

فالحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى وكما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله

آخره ولله الحمد والمنة وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم


213

سئل

عمن زعم أن ( الامام أحمد ( كان من أعظم النفاة للصفات صفات الله تعالى وانما الذين انتسبوا اليه من أتباعه فى المذهب ظنوا أنه كان من أهل الاثبات المنافى للتعطيل جهلا منهم بما جرى له فانه اتفق له أمر عجيب

وهو أن ناسا من ( الزنادقة ( قد علموا زهد أحمد وورعه وتقواه وان الناس يتبعونه فيما يذهب اليه فجمعوا له كلاما فى الاثبات وعزوه الى تفاسير وكتب أحاديث واضافوا ايضا الى الصحابة والأئمة وغيرهم حتى اليه هو شيئا كثيرا من ذلك على لسانه وجعلوا ذلك فى صندوق مقفل وطلبوا من الامام أحمد ان يستودع ذلك الصندوق منهم وأظهروا انهم على سفر ونحو ذلك وانهم غرضهم الرجوع اليه ليأخذوا تلك الوديعة وهم يعلمون أنه لا يتعرض لما فى الصندوق فلم يزل عنده ذلك ان توفاه الله فدخل اتباعه والذين أخذوا عنه العلم فوجدوا ذلك الصندوق وفتحوه فوجدوا فيه تلك ( الاحاديث الموضوعة ( و ( التفاسير والنقول ( الدالة على الاثبات فقالوا لو لم يكن الامام أحمد يعتقد ما فى هذه الكتب لما أودعها هذا الصندوق واحترز عليها فقرأوا تلك الكتب واشهروها فى جملة ما أشهروا من تصانيفه وعلومه


214

وجهلوا مقصود أولئك الزنادقة الذين قصدوا افساد هذه الامة الاسلامية كما حصل مقصود بولص بافساد الملة النصرانية بالرسائل التى وضعها لهم

( فأجاب ( من قال تلك الحكاية المفتراة عن أحمد بن حنبل وانه اودع عنده صناديق فيها كتب لم يعرف ما فيها حتى مات واخذها اصحابه فاعتقدوا ما فيها فهذا يدل على غاية جهل هذا المتكلم فان أحمد لم يأخذ عنه المسلمون كلمة واحدة من صفات الله تعالى قالها هو بل الاحاديث التى يرويها اهل العلم فى صفات الله تعالى كانت موجودة عند الامة قبل أن يولد الامام أحمد وقد رواها أهل العلم غير الامام أحمد فلا يحتاج الناس فيها الى رواية أحمد بل هى معروفة ثابتة عن النبى ( ( ولو لم يخلق أحمد

وأحمد انما اشتهر أنه امام أهل السنة والصابر على المحنة لما ظهرت محن ( الجهمية ( الذين ينفون صفات الله تعالى ويقولون ان الله لا يرى فى الآخرة وان القرآن ليس هو كلام الله بل هو مخلوق من المخلوقات وانه تعالى ليس فوق السموات وان محمدا لم يعرج الى الله واضلوا بعض ولاة الأمر فامتحنوا الناس بالرغبة والرهبة فمن الناس من أجابهم رغبة ومن الناس من أجابهم رهبة ومنهم من اختفى فلم يظهر لهم

وصار من لم يجبهم قطعوا رزقه وعزلوه عن ولايته وان كان أسيرا لم يفكوه ولم يقبلوا شهادته وربما قتلوه او حبسوه

( والمحنة ( مشهورة معروفة كانت فى امارة المأمون والمعتصم والواثق


215

ثم رفعها المتوكل فثبت الله الامام أحمد فلم يوافقهم على تعطيل صفات الله تعالى وناظرهم فى العلم فقطعهم وعذبوه فصبر على عذابهم فجعله الله من الائمة الذين يهدون بأمره

كما قال تعالى ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (

فمن اعطى الصبر واليقين جعله الله اماما فى الدين وما تكلم به من ( السنة ( فانما اضيف له لكونه اظهره وابداه لا لكونه أنشأه وابتدأه والا فالسنة سنة النبى ( ( فأصدق الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد بن عبدالله وما قاله الامام أحمد هو قول الائمة قبله كمالك والثورى والاوزاعى وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وقول التابعين قبل هؤلاء وقول الصحابة الذين أخذوه عنه فى الصحيح وغيرهما من كتب الاسلام

والنقل عن أحمد وغيره من أئمة السنة متواتر باثبات صفات الله تعالى وهؤلاء متبعون فى ذلك ما تواتر عن النبى ( ( فاما ان المسلمين يثبتون عقيدتهم فى أصول الدين بقوله او بقول غيره من العلماء فهذا لا يقوله الا جاهل

و ( أحمد بن حنبل ( نهى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء فى الفروع وقال لا تقلد دينك الرجال فانهم لن يسلموا ان يغلطوا وقال لا تقلدنى ولا مالكا ولا الثورى ولا الشافعى وقد جرى فى ذلك على سنن غيره


216

من الأئمة فكلهم نهوا عن تقليدهم كما نهى الشافعى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء فكيف يقلد أحمد وغيره فى أصول الدين

وأصحاب أحمد مثل ابى داود السجستانى وابراهيم الحربى وعثمان بن سعيد الدارمى وابى زرعة وابى حاتم والبخارى ومسلم وبقى بن مخلد وابى بكر الاثرم وابنيه صالح وعبدالله وعبدالله بن عبدالرحمن الدارمى ومحمد بن مسلم بن وارة وغير هؤلاء الذين هم من أكابر أهل العلم والفقه والدين لا يقبلون كلام أحمد ولا غيره الا بحجة يبينها لهم وقد سمعوا العلم كما سمعه هو وشاركوه فى كثير من شيوخه ومن لم يلحقوه أخذوا عن اصحابه الذين هم نظراؤه وهذه الامور يعرفها من يعرف أحوال الاسلام وعلمائه


217

وقال شيخ الاسلام أبو العباس تقى الدين بن تيمية طيب الله ثراه

فصل فى الصفات الاختيارية

وهى الأمور التى يتصف بها الرب عز وجل فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته مثلا كلامه وسمعه وبصره وارادته ومحبته ورضاه ورحمته وغضبه وسخطه ومثل خلقه واحسانه وعدله ومثل استوائه ومجيئه واتيانه ونزوله ونحو ذلك من الصفات التى نطق بها الكتاب العزيز والسنة

( فالجهمية ( ومن وافقهم من ( المعتزلة ( وغيرهم يقولون لا يقوم بذاته شىء من هذه الصفات ولا غيرها

و ( الكلابية ( ومن وافقهم من ( السالمية ( وغيرهم يقولون ( تقوم صفات بغير مشيئته وقدرته فأما ما يكون بمشيئته وقدرته فلا يكون الا مخلوقا منفصلا عنه


218

واما السلف وائمة السنة والحديث فيقولون انه متصف بذلك كما نطق به الكتاب والسنة وهو قول كثير من ( أهل الكلام والفلسفة ( او اكثرهم كما ذكرنا اقوالهم بألفاظها فى غير هذا الموضع

ومثل هذا ( الكلام ( فان السلف وائمة السنة والحديث يقولون يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه ليس بمخلوق بل كلامه صفة له قائمة بذاته

وممن ذكر ان ذلك قول ائمة السنة ابو عبدالله بن منده وابو عبدالله بن حامد وابو بكر عبدالعزيز وابو اسماعيل الانصارى وغيرهم

وكذلك ذكر ابو عمر بن عبدالبر نظير هذا فى ( الاستواء ( وائمة السنة كعبدالله بن المبارك واحمد بن حنبل والبخارى وعثمان بن سعيد الدارمى ومن لا يحصى من الائمة وذكره حرب بن اسماعيل الكرمانى عن سعيد بن منصور واحمد بن حنبل واسحق بن ابراهيم وسائر اهل السنة والحديث متفقون على أنه متكلم بمشيئته وانه لم يزل متكلما اذا شاء وكيف شاء

وقد سمى الله القرآن العزيز حديثا فقال ( الله نزل احسن الحديث ( وقال ( ومن اصدق من الله حديثا ( وقال ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ( وقال النبى ( ( ان الله يحدث من أمره ما يشاء ( وهذا مما احتج به البخارى فى صحيحه وفى غير صحيحه واحتج به غير البخارى كنعيم بن حماد وحماد بن زيد


219

ومن المشهور عن السلف ان القرآن العزيز كلام الله غير مخلوق منه بدأ واليه يعود

وأما ( الجهمية ( و ( المعتزلة ( فيقولون ليس له كلام قائم بذاته بل كلامه منفصل عنه مخلوق عنه و ( المعتزلة ( يطلقون القول بأنه يتكلم بمشيئته ولكن مرادهم بذلك انه يخلق كلاما منفصلا عنه

و ( الكلابية والسالمية ( يقولون انه لا يتكلم بمشيئته وقدرته بل كلامه قائم بذاته بدون قدرته ومشيئته مثل حياته وهم يقولون الكلام صفة ذات لا صفة فعل يتعلق بمشيئته وقدرته واولئك يقولون هو صفة فعل لكن الفعل عندهم هو المفعول المخلوق بمشيئته وقدرته

وأما ( السلف وأئمة السنة ( وكثير من أهل الكلام كالهشامية والكرامية واصحاب ابى معاذ التومنى وزهير اليامى وطوائف غير هؤلاء يقولون انه ( صفة ذات وفعل ( هو يتلكم بمشيئته وقدرته كلاما قائما بذاته وهذا هو المعقول من صفة الكلام لكل متكلم فكل من وصف بالكلام كالملائكة والبشر والجن وغيرهم فكلامهم لابد ان يقوم بأنفسهم وهم يتكلمون بمشيئتهم وقدرتهم

والكلام صفة كمال لا صفة نقص ومن تكلم بمشيئته اكمل ممن لا يتكلم بمشيئته فكيف يتصف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق


220

ولكن ( الجهمية والمعتزلة ( بنوا على ( أصلهم ( أن الرب لا يقوم به صفة لان ذلك بزعمهم يستلزم التجسيم والتشبيه الممتنع اذ الصفة عرض والعرض لا يقوم الا بجسم

و ( الكلابية ( يقولون هو متصف بالصفات التى ليس له عليها قدرة ولا تكون بمشيئته فأما ما يكون بمشيئته فانه حادث والرب تعالى لا تقوم به الحوادث ويسمون ( الصفات الاختيارية ( بمسألة ( حلول الحوادث ( فانه اذا كلم موسى بن عمران بمشيئته وقدرته وناداه حين أتاه بقدرته ومشيئته كان ذلك النداء والكلام حادثا

قالوا فلو اتصف الرب به لقامت به الحوادث قالوا ولو قامت به الحوادث لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث قالوا ولأن كونه قابلا لتلك الصفة ان كانت من لوازم ذاته كان قابلا لها فى الأزل فيلزم جواز وجودها فى الأزل والحوادث لا تكون فى الأزل فان ذلك يقتضى وجود حوادث لا أول لها وذلك محال ( لوجوه ( قد ذكرت فى غير هذا الموضع

قالوا وبذلك استدللنا على حدوث الاجسام وبه عرفنا حدوث العالم وبذلك اثبتنا وجود الصانع وصدق رسله فلو قدحنا فى تلك لزم القدح فى أصول ( الايمان ( و ( التوحيد (

وان لم يكن من لوازم ذاته صار قابلا لها بعد ان لم يكن قابلا فيكون


221

قابلا لتلك الصفة فيلزم التسلسل الممتنع وقد بسطنا القول على عامة ما ذكروه فى هذا الباب وبينا فساده وتناقضه على وجه لا تبقى فيه شبهة لمن فهم هذا الباب

وفضلاؤهم وهم المتأخرون كالرازى والآمدى والطوسى والحلى وغيرهم معترفون بأنه ليس لهم حجة عقلية على نفى ذلك بل ذكر الرازى واتباعه ان هذا القول يلزم جميع الطوائف ونصره فى ى خر كتبه ( كالمطالب العالية ( هو من اكبر كتبه الكلامية الذى سماه ( نهاية العقول فى دراية الأصول ( لما عرف فسادة قول النفاة لم يعتمد على ذلك فى ( مسألة القرآن (

فان عمدتهم فى ( مسألة القرآن ( اذا قالوا لم يتكلم بمشيئته وقدرته قالوا لأن ذلك يستلزم حلول الحوادث فلما عرف فساد هذا الاصل لم يعتمد على ذلك فى ( مسألة القرآن ( فان عمدتهم عليه بل استدل باجماع مركب وهو دليل ضعيف الى الغاية الغاية لأنه لم يكن عنده فى نصر قول الكلابية غيره وهذا مما يبين أنه وأمثاله تبين له فساد قول الكلابية

وكذلك ( الآمدى ( ذكر فى ( ابكار الأفكار ( ما يبطل قولهم وذكر انه لا جواب عنه وقد كشفت هذه الامور فى مواضع وهذا معروف عند عامة العلماء حتى الحلى بن المطهر ذكر فى كتبه أن القول بنفى ( حلول الحوادث ( لا دليل عليه فالمنازع جاهل بالعقل والشرع


222

وكذلك من قبل هؤلاء كأبى المعالى وذويه انما عمدتهم أن ( الكرامية ( قالوا ذلك وتناقضوا فيبينون تناقض الكرامية ويظنون انهم اذا بينوا تناقض الكرامية وهم منازعوهم فقد فلجوا ولم يعلموا ان السلف وأئمة السنة والحديث بل من قبل الكرامية من الطوائف لم تكن تلتفت الى الكرامية وامثالهم بل تكلموا بذلك قبك ان تخلق الكرامية فان ابن كرام كان متأخرا بعد أحمد بن حنبل فى زمن مسلم بن الحجاج وطبقته وأئمة السنة والمتكلمون تكلموا بهذه قبل هؤلاء وما زال السلف يقولون بموجب ذلك

لكن لما ظهرت ( الجهمية النفاة ( فى أوائل المائة الثانية بين علماء المسلمين ضلالهم وخطأهم ثم ظهر رعنة الجهمية فى أوائل المائة الثالية وامتحن ( العلماء ( الامام أحمد وغيره فجردوا الرد على الجهمية وكشف ضلالهم حتى جرد الامام أحمد الآيات التى من القرآن تدل على بطلان قولهم وهى كثيرة جدا

بل الآيات التى تدل على ( الصفات الاختيارية ( التى يسمونها ( حلول الحوادث ( كثيرة جدا وهذا كقوله تعالى ( ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ( فهذا بين فى أنه انما امر الملائكة بالسجود بعد خلق آدم لم يأمرهم فى الازل وكذلك قوله ( ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ( فانما قال له بعد ان خلقه من تراب لا فى الأزل


223

وكذلك قوله فى ( قصة موسى ( فلما جاءها نودى ان بورك من فى النار ومن حولها ( وقال تعالى ( فلما أتاها نودى من شاطىء الوادى الايمن فى البقعة المباركة من الشجرة ان يا موسى انى انا الله رب العالمين ( فهذا بين فى أنه انما ناداه حين جاء لم يكن النداء فى الازل كما يقوله ( الكلابية ( يقولون ان النداء قائم بذات الله فى الازل وهو لازم لذاته لم يزل ولا يزال مناديا له لكنه لما أتى خلق فيه ادراكا لما كان موجودا فى الازل

ثم من قال منهم أن الكلام معنى واحد منهم من قال سمع ذلك المعنى باذنه كما يقول الاشعرى ومنهم من يقول بل افهم منه ما افهم كما يقوله القاضى ابو بكر وغيره فقيل لهم عندكم هو معنى واحد لا يتبعض ولا يتعدد فموسى فهم المعنى كله او بعضه ان قلتم كله فقد علم علم الله كله وان قلتم بعضه فقد تبعض وعندكم لا يتبعض

ومن قال من أتباع ( الكلابية ( بأن النداء وغيره من الكلام القديم حروف او حروف وأصوات لازمة لذات الرب كما تقوله ( السالمية ( ومن وافقهم يقولون أنه يخلق له ادراكا لتلك الحروف والاصوات والقرآن والسنة وكلام السلف قاطبة يقتضى انه انما ناداه وناجاه حين أتى لم يكن النداء موجودا قبل ذلك فضلا عن أن يكون قديما ازليا

وقال تعالى ( فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما أن أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما ان


224

الشيطان لكما عدو مبين ( وهذا يدل على أنه لما أكلا منها ناداهما لم ينادهما قبل ذلك وقال تعالى ( ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين ( ويوم يناديهم فيقول أين شركائى الذين كنتم تزعمون ( فجعل النداء فى يوم معين وذلك اليوم حادث كائن بعد أن لم يكن وهو حينئذ يناديهم لم ينادهم قبل ذلك

وقال تعالى ( يا ايها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الانعام الا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وانتم حرم ان الله يحكم ما يريد ( فبين أنه يحكم فيحلل ما يريد ويحرم ما يريد ويأمر بما يريد فجعل التحليل والتريم والامر والنهى متعلقا بارادته وينهى بارادته ويحلل بارادته ويحرم بارادته و ( الكلابية ( يقولون ليس شىء من ذلك بارادته بل قديم لازم لذاته غير مراد له ولا مقدور و ( العتزلة مع الجهمية ( يقولون كل ذلك مخلوق منفصل عنه ليس له كلام قائم به ولا بارادته ولا بغير ارادته ومثل هذا كثير فى القرآن العزيز


225

( فصل ( وكذلك فى ( الارادة ( و ( المحبة ( كقوله تعالى ( انما أمره اذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( وقوله ( ولا تقولن لشىء انى فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله ( وقوله ( لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين ( وقوله ( واذا أردنا ان نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول ( وقوله ( واذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ( وقوله ( واذا شئنا بدلنا امثالهم تبديلا ( وقوله ( ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا اليك ( وامثال ذلك فى القرآن العزيز

فان جوازم الفعل المضارع ونواصبه تخلصه للاستقبال مثل ( إن ( و ( أن ( وكذلك ( اذا ( طرف للمستقبل من الزمان فقوله ( اذا اراد ( و ( ان شاء الله ( ونحو ذلك يقتضى حصول ارادة مستقبلة ومشيئة مستقبلة

وكذلك فى المحبة والرضا قال الله تعالى ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ( فان هذا يدل على أنهم اذا اتبعوه احبهم الله فانه جزم قوله ( يحببكم ( به فجزمه جوابا للأمر وهو فى معنى الشرط فتقديره ( ان تتبعونى يحببكم الله ( ومعلوم أن جواب الشرط والامر انما يكون بعده لا قبله فمحبة الله لهم انما تكون بعد اتباعهم للرسول والمنازعون منهم من يقول ما ثم


226

محبة بل المراد ثوابا مخلوقا ومنهم من يقول بل ثم محبة قديمة ازلية اما الارادة واما غيرها والقرآن يدل على قول السلف ائمة السنة المخالفين للقولين

وكذلك قوله ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه ( فانه يدل على أن أعمالهم اسخطته فهى سبب لسخطه وسخطه عليهم بعد الاعمال لا قبلها وكذلك قوله ( فلما آسفونا انتقمنا منهم ( وكذلك قوله ( ان تكفروا فان الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وان تشكروا يرضه لكم ( علق الرضا بشكرهم وجعله مجزوما جزاء له وجزاء الشرط لا يكون الا بعده

وكذلك قوله ( ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ( ويحب المتقين ( ويحب المقسطين ( ويحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا ( ونحو ذلك فانه يدل على ان المحبة بسبب هذه الاعمال وهى جزاء لها والجزاء انما يكون بعد العمل والمسبب


227

( فصل

وكذلك ( السمع ( و ( البصر ( و ( النظر ( قال الله تعالى ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ( هذا فى حق المنافقين وقال فى حق التائبين ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ( وقوله ( فسيرى الله ( دليل على أنه يراها بعد نزول هذه الآية الكريمة والمنازع اما ان ينفى الرؤية واما ان يثبت رؤية قديمة ازلية وكذلك قوله ( ثم جعلناكم خلائف فى الارض من بعدهم لننظر كيف تعملون ( ولام كى تقتضى ان ما بعدها متأخر عن المعلول فنظره كيف يعملون هو بعد جعلهم خلائف وكذلك ( قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى الى الله والله يسمع تحاوركما ( اخبر انه يسمع تحاورهما حين كانت تجادل وتشتكى الى الله وقال النبى ( ( اذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم ( فجعل سمعه لنا جزاء وجوابا للحمد فيكون ذلك بعد الحمد والسمع يتضمن مع سمع القول قبوله واجابته ومنه قول الخليل ( ان ربى لسميع الدعاء ( وكذلك قوله

وكذلك قوله الموسي ( اننى معكما اسمع وارى (


228

و ( المعقول الصري يدل على ذلك فان المعدوم لا يرى ولا يسمع بصريح العقل واتفاق العقلاء لكن قال من قال من ( السالمية ( انه يسمع ويرى موجودا فى علمه لا موجودا بائنا عنه ولم يقل انه يسمع ويرى بائنا عن الرب

فاذا خلق العباد وعملوا وقالوا فاما ان نقول انه يسمع اقوالهم ويرى اعمالهم واما لا يرى ولا يسمع فان نفى ذلك فهو تعطيل لهاتين الصفتين وتكذيب للقرآن وهما صفتا كمال لا نقص فيه فمن يسمع ويبصر أكمل ممن لا يسمع ولا يبصر

والمخلوق يتصف بأنه يسمع ويبصر فيمتنع اتصاف المخلوق بصفات الكمال دون الخالق سبحانه وتعالى وقد عاب الله تعالى من يعبد من لا يسمع ولا يبصر فى غير موضع ولأنه حى والحى اذا لم يتصف بالسمع والبصر اتصف بضد ذلك وهو العمى والصمم وذلك ممتنع وبسط هذا له موضع آخر

وانما ( المقصود هنا ( انه اذا كان يسمع ويبصر الاقوال والاعمال بعد أن وجدت فاما ان يقال أنه تجدد وكان لا يسمعها ولا يبصرها فهو بعد ان خلقها لا يسمعها ولا يبصرها وان تجدد شىء فاما ان يكون وجودا او عدما فان كان عدما فلم يتجدد شىء وان كان وجودا فاما أن يكون قائما بذات الله او قائما بذات غيره و ( الثانى ( يستلزم ان يكون ذلك الغير هو الذى يسمع ويرى فيتعين ان ذلك السمع والرؤية الموجودين قائم بذات الله وهذا لا حيلة فيه


229

( الكلابية ( يقولون فى جميع هذا الباب المتجدد هو تعلق بين الامر والمأمور وبين الارادة والمراد وبين السمع والبصر والمسموع والمرئى فيقال لهم هذا التعلق اما أن يكون وجودا واما ان يكون عدما فان كان عدما فلم يتجدد شىء فان العدم لا شىء وان كان وجودا بطل قولهم

وايضا فحدوث ( تعلق ( هو نسبة واضافة من غير حدوث ما يوجب ذلك ممتنع فلا يحدث نسبة واضافة الا بحدوث امر وجودى يقتضى ذلك وطائفة منهم ابن عقيل يسمون هذه النسبة ( أحوالا (

و ( الطوائف ( متفقون على حدوث ( نسب ( و ( اضافات ( و ( تعلقات ( لكن حدوث النسب بدون ما يوجبها ممتنع فلا يكون نسبة واضافة الا تابعة لصفة ثبوتية كالابوة والبنوة والفوقية والتحتية والتيامن والتياسر فانها لابد أن تستلزم امورا ثبوتية

وكذلك كونه ( خالقا ( و ( رازقا ( و ( محسنا ( و ( عادلا ( فان هذه افعال فعلها بمشيئته وقدرته اذ كان يخلق بمشيئته ويرزق بمشيئته ويعدل بمشيئته ويحسن بمشيئته

والذى عليه ( جماهير المسلمين ( من السلف والخلف ان الخلق غير المخلوق فالخلق فعل الخالق والمخلوق مفعوله ولهذا كان النبى ( ( يستعيذ بأفعال الرب وصفاته كما فى قوله ( ( أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ( فاستعاذ بمعافاته كما استعاذ برضاه


230

وقد استدل ( أئمة السنة ( كأحمد وغيره على ان ( كلام الله غير مخلوق ( بأنه استعاذ به فقال ( من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق لم يضره شىء حتى يرتحل منه ( فكذلك معافاته ورضاه غير مخلوقة لأنه استعاذ بهما والعافية القائمة ببدن العبد مخلوقة فانها نتيجة معافاته

واذا كان ( الخلق فعله ( و ( المخلوق مفعوله ( وقد خلق الخلق بمشيئته دل على أن الخلق فعل يحصل بمشيئته ويمتنع قيامه بغيره فدل على ان افعاله قائمة بذاته مع كونها حاصلة بمشيئته وقدرته وقد حكى البخارى اجماع العلماء على الفرق بين الخلق والمخلوق وعلى هذا يدل ( صريح المعقول (

فانه قد ثبت بالادلة ( العقلية والسمعية ( ان كل ما سوى الله تعالى مخلوق محدث كائن بعد ان لم يكن وان الله انفرد بالقدم والازلية وقد قال تعالى ( خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ( فهو حين خلق السموات ابتداءا اما أن يحصل منه فعل يكون هو خلقا للسموات والأرض واما أن لا يحصل منه فعل بل وجدت المخلوقات بلا فعل ومعلوم أنه اذا كان الخالق قبل خلقها ومع خلقها سواء وبعده سواء لم يجز تخصيص خلقها بوقت دون وقت بلا سبب يوجب التخصيص و

( أيضا ( فحدوث المخلوق بلا سبب حادث ممتنع فى بداية العقل واذا قيل الارادة والقدرة خصصت قيل نسبة الارادة القديمة الى جميع الاوقات سواء وايضا فلا تعقل ارادة تخصيص احد المتماثلين الا بسبب يوجب


231

التخصيص و ( أيضا ( فلابد عند وجود المراد من سبب يقتضى حدوثه والا فلو كان مجرد ما تقدم من الارادة والقدرة كافيا للزم وجوده قبل ذلك لأنه مع الارادة التامة والقدرة التامة يجب وجود المقدور وقد احتج من قال ( الخلق ( هو المخلوق كأبى الحسن ومن اتبعه مثل ابن عقيل بأن قالوا لو كان غيره لكان اما قديما واما حادثا فان كان قديما لزم قدم المخلوق لأنهما متضايفان وان كان حادثا لزم أن تقوم به الحوادث ثم ذلك الخلق يفتقر الى خلق آخر ويلزم التسلسل فأجابهم ( الجمهور ( وكل طائفة على أصلها فطائفة قالت الخلق قديم وان كان المخلوق حادثا كما يقول ذلك كثير من اهل المذاهب الاربعة وعليه اكثر الحنفية قال هؤلاء أنتم تسلمون لنا ان الارادة قديمة أزلية والمراد محدث فنحن نقول فى الخلق ما قلتم فى الارادة وقالت ( طائفة ( بل الخلق حادث فى ذاته ولا يفتقر الى خلق آخر بل يحدث بقدرته وانتم تقولون ان المخلوق يحصل بقدرته بعد ان لم تكن فان كان المنفصل يحصل بمجرد القدرة فالمتصل به أولى وهذا جواب كثير من الكرامية والهشامية وغيرهم و ( طائفة ( يقولون هب أنه يفتقر الى فعل قبله فلم قلتم ان ذلك ممتنع وقولكم هذا تسلسل فيقال ليس هذا تسلسلا فى الفاعلين والعلل


232

الفاعلة فان هذا ممتنع باتفاق العقلاء بل هو تسلسل فى الآثار والافعال وهو حصول شىء بعد شىء وهذا محل النزاع ( فالسلف ( يقولون لم يزل متكلما اذا شاء وقد قال تعالى ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا ( فكلمات الله لا نهاية لها وهذا تسلسل جائز كالتسلسل فى المستقبل فان نعيم الجنة دائم لا نفاد له فما من شىء الا وبعده شىء لا نهاية له


233

فصل و ( الأفعال نوعان ( متعد ولازم فالمتعدى مثل الخلق والاعطاء ونحو ذلك واللازم مثل الاستواء والنزول والمجىء والاتيان قال تعالى ( هو الذى خلق السموات والارض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش ( فذكر الفعلين المتعدى واللازم وكلاهما حاصل بمشيئته وقدرته وهو متصف به وقد بسط هذا فى غير هذا الموضع

والمقصود هنا ان القرآن يدل على ( هذا الأصل ( فى أكثر من مائة موضع

وأما ( الاحاديث الصحيحة ( فلا يمكن ضبطها فى هذا الباب كما فى الصحيحن عن زيد بن خالد الجهنى ان النبى ( صلى الله عليه وسلم ( صلى بأصحابه صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل ثم قال ( أتدرون ماذا قال ربكم الليلة قال أصبح من عبادى مؤمن بى وكافر فاما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى كافر بالكواكب واما من قال مطرنا بنوء كذا ونوء كذا وكذا فذلك كافر بى مؤمن بالكواكب ( وفى الصحاح حديث الشفاعة ( فيقول كل من الرسل اذا اتوا اليه ان ربى قد غضب اليوم غضبا


234

لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله ( وهذا بيان ان الغضب حصل فى ذلك اليوم لا قبله

وفى الصحيح ( اذا تكلم الله بالوحى سمع اهل السموات كجر السلسلة على الصفوان ( فقوله اذا تكلم الله بالوحى سمع يدل على انه يتكلم به حين يسمعونه وذلك ينفى كونه ازليا وايضا فما يكون كجر السلسلة على الصفا يكون شيئا بعد شىء والمسبوق بغيره لا يكون ازليا

وكذلك فى الصحيح ( يقول الله قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين نصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل فاذا قال ( الحمد لله رب العالمين ( قال الله حمدنى عبدى فاذا قال ( الرحمن الرحيم ( قال الله اثنى على عبدى فاذا قال ( مالك يوم الدين ( قال الله مجدنى عبدى فاذا قال ( اياك نعبد واياك نستعين ( قال الله هذه الاية بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل فاذا قال ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( قال الله هؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل فقد أخبر ان العبد اذا قال ( الحمد لله ( قال الله حمدنى فاذا قال ( الرحمن الرحيم ( قال الله اثنى على عبدى الحديث

وفى الصحاح حديث النزول ( ينزل ربنا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الاخر فيقول من يدعونى فاستجيب له من يسألنى فأعطيه من يستغفرنى فاغفر له ( فهذا قول وفعل فى وقت معين وقد اتفق السلف على ان ( النزول (


235

فعل يفعله الرب كما قال ذلك الاوزاعى وحماد بن زيد والفضيل بن عياض واحمد بن حنبل وغيرهم

وايضا فقد قال ( ( لله اشد اذنا الى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة الى قينته ( وفى الحديث الصحيح الاخر ( ما اذن الله لشىء كأذنه لنبى حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به ( اذن يأذن اذنا اى استمع يستمع استماعا ( أذنت لربها وحقت ( فأخبر انه يستمع الى هذا وهذا

وفى الصحيح ( لا يزال عبدى يتقرب الى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها ( فأخبر انه لا يزال يتقرب بالنوافل بعد الفرائض

فى الصحيحين عنه ( صلى الله عليه وسلم ( فيما يروى عن ربه تعالى قال ( قال الله انا عند ظن عبدى بى وانا معه اذا ذكرنى ان ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى وان ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم ( وحرف ( إن ( حرف الشرط والجزاء يكون بعد الشرط فهذا يبين انه يذكر العبد ان ذكره فى نفسه وان ذكره فى ملأ ذكره فى ملأ خير منهم والمنازع يقول ما زال يذكره ازلا وابدا ثم يقول ذكره وذكر غيره وسائر ما يتكلم الله به هو شىء واحد لا يتبعض ولا يتعدد فحقيقة قوله ان الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا يذكر أحدا


236

وفى صحيح مسلم فى حديث تعليم الصلاة ( واذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد يسمع الله لكم فان الله قال على لسان نبيه سمع الله لمن حمده ( فقوله سمع الله لمن حمده لأن الجزاء بعد الشرط فقوله ( يسمع الله لكم ( مجزوم حرك لالتقاء الساكنين وهذا يقتضى انه يسمع بعد أن تحمدوا


237

فصل والمنازعون ( النفاة ( كذلك منهم من ينفى الصفات مطلقا فهذا يكون الكلام معه فى الصفات مطلقا لا يختص ( بالصفات الاختيارية ( ومنهم من يثبت الصفات ويقول لا يقوم بذاته شىء بمشيئته وقدرته فيقول انه لا يتكلم بمشيئته واختياره ويقول لا يرضى ويسخط ويحب ويبغض ويختار بمشيئته وقدرته ويقول انه لا يفعل فعلا ( هو الخلق ( يخلق به المخلوق ولا يقدر عنده على فعل يقوم بذاته بل مقدوره لا يكون الا منفصلا منه

ل

هذا موضع تنازع فيه النفاة

فقيل لا يكون ( مقدوره ( الا بائنا عنه كما يقوله الجهمية والكلابية والمعتزلة وقيل لا يكون ( مقدروه ( الا ما يقوم بذاته كما يقوله السالمية والكرامية والصحيح ان كليهما مقدور له

اما ( الفعل ( فمثل قوله تعالى ( قل هو القادر على ان يبعث عليكم عذابا من فوقكم او من تحت ارجلكم ( وقوله ( اليس ذلك بقادر على ان يحيى الموتى ( وقول الحواريين ( هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء ( وقوله ( اوليس الذى خلق السموات والارض بقادر على ان يخلق مثلهم ( وقوله ( اولم يروا ان الله الذى خلق السموات والارض ولم يعى


238

بخلقهن بقادر على ان يحيى الموتى ( الى امثال ذلك مما يبين انه يقدر على ( الافعال ( كالاحياء والبعث ونحو ذلك

واما ( القدرة على الاعيان ( ففى الصحيح عن ابى مسعود قال ( كنت اضرب غلاما لى فرآنى النبى ( ( فقال ( اعلم ابا مسعود لله اقدر عليك منك على هذا ( فقوله ( لله اقدر عليك منك على هذا ( دليل على ان القدرة تتعلق بالاعيان المنفصلة ( قدرة الرب ( و ( قدرة العبد ( ومن الناس من يقول كلاهما يتعلق بالفعل كالكرامية ومنهم من يقول قدرة الرب تتعلق بالمنفصل واما قدرة العبد فلا تتعلق الا بفعل فى محلها كالاشعرية

و ( النصوص ( تدل على ان كلا القدرتين تتعلق بالمتصل والمنفصل فان الله تعالى اخبر ان العبد يقدر على افعاله كقوله ( فاتقوا الله ما استطعتم ( وقوله ( ومن لم يستطع منكم طولا ان ينكح المحصنات المؤمنات فما ملكت ايمانكم من فتياتكم ( فدل على ان منا من يستطع ذلك ومنا من لم يستطع

وقال النبى ( ( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فانه له وجاء ( اخرجاه فى الصحيحين وقوله ( ان استطعت ان تعمل بالرضا مع اليقين فافعل ( وقوله فى الحديث الذى فى الصحيح ( اذا أمرتكم بامر فاتوا منه ما استطعتم (

وقد اخبر أنه قادر على عبده وهؤلاء الذين يقولون لا تقوم به ( الأمور الاختيارية ( عمدتهم أنه لو قامت به الحوادث لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث وقد نازعهم الناس فى كلا ( المقدمتين ( واصحابهم


239

المتأخرون كالرازى والآمدى قدحوا فى ( المقدمة الاولى ( فى نفس هذه المسألة وقدح الرازى فى ( المقدمة الثانية ( فى غير موضع من كتبه وقد بسط الكلام على ذلك فى غير هذا الموضع

وقولهم انا عرفنا حدوث العالم بهذه الطريق وبه اثبتنا ( الصانع ( يقال لهم لا جرم ابتدعتم طريقا لا يوافق السمع ولا العقل فالعالمون بالشرع معترفون انكم مبتدعون محدثون فى الاسلام ما ليس منه والذين يعقلون ما يقولون يعلمون ان العقل يناقض ما قلتم وان ما جعلتموه دليلا على اثبات الصانع لا يدل على اثباته بل هو استدلال على نفى ( الصانع ( واثبات ( الصانع ( حق وهذا الحق يلزم من ثبوته ابطال استدلالكم بأن ما لم يخل من الحوادث فهو حادث

واما كون ( طريقكم مبتدعة ( ما سلكها الانبياء ولا اتبعهم ولا سلف الامة فلأن كل من يعرف ما جاء به الرسول وان كانت معرفته متوسطة لم يصل فى ذلك الى الغاية يعلم أن الرسول ( ( لم يدع الناس فى معرفة الصانع وتوحيده وصدق رسله الى الاستدلال بثبوت الاعراض وانها حادثة ولازمة للأجسام وما لم يخل من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث لا أول لها

فعلم بالاضطرار ان ( هذه الطريق ( لم يتكلم بها الرسول ولا دعا اليها ولا أصحابه ولا تكلموا بها ولا دعوا بها الناس وهذا يوجب العلم الضرورى من دين الرسول فان عند الرسول والمؤمنين به ان الله يعرف


240

ويعرف توحيده وصدق رسله بغير هذه الطريق فدل الشرع دلالة ضرورية على انه لا حاجة الى هذه الطريق ودل ما فيها من مخالفة نصوص الكتاب والسنة على أنها طريق باطلة فدل الشرع على أنه لا حاجة اليها وانها باطلة

واما العقل فقد بسط القول فى جميع ما قيل فيها فى غير هذه المواضع وبين أن أئمة اصحابها قد يعترفون بفسادها من جهة العقل كما يوجد فى كلام ابى حامد والرازى وغيرهما بيان فسادها

ولما ظهر فسادها للعقل تسلط ( الفلاسفة ( على سالكيها وظنت الفلاسفة أنهم اذا قدحوا فيها فقد قدحوا فى دلالة الشرع ظنا منهم أن الشرع جاء بموجبها اذ كانوا أجهل بالشرع والعقل ومن سالكيها فسالكوها لا للاسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا بل سلطوا الفلاسفة عليهم وعلى الاسلام وهذا كله مبسوط فى مواضع

وانما ( المقصود هنا ( أن يعرف ان نفيهم ( للصفات الاختيارية ( التى يسمونها حلول الحوادث ليس لهم دليل عقلى عليه وحذاقهم يعترفون بذلك واما السمع فلا ريب انه مملوء بما يناقضه والعقل ايضا يدل على نقيضه من وجوه نبهنا على بعضها

ولما لم يكن مع أصحابها حجة ( لا عقلية ولا سمعية ( من الكتاب والسنة احتال متأخروهم فسلكوا ( طريقا سمعية ( ظنوا أنها تنفعهم فقالوا هذه الصفات ان كانت صفات نقص وجب تنزيه الرب عنها وان كانت صفات


241

كمال فقد كان فاقدا لها قبل حدوثها وعدم الكمال نقص فيلزم ان يكون كان ناقصا وتنزيهه عن النقص واجب بالاجماع وهذه الحجة من أفسد الحجج

ذلك من وجوه

( أحدها ( أن هؤلاء يقولون نفى النقص عنه لم يعلم بالعقل وانما علم ( بالاجماع ( وعليه اعتمدوا فى نفى النقص فنعود الى احتجاجهم بالاجماع ومعلوم أن الاجماع لا يحتج به فى موارد النزاع فان المنازع لهم يقول انا لم اوافقكم على نفى هذا المعنى وان وافقتكم على اطلاق القول بأن الله منزه عن النقص فهذا المعنى عندى ليس بنقص ولم يدخل فيما سلمته لكم فان بينتم بالعقل او بالسمع انتفاءه والا فاحتجاجكم بقولى مع انى لم ارد ذلك كذب على فانكم تحتجون بالاجماع والطائفة المثبتة من اهل الاجماع وهم لم يسلموا هذا

( الثانى ( ان عدم هذه الامور قبل وجودها نقص بل لو وجدت قبل وجودها لكان نقصا مثال ذلك تكليم الله لموسى عليه السلام ونداؤه له فنداؤه حين ناداه صفة كمال ولو ناداه قبل ان يجىء لكان ذلك نقصا فكل منها كمال حين وجوده ليس بكمال قبل وجوده بل وجوده قبل الوقت الذى تقتضى الحكمة وجوده فيه نقص

( الثالث ( ان يقال لا نسلم ان عدم ذلك نقص فان ما كان حادثا


242

امتنع ان يكون قديما وما كان ممتنعا لم يكن عدمه نقصا لأن النقص فوات ما يمكن من صفات الكمال

( الرابع ( ان هذا يرد فى كل ما فعله الرب وخلقه فيقال خلق هذا ان كان نقصا فقد اتصف بالنقص وان كان كمالا فقد كان فاقدا له فان قلتم ( صفات الافعال ( عندنا ليست بنقص ولا كمال قيل اذا قلتم ذلك امكن المنازع ان يقول هذه الحوادث ليست بنقص ولا كمال

( الخامس ( أن يقال اذا عرض على العقل الصريح ذات يمكنها ان تتكلم بقدرتها وتفعل ما تشاء بنفسها وذات لا يمكنها ان تتكلم بمشيئتها ولا تتصرف بنفسها البتة بل هى بمنزلة الزمن الذى لا يمكنه فعل يقوم به باختياره قضى العقل الصريح بأن هذه الذات اكمل وحينئذ فأنتم الذين وصفتم الرب بصفة النقص والكمال فى اتصافه بهذه الصفات لا فى نفى اتصافه بها

( السادس ( ان يقال الحوادث التى يمتنع ان يكون كل منها ازليا ولا يمكن وجودها الا شيئا فشيئا اذا قيل ايما اكمل ان يقدر على فعلها شيئا فشيئا أولا يقدر على أكمل ممن لا يقدر على ذلك وانتم تقولون ان الرحمن لا يقدر على شىء من هذه الامور وتقولون انه يقدر على امور مباينة له ومعلوم ان قدرة القادر على فعله المتصل به قبل قدرته على امور مباينة له فاذا قلتم


243

لا يقدر على فعل متصل به لزم ان لا يقدر على المنفصل فلزم على قولكم ان لا يقدر على شىء ولا أن يفعل شيئا فلزم ان لا يكون خالقا لشىء وهذا لازم للنفاة لا محيد لهم عنه

ولهذا قيل الطريق التى سلكوها فى حدوث العالم واثبات الصانع تناقض حدوث العالم واثبات الصانع ولا يصح القول بحدوث العالم واثبات الصانع الا بابطالها لا باثباتها فكان ما اعتمدوا عليه وجعلوه اصولا للدين ودليلا عليه هو فى نفسه باطل شرعا وعقلا وهو مناقض للدين ومناف له

ولهذا كان ( السلف والائمة ( يعيبون كلامهم هذا ويذمونه ويقولون من طلب العلم بالكلام تزندق كما قال ابو يوسف ويروى عن مالك ويقول الشافعى حكمى فى اهل الكلام ان يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم فى العشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة واقبل على الكلام وقال الامام أحمد بن حنبل علماء الكلام زنادقة وما ارتدى احد بالكلام فأفلح

وقد صدق الائمة فى ذلك فانهم يبنون امرهم على ( كلام مجمل ( يروج على من لم يعرف حقيقته فاذا اعتقد أنه حق وتبين أنه مناقض للكتاب والسنة بقى فى قلبه مرض ونفاق وريب وشك بل طعن فيما جاء به الرسول وهذه هى الزندقة

وهو ( كلام باطل من جهة العقل ( كما قال بعض السلف العلم بالكلام هو


244

الجهل فهم يظنون ان معهم عقليات وانما معهم جهليات ( كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ( هذا هو الجهل المركب لأنهم كانوا فى شك وحيرة فهم فى ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور اين هؤلاء من نور القرآن والايمان قال الله تعالى ( الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح فى زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدى الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شىء عليم (

ان قيل اما كون الكلام والفعل يدخل فى ( الصفات الاختيارية ( فظاهر فانه يكون بمشيئة الرب وقدرته واما ( الارادة ( و ( المحبة ( و ( الرضا ( و ( الغضب ( ففيه نظر فان نفس ( الارادة ( هى المشيئة وهو سبحانه اذا خلق من يحبه كالخليل فانه بحيه ويحب المؤمنين ويحبونه وكذلك اذا عمل الناس أعمالا يراها وهذا لازم لابد من ذلك فكيف يدخل تحت الاختيار

قيل كل ما كان بعد عدمه فانما يكون بمشيئة الله وقدرته وهو سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فما شاء وجب كونه وهو تحت مشيئة الرب وقدرته وما لم يشأ امتنع كونه مع قدرته عليه كما قال تعالى


245

( ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ( ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ( ولو شاء ربك ما فعلوه (

فكون الشىء واجب الوقوع لكونه قد سبق به القضاء على انه لابد من كونه لا يمتنع ان يكون واقعا بمشيئته وقدرته وارادته وان كانت من لوازم ذاته كحياته وعلمه فان ( ارادته للمستقبلات ( هى مسبوقة ( بارادته للماضى ( انما أمره اذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( وهو انما أراد ( هذا الثانى ( بعد أن أراد قبله ما يقتضى ارادته فكان حصول الارادة اللاحقة بالارادة السابقة

والناس قد اضطربوا فى ( مسألة ارادة الله سبحانه وتعالى ( على اقوال متعددة ومنهم من نفاها ورجح الرازى هذا فى ( مطالبه العالية ( لكن ولله الحمد نحن قررناها وبينا فساد الشبه المانعة منها وان ما جاء به الكتاب والسنة هو الحق المحض الذى تدل عليه المعقولات الصريحة وان ( صريح المعقول موافق لصحيح المنقول (

وكنا قد بينا ( أولا ( أنه يمتنع تعارض الادلة القطعية فلا يجوز أن يتعارض دليلان قطعيان سواء كانا عقليين او سمعيين او كان أحدهما عقليا والاخر سمعيا ثم بينا على صحة السمع والسمع يبين صحة العقل وان من سلك أحدهما أفضى به الى الآخر


246

وان الذين يستحقون العذاب هم الذين لا يسمعون ولا يعقلون كما قال الله تعالى ( ام تحسب ان اكثرهم يسمعون او يعقلون ان هم الا كالانعام بل هم اضل سبيلا ( وقال تعالى ( كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شىء ان أنتم الا فى ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع او نعقل ما كنا فى أصحاب السعير ( وقال ( أولم يسيروا فى الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور ( وقال تعالى ( ان فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد (

فقد بين القرآن أن من كان يعقل أو كان يسمع فانه يكون ناجيا وسعيدا ويكون مؤمنا بما جاءت به الرسل وقد بسطت هذه الامور فى غير موضع والله أعلم


247

( فصل ( وفحول النظار ( كأبى عبدالله الرازى ( و ( أبى الحسن الآمدى ( وغيرهما ذكروا حجج النفاة لحلول الحوادث ( وبينوا فسادها كلها فذكروا لهم اربح حجج

( احداهما ( الحجة المشهورة ( وهى انها لو قامت به لم يخل منها ومن اضدادها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث ومنعوا المقدمة الاولى والمقدمة الثانية ذكر الرازى وغيره فسادها وقد بسط فى غير هذا الموضع

( الثانية ( أنه لو كان قابلا لها فى الازل لكان القبول من لوازم ذاته فكان القبول يستدعى امكان المقبول ووجود الحوادث فى الازل محال وهذه ابطلوها هم بالمعارضة بالقدرة بأنه قادر على احداث الحوادث والقدرة تستدعى امكان المقدور و ( وجود المقدور ( وهو الحوادث فى الازل محال

( هذه الحجة ( باطلة من وجوه

( أحدها ( أن يقال ( وجود الحوادث ( اما أن يكون ممتنعا واما أن يكون ممكنا فان كان ممكنا امكن قبولها والقدرة عليها دائما وحينئذ فلا يكون وجود جنسها فى الازل ممتنعا بل يمكن ان يكون جنسها مقدورا مقبولا


248

وان كان ممتنعا فقد امتنع وجود حوادث لا تتناهى وحينئذ فلا تكون فى الازل ممكنة لا مقدورة ولا مقبولة وحينئذ فلا يلزم امتناعها بعد ذلك فان الحوادث موجودة فلا يجوز ان يقال بدوام امتناعها وهذا تقسيم حاصر يبين فساد ( هذه الحجة (

( الوجه الثانى ( أن يقال لا ريب أن الرب تعالى قادر فاما ان يقال أنه لم يزل قادرا وهو الصواب واما أن يقال بل صار قادرا بعد أن لم يكن فان قيل لم يزل قادرا فيقال اذا كان لم يزل قادرا فان كان المقدرو لم يزل ممكنا أمكن دوام وجود الممكنات فأمكن دوام وجود الحوادث وحينئذ فلا يمتنع كونه قابلا لها فى الازل

فان قيل بل كان الفعل ممتنعا ثم صار ممكنا قيل هذا جمع بين النقيضين فان القادر لا يكون قادرا على ممتنع فكيف يكون قادرا على كون المقدور ممتنعا ثم يقال بتقدير امكان هذا قيل هو قادر فى الازل على ما يمكن فيما لا يزال وكذلك فى المقبول يقال هو قابل فى الازل لما يمكن فيما لا يزال

( الوجه الثالث ( اذا قيل هو قابل لما فى الازل فانما هو قابل لما هو قادر عليه يمكن وجوده فأما ما يكون ممتنعا لا يدخل تحت القدرة فهذا ليس بقابل له

( الرابع ( أن يقال هو قادر على حدوث ما هو مباين له من المخلوقات ومعلوم أن قدرة القادر على فعله القائم به أولى من قدرته على المباين له واذا


249

كان الفعل لا مانع منه الا ما يمنع مثله لوجود المقدور المباين ثم ثبت ان المقدور المباين هو ممكن وهو قادر عليه فالفعل ان يكون ممكنا مقدورا أولى

( الحجة الثالثة لهم ( أنهم قالوا لو قامت به الحوادث للزم ( تغيره ( والتغير على الله محال وابطلوا هم ( هذه الحجة ( الرازى وغيره بأن قالوا ما تريدون بقولكم لو قامت به تغير أتريدون بالتغير نفس قيامها به أم شيئا آخر فان اردتم الاول كان المقدم هو الثانى والملزوم هو اللازم وهذا لا فائدة فيه فانه يكون تقدير الكلام لو قامت به الحوادث لقامت به الحوادث وهذا كلام لا يفيد وان اردتم بالتغير معنى غير ذلك فهو ممنوع فلا نسلم انها لو قامت به لزم ( تغير ( غير حلول الحوادث فهذا جوابهم

وايضاح ذلك أن ( لفظ التغير ( لفظ مجمل فالتغير فى اللغة المعروفة لا يراد به مجرد كون المحل قامت به الحوادث فان الناس لا يقولون للشمس والقمر والكواكب اذا تحركت انها قد تغيرت ولا يقولون للانسان اذا تكلم ومشى انه تغير ولا يقولون اذا طاف وصلى وامر ونهى وركب انه تغير اذا كان ذلك عادته بل انما يقولون تغير لمن استحال من صفة الى صفة كالشمس اذا زال نورها ظاهرا لا يقال انها تغيرت فاذا اصفرت قيل تغيرت

وكذلك الانسان اذا مرض او تغير جسمه بجوع أو تعب قيل قد تغير وكذلك اذا تغير خلقه ودينه مثل أن يكون فاجرا فينقلب ويصير برا او يكون برا فينقلب فاجرا فانه يقال قد تغير وفى الحديث ( رأيت وجه رسول الله ( صلى


250

الله عليه وسلم ( متغيرا لما رأى منه أثر الجوع ولم يزل يراه يركع ويسجد ( فلم يسم حركته تغيرا وكذلك يقال فلان قد تغير على فلان اذا صار يبغضه بعد المحبة فاذا كان ثابتا على مودته لم يسم هشته اليه وخطابه له تغيرا

وإذا جرى على عادته فى أقواله وافعاله فلا يقال أنه قد تغير قال الله تعالى ( ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ( ومعلوم أنهم اذا كانوا على عادتهم الموجودة يقولون ويفعلون ما هو خير لم يكونوا قد غيروا ما بأنفسهم فاذا انتقلوا عن ذلك فاستبدلوا بقصد الخير قصد الشر وباعتقاد الحق اعتقاد الباطل قيل قد غيروا ما بأنفسهم مثل من كان يحب الله ورسوله والدار الآخرة فتغير قلبه وصار لا يحب الله ورسوله والدار الآخرة فهذا قد غير ما فى نفسه

واذا كان هذا ( معنى التغير ( فالرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال منعوتا بنعوت الجلال والاكرام وكماله من لوازم ذاته فيمتنع أن يزول عنه شىء من صفات كماله ويمتنع أن يصير ناقصا بعد كماله

و ( هذا الأصل ( عليه قول السلف وأهل السنة أنه لم يزل متكلما اذا شاء ولم يزل قادار ولم يزل موصوفا بصفات الكمال ولا يزال كذلك فلا يكون متغيرا وهذا معنى قول من يقول يا من يغير ولا يتغير فانه يحيل صفات المخلوقات ويسلبها ما كانت متصفة به اذا شاء ويعطيها من صفة الكمال ما لم يكن لها وكماله من لوازم ذاته لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات


251

الكمال قال تعالى ( كل شىء هالك الا وجهه ( وقال تعالى ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام (

ولكن ( هؤلاء النفاة ( هم الذين يلزمهم أن يكون قد تغير فانهم يقولون كان فى الازل لا يمكنه أن يقول شيئا ولا يتكلم بمشيئته وقدرته وكان ذلك ممتنعا عليه لا يتمكن منه ثم صار الفعل ممكنا يمكنه أن يفعل

ولهم فى ( الكلام ( قولان من يثبت الكلام المعروف وقال أنه يتكلم بمشيئته وقدرته قال أنه صار الكلام ممكنا له بعد أن كان ممتنعا عليه ومن لم يصفه بالكلام المعروف بل قال أنه يتكلم بلا مشيئة وقدرة كما تقوله الكلابية فهؤلاء اثبتوا كلاما لا يعقل ولم يسبقهم اليه أحد من المسلمين بل كان المسلمون قبلهم على ( قولين (

فالسلف وأهل السنة يقولون أنه يتكلم بمشيئته وقدرته وكلامه غير مخلوق و ( الجهمية ( يقولون أنه مخلوق بقدرته ومشيئته فقال هؤلاء بل يتكلم بلا مشيئته وقدرته وكلامه شىء واحد لازم لذاته وهو حروف أو حروف واصوات أزلية لازمة لذاته كما قد بسط فى غير هذا الموضع

و ( المقصود ( أن هؤلاء كلهم الذين يمنعون أن الرب لم يزل يمكنه أن يفعل ما شاء ويقولون ذلك يستلزم وجود حوادث لا تتناهى وذلك محال فهؤلاء يقولون صار الفعل ممكنا له بعد أن كان ممتنعا عليه وحقيقة قولهم أنه


252

صار قادرا بعد أن لم يكن قادرا وهذا حقيقة التغير مع أنه لم يحدث سبب يوجب كونه قادرا

واذا قالوا هو فى الأزل كان قادرا على ما لا يزال قيل هذا جمع بين النفى والاثبات فهو فى الأزل كان قادرا افكان القول ممكنا له أو ممتنعا عليه إن قلتم ممكن له فقد جوزتم دوام كونه فاعلا وأنه قادر على حوادث لا نهاية لها وان قلتم بل كان ممتنعا قيل القدرة على الممتنع مع كون الفعل ممتنعا غير ممكن لا يكون مقدورا للقادر انما المقدور هو الممكن لا الممتنع

فاذا قلتم أمكنه بعد ذلك فقد قلتم أنه أمكنه أن يفعل بعد ان كان لا يمكنه أن يفعل وهذا صريح فى أنه صار قادرا بعد أن لم يكن وهو صريح فى التغير فهؤلاء النفاة الذين قالوا ان المثبتة يلزمهم القول بأنه ( تغير ( قد بان بطلان قولهم وأنهم هم الذين قالوا بما يوجب تغيره

الحجة الرابعة ( قالوا حلول الحوادث به أفول والخليل قد قال ( لا احب الآفلين ( و ( الآفل ( هو المتحرك الذى تقوم به الحوادث فيكون ( الخليل ( قد نفى المحبة عمن تقوم به الحوادث فلا يكون الها واذا قال المنازع أنا أريد بكونه تغير أنه تكلم بمشيئته وقدرته وأنه يحب منا الطاعة ويفرح بتوبة التائب ويأتى يوم القيامة قيل فهب انك سميت هذا تغيرا فلم قلت أن هذا ممتنع فهذا محل النزاع كما قال الرازى فالمقدم هو الثانى


253

فقد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أن الله يوصف ( بالغيرة ( وهى مشتقة من ( التغير ( فقال ( صلى الله عليه وسلم ( فى الحديث الصحيح ( لا أحد أغير من الله أن يزنى عبده أو تزنى أمته ( وقال أيضا ( لا أحد أحب اليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه ولا أحد أحب اليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسل وأنزل الكتب ولا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ( وقال ( أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير منه والله أغير منى ( والجواب ( أن قصة الخليل حجة عليهم لا لهم وهم المخالفون لابراهيم ولنبينا ولغيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك أن الله تعالى قال ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لاكونن من القوم الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم انى برىء مما تشركون انى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (

فقد أخبر الله فى كتابه أنه من حين بزغ الكوكب والقمر والشمس والى حين افولها لم يقل الخليل لا أحب البازغين ولا المتحركين ولا المتحولين ولا أحب من تقوم به الحركات ولا الحوادث ولا قال شيئا مما يقوله النفاة حين أفل الكوكب والشمس والقمر


254

و ( الأفول ( باتفاق اهل اللغة والتفسير هو الغيب والاحتجاب بل هذا معلوم بالاضطرار من لغة العرب التى نزل بها القرآن وهو المراد باتفاق العلماء

فلم يقل ابراهيم ( لا أحب الآفلين ( الا حين أفل وغاب عن الانصار فلم يبق مرئيا ولا مشهودا فحينئذ قال ( لا أحب الآفلين ( وهذا يقتضى أن كونه متحركا منتقلا تقوم به الحوادث بل كونه جسما متحيزا تقوم به الحوادث لم يكن دليلا عند ابراهيم على نفى محبته

فان كان ابراهيم انما استدل ( بالأفول ( على انه ليس رب العالمين كما زعموا لزم من ذلك أن يكون ما يقوم به الافول من كونه متحركا منتقلا تحله الحوادث بل ومن كونه جسما متحيزا لم يكن دليلا عند ابراهيم على أنه ليس برب العالمين وحينذ فيلزم أن تكون لا على تعيين مطلوبهم وهكذا أهل البدع لا يكادون يحتجون ( بحجة ( سمعية ولا عقلية الا وهى عند التأمل حجة عليهم لا لهم ولكن ( ابراهيم عليه السلام ( لم يقصد بقوله ( هذا ربى ( أنه رب العالمين ولا كان أحد من قومه يقولون انه رب العالمين من تجويز ذلك عليهم بل كانوا مشركين مقرين بالصانع وكانوا يتخذون الكواكب والشمس والقمر أربابا يدعونها من دون الله ويبنون لها الهياكل وقد صنفت فى مثل مذهبهم ( كتب ( مثل ( كتاب السر المكتوم فى السحر ومخاطبة النجوم ( وغيره من الكتب


255

ولهذا قال الخليل ( افرأيتم ما كنتم تعبدون انتم واباؤكم الأقدمون فانهم عدو لى الا رب العالمين ( وقال تعالى ( قد كانت لكم أسوة حسنة فى ابراهيم والذين معه اذ قالوا لقومهم انا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا حتى تؤمنوا بالله وحده ( ولهذا قال الخليل فى تمام الكلام ( انى برىء مما تشركون انى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (

بين أنه انما يعبد وحده فله يوجه وجهه اذا توجه قصده اليه يتبع قصده وجهه فالوجه توجه حيث توجه القلب فصار قلبه وقصده ووجهه متوجها الى الله تعالى ولهذا قال ( وما أنا من المشركين ( لم يذكر أنه أقر بوجود الصانع فان هذا كان معلوما عند قومه لم يكونوا ينازعونه فى وجود فاطر السموات والأرض وانما كان النزاع فى عبادة غير الله واتخاذه ربا فكانوا يعبدون الكواكب السماوية ويتخذون لها اصناما ارضية

وهذا ( النوع الثانى من الشرك ( فان الشرك فى قوم كان أصله من عبادة الصالحين أهل القبور ثم صوروا تماثيلهم فكان شركهم بأهل الأرض اذ كان الشيطان انما يضل الناس بحسب الامكان فكان ترتيبه ( أولا ( الشرك بالصالحين أيسر عليه ثم قوم ابراهيم انتقلوا الى الشرك بالسماويات بالكواكب وصنعوا لها ( الأصنام ( بحسب ما رأوه من طبائعها يصنعون لكل كوكب طعاما وخاتما


256

وبخورا وأموالا تناسبه وهذا كان قد اشتهر على عهد ابراهيم امام الحنفاء ولهذا قال 8 الخليل ( ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين ( وقال لهم ( أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ( وقصة ابراهيم قد ذكرت فى غير موضع من القرآن مع قومه انما فيها نهيهم عن الشرك خلاف قصة موسى مع فرعون فانها ظاهرة فى أن فرعون كان مظهرا الانكار للخالق وجحوده

وقد ذكر الله عن ابراهيم أنه حاج الذى حاجه فى ربه فى قوله ( ألم تر الى الذى حاج ابراهيم فى ربه أن آتاه الله الملك اذ قال ابراهيم ربى الذى يحيى ويميت قال أنا أحيى وأميت قال ابراهيم فان الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ( فهذا قد يقال أنه كان جاحدا للصانع ومع هذا فالقصة ليست صريحة فى ذلك بل يدعو الانسان الى عبادة نفسه وان كان لا يصرح بانكار الخالق مثل انكار فرعون

بكل حال ( فقصة ابراهيم ( الى أن تكون حجة عليهم اقرب منها الى أن تكون حجة لهم وهذا بين ولله الحمد بل ما ذكره الله عن ابراهيم يدل على أنه كان يثبت ما ينفونه عن الله فان ابراهيم قال ( ان ربى لسميع الدعاء ( والمراد به أنه يستجيب الدعاء كما يقول المصلى سمع الله لمن حمده وانما يسمع الدعاء ويستجيبه بعد وجوده لا قبل وجوده كما قال تعالى ( قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى الى الله والله يسمع تحاوركما (


257

فهى تجادل وتشتكى حال سمع الله تحاورهما وهذا يدل على أن سمعه كرؤيته المذكورة فى قوله ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ( وقال ( ثم جعلنانكم خلائف فى الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ( فهذه رؤية مستقلة ونظر مستقل وقد تقدم أن المعدوم لا يرى ولا يسمع منفصلا عن الرائى السامع باتفاق العقلاء فاذا وجدت الأقوال والأعمال سمعها ورآها

و ( الرؤية ( و ( السمع ( أمر وجودى لابد له من موصوف يتصف به فاذا كان هو الذى رآها وسمعها امتنع أن يكون غيره هو المتصف بهذا السمع وهذه الرؤية وأن تكون قائمة بغيره فتعين قيام هذا السمع وهذه الرؤية به بعد أن خلقت الأعمال والأقوال وهذا مطعن لا حيلة فيه

وقد بسط الكلام على ( هذه المسألة ( وما قال فيها عامة الطوائف فى غير هذا الموضع وحكيت ألفاظ الناس بحيث يتيقن الانسان أن النافى ليس معه حجة لا سمعية ولا عقلية وأن الأدلة العقلية الصريحة موافقة لمذهب السلف وأهل الحديث وعلى ذلك يدل الكتاب والسنة مع ( الكتب المتقدمة ( التوراة والانجيل والزبور فقد اتفق عليها نصوص الأنبياء وأقوال السلف وأئمة العلماء ودلت عليها صرائح المعقولات فالمخالف فيها كالمخالف فى أمثالها ممن ليس معه حجة لا سمعية ولا عقلية بل هو شبيه بالذين قالوا ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير (


258

قال الله تعالى ( اولم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها لا تعمى الآبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور ( ولكن ( هذه المسألة ( و ( مسألة الزيارة ( وغيرهما حدث المتأخرين فيها شبه

وأنا وغيرى كنا على ( مذهب الآباء ( فى ذلك نقول فى ( الأصلين ( بقول أهل البدع فلما تبين لنا ما جاء به الرسول دار الامر بين أن نتبع ما أنزل الله أو نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فكان الواجب هو اتباع الرسول وأن لا نكون ممن قيل فيه ( واذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ( وقد قال تعالى ( قل اولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه اباءكم ( وقال تعالى ( ووصينا الانسان بوالديه حسنا وان جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب الى ( فالواجب اتباع الكتاب المنزل والنبى المرسل وسبيل من أناب الى الله فاتبعنا الكتاب والسنة كالمهاجرين والأنصار دون ما خالف ذلك من دين الاباء وغير الآباء والله يهدينا وسائر اخواننا الى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا

والله سبحانه أنزل القرآن وهدى به الخلق واخرجهم به من الظلمات


259

الى النور وام القرآن هى فاتحة الكتاب قال النبى ( ( فى الحديث الصحيح ( يقول الله قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فنصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل فاذا قال العبد ( الحمد لله رب العالمين ( قال الله حمدنى عبدى فاذا قال ( الرحمن الرحيم ( قال الله اثنى على عبدى فاذا قال ( مالك يوم الدين ( قال الله مجدنى عبدى فاذا قال ( اياك نعبد واياك نستعين ( قال الله هذه بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل فاذا قال ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( قال هؤلاء لعبدى ولعبدى ما سأل

فهذه ( السورة ( فيها لله الحمد فله الحمد فى الدنيا والآخرة وفيها للعبد السؤال وفيها العبادة لله وحده وللعبد الاستعانة فحق الرب حمده وعبادته وحده وهذان ( حمد الرب وتوحيده ( يدور عليهما جميع الدين

و ( مسألة الصفات الاختيارية ( هى من تمام حمده فمن لم يقر بها لم يمكنه الاقرار بأن الله محمود البتة ولا أنه رب العالمين فان الحمد ضد الذم والحمد هو الاخبار بمحاسن المحمود مع المحبة له والذم هو الاخبار بمساوى المذموم مع البغض له وجماع المساوى فعل الشر كما أن جماع المحاسن فعل الخير

فاذا كان يفعل الخير بمشيئته وقدرته استحق ( الحمد فمن لم يكن له فعل اختيارى يقوم به بل ولا يقدر على ذلك لا يكون خالقا ولا ربا للعالمين


260

وقوله ( الحمد لله الذى خلق السموات والأرض ( الحمد لله الذى انزل على عبده الكتاب ( ونحو ذلك فاذا لم يكن له فعل يقوم به باختياره امتنع ذلك كله

فانه من المعلوم بصريح ( العقل ( أنه اذا خلق السموات والارض فلابد من فعل يصير به خالقا والا فلو استمر الامر على حال واحدة لم يحدث فعل لكان الامر على ما كان قبل أن يخلق وحينئذ فلم يكن المخلوق موجودا فكذلك يجب أن لا يكون المخلوق موجودا ان كان الحال فى المستقبل مثل ما كان فى الماضى لم يحدث من الرب فعل هو خلق السموات والأرض وقد قال تعالى ( ما أشهدتم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم ( ومعلوم أنهم قد شهدوا نفس المخلوق فدل على أن ( الخلق ( لم يشهدوه وهو تكوينه لها واحداثه لها غير المخلوق الباقى

وأيضا فانه قال ( خلق السموات والأرض فى ستة أيام ( فالخلق لها كان فى ستة أيام وهى موجودة بعد المشيئة فالذى اختص بالمشيئة غير الموجود بعد المشيئة

وكذلك ( الرحمن الرحيم ( فان الرحمن الرحيم هو الذى يرحم العباد بمشيئته وقدرته فان لم يكن له رحمة الا نفس اراردة قديمة او صفة أخرى قديمة لم يكن موصوفا بأنه يرحم من يشاء ويعذب من يشاء قال الخليل ( قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة


261

ان الله على كل شىء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء واليه تقلبون ( فالرحمة ضد التعذيب والتعذيب فعله وهو يكون بمشيئته كذلك الرحمة تكون بمشيئته كما قال ( ويرحم من يشاء ( والارادة القديمة اللازمة لذاته أو صفة اخرى لذاته ليست بمشيئته فلا تكون الرحمة بمشيئته

وان قيل ليس بمشيئته الا المخلوقات المباينة لزم أن لا تكون صفة للرب بل تكون مخلوقة له وهو انما يتصف بما يقوم به لا يتصف بالمخلوقات فلا يكون هو ( الرحمن الرحيم ( وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى ( ( أنه قال ( لما قضى الله الخلق كتب فى كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش ان رحمتى تغلب غضبى وفى رواية تسبق غضبى ( وما كان سابقا لما يكون بعده لم يكن الا بمشيئة الرب وقدرته

ومن قال ما ثم رحمة الا ارادة قديمة او ما يشبهها امتنع أن يكون له غضب مسبوق بها فان الغضب ان فسر بالارادة فالارادة لم تسبق نفسها وكذلك ان فسر بصفة قديمة العين فالقديم لا يسبق بعضه بعضا وان فسر بالمخلوقات لم يتصف برحمة ولا غضب وهو قد فرق بين غضبه وعقابه بقوله ( فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه واعد له عذابا عظيما ( وقوله ( ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ( وفى الحديث الذى رواه الامام أحمد عن النبى ( ( أنه كان يقول


262

( أعوذ لكلمات الله التامات من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وان يحضرون (

ويدل على ذلك قوله ( ربكم أعلم بكم ان يشأ يرحمكم او ان يشأ يعذبكم ( فعلق الرحمة بالمشيئة كما علق التعذيب وما تعلق بالمشيئة مما يتصف به الرب فهو من ( الصفات الاختيارية (

وكذلك كونه مالكا ليوم الدين يوم يدين العباد بأعمالهم ان خيرا فخير وان شرا فشر ( يوم الدين وما ادراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله ( فان ( الملك ( هو الذى يتصرف بأمر فيطاع ولهذا انما يقال ( ملك ( للحى المطاع الامر لا يقال فى الجمادات لصاحبها ( ملك ( انما يقال له ( مالك ( ويقال ليعسوب النحل ( ملك النحل ( لأنه يأمر فياع والمالك القادر على التصريف فى المملوك واذا كان ( الملك ( هو الآمر الناهى المطاع فان كان يأمر وينهى بمشيئته كان أمره ونهيه من ( الصفات الاختيارية ( وبهذا أخبر القرآن قال الله تعالى ( يا ايها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الانعام الا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وانتم حرم ان الله يحكم ما يريد (

وان كان لا يأمر وينهى بمشيئته بل امره لازم له حاصل بغير مشيئته ولا قدرته لم يكن هذا مالكا ايضا بل هذا اولى أن يكون مملوكا فان الله تعالى خلق الانسان وجعل له صفات تلزمه كاللون والطول والعرض والحياء


263

ونحو ذلك مما يحصل لذاته بغير اختياره فكان باعتبار ذلك مملوكا مخلوقا للرب فقط وانما يكون ( ملكا ( اذا كان يأمر وينهى باختياره فيطاع وان كان الله خالقا لفعله ولكل شىء

ولكن المقصود أنه لا يكون ( ملكا ( الا من يأمر وينهى بمشيئته وقدرته بل من قال أنه لازم له بغير مشيئته أو قال أنه مخلوق له فكلاهما يلزمه أنه لا يكون ( ملكا ( واذا لم يمكنه أن يتصرف بمشيئته لم يكن ( مالكا ( أيضا فمن قال أنه لا يقوم به ( فعل اختيارى ( لم يكن عنده فى الحقيقة مالكا لشىء واذا اعتبرت سائر القرآن وجدت أنه من لم يقر ( بالصفات الاختيارية ( لم يقم بحقيقة الايمان ولا القرآن فهذا يبين أن الفاتحة وغيرها يدل على ( الصفات الاختيارية (

وقوله ( اياك نعبد واياك نستعين ( فيه اخلاص العبادة لله والاستعانة به وان المؤمنين لا يعبدون الا الله ولا يستعينون الا بالله فمن دعى غير الله من المخلوقين او استعان بهم من أهل القبور وغيرهم لم يحقق قوله ( اياك نعبد واياك نستعين ( ولا يحقق ذلك الا من فرق بين ( الزيارة الشرعية ( و ( الزيارة البدعية (

فان ( الزيارة الشرعية ( عبادة لله وطاعة لرسوله وتوحيد لله واحسان الى عباده وعمل صالح من الزائر يثاب عليه و ( الزيارة البدعية ( شرك بالخالق وظلم للمخلوق وظلم للنفس

فصاحب الزيارة الشرعية هو الذى يحقق قوله ( اياك نعبد واياك


264

نستعين ( ألا ترى أن اثنين لو شهدا جنازة فقام أحدهما يدعو للميت ويقول اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه واكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس وابدله دارا خيرا من داره واهلا خيرا من أهله واعذه من عذاب النار وعذاب القبر وافسح له فى قبره ونور له فيه ونحو ذلك من الدعاء له وقام الآخر فقال يا سيدى اشكو لك ديونى وأعدائى وذنوبى انا مستغيث بك مستجير بك اغثنى ونحو ذلك لكان الاول عابدا لله وحسنا الى خلقه محسنا الى نفسه بعبادة الله ونفعه عباده وهذا الثانى مشركا مؤذيا ظالما معتديا على الميت ظالما لنفسه

فهذا بعض ما بين ( البدعية ( الشرعية

من الفروق

والمقصود ان صاحب ( الزيارة الشرعية ( اذا قال ( اياك نعبد واياك نستعين ( كان صادقا لأنه لم يعبد الا الله ولم يستعن الا به وأما صاحب ( الزيارة البدعية ( فانه عبد غير الله واستعان بغيره

فهذا بعض ما يبين أن ( الفاتحة ( أم القرآن اشتملت على بيان المسألتين المتنازع فيهما ( مسألة الصفات الاختيارية ( و ( مسألة الفرق بين الزيارة الشرعية والزيارة البدعية ( والله تعالى هو المسؤول أن يهدينا وسائر اخواننا الى صراطه المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا


265

ومما يوضح ذلك أن النبى ( ( قال ( اذا قال العبد ( الحمد لله رب العالمين ( قال الله حمدنى عبدى فاذا قال ( الرحمن الرحيم ( قال أثنى على عبدى فاذا قال ( مالك يوم الدين ( قال الله مجدنى عبدى ( فذكر الحمد والثناء والمجد بعد ذلك يقول ( اياك نعبد واياك نستعين ( الى آخرها هذا فى أول القراءة فى قيام الصلاة

ثم فى آخر القيام بعد الركوع يقول ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الارض الى قوله أهل الثناء والمجد احق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما اعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد وقوله احق ما قال العبد خبر مبتدأ محذوف أى هذا الكلام احق ما قال العبد فتبين ان حمد الله والثناء عليه احق ما قاله العبد وفى ضمنه توحيده له اذا قال ولك الحمد أى لك لا لغيرك وقال فى آخره لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت وهذا يقتضى انفراده بالعطاء والمنع فلا يستعان الا به ولا يطلب الا منه

ثم قال ولا ينفع ذا الجد منك الجد فبين ان الانسان وان أعطى الملك والغنى والرئاسة فهذا لا ينجيه منك انما ينجيه الايمان والتقوى وهذا تحقيق قوله ( اياك نعبد واياك نستعين ( فكان هذا الذكر فى آخر القيام لأنه ذكر أول القيام وقوله أحق ما قال العبد يقتضى ان يكون حمد الله احق الاقوال بان يقوله العبد وما كان احق الاقوال كان أفضلها واوجبها على الانسان

ولهذا افترض الله على عباده فى كل صلاة ان يفتتحوها بقولهم ( الحمد لله رب العالمين ( وامرهم ايضا ان يفتتحوا كل خطبة ( بالحمد لله ( فامرهم ان


266

يكون مقدما على كل كلام سواء كان خطابا للخالق او خطابا للمخلوق ولهذا يقدم النبى ( ( الحمد أمام الشفاعة يوم القيامة ولهذا أمرنا بتقديم الثناء على الله فى التشهد قبل الدعاء وقال النبى ( ( كل امر ذى بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم وأول من يدعى الى الجنة الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء

وقوله ( الرحمن الرحيم ( جعله ثناء وقوله ( مالك يوم الدين ( جعله تمجيدا وقوله ( الحمد لله ( حمد مطلق فان ( الحمد ( اسم جنس والجنس له كمية وكيفية فالثناء كميته وتكبيره وتعظيمه كيفيته و ( المجد ( هو السعة والعلو فهو يعظم كيفيته وقدره وكميته المتصلة وذلك أن هذا وصف له بالملك و ( الملك ( يتضمن القدرة وفعل ما يشاء و ( الرحمن الرحيم ( وصف بالرحمة المتضمنة لاحسانه الى العباد بمشيئته وقدرته ايضا والخير يحصل بالقدرة والارادة التى تتضمن الرحمة

فاذا كان قديرا مريدا للاحسان حصل كل خير وانما يقع النقص لعدم القدرة أو لعدم ارادة الخير ( فالرحمن الرحيم الملك ( قد اتصف بغاية ارادة الاحسان وغاية القدرة وذلك يحصل به خير الدنيا والآخرة

وقوله ( مالك يوم الدين ( مع أنه ( ملك الدنيا ( لأن يوم الدين لا يدعى أحد فيه منازعة وهو اليوم الاعظم فما الدنيا فى الآخرة الا كما يضع أحدكم أصبعه فى اليم فلينظر بم يرجع و ( الدين ( عاقبة افعال العباد وقد يدل بطريق التنبيه وبطريق العموم عند بعضهم على ملك الدنيا فيكون له الملك


267

وله الحمد كما قال تعالى ( له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير ( وذلك يقتضى أنه قادر على أن يرحم ورحمته واحسانه وصف له يحصل بمشيئته وهو من ( الصفات الاختيارية (

وفى الصحيح ( أن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( كان يعلم أصحابه الاستخارة فى الامور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن يقول اذا هم أحدكم بالامر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم انى أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك واسألك من فضلك العظيم فانك تقدر ولا اقدر وتعلم ولا اعلم وأنت علام الغيوب اللهم ان كنت تعلم أن هذا الامر ويسميه باسمه خيرا لى فى لا دينى ودنياى ومعاشى وعاقبة أمرى فاقدره لى ويسره لى ثم بارك لى فيه وان كنت تعلم أن هذا الامر شر لى فى دينى ومعاشى وعاقبة أمرى فاصرفه عنى واصرفنى عنه واقدر لى الخير حيث كان (

فسأله بعلمه وقدرته ومن فضله وفضله يحصل برحمته وهذه الصفات هى جماع صفات الكمال لكن ( العلم ( له عموم التعليق يتعلق بالخالق والمخلوق والموجود والمعدوم وأما ( القدرة ( فانما تتعلق بالمخلوق وكذلك ( الملك ( انما يكون ملكا على المخلوقات

( فالفاتحة ( اشتملت على الكمال فى ( الارادة ( وهو الرحمة وعلى الكمال فى ( القدرة ( وهو ملك يوم الدين وهذا انما يتم ( بالصفات الاختيارية ( كما تقدم والله سبحانه وتعالى أعلم


268

قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى

( فصل ( وصفه تعالى ( بالصفات الفعلية ( مثل الخالق والرازق والباعث والوارث والمحيى والمميت قديم عند أصحابنا وعامة أهل السنة من المالكية والشافعية والصوفية ذكره محمد بن اسحاق الكلاباذى حتى الحنفية والسالمية والكرامية والخلاف فيه مع ( المعتزلة ( و ( الأشعرية (

وكذلك قول ابن عقيل ( فى الإرشاد ( وبسط القول فى ذلك وزعم أن أسماء الفعلية وان كانت قديمة فانها مجاز قبل وجود الفعل وذكر ذلك عن القاضى فى ( المعتمد ( فى مسائل الخلاف مع السالمية والقاضى انما ذكر للمسئلة ثلاثة مآخذ

( أحدها ( أنه مثل قولهم خبز مشبع وماء مروى وسيف قاطع وليس ذلك بمجاز لأن المجاز ما يصح نفيه كما يقال عن الجد ليس بأب ولا


269

يصح أن يقال عن السيف الذى يقطع ليس بقطوع ولا عن الخبز الكثير والماء الكثير ليس بمشبع ولا بمروى فعلم أن ذلك حقيقة هذا تعليل القاضى

قلت وهذا لأن الوصف بذلك يعتمد كمال الوصف الذى يصدر عنه الفعل لا ذات الفعل الصادر وعلى هذا فيوصف بكل ما يتصف بالقدرة عليه وإن لم يفعله

قلت وقد اختلف أصحابنا فى قول أحمد ( لم يزل الله عالما متكلما غفورا ( هل قوله لم يزل متكلما مثل قوله غفورا أو مثل عالما على ( قولين (

المأخذ ( الثانى ( أن الفعل متحقق منه فى الثانى من الزمان كتحققنا الآن أنه باعث وارث قبل البعث والارث وهذا مأخذ أبى اسحاق بن شاقلا والقاضى أيضا وهذا بخلاف من يجوز أن يفعل ويجوز أن لا يفعل

وهذا يشبه من بعض الوجوه وصف النبى قبل النبوة بأنه خاتم النبيين وسيد ولد آدم وخاتم الرسل ووصف عمر بأنه فاتح الأمصار كما قيل ولد الليلة نبى هذه الأمة وكما قال ( اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر (

وقد ذكر طائفة من الأصوليين أن اطلاق الصفة قبل وجود المعنى مجاز بالاتفاق وحين وجوده حقيقة وبعد وجوده وزواله محل الاختلاف لكن هذه الحكاية مردودة عند الجمهور فيفرقون بين من يتحقق وجود الفعل منه وبين من يمكن وجود الفعل منه


270

ثم قد يقال كونه خالقا فى الأزل للمخلوق فيما لا يزال بمنزلة كونه مريدا فى الأزل ورحيما وبهذا يظهر الفرق بين اطلاق ذلك عليه واطلاق الوصف على من سيقوم به فى المستقبل من المخلوقين فعلى الوجه الأول يكون الخالق بمنزلة القادر وعلى هذا الوجه يكون الخالق بمنزلة الرحيم وهذا الفرق يعود الى المأخذ الثالث

وهو أن الله سبحانه ( فى ذاته ( حاله قبل أن يفعل وحاله بعد أن يفعل سواء لم تتغير ذاته عن أفعاله ولم يكتسب عن أفعاله صفات كمال كالمخلوق

وهذا المأخذ نبه عليه القاضى أيضا فقال وأيضا فقد ثبت كونه الآن خالقا والخالق ذاته وذاته كانت فى الأزل فلو لم يكن خالقا وصار خالقا للزمه التغير والتحويل والله يتعالى عن ذلك وعلى هذا فيكون ذلك بمنزلة الرحيم والحليم

( المأخذ الرابع ( أن الخلق صفة قائمة بذاته ليست هى المخلوق وجوز القاضى فى موضع آخر أن يقال هو قديم الاحسان والانعام ويعنى به أن الاحسان صفة قائمة به غير المحسن به ومنع أن يقال يا قديم الخلق لأن الخلق هو المخلوق وهذا أحد القولين لأصحابنا وهو قول الكرامية والحنفية وتسميها فرقة التكوين و

( القول الثانى ( أن الخلق هو المخلوق كقول الأشعرية قال القاضى فى عيون المسائل ( مسئلة ( والخلق غير المخلوق فالخلق صفة


271

قائمة بذاته والمخلوق هو الموجود المخترع لا يقوم بذاته قال وهذا بناء على المسئلة التى تقدمت وان الصفات الصادرة عن الأفعال موصوف بها فى القدم

قلت ثم هل يحدث فعل فى ذاته من قول أو ارادة عند وجود المخلوقات فيه خلاف بين أصحابنا وغيرهم مبنى على ( الصفات الفعلية ( مثل الاستواء والنزول ونحو ذلك مع اتفاقهم على أنه لم يزل موصوفا بصفاته قديما بها لم يتجدد له صفة كمال لكن أعيان الأقوال والأفعال هل هى قديمة أم الكمال أنه لم يزل موصوفا بنوعها

( وتلخيص الكلام هنا ( أن كونه خالقا وكريما هل هو لأجل ما أبدعه منفصلا عنه من الخلق والنعم أم لأجل ما قام به من صفة الخلق والكرم ( الثانى ( هو قول الحنفية والكرامية وكثير من أهل الحديث وأصحابنا فى أحد القولين بل فى أصحهما وعليه يدل كلام أحمد وغيره من علماء السنة

وعلى هذا القول يقال أنه لم يزل كريما وغفورا وخالقا كما يقال لم يزل متكلما ويكون فى تفسير ذلك ( قولان ( كما فى تفسير المتكلم ( قولان ( هل هو يلحق بالعالم أو بالغفور و ( الأول ( هو قول الأشعرية بناء على أن الخلق هو المخلوق

وعلى هذا فقول أصحابنا كان خالقا فى الأزل اما بمعنى القدرة التامة كما يقال سيف قاطع أو بمعنى وجود الفعل قطعا فى الحال الثانى كما يقال


272

هذا فاتح الأمصار وهذا نبى هذه الأمة وعلى هذا المعنى فالخلق من الصفات النسبية الاضافية

واذا جعلنا الخلق صفة قائمة به فهل هى المشيئة والقول أم صفة أخرى على ( قولين ( الثانى ( قول الحنفية وأكثر الفقهاء والمحدثين كما اختلف أصحابنا فى الرحمة والرضا والغضب هل هى الارادة أم صفة غير الارادة على ( قولين ( أصحهما أنها ليست هى الارادة

فما شاء الله كان وهو لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر

وأما قولنا هو موصوف فى الأزل بالصفات الفعلية من الخلق والكرم والمغفرة فهذا اخبار عن أن وصفه بذلك متقدم لأن الوصف هو الكلام الذى يخبر به عنه وهذا مما تدخله الحقيقة والمجاز وهو حقيقة عند أصحابنا واما اتصافه بذلك فسواء كان صفة ثبوتية وراء


273

وقال الشيخ الإمام العالم العلامة

حبر الأمة وبحر العلوم شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله ورضى عنه وأدخله الجنة

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما

( فصل ( فيما ذكره الرازى فى ( الأربعين ( فى مسألة ( الصفات الإختيارية ( التى يسمونها حلول الحوادث بعد أن قرر أن هذا المذهب قال به أكثر فرق العقلاء وإن كانوا ينكرونه باللسان

قال وأعلم ان الصفات على ( ثلاث اقسام

( حقيقية عارية عن الاضافات ( كالسواد والبياض

( وثانيها ( الصفات الحقيقية التى تلزمها الاضافات كالعلم والقدرة

( وثالثها ( الاضافات المحضة والنسب المحضة مثل كون الشىء قبل غيره


274

وعنده ومثل كون الشىء يمينا لغيره أو يسارا له فانك اذا جلست على يمين انسان ثم قام ذلك الانسان وجلس فى الجانب الآخر منك فقد كنت يمينا له ثم صرت الآن يسارا له فهنا لم يقع التغير فى ذاتك ولا فى صفة حقيقية من صفاتك بل فى محض فى الاضافات

اذا عرفت هذا فنقول اما وقوع التغير فى الاضافات فلا خلاص عنه واما وقوع التغير فى الصفات الحقيقية فالكرامية يثبتونه وسائر الطوائف ينكرونه فبهذا يظهر الفرق فى هذا الباب بين مذهب الكرامية ومذهب غيرهم

قال والذى يدل على فساد قول الكرامية ( وجوه (

( الأول ) ان كل ما كان من صفات الله فلابد ان يكون من صفات الكمال ونعوت الجلال فلو كانت صفة من صفاته محدثة لكانت ذاته قبل حدوث تلك الصفة خالية عن صفة الكمال والجلال والخالى عن صفة الكمال ناقص فيلزم ان ذاته كانت ناقصة قبل حدوث تلك الصفة فيها وذلك محال فثبت أن حدوث الصفة فى ذات الله محال

قلت ولقائل أن يقول ما ذكرته لا يدل على محل النزاع وبيان ذلك من ( وجوه (

( أحدها ( أن الدليل مبنى على مقدمات لم يقرروا واحدة منها لا بحجة عقلية ولا سمعية وهو أن كل ما كان من صفات الله لابد أن يكون من صفات الكمال وان الذات قبل تلك الصفة تكون ناقصة وان ذلك النقص محال


275

وحقيقة الأمر لو قام به حادث لامتنع خلوه منه قبل ذلك ولم يقم على ذلك حجة

( الثانى ( أن وجوب اتصافه بهذا الكمال وتنزيهه عن النقص لم تذكر فى كتبك عليه حجة عقلية بل أنت وشيوخك كأبى المعالى وغيره تقولون ان هذا لم يعلم بالعقل بل بالسمع واذا كنتم معترفين بأن هذه المقدمة لم تعرفوها بالعقل فالسمع اما نص واما اجماع وأنتم لم تحتجوا بنص بل فى القرآن أكثر من مائة نص حجة عليكم والأحاديث المتواترة حجة عليكم ( ودعوى الاجماع ( اذا كانت أزلية وجب أن يكون المقبول صحيح الوجود فى الأزل

والدليل عليه أن كون الشىء قابلا لغيره نسبة بين القابل والمقبول والنسبة بين المنتسبين متوقفة على تحقق كل واحد من المنتسبين وصحة النسبة تعتمد وجود المنتسبين

فلما كانت صحة اتصاف البارى بالحوادث حاصلة فى الأزل لزم أن تكون صحة وجود الحوادث حاصلة فى الأزل

فيقال لك هذا الدليل بعينه موجود فى كونه قادرا فان كون الشىء قادرا على غيره نسبة بين القادر والمقدور والنسبة بين المنتسبين متوقفة على تحقيق كل واحد من المنتسبين وصحة النسبة تعتمد وجود المنتسبين فلما


276

كانت صحة اتصاف البارى بالقدرة على الغير حاصلة فى الأزل لزم أن يكون صحة وجود المقدور حاصلة فى الأزل فهذا وزان ما قلته سواء بسواء

وحينئذ فان جوزت وجود أحد المنتسبين وهو كونه قادرا فى الأزل مع امتناع وجود المقدور فى الأزل فجوز أحد المنتسبين وهو كونه قابلا فى الأزل مع امتناع وجود المقبول فى الأزل وان لم تجوز ذلك بل لا تتحقق النسب الا مع تحقيق المنتسبين جميعا لزم اما تحقق امكان المقدور فى الأزل واما امتناع كونه قادرا فى الأزل وأيا ما كان بطلت حجتك سواء جوزت وجود أحد المنتسبين مع تأخر الآخر أو جوزت وجود المقدور فى الأزل أو قلت انه ليس بقادر فى الأزل فان هذا وان كان لا يقوله لكن لو قدر أن أحدا التزمه وقال أنه يصير قادرا بعد ان لم يكن قادرا كما يقولون أنه يصير قابلا بعد ان لم يكن قابلا

قيل له كونه قادرا ان كان من لوازم ذاته وجب كونه لم يزل قادرا وامتنع وجود الملزوم وهو الذات بدون اللازم وهو القدرة

وان لم تكن من لوازم الذات كانت من عوارضها فتكون الذات قابلة لكونه قادرا وكانت الذات قابلة لتلك القابلية

فقبول كونه قادرا ان كان من اللوازم عاد المقصود وان كان من العوارض افتقر الى قابلية أخرى ولزم اما التسلسل واما الانتهاء الى قادرية تكون من لوازم الذات


277

( الجواب الثامن ( أن يقال فرقك بأن وجود القادر يجب أن يكون متقدما على وجود المقدور ووجود القابل لا يجب أن يكون متقدما على وجود المقبول فرق بمجرد الدعوى ولم تذكر دليلا لا على هذا ولا على هذا والنزاع ثابت فى كلا الأمرين

فمن الناس من يقول لا يجب أن يكون القادر متقدما على امكان وجود المقدور بل ولا يجوز بل يمكن أن يكون وجود المقدور مع قدرة القادر وهذا كما يكون المقدور مع القدرة عند جماهير الناس من المسلمين وغيرهم وان كان وجود المقدور مع القادر يفسر بشيئين

( أحدهما ( أن يكون المقدور أزليا مع القادر فى الزمان فهذا لا يقوله أهل الملل وجماهير العقلاء الذين يقولون ان الله خالق كل شىء وهو القديم وما سواه مخلوق حادث بعد ان لم يكن وانما يقوله شرذمة من الفلاسفة الذين يقولون ان الفلك معه بالزمان لم يتأخر عنه ويجعلونه مع ذلك مفعولا مقدورا

وأما كون المقدور متصلا بالقادر بحيث لا يكون بينهما انفصال ولكنه عقبه فهذا مما يقوله أكثر العقلاء من المسلمين وغيرهم ويقولون المؤثر التام يوجد أثره عقب تأثره ويقولون الموجب التام يستلزم وجود موجبه عقبه لا معه فان الناس فى المؤثر التام على ( ثلاثة أقوال (


278

منهم من يقول يجوز أو يجب أن يكون اثره منفصلا عنه فلا يكون المقدرو الا متراخيا عن القادر والأثر متراخيا عن المؤثر كما يقول ذلك كثير من أهل الكلام وغيرهم

ومنهم من يقول بل يجوز أو يجب أن يقارنه فى الزمان كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة ووافقهم عليه بعض أهل الكلام فى العلة الفاعلية فقالوا ان معلولها يقارنها فى الزمان

( والقول الثالث ( أن الأثر يتصل بالمؤثر التام لا ينفصل عنه ولا يقارنه فى الزمان فالقادر يجب أن يكون متقدما على وجود المقدور لا ينفصل عنه

واذا قال القائل وجود القادر يجب أن يكون متقدما على وجود المقدور قالوا ان عنيت بالتقدم الانفصال فممنوع وان عنيت عدم المقارنة فمسلم ولكن لا نسلم المقارنة

وذلك يتضح بالجواب التاسع وهو أن يقال قولك اما وجوب وجود القابل فلا يجب أن يكون متقدما على وجود المقبول فلم تذكر عليه دليلا وهى قضية كلية سالبة وهى ممنوعة بل المقبول قد يكون من الصفات اللازمة كالحياة والعلم والقدرة فيجب أن يقارن المقبول للقابل فلا يتقدم القابل على المقبول وقد يكون من الأمور الاختيارية التى تحدث بقدرة الرب ومشيئته

فهذه المقبولات هى مقدورة للرب وهى مع كونها مقبولة نوع من


279

المقدورات وأنت قد قلت ان المقدور يجب أن يكون متأخرا عن وجود المقدور وهذا النوع من المقبولات مقدور فيجب على قولك أن يكون القابل لهذه متقدما على وجود المقبول

ثم التقدم إن عنيت به مع الانفصال والبينونة الزمانية ففيه نزاع وان عنيت به المتقدم وان كان المقدور المقبول متصلا بالقادر القابل من غير برزخ بينهما فهذا لا ينازعك فيه أحد من أهل الملل وجماهير العقلاء بل لا ينازعك فيه عاقل يتصور ما يقول فان المقدور الذى يفعله القادر الأزلى بمشيئته يمتنع أن يكون قديما معه لم يتقدم القادر عليه

ولهذا كان العقلاء قاطبة على ان كل ما كان مقدورا مفعولا بالاختيار بل مفعولا مطلقا لم يكن الا حادثا كائنا بعد ان لم يكن

( الجواب العاشر ( ان وجود الحوادث شيئا بعد شىء ان كان ممكنا كانت الذات قابلة لذلك وان كان ممتنعا امتنع أن تكون قابلة له بل وان قيل ان القبول من لوازمها فهو مشروط بامكان المقبول فلم تزل قابلة لما يمكن وجوده دون ما يمتنع

وهذا هو ( الجواب الحادى عشر ( وهو أن يقال الذات لم تزل قابلة لكن وجود المقبول مشروط بامكانه فلم تزل قابلة لما يمكن وجوده لا لما لا يمكن وجوده


280

( الوجه الثانى عشر ( أن يقال عمدة النفاة أنه لو كان قابلا لها فى الأزل للزم وجودها أو امكان وجودها فى الأزل وقرروا ذلك فى ( الطريقة المشهورة ( بأن القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده

وقد نازعهم الجمهور فى هذه ( المقدمة ( ونازعهم فيها الرازى والآمدى وغيرهما وهم يقولون كل جسم من الأجسام فانه لا يخلو من كل جنس من الاعراض عن واحد من ذلك الجنس لأن القابل للشىء لا يخلو منه ومن ضده فلذلك عدل من عدل الى أن يقولوا لو كان قابلا لها لكان قبوله لها من لوازم ذاته وهذا يقتضى أن يفسر لو كان قابلا للحوادث لم يخل من الحادث أو من ضده فقولهم القابل للشىء لا يخلو عن ضده فقد يقال على هذه الطريقة إن هذا يختص به لا بما سواه

وقد يقال هو عام أيضا فيقول لهم اصحابهم ما ذكرتموه فى حقه منقوض بقبول سائر الموصوفات بما تقبله فان قبولها لما تقبله ان كان من لوازم ذاتها لزم أن لا تزال قابلة له وان كان من عوارض الذات فهى قابلة لذلك القبول

وحينئذ يلزم اما التسلسل واما الانتهاء الى قابلية تكون من لوازم الذات فيلزم أن يكون كل ما يقبل شيئا قبوله له من لوازم ذاته وليس الأمر كذلك فان الانسان وغيره من الموجودات يقبل صفات فى حال دون حال

وجواب هذا أن المخلوق الذى يقبل بعض الصفات فى بعض الأحوال


281

لابد أن يكون قد تغير تغيرا أوجب له قبول ما لم يكن قابلا له كالانسان اذا كبر حصل له من قبول العلم والفهم ما لم يكن قابلا له قبل ذلك بخلاف من لم تزل ذاته على حال واحدة ثم قبل ما لم يكن قابلا فان هذا ممتنع ف

الذين يقولون القابل للشىء يجب أن يكون قبوله له من لوازم ذاته ان ادعوا أن كل جسم فانه يقبل جميع أنواع الاعراض فانهم يقولون هذا القبول من لوازم ذاته ويقولون لا يخلو الجسم من كل نوع من أنواع الاعراض عن واحد من ذلك النوع ويكون ما ذكروه من أن القبول من لوازم ذات القابل دليلا لهم فى المسألتين وان لم يدعوا ذلك فانهم يقولون الأجسام تتغير فتقبل فى حال ما لم تكن قابلة له فى حالة أخرى ولا يحتاجون أن يقولوا القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده

والذين قالوا ان القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده فيقال لهم غاية هذا أن يكون لم تزل الحوادث قائمة به ونحن نلتزم ذلك وتحقيق ذلك (

( بالوجه الثالث عشر ( وهو أن يقال هذا بعينه موجود فى القادر فان القادر على الشىء لا يخلو عنه وعن ضده ولهذا كان الأمر بالشىء نهيا عن ضده والنهى عن الشىء أمرا بأحد اضداده

وقال الأكثرون المطلوب بالنهى فعل ضد المنهى عنه وقال ان الترك أمر وجودى هو مطلوب الناهى القادر على الاضداد لو أمكن خلوه عن


282

جميع الأضداد لكان اذا نهى عن بعض الأضداد لم يجب أن يكون مأمورا بشىء منها لامكان أن لا يفعل ذلك الضد ولا غيره من الأضداد

فلما جعلوه مأمورا ببعضها علم أن القادر على أحد الضدين لا يخلو منه ومن ضده وحينئذ فاذا كان الرب لم يزل قادرا لزم أنه لم يزل فاعلا لشىء أو لضده فيلزم من ذلك أنه لم يزل فاعلا واذا امكن أنه لم يزل فاعلا للحوادث أمكن أنه لم يزل قابلا لها ويمكن أن يذكر هذا الجواب على وجه لا يقبل النزاع

( الوجه الرابع عشر ( فيقال ان كان القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده فالقادر على الشىء لا يخلو عنه وعن ضده لأن القادر قابل لفعل المقدور وان كان قبول القابل للحوادث يستلزم امكان وجودها فى الأزل فقدرة القادر أزلية على فعل الحوادث يستلزم امكان وجودها فى الأزل وان أمكن أن يكون قادرا مع امتناع المقدور أمكن أن يكون قابلا مع امتناع المقبول

وان قيل قبوله لها من لوازم ذاته قيل قدرته عليها من لوازم ذاته وحينئذ فان كان دوام الحوادث ممكنا أمكن أنه لم يزل قادرا عليها قابلا لها وان كان دوامها ليس بممكن فقد صار قبوله لها وقدرته عليها ممكنا بعد ان لم يكن فان كان هذا جائزا جاز هذا وان كان هذا ممتنعا كان هذا ممتنعا وعاد الأمر فى ( هذه المسألة ( الى ( نفس القدرة على دوام الحوادث وهو


283

( الأصل المشهور ( فمن قال به من أئمة السنة والحديث وأنه لم يزل قادرا على أن يتكلم بمشيئته وقدرته ويفعل بمشيئته جوز ذلك والتزم امكان حوادث لا أول لها

غ

فكان ما احتج به أئمة ( الفلاسفة ( على قدم العالم لا يدل على قدم شىء من العالم بل انما يدل على أصول أئمة السنة والحديث المعتنين بما جاء به الرسول وكان غاية تحقيق معقولات المتكلمين والمتفلسفة يوافق ويعين ويخدم ما جاءت به الرسل ومن لم يقل بذلك من المتكلمين بل قال بامتناع دوام الحوادث لم يكن عنده فرق بين قبوله لها وقدرته عليها

وكان قول الذين قالوا من هؤلاء بأنه يتكلم بمشيئته وقدرته كلاما يقوم بذاته أقرب الى المعقول والمنقول ممن يقول أن كلامه مخلوق أو أنه يقوم به كلام قديم من غير أن يمكنه أن يتكلم بقدرته أو مشيئته وكل قول يكون أقرب الى المعقول والمنقول فانه أولى بالترجيح مما هو أبعد عن ذلك من الأقوال والله تعالى أعلم


284

( فصل ( قال الرازى ( الحجة الثالثة ( قصة الخليل عليه الصلاة والسلام ( لا أحب الآفلين ( والأفول عبارة عن التغير وهذا يدل على ان المتغير لا يكون الها أصلا والجواب من وجوه

( أحدها ( أنا لا نسلم أن الأفول هو التغير ولم يذكر على ذلك حجة بل لم يذكر الا مجرد الدعوى (

الثانى ( أن هذا خلاف اجماع أهل اللغة والتفسير بل هو خلاف ما علم بالاضطرار من الدين والنقل المتواتر للغة والتفسير فان ( الأفول ( هو المغيب يقال أفلت الشمس تأفل وتأفل أفولا اذا غابت ولم يقل أحد قط أنه هو التغير ولا أن الشمس اذا تغير لونها يقال أنها أفلت ولا اذا كانت متحركة فى السماء يقال أنها أفلت ولا أن الريح اذا هبت يقال أنها أفلت ولا أن الماء اذا جرى يقال أنه أفل ولا أن الشجر اذا تحرك يقال أنه أفل ولا أن الآدميين اذا تكلموا أو مشوا وعملوا أعمالهم يقال أنهم أفلوا بل ولا قال أحد قط ان من مرض أو اصفر وجهه أو احمر يقال أنه أفل

فهذا القول من أعظم الأقوال افتراء على الله وعلى خليل الله وعلى


285

كلام الله عز وجل وعلى رسوله ( صلى الله عليه وسلم ( المبلغ عن الله وعلى أمة محمد جميعا وعلى جميع أهل اللغة وعلى جميع من يعرف معانى القرآن (

( الثالث ( ان قصة الخليل عليه السلام حجة عليكم فانه لما رأى كوكبا وتحرك الى الغروب فقد تحرك ولم يجعله آفلا ولما رأى القمر بازغا رآه متحركا ولم يجعله آفلا فلما رأى الشمس بازغة علم أنها متحركة ولم يجعلها آفلة ولما تحركت الى ان غابت والقمر الى ان غاب لم يجعله آفلا

( الرابع ( قوله ان الأفول عبارة عن التغير ان أراد بالتغير الاستحالة فالشمس والقمر والكواكب لم تستحل بالمغيب وان أراد به التحرك فهو لا يزال متحركا وقوله ( فلما أفل ( دل على أنه يأفل تارة ولا يأفل أخرى فان ( لما ( ظرف يقيد هذا الفعل بزمان هذا الفعل والمعنى أنه حين أفل ( قال لا أحب الآفلين ( فانما قال ذلك حين أفوله

وقوله ( فلما أفل ( دل على حدوث الأفول وتجدده والحركة لازمة له فليس الأفول هو الحركة ولفظ التغير والتحرك مجمل ان أريد به التحرك أو حلول الحوادث فليس هو معنى التغير فى اللغة وليس الأفول هو التحرك ولا التحرك هو التغير بل الأفول أخص من التحرك والتغير أخص من التحرك

وبين التغير والأفول عموم وخصوص فقد يكون الشىء متغيرا غير


286

آفل وقد يكون آفلا غير متغير وقد يكون متحركا غير متغير ومتحركا غير آفل

وان كان التغير أخص من التحرك على أحد الاصطلاحين فان لفظ الحركة قد يراد بها الحركة المكانية وهذه لا تستلزم التغير وقد يراد به أعم من ذلك كالحركة فى الكيف والكم مثل حركة النبات بالنمو وحركة نفس الانسان بالمحبة والرضا والغضب والذكر

فهذه الحركة قد يعبر عنها بالتغير وقد يراد بالتغير فى بعض المواضع الاستحالة

ففى الجملة الاحتجاج بلفظ التغير ان كان سمعيا فالأفول ليس هو التغير وان كان عقليا فان أريد بالتغير الذى يمتنع على الرب محل النزاع لم يحتج به وان أريد به مواقع الاجماع فلا منازعة فيه

وأفسد من هذا قول من يقول الأفول هو الامكان كما قاله ( ابن سينا ( ان الهوى فى حضيرة الامكان أفول بوجه ما فانه يلزم على هذا أن يكون كل ما سوى الله آفلا ولا يزال آفلا فان كل ما سواه ممكن ولا يزال ممكنا ويكون الأفول وصفا لازما لكل ما سوى الله كما أن كونه ممكن وفقير الى الله وصف لازم له وحينئذ فتكون الشمس والقمر والكواكب لم تزل ولا تزال آفلة


287

وجميع ما فى السموات والأرض لا يزال آفلا فكيف يصح قوله مع ذلك ( فلما آفل قال لا أحب الآفلين (

وعلى كلام هؤلاء المحرفين لكلام الله تعالى وكلام خليله ابراهيم ( صلى الله عليه وسلم ( عن مواضعه هو آفل قبل أن يبزغ ومن حين بزغ والى أن غاب

وكذلك جميع ما يرى وما لا يرى فى العالم آفل والقرآن بين أنه لما رآها بازغة قال ( هذا ربى ( فلما آفلت بعد ذلك قال ( لا أحب الآفلين ( والله أعلم


288

وقال رحمه الله تعالى

( فصل (

فيه قاعدة شريفة

( وهى ان جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية انما تدل على الحق لا تدل على قول المبطل ( وهذا ظاهر يعرفه كل أحد فان الدليل الصحيح لا يدل الا على حق لا على باطل

يبقى الكلام فى أعيان الأدلة وبيان انتفاء دلالتها على الباطل ودلالتها على الحق هو تفصيل هذا الاجمال

والمقصود هنا شىء آخر وهو أن نفس الدليل الذى يحتج به المبطل هو بعينه اذا أعطى حقه وتميز ما فيه من حق وباطل وبين ما يدل عليه تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به فى نفس ما احتج به عليه وهذا عجيب قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية فوجدته كذلك

والمقصود هنا بيان أن ( الأدلة العقلية ( التى يعتمدون عليها فى الأصول والعلوم الكلية والالهية هى كذلك فاما ( الأدلة السمعية ( فقد ذكرت من هذا


289

أمورا متعددة مما يحتج به الجهمية والرافضة وغيرهم مثل احتجاج الجهمية نفاة الصفات بقوله ( قل هو الله أحد الله الصمد ( وقد ثبت فى غير موضع أنها تدل على نقيض مطلوبهم وتدل على الاثبات

وهذا مبسوط فى غير موضع فى الرد على الجهمية يتضمن الكلام على تأسيس أصولهم التى جمعها أبو عبدالله الرازى فى مصنفه الذى سماه ( تأسيس التقديس ( فانه جمع فيه عامة حججهم ولم أر لهم مثله

وكذلك احتجاجهم على نفى الرؤية بقوله ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ( فانها تدل على اثبات الرؤية ونفى الاحاطة وكذلك الاحتجاج بقوله ( ليس كمثله شىء ( ونحو ذلك وكذلك احتجاج الشيعة بقوله ( انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ( وبقوله ( اما ترضى أن تكون منى بمنزلة هرون من موسى ( ونحو ذلك هى دليل على نقيض مذهبهم كما بسط هذا فى كتاب ( منهاج أهل السنة النبوية ( فى الرد على الرافضة ونظائر هذا متعددة

والمقصود هنا ( الأدلة العقلية ( فان كل من له معرفة يعرف أن السمعيات انما تدل على اثبات الصفات

وأما الرافضة فعمدتهم السمعيات لكن كذبوا أحاديث كثيرة جدا راج كثير منها على أهل السنة وروى خلق كثير منها أحاديث حتى عسر تمييز الصدق من الكذب على أكثر الناس الا على أئمة الحديث العارفين بعلله متنا وسندا


290

كما أن الجهمية أتوا بحجج عقلية اشتبهت على أكثر الناس وراجت عليهم الا على قليل ممن لهم خبرة بذلك

والكلام على أحاديث الرافضة وبيان الفرقان بين الحديث الصدق والكذب مذكور فى غير هذا الموضع كالرد على الرافضة

والمقصود هنا الكلام على ( الأدلة العقلية ( التى يحتج بها المبطل من الجهمية نفاة الصفات ومن الممثلة الذين يمثلونه بخلقه وعلى الأدلة التى يحتج بها القدرية النافية والقدرية المجبرة الجهمية فان هذين ( الأصلين ( وهما ( الصفات ( و ( القدر ( ويسميان التوحيد والعدل هما أعظم وأجل ما تكلم فيه فى الأصول والحاجة اليهما أعم ومعرفة الحق فيهما أنفع من غيرهما بل وكذلك سائر ما يحتج به فى أصول الدين من الحجج العقلية والسمعية

6 ص 290 ( برنامج مجموع أعمال إبن تيمية ( مؤسسة البرامج الإسلامية

وأصل ذلك الكلام فى أفعال الرب تعالى وأقواله فى ( مسألة حدوث العالم ( وفى ( مسألة القرآن وكلام الله (

فنقول اذا تدبر الخبير ما احتج به من يقول ان القرآن قديم كالأشعرى واتباعه ومن وافقهم كالقاضى أبى يعلى واتباعه وأبى المعالى وأبى الوليد الباجى وأبى منصور الماتريدى وغيرهم من الحنبلية والشافعية والمالكية والحنفية لم توجد عند التحقيق تدل الا على مذهب السلف والأئمة الذى يدل عليه الكتاب والسنة


291

وكذلك اذ تدبر ما يحتج به من يقول ان القرآن مخلوق انما يدل على قول السلف والأئمة

أما ( الأول ( فلأن عمدة القائلين بقدم الكلام من الأدلة العقلية ( حجتان ( عليهما اعتماد الأشعرى وأصحابه ومن وافقهم كالقاضى أبى يعلى وأبى الحسن بن الزاغونى وأمثالهما وهذه هى عمدة أئمة النظار كابن كلاب والأشعرى والقلانسى وأمثالهم فى نفس الأمر من العقليات وهى عمدة من لا يعتمد فى الأصول فى مثل هذه المسألة وأمثالها الا على العقليات كأبى المعالى ومتبعيه

( الحجة الأولى ( أنه لو لم يكن الكلام قديما للزم أن يتصف فى الأزل بضد من أضداده إما السكوت وإما الخرس ولو كان أحد هذين قديما لامتنع زواله وامتنع أن يكون متكلما فيما لا يزال ولما ثبت أنه متكلم فيما لم يزل ثبت أنه لم يزل متكلما وأيضا فالخرس آفة ينزه الله عنها

( والحجة الثانية ( أنه لو كان مخلوقا لكان قد خلقه اما فى نفسه أو فى غيره أو قائما بنفسه و ( الأول ( ممتنع لأنه يلزم أن يكون محلا للحوادث و ( الثانى ( باطل لأنه يلزم أن يكون كلاما للمحل الذى خلق فيه و ( الثالث ( باطل لأن الكلام صفة والصفة لا تقوم بنفسها فلما بطلت الأقسام الثلاثة تعين أنه قديم

فيقال اما ( الحجة الأولى ( فهى تدل على مذهب السلف وأنه لم يزل متكلما


292

اذا شاء وكيف شاء فيدل على أن نوع الكلام قديم لا على أنه لم يتكلم بمشيئته وقدرته وان الكلام شىء واحد هو قديم

وكذلك احتجاج ( الفلاسفة ( القائلين بقدم العالم على قدم الفاعلية انما يدل على مذهب السلف أيضا فهؤلاء الذين احتجوا على قدم مفعول المعين وهو الفلك والذين احتجوا على قدم كلامه المعين كل ما احتجوا به من دليل صحيح فانه لا يدل على مطلوبهم بل انما يدل على مذهب السلف المتبعين للرسول فتبين أن ( الأدلة العقلية ( الصحيحة من جميع الطوائف انما تدل على تصديق الرسول وتحقيق ما أخبر به لا على خلاف قوله وهى من آيات الله الدالة على تصديق الأنبياء التى قال الله فيها ( سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ( وهى من الميزان الذى أنزله الله تعالى

وكذلك أدلة ( المعتزلة والكرامية ( وغيرهما كما سنذكره ان شاء الله اذ ( المقصود هنا ( الكلام على ما تعتمد عليه أئمة النظار من الأشعرية ونحوهم والفلاسفة ونحوهم وهاتان الطائفتان كل طائفة تقابل الأخرى بالمشرق والمغرب وكثير من الناس مع هؤلاء تارة ومع الأخرى تارة كالغزالى والرازى والآمدى ونحوهم

والمقصود هنا بيان دلالة ( الأدلة العقلية ( على مذهب السلف الذى جاء به الكتاب والسنة فنقول

أما ( الحجة الأولى ( وهى قولهم لو لم يكن متكلما فى الأزل لكان متصفا بضده اما السكوت واما الخرس لأنه حى والحى اذا لم يكن متكلما كان


293

ساكتا أو أخرس كما أنه اذا لم يكن سميعا كان أصم واذا لم يكن بصيرا كان أعمى ولأن ذاته قابلة للكلام والقابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده هكذا يحتجون له

وقد نوزعوا فى ذلك وخالفهم العقلاء حتى أصحابهم المتأخرون مثل الرازى والآمدى فان أولئك ادعوا أن الجسم لما كان قابلا للأعراض لم يخل من كل نوع من أنواع الاعراض من بعضها وقالوا ان الهواء له طعم ولون وريح فخالفهم الجمهور

لكن تقرير ( الحجة ( بأن يقال لأن الرب تعالى اذا كان قابلا للاتصاف بشىء لم يخل منه أو من ضده أ

و يقال بأنه اذا كان قابلا للاتصاف بصفة كمال لزم وجودها له لأن ما كان الرب قابلا له لم يتوقف وجوده له على غيره فان غيره لا يجعله لا متصفا ولا فاعلا بل ذاته وحدها هى الموجبة لما كان قابلا له واذا كانت ذاته هى الموجبة لما هو قابل له وذاته واجبة الوجود كان المقبول واجب الوجود له وهو اذا قدر أنه قابل للضدين لم يخل من أحدهما لأنه لو خلا من أحدهما لكان وجود أحدهما له متوقفا على سبب غير ذاته فان التقدير أنه قابل له ووجود المقبول له ممكن وقد عرف أنه لا يتوقف على غيره وان لم يكن موجدا له ولم تكن ذاته موجبة له والا امتنع وجوده فان غيره لا يجعله موجودا له واذا لم يوجد لا بنفسه ولا بغيره كان ممتنعا والتقدير أنه ممكن فما كان ممكنا له كان واجبا له


294

فاذا قررت ( الحجة ( على هذا الوجه لم يحتج أن يقال كل قابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده فان هذه الدعوى الكليلة باطلة بل يدعى ذلك فى حق الله خاصة لما ذكر من الدليل والفرق بينه وبين غيره فان غيره اذا كان قابلا للشىء كان وجود القبول فيه من غيره وهو الله تعالى واحداث الله لذلك القبول لا يجب أن يكون مقارنا للقابل بل يجوز أن يتوقف على شروط يحدثها الله وعلى موانع يزيلها فوجود القبول هنا ليس منه بل من غيره فلم تكن ذاته كافية فيه وأما الرب تعالى فلا يفتقر شىء من صفاته وأفعاله على غيره بل هو الأحد الصمد المستغنى عن كل ما سواه وكل ما سواه مفتقر اليه مصنوع له فيمتنع أن يكون الرب مفتقرا اليه فان ذلك هو ( الدور القبلى ( الممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء

فهذا تقرير هذه الحجة الدالة على ( قدم الكلام ( وأنه لم يزل متكلما وهى تدل أيضا على قدم جميع صفاته وان ذاته القديمة مستلزمة لصفات الكمال الممكنة فكل صفة كمال لا نقص فيه فان الرب يتصف بها واتصافه بها من لوازم ذاته ولم يزل موصوفا بصفات الكمال وذاته هى المستلزمة لصفات كماله لا يجوز أن يحتاج فى ثبوت صفات الكمال له الى غيره والكلام صفة كمال فان من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر والذى يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته وقدرته وأكمل ممن تكلم بغير مشيئته وقدرته ان كان ذلك معقولا

ويمكن تقريرها على أصول السلف بأن يقال اما أن يكون قادرا على


295

الكلام أو غير قادر فان لم يكن قادرا فهو الأخرس وان كان قادرا ولم يتكلم فهو الساكت

وأما ( الكلابية ( فالكلام عندهم ليس بمقدور فلا يمكنهم أن يحتجوا بهذه فيقال هذه قد دلت على قدم الكلام لكن مدلولها قدم كلام معين بغير قدرته ومشيئته أم مدلولها أنه لم يزل متكلما بمشيئته وقدرته و ( الأول ( قول الكلابية و ( الثانى ( قول السلف والأئمة وأهل الحديث والسنة فيقال مدلولها ( الثانى ( لا ( الأول ( لأن اثبات كلام يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته غير معقول ولا معلوم والحكم على الشىء فرع عن تصوره

فيقال للمحتج بها لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلاما يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئا لا يعقل

وأيضا فقولك ( لو لم يتصف بالكلام لاتصف بالخرس والسكوت ( انما يعقل فى الكلام بالحروف والأصوات فان الحى اذا فقدها لم يكن متكلما فاما أن يكون قادرا على الكلام ولم يتكلم وهو الساكت وإما ان لا يكون قادرا عليه وهو الأخرس

وأما ما يدعونه من ( الكلام النفسانى ( فذاك لا يعقل ان من خلا عنه كان ساكتا أو أخرس فلا يدل بتقدير ثبوته ( على ( أن الخالى عنه يجب أن يكون ساكتا أو اخرس


296

وايضا فالكلام القديم ( النفسانى ( الذى أثبتموه لم تثبتوا ما هو بل ولا تصورتموه واثبات الشىء فرع تصوره فمن لم يتصور ما يثبته كيف يجوز أن يثبته ولهذا كان أبو سعيد بن كلاب رأس هذه الطائفة وامامها فى هذه المسألة لا يذكر فى بيانها شىء يعقل بل يقول هو معنى يناقض السكوت والخرس

والسكوت والخرس انما يتصوران اذا تصور الكلام فالساكت هو الساكت عن الكلام والأخرس هو العاجز عنه أو الذى حصلت له آفة فى محل النطق تمنعه عن الكلام وحينئذ فلا يعرف الساكت والأخرس حتى يعرف الكلام ولا يعرف الكلام حتى يعرف الساكت والأخرس

فتبين أنهم لم يتصوروا ما قالوه ولم يثبتوه بل هم فى الكلام يشبهون النصارى فى الكلمة وما قالوه فى ( الأقانيم ( و ( التثليث ( و ( الاتحاد ( فانهم يقولون ما لا يتصورونه ولا يبينونه و ( الرسل ( عليهم السلام اذا أخبروا بشىء ولم نتصوره وجب تصديقهم

وأما ما يثبت بالعقل فلابد أن يتصوره القائل به والا كان قد تكلم بلا علم فالنصار تتكلم بلا علم فكان كلامهم متناقضا ولم يحصل لهم قول معقول كذلك من تكلم فى كلام الله بلا علم كان كلامه متناقضا ولم يحصل له قول يعقل ولهذا كان مما يشنع به على هؤلاء أنهم احتجوا فى أصل دينهم ومعرفة حقيقة الكلام كلام الله وكلام جميع الخلق بقول شاعر نصرانى يقال له الاخطل

ان الكلام لفى الفؤاد وانما
جعل اللسان على الفؤاد دليلا


297

وقد قالت طائفة ان هذا ليس من شعره وبتقدير أن يكون من شعره فالحقائق العقلية أو مسمى لفظ الكلام الذى يتكلم به جميع بنى آدم لا يرجع فيه الى قول ألف شاعر فاضل دع ان يكون شاعرا نصرانيا اسمه الاخطل والنصارى قد عرف أنهم يتكلمون فى كلمة الله بما هو باطل والخطل فى اللغة هو الخطأ فى الكلام وقد أنشد فيهم المنشد

قبحا لمن نبذ القرآن وراءه
فاذا استدل يقول قال الأخطل

ولما احتج الكلابية بهذه الحجة عارضتهم المعتزلة فقالوا الكلام عندنا كالفعل عندنا وعندكم وهو فى الأزل عندنا جميعا لم يكن فاعلا ثم صار فاعلا ولا نقول نحن وأنتم كان فى الأزل عاجزا أو ساكتا فكما أنه لم يكن فاعلا ولا يوصف بضد الفعل وهو العجز أو السكوت فكذلك لم يكن متكلما ولا يوصف بضد الكلام وهو السكوت أو الخرس

)

فاذا قال هؤلاء للمعتزلة والجهمية الفعل لا يقوم به عندنا وعندكم والكلام يقوم به فكان كالصفات منعتهم المعتزلة ذلك وقالوا الكلام عندنا كالفعل لا يقوم به لا هذا ولا هذا فاذا 2 قالوا لو لم يقم به الكلام لقام بغيره وكان الكلام صفة لذلك الغير انتقلوا الى ( الحجة الثانية ( ولم يمكن تقرير الأولى الا بالثانية فكان الاستدلال بالأولى وجعلها ( حجة ثانية ( باطلا ولهذا أعرض عنه كثير من متأخريهم وانما اعتمدوا على ( الثانية ( كأبى المعالى وأتباعه


298

وهذا السؤال لا يلزم السلف فانهم اذا قالوا الكلام كالفعل وهو فى الأزل لم يكن فاعلا لا عندنا ولا عندكم منعهم السلف وجمهور المسلمين هذا وقالوا بل لم يزل خالقا فاعلا كما عليه السلف وجمهور طوائف المسلمين وهو الذى ذكره أصحاب ابن خزيمة مما كتبوه له وكانوا ( كلابية ( فاما ان يكون هذا قول ابن كلاب أو قول طائفة من أصحابه وبهذا تستقيم لهم هذه الحجة والا فمن سلم أنه صار فاعلا بعد أن لم يكن كانت هذه الحجة منتقضة على أصله وقال منازعوه الكلام فى مقاله كالكلام فى فعاله

والقول بأن الخلق غير المخلوق وأنه فعل يقوم بالرب هو قول أكثر المسلمين هو قول ( الحنفية ( وأكثر ( الحنبلية ( واليه رجع القاضى أبو يعلى أخيرا وهو الذى حكاه البغوى عن أهل السنة وهو الذى ذكره أبو بكر الكلاباذى عن ( الصوفية ( وذكره فى كتاب ( التعرف لمذهب التصوف ( وهو الذى ذكره البخارى فى كتاب ( أفعال العباد ( اجماعا من العلماء وهو الذى ذكره ابن عبدالبر وغيره عن أهل السنة

غ

لكن الفعل هل هو شىء واحد قديم كالارادة أو هو حادث بذاته أو هو نوع لم يزل متصفا به

فيه ثلاثة أقوال للمسلمين وكلهم متفقون على أن كل ما سوى الله محدث مخلوق كما تواتر ذلك عن الأنبياء ودلت عليه الدلائل العقلية والقول بأن مع الله شيئا قديما تقدمه من مفعولاته كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة باطل عقلا وشرعا كما قد بسط فى مواضع


299

فان قيل اذا قلتم لم يزل متكلما بمشيئته لزم وجود كلام لا ابتداء له واذا لم يزل متكلما وجب أن لا يزال كذلك فيكون متكلما بكلام لا نهاية له وذلك يستلزم وجود ما لا يتناهى من الحوادث فان كل كلمة مسبوقة بأخرى فهى حادثة ووجود ما لا يتناهى محال قيل له هذا الاستلزام حق وبذلك يقولون إن كلمات الله لا نهاية لها كما قال تعالى ( قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربى ولو جئنا بمثله مددا (

وأما قولهم وجود ما لا يتناهى من الحوادث محال فهذا بناء على دليلهم الذى استدلوا به على حدوث العالم وحدوث الأجسام وهو أنها لا تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث وهذا الدليل باطل عقلا وشرعا وهو أصل الكلام الذى ذمه السلف والأئمة وهو أصل قول الجهمية نفاة الصفات وقد تبين فساده فى مواضع

ولكن سنبين ان شاء الله ان هذا الدليل اذا ميز بين حقه وباطله فانه يدل على حدوث ما سوى الله وعلى مذهب السلف وكان غلطة منهم وقولهم كل ما لا يخلو من الحوادث أى من الممكنات المفتقرة فهو حادث فاخذوا هذا ( قضية كلية ( وقاسوا فيها الخالق على المخلوق قياسا فاسدا كما أن أولئك قالوا القابل للشىء لا يخلو عنه وعن ضده أخذوها ( قضية كلية (

والغلط فى ( القياس ( يقع من تشبيه الشىء بخلافه وأخذ القضية الكلية باعتبار القدر المشترك من غير تمييز بين نوعيها فهذا هو ( القياس الفاسد (


300

كقياس الذين قالوا انما البيع مثل الربا وقياس ابليس ونحو ذلك من الأقيسة الفاسدة التى قال فيها بعض السلف أول من قاس ابليس وما عبدت الشمس والقمر الا بالمقاييس يعنى قياس من يعارض النص ومن قاس قياسا فاسدا وكل قياس عارض النص فانه لا يكون الا فاسدا وأما القياس الصحيح فهو من الميزان الذى أنزله الله ولا يكون مخالفا للنص قط بل موافقا له

ومن هنا يظهر أيضا ان ما عند المتفلسفة من الأدلة الصحيحة العقلية فانما يدل على مذهب السلف أيضا فان عمدتهم فى ( قدم العالم ( على أن الرب لم يزل فاعلا وأنه يمتنع أن يصير فاعلا بعد ان لم يكن وان يصير الفعل ممكنا له بعد ان لم يكن وأنه يمتنع أن يصير قادرا بعد ان لم يكن وهذا وجميع ما احتجوا به انما يدل على قدم نوع الفعل لا يدل على قدم شىء من العالم لا فلك ولا غيره

فاذا قيل أنه لم يزل فاعلا بمشيئته وقدرته وأن الفعل من لوازم الحياة كما قال ذلك من قاله من أئمة السنة كان هذا قولا بموجب جميع أدلتهم الصحيحة العقلية وكان هذا موافقا لقول السلف لم يزل متكلما اذا شاء فلم يزل متكلما اذا شاء فاعلا لما يشاء

وجميع ما احتج به الكلابية والأشعرية والسالمية وغيرهم على قدم الكلام انما يدل على أنه لم يزل متكلما اذا شاء لا يدل على قدم كلام بلا مشيئة ولا على قدم كلام معين بل على قدم نوع الكلام


301

وجميع ما يحتج به الفلاسفة على قدم الفاعلية انما يدل على أنه لم يزل فاعلا لما يشاء لا يدل على قدم فعل معين ولا مفعول معين لا الفلك ولا غيره

والغلط انما نشأ بين الفريقين من اشتباه النوع الدائم بالعين المعينة ثم ان أولئك قالوا يمتنع قدم نوع الحركة والفعل لامتناع حوادث لا أول لها فأبطلوا كون الرب لم يزل متكلما بمشيئته ولم يزل فاعلا بمشيئته بل يلزمهم أنه لم يكن قادرا على الفعل ثم صار قادرا ولم يكن أيضا قادرا على الكلام بمشيئته ثم منهم من يقول صار قادرا على الكلام بمشيئته بعد ان لم يكن كالكرامية ومنهم من يقول لم يصر قادرا على الكلام ولا يمكنه الكلام بمشيئته قط وهم الكلابية ومن وافقهم من الأشعرية والسالمية

وأما ( الفلاسفة ( فقالوا ما قاله مقدمهم أرسطو فكل من قال ان ( جنس الحركة ( حدثت بعد تن لم تكن فانه مكابر لعقله وقالوا يمتنع ذلك فى جنس الحوادث بعد أن لم تكن بلا سبب حادث والعلم بذلك ضرورى

فيقال لهم هذا يدل على أنه لم يزل هذا النوع موجودا لا يدل على قدم عين حركة الفلك وكذلك القول فى الزمان والجسم فان أدلتهم تقتضى أنه لم يزل موجودا حركة وقدرها وهو الزمان وفاعلها هو الذى يسمونه الجسم لكن لا يقتضى قدم شىء بعينه فاذا قيل ان رب العالمين لم يزل متكلما بمشيئته فاعلا لما يشاء كان نوع الفعل لم يزل موجودا وقدره وهو الزمان موجودا لكن أرسطو وأتباعه غلطوا حيث ظنوا أنه لا زمان ( الا ( قدر حركة الفلك وأنه لا حركة فوق الفلك ولا قبله فتعين أن تكون حركته أزلية


302

وهذا ضلال منهم عقلا وشرعا فلا دليل يدل على امتناع حركة فوق الفلك وقبل الفلك ودليلهم على انشقاق الفلك فى غاية الفساد كما قد بسط فى موضع آخر وكذلك قوله أنه لابد لكل حركة من محرك غير متحرك فى غاية الفساد كما قد بسط فى موضعه

والمقصود هنا التنبيه على أن خلاصة ما عند هؤلاء الذين يقال أنهم أئمة المعقولات من أئمة الكلام والفلسفة انما يدل على قول السلف وأهل السنة المتبعين للكتاب والسنة عليهم الحق بالباطل كما أن أهل الكتاب لبسوا الحق بالباطل وما ع من الحق موافق ما جاء به الرسول الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والانجيل لا يخالف ذلك فالأدلة السمعية التى جاءت بها الأنبياء لا تتناقض وكذلك الأدلة الصحيحة العقلية ولا تتناقض السمعيات والعقليات والله أعلم

غ


303

( فصل ( وقد سلك طائفة من أئمة النظار أهل المعرفة بالكلام والفلسفة ان يجمعوا بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء ورأوا أن هذا غاية المعرفة وسموا ( الجواب ( الذى أجابوا به الفلاسفة عن حججهم ( الجواب الباهر ( فوافقوا كل واحدة من الطائفتين فأخطؤا وتناقضوا لما جمعوا بين خطأ الطائفتين فكان قولهم ينقض بعضه بعضا اذ كان خطأ الطائفتين متناقضا غاية التناقض

وأما ما أصابت فيه كل واحدة من الطائفتين فلو جمعوا بينهما لكان ذلك موافقا للأدلة السمعية التى أخبرت بها الرسل وللأدلة العقلية كالأدلة التى دلت عليها الرسل لكن هؤلاء خرجوا عن موجب الأدلة السمعية والعقلية مع ظنهم نهاية التحقيق ولهم بذلك أسوة بكل واحدة من الطائفتين فانها مخالفة لموجب الأدلة السمعية والعقلية وانما الحق هو ما تصادقت عليه الأدلة السمعية والعقلية وهو الذى عليه سلف الأمة وأئمتها متلقين له عن الرسول ( ( من جهة خبره ومن جهة تعليمه وبيانه للأدلة العقلية

مع أن هؤلاء يزعمون أن الرسل لم يبينوا هذه المسألة كما ذكر ذلك


304

الرازى فى ( أول المطالب العالية ( فزعموا أنهم لم يثبتوا بها خبرا فضلا عن بيان الأدلة العقلية المصدقة لخبرهم

وقد تكلمنا على فساد ما ذكره فى ذلك فى غير هذا الموضع والمقصود هنا التنبيه على طريقة هؤلاء الذين سلكوا مسلك الجمع بين أدلة هؤلاء وأدلة هؤلاء وزعموا أنهم أصحاب ( الجواب الباهر ( وهذه الطريقة قد ذكرها الرازى فى كتبه ورجحها وأخذها عنه الأرموى وذكرها فى كتاب الأربعين وأخذها عنه القشيرى المصرى وهذا القول يشبه مذهب الحرنانيين القائلين بالقدماء الخمسة الذى نصره محمد بن زكريا الرازى وصنف فيه

و ( الرازى ( يقوى هذا المذهب فى مجمله وغيره وان كان مذهبنا متناقضا كما بين فساده محمد بن زكريا البلخى وأبو حاتم صاحب ( كتاب الزينة ( وغيرهما لكن بين مذهب الحرنانيين وبين مذهب هؤلاء فرق كما سنبينه ان شاء الله

قال هؤلاء المتكلمون انما أقاموا الأدلة على حدوث الأجسام فانها هى التى بينوا أنها لا تخلوا من الحوادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث لامتناع حوادث دائمة لا ابتداء لها قالوا ولم يذكر المتكلمون دليلا على نفى موجود سوى الأجسام وسوى الصانع والفلاسفة أثبتوا موجودات غير ذلك وهى العقول والنفوس قالوا والمتكلمون لم يقيموا دليلا على انتفائها ودليلهم على الحدوث لم يشملها


305

قالوا و ( الفلاسفة ( لم يقيموا دليلا على قدم الأجسام بل أقاموا الأدلة على أن الرب لم يزل فاعلا ولم تزل الحركة والزمان موجودين وعمدتهم أن الأول مستجمع لجميع شروط الفاعلية فى الأزل فيجب اقتران الفعل به

وقالوا انه يمتنع حدوث الحوادث بلا سبب حادث ويمتنع أن الرب لم يزل معطلا عن الفعل ثم وجد الفعل بلا سبب حادث ويمتنع أن يصير قادرا بعد ان لم يكن قادرا ويمتنع أن يصير الفعل ممكنا بعد ان كان ممتنعا بلا سبب حادث فينتقل من الامتناع الذاتى الى الامكان الذاتى

وقالوا كل ما لابد منه فى كون الفاعل فاعلا ان وجد فى الأزل لزم وجود الفعل فانه ان لم يوجد بقى متوقفا على شرط آخر ونحن قلنا كل ما لابد منه فى كون الفاعل فاعلا قد وجد فى الأزل وان قيل قد وجد كل ما لابد منه من كون الفاعل فاعلا ومع هذا لم يوجد الفعل ثم وجد بعد ذلك بلا سبب لزم ترجيح وجود الممكن على عدمه بغير مرجح تام فان المرجح التام يجب أن يقترن به الرجحان وان لم يقترن به الرجحان فان كان الفعل ممكن الوجود والعدم والممكن يفتقر الى المرجح فما دام ممكن الوجود والعدم فلابد له من مرجح واذا حصل المرجح التام وجب وجوده ولم يبق حينئذ ممكن الوجود والعدم


306

قال هؤلاء فهذا عمدة هؤلاء الفلاسفة وأصله أن الحادث لابد له من سبب حادث وحدوث حادث بدون سبب حادث ممتنع فى بداية العقول ولهذا لما أجابهم المتكلمون عن هذا بأجوبة متعددة كانت كلها فاسدة مثل قول بعضهم المرجح هو العلم وقول بعضهم هو الارادة وقول بعضهم المرجح مجرد كونه قادرا وقول بعضهم المرجح امكان الفعل بعد امتناعه لا امتناعه فى الأزل ونحو ذلك فقالوا هذه الأجوبة باطلة لوجهين

( أحدهما ( أن جميع ما ذكر ان كان موجودا فى الأزل فقد دخل فى القسم الأول وان لم يكن موجودا فى الأزل فقد دخل فى القسم الثانى وقد قلنا إن جميع الأمور المعتبرة فى التأثير ان كانت أزلية لزم كون الأثر أزليا وان كان بعضها غير أزلى ثم حدث بعد ذلك لزم رجحان وجود الممكن على عدمه بلا مرجح وحدثت الحوادث بلا محدث فانه لو أحدث تمام المؤثر به ولم يكن المؤثر تاما فى الأزل حدث ذلك بلا سبب

( والوجه الثانى ( ان نسبة القدرة والارادة والعلم ونفس الأزل الى وقت حدوث العالم كنسبته الى ما قبل ذلك وما بعد ذلك فيمتنع أن تكون هذه هى الموجبة لوجوده فى ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده

قال الرازى فى ( كتابه الكبير ( والجواب الباهر أن نقول كانت النفس أزلية وهى متحركة دائما ثم حصل من تلك الحركات المتعاقبة صفة مخصوصة كانت هى سبب حدوث الأجسام فبهذا ثبت السبب الحادث الموجب لاختصاص ذلك الوقت بحدوث الأجسام فيه وعلى هذا فالأجسام حادثة وهو موجب أدلة المتكلمة والفاعل لم يزل فاعلا لقدم النفس المعلولة له وهو موجب أدلة


307

الفلاسفة وقد يقولون مقدار حركتها هو الزمان فقلنا بموجب قدم نوع الحركة والزمان مع حدوث الأجسام

فهذا قول هؤلاء المتبعين للطائفتين

وقد قلنا أنهم اتبعوا كل طائفة فيما أخطأت فيه واما تناقضهم فلأن المتكلمين انما اعتمدوا فى حدوث الأجسام على امتناع حوادث لا أول لها هذا عمدتهم والا فمتى جاز وجود حوادث لا بداية لها أمكن أن يكون قبل كل حادث فلا يلزم حدوث ما تقوم به الحوادث المتعاقبة فان كان هذا الأصل الذى بنى عليه المتكلمون أصلا صحيحا ثابتا امتنع وجود حركات غير متناهية للنفس وغير النفس وحينئذ فمن قال بموجب هذا الأصل مع قوله بوجود حوادث لا أول لها فى النفس أو غيرها فقد تناقض ( وحقيقة قوله ( يمتنع وجود حوادث لا أول لها ويجب وجود حوادث لا أول لها

وان كان هذا الأصل باطلا بطلت أدلتهم على حدوث الأجسام ولزم جواز وجود حوادث لا أول لها وحينئذ فيجوز قدم نوعها فالقول بوجوب حدوثها كلها وان كان سبب الحدوث هو حال للنفس تناقض

و ( أيضا ( فان النفس عند الفلاسفة يمتنع وجودها بدون الجسم ويمتنع وجود الحركة فيها الا مع الجسم وانما تكون نفسا اذا كانت مقارنة للجسم كنفس الانسان مع بدنه فنفس الفلك اذا فارقت ( المادة ( وهى الهيولى


308

وهى الجسم مثل مفارقة الانسان لبدنه بالموت فقد صارت عندهم عقلا لا يقبل الحركة

فما ذكره من تقدير نفس خالية عن الجسم دائمة الحركة لا يقولون به ولا دليل عليه فيبقى تقديره تقديرا لم يقل به المنازع ولا قام عليه دليل ولكن هذا يشبه مذهب ( الحرنانيين ( وليس به

فان أولئك يقولون القدماء خمسة الرب والنفس والمادة والدهر والفضاء ولكن لا يقولون ان النفس ما زالت متحركة بل يقولون أنه حدث لها التفات الى الهيولى وهى المادة فاحبتها وعشقتها ولم يكن الأولى تخليصها منها الا بأن تذوق وبال هذا التعلق فصنع العالم وجعل النفس حاصلة مع الأجسام لتذوق حرارة هذا الاجتماع ووباله فتشتاق الى التخلص منه

ولهذا يقول ( محمد بن زكريا الرازى ( ان هذا العالم ليس فيه لذة أصلا بل النفس لا تزال معذبة حتى تتخلص وراحتها فى الخلاص وكان حاضرا بمجلس بعض الاكابر فمثل ذلك بما يخرج من دبر الانسان بغير اختياره من الصوت وجعل ذلك حاصلا من ذلك الكبير فقال له الكعبى دخلت فى أمور عظيمة ولم تتخلص وأنت انما فررت من حدوث حادث بلا سبب فيقال لك فما الموجب لكونها التفتت فى ذلك الوقت المعين الى الهيولى دون ما قبل ذلك الوقت وما بعده فهذا حادث بلا سبب


309

وهذا المذهب اشتمل على أنواع من الفساد منها اثبات قديم غير الأول بلا حجة ومنها اثبات نفس مجردة عن الجسم وان لها حركة بدون الجسم وهذا خلاف مذهب ( أرسطو ( واتباعه لكن هؤلاء يقولون نحن نلتزم ان النفس مع تجردها عن الجسم لها حركة وهذا هو الصحيح لكن يقال أثبتم قدمها وأنها لم تزل غير متحركة ثم تحركت بلا سبب وهذا فاسد وأنتم لم تقيموا دليلا على قدمها بل ولا على وجودها وأنها ليست بجسم

وكذلك يقال لمن أثبت العقول والنفوس من ( المتفلسفة ( وأنها ليست مشارا اليها أدلتكم على ذلك ضعيفة كلها بل باطلة ولهذا صار الطوسى الذى هو أفضل متأخريهم الى أنه لا دليل على اثباتها

وأما ( المتكلمون ( فانهم يقولون نحن نعلم بالاضطرار أن الممكن لابد أن يكون مشارا اليه بأنه هنا أو هناك فاثبات ما لا يشار اليه معلوم الفساد بالضرورة وقد ذكروا هذا فى كتبهم وقول الرازى أنهم لم يقيموا دليلا على انحصار الممكن في الجسم والعرض لابد أن يكون مشارا اليه يتميز منه ج عن جانب

ثم كثير منهم من هؤلاء ذكر هذا مطلقا فى القديم والحادث وأصوات قديمة أزلية

ثم من هؤلاء من قال وهى مع ذلك صفة واحدة ومنهم من قال بل هى متعددة

ومن هؤلاء من قال ان تلك الأصوات الأزلية هى


310

الأصوات المسموعة من القراء أو يسمع من القراء صوتان الصوت القديم وصوت محدث

والصوت القديم قال بعضهم أنه حل فى المحدث وقال بعضهم ظهر فيه ولم يحل وقال بعضهم هو فيه ولا نقول ظهر ولا حل والقائلون بهذا طائفة من أهل الحديث والفقه والتصوف من أصحاب الشافعى وأحمد بن حنبل وغيرهما وهؤلاء حلولية فى الصفات دون الذات وقد وافقهم طائفة أخرى من السالمية والصوفية

وأولئك يقولون بحلول الذات أيضا فى كل شىء وأنه يتجلى لكل شىء بصورته وقولهم من جنس قول القائلين بأنه بذاته فى كل مكان والقائلين ( بوحدة الوجود ( لكن هم يقولون مع ذلك أنه على العرش وانه يحل فى قلوب العارفين بذاته وأنه فى كل شىء كما ذكر ذلك أبو طالب المكى ونحوه

وأما ( الأشعرية ( فعكس هؤلاء وقولهم يستلزم التعطيل وأنه لا داخل العالم ولا خارجه وكلامه معنى واحد ومعنى آية الكرسى وآية الدين والتوراة والانجيل ( واحد ( وهذا معلوم الفساد بالضرورة وكذلك الكلمات هى عندهم شىء واحد فحقيقة قولهم أنه لا رب ولا قرآن ولا ايمان فقولهم يستلزم التعطيل

و ( السالمية ( حلولية فى الذات والصفات والقائلون بأن الحروف والأصوات القديمة حلت فى الناس حلولية فى الصفات دون الذات


311

ومن هؤلاء من يقول أيضا ان صفة العبد التى هى ايمانه قديم ومن هؤلاء من عدى ذلك الى أقواله دون أفعاله ومنهم من قال بل وأفعاله المأمور بها قديمة دون المنهى عنها ومنهم من توقف فى المنهى عنها ومنهم من قال بل جميع أفعال العباد قديمة الخير والشر لأن ذلك شرع وقدر والشرع والقدر قديم ولم يفرق بين شرع الرب ومشروعه وبين قدره ومقدوره وهؤلاء يقولون أفعال العباد قديمة ليست هى الحركات بل هى ما تنتجه الحركات كالذى يأتى يوم القيامة وهو ثواب أعمالهم

وقد صرح الأئمة أحمد بن حنبل وغيره بأن ذلك كله مخلوق فهؤلاء اسرفوا فى القول بقدم الأفعال لطرد قولهم فى الايمان

و ( طائفة أخرى ( قالوا اذا كانت هذه الحروف التى هى أصوات مسموعة من العبد قديمة فكل الحروف المسموعة قديمة فقالوا كلام الآدميين كله قديم الا التأليف ومنهم من قال والأصوات كلها قديمة حتى أصوات البهائم وحتى ما يخرج من بنى آدم وقالوا أيضا حركات اللسان بالقرآن قديمة وحركة البنان بكتابة القرآن قديمة

ومن هؤلاء من قال ( المداد ( مخلوق ولكن شكل الحروف قديم ومنهم من توقف فى المداد وقال نسكت عنه وان كان مخلوقا لكن لا يقال انه مخلوق ومنهم من قال بل المداد قديم ومن هؤلاء وغيرهم من قال بأن ( أرواح العباد قديمة ( فصاروا يقولون


312

روح العبد محدثة وكلامه قديم وصفاته القائمة به من ايمانه قديم واخوانهم يصرحون بأن أفعاله قديمة وهذا أعظم مما يوصف به الرب فانه سبحانه قديم أزلى وأما أفعاله فحادثة شيئا بعد شىء وكذلك كلامه لم يزل متكلما بمشيئته شيئا بعد شيء

وهؤلاء يقولون بقدم روح العبد وبقدم النور نور الشمس والقمر ونور السراج وكل نور فهؤلاء قولهم بقدم أرواح العباد والانوار ضاهوا فيه قول المجوس ( والفلاسفة الصابئين ( الذين يشبهون المجوس فان من الصابئين من يشبه المجوس كذلك قال الحسن البصرى وغيره قالوا عن الصابئين أنهم مثل المجوس وهؤلاء صنف من الصابئين المشركين ليسوا فى الصابئين الممدوحين فى القرآن

والمقصود أن قول هؤلاء بقدم أرواح العباد و ( نفوسهم ( التى تفارق أبدانهم من جنس قول الذين قالوا بقدم النفس كما تقدم لكن هؤلاء يجعلونها من الله اذ كان لا قديم عندهم الا الله وصفاته وقولهم بقدم النور من جنس قول المجوس لكن النور أيضا عندهم من صفات الله

وهذه الأقوال بقدم روح العبد أو أقواله أو أفعاله أو أصواته أو قدم نور الشمس والقمر ونحو ذلك كلها فروع على ذلك الأصل فان ( السلف ( قالوا القرآن كلام الله غير مخلوق وظن طائفة أن مقصودهم أنه قديم لم يزل والقرآن حروف وأصوات فيكون قديما وهذا المسموع هو القرآن


313

وليس الا أصوات العباد بالقرآن فتكون قديمة ثم احتاجوا عند البحث الى طرد أقوالهم

وكذلك فى ( الايمان ( لم يقل قط أحد من السلف لا أحمد بن حنبل ولا غيره ان شيئا من صفات العباد غير مخلوق ولا قديم ولا قالوا عن القرآن قديم لكن انكروا على من أطلق القول على ( لفظ القرآن أو الايمان ( بأنه مخلوق فجاء هؤلاء ففهموا من كونه غير مخلوق أنه قديم وظنوا أنه اذا أنطر على من أطلق القول بأنه مخلوق يجيز أن يقال أنه غير مخلوق وأنه قديم فقالوا لفظ العبد وصوته قديم وايمانه قديم ثم طردوا أقوالهم الى ما ذكرناه وهذه الأمور قد بسط القول فيها فى مواضع فى عدة مسائل سأل عنها السائلون وأجيبوا فى ذلك بأجوبة مبسوطة ليس هذا موضعها اذ المقصود التنبيه على ما يحدث عن الأصل المبتدع

وأصل هذا كله حجة الجهمية على حدوث الأجسام بأن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث فما يقوم به الكلام باختياره أو بمشيئته ولم يزل كذلك يجب أن يكون حادثا فلزمهم نفى كلام الرب وفعله بل وتعطيل ذاته ثم آل الأمر الى جعل المخلوق قديما وتعطيل صفات الرب القديمة بل وذاته والله أعلم

وأصحاب هذا الأصل القائلون ( بالجوهر الفرد ( يقولون ان نفس الأعيان التى فى بدن الانسان وغيره هى متقدمة الوجود لا يعلم حدوثها


314

الا بالدليل وهو الدليل على حدوث الاجسام وأنها لم تخل من الأعراض ويقولون المعلوم بالمشاهدة حدوث التأليف فقط كما يقوله أولئك فى كلام العبد وان المحدث هو تأليف الحروف فقط

والقائلون ( بوحدة الوجود ( يقولون نفس وجود العبد هو نفس وجود الرب وكل هذه الأقوال قد باشرت أصحابها وهم من أعيان الناس وجرى بينى وبينهم فى ذلك ما يطول وصفه وهدى الله ما شاء الله من الخلق فانظر كيف اضطرب الناس فى أنفسهم التى قيل لهم ( وفى أنفسكم أفلا تبصرون (

والمتفلسفة يقولون مادة بدن الانسان وسائر المواد قديمة أزلية وهذه الأقوال فيها مضاهات لقول فرعون من بعض الوجوه وأصحاب ( الوحدة ( يصرحون بتعظيم فرعون وأنه صدق فى قوله ( أنا ربكم الأعلى ( ففى تثنية الله لقصة فرعون فى القرآن عبرة فان الناس محتاجون الى الاعتبار بها كما قال ( فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (


315

( فصل ( وأما ( حجتهم الثانية ( وهى العمدة عند عامتهم فتقريرها لو كان مخلوقا لكان اما أن يخلقه فى نفسه أو فى غيره أولا فى محل و

( الأول ( يلزم أن يكون محلا للحوادث وهو باطل و (

( الثانى ( يلزم أن يكون صفة لذلك المحل الذى قامت به الصفة لأن الصفة اذا قامت بمحل عاد حكمها على ذلك المحل لا على غيره فاذا قام بمحل علم أو حياة أو قدرة أو كلام أو غير ذلك كان ذلك المحل هو الموصوف بأنه حى عالم قادر متكلم كما يوصف بأنه متحرك اذا قامت به الحركة او أنه أسود وأبيض اذا قام به السواد والبياض ونحو ذلك

وأما قيامه لا فى محل فممتنع لأنه صفة

ومعنى ( هذه الحجة ( أيضا صحيحة وهى انما تدل على مذهب السلف فقط وهى تدل على فساد قول الأشعرية كما تدل على فساد قول المعتزلة وعلى فساد قول الجهمية مطلقا فان جمهور المعتزلة والجهمية اختاروا من ( هذه الاقسام ( أنه يخلقه فى محل وقالوا ان الله لما كلم موسى خلق صوتا فى الشجرة فكان ذلك الصوت المخلوق من الشجرة هو كلامه


316

وهذا مما كفر به أئمة السنة من قال بهذا وقالوا هو يتضمن أن الشجرة هى التى قالت ( انا الله لا اله الا أنا فاعبدنى ( لأن الكلام كلام من قام به الكلام هذا هو المعقول فى نظر جميع الخلق لا سيما وقد قام الدليل على أن الله انطق كل ناطق كما انطق الله الجلود يوم القيامة وقالوا ( انطقنا الله الذى أنطق كل شىء ( فيكون كل كلام فى الوجود مخلوقا له فى محل

فلو كان ما يخلقه فى غيره كلاما للزم أن يكون كل كلام فى الوجود حتى الكفر والفسوق والكذب كلاما له تعالى عن ذلك وهذا لازم الجهمية المجبرة فانهم يقولون ان الله خالق أفعال العباد واقوالهم والعبد عندهم لا يفعل شيئا ولا قدرة له مؤثرة فى الفعل ولهذا قال بعض شيوخهم من القائلين بوحدة الوجود

وكل كلام فى الوجود كلامه
سواء علينا نثره ونظامه

وأما ( المعتزلة ( فلا يقولون ان الله خالق أفعال العباد لكن الحجة تلزمهم بذلك وقد اعترف حذاقهم كأبى الحسين البصرى أن الفعل لا يوجد الا بداع يدعو الفاعل وانه عند وجود الداعى مع القدرة يجب وجود الفعل وقال ان الداعى الذى فى العبد مخلوق لله وهذا تصريح بمذهب أهل السنة وان لم ينطق بلفظ خلق افعال العباد

فاذا قال ان الله خلق الداعى والقدرة وخلقها يستلزم خلق الفعل فقد سلم المسألة ولما كان هذا مستقرا فى نفوس عامة الخلق قال سليمان بن


317

داود الهاشمى الامام نظير أحمد بن حنبل الذى قال فيه الشافعى ما خلفت ببغداد أعقل من رجلين أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمى قال من قال ان القرآن مخلوق لزم أن يكون قول فرعون كلام الله فان الله خلق فى فرعون قوله ( أنا ربكم الأعلى ( وعندهم أن الله خلق فى الشجرة ( اننى أنا الله لا اله الا أنا فاعبدنى ( فاذا كان كلامه لكونه خلقه فالآخر أيضا كلامه

والاشعرية وغيرهم من أهل السنة أبطلوا قول المعتزلة والجهمية بأنه خلقه فى غيره بان قالوا ما خلقه الله فى غيره من الاعراض كان صفة لذلك وعاد حكمه على ذلك المحل لم يكن صفة لله كما تقدم

وهذه ( حجة جيدة مستقيمة ( لكن الاشعرية لم يطردوها فتسلط عليهم المعتزلة بأنهم يصفونه بأنه خالق ورازق ومحي ومميت عادل محسن من غير أن يقوم به شىء من هذه المعانى بل يقوم بغيره فان الخلق عندهم هو المخلوق والاحياء هو وجود الحياة فى الحى من غير فعل يقوم بالرب فقد جعلوه محييا بوجود الحياة فى غيره وكذلك جعلوه مميتا وهذه مما عارضهم بها المعتزلة ولم يجيبوا عنها بجواب صحيح

ولكن ( السلف والجمهور ( يقولون بأن الفعل يقوم به ايضا وهذه ( القاعدة ( حجة لهم على الفريقين والفريقان يقسمون الصفات الى ذاتية وفعلية او ذاتية ومعنوية وفعلية وهو مغلطة فانه لا يقوم به عندهم فعل ولا يكون


318

له عندهم صفة فعلية واذا قالوا بموجب ما خلقه فى غيره لزمهم أن يقولوا هو متحرك وأسود وأبيض وطويل وقصير وحلو ومر وحامض وغير ذلك من الصفات التى يخلقها فى غيره

ثم هم متناقضون فهؤلاء يصفونه بالكلام الذى يخلقه فى غيره واولئك يصفونه بكل مخلوق فى غيره فعلم أنه لا يتصف الا بما قام به لا بما يخلقه فى غيره وهذا حقيقة الصفة فان كل موصوف لا يوصف الا بما قام به لا بما هو مباين له صفة لغيره وان نفوا مع ذلك قيام الصفات به لزمهم ان لا يكون له صفة لا ذاتية ولا فعلية

وان قالوا انما سمينا الفعل صفة لأنه يوصف بالفعل فيقال خالق ورازق قيل هذا لا يصح ان يقوله أحد من الصفاتية فان الصفة عندهم قائمة بالموصوف ليست مجرد قول الواصف

ان قاله من يقول ان الصفة هى الوصف وهى مجرد قول الواصف فالواصف ان لم يكن قوله مطابقا كان كاذبا ولهذا انما يجىء الوصف فى القرآن مستعملا فى الكذب بأنه وصف يقوم بالواصف من غير أن يقوم بالموصوف شىء كقوله سبحانه ( سيجزيهم وصفهم ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب ( ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب ان لهم الحسنى ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون (

وقد جاء مستعملا فى الصدق فيما أخرجاه فى الصحيحين عن عائشة أن


319

رجلا كان يكثر قراءة ( قل هو الله أحد ( فقال النبى ( ( سلوه لم يفعل ذلك فقال لأنها صفة الرحمن فأنا أحبها فقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( اخبروه ان الله يحبه (

فمن وصف موصوفا بأمر ليس هو متصفا به كان كاذبا فمن وصف الله بأنه خالق ورازق وعالم وقادر وقال مع ذلك أنه نفسه ليس متصفا بعلم وقدرة أو ليس متصفا بفعل هو الخلق والاحياء كان قد وصفه بأمر وهو يقول ليس متصفا به فيكون قد كذب نفسه فيما وصف به ربه وجمع بين النقيضين فقال هو متصف بهذا ليس متصفا بهذا وهذا حقيقة اقوال النفاة فانهم يثبتون امورا هى حق ويقولون ما يستلزم نفيها فيجمعون بين النقيضين ويظهر فى اقوالهم التناقض

وحقيقة قولهم أنه موجود ليس بموجود عالم ليس بعالم حى ليس بحى ولهذا كان غلاتهم يمتنعون عن الاثبات والنفى معا فلا يصفونه لا باثبات ولا بنفى كما قد بسط فى غير هذا الموضع ومعلوم أن خلوه عن النفى والاثبات باطل ايضا فان النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان

و ( المقصود هنا ( أن هذه ( المقدمة ( الصحيحة أنه لو خلقه فى محل لكان صفة لذلك المحل هى مقدمة صحيحة والسلف واتباعهم أهل السنة والجمهور يقولون بها واما المعتزلة والاشعرية فيتناقضون فيها كما تقدم


320

وأما ( القسم الثالث ( وهو أنه لو خلقه قائما بنفسه لكان ذلك ممتنعا لانه صفة والصفة لا تقوم بنفسها وهذا معلوم بالضرورة وقد حكى عن بعض المعتزلة انه يخلق حبالا فى محل والبصريون وهم أجل وأفضل من البغداديين يقولون أنه يخلق ارادة لا فى محل فقد يناقضون هذه الحجة

وأما ( القسم الاول ( وهو أنه لو خلقه فى نفسه لكان محلا للحوادث فالتحقيق أن يقال لو خلقه فى نفسه لكان محلا للمخلوق وهو لا يكون محلا للمخلوق

واذا قالوا نحن نسمى كل حادث مخلوقا فهذا محل نزاع فالسلف وأئمة أهل الحديث وكثير من طوائف الكلام كالهشامية والكرامية وأبى معاذ التومنى وغيرهم لا يقولون كل حادث مخلوق ويقولون الحوادث تنقسم الى ما يقوم بذاته بقدرته ومشيئته ومنه خلقه للمخلوقات والى ما يقوم بائنا عنه وهذا هو المخلوق لان المخلوق لابد له من خلق والخلق القائم بذاته لا يفتقر الى خلق بل هو حصل بمجرد قدرته ومشيئته

والقدرة فى القرآن متعلقة بهذا الفعل لا بالمفعول المجرد عن الفعل كقوله ( أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى ( وقوله ( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم ( وقوله ( بلى قادرين على أن نسوى بنانه ( وقوله ( أوليس الذى خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم (


321

وعلى هذا فهذه ( الحجة ( يكفى فيها أن يقال لو خلقه لكان اما أن يخلقه فى محل فيكون صفة له أو يخلقه قائما بنفسه وكلاهما ممتنع ولا يذكر فيها اما أن يخلقه فى نفسه لأن كونه مخلوقا يقتضى أن له خلقا والخلق القائم به لو كان مخلوقا لكان له خلق فيلزم أن يكون كل خلق مخلوقا فيكون الخلق مخلوقا بلا خلق وهذا ممتنع

وهذا يستقيم على أصل السلف وأهل السنة والجمهور الذين يقولون لا يكون المخلوق مخلوقا الا بخلق واما من قال يكون مخلوقا بلا خلق والخلق هو نفس المخلوق لا غيره فيقال على أصله اما أن يخلقه فى نفسه ويكون المخلوق نفس الخلق وهو معنى كونه حادثا ويعود الامر الى أنه اذا أحدثه فاما أن يحدثه فى نفسه أو خارجا عن نفسه وقد تبين كيف تصاغ هذه الحجة على أصول هؤلاء وأصول هؤلاء

فاذا احتج بها على قول ( السلف والجمهور ( فلها صورتان ان شئت ان تقول اما أن يخلقه قائما بنفسه أو بغيره ولا تقل فى نفسه لكون المخلوق لا يكون فى نفسه وان شئت أن تدخله فى التقسيم وتقول واما أن يخلقه فى نفسه ثم تقول وهذا ممتنع لأن المخلوق لابد له من خلق فلو خلقه فى نفسه لافتقر الى خلق وكان ما حدث فى نفسه مخلوقا مفتقرا الى خلق فيكون خلقه له ايضا مفتقرا الى خلق وهلم جرا واذا كان كل خلق مخلوقا لم يبق خلق الا مخلوق واذا لم يبق خلق الا مخلوق لزم وجود المخلوق بلا خلق اذ ليس لنا خلق غير مخلوق


322

وان قيل فقد يخلقه فى نفسه بخلق وذلك الخلق يحصل بلا خلق آخر بل بمجرد القدرة والارادة كما يقول من يقول انه يتكلم بمشيئته وقدرته وتكلمه فعل يحصل بقدرته ومشيئته فنحن نقول ذلك الفعل هو الخلق

فيقال لهم فعلى هذا صار فى التقسيم ( حادث ( يقوم بنفسه ليس بمخلوق وعلى هذا التقدير فيمكن أن يقال فى القرآن انه حادث أو محدث وليس بمخلوق فان كان الحق هو ( القسم الاول ( لم يلزم اذا لم يكن مخلوقا أن يكون قديما بل قد يكون حادثا وليس بمخلوق فلا يلزم من نفى كونه مخلوقا أن يكون قديما فلا تدل الحجة على قول الكلابية

وتلخيص ذلك أنه اما أن يقال الحدوث أعم من الخلق فقد يكون الشىء حادثا فى نفسه وليس مخلوقا أو يقال كل حادث فهو مخلوق بناء على انه لا يقوم فاذا كان الحق هو ( القسم الأول لم يلزم اذا لم يكن مخلوقا أن يكون قديما بل قد يكون حادثا وليس بمخلوق

وان كان الحق غير ( الأول ( فحينئذ اذا قيل لا يخلقه فى نفسه لم تكن الحجة عليه الا ابطال قيام الحوادث به ولكن اذا أريد أن يدل على أنه ليس بمخلوق فى نفسه وان كان حادثا بنفسه فانه يستدل على ذلك بأنه لو كان مخلوقا لكان له خلق والخلق نفسه ليس مخلوقا فيكون المخلوق بلا خلق وهو جمع بين النقيضين فتعين أن يكون الخلق حادثا غير مخلوق


323

وعلى هذا التقدير فلا يلزم اذا كان غير مخلوق أن يكون قديما وانما أريد الاستدلال على أنه لم يخلقه فى نفسه سواء قيل انه تحل فيه الحوادث أو لا تحل وهو أحسن فيكون استدلالا بذلك من غير التزام هذا القول

فيقال لا يخلو اما أن تقوم به الحوادث واما أن لا تقوم فان لم تقم امتنع أن يخلقه فى نفسه لأنه حينئذ يكون حادثا فتقوم به الحوادث وان كانت تقوم به الحوادث فتلك الحوادث تحصل بقدرته ومشيئته ولا تكون كلها مخلوقة لأن المخلوق لابد له من خلق والخلق منها فلو كان الخلق مخلوقا بخلق يلزم أن يكون كل خلق مخلوقا فيكون المخلوق حاصلا بلا خلق وقد قيل أن المخلوق لابد له من خلق

واذا كان لا يجب فيما قام بذاته أن يكون مخلوقا فلو أحدثه فى ذاته لم يلزم أن يكون مخلوقا بل يمتنع أن يكون مخلوقا لأن المخلوق هو ماله خلق قائم بذات الرب مباين للمخلوق وهو اذا تكلم به بمشيئته وقدرته كان الكلام اسما يتناول التكلم به ونفس الحروف وذلك التكلم حاصل بقدرته ومشيئته لم يحصل بخلق فان الخلق يحصل ايضا بقدرته ومشيئته وهو يخلق الاشياء بكلامه فمحال أن يكون لكلامه خلق أقرب اليه من كلامه

وقد قيل أن خلقه للاشياء هو نفس تكلمه بكن فيكون هذا هو الخلق والخلق لا يحصل بخلق بل المخلوق يحصل بالخلق ومن الاشياء ما يخلقه مع تكلم بكلام بفعل يفعله أيضا فقد تبين على كل تقدير أن كلامه اذا أحدثه فى ذاته لم يكن مخلوقا من غير أن يلزم أنه لا تقوم به الحوادث


324

واذا بنينا على ذلك فلفظ الحوادث مجمل يراد به أنه لا يقوم به جنس له نوع لم يحصل منه شىء قبل ذلك ويراد به أنه لا يقوم به لا نوع ولا فرد من أفراد الحوادث فاذا أريد الثانى فالسلف وأئمة السنة والحديث وكثير من طوائف الكلام على خلافه

وان أريد ( الاول ( فالنزاع فيه مع ( الكرامية ( ونحوهم فمن يقول أنه حدث له من الصفات بذاته ما لم يكن حدث صار يتكلم بمشيئته بعد أن لم يكن وصار مريدا للفعل بعد أن لم يكن والكلام والارادة الذى قالت المعتزلة يحدث بائنا عنه قالوا هم يحدث فى ذاته و ( الكلابية ( قالوا ذلك قديم يحصل بغير مشيئته وقدرته وهؤلاء قالوا بل هو حادث النوع يحصل بقدرته ومشيئته القديمة فمشيئته القديمة عندهم مع القدرة أوجبت ما يقوم بذاته فهؤلاء يقولون انه أحدث فى ذاته نوع الكلام ولم يكن له قبل ذلك كلام وليس هذا مذهب السلف بل مذهب السلف أنه لم يزل متكلما

فتبين أن خلقه للكلام مطلقا فى ذاته محال من جهة أن المخلوق لا يقوم بذاته ومن جهة أنه يلزم أنه صار متكلما بعد أن لم يكن وهذا غير قولهم لا تقوم به الحوادث

فصار هنا لإبطال هذا القول ( ثلاثة مسالك ( مسلك الكلابية ومسلك الكرامية ومسلك السلف فلهذا كان هذا القسم مما ذكره عبدالعزيز بن يحيى


325

الكنانى فى ( الحيدة ( وأبطله من غير أن يلتزم خلاف السلف وقد كتبت الفاظه وشرحتها فى غير هذا الموضع

و ( المقصود هنا ( أنه يمكن ابطال كونه خلقه فى نفسه من غير التزام قول الكلابية ولا الكرامية فانه قد تبين أن ما قام بذاته يمتنع أن يكون مخلوقا اذ كان حاصلا بمشيئته وقدرته والمخلوق لابد له من خلق ونفس تكلمه بمشيئته وقدرته ليس خلقا له بل بذلك التكلم يخلق غيره والخلق لا يكون خلقا لنفسه

ويدل على بطلان قول ( الكلابية ( أن الكلام لا يكون الا بمشيئته وقدرته وهم يقولون يتكلم بلا مشيئته ولا قدرته

وأما ( الكرامية ( فيقولون صار متكلما بعد ان لم يكن فيلزم انتفاء صفة الكمال عنه ويلزم حدوث الحادث بلا سبب ويلزم أن ذاته صارت محلا لنوع الحوادث بعد ان لم تكن كذلك كما تقوله ( الكرامية ( وهذا باطل وهو الذى أبطله السلف بأن ما يقوم به من نوع الكلام والارادة والفعل اما أن يكون صفة كمال أو صفة نقص فان كان كمالا فلم يزل ناقصا حتى تجدد له ذلك الكمال وان كان نقصا فقد نقص بعد الكمال


326

وهذه الحجة لا تبطل قيام نوع الارادة والكلام شيئا بعد شىء فان ذلك انما يتضمن حدوث افراد الارادة والكلام لا حدوث النوع والنوع ما زال قديما وما زال متصفا بالكلام والارادة وذلك صفة كمال فلم يزل متصفا بالكمال ولا يزال بخلاف ما اذا قيل صار مريدا ومتكلما بعد أن لم يكن

واذا قيل فى ذلك الفرد من افراد الارادة والكلام والفعل هل هو كمال أو نقص قيل هو كمال وقت وجوده ونقص قبل وجوده مثل مناداته لموسى كانت كمالا لما جاء موسى ولو ناداه قبل ذلك لكان نقصا والله منزه عنه ولأن افراد الحوادث يمتنع قدمها وما امتنع قدمه لم يكن عدمه فى القدم نقصا

بل النقص المنفى لابد أن يكون عدم ما يمكن وجوده بل عدم ما يمكن وجوده ويكون وجوده خيرا من عدمه فلا يكون عدم الشىء نقصا الا بهذين الشرطين بأن يكون عدمه ممكنا ويكون وجوده خيرا من عدمه فاذا كان عدمه ممتنعا كعدم الشريك والولد فهذا مدح وصفة كمال واذا كان عدمه ممكنا فالاوى ل عدمه كالاشياء التى لم يخلقها فانه كان أن لا يخلقها أكمل من أن يخلقها كما أن ما خلقه كان أن يخلقه أكمل من أن لا يخلقه

وحينئذ فما وجد من الحوادث فى ذاته أو بائنا عنه كان وجوده وقت وجوده هو الكمال وعدمه وقت عدمه هو الكمال وكان عدمه وقت وجوده أو وجوده وقت عدمه نقصا ينزه الله عنه سبحانه وتعالى فقد تبين الفرق بين نوع الحوادث واعيانها وأن النوع لو كان حادثا بذاته بعد ان لم يكن لزم كماله بعد نقصه أو نقصه بعد كماله


327

و ( أيضا ( فالحادث لابد له من سبب والافراد يمكن حدوثها لأن قبلها أمورا أخرى تصلح أن تكون سببا اما اذا قدر عدم النوع كله ثم حدث لزم أن يحدث النوع بلا سبب يقتضى حدوثه وهو ممتنع

وأيضا فهذا ( النوع ( اما أن يقال كان قادرا عليه فيما لم يزل أو صار قادرا بعد ان لم يكن فان كان قادرا عليه أمكن وجوده فلا يمتنع وجوده فلا يجوز الجزم بعدمه وان لم يكن قادرا لزم حدوث القدرة بلا سبب وانتقال القدرة والامتناع الى الامكان بلا سبب وهذا بخلاف الافراد فان ذلك كان ممتنعا حتى يحصل ما يصير به ممكنا أو كان ممكنا ولكن الحكمة اقتضت وجوده بعد تلك الامور واما النوع اذا قيل بحدوثه لم يختص بوقت اذ العدم المحض لا يعقل فيه وقت يميزه عن وقت

و ( أيضا ( فكذلك النوع ممكن له لوجوده وهو لا يتوقف على شىء غيره لا منه ولا من غيره وما كان ممكنا لم يتوقف الا على ذاته لزم وجوده بوجود ذاته كحياته وعلمه وقدرته وغير ذلك من صفاته فدل ذلك على وجوب قدم نوع هذه الصفات ولزوم النوع لذاته وان قيل بحدوث الافراد

وعلى هذا فيقال لا تقوم بذاته الصفات الحادثة أى لا يقوم به نوع من انواع الصفات الحادثة بمعنى أن الكلام صفة والارادة صفة ولا تحدث له هذه الصفات ولا نوع من أنواع هذه الصفات بل لم يزل متكلما مريدا وان حدثت


328

أفراد كل صفة أى ارادة هذا الخادث المعين وهذا الشخص المعين فنفس الصفة لم تزل موجودة

وعلى هذا يقال لو خلق فى ذاته ( الكلام ( ولو أحدث فى ذاته الكلام ولو كان كلامه حادثا أو محدثا فان نفس الكلام أى هذه الصفة ونوعها ليس بحادث ولا محدث ولا مخلوق واما الكلام المعين ( كالقرآن ( فليس بمخلوق لا فى ذاته ولا خارجا عن ذاته بل تكلم بمشيئته وقدرته وهو حادث فى ذاته

وهل يقال أحدثه فى ذاته على قولين أصحهما أنه يقال ذلك كما قال تعالى ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ( وقال النبى ( ( ان الله يحدث من أمره ما شاء وان مما أحدث أن لا تكلموا فى الصلاة ( وقد بوب البخارى فى صحيحه لهذا بابا دل عليه الكتاب والسنة

وهذا بخلاف المخلوق فانه ليس فى عقل ولا شرع ولا لغة ان الانسان يسمى ما قام به من الافعال والاقوال خلقا له ويقول أنا خلقت ذلك بل يقول أنا فعلت وتكلمت وقد يقول أنا أحدثت هذه الاقوال والافعال

وكما قال النبى ( ( اياكم ومحدثات الامور فان كل بدعة ضلالة ( وقال ( المدينة حرم ما بين عير الى ثور من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (

وان كان مقصوده ( بالاحداث ( هنا أخص من معنى الاحداث بمعنى الفعل


329

وانما مقصوده من أحدث فيها بدعة تخالف ما قد سن وشرع ويقال للجرائم الاحداث ولفظ الاحداث يريدون به ابتداء ما لم يكن قبل ذلك ومنه قوله ( ان الله يحدث من أمره ما شاء ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ( ولا يسمون مخلوقا الا ما كان بائنا عنه كقوله ( واذا تخلق من الطين كهيئة الطير ( واذا قالوا عن كلام المتكلم انه مخلوق ومختلق فمرادهم أنه مكذوب مفترى كقوله ( وتخلقون افكا


330

( فصل ( وما احتج به الفلاسفة والمتكلمون فى ( مسألة حدوث العالم ( انما يدل على مذهب السلف والأئمة أما ( الفلاسفة ( فحجتهم انما تدل على أنه لم يزل فاعلا كما أن حجة ( الاشعرية ( انما تدل على أنه لم يزل متكلما وكل من الفريقين احتج على قدم العين بأدلة لا تقتضى ذلك

وأما ( المتكلون ( فعمدتهم أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث أو ما لم يسبق الحوادث فهو حادث وكل من هاتين القضيتين هى صحيحة باعتبار وتدل على الحق فما لم يسبق الحوادث المحدودة التى لها أول فهو حادث وهذا معلوم بصريح العقل واتفاق العقلاء فكل ما علم أنه كان بعد حادث له ابتداء أو مع حادث له ابتداء فهو أيضا حادث له ابتداء بالضرورة وكذلك ما لم يخل و ( أيضا ( ف يخل من هذه الحوادث مع حاجته اليها فهو حادث وما لم يخل من حوادث يحدثها فيه غيره فهو حادث بل ما احتاج الى الحوادث مطلقا فهو حادث وما قامت به حوادث من غيره فهو حادث وما كان محتاجا الى غيره فهو حادث وما قامت به الحوادث فهو حادث


331

وهذا يبطل قول ( المتفلسفة ( القائلين بقدم الفلك كأرسطو وأتباعه فان ( ارسطو ( يقول انه محتاج الى العلة الاولى للتشبه بها وبرقلس وابن سينا ونحوهما يقولون انه معلول له أى موجب له والاول علة فاعلة له فالجميع يقولون انه محتاج الى غيره مع قيام الحوادث به وانه لم يخل منها ويقولون هو قديم وهذا قول باطل

ويقول ( ابن سينا ( أنه ممكن يقبل الوجود والعدم مع قيام الحوادث به وهو قديم ازلى وهذا باطل فان كونه محتاجا الى غيره يمتنع أن يكون واجب الوجود بنفسه فأن واجب الوجود بنفسه لا يكون محتاجا الى غيره وان لم يكن واجبا بنفسه كان ممكنا يقبل الوجود والعدم وحينئذ فيكون محدثا من وجوه

( منها ( أن الممكن الذى يقبل الوجود والعدم لا يكون الا محدثا واما القديم الذى يمتنع عدمه فلا يقبل الوجود والعدم

( ومنها ( أنه اذا كان مع حاجته تحله الحوادث من غيره دل على أن غيره متصرف فيه قاهر له تحدث فيه الحوادث ولا يمكنه دفعها عن نفسه وما كان مقهورا مع غيره لم يكن موجودا بنفسه ولا مستغنيا بنفسه ولا عزيزا ولا مستقلا بنفسه وما كان كذلك لم يكن الا مصنوعا مربوبا فيكون محدثا

و ( أيضا ( فاذا لم يخل من الحوادث التى يحدثها فيه غيره ولم يسبقها بل كانت لازمة له دل على أنه فى جميع اوقاته مقهورا مع الغير متصرفا له يدل


332

على أنه مفتقر اليه دائما وهذا يبطل قول المتكلمين الذين يقولون انما يفتقر اليه حال حدوثه فقط كما يبطل قول المتفلسفة الذين يقولون يفتقر اليه فى دوامه مع قدمه وعدم حدوثه

و ( التحقيق ( أنه محدث يفتقر اليه حال الحدوث وحال البقاء وكونه محلا للحوادث من غيره أو محلا للحوادث مع حاجته يدل على أنه محدث واما كونه محلا لحوادث يحدثها هو فهذا لا يستلزم لا حاجته ولا حدوثه ولهذا كان ( الصحابة ( يذكرون أن حدوث الحوادث فى العالم يدل على أنه مربوب كما قد ذكرنا هذا فى موضع آخر والمربوب محدث وكل ما سوى الله تحدث فيه الحوادث من غيره وهو محتاج الى غيره فكل فلك فانه يحركه غيره فتحدث فيه الحركة من غيره فالفلك المحيط يحركها كلها وهو متحرك بخلاف حركته فتحدث فيه مناسبة حادثة بغير اختياره وهى مستقلة بحركتها لا تحتاج فيها اليه فامتنع أن يكون ربا لها والشمس والقمر والكواكب يحركها غيرها فكلها مسخرات بأمره


333
فصل وقد ذكرنا ( أصلين (

( أحدهما ( أن ما يحتجون به من الحجج السمعية والعقلية على مذاهبهم انما يدل على قول السلف وما جاء به الكتاب والسنة لا يدل على ما ابتدعوه وخالفوا به الكتاب والسنة

( الثانى ( أن ما احتجوا به يدل على نقيض مقصودهم وعلى فساد قولهم وهذا نوع آخر فان كونه يدل على قول لم يقولوه نوع وكونه يدل على نقيض قولهم وفساد قولهم نوع آخر

وهذا موجود فى حجج المتفلسفة والمتكلمة

أما ( المتفلسفة ( فمثل حججهم على قدم العالم أو شىء منه فانهم احتجوا بأنواع العلل الاربعة ( الفاعلية ( و ( الغائية ( و ( المادية ( و ( الصورية ( وعمدتهم ( الفاعلية ( وهو أن يمتنع أنه يصير فاعلا بعد أن لم يكن فيجب أنه ما زال فاعلا وهذه أعظم عمدة متأخريهم كابن سينا وامثاله وهى أظنها منقولة عن برقلس

أما ( أرسطو ( وأتباعه فهم لا يحتجون بها اذ ليس هو عندهم فاعلا وانما


334

احتجوا بوجوب قدم الزمان والحركة وهى الصورية وبوجوب قدم المادة لأن كل محدث مسبوق بالامكان فلابد له من محل فكل حادث تقبله مادة يقبله وأما ( العلة الغائية ( فمن جنس ( الفاعلية ( فيقال لهم هذه الحجج انما تدل على مذهب السلف والأئمة كما تقدم وهى تدل على بطلان قولهم

وأما قدم ( الفاعلية ( وهو أنه ما زال فاعلا فيقال هذا لفظ مجمل فانتم تريدون بالفاعل أن مفعوله مقارن له فى الزمان واذا كان فاعلا بهذا الاعتبار وجب مقارنة مفعوله له فلا يتأخر فعله فهذه عمدتكم والفاعل عند عامة العقلاء وعند سلفكم وعندكم أيضا فى غير هذا الموضع هو الذى يفعل شيئا فيحدثه فيمتنع أن يكون المفعول مقارنا له بهذا الاعتبار بل على هذا الاعتبار يجب تأخر كل مفعول له فلا يكون فى مفعولاته شىء قديم بقدمه فيكون كل ما سواه محدث

ثم للناس هنا طريقان

( منهم ( من يقول يجب تأخر كل مفعول له وأن يبقى معطلا عن الفعل ثم يفعل كما يقول أهل الكلام المبتدع من اهل الملل من الجهمية والمعتزلة ومن سلك سبيلهم وهذا النفى يناقض دوام الفاعلية فهو يناقض موجب تلك الحجج

و ( الثانى ( أن يقال ما زال فاعلا لشىء بعد شىء فكل ما سواه محدث كائن بعد أن لم يكن وهو وحده الذى اختص بالقدم والازلية فهو ( الأول ( القديم الازلى ليس معه غيره وأنه ما زال يفعل شيئا بعد شىء


335

فيقال لهم الحجج التى تقيمونها فى وجوب قدم ( الفاعلية ( كما أنها تبطل قول أهل الكلام المحدث فهى أيضا تبطل قولكم وذلك أنها لو دلت على دوام الفاعلية بالمعنى الذى ادعيتم للزم أن لا يحدث فى العالم حادث اذ كان المفعول المعلول عندكم يجب أن يقارن علته الفاعلية فى الزمان وكل ما سوى الاول مفعول معلول له فتحدث مقارنة كل ما سواه فلا يحدث فى العالم حادث وهو خلاف المشاهدة والمعقول وباطل باتفاق بنى آدم كلهم مخالف للحس والعقل

وايضا اذا وجب فى العلة أن يقارنها معلولها فى الزمان فكل حادث يجب أن يحدث مع حدوثه حوادث مقترنة فى الزمان لا يسبق بعضها بعضا ولا نهاية لها وهذا قول بوجود علل لا نهاية لها وهذا ايضا باطل بصريح العقل واتفاق العقلاء ولا فرق بين امتناع ذلك فى ذات العلة او شرط من شروطها فكما يمتنع ان يحدث عند كل حادث ذات علل لا تتناهى فى آن واحد وكذلك شروط العلة وتمامها فانها احدى جزئى العلة فلا يجوز وجود ما لا يتناهى فى آن واحد لا فى هذا الجزء ولا فى الجزء وهذا متفق عليه بين الناس

وأما النزاع فى ( وجود ما لا يتناهى على سبيل التعاقب ( فقد زال جزء حجتهم ليس هو ما قالوه بل موجبه هو ( القول الآخر ( وهو أن الفاعل لم يزل يفعل شيئا بعد شىء وحينئذ كل مفعول محدث كائن بعد أن لم يكن وهذا نقيض قولهم بل هذا من أبلغ ما يحتج به على ما أخبرت به الرسل من أن الله


336

خالق كل شىء فانه بهذا يثبت أنه لا قديم الا الله وأنه كل ما سواه كائن بعد ان لم يكن سواء سمى عقلا أو نفسا أو جسما أو غير ذلك

بخلاف دليل أهل الكلام المحدث على الحدوث فانهم قالوا لو كان صحيحا لم يدل الا على حدوث الاجسام ونحن أثبتنا موجودات غير العقول و ( أهل الكلام ( لم يقيموا دليلا على انتفائها وقد وافقهم على ذلك المتأخرون مثل الشهرستانى والرازى والآمدى وادعوا أنه لا دليل للمتكلمين على نفى هذه الجواهر العقلية ودليلهم على حدوث الاجسام لم يتناولها ولهذا صار الذين زعموا أنهم يجيبونهم با ( بالجواب الباهر ( الى ما تقدم ذكره من التناقض فقد تبين أن نفس ما احتجوا به يدل على فساد قولهم وفساد قول المتكلمين ويدل على حدوث كل ما سوى الله وأنه وحده القديم دلالة صحيحة لا مطعن فيها

فقد تبين ولله الحمد ان عمدتهم على قدم العالم انما تدل على نقيض قولهم وهو حدوث كل ما سوى الله ولله الحمد والمنة

وأما ( الحجة ( التى احتجوا بها على أنه لم تزل الحركة موجودة والزمان موجودا وأنه يمتنع حدوث هذا الجنس وهذا مما اعتمد عليه ( أرسطو ( وأتباعه فيقال لهم هذه لا تدل على قدم شىء بعينه من الحركات وزمانها ولا من المتحركات فلا تدل على مطلوبهم وهو قدم الفلك وحركته وزمانه


337

بل تدل على نقيض قولهم وذلك أن الحركة لابد لها من محرك فجميع الحركات تنتهى الى محرك أول

وهم يسلمون هذا فذلك المحرك الأول الذى صدر عنه حركة ما سواه اما أن يكون متحركا واما أن لا يكون فان لم يكن متحركا لزم صدور الحركة عن غير متحرك وهذا مخالف للحس والعقل فان المعلول انما يكون مناسبا لعلته فاذا كان المعلول يحدث شيئا بعد شىء امتنع أن تكون علته باقية على حال واحدة كما قلتم يمتنع أن يحدث عنها شىء بعد ان لم يكن بل امتناع دوام الحدوث عنها أولى من امتناع حدوث متجدد فان هذا يستلزم وجود الممتنع أكثر مما يستلزم ذاك

فانه اذا قيل من المعلوم بصريح العقل أن ما لم يكن فاعلا فلابد أن يحدث له سبب يوجب فاعلا وانه اذا كان حال الفاعل على الحال التى كان عليها قبل الفعل لم يفعل شيئا ولم يحدث عنه شىء قيل لهم وهذا المعلوم بصريح العقل موجب انها لا يحدث عنها فى الزمان الثانى شىء لم يكن فى الزمان الاول الا لمعنى حدث فيها فاذا لم يحدث فيها شىء لم يحدث عنها شىء

فإذا قيل بدوام الحوادث عنها من غير أن يحدث فيها شىء كان هذا قولا بوجود الممتنعات دائما فانه ما من حادث يحدث الا قبلت الذات عند حدوثه لما كانت قبل حدوثه وكانت قبل ذلك يمتنع عنها حدوثه فالآن كذلك يمتنع عنها حدوثه


338

أو يقال كانت لا تحدثه فهى الآن لا تحدث فهى عند حدوث كل حادث كما كانت قبل ذلك وقبل حدوثه لم تكن محدثة له بل كان ذلك ممتنعا فكذلك الحين الذى قدر فيه حدوثه يجب أن يكون الحدوث فيه ممتنعا

وهذا مما اعترف حذاقهم بأنه لازم كما ذكر ذلك ابن رشد والرازى وغيرهما واعترفوا بأن حدوث المتغير عن غير المتغير مخالف للعقلاء وابن سينا تفطن لهذا


339

سئل شيخ الاسلام قدس الله روحه

ما يقول السادة العلماء رضى الله عنهم أجمعين عن جواب شبهة ( المعتزلة ( فى نفى الصفات ادعوا أن ( صفات البارى ليست زائدة على ذاته ( لأنه لا يخلو اما أن يقوم وجوده بتلك الصفة المعينة بحيث يلزم من تقدير عدمها عدمه أولا فان يقم فقد تعلق وجوده بها وصار مركبا من أجزاء لا يصح وجوده الا بمجموعها والمركب معلول وان كان لا يقوم وجوده بها ولا يلزم من تقدير عدمها عدمه فهى عرضية والعرض معلول وهما على الله محال فلم يبق الا أن صفات البارى غير زائدة على ذاته وهو المطلوب

فأجاب رضى الله عنه

( الحمد لله ( الذى دل عليه الكتاب والسنة أن الله سبحانه له علم وقدرة ورحمة ومشيئة وعزة وغير ذلك لقوله تعالى ( ولا يحيطون بشىء من علمه ( وقوله ( لكن الله يشهد بما أنزل اليك أنزله بعلمه ( وقوله ( ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين ( وقوله ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ( وقوله ( ربنا وسعت كل شىء رحمة وعلما (


340

وفى حديث الاستخارة الذى فى الصحيح ( اللهم أنى استخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك واسألك من فضلك العظيم ( وفى حديث شداد بن أوس الذى فى السنن عن النبى ( ( اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينى ما كانت الحياة خيرا لى وتوفنى اذا كانت الوفاة خيرا لى ( وفى الحديث الصحيح ( لا وعزتك ( وهذا كثير

وفى الصحيح أيضا عن النبى ( ( سأل الذى كان يقرأ بقل هو الله أحد فى كل ركعة وهو امام فقال انى احبها لأنها صفة الرحمن فقال ( أخبروه أن الله يحبه ( فأقره النبى ( صلى الله عليه وسلم ( على تسميتها صفة الرحمن وفى هذا المعنى أيضا آثار متعددة

فثبت بهذه النصوص أن الكلام الذى يخبر به عن الله صفة له

ان الوصف هو الاظهار والبيان للبصر أو السمع كما يقول الفقهاء ثوب يصف البشرة او لا يصف البشرة وقال تعالى ( سيجزيهم وصفهم ( وقال ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ( وقال ( لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر اليها ( والنعت الوصف ومثل هذا كثير

و ( الصفة ( مصدر وصفت الشىء أصفه وصفا وصفة مثل وعد وعدا وعدة ووزن وزنا وزنة وهم يطلقون اسم المصدر على المفعول كما يسمون المخلوق خلقا ويقولون درهم ضرب الامير فاذا وصف الموصوف بأنه وسع كل شىء رحمة وعلما سمى المعنى الذى وصف به بهذا الكلام صفة فيقال للرحمة والعلم والقدرة صفة بهذا الاعتبار هذا حقيقة الامر


341

ثم كثير من ( المعتزلة ( ونحوهم يقولون الوصف والصفة اسم للكلام فقط من غير أن يقوم بالذات القديمة معانى وكثير من ( متكلمة الصفاتية ( يفرقون بين الوصف والصفة فيقولون الوصف هو القول والصفة المعنى القائم بالموصوف وأما المحققون فيعلمون أن كل واحد من اللفظين يطلق على القول تارة وعلى المعنى أخرى

والقرآن والسنة قد صرحا بثبوت المعانى التى هى العلم والقدرة وغيرهما كما قدمناه

وأما لفظ ( الذات ( فانها فى اللغة تأنيث ذو وهذا اللفظ يستعمل مضافا الى اسماء الاجناس يتوصلون به الى الوصف بذلك فيقال شخص ذو علم وذو مال وشرف ويعنى حقيقته أو عين أو نفس ذات علم وقدرة وسلطان ونحو ذلك وقد يضاف الى الاعلام كقولهم ذو عمرو وذو الكلاع وقول عمر الغنى بلال وذووه

فلما وجدوا الله قال فى القرآن ( تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك ( ويحذركم الله نفسه ( و ( كتب على نفسه الرحمة ( وصفوها فقالوا نفس ذات علم وقدرة ورحمة ومشيئة ونحو ذلك ثم حذفوا الموصوف وعرفوا الصفة فقالوا الذات وهى كلمة مولدة ليست قديمة وقد وجدت فى كلام النبى ( ( والصحابة لكن بمعنى آخر مثل قول خبيب الذى فى صحيح البخارى


342
وذاك فى ذات الاله وان يشأ
يبارك على أوصال شلو ممزع

وفى الصحي عن النبى ( ( قال ( لم يكذب ابراهيم الا ثلاث كذبات كلهن فى ذات الله ( وعن أبى ذر كلنا أحمق فى ذات الله وفى قول بعضهم اصبنا فى ذات الله والمعنى فى جهة الله وناحيته أى لأجل الله ولابتغاء وجهه ليس المراد بذلك النفس ونحوه فى القرآن ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ( وقوله ( عليم بذات الصدور ( أى الخصلة والجهة التى هى صاحبة بينكم وعليم بالخواطر ونحوها التى هى صاحبة الصدور

فاسم ( الذات ( فى كلام النبى ( صلى الله عليه وسلم ( والصحابة والعربية المحضة بهذا المعنى ثم اطلقه المتكلمون وغيرهم على ( النفس ( بالاعتبار الذى تقدم فانها صاحبة الصفات فاذا قالوا الذات فقد قالوا التى لها الصفات

وقد روى فى حديث مرفوع وغير مرفوع ( تفكروا فى آلاء الله ولا تتفكروا فى ذات الله فان كان هذا اللفظ أو نظيره ثابتا عن النبى ( ( وأصحابه فقد وجد فى كلامهم اطلاق اسم ( الذات ( على النفس كما يطلقه المتأخرون واذا تقرر هذا الاصل يبقى ( كالحركة ( وقد اختلف فى بقائها كالطعم واللون والريح وأكثر العقلاء على أنه قد يبقى

وهؤلاء لا يصح عندهم الاستدلال بهذه الاعراض على حدوث الجسم


343

فلأن لا يصح الاستدلال بصفات الله على حدوث الموصوف اولى واحرى مع أن ( هذه الحجة ( على حدوث العالم فيها نظر طويل ليس هذا موضعه

وهكذا ايضا يقال للفلاسفة فانه لا ريب أنه مبدىء للعالم وسبب لوجوده ويذكرون له من العقل والعناية أمورا لابد لهم من اثباتها

فالكلام فيما يثبته أهل الكتاب والسنة كالكلام فيما لابد من اثباته لجميع الطوائف وذلك أنه قد ثبت أنه حق بالاضطرار والأدلة القطعية واتفقوا على ذلك وثبت أنه قائم بنفسه وليس هو من جنس سائر ما يقوم بنفسه من الارواح والاجسام

فاذا كانوا متفقين على أنه قائم بنفسه ليس هو من جنس سائر الاجسام والارواح فكذلك ما يستحقه بنفسه من الصفات ليس من جنس ما يستحقه سائر الاشياء

فاذا قدر أن جوهرا قام به عرض محدث دل على حدوث الجوهر لم يستلزم ذلك فى كل ما قام بغيره أن يكون عرضا الا اذا استلزم أن يكون كل ما قام بنفسه جوهرا

فانه اذا ساغ لقائل أن لا يسمى بعض ما قام بنفسه جوهرا ساغ له أيضا أن لا يسمى بعض ما يقوم بغيره عرضا بل نفى العرض عن المعانى الباقية اقرب الى اللغة فان سمى المسمى كل ما قام بغيره عرضا ساغ حينئذ أن يسمى كل ما قام بنفسه جوهرا


344

( وحينئذ ( فالاستدلال بحدوث عرض وصفة على حدوث جوهره وموصوفه لا يستلزم أن يكون كل عرض وصفة دليلا على حدوث جوهره وموصوفه ولو لزم ذلك لبطل قولهم بحدوث جميع الجواهر والاجسام لدخول القديم فى هذا العموم على هذا التقدير بل بطل القول بامكان شىء من الجواهر والاجسام

فقد تبين الجواب من طريقين

( أحدهما ( من وجهين من جهة المعارضة والالزام ومن جهة المناقضة والافساد وتبين بالوجهين أن هذه الشبهة فاسدة على أصول جميع أهل الأرض وفاسدة فى نفسها لأله يلزم من ثبوتها نفيها وما لزم من ثبوته نفيه كان باطلا فى نفسه

( والطريق الثانى ( من جهة الحل والبيان كما تقدم

وأما الشبهة الثانية وهى شبهة ( التركيب ( وهى فلسفية معتزلية والاولى معتزلية محضة فإن المعتزلة يجعلون أخص وصفه القديم ويثبتون حدوث ما سواه

والفلاسفة يجعلون أخص وصفه وجوب وجوده بنفسه وامكان ما سواه فانهم لا يقرون بالحدوث عن عدم ويجعلون ( التركيب ( الذى ذكروه موجبا للافتقار المانع مع كونه واجبا بنفسه


345

( فالجواب ( عنها أيضا من وجهين

( أحدهما ( مشتمل على فنين المعارضة والمناقضة ( والثانى ( الحل

أما الأول فانهم يثبتونه عالما قادرا ويثبتونه واجبا ب فاعلا لغيره ومعلوم بالضرورة أن مفهوم كونه عالما غير مفهوم الفعل لغيره فان كانت ذاته مركبة من هذه المعانى لزم ( التركيب ( الذى ادعوه وان كانت عرضية لزم ( الافتقار ( الذى ادعوه

و ( بالجملة ( فما قالوه فى هذه الامور فهو قول أهل الكتاب والسنة فى العلم والقدرة

وأما ( المناقضة ( فان كان الواجب بنفسه لا يتميز عن غيره بصفة ثبوتية فلا واجب واذا لم يكن واجبا لم يلزم من التركيب محال وذلك أنهم انما نفوا المعانى لاستلزامها ثبوت ( التركيب ( المستلزم لنفى الوجوب وهذا تناقض فان نفى المعانى مستلزم لنفى الوجوب فكيف ينفونها لثبوته وذلك أن الواجب بنفسه حق موجود عالم قادر فاعل والممكن قد يكون موجودا عالما قادرا فاعلا وليست المشاركة فى مجرد اللفظ بل فى معانى معقولة معلومة بالأضطرار

فان كان به الاشتراك مستلزما لما به الامتياز فقد صار الواجب ممكنا والممكن واجبا وان لم يكن مستلزما فقد صار للواجب ما يتميز به عن


346

الممكن غير هذه المعانى المشتركة فصار فيه جهة اشتراك وجهة امتياز وهذا عندهم ( تركيب ( ممتنع فان كان هذا التركيب مستلزما لنفى الواجب فقد صار ثبوت الواجب بنفسه مستلزما لنفيه وهذا متناقض

فثبت بهذا ( البرهان الباهر ( أن هذه الحجة متناقضة فى نفسها كما ثبت أنها معارضة على أصولهم لما أثبتوه

وأما الجواب الذى هو الحل فنقول ( التركيب ( المعقول فى عقل بنى آدم ولغة الآدميين هو تركيب الموجود من أجزائه التى يتميز بعضها عن بعض وهو تركيب الجسم من أجزائه كترتيب الانسان من وتركيب الشراب من أجزائه وسواء كان أحد الجزئين منفصلا عن الآخر كانفصال اليد عن الرجل او شائعا فيه كشياع المرة فى الدم والماء فى اللبن

وأما ما يذكره ( المنطقيون ( من تركيب الانواع من الجنس والفصل كتركيب الانسان من حيوان وناطق وهو المركب مما به الاشتراك بينه وبين سائر الانواع ومما به امتيازه عن غيره من الانواع وتقسيمهم الصفات الى ( ذاتى ( تتركب منه الحقائق وهو الجنس والفصل والى ( عرضى ( وهو العرض العام والخاصة ثم الحقيقة المؤلفة من المشترك والمميز هى ( النوع (

فنقول هذا ( التركيب ( امر اعتبارى ذهنى ليس له وجود فى الخارج كما أن ( ذات النوع ( من حيث هى عامة ليس لها ثبوت فى الخارج بل نفس


347

الحقائق الخارجة ليس فيها عموم خارجى ولا تركيب خارجى كما قلنا فى مسئلة ( المعدوم ( انه شىء فى الذهن لا فى الخارج لتعلق العلم والارادة به

فان الانسان الموجود فى الخارج ليس فيه ذوات متميزة بعضها حيوانية وبعضها ناطقية وبعضها ضاحكية وبعضها حساسية بل العقل يدرك منه معنى ونظير ذلك المعنى ثابت لنوع آخر فيقول فيه معنى مشترك ويدرك فيه معنى مختصا ثم يجمع بين المعنيين فيقول هو مؤلف منهما ثم اذا أدرك فيه المعنيين لم يدرك أن أحدهما فيه متميز عن الآخر منفصل كما أنه اذا أدرك الوجود والوجوب والقيام بالنفس والاقامة للغير لم يدرك أحد هذه المعانى منفصلا عن الآخر متميزا عنه

بل أبلغ من ذلك أن الطعم واللون والريح القائمة بالجسم لا يتميز بعضها عن بعض بمحالها وانما الحس يميز بين هذه الحقائق

فهذا النوع من ( التركيب ( ليس من جنس تركيب الجسد من ابعاضه واخلاطه فليست الابعاض كالاعراض ونحن لا ننازع فى تسمية هذا مركبا فان هذا نزاع لفظى ولكن الغرض ان هذا التركيب ليس من جنس التركيب الذى يعقله بنو آدم بالفطرة الاولى حتى يطلق عليه لفظ الاجزاء

اذا عرف هذا كان الجواب من فنين فى الحل كما كان من فنين فى الابطال ( أحدهما ( أنا لا نسلم أن هناك تركبا من أجزاء بحال وانما هى ذات قائمة


348

بنفسها مستلزمة للوازمها التى لا يصح وجودها الا بها وليست صفة الموصوف أجزاءا له ولا أبعاضا يتميز بعضها عن بعض أو تتميز عنه حتى يصح أن يقال هى مركبة منه أو ليست مركبة فثبوت التركيب ونفيه فرع تصوره هنا منتف

( والجواب الثانى ( أنه لو فرض أن هذا يسمى مركبا فليس هذا مستلزما للامكان ولا للحدوث وذلك ان الذى علم بالعقل والسمع أنه يمتنع ان يكون الرب تعالى فقيرا الى خلقه بل هو الغنى عن العالمين وقد علم أنه حى قيوم بنفسه وان نفسه المقدسة قائمة بنفسه وموجودة بذاته وأنه أحد صمد غنى بنفسه ليس ثبوته وغناه مستفادا من غيره وانما هو بنفسه لم يزل ولا يزال حقا صمدا قيوما فهل يقال فى ذلك أنه مفتقر الى نفسه او محتاج الى نفسه لأن نفسه لا تقوم الا بنفسه فالقول فى ( صفاته ( التى هى داخلة فى مسمى نفسه هو القول فى نفسه

فاذا قيل صفاته ذاتية وقيل انه محتاج اليها كان بمنزلة قول القائل انه محتاج الى نفسه فان صفاته الذاتية هى ما لا تكون النفس بدونها

وكذلك اذا قلنا ذاته موجبة لوجوده أو هو واجب بنفسه أو هو مقتض لوجوبه فلو قال قائل يلزم أن يكون معلولا والمعلول مفتقر قيل له ليست العلة هنا غير المعلول والمنتفى افتقاره الى غيره وكونه معلولا لسواه واما قيامه بنفسه فحق


349

ثم هذه العبارات التى توهم معنى فاسدا ان لأأطلقت باعتبار المعنى الصحيح او لم تطلق بحال لم يضر ذلك اذا كان المعنى الصحيح معلوما لا يندفع فهذا المعنى الشريف يجب التفطن له فانه يزيل شبها خيالية أضلت خلقا كثيرا

ونحن اذا قلنا ( الماهيات ( مجعولة فنعنى بذلك الماهيات الموجودة فى الخارج بناء على أن وجود كل شىء فى الخارج هو عين ماهيته اذ ليس الموجود فى الخارج شيئا غير وجوده وذلك الموجود فى الخارج هو المفتقر الى غيره سواء كان مفردا أو مركبا

فالمركب فى الخارج لم يفتقر الى الفاعل لكونه مركبا بل لأن حقيقته مفتقرة وانيته مضطرة ليس له ثبوت ولا وجود ولا انية الا من ربه ولذلك افتقر المفرد الى الصانع كافتقار المركب

وأما ما يعمله العقل من ( الماهيات ( مفردها ومركبها فلا يفتقر الى الفاعل الا من جهة ان علم العبد لا بدله من سبب لا من جهة ان المركب مفتقر الى أجزائه فقد تبين لك أن المركب ليس مفتقرا الى أجزائه لا فى الذهن ولا فى الخارج الا كافتقار المفرد الى نفسه فجزء المركب


350

بمنزلة عين المفرد وكل منهما مفتقر الى غيره فى الخارج

فان جاز ان يقال هو مفتقر الى نفسه جاز ان يقال هو مفتقر الى وصفه أو جزئه وان لم يجز ذلك لم يجز هذا فليس وصف الموصوف وجزء المركب الذى لا تقوم ذاته الا به الا بمنزلة ذاته وليس فى قولنا هو مفتقر الى نفسه ما يرفع وجوبه بنفسه فكذلك هذا

فظهر الخلل فى كلا المقدمتين وهو أن الصفات مستلزمة للتركيب وان التركيب مستلزما للحاجة الى الغير واذا كان كل من المقدمتين باطلة بطل هذا بالكلية والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين


351

وقال شيخ الاسلام قدس الله روحه

السلام على النبى ورحمة الله وبركاته السلام على جيرانه سكان ( المدينة طيبة ( من الاحياء والاموات من المهاجرين والانصار وسائر المؤمنين ورحمة الله وبركاته ا

لى الشيخ الامام العارف الناسك المقتدى الزاهد العابد شمس الدين كتب الله فى قلبه الايمان وأيده بروح منه وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علما وجعله من اوليائه المتقين وحزبه المفلحين وخاصته المصطفين ورزقه اتباع نبيه باطنا وظاهرا واللحاق به فى الدنيا والآخرة أنه ولى ذلك والقادر عليه من أحمد بن تيمية سلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد

فانا نحمد اليكم الله الذى لا اله الا هو وهو للحمد أهل وهو على كل شىء قدير ونسأله أن يصلى على صفوته من خلقه وخيرته من بريته النبى الأمى ( محمد ( وعلى آله وسلم تسليما


352

كتابى اليك أحسن الله اليك فى الدنيا والآخرة 2 احسانا ينيلك به عالى الدرجات فى خير وعافية عن نعمة من الله ورحمة وعافية شاملة لنا ولسائر اخواننا والحمد لله رب العالمين كثيرا كما هو اهله وكما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله

وقد وصل ما ارسلته الكتب الثلاثة ونحن نسأل الله تعالى ونوجو منه أن يكون ما قضاه وقدره من مرض ونحوه من مصائب الدنيا مبلغا لدرجات قصر العمل عنها وسبق فى ام الكتاب انها ستنال وان تكون الخيرة فيما اختاره الله لعباده المؤمنين

وقد علمنا من حيث العموم ان الله تعالى لا يقضى للمؤمن من قضاء الا كان خيرا له وان النية وان كانت متشوقة الى امر حجز عنه المرض فان الخيرة ان شاء الله تعالى فيما اراده الله والله تعالى يخير لكم فى جميع الامور خيرة تحصل لكم رضوان الله فى خير وعافية وما تشتكى من مصيبة فى القلب والدين نسأل الله أن يتولاكم بحسن رعايته توليا لا يكلكم فيه الى أحد من المخلوقين ويصلح لكم شأنكم كله صلاحا يكون بدؤه منه واتمامه عليه ويحقق لكم مقام ( اياك نعبد واياك نستعين ( ولا حول ولا قوة الا بالله العزيز الحكيم مع انا نرجو أن تكون رؤية التقصير وشهادة التأخير من نعمة الله على عبده المؤمن التى يستوجب بها التقدم ويتم له بها النعمة ويكفى بها مؤنة شيطانه المزين له سوء عمله ومؤنة نفسه التى تحب أن تحمد بما لم تفعل وتفرح


353

بما أتت وقد قال سبحانه ( ان الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون الى قوله انهم الى ربهم راجعون (

وروى عن النبى ( ( أنه قال ( هو الرجل يصوم ويصلى ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه ( وفى الأثر أظنه عن عمر بن الخطاب أو عن ابن مسعود من قال أنه مؤمن فهو كافر ومن قال أنه فى الجنة فهو فى النار وقال والذى لا اله غيره ما أمن أحد على ايمان يسلبه عند الموت ألا يسلبه

وقال أبو العالية أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ( ( كلهم يخاف النفاق على نفسه وقال الصديق رضى الله عنه أن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم سيئها فيقول الرجل اين أنا من هؤلاء يعنى وهو منهم وذكر أهل النار بأقبح أعمالهم وأحبط حسنها فيقول القائل لست من هؤلاء يعنى وهو منهم هذا الكلام أو قريبا منه

فليبرد القلب من وهج حراراة هذه الشهادة انها سبيل مهيع لعباد الله مع أن الازدياد من مثل هذه الشهادة هو النافع فى الأمر الغالب ما لم يفض الى تسخط للمقدور أو يأس من روح الله أو فتور عن الرجاء والله تعالى يتولاكم بولاية منه ولا يكلكم الى أحد غيره


354

وأما ما ذكرت من طلب الاسباب الأربعة التى لابد فيها من صرف الكلام من حقيقته الى مجازه فأنا اذكر ملخص الكلام الذى جرى بينى وبين بعض الناس فى ذلك وهو ما حكيته لك وطلبته وكان إن شاء الله له ولغيره به منفعة على ما فى الحكاية من زيادة ونقص وتغيير

قال لى بعض الناس اذا أردنا أن نسلك طريق سبيل السلامة والسكوت وهى الطريقة التى تصلح عليها السلامة قلنا كما قال الشافعى رضى الله عنه آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ( ( واذا سلكنا سبيل البحث والتحقيق فان الحق مذهب من يتأول آيات الصفات وأحاديث الصفات من المتكلمين

فقلت له اما ما قاله الشافعى فانه حق على كل مسلم أن يعتقده ومن اعتقده ولم يأت بقول يناقضه فانه سالك سبيل السلامة فى الدنيا والآخرة واما اذا بحث الانسان وفحص وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذى يخالفون به أهل الحديث كله باطلا وتيقن ان الحق مع أهل الحديث ظاهرا وباطنا

فاستعظم ذلك وقال أتحب لأهل الحديث أن يتناظروا فى هذا فتواعدنا يوما فكان فيما تفاوضنا ان أمهات المسائل التى خالف فيها متأخروا المتكلمين ممن ينتحل مذهب مذهب الاشعرى لأهل الحديث ( ثلاث مسائل (


355

وصف الله بالعلو على العرش

ومسألة القرآن

ومسألة تأويل الصفات

فقلت له نبدأ بالكلام على ( مسألة تأويل الصفات ( فانها الام والباقى من المسائل فرع عليها وقلت له مذهب ( أهل الحديث ( وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف أن هذه الاحاديث تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق وتصان عن تاويل يفضى الى تعطيل وتكييف يفضى الى تمثيل

وقد أطلق غير واحد ممن حكى اجماع السلف منهم الخطابى مذهب السلف أنها تجرى على ظاهرها مع نفى الكيفية والتشبيه عنها وذلك أن الكلام فى ( الصفات ( فرع على الكلام فى ( الذات ( يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله فاذا كان اثبات الذات اثبات وجود لا اثبات كيفية فكذلك اثبات الصفات اثبات وجود لا اثبات كيفية فنقول ان له يدا وسمعا ولا نقول أن معنى اليد القدرة ومعنى السمع العلم

فقلت له وبعض الناس يقول ( مذهب السلف ( أن الظاهر غير مراد ويقول أجمعنا على أن الظاهر غير مراد وهذه العبارة خطأ اما لفظا ومعنى او لفظا لا معنى لأن الظاهر قد صار مشتركا بين شيئين


356

( أحدهما ( أن يقال ان اليد جارحة مثل جوارح العباد وظاهر الغضب غليان القلب لطلب الانتقام وظاهر كونه فى السماء أن يكون مثل الماء فى الظرف فلا شك أن من قال أن هذه المعانى وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين غير مراد من الآيات والأحاديث فقد صدق وأحسن اذ لا يختلف أهل السنة أن الله تعالى ليس كمثله شىء لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله بل أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة

كن هذا القائل أخطأ حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الايات والاحاديث وحيث حكى عن السلف ما لم يقولوه فان ( ظاهر الكلام ( هو ما يسبق الى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة ثم قد يكون ظهوره بمجرد الوضع وقد يكون بسياق الكلام وليست ( هذه المعانى ( المحدثة المستحيلة على الله تعالى هى السابقة الى عقل المؤمنين بل اليد عندهم كالعلم والقدرة والذات فكما كان علمنا وقدرتنا وحياتنا وكلامنا ونحوها من الصفات اعراضا تدل على حدوثنا يمتنع أن يوصف الله سبحانه بمثلها فكذلك ايدينا ووجوهنا ونحوها أجساما كذلك محدثة يمتنع أن يوصف الله تعالى بمثلها

ثم لم يقل أحد من أهل السنة اذا قلنا أن لله علما وقدرة وسمعا وبصرا أن ظاهره غير مراد ثم يفسر بصفاتنا فكذلك ى يجوز أن يقال ان ظاهر اليد والوجه غير مراد اذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم أو عرض للجسم


357

ومن قال ان ظاهر شىء من أسمائه وصفاته غير مراد فقد أخطأ لأنه ما من اسم يسمى الله تعالى به الا والظاهر الذى يستحقه المخلوق غير مراد به فكان قول هذا القائل يقتضى أن يكون جميع أسمائه وصفاته قد أريد بها ما يخالف ظاهرها ولا يخفى ما فى هذا الكلام من الفساد

( والمعنى الثانى ( أن هذه الصفات انما هى صفات الله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله نسبتها الى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شىء الى ذاته فيعلم أن العلم صفة ذاتية للموصوف ولها خصائص وكذلك الوجه ولا يقال انه مستغن عن هذه الصفات لأن هذه الصفات واجبة لذاته و ( الاله ( المعبود سبحانه هو المستحق لجميع هذه الصفات

وليس غرضنا الآن الكلام مع نفاة الصفات مطلقا وانما الكلام مع من يثبت بعض الصفات

وكذلك ( فعله ( نعلم أن الخلق هو ابداع الكائنات من العدم وان كنا لا نكيف ذلك الفعل ولا يشبه افعالنا اذ نحن لا نفعل الا لحاجة الى الفعل والله غنى حميد

وكذلك ( الذات تعلم من حيث الجملة وان كانت لا تماثل الذوات المخلوقة ولا يعلم ما هو الا هو ولا يدرك لها كيفية فهذا هو الذى يظهر من اطلاق هذه الصفات وهو الذى يجب أن تحمل عليه


358

فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذى أريد منه فيعلم أن الله على كل شىء قدير وان الله قد أحاط بكل شىء علما وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه وان المؤمنين ينظرون الى وجه خالقهم فى الجنة ويتلذذون بذلك لذة ينغمر فى جانبها جميع اللذات ونحو ذلك

كما يعلم أن له ربا وخالقا ومعبودا ولا يعلم كنه شىء من ذلك بل غاية علم الخلق هكذا يعلمون الشىء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه وعلمهم بنفوسهم من هذا الضرب

قلت له أفيجوز أن يقال ان ( الظاهر غير مراد ( بهذا التفسير فقال هذا لا يمكن

فقلت له من قال أن الظاهر غير مراد بمعنى أن صفات المخلوقين غير مرادة قلنا له أصبت فى ( المعنى ( لكن أخطأت فى ( اللفظ ( وأوهمت البدعة وجعلت للجهمية طريقا الى غرضهم وكان يمكنك أن تقول تمر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله تعالى ليست كصفات المخلوقين وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه

ومن قال ( الظاهر غير مراد ( بالتفسير الثانى وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة وبعض الاشعرية وغيرهم فقد أخطأ

ثم أقرب هؤلاء ( الجهمية ( الاشعرية يقولون ان له صفات سبعا الحياة


359

والعلم والقدرة والارادة والكلام والسمع والبصر وينفون ما عداها وفيهم من يضم الى ذلك ( اليد ( فقط ومنهم من يتوقف فى نفى ما سواها وغلاتهم يقطعون بنفى ما سواها

وأما ( المعتزلة ( فانهم ينفون الصفات مطلقا ويثبتون أحكامها وهى ترجع عند أكثرهم الى أنه عليم قدير وأما كونه مريدا متكلما فعندهم أنها صفات حادثة أو اضافية أو عدمية وهم أقرب الناس الى ( الصابئين الفلاسفة ( من الروم ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس حيث زعموا أن الصفات كلها ترجع الى سلب أو اضافة أو مركب من سلب واضافة فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل

ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرا نافذا وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء علم قطعا أنهم يلحدون فى أسمائه وآياته وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله ولهذا كانوا يقولون ان البدع مشتقة من الكفر وآيلة اليه ويقولون ان المعتزلة مخانيث الفلاسفة والاشعرية مخانيث المعتزلة

وكان يحيى بن عمار يقول المعتزلة الجهمية الذكور والاشعرية الجهمية الاناث ومرادهم الاشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية وأما من قال منهم بكتاب ( الابانة ( الذى صنفه الاشعرى فى آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة لكن مجرد الانتساب الى الاشعرى بدعة


360

لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنا بكل من انتسب هذه النسبة وينفتح بذلك أبواب شر والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير

قلت له اذا وصف الله نفسه بصفة أو وصفه بها رسوله أو وصفه بها المؤمنون الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها الى باطن يخالف الظاهر ومجاز ينافى الحقيقة لابد فيه من أربعة أشياء

( أحدها ( أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازى لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء باللسان العربى ولا يجوز أن يراد بشىء منه خلاف لسان العرب أو خلاف الألسنة كلها فلابد أن يكون ذلك المعنى المجازى ما يراد به اللفظ والا فيمكن كل مبطل أن يفسر أى لفظ بأى معنى سنح له وان لم يكن له أصل فى اللغة

( الثانى ( أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته الى مجازه والا فاذا كان يستعمل فى معنى بطريق الحقيقة وفى معنى بطريق المجاز لم يجز حمله على المجازى بغير دليل يوجب الصرف باجماع العقلاء ثم ان ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة فلابد له من دليل قاطع عقلى أو سمعى يوجب الصرف وان ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلابد من دليل مرجح للحمل على المجاز

( الثالث ( أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض والا فاذا قام دليل قرآنى او ايمانى يبين أن الحقيقة مرادة امتنع


361

تركها ثم ان كان هذا الدليل نصا قاطعا لم يلتفت الى نقيضه وان كان ظاهرا فلابد من الترجيح

( الرابع ( أن الرسول ( ( اذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته فلابد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته وأنه أراد مجازه سواء عينه أو لم يعينه لا سيما فى الخطاب العلمى الذى أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم دون عمل الجوارح فانه سبحانه وتعالى جعل القرآن نورا وهدى وبيانا للناس وشفاء لما فى الصدور وأرسل الرسل ليبين للناس على الله حجة بعد الرسل

ثم هذا ( الرسول ( الأمى العربى بعث بأفصح اللغات وأبين الالسنة والعبارات ثم الامة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علما وأنصحهم للأمة وأبينهم للسنة فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره الا وقد نصب دليلا يمنع من حمله على ظاهره اما أن يكون عقليا ظاهرا مثل قوله ( وأوتيت من كل شىء ( فان كل أحد يعلم بعقله أن المراد اوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها وكذلك ( خالق كل شىء ( يعلم المستمع ان الخالق لا يدخل فى هذا العموم أو سمعيا ظاهرا مثل الدلالات فى الكتاب والسنة التى تصرف بعض الظواهر

ولا يجوز أن يحيلهم على دليل خفى لا يستنبطه الا افراد الناس سواء كان سمعيا أو عقليا لأنه اذا تكلم بالكلام الذى يفهم منه معنى واعاده مرات


362

كثيرة وخاطب به الخلق كلهم وفيهم الذكى والبليد والفقيه وغير الفقيه وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه ويعتقدوا موجبه ثم أوجب أن لا يعتقدوا بهذا الخطاب شيئا من ظاهره لأن هناك دليلا خفيا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره كان هذا تدليسا وتلبيسا وكان نقيض البيان وضد الهدى وهو يالألغاز والاحاجى أشبه منه بالهدى والبيان فكيف اذا كانت دلالة ذلك الخطاب على ظاهره اقوى بدرجات كثيرة من دلالة ذلك الدليل الخفى على أن الظاهر غير مراد أم كيف اذا كان ذلك الخفى شبهة ليس لها حقيقة

فسلم لى ذلك الرجل هذه المقامات

قلت ونحن نتكلم على صفة من الصفات ونجعل الكلام فيها أنموذجا يحتذى عليه ونعبر بصفة ( اليد ( وقد قال تعالى ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت ايديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ( وقال تعالى لابليس ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى ( وقال تعالى ( وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ( وقال تعالى ( تبارك الذى بيده الملك ( وقال ( بيدك الخير انك على كل شىء ( وقال تعالى ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا انعاما فهم لها مالكون (


363

وقد تواتر فى السنة مجىء ( اليد ( فى حديث النبى ( صلى الله عليه وسلم (

فالمفهوم من هذا الكلام أن لله تعالى يدين متخصتان به ذاتيتان له كما يليق بجلاله وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وابليس وأنه سبحانه يقبض الارض ويطوى السموات بيده اليمنى وان ( يداه مبسوطتان ( ومعنى بسطهما بذل الجود وسعة العطاء لان الاعطاء والجود فى الغالب يكون ببسط اليد ومدها وتركه يكون ضما لليد الى العنق صار من الحقائق العرفية اذا قيل هو مبسوط اليد فهم منه يد حقيقة وكان ظاهره الجود والبخل كما قال تعالى ( ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط ( ويقولون فلان جعد البنان وسبط البنان

قلت له فالقائل ان زعم أنه ليس له يد من جنس ايدى المخلوقين وأن يده ليست جارحة فهذا حق

وان زعم أنه ليس له بد زائدة على الصفات السبع فهو مبطل فيحتاج الى تلك المقامات الاربعة

أما ( الأول ( فيقول أن اليد تكون بمعنى النعمة والعطية تسمية للشىء باسم سببه كما يسمى المطر والنبات سماء ومنه قولهم لفلان عنده أياد وقول ابى طالب لما فقد النبى ( (

يا رب رد راكبى محمدا
رده على واصطنع عندى يدا


364

قول عروة بن مسعود لابى بكر يوم الحديبي لولا يد لك عندى لم أجزك بها لأجبتك وقد تكون اليد بمعنى القدرة تسمية للشىء باسم مسببه لأن القدرة هى تحرك اليد يقولون فلان له يد فى كذا وكذا ومنه قوله ( زياد ( لمعاوية انى قد امسكت العراق باحدى يدى ويدى الاخرى فارغة يريد نصف قدرتى ضبط العراق ومنه قوله ( بيده عقدة النكاح ( والنكاح كلام يقال وانما معناه انه مقتدر عليه

وقد يجعلون اضافة الفعل اليها اضافة الفعل الى الشخص نفسه لان غالب الافعال لما كانت باليد جعل ذكر اليد اشارة الى أنه فعل بنفسه قال الله تعالى ( لقد سمع الله قول الذين قالوا ان الله فقير ونحن أغنياء الى قوله ذلك بما قدمت أيديكم ( أى بما قدمتم فان بعض ما قدموه كلام تكلموا به وكذلك قوله تعالى ( ولو ترى اذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وادبارهم الى قوله ذلك بما قدمت أيديكم ( والعرب تقول يداك أوكتا وفوك نفخ توبيخا لكل من جر على نفسه جريرة لأن اول ما قيل هذا لمن فعل بيديه وفمه (

قلت له ( ونحن لا ننكر لغة العرب التى نزل بها القرآن فى هذا كله والمتأولون للصفات الذين حرفوا الكلم عن مواضعه وألحدوا فى أسمائه وآياته تأولوا قوله ( بل يداه مبسوطتان ( وقوله ( لما خلقت بيدى ( على هذا


365

كله فقالوا ان المراد نعمته أى نعمة الدنيا ونعمة الاخرة وقالوا بقدرته وقالوا اللفظ كناية عن نفس الجود من غير ان يكون هناك يد حقيقة بل هذه اللفظة قد صارت حقيقة فى العطاء والجود وقوله ( لما خلقت بيدى ( أى خلقته انا وان لم يكن هناك يد حقيقة قلت له فهذه تأويلاتهم قال نعم قلت له فننظر فيما قدمنا

( المقام الاول ( أن لفظ ( اليدين ( بصيغة التثنية لم يستعمل فى النعمة ولا فى القدرة لان من لغة القوم استعمال الواحد فى الجمع كقوله ( ان الانسان لفى خسر ( ولفظ الجمع فى الوحد كقوله ( الذين قال لهم الناس ان الناس ( ولفظ الجمع فى الاثنين كقوله ( صغت قلوبكما ( لأن هذه الالفاظ عدد وهى نصوص فى معناها لا يتجوز بها ولا يجوز أما استعمال لفظ الواحد ان يقال عندى رجل ويعنى رجلين ولا عندى رجلان ويعنى به الجنس لان اسم الواحد يدل على الجنس والجنس فيه شياع وكذلك اسم الجمع فيه معنى الجنس والجنس يحصل بحصول الواحد

فقوله ( لما خلقت بيدى ( لا يجوز أن يراد به القدرة لان القدرة صفة واحدة ولا يجوز أن يعبر بالاثنين عن الواحد

ولا يجوز أن يراد به النعمة لان نعم الله لا تحصى فلا يجوز أن يعبر عن النعم التى لا تحصى بصيغة التثنية


366

ولا يجوز أن يكون ( لما خلقت أنا ( لانهم اذا أرادوا ذلك اضافوا الفعل الى اليد فتكون اضافته الى اليد اضافة له الى الفعل كقوله ( بما قدمت يداك ( وقدمت أيديكم ( ومنه قوله ( مما عملت ايدينا أنعاما (

اما اذا اضاف الفعل الى الفاعل وعدى الفعل الى اليد بحرف الباء كقوله ( لما خلقت بيدى ( فانه نص فى أنه فعل الفعل بيديه ولهذا لا يجوز لمن تكلم أو مشى أن يقال فعلت هذا بيديك ويقال هذا فعلته يداك لان مجرد قوله فعلت كاف فى الاضافة الى الفاعل فلو لم يرد أنه فعله باليد حقيقة كان ذلك زيادة محضة من غير فائدة ولست تجد فى كلام العرب ولا العجم ان شاء الله تعالى ان فصيحا يقول فعلت هذا بيدى او فلان فعل هذا بيديه الا ويكون فعله بيديه حقيقة ولا يجوز ان يكون لا يد له أو أن يكون له يد والفعل وقع بغيرها

وبهذا الفرق المحقق تتبين مواضع المجاز ومواضع الحقيقة ويتبين أن الايات لا تقبل المجاز البته من جهة نفس اللغة

قال لى فقد اوقعوا الاثنين موقع الواحد فى قوله ( القيا فى جهنم ( وانما هو خطاب للواحد

قلت له هذا ممنوع بل قوله ( القيا ( قد قيل تثنية الفاعل لتثنية الفعل والمعنى الق الق وقد قيل انه خطاب للسائق والشهيد ومن قال أنه خطاب للواحد قال ان الانسان يكون معه اثنان أحدهما عن يمينه والاخر عن شماله


367

فيقول خليلى خليلى ثم أنه يوقع هذا الخطاب وان لم يكونا موجودين كأنه يخاطب موجودين فقوله ( القيا ( عند هذا القائل انما هو خطاب لاثنين يقدر وجودهما فلا حجة فيه البتة

قلت له ( المقام الثانى ( ان يقال هب أنه يجوز ان يعنى باليد حقيقة اليد وان يعنى بها القدرة أو النعمة أو يجعل ذكرها كناية عن الفعل لكن ما لموجب لصرفها عن الحقيقة

فان قلت لأن اليد هى الجارحة وذلك ممتنع على الله سبحانه

قلت لك هذا ونحوه يوجب امتناع وصفه بأن له يدا من جنس ايدى المخلوقين وهذا لا ريب فيه لكن لم لا يجوز ان يكون له ( يد ( تناسب ذاته تستحق من صفات الكمال ما تستحق الذات قال ليس فى العقل والسمع ما يحيل هذا ( قلت ( فاذا كان هذا ممكنا وهو حقيقة اللفظ فلم يصرف عنه اللفظ الى مجازه وكل ما يذكره الخصم من دليل يدل على امتناع وصفه بما يسمى به وصحت الدلالة سلم له ان المعنى الذى يستحقه المخلوق منتف عنه وانما حقيقة اللفظ وظاهره ( يد ( يستحقها الخالق كالعلم والقدرة ( بل كالذات والوجود

( المقام الثالث ( قلت له بلغك ان فى كتاب الله او فى سنة رسول الله ( ( أو عن أحد من ائمة المسلمين أنهم قالوا المراد باليد خلاف ظاهره او الظاهر غير مراد او هل فى كتاب الله آية تدل على انتفاء وصفه


368

باليد دلالة ظاهرة بل أو دلالة خفية فان اقصى ما يذكره المتكلف قوله ( قل هو الله أحد ( وقوله ( ليس كمثله شىء ( وقوله ( هل تعلم له سميا ( وهؤلاء الايات انما يدللن على انتفاء التجسيم والتشبيه واما انتفاء يد تليق بجلاله فليس فى الكلام ما يدل عليه بوجه من الوجوه

وكذلك هل فى العقل ما يدل دلالة ظاهرة على أن البارى لا ( يد ( له البتة لا ( يدا ( تليق بجلاله ولا ( يدا ( تناسب المحدثات وهل فيه ما يدل على ذلك اصلا ولو بوجه خفى فاذا لم يكن فى السمع ولا فى العقل ما ينفى حقيقة اليد البتة وان فرض ما ينافيها فانما هو من الوجوه الخفية عند من يدعيه والا ففى الحقيقة انما هو شبهة فاسدة

فهل يجوز ان يملأ الكتاب والسنة من ذكر اليد وان الله تعالى خلق بيده وان يداه مبسوطتان وان الملك بيده وفى الحديث ما لا يحصى ثم أن رسول الله ( ( واولى الامر لا يبينون للناس ان هذا الكلام لا يراد به حقيقته ولا ظاهره حتى ينشأ ( جهم بن صفوان ( بعد انقراض عصر الصحابة فيبين للناس ما نزل اليهم على نبيهم ويتبعه عليه ( بشر بن غياث ( ومن سلك سبيلهم من كل مغموص عليه بالنفاق

وكيف يجوز ان يعلمنا نبينا ( ( كل شىء حتى ( الخراءة ( ويقول ( ما تركت من شىء يقربكم الى الجنة الا وقد حدثتكم به ولا من


369

شىء يبعدكم عن النار الا وقد حدثتكم به ( تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى الا هالك ( ثم يترك الكتاب المنزل عليه وسنته الغراء مملؤة مما يزعم الخصم أن ظاهره تشبيه وتجسيم وان اعتقاد ظاهره ضلال وهو لا يبين ذلك ولا يوضحه

وكيف يجوز للسلف أن يقولوا امروها كما جاءت مع أن معناها المجازى هو المراد وهو شىء لا يفهمه العرب حتى يكون ابناء الفرس والروم اعلم بلغة العرب من ابناء المهاجرين والانصار

( المقام الرابع ( قلت له أنا اذكر لك من الادلة الجلية القاطعة والظاهرة ما يبين لك أن الله ( يدين ( حقيقة

فمن ذلك تفضيله لآدم يستوجب سجود الملائكة وامتناعهم عن التكبر عليه فلو كان المراد انه خلقه بقدرته او بنعمته او مجرد اضافة خلقه اليه لشاركه فى ذلك ابليس وجميع المخلوقات

قال لى فقد يضاف الشىء الى الله على سبيل التشريف كقوله ( ناقة الله ( وبيت الله

قلت له لا تكون الاضافة تشريفا حتى يكون فى المضاف معنى أفرده به عن غيره فلو لم يكن فى الناقة والبيت من الايات البينات ما تمتاز به على جميع النوق والبيوت لما استحقا هذه الاضافة والامر هنا كذلك فاضافة خلق


370

آدم اليه أنه خلقه بيديه يوجب أن يكون خلقه بيديه انه قد فعله بيديه وخلق هؤلاء بقوله كن فيكون كما جاءت به الاثار

ومن ذلك انهم اذا قالوا بيده الملك او عملته يداك فهما شيئان ( أحدهما ( اثبات اليد و ( الثانى ( اضافة الملك والعمل اليها و ( الثانى ( يقع فيه التجوز كثيرا اما الاول فانهم لا يطلقون هذا الكلام الا لجنس له ( يد ( حقيقة ولا يقولون ( يد ( الهوى ولا ( يد ( الماء فهب أن قوله بيده الملك قد علم منه ان المراد بقدرته لكن لا يتجوز بذلك الا لمن له يد حقيقة

والفرق بين قوله تعالى ( لما خلقت بيدى ( وقوله ( مما عملت ايدينا ( من وجهين

( أحدهما ( انه هنا اضاف الفعل اليه وبين انه خلقه بيديه وهناك أضاف الفعل الى الايدى

( الثانى ( ان من لغة العرب انهم يضعون اسم الجمع موضع التثنية اذا أمن اللبس كقوله تعالى ( والسارق والسارق فاقطعوا أيديهما ( أى يديهما وقوله ( فقد صغت قلوبكما ( أى قلباكما فكذلك قوله ( مما عملت ايدينا ( واما السنة فكثيرة جدا مثل قوله ( ( المقسطون


371

عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون حكمهم واهليهم وما ولوا ( رواه مسلم وقوله ( ( ( يمين الله ملآى لا يغيظها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والارض فانه لم يغض ما فى يمينه والقسط بيده الاخرى يرفع ويخفض الى يوم القيامة ( رواه مسلم فى صحيحه والبخارى فيما أظن

وفى الصحيح ايضا عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه عن رسول الله ( ( قال ( تكون الارض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم بيده خبزته فى السفر ( وفى الصحيح أيضا عن ابن عمر يحكى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( قال ( يأخذ الرب عز وجل سماواته وأرضه بيديه وجعل يقبض يديه ويبسطهما ويقول أنا الرحمن حتى نظرت الى المنبر يتحرك اسفل منه حتى أنى اقول اساقط هو برسول الله ( وفى روايه أنه قرأ هذه الاية على المنبر ( وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ( قال ( يقول انا الله انا الجبار ( وذكره وفى الصحيح ايضا عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ( ( يقبض الله الارض ويطوى السماء بيمينه ثم يقول انا الملك أين ملوك الارض ( وما يوافق هذا من حديث الحبر

وفى حديث صحيح ( ان الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان اختر


372

أيهما شئت قال اخترت يمين ربى وكلتا يدى ربى يمين مباركة ثم بسطها فاذا فيها آدم وذريته ( وفى الصحيح ( أن الله كتب بيده على نفسه لما خلق الخلق ان رحمتى تغلب غضبى (

وفى الصحيح ( أنه لما تحاج ادم وموسى قال ادم يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده وقد قال له موسى انت ادم الذى خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وفى حديث آخر انه قال سبحانه ( وعزتى وجلالى لا اجعل صالح ذرية من خلقت بيدى كمن قلت له كن فكان ( وفى حديث آخر فى السنن ( لما خلق آدم ومسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته فقال خلقت هؤلاء للجنة وبعمل اهل الجنة يعملون ثم مسح ظهره بيده الاخرى فقال خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون (

فذكرت له ( هذه الاحاديث ( وغيرها ثم ( قلت له ( هل تقبل هذه الاحاديث تأويلا ام هى نصوص قاطعة وهذه احاديث تلقتها الامة بالقبول والتصديق ونقلتها من بحر غزير فأظهر الرجل التوبة وتبين له الحق

فهذا الذى اشرت اليه احسن الله اليك ان اكتبه

وهذا ( باب واسع ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ( و ( من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى المحمدين وابى زكريا


373

وابى البقاء عبدالمجيد وأهل البيت ومن تعرفونه من اهل المدينة وسائر اهل البلدة الطيبة

وان كنتم تعرفون للمدينة كتابا يتضمن اخبارها كما صنف اخبار مكة فلعل تعرفونا به

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين


374

قال شيخ الاسلام رحمه الله

( فصل ( قال المعترض فى ( الاسماء الحسنى ( النور الهادى يجب تأويله قطعا اذ النور كيفية قائمة بالجسمية وهو ضد الظلمة وجل الحق سبحانه ان يكون له ضد ولو كان نورا لم تجز اضافته الى نفسه فى قوله ( مثل نوره ( فيكون من اضافة الشىء الى نفسه وهو غير جائز

وقوله ( الله نور السموات والارض ( قال المفسرون يعنى هادى اهل السموات والارض وهو ضعيف لأن ذكر الهادى بعده يكون تكرارا وقيل منور السموات بالكواكب وقيل بالادلة والحجج الباهرة والنور جسم لطيف شفاف فلا يجوز على الله

والتأويل مروى عن ابن عباس وأنس وسالم وهذا يبطل دعواه أن التأويل يبطل الظاهر ولم ينقل عن السلف

ولو كان نورا حقيقة كما يقوله المشبهة لوجب ايضا أن يكون الضياء ليلا ونهارا على الدوام


375

وقوله ( انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله باذنه وسراجا منيرا ( ومعلوم انه ( ( لم يكن السراج المعروف وانما سمى سراجا بالهدى الذى جاء به ووضوح ادلته بمنزلة السراج المنير وروى عن ابن عباس فى رواية اخرى وابى العالية والحسن يعنى منور ( السموات والارض ( شمسها وقمرها ونجومها

ومن كلام العارفين ( النور ( هو الذى نور قلوب الصادقين بتوحيده ونور اسرار المحبين بتأييده وقيل هو الذى احيا قلوب العارفين بنور معرفته ونفوس العابدين بنور عبادته

( والجواب ( ان هذا الكلام وامثاله ليس باعتراض علينا وانما هو ابتداء نقص حرمته منهم لما يظن انه يلزمنا او يظن انا نقوله على الوجه الذى حكاه وقد قال تعالى ( اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن اثم ( وقال النبى ( صلى الله عليه وسلم ( اياكم والظن فان الظن أكذب الحديث (

واذا كان فى الكلام اخبار عن الغير بأنه يقول اقوالا باطلة فى العقل والشرع وفيه رد تلك الاقوال كان هذا كذبا وظلما فنعوذ بالله من ذلك

ثم مع كونه ظلما لنا با ليته كان كلاما صحيحا مستقيما فكنا نحلله من حقنا ويستفاد ما فيه من العلم ولكن فيه من تحريف كتاب الله والالحاد فى اياته واسمائه والكذب والظلم والعدوان الذى يتعلق بحقوق الله مما فيه لكن ان عفونا عن حقنا فحق الله اليه لا الى غيره


376

ونحن نذكر من القيام بحق الله ونصر كتابه ودينه ما يليق بهذا الموضع فان هذا الكلام الذى ذكره فيه من التناقض والفساد ما لا أظن تمكنه من ضبطه من وجوه

( أحدها ( أنه قال أو فى أوله النور كيفية قائمة بالجسمية ثم قال فى آخره جسم لطيف شفاف فذكر فى اول الكلام انه عرض وصفة وفى اخره جسم وهو جوهر قائم بنفسه

( الثانى ( انه ذكر عن المفسرين انهم تأولوا ذلك بالهادى وضعف ذلك ثم ذكره فى اخره ان من كلام العارفين ان ( النور ( هو الذى نور قلوب الصادقين بتوحيده واسرار المحبين بتأييده واحيا قلوب العارفين بنور معرفته وهذا هو معنى الهادى الذى ضعفه اولا فيضعفه اولا ويجعله من كلام العارفين وهى كلمة لها صولة فى القلوب وانما هو كلام بعض المشايخ الذين يتكلمون بنوع من الوعظ الذى ليس فيه تحقيق

فان الشيخ ابا عبدالرحمن ذكر فى حقائق التفسير من الاشارات التى بعضها كلام حسن مستفاد وبعضها مكذوب على قائله مفترى كالمنقول عن جعفر وغيره وبعضها من المنقول الباطل المردود فان ( اشارات المشايخ الصوفية ( التى يشيرون بها تنقسم الى اشارة حالية وهى اشارتهم بالقلوب وذلك هو الذى امتازوا به وليس هذا موضعه

وتنقسم الى الاشارات المتعقلة بالاقوال مثل ما يأخذونها من القرآن


377

ونحوه فتلك الاشارات هى من باب الاعتبار والقياس والحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص مثل الاعتبار والقياس الذى يستعمله الفقهاء فى الاحكام لكن هذا يستعمل فى الترغيب والترهيب وفضائل الاعمال ودرجات الرجال ونحو ذلك فان كانت ( الاشارة اعتبارية ( من جنس القياس الصحيح كانت حسنة مقبولة وان كانت كالقياس الضعيف كان لها حكمه وان كان تحريفا للكلام عن مواضعه وتأويلا للكلام على غير تأويله كانت من جنس كلام القرامطة والباطنية والجهمية فتدبر هذا فانى قد أوضحت هذا فى ( قاعدة الاشارات (

( الوجه الثالث ( فى تناقضه فانه قال التأويل منقول عن ابن عباس وأنس وسالم ولم يذكر الا ثلاثة أقوال

( أحدها ( انه هادى أهل السموات والارض وقد ضعف ذلك فان كان المنقول هو هذا الضعيف فيا خيبة المسعى اذ لم ينقل عن السلف فى جميع كلامه الى هنا شيئا عن السلف الا هذا الذى ضعفه واوهاه

وان كان المنقول عن هؤلاء الثلاثة أنه منور السموات بالكواكب كان متناقضا من وجه آخر وهو أنه قد ذكر فيما بعد أن هذا روى عن ابن عباس فى رواية اخرى وابى العالية والحسن انه منورها بالشمس والقمر والنجوم وهذا يوجب ان يكون المنقول عن ابن عباس والاثنين اولا غير المنقول عنه فى رواية اخرى وعمن ليس معه فى الاولى


378

وان كان نوره بالحجج الباهرة والادلة كان متناقضا فان هذا هو معنى ( الهادى ( اذ نصبه للادلة والحجج هي من هدايته وهو قد ضعف هذا القول فما أدرى من أيهما العجب امن حكايته القولين اللذين أحدهما داخل فى معنى الاخر ام من تضعيفه لقول السائل الذى يوجب تضعيف الاثنين وهو لا يدرى انه قد ضعفهما جميعا فيجب على الانسان ان يعرف معنى الاقوال المنقولة ويعرف ان الذى يضعفه ليس هو الذى عظمه (

( الوجه الرابع ( انه قد تبين أنه لم ينقل عن ابن عباس وانس وسالم الا القول الذى ضعفه او ما يدخل فيه فانه ان كان قولهم ( الهادى ( فقد صرح بضعفه وان كان ( مقيم الادلة ( فهو من معنى ( الهادى ( وان كان ( المنور بالكواكب ( فقد جعله قولا آخر وان كان ما ذكره عن بعض العارفين فهو أيضا داخل فى ( الهادى ( واذا كان اعترف بضعف ما حكاه عن ابن عباس وانس وسالم لم يكن فيه حجة علينا فتبين أن ما ذكره عن ( السلف ( اما ان يكون مبطلا فى نقله او مفتريا بتضعيفه وعلى التقديرين لا حجة علينا بذلك

( الوجه الخامس ( أنه اساء الادب على السلف اذ يذكر عنهم ما يضعفه واظهر للناس ان السلف كانوا يتأولون ليحتج بذلك على التأويل فى الجملة وهو قد اعترف بضعف هذا التأويل ومن احتج بحجة وقد ضعفها وهو لا يعلم انه ضعفها فقد رمى نفسه بسهمه ومن رمى بسهم البغى صرع به ( والله لا يهدى القوم الظالمين (

( الوجه السادس ( قوله هذا يبطل دعواه أن ( التأويل دفع الظاهر


379

ولم ينقل عن السلف فان هذا القول لم اقله وان كنت قلته فهو لم ينقل الا ما عرف انه ضعيف والضعيف لا يبطل شيئا فهذه الوجوه فى بيان تناقضه وحكايته عنا ما لم نقله

وأما ( بيان فساد الكلام ( فنقول أما قوله ( يجب تأويله قطعا ( فلا نسلم أنه يجب تأويله ولا نسلم أن ذلك لو وجب قطعى بل جماهير المسلمين لا يتأولون هذا الاسم وهذا مذهب السلفية وجمهور الصفاتية من أهل الكلام والفقهاء والصوفية وغيرهم وهو قول أبى سعيد بن كلاب ذكره فى الصفات ورد على الجهمية تأويل ( اسم النور ( وهو شيخ المتكلمين الصفاتية من الاشعرية الشيخ الاول وحكاه عنه ابو بكر بن فورك فى كتاب ( مقالات ابن كلاب ( والاشعرى ولم يذكروا تأويله الا عن الجهمية المذمومين باتفاق وهو أيضا قول أبى الحسن الاشعرى ذكره فى ( الموجز (

واما قوله ان هذا ورد فى الاسماء الحسنى فالحديث الذى فيه ذكر ذلك هو حديث الترمذى روى الاسماء الحسنى فى ( جامعه ( من حديث الوليد بن مسلم عن شعيب عن أبى الزناد عن الاعرج عن ابى هريرة ورواها ابن ماجه فى سننه من طريق مخلد بن زياد القطوانى عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة وقد اتفق اهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين ليستا من كلام النبى ( ( وانما كل منهما من كلام بعض السلف فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه الشاميين كما جاء مفسرا فى بعض طرق حديثه


380

ولهذا اختلفت اعيانهما عنه فروى غنه فى احدى الروايات من الاسماء بدل ما يذكر فى الرواية الاخرى لان الذين جمعوها قد كانوا يذكرون هذا تارة وهذا تارة واعتقدوا هم وغيرهم ان الاسماء الحسنى التى من احصاها دخل الجنة ليست شيئا معينا بل من أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء الله دخل الجنة او انها وان كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه كالاحد والواحد فان فى رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عنه رواها عثمان بن سعيد ( الاحد ( بدل ( الواحد ( و ( المعطى ( بدل ( المغنى ( وهما متقاربان وعند الوليد هذه الاسماء بعد ان روى الحديث عن خليد بن دعلج عن قتادة عن ابن سيرين عن أبى هريرة

ثم قال هشام وحدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبدالعزيز مثل ذلك وقال كلها فى القرآن ( هو الله الذى لا اله الا هو ( مثل ما ساقها الترمذى لكن الترمذى رواها عن طريق صفوان بن صالح عن الوليد عن شعيب وقد رواها ابن أبى عاصم وبين ما ذكره هو والترمذى خلاف فى بعض المواضع وهذا كله مما يبين لك أنها من الموصول المدرج فى الحديث عن النبى ( ( فى بعض الطرق وليست من كلامه

ولهذا جمعها ( قوم اخرون ( على غير هذا الجمع واستخرجوها من القرآن منهم سفيان بن عيينة والامام أحمد بن حنبل وغيرهم كما قد ذكرت ذلك فيما تكلمت به قديما على هذا وهذا كله يقتضى انها عندهم مما يقبل البدل


381

فان الذى عليه جماهير المسلمين ان اسماء الله اكثر من تسعة وتسعين قالوا ومنهم الخطابى قوله ( ان لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها ( التقييد بالعدد عائد الى الاسماء الموصوفة بأنها هى هذه الاسماء

فهذه الجملة وهى قوله ( من احصاها دخل الجنة ( صفة للتسعة والتسعين ليست جملة مبتدأة ولكن موضعها النصب ويجوز أن تكون مبتدأة والمعنى لا يختلف والتقدير ان لله اسماء بقدر هذا العدد من احصاها دخل الجنة كما يقول القائل ان لى مائة غلام اعددتهم للعتق والف درهم اعددتها للحج فالتقييد بالعدد هو فى الموصوف بهذه الصفة لا فى اصل استحقاقه لذلك العدد فانه لم يقل أن اسماء الله تسعة وتسعون

قال ويدل على ذلك قوله فى الحديث الذى رواه أحمد فى المسند ( اللهم انى أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته فى كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به فى علم الغيب عندك ( فهذا يدل على ان لله اسماء فوق تسعة وتسعين يحصيها بعض المؤمنين

وأيضا فقوله ( ان لله تسعة وتسعين ( تقييده بهذا العدد بمنزلة قوله تعالى ( تسعة عشر ( فلما استقلوهم قال ( وما يعلم جنود ربك الا هو ( فأن لا يعلم اسماءه الا هو اولى وذلك ان هذا لو كان قد قيل منفردا لم يفد النفى الا بمفهوم العدد الذى هو دون مفهوم الصفة والنزاع فيه مشهور

ان كان المختار عندنا ان التخصيص بالذكر بعد قيام المقتضى للعموم يفيد


382

الاختصاص بالحكم فان العدول عن وجوب التعميم الى التخصيص ان لم يكن للاختصاص بالحكم والا كان تركا للمقتضى بلا معارض وذلك ممتنع

فقوله ( ان لله تسعة وتسعين ( قد يكون للتحصيل بهذا العدد فوائد غير الحصر و ( منها ( ذكر أن احصاءها يورث الجنة فانه لو ذكر هذه الجملة منفردة واتبعها بهذه منفردة لكان حسنا فكيف والاصل فى الكلام الاتصال وعدم الانفصال فتكون الجملة الشرطية صفة لا ابتدائية فهذا هو الراجح فى العربية مع ما ذكر من الدليل

ولهذا قال ( أنه وتر يحب الوتر ( ومحبته لذلك تدل على أنه متعلق بالاحصاء اى يحب أن يحصى من اسمائه هذا العدد واذا كانت اسماء الله اكثر من تسعة وتسعين أمكن ان يكون احصاء تسعة وتسعين اسما يورث الجنة مطلقا على سبيل البدل فهذا يوجه قول هؤلاء وان كان كثير من الناس يجعلها اسماء معينة ثم من هؤلاء من يقول ليس الا تسعة وتسعون اسما فقط وهو قول ابن حزم زطائفة والاكثرون منهم يقولون وان كانت اسماء الله اكثر لكن الموعود بالجنة لمن أحصاها هى معينة وبكل حال فتعيينها ليس من كلام النبى ( صلى الله عليه وسلم ( باتفاق أهل المعرفة بحديثه ولكن روى فى ذلك عن السلف أنواع من ذلك ما ذكره الترمذى ومنها غير ذلك فاذا عرف هذا فقوله فى اسمائه الحسنى ( النور الهادى ( لو نازعه منازع


383

فى ثبوت ذلك عن النبى ( ( لم تكن له حجة ولكن جاء ذلك فى أحاديث صحاح مثل قوله فى الحديث الذى فى الصحيحين عن ابن عباس عن النبى ( ( أنه كان يقول ( اللهم لك الحمد انت نور السموات والارض ومن فيهن ( الحديث وفى صحيح مسلم عن ابى ذر قال سألت رسول الله ( ( هل رأيت ربك فقال ( نور أنى أراه ( أو قال ( رأيت نورا (

فالذى فى القرآن والحديث الصحيح اضافة النور كقوله ( نور السموات والارض ( أو ( نور السموات والارض ومن فيهن (

وأما قوله ( اذ النور كيفية قائمة ( فنقول النور المخلوق محسوس لا يحتاج الى بيان كيفية لكنه نوعان أعيان واعراض ( فالاعيان ( هو نفس جرم النار حيث كانت نور السراج والمصباح الذى فى الزجاجة وغيره وهى النور الذى ضرب الله به المثل ومثل القمر فان الله سماه نورا فقال ( جعل الشمس ضياء والقمر نورا ( ولا ريب ان النار جسم لطيف شفاف ( واعراض ( مثل ما يقع من شعاع الشمس والقمر والنار على الاجسام الصقيلة وغيرها فان المصباح اذا كان فى البيت اضاء جوانب البيت فذلك النور والشعاع الواقع على الجدر والسقف والارض هو عرض وهو كيفية قائمة بالجسم

وقد يقال ليس الصفة القائمة بالنار والقمر ونحوهما نورا فيكون الاسم على الجوهر تارة وعلى صفة اخرى ولهذا يقال لضوء النهار نور كما قال


384

تعالى ( وجعل الظلمات والنور ( ومن هذا تسمية الليل ظلمة والنهار نورا فانهما عرضان وقد قيل هما جوهران وليس هذا موضع بسط ذلك فتبين أن اسم النور يتناول هذين والمعترض ذكر اولا حد ( العرض ( وذكر ثانيا حد ( الجسم ( فتناقض وكأنه أخذ ذلك من كلامى ولم يهتد لوجه الجمع

384 ( برنامج مجموع أعمال إبن تيمية ( مؤسسة البرامج الإسلامية (

وكذلك اسم ( الحق ( يقع على ذات الله تعالى وعلى صفاته القدسية كقول النبى ( ( أنت الحق وقولك الحق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق (

وأما قول المعترض النور ضد الظلمة وجل الحق أن يكون له ضد

فيقال له لم تفهم معنى الضد المنفى عن الله فان ( الضد ( يراد به ما يمنع ثبوت الاخر كما يقال فى الاعراض المتضادة مثل السواد والبياض ويقول الناس الضدان لا يجتمعان ويمتنع اجتماع الضدين وهذا التضاد عند كثير من الناس لا يكون الا فى ( الاعراض ( واما ( الاعيان ( فلا تضاد فيها فيمتنع عند هذا ان يقال لله ضد او ليس له ضد ومنهم من يقول يتصور التضاد فيها والله تعالى ليس له ضد يمنع ثبوته ووجوده بلا ريب بل هو القاهر الغالب الذى لا يغلب

وقد يراد ( بالضد ( المعارض لأمره وحكمه وان لم يكن مانعا من وجود ذاته كما قال النبى ( ( من حالت شفاعته دون حد من حدود


385

الله فقد ضاد الله فى أمره ( رواه أبو داود وتسمية المخالف لامره وحكمه ضدا كتسمية عدوا

وبهذا الاعتبار فالمعادون المضادون لله كثيرون فاما على التفسير الاول فلا ريب أنه ليس فى نفس الامر مضاد لله لكن التضاد يقع فى نفس الكفار فان الباطل ضد الحق والكذب ضد الصدق فمن اعتقد فى الله ما هو منزه عنه كان هذا ضدا للايمان الصحيح به

واما قوله النور ضد الظلمة وجل الحق ان يكون له ضد فيقال له والحى ضد الميت والعليم ضد الجاهل والسميع والبصير والذى يتكلم ضد الاصم الاعمى الابكم وهكذا سائر ما سمى الله به من الاسماء لها اضداد وهو منزه عن أن يسمى بأضدادها فجل الله أن يكون ميتا أو عاحزا أو فقيرا ونحو ذلك

وأما وجود مخلوق له موصوف بضد صفته مثل وجود الميت والجاهل والفقير والظالم فهذا كثير بل غالب أسمائه لها أضداد موجودة فى الموجودين

ولا يقال لأولئك انهم أضداد الله ولكن يقال انهم موصوفون بضد صفات الله فان التضاد بين الصفات انما يكون فى المحل الواحد لا فى محلين فمن كان موصوفا بالموت ضادته الحياة ومن كان موصوفا بالحياة ضاده الموت


386

والله سبحانه يمتنع ان يكون ظلمة او موصوفا بالظلمة كما يمتنع ان يكون ميتا او موصوفا بالموت

فهذا المعترض أخذ لفظ ( الضد بالاشتراك ( ولم يميز بين الضد الذى يضاد ثبوته ثبوت الحق وصفاته وافعاله وبين أن يكون فى مخلوقاته ما هو موصوف بضد صفاته وبين ما يضاده فى أمره ونهيه فالضد الاول هو الممتنع واما الآخرون فوجودهما كثير لكن لا يقال انه ضد لله فان المتصف بضد صفاته لم يضاده

والذين قالوا ( النور ضد الظلمة ( قالوا يمتنع اجتماعهما فى عين واحدة لم يقولوا أنه يمتنع ان يكون شىء موصوفا بأنه نور وشىء آخر موصوفا بأنه ظلمة فليتدبر العاقل هذا التعطيل والتخليط

وأما قوله لو كان نورا لم يجز اضافته الى نفسه فى قوله ( مثل نوره ( فالكلام عليه من طريقين

( أحدهما ( ان نقول النص فى كتاب الله وسنة رسوله قد سمى الله نور السموات والارض وقد أخبر النص ان الله نور واخبر ايضا انه يحتجب بالنور فهذه ثلاثة انوار فى النص وقد تقدم ذكر الاول (

( وأما الثانى ( فهو فى قوله ( وأشرقت الارض بنور ربها ( وفى قوله ( مثل نوره ( وفيما رواه مسلم فى صحيحه عن عبدالله بن عمرو قال قال


387

رسول الله ( ( ان الله خلق خلقه فى ظلمة والقى عليهم من نوره فمن اصابه من ذلك النور اهتدى ومن اخطأه ضل (

ومنه قوله ( ( فى دعاء الطائف ( اعوذ بنور وجهك الذى اشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والاخرة ان ينزل بى سخطك او يحل على غضبك ( رواه الطبرانى وغيره ومنه قول ابن مسعود ان ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه

ومنه قوله ما رواه مسلم فى صحيحه عن أبى موسى عن النبى ( ( قال قام بنا رسول الله ( ( بأربع كلمات فقال ( ان الله لا ينام ولا ينبغى له أن ينام يخفض القسط يرفع اليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور او النار لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما ادركه بصره من خلقه ( فهذا الحديث فيه ذكر حجابه

فان تردد الراوى فى لفظ النار والنور لا يمنع ذلك فان مثل هذه النار الصافية التى كلم بها موسى يقال لها نار ونور كما سمى الله نار المصباح نورا بخلاف النار المظلمة كنار جهنم فتلك لا تسمى نورا

فالاقسام ثلاثة ( اشراق بلا احراق ( وهو النور المحض كالقمر و ( احراق بلا اشراق ( وهى النار المظلمة و ( ما هو نار ونور ( كالشمس ونار المصابيح التى فى الدنيا توصف بالامرين واذا كان كذلك صح أن يكون


388

نور السموات والارض وان يضاف اليه النور وليس المضاف هو عين المضاف اليه

( الطريق الثانى ( أن يقال هذا يرد عليكم لا يختص بمن يسميه بما سمى به نفسه وبينه فأنت اذا قلت ( هاد ( او ( منور ( أو غير ذلك فالمسمى ( نورا ( هو الرب نفسه ليس هو النور المضاف اليه فاذا قلت ( هو الهادى فنوره الهدى ( جعلت احد النورين عينا قائمة والاخر صفة فهكذا يقول من يسميه نورا واذا كان السؤال يرد على القولين والقائلين كان تخصيص أحدهما بأنه مخالف لقوله ظلما ولددا فى المحاجة او جهلا وضلالا عن الحق

واما ما ذكره من الاقوال فلا ريب أن للناس فيها من الاقوال أكثر مما ذكره والموجود بأيدى الامة من الروايات الصادقة والكاذبة والاراء المصيبة والمخطئة لا يحصيه الا الله والكلام فى ( تفسير اسماء الله وصفاته وكلامه ( فيه من الغث والسمين ما لا يحصيه الا رب العالمين وانما الشأن فى الحق والعلم والدين

وقد كتبت قديما فى بعض كتبى لبعض الاكابر ان العلم ما قام عليه الدليل والنافع منه ما جاء به الرسول فالشأن فى أن نقول علما وهو النقل المصدق والبحث المحقق فان ما سوى ذلك وان زخرف مثله بعض الناس خزف مزوق والا فباطل مطلق مثل ما ذكره فى هذه الاية وغيرها

وهذه الكتب التى يسميها كثير من الناس ( كتب التفسير ( فيها كثير


389

من التفسير منقولات عن السلف مكذوبة عليهم وقول على الله ورسوله بالرأى المجرد بل بمجرد شبهة قياسية او شبهة ادبية

فالمفسرون الذين ينقل عنهم لم يسمهم ومع هذا فقد ضعف قولهم بالباطل فان القوم فسروا النور فى الآية بأنه الهادى لم يفسروا النور فى الاسماء الحسنى والحديث عن النبى ( ( فلا يصح تضعيف قولهم بما ضعفه

ونحن انما ذكرنا ذلك لبيان تناقضه وانه لا يحتج علينا بشىء يروج على ذى لب فان التناقض اول مقامات الفساد وهذا التفسير قد قاله طائفة من المفسرين واما كونه ثابتا عن ابن عباس او غيره فهذا مما لم نثبته

ومعلوم ان فى ( كتب التفسير ( من النقل عن ابن عباس من الكذب شىء كثير من رواية الكلبى عن ابى صالح وغيره

لابد من تصحيح النقل لتقوم الحجة فليراجع ( كتب التفسير ( التى يحرر فيها النقل مثل تفسير محمد بن جرير الطبرى الذى ينقل فيه كلام السلف بالاسناد وليعرض عن تفسير مقاتل والكلبى وقبله تفسير بقى بن مخلد الاندلسى وعبدالرحمن بن ابراهيم دحيم الشامى وعبد بن حميد الكشى وغيرهم ان لم يصعد الى تفسير الامام اسحق بن راهوية وتفسير الامام أحمد بن حنبل وغيرهما من الائمة الذين هم اعلم اهل الارض بالتفاسير الصحيحة عن النبى ( ( وآثار الصحابة والتابعين كما هم اعلم الناس بحديث النبى ( ( وآثار الصحابة والتابعين فى الاصول والفروع وغير ذلك من العلوم


390

فاما ان يثبت اصلا يجعله قاعدة بمجرد رأى فهذا انما ينفق على الجهال بالدلائل الاغشام فى المسائل وبمثل هذه المنقولات التى لا يميز صدقها من كذبها والمعقولات التى لا يميز صوابها من خطئها ضل من ضل من اهل المشرق فى الاصول والفروع والفقه والتصوف

وما أحسن ما جاء فى آية النور التى قال الله تعالى فيها ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ( نسأل الله أن يجعل لنا نورا

ثم يقول هذا القول الذى قاله بعض المفسرين فى قوله ( الله نور السموات والارض ( أى هادى اهل السموات والارض لا يضرنا ولا يخالف ما قلناه فانهم قالوه فى تفسير الاية التى ذكر النور فيها مضافا لم يذكروه فى تفسير نور مطلق كما ادعيت أنت من ورود الحديث به فأين هذا من هذا

ثم قول من قال من السلف هادى اهل السموات والأرض لا يمنع أن يكون فى نفسه نورا فان من عادة السلف فى تفسيرهم ان يذكروا بعض ( صفات المفسر ( من الاسماء أو بعض أنواعه ولا ينافى ذلك ثبوت بقية الصفات للمسمى بل قد يكونان متلازمين ولا دخول لبقية الانواع فيه

وهذا قد قررناه غير مرة فى القواعد المتقدمة ومن تدبره علم أن اكثر اقوال السلف فى التفسير متفقة غير مختلفة مثال ذلك قول بعضهم فى ( الصراط المستقيم ( أنه الاسلام قول آخر أنه القرآن وقول آخر أنه السنة


391

والجماعة وقول آخر أنه طريق العبودية فهذه كلها صفات له متلازمة لا متباينة وتسميته بهذه الاسماء بمنزلة تسمية القرآن والرسول بأسمائه بل بمنزلة اسماء الله الحسنى

ومثال ( الثانى ( قوله تعالى ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ( فذكر منهم صنفا من الاصناف والعبد يعم الجميع فالظالم لنفسه المخل ببعض الواجب والمقتصد القائم به والسابق المتقرب بالنوافل بعد الفرائض وكل من الناس يدخل فى هذا بحسب طريقه فى التفسير والترجمة ببيان النوع والجنس ليقرب الفهم على المخاطب كما لو قال الاعجمى ما الخبز فقيل له هذا واشير الى الرغيف فالغرض الجنس لا هذا الشخص فهكذا تفسير كثير من السلف وهو من جنس التعليم

فقول من قال ( نور السموات والارض ( هادى أهل السموات والارض كلام صحيح فان من معانى كونه نور السموات والارض أن يكون هاديا لهم اما أنهم نفوا ما سوى ذلك فهذا غير معلوم واما انهم ارادوا ذلك فقد ثبت عن ابن مسعود انه قال ان ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه

وقد تقدم عن النبى ( ( من ذكر نور وجهه وفى رواية ( النور ( ما فيه كفاية فهذا بيان معنى غير الهداية


392

وقد أخبر الله فى كتابه ان الارض تشرق بنور بها فاذا كانت تشرق من نوره كيف لا يكون هو نورا ولا يجوز ان يكون هذا النور المضاف اليه اضافة خلق وملك واصطفاء كقوله ( ناقة الله ( ونحو ذلك لوجوه

( أحدها ( أن النور لم يضف قط الى الله اذا كان صفة لاعيان قائمة فلا يقال فى المصابيح التى فى الدنيا انها نور الله ولا فى الشمس والقمر وانما يقال كما قال عبدالله بن مسعود ان ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور السموات من نور وجهه وفى الدعاء المأثور عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( اعوذ بنور وجهك الذى اشرقت له الظلمات وصلح عليه امر الدنيا والاخرة ( الثانى ( ان الانوار المخلوقة كالشمس والقمر تشرق لها الارض فى الدنيا وليس من نور الا وهو خلق من خلق الله وكذلك من قال منور السموات والارض لا ينافى انه نور وكل منور نور فهما متلازمان

ثم أن الله تعالى ضرب مثل نوره الذى فى قلوب المؤمنين بالنور الذى فى المصباح وهو فى نفسه نور وهو منور لغيره فاذا كان نوره فى القلوب هو نور وهو منور فهو فى نفسه أحق بذلك وقد علم ان كل ما هو نور فهو منور

وأما قول من قال معناه منور السموات بالكواكب فهذا ان اراد به قائله ان ذلك من معنى كونه نور السموات وانه أراد به ليس لكونه نور


393

السموات والارض معنى الا هذا فهو مبطل لأن الله أخبر انه نور السموات والأرض والكواكب لا يحصل نورها فى جميع السموات والارض وأيضا فانه قال ( مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ( فضرب المثل لنوره الموجود فى قلوب المؤمنين فعلم أن النور الموجود فى قلوب المؤمنين نور الايمان والعلم مراد من الآية لم يضربها على النور الحسى الذى يكون للكواكب وهذا هو الجواب عما رواه عن ابن عباس فى رواية اخرى وابى العالية والحسن بعد المطالبة بصحة النقل والظن ضعفه عن ابن عباس لأنهم جعلوا ذلك من معانى النور اما أنهم يقولون قوله ( الله نور السموات والارض ( ليس معناه الا التنوير بالشمس والقمر والنجوم فهذا باطل قطعا

وقد قال ( ( أنت نور السموات والارض ومن فيهن ( ومعلوم ان العميان لاحظ لهم فى ذلك ومن يكون بينه وبين ذلك حجاب لا حظ له فى ذلك والموتى لا نصيب لهم من ذلك واهل الجنة لا نصيب لهم من ذلك فان الجنة ليس فيها شمس ولا قمر كيف وقد روى ان اهل الجنة يعلمون الليل والنهار بأنوار تظهر من العرش مثل ظهور الشمس لاهل الدنيا فتلك الانوار خارجة عن الشمس والقمر

واما قوله قد قيل بالادلة والحجج فهذا بعض معنى الهادى وقد تقدم الكلام على قوله ( هذا يبطل قوله ان التأويل دفع للظاهر ولم ينقل عن


394

السلف ( فان هذا الكلام مكذوب على وقد ثبت تناقض صاحبه وانه لم يذكر عن السلف الا ما اعترف بضعفه

وأما الذى اقوله الآن واكتبه وان كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتى وانما اقوله فى كثير من المجالس ان جميع ما فى القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف فى تأويلها

وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد الى ساعتى هذه عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان ان ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه الا الله وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شىء كثير

وتمام هذا أنى لم أجدهم تنازعوا الا فى مثل قوله تعالى ( يوم يكشف عن ساق ( فروى عن ابن عباس وطائفة ان المراد به الشدة ان الله يكشف عن الشدة فى الآخرة وعن أبى سعيد وطائفة أنهم عدوها فى الصفات للحديث الذى رواه ابو سعيد فى الصحيحين

ولا ريب أن ظاهر القرآن ( لا ( يدل على ان هذه من الصفات فانه قال ( يوم يكشف عن ساق ( نكرة فى الاثبات لم يضفها الى الله ولم يقل عن


395

ساقه فمع عدم التعريف بالاضافة لا يظهر انه من الصفات الا بدليل آخر ومثل هذا ليس بتأويل انما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف ولكن كثير من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولا له ثم يريدون صرفه عنه ويجعلون هذا تأويلا وهذا خطأ من وجهين كما قدمناه غير مرة

وأما قوله ( لو كان نورا حقيقة كما تقوله المشبهة لوجب أن يكون الضياء ليلا ونهارا على الدوام ( فنحن نقول بموجب ما ذكره من هذا القول

ان المشبهة يقولون انه نور كالشمس والله تعالى ( ليس كمثله شىء ( فانه ليس كشىء من الانوار كما ان ذاته ليست كشىء من الذوات لكن ما ذكره حجة عليه فانه يمكن ان يكون نورا يحجبه عن خلقه كما قال فى الحديث ( حجابه النور او النار لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه (

لكن هنا غلط فى النقل وهو اضافة هذا القول الى المشبهة فان هذا من اقوال الجهمية المعطلة ايضا كالمريسى فانه كان يقول انه نور وهو كبير الجهمية وان كان قصده بالمشبهة من أثبت ان الله نور حقيقة فالمثبتة للصفات كلهم عنده مشبهة وهذه ( لغة الجهمية المحضة ( يسمون كل من أثبت الصفات مشبها

فقد قدمنا ان ابن كلاب والاشعرى وغيرهما ذكرا ان نفى كونه نورا فى


396

نفسه هو قول الجهمية والمعتزلة وانهما اثبتا انه نور وقررا ذلك هما واكابر اصحابهما فكيف بأهل الحديث وأئمة السنة واول هؤلاء المؤمنين بالله وبأسمائه وصفاته رسول الله ( ( وقد أجاب النبى ( ( عن هذا السؤال الذى عارض به المعترض فقال ( ( حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما ادركه بصره من خلقه (

فأخبر أنه حجب عن المخلوقات بحجابه النور ان تدركها سبحات وجهه وانه لو كشف ذلك الحجاب لاحرقت سبحات وجهه ما ادركه بصره من خلقه فهذا الحجاب عن احراق السبحات يبين ما يرد فى هذا المقام واما ما ذكره عن ابن عباس فى روايته الاخرى فمعناه بعض الانوار الحسية وما ذكره من كلام العارفين فهو بعض معانى هدايته لعباده وانما ذلك تنويع بعض الانواع بحسب حاجة المخاطبين كما ذكرناه من عادة السلف ان يفسروها بذكر بعض الانواع يقع على سبيل التمثيل لحاجة المخاطبين لا على سبيل الحصر والتحديد

فقد تبين أن جميع ما ذكر من الاقوال يرجع الى معنيين من معانى كونه نور السموات والارض وليس فى ذلك دلالة على أنه فى نفسه ليس بنور


397

سئل الشيخ تقى الدين ابو العباس أحمد بن تيمية رضى الله تعالى عنه

عن قول النبى ( ( الحجر الاسود يمين الله فى الارض ( وقوله ( انى لأجد نفس الرحمن من جهة اليمن ( وقوله ( ثم استوى على العرش ( وقوله ( يد الله فوق ايديهم ( وقوله ( فاصبر لحكم ربك فانك بأعيننا (

( فأجاب ( رحمه الله ورضى عنه اما الحديث الاول فقد روى عن النبى ( ( باسناد لا يثبت والمشهور انما هو عن ابن عباس قال ( الحجر الاسود يمين الله فى الارض فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه ( ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا اشكال فيه الا على من لم يتدبره فانه قال ( يمين الله فى الارض ( فقيده بقوله ( فى الارض ( ولم يطلق فيقول يمين الله وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق ثم قال ( فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه ( ومعلوم أن المشبه غير المشبه به وهذا صريح فى أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلا ولكن


398

شبه بمن يصافح الله فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلوم عند كل عاقل ولكن يبين ان الله تعالى كما جعل للناس بيتا يطوفون به جعل لهم ما يستلمونه ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء فان ذلك تقريب للمقبل وتكريم له كما جرت العادة والله ورسوله لا يتكلمون بما فيه اضلال الناس ( بل لابد ( من أن يبين لهم ما يتقون فقد بين لهم فى الحديث ما ينفى من التمثيل

أما ( الحديث الثانى ( فقوله ( من اليمن ( يبين مقصود الحديث فانه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك ولكن منها جاء الذين يحبهم ويحبونه الذين قال فيهم ( من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه (

وقد روى أنه لما نزلت هذه الآية سئل عن هؤلاء فذكر انهم قوم ابى موسى الاشعرى وجاءت الاحاديث الصحيحة مثل قوله ( اتاكم اهل اليمن ارق قلوبا وألين افئدة الايمان يمانى والحكمة يمانية ( وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة وفتحوا الامصار فبهم نفس الرحمن عن المؤمنين الكربات ومن خصص ذلك بأويس فقد أبعد

وأما الآية فقد استفاض أنه سئل عنها مالك بن أنس وقال له السائل ( الرحمن على العرش استوى ( كيف استوى فأطرق مالك برأسه حتى علاه


399

الرحضا ثم قال الاستواء معلوم والكيف مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما اراك الا مبتدعا ثم امر به فأخرج

وجميع ائمة الدين كابن الماجشون والاوزاعى والليث بن سعد وحماد بن زيد والشافعى وأحمد بن حنبل وغيرهم كلامهم يدل على ما دل عليه كلام مالك من أن العلم بكيفية الصفات ليس بحاصل لنا لأن العلم بكيفية الصفة فرع على العلم بكيفية الموصوف فاذا كان الموصوف لا تعلم كيفته امتنع ان تعلم كيفية الصفة

ومتى جنب المؤمن طريق التحريف والتعطيل وطريق التمثيل سلك سواء السبيل فانه قد علم بالكتاب والسنة والاجماع ما يعلم بالعقل أيضا ان الله تعالى ( ليس كمثله شىء ( لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى افعاله فلا يجوز ان يوصف بشىء من خصائص المخلوقين ( لأنه متصف ( بغاية الكمال منزه عن جميع النقائص فانه سبحانه غنى عن ما سواه وكل ما سواه مفتقر اليه ومن زعم ان القرآن دل على ذلك فقد كذب على القرآن ليس فى كلام الله سبحانه ما يوجب وصفه بذلك بل قد يؤتى الانسان من سوء فهمه فيقهم من كلام الله ورسوله معانى يجب تنزيه الله سبحانه عنها ولكن حال المبطل مع كلام الله ورسوله كما قيل

وكم عائب قولا صحيحا
وآفته من الفهم السقيم


400

ويجب على أهل العلم أن يبينوا نفى ما يظنه الجهال من النقص فى صفات الله تعالى وان يبينوا صون كلام الله ورسوله عن الدلالة على شىء من ذلك وان القرآن بيان وهدى وشفاء وان ضل به من ضل فانه من جهة تفريطه كما قال تعالى ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين الا خسارا ( وقوله ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر وهو عليهم عمى (


401

قال الشيخ الامام العلامة شيخ الاسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية قدس الله روحه

الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما

حديث ( رؤية المؤمنين ربهم فى الجنة فى مثل يوم الجمعة من أيام الدنيا ( رواه ابو الحسن الدارقطنى فى كتابه فى الرؤية وما علمنا احدا جمع فى هذا الباب أكثر من كتاب أبى بكر الآجرى وابى نعيم الحافظ الاصبهانى رواه من حديث انس مرفوعا ومن حديث ابن مسعود موقوفا ورواه ابن ماجه من حديث ابن مسعود مرفوعا

فأما حديث أنس فرواه الدارقطنى من خمس طرق او ست طرق فى غالبها ( أن الرؤية تكون بمقدار صلاة الجمعة فى الدنيا ( وصرح فى بعضها ( بأن النساء يرينه فى الاعياد (

وأما حديث ابن مسعود ففى جميع طرقه مرفوعها وموقوفها


402

التصريح بذلك واسناد حديث ابن مسعود أجود من جميع أسانيد هذا الباب ورواه أبو عبدالله بن بطة فى ( الابانة ( باسناد آخر من حديث أنس أجود من غيره وذكر فيه ( وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة ( ورواه أبو أحمد بن عدى من حديث صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أنس وما اعلم لفظه

ورواه ابو عمرو الزاهد باسناد آخر لم يحضرنى لفظه ورواه ابو العباس السراج حدثنا على بن أشيب حدثنا ابو بدر حدثنا زياد بن خيثمة عن عثمان بن مسلم عن أنس بن مالك وليس فيه الزيادة ورواه أبو يعلى الموصلى فى مسنده عن شيبان بن فروخ عن الصعق بن حزن عن على بن الحكم البنانى عن أنس نحوه ولا اعلم لفظه

ورواه ابو بكر البزار وابو بكر الخلال وابن بطة من حديث حذيفة ابن اليمان مرفوعا ولم يذكر فيه هه الزيادة لكن قال فى آخره ( فلنهم فى كل سبعة ايام الضعف على ما كانوا فيه قال وذلك قول الله فى كتابه ( فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ( ورواه الآجرى وابن بطة ايضا مرفوعا من حديث ابن عباس وفيه ( واقربهم منه مجلسا اسرعهم اليه يوم الجمعة وابكرهم غدوا (

وله طريق آخر من حديث أبى هريرة ورواه الترمذى وابن ماجه من حديث عبدالحميد ابن أبى العشرين عن الاوزاعى عن حسان بن عطية عن


403

ابى هريمان وقال الترمذى هذا حديث لا نعرفه الا من هذا الوجه وقد روى سويد بن عمرو عن الاوزاعى شيئا من هذا وقالوا ورواه سويد بن عبدالعزيز عن الاوزاعى قال قال حديث عن سعيد وروى أيضا معناه عن كعب الاحبار موقوفا وفيه معنى الزيادة

وأصل حديث ( سوق الجنة ( قد رواه مسلم فى صحيحه ولم يذكر فيه الرؤية وهذه الاحاديث عامتها اذا جرد اسناد الواحد منها لم يخل عن مقال قريب او شديد لكن تعددها وكثرة طرقها يغلب على الظن ثبوتها فى نفس الامر بل قد يقتضى القطع بها

وأيضا فقد روى عن ( الصحابة ( و ( التابعين ( ما يوافق ذلك ومثل هذا لا يقال بالرأى وانما يقال بالتوقيف

فروى الدارقطنى باسناد صحيح عن ابن المبارك أخبرنا المسعودى عن المنهال ابن عمرو عن ابى عبيدة عن عبدالله بن مسعود قال ( سارعوا الى الجمعة فان الله يبرز لاهل الجنة فى كل جمعة فى كثيب من كافور فيكونون فى قرب منه على قدر تسارعهم الى الجمعة فى الدنيا ( وأيضا باسناد صحيح الى شبابة بن سوار عن عبدالرحمن بن عبدالله المسعودى عن المنهال بن عمرو عن أبى عبيدة بن عبدالله ابن مسعود عن عبدالله بن مسعود قال ( سارعوا الى الجمعة فان الله عز وجل يبرز لاهل الجنة فى كل يوم جمعة فى كثيب من كافور ابيض فيكونون فى الدنو


404

منه على مقدار مسارعتهم فى الدنيا الى الجمعة فيحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه فيما خلا قال وكان عبدالله بن مسعود لا يسبقه احد الى الجمعة قال فجاء يوما وقد سبقه رجلان فقال رجلان وانا الثالث ان الله يبارك فى الثالث

ورواه ابن بطة باسناد صحيح صحيح من هذا الطريق وزاد فيه ( ثم يرجعون الى اهليهم فيحدوثونهم بما قد أحدث لهم من الكرامة شيئا لم يكونوا رأوه فيما خلا ( هذا اسناد حسن حسنه الترمذى وغيره

ويقال ان أبا عبيدة لم يسمع من ابيه لكن هو عالم بحال ابيه متلق لأثاره من أكابر أصحاب أبيه وهذه حال متكررة من عبدالله رضى الله عنه فتكون مشهورة عند أصحابه فيكثر المتحدث بها ولم يكن فى أصحاب عبدالله من يتهم عليه حتى يخاف ان يكون هو الواسطة فلهذا صار الناس يحتجون برواية ابنه عنه وان قيل أنه لم يسمع من أبيه

وقد روى هذا عن ابن مسعود من وجه آخر رواه ابن بطة فى ( الابانة ( باسناد صحيح عن الوليد بن مسلك عن ثور بن يزيد عن عمرو بن قيس الى عبدالله بن مسعود قال ( ان الله يبرز لأهل جنته فى كل يوم جمعة فى كثيب من كافور ابيض فيكونون فى الدنو منه كتسارعهم الى الجمعة فيحدث لهم من الحياة والكرامة ما لم يروا قبله (

وروى عن ابن مسعود من ( وجه ثالث ( رواه سعيد فى سننه حدثنا


405

فرج بن فضالة عن على بن أبى طلحة عن ابن مسعود انه كان يقول ( بكروا فى الغدو فى الدنيا الى الجمعات فان الله يبرز لأهل الجنة فى كل يوم جمعه على كثيب من كافور أبيض فيكون الناس منه فى الدنو كغدوهم فى الدنيا الى الجمعة (

وهذا الذى أخبر به ابن مسعود أمر لا يعرفه الا نبى أو من أخذه عن نبى فيعلم بذلك أن ابن مسعود أخذه عن النبى ( ( ولا يجوز أن يكون أخذه عن أهل الكتاب لوجوه ( أحدها ( أن الصحابة قد نهوا عن تصديق أهل الكتاب فيما يخبرونهم به فمن المحال أن يحدث ابن مسعود رضى الله عنه بما أخبر به اليهود على سبيل التعليم ويبنى عليه حكما

( الثانى ( أن ابن مسعود رضى الله عنه خصوصا كان من أشد الصحابة رضى الله عنهم انكارا لمن يأخذ من أحاديث اهل الكتاب

( الثالث ( أن الجمعة لم تشرع الا لنا والتبكير فيها ليس الا فى شريعتنا فيبعد مثل اخذ عن الأنبياء المتقدمين ويبعد ان اليهودى يحدث بمثل هذه الفضيلة لهذه الامة وهم الموصوفون بكتمان العلم والبخل به وحسد هذه الامة

ورواه ابن ماجه فى سننه من وجه آخر مرفوعا الى النبى ( ( عن علقمة قال خرجت مع عبدالله بن مسعود الى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال رابع اربعة وما رابع اربعة ببعيد سمعت رسول الله ( (


406

يقول ( ان الناس يجلسون من الله يوم الجمعة على قدر رواحهم الى الجمعة الاول والثانى والثالث ثم قال رابع اربعة وما رابع اربعة ببعيد (

وهذا الحديث مما استدل به العلماء على استحباب التبكير الى الجمعة وقد ذكروا هذا المعنى من جملة معانى قوله ( السابقون السابقون ( قال بعضهم السابقون فى الدنيا الى الجمعات هم السابقون فى يوم المزيد فى الآخرة او كما قال فانه لم يحضرنى لفظه وتأييد ذلك بقول النبى ( ( المخرج فى الصحيحين ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم اوتوا الكتاب قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا يومهم الذى اختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد ( فانه جعل سبقنا لهم فى الآخرة لاجل انا اوتينا الكتاب من بعدهم فهدينا لما اختلفوا فيه من الحق حتى صرنا سابقين لهم الى التعبيد فكما سبقناهم الى التعبيد فى الدنيا نسبقهم الى كرامته فى الآخرة

وأما ( حديث أنس ( وهو اشهر الاحاديث فيما يكون يوم الجمعة فى الآخرة من زيارة الله ورؤيته واتيان سوق الجنة فأصح حديث عنه ما رواه مسلم فى صحيحه عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس رضى الله عنه أن رسول الله ( ( قال ( ان فى الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثوا فى وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا


407

فهذا ليس فيه الا أنهم يأتون السوق وفيه يزدادون حسنا وجمالا وان اهليهم ازدادوا أيضا فى غيبتهم عنهم حسنا وجمالا وان كانوا لم يأتوا سوق الجنة

وان كانت زيادة بعض الحديث على بعض غير مقبولة بل يجعل نوع تعارض فينبغى أن لا يقبل فى الباب حديث برؤية الله يوم الجمعة لانه ليس فيها شىء يقاوم حديث أنس هذا فانه هو الذى اخرجه اصحاب الصحيح دون الجميع بل قد يقال لو كانت رؤية الله خاصة وان زيادة الوجوه حسنا وجمالا كان عنها لأخبر به فى هذا الحديث بل قد يقال ظاهره ان زيادة الحسن والجمال انما كان من الريح التى تهب فى وجوههم وثيابهم

وان كان الواجب ان يقال ما فى تلك الاحاديث من الزيادات لا ينافى هذا وان كان هذا اصح فان الترجيح انما يكون عند التنافى واما اذا اخبر فى أحد الحديثين بشىء واخبر فى الآخر بزيادة اخرى لا تنافيها كانت تلك الزيادة بمنزلة خبر مستقل فهذا هو الصواب

وليس هذا مما اختلف فيه الفقهاء من الزيادة فى النص هل هى نسخ فان ذلك انما هو فى ( الأحكام ( التى هى الامر والنهى والاباحة وتوابعها مثل ما قال الله تعالى ( الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ( وقال النبى ( ( ( البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ( وقال لآخر ( على ابنك جلد مائة وتغريب عام ( فهنا اختلف العلماء هل هذه الزيادة نسخ لقوله ( الزانية والزانى فاجلدوا ( مع أن الجمهور على أنها ليست بنسخ وهو الصحيح كما هو مقرر فى موضعه


408

وأما زيادة أحد الخبرين على ليس بنسخ وأنه لا ترد الزيادة اذا لم تناف المزيد فان رجلا لو قال رأيت رجلا ثم قال رأيت رجلا عاقلا أو عالما لم يكن بين الكلامين منافاة ففرق بين الاطلاق والتقييد والتجريد والزيادة فى ( الامور الطلبية ( وبين ذلك فى ( الأمور الخبرية (

واذا كان كذلك فيقال قد جاء فى أحاديث اخر أن ( السوق ( يكون بعد ( رؤية الله سبحانه ( كما أن العادة فى الدنيا أنهم ينتشرون فى الأرض ويبتغون من فضل الله بعد زيارة الله والتوجه اليه فى الجمعة

وما فى هذا الحديث من ( ازدياد وجوههم حسنا وجمالا ( لا يقتضى انحصار ذلك فى الريح فان أزواجهم قد ازدادوا حسنا وجمالا ولم يشركوهم فى الريح بل يجوز أن يكون حصل فى الريح زيادة على ما حصل لهم قبل ذلك ويجوز أن يكون هذا الحديث مختصرا من بقية الاحاديث بأن سبب الإزدياد ( رؤية الله تعالى ( مع ما اقترن بها

وعلى هذا فيمكن ان يكون ( نساؤهم المؤمنات ( رأين الله فى منازلهن فى الجنة ( رؤية ( اقتضت زيادة الحسن والجمال اذا كان السبب هو الرؤية كما جاء مفسرا فى احاديث اخر كما أنهم فى الدنيا كان الرجال يروحون الى المساجد فيتوجهون الى الله هنالك والنساء فى بيوتهن يتوجهن الى الله بصلاة الظهر والرجال يزدادون نورا فى الدنيا بهذه الصلاة وكذلك النساء يزددن نورا بصلاتهن كل بحسبه والله سبحانه لا يشغله شان عن شأن بل كل عبد


409

يراه مخليا به فى وقت واحد كما جاء فى غير حديث بل قد بين النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أن بعض مخلوقاته وهو القمر يراه كل واحد مخليا به اذا شاء

اذا تلخص ذلك فنقول ( الأحاديث الزائدة على هذا الحديث ( فى بعضها ذكر الرؤية فى الجمعة وليس فيه ذكر تقدير ذلك بصلاة الجمعة فى الدنيا كما فى حديث ابى هريرة حديث سوق الجنة وفى بعضها انهم يجلسون من الله يوم الجمعة فى الآخرة على قدر رواحهم الى الجمعة فى الدنيا وليس فيه ذكر الرؤية كما تقدم فى حديث ابن مسعود المرفوع وفى بعضها ذكر الامرين جميعا وهى أكثر الاحاديث

وليست الاحاديث المتضمنة ( للرؤية المجردة ( عن تقدير ذلك بصلاة الجمعة بدون الاحاديث المتضمنة لذلك لا فى الكثرة ولا فى قوة الاسانيد بل المتضمنة لذلك أكثر منها واسناد بعضها اجود من اسناد تلك ولو كانت تلك أكثر ورويت هذه الزيادة باسناد واحد من جنس تلك الاسانيد لكان حكمها فى القبول والرد كحكم المزيد لعدم المنافاة

ولو فرض أن ( بعض العامة ( الذين يسمعون الاحاديث من القصاص أو من النقاد أو بعض من يطالع الاحاديث ولا يعتنى بتمييزها اشتهر عنده شىء من ذلك دون شىء لم يكن بهذا عبرة اصلا فكم من اشياء مشهورة عند العامة بل وعند كثير من الفقهاء والصوفية والمتكلمين أو


410

أكثرهم ثم عند حكام الحديث العارفين به لا اصل له بل قد يقطعون بأنه موضوع

وكم من أشياء مشهورة عند ( العارفين بالحديث ( بل متواترة عندهم وأكثر العامة بل كثير من العلماء الذين لم يعتنوا بالحديث ما سمعوها أو سمعوها من وراء وراء وهم اما مكذبون بها واما مرتابون فيها وهم مع ذلك لم يضبطوها ضبط العالم لعلمه كضبط النحوى للنحو والطبيب للطب وان ضبطوا منها شيئا ضبطوا اللفظة بعد اللفظة مما لا تسمن ولا تغنى من جوع وليس ذلك مما يعتمد عليه ولا ينضبط به دين الله ولا يسقط به عن الامة الفرض فى حفظ علم النبوة والفقه فيه قال ( الامام أحمد ( معرفة الحديث والفقه فيه أحب الى من حفظه

وانا أذكر شواهد ما ذكرته فروى الدارقطنى فى ( كتاب الرؤية ( وهى من اوائل ما رواه فى ترجمة انس حدثنا أحمد حدثنا سليمان حدثنا محمد بن عثمان بن محمد حدثنا مروان بن جعفر حدثنا نافع أبو الحسن مولى بنى هشام حدثنا بن أبى ميمونة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( اذا كان يوم القيامة رأى المؤمنون ربهم عز وجل فأحدثهم عهدا بالنظر اليه فى كل جمعة وتراه المؤمنات يوم الفطر ويوم النحر (

وروى ( الدارقطنى ( أيضا عن جماعة ثقاة عن عبدالله بن روح المدائنى


411

حدثنا سلام بن سليمان حدثنا ورقاء واسرائيل وشعبة وجرير بن عبدالحميد كلهم قالوا حدثنا ليث عن عثمان بن حميد عن أنس بن مالك قال سمعت النبى ( ( يقول ( اتانى جبريل عليه السلام وفى كفه كالمرآة البيضاء يحملها فيها كالنكتة السوداء فقلت ما هذه التى فى يدك يا جبريل فقال هذه الجمعة قلت وما الجمعة قال لكم فيها خير قلت وما يكون لنا فيها قال تكون عيدا لك ولقومك من بعدك وتكون اليهود والنصارى تبعا لكم قلت وما لنا فيها قال لكم فيها ساعة لا يسأل الله عبده فيها شيئا هو له قسم الا اعطاه اياه وليس له بقسم الا ادخر له فى آخرته ما هو أعظم منه قلت ما هذه النكتة التى فيها قال هى الساعة ونحن ندعوه يوم المزيد قلت وما ذلك يا جبريل قال قال ان ربك اعد فى الجنة واديا فيه كثبان من مسك ابيض فاذا كان يوم الجمعة هبط من عليين عز وجل على كرسيه فيحف الكرسى بكراسى من نور فيجىء النبيون حتى يجلسوا على تلك الكراسى ويحف الكرسى بمنابر من نور ومن ذهب مكللة بالجوهر ثم يجىء الصديقون والشهداء حتى يجلسوا على تلك المنابر ثم ينزل أهل الغرف من غرفهم حتى يجلسوا على تلك الكثبان ثم يتجلى لهم عز وجل فيقول انا الذى صدقتكم وعدى واتممت عليكم نعمتى وهذا محل كرامتى فسلونى فيسألونه حتى تنتهى رغبتهم فيفتح لهم فى ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وذلك مقدار منصرفكم من الجمعة ثم يرتفع على كرسيه عز وجل وترتفع معه النبيون والصديقون والشهداء ويرجع أهل


412

الغرف الى غرفهم وهى لؤلؤة بيضاء وزمردة خضراء وياقوتة حمراء غرفها وابوابها منها وانهارها مطردة فيها وأزواجها وخدامها وثمارها متدليات فيها فليسوا الى شىء بأحوج منهم الى يوم الجمعة ليزدادوا منه نظرا الى ربهم عز وجل ويزدادو منه كرامة (

وروى ( ابن بطة ( هذا الحديث مثل هذا عن القافلانى حدثنا محمد بن اسحاق الصاغانى حدثنا عبدالله بن محمد بن أبى شيبة حدثنا عبدالرحمن بن محمد عن ليث عن أبى عثمان عن أنس وفيه ( ثم يتجلى لهم ربهم تعالى حم يقول سلونى أعطكم فيسألونه الرضا فيقول رضائى احلكم دارى وانا لكم كرامتى فسلونى أعطكم فيسألونه الرضا فيشهدهم انه قد رضى عنهم قال فيفتح لهم ما لا ترى عين ولم تسمع اذن ولم يخطر على قلب بشر قال وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة ثم يرتفع ويرتفع معه النبيون والصديقون والشهداء ويرجع أهل الغرف الى غرفهم ( وذكر تمامه

وهذا الطريق يبين أن هذه الحديث محفوظ عن ليث ابن أبى سليم واندفع بذلك الكلام فى سلام بن سليم فان هذا الاسناد الثانى كلهم أئمة الى ليث واما الأول فكأن فى القلب حزازة من أجل أن ( سلاما ( رواه عن جماعة من المشاهير ورواه عنه عبدالله بن روح المدائنى وقد اختلف فى ( سلام ( هذا فقال ابن معين مرة لا بأس به وقال ابو حاتم صدوق صالح الحديث وسئل عنه ابن معين مرة أخرى فقيل له أثقة هو فقال لا وقال العقيلى لا يتابع على حديثه


413

فاذا كان الحديث قد روى من تلك الطريق الجيدة اندفع الحمل عليه ورواه الدارقطنى من هذه الطريق من ( وجه ثالث ( من حديث الحسن بن عرفة حدثنا عمار بن محمد بن أخت سفيان الثورى عن ليث بن أبى سليم عن عثمان عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( أتانى جبريل وفى كفه كالمرآة البيضاء فيها كالنكتة السوداء ( وساق الحديث نحو ما تقدم ولم يذكر ( وذلك مقدار انصرافكم من الجمعة (

وهذا يقوى أن للحديث أصلا عن ليث ولا يضر ترك الزيادة فان عمار بن محمد بن أبى أخت سفيان لا يحتج لا بزيادته ولا بنقصه وانما ذكرناه للمتابعة وفى هذا الحديث ان الصالحين هم الذين يرجعون الى أهليهم فأما النبيون والصديقون والشهداء فلا يرجعون حينئذ وليس فيه ما يدل على رؤية النساء لا بنفى ولا اثبات

ورواه ( أبو العباس محمد بن اسحق السراج ( حدثنا على بن أشيب حدثنا ابو بدر حدثنا زياد بن خيثمة عن عثمان بن مسلم عن أنس بن مالك قال ابطأ علينا رسول الله ( ( ذات يوم فلما خرج قلنا لقد احتسبت قال ( فان جبريل اتانى وفى كفه كهيئة المرآة البيضاء فيها نكتة سوداء فقال ان هذه الجمعة فيها خير لك ولأمتك وقد أرادها اليهود والنصارى فأخطأوها فقلت يا جبريل ما فى هذه النكتة السوداء قال ان هذه الساعة التى فى يوم الجمعة يوافقها عبد يسأل الله خيرا من قسمه الا


414

أعطاه اياه أو ادخر له مثله يوم القيامة أو صرف عنه من السوء مثله وأنه خير الايام عند الله وان أهل الجنة يسمونه يوم المزيد قلت يا جبريل وما يوم المزيد قال ان فى الجنة واديا افيح تربته مسك أبيض ينزل الله اليه كل يوم جمعة فيوضع كرسيه ثم يجاء بمنابر من نور فتوضع خلفه فتحف به الملائكة ثم يجاء بكراسى من ذهب فتوضع ثم يجىء النبيون والصديقون والشهداء والمؤمنون اهل الغرف فيجلسون ثم يتبسم الله اليهم فيقول سلوا فيقولون نسألك رضوانك فيقول قد رضيت عنكم فسلوا فيسألون مناهم فيعطيهم ما سألوا واضعافها ويعطيهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم يقول الم أنجزكم وعدى وأتممت عليكم نعمتى وهذا محل كرامتى ثم ينصرفون الى غرفهم ويعودون كل يوم جمعة قلت يا جبريل ما غرفهم قال من لؤلؤة بيضاء وياقوتة حمراء وزبرجدة خضراء مقدرة منها ابوابها فيها أزواجها مطردة انهارها ( رواه ( أبو يعلى الموصلى ( فى ( مسنده ( عن شيبان بن فروخ عن الصعق بن حزن عن على بن الحكم البنانى عن أنس نحوه لم يحضرنى لفظه

ورواه ( الدارقطنى ( ايضا من حديث عبدالله بن الحميم الرازى وحدثنا عمرو بن قيس عن أبى شيبة عن عاصم عن عثمان بن عمير ابى اليقظان عن أنس ومن حديث اسحق بن سليمان الرازى حدثنا عنبسة بن سعيد عن عثمان بن عمير عن أنس بن مالك بنحو من السياق المتقدم وليس فيه ذكر الزيادة


415

وروى ( ابن بطة ( باسناد صحيح عن الاسود بن عامر قال ذكر لى عن شريك عن أبى اليقظان عن أنس ( ولدينا مزيد ( قال يتجلى لهم كل جمعة

ورواه أيضا ( الدارقطنى ( من حديث محمد بن حاتم المصيصى حدثنا محمد بن سعيد القرشى حدثنا حمزة بن واصل المنقرى حدثنا قتادة بن دعامة سمعته يقول حدثنا أنس بن مالك قال بينما نحن حول رسول الله ( ( اذ قال ( أتانى جبريل وفى يده المرآة البيضاء ( وذكر الحديث المتقدم بأبسط مما تقدم وفيه ما يجمع بين حديث أنس الذى فى صحيح مسلم وبين سائر الاحاديث وفيه ( ويكون كذلك حتى مقدار متفرقهم من الجمعة (

وروى من طريق آخر رواه ( أبو عمر محمد عبدالواحد الزاهد غلام ثعلب ( حدثنا محمد بن جعفر بن أبى الدميك المروزى حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا يحيى بن عبدالله الحرانى حدثنا ضرار عمرو عن يزيد الرقاشى عن أنس بن مالك وذكر الحديث بأبسط مما تقدم ولم يحضرنى سياقه ولكن أظن فيه الزيادة المذكورة وهذا الاسناد ضعيف من جهة يزيد الرقاشى وضرار بن عمرو لكن هو مضموم الى ما تقدم

وروى من طريق عن أنس رواه ( أبو حفص بن شاهين ( حدثنا جعفر بن محمد العطار حدثنا جدى عبدالله بن الحكم سمعت عاصما أبا على يقول سمعت حميدا الطويل قال سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله ( ( يقول ( ان الله يتجلى لأهل الجنة كل يوم على


416

كثيب كافورا أبيض ( وقيل ان جعفرا وجده وعاصما مجهولون وهذا لا يمنع المعارضة

ورواه ايضا ( الدارقطنى ( باسناد صحيح الى العباس بن الوليد بن مزيد أخبرنى محمد بن شعيب أخبرنى عمر مولى عفرة عن أنس بن مالك بنحو ما تقدم فى الروايات المتقدمة وفيه ( فيفتح عليهم بعد انصرافهم من يوم الجمعة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر (

فهذا قد روى عن ( انس ( من طريق جماعة وفى أكثر رواية هؤلاء ذكر الزيادة كما تقدم

وأما ( حديث حذيفة ( رضى الله عنه فرواه ( أبو بكر الخلال بن يزيد بن جمهور ( حدثنا الحسن بن يحيى بن كثير العنبرى حدثنا ابى عن ابراهيم بن المبارك عن الأعمش عن أبى وائل عن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله ( ( أتانى جبريل واذا فى كفه مرآة كأصفى المرايا وأحسنها ( وساق الحديث بزيادته على ما تقدم وفيه ألفاظ اخرى ولم يذكر الزيادة

ورواه أبو بكر البزار حدثنا محمد بن معمر وأحمد بن عمرو العصفورى قالا حدثنا يحيى بن كثير العنبرى عن ابراهيم بن المبارك عن القاسم بن مطيب عن الاعمش عن أبى وائل عن حذيفة وذكر الحديث وفيه ( فيوحى الله الى حملة العرش أن يفتحوا الحجب فيما بينه وبينهم فيكون اول ما يسمعون منه تعالى أين عبادى الذين أطاعونى بالغيب ولم يرونى وصدقوا


417

رسلى واتبعوا أمرى سلونى فهذا يوم المزيد فيجتمعون على كلمة واحدة ان قد رضينا فارض عنا ويرجع فى قوله يا أهل الجنة انى لو لم أرض عنكم لم أسكنكم جنتى هذا يوم المزيد فسلونى فيجتمعون على كلمة واحدة أرنا وجهك رب ننظر اليه فيكشف الله الحجب فيتجلى لهم فيغشاهم من نوره ما لولا أن الله قضى أن لا يموتوا لاحترقوا ثم يقال لهم ارجعوا الى منازلكم فيرجعون الى منازلهم فى كل سبعة أيام يوم وذلك يوم المزيد (

واما ( حديث ابن عباس ( رضى الله عنه فروى عن غير وجه صحصح فى ( كتاب الآجرى وابن بطة وغيرهما ( عن أبى بكر بن أبى داود السجستانى حدثنا عمى محمد بن الاشعث حدثنا ابن جسر حدثنا أبى جسر عن الحسين عن ابن عباس عن النبى ( ( قال ( ان أهل الجنة يرون ربهم تعالى فى كل يوم جمعة فى رمال الكافور واقربهم منه مجلسا اسرعهم اليه يوم الجمعة وابكرهم غدوا ( وهذا تصريح بالزيادة المطلوبة

وأما ( حديث أبى هريرة ( رضى الله عنه فرواه الترمذى وابن ماجه من حديث عبدالحميد بن أبى العشرين حدثنا الاوزاعى حدثنا حسان بن عطية عن سعيد بن المسيب أنه لقى ابا هريرة فقال أبو هريرة اسأل الله أن يجمع بينى وبينك فى سوق الجنة فقال سعيد أفيها سوق قال نعم أخبرنى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( أن اهل الجنة اذا دخلوا نزلوا


418

فيها بفضل أعمالهم ثم يؤذن فى مقدار يوم الجمعة من ايام الدنيا فيزرون ربهم ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم فى روضة من رياض الجنة فتوضع لهم منابر من نور ومنابر من لؤلؤ ومنابر من ياقوت ومنابر من زبرجد ومنابر من ذهب ومنابر من فضة ويجلس أدناهم ومن فيهم من دنى على كثبان المسك والكافور ما يرون بأن أصحاب الكراسى أفضل منهم مجلسا قال أبو هريرة قلت يا رسول الله وهل نرى ربنا عز وجل قال نعم هل تتمارون فى رؤية الشمس والقمر ليلة البدر قلنا لا قال كذلك لا تمارون فى رؤية ربكم تبارك وتعالى ولا يبقى فى ذلك المجلس يعنى رجلا الا حاضره الله محاضرة حتى يقول للرجل منهم يا فلان بن فلان أتذكر يوم قلت كذا وكذا فيذكره ببعض غدراته فى الدنيا فيقول يا رب افلم تغفر لى فيقول بلى فبسعة مغفرتى بلغت منزلتك هذه فبينما هم كذلك غشيهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيبا لم يجدوا مثل ريحه شيئا قط ويقول ربنا قوموا الى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم فنأتى سوقا قد حفت به الملائكة فيه لم تنظر العيون الى مثله ولم تسمع الاذان ولم يخطر على القلوب فيحمل لما ما اشتهينا ليس يباع فيها ولا يشترى وفى ذلك السوق يلقى اهل الجنة بعضهم بعضا قال فيقبل الرجل ذو المنزلة المرتفعة فيلقاه من هو دونه وما فيهم دنى فيروعه ما عليه من اللباس فما ينقضى آخر حديثه حتى يتخيل اليه ما هو أحسن منه وذلك أنه لا ينبغى لأحد أن يحزن فيها ثم ننصرف الى منازلنا فيتلقانا أزواجنا


419

فيقلن مرحبا وأهلا لقد جئت وان بك من الجمال أفضل مما فارقتما عليه فيقول أنا جالسنا ربنا الجبار ويحقنا ان ننقلب بمثل ما انقلبنا ( قال الترمذى هذا حديث غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه وقد روى سويد ابن عمر عن الاوزاعى شيئا من هذا

قلت قد روى هذا الحديث ( ابن بطة ( فى ( الابانة ( بأسانيد صحيحة عن أبى المغيرة عبدالقدوس بن الحجاج عن الاوزاعى وعن محمد بن كثير قال نبئت أنه لقى سعيد بن المسيب ابا هريرة فقال اسأل الله أن يجمع بينى وبينك فى سوق الجنة وذكر الحديث مثل ما تقدم وهذا يبين أن الحديث محفوظ عن الاوزاعى لكن فى تلك الروايات سمى من حدثه وفى الروايات البواقى الثانية لم يسم فالله أعلم

و ( مضمون هذا الحديث ( ان ازواجهم لم تكن معهم فى جمعة الآخرة ولا فى سوقها لكنه لا ينفى أنهن رأين الله فى دورهن فان الرجال قد عللوا زيادة الحسن والجمال بمجالسة الجبار والنساء قد شركتهم فى زيادة الحسن والجمال كما تقدم فى أصح الأحاديث


420

( فصل ( المقتضى لكتابة هذا أن بعض الفقهاء كان قد سألنى لأجل نسائه من مدة هل ترى المؤمنات الله فى الآخرة فأجبت بما حضرنى اذ ذاك من أن الظاهر أنهن يرينه وذكرت له أنه قد روى أبو بكر عن ابن عباس أنهن يرينه فى الأعياد وأن أحاديث الرؤية تشمل المؤمنين جميعا من الرجال والنساء وكذلك كلام العلماء وأن المعنى يقتضى ذلك حسب التتبع وما لم يحضرنى الساعة

وكان قد نسخ لى فيما روى عن ابن عباس أن سبب ذلك أن ( الرؤية ( المعتادة العامة فى الآخرة تكون بحسب الصلوات العامة المعتادة فلما كان الرجال قد شرع لهم فى الدنيا الاجتماع لذكر الله ومناجاته وترائيه بالقلوب والتنعم بلقائه فى الصلاة كل جمعة جعل لهم فى الآخرة اجتماعا فى كل جمعة لمناجاته ومعاينته والتمتع بلقائه

ولما كانت السنة قد مضت بأن النساء يؤمرون بالخروج فى العيد حتى العواتق والحيض وكان على عهد رسول الله ( ( يخرج عامة نساء المؤمنين فى العيد جعل عيدهن فى الآخرة بالرؤية على مقدار عيدهن فى الدنيا


421

وأيد ذلك عندى ما خرجاه فى ( الصحيحين ( عن جرير بن عبدالله البجلى قال كنا جلوسا عند رسول الله اذ نظر الى القمر ليلة البدر فقال ( انكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون فى رؤيته فان استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا ثم قرأ ( فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ( وهذا الحديث من أصح الأحاديث على وجه الأرض المتلقاة بالقبول المجمع عليها عند العلماء بالحديث وسائر أهل السنة

ورأيت ان النبى ( ( أخبر المؤمنين بأنهم يرون ربهم وعقبه بقوله ( فان استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا ( ومعلوم أن تعقيب الحكم للوصف أو الوصف للحكم بحرف الفاء يدل على أن الوصف علة للحكم لا سيما ومجرد التعقيب هنا محال فان الرؤية فى الحديث قبل التحضيض على الصلاتين وهى موجودة فى الآخرة والتحضيض موجود قبلها فى الدنيا

والتعقيب الذى يقوله النحويون لا يعنون به أن اللفظ بالثانى يكون بعد الاول فان هذا موجود بالفاء وبدونها وبسائر حروف العطف وانما يعنون به معنى أن التلفظ الثانى يكون عقب الاول فاذا قلت قام زيد فعمر وأفاد أن قيام عمرو موجود فى نفسه عقب قيام زيد لا أن مجرد تكلم المتكلم بالثانى عقب الاول وهذا مما هو مستقر عند الفقهاء فى أصول الفقه وهو مفهوم من


422

اللغة العربية اذا قيل هذا رجل صالح فأكرمه فهم من ذلك أن الصلاح سبب للأمر باكرامه حتى لو رأينا بعد ذلك رجلا صالحا لقيل كذلك الأمر وهذا أيضا رجل صالح أفلا تكرمه فان لم يفعل ( فلابد ( أن يخلف الحكم لمعارض والا عد تناقضا

وكذلك لما قال النبى ( ( ما منكم من أحد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى الاشيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى الا شيئا قدمه وينظر امامه فتستقبله النار فمن استطاع منكم ان يتق النار ولو بشق تمرة فليفعل فان لم يستطع فبكلمة طيبة ( فهم منه أن تحضيضه على اتقاء النار هنا لأجل كونهم يستقبلونها وقت ملاقات الرب وان كان لها سبب آخر

وكذلك لما قال ابن مسعود ( سارعوا الى الجمعة فان الله يبرز لأهل الجنة فى كل جمعة فى كثيب من كثب الكافور فيكونون فى القرب منه على قدر تسارعهم فى الدنيا الى الجمعة ( فهم الناس من هذا أن طلب هذا الثواب سبب للأمر بالمسارعة الى الجنة

وكذلك لو قيل ان الأمير غدا يحكم بين الناس أو يقسم بينهم فمن أحب فاليحضر فهم منه ان الأمر بالحضور لأخذ النصيب من حكمه أو قسمه وهذا ظاهر

ثم أن هذا الوصف المقتضى للحكم ( تارة يكون سببا متقدما على


423

الحكم فى العقل وفى الوجود كما فى قوله ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ( وتارة ( يكون حكمه متقدما على الحكم فى العلم والارادة متأخرة عنه فى الوجود كما فى قولك الأمير يحضر غدا فان حضر كان حضور الامير يتصور ويقصد قبل الأمر تسمى العلة الغائية وتسميها الفقهاء حكمة الحكم وهى سبب فى الارادة بحكمها وحكمها سبب فى الوجود لها

و ( التعليل ( تارة يقع فى اللفظ بنفس الحكمة الموجودة فيكون ظاهره أن العلة متأخرة عن المعلول وفى الحقيقة انما العلة طلب تلك الحكمة وارادتها وطلب العافية وارادتها متقدم على طلب اسبابها المفعولة واسبابها المفعولة متقدمة عليها فى الوجود ونظائره كثير كما قيل ( فاذا قرأت القرآن فاستعذ ( واذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا ( ويقال اذا حجبت فتزود

فقوله ( صلى الله عليه وسلم ( انكم سترون ربكم فان استطعتم أن لا تغلبوا على صلاتين ( الى فافعلوا يقتضى أن المحافظة عليها هنا لأجل ابتغاء هذه الرؤية ويقتضى أن المحافظة سبب لهذه الرؤية ولا يمنع أن تكون المحافظة توجب ثوابا آخر ويؤمر بها لأجله وان المحافظة عليها سبب لذلك الثواب وان للرؤية سببا آخر لان تعليل الحكم الواحد بعلل واقتضاء العلة الواحدة لاحكام جائز

وهكذا غالب أحاديث الوعد كما فى قوله ( من صلى ركعتين لا يحدث فيها


424

نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه ومن حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ( وقوله ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها فانكم اذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ( ونحو ذلك فانه يقتضى أن صلاة هاتين الركعتين سبب للمغفرة وكذلك الحج المبرور وان كان للمغفرة أسباب أخر

وأيد هذا المعنى أن الله تعالى قال ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ( وقد فسر هذا الدعاء بصلاتى الفجر والعصر ولما أخبر أنهم يريدون وجهه بها تين الصلاتين وأخبر فى هذا الحديث أنهم ينظرون اليه فتحضيضهم على هاتين يناسب ذلك أن من أراد وجهه نظر الى وجهه تبارك وتعالى

ثم لما انضم الى ذلك ما تقدم من أن صلاة الجمعة سبب للرؤية فى وقتها وكذلك صلاة العيد ناسب ذلك أن تكون هاتان الصلاتان اللتان هما أفضل الصلوات وأوقاتهما أفضل الأوقات فناسب أن تكون الصلاة التى هى أفضل الأعمال ثم ما كان منها أفضل الصلوات فى أفضل الأوقات سببا لأفضل الثوابات فى أفضل الأوقات

لا سيما وقد جاء فى حديث ابن عمر الذى رواه الترمذى عن اسرائيل عن ثوير بن أبى فاختة سمعت ابن عمر يقول قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( أن أدنى اهل الجنة منزلة لمن ينظر الى جنانه وازواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة وأكرمهم على الله من ينظر الى وجهه غدوة وعشيا ثم قرأ رسول الله ( ( وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة (


425

قال الترمذى وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن اسرائيل عن ثوير عن ابن عمر مرفوعا ورواه عبدالملك بن ابجر عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر موقوفا ورواه عبيدالله الاشجعى عن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قوله ولم يرفعه وقال الترمذى لا نعلم أحدا ذكر فيه مجاهدا غير ثوير وأظنه قد قيل فى قوله ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا ( ان منه النظر الى الله

وروى فى ذلك حديث مرفوع رواه الداقطنى فى ( الرؤية ( حدثنا أبو عبيد قاسم بن اسماعيل الضبى حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق البصرى حدثنا هانىء بن يحيى حدثنا صالح المصرى عن عباد المنقرى عن ميمون بن سياه عن أنس بن مالك أن النبى ( ( أقرأه هذه الآية ( وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة ( قال والله ما نسخها منذ أنزلها يزورون ربهم تبارك وتعالى فيطعمون ويسقون ويطيبون ويحملون ويرفع الحجاب بينه وبينهم فينظرون اليه وينظر اليهم عز وجل وذلك قوله ( ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (

وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزى هذا الحديث فى ( الموضوعات ( وقال هذا لا يصح فيه ميمون بن سياه قال ابن حبان ينفرد بالمناكير عن المشاهير لا يحتج به اذا انفرد وفيه صالح المصرى قال النسائى متروك الحديث

قلت أما ميمون بن سياه فقد اخرج له البخارى والنسائى وقال فيه أبو حاتم الرازى ثقة وحسبك بهذه الامور الثلاثة وعن ابن معين قال فيه


426

ضعيف لكن هذا الكلام يقوله ابن معين فى غير واحد من الثقات وأما كلام ابن حبان ففيه ابتداع فى الجرح

فلما كان فى حديث ابن عمر المتقدم وعد أعلاهم ( غدوة وعشيا ( والرسول ( ( قد جعل صلاتى الغداة والعشى سببا ( للرؤية ( وصلاة الجمعة سببا ( للرؤية ( فى وقتها مع ما فى الصلاة من مناسبة الرؤية كان العلم بمجموع هذه الامور يفيد ظنا قويا أن هاتين الصلاتين سبب الرؤية فى وقتهما فى الآخرة والله أعلم بحقيقة الحال

فلما كان هذا قد سنح لى والنساء يشاركن الرجال فى سبب العمل فيشاركونهم فى ثوابه ولما انتفت المشاركة فى الجمعة انتفت المشاركة فى النظر فى الآخرة ولما حصلت المشاركة فى العيد حصلت المشاركة فى ثوابه

ثم بعد مدة طويلة جرى كلام فى هذه ( المسألة ( وكنت قد نسيت ما ذكرته اولا لا بعضه فاقتضى ذكر ما ذكرته أولا فقيل لى الحديث يقتضى أن هاتين الصلاتين من جملة سبب ( الرؤية ( لا أنه جميع السبب بدليل أن من صلاهما ولم يصل الظهر والعصر لا يستحق الرؤية

وقيل لى الحديث يدل على أن الصلاتين سبب فى الجملة فيجوز أن تكون هاتان الصلاتان للرؤية فى الجمعة كيف وقد قيل أن أعلى أهل الجنة من يراه مرتين فكيف يكون المحافظون على هاتين الصلاتين أعلاهم

فقلت ظاهر الحديث أن هاتين الصلاتين هو السبب فى هذه


427

( الرؤية ( لما ذكرته من القاعدة فى النساء آنفا ثم قد يتخلف المقتضى عن المقتضى لمانع لا يقدح فى اقتضائه كسائر أحاديث الوعد فانه لما قال ( من صلى البردين دخل الجنة ( من فعل كذا دخل الجنة ( دل على أن ذلك العمل سبب لدخول الجنة وان تخلف عنه مقتضاه لكفر أو فسق

فمن ترك صلاة الظهر أو زنا أو سرق ونحو ذلك كان فاسقا والفاسق غير مستحق للوعد بدخول الجنة كالكافر وكذلك أحاديث الوعيد اذا قيل من فعل كذا دخل النار فان المقتضى يتخلف عن التائب وعمن أتى بحسنات تمحو السيئات وعن غيرهم ويجوز أن يكون للرؤية سبب آخر فكونه سببا لا يمنع تخلف الحكم عنه لمانع ولا يمنع أن ينتصب سبب آخر للرؤية

ثم اقول فعل بقية الفرائض سواء كانت من جملة السبب أو كانت شرطا فى هذا السبب فالأمر فى ذلك قريب وهو نزاع لفظى فان الكلام انما هو فى حق من أتى ببقية شروط الوعد وانتفت عنه موانعه

ولا يجوز أن يقال فالأنوثة مانع من لحوق الوعد أو الذكورة شرط لأن هذا أن دل عليه دليل شرعى كما دل على أن فعل بقية الفرائض شرط قلنا به فأما بمجرد الامكان فلا يجوز ترك مقتضى اللفظ وموجبه بالامكان بل متى ثبت عموم اللفظ وعموم العلة وجب ترتيب مقتضى ذلك عليه ما لم يدل دليل بخلافه ولم يثبت ان الذكورة شرط ولا ان الانوثة مانع كما لم يقتض ان العربية والعجمية والسواد والبياض لها تأثير فى ذلك


428

وكذلك الحديث يدل على أن ( المقتصدين ( يشاركون ( السابقين ( فى أصل الرؤية وان امتاز السابقون عنهم بدرجات ومثوبات أو شمول المعنى لهؤلاء على السواد فهذا من هذا الوجه دليل على أن هاتين الصلاتين سبب للرؤية ووجود السبب يقتضى وجود المسبب الا اذا تخلف شرطه أو حصلت موانعه والشروط والموانع تتوقف على دليل

واما الاعتراض على كون هاتين الصلاتين سبب للرؤية فى الجملة ولو فى يوم الجمعة فيقال ذلك لا ينفى أن النساء يرينه فى الجملة ولو فى غير يوم الجمعة وهذا هو المطلوب

ثم يقال مجموع ما تقدم من سائر الاحاديث يقتضى أن الرؤية تحصل وقت العمل فى الدنيا فاذا قيل أن الرؤية تكون غدوا وعشيا وسببها صلاة الغداة والعشى كان هذا ظاهرا فيما قلناه والمدعى الظهور لا القطع

وأما كون ( الرؤية مرتين ( لأعلى أهل الجنة وليس من صلى هاتين الصلاتين أعلى أهل الجنة فليس هذا بدافع لما ذكرناه لأن هذين الاحتمالين ممكنة به يخرج الدليل عليها لكن الله أعلم بما هو الواقع منها يمكن السبب فعل هاتين الصلاتين على الوجه الذى أمر الله به باطنا وظاهرا لا صلاة أكثر الناس

ألا ترى الى حديث عمار بن ياسر عن النبى ( ( ( أن الرجل لينصرف من صلاته ولم يكتب له الا ربعها الا خمسها الا سدسها حتى


429

قال عشرها ( رواه أبو داود فالصلاة المقبولة هى سبب الثواب والصلاة المقبولة هى المكتوبة لصاحبها وقد بين النبى ( ( أن من المصلين من لا يكتب له الا بعضها فلا يكون ذلك المصلى مستحقا للثواب الذى استحقه من تقبل الله صلاته وكتبها له كلها

وعلى هذا فلا يكاد يندرج فى الحديث الا الصديقون أو قليل من غيرهم والنساء منهن صديقات

ويجوز أن يكون من له نوافل يجبر بها نقص صلاته يدخل في الحديث كما جاء فى حديث أبى هريرة المرفوع ( ان النوافل تجبر الفرائض يوم القيامة (

وعلى هذا فيكون الموجودون بهذا أكثر المصلين المحافظين على الصلوات ويكون هؤلاء أعلى أهل الجنة فان أكثر أمة محمد ( ( ما يحافظون على الصلوات بل منهم من يؤخر بعضها عن وقته ومنهم من ترك بعض واجباتها ومنهم من يترك بعضها وسائر الأمم قبلنا لاحظ لهم فى هاتين الصلاتين

ولو قيل ان كل من صلى هاتين الصلاتين دخل الجنة على أى حال كان مغفورا له نال هذا الثواب لأمكن فى قدرة الله ولم يكن الحديث نافيا لهذا اذ أكثر ما فيه أنه من أعلى أهل الجنة والعلو والسفول أمر اضافى فيصدق على أهل الجنات الثلاث أنهم من أعلى أهل الجنات الخمس الباقية ويصدق أيضا


430

على أكثر أهل الجنة أنهم أعلى بالنسبة الى من تحتهم وبعض هذا فيه نظر والله أعلم بحقيقة الحال

لكن الغرض أن هذا لا ينفى ما ذكرناه وهذا كله لو كان حديث ( المرتين ( يصلح لمعارضة ما ذكرنا من الدلالة وهو لا يصلح لذلك لما فيه من الاختلاف فى إسناده

ولما جرى الكلام ثانيا فى ( رؤية النساء ربهن فى الآخرة ( استدللت بأشياء أنا اذكرها وما أعترض به على وما لم يعترض حتى يظهر الأمر فأقول

الدليل على أنهن يرينه أن النصوص المخبرة بالرؤية فى الآخرة للمؤمنين تشمل النساء لفظا ومعنى ولم يعارض هذا العموم ما يقتضى اخراجهن من ذلك فيجب القول بالدليل السالم عن المعارض المقاوم

ولو قيل لنا ما الدليل على أن الفرس يرون الله أو أن الطوال من الرجال يرون الله أو ايش الدليل على أن نساء الحبشة يخرجن من النار لكان مثل هذا العموم فى ذلك بالغا جدا الا اذا خصص ثم يعلم أن العموم المسند المجرد عن قبول التخصيص يكاد يكون قاطعا فى شموله بل قد يكون قاطعا

أما ( النصوص العامة ( فمثل ما فى الصحيحين عن أبى هريرة ( أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال هل تمارون فى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا ر يا رسول الله قال فهل تمارون فى


431

الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فانكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه

منهم من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الامة فيها منافقوها فيأتيهم فى صورة غير صورته التى يعرفون فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا عز وجل فاذا جاء ربنا عز وجل عرفناه فيأتيهم فى صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيدعوهم فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهرانى جهنم فأكون انا وأمتى اول من يجيز ولا يتكلم يومئذ الا الرسل ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم ( وساق الحديث

وفى الصحيحين أيضا عن أبى سعيد قال ( قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله ( ( نعم فهل تضارون فى رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب هل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال ما تضارون فى رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة الا كما تضارون فى رؤية أحدهما اذا كان يوم القيامة أذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الاصنام والانصاب والا يتساقطون فى النار حتى اذا لم يبق الا ما كان يعبد الله من بر وفاجر وغبر اهل الكتاب ( وذكر الحديث فى دعاء اليهود والنصارى الى أن قال ( حتى اذا لم يبق الا من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله فى أدنى صورة من التى رأوه فيها قال فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فاقنا الناس فى الدنيا افقر ما كنا اليهم ولم


432

نصاحبهم فيقول انا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين أو ثلاثا حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق ولا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه الا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء الا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول فى الصورة التى راوه فيها اول مرة فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم (

هذان الحديثان من أصح الأحاديث فلما قال النبى ( ( فانكم ترونه كذلك يحشر الناس فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه ( أليس قد علم بالضرورة أن هذا خطاب لأهل الموقف من الرجال والنساء لان لفظ الناس يعم الصنفين ولان الحشر مشترك بين الصنفين

وهذا العموم لا يجوز تخصيصه وان جاز على ضعف لان النساء اكثر من الرجال اذ قد صح أنهن أكثر أهل النار وقد صح لكل رجل من اهل الجنة زوجتان من الانسيات سوى الحور العين وذلك لان من فى الجنة من النساء أكثر من الرجال وكذلك فى النار فيكون الخلق منهم أكثر واللفظ العام لا يجوز أن يحمل على القليل من الصور دون الكثير بلا قرينة متصلة لان ذلك تلبيس وعى ينزه عنه كلام الشارع

ثم قوله فيقال ( من كان يعبد شيئا فليتبعه ( وصف من الصيغ التى


433

تعم الرجال والنساء ثم فيها العموم المعنوى وهو ان اتباعه اياه معلل بكونه عبده فى الدنيا وهذه العلة شاملة للصنفين ثم قوله ( وتبقى هذه الامة فيها منافقوها ( والنساء من هذه الامة مؤمناتهن ومنافقاتهن ( فاذا جاء عرفناه ( وقوله ( فيأتيهم فى صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيدعوهم ( تفسير لما ذكرناه فى أول الحديث من أنهم يرون ربهم كما يرون الشمس والقمر

والضمير فى قوله ( فيأتيهم فى صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا ( قد ثبت أنه عائد الى الامة التى فيها الرجال والنساء والى من كان يعبده الذى يشمل الرجال والنساء والى الناس غير المشركين وذلك يعم الرجال والنساء وهذا أوضح من ان يزاد بيانا

ثم قوله فى حديث أبى سعيد ( فيرفعون رءوسهم وقد تحول فى صورته التى رأوه فيها أول مرة ( نص فى أن النساء من الساجدين الرافعين قد رأوه اولا ووسطا وآخرا والساجدون قد قال فيهم ( لا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه الا اذن الله له بالسجود ( و ( من ( تعم الرجال والنساء فكل من سجد لله مخلصا من رجل وامرأة فقد سجد لله وقد رآه فى هذه المواقف الثلاث وليس هذا موضع بيان ما يتعلق بتعدد السجود والتحول وغير ذلك مما يلتمس معرفته وانما الغرض هنا ما قصدنا له

ثم فى كلا الحديثين الاخبار بمرورهم على الصراط وسقوط قوم فى النار


434

ونجاة آخرين ثم بالشفاعة فى اهل التوحيد حتى يخرج من النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من ايمان ويدخلون الجنة ويسمون الجهنميين افليس هذا كله عاما للرجال والنساء ام الذين يجتازون على الصراط ويسقط بعضهم فى النار ثم يشفع فى بعضهم هم الرجال ولو طلب الرجل نصا فى النساء فى مثل هذا اما كان متكلفا ظاهر التكلف

وكذلك روى مسلم فى صحيحه عن أبى الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن ( الورود ( فقال نجىء نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر اى ذلك فوق الناس قال فتدعى الامم بأوثانها وما كانت تعبد الاول فالاول ثم يأتينا ربنا بعد ذلك فيقول من تنتظرون فيقولون ننتظر ربنا فيقول أنا ربكم فيقولون حتى ننظر اليك فيتجلى لهم يضحك قال فينطلق بهم ويتبعونه ويعطى كل انسان منهم منافق أو مؤمن نورا ثم يتبعونه وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله ثم يطفأ نور المنافقين ثم ينجوا المؤمنون وذكر الحديث فى دخول الجنة والشفاعة

أفليس هذا بينا فى أنه يتجلى لجميع الأمة كما أن الامة تعطى نورها ثم جميع ( المؤمنين ( ذكرانهم وانائهم يبقى نورهم وكذلك جميع ما فى الحديث من المعانى تعم الطائفتين عموما يقينيا

وهذا الحديث هو مرفوع قد رواه الامام أحمد وغيره بمثل اسناد مسلم


435

وذكر فيه عن النبى ( ( ما يقتضى أن جابرا سمع الجميع منه وروى من وجوه صحيحة عن جابر عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( مرفوعا وهذا الحديث قد روى ايضا باسناد جيد من حديث ابن مسعود مرفوعا الى النبى ( ( أطول سياقه من سائر الاحاديث وروى من غير وجه

وفى حديث ( أبى رزين العقيلى ( المشهور من غير وجه قال قلنا يا رسول الله أكلنا يرى ربه يوم القيامة قال ( أكلكم يرى القمر مخليا به قالوا بلى ( فالله أعظم ( وقوله ( كلك يرى ربه ( كقوله ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالرجل راع فى أهله وهو مسئول عن رعيته والمرأة راعية فى مال زوجها وهى مسئولة عن رعيتها ( من أشمل اللفظ

ومن هذا قوله ( كلكم يرى ربه مخليا به ( وما منكم من أحد الا سيخلو به ربه كما يخلو أحدكم بالقمر ( وما منكم الا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان ( الى غير ذلك من الأحاديث الصحاح والحسان التى تصرح بأن جميع الناس ذكورهم واناثهم مشتركون فى هذه الامور من ( المحاسبة ( و ( الرؤية ( و ( الخلوة ( و ( الكلام (

وكذلك الاحاديث فى ( رؤيته سبحانه فى الجنة ( مثل ما رواه مسلم فى صحيحه عن صهيب قال قال رسول الله ( ( اذا دخل أهل الجنة الجنة واهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا


436

الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون الى الله فما شىء أعطوه أحب اليهم من النظر اليه وهى ( الزيادة (

قوله ( اذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ( يعم الرجال والنساء فان لفظ الأهل يشمل الصنفين وايضا فقد علم أن النساء من أهل الجنة وقوله ( يا أهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه ( خطاب لجميع أهل الجنة الذين دخلوها ووعدوا بالجزاء وهذا قد دخل فيه جميع النساء المكلفات وكذلك قولهم ( ألم يثقل ويبيض ويدخل وينجز ( يعم الصنفين وقوله ( فيكشف الحجاب فينظرون اليه ( الضمير بعود الى ما تقدم وهو يعم الصنفين

ثم الاستدلال بالاية دليل آخر لأن الله سبحانه قال ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ( ومعلوم أن النساء من الذين أحسنوا ثم قوله فيما بعد ( أولئك اصحاب الجنة ( يقتضى حصر أصحاب الجنة فى أولئك والنساء من اصحاب الجنة فيجب أن يكن من أولئك واولئك اشارة الى الذين لهم الحسنى وزيادة فوجب دخول النساء فى الذين لهم الحسنى وزيادة واقتضى ان كل من كان من أصحاب الجنة فانه موعود ( بالزيادة على الحسنى ( التى هى النظر الى الله سبحانه ولا يستثنى من ذلك أحد الا بدليل وهذه ( الرؤية العامة ( لم توقت بوقت بل قد تكون عقب الدخول قبل استقرارهم فى المنازل والله أعلم أى وقت يكون ذلك


437

وكذلك ما دل من الكتاب على ( الرؤية ( كقوله ( وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة ( هو تقسيم لجنس الانسان المذكور فى قوله ( ينبأ الانسان يومئذ بما قدم وأخر بل الانسان على نفسه بصيرة ( وظاهر انقسام الوجوه الى هذين النوعين كما أن قوله ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة ( أيضا الى هذين النوعين فمن لم يكن من الوجوه الباسرة كان من الوجوه الناضرة كيف وقد ثبت فى الحديث ان النساء يزددن حسنا وجمالا كما يزداد الرجال فى مواقيت النظر

وكذلك قوله ( فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ( قد فسر بالرؤية وقوله ( ان الابرار لفى نعيم على الارائك ينظرون ( فان هذا كله يعم الرجال والنساء

وأعلم أن الناس قد اختلفوا فى ( صيغ جمع المذكر مظهره ومضمره ( مثل المؤمنين والابرار وهو هل يدخل النساء فى مطلق اللفظ او لا يدخلون الا بدليل على قولين

( أشهرهما ( عند أصحابنا ومن وافقهم أنهم يدخلون بناء على أن من لغة العرب اذا اجتمع المذكر والمؤنث غلبوا المذكر وقد عهدنا من الشارع فى خطابه أنه يعم القسمين ويدخل النساء بطريق التغليب وحاصله أن هذه الجموع تستعملها العرب تارة فى الذكور المجردين وتارة فى الذكور والاناث


438

وقد عهدنا من الشارع أن خطابه المطلق يجرى على النمط الثانى وقولنا المطلق احتراز من المقيد مثل قوله ( ان المؤمنين والمؤمنات ( ومن هؤلاء من يدعى أن مطلق اللفظ فى اللغة يشمل القسمين

( والقول الثانى ( أنهن لا يدخلن الا بدليل ثم لاخلاف بين ( الفريقين ( ان آيات ( الأحكام ( و ( الوعد ( و ( الوعيد ( التى فى القرآن تشمل الفريقين وان كانت بصيغة المذكر فمن هؤلاء من يقول دخلوا فيه لان الشرع استعمل اللفظ فيها وان كان اللفظ المطلق لا يشمله وهذا يرجع الى القول الاول ومنهم من يقول دخلوا لانا علمنا من الدين استواء الفريقين فى الاحكام فدخلوا كما ندخل نحن فيما خوطب به الرسول وكما تدخل سائر الامة فيما خوطب به الواحد منها وان كانت صيغة اللفظ لا تشمل غير المخاطب

وحقيقة هذا القول أن اللفظ الخاص يستعمل عاما ( حقيقة عرفية ( اما خاصة واما عامة وربما سماه بعضهم قياسا جليا ينقص حكم من خالفه وأكثرهم لا يسمونه ( قياسا ( بل قد علم استواء المخاطب وغيره فنحن نفهم من الخطاب له الخطاب للباقين حتى لو فرض انتفاء الخطاب فى حقه لمعنى يخصه لم ينقص انتفاء الخطاب فى حق غيره ( فالقياس ( تعدية الحكم وهنا لم يعد حكم وانما ثبت الحكم فى حق الجميع ثبوتا واحدا بل هو مشبه بتعديه الخطاب بالحكم لا نفس الحكم


439

وعلى كل قول فالدلالة من صيغ الجمع المذكر متوجهة كما أنها متوجهة بلا تردد من صيغة ( من ( و ( أهل ( و ( الناس ( ونحو ذلك

وأعلم أن هنا ( دلالة ثانية ( وهى دلالة العموم المعنوى وهى أقوى من دلالة العموم اللفظى وذلك ان قوله ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ( وقد فسرت ( القرة ( بالنظر وغيره فيقتضى أن النظر جزاء على عملهم والرجال والنساء مشتركون فى العمل الذى استحق به جنس الرجال الجنة فان العمل الذى يمتاز به الرجال ( كالامارة ( و ( النبوة ( عند الجمهور ونحو ذلك لم تنحصر الرؤية فيه بل يدخل فى الرؤية من الرجال من لم يعمل عملا يختص الرجال بل اقتصر على ما فرض عليه من الصلاة والزكاة وغيرهما وهذا مشترك بين الفريقين

وكذلك قوله ( ان الابرار لفى نعيم على الارائك ينظرون ( ان ( البر ( سبب هذا الثواب و ( البر ( مشترك بين الصنفين وكذلك كل ما علقت به ( الرؤية ( من اسم الايمان ونحوه يقتضى أنه هو السبب فى ذلك فيعم الطائفتين

وبهذا ( الوجه ( احتج الائمة ان الكفار لا يرون ربهم فقالوا لما حجب الكفار بالسخط دل على أن المؤمنين يرون بالرضى ومعلوم أن المؤمنات فارقوا الكفار فيما استحقوا به السخط والحجاب وشاركوا المؤمنين


440

فيما استحقوا به الرضوان والمعاينة فثبتت الرؤية فى حقهم باعتبار الطرد واعتبار العكس وهذا باب واسع ان لم نقطعه لم ينقطع

فان قيل دلالة العموم ضعيفة فانه قد قيل أكثر العمومات مخصوصة وقيل ما ثم لفظ عام الا قوله ( وهو بكل شىء عليم ( ومن الناس من أنكر دلالة العموم رأسا

قلنا أما ( دلالة العموم المعنوى العقلى ( فما أنكره أحد من الأمة فيما أعلمه بل ولا من العقلاء ولا يمكن انكارها اللهم الا أن يكون فى ( أهل الظاهر الصرف ( الذين لا يلحظون المعانى كحال من ينكرها لكن هؤلاء لا ينكرون عموم الالفاظ بل هو عندهم العمدة ولا ينكرون عموم معانى الالفاظ العامة والا قد ينكرون كون عموم المعانى المجردة مفهوما من خطاب الغير

فما علمنا أحدا جمع بين انكار ( العمومين ( اللفظى والمعنوى ونحن قد قررنا العموم بهما جميعا فيبقى محل وفاق مع العموم المعنوى لا يمكن انكاره فى الجملة ومن أنكره سد على نفسه اثبات حكم الاشياء الكثيرة بل سد على عقله اخص اوصافه وهو القضاء بالكلية العامة ونحن قد قررنا العموم من هذا الوجه بل قد اختلف الناس فى هذامثل العموم هل يجوز تخصيصه على قولين مشهورين و

أما ( العموم اللفظى ( فما أنكره ايضا امام ولا طائفة لها مذهب مستقر


441

فى العلم ولا كان فى ( القرون الثلاثة ( من ينكره وانما حدث انكاره بعد المائة الثانية وظهر بعد المائة الثالثة واكبر سبب انكاره اما من المجوزين للعفو من ( أهل السنة ( ومن أهل المرجئة من ضاف عطنه لما ناظره الوعيدية بعموم ايات الوعيد واحاديثه فاضطره ذلك الى ان جحد العموم فى اللغة والشرع فكانوا فيما فروا اليه من هذا الجحد كالمستجير من الرمضاء بالنار

ولو اهتدوا للجواب الشديد ( للوعيدية ( من أن الوعيد فى اية وان كان عاما مطلقا فقد خصص وقيد فى اية اخرى جريا على السنن المستقيمة اولى بجواز العفو عن المتوعد وان كان معينا تقييدا للوعيد المطلق وغير ذلك من الاجوبة وليس هذا موضع تقرير ذلك فان الناس قد قرروا العموم بما يضيق هذا الموضع عن ذكره

وان كان قد يقال بل العلم بحصول العموم من صيغه ضرورى من اللغة والشرع والعرف والمنكرون له فرقة قليلة يجوز عليهم جحد الضروريات او سلب معرفتها كما جاز على من جحد العلم بموجب الاخبار المتواترة وغير ذلك من المعالم الضرورية

وأما من سلم أن العموم ثابت وانه حجة وقال هو ضعيف او اكثر العمومات مخصوصة وانه ما من عموم محفوظ الا كلمة او كلمات

فيقال له ( أولا ( هذا سؤال لا توجيه له فان هذا القدر الذى ذكرته لا يخلو اما أن يكون مانعا من الاستدلال بالعموم او لا يكون فان كان مانعا


442

فهو مذهب منكرى العموم من الواقفة والمخصصة وهو مذهب سخيف لم ينتسب اليه وان لم يكن مانعا من الاستدلال فهذا كلام ضائع غايته ان يقال دلالة العموم اضعف من غيره من الظواهر وهذا لا يقر فانه ما لم يقم الدليل المخصص وجب العمل بالعام

ثم يقال له ( ثانيا ( من الذى سلم لكم أن العموم المجرد الذى لم يظهر له مخصص دليل ضعيف ام من الذى سلم أن اكثر العمومات مخصوصة ام من الذى يقول ما من عموم الا قد خص الا قوله ( بكل شىء عليم ( فان هذا الكلام وان كان قد يطلقه بعض السادات من المتفقهة وقد يوجد فى كلام بعض المتكلمين فى اصول الفقه فانه من أكذب الكلام وأفسده

والظن بمن قاله ( أولا ( أنه انما عنى أن العموم من لفظ ( كل شىء ( مخصوص الا فى مواضع قليلة كما قوله ( تدمر كل شىء ( وأوتيت من كل شىء ( فتحنا عليهم ابواب كل شىء ( والا فأى عاقل يدعى هذا فى جميع صيغ العموم فى الكتاب والسنة وفى سائر كتب الله وكلام انبيائه وسائر كلام الامم عربهم وعجمهم

وأنت اذا قرأت القرآن من أوله الى آخره وجدت غالب عموماته محفوظة لا مخصوصة سواء عنيت عموم الجمع لافراده أو عموم الكل لاجزائه أو عموم الكل لاجزئياته فاذا اعتبرت قوله ( الحمد لله رب العالمين ( فهل تجد أحدا من العالمين ليس الله ربه ( مالك يوم الدين ( فهل فى يوم الدين شىء لا يملكه


443

الله ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ( فهل فى المغضوب عليهم ولا الضالين أحد لا يجتنب حاله التى كان بها مغضوبا عليه أو ضالا ( هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ( الآية فهل فى هؤلاء المتقين أحد لم يهتد بهذا الكتاب ( والذين يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك ( هل فيما أنزل الله ما لم يؤمن به المؤمنون لا عموما ولا خصوصا ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ( هل خرج أحد من هؤلاء المتقين عن الهدى فى الدنيا وعن الفلاح فى الآخرة

ثم قوله ( ان الذين كفروا ( قيل هو عام مخصوص وقيل هو لتعريف العهد فلا تخصيص فيه فان التخصيص فرع على ثبوت عموم اللفظ ومن هنا يغلط كثير من الغالطين يعتقدون أن اللفظ عام ثم يعتقدون أنه قد خص منه ولو امعنوا النظر لعملوا من اول الامر ان الذى اخرجوه لم يكن اللفظ شاملا له ففرق بين شروط العموم وموانعه وبين شروط دخول المعنى فى ارادة المتكلم وموانعه

ثم قوله ( لا يؤمنون ( أليس هو عاما لمن عاد الضمير اليه عموما محفوظا ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ابصارهم ( أليس هو عاما فى القلوب وفى السمع وفى الابصار وفى المضاف اليه هذه الصفة عموما لم يدخله تخصيص وكذلك ( ولهم ( وكذلك فى سائر الايات اذا تأملته الى قوله ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم ( فمن الذين خرجوا من هذا العموم الثانى فلم يخلقهم الله له وهذا باب واسع


444

وان مشيت على آيات القرآن كما تلقن الصبيان وجدت الامر كذلك فانه سبحانه قال ( قل أعوذ برب الناس ملك الناس اله الناس ( فأى ناس ليس الله ربهم أم ليس ملكهم أم ليس الههم ثم قوله ( من شر الوسواس الخناس ( ان كان المسمى واحدا فلا عموم فيه وان كان جنسا فهو عام فأى وسواس خناس لا يستعاذ بالله منه

وكذلك قوله ( برب الفلق ( أى جزء من ( الفلق ( أم أى ( فلق ( ليس الله ربه ( من شر ما خلق ( أى شر من المخلوق لا يستعاذ منه ( ومن شر النفاثات ( اى نفاثة فى العقد لا يستعاذ منها وكذلك قوله ( ومن شر حاسد ( مع أن عموم هذا فيه بحيث دقيق ليس هذا موضعه

ثم ( سورة الاخلاص ( فيها اربع عمومات ( لم يلد ( فانه يعم جميع انواع الولادة وكذلك ( لم يولد ( وكذلك ( ولم يكن له كفوا أحد ( فانها تعم كل أحد وكل ما يدخل فى مسمى الكفؤ فهل فى شىء من هذا خصوص

ومن هذا الباب كلمة الاخلاص التى هى اشهر عند أهل الاسلام من كل كلام وهى كلمة ( لا اله الا الله ( فهل دخل هذا العموم خصوص قط

فالذى يقول بعد هذا ما من عام الا وقد خص الا كذا وكذا اما فى غاية الجهل واما فى غاية التقصير فى العبارة فان الذى أظنه انه انما عنى ( من الكلمات التى تعم كل شىء ( مع أن هذا الكلام ليس بمستقيم وان فسر


445

بهذا لكنه اساء فى التعبير ايضا فان الكلمة العامة ليس معناها انها تعم كل شىء وانما المقصود ان تعم ما دلت عليه أى ما وضع اللفظ له وما من لفظ فى الغالب الا وهو اخص مما هو فوقه فى العموم واعم مما هو دونه فى العموم والجميع يكون عاما

ثم عامة العرب وسائر الامم انما هو اسماء عامة والعموم اللفظى على وزان العموم العقلى وهو خاصية ( العقل ( الذى هو أول درجات التمييز بين الانسان وبين البهائم

فان قيل سلمنا ان ظاهر الكتاب والسنة يشمل النساء لكن هذا العموم مخصوص وذلك ان فى حديث رؤية الله للرجال يوم الجمعة ( أن الرجال يرجعون الى منازلهم فتتلقاهم نساؤهم فيقلن للرجل لقد جئت وان بك من الجمال افضل مما فارقتنا عليه فيقول انا جالسنا اليوم ربنا الجبار ويحقنا ان ننقلب بمثل ما انقلبنا به ( وهذا دليل على أن النساء لم يشاركوهم فى الرؤية واذا كان هذا فى رؤية الجمعة ففى رؤية الغداة والعشى اولى لأن هذا أعلى من تلك ومن لم يصلح للرؤية فى الاسبوع فكيف يصلح للرؤية فى كل يوم مرتين واذا انتفت رؤيتهن فى هذين الموطنين ولم يثبت ان الناس يرونه فى غير هذين الموطنين فقد ثبت ان العموم مخصوص منه النساء فى هذين الموطنين وما سواهما لم يثبت لا للرجال ولا للنساء فلم يبق ما يدل على حصول الرؤية للنساء فى موطن آخر فاما ان يبقى مطلقا عملا بالأصل النافى واما ان ينفى عن هذين الموطنين ويتوقف فيما عداهما ولا يحتج على ثبوتها فيه بتلك العمومات


446

لوجود التخصيصات فيها هذا غاية ما يمكن فى تقرير هذا السؤال ولولا أنه أورد على لما ذكرته لعدم توجهه فنقول ( الجواب من وجوه متعددة ( وترتيبها الطبيعى يقتضى نوعا من الترتيب لكن ارتبها على وجه آخر ليكون اظهر فى الفهم

الأول

أنا لو فرضنا أنه قد ثبت أن النساء لا يرينه فى الموطنين المذكورين لم يكن فى ذلك ما ينفى رؤيتهن فى غير هذين الموطنين فيكون ما سوى هذين الموطنين لم يدل عليه الدليل الخاص لا بنفى ولا باثبات والدليل العام قد اثبت الرؤية فى الجملة والرؤية فى غير هذين الموطنين لم ينفها دليل فيكون الدليل العام قد سلم عن معارضة الخاص فيجب العمل به وهذا فى غاية الوضوح

فان من قال رأيت رجلا فقال آخر لم تر اسود ولم تره فى دمشق لم تتناقض القضيتان والخاص اذا لم يناقض مثله من العام لم يجز تخصيصه به فلو كان قد دل دليل على أن النساء لا يرينه بحال لكان هذا الخاص معارضا لمثله من العام اما اذا قيل أنه دل على رؤية فى محل مخصوص كيف ينفى بنفى جنس الرؤية وكيف يكون سلب الخاص سلبا للعام

فان قيل لا رؤية لأهل الجنة الا فى هذين الموطنين قيل ما الذى دل على هذا فان قيل لأن الاصل عدم ما سوى ذلك قيل العدم لا يحتج به فى الاخبار باجماع العقلاء بل من أخبر به كان قائلا ما لا علم له به ولو قيل


447

للرجل هل فى البلد الفلانى كذا وفى المسجد الفلانى كذا فقال لا لأن الأصل عدمه كان نافيا ما ليس له به علم باتفاق العقلاء

ولو قال الآخر الذين يرون الله كل يوم مرتين هم النبيون فقط لأن الاصل عدم رؤية غيرهم ولهم من الخصوص ما لا يشركون فيه كان هذا قولا بلا علم اذا سلم من أن يكون كذبا وليس هنا مفهوم يتمسك به كما فى قوله ( فاجلدوهم ثمانين جلدة (

فان الرسول لم يقل أن أهل الجنة لهم موطنان فى الرؤية حتى يقول ذلك بنفى ما سواهما بل كلامه يدل على خلاف ذلك كما سنبينه ولو فرضنا أنه يجوز الحكم الحكم باستصحاب الحال فى مثل هذا فان العموم والقياس حجتان مقدمتان على الاستصحاب أما ( العموم ( فباجماع الفقهاء وأما ( القياس ( فعند جماهيرهم

ومعلوم أن ( العموم ( و ( القياس ( يقتضيان ثبوت الرؤية كما تقدم فلا يجوز نفيها بالاستصحاب وان جاز تخصيص ذلك بنقص عقل النساء فينبغى أن يقال ( البله ( ( اهل الجفاء ( من الاعراب ونحوهم ممن يدخل الجنة لا يرى الله فانه لا ريب أن فى النساء من هو أعقل من كثير من الرجال حتى أن المرأة تكون شهادتها نصف شهادة الرجل والمغفل ونحوه ترد شهادتهما بالكلية وان لم يكن مجنونا وقد قال النبى ( ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء الا اربع ( اكمل ممن لم يكمل من الرجال ففى أى معقول تكون الرؤية للناقص دون الكامل


448

الجواب الثانى

ان نقول نفس الحديث المحتج به دل على أن لأهل الجنة رؤية فى مواطن عديدة فانه قال ( وأعلى اهل الجنة منزلة من يرى الله كل يوم مرتين غدوة وعشية ( فاذا كانت هذه للاعلى فمفهومه أن الادنى له دون ذلك ولا يجوز أن يقصر ما دون ذلك على ( رؤية الجمعة ( لأنه لا دليل عليه بل يجوز أن يراه بعضهم كل يوم مرة وبعضهم كل يومين مرة وبعضهم أكثر من ذلك والحكمة تقتضى ذلك فان ( يوم الجمعة يشترك فيه جميع الرجال من الاعلين والمتوسطين ومن دونهم وكل يوم مرتين للأعلين فالذين هم فوق الادنين ودون الاعلين لابد أن يميزوا عمن دونهم كما نقصوا عمن فوقهم

الجواب الثالث

أنه قد جاءت الاحاديث برؤية الله فى غير هذين الموطنين منها ما رواه ابن ماجه فى ( سننه ( والدارقطنى فى ( الرؤية ( عن الفضل بن عيسى الرقاشى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال قال رسول الله ( ( بينا أهل الجنة فى نعيمهم اذ سطع لهم نور فرفعوا رءوسهم فاذا الرب تبارك وتعالى اشرف عليهم فقال السلام عليكم يا اهل الجنة وهو قول الله ( سلام قولا من رب رحيم ( فلا يلتفتون الى شىء مما هم فيه من النعيم ما دام الله بين أظهرهم حتى حتجب عنهم وتبقى فيهم بركته ونوره (


449

ورويناه من طريق اخرى معروفة الى سلمة بن شبيب حدثنا بشر بن حجر حدثنا عبدالله بن عبيدالله عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله ( ( بينما أهل الجنة فى ملكهم ونعيمهم اذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فاذا الرب تبارك وتعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فيقول السلام عليكم يا أهل الجنة وينظر فذلك قوله تبارك وتعالى ( سلام قولا من رب رحيم ( فينظرون اليه وينظر اليهم فلا يلتفتون الى شىء من الملك والنعيم حتى يحتجب عنهم قال فيبقى نوره وبركته عليهم وفى ديارهم (

وهذه الطريق تنفى أن يكون قد تفرد به الفضل الرقاشى وهذا الحديث بعمومه يقتضى ان جميعهم يرونه لكن لم يستدل به ابتداء لأن فى اسناده مقالا والمقصود هنا أنه قد روى ذلك وهو ممكن ولا سبيل الى دفعه فى نفس الامر والعمومات الصحيحة تثبت جنس ما اثبته هذا الحديث

وايضا فالحديث الصحيح ( اذا دخل اهل الجنة الجنة نادى مناد يا أهل الجنة ان لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو الم يبيض وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار فيكشف الحجاب فينظرون اليه فما أعطاهم شيئا احب اليهم من النظر اليه (

فهذا ليس هو نظر الجمعة لان هذا عند الدخول ولم يكونوا ينتظرونه ولا اجتمعوا لاجله ونظر الجمعة يقدمون اليه من منازلهم ويجتمعون لاجله


450

كما جاءت به الاحاديث وبين هذا التجلى وذلك فرق تدل عليه الاحاديث ولا هذا التجلى من المرتين اللتين تختص بالاعلين بل هو عام لمن دخل الجنة كما دل عليه الحديث موافقا لقوله ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ( أولئك اصحاب الجنة (

وايضا فقد جاء موقوفا على ابن عباس وعن كعب الاحبار مرفوعا الى النبى ( ( أنهم يرونه فى كل يوم عيد (

وأيضا فقد ثبت بالنصوص المتواترة فى عرصات القيامة قبل دخول الجنة اكثر من مرة وهذا خارج عن المرتين الا ان يقال وان كان لم يقل ولا فى سؤال السائل ما يدل عليه فهو مبطل لحصره قطعا ومن أراد أن يحترز عنه يصوغ السؤال على غير ما تقدم وانما صغناه كما أورد علينا

وايضا فقد قال تعالى ( فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ( قال النبى ( ( يقول الله اعددت لعبادى الصالحين ما لاعين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( فكيف يمكن أن يقال ان من سوى الاعلين لا يرى الله قط الا فى الاسبوع مرة ويقضى ذلك الدليل على ما قد اخفاه عن كل نفس ونفى علمه من كل عين وسمع قلب وفرق بين عدم العلم والعلم بالعدم وبين عدم الدليل والدليل على العدم فاذا لم يكن مع الانسان فيما سوى الموطن سوى عدم العلم وعدم الدليل لم يكن ذلك مانعا من موجب الدليل العام بالاضطرار وبالاجماع

ونكتة ( الجواب الاول ( ان النبى ( ( اذا قال ان أهل


451

الجنة يرون الله تعالى وفسر به قوله تعالى ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ( الى قوله ( اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون ( فاعلمنا بهذا أن اصحاب الجنة لهم الزيادة منهم النساء المحسنات اكث من الرجال وقال لنا مثلا يوم الجمعة يراه الرجال دون النساء وقال لنا ايضا لا يراه كل يوم مرتين الا اعلى اهل الجنة وفرضنا ان النساء لا يرينه بحال كل يوم مرتين ولا يوم الجمعة ولا فيما سوى ذلك قط وهذا وان كان من وقف على هذا الكلام يعلم أنه لا خلاف بين العلماء بل ولا بين العقلاء فى أنه لا يدل على نفى جنس ( الرؤية ( ولا يخص ذلك اللفظ العام ولا يقيد ذلك المطلق فانما رددت الكلام فيه للمنازعة فيه فلا يظن انا اطلنا النفس فيه لخفائه بل لرده مع جلائه

ولك أن تعبر عن ( هذا الجواب ( بعبارات ان شئت ان تقول ( أحاديث الاثبات ( اثبتت رؤية مطلقة للرجال وللنساء ونفى المقيد لا ينفى المطلق فلا يكون المطلق منفيا فلا يجوز نفى موجبه

وان شئت ان تقول ( أحاديث الاثبات ( تعم الرجال والنساء و ( أحاديث النفى ( تنفى عن النساء ما علم أنه للرجال او ماثبت ان فيه الرؤية او تنفى عن النساء الرؤية فى الموطنين اللذين أخبروا بالرؤية فيهما لكن هذا سلب فى حال مخصوص لم يتعرض لما سواهما لا بنفى ولا باثبات والمسلوب عنه لا يعارض العام


452

وان شئت أن تقول القضية الموجبة المطلقة لا يناقضها الا سلب كلى وليس هذا سلبا كليا فلا يناقض ولا يجوز ترك موجب أحد الدليلين وان شئت ان تقول ليس فى ذكر هذين الموطنين الا عدم الاخبار بغيرهما وعدم الاخبار بثواب معين من نظر أو غيره لا يدل على عدمه كيف وهذا الثواب مما أخفاه الله واذا كان عدم الاخبار لا يدل على عدمه والعموم اللفظى والمعنوى اما قاطع واما ظاهر فى دخول النساء لم يكن عدم الدليل مخصصا للدليل سواء كان ظاهرا او قاطعا وكل هذا كما أنه معلوم بالعقل الضرورى فهو مجمع عليه بين الامة على ما هو مقرر عند العلماء فى الاصول والفروع

وانما ينشأ الغلط من حيث يسمع السامع ما جاء فى الاحاديث فى ( الرؤية ( عامة مطلقة ويرى احاديث اخر اخبرت برؤية مقيدة خاصة فيتوهم ان لا وجود لتلك المطلقة العامة الا فى هذه المقيدة او ينفى دلالة تلك العامة لهذا الاحتمال كرجل قال كنت أدخل اصحابى دارى واكرمهم ثم قال فى موطن آخر أدخلت دارى فلانا وفلانا من اصحابى فى اليوم الفلانى فمن ظن ان سائر اصحابه لم يدخلهم لأنه لم يذكرهم فى هذا الموطن فقد غلط وقيل له من أين لك أنه ما أدخلهم فى وقت آخر فاذا قال يمكن انه أدخلهم ويمكن أنه ما أدخلهم فانا اقف قيل له فقد قال كنت أدخل اصحابى دارى وهذا يعم جميع أصحابه


453

ونحن لا ننازع فى أن ( اللفظ العام ( يحتمل الخصوص فى الجملة مع عدم هذه القرينة فمع وجودها اوكد لكن ننازع فى ( الظهور ( فنقول هذا الاحتمال المرجوح لا يمنع ظهور العموم كما تقدم فيكون العموم هو الظاهر وان كان ما سواه ممكنا واما سائر ( الأجوبة ( ففى تقرير أن ( الرؤية ( تقع فى غير هذين الموطنين

( الجواب الرابع (

انا لو فرضنا ان ( حديث المرتين كل يوم ( يعارض ما قدمناه من النصوص الصحيحة العامة لفظا ومعنى لما كان الواجب دفع دلالة تلك الاحاديث بمثل هذا الحديث لما تقدم ( أولا ( لما فى اسناده من المقال ولأنه يستلزم اخراج اكثر أفراد اللفظ العام بمثل هذا التخصيص وهذا اما ممتنع واما بعيد ومستلزم تخصيص العلة بلا وجود مانع ولا فوات شرط وهذا ممتنع عند الجمهور او من غير ظهور مانع وهذا بعيد لا يصار اليه الا بدليل قوى

( الجواب الخامس (

لو فرضنا أن لاورؤية الا ما فى هذين فمن أين لنا أن النساء لا يرين الله فيهما جميعا وهب انا سلمنا انهن لا يرينه يوم الجمعة فمن أين انهن لا يرينه كل يوم مرتين وقول القائل هذه اعلى وتلك ادنى فكيف يحرم الادنى من يعطى الاعلى فعنه أجوبة


454

( احدها ( ان الذين ميزوا برؤية كل يوم مرتين شركوا الباقين فى رؤية يوم الجمعة فصار لهم النوعان جميعا فاذا كان فضلهم بالنوعين جميعا فما المانع فى ان بعض من دونهم يشركهم فى ( الجمعة ( دون ( رؤية الغداة والعشى ( والبعض الاخرون يشركونهم فى ( الغداة والعشى ( دون ( الجمعة ( ولا يكون من له الغداة والعشى دون الجمعة اعلى مطلقا وانما الاعلى مطلقا الذى له الجميع

لكن قد يقال يلزم على هذا أن يكون النساء اعلى ممن له الجمعة دون البردين وحدها أفضل من ( البردين ( وحدهما وقد يقا فهب أن الامر كذلك أكثر ما فيه تفضيل النساء على مفضول الرجال وهذا الاحتمال وان كان ممكنا لكن يبعد ان تكون كل امرأة تدخل الجنة افضل ممن لا يرى الله كل يوم مرتين فان ذلك مستلزم ان يكون مفضول النساء أفضل من مفضول الرجال فيترك هذا الاحتمال ويقتصر على الذى قيل وهو ان الاعلى مطلقا الذي له المرتان مع الجمعة وانما لزم هذا لأنا نتكلم بتقدير ان لا رؤية الا هذين ولا ريب أن هذا التقدير باطل قطعا

( الوجه الثانى ( أنه من أين لكم أن ( الرؤية كل يوم مرتين ( أفضل من ( رؤية الجمعة ( نعم هى أكثر عددا لكن قد يفضل ذلك فى الكيفية فيكون أحد النوعين أكثر عددا والآخر أفضل نوعا كدينار وخمسة دراهم


455

ولا ريب أن هذا ممكن امكانا قريبا فان الله يثيب عبده على ( قل هو الله أحد ( مع قلة حروفها بقدر ما يثيبه على ثلث القرآن

واذا كان الامر كذلك فيمكن فى حق من حرم الافضل فى نوعه ان يعطى النوع المفضول وان كثر عدده سواء كان فاضل النوع أفضل مطلقا او كانا متكافئين عند التقابل وفى أحاديث المزيد ما يدل على هذا فانهم يرجعون الى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقولون انا جالسنا اليوم ربنا الجبار فيحق لنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا به وفى حديث آخر ( فليسوا الى شىء احوج منهم الى يوم الجمعة ليزدادوا نظرا الى ربهم ويزدادوا كرامة (

ومن تأمل سياق ( الأحاديث المتقدمة ( علم أن التجلى يوم الجمعة له عندهم وقع عظيم لا يوجد مثله فى سائر الايام وهذا يقتضى ان هذا النوع أفضل من الرؤية الحاصلة كل يوم مرتين وان كانت تلك اكثر فاذا منع النساء من هذا الفضل لم يلزم ان يمنعن مما دونه وهذا بين لمن تأمله

( الوجه الثالث ( هب ان رؤية الله كل يوم مرتين افضل مطلقا من رؤية الجمعة فلا يلزم حرمانهن من الثواب المفضول حرمان ما فوقه مطلقا وذلك أن العبد قد يعمل عملا فاضلا يستحق به أجرا عظيما ولا يعمل ما هو دونه فلا يستحق ذلك الاجر وما زال الله سبحانه يخص المفضولين من كل صنف بخصائص لا تكون للفاضلين وهذا مستقر فى الاشخاص من الانبياء والصديقين وفى الاعمال


456

وول كان العمل الفاضل يحصل به جميع المفضول مطلقا لما شرع المفضول فى وقت فلا يلزم من اعطاء الاعلى اعطاء الادنى مطلقا ولا يلزم منه منع الاعلى مطلقا فهذا ممكن امكانا شرعيا فى عامة الثوابات الا ترى ان الذين فى الدرجات العلى من أهل الجنة لا يعطون الدرجات الدنى ثم لا يكون هذا نقصا فى حقهم فان الله سبحانه يرضى كل عبد بما آتاه فجاز ان يكون قد ارضى النساء بأعلى ( الرؤية ( عن مجموع اعلاها وادناها

والذى يؤيد هذا أنه من الممكن ان تكون رؤية الجمعة جزاء على عمل الجمعة فى الدنيا ورؤية الغداة والعشى جزاء على عمل الغداة والعشى فهذا ممكن فى العقل وان لم يجىء به خبر واذا كان ممكنا لم يلزم من منعهن ( رؤية الجمعة ( لعدم المقتضى فيهن منعهن ( رؤية البردين ( مع قيام المقتضى فيهن

ومن الممكن فى العقل أنهن انما لم يشهدن رؤية الجمعة لأنه مجتمع الرجال والغيرة فى الجنة الا ترى ان النبى ( ( لما رأى الجنة ورأى قصرا وعلى بابه جارية قال ( فأردت ان ادخل فذكرت غيرتك فقال عمر أعليك اغار ( والله اعلم بحقائق الامور فاذا كان كذلك فهذا منتف فى رؤية الغداة والعشى لأن تلك الرؤية قد تحصل وأهل الجنة فى منازلهم

ثم هذا من الممكن ان ( الرؤية جزاء العمل ( فانه قد جاء فى الاخبار ما يدل على أن الرؤية يوم الجمعة ثواب شهود الجمعة بدليل ان فيها يكونون فى


457

الدنو منه على مقدار مسارعتهم الى الجمعة وتفاوت الثواب بتفاوت العمل دليل على أنه مسبب عنه وبدليل أنه مذكور فى غير حديث ( أنه يكون بمقدار انصرافهم من صلاة الجمعة فى الدنيا (

وموافقة الثواب للعمل فى وقته وفى قدره حتى يصير جزاءا وفاقا يقتضى ان العمل سببه وبدليل أن ذلك مذكور فى فضل يوم الجمعة فى الدنيا والآخرة فعلم أن ارتباط ثوابه فى الآخرة بعمله فى الدنيا وبدليل ان فيه عند منصرف الناس من الجمعة رجوع الصالحين الى منازلهم ورجوع الانبياء والصديقين والشهداء الى ربهم

وهذا مناسب لحالهم فى الدنيا فان الصالح اذا انقضت الجمعة اشتغل بما ابيح له فى الدنيا واولئك اشتغلوا بالتقرب اليه بالنوافل فكانوا متقربين اليه فى الدنيا بعد الجمعة فقربوا منه بعد الجمعة فى الآخرة وهذه ( المناسبة الظاهرة ( المشهود لها بالاعتبار تقتضى أن ذلك التجلى ثواب اعمالهم يوم الجمعة واذا كان كذلك فانتفاء الرؤية فى حق النساء لعدم شهودهن الجمعة ولهذا روى انهن يرينه فى العيد كما شرع لهن شهود العيد

فان قيل ما ذكرتموه من هذه الزيادة امر غريب والاحاديث المشهورة المجمع عليها ليس فيها هذه الزيادة فلا يجوز الاعتماد عليها والناس كلهم قد سموا احاديث الرؤية يوم الجمعة ولم يسموا هذه الزيادة


458

قلنا قد تقدم الجواب عن ذلك بما ذكرناه من طرق الحديث وحال اصله وزيادته وبينا أن الزيادة لا ينقص حكمها فى الرؤية عن حكم اصل الحديث نقصا يمنع الحاقها به بل هى اما مكافئة او قريبة او فوق واجبنا عما قيل هنا وما لم يقل

فان قيل ( فقد كن المؤمنات يشهدن صلاة الجمعة مع رسول الله ( ( فعلى قياس هذا ينبغى لمن شهد الجمعة من النساء ان يشهدن يوم المزيد فى الجنة

قلنا ما كان يشهد الجمعة والجماعة من النساء الا اقلهن لان النبى ( ( قال ( لا تمنعوا اماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن ( متفق عليه وقال ( صلاة احداكن فى مخدعها افضل من صلاتها فى حجرتها وصلاتها فى حجرتها افضل من صلاتها فى دارها وصلاتها فى دارها افضل من صلاتها فى مسجد قومها وصلاتها فى مسجد قومها افضل من صلاتها معى او قال خلفى ( رواه أبو داود

قد أخبر المؤمنات ان صلاتهن فى البيوت افضل لهن من شهود الجمعة والجماعة الا ( العيد ( فانه أمرهن بالخروج فيه ولعله والله أعلم لأسباب ( أحدها ( أنه فى السنة مرتين فقبل بخلاف الجمعة والجماعة

( الثانى ( أنه ليس له بدل خلاف الجمعة والجماعة فان صلاتها فى بيتها الظهر هو جمعتها


459

( الثالث ( أنه خروج الى الصحراء لذكر الله فهو شبيه بالحج من بعض ولهذا كان العيد الاكبر فى موسم الحج موقفة للحجيج ومعلوم أن الصحابيات اذا علمن ان صلاتهن فى بيوتهن افضل لم يتفق اكثرهن على ترك الافضل فان ذلك يلزم أن يكون أفضل القرون على المفضول من الأعمال

فان قيل هذا التفضيل انما وقع فى حق من بعد الصحابيات لما أحدث النساء ما أحدثن ولأن من بعد الرسول من الائمة لا يساويه فأما الصحابيات فصلاتهن خلف النبى ( ( كانت أفضل ويكون هذا الخطاب عاما خرج منه القرن الأول فان تخصيص العموم جائز

قلنا هذا خلاف ما علم بالاضطرار من لغة العرب والعجم وخلاف ما علم بالاضطرار من دين المسلمين وخلاف ما فطر الله عليه العقلاء وخلاف ما أجمع المسلمون عليه وذلك لأن قوله ( لا تمنعوا اماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن ( قد أجمع المسلمون على أن الحاضرين تحقق دخولهم فيه واختلفوا فى القرن الثانى والثالث هل يدخلون بمطلق الخطاب ام بدليل منفصل فيه قولان فاما دخول الغائب دون الحاضر فممتنع باتفاق

ثم اللغة تحيله فان قوله ( لا تمنعوا اماء الله ( لا ريب انه خطاب للصحابة رضى الله عنهم ابتداء فكيف تحيل اللغة أن لا يدخلوا فيه ويدخل فيه من بعدهم أهل اللغة لا يشكون ان هذا ممتنع


460

ثم قد علمنا بالاضطرار أن أوامرالقرآن والسنة شملت الصحاة ثم من بعدهم وقد يقال أو يتوهم فى بعضها أنها شملتهم دون من بعدهم فاما اختصاص من بعدهم بالاوامر الخطابية دونهم فهذا لا وجود له

واما مخالفته ( للفطر ( فما من سليم العقل يعرض عليه هذا الا انكره اشد الانكار ثم هب هذا امكن فى قوله ( لا تمنعوا اماء الله مساجد الله ( فكيف بقوله ( صلاة احداكن فى مسجد قومها افضل من صلاتها معى او خلفى ( اليس نصا فى بيوتهن فى مسجد النبى ( ( خلفه وصلى الله على محمد


461

سئل رحمه الله تعالى

ما هو ( لقاء الله سبحانه ( الذى وصف بظنه الخاشعين بقوله تعالى ( الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم وانهم اليه راجعون ( وامر بعلمه المتقين فى قوله تعالى ( واتقوا الله واعلموا انكم ملاقوه ( وبشر بالاقرار به عند المصيبة الصابرين واشار الى اتيان اجله للراجين بقوله تعالى ( من كان يرجو لقاء الله فان اجل الله لآت ( واشتهر ذكره فى غير حديث من كلام سيد المرسلين كقوله فى دعائه ( لقاؤك حق ( وقوله ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ( الحديث

وهل يصح قول بعض المفسرين من أنه متعلق بمحذوف تقديره جزاء ربهم أو نحوه بكونه مما لا يصح ان يضاف الى الله تعالى حقيقة فيستحيل ظاهره ويكون المراد منه غير ظاهره ويصار فيه الى تأويل معين أم هو مستغن عن ذلك لجوازه فى نفسه وكيف يتصور منا محبة من لا نعرفه ولا نطلع عليه أم كيف يتأتى شوقه وحنين القلوب اليه وايثاره على ما سواه مما هو عندنا معروف ولقلوبنا مألوف ولنا به منفعة عاجلة ولذة حاصلة


462

وقد قالت عائشة رضى الله عنها كراهية الموت وكلنا نكره الموت فرد ( ( قولها بما تضمنه الحديث ( من رؤية المؤمن ماله عند الله من النعيم فأحب الله لقاءه ( الحديث

وقد يعترض على هذا سؤال وهو أنه اذا كان حبه اللقاء لما رآه من النعيم فالمحبة حينئذ للنعيم العائد اليه لا لمجرد لقاء الله تعالى فكيف يجازى عليه بحب الله تعالى لقاءه ومحبته غير خالصة وانما يتقبل الله من الاعمال ما كان خالصا

بينوا لنا هذه الامور البيان الشافى بالجواب الصحيح الكافى طلبا للاجر الوافى ان شاء الله تعالى

( فأجاب ( رضى الله عنه وأرضاه الحمد لله ( اما اللقاء ( فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والمسير وقالوا ان لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه وتعالى واحتجوا بآيات ( اللقاء ( على من انكر رؤية الله فى الآخرة من الجهمية كالمعتزلة وغيرهم

وروى عن عبدالله بن المبارك انه قال فى قوله ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ( ولا يرائى او قال ولا يخبر به أحدا وجعلوا اللقاء يتضمن معنيين

( أحدهما ( السير الى الملك ( والثانى ( معاينته كما قال ( يا ايها الانسان


463

انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه ( فذكر أنه يكدح الى الله فيلاقيه والكدح اليه يتضمن السلوك والسير اليه واللقاء يعقبهما

واما المعاينة من غير مسير اليه كمعاينة الشمس والقمر فلا يسمى لقاء وقد يراد باللقاء الوصول الى الشىء والوصول الى الشىء بحسبه

ومن دليل ذلك أن الله تعالى قد قال ( اذا لقيتم فئة فاثبتوا ( واذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ( وقال ( واذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم ( الآية وقال ( واذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا واذا خلا بعضهم الى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ( وقال ( واذ يريكموهم اذ التقيتم فى أعينكم قليلا ويقللكم فى أعينهم ( وقال تعالى ( قد كان لكم آية فى فئتين التقتا فئة تقاتل فى سبيل الله واخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين (

وفى الصحيحين عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( لا تتمنوا لقاء العدو واسالوا الله العافية فاذا لقيتموهم فاصبروا ( وفى الصحيحين عن أبى هريرة أنه لقى النبى ( ( فى طريق من طرق المدينة وهو جنب فانفتل فذهب فاغتسل ففقده النبى ( ( فلما جاء قال ( أين كنت ( قال يا رسول الله لقيتنى وانا جنب فكرهت ان اجالسك حتى أغتسل فقال رسول الله ( ( سبحان الله ان المؤمن لا ينجس ( وفى لفظ


464

لقيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( وهو فى مسلم عن حذيفة ايضا ان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( لقيه وهو جنب فذكر معناه

وفى صحيح مسلم عن بريدة ان النبى ( ( كان اذا أمر أميرا على جيش او سرية اوصاه فى خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال ( اغزوا باسم الله فى سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا واذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم الى ثلاث خصال ( الحديث

وفى حديث عتبة بن عبيد قال قال رسول الله ( ( القتلى ثلاثة رجل مؤمن جاهد بماله ونفسه فى سبيل الله حتى اذا لقى عدوا قاتلهم حتى يقتل فذلك الشهيد المفتخر فى خيمة الله تحت ظل عرشه لا يفضله الا النبيون بدرجة النبوة ورجل فرق على نفسه من الذنوب والخطايا جاهد بنفسه وماله فى سبيل الله حتى اذا لقى العدو قاتل حتى قتل فمصمصة تحت ذنوبه وخطاياه ان السيف محاء للخطايا وادخل من اى ابواب الجنة شاء فان لها ثمانية ابواب ولجهنم سبعة ابواب وبعضها افضل من بعض ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى اذا لقى العدو قاتل فى سبيل الله حتى قتل فان ذلك فى النار ان السيف لا يمحو النفاق ( رواه أحمد وابو حاتم فى صحيحه ومثل هذا كثير فى كلام العرب كقول الشاعر

متى ما تلقى فرد من
ترجو وابو السنل


465

ويستعمل ( اللقاء ( فى لقاء العدو ولقاء الولى ولقاء الم ولقاء المكروه وقد يستعمل فيما يتضمن مباشرة الملاقى ومماسته مع اللذة والالم كما قال ( اذا التقا الختانان وجب الغسل ( وفى الحديث الصحيح ( اذا قعد بين شعبها الاربع والتزق الختانان فقد وجب الغسل (

ومن نحو هذا قوله ( أن الموت الذى تفرون منه فانه ملاقيكم ( وقوله ( فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ( وقوله ( اولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ( ويقال فلان لقى خيرا ولقى شرا وقد قال النبى ( ( ( انكم ستلقون بعدى اثرة فاصبروا حتى تلقونى على الحوض (

وقد يقال ان ( اللقاء ( فى مثل هذا يتضمن معنى المشاهدة كما قال تعالى ( ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ان تلقوه فقد رأيتموه ( لأن الانسان يشاهد بنفسه هذه الامور وقد قيل أن الموت نفسه يشهد ويرى ظاهرا وقيل المرئى اسبابه وقد جاء فى الكتاب والسنة الفاظ من نحو ( لقاء الله ( كقوله ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مرة ( وقوله ( ولو ترى اذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا ( وقوله ( وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ( وقوله ( ان ربك لبالمرصاد ( وقوله ( اذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ( وقوله ( كلا لا


466

وزر الى ربك يومئذ المستقر وقوله ( ان الى ربك الرجعى ( وقوله ( انا لله وانا اليه راجعون ( وقوله ( اليه المصير ( وقوله ( ان الينا ايابهم ثم ان علينا حسابهم (

لكن يلزم هؤلاء ( مسألة ( تكلم الناس فيها وهى أن القرآن قد أخبر أنه يلقاه الكفار ويلقاه المؤمنون كما قال ( يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب الى أهله مسرورا واما من أوتى كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا (

وقد تنازع الناس فى الكفار هل يرون ربهم مرة ثم يحتجب عنهم أم لا يرونه بحال تمسكا بظاهر قوله ( كلا أنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( ولأن الرؤية اعظم الكرامة والنعيم والكفار لاحظ لهم فى ذلك

وقالت طوائف من أهل الحديث والتصوف بل يرونه ثم يحتجب كما دل على ذلك الاحاديث الصحيحة التى فى الصحيح وغيره من حديث أبى سعيد وابى هريرة وغيرهما مع موافقة ظاهر القرآن قالوا وقوله ( لمحجوبون ( يشعر بأنهم عاينوا ثم حجبوا ودليل ذلك قوله ( أنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( فعلم أن الحجب كان يومئذ فيشعر بأنه يختص بذلك اليوم وذلك انما هو فى الحجب بعد الرؤية فأما المنع الدائم من الرؤية فلا يزال فى الدنيا والآخرة


467

قالوا ورؤية الكفار ليست كرامة ولا نعيما اذ ( اللقاء ( ينقسم الى لقاء على وجه الاكرام ولقاء على وجه العذاب فهكذا الرؤية التى يتضمنها اللقاء

ومما احتجوا به الحديث الصحيح حديث سفيان بن عيينة حدثنا سهيل بن أبى صالح عن ابيه عن ابى هريرة ( هل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر ( وقد روى مسلم وابو داود وأحمد فى المسند وابن خزيمة فى التوحيد وغيره قال قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال ( هل تضارون فى رؤية الشمس ليست فى سحابة ( قالوا لا قال ( والذى نفسى بيده لا تضارون فى رؤية ربكم الا كما تضارون فى رؤية أحدهما ( قال ( فيلقى العبد فيقول أى فل الم أكرمك واسودك وازوجك واسخر لك الخيل والابل واذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب قال فيقول فظننت انك ملاقى فيقول لا فيقول فانى انساك كما نسيتنى ثم قال يلقى الثانى فيقول له مثل ذلك فيقول أى رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثنى بخير ما استطاع فيقول ههنا اذا قال ثم يقال الآن نبعث شاهدنا عليك ويتفكر فى نفسه من ذا الذى يشهد على فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقى فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل فذلك المنافق ليعذر من نفسه وذلك الذى يسخط الله عليه وتمام الحديث قال ثم ينادى مناد ألا تتبع كل أمة ما كانت تعبد فتتبع الشياطين والصليب اولياؤهم الى جهنم وبقينا ايها المؤمنون فيأتينا ربنا فيقول ما هؤلاء فنقول من عباد الله المؤمنين آمنا بربنا ولم نشرك به شيئا وهو ربنا تبارك وتعالى وهو


468

يأتينا وهو يثبتنا وهو ذا مقامنا حتى يأتينا ربنا فيقول انا ربكم فيقول انطلقوا فننطلق حتى نأتى الجسر وعليه كلاليب من نار تخطف عند ذلك حلت الشفاعة لى اللهم سلم اللهم سلم فاذا جاوزوا الجسر فكل من انفق زوجا من المال فى سبيل الله مما يملك فتكلمه خزنة الجنة تقول يا عبدالله يا مسلم هذا خير ( فقال أبو بكر رضى الله عنه يا رسول الله ان هذا عبد لا توى عليه يدع بابا ويلج من آخر فضرب كتفه وقال ( انى أرجو أن تكون منهم ( قال سفيان بن عيينة حفظته انا وروح بن القاسم وردده علينا مرتين أو ثلاثا

سئل سفيان عن قوله ( تراس وتربع ( فقال كان الرجل اذا كان راس القوم كان له الرباع وهو الربع وقال النبى ( ( لعدى بن حاتم حيث قال يا رسول الله انى على دين قال ( أنا أعلم بدينك منك انك مستحل الرباع ولا يحل لك (

وهذا الحديث معناه فى الصحيحين وغيرهما من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا وفيه أنه سئل عن الرؤية فأجاب بثبوتها ثم اتبع ذلك بتفسيره وذكر أنه يلقاه العبد والمنافق وأنه يخاطبهم

وفى حديث ابى سعيد وابى هريرة انه يتجلى لهم فى القيامة مرة للمؤمنين والمنافقين بعد ما تجلى لهم اول مرة ويسجد المؤمنون دون المنافقين وقد بسط الكلام على هذه المسألة فى غير هذا الموضع


469

وأما الجهمية من المعتزلة وغيرهم فيمتنع على أصلهم لقاء الله لأنه يمتنع عندهم رؤية الله فى الدنيا والآخرة وخالفوا بذلك ما تواترت به السنن عن النبى ( (

وما اتفق عليه الصحابة وأئمة الاسلام من أ المؤمنين يرون ربهم فى الاخرة واحتجوا بحجج كثيرة عقلية ونقلية قد بينا فسادها مبسوطا وذكرنا دلالة العقل والسمع على جواز الرؤية

وهذه ( المسألة ( من الأصول التى كان يشتد نكير السلف والائمة على من خالف فيها وصنفوا فيها مصنفات مشهورة

( والثانى ( أن عندهم لا يتصور الكدح اليه ولا العرض عليه ولا الوقوف عليه ولا ان يحبه العبد ولا أن يجده ولا ان يشار اليه ولا ان يرجع اليه ولا يؤوب اليه اذ هذه الحروف تقتضى ان يكون حال العبد بالنسبة اليه فى الآخرة وبينهما فضل يقتضى تقربا اليه ودنوا منه وان يكون حال العبد بالنسبة اليه مخالف لحاله فى الدنيا وهذا كله محال عندهم فانهم لا يقرون بأن الخالق مباين للمخلوق كما اتفق السلف والأئمة وصرحوا بأنه مباين للخلق ليس داخلا فى المخلوقات ولا المخلوقات داخلة فيه بل تارة يجعلونه حالا بذاته فى كل مكان وتارة يجعلون وجوده عين وجود المخلوقات وتارة يصفونه بالامور السلبية المحضة مثل كونه غير مباين للعالم ولا حال فيه فهم بين


470

أمرين اما أن يصفوه بما يقتضى عدمه وتعطيله فينكرونه وان كانوا يقرون به فيجمعون فى قولهم بين الاقرار والانكار والنفى والاثبات وقد يصرح بعضهم بصحة الجمع بين النقيضين ويقول أن هذا غاية التحقيق والعرفان

واما ان يصفوه بما يقتضى انه عين المخلوقات او جزء منها أو صفة لها وذلك أيضا يقتضى قولهم بعدم الخالق وتعطيل الصانع وان كانوا مقرين بوجود موجود غيره وان جعلوه اياه ثم يجدون فى المخلوقات مباينا فى ربوبية المخلوق فيقولون بالجمع بين النقيضين كما تقدم

وقد يقولون بعبادة الاصنام وان عباد الاصنام على حق وعباد العجل على حق وانه ما عبد غير الله قط اذ لا غير عندهم بل الوجود واحد ويقولون بامتناع الدعوة اليه وأنه يمكن ان يتقرب اليه ويصل اليه وهم يقولون ما عدم فى البداية فيدعى الى الغاية بل هو عين المدعو فكيف يدعو الى نفسه

وكلام السلف والائمة فى ذم الجهمية وتكفيرهم كثير جدا

وهؤلاء ومن وافقهم على بعض اقوالهم التى تنفى حقيقة اللقاء يتأولون ( اللقاء ( على أن المراد به لقاء جزاء ربهم ويقولون ان الجزاء قد يرى كما فى قوله ( ويقولون متى هذا الوعد ان كنتم صادقين قل انما العلم عند الله وانما أنا نذير مبين فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذى


471

كنتم به تدعون ( فان ضمير المفعول فى راوه عائد الى الوعد والمراد به الموعود أى فلما رأوا ما وعدوا سيئت وجوه الذين كفروا

ومن قال أن الضمير عائد هنا الى الله فقوله ضعيف وفساد قول الذين يجعلون المراد ( لقاء الجزاء ( دون لقاء الله معلوم بالاضطرار بعد تدبر الكتاب والسنة يظهر فساده من وجوه

( أحدها ( أنه خلاف التفاسير المأثورة عن الصحابة والتابعين

( الثانى ( أن حذف المضاف اليه يقارنه قرائن فلابد أن يكون مع الكلام قرينة تبين ذلك كما قيل فى قوله ( واسأل القرية التى كنا فيها ( ولو قال قائل رأيت زيدا أو لقيته مطلقا واراد بذلك لقاء ابيه أو غلامه لم يجز ذلك فى لغة العرب بلا نزاع ولقاء الله قد ذكر فى كتاب الله وسنة رسوله فى مواضع كثيرة مطلقا غير مقترن بما يدل على أنه أريد بلقاء الله لقاء بعض مخلوقاته من جزاء أو غيره

( الثالث ( أن اللفظ اذا تكرر ذكره فى الكتاب ودار مرة بعد مرة على وجه واحد وكان المراد به غير مفهومه ومقتضاه عند الاطلاق ولم يبين ذلك كان تدليسا وتلبيسا يجب أن يصان كلام الله عنه الذى أخبر أنه شفاء لما فى الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين وانه بيان للناس واخبر أن الرسول قد بلغه البلاغ المبين وأنه بين للناس ما نزل اليهم واخبر أن عليه بيانه ولا


472

يجوز أن يقال ما فى العقل دلالة على امتناع ارادة هذا المعنى هو القرينة التى دل المخاطبين على الفهم بها لوجهين

( أحدهما ( أن يقال ليس فى العقل ما ينافى ذلك بل الضرورة العقلية والبراهين العقلية توافق ما دل عليه القرآن كما قال ( ويرى الذين اوتوا العلم الذى أنزل اليك من ربك هو الحق ( وما يذكر من الحجج العقلية المخالفة لمدلول القرآن فهو شبهات فاسدة عند من له خبرة جيدة بالمعقولات دون من يقلد فيها بغير نظر تام (

( الثانى ( أنه لو فرض أن هناك دليلا عقليا ينافى مدلول القرآن لكان خفيا دقيقا ذا مقدمات طويلة مشكلة متنازع فيها ليس فيها مقدمة متفق عليها بين العقلاء اذ ما يذكر من الادلة العقلية المخالفة لمدلول القرآن هى شبهات فاسدة كلها ليست من هذا الباب

ومعلوم ان المخاطب الذى اخبر انه بين للناس وان كلامه بلاغ مبين وهدى للناس اذا اراد بكلامه ما لا يدل عليه ولا يفهم منه الا بمثل هذه القرينة لم يكن قد بين وهدى بل قد كان لبس واضل وهذا مما اتفق المسلمون على وجوب تنزيه الله ورسوله بل وعامة الصحابة والائمة من ذلك (

الرابع ( ان قول النبى ( ( فى الحديث المتفق عليه ( اللهم لك الحمد أنت رب السموات والارض ومن فيهن ولك الحمد انت قيوم السموات والارض ومن فيهن ولك الحمد انت نور السموات والأرض ومن


473

فيهن انت الحق وقولك الحق ولقاؤك حق والجنة حق والنار حق والنبيون حق ومحمد حق اللهم لك اسلمت وبك آمنت وعليك توكلت واليك أنبت واليك حاكمت وبك خاصمت اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت وما اسررت وما اعلنت وما أنت أعلم به منى انت الهى لا اله الا أنت ( وفى لفظ ( أعوذ بك ان تضلنى انت الحى الذى لا تموت والجن والانس يموتون (

ففى الحديث فرق بين لقائه وبين الجنة والنار والجنة والنار تتضمن جزاء المطيعين والعصاة فعلم أن لقاءه ليس هو لقاء الجنة والنار

( الخامس ( أن النبى ( ( ذكر فى غير حديث ما يبين لقاء العبد ربه كما فى الصحيحين عن عدى بن حاتم عن النبى ( ( أنه قال ( ما منكم من أحد الا سيكلمه الله ليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان فينظر ايمن منه فلا يرى الا شيئا قدمه وينظر اشأم منه فلا يرى الا شيئا قدمه فتستقبله النار فمن استطاع ان يتقى النار ولو بشق تمرة فليفعل فان لم يستطع فبكلمة طيبة ( الى أمثال ذلك من الاحاديث

( السادس ( أنه لو أريد ( بلقاء الله ( بعض المخلوقات اما جزاء واما غير جزاء لكان ذلك واقعا فى الدنيا والآخرة فكان العبد لا يزال ملاقيا لربه ولما علم المسلمون بالاضطرار من دين الاسلام ان لقاء الله لا يكون الا بعد الموت علم بطلان ان ( اللقاء ( لقاء بعض المخلوقات ومعلوم ان الله قد جازى خلقا على


474

أعمالهم فى الدنيا بخير وشر كما جازى قوم نوح وعاد وثمود وفرعون وكما جازى الانبياء واتباعهم ولم يقل مسلم ان لقاء هذه الامور فى الدنيا لقاء الله ولو قال قائل ان لقاء الله جزاء مخصوص وهو الجنة مثلا او النار لقيل له ليس فى لفظ هذا ( لقاء ( مخصوص ولا دليل ( عليه ( وليس هو بأولى من أن يقال لقاء الله تعالى لقاء بعض ملائكته او بعض الشياطين وامثال ذلك من التحكمات الموجودة فى الدنيا والاخرة اذ ليس دلالة اللفظ على تعيين هذا بأولى من دلالته على تعيين هذا فبطل ذلك

( الوجه السابع ( أن ( لقاء الله ( لم يستعمل فى لقاء غيره لا حقيقة ولا مجازا ولا استعمل لقاء زيد فى لقاء غيره اصلا بل حيث ذكر هذا اللفظ فانما يراد به لقاء المذكور اذ ما سواه لا يشعر اللفظ به فلا يدل عليه

( الوجه الثامن ( أن قوله ( هو الذى يصلى عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات الى النور وكان بالمؤمنين رحيما تحيتهم يوم يلقونه سلام واعد لهم أجرا كريما ( فلو كان ( اللقاء ( هو لقاء جزائه لكان هو لقاء الاجر الكريم الذى اعد لهم واذا اخبر بأنهم يلقون ذلك لم يحسن بعد ذلك الاخبار باعداده اذ الاعداد مقصوده الوصول فكيف يخبر بالوسيلة بعد حصول المقصود هذا نزاع بين العى الذى يصان عنه كلام أوسط الناس فضلا عن كلام رب العالمين لا سيما وقد قرن اللقاء بالتحية وذلك لا يكون الا فى اللقاء المعروف لا فى حصول شىء من النعيم المخلوق


475

( الوجه التاسع ( أن قول النبى ( ( فى الحد الصحيح ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ( أخبر فيه ان الله يحب لقاء عبد ويكره لقاء عبد وهذا يمتنع حمله على الجزاء لأن الله لا يكره جزاء أحد ولأن الجزاء لا يلقاه الله ولأنه ان جاز أن يلقى بعض المخلوق كالجزاء او غيره جاز أن يلقى العبد فالمحذور الذى يذكر فى لقاء العبد موجود فى لقائه سائر المخلوقات فهذا تعطيل النص واما ان يقال بل هو لاق لبعضها فيتناقض قول الجهمى ويبطل

ودلائل بطلان هذا القول لا تكاد تحصى يضيق هذا الاستفتاء عن ذكر كثير منها فضلا عن أكثرها


476

فصل واما قول السائل كيف يتصور منا محبة ما لا نعرفه ولا نطلع عليه الى آخره فيقال له هذه مسألة اخرى كبيرة وهى ( مسألة محبة المؤمن ربه ( فان الكتاب والسنة تنطق بذلك كقوله ( ومن الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ( وقوله ( قل ان كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم ( وقوله ( قل ان كان آباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب اليكم من الله ورسوله وجهاد فى سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره ( وقوله تعالى ( فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه ( الآية

وفى الصحيح عن النبى ( ( أنه قال ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الايمان من كان الله ورسوله أحب اليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه الا لله ومن كان يكره ان يرجع الى الكفر كما يكره أن يلقى فى النار ( وامثال ذلك من النصوص وهذه المحبة على حقيقتها عند سلف الامة وائمتها ومشائخها واول من انكر حقيقتها شيخ الجهمية الجعد بن درهم فقتله


477

خالد بن عبدالله القسرى بواسط يوم النحر وقال يا ايها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فانى مضح بالجعد بن درهم أنه زعم أن الله لم يتخذ ابراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا ثم نزل فذبحه

فان هؤلاء أنكروا حقيقة ( الخلة ( لأن الخلة كالمحبة وانكروا حقيقة ( التكليم ( وجعلوا التكليم ما يخلقه فى بعض الاجسام او هو من جنس الالهام حتى ادعى طوائف منهم أن أحدنا قد يحصل له التكليم كما حصل لموسى عليه السلام بل سمع عين ما سمعه موسى والله تعالى قد بين اختصاص موسى بذلك عن سائر الانبياء فكيف عن سائر المؤمنين والاولياء كما قال تعالى ( انا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده وأوحينا الى ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والاسباط ( الى قوله ( وكلم الله موسى تكليما ( ففرق بين الايحاء والتكليم كما فرق بين الايحاء والتكليم من وراء حجاب فى قوله ( وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب ( وكما بين هذه الخاصية فى قوله ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات (

ثم هؤلاء الذين انكروا حقيقة المحبة لم يمكنهم انكار لفظها لأنه جاء فى الكتاب والسنة ففسروا محبته بعبادته وطاعته وامتثال امره او محبة اوليائه ونحو


478

ذلك مما يضاف اليه ولو علموا ان محبوب الغير لا يكون محبوبا الا اذا كان ذلك الغير محبوبا فيكون هو المحبوب بالذات والوسائل يحبون بالعرض

ولو تدبروا قولهم لعلموا انه مستحيل أن تحب عبادته أو أولياؤه إذا لم يكن هو محبوبا فاذا قدروا أنه هو شىء ليس محبوبا لذاته كانت محبة العمل الذى يحصل الأكل والشرب إنما هي فى الحقيقة محبة الأكل والشرب والنكاح وكان ذلك من جنس محبة سائر المشتبهيات فاذا تكون محبه الله ورسوله انما هي فى الحقيقة محبة الأكل والشرب إذا كان الله لا يحب لنفسه على رأي هؤلاء

وهذه المسألة أصل عبادة الله كما أن ( المسألة الأولى ( أصل الاقرار بالله فتلك فيها ذهاب النفس والمال كما قال تعالى ( إن الله اشترى من المؤمنين انفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) الآية

ولهذا نعت المحبين المحبوبين بقوله ( أذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) بل أصل ( الولاية ( الحب وأصل ( العداوة ( البغض وإنكار الحب والبغض يتضمن انكار ولاية الله وعداوته كما أنكر بعض الفقهاء قوله ( انه لا يعز من عاديت ( وقوله ( لا تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء ) وهذا باب طويل وقد كتبت فى هذين الأصلين عددا يبلغ اكثر من الاسفار وكلام الأولين والآخرين من أهل العلم والايمان موجود فى هذا

فقول القائل كيف نتصور عبادة من لا نعرفه اذ الايمان بما لا نعرفه أو الطاعة لما لا نعرفه أو التسبيح والتحميد بما لا نعرفه ونحو ذلك من


479

العبادات فهذه الامور لا يمكن ان تتعلق بمجهول من كل وجه اذ ذلك ممتنع لا يجب أن تكون معرفته للمعبود المحبوب كمعرفته بنفسه بل ليس لنا فى الوجود من نحبه أو نبغضه

ونحن نعرفه كمعرفة الله به والمعرفة قد تكون من جهة الاستدلال والنظر

ولا ريب أن المؤمنين يعرفون ربهم فى الدنيا ويتفاوتون فى درجات العرفان والنبى ( صلى الله عليه وسلم ( أعلمنا بالله وقد قال ( لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ( وهذا يتعلق بمعرفة زيادة المعرفة ونقصها المتعلقة بمسألة زيادة الايمان ونقصه وهى مسألة كبيرة

والذى مضى عليه سلف الأمة وأئمتها أن نفس الايمان الذى فى القلوب يتفاضل كما قال النبى ( ( أخرجوا من النار من كان فى قلبه مثقال ذرة من ايمان ( وأما زيادة العمل الصالح الذى على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه وان كان فى دخوله فى مطلق الايمان نزاع وبعضه لفظى مع أن الذى عليه أئمة اهل السنة والحديث وهو مذهب مالك والشافعى وغيرهم أن الايمان قول وعمل يزيد وينقص

وأئمة المسلمين أهل المذاهب الاربعة وغيرهم مع جميع الصحابة والتابعين لهم باحسان متفقون على ان المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب كما تقوله الخوارج ولا يسلب جميع الايمان كما تقوله المعتزلة لكن بعض الناس قال ان ايمان الخلق مستو فلا يتفاضل ايمان ابى بكر وعمر وايمان الفساق بناء على أن التصديق بالقلب واللسان أو بالقلب وذلك لا يتفاضل


480

وأما عامة السلف والأئمة فعندهم ان ايمان العباد لا يتساوى بل يتفاضل وايمان السابقين الاولين أكمل من ايمان أهل الكبائر المجرمين ثم النزاع مبنى على الأصلين

( أحدهما ( العمل هل يدخل فى مطلق الايمان فان العمل يتفاضل بلا نزاع فمن أدخله فى مطلق الايمان قال يتفاضل ومن لم يدخله فى مطلق الايمان احتاج الى ( الأصل الثانى ( وهو أن ما فى القلب من الايمان هل يتفاضل فظن من نفى التفاضل أن ليس فى القلب من محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه وأمثال ذلك مما قد يخرجه هؤلاء عن محض التصديق ما هو متفاضل بلا ريب ثم نفس التصديق أيضا متفاضل من جهات

( منها ( أن التصديق بما جاء به الرسول ( صلى الله عليه وسلم ( قد يكون مجملا وقد يكون مفصلا والمفصل من المجمل فليس تصديق من عرف القرآن ومعانيه والحديث ومعانيه وصدق بذلك مفصلا كمن صدق أن محمدا رسول الله ( ( وأكثر ما جاء به لا يعرفه أو لا يفهمه ومنها

( ومنها ( أن التصديق نفسه يتفاضل كنهه فليس ما أثنى عليه البرهان بل تشهد له الاعيان وأميط عنه كل أذى وحسبان حتى بلغ أعلى الدرجات درجات الايقان كتصديق زعزعته الشبهات وصدفته الشهوات ولعب به


481

التقليد ويضعف لشبه المعاندالعيد وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد ولهذا كان المشائخ أهل المعرفة والتحقيق السالكون الى الله أقصد طريق متفقين على الزيادة والنقصان فى الايمان والتصديق كما هو مذهب أهل السنة والحديث فى القديم والحديث وهذه مسائل كبار لا يمكن فيها الا الاطناب بمثل هذا الجواب


482

فصل وأما قول السائل قد يعترض على هذا السؤال وهو اذا كان حب اللقاء لما رآه من النعيم فالمحبة حينئذ للنعيم العائد عليه لا لمجرد لقاء الله

فيقال له ليس كذلك ولكن لقاء الله على نوعين ( لقاء محبوب ( و ( لقاء مكروه ( كما قال سليمان بن عبدالملك لأبى حازم سلمة بن دينار الاعرج كيف القدوم على الله تعالى فقال المحسن كالغائب يقدم على مولاه واما المسىء كالآبق يقدم به على مولاه

فلما كان اللقاء نوعين وانما يميز أحدهما عن الآخر فى الاخبار بما يوصف به هذا اللقاء وهذا اللقاء وصف النبى ( صلى الله عليه وسلم ( اللقاء المحبوب ( بما تتقدمه البشرى بالخير وما يقترن به من الاكرام و ( اللقاء المكروه ( بما يتقدمه من البشرى بالسوء وما يقترن به من الاهانة فصار المؤمن مخبرا بأن لقاءه لله لقاء محبوب والكافر مخبرا بأن لقاءه الله مكروه فصار المؤمن يحب لقاء الله وصار الكافر يكره لقاء الله فأحب الله لقاء هذا وكره لقاء هذا ( جزاء وفاقا (

فان الجزاء بذلك من جنس العمل كما قال ( صلى الله عليه وسلم ( الراحمون


483

يرحمهم الرحمن ارحموا ارحموا احموا من فى الارض يرحمكم من فى السماء ( وكما قال ( ( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه فى الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله فى الدنيا والآخرة والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه (

وفى الحديث الصحيح الالهى ( من ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى ومن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منه ومن تقرب الى شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب الى ذراعا تقربت منه باعا ومن اتانى يمشى اتيته هرولة ( وقال ( ( من كان له لسانان فى الدنيا كان له لسانان من نار يوم القيامة ( وقال من استمع الى حديث ( ل تزال المسألة بالرجل حتى يجىء يوم القيامة وليس فى وجهه مزعة لحم (

وقال تعالى ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون ان يغفر الله لكم ( وقال تعالى ( ان تبدوا خيرا او تخفوه أو تعفوا عن سوء فان الله كان عفوا قديرا ( ومثل هذا فى الكتاب والسنة كثير يبين فيهما أن الجزاء من جنس العمل

وفى الحديث الصحيح الذى رواه البخارى فى صحيحه عن أبى هريرة عن النبى ( ( أنه قال ( يقول الله من عادى لى وليا فقد بارزنى بالمحاربة وما تقرب الى عبدى بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدى


484

يتقرب الى بالنوافل حتى أحبه فاذا أحببته كنت كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها فبى يسمع وبى يبصر وبى يمشى ولئن سألنى لأعطينه ولئن استعاذنى لأعيذنه وما ترددت عن شىء أنا فاعله ترددى عن قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولابد له منه (

فبين سبحانه ان العبد اذا تقرب اليه بمحابه من النوافل بعد الفرائض أحبه الرب كما وصف وهذا ما احتملته هذه الاوراق من الجواب والحمد لله رب العالمين


485

قال شيخ الاسلام
فى ( رسالته الى أهل البحرين ( واختلافهم فى صلاة الجمعة

والذى أوجب هذا أن وفدكم حدثونا بأشياء من الفرقة والاختلاف بينكم حتى ذكروا أن الأمر آل الى قريب المقاتلة وذكروا أن سبب ذلك الاختلاف فى ( رؤية الكفار ربهم ( وما كنا نظن أن الأمر يبلغ بهذه المسألة الى هذا الحد فالأمر فى ذلك خفيف

وانما المهم الذى يجب على كل مسلم اعتقاده أن المؤمنين يرون ربهم فى الدار الآخرة فى عرصة القيامة وبعد ما يدخلون الجنة على ما تواترت به الاحاديث عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( عند العلماء بالحديث فانه أخبر ( ( ( انا نرى ربنا كما نرى القمر ليلة البدر والشمس عند الظهيرة لا يضام فى رؤيته (

و ( رؤيته سبحانه ( هى أعلى مراتب نعيم الجنة وغاية مطلوب الذين عبدوا الله مخلصين له الدين وان كانوا فى الرؤية على درجات على حسب قربهم من الله ومعرفتهم به


486

والذي عليه جمهور ( السلف ( أن من جحد رؤية الله فى الدار الآخرة فهو كافر فان كان ممن لم يبلغه العلم فى ذلك عرف ذلك كما يعرف من لم تبلغه شرائع الاسلام فان أصر على الجحود بعد بلوغ العلم له فهو كافر

والأحاديث والآثار فى هذا كثيرة مشهورة قد دون العلماء فيها ( كتبا ( مثل ( كتاب الرؤية ( للدارقطنى ولأبى نعيم وللآجرى وذكرها المصنفون فى السنة كابن بطة واللالكائى وابن شاهين وقبلهم عبدالله بن أحمد بن حنبل وحنبل بن اسحق والخلال والطبرانى وغيرهم وخرجها أصحاب الصحيح والمساند والسنن وغيرهم

فأما ( مسألة رؤية الكفار ( فأول ما انتشر الكلام فيها وتنازع الناس فيها بعد فيما بلغنا ثلاثمائة سنة من الهجرة وأمسك عن الكلام فى هذا قوم من العلماء وتكلم فيها آخرون فاختلفوا فيها على ( ثلاثة أقوال ( مع أنى ما علمت أن أولئك المختلفين فيها تلاعنوا ولا تهاجروا فيها اذ فى الفرق الثلاثة قوم فيهم فضل وهم أصحاب سنة

والكلام فيها قريب من الكلام فى مسألة ( محاسبة الكفار ( هل يحاسبون أم لا هى مسألة لا يكفر فيها بالاتفاق والصحيح ايضا ان لا يضيق فيها ولا يهجر وقد حكى عن أبى الحسن بن بشار أنه قال لا يصلى خلف من يقول أنهم يحاسبون والصواب الذى عليه الجمهور أنه يصلى خلف الفريقين بل يكاد الخلاف بينهم يرتفع عند التحقيق مع أنه قد اختلف فيها


487

أصحاب الامام أحمد وان كان أكثرهم يقولون لا يحاسبون واختلف فيها غيرهم من أهل العلم وأهل الكلام

وذلك أن ( الحساب ( قد يراد به الاحاطة بالاعمال وكتابتها فى الصحف وعرضها على الكفار وتوبيخهم على ما عملوه وزيادة العذاب ونقصه بزيادة الكفر ونقصه فهذا الضرب من الحساب ثابت بالاتفاق

وقد يراد ( بالحساب ( وزن الحسنات بالسيئات ليتبين أيهما ارجح فالكافر لا حسنات له توزن بسيئاته اذ أعماله كلها حابطة وانما توزن لتظهر خفة موازينه لا ليتبين رجحان حسنات له وقد يراد ( بالحساب ( أن الله هل هو الذى يكلمهم أم لا فالقرآن والحديث يدلان على أن الله يكلمهم تكليم توبيخ وتقريع وتبكيت لا تكليم تقريب وتكريم ورحمة وان كان من العلماء من أنكر تكليمهم جملة

والأقوال الثلاثة فى

( رؤية الكفار ( احدها ( ان الكفار لا يرون ربهم بحال لا المظهر للكفر ولا المسر له وهذا قول أكثر العلماء المتأخرين وعليه يدل عموم كلام المتقدمين وعليه جمهور أصحاب الامام أحمد وغيرهم

( الثانى ( انه يراه من أظهر التوحيد من مؤمنى هذه الأمة ومنافقيها وغبرات من أهل الكتاب وذلك فى عرصة القيامة ثم يحتجب عن المنافقين


488

فلا يرونه بعد ذلك وهذا قول أبى بكر بن خزيمة من أئمة أهل السنة وقد ذكر القاضى أبو يعلى نحوه فى حديث اتيانه سبحانه وتعالى لهم فى الموقف الحديث المشهور

( الثالث ( أن الكفار يرونه رؤية تعريف وتعذيب كاللص اذا رأى السلطان ثم يحتجب عنهم ليعظم عذابهم ويشتد عقابهم وهذا قول أبى الحسن بن سالم وأصحابه وقول غيرهم وهم فى الأصول منتسبون الى الامام أحمد بن حنبل وابى سهل بن عبدالله التسترى

وهذا مقتضى قول من فسر ( اللقاء ( فى كتاب الله بالرؤية اذ طائفة من أهل السنة منهم ابو عبدالله بن بطة الامام قالوا فى قول الله ( الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ( وفى قوله ( من كان يرجو لقاء الله فان أجل الله لآت ( وفى قول الله ( وانها لكبيرة الا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ( وفى قوله ( قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ( وفى قوله ( قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ( ان اللقاء يدل على الرؤية والمعاينة وعلى هذا المعنى فقد استدل المثبتون بقوله سبحانه وتعالى ( يا أيها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه ( ومن أهل السنة من قال ( اللقاء ( اذا قرن بالتحية فهو من الرؤية وقال ابن بطة سمعت أبا عمر الزاهد اللغوى يقول سمعت أبا العباس أحمد بن يحيى


489

بلغنا يقول فى قوله ( وكان بالمؤمنين رحيما تحيتهم يوم يلقونه سلام ( أجمع أهل اللغة أن اللقاء ههنا لا يكون الا معاينة ونظرة بالأبصار

وأما ( الفريق الأول ( فقال بعضهم ليس الدليل من القرآن على رؤية المؤمنين ربهم قوله ( تحيتهم يوم يلقونه سلام ( وانما الدليل آيات أخر مثل قوله ( وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة ( وقوله ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ( وقوله ( ان الابرار لفى نعيم على الأرائك ينظرون ( وقوله ( لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد ( الى غير ذلك

ومن أقوى ما يتمسك به المثبتون ما رواه مسلم فى صحيحه عن سهيل بن أبى صالح عن ابيه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال سأل الناس رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( فقالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال ( هل تضارون فى رؤية الشمس عند الظهيرة ليست فى سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فهل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر ليس فى سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فوالذى نفسى بيده لا تضارون فى رؤية ربكم الا كما تضارون فى رؤية أحدهما قال فيلقى العبد فيقول اى فلان ألم اكرمك ألم أسودك ألم أزوجك ألم اسخر لك الخيل والابل واركك ترأس وتربع قال فيقول بلى يا رب قال فظننت أنك ملاقى فيقول يا رب لا قال فاليوم انساك كما نسيتنى قال فيلقى الثانى فيقول الك أكرمك ألم أسودك ألم أزوجك الم اسخر لك الخيل والابل واتركك ترأس وتربع


490

قال فيقول بلى يا رب قال فظننت أنك ملاقى فيقول يا رب لا قال فاليوم انساك كما نسيتنى ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثنى بخير ما استطاع فيقال الا نبعث شاهدنا عليك فيتفكر فى نفسه من يشهد على فيختم على فيه يقال لفخذه انطقى فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق الذى سخط الله عليه ( الى هنا رواه مسلم

وفى رواية غيره وهى مثل روايته سواء صحيحة قال ( ثم ينادى مناد الا تتبع كل أمة ما كانت تعبد قال فتتبع أولياء الشياطين قال واتبعت اليهود والنصارى اولياءهم الى جهنم ثم نبقى ايها المؤمنون فيأتينا ربنا وهو ربنا فيقول علام هؤلاء قيام فنقول نحن عباد الله المؤمنون عبدناه وهو ربنا وهو آتينا ويثيبنا وهذا مقامنا فيقول انا ربكم فامضوا قال فيوضع الجسر وعليه كلاليب من النار تخطف الناس فعند ذلك حلت الشفاعة لى اللهم سلم اللهم سلم قال فاذا جاءوا الجسر فكل من أنفق زوجا من المال مما يملك فى سبيل الله فكل خزنة الجنة يدعونه يا عبدالله يا مسلم هذا خير فتعال يا عبدالله يا مسلم هذا خير فتعال فقال أبو بكر رضى الله عنه يا رسول الله ذلك العبد لا توى عليه يدع بابا ويلج من آخر فضرب النبى ( ( على منكبيه وقال والذى نفسى بيده انى لأرجو أن تكون منهم (


491

وهذا حديث صحيح وفيه أن الكافر والمنافق يلقى ربه ويقال ظاهره أن الخلق جميعهم يرون ربهم فيلقى الله العبد عند ذلك

لكن قال ابن خزيمة والقاضى ابو يعلى وغيرهما ( اللقاء ( الذى فى الخبر غير الترائى لا أن الله تراءى لمن قال له هذا القول وهؤلاء يقولون اخبر النبى ( ( أن المؤمنين يرون ربهم لأنهم قالوا هل نرى ربنا والضمير عائد على المؤمنين فذكر النبى ( ( أن الكافر يلقى ربه فيوبخه ثم بعد ذلك تتبع كل أمة ما كانت تعبد ثم بعد ذلك يراه المؤمنون

يبين ذلك أن فى الصححيحين من حديث الزهرى عن سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد عن أبى هريرة أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال هل تمارون فى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فهل تمارون فى الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فانكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة فيقول من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله فيقول أنا ربكم فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فاذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله فى صورته التى يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيعرفونه ويضرب الصراط بين ظهرانى جهنم فأكون أول من جاوز من الرسل بأمته ولا


492

يتكلم يومئذ أحد الا الرسل وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفى جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان قالوا نعم قال فانها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها الا الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم من يوبق بعمله ومنهم المجازى حتى ينجو حتى اذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة فى حميل السيل ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولا الجنة فيقبل بوجهه قبل النار فيقول يا رب اصرف وجهى عن النار قد قشبنى ريحها واحرقنى ذكاؤها فيقول هل عسيت ان فعل بك ذلك ان لا تسأل غير ذلك فيقول لا وعزتك فيعطى الله ما شاء من عهد وميثاق فيصرف الله وجهه عن النار فاذا أقبل به على الجنة ورأى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم قال يا رب قدمنى عند باب الجنة فيقول الله له اليس قد أعطيت العهود والميثاق ان لا تسأل غير الذى كنت سألت فيقول يا رب لا أكون اشقى خلقك فيقول هل عسيت أن أعطيتك ذلك أن لا تسأل غير ذلك فيقول لا وعزتك لا أسأل غير ذلك فيعطى ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه الى باب الجنة فاذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور فيسكت ما شاء الله ان يسكت فيقول يا رب ادخلنى الجنة فيقول الله ويحك يا ابن آدم ما أغدرك أليس قد أعطيت العهود والميثاق ان لا تسأل غير


493

الذى أعطيت فيقول يا رب لا تجعلنى أشقى خلقك فيضحك الله منه ثم يؤذن له فى دخول الجنة فيقول تمن فيتمنى حتى اذا انقطعت امنيته قال الله من كذا وكذا اقبل يذكره ربه حتى اذا انتهت به الامانى قال الله لك ذلك ومثله ومعه

قال أبو سعيد الخدرى لأبى هريرة رضى الله عنهما أن رسول الله ( ( قال قال الله لك ذلك وعشرة امثاله قال أبو هريرة لم أحفظ من رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( الا قوله لك ذلك ومثله معه قال ابو سعيد أنى سمعته يقول لك ذلك وعشرة امثاله

وفى رواية فى الصحيح قال وابو سعيد مع أبى هريرة لا يرد عليه فى حديثه شيئا حتى اذا قال أبو هريرة ان الله قال ذلك لك ومثله معه قال أبو سعيد الخدرى وعشرة امثاله يا ابا هريرة فهذا الحديث من أصح حديث على وجه الأرض وقد اتفق أبو هريرة وأبو سعيد وليس فيه ذكر الرؤية الا بعد ان تتبع كل أمة ما كانت تعبد

وقد روى باسناد جيد من حديث عبدالله بن مسعود رضى الله عنه قال ( يجمع الله الناس يوم القيامة قال فينادى مناد يا أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذى خلقكم وصوركم ورزقكم ان يولى كل انسان منكم الى من كان يعبد فى الدنيا ويتولى قال ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويمثل لمن


494

كان يعبد عزيزا شيطان عزيز حتى يمثل لهم الشجرة والعود والحجر ويبقى أهل الاسلام جثوما فيقال لهم ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس فيقولون ان لنا ربا ما رأيناه بعد قال فيقال فبم تعرفون ربكم اذا رأيتموه قالوا بيننا وبينه علامة ان رأيناه عرفناه قيل وما هو قالوا ك يكشف عن ساق ( وذكر الحديث

ففى هذا الحديث ان المؤمنين لم يروه قبل تجليه لهم خاصة وأصحاب القول الاخر يقولون معنى هذا لم يروه مع هؤلاء الالهة التى يتبعها الناس فلذلك لم يتبعوا شيئا

يدل على ذلك فى الصحيحين ايضا من حديث زيد بن اسلم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله ( ( نعم فهل تضارون فى رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس معها سحاب وهل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها سحاب قالوا لا يا رسول الله قال ما تضارون فى رؤية الله تبارك وتعالى يوم القيامة الا كما تضارون فى رؤية احدهما اذا كان يوم القيامة اذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد عزيز بن الله فيقول كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة


495

ولا ولد فماذا تبغون قالوا عطشنا يا رب فاسقنا فيشار اليهم الا تردون فيحشرون الى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون فى النار ثم يدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون قالوا كنا نعبد المسيح بن الله فيقال لهم كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون فيقولون عطشنا يا رب فاسقنا قال فيشار اليهم الا تردون فيحشرون الى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون فى النار حتى اذا لم يبق الا من كان يعبد الله من بر وفاجر اتاهم الله فى أدنى صورة من التى راوه فيها وفى رواية قال فيأتيهم الجبار فى صورة غير الصورة التى راوها أول مرة قال فما تنتظرون لتتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا يا ربنا فارقنا الناس فى الدنيا افقر ما كنا اليهم ولم نصاحبهم فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئا مرتين او ثلاثا حتى ان بعضهم ليكاد ان ينقلب فيقول هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه الا اذن والله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد نفاقا ورياء الا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما اراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول فى الصورة التى رأوه فيها اول مرة فقال انا ربكم فيقولون أنت ربنا ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون اللهم سلم سلم قيل يا رسول الله وما الجسر قال دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح وكالطير


496

وكأجاود الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل ومكردس فى نار جهنم حتى اذا خلص المؤمنون من النار فوالذى نفسى بيده ما من أحد بأشد مناشدة لله فى استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لاخوانهم الذين فى النار (

ففى هذا الحديث ما يستدل به على أنهم راوه اول مرة قبل أن يقول ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون وهى ( الرؤية الاولى ( العامة التى فى ( الرؤية الاولى ( عن أبى هريرة فانه أخبر فى ذلك الحديث بالرؤية واللقاء ثم بعد ذلك يقول ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون

وكذلك جاء مثله فى حديث صحيح من رواية العلاء عن أبيه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ( ( يجمع الله الناس يوم القيامة فى صعيد واحد ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول ألا يتبع الناس ما كانوا يعبدون فيمثل لصاحب الصليب صليبه ولصاحب النار ناره ولصاحب التصوير تصويره فيتبعون ما كانوا يعبدون ويبقى المسلمون فيطلع عليهم رب العالمين فيقول الا تتبعون الناس فيقولون نعوذ بالله منك الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا وهو يأمرهم ويثبتهم ثم يتوارى ثم يطلع فيقول ألا تتبعون الناس فيقولون نعوذ بالله منك الله ربنا وهذا مكاننا حتى نرى ربنا ويثبتهم قالوا وهل نراه يا رسول الله قال فانكم لا تتمارون فى رؤيته تلك الساعة ثم يتوارى ثم يطلع عليهم فيعرفهم نفسه ثم يقول أنا ربكم فاتبعونى فيقوم المسلمون ويوضع الصراط (


497

وابين من هذا كله فى أن ( الرؤية الاولى ( عامة لأهل الموقف حديث أبى رزين العقيلى الحديث الطويل قد رواه جماعة من العلماء وتلقاه أكثر المحدثين بالقبول وقد رواه ابن خزيمة فى ( كتاب التوحيد ( وذكر أنه لم يحتج فيه الا بالاحاديث الثابتة قال فيه رسول الله ( ( فتخرجون من الاصوى ومن مصارعكم فتنظرون اليه وينظر اليكم قال قلت يا رسول الله كيف وهو شخص واحد ونحن ملأ الارض ننظر اليه وينظر الينا قال ابنئك بمثل ذلك ويريان ولا تضامون فى رؤيتهما ولعمر الهك لهو على أن يراكم وترونه اقدر منهما على أن يرياكم وتروهما قلت يا رسول الله فما يفعل بنا ربنا اذا لقيناه قال تعرضون عليه بادية له صفحاتكم ولا يخفى عليه منكم خافية فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم فلعمر الهك ما يخطىء وجه واحد منكم قطرة فأما المؤمن فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء وأما الكافر فتخطمه مثل الحمم الاسود الا ثم ينصرف نبيكم ( ( فيمر على أثره الصالحون أو قال ينصرف على أثره الصالحون قال فيسلكون جسرا من النار ( وذكر حديث ( الصراط (

وقد روى أهل السنن قطعة من حديث أبى رزين باسناد جيد عن أبى رزين قال قلت يا رسول الله اكلنا يرى ربه يوم القيامة وما آية ذلك فى خلقه قال ( يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر مخليا به قلت بلى قال فالله أعظم (


498

فهذا الحديث فيه أن قوله ( تنظرون اليه وينظر اليكم ( عموم لجميع الخلق كما دل عليه سياقه

وروى ابن خزيمة عن عبدالله بن مسعود رضى الله عنه مرفوعا الى النبى ( صلى الله عليه وسلم ( قال ( والله ما منكم من أحد الا سيخلو الله به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر أو قال ليلة يقول ابن آدم ما غرك بى ابن آدم ما عملت فيما علمت ابن آدم ماذا أجبت المرسلين (

فهذه أحاديث مما يستمسك بها هؤلاء فقد تمسك بعضهم بقوله سبحانه وتعالى ( فلما رأوه زلفة ( واعتقدوا أن الضمير عائد الى الله وهذا غلط فان الله سبحانه وتعالى قال ( ويقولون متى هذا الوعد ان كنتم صادقين قل انما العلم عند الله وانما أنا نذير مبين فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذى كنتم به تدعون ( فهذا يبين أن الذى رأوه هو الوعد أى الموعود به من العذاب الا تراه يقول ( وقيل هذا الذى كنتم به تدعون (

وتمسكوا بأشياء باردة فهموها من القرآن ليس فيها دلالة بحال

وأما الذين خصوا ( بالرؤية ( أهل التوحيد فى الظاهر مؤمنهم ومنافقهم فاستدلوا بحديث أبى هريرة وأبى سعيد المتقدمين كما ذكرناهما

وهؤلاء الذين يثبتون رؤية لكافر ومنافق انما يثبتونها مرة واحدة او مرتين للمنافقين ( رؤية تعريف ( ثم يحتجب عنهم بعد ذلك فى العرصة


499

وأما الذين نفوا ( الرؤية ( مطلقا على ظاهره المأثور عن المتقدمين فاتباع لظاهر قوله ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( روى ابن بطة باسناده عن اشهب قال قال رجل لمالك يا أبا عبدالله هل يرى المؤمنون ربهم يوم القيامة فقال مالك لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعير الله الكفار بالحجاب قال تعالى ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( وعن المزنى قال سمعت ابن أبى هرم يقول قال الشافعى فى كتاب الله ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( دلالة على أن اولياءه يرونه على صفته

وعن حنبل بن اسحق قال سمعت أبا عبدالله يعنى أحمد بن حنبل يقول أدركت الناس وما ينكرون من هذه الاحاديث شيئا أحاديث الرؤية وكانوا يحدثون بها على الجملة يمرونها على حالها غير منكرين لذلك ولا مرتابين قال أبو عبدالله ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( فلا يكون حجاب الا لرؤية فأخبر الله ان من شاء الله ومن اراد فانه يراه والكفار لا يرونه وقال قال الله ( وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة (

والاحاديث التى تروى فى النظر الى الله حديث جرير بن عبدالله وغيره ( تنظرون الى ربكم ( أحاديث صحاح وقال ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة النظر الى الله قال أبو عبدالله أحاديث الرؤية نؤمن بها ونعلم أنها حق ونؤمن بأننا نرى ربنا يوم القيامة لا نشك فيه ولا نرتاب

قال وسمعت أبا عبدالله يقول من زعم أن الله لا يرى فى الآخرة فقد


500

كفر وكذب بالقرآن ورد على الله تعالى أمره يستتاب فان تاب والا قتل قال حنبل قلت لأبى عبدالله فى احاديث الرؤية فقال صحاح هذه نؤمن بها وتقر بها وكل ما روى عن النبى ( ( باسناد جيد اقررنا به

قال أبو عبدالله اذا لم نقر بما جاء عن النبى ( ( ودفعناه رددنا على الله أمره قال الله ( وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (

وكذلك قال ابو عبدالله الماجشون وهو من اقران مالك فى كلام له فورب السماء والارض ليجعل الله رؤيته يوم القيامة للمخلصين ثوابا فتنضر بها وجوههم دون المجرمين وتفلج بها حجتهم على الجاحدين جهم وشيعته وهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون لا يرونه كما زعموا أنه لا يرى ولا يكلمهم ولا ينظر اليهم ولهم عذاب اليم كيف لم يعتبروا يقول الله تعالى ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( أفيظن أن الله يقصيهم ويعنتهم ويعذبهم بأمر يزعم الفاسق أنه واولياؤه فيه سواء

ومثل هذا الكلام كثير فى كلام غير واحد من السلف مثل وكيع ابن الجراح وغيره وقال القاضى ابو يعلى وغيره كانت الامة فى رؤية الله بالابصار على ( قولين ( منهم المحيل للرؤية عليه وهم المعتزلة والنجارية وغيرهم من الموافقين لهم على ذلك ( والفريق الآخر ( أهل الحق والسلف من هذه


501

الامة متفقون على أن المؤمنين يرون الله فى المعاد وان الكافرين لا يرونه فثبت بهذا اجماع الامة ممن يقول بجواز الرؤية وممن ينكرها على منع رؤية الكافرين لله وكل قول حادث بعد الاجماع فهو باطل مردود

وقال هو وغيره ايضا الأخبار الواردة فى ( رؤية المؤمنين لله ( انما هى على طريق البشارة فلو شاركهم الكفار فى ذلك بطلت البشارة ولا خلاف بين القائلين بالرؤية فى أن رؤيته من أعظم كرامات اهل الجنة

قال وقول من قال انما يرى نفسه عقوبة لهم وتحسيرا على فوات دوام رؤيته ومنعهم من ذلك بعد علمهم بما فيها من الكرامة والسرور يوجب ان يدخل الجنة الكفار ويريهم ما فيها من الحور والولدان ويطعمهم من ثمارها ويسقيهم من شرابها ثم يمنعهم من ذلك ليعرفهم قدر ما منعوا منه ويكثر تحسرهم وتلهفهم على منع ذلك بعد العلم بفضيلته

و ( العمدة ( قوله سبحانه ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( فانه يعم حجبهم عن ربهم فى جميع ذلك اليوم وذلك اليوم يوم ( يقوم الناس لرب العالمين ( وهو يوم القيامة فلو قيل انه يحجبهم فى حال دون حال لكان تخصيصا للفظ بغير موجب ولكان فيه تسوية بينهم وبين المؤمنين فان ( الرؤية ( لا تكون دائمة للمؤمنين والكلام خرج مخرج بيان عقوبتهم بالحجب وجزائهم به فلا يجوز ان يساويهم المؤمنون فى عقاب ولا جزاء سواه فعلم ان الكافر محجوب على الاطلاق بخلاف المؤمن واذا كانوا فى عرصة


502

القيامة محجوبين فمعلوم أنهم فى النار أعظم حجبا وقد قال سبحانه وتعالى ( ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة اعمى واضل سبيلا ( وقال ( ونحشره يوم القيامة أعمى ( واطلاق وصفهم بالعمى ينافى ( الرؤية ( التى هى أفضل أنواع الرؤية

فبالجملة فليس مقصودى بهذه الرسالة الكلام المستوفى لهذه المسألة فان العلم كثير وانما الغرض بيان أن هذه ( المسألة ( ليست من المهمات التى ينبغى كثرة الكلام فيها وايقاع ذلك الى العامة والخاصة حتى يبقى شعارا ويوجب تفريق القلوب وتشتت الاهواء

وليست هذه ( المسألة ( فيما علمت مما يوجب المهاجرة والمقاطعة فان الذين تكلموا فيها قبلنا عامتهم أهل سنة واتباع وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا كما اختلف الصحابة رضى الله عنهم والناس بعدهم فى رؤية النبى ( صلى الله عليه وسلم ( ربه فى الدنيا وقالوا فيها كلمات غليظة كقول أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ومع هذا فما أوجب هذا النزاع تهاجرا ولا تقاطعا

وكذلك ناظر الامام أحمد أقواما من أهل السنة فى ( مسألة الشهادة للعشرة بالجنة ( حتى آلت المناظرة الى ارتفاع الاصوات وكان أحمد وغيره يرون الشهادة ولم يهجروا من امتنع من الشهادة الى مسائل نظير هذه كثيرة

والختلفون فى هذه ( المسألة ( اعذر من غيرهم اما ( الجمهور ( فعذرهم


503

ظاهر كما دل عليه القرآن وما نقل عن السلف وان عامة الاحاديث الواردة فى ( الرؤية ( لم تنص الا على رؤية المؤمنين وأنه لم يبلغهم نص صريح برؤية الكفار ووجدوا الرؤية المطلقة قد صارت دالة على غاية الكرامة ونهاية النعيم

وأما المثبتون عموما وتفصيلا فقد ذكرت عذرهم وهم يقولون قوله ( كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ( هذا الحجب بعد المحاسبة فانه نوع رؤية وهذا حجب عام متصل وبهذا الحجب يحصل الفرق بينهم و المؤمنين فانه سبحانه وتعالى يتجلى للمؤمنين فى عرصات القيامة بعد ان يحجب الكفار كما دلت عليه الاحاديث المتقدمة ثم يتجلى لهم فى الجنة عموما وخصوصا دائما ابدا سرمدا

ويقولون ان كلام السلف مطابق لما فى القرآن ثم ان هذا النوع من ( الرؤية ( الذى هو عام للخلائق قد يكون نوعا ضعيفا ليس من جنس ( الرؤية ( التى يختص بها المؤمنون فان ( الرؤية ( أنواع متباينة تباينا عظيما لا يكاد ينضبط طرفاها

وهنا آداب تجب مراعاتها

منها ان من سكت عن الكلام فى هذه المسألة ولم يدع الى شىء فانه لا يحل هجره وان كان يعتقد أحد الطرفين فان البدع التى هى أعظم منها لا يهجر فيها الا الداعية دون الساكت فهذه أولى


504

ومن ذلك أنه لا ينبغى لاهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعارا يفضلون بها بين اخوانهم واضدادهم فان مثل هذا مما يكرهه الله ورسوله

وكذلك لا يفاتحوا فيها عوام المسلمين الذين هم فى عافية وسلام عن الفتن ولكن اذا سئل الرجل عنها أو رأى من هو أهل لتعريفه ذلك القى اليه مما عنده من العلم ما يرجو النفع به بخلاف الايمان بأن المؤمنين يرون ربهم فى الآخرة فان الايمان بذلك فرض واجب لما قد تواتر فيها عن النبى ( ( وصحابته وسلف الأمة

ومن ذلك أنه ليس لاحد أن يطلق القول بأن الكفار يرون ربهم من غير تقييد لوجهين

( أحدهما ( ان ( الرؤية المطلقة ( قد صار يفهم منها الكرامة والثواب ففى اطلاق ذلك ايهام وايحاش وليس لأحد أن يطلق لفظا يوهم خلاف الحق الا أن يكون مأثورا عن السلف وهذا اللفظ ليس مأثورا

( الثانى ( أن الحكم اذا كان عاما فى تخصيص بعضه باللفظ خروج عن القول الجميل فانه يمنع من التخصيص

فان الله خالق كل شىء ومريد لكل حادث ومع هذا يمنع الانسان ان يخص ما يستقذر من المخلوقات وما يستقبحه الشرع من الحوادث بأن يقول على الانفراد يا خالق الكلاب ويا مريدا للزنا ونحو ذلك بخلاف ما لو قال يا خالق كل شىء ويا من كل شىء يجرى بمشيئته


505

فكذلك هنا لو قال ما من احد الا سيخلو به ربه وليس بينه وبينه حاجب ولا ترجمان أو قال أن الناس كلهم يحشرون الى الله فينظر اليهم وينظرون اليه كان هذا اللفظ مخالفا فى الايهام للفظ الاول

فلا يخرجن أحد عن الالفاظ المأثورة وان كان قد يقع تنازع فى بعض معناها فان هذا الامر لابد منه فالامر كما قد أخبر به نبينا ( ( والخير كل الخير فى اتباع السلف الصالح والاستكثار من معرفة حديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ( والتفقه فيه والاعتصام بحبل الله وملازمة ما يدعو الى الجماعة والالفة ومجانبة ما يدعو الى الخلاف والفرقة الا ان يكون امرا بينا قد أمر الله ورسوله فيه بأمر من المجانبة فعلى الرأس والعين

وأما اذا اشتبه الامر هل هذا القول أو الفعل مما يعاقب صاحبه عليه أو ما لا يعاقب فالواجب ترك العقوبة لقول النبى ( ( ادرءوا الحدود بالشبهات فانك ان تخطىء فى العفو خير من أن تخطىء فى العقوبة ( رواه ابو داود ولا سيما اذا آل الامر الى شر طويل وافتراق أهل السنة والجماعة فان الفساد الناشىء فى هذه الفرقة أضعاف الشر الناشىء من خطأ نفر قليل فى مسألة فرعية

واذا اشتبه على الانسان امر فاليدع بما رواه مسلم فى صحيحه عن عائشة رضى الله عنها قالت كان رسول الله ( ( اذا قام الى الصلاة يقول ( اللهم رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والارض عالم


506

الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنى لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدى من تشاء الى صراط مستقيم (

وبعد هذا فاسأل الله العظيم رب العرش العظيم ان يوفقنا واياكم لما يحبه ويرضاه من القول والعمل ويرزقنا اتباع هدى نبيه ( ( باطنا وظاهرا ويجمع على الهدى شملنا ويقرن بالتوفيق امرنا ويجعل قلوبنا على قلب خيارنا ويعصمنا من الشيطان ويعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا

وقد كتبت هذا الكتاب وتحريت فيه الرشد وما أريد الا الاصلاح ما استطعت وما توفيقى الا بالله ومع هذا فلم أحط علما بحقيقة ما بينكم ولا بكيفية اموركم وانما كتبت على حسب ما فهمت من كلام من حدثنى والمقصود الاكبر انما هو اصلاح ذات بينكم وتأليف قلوبكم

واما استيعاب القول فى ( هذه المسألة ( وغيرها وبيان حقيقة الامر فيها فربما اقول او اكتب فى وقت آخر ان رأيت الحاجة ماسة اليه فانى فى هذا الوقت الى انتظام أمركم أوكد

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبة وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل


507

قال الشيخ شمس الدين بن القيم سمعت شيخ الإسلام ( احمد بن تيمية (

يقول فى قوله ( ( نور أنى أراه ( معناه كان ثم نور وحال دون رؤيته نور فانى اراه قال ويدل عليه ان فى بعض ( ألفاظ الصحيح ( هل رأيت ربك فقال ( رأيت نورا (

وقد اعظل امر هذا الحديث على كثير من الناس حتى صحفه بعضهم فقال ( نورا انى اراه ( على انهاء ياء النسب والكلمة كلمة واحدة وهذا خطأ لفظا ومعنى وانما أوجب لهم هذا الاشكال والخطأ أنهم لما اعتقدوا ان رسول الله ( ( رأى ربه وكان قوله ( انى اراه ( كالانكار للرؤية حاروا فى ( الحديث ( ورده بعضهم باضطراب لفظه وكل هذا عدول عن موجب الدليل

وقد حكى ( عثمان بن سعيد الدارمى ( فى ( كتاب الرد له ( اجماع الصحابة على أنه ( صلى الله عليه وسلم ( لم ير ربه ليلة المعراج وبعضهم استثنى ابن عباس من ذلك وشيخنا يقول ليس ذلك بخلاف فى الحقيقة فان ابن عباس لم يقل


508

رآه بعينى راسه وعليه اعتمد أحمد فى احدى الروايتين حيث قال انه رآه ولم يقل بعينى راسه

ولفظ أحمد كلفظ ابن عباس

ويدل على صحة ما قال شيخنا فى معنى حديث أبى ذر قوله ( ( فى الحديث الآخر ( حجابه النور ( فهذا النور هو والله أعلم النور المذكور فى حديث أبى ذر ( رأيت نورا (


509

قال الشيخ رحمه الله

( فصل ( وأما ( الرؤية ( فالذى ثبت فى الصحيح عن ابن عباس انه قال ( راى محمد ربه بفؤاده مرتين ( وعائشة أنكرت الرؤية فمن الناس من جمع بينهما فقال عائشة انكرت رؤية العين وابن عباس اثبت رؤية الفؤاد

والألفاظ الثابتة عن ( ابن عباس ( هى مطلقة أو مقيدة بالفؤاد تارة يقول راى محمد ربه وتارة يقول رآه محمد ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه

وكذلك ( الامام أحمد ( تارة يطلق الرؤية وتارة يقول رآه بفؤاده ولم يقل أحمد أنه سمع أحمد يقول رآه بعينه لكن طائفة من اصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين

وليس فى الادلة ما يقتضى أنه رآه بعينه ولا ثبت ذلك عن أحد من


510

الصحابة ولا فى الكتاب والسنة ما يدل على ذلك بل النصوص الصحيحة على نفيه أول كما فى صحيح مسلم عن أبى ذر قال سألت رسول الله ( ( هل رأيت ربك فقال ( نور انى اراه (

وقد قال تعالى ( سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا ( ولو كان قد اراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك اولى

وكذلك قوله ( افتمارونه على ما يرى ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ( ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك اولى

وفى الصحيحين عن ابن عباس فى قوله ( وما جعلنا الرؤيا التى أريناك الا فتنة للناس والشجرة الملعونة فى القرآن ( قال هى رؤيا عين أريها رسول الله ( ( ليلة اسرى به وهذه ( رؤيا الآيات ( لأنه أخبر الناس بما رآه بعينه ليلة المعراج فكان ذلك فتنة لهم حيث صدقه قوم وكذبه قوم ولم يخبرهم بأنه رأى ربه بعينه وليس فى شىء من احاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه

وقد ثبت بالنصوص الصحيحة واتفاق سلف الامة انه لا يرى الله أحد فى الدنيا بعينه الا ما نازع فيه بعضهم من رؤية نبينا محمد ( ( خاصة واتفقوا على ان المؤمنين يرون الله يوم القيامة عيانا كما يرون الشمس والقمر


511

واللعنة تجوز ( مطلقا ( لمن لعنه الله ورسوله واما لعنة ( المعين ( فان علم أنه مات كافرا جازت لعنته

وأما الفاسق المعين فلا تنبغى لعنته لنهى النبى ( ( أن يلعن ( عبدالله بن حمارا ( الذى كان يشرب الخمر مع أنه قد لعن شارب الخمر عموما مع أن فى لعنة المعين اذا كان فاسقا او داعيا الى بدعة نزاع وهذه ( المسألة ( قد بسط الكلام عليها


512

سئل

عن اقوام يدعون أنهم يرون الله بابصارهم فى الدنيا وانهم يحصل لهم بغير سؤال ما حصل لموسى بالسؤال

فأجاب

أجمع ( سلف الامة وأئمتها ( على أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم فى الآخرة وأجمعوا على أنهم لا يرونه فى الدنيا بأبصارهم ولم يتنازعوا الا فى النبى ( صلى الله عليه وسلم (

وثبت عنه فى الصحيح أنه قال ( واعلموا ان أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت (

ومن قال من الناس ان الاولياء أو غيرهم يرى الله بعينه فى الدنيا فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة واجماع سلف الأمة لا سيما اذا ادعوا انهم افضل من موسى فان هؤلاء يستتابون فان تابوا والا قتلوا والله أعلم


513

سئل الشيخ الامام العلامة شيخ الاسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضى الله عنه

ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضى الله عنهم اجمعين فى الحديث الذى ذكره البخارى مستشهدا به فى صحيحه وهو قوله ( ( ان الله عز وجل ينادى بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب انا الملك انا الديان ( وفى قوله عليه السلام ( يقول الله عز وجل يا آدم قم فابعث بعث النار ( فينادى بصوت ان الله يأمرك ان تبعث بعث النار ( الحديث المشهور فان بعض الناس قال لا يثبت لله صفة بحديث واحد فما الجواب عن هذه المسألة من الكتاب والسنة والآثار والنظر والامثال والنظائر وابسطوا القول فى ذلك افتونا مأجورين

فأجاب

الحمد لله رب العالمين اصل ( هذا الباب ( ان لا يتكلم الانسان الا بعلم فان هذا وان كان مأمورا به مطلقا فهو فى هذا الباب أوجب قال الله تعالى ( قل


514

انما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغى بغير الحق وان تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وان تقولوا على الله ما لا تعلمون ( وقال تعالى ( انما يأمركم بالسوء والفحشاء وان تقولوا على الله ما لا تعلمون ( وقال تعالى ( ولا تقف ما ليس لك به علم ( وقال تعالى ( يا اهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق ( وقال تعالى ( الم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب الا يقولوا على الله الا الحق (

وكما أن الانسان لا يجوز له أن يثبت شيئا الا بعلم فلا يجوز له أن ينفى شيئا الا بعلم ولهذا كان النافى عليه الدليل كما ان المثبت عليه الدليل

ومما يجب ان يعرف أن ( أدلة الحق لا تتناقض ( فلا يجوز اذا اخبر الله بشىء سواء كان الخبر اثباتا أو نفيا ان يكون فى اخباره ما يناقض ذلك الخبر الاول ولا يكون فيما يعقل بدون الخبر ما يناقض ذلك الخبر المعقول فالادلة المقتضية للعلم لايجوز أن تتناقض سواء كان الدليلان سمعيين أو عقليين أو كان أحدهما سمعيا والآخر عقليا ولكن التناقض قد يكون فيما يظنه بعض الناس دليلا وليس بدليل كمن يسمع خبرا فيظنه صحيحا ولا يكون كذلك او يفهم منه ما لا يدل عليه او تقوم عنده شبهه يظنها دليلا عقليا وتكون باطلة التبس عليه فيها الحق بالباطل فيكذب بها ما أخبر الله به ورسوله وهذا من اسباب ضلال من ضل من مكذبى الرسل اما مطلقا كالذين كذبوا جميع الرسل كقوم نوح وثمود وعاد ونحوهم واما من آمن ببعض وكفر


515

ببعض كمن آمن من اهل الكتاب ببعض الرسل دون بعض ومن آمن من الفلاسفة ببعض ما جاءت به الرسل دون بعض ومن أهل البدع من أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى من اتوا من هذا الوجه فانه قامت عندهم شبهات ظنوا انها تنفى ما أخبرت به الرسل من اسماء الله تعالى وصفاته وظنوا ان الواجب حينئذ تقديم ما رأوه على النصوص لشبهات قد بسط الكلام عليها فى غير هذا الموضع وبين ضلال من ضل من الجهمية المتفلسفة والمعتزلة ومن وافقهم من بعض ضلالهم

وجماع القول فى اثبات الصفات هو القول بما كان عليه سلف الامة وائمتها وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ويصان ذلك عن التحريف والتمثيل والتكييف والتعطيل فان الله ليس كمثله شىء لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله فمن نفى صفاته كان معطلا ومن مثل صفاته بصفات مخلوقاته كان ممثلا والواجب اثبات الصفات ونفى مماثلتها لصفات المخلوقات اثباتا بلا تشبيه وتنزيها بلا تعطيل كما قال تعالى ( ليس كمثله شىء ( فهذا رد على الممثلة ( وهو السميع البصير ( رد على المعطلة فالممثل يعبد صنما والمعطل يعبد عدما ( 6

( وطريقة الرسل ( صلوات الله عليهم اثبات صفات الكمال لله على وجه التفصيل وتنزيهه بالقول المطلق عن التمثيل فطريقهم ( اثبات مفصل ( و ( نفى مجمل (

وأما الملاحدة من المتفلسفة والقرامطة والجهمية ونحوهم فبالعكس نفى مفصل واثبات مجمل


516

فالله تعالى أخبر فى كتابه ( أنه بكل شىء عليم ( و ( على كل شىء قدير ( وأنه ( غفور رحيم ( عزيز حكيم ( سميع بصير ( خلق السموات والارض وما بينهما فى ستة ايام ثم استوى على العرش ( وانه يحب المتقين ويرضى عنه المؤمنين ويغضب على الكافرين وأنه فعال لما يريد وأنه كلم موسى موسى تكليما تكليما عباده فيقول ( اين شرك تزعمون ( وأمثال ذلك وقال تعالى ( ليس كمثله شىء ( هل تعلم له سميا ( ولم يكن له كفوا أحد (

فبين بذلك أن الله لا مثل له ولا سمى ولا كفو فلا يجوز أن يكون شىء من صفاته مماثلا لشىء من صفات المخلوقات ولا أن يكون المخلوق مكافئا ولا مساميا له فى شىء من صفاته سبحانه وتعالى وأما ( الملاحدة ( فقبلوا الامر واخذوا يشبهونه بالمعدومات والممتنعات والمتناقضات فغلاتهم يقولون لا حى ولا ميت ولا عالم ولا جاهل ولا سميع ولا أصم ولا متكلم ولا اخرس بل قد يقولون لا موجود ولا معدوم ولا هو شىء ولا ليس بشىء وآخرون يقولون لا داخل العالم ولا خارجه ولا مباين للعالم ولا حال فيه وامثال هذه العبارات التى ينفون بها الامور المتقابلة التى لا يمكن انتفاؤها معا كما يقول محققوا هؤلاء أنه وجود مطلق

ثم منهم من يقول هو وجود مطلق اما بشرط الاطلاق كما يقوله ( ابن


517

سينا ( واتباعه مع أنهم قد قرروا فى ( المنطق ( ما هو معلوم لكل العقلاء ان المطلق بشرط الاطلاق لا يكون موجودا فى الاعيان بل فى الاذهان وكان حقيقة قولهم أن الموجود الواجب ليس موجودا فى الخارج مع أنهم مقرون بما لم يتنازع فيه العقلاء من أن الوجود لابد فيه من موجود واجب الوجود بنفسه

ومنهم من يقول هو مطلق لا بشرط كما يقوله القونوى وامثاله فهؤلاء يجعلونه ( الوجود ( الذى يصدق على الواجب والممكن والواحد والكثير والذهنى والخارجى والقديم والمحدث فيكون اما صفة للمخلوقات واما جزءا منها واما عينها

وأولئك يجعلونه ( الوجود ( المجرد الذى لا يتقيد بقيد فلزمهم ان لا يكون واجبا ولا ممكنا ولا عالما ولا جاهلا ولا قادرا ولا عاجزا وهم يقولون مع ذلك انه عاقل ومعقول وعاشق ومعشوق فيتناقضون فى ضلالهم ويجعلون الواحد اثنين والاثنين واحدا كما أنهم يريدون أن يثبتوا وجودا مجردا عن كل نعت مطلقا عن كل قيد وهم مع ذلك يخصونه بما لا يكون لسائر الموجودات ولهذا يقول بعضهم ان العالم والعلم واحد وانه نفس العلم فيجعلون العالم بنفسه هو العالم بغيره والموصوف هو الصفة ويتناقضون اشد من تناقض النصارى فى ( تثليثهم ( و ( اتحادهم ( الذين أفسدوا بهما الايمان بالتوحيد والرسالة


518

وكلام ابن سبعين وابن رشد الحفيد وابن التومرت وابن عربى الطائى وامثالهم من الجهمية نفاة الصفات يدور على هذا الاصل كما قد بسط فى موضعه ويوجد ما يقارب هذا الاتحاد فى كلام كثير من أهل الكلام والتصوف الذين دخل عليهم بعض شعب الاتحاد ولم يعلموا ما فيها من الفساد

والقول فى ( مسألة كلام الله تعالى ( واضطراب الناس فيها مبنى على ( هذا الأصل ( فانها من ( مسائل الصفات ( وفيها من التفريع ما امتازت به على سائر مسائل الصفات وقد اضطرب الناس فيها اضطرابا كثيرا قد بيناه فى غير هذا الموضع وبينا أن ( سلف الأمة وأئمتها ( كانوا على الايمان الذى بعث الله به نبيه ( ( يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ويقولون ان القرآن كلام الله تعالى ويصفون الله بما وصف به نفسه من التكليم والمناجاة والمناداة وما جاءت به السنن والآثار موافقة لكتاب الله تعالى

فلم يكن فى الصحابة والتابعين لهم باحسان الى يوم الدين وسائر ائمة المسلمين من قال ان كلام الله مخلوق خلقه فى غيره ولم يقم به كلام كما قالته ( الجهمية ( من المعتزلة وغيرهم بل لما أظهروا هذه البدعة اشتد نكير السلف والأئمة لها وعرفوا أن حقيقتها أن الله لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى اذ كان الكلام وسائر الصفات انما يعود حكمها الى من قامت به


519

فلو خلق كلاما فى الشجرة ( اننى انا الله لا اله الا أنا ( لكان ذلك كلاما للشجرة وكانت هى القائلة ( اننى أنا الله لا اله الا أنا فاعبدنى ( بمنزلة الكلام الذى تنطق به الجلود حين قال لها أصحابها ( لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذى انطق كل شىء ( وكذلك قال تعالى ( وسخرنا مع داود الجبال يسبحن ( فلو كان تكلمه بمعنى أنه خلق كلاما فى غيره لكان كل كلام فى الوجود كلامه لأنه خالقه وكذلك صرح بذلك ( الحلولية ( من الجهمية كما يذكر عن ابن عربى صاحب ( الفصوص ( و ( الفتوحات (

وكل كلام فى الوجود كلامه
سواء علينا نثره ونظامه

وقد علم أن الله اذا خلق فى بعض الاعيان علما او قدرة أو حركة أو ارادة كان ذلك المحل هو العالم القادر المتحرك المريد فلم لم يكن كلامه الا ما يخلقه فى غيره لكان الغير هو المتكلم به وهذا مبسوط فى موضعه

و ( شبهة الكلام المشهورة ( أنهم اعتقدوا أن ( الكلام ( صفة من الصفات لا تكون الا بفعل من الافعال القائمة بالمتكلم فلو تكلم الرب لقامت به الصفات والافعال وزعموا أن ذلك ممتنع قالوا لأنا انما استدللنا على حدوث العالم بحدوث الاجسام واستدللنا على حدوثها بما قام بها من الاعراض التى هى الصفات والافعال فلو قام بالرب الصفات والافعال للزم أن يكون محدثا وبطل الدليل الذى استدللنا به على ( حدوث العالم واثبات الصانع (


520

فقال لهم أهل السنة والاثبات دليلكم هذا دليل مبتدع فى الشرع لم يستدل به أحد من سلف الأمة وأئمتها بل قد ذكر الاشعرى فى ( رسالته الى أهل الثغر ( أنه دليل محرم فى دين الرسل وأنه لا يجوز بناء دين المسلمين عليه وذكر غيره أنه باطل فى العقل كما هو محرم فى الشرع وان ذم السلف والأئمة لأهل الكلام والجهمية وأهل الخوض فى الاعراض والاجسام أعظم ما قصدوا به ذم مثل هذا الدليل كما قد بسط الكلام على ذلك فى موضعه

ولما ظهرت ( مقالة الجهمية ( جاء بعد ذلك ( أبو محمد عبدالله بن سعيد بن كلاب ( يوافق السلف والأئمة على اثبات ( صفات الله تعالى وعلوه على خلقه ( وبين أن ( العلو على خلقه ( يعلم بالعقل و ( استواؤه على العرش ( يعلم بالسمع وكذلك جاء بعده الحارث المحاسبى وابو العباس القلانسى وغيرهما من المتكلمين المنتسبين الى السنة والحديث ثم جاء ( أبو الحسن الاشعرى ( فاتبع طريقة ابن كلاب وامثاله وذكر فى كتبه جمل مقالة أهل السنة والحديث وان ابن كلاب يوافقهم فى أكثرها وهؤلاء يسمون ( الصفاتية ( لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافا للمعتزلة لكن ( ابن كلاب وأتباعه ( لم يثبتوا لله أفعالا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته بل ولا غير الافعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته

فكانت ( المعتزلة ( تقول لا تحله الاعراض والحوادث وهم لا يريدون ( بالاعراض ( الامراض والآفات فقط بل يريدون بذلك الصفات ولا يريدون


521

( بالحوادث ( المخلوقات ولا الاحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك مما يريده الناس بلفظ الحوادث بل يريدون نفى ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الافعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق ولا إستواء ولا اتيان ولا مجىء ولا تكليم ولا مناداة ولا مناجاة ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه

(

و ( إبن كلاب ( خالفهم فى قولهم لا تقوم به الاعراض وقال تقوم به الصفات ولكن لا تسمى اعراضا ووافقهم على ما ارادوه بقولهم لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته

فصار من حين فرق هذا التفريق المنتسبون الى السنة والجماعة القائلون بأن القرآن غير مخلوق وان الله يرى فى الآخرة وان الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه على ( قولين ( ذكرهما الحارث المحاسبى وغيره

( طائفة ( وافقت ابن كلاب كالقلانسى والاشعرى وأبى الحسن بن مهدى الطبرى ومن اتبعهم فانه وافق هؤلاء كثير من اتباع الائمة الاربعة وغيرهم من اصحاب مالك والشافعى وأحمد بن حنبل وأبى حنيفة وغيرهم

وكان ( الحارث المحاسبى ( يوافقه ثم قيل أنه رجع عن موافقته فان أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبى وغيره من اصحاب ابن كلاب لما اظهروا ذلك كما أمر السرى السقطى الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث فذكروا أن الحارث رحمه الله تاب من ذلك وكان له من العلم والفضل


522

والزهد والكلام فى الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبو بكر الكلاباذى صاحب ( مقالات الصوفية ( أنه كان يقول ان الله يتكلم بصوت وهذا يوافق قول من يقول أنه رجع عن قول ابن كلاب قال أبو بكر الكلاباذى وقال طائفة من الصوفية كلام الله حرف وصوت وأنه لا يعرف كلام الا كذلك مع اقرارهم أنه صفة لله فى ذاته وأنه غير مخلوق قال وهذا قول الحارث المحاسبى ومن المتأخرين ابن سالم

وبقى هذا الأصل يدور بين الناس حتى وقع بين ( ابى بكر بن خزيمة ( الملقب بامام الأئمة وبعض أصحابه بسبب ذلك فانه بلغه أنهم وافقوا ( ابن كلاب ( فنهاهم وعابهم وطعن على ( مذهب ابن كلاب ( بما كان مشهورا عند أئمة الحديث والسنة

ومن ذلك الزمان تنازع المنتسبون الى السنة من أن الله يتكلم بصوت أو لا يتكلم بصوت فان اتباع ابن كلاب نفوا ذلك قالوا لأن المتكلم بصوت يستلزم قيام فعل بالمتكلم متعلق بارادته والله عندهم لا يجوز أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل فقالوا ان الله لا يتكلم بصوت وانما كلامه معنى واحد هو الامر والنهى والخبر ان عبر عنه بالعربية كان قرآنا وان عبر عنه بالعبرية كان توراة وان عبر عنه بالسريانية كان انجيلا

فقال جمهور العقلاء من أهل السنة وغير أهل السنة ( هذا القول ( معلوم


523

الفساد بضرورة العقل كما هو مخالف للكتاب والسنة فانا نعلم أن التوراة اذا عربت لم تكن هى القرآن بل معانيها ليست هى معانى القرآن ونعلم أن القرآن اذا ترجم بالعبرية لم يصر هو التوراة المنزلة على موسى ونعلم أن معنى آية الدين ليس هو معنى آية الكرسى ولا معنى ( تبت يدا أبى لهب ( هى معنى ( قل هو الله أحد (

قالوا ومن دجعل الأمر والنهى صفات للكلام لا أنواع له فقوله معلوم الفساد بالضرورة وهذا من جنس قول القائلين بوحدة الوجود فان من جعل ( الوجود واحد بالعين ( وهو الواجب والممكن كان كلامه معلوم الفساد بالضرورة كمن جعل معانى الكلام معنى واحدا هى الأمر والنهى والخبر لكن ( الكلام ( ينقسم الى الانشاء والخبر و ( الانشاء ( ينقسم الى طلب الفعل وطلب الترك و ( الخبر ( ينقسم الى خبر عن النفى وخبر عن الاثبات كما أن ( الموجود ( ينقسم الى واجب وممكن و ( الممكن ( ينقسم الى حى قائم بنفسه وقائم بغيره و ( القائم بغيره ( ينقسم الى ما تشترط له الحياة وما لا تشترط له الحياة فلفظ ( الواحد ( ينقسم الى واحد بالنوع وواحد بالعين

فقول القائل ( الكلام معنى واحد ( كقوله الوجود واحد فان أراد به أنه نوع واحد أو جنس واحد أو صنف واحد ونحو ذلك لم يكن ذلك مثل أن يريد أنه عين واحدة وذات واحدة وشخص واحد فان هذا مكابرة


524

للحس والعقل والشرع وأما ( الأول ( فمراده أن بين ذلك قدرا مشتركا كما أن ( الموجودات ( تشترك فى مسمى الوجود و ( أنواع الكلام ( تشترك فى مسمى الكلام وقد بسط هذا كله فى غير هذا الموضع

ثم أن ( طائفة اخرى ( لما عرفت فساد قول ابن كلاب فى مسألة الكلام ووافقته على أصله فى أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته وكان من قولها أن القرآن كلام الله غير مخلوق ولم يكن عندها الا قديم لا يتعلق بمشيئته الله وقدرته أو مخلوق منفصل عنه

لزمها أن تقول أن الله يتكلم بصوت أو اصوات قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته وقدرته وأنه لم يزل ولا يزال متصفا بتلك الاصوات القديمة الازلية اللازمة لذاته وهذا القول يذكر عن ( أبى الحسن بن سالم ( شيخ أبى طالب المكى ان صح عنه لكنه قول كثير من أصحاب ابن سالم ومن وافقهم من أصحاب مالك والشافعى وأحمد وغيرهم

وقالت الكرامية وطائفة كثيرة من المرجئة والشيعة وغيرهم أن الله يتكلم بأصوات تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته وأنه تقوم به الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته لكن ذلك حادث بعد أن لم يكن وان الله فى الازل لم يكن متكلما الا بمعنى القدرة على الكلام وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته وبمشيئته بعد ان لم يكن وهؤلاء رأوا أنهم يوافقون الجماعة فى ان لله أفعالا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته ويقوم به غير ذلك من ( الارادات ( و ( الكلام ( الذى يتعلق بمشيئته


525

وقدرته لكن قالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث فان ما تعاقبت عليه الحوادث فهو محدث ووافقوا المعتزلة فى الاستدلال بذلك على حدوث العالم فكما أن ابن كلاب فرق بين الاعراض والحوادث فرق هؤلاء فى الحوادث بين تجددها وبين لزومها فقالوا بنفى لزومها له دون نفى حدوثها كما قالوا فى المخلوقات المنفصلة انها تحدث بعد ان لم تكن بمشيئته وقدرته

والفلاسفة الدهرية يطالبون هؤلاء كلهم بسبب حدوث الحوادث بعد أن لم تكن وان ذلك يستلزم الترجيح بلا مرجح والحوادث بلا سبب حادث قالوا وهو ممتنع فى صريح العقل وهذا أعظم شبههم فى ( قدم العالم ( وهى ( المعضلة الزباء والداهية الدهيا ( وقد ضاق هؤلاء عن جوابهم حتى خرجوا الى الالتزام وقد بسطنا الكلام على ذلك فى غير هذا الموضع

وبينا ( الأجوبة القاطعة ( عن كلام الفلاسفة على طريقة السلف والائمة وأنه من قال بموجب نصوص القرآن والسنة أمكنه ان يناظر الفلاسفة مناظرة عقلية يقطعهم بها ويتبين له أن العقل الصريح مطابق للسمع الصحيح

وبينا أيضا كيف تجيبهم ( كل طائفة من طوائف أهل القبلة ( لأنهم أقرب الى الحق من الفلاسفة فيمكنهم أن يجيبوهم بالالزام جوابا لا محيص للفلاسفة عنه ويمكنهم أن يقولوا للفلاسفة قولكم أظهر فسادا فى الشرع والعقل من قول كل طائفة من طوائف المسلمين فتقول لهم كل طائفة من طوائف المسلمين


526

اذا لم يمكنا أن نجيبكم بجواب قاطع يحل شبهتكم غير الجواب الالزامى الا بموافقتكم فيما يخالف الشرع والعقل أو موافقة اخواننا المسلمين فيما لا يخالف الشرع ويمكن أيضا ان لا يخالف العقل كان هذا اولى فان الفلاسفة طمعت فى طوائف اهل القبلة بما ابتدعه كل فريق فاخذت بدعة اصحابها واحتجت بها عليهم فأمكن صاحب ذلك القول المبتدع أن يقول رجوعى عن هذا القول المبتدع مع موافقتى لما دل عليه الكتاب والسنة واقوال سلف الأمة أحب الى من أن أوافق الفلاسفة على قول أعلم أنه كفر فى الشرع مع أن العقل ايضا يبين فساده

( وأما السلف والأئمة ( فلم ينقل عن أحد منهم أنه قال بقول من قال ان القرآن مخلوق ولا بقول من قال أنه معنى واحد قائم بالذات هو الامر والنهى والخبر وهو مدلول التوراة والانجيل والقرآن وغير ذلك من العبارات ولا بقول من قال انه أصوات قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته وقدرته ولا بقول من قال ان الله كان لا يتكلم حتى أحدث لنفسه كلاما صار به متكلما

وأما القول بأن اصوات العباد بالقرآن أو الفاظهم قديمة ازلية فهذا أيضا من ( البدع المحدثة ( التى هى أظهر فسادا من غيرها والسلف والأئمة من ابعد الناس عن هذا القول والعقل الصريح يعلم أن من جعل أصوات العباد قديمة أزلية كان قوله معلوم الفساد بالضرورة


527

ولكن اصل هذا تنازعهم فى ( مسألة اللفظ ( والمنصوص عن الامام أحمد ونحوه من العلماء أن من قال أن اللفظ بالقرآن والتلاوة مخلوقة فهو جهمى ومن قال انه غير مخلوق فهو مبتدع لأن ( اللفظ والتلاوة ( يراد به الملفوظ المتلو وذلك هو كلام الله فمن جعل كلام الله الذى أنزله على نبيه مخلوقا فهو جهمى ويراد بذلك ( المصدر وصفات العباد ( فمن جعل ( أفعال العباد وأصواتهم غير مخلوقة ( فهو مبتدع ضال

وهكذا ذكره الاشعرى فى كتاب ( المقالات ( عن أهل السنة والحديث قال ويقولون ان القرآن كلام غير مخلوق والكلام فى الوقف واللفظ بدعة من قال باللفظ أو الوقف فهو مبتدع وعندهم لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق وليس فى الأئمة والسلف من قال ان الله لا يتكلم بصوت بل قد ثبت عن غير واحد من السلف والأئمة أن الله يتكلم بصوت وجاء ذلك فى آثار مشهورة عن السلف والأئمة وكان السلف والأئمة يذكرون الآثار التى فيها ذكر تكلم الله بالصوت ولا ينكرها منهم أحمد حتى قال عبدالله بن أحمد قلت لأبى أن قوما يقولون ان الله لا يتكلم بصوت فقال يا بنى هؤلاء جهمية انما يدورون على التعطيل ثم ذكر بعض الآثار المروية فى ذلك

وكلام ( البخارى ( فى ( كتاب خلق الأفعال ( صريح فى أن الله يتكلم بصوت وفرق بين صوت الله وأصوات العباد وذكر فى ذلك عدة أحاديث عن النبى ( ( وكذلك ترجم فى كتاب الصحيح ( باب فى قوله تعالى


528

( حتى اذا فزغ عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير ( وذكر ما دل على أن الله يتكلم بصوت وهو القدر

وكما أنه المعروف عند ( اهل السنة والحديث ( فهو قول جماهير فرق الأمة فان جماهير ( الطوائف ( يقولون ان الله يتكلم بصوت مع نزاعهم فى أن كلامه هل هو مخلوق أو قائم بنفسه قديم أو حادث أو ما زال يتكلم اذا شاء فان هذا قول المعتزلة والكرامية والشيعة وأكثر المرجئة والسالمية وغير هؤلاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية والصوفية

وليس من طوائف المسلمين من أنكر أن الله يتكلم بصوت الا ابن كلاب ومن اتبعه كما أنه ليس فى طوائف المسلمين من قال ان الكلام معنى واحد قائم بالمتكلم الا هو ومن اتبعه وليس فى طوائف المسلمين من قال ان أصوات العباد بالقرآن قديمة أزلية ولا أنه يسمع من العباد صوتا قديما ولا أن ( القرآن ( نسمعه نحن من الله الا طائفة قليلة من المنتسبين الى أهل الحديث من اصحاب الشافعى وأحمد وداود وغيرهم وليس فى المسلمين من يقول ان الحرف الذى هو مداد المصاحف قديم أزلى فاثبات ( الحرف والصوت ( بمعنى ان المداد واصوات العباد قديمة بدعة باطلة لم يذهب اليه احد من الأئمة وانكار تكلم الله بالصوت وجعل كلامه معنى واحدا قائما بالنفس بدعة باطلة لم يذهب اليها أحد من السلف والأئمة

والذى اتفق عليه ( السلف والأئمة ( أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق


529

منه بدأ واليه يعود وانما قال السلف ( منه بدا ( لأن الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون انه خلق الكلام فى المحل فقال السلف منه بدا أى هو المتكلم به فمنه بدأ لا من بعض المخلوقات كما قال تعالى ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ( وقال تعالى ( ولكن حق القول منى ( وقال تعالى ( ويرى الذين اوتوا العلم الذى انزل اليك من ربك هو الحق ( وقال تعالى ( قل نزله روح القدس من ربك بالحق ( ومعنى قولهم ( اليه يعود ( أنه يرفع من الصدور والمصاحف فلا يبقى فى الصدور منه آية ولا منه حرف كما جاء فى عدة آثار


530

( فصل ( ا

ذا تبين هذا فقول القائل لا يثبت لله صفة بحديث واحد عنه أجوبة ( احدها ( أن يقال لا يجوز النفى الا بدليل كما لا يجوز الاثبات الا بدليل فاذا كان هذا القائل ممن لا يتكلم فى هذا الباب الا بأدلة شرعية ويرد الاقوال المبتدعة قيل له قول القائل ان الله لا يتكلم بصوت ونحو ذلك كلام لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها وليس فيه حديث لا صحيح ولا ضعيف وأما الاثبات ففيه عدة أحاديث فى الصحاح والسنن والمساند وآثار كثيرة عن السلف والأئمة فأى القولين حينئذ هو الذى جاءت به السنة قول المثبت أو النافى وان كان ممن يتكلم بالأدلة العقلية فى هذا الباب تكلم معه فى ذلك وبين له أنها تدل على الاثبات لا على النفى وان قول النفاة معلوم الفساد بدلائل العقل كما اتفق على ذلك جمهور العقلاء

( الوجه الثانى (

أن يقال ( هذه الصفة ( دل عليها القرآن فان الله أخبر بمناداته لعباده فى غير ى ية كقوله تعالى ( وناديناه من جانب الطور الايمن ( وقوله ( ويوم


531

يناديهم فيقول أين شركائى الذين كنتم تزعمون ( وقوله ( وناداهما ربهما الم أنهكما عن تلكما الشجرة ( و ( النداء ( لى لغة العرب هو صوت رفيع لا يطلق النداء على ما ليس بصوت لا حقيقة ولا مجازا واذا كان النداء نوعا من الصوت فالدال على النوع دال على الجنس بالضرورة كما لو دل دليل على أن هنا انسانا فانه يعلم أن هنا حيوانا

وهذا كما أنه اذا أخبر أن له علما وقدرة دل على أن له صفة لأن العلم والقدرة نوع من الصفات واذا كان لفظ القرآن لم يذكر فيه ان العلم صفة ولا القدرة صفة وكذلك اذا أخبر فى القرآن أنه يخلق ويرزق ويحيى ويميت دل على أنه فاعل فان هذه أنواع تحت جنس الفعل وان كان ثبوت هذه الصفة بما قد دل عليه القرآن فى غير موضع كان ما جاء من الاحاديث موافقا لدلالة القرآن ولم تكن هذه الصفة ثابتة بمجرد هذا الخبر

الوجه الثالث (

أن ما أخبر الله به فى كتابه من تكليم موسى وسمع موسى لكلام الله يدل على أنه كلمه بصوت فانه لا يسمع الا الصوت وذلك ان الله قال فى كتابه عن موسى ( فاستمع لما يوحى ( وقال فى كتابه ( انا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده وأوحينا الى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والاسباط وعيسى وايوب ويونس وهرون وسليمان وآتينا داود زبورا


532

ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما (

ففرق بين ايحائه الى سائر النبيين وبين تكليمه لموسى كما فرق ايضا بين النوعين فى قوله ( وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب ( ففرق بين الايحاء والتكليم من وراء حجاب فلو كان تكليمه لموسى الهاما ألهمه موسى من غير أن يسمع صوتا لم يكن فرق بين الايحاء الى غيره والتكليم له فلما فرق القرآن بين هذا وهذا وعلم باجماع الامة ما استفاضت به السنن عن النبى ( ( من تخصيص موسى بتكليم الله اياه دل ذلك على أن الذى حصل له ليس من جنس الالهامات وما يدرك بالقلوب انما هو كلام مسموع بالآذان ولا يسمع بها الا ما هو صوت

( الوجه الرابع (

أن مفسرى القرآن واهل السنن والآثار واتباعهم من السلف كلهم متفقون على أن الله كلم موسى بصوت كما فى الآثار المعروفة عنهم فى الكتب المأثورة عن السلف مثل ما ذكره ابن جرير وأمثاله فى تفسير قوله ( حتى اذا فزع عن قلوبهم ( وتفسير كلام الله لموسى وغير ذلك وكما ذكره عبدالله بن أحمد والخلال والطبرانى وأبو الشيخ وغيرهم فى ( كتب السنة ( وكما ذكره الامام أحمد وغيره فى ( كتب الزهد وقصص الأنبياء (


533

( الوجه الخامس (

أن يقال الأدلة الدالة على أن الله يتكلم من الشرع والعقل دلت على أنه يتكلم بالصوت فان الناس لهم فى مسمى ( الكلام ( اربعة اقوال

قيل أنه اسم للفظ الدال على المعنى وقيل للمعنى المدلول عليه باللفظ وقيل اسم لكل منهما بطريق الاشتراك وقيل اسم لهما بطريق العموم وهذا مذهب السلف والفقهاء والجمهور فاذا قيل تكلم فلان كان المفهوم منه عند الاطلاق اللفظ والمعنى جميعا كما قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ( ان الله تجاوز لأمتى عما حدثت بها انفسها ما لم تتكلم أو تعمل به ( وقال ( كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان الى الرحمان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ( وقال ( اصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد

ألا كل شىء ما خلا الله باطل

ونظائر هذا كثيرة

( فالكلام ( اذا أطلق يتناول اللفظ والمعنى جميعا واذا سمى المعنى وحده كلاما أو اللفظ وحده كلاما فانما ذاك مع قيد يدل على ذلك كما قد بسط فى غير هذا الموضع وان الكلام عند الاطلاق هو اللفظ والمعنى جميعا والقرآن والحديث مملوء من آيات الكلام لله تعالى فكان المفهوم من ذلك هو اثبات اللفظ والمعنى لله


534

( الوجه السادس (

ان القرآن كلام الله باتفاق المسلمين فان كان كلامه هو المعنى فقط والنظم العربى الذي يدل على المعانى ليس كلام الله كان مخلوقا خلقه الله فى غيره فيكون كلاما لذلك الغير لأن الكلام اذا خلق فى محل كان كلاما كلاما لذلك الغير كما تقدم فيكون الكلام العربى ليس كلام الله بل كلام غيره ومن المعلوم بالاضطرار من دين المسلمين أن الكلام العربى الذى بلغه محمد ( ( عن الله أعلم أمته أنه كلام الله لا كلام غيره فان كان النظم العربى مخلوقا لم يكن كلام الله فيكون ما تلقته الامة عن نبيها باطلا

وهذا من أعظم حجج السنية على الجهمية من ان القرآن غير مخلوق فانهم قالوا لو خلقه فى غيره لكان صفة لذلك الغير كسائر الصفات المخلوقة اذا خلقها الله فى محل كانت صفة لذلك المحل وهذا بعينه يدل على أن القرآن العربى كلام الله لا كلام غيره اذ لو كان مخلوقا فى محل لكان الكلام العربى كلاما لذلك المحل الذى خلق فيه وقد علم بالاضطرار من دين الاسلام أن الكلام العربى كلام الله لا كلام غيره

وهذا يبطل قول من قال من المتأخرين ان الكلام يقال بالاشتراك على اللفظ والمعنى فانه يقال لهم اذا كان كل منهما يسمى كلاما حقيقة امتنع ان يكون واحد منهما مخلوقا اذ لو كان مخلوقا لكان كلاما للمحل الذى خلق فيه


535

ولهذا لم يكن قدماء الكلابية يقولون ان ( لفظ الكلام ( مشترك بين اللفظ والمعنى لأن ذلك يبطل حجتهم على المعتزلة ويوجب عليهم القول بأن كلام الله مخلوق لكن كانوا يقولون ان اطلاق الكلام على اللفظ بطريق المجاز وعلى المعنى بطريق الحقيقة فعلم متأخروهم ان هذا فاسد بالضرورة وان ( اسم الكلام ( يتناول اللفظ حقيقة فجعلوه مشتركا فلزمهم ان يكون كلام الله مخلوقا فهم بين مخدورين إما القول بأن كلام الله مخلوق واما القول بأن القرآن العربى ليس كلام الله وكلا الأمرين معلوم الفساد وليس الكلام فى نفس أصوات العباد وحركاتهم بل الكلام في نفس ( القرآن ( العربى المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم

ويظهر ذلك بأن نقدر الكلام فى ( القرآن ( قبل أن ينزل إلية ويبلغه الى الخلق فان قيل إنه كله كلام الله تكلم به وبلغه عنه جبريل الى محمد كما هو المعلوم من دين المرسلين كان هذا صريحا بأنه لا فرق بين الحروف والمعانى وان هذا من كلام الله كما ان هذا من كلام الله وإن قيل انه خلق فى غيره حروفا منظمة دلت على معنى قائم بذاته فقد صرح بأن تلك الحروف المؤلفة ليست كلامه وأنه لم يتكلم بها بحال وإذا قيل ان تلك تسمى كلاما حقيقة وقد خلقت فى غيره لزم ان تكون كلاما لذلك الغير فلا يكون كلام الله وهو خلاف المعلوم من دين الاسلام وان قيل لايسمى كلاما حقيقة كان خلاف المعلوم من اللغة والشريعة ضرورة

ونحن لا نمنع ان المعنى وحده قد يسمى كلاما كما قد يسمى اللفظ وحده


536

كلاما لكن الكلام فى القرآن الذى هو ( لفظ ومعنى ( هل جميعه كلام الله أم لفظه كلام الله دون معناه أم معناه كلام الله دون لفظه ومن المعلوم بالاضطرار من دين الاسلام أن الجميع كلام الله وقد قال تعالى ( واذا بدلنا آية مكان آية والله اعلم بما ينزل قالوا انما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون قل نزله روح القدس من ربك بالحق الى قوله ولقد نعلم أنهم يقولون انما يعلمه بشر لسان الذى يلحدون اليه أعجمى وهذا لسان عربى مبين ( كان بعض المشركين يقولون أن محمدا انما يتعلم القرآن من عبد لبني الحضرمى فقال الله تعالى لسان الذى يضيفون اليه القرآن لسان أعجمى وهذا لسان عربى مبين

وهذا يبين أن محمدا بلغ القرآن لفظه ومعناه لم ينزل عليه معان مجردة اذ لو كان كذلك لأمكن أن يقال تلقى من هذا الأعجمى معان صاغها بلسانه فلما ذكر قوله ( لسان الذى يلحدون اليه اعجمى وهذا لسان عربى مبين ( بعد قوله ( قل نزله روح القدس من ربك بالحق ( دل ذلك على أن روح القدس نزل بهذا اللسان العربى المبين

( الوجه السابع (

أن كلام الله وسائر الكلام يسمع من المتكلم كما سمع موسى كلام الله من الله وسمع الصحابة كلام النبى ( ( منه وتارة يسمع من المبلغ عنه كما سمع المسلمون القرآن من النبى ( ( والمبلغين عنه


537

ومنه قوله تعالى ( وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ( وكما يسمع كلام النبى ( ( من الصحابة ثم من المعلوم أن المحدث اذا حدث بقوله ( انما الاعمال بالنيات وانما لكل امرىء ما نوى ( كان الكلام كلام رسول الله ( ( لفظه ومعناه تكلم به بصوته والمحدث بلغه بحركاته وأصواته ثم من المعلوم أن المبلغ عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( وأمثاله من الناطقين تكلم به بحروفه ومعانيه مع امكان الرواية عنه بالمعنى وامكان قيام الفاظ مكان ألفاظ كما حكى الله فى القرآن أقوال امم تكلمت بغير الكلام العربى ولو قدر أن المبلغ عنه لم يتكلم الا بمعنى الكلام وعبر عنه لكان كالأخرس الذى تقوم بذاته المعانى من غير تعبير عنها حتى يعبر عنها غيره بعبارة لذلك الغير ومن المعلوم أن ( الكلام ( صفة كمال تنافى الخرس فاذا كان من قال ان الله لا يقوم به كلام فقد شبهه بالجامدات ووصفه بالنقص وسلبه الكمال فمن قال أيضا أنه يعبر عما فى نفسه من المعانى الا بعبارة تقوم بغيره فقد شبهه بالاخرس الذى لا يعبر عن نفسه الا بعبارة تقوم بغيره وهذا قول يسلبه صفة الكمال ويجعل غيره من مخلوقاته أكمل منه

وقد قرر فى غير هذا الموضع أن كل كمال يثبت لمخلوق فالخالق أولى به وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أولى بالتنزه عنه وكان هذا من الادلة الدالة على اثبات صفات الكمال له كالحياة والعلم والقدرة فان هذه صفات كمال


538

تثبت لخلقه فهو أولى وأحق باتصافه بصفات الكمال ولو لم يتصف بصفات الكمال لكانت مخلوقاته أكمل منه وهذا بعينه قد احتجوا به فى ( مسألة الكلام ( وهو مطرد فى تكلمه بعبارة القرآن ومعناه جميعا

وقد استدلوا ايضا بأنه لو لم يتصف بصفات الكمال لاتصف بنقائضها وهى صفات نقص والله منزه عن ذلك فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت ولو لم يوصف بالعلم لوصف بالجهل ولو لم يوصف بالكلام لوصف بالخرس ولو لم يوصف بالبصر والسمع لوصف بالعمى والصمم

وللملاحدة هنا ( سؤال مشهور ( وهو أن هذه المتقابلات ليست متقابلة تقابل السلب والايجاب حتى يلزم من نفى أحدهما ثبوت الآخر بل هى متقابلة تقابل ( العدم والملكة ( وهو سلب الشىء عما شأنه أن يكون قابلا له كعدم العمى عن الحيوان القابل له فأما الجماد فانه لا يوصف عندهم بالعمى ولا البصر لعدم قبوله لواحد من هذين وقد أعيا هذا السؤال كثيرا من المتأخرين حتى ابى الحسن الآمدى وأمثاله من اهل الكلام وظنوا أنه لا جواب عنه وقد بسط الكلام فى أجوبته فى غير هذا الموضع

وذكر من جملة ( الأجوبة ( عن هذا أن يقال هذا ابلغ فى النقص فان ما كان قابلا للاتصاف بالبصر والعمى والعلم والجهل والكلام والخرس فهو أكمل مما لا يقبل واحدا منهما اذ الحيوان أكمل من الجماد فاذا كان الاتصاف بصفات النقص عيبا مع امكان الاتصاف بصفات الكمال فعدم


539

امكان الاتصاف بصفات الكمال وعدم قبول ذلك أعظم آفة وعيبا ونقصا فسبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا

الوجه الثامن (

أن يقال ( كلام الله ( اما أن يكون مخلوقا منفصلا عنه ولم يقم بذاته كلام كما يقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم واما ان يكون كلامه قائما به والاول باطل باتفاق سلف الامة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة وأدلة بطلانه من الشرع والعقل كثيرة كما قد بسط فى موضعه

وان كان كلامه قائما به فلا يخلو اما أن يقال لم يقم به الا المعنى كما يقوله ابن كلاب وأتباعه واما ان يقوم به المعنى والحروف والأول باطل

أما ( أولا ( فلأن ( المعنى الواحد ( يمتنع أن يكون هو الامر والنهى والخبر وأن يكون هو مدلول التوراة والانجيل والقرآن

وأما ( ثانيا ( فلأن المعنى المجرد لا يسمع وقد ثبت بالنص والاجماع أن كلام الله مسموع منه كما سمعه موسى بن عمران ولهذا كان محققوا من يقول بأن الكلام هو مجرد المعنى يقول أنه لا يسمع ولكن ( طائفة منهم ( زعمت انه يسمع بناء على قولهم أن السمع يتعلق بكل موجود والرؤية بكل موجود والشم والذوق واللمس بكل موجود وجمهور العقلاء يقولون ان فساد هذا معلوم بالضرورة من العقل وهذا من أعظم ما أنكره الجمهور على أبى الحسن الاشعرى ومن وافقه من أصحاب أحمد وغيرهم


540

وأما ( ثالثا ( فلو لم يكن الكلام الا معنى لم يكن فرق بين تكليم الله لموسى وايحائه الى غيره لا بين التكليم من وراء حجاب والتكليم ايحاء فان ايصال معرفة المعنى المجرد الى القلوب يشترك فيه جميع الانبياء ولهذا قال من بنى على هذا الاصل الفاسد ان الواحد من أهل الرياضة قد يسمع كلام الله كما سمعه موسى بن عمران كما ذكر ذلك فى الاحياء ونحوه وصار الواحد من هؤلاء يظن أن ما يحصل له من الالهامات هى مثل تكليم الله لموسى بن عمران

ودخلت ( الفلاسفة ( من هذا الباب فزعموا أن تكليم الله لموسى انما هو فيض فاض على نفسه من العقل الفعال وان ( كلام الله ( ليس الا ما يحصل فى النفوس من المخاطبات كما أن ( الملائكة ( ما يحصل فى القلوب من الصور الخيالية ومثل هذا قد يحصل فى اليقظة والمنام فجعلوا تكليم الله لموسى ابن عمران من جنس من يرى ربه فى المنام وهو يكلمه ونحو ذلك وهو لازم لقول من جعل كلام الله معنى مجردا واذا كان اللزوم معلوم الفساد بالاضطرار من دين الاسلام علم فساد اللازم

وأما ( رابعا ( فلو لم يكن الكلام الا مجرد المعانى لكان المخلوق اكمل من الخالق فانا كما نعلم أن الحى أكمل من الميت وان العالم أكمل من الجاهل والقادر أكمل من العاجز والناطق أكمل من الأخرس فنحن نعلم أن الناطق بالمعانى والحروف أكمل ممن لا يكون ناطقا الا بالمعانى دون الحروف واذا كان


541

الرب يمتنع أن يوصف بصفات النقص ويجب اتصافه بصفات الكمال ويمتنع أن يكون للمخلوق من صفات الكمال ما لا يكون للخالق امتنع ان يكون موصوفا بالكلام الناقص وأن يكون المخلوق أكمل منه فى اتصافه بالكلام التام ولهذا كان موسى بن عمران مفضلا على غيره بتكليم الله اياه كلمه كلاما سمعه موسى من الله فكان تكليمه له بصوته أفضل ممن أوحى الى قلبه معانى مجردة لم يسمعها باذنه

واما ( خامسا ( فلو لم يكن الكلام الا معنى مجردا لكان نصف القرآن كلام الله ونصفه ليس كلام الله فالمعنى كلام الله والالفاظ ليست كلام الله وهذا خلاف المعلوم من دين المسلمين ولهذا يفرقون بين القرآن الذى هو كلام الله وبين ما أوحاه الى نبيه من المعانى المجردة ويعلمون أن جبريل نزل عليه بالقرآن كله ليس لجبريل ولا لمحمد منه الا التبليغ والاداء فهذا رسوله من الملائكة وهذا رسوله من البشر

ولهذا اضافه الله الى هذا تارة والى هذا تارة بلفظ الرسول كما قال انه لقول رسول كريم وما ( انه لقول رسول كريم ذى قوة عند ذى العرش مكين مطاع ثم امين ( فهذا جبريل وقد ظن بعض الغالطين أن اضافته الى الرسول تقتضى أنه أنشأ حروفه وهذا خطأ لأنه لو كان جبريل أو محمد هو الذى أنشأ لفظه ونظمه امتنع أن


542

يكون الآخر الذى انشأ ذلك فلما اضافه الى هذا تارة والى هذا تارة علم أنه أضافه اليه لأنه بلغه وأداه لا لأنه انشأه وابتداه لا لفظه ولا معناه ولهذا قال ( لقول رسول كريم ( ولم يقل لقول ملك ولا نبى فذكر ذلك بلفظ الرسول ليبين أنه يبلغ عن غيره كما قال تعالى ( يا ايها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك ( وفى السنن أن النبى ( ( كان يعرض نفسه على الناس فى الموسم ويقول ( الا رجل يحملنى الى قومه لأبلغ

كلام ربى فان قريشا قد منعونى ان أبلغ كلام ربى (

وأيضا فان قوله ( أنه لقول رسول كريم ( عائد الى القرآن فتناوله للفظ كتناوله للمعنى و ( القرآن ( اسم لهما جميعا ولهذا اذا فسره المفسر وترجمه المترجم لم يقل لتفسيره وترجمته أنه ( قرآن ( بل اتفق المسلمون على جواز مس المحدث لكتب التفسير واتفقوا على أنه لا تجوز الصلاة بتفسيره وكذلك ترجمته بغير العربية عند عامة أهل العلم والقول المروى عن أبى حنيفة قيل أنه رجع عنه وقيل أنه مشروط بتسمية الترجمة قرآنا وبكل حال فتجويز اقامة الترجمة مقامه فى بعض الأحكام لا يقتضى تناول اسمه لها كما أن ( القيمة ( اذا اخرجت من الزكاة عن الابل والبقر والغنم لم تسم ابلا ولا بقرا ولا غنما بل تسمى باسمها كائنة ما كانت

وكذلك ( لفظ التكبير فى الصلاة ( اذا عدل عنه الى لفظ التسبيح ونحوه وقيل ان الصلاة تنعقد بذلك كما يقول أبو حنيفة لم يقل أن ذلك لفظ تكبير


543

فكذلك اذا قدر أنا ترجمنا القرآن ترجمة جائزة لم يقل أن الترجمة ( قرآن ( ولم نسمها ( قرآنا ( فلو كان القرآن انما كان كلام الله لأجل المعنى فقط ولفظه ونظمه ليس كلام الله بل سمى بذلك لدلالته على كلام الله كان ما شارك هذا اللفظ والنظم من الدلالة مشاركا له فى الاسم والحكم فكان يجب تسميته ( قرآنا ( واثبات أحكام القرآن له والكلام على هذا مبسوط فى موضع آخر

( الوجه التاسع (

أن هذا القرآن الذى يقرأه المسلمون هو كلام الله الذى انزله على نبيه كما ثبت ذلك بالنص واجماع المسلمين وقد كفر الله من قال أنه قول البشر ووعده أنه سيصليه سقر فى قوله ( ذرنى ومن خلقت وحيدا الى قوله أنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم ادبر واستكبر فقال ان هذا الا سحر يؤثر ان هذا الا قول البشر ( ولا ريب أنه لم يرد بقوله ( ان هذا الا قول البشر ( كما أراده الله بقوله ( انه لقول رسول كريم ( فانه لو أراد ان البشر بلغوه عن غيرهم كما يتعلمه الناس الناس بعضهم من بعض لم يكن هذا باطلا وانما أراد ان البشر أحدثوه وانشؤوه عنه

فمن جعل ( لفظه ونظمه ( من احداث محمد فقد جعل نصفه قول البشر ومن جعله من احداث جبريل فقد جعل نصفه قول الملائكة ومن جعله


544

مخلوقا فى الهواء أو غيره جعله كلاما لذلك الهواء وكفر من قال انه قول الملك أو قول الهواء او الشجر بل كفر من قال أنه قول البشر فدل ذلك على أنه ليس شىء من القرآن لا ( لفظه ولا معناه ( من قول أحد من المخلوقين ولا من كلامه بل هو كلام الله تعالى وايضا فالاشارة فى قوله ( ان هذا الا قول البشر ( لا تعود الى المعنى دون اللفظ بل اليهما

( الوجه العاشر (

وهو أن الله أخبر أن القرآن منزل من الله كما قال ( والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ( وقال ( قل نزله روح القدس من ربك بالحق ( وقال ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ( الضمير يتناول اللفظ والمعنى جميعا لا سيما ما فى قوله ( تنزيل الكتاب ( فان الكتاب عند من يقول ( ان كلام الله هو المعنى دون الحروف ( اسم للنظم العربى والكلام عنده اسم للمعنى والقرآن مشترك بينهما فلفظ الكتاب يتناول اللفظ العربى باتفاق الناس

فاذا أخبر أن ( تنزيل الكتاب من الله ( علم أن النظم العربى منزل من الله وذلك يدل على ما قال السلف أنه منه بدأ أى هو الذى تكلم به وهذا ( جواب مختصر ( عن سؤال السائل بحسب ما احتملته هذه الورقة اذ الكلام على ذلك مبسوط فى مواضع اخر والله أعلم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا وحسبنا الله ونعم الوكيل


545

سئل شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام العالم الربانى والعابد النورانى ( ابن تيمية ( الحرانى أيده الله تعالى

ما تقول فى ( العرش ( هل هو كرى أم لا واذا كان كريا والله من ورائه محيط به بائن عنه فما فائدة أن العبد يتوجه الى الله تعالى حين دعائه وعبادته فيقصد العلو دون غيره ولا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التى تحيط بالداعى ومع هذا نجد فى قلوبنا قصدا يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فأخبرنا عن هذه الضرورة التى نجدها فى قلوبنا وقد فطرنا عليها

وأبسط لنا الجواب فى ذلك بسطا شافيا يزيل الشبهة ويحقق الحق ان شاء الله أدام الله النفع بكم وبعلومكم آمين

فأجاب رحمه الله تعالى بما في النص

الحمد لله رب العالمين الجواب عن هذا السؤال بثلاث مقامات

(


546

( أحدها (

أنه لقائل أن يقول لم يثبت بدليل يعتمد عليه أن ( العرش ( فلك من الأفلاك المستديرة الكرية الشكل لا بدليل شرعى ولا بدليل عقلى

وإنما ذكر هذا طائفة من المتأخرين الذين نظروا فى ( علم الهيئة ( وغيرها من أجزاء الفلسفة فرأوا ان الافلاك تسعة وان التاسع وهو الاطلس محيط بها مستدير كاستدارتها وهو الذى يحركها الحركة المشرقية وان كان لكل فلك حركة تخصه غير هذه الحركة العامة ثم سمعوا فى أخبار الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم ذكر ( عرش الله ( وذكر ( كرسيه ( وذكر ( السموات السبع ( فقالوا بطريق الظن أن ( العرش ( هو الفلك التاسع لاعتقادهم أنه ليس وراء التاسع شىء اما مطلقا وإما أنه ليس وراءه مخلوق

ثم ان منهم من رأى أن ( التاسع ( هو الذى يحرك الافلاك كلها فجعلوه مبدأ الحوادث وزعموا أن الله يحدث فيه ما يقدره فى الارض أو يحدثه فى ( النفس ( التى زعموا أنها متعلقة به أو فى ( العقل ( الذى زعموا أنه الذى صدر عنه هذا الفلك وربما سماه بعضهم الروح وربما جعل بعضهم ( النفس ( هى الروح وربما جعل بعضهم ( النفس ( هى اللوح المحفوظ كما جعل ( العقل ( هو القلم

وتارة يجعلون ( الروح ( هو العقل الفعال العاشر الذى لفلك القمر


547

و ( النفس ( المتعلقة به وربما جعلوا ذلك بالنسبة الى الحق سبحانه كالدماغ بالنسبة الى الانسان يقدر فيه ما يفعله قبل أن يكون الى غير ذلك من المقالات التى قد شرحناها وبينا فسادها فى غير هذا الموضع

ومنهم من يدعى أنه علم ذلك بطريق الكشف والمشاهدة ويكون كاذبا فيما يدعيه وانما أخذ ذلك عن هؤلاء المتفلسفة تقليدا لهم أو موافقة لهم على طريقتهم الفاسدة كما فعل أصحاب ( رسائل اخوان الصفا ( وامثالهم

وقد يتمثل فى نفسه ما تقلده عن غيره فيظنه كشفا كما يتخيل النصرانى ( التثليث ( الذى يعتقده وقد يرى ذلك فى منامه فيظنه كشفا وانما هو تخيل لما اعتقده وكثير من ارباب الاعتقادات الفاسدة اذا ارتاضوا صقلت الرياضة نفوسهم فتتمثل لهم اعتقاداتهم فيظنونها كشفا وقد بسطنا الكلام على هذا فى غير هذا الموضع

و ( المقصود هنا ( أن ما ذكروه من أن ( العرش ( هو الفلك التاسع قد يقال أنه ليس لهم عليه دليل لا عقلى ولا شرعى

أما ( العقلى ( فان أئمة الفلاسفة مصرحون بأنه لم يقم عندهم دليل على أنه ليس وراء الفلك التاسع شىء آخر بل ولا قام عندهم دليل على أن الافلاك هى تسعة فقط بل يجوز أن تكون اكثر من ذلك

ولكن دلتهم الحركات المختلفة والكسوفات ونحو ذلك على ما ذكروه وما لم يكن لهم دليل على ثبوته فهم لا يعلمون لا ثبوته ولا انتفاءه


548

( مثال ذلك ( أنهم علموا ان هذا الكوكب تحت هذا بأن السفلى يكسف العلوى من غير عكس فاستدلوا بذلك على أنه فى فلك فوقه كما استدلوا بالحكرات المختلفة على أن الافلاك مختلفة حتى جعلوا فى الفلك الواحد عدة افلاك كفلك التدوير وغيره

فأما ما كان موجودا فوق هذا ولم يكن لهم ما يستدلون به على ثبوته فهم لا يعلمون نفيه ولا اثباته بطريقهم

وكذلك قول القائل ان حركة ( التاسع ( مبدأ الحوادث خطأ وضلال على أصولهم فانهم يقولون أن ( الثامن ( له حركة تخصه بما فيه من الثوابت ولتلك الحركة قطبان غير قطبى ( التاسع ( وكذلك ( السابع ( و ( السادس (

واذا كان لكل فلك حركة تخصه والحركات المختلفة هى سبب الاشكال الحادثة المختلفة الفلكية وتلك الاشكال سبب الحوادث السفلية كانت حركة التاسع جزء السبب كحركة غيره

فالاشكال الحادثة فى الفلك لمقارنة الكوكب الكوكب فى درجة واحدة ومقابلته له اذا كان بينهما ( نصف الفلك ( وهو مائة وثمانون درجة وتثليثه له اذا كان بينهما ( ثلث الفلك ( وهو مائة وعشرون درجة وتربيعة له اذا كان بينهما ( ربعه ( تسعون درجة وتسديسه له اذا كان بينهما ( سدس الفلك ( ستون درجة وامثال ذلك من الاشكال انما حدثت بحركات مختلفة وكل حركة ليس عين الاخرى اذ حركة ( الثامن ( التى تخصه ليست عين


549

حركة التاسع وان كان تابعا له فى الحركة الكلية كالانسان المتحرك فى السفينة الى خلاف حركتها

وكذلك حركة ( السابع ( التى تخصه ليست عن التاسع ولا عن الثامن وكذلك سائر الافلاك فان حركة كل واحد التى تخصه عما فوقه من الافلاك فكيف يجوز أن يجعل مبدأ الحوادث كلها مجرد حركة التاسع

كما زعمه من ظن أن العرش كثيف والفلك التاسع عندهم بسيط متشابه الاجزاء لا اختلاف فيه أصلا فكيف يكون سببا لامور مختلفة لا باعتبار القوابل واسباب أخر ولكن هم قوم ضالون يجعلونه مع هذا ثلاثمائة وستين درجة ويجعلون لكل درجة من الاثر ما يخالف الاخرى لا باختلاف القوابل كمن يجىء الى ماء واحد فيجعل لبعض جزئيه من الاثر ما يخالف الاخر لا بحسب القوابل بل يجعل أحد أجزائه مسخنا والاخر مبردا والآخر مسعدا والاخر مشقيا وهذا مما يعلمون هم وكل عاقل أنه باطل وضلال

واذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفى وجود شىء آخر فوق الافلاك التسعة كان الجزم بأن ما أخبرت به الرسل هو أن العرش هو الفلك التاسع رجما بالغيب وقولا بلا علم

هذا كله بتقدير ثبوت الافلاك التسعة على المشهور عند أهل الهيئة اذ فى ذلك من النزاع والاضطراب وفى أدلة ذلك ما ليس هذا موضعه وانما نتكلم على


550

هذا التقدير وايضا فالافلاك فى اشكالها واحاطة بعضها ببعض من جنس واحد فنسبة السابع الى السادس كنسبة السادس الى الخامس واذا كان هناك فلك تاسع فنسبته الى الثامن كنسبة الثامن الى السابع

وأما ( العرش ( فالإخبار تدل على مباينته لغيره من المخلوقات وأنه ليس نسبته الى بعضها كنسبة بعضها الى بعض قال الله تعالى ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ( الآية وقال سبحانه ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ( فأخبر أن للعرش حملة اليوم ويوم القيامة وان حملته ومن حوله يسبحون ويستغفرون للمؤمنين

ومعلوم أن قيام فلك من الافلاك بقدرة الله تعالى كقيام سائر الافلاك لا فرق فى ذلك بين فلك وفلك وان قدر ان لبعضها ملائكة فى نفس الأمر تحملها فحكمه حكم نظيره قال تعالى ( وترى الملائكة حافين من حول العرش ( الآية

فذكر هنا أن الملائكة تحف من حول العرش وذكر فى موضع آخر ان له حملة وجمع فى موضع ثالث بين حملته ومن حوله فقال ( الذين يحملون العرش ومن حوله (

و أيضا ( فقد أخبر أن عرشه كان على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض كما قال تعالى ( وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام وكان عرشه على الماء (


551

وقد ثبت فى صحيح البخارى وغيره عن عمران بن حصين عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( كان الله ولم يكن شىء غيره وكان عرشه على الماء وكتب فى الذكر كل شىء وخلق السموات والأرض ( وفى رواية له ( كان الله ولم يكن شىء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض وكتب فى الذكر كل شىء ( وفى رواية لغيره صحيحة ( كان الله ولم يكن شىء معه وكان عرشه على الماء ثم كتب فى الذكر كل شىء ( وثبت فى صحيح مسلم عن عبدالله بن عمرو عن النبى ( صلى الله عليه وسلم ( أنه قال ( ان الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء ( وهذا التقدير بعد وجود العرش وقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة

وهو سبحانه وتعالى متمدح بأنه ذو العرش كقوله سبحانه ( قل لو كان معه آلهة كما يقولون اذا لابتغوا الى ذى العرش سبيلا ( وقوله تعالى ( رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شىء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ( وقال تعالى ( وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد ( وقد قرىء ( المجيد ( بالرفع صفة لله وقرىء بالخفض صفة للعرش

وقال تعالى ( قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون ( فوصف العرش بأنه مجيد وأنه عظيم وقال


552

تعالى ( فتعالى الله الملك الحق لا اله الا هو رب العرش الكريم ( فوصفه بأنه كريم أيضا

وكذلك فى الصحيحين عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ( ( كان يقول عند الكرب ( لا اله الا الله العظيم الحليم لا اله الا الله رب العرش العظيم لا اله الا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم ( فوصفه فى الحديث بأنه عظيم وكريم أيضا

فقول القائل المنازع ( إن نسبة الفلك الأعلى الى ما دونه كنسبة الآخر الى ما دونه ( لو كان العرش من جنس الأفلاك لكانت نسبته الى ما دونه كنسبة الآخر الى ما دونه وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر كما لم يوجب ذلك تخصيص سماء دون سماء وان كانت العليا بالنسبة الى السفلى كالفلك على قول هؤلاء وانما امتاز عما دونه بكونه أكبر كما تمتاز السماء العليا عن الدنيا بل نسبة السماء الى الهواء ونسبة الهواء الى الماء والأرض كنسبة فلك الى فلك ومع هذا فلم يخص واحدا من هذه الأجناس عما يليه بالذكر ولا بوصفه بالكرم والمجد والعظمة

وقد علم أنه ليس سببا لذواتها ولا لحركاتها بل لها حركات تخصها فلا يجوز أن يقال حركته هى سبب الحوادث بل ان كانت حركة الأفلاك سببا للحوادث فحركات غيره التى تخصه أكثر ولا يلزم من كونه محيطا بها أن يكون أعظم من مجموعها الا اذا كان له من الغلظ ما يقاوم ذلك والا فمن المعلوم أن


553

الغليظ اذ كان متقاربا فمجموع الداخل أعظم من المحيط بل قد يكون بقدره اضعافا بل الحركات المختلفة التى ليست عن حركته أكثر لكن حركته تشملها كلها

وقد ثبت فى صحيح مسلم عن جويرية بنت الحارث أن النبى ( ( دخل عليها وكانت تسبح بالحصى من صلاة الصبح الى وقت الضحى فقال ( لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلتيه لوزنتهن سبحان الله عدد خلقه سبحان الله زنة عرشه سبحان الله رضى نفسه سبحان الله مداد كلماته ( فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان وهم يقولون ان الفلك التاسع لا خفيف ولا ثقيل بل يدل على أنه وحده أثقل ما يمثل به كما أن عدد المخلوقات أكثر ما يمثل به

وفى الصحيحين عن أبى سعيد قال جاء رجل من اليهود الى النبى ( ( قد لطم وجهه فقال يا محمد رجل من أصحابك لطم وجهى فقال النبى ( 2 ( ادعوه ( فدعوه فقال ( لم لطمت وجهه ( فقال يا رسول الله انى مررت بالسوق وهو يقول والذى اصطفى موسى على البشر فقلت يا خبيث وعلى محمد فأخذتنى غضبة فلطمته فقال النبى ( ( لا تخيروا بين الأنبياء فان الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فاذا أنا بموسى آخذا بقائمة من قوائم العرش فلا أدرى أفاق قبلى أم جوزى بصعقته ( فهذا فيه بيان أن للعرش قوائم وجاء ذكر القائمة بلفظ الساق والأقوال متشابهة فى هذا الباب


554

وقد أخرجا فى الصحيحين عن جابر قال سمعت النبى ( ( يقول ( اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ( قال فقال رجل لجابر ان البراء يقول اهتز السرير قال انه كان بين هذين الحيين الأوس والخزرج ضغائن سمعت نبى الله ( ( يقول ( اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ( ورواه مسلم فى صحيحه من حديث أنس أن النبى ( ( قال وجنازة سعد موضوعة ( اهتز لها عرش الرحمن (

وعندهم أن حركة الفلك التاسع دائمة متشابهة ومن تأول ذلك على ان المراد به استبشار حملة العرش وفرحهم فلابد له من دليل على ما قال كما ذكره أبو الحسن الطبرى وغيره مع أن سياق الحديث ولفظه ينفى هذا الإحتمال

وفى صحيح البخارى عن أبى هريرة قال قال رسول الله ( ( من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة هاجر فى سبيل الله أو جلس فى أرضه التى ولد فيها ( قالوا يا رسول الله أفلا نبشر الناس بذلك قال ( ان فى الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين فى سبيله كل درجتين بينهما كما بين السماء والأرض فاذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فانه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة (

وفى صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله ( (


555

قال ( يا أبا سعيد من رضى بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد نبيا وجبت له الجنة ( فعجب لها أبو سعيد فقال أعدها على يا رسول الله ففعل قال ( وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والارض ( قال وما هى يا رسول الله قال ( الجهاد فى سبيل الله (

وفى صحيح البخارى ( ان أم الربيع بنت البراء وهى ام حارثة بن سراقه وكان قتل يوم بدر أصابه سهم غرب فان كان فى الجنة صبرت وان كان فى غير ذلك اجتهدت عليه فى البكاء قال ( يا أم حارثة انها جنان فى الجنة وان ابنك اصاب الفردس الأعلى

فهذا قد بين فى ( الحديث الأول ( أن العرش فوق الفردوس الذى هو أوسط الجنة واعلاها وان فى الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها و ( الحديث الثانى ( يوافقه فى وصف الدرج المائة و ( الحديث الثالث ( يوافقه فى أن الفردوس أعلاها واذا كان العرش فوق الفردوس فلقائل أن يقول اذا كان كذلك كان فى هذا من العلو والارتفاع ما لا يعلم بالهيئة اذ لا يعلم بالحساب ان بين التاسع والاول كما بين السماء والارض مائة مرة وعندهم أن التاسع ملاصق للثامن فهذا قد بين أن العرش فوق الفردوس الذى هو أوسط الجنة وأعلاها

وفى حديث أبى ذر المشهور قال قلت يا رسول الله ايما أنزل عليك


556

أعظم قال ( آية الكرسى ( ثم قال ( يا أبا ذر ما السموات السبع مع الكرسى الا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسى كفضل الفلاة على الحلقة ( والحديث له طرق وقد رواه أبو حاتم بن حبان فى صحيحه وأحمد فى المسند وغيرهما

وقد استدل من استدل على أن ( العرش مقبب ( بالحديث الذى فى سنن أبى داود وغيره عن جبير بن مطعم قال ( أتى رسول الله ( ( أعرابى فقال يا رسول الله جهدت الأنفس وجاع العيال وهلك المال فادع الله لنا فانا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك فسبح رسول الله ( ( حتى عرف ذلك فى وجوه أصحابه وقال ( ويحك أتدرى ما تقول ان الله لا يستشفع به على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ان الله على عرشه وان عرشه على سمواته وأرضه هكذا وقال بأصابعه مثل القبة ( وفى لفظ ( وان عرشه فوق سمواته وسمواته فوق أرضه هكذا وقال بأصابعه مثل القبة (

وهذا الحديث وان دل على التقبيب وكذلك قوله عن الفردوس أنها أوسط الجنة وأعلاها مع قوله أن سقفها عرش الرحمن وان فوقها عرش الرحمن والأوسط لا يكون الأعلى الا فى المستدير فهذا لا يدل على أنه فلك من الأفلاك بل اذا قدر أنه فوق الأفلاك كلها أمكن هذا فيه سواء قال القائل انه محيط بالأفلاك أو قال انه فوقها وليس محيطا بها كما أن وجه الأرض فوق النصف الأعلى من الأرض وان لم يكن محيطا بذلك


557

وقد قال اياس بن معاوية السماء على الأرض مثل القبة ومعلوم أن الفلك مستدير مثل ذلك لكن لفظ القبة يستلزم استدارة من العلو ولا يستلزم استدارة من جميع الجوانب الا بدليل منفصل

ولفظ ( الفلك ( يدل على الاستدارة مطلقا كقوله تعالى ( وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل فى فلك يسبحون ( وقوله تعالى ( لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل فى فلك يسبحون ( يقتضى أنها فى فلك مستدير مطلقا كما قال ابن عباس رضى الله عنهما فى فلكة مثل فلكة المغزل

وأما لفظ ( القبة ( فانه لا يتعرض لهذا المعنى لا بنفى ولا اثبات لكن يدل على الاستدارة من العلو كالقبة الموضوعة على الأرض

وقد قال بعضهم ان الأفلاك غير السموات لكن رد عليه غيره هذا القول بأن الله تعالى قال ( ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ( فأخبر أنه جعل القمر فيهن وقد أخبر أنه فى الفلك وليس هذا موضع بسط الكلام فى هذا

وتحقيق الأمر فيه وبيان أن ما علم بالحساب علما صحيحا لا ينافى ما جاء به السمع وان العلوم السمعية الصحيحة لا تنافى معقولا صحيحا اذ قد بسطنا الكلام على هذا وأمثاله فى غير هذا الموضع فان ذلك يحتاج اليه


558

فى هذا ونظائره مما قد أشكل على كثير من الناس حيث يرون ما يقال انه معلوم بالعقل مخالفا لما يقال انه معلوم بالسمع فأوجب ذلك أن كذبت كل طائفة بما لم تحط بعلمه حتى آل الامر بقوم من أهل الكلام الى أن تكلموا فى معارضة الفلاسفة فى ( الأفلاك ( بكلام ليس معهم به حجة لا من شرع ولا من عقل وظنوا أن ذلك الكلام من نصر الشريعة وكان ما جحدوه معلوما بالأدلة الشرعية أيضا

وأما ( المتفلسفة واتباعهم ( فغايتهم أن يستدلوا بما شاهدوه من الحسيات ولا يعلمون ما وراء ذلك مثل ان يعلموا أن البخار المتصاعد ينعقد سحابا وان السحاب اذا اصطك حدث عنه صوت ونحو ذلك لكن علمهم بهذا كعلمهم بأن المنى يصير فى الرحم لكن ما الموجب لأن يكون المنى المتشابه الأجزاء تخلق منه هذه الاعضاء المختلفة والمنافع المختلفة على هذا الترتيب المحكم المتقن الذى فيه من الحكمة والرحمة ما بهر الالباب

وكذلك ما الموجب لأن يكون هذا الهواء أو البخار منعقدا سحابا مقدرا بقدر مخصوص فى وقت مخصوص على مكان مختص به وينزل على قوم عند حاجتهم اليه فيسقيهم بقدر الحاجة لا يزيد فيهلكوا ولا ينقص فيعوزوا وما الموجب لأن يساق الى الارض الجرز التى لا تمطر او تمطر مطرا لا يغنيها كأرض مصر اذ كان المطر القليل لا يكفيها والكثير يهدم ابنيتها قال تعالى ( أولم يروا أنا نسوق الماء الى الارض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (


559

وكذلك السحاب المتحرك وقد علم أن كل حركة فاما ان تكون ( قسرية ( وهى تابعة للقاسر أو ( طبيعة ( وانما تكون اذا خرج المطبوع عن مركزه فيطلب عوده اليه أو ( ارادية ( وهى الأصل فجميع الحركات تابعة للحركة الارادية التى تصدر عن ملائكة الله تعالى التى هى ( المدبرات امرا ( و ( المقسمات أمرا ( وغير ذلك مما أخبر الله به عن الملائكة وفى المعقول ما يصدق ذلك

فالكلام فى هذا وأمثاله له موضع غير هذا (

والمقصود هنا ( أن نبين أن ما ذكر فى السؤال زائل على كل تقدير فيكون الكلام فى الجواب مبنيا على حجج علمية لا تقليدية ولا مسلمة واذا بينا حصول الجواب على كل تقدير كما سنوضحه لم يضرنا بعد ذلك أن يكون بعض التقديرات هو الواقع وان كنا نعلم ذلك لكن تحرير الجواب على تقدير دون تقدير واثبات ذلك فيه طول لا يحتاج اليه هنا فان الجواب اذا كان حاصلا على كل تقدير كان أحسن وأوجز

( المقام الثانى (

أن يقال ( العرش ( سواء كان هو الفلك التاسع أو جسما محيطا بالفلك التاسع أو كان فوقه من جهة وجه الأرض غير محيط به أو قيل فيه غير ذلك فيجب أن يعلم أن العالم العلوى والسفلى بالنسبة الى الخالق تعالى فى غاية الصغر


560

كما قال تعالى ( وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (

وفى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبى ( ( أنه قال ( يقبض الله تبارك وتعالى الارض يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول انا الملك أين ملوك الارض (

وفى الصحيحين واللفظ لمسلم عن عبدالله بن عمر قال قال رسول الله ( ( يقبض الله تبارك وتعالى الارض يوم القيامة ويطوى السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الارض (

وفى الصحيحين واللفظ لمسلم عن عبدالله بن عمر قال قال رسول الله ( ( يطوى الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول أنا الملك اين الجبارون اين المتكبرون ثم يطوى الارضين بشماله ثم يقول أنا الملك اين الجبارون أين المتكبرون (

وفى لفظ فى الصحيح عن عبدالله بن مقسم أنه نظر الى عبدالله بن عمر كيف يحكى أن النبى ( ( قال ( يأخذ الله سمواته وأرضه بيده ويقول أنا الملك ويقبض اصابعه ويبسطها انا الملك حتى نظرت الى المنبر يتحرك من أسفل شىء منه حتى انى أقول أساقط هو برسول الله ( (


561

وفى لفظ قال رأيت رسول الله ( ( على المنبر وهو يقول ( يأخذ الجبار سمواته وأرضه وقبض بيده وجعل يقبضها ويبسطها ويقول أنا الرحمن أنا الملك أنا القدوس أنا السلام أنا المؤمن أنا المهيمن أنا العزيز أنا الجبار أنا المتكبر أنا الذى بدأت الدنيا ولم تكن شيئا أنا الذى أعدتها أين المتكبرون أين الجبارون وفى لفظ ( أين الجبارون أين المتكبرون ويميل رسول الله ( ( على يمينه وعلى شماله حتى نظرت الى المنبر يتحرك من أسفل شىء منه حتى انى لأقول اساقط هو برسول الله ( (

والحديث مروى فى الصحيح والمسانيد وغيرها بألفاظ يصدق بعضها بعضا وفى بعض ألفاظه قال قرأ على المنبر ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ( الآية قال ( مطوية فى كفه يرمى بها كما يرمى الغلام بالكرة ( وفى لفظ ( يأخذ الجبار سمواته وأرضه بيده فيجعلها فى كفه ثم يقول بهما هكذا كما تقول الصبيان بالكرة أنا الله الواحد (

وقال ابن عباس يقبض الله عليهما فما ترى طرفاهما بيده ( وفى لفظ عنه ( ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن فى د الرحمن الا كخردلة فى يد أحدكم ( وهذه الآثار معروفة فى كتب الحديث

وفى الصحيحين عن عبدالله بن مسعود قال ( أتى النبى ( صلى الله عليه وسلم (


562

رجل من اليهود فقال يا محمد ان الله يجعل السموات على أصبع والارضين على اصبع والجبال على اصبع والماء والثرى على اصبع وسائر الخلق على اصبع فيهزهن فيقول أنا الملك أنا الملك قال فضحك النبى ( ( حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ثم قرأ ( وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ( الآية ( ففى هذه الآية والاحاديث الصحيحة المفسرة لها المستفيضة التى أتفق أهل العلم على صحتها وتلقيها بالقبول ما يبين أن السموات والارض وما بينهما بالنسبة الى عظمة الله تعالى أصغر من أن تكون مع قبضه لها الا كالشىء الصغير فى يد أحدنا حتى يدحوها كما تدحى الكرة

قال عبدالعزيز بن عبدالله بن أبى سلمة الماجشون الامام نظير مالك فى كلامه المشهور الذى رد فيه على الجهمية ومن خالفها ومن أول كلامه قال فاما الذى جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا فقد استهوته الشياطين فى الارض حيران فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال لابد أن كان له كذا من أن يكون له كذا ف فعمى عن البين بالخفى فجحد ما سمى الرب من نفسه بصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يملى له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى ( وجوه يومئذ ناضرة الى ربها ناظرة ( فقال لا يراه أحد يوم القيامة فجحد والله أفضل كرامة الله التى أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر الى وجهه ونضرته


563

اياهم ( فى مقعد صدق عند مليك مقتدر ( وقد قضى انهم لا يموتون فهم بالنظر اليه ينضرون

الى أن قال وانما جحد رؤية الله يوم القيامة اقامة للحجة الضالة المضلة لأنه قد عرف انه اذا تجلى لهم يوم القيامة راوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين وكان له جاحدا وقال المسلمون يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله ( ( هل تضارون فى رؤية الشمس ليس دونها سحاب ( قالوا لا قال ( فهل تضارون فى رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ( قالوا لا قال ( فانكم ترون ربكم كذلك (

وقال رسول الله ( ( لا تمتلىء النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط وينزوى بعضها الى بعض ( وقال لثابت بن قيس ( قد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة ( وقال فيما بلغنا عنه ان الله يضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة اجابتكم ( وقال له رجل من العرب ان ربنا ليضحكم قال ( نعم ( قال لن نعدم من رب يضحك خيرا فى اشباه لهذا مما لم نحصه

وقال تعالى ( وهو السميع البصير ( واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا ( وقال ( ولتصنع على عينى ( وقال ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى ( وقال ( والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (


564

فوالله ما دلهم على عظم ما وصف به نفسه وما تحيط به قبضته الا صغر نظيرها منهم عندهم ان ذلك الذى ألقى فى روعهم وخلق على معرفته قلوبهم فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله سميناه كما سماه ولم نتكلف منه علم ما سواه لا هذا ولا هذا لا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف انتهى

واذا كان كذلك فاذا قدر أن المخلوقات كالكرة وهذا قبضه لها ورميه بها وانما بين لنا من عظمته وصف المخلوقات بالنسبة اليه ما يعقل نظيره منا

ثم الذى فى القرآن والحديث يبين أنه ان شاء قبضها وفعل بها ما ذكر كما يفعل ذلك فى يوم القيامة وان شاء لم يفعل ذلك فهو قادر على أن يقبضها ويدحوها كالكرة وفى ذلك من الاحاطة بها ما لا يخفى وان شاء لم يفعل ذلك وبكل حال فهو مباين لها ليس بمحايث لها

ومن المعلوم أن الواحد منا ولله المثل الأعلى اذا كان عنده خردلة ان شاء قبضها فأحاطت بها قبضته وان شاء لم يقبضها بل جعلها تحته فهو فى الحالتين مباين لها وسواء قدر أن العرش هو محيط بالمخلوقات كاحاطة الكرة بما فيها أو قيل انه فوقها وليس محيطا بها كوجه الأرض الذى نحن عليه بالنسبة الى جوفها وكالقبة بالنسبة الى ما تحتها أو غير ذلك

فعلى التقديرين يكون العرش فوق المخلوقات والخالق سبحانه وتعالى فوقه والعبد فى توجهه الى الله يقصد العلو دون التحت وتمام هذا ببيان


565

( المقام الثالث (

وهو أن نقول لا يخلو اما أن يكون العرش كريا كالافلاك ويكون محيطا بها واما أن يكون فوقها وليس هو كريا فان كان الأول فمن المعلوم بإتفاق من يعلم هذا ان الافلاك مستديرة كرية الشكل وان الجهة العليا هى جهة المحيط وهى المحدب وان الجهة السفلى هو المركز

وليس للأفلاك الا جهتان العلو والسفل فقط

وأما الجهات الست فهى للحيوان فان له ست جوانب يؤم جهة فتكون امامه ويخلف اخرى فتكون خلفه وجهة تحاذى يمينه وجهة تحاذى شماله وجهة تحاذى رأسه وجهة تحاذى رجليه وليس لهذه الجهات الست فى نفسها صفة لازمة بل هى بحسب النسبة والاضافة فيكون يمين هذا ما يكون شمال هذا ويكون امام هذا ما يكون خلف هذا ويكون فوق هذا ما يكون تحت هذا

لكن جهة العلو والسفل للأفلاك لا تتغير فالمحيط هو العلو والمركز هو السفل مع أن وجه الارض التى وضعها الله للأنام وارساها بالجبال هو الذى عليه الناس والبهائم والشجر والنبات والجبال والأنهار الجارية

فأما الناحية الأخرى من الأرض فالبحر محيط بها وليس هناك شىء من الآدميين وما يتبعهم

ولو قدر أن هناك أحدا لكان على ظهر الأرض ولم يكن


566

من فى هذه الجهة تحت من فى هذه الجهة ولا من فى هذه تحت من فى هذه كما أن الافلاك محيطة بالمركز وليس أحد جانبى الفلك تحت الآخر ولا القطب الشمالى تحت الجنوبى ولا بالعكس وان كان الشمالي هو الظاهر لنا فوق الأرض وارتفاعه بحسب بعد الناس عن خط الاستواء فما كان بعده عن خط الاستواء ثلاثين درجة مثلا كان ارتفاع القطب عنده ثلاثين درجة وهو الذى يسمى عرض البلد فكما أن جوانب الأرض المحيطة بها وجوانب الفلك المستديرة ليس بعضها فوق بعض ولا تحته فكذلك من يكون على الأرض من الحيوان والنبات والأثقال لا يقال أنه تحت أولئك وانما هذا خيال يتخيله الانسان وهو تحت اضافى كما لو كانت نملة تمشى تحت سقف فالسقف فوقها وان كانت رجلاها تحاذيه

وكذلك من علق منكوسا فانه تحت السماء وان كانت رجلاه تلى السماء وكذلك يتوهم الانسان اذا كان فى أحد جانبى الأرض أو الفلك ان الجانب الآخر تحته وهذا أمر لا يتنازع فيه اثنان ممن يقول ان الأفلاك مستديرة

واستدارة الافلاك كما أنه قول أهل الهيئة والحساب فهو الذى عليه علماء المسلمين كما ذكره ابو الحسن بن المنادى وأبو محمد بن حزم وأبو الفرج بن الجوزى وغيرهم أنه متفق عليه بين علماء المسلمين وقد قال


567

تعالى ( وهو الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل فى فلك يسبحون ( قال ابن عباس فلكة مثل فلكة المغزل

و ( الفلك فى اللغة ( هو المستدير ومنه قولهم تفلك ثدى الجارية اذا استدار وكل من يعلم أن الأفلاك مستديرة يعلم أن المحيط هو العالى على المركز من كل جانب ومن توهم أن من يكون فى الفلك من ناحية يكون تحته من فى الفلك من الناحية الاخرى فى نفس الأمر فهو متوهم عندهم

واذا كان الامر كذلك فاذا قدر أن العرش مستدير محيط بالمخلوقات كان هو أعلاها وسقفها وهو فوقها مطلقا فلا يتوجه اليه والى ما فوقه الانسان الا من العلو لا من جهاته الباقية أصلا

ومن توجه الى الفلك التاسع أو الثامن أو غيره من الأفلاك من غير جهة العلو كان جاهلا باتفاق العقلاء فكيف بالتوجه الى العرش او الى ما فوقه وغاية ما يقدر أن يكون كرى الشكل والله تعالى محيط بالمخلوقات كلها احاطة تليق بجلاله فان السموات السبع والارض فى يده اصغر من الحمصة فى يد أحدنا

وأما قول القائل اذا كان كريا والله من ورائه محيط به بائن عنه فما فائدة أن العبد يتوجه الى الله حين دعائه وعبادته فيقصد العلو دون التحت فلا فرق حينئذ وقت الدعاء بين قصد جهة العلو وغيرها من الجهات التى تحيط


568

بالداعى ومع هذا نجد فى قلوبنا قصدا يطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة فاخبرونا عن هذه الضرورة التى نجدها فى قلوبنا وقد فطرنا عليها

فيقال له هذا السؤال انما ورد لتوهم المتوهم ان نصف الفلك يكون تحت الارض وتحت ما على وجه الارض من الآدميين والبهائم وهذا غلط عظيم فلو كان الفلك تحت الأرض من جهة لكان تحتها من كل جهة فكان يلزم أن يكون الفلك تحت الأرض مطلقا وهذا قلب للحقائق اذ الفلك هو فوق الارض مطلقا

و ( أهل الهيئة ( يقولون لو أن الأرض مخروقة الى ناحية ارجلنا والقى فى الخرق شىء ثقيل كالحجر ونحوه لكان ينتهى الى المركز حتى لو ألقى من تلك الناحية حجر آخر لالتقيا جميعا فى المركز ولو قدر أن انسانين التقيا فى المركز بدل الحجرين لالتقت رجلاهما ولم يكن أحدهما تحت صاحبه بل كلاهما فوق المركز وكلاهما تحت الفلك كالمشرق والمغرب فانه لو قدر أن رجلا بالمشرق فى السماء أو الأرض ورجلا بالمغرب فى السماء أو الأرض لم يكن أحدهما تحت الآخر وسواء كان رأسه أو رجلاه أو بطنه أو ظهره أو جانبه مما يلى السماء أو مما يلى الارض واذا