فهرست عناوين فهرست آيات
المجموع

مولف:نووي ، يحيي بن شرف الدين ، 631 - 677ق.

كتاب الحج

قال المصنف رحمه الله تعالى : الحج يقال بفتح الحاء وكسرها لغتان ، قرىء بهما في السبع ، أكثر السبعة بالفتح ، وكذا الحجة فيها لغتان ، وأكثر المسموع الكسر والقياس . وأصله القصد ، وقال الأزهري : هو من قولك حججته إذا آتيته مرة بعد أخرى ، والأول هو المشهور ، وقال الليث : أصل الحج في اللغة زيارة شيء تعظمه ، وقال كثيرون : هو إطالة الاختلاف إلى الشيء واختاره ابن جرير ، قال أهل اللغة : يقال حج يحج بضم الحاء فهو حاج ، والجمع حجاج وحجيج وحج بضم الحاء حكاه الجوهري ، كنازل ونزل ، وقال العلماء : ثم اختص الحج في الاستعمال بقصد الكعبة للنسك ( وأما ) العمرة ففيها قولان لأهل اللغة حكاهما الأزهري وآخرون أشهرهما : لم يذكر ابن فارس والجوهري وغيرهما غيره أصلها الزيارة والثاني : أصلها القصد ، قاله الزجاج وغيره ، قال الأزهري : وقيل : إنما اختص الاعتمار بقصد الكعبة لأنه قصد إلى موضع عامر ، والله أعلم . فرع : في طرف من فضائل الحج . قال الله تعالى :

﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا آل عمران : 97 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل قال إيمان بالله ورسوله ، قيل : ثم ماذا قال : حج مبرور رواه البخاري ومسلم ، وعنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه رواه البخاري ومسلم ، وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ، والحج

3


4
المبرور ليس له جزاء إلا الجنة رواه البخاري ومسلم ، المبرور الذي لا معصية فيه ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل ، أفلا نجاهد قال : لكن أفضل من الجهاد حج مبرور رواه البخاري . عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه بعدا من النار من يوم عرفة رواه مسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عمرة في رمضان تعدل حجة أو حجة معي رواه البخاري ومسلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : الحج ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ( وأن محمدا رسول الله ) وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان وفي العمرة قولان قال : في الجديد : هي فرض لما روت عائشة قالت : قلت : يا رسول الله هل على النساء جهاد قال : جهاد لا قتال فيه ، الحج والعمرة وقال : في القديم : ليست بفرض لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أهي واجبة قال : لا ، وأن تعتمر خير لك والصحيح ( هو ) الأول ، لأن هذا الحديث رفعه ابن لهيعة ، وهو ضعيف فيما ينفرد به .

4


5

+ الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم ، وجاء في الصحيحين والحج وصوم رمضان وجاء وصوم رمضان والحج وكلاهما صحيح ، والواو لا تقتضي ترتيبا ، وسمعه ابن عمر مرتين ، فرواه بهما ، وإنما استدل المصنف به ولم يستدل بقول الله تعالى :

﴿ ولله على الناس حج البيت لأن مراده الاستدلال على كونه ركنا ، ولا تحصل الدلالة لهذا من الآية ، وإنما تحصل من الحديث وأما : حديث عائشة فرواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما بأسانيد صحيحة ، وإسناد ابن ماجه على شرط البخاري ومسلم ، واستدل البيهقي لوجوب العمرة بحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قصة السائل الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام ، وهو جبريل عليه السلام فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله وأن تقيم الصلاة ، وتأتي الزكاة ، وتحج البيت وتعتمر ، وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء ، وتصوم رمضان ، قال : فإن قلت هذا فأنا مسلم قال : نعم ، قال : صدقت وذكر الحديث . هكذا رواه البيهقي وقال : ( رواه مسلم في الصحيح . ولم يسق متنه ) هذا كلام البيهقي . وليس هذا اللفظ على هذا الوجه في صحيح مسلم ولا العمرة والغسل من الجنابة والوضوء فيه في هذا الحديث ذكر ، لكن الإسناد به للبيهقي موجود من صحيح مسلم ، وروى الدارقطني هذا اللفظ الذي رواه البيهقي بحروفه ، ثم قال : هذا إسناد صحيح ثابت . واحتج البيهقي أيضا بما رواه بأسناده عن أبي رزين العقيلي الصحابي رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ، ولا الظعن ، قال : حج عن أبيك واعتمر قال البيهقي : ( قال مسلم بن الحجاج : سمعت أحمد بن حنبل يقول : لا أعلم في إيجاب العمرة أجود من حديث أبي رزين هذا ولا أصح منه هذا كلام البيهقي وحديث أبي رزين هذا صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح . وأما : حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي قال : لا وأن تعتمر خير لك فرواه الترمذي من رواية الحجاج هو ابن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة هي قال : لا وأن تعتمر فهو أفضل قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، قال الترمذي : قال الشافعي : العمرة سنة لا نعلم أحدا

5


6
رخص في تركها ، وليس فيها شيء ثابت بأنها واجبة ، قال الشافعي : وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو ضعيف لا تقوم بمثله الحجة ، وقد بلغنا عن ابن عباس أنه كان يوجبها ، هذا آخر كلام الترمذي ، وقد روى البيهقي بإسناده هذا الحديث عن الحجاج هو ابن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العمرة أواجبة قال : لا ، وأن تعتمر خير لك قال اليبهقي : كذا رواه الحجاج بن أرطأة مرفوعا ، والمحفوظ عن جابر مرفوعا بخلاف ذلك ، موقوف عليه غير مرفوع ، قال : وروى عن جابر مرفوعا بخلاف ذلك ، قال : وكلاهما ضعيف ، ثم رواه البيهقي أيضا من غير جهة الحجاج قال : ( وهذا وهم ، إنما يعرف هذا المتن بالحجاج بن أرطأة عن محمد بن المنكدر عن جابر وروى عن ابن عباس وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العمرة تطوع وإسنادهما ضعيف ) هذا كلام البيهقي . وأما : قول الترمذي : إن هذا حديث حن صحيح ، فغير مقبول ، ولا يغتر بكلام الترمذي في هذا فقد اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف ، كما سبق في كلام البيهقي ، ودليل ضعفه أن مداره على الحجاج بن أرطأة لا يعرف إلا من جهته ، والترمذي إنما رواه من جهته ، والحجاج ضعيف ومدلس باتفاق الحفاظ ، وقد قال في حديثه : عن محمد بن المنكدر . والمدلس إذا قال في روايته : عن ، لا يحتج بها بلا خلاف ، كما هو مقرر معروف في كتب أهل الحديث ، وأهل الأصول ، ولأن جمهور العلماء على تضعيف الحجاج بسبب آخر غير التدليس ، فإذا كان فيه سببان يمنع كل واحد منهما الاحتجاج به وهما الضعف والتدليس . فكيف يكون حديثه صحيحا وقد سبق في كلام الترمذي عن الشافعي أنه قال : ليس في العمرة شيء ثابت أنهاواجبة . فالحاصل أن الحديث ضعيف والله أعلم . وأما : قول المصنف : ( لأن هذا الحديث رفعه ابن لهيعة وهو ضعيف فيما ينفرد به ) فهذا مما أنكر على المصنف ، وغلط فيه ، لأن الذي رفعه إنما هو الحجاج بن أرطأة كما سق ، لا ابن

6


7
لهيعة ، وقد ذكره أصحابنا في كتب الفقه على الصواب فقالوا : إنما رفعه الحجاج بن أرطأة ، وذكر البيهقي في معرفة السنن والآثار حديث الحجاج بن أرطأة وضعفه ، ثم قال : وروى ابن لهيعة عن عطاء عن جابر مرفوعا خلافه قال : الحج والعمرة فريضتان واجبتان قال البيهقي : وهذا ضعيف أيضا لا يصح . وينكر على المصنف في هذا ثلاثة أشياء أحدها : قوله : ابن لهيعة وصوابه الحجاج بن أرطأة كما ذكرنا والثاني قوله : رفعه وصوابه أن يقول : إنما رفعه والثالث : قوله : وهو ضعيف فيما ينفرد به وصوابه حذف قوله : فيما ينفرد به ويقتصر على قوله : ضعيف ، لأن ابن لهيعة ضعيف فيما انفرد به وفيما شارك فيه ، والله أعلم . واسم ابن لهيعة عبد الله ابن لهيعة بن عقبة الحضرمي ، ويقال : الغافقي المصري أبو عبد الرحمن قاضي مصر وقوله : وأن تعتمر هو بفتح الهمزة قال أصحابنا : ولو صح حديث الحجاج بن أرطأة لم يلزم منه عدم وجوب العمرة على الناس كلهم ، لاحتمال أن المراد ليست واجبة في حق السائل لعدم استطاعته ، والله أعلم . وأما : قول المصنف : ( الحج ركن وفرض ) مجمع بينهما فقد سبق الكلام عليه في أول كتابي الزكاة والصوم وأما : استدلاله على وجوب الحج بالحديث ولم يستدل بقول الله تعالى :

﴿ ولله على الناس حج البيت فقد سبق الجواب عنه في أول كتاب الصيام . وأما أحكام المسألة : فالحج فرض عين على كل مستطيع بإجماع المسلمين وتظاهرت على ذلك دلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة وأما العمرة فهل هي فرض من فروض الإسلام فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح : باتفاق الأصحاب أنها فرض وهو المنصوص في الجديد والقديم : أنها سنة مستحبة ليست بفرض ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : ونص عليه الشافعي في كتاب أحكام القرآن يعني من الحديث ، قال أصحابنا : فإن قلنا هي فرض ، فهي في شرط صحتها وصحة مباشرتها ووجوبها وإحرامها عن عمرة الإسلام كالحج ، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى . قال أصجابنا : والاستطاعة الواحدة كافية لوجوبهما جميعا ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في وجوب العمرة قد ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أنها فرض ، وبه قال عمر وابن عباس وابن عمر وجابر وطاوس وعطاء وابن المسيب وسعيد بن جبير والحسن البصري وابن سيرين والشعبي ومسروق وأبو

7


8
بردة بن أبي موسى الأشعري وعبد الله بن شداد والثوري وأحمد وإسحاق وابن عبيد وداود . وقال مالك وأبو حنيفة وأبو ثور : هي سنة ليست واجبة ، وحكاه ابن المنذر وغيره عن النخعي ، ودليل الجميع سبق بيانه ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجب في العمر أكثر من حجة وعمرة بالشرع ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما : إن الأقرع بن حابس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألحج كل عام قال : لا ، بل حجة وروى سراقة بن مالك قال : قلت : يا رسول الله أعمرتنا هذه لعامنا أم للأبد قال : للأبد ، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة .

+ الشرح : حديث ابن عباس رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد حسنة ، ورواه مسلم في صحيحه من رواية أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا ، فقال رجل : أكل عام يا رسول الله فسكت حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو قلت نعم لوجبت ، ولما استطعتم ، ثم قال : ذروني ما تركتكم ، إنما : هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه رواه مسلم . وأما : حديث سراقة فرواه الدارقطني بإسناد صحيح عن أبي الزبير عن جابر عن سراقة قال : قلت يا رسول الله عمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد فقال : لا بد للأبد ، دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة قال الدارقطني : رواته كلهم ثقات . وقد رواه النسائي وابن ماجه من رواية عطاء وطاوس عن سراقة وهذه رواية منقطعة ، فإنهما ولدا سنة ست وعشرين أو بعدها ، وتوفي سراقة سنة أربع وعشرين ، وقد روى البخاري ومسلم سؤال سراقة من رواية جابر ، لكن بغير هذا اللفظ ، والله أعلم . وأما : قوله صلى الله عليه وسلم : دخلت العمرة في الحج إلى يوم

8


9
القيامة فقد ذكر أصحابنا وغيرهم فيه تفسيرين أحدهما : معناه دخلت أفعال العمرة في أفعال الحج إذ جمع بينهما بالقران والثاني : معناه لا بأس بالعمرة في أشهر الحج ، وهذا هو الأصح وهو تفسير الشافعي وأكثر العلماء ، ونقله الترمذي عن الشافعي وأحمد وإسحاق ، قال الترمذي وغيره : وسببه أن الجاهلية كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج ، ويعتقدون أن ذلك من أعظم الفجور ، فأذن الشرع في ذلك وبين جوازه وقطع الجاهلية عما كانوا عليه ، ولهذا اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم عمره الأربع في أشهر الحج ، ثلاثا منها في ذي القعدة والرابعة مع حجته حجة الوداع في ذي الحجة . ويؤيد هذا ما ثبت عن ابن عباس قال : والله ما أعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع أمر أهل الشرك ، فإن هذا الحج من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون : ( إذا عفا الوبر ، وبرأ الدبر ، ودخل صفر ، فقد حلت العمرة لمن اعتمر ) فكانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم ، هذا حديث صحيح رواه أبو داود بإسناد صحيح بلفظه ورواه البخاري في صحيحه مختصرا فذكر بعضه . وقول : المصنف : لا يجب في العمر أكثر من حجة وعمرة بالشرع ، احترز بقوله : بالشرع عن النذر ، وعمن أراد أن يدخل مكة لحاجة لا تتكرر إذا قلنا : يلزمه الإحرام . والحجة بكسر الحاء أفصح من فتحها كما سبق في أول الباب والعمرة بضم العين والميم وإسكان الميم وبفتح العين وإسكان الميم والله أعلم . أما أحكام المسألة : فلا يجب على المكلف المستطيع في جميع عمره إلا حجة واحدة وعمرة واحدة بالشرع ، ونقل أصحابنا إجماع المسلمين على هذا ، وحكي صاحب البيان وغيره عن بعض الناس أنه يجب كل سنة ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : وقال بعض الناس : يجب الحج في كل سنتين مرة ، قالوا : وهذا خلاف الإجماع ، قائله محجوج بإجماع من كان قبله ، والله أعلم . فرع : ومن حج ثم ارتد ثم أسلم لم يلزمه الحج ، بل يجزئه حجته السابقة عندنا ،

9


10
وقال أبو حنيفة وآخرون : يلزمه الحج ، ومبنى الخلاف على أن الردة متى تحبط العمل فعندهم تحبطه في الحال ، سواء أسلم بعدها أم لا ، فيصير كمن لم يحج ، وعندنا لا تحبطه إلا إذا اتصلت بالموت لقوله تعالى :

﴿ ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم البقرة : 217 وقد سبقت المسألة مستوفاة بأدلتها وفروعها في أول كتاب الصلاة . والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن حج واعتمر حجة الإسلام وعمرته ، ثم أراد دخول مكة لحاجة نظرت فإن كان لقتال ، أو دخلها خائفا من ظالم يطلبه ، ولا يمكنه أن يظهر لأداء النسك جاز أن يدخل بغير إحرام ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح بغير إحرام لأنه كان لا يأمن أن يقاتل ويمنع النسك . وإن كان دخوله لتجارة أو زيادة ففيه قولان أشهرهما : أنه لا يجوز أن يدخل إلا لحج أو عمرة ، لما روى ابن عباس أنه قال : لا يدخل أحدكم مكة إلا محرما . ورخص للحطابين والثاني : أنه يجوز لحديث الأقرع بن حابس وسراقة بن مالك ، وإن كان دخوله لحاجة تتكرر كالحطابين والصيادين جاز بغير نسك ، لحديث ابن عباس ، ولأن في إيجاب الإحرام على هؤلاء مشقة ، فإن دخل لتجارة وقلنا : إنه يجب عليه الإحرم فدخل بغير إحرام لم يلزمه القضاء ، لأنا لو ألزمناه القضاء لزمه لدخوله للقضاء قضاء فلا يتناهى ، قال أبو العباس بن القاص : إن دخل بغير إحرام ثم صار حطابا أو صيادا لزمه القضاء ، لأنه لا يلزمه للقضاء قضاء .

+ الشرح : حديث دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح بغير إحرام صحيح ، فقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء بغير إحرام هذا لفظ إحدى روايات مسلم ، وثبت في الصحيحين عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة عامة الفتح وعلى رأسه مغفر .

10


11
وأما حكم المسألة : فقال أصحابنا : إذا حج واعتمر حجة الإسلام وعمرته ثم أراد دخول مكة لحاجة لا تتكرر كزيارة أو تجارة أو رسالة ، أو كان مكيا مسافرا فأراد دخولها عائدا من سفره ونحو ذلك ، فهل يلزمه الإحرام بحج أو عمرة فيه طريقان أحدهما : أنه مستحب قولا واحدا ، حكاه القاضي أبو الطيب في المجرد في آخر باب مواقيت الحج ، عن أبي موسى المروزي ، وقطع به سليم الرازي في كتابه الكفاية ، وحكاه أيضا الرافعي وآخرون وأصحهما : وأشهرهما فيه قولان أحدهما : يستحب ولا يجب والثاني : يجب ، ودليل القولين في الكتاب ، واختلفوا في أصحهما فصحح ابن القاص والمسعودي والبغوي وآخرون الوجوب ، وصحح الشيخ أبو حامد وأصحابه والشيخ أبو محمد الجويني والغزالي والأكثرون الاستحباب ، وصححه أيضا الرافعي في المحرر ، قال البندنيجى : وهو نص الشافعي في عامة كتبه ، قال المتولي : وعلى هذا يكره الدخول بغير إحرام ، هذا حكم من لا يتكرر دخوله . أما : من يتكرر دخوله كالحطاب والحشاش والصياد والسقا ونحوهم فإن قلنا : فيمن لا يتكرر : لا يلزمه الإحرام فهذا أولى ، وإلا فطريقان المذهب : أنه لا يلزمه ، وبه قطع كثيرون أو الأكثرون والثاني : فيه وجهان ، وبعضهم يحكيهما قولين أحدهما : يلزمه والثاني : لا يلزمه ، وممن حكى الخلاف فيه القاضي أبو الطيب في المجرد والمتولي حكياه وجهين ، وحكاه ابن القاضي في التلخيص ، والقفال والمحاملي والبندنيجى والدارمي والبغوي وآخرون قولين فإن قلنا : يلزمه فقد أطلقه كثيرون ، وممن حكي هذا الخلاف وقيده المحاملي والبندنيجى وآخرون ، بأنه في كل سنة مرة ، قال المحاملي في المجموع : قال الشافعي في عامة كتبه : يدخلها الحطاب ونحوه بغير إحرام ، قال : وقال في بعض كتبه : يحرم في كل سنة مرة ، لئلا يستهين بالحرم . وقال القاضي أبو الطيب : قال أبو علي في الإفصاح : إن قلنا : غير الحطاب ونحوه لا يلزمه الإحرام ، فالحطاب أولى ، وإلا فقولان ، وظاهر المذهب أنه لا يلزمه ، قال : وقال أبو إسحاق : قال الشافعي في الإملاء : يحرمون كل سنة مرة قال القاضي : وهذا غير مشهور والله أعلم . وأما : البريد الذي يتكرر دخوله إلى مكة للرسائل فقطع الدارمي بأنه كالحطاب

11


12
ونحوه ، وقال القاضي أبو الطيب وصاحبا الشامل والبيان : من أصحابنا من جعله كالحطاب لتكرر دخوله ، ومنهم من قال : إن قلنا : لا يجب على الحطاب ففي البريد وجهان ، فالحاصل أن المذهب أنه لا يجب الإحرام لدخول مكة على من دخل لتجارة ونحوها مما لا يتكرر ، ولا على من يدخل لمتكرر كالحطاب ، ولا على البريد ونحوه ، قال أصحابنا : فإن قلنا : يجب فللوجوب شروط . أحدها : أن يجيء الداخل من خارج الحرم ، فأما أهل الحرم فلا إحرام عليهم بلا خلاف لدخوله ، كما لا يشرع تحية المسجد لمن انتقل من موضع منه إلى موضع منه . والثاني : ألا يدخلها لقتال ولا خائفا ، فإن دخلها لقتال بغاة أو قطاع طريق أو غيرهما من القتال الواجب أو المباح . أو خائفا من ظالم أو غريم يحبسه وهو معسر لا يمكنه الظهور لأداء النسك إلا بمشقة ومخاطرة ، لم يلزمه الإحرام بلا خلاف . الثالث : أن يكون حرا فإن كان عبدا فلا إحرام عليه إن لم يأذن سيده فيه بلا خلاف ، وكذا إن أذن على المذهب لأنه ليس واجبا عليه بأصل الشرع ، فلا يصير واجبا بإذن سيده ، كصلاة الجمعة وكحجة الإسلام ، وفيه وجه ضعيف أنه يجب عليه إذا أذن سيده ، لأن المنع لحقه فزال بإذنه ، والمذهب الأول ، وهو المنصوص ، وبه قطع جماهير الأصحاب والله أعلم . قال أصحابنا : وإذا قلنا بوجوب الإحرام ، واجتمعت شروطه فدخل بغير إحرام فطريقان أصحهما : وهو المذهب ، وبه قطع الجمهور لا قضاء ، لأن القضاء متعذر ، لأن الدخول الثاني إحرام يقتضي إحراما آخر ، فيتسلسل ، ولأن الإحرام مشروع لحرمة الحرم ، لئلا ينتهكه بالدخول بغير إحرام . فإذا دخل بغير إحرام فات بحصول الانتهاك كما قال أصحابنا ، وهذا كما إذا دخل المسجد فجلس ولم يصل التحية ، فإنها تفوت بالجلوس ولا يشرع قضاؤها والطريق الثاني : فيه وجهان ، وقيل : قولان أصحهما : لا قضاء والثاني : يجب القضاء ، وحكاه المصنف والأصحاب عن ابن القاص ، فعلى هذا يلزمه أن يخرج ثم يعود محرما ، قال الرافعي : علل أصحابنا عدم القضاء بعلتين إحداهما : أن القضاء لا يمكن لأن الدخول الثاني يحتاج إلى قضاء آخر ، فصار كمن نذر صوم الدهر فأفطر ، وفرع ابن القاص في هذه العلة أنه لو لم يكن ممن يتكرر دخوله كالحطابين ، ثم صار منهم لزمه القضاء . وربما نقلوا عنه أنه يوجب عليه أن يجعل نفسه منهم . قال : والعلة الثانية : وهي الصحيحة وبها قال العراقيون والقفال أنه تحية للبقعة ، فلا يقضي كتحية المسجد ، هذا كلام الرافعي . قال أصحابنا : وإذا قلنا : يلزمه الإحرام فتركه وترك القضاء عصى ، ولا دم عليه ، لأن الدم يجبر الخلل الحاصل في النسك بالإحرام داخل الميقات من غير رجوع إليه ونحو

12


13
ذلك ، وهذا لم يدخل في نسك ، قالوا : وإذا أوجبنا الإحرام لزمه أن يحرم من الميقات ، فلو أحرم بعد مجاوزته فعليه دم لما ذكرناه ، وممن صرح بالصورتين القاضي أبو القاسم بن كج والماوردي والدارمي وآخرون ، والله تعالى أعلم . فرع : إذا أراد دخول الحرم ولم يرد دخول مكة فحكمه حكم دخول مكة . ففيه التفصيل والخلاف السابق ، وهذا الخلاف صرح به جميع الأصحاب ممن صرح به القاضي والماوردي والدارمي والقاضي أبو الطيب في المجرد في باب المواقيت ، والمحاملي في المقنع وغيره ، والجرجاني في كتابيه البلغة والتحرير ، والشاشي في المستظهري ، والروياني في الحلية ، وخلائق لا يحصون صرحوا به ، وأشار إليه المتولي والباقون . وأما : قول الرافعي : هل ينزل دخول الحرم منزلة دخول مكة فيما ذكرناه قال بعض الشارحين : نعم . قال الرافعي : لا يبعد تخريجه على خلاف في نظائره كأنه أراد بنظائره إباحة الصلوات في أوقات النهي ، فإنها تباح بمكة ، وكذا في سائر الحرم على الصحيح ، فهذا الذي قاله الرافعي عجب من وجهين أحدهما : كونه نقل المسألة عن بعض الشروح ، وهي مشهورة صريحة في هذه الكتب المشهورة التي ذكرها وغيرها . والثاني : كونه قال : يحتمل تخريجه على خلاف ، مع أنه لا خلاف فيه ، فالصواب ما سبق أن الحرم كمكة بلا خلاف ، والله تعالى أعلم . فرع : ذكر المصنف وجميع الأصحاب هنا أنه يجوز دخول مكة للقتال بغير إحرام ، قالوا : وصورة ذلك أن يلتجىء إليها طائفة من الكفار أهل الحرب والعياذ بالله ، أو طائفة من البغاة أو قطاع الطريق ونحوهم ، وقطع الأصحاب هنا بجواز قتالهم ، وهو الصواب المشهور ، وذكر القفال في كتاب النكاح من شرح التلخيص ، في كتاب خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والماوردي في الأحكام السلطانية خلافا في قتالهم في مكة وسائر الحرم ، ووجه التحريم قوله صلى الله عليه وسلم : إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار .

13


14
فرع : قال المصنف والأصحاب هنا : إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح وهو لا يأمن أن يقاتل ( قد يقال : ) إن هذا مخالف لمذهب الشافعي فإن مذهب الشافعي وجميع الأصحاب أن النبي صلى الله عليه وسلم : دخل مكة يوم الفتح صلحا ، وفتحها صلحا وقال أبو حنيفة وآخرون : فتحها عنوة وقد ذكر المصنف المسألة في كتاب السير ، وهناك ذكرها الرافعي والأصحاب والجواب : أن هذا لا يخالف ذلك ، لأنه صلى الله عليه وسلم صالح أبا سفيان ، وكان لا يأمن غدر أهل مكة ، فدخل صلحا وهو متأهب للقتال إن غدروا ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء فيمن أراد دخول الحرم لحاجة لا تتكرر ، كالتجارة والزيارة وعيادة المريض ونحوها : قد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه يستحب له الإحرام ، ولا يجب ، سواء قربت داره من الحرم أم بعدت ، وبه قال ابن عمر . وقال مالك وأحمد : يلزمه ، وقال أبو حنيفة : إن كانت داره في الميقات أو أقرب إلى مكة جاز دخوله بلا إحرام ، وإلا فلا . واحتجوا للوجوب بقول ابن عباس المذكور في الكتاب . واحتج كثرون بقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله حرم مكة فلم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ، وربما أحلت لي ساعة من نهار ودليلنا الأصح حديث : آلحج كل عام قال : لا بل حجة وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريبا ، ولأنه تحية لبقعة فلم تجب كتحية المسجد وأما : قول ابن عباس فيعارضه مذهب ابن عمر أنه كان لا يراه واجبا وأما : حديث : لا تحل لأحد بعدي فالمراد به القتال كما سبق ، وليس في جميع طرق هذا الحديث ما يقتضي الإحرام وإنما هو صريح في القتال ، وقد سبق تأويله ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أنه إذا قلنا : يجب الإحرام لدخول الحرم فدخل بغير إحرام عصى ، والمذهب لا يلزمه القضاء . وقال أبو حنيفة : يلزمه ، وقال ابن القاص من أصحابنا : إذا صار حطابا ونحوه لزمه القضاء ، وبالأول قال جمهور أصحابنا ، ومأخذ الخلاف بين الجمهور وابن القاص يقول : إنما يمتنع القضاء للخوف من التسلسل فإذا صار حطابا زال التسلسل ، فإن الحطاب لا يلزمه الإحرام للدخول ، وقال الجمهور : العلة الصحيحة في عدم وجوب القضاء أن الإحرام وجب لحرمة الدخول والبقعة ، فإذا لم يأت به فات ولا يشرع قضاؤه ،

14


15
كتحية المسجد إذا جلس فيه ولم يصلها فإنه لا يشرع له قضاؤها كما سبق تقريره في باب صلاة التطوع . واتفق أصحابنا هنا على أنه لا يشرع قضاؤها ، والصواب فيها ما قدمناه هنا . قال القفال في شرح التلخيص : وكما لو سلم على إنسان ولم يرد عليه حتى مضت أيام ، ثم لقيه فأراد أن يرد عليه فإنه لا يجزىء لأنه مؤقت فات وقته ، قال القاضي أبو الطيب في المجرد : كما لو فر في الزحف من اثنين غير متحرف لقتال أو متحيز إلى فئة ، فإنه لا يمكنه قضاؤه ، لأنه متى لقي اثنين ممن يجب قتالهما وجب قتالهما باللقاء لا قضاء ، قال أصحابنا : فعلى هذا التعليل لو صار حطابا ونحوه لم يلزمه القضاء ، لعدم إمكان تدارك فوات انتهاك الحرمة فإن قيل : إنما لم نقض تحية المسجد لكونها سنة أما الإحرام واجب فينبغي قضاؤه ، قال الأصحاب : فالجواب : أن التحية لم يترك قضاؤها لكونها سنة ، فإن السنة الراتبة إذا فاتت يستحب قضاؤها على الصحيح ، وإنما لم تقض لتعلقها بحرمة مكان صيانة له من الانتهاك وقد حصل ، فلو صلاها لم يرتفع ما حصل من الانتهاك ، وكذا الإحرام لدخول الحرم . واعترض على تعليل ابن القاص فقيل : ينبغي أن يجب القضاء ويدخل فيه إحرام الدخول ، وكما إذا دخل المسجد فصلى فريضة فيدخل فيه تحية المسجد والجواب : ما أجاب به البغوى أن الإحرام الواحد لا يجوز أن يقع عن واجبين من جنس واحد كمن أهل بحجتين لا ينعقد إحرامه بهما بل ينعقد بأحدهما . وقال القفال في شرح التلخيص : قال أصحابنا : هذا التعليل الذي ذكره ابن القاص غلط ، وليس العلة في إسقاط القضاء التسلسل بل فوات الوقت . وقال الشيخ أبو محمد الجويني : اعترض بعض شيوخنا على تعليل ابن القاص فقال : إن كان القضاء واجبا فينبغي أن يجب ، سواء صار حطابا أولا ، وإلا فيبطل أن يجب بمصيره حطابا والله أعلم . فرع : قال ابن القاص في التلخيص : كل عبادة واجبة إذا تركها لزمه القضاء أو الكفارة إلا واحدة وهي الإحرام لدخول مكة . وهذا الذي قاله ينتقض بأشياء منها : إمساك يوم الشك إذا ثبت أنه من رمضان ، فإنه يجب إمساكه على المذهب الصحيح ، فلو ترك الإمساك لم يلزمه لترك الإمساك كفارة ، ولا قضاء الإمساك والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجب الحج والعمرة إلا على مسلم عاقل بالغ حر مستطيع فأما : الكافر فإن كان أصليا لم يصح منه ، لأن ذلك من فروع الإيمان فلا يصح من الكافر ، ولا يخاطب بما

15


16
فاته في حال الكفر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : الإسلام يجب ما قبله ولأنه لم يلتزم وجوبه ، فلم يلزمه ، كضمان حقوق الآدميين ، وإن كان مرتدا لم يصح منه لما ذكرناه ، ويجب عليه لأنه إلتزم وجوبه فلم يسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين .

+ الشرح : هذا الحديث صحيح رواه مسلم في صحيحه من رواية عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الإسلام يهدم ما كان قبله هذا لفظ رواية مسلم ، ذكره في أوائل الكتاب في كتاب الإيمان ، وفي رواية غيره يجب ما قبله بضم الجيم وبعدها باء موحدة من الجب وهو القطع ، ورويناه في كتاب الزبير بن بكار يحت بضم الحاء المهملة وبعدها تاء مثناة فوق من الحت وهو الإزالة ، والألفاظ الثلاثة متفقة المعنى ، وقد ينكر على المصنف كونه استدل بالحديث ، وهو خبر آحاد يفيد الظن لا القطع ، وترك الاستدلال بقول الله عز وجل :

﴿ قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف فينكر استدلاله بظني مع وجود القطعى وجوابه : أن الآية الكريمة تقتضي غفران الذنوب لا إسقاط حقوق وعبادات سبق وجوبها وأما : الحديث فصحيح صريح في قطع النظر عما قبل الإسلام ، فكان الاستدلال بالحديث هنا هو الوجه لإنطباقه على ما استدل به والله أعلم . وأما : قول المصنف : فإن كان أصليا ، فيعني به الاحتراز عن المرتد ، ويدخل في الأصل الذمي والحربى ، سواء الكتابي والوثنى وغيرهما وقوله : من فروع الإيمان فلا يصح من الكافر فينتقض بالكفارة والعدة وأشباههما فكان ينبغي أن يقول : ركن من فروع الإيمان وقوله : ولا يخاطب به في حال الكفر ، معناه لا نطالبه بفعل الحج في حال الكفر وأما : الخطاب الحقيقي فهو مخاطب بالفروع على المذهب الصحيح ، وقد سبق في أول كتاب الصيام مثل هذه العبارة وبسطنا هناك الكلام فيها وأما : قوله فإن أسلم لم يخاطب بما فاته في حال الكفر ، فمعناه أنه إذا كان في حال كفره واجدا للزاد والراحلة وغيرهما من شروط الاستطاعة ، ثم أسلم فلا اعتبار بتلك الاستطاعة ، ولا يستقر الحج في ذمته بها ، بل يعتبر حاله بعد الإسلام فإن استطاع لزمه الحج وإلا فلا ، ويكون إسلامه كبلوغ الصبي المسلم فيعتبر

16


17
حاله بعده . وقوله : لأنه لم يلتزم وجوبه فلم يلزمه كضمان حقوق الآدميين ، قد يقال : هذا الدليل ناقص ، وإنما يصح هذا في الكافر والحربي . وأما : الذمي فإن عليه ضمان حقوق ، فكأنه لم يذكر دليلا لعدم الوجوب على الذمي إذا أسلم وجوابه : أن مراده أن الحربي والذمي لم يلتزما الحج ، فلم يلزمهما إذا أسلما ، كما لا يلزم حقوق الآدميين من لم يلتزمها وهو الحربي ، وقد سبق مثل هذا في أول كتاب الزكاة ، وبسطت هناك بيانه وأما : قوله في المرتد : يجب عليه لأنه التزم وجوبه ، فقد يقال : ينتقض بما إذا أتلف المرتد على مسلم شيئا ، في حال قتال الإمام للطائفة المرتدة العاصية ، فإنه لا يضمن على الأصح . ومراد المصنف بقوله : ( يجب على المرتد ) أنه إذا استطاع في حال الردة استقر الوجوب في ذمته ، فإذا أسلم وهو معسر دام الوجوب في ذمته ، والله أعلم . أما حكم المسألة : فقال الشافعي والأصحاب : إنما يجب الحج على مسلم بالغ وعاقل حر مستطيع ، فإن اختل أحد الشروط لم يجب خلاف ، فالكافر الأصلي لا يطالب بفعله في الدنيا بلا خلاف ، سواء الحربي والذمي والكتابي والوثني والمرأة والرجل ، وهذا لا خلاف فيه ، فإذا استطاع في حال كفره ثم أسلم وهو معسر لم يلزمه الحج إلا أن يستطيع بعد ذلك ، لأن الاستطاعة في الكفر لا أثر لها ، وهذا لا خلاف فيه وأما : المرتد فيجب عليه ، فإذا استطاع في ردته ثم أسلم وهو معسر فالحج مستقر في ذمته بتلك الاستطاعة وأما : الإثم بترك الحج فيأثم المرتد بلا خلاف ، لأنه مكلف به في حال ردته وأما : الكافر الأصلي فهل يأثم قال أصحابنا : فيه خلاف مبني على أنه مخاطب بالفروع أم لا فإن قلنا : بالصحيح إنه مخاطب أثم وإلا فلا ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : الناس في الحج خمسة أقسام : قسم : لا يصح منه بحال ، وهو الكافر ، والقسم الثاني : من يصح له لا بالمباشرة ، وهو الصبي الذي لا يميز والمجنون المسلمان ، فيحرم عنهما الولي ، وفي المجنون خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى . والثالث : من يصح منه بالمباشرة ، وهو المسلم المميز وإن كان صبيا وعبدا . والرابع : من يصح منه بالمباشرة ، ويجزئه عن حجة الإسلام وهو المسلم المميز البالغ الحر . الخامس : من يجب عليه ، وهو المسلم البالغ العاقل الحر المستطيع ، قالوا : فشرط الصحة المطلقة الإسلام فقط ، ولا يشترط التكليف ، بل يصح إحرام الولي عن الصبي والمجنون ، وشرط صحة المباشرة بالنفس الإسلام والتمييز ، وشرط وقوعه عن حجة الإسلام البلوغ والعقل والإسلام والحرية ، فلو تكلف غير المستطيع الحج وقع عن فرض الإسلام ، ولو نوى غيره وقع عنه ، وشرط وجوبه هذه الأربعة مع الاستطاعة ، والله أعلم .

17


18

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما المجنون فلا يصح منه لأنه ليس من أهل العبادات ، فلم يصح حجه ، ولا يجب عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ ، وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقط .

+ الشرح : هذا الحديث صحيح رواه علي وعائشة رضي الله عنهما ، وسبق بيانه في أول كتاب الصيام ، وأجمعت الأمة على أنه لا يجب الحج على المجنون وأما : صحته ففيها وجهان جزم : المصنف وآخرون بأنه لا يصح منه وجزم : البغوي والمتولي والرافعي وآخرون صحته منه ، كالصبي الذي لا يميز في العبادات قالوا : وأما المغمى عليه فلا يجوز أن يحرم عنه غيره لأنه ليس بزائل العقل ، ويرجى برؤه عن قريب ، فهو كالمريض قال المتولي : فلو سافر الولي بالمجنون إلى مكة فلما بلغ أفاق فأحرم ، صح حجه وأجزأه عن حجة الإسلام ، قال : إلا أن ما أنفق عليه قبل إفاقته فقدر نفقة البلد يكون في مال المجنون ، والزيادة في مال الولي ، لأنه ليس له المسافرة به ، هذا كلام المتولي ، وفي كلام غيره خلاف ، كما سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى . أما : من يجن ويفيق فقال أصحابنا : إن كانت مدة إفاقته يتمكن فيها من الحج ووجدت الشروط الباقية ، لزمه الحج وإلا فلا . فرع : قال الشافعي والأصحاب : يشترط لصحة مباشرته بنفسه للحج إفاقته عند الإحرام والوقوف والطواف والسعي دون ما سواها .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الصبي فلا يجب عليه الحج للخبر ، ويصح منه ، لما روى عن ابن عباس : أن امرأة رفعت صبيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من محفتها فقالت : يا رسول الله ألهذا حج قال : نعم ولك أجر فإن كان مميزا فأحرم بإذن الولي صح إحرامه ، بالصلاة ، وقال أكثر أصحابنا : لا يصح لأنه يفتقر في أدائه إلى المال ، فلم يصح بغير إذن الولي ، بخلاف الصلاة ، وإن كان غير مميز جاز لأمه أن تحرم عنه لحديث ابن عباس ، ويجوز لأبيه قياسا على الأم ولا يجوز للأخ والعم أن يحرم عنه ، لأنه لا ولاية

18


19
لهما على الصغير ، فإن عقد له الإحرام فعل بنفسه ما يقدر عليه ، ويفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه ، لما روى جابر قال : حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم وعن عمر قال : كنا نحج بصبياننا فمن استطاع منهم رمي ، ومن لم يستطع رمي عنه وفي نفقة الحج وما يلزمه من الكفارة قولان أحدهما : يجب في مال الولي ، لأنه هو الذي أدخله فيه الثاني : يجب في مال الصبي ، لأنه وجب لمصلحته فكان في ماله كأجرة المعلم .

+ الشرح : حديث ابن عباس رواه مسلم وأما : حديث جابر فرواه الترمذي وابن ماجه بإسناد فيه أشعث بن سوار ، وقد ضعفه الأكثرون ، ووثقه بعضهم ، وقال الترمذي : هو غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، والمحفة بكسر الميم وفتح الحاء وهي مركب من مراكب النساء كالهودج إلا أنها لا تقتب بخلاف الهودج ، فإنه مركب من مراكب النساء يكون مقتبا وغير مقتب ، وكان سؤال المرأة المذكور في حديث ابن عباس في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة ، قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ثلاثة أشهر . أما أحكام الفصل : فقال الشافعي والأصحاب : لا يجب الحج على الصبي ويصح منه سواء في الصورتين ، الصغير كابن يوم والمراهق ، ثم إن كان مميزا أحرم بنفسه بإذن وليه ، ويصح بلا خلاف ، فإن استقل وأحرم بنفسه بغير إذن وليه فوجهان مشهوران ، ذكر المصنف دليلهما أحدهما : صح ، وبه قال أبو إسحق المروزي وأصحهما : لا يصح ، وبه قال أكثر أصحابنا المتقدمين كما ذكره المصنف ، وكذا نقله أيضا ابن الصباغ والبغوي وآخرون وصححه المصنف . قال أصحابنا : فإن قلنا : يصح فلوليه تحليله إذا رآه مصلحة ، ولو أحرم عنه وليه فإن قلنا : يصح استقلال الصبي لم يصح إحرام الولي ، وإلا فوجهان مشهوران ، حكاهما المتولي وآخرون أصحهما : عند الرافعي : يصح ، وقطع البغوي بأنه لا يصح إحرام الولي عنه أبا كان أو جدا ، وقطع به أيضا صاحب الشامل ، وحكي القاضي أبو الطيب في تعليقه وجها عن أبي الحسن بن القطان أنه قال : لا ينعقد إحرام الصبي المميز بنفسه ، لأنه ليس له قصد صحيح قال القاضي : هذا غلط ، فإن له قصدا صحيحا ، ولهذا تصح صلاته وصومه ، وكذا الحج . قال القاضي : فإن قيل : قد قلتم : لا يتولى الصبي إخراج

19


20
فطرته بنفسه وجوزتم هنا إحرامه بنفسه فما الفرق قلنا : الحج لا تدخله النيابة مع القدرة والفطرة تدخلها النيابة مع القدررة فافترقا ، ولأن الفطرة يتولاها الولي والإحرام يفتقر إلى إذن الولي ، فهما سواء ، هذا كله في الصبي المميز أما : الصبي الذي لا يميز ، فقال أصحابنا : يحرم عنه وليه ، قال أصحابنا : سواء كان الولي محرما عن نفسه أو عن غيره أو حلالا ، وسواء كان حج عن نفسه أم لا . وهل يشترط حضور الصبي ومواجهته بالإحرام فيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه والدارمي والرافعي وآخرون ، قال الرافعي : أصحهما : لا يشترط . قال القاضي والدارمي : لو كان الولي ببغداد والصبي بالكوفة ، فأراد الولي أن يعقد الإحرام للصبي وهو في موضعه ففي جوازه وجهان أحدهما : لا يجوز لأنه لو وقع الإحرام فلا يصح في غيبته ، ولأنه لو جاز الإحرام عنه في غبيته ، لجاز الوقوف بعرفات عنه في غيبته عنها ، ولأنه إذا أحرم عنه ، وهو غائب لا يعلم الإحرام ، فربما أتلف صيدا أو فعل غير ذلك من محظورات الإحرام التي لو علم الإحرام لاجتنبها والثاني : يجوز ، لأن المقصود نية الولي ، وذلك يصح ، ويوجد مع غيبة الصبي ، ولكن يكره لما ذكرناه من خوف المحظورات والله أعلم . فرع : وأما الولي الذي يحرم عن الصبي ، أو يأذن له فقد اضطربت طرق أصحابنا فيه . فأنقل جملة من متفرقات كلامهم ثم اختصرها إن شاء الله تعالى وقد اتفق أصحابنا على أن الأب يحرم عنه ويأذن له ، واتفقوا على أن الجد كالأب في ذلك عند عدم الأب ، والمراد بالجد أبو الأب ، فأما مع وجود الأب ، فطريقان أصحهما : لا يصح إحرام الجد ولا إذنه ، لأنه لا ولاية له مع وجود الأب ، وبهذا قطع الدارمي والبغوي والمتولي وغيرهم والثاني : فيه وجهان أصحهما : هذا والثاني : يصح كما يصير مسلما تبعا لجده مع بقاء الأب على الكفر على خلاف المشهور ، والمذهب الأول والله أعلم . قال المتولي : والفرق أن الجد عقد الإسلام لنفسه لا للطفل وصار تبعا له في الإسلام بحكم البعضية ، والبعضية موجودة وأما : الإحجرام فلا يحرم الجد عن نفسه ، وإنما يعقد للطفل فيقتضي ولاية ، ولا ولاية له في حياة الأب ، قال الدارمي وغيره : والجد وإن علا كالأب عند عدم الأب وعدم جد أقرب منه وأما : غير الأب والجد فقال جمهور أصحابنا : إن كان له ولاية بأن يكون وصيا أو قيما من جهة الحاكم صح إحرامه عن الصبي وإذنه في الإحرام للمميز ، وإن لم يكن له ولاية لم يصح على المذهب ، سواء في الأم والأخ والعم وسائر العصبات وغيرهم ، وفيه وجه مشهور أن الأخ والعم وسائر العصبات يجوز لهم ذلك إن لم يكن لهم ولاية ، ولأن لهم

20


21
حقا في الحضانة والتربية ، وفي الأم طريقان قال الجمهور : وهو المذهب إن لم يكن لها ولاية على مال الصبي ، فإن كان له أب أو جد فإحرامها عنه كإحرام الأخ فلا يصح على الصحيح ، وإن كان لها ولاية بأن كانت وصية أو قيمة من جهة القاضي ، أو قلنا بقول الإصطخري : إنها تلى المال بعد الجد صح إحرامها وإذنها فيه . والطريق الثاني : القطع بالصحة مطلقا ، وهو اختيار المصنف وطائفة لظاهر الحديث ، وهي طريقة ضعيفة ، وليس في الحديث تصريح بأن الأم أحرمت عنه ، ولنا وجه أن الوصي والقيم لا يصح إحرامه عنه ، ولا إذنه هذه جملة القول في تحقيق الولي ، قال صاحب البيان : أما الولي الذي يحرم عن الصبي وبأذن المميز فقال الشيخ أبو حامد وعامة أصحابنا : يجوز ذلك للأب والجد لأنهما يليان ماله بغير تولية ، وأما غيرهما من العصبات كالأخ وابن الأخ والعم وابن العم فإن لهم حقا في الحضانة وتعليم الصبي وتأديبه ، وليس لهم التصرف في ماله إلا بوصية أو تولية الحاكم ، فإن كان لهم التصرف في ماله صح إحرامهم عن غير المميز وإذنهم للمييز وإلا فوجهان أحدهما : يجوز كما يجوز لهم تعليقه وتأديبه والإنفاق في ذلك من ماله وأصحهما : ليس بهم ذلك ، لأنهم لا يملكون التصرف في ماله فهم كالأجانب بخلاف النفقة في التأديب والتعليم ، لأنها قليلة فسومح بها . أما : الأم فإن قلنا بقول الإصطخري : إنها تلي المال بعد الجد ، فلها الإحرام والإذم ، وإن قلنا بمذهب الشافعي وهي أنها لا تلي المال بنفسها ، فهي كالإخوة وسائر العصبات قال صاحب البيان : هذه طريقة أبي حامد وعامة أصحابنا قال : وقال صاحب المهذب : الأم تحرم عنه للحديث ، ويجوز للأب قياسا على الأم قال ابن الصباغ : ليس في الحديث أنها أحرمت عنه ، ويحتمل أنه أحرم عنه وليه وإنما جعل لها الأجر لحملها له ومعونتها له في المناسك والأنفاق عليه ) هذا كلام صاحب البيان . وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : قال أبو إسحق المروزي والقاضي أبو حامد في جامعه يجوز للأب والجد أبي الأب الإحرام عنه وكذلك الأم وأم الأم لأن ولادتهما له حقيقة قال أبو الطيب : وقال الشيخ أبو حامد : يجوز لأبيه وجده أبي أبيه ولوصيهما وفي الأخ وابنه والعم وابنه وجهان ، والأم وإن قلنا بقول الإصطخري فكالأب ، وإلا فكالعم والأخ ، هذا كلام أبي الطيب ، وقال المحاملي وابن الصباغ وجمهور العراقيين وصاحب العدة ما حكاه صاحب البيان عن الشيخ أبي حامد وعامة أصحابنا ، ورجح الدارمي صحة إحرام الأم وإن لم يكن لها ولاية المال ، وقال المتولي : للأب والجد عند عدم الأب الإحرام والإذن للمميز ، ولا يجوز ذلك للأم عند عامة أصحابنا ، وجوزه الإصطخري . وأما الإخوة والأعمام فإن لم يكن لهم التصرف في ماله بوصية أو إذن حاكم

21


22
فليس لهم الإحرام على الصحيح ، وفي وجه يجوز لأن لهم الحضانة والقيام بالمصالح وتأديبه إذا ظهر منه ما يقتضي التأديب ، وتعليم الطهارة والصلاة ، قال : فأما الوصي والقيم فجوز لهما الإحرام عنه أصحابنا العراقيون كالتصرف في ماله ، وقال أصحابنا الخراسانيون : لا يجوز لهما ذلك لأنه لا ولاية لهما على نفسه ، والإحرام عقد على نفسه تلزمه أحكامه فهو كالنكاح . هذا كلام المتولي ، وقال البغوي : يجوز للأب والجد والإحرام عنه ، وفي الوصي والقيم وجهان أحدهما : يصح والثاني : لا يصح ، وسبق تعليلهما في كلام المتولي ، وقال الرافعي : الولي الذي يحرم عنه أو يأذن له هو الأب ، وكذا الجد وإن علا عند عدن الأب ولا يجوز مع وجوده على الصحيح ، وفيه أنه يجوز . وفي الوصي والقيم طريقان ، قطع العراقيون بالجواز ، وقال آخرون : فيه وجهان أرجحهما : عند إمام الحرمين المنع ، وفي الأخ والعم وجهان أصحهما : المنع ، وفي الأم طريقان أحدهما : القطع بالجواز وأصحهما : وبه قال الأكثرون إنه مبنى على ولايتها المال ، فعلى قول الإصطخري : تلى المال قبل الإحرام ، وعلى قول الجمهور : لا تلي المال ، فلا تلي الإحرام ، هذا كلام الرافعي . قال الروياني : لو أذن الأب لمن يحرم عن الصبي ففي صحته وجهان ، ولم يبين أصحهما والأصح : صحته ، وبه قطع الدارمي وغيره ، كما يصح أن يوكل الأب في سائر التصرفات المتعلقة بالابن ، واتفقوا على أنه لو أحرم به الولي ثم أعطاه لمن يحضره الحج صح ذلك ، هذا كلام الأصحاب في الولي الذي يحرم عن صبي لا يميز ، ويأذن للمميز ، وحاصله جزاز ذلك للأب ، وكذا الجد عند عدم الأب لا عند وجوده على المذهب ، وإن المذهب جوازه للوصي والقيم ، ومنعه في الأم والإخوة والأعمام وسائر العصبات إذا لم يمن لهم وصية ولا إذن من الحاكم في ولاية المال . وإن شئت قلت : فيه أوجه أحدها : لا يجوز إلا للأب والجد عند عدمه والثاني : يجوز للأب وللحد عند عدم الأب ومع وجوده والثالث : يجوز لهما وللأم والرابع : لهؤلاء وللأخوة وسائر العصبات والخامس : وهو الأصح للأب والجد عند عدمه ، وللوصي والقيم دون غيرهم ، والله أعلم . فرع : قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : صفة إحرام الولي عن الصبي أن ينوي جعله محرما ، فيصير الصبي محرما بمجرد ذلك ، قال القاضي أبو الطيب : هو أن ينويه له ، ويقول : عقدت الإحرام ، فيصير الصبي محرما بمجرد ذلك ، كما إذا عقد له النكاح فيصير متزوجا بمجرد ذلك ، قال الدارمي : ينوي أنه أحرم به أو عقده له أو جعله محرما ، قال صاحب

22


23
العدة : كيفية إحرام الولي عنه أن يخطر بباله أنه قد عقد له الإحرام وجعله محرما فينويه في نفسه . فرع : الصواب في حقيقة الصبي المميز أنه الذي يفهم الخطاب ، ويحسن رد الجواب ومقاصد الكلام ونحو ذلك ، ولا يضبط بسن مخصوص ، بل يختلف باختلاف الأفهام ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : متى صار الصبي محرما بإحرامه أو إحرام وليه عنه فعل بنفسه ما قدر عليه ، وفعل عنه وليه ما لا يقدر عليه الصبي ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : يغسله الولي عند إرادة الإحرام ، ويجرده عن المخيط ، ويلبسه الإزار والرداء والنعلين إن تأتي منه المشي ويطيبه وينظفه ويفعل ما يفعل الرجل ، ثم يحرم أو يحرم عنه على ما سبق من التفصيل ، قال أصحابنا : ويجب على الولي أن يجنبه ما يجتنبه الرجل ، فإن قدر الصبي على الطواف بنفسه علمه فطاف ، وإلا طاف به كما سنوضحه في مسائل الطواف في باب صفة الحج إن شاء الله تعالى ، والسعي كالطواف ، فإن كان غير مميز صلى الولي عنه ركعتي الطواف بلا خلاف ، صرح به الشيخ أبو حامد في تعليقه والدارمي والأصحاب ، ونقله أبو حامد عن نص الشافعي في الإملاء ، وإن كان مميزا أمره بهما فصلاها الصبي بنفسه ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والدارمي والبندنيجى ، ويشترط إحضار الصبي عرفات بلا خلاف ، سواء المميز وغيره ، ولا يكفي حضور الولي عنه ، وكذا يحضر مزدلفة والمشعر الحرام ومنى وسائر المواقف ، لأن كل ذلك يمكن فعله من الصبي . قال أصحابنا : ويجمع الولي في إحضاره عرفات بين الليل والنهار ، فإن ترك الجمع بين الليل والنهار ، أو ترك منبيت المزدلفة أو مبيت ليالي منى ، وقلنا : بوجوب الدم في كل ذلك ، وجب الدم في مال الولي بلا خلاف ، صرح به الدارمي وغيره ، لأن التفريط من الولي بخلاف ما سنذكره إن شاء الله تعالى في فدية ما يرتكبه الصبي من المحظورات على أحد القولين . قال أصحابنا : وأما : الطفل فإن قدر على الرمي أمره به الولي ، وإلا رمى عنه من ليس عليه فرض الرمي ، قال أصحابنا : ويستحب أن يضع الحصاة في يد الطفل ، ثم يأخذ بيده ويرمي بالحصاة ، وإلا فبأخذها من يده ثم يرميها الولي ولو لم يضعها في يده بل رماها الولي ابتداء جاز وأما : إذا كان على الولي رمي عن نفسه فإن رمى ونوى به نفسه أو أطلق وقع عن نفسه ، وإن نواه عن الصبي فوجهان حكاهما البغوي أحدهما : يقع عن الصبي لأنه نواه والثاني : وبه قطع البندنيجى والمتولي : يقع عن الولي لا عن الصبي ، لأن مبنى

23


24
الحج على أن لا يتبرع به مع قيام الفرض ، ولو تبرع وقع فرضا لا تبرعا ، قال المتولي : والفرق بينه وبين الطواف إذا حمل الولي الصبي وطاف به على أحد القولين أن صورة الطواف وهي الدوان وجدت من الصبي بخلاف الرمي ، فنظيره في الطواف أن يطوف الولي غير حامل للصبي ، وينوي عن الصبي ، فإنه لا يقع عن الصبي بلا خلاف وقد قال الروياني وغيره : لو أركبه الولي دابة وهو غير مميز فطافت به لم يصح إلا أن يكون الولي سائقا أو قائدا ، وإنما ضبطوه بغير المميز لأن المميز لو ركب دابة وطاف عليها صح بلا خلاف ، لأن الفعل منسوب إليه فأشبه البالغ ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : نفقة الصبي في سفره في الحج يجسب منها قدر نفقته في الحضر ، من مال الصبي ، وفي الزائد بسبب السفر خلاف ، حكاه المصنف والقاضي أبو الطيب في بعض كتبه ، وصاحبا الشامل والتهذيب والشاشي وآخرون قولين ، وحكاهما الشيخ أبو حامد والمحاملي والبندنيجى والقاضي أبو الطيب في تعليقه والمتولي وغيرهم : المنصوص في الإملاء مخرج ، واتفق الأصحاب على أن الصحيح وجوبه في مال الولي والثاني : يجب في مال الصبي ، فعلى هذا لو أحرم بغير إذنه وصححناه حلله ، فإن لم يفعل أنفق عليه من مال الولي ، هكذا ذكر المسألة جميع الأصحاب ، ولم يذكر المصنف أن القولين مخصوصان بالزائد على نفقة الحضر ، ولا خلاف في ذلك ، وقد نقل الاتفاق عليه الشيخ أبو حامد وغيره وكأن المصنف أهمله لظهوره ، والفرق بينه وبين عامل القراض فإنه إذا سافر بإذن المالك وقلنا : تجب نفقته في مال القراض فإنه يجب كل النفقة على قول لأن عامل القراض معطل في سفره عن بعض مكاسبه التي كانت في الحضر ، فجرت له بخلاف الصبي فإن مصلحة السفر مختصة به . وأما : قول المصنف في تعليل القول الثاني : إنها تجب في مال الصبي لأنها وجبت لمصلحته ، فكانت في ماله كأجرة التعليم فهذا اختيار منه للأصح أن أجرة التعليم تجب في مال الصبي مطلقا وقد سبق في مقدمة هذا الشرح في أول كتاب الصلاة وجه أن أجرة تعلمه ما ليس متعينا بعد البلوغ فيما زاد على الفاتحة والفرائض وغير ذلك في مال الولي ، فحصل أن الأصح وجوب نفقة الحج في مال الولي ، ووجوب أجرة تعلم ما ليس بواجب في مال الصبي ، والفرق أن مصلحة التعلم كالضرورية وإذا لم يجعلها الولي في صغر الصبي احتاج الصبي إلى استدراكها بعد بلوغه بخلاف الحج . قال الشيخ أبو حامد : ولأن مؤنة التعليم يسيرة غالبا لا تجحف بمال الصبي بخلاف الحج والله أعلم .

24


25
فرع : قال المتولي : ليس للولي أن يسلم النفقة إلى الصبي ، ولكن إن كان معه أنفق عليه ، وإن لم يكن معه سلم المال إلى أمه لتنفق عليه ، فلو سلمه إلى الصبي فإن كان المال في مال الولي فلا شيء على أحد ، وإن كان من مال الصبي ضمنه الولي لتفريطه ، والله أعلم . فرع : قد سبق أنه يجب على الولي منع الصبي من محظورات الإحرام فلو تطيب أو لبس ناسيا فلا فدية قطعا ، وإن تعمد قال أصحابنا : ينبى ذلك على القولين المشهورين في كتاب الجنايات أن عمد الصبي عمد أم خطأ الأصح أنه عمد فإن قلنا : خطأ فلا فدية ، وإلا وجبت ، قال إمام الحرمين : وبهذا قطع المحققون لأن عمده في العبادات كعمد البالغ ، ولهذا لو تعمد في صلاته كلاما أو في صومه أكلا بطلا ، وحكى الدارمي قولا غريبا أنه إن كان الصبي ممن يلتذ بالطيب واللباس وجبت وإلا فلا ، ولو حلق أو قلم ظفرا أو قتل صيدا عمدا ، وقلنا : عمد هذه الأفعال وسهوها سواء وهو المذهب ، وجبت الفدية ، وإلا فهي كالطيب واللباس . ومتى وجبت الفدية ، فهل هي في مال الصبي أم في مال الولي فيه قولان مشهوران حكاهما القاضي أبو الطيب والمحاملي وابن الصباغ والبغوي والمتولي وخلائق قولين ، وحكاهما الشيخ أبو حامد والبندنيجى وآخرون وجهين ، ودليلهما ما سبق في النفقة ، واتفقوا على أن الأصح أنها في مال الولي وهو مذهب مالك ، قال أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجى وآخرون : هذا القول هو المنصوص في الإملاء قال أبو الطيب : والقول الثاني أنها في مال الصبي هو نصه في القديم وحكاه أبو حامد وجها مخرجا ، وأما المحاملي في المجموع فقال : نص في الإملاء أنها في مال الصبي وفي الأم أنها في مال الولي والله أعلم . وهذان القولان إنما هما فيما إذا أحرم بإذن الولي فإن أحرم بغير إذنه وصححناه فالفدية في مال الصبي بلا خلاف كما لو أتلف شيئا لآدمي ، صرح به المتولي وغيره وحكى الدارمي والرافعي وجها في أصل المسألة أنه إن كان الولي أبا أو جدا فالفدية في مال الصبي ون كان غيرهما ففي ماله قال الدارمي : هذا الوجه قاله ابن اقطان في كل فدية تجب بفعل الصبي وهذا غريب ضعيف والله أعلم . ومتى قلنا : الفدية على الولي فهي كالفدية الواجبة على البالغ بفعل نفسه ، فإن اقتضت صوما أو غيره فعله وأجزأه وإذا قلنا : إنها في مال الصبي فإن كانت مرتبة فحكمها حكم كفارة القتل وإن كانت فدية تخيير بين الصوم وغيره واختار أن يفدي الصبي بالصوم فهل يصح منه في حال الصبا فيه وجهان مشهوران حكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه والمتولى وآخرون بناء على الخلاف الذي سنذكره فيها إن شاء الله تعالى في قضاء الحج

25


26
الفاسد في حال الصبا وأصحهما : يجزئه قال أبو الطيب والدارمي وهو قول القاضي أبي حامد المروروذي : لأن صوم الصبي صحيح والثاني : لا ، لأنه يقع واجبا ، والصبي ليس ممن يقع عنه واجب ، قال الدارمي : هذا الوجه قول ابن المرزبان . ولو أراد الولي في فدية التخيير أن يفدي عنه بالمال لم يجز لأنه غير متعين فلا يجوز صرف المال فيه هكذا قطع به جماعة وأشار المتولي إلى خلاف فيه فقال : لا يجوز على المذهب . فرع : لو طيب الولي الصبي وألبسه أو حلق رأسه أو قلمه ، فإن لم يكن لحاجة الصبي ، فالفدية في مال الولي بلا خلاف ، وكذا لو طيبه أجنبي فالفدية في مال الأجنبي بلا خلاف ، صرح بها البغوي وآخرون ، وهل يكون الصبي طريقا في ذلك فيه وجهان حكاهما البغوي وآخرون فإن قلنا : لا ، لم يتوجه في مال الصبي مطالبة ، وإلا طولب ورجع على الأجنبي أو الولي عند يساره أو إمكان الأخذ منه والأصح أنه لا يكون طريقا . وإن فعل الولي ذلك لحاجة الصبي ومصلحته فطريقان أحدهما : القطع بأنها في مال الولي . لأنه الفاعل وأصحهما : وبه قطع البغوي وآخرون أنه كمباشرة الصبي ذلك فيكون فيمن يجب عليه الفدية القولان السابقان أصحهما : الولي والثاني : الصبي والله أعلم . ولو ألجأه الولي إلى التطيب فالفدية في مال الولي بلا خلاف صرح به الدارمي وغيره قال الدارمي وغيره : ولو فوته الولي الحج فالفدية في مال الولي بلا خلاف . فرع : قال المتولي : إذا تمتع الصبي أو قرن فحكم دم التمتع ودم القران حكم الفدية بارتكاب المحظورات ففيها الخلاف السابق لوجود المعنى الموجود هناك . فرع : لو جامع الصبي في إحرامه ناسيا أو عامدا ، وقلنا : عمده خطأ ففي فساد حجه القولان المشهوران في البالغ إذا جامع ناسيا أصحهما : لا يفسد حجه والثاني : يفسد ، وإن جامع عامدا وقلنا : عمده عمد ، فسد بلا خلاف ، وإذا فسد فهل يجب عليه قضاؤه فيه قولان مشهوران ، وحكاهما القاضي أبو الطيب في تعليقه وجهين والمشهور قولان أصحهما : يجب ، اتفقوا على تصحيحه ، ممن صححه المحاملي والبغوي والمتولي والرافعي وآخرون ، لأنه إحرام صحيح ، فوجب القضاء إذا أفسده ، كحج التطوع في حق البالغ والثاني : لا يجب لأنه ليس أهلا لأداء فرض الحج ، فإن قلنا : يجب القضاء ، فهل يصح منه في حال الصبا فيه خلاف مشهور ، حكاه المصنف في باب محظورات الإحرام ، والبغوي وطائفة قولين ، وحكاه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجى والمحاملي والجمهور وجهين أصحهما : باتفاق الأصحاب أنه يجزئه ممن صرح

26


27
بتصحيحه الشيخ أبو حامد والمحاملي وصاحب الشامل والرافعي وآخرون ، قال الشيخ أبو حامد والبندنيجى : وهو المنصوص لأنه لما صلحت حالة الصبا للوجوب على الصبي في هذا ، صلحت لإجزائه والثاني : لا يجزئه لأن الصبا ليس محل أداء الواجبات . فعلى هذا قال أصحابنا : إذا بلغ ينظر في الحجة التي أفسدها ، إن كانت بحيث لو سلمت من الإفساد لأجزأته عن حجة الإسلام بأن بلغ قبل فوات الوقوف وقع القضاء عن حجة الإسلام ، وإن كانت بحيث لا تجزىء لو سلمت من الفساد ، بأن بلغ بعد الوقوف لم يقع القضاء عن حجة الإسلام ، بل عليه أن يبدأ بحجة الإسلام ثم يقضي ، فإن نوى القضاء أولا وقع عن حجة الإسلام بلا خلاف ، كما سيأتي إيضاحه بدليله إن شاء الله تعالى . هكذا ذكر هذا التفصيل الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي وسائر الأصحاب ، ولا خلاف فيه قال أبو حامد والمحاملي في المجموع : وهذا أصل لكل حجة فاسدة إذا قضيت هل تقع عن حجة الإسلام فيها هذا التفصيل . قال أصحابنا : وإذا جوزنا القضاء في مال الصبي فشرع فيه ، وبلغ قبل الوقوف ، انصرف إلى حجة الإسلام وعليه القضاء . قال أصحابنا : وحيث فسد حج الصبح ، وقلنا : يجب القضاء ، وجبت الكفارة ، وهي بدنة وإن لم نوجب القضاء ففي البدنة وجهان أصحهما : الوجوب ، وبه قطع الشيخ أبو حامد الإسفرايني والقاضي أبو الطيب في تعليقهما والمحاملي وصاحب الشامل وآخرون ونقل المحاملي وصاحب الشامل الاتفاق عليه ، وإذا وجبت البدنة فهل تجب في مال الولي وإذا أوجبنا القضاء فنفقة القضاء هل تجب في مال الولي أم الصبي فيه الخلاف كالبدنة ، صرح به الدارمي وغيره ، وقد ذكر المصنف هذا الفرع في باب محظورات الإحرام ، وذكره الأصحاب هنا ، فرأيت ذكره هنا أولى لوجهين موافقة : الجمهور والمبادرة : إلى الخيرات ، والله تعالى أعلم . فرع : قال المتولي : لو صام الصبي في شهر رمضان وجامع فيه جماعا يفسد صومه ، وقلنا : إن وطأة في الحج عامدا يوحب الفدية ، ففي وجوب كفارة الوطء في الصوم وجهان أحدهما : تلزمه كما تلزمه البدنة بإفساد الحج والثاني : لا تلزمه . فرع : قال القاضي أبو الطيب في تعليقه والدارمي : إذا نوى الولي أن يعقد الإحراك للصبي ، فمر به على الميقات ولم يعقده ، ثم عقده بعده فوجهان أحدهما : تجب الفدية في مال الولي خاصة لأنه لو مر بالميقات مريدا للنسك ولم يحرم ، لزمته الفدية فكذلك هنا . ولأنه لو عقد الإحرام للصبي ثم فوت الحج وجبت الفدية في مال الولي والثاني : لا تجب

27


28
الفدية لا على الولي ولا في مال الصبي أما : الولي فلأنهم غير محرم ولم يرد الإحرام وأما : الصبي فلأنه لم يقصد الإحرام . فرع : قال الرافعي : حكم المجنون حكم الصبي الذي لا يميز في جميع ما سبق ، قال : ولو خرج الولي بالمجنون بعد استقرار فرض الحج عليه ، وأنفق على المجنون من ماله نظر إن لم يفق حتى فات الوقوف غرم الولي زيادة نفقة السفر ، وإن أفاق وأحرم وحج فلا غرم ، لأنه قضى ما عليه ، ويشترط لحالة الحلق ، قال وقياس كونه نسكا اشتراط الإفاقة فيه كسائر الأركان ، وهذا كلام الرافعي ، وقال : هو قبل هذا الجنون كصبي لا يميز ، يحرم عنه وليه ، قال : وفيه وجه ضعيف أنه لا يجوز الإحرام عنه ، لأنه ليس من أهل العبادات . وقد سبق بيان هذا الخلاف في صحة إحرام الولي عنه ، وقد ذكر إمام الحرمين والمتولي والبغوي نحو هذا الذي ذكره ، وقولهم : يشترط إفاقته عند الإحرام وسائر الأركان . معناه يشترط ذلك في وقوعه عن حجة الإسلام وأما : وقوعه تطوعا ، فلا يشترط فيه شيء من ذلك ، كما قالوا في صبي لا يميز ولهذا قالوا : هو كصبي لا يميز ، وسيأتي إيضاحه مبسوطا في فصل الوقوف بعرفات إن شاء الله تعالى . فرع : اتفق أصحابنا العراقيون والخراسانيون وغيرهم ، أن المغمى عليه ومن غشى لا يصح إحرام وليه عنه ولا رفيقه عنه لأنه غير زائل العقل ويرجى برؤه عن قرب ، فهو كالمريض . قال أصحابنا : لو خرج في طريق الحج فأغمى عليه عند الميقات قبل أن يحرم ، لم يصح إحرام وليه ولا رفيقه عنه ، سواء كان أذن فيه قبل الإغماء أم لا ، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد وأحمد وداود وقال أبو حنيفة : يصح إحرام رفيقه عنه استحسانا ، ويصير المغمى عليه محرما ، لأنه علم من قصده ذلك ، ولأنه يشق عليه تفويت الإحرام . قال القاضي أبو الطيب : واحتج لأبي حنيفة أيضا بأن الإحرام أحد أركان الحج فدخلته النيابة للعجز كالطواف ، قالوا : وقياسا على الطفل ، قال القاضي : ودليلنا أنه بلغ فلم يصح عقد الإحرام له من غيره كالنائم فإن قيل : المغمى عليه إذا نبه لا ينتبه بخلاف النائم قلنا : هذا الفرق يبطل بإحرام غير رفيقه قال القاضي : وقياسهم على الطواف لا نسلمه ، لأن الطواف لا تدخله النيابة ، حتى ولو كان مريضا لم يجز لغيره الطواف عنه ، بل يطاف به محمولا وأما : قياسهم على الطفل فالفرق أن الإغماء يرى زواله عن قرب بخلاف الصبا ، ولهذا يصح أن يعقد الولي النكاح للصبي دون المغمى عليه ، والله أعلم .

28


29
فرع : اتفق أصحابنا على أن المريض لا يجوز لغيره أن يحرم له فيصير محرما ، سواء كان مريضا مأيوسا منه أو غيره ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : والفرق بينه وبين الطفل أن نائب المريض يحتاج أن يفعل عنه كل الأفعال ، فإنها متعذرة منه بخلاف الطفل ، فإنه يتأتى منه معظم الأفعال . فرع : في مذاهب العلماء في حج الصبي . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يصح الحج ، ولا يجب عليه فأما : عدم وجوبه على الصبي فمجمع عليه ، قال ابن المنذر في الإشراف : أجمع أهل العلم على سقوط فرض الحج عن الصبي وعن المجنون والمعتوه ، قال : وأجمعوا على أن المجنون إذا حج ثم أفاق أو الصبي إذا حج ثم بلغ أنه لا يجزئهما عن حجة الإسلام ، قال : وأجمعوا على أن جنايات الصبيان لازمة لهم وأما : صحة حج الصبي فهو مذهبنا ومذهب مالك وأحمد داود ، وجماهير العلماء من السلف والخلف وأشار ابن المنذر إلى الإجماع فيه ، وقال أبو حنيفة في المشهور عنه : لا يصح حجه ، وصححه بعض أصحابه واحتج له بحديث رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي ختى يبلغ إلى آخره ، وهو صحيح سبق بيانه قريبا . وقياسا على النذر ، فإنه لا يصح منه ، ولأنه لا يجب عليه ، ولا يصح منه ، ولأنه لو صح منه لوجب عليه قضاؤه إذا أفسده ، ولأنه عبادة بدنية فلا يصح عقدها من الولي للصبي كالصلاة . واحتج أصحابنا : حديث ابن عباس أن امرأة رفعت صبيا في حجة الوداع فقالت : يا رسول الله ألهذا حج قال : نعم ولك أجر رواه مسلم ، وعن السائب بن يزيد رضي الله عنه قال : حج بي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأنا ابن سبع سنين رواه البخاري ، وبحديث جابر : حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم رواه ابن ماجه ، وسبق بيانه في أول الفصل ، وقياسا على الطهارة والصلاة ، فإن أبا حنيفة صححهما منه ، وكذا صحح حجه عنده بلا خلاف ، ونقله خطأ منه وصحح إمامة الصبي في النافلة . وأما : الجواب عن حديث : رفع القلم فمن

29


30
وجهين أحدهما : المراد رفع الإثم لا إبطال أفعاله الثاني : أن معناه لا يكتب عليه شيء ، وليس فيه منع الكتابة له وحصول ثوابه والجواب : عن قياسهم على النذر من وجهين ذكرهما القاضي أبو الطيب والأصحاب أحدهما : أنه ينكسر بالوضوء والصلاة ، فإنه لا يصح منه نذرهما ويصحان منه ، وقد سبق أن الكسر هو أن توجد معنى العلة ولا حكم ، والنقض أن توجد العلة ولا حكم ، وقد أوضحت هذا في باب صدقة المواشي حيث ذكره المصنف والثاني : أن النذر التزام بالقول ، وقول الصبي ساقط بخلاف الحج فإنه فعل ونية فهو كالوضوء وأما : قولهم لا يجب عليه ولا يصح منه فجوابه من وجهين أحدهما : أنه منتقض بالوضوء والثاني : أن عدم الوجوب للتخفيف وليس في صحته تغليظ . وأما : قولهم : لوجب قضاؤه إذا أفسده فنحن نقول به وهو الصحيح عندنا كما سبق بيانه والجواب : عن قولهم : عبادة بدنية إلى آخره أن الفرق ظاهر ، فإن الحج تدخله النيابة بخلاف الصلاة والله أعلم . قال إمام الحرمين في كتابه الأساليب : المعول عليه عندنا في مسألة الأخبار الصحيحة التي لا تقبل التأويل ، وذكر بعض ما سبق من الأحاديث ، ثم ذكر دلائل من حيث القياس والمعنى ، ثم قال : وهذا تكلف بعد الأخبار الصحيحة قال : ولا يستقيم لهم فرق أصلا بين الصلاة والحج فإن قالوا : في الحج مؤنة قلنا : تلك المؤن في مال الولي على الصحيح ، فلا ضرر على الصبي فإن قالوا : فيه مشقة قلنا : مشقة المواظبة على الصلاة والطهارة وشروطهما أكثر ، والله أعلم . وقال ابن عبد البر في التمهيد : صحح حج الصبي مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز والثوري وسائر فقهاء الكوفة ، والأوزاعي والليث وسائر من سلك سبيلهما من أهل الشام ومصر قال : وكل من ذكرناه يستحب الحج بالصبيان ويأمر به قال : وعلى هذا جمهور العلماء من كل قرن ، قال : وقالت طائفة لا يحج بالصبي ، وهذا قول لا يعرج عليه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج بأغيلمة بني عبد المطلب وحج السلف بصبيانهم قال : وحديث المرأة التي رفعت الصبي وقالت : ألهذا حج قال نعم ولك أجر قال : فسقط كل ما خالف هذا والله أعلم . وقال القاضي عياض : أجمعوا على أن الصبي إذا حج ثم بلغ لا يجزئه عن حجة الإسلام إلا فرقة شذت لا يلتفت إليها ، قال : وأجمعوا على إنه يحج به إلا طائفة من أهل البدع منعوا ذلك ، وهو مخالف لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإجماع الأمة ، والله أعلم .

30


31
فرع : قال أصحابنا وغيرهم : يكتب للصبي ثواب ما يعمله من الطاعات كالطهارة والصلاة والصوم والزكاة والاعتكاف والحج والقراءة ، والوصية والتدبير إذا صححناهما ، وغير ذلك من الطاعات ، ولا يكتب عليه معصية بالإجماع ، ودليل هذه القاعدة الأحاديث الصحيحة المشهورة كحديث : ألهذا حج قال : نعم ولك أجر وحديث السائب بن يزيد وجابر وغيرهما مما سبق هنا ، وحديث صلاة ابن عباس مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وحديث تصويم الصبيان يوم عاشوراء ، وهو في الصحيحين ، وحديث : مروا أولادكم بالصلاة لسبع وهو صحيح وسبق بيانه ، وحديث إمامة عمرو بن سلمة وهو ابن سبع سنين ، وهو في البخاري ، وأشباه ذلك .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما العبد فلا يجب عليه ( الحج لأن منافعه مستحقة لمولاه وفي إيجاب الحج عليه إضرار بالمولى ) ويصح منه ، لأنه من أهل العبادة ، فصح منه الحج كالحر ، فإن أحرم بإذن السيد وفعل ما يوجب الكفارة ، فإن ملكه السيد مالا ، وقلنا : إنه يملكه لزمه الهدي وإن قلنا : لا يملك أو لم يملكه السيد ( وجب ) عليه الصوم ، ( ويجوز ) للسيد أن يمنعه من الصوم ، لأنه لم يأذن في سببه ، وإن أذن له في التمتع أو القران وقلنا : لا يملك المال صام ، وليس للمولى منعه من الصوم لأنه وجب بإذنه وإن قلنا : ( إنه ) يملك ففي الهدي قولان أحدهما : يجب فيمال السيد ، لأنه وجب بإذنه والثاني : لا يجب عليه ، لأن إذنه رضاء بوجوبه على عبده لا في ماله ، ولأن موجب التمتع في حق العبد هو الصوم ، لأنه لا يقدر على الهدي ، فلا يجب عليه الهدي .

+ الشرح : أجمعت الأمة على أن العبد لا يلزمه الحج ، لأن منافعه مستحقة لسيده ، فليس هو مستطيعا ، ويصح منه الحج بإذن سيده وبغير إذنه بلا خلاف عندنا ، قال

31


32
القاضي أبو الطيب : وبه قال الفقهاء كافة ، وقال داود : لا يصح بغير إذنه . دليلنا ما ذكره المصنف ، قال أصحابنا : فإن أحرم بإذنه لم يكن للسيد تحليله ، سواء بقي نسكه صحيحا أو أفسده ، ولو باعه والحالة هذه لم يكن للمشتري تحليله ، وله الخيار إن جهل إحرامه ، قال أصحابنا : ويصح بيعه بلا خلاف ، ويخالف بيع العين المستأجرة على قول ، لأن يد المستأجر تمنع المشتري من التصرف بخلاف العبد ، ولو أحرم بغير إذنه فالأولى أن يأذن له في إتمام نسكه ، فإن حلله جاز على المذهب ، وبه قطع المصنف في باب الفوات والإحصار وجمهور الأصحاب . وحكى ابن كج وجها أنه ليس له تحليله ، لأنه يلزم بالشروع تخريجا من أحد القولين في المزوجة إذا أحرمت بحج تطوع ، وهذا شاذ منكر ، لأن إذن السيد تبرع فجاز الرجوع فيه كالعارية ، فلو باعه والحالة هذه فللمشتري تحليله ولا خيار له ، ذكره البندنيجى والجرجاني في المعاياة وآخرون ، ولو أذن له في الإحرام فله الرجوع في الإذن قبل الإحرام ، فإن رجع ولم يعلم العبد فأحرم فهل له تحليله فيه وجهان مشهوران في طريقتي العراق وخراسان ، قال أصحابنا : هما مبنيان على القولين فيما إذا عزل الموكل الوكيل ، وتصرف بعد العزل وقبل العلم أصحهما : له تحليله كما أن الأصح هناك بطلان تصرفه . وإن علم العبد رجوع السيد قبل الإحرام ثم أحرم فله تحليله وجها واحدا ، لأنه أحرم بغير إذن ، ويجيء فيه الوجه السابق عن حكاية ابن كج ، وإن رجع السيد بعد إحرام العبد لم يصح رجوعه ولم يكن له تحليله عندنا . وقال أبو حنيفة : له ذلك كالعارية يرجع فيها متى شاء ، ودليلنا : إنه عقد عقده بإذن سيده فلم يكن لسيده إبطاله كالنكاح ، ولأن من صح إحرامه بإذن غيره لم يكن للغير إبطاله كالزوج والجواب : عن العارية أن الرجوع فيها لا يبطل ما مضى بخلاف الإحرام والله أعلم . قال أصحابنا : ولو أذن له في العمرة فأحرم بالحج فله تحليله ، ولو كان بالعكس لم يكن له تحليله ، هكذا ذكره البغوي ، قال : لأن العزرة دون الحج . وقال الدارمي : إن إذن له في حج فأحرم بعمرة أو في عمرة فأحرم بحج فله تحليله ، وقيل : لا يحلله ، وذكر الرافعي كلام البغوي ، ثم قال فيما إذا أذن في حج فأحرم بعمرة : ظنى أنه لا يسلم عن خلاف ، هذا كلام الرافعي فحصل في الصورتين ثلاثة أوجه أصحها : وبه قطع البغوي له أن يحلله فيما إذا أذن في عمرة فأحرم بحج دون عكسه والثاني : له تحليله فيهما ، وهو اختيار الدارمي والثالث : ليس له فيهما ، وهذا غلط في صورة الإذن في عمرة ، لأنه زيادة على المأذون فيه ، ولو أذن له في التمتع فله منعه من الحج بعد تحلله من العمرة وقبل إحرامه بالحج ، كما لو رجع في الإذن

32


33
قبل الإحرام بالعمرة ويجيى فيه الوجه السابق عن ابن كج وليس له تحليله من العمرة ولا من الحج بعد الشروع فيهما . ولو أذن في الحج أو التمتع فقرن ليس له تحليله بالاتفاق ، صرح به البغوي وآخرون ، لأن الإذن في التمتع إذن في الحج هذا هو المعروف ، وفي كلام الدارمي إشارة إلى خلاف فيه ، فإنه قال : لو أذن له في القران فأفرد أو تمتع يحتمل وجهين ، وكذا إن أذن في الإفراد فقرن أو تمتع ، وكذا لو أذن في التمتع أو الإفراد فقرن ، هذا آخر كلام الدارمي . قال الدارمي : فلو أذن في الإحرام مطلقا فأحرم وأراد صرفه إلى نسك وأراد السيد غيره فوجهان أحدهما : القول قول العبد والثاني : هو كاختلاف الزوجين إذا قالت : راجعتني بعد انقضاء عدتي ، وقال : قبلها فإن قلنا : قولان فمثله وإن قلنا : القول قول الزوج في الرجعة ، وقولها في انقضاء العدة فمثله وإن قلنا : يراعى السابق بالدعوى فمثله ، قال البغوي وغيره : ولو أذن له في الإحرام في ذي القعدة فأحرم في شوال ، فله فيه تحليله قبل دخول ذي القعدة ولا يجوز بعد دخوله ، قال الدارمي : ولو أن له في الإحرام من مكان فأحرم من غيره فله تحليله ، ومراد الدارمي إذا أحرم من أبعد منه قال الدارمي : ولو قال العبد لسيده أذنت لي في الإحرام وقال السيد : لم آذن فالقول قول السيد ، قال : ولونذر العبد حجا ، ففي صحته وجهان ، فإن صححنا فعله بعد عتقه وبعد حجة الإسلام ، وإن أذن له السيد في فعله رقيقا ففعله ، ففي صحته الوجهان المشهوران في قضاء الصبي والعبد الحجة الفاسدة في حال الصبا والرق ، والأصح عند الأصحاب صحة نذره والله أعلم . قال أصحابنا : وأم الولد والمدبر والأمة المزوجة والمعلق عتقه بصفة ، ومن بعضه رقيق كالعبد القن في كل ما ذكرناه وما سنذكره إن شاء الله تعالى في إحرام العبد وما يتعلق به سواء ، ولو أحرم المكاتب بغير إذن مولاه ففي جواز تحليله لسيده طريقان أحدهما : فيه قولان كمنعه من سفر التجارة والثاني : له تحليله قطعا لأن للسيد منفعة في سفره للتجارة ، بخلاف الحج ، وهذا الثاني أصح ، وممن صححه البندنيجى . وقد ذكر المصنف المسألة في آخر باب الفوات والإحصار ، والله أعلم . فرع : إذا أفسد العبد الحجة بالجماع فهل يلزمه القضاء فيه طريقان أحدهما : فيه وجهان كالصبي حكاه القاضي أبو الطيب في تعليقه والبندنيجى والمصنف في باب محظورات الإحرام وطائفة قليلة الصحيح : لزومه والثاني : لا يلزمه ، وهذا الطريق غريب والطريق الثاني : وهو الصحيح وبه قطع جماهير الأصحاب في كل الطرق أنه يلزمه القضاء بلا خلاف ، لأنه مكلف بخلاف الصبي على قول ، وهل يجزئه القضاء في حال

33


34
رقه فيه قولان كما سبق في الصبي أصحهما : يجزئه القضاء في حال رقه فيه قولان كما سبق في الصبي أصحهما : يجزئه فإن قلنا لم يلزم السيد أن يأذن له في القضاء إن كان إحرامه الأول بغير إذنه ، وكذا إن كان بإذنه على أصح الوجهين ، لأنه لم يأذن في الإفساد ، هكذا ذكره البندنيجى والبغوي وآخرون وهو الصحيح . وقال المصنف في باب محظورات الإحرام وآخرون : إن قلنا : القضاء على التراخي لم يلزم السيد الإذن ، وإلا فوجهان ، قال المصنف وسائر الأصحاب فإذا قلنا : يجزئه القضاء في حال الرق فشرع فيه فعتق قبل الوقوف بعرفات أو حال الوقوف أجزأه عن حجة الإسلام ، وإن قضى بعد العتق فهو كالصبي إذا قضى بعد البلوغ ، فإن كان عتقه قبل الوقوف أو حال الوقوف أجزأه القضاء عن حجة الإسلام ، لأنه لولا فساد الأداء لأجزأه عن حجة الإسلام ، وإن كان عتقه بعد الوقوف لم يجزه القضاء عن حجة الإسلام ، فعليه حجة الإسلام ، ثم حجة القضاء . وقد سبق بيان هذا واضحا قريبا في جماع الصبي في الإحرام ، وذكرنا هناك القاعدة المتناولة لهذه المسألة ونظائرها ، والله أعلم . فرع : كل دم لزم العبد المحرم بفعل محظور كاللباس والصيد أو بالفوات لم يلزم السيد بحال ، سواء أحرم بإذنه أو بغيره لأنه لم يأذن في ارتكاب المحظور ، ثم إن المذهب الصحيح الجديد أن العبد لا يملك المال بتمليك السيد وعلى القديم يملكه ، فإن ملكه وقلنا : يملك لزمه إخراجه وعلى الجديد فرضه الصوم ، وللسيد منعه في حال الرق إن كان أحرم بغير إذنه ، وكذا بإذنه على أصح الوجهين ، لأنه لم يأذن في التزامه ، ولو قرن أو تمتع بغير إذن سيده فحكم دم القران والتمتع حكم دماء المحظورات ، وإن قرن أو تمتع بإذنه فهل يجب الدم على السيد أم لا قال في الجديد : لا يجب ، وهو الأصح وفي القديم قولان أحدهما : هذا والثاني : يجب ، بخلاف ما لو أذن له في النكاح ، فإن السيد يكون ضامنا للمهر على القول القديم قولا واحدا لأنه لا بدل للمهر وللدم بدل وهو الصوم والعبد من أهله . وعلى هذا لو أحرم بإذن السيد فأحصر وتحلل فإن قيل : لا بدل لدم الإحصار صار السيد ضامنا على القديم قولا واحدا وإن قلنا : له بدل ففي صيرورته ضامنا له في القديم قولان وإذا لم نوجب الدم على السيد فواجب العبد الصوم وليس لسيده منعه على أصح الوجهين وبه قطع البندنيجى لإذنه في سببه ولو ملكه سيده هديا وقلنا يملكه أراقه وإلا لم تجز إراقته ، ولو أراقه السيد عنه فعلى هذين القولين ، ولو أراق عنه بعد موته أو أطعم عنه جاز قولا واحدا لأنه حصل الإياس من تكفيره ، والتمليك بعد الموت ليس بشرط ولهذا لو تصدق عن ميت جاز . وهذا الذي ذكرناه من

34


35
جواز الهدي والإطعام عنه بعد موته بلا خلاف فيه ، صرح به الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والمحاملي والبندنيجى والبغوي والمتولي وسائر الأصحاب ، وصرحوا بأنه لا خلاف فيه ، قال أصحابنا : ولو عتق قبل صومه ووجد هديا ، فعليه الهدى إن اعتبرنا في الكفارة حال الأداء ، أو الأغلظ ، وإن اعتبرنا حال الوجوب فله الصوم وهل له الهدي فيه قولان حكاهما البغوي وآخرون أصحهما : له ذلك كالحر المعسر يجد الهدى والثاني : لا ، لأنه لم يكن من أهله حال الوجوب بخلاف الحر المعسر والله أعلم . فرع : إذا نذر العبد الحج ، فهل يصح منه في حال رقه قال الروياني فيه وجهان كما في قضاء الحجة التي أفسدها . فرع : قال أصحابنا : حيث جوزنا للسيد تحليله أردنا أنه يأمره بالتحلل لا أنه يستقل بما يحصل به التحلل ، لأن غايته أن يستخدمه ويمنعه المضي ، ويأمره بفعل المحظورات أو يفعلها به ، ولا يرتفع الإحرام بشيء من هذا بلا خلاف . وحيث جاز للسيد تحليله ، جاز للعبد التحلل ، وطريق التحلل أن ينظر فإن : ملكه السيد هديا وقلنا : يملكه ذبح ونوى التحلل ، وحلق ونوى به أيضا التحلل ، وإن لم يملكه فطريقان أحدهما : أنه كالحر ، فيتوقف تحلله على وجود الهدي إن قلنا : لا بدل لدم الإحصار أو على الصوم إن قلنا له بدل ، هذا كله على أحد القولين ، وعلى أظهرهما لا يتوقف بل يكفيه نية التحلل والحلق إن قلنا هو نسك والطريق الثاني : القطع بهذا القول الثاني ، وهذا الطريق هو الأصح عند الأصحاب لعظم المشقة في انتظار العتق ، وأن منافعه لسيده ، وقد يستعمله في محظورات الإحرام ، وقد ذكر المصنف تحليل العبد وما يتعلق به في باب الفوات والإحصار ، والله أعلم . فرع : حيث جاز تحليله فأعتقه السيد قبل التحلل لم يجز له التحليل بل يلزمه إتمام الحج ، لأن التحلل إنما جاز لحق السيد ، وقد زال ، فإن فاته الوقوف فله حكم الفوات في حق الحر الأصلي . هكذا صرح به الدارمي وغيره ، وهو ظاهر .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن حج الصبي ثم بلغ ، أو حج العبد ثم أعتق ، لم يجزئه ذلك عن حجة الإسلام ، لما روى ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى ، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى فإن بلغ

35


36
الصبي أو عتق العبد في الإحرام نظرت فإن كان قبل الوقوف بعرفة أو في حال الوقوف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام ، لأنه أتى بأفعال النسك في حال الكمال فأجزأه ، وإن كان ذلك بعد فوات الوقوف لم يجزئه ( لأنه لم

36


37
يدرك وقت العبادة ) وإن كان بعد الوقوف وقبل فوات وقته ولم يرجع إلى الموقف ، فقد قال أبو العباس : يجزئه لأن إدراك وقت العبادة في حال الكمال كفعلها في حال الكمال والدليل عليه أنه لو أحرم ثم كمل جعل كأنه بدا بالإحرام في الكمال . وإذا صلى في أول الوقت ثم بلغ في آخر الوقت ، جعل كأنه صلى في حال البلوغ والمذهب : أنه لا يجزئه لأنه لم يدرك الوقوف في حال الكمال ، فأشبه إذا كمل في يوم النحر ويخالف الإحرام ، لأن هلك إدراك الكمال والإحرام قائم ، فوزانه من مسألتنا أن يدرك الكمال وهو بعرفة فيجزئه ، وههنا أدرك الكمال وقد انقضى الوقوف فلم يجزئه ، كما لو أدرك الكمال بعد التحلل عن الإحرام ، ويخالف الصلاة ، فإن الصلاة تجزئه بإدراك الكمال بعد الفراغ منها ، ولو فرغ من الحج ، ثم أدرك الكمال لم يجزئه .

+ الشرح : حديث ابن عباس رواه البيهقي في الباب الأول من كتاب الحج بإسناد جيد ، ورواه أيضا مرفوعا ، ولا يقدح ذلك فيه ، ورواية المرفوع قوية ، ولا يضر تفرد محمد بن المنهال بها ، فإنه ثقة مقبول ضابط روى عنه البخاري ومسلم في صحيحهما وقوله : كمل هو بفتح الميم وضمها وكسرها ثلاث لغات ، وفي الكسر ضعف . أما حكم المسألة : فإذا أحرم الصبي بالحج ثم بلغ أو العبد ثم عتق ، فلهما أربعة أحوال أحدها : أن يكون البلوغ والعتق بعد فراغ الحج ، فلا يجزئهما عن حجة الإسلام ، بل تكون تطوعا ، فإن استطاعا بعد ذلك لزمهما حجة الإسلام . وهذا لا خلاف فيه عندنا ، وبه قال العلماء كافة ، ونقل ابن المنذر فيه إجماع من يعتد به للحديث المذكور ، ولأن حجه وقع تطوعا فلا يجزئه عن الواجب بعده . الثاني : أن يكون البلوغ والعتق قبل الفراغ من الحج لكنه بعد خروج وقت الوقوف بعرفات فلا يجزئهما عن حجة الإسلام بلا خلاف ، لأنه لم يدرك وقت العبادة فأشبه من أدرك الإمام بعد فوات الركوع ، فإنه لا تحسب له تلك الركعة . الثالث : أن يكون قبل الوقوف بعرفات أو في حال الوقوف ، فيجزئهما عن حجة الإسلام بلا خلاف عندنا . وقال أبو حنيفة ومالك : لا يجزئهما ، والخلاف يتصور مع أبي حنيفة في العبد دون الصبي ، فإنه قال : لا يصح إحرامه . دليلنا أنه وقف بعرفات كاملا فأجزأه عن حجة الإسلام ، كما لو كمل حالة الإحرام . الرابع : أن يكون بعد الوقوف بعرفات ، وقبل خروج وقت الوقوف بأن وقف يوم عرفات ثم فارقها ، ثم بلغ أو عتق قبل طلوع الفجر ليلة النحر ، فإن رجع إلى عرفات فحصل فيها ووقت الوقوف باق أجزأه عن حجة الإسلام بلا خلاف ، كما لو بلغ وهو واقف ، وإن لم يعد وجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما الصحيح : باتفاق الأصحاب لا يجزئه ، وهو المنصوص ، وقال ابن سريج : يجزئه ، وسبق في أول كتاب الصلاة الفرق بين الحج والصلاة واضحا ، قال أصحابنا : وإذا أجزأه عن حجة الإسلام ، فإن بلغ أو عتق في حال الوقوف أو بعده ، وعاد إلى عرفات في وقته أو قبل الوقوف ، فإن كان لم يسع عقب طواف القدوم ، فلا بد من السعي ، لأنه ركن ، وإن كان سعي في حال الصبا والرق ففي وجوب إعادته وجهان أحدهما : لا يجب كما لا يجب إعادة الإحرام ، وبهذا قطع الشيخ أبو حامد ، قال أبو الطيب : وهو قول ابن سريج : وأصحهما : يجب ، وبه قطع أبو علي الطبري في الإفصاح ، والدارمي وآخرون ، ورجحه القاضي أبو القاضي أبو الطيب والرافعي وآخرون ، لأنه وقع في حال النقص فوجبت إعادته بخلاف الإحرام فإنه مستدام . وأما : السعي فانقضى بكماله في حال النقص ، فإذا وقع حجه تطوعا لم يجزئه عن حجة الإسلام ، ولا دم عليه بلا خلاف ، وإن وقع عن حجة الإسلام ففي وجوب الدم طريقان أصحهما : على قولين أصحهما : لا دم إذ لا إساءة ولا تقصير والثاني : يجب لفوات الإحرام الكامل من الميقات فإن كماله أن يحرم بالغا حرا من الميقات ، ولم يوجد ذلك . والطريق الثاني : لا يجب قولا واحدا ، وبه قال أبو الطيب بن سلمة ، وأبو سعيد الاصطخري ، وقد ذكر المصنف المسألة في باب مواقيت الحج ، وجزم بالطريق الأول وهو المشهور ، قال أصحابنا : وهذا الخلاف إذا لم يعد بعد البلوغ والعتق إلى الميقات ، فإن عاد إليه محرما فلا دم على المذهب ، كما لو ترك الميقات ثم عاد إليه ، وفيه وجه أنه لا يسقط الدم بالعودة هنا . قال أصحابنا : والطواف في العمرة كالوقوف في الحج ، فإذا بلغ أو عتق أجزأته عن عمرة الإسلام ، وكذا لو بلغ أو عتق فيه ، وإن كان بعده فلا ، وحيث أجزأهما عن حجة الإسلام وعمرته ، فهل نقول وقع إحرامهما أولا تطوعا ثم انقلب فرضا عقب البلوغ والعتق أو وقع إحرامهما موقوفا فإن أدركا به

37


38
حجة الإسلام تبينا وقوعه فرضا وإلا فنفلا فيه وجهان حكاهما البغوي والمتولي وآخرون أصحهما : وقع تطوعا وانقلب فرضا ، وبهذا قطع البندنيجى والمحاملي في المجموع . قال المحاملي : وفائدة الوجهين أنا إن قلنا : وقع نفلا وسعى عقب طواف القدوم ، ثم بلغ ، وجبت إعادة السعي وإلا فلا . فرع : قد ذكرنا أن الأصحاب قالوا : إذا أفسد الصبي والعبد حجهما وقلنا : يلزمهما القضاء ، ولا يصح في الصبا والرق ، أو قلنا : يصح ولم يفعلاه حتى كملا بالبلوغ والعتق ، فإن كانت تلك الحجة لو سلمت من الإفساد لأجزأت عن حجة الإسلام فإن بلغ أو عتق قبل فوات الوقوف وقع القضاء على حجة الإسلام بلا خلاف وإن كانت لا تجزىء عن حجة الإسلام لو سلمت من الإفساد بأن بلغ أو عتق بعد فوات الوقوف لم يقع القضاء عن حجة الإسلام ، بل عليه أن يبدأ عن حجة الإسلام ثم يقضي ، فإن نوى القضاء أولا ، وقع عن حجة الإسلام ، قال أصحابنا : وهذا أصل لكل حجة فاسدة إذا قضيت ، هل يقع عن حجة الإسلام فيه هذا التفصيل ، وقد سبق بيان هذه القاعدة واضحا في جماع الصبي . قال الدارمي : ولو فات الصبي والعبد الحج وبلغ وعتق . فإن كان البلوغ والعتق قبل الفوات فعليه حجة واحدة تجزئه عن فرض الإسلام والقضاء ، وإن كان بعد الفوات فعليه حجتان حجة الفوات وحجة الإسلام ، ويبدأ بالإسلام ، قال : وإن أفسد الحر البالغ حجة قبل الوقوف ثم فاته الوقوف أجزأته حجة واحدة عن حجة الإسلام والفوات والقضاء ، وعليه بدنتان إحداهما للإفساد والأخرى للفوات ، والله أعلم . فرع : في حكم إحرام الكافر ومروره بالميقات وإسلامه في إحرامه ، وهذا الفرع ذكره المزني في مختصره والأصحاب أجمعون ، مع مسائل حج الصبي والعبد ، وترجموا للجميع بابا واحدا ، وقد ذكر المصنف مسألة منه في باب مواقيت الحج ، فرأيت ذكره هنا أولى لموافقة الجمهور ، ومبادرة إلى الخيرات قال أصحابنا : إذا أتى كافر الميقات يريد النسك فأحرم منه ، لم ينعقد إحرامه بلا خلاف كما سبق بيانه ، فإن أسلم قبل فوات الوقوف ولزمه الحج لتمكنه منه ، فله أن يحج من سنته ، وله التأخير ، لأن الحج على التراخي ، والأفضل حجه من سنته فإن حج من سنته ، وعاد إلى الميقات فأحرم منه أو عاد منه محرما بعد إسلامه فلا دم بالاتفاق ، وإن لم يعد بل أحرم وحج من موضعه ، لزمه الدم كالمسلم إذا جاوزه بقصد النسك ، هكذا نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب إلا المزني ، فإنه قال : لا دم لأنه مر به وليس هو من أهل النسك ، فأشبه غير مريد النسك والمذهب الأول .

38


39
هذا كله إذا أسلم وأمكنه من سنته فإن لم يمكن بأن أسلم بعد الفجر من ليلته لم يجب عليه الحج في هذه السنة فإن استطاع بعد ذلك لزمه وإلا فلا ، ولا خلاف أنه لا أثر لإحرامه في الكفر في شيء من الأحكام فلو قتل صيدا أو طىء أو تطيب أو لبس أو حلق شعره أو فعل غير ذلك من محرمات الإحرام فلا شيء عليه ولا ينعقد نكاحه وكل هذا لا خلاف فيه ولو مر كافر بالميقات مريدا للنسك وأقام بمكة ليحج قابلا منها وأسلم قال الدارمي : فإن كان حين مر بالميقات أراد حج تلك السنة ثم حج بعدها فلا دم بالاتفاق لأن الدم إنما يجب على تارك الميقات إذا حج من سنته وهذا لم يحج من سنته وإن كان نوى حال مروره حج السنة الثانية التي حج فيها ففي وجوب الدم وجهان قال : ولو كان حين مروره لا يريد إحراما بشيء ثم أسلم وأحرم في السنة الثانية ففعله من مكة في السنة الثانية ففي وجوب الدم الوجهان كالكافر . فرع : في مذاهب العلماء في حج العبد والصبي سوى ما سبق . قد ذكرنا أن الصبي والعبد إذا أحرما وبلغ وعتق قبل فوات الوقوف أجزأهما عن حجة الإسلام وبه قال إسحاق بن راهويه وقال به الحسن البصري وأحمد في العبد . قال أبو حنيفة ومالك وأبو ثور : لا يجزئهما واختاره ابن المنذر أما : إذا لم يبلغ أو لم يعتق إلا بعد الوقوف فلا يجزئه سواء كان بعد ذهاب وقت الوقوف أو في الوقت ولم يعد إلى عرفات كما سبق ، هذا هو المشهور من مذهبنا وقال ابن سريج : يجزئهما إن كان وقت الوقوف باقيا وإن لم يرجعا والصحيح لغير ابن سريج الأول قال العبدري : وبهذا قال جمهور العلماء ولم يذكر في المسألة خلافا . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم إلا من شذ منهم ممن لا يعتد بخلافه خلافا أن الصبي إذا حج ثم بلغ ، والعبد إذا حج ثم عتق أن عليهما بعد ذلك حجة الإسلام إن استطاعا ، وإحرام العبد بغير إذن سيده صحيح عندنا كما سبق ، قال العبدري : وبه قال جميع الفقهاء ، واختلف فيه أصحاب داود والمشهور عنه بطلانه ، ولو مر الكافر بالميقات مريدا نسكا وجاوزه ثم أسلم ثم أحرم ولم يعد إلى الميقات لزمه دم كما سبق ، وبه قال أحمد وقال مالك والمزني وداود : لا يلزمه . فرع : قال أصحابنا : المحجور عليه لسفه يسد في وجوب الحج ، لكن لا يجوز للولي دفع المال إليه ، بل يصحبه الولي وينفق عليه بالمعروف ، أو ينصب قيما ينفق عليه من مال السفيه ، قال البغوي : وإذا شرع السفيه في حج الفرض أو حج نذره قبل الحجر بغير إذن الولي لم يكن للولي تحليله ، بل يلزمه الأنفاق عليه من مال السفيه إلى فراغه ، ولو شرع

39


40
في حج تطوع ثم حجر عليه فكذلك ولو شرع فيه بعد الحجر فللولي تحليله إن كان يحتاج إلى مؤنة تزيد على نفقته المعهودة ، ولم يكن له كسب ، فإن لم تزد أو كان له كسب يفي مع قدر النفقة المعهودة بمؤنة سفره وجب إتمامه ولم يكن له تحليله . فرع : يصح حج الأغلف وهو الذي لم يختن . هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة وأما : حديث أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يحج الأغلف حتى يختن فضعيف ، قال ابن المنذر في كتاب الختان من الإشراف : هذا الحديث لا يثبت وإسناده مجهول . فرع : إذا حج بمال حرام أو راكبا دابة مغصوبة أثم وصح حجه وأجزأه عندنا وبه قال أبو حنيفة ومالك والعبدري وبه قال أكثر الفقهاء . وقال أحمد : لا يجزئه . ودليلنا أن الحج أفعال مخصوصة والتحريم لمعنى خارج عنها .

قال المصنف رحمه الله تعالى : فأما غير المستطيع فلا يجب عليه لقوله عن وجل :

﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا فدل على أنه لا يجب على غير المستطيع ، والمستطيع إثنان مستطيع بنفسه ومستطيع بغيره ، والمستطيع بنفسه ينظر فيه ، فإن كان من مكة على مسافة تقصر فيها الصلاة ، فهو أن يكون صحيحا واجدا للزاد والماء بثمن المثل في المواضع التي جرت العادة أن يكون فيها في ذهابه ورجوعه ، وواجدا لراحلة تصلح لمثله بثمن المثل أو بأجرة المثل ، وأن يكون الطريق آمنا من غير خفارة ، وأن يكون عليه من الوقت ما يتمكن فيه من السير والأداء فأما : إذا كان مريضا تلحقه مشقة غير معتادة فلا يلزمه ، لما روى أبو أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يمنعه من الحج حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا .

+ الشرح : حديث أبي أمامة رواه الدارمي في مسنده والبيهقي في سننه بإسناد ضعيف قال البيهقي : وهذا وإن كان إسناده غير قوي فله شاهد من قول عمر بن الخطاب رضي الله

40


41
عنه فذكر بإسناده عنه نحوه . والخفارة بضم الخاء وكسرها وفتحها ثلاث لغات حكاهن صاحب المحكم وهي المال المأخوذ في الطريق للحفظ ، وفي الطريق لغتان تذكيره وتأنيثه ، واختار المصنف هنا تذكيره بقوله : آمنا : ولم يقل : آمنة . أما الأحكام : فالاستطاعة شرط لوجوب الحج بإجماع المسلمين واختلفوا في حقيقتها وشروطها . ومذهبنا أن الاستطاعة نوعان كما ذكره المصنف استطاعة : بمباشرة بنفسه واستطاعة : بغيره ، فالأول شروطه الخمسة التي ذكرها المصنف أحدها : أن يكون بدنه صحيحا ، قال أصحابنا : ويشترط فيه قوة يستمسك بها على الراحلة ، والمراد أن يثبت على الراحلة ، بغير مشقة شديدة ، فإن وجد مشقة شديدة لمرض أو غيره فليس مستطيعا والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن لم يجد الزاد لم يلزمه لما روى ابن عمر قال : قام رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما يوجب الحج فقال : الزاد والراحلة فإن لم يجد الماء لم يلزمه لأن الحاجة إلى الماء أشد من الحاجة إلى الزاد فإذا لم يجب على من لم يجد الزاد فلأن لا يجب على من لم يجد الماء أولى ، وإن وجد الماء والزاد بأكثر من ثمن المثل لم يلزمه ، لأنه لو لزم ذلك لم يأمن أن لا يباع منه ذلك إلا بما يذهب به جميع ماله ، وفي إيجاب ذلك إضرار فلم يلزمه .

+ الشرح : حديث ابن عمر رواه الترمذي من رواية ابن عمر كما ذكره المصنف ، وقال : إنه حديث حسن وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي ، قال الترمذي : وقد تكلم فيه بعض

41


42
أهل من قد قل حفظه . والله أعلم . قلت : وقد اتفقت الحفاظ على تضعيف إبراهيم الخوزي قال البيهقي : قال الشافعي : قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث تدل على أنه لا يجب المشي على أحد في الحج ، وإن أطاقه ، غير أن فيها منقطعا ، ومنها ما يمنع أهل الحديث من تثبيته ثم ذكر حديث ابن عمر هذا من رواية الخوزي قال البيهقي : هذا هو الذي عني الشافعي بقوله : يمتنع أهل الحديث من تثبيته ، قال : وإنما امتنعوا من تثبيته لأنه يعرف بالخوزي ، وقد ضعفه أهل الحديث قال : وقد روى من طريق غير الخوزي ولكنه أضعف من الخوزي قال : وروى عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أراه إلا موهما فالصواب عن قتادة عن الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا . قال البيهقي : وروى في المسألة أحاديث أخر لا يصح شيء منها وأشهرها : حديث إبراهيم الخوزي ، وينضم إليه مرسل الحسن ، وقد روى الدارقطني هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة ، وهي الأحاديث التي قال البيهقي لا يصح شيء منها ، وروى الحاكم حديث أنس وقال : هو صحيح ولكن الحاكم متساهل كما سبق بيانه مرات . والله أعلم . أما حكم المسألة : فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : ويشترط لوجوب الحج وجود الزاد والماء في المواضع التي جرت العادة بوجدوها فيها ويشترط وجودها بثمن المثل فإن زاد لم يجب الحج ، لأن وجود الشيء بأكثر من ثمن مثله كعدمه ويشترط وجود أوعية الزاد والماء وما يحتاج إليه في سفره قال أصحابنا : فإن كانت سنة جدب وخلت بعض المنازل التي جرت العادة بحمل الزاد منها من أهلها ، أو انقطعت المياه في

42


43
بعضها ، لم يجب الحج ، قال أصحابنا : وثمن المثل المعين في الماء والزاد هو القدر اللائق به في ذلك الزمان والمكان ، فإن وجدهما بثمن المثل ، لزمه تحصيلهما والحج ، سواء كانت الأسعار غالية أم رخيصة ، إذا وفى ماله بذلك . قال أصحابنا : ويجب حمل الماء والزاد بقدر ما جرت العادة به في طريق مكة ، كحمل الزاد من الكوفة إلى وحمل الماء مرحلتين وثلاثا ، ونحو ذلك بحسب العادة والمواضع ويشترط وجود آلات الحمل وأما : علف الدواب فيشترط وجوده في كل مرحلة لأن المؤنة تعظم في حمله لكثرته ، هكذا ذكره البغوي والمتولي والرافعي وغيرهم ، وينبغي أن يعتبر فيه العادة كالماء ، والله أعلم . ولو ظن كون الطريق فيه مانع ، كعدم الماء أو العلف ، أو أن فيه عدوا أو نحو ذلك فترك الحج ، فبان أن لا مانع ، فقد استقر عليه وجوب الحج ، وصرح به الدارمي وغيره ، ولو لم يعلم وجود المانع ولا عدمه قال الدارمي : إن كان هناك أصل عمل عليه وإلا فيجب الحج ، وهذا في العدو ظاهر وأما : في وجود الماء والعلف فمشكل لأن الأصل عدمهما . فرع : لو لم يجد ما يصرفه في الزاد والماء ، ولكنه كسوب يكتسب ما يكفيه ووجد نفقة ، فهل يلزمه الحج تعويلا على الكسب ، حكم إمام الحرمين عن أصحابنا العراقيين أنه إن كان السفر طويلا أو قصيرا ، ولا يكتسب في كل يوم إلا كفاية يومه لم يلزمه ، لأنه منقطع عن الكسب في أيام الحج ، وإن كان السفر قصيرا ويكتسب في يوم كفاية أيام لزمه الحج قال الإمام : وفيه احتمال ، فإن القدرة على الكسب يوم العيد لا تجعل كملك الصاع في وجوب الفطرة ، هذا ما ذكره الإمام وحكاه الرافعي وسكت عليه .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن لم يجد راحلة لم يلزمه ، لحديث ابن عمر ، وإن وجد راحلة لا تصلح لمثله ، بأن يكون ممن لا يمكنه الثبوت على القتب والزاملة ، لم يلزمه حتى يجد عمارية أو هودجا ، وإن بذل له رجل راحلة من غير عوض لم يلزمه قبولها ، لأن عليه في قبول ذلك منة ، وفي تحمل المنة مشقة فلا يلزمه ، وإن وجد بأكثر من ثمن المثل أو بأكثر من أجرة المثل لم يلزمه لما ذكرناه في الزاد .

+ الشرح : قال أهل اللغة : الزاملة بعير يستظهر به المسافر ، يحمل عليه طعامه ومتاعه وأما : العمارية فبفتح العين والصواب تخفيف ميمها وسبق بيانها واضحا في باب استقبال القبلة ، وسبق بيان الهودج قريبا عند ذكر المحفة في حج الصبي .

43


44
أما حكم المسألة : فإذا كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة لم يلزمه الحج ، إلا إذا وجد راحلة تصلح لمثله بثمن المثل ، أو أجرة المثل فإن لم يجدها أو وجدها بأكثر من ثمن المثل أو بأكثر من أجرة المثل أو عجز عن ثمنها أو أجرتها لم يلزمه الحج سواء قدر على المشي وكان عادته ، أم لا ، لكن يستحب للناذر الحج ، قال أصحابنا : فإن كان يستمسك على الراحلة من غير محمل ولا يلحقه مشقة شديدة لم يشترط في حقه القدرة على المحمل ، بل يشترط قدرته على راحلة ، وإن كانت مقتبة . وإن كانت زاملة فإن لم يمكنه ذلك إلا بمشقة شديدة فإن كان شيخا هرما أو شابا ضعيفا أو عادته الترفه ونحو ذلك اشترط وجود المحمل ، وراحلة تصلح للمحمل . قال صاحب الشامل وآخرون : ولو وجد مشقة شديدة في ركوب المحمل اشترط في حقه الكنيسة ونحوها بحيث تندفع عنه المشقة الشديدة قال المحاملي وآخرون : ويشترط في المرأة وجود المحمل ، لأنه أستر لها ، ولم يفرقوا بين مستمسك على المقتب وغيره . قال الغزالي وغيره : العادة جارية بركوب اثنين في محمل ، فإذا وجد مؤنة محمل أو شق محمل ووجد شريكا يركب معه في الشق الآخر ، لزمه الحج ، وإن لم يجد الشريك لم يلزمه سواء وجد مؤنة المحمل أو الشق ، قال الرافعي ولا يبعد تخرجه على إلزام أجرة البذرقة ، قال : وفي كلام إمام الحرمين إشارة إليه والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن وجد الزاد والراحلة لذهابه ، ولم يجد لرجوعه نظرت فإن كان له أهل في بلده لم يلزمه ، وإن لم يكن له أهل ففيه وجهان أحدهما : يلزمه لأن البلاد كلها في حقه واحدة والثاني : لا يلزمه ، لأنه يستوحش بالانقطاع عن الوطن والمقام في الغربة فلم يلزمه .

+ الشرح : اتفق أصحابنا على أنه إذا كان له في بلده أهل أو عشيرة اشترطت قدرته على الزاد والراحلة وسائر مؤن الحج في ذهابه ، ورجوعه ، فإن ملكه لذهابه دون رجوعه لم يلزمه بلا خلاف ، إلا ما انفرد به الحناطي والرافعي فحكيا وجها شاذا أنه لا يشترط نفقة الرجوع ، وهذا غلط ، فإن لم يكن له أهل ولا عشيرة هل يشترط ذلك للرجوع فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف ، وهما مشهوران ، واتفق الأصحاب على أن أصحهما الاشتراط فلا يلزمه إذا لم يقدر على ذلك ، ودليلهما في الكتاب ، والوجهان جاريان في اشتراط الراحلة بلا خلاف ، وهو صريح في كلام المصنف ، وهل يخص الوجهان بما إذا لم يكن له ببلده مسكن فيه احتمالات للأمام أصحها : عنده التخصيص ، قال أصحابنا : وليس المعارف

44


45
والأصدقاء كالعشيرة ، لأن الاستبدال بهم متيسر فيجري فيه الوجهان فيمن ليس له عشيرة ولا أهل .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن وجد ما يشتري به الزاد والراحلة ، وهو محتاج إليه لدين عليه لم يلزمه حالا كان الدين أو مؤجلا ، لأن الدين الحال على الفور ، والحج على التراخي فقدم عليه ، والمؤجل يحل عليه ، فإذا صرف ما معه في الحج لم يجد ما يقضي به الدين .

+ الشرح : هذا الذي ذكره نص عليه الشافعي في الإملاء ، وأطبق عليه الأصحاب من الطريقين ، وفيه وجه شاذ ضعيف أنه إذا كان الدين مؤجلا أجلا لا ينقضي إلا بعد رجوعه من الحج لزمه ، حكاه الماوردي والمتولي وغيرهما وبه قطع الدارمي ، والصواب الأول ، وقطع به الجماهير ، ونقل كثيرون أنه لا خلاف فيه قال أصحابنا : ولو رضي صاحب الدين بتأخيره إلى ما بعد الحج لم يلزمه الحج بلا خلاف ، قال أصحابنا : ولو كان له دين فإن أمكن تحصيله في الحال ، بأن كان حالا على مليء مقر ، أو عليه بينة فهو كالحال في يده ويجب الحج ، وإن لم يمكن تحصيله بأن كان مؤجلا أو حالا على معسر أو جاحد ولا بينة عليه لم يجب الحج بلا خلاف لأنه إذا لم يجب عليه بسبب دين عليه فعدم وجوب الاستدانة أولى ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان محتاجا إليه لنفقة من تلزمه نفقته لم يلزمه الحج ، لأن النفقة على الفور والحج على التراخي ، وإن احتاج إليه لمسكن لا بد له من مثله أو خادم يحتاج إلى خدمته لم يلزمه .

+ الشرح : أما إذا احتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته مدة ذهابه ورجوعه فلا يلزمه الحج ، لما ذكره المصنف ، قال أصحابنا : وكسوة من تلزمه كسوته وسكناه كنفقته ، وكذلك سائر المؤن أما : إذا احتاج إلى مسكن أو خادم يحتاج إلى خدمته لمنصبه أو زمانته ونحوهما وليس معه ما يفضل عن ذلك فهل يلزمه الحج فيه وجهان أصحهما : وبه قطع المصنف وكثيرون أو الأكثرون لا يلزمه ، وصححه الجمهور وممن قطع به مع المصنف القاضي أبو الطيب في تعليقه ، وفي المجرد ، والدارمي والمحاملي والفوراني والبغوي وآخرون ونقله المحاملي في المجموع عن أصحابنا ، ونقل تصحيحه الرافعي عن الأكثرين ، وقاسوه على الكفارة ، فإنه لا يلزمه بيع المسكن والخادم فيهما ، وعلى ثيابه وما في

45


46
معناها من ضروريات حاجاته . والوجه الثاني : يلزمه الحج وبيع المسكن والخادم في ذلك ، وبهذا قطع الشيخ أبو حامد فيما نقله صاحب الشامل ، وقطع به أيضا البندنيجى ، صححه القاضي الحسين والمتولي ، وعلى هذا يستأجر مسكنا وخادما ، وفرق القاضي حسين بينه وبين الكفارة ، بأن لها بدلا يتنقل إليه بخلاف الحج ، والمذهب أنه لا يلزمه الحج كما سبق قال المحاملي : ولم ينص الشافعي على هذه المسألة ، إلا أنه ذكر قريبا منها ، فإذا اشترطنا لوجوب الحج زيادة على المسكن والخادم فلم يوجدا عنده وعنده مال يصرفه فيهما ولا يفضل شيء لم يلزمه الحج . هذا كله إذا كانت الدار مستغرقة لحاجته ، وكانت سكنى مثله والعبد لائق بخدمة مثله ، فإن أمكن ببعض الدار وفي ثمنه بمؤنة الحج ، ويكفيه لسكناه باقيها ، أو كانا لا يلقيان بمثله ، ولو أبدلهما أو في الزائد بمؤنة الحج فإنه يلزمه الحج هكذا صرح به الأصحاب هنا وكذا نقل الرافعي أن الأصحاب أطلقوه هنا ، قال : لكل في بيع الدار والعبد النفيسين المألوفين في الكفارة وجهان ، قال : ولا بد من جريانهما هنا وهذا لم ينقله عن غيره ، وليس جريانهما بلازم والفرق ظاهر ، فإن الكفارة لها بدل ولهذا اتفقوا على ترك المسكن والخادم في الكفارة واختلفوا فيهما هنا ، والله أعلم . فرع : لو كان فقيها وله كتب فهل يلزمه بيعها للحج قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : إن لم يكن له من كل كتاب إلا نسخة واحدة لم يلزمه ، لأنه يحتاج إلى كل ذلك ، وإن كان له نسختان لزمه بيع إحداهما ، فإنه لا حاجة به إليها ، هذا كلام القاضي أبي الطيب ، وقال في مجرده : لا يلزمه بيع كتبه إلا إذا كان له نسختان كم كتاب ، فيجب بيع إحداهما ، وقال القاضي حسين في تعليقه : يلزم الفقيه بيع كتبه في الزاد والراحلة ، وصرف ذلك في الحج ، وكذا المسكن والخادم ، وهذا الذي قاله القاضي حسين ضعيف ، وهو تفريع منه على طريقته الضعيفة في وجوب بيع المسكن والخادم للحج ، وقد سبق أن المذهب لا يلزمه ذلك ، فالصواب ما قاله القاضي أبو الطيب فهو الجاري على عادة المذهب ، وعلى ما قاله الأصحاب هنا في المسكن والخادم ، وعلى ما قالوه في باب الكفارة وباب التفليس ، وقد سبق بيان المسكن والخادم في أول باب قسم الصدقات ، في فصل سهم الفقير ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن احتاج إلى النكاح وهو يخاف العنت قدم النكاح ، لأن الحاجة إلى ذلك على الفور ، والحج ليس على الفور .

+ الشرح : قال الرافعي : لو ملك فاضلا عن الأمور المذكورة ما يمكنه به الحج ، واحتاج إلى النكاح لخوف العنت ، فصرف المال إلى النكاح أهم من صرفه إلى الحج ، هذه عبارة

46


47
الجمهور ، وعللوه بأن حاجة النكاح ناجزة ، والحج على التراخي ، والسابق إلى الفهم من هذه العبارة أته لا يجب الحج والحالة هذه ، ويصرف ما معه في النكاح ، وقد صرح إمام الحرمين بهذا ، ولكن كثير من العراقيين وغيرهم قالوا : يجب الحج على من أراد التزوج لكن له أن يؤخره لوجوبه على التراخي ، ثم إن لم يخف العنت فتقديم الحج أفضل ، وإلا فالنكاح . هذا كلام الرافعي ، وقد صرح خلائق من الأصحاب بأنه يلزمه الحج ويستقر في ذمته ، ولكن له صرف هذا المال إلى النكاح وهو أفضل ، ويبقى الحج في ذمته ، ممن صرح بهذا الشيخ أبو حامد والبندنيجى والقاضي أبو الطيب في كتابيه التعليق والمجرد والمحاملي في كتابيه المجموع و التجريد ، والقاضي حسين ، والدارمي ، وصاحب الشامل ، وصاحب التتمة وصاحب العدة وصاحب البيان ، وآخرون . فهذا هو المذهب الصحيح ولا تقبل دعوى الرافعي فيما قاله عن الجمهور وفهمه عنهم . وأما : نقله عن إمام الحرمين فصحيح ، وقد صرح الجرجاني في المعاياة به فقال : لا يصير مستطيعا ، وهذا لفظ إمام الحرمين قال : قال العراقيون : لو فضل شيء وخاف العنت لو لم يتزوج ، وكان بحيث يباح له نكاح الأمة ، لم يلزمه أن يحج ، بل له صرف المال إلى النكاح ، لأن في تأخيره ضررا به والحج على التراخي ، قال : فإذن لا استطاعة ولا وجوب قال : وهذا الذي ذكره العراقيون قاطعين به قياس طرقنا وإن لم نجده منصوصا فيها ، هذا لفظ الإمام بحروفه ، وفيه التصريح بأنه إنما صرح بأنه لا تحصل الاستطاعة اعتمادا على ما ذكره العراقيون وليس فيما ذكره العراقيون أنه لا تجب الحج ، بل قالوا يجب الحج وله تأخيره وصرف المال إلى النكاح ، ويكون الحج ثابتا في الذمة كما قدمناه عنهم ، وفي حكاية الإمام عنهم إشارة إلى هذا ، فالصواب استقرار الحج كما سبق ، وعلله صاحب الشامل وغيره بأن النكاح من الملاذ فلا يمنع وجوب الحج ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن احتاج إليه في بضاعة يتجر فيها ليحصل له ما يحتاج إليه للنفقة ففيه وجهان ، قال أبو العباس بن سريج : لا يلزمه الحج ، لأنه يحتاج إليه فهو كالمسكن والخادم ومن : أصحابنا من قال : يلزمه لأنه واجد للزاد والراحلة .

+ الشرح : قال أصحابنا : إذا كانت له بضاعة يتكسب بها كفايته وكفاية عياله ، أو كان له عرض تجارة يحصل من غلته كل سنة كفايته وكفاية عياله ، وليس معه ما يحج به غير ذلك ، وإذا حج به كفاه وكفى عياله ذاهبا وراجعا ، ولا يفضل شيء ، فهل يلزمه الحج فيه هذان

47


48
الوجهان اللذان ذكرهما المصنف ، وهما مشهوران أحدهما : لا يلزمه ، وهو قول ابن سريج ، وصححه القاضي أبو الطيب والروياني والشاشي ، قال : لأن الشافعي قال في المفلس : يترك له ما يتجر به لئلا ينقطع إلى الناس ، فإذا جاز أن يقطع له من حق الغرماء بضاعة فجوازه في الحج أولى . والثاني : وهو الصحيح يلزمه الحج لأنه واجد للزاد والراحلة ، وهما الركن المهم في وجوب الحج ، قال الشيخ أبو حامد : ولو لم نقل بالوجوب للزم أن نقول : من لا يمكنه أن يتجر بأقل من ألف دينار لا يلزمه الحج إذا ملكها . وهذا لا يقوله أحد ، قال أصحابنا : والفرق بين هذا وبين المسكن والخادم أنه محتاج إليهما في الحال . وما نحن فيه نجده ذخيرة ، قال المحاملي والأصحاب : وأما ما ذكره الشافعي في باب التفليس فمراده أنه يترك له ذلك برضى الغرماء ، فأما بغير رضاهم فلا يترك ، وهذا الذي صححناه من وجوب الحج هو الصحيح عند جماهير الأصحاب فمن صححه الشيخ أبو حامد والبندنيجى والماوردي والمحاملي والقاضي حسين في تعليقه والمتولي وصاحب البيان والرافعي وآخرون ، قال صاحب الحاوي : هذا مذهب الشافعي وجمهور أصحابه سوى ابن سريج . قال الشيخ أبو حامد : هذا هو المذهب ولا أعرف ما حكي عن ابن سريج عنه ولا أجده في شيء من كتبه ، قال أبو حامد : وقول ابن سريج خلاف للإجماع وقال المحاملي : قول عامة أصحابنا إنه يلزمه الحج ، وما قاله ابن سريج غلط ، وكذا قال القاضي حسين والمتولي وصاحب البيان وآخرون من أصحابنا أن عامة أصحابنا قال بالوجوب خلافا لابن سريج ، ونقل إمام الحرمين عن العراقيين أنهم غلطوا ابن سريج في هذا وزيفوا قوله ، وهو كما قالوه . هذا لفظ الإمام ، وبالوجوب قال أبو حنيفة وبعدمه قال أحمد ، وأنكر بعضهم على الشيخ أبي حامد دعواه الإجماع على الوجوب مع مخالفة أحمد ، وجوابه أنه أراد إجماع من قبله ، وكأنه يقول : إن أحمد وابن سريج محجوبان بالإجماع قبلهما ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن لم يجد الزاد والراحلة وهو قادر على المشي وله صنعة يكتسب بها كفايته لنفقته ، استحب له أن يحج ، لأنه يقدر على إسقاط الفرض بمشقة لا يكره تحملها ، فاستحب له إسقاط الفرض ، كالمسافر إذا قدر على الصوم في السفر ، وإن لم يكن له صنعة ويحتاج إلى تكفف الناس كره له أن يحج بمسألة ، لأن المسألة مكروهة ، لأن في المسألة تحمل مشقة شديدة فكره .

+ الشرح : قوله : لا يكره تحملها احتراز عن المسألة وقوله : يتكفف معناه يسأل

48


49
الناس شيئا في كفه ، وهذا الحكم الذي ذكره في المسألتين متفق عليه عندنا ، قال أصحابنا : ولو أمكنه أن يكرى نفسه في طريقه استحب له الحج بذلك ، ولا يجب ذلك ، ودليلهما ما بينا في القادر على الصنعة فإن أكرى نفسه فحضر موضع الحج لزمه الحج ، لأنه متمكن الآن بلا مشقة وقد قدمنا أنه لا يجب عليه استقراض مال يحج به بلا خلاف . فرع : قال الشافعي والأصحاب : يستحب لقاصد الحج أن يكون متخليا عن التجارة في طريقه ، فإن خرج بنية الحج والتجارة فحج واتجر صح حجه وسقط عنه فرض الحج ، لكن ثوابه دون ثواب المتخلي عن التجارة ، وكل هذا لا خلاف فيه ، ودليل هذا مع ما سبق ثابت عن ابن عباس قال : كانت عكاظ ومكة ودون المجاز أسواقا في الجاهلية فمالوا أن يتجروا في المواسم ، فنزلت : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج رواه البخاري ، وعن ابن عباس أيضا : أن الناس في أول الحج كانوا يتبايعون بمنى وعرفات وذي المجاز ومواسم الحج ، فخافوا البيع وهم حرم ، فأنزل الله تعالى : ليس عليكم جناح أن يتبغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم ، وعن أبي أمامة التيمي قال : كنت رجلا أكرى في هذا الوجه ، وإن ناسا يقولون : ليس لك حج ، فقال ابن عمر : أليس يحرم ويلبى ويطوف بالبيت ويفضي من عرفات ويرمي الجمار قلت : بلى ، قال : فإن لك حجا ، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما سألتني عنه فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليه هذه الآية وقال : لك حج رواه أبو داو ، بإسناد صحيح . وعن عطاء عن ابن عباس أن رجلا سأله فقال : أؤاجر نفسي من هؤلاء القوم فأنسك معهم المناسك إلى آخرهم فقال ابن عباس : نعم أولئك لهم تصيب مما كسبوا والله سريع الحساب رواه الشافعي والبيهقي بإسناد حسن . فرع : في مذاهب العلماء فيمن عادته سؤال الناس أو المشي . مذهبنا أنه لا يلزمه الحج ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد ، ونقله ابن المنذر عن الحسن البصري ومجاهد وسعيد بن

49


50
جبير وأحمد وإسحق ، وبه قال بعض أصحاب مالك قال البغوي هو قول العلماء ، وقال مالك : يلزمه الحج في الصورتين ، وبه قال داود ، وقال عكرمة : الاستطاعة صحة البدن ، قال ابن المنذر : لا يثبت في الباب حديث مسند قال : وحديث ما السبيل قال : الزاد والراحلة ضعيف ، وهو كما قال ، وقد سبق بيانه .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان الطريق غير آمن لم يلزمه ، لحديث أبي أمامة ، لأن في إيجاب الحج مع الخوف تغريرا بالنفس والمال ، وإن كان الطريق آمنا إلا أنه محتاج إلى خفارة لم يلزمه ، لأن ما يؤخذ من الخفارة بمنزلة ما زاد على ثمن المثل وأجرة المثل في الزاد والراحلة فلا يلزمه ، ولأنه رشوة على واجب فلم يلزمه .

+ الشرح : حديث أبي أمامة سبق في الفصل الذي قبل هذا أنه حديث ضعيف ، وسبق في الفصل المذكور أن الخفارة بضم الخاء وكسرها وفتحها والرشوة بكسر الراء وضمها لغتان مشهورتان . أما الأحكام : فقال أصحابنا : يشترط لوجوب الحج أمن الطريق في ثلاثة أشياء ، النفس والمال والبضع فأما : البضع فمتعلق بحج المرأة والحنثى ، وسنذكرهما بعد هذا بقليل حيث ذكرهما المصنف إن شاء الله تعالى ، قال إمام الحرمين : وليس الأمن المشترط أمنا قطعيا . قال : ولا يشترط الأمن الغالب في الحضر بل الأمن في كل مكان بحسب ما يليق به فأما : النفس فمن خاف عليه من سبع أو عدو كافر أو مسلم أو غير ذلك لم يلزمه الحج إن لم يجد طريقا آخر آمنا . فإن وجده لزمه ، سواء كان مثل طريقه أو أبعد إذا وجد ما يقطعه به ، وفيه وجه شاذ ضعيف أنه لا يلزمه سلوك الأبعد ، حكاه المتولي والرافعي والصحيح الأول وبه قطع الجمهور . وأما : البحر فسنذكر الخوف منه عقيب هذا إن شاء الله تعالى وأما : المال فلو خاف على ماله في الطريق من عدو أو رصدى أو غيره ، لم يلزمه الحج سواء طلب الرصدى شيئا قليلا أو كثيرا إذا تعين ذلك الطريق لم يجد غيره سواء كان العدو الذي يخافه مسلمين أو كفارا لكن قال أصحابنا إن كان العدو كفارا وأطاق الحاج مقاومتهم استحب لهم الخروج إلى الحج ويقاتلونهم لينالوا الحج والجهاد جميعا ، وإن كانوا مسلمين لم يستحب الخروج ولا القتال . قال أصحابنا : ويكره بذل المال للراصدين ، لأنهم يحرصون على التعرض للناس بسبب ذلك ، هكذا صرح به القاضي حسين والمتولي والبغوي ونقله الرافعي وغيرهم ولو وجدوا من يخفرهم بأجرة وغلب على الظن أمنهم ففي وجوب استئجاره ووجوب الحج وجهان ، حكاهما إمام الحرمين وأصحهما : عنده وجوبه لأنه من جملة أهب الطريق فهو كالراحلة والثاني : لا

50


51
يجب لأن سبب الحاجة إلى ذلك خوف الطريق وخروجها عن الاعتدال ، وقد ثبت أن أمن الطريق شرط ، هكذا ذكر الوجهين إمام الحرمين وتابعه الغزالي والرافعي ، والذي ذكره المصنف وجماهير الأصحاب من العراقيين والخراسانيين أنه إذا احتاج إلى خفارة لم يجب الحج ، فيحمل على أنهم أرادوا بالخفارة ما يأخذه الرصديون في المراصد ، وهذا لا يجب الحج معه بلا خلاف ولا يكونون متعرضين لمثله . قال إمام الحرمين : يحتمل أنهم أرادوا الصورتين فيكون خلاف ما قاله ولكن الاحتمال الأول أصح وأظهر في الدليل ، فيكون الأصح على الجملة وجوب الحج إذا وجدوا من يصحبهم الطريق بخفارة ، ودليله ما ذكره الإمام ، وقد صححه إمامان من محققي متأخري أصحابنا أبو القاسم الرافعي وأبو عمرو بن الصلاح مع إطلاعهما على عبارة الأصحاب التي ذكرناها والله أعلم . ولو امتنع محرم المرأة من الخروج معها إلا بأجرة ، قال إمام الحرمين : هو مقيس على أجرة الخفير ، واللزوم في المحرم أظهر لأن الداعي إلى الأجرة معنى في المرأة ، فهو كمؤنة المحمل في حق المحتاج إليه والله أعلم . فرع : قال البغوي وغيره : يشترط لوجوب الحج وجود رفقة يخرج معهم في الوقت الذي جرت عادة أهل بلده بالخروج فيه ، فإن خرجوا قبله لم يلزمه الخروج معهم ، وإن أخروا الخروج بحيث لا يبلغون مكة إلا بأن يقطعوا في كل يوم أكثر من مرحلة لم يلزمه أيضا ، قال البغوي : لو لم يجد المال حال خروج القافلة ثم وجده بعد خروجهم بيوم لم يلزمه أن يتبعهم ، هذا كله إذا خاف في الطريق ، فإن كانت آمنة بحيث لا يخاف الواحد فيها لزمه ، ولا يشترط الرفقة .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن لم يكن له طريق إلا في البحر فقد قال في الأم : لا يجب عليه ، قال في الإملاء ، إن كان أكثر معاشه في البحر لزمه ، فمن أصحابنا من قال : فيه قولان أحدهما : يجب ، لأنه طريق مسلوك فأشبه البر والثاني : لا يجب لأن فيه تغريرا بالنفس والمال فلا يجب كالطريق المخوف ، ومنهم من قال : إن كان الغالب منه السلامة لزمه ، وإن كان الغالب منه الهلاك لم يلزمه كطريق البر ومنهم

51


52
من قال : إن كان له عادة بركوبه لزمه وإن لم يكن له عادة بركوبه لم يلزمه ، لأن من له عادة لا يشق عليه ، ومن لا عادة له يشق عليه .

+ الشرح : اختلفت نصوص الشافعي في ركوب البحر فقال في الأم والإملاء ما ذكره المصنف ، وقال في المختصر : ولا يتبين لي أن أوجب عليه ركوب البحر ، قال أصحابنا : إن كان في البر طريق يمكن سلوكه قريب أو بعيد لزمه الحج بلا خلاف ، وإن لم يكن ففيه طرق أصحها : وبه قال أبو إسحاق المروزي وأبو سعيد الإصطخري وغيرهما فيما حكاه صاحب الشامل والتتمة وغيرهما أنه إن كان الغالب منه الهلاك إما لخصوص ذلك البحر وإما لهيجان الأمواج لم يجب الحج ، وإن غلبت السلامة وجب ، وإن استويا فوجهان أصحهما : أنه لا يجب والطريق الثاني : يجب قولا واحدا الثالث : لا يجب والرابع : في وجوبه قولان والخامس : إن كان عادته ركوبه وجب وإلا فلا والسادس : حكاه إمام الحرمين أنه يفرق بين من له جرأة وبين المستشعر وهو ضعيف القلب فلا يلزم المستشعر . وفي غيره قولان والسابع : حكاه الإمام وغيره يلزم الجريء وفي المستشعر قولان والثامن : يلزم الجريء ولا يلزم المستشعر . قال أصحابنا : وإذا قلنا لا يجب ركوب البحر ففي استحبابه وجهان أحدهما : لا يستحب مطلقا لما فيه من الخطر وأصحهما : وبه قطع كثيرون يستحب إن غلبت السلامة ، فإن غلب الهلاك حرم ، نقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب على تحريمه والحالة هذه ، فإن استويا ففي التحريم وجهان أصحهما : التحريم وبه قطع الشيخ أبو محمد الجويني والثاني : لا يحرم ولكن يكره ، قال إمام الحرمين لا خلاف في ثبوت الكراهية ، وإنما الخلاف في التحريم . قال أصحابنا : وإذا لم نوجب ركوب البحر فتوسطه في بحارة أو غيرها ، فهل يلزمه التمادي في ركوبه إلى الحج أم لا الانصراف إلى وطنه ينظر إن كان ما بين يديه إلى مكة أكثر مما قطعه من البحر ، فله الرجوع إلى وطنه قطعا ، وإن كان أقل لزمه التمادي قطعا ، وإن استويا فوجهان ، وقيل : قولان أصحهما : يلزمه التمادي لاستواء الجهدين في حقه والثاني : لا ، قالوا : وهذان الوجهان فيما إذا كان له في الرجوع من مكة إلى وطنه طريق في البر ، فإن لم يكن فله الرجوع إلى وطنه قطعا ، لئلا يتحمل زيادة الخطر بركوب البحر في الرجوع من الحج ، قال أصحابنا وهذان الوجهان كالوجهين فيمن أحصر وهو محرم وأحاط به العدو من كل جهة ، فهل له التحلل أم لا وسنوضحهما في موضعهما إن شاء الله تعالى . هذا كله في الرجل أما : المرأة فإن لم نوجب ركوب البحر على الرجل فهي أولى وإلا ففيها خلاف والأصح :

52


53
الوجوب والثاني : المنع لضعفها عن احتمال الأهوال ، ولكونها عورة معرضة للانكشاف وغيره لضيق المكان ، قال أصحابنا : فإن لم نوجبه عليها لم يستحب على المذهب ، وقيل في استحبابه لها حينئذ الوجهان السابقان في الرجل ، وحكي البندنيجى قولين . هذا كله حكم البحر أما : الأنهار العظيمة كدجلة وسيحون وجيحون وغيرها فيجب ركوبها قولا واحدا عند الجمهور ، لأن المقام فيها لا يطول ولا يعظم الخطر فيها وبهذا قطع المتولي والبغوي وحكي الرافعي فيه وجها شاذا ضعيفا أنه كالبحر ، والله أعلم . فرع : إذا حكمنا بتحريم ركوب البحر للحج عند غلبة الهلاك كما سبق فيحرم ركوبه للتجارة ونحوها من الأسفار المباحة ، وكذا المندوبة أولى ، وهل يحرم ركوبه في الذهاب إلى العدو فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين هنا أحدهما : يحرم لأن الخطر المحتمل في الجهاد هو الحاصل بسبب القتل ، وليس هذا منه و الثاني : لا يحرم لأن مقصود العدو يناسبه ، فإذا كان المقصود وهو الجهاد مبنيا على العدو لم ينفذ احتمال العدو في السبب والله أعلم . فرع : إذا كان البحر مغرقا أو كان قد اغتلم وماج ، حرم ركوبه لكل سفر ، لقول الله تعالى :

﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ولقوله تعالى :

﴿ ولا تقتلوا أنفسكم هكذا صرح به إمام الحرمين والأصحاب . فرع : مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد أنه يجب الحج في البحر إن غلبت فيه السلامة وإلا فلا وهذا هو الصحيح عندنا كما سبق ، ومما جاء في هذه المسألة من الأحاديث حديث ابن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يركبن أحد بحرا إلا غازيا أو معتمرا أو حاجا وإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا رواه أبو داود والبيهقي وآخرون ، قال البيهقي وغيره : قال البخاري : هذا الحديث ليس بصحيح ، ورواه البيهقي من طرق عن ابن عمرو موقوفا والله أعلم .

53


54

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان أعمى لم يجب عليه إلا أن يكون معه قائد لأن الأعمى من غير قائد كالزمن ومع القائد كالبصير .

+ الشرح : قال أصحابنا : إن وجد للأعمى زاد وراحلة ومن يقوده ويهديه عند النزول ويركبه وينزله ، وقدر على الثبوت على الراحلة بلا مشقة شديدة ، لزمه الحج ، وكذلك مقطوع اليدين والرجلين ، ولا يجوز لهما الاستئجار للحج عنهما ، والحالة هذه ، وإن لم يكن كذلك لم يلزمهما الحج بأنفسهما ويكونان معضوبين ، هذا هو الصحيح في مذهبنا ، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد . وقال أبو حنيفة في أصح القولين عنه : يجوز له الاستئجار للحج عنه في الحالين ، ولا يلزمه الحج بنفسه ، قال صاحب البيان : قال الصيمري : وبه قال بعض أصحابنا ، وحكي هذا الوجه أيضا الدارمي عن ابن القطان عن ابن أبي هريرة عن أبي علي بن خيران ، والمشهور من مذهبنا ما سبق . واستدل أصحابنا بأنه في الصورة الأولى قادر على الثبوت على الراحلة فأشبه البصير وقاسه الماوردي على جاهل الطريق وأفعال الحج وعلى الأصم ، فإنهما يلزمهما الحج بالاتفاق ، وكذلك يلزمهما الجمعة إذا وجدا القائد ، والفرق بينه وبين الجهاد يحتاج إلى القتال ، والأعمى ليس من أهل القتال بخلاف الحج ، قال الرافعي والقائد في حق الأعمى كالمحرم في حق المرأة يعني فيكون في وجوب استئجاره وجهان أصحهما : الوجوب وهو مقتضى كلام الجمهور والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كانت امرأة ، لم يلزمها إلا أن تأمن على نفسها بزوج أو محرم أو نساء ثقات ، قال في الإملاء : أو امرأة واحدة وروى الكرابيسي عنه إذا كان الطريق آمنا جاز من غير نساء ، وهو الصحيح ، لما روى عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : حتى لتوشك الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبة . قال عدي : فلقد رأيت الظعينة تخرج من الحيرة حتى تطوف بالكعبة بغير جواز ولأنها تصير مستطيعة بما ذكرناه ، ولا تصير مستطيعة بغيره .

+ الشرح : حديث عدي هذا صحيح رواه البخاري في صحيحه بمعناه في باب علامات النبوة ، وهذا لفظه عن عدي بن حاتم قال : بينما أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه

54


55
الفاقة ، ثم أتى إليه آخر فشكا قطع السبيل فقال يا عدي ، هل رأيت الحيرة قلت : لم أرها ، وقد أنبئت عنها ، قال : فإن طالت بك الحياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله تعالى ، قال عدي : فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله هذا اللفظ رواية البخاري مختصرا وهو بعض من حديث طويل . وأما : قوله : من غير جوار فبكسر الجيم ومعناه بغير أمان وذمة والحيرة بكسر الحاء المهملة وهي مدينة عند الكوفة والظعينة المرأة ، ويوشك بكسر الشين أي يدع ، وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم . أما حكم المسألة : فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله تعالى : لا يلزم المرأة الحج إلا إذا أمنت على نفسها بزوج أو محرم نسب ، أو غير نسب ، أو نسوة ثقات ، فأي هذه الثلاثة وجد لزمها الحج بلا خلاف ، وإن لم يكن شيء من الثلاثة لم يلزمها الحج على المذهب سواء وجدت امرأة واحدة أم لا ، وقول ثالث أنه يجب أن تخرج للحج وحدها إذا كان الطريق مسلوكا كما يلزمها إذا أسلمت في دار الحرب الخروج إلى دار الإسلام وحدها بلا خلاف ، وهذا القول اختيار المصنف وطائفة ، والمذهب عند الجمهور ما سبق ، وهو المشهور من نصوص الشافعي . والجواب : عن حديث عدي بن حاتم أنه إخبار عما سيقع ، وذلك محمول على الجواز ، لأن الحج يجب بذلك ، والجواب عن الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام أن الخوف في دار الحرب أكثر من الخوف في الطريق ، وإذا خرجت مع نسوة ثقات فهل يشترط لوجوب الحج أن يكون مع واحدة منهن محرم لها أو زوج فيه وجهان أصحهما : لا يشترط لأن الأطماع تنقطع بجماعتهن والثاني : يشترط ، فإن فقد لم يجب الحج ، قال القفال : لأنه قد ينوبهن أمر يحتاج إلى الرجل ، وقطع العراقيون وكثير من الخراسانيين بأنه لا يشترط ، ونقله المتولي عن عامة أصحابه سوى القفال . قال إمام الحرمين : ولم يشترط أحد من أصحابنا أن يكون مع كل واحدة منهن محرم أو زوج ، قال : ويقصد بما قاله القفال حكم الخلوة ، فإنه كما يحرم على الرجل أن يخلو بامرأة واحدة

55


59
كذلك يحرم عليه أن يخلو بنسوة ، ولو خلا رجل بنسوة وهو محرم إحداهن جاز ، وكذلك إذا خلت امرأة برجال وأحدهم محرم لها جاز ، قال : وقد نص الشافعي على أنه لا يجوز للرجل أن يصلي بنساء مفردات إلا أن تكون إحداهن محرما له ، هذا كلام إمام الحرمين هنا ، وحكي صاحب العدة عن القفال في الخلوة مثل ما ذكره إمام الحرمين بحروفه ، وحكي فيه نص الشافعي في تحريم خلوة بنسوة منفردا بهن ، هذا الذي ذكره الإمام وصاحب العدة ، والمشهور هو جواز خلوة رجل بنسوة لا محرم له فيهن لعدم المفسدة غالبا لأن النساء يستحين من بعضهن بعضا في ذلك وقد سبقت هذه المسألة في باب صفة الأئمة . فرع : هل يجوز للمرأة أن تسافر لحج التطوع أو لسفر زيارة وتجارة ونحوهما مع نسوة ثقات أو امرأة ثقة فيه وجهان وحكاهما الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي وآخرون من الأصحاب في باب الإحصار ، وحكاهما القاضي حسين والبغوي والرافعي وغيرهم أحدهما : يجوز كالحج والثاني : وهو الصحيح باتفاقهم وهو المنصوص في الأم ، وكذا نقلوه عن النص : لا يجوز ، لأنه سفر ليس بواجب ، هكذا علله البغوي . ويستدل للتحريم أيضا بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تسافر امرأة ثلاثا إلا ومعها محرم رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم : لا يخل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم وعن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تسافر امرأة إلا مع محرم فقال رجل : يا رسول الله إني أريد أن أخرح في جيش كذا وكذا ، وامرأتي تريد الحج قال : أخرج معها رواه البخاري ومسلم وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تسافر امرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم رواه البخاري ومسلم ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما

56


59
كذلك يحرم عليه أن يخلو بنسوة ، ولو خلا رجل بنسوة وهو محرم إحداهن جاز ، وكذلك إذا خلت امرأة برجال وأحدهم محرم لها جاز ، قال : وقد نص الشافعي على أنه لا يجوز للرجل أن يصلي بنساء مفردات إلا أن تكون إحداهن محرما له ، هذا كلام إمام الحرمين هنا ، وحكي صاحب العدة عن القفال في الخلوة مثل ما ذكره إمام الحرمين بحروفه ، وحكي فيه نص الشافعي في تحريم خلوة بنسوة منفردا بهن ، هذا الذي ذكره الإمام وصاحب العدة ، والمشهور هو جواز خلوة رجل بنسوة لا محرم له فيهن لعدم المفسدة غالبا لأن النساء يستحين من بعضهن بعضا في ذلك وقد سبقت هذه المسألة في باب صفة الأئمة . فرع : هل يجوز للمرأة أن تسافر لحج التطوع أو لسفر زيارة وتجارة ونحوهما مع نسوة ثقات أو امرأة ثقة فيه وجهان وحكاهما الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي وآخرون من الأصحاب في باب الإحصار ، وحكاهما القاضي حسين والبغوي والرافعي وغيرهم أحدهما : يجوز كالحج والثاني : وهو الصحيح باتفاقهم وهو المنصوص في الأم ، وكذا نقلوه عن النص : لا يجوز ، لأنه سفر ليس بواجب ، هكذا علله البغوي . ويستدل للتحريم أيضا بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تسافر امرأة ثلاثا إلا ومعها محرم رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم : لا يخل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاث ليال إلا ومعها ذو محرم وعن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تسافر امرأة إلا مع محرم فقال رجل : يا رسول الله إني أريد أن أخرح في جيش كذا وكذا ، وامرأتي تريد الحج قال : أخرج معها رواه البخاري ومسلم وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تسافر امرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم رواه البخاري ومسلم ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر يوما

57


58
ليجب قضائه من تركته لو مات قبل الحج ، وليس شرطا لأصل وجوب الحج ، بل متى وجدت الاستطاعة من مسلم مكلف حر لزمه الحج في الحال ، كالصلاة تجب بأول الوقت قبل مضي زمن يسعها ، ثم استقرارها في الذمة يتوقف على مضي زمن التمكن من فعلها ، هذا اعتراضه ، والصواب ما قاله الرافعي ، وقد نص عليه المصنف والأصحاب كما نقل وأما : إنكار الشيخ ففاسد لأن الله تعالى قال :

﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وهذا غير مستطيع ، فلا حج عليه وكيف يكون مستطيعا وهو عاجز حسا . وأما : الصلاة فإنها تجب بأول الوقت ، لإمكان تتميمها والله أعلم ، هذا مذهبنا ، وحكي أصحاب عن أحمد أن إمكان السير ، وأمن الطريق ليسا بشرط في وجوب الحج دليلنا أنه لا يكون مستطيعا بدونهما والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان من مكة على مسافة لا تقصر فيها الصلاة ولم يجد راحلة نظرت فإن كان قادرا على المشي وجب عليه لأنه يمكنه الحج من غير مشقة شديدة وإن كان زمنا لا يقدر على المشي ويقدر على الحبو ، لم يلزمه لأن المشقة في الحبو في المسافة القريبة أكثر من المشقة في المسافة البعيدة في السير ، وإن كان من أهل مكة وقدر على المشي إلى مواضع النسك من غير خوف وجب عليه ، لأنه يصير مستطيعا بذلك .

+ الشرح : قال أصحابنا : من كان في مكة أو كانت داره من مكة على مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، فإن كان قويا على المشي لزمه الحج ، ولا يشترط وجود الراحلة لأنه ليس في المشي في هذه الحالة مشقة كثيرة ، وإن كان ضعيفا لا يقوى على المشي أو يناله به ضرر ظاهر اشترطت الراحلة لوجوب الحج عليه ، وكذا المحمل إن لم يمكنه الركوب ، ولا يلزمه الزحف والحبو ، هكذا قطع به المصنف والجماهير ، وحكي الدارمي وجها أنه يلزمه الحبو ، حكاه عن حكاية ابن القطان وهو شاذ أو غلط ، وحكى الرافعي أن القريب من مكة كالبعيد فلا يلزمه الحج إلا بوجود الراحلة ، وهو ضعيف أو غلط ، واتفق جمهور أصحابنا على اشتراط وجود الزاد لوجوب الحج على هذا القريب ، فإن لم يمكنه فلا حج عليه ، لأن الزاد لا يستغنى عنه بخلاف الراحلة ، وحكى القاضي حسين في تعليقه وجها أنه لا يشترط لوجوب الحج على هذا القريب وجود الزاد ، والصواب المشهور اشتراطه . لكن قال الماوردي و القاضي حسين وصاحب البيان وآخرون في اعتبار زاده كلاما حسنا ، قالوا : إن

58


59
عدم الزاد ، وكان له صنعة يكتسب بها كفايته عياله ، ويفضل له مؤنة حجة ، لزمه الحج وإن لم يكن له صنعة ، أو كانت بحيث لا يفضل منها شيء عن كفايته عياله ، وإذا اشتغل بالحج أضر بعياله لم يجب عليه الحج ، قال الماودي : ومقامه على عياله في هذه الحالة أفضل ، والله أعلم . واعلم أن المصنف جعل القريب الذي لا يشترط لوجوب الحج عليه الراحلة إذا أطاق المشي هو من كان دون مسافة القصر من مكة ، ولم يقل من الحرم ، وهكذا صرح باعتباره من مكة شيخه القاضي أبو الطيب في المجرد ، والدارمي والقاضي حسين وصاحب الشامل والبغوي والمتولي وصاحبا العدة والبيان ، والرافعي وآخرون ، وضبطه آخرون بالحرم ، فقالوا : القريب من بينه وبين الحرم مسافة لا تقصر فيها الصلاة ممن صرح بهذا الماوردي والمحاملي والجرجاني وغيرهم وهذا الخلاف نحو الخلاف في حاضر المسجد وهو من كان دون مسافة القصر ، وهل يعتبر من مكة أم من الحرم وسنوضحهما في موضعهما إن شاء الله لكن الأشهر هنا اعتبار مكة وهناك اعتبار الحرم وبهذا قطع المصنف والجمهور والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن قدر على الحج راكبا وماشيا ، فالأفضل أن يحج راكبا لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج راكبا ولأن الركوب أعون على المناسك .

+ الشرح : المنصوص للشافعي رحمه الله تعالى في الإملاء وغيره ، أن الركوب في الحج أفضل من المشي ، ونص أنه إذا نذر الحج ماشيا لزمه ، وأنه إذا أوصى بحجه ماشيا لزم أن يستأجر عنه من يحج ماشيا ، وللأصحاب طريقان أصحهما : وبه قطع المصنف ومعظم العراقيين ، أن الركوب أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم حج راكبا ولأنه أعون على المناسك والدعاء وسائر عباداته في طريقه وأنشط له والثاني : وهو مشهور في كتب الخراسانيين ، فيه قولان أصحهما : هذا والثاني : المشي لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : على قدر نصبك

59


60
وحكى الرافعي وغيره في باب النذر قولا ثالثا أنهما سواء ، وقال ابن سريج : هما قبل الإحرام ، فإذا أحرم فالمشي أفضل . وقال الغزالي : من سهل عليه المشي فهو أفضل في حقه ، ومن ضعف وساء خلقه بالمشي فالركوب أفضل ، والصحيح أن الركوب أفضل مطلقا ، وأجاب القائلون بهذا عن نصه في الوصية بالحج ماشيا أن الوصية يتبع فيها ما سماه الموصى ، وإن كان غيره أفضل ، ولهذا لو أوصى أن يتصدق عنه بدرهم لا يجوز التصدق عنه بدينار ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الحج ماشيا وراكبا أيهما أفضل قد ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أن الراكب أفضل ، قال العبدري : وبه قال أكثر الفقهاء ، وقال داود : ماشيا أفضل . واحتج بحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك وروى البيهقي بإسناده عن ابن عباس قال : ما آسى على شيء ما آسى أني لم أحج ماشيا وعن عبيدة وابن عمير قال ابن عباس : ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلا إني لم أحج ماشيا ولقد حج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا ، وإن النجائب لتقاد معه ولقد قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات ، حتى كان يعطي الخف ويمسك النعل وابن عمير يقول ذلك رواية عن الحسن بن علي ، قال البيهقي : وقد روى فيه حديث مرفوع من رواية ابن عباس وفيه ضعف عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حج من مكة ماشيا حتى رجع إليها كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم ، وحسنات الحرم الحسنة بمائة ألف حسنة وهو ضعيف . وبإسناده عن مجاهد أن إبراهيم وإسماعيل حجا ماشيين ومن حيث المعنى أن الأجر على قدر النصب ، قال المتولي : ولهذا كان الصوم في السفر أفضل من الفطر لمن أطاق الصوم ، وصيام الصيف أفضل . واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة أن

60


61
رسول الله صلى الله عليه وسلم حج راكبا فإن قيل : حج راكبا لبيان الجواز وكان يواظب في معظم الأوقات على الصفة الكاملة ، فأما ما لم يفعله إلا مرة واحدة فلا يفعله إلا على أكمل وجوهه ومنه الحج ، فإنه لم يحج صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلا حجة واحدة بإجماع المسلمين ، وهي حجة الوداع ، سميت بذلك لأنه ودع الناس فيها لا سيما وقد قال صلى الله عليه وسلم لتأخذوا عني مناسككم ولأنه أعون له على المناسك كما سبق والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : الحج على المقتب والزاملة أفضل من المحمل لمن أطلق ذلك ، ودليل ذلك حديث ثمامة بن عبد الله بن أنس قال : حج أنس على رحل ، ولم يكن صحيحا ، وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج على رحل ، وكانت زاملة رواه البخاري والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستطيع بغيره اثنان أحدهما : من لا يقدر على الحج بنفسه لزمانة أو كبر ، وله مال يدفعه إلى من يحج عنه ، فيجيب عليه فرض الحج لأنه يقدر على أداء الحج بغيره ، كما يقدر على أدائه بنفسه ، فيلزمه فرض الحج والثاني : من لا يقدر على الحج بنفسه ، وليس له مال ، ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج فينظر فيه ، فإن كان الولد مستطيعا بالزاد والراحلة وجب على الأب الحج ، ويلزمه أن يأمر الولد بأدائه عنه ، لأنه قادر على أداء الحج بولده ، كما يقدر على أدائه بنفسه ، وإن لم يكن الولد مال ، ففيه وجهان أحدهما : يلزمه لأنه قادر على تحصيل الحج بطاعته والثاني : لا يلزمه ، لأن الصحيح لا يلزمه فرض الحج من غير زاد ولا راحلة ، فالمعضوب أولى أن لا يلزمه ، وإن كان الذي يطيعه غير الولد ففيه وجهان أحدهما : لا يلزمه الحج بطاعته ، لأن في الولد إنما وجب عليه لأنه بضعة منه ، فنفسه كنفسه ، وماله كماله في النفقة وغيرها ، وهذا المعنى لا يوجد في غيره فلم يجب الحج بطاعته والثاني : يلزمه . وهو ظاهر النص . لأنه واجد لمن يطيعه فأشبه الولد ، وإن كان له من يجب الحج عليه بطاعته فلم يأذن له فيه وجهان أحدهما : أن الحاكم ينوب عنه في الإذن كما ينوب عنه إذا امتنع من إخراج الزكاة والثاني : لا ينوب عنه ، كما إذا مان له مال ولم يجهز من يحج عنه لم ينب الحاكم عنه في تجهيز من يحج عنه . وإن بذل له الطاعة ثم رجع الباذل ففيه وجهان أحدهما : أنه لا يجوز لأنه لما لم يجز للمبذول له أن

61


62
يرد ، لم يجز للباذل أن يرجع والثاني : إنه يجوز وهو الصحيح ، لأنه متبرع بالبذل فلا يلزمه الوفاء بما بذل وأما : إذا بذل له مالا يدفعه إلى من يحج عنه ففيه وجهان أحدهما : أنه يلزمه قبوله كما يلزمه قبول الطاعة والثاني : لا يلزمه وهو الصحيح لأنه إيجاب كسب ويجاب الحج ، فلم يلزمه كالكسب بالتجارة .

+ الشرح : قوله : لأنه بضعة منه وهو بفتح الباء لا غير ، وهي قطعة من اللحم ، وأما البضع والبضعة في العدد ففيه لغتان مشهورتان كسر الباء وفتحها والكسر أفصح ، وبه جاء القرآن ، وأما المعضوب فهو بالعين المهملة والضاد المعجمة وأصل العضب القطع ، كأنه قطع عن كمال الحركة والتصرف ، ويقال له أيضا : المغصوب بالصاد المهملة قال الرافعي : كأنه قطع عصبه أو ضرب عصبه . أما الأحكام : فأولها بيان حقيقة العضصوب ، قال أصحابنا : من كان به علة يرجى زوالها فليس هو بمعضوب ، ولا يجوز الاستنابة عنه في حياته بلا خلاف ، كما سنذكره واضحا بعد هذا ، حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى ، وإن كان عاجزا عن الحج بنفسه عجزا لا يرجى زواله ، لكبر أو زمانة أو مرض لا يرجى زواله ، أو كان كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة إلا بمشقة شديدة ، أو كان شابا نضو الخلق لا يثبت على الراحلة إلا بمشقة شديدة أو نحو ذلك ، فهذا معضوب فينظر فيه ، فإن لم يكن له مال ولا من يطيعه ، لم يجب عليه الحج ، وإن كان له مال ولم يجد من يستأجره ، أو وجده وطلب أكثر من أجرة المثل لم يجب الحج ، ولا يصير مستطيعا والحالة هذه ، فلو دام حاله هكذا حتى مات فلا حج عليه . وإن وجد مالا ، ووجد من يستأجره بأجرة المثل لزمه الحج ، فإن استأجره وحج الأجير عنه ، وإلا فقد استقر الحج في ذمته لوجود الاستطاعة بالمال ، وهكذا إذا كان للمعضوب ولد لا يطيعه في الحج عنه ، أو يطيعه ولم يحج الولد عن نفسه لا يجب الحج على المعضوب ، وإن كان الولد يطيعه وقد حج عن نفسه وجب الحج على المغصوب ، ولزمه أن يأذن للولد في أن يحج عنه . قال أصحابنا : وإنما يلزم المغصوب الاستناة ، ويجب عليه الإحجاج عن نفسه في صورتين إحداهما : أن يجد مالا يستأجر به من يحج وشرطه أن يكون بأجرة المثل ، وأن يكون المال فاضلا عن الحاجات المشترطة فيمن يحج بنفسه ، إلا أنه يشترط هناك أن يكون المصروف إلى الزاد والراحلة فاضلا عن نفقة عياله ذهابا ورجوعا ، وهنا لا يشترط إلا كونه فاضلا عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستئجار خاصة . وفيه وجه ضعيف ذكره إمام الحرمين والبغوي وغيرهما ، أنه يشترط أن يكون فاضلا عن ذلك مدة ذهاب الأجير كما لو حج بنفسه . والمذهب أنه لا يشترط

62


63
ذلك كما في الفطرة والكفارة ، بخلاف من يحج بنفسه ، فإنه إذا لم يفارق ولده أمكنه تحصي نفقاتهم ، ثم إن وفى ما يجده بأجرة راكب فقد استقر الحج عليه ، وإن لم يف إلا بأجرة ماش ففي وجوب الاستئجار وجهان أحدهما : لا يجب ، كما لا يجب على عاجز عن الراحلة وأصحهما : يجب إذ لا مشقة عليه في مشي الأجير ، بخلاف من يحج بنفسه ، وقد سبق أنه لو طلب الأجير أكثر من أجرة المثل لا يجب الحج ، لأن وجود الأجير بأكثر من أجرة المثل كعدمه كما في نظائر المسألة ولو رضى الأجير بأقل من أجرة المثل ، ووجد المغصوب ذلك لزمه الحج لأنه مستطيع ، وليس في ذلك كثير منة . وإذا تمكن من الاستئجار بشرطه فلم يستأجر ، فهل يستأجر عنه الحاكم لامتناعه أم لا فيه وجهان مشهوران أصحهما : لا ، لأن الحج على التراخي فيصير كما لو امتنع القادر من تعجيل الحج والثاني : يستأجر عنه كما يؤدي زكاة الممتنع ، هكذا علله المصنف والجمهور . وقال المتولي : إذا لزمه الحج فلم يحج حتى صار معضوبا ، فهل يلزمه الحج على الفور أم يبقى على التراخي فيه وجهان إن قلنا : على الفور فامتنع استأجر الحاكم عنه وإلا فلا الصورة الثانية : لوجوب الحج على المعضوب أن لا يجد المال ، لكن يجد من يحصل له الحج ، وله أحوال . أحدها : أن يبذل له أجنبي مالا ليستأجر به ، ففي وجوب قبوله الوجهان اللذان ذكرهما المصنف في آخر الفصل أصحهما : عند المصنف والأصحاب لا يلزمه ، وادعى المتولي الاتفاق عليه والثاني : يلزمه ويستقر به الحج على هذا في ذمته ، ودليلهما في الكتاب . الثاني : أن يذل واحد من بنيه أو بناته أو أولادهم وإن سفلوا الإطاعة في الحج عنه ، فيلزمه الحج بذلك وعليه الإذن للمطيع ، هذا هو المذهب ونص عليه الشافعي في جميع كتبه ، واتفق عليه الأصحاب في جميع الطرق ، إلا السرخسي فحكي في الأمالي وجها عن حكاية أبي طاهر الزيادي من أصحابنا ، أنه لا يلزم المطاع الحج بذلك وهذا غلط والصواب اللزوم ، وسنوضح دليله في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . قال أصحابنا : وإنما يصير الحج واجبا على المطاع بأربعة شروط أحدها : أن يكون المطيع ممن يصح منه فرض حجة الإسلام ، بأن يكون مسلما بالغا عاقلا حرا والثاني : أن يكون المطيع قد

63


64
حج عن نفسه ، وليس عليه حجة واجبة عن إسلام أو قضاء أو نذر والثالث : أن يكون موثوقا بوفائه بطاعته والرابع : ألا يكون معضوبا ، هكذا ذكر هذه الشروط الأصحاب في الطريقين ، واتفقوا عليها إلا الدارمي فقال : إذا كان على المطيع حج ففي وجوب الحج على المطاع وجهان الصحيح : لا يلزمه كما قال الأصحاب والثاني : يلزمه ويلزم المطيع الحج عن نفسه ، ثم عن المطاع ، وهذا شاذ ضعيف . قال أصحابنا : ولو شك في طاعة الولد لم يلزمه الحج بلا خلاف ، للشك في حصول الاستطاعة ، ولو توسم فيه أمر الطاعة وظنها ، فهل يلزمه أن يأمره بالحج فيه وجهان حكاهما المتولي والبغوي والشاشي الصحيح : المنصوص يلزمه لحصول الاستطاعة ، وبهذا قطع القاضي أبو الطيب وآخرون والثاني : لا يلزمه ما لم يصرح بالطاعة ، لأن الظن قد يخطىء فلا يتحقق القدرة بذلك ، قال المتولي : وهذا اختيار القاضي حسين ، ولو بذل المطيع الطاعة وجب على الوالد المطاع أن يأذن له في ذلك فإن لم يأذن ألزمه الحاكم بذلك فإن أصر على الامتناع فهل ينوب الحاكم عنه فيه وجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح : لا ، لأن الحج على التراخي : قال الدارمي : قال ابن القطان : هذا قول ابن أبي هريرة والثاني : قول أبي إسحاق المروزي . وإذا اجتمعت شروط وجوب الحج بالطاعة فمات المطيع قبل أن يأذن له أو رجع عن الطاعة وصححنا رجوعه ، فإن مصى بعد وجود الشرط زمن إمكان الحج استقر وجوب الحج في ذمة الميت وإلا فلا ، ولو كان له من يطيعه ولم يعلم بطاعته فهو كما لو كان له مال موروث ولم يعلم به ، وهكذا أطلقه الشيخ أبو حامد وآخرون ، ولم يذكروا حكمه ، قال ابن الصباغ والمتولي وصاحب العدة : هو كمن فقد الماء في رحله وصلى بالتيمم ، والمذهب وجوب إعادة الصلاة ، ومعنى هذا أنه يجيء هنا خلاف كذلك الخلاف فيكون الصحح أنه يجب الحج ولا يعذر بالجهل ، لأنه مقصر والثاني : يعذر ولا يجب عليه الحج ، وقال الشاشي في المعتمد هو شبيه بالمال الضال في الزكاة المذهب وجوبها فيه . قال الرافعي : ولك أن تقول : لا يجب الحج بمال مجهول لأنه متعلق بالاستطاعة ، ولا استطاعة مع عدم العلم بالمال والطاعة ، قال المتولي ولو ورث المعضوب مالا ولم يعلمه حتى مات ، ففي وجوب قضاء الحج من تركته هذا الخلاف ، قال : وكذا لو كان له من يطيعه ولم يعلم به حتى مات . ولو بذل الولد الطاعة ثم أراد الرجوع فإن كان بعد إحرامه لم يجز بلا خلاف ، وإن كان قبله فوجهان مشهوران ذكر المصنف دليلهما أصحهما : له ذلك ، لأنه تبرع بشيء لم يتصل به الشروع ، فإن كان رجوعه قبل حج أهل بلده تبينا أنه لا حج على المطاع ، هكذا أطلق المصنف والأصحاب الوجهين وقال الدارمي : الوجهان إذا بذل الطاعة وقبلها الوالد ، فأما إذا بذلها ولم يقبل الوالد ولا الحاكم إذا قلنا : يقوم مقامه عند الامتناع فللباذل الرجوع . الحال الثالث : أن يبذل الأجير الطاعة فيجب قبولها على أصح الوجهين وهو ظاهر نص الشافعي ، كما ذكره المصنف وجها

64


65
واحدا ، وهذا الذي قاله ظاهر ، وكلام الأصحاب محمول على الرجوع والثاني : لا يجب والأخ كالأجنبي مطيعا لأن استخدامه يثقل على الإنسان كاستخدام الأجنبي بخلاف الولد وأما : ابن الأخ والعم وابن العم فكالأخ وأما : الجد والأب فالمذهب أنهما كالأخ ، وبهذا قطع الجمهور ، وهو المنصوص في الأم والإملاء ، وقيل : هما كالولد لاستوائهما في النفقة والعتق بالملك ، ومنه الشهادة ونحوها حكاه المتولي وغيره ، والمذهب الأول بعد القبول ، والله أعلم . قال الدارمي : ولو رجع فاختلفا فقال الأب : رجعت بعد قبول ، وقال الابن : بل قبله ، فأيهما يصدق يحتمل وجهين واعلم : أن ما صححناه من الوجهين في أصل المسألة وهو جواز الرجوع قبل الإحرام هو الصحيح عند المصنف وجماهير الأصحاب في الطريقين وشذ الماوردي فصحح منع الرجوع وفرق بينه وبين بذل الما للمتيمم ثم رجع قبل قبضه بأن للماء بدلا وهو التيمم والله أعلم . الحال الرابع : أن يبذل له الولد المال ، فهل يجب قبوله والحج فيه وجهان مشهوران ، وذكر المصنف دليلهما أصحهما : لا يجب ، لأنه مما يمن به بخلاف خدمته بنفسه ، والوجهان مرتبان على بذل الأجنبي المال ، فإن أوجبنا القبول من الأجنبي فالولد أولى وإلا فوجهان الأصح : لا يجب ، ولو بذل المال للمغصوب أبوه ، فهل هو كبذل الأجنبي أم كبذل الولد فيه احتمالان ذكرهما إمام الحرمين أصحهما : كالولد لعدم المنة بينهما غالبا ، وهذا الذي ذكرناه في بذل الطاعة مله مفروض فيما إذا كان الباذل يحج راكبا ، فلو بذل الابن ليحج ماشيا ففي لزوم القبول وجهان أصحهما : لا يلزم ، قال الشيخ أبو محمد الجويني وغيره : هما مرتبان على الوجهين في وجوب استئجار الماشي وهنا الأولى منع الوجوب ، لأنه يشق عليه ولده ، وفي معناه الوالد إذا أطاع وأوجبنا قبوله ولا يجيء الترتيب إذا كان المطيع أجنبيا . فالحاصل أن الأصح أنه لا يجب القبول إذا كان المطيع ماشيا أبا أو ولدا ويجب إذا كان أجنبيا . وإذا أوجبنا القبول والمطيع ماش فذلك إذا كان له زاد ، فإن لم يكن وعول على الكسب في طريقه ، ففي وجوب القبول وجهان ، حكاهما إمام الحرمين وغيره ، لأن الكسب قد ينقطع ، فإن لم يكن مكتسبا وعول على السؤال ، قال الإمام : فالخلاف قائم على الترتيب ، وأولى بأن لا يجب ، قال : فإن احتاج إلى ركوب مفازة ليس بها كسب ولا سؤال ينفع ، لم يجب القبول بلا خلاف ، لأنه يحرم التغرير بالنفس على الابن المطيع ، فإذا حرم ذلك عليه استحال وجوب استنابته والحالة هذه . وذكر المصنف والجمهور في اشتراط الزاد والراحلة للمطيع

65


66
وجهين من غير ترتيب ، وعلل المتولي الوجوب بأن المطاع صار قادرا فلزمه الحج كمن كان معه مال ، ولا يكفيه لحج فرض ، ووجد من يحج بذلك المال ، يلزمه الاستئجار لتمكنه . فرع : قال أصحابنا : إذا أفسد المطيع الباذل حجه انقلب إليه ، كما سيأتي في الأجير إن شاء الله تعالى . فرع : قال الدارمي : إذا بذل الولد الطاعة لأبويه فقبلا لزمه ، ويبدأ بأيهما شاء ، قال : وإذا قبل الوالد البذل لم يجز له الرجوع . فرع : قال أصحابنا : إذا كان على المعضوب حجة نذر أو قضاء فهي كحجة الإسلام فيما سبق . فرع : قال أصحابنا : لا يجزىء الحج عن المعضوب بغير إذنه بخلاف قضاء الدين عن غيره ، لأن الحج يفتقر إلى النية وهو أهل للإذن بخلاف الميت ، وفيه وجه ضعيف أنه يجوز بغير إذنه . حكاه المتولي عن القاضي أبي حامد المرو الروذي ، وحكاه أيضا الرافعي ، وهو شاذ ضعيف ، واتفق أصحابنا على جواز الحج عن الميت ، ويجب عند استقراره عليه سواء أوصى به أم لا ويستوى فيه الوارث والأجنبي كالدين ، قال المتولي : ويخالف ما لو كان على الميت عتق رقبة فأعتقها أجنبي ، فإنه لا يصح على أحد الطريقين ، لأن العتق يقتضي الولاء ، والولاء يقتضي الملك ، وإثبات الملك بعد مته مستحيل . وأما : صحة الحج فلا تقتضي ثبوت ملك له قال أصحابنا : تجوز الاستنابة عن الميت إذا كان عليه حجة ، وله تركة ، وسيأتي تفصيله في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى وأما : المعضوب فتلزمه الاستنابة سواء طرأ العضب بعد الوجوب ، أو بلغ معضوبا واجدا للمال ، ولوجوب الاستنابة صورتان سبق بيانهما ، والله أعلم . فرع : قال المتولي : المغصوب إذا كان من مكة ، أو بينه وبينها دون مسافة القصر ، لا يجوز أن يستنيب في الحج لأنه لا تكثر المشقة عليه في أداء الحج ، ولهذا لو كان قادرا لا يشترط في وجوب الحج عليه الراحلة . فرع : قال أصحابنا : إذا طلب الوالد المعضوب العاجز عن الاستئجار من الولد أن يحج عنه ، استحب للولد إجابته ولا تلزمه إجابته ولا الحج بلا خلاف ، قال المتولي وغيره : والفرق بينه وبين الإعفاف وهو التزويج فإنه يلزم الولد عند حاجة الأب على

66


67
المذهب ، وأنه ليس على الوالد في امتناع الولد من الحج ضرر ، لأنه حق الشرع ، فإن عجز عنه لم يأثم ، ولا يجب علبه ، بخلاف الإعفاف فإنه حق الأب واضطراره عليه فهو شبيه بالنفقة ، والله أعلم . فرع : قال المتولي : لو استأجر المطيع إنسانا ليحج عن المطاع المعضوب فإن كان المطيع ولدا فالمذهب أنه يلزمه المطاع الحج ، وإن كان أجنبيا ، وقلنا : يجب الحج بطاعة الأجنبي فوجهان أحدهما : يلزمه . لأنه وجد من يطيعه ، فصار كما لو بذل الطاعة بنفسه والثاني : لا ، لأن هذا في الحقيقة بذل مال ، ولا يجب الحج ببذل الأجنبي المال ، وهذا إذا قلنا بالمذهب : إن بذل الأجنبي لا يجب قبوله ، وقد جزم الشيخ أبو حامد والمحاملي وصاحب الشامل وغيرهم باللزوم فيما إذا كان المطيع ولدا . فرع : إذا كان للمعضوب مال ، ولم يستأجر من يحج عنه لامتناعه ، فيه طريقان أحدهما : أن فيه وجهين كالوجهين السابقين فيما إذا امتنع المطاع من الإذن للمطيع الباذل للطاعة ، وبهذا الطريق قطع الفوراني والبغوي وغيرهما من الخراسانيين والثاني : لا يستأجر عنه وجها واحدا قال صاحب البيان : وبه قطع العراقيون من أصحابنا ، والفرق بينه وبين الإذن للمطيع أن للمعضوب غرضا في تأخير الاستئجار بأن ينتفع بماله . فرع : قال أصحابنا : يشترط أن ينوي الباذل للحج عن المعضوب . فرع : إذا بذل الولد الطاعة ، وقبلها الأب ، ثم مات الباذل قبل الحج ، قال الدارمي : إن كان قدر على الحج فلم يحج قضى من ماله ، وإن كان لم يقدر فلا شيء عليه ، قال : وعلى قول من قال : للباذل الرجوع يقوم ورثته مقامه في اختيار الرجوع ، وهذا الذي قاله من وجوب قضائه من تركة الباذل فيه نظر ، وهو محتمل . فرع : قال الدارمي وغيره : يلزم الباذل أن يحج من الميقات فإن جاوزه لزمه دم ، وكذا كل عمل يتعلق به فدية . فرع : قال أصحابنا : وشروط الباذل الذي يصح بذل ويجل به الحج أربعة أحدها : أن يكون ممن يصح منه أداء حجة الإسلام بنفسه ، بأن يكون بالغا عاقلا حرا مسلما والثاني : كونه لا حج عليه والثالث : أن يكون موثوقا ببذله له والرابع : أن لا يكون معضوبا ، وقد سبق بيان هذه الشروط وقد أخذ المصنف بإيضاحها ، فأردت التنبيه عليها مفردة لتحفظ ،

67


68
قال السرخسي : وذكر القفال مع هذه الشروط شرطا آخر ، وهو بقاء المطيع على الطاعة مدة إمكان الحج ، فلو رجع قبل الإمكان فلا وجوب ، كما إذا استجمع أسباب الاستطاعة في حق نفسه ففات بعضها قبل إمكان الحج ، فإنه يسقط الوجوب ، ولا نقول : إنه لم يجب ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في وجوب الحج على المعضوب ، إذا وجد مالا وأجيرا بأجرة المثل ، قد ذكرنا أن مذهبنا وجوبه ، وبه قال جمهور العلماء منهم علي بن أبي طالب والحسن البصري والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحق وابن المنذر وداود ، وقال مالك : لا يجب عليه ذلك ، ولا يجب إلا أن يقدر على الحج بنفسه . واحتج بقوله تعالى :

﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وبقوله تعالى :

﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وهذا لا يستطيع ، وبأنها عبادة لا تصح فيها النيابة مع القدرة ، فكذا مع العجز كالصلاة . واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس : أن امرأة من خثعم قالت : يا رسول الله إن فريضة الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا ، لا يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه قال : نعم . وذلك في حجة الوداع رواه البخاري ومسلم ، وعن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال : حج عن أبيك واعتمر رواه أبو داود والترمذي : حديث حسن صحيح . وعن علي رضي الله تعالى عنه : أن جارية شابة من خثعم استفتت

68


69
النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أبي شيخ كبير قد أقر ، وقد أدركته فريضة الله تعالى في الحج ، فهل يجزىء عنه أن أؤدي عنه قال : نعم فأدى عن أبيك رواه أحمد والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، وعن عبد الله ن الزبير رضي الله عنهما قال : جاء رجل من خثعم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أبي أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل ، والحج مكتوب عليه ، أفأحج عنه قال أنت أكبر ولده قال : نعم ، قال : أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه أكان ذلك يجزىء عنه قال : نعم ، قال : فأحجج عنه رواه أحمد والنسائي . والجواب عن قوله تعالى :

﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى أنه وجد من المعضوب السعي وهو بذل المال والاستئجار ، عن قوله تعالى :

﴿ من استطاع أن هذا مستطيع بماله ، وعن القياس على الصلاة أنها لا يدخلها المال والله أعلم . فرع : في مذاهبهم في المعضوب ، إذا لمن يجد مالا يحج به غيره ، فوجد من يطيعه . قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب الحج عليه . وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد : لا يجب عليه ودليلنا ودليلهم يعرف مما ذكره المصنف مع ما ذكرته في الفرع قبله . فرع : في مذاهبهم فيما إذا أحج المعضوب عنه ثم شفى ، وقدر على الحج بنفسه . قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا أنه لا يجزئه ، وعليه أن يحج بنفسه ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء ، وقال أحمد وإسحق : يجزئه .

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب لمن وجب عليه الحج بنفسه أو بغيره أن يقدمه لقوله تعالى :

﴿ فاستبقوا الخيرات ولأنه إذا أخره عرضه للفوات

69


70
بحوادث الزمان ، ويجوز أن يؤخره من سنة إلى سنة ، لأن فريضة الحج نزلت سنة ست ، وأخر النبي صلى الله عليه وسلم الحج إلى سنة عشر من غير عذر ، فلو لم يجز التأخير لما أخره .

+ الشرح : قوله : من غير عذر قد ينكر ، فيقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفتح مكة ولم يتمكن من الحج إلا في سنة ثمان ، وظاهر كلام المصنف أنه لم يحج من حين نزلت فريضة الحج ، وهذا اعتراض فاسد لأن مراد المصنف أن النبي صلى الله عليه وسلم تمكن سنة ثمان وسنة تسع وتمكن كثيرون من أصحابه ، ولم يحج ويحجوا إلا سنة عشر ، ولم يقل المصنف إنه تمكن من سنة ست . أما أحكام الفصل : ففيه مسألتان أحداهما : المستحب لمن وجب عليه الحج بنفسه أو بغيره تعجيله ، لما ذكره المصنف ، ولحديث مهران بن صفوان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أراد الحج فليعجل رواه أبو داود بإسناده عن مهران ، ومهران هذا مجهول ، قال ابن أبي حاتم : سئل أبو زرعة عنه فقال : لا أعرفه إلا من هذا الحديث . الثانية : إذا وجدت شروط وجوب الحج وجب على التراخي ، على ما نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب إلا المزني ، فقال : هو على الفور فعلى المذهب يجوز تأخيره بعد سنة الإمكان ما لم يخش الغصب ، فإن خشية فوجهان مشهوران في كتب الخراسانيين ، حكاهما إمام الحرمين والبغوي والمتولي وصاحب العدة وآخرون ، وقال الرافعي : أصحهما لا يجوز ، لأن الواجب الموسع لا يجوز تأخيره إلا بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله ، وهذا مفقود في مسألتنا والثاني : يجوز ، لأن أصل الحج على التراخي ، فلا يتغير بأمر محتمل ، قال المتولي : ويجري هذان الوجهان فيمن خاف أن يهلك ماله ، هل له تأخير الحج أم لا والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في كون الحج على الفور أو التراخي . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه على التراخي ، وبه قال الأوزاعي والثوري ومحمد ابن الحسن ، ونقله الماوردي عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس رضي الله تعالى عنهم . وقال مالك وأبو يوسف : هو على الفور ، وهو قول المزني كما سبق ، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة ، ولا نص لأبي حنيفة في ذلك . واحتج لهم بقوله تعالى :

﴿ وأتموا الحج والعمرة لله

70


71
وهذا أمر ، والأمر يقتضي الفور ، وبحديث ابن عباس السابق في هذا الفصل : من أراد الحج فليعجل وبالحديث الآخر السابق : من لم يمنعه من الحج حاجة أو مرض حابس ، أو سلطان جائر ، فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا . ولأنها عبادة تجب الكفارة بإفسادها ، فوجبت على الفور كالصوم ، ولأنها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة كالجهاد ، قالوا : ولأنه إذا لزمه الحج وأخره إما أن تقولوا يموت عاصيا ، وإما غير عاص فإن قلتم : ليس بعاص خرج الحج عن كونه واجبا وإن قلتم : عاص فإما أن تقولوا عصى بالموت أو بالتأخير ، ولا يجوز أن يعصى بالموت إذ لا صنع فيه ، فثبت أنه بالتأخير فدل على وجوبه على الفور . واحتج الشافعي والأصحاب بأن فريضة الحج نزلت بعد الهجرة ، وفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في رمضان سنة ثمان ، وانصرف عنها في شوال من سنته واستخلف عتاب بن أسيد ، فأقام الناس الحج سنة ثمان بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيما بالمدينة هو وأزواجه وعامة أصحابه ، ثم غزا غزوة تبوك في سنة تسع ، وانصرف عنها قبل الحج . فبعث أبا بكر رضي الله تعالى عنه فأقام الناس الحج سنة تسع ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأزواجه وعامة أصحابه قادرين على الحج غير مشتغلين بقتال ولا غيره ، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم بأزواجه وأصحابه كلهم سنة عشر ، فدل على جواز تأخيره ، هذا دليل الشافعي وجمهور الأصحاب . قال البيهقي : وهذا الذي ذكره الشافعي مأخوذ من الأخبار قال فأما : نزول فرض الحج بعد الهجرة فكما قال . واستدل أصحابنا له بحديث كعب بن عجرة قال : وقف علي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ، ورأسي يتهافت قملا ، فقال : يؤذيك هوامك قلت : نعم يا رسول الله . قال أبو داود : فقال : قد آذاك هوام رأسك قال : نعم ، قال : فاحلق رأسك قال : ففي نزلت هذه الآية : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية إلى آخره

71


72
رواه البخاري ومسلم ، قال أصحابنا : فثبت بهذا الحديث أن قوله تعالى :

﴿ وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه إلى آخرها نزلت سنة ست من الهجرة ، وهذه الآية دالة على وجوب الحج ، ونزل بعدها قوله تعالى :

﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة . وقد أجمع المسلمون على أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة في ذي القعدة وثبت بالأحاديث الصحيحة واتفاق العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا حنينا بعد فتح مكة ، وقسم غنائمها واعتمر من سنته في ذي القعدة ، وكان إحرامه بالعمرة من الجعرانة ، ولم يكن بقي بينه وبين الحج إلا أيام يسيرة ، فلو كان على الفور لم يرجع من مكة حتى يحج مع أنه هو وأصحابه كانوا حينئذ موسرين ، فقد غنموا الغنائم الكثيرة ولا عذر لهم ولا قتال ولا شغل آخر ، وإنما أخره صلى الله عليه وسلم عن سنة ثمان بيانا لجواز التأخير ، وليتكامل الإسلام والمسلمون فيحج بهم حجة الوداع ، ويحضرها الخلق فيبلغوا عنه المناسك ، ولهذا قال في حجة الوداع ليبلغ الشاهد منكم الغاب ولتأخذوا عني مناسككم ونزل فيها قوله تعالى :

﴿ اليوم أكملت لكم دينكم

72

. قال أبو زرعة الرازي فيما رويناه عنه حضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع مائة ألف وأربعة عشر ألفا كلهم رآه وسمع منه ، فهذا قول الإمام أبي زرعة الذي لم يحفظ أحد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كحفظه ، ولا ما يقاربه فإن قيل : إنما أخره إلى سنة عشر لتعذر الاستطاعة لعدم الزاد والراحلة ، أو الخوف على المدينة والاشتغال بالجهاد فجوابه : ما سبق قريبا . واحتج أصحابنا أيضا بحديث أنس رضي الله عنه قال : نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء ، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع ، فجاءه رجل من أهل البادية : فقال : يا محمد أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك ، قال : صدق ، قال : فمن خلق السماء قال الله ، قال : فمن خلق الأرض قال : الله ، قال : فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل قال : الله ، قال : فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك قال : نعم ، قال : وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا ، قال : صدق . قال : فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال : نعم ، قال : وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا ، قال صدق ، قال فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال : نعم ، قال : وزعم رسولك ، أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا ، قال : صدق ، قال : فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا قال نعم قال : وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا قال : صدق رواه مسلم في صحيحه في أول كتاب الإيمان بهذه الحروف ، وروى البخاري أصله . وفي رواية البخاري أن هذا الرجل ضمام بن ثعلبة ، وقدوم ضمام ابن ثعلبة على النبي صلى الله عليه وسلم كان سنة خمس من الهجرة ، قاله محمد بن

73


74
حبيب وآخرون ، وقال غيره سنة سبع ، وقال أبو عبيد : سنة تسع ، وقد صرح في هذا الحديث بوجوب الحج . واحتج أصحابنا أيضا بالأحاديث الصحيحة المستفيضة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر في حجة الوداع من لم يكن معه هدى الإحرام بالحج ، ويجعله عمرة ، وهذا صريح في جواز تأخير الحج مع التمكن . واحتج أصحابنا أيضا بأنه إذا أخره من سنة إلى سنة أو أكثر ، وفعله ، يسمى مؤديا للحج لا قاضيا بإجماع المسلمين ، هكذا نقل الإجماع فيه القاضي أبو الطيب وغيره ، ونقل الاتفاق عليه أيضا القاضي حسين وآخرون ولو حرم التأخير لكان قضاء لا أداء فإن قالوا : هذا ينتقض بالوضوء ، فإنه إذا أخره حتى خرج وقت الصلاة ثم فعله كان أداء ، مع أنه يأثم بذلك قلنا : قد منع القاضي أبو الطيب كونه أداء في هذه الحالة . وقال : بل هو قضاء لبقاء الصلاة ، لأنه مقصود لها لا لنفسه وجواب آخر وهو أن الوضوء ليس له وقت محدود ، فلا يوف بالقضاء بخلاف الحج ، وقد تقرر في الاصطلاح أن القضاء فعل العبادة خارج وقتها المحدود . واحتج أصحابنا أيضا بأنه أبذا تمكن من الحج وأخره ثم فعله لا ترد شهادته فيما بين تأخيره وفعله بالاتفاق ، ولو حرم لردت لارتكابه المسيء ، قال إمام الحرمين في الأساليب : أسلوب الكلام في المسألة أن تقول : العبادة الواجبة ثلاثة أقسام أحدها : ما يجب لدفع حاجة المساكين العاجزة وهو الزكاة ، فيجب على الفور ، لأنه المعنى من مقصود الشرع بها . والثاني : ما تعلق بغير مصلحة المكلف ، وتعلق بأوقات شريفة كالصلاة وصوم رمضان ، فيتعين فعلها في الأوقات المشروعة لها ، لأن المقصود فعلها

74


75
في تلك الأوقات . والثالث : عبادة تستغرق العمر وتبسط عليه حقيقة وحكما وهو الإيمان فيجب التدارك إليه ليثبت وجوب استغراق العمر به . والرابع : عبادة لا تتعلق بوقت ولا حاجة ولم تشرع مستغرقة للعمر ، وكانت مرة واحدة في العمر ، وهي الحج ، فحمل أمر الشرع بها للامتثال المطلق ، والمطلوب تحصيل الحج في الجملة ، ولهذا إذا فاتت الصلاة كان قضاؤها على التراخي لعدم الوقت المختص ، وهذا القياس في صوم رمضان إذا فات لا يختص قضاؤه بزمان ، ولكن تثبت آثار اقتضت غايته بمدة السنة ، هذا كله إذا قلنا إنه يقتضي الفور ، ولنا طريق آخر ، المقصود منه الامتثال المجرد ، ومن زعم أنه يقتضي الفور ، وإنما المقصود منه الامتثال المجرد ، ومن زعم أنه يقتضي الفور نقلنا الكلام معه إلى أصول الفقه ، ويمكن أن يقال : الحج عبادة لا تنال إلا بشق الأنفس ولا يتأتى الإقدام عليها بعينها بل يقتضي التشاغل بأسبابها والنظر في الرفاق والطرق ، وهذا مع بعد المسافة يقتضي مهلة فسيحة لا يمكن ضبطها بوقت ، وهذا هو الحكمة في إضافة الحج إلى العمر ، ويمكن أن يجعل هذا قرينة في اقتضاء الأمر بالحج للتراخي فنقول : الأمر بالحج إما أن يكون مطلقا ، والأمر المطلق لا يقتضي الفور وإما أن يكون معه ما يقتضي التراخي كما ذكرناه ، هذا كلام إمام الحرمين رحمه الله . وأما : الجواب عن احتجاج الحنفية بالآية الكريمة وأن الأمر يقتضي الفور ، فمن وجهين أحدهما : أكثر أصحابنا قالوا : إن الأمر المطلق المجرد عن القرائن لا يقتضي الفور ، بل هو على التراخي ، وقد سبق تقريره في كلام إمام الحرمين ، وهذا الذي ذكرته من أن أكثر أصحابنا عليه هو المعروف في كتبهم في الأصول ، ونقل القاضي أبو الطيب في تعليقه في هذه المسألة عن أكثر أصحابنا والثاني : أنه يقتضي الفور ، وهنا قرينة ودليل يصرفه إلى التراخي ، وهو ما قدمناه من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر أصحابه مع ما ذكره إمام الحرمين من القرينة المذكورة في آخر كلامه . وأما : الحديث : من أراد الحج فليعجل فجوابه : من أوجه أحدها : أنه ضعيف والثاني : أنه حجة لنا ، لأنه فوض فعله إلى إرادته واختياره ولو كان على الفور لم يفوض تعجيله إلى اختياره والثالث : أنه أمر ندب جمعا بين الأدلة وأما : الجواب عن حديث فليمت إن شاء يهوديا فمن أوجه أحدها : أنه ضعيف كما سبق والثاني : أن الذم لمن أخره إلى الموت ، ونحن نوافق على تحريم تأخيره إلى الموت ، والذي نقول بجوازه هو التأخير بحيث يفعل قبل الموت الثالث : أنه محمول على من تركه معتقدا عدم وجوبه مع

75


76
الاستطاعة ، فهذا كافر ، ويؤيد هذا التأويل أنه قال : فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا وظاهره أنه يموت كافرا ، ولا يكون ذلك إلا إذا اعتقد عدم وجوبه مع الاستطاعة وإلا فقد أجمعت الأمة على أن من تمكن من الحج فلم يحج ومات لا يحكم بكفره ، بل هو عاص ، فوجب تأويل الحديث لو صح والله أعلم . والجواب : عن قياسهم على الصوم أن وقته مضيق فكان فعله مضيقا بخلاف الحج . والجواب : عن قياسهم على الجهاد من وجهين أحدهما : جواب القاضي أبي الطيب وغيره : لا نسلم وجوبه على الفور بل هو موكول إلى رأي الإمام بحسب المصلحة في الفور والتراخي والثاني : أن في تأخير الجهاد ضررا على المسلمين بخلاف الحج . والجواب : عن قولهم : إذا أخره ومات هل يموت عاصيا أن الصحيح عندنا موته عاصيا ، قال أصحابنا : وإنما عصى لتفريطه بالتأخير إلى الموت ، وإنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة كما إذا ضرب ولده أو زوجته أو المعلم الصبي ، أو عزر السلطان إنسانا فمات ، فإنه يجب الضمان ، لأنه مشروط بسلامة العاقبة ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن وجب عليه الحج

76


77
فلم يحج حتى مات نظرت فإن مات قبل أن يتمكن من الأداء سقط فرضه ، ولم يجب القضاء ، وقال أبو يحيى البلخي : يجب القضاء ، وأخرج إليه أبو إسحاق نص الشافعي رحمه الله فرجع عنه ، والدليل على أنه يسقط أنه هلك ما تعلق به الفرض قبل التمكن من الأداء فسقط الفرض ، كما لو هلك النصاب قبل أن يتمكن من إخراج الزكاة ، وإن مات بعد التمكن من الأداء لم يسقط الفرض ويجب قضاؤه من تركته ، لما روى بريدة قال : أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت : يا رسول الله إن أمي ماتت ولم تحج قال : حجي عن أمك ولأنه حق تدخله النيابة لزمه في حال الحياة ، فلم يسقط بالموت ، كدين الآدمي ، ويجب قضاؤه عنه من الميقات ، لأن الحج يجب من الميقات ، ويجب من رأس المال لأنه دين واجب فكان من رأس المال كدين الآدمي وإن اجتمع الحج ودين الآدمي والتركة لا تتسع لهما ففيه الأقوال الثلاثة التي ذكرناها في آخر الزكاة .

+ الشرح : حديث بريدة رواه مسلم ، وفي الفصل مسائل : إحداها : إذا وجب عليه الحج فلم يحج حتى مات فإن مات قبل تمكنه من الأداء ، بأن مات قبل حج الناس من سنة الوجوب تبينا عدم الوجوب لتبين علامة عدم الإمكان ، هكذا نص عليه الشافعي ، وقطع به الأصحاب ، وكان أبو يحيى البلخي من أصحابنا يقول : يجب قضاؤه من تركته ، ثم رجع عن ذلك حين أخرج إليه أبو إسحق المروزي نص الشافعي كما ذكره المصنف ودليله في الكتاب . وإن مات بعد التمكن من أداء الحج بأن مات حج الناس استقر الوجوب عليه ، ووجب الإحجاج عنه من تركته . قال البغوي وغيره : ورجوع الناس ليس معتبرا إنما المعتبر إمكان فراغ أفعال الحج حتى ولو مات بعد انتصاف ليلة النحر ومضي إمكان السير إلى منى والرمي بها وإلى مكة والطواف بهااستقر الفرض عليه ، وإن مات أو جن قبل ذلك لم يستقر عليه ، وإن هلك ماله بعد رجوع الناس أو بعد مضي إمكان الرجوع استقر عليه الحج ، وإن هلك ماله بعد حجهم وقبل الرجوع أو إمكانه فوجهان أصحهما : أنه لا يستقر لأنه يشترط بقاؤه في الذهاب والرجوع ، وقد تبينا أن ماله لا يبقى إلى الرجوع . هذا حيث نشترط أن يملك نفقة الرجوع فإن لم نشترطها استقر بلا خلاف ولو أحصروا وأمكنه الخروج معهم فتحللوا ، لم يستقر عليه الحج ، لأنا تبينا عجزه وعدم إمكان الحج هذه السنة ، فلو سلكوا طريقا آخر وحجوا استقر عليه الحج ، وكذا لو حجوا في السنة التي بعدها إذا عاش وبقي ماله . الثانية : قال أصحابنا : حيث وجب عليه الحج وأمكنه الأداء فمات بعد استقراره يجب قضاؤه من تركته كما سبق ، ويكون قضاؤه من الميقات ، ويكون من رأس المال لما ذكره المصنف ، هذا إذا لم يوص به . فإن أوصى بأن يحج عنه من الثلث أو أطلق الوصية به من غير تقييد بالثلث ولا برأس المال ، فهل يحج عنه من الثلث أم من رأس المال فيه خلاف مشهور في كتاب الوصية ، فإن كان هناك دين آدمي وضاقت التركة عنهما ففيه الأقوال الثلاثة السابقة في كتاب الزكاة أصحهما : يقدم الحج والثاني : دين الآدمي والثالث : يقسم بينهما . وقد ذكر إمام الحرمين والبغوي والمتولي وآخرون من الأصحاب قولا غريبا للشافعي ، أنه لا يحج عن الميت الحجة الواجبة إلا إذا أوصى بها ، فإذا أوصى حج عنه من الثلث ، وهذا قول غريب ضعيف جدا . وسنوضح المسألة في كتاب الوصية إن شار الله تعالى ، وهذا كله إذا كان للميت تركة فلو استقر عليه الحج ومات ولم يحج ولا تركة له بقى الحج في ذمته ولا يلزم الوارث الحج عنه لكن يستحب له ، فإن حج عنه الوارث بنفسه أو استأجر من يحج عنه سقط الفرض عن الميت ، سواء كان أوصى به أم لا لأنه خرج عن أن يكون من أهل الإذن فلم يشترط إذنه بخلاف المعضوب فإنه يشترط إذنه كما سبق لإمكان أدائه ، ولو حج عن الميت أجنبي والحالة هذه

77


78
جاز ، وإن لم يأذن له الوارث ، كما يقضي دينه بغير إذن الوارث ويبرأ الميت به . الثالثة : إذا وجب عليه الحج وتمكن من أدائه واستقر وجوبه فمات بعد ذلك ولم يحج ، فقد سبق أنه يجب قضاؤه ، وهل تقول مات عاصيا فيه أوجه مشهورة في كتب الخراسانيين أصحها : وبه قطع جماهير العراقيين ، ونقل القاضي أبو الطيب وآخرون الاتفاق عليه أنه يموت عاصيا ، واتفق الذين ذكروا في المسألة خلافا على أن هذا هو الأصح ، قالوا : وإنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة والثاني : لا يعصى لأنا حكمنا بجواز التأخير والثالث : يعصى الشيخ دون الشاب ، لأن الشيخ يعد مقصرا لقصر حياته في العادة ، قال أصحابنا : والخلاف جار فيما لو كان صحيح البدن فلم يحج حتى صار زمنا والأصح : العصيان أيضا لأنه فوت الحج بنفسه كما لو مات ، فإذا زمن وقلنا بالعصيان فهل يجب عليه الاستنابة على الفور بخروجه بالتقصير عن استحقاق الترفيه ولأنه قد صار في معنى الميت أم له تأخير الاستنابة كما لو بلغ معضوبا فإن له تأخير الاستنابة قطعا فيه وجهان أصحهما : يلزمه على الفور . وعلى هذا لو امتنع وأخر الاستنابة ، هل يجبره القاضي عليها ويستأجر عنه فيه وجهان أحدهما : نعم ، كزكاة الممتنع وأصحهما : لا ، وقد سبق الوجهان ، ونظائرهما قريبا ، فيما إذا بذل للمعضوب ولده الطاعة فلم يقبل ، هل يقبل الحاكم عنه الأصح : لا يقبل ، قال أصحابنا : وإذا قلنا : يموت عاصيا فمن أي وقت يحكم بعصيانه فيه أوجه أصحها : من السنة الأخيرة من سنى الإمكان ، لأن التأخير إليها جائز ، قال القاضي أبو الطيب وغيره : وهذا قول أبي إسحق المروزي والثاني : من السنة الأولى لاستقرار الفرض فيها والثالث : يموت عاصيا ، ولا يضاف العصيان إلى سنة بعينها . قال أصحابنا : وتظهر فائدة الخلاف في أحكام الدنيا في صور منها : أنه لو شهد بشهادة ولم يحكم بها حتى لو مات ، لم يحكم لبيان فسقه ، ولو قضى بشهادته بين السنة الأولى والأخيرة من سني الأمكان فإن قلنا عصيانه من الأخيرة لم ينقض ذلك الحكم لأن فسقه لم يقارن الحكم ، بل طرأ بعده فلا يأثر ، وإن قلنا : عصيانه من الأولى ففي نقضه القولان ، فيما إذا بان أن فسق الشهود كان مقارنا للحكم ، والله أعلم . هذا حكم الحج ، ولو أخر الصلاة عن أول الوقت الموسع فمات في أثناه فقد سبق أنه هل يموت عاصيا فيه وجهان الأصح : لا يموت عاصيا والأصح : في الحج العصيان ، قال أصحابنا : والفرق أن آخر وقت الصلاة معلوم وقريب ، فلا يعد مفرطا في التأخير إليه ، مع غلبة الظن بالسلامة بخلاف الحج ، وقد سبق في كتاب مواقيت الصلاة أن تأخير الواجب الموسع إنما يجوز لمن غلب على ظنه السلامة إلى أن يفعل ، فأما من لم يغلب على ظنه ذلك فلا يحل له التأخير بلا خلاف والله أعلم .

78


79
فرع : في مذاهب العلماء في الحج عن الميت قد ذكرنا أن مذهبنا أن من تمكن من الحج فمات يجب الإحجاج من تركته ، سواء أوصى به أم لا ، وبه قال ابن عباس وأبو هريرة وقال أبو حنيفة ومالك : لا يحج عنه إلا إذا أوصى به ويكون تطوعا . دليلنا حديث بريدة المذكور في الكتاب .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وتجوز النيابة في حج الفرض في موضعين أحدهما : في حق الميت إذا مات وعليه حج ، والدليل عليه حديث بريدة والثاني : في حق من لا يقدر على الثبوت على الراحلة إلا بمشقة غير معتادة ، كالزمن والشيخ الكبير ، والدليل عليه ما روى ابن عباس رضي الله عنهما : أن امرأة من خثعم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا ، لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة ، أفأحج عنه نعم ، قالت أينفعه ذلك قال : نعم ، كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه ولأنه أيس من الحج بنفسه فناب عنه غيره كالميت ، وفي حج التطوع قولان أحدهما : لا يجوز لأنه غير مضطر إلى الاستنابة فيه ، فلم تجز الاستنابة فيه كالصحيح والثاني : أنه يجوز ، وهو الصحيح ، لأن كل عبادة جازت النيابة في فرضها جازت النيابة في نقلها كالصدقة ، فإن استأجر من يتطوع عنه ، وقلنا : لا يجوز ، فإن الحج للحاج ، وهل يستحق الأجرة فيه قولان أحدهما : أنه لا يستحق ، لأن الحج قد انعقد له فلا يستحق الأجرة كالصرورة والثاني : يستحق ، لأنه لم يحصل له بهذا الحج منفعة ، لأنه لم يسقط به عنه فرض ولا حصل له به ثواب ، بخلاف الصرورة ، فإن هناك قد سقط عنه الفرض . فأما : الصحيح الذي يقدر على الثبوت على الراحلة فلا تجوز النيابة عنه في الحج ، لأن الفرض عليه في بدنه فلا ينتقل الفرض إلى غيره إلا في الموضع الذي وردت فيه الرخصة ، وهو إذا أيس وبقي فيما سواه على الأصل فلا تجوز النيابة عنه فيه وأما : المريض فينظر فيه ، فإن كان غيره مأيوس منه لم يجز أن يحج عنه غيره ، لأنه لم ييأس من فعله بنفسه ، فلا تجوز النيابة عنه فيه كالصحيح فإن خالف وأحج عن نفسه ثم مات فهل يجزئه عن حجة الإسلام فيه قولان أحدهما : يجزئه لأنه لما مات تبينا أنه كان مأيوسا منه والثاني : لا يجزئه لأنه أحج وهو غير مأيوس منه في الحال فلم يجزه ، كما لو برأ منه ، وإن كان مريضا مأيوسا منه جازت النيابة عنه في الحج ، لأنه مأيوس منه فأشبه الزمن والشيخ

79


80
الكبير ، فإن أحج عن نفسه ثم برأ من المرض ففيه طريقان أحدهما : أنه كالمسألة التي قبلها ، وفيها قولان والثاني : أنه يلزمه الإعادة قولا واحدا ، لأنا تبينا الخطأ في الإياس ، ويخالف ما إذا كان غير مأيوس منه فمات ، لأنا لم نتبين الخطأ لأنه يجوز أنه لم يكن مأيوسا منه ، ثم زاد المرض فصار مأيوسا منه ، ولا يجوز أن يكون مأيوسا منه ، ثم يصير غير مأيوس منه .

+ الشرح : حديث بريدة وحديث ابن عباس صحيحان سبق بيانهما قريبا ، وحديث ابن عباس سبق في فرع مذاهب العلماء في حج المعضوب أن البخاري ومسلما روياه ، وليس فيه الزيادة التي في آخره ، وهناك سبق بيان لفظه في الصحيحين ، وقد استدل المصنف بهذا الحديث على الحج عن الحي المعضوب ، وكذلك احتج به جميع الأصحاب هنا وغيرهم من العلماء ، وترجم له ابن ماجه والبيهقي وخلائق من المحدثين ( باب الحج عن الحي المعضوب أو العاجز ) ونحو هذه العبارة ، واحتج به المصنف في آخر باب الأوصياء على جواز الحج عن الميت ، وكذا احتج به الغزالي ومن تابعهما ، وقد ينكر ذلك ويمكن الجواب عنهم بأنه إذا ثبت جوازه عن الحي المعضوب بهذا الحديث ، كان جوازه عن الميت أولى ، فيكون الاستدلال به للميت التنبيه بالأدنى على الأعلى والله أعلم . وقوله : كل عبادة جازت النيابة في نقلها ، كالصدقة ، ينتقض بالصوم عن الميت فإنه تجوز النيابة فيه في الفرض على القول القديم ، وهو المختار ، كما سبق ، ولا تجوز في النفل بلا خلاف وقوله : كالصرورة هو بفتح الصاد المهملة وهو الذي لم يحج حجة الإسلام ، وقد ثبت في سنن أبي داود عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا صرورة في الإسلام قال العلماء : لا يبقى أحد في الإسلام بلا حج ولا يحل لمستطيع تركه . وأما : قوله ولا حصل له ثواب ، هكذا قاله المتولي وصاحب البيان وآخرون ، والمختار حصول الثواب له بوقوع الحج له وقوله : لم ييأس هو بفتح الهمزة وكسرها لغتان مشهورتان وقوله : برأ بفتح الراء وفيه لغتان آخريان سيأتي متعلقة باللفظ في باب التيمم قوله : الإياس بكسر الهمزة ويقال : بفتحها والأحسن اليأس .

80


81
أما الأحكام : ففيها مسائل إحداها : قال الشافعي والأصحاب : تجوز النيابة في حج الفرض المستقر في الذمة في موضعين أحدهما : المعضوب والثاني : الميت وسبق بيان المعضوب ، ودليلهما في الكتاب . فأما : حج التطوع فلا تجوز الاستنابة فيه عن حي ليس بمعضوب ، ولا خلاف بين جمهور الأصحاب في عدم جوازه ، ولا عن ميت لم يوص به بلا خلاف ، نقل الاتفاق عليه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وآخرون وهل يجوز عن ميت أوصى به أو حي معضوب استأجر من يحج عنه فيه قولان مشهوران منصوصان للشافعي في الأم ذكر المصنف دليلهما ، واختلف أصحابنا فقال الجمهور : أصحهما : الجواز ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد ، وممن نص على تصحيحه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في المجرد والمصنف هنا والبغوي والرافعي وآخرون وصحح المحاملي في المجموع المنع ، والجرجاني في التحرير والشاشي ، قال ابن الصباغ وآخرون ما ذكره القائل بالمنع من أنه إنما جاز الاستنابة في الفرض للضرورة ولا يجوز في النفل فيلتبس بالتيمم فإنه جوز في الفرض للحاجة ، ويجوز أيضا في النفل ، وقد سبق في المتيمم والمستحاضة وجه شاذ أنهما لا يفعلان النفل أبدا تخريجا من هذا القول والله أعلم . وأما : الحجة الواجبة بقضاء أو نذر فيجوز النيابة فيها عن الميت والمعضوب بلا خلاف عندنا ، كحجة الإسلام لكن لا يجوز عن المعضوب إلا بإذنه ويجوز عن الميت بإذنه وبغير إذنه ، ويجوز من الوارث والأجنبي سواء أذن له الوارث أم لا بلا خلاف وقد سبق بيان هذا ، ولو لم يكن للميت حج ولا لزمه حج لعدم الاستطاعة ففي جواز الإحجاج عنه طريقان حكاهما إمام الحرمين وغيره أحدهما : القطع بالجواز لوقوعه واجبا والثاني : أنه على القولين كالتطوع ، لأنه لا ضرورة إليه . قال أصحابنا : فإذا قلنا : تجوز النيابة في حج التطوع عن الميت والمعضوب جاز حجتان وثلاث وأكثر ، ممن صرح به صاحب البيان ، قال أصحابنا وإذا جوزناه جاز أن يكون الأجير عبدا أو صبيا ، لأنهما من أهل التبرع بخلاف حجة الإسلام ، فإنه لا يجوز استئجارهما فيها ، وهل يجوز استئجارهما في حجة النذر قال الرافعي : إن قلنا : يسلك بالنذر مسلك جائز التبرع جاز وإلا فلا ، قال أصحابنا : وإذا صححنا النيابة في حج التطوع استحق الأجير الأجرة المسماة بلا خلاف . ( وإن لم نجوز الاستئجار وقع الحج عن الأجير ولم يستحق المسمى ) ، وهل يستحق أجرة المثل فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما

81


82
أصحهما : لا يجزئه والثاني : يجزئه ، هكذا أطلق المصنف والأصحاب الصورة ، والظاهر أن مرادهم إذا مات بذلك المرض فلو مات فيه بسبب عارض بأن قتل أو لسعته حية ونحوها أو وقع عليه سقف ونحو ذلك لم يجزئه قولا واحدا ، لأنا لم نتبين كون المرض غير مرجو الزوال . وأما : إذا كان المرض والعلة غير مرجو الزوال فله الاستنابة ، فإن حج النائب واتصل بالموت أجزأه عن حجة الإسلام ، وإن شفى فطريقان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : القطع بعدم الإجزاء ، وهو نصه في الأم وأصحهما : فيه القولان كالصورة التي قبلها أصحهما : لا يجزئه وإن قلنا : لا يجزئه فعمن يقع الحج فيه وجهان أصحهما : عند الجمهور يقع عن الأجير تطوعا لأن المستأجر لا يجوز أن يحصل له تطوع وعليه فرض وأصحهما : عند الغزالي يقع عن تطوع المستأجر ويكون هذا غررا في وقوع النفل قبل الفرض كالرق والصبا والمذهب الأول ، وبه قطع كثيرون . فإن قلنا : يقع عن الأجير فهل يستحق أجرة فيه قولان مشهوران في الطريقين ، قال البغوي و الرافعي : أصحهما : لا يستحق ، لأن المستأجر لم ينتفع بها والثاني : يستحق ، لأنه عمل له في اعتقاده ، قال أصحابنا : وهذان القولان مبنيان على أن الأجير إذا أحرم عن المستأجر ثم صرف الإحرام إلى نفسه لا ينصرف ، بل يبقى للمستأجر ، وهل يستحق الأجرة فيه قولان مشهوران أصحهما : باتفاق الأصحاب يستحق لأن حجه وقع عن المستأجر فرضا كأنه لم يصرفه والثاني : لا يستحق شيئا ، لأنه لم يعمل في اعتقاده والفرق في الصورتين في الأصح حيث قلنا : الأصح في هذه الثانية المبنى عليها أنه يستحق الأجرة ، والأصح في الأولى المبنية لا يستحق لأن في الثانية وقع الحج فرضا عن المستأجر كما استأجره ، وفي الأولى لم يقع عنه . وقاس أصحابنا وجوب الأجرة على الأصح في صورة صرف الإحرام إلى نفس الأجير ، على ما إذا استأجره إنسان ليبنى له حائطا فبناه الأجير ، معتقدا أن الحائط لنفسه فبان للمستأجر ، فإنه يستحق عليه الأجرة قولا واحدا ، والفرق على القول الضعيف أن الأجير في صرف الإحرام جائر مخالف ، وإن كان لا ينصرف ، بخلاف الثاني ، فإن قلنا في أصل مسألتنا : يستحق الأجرة ، فهل هي المسمى لأن العقد لم يبطل والثاني : أجرة المثل ، لأن العقد يتعين عما عقد عليه ، وهذا أصح وإن قلنا : عن المستأجر استحق الأجير الأجرة قولا واحدا ، وهل هي أجرة المثل أم المسمى الصحيح : أنها المسمى ، وهو ظاهر كلام البغوي والأكثرين ، وقال الشيخ أبو محمد : لا يبعد تخريجه على الوجهين .

82


83
فرع : قد ذكرنا أنه إذا كان مريضا غير مأيوس منه لا يجوز أن يستنيب ، ولو استناب ومات لا يجزئه على أصح القولين ، قال المارودي : هذا إذا مات بعد حج الأجير ، فإن مات قبل حج الأجير أجزأه ووقع عن حجة الإسلام ، ويجري القولان فيما لو تفاحش ذلك المرض فصار مأيوسا منه ، صرح به صاحب الشامل والمتولي وصاحب البيان وآخرون . فرع : يعرف كون المريض مأيوسا منه بقول مسلمين عدلين من أهل الخبرة ذكره وينبغي أن يجيء فيه الخلاف السابق في باب التيمم أنه هل يشترط العدد في كون المرض بهذه الصفة ويمكن أن يفرق بسهولة أمر التيمم . فرع : الجنون غير مأيوس من زواله ، قال صاحب الشامل والأصحاب : فإذا وجب عليه الحج ثم جن لا يستناب عنه ، فإذا مات حج عنه ، وإن استناب وحج عنه في حال حياته ثم أفاق لزمه الحج قولا واحدا كما سبق في المريض إذا شفي ، وإن استمر جنونه حتى مات قال صاحب الشامل : فينبغي أن يكون على القولين في المريض إذا اتصل مرضه بالموت . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أن المريض غير المأيوس منه لا يصح استنابته في الحج ، وكذا المجنون لا يجوز استنابته في حج الفرض عندنا ، وبه قال أحمد وداود ، وحكي أصحابنا عنأبي حنيفة جوازه في المسألتين ، قال : ويكون موقوفا ، فإن صح وجب فعله ، وإن مات أجزأه . واحتج بالقياس على المعضوب ، قلنا : المعضوب آيس من الحج بنفسه بخلاف هذا . فرع : قد ذكرنا أن الصحيح لا يصح استنابته في حج الفرض ولا نقل هذا مذهبنا وبه قال مالك وابن المنذر وداود . وجوز أبو حنيفة وأبو ثور استنابته في التطوع ، وهو رواية عن مالك . دليلنا القياس على الفرض ، قال ابن المنذر : وقد أجمعوا على أنه لا يصوم أحد عن حي ولا يصلي ولا يعتكف تطوعا . فرع : ذكرنا أن مذهبنا المشهور أنه إن مات وعليه حج الإسلام أو قضاء أو نذر ، وجب قضاؤها من تركته ، أوصى بها أم لم يوص ، قال ابن المنذر : وبه قال عطاء وابن سيرين ، وروى عن أبي هريرة وابن عباس ، وهو قول أبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر ، وقال النخعي وابن أبي ذؤيب : لا يحج أحد عن أحد . وقال مالك : إذا لم يوص به يتطوع عنه بغير الحج ويهدي عنه أو يتصدق أو يعتقه عنه .

83


84

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يحج عن الغير من لم يحج عن نفسه ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقول : لبيك عن شبرمة فقال : أحججت عن نفسك قال : لا ، قال : فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة ، ولا يجوز أن يعتمر عن غيره من لم يعتمر عن نفسه قياسا على الحج ، قال الشافعي رحمه الله : وأكره أن يسمى من لم يحج صرورة ، لما روى ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا صرورة في الإسلام ولا يجوز أن يتنفل الحج والعمرة وعليه فرضهما ، ولا يحج ويعتمر عن النذر وعليه فرض حجة الإسلام ، لأن النفل والنذر أضعف من حجة الإسلام ، فلا يجوز تقديمهما عليها كحج غيره على حجه ، فإن أحرم عن غيره وعليه فرصه انعقد إحرامه لنفسه ، لما روى في حديث ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : أحججت عن نفسك قال : لا قال : فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة . فإن أحرم بالنفل وعليه فرضه انعقد إحرامه عن الفرض ، وإن أحرم من النذر وعليه فرض الإسلام انعقد إحرامه عن فرض الإسلام قياسا على من أحرم عن غيره وعليه فرضه ، فإن أمر المغصوب من يحج عنه عن النذر وعليه حج الإسلام فأحرم عنه

84


85
انصرف إلى حجة الإسلام ، لأنه نائب عنه ، ولو أحرم هو عن النذر انصرف إلى حجة الإسلام ، فكذلك النائب عنه ، وإن كان عليه حجة الإسلام وحجة نذر فاستأجر رجلين يحجان عنه في سنة واحدة فقد نص في الأم أنه يجوز ، وكان أولى لأنه لم يقدم النذر عن حجة الإسلام ، ومن أصحابنا من قال : لا يجوز لأنه لا يحج بنفسه حجتين في سنة وليس بشيء .

+ الشرح : حديث ابن عباس : ( لا صرورة في الإسلام ) رواه أبو داود بإسناد صحيح بعضه على شرط مسلم وباقيه على شرط البخاري ، والصرورة بالصاد المهملة قد بيناه قريبا ، وأنه اسم لمن لم يحج ، سمي بذلك لأنه صر بنفسه عن إخراجها في الحج ، ويقال أيضا لمن لم يتزوج : صرورة لأنه صر بنفسه عن إخراجها في النكاح . وأما : حديث ابن عباس في قصة شبرمة فرواه أبو داود والدارقطني والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة ولفظ أبي داود عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعه رجلا يقول : لبيك عن شبرمة قال : من شبرمة قال : أخ لي أو قريب قال أحججت عن نفسك قال : لا ، قال : حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة هذا لفظ أبي داود وإسناده على شرط مسلم ، ورواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رحلا يقول : لبيك عن شبرمة فقال : من شبرمة فذكر أخا له أو قرابة ، فقال : أحججت قط قال : لا ، قال فاجعل هذه عنك ثم حج عن شبرمة قال البيهقي : هذا إسناد صحيح ، قال : وليس في هذا الباب أصح منه ، ثم رواه من طرق كذلك مرفوعا ، قال : وروى موقوفا عن ابن عباس ، قال : ومن رواه مرفوعا حافظ ثقة فلا يضره خلاف من خالفه . قال البيهقي : وأما حديث الحسن بن عمارة عن عبد الملك عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : سمع رجلا يقول : لبيك عن شبرمة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : من شبرمة فقال : أخ لي ، فقال : هل حججت قال : لا ، قال : حج عن نفسك ثم احجج عن شبرمة قال البيهقي : قال الدارقطني : هذا هو الصواب عن ابن عباس ، والذي قبله وهم ، قال : إن الحسن بن عمارة كان يرويه ثم رجع عنه فحدث به على الصواب موافقا لرواية غيره عن ابن عباس ، قال : وهو متروك الحديث على كل حال والله أعلم وأما : شبرمة فبشين معجمة مضمومة ثم باء موحدة ساكنة ثم راء مضمومة .

85


86
أما أحكام الفصل : ففيه مسائل إحداها : قال الشافعي والأصحاب : لا يجوز لمن عليه حجة الإسلام أو حجة قضاء أو نذر أن يحج عن غيره ، ولا لمن عليه عمرة الإسلام إذا أوجبناها ، أو عمرة قضاء أو نذر أن يعتمر عن غيره بلا خلاف عندنا ، فإن أحرم عن غيره وقع عن نفسه لا عن الغير ، هذا مذهبنا وبه قال ابن عباس والأوزاعي وأحمد وإسحق ، وعن أحمد رواية أنه لا ينعقد عن نفسه ولا غيره ، ومن أصحابه من قال : ينعقد الإحرام عن الغير ، ثم ينقلب عن نفسه ، وقال الحسن البصري و جعفر بن محمد وأيوب السجستاني وعطاء والنخعي وأبو حنيفة ينعقد وهل يستحق الأجرة نظر إن ظنه قد حج فبان لم يحج لم يستحق أجرة لتغريره ، وإن علم أنه لم يحج ، وقال : يجوز في اعتقادي أن يحج عن غيره من لم يحج ، فحج الأجير وقع عن نفسه ، وفي استحقاقه أجرة المثل قولان أو وجهان سبق نظائرهما . وأما : إذا استأجر للحج من حج ولم يعتمر أو للعمرة من اعتمر ولم يحج ، فقرن الأجير ، وأحرم بالنسكين عن المستأجر أو أحرم بما استؤجر له عن المستأجر وبالأجير عن نفسه ، فقولان حكاهما البغوي وآخرون الجديد : الأصح يقعان عن الأجير لأن نسكى القران لا يفترقان لاتحاد الإحرام ، ولا يمكن صرف ما لم يأمر به المستأجر إليه والثاني : أن ما استؤجر له يقع عن المستأجر والآخر عن الأجير ، وقطع كثيرون بالجديد ، وصورة المسألة أن يكون المستأجر عنه حيا ، فإن كان ميتا وقع النسكان جميعا عن الميت بلا خلاف نص علي الشافعي والأصحاب ، قالوا : لأن الميت يجوز أن يحج عنه الأجنبي ويعتمر من غير وصية ولا إذن وارث بلا خلاف كما يقضي دينه . أما : إذا استأجر رجلان شخصا أحدهما : ليحج عنه والآخر : ليعتمر عنه فقرن عنهما فعلى الجديد يقعان عن الأجير ، وعلى الثاني يقع عن كل واحد ما استأجر له . فرع : لو أحرم الأجير عن المستأجر ، ثم نذر حجة نظر إن نذره بعد الوقوف لم ينصرف حجه إليه ، بل يقع عن المستأجر ، وإن نذره قبله فوجهان حكاهما الرافعي وآخرون أصحهما : انصرافه إلى الأجير والثاني : لا ينصرف . ولو أحرم رجل يحج تطوع ثم نذر حجا بعد الوقوف لم ينصرف إلى النذر ، وقبله على الوجهين . المسألة الرابعة : نقل

86


87
المصنف والأصحاب أن الشافعي رحمه الله قال : أكره أن يسمى من لم يحج صرورة ، قال القاضي وغيره : سبب الكراهة أنه من ألفاظ الجاهلية ، كما كره أن يقال للعشاء عتمة : وللمغرب عشاء : وللطواف شوط : قالوا : وكانت العرب تسمى من لم يحج صرورة لصره النفقة وإمساكها ، وتسمى من لم يتزوج صرورة ، لأنه صر الماء في ظهره ، هذا كلام القاضي . وقوله : يكره تسمية الطواف شوطا هكذا نص عليه الشافعي وقد ثبت في الصحيحين عن ابن عمر وابن عباس تسمية الطواف شوطا ، وهذا يقتضي أن لا كراهة فيه إلا أن يقال : إنما استعملاه لبيان الجواز ، وهذا جواب ضعيف ، وسنعيد المسألة في مسائل الطواف إن شاء الله تعالى . وأما : كراهية تسمية من لم يحج صرورة ، واستدلالهم بهذا الحديث ، ففيه نظر ، لأنه ليس في الحديث تعرض للنهي عن ذلك وإنما معناه لا ينبغي أن يكون في الإسلام أحد يستطيع الحج ولا يحج ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء فيمن عليه حجة الإسلام وحجة نذر قد ذكرنا أن مذهبنا وجوب تقديم حجة الإسلام ، وبه قال ابن عمر وعطاء وأحمد وإسحق وأبو عبيد ، وقال ابن عباس وعكرمة والأوزاعي : يجزئه حجة واحدة عنهما ، وقال مالك : إذا أراد بذلك وفاء نذره فهي عن النذر ، وعليه حجة من قابل ، والله أعلم .
فصل في الاستئجار للحج
هذا الفصل ذكر المصنف بعضه في كتاب الإجارة ، وبعضا منه في كتاب الوصية وحذف بعضا منه ، وقد ذكره المزني في المختصر هنا ، وترجم له بابا مستقلا في أواخر كتاب الحج ، وتابعه الأصحاب على ذكره هنا إلا المصنف . فأردت موافقة المزني والأصحاب فأذكر إن شاء الله تعالى مقاصد ما ذكروه ومختصرة . قال الشافعي والأصحاب : يجوز الاستئجار على الحج وعلى العمرة لدخول النيابة فيهما كالزكاة ويجوز بالبذل كما يجوز بالإجارة ، وهذا لا خلاف فيه ، صرح به القاضي أبو الطيب في المجرد و الأصحاب ،

87


88
قالوا : وذلك بأن يقول : حج عني وأعطيك نفقتك ، أو كذا وكذا ، وإنما يجوز الاستئجار حيث تجوز النيابة ، وإنما تجوز في صورتين في حق الميت وفي المعضوب كما سبق بيانه ، وأجرة الحج حلال من أطيب المكاسب . فرع : الاستئجار في جميع الأعمال ضربان أحدهما : استئجار عين الشخص والثاني : إلزام ذمته العمل ، مثال الأول من الحج أن يقول المعضوب استأجرتك أن تحج ( عني أو ) عن ميتي ، ولو قال : احجج بنفسك كان تأكيدا ومثال الثاني : ألزمت ذمتك تحصيل الحج لي أو له ، ويفترق النوعان في أمور ستراها إن شاء الله تعالى . ثم لصحة الاستئجار شروط وآثار وأحكام موضعها في كتاب الإجارة ، والذي نذكر هنا ما يتعلق بخصوص الحج . قال أصحابنا : وكل واحد من ضربي الإجارة قد يعين فيه زمن العمل وقد لا يعين ، وإذا عين فقد تعين السنة الأولى ، وقد تعين غيرها ، فأما في إجارة العين فإن عينا السنة الأولى جاز بشرط أن يكون الخروج والحج فيما بقي منها مقدورا للأجير ، فلو كان مريضا لا يمكنه الخروج أو كان الطريق غير آمن ، أو كانت المسافة بعيدة بحيث لا تنقطع في بقية السنة لم يصح العقد للعجز عن المنفعة ، فإن عينا غير السنة الأولى لم يصح العقد ، كاستئجار الدار للشهر المستقبل . قال أصحابنا : إلا أن تكون المسافة بعيدة بحيث لا يمكن قطعها في سنة فلا يضر التأخير ، ولكن يشترط السنة الأولى من سني الإمكان ، فيعتبر فيها ما سبق وأما : الإجارة الواردة على الذمة فلا يشترط فيها السنة الأولى بل يجوز تعين السنة الأولى وتعين غيرها ، فإن عين الأولى أو غيرها تعينت ، وإن أطلق حمل على الأول ولا يقدح في هذه الإجارة مرض الأجير ، ولا خوف الطريق ، لإمكان الاستنابة في هذه الإجارة ، ولا يقدح فيها أيضا ضيق الوقت ، إن عين غير السنة الأولى . قال أصحابنا : وليس للأجير في إجارة العين أن يستنيب بحال ، وأما في إجارة الذمة فقد أطلق الجمهور أن له الاستنابة ، وقال الصيدلاني والبغوي وآخرون : إن قال : ألزمت ذمتك تحصيل حجة لي جاز أن يستنيب ، وإن قال احجج بنفسك لم يجز أن يستنيب ، بل يلزمه أن يحج بنفسه ، لأن الغرض يختلف باختلاف أعيان الأجراء وحكي إمام الحرمين هذا الفصل عن الصيدلاني وخطأه فيه ، وقال : الإجارة في الصورة الثانية باطلة ، لأن الدينية مع الربط بالعينية يتناقضان كمن أسلم في ثمرة بستان معين ، قال الرافعي : وهذا إشكال قوي . فرع : ذكر الشيخ أبو حامد في تعليقه والمحاملي وآخرون من الأصحاب في هذا الموضع أن البيع ينقسم إلى ضربين كالإجارة أحدهما : بيع عين ، وهو أن يبيع عينا بعين

88


89
فيقول : بعتك هذا ، فإن أطلق العقد اقتضى الصحة وتسليم العين في الحال ، فإن تأخر لتسليم يوما أو شهرا أو أكثر لم يبطل العقد ، سواء كان بعذر أو بلا عذر ، وإن شرط في العقد تأخير السلم ولو ساعة بطل العقد ، لأنه غرر لا يفتقر العقد إليه ، وربما تلف المعقود عليه والصواب الثاني ، وهو بيع صفة وهو السلم ، فإن أطلق العقد اقتضى الحلول ، وإن شرط أجلا صح ، بخلاف الضرب الأول ، لأن ما في الذمة لا يتصور تلفه فلا غرر . فرع : قال أصحابنا : أعمال الحج معروفة فإن علمها المتعاقدان عند العقد صحت الإجارة ، وإن جهلها أحدهما لم تصح بلا خلاف ، وممن صرح به إمام الحرمين والبغوي والمتولي ، وهل يشترط تعيين الميقات الذي يحرم منه الأجير نص الشافعي في الأم و مختصر المزني أنه يشترط ، ونص في الإملاء أنه لا يشترط ، وللأصحاب أربعه طرق أصحها : وبه قال أبو إسحاق المروزي والأكثرون ، ووافق المصنفون على تصحيحه : فيه قولان أصحهما : لا يشترط ، ويحمل على ميقات تلك البلدة في العادة الغالبة ، لأن الإجارة تقع على حج شرعي والحج الشرعي له ميقات معقود شرعا وغيرها فانصرف الإطلاق إليه . ولأنه لا فرق بين ما يقرره المتعاقدان وما تقرر في الشرع أو العرف ، كما لو باع بثمن مطلق فإنه يحمل على ما تقرر في العرف ، وهو النقد الغالب ويكون كما قرراه ، وممن نص على تصحيح هذا القول الشيخ أبو حامد في تعليقه والمحاملي والبندنيجى والرافعي وآخرون والقول الثاني : يشترط لأن الإحرام قد يكون من الميقات وفوقه ودونه ، والعرض يختلف بذلك فوجب بيانه . والطريق الثاني : إن كان للبلد طريقان مختلفا الميقات ، أو طريق يفضي إلى ميقاتين ، كقرن وذات عرق لأهل العراق ، وكالجحفة وذي الحليفة لأهل الشام فإنهم تارة يمرون بهذا وتارة يمرون بهذا ، اشترط بيانه وإلا فلا . وهذا الطريق مشهور في طريق العراق وخراسان . والثالث : إن كان الاستئجار عن حي اشترط ، وإن كان عن ميت فلا ، لأن الحي قد يتعلق له به غرض بخلاف الميت ، فإن المقصود في حقه تحصيل الحج ، وهذا الطريق حكاه المصنف في كتاب الإجارة والشيخ أبو حامد والمحاملي وسائر العراقيين ، وضعفه الشيخ أبو حامد وآخرون ، وقالوا : هذا والذي قبله

89


90
ليس بشيء ، ونقله إمام الحرمين . والرابع : يشترط قولا واحدا حكاه الدارامي ، قال أصحابنا : فإن شرط تعيينه فأهملاه فسدت الإجارة ، لكن يقع الحج عن المستأجر له لوجود الإذن ويلزمه أجرة المثل ، وهذا لا خلاف فيه ، قاله المتولي وغيره ، ولو عينا ميقاتا أقرب إلى مكة من ميقات بلد المستأجر ، فهو شرط فاسد ، وتفسد الإجارة ، لكن يصح الحج عن المستأجر ، وعليه أجرة المثل كما سبق ، ولو عينا ميقاتا أبعد عن مكة من ميقاته صحت الإجارة ويتعين ذلك الميقات كما لو نذره ، وأما تعيين زمان الإحرام فليس بشرط بلا خلاف ، لأن للإحرام وقتا مضبوطا لا يجوز التقدم عليه ، فلو شرط الإحرام من أول يوم من شوال جاز ، ولزمه الوفاء به ، ذكره المتولي وغيره . قال القاضي حسين والمتولي : وعلى هذا لو أحرم في أول شوال وأفسده لزمه في القضاء أن يحرم في أول شوال كما في ميقات المكان ، قال أصحابنا : وإن كانت الإجارة للحج والعمرة ، اشترط بلا خلاف بيان أنهما إفراد أو تمتع أو قران لاختلاف الغرض به ، وقد ذكر المصنف هذا في كتاب الإجارة . فرع : نقل المزني أن الشافعي نص في المنثور أنه إذا قال المعضوب : من حج عني فله مائة درهم ، فحج عنه إنسان إستحق المائة ، قال المزني : ينبغي أن يستحق أجرة المثل ، لأن هذا إجارة فلا يصح من غير تعيين الأجر ، هذا كلام الشافعي والمزني ، وقد ذكر المصنف المسألة في أول باب الجعالة ، وللأصحاب في المسألة ثلاثة أوجه الصحيح : وقوع الحج عن المستأجر ، ويستحق الأجير الأجرة المسماة ، وبهذا قطع المصنف والجمهور كما نص الشافعي ، قالوا : لأنه جعالة وليس بإجارة ، والجعالة تجوز على عمل مجهول ، فالمعلوم أولى . والثاني : وهو اختيار المزني أنه يقع عن المستأجر ويستحق الأجير أجرة المثل لا المسمى ، وحكي إمام الحرمين أن معظم الأصحاب مالوا إلى هذا وليس كما قال ، وهذا القائل يقول : لا تجوز الجعالة على عمل معلوم ، لأنه يمكن الاستئجار عليه . والثالث : أنه يفسد الإذن ويقع الحج عن الأجير ، لأن الإذن غير متوجه إلى إنسان بعينه فهو كما لو قال : وكلت من أراد بيع داري في بيعها فالوكالة باطلة ولا يصح تصرف البائع اعتمادا على هذا التوكيل ، وهذا الوجه حكاه الرافعي ، وذكر إمام الحرمين أن الشيخ والده أبا محمد أشار إليه فقال لا يمتنع أن يحكم بفساد الإذن ، وهذا الوجه ضعيف جدا ، بل باطل مخالف للنص والمذهب والدليل ، فإذا قلنا بالمذهب والمنصوص ، فقال : من حج عنه فله مائة درهم ، فسمعه رجلان وأحرما عنه قال القاضي حسين والأصحاب : إن سبق إحرام أحدهما وقع عن المستأجر القائل ، ويستحق السابق

90


91
المائة ، وإحرام الثاني يقع عن نفسه ، ولا يستحق شيئا ، وإن أحرما معا أوشك في السبق والمعية ، لم يقع شيء منه عن المستأجر ، بل يقع إحرام كل واحد منهما عن نفسه ، لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر فصار كمن عقد نكاح أختين بعقد واحد ، ولو قال : من حج عني فله مائة دينار ، فأحرم عنه رجلان أحدهما بعد الآخر ، وقع إحرام السابق بالإحرام عن المستأجر القائل ، وله عليه المائة ، ولو أحرما معا وقع حج مكل واحد منهما عن نفسه ولا شيء لهما على القائل ، لما ذكرناه في الصورة السابقة ، ولأنه ليس فيها أول ، ولو كان العوض مجهولا بأن قال : من حج عني فله عبد أو ثوب أو دراهم ، وقع الحج عن القائل بأجرة المثل والله أعلم . فرع : إذا استأجر من يحج عنه بأجرة فاسدة أو فسدت الإجارة بشرط فاسد ، وحج الأجير وقع الحج عن المستأجر بأجرة المثل بلا خلاف صرح به أصحابنا ، ونقل إمام الحرمين اتفاق الأصحاب عليه لصحة الإذن قال الإمام وغيره : وهو كما لو وكله في البيع بشرط عوض فاسد للوكيل فالإذن صحيح ، والعوض فاسد ، فإذا باع الوكيل صح واستحق أجر المثل . فرع : قال الرافعي : مقتضى كلام إمام الحرمين والغزالي تجويز تقديم إجارة العين على وقت خروج الناس للحج ، وأن للأجير انتظار خروجهم ، ويخرج مع أول رفقة ، قال الرافعي : والذي ذكره الجمهور الأصحاب على اختلاف طبقاتهم ينازع فيه ، ويقتضي اشتراط وقوع العقد في وقت خروج الناس من ذلك البلد ، حتى قال البغوي : لا تصح إجارة العين إلا في وقت خروج القافلة من ذلك البلد ، بحيث يشتغل عقب العقد بالخروج أو بأسبابه ، مثل شراء الزاد ونحوه ، فإن كان قبله لم يصح ، قال : وبنوا على ذلك أنه لو كان الاستئجار بمكة لم يجز إلا في أشهر الحج لتمكنه من الاشتغال بالعمل عقب العقد ، قال : وعلى ما قاله الإمام الغزالي لو جرى العقد في وقت تراكم الثلوج والأنداد فوجهان أحدهما : يجوز ، وبه قطع الغزالي في الوجيز ، وصححه في الوسيط ، لأن توقع زوالها مضبوط والثاني : لا ، لتعذر الاشتغال بالعمل في الحال بخلاف انتظار خروج الرفقة فإن خروجها في الحال غير متعذر هذا كله في إجارة العين . أما : إجارة الذمة فيجوز تقديمها على الخروج بلا شك ، هذا آخر كلام الرافعي ، وقد أنكر عليه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح هذا النقل عن جمهور الأصحاب ، قال : وما ذكره عن البغوي يمكن التوفيق بينه وبين كلام الإمام ، أو هو شذوذ من البغوي لا ينبغي أن يضاف إلى جمهور الأصحاب ، فإن الذي رأيناه

91


92
في الشامل والتنبيه والبحر وغيرها ، مقتضاه أنه يصح العقد في وقت يمكن فيه الخروج ، والسير على العادة ، والاشتغال بأسباب الخروج قال صاحب البحر : أما عقدها في أشهر الحج : فيجوز في كل موضع لإمكان الإحرام في الحال ، هذا كلام أبي عمرو . وقد قال القاضي حسين في تعليقه : إنما يجوز عقد إجارة العين في وقت الخروج إلى الحج واتصال القوافل ، لأنعليه الاشتغال بعمل الحج عقيب العقد والاشتغال بشراء الزاد ، والتأهب للسفر منزل منزلة السفر ، وليس عليه الخروج قبل الرفقة ولو استأجر أخاه من قبل زمان خروج القافلة لم تنعقد الإجارة لأن الإجارة في زمان مستقبل باطلة ، هذا كلام القاضي حسين ، وقال المصنف في أول باب الإجارة : فإن استأجر من يحج لم يجز إلا في الوقت الذي يتمكن فيه من التوجه ، فإن كان في موضع قريب لم يجز قبل أشهر الحج ، لأنه يتأخر استيفاء المعقود عليه عن حال العقد ، وإن كان في موضع بعيد لا يدرك الحج إلا أن يسير قبل أشهره لم يستأجر إلا في الوقت الذي يتوجه بعده لأنه وقت الشروع في الاستيفاء . وقال المحاملي في المجموع في هذا الباب من كتاب الحج : لا يجوز أن يستأجره في إجارة العين إلا في الوقت الذي يتمكن من أفعال الحج أو ما يحتاج إليه في سيره إلى الحج عقب العقد ، قال : فإن كان ذلك بمكة أو غيرها من البلاد التي يمكن ابتداء الحج فيها أشهر الحج ويدركه لم يجز أن يستأجره قبل أشهر الحج ، لأنه لا حاجة به إلى ذلك ، فيكون في معنى شرط تأخير السلم في إجارة العين ، وإن استأجره في أشهر الحج صح ، لأنه يمكنه أن يحرم بالحج ويأخذ في أفعاله عقب عقد الإجارة ، فلا يتأخر المعقود عليه عن حال العقد ، وإن كان ببلد لا يمكنه أن يحج إلا بأن يخرج منه قبل أشهر الحج ، جاز أن يستأجره في الوقت الذي يحتاج فيه إلى السير إلى الحج ، والخروج له من البلد ، ولا يجوز قبل ذلك ، ومثله في تعليق الشيخ أبي حامد وذكره البندنيجى وكثيرون . وقال القاضي أبو الطيب في المجرد : لا يجوز إجارة العين إلا في وقت يمكن العمل فيه ، أو يحتاج فيه إلى السبب ، فإن كان بمكة أو في بلاد قريبة بحيث لا يحتاج إلى تقديم السير على أشهر الحج كبلاد العراق ، لم يجز عقدها إلا في أشهر الحج وإن كان يحتاج إلى تقديم السير قبل أشهره كبلاد خراسان جاز تقديم العقد على أشهر الحج بحسب الحاجة ، فأما عقده في أشهر الحج فيجوز في كل مكان لإمكان الاشتغال به ، وقال الدارمي : إذا استأجر عنه فإن وصل العقد بالرحيل صح العقد ، وإن لم يصل فإن كان في غير أشهر الحج لم يجز ، وقال ابن المرزبان : يجوز ، وقيل : إن كان ببلد قريب كبغداد لم يجز ، وإن كان بعيدا جاز . فرع : إذا لم يشرع في الحج في السنة الأول لعذر أو لغير عذر ، فإن كانت الإجارة

92


93
على العين انفسخت بلا خلاف لفوات المعقود عليه ، وإن كانت في الذمة ينظر إن لم يعينا سنة فقد سبق أنه كتعيين السنة الأولى وذكر البغوي أنه يجوز التأخير عن السنة الأولى والحالة هذه ، لكن يثبت للمستأجر الخيار ، وإن عينا السنة الأولى أو غيرها وأخر عنها فطريقان مشهوران أصحهما : على قولين كما لو انقطع المسلم فيه في محله أظهرهما : لا ينفسخ العقد والثاني : ينفسخ قولا واحدا ، وهو مقتضى كلام المصنف في باب الإجارة ، وبه قطع غيره ، فإذا قلنا : لا ينفسخ فإن كان المستأجر هو المعضوب عن نفسه فله الخيار إن شاء فسخ ، وإن شاء أخر ، ليحج الأجير في السنة الأخرى . وإن كان الاستئجار عن ميت ، فقال المصنف وسائر أصحابنا العراقيين وجماعة من غيرهم : لا خيار للمستأجر ، قالوا : لأنه لا يجوز التصرف في الأجرة إذا فسخ العقد ، ولا بد من استئجار غيره في السنة الثانية ، فلا وجه للفسخ . وحكى إمام الحرمين هذا عن العراقيين ، ثم قال : وفيما ذكروه نظر قال : ولا يمنع أن يثبت الخيار للورثة نظرا للميت وسيعيدون بالفسخ استرداد الأجرة ، وصرفها إلى إحرام آخر أحرى بتحصيل المقصود ، هذا كلام الإمام وتابعه الغزالي على ذلك ، فحكى قول العراقيين وجزم به ، ثم قال : وفيه احتمال ، وذكر احتمال إمام الحرمين ، وقال البغوي وآخرون : يجب على المولى مراعاة المصلحة ، فإن كانت في ترك الفسخ تركه ، وإن كانت في الفسخ لخوف إفلاس الأجير أو هربه ، لزمه أن يفسخ فإن لم يفسخ ضمن . قال الرافعي : هذا هو الأصح ، قال : فيجوز أن يحمل المنقول عن العراقيين على أحد أمرين وأثبتهما الأئمة أحدهما : صور بعضهم المنع بما إذا كان الميت قد أوصى بأن يحج عنه فلان مثلا ، ووجهه بأن الوصية مستحقة الصرف إليه . والثاني : قال أبو إسحق في الشرح : للمستأجر عن الميت أن يرفع الأمر إلى القاضي ليفسخ العقد ، إن كانت المصلحة تقتضيه ، وأن لا يستقل به ، فإذا نزل ما ذكروه على المعنى الأول ارتفع الخلاف ، وإن نزل على الثاني هان أمره ، هذا كلام الرافعي . أما : إذا استأجر إنسان من مال نفسه من يحج عن الميت فهو كاستئجار المعضوب لنفسه في ثبوت الخيار بالاتفاق وأما : إذا استأجر المعضوب لنفسه من يحج عنه فمات المعضوب وأخر الأجير الحج عن السنة المعينة ، فقال الرافعي : لم أر المسألة مسطورة . قال : وظاهر كلام الغزالي أنه ليس للوارث فسخ الإجارة ، قال الرافعي : والقياس ثبوت الخيار للوارث كالرد بالعيب ونحوه ، وهذا كلام الرافعي ، والصحيح المختار أنه ليس له الفسخ إذ لا ميراث في هذه الأجرة بخلاف الرد بالعيب قال أصحابنا : ولو قدم الأجير على السنة المعينة حاز بلا خلاف ، وقد زاد خيرا ، وفرقوا بينه

93


94
وبين من عجل المسلم فيه قبل المحل ، فإن في وجوب قبوله خلافا وتفصيلا بأنه قد يكون له غرض في تأخير قبض المسلم فيه ، ليحفظ في الذمة ونحو ذلك ، بخلاف الحج . فرع : إذا انتهى الأجير إلى الميقات المتعين للإحرام ، أما بشرطه وإما بالشرع إذا لم يشترط تعيينها فلم يحرم عن المستأجر ، بل أحرم عن نفسه بعمرة ، فلما فرغ منها أحرم عن المستأجر بالحج فله حالان أحدهما : أن لا يعود إلى الميقات فيصح الحج عن المستأجر للإذن ويحط شيء من الأجرة المسماة لإخلاله بالإحرام من الميقات الملتزم ، وفي قدر المحطوط خلاف متعلق بأصل ، وهو أنه إذا سار الأجير من بلد الإجارة وحج ، فالأجرة تقع عن مقابلة أصل الحج وحدها أم موزعة على السير والأعمال فيه قولان مشهوران سنوضحهما قريبا إن شاء الله تعالى فيما إذا مات الأجير أصحهما : توزع على الأعمال والسير جميعا والثاني : على الأعمال ، وقال ابن سريج : إن قال : استأجرتك لتحج عني يقسط على الأعمال فقط ، وإن قال : لتحج عني من بلد كذا يقسط عليهما ، وحمل القولين على هذين الحالين ، فإن خصصناها بالأعمال وزعت الأجرة المسماة على حجة من الميقات وحجة من مكة ، لأن المقابل بالأجرة على هذا هو الحج من الميقات فإذا كانت أجرة الحجة المسماة من مكة ديناران ، والمسماة من الميقات خمسة دنانير ، فالتفاوت ثلاثة أخماس ، فيحط ثلاثة أخماس المسمى . وإن وزعنا الأجرة على السير والأعمال وهو المذهب فقولان أحدهما : لا تحسب له المسافة هنا ، لأنه صرفها إلى غرض نفسه لإحرامه بالعمرة من الميقات ، فعلى هذا توزع على حجة تنشأ من بلد الإجارة ، ويقع الإحرام بها من الميقات ، وعلى حجة تنشأ من مكة فيحط من المسمى بنسبته ، فإذا كانت أجرة المنشأة من البلد مائة ، والمنشأة من مكة عشرة ، حط تسعة أعشار المسمى والقول الثاني : وهو الأصح يحسب قطع المسافة إلى الميقات لجواز أنه قصد الحج منه ، إلا أنه عرض له العمرة ، فعلى هذا توزع المسماة على حجة منشأة من بلد الإجارة ، إحرامها من الميقات ، وعلى حجة منشأة من بلد الإجارة ، إحرامها من الميقات ، وعلى حجة منشأة من بلد إحرامها من مكة فإذا كانت أجرة الأولى مائة ، والثانية تسعين ، حط عشر المسمى ، فحصل في الجملة ثلاثة أقوال المذهب : منها هذا الأخير . قال أصحابنا : ثم إن الأجير في مسألتنا يلزمه دم لإحرامه بالحج بعد مجاوزة الميقات ، وسنذكر إن شاء الله تعالى خلافا في غير صورة الاعتمار أن إساءة المجاوزة هل تنجبر بإخراج الدم حتى لا يحط شيء من الأجرة أم لا وذلك الخلاف يجيء هنا ، ذكره أبو الفضل بن عبدان وآخرون فإذن الخلاف في قدر المحطوط 95 فرع للقول بإثبات أصل الحط قال الرافعي : ويجوز أن يفرق بين الصورتين ويقطع بعدم الإنجبار هنا ، لأنه ارتفق بالمجاوزة هنا ، حيث أحرم بالعمرة لنفسه الحال الثاني : أن يعود إلى الميقات بعد الفراغ من العمرة ، فيحرم الحج منه ، فهل يحط شيء من الأجرة يبنى على الخلاف السابق إن قلنا : الأجرة موزعة على الأعمال والسير لم يحسب السير لانصرافه إلى عمرة ، ووزعت الأجرة على حجة منشأة من بلد الإجارة ، إحرامها من الميقات ، وعلى حجة منشأة من الميقات بغير قطع مسافة . ويحط بالنسبة من المسمى وإن قلنا : الأجرة في مقابلة الأعمال أو وزعناها عليه وعلى السير ، وحسبت المسافة ، فلا حط . وتجب الأجرة كلها ، وهذا هو المذهب ولم يذكر البندنيجى وكثيرون غيره . فرع : قال الشافعي : الواجب على الأجير أن يحرم من الميقات الواجب بالشرع أو الشرط ، فإن أحرم منه فقد فعل واجبا ، وإن أحرم قبله فقد زاد خيرا هذه عبارة الشيخ أبي حامد وسائر الأصحاب ، فإن جاوز الأجير الميقات المعتبر بالشرط أو الشرع غير محرم ، ثم أحرم بالحج للمستأجر فينظر إن عاد إليه وأحرم منه فلا دم ، ولا يحط من الأجرة شيء ، وإن أحرم من جوف مكة أو بين الميقات ومكة ولم يعد ، لزمه دم للإساءة بالمجاوزة ، وهل ينجبر به الخلل حتى لا يحط شيء من الأجرة فيه طريقان مشهوران ، حكاهما المصنف في كتاب الإجارة والأصحاب أصحهما : عند المصنف والأصحاب : فيه قولان أحدهما : ينجبر ويصير كأنه لا مخالفة ، فيجب جميع الأجرة ، وهذا ظاهر نصه في الإملاء والقديم ، لأنه قال : يجب الدم ، ولم يذكر الحط وأصحهما : وهو نصه في الأم و المختصر يحط . والطريق الثاني : القطع بالحط وتأولوا ما قاله في الإملاء و القديم بأنه سكت عن وجوب الحط ، ولا يلزم من سكوته عنه عدم وجوبه ، مع أنه نص على وجوب الحط في المختصر و الأم فإن قلنا : بالانجبار ، فهل نعتبر قيمة الدم ونقابلها بالتفاوت فيه وجهان حكاهما القاضي حسين ، وإمام الحرمين والغزالي والمتولي والبغوي وآخرون أصحهما : لا ، لأن التعويل في هذا القول على جبر الخلل ، وقد حكم الشرع بأن الدم يجبره من غير نظر إلى اعتبار القيمة والثاني : نعم ، فلا ينجبر ما زاد على قيمة الدم ، فعلى هذا تعتبر قيمة الدم ، فإن كان التفاوت مثلها أو أقل حصل الانجبار ولا حط ، وإن كان أكثر وجب الزائد . هذا إذا قلنا بالانجبار ، وإن قلنا بالمذهب وهو الحط ففي قدره وجهان ، بناء على الأصل السابق وهو أن الأجرة في مقابلة ماذا إن قلنا : في مقابلة الأعمال فقط ، وزعنا المسمى على حجة من الميقات وحجة من حيث أحرم وإن قلنا : في مقابلة الأعمال والسير ، وهو

94


95
فرع للقول بإثبات أصل الحط قال الرافعي : ويجوز أن يفرق بين الصورتين ويقطع بعدم الإنجبار هنا ، لأنه ارتفق بالمجاوزة هنا ، حيث أحرم بالعمرة لنفسه الحال الثاني : أن يعود إلى الميقات بعد الفراغ من العمرة ، فيحرم الحج منه ، فهل يحط شيء من الأجرة يبنى على الخلاف السابق إن قلنا : الأجرة موزعة على الأعمال والسير لم يحسب السير لانصرافه إلى عمرة ، ووزعت الأجرة على حجة منشأة من بلد الإجارة ، إحرامها من الميقات ، وعلى حجة منشأة من الميقات بغير قطع مسافة . ويحط بالنسبة من المسمى وإن قلنا : الأجرة في مقابلة الأعمال أو وزعناها عليه وعلى السير ، وحسبت المسافة ، فلا حط . وتجب الأجرة كلها ، وهذا هو المذهب ولم يذكر البندنيجى وكثيرون غيره . فرع : قال الشافعي : الواجب على الأجير أن يحرم من الميقات الواجب بالشرع أو الشرط ، فإن أحرم منه فقد فعل واجبا ، وإن أحرم قبله فقد زاد خيرا هذه عبارة الشيخ أبي حامد وسائر الأصحاب ، فإن جاوز الأجير الميقات المعتبر بالشرط أو الشرع غير محرم ، ثم أحرم بالحج للمستأجر فينظر إن عاد إليه وأحرم منه فلا دم ، ولا يحط من الأجرة شيء ، وإن أحرم من جوف مكة أو بين الميقات ومكة ولم يعد ، لزمه دم للإساءة بالمجاوزة ، وهل ينجبر به الخلل حتى لا يحط شيء من الأجرة فيه طريقان مشهوران ، حكاهما المصنف في كتاب الإجارة والأصحاب أصحهما : عند المصنف والأصحاب : فيه قولان أحدهما : ينجبر ويصير كأنه لا مخالفة ، فيجب جميع الأجرة ، وهذا ظاهر نصه في الإملاء والقديم ، لأنه قال : يجب الدم ، ولم يذكر الحط وأصحهما : وهو نصه في الأم و المختصر يحط . والطريق الثاني : القطع بالحط وتأولوا ما قاله في الإملاء و القديم بأنه سكت عن وجوب الحط ، ولا يلزم من سكوته عنه عدم وجوبه ، مع أنه نص على وجوب الحط في المختصر و الأم فإن قلنا : بالانجبار ، فهل نعتبر قيمة الدم ونقابلها بالتفاوت فيه وجهان حكاهما القاضي حسين ، وإمام الحرمين والغزالي والمتولي والبغوي وآخرون أصحهما : لا ، لأن التعويل في هذا القول على جبر الخلل ، وقد حكم الشرع بأن الدم يجبره من غير نظر إلى اعتبار القيمة والثاني : نعم ، فلا ينجبر ما زاد على قيمة الدم ، فعلى هذا تعتبر قيمة الدم ، فإن كان التفاوت مثلها أو أقل حصل الانجبار ولا حط ، وإن كان أكثر وجب الزائد . هذا إذا قلنا بالانجبار ، وإن قلنا بالمذهب وهو الحط ففي قدره وجهان ، بناء على الأصل السابق وهو أن الأجرة في مقابلة ماذا إن قلنا : في مقابلة الأعمال فقط ، وزعنا المسمى على حجة من الميقات وحجة من حيث أحرم وإن قلنا : في مقابلة الأعمال والسير ، وهو

95


96
المذهب ، وزعنا المسمى على حجة ن بلدة إحرامها من الميقات ، وعلى حجة من بلدة إحرامها من حيث أحرم وعلى هذا يقل المحطوط ، ثم حكى الشيخ أبو محمد وإمام الحرمين ومن تابعهما وجهين في أن النظر إلى الفراسخ وحدها أم يعتبر مع ذلك السهولة والحزونة أصحهما : الثاني . أما : إذا عدل الأجير عن طريق الميقات المعتبر إلى طريق آخر ميقاته مثل المعتبر أو أقرب إلى مكة فطريقان أصحهما : وهو المنصوص ، وبه قطع البندنيجى والجمهور . أنه لا شيء عليه ، وحكى القاضي حسين والبغوي وغيرهما فيه وجهين أصحهما : هذا ، لأنه قائم مقام الميقات المعتبر والثاني : أنه كمن ترك الميقات وأحرم بعده ، لأنه بالشرط تعين المكان أما : إذا عينا موضعا آخر فإن كان أقرب إلى مكة من الشرعي فالشرط فاسد يفسد الإجارة كما سبق إذ لا يجوز لمريد النسك مجاوزة الميقات غير محرم ، وإن كان أبعد بأن عينا الكوفة فيلزم الأجير الإحرام منها وفاء بالشرط ، فلو جاوزها وأحرم بعد مجاوزتها ، فهل يلزمها الدم فيه وجهان الأصح : المنصوص نعم لأنه جاوز الميقات الواجب بالشرط ، فأشبه مجاوزة الميقات الشرعي والثاني : لا لأن الدم يجب في مجاوزة الشرعي فإن قلنا : لا يلزمه الدم وجب حط قسط من الأجرة قطعا . وإن ألزمناه الدم ففي حصول الانجبار به الطريقان السابقان المذهب : لا ينجبر . وكذا لو لزمه الدم لترك مأمور به ، كالرمي والمبيت ، ففيه الطريقان ، قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : فإن ترك نسكا لا دم فيه كالمبيت وطواف الوداع إذا قلنا لا دم فيهما لزمه رد شيء من الأجرة بقسطه بلا خلاف ، ولا ينجبر لأنه ليس هنا دم ينجبر به على القول الضعيف ، فإن لزمه بفعل محظور كاللبس والقلم لم يحط شيء من الأجرة بلا خلاف ، لأنه لم ينقص شيئا من العمل ، اتفق أصحابنا على التصريح بهذا ، ونقل الغزالي وغيره الاتفاق عليه ، ويجب الدم في مال الأجير بلا خلاف ولو شرط الإحرام في أول شوال فأخره لزمه الدم ، وفي الانجبار الخلاف ، وكذا لو شرط أن يحج ماشيا فحج راكبا لأنه ترك مقصودا ، هكذا حكى المسألتين عن القاضي حسين والرافعي ، ثم قال : ويشبه أن يكونا مفرعين ، على أن الميقات المشروط الشرعي وإلا فلا يلزمه الدم ، كما في مسألة تعيين الكوفة ، هذا كلام الرافعي . وقطع البغوي بأنه إذا استأجره ليحج ماشيا فحج راكبا فإن قلنا : الحج راكبا أفضل ، فقد زاد خيرا وإن قلنا : الحج ماشيا أفضل فقد أساء بترك المشي ، وعليه دم ، وفي وجوب رد التفاوت بين أجرة الراكب والماشي وجهان بناء على ما سبق ، وهذا الذي قاله المتولي هو الأصح . فرع : قال أصحابنا : إذا استأجره للقران بين الحج والعمرة ، فتارة يمتثل ، وتارة يعدل إلى جهة أخرى ، فإن امتثل فقد وجب دم القران ، وعلى من يجب فيه وجهان ،

96


97
وقيل : قولان أصحهما : على المستأجر ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والبندنيجى ، كما لو حج بنفسه لأنه الذي شرط القران والثاني : على الأجير لأنه المترفه ، فعلى الأول لو شرطاه على الأجير فسدت الإجارة نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، لأنه جمع بين بيع مجهول وإجارة لأن الدم مجهول الصفة ، فإن كان المستأجر معسرا فالصوم الذي هو بدل الهدي على الأجير لأن بعض الصوم وهو الأيام الثلاثة ينبغي أن يكون في الحج لقوله تعالى :

﴿ فصيام ثلاثة أيام في الحج والذي في الحج منهما هو الأجير ، كذا ذكره البغوي ، وقال المتولي : هو كالعاجز عن الهدي والصوم جميعا وعلى الوجهين يستحق الأجرة بكمالها . فأما : إذا عدل فينظر إن عدل إلى الإفراد فحج ثم اعتمر ، فإن كانت الإجارة على العين لزمه أن يرد من الأجرة حصة العمرة . نص عليه الشافعي في المناسك الكبير . واتفق عليه الأصحاب ، قالوا : لأنه لا يجوز تأخير العمل في هذه الإجارة عن الوقت المعين ، وإن كانت في الذمة نظر ، فإن عاد إلى للميقات للعمرة فلا شيء عليه ، لأنه زاد خيرا ، ولا على المستأجر أيضا ، لأنه لم يقرن ، وإن لم يعد فعلى الأجير دم لمجاوزته الميقات للعمرة ، وهل يحط شيء من الأجرة أم تنجبر الإساءة بالدم فيه الخلاف السابق . وإن عدل إلى التمتع فقد أشار المتولي إلى أنه إن كانت إجارة عين لم يقع الحج عن المستأجر لوقوعه في غير الوقت المعني ، وهذا هو قياس ما سبق قريبا من نص الشافعي ، وإن كانت على الذمة نظر إن عاد إلى الميقات للحج فلا دم عليه ، ولا على المستأجر ، وإن لم يعد فوجهان أحدهما : لا يجعل مخالفا لتقارب الجهتين ، فيكون حكمه كما لو امتثل ، وفي كونه الدم على الأجير أو المستأجر الوجهان وأصحهما : يجعل مخالفا فيجب الدم على الأجير لإساءته ، وفي حط شيء من الأجرة الخلاف السابق في الأجير إذا أحرم بعد مجاوزة الميقات قيل : يحط قولا واحدا ، والأصح قولان أصحهما : يحط والثاني : لا ، قال الرافعي : وذكر أصحاب الشيخ أبي حامد أنه يلزم الأجير دم لترك الميقات ، وعلى المستأجر دم آخر ، لأن القران الذي أمر به يتضمنه ، قال : واستبعده ابن الصباغ وغيره .

97


98
فرع : إذا استأجره للتمتع فامتثل فهو كما لو استأجره للقران فامتثل ، وإن أفرد نظر ، إن قدم العمرة وعاد لإحرام الحج إلى الميقات فقد زاد خيرا ، وإن أخر العمرة نظرت ، فإن كانت إجارة عين انفسخت في العمرة لفوات وقتها المعين ، فيرد حصتها من المسمى ، وإن كانت الإجارة في الذمة وعاد إلى الميقات للعمرة لم يلزمه شيء ، وإن لم يعد فعليه دم لترك الإحرام بالعمرة من الميقات ، وفي حط شيء من الأجرة الخلاف السابق ، وإن قرن فقد زاد خيرا . نص عليه الشافعي ، لأنه أحرم بالنسكين من الميقات ، وكان مأمورا بأن يحرم بالحج من مكة ، ثم إن عدد الأفعال للنسكين فلا شيء عليه ، وإلا فهل يحط شيء من الأجرة لاقتضاره على الأفعال فيه وجهان ، وكذا الوجهان في أن الدم على المستأجر أم الأجير . فرع : لو استأجره للإفراد فامتثل فذاك ، فلو قرن نظر ، إن كانت الإجارة على العين فالعمرة واقعة في غير وقتها ، فهو كما لو استأجره للحج وحده فقرن ، وقد سبق بيانه في فرع بعد المسألة الثالثة من المسائل التي قبل فصل الاستئجار ، وذكرنا فيه قولين تفريعهما الجديد : الأصح وقوع النسكين عن الأجير وأما : إن كانت الإجارة في الذمة فيقعان عن المستأجر وعلى الأجير الدم ، وهل يحط شيء من الأجرة للخلل أم ينجبر بالدم فيه الخلاف ، وإن تمتع فإن كانت الإجارة على العين وقد أمره بتأخير العمرة فقد وقعت في غير وقتها ، فيرد ما يخصها من الأجرة ، وإن أمره بتقديمها ، أو كانت الإجارة على الذمة ، وقعا عن المستأجر ، ولزم الأجير دم إن لم يعد إلى الميقات لإحرام الحج ، وفي حط شيء من الأجرة الخلاف . هذا كله إذا كان المحجوج عنه حيا ، فإن كان ميتا فقرن الأجير أو تمتع وقع النسكات عن الميت بكل حال ، صرح به الشيخ أبو حامد والأصحاب ، قالوا : لأن الميت لا يفتقر إلى إذنه في وقوع الحج والعمرة عنه ، لأن الشافعي نص على أنه لو بادر أجنبي فحج عن الميت صح ووقع عن فرض الميت من غير وصية ولا إذن وارث ، ولو قال الحي للأجير : حج عني وإن تمتعت أو قرنت فقد أحسنت ، فقرن أو تمتع وقع النسكان بلا خلاف صرح به البندنيجى وغيره ، ولو استؤجر للحج فاعتمر ، أو للعمرة فحج ، فإن كانت الإجارة لميت وقع عن الميت لما ذكرنا ، وإن كانت عن حي وقعت عن الأجير ولا أجرة له في الحالين .

98


99
فرع : إذا جامع الأجير وهو محرم قبل التحلل الأول فسد حجه ، وانقلب الحج إليه ، فيلزمه الفدية في ماله ، والمضي في فاسده ، والقضاء ، هذا هو الصحيح المشهور ، وبه قطع الجمهور وتظاهرت عليه نصوص الشافعي وفيه قول آخر أنه لا ينقلب ولا يفسد ولا يجب القضاء بل يبقى صحيحا واقعا عن المستأجر لأن العبادة للمستأجر فلا تفسد بفعل غيره ، وبهذا القول قال المزني أيضا ، والمذهب الأول . قال إمام الحرمين إنما قلنا : تنقلب الحجة الفاسدة إلى الأجير ولا تضاف بعد الفساد إلى المستأجر ، لأن الحجة المطلوبة لا تحصل بالحجة الفاسدة ، بخلاف من ارتكب محظورا غير مفسد وهو أجير ، لأن مثل هذه الحجة يعتد به شرعا ، فوقع الاعتداد به في حق المستأجر ، والحج لله تعالى ، وإن اختلفت الإضافات ، والحجة الفاسدة لا تبرىء الذمة . فإذا قلنا : بالمذهب فإن كانت إجارة عين انفسخت ، ويكون القضاء الذي يأتي به واقعا عن الأجير ، ويرد الأجرة بلا خلاف ، وإن كانت في الذمة لم تنفسخ لأنها لا تختص بزمان ، فإذا قضى في السنة الثانية فعمن يقع القضاء فيه وجهان مشهوران ، وقال جماعة : هما قولان أحدهما : عن المستأجر لأنه قضاء الأول ، ولو سلم الأول من الإفساد لكان عن المستأجر ، فكذا قضاؤه وأصحهما : عن الأجير وبه قطعه البندنيجى وآخرون . لأن الأداء الفاسد وقع عنه ، فعلى هذا يلزمه سوى القضاء حجة أخرى فيقضي عن نفسه ثم يحج عن المستأجر في سنة أخرى أو يستنيب من يحج عنه في تلك السنة أو غيرها ، وإذا لم تنفسخ الإجارة فللمستأجر خيار الفسخ لتأخر المقصود هذا إن كان معضوبا ، فإن كانت الإجارة عن ميت ففيه الوجهان السابقان فيما إذا لم يحج الأجير في السنة المعينة في إجارة الذمة ، فقال الخراسانيون : يثبت الخيار ومنعه العراقيون ، وقد سبق توجيهما . فرع : إذا أحرم الأجير عن المستأجر ثم صرف الإحرام إلى نفسه ظنا منه أنه ينصرف ، وأتم الحج على هذا الظن فلا ينصرف الحج إلى الأجير بل يبقى للمستأجر بلا خلاف ، نص عليه واتفق عليه الأصحاب ، وعللوه بأن الإحرام من العقود اللازمة ، فإذا انعقد على وجه لا يجوز صرفه إلى غيره ، وفي استحقاق الأجير الأجرة قولان مشهوران في الطريقين أحدهما : لا يستحق شيئا لإغراضه عنها ، ولأنه عمل لنفسه فيما يعتقد وأصحهما : عند الأصحاب في الطريقين يستحق لحصول غرض المستأجر ، وكما لو

99


100
استأجره ليبنى له حائطا فبناه الأجير ، ظانا أن الحائط له ، فإنه يستحق الأجرة بلا خلاف وقد سبق هذا وسبق الفرق بينه وبين الأجير في الحج على القول الأول ، لأن الأجير في البناء لم يجر ولا خالف وفي الحج جار وخالف . فإن قلنا : يستحق الأجير في الحج ، فهل يستحق المسمى أم أجرة المثل فيه وجهان حكاهما المتولي وغيره أصحهما : وبه قطع الجمهور : يستحق المسمى ، لأن العقد لم يفسد فبقي المسمى والثاني : أجرة المثل ، لأنه عين العقد بنيته وهذا ضعيف نقلا ودليلا ، قال إمام الحرمين : وهذان القولان في استحقاق الأجرة بناهما الأئمة على ما إذا دفع ثوبا إلى صباغ ليصبغه بأجرة فجحد الثوب وأصر على أخذه لنفسه ، ثم صبغه لنفسه ثم ندم ورده على مالكه ، هل يسحق الأجرة على مالك الثوب فيه قولان والله أعلم . فرع : إذا مات الحاج عن نفسه في أثنائه ، هل تجوز البناية على حجه فيه قولان مشهوران الأصح : الجديد لا يجوز كالصلاة والصوم والقديم : يجوز لدخول النيابة فيه ، فعلى الجديد يبطل المأتي به إلا في الثواب ، ويجب الإحجاج عنه من تركته ، إن كان قد استقر الحج في ذمته ، وإن كان تطوعا أو لم يستطع إلا هذه السنة لم يجب وعلى القديم قد يموت وقد بقي وقت الإحرام وقد يموت بعد خروج وقته ، فإن بقي أحرم النائب بالحج ، ويقف بعرفة إن لم يكن الميت وقف ، ولا يقف إن كان وقف ، ويأتي بباقي الأعمال ، فلا بأس بوقوع إحرام النائب داخل الميقات ، لأنه يبنى على إحرام أنشىء منه . وإن لم يبق الإحرام فبم يحرم به النائب وجهان أحدهما : وبه قال أبو إسحق : يحرم بعمرة ثم يطوف ويسعى ، فيجزئانه عن طواف الحج وسعيه ، ولا يبيت ولا يرمي ، لأنهما ليسا من العمرة ، ولكن يجبران بالدم وأصحهما : وبه قطع الأكثرون تفريعا على القديم أنه يحرم بالحج ، ويأتي ببقية الأعمال ، وإنما يمنع إنشاء الإحرام بعد أشهر الحج إذا ابتدأه ، وهذا ليس مبتدأ ، بل مبنى على إحرام قد وقع في أشهر الحج وعلى هذا إذا مات بين التحللين أحرم إحراما لا يحرم اللبن والقلم ، وإنما يحرم النساء كما لو بقي الميت . هذا كله إذا مات قبل التحللين فإن مات أحدهما لم تجز النيابة بلا خلاف ، لأنه يمكن جبر الباقي بالدم . قال الرافعي : وأوهم بعضهم إجراء الخلاف وهذا غلط . فرع : إذا مات الأجير في أثناء الحج فله أحواله أحدها : يموت بعد الشروع في الأركان ، وقبل فراغها ، فهل يستحق شيئا من الأجرة فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف في كتاب الإجارة أحدهما : لا يستحق شيئا لأنه لم يحصل المقصود ، فهو كما لو قال : من رد

100


101
عبدي فله دينار ، فرده إلى باب الدار ثم هرب أو مات ، فإنه لا يستحق شيئا وأصحهما : عند المصنف والأصحاب يستحق بقدر عمله ، لأنه عمل بعض ما استؤجر عليه فوجب له قسطه كمن استؤجر لبناء عشرة أذرع فبنى بعضها ثم مات ، فإنه يستحق بقسطه بخلاف الجعالة ، فإنها ليست عقدا لازما ، إنما هي التزام بشرط ، فإذا لم يوجد الشرط بكماله لا يلزمه شيء كتعليق الطلاق والعتق ، قال الشيخ أبو حامد والأصحاب : القول الأول هو نصه في القديم ، والثاني الأصح هو نصه في الأم و الإملاء . قال أصحابنا : وسواء مات بعد الوقوف بعرفات أو قبله ففيه القولان ، هذا هو المذهب وقيل : يستحق بعده قطعا ، حكاه الرافعي وهو شاذ ضعيف ، فإذا قلنا : يستحق فهل يسقط على الأعمال فقط أم عليها وعلى قطع المسافة جميعا فيه قولان مشهوران وقد ذكرهما المصنف في باب الإجارة وسبق بيانهما قريبا فأصحهما : عند المصنف وطائفة على الأعمال فقط وأصحهما : عند الأكثرين على الأعمال والمسافة جميعا ، ممن صححه الرافعي وآخرون وفي المسألة طريق آخر قدمناه عن ابن سريج أنه إن قال : استأجرتك لتحج عني قسط على العمل فقط ، وإن قال : لتحج من بلد كذا قسط عليهما ، وحمل القولين على هذين الحالين والله أعلم . ثم هل يجوز البناء على فعل الأجير ينظر إن كانت إجارة عين انفسخت ولا بناء لورثة الأجير ، كما لو لم يكن له أن يستنيب ، وهل للمستأجر أن يستأجر من يبنى فيه القولان السابقان في الفرع قبله ، في جواز البناء ، وإن كانت الإجارة على الذمة فإن قلنا : لا يجوز البناء فلورثة الأجير أن يستأجروا من يستأنف الحج عن المستأجر ، فإن أمكنهم في تلك السنة لبقاء الوقت فذاك وإن تأخر إلى السنة القابلة ثبت الخيار في فسخ الإجارة كما سبق وإن جوزنا : البناء فلورثة الأجير أن يبنوا ، ثم القول فيما يحرم به النائب وفي حكم إحرامه بين التحللين على ما سبق في الفرع قبله . الحال الثاني : أن يموت بعد الشروع في السفر وقبل الإحرام ، وفيه وجهان مشهوران حكاهما المصنف في باب الإجارة الصحيح : المنصوص للشافعي رحمه الله تعالى في القديم والجديد ، وبه قطع الجمهور لا يستحق شيئا من الأجرة بناء على أن الأجرة لا تقابل قطع المسافة بسبب إلى الحج ، وليس بحج فلم يستحق في مقابلته أجرة كما لو استأجر رجلا ليخبز له فأحضر الآلة وأوقد النار ومات قبل أن يخبز ، فإن لا يستحق شيئا هذا تعليل المصنف وعلل غيره بأنه لم يحصل شيئا من المقصود والثاني : وهو قول أبي سعيد الإصطخري وأبي بكر الصيرفي : يستحق من الأجرة بقدر ما قطع من المسافة وافيا ، بهذا نسبه العرامطة وحكى الرافعي وجها ثالثا عن أبي الفضل ابن عبدان أنه إن قال : استأجرتك لتحج من بلد كذا استحق بقسطه ، وهذا نحو ما

101


102
سبق عن ابن سريج في الحال الأول . الحال الثالث : أن يكون بعد فراغ الأركان وقبل فراغ باقي الأعمال ، فينظر إن فات وقتها أو لم يفت ، ولكن إذا : لم نجوز البناء وجب جبر الباقي بالدم من مال الأجير ، وهل يرد شيئا من الأجرة فيه الخلاف السابق فيمن أحرم بعد مجاوزة الميقات ولم يعد إليه وجبره بالدم وهو طريقان المذهب : وجوب الرد ، وإن جوزنا البناء وكان وقتها باقيا ، فإن كانت الإجارة على العين انفسخت الأعمال الباقية . ووجب رد قسطها من الأجرة ، ويستأجر من يرمي ويبيت ، ولا دم في تركة الأجير ، وإن كانت في الذمة استأجر وارث الأجير من يرمي ويبيت ، ولا حاجة إلى الأحرام لأنهما عملان يفعلان بعد التحللين ولا يلزم الدم ولا رد شيء من الأجرة ، ذكره المتولي وغيره . فرع : إذا أحصر الأجير قبل إمكان الأركان تحلل ، قال الشافعي في الأم والأصحاب : ولا قضاء عليه ، ولا على المستأجر ، كأنه أحضر وتحلل فإن كانت حجة تطوع أو كانت حجة إسلام ، وقد استقرت قبل هذه السنة بقي الاستقرار ، وإن كان استطاعها هذه السنة سقطت الاستطاعة ، فإذا تحلل الأجير فعمن يقع ما أتى به فيه قولان أصحهما : عن المستأجر كما لو مات إذ لا تقصير والثاني : عن الأجير كما لو أفسده ، فعلى هذا دم الإحصار على الأجير ، وعلى الأول هو على المستأجر ، وفي استحقاقه شيئا من الأجرة الخلاف المذكور في الموت ، وإن لم يتحلل ودام على الإحرام حتى فاته الحج انقلب الإحرام إليه كما في الإفساد ، لأنه مقصر حيث لم يتحلل بأعمال عمرة وعليه دم الفوات ، ولو حصل الفوات بنوم أو تأخر عن القافلة أو غيرهما من غير إحصار انقلب المأتي به إلى الأجير أيضا كما في الإفساد ، ولا شيء للأجير على المذهب ، وقيل : فيه الخلاف المذكور في الموت ، وقال الشيخ أبو حامد هل له من الأجرة بقدر ما عمله إلى حين انقلب الإحرام إليه فيه قولان منصوصان . فرع : لو استأجر المعضوب من يحج عنه فأحرم الأجير عن نفسه تطوعا فوجهان ، حكاهما إمام الحرمين أحدهما : وهو قول الشيخ أبي محمد ينصرف إلى المستأجر ، قال

102


103
أبو محمد : وكذا كل من في ذمته حجة مرسلة بإجارة ، فإذا نوى التطوع بالحج انصرف إلى ما في ذمته ، كما لو نوى التطوع وعليه حجة الإسلام أو النذر أو القضاء ، فإنه ينصرف إلى ما عليه دون التطوع بلا خلاف والوجه الثاني : وهو الصحيح . وهو قول سائر الأصحاب يقع تطوعا للأجير ، قال إمام الحرمين : وما قاله شيخي أبو محمد انفرد به ، ولا يساعده عليه أحد من الأصحاب ، لأنا إنما نقدم واجب الحج على نقله لأمر يرجع إلى نفس الحج مع بقاء الأمة على تقديم الأولى فالأولى في مراتب الحج . وأما : الاستحقاق على الأجير فليس من خاصة الحج ، ولو ألزم الأجير ذمته بالإجارة ما لا يلزم مثله ، لكان حكم الوجوب فيه حكم الوجوب في الحج قال : والذي يوضح ذلك أن الحجة قد تكون تطوعا من المستأجر إذا جوزنا الاستئجار في حج التطوع وهو الأصح فلا خلاف في أن ذلك اللزوم ليس من مقتضيات الحج ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لو استأجر رجلان رجلا يحج عنهما فأحرم عنهما معا انعقد إحرامه لنفسه تطوعا ولا ينعقد لواحد منهما ، لأن الإحرام لا ينعقد عن اثنين ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، ولو أحرم عن أحدهما وعن نفسه معا انعقد إحرامه عن نفسه ، لأن الإحرام عن اثنين لا يجوز وهو أولى من غيره فانعقد ، هكذا نص عليه الشافعي في الأم وتابعه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والأصحاب . فرع : إذا استأجره اثنان ليحج عنهما أو أوامره بلا إجاره ، فأحرم عن أحدهما لا بعينه ، انعقد إحرامه عن أحدهما ، وكان له صرفه إلى أيهما شاء ، قبل التلبس بشيء من أفعال الحج . هذا مذهبنا ونقله العبدري عن مذهبنا وبه قال أبو جنيفة ومحمد بن الحسن ، وقال أبو يوسف : يقع عن نفسه . دليلنا أن مالكا يعتقد ابتداء ذلك الإحرام به مطلقا ثم يصرفه إلى ما يشاء ، كما لو أحرم مطلقا عن نفسه ثم صرفه إلى حج أو عمرة . واحتج أبو يوسف بأنه أحرم بإحرام معين فإذا أحرم مطلقا لم يأت بالمأمور فيه قلنا : نقيض ما أسند للنيابة هذا إذا استأجراه ليحج بنفسه ، فإن عقدا معا فالعقد باطل في حقهما ، وإن عقد العقدين ففي الذمة صحا ، فإن تبرع بالحج عن أحدهما يثبت للآخر الخيار في فسخ العقد لتأخير حقه . فرع : قال صاحب الحاوي في باب الإجارة على الحج من كتاب الحج : لو استأجره لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لم تصح ، قال : وأما الجعالة على زيارة القبر فإن كانت على مجرد

103


104
الوقوف عند القبر ومشاهدته لم تصح لأنه لا تدخله النيابة وإن كانت على الدعاء عند زيارة قبره صلى الله عليه وسلم صحت لأن الدعاء تدخله النيابة ولا تضر الجهالة بنفس الدعاء . فرع : في مذاهب العلماء في الاستئجار للحج ، قد ذكرنا أن مذهبنا صحة الإجارة للحج بشرطه السابق وبه قال مالك . وقال أبو حنيفة وأحمد : لا يصح عقد الإجارة عليه ، بل يعطي رزقا عليه قال أبو حنيفة : يعطيه نقة الطريق فإن أفضل منها شيئا رده ، ويكون الحج للفاعل ، وللمستأجر ثواب نفقته ، لأنه عبادة بدنية ، فلا يجوز الاستئجار عليها كالصلاة والصوم ، لأن الحج يقع طاعة فلا يجوز أخذ العوض عليه دليلنا أنه عمل تدخله النيابة فجاز أنه العوض عليه ، كتفرقة الصدقة وغيرها من الأعمال فإن قيل : لا نسلم دخول النيابة ، بل يقع الحج عن الفاعل قلنا : هذا منابذ للأحاديث الصحيحة السابقة في إذن النبي صلى الله عليه وسلم في الحج عن العاجز ، وقوله صلى الله عليه وسلم : فدين الله أحق بالقضاء وحج عن أبيك وغير ذلك . فإن قيل : ينتقض بشاهد الفرع فإنه ثابت عن شاهد الأصل ولا يجوز له أخذ الأجرة على شهادته قلنا : شاهد الفرع ليس ثابتا عن شاهد الأصل وإنما هو شاهد على شهادته ، ولو كان ثابتا عنه لجاز أن يشهد بأصل الحق ، لا على شهادته ، ودليل آخر هو أن الحج يجوز أخذ الرزق عليه بالإجماع ، فجاز أخذ الأجرة عليه كبناء المساجد والقناطر فإن قيل : ينتقض بالجهاد قلنا : الفرق أنه إذا حضر الصف تعين الجهاد ، فلا يجوز أن يجاهد عن غيره وعليه فرضه وأما : الرزق في الجهاد فإنه يأخذه لقطع المسافة وأما : الجواب عن قياسهم على الصوم والصلاة ، فهو أنه لا تدخلها النيابة بخلاف الحج وعن : قولهم : الحج يقع طاعة ، فينتقض بأخذ الرزق والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أنه إذا استأجره ليفرد الحج والعمرة فقرن عنه وقع الحج والعمرة عن المحجوج عنه ، وقد زاده خيرا ، وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة : إذا أمره أن يحج عن ميت أو يعتمر ، فقرن فهو ضامن للمال الذي أخذه ، لأنه لم يأت بالمأمور به على وجهه . دليلنا أنه أمره بحج وعمرة ، وأتى بهما وزاده خيرا بتقديم العمرة . فرع : قال القاضي أبو الطيب في تعليقه في هذا الموضع : قال الشافعي لا بأس أن يكترى المسلم جملا من ذمي للحج عليها لكن الذمي لا يدخل الحرم فيوجه مع جمله

104


105
مسلما يقودها ويحفظها قال الشافعي : وإذا كان المسلم عنده نصراني خلفه في الحل ولا يجوز إدخاله معه الحرم . فرع : قال أصحابنا : إذا قال الموصى : أحجوا عني فلانا فمات فلان ، وجب إحجاح غيره كما لو قال : اعتقوا عني رقبة ، فاشتروا ليعتقوها فمات قبل الإعتاق وجب شراء أخرى ، قال القاضي أبو الطيب : ودليل المسألتين أن المقصود فيهما تحصيل العبادة ، فإذا مات من غير إيقاعها أقيم غيره مقامه .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج ، والدليل عليه قوله عز وجل :

﴿ الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج والمراد به وقت إحرام الحج ، لأن الحج لا يحتاج إلى أشهر ، فدل على أنه أراد به وقت الإحرام ، ولأن الإحرام نسك من مناسك الحج ، فكان مؤقتا ، كالوقوف والطواف . وأشهر الحج شوال ذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة ، وهو إلى أن يطلع الفجر من يوم النحر ، لما روى عن ابن مسعود وجابر وابن الزبير رضي الله عنهم أنهم قالوا : أشهر الحج معلومات ، شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة فإن أحرم بالحج في غير أشهره انعقد إحرامه بالعمرة لأنها عبادة مؤقتة ، فإذا عقدها في غير وقتها انعقد غيرها من جنسها ، كصلاة الظهر إذا أحرم بها قبل الزوال فإنه نعقد إحرامه بالنفل ولا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة ، فلا يمكن أداء الحجة الأخرى .

+ الشرح : قوله : لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة ، الأجود أن يقال لأن الحجة تستغرق الوقت . ثم في الفصل مسائل إحداها : فيما يتعلق بألفاظه فقوله تعالى :

﴿ فمن فرض فيهن الحج قال المفسرون وغيرهم من العلماء : معناه من أوجب على نفسه وألزمها الحج ، ومعنى الفرض في اللغة الإلزام والإيجاب وأما : الرفث ، فقال ابن عباس والجمهور : المراد به الجماع ، وقال كثيرون : المراد به هنا التعرض للنساء بالجماع ، وذكره بحضرتهن ، فأما ذكره من غير حضور النساء فلا بأس به وهذا مروي عن ابن عباس وآخرين وأما : الفسوق فقال ابن عباس وابن عمر والجمهور : هو المعاصي كلها . وأما : الجدال ، فقال المفسرون وغيرهم : المراد النهي عن جدال صاحبه ومماراته حتى يغضبه ، وسميت المخاصمة مجادلة ، لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه ويصرفه عنه وقال مجاهد وأبو عبيدة وغيرهما معناه هنا ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة ، والمراد إبطال ما كانت الجاهلية عليه من تأخيره ، وفعلهم النساء وهو النسيء والتأخير ، والأول هو قول الجمهور ، وقد ذكر المصنف تفسير ابن عباس الآية في آخر باب الإحرام . قال المفسرون وأهل المعاني وغيرهم : ظاهر الآية نفي ومعناها نهي ، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا . واختلف القراء السبعة في قراءة هذه الآية فقرى ابن كثير وأبو عمرو ( فلا رفث ولا فسوق ) بالرفع والتنوين ، وقرى باقي السبعة بالنصب بلا تنوين ، واتفقوا على نصب اللام من جدال . وأما : قوله تعالى :

﴿ الحج أشهر والمراد شهران وبعض الثالث فجاز على المعروف في لغة العرف في إطلاقهم لفظ الجمع على اثنين وبعض الثالث ، ومنه قوله تعالى :

﴿ يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ويكفيها طهران وبعض الطهر الأول وأما : قول المصنف : وقت إحرام الحج فهكذا قاله أصحابنا في كتب الفقه ، واتفقوا عليه ووافقهم بعض العلماء وأما : النحويون وأصحاب المعاني ومحققوا

105


106
قبل الزوال فإنه نعقد إحرامه بالنفل ولا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة ، فلا يمكن أداء الحجة الأخرى .

+ الشرح : قوله : لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة ، الأجود أن يقال لأن الحجة تستغرق الوقت . ثم في الفصل مسائل إحداها : فيما يتعلق بألفاظه فقوله تعالى :

﴿ فمن فرض فيهن الحج قال المفسرون وغيرهم من العلماء : معناه من أوجب على نفسه وألزمها الحج ، ومعنى الفرض في اللغة الإلزام والإيجاب وأما : الرفث ، فقال ابن عباس والجمهور : المراد به الجماع ، وقال كثيرون : المراد به هنا التعرض للنساء بالجماع ، وذكره بحضرتهن ، فأما ذكره من غير حضور النساء فلا بأس به وهذا مروي عن ابن عباس وآخرين وأما : الفسوق فقال ابن عباس وابن عمر والجمهور : هو المعاصي كلها . وأما : الجدال ، فقال المفسرون وغيرهم : المراد النهي عن جدال صاحبه ومماراته حتى يغضبه ، وسميت المخاصمة مجادلة ، لأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه ويصرفه عنه وقال مجاهد وأبو عبيدة وغيرهما معناه هنا ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة ، والمراد إبطال ما كانت الجاهلية عليه من تأخيره ، وفعلهم النساء وهو النسيء والتأخير ، والأول هو قول الجمهور ، وقد ذكر المصنف تفسير ابن عباس الآية في آخر باب الإحرام . قال المفسرون وأهل المعاني وغيرهم : ظاهر الآية نفي ومعناها نهي ، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا . واختلف القراء السبعة في قراءة هذه الآية فقرى ابن كثير وأبو عمرو ( فلا رفث ولا فسوق ) بالرفع والتنوين ، وقرى باقي السبعة بالنصب بلا تنوين ، واتفقوا على نصب اللام من جدال . وأما : قوله تعالى :

﴿ الحج أشهر والمراد شهران وبعض الثالث فجاز على المعروف في لغة العرف في إطلاقهم لفظ الجمع على اثنين وبعض الثالث ، ومنه قوله تعالى :

﴿ يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ويكفيها طهران وبعض الطهر الأول وأما : قول المصنف : وقت إحرام الحج فهكذا قاله أصحابنا في كتب الفقه ، واتفقوا عليه ووافقهم بعض العلماء وأما : النحويون وأصحاب المعاني ومحققوا

106


107
المفسرين فذكروا في الآية قولين أحدهما : تقديرها : أشهر الحج أشهر معلومات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه والثاني : تقديرها : الحج حج أشهر معلومات ، أي لاحج إلا في هذه الأشهر فلا يجوز في غيرها ، خلاف ما كانت الجاهلية تفعله من حجهم في غيرها . فعلى هذا يكون حذف المصدر المضاف للأشهر ، قال الواحدي : ويمكن حمل الآية على غير إضمار وهو أن الأشهر جعلت نفس الحج ليكون الحج فيها ، كقولهم : ليل نائم لما كان النوم فيه جعل نائما . وأما : قول المصنف : ولأن الإحرام نسك من مناسك الحج وكان مؤقتا كالوقوف والطواف فمقصوده به إلزام تعبير الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم ممن يقول : إنه يجوز الإحرام بالحج في جميع السنة ولا يأتي بشيء من أفعاله قبل أشهره ، ووافقونا على أن الوقوف والطواف لا يكونان في كل السنة ، بل هما مؤقتان فقاس المصنف الإحرام عليهما وأما : قوله : أشهره شوال وذو القعدة أو القعدة بفتح القاف على المشهور ، وحكي كسرها ، وذو الحجة بكسر الحاء على المشهور ، وحكي فتحها وأما : الآثار المذكور عن ابن مسعود وغيره فسنذكرها في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . وأما : قول المصنف : لأنها عبادة مؤقتة ، فقال القلعي : احترز بمؤقتة عن الوضوء والغسل ، وهو ما إذا توضأ للظهر مثلا قبل الزوال ، فإنه يصح وضوؤه للظهر وغيرها ، وتنعقد طهارته التي عينها بعينها ، قال : ويحتمل أنه أراد إذا كان متطهرا فتوضأ أو اغتسل بنية الحدث أو الجنابة اللذين يوجدان في المستقبل ، فإنه لا يصح له ما نواه ، ولا ينعقد وضوؤه تجديدا ، ولا غسله مسنونا ، قال : ويحتمل أن يحترز من التيمم ، وهو إذا تيمم للظهر قبل الزوال فإنه لا يصح تيممه ولا يجوز أن يصلي به فريضة ولا نافلة . فأما : الفريضة فلأنه تيمم لها قبل وقتها وأما : النافلة فلأنه إنما يستبيحها بالتيمم تبعا للفريضة ، فإذا لم يستبح المتبوع لم يستبح التابع . وأما : قوله : كصلاة الظهر إذا أحرم بها قبل الزوال ، فإنه ينعقد إحرامه بالنفل ، فهكذا قاس الشافعي والأصحاب ، وكذا نقله المزني في المختصر وهذا الذي قاله من انعقاد الظهر نفلا إذا إحرام بها قبل الزوال هو المذهب ، وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين ، وفيه قول آخر : إنها لا تنعقد ، وسبق بيان المسألة في أول صفة الصلاة ، وصورة المسألة : إذا ظن دخول الوقت فبان خلافه فأما : إذا أحرم بها قبل الزوال عالما بأن الوقت لم يدخل فلا تنعقد صلاته على المذهب ، وفيه خلاف ضعيف جدا سبق هناك . وأعلم : أن قياس المصنف والشافعي والأصحاب على من صلى الظهر قبل الزوال أرادوا به ما إذا كان جاهلا عدم دخول الوقت ، وحينئذ يقال : ليست صورة الحج مثلها إلا

107


108
أن يفرض فيمن أحرم بالحج في غير أشهره ، ظانا جواز ذلك ، عالما بأنه لا ينعقد الحج في غير أشهره . وظاهر كلامهم أنه لا فرق بين العالم والجاهل ، فينبني الإشكال ، والله أعلم . المسألة الثانية : لا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهر الحج بلا خلاف عندنا ، وأشهره شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة آخرها طلوع الفجر ليلة النحر فأما : كون أولها أول شوال فمجمع عليه وأما : امتدادها إلى طلوع الفجر فهو الصحيح المشهور الذي نص عليه الشافعي في المختصر ، وقطع به جمهور الأصحاب في الطريقين ، وحكى الخراسانيون وجها أنه لا يصح الإحرام ليلة العشر ، بل آخر الشهر آخر يوم عرفة ، وحكى القاضي قول الشافعي في أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله ، حكاه المحاملي وأبو الطيب وصاحب البيان عن نصه في الإملاء ، ونقله السرخسي عن نصه في القديم ، ودليل الجميع في الكتاب مع ما سنذكره إن شاء الله تعالى والله أعلم . الثالثة : إذا أحرم بالحج في غير أشهر الحج لم ينعقد حجا بلا خلاف ، وفي انعقاده عمرة ثلاثة طرق الصحيح : أنه ينعقد عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام وهو نص الشافعي في القديم والثاني : أنه يتحلل بأفعال عمرة ولا يحسب عمرة ، كمن فاته الحج ، قال المتولي وأخرجه من الستة : إنه تعذر عليه الحج لعدم الوقت في المسألتين والثالث : أنه ينعقد إحرامه بهما فإن صرفه إلى عمرة صحيحة ، وإلا تحلل بعمل عمرة ولا يحسب عمرة ، قال أصحابنا : ولا خلاف في انعقاد إحرامه وأنه يتحلل بأعمال عمرة ، وإنما الخلاف في أنها عمرة مجزئة عن عمرة الإسلام أما : إذا أحرم بنسك مطلقا قبل أشهر الحج فينعقد إحرامه عمرة على المذهب ، وبه قطع أصحابنا في كل الطرق إلا الرافعي ، فحكى فيه طريقا آخر أنه على وجهين أصحهما : هذا والثاني : هو محكي عن أبي عبد الله الحصري ينعقد بهما ، فإذا دخلت أشهر الحج صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قران ، والصواب الأول ، لأن الوقت لا يقبل إلا العمرة فتعين إحرامه لها والله أعلم . الرابعة : قال المصنف والأصحاب : لا يصح في سنة واحدة أكثر من حجة لأن الوقت يستغرق أفعال الحجة الواحدة لأنه ما دام في أفعال الحجة لا يصلح إحرامه لحجة أخرى ، ولا يفرغ من أفعال الحج إلا في أيام التشريق ، ولا يصح الإحرام بالحج فيها ولو صح الإحرام فيها على القول

108


109
السابق عن الإملاء والقديم لم يمكن حجة أخرى لتعذر الوقوف . قال أصحابنا : ولو أحرم بحجتين أو عمرتين انعقدت إحداهما ولا تنعقد الأخرى ولا تثبت في ذمته عندنا لأنه لا يمكنه المضي فيهما فلم يصح الدخول فيهما قياسا على صوم النذر وصوم رمضان ، وقد ذكر المصنف هذه المسألة في أوائل باب الإحرام ، قال أصحابنا : ولو أحرم بحجة ثم أدخل عليها حجة أخرى أو بعمرة ثم أدخل عليها عمرة أخرى فالثانية لغو والله أعلم فإن قيل : قلتم : لو أحرم بحجتين انعقدت إحداهما ، ولو أحرم بصلاتين لم تنعقد واحدة منهما ، فما الفرق فالجواب : أن تعيين النية شرط في الصلاة بخلاف الحج ، ولأن الإحرام يحافظ عليه ما أمكن ولا يلغى ، ولهذا لو أحرم بالحج في غير أشهره انعقد عمرة والله أعلم . فرع : قال صاحب البيان : لو أحرم قبل أشهر الحج ، ثم شك هل أحرم بحج أم بعمرة فهي عمرة قطعا ، وإن أحرم بالحج ثم شك ، هل كان إحرامه في أشهر الحج أم قبلها قال الصميري : كان حجا لأنه على يقين من هذا الزمان ، وعلى شك من تقدمه . فرع : قال الشافعي في مختصر المزني أشهر الحج شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وهو يوم عرفة فمن لم يدرك إلى الفجر من يوم النحر فقد فاته الحج ، هذا نصه بحرفه واعترض عليه أبو بكر الطاهري فقال : قوله : إن أراد به الليالي فهو خطأ لأن الليالي عشر وإن أراد الأيام فهو خطأ في اللغة فإن الأيام مذكورة فالصواب تسعة وأجاب الأصحاب عن هذا ، بأن المراد الأيام والليالي وغلب لفظ التأنيث على عادة العرب فإن العرب تغلب لفظ التأنيث في اسم العدد يقولون : صمنا عشرا ويريدون الليالي والأيام ويقولون صمنا خمسا ويريدون الأيام ، ومن هذا قول الله تعالى :

﴿ يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا والمراد بالليالي والأيام ومنه قوله تعالى :

﴿ يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : من صام رمضان وأتبعه ستا من شوال وقد سبق بيان هذا كله واضحا في باب صوم التطوع في هذا الحديث ، قال الزمخشري : يقولون صمنا عشرا ولو قلت : صمت عشرة لم تكن متكلما بكلام العرب ، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والأصحاب : إنما أفرد الشافعي ليلة النحر بالذكر

109


110
وذكرها بعد التسع ، لأن الإحرام يستحب تقديمه عليها قالوا : ويحتمل أنه أفردها لأنها تنفرد عن اليوم الذي بعدها ، ويحتمل أنه أفردها لتعلق الفوات بها . فرع : في مذاهب العلماء في وقت الإحرام بالحج ، لا ينعقد الإحرام بالحج إلا في أشهره عندنا ، فإن أحرم في غيرها انعقد عمرة ، وبه قال عطاء وطاوس ومجاهد وأبو ثور ، ونقله الماوردي عن عمر وابن مسعود وجابر وابن عباس وأحمد . وقال الأوزاعي : يتحلل بعمرة . وقال ابن عباس : لا يحرم بالحج إلا في أشهره . وقال داود : لا ينعقد وقال النخعي والثوري ومالك و أبو حنيفة وأحمد : يجوز قبل أشهر الحج لكن يكره ، قالوا : فأما الأعمال فلا تجوز قبل أشهر الحج بلا خلاف ، واحتج لها بقوله تعالى :

﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج فأخبر سبحانه وتعالى أن الأهلة كلها مواقيت للناس والحج ، ولأنها عبادة تدخلها النيابة ، وتجب الكفارة في إفسادها ، فلم تخص بوقت كالعمرة ، ولأن الإحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه ، وهو شوال فعلم أنه لا يختص بزمان . قالوا : ولأن التوقيت ضربان توقيت مكان وزمان ، وقد ثبت أنه لو تقدم إحرامه على ميقات المكان صح ، فكان الزمان ، قالوا وأجمعنا على أنه لو أحرم بالحج قبل أشهره انعقد ، لكن اختلفنا هل ينعقد حجا أم عمرة فلو لم ينعقد حجا لما انعقد . واحتج أصحابنا بقوله تعالى :

﴿ الحج أشهر معلومات قالوا : وتقديره وقت الإحرام بالحج أشهر معلومات ، لأنه لا يجوز حمل الآية على أن المراد أفعال الحج ، لأن الأفعال لا تكون في أشهر وإنما تكون في أيام معدودة . فإن : قالوا : قد قال الزجاج : قال جمهور أهل المعاني والنحويين : معنى الآية أشهر الحج معلومات قلنا : قال القاضي أبو الطيب وغيره : لو كان المراد هذا لم يكن فيه فائدة ، وفي التقدير الذي ذكرناه فائدة ، فالحمل عليه أولى فإن قيل : تقدير وقت الإحرام لا يدل على أن تقديمه لا يصح كالسعي ، فإنه مؤقت ، ويجوز تقديمه على وقته ، قال أصحابنا : لا نسلم جواز تقديم السعي لأنه يشترط تأخير السعي على الإحرام بالحج في أشهر الحج ، ويكره

110


111
عندهم في غيرها قلنا : هذا خلاف الظاهر ، فإن : قالوا : نحن لا نجيز الحج في غير أشهره وإنما نجيز الإحرام به ، وذلك ليس عندنا من الحج ، قال أصحابنا فالجواب : أن الإحرام وإن لم يكن عندهم من الحج إلا أن المحرم يدخل به في الحج ، فإذا أحرم به قبل أشهره دخل في الحج قبل أشهره واحتج أصحابنا أيضا برواية أبي الزبير قال : سئل جابر : أهل بالحج في غير أشهر الحج قال : لا رواه البيهقي بإسناد صحيح ، وعن ابن عباس قال : لا يحرم بالحج إلا في أشهره ، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج رواه البيهقي بإسناد صحيح ولأنها عبادة مؤقتة فكان الإحرام بها مؤقتا كالصلاة ، ولأنه آخر أركان الحج فلا يصح تقديمه على أشهر الحج كالوقوف بعرفة . وأما : الجواب عما احتجوا به من قوله تعالى :

﴿ يسألونك عن الأهلة فهو أن الأشهر هنا مجملة حملها على المبين ، وهو قوله تعالى :

﴿ الحج أشهر معلومات والجواب عن قوله تعالى :

﴿ وأتموا الحج والعمرة لله مع قول عمرو علي من وجهين أحدهما : أنه محمول على دويرة أهله ، بحيث يمكنه الإحرام منها في أشهر الحج والثاني : إن سلمنا أنه مخالف لما ذكرنا فهو مخالف لما صح عن ابن عباس وجابر ، وإذا اختلفت الصحابة لم يعمل بقول بعضهم وأما : القياس على العمرة فجوابه : أن أفعالها غير مؤقتة ، فكذا إحرامها بخلاف الحج . وأما : قولهم : إن الإحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه وهو شوال ، فعلم أنه لا يختص بزمان فجوابه : من وجهين أحدهما : أن ما ذكروه ليس بلازم والثاني : ينتقض بصلاة الظهر ، فإن الإحرام بها يجوز عقيب الزوال ، ولا يجوز حينئذ الركوع والسجود وهي مؤقتة وأما : قولهم : التوقيت ضربان إلى آخره ، فهو أن مقتضى التوقيت أن يتقدم عليه خالفنا ذلك في المكان ، وليس كذلك الزمان وأما : قولهم : ولأنا أجمعنا

111


112
على صحة إحرامه فجوابه : إنما صح إحرامه عندنا بالعمرة ، ولا يلزم من ذلك صحة إحرامه بالحج ، ونظيره إذا أحرم بالظهر قبل الزوال غلطا يصح نفلا لا ظهرا . فرع : في مذاهب العلماء في أشهر الحج ، قد ذكرنا أن مذهبنا أنها شوال وذوالقعدة وعشر ليال من ذي الحج ، وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن الزبير والشعبي وعطاء ومجاهد وقتادة والنخعي والثوري وأبي ثور وبه قال أبو يوسف وداود ، وقال مالك : هي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله . قال ابن المنذر : وروى عن ابن عمر وابن عباس روايتان كالمذهبين ، وقال أبو حنيفة وأحمد وأصحاب داود : شوال وذو القعدة وعشرة أيا من ذي الحجة ، وخالف أصحاب داود في هذا . والخلاف بينا وبين أبي حنيفة وموافقيه في يوم النحر ، فهو عنده من أشهر الحج ، وليس هو عندنا منها ، وقد مثل المحاملي في المجموع إجماع العلماء على أن أول وقت أشهر الحج شوال وإنما اختلفوا في آخرها . قال صاحب الشامل وآخرون من أصحابنا : وهذا الخلاف الذي بيننا وبين أبي حنيفة وأحمد يجوز الإحرام بالحج في جميع السنة كما حكيناه عنهما في الفرع السابق ولا يجوز عندهما إيقاع الفعل إلا في أوقاتها من أشهر الحج ، فلا فرق بين أن يوافقونا في أشهر الحج أو يخالفونا ، وقال المتولي : لا فائدة في هذا الخلاف إلا في شيء واحد ، وهو أن عند مالك يكره الاعتمار في أشهر الحج ، فالعمرة عنده مكروهة في جميع ذي الحجة ، وهذا الذي استثناه المتولي لا حاجة إليه لأن العمرة لا تكره عندنا في شيء من السنة ، فلا فرق بين أن يوافقنا مالك في أشهر الحج أو يخالفنا ، وهكذا قال العبدري : إن فائدة الخلاف عند مالك إذا أخر طواف الإفاضة عن ذي الحجة لزم دم ، وهذا أيضا لا حاجة إليه لأن الدم لا يجب عندنا بتأخير الطواف ، ولو أخره سنين . واحتج لأبي حنيفة وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم قالوا : أشهر الحج شهران وعشر ليال ، قالوا : وإذا أطلقت الليالي تبعتها الأيام فيمكون يوم النحر منها ، ولأن يوم النحر يفعل فيه معظم المناسك ، فكان من أشهر الحج كيوم عرفة ، واحتج مالك بأن الأشهر جمع وأقله ثلاثة ، واحتج أصحابنا برواية نافع عن ابن عمر أنه قال : أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وعن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير مثله ، رواها كلها البيهقي ، وصحح الرواية عن ابن عباس ، ورواية ابن عمر صحيحة ، وأجاب أصحابنا عن قول الحنفية : إذا أطلقت الليالي تبعتها الأيام بأن ذلك عند إرادة المتكلم ، ولا نسلم

112


113
وجود الإرادة هنا . بل الظاهر عدمها فنحن قائلون بما قالته الصحابة . والجواب : عن قولهم : إن يوم النحر يفعل فيه معظم المناسك ، فينتقض بأيام التشريق والجواب : عن قول مالك : إن العرب تعبر عن اثنين وبعض الثالث بلفظ الجمع ، قال الله تعالى :

﴿ يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وأجمعنا نحن ومالك على أن الأقراء هي الأطهار ، وأنه إذا طلقها في بقية طهر حسبت تلك البقية قرءا . فاتفقنا على حمل الأقراء على قرءين وبعض ، واتفقت العرب وأهل اللغة على استعمال مثله في التواريخ وغيرها ، يقولون : كتبت لثلاث ، وهو في بعض الليلة الثالثة ، والله أعلم . فرع : في مذاهبهم فيمن أهل بحجتين ، وقد ذكرنا أن مذهبنا أنه ينعقد إحداهما ولا يلزمه فعل الأخرى ( وعند أبي حنيفة ينعقدان ويلزمه قضاء الأخرى ) ، والذي حكاه ابن المنذر عنه أنه يصير ناقضا لإحداهما حتى يتوجه إلى مكة ، قال أبو يوسف : أما أنا فأراه ناقضا لإحداهما حين يحرم بهما قبل أن يسير إلى مكة ، دليلنا ما سبق .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما العمرة فإنها تجوز في أشهر الحج وغيرها لما روت عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر عمرتين في ذي القعدة وفي شوال وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عمرة في رمضان تعدل حجة ولا يكره فعل عمرتين وأكثر في سنة ، لما ذكرناه من حديث عائشة رضي الله عنها .

+ الشرح : حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم ، وروت أم معقل الصحابية رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عمرة في رمضان تعدل حجة رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم ، قال الترمذي : حديث حسن ، قال : وفي الباب بغير عمرة في رمضان عن ابن عباس وجابر وأنس بن مالك وأبي هريرة ووهب بن خنبش قال : ويقال هرم

113


114
بن حينس رضي الله عنهم قال الترمذي : قال إسحاق يعني ابن راهوية : معنى هذا الحديث مثل : قراءة قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن . وأما : حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر مرتين في ذي القعدة وفي شوال فصحيح رواه أبو داود في سنه بإسناده الصحيح ، وقد ثبت فعل العمرة في أشهر الحج في الأحاديث الصحيحة من طرق كثيرة منها : حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر قال : اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر إحداهن في رجب ، فبلغ ذلك عائشة فقالت : يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر عمرة قط إلا وهو شاهد ، وما اعتمر قط في رجب رواه البخاري ومسلم ، وعن البراء : أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في ذي القعدة رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، وفي الباب عن ابن عباس وغيره أحاديث كثيرة . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : جميع السنة وقت للعمرة فيجوز الأحرام بها في كل وقت من السنة ، ولا يكره في وقت من الأوقات ، وسواء أشهر الحج وغيرها في

114


115
جوازها فيها من غير كراهة ، ولا يكره عمرتان وثلاث وأكثر في السنة الواحدة ، ولا في اليوم الواحد ، بل يستحب الإكثار منها بلا خلاف عندنا ، قال أصحابنا : ويستحب الاعتمار في أشهر الحج وفي رمضان للأحاديث السابقة ، قال المتولي وغيره : والعمرة في رمضان أفضل منها في باقي السنة للحديث السابق ، قال أصحابنا : وقد يمتنع الإحرام العمرة في بعض السنة لعارض لا بسبب الوقت ، وذلك كالمحرم بالحج لا يجوز له الإحرام بالعمرة بعد الشروع في التحلل من الحج بلا خلاف وكذا لا يصح إحرامه بها قبل الشروع في التحلل على المذهب ، ما سنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى في إحرام القارن . قال أصحابنا : لو تحلل من الحج التحللين وأقام بمنى للرمي والمبيت ، فأحرم بالعمرة لم ينعقد إحرامه بلا خلاف نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، نص عليه الأصحاب لأنه عاجر عن التشاغل بها لوجوب ملازمة إتمام الحج بالرمي والمبيت قال أصحابنا : ولا يلزمه بذلك شيء . فأما : إذا نفر النفر الأول وهو بعد الرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق فأحرم بعمرة فيما بقي من أيام التشريق ليلا أو نهارا فعمرته صحيحة بلا خلاف قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الفروق وآخرون من أصحابنا : والفرق بين هاتين الصورتين أن المقيم بمنى يوم النفر وإن كان خاليا من علائق الإحرام بالتحللين ، إلا أنه مقيم على نسك مشتغل بإتمامه وهو الرمي والمبيت ، وهما من تمام الحج ، فلا تنعقد عمرته ما لم يكمل حجه بخلاف من نفر فإنه فرغ من الحج وصار كغير الحاج ، قال أبو محمد : ولا يتصور حين يحرم بالعمرة فيوقت ، ولا تنعقد عمرته إلا في هذه المسألة وقد يرد على هذا ما إذا أحرم بالعمرة في حال جماعه المرأة ، فإنه حلال ولا ينعقد إحرامه على أصح الأوجه ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في جماع المحرم ، ويمكن أن يجاب عنه بأن عدم انعقاد العمرة هنا لعدم أهلية المحرم لا لعارض ، فهو كالكافر وغيره ، ممن لا يصح إحرامه لعدم أهليته ، ولا شك أن الكافر ونحوه لا يرد على قول الشيخ أبي محمد ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في وقت العمرة ، قد ذكرنا أن مذهبنا جوازها في جميع السنة ، ولا تكره في شيء منها ، وبهذا قال مالك وأحمد وداود ، ونقله الماوردي عن جمهور الفقهاء ، وقال أبو حنيفة : تكره العمرة ، واحتج أصحابنا بأن الأصل عدم الكراهة حتى يثبت النهي الشرعي ، ولم يثبت هذا الخبر ، ولأنه يجوز القران في يوم عرفة بلا

115


116
كراهة ، فلا يكره إفراد العمرة فيه كما في جميع السنة ، ولأن كل وقت لا يكره فيه استدامة العمرة لا يكره فيه إنشاؤها كباقي السنة . وأما : قول عائشة فأجاب : أصحابنا عنه بأجوبة أجودها أنه باطل لا يعرف عنها ، ولم يذكره عنها أحد ممن يعتمد ، ولو صح لكان قول صحابي لم يشتهر ، فلا حجة فيه على الصحيح ، ولو صح واشتهر لكان محمولا على من كان متلبسا بالحج وأما : قولهم : إنها أيام الحج فكرهت فيها العمرة ، فدعوى باطلة لا شبهة لها . فرع : في مذاهبهن في تكرار العمرة في السنة . مذهبنا أنه لا يكره ذلك بل يستحب ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء من السلف والخلف ، وممن حكاه عن الجمهور المارودي والسرخسي والعبدري ، وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وغيرهم رضي الله عنهم ، وقال الحسن البصري وابن سيرين ومالك : تكره العمرة في السنة أكثر من مرة ، لأنها عبادة تشتمل على الطواف والسعي فلا تفعل في السنة إلا مرة كالحج ، واحتج الشافعي والأصحاب وابن المنذر وخلائق بما ثبت في الحديث الصحيح أن عائشة رضي الله عنها أحرمت بعمرة عام حجة الوداع ، فحاضت ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحرم بحج ففعلت ، وصارت قارنة ووقفت المواقف ، فلما طهرت طافت وسعت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم قد حللت من حجك وعمرتك ، فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعمرها عمرة أخرى ، فأذن لها فاعتمرت من التنعيم عمرة أخرى رواه البخاري ومسلم مطولا ، ونقلته مختصرا . قال الشافعي : وكانت عمرتها في ذي الحجة ، ثم أعمرها العمرة الأخرى في ذي الحجة فكان لها عمرتان في ذي الحجة . وعن عائشة أيضا :

116


117
أنها اعتمرت في سنة مرتين أي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية ثلاثة عمر ، وعن ابن عمر أنه اعتمر أعواما في عهد ابن الزبير مرتين في كل عام ، ذكر هذه الآثار كلها الشافعي ، ثم البيهقي بأسانيدها ، وأما : الحديث الذي ذكره المصنف فليس فيه دلالة ظاهرة ، لأنها لم تقل : اعتمر في ذي القعدة وشوال من سنة واحدة واحتج أصحابنا أيضا في المسألة بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما رواه البخاري ومسلم ، وسبق ذكره في أول كتاب الحج ، ولكن ليست دلالته ظاهرة ، وإن كان البيهقي وغيره قد احتجوا به ، وصدر به البيهقي الباب ، فقال بعض أصحابنا : وحجه دلالته أنه صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين كون العمرتين في سنة أو سنتين ، وهذا تعليق ضعيف . واحتج أيضا بالقياس على الصلاة فقالوا : عبادة غير مؤقتة ، فلم يكره تكرارها في السنة كالصلاة ، قال الشافعي في المختصر : من قال : لا يعتمر

117


118
في السنة إلا مرة مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني حديث عائشة السابق . فإن قيل : قد ثبت في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : ارفضي عمرتك وامتشطي وأهلي بالحج ففعلت ثم اعتمرت ، وهذا ظاهره أنه لم يحصل له إلا عمرة واحدة فالجواب : أنها لم ترفضها ، يعني الخروج منها والإعراض عنها ، لأن العمرة والحج لا يخرج منهما بنية الخروج بلا خلاف وإنما رفضها رفض أعمالها مستقلة ، لأنها أحرمت بعدها بالحج فصارت قارنة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ارفضيها أي اتركي أعمالها المستقلة لاندراجها في أفعال الحج وأما : امتشاطها فلا دلالة فيه . قال القاضي أبو الطيب وغيره : لأن المحرم يجوز له عندنا الامتشاط وأما : الجواب عن احتجاج مالك بالقياس على الحج فهو أن الحج مؤقت لا يتصور تكراره في السنة والعمرة غير مؤقتة ، فتصور تكرارها كالصلاة والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز إفراد الحج عن العمرة والتمتع بالعمرة إلى الحج والقران بينهما ، لما روت عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنا من أهل بالحج : ومنا من أهل بالعمرة ، ومنا من أهل بالحج والعمرة والإفراد والتمتع أفضل من القران ، وقال المزني : القران أفضل ، والدليل على ما قلناه أن المفرد والمتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله ، والقارن يقتصر على عمل الحج وحده ، فكان الإفراد والتمتع أفضل ، وفي التمتع والإفراد قولان أحدهما : أن التمتع أفضل ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج والثاني : أن الإفراد أفضل لما روى جابر قال : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحج ليس

118


119
معه عمرة ولأن التمتع يتعلق به وجوب دم فكان الإفراد أفضل منه كالقران وأما : حديث ابن عمر رضي الله عنهما فإنه يحتمل أنه أراد أمر بالتمتع كما روى أنه رجم ماعزا وأراد أنه أمر برجمه ، والدليل عليه أن ابن عمر هو الراوي ، وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد بالحج .

+ الشرح : حديث عائشة وحديث ابن عمر وحديث جابر رواها كلها البخاري ومسلم بلفظها ، إلا حديث جابر فلفظهما فيه : أهل النبي صلى الله عليه وسلم هو وصحابه بالحج وأما : قوله ليس معه عمرة فليست في روايتهما ورواها البيهقي بإسناد ضعيف . أما الأحكام : فقد اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على جواز الإحرام على خمسة أنواع ، الإفراد ، والتمتع ، والقران ، والإطلاق ، وهو أن يحرم بنسك مطلقا ثم يصرفه إلى ما

119


120
شاء من حج أو عمرة أو كليهما ، والتعليق وهو أن يحرم بإحرام كإحرام فهذه الأنواع الخمسة جائزة بلا خلاف ، وذكر المصنف هنا الثلاثة الأولى وأما : النوعان الآخران فذكرهما في باب الإحرام وسنوضحهما هناك إن شاء الله تعالى . وأما : الأفضل من هذه الأنواع الثلاثة الأولى ففيه طرق وأقوال منتشرة الصحيح : منها الإفراد ، ثم التمتع ، ثم القران ، هذا هو المنصوص للشافعي رحمه الله تعالى في عامة كتبه ، والمشهور من مذهبه والقول الثاني : أن أفضلها التمتع ، ثم الإفراد ، وهذا القول في الكتاب ، وهذا الثاني نصه في كتاب اختلاف الحديث ، حكاه عنه القاضي أبو الطيب والأصحاب والثالث : أفضلها الأفراد ، ثم القران ، ثم التمتع ، حكاه صاحب الفروع ، والسرخسي وصاحب البيان ، وآخرون ، قالوا نص عليه في أحكام القران ، وممن اختاره من أصحابنا المزني وابن المنذر وأبو إسحق المروزي والقاضي حسين في تعليقه . قال أصحاينا : وشرط تقديم الإفراد أن يحج ثم يعتمر في سنة ، فإن أخر العمرة عن سنة فكل واحد من التمتع والقران أفضل منه بلا خلاف ، لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه . هكذا قاله جماهير الأصحاب ، ممن صرح به الماوردي والقاضي أبو الطيب في تعليقه . وصاحب الشامل والبيان والرافعي وآخرون ، وقال القاضي حسين والمتولي : الإفراد أفضل من التمتع والقران ، سواء اعتمر في سنته أم في سنة أخرى ، وهذا شاذ ضعيف ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الأفراد والتمتع والقرن . قد ذكرنا أن مذهبنا جواز الثلاثة ، وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، إلا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما أنهما كانا ينهيان عن التمتع ، وقد ذكر

120


121
الشيخ أبوحامد في تعليقه وآخرون من أصحابنا ومن غيرهم من العلماء في نهي عمر وعثمان تأويلين أحدهما : أنهما نهيا عنه تنزيها ، وحملا للناس على ما هو الأفضل عندهما وهو الإفراد ، لا أنهما يعتقدان بطلان التمتع هذا مع علمهما بقول الله تعالى :

﴿ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي والثاني : أنهما كانا ينهيان عن التمتع الذي فعلته الصحابة في حجة الوداع ، وهو فسخ الحج إلى العمرة ، لأن ذلك كان خاصا لهم كما سنذكره واضحا إن شاء الله تعالى ، وهذا التأويل ضعيف وإن كان مشهورا وسياق الأحاديث الصحيحة يقتضي خلافه . ومن العلماء من أصحابنا وغيرهم من يقتضي كلامه أن مذهب عمر بطلان التمتع وهو ضعيف ولا ينبغي أن يحمل كلامه عليه ، بل المختار في مذهبه ما قدمته والله أعلم . فرع : في مذاهبهم في الأفضل من هذه الأنواع الثلاثة . قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا أن الإفراد أفضل ، وبه قال عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وجابر وعاشة ومالك والأوزاعي وأبو ثور وداود ، وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه والمزني وابن المنذر وأبو إسحاق المروزي القران أفضل . وقال أحمد التمتع أفضل . وحكي أبو يوسف أن التمتع والقران أفضل من الأفراد . وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أن الأنواع الثلاثة سواء في الفضيلة لا أفضلية لبعضها على بعض ، ودليل الجميع يفهم مما ذكره المصنف ومما سأذكره إن شاء الله تعالى بعد هذا ، والله أعلم . فرع : قال المزني في المختصر : قال الشافعي في اختلاف الحديث : ليس شيء من

121


122
الاختلاف أيسر من هذا ، وإن كان الغلط فيه قبيحا من جهة أنه مباح ، لأن الكتاب ثم السنة ثم ما لا علم فيه خلاف يدل على أن التمتع بالعمرة إلى الحج وإفراد الحج والقران واسع كله ، قال الشافعي : وثبت أنه صلى الله عليه وسلم خرج ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء وهو فيما بين الصفا والمروة ، فأمر أصحابه أن من كان منهم أهل بالحج ولم يكن معه هدى أن يجعلها عمرة وقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى ، ولجعلتها عمرة . قال الشافعي : فإن : قال قائل : فمن أين أثبتت حديث عائشة وجابر وابن عمر يعني للإفراد دون حديث من قال قرن قيل : لتقدم صحبة جابر للنبي صلى الله عليه وسلم وحسن سياقه لابتداء الحديث وآخره لرواية عائشة ، وفضل حفظها عنه ، وقرب ابن عمر منه ، هذا نصه في مختصر المزني . قال المارودي : يعني قول الشافعي ليس شيء من الخلاف أيسر من هذا لأنه مباح ليس فيه تغيير حكم ، لأن الإفراد والتمتع كلها جائزة ، قال : وقول الشافعي وإن مكان الغلط فيه قبيحا يحتمل أمرين أحدهما : أنه أراد الإنكار على الرواة حجيث لمن يتفقوا على نقلها ، وهي حجة واحدة والثاني : أنه أراد الإنكار على من لا معرفة له بالأحاديث وترتيب مختلفها ، والجمع بينها ، وأنها غير متضادة ، بل يجمع بينها ، هذا كلام الماوردي . قال القاضي حسين : وإنما استيسر الخلاف فيه لأن الأنواع الثلاثة منصوص عليها في القرآن ، وكلها منقولة عنه صلى الله عليه وسلم صحيحة عنه ، وكلها جائزة بالإجماع أما : الأفراد فبين في قوله تعالى :

﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا وأما : التمتع ففي قوله تعالى :

﴿ وأتموا الحج والعمرة لله هذا كلام القاضي حسين ، وفي الاستدلال بهذه الأخيرة للقران نظر ، وقد استدل بها أصحاب أبي حنيفة لمذهبهم في ترجيح القران ، وأنكر ذلك أصحابنا وقالوا : لا دلالة في الآية للقران ، لأنه ليس في الآية أكثر من جمع الحج والعمرة في الذكر ، ولا يلزم

122


123
من ذلك جمعهما في الفعل ، نظيره قوله تعالى :

﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه في شرح كلام الشافعي هذا وقوله : وإن كان الغلط فيه قبيحا ، يعني اختلافهم فيها قبيح ، قال : ثم عذرهم في ذلك فإنه قد كان ثبت عندهم أن الإفراد والتمتع والقران كلها جائزة لم يهتموا بما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث يعلمونه علما قطعيا ، ويتفقون عليه ، بل اقتصر كل واحد على ما غلب على ظنه كما رواه وسمعه منه ، مع أمور فوق ظنه في روايته ، والله أعلم . فرع : أذكر فيه إن شاء الله تعالى جملة من الأحاديث الصحيحة في الإفراد والتمتع والقران فأما : جوازها كلها ففيه حديث عائشة رضي الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحج وعمرة ، ومنا من أهل بحج ، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : منا من أهل بالحج مفردا ، ومنا من قرن ، ومنا من تمتع وأما : ترجيح الإفراد فثبت في الصحيح من رواية جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة . فأما : حديث عائشة فقد سبق الآن في قولها : وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد الحج وفي رواية له أيضا عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا وفي رواية البخاري ومسلم قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يذكر لنا الحج ، فلما جئنا سرف طمثت وذكرت تمام الحديث إلى قولها ثم رجعوا مهلين بالحج يعني إلى منى .

123


124
وأما : حديث ابن عمر فعن بكر بن عبد الله المزني عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى بالحج والعمرة جميعا ، قال بكر : فحدثت بذلك ابن عمر فقال : لبى بالحج وحده ، فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس : ما تعدوننا إلا صبيانا ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك عمرة وحجا رواه البخاري ومسلم ، وعن زيد بن أسلم أن رجلا أتى ابن عمر فقال : بم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بالحج ، ثم أتاه من العام المقبل فسأله فقال : ألم تأتني عام أول قال : بلى ، ولكن أنسا يزعم أنه قرن ، قال ان عمر : إن أنسا كان يدخل على النساء وهن منكشفات الرءوس ، وإني كنت تحت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أسمعه يلبى الحج رواه البيهقي بإسناد صحيح ، وفي رواية لمسلم أيضا عن ابن عمر قال : أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج منفردا . وأما : حديث جابر فعن عطاء بن جابر بن عبد الله قال : أهل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالحج رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم أيضا عن جابر قال : أهللنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالحج خالصا وحده ، فقدمنا صبح رابعة من ذي الحجة فأمرنا أن نحل وفي صحيح مسلم أيضا عن جابر في حديث طويل قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لمناسك الحج وذكر الحديث إلى أن قال حتى إذا كان آخر طواف على المروة قال النبي صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدى فليتحلل وليجعلها عمرة قوله : آخر طواف على المروة يعني السعي . وأما : حديث ابن عباس ففيه قال : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج فقدم لأربع مضين من ذي الحج وصلى الصبح وقال لما صلى الصبح : من شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها

124


125
عمرة رواه مسلم ، وفي رواية لمسلم أيضا عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن ، وسلت الدم وقلدها نعلين ، ثم ركب راحلته ، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج وروى البيهقي بإسناده عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال لابنه : يا بني أفرد الحج فإنه أفضل وبإسناده عن ابن مسعود أنه أمر بإفراد الحج . وأما : ترجيح التمتع فعن ابن عمر قال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج ، وأهدى فساق معه الهدى من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج وتمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ، ومنهم من لم يهد ، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس : من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حتى يقضي حجته ، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة ، وليقصر وليحلل ، ثم ليهلل بالحج وليهد فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف من السبع ، ومشى أربعة أطواف ، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ، ثم سلم فانصرف ، فأتى الصفا فطاف طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ، ثم سلم فانصرف ، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر ، وأفاض فطاف بالبيت ، ثم حل من كل شيء حرم منه ، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى ، وساق الهدي من الناس رواه البخاري ومسلم . وعن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ،

125


126
وتمتع الناس معه ، قال الزهري : مثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ومسلم ، قال البيهقي : قد روينا عن ابن عمر وعائشة فيما سبق في إفراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يخالف هذا ، قال : وكونه قال في هذه الرواية : لم يتحلل من إحرامه حتى فرغ من حجه دليل ظاهر على أنه لم يكن متمتعا . وعن غنيم بن قيس بضم الغين المعجمة قال : سألت سعد بن أبي وقاص عن المتعة فقال : فعلناها ، وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني بيوت مكة رواه مسلم وقوله : العرش هو بضم العين والراء وهي بيوت مكة وقوله : وهذا كافر يعني معاوية ، وفي رواية غير مسلم : فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني معاوية . وعن محمد بن عبد الله بن الحارث أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية بن أبي سفيان ، وهما يذكران التمتع والعمرة إلى الحج ، فقال الضحاك : لا يصنع مثل هذا إلا من جهل أمر الله تعالى ، فقال سعد : بئس ما قلت يا بن أخي ، قال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب نهى عن ذلك ، فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه رواه الترمذي ، وقال : حديث صحيح ، وفي بعض النسخ حسن صحيح ورواه النسائي وآخرون أيضا ، وعن أبي موسى الأشعري قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى قومي باليمن فجئت وهو منيخ بالبطحاء فقال : بم أهللت فقلت أهللت كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : هل معك من هدي قلت : لا ، فأمرني فطفت بالبيت والصفا والمروة ، ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني أو غسلت رأسي رواه البخاري ومسلم . وعن سالم بن عبد الله أنه سمع رجلا من أهل الشام سأل

126


127
ابن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج فقال ابن عمر : هي حلال ، قال الشافعي : إن أباك قد نهى عنها قال ابن عمر : أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الترمذي بإسناد وهو ضعيف ، ولهذا لم يقع في بعض نسخ الترمذي قوله : حديث حسن . وعن عمران بن الحصين قال : تمتع النبي صلى الله عليه وسلم وتمتعنا معه رواه مسلم بهذا اللفظ ورواه البخاري بمعناه قال : متعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزل القرآن قال رجل برأيه ما شاء وعن أبي جمرة بالجيم قال : تمتعت فنهاني ناس عن ذلك فسألت ابن عباس فأمرني بها . فرأيت في المنام كأن رجلا يقول لي : حج مبرور وعمرة متقبلة ، فأخبرت ابن عباس فقال : سنة النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ومسلم . وأما : القران فجاءت فيه أحاديث منها : حديث سعيد بن المسيب قال : اختلف علي وعثمان وهما بعسفان فكان عثمان نهى عن المتعة أو العمرة فقال علي ما تريد إلا أن تنهي عن أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عثمان : دعنا منك ، فقال : إني لا أستطيع أن أدعك ، فلما رأى علي ذلك أهل بهما جميعا رواه البخاري ومسلم ومنها : حديث أنس فعن بكر ابن عبد الله المزني عن أنس قال : سمعت

127


128
رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبى بالحج وحده ، فلقيت أنسا فحدثه بقول ابن عمر ، فقال أنس : ما تعدوننا إلا صبيانا ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك عمرة وحجا وروى البيهقي بإسناده عن سليمان بن الحارث وهو شيخ البخاري قال : سمع هذه الرواية أبو قلابة من أنس وأبو قلابة فقيه قال : وقد روى حميد ويحيى بن أبي إسحق عن أنس قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبى بعمرة وحج قال سليمان : ولم يحفظا إنما الصحيح ما قال أبو قلابة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد للحج ، وقد جمع بعض أصحابه بين الحج والعمرة فأما سمع أنس فعن أولئك الذين جمعوا بين الحج والعمرة ، قال البيهقي : فالاشتباه وقع لأنس لا لمن دونه قال : ويحتمل أن يكون سمع النبي صلى الله عليه وسلم يعلم رجلا كيف صورة القران ، لا أنه قرن عن نفسه وعن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بهما لبيك عمرة وحجا رواه مسلم ، وعن عمران بن الحصين قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه حتى مات ، ولم ينزل فيه قرآن يحرمه رواه مسلم . وعن عمر رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بوادي العقيق أتاني الليلة آت من ربي ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ، وقال : عمرة في حجة رواه البخاري هكذا في بعض الروايات ، وقال عمرة في حجة ، وفي بعضها وقل : عمرة في حجة ، قال البيهقي : ويكون ذلك إذنا في إدخال العمرة على الحج ، لأنه أمره في نفسه ، وعن الصبى بن معبد قال : كنت رجلا نصرانيا فأسلمت فأهللت بالحج والعمرة فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوجان ، وأنا أهل بهما جميعا فقال أحدهما للآخر : ما هذا بأفقه من بعيره قال : فكأنما ألقي علي جبل حتى أتيت عمر بن الخطاب فقلت له : يا أمير المؤمنين إني كنت رجلا أعرابيا نصرانيا ، وإني أسلمت وأنا حريص على الجهاد ، وإني

128


129
وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي ، فأتيت رجلا من قومي فقال لي أجمعهما واذبح ما استيسر من الهدى ، وإني أهللت بهما جميعا ، فقال عمر : هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم ، رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح ، قال الدارقطني في كتاب العلل : هو حديث صحيح . قال البيهقي : ومقتضى هذا جواز القران لا تفضيله وقد أمر عم بالإفراد قلت : وهذا أود ما قلته منه في تأويل نهى عمر رضي الله تعالى عنه عن التمتع ، وأنه إنما نهى عنه لتفضيله أمر الإفراد لا لبطلان التمتع ، وعن أبي قتادة قال : إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه ليس بجامع بعدها رواه الدارقطني ، وعن حفصة قالت : قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك قال : إني قلدت هديي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أحل من الحج رواه البخاري قال البيهقي : قال الشافعي : قولها من عمرتك أي من إحرامك ، قال : إني قلدت هديي ولبدت رأسي ، فلا أحل حتى أنحر ، أي حتى يحل الحاج لأن القضاء نزل عليه أنه من كان معه هدى جعل إحرامه حجا . واعلم : أن البيهقي ذكر بابا في جواز الإفراد والتمتع والقران ، ثم بابا في تفضيل

129


130
الإفراد ، ثم باب من زعم أن القران أفضل ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعا ، وذكر في كل نحو ما ذكرته من الأحاديث ثم قال باب كراهة من كره التمتع والقران ، وبيان أن جميع ذلك جائز ، وإن كنا اخترنا الإفراد فذكر في هذا الباب بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فشهد عنده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قضى فيه ينهى عن العمرة قبل الحج رواه أبو داود في سننه ، وقد اختلفوا في سماع سعيد بن المسيب من عمر ، لكنه لم يرو هنا عن عمر ، بل عن صحابي غير مسمى ، والصحابة كلهم عدول . وعن معاوية : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يقرن بين الحج والعمرة رواه البيهقي بإسناد حسن ، وروى البيهقي حديث عمران بن الحصين قال : تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فيه القرآن فليقل رجل برأيه ما شاء رواه البخاري ومسلم ، وحديث أبي موسى السابق في القران وأن أبا موسى قال : قلت أفتى الناس بالذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من التمتع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر وصدر خلافة عمر رواه البخاري ومسلم ، وفيه أن عمر كان ينهى عنها ، وفي رواية : أن أبا موسى سأله عمر عن نهيه فقال عمر : قد علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعله وأصحابه ، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك ، ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم رواه مسلم إلا قوله : وأصحابه ، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن تحت الأراك ثم يروحون والإعراس : كناية عن وطء النساء . وروى البيهقي عن الزهري عن عروة عن عائشة : أنها أخبرته في تمتع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج ، وتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الزهري : فقلت لسالم فلم ينهى عن التمتع ، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله الناس معه قال سالم : أخبرني ابن عمر أن الأتم للعمرة أن تفردوها من أشهر الحج : ( للحج أشهر معلومات ) شوال وذو القعدة وذو الحجة ، فأخلصوا فيهن الحج واعتمروا فينا سواهن من الشهور ، قال : وإن أعمر بذلك لزمه إتمام العمرة لقول الله تعالى :

﴿ وأتموا الحج والعمرة

130

وذلك أن العمرة إنما يتمتع بها إلى الحج ، والتمتع لا يتم إلا بالهدي أو الصيام إذا لم يجد هديا ، والعمرة في غير أشهر الحج تتم بلا هدى ولا صيام ، فأراد عمر بترك التمتع تمام العمرة كما أمر الله تعالى بإتمامها وأراد أيضا أن تكرر زيارة الكعبة في كل سنة مرتين . فكره التمتع لئلا يقصروا على زيارة مرة فتردد الأئمة في التمتع حتى ظن الناس أن الأئمة يرون ذلك حراما ، قال : ولعمري لم ير الأئمة ذلك حراما ، ولكنهم ابتعوا ما أمر به عمر رضي الله عنه إحسانا للخير وبإسناده الصحيح عن سالم قال : سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل إنكم تخالف أباك فقال : إن أبي لم يقل الذي يقولون ، إنما قال أفردوا الحج من العمرة ، أي إن العمرة لا تتم في أشهر الحج فجعلتموها أنتم حراما وعاقبتم الناس عليها ، وقد أحلها الله عز وجل ، وعمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فإذا أكثروا عليه قال : فكتاب الله أحق أن يتبع أم عمر . وعن سالم قال : كان ابن عمر يفتي بالذي أنزل الله تعالى من الرخصة في التمتع ، وبيه فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول ناس لابن عمر : كيف أباك وقد نهى عن ذلك فيقول لهم ابن عمر : ألا تتقون الله أرأيتم إن كان عمر نهى عن ذلك يبغى فيه الخير ويلتمس فيه تمام العمرة ، فلم كرهتموها وقد أحلها الله تعالى وعمل بها رسول الله أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبعوا أم عمر إن عمر لم يقل ذلك ، إن العمرة في أشهر الحج حرام ، ولكنه قال : إن إتمام العمرة أن تفردوها من أشهر الحج ثم روى البيهقي بإسناده الصحيح عن عبيد بن عمير قال : قال علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما : أنهيت عن المتعة قال : لا ولكني أردت كثرة زيارة البيت ، فقال علي : من أفرد الحج فحسن ، ومن تمتع فقد أخذ بكتاب الله تعالى وسنة نبيه . عن أبي نصرة قال : قلت لجابر بن عبد الله إن ابن الزبير ينهى عن المتعة ، وإن ابن عباس يأمر بها ، فقال جابر : على يدي دار الحديث ، تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قام عمر قال : إن الله كان يحل لرسول صلى الله عليه وسلم ما شاء بما شاء ، وإن القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم وابتغوا

131


132
نكاح هذه النساء فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة رواه مسلم ، وفي رواية : فإنه أتم يحكم وأتم بعمرتكم قال البيهقي : وفي هذه الزيادة دلالة على أن عمر نهى عن المتعة على الوجه الذي سبق بيانه في الحديث قبله . وعن عبد الله بن شقيق : كان عثمان ينهى عن المتعة وكان علي يأمر بها ، فقال عثمان لعلي كلمة ثم قال علي : لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أجل ، ولكننا كنا خائفين رواه مسلم وأراد بكنا خائفين عمرة القضاء وكانت سنة سبع من الهجرة قبل الفتح ، وعن أبي ذر قال : كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة رواه مسلم . قال البيهقي : إنما أراد فسخهم الحج إلى العمرة هو أن بعض الصحابة أهل بالحج ، ولم يكن معه هدى فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعلوه عمرة لينقض بذلك عادتهم في تحريم العمرة في أشهر الحج وهذا لا يجوز اليوم وقد جاء في رواية ابن عباس وغيره ما دل على ذلك . وعن محمد بن إسحق عن عبد الرحمن بن الأسود عن سليمان بن الأسود أن أبا ذر رضي الله عنه كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة ولم يكن ذلك إلا الركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود ، ولكنه ضعيف لأن محمد بن إسحاق صاحب المغازي هذا مدلس وقد قال عن : وقد اتفق العلماء على أن المدلس إذا قال عن : لا يحتج بروايته . وعن ابن مسعود قال : الحج أشهر معلومات ليس فيها عمرة قال البيهقي . وكراهة من كره ذلك أظنها على الوجه الذي ذكرناه عن ابن عمر عن عمر . وقد روى عن

132


133
الأسود عن ابن مسعود قال : أحب أن يكون لكل واحد منهما قال البيهقي فثبت بالسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جواز التمتع والقران والإفراد وثبت بمضي النبي صلى الله عليه وسلم في حج مفرد ثم باختلاف الصدر الأول في كراهة التمتع والقران دون الإفراد كون إفراد الحج عن العمرة أفضل وأنه أسلم . فرع : في طريق الجمع بين هذه الأحاديث الصحيحة على الوجه الذي تقتضيه طرقها . وقد سبق في هذه الأحاديث الصحيحة أن من الصحابة من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في حجة الوداع مفردا ومنهم : من روى أنه كان قارنا ومنهم : من روى أنه كان متمتعا ، وكله في الصحيح وهي قصة واحدة ، فيجب تأويل جميعها ببعضها ، والجمع بينها ، وصنف ابن حزم الظاهري كتابا فيها حاصله أنه اختار القران وتأويل باقي الأحاديث وتأويل بعضها ليس بظاهر فيما قاله والصواب : الذي نعتقده أنه صلى الله عليه وسلم أحرم أولا بالحج مفردا ، ثم أدخل عليه العمرة فصار قارنا ، وإدخال العمرة على الحج جائز على أحد القولين عندنا ، وعلى الأصح لا يجوز لنا ، وجاز للنبي صلى الله عليه وسلم تلك السنة للحاجة ، وأمر به في قوله : لبيك عمرة في حجة كما سبق . فإذا عرفت ما قلنا عن سهل الجمع بين الأحاديث ( فمن روى أنه صلى الله عليه وسلم كان مفردا وهم الأكثرون كما سبق أراد أنه اعتمر أول الإحرام ومن : روى أنه كان قارنا أراد أنه اعتمر آخره ، وما بعد أحراه ومن : روى أنه كان متمتعا أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع إلى إفراد كل واحد بعمل ، ويؤيد هذا الذي ذكرته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر تلك السنة عمرة مفردة ، لا قبل الحج ولا بعده ، وقد قدمنا أن القران أفضل من إفراد الحج من غير عمرة بلا خلاف ، ولو جعلت حجته صلى الله عليه وسلم مفردة لزم منه أن لا يكون اعتمر تلك السنة ، ولم يقل أحد : إن الحج وحده أفضل من القران ، وعلى هذا الجمع الذي ذكرته ينتظم الأحاديث كلها في حجته صلى الله عليه وسلم في نفسه . وأما : الصحابة فكانوا ثلاثة أقسام قسم : أحرموا بحج وعمرة ، أو بحج ومعهم هدي فبقوا عليه حتى تحللوا منه يوم النحر وقسم : بعمرة فبقوا في عمرتهم حتى تحللوا قبل يوم عرفة ثم أحرموا بالحج من مكة وقسم : بحج وليس معه هدي فيها ولا أمرهم صلى الله عليه وسلم أن

133


134
يقلبوا حجهم عمرة وهو معنى فسخ الحج إلى العمرة ، وعلى هذا تنتظم الروايات في إحرام الصحابة فمن : روى أنهم كانوا قارنين أو متمتعين أو مفردين أراد بعضهم وهم الطائفة الذين علم منهم وظن أن الباقين مثلهم ، فهذا الذي ذكرته من الجمع والتأويل وهو المعتمد وحاصله ترجيح الإفراد لأن النبي صلى الله عليه وسلم اختاره أولا ، وإنما أدخل عليه العمرة لتلك المصلحة السابقة وهي بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج وكانت العرب تعتقد أن ذلك من أفجر الفجور ، فأراد بيانه في تلك السنة التي جمعت من الخلق ما لم يجتمع قبلها مثلها ، ليظهر فيهم ذلك ويشتهر جوازه وصحته عند جمعهم ، وإن كان صلى الله عليه وسلم قد اعتمر قبل ذلك مرات في أشهر الحج ، إلا أنها لم تشتهر اشتهار هذه في حجة الوداع ولا قريبا منها ، وكل هذا لا يخرج الإفراد عن كونه الأفضل . وتأول جماعة من أصحابنا الأحاديث التي جاءت أنه صلى الله عليه وسلم كان متمتعا أو قارنا أنه أمر بذلك ، كما قالوا : رجم ماعزا أي أمر برجمه ، وهذا ضعيف يرده صريح الروايات الصحيحة السابقة ، بل الصواب ما قدمته قريبا ، والله أعلم . فرع : قال الإمام أبو سليمان الخطابي : طعن جماعة من الجهال وكفرة من الملحدين في الأحاديث والرواة ، حيث اختلفوا في حجة النبي صلى الله عليه وسلم ، هل كان مفردا أو متمتعا أو قارنا وهي حجة واحدة مختلفة الأفعال ، ولو يسروا للتوفيق واغتنوا بحسن المعرفة لم ينكروا ذلك ، ولم يدفعوه ، قال : وقد أنعم الشافعي رحمه الله تعالى ببيان هذا في كتاب اختلاف الحديث وجود الكلام فيه ، وفي اقتصاص كل ما قاله تطويل ، ولكن الوجيز المختصر من جوامع ما قال أن معلوما في لغة العرب جواز إضافة الفعل إلى الآمر به ، لجواز إضافته إلى الفاعل ، كقولك : بني فلان دارا إذا أمر ببنائها ، وضرب الأمير فلانا إذا أمر بضربه ، ورجم النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا وقطع سارق رداء صفوان ، وإنما أمر بذلك . ومثله كثير في الكلام ، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم القارن والمفرد والمتمتع ، وكل منهم يأخذ عنه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه ، فجاز أن تضاف كلها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على معنى أنه أمر بها وأذن فيها . قال : ويحتمل أن بعضهم سمعه يقول : لبيك بحجة ، فحكي أنه أفرد

134


135
وخفي عليه قوله : وعمرة ، فلم يحك إلا ما سمع ، وسمع أنس وغيره الزيادة ، وهي لبيك بحجة وعمرة ، ولا ينكر قبول الزيادة ، وإنما يحصل التناقض لو كان الزائد نافيا لقول صاحبه ، فأما إذا كان مثبتا له وزائدا عليه فليس فيه تناقض . قال : ويحتمل أن يكون الراوي سمعه يقول ذلك لغيره على وجه التعليم ، فيقول له لبيك بحجة وعمرة على سبيل التلقين . فهذه الروايات المختلفة في الظاهر ليس فيها تكاذب والجمع بينها سهل كما ذكرنا ، وقد روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم : أحرم من ذي الحليفة إحراما موقوفا وخرج ينتظر القضاء فنزل عليه الوحي وهو على الصفا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يكن معه هدى أن يجعله عمرة ، وأمر من كان معه هدى أن يحج هذا كلان الخطابي . وقال القاضي عياض : ( قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث من علماء وغيرهم ، فمن مجيد منصف ومن مقصر متكلف ، ومن دخيل مكره ، ومن مقتضر مختصر ، وأوسعهم نفسا في ذلك أبو جعفر الطبري الحنفي ) وإن كان تكلف في ذلك في زيادة على ألف ورقة ، وتكلم معه في ذلك أيضا أبو جعفر الطبري . ثم أبو عبد الله بن أبي صفرة بن المهلب ، والقاضي أبو عبد الله بن المرابط ، والقاضي أبو الحسين بن القصار البغدادي ، والحافظ أبو عمر بن عبد البر وغيرهم . قال القاضي عياض : وأولى ما يقال في هذا على ما لخصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح للناس من فعل هذه الأنواع الثلاثة لدل على جواز جميعها إذ لو أمر بواحد لكان غيره يظن أنه لا يجزىء ، فأضيف الجميع إليه ، وأخبر كل واحد بما أمره به وأباحه له ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسلم إما لأمره به ، وإما لتأويله عليه . وأما : إحرامه صلى الله عليه وسلم بنفسه فأخذ بالأفضل فأحرم مفردا بالحج ، وبه تظاهرت الروايات الصحيحة ، وأما الروايات بأنه كان متمتعا فمعناها أمر به وأما الروايات بأنه كان قارنا فإخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه بل إخبار عن حاله حين أمر أصحابه بالتحلل من حجهم ، وقلبه إلى عمرة لمخالفة الجاهلية إلا من كان معه هدى ، فكان هو صلى الله عليه وسلم ومن معه في الهدى في آخر إحرامهم قارنين ، بمعنى أنهم أردفوا الحج بالعمرة ، وفعل ذلك مواساة لأصحابه ، وتأنيسا لهم في فعلها في أشهر الحج ، لكونها كانت منكرة عندهم في أشهر الحج ، ولم يمكنه التحلل معهم لسبب الهدى واعتذر إليهم بذلك في ترك مواساتهم فصار صلى الله عليه وسلم قارنا في آخر أمره . وقد اتفق

135


136
جمهور العلماء على جواز إدخال الحج على العمرة ، وشذ بعض الناس فمنعه وقال : لا يدخل إحرام على إحرام كما لا يدخل صلاة على صلاة ، واختلفوا في إدخال العمرة على الحج ، فجوزه أصحاب الرأي ، وهو قول الشافعي لهذه الأحاديث ومنعه آخرون وجعلوا هذا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم لضرورة الاعتمار حينئذ في أشهر الحج ، قال : وكذلك يتأول قول من كان متمتعا أي تمتع بفعله في أشهر الحج ، وفعلها مع الحج لأن لفظ المتعة يطلق علي معان فانتظمت الأحاديث واتفقت . قال : ولا يبعد رد ما ورد عن الصحابة من فعل مثل ذلك إلى مثل هذا مع الروايات الصحيحة أنهم أحرموا بالحج مفردا . فيكون الإفراد إخبارا عن فعلهم أولا ، والقران إخبارا عن إحرام الذين معهم هدى بالعمرة ثانيا ، والتمتع لفسخهم الحج إلى العمرة ، ثم إهلالهم بالحج بعد التحلل منها كما فعله كل من لم يكن معه هدي . قال القاضي : وقد قال بعض علمائنا : إنه أحرم إحراما مطلقا منتظرا ما يؤمر به إفراد أو تمتع أو قران ثم أمر بالحج ، ثم أمر بالعمرة في وادي العقيق بقوله : أهل في هذا الوادي ، وقل عمرة في حجة قال القاضي : والذي سبق أبين وأحسن في التأويل . هذا كلام القاضي عياض ثم قال القاضي في وضع آخر بعده : لا يصح قول من قال : أحرم النبي صلى الله عليه وسلم إحراما مطلقا منهما ، لأن رواية جابر وغيره من الصحابة في الأحاديث الصحيحة ترده ، وهي مصرحة بخلافه . فرع : قد ذكرنا ما جاء من الأحاديث في الإفراد والتمتع والقران والإطلاق ، واختلاف العلماء في الأفضل منها ، وفي كيفية الجمع بينها ، وفي الجواب عن اعتراض الملحدين عليها ، وذكرنا أن جميع الأنواع جائزة ، وأوضحنا الجواب عما نقل من كراهة عمر وغيره رضي الله عنهم من التمتع أو القران ، وذكرنا أن الأصح تفضيل الإفراد ، ورجحه الشافعي والأصحاب وغيرهم بأشياء ، منها أنه الأكثر في الروايات الصحيحة في حجة النبي صلى الله عليه وسلم ومنها : أن رواته أخص بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحجة . فإن منهم جابرا ، وهو أحسنهم سياقا لحجة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ذكرها من أول خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى فراغه ، وذلك مشهور في صحيح مسلم وغيره ، وهذا يدل على ضبطه لها واعتنائه بها . ومنهم : ابن

136


137
عمر ، وقد قال : كنت تحت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها أسمعه يلبى بالحج وقد سبق بيان هذا عنه ومنهم : عائشة وقربها من النبي صلى الله عليه وسلم معروف ، وإطلاعها على باطن أمره وفعله في خلوته وعلانيته مع فقهها وعظم فطنتها ومنهم : ابن عباس ، وهو بالمحل المعروف من الفقه والفهم الثاقب ، مع كثرة بحثه وحفظه أحوال النبي صلى الله عليه وسلم التي لم يخفها ، وأخذه إياها من كبار الصحابة . ومنها : أن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أفردوا الحج وواظبوا عليه ، كذلك فعل أبو بكر وعمر وعثمان : واختلف فعل علي رضي الله عنهم أجمعين ، وقد حج عمر بالناس عشر حجج مدة خلافته كلها مفردا ولو لم يكن هذا هو الأفضل عندهم ، وعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلم حج مفردا ، لم يواظبوا على الإفراد ، مع أنهم الأئمة الأعلام وقادة الإسلام ويقتدي بهم في عصرهم وبعدهم ، وكيف يظن بهم المواظبة على خلاف فعل النبي أو أنهم خفى عليهم جميعهم فعله وأما : الخلاف عن علي وغيره ، فإنما فعلوه لبيان الجواز ، ، وقد قدمنا عنهم ما يوضح هذا . ومنها : أن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع ، وذلك لكماله . ويجب الدم في التمتع والقران . وذلك الدم دم جبران لسقوط الميقات وبعض الأعمال ، ولأن ما لا خلل فيه ولا محتاج إلى جبر أفضل ومنها : أن الأمة أجمعت على جواز الإفراد من غير كراهة ، وكره عمر وعثمان وغيرهما ممن ذكرناه قبل هذا التمتع ، وبعضهم التمتع والقران ، وإن كانوا يجوزونه على ما سبق تأويله ، فكان ما أجمعوا على أنه لا كراهة فيه أفضل . واحتج القائلون بترجيح القران بالأحاديث السابقة فيه ، وبقوله تعالى :

﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ومشهور عن عمر وعلي أنهما قالا : إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك وبحديث الصبى بن معبد السابق ، وقول عمر له : حديث لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وبحديث وادي العقيق وق : لبيك عمة في حجة قالوا : ولأن المفرد لا دم عليه ، وعلى القارن دم وليس هو دم جبران ، لأنه لم يفعل حراما ، بل دم عبادة والعبادة المتعلقة بالبدن والمال أفضل من المختصة بالبدن ، قال المزني : ولأن

137


138
القارن مسارع إلى العبادة فهو أفضل من تأخيرها ، قالوا : ولأن في القران تحصيل العمرة في زمن الحج وهو أشرف . وأجاب : أصحابنا عن الأحاديث الواردة في القران بجوابين أحدهما : أن أحاديث الإفراد أكثر وأرجح ، وذلك من وجوه كما سبق والثاني : أن أحاديث القران مؤولة كما سبق ، ولا بد من التأويل للجمع بين الأحاديث ، وقد سبق إيضاح الجمع والتأويل والجواب : عن الآية الكريمة أنه ليس فيها إلا الأمر بإتمامها ، ولا يلزم من ذلك قرنهما في الفعل ، كما في قوله تعالى :

﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأما : ما روى عن عمر وعلي فمعناه الإحرام بكل واحد منهما من دويرة أهله ، يدل على أنه صح عن عمر كراهته للتمتع وأمره بالإفراد . والجواب : عن حديث الصبى بن معبد أن عمر أخبره بأن القران سنة ، أي جائز قد أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل : إنه أفضل من الإفراد بل المعروف عن عمر ترجيح الإفراد كما سبق والجواب : عن حديث وادي العقيق من وجهين سبق أحدهما عند ذكره والثاني : أنه إخبار عن القران في أثناء الحول لا في أول الإحرام ، وقد سبق إيضاح هذا والجواب : عن قولهم : إن القارن عليه دم ، وهو دم نسك ، قال أصحابنا : بل هو عندنا دم جبران على الصحح ، بدليل أن الصيام يقوم مقامه عند العجز ، ولو كان دم نسك لم يقم مقامه كالأضحية . وأما : قولهم : إن القارن لم يفعل حراما فليس شرط وجوب دم الجبران أن يكون في ارتكاب حرام ، بل قد يكون في مأذون كمن حلق رأسه للأذى أو لبس للمرض أو لحر أو برد ، أو أكل صيدا لمجاعته أو احتاج إلى التداوي بطيب ، فإنه يجب الدم ولم يفعل حراما والجواب : عما قال المزني : إن من العبادات ما تأخيرها أفضل لمعنى ، كمن عدم الماء في السفر وعلم وجوده في أواخر الوقت ، فتأخير الصلاة أفضل ، وكتأخير صلاة عيد الفطر وتأخير صلاة الضحى إلى امتداد النهار وأشباه ذلك والله أعلم . قال الماوردي : ولأن الإفراد فعل كل عبادة وحدها وأفرادها بوقت فكان أفضل من جمعها كالجمع بين الصلاتين وأما : قولهم : لأن في القران تحصل العمرة في زمن الحج وهو أشرف ، فقال أصحابنا : ليس هو أشرف بالنسبة إلى العمرة ، بل رخصة في فعلها فيه ، وإنما شرفه بالنسبة إلى الحج والله أعلم . واحتج القائلون بترجيح بالأحاديث السابقة ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة فتأسف

138


139
على فوات العمرة والتمتع فدل على رجحانه . ودليلنا عليهم ما سبق من الأحاديث ومن الدلائل على ترجيح الإفراد وأما : تأسفه صلى الله عليه وسلم فسببه أن من لم يكن معهم هدي أمروا بجعلها عمرة ، فحدث لهم حزن حيث لم يكن معهم هدى ، ويوافقون النبي صلى الله عليه وسلم في البقاء على الإحرام ، فتأسف صلى الله عليه وسلم حينئذ على فوات موافقتهم تطييبا لنفوسهم ، ورغبة فيما يكون في موافقتهم . لا أن التمتع دائما أفضل . قال القاضي حسين : ولأن ظاهر هذا الحديث غير مراد بالإجماع ، لأن ظاهره أن سوق الهدي يمنع انعقاد العمرة ، وقد انعقد الإجماع على خلافه ، والله أعلم . فرع : ذكر القاضي حسين في هذا الباب من تعليقه والقاضي أبو الطيب في آخر باب صوم المتمتع من تعليقه وغيرهما من أصحابنا أن الشافعي نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بالحج مطلقا . وكان ينتظر القضاء ، وهو نزول جبريل ببيان ما يصرف إحرامه المطلق إليه فنزل جبريل عليه السلام وأمره بصرفه إلى الحج المفرد . وذكر البيهقي في السنن الكبير في هذا بابا قال : باب ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم إحراما مطلقا ينتظر القضاء ، ثم أمر بإفراد الحج ومضى فيه واستدل له البيهقي بأحاديث لا دلالة فيها أصلا إلا في حديث مرسل ، وهو ما رواه الشافعي والبيهقي بإسنادهما الصحيح عن طاووس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لا يسمى حجا ولا عمرة ، ينتظر القضاء فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة ، فأمر أصحابه من كان منهم أهل بالحج ولم يكنه معه هدى أن يجعلها عمرة ، وقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى . وذكر في الباب أيضا حديث جابر الطويل بكماله ، قال فيه : فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك لبيك . إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه ، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته قال جابر : لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن ، وذكر الطواف والسعي . قال : فلما كان آخر طوافه على

139


140
المروة ، قال : لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ، وجعلتها عمرة فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل ، وليجعلها عمرة رواه مسلم بهذه الحروف . قلت : ظاهر الأحاديث الصحيحة كلها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحرم إحراما مطلقا ، بل معينا ، وقد قال الشيخ أبو حامد في تعليقه ، وصاحب البيان وآخرون من أصحابنا : المشهور في الأحاديث خلاف ما قاله الشافعي في هذا ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم هو وأصحابه بالحج ، فلما دخل مكة فسخه إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي ، والله أعلم . فرع : إذا أحرم بالحج لا يجوز له فسخه وقلبه عمرة ، وإذا أحرم بالعمرة لا يجوز له فسخها حجا لا لعذر ولا لغيره . وسواء ساق الهدى أم لا ، هذا مذهبنا ، قال ابن الصباغ والعبدري وآخرون : وبه قال عامة الفقهاء ، وقال أحمد : يجوز فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يسق الهدى . وقال القاضي عياض في شرح صحيح مسلم : جمهور الفقهاء على أن فسخ الحج إلى العمرة ، كان خاصا للصحابة ، قال : وقال بعض أهل الظاهر : هو جائز الآن . واحتج لأحمد بحديث جابر المذكور في الفرع الذي قبل هذا وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : وليجعلها عمرة وهو صحيح كما سبق ، وعن ابن عباس ، قال : كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ويجعلون المحرم صفرا ، ويقولون : إذا برأ الدبر وعفى الأثر ، وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر . فقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا : يا رسول الله أي الحل قال : حل كله رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية مسلم : الحل كله وفي رواية عنه قال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبح رابعة يلبون بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة إلا من كان معه هدى رواه البخاري ومسلم ،

140


141
وهذا لفظ البخاري . وعن جابر قال : أهل النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالحج وليس مع أحد منهم هدي غير النبي صلى الله عليه وسلم وطلحة وكان علي قدم من اليمن ومعه هدي ، فقال : أهللت بما أهل به النبي صلى الله عليه وسلم فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يجعلوها عمرة ويطوفوا ويقصروا ويحلوا ، إلا من كان معه الهدي ، فقالوا : تنطلق إلى منى ، وذكر أحدنا يقطر فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أن معي الهدي لأحللت وأن سراقة ابن مالك لقى النبي صلى الله عليه وسلم بالعقبة وهو يرميها فقال : ألكم هذه خاصة يا رسول الله قال : بل للأبد رواه البخاري ومسلم . وعن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر إلا الحج حتى جئنا سرف فطمثت فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قدمت مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : اجعلوها عمرة فأحل الناس إلا من كان معه الهدي قالت : فكان الهدي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وذوي اليسارة ، ثم أهلوا حين راحوا إلى منى رواه البخاري ومسلم ، ولفظه المسلم ، وعن أبي سعيد قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرخ بالحج صراخا ، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق الهدي فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج رواه مسلم ، قوله : رحنا أي أردنا الرواح وعن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحج فقال : أهل المهاجرون والأنصارى وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، وأهللنا ، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي رواه البخاري ، فقال : وقال أبو كامل : قال أبو معشر : قال عثمان بن عتاب عن عكرمة عن ابن عباس قال أبو مسعود الدمشقي في الأطراف : هذا حديث غريب ، ولم أره عند أحد إلا عند مسلم بن الحجاج ، قال : ولم يذكر مسلم في صحيحه من أخذ عن عكرمة ، وعندي أن البخاري أخذه عن مسلم قلت : يحتمل ما قاله أبو مسعود ، ويحتمل أن البخاري أخذه من أبي كامل بلا واسطة .

141


142
قال العلماء : والبخاري يستعمل هذه العبارة فيما أخذه عرضا ومناولة لا سماعا ، والعرض والمناولة صحيحان يجب العمل بهما كما هو مقرر في علوم الحديث . واحتج أصحابنا بأن هذا الفسخ كان خاصا بالصحابة ، وإنما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالفسخ ليحرموا بالعمرة في أشهر الحج ، ويخالفوا ما كانت الجاهلية عليه من تحريم العمرة في أشهر الحج ، وقولهم : إنها أفجر الفجور . واحتج أصحابنا وموافقوهم للتخصيص بحديث الحرث بن بلال بن الحرث عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل لكم خاصة رواه أبو داود والنسائي وابن ماكه وغيرهم ، وإسناده صحيح إلا الحرث بن بلال ، ولم أر في الحرث جرحا ولا تعديلا ، وقد رواه أبو داود ولم يضعفه وقفد ذكرنا مرات أن ما لم يضعفه أبو داود فهو حديث حسن عنده ، إلا أن يوجد فيه ما يقتضي ضعفه ، وقال الإمام أحمد بن حنبل : هذا الحديث لا يثبت عندي ولا أقول به ، قال : وقد روى الفسخ أحد عشر صحابيا أين يقع الحرث بن بلال منهم قلت : لا معارضة بينكم وبينه حتى يقدموا عليه لأنهم أثبتوا الفسخ للصحابة ، ولم يذكروا حكم غيرهم ، وقد وافقهم الحرث بن بلال في إثبات الفسخ اللصحابة لكنه زاد زيادة لا تخالفهم وهي اختصاص الفسخ بهم . واحتج أصحابنا بحديث أبي ذر رضي الله عنه قال : كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة رواه مسلم موقوفا على أبي ذر ، قال البيهقي وغيره من الأئمة : أراد بالمتعة فسخ الحج إلى العمرة لأنه كان لمصلحة ، وهي بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج ، وقد زالت فلا يجوز ذلك اليوم لأحد ، واحتج أبو داود في سننه والبيهقي وغيرهما في ذلك برواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن سلمان بن الأسود أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة : لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

142


143
وإسناده هذا لا يحتج به لأن محمد بن إسحاق مدلس ، وقد قال عن : واتفقوا على أن المدلس إذا قال : عن لا يحتج به . وأجاب : أصحابنا عن قوله صلى الله عليه وسلم لسراقة : بل للأبد أن المراد جواز العمرة في أشهر الحج لا فسخ الحج إلى العمرة ، أو أن المراد دخول أفعالها في أفعال الحج وهو القران ، وحمله من يقول : إن العمرة ليست واجبة على أن العمرة اندرجت في الحج ، فلا تجب ، وإنما تجب على المكلف حجة الإسلام دون العمرة . فرع : مذهبنا أن المكي لا يكره له التمتع والقران ، وإن تمتع لم يلزمه دم ، وبه قال مالك وأحمد وداود وقال أبو حنيفة : يكره له التمتع والقران ، وإن تمتع أو قرن فعليه دم ، واحتج له بقوله تعالى :

﴿ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فأباح التمتع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام خاصة ، لأن المتمتع شرع له أن لا يلم بأهله ، والمكي ملم بأهله ، فلم يكن له ذلك ، قالوا : ولأن الغريب إذا تمتع لزمه دم ، وقلتم : إذا تمتع مكي فلا دم ، وهذا يدل على أن نسكه ناقص عن نسك الغريب فكره له فعله . واحتج أصحابنا بأن ما كان من النسك قربة وطاعة في حق غير المكي ، كان قربة وطاعة في حق المكي كالإفراد والجواب : عن الآية أن معناها فمن تمتع فعليه الهدى إذا لم يكن من حاضري المسجد ، فإن كان فلا دم ، فهذا ظاهر الآية فلا يعدل عنه فإن قيل : فقوله تعالى :

﴿ ذلك لمن لم يكن أهله ولم يقل على من لم يكن أهله قلنا : اللام بمعنى على كما في قوله تعالى :

﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها أي فعليها ، وقوله تعالى :

﴿ أولئك لهم اللعنة أي عليهم ، قال القاضي أبو الطيب ، وجواب آخر وهو أن قوله تعالى :

﴿ فمن تمتع شرط ، وقوله تعالى :

﴿ فما استيسر من الهدي جزاء الشرط ، وقوله تعالى :

﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد بمنزلة الاستثناء ، وهو عائد

143


144
إلى الجزاء دون الشرط ، كما لو قال : من دخل الدار فله درهم إلا بني تميم ، أو قال : ذلك لمن لم يكن من بني تميم ، فإن الاستثناء يعود إلى الجزاء دون الشرط الذي هو دخول الدار كذا ههنا . وأما : قولهم : المتمتع شرع له أن لا يلم بأهله ، فقال أصحابنا : لا نسلم ذلك ولا تأثير للإلمام بأهله في التمتع ، ولهذا لو تمتع غريب عن أهله فألم بأهله يصح تمتعه ، وكذا لو تمتع من غير إلمام بأهله فتمتعه عندهم مكروه وأما : قوله : إن نسكه ناقص لوجوب الدم على الغريب ، فقال أصحابنا : إنما لزم الغريب الدم لأنه ترفه بالتمتع ، فيلزمه الدم ، والمكي أحرم بحجة وعمرة من ميقاته الأصلي فلم يلزمه دم لعدم الترفه ، والله أعلم . فرع : أجمع العلماء على جواز العمرة قبل الحج ، سواء حج في سنته أم لا ، وكذا الحج قبل العمرة واحتجوا له بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر قبل أن يحج رواه البخاري وبالأحاديث الصحيحة المشهورة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر قبل حجته ، وكان أصحابه في حجة الوداع أقساما ، منهم من اعتمر قبل الحج ، ومنهم من حج قبل العمرة كما سبق .

قال المصنف رحمه الله تعالى : والإفراد أن يحج ثم يعتمر ، والتمتع أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحج من عامه ، أن يحرم بهما جميعا ، فإن أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج قبل الطواف جاز ويصير قارنا ، لما روى : أن عائشة رضي الله عنها أحرمت بالعمرة فحاضت فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلي بالحج واصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت ولا تصلي وإن أدخل عليها الحج بعد الطواف لم يجز ، واختلف

144


145
أصحابنا في فمنهم : من قال : لا يجوز لأنه قد أخذ في التحلل ومنهم : من قال : لا يجوز لأنه قد أتى بمقصود العمرة ، وإن أحرم بالحج وأدخل عليه العمرة ففيه قولان أحدهما : يجوز لأنه أحد النسكين فجاز إدخاله على الآخر كالحج والثاني : لا يجوز ، لأن أفعال العمرة استحقت بإحرام الحج ، فلا يعد إحرام العمرة شيئا . فإن قلنا : إنه يجوز ، فهل يجوز بعد الوقوف يبنى على العلتين في إدخال الحج على العمرة بعد الطواف فإن قلنا : لا يجوز إدخال الحج على العمرة بعد الطواف لأنه أخذ في التحلل جاز ههنا بعد الوقوف . لأنه لم يأخذ قي التحلل وإن قلنا : لا يجوز أتى بالمقصود لم يحز ههنا ، لأنه قد أتى بمعظم المقصود ، وهو الوقوف ، وإن أحرم بالعمرة وأفسدها ثم أدخل عليها الحج ففيه وجهان أحدهما : ينعقد الحج ، ويكون فاسدا لأنه إدخال حج على عمرة ، فأشبه إذا كان صحيحا والثاني : لا ينعقد لأنه لا يجوز أن يصح لأنه إدخال حج على إحرام فاسد ، ولا يجوز أن يفسد لأن إحرامه لم يصادفه الوطء فلا يجوز إفساده .

+ الشرح : حديث عائشة رواه البخاري ومسلم إلا قوله : ولا تصلي فإنها لفظة غريبة ليست معروفة . أما حكم المسألة : فقال أصحابنا : لكل واحدة من الأنواع الثلاثة صور مختلف في بعضها أما : الإفراد فصورته الأصلية أن يحرم بالحج وحده ويفرغ منه ثم يحرم بالعمرة ، وسيأتي باقي صوره في شروط التمتع الموجب للدم إن شاء الله تعالى وأما : التمتع فصورته الأصلية أن يحرم بالعمرة من ميقات بلده ، ويدخل مكة ويفرغ من أفعال العمرة ، ثم ينشىء الحج من مكة ، ويسمى متمتعا لاستمتاعه بمحظورات الإحرام بينهما ، فإنه يحل له جميع المحظورات إذا تحلل من العمرة ، سواء كان ساق الهدي أم لا ، ويجب عليه دم ، ولوجوبه شروط تأتي إن شاء الله تعالى . وأما : القران فصورته الأصلية أن يحرم بالحج والعمرة معا ، فتدرج أعمال العمرة في أعمال الحج ، ويتحد الميقات والفعل فيكفي لهما طواف واحد ، وسعى واحد وحلق واحد وإحرام واحد فلو أحرم بالعمرة ثم أدخل عليها الحج أي أحرم به نظر إن أدخل في غير أشهر الحج لغا إدخاله ولم يتغير إحرامه بالعمرة وإن أدخله في أشهره نظر إن كان أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج ففي صحة إدخاله وجهان أحدهما : وهو اختيار الشيخ أبي علي السنجي بكسر السين المهملة وبالجيم وحكاه عن عامة الأصحاب أنه لا يصح الإدخال ، لأنه يؤدي إلى صحة الإحرام بالحج قبل أشهره وأصحهما يصح وهو اختيار القفال ، وبه

145


146
قطع صاحبا الشامل والبيان وآخرون ، لأنه أحرم بكل واحد منهما في وقته ، ولأنه إنما يصير محرما بالحج في حال إدخاله . وهو وقت صالح للحج ، ولو أحرم بالعمرة في أشهر الحج ثم أدخله عليها في أشهره فإن لم يكن شرع في شيء من طوافها صح ، وصار قارنا بلا خلاف . وإن كان قد شرع فيه وخطا منه خطوة لم يصح إحرامه بالحج بلا خلاف وإن وقف عند الحجر الأسود للشروع في الطواف ، ولم يمسه ثم أحرم بالحج صح وصار قارنا ، لأنه لم يتلبس بشيء من الطواف ، وإن استلم الحجر ولم يمش ثم أحرم قبل شروعه في المشي فإن كان استلامه ليس بنية الاستلام للطواف صح إحرامه بالحج بلا خلاف ، كذا صرح به الماوردي ، وإن كان استلامه بنية أن يطوف ففي صحة إحرامه بالحج بعده وجهان حكاهما الصميري وصاحبه الماوردي وصاحب البيان وآخرون أحدهما : يصح لأنه مقدمة للطواف والثاني : لا يصح لأنه أحد أبعاض الطواف ، وينبغي أن يكون الأول أصح ، ولو شك هل أحرم بالحج قبل الشروع في الطواف أو بعده قال الماوردي : قال أصحابنا : صح إحرامه لأن الأصل جواز إدخال الحج على العمرة حتى يتيقن المنع ، فصار كمن أحرم وتزوج ، ولم يدر هل كان إحرامه قبل تزوجه أم بعده ، قال الشافعي : أجزأه وصح تزوجه ، هذا كلام الماوردي . قال أصحابنا : وإذا شرع المحرم بالعمرة في الطواف ثم أحرم بالحج فقد قلت : إنه لا يصح بلا خلاف ، وفي علة بطلانه أربعة أوجه مشهورة حكى المصنف منها اثنين أحد الأربعة : أنه اشتغل بعمل من أعمال العمرة والثاني : لأنه شرع في فرض من فروضها والثالث : لأنه أتى بمعظم أفعالها والرابع : لأنه شرع في سبب التحلل وهذا الرابع هو الأصح وهو نص الشافعي نقله أبو بكر الفارسي في عيون المسائل وصحح البندنيجى الثالث ، وتظهر فائدة هذا الخلاف فيما لو أحرم بحج ثم أدخل عاليه العمرة ، وجوزناه كما سنذكره الآن إن شاء الله تعالى . هذا كله إذا كانت العمرة التي أدخل عليها الحج صحيحة ، فإن كانت فاسدة بأن أفسدخا بجماع ثم أدخل عليها حجا ففي صحة إدخاله ومصيره محرما بالحج وجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : عند الأكثرين يصير محرما ، وبه قال ابن سريج والشيخ أبو زيد والثاني : لا يصير وصححه صاحب البيان ، وإن قلنا : يصير فهل يكون حجه صحيحا مجزئا فيه وجهان أحدهما : نعم لأن المفسد متقدم وأصحهما : لا ، لأنه تابع لعمرة فاسدة فعلى هذا هل ينعقد فاسدا من أصله أم صحيحا ثم يفسد فيه وجهان أحدهما : ينعقد صحيحا ثم يفسد ، كما لو أحرم فجامع فإنه ينعقد صحيحا ثم

146


147
يفسد على أحد الأوجه ، كما سنذكر في موضعه إن شاء الله تعالى وأصحهما : ينعقد فاسدا ، إذا لو انعقد صحيحا لم يفسد إذا لم يوجد بعد انعقاده مفسد . فإن قلنا : ينعقد فاسدا أو صحيحا ثم يفسد لزمه المضي قي النسكين ولزمه قضاؤهما وإن قلنا : ينعقد صحيحا ولا يفسد قضى العمرة دون الحج وعلى الأوجه الثلاثة يلزمه دم القران ، ولا يجب عليه بالإفساد إلا بدنة واحدة . كذا قاله الشيخ أبو علي السنجي ، وحكى إمام الحرمين وجهين آخرين إذا حكمنا بانعقاد حجه فاسدا أحدهما : يلزمه بدنة أخرى لفساد الحج والثاني : يلزمه بدنة للعمرة وشاة للحجج كما لو جامع ثم جامع ، وهذان الوجهان ضعيفان ، والصحيح ما ذكره أبو علي والله أعلم . هذا كله في الإحرام للحج بعد الإحرام بالعمرة أما : إذا أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة فقولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما القديم : صحته ويصير قارنا والجديد : لا يصح وهو الأصح فإن قلنا : بالقديم ، فإلى متى يجوز الإدخال فيه أربعة أوجه مفرعة على الأوجه الأربعة السابقة فيمن أحرم العمرة ثم بالحج أحدها : يجوز ما لم يشرع في طواف القدوم أو غيره من أعمال الحج ، قال البغوي : هذا أصحها والثاني : يجوز بعد طواف القدوم ما لم يشرع في السعي أو غيره من فروض الحج . قاله الخضري والثالث : يجوز ، وإن فعل فرضا ما لم يقف بعرفات ، فعلى هذا لو كان قد سعى لزمه إعادة السعي ليقع عن النسكين جميعا . كذا قاله الشيخ أبو علي السنجي وغيره والرابع : يجوز وإن وقف ما لم يشتغل بشيء من أسباب النحلل من الرمي وغيره ، وعلى هذا لو كان قد سعى فقياس ما ذكره أبو علي وجوب إعادته . وحكي إمام الحرمين فيه وجهين وقال : المذهب أنه لا يجب والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب على المتمتع دم لقوله تعالى :

﴿ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ولا يجب عليه إلا بخمسة أحدها : أن يعتمر في أشهر الحج ، فإن اعتمر في غير أشهر الحج لم يلزمه دم لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج ، فلم يلزمه دم كالمفرد ، فإن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وأتى بأفعالها في أشهر الحج ففيه قولان قال : في القديم والإملاء : يجب عليه دم ، لأن استدامة الإحرام بمنزلة الابتداء ، ولو ابتدأ الأحرام بالعمرة في أشهر الحج لزمه الدم فكذلك إذا استدامه وقال : في الأم :

147


148
لا يجب عليه الدم لأن الإحرام نسك لا تتم العمرة إلا به ، وقد أتى به في غير أشهر الحج فلم يلزمه دم التمتع كالطواف . الثاني : أن يحج من سنته فأما إذا حج في سنة أخرى لم يلزمه دمه ، لما روى سعيد بن المسيب قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتمرون في أشهر الحج ، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا ، ولأن الدم إنما يجب لترك الإحرام بالحج من الميقات ، وهذا لم يترك الإحرام بالحج من الميقات ، فإنه إن أقام بمكة صارت مكية ميقاته ، وإن رجع إلى بلده وعاد فقد أحرم من الميقات . والثالث : أن لا يعود لإحرام الحج إلى الميقات ، فأما إذا رجع لإحرام الحج إلى الميقات وأحرم فلا يلزمه دم ، لأن الدم وجب بترك الميقات ، وهذا لم يترك الميقات ، فإن أحرم بالحج من جوف مكة ثم رجع إلى الميقات قبل أن يقف فيه وجهان أحدهما : لا دع عليه ، لأنه حصل محرما من الميقات قبل التلبس بنسك فأشبه من جاوز الميقات غير محرم ثم أحرم وعاد إلى الميقات والثاني : يلزمه لأنه وجب عليه الدم بالإحرام من مكة فلا يسقط بالعود إلى الميقات ، كما لو ترك الميقات وأحرم دونه ثم عاد بعد التنلبس بنسك والرابع : أن يكون غير حاضري المسجد الحرام فأما : إذا كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه لقول الله تعالى :

﴿ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وحاضروا المسجد الحرام أهل الحرم ، ومن بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، لأن الحاضر في اللغة هو القريب ولا يكون قريبا إلا في مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، وفي الخامس وجهان وهو نية التمتع أحدهما : أنه لا يحتاج إليها لأن الدم يتعلق بترك الإحرام بالحج من الميقات ، وذلك يوجد من غير نية والثاني : أنه يحتاج إلى نية التمتع لأنه جمع بين العبادتين في وقت إحداهما ، فافتقر إلى نية الجمع كالجمع بين الصلاتين فإذا قلنا : بهذا ففي وقت النية وجهان أحدهما : إنه يحتاج إلى أن ينوي عند الإحرام بالعمرة والثاني : يجوز أن ينوي ما لم يفرغ من العمرة ، بناء على القولين في وقت نية الجمع بين الصلاتين ، فإن في ذلك قولين أحدهما : ينوي في ابتداء الأولى منهما والثاني : ينوي ما لم يفرغ من الأولى .

148


149

+ الشرح : هذا الأثر المذكور عن سعيد بن المسيب حسن رواه البيهقي بإسناد حسن ، قال أصحابنا : يجب على المتمتع الدم لقوله تعالى :

﴿ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي قال أصحابنا : ولوجوب هذا الدم شروط أحدها : أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام ، وهم من مسكنه دون مسافة القصر من الحرم ، وقيل من بينه وبين نفس مكة دون مسافة القصر ، حكاه المتولي والبغوي وآخرون من الخراسانيين ، وحكى ابن المنذر عن الشافعي قولا قديما أنه من أهله دون الميقات ، وهذا غريب ، والصحيح الأول ، وبه قطع الجمهور فإن كان على مسافة القصر فليس بحاضر بالاتفاق ، فإن كان له مسكنان أحدهما في حد القرب والآخر بعيد ، فإن كان مقامه بأحدهما فالحكم له ، فإن استوى مقامه بهما وكان أهله وماله في أحدهما دائما أو أكثر فالحكم له ، فإن استويا في ذلك وكان عزمه الرجوع إلى أحدهما فالحكم له ، فإن لم يكن له عزم فالحكم الذي خرج منه ، هكذا ذكر أصحابنا هذا التفصيل واتفقوا عليه ونص الشافعي عليه في الإملاء ، قال المحاملي : إلا المسألة الأخيرة فلم ينص عليها ، ولكن ذكرها أصحابنا واتفقوا عليها . قال الشافعي رحمه الله : ويستحب أن يريق دما بكل حال ، ولو استوطن غريب مكة فهو حاضر بلا خلاف ، وإن استوطن مكي العراق أو غيره فليس بحاضر بالاتفاق ، ولو قصد الغريب مكة فدخها متمتعا ناويا الإقامة بها بعد فراغه من النسكين أو من العمرة أو نوى الإقامة بها بعدما اعتمر فليس بحاضر ، فلا يسقط عنه الدم ، ولو خرج المكي إلى بعض الآفاق لحاجة ثم رجع وأحرم بالعمرة في أشهر الحج ، ثم حج من عامه ، لم يلزمه دم عندنا بلا خلاف ، وقال طاوس : يلزمه والله أعلم . قال الرافعي : ذكر الغزالي مسألة ، وهي من مزواضع التوقف ، قال : ولم أجدها لغيره بعد البحث ، قال الرافعي : إذا جاوز الميقات غير مريد نسكا فاعتمر عقب دخوله مكة ثم حج لم يكن متمتعا إذا صار من الحاضرين إذا ليس يشترط فيه قصد الإقامة ، قال الرافعي : وهذه المسألة تتعلق بالخلاف السابق في أن قصد مكة هل يوجب الإحرام بحج أو عمرة أم لا ثم قال ما ذكره من اعتبار اشتراط الإقامة ينازعه فيه كلام الأصحاب ونقلهم عن نصه في الإملاء والقديم ، فإنه ظاهر في اعتبار الإقامة ، بل في اعتبار الاستيطان . وفي الوسيط حكاية وجهين في صورة تدانى هذه ، وهو أنه لو جاوز الغريب الميقات وهو لا يريد نسكا ولا دخول الحرم ، ثم بدا له بقرب مكة أن يعتمر فاعتمر منه وحج بعدها على صورة التمتع هل يلزمه الدم أحد الوجهين : لا يلزمه لأنه حين بدا له كان في مسافة الحاضر وأصحهما : لا يلزمه لوجود صورة التمتع ، وهو غير معدود من الحاضرين ، هذا كلام الرافعي ، والمختار في الصورة الأولى

149


150
التي ذكرها الغزالي أنه متمتع ليس بحاضر ، بل يلزمه الدم والله أعلم . قال أصحابنا : ولا يجب على حاضري المسجد الحرام دم القران ، كما لا يجب عليه دم التمتع ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور وحكى الحناطي والرافعي وجها أنه يلزمه ، قال الرافعي : ويشبه أن يكون هذا الخلاف على وجهين حكاهما صاحب العدة أن دم القران دم جبر أم دم نسك والمذهب المعروف أنه دم جبر قلت : الذي قطع به جماهير الأصحاب أن دم التمتع ودم القران دم جبر ، وإنما القائل بأنهما دم نسك أبو حنيفة ، وقد سبق بيانه بدليله في مسألة تفضيل الإفراد على التمتع والقران . فرع : هل يجب على المكي إذا قرن إنشاء الإحرام من أدنى الحل ، كما لو أفرد العمرة أم يجوز أن يحرم من جوف مكة إدراجا للعمرة تحت الحج في الميقات كما أدرجت أفعالها في أفعاله فيه وجهان حكاهما وآخرون أصحهما : الثاني وبه قطع الأكثرون قالوا : ويجري الوجهان في الآفاقي إذا كان بمكة وأراد القران . الشرط الثاني : أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ، فلو أحرم بها وفرغ منها قبل أشهر الحج ثم حج في سنته لم يلزمه دم بلا خلاف عندنا ، وبه قال جمهور العلماء ، وقال طاوس : يلزمه ، دليلنا ما ذكره المصنف . ولو أحرم بها قبل أشهر الحج وأتى بجميع أفعالها في أشهره فقولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : نصه في الأم : لا دم والثاني : نصه في القديم و الإملاء : يجب الدم ، وقال ابن سريج : ليست على قولين بل على حالين إن أقام بالميقات محرما بالعمرة حتى دخلت أشهر الحج أو عاد إليه في أشهره محرما بها وجب الدم ، وإن جاوزه قبل الأشهر ولم يعد إليه فلا دم ولو وجد الإحرام بالعمرة وبعض أعمالها قبل أشهره فإن قلنا : لا دم إذا لم يتقدم الإحرام فهي أولى ، وإلا فوجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أصحهما : عندهم لا يجب وبه قطع العراقيون ، قال الخراسانيون : وإذا لم نوجب دم التمتع في هذه الصور ففي وجوب دم الإساءة وجهان أحدهما : يجب لأنه أحرم بالحج من مكة وأصحهما : لا . لأن المسيء من ينتهي إلى الميقات قاصدا للنسك ويجاوزه غير محرم ، وهذا جاوزه محرما . الشرط الثالث : أن تقع العمرة والحج في سنة واحدة ، فلو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم ، سواء أقام بمكة إلى أن حج أم رجع وعاد ،

150


151
وهل يشترط كون العمرة والحج جميعا في شهر واحد فيه وجهان مشهوران في الطريقتين أصحهما : باتفاق المصنفين وقطع به كثيرون منهم ، وهو قول عامة أصحابنا المتقدمين لا يشترط والثاني : يشترط انفرد به أبو علي بن خيران . الشرط الرابع : أن لا يعود إلى الميقات بأن أحرم بالحج من نفس مكة واستمر ، فلو عاد إلى الميقات الذي أحرم بالعمرة منه وإلى مسافة مثله وأحرم بالحج فلا دم بالاتفاق ، ولو أحرم به من مكة ثم ذهب إلى الميقات محرما ففي سقوطه الخلاف الذي سنذكره إن شاء الله تعالى فيمن جاوز الميقات غير محرم ثم عاد محرما ، ولو عاد إلى ميقات أقرب إلى مكة من ميقات عمرته وأحرم منه ، بأن كان ميقات عمرته الجحفة فعاد إلى ذات عرق فهل هو كالعود إلى ميقات عمرته فيه وجهان أحدهما : لا ، وعليه دم لأنه دونه وأصحهما : نعم لأنه أحرم من موضع ليس ساكنوه من حاضري المسجد الحرام قال الرافعي : وهذا اختيار القفال والمعتبرين ، وقطع الفوراني بأنه لو سافر بعد عمرته من مكة سفرا تقصر فيه الصلاة ثم حج من سنته لا دم عليه . فرع : لو دخل القارن مكة قبل يوم عرفة ثم عاد إلى الميقات فالمذهب أنه لا دم نص عليه في الإملاء ، وقطع به كثيرون أو الأكثرون وصححه الحناطي وآخرون ، وقال إمام الحرمين : إن قلنا : المتمتع إذا أحرم بالحج ثم عاد إليه لا يسقط عنه الدم فهنا أولى ، وإلا فوجهان ، والفرق أن اسم القران لا يزول بالعود بخلاف التمتع ، ولو أحرم بالعمرة من الميقات ودخل مكة ثم رجع إلى الميقات قبل طوافه فأحرم بالحج فهو قارن ، قال الدارمي في آخر باب الفوات : إن قلنا : إذا أحرم بهما جميعا ثم رجع سقط الدم فهنا أولى وإلا فوجهان . الشرط الخامس : مختلف فيه ، وهو أنه هل يشترط وقوع النسكين عن شخص واحد فيه وجهان مشهوران ، قال الخضري : يشترط ، وقال الجمهور : لا يشترط ، وهو المذهب قال أصحابنا : ويتصور فوات هذا الشرط في صور إحداها : أن يستأجره شخص لحج وآخر لعمرة الثانية : أن يكون أجيرا في عمرة فيفرغ منها ثم يحج لنفسه الثالثة : أن يكون أجرا لحج فيعتمر لنفسه ، ثم يحج للمستأجر فإن قلنا : بقول الجمهور ، قال أصحابنا : وجب نصف دم التمتع على من يقع له الحج ، ونصفه على من تقع له العغمرة ، قال الرافعي : وليس هذا الإصلاق على طاهره ، بل هو محمول على تفصيل ذكره البغوي أما : في الصورة الأولى فقال : إن أذن المستأجران في التمتع فالدم عليهما نصفان ، وإلا فعلى الأجير ، وعلى قياسه أنه إن أذن أحدهما فقط ، فالنصف على الآذن والنصف على الأجير . وأما : في الصورتين الأخيرتين فقال : إن أذن له المستأجر في التمتع فالدم عليهما نصفان ، وإلا

151


152
فالجميع على الأجير قال الرافعي : واعلم بعد هذا أمورا أحدها : أن إيجاب الدم على المستأجرين أو أحدهما مفرع على الأصح ، وهو أن دم التمتع والقران على المستأجر ، وإلا فهو على الأجير بكل حال الثاني : إذا لم يأذن المستأجران أو أحدهما في الصورة الأولى ، والمستأجر في الثالثة ، وكان ميقات البلد معينا في الإجارة أو نزلنا الإطلاق عليه ، لزمه مع دم التمتع ودم الإساءة لمجاوزة ميقات نسكه الثالث : إذا أوجبنا الدم على المستأجرين وكانا معسرين لزم كل واحد منهما صوم خمسة أيام ، لكن صوم التمتع بعضه في الحج وبعضه بعد الرجوع ، وهما لم يباشرا حجا ، وقد سبق في فروع الإجارة فيمن استؤجر ليقرن فقرن أو ليتمتع فتمتع ، وكان المستأجر معسرا وقلنا الدم خلافا بين البغوي والمتولي فعلى قياس البغوي الصوم على الأجير ، وعلى قياس المتولي هو كما لو عجز المتمتع عن الهدى والصوم جميعا ، قال الرافعي : ويجوز أن يكون الحكم كما سيأتي في المتمتع إذا لم يصم في الحج كيف يقضي فإذا أوجبنات التفريق فتفريق الخمسة بنسبة الثلاثة والسبعة بعض القسمين ، فيكملان ويصوم كل واحد منهما ستة أيام ، وقس على هذا ما إذا أوجبنا الدم في الصورتين الأخيرتين على الأجير والمستأجر . وأما : إذا قلنا بقول الخضري : فإذا اعتمر عن المستأجر ثم حج عن نفسه ففي كونه مسيئا الخلاف السابق فيمن اعتمر قبل شهر الحج ، ثم حج من مكة ، لكن الأصح هنا أنه مسيء لإمكان الإحرام بالحج حين حضر الميقات ، قال الإمام : فإن لم يلزم الدم ففوات هذا الشرط لا يؤثر إلا في فوات فضيلة التمتع في قولنا إنه أفضل من الإفراد وإن ألزمناه الدم فله أثران أحدهما : هذا والثاني : أن المتمتع لا يلزمه العود إلى الميقات ، وإذا عاد وأحرم منه سقط عنه الدم بلا خلاف ، والمسيء يلزمه العود ، وإذا عاد ففي سقوطه الدم عنه خلاف ، وأيضا فالدمان يختلف بدلهما ، والله أعلم . الشرط السادس : مختلف فيه أيضا ، وهو نية التمتع ، وفي اشتراطها وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : لا يشترط منا لا يشترط فيه القران ، فإن شرطناها ففي وقتها ثلاثة أوجه حكاها الدارمي وآخرون أحدها : حالة الإحرام بالعمرة والثاني : وهو الأصح ما لم يفرغ من العمرة وهذان الوجهان في الكتاب والثالث : ما لم يشرع في الحج ، وقد سبق مثل هذه الأوجه في الجمع بين الصلاتين . الشرط السابع : أن يحرم

152


153
بالعمرة من الميقات ، فلو جاوز مريدا للنسك ثم أحرم بها فقد نص الشافعي أنه ليس عليه دم التمتع ، بل يلزمه دم الإساءة ، فقال جماعة من الأصحاب بظاهر النص ، وقال الأكثرون : هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكة دون مسافة القصر ، فإن بقيت مسافة القصر فعليه الدمان معا ، ومما يؤدي هذا أن صاحبي البيان والشامل ذكرا عن الشيخ أبي حامد أنه حكي عن نص الشافعي في القديم أنه إذا مر بالميقات فلم يحرم حتى بقي بينه وبين مكة دون مسافة القصر ثم أحرم بالعمرة ، فعليه دم الإساءة بترك الميقات ، وليس عليه دم التمتع ، لأنه صار من حاضري المسجد الحرتم . فرع : قال أصحابنا : هذه الشروط السبعة معتبرة لوحوب الدم وفاقا وخلافا ، وهل يعتبر في تسميته ومتمتعا فيه وجهان مشهوران حكاهما صاحب العدة والبيان وآخرون أحدهما : يعتبر ، فلو فاته شرط كان مفردا والثاني : لا يعتبر ، بل يسمى متمتعا متى أحرم بالعمرة في أشهر الحج وحج من عامه واختلفوا في الأرجح منهما فقال صاحب العدة والبيان : قال الشيخ أبو حامد : لا يعتبر ، وقال القفال : يعتبر وذكر أنه نص الشافعي ، وبه قطع الدارمي ، وقال الرافعي : الأشهر أنه لا يعتبر ، قال : ولهذا قال الأصحاب : يصح التمتع والقران من المكي خلافا لأبي حنيفة قلت : الأصح لا يعتبر لما ذكره الرافعي . فرع : إذا اعتمر المتمتع ولم يرد العود إلى الميقات لزمه أن يحرم الحج من نفس مكة ، وهي في حقه كهي في حق المكي ، وأما الموضع الذي هو أفضل للإحرام ، وإحرامه من خارج مكة أو خارج الحرم ، من غير عود إلى الميقات ، ولا إلى مسافته فحكمه كله كما سنذكره في باب مواقيت الحج ، في المكي إذا فعل ذلك إن شاء الله تعالى ، وإذا اقتضى الحال وجوب دم الإساءة وجب أيضا مع دم التمتع ، حتى لو خرج بعد تحلله من العمرة إلى الحل وأحرم من طرفه بالحج ، فإن عاد إلى مكة محرما قبل وقوفه بعرفات لزمه دم التمتع دون الإساءة ، وإن ذهب إلى عرفات ولم يعد إلى مكة قبل الوقوف فالصحيح الذي عليه الأصحاب أنه يلزمه دمان ، دم التمتع ودم الإساءة ، وحكى ابن الصباغ هذا عن الأصحاب ثم قال : وفيه نظر . وينبغي أن يلزمه دم واحد للتمتع لأن دم التمتع وجب لترك الإحرام بالحج من ميقات بلده ، ولا فرق بين أن يترك منه مسافة قليلة أو كثيرة ، وإن أحرم من موضع من الحرم خارج مكة ولم يعد إلى مكة ، فهل هو كمن أحرم من مكة أم كمن أحرم من الحل قال صاحب الشامل والبيان : فيه وجهان : وقيل قولان أحدهما : كمكة لأنهما سواء في الإحرام ، وتحريم الصيد وغيره والثاني : كالحل لأن مكة

153


154
صارت ميقاته فهو كمن لزمه الإحرام من قريته التي بين مكة والميقات فجاوزها وأحرم ، وهذا الثاني أصح . فرع : قال صاحب البيان : قال الشافعي في القديم : إذا حج رجل لنفسه من ميقات في شهر الحج ، فلما تحلل منه أحرم بالعمرة عن نفسه من أدنى الحل ، أو تمتع أو قرن لنفسه من الميقات ، ثم اعتمر عن نفسه من أدنى الحل ، لم يلزمه عن العمرة المتأخرة دم ، وكذا لو أفرد عن غيره فحج ثم اعتمر عنه من أدنى الحل ، أو تمتع أو قرن عن زيد ثم حرم عنه بالعمرة من أدنى الحل ، لم يجب عليه إلا دم القران والتمتع ، قال : فأما إذا اعتمر عن نفسه من الميقات ثم حج عن غيره من مكة ، أو حج عن نفسه من الميقات ثم اعتمر عن غيره من أدنى الحل ، فعليه الدم خلافا لأبي حنيفة . دليلنا أن الإحرامين إذا كانا عن شخصين وجب فعلهما من الميقات ، فإذا ترك الميقات في أحدهما لزم الدم كمن مر بالميقات مريدا للنسك . وإن أحرم بعد مجاوزته قال صاحب البيان : وعلى قياس هذا إذا أحرم الأجير بالعمرة من الميقات عن المستأجر ، وتحلل منها ، ثم أقام يعتمر عن نفسه من أدنى الحل ، ثم أحرم بالحج من مكة عن المستأجر لزمه الدم للعمرة التي أحرم بها عن نفسه من أدنى الحل ، ولا يلزم الدم لما بعدها من العمر لأن الواجب عليه أن يحرم عن نفسه من الميقات بنسك واحد . هذا آخر كلام صاحب البيان . فرع : إذا فرغ المتمتع من أفعال العمرة صار حلالا ، وحل له الطيب واللباس والنساء وكل محرمات الإحرام ، سواء كان ساق الهدي أم لا ، هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا ، وبه قال مالك . وقال أبو حنيفة وأحمد : إن لم يكن معه هدى تحلل كما قلنا ، فإن كان معه هدى لم يجز أن يتحلل ، بل يقيم على إحرامه حتى يحرم بالحج ويتحلل منهما جميعا ، لحديث حفصة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله : ما شأن الناس حلوا لعمرة ولم تحل أنت من عمرتك قال : إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر رواه البخاري ومسلم . واحتج أصحابنا بأنه متمتع أكمل أفعال عمرته فتحلل ، كمن لم يكن معه هدي وأما : حديث حفصة فلا حجة لهم فيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفردا أو قارنا كما سبق إيضاحه . ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وقد سبق بيانه ، فإن قيل : فقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بحجة ، حتى قدمنا مكة

154


155
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل ، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يتحلل ، حتى ينحر هديه ، ومن أهل بحجة فليتم حجه فالجواب أن هذه الرواية مختصرة من روايتين ذكرهما مسلم قبل هذه الرواية وبعدها ، قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان معه هدى فليهلل بالحج من العمرة ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا فهذه الرواية مفسرة للأولى ، ويتعين هذا التأويل ، لأن القصة واحدة فصحت الروايات . فرع : إذا تحلل المتمتع من العمرة استحب له أن لا يحرم بالحج إلا يوم التروية ، وهو الثامن من ذي الحجة ، هذا إن كان واجد الهدي ، وإن كان عادمه استحب له تقديم الإحرام بالحج قبل اليوم السادس ، لأن فرضه الصوم ، ولا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج ، وواجبه ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ، ويستحب أن لا يصوم يوم عرفة فيتعين ثلاثة أيام قبله . وهي السادس والسابع والثامن ، هذا مذهبنا وثبت ذلك في الصحيحين عن ابن عمر من فعله ، وبه قال بعض المالكية وآخرون ، منهم عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وابن المنذر وآخرون وقال مالك وآخرون : الأفضل أن يحرم من أول ذي الحجة ، سواء كان واجدا للهدي أم لا ، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وأبي ثور ونقله القاضي عن أكثر الصحابة والعلماء والخلاف في الاستحباب ، فكلاهما جائز بالإجماع . دليلنا ما ثبت عن جابر رضي الله عنه أنه قال : حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ساق الهدى معه يعني حجة الوداع وقد أهلوا بالحج مفردا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحلوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت ، وبين الصفا والمروة وقصروا وأقيموا حلالا ، حتى إذا كان يوم التروية فأهلوا بالحج واجعلوا التي قدمتم بها متعة وفي رواية قال : تحللنا فوافقنا النساء وتطيبنا ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال ، ثم أهللنا يوم التروية يعني بالحج وفي رواية : فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وفي رواية : حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج وفي رواية : أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم لما أهللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى . هذه الروايات كلها في صحيح مسلم وبعضها في البخاري أيضا .

155


156
وثبت في الصحيحين عن ابن عمر : أنه كان إذا كان بمكة يحرم بالحج يوم التروية فقال له عبيد ابن جريج في ذلك فقال : إني لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته قال العلماء : أجابه ابن عمر بضرب من القياس حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسألة بعينها ، فاستدل بما في معناه ووجه قياسه أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحرم عند الشروع في أفعال الحج والذهاب إليه فأخر ابن عمر الإحرام إلى حال شروعه في الحج والذهاب وتوجهه إليه وهو يوم التروية لأنهم حينئذ يخرجون من مكة إلى منى والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في مسائل سبقت منها : إذا أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج وفعل أفعالها في أشهره فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه ليس عليه دم التمتع ، وبه قال جابر بن عبد الله وقتادة وأحمد وإسحق وداود والجمهور ، وقال الحسن والحكم وابن شبرمة يلزمه ومنها : إذا عاد المتمتع لإحرام الحج إلى الميقات سقط عنه دم التمتع عندنا . وقال أبو حنيفة : لا يسقط ومنها : حاضر المسجد الحرام عندنا من كان في المسجد الحرام ، أو بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، وقال ابن عباس وطاوس ومجاهد والثوري : هو من كان بالحرم خاصة ، وقال مالك : هم أهل مكة وذي طوى وقال مكحول : هم من كان أهله دون الميقات ، وحكاه ابن المنذر عن نص الشافعي في القديم . وقال محمد بن الحسن : هو من كان من أهل الميقات أو دونه ومنها : قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن من أهل بعمرة في أشهر الحج أن يدخل عليها الحج ، ملا لم يفتتح الطواف بالبيت ، قال : واختلفوا في إدخاله عليها بعد افتتاح الطواف فجوزه مالك ومنعه عطاء والشافعي وأبو ثور ، وقال : واختلفوا في إدخال العمرة على الحج فقال أصحابنا : يجوز ويصير قارنا ، وعليه دم القران . وهو قول قديم للشافعي ومنعه الشافعي في مصر ، ونقل منعه عن أكثر من لقيه . قال ابن المنذر وبقول مالك أقول ومنها : وقال : ابن المنذر أجمع العلماء على أن من دخل مكة بعمرة في أشهر الحج مريدا للمقام بها ثم حج من مكة

156


157
أنه متمتع ، يعني وعليه الدم ومنها : إذا خرج المكي إلى بعض الآفاق لحاجة ثم عاد وأحرم بالعمرة منه أو من ميقاته وحج من عامه فلا دم عليه عندنا ، وقال طاوس : يجب .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب دم التمتع بالإحرام بالحج لقوله تعالى :

﴿ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ولأن شرائط الدم إنما توجد بوجود الإحرام بالحج ، فوجب أن يتعلق الوجوب به ، وفي وقت جوازه قولان أحدهما : لا يجوز قبل أن يحرم بالحج ، لأن الذبح قربة تتعلق بالبدن فلا يجوز قبل وجوبها كالصوم والصلاة والثاني : يجوز بعد الفراغ من العمرة ، لأنه حق مال يجب بسببين ، فجاز تقديمه على أحدهما كالزكاة بعد ملك النصاب .

+ الشرح : قوله : يتعلق بالبدن احتراز من الزكاة وقوله : حق مال احتراز من الصلاة والصوم وقوله : يجب بسببين احتراز من حق مال يجب بسبب واحد ككفارة الجماع في نهار رمضان وغيرها مما قدمنا بيانه في آخر باب تعجيل الزكاة . أما حكم المسألة : فقد سبق أن دم التمتع واجب بإجماع المسلمين ، ووقت وجوبه عندنا الإحرام بالحج بلا خلاف وأما : وقت جوازه فقال أصحابنا : لا يجوز قبل الشروع في العمرة بلا خلاف ، لأنه لم يوجد له سبب ، ويجوز بعد الإحرام بالحج بلا خلاف ولا يتوقف بوقت كسائر دماء الجبران ، لأن الأفضل ذبحه يوم النحر ، وهل تجوز إراقته بعد التحلل من العمرة وقبل الإحرام بالحج فيه قولان مشهوران ، وحكاهما جماعة وجهين ، والمشهور قولان ، وذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : الجواز فعلى هذا هل يجوز قبل التحلل من العمرة فيه طريقان أحدهما : لا يجوز قطعا ، وهو مقتضى كلام المصنف وكثيرين ، ونقله صاحب البيان عن أصحابنا العراقيين ، ونقل الماوردي اتفاق الأصحاب عليه والثاني : فيه وجهان أصحهما : لا يجوز والثاني : يجوز لوجود بعض السبب ، حكاه أصحابنا الخراسانيون وصاحب البيان ، فالحاصل في وقت جوازه ثلاثة أوجه أحدها بعد الإحرام بالعمرة وأصحها : بعد فراغها والثالث : بعد الإحرام بالحج . فرع : في مذاهب العلماء في وقت وجوب دم التمتع . ذكرنا أن مذهبنا وجوبه بالإحرام بالحج ، وبه قال أبو حنيفة وداود ، وقال عطاء : لا يجب حتى يقف بعرفات وقال

157


158
مالك : لا يجب حتى يرمي حمرة العقبة وأما : جوازه فذكرنا أنه يجوز عندنا بعد الإحرام بالحج بلا خلاف ، وفيما قبله خلاف . وقال مالك وأبو حنيفة : لا يجوز قبل يوم النحر ، واستدل أصحابنا بقوله تعالى :

﴿ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ومعناه فعليه ما استيسر ، وبمجرد الإحرام يسمى متمتعا فوجب الدم حينئذ ، ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله كقوله تعالى :

﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ولأن شروط التمتع وجدت فوجب الدم والله أعلم . قال العلماء : قوله تعالى :

﴿ فمن تمتع بالعمرة أي بسبب العمرة ، لأنه إنما يتمتع بمحظورات الإحرام بين الحج والعمرة ، بسبب العمرة قالوا : والتمتع هنا التلذذ والانتفاع ، يقال : تمتع به أي أصاب منه وتلذذ به ، والمتاع كل شيء ينتفع به والله أعلم ، واحتج به مالك وأبو حنيفة في أن دم التمتع لا يجوز قبل يوم النحر بالقياس على الأضحية . واحتج أصحابنا عليهما بالآية الكريمة ، ولأنهما وافقا على جواز صوم التمتع قبل يوم النحر ، أعني صوم الأيام الثلاثة ، فالهدي أولى ، ولأنه دم جبران فجاز بعد وجوبه وقبل يوم النحر كدم فدية الطيب واللباس وغيرهما ، ويخالف الأضحية لأنه منصوص على وقتها والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : دم التمتع شاة صفتها صفة الأضحية ، قال أصحابنا ، ويقوم مقامها سبع بلدنة أو سبع بقرة .

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن لم يكن واجدا للهدى في موضعه انتقل إلى الصوم ، وهو صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ، لقوله تعالى :

﴿ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة فأما صوم ثلاثة أيام في الحج فلا يجوز قبل الأحرام بالحج ، لأنه صوم واجب ، فلا يجوز قبل وجوبه كصوم رمضان ، ويجوز بعد الإحرام بالحج إلى يوم النحر ، والمستحب أن يفرغ منه قبل يوم عرفة فإنه يكره للحاج صوم يوم عرفة ، وهل يجوز صيامها في أيام التشريق فيه قولان ، وقد ذكرناهما في كتاب الصيام وأما : صوم السبعة ففيه قولان ، قال في حرملة :

158


159
لا يجوز حتى يرجع إلى أهله ، لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان معه هدي فليهد ، ومن لم يكن فصيام ثلاثة أيام في الحج ، وسبعة إذا رجع إلى أهله وقال في الإملاء : يصوم إذا أخذ في السير خارجا من مكة لقوله تعالى : وسبعة إذا رجعتم وابتداء الرجوع إذا ابتدأ بالسير من مكة ، فإذا قلنا بهذا ففي الأفضل قولان أحدهما : الأفضل أن يصوم بعد الابتداء بالسير لأن تقديم العبادة في أول وقتها أفضل والثاني : الأفضل أن يأخر إلى أن يرجع إلى الوطن ليخرج من الخلاف فإن لم يصم الثلاثة حتى رجع إلى أهله لزمه صوم عشرة أيام . وهل يشترط التفريق بينهما وجهان أحدهما : ليس بشرط لأن التفريق وجب بحكم الوقت ، وقد فات فسقط ، كالتفريق بين الصلوات والثاني : إنه يشترط وهو المذهب ، لأن ترتيب أحدهما على الآخر لا يتعلق بوقت فلم يسقط بالفوات كترتيب أفعال الصلاة فإن قلنا : بالوجه الأول صام عشرة أيام كيف شاء وإن قلنا : بالمذهب فرق بينهما بمقدار ما وجب التفريق بينهما في الأداء .

+ الشرح : أما حديث جابر فرواه البيهقي من رواية جابر بإسناد جيد ، ورواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ هذا . وأما أحكام الفصل : فقال أصحابنا : إذا وجد المتمتع الهدي في موضعه لم يجز له العدول إلى الصوم لقوله تعالى :

﴿ فمن لم يجد وهذا مجمع عليه ، فإن عدم الهدي في موضعه لزم صوم عشرة أيام ، سواء كان له مال غائب في بلده أو غيره ، أو لم يكن ، بخلاف الكفارة فإنه يشترط في الانتقال إلى الصوم فيها العدم مطلقا ، والفرق أن بدل الدم مؤقت بكونه في الحج ولا توقيت في الكفارة ولأن الهدي يحتص ذبحه بالحرم بخلاف الكفارة ، قال أصحابنا : فإن وجد الهدي وثمنه لكنه لا يباع إلا بأكثر من ثمن المثل فهو كالمعدوم ، فله الانتقال إلى الصوم ولو وجد الثمن وعدم الهدي في الحال وعلم أنه يجده قبل فراغ الصوم هل يجوز الاتنقال إلى الصوم فيه قولان حكاهما البغوي أصحهما : الجواز وهو مقتضى كلام الجمهور ، وسبق مثل هذا الخلاف في التيمم . قال البغوي : ولو كان يرجو الهدي ولا يتيقنه جاز الصوم ،

159


160
وهل يستحب انتظار الهدى فيه قولان كالتيمم ، قال : فإن لم يجد هديا لم يجز تأخير الصوم لأنه مضيق ، كمن عدم الماء يصلي بالتيمم ولا يجوز التأخير بخلاف جزاء الصيد ، فإنه يجوز تأخيره إذا غاب ماله ، لأنه يقبل التأخير ككفارة القتل والجماع والله أعلم . ثم الصوم الواجب يقسم ثلاثة وسبعة ، فالثلاثة يصومها في الحج ، ولا يجوز تقديمها على الإحرام بالحج ، ولا يجوز صوم شيء منها يوم النحر ، وفي أيام التشريق قولان سبقا في كتاب الصيام ، ويستحب صوم جميع الثلاثة قبل يوم عرفة ، لأنه يستحب للحاج فطر يوم عرفة وأما : قول المصنف : يكره صومه فخلاف عبارة الجمهور كما سبق في بابه ، وإنما يمكنه هذا إذا تقدم إحرامه بالحج على اليوم السادس من ذي الحجة . وقال أصحابنا : يستحب للمتمتع الذي هو من أهل الصوم أن يحرم بالحج قبل السادس . وحكى الحناطي وجها أنه إذا لم يتوقع هديا وجب تقديم الإحرام بالحج على السابع ، ليمكنه صوم الثلاثة قبل يوم النحر والمذهب : أنه مستحب لا واجب وأما : واجب الهدي فيستحب أن يحرم بالحج يوم التروية ، وهو الثامن من ذي الحج ، وقد سبق بيانه قريبا ولا يجوز تأخير الثلاثة ولا شيء منها عن يوم عرفة ، نص عليه الشافعي في المختصر ، وتابعه الأصحاب ، ودليله قوله تعالى :

﴿ ثلاثة أيام في الحج . قال أصحابنا : وإذا فات صوم الثلاثة في الحج لزمه قضاؤها ، ولا دم عليه ، وخرج ابن سريج وأبو إسحاق المروزي قولا أنه يسقط الصوم ويستقر الهدي في ذمته ، حكاه الشيخ أبو حامد والماوردي وآخرون عن أبي إسحاق ، وحكاه المحاملي وابن الصباغ وآخرون عنهما ، والمذهب الأول ، قال أصحابنا : ويحصل فواتها بفوات يوم عرفة إن قلنا : لا يجوز صوم أيام التشريق ، وإن جوزناه حصل الفوات بخروج أيام التشريق ، ولا خلاف أنها تفوت بخروج أيام التشريق حتى لو تأخر طواف الزيارة عن أيام التشريق كان يعد قي الحج ، وكان صوم الثلاثة بعد التشريق قضاء وإن بقى الطواف ، لأن تأخيره بعيد في العادة فلا يحمل على قول الله تعالى ثلاثة في الحج : هكذا ذكره إمام الحرمين وآخرون ، وحكى البغوي فه وجها آخر ، قال أصحابنا : فإن قلنا : أيام التشريق يجوز له صومها فصامها كان صومها أداء والله أعلم . وأما : السبعة فوقتها إذا رجع ، وفي المراد بالرجوع قولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : عند الأصحاب الرجوع إلى أهله

160


161
ووطنه ، نص عليه الشافعي في المختصر وحرملة والثاني : أنه الفراغ من الحج ، وهو نصه في الإملاء فإذا قلنا : بالوطن فالمراد به كل ما يقصد استيطانه بعد فراغه من الحج ، سواء كان بلده الأول أم غيره . قال أصحابنا : فلو أراد أن يتوطن مكة بعد فراغه من الحج صام بها ، وإن لم يتوطنها لم يصح صومه بها ، وهل يجوز في الطريق وهو متوجه إلى وطنه فيه طريقان أصحهما : القطع بأنه لا يجوز ، وبه قطع العراقيون والثاني : فيه وجهان أصحهما : لا يجوز ، لأنه قبل وقته والثاني : يجوز ، لأنه يسمى راجعا . حكاه الخراسانيون . وإن قلنا : المراد بالرجوع الفراغ فأخره حتى رجع إلى وطنه جاز ، وهل هو أفضل أم التقديم فيه قولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : التأخير أفضل ، ولا يجوز صوم شيء من السبع في أيام التشريق ، وإن جوزنا صيامها لغيره فهذا لا خلاف فيه ، لأنه لا يسمى راجعا ، ولأنه يعد في الحجج وإن تحلل . وحكى الخراسانيون قولا أن المراد بالرجوع الرجوع إلى مكة من منى ، وجعل إمام الحرمين والغزالي هذا قولا غير قول الفراغ من الحج ، قال الرافعي : ومقتضى كلام كثير من الأصحاب أنهما شيء واحد ، قال : وهو الأشبه ، قال : وعلى تقدير كونه قولا آخر يتفرع عليه أنه لو رجع من منى إلى مكة صح صومه ، وإن تأخر طواف الوداع ، وهذا الذي قاله الرافعي عجب ، فإن الرجوع إلى مكة غير الفراغ فقد يفرغ ويتأخر عن مكة يوما أو أياما بعد التشريق . وذكر الماوردي خلافا في معنى نصه في الإملاء قال : قال أصحابنا البصريون : مذهبه في الإملاء أنه يصومها بعد رجوعه من مكة إلى وطنه ، ولا يجوز صومها في مكة قبل خروجه ، قال : أصحابنا البغداديون : مذهبه في الإملاء أنه يصومها إذا رجع إلى مكة من منى بعد فراغ مناسكه ، سواء أقام بمكة أو خرج منها ، وهذا الخلاف الذي حكاه الماوردي حكاه أيضا صاحب الشامل وآخرون فحصل في المراد بالرجوع أربعة أقوال : أصحهما : إذا رجع إلى أهله والثاني : إذا توجه من مكة راجعا إلى أهله والثالث : إذا رجع من منى إلى مكة والرابع : إذا فرغ من أفعال الحج وإن لم يرجع إلى مكة والله أعلم . وأما : من بقي عليه طواف الإفاضة فلا يجوز صيامه ، سواء قلنا : الرجوع إلى أهله أم الفراغ ، سواء كان بمكة أو في غيرها ، وحكى الدارمي فيه وجها ضعيفا أنه يجوز إذا قنا الرجوع الفراغ . قال أصحابنا : وإذا لم يصم الثلاثة في الحج ورجع ، لزمه صوم العشرة ، فالثلاثة قضاء والسبعة أداء ، وفي الثلاثة القول المخرج السابق أنه لا يصومها ، بل تستقر الهدي في ذمته ، فعلى المذهب هل يجب التفريق بين الثلاثة والسبعة فيه قولان ، وقيل

161


162
وجهان ، وهما مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : عند المصنف والجمهور : يجب ، قال صاحب الشامل : وهذا الوجه قال أكثر أصحابنا ، ممن صرح بتصحيحه المصنف والماوردي وأصحهما : عند إمام الحرمين لا يجب فعلى الأول هل يجب التفريق بقدر ما يكون تفريق الأداء فيه قولان أحدهما : لا ، بل يكفي التفريق بيوم ، نص عليه الشافعي في الإملاء وبه قال أبو سعيد الإصطخري وأصحهما : يجب ، وفي قدره أربعة أقوال تتولد من أصلين سبقا ، وهما صوم المتمتع أيام التشريق ، وأن الرجوع من ماذا . فإن قلنا : بالأصح إن المتمتع ليس له صوم أيام التشريق ، وأن الرجوع رجوعه إلى الوطن فالتفريق بأربعة أيام ، ومدة إمكان السير إلى أهله على العادة الغالبة ، وبهذاا حزم المصنف وغيره وإن قلنا : له صومها ، والرجوع هو الرجوع إلى الوطن ، فالتفريق بمدة إمكان السير فقط وإن قلنا : له صومها والرجوع الفراغ فوجهان أصحهما : لا يجب التفريق ، لأنه ليس في الأداء تفريق ، وبه قطع صاحبا الشامل والبيان والثاني : يجب التفريق بيوم ، لأن التفريع كله على وجوب التفريق . فإن أردت اختصار الأقوال التي تجيء فيمن لم يصم الثلاثة في الحج كانت ستة إحداها : لا صوم بل ينتقل إلى الهدي والثاني : عليه صوم عشرة أيام متفرقة أو متتابعة والثالث : عشرة ويفرق بيوم فصاعدا والرابع : يفرق بأربعة فقط والخامس : يفرق بمدة إمكان السير والسادس : بأربعة ومدة إمكان السير ، وهذا أصحها فلو صام عشرة متوالية وقلنا بالمذهب : وهو وجوب قضاء الثلاثة أجزأه إن لم نشترط التفريق ، فإن شرطناه واكتفينا بالتفريق بيوم لم يعتد باليوم الرابع ، ويستحب ما بعده ، فيصوم يوما آخر ، هذا هو الصحيح المشهور ، وفي وجه لا يعتد بشيء سوى الثلاثة حكاه الفوراني وآخرون ، وفي وجه الإصطخري لا يعتد بالثلاثة أيضا إذا نوى السابع ، وهما شاذان ضعيفان ، وممن حكى هذا الأخير الدارمي والمارودي والرافعي وآخرون . قال الماوردي : هذا الذي قاله الإصطخري غلط فاحش ، لأن تفريق الصوم ومتابعته يتعلق بالفعل لا بالنية ، ولأن فساد بعض الأيام لا يلزم منه فساد غيره فلا يجوز إفساد الثلاثة لفساد السبعة ، قال أصحابنا : وإن شرطنا التفريق بأكثر من يوم لم يعتد بذلك القدر . هكذا ذكر الأصحاب هذا التفصيل وقال صاحب البيان بعد أن نقل هذا عن الأصحاب : ينبغي أن يقال في القول الأخير يفرق بقدر مدة السير وثلاثة أيام لا أربعة ، وفي القول الخامس بقدر مدة السير إلا يوما ، واستدل له بما لا دلالة فيه . قال صاحب الشامل والأصحاب : قال الشافعي في الإملاء : أقل ما يفرق بينهما بيوم ، قالوا : واختلف أصحابنا في معناه فقال أبو إسحق : هذا تفريع

162


163
على جواز صيام أيام التشريق عن كل صوم له سبب ، لأنه كان يمكنه أن يفرغ من الثلاثة يوم عرفة ويفطر يوم النحر ، ثم يصوم التشريق عن سبعة . قال صاحب الشامل : وهذا الوجه خطأ فاحش من قائله ، لأن صوم السبعة لا يجوز في أيام التشريق بالإجماع ، لأنه إنما يجوز بعد فراغ الحج أو بعد الرجوع إلى أهله ، ومن أصحابنا من قال : هذا قول للشافعي مستقل ليس مبنيا على شيء ، لأن الله تعالى أمر بالتفريق بينهما والتفريق يحصل بيوم ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : كل واحد من صوم الثلاثة والسبعة لا يجب التتابع فيه ، لكي يستحب ، هكذا صرح به صاحب الشامل والجمهور ، وقال الدارمي : في وجوب التتابع في كل واحد منهما وجهان ، وحكى الماوردي والرافعي وغيرهما في وجوب التتابع قولا مخرجا من كفارة اليمين ، وهو شاذ ضعيف والمذهب ما سبق . فرع : ينوي بهذا الصوم صوم التمتع ، وإن كان قارنا نوى صوم القران ، وإذا صام الثلاثة في الحج والسبعة بعد الرجوع لم يلزمه نية التفرقة . هذا هو المذهب ، وحكي الدارمى فيه طريقين أحدهما : هذا والثاني : في وجوبه وجهان حكاه عن حكاية ابن القطان ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن دخل في الصوم ثم وجد الهدي فالأفضل أن يهدي ولا يلزمه ، وقال المزني : يلزمه كالمتيمم إذا رأى الماء وإن وجد الهدي بعد الإحرام بالحج وقبل الدخول في الصوم ، فهو مبني على الأقوال الثلاثة في الكفارات أحدها : إن الاعتبار بحال الوجوب ففرضه الصوم والثاني : الاعتبار بحال الأداء ففرضه الهدي والثالث : الاعتبار بأغلط الحالين ففرضه الهدى .

+ الشرح : قال الشافعي والأصحاب : إذا شرع في صوم التمتع الثلاثة أو السبعة ثم وجد الهدي لم يلزمه ، لكن يستحب أن يهدي ، وبمذهبنا قال مالك وأحمد وداود ، وقال المزني : يلزمه ، وقال أبو حنيفة : يلزمه إن وجده في الثلاثة ولا يلزمه في السبعة ، والخلاف شبيه بالخلاف بين الشافعي وبينهما في رؤية المسافر في أثناء صلاته بالتيمم ، وسبق بيانه بدلائله ، وإن أحرم بالحج ولا هدي ثم وجده قبل شروعه في الصوم قال المصنف والأصحاب : ينبنى على أن الاعتبار في الكفارة بماذا وفيها الأقوال التي

163


164
ذكرها المصنف وأصحها : الاعتبار بوقت الأداء فيلزمه الهدي ، وهو نص الشافعي في هذه المسألة .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجب على القارن دم لأنه روى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم ، ولأنه إذا وجب على المتمتع لأنه جمع بين النسكين في وقت أحدهما فلأن يجب على القارن وقد جمع بينهما في الإحرام أولى ، وإن لم يجد الهدي فعليه صوم التمتع ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع على ما بيناه .

+ الشرح : قال الشافعي والأصحاب : يلزمن القارن دم بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، فإن لم يجد الهدي فعليه صوم التمتع كما سبق تفصيله وتفريعه وهذا الدم شاة كدم التمتع كما سبق . هكذا ذكره الشافعي والأصحاب في جميع الطرق إلا الحناطي والرافعي ، فحكيا قولا قديما أنه بدنة ، وهو مذهب الشافعي . وقال طاوس وحكاه العبدري عن الحسن ابن علي وابن سريج وهو مذهب داود وابنه أبي بكر محمد بن داود : لا دم عليه ، وبالشاة قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء ، قال العبدري : هو قول العلماء كافة سوى من ذكرنا . وقال الشافعي في المختصر : القارن أخف حالا من المتمتع ، قال أصحابنا : يحتمل أنه أراد بهذا الرد على الشعبي لأن القارن أحرم بالنسكين من الميقات بخلاف المتمتع فإذا كفى المتمتع شاة فالقارن أولى ، قالوا : ويجتمل أنه رد على طاوس لأن القارن أقل فعلا من المتمتع ، فإذا لزم المتمتع الدم فالقارن أولى ، وهذان التأويلان مشهوران ذكرهما القاضي أبو الطيب في كتابيه ، والمارودي والمحاملي وابن الصباغ وسائر شراح المختصر ، قال الماوردي : التأويل الأول هو نصه في القديم والثاني هو نصه في الجديد . فرع : قال الشافعي في المختصر : فإن مات المتمتع قبل أن يصوم عما فاته صومه عن كل يوم بمد من حنطة ، هذا نصه ، وقال في الأم إذا أحرم المتمتع بالحج لزمه الهدي ، فإن لم يجد فعليه الصيام ، فإن مات من ساعته ففيه قولان أحدهما : يهدي عنه

164


165
والثاني : لا هدي ولا إطعام . هذا نصه في الأم ، قال أصحابنا في شرح هذه المسألة : إذا مات المتمتع بعد فراغه من الحج وهو واجد للهدي ، ولم يكن أخرجه وجب إخراجه من تركته بلا خلاف كسائر الديون المستقرة ، وإن مات في أثناء الحج فقولان مشهوران أصحهما : لا يسقط الدم لأنه وجب بالإحرام بالحج فلا يسقط ، فيجب إخراجه من تركته ، كما لو مات وعليه دم الوطء في الإحرام أو دم اللباس وغيره والثاني : يسقط لأنه إنما يجب بالتمتع لتحصيل الحج ، ولم يحصل الحج بتمامه . هكذا أطلق الجمهور صورة القولين فيما إذا مات قبل فراغ الحج وهو موسر ، وذكرهما الماوردي فيمن مات قبل فراغ أركان الحج إشارة إلى أنه لو مات بعد فراغ الأركان وقد بقي الرمى والمبيت لزم الدم قولا واحدا ، وهذا هو الصواب ، وكلام الأصحاب محمول عليه ، لأن الحج قد حصل . هذا كله فيمن مات وهو واجد الهدي ، فإن مات معسرا فقد مات وفرضه الصوم قال أصحابنا : فإن مات قبل تمكنه منه فقولان أصحهما : يسقط لعدم التمكن كصوم رمضان والثاني : يهدي عنه ، قال أصحابنا : وهذا القول يتصور فيما إذا لم يجد الهدي في موضعه ، وله في بلده مال أو وجده بأكثر من ثمن مثله ، فأما إذا لم يكن له مال أصلا ولم يتمكن من الصوم فيسقط عنه قطعا ، وإن تمكن من الصوم فلم يصم حتى مات ، فهل هو كصوم رمضان فيه طريقان أصحهما : نعم فيصوم عنه وليه على القول القديم ، وفي الجديد يطعم عنه من تركته لكل يوم مد ، فإن كان تمكن من الأيام العشرة وجب عشرة أمداد ، وإلا فبالقسط ، وهل يتعين صرفه إلى فقراء الحرم ومساكينه فيه قولان حكاهما الماوردي وآخرون أحدهما : يتعينون ، فإن فرقت على غيرهم لم يجز ، لأنه مال وجب بالإحرام فتعين لأهل الحرم كالدم وأصحهما : لا يتعينون ، بل يستحب صرفه إليهم فإن صرف إلى غيرهم جاز ، لأن هذا الإطعام بدل عن الصوم الذي لا يختص بالحرم فكذا بدله . والطريق الثاني : لا يكون كصوم رمضان ، فعلى هذا فيه قولان أصحهما : الرجوع إلى الدم لأنه أقرب إلى هذا الصوم من الأمداد ، فيجب في ثلاثة أيام إلى العشرة شاة ، وفي يوم ثلث شاة ، وفي يومين ثلثاها ، وأشار أبو إسحق المروزي إلى أن اليوم واليومين كإتلاف المحرم شعرة أو شعرتين وفي الشعرة ثلاثة أقوال مشهورة أحدها : مد والثاني : درهم والثالث : ثلث شاة ، وغلط أصحابنا أبا إسحق في هذا ، ونقل تغليطه عن الأصحاب صاحب الشامل وغيرهم والقول الثاني : لا يجب شيء أصلا ، وأما المتمكن المذكور فصوم الثلاثة يتمكن منه بأن يحرم بالحج في زمن يسع صومها قبل الفراغ . ولا يكون عارض من مرض وغيره وذكر إمام الحرمين أنه لا يجب شيء في تركته ما لم ينته إلى الوطن ، لأن دوام السفر كدوام

165


166
المرض ولا يزيد تأكيد الثلاثة على صوم رمضان . وهذا الذي قاله ضعيف ، ون صوم الثلاثة يجب أيقاعه في الحج بالنص ، وإن كان مسافرا فليس السفر عذرا فيه بخلاف رمضان وأما : السبعة فإن قلنا : الرجوع إلى الوطن فلا يمكن قبله وإن قلنا : الفراغ من الحج فلا يمكن قبله ثم دوام السفر عذر ، هكذا قاله الإمام ، وقال القاضي حسين : إذا استحببنا التأخير إلى وصوله الوطن تفريعا على قول الفراغ فهل يهدي عنه إذا مات فيه وجهان . فرع : في مذاهب العلماء في متمتع لم يجد الهدي فانتقل إلى الصوم قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز أن يصوم إلا بعد إحرامه بالحج ، وبه قال مالك وروى عن ابن عمر وعائشة وإسحق وابن المنذر وقال : أبو حنيفة يجوز في حال العمرة وعن أحمد روايتان كالمذهبين ، دليلنا ما ذكره المصنف . فرع : لو فاته صوم الأيام الثلاثة في الحج لزمه قضاؤها ولا دم عليه هذا مذهبنا المشهور وبه قال مالك . وقال أبو حنيفة : عليه دمان أحدهما للتمتع والثاني لتأخير الصوم . وعن أحمد ثلاث روايات أصحهما : كأبي حنيفة والثانية : دم واحد والثالثة : يفرق بين المعذور وغيره . دليلنا أنه صوم واجب مؤقت ، فإذا فات وجب قضاؤه كرمضان لا غير وأما : صوم السبعة فقد ذكرنا أن الصحيح عندنا أنه يصومها إذا رجع إلى أهله وبه قال ابن عمر وعطاء ومجاهد وقتادة وابن المنذر والثاني : يصومها إذا تحلل من حجه . وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد والله أعلم . قال ابن المنذر : وأجمعوا على أن من وجد الهدي لا يحرم عليه الصوم ، والله أعلم .

166


167

167


167
باب المواقيت

قال المصنف رحمه الله تعالى : ميقات أهل المدينة ذو الحليفة ، وميقات أهل الشام الجحفة ، وميقات أهل نجد قرن ، وميقات أهل اليمن يلملم ، لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ، وأهل الشام من الجحفة ، وأهل نجد من قرن قال ابن عمر رضي الله عنهما : وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يهل أهل اليمن من يلملم وأهل الشام من الجحفة وأما : أهل العراق فميقاتهم ذات عرق ، وهل هو منصوص عليه أو مجتهد فيه قال الشافعي رحمه الله في الأم : هو غير منصوص عليه ووجهه ما روى عن ابن عمر قال : لما فتح المصران أتوا عمر رضي الله عنه قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حد لأهل نحد قرنا ، وإنما إذا أردنا أن نأتي قرنا شق علينا ، قال : فانظروا حذوها من طريقكم قال : فحد لهم ذات عرق ومن أصحابنا من

167


168
قال : هو منصوص عليه ومذهبه ما ثبتت به السنة والدليل عليه ما روى جابر بن عبد الله قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يهل أهل المشرق من ذات عرق وروت عائشة رضي الله عنها إن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق قال الشافعي رحمه الله : ولو أهل أهل المشرق من العقيق كان أحب إلي لأنه روى عن ابن عباس قال : وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق ولأنه أبعد من ذات عرق فكان أفضل .

168


169

+ الشرح : حديث ابن عمر الأول رواه البخاري ومسلم من طرق هكذا ، وروياه من رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم : وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجدة قرن المنازل ، ولأهل اليمن يلملم ، وقال : هن لهن ولكل من أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة ، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة هذا لفظ رواية البخاري ومسلم وفي رواية لهما : فمن كان لأنهن فمهله من أهله ، وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها وأما : حديث ابن عمر الثاني : لما فتح المصران إلخ فرواه البخاري في صحيحه . وأما : حديث جابر في ذات عرق فضعيف ، رواه مسلم في صحيحه ، لكنه قال في روايته عن أبي الزبير : أنه سمع جابرا يسأل عن المهل فقال : سمعت أحسبه رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ومهل أهل العراق من ذات عرق فهذا إسناد صحيح لكنه لم يجزم برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يثبت رفعه بمجرد هذا ، ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الجوزي بضم الجيم المعجم بإسناده عن جابر مرفوعا بغير شك لكن الحوزي ضعيف لا يحتج بروايته ، ورواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا شك أيضا ، لكنه من رواية الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف . وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم : وقت لأهل العراق ذات عرق رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وغيرهم بإسناد صحيح ، لكن نقل ابن عدي أن أحمد بن حنبل أنكر على أفلح بن حميد روايته هذه ، وانفراده به أنه ثقة وعن ابن عباس قال : وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن ، وليس كما قال ، فإنه من رواية يزيد بن زياد وهو ضعيف باتفاق المحدثين . وعن الحارث بن عمرو السهمي الصحابي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت أهل العراق ذات عرق رواه أبو داود عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه وقت لأهل المشرق ذات عرق رواه

169


170
الشافعي والبيهقي بإسناد حسن . وعن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، وعطاء من كبار التابعين ، وقد قدمنا في مقدمة هذا الشرح أن مذهب الشافعي الاحتجاج بمرسل كبار التابعين إذا اعتضد بأحد أربعة أمور منها : أن يقول به بعض الصحابة أو أكثر العلماء ، وهذا قد اتفق على العمل به الصحابة ومن بعدهم ، قال البيهقي : هذا هو الصحيح من رواية عطاء أنه رواه مرسلا ، قال : قد رواه الحجاج بن أرطأة عن عطاء وغيره متصلا ، والحجاج ظاهر الضعف ، فهذا ما يتعلق بأحاديث الباب . وأما : ألقاب الفصل وألفاظه فقوله : ذو الحليفة هو بضن الحاء المهملة وبالفاء وهو موضع معروف بقرب المدينة بينه وبينها نحو ستة أميال ، وقيل غير ذلك ، وبينه وبين مكة نحو عشر مراحل فهو أبعد المواقيت من مكة وأما : الجحفة فبجيم مضمومة ثم حاء مهملة ساكنة ويقال لها : مهيعة بفتح الميم والياء مع سكون الهاء بينهما وهي قرية كبيرة بين مكة والمدينة على نحو ثلاث مراحل من مكة سميت جحفة ، لأن السيل جحفها في الزمن الماضي . وأما : يلملم بفتح الياء المثناة تحت ، واللامين ، وقيل له : الملم بفتح الهمزة وحكي صرفه وترك صرفه وهو على مرحلتين من مكة وأما : قرن فبفتح القاف وإسكان الراء بلا خلاف بين أهل الحديث واللغة والتواريخ وغيرهم ، وهو جبل بينه وبين مكة مرحلتان ، ويقال له : قرن المبارك وأما : قول الجوهري : إنه بفتح الراء وأن أويسا القرنى منسوب إليه ففلط باتفاق العلماء ، فقد اتفقوا على أنه غلط فيه في شيئين فتح رائه ونسبة أويس إليه وإنما هو منسوب رضي الله عنه إلى قرن قبيلة من مراد بلا خلاف بين أهل المعرفة ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أويس بن عامر من مراد ثم من قرن وقوله : صلى الله عليه وسلم : يهل معناه يحرم برفع الصوت . وأما : ذات عرق فبكسر العين المهملة وهي قرية على مرحلتين من مكة ، وقد خربت وأما : العقيق فقال الإمام أبو منصور الأزهري في تهذيب اللغة : يقال لكل مسيل ماء شقه السيل فأنهره ووسعه عقيق ، قال : وفي بلاد العرب أربعة أعقة وهي أودية عادية منها : عقيق يدفق ماؤه في غور تهامة ، وهو الذي ذكره الشافعي فقال : لو أهلوا من العقيق كان أحب إلي وقوله : لما فتح المصران

170


171
يعني البصرة والكوفة ومعنى فتحا نشآ أو أنشئا ، فإنهما أنشئا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهما مدينتان إسلاميتان ، وقد أوضحتهما في تهذيب اللغات . أما الأحكام : فقد قال ابن المنذر وغيره : أجمع العلماء على هذه المواقيت . قال أصحابنا : ميقات الحج والعمرة زماني ومكاني أما : الزماني فسبق بيانه واضحا في الباب الذي قبل هذا وأما : المكاني فالناس فيه ضربان أحدهما : المقيم بمكة مكيا كان أو غيره ، وفي ميقات الحج في حقه ، وغيره قولان أصحهما : نفس مكة ، وهو ما كان داخلا منها والثاني : مكة وسائر الحرم ، وقال البندنيجى : دليل الأصح حديث ابن عباس السابق لأن مكة والحرم في الحرمة سواء على الصحيح ، فعلى الأول لو فارق بنيان مكة وأحرم في الحرم فهو مسيء يلزمه الدم إن لم يعد ، كمجاوزة سائر المواقيت ، وعلى الثاني حيث أحرم في الحرم لا إساءة . أما : إذا أحرم خارج الحرم فمسيء بلا خلاف ، فيأثم ويلزمه الدم إلا أن يعود قبل الوقوف بعرفات إلى مكة على الأصح أو إلى الحرم على الثاني . قال أصحابنا : ويجوز الإحرام من كل موضع من مكة بلا خلاف ، لعموم حديث ابن عباس ، وفي الأفضل قولان ، وقيل : وجهان أحدهما : أن يتهيأ للإحرام ويحرم من المسجد قريبا من الكعبة ، إما تحت الميزاب وإما في غيره وأصحهما : أن الأفضل أن يحرم من باب داره ، ويأتي المسجد محرما ، وبه قطع البغوي وغيره لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ وأما : الميقات الزماني للمكي فهو كغيره ، لكن يستجب له الإحرام بالحج يوم التروية ، وهو الثامن من ذي الحجة ، وقد سبق بيانه واضحا في الباب قبل . الضرب الثاني : غير المكي وهو صنفان أحدهما : من مسكنه بين الميقات ومكة ، فميقاته القرية التي يسكنها أو الخلة التي ينزلها البدوي ، فإن أحرم بعد مجاوزتها إلى مكة فمسيء بلا خلاف ، ودليله حديث ابن عباس الصنف الثاني : من مسكنه فوق الميقات الشرعي ، ويسمى هذا الأفقي بضم الهمزة وفتحها فيجب عليه الإحرام من ميقات بلده ، والمواقيت الشرعية خمسة أحدها : ذو الحليفة وهو ميقات من توجه من المدينة والثاني : الجحفة ميقات المتوجهين من الشام ومصر والمغرب ، هكذا قاله الأصحاب ، وأهمل المصنف ذكر مصر والمغرب مع أنه ذكر مصر في التنبيه الثالث : يلملم ميقات المتوجهين من اليمن الرابع : قرن ميقات المتوجهين من نجد اليمن ونجد الحجاز ، هكذا قاله الشافعي في المختصر والأصحاب ، ولم ينبه المصنف على إيضاحه الخامس : ذات عرق ميقات المتوجهين من العراق وخراسان . قال أصحابنا : والمراد بقولنا : ميقات اليمن يلملم ، أي ميقات تهامة اليمن لا كل

171


172
اليمن ، فإن اليمن تشمل نجدا وتهامة ، قال أصحابنا وغيرهم : والأربعة الأولى من هذه الخمسة نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا خلاف ، وهذا مجمع عليه للأحاديث ، وفي ذات عرق وجهان ذكرهما المصنف وسائر الأصحاب أحدهما : وهو نص الشافعي في الأم كما ذكره المصنف وغيره ، أنه مجتهد فيه ، اجتهد فيه عمر رضي الله عنه لحديث ابن عمر السابق : لما فتح المصران والثاني : وهو الصحيح عند جمهور أصحابنا أنه منصوص عليه من النبي صلى الله عليه وسلم وممن صرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد في تعليقه ، والمحاملي في كتابيه المجموع و التجريد ، وصاحب الحاوي ، واختاره القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وغيرهما ، قال الرافعي : وإليه ميل الأكثرين . ورجح جماعة كونه مجتهدا فيه ، منهم القاضي حسين وإمام الحرمين وغيهما ، وقطع به الغزالي في الوسيط ، قال إمام الحرمين : الصحيح أن عمر وقته قياسا على قرن ويلملم ، قال : والذي عليه التعويل أنه باجتهاد عمر ، وذكر القاضي أبو الطيب في تعليقه أن قول الشافعي قد اختلف في ذات عرق ، فقال في موضع : هو منصوص عليه ، وفي موضع ليس منصوصا عليه ، وممن قال : إنه مجتهد فيه من السلف طاوس وابن سيرين وأبو الشعثاء جابر بن زيد . وحكاه البيهقي وغيره عنهم ، وممن قال من السلف : إنه منصوص عليه ، عطاء بن أبي رباح وغيره . وحكاه ابن الصباغ عن أحمد وأصحاب أبي حنيفة . واحتج : من قال : إنه مجتهد فيه بحديث ابن عمر : لما فتح المصران واحتج : القائلون بأنه منصوص عليه بالأحاديث السابقة فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة ، فمجموعها يقوى بعضه بعضا ، ويصير الحديث حسنا ، ويحتج به ، ويحمل تحديد عمر رضي الله عنه باجتهاده على أنه لم يبلغه تحديد النبي صلى الله عليه وسلم فحدده باجتهاده فوافق النص ، وكذا قال الشافعي في أحد نصيه السابقين : إنه مجتهد فيه ، لعدم ثبوت الحديث عنده ، وقد اجتمعت طرقه عند غيره فقوى وصار حسنا ، والله أعلم . قال الشافعي في المختصر والمصنف وسائر الأصحاب : لو أحرم أهل المشرق من العقيق كان أفضل ، وهو واد وراء ذات عرق مما يلي المشرق ، وقال أصحابنا : والاعتماد في ذلك على ما في العقيق من الاحتياط ، قيل : وفيه سلامة من التباس وقع في ذات عرق لأن ذات عرق قرية خربت وحول بناؤها إلى جهة مكة ، فالاحتياط الإحرام قبل موضع بنائها الآن ، قالوا : ويجب على من أتى من جهة العراق أن يتحرى ويطلب آثار القرية

172


173
العتيقة . ويحرم حين ينتهي إليها ، قال الشافعي : ومن علاماتها المقابر القديمة ، فإذا انتهى إليها أحرم ، واستأنس المصنف والأصحاب في ذلك مع ما ذكرناه من الاحتياط بحديث توقيت العقيق السابق ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : أعيان هذه المواقيت لا تشترط ، بل الواجب عينها أو حذوها ، قالوا : ويستحب أن يحرم من أول الميقات ، وهو الطرف الأبعد من مكة حتى لا يمر بشيء مما يسعى ميقاتا غير محرم ، قال أصحابنا : ولو أحرم من الطرف الأقرب إلى مكة جاز بلا خلاف لحصول الاسم . فرع : قال أصحابنا : الاعتبار في هذه المواقيت الخمسة بتلك المواضع لا باسم القرية والبناء ، فلو خرب بعضها ونقلت عمارته إلى موضع آخر قريب منه وسمى باسم الأول لم يتغير الحكم ، بل الاعتبار بموضع الأول .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وهذه المواقيت لأهلها ولكل من مر بها من غير أهلها ، لما روى ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد قرنا ، ولأهل اليمن يلملم ، وقال : هذه المواقيت لأهلها ولمن من أتى عليها من غير أهلها ممن أراد الحج والعمرة ، ومن كان داره دون ذلك فمن حيث ينشىء ثم كذلك أهل مكة يهلون من مكة .

+ الشرح : حديث ابن عباس هذا رواه البخاري ومسلم ، وسبق بيانه ولفظه في أول الباب ، وهذا الحكم الذي ذكره المصنف متفق عليه ، فإذا مر شامي من طريق العراق أو المدينة ، أو عراقي من طريق اليمن ، فيمقاته ميقات الإقليم الذي مر به ، وهكذا عادة حجيج الشام في هذه الأزمان أنهم يمرون بالمدينة فيكون ميقاتهم ذا الحليفة ولا يجوز لهم تأخير الإحرام إلى الجحفة .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن سلك طريقا لا ميقات فيه من بر أو بحر فميقاته إذا حاذى أقرب المواقيت إليه لأن عمر رضي الله عنه لما اجتهد في ميقات أهل العراق اعتبر ما ذكرناه .

+ الشرح : هذا الذي ذكره نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب ، قال أصحابنا : ويجتهد فيحرم من الموضع الذي يغلب على ظنه أنه حذو أقرب المواقيت إليه ،

173


174
قالوا : ويستحب أن يستظهر حتى يتيقن أنه قد حاذى الميقات أو فوقه ، وأشار القاضي أبو الطيب في تعليقه إلى وجوب هذا الاستظهار ، والمذهب استحبابه ، والله أعلم . وأما : إذا أتى من ناحية ولم يمر بميقات ولا حاذاه ، فقال أصحابنا : لزمه أن يحرم على مرحلتين من مكة اعتبارا بفعل عمر رضي الله عنه في توقيته ذات عرق . فرع : قال أصحابنا : إن سلك طريقا لا ميقات فيه لكن حاذى ميقاتين طريقه بينهما فإن تساويا في المسافة إلى مكة فميقاته ما يخاذيهما ، وإن تفاوتا فيهما وتساويا في المسافة إلى طريقه فوجهان أحدهما : يتخير إن شاء أحرم من المحاذي لأبعد ، الميقاتين ، وإن شاء لأقربهما وأصحهما : يتعين محاذات أبعدها ، وقد يتصور في هذا القسم محاذاة ميقاتين دفعة واحدة ، وذلك بانحراف أحد الطريقين والتوائه ، أو لوعورة وغيرها ، فيحرم من المحاذاة ، وهل هو منسوب إلى أبعد الطريقين أو أقربهما فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره ، قال : وفائدتهما أنه لو جاوز موضع المحاذاة بغير إحرام وانتهى إلى موضع يفضي إليه طريقا الميقاتين ، وأراد العود لرفع الإساءة ، ولم يعرف موضع المحاذاة هل يرجع إلى هذا الميقات أم إلى ذاك ولو تفاوت الميقاتان في المسافة إلى مكة وإلى طريقه فهل الاعتبار بالقرب إليه أم إلى مكة فيه وجهان أصحهما : إليه والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن كانت داره فوق الميقات فله أن يحرم من الميقات ، وله أن يحرم من فوق الميقات ، لما روى عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك وفي الأفضل قولان أحدهما : أن الأفضل أن يحرم من الميقات ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من ذي الحليفة ، ولم يحرم من المدينة ، ولأنه إذا أحرم من بلده لم يأمن أن يرتكب محظوات الإحرام ، وإذا أحرم من الميقات أمن ذلك . فكان الإحرام من الميقات أفضل والثاني : أن الأفضل أن يحرم من داره ، لما روت

174


175
أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، ووجبت له الجنة .

+ الشرح : حديث إحرام النبي صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة صحيح مشهور مستفيض رواه البخاري ومسلم في صحيحهما من رواية جماعة من الصحابة وأما : حديث أم سلمة فرواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي وآخرون ، وإسناده ليس بالقوي وأما : الأثر عن عمر وعلي رضي الله عنهما فرواه الشافعي وغيره بإسناد واعلم : أنه وقع في المهذب في حديث أم سلمة ( وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة بالواو ، وكذا وقع في أكثر كتب الفقه والصواب أو وجبت بأو وهو شك من عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس أحد رواته ، هكذا هو بأو في كتاب الحديث ، وصرحوا بأن ابن يحنس هو الذي شك فيه ، ويحنس بمثناة من تحت مضمومة ثم حاء مهملة مفتوحة ثم نون مكسورة ومفتوحة ثم سين مهملة . أما أحكام الفصل : فأجمع من يعتد به من السلف والخلف من الصحابة فمن بعدهن على أنه يجوز الإحرام من الميقات ومما فوقه ، وحكى العبدري وغيره عن داود أنه قال : لا يجوز الإحرام مما فوق الميقات وأنه لو أحرم مما قبله لم يصح إحرامه ويلزمه أن يرجع ويحرم من الميقات ، وهذا الذي قاله مردود عليه بإجماع من قبله وأما : الأفضل ففيه قولان للشافعي مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : الإحرام من الميقات أفضل والثاني : مما فوقه أفضل وهذان القولان مشهوران في طريقتي العراق وخراسان ، وفي المسألة طريق آخر : وهو أن الإحرام أفضل من دويرة أهله قولا واحدا ، وهي قول القفال ، وهي مشهورة في كتاب الخراسانيين ، وهي ضعيفة غريبة ، والصحيح المشهور أن المسألة على القولين ثم إن هذين القولين منصوصان في الجديد نقلهما الأصحاب عن الجديد أحدهما : الأفضل أن يحرم من دويرة أهله نص عليه في الإملاء والثاني : الأفضل الإحرام من الميقات نص عليه البويطي والجامع الكبير للمزني . وأما : الغزالي فقال في

175


176
الوسيط : لو أحرم قبل الميقات فهو أفضل ، قطع به القديم ، وقال في الجديد : هو مكروه ، وهو متأول ، ومعناه أن يتوقى المخيط والطيب ومن غير إحرام ، وكذا نقل الفوراني في الإبانة أنه كره في الجديد الإحرام قبل الميقات ، وكأن الغزالي تابع الفوراني في هذا النقل ، وهو نقل ضعيف غريب لا يعرف لغيرهما ، ونسبه صاحب البحر إلى بعض أصحابنا بخراسان ، والظاهر أنه أراد الفوراني ، ثم قال صاحب البحر : هذا النقل غلط ظاهر ، وهذا الذي قاله صاحب البحر من التغليط هو الصواب ، فإن الذي كرهه الشافعي في الجديد أنه هو التجرد عن المخيط لا الإحرام قبل الميقات ، بل نص في الجديد على الإنكار على من كره الإحرام قبل الميقات . واختلف أصحابنا في الأصح من هذين القولين فصححت طائفة الإحرام من دويرة أهله ، ممن صرح بتصحيحه القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد والروياني في البحر والغزالي والرافعي في كتابيه وصحح الأكثرون والمحققون تفضيل الإحرام من الميقات ممن صححه المصنف في التنبيه وآخرون ، وقطع به كثيرون من أصحاب المختصرات ، منهم أبو الفتح سليم الرازي في الكفاية ، والماوردي في الإقناع ، والمحاملي في المقنع ، وأبو الفتح نصر المقدسي في الكافي ، وغيرهم ، وهو الصحيح المختار ، وقال الرافعي : في المسألة ثلاث طرق أصحها : على قولين والثاني : القطع باستحبابه من دويرة أهله والثالث : إن من ( خشي ) على نفسه من ارتكاب محظورات الإحرام فدويرة أهله أفضل ، وإلا فالميقات . والأصح : على الجملة أن الإحرام من الميقات أفضل ، للأحاديث الصحيحة المشهورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم في حجته من الميقات وهذا مجمع عليه ، وأجمعوا على أنه صلى الله عليه وسلم لم حج بعد وجوب الحج ولا بعد الهجرة غيرها وأحرم صلى الله عليه وسلم عام الحديبية بالعمرة من ميقات المدينة ذي الحليفة رواه البخاري في صحيحه في كتاب المغازي ، وكذلك أحرم معه صلى الله عليه وسلم بالحجة المذكورة والعمرة المذكورة أصحابه من الميقات ، وهكذا فعل بعده صلى الله عليه وسلم أصحابه والتابعون وجماهير العلماء ، وأهل الفضل ، فترك النبي صلى الله عليه وسلم الإحرام من مسجده الذي صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام ، وأحرم من الميقات فلا يبقى بعد هذا شك في أن الإحرام من الميقات أفضل . فإن قيل : إنما أحرم النبي صلى الله عليه وسلم من الميقات ليبين جوازه فالجواب : من

176


177
أوجه أحدهما : أنه صلى الله عليه وسلم قد بين الجواز بقوله صلى الله عليه وسلم : مهل أهل المدينة من ذي الحليفة الثاني : أن بيان الجواز إنما يكون فيما يتكرر فعله ، ففعله صلى الله عليه وسلم مرة أو مرات يسيرة على أقل ما يجزىء بيانا للجواز ، ويداوم في عموم الأحوال على أكمل الهيئات ، كما توضأ مرة مرة في بعض الأحوال وداوم على الثلاث ، ونظائر هذا كثيرة ، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أحرم من المدينة ، وإنما أحرم بالحج وعمرة الحديبية من ذي الحليفة الثالث : أن بيان الجواز إنما يكون في شيء اشتهر أكمل أحواله بحيث يخاف أن يظن وجوبه ، ولم يوجد ذلك هنا . وهذا كله إنما يحتاج إليه على تقدير دليل صريح صحيح في مقابلته ولم يوجد ذلك ، فإن حديث أم سلمة قد سبق أن إسناده ليس بقوي ، فيجاب عنه بأربعة أجوبة أحدها : أن إسناده ليس بقوي الثاني : أن فيه بيان فضيلة الإحرام من فوق الميقات ، وليس فيه أنه أفضل من الميقات ، ولا خلاف أن الإحرام من فوق الميقات فيه فضيلة ، وإنما الخلاف أيهما أفضل فإن قيل : هذا الجواب يبطل فائدة تخصيص المسجد الأقصى فالجواب : أن فيه فائدة ، وهي تبيين قدر الفضيلة فيه الجواب الثالث : أن هذا معارض لفعله صلى الله عليه وسلم المتكرر في حجته وعمرته ، فكان فعله المتكرر أفضل الرابع : أن هذه الفضيلة جاءت في المسجد الأقصى لأن له مزايا عديدة معروفة ، ولا يوجد ذلك في غيره فلا يلحق به ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في هذه المسألة . قد ذكرنا أن الأصح أن يحرم من الميقات ، وبه قال عطاء والحسن البصري ومالك وأحمد وإسحق ، وروي عن عمر بن الخطاب حكاه ابن المنذر عنهم كلهم ، ورجح آخرون دويرة أهله وهو المشهور عن عمر وعلي وبه قال أبو حنيفة ، وحكاه ابن المنذر عن علقمة والأسود وعبد الرحمن وأبي إسحاق يعنى السبيعي ودليل الجميع سبق بيانه ، قال ابن المنذر : وثبت أن ابن عمر أهل من إيليا وهو بيت المقدس . فرع : إن قيل : ما الفرق بين مقات الزمان والمكان0 حيث جاز تقديم الإحرام على ميقات المكان دون الزمان فالجواب ما أجاب به الجرجاني في المعاياة أن ميقات المكان يختلف البلاد بخلاف ميقات الزمان ، والله أعلم .

177

أوجه ذكرها القاضي والأصحاب أحدها : أن اللفظ إذا اجتمع فيه عرف اللغة وعرف الشرع قدم عرف الشرع ، لأنه طارىء ، وعرف الشرع أن النكاح العقد لقوله تعالى :

﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ،

﴿ فلا تعضلوهن أن ينكحن ،

﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء وفي الحديث الصحيح : ولا تنكح المرأة على عمتها وفي الصحيح : انكحي أسامة

177


178

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن كان داره دون الميقات فميقاته موضعه . ومن جاوز الميقات قاصدا إلى موضع قبل مكة ثم أراد النسك أحرم من موضعه ، كما إذا دخل مكة لحاجة ثم أراد الإحرام كان ميقاته من مكة .

+ الشرح : من كان مسكنه بين مكة والميقات فميقاته موضعه بلا خلاف ، لحديث ابن عباس السابق في أول الباب ، وقد سبقت هذه المسألة قال أصحابنا : فإذا كان في قرية بين مكة والميقات فالأفضل أن يحرم من الطرف الأبعد منها إلى مكة فإن أحرم من الطرف الأدنى إلى مكة جاز ولا دم عليه بلا خلاف كما سبق في المواقيت الخمسة . فإن خرج من قريته وفارق العمران إلى جهة مكة ثم أحرم كان آثما وعليه الدم للإساءة فإن عاد إليها سقط الدم ، وإن كان من أهل خيام استحب أن يحرم من أبعد أطراف الخيام إلى مكة ، ويجوز من الطرف الأدنى إلى مكة ، ولا يجوز أن يفارقها إلى جهة مكة غير محرم . وإن كان في واد استحب أن يقطع طرفيه محرما ، فإن أحرم من الطرف الأقرب إلى مكة جاز ، فإن كان في برية ساكنا منفردا بين مكة والميقات أحرم من منزله ، لا يفارقه غير محرم ، هكذا ذكر هذا التفصيل كله أصحابنا في الطريقتين ، قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : لو كان مسكنه بين مكة والميقات فتركه وقصد الميقات فأحرم منه ، جاز ولا دم عليه ، كالمكي إذا لم يحرم من مكة ، بل خرج إلى ميقات فأحرم منه جاز ولا دم عليه . المسألة الثانية : إذا مر الآفاقي بالميقات غير مريد نسكا فإن لم يكن قاصدا نحو الحرم ، ثم عن له قصد النسك بعد مجاوزة الميقات فميقاته حيث عن له هذا القصد ، وإن كان قاصدا الحرم لحاجة فعن له النسك بعد المجاوزة فإن قلنا : من أراد الحرم لحاجة يلزمه الإحرام ، فهذا يأثم بمجاوزته غير محرم ، وهو كمن قصد النسك وجاوزه غير محرم ، وسنذكر إن شاء الله تعالى ، وإن قلنا : بالأصح : إنه لا يلزمه فهو كمن جاوزه غير قاصد دخول الحرم . فرع : في مذاهب العلماء في هذه المسألة : قد ذكرنا أن مذهبنا أن من مسكنه بين مكة والميقات فميقاته موضعه ، وبه قال طاوس ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور والجمهور . وقال مجاهد : يحرم من مكة . ودليلنا حديث ابن عباس السابق أما : إذا جاوز الميقات غير مريد نسكا ثم أراده فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه يحرم من موضعه ، وبه قال ابن عمر وعطاء ومالك والثوري وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وابن المنذر . وقال أحمد وإسحاق : يلزمه العود إلى الميقات .

178


178

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه الوطء في الفرج لقوله تعالى :

﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج قال ابن عباس : الرفث الجماع ، وتجب به الكفارة ، لما روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أنهم أوجبوا فيه الكفارة ، ولأنه إذا وجبت الكفارة في الحلق فلأن تجب في الجماع أولى .

+ الشرح : هذه الآية الكريمة سبق تفسيرها في مسألة الإحرام بالحج في أشهر الحج ، وأجمعت الأمة على تحريم الجماع في الإحرام سواء كان الإحرام صحيحا أم فاسدا ، وتجب به الكفارة والقضاء إذا كان قبل التحللين ، وسيأتي في الباب الآتي إن شاء الله تعالى إيضاح ذلك بفروعه ، حيث ذكره المصنف ، سواء الوطء في القبل والدبر من الرجل والمرأة والصبي ، سواء وطء الزوجة والزنا . وأما إتيان البهيمة فالمذهب أنه كوطء المرأة ، ولا يفسد به الحج تفريعا على وجوب التعزير فيه . وأما الخنثى المشكل فيحرم عليه الإيلاج والإيلاج فيه ، فإن أولج غيره في دبره فهو كغيره يفسد حجه ، ويجب المضي في فاسده والقضاء والكفارة ، وإن أولج غيره في قبله أو أولج هو في غيره لم يفسد ، ولا كفارة لاحتمال أنه عضو زائد . فإن أولج في دبر رجل وأولج ذلك الرجل في قبله فسد حجهما ، ولزمهما القضاء والكفارة ، ودليله ظاهر ولو لف الرجل على ذكره خرقة وأولجه ففي فساد الحج به ثلاثة أوجه كما في وجوب الغسل ، وقد سبق بيانها في باب الغسل الأصح : فساد الحج ووجوب الغسل .

178


179
فرع : حكى الشافعي وابن المنذر عن ابن عمر أنه أحرم من الفرع بضم الفاء وإسكان الراء وهو بلاد بين مكة والمدينة ، بين ذي الحليفة وبين مكة ، فتكون دون ميقات المدني ، وابن عمر مدني وهذا ثابت عن ابن عمر ، رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح ، وتأوله الشافعي وأصحابنا تأويلين أحدهما : أن يكون خرج من المدينة إلى الفرع لحاجة ولم يقصد مكة ، ثم أراد النسك فإن ميقاته مكانه والثاني : أنه كان يمكة فرجع قاصدا إلى المدينة فلما بلغ الفرع بدا له أن يرجع إلى مكة فميقاته مكانه .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن كان من أهل مكة وأراد الحج فيمقاته من مكة ، وإن أراد العمرة فميقاته من أدنى الحل ، والأفضل إنه من الجعرانة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر منها ، فإن أخطاها فمن التنعيم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة من التنعيم .

+ الشرح : أما إحرام النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فصحيح متفق عليه ، رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه ، ورواه الإمام الشافعي وأبو داود الترمذي والنسائي وغيرهم أيضا من رواية محرش الكعبي الخزاعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الترمذي : هذا حديث حسن ، قال : ولا يعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذا الحديث ، وهو محرش بضم الميم وفتح الحاء وكسر الراء المشددة وبعدها شين معجمة هذا أشهر الأقوال في ضبطه ، ولا يذكر ابن ماكولا وجماعة إلا هذا والثاني :

179


180
محرش بكسر الميم وإسكان المهملة والثالث : بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة ممن حكي هذه الأقوال الثلاثة فيه أبو عمر عبد الله بن يوسف بن عبد البر ، والله أعلم . وأما : حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة من التنعيم فرواه البخاري ومسلم من رواية عائشة وأما الجعرانة فبكسر الجيم وإسكان العين وتخفيف الراء وكذا الحديبية بتخفيف الياء هذا قول الشافعي فيهما ، وبه قال أهل اللغة والأدب وبعض المحدثين ، وقال ابن وهب صاحب مالك : هما بالتشديد ، وهو قول أكثر المحدثين ، والصحيح تخفيفهما ، والتنعيم أقرب أطراف الحل إلى مكة ، والتنعيم بفتح التاء وهو بين مكة والمدينة على ثلاثة أميال من مكة وقيل : أربعة قيل : سمي بذلك لأن عن يمينه جبلا يقال له : نعيم ، وعن شماله جبل يقال له ناعم ، والوادي نعمان . أما الأحكام : ففيه مسألتان إحداهما : ميقات المكي بالحج نفس مكة ، وفيه وجه ضعيف أنه مكة وسائر الحرم ، وقد سبقت المسألة في أول الباب واضحة بفروعها والمراد بالمكي من كان بمكة عند إرادة الإحرام بالحج سواء كان مستوطنها أو عابر سبيل المسألة الثانية : إذا كان بمكة مستوطنا أو عابر سبيل وأراد العمرة فميقاته أدنى الحل ، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب ، قال أصحابنا : يكفيه الحصول في الحل ولو بخطوة واحدة من أي الجهات كان جهات الحل ، هذا هو الميقات الواجب . وأما : المستحب فقال الشافعي في المختصر : أحب أن يعتمر من الجعرانة لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر منها فإن أخطأه منها فمن التنعيم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة منها وهي أقرب الحل إلى البيت ، فإن أخطأه ذلك فمن الحديبية ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بها وأفضلها من الجعرانة وبعدها في الفضيلة التنعيم ثم الحديبية كما نص عليه ، واتفق الأصحاب على التصريح بهذا في كل الطرق ولا خلاف في شيء منه إلا أن الشيخ أبا حامد قال : الذي يقتضيه المذهب أن الاعتمار من الحديبية بعد الجعرانة أفضل من التنعيم ، فقدم الحديبية على التنعيم . وأما : قول المصنف في التنبيه : الأفضل أن يحرم بها من التنعيم فغلط ومنكر لا يعد من المذهب إلا أن يتأول على أنه إذا أراد أفضل أدنى الحل التنعيم ، فإنه قال أولا : خرج إلى أدنى الحل ، والأفضل أن يحرم من التنعيم ، فالاعتذار عنه بهذا وما أشبهه أحسن من تخطئته ، وليست المسألة خفية أو غريبة ليعذر في الغلط فيها ، واستدل الشافعي للإحرام من

180


181
الحديبية بعد التنعيم بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بها وأراد المدخل لعمرته منها ، وهذا صحيح معروف في الصحيحين وغيرهما ، وكذلك استدل محققوا الأصحاب ، وهذا الاستدلال هو الصواب . وأما : قول الغزالي في البسيط ، وقول غيره إنه صلى الله عليه وسلم هم بالإحرام بالعمرة من الحديبية فغلط صريح ، بل ثبت في صحيح البخاري في كتاب المغازي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم بالعمرة عام الحديبية من ذي الحليفة والله أعلم . فإن قيل : قال الشافعي والأصحاب : إن الإحرام بالعمرة من الجعرانة أفضل من التنعيم ، فكيف أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة من التنعيم فالجواب : أنه صلى الله عليه وسلم إنما أعمرها منه لضيق الوقت عن الخروج إلى أبعد منه ، وقد كان خروجها إلى التنعيم عند رحيل الحاج وانصرافهم ، وواعدها النبي صلى الله عليه وسلم إلى موضع في الطريق ، هكذا ثبت في الصحيحين ، ويحتمل أيضا بيان الجواز من أدنى الحل ، والله أعلم . فرع : يستحب لمن أراد الإحرام بالحج من مكة أن يحرم يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة ، ولا يقدم الإحرام قبله إلا أن يكون متمتعا لم يجد الهدي ، فيحرم قبل اليوم السادس من ذي الحجة حتى يمكنه صوم ثلاثة أيام في الحج ، وقد سبقت المسألة مبسوطة في أواخر الباب السابق في أحكام التمتع في فرع مستقل ، وذكرنا فيه مذاهب العلماء ودليل المسألة .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن بلغ الميقات مريدا للنسك لم يجز أن يجاوزه حتى يحرم ، لما ذكرناه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما فإن جاوزه وأحرم دونه نظرت فإن كان له عذر بأن يخشى أن يفوته الحج ، أو الطريق مخوف لم يعد وعليه دم ، وإن لم يخش شيئا لزمه أن يعود لأنه نسك واجب مقدور عليه ، فلزمه الإتيان به فإن لم يرجع لزمه الدم ، وإن رجع نظرت فإن كان قبل أن يتلبس بنسك سقط عنه الدم ، لأنه قطع المسافة بالإحرام وزاد عليه ، فلم يلزمه دم ، وإن عاد بعدما وقف أو بعدما طاف لم يسقط عنه الدم . لأنه عاد بعد فوات الوقت فلم يسقط عنه الدم ، كما لو دفع من الموقف قبل الغروب ثم عاد في غير وقته ،

+ الشرح : قال الشافعي والأصحاب : إذا انتهى الآفاقي إلى الميقات وهو يريد الحج أو العمرة أو القران حرم عليه مجاوزته غير محرم بالإجماع ، فإن جاوزه فهو مسيء سواء كان من أهل تلك الناحية أم من غيره ، كالشامي يمر بميقات المدينة . قال أصحابنا : ومتى جاوز موضعا يجب الإحرام منه غير محرم أثم وعليه العود إليه والإحرام منه إن لم يكن له

181


182
عذر ، فإن كان عذر كخوف الطريق أو انقطاع عن رفقته أو ضيق الوقت ، أو مرض شاق أحرم من موضعه ومضي وعليه دم إذا لم يعد فقد أثم بالمجاوزة ، ولا يأثم بترك الرجوع ، فإن عاد فله حالان أحدهما : يعود قبل الإحرام فيحرم منه فالمذهب الذي قطع به المصنف والجماهير لا دم عليه ، سواء كان دخل مكة أم لا . وقال إمام الحرمين والغزالي : إن عاد قبل أن يبعد عن الميقات بمسافة القصر سقط الدم ، وإن عاد بعد دخول مكة وجب ولم يسقط بالعود ، وإن عاد بعد مسافة القصر وقبل دخول مكة فوجهان أصحهما : يسقط ، وهذا التفصيل شاذ منكر . الحال الثاني : أن يحرم بعد مجاوزة الميقات محرما فطريقان أحدهما : في سقوط الدم وجهان وفي قولان حكاهما الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وآخرون . قال القاضي أبو الطيب : هما قولان وكان الشيخ أبو حامد يقول وجهان . قال : والصحيح قولان ، وسواء عند هؤلاء رجع من مسافة قريبة أو بعيدة ، لكنهم شرطوا رجوعه قبل تلبسه بنسك والطريق الثاني : وهو الصحيح ، وبه قطع المصنف والجمهور أنه يفصل ، فإن عاد قبل التلبس بنسك سقط الدم ، وإن عاد بعده لم يسقط سواء كان النسك ركنا كالوقوف والسعي أو سنة كطواف القدوم وفيه وجه ضعيف أنه لا أثر للتلبس بالسنة فيسقط بالعود بعد . حكاه البغوي والمتولي وآخرون ، كما لو كان محرما بالعمرة مما دون الميقات وعاد إليه بعد طوافها ، فإنه لا يسقط الدم بالعود بلا خلاف والمذهب الأول . ويخالف المعتمر . فإنه عاد بعد فعله معظم أفعال النسك . والحاج لم يأت بشيء من أعمال النسك الواجبة فسقط عنه الدم . واعلم أن جمهور الأصحاب لم يتعرضوا لزوال الإساءة بالعود ، وقد قال صاحب البيان : وهل يكون مسيئا بالمجاوزة إذا عاد إلى الميقات حيث سقط الدم فيه وجهان حكاهما في الفروع . الظاهر أنه لا يكون مسيئا لأنه حصل فيه محرما والثاني : يصير مسيئا لأن الإساءة حصلت بنفس المجاوزة فلا يسقط . قال أصحابنا : ولا فرق في لزوم الدم في كل هذا بين المجاوز للميقات عامدا عالما أو جاهلا أو ناسيا لكن يفترقون في الإثم ، فلا إثم على الناسي والجاهل ، قال القاضي أبو الطيب و المتولي وغيرهما : ويخالف ما لو تطيب ناسيا لا دم عليه ، لأن الطيب من المحظورات ، والنسيان عذر عندنا في المحرمات كالأكل والصوم والكلام في الصلاة وأما : الإحرام من الميقات فمأمور به والجهل والنسيان في المأمور به لا يجعل عذرا والله أعلم . وأما : إدا مر بالميقات وأحرم بأحد النسكين ثم بعد مجاوزته أدخل النسك الآخر عليه بأن أدخل الحج على العمرة أو عكسه وجوزناه ففي وجوبه عليه وجهان حكاهما المتولي والبغوي وآخرون

182


183
أحدهما : يلزمه لأنه جاوز الميقات مريدا للنسك وأحرم بعده والثاني : لا يلزمه لأنه جاوز الميقات محرما فصار كما لو أحرم بالميقات إحراما مبهما ، فلما جاوز صرفه إلى الحج ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في هذه المسألة : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا جاوز الميقات مريدا للنسك فأحرم دونه أثم فإن عاد قبل التلبس سقط عنه الدم ، سواء عاد ملبيا أم غير ملب . هذا مذهبنا وبه قال الثوري وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور . وقال مالك وابن المبارك وزفر وأحمد : لا يسقط عنه الدم بالعود . وقال أبو حنيفة : إن عاد ملبيا سقط الدم وإلا فلا وحكى ابن المنذر عن الحسن والنخعي أنه لا دم على المجاوز مطلقا ، قال : وهو أحد قولي عطاء . وقال ابن الزبير : يقضي حجته ثم يعود إلى الميقات فيحرم بعمرة ، وحكي ابن المنذر وغيره عن سعيد بن جبير أنه لا حج له . والله أعلم . فرع : قال صاحب البيان : سمعت الشريف العثماني من أصحابنا يقول : إذا جاوز المدني ذا الحليفة غير محرم وهو مريد للنسك ، فبلغ مكة غير محرم ، ثم خرج منها إلى ميقات بلد آخر مكذا عرق أو يلملم وأحرم منه . فلا دم عليه بسبب مجاوزة ذي الحليفة ، لأنه لا حكم لإرادته النسك لما بلغ مكة غير محرم فصار كمن دخل مكة غير محرم ، وقلنا : يجب الإحرام لدخولها لا دم عليه ، هذا نقل صاحب البيان ، وهو محتمل وفيه نظر .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نذر الإحرام من موضع فوق الميقات لزمه الإحرام منه ، فإن جاوزه وأحرم دونه كان كمن جاوز الميقات وأحرم دونه في وجوب العود والدم ، لأنه وجب الإحرام منه كما وجب ( الإحرام ) من الميقات ، فكان حكمه حكم الميقات ، وإن مر كافر بالميقات مريدا للحج فأسلم دونه وأحرم ولم يعد إلى الميقات لزمه الدم ، وقال المزني : لا يلزمه لأنه مر بالميقات ، وليس هو من أهل النسك فأشبه إذا مر به غير مريد للنسك ثم أسلم دونه وأحرم ، وهذا لا يصح لأنه ترك الإحرام من الميقات وهو مريد للنسك فلزمه الدم كالمسلم ، وإن مر بالميقات صبي وهو محرم ، أو عبد وهو محرم ، فبلغ الصبي أو عتق العبد ففيه قولان أحدهما : أنه يجب عليه دم لأنه ترك الإحرام بحجة الإسلام من الميقات والثاني : لا يلزمه ، لأنه جاوز الميقات وهو محرم ، فلم يلزمه دم كالحر البالغ .

183


184

+ الشرح : أما : مسألة النذر فهي كما قالها المصنف وأما : مسألة الكافر ومسألة الصبي والعبد فقد سبقتا واضحتين بفروعهما في أوائل كتاب الحج عند إحرام الصبي وبالله التوفيق .

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن كان من أهل مكة فخرج لإحرام الحج إلى أدنى الحل وأحرم ، فإن رجع إلى مكة قبل أن يقف بعرفة لم يلزمه دم ، لأن لم يرجع حتى وقف وجب عليه دم ، لأنه ترك الإحرام من الميقات فأشبه غير المكي إذا أحرم من دون الميقات ، وإن خرج من مكة إلى خارج البلد وأحرم في موضع من الحرم ففيه وجهان أحدهما : لا يلزمه الدم ، لأن مكة والحرم في الحرمة سواء والثاني : يلزمه وهو الصحيح ، لأن الميقات هو البلد ، وقد تركه فلزمه الدم ، وإن أراد العمرة فأحرم من جوف مكة نظرت ، فإن خرج إلى أدنى الحل قبل أن يطوف لم يلزمه دم ، لأنه دخل الحرم محرما فأشبه إذا أحرم أولا من الحل ، وإن طاف وسعى ولم يخرج إلى الحل ففيه قولان أحدهما : لا يعتد بالطواف والسعي والثاني : أنه يعتد به بالطواف : وعليه دم لتركه الميقات كغير المكي إذا جاوز ميقات بلده غير محرم ثم أحرم ودخل مكة وطاف وسعى .

+ الشرح : أما إحرام المكي بالحج فقد سبق حكمه في أول الباب مستوفى وأما إحرامه بالعمرة ، فقد قدمنا أن ميقاته الواجب فيها أدنى الحل ولو بخطوة والمستحب إحرامه من الجعرانة فإن فاته فالتنعيم ثم الحديبية ، فإن خالف فأحرم في الحرم انعقد إحرامه بلا خلاف ، ثم له حالان أحدهما : أن لا يخرج إلى الحل بل يطوف ويسعى ويحلق فهل يجزئه ذلك وتصح عمرته فيه قولان مشهوران نص عليهما في الأم وذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : يجزئه ويلزمه دم لتركه الإحرام هن الميقات الواجب والثاني : لا يجزئه ، بل يشترط أن يجمع في عمرته بين الحل والحرم كما يجمع الحاج في حجه بين الحل والحرم فإنه يشترط وقوفه بعرفات وهي من الحل والطواف والسعي وهما في الحرم . فعلى القول الأول لو وطىء بعد الحلق لا شيء عليه ، لأنه بعد التحلل ، وعلى الثاني يكون الوطء واقعا قبل التحلل ، لكنه يعتقد أنه متحلل فيكون كجماع الناسي ، وفي كونه مفسدا القولان المشهوران ، فإن جعلناه مفسدا لزمه المضي في فاسده بأن يخرج إلى الحل ويعود فيطوف ويسعى ويحلق ويلزمه القضاء وكفارة الجماع ودم الحلق لوقوعه قبل التحلل . وإن قلنا : بالأصح : إن جماع الناسي لا يفسد ، فعمرته على حالها ،

184


185
فلزمه أن يخرج إلى الحل ويرجع فيطوف ويحلق وقد تمت عمرته ، وليس عليه دم الجماع ، وأما دم الحلق ففيه القولان المشهوران في حلق الناسي أصحهما : يجب الحال الثاني : أن يخرج إلى الحل ثم يدخل مكة فيطوف ويسعى ويحلق ، فيعتد بذلك وتتم عمرته بلا خلاف ، وفي سقوط دم الإساءة عنه فطريقان المذهب : وبه قطع الجمهور سقوطه والثاني : على طريقين أصحهما : القطع بسقوطه والثاني : أنه على الخلاف السابق فيمن جاوز الميقات غير محرم فإذا قلنا : بالمذهب فالواجب خروجه إلى الحل قبل الأعمال إما في ابتداء الإحرام وإما بعده وإن قلنا : لا يسقط فالواجب هو الخروج قبل الإحرام ، والله أعلم . فرع : قال الشيخ أبو حامد في آخر كتاب الحج من تعليقه : قال الشافعي : أحب لمن أحرم في بلده أن يخرج متوجها في طريق حجه عقب إحرامه ، ولا يقيم بعد إحرامه ، قال الشافعي : وكذا لو كان إحرامه من جوف مكة ، قال أبو حامد : هذا الذي قاله الشافعي صحيح ، فيستحب لمن أحرم من بلده أو من مكة أن يخرج عقب إحرامه ، وينبغي أن يكون إحرام المكي عند إرادته التوجه إلى منى وقد سبق قريبا بيان هذا ، والله أعلم .

185


186
باب الإحرام وما يحرم فيه

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا أراد أن يحرم فالمستحب أن يغتسل ، لماروى زيد بن ثابت رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل لإحرامه وإن كانت امرأة حائضا أو نفساء اغتسلت للإحرام ، لما روى القاسم بن محمد : أن أسماء بنت عميس ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر بالبيداء فذكر ذلك أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مروها فلتغتسل ثم لتهل ولأنه غسل يراد به النسك فاستوى فيه الحائض والطاهر ، ومن لم يجد الماء تيمم لأنه غسل مشروع فانتقل فيه إلى التيمم عند عدم الماء كغسل الجنابة ، قال في الأم : ويغتسل لسبعة مواطن للأحرام ودخول مكة والوقوف بعرفة والوقوف بالمزدلفة ولرمي الجمرات الثلاث ، لأن هذه المواضع تجتمع لها الناس فاستحب لها الاغتسال ، ولا يغتسل لرمي جمرة العقبة لأن وقته من نصف الليل إلى آخر النهار ، فلا يجتمع له الناس في وقت واحد ، وأضاف إليها في القديم الغسل لطواف الزيارة وطواف الوداع لأن الناس يجتمعون لهما ولم يستحبه في الجديد ، لأن وقتهما متسع فلا يتفق اجتماع الناس فيهما .

+ الشرح : حديث زيد بن ثابت رواه الدارمي والترمذي وغيرهما ، قال الترمذي : حديث حسن وفي معناه حديث القاسم في قصة أسماء وهو صحيح كما سنوضحه إن شاء

186


187
الله تعالى وأما : حديث القاسم فصحيح رواه مالك في الموطأ هكذا مرسلا ، كما رواه المصنف عن القاسم أن أسماء ولدت فذكره بكماله ، وهذا اللفظ يقتضي إرسال الحديث ، فإن القاسم تابعي وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، ورواه ابن ماجه كذلك في رواية له ، ورواه مسلم في صحيحه عن القاسم عن عائشة أن أسماء ولدت فذكره بلفظه هكذا متصلا بذكر عائشة ، وكذلك رواه أبو داود في سننه والدارمي وابن ماجه في روايته الأخرى وغيرهم فالحديث متصل صحيح وكفى به صحة رواية مسلم له في صحيحه ووصله ثابت في صحيح مسلم من رواية عبيد الله بن عمر العمري عن عبد الرحمن ابن القاسم عن أبيه عن عائشة وناهيك بهذا صحة ، وثبت هذا الحديث في صحيح مسلم أيضا من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، وأسماء هذه هي امرأة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ، وأبوها عميس بضم العين المهملة وفتح الميم وسبق بيانه في أول كتاب الطهارة ، والبيداء بفتح الباء والمد والمراد به هنا مكان بذي الحليفة ، وقد جاء في كثير من الروايات في صحيح مسلم وغيره : ولدت أسماء بذي الحليفة فذكره إلى آخره . وقوله صلى الله عليه وسلم : مروها أن تغتسل ثم لتهل يجوز في لام لتهل الكسر والإسكان والفتح ، وهو غريب ، ووقع في كثير من نسخ المهذب مرها وفي بعضها مروها بزيادة واو وذكر الإمام محمود بن خيلياشي بن عبد الله الخيلياشي أنه رآه هكذا بخط المصنف . وأما : قول المصنف : باب الإحرام وما يحرم فيه ، فكذا قاله في التنبيه ، وهو بفتح الياء وضم الراء من يحرم وليس هو بضم الياء وكسر الراء ، لأنه صدر الباب بمقدمات الإحرام من الاغتسال والتنطف والتطيب والصلاة ، ثم ذكر الأحرام نفسه وهو النية ، فكل هذا داخل في ترجمة الإحرام ، ثم ذكر الإحرام نفسه وهو النية ، فكل هذا داخل في ترجمة الإحرام ، ثم ذكر بعد هذا كله ما يحرم بسبب الإحرام ، ولو كان بضم الياء على إرادة ما يلبسه المحرم لكانت الترجمة قاصرة ، لأنه يكون مدخلا في الباب ما لم يترجم له وهو محرمات الإحرام وهي معظم الباب فتعين ما قلناه ، والحمد لله وهو أعلم وقوله : لأنه غسل يراد للنسك احتراز من غسل الجنابة والحيض والجمعة وأراد بالنسك ما يختص الحج للدخول على السلطان ، ولبس الثوب ونحوهما ، وهذا محتمل ويحتمل أنه أراد تقريب الفرع من الأصل دون الاحتراز . أما الأحكام ففيها مسائل إحداها : اتفق العلماء على أنه يستحب الغسل عند إرادة الإحرام بحج أو عمرة أو بهما ، سواء كان إحرامه من الميقات الشرعي أو غيره ، ولا يجب

187


188
هذا الغسل وإنما هو سنة متأكدة يكره تركها ، نص عليه الشافعي في الأم واتفق عليه الأصحاب كما سأذكره قريبا إن شاء الله تعالى قال ابن المنذر في الإشراف : أجمع عوالم أهل العلم على أن الإحرام بغير غسل جائز ، قال : وأجمعوا على أن الغسل للإحرام ليس بواجب إلا ما روي عن الحسن البصري أنه قال : إذا نسي الغسل يغتسل إذا ذكره ، قال أصحابنا : والدليل على عدم وجوبه أنه غسل لأمر مستقبل ، فلم يكن واجبا كغسل الجمعة والعيد ، والله أعلم . قال الشافعي رضي الله عنه في الأم ( أستحب الغسل عند الإحرام للرجل والصبي والمرأة والحائض والنفساء ، وكل من أراد الإحرام قال : وأكره ترك الغسل له وما تركت الغسل للإحرام ، ولقد كنت أغتسل له مريضا في السفر وأني أخاف ضرر الماء ، وما صحبت أحدا أقتدى به رأيته تركه ، وما رأيت أحدا منهم عدا به أن رآه اختيارا ، قال : وإذا أتت الحائض والنفساء الميقات وعليهما من الزمان ما يمكن فيه طهرهما وأدركهما الحج بلا علة أحببت استئخارهما ليطهرا فيحرما طاهرتين ، وإن أهلتا غير طاهرتين أجزأ عنهما ولا فدية ) قال : ( وكل ما عملته الحائض عمله الرجل الجنب والمحدث والاختيار له أن لا يعمله كله إلا طاهرا ، قال : وكل عمل الحج تعمله الحائض وغير الطاهر من الرجل إلا الطواف بالبيت وركعتيه ) هذا آخر نصه في الأم بحروفه واتفق أصحابنا في جميع الطرق على جميع هذا إلا قولا شاذا ضعيفا حكاه الرافعي أن الحائض والنفساء لا يسن لهما الغسل والصواب : استحبابه لهما للحديث السابق ، قال أصحابنا : ويغتسلان بنية غسل الإحرام كما يينوي غيرهما ، ولإمام الحرمين في نيتهما احتمال . الثانية : إذا عجز المحرم عن الغسل تيمم ، هكذا نص عليه الشافعي في الأم ، وقطع به الأصحاب في جميع الطرق إلا أن الرافعي قال : يتيمم العاجز . قال : وقد ذكرنا في غسل الجمعة احتمالا لإمام الحرمين أنه لا يتيمم ، قال : وذلك لاحتمال جار هنا ، والمذهب ما سبق ، وهذا الذي ذكرته من أنه يتيمم إذا عجز عن الغسل أحسن وأعم من عبارة المصنف ومن وافقه في قولهم : إن لم يجد الماء يتيمم لأن العجز يعم عدم الماء والخوف من استعماله وغير ذلك ، والحكم في الجميع واحد . وأما : إذا وجد ما لا يكفيه للغسل فقد قال المحاملي في كتبه الثلاثة المجموع و التجريد و المقنع ، والبغوي والرافعي : يتوضأ به ، وهذا الذي قالوه إن أرادوا به أنه يتوضأ مع التيمم فحسن ، وإن أرادوا أنه يقتصر على الوضوء فليس بمعول ، ولا يوافقون

188


189
عليه ، لأن التيمم يقوم مقام الغسل عند العجز عن الماء ، ولا يقوم الوضوء مقام الغسل ، ولا يرد هذا على الجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يجامع فإنه يستحب له الوضوء ولا يستحب له التيمم ، لأن الجنب الذي فيه الكلام واجد لما يكفيه لغسله ، ولا يفيده التيمم شيئا ، ولا يصح للقدرة على الماء ويفيده الوضوء رفع الحدث عن أعضائه فاستحب له ، وفي مسألة المحرم هو عادم لما يكفيه لغسله فنظيره من الجنب أن يكون عادما لما يكفيه من الماء ، فإنه يتيمم مع الوضوء أو يتيمم من غير وضوء ، على القولين المعروفين في باب التيمم . الثالثة : قال المصنف : قال الشافعي رحمه الله في الأم : يغتسل المحرم لسبعة مواطن : للإحرام ، ودخول مكة ، والوقوف بمزدلفة ، ولرمي الجمرات الثلاث ، لأن هذه المواضع يجتمع لها الناس ويستحب لها الاغتسال ، وهذا الذي نقله عن الأم كذا هو في الأم ، وكذا نقله أصحابنا عن الأم ، ونقله بعضهم عن نصوصه قديما وجديدا ، وليس هذا التعليل في الأم أعني قوله : لأن هذه المواطن يجتمع لها الناس بل هو من عند المصنف والأصحاب ، وإنما استدل الشافعي رحمه الله في الأم في ذلك بآثار ذكرها ، قال في الأم عقب ذكره هذه المواضع : وأستجب الغسل بين هذه المواضع عند تغير البدن بالعرق وغيره تنطيفا للبدن ، قال : فلذلك أحبه للحائض ، وليس واحد من هذا واجبا والله أعلم . وقوله : ( للوقوف بمزدلفة ) يعني الوقوف على المشعر الحرام وهو قزح ، وذلك الوقوف يكون بعد صلاة الصبح يوم النحر كما سيأتي بيانه في بابه إن شاء الله تعالى ، وهكذا قال جماهير الأصحاب في هذا الغسل : إنه للوقوف بالمزدلفة ونقله عن الأم ، وكذا رأيته في الأم صريحا وخالفهم المحاملي في كتبه الثلاثة المجموع و التجريد و المقنع وأبو الفتح سليم الرازي في الكفاية ، والشيخ نصر المقدسي في الكافي ، فقالوا : الغسل للمبيت بالمزدلفة ، ولم يذكروا الغسل للوقوف بالمزدلفة ، بل جعلوا الغسل السابع هو الغسل للمبيت بها ، والصواب الأول ، لأن المبيت بها ليس فيه اجتماع فلا يحتاج إلى غسل ، بخلاف الوقوف ، فالصواب أن الغسل السابع للوقوف بالمزدلفة ، وأنه لا يشرع للمبيت بها ، وقولهم ( لرمي الجمرات الثلاث ) يعنون الجمرات في أيام التشريق يغتسل في كل يوم من الأيام الثلاثة غسلاف واحدا لرمي الجمرات ولا يغتسل لكل جمرة في انفرادها ، هذا الذي ذكرناه من الأغسال المستحبة في الحج سبعة فقط هو نصه في الجديد ، وأضاف

189


190
إليها في القديم استحبابه لطواف الزيارة وطواف الوداع ، هكذا نقله الأصحاب عن القديم . ولم يذكر المصنف والشيخ أبو حامد وجمهور الأصحاب في الطريقتين عن القديم أنه أضاف إلى هذين الغسلين ، وزاد القاضي أبو الطيب في تعليقه والرافعي عن القديم غسلا ثالثا ، وهو الغسل للحلق ، واتفقت نصوصه وطرق الأصحاب على أنه لا يستحب الغسل لرمي جمرة العقبة يوم النحر ، وقد ذكر المصنف دليله والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ثم يتجرد عن المخيط في إزار ورداء أبيضين ونعلين ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين والمستحب أن يكون ذلك بياضا ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألبسوا من ثيابكم البياض فإنها من خيار ثيابكم ، وكفنوا فيها موتاكم والمستحب أن يتطيب في بدنه ، لما روتت عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت ولا يطيب

190


191
ثوبه لأنه ربما نزعه للغسل فيطرحه على بدنه ، فتجب به الفدية ، والمستحب أن يصلي ركعتين لما روى ابن عباس وجابر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم وفي الأفضل قولان قال : في القديم : الأفضل أن يحرمن عقب الركعتين ، لما روى ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل في دبر الصلاة وقال : في الأم : الأفضل أن يحرن إذا انبعثت به راحلته إن كان راكبا ، وإذا ابتدا السير إن كان راجلا ، ما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رحتم إلى منى متوجهين فأهلوا بالحج ولأنه إذا لبى مع السير وافق قوله فعله ، وإذا لبى في مصلاه لم يوافق قوله فعله ، فكان ما قلناه أولى .

+ الشرح : حديث ابن عمر : ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلينحديث غريب ، ويغنى عنه ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة بعدما ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه ولم ينه عن شيء من الأزر والأردية يلبس إلا المزعفرة التي تردع الجلد ، حتى أصبح بذي الحليفة ركب راحلته ، حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه ثم ذكر تمام الحديث ، رواه البخاري في صحيحه وقوله : ( تردع الجلد ) أي تلطخه إذا لبست ، وهو بفتح التاء المثناة فوق وإسكان الراء ثم دال

191


192
مفتوحة ثم عين مهملتين قال أهل اللغة : الردع بالعين المهملة أثر من الطيب كالزعفران ، والرذع بالمعجمة الطين ، وقال أبو بكر بن المنذر : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين قال : وكان سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور وأصحاب الرأي ومن تبعهم يقولون : يلبس الذي يريد الإحرام إزارا ورداء ، هذا كلام ابن المنذر ، وثبت في الصحيحين من حديث ابن عميرة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن لم يجد النعلين : فليلبس خفين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين وثبت فيهما عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من لم يجد الإزار فليلبس السراويل ، ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين ومثله في صحيح مسلم من رواية جابر ، والله أعلم . وأما حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خيار ثيابكم ، وكفنوا فيها موتاكم فحديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح رواه أبو داود في كتاب اللباس والترمذي وابن ماجه في الجنائز ، وسبق ذكره بيانه في المهذب في باب هيئة الجمعة وغيره وأما حديث عائشة : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أم يحرم ، ولحله قبل أن يطوف بالبيت فرواه البخاري ومسلم في

192


193
صحيحيهما من طرق كثيرة ، وهو حديث مستفيض مشهور جدا ، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة أيضا من طرق قالت : كأنما أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم وفي بعض الروايات مفارق وفي بعضها وبيض المسك والمفارق جمع مفرق بكسر الراء هو وسط الرأس حيث ينفرق الشعر يمينا وشمالا ، والوبيص بالصاد المهملة وهو البريق واللمعان . وأما قوله : إن ابن عباس وجابرا رويا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين بذي الحليفة ، فحديث جابر صحيح رواه مسلم في صحيحه في جملة حديث جابر الطويل في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث عظيم الفوائد ، فيه مناسك ، ومعظمها ذكر فيه كل ما فعله صلى الله عليه وسلم من حين خروجه إلى فراغه ، رواه مسلم وأبو داود وغيرهما بطوله ، ولم يروه البخاري بطوله وأما حديث ابن عباس في صلاة الركعتين فرواه أبو داود وإسناده ليس بقوي ، وفي حديث جابر كفاية عنه ، وثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر أنه كان يأتي مسجد ذي الحليفة فيصلي ركعتين ثم يركب فإذا استوت به راحلته قائمة أهل ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما حديث ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل في دبر الصلاة فرواه أبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي وغيرهم قال البيهقي : هو ضعيف الإسناد لأن في إسناده خصيب الجزري ، قال : وهو غير قوي ، وكذا قاله غيره وقال الترمذي : هو حديث حسن وأما قول البيهقي : إن خصيبا غير قوي فقد خالفه فيه كثيرون من الحفاظ والأئمة المتقدمين في البيان فوثقه يحيى بن معين إمام الجرح والتعديل ، ووثقه أيضا محمد بن سعد . وقال النسائي فيه : هو صالح ، وقول الترمذي : إنه حسن لعله اعتضد عنده فصار بصفة الحسن التي سبق بيانها في مقدمة هذا الشرح . وأما حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رحتم إلى منى متوجهين فأهلوا بالحج فصحيح رواه مسلم في صحيحه بمعناه ، وثبت في صحيح البخاري عن جابر : إن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة إذا استوت راحلته وثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال : لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته وفي الصحيحين عن ابن عمر أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أدخل رجله في الغرز واستوت به ناقته أهل من مسجد ذي

193


194
الحليفة الغرز بفتح الغين المعجمة وإسكان الراء وبعدها زاي ركاب ، وكان كور البعير إذا كان من جلد أو خشب ، فإن كان من حديد فهو ركاب ، وقيل : يسمى غرزا من أي شيء كان . وثبت من الصحيحين عن ابن عمر أيضا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل حين استوت به راحلته قائمة وثبت في صحيح البخاري عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة فلما أصبح واستوت راحلته أهل وعن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بذي الحليفة ثم ركب راحلته فلما استوت به على البيداء أهل بالحج رواه مسلم ، فهذه أحاديث صحيحة قاطعة بترجح الإحرام عند ابتداء السير والله أعلم . ومن قال بترجح الإحرام عقب الصلاة احتج بحديث ابن عباس السابق ، وقد أشار ابن عباس في رواية له رواه البيهقي بإسناده عن محمد بن إسحق عن خصيف عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب فقال : إني لأعلم الناس بذلك ، إنها إنما كانت حجة واحدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن هناك اختلفوا ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجا ، فلما صلى في مسجده بذي الحليفة ركعتيه أوجبه في مجلسه أهل بالحج حين فرع من ركعتيه ، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه ، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل ، وأدرك ذلك منه أقوام ، وذلك أن الناس كانوا يأتون أرسالا فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا : إنما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استقلت به ناقته ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما علا على شرف البيداء أهل وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا : أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين علا شرف البيداء وأيم الله لقد أوجب في مصلاه ، وأهل حين استقلت به ناقته ، وأهل حين علا شرف البيداء قال البيهقي : خصيب غير قوي وقد سبق قريبا ذكر الاختلاف فيه ، والله أعلم . أما أحكام الفصل ففيه مسائل إحداها : السنة أن يحرم في إزار ورداء ونعلين ، هذا مجمع على استجابة كما سبق في كلام ابن المنذر ، وفي أي شيء أحرم جاز إلا الخف ونحوه

194


195
والمخيط كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى ، قال أصحابنا : ويستحب كون الإزار والرداء أبيضين ، لما ذكره المصنف ، قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والمتولي وصاحب البيان وآخرون من الطريقتين : الثوب الجديد في هذا أفضل من المغسول ، قالوا : فإن لم يكن جديد فمغسول وأما قول المصنف جديدين ونظيفين فقد يوهم أنهما سواء في الفضيلة ، ولكن يحمل كلامه على موافقة الأصحاب وتقدير كلامه جديدين وإلا نظيفين قال أصحابنا : ويكره له الثوب المصبوغ وقد ذكره المصنف في آخر هذا الباب ، وهناك ينبسط الكلام فيه بأدلته إن شاء الله تعالى . الثانية : يستحب أن يتطيب في بدنه عند إرادة الإحرام سواء الطيب الذي يبقى له جرم بعد الإحرام والذي لا يبقى ، وسواء الرجل والمرأة ، هذا هو المذهب ، وبه قطع جماهير الأصحاب في جميع الطرق ، وحكى الرافعي وجها : أن التطيب مباح لا مستحب ، وحكى القاضي أبو الطيب وآخرون قولا أنه لا يستحب للنساء التطيب بحال وحكى القاضي أبو الطيب وآخرون وجها أنه يحرم عليهم التطيب بما يبقى عينه ، وحكى صاحب البيان وغيره وجها في تحريم ما يبقى عينه على الرجل والمرأة وليس بشيء ، والصواب استحبابه مطلقا . قال القاضي أبو الطيب : هذا هو المنصوص للشافعي في كتبه ، قال : وبه قطع عامة الأصحاب . وسنبسط أدلته في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . قال أصحابنا : وسواء في استجابة المرأة الشابة والعجوز ، قالوا : والفرق بينه وبين الجمعة أنه يكره للنساء الخروج إليها متطيبات لأن مكان الجمعة يضيق ، وكذلك وقتها فلا يمكنها اجتناب الرجال بخلاف النسك . قال أصحابنا : فإذا تطيب فله استدامته بعد الإحرام بخلاف المرأة إذا تطيبت ثم لزمتها عدة فإنه يلزمها إزالة الطيب في أحد الوجهين ، لأن العدة حق آدمي فالمضايقة فيه أكثر ، ولو أخذ طيبا من موضعه بعد الإحرام ورده إليه أو إلى موضع آخر لزمته الفدية على المذهب ، وبه قطع الأكثرون ، وقيل : فيه قولان ، ولو انتقل الطيب من موضع إلى موضع بالعرق فوجهان أصحهما : لا شيء عليه لأنه تولد من مباح والثاني : عليه الفدية إن تركه لخروجه عن محل الإذن ، لأنه حصل بغير اختياره فصار كالناسي ، ولأن حصوله هناك تولد من فعله ، فهذا الوجه ضعيف عن الأصحاب . ولو مسه بيده عمدا فعليه الفدية ، ويكون مستعملا للطيب ابتداء . الثالثة : اتفق أصحابنا على أنه لا يستحب تطييب ثوب المحرم عند إرادة الإحرام ، وفي جواز تطييبه طريقان : أصحهما : وبه قطع المصنف والعراقيون جوازه ، فإذا طيبه ولبسه ثم أحرم واستدام لبسه جاز ولا فدية ، فإن نزعه ثم لبسه لزمه الفدية لأنه لبس ثوبا مطيبا بعد إحرامه والطريق الثاني : طريقة الخراسانيين فيه ثلاثة أوجه : أصحها : الجواز كما سبق قياسا على

195


196
البدن والثاني : التحريم ، لأنه يبقى على الثوب ولا يستهلك ويلبسه أيضا بعد نزعه ، فيكون مستأنفا للطيب في الإحرام والثالث : يجوز بما لا يبقى له جرم ولا يجوز بغيره . قالوا : فإن قلنا : يجوز فنزعه ثم لبسه ففي وجوب الفدية وجهان : أصحهما : عند البغوي وغيره الوجوب ، كما لو أخذ الطيب من بدنه ثم رده إليه والثاني : لا فدية لأن العادة في الثوب النزع واللبس فصار معفوا عنه . وحكى المتولي في طيب الثياب قولين : أحدهما : يستحب كما يستحب في البدن والثاني : أنه محرم ، وهذا الذي ذكره من الاستحباب غريب جدا ، هذا كله في تطيب ثياب الإحرام أما إذا طيب البدن فتعطر ثوبه فلا خلاف أنه ليس بحرام ، وأنه لا فدية عليه ، والله أعلم . فرع : قال الشافعي في الأم و المختصر : أحب للمرأة أن تختضب للإحرام واتفق الأصحاب على استحباب الخضاب لها ، قال أصحابنا : وسواء كان لها زوج أم لا لأن هذا مستحب بسبب الإحرام فلا فرق بينهما فأما إذا كانت تريد الإحرام فإن كان لها زوج استحب لها الخضاب في كل وقت لأنه زينة وجمال ، وهي مندوبة إلى الزينة والتجمل لزوجها كل وقت ، وإن كانت غير ذات زوج ولم ترد الإحرام كره لها الخضاب من غير عذر ، لأنه يخاف به الفتنة عليها وعلى غيرها بها ، وهذا كله متفق عليه عند أصحابنا ، وسواء في استحباب الخضاب عند الإحرام العجوز والشابة كما سبق في التطيب . قال أصحابنا : وحيث اختضبت تخضب يديها إلى الكوعين ولا تزيد عليه لأن ذلك القدر هو الذي يظهر منها قال أصحابنا : وتخضب الكفين تعميما ، ولا تطرف الأصابع ولا تنقش ولا تسود وقد سبق بيان هذا في باب طهارة البدن واتفق أصحابنا على أن الرجل منهي عن الخضاب ، قالوا : وكذلك الخنثى المشكل والله أعلم . قال أصحابنا : ويستحب للمرأة عند الإحرام أن تمسح وجهها أيضا بشيء من الحناء قال : والحكمة في ذلك وفي خضاب كفها أن يستتر لون البشرة ، لأنها تؤمر بكشف الوجه وقد ينكشف الكفان أيضا . قال أصحابنا : ولأن الحناء من زينة النساء فاستحب عند الإحرام كالطيب وترجيل الشعر ، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعي عمرتك وانفضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج وروى أبو داود في سننه بإسناده عن عائشة قالت : كنا نخرج

196


197
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سالت على وجهها فيراه النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا هذا حديث حسن رواه أبو داود بإسناد حسن . قال أصحابنا : ويكره للمرأة الخضاب بعد الإحرام ، لأنه من الزينة وهي مكروهة للمحرم ، لأنه أشعث أغبر . قال أصحابنا : فإذا اختضبت في الإحرام فلا فدية ، لأن الحناء ليس بطيب عندنا ، فإن اختضبت ولفت على يديها الخرق قال الشافعي في الأم : رأيت أن تفتدي ، وقال في الإملاء : لا يبين لي أن عليها الفدية قال القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل والأصحاب هذه الاختلاف من قول الشافعي مع تحريمه القفازين من هذين الكتابين ، يدل على أن قول الشافعي مع تحريمه القفازين فالموضع الذي أوجب فيه الفدية في الخرقة الملفوفة يدل على أن تحريم القفازين إنما كان لأمر إحرام المرأة يتعلق بوجهها وكفيها ، وإنما جوز لها ستر كفيها بكميها للحاجة إلى ذلك ، ولأنه لا يمكن الاحتراز من ذلك ودليل ذلك أن الكفين ليسا عورة فوجب كشفهما منها كالوجه . قالوا : والموضع الذي لم يوجب فيه الفدية في الخرق يدل على أنه إنما حرام القفازين لأنهما معمولان على قدر الكفين ، كما يحرم على الرجل الخفان . ودليل هذا أنه لما تعلق إحرامها بعضو تعلق تحريم المخيط بغيره كالرجل ، ولا يرد على هذا سائر بدنها لأنه عورة ، هذا نقل القاضي أبي الطيب وصاحب الشامل والأكثرين ، ولم يحك الشيخ أبو حامد نصه في الإملاء ، وإنما حكى نصه في الأم ، قال : إن لم يشد الخرقة فلا فدية وإلا فقولان كالقفازين ، وقطع آخرون بأن لف الخرق على يديها مع الحناء أو دونه لا فدية فيه . والحاصل ثلاث طرق ( المذهب ) أن لف الخرق مع الحناء وغيره على يدي المرأة لا فدية فيه والثاني : في وجوبها قولان ، والثالث : إن لم تشدها لا فدية وإلا فقولان ، وسنعيد المسألة في فصل تحريم اللباس من هذا الباب إن شاء الله تعالى . الرابعة : قال أصحابنا : يستحب أن يتأهب للإحرام مع ما سبق بحلق العانة ونتف الإبط ، وقص الشارب ، وقلم الأظفار ، وغسل الرأس بسدر أوخطمي ونحوهما ، وعجب كون المصنف أهمل هذا من المهذب ، مع أنه ذكره في التنبيه ، ومع أنه مشهور في كتب المذهب ويستحب أن يلبد رأسه بصمغ أو خطمي أو عسل ونحوها ، والتلبيد أن يجعل في رأسه شيئا من صمغ ونحوه ليتلبد شعره

197


198
فلا يتولد فيه القمل ولا يتشعث في مدة الإحرام . ودليل استجابة الأحاديث الصحيحة المشهورة في ذلك منها : حديث ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلل ملبدا رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره ميتا : اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ، ولا تمسوه بطيب ، ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبدا رواه البخاري ومسلم هكذا ملبدا فأما البخاري فرواه هكذا في رواية له في كتاب الجنائز ورواه مسلم في كتاب الحج هكذا من طرق ، ورويناه من أكثر الطرق ملبيا ولا مخالفة ، وكلاهما صحيح ، وعن حفصة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع ، قالت : فقلت : ما يمنعك أن تحل فقال : إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر هديي رواه البخاري ومسلم . الخامسة : يستحب أن يصلي ركعتين عند إرادة الإحرام ، وهذه الصلاة مجمع على استحبابها ، قال القاضي حسين والبغوي والمتولي والرافعي وآخرون : لو كان في وقت فريضة فصلاها كفى عن ركعتي الإحرام كتحية المسجد تندرج في الفريضة وفيما قالوه نظر ، لأنها سنة مقصودة ، فينبغي أن لا تندرج كسنة الصبح وغيرها ، قال أصحابنا : فإن كان في الميقات مسجد استحب أن يصليهما فيه ، ويستحب أن يقرأ فيهما بعد الفاتحة في الأولى :

﴿ قل يا أيها الكافرون وفي الثانية :

﴿ قل هو الله أحد فإن كان إحرامه في وقت من الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها فالأولى انتظار زوال وقت الكراهة ثم يصليها ، فإن لم يمكنه الانتظار فوجهان المشهور الذي قطع به الجمهور : تكره الصلاة ، ولا يكون الإحرام سببا لأنه متأخر وقد لا يقع فكرهت الصلاة كصلاة الاستخارة والاستسقاء والثاني : لا يكره حكاه البغوي وغيره ، وقطع به النبدنيجي لأن سببها إرادة الإحرام ، وقد وجدت ، وقد سبق بيان المسألة في باب الساعات

198


199
التي نهي عن الإحرام فيها ، والله أعلم . السادسة : هل الأفضل أن يحرم عقب صلاة الإحرام وهو جالس أم إذا انبعث به راحلته متوجهة إلى مقصدة حين ابتداء السير فيه قولان وهم مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما القديم : عقب الصلاة والأصح : نصه في الأم أن الأفضل حين تنبعث به دابته إلى جهة مكة إن كان راكبا ، أو حين يتوجه إلى الطريق إن كان ماشيا ، قال أصحابنا : وعلى القولين . يستحب استقبال الكعبة عند الإحرام لحديث ابن عمر في صحيح البخاري وغيره المصرح بذلك ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الطيب عند إرادة الإحرام . قد ذكرنا أن مذهبنا استجابة ، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء ، منهم سعد بن أبي وقاص ، وابن عباس وابن الزبير ومعاوية وعائشة وأم حبيبة وأبو حنيفة والثوري وأبو يوسف وأحمد وإسحق وأبو ثور وابن المنذر وداود وغيرهم . وقال عطاء والزهري ومالك ومحمد بن الحسن : يكره ، قال القاضي عياض : حكي أيضا عن جماعة من الصحابة والتابعين ، واحتج لهم بحديث يعلى بن أمية قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل وهو بالجعرانة وعليه جبة ، وعليه أثر الخلوق فقال : يا رسول الله كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اخلع عنك هذه الجبة ، واغسل عنك أثر الخلوق ، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك رواه البخاري ومسلم ، قالوا : ولأنه في معنى المتطيب بعد إحرامه يمنع منه . واحتج أصحابنا بحديثي عائشة رضي الله عنها السابقين ، وهما صحيحان رواهما البخاري ومسلم كما سبق ، ولأن الطيب معنى يراد للاستدامة فلم يمنع الإحرام من استدامته كالنكاح . الجواب : عن حديث يعلى من أوجه أحدها : أن هذا الخلوق كان في الجبة لا في البدن ، والرجل منهي عن التزعفر في كل الأحوال ، قال أصحابنا : ويستوي في النهي عن المرعفر الرجل الحلال والمحرم ، وقد سبق بيانه واضحا في باب ما يكره لبسه . الجواب الثاني : أن خبرهم متقدم وخبرنا متأخر فكان العمل على المتأخر ، وإنما قلنا ذلك لأن خبرهم بالجعرانة كان عقب فتح مكة سنة

199


200
ثمان من الهجرة ، وخبرنا كان عام حجة الوداع بلا شك ، وحجة الوداع كانت سنة عشر من الهجرة ، وإنما قلنا : إنه كان عام حجة الوداع لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد الهجرة غيرها بالإجماع فإن قيل : فلعل عائشة أرادت بقولها : أطيبه لإحرامه أي إحرامه للعمرة قلنا : هذا غلط وغباوة ظاهرة ، وجهالة بينة ، لأنها قالت : كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت ولا خلاف أن الطيب يحرم على المعتمر قبل الطواف وبعده حتى تفرغ عمرته ، وإنما يباح الطيب قبل طواف الزيارة في الحج فتعين ما قلناه . الجواب الثالث : أنه يحتمل أنه استعمل الطيب بعد إحرامه فأمر بإزالته ، وفي هذا الجواب جمع بين الأحاديث فيتعين المصير إليه وأما قولهم : هو في معنى المتطيب بعد إحرامه فيبطل بعد إحرامه فيبطل عليهم بالنكاح والله أعلم . واعلم أن القاضي عياضا وممن يقول بكراهة الطيب تأولوا حديث عائشة على أنه تطيب ثم اغتسل بعده فذهب الطيب قبل الإحرام قالوا : ويزيد هذا قولها في الرواية الأخرى : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إحرامه ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرما هكذا ثبت في رواية لمسلم فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه ، ثم زال بالغسل بعده . لا سيما وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى ، ولا يبقى مع ذلك طيب ويكون قولها : ثم أصبح ينضح طيبا كما ثبت في رواية لمسلم أي أصبح ينضح طيبا قبل غسله ، وقد ثبت في رواية لمسلم أن ذلك الطيب كان دريرة ، وهي مما يذهبه الغسل ، قالوا : وقولها : كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم المراد أثره لا جرمه هذا اعتراضهم ، والصواب ما قاله الجمهور من استحباب الطيب للإحرام لقولها : طيبته لإحرامه هذا ظاهر في أن التطيب للإحرام لا للنساء ، ويعضده قولها : كأني أنظر إلى وبيص الطيب وتأويلهم المذكور غير مقبول لمخالفته الظاهر بغير دليل يحملنا عليه والله أعلم .

200


201
فرع : في مذاهبهم في الوقت المستحب للإحرام . قد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه يستحب إحرامه عند ابتداء السير وانبعاث الراحلة ، وبه قال مالك والجمهور من السلف والخلف ، وقال أبو حنيفة وأحمد وداود : إذا فرغ من الصلاة . وقد سبقت الأحاديث الدالة للمذهبين واضحة ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وينوي الإحرام ولا يصح الإحرام إلا بالنية ، لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى ولأنه عبادة محضة ، فلم يصح من غير نية كالصوم والصلاة ، ويلبي لنقل الخلف عن السلف ، فإن اقتصر على النية ولم يلب أجزاه ، وقال أبو إسحاق وأبو عبد الله الزبيري : لا ينعقد إلا بالنية والتلبية ، كما لا تنعقد الصلاة إلا بالنية والتكبير ، والمذهب الأول لأنها عبادة لا يجب النطق في آخرها ، فلم يجب النطق في أولها كالصوم .

+ الشرح : حديث إنما الإعمال بالنيات رواه البخاري مسلم من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وسبق بيانه واضحا في أول باب نية الوضوء وقوله : عبادة محضة احتراز من الأذان والعدة ونحوهما ، والسلف الصدر الأول والخلف من بعدهم ، وسبق بيانه في باب صفة الصلاة ، وأبو عبد الله الزبيري من أصحابنا المتقدمين سبق بيان حاله في باب الحيض . وقوله : لا يجب النطق في آخرها احتراز من الصلاة . أما الأحكام : فقال أصحابنا : ينبغي لمريد الإحرام أن ينويه بقلبه ويلفظ بذلك بلسانه ، ويلبي فيقول بقلبه ولسانه : نويت الحج وأحرمت به لله تعالى ، لبيك اللهم لبيك إلى آخر التلبية ، فهذا أكمل ما ينبغي له ، فالإحرام هو النية بالقلب ، وهي قصد الدخول في الحج أو العمرة أو كليهما هكذا صرح به البندنيجي والأصحاب وأما اللفظ بذلك فمسحب لتوكيد ما في القلب كما سبق في نية الصلاة ونية الوضوء ، فإن اقتصر على اللفظ دون القلب لم يصح إحرامه ، وإن اقتصر على القلب دون لفظ اللسان صح إحرامه كما سبق هناك أما إذا لبى ولم ينو فنص الشافعي في رواية الربيع أنه يلزمه ما لبى به ، وقال الشافعي في مختصر المزني : وإن لم يرد حجا ولا عمرة فليس بشيء ، وللأصحاب طريقان المذهب القطع بأنه لا ينعقد إحرامه ، وتأولوا رواية الربيع على من أحرم مطلقا ، ثم تلفظ بنسك معين ولم ينوه فيجعل لفظه تعيينا للإحرام المطلق ، وبهذا الطريق قطع الجمهور .

201


202
والطريق الثاني : إمام الحرمين ومتابعوه أن المسألة على قولين : أصحهما : لا ينعقد إحرامه الثاني : ينعقد ويلزمه ما سمي لأنه التزمه بالتسمية ، قالوا : وعلى هذا لو أطلق التلبية انعقد الإحرام مطلقا يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قران ، وهذا القول ضعيف جدا بل غلط ، قال إمام الحرمين : لا أعرف له وجها ، قال : فإن تكلف له متكلف وقال : من ضرورة تجريد القصد إلى التلبية مع انتفاء سائر المقاصد سوى الإحرام أن يجزىء في الضمير قصد الإحرام قلنا : هذا ليس بشيء لأنه إذا فرض هذا فهو إحرام بنية ، ولا خلاف في انعقاد الإحرام بالنية قلت : والتأويل المذكور أولا ضعيف جدا لأنا سنذكر قريبا إن شاء الله تعالى أن الإحرام المطلق لا يصح صرفه إلا بنية . واعلم أن نصه في المتخصر المزني محتاج إلى قيد آخر ، ومعناه لم يرد حجا ولا عمرة ، ولا أصل الإحرام والله أعلم . هذا كله إذا لبى ولم ينو فلو نوى ولم يلب ففيه أربعة أوجه أو أقوال . الصحيح : المشهور من نصوص الشافعي ، وبه قطع جمهور أصحابنا المتقدمين والمتأخرين ينعقد إحرامه والثاني : لا ينعقد ، وهو قول أبي عبد الله الزبيري وابن علي خيران وأبي علي بن أبي هريرة وأبي العباس بن القاص ، وحكاه إمام الحرمين وغيره قولا قديما الثالث : حكاه الشيخ أبو محمد الجويني وغيره قولا للشافعي أنه لا ينعقد إلا بالتلبية أو سوق الهدي وتقليده والتوجه معه الرابع : حكاه الحناطي وغيره قولا للشافعي أن التلبية واجبة وليست بشرط للانعقاد ، فإن نوى ولم يلب انعقد وأثم ولزمه دم ، والمذهب الأول ، فعلى المذهب قال الشافعي والأصحاب : الاعتبار بالنية ، فلو لبى بحج ونوى عمرة فهو معتمر ، وإن لبى بعمرة ونوى حجا فهو حاج ، وإن لبى بأحدهما ونوى القران فقارن ، ولو لبى بهما ونوى أحدهما انعقد ما نوى فقط ، وقد سبق هذا مع نظائره في نية الوضوء . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور أن الإحرام ينعقد بالنية دون التلبية ، ولا ينعقد بالتلبية بلا نية ، وقال داود وجماعة من أهل الظاهر : ينعقد بمجرد التلبية وقال داود : ولا تكفي النية بل لا بد من التلبية ورفع الصوت بها ، وقال أبو حنيفة : لا ينعقد الإحرام إلا بالنية مع التلبية أو مع سوق الهدي واحتج لهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم وقال صلى الله عليه وسلم : لتأخذوا عني مناسككم . واحتج داود لوجوب رفع الصوت بالتلبية بحديث خلاد بن السائب

202


203
الأنصاري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو قال بالتلبية رواه أحمد بن حنبل وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، وهذا لفظ أبي داود ، ولفظ النسائي : جاءني جبريل فقال لي : يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية واستدل أصحابنا بما ذكره المصنف ، وحملوا أحاديث التلبية على الاستحباب والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وله أن يعين ما يحرم به من الحج أو العمرة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالحج ، فإن أهل بنسك ونوى غيره انعقد ما نواه ، لأن النية بالقلب وله أن يحرم إحراما مبهما ، لما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : كيف أهللت قال : قلت : لبيك بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أحسنت الأفضل قولان : قال في الأم التعيين أفضل لأنه إذا عين عرف ما دخل فيه . الثاني : إن الإبهام أفضل لأنه أحوط ، فإنه ربما عرض مرض أو إحصار فيصرفه إلى ما هو أسهل عليه ، وإن عين انعقد ما عينه والأفضل أن لا يذكر ما أحرم به في تلبيته على المنصوص ، لما روى نافع قال : سئل ابن عمر أيسمى أحدنا حجا أو عمرة فقال : أتنبئون الله بما في قلوبكم إنما هي نية أحدكم ، ومن أصحابنا من قال : الأفضل أن ينطق به ، بما روى أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لبيك بحجة وعمرة ولأنه إذا نطق به كان أبعد من السهو ، فإن أبهم الإحرام جاز أن يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة ، لأنه يصلح لهما فصرفه إلى ما شاء منهما .

203


204

+ الشرح : حديث أبي موسى رواه البخاري ومسلم ، والأثر المذكور عن ابن عمر صحيح رواه البيهقي بإسناد صحيح وأما حديث أنس وحديث إحرام النبي صلى الله عليه وسلم بحج فصحيحان سبق بيانهما في مسألة الإفراد والتمتع والقران ، وذكر الجمع بينهما وقد ينكر على المصنف احتجاجه بحديث أبي موسى لجواز إطلاق الإحرام ، فإنه ليس فيه إطلاق وإبهام ، وإنما في تعليق إحرامه بإحرام غيره ، وهي مسألة التي ذكرها المصنف بعد هذه ويجاب عنه بأنه يحصل به الدلالة لأنه إذا دل بجواز التعليق مع ما فيه من الغرر ، ومخالفة القواعد فالإطلاق أولى والله أعلم . أما الأحكام : ففيه مسائل إحداها : للإحرام حالان أحدهما : أن ينعقد معينا بأن ينوي الحج أو العمرة أو كليهما ، فينعقد ما ينوي لقوله صلى الله عليه وسلم : إنما الأعمال بالنيات فلو أحرم بحجتين ألأ عمرتين انعقدت إحداهما فقط ، ولم تلزمه الأخرى ، وقد سبقت المسألة وذكرنا مذهب أبي حنيفة فيها في الباب الأول ، الثاني : أن ينعقد مطلقا ويسمى المطلق مبهما كما نوى ، ثم ينظر فإن أحرم في أشهر الحج فله صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قران ، ويكون الصرف بالنية لا باللفظ ، ولا يجزئه العمل قبل النية ، فلو طاف أو سعى لم يعتد به قبل النية ، وإن أحرم قبل الأشهر فإن صرفه إلى العمرة جاز . وإن صرفه إلى الحج بعد دخول الأشهر فوجهان الصحيح : لا يجوز ، بل انعقد إحرامه عمرة والثاني : يجوز صرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو قران ، وعلى هذا يكون إحرامه قد وقع مطلقا أما إذا صرفه إلى الحج قبل الأشهر فهو كمن أحرم بالحج قبل الأشهر وقد سبق بيانه . المسألة الثانية : هل الأفضل إطلاق الإحرام أو تعيينه فيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : نصه في الأم أن التعيين أفضل والثاني : نصه في الإملاء أن الإطلاق أفضل . فعلى الأول هل يستحب التلفظ في تلبيته بما عينه بأن يقول : لبيك اللهم بحج أو لبيك اللهم بعمرة أو بحج وعمرة فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : لا يستحب ، بل يقتصر على النية والتلبية ، وهذا هو المنصوص كما ذكره المصنف وصححه الأصحاب ، هكذا أطلق الجمهور المسألة ، وقال الشيخ أبو محمد الجويني : هذا الخلاف فيما سوى التلبية الأوى التي عند ابتداء الإحرام فيستحب أن يسمى فيها ما أحرم به من حج أو عمرة وجها واحدا ، قال : و يجهر بهذه التلبية بل يسمعها نفسه بخلاف ما بعدها فإنه يجهر . المسألة الثالثة : إذا نوى بقلبه حجا

204


205
ولبى بعمرة أو عكسه انعقد ما في قلبه دون لسانه ، وقد سبقت المسألة قريبا بفروعها واضحة .

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن قال : إهلالا كإهلال فلان انعقد إحرامه بما عقد به فلان إحرامه ، فإن مات الرجل الذي علق إهلاله بإهلاله أو جن ولم يعلم ما أهل به ، يلزمه أن يقرن ليسقط ما لزمه بيقين ، فإن بان أن فلانا لم يحرم انعقد إحراما مطلقا فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة ، لأنه عقد الإحرام ، وإنما علق عين النسك على إحرام فلان فإذا سقط إحرام فلان بقي إحرامه مطلقا فيصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة .

+ الشرح : قال أصحابنا : إذا أحرم عمرو بما أحرم به زيد جاز بلا خلاف ، لحديث أبي موسى الأشعري السابق ثم لزيد أحوال أربعة أحدها : أن يكون محرما ويمكن معرفة ما أحرم به ، فينعقد لعمرو مثل إحرامه إن كان حجا فحج ، وإن كان عمرة فعمرة ، وإن كان قرانا فقران ، وإن كان زيد أحرم بعمرة بنية التمتع كان عمرو محرما بعمرة ، ولا يلزمه التمتع ، وإن كان إحرام زيد مطلقا ، انعقد إحرام عمرو مطلقا ، ويتخيز كما يتحير زيد ، ولا يلزمه الصرف إلى ما يصرف إليه زيد ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور وحكى الرافعي وجها أنه تلزمه موافقته في الصرف ، والصواب الأول قال البغوي : إلا إذا أراد إحراما كإحرام زيد بعد تعيينه فيلزمه أما إذا كان إحرام زيدا فاسدا فوجهان أحدهما : لا ينعقد إحرام عمرو لأن الفاسد لاغ وأصحهما : انعقاده ، قال القاضي أبو الطيب : وهذان الوجهان كالوجهين فيمن نذر صلاة فاسدة ، هل ينعقد نذره بصلاة صحيحة أم لا ينعقد والصحيح لا ينعقد نذره . أما إذا كان زيد أحرم مطلقا ثم عينه قبل إحرام عمرو فوجهان أصحهما : ينعقد إحرام عمرو مطلقا والثاني : معينا ، وبه قال ابن القفال ، ويجري الوجهان فيما لو أحرم زيد بعمرة ثم أدخل عليها الحج فعلى الأول يكون عمرو معتمرا وعلى الثاني قارنا والوجهان : فيما إذا لم يخطر التشبيه بإحرام زيد في الحال ولا في أوله فإن خطر التشبيه لإحرام زيد في الحال فالاعتبار بما خطر بلا خلاف . ولو أخبره زيد بما أحرم به ووقع في نفسه خلافه فهل يعمل بخبره أم بما وقع في نفسه فيه وجهان حكاهما الدارمي أقيسهما : بخبره . ولو قال له : أحرمت بالعمرة فعمل بقوله فبان أنه كان محرما بالحج ، فقد بان إحرام عمرو كان منعقدا بحج ، فإن قلت : تحلل

205


206
وأراق دما ، وهل الدم في ماله أم في مال زيد فيه وجهان الأصح : في ماله . ممن حكى الوجهين الدارمي والرافعي ، والحال الثاني : أن لا يكون زيد محرما أصلا فينظر إن كان عمرو جاهلا به انعقد إحرامه مطلقا ، لأنه جزم بالإحرام ، وإن كان عمرو عالما بأنه غير محرم بأن علم موته فطريقان المذهب : والمنصوص الذي قطع به الجمهور انعقاد إحرام عمرو مطلقا والثاني : على وجهين أصحهما : هذا والثاني : لا ينعقد أصلا حكاه الدارمي عن ابن القفال وحكاه آخرون ، كما لو قال : إن كان زيد محرما فقد أحرمت فلم يكن محرما والصواب : الأول . ويخالف قوله : إن كان زيد محرما فإنه تعليق وصل الإحرام فلهذا يقول : إن كان زيد محرما ، فهذا المعلق وإلا فلا وأما ههنا فأصل الإحرام مجزوم به . قال الرافعي : وأحجوا للمذهب بصورتين نص عليهما في الأم إحداهما : لو استأجره رجلان ليحج عنهما ، فأحرم عنهما لم ينعقد عن واحد منهما ، وانعقد عن الأجير ، لأن الجمع بينهما متعذر فلغت الإضافة ، وسواء كانت الأجارة في الذمة أو على العين ، لأنه وإن كان إحدى إجارتي العين فاسدة إلا أن الإحرام عن غيره لا يتوقف على صحة الإجارة الصورة الثانية : لو استأجر رجلا ليحج عنه فأحرم عن نفسه وعن المستأجر لغت الإضافتان ، وبقي الإحرام للأجير ، فلما لغت الإضافة في الصورتين وبقي أصل الإحرام جاز أن يلغوها التشبيه ويبقى أصل الإحرام . الحال الثالث : : أن يكون زيد محرما وتتعذر مراجعته لجنون أو موت أو غيبة ، ولهذه المسألة المقدمة وهي إن إحرم بأحد النسكين ثم نسيه قال في القديم : أن أن يقرن ، وإن تحرى رجوت أن يجزئه وقال في الجديد : هو قارن ، وللأصحاب فيه طريقان أحدهما : القطع بجواز التحري ، وتأويل الجديد على ما إذا شك هل أحرم بأحد النسكين أم قرن وأصحهما : وبه قطع الجمهور أن المسألة على قولين : القديم جواز التحري ، ويعمل بظنه ، والجديد لا يجوز التحري ، بل يتعين أن يصير نفسه قارنا كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، فإذا تعذر معرفة إحرام زيد فطريقان أحدهما : يكون عمرو كم نسي ما أحرم به ، وفيه الطريقان ، وبهذا الطريق قطع الدارمي والطريق الثاني : وهو المذهب ، وبه قطع الجمهور من العراقيين وغيرهم ، لا يتحرى بحال ، بل يلزمه القران ، وحكوه عن نصه في القديم ، وليس في الجديد ما يخالفه ، والفرق أن الشك في مسألة النسيان وقع عن فعله ، فلا سبيل إلى التحري بخلاف إحرام زيد . فرع : هذا الذي ذكرناه من الأحوال الثلاثة لزيد هو فيما إذا أحرم عمرو في الحال بإحرام كإحرام زيد ، أما إذا علق إحرامه فقال : إذا أحرم زيد فأنا محرم فلا يصح إحرامه ،

206


207
كما لو قال : إذا جاء رأس الشهر فأنا محرم ، هكذا نقله البغوي وآخرون ، وذكره ابن القطان والدارمي والشاشي في المعتمد في صحة الإحرام المعلق بطلوع الشمس ونحوه وجهين ، قال ابن القطان والدارمي : أصحهما : لا ينعقد قال الرافعي : وقياس تجويز تعليق أصل الإحرام بإحرام الغير تجويز هذا ، لأن التعليق موجود في الحالين إلا أن هذا تعليق بمستقبل ، وذاك تعليق بحاضر ، وما يقبل التعليق من العقود يقبلها جميعا والله أعلم . قال الروياني في البحر : لو قال : أحرمت كإحرام زيد وعمرو فإن كانا محرمين بنسك متفق كان كأحدهما ، وإن كان أحدهما بعمرة والآخر بحج كان هذا المعلق قارنا . وكذا إن كان أحدهما قارنا ، قال : فلو قال كإحرام زيد الكافر ، وكان الكافر قد أتى بصورة إحرام ، فعل ينعقد له ما أحرم به الكافر أم ينعقد مطلقا فيه وجهان ، وهذا الذي حكاه ضعيف أو غلط ، بل الصواب انعقاده مطلقا ، قال الروياني : قال أصحابنا : لو قال : أحرمت يوما أو يومين انعقد مطلقا كالطلاق . ولو قال : أحرمت بنصف نسك انعقد بنسك كالطلاق ، وفيما نقله نظر ، وينبغي أن لا ينعقد لأنه من باب العبادات والنية الجارية الكاملة شرط فيها بخلاف الطلاق ، فإنه مبني على الغلبة والسراية ، ويقبل الإخطار ويدخله التعليق ، والله أعلم . فرع : إذا أحرم عمرو كإحرام زيد فأحصر زيد وتحلل ، لم يجز لعمرو أن يتحلل بمجرد ذلك ، بل إن وجد عمرو في إحصار أو غيره مما يبيح له التحلل تحلل ، وإلا فلا ، ولو ارتكب زيد محظورا في إحرامه فلا شيء على عمرو بذلك . فرع : إذا أحرم بحج أو عمرة وقال في نيته : إن شاء الله ، قال الدارمي : قال القاضي أبو حامد : ينعقد إحرامه ، هذا نقل الدارمي ، والصواب أن الحكم فيه كما سبق في كتاب الصوم فيمن نوى الصوم وقال : إن شاء الله ، وقد ذكر القاضي أبو الطيب في تعليقه المسألة هنا فقال : لو قال : أنا محرم إن شاء الله قال القاضي أبو حامد : ينعقد إحرامه في الحال ، ولا يؤثر فيه الاستثناء ، قال : فقيل له : أليس لو قال لعبده : أنت حر إن شاء الله صح استثناؤه فيه فقال : الفرق أن الاستثناء يؤثر في النطق ولا يؤثر في النيات ، والعتق ينعقد بالنطق ، ولذلك أثر الاستثناء فيه ، والإحرام ينعقد بالنية فلم يؤثر الاستثناء فيه ، فقيل له : أليس لو قال لزوجته : أنت خلية إن شاء الله ونوى الطلاق أثر الاستثناء فيه فقال : الفرق أن الكناية مع النية في الطلاق كالصريح ، فلهذا صح الاستثناء فيه ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أحرم بحجتين أو عمرتين لم ينعقد الأحرام بهما ، لأنه لا يمكن المضي فيهما وتنعقد إحداهما لأنه يمكنه المضي في إحداهما ، قال في

207


208
الأم : ولو استأجره رجلان ليحج عنهما فأحرم عنهما إحرامه عن نفسه ، لأنه لا يمكن الجمع بينهما ، ولا تقديم أحدهما على الآخر فتعارضا وسقطا ، وبقي إحرام مطلق فانعقد له ، ولو استأجره رجل ليحج عنه فأحرم عنه وعن نفسه انعقد الإحرام عن نفسه ، لأنه تعارض التعيينان فسقطا وبقي إحرام مطلق فانعقد له .

+ الشرح : هذه المسائل صحيحة ذكرها الشافعي والأصحاب كما ذكرنا المصنف ، وقد سبق بيان مسألة الإحرام بحجتين أو عمرتين في الباب الأول في مسألة لا يجوز الإحرام بالحج إلا في أشهره ، وذكرنا بعدها تعليل مذاهب العلماء فيها وأما مسألتا الأجير فسبقتا قريبا في الحال الثاني من الأحوال الثلاث التي في تعليق الإحران بإحرام زيد ، وسبقتا أيضا في فصل الاستئجار للحج والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أحرم بنسك معين ثم نسيه قبل أن يأتي بنسك ففيه قولان قال في الأم : أن يقرن لأنه شك لحقه بعد الدخول في العبادة ، فيبني فيه على اليقين كما لو شك في عدد ركعاب الصلاة وقال في القديم : يتحرى لأنه يمكن أن يدرك بالتحري فيتحرى فيه كالقبلة فإذا قلنا يقرن لزمه أن ينوي القران ، فإذا قرن أجزأه ذلك على الحج ، وهل يجزئه عن العمرة وإن قلنا يجوز إدخال العمرة على الحج أجزأه عن العمرة أيضا ، وإن قلنا : لا يجوز ففيه وجهان أحدهما : لا يجزئه ، لأنه يجوز أن يكون أحرم بالحج وأدخل عليه العمرة فلم يصح ، وإذا شك لم يسقط الفرض والثاني : أنه يجزئه لأن العمرة إنما لا يجوز إدخالها على الحج من غير حاجة ، وههنا به حاجة إلى إدخال العمرة على الحج والمذهب الأول . فإن قلنا : إنه يجزئه عن العمرة لزمه الدم ، لأنه قارن وإن قلنا : لا يجزئه عن العمرة فهل يلزمه دم فيه وجهان أحدهما : لا دم عليه ، وهو المذهب لأنا لم نحكم له بالقران فلا يلزمه دم والثاني : يلزمه دم لجواز أن يكون قارنا فوجب عليه الدم احتياطا ، وإن نسي بعد الوقوف وقبل طواف القدوم ، فإن نوى القران وعاد قبل طواف القدوم أجزأه الحج ، لأنه إن كان حاجا أو قارنا فقد انعقد إحرامه بالحج ، وإن كان معتمرا فقد أدخل الحج على العمرة قبل طواف العمرة ، فصح حجه ولا يجزئه عن العمرة ، لأن إدخال العمرة على الحج لا يصح في أحد القولين ، ويصح في الآخر ما لم يقف بعرفة ، فإذا وقف بعرفة لم يصح فلم يجزئه وإن نسي بعد طواف القدوم وقبل الوقوف فإن قلنا : إن إدخال العمرة على الحج لا يجوز لم يصح له الحج ولا العمرة لأنه يحتمل أنه كان معتمرا

208


209
فلا يصح إدخال الحج على العمرة بعد الطواف ، فلم يسقط فرض الحج مع الشك ، ولا تصح العمرة لأنه يحتمل أن لا يكون أحرم بها أو أحرم بها بعد الحج فلا يصح ، وإن قلنا : إنه يجوز إدخال العمرة على الحج لم يصح له الحج ، لجواز أن يكون أحرم بالعمرة وطاف لها ، فلا يجوز أن يدخل الحج عليها ، وتصح له العمرة لأنه أدخلها على الحج قبل الوقوف فإن أراد أن يجزئه الحج طاف وسعى لعمرته ويحلق ، ثم يحرم بالحج ويجزئه ، لأنه إن كان معتمرا فقد حل من العمرة وأحرم بالحج ، وإن كان حاجا أو قارنا ، فلا يضره تجديد الإحرام بالحج ، ويجب عليه دم واحد ، لأنه إن كان معتمرا فقد حلق في وقته وصار متمتعا ، فعليه دم التمتع دون دم الحلق ، وإن كان حاجا فقد حلق في غير وقته ، فعليه دم الحلق دون دم التمتع وإن كان قارنا فعليه دم الحلق ودم القران ، فلا يجب عليه دمان بالشك ، ومن أصحابنا من قال : يجب عليه دمان احتياطا وليس بشيء .

+ الشرح : إذا أحرم بنسك ، ثم نسيه وشك هل هو حج أم عمرة أو حج وعمرة فقد قال الشافعي في القديم : أحب أن يقرن ، وإن تحرى رجوت أن يجزئه . وقال في كتبه الجديدة : هو قارن . وفي المسألة طريقان حكاهما الرافعي أحدهما : القطع بجواز التحري ، وتأويل الجديد على ما إذا شك هل أحرم بأحد النسكين أم قرن و والطريق الثاني : وهو الصحيح المشهور وهو الذي اقتصر عليه المصنف والجمهور أن المسألة على قولين : أحدهما : قوله القديم : يجوز التحري بل يقرن ، وهذا نص الشافعي في الأم و الإملاء ، قال المحاملي : هو نصه في كتبه الجديدة والإملاء و المختصر . قال أصحابنا : فإذا قلنا بالقديم تحري ، فإن غلب على ظنه أحدهما بأمارة عمل بمقتضى ذلك ، سواء كان الذي ظنه حجا أو عمرة ، قالوا : ولا يحتاج إلى نية ، بل يعمل على ما أدى إليه اجتهاده ، قال أصحابنا : وعلى هذا القديم يستحب أن لا يتحرى ، بل ينوي القران ، هكذا صرح به أصحابنا في الطريقتين ، ونص عليه الشافعي في القديم ، فإنه قال في القديم : إذا أحرم بنسك ثم نسيه ، فأحب أن يقرن لأن القران يشتمل على ما فعله ، قال : فإن تحرى رجوت أن يجزئه إن شاء الله تعالى ، هذا نصه ، وكذا نقله المحاملي في كتابيه والبغوي وآخرون عن القديم ، قال الشافعي والأصحاب : فإذا قلنا بالقديم فتحرى فأدى اجتهاده إلى شيء عمل بمقتضاه وأجزأه ذلك النسك ، هذا هو الصواب تفريعا على القديم ، وحكى جماعة منهم الرافعي وجها أنه لا يجزئه النسك ، بل 210

209


210
فائدة التحري التخلص من الإحرام وهذا بإسناد ضعيف جدا . أما إذا قلنا بالجديد فللشك حالان أحدهما : أن يعرض قبل عمل شيء من أفعال الحج ، فلفظ الشافعي أنه قارن ، قال الأصحاب : معنا أنه ينوي القران ويصير نفسه قارنا ، ولا بد من نية ، هذا هو الصواب ، وبه قطع المصنف والجماهير ، وفيه قول أنه يصير قارنا بلا نية ، وهو ظاهر نص الشافعي الذي ذكرناه ، وكذا نقله المزني عن الشافعي في المختصر فقال : إذا لبى بأحدهما ثم نسيه فهو قارن ، وكذا لفظ المصنف في التنبيه فإنه قال : يصير قارنا ، وتأول الجمهور نقل المزني على أن يصير نفسه قارنا بأن ينوي القران ، وكذا يتأول كلام المصنف في التنبيه . قال أصحابنا : ثم إذا نوى القران ، وأتى بالأعمال تحلل من إحرامه ، وبرئت ذمته من الحج بيقين وأجزأه عن حجة الإسلام ، لأنه إن كان محرما بالحج لم يضره تجديد نية العمرة بعده ، سواء قلنا : يصح إدخالها عليه أم لا ، وإن كان محرما بالعمرة ، فإدخال الحج عليها قبل الشروع في أعمالها جائز فثبت له الحج بلا خلاف وأما العمرة فإن جوزنا إدخالها على الحج أجزأته أيضا عن عمرة الإسلام وإلا فوجهان أصحهما : تجزئه ، والثاني : لا تجزئه ، قال أبو إسحاق المروزي وقد ذكر المصنف دليلهما وزيف الأصحاب قول أبي إسحاق المروزي هذا ، وبالغوا في إبطاله ولم يذكره المتولي والبغوي وآخرون فإن قلنا : يجزئه العمل لزمه دم القران ، فإن لم يجده لزمه صومه ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع وإن قلنا : لا يجزئه الدم فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح لا يلزمه والثاني : يلزمه ، ووجهه مع شدة ضعفه أن نية القران وجدت ، وهي موجبة للدم إلا أنا لم نعتد بالعمرة احتياطا للعبادة والاحتياط في الدم وجوبه ، وهذا الاستدلال أحسن من استدلال المصنف . واعلم أن قول الأصحاب : يجعل نفسه قارنا . وقول المصنف : يلزمه أن ينوي القران ليس المراد بجميعه تحتم وجوب القران ، فإنه لا يجب بلا خلاف ، وإنما الواجب نية الحج ، قال إمام الحرمين لم يذكر الشافعي رحمه الله القران على معنى أنه لا بد منه ، بل ذكره ليستفيد به الشاك التحلل مع براءة الذمة من النسكين ، قال : فلو اقتصر بعد النسيان على الإحرام بالحج وأتى بأفعاله حصل التحلل قطعا ، وتبرأ ذمته من الحج ، ولا تبرأ من العمرة لاحتمال أنه أحرم ابتداء بالحج ، وكذا قال المتولي : لو لم ينو القران ، ولكن قال : صرفت إحرامي إلى الحج حسب له الحج لأنه إن كان محرما بالحج فقد حدد إحراما به فلا يضره ، وإن كان محرما بالعمرة فقد أدخل الحج عليها قبل الطواف ، قال : ويستحب له

210


211
أن يريق دما لاحتمال أن إحرامه كان بعمرة فيكون قارنا . قال : ولو قال : صرفت إحرامي إلى عمرة لم ينصرف إليها ، وإذا أتى بأعمالها لا تحسب له العمرة ولا يتحلل ، لاحتمال أنه محرم بحج أو قران ، أما إذا اقتصر على الإحرام بالعمرة وأتى بأعمال القران فيحصل له التحلل بلا شك ، وتبرأ ذمته من العمرة إن قلنا بجواز إدخالها على الحج ، وإلا فلا تبرأ منها ، ولا يبرأ من الحج على كل قول لاحتمال أنه أحرم أولا بعمرة والله أعلم ، ولو لم يجدد إحراما بعد النسيان ، بل اقتصر على عمل الحج حصل التحلل ولا تبرأ ذمته من الحج ولا من العمرة لشكه فيما أتى به ولو اقتصر على عمل عمرة لم يحصل التحلل لاحتمال أنه أحرم بالحج ولم يتم أعماله والله أعلم . الحال الثاني : أن يعرض الشك بعد فعل شيء من أعمال النسك وهو ثلاثة أضرب . الضرب الأول : أن يعرض بعد الوقوف بعرفة وقبل الطواف ، فيجزئه الحج لأنه إن كان محرما به فذاك ، وإن كان محرما بالعمرة فقد أدخله عليها قبل الطواف ، وذلك جائز ولا تجزئه العمرة إذا قلنا بالمذهب : إنه لا يجوز إدخالها على الحج بعد الوقوف ، وقبل الشروع في أسباب التحلل فأما إن قلنا بجواز إدخال العمرة على الحج بعد الوقوف ، وقبل الشروع في أسباب التحلل ، فيحصل له العمرة صرح به أصحابنا ، وكان ينبغي للمصنف أن يذكره لأن تقسيمه يقتضيه وقد ذكر هو فيما سبق الخلاف في جواز إدخال العمرة بعد الوقوف ، فإذا قلنا بجوازه وحصلت العمرة وجب دم القران ، وإلا ففي وجوب الدم الوجهان السابقان في الكتاب وقد شرحناهما قريبا في الحال الأول أصحهما : لا دم والثاني : يجب والله أعلم . واعلم أن هذا الضرب مفروض فيما إذا كان وقت الوقوف باقيا عند مصيره قارنا ثم وقف مرة ثانية وإلا فيحتمل أنه إن كان محرما بالعمرة فلا يجزئه ذلك الوقوف عن الحج ، وهذا الذي ذكرته من تصوير المسألة فيما إذا كان وقت الوقوف باقيا لا بد منه ، وقد نبه عليه صاحب البيان في كتابيه البيان ومشكلات المهذب ، ونبه عليه أيضا الرافعي وآخرون ، وينكر على المصنف والمحاملي في المجموع والبغوي . وغيرهم إطلاقهم المسألة من غير تنبيه على ما ذكرناه ، وكأنهم استغنوا عن ذكره بوضوحه ومعرفته من سياق المسألة والله أعلم . والضرب الثاني : أن يعرض الشك بعد الطواف وقبل الوقوف ، فإذا نوى القران وأتى بأعمال القارن لم يجزئه الحج لاحتمال أنه كان محرما بالعمرة فيمتنع إدخال الحج عليها بعد الطواف وأما العمرة فإن قلنا بجواز إدخالها على الحج بعد الطواف أجزأته وإلا فلا وهو المذهب ، ثم ذكر أبو بكر بن الحداد حيلة لتحصيل الحج في هذه الصورة ، فقال :

211


212
ينبغي له أن يتمم أعمال العمرة بأن يصلي ركعتي الطواف ، ثم يسعى ، ثم يحلق أو يقصر ، ثم يحرم بالحج ، ويأتي بأفعاله ، فإذا فعل هذا صح حجه وأجزأه عن حجة الإسلام ، لأنه إن كان محرما بالحج لم يضره الإحرام به ثانيا . وإن كان محرما بعمرة فقد تحلل منها وأحرم بعدها بالحج وصار متمتعا فأجزأه الحج ، ولا تصح عمرته ، لاحتمال أنه كان محرما بالحج ولم يدخل العمرة عليه ، وإذا لم ينو القران ، هذا كلام ابن الحداد ، واتفق الأصحاب على أنه إذا فعل ما ذكره ابن الحداد فالحكم كما قال ابن الحداد ، قالوا : وكذا إن كان فقيها وفعل ما ذكره ابن الحداد باجتهاده ، فالحكم ما سبق ، وأما إذا استفتانا فهل تفتيه بذلك ، فيه وجهان مشهوران . قال : الشيخ أبو زيد المروزي : لا نفتيه بجواز الحلق لاحتمال أنه محرم بالحج أو قارن ، فلا يجوز له الحلق قبل وقته ، هذا كلام أبي زيد وبه قال صاحب التقريب والقفال والمروزي ونقله الرافعي عن الأكثرين ونقله صاحب التهذيب عن أصحابنا مطلقا ، قالوا : وهذا كما لو ابتلعت دجاجة إنسان جوهرة لغيره لا يفتي صاحب الجوهرة بذبحها وأخذ الجوهرة ، ولكن لو ذبحها لم يلزمه إلا التفاوت بين قيمتها مذبوحة وحية ، قالوا : وكذا لو تقابلت دابتان لشخصين على شاهق وتعذر مرورهما لا يفتي أحدهما بإملاك دابة الآخر ، لكن لو فعل وخلص دابته لزمه قيمة دابة صاحبه . والوجه الثاني : نفتيه بما قاله ابن الحداد . ويجوز له الحلق لأنه يستباح في الحال الذي يكون حراما محققا للحاجة فاستباحه هنا . ولا يتحقق أنه محرم أولا ، فإنه محتاج إليه أيضا ليحسب له فعله وإلا فتلغوه ، وممن قال بهذا الوجه ابن الحداد ، والقاضي أبو الطيب الطبري وصاحب الشامل وآخرون ، ورجحه الغزالي وغيره وهو الأصح المختار ، والله أعلم . واعلم أن المصنف رحمه الله قال : طاف وسعى وحلق فذكر إعادة الطواف ، وهو خلاف ما قال الأصحاب وخلاف الدليل ، فإنهم لم يذكروا الطواف ، بل قالوا : يسعى ويحلق فقط ، فهذا هو الصواب ولا حاجة إلى إعادة الطواف ، فإنه قد أتى به أولا ، وقد ذكر صاحب البيان في كتابيه البيان ومشكلات المهذب ما ذكره المصنف ، ثم قال : وهذا الطواف لا معنى له ، فإنه قد طاف ، والله أعلم . قال أصحابنا : وسواء أفتيناه بما قاله ابن الحداد وموافقوه أم لم نفته به ففعله ، لزمه دم لأنه إن كان محرما بحج فقد حلق في غير وقته ، وإن كان بعمرة فقد تمتع ، فيريق دما على الواجب عليه ، ولا يعين الجهة ، كما يكفر ، فإن كان معسرا لا يجد دما ولا طعاما صام عشرة أيام كصوم التمتع فإن كان الواجب دم

212


213
التمتع فذاك ، وإن كان دم الحلق أجزأه ثلاثة أيام ويقع الباقي تطوعا ، ولا يعين الجهة في صوم الثلاثة ، ويجوز تعيين التمتع في صوم السبعة ، ولو اقتصر على صوم ثلاثة هل تبرأ ذمته قال الرافعي : مقتضى كلام الشيخ أبي علي أنه لا تبرأ ، وقال إمام الحرمين : يحتمل أن تبرأ ، وعبر الغزالي في الوسيط عن هذين بوجهين ، ويجزئه الصوم مع وجود الإطعام ، لأنه لا مدخل للطعام في التمتع وفدية الحلق على التخيير ، ولو أطعم هل تبرأ ذمته فيه كلاما للشيخ أبي علي والإمام ، وهذا كله إذا استجمع الرجل شروط وجوب دم التمتع ، فإن لم يستجمعها كالمكي لم يجب الدم لأن دم التمتع مقصود والأصل عدم وجوب دم الحلق ، وإذا جوز أن يكون إحرامه أولا بالقران فهل يلزمه دم آخر مع الدم الذي وصفناه فيه الوجهان السابقان الصحيح لا يلزمه . الضرب الثالث : أن يعرض الشك بعد الطواف والوقوف فإن أتى ببقية أعمال الحج لم يحصل له حج ولا عمرة أما الحج فلجواز أنه كان محرما بعمرة فلا ينفعه الوقوف ، وأما العمرة فلجواز أنه كان محرما بحج ، ولم يصح دخول العمرة عليه ، فإن نوى القران وأتى بأعمال القارن فأجزاء العمرة مبني على أنه هل يصح إدخالها على الحج بعد الوقوف قال الرافعي : وقياس المذكور في الضرب السابق أنه لو أتم أعمال العمرة وأحرم بالحج وأتى بأعماله مع الوقوف أجزأه الحج ، وعليه دم كما سبق ، ولو أتم أعمال الحج ثم أحرم بعمرة وأتى بأعمالها أجزأته العمرة ، والله أعلم . فرع : لو تمتع بالعمرة إلى الحج فطاف للحج طواف الإفاضة ثم بان أنه كان محدثا في طواف العمرة لم يصح طوافه ذلك ولا سعيه بعده وبان أن حلقه في غير وقته ويصير بإحرامه بالحج مدخلا للحج إلى العمرة قبل الطواف ، فيصير قارنا ويجزئه طوافه وسعيه في الحج عن الحج والعمرة ، وعليه دمان دم للقران ودم للحلق ، وإن بان أنه كان محدثا في طواف الحج توضأ وأعاد الطواف والسعي ، وليس عليه إلا دم التمتع إذا اجتمعت شروطه ، ولو شك في أي الطوافين كان حدثه لزمه إعادة الطواف والسعي ، فإذا أعادهما صح حجه وعمرته وعليه دم ، لأنه قارن أو متمتع وينوي بإراقته الواجب عليه ولا يعين الجهة ، وكذا لو لم يجد فصام . والاحتياط أن يريق دما آخر لاحتمال أنه حالق قبل الوقت ، فلو لم يحلق في العمرة وقلنا : الحلق استباحة محظور فلا حاجة إليه ، وكذا لا يلزمه عند تبين الحدث في أطواف العمرة إلا دم واحد . ولو كانت المسألة بحالها لكن جامع بعد العمرة ثم أحرم بالحج ، فهذه المسألة تفرع على أصلين أحدهما : جماع الناسي ، هل يفسد النسك ويوجب الفدية كالعمد فيه قولان الأصل الثاني : إذا أفسد العمرة بجماع

213


214
ثم أدخل الحج عليها هل يدخل ويصير محرما بالحج فيه وجهان سبق بيانهما في فصل القران أصحهما : عند الأكثرين يصير محرما بالحج ، وبه قال ابن سريج والشيخ أبو زيد ، فعلى هذا هل يكون الحج صحيحا مجزئا فيه وجهان أحدهما : نعم أصحهما : لا وعلى هذا هل ينعقد صحيحا أم يفسد أم ينعقد فاسدا فيه وجهان أصحهما : ينعقد فاسدا ، إذ لو انعقد صحيحا لم يفسد ، إذ لم يوجد بعد انعقاده مفسد ، وقد سبقت المسألة في القران مبسوطة . فإن قلنا : ينعقد فاسدا أو صحيحا ثم يفسد ، مضى في النسكين وقضاهما وإن قلنا : ينعقد صحيحا مجزئا يلزمه دام القران ، ولا يجب للإفساد إلا بدنة واحدة ، كذا قال الشيخ أبو علي ، وحكى إمام الحرمين وجهين آخرين إذا حكمنا بانعقاد حجه فاسدا أحدهما : يلزمه بدنة أخرى لفساد الحج والثاني : يلزمه البدنة للعمرة وشاة للحج ، كما لو جامع ثم جامع ثانيا . إذا عرفت هذين الأصلين فإن قال : كان الحدث في طواف العمرة فالطواف والسعي فاسدان ، والجماع واقع قبل التحلل ، ولكن لا يعلم كونه قبل التحلل ، فهل يكون كالناسي فيه طريقان أحدهما : نعم ، وبه قطع الشيخ أبو علي والثاني : لا : فإنه لم تفسد العمرة ، وبه صار قارنا ، وعليه دم للقران ودم للحلق قبل وقته إن كان حلق كما سبق ، وإن أفسدنا العمرة فعليه للإفساد بدنة وللحلق شاة ، وإذا أحرم بالحج فقد أدخله على عمرة فاسدة ، فإن لم ندخله فهو في عمرته كما كان فيتحلل منها ويقضيها ، وإن أدخلناه وقلنا بفساد الحج فعليه بدنة للإفساد ودم للحلق قبل وقته ودم للقران ويمضي في فاسدهما ، ثم يقضيهما ، وإن قال : كان الحدث في طواف الحج فعليه إعادة الطواف والسعي ، وقد صح نسكاه وليس عليه إلا دم التمتع ، فإن قال : لا أدري في أي الطوافين كان ، أخذ في كل حكم باليقين ولا يتحلل ما لم يعد الطواف والسعي لاحتمال أن حدثه كان في طواف الحج ولا يخرج عن عهدة الحج والعمرة إن كانا واجبين عليه ، لاحتمال كونه محدثا في طواف العمرة ، وتأثير الجماع في إفساد النسكين ولا تبرأ ذمته بالشك ، وإن كان متطوعا فلا قضاء عليه لاحتمال أن لا فساد ، وعليه دم إما للتمتع إن كان الحدث في طواف الحج ، وإما للحلق إن كان في طواف العمرة ، ولا يلزمه البدنة لاحتمال أنه لم يفسد العمرة ، لكن الاحتياط ذبح بدنة وشاة إذا جوزنا إدخال الحج على العمرة الفاسدة لاحتمال أنه صار قارنا بذلك ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويستحب أن يكثر من التلبية ، ويلبي اجتماع الرفاق ،

214


215
وفي كل صعود وهبوط ، وفي أدبار الصلوات وإقبال الليل والنهار ، لما روى جابر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي إذا رأى ركبا أو صعد أكمة أو هبط واديا ، وفي أدبار المكتوبة وآخر الليل ولأن في هذه المواضع ويكثر الضجيج ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : أفضل الحج العج والثج ويستحب في مسجد مكة ومنى وعرفات ، وفيما عداها من المساجد قولان قال : في القديم : لا يلبي وقال في الجديد : يلبي لأنه مسجد بني للصلاة فاستحب فيه التلبية كالمساجد الثلاثة . وفي حال الطواف قولان قال في القديم : يلبي ويخفض صوته وقال في الجديد : لا يلبي لأن الطواف ذكرا يختص به ، فكان الاشتغال به أولى ، ويستحب أن يرفع صوته بالتلبية لما روى زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : جاءني جبريل عليه السلام فقال : يا محمد مر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية ، فإنها من شعائر الحاج

215


216
وإن كانت امرأة لن ترفع الصوت بالتلبية لأنه يخاف عليها الافتتان . والتلبية أن يقول : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك قال الشافعي رحمه الله : فإن زاد على هذا فلا بأس ، لما روى أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يزيد فيها : لبيك وسعديك ، والخير كله بيديك ، والرغبة إليك والعمل وإذا رأى شيئا يعجبه قال : لبيك إن العيش عيش الآخرة . لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبة ما هم فيه فقال : لبيك إن العيش عيش الآخرة والمستحب إذا فرغ من التلبية أن

216


217
يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه موضع شرع فيه ذكر الله سبحانه وتعالى ، فشرع فيه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كالآذان ثم يسأل الله تعالى رضوانه والجنة ، ويستعيذ برحمته من النار ، لما روى خزيمة بن ثابت رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من تلبيته في حج أو عمرة سأل الله تعالى رضوانه والجنة ، واستعاذ برحمته من النار ، ثم يدعو بما أحب .

+ الشرح : حديث ابن عمر في تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ومسلم ، وكذلك الزيادة التي زادها ابن عمر من كلامه ، وهذا لفظ الجميع عن نافع عن عبد الله بن عمر أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك قال : وكان عبد الله بن عمر يزيد فيها : لبيك وسعديك ، والخير بيديك ، والرغبة إليك والعمل رواه البخاري ومسلم بهذا اللفظ . وأما حديث زيد بن خالد الجهني فرواه ابن ماجه وأبو حاتم وغيرهم ، وذكره الترمذي في جامعه فقال : روى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال الترمذي : ولا يصح هذا قال : والصحيح عن خلاد بن السائب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وكذا رواه مالك والشافعي وأبو داود والنسائي وغيرهم عن خلاد بن السائب عن أبيه ، وسبق بيانه قريبا في مذاهب العلماء في انعقاد الإحرام بالنية دون التلبية والله أعلم . وأما حديث : أفضل الحج العج والثج فرواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم من رواية أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو من رواية محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان

217


218
عن عبد الرحمن بن يربوع عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعا ، قال الترمذي في جامعه : محمد بن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن يربوع عن أبيه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعا ، قال البيهقي : وكذلك رواه محمد بن عمرو السواق عن أبي فديك ، قال البيهقي : قال الترمذي : سألت البخاري عن هذا الحديث فقال : هو عندي مرسل محمد بن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن بن يربوع قلت : فمن ذكر فيه سعيدا قال : هو خطأ ليس فيه سعيد قلت : ضرار بن صرد وغيره روى عن ابن أبي فديك هذا الحديث ، وقالوا : عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه قال : ليس بشيء ، قال البيهقي : وكذا قال أحمد بن حنبل فيما بلغنا عنه ، وهذا آخر كلام البيهقي ، والله أعلم . وأما الحديث الذي روي عن أبي حريز بالحاء المهملة والزاي في آخره واسمه سهل مولى المغيرة بن أبي الغيث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بلغنا الروحاء حتى سمعت عامة الناس قد بحت أصواتهم من التلبية فرواه البيهقي وضعفه ، قال : أبو حريز هذا ضعيف . قال : ورواه عمر بن صهبان وهو أيضا ضعيف عن أبي الزناد عن أنس بن مالك وأما حديث : لبيك إن العيش عيش الآخرة فرواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح عن ابن جريج عن حميد الأعرج عن مجاهد قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر من التلبية : لبيك اللهم لبيك فذكر التلبية ، قال : حتى إذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هم فيه فزاد فيها لبيك إن العيش عيش الآخرة قال ابن جريج : وحسبت أن ذلك يوم عرفة . هكذا روياه مرسلا . وأما حديث خزيمة بن ثابت فرواه الشافعي والدارقطني والبيهقي بأسانيدهم عن صالح بن محمد بن زائدة عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله تعالى مغفرته ورضواته ، واستعاذ برحمته من النار قال صالح : سمعت القاسم بن محمد يقول : وكان يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وصالح بن عمر هذا ضعيف صرح بضعفه الجمهور ، وقال أحمد : لا أرى به بأسا والله أعلم . وأما ألفاظ الفصل فالرفاق بكسر الراء جمع رفقه بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان قال الأزهري : الرفاق جمع رفقة بضم الراء وكسرها وهي الجماعة يترافقون فينزلون معا ويرحلون معا ويرتفق بعضهم ببعض ، تقول : رافقته وترافقنا وهو رفيق ومرافقي وجمع رفيق رفقاء . وأما قوله في كل صعود وهبوط فالصعود والهبوط بفتح

218


219
أولهما اسم للمكان الذي يصعد فيه ويهبط منه وبضمهما ويصح أن يقرأ هنا بالوجهين وأما الأكمة فبفتح الهمزة والكاف وهي دون الرابية وأما العج فرفع الصوت ، والثج إراقة الدماء وقوله في كلام ابن عمر والرغبة إليك كذا وقع في المهذب والرغبة والذي في الصحيحين وغيرهما : والرغباء وفيها لغتان الرغباء بفتح الراء والمد والرغبى بضم الراء والقصر ومعناها الرغبة وقوله : العيش عيش الآخرة معناه أن الحياة الهنية المطلوبة الدائمة هي حياة الدار الآخرة وأما لفظ التلبية ، فقال القاضي عياض : التلبية مثناة للتكثير والمبالغة ، ومعناه إجابة بعد إجابة ، ولزوما لطاعتك فثنى للتوكيد لا تثنية حقيقية ، بل هو بمنزلة قوله تعالى : بل يداه مبسوطتان أي نعمتاه ، على تأويل اليد بالنعمة هنا ونعم الله تعالى لا تحصى . وقال يونس بن حبيب البصري : لبيك اسم مفرد لا مثنى ، قال : وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير ، كلدي وعلي ، ومذهب سيبويه أنه مثنى بدليل قلبها ياء مع المظهر وأكثر الناس على ما قاله سيبويه . قال ابن الأنباري : ثنوا لبيك كما ثنوا حنانيك أي تحننا بعد تحنن وأصل لبيك لبيك ، فاستثقلوا الجمع بين ثلاث باءآت فأبدلوا من الثلاثة ياء كما قالوا من الظن تظنيت والأصل تظننت . واختلفوا في معنى لبيك واشتقاقها فقيل : معناها اتجاهي وقصدي إليك مأخوذ من قولهم : داري تلب دارك أي تواجهها وقيل : معناها محبتي لك مأخوذ من قولهم امرأة لبة إذا كانت محبة ولدها وعاطفة عليه وقيل : معناها إخلاصي لك مأخوذ من قولهم : حب لباب إذا كان خالصا محضا ومن ذلك لب الطعام ولبابه وقيل : معناها أنا مقيم على طاعتك وإجابتك مأخوذ من قولهم لب الرجل بالمكان وألب إذا أقام فيه ولزمه ، وقال ابن الأنباري : وبهذا قال الخليل بن أحمد . قال القاضي : قيل هذه الإجابة لقوله تعالى لإبراهيم الحربي في معنى لبيك : أي قربا منك وطاعة والإلباب القرب وقال أبو نصر : معناه أنا ملب بين يديك أي خاضع . هذا آخر كلام القاضي قوله : لبيك إن الحمد والنعمة لك يروى بكسر الهمزة من إن وفتحها وجهان مشهوران لأهل الحديث وأهل اللغة . قال الجمهور : والكسر أجود قال الخطابي : الفتح رواية العامة قال ثعلب : الاختيار الكسر وهو أجود في المعنى من الفتح لأن من كسر جعل معناه إن الحمد والنعمة لك على كل حال ، ومن فتح قال : لبيك

219


220
لهذا السبب . وقوله : والنعمة لك المشهور فيه نصب النعمة قال القاضي عياض : ويجوز رفعها مع الابتداء ، ويكون الخبر محذوفا قال ابن الأنباري : وإن شئت جعلت خبر إن محذوفا تقديره : إن الحمد لك ، والنعمة مستقرة لك وقوله : وسعديك ، قال القاضي : إعرابها وتثنيتها ما سبق في لبيك ، ومعناها مساعدة لطاعتك بعد مساعدة وقوله والخير بيديك ، أي الخير كله بيد الله تعالى ومن فضله وقوله : الرغباء إليك والعمل معناه الطلب والمسألة إلى من بيده الخير ، وهو المقصود بالعمل ، المستحق للعبادة ، وهو الله تعالى والله أعلم . أما الأحكام : فاتفق العلماء على استحباب التلبية ، ويستحب الإكثار منها في دوام الإحرام ويستحب قائما وقاعدا ، وراكبا وماشيا ، وجنبا وحائضا ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط وحدوث أمر من ركوب أو نزول ، أو اجتماع رفقة ، أو فراغ من صلاة ، وعند إقبال الليل والنهار ، ووقت السحر ، وغير ذلك من تغاير الأحوال نص على هذا كله الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب ، واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على استحبابها في المسجد ، ومسجد الخيف بمنى ومسجد إبراهيم صلى الله عليه وسلم بعرفات لأنها مواضع نسك ، وفي سائر المساجد قولان الأصح : الجديد يستحب التلبية والقديم لا يلبي لئلا يهوش على المصلين والمتعبدين ، ثم قال الجمهور : القولان في أصل التلبية فإن استحببناها استحببنا رفع الصوت بها وإلا فلا وجعلهما إمام الحرمين في استحباب رفع الصوت ثم قال لم يستحب رفعه في سائر المساجد ، ففي الرفع في المساجد الثلاثة وجهان والمذهب الأول . وهل يستحب التلبية في طواف القدوم والسعي بعده فيه قولان ، وهما مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الأصح الجديد : لا يلبي ، والقديم يلبي ، ولا يجهر ولا يلبي في طواف الإفاضة والوداع بلا خلاف ، لخروج وقت التلبية ، ويستحب للرجل رفع صوته بالتلبية بحيث لا يضر بنفسه ، ولا تجهر بها المرأة ، بل تقتصر على سماع نفسها قال الروياني : فإن رفعت صوتها لم يحرم ، لأنه ليس بعورة على الصحيح . هذا كلام الروياني ، وكذا قال غيره : لا يحرم لكن يكره ، صرح به الدارمي والقاضي أبو الطيب والبندنيجي ، ويخفض الخنثى صوته كالمرأة ، ذكره صاحب البيان وهو ظاهر ويستحب أن يكون صوت الرجل في صلاته على رسول الله صلى الله عليه وسلم عقب التلبية دون صوته بها . قال الشافعي والمصنف

220


221
والأصحاب : ويستحب أن لا يزاد على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يكررها وهي : لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك . قال أصحابنا فإذا زاد لم يكره ، لما سبق عن ابن عمر ، قال صاحب البيان : قال الشيخ أبو حامد ذكر أهل العراق عن الشافعي أنه كره الزيادة على ذلك ، قال أبو حامد : وغلطوا ، بل لا تكره الزيادة ولا تستحب والله أعلم . ويستحب إذا رأى شيئا يعجبه أن يقول : لبيك إن العيش عيش الآخرة . ويستحب إذا فرغ من التلبية أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يسأل الله تعالى رضوانه والجنة ويستعيذ به من النار ، ثم يدعو بما أحب . ويستحب أن لا يتكلم في أثناء تلبية بأمر أو نهي أو غيرهما لكن لو سلم عليه رد ، نص عليه الشافعي في الإملاء ، وتابعه الأصحاب ، ويكره التسليم عليه في حال تلبيته ، ومن لا يحسن التلبية بالعربية يلبى بلسانه ، كتكبيرة الإحرام وغيرها ، وإن أحسن العربية أتى بها نص عليه الشافعي ، قال المتولي : إذا لم يحسن التلبية أمر بالتعليم ، وفي مدة التعليم يلبس بلسان قومه ، وهل يجوز بلغة أخرى مع القدرة على التلبية حكمه حكم التسبيحات في الصلاة لأنه ذكر مسنون قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : تكره التلبية في مواضع النجاسات . فرع : قال صاحب الحاوي : قال الشافعي في الأم : وإذا لبى فاستحب أن يلبي ثلاثا ، قال : واختلف أصحابنا في تأويله على ثلاثة أوجه أحدها : أن يكرر قوله : لبيك ثلاث مرات والثاني : يكرر قوله : لبيك اللهم لبيك ثلاث مرات والثالث : يكرر جميع التلبية ثلاث مرات . هذا كلامه وهذا الثالث هو الصحيح أو الصواب ، والأولان فاسدان لأن فيهما تغييرا للفظ التلبية المشروعة . فرع : قد ذكرنا أن التلبية مستحبة بالاتفاق وليست واجبة هذا هو الصواب المشهور من نصوص الشافعي والأصحاب . وقال صاحب الحاوي : حكى عن ابن علي بن خيران وأبي علي بن أبي هريرة من أصحابنا أن التلبية في أثناء الحج والعمرة واجبة ، قال : وزعما أنهما وجدا للشافعي نصا دل عليه قال : وليس يعرف للشافعي في كتبه نص يدل عليه ، هذا كلام صاحب الحاوي وقال الدارمي قال الطبري يعني أبا علي الطبري : للشافعي ما يدل على أنها واجبة قال : وبه قال ابن خيران والمذهب ما قدمناه .

221


222
فرع : مذهبنا استحباب التلبية في كل مكان وفي الأمصار والبراري قال العبدري : إظهار التلبية في الأمصار ومساجدها لا يكره وليس لها موضع تختص به قال : وبه قال أكثر الفقهاء قال : وقال أحمد : هو مسنون في الصحارى قال : ولا يعجبني أن يلبي في المصر والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا حرم الرجل حرم عليه حلق الرأس لقول تعالى :

﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ويحرم حلق شعر سائر البدن لأنه حلق يتنظف به ويترفه به ، فلم يجز كحلق الرأس ، وتجب به الفدية لقوله تعالى :

﴿ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ولما روى كعب بن عجرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لعلك آذاك هوام رأسك قلت : نعم يا رسول الله قال : احلق رأسك وصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، أو نسك شاة ويجوز له أن يحلق شعر الحلال لأن نفعه يعود إلى الحلال فلم يمنع منه كما لو أراد أن يعممه أو يطيبه ، ويحرم عليه أن يقلم أظفاره ، لأنه جزء ينمى وفي قطعة ترفيه وتنظيف ، فمنع الإحرام منه كحلق الشعر ، وتجب به الفدية قياسا على الحلق .

+ الشرح : حديث كعب بن عجرة رواه البخاري ومسلم وهوام الرأس بتشديد الميم الفعل وقوله : حلق يتنظف به احتراز من الشعر النابت في عينه وقال القلعي : هو احتراز من قلعة شعر الحلال وقوله : جزء ينمي ، قال القلعي : هو احتراز من قطع الأصبع المتآكلة وجلدة الختان ، قال : وقوله : في قطعة ترفيه وتنظيف احتراز من قطع الشجر أو الحشيش في غير محرم ، هذا كلامه والأظهر أنه احترز به عن قطع اليد الصحيحة ، فإنه قطع جزء ينمي ولا شيء فيه ، لأنه ليس فيه ترفيه ولا تنظيف ، قال : وجمعه بين الترفيه والتنظيف للتأكيد لا للاحتراز ، بل لو اقتصر على أحدهما كفاه وقوله : جزء ينمي هو بفتح أوله ، ويقال : ينمو لغتان الأولى أفصح وأشهر . أما الأحكام : فأجمع المسلمون على تحريم حلق شعر الرأس نقل الإجماع فيه ابن المنذر وغيره ، وسواء في تحريمه الرجل والمرأة ، وكذلك يجب على ولي الصبي المحرم

222


223
أن يمنعه من إزالة شعره ، ويحرم عليه تمكين الصبي وغيره من إزالته قال أصحابنا : ولا يختص التحريم بالحلق ولا بالرأس ، بل تحرم إزالة الشعر قبل وقت التحلل ، وتجب به الفدية سواء شعر الرأس واللحية والشارب والإبط والعانة وسائر البدن ، وسواء الإزالة بالحلق والتقصير والإبانة وإزاله الظفر كإزالة الشعر سواء كل الظفر وبعضه . قال أصحابنا : ولو قطع يده أو بعض أصابعه وعليها شعر وظفر فلا فدية بلا خلاف ، لأنهما تابعان غير مقصودين وشبه أصحابنا هذا بما لو كانت له امرأة صغيرة فأرضعتها أمه انفسخ النكاح ولزم الأم مهرها ، ولو قتلها لم يلزمها المهر لاندارج البضع في القتل قال الشافعي وأصحابنا : ولو كشط المحرم جلدة الرأس فلا فدية والشعر تابع ، ولو مشط لحيته فنتف شعرات لزمه الفدية ، فلو شك هل كان متقلعا أم انتتف بالمشط فوجهان ، وقيل قولان : أصحهما : لا فدية للاحتمال من أصل البراءة والثاني : تجب الفدية للظاهر . هذا كله في الحلق والقلم بلا عذر فإن حلق لعذر أو ناسيا ، أو جاهلا ، أو مكرها فسيأتي بيانه حيث ذكره المصنف في أواخر الباب إن شاء الله تعالى ، ولو حلق المحرم رأس الحلال جاز ولا فدية ، لما ذكره المصنف ، والله أعلم . فرع في مسائل من مذاهب العلماء متعلقة بالحلق والقلم قد ذكرنا أن مذهبنا يحرم والرأس ، وبه قال الأكثرون وقال أهل الظاهر : لا فدية في شعر غير الرأس ، وعن مالك روايتان كالمذهبين . دليلنا ما ذكره المصنف ومنها : لو حلق المحرم رأس الحلال جاز ولا فدية ، هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد وداود وقال أبو حنيفة لا يجوز فإن فعل قال فعلى الحالق صدقة . ودليلنا ما ذكره المصنف ومنها : يحرم على المحرم قلم أظفاره ويجري مجرى حلق الرأس هذا مذهبنا وبه قال أحمد . وقال أبو حنيفة : إن قلم أظفار يد أو رجل بكمالها لزمه فدية كاملة ، وإن قلم من كل يد أو رجل أربعة أو دونه لزمه صدقة ، وقال مالك : حكم الأظفار حكم الشعر يتعلق الدم بما يميط الأذى ، وقال داود : يجوز للمحرم قلم أظفاره كلها ولا فدية عليه . هكذا نقل العبدري عنه ، وقد نقل ابن المنذر وغيره إجماع المسلمين على تحريم قلم الظفر في الإحرام فلعلهم لم يعتدوا بداود ، وفي الاعتداد به في الإجماع خلاف سبق مرات وأما

223


224
حك المحرم رأسه فلا أعلم خلافا في إباحته ، بل هو جائز وقد حكى ابن المنذر جوازه عن ابن عمر وجابر وسعيد بن جبير والثوري وأصحابه . وأحمد وإسحاق وقال ابن المنذر ولم يذكر فيه خلافا ، لكن قالوا : برفق لئلا ينتتف شعر والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه أن يستر رأسه ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره : لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا وتجب به الفدية لأنه فعل محرم في الإحرام فتعلقت به الفدية كالحلق ، ويجوز أن يحمل على رأسه مكتلا لأنه لا يقصد به الستر فلم يمنع المحدث من حمل المصحف في عيبة المتاع حين لم يقصد حمل المصحف ، ويجوز أن يترك يده على رأسه لأنه يحتاج إلى وضع اليد على الرأس في المسح فعفى عنه ، ويحرم عليه لبس القميص بما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم : لا يلبس القميص ولا السروايل ولا البرنس ولا العمامة ولا الخف ، إلا لا يجد نعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران ، وتحب به الفدية لأنه فعل محظور في الإحرام فتعلقت به الفدية كالحلق ، ولا فرق بين أن يكون ما يلبسه من الخرق أو الجلود أو اللبود أو الورق ، ولا فرق بين أن يكون مخيطا بالإبرة أو ملصقا بعضه إلى بعض لأنه في معنى المخيط ، والعباءة والدراعة كالقميص فيما ذكرناه ، لأنه في معنى القميص . ويحرم عليه لبس السراويل لحديث ابن عمر رضي الله عنهما وتجب به الفدية لما ذكرناه من المعنى والتبان والران كالسراويل فيما ذكرناه ، لأنه في معنى السراويل وإن شق الإزار وجعل له ذيلين وشدهما على ساقيه لم يجز ، لأنهما كالسراويل ، وما على الساقين كالبابكين ، ويجوز أن يعقد عليه إزاره لأن فيه مصلحة له وهو أن يثبت عليه ، ولا يعقد الرداء عليه ، لأنه لا حاجة به إليه ، وله أن يغرز طرفيه في إزاره ، وإن جعل لإزاره حجزة ، وأدخل فيها التكة واتزر به جاز ، وإن اتزر وشد فوقه تكة جاز ، قال في الإملاء : وإن زره أو خاطه أو شوكه لم يجز ، لأنه يصير كالمخيط ، وإن لم يجد إزارا جاز أن يلبس السراويل ولا فدية عليه ، لما روي ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من لم يجد إزارا

224


225
فليلبس السراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين فإن لم يجد رداء لم يلبس القميص ، لأنه يمكنه أن يرتدي به ولا يمكنه أن يتزر بالسراويل ، فإن لبس السراويل ثم وجد الإزار لزمه خلعه . ويحرم عليه لبس الخفين للخبر ، وتجب به الفدية لما ذكرناه من القياس على الحلق ، فإن لم يجد نعلين لبس الخفين بعد أن يقطعهما من أسفل الكعبين للخبر ، فإن لبس الخف مقطوعا من أسفل الكعب مع وجود النعل لم يجز على المنصوص ، وتجب عليه الفدية ، ومن أصحابنا من قال : يجوز ولا فدية عليه ، لأنه قد صار كالنعل بدليل أنه لا يجوز المسح عليه . وهذا خلاف المنصوص وخلاف السنة ، وما ذكره من المسح لا يصح لأنه وإن لم يجز المسح إلا أنه يترفه به في دفع الحر والبرد والأذى ، ولأنه يبطل بالخف المخرق ، فإنه لا يجوز المسح عليه ثم يمنع من لبسه ويحرم عليه لبس القفازين ، وتجب به الفدية لأنه ملبوس على قدر العضو فأشبه الخف ، ولا يحرم عليه ستر الوجه لقوله صلى الله عليه وسلم في الذي خر من بعيره : ولا تخمروا رأسه فخص الرأس بالنهي . ويحرم على المرأة ستر الوجه بما روى ابن عمر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مسه الورس والزعفران من الثياب وليلبسن بعد ذلك ما اختير من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حلي أو سراويل أو قميص أو خف ، وتجب به الفدية قياسا على الحلق ، ويجوز أن تستر من وجهها ما لا يمكن ستر الرأس إلا بستره لأنه لا يمكن ستر الرأس إلا بستره فعفى عن ستره ، فإن أرادت ستر وجهها عن الناس سدلت عن وجهها شيئا لا يباشر الوجه ، لما روت عائشة رضي الله عنه قالت : كان الركبان يمرون بنا ، ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات ، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها ، فإذا حاوزونا كشفنا ولأن الوجه من المرأة كالرأس من الرجل ، ثم يجوز للرجل ستر الرأس من الشمس بما لا يقع عليه ، فكذلك المرأة في الوجه ، ولا

225


226
يحرم عليها لبس القميص والسراويل والخف ، ولحديث ابن عمر رضي الله عنهما ، ولأن جميع بدنها عورة إلا الوجه والكفين ، فجاز لها ستره لما ذكرناه ، وهل يجوز لها لبس القفازين فيه قولان أحدهما : أنه يجوز لأنه عضو يجوز لها ستره بغير المخيط ، فجاز لها ستره بالمخيط كالرجل والثاني : لا يجوز للخبر ، ولأنه عضو ليس بعورة منها فتعلق به حرمة الإحرام في اللبس كالوجه .

+ الشرح : حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم وأما حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يلبس المحرم القميص ولا السراويل ولا البرانس ولا العمامة ولا الخف ، إلا أن لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ، ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران فرواه البخاري ومسلم هكذا ، وزاد البيهقي وغيره فيه ولا يلبس القباء قال البيهقي : هذه الزيادة صحيحة محفوظة . وأما حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من لم يجد إزارا فليلبس السراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس الخفين فرواه البخاري ومسلم ورواه مسلم أيضا من رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنهما وأما حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مسه الورس والزعفران من الثياب وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز أو حرير ، أو حلي أو سراويل أو قميص أو خف فرواه أبو داود بإسناد حسن ، وهو من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازي إلا أنه قال : حدثني نافع عن ابن عمر وأكثر ما أنكر على ابن إسحاق التدليس ، وإذا قال المدلس : حدثني احتج به على المذهب الصحيح المشهور . وأما حديث عائشة قالت : كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفناه ، فرواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما وإسناده ضعيف وأما لغات الفصل وألفاظه ، فتخمير الرأس تغطيته ، وقوله : لأنه فعل محرم في الإحرام فتعلقت به الفدية ، احترزنا بالإحرام عن الغيبة في الصيام ونحوها ، وكان ينبغي أن يقول محرم الإحرام ليحترز عن شرب الخمر ونحوه ، فإنه محرم في الإحرام ولا فدية فيه وأما المكتل فبكسر الميم والفتح المثناة فوق وهو الزنبيل ، ويقال فيه أيضا الزنبيل بفتح

226


227
الزاي والقفة والعرق والعرق بفتح الراء وإسكانها والسقيفة وقد سبق بيان هذا كله في كتاب الصيام في كفارة الجماع وقوله لا يمنع المحدث من حمل المصحف في عيبة المتاع هي بفتح العين المهملة وهي وعاء يجعل فيه الثياب وجمعها عيب بكسر العين وفتح الياء كبدرة وبدر وعياب وعيبات ذكرهن الجوهري . وأما البرنس فبضم الباء والنون قال الأزهري وصاحب المحكم وغيرهما : البرنس كل ثوب رأسه منه ملتزق به دراعة كانت أوجبة أو ممطرا ، والممطر بكسر الميم الأولى وفتح الطاء ما يلبس في المطر يتوقى به وأما الورس فسبق بيانه في باب زكاة الثمار وقوله : مخيطا بالأبر بكسر الهمزة وفتح الباء جمع إبرة وأما القباء فممدود وجمعه أقبية ويقال : تقبيت القباء قال الجواليقي : قيل هو فارسي معرب : وقيل : عربي مشتق من القبو وهو الضم والجمع ، وأما الدراعة فمثل القميص لكنها ضيقة الكمين ، وهي لفظة غريبة وأما التبان فبضم المثناة فوق بعدها باء موحدة مشددة وهو سراويل قصيرة ، وسبق بيانه في باب الكفر وأما الران فكالخف لكن لا قدم له ، وهو أطول من الخف . وقوله : وإن جعل لإزاره حزة وأدخل فيها التكة واتزر به جاز التكة بكسر التاء معروفة وقوله : حزة كذا وقع في المهذب وهو صحيح ، يقال : حزة السراويل وحجزة السراويل بحذف الجيم وإثباتها لغتان مشهورتان ، ذكرهما صاحب المجمل و والصحاح وآخرون ، وهي التي يجعل فيها التكة وقوله : إن زره أو خاطه أو شوكه لم يجز ، لأنه يصير كالمخيط فشوكه بتشديد الواو معناه خلة بشوك أو بمسلة ونحوها وأما القفازان فبقاف مضمومة ثم فاء مشددة وبالزاي وهي شيء يعمل لليدين يحشى بقطن ، ويكون له أزرار تزر على الكفين والساعدين من البرد وغيره ، والله أعلم . أما الأحكام : فالحرام على الرجل من اللباس في الإحرام ضربان ضرب متعلق بالرأس وضرب بباقي البدن وأما الضرب الأول : فلا يجوز للرجل ستر رأسه لا بمخيط كالقلنسوة ولا بغيره كالعمامة والإزار والخرقة ، وكل ما يعد ساترا ، فإن ستر لزمه الفدية ، ولو توسد وسادة أو وضع يده عل رأسه أو انغمس في ماء أو استظل بمحمل وهودج ، جاز ولا فدية ، سواء مس المحمل رأسه أم لا ، وقال المتولي : إذا مس المحمل رأسه وجبت الفدية ، وهذا ضعيف جدا أو باطل . قال الرافعي : لم أره هنا لغيره والصواب أنه جائز ولا فدية فيه . لأنه لا يعد ساترا ، ولو وضع على رأسه زنبيلا ، أو حملا فطريقان أصحهما : وبه قطع المصنف وكثيرون أو الأكثرون ويجوز ولا فدية لأنه لا يقصد به

227


228
الستر كما لا يمنع المحدث من حمل المصحف في متاع والثاني : يحرم وتجب به الفدية ، وممن ذكر الطريقين جميعا البغوي ، وممن قطع بتحريمه أبو الفتح سليم الرازي في الكفاية والمذهب الجواز . وقال صاحب الشامل : حكى الشافعي في الأم عن عطاء أنه لا بأس بحمل المكتل على رأسه ، ولم ينكر ذلك الشافعي ولا اعتراض عليه ، قال : وحكى ابن المنذر في الإشراف عن الشافعي أنه قال : عليه الفدية . قال : عليه الفدية . قال صاحب الشامل : قال أصحابنا : هذا لا نعرفه في شيء من كتب الشافعي . وحكى أبو حامد في تعليقه أن الشافعي نص في بعض كتبه على وجوب الفدية فيه وحكى البندنيجي وجوب الفدية عن نصه في الإملاء والله أعلم . أما إذا طلى رأسه بطين أو حناء أو مرهم أو نحوها فإن كان رقيقا لا يستر فلا فدية ، وإن كان ثخينا ساترا فوجهان الأصح : وجوب الفدية ، وبه قطع النبدنيجي لأنه ستر ، ولهذا لو ستر عورته بذلك صحت صلاته والثاني : لا ، لأنه لا يعد ساترا والله أعلم . قال أصحابنا : ولا يشترط لوجوب الفدية ستر جميع الرأس ، كما لا يشترط في وجوب فدية الحلق الاستيعاب ، بل تجب الفدية بستر قدر يقصد ستره لغرض كشد عصابة وإلصاق لصوق لشجة ونحوها ، هكذا ضبطه إمام الحرمين والغزالي ، واتفق الأصحاب على أنه لو شد خيطا على رأسه لم يضره ولا فدية . قال الرافعي : وهذا ينقض ما ضبط به الإمام والغزالي ، فإن ستر المقدار الذي يحويه الخيط قد يقصد لمنع الشعر من الانتشار وغيره ، فالوجه الضبط بتسميته سائر كل الرأس أو بعضه . هذا كلام الرافعي والصواب ما قاله الإمام والغزالي ولا ينتقض ما قالاه بما قاله الرافعي ، لأنهما قالا : قد يقصد ستره والخيط ليس بساتر . وفرق أصحابنا بين الخيط حيث جاز شد الرأس به والعصابة العريضة حيث لم يجز بأنه لا يعد ساترا بخلاف العصابة ، قال أصحابنا : وسواء في التحريم ما يعتاد الستر به وما لا يعتاد كقلنسوة مقورة ، وتجب الفدية بتغطيته البياض الذي وراء الآذان ، ذكره الروياني وغيره وهو ظاهر ولو غطى رأسه بكف غيره فلا فدية كما لو غطاه بكف نفسه هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور وذكر صاحبا الحاوي و البحر فيه وجهين الصحيح : هذا والثاني : وجوب الفدية لجواز السجود على كف غيره بخلاف كفه والله أعلم . الضرب الثاني : في غير الرأس ، قال أصحابنا : يجوز للرجل المحرم ستر ما عدا الرأس من بدنه في الجملة ، وسنوضح تفصيله إن شاء الله تعالى . قال أصحابنا : وإنما يحرم عليه لبس المخيط وما هو

228


229
في معناه مما هو على قدر عضو من البدن ، فيحرم كل مخيط بالبدن أو بعضو منه ، سواء كان مخيطا بخياطة أو غيرها ، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى . قال أصحابنا : فيحرم عليه لبس القميص والسراويل والتبان والدراعة والخف والران ونحوها ، فإن لبس شيئا من ذلك مختارا عامدا أثم ولزمه المبادرة إلى إزالته ولزمته الفدية سواء قصر الزمان أم طال ، ولا خلاف في هذا . قال ابن المنذر : أجمع العلماء على منع المحرم من لبس القميص والعمامة والقلنسوة والسراويل والبرنس والخف ، ولو لبس القباء لزمه الفدية سواء أخرج يديه من كميه أم لا سواء في ذلك جميع الأقبية وفيه وجه ضعيف في الحاوي وغيره أنه إن كان من أقبية خراسان ضيق الأكمام قصير الذيل وجبت الفدية ، وإن لم يدخل يده في كمه ، وإن كان من أقبية العراق واسع الكم طويل الذيل لم تجب حتى يدخل يديه كميه ، وهذا الوجه غريب ضعيف وقال الدارمي : إذا طرح القباء على كتفيه وأدخلهما لزمته الفدية ، وقال ابن القطان : فيه قولان وهذا أيضا غريب ضعيف ، والمذهب وجوب الفدية مطلقا . ولو ألقى على بدنه قباء أو فرجية وهو مضطجع قال إمام الحرمين : إن صار على بدنة بحيث لو قام عد لابسه لزمته الفدية ، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد أمر فلا فدية . قال أصحابنا واللبس الحرام الموجب للفدية محمول على ما يعتاد في كل ملبوس ، فلو التحف بقميص أو قباء أو ارتدى بهما أو اتزر بسراويل فلا فدية ، لأنه ليس لبسا له في العادة ، فهو كمن لفق إزارا من خرق وطبقها وخاطها فلا فدية عليه بلا خلاف ، وكذا لو التحف بقميص أو بعباءة أو إزار ونحوها ولفها عليه طاقا أو طاقين أو أكثر فلا فدية ، وسواء فعل ذلك في النوم أو اليقظة ، قال أصحابنا : وله أن يتقلد المصحف وحمائل السيف ، وأن يشهد الهميان والمنطقة في وسطه ويلبس الخاتم ولا خلاف في جواز هذا كله ، وهذا الذي ذكرناه في المنطقة والهميان مذهبنا ، وبه قال العلماء كافة إلا ابن عمر في أصح الروايتين عنه ، فكرههما وبه قال نافع مولاه ، قال أصحابنا : ولا يتوقف التحريم والفدية على المخيط ، بل سواء المخيط وما في معناه ، وضابطه أنه يحرم كل ملبوس معمول على قدر البدن ، أو قدر عضو منه بحيث يحيط به بخياطة أو غيرها ، فيدخل فيه درع الزرد والجوشن والجورب واللبد والملزق بعضه ببعض سواء المتخذ من جلد أو قطن أو كتان أو غير ذلك ، ولا خلاف في هذا كله . فرع : اتفقت نصوص الشافعي والمصنف والأصحاب على أنه يجوز أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطا ، وأن يجعل له مثل الحجزة ، ويدخل فيها التكة ونحو ذلك ، لأن ذلك

229


230
من مصلحة الإزار فإنه لا يستمسك إلا بنحو ذلك . هكذا صرح به المصنف والأصحاب في جميع طرقهم ، وكذا نص عليه الشافعي في الأم ، ونقل القاضي أبو الطيب في تعليقه أن الشافعي نص على أنه لا يحوز له أن يجعل للإزار حجزة ويدخل فيها التكة ، لأنه يصير كالسراويل ، وهذا نقل غريب ضعيف ، ونقل ابن المنذر في الإشراف عن الشافعي أنه قال : لا يعقد على إزاره ، وهذا نقل غريب ضعيف ، مخالف للمعروف من نصوص الشافعي وطرق الأصحاب . قال الشافعي في الأم : ويعقد المحرم عليه إزاره لأنه من صلاح الإزار ، قال : والإزار ما كان معقودا ، هذا نصه بحروفه . ويمكن أن يتأول ما نقله ابن المنذر على أن المراد بالعقد العقد بالخياطة ، فهذا حرام كما ذكره المصنف في الكتاب والأصحاب . قال أصحابنا : وله غرز ردائه في طرف إزاره ، وهذا لا خلاف فيه ، لأنه يحتاج إليه للاستمساك . وأما عقد الرداء فحرام وكذلك خله بخلال أو بمسلة ونحوها ، وكذلك ربط طرفه إلى طرفه الآخر بخيط ونحوه وكله حرام موجب للفدية . هذا هو المذهب وقد نص الشافعي في الأم على تحريم عقد الرداء ، وتابعه عليه المصنف وجماهير الأصحاب ، وفرق المصنف والأصحاب بين الرداء والإزار حيث جاز عقد الإزار دون الرداء ، بأن الإزار يحتاج فيه إلى العقد دون الرداء ، فعلى هذا إذا عقده أو رده أو خله بخلال أو مسلة أو جعل له شرجا وعرى وربط الشرج بالعرى لزمته الفدية . هكذا صرح به الشيخ أبو حامد والجمهور ، وهو مقتضى النص السابق في تحريم عقد الرداء ، وقالت طائفة من أصحابنا لا يحرم عقد الرداء كما لا يحرم عقد الإزار ، وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي في البسيط و المتولي وغيرهم ، إلا أن المتولي قال : يكره عقده فإن عقده فلا فدية ، ودليل هذا أنه لا يعد مخيطا ، ودليل المذهب أنه في معنى المخيط من حيث إنه مستمسك بنفسه ، وقد أنكر أبو عمرو بن الصلاح على إمام الحرمين تجويزه عقد الرداء ، قال : ولعله لم يبلغه نص الشافعي والأصحاب في المنع من ذلك ، وحكى صاحب البيان عن الشيخ أبي نصر صاحب المعتمد من العراقيين أنه قال : لا فدية في عقد الرداء ، والمشهور في المذهب تحريم عقده ووجوب الفدية فيه والله أعلم . فرع : إذا شق الإزار نصفين وجعل له ذيلين ، ولف على كل ساق نصفا وشده ، فوجهان الصحيح : المنصوص في الأم نصا صريحا وجوب الفدية ، وبهذا قطع المصنف

230


231
والجمهور ، ونقلوه أيضا عن نصه في الأم وتابعوه عليه ، وأطبق العراقيون على التصريح به ، وقطع به البغوي وآخرون من الخراسانيين ، قالوا : فإن فعل ذلك أثم ولزمته الفدية ، وهكذا نقله الغزالي في البسيط عن العراقيين ، قال : وفيه احتمال أنه لا فدية ، قاله إمام الحرمين قال الرافعي : الذي نقله الأصحاب وجوب الفدية لأنه كالسراويل ، قال : وقال إمام الحرمين : لا فدية بمجرد اللف وعقده وإنما يجب إن كانت خياطة أو شرجا وعرى وقطع المتولي بأنه يكره ولا يحرم ولا فدية فيه ، لأن الإحاطة على سبيل اللف ليست محرمة كما لو التحف بإزار وقميص وعباءة ، ووجه المذهب أنه شابه السراويل في الصورة والله أعلم . قال المصنف : قال الشافعي في الإملاء وإن زر الإزار أو شوكه أو خاطه لم يجز ، وهذا الذي قاله متفق عليه ، قال أصحابنا : فإن خالف لزمته الفدية لما سبق من الدليل . فرع : يحرم على الرجل لبس القفازين بلا خلاف ، وفي المرأة خلاف سنوضحه إن شاء الله تعالى ، ولو اتخذ الرجل لساعده أو لعضو آخر شيئا مخيطا أو للحيته خريطة يعلقها بها إذا خضبها فالمذهب تحريمه ووجوب الفدية ، وبهذا قطع ابن المرزبان والأكثرون لأنه في معنى القفاز ، وتردد الشيخ أبو محمد الجويني في تحريمه لأن المقصود تحريم الملابس المعتادة ، وهذا ليس معتادا . فرع : قد ذكرنا أن لبس الخف حرام على الرجل المحرم ، وهذا مجمع عليه سواء كان الخف صحيحا أو مخرقا لعموم الحديث الصحيح السابق وأما لبس المداس والحمحم والخف والمقطوع أسفل من الكعبين فهو يجوز مع وجود النعلين فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب الصحيح : باتفاقهم تحريمه ، ونقله المصنف والأصحاب عن نص الشافعي ، وقطع به كثيرون أو الأكثرون ، وهو مقتضى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح السابق : فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين والله أعلم . فرع : قال صاحب البيان : قال الصيمري : إذا أدخل رجليه إلى ساقي خفيه أو أدخل إحدى رجليه إلى قرار الخف دون الأخرى فلا فدية ، لأنه ليس لابس خفين هذا كلامه فأما المسألة الثانية : وهي إدخال إحدى الرجلين إلى قرار الخف فغلط صريح ، بل الصواب وجوب الفدية بلا خلاف هذا هو المفهوم من كلام الأصحاب ، وصرح به جماعة منهم

231


232
المتولي لو لبس الخف في إحدى رجليه لزمته الفدية لوجود مخالفة أمر الشارع وحصول الستر . هذا كلام المتولي وكلام غيره بمعناه ، قال أصحابنا : لأنه لا فرق في الحرام الموجب للفدية بين ما يستوعب العضو أو بعضه ، كما لو ستر بعض رأسه أو لبس القميص إلى سرته ونحو ذلك ، فإنه تجب الفدية بلا خلاف وأما المسألة الأولى فينبغي أن يجيء فيها الخلاف السابق في باب مسح الخفين ، فيما إذا أدخل رجله إلى ساق الخف ، ثم أحدث قبل استقرارها في القدم ، هل يجوز المسح أم لا الأصح : لا يجوز ، فلا يكون لبسا ، فلا فدية والثاني : يجوز المسح فيكون لبسا فتجب الفدية ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : ولو كان على المحرم جراحة فشد عليها خرقة ، فإن كانت في غير الرأس فلا فدية ، وإن كانت في الرأس لزمه الفدية لأنه يمنع في الرأس المخيط وغيره ، ولكن لا إثم عليه للعذر . فرع : قال الدارمي وغيره : لو لف وسطه بعمامة أو أدخل يده في كم قميص منفصل عنه فلا فدية له . فرع : قال أصحابنا سواء في كل ما ذكرناه اللبس في زمن طويل وقصير ، وسواء الرجل والصبي ، لكن الصبي لا يأثم ويجب الفدية ، وهل تجب في ماله أو مال الولي فيه الخلاف السابق في الباب الأول . فرع : هذا الذي ذكرناه كله إذا لم يكن للرجل عذر في اللبس ، فإن كان عذر ففيه مسائل إحداها : إذا لم يكن للرجل عذر في اللبس ، فإن كان عذر ففيه مسائل إحداها : إذا احتاج إلى ستر رأسه أو لبس المخيط لعذر كحر أو برد أو مداواة أو احتاجت المرأة إلى ستر الوجه جاز الستر ووجبت الفدية لقوله تعالى :

﴿ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية الآية . الثانية : إذا لم يجد رداء لم يجز له لبس القميص ، بل يرتدي به ولو لم يجد إزارا ، ووجد سراويل نظر إن لم يتأت منه إزار لصغره ، أو لعدم آلة الخياطة أو لخوف التخلف عن القافلة ، ونحو ذلك ، فله لبسه ولا فدية لحديث ابن عباس السابق في أول الفصل . وأن تأتي منه إزار وأمكنه ذلك بلا ضرر فهل يجوز لبس السراويل على حاله فيه طريقان : المذهب : جوازه ، وبه قطع المصنف وسائر العراقيين والمتولي وآخرون من الخراسانيين والثاني : حكاه البغوي وآخرون من الخراسانيين فيه وجهان أصحهما : هذا والثاني : لا يجوز ، بل يتعين جعله إزارا ، فإن لبسه سراويل لزمه الفدية ،

232


233
وبهذا الوجه قطع الفوراني ، وجهه أنه غير مضطر إلى السراويل والصواب الأول لعموم الحديث ، ولأن في تكليف قطعه مشقة وتضييع مال . هذا كله إذا لم يمكنه أن يتزر بالسراويل على هيئته ، فإن أمكنه لم يجز لبسه على صفته ، فإن لبسه لزمته الفدية . صرح به المتولي وغيره وهو ظاهر ، وقياسا على ما لو فقد الرداء ووجد القميص ، فإنه لا يجوز لبسه ، بل يرتدي به كما سبق . وحيث جوزنا لبس السراويل لعدم الإزار فلبسه فلا فدية وإن طال زمانه . فلو وجد الإزار لزمه نزعه في الحال ، فإن أخر أثم ولزمته الفدية إن كان عالما ، صرح به الأصحاب واتفقوا عليه . وإذا وجد السراويل ووجد إزار يباع ولا ثمن معه ، أو كان يباع بأكثر من ثمن المثل جاز لبس السراويل ، قال الدارمي وغيره : ولو وهب له الإزار لم يلزمه قبوله ، بل له لبس السراويل لمشقة المنة في قبوله ، وكذا لو وهب له ثمنه ، فإن كان الواهب ولده ففي وجوب قبوله وجهان ، حكاهما الدارمي والقاضي أبو الطيب وغيرهما ، وهما كالوجهين في وجوب الحج لبذل الولد المال للمغصوب . وسبق في بذل ثمن الماء في التيمم مثله . قال الدارمي والقاضي أبو الطيب وآخرون : لو أعير إزارا لم يجز لبس السراويل ، هكذا قطع به الدارمي ، وقد سبق في وجوب قبوله عارية الثوب لمن يصلي فيه وجهان الصحيح : وجوبه ، وهنا أولى بجريان الخلاف كطول زمان لبسه هنا في العادة ، ولو كان معه سراويل قيمته قيمة إزار فقد أطلق الدارمي أنه يلزمه أن يستبدل به إزارا إذا أمكنه والصواب التفصيل ذكره القاضي أبو الطيب في تعليقه قال : إن أمكنه ذلك من غير مضى زمان تظهر فيه عورته لزمه وإلا فلا ، والله أعلم . الثالثة : إذا لم يجد نعلين جاز لبس المداس وهو المكعب ، ولبس خفين مقطوعين من أسفل الكعبين ولا فدية لحديث ابن عباس ، ولو لبس الخفين المقطوعين لفقد النعلين ثم وجد النعلين وجب نزعه في الحال . فإن أخر وجبت الفدية . هذا هو المذهب والمنصوص وبه قطع الجمهور كما قلنا في لبس السراويل بعد وجود الإزار والثاني : يجوز وبه قال أبو حنيفة وهو الوجه السابق في جواز لبس المداس والخفين المقطوعين مع وجود النعلين ، لأنهما في معنى النعلين ، ولهذا لا يجوز المسح عليهما وهذا ضعيف ، لأن ظاهر الحديث تخصيص الإباحة لمن لم يجد نعلين ، وما ذكروه من المسح ينتقض بالحف المخرق ، فإنه لا يجوز المسح عليه مع تحريم لبسه ووجوب الفدية فيه قال أصحابنا : وإذا جاز لبس الخفين المقطوعين لم يضر استتار طهر القدمين بباقيه . قال أصحابنا : والمراد بعقد الإزار والخف أن لا يقدر على تحصيله لعقدة أو لعدم بذل مالكه أو عجز عن ثمنه وأجرته ، لو بيع بغبن أو نسيئة أو وهب له لم يلزمه قبوله ، والله أعلم .

233


234
فرع : هذا الذي سبق كله في أحكام الرجل ، أما المرأة فالوجه في حقها كرأس الرجل ، فيحرم ستره بكا ساتر كما سبق في رأس الرجل ، ويجوز لها ستر رأسها وسائر بدنها بالمخيط وغيره كالقميص والخف والسراويل ، وتستر من الوجه القدر اليسير الذي يلي الرأس ، لأن ستر الرأس واجب لكونه عورة ، ولا يمكن استيعاب ستره إلا بذلك ، قال أصحابنا : والمحافظة على ستر الرأس بكماله لكونه عورة أولى من المحافظة على كشف ذلك الجزء من الوجه قال أصحابنا : ولها أن تسدل على وجهها ثوبا متجافيا عنه بخشبة ونحوها ، سواء فعلته لحاجة كحر أو برد أو خوف فتنة ونحوها ، أو لغير حاجة . فإن وقعت الخشبة فأصابت الثوب بغير اختيارها ورفعته في الحال فلا فدية ، وإن كان عمدا أو استدامته ، لزمتها الفدية . وهل يحرم عليها لبس القفازين فيه قولان مشهوران أصحهما : عند الجمهور تحريمه ، وهو نصه في الأم و الإملاء ويجب به الفدية والثاني : لا يحرم ولا فدية ، ولو اختضبت ولفت على يدها خرقة فوق الخضاب أو لفتها بلا خضاب فالمذهب لا فدية وقيل : قولان كالقفازين . وقال الشيخ أبو حامد : إن لم تشد الخرقة فلا فدية ، وإلا فالقولان ، وقد سبقت هذه المسألة واضحة في أوائل هذا الباب عند استحباب الحناء للمرأة عند الإحرام . فرع : هذا الذي ذكرناه في إحرام المرأة ولبسها هو المشهور من نصوص الشافعي والأصحاب ، لم يفرقوا بين الحرة والأمة . وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : هذا المذكور هو حكم الحرة فأما الأمة ففي عورتها وجهان أحدهما : أنها كالرجل ، فعورتها ما بين سرتها وركبتيها والثاني : جميع بدنها عورة إلا رأسها ويديها وساقيها . قال : فعلى هذا الثاني فيهما وجهان قال القاضي أبو حامد : هي كالحرة في الإحرام فيثبت لها حكم الحرة في كل ما ذكرنا ، قال : ومن أصحابنا من قال : وفي ساقيها ورأسها وجهان كالقفازين للحرة . قال : وإن قلنا هي كالرجل فوجهان أحدهما : أنها كالرجل في حكم الإحرام والثاني : كالمرأة . قال : وإن كان نصفها حرا ونصفها رقيقا ، فهل هي كالأمة أو كالحرة فيه وجهان هذا آخر كلام القاضي أبي الطيب وهو شاذ ، والمذهب ما سبق . فرع : أما الخنثى المشكل فقال أصحابنا : إن ستر وجهه فلا فدية لاحتمال أنه رجل ، وإن ستر رأسه فلا فدية لاحتمال أنه رجل ، وإن سترهما وجبت لتيقن ستر ما ليس له ستره . قال القاضي أبو الفتوح : فإن قال : أكشف رأسي ووجهي قلنا : فيه ترك للواجب ، قال : ولو قيل يؤمر بكشف الوجه كان صحيحا لأنه إن كان رجلا فكشف وجهه لا يؤثر ولا

234


235
يمنع منه ، وإن كان أمرأة فهو الواجب قال صاحب البيان : وعلى قياس قول أبي الفتوح إذا لبس الخنثى قميصا أو سراويل أو خفا فلا فدية لجواز كونه امرأة ، ويستحب أن لا يستر بالقميص والخف والسراويل لجواز كونه رجلا ويمكنه ستر ذلك بغير المخيط . هكذا ذكر حكم الخنثى جمهور الأصحاب ، وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : لا خلاف أنا نأمره بالستر ولبس المخيط كما نأمره في صلاته أن يستتر كالمرأة ، قال : وهل تلزمه الفدية فيه وجهان أصحهما : لا ، لأن الأصل براءته والثاني : يلزمه احتياطا كما يلزمه الستر في صلاته احتياطا للعبادة ، والله أعلم . فرع في مذاهب العلماء فيمن لم يجد نعلين قد ذكرنا أن مذهبنا أنه قطعهما أسفل من الكعبين ، ولا يجوز من غير قطعهما ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وداود والجمهور ، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعروة والنخعي وقال أحمد : يجوز لبسهما من غير قطع ، وروى ذلك عن عطاء وسعيد بن سالم القداح . واحتج أحمد بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات يقول : السراويل لمن لم يجد الإزار والخفاف لمن لم يجد النعلين يعني المحرم ، رواه البخاري ومسلم ، وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يجد نعلين فليلبس خفين ، ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل رواه مسلم . واحتج أصحابنا بحديث ابن عمر أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب فذكر الحديث السابق فى أول الفصل إلى قوله صلى الله عليه وسلم : إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين رواه البخاري ومسلم وأجاب الشافعي والأصحاب عن حديثي ابن عباس وجابر بأن حديث ابن عمر فيه زيادة ، فالأخذ به أولى ، ولأنه مفسر ، وخبر ابن عباس مجمل ، فوجب ترجيح حديث ابن عمر قال الشافعي : وابن عمر وابن عباس حافظان عدلان لا مخالفة بينهما ، لكن زاد أحدهما زيادة فوجب قبولها ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أنه إذا لم يجد إزارا جاز له لبس السراويل ولا فدية وبه قال أحمد وداود وجمهور العلماء . وقال مالك وأبو حنيفة لا يجوز له لبسه ، وإن عدم الإزار فإن لبسه لزمه الفدية . وقال الرازي من الحنفية : يجوز لبسه وعليه الفدية . ودليلنا حديث ابن

235


236
عمر وابن عباس المذكورين في الفرع ، والقياس على من عدم النعلين فإنه ليس له لبس الخفين المقطوعين ولا فدية عليه بالاتفاق ، والفرق بينه وبين ما قاسوا عليه من تحريم لبس القميص إذا لم يجد الرداء لا يجب عليه لبسه فلا ضرورة إليه ، بخلاف الإزار فإنه يجب لبسه لستر العورة فإذا لم يجد عدل إلى السراويل ولأن السراويل لا يمكنه أن يتزر به ويمكنه أن يرتدي بالقميص وإذا قلنا لو أمكنه أن يتزر بالسراويل لم يجز لبسه كما سبق إيضاحه . فرع : قد ذكرنا أنه لا يجوز للمحرم لبس القباء ، سواء أخرج يديه من كميه أم لا ، فإن لبسه لزمه الفدية ، وبه قال مالك وحكاه ابن المنذر بمعناه عن الأوزاعي . وقال إبراهيم النخعي وأبو حنيفة أبو ثور والخرقي من أصحاب أحمد : يجوز لبسه إذا لم يدخل يديه في كميه ، دليلنا على تحريمه حديث ابن عمر أن رجلا أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب قال : لا يلبس القميص ولا العمامة ولا البرنس ولا السراويل ولا القباء ولا ثوبا يمسه ورس أو زعفران رواه البيهقي بإسناد صحيح على شرط الصحيح ، قال البيهقي : وهذه الزيادة وهي ذكر القباء صحيحة محفوظة وعن ابن عمر أيضا قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القميص والأقبية والسراويلات والخفين إلا أن لا يجد نعلين رواه البيهقي بإسناد صحيح ، ولأنه مخيط فكان محرما موجبا للفدية كالجبة وأما تشبيههم إياه بمن التحف بقميص فلا يصح ، لأن ذلك لا يسمى لبسا في القميص ، ويسمى ، لبسا في القباء ، ولأنه غير معتاد في القميص ومعتاد في القباء ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يجوز للمحرم أن يستظل في المحمل بما شاء راكبا ونازلا ، وبه قال أبو حنيفة . وقال مالك وأحمد : لا يجوز فإن فعل فعليه الفدية وعن أحمد رواية أخرى أنه لا فدية ، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقف جاز ، ووافقونا على أنه إذا كان الزمان يسيرا في المحمل فلا فدية ، وكذا لو استظل بيده ، ووافقونا أنه لا فدية . وقد يحتج بحديث عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة قال : صحبت عمر بن الخطاب رضي الله عنه فما رأيته مضطربا فسطاطا حتى رجع رواه الشافعي والبيهقي

236


237
بإسناد حسن ، وعن ابن عمر أنه أبصر رجلا على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس فقال : أضح لمن أحرمت له رواه البيهقي بإسناد صحيح . وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما من محرم يضحي للشمس حتى تغرب إلا غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه رواه البيهقي وضعفه . ودليلنا حديث أم الحصين رضي الله عنها قالت : حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة . رواه مسلم في صحيحه ، ولأنه لا يسمى لبسا وأما حديث جابر المذكور فقد ذكرنا أنه ضعيف مع أنه ضعيف مع أنه ليس فيه نهي وكذا فعل عمر ، وقول ابن عمر ليس فيه نهي ، ولو كان فحديث أم الحصين مقدم عليه ، والله أعلم . فرع : مذهبنا أنه يجوز للرجل المحرم ستر وجهه ولا فدية عليه ، وبه قال جمهور العلماء . وقال أبو حنيفة ومالك : لا يجوز كرأسه . واحتج لهما بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي خر من بعيره : ولا تخمروا وجهه ولا رأسه رواه مسلم وعن ابن عمر أنه كان يقول : ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم رواه مالك والبيهقي وهو صحيح عنه . واحتج أصحابنا برواية الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه : أن عثمان بن عفان وزيد ثابت ومروان بن الحكم كانوا يخمرون وجوههم وهم حرم وهذا إسناد صحيح وكذلك رواه البيهقي ، ولكن القاسم لم يدرك عثمان وأدرك مروان . واختلفوا في إمكان إداركه زيدا وروى مالك والبيهقي بالإسناد الصحيح عن عبد الله بن أبي بكر عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال :

237


238
( رأيت عثمان بالعرج وهو محرم في يوم صائف قد غطى وجهه بقطيفة أرجوان ) والجواب عن حديث ابن عباس أنه إنما نهى عن تغطية وجهه لصيانة رأسه لا لقصد كشف وجهه فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه ولا بد من تأويله لأن مالكا وأبا حنيفة يقولان لا يمتنع من ستر رأس الميت ووجهه والشافعي وموافقوه يقولون يباح ستر الوجه دون الرأس فتعين تأويل الحديث وأما قول ابن عمر فمعارض بفعل عثمان وموافقيه والله أعلم
فرع
قد ذكرنا أن الأصح عندنا تحريم لبس القفازين على المرأة وبه قال عمر وعلي وعائشة رضي الله عنهم وقال الثوري وأبو حنيفة يجوز وحكى ذلك عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
فرع
قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يجوز أن يتقلد السيف وبه قال الأكثرون ونقل القاضي أبو الطيب عن الحسن البصري كراهته وعن مالك أنه لا يجوز

قال المصنف رحمه الله ويحرم عليه استعمال الطيب في ثيابه وبدنه لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران وتجب به الفدية قياسا على الحلق ولا يلبس ثوبا مبخرا بالطيب ولا ثوبا مصبوغا بالطيب وتجب به الفدية قياسا على ما مسه الورس والزعفران وإن علق بخفه طيب وجبت به الفدية لأنه ملبوس فهو كالثوب ويحرم عليه استعمال الطيب في بدنه ولا يجوز أن يأكله ولا أن يكتحل به ولا أن يستعط به ولا يحتقن به فإن استعمله في شيء من ذلك لزمته الفدية لأنه إذا وجب ذلك فيما يستعمله في الثياب فلأن يجب فيما يستعلمه في بدنه أولى وإن كان الطيب في طعام نظرت فإن ظهر في طعمه أو رائحته لم يجز أكله وتجب به الفدية وإن ظهر ذلك في لونه وصبغ به اللسان من غير طعم ولا رائحة فقد قال في المختصر الأوسط من الحج لا يجوز وقال في الأم والإملاء يجوز قال أبو إسحاق يجوز قولا واحدا وتأول قوله في الأوسط على ما إذا كانت له رائحة ومنهم من قال فيه قولان أحدهما لا يجوز لأن اللون إحدى صفات الطيب فمنع من استعماله كالطعم والرائحة والثاني يجوز وهو الصحيح لأن الطيب بالطعم والرائحة

238


239

+ الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم وقوله : قياسا على الحلق إنما قاس عليه لأنه منصوص عليه في القرآن ، وفي حديث كعب بن عجرة السابق وقوله : وإن علق بخفه طيب ، قال الفارقي : وفرض هذا النعل أولى لأن النعل يجوز له لبسه والخف يحرم لبسه ، قال : ويمكن تصويره بأن يكون قد لبسه ولزمته الفدية ، وعلق به الطيب فيلزمه فدية ، هذا كلامه وهو متصور في النعل وفي الخف كما ذكره ، وفيما لو لبس خفا مقطوعا للعجز عن النعلين ، وفيما لو لبس الخفين جاهلا تحريمها وعلق به طيب وهو يعلم تحريمه . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : يحرم على الرجل والمرأة استعمال الطيب وهذا مجمع عليه لحديث ابن عمر قال أصحابنا : واستعمال الطيب هو أن يلصق الطيب ببدنه أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب ، فلو طيب جزءا من بدنه بغالية أو مسك مسحوق أو ماء ورد لزمته الفدية ، سواء الإلصاق بظاهر البدن أو باطنه ، بأن أكله أو احتقن به أو استعط أو اكتحل أو لطخ به رأسه أو وجهه أو غير ذلك من بدنة أثم ولزمته الفدية ، ولا خلاف في شيء من ذلك إلا في الحقنة والسعوط ، ففيهما وجه أنه لا فدية فيهما . حكاه الرافعي وهو ضعيف والمشهور وجوب الفدية ، وبه قطع المصنف والجمهور ، ولو لبس ثوبا مبخرا بالطيب ، أو ثوبا مصبوغا بالطيب أو علق بنعله طيب لزمته الفدية ، لما ذكره المصنف . ولو عبقت رائحة الطيب دون عينه بأن جلس في دكان عطار أو عند الكعبة وهي تبخر ، أو في بيت يبخر ساكنوه فلا فدية بلا خلاف ، ثم إن لم يقصد الموضع لاشتمام الرائحة لم يكره ، وإن قصد لاشتمامها ففي كرهته قولان للشافعي أصحهما : لا يكره وقطع القاضي حسين بالكراهة ، وقال : إنما القولان في وجوب الفدية والمذهب الأول وبه قطع الأكثرون ، وقطع البندنيجي أنه لا يكره القرب من الكعبة لشم الطيب . قال : وإنما القولان في غيرها ، وليس كما قال ، بل المذهب طرد الخلاف في الجميع ، ولو احتوى على مجمرة فتبخر بالعود بدنه أو ثيابه لزمته الفدية بلا خلاف لأنه يعد استعمالا ولو مس طيبا يابسا كالمسك والكافور والذريرة ، فإن علق بيده لونه وريحه وجبت الفدية بلا خلاف لأن استعماله هكذا يكون ، وإن لم يعلق بيده شيء من عينه لكن عبقت به الرائحة ففي

239


240
وجوب الفدية قولان : الأصح : عند الأكثرين ، وهو نصه في الأوسط لا تجب لأنها عن مجاورة فأشبه من قعد عند الكعبة وهي تبخر والثاني : تجب ، وصححه القاضي أبو الطيب وهو نصه في الأم و الإملاء والقديم لأنها عن مباشرة . وإن كان الطيب رطبا فإن علم أنه رطب وقصد مسه فعلق بيده لزمته الفدية وإن ظن أنه يابس فمسه فعلق بيده فقولان أحدهما : تجب الفدية لأنه مسه قاصدا ، فصار كمن علم أنه رطب . والثاني : لا . لأنه علق به بغير اختياره ، وذكر الدارمي أن هذا القول أن القول الثاني نصه في الجديد ، والأول هو القديم ، ولذلك ذكره صاحب التقريب . قال الرافعي : رجح إمام الحرمين وغيره الوجوب ، ورجحت طائفة عدم الوجوب ، قلت : هذا أصح لأنه نصه في الجديد ، ولأنه غير قاصد وقد ذكر المصنف المسألة في أواخر الباب في استعمال الطيب ناسيا والله أعلم . ولو شد مسكا أو كافورا أو عنبرا في طرف ثوبه أو جبته ، أو لبسته المرأة حشوا بشيء منها وجبت الفدية قطعا ، لأنه استعمله ، ولو شد العود فلا فدية ، لأنه لا يعد تطيبا بخلاف شد المسك ، ولو شم الورد فقد تطيب ، ولو شم ماء الورد فلا ، بل استعماله أن يصبه على بدنه أو ثوبه ، ولو حمل مسكا أو طيبا في كيس أو خرقة مشدودا ، أو قارورة مصممة الرأس أو حمل الورد في وعاء فلا فدية ، نص عليه في الأم ، وقطع به الجمهور ، وفيه وجه شاذ أنه إن كان يشم قصدا لزمته الفدية ، ولو حمل مسكا في قارورة غير مشقوقة فلا فدية في أصح الوجهين ، وبه قطع القاضي أبو الطيب ونقله عن الأصحاب ، ولو كانت القارورة مشقوقة أو مفتوحة الرأس قال الأصحاب : وجبت الفدية ، قال الرافعي : وفيه نظر لأنه لا يعد طيبا ولو جلس على فراش مطيب أو أرض مطيبة أو نام عليها مفضيا إليها ببدنه أو ملبوسه لزمته الفدية ولو فرش فوقه ثوبا ثم جلس عليه أو نام لم تجب الفدية نص عليه الشافعي في الأم ، واتفق عليه الأصحاب ، لكن إن كان الثوب رقيقا كره وإلا فلا ولو داس بنعله طيبا لزمته الفدية . فرع : لو خفيت رائحة الطيب أو الثوب المطيب لمرور الزمان أو لغبار وغيره فإن كانت بحيث لو أصابه الماء فاحت رائحته حرم استعماله ، وإن بقي اللون لم يحرم على أصح الوجهين . ولو انغمر شيء من الطيب في غيره ، كماء ورد انمحق في ماء كثير ، لم تجب الفدية باستعماله على أصح الوجهين ، فلو انغمرت الرائحة وبقي اللون أو الطعم ففيه الخلاف الذي سنذكره إن شاء الله تعالى في الطعام المطيب أما إذا أكل طعاما فيه زعفران أو طيب آخر أو استعمل مخلوطا بالطيب لا لجهة الأكل فينظر إن استهلك الطيب فلم

240


241
يبق له ريح ولا طعم ولا لون فلا فدية بلا خلاف . وإن ظهرت هذه الأوصاف وجبت الفدية بلا خلاف وإن بقيت الرائحة فقط وجبت الفدية لأنه يعد طيبا ، وإن بقي اللون وحده فطريقان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب ، ودليلهما في الكتاب أصحهما على قولين أصحهما : لا فدية وهو نصه في الأم و الإملاء و القديم والثاني : يجب نصه في الأوسط والطريق الثاني : لا فدية قطعا . وإن بقي الطعم فقط ، فثلاث طرق ذكرها صاحب الشامل و البيان وغيرهما أصحهما وجوب الفدية قطعا ، وبه قطع المصنف والجمهور ، ونقل القاضي أبو الطيب في تعليقه اتفاق الأصحاب عليه كالرائحة ، والثاني : فيه طريقان ، والثالث : لا فدية وهذا ضعيف أو غلط . وحكى البنديجي طريقا رابعا لا فدية قطعا ، ولو أكل الحليحلتين المربى في الورد نظر في استهلاك الورد فيه وعدمه ، قال الرافعي : ويجيء فيه هذا التفصيل ، أطلق الدارمي أنه إن كان فيه ورد ظاهر وجبت الفدية قال الماوردي والروياني : لو أكل العود لا فدية عليه لأنه لا يعد تطييبا إلا بالتبخر به بخلاف المسك ، والله أعلم . فرع : لو كان المحرم أخشم لا يجد رائحة فاستعمل الطيب لزمته الفدية بلا خلاف ، لأنه وجد استعمال الطيب مع العلم بتحريمه ، فوجبت الفدية ، وإن لم ينتفع به كما لو نتف شعر لحيته أو غيرها من شعوره التي لا ينفعه نتفها وممن صرح بالمسألة المتولي وصاحبا العدة والبيان . فرع : قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : قال الشافعي في الأم وإن لبس إزارا مطيبا لزمته فدية واحدة للطيب ، ولا شيء عليه في اللبس ، لأن لبس الإزار مباح قال : وإن جعل على رأسه الغالية لزمه فديتان إحداهما : للطيب والثانية : لتغطيته رأسه ، وهما جنسان فلا يتداخلان ، هذا نقل القاضي وكذا نقله غيره ، قال الدارمي : لو لبس إزارا غير مطيب ولبس فوقه إزارا آخر مطيبا قال ابن القطان : فيه وجهان ، يعني هل تجب فيه فدية أم فديتان الأصح فدية ، لأن جنس الإزار مباح ، ولو طبق أزرا كثيرا بعضها فوق بعض جاز .

قال المصنف رحمه الله تعالى : والطيب كا ما يتطيب به ويتخذ منه الطيب ، كالمسك والكافور والعنبر والصندل والورد والياسمين والورس والزعفران ، وفي الريحان الفارسي والمرزنجوش واللينوفر والنرجس قولان ، أحدهما : يجوز شمها لما روى عثمان رضي الله عنه أنه سئل عن المحرم يدخل البستان فقال : نعم ويشم

241


242
الريحان ولأن هذه الأشياء لها رائحة إذا كانت رطبة ، فإذا جفت لم يكن لها رائحة ، والثاني : لا يجوز لأنه يراد للرائحة فهو كالورد والزعفران وأما البنفسج فقد قال الشافعي : ليس هو بطيب ، فمن أصحابنا من قال : هو طيب قولا واحدا لأنه تشم رائحته ويتخذ منه الدهن ، فهو كالورد ، وتأول قول الشافعي على المريب بالسكر ، ومنهم من قال : ليس هو بطيب قولا واحدا لأنه يراد للتداوي ولا يتخذ من يابسه طيب ، ومنهم من قال : هو كالنرجس والريحان ، وفيه قولان لأنه يشم رطبه ولا يتخذ من يابسه طيب . وأما الأترج فليس بطيب لأنه يراد للأكل فهو كالتفاح والسفرجل وأما العصفر فليس بطيب ، لقوله صلى الله عليه وسلم : وليلبسن ما أحببن من المعصفر لأنه يراد للون فهو كاللون والحناء ليس بطيب ، لما روى : أن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يختضبن بالحناء وهن محرمات ، ولأنه يراد للون فهو كالعصفر . ولا يجوز أن يستعمل الأدهان المطيبة كدهن الولد والزنبق ودهن البان المنشوش وتجب بها الفدية ، لأنه يراد للرائحة وأما غير المطيب كالزيت والشيرج والبان غير المنشوش فإنه يجوز استعمالها في غير الرأس واللحية ، لأنه ليس فيه طيب ولا تزيين ولا يحرم استعمالها في شعر الرأس واللحية ، لأنه يرجل الشعر ويزينه وتجب به الفدية ، فإن استعمله في رأسه وهو أصلع جاز ، لأنه ليس فيه تزيين ، وإن استعمله في رأسه وهو محلوق لم يجز ، لأنه يحسن الشعر إذا نبت ويجوز أن يجلس عند العطار ، وفي موضع يبخر لأن في المنع من ذلك مشقة ، ولأن ذلك ليس بتطيب مقصود ، والمستحب أن يتوقى ذلك إلا أن يكون في موضع قربة كالجلوس عند الكعبة وهي تجمر ، فلا يكره ذلك لأن الجلوس عندها قربة ، فلا يستحب تركها لأمر مباح ، وله أن

242


243
يحمل الطيب في خرقة أو قارورة ، والمسك في نافجة ولا فدية عليه ، ولأن دونه حائلا . وإن مس طيبا فعبقت به رائحته ففيه قولان ، أحدهما : لا فدية عليه ، لأنه رائحة من مجاورة فلم يكن لها حكم كالماء إذا تغيرت رائحته بجيفة بقربة ، والثاني : يجب لأن المقصود من الطيب هو الرائحة ، وقد حصل ذلك وإن كان عليه طيب فأراد غسله فالمستحب أن يولي غيره غسله حتى لا يباشره بيده فإن غسله بنفسه جاز ، لأن غسله ترك فلا يتعلق به تحريم كما لو دخل دار غيره بغير إذنه فأراد أن يخرج . وإن حصل عليه طيب ولا يقدر على إزالته بغير الماء ، وهو محدث ، ومعه من الماء ما لا يكفي الطيب والوضوء غسل به الطيب ، لأن الوضوء له بدل ، وغسل الطيب لا بدل له ، وإن كان عليه نجاسة استعمل الماء في إزالة النجاسة لأن النجاسة تمنع صحة الصلاة ، والطيب لا يمنع صحة الحج .

+ الشرح : أما حديث وليلبسن ما أحببن فسبق بيانه قريبا في فصل تحريم اللباس وأما الأثر المذكور عن عثمان فغريب ، وصح عن ابن عباس معناه ، فذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس معناه تعليقا بغير إسناد أنه قال : يشم المحرم الريحان ويتداوى بأكل الزيت والسمن وروى البيهقي بإسناده الصحيح المتصل عن ابن عباس أيضا أنه كان لا يرى بأسا للمحرم بشم الريحان . وروى البيهقي عكسه عن ابن عمر وجابر فروى بإسنادين صحيحين أحدهما : عن ابن عمر أنه كان يكره شم الريحان للمحرم ، والثاني : عن أبي الزبير أنه سمع جابرا يسأل عن الريحان أيشمه المحرم والطيب والدهن فقال : لا وأما قوله : إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم : كن يختضبن بالحناء وهن محرمات فغريب ، وقد حكاه ابن المنذر في الإشراف بغير إسناد ، وإنما روى البيهقي في هذه المسألة حديث عائشة أنها سئلت عن الحناء والخضاب فقال : كان خليلي صلى الله عليه وسلم لا يحب ريحه قال البيهقي : فيه كالدلالة على أن الحناء ليس بطيب فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الطيب ولا يحب ريح الحناء .

243


244
أما ألفاظ الفصل : فالياسمين والياسمون إن شئت أعربته بالياء والواو ، وإن شئت جعلت الإعراب في النون ، لغتان وأما الورس فسبق بيانه في باب زكاة الثمار وأما الريحان الفارسي فهو الضمران وأما المرزنجوش فميم مفتوحة ثم راء ساكنة ثم زاي مفتوحة ثم نون ساكنة ثم جيم مضمومة ثم واو ثم شين معجمة وهو معروف وهو نوع من الطيب يشبه الغسلة بكسر الغين والعوام يصحفونه وأما اللينوفر فهكذا هو في المهذب بلامين وذكر أبو حفص بن مكي الصقلي الإمام في كتابه تثقيف اللسان أنه إنما يقال نيلوفر بفتح النون واللام ونينوفر بنونين مفتوحتين ولا يقال : نينوفر بكسر النون وجعله من لحن العوام ، قوله : ولأن هذه الأشياء لها رائحة إذا كانت رطبة ، فإذا جفت لم يكن لها رائحة ، يعني فلا يكون طيبا هو ما قصد به الطيب رطبا ويابسا ، وهذه الأشياء ليست كذلك ، فإن رائحتها تختص بحال الرطوبة . قوله : ويشم الريحان هو بفتح الياء والشين قوله : الأترج هو بضم الهمزة والراء وإسكان التاء بينهما وتشديد الجيم ويقال : ترنج حكاه الجوهري وآخرون ، والأول أفصح وأشهر ، وأما الحناء فممدود وهو اسم جنس والواحدة حناءة كقثاءة ، قوله : كدهن الورد والزنبق هو بفتح الزاي ثم نون ساكنة ثم باء موحدة مفتوحة ثم قاف وهو دهن الياسمين الأبيض ، وقال الجوهري في صحاحه : هو دهن الياسمين فلم يخصه بالأبيض وهو لفظ عربي ، قوله : دهن البان المنشوش هو بالنون والشين المعجمة المكررة ومعناه المغلي بالنار ، وهو يغلي بالمسك وقوله : الكعبة وهي تجمر بالجيم المفتوحة وتشديد الميم أي تبخر ، قوله : المسك في نافجة هي بالنون والفاء والجيم وهي وعاؤه الأصلي الذي تلقيه الظبية ، قوله : عبقت رائحته هو بكسر الباء أي فاحت ، والله أعلم . أما الأحكام : فقال أصحابنا رحمهم الله : يشترط في الطيب الذي يحكم بتحريمه أن يكون معظم الغرض منه الطيب ، واتخاذ الطيب منه ، أو يظهر فيه هذا الغرض ، هذا ضابطه ثم فصلوه فقالوا : الأصل في الطيب المسك والعنبر والكافور والعود والصندل والدرديرة ونحو ذلك ، وهذا كله لا خلاف فيه ، والكافور صمغ شجر معروف ، وأما النبات الذي له رائحة فأنواع منها ما يطلب للتطييب واتخاذ الطيب منه كالورد والياسمين والخيري والزعفران والورس ونحوها فكل هذا طيب ، وحكى الرافعي وجها شاذا في الورد والياسمين والخيري أنها ليست طيبا والمذهب الأول . قال أصحابنا : نص النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح السابق على الزعفران والورس ، ونبهنا بهما على ما معناهما وما

244


245
فوقهما كالمسك ومنها ما يطلب للأكل أو للتداوي غالبا كالقرنفل والدارصيني والفلفل والمصطكى والسنبل وسائر الفواكه ، كل هذا وشبهه ليس بطيب ، فيجوز أكله وشمه وصبغ الثوب به ، ولا فدية فيه ، سواء قليلة وكثيره ، ولا خلاف في شيء من هذا إلا القرنفل ، فإن صاحب البيان حكى فيه وجهين أحدهما : وهو قول الصيدلاني أنه ليس بطيب والثاني : قول الصيمري : أنه طيب . قال : وهو الأصح ، وليس كما قال ، بل الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور أنه ليس بطيب والله أعلم . ومنها ما ينبت بنفسه ولا يراد للطيب كنور أشجار الفواكه كالتفاح والمشمش والكمثرى والسفرجل ، وكالشيح والقيصوم وشقائق النعمان والإذخر والخزامى وسائر أزهار البراري ، فكل هذا ليس بطيب ، فيجوز أكله وشمه وصبغ الثوب به ، ولا فدية فيه بلا خلاف . ومنها ما يتطيب به ولا يتخذ منه الطيب كالنرجس والمرزنجوش والريحان الفارسي والآس وسائر الرياحين ، ففيهما طريقان حكاهما البندنيجي أصحهما : عنده أنها طيب قولا واحدا والطريق الثاني : وهو الصحيح المشهور ، وبه قطع الجمهور فيه قولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح : الجديد أنها طيب موجبة للفدية والقديم ليست بطيب ولا فدية . وممن ذكر كل الرياحين في هذا النوع وحكى فيها القولين المحاملي والبندنيجي وصاحب البيان . وأما اللينوفر ففيه طريقان المشهور : أنه كالنرجس فيكون فيه القولان الجديد تحريمه والقديم إباحته . وبهذا الطريق قطع المصنف والأكثرون والثاني : أنه طيب قولا واحدا حكاه الرافعي وقطع به البندنيجي ، وقطع المصنف في التنبيه بأنه ليس بطيب وهو شاذ ضعيف . وأما البنفسج ففيه ثلاث طرق مشهورة ذكرها المصنف أصحها : أنه طيب والثاني : أنه ليس بطيب وبه قطع المصنف في التنبيه والثالث : فيه قولان ، فإذا قلنا بالمذهب : إنه طيب فقد ذكر الماوردي وغيره لنص الشافعي الذي حكاه المصنف تأويلين أحدهما : محمول على المربى بالسكر الذي ذهبت رائحته ، وهذا هو التأويل الذي ذكره المصنف وهو المشهور والثاني : أنه محمول على البنفسج البري ، وحكى الرافعي وجها أنه يعتبر عادة كل بلد فيما يتخذ طيبا ، قال : وهو غلط نبهنا عليه والصواب ما سبق . فرع : الحناء والعصفر ليسا بطيب بلا خلاف عندنا ، ولا فدية فيهما كيف استعملهما . وقال صاحب الإبانة : قال الشافعي ، لو اختضبت المرأة بالحناء ولفت على يدها خرقة فعليها قال : فمنهم من قال : فيه قولان ومنهم من قال : ليس بطيب قولا وإنما

245


246
القولان في لف الخرقة كالقولين في القفازين هذا كلامه ، وكذا قال شارح الإبانة هو وصاحب العدة : الحناء هل هو طيب أم لا قيل : فيه قولان وقيل : وليس بطيب قطعا ، وهذا الخلاف الذي حكياه غلط ، والمشهور والمعروف في المذهب أنه ليس بطيب قولا واحدا وإنما القولان في الخرق الملفوفة ، وقد سبق بيانه واضحا ، والله أعلم . فرع : في أنواع النبات غريبة ذكرها بعض الأصحاب منها الكاذي بالذال المعجمة نقل القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الشافعي أنه طيب قولا واحدا كالمسك ، قال الشافعي : وهو نبات يشبه السوسن ، وممن قطع بأنه طيب الماوردي وصاحب البيان ومنها : اللفاح ذكر المحاملي والقاضي أبو الطيب والبندنيجي والبغوي والمتولي وصاحب العدة أنه على القولين كالنرجس . قال القاضي أبو الطيب . وكذلك القولان في النمام بفتح النون وتشديد الميم وهو نبت معروف طيب الرائحة . قال : ويجريان في السوسن والبرم ، وقال الدارمي : النمام يحتمل أنه على القولين كالنرجس ، ويحتمل أنه ليس بطيب قطعا كالبقول . قال الدارمي : الأترج والنارنج ليسا بطيب ، قال : وأما قشورهما فقال أبو إسحاق المروزي : ليس بطيب ، وقال أبو علي بن أبي هريرة : فيه قولان كالريحان . هذا كلامه وهو غريب ، والصواب القطع بأنها ليست طيبا . فرع : حب المحلب قال الدارمي : ليس هو بطيب ، ولم يذكر فيه خلافا ، وفيما قاله احتمال . فرع : الأدهان ضربان ، أحدهما : دهن ليس بطيب ولا فيه طيب كالزيت والشيرج والسمن والزبد ودهن الجوز واللوز ونحوها فهذا لا يحرم استعماله في جميع البدن إلا في الرأس واللحية ، فيحرم استعماله فيهما بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، فلو كان أصلع لا تنبت رأسه شعرا فدهن رأسه أو أمرد فدهن ذقنه فلا فدية ، بلا خلاف وإن كان محلوق الرأس فوجهان مشهوران في طريقة خراسان أصحهما : وبه قطع المصنف وجماهير العراقيين وجوب الفدية لما ذكره المصنف والثاني : لا فدية لأنه لا يزال به شعث وهذا اختيار المزني والفوراني . واتفق أصحابنا على جواز استعمال هذا الدهن في جميع بدنه غير الرأس واللحية ، سواء شعره وبشره وعلى جواز أكله ، ولو كان على رأسه شجة فجعل هذا الدهن في داخلها من غير أن يمس شعرا فلا فدية بلا خلاف ، صرح به الدارمي والبندنيجي والماوردي وصاحب الشامل وآخرون . قال الماوردي : ولو طلى شعر رأسي

246


247
ولحيته بلبن جاز ولا فدية ، وإن استخرج منه السمن لأنه ليس بدهن ، ولا يحصل به ترجيل الشعر . قال : وأما الشحم والشمع إذا أذيبا فهما كالدهن يحرم على المحرم ترجيل شعره بهما والله أعلم . الضرب الثاني : دهن هو طيب فمنه دهن الورد ، والمذهب وجوب الفدية فيه ، وبه قطع المصنف والجمهور وقيل : فيه وجهان : حكاه الرافعي وأشار إليه إمام الحرمين ومنه دهن البنفسج ، فإن لم توجب الفدية في نفس البنفسج فدهنه أولى ، وإلا فكدهن الورد . قال الرافعي : ثم اتفق الأصحاب على أن ما طرح فيه الورد والبنفسج فهو دهنهما ، ولو طرحا على السمسم فأخذ رائحته ثم استخرج منه الدهن ، قال الجمهور : لا فدية فيه ، وخالفهم الشيخ أبو محمد الجويني فأوجبها . ومنه البان ودهنه ، قال الرافعي : أطلق الجمهور أن كل واحد منهما طيب ، ونقل إمام الحرمين عن نص الشافعي أنهما ليسا بطيب ، وتابعه الغزالي قال الرافعي : ويشبه أن لا يكون خلافا محققا ، بل هما محمولان على تفصيل حكاه صاحب المهذب و التهذيب ، وهو أن دهن البان المنشوش وهو المغلي في الطيب طيب غير المنشوش ليس بطيب ، هذا كلام الرافعي وهو كما قال : وقد قال : بالتفصيل الذي ذكره صاحب المهذب و التهذيب جماعات غيرهما منهم القاضي أبو الطيب والمحاملي وصاحب البيان وآخرون . ونقله المحاملي عن نص الشافعي ومنه دهن الزنبق والخيري والكاذي . وهذا كله طيب بلا خلاف لما ذكره المصنف والله أعلم . وأما دهن الأترج ففيه وجهان حكاهما الماوردي والروياني أحدهما : أنه طيب ، وبه قطع الدارمي لأن قشره يربى به الدهن كالورد والثاني : ليس بطيب لأن الأترج ليس بطيب ، وإنما هو مأكول مباح للمحرم . فرع : اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يجوز أن يجلس المحرم عند عطار ، وهو في موضع يبخر ، والأولى اجتنابه لما ذكره المصنف ، وقد سبق بيان هذا في الفصل الذي قبل هذا ، وسبق فيه أيضا حكم حمل الطيب في قارورة وخرقة ، وحمل نافجة المسك ، وسبق فيه وأيضا بيان القولين فيمن مس طيبا ، فعلقت به رائحته وأن الأصح أنه لا فدية . والله أعلم . فرع : متى لصق الطيب ببدنه أو ثوبه على وجه لا يوجب الفدية بأن كان ناسيا أو ألقته ريح عليه لزمه المبادرة بإزالته بأن ينحيه أو يغسله أو يعالجه بما يقطع ريحه قال الدارمي وغيره لوحته حتى ذهب أثره كفاه قال المصنف والأصحاب : الأولى يأمر غيره بإزالته ولا يباشره بنفسه ، فإن باشره بنفسه جاز بلا خلاف لما ذكره المصنف ، فإن أخر

247


248
إزالته مع الإمكان لزمته الفدية فإن كان زمنا لا يقدر على إزالته فلا فدية كمن أكره على التطيب ذكره البغوي . ولو لصق به طيب يوجب الفدية لزمه أيضا المبادرة إلى إزالته فإن أخره عصى ولا تتكرر به الفدية . قال المصنف والأصحاب : ولو كان معه ما يكفيه لوضوئه أو إزالة الطيب ، ولا يكفيه لهما وهو محدث ولم يمكنه إزالة الطيب بغير الماء غسل الطيب ، لأنه لا بدل له ويتيمم . هكذا أطلق المصنف وكثيرون المسألة ، وقال المحققون : هذا إذا لم يمكن أن يتوضأ به ويجمعه ثم يغسل به الطيب ، فإن أمكن ذلك وجب فعله جمعا بين العبادتين ، وقد سبقت المسألة واضحة في باب التيمم في مسألة من وجد بعض ما يكفيه ، ولو كان عليه نجاسة وطيب ولم يمكنه إلا غسل أحدهما غسل النجاسة لما ذكره المصنف ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : ولا يكره للمحرم شرى الطيب ، كما لا يكره شرى المخيط والجارية . فرع : يحرم عليه أن يكتحل بما فيه طيب ، فإن احتاج إليه جاز ، وعليه الفدية ، وله الاكتحال بما لا طيب فيه فقد ذكر المصنف في أواخر هذا الباب أنه يكره لأنه زينة . واتفق أصحابنا على أنه لا يحرم وأما الكراهة فنقل المزني عن الشافعي أنه لا بأس به ، ونص في الإملاء على كراهته فقيل : قولان والأصح : أنه على حالين ، فإن لم يكن فيه زينة كالتوتية الأبيض لم يكره ، وإن كان فيه زينة كالأثمد كره إلا لحاجة كرمد . فرع : قد ذكرنا أن الطيب حرام على المحرم . وهذا مجمع عليه ومذهبنا أنه لا فرق بين أن يتبخر أو يجعله في بدنه أو ثوبه سواء كان الثوب مما ينفض الطيب لم يكن ، قال العبدري : وبه قال أكثر العلماء ، وقال أبو حنيفة : يجوز للمحرم أن يتبخر بالعود والند ولا يجوز أن يجعل شيئا من الطيب في بدنه ، ويجوز أن يجعله على ظاهر ثوبه ، فإن جعله في باطنه وكان الثوب لا ينفض فلا شيء عليه وإن كان ينفض لزمته الفدية . دليلنا حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يلبس ثوبا مسه ورس أو زعفران رواه البخاري ومسلم ، وهو عام يتناول ما ينفض وغيره . فرع : الحناء ليس بطيب عندنا كما سبق ولا فدية ، وبه قال مالك وأحمد وداود وقال أبو حنيفة : طيب يوجب الفدية .

248


249
فرع : إذا لبس ثوبا معصفرا فلا فدية ، والعصفر ليس بطيب هذا مذهبنا وبه قال أحمد وداود وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وجابر وعبد الله بن جعفر وعقيل بن أبي طالب وعائشة وأسماء وعطاء ، قال : وكرهه عمر بن الخطاب ، وممن تبعه الثوري ومالك ومحمد بن الحسن وأبو ثور ، وقال أبو حنيفة : إن نفض على البدن وجبت الفدية ، وإلا وجبت صدقة ، دليلنا الحديث الذي ذكره المصنف . فرع : إذا حصل الطيب في مطبوخ أو مشروب فإن لم يبق له طعم ولا لون ولا رائحة فلا فدية في أكله وإن بقيت رائحته وجبت الفدية بأكله عندنا كما سبق ، وقال أبو حنيفة : لا فدية . ودليلنا مقصود الطيب وهو الترفه باق . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أن الزيت والشيرج والسمن والزبد ونحوها من الأدهان غير المطيبة لا يحرم على المحرم استعمالها في بدنه ، ويحرم عليه في شعر رأسه ولحيته . وقال الحسن بن صالح : يجوز استعمال ذلك في بدنه وشعر رأسه ولحيته وقال مالك : لا يجوز دهن الباطنة وهي ما يوارى باللباس . وقال أبو حنيفة كقولنا في السمن والزبد ، وخالفنا في الزيت والشيرج ، فقال : يحرم استعماله في الرأس والبدن ، وقال أحمد : إن ادهن بزيت أو شيرج فلا فدية في أصح الروايتين ، سواء يديه ورأسه وقال داود : يجوز دهن رأسه ولحيته وبدنه بدهن غير مطيب . واحتج أصحابنا بحديث فرقد السنجي الزاهد رحمه الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادهن بزيت غير مقنت وهو محرم رواه الترمذي : وهو ضعيف غريب لا يعرف إلا من حديث فرقد ، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد وقوله : غير مقتت أي غير مطيب وإذا لم يثبت الحديث تعين المصير إلى حديث آخر ، وهو أن الذي جاء الشرع به استعمال الطيب ، وهذا ليس منه فلا يثبت تحريمه . هذا دليل على من حرمه في جميع البدن أما من أباحه في الرأس واللحية فالدليل عليه ما ذكره المصنف . فرع : ذكرنا أن مذهبنا في تحريم الرياحين قولين الأصح : تحريمه ووجوب الفدية ، وبه قال ابن عمر وجابر والثوري ومالك وأبو ثور وأبو حنيفة إلا أن مالكا

249


250
وأبا حنيفة يقولان : يحرم ولا فدية قال ابن المنذر : واختلف في الفدية عن عطاء وأحمد ، وممن جوزه وقال : هو حلال لا فدية فيه عثمان وابن عباس والحسن البصري ومجاهد وإسحاق ، قال العبدري : وهو قول أكثر الفقهاء . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا جواز جلوس المحرم عند العطار ، ولا فدية فيه ، وبه قال ابن المنذر ، قال : وأوجب عطاء فيه الفدية ، وكره ذلك مالك . فرع : قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والشيرج والسمن ، قال : وأجمع عوام أهل العلم على أنه له دهن بدنه بالزيت والشحم والشيرج والسمن ، قال : وأجمعوا على أنه ممنوع من حيث استعمال الطيب في جميع بدنه والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه أن يتزوج وأن يزوج غيره بالوكالة وبالولابة الخاصة ، فإن تزوج أو زوج فالنكاح باطل ، لما روى عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب ولأنه عبادة تحرم الطيب فحرمت النكاح كالعدة ، وهل يجوز للإمام أو الحاكم أن يزوج بولاية الحكم فيه وجهان أحدهما : لا يجوز كما لا يجوز أن يزوج بالولاية الخاصة ، والثاني : يجوز ، لأن الولاية العامة آكد والدليل عليه أنه يملك بالولاية العامة أن يزوج المسلمة والكافرة ، ولا يملك ذلك بالولاية الخاصة . ويجوز أن يشهد في النكاح ، وقال أبو سعيد الإصطخري : لا يجوز لأنه ركن في العقد ، فلم يجز أن يكون محرما كالولي والمذهب : أنه يجوز ، لأن

250


251
العقد هو الإيجاب والقبول ، والشاهد لا صنع له في ذلك . وتكره له الخطبة لأن النكاح لا يجوز فكرهت الخطبة له ، ويجوز له أن يراجع الزوجة في الإحرام ، لأن الرجعة كاستدامة النكاح بدليل أنها تصح من غير ولي ولا شهود ، وتصح من العبد الرجعة بغير إذن الولي ، فلم يمنع الإحرام منه كالبقاء على العقد .

+ الشرح : حديث عثمان رواه مسلم ، واللفظ الأول : لا ينكح بفتح أوله أي لا يتزوج والثاني : بضم أوله ، أي لا يتزوج غيره ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ولا يخطب معناه لا يخطب المرأة وهو طلب زواجها . هذا هو الصواب الذي قاله العلماء كافة وأما قول أبي على الفارقي في كتابه فوائد المهذب المراد به الخطبة التي بين يدي العقد ، وهي الحمد الله الخ فغلط صريح وخطأ فاحش ولا أدري ما حمله على هذا الذي تعسفه وتجسر عليه ، لولا خوفي من اعتراض بعض المتفقهين به ، لما استجزت حكايته ، والله أعلم . أما أحكام الفصل : فيحرم على المحرم أن يتزوج ، ويحرم عليه أن يزوج موليته بالولاية الخاصة وهي العصوية والولاء ، ويحرم على المحرم أن يتزوج ، فإن كان الزوج أو الزوجة أو الولي أو وكيل الزوج أو وكيل الولي محرما فالنكاح باطل بلا خلاف ، لأنه منهي عنه لهذا الحديث الصحيح ، والنهي يقتضي الفساد ، وهل يجوز للإمام والقاضي أن يزوج بالولاية العامة وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : لا يجوز ، وذكر الماوردي وجها ثالثا أنه يجوز للإمام دون القاضي ، وحكاه أيضا القاضي أبو الطيب والدارمي وآخرون . وهل يجوز كون المحرم شاهدا في العقد وينعقد بحضوره فيه وجهان ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح : باتفاق المصنفين يجوز ، وينعقد به ، وهذا هو المنصوص في الأم ، وقول عامة أصحابنا المتقدمين ، والثاني : لا يجوز ، ولا ينعقد قاله أبو سعيد الإصطخري برواية جاءت : لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يشهد وبالقياس على الولي . وأجاب الأصحاب عن الرواية بأنها ليست ثابتة ، وعن القياس بالفرق من وجهين أحدهما : أن الولي متعين كالزوج بخلاف الشاهد ، والثاني : أن الولي له فعل في العقد بخلاف الشاهد ، والله أعلم . قال الشافعي والأصحاب : ويجوز له خطبة المرأة لكن يكره للحديث فإن قيل : كيف قلتم : يحرم التزوج والتزويج وتكره الخطبة وقد قرن بين الجميع في الحديث قلنا : لا يمتنع مثل ذلك كقوله تعالى :

﴿ كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده

251

والأكل مباح والإيتاء واجب قال الماوردي وغيره : ويكره أيضا للحلال خطبة محرمة ليتزوجها بعد إحلالها ولا نحرم بخلاف خطبة المعتدة وفرق الماوردي والقاضي أبو الطيب وغيرهما أن المحرمة متمكنة من تعجيل تحللها في وقته والمعتدة لا يمكنها تعجيل ، فربما غلبتها الشهوة فأخبرت بانقضاء عدتها قبل وقتها ، والله أعلم . قال البندنيجي وغيره : ويكره للمحرم أن يخطب لغيره ، قال : هو وغيره : ويجوز أن تزف إليه امرأة عقد عليها قبل الإحرام ، وتزف المحرمة قال الشافعي والأصحاب : ويجوز أن يراجع المحرم المحرمة والمحلة ، سواء أطلقها في الإحرام أو قبله ، ذكره المصنف . هذا هو الصواب وهو نص الشافعي في كتبه وبه قطع المصنف والعراقيون ، وذكر الخراسانيون وجهين أصحهما : هذا والثاني : أنه لا تصح الرجعة بناء على اشتراط الشهادة على أحد القولين ، والصواب الأول والله أعلم . قال أصحابنا : وفي تأثير الإحرام وجهان أحدهما : سلب الولاية ونقلها إلى الأبعد كما لو جن وأصحهما : مجرد الامتناع دون زوال الولاية لبقاء الرشد والنظر ، فعلى هذا يزوجها السلطان والقاضي كما لو غاب الولي قال أصحابنا : ويستوي في هذا كله الإحرام بالحج أو العمرة ، والإحرام الصحيح والفاسد نص عليه الشافعي في الأم واتفق عليه العراقيون وجماعات من غيرهم جماعة من الخراسانيين أن الفاسد لا يمنع . فرع : من فاته الحج ، هل يصح نكاحه قبل التحلل بعمل غيره فيه وجهان حكاهما الحناطي أصحهما : المنع لأنه محرم . فرع : إذا وكل حلال حلالا في التزويج ثم أحرم أحدهما أو المرأة ففي انعزال الوكيل وجهان أصحهما : لا ينعزل ، فيتزوج بعد التحلل بالوكالة السابقة وهذا هو المنصوص في الأم وفرق الماوردي والقاضي أبو الطيب والأصحاب بينه وبين الصبي إذا وكل في تزويجه ، ثم بلغ فزوجه الوكيل لا يصح لأن المحرم له عبادة وإذن صحيح بخلاف الصبي وليس للوكيل الحلال أن يزوج قبل تحليل الموكل هذا هو الصواب المعروف في المذهب ، ونقل الغزالي في الوجيز فيه وجها أنه يجوز ، وهو غلط قال الرافعي : وهذا الوجه لم أره لغيره ، ولا له في الوسيط أما إذا وكله في حال إحرام الوكيل

252


253
أو الموكل أو المرأة نظر إن وكله ليعقد في الإحرام لم يصح بلا خلاف ، لأنه إنما أذن له فيما لا يصح منه وإن قال : أتزوج بعد التحلل أو أطلق صح ، لأن الإحرام يمنع انعقاد النكاح دون الإذن . قال الرافعي : ومن ألحق الإحرام بالجنون لم يصححه ولو قال : إذا حصل التحلل فقد وكلتك ، فهذا تعليق الوكالة وفيها خلاف مشهور إن صححناه صح وإلا فلا قال أصحابنا : وإذن المرأة في حال إحرامها على هذا التفصيل المذكور في الوكيل ولو وكل حلال محرما ليوكل حلالا بالتزويج ففي صحته وجهان الأصح الصحة وبه قطع الفوراني وغيره ، لأنه سفير محض ليس إليه من العقد شيء قال أصحابنا ويصح تزويج وكيل المصلي بخلاف وكيل المحرم لأن عبارة المحرم غير صحيحة ، وعبارة المصلي صحيحة ، ولهذا لو زوجها في صلاته ناسيا صح النكاح والصلاة ، والله أعلم . فرع : قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : لو أحرم رجل ثم أذن لعبده في التزويج ، قال أبو الحسن بن المرزبان . قال ابن القطان : الإذن باطل ولا يصح نكاح العبد لأنه لا يصح نكاحه إلا بإذن سيده وسيده لا يصح تزوجه ولا تزويجه في حال إحرامه ، فلم يصح إذنه قيل : لابن القطان : فلو أذنت محرمة لعبدها في النكاح فقال : لا يجوز وهي كالرجل . قال ابن المرزبان : وعندي في المسألتين نظر هذا آخر نقل القاضي أبي الطيب وحكى الدارمي كلام ابن القطان ثم قال : ويحتمل عندي الجواز في المسألتين . فرع : إذا أسلم الكافر على أكثر من أربع نسوة وأسلمن وأحرم ، فله أن يختار في إحرامه أربعا منهن ، لأنه ليس نكاحا هذا هو المنصوص للشافعي ، وهو المذهب وبه قال جمهور الأصحاب ، وقيل : فيه قولان ، وقد ذكر المصنف المسألة في باب نكاح المشرك وأوضح الخلاف فيها . فرع : قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : قال ابن القطان : قال منصور بن إسماعيل الفقيه من أصحابنا في كتابه ( المستعمل ) : إذا وكل المحرم رجلا ليزوجه إذا حل من إحرامه صح ذلك وصح تزوجه بعد إحلاله . ولو وكل رجلا ليزوجه إذا أطلق إحدى زوجاته الأربع أو إذا طلق فلان زوجته أن يزوجها له لم يصح ، قال : والفرق بينه وبين وكيل المحرم أن وكيل المحرم ليس بينه وبين العقد مانع سوى الإحرام ، ومدته معلومة وغايته معروفة ، وفي المسألتين الأخيرتين بينه وبين العقد مدة ليس لها غاية معروفة ، قال ابن القطان : ولا فرق بين المسائل الثلاث عندي ، فيصح التوكيل في الجميع أو لا يصح في الجميع . هذا ما نقله القاضي أبو الطيب فأما مسألة الإحرام فقد سبق أن الصحيح فيها الصحة ، وبها قطع

253


254
الجمهور ، وأما المسألتان الأخيرتان ففيها وجهان سنوضحهما في كتاب الوكالة إن شاء الله تعالى أصحهما : بطلان الوكالة والإذن ، ولا يصح التزويج . فرع : إذا تزوج بنفسه أو تزوج له وكيله وأحرم ، ثم اختلف الزوجان ، هل كان النكاح في حال الإحرام أم قبله فإن كانت بينة عمل بها فإن لم تكن فادعى الزوج أنه وقع قبل الإحرام ، وادعت وقوعه في الإحرام فالقول قول الرجل بيمينه ، لأن الظاهر معه ، وهو ظاهر قوي فوجب تقديمه ، وإن ادعت وقوعه قبل الإحرام وادعى الرجل وقوعه في الإحرام ، فالقول قولها بيمينها في وجوب المهر وسائر مؤن النكاح ، ويحكم لانفساخ النكاح لإقرار الزوج بتحريمها ، فإن كان قبل الدخول وجب نصف المهر وإلا فجميعه ، وهذا كله مشهور في كتب الأصحاب ، صرح به الدارمي والبندنيجي والقاضي أبو الطيب والماوردي والمحاملي وصاحب الشامل وخلائق . قال صاحبا الشامل و البيان وآخرون : فلو لم يدع الزوجان شيئا ، وشكا هل وقع العقد في الإحرام أم قبله قال الشافعي رحمه الله : النكاح صحيح في الظاهر ، فلهما البقاء عليه لأن الظاهر ، صحته قال : والورع أن يفارقها بطلقة لاحتمال وقوعه في الإحرام ، وإنما قال الشافعي : يطلقها طلقة لتحل لغيره بيقين ، وحكى الدارمي هذا عن نص الشافعي كما ذكره الأصحاب ، ثم قال : وخرج أصحابنا قولا أن النكاح باطل بناء على مسألة من قد ملفوفا ، وفيها قولان في كتاب الجنايات ، قال الدارمي : ولو قال الرجل : وقع العقد في الإحرام فقالت : لا أدري حكم ببطلانه لإقراره ، ولا مهر لها ، لأنها لا تدعيه والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في نكاح المحرم . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يصح تزوج المحرم ولا تزويجه ، وبه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ، وهو مذهب عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب وسليمان بن بشار والزهري ومالك وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم . وقال الحكم والثوري وأبو حنيفة : يجوز أن يتزوج ويزوج ، واحتجوا بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم : تزوج ميمونة وهو محرم رواه البخاري ومسلم وبالقياس على

254


255
استدامة النكاح على الخلع والرجعة ، والشهادة على النكاح ، وشراء الجارية ، وتزويج السلطان في إحرامه واحتج أصحابنا بحديث عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا ينكح ولا ينكح رواه مسلم . فإن قيل : المراد بالنكاح الوطء فالجواب من

255


256
والمراد بالنكاح في هذه المواضع وشبهها العقد دون الوطء وأما قوله تعالى :

﴿ فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ، وقوله تعالى :

﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية فإنما حملناه على الوطء بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : حتى تذوقي عسيلته . الجواب الثاني : أنه يصح حمل قوله صلى الله عليه وسلم : ولا ينكح على الوطء ، فإن قالوا : المراد لا يطأ ولا يمكن غيره من الوطء قلنا : أجمعنا على أن المحرم يجوز له أن يمكن غيره من الوطء ، وهو إذا زوج بنته حلالا ثم أحرم فإنه يلزمه أن يمكن الزوج من الوطء بتسليمها إليه . الجواب الثالث : أن في هذا الحديث : لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب والخطبة تراد للعقد وكذلك النكاح ، قالوا : يحمل ولا يخطب على أنه لا يخطب الوطء بالطلب والاستدعاء والجواب : أن الخطبة المقرونة بالعقد لا يفهم منها إلا الخطبة المشهورة ، وهي طلب التزويج . والجواب الرابع : أنه ثبت عن قتيبة بن وهب أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر ابنه شيبة بن جبير فأرسل إلى أبان بن عثمان ليحضر ذلك وهما محرمان ، فأنكر ذلك عليه أبان وقال : سمعت عثمان بن عفان يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب رواه مسلم في صحيحه ، وهذا السبب والاستدلال منهم وسكوتهم عليه يدل على سقوط هذا التأويل وعن أبي غطفان بن طريف المري أن أباه طريفا تزوج امرأة وهو محرم ، فرد عمر بن الخطاب نكاحه رواه مالك في الموطأ ، وروى البيهقي

256


257
بأسناده عن سعيد بن المسيب : أن رجلا تزوج وهو محرم فأجمع أهل المدينة على أن يفرق بينهما ولأنه نكاح لا يعقبه استباحة الوطء ولا القبلة ، فلم يصح كنكاح المعتدة ، ولأنه عقد يمنع الإحرام من مقصوده فمنع أصله كشراء الصيد . وأما الجواب عن حديث ابن عباس في نكاح ميمونة فمن أوجه أحدها : أن الروايات اختلفت في نكاح ميمونة ، فروى يزيد بن الأصم عن ميمونة وهو ابن أختها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال رواه مسلم وعن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة حلالا وبنى بها حلالا ، وكنت الرسول بينهما رواه الترمذي وقال : حديث حسن ، قال أصحابنا : وإذا تعارضت الروايات تعين الترجيح ، فرجحنا رواية الأكثرين أنه تزوجها حلالا ، الوجه الثاني : أن الروايات تعارضت فتعين الجمع ، وطريق الجمع تأويل حديث ابن عباس أو قوله : محرما أي في الحرم فتزوجها في الحرم وهو حلال أو تزوجها في الشهر الحرام ، وهذا شائع في اللغة والعرف ، ويتعين التأويل للجمع بين الروايات . الثالث : الترجيح من وجه آخر وهو أن رواية تزوجها حلالا من جهة ميمونة ، وهي صاحبة القصة ، وأبي رافع ، وكان السفير بينها ، فهما أعرف فاعتماد روايتهما أولى . الرابع : أنه لو ثبت أنه تزوجها صلى الله عليه وسلم محرما لم يكن لهم فيه دليل ، لأن الأصح عند أصحابنا أن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج في حال الإحرام وهو قول أبي الطيب بن سلمة وغيره من أصحابنا والمسألة مشهورة في الخصائص من أول كتاب النكاح . وأما الجواب عن أقيستهم كلها فهو أنها كلها ليست نكاحا وإنما ورد الشرع بالنهي عن النكاح وعن قياسهم على الإمام أن الأصح عندنا أر يصح تزويجه لعموم الحديث ، وقد سبق بيان هذا وإن قلنا بالضعيف : أنه يجوز ، فالفرق بقوة ولايته ، والله أعلم . فرع : إذا تزوج المحرم فنكاحه باطل عندنا وعند الجمهور ، ويفرق بينهما تفرقة الأبدان بغير طلاق . وقال مالك وأحمد : يجب تطليقها لتحل لغيره بيقين ، لشبهة الخلاف في

257


258
صحة النكاح دليلنا أن العقد الفاسد غير منعقد ، فلا يحتاج في إزالته إلى فسخ كالبيع الفاسد وغيره ، وفي هذا جواب عن دليلهم . فرع : قد ذكرنا أن المشهور من مذهبنا صحة رجعة المحرم ، وبه قال مالك والعلماء إلا أحمد في أشهر الروايتين عنه دليلنا أنها ليست بنكاح ، وإنما نهى الشرع عن النكاح ، والله أعلم .

258


259

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه المباشرة فيما دون الفرج ، لأنه إذا حرم عليه النكاح فلأن تحرم المباشرة وهى أدعى إلى الوطء أولى ، وتجب به الكفارة ، لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : من قبل امرأة وهو محرم فليهرق دما ولأنه فعل محرم في الإحرام فوجبت به الكفارة كالجماع .

+ الشرح : اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أنه يحرم على المحرم المباشرة بشهوة كالمفاخذة والقبلة واللمس باليد بشهوة قبل التحللين ، وفيما بين التحللين خلاف سنذكره حيث ذكره المصنف فيما يحل بالتحلل الأول إن شاء الله تعالى . ومتى ثبت التحريم فباشر عمدا بشهوة لزمته الفدية ، وهي شاة أو بدلها من الإطعام أو الصيام ، ولا يلزمه البدنة بلا خلاف ، سواء أنزل أم لا . وإنما تجب البدنة في الجماع ، ولا يفسد نسكه بالمباشرة بشهوة بلا خلاف سواء أنزل أم لا . هذا كله إذا باشر عالما بالإحرام ، فإن كان ناسيا فلا فدية بلا خلاف ، لأنه استمتاع محض تجب فيه الفدية مع النسيان كالطيب واللباس بحلاف جماع الناسي على قول ضعيف ، لأنه في معنى الاستهلاك . ولو باشر دون الفرج ثم جامع هل تندرج الشاة أم يجبان معا فيه وجهان . وأما اللمس بغير شهوة فليس بحرام بلا خلاف وينكر على المصنف كونه لم ينبه عليه كما نبه عليه الأصحاب ، وكما نبه عليه هو في التنبيه . وأما قول الغزالي في الوسيط والوجيز : تحرم كل مباشرة تنقض الوضوء فغلطوه فيه ، واتفقوا على أنه سهو وليس وجها ، وسبب التغليط أنه قال : مباشرة تنقض الوضوء فتدخل فيه المباشرة بغير شهوة ، وليست محرمة بلا خلاف والله أعلم . وأما الاستمناء باليد فحرام بلا خلاف لأنه حرام في غير الإحرام ففي الإحرام أولى . فإن استمنى المحرم فأنزل فهل تلزمه الفدية فيه وجهان الصحيح : المشهور لزومها ، وله قطع الماوردي وقطع به المصنف في الباب الذي بعدها ، وقطع به أيضا المصنف في التنبيه وآخرون ، لأنه مباشرة محرمة فأشبه مباشرة المرأة والثاني : لا فدية حكاه إمام الحرمين عن حكاية العراقيين وحكاه أيضا الفوراني والقاضي حسين والمتولى والبغوي وآخرون ، لأنه استمتاع ينفرد به فأشبه الإنزال بالنظر فإنه لا فدية فيه ، قال البغوي : ويجري الوجهان في تقبيل الغلام بالشهوة الأصح : وجوب الفدية ، والثاني : لا ،

259


260
قلت : والصواب في الغلام القطع بالوجوب لأنها مباشرة لغيره ، وهي حرام ، فأشبهت مباشرة المرأة بخلاف الاستمناء ، فإنه ليس مباشرة لغيره ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه الصيد المأكول من الوحش والطير ، فلا يجوز له أخذه لقول تعالى :

﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما . فإن أخذه لم يملكه بالأخذ . لأن ما منع من أخذه لحق الغير لم يملكه بالأخذ من غير إذنه ، كما لو غصب مال غيره فإن كان الصيد لآدمي وجب رده إلى مالكه ، وإن كان من المباح وجب إرساله في موضع يمتنع على من يأخذه ، لأن ما حرم أخذه لحق الغير إذا أخذه وجب رده إلى مالكه كالمغضوب ، وإن هلك عنده وجب عليه الجزاء ، لأنه مال حرام أخذه لحق الغير فضمنه بالبدل كمال الآدمي ، فإن خلص صيدا من فم سبع فداواه فمات في يده لم يضمنه لأنه قصد الصلاح قال الشافعي رحمه الله ولو قيل : يضمن لأنه تلف في يده كان محتملا ، ويحرم عليه قتله ، فإن قتله عمدا وجب عليه الجزاء لقوله تعالى :

﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم وإن قتله خطأ وجب عليه الجزاء لأن ما ضمن عمده بالمال ضمن خطؤه كمال الآدمي ولأنه كفارة تجب القتل فاستوى فيه الخطأ والعمد ككفارة القتل . وإن كان الصيد مملوكا لآدمي وجب عليه الجزاء والقيمة ، وقال المزني : لا يجب الجزاء في الصيد المملوك ، لأنه يؤدي إلى إيجاب بدلين عن متلف واحد ، والدليل على أنه يجب أنه كفارة تجب بالقتل فوجبت بقتل المملوك ككفارة القتل ، ويحرم عليه جرحه لأن ما منع من إتلافه لحق الغير منع من إتلاف أجزائه كالآدمي ، فإن أتلف جزءا منه ضمنه بالجزاء لأن ما ضمن جميعه بالبدل ضمنت أجزاؤه كالآدمي ويحرم عليه تنفير الصيد لقوله صلى الله عليه وسلم في مكة : لا ينفر صيدها وإذا حرم ذلك في صيد الحرم وجب أن يحرم في الإحرام ، فإن نفره

260


261
فوقع في بئر فهلك ، أو نهشته حية ، أو أكله سبع ، وجب عليه الضمان ، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه دخل دار الندوة فعلق رداءه فوقع عليه طائر فخاف أن ينجسه فطيره ، فنهشته حية فقال : طير طردته حتى نهشته الحية ، فسأل من كان معه أن يحكموا عليه فحكموا بشاة ولأنه هلك بسبب من جهته فأشبه إذا حفر له بئرا أو نصب له أحبولة فهلك بها . ويحرم عليه أن يعين على قتله بدلالة أو إعارة آلة ، لأن ما حرم قتله حرمت الإعانة على قتله كالآدمي . وإن أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة فقتل لم يجب عليه الجزاء ، لأن ما لا يلزمه حفظه ، لا يضمنه ، بالدلالة على إتلافه كمال الغير .

+ الشرح : أما قوله صلى الله عليه وسلم في مكة : ولا ينفر صيدها فرواه البخاري ومسلم من رواية ابن عباس وأما الأثر المذكور عن عمر رضي الله عنه فرواه الشافعي والبيهقي . وفي إسناده رجل مستور ، والرجلان اللذان حكما على عمر هما عثمان ونافع بن عبد الحارث الصحابي ، قوله : ما منع من أخذه لحق الغير لم يملكه بالأخذ من غير إذنه ، قال القلعي : قوله لحق الغير احتراز ممن رأى صيدا في لجة البحر أو في مهلكة أخرى ، بحيث يغلب على ظنه أنه لو كان عالج أخذه لهلك دونه ، فإنه ممنوع من أخذه ، فلو خاطر بنفسه وأخذه ملكه ، قال : ومع هذا فهذه العلة منتقضة بمن سبق إلى معدن ظاهر ، أو إلى شيء من المباحات ، فإنه أحق به فلا يجوز لغيره مزاحمته فيه قبل قضاء وطره ، فإن زاحمه فيه غيره وأخذه ملكه بالأخذ مع كونه ممنوعا من أخذه لحق الغير . قوله : لأن ما حرم أخذه لحق الغير إذا أخذه وجب رده كالمغصوب قال القلعي : قوله : لحق الغير يحتزز ممن غصب

261


262
خمرا من مسلم على قصد شربها فإنه يجب عليه أخذها لحق الله تعالى لا لحق الآدمي ، ثم لا يجب ردها على المغصوب منه ، بل تجب إراقتها ، قوله : لأنه مال حرام أخذه لحق الغير فضمنه بالبدل كمال الآدمي ، احترز ممن خاطر بنفسه في أخذ صيد من مهلكة يغلب على ظنه الهلاك إذا عالج أخذه بأن كان في مسبعة أو لجة ونحو ذلك فإنه يحرم أخذه لحق نفسه لا لحق غيره فإذا أخذه ملكه ولا يضمنه ومع هذا فهذه العلة منتقضة بالحربي إذا أتلف مال مسلم وبالعبد إذا أخذ مال سيده فأتلفه ، فإنه ما حرم أخذه لحق الغير ولا يضمنه بالبدل فكان ينبغي أن يقول : والأخذ من أهل الضمان في حقه ليحترز من الحربي والعبد كما قال المصنف مثل هذا في أول باب الغضب . قوله : لأن ما ضمن عمده بالمال ضمن خطؤه ، احترز بالمال من ضمان القصاص ومع هذا فهذه العلة منتقضة بمن قتل من تترس به المشركون من النساء والصبيان ، فإنه يضمنه بالكفارة إن قتله عمدا ، ولا يضمن إن قتله خطأ . قوله : لأنه كفارة تجب بالقتل فاستوى فيه الخطأ والعمد ، احترز بقوله : بالقتل من الطيب واللباس ، فإن الكفارة تجب في العمد ، ومع هذا فهو منتقض بمن تترس به المشركون كما ذكرناه في الاحتراز الذي قبله ، قوله : لأن ما ضمن جميعه بالبدل ضمنت أجزاؤه ، احترز بالبدل عن الكفارة فإنها تجب بقتل النفس دون قطع الطرف ، ومع هذا فهذا مننتقض بالعارية فإنه يضمن جميعها بالبدل ولا يضمن أجزاءها الناقصة بالاستعمال ، فكان ينبغي أن يقول : وما ضمن جميعه بالبدل ولم يؤذن في إتلاف أجزائه ضمنت أجزاؤه قوله : وإذا حرم ذلك في صيد الحرم وجب أن يحرم في الإحرام ، يعني لاشتراكهما في تحريم الاصطياد والإحرام أولى ، لأن حرمته آكد ، ولهذا يحرم فيه الطيب والباس والنكاح وغيرها بخلاف الحرم . قوله : دخل دار الندوة هي بفتح النون وإسكان الدال المهملة وفتح الواو وهي دار معروفة بمكة ، كانت منزل قصي بن كلاب جد جد أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ، ثم صارت قريش تجتمع فيها للمشاورة ونحوها ، إذا عرض لهم أمر مهم ، قال الأزرقي في تاريخ مكة : سميت بذلك لاجتماع الندي فيها يتشاورون ، ويبرمون أمرهم والندى بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء الجماعة ينتدون أي يتحدثون قال الأزرقي والحازمي وغيرهما : وقد صارت دار الندوة في المسجد الحرام وهي في جانبه الشمال ، قال الماوردي في الأحكام السلطانية : أول دار بنيت بمكة دار الندوة والله أعلم . قوله : نصب أحبولة هي بضم الهمزة والباء وهي المصيدة بكسر الميم والمشهور في اللغة فيها حبالة بكسر الحاء ، وقوله : بدلالة هي بكسر الدال

262


263
وفتحها ويقال : دلولة بضمها ثلاث لغات سبق بيانهن ، قوله : لأن ما لا يلزمه حفظه لا يضمنه بالدلالة على إتلافه ، احتراز من الوديعة عنده ، فإنه لو دل عليها ضمنها ، والله أعلم . أما الأحكام : فأجمعت الأمة على تحريم الصيد في الإحرام ، وإن اختلفوا في فروع منه ، ودلائله نص الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، قال أصحابنا : يحرم عليه كل صيد برى مأكول أو في أصله مأكول ، وحشيا كان أو في أصله وحشي ، هذا ضابطه ، فأما ما ليس بصيد كالبقر والغنم والإبل والخيل وغيرها من الحيوان الإنسي فليس بحرام بالإجماع لأنه ليس بصيد ، وإنما حرم الشرع الصيد ، قال القاضي أبو الطيب والأصحاب : قال الشافعي يحرم على المحرم الدجاجة الحبشية ، لأنها وحشية تمتنع بالطيران ، وإن كانت ربما ألفت البيوت قال القاضي : وهي شبيهة بالدجاج ، قال : ونسمي بالعراق سندية ، فإن أتلفها لزمه الجزاء والله أعلم . وأما ما ليس بمأكول ولا هو متولد من مأكول وغير مأكول فليس بحرام بلا خلاف عندنا ، وقد ذكره المصنف في الفصل الذي بعد هذا ، وهناك نوضحه بدلائله وفروعه إن شاء الله تعالى وأما صيد البحر فحلال للحلال والمحرم بالنص والإجماع ، قال الله تعالى :

﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما قال أصحابنا : والمراد بصيد البحر الذي هو حلال للمحرم ما لا يعيش إلا في البحر ، سواء الصغير والكبير أما ما يعيش في البر والبحر فحرام كالبري تغليبا لجهة التحريم كما قلنا في المتولد من مأكول وغيره . وأما الطيور المائية التي تغوص في الماء وتخرج منه فبرية محرمة على المحرم . وأما الجراد فبري على المشهور ، وفيه قول واه سنوضحه حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى أنه بحري غير مضمون . قال الماوردي وغيره : قال الشافعي : كلما كان أكثر عيشة في الماء فكان في بحر أو نهر أو بئر أو واد أو ماء مستنقع أو غير فسواء ، وهو مباح صيده للمحرم في الحل والحرم ، قال : فأما طائره ، فإنما يأوي إلى أرض فهو صيد بر حرام على المحرم ، هذا نصه وتابعوه عليه . وأما المتولد من مأكول وغير مأكول أو من وحشي وإنسي كمتولد بين ظبي وشاة ، أو بين يعفور ودجاجة ، فيحرمان على المحرم ، ويجب فيهما الجزاء كما سنوضحه إن شاء الله تعالى بعدها ، حيث ذكره المصنف في الفصل الآتي وأما الصيد المحرم الذي سبق ضبطه فيحرم جميع

263


264
أنواعه ، صغيره وكبيره ، وحشه وطيره ، وسواء المستأنس منه وغيره والمملوك وغيره . وقال المزني لا جزاء في المملوك وذكر المصنف الدليل . قال الشافعي والأصحاب : يضمن المحرم الصيد المملوك بالجزاء والقيمة ، فيجب الجزاء لله تعالى يصرف إلى مساكين الحرم ، والقيمة لمالكه . قال أصحابنا : فإن أتلفه بغير ذبح فعليه للآدمي كمال القيمة ، وعليه لله تعالى الجزاء وإن ذبحه فإن قلنا : ذبيحة المحرم ميتة لا تحل لأحد ، فعليه أيضا القيمة بكمالها وإن قلنا : تحل ذبيحته لزمه مع الجزاء لمالكه ما بين قيمته مذبوحا وحيا ، إذا رده إليه مذبوحا ، وإذا أتلفه أو ذبحه وقلنا : هو ميتة فجلده لمالكه لا للمحرم ، صرح به الماوردي وغيره . قال أصحابنا : ولو توحش حيوان إنسي كشاة وبعير ودجاجة ونحوها لم يحرم ، ولا جزاء فيه بلا خلاف ، لأنه ليس بصيد . قال أصحابنا : ويحرم قتل الصيد وأخذه وجرحه وإتلاف شيء من أجزائه وتنفيره والتسبب في ذلك كله أو في شيء منه ، فإن أخذه لم يملكه لما ذكره المصنف ، فإن كان مملوكا لآدمي لزمه رده إلى صاحبه ، وإن كان مباحا وجب إرساله في موضع يمتنع على من يقصده ، فإن أتلفه أو تلف عنده ضمنه بالجزاء وإن كان مملوكا لآدمي ضمنه بالجزاء أو القيمة كما سبق ، ودليل هذا كله في الكتاب . ولو خلص المحرم صيدا من فم سبع أو هرة أو نحوهما وأخذه ليداويه ثم يرسله ، أو رآه مجروحا فأخذه ليداويه ، ثم يرسله فمات في يده ، ففي ضمانه القولان اللذان ذكرهما المصنف وهما مشهوران ، وإن اتفقوا على أن الأصح أنه لا يضمن لأنه قصد الصلاح . وذكر الشيخ أبو محمد الجويني في كتاب السلسلة في المسألة طريقين أحدهما : على القولين والثاني : لا يضمن قولا واحدا ، قال أبو محمد : وفرع أصحابنا على هذا أنه لو انتزع إنسان العين المغصوبة من غاصبها ليردها إلى مالكها فتلفت في يده بلا تفريط ، فلا يضمن فيه الطريقان كالصيد فرع : لو حصل تلف صيد بسبب شيء في يد المحرم بأن كان راكب دابة أو سائقها أو قائدها ، فتلف صيد بعضها ، أو رفسها ، أو بالت في الطريق فزلق به صيد ، فهلك به ، ضمنه لأنها منسوبة إليه فضمن ما أتلفته أو تلف بسببها ، كما لو أتلفت آدميا ومالا أما إذا انفلتت دابة المحرم فأتلفت صيدا فلا شيء عليه ، نص الشافعي رحمه الله على هذا الفرع كله ، واتفق الأصحاب عليه . قال الدارمي : ولو كان مع الدابة ثلاثة سائق وقائد وراكب ، فأتلفت صيدا فوجهان أحدهما : يجب الجزاء على الثلاثة ، والثاني : على الراكب وحده .

264


265
فرع : قال أصحابنا : جهات ضمان الصيد في حق المحرم ثلاث المباشرة واليد والتسبب فأما المباشرة فمعروفة وأما اليد فيحرم على المحرم وضع يده على الصيد . ولا يملكه بذلك ، ويضمنه إن تلف ، وقد سبق هذا قريبا واضحا ومن هذا ما إذا حصل التلف بسبب دابة في يده كما سبق بيانه قريبا وأما إذا سبقت اليد على الإحرام أو كانت يدا قهرية كالإرث ، أو يد معاقدة كشراء أو وصية أو هبة ونحوها ، فقد ذكره المصنف بعد هذا ، وسنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى . وأما التسبب ففيه مسائل . الحلال شبكة أو فخا أو حبالة ونحو ذلك في الحرم ، أو نصبها المحرم حيث كان فتعقل بها صيد وهلك ، لزمه ضمانه ، سواء نصبها في ملكه أو موات أو غيرهما . فأما إذا نصبها وهو حلال ثم أحرم ، فوقع بها صيد فلا يضمنه بلا خلاف ، نص عليه وصرح به القفال والنبدنيجي والأصحاب . الثانية : قال الشافعي والأصحاب : يكره للمحرم استصحاب البازي وكل صائد من كلب وغيره ، فإن حله فأرسله على صيد فلم يقتله ولم يؤذه فلا جزاء عليه ، لكن يأثم كما لو رماه بسهم فأخطأه ، فإنه يأثم بالرمي لقصده الحرام ، ولا ضمان لعدم الإتلاف . ولو انفلت بنفسه فقتله فلا ضمان ، نص عليه الشافعي في المناسك الكبير ، واتفق الأصحاب عليه ، سواء فيه الكلب والبازي وغيرهما . قال الماوردي : وسواء فرط في حفظه أم لا ، لأن للكلب اختيارا . وأما إذا أرسل المحرم الكلب على الصيد أو حل رباطه . وهناك صيد ولم يرسله فأتلفه ، ضمنه لأنه متسبب ، ولو كان هناك صيد وانحل رباط الكلب لتقصير المحرم فالمذهب أنه يضمنه ، وفيه خلاف ضعيف حكاه الرافعي ، فلو لم يكن هناك صيد فأرسل الكلب أو حل رباطه فظهر صيد ضمنه أيضا على الأصح ، لأنه منسوب إليه . قال الماوردي : فإن قيل : قلتم هنا : إنه لو أرسل الكلب على الصيد ضمنه . ولو أرسله على آدمي فقتله لا ضمان ، فالفرق أن الكلب معلم للاصطياد فإذا صاد بإرساله كان كصيده بنفسه فضمنه ، وليس هو معلما قتل الآدمي ، فإذا أغراه على آدمي فقتله لم يكن القتل منسوبا إلى المغري ، بل إلى اختيار الكلب فلم يضمنه . قال : ومثاله في الصيد أن يرسل كلبا غير معلم على صيد فيقتله فلا ضمان ، لأن غير المعلم لا ينسب فعله إلى المرسل ، بل إلى اختياره ، ولهذا لا يؤكل ما اصطاده بعد الإرسال ، كما لا يؤكل ما صاده المسترسل بنفسه ، هذا كلام الماوردي ، وهذا الذي قاله في غير المعلم فيه نظر ، وينبغي أن يضمن بإرساله لأنه سبب ، والله أعلم . الثالثة : إذا نفر المحرم صيدا فعثر وهلك بالعثار ، أو أخذه في مغارة سبع ، أو انصدم بشجرة أو جبل أو غير ذلك ، لزمه الضمان ، سواء قصد تنفيره

265


266
أم لا ، قال أصحابنا : ولا يزال المنفر في عهدة ضمان التنقير حتى يعود الطير إلى عادته في السكون ، فإن عاد ثم هلك بعد ذلك فلا ضمان بلا خلاف ، ولو هلك في حال هربه ونفاره قبل سكونه بآفة سماوية فوجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون قالوا : أصحهما : لا ضمان لأنه لم يتلف في يده ولا بسببه والثاني : يضمنه لاستدامة أثر النفار . الرابعة : لو صاح المحرم على صيد فمات بسبب صياحه ، أو صاح حلال على صيد في الحرم فمات به فوجهان حكاهما البغوي أحدهما : يضمنه كما لو صاح على صبي فمات ، تجب ديته والثاني : لا يضمنه لأن الغالب أن الصيد لا يموت بالصياح . فهو كما لو صاح على بالغ عاقل متيقظ فمات لا ضمان ، ولم يرجح واحدا من الوجهين ، والظاهر الضمان لأنه بسببه . الخامسة : إذا حفر المحرم بئرا في محل عدوان أو حفرها حلال في الحرم في محل عدوان فهلك فيها صيد لزمهما الضمان بلا خلاف ، فإن حفرها في ملكه أو موات فأربعة أوجه أصحهما : يضمن في الحرم دون الإحرام والثاني يضمن والثالث : لا يضمن فيهما ، والرابع : إن حفرها للصيد ضمن وإلا فلا . وجزم الماوردي بأنه إن قصد الاصطياد لا يضمن وإلا فوجهان . السادسة : اتفق أصحابنا أنه لو رمى صيدا فنفذ فيه السهم وأصاب صيدا آخر فقتلهما لزمه جزاؤهما ، لأن أحدهما عمد والآخر خطأ أو بسببه ، وكل ذلك مضمن ، وقد نص الشافعي على هذا ، واتفقوا على أنه لو أصاب صيدا فوقع الصيد على صيد آخر أو على فراخه وبيضه ضمن ذلك كله ، لأنه بسببه . السابعة : لو رمى حلال إلى صيد ثم أحرم ثم أصابه ففي وجوب ضمانه وجهان ، حكاهما المتولي والروياني ، وغيرهما الأصح : يضمن ، ورجح أبو علي البندنيجي عدم الضمان ، وصحح القاضي حسين في تعليقه والرافعي الضمان ، قال المتولي : هما كالوجهين فيمن رمى إلى حربي أو مرتد فأسلم ، ثم أصابه فقتله ، قال : لكن الأصح هناك لا ضمان ، لأن الرمي إلى الحربي يحتاج إليه للقتال ، فلو أوجبنا الضمان لامتنع من رميه خوفا من إسلامه . وأما المحرم فيمكنه تأخير الإحرام إلى ما بعد الإصابة . ولو رمى سهما إلى صيد وقد بقى عليه من أسباب التحلل الحلق فقصر شعره بعد الرمي ، ثم أصابه السهم بعد فراغ التقصير وهو حلال فوجهان ، حكاهما المتولي والروياني وآخرون أحدهما : لا ضمان ، لأن الإصابة في حال لا يضمن فيها ، فأشبه من رمى إلى مسلم فارتد أو ذمي فنقض العهد ثم أصابه لا ضمان والثاني : يجب لأن الرمي جناية وجدت في الإحرام ، ويخالف المرتد والذمي ، فإنهما مقصران بما أحدثا من إهدارهما . الثامنة : إذا دل الحلال محرما على صيد فقتله وجب الجزاء على المحرم ، ولا ضمان على الحلال ، سواء كان الصيد في يده أم لا ، لكنه

266


267
يأثم ، ولو دل المحرم حلالا على صيد فقتله فإن كان الصيد في يد المحرم ، لزمه الجزاء ، لأنه ترك حفظه وهو واجب عليه فصار كالمودع إذا دل السارق على الوديعة ، فإنه يضمنها وإن لم يكن في يده فلا جزاء على واحد منهما ، لكن يأثم المحرم بدلالته ، وإنما لم يضمن لما ذكره المصنف وهو أنه لم يلتزم حفظه . ولو دل المحرم محرما فقتله ، أو دل الحلال حلالا أو محرما على صيد في الحرم فقتله ، فلا جزاء على الدال ، ويجب على القاتل ، ولو أعان المحرم حلالا أو محرما في قتل صيد بإعارة آلته أو أمره بإتلافه أو نحو ذلك فأتلفه فلا ضمان على المعين ، لما ذكرناه ، لكن يأثم سواء كان في الحل أو الحرم . فرع : قال الشافعي والأصحاب : العامد والمخطىء وهو الناسي والجاهل في ضمان الصيد سواء فيضمنه كل واحد منهم بالجزاء ، ولكن يأثم العامد دون الناسي والجاهل هذا هو المذهب ، وبه تظاهرت نصوص الشافعي وطرق الأصحاب ، وقيل : في وجوب الجزاء على الناسي قولان ، حكاه المصنف بعد هذا الفصل ، وحكاه الأصحاب ، وسنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى ، ولو أحرم به ثم جن أو أغمي عليه فقتل صيدا ففي وجوب الجزاء قولان نص عليهما أقيسهما : الوجوب ، لأنه من باب الغرامات ، والمجنون كغيره في ذلك والأصح : أنه لا يجب ، لأن المنع من الصيد تعبد يتعلق بالمكلفين ، وقد ذكر المصنف المسألة بعد هذا الفصل بقليل . ولو أكرم المحرم على قتل صيد أو أكره حلال على قتل صيد في الحرم فوجهان ، حكاهما البغوي وغيره أحدهما : يجب الجزاء على الآمر والثاني : يجب على المأمور ثم يرجع إلى الآمر ، كما لو حلق الحلال شعر المحرم مكرها ، وهذا الثاني أصح وقال الدارمي : هو كما لو أكره على قتل آدمي .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه أكل ما صيد له ، لما روى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الصيد حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ويحرم عليه

267


268
أكل ما أعان على قتله بدلالة أو إعارة ، لما روى عبد الله بن أبي قتادة قال : كان أبو قتادة في قوم محرمين وهو حلال ، فأبصر حمار وحش فاختلس من بعضهم سوطا فضربه به حتى صرعه ، ثم ذبحه وأكله هو وأصحابه ، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هل أشار إليه أحد منكم قالوا : لا ، قال : فلم ير بأكله بأسا فإن أكل ما صيد له أو أعان على قتله ، فهل يجب عليه الجزاء أم لا فيه قولان : أحدهما : يجب لأنه فعل محرم بحكم الإحرام ، فوجبت فيه الكفارة كقتل الصيد . والثاني : لا يجب لأنه ليس بنام . ولا يئول إلى النماء فلا يضمن بالجزاء كالشجر اليابس والبيض المذر .

+ الشرح : أما حديث جابر فرواه أبو داود والترمذي والنسائي من رواية عمرو بن أبي عمرو ، والمدني مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب ، عن مولاه المطلب عن جابر ، وإسناده إلى عمرو بن أبي عمرو صحيح . وأما عمرو بن أبي عمرو فقال النسائي : ليس هو بقوي ، وإن كان قد روي عنه مالك وكذا قال يحيى بن معين هو ضعيف ليس بقوي ، وليس بحجة ، وقد أشار الترمذي إلى تضعيف الحديث من وجه آخر فقال : لا يعرف للمطلب سماع من جابر فأما تضعيف عمرو بن أبي عمرو فغير ثابت ، لأن البخاري ومسلم رويا له في صحيحهما واحتجابه ، وهما القدوة في هذا الباب ، وقد احتج به مالك وروى عنه وهو القدو ، وقد عرف من عادته أنه لا يروي في كتابه إلا عن ثقة . وقال أحمد بن حنبل فيه : ليس به بأس ، وقال أبو زرعة : هو ثقة ، وقال أبو حاتم : لا بأس به ، وقال ابن عدي : لا بأس به لأن مالكا روى عنه ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة .

268


269
قلت : وقد عرف أن الجرح لا يثبت إلا مفسرا ولم يفسره ابن معين ، والنسائي يثبت تضعيفه وأما إدراك المطلب لجابر ، فقال ابن أبي حاتم : وروى عن جابر ، قال : ويشبه أن يكون أدركه . هذا كلام ابن أبي حاتم ، فحصل شك في إدراكه ، ومذهب مسلم بن الحجاج الذي ادعى في مقدمة صحيحه الإجماع فيه أنه لا يشترط في اتصال الحديث اللقاء ، بل يكفي إمكانه ، والإمكان حاصل قطعا ، ومذهب علي بن المديني والبخاري والأكثرين اشتراط ثبوت اللقاء ، فعلى مذهب مسلم الحديث متصل ، وعلى مذهب الأكثرين يكون مرسلا لبعض كبار التابعين ، وقد سبق أن مرسل التابعي الكبير يحتج به عندنا إذا اعتضد بقول الصحابة ، أو قول أكثر العلماء أو غير ذلك مما سبق وقد اعتضد هذا الحديث فقال به من الصحابة رضي الله عنهم من سنذكره في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى ، والله أعلم . وأما حديث عبد الله بن أبي قتادة الذي ذكره المصنف فرواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ، وينكر على المصنف كونه جعله مرسلا ، فقال : عند عبد الله بن أبي قتادة قال : كان أبو قتادة ، فلم يذكر أنه سمعه من أبيه ، مع أن الحديث في الصحيحين عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه متصل فغيره المصنف . وقوله : في حديث جابر : ما لم تصيدون أو يصاد لكم هكذا الرواية فيه يصاد بالألف ، وهو جائز على لغة ، ومنه قوله تعالى :

﴿ إنه من يتق ويصبر على قراءة من قرأ بالياء ومنه قول الشاعر : ألم يأتيك والأنباء تنمي وقد غير المصنف ألفاظا في حديث أبي قتادة فلفظه في البخاري ومسلم : عن عبد الله بن أبي قتادة أن أباه حدثه قال : انطلقنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فأحرم أصحابه ولم أحرم ، فبصر أصحابنا بحمار وحش ، فجعل بعضهم يضحك إلى بعض ، فنظرت فرأيته ، فحملت عليه الفرس فطعنته فأثبته ، فاستعنتهم فلم يعينوني فأكلنا منه ، ثم لحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إنا صدنا حمار وحش وإن عندنا فاضلة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : كلوا ، وهم محرمون . وفي رواية : فرأيت أصحابي يتراءون شيئا فنظرت فإذا حمار وحش ، فوقع السوط ، فقالوا : لا نعينك عليه بشيء ، إنا محرمون ، فتناولته ، فأخذته ثم أتيت الحمار من وراء أكمة فعقرته ، فأتيت به أصحابي ، فقال بعضهم : كلوا ، وقال بعضهم : لا تأكلوا ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو أمامنا فسألته ، فقال : كلوه حلال وفي رواية : هو حلال فكلوه . وفي رواية في الصحيحين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل منكم أحد أمره أن

269


270
يحمل عليه أو أشار إليه وفي رواية : أنه سأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا ، فأخذه ثم شد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بعضهم فأدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه عن ذلك فقال : إنما هي طعمة أطعمكموها الله عز وجل ، وفي رواية البخاري قال : كنت جالسا مع رجال مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة والقوم محرمون ، وأنا غير محرم ، فأبصروا حمارا وحشيا وأنا مشغول أخصف نعلي ، فلم يؤذنوني به وأحبوا لو أني أبصرته ، فالتفت فأبصرته ، فقمت إلى الفرس فأسرجته ثم ركبت ونسيت السوط والرمح ، فقلت لهم : ناولوني السوط والرمح ، فقالوا : لا والله لا نعينك عليه بشيء ، فغضبت فنزلت فأخذتهما ثم ركبت ، فشددت على الحمار فعقرته ثم جئت به وقد مات ، فوقعوا عليه يأكلونه ، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم ، فرحنا وخباب العضد معي فأدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عن ذلك فقال : هل معكم من شيء ، فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها وهو محرم . وفي رواية لمسلم فقال : هل معكم شيء فناولته العضد فأكلها ثم تعرقها وهو محرم وفي رواية لمسلم فقال : هل معكم منه شيء فقالوا : معنا رجله فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلها ، هذه ألفاظ الحديث في الصحيح . وإنما أخذ صلى الله عليه وسلم ما أخذه وأكله تطييبا لقلوبهم في إباحته ، ومبالغة في إزالة الشبهة عنهم والشك فيه ، لحصول الاختلاف فيه بينهم قبل ذلك ، والله أعلم . أما قول المصنف : لأنه فعل محرم بحكم الإحرام فوجبت فيه الكفارة فقال القلعي : احترز بفعل عقد النكاح وبقوله : محرم من الأفعال المباحة في الإحرام وبقوله : في الإحرام عن ذبح شاة غيره . وقوله : ليس بنام احتراز من قتل الصيد وقطع شجر الحرم . وقوله : ولا يؤول إلى النماء احتراز من كسر بيض الصيد . وقوله : البيض المذر هو بالذال المعجمة أي الفاسد ، والله أعلم . أما حكم المسألة : فقال الشافعي والأصحاب : يحرم على المحرم أكل صيد صاد هو ، أو أعان على اصطياده ، أو أعان على قتله بدلالة أو إعارة آلة ، سواء دل عليه دلالة ظاهرة أو

270


271
خفية ، وسواء إعارة ما يستغني عنه القاتل أم لا ، وهذا لا خلاف فيه ، قال الشافعي والأصحاب : ويحرم عليه لحم ما صاده الحلال المحرم ، سواء علم به المحرم وأمره بذلك أم لا ، وهذا لا خلاف فيه أيضا . وأما إذا صاد الحلال شيئا ولم يقصد اصطياده للمحرم ، ولا كان من المحرم فيه إعانة ولا دلالة ، فيحل للمحرم أكله بلا خلاف ، ولا جزاء عليه في ذلك بلا خلاف فإن أكل المحرم مما صاده الحلال له أو بإعانته أو دلالته ففي وجوب الجزاء عليه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الأصح : الجديد : لا جزاء و القديم : وجوب الجزاء ، وهو القيمة بقدر ما أكل . هكذا قال الأكثرون تفريعا على القديم . وقال الماوردي : في كيفية الضمان على القديم ثلاثة أوجه أحدها : يضمن مثله لحما من لحوم النعم يتصدق به على مساكين الحرم . والثاني : يضمن مثله على النعم ، فيضمن بقدر ما أكل من مثله من النعم فإن أكل عشر لحمه لزمه عشر مثله والثالث : يضمن قيمة ما أكل ، دراهم ، فإن شاء تصدق بها دراهم وإن شاء اشترى بها طعاما ، وتصدق به هذا نقل الماوردي وعلى مقتضى الثالث أنه إن شاء صام عن كل مد يوما . أما إذا أكل المحرم ما ذبحه بنفسه فقد ذكر المصنف بعد هذا وسائر الأصحاب أنه لا يلزمه بأكله بعد الذبح شيء آخر بلا خلاف عندنا ، كما لا يلزمه في صيد الحرم بعد الذبح شيء آخر ، وإنما يلزمه في الموضعين جزاء قتله فقط ، هذا مذهبنا . وقال أبو حنيفة : يلزمه في صيد الإحرام جزاء آخر ، ووافقنا في صيد الحرم ، فلهذا قاس الأصحاب عليه قاسوه أيضا على من ذبح شاة لآدمي ثم أكلها ، فإنه تلزمه قيمة واحدة والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن ذبح المحرم صيدا حرم عليه أكله ، لأنه إذا حرم عليه ما صيد له أو دل عليه ، فلأن يحرم ما ذبحه أولى ، وهل يحرم على غيره فيه قولان قال في الجديد : يحرم ، لأن ما حرم على الذابح أكله حرم على غيره كذبيحة المجوس . وقال في القديم : لا يحرم لأن ما حل بذكاته غير الصيد حل بذكاته الصيد كالحلال ، فإن أكل ما ذبحه لم يضمن بالأكل لأن ما ضمنه بالقتل لم يضمنه بالأكل كشاة الغير .

+ الشرح : إذا ذبح المحرم صيدا حرم عليه بلا خلاف ، وفي تحريمه على غيره القولان اللذان ذكرهما المصنف الجديد تحريمه وهو الأصح عند الجمهور . وقال القاضي أبو الطيب في تعليقه : صحح كثيرون من أصحابنا هذا القديم . وقال القاضي أيضا في كتابه المجرد . وقال أصحابنا : القديم هنا هذا كلامه ، والصحيح عند الجمهور هو الجديد ، ودليل الجميع في الكتاب وإن قلنا بالجديد فأكله غير المحرم لم يلزمه الجزاء بلا

271


272
خلاف ، لأنه لم يتلف صيدا فهو كمن أكل ميتة أخرى . صرح به الماوردي وغيره فعلى الجديد ذبيحة المحرم ميتة ، وعلى القديم ليست ميتة . هذا في حق غيره ، ولا خلاف في تحريمها عليه في الإحرام . فلو تحلل واللحم باق هل يجوز له إن قلنا : يحرم على غيره فعليه أولى ، وإلا فطريقان حكاهما إمام الحرمين وغيره أحدهما : القطع بتحريمه ، لأنا لو أبحناه بعد التحلل جعل ذلك ذريعة إلى ادخاره ، قال إمام الحرمين : وبهذا الطريق قطع المراوزة . والطريق الثاني : فيه وجهان أصحهما : تحريمه لما ذكرناه . والثاني : إباحته لأن المنع للإحرام وقد زال ، وبهذا الطريق قطع المتولي ، والبغوي وآخرون ، ونقله إمام الحرمين عن العراقيين إلا أنه قال : زيفوا وجه الإباحة والله أعلم . هذا حكم ذبيحة المحرم فأما إذا ذبح الحلال صيدا حرميا ففيه طريقان مشهوران وقد ذكرهما المصنف في أواخر الباب الذي بعد هذا أصحهما : أنه كذبيحة المحرم فيحرم عليه بلا خلاف ، وفي تحريمه على غيره القولان الأصح : تحريمه والثاني : إباحته والطريق الثاني : وصححه البندنيجي يحرم على غيره قولا واحدا ، كما يحرم عليه والفرق بينه وبين ذبيحة المحرم من وجهين ، أحدهما : أن صيد الحرم محرم على جميع الناس . والثاني : أنه محرم في جميع الأزمان بخلاف صيد الإحرام والله أعلم . وإذا أكل ما ذبحه بنفسه في الحرم أو الإحرام لا يلزمه بالأكل جزاء ، إنما يلزمه جزاء واحد بسبب الذبح . وقد سبقت المسألة قريبا واضحة والله أعلم . أما إذا كسر المحرم بيض صيد وقلاه فيحرم عليه بلا خلاف ، وفي تحريمه على غيره طريقان أشهرهما : وهي التي اختارها المصنف في الفصل الذي بعد هذا كثيرون وبها قطع الشيخ أبو حامد ونقلها صاحب البحر عن الأصحاب مطلقا أنه على القولين كاللحم الجديد تحريمه و القديم إباحته . و الطريق الثانية : القطع بإباحته واختارها القاضي أبو الطيب وصححها الماوردي والمتولي والروياني في البحر وغيرهم ، وقطع بها القاضي حسين في تعليقه والبغوي وآخرون . قال الماوردي : وجهل بعض المتأخرين فحكى في تحريمه قولين . قال : وهذا جهل قبيح ، والصواب إباحته لأنه لا يحتاج إلى ذكاة وفرق هؤلاء بين اللحم والبيض ، بأن الحيوان لا يستباح إلا بذكاة ، والمحرم ليس أهلها بخلاف البيض فإنه بكل حال ويباح من غير قلي ، ولو كسره مجوسي أو قلاه حل بخلاف الحيوان قال المتولي : فعلى هذا ينزل البيض منزلة ذبيحة حلال ، فمن حل له أكل صيد ذبحه له حلال حل له هذا البيض . قال المتولي : ولو حلب لبن صيد أو قتل جرادة فهو ككسره البيض لأن الجرادة تحل بالموت ، ولهذا لو قتلها مجوسي حلت ، وقطع الماوردي وغيره بأن الجراد إذا قتله محرم حل للحلال . قال

272


273
المتولي : ولو أخذ إنسان بيض صيد الحرم فكسره أو قلاه فطريقان أحدهما : أنه كلحم صيد الحرم وأصحهما : أنا إن قلنا : صيد الحرم ليس بميتة فالبيض حلال ، وإن قلنا : ميتة ففي البيض وجهان أحدهما : لا يحل ، لأنا جعلنا صيد الحرم كحيوان لا يحل لكونه محرما على العموم ، وبيض ما لا يؤكل لا يحل ، والثاني : يحل ، لأن أخذ البيض وقلبه ليس سبب الإباحة بخلاف ذبح الصيد . قال : وحكم ابن صيد الحرم وحكم جراده حكم البيض فيما ذكرنا وقطع الماوردي بأن بيض صيد الحرم حرام على كاسره ، وعلى جميع الناس قولا واحدا ، لأن حرمة الحرم لم تزل عنه بكسره .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحرم عليه أن يشتري الصيد أو يتهبه ، لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن الصعب بن جثامة أهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش فرده عليه ، فلما رأى ما في وجهه قال : إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ولأنه سبب يتملك به الصيد فلم يملك به مع الإحرام كالاصطياد . وإن مات من يرثه وله صيد ففيه وجهان أحدهما : لا يرثه ، لأنه سبب للملك فلا يملك به الصيد ، كالبيع والهبة . والثاني : أنه يرثه لأنه يدخل في ملكه بغير قصده ويملك به الصبي والمجنون فجاز أن يملك به المحرم الصيد ، وإن كان في ملكه صيد فأحرم ففيه قولان : أحدهما : لا يزول ملكه عنه ، لأنه ملك فلا يزول بالإحرام كملك البضع والثاني : يزول ملكه عنه ، لأنه معنى لا يراد للبقاء يحرم ( على المحرم ) ابتداؤه فحرمت استدامته كلبس المخيط . فإن قلنا : لا يزول ملكه جاز له بيعه وهبته ، ولا يجوز له قتله ، فإن قتله وجب عليه لأن الجزاء كفارة تجب لله تعالى ، فجاز أن تجب على مالكه ككفارة القتل ، وإن قلنا : يزول ملكه وجب عليه إرساله ، فإن لم يرسله حتى مات ضمنه بالجزاء ، وإن لم يرسله حتى تحلل ففيه

273


274
وجهان ، أحدهما : يعود إلى ملكه ويسقط عنه فرض الإرسال ، لأن علة زوال الملك هو الإحرام ، وقد زال فعاد الملك كالعصير إذا صار خمرا ثم صار خلا . والثاني : أنه لا يعود إلى ملكه ويلزمه إرساله ، لأن يده متعدية فوجب أن يزيلها .

+ الشرح : حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم من طرق منها : ما ذكره المصنف بلفظه ، وفي رواية لمسلم : أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش وفي رواية له : من لحم حمار وحش وفي رواية : رجل حمار وحش وفي رواية : عجز حمار وحش يقطر دماء وفي رواية : شق حمار وحش . وفي رواية : عضو من لحم صيد . هذه الروايات كلها في صحيح مسلم ، وترجم البخاري : باب إذا أهدي للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل . ثم رواه بإسناده وقال في روايته : حمارا وحشيا فأشار البخاري إلى هذا الحمار كان حيا . وحكي هذا أيضا عن مالك وغيره ، وهو الظاهر من استدلال المصنف وغيره من أصحابنا . وهذا تأويل باطل مردود بهذه الروايات الصحيحة الصريحة التي ذكرها مسلم . فالصواب أنه إنما أهدى بعض لحم صيد لأكله ، ويكون قوله : حمارا وحشيا وحمار وحش مجازا أي بعض حمار ، ويكون رد النبي صلى الله عليه وسلم له عليه لأنه علم منه أو من حاله أنه اصطاده للنبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يقصد الاصطياد له لقبله منه ، فإن لحم الصيد الذي صاده الحلال إنما يحرم على المحرم إذا صيد له أو أعان عليه كما سبق بيانه قريبا فإن قيل : فإنما علل النبي صلى الله عليه وسلم رده عليه بأنهم حرم قلنا : لا تمنع هذه العبارة كونه صيد له ، لأنه إنما يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له بشرط كونه محرما ، فبين الشرط الذي يحرم به ، وسأبسط الكلام في إيضاح هذا الحديث ، وبيان طرقه وما يوافقه ، وكلام العلماء عليه في فرع مذاهب العلماء في المسألة الثالثة منه إن شاء الله تعالى ، والله أعلم . وأما قوله : الصعب بن جثامة فالصعب بفتح الصاد وإسكان العين وجثامة بجيم مفتوحة ثم ثاء مثلثة مشددة وقوله صلى الله عليه وسلم : لم نرده عليك هو برفع الدال على

274


275
الصواب المعروف لأهل العربية ، وغلب على ألسنة المحدثين والفقهاء فتحها وهو ضعيف ، وقد أوضحته في التهذيب و شرح مسلم . وقوله : لأنه سبب يتملك به الصيد ، إنما قال : يتملك ، ولم يقل يملك ليحترز عن الإرث ، فإنه يملك به على أحد الوجهين لأنه سبب يملك به الصيد . ولا يقال في الإرث : يتملك إنما يقال لأنه ملك قهري . قوله : لأنه معنى لا يراد للبقاء يحرم ابتداؤه فحرمت استدامته كلبس المخيط احترز بقوله : لا يرد للبقاء من النكاح ، وبقوله : يحرم ابتداؤه من لبس ما سوى المخيط ، وهذه العلة منتقضة بالطيب ، فإنه لا يحرم استدامته ، والله أعلم . أما الأحكام : ففيها مسائل ، إحداها : يحرم على المحرم شراء الصيد وقبول هبته وهديته والوصية له به ، فإن اشتراه أو قبل الهبة أو الهدية أو الوصية فهل يملكه فيه طريقان ، أحدهما : وبه قطع المصنف وسائر العراقيين لا يملكه لما ذكره المصنف ، والثاني : طريقة القفال ومعظم الخراسانيين أنه يبنى على أنه إذا كان في ملكه صيد فأحرم فإن قلنا : يزول ملكه عنه لم يملك الصيد بالشراء والهبة والهدية والوصية ، وإلا فقولان كشراء الكافر عبدا مسلما أصحهما : لا يملك . قال أصحابنا : فإن قلنا بالمذهب : إنه لا يملك فليس له القبض فإن قبض قال الشافعي رحمه الله : لزمه إرساله واختلف أصحابنا في مراده بقوله : لزمه إرساله ، على وجهين مشهورين ، فمن قال : إنه يملكه تعلق بهذه اللفظة من كلام الشافعي ، وقال : لولا أنه ملكه ما أمره بإرساله ، ومن قال : لا يملكه اختلفوا في المراد فقال الشيخ أبو حامد والمحاملي وطائفة . والمراد بإرساله رده إلى صاحبه وليس المراد إرساله في البرية ، قالوا : لأنه لم يملكه ، فلا يجوز له تضييعه ، ولم يزل ملك البائع والواهب عنه فلا يجوز تفويته عليه . وقال صاحب الشامل وآخرون : يلزمه إرساله في البرية . ويحمل كلام الشافعي على ظاهره ، فيجب إرساله بحيث يتوحش ويصير ممتنعا في البرية ويدفع إلى مالكه القيمة . قالوا : ويجوز تفويت حق المالك من عين وإن كان باقيا على ملكه ، لأنه هو المتسبب في حصوله في يد المحرم حتى وجب إرساله فانتقل حقه إلى البدل جمعا بين الحقين . قال المتولي : ويصير المحرم كمن اضطر إلى أكل طعام غيره فيأكله ويغرم بدله ، ويكون الاضطرار عذرا في إتلاف مال الغير بغير إذنه فكذا هنا . هذا مختصر كلام الأصحاب في تفسير قول الشافعي : لزمه إرساله والله أعلم . قال أصحابنا : فإن هلك في يد المحرم قبل إرساله ورده إلى مالكه لزمه الجزاء لحق الله تعالى يدفع إلى المساكين ، ويلزمه لمالكه قيمته إن كان قبضه بالشراء ، لأن المقبوض

275


276
بالشراء الفاسد مضمون ، وفي وقت اعتبار القيمة الخلاف المعروف فيمن تلف عند المقبوض بشراء فاسد ، وإن كان قبضه بالهبة ونحوها لزمه الجزاء لحق الله تعالى ، وهل يلزمه القيمة لمالكه الواهب فيه وجهان مشهوران في كل ما قبض بهبة فاسدة هل يكون مضمونا ، أم لا أصحهما : لا يكون مضمونا ، لأن حكم العقود الفاسدة حكم الصحيحة في الضمان ، فما ضمن صحيحه ضمن فاسده وما لا يضمن صحيحه لا يضمن فاسده ، وهذا قاعدة مشهورة سنوضحها في كتاب الرهن والشركة والهبة إن شاء الله تعالى . ومما ذكر الوجهين فيها هنا الماوردي وغيره ، وقطع القاضي أبو الطيب والمحاملي وأبو علي البندنيجي في كتابه الجماع والقاضي حسين وابن الصباغ وصاحب البيان وآخرون هنا بالأصح ، وهو أنه لا ضمان وأشار جماعة من الخراسانيين إلى القطع بالضمان وقد اغتر الرافعي بهذا فوافق إشارتهم فقطع هنا بالضمان مع أنه ذكر الخلاف في كتاب الهبة ، وأن الأصح أنه لا ضمان ، فكأنه لم يتذكره في هذا الموطن . فالحاصل أن الصحيح أنه لا ضمان . هذا كله إذا تلف في يد المحرم . أما إذا أتلفه فقد صرح القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وغيرهما بأنه كما لو تلف في جميع ما ذكرناه أما إذا رده إلى مالكه فتسقط عنه القيمة التي هي حق الآدمي سواء كان قبضه بالشراء أو الهبة ونحوها ، ولكن لا يسقط عنه الجزء لحق الله تعالى إلا بإرساله . وإن تلف في يد مالكه بعد ذلك لزم المحرم الجزاء ، وإن أرسله مالكه سقط عن المحرم الجزاء هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ، وقطع البندنيجي بأنه إذا رد ما قبضه بالبيع إلى بائعه زال عنه الضمان ، ولو قبضه بالهبة فرده إلى واهبه لم يزل عنه الضمان ، وفرق بأن المتهب كان يمكنه إرساله ولا يكون ضامنا لواهبه بخلاف المشتري ، وهذا الحكم والفرق ضعيفان ، قال الغزالي : فإن صححنا الشراء فباعه المحرم حرم البيع ، ولكن ينعقد ويجب على المشتري إرساله فإذا أرسله فهل يكون من ضمان البائع فيه الخلاف فيمن باع عبدا مرتدا فقتل في يد المشتري . هذا كلام الغزالي ، وكأنه أراد ما ذكره شيخه إمام الحرمين ، فإن إمام الحرمين قال : قال الأئمة : إذا باع المحرم صيدا أمرناه بإطلاقه ، ووجب على المشتري إرساله . قال : فإن استبعد الفقيه ذلك فهو كتصحيحنا من المشتري شراءه مع أمرنا إياه بإرساله ، ثم إذا أرسله المشتري بعد قبضه اتصل هذا بالتفريع فيمن اشتراه مرتدا فقتل في يده بالردة فمن ضمان من هو وفيه خلاف قال : ولعل الوجه القطع هنا بإرساله من ضمان البائع وجها واحدا ، لأنا قد نقول : المرتد قد يقتل لردة حالة ، والخطرات تتجدد ، والسبب الذي علق به وجوب الإرسالة دائم لا تجدد فيه . قال : ثم قال الأصحاب : لو تلف الصيد في يد

276


277
المشتري أو في يد من اشترى منه ، وهكذا كل شيء كيف تناسخت الأيدي فالضمان على المحرم لأنه لمتسبب إلى إثبات هذه الأيدي ، وللسبب في المضمونات حكم المباشرة هذا آخر كلام إمام الحرمين ، ومراده بالضمان المذكور في آخر كلامه ضمان الجزاء والله أعلم . المسألة الثانية : إذا مات للمحرم يملك صيدا فهل يرثه فيه طريقان أحدهما : وبه قطع المصنف وسائر العراقيين وجهان ، أصحهما : يرثه ، والثاني : لا ، ودليلهما في الكتاب ، والطريق الثاني : وبه قطع القفال والشيخ أبو محمد الجويني ، وأبو بكر الصيدلاني ، وآخرون من أئمة أصحابنا الخراسانيين : يرثه وجها واحدا لأنه ملك قهري . قال القاضي أبو الطيب في تعليقه ، وإنما يتصور القول بتوريثه على قولنا إن الإحرام لا يزيل الملك عن الصيد فأما إذا قلنا بالقول الآخر : إنه يزيله فلا يدخل في ملكه بالإرث ، هذا كلام القاضي وذكر إمام الحرمين عكسه فقال : قال العراقيون إذا قلنا : الإحرام يقطع دوام الملك ففي الإرث وجهان أحدهما : لا يفيد الملك لأنه مشبه باستمرار الملك على الدوام ، فإذا كان الإحرام ينافي دوام الملك فكذلك ينافي الملك المتجدد المشبه بالدوام . والثاني : يحصل الملك بالإرث ويزيله ، فإنا نضطر إلى الجري على قياس التوريث فلنجر ذلك الحكم ثم نحكم بعده بالزوال . هذا كلام إمام الحرمين ، وهو مخالف لما ذكره القاضي أبو الطيب ولم يتعرض جمهور الأصحاب لما قاله وهذا النقل الذي أضافه الإمام إلى العراقيين غريب في كتبهم . وأما المتولي فقال : إن قلنا : يزول ملكه في الصيد لم يرثه وإلا فيرثه . قال الرافعي : فإن قلنا : يرث قال إمام الحرمين والغزالي مكله عقب ثبوته بناء على إن الملك يزول عن الصيد بالإحرام ، قال : وفي التهذيب وغيره خلافه ، لأنهم قالوا : إذا ورثه لزمه إرساله ، فإن باعه صح بيعه ، ولا يسقط عنه ضمان الجزاء حتى لو مات في يد المشتري وجب الجزاء على البائع ، وإنما يسقط عنه إذا أرسله المشتري ، هذا كلام الرافعي ، وهذا الذي أضافه إلى التهذيب وغيره هو الصحيح المشهور الذي قطع به المحاملي وآخرون . قال المحاملي في المجموع : إذا قلنا : إنه يملكه بالإرث كان ملكا له يملك التصرف فيه كيف شاء إلا القتل والإتلاف والله أعلم . وأما إذا قلنا لا يرث ففي حكمه وجهان أحدهما : وبه قطع المتولي يكون ملك الصيد لباقي الورثة ، ويكون إحرامه بالنسبة إلى الصيد مانعا من موانع الإرث ، والوجه الثاني : وهو الصحيح بل الصواب المشهور الذي قطع به الجمهور أنه يكون باقيا على ملك المشتري الميت حتى

277


278
يتحلل المحرم من إحرامه فإن تحلل دخل في ملكه . وممن صرح بهذا الشيخ أبو حامد في تعليقه والدارمي وأبو علي البندنيجي في كتابه الجامع والمحاملي في كتابيه المجموع و التجريد ، والقاضي أبو الطيب في المجرد ، وصاحب الحاوي والقاضي حسين في تعليقه وأبو القاسم الكرخي شيخ المصنف وصاحب العدة والبيان وغيرهم . قال الدارمي : فإن مات الوارث قبل تحلله قام وارثه مقامه والله أعلم . المسألة الثالثة : إذا كان في ملكه صيد فأحرم ففي زوال ملكه عنه قولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما نص الشافعي عليهما في الأم ، ومنهم من يقول : إنما نص في الإملاء على أنه لا يزول : ممن حكى هذا الشيخ أبو حامد والماوردي والأصح : من القولين أنه يزول ممن صححه القاضي أبو الطيب في تعليقه وفي المجرد والعبدري والرافعي وغيرهم ، وخالفهم الجرجاني فقال في كتابه التحرير : الأصح لا يزول ملكه ، والمشهور تصحيح زوال ملكه قال الرافعي : هل يلزمه إرساله فيه قولان الأظهر : يلزمه إرساله ، وقيل : لا يلزمه إرساله قولا واحدا ، بل يستحب . قال أصحابنا : فإن لم نوجب الإرسال فهو باق على ملكه له بيعه وهبته ، لكن لا يجوز له قتله ، فإن قتله لزمه الجزاء كما لو قتل عبده يلزمه الكفارة ، ولو أرسله غيره أو قتله لزمه قيمته للمالك ولا شيء على المالك . وإن أوجبنا إرساله فهل يزول ملكه عنه فيه قولان ، أصحهما : يزول ، فعلى هذا لو أرسله غيره أو قتله فلا شيء عليه ، ولو أرسله المحرم فأخذه غيره ملكه لأنه صار مباحا كما كان قبل اصطياده أولا . ولو لم يرسله حتى تحلل فهل يلزمه إرساله فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : يلزمه وهو المنصوص واتفقوا على تصحيحه والثاني : لا يلزمه ، وهو قول أبي إسحاق المروزي وحكى إمام الحرمين على هذا القول وجهين في أنه يزول ملكه بنفس الإحرام أم الإحرام يوجب عليه الإرسال فإذا أرسل زال حينئذ والأول : منهما أصح وهو مقتضى كلام جمهور الأصحاب وصرح به جماعة منهم . وإن قلنا : لا يزول ملكه فليس لغيره أخذه ، فلو أخذه لم يملكه ، ولو قتله ضمنه . وعلى القولين لو مات في يده بعد إمكان الإرسال لزمه الجزاء لأنهما فرعان على وجوب الإرسال ، وهو مقصر بالإمساك ، ولو مات الصيد قبل إمكان الإرسال وجب الجزاء على أصح الوجهين ، ولا يجب في الثاني ، وبه قطع الشيخ أبو حامد في تعليقه والبندنيجي وصاحب البيان ، وممن صحح الأول إمام الحرمين والرافعي ، وإذا لم يرسله حتى حل من إحرامه وقلنا بالصحيح : المنصوص أنه يلزمه الإرسال بعد التحلل

278


279
فقتله فوجهان ، حكاهما الشيخ أبو حامد والأصحاب أحدهما : لا ضمان لأنه قتله وهو حلال وأصحهما : وجوب الجزاء لأنه ضمنه باليد في الإحرام فلا يزول الضمان إلا بالإرسال ، اتفق الأصحاب على أنه لا يجب تقديم الإرسال على الإحرام وممن نقل الاتفاق عليه إمام الحرمين ، والله أعلم . فرع : قال الأصحاب : متى أمر بإرسال الصيد فأرسله زال عنه الضمان ، وصار الصيد مباحا ، فمن أخذه من الناس بعد ذلك وهو حلال ملكه ، وكذا لو أخذه المحرم بعد تحلله ملكه ، كغيره من الناس ، وكغيره من الصيود . فرع : لو اشترى صيدا فوجده وقد أحرم البائع ، فإن قلنا للمحرم : أن يملك الصيد بالإرث رده عليه وإلا فوجهان مشهوران ، ذكرهما ابن الصباغ والمتولي وصاحب البيان وآخرون أحدهما : لا يرد ، لأن المحرم لا يدخل الصيد في ملكه ، والثاني : يرد ، لأن منع الرد إضرار بالمشتري ، قال المتولي : فإن قلنا : لا يرد فحكمه حكم من اشترى شيئا فرهنه ، ثم علم به عيبا وهو مرهون . وقال صاحب البيان : إذا قلنا : لا رد فماذا يصنع فيه وجهان ، قال القاضي أبو الطيب : يرد عليه البائع الثمن ، ويوقف الصيد حتى يتحلل فيرده عليه ، لأن المتعذر هو رد الصيد دون رد الثمن ، وقال ابن الصباغ يكون المشتري بالخيار بين أن يوقف حتى يتحلل البائع ، ويرد عليه بين أن يرجع بالأرش لتعذر الرد في الحال ، لأنه لو ملك المشتري لزال ملكه عن الصيد إلى البائع ولوجب رده عليه لئلا يجتمع العوضان للمشتري ، قلت : هذا الذي حكاه عن القاضي أبي الطيب إنما هو احتمال ذكره في تعليقه ، ولم يجزم به ، والصحيح ما ذكره ابن الصباغ ، والله أعلم . فرع : لو اشترى الحلال صيدا ثم أفلس بالثمن والبائع محرم فهل له الرجوع في الصيد فيه طريقان أصحهما : وبه قطع الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبندنيجي والماوردي والمحاملي وابن الصباغ وسائر العراقيين والقاضي حسين وغيره من الخراسانيين : ليس له ذلك ، وبهذا قطع المصنف في كتاب التفليس ، ونقله المحاملي هنا في المجموع عن أصحابنا مطلقا ونقل القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب العدة اتفاق الأصحاب عليه ، والطريق الثاني : فيه وجهان حكاه المتولي وآخرون كالرد بالعيب ، ووجه الجواز رفع الضرر عن البائع ، والمذهب الأول ، لأن هنا يملك الصيد بالاختيار ، فلم يجزىء مع الإحرام كالمشتري بخلاف الإرث فإنه مجزىء ، وبخلاف الرد بالعيب على

279


280
وجه ، فإنه بغير اختياره فإذا قلنا : لا يرجع ، قال الماوردي وغيره : له الرجوع بعد التحلل من إحرامه . فرع : لو استعار المحرم صيدا صار مضمونا عليه بالجزاء لله تعالى ، والقيمة للمعير ، وليس له التعرض له ، فإن تلف في يده لزمه الجزاء والقيمة ، فإن أرسله عصى ولزمه القيمة للمالك وسقط عنه الجزاء ، وإن رده إلى المالك برىء من حق المالك ولا يسقط عنه الجزاء ما لم يرسله المالك . هكذا ذكر هذا الفرع أصحابنا في الطريقتين ، واتفقوا على تحريم إعارة الصيد للمحرم وقد ذكر المصنف تحريم الإعارة في أول كتاب العارية . وأما إذا أودع الصيد عند المحرم فوجهان أصحهما وبه قطع القاضي حسين والبغوي والرافعي هنا أنه يكون مضمونا عليه بالجزاء كما لو استعاره ، لأنه ممنوع من وضع اليد عليه فصار كما لو استودع مالا مغصوبا . فعلى هذا إن تلف في يده لزمه الجزاء ولا تلزمه القيمة للمالك إلا أن يفرط ، لأن الوديعة لا تضمن إلا بالتفريط ، وقال القاضي حسين في تعليقه : يضمنه ، وهذا ضعيف ، وإن أرسله عصى لزمه القيمة للمالك ، وإن رده إليه لم يسقط عنه الجزاء ما لم يرسله المالك . والثاني : لا جزاء عليه وإن تلف في يده ، وبه قطع الشيخ أبو حامد ، وحكاه عنه صاحب البيان في أول كتاب العارية ، لأنه لم يمسكه لنفسه . وهذه العلة تنتقض بالمغصوب إذا أودع عنده والله أعلم . قال الماوردي هنا : فأما إذا استعار الحلال صيدا من محرم فتلف في يد المستعير ، فإن قلنا : يزول ملك المحرم عن الصيد بالإحرام وجب الجزاء على المحرم المعير ، لأنه كان مضمونا عليه باليد ولا شيء على المستعير ، لا جزاء ولا قيمة أما الجزاء فلأنه حلال . وأما القيمة فلأن المعير لا يملكه ، وإن قلنا : لا يزول ملك المحرم فلا جزاء على المحرم ، لأنه على هذا القول لا يضمنه إلا بالجناية . وتجب القيمة على المستعير للمالك لأنها عارية مملوكة ، فوجب ضمانها بالتلف والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : حيث صار الصيد مضمونا على المحرم بالجزاء فإن تلف في يده لزمه الجزاء ، فإن قتله حلال في يده فالجزاء على المحرم ، وإن قتله محرم آخر فوجهان حكاهما الشيخ أبو حامد والماوردي والبغوي وآخرون أحدهما : الجزاء عليهما نصفين ، كما لو اشتركا في قتل صيد ، أصحهما : يجب على القاتل ، ويكون الذي كان في يده طريقا في الضمان . فرع : قال إمام الحرمين : لو كان بين رجلين صيد مملوك لهما فأحرم أحدهما ،

280


281
وقلنا : يلزم المحرم إرسال الصيد الذي كان في ملكه قبل الإحرام ، فالإرسال هنا غير ممكن ، فأقصى ما يمكن أن يرفع يد نفسه عنه ، قال : ولم يوجب الأصحاب عليه السعي في تحصيل الملك في نصيب شريكه ليطلقه ، ولكن ترددوا في أنه لو تلف هل يلزمه ضمان حصته من جهة أنه لم يتأت منه إطلاقه على ما ينبغي والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان الصيد غير مأكول نظرت ، فإن كان متولدا بين ما يؤكل وبين ما لا يؤكل كالسمع المتولد بين الذئب والضيع ، والحمار المتولد بين حمار الوحش وحمار الأهل فحكمه ما يؤكل في تحريم صيده ووجوب الجزاء ، لأنه اجتمع فيه جهة التحليل والتحريم ، فغلب التحريم كما غلبت جهة التحريم في أكله وإن كان حيوانا لا يؤكل ، ولا هو متولد مما يؤكل ، فالحلال والحرام فيه واحد ، لقوله تعالى :

﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما فحرم من الصيد ما يحرم بالإحرام ، وهذا لا يكون إلا فيما يؤكل ، وهل يكره قتله أو لا يكره ينظر فيه ، فإن كان مما يضر ولا ينفع كالذئب والأسد والحية والعقرب والفأرة والحدأة والغراب والكلب العقور والبق والبرغوث والقمل والقرقش والزنبور فالمستحب أن يقتله ، لأنه يدفع ضرره عن نفسه وعن غيره ، وإن كان مما ينتفع به ويستضر به كالفهد والبازي فلا يستحب قتله لما فيه من المنفعة ، ولا يكره لما فيه من المضرة ، وإن كان مما لا يضر ولا ينفع كالخنافس والجعلان وبنات وردان فإن يكره قتله ولا يحرم . الشرح السمع بكسر السين والضبع اسن للأنثى . وأما الذكر فيقال له ضبعان بكسر الضاد وإسكان الباء والفأرة مهموزة ، ويجوز تخفيفها بترك الهمزة ، والحدأة بكسر الحاء وبعد الدال همزة وجمعها حدأ كعنبة وعنب ، والبرغوث بضم الباء والقرقش بقافين مكسورتين قال الجوهري : هو البعوض الصغار ، قال : ويقال : الجرجس بمعجمتين مكسورتين وقيل : إنه نوع من البق وأما البازي ففيه ثلاث لغات تخفيف الياء وتشديدها والثالثة باز بغير ياء ، أفصحهن البازي بالياء المخففة ، ولغة التشديد غريبة ، وممن حكاها ابن مكي وأنكرها الأكثرون ، وقد أوضحت ذلك مع ما يتعلق به من جمع الكلمة . وتصريفها في تهذيب اللغات .

281


282
أما الأحكام : فنمهد قبلها بحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خمس من الدواب كلهن فاسق ، يقتلن في الحرم ، الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لهما : فيقتلن في الحل والحرام وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح ، الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : في الحرم والإحرام وفي رواية لمسلم : خمس من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه وفي رواية عن زيد بن جبير قال : سأل رجل ابن عمر ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم قال : حدثني إحدى نسوة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور والفأر والعقرب والغراب والحية قال : وفي الصلاة أيضا ، والله أعلم . وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عما يقتل المحرم قال : الحية والعقرب والفويسقة ، ويرمي الغراب ولا يقتله ، والكلب والعقور ، والحدأة والسبع العادي ، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه

282


283
والبيهقي وغيرهم ، وهو من رواية يزيد بن أبي زياد ، وهو ضعيف جدا وقد قال الترمذي : إنه حديث حسن فإن صح حمل قوله : ويرمى الغراب ولا يقتله على أنه لا يتأكد ندب قتله كتأكده في الحية والفأرة والكلب العقور ، والله أعلم . وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الوزغ فويسق ولم أسمعه أمر بقتله رواه البخاري ومسلم ، وعن أم شريك رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ رواه البخاري ومسلم ، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الوزغ وسماه فويسقا رواه مسلم وعن طارق بن شهاب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر المحرم بقتل الزنبور رواه الشافعي والبيهقي بإسناد صحيح . وعن ربيعة بن عبد الرحمن بن الجبير أنه رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدر بعيرا له في طين بالسقيا وهو محرم رواه مالك في الموطأ والشافعي والبيهقي بإسناد صحيح ، والله أعلم . قال أصحابنا : ما ليس مأكولا من الدواب والطيور ضربان أحدهما : ما ليس في أصله مأكولا والثاني : ما أحد أصلية مأكولا ، فالأول لا يحرم التعرض له بالإحرام ، فيجوز للمحرم قتله ولا جزاء عليه ، وكذلك يجوز قتله للحلال ، والمحرم في الحرم ولا جزاء عليه ، للأحاديث السابقة قال أصحابنا :

283


284
وهذا الضرب ثلاثة أقسام أحدها : ما يستحب قتله للمحرم وغيره وهي المؤذيات كالحية والفأرة والعقرب والخنزير والكلب العقور والغراب والحدأة والذئب والأسد والنمر والدب والنسر والعقاب والبرغوث والبق والزنبور والقراد واللكة والقرقش وأشباهها . القسم الثاني : ما فيه نفع ومضرة ، كالفهد والعقاب والبازي والصقر ونحوها ، فلا يستحب قتلها ولا يكره لما ذكره المصنف قال ، قال القاضي : نفع هذا الضرب أنه يعلم للأصطياد ، وضرره أنه يعدو على الناس والبهائم . الثالث : ما لا يظهر فيه نفع ولا ضر كالخنافس والدود والجعلان والسرطان والبغاثة والرخمة والعضاء واللحكاء والذباب وأشباهها ، فيكره قتلها ولا يحرم ، هكذا قطع به المصنف والجمهور . وحكى إمام الحرمين وجها شاذا أنه يحرم قتل الطيور دون الحشرات ، ودليل الكراهة أنه عبث بلا حاجة ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإن قتلتم فأحسنوا إلى آخره . وليس من الإحسان قتلها عبثا ، وروى البيهقي عن قطبة بن مالك الصحابي رضي الله عنه قال : كان يكره أن يقتل الرجل ما لا يضره قال أصحابنا : ولا يجوز قتل النحل والنمل والخطاف والضفدع ، وفي وجوب الجزاء بقتل الهدهد والصرد خلاف مبني على الخلاف في جواز أكلهما إن جاز وجب وإلا فلا . واستدل البيهقي وغيره في المسألة بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم : نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ، وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن نملة قرصت نبيا من الأنبياء وصلوات الله وسلامه عليهم فأمر بقرية النمل فأحرقت ، فأوحى الله تعالى إليه أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من

284


285
الأمم تسبح رواه البخاري ومسلم والله أعلم . وأما الكلب الذي ليس بعقور ، فإن كان فيه منفعة مباحة فقتله حرام بلا خلاف ، وإن لم يكن فيه منفعة مباحة فالأصح أنه يحرم قتله ، وقيل : يكره والأمر بقتل الكلاب منسوخ ، وقد سبقت المسألة مستوفاة في باب إزالة النجاسة وسنعيدها واضحة إن شاء الله تعالى حيث ذكر المصنف مادتها في باب ما يجزز بيعه وما لا يجوز . أما القمل فقتله مستحب في غير الإحرام بلا شك ، لأنه في معنى المنصوص عليه في الأحاديث السابقة . وأما في حال الإحرام فإن ظهر على ثياب المحرم أو بدنه فلا يكره له تنحيته ولا يحرم عليه قتله ، فإن قتله فلا شيء فيه لأنه ليس مأكولا ، قال الشافعي والأصحاب : ويكره أن يفلي رأسه ولحيته فإن فعل وأخرج منها قملة وقتلها قال الشافعي : تصدق ولو بلقمة ، قال جمهور الأصحاب : هذا التصدق مستحب . وحكى القاضي حسين في تعليقه وإمام الحرمين وآخرون وجها شاذا ضعيفا أنه واجب لما فيه من إزالة الأذى عن الرأس . قال القاضي حسين : ولو جعل الزيت في رأسه فمات القمل والصئبان ففي وجوب الجزاء هذان الوجهان . هذا إذا جعله في شعر رأسه أو لحيته بعد الإحرام ، قال الشافعي والأصحاب : قالوا جميعا : فإن جعله قبل الإحرام فلا فدية قطعا لا واجبة ولا مستحبة قال الشافعي : وللصئبان حكم القمل وهو بيض القمل ، لكن فديته أقل من فدية القمل لكونه أصغر منه ، قال أصحابنا : وحقيقة الفدية ليست للقمل بل للترفه بإزالة الأذى عن الرأس فأشبه حلق شعر الرأس . الضرب الثاني : ما في أصله مأكول كالمتولد بين ذئب وضبع ، أو حمار وحش وإنس ، فيحرم التعرض له ويجب الجزاء لما ذكره المصنف ، ويلحق بهذا الضرب ما تولد من صيد وحيوان أهلي كمتولد بين ضبع وشاة ودجاجة ويعفور ونحو ذلك ، فيحرم على المحرم التعرض له ويضمنه بالجزاء لما ذكرناه في المتولد بين مأكول وغيره ، وهذا كله لا خلاف فيه ، والله أعلم . فرع : قال الشافعي : فإن أتلف حيوانا وشك هل هو مأكول أم لا أو شك هل خالطه وحشي مأكول أم لا لم يجب الجزاء لأن الأصل براءته ، ولكن يستحب احتياطا ، واتفق الأصحاب على هذا وكذلك البيض كالحيوان عند الشك ، والله أعلم .

285


286

قال المصنف رحمه الله تعالى : وما حرم على المحرم من الصيد حرم عليه بيضه ، وإذا كسره وجب عليه الجزاء وقال المزني رحمه الله : لا جزاء عليه لأنه لا روح فيه . والدليل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في بيض النعامة يصيبه المحرم ثمنه ولأنه خارج من الصيد يخلق منه مثله فضمن بالجزاء كالفرخ فإن كسر بيضا لم يحل له أكله ، وهل يحل لغيره فيه قولان كالصيد . وقال شيخنا القاضي أبو الطيب رحمه الله : في تحريمه على غيره نظر لأنه لا روح فيه فلا يحتاج إلى ذكاة ، وإن كسر بيضا مذرا لم يضمنه من غير النعامة ، لأنه لا قيمة له ، ويضمنه من النعامة لأن لقشر بيض النعامة قيمة .

+ الشرح : أما حديث أبي هريرة فرواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي من رواية أبي المهزم يزيد بن أبي سفيان عن أبي هريرة ، وأبو المهزم هذا ضعيف باتفاق المحدثين ، وبالغوا في تضعيفه حتى قال شعبة : ولو أعطوه فلسا لحدثهم سبعين حديثا . وذكر البيهقي في الباب أحاديث كثيرة وآثارا ، وقوله : لأنه خارج من الصيد ، احتراز من بيض الدجاج ، وقوله : يخلق منه مثله احتراز من البيض المذر . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : كل صيد حرم على المحرم حرم عليه بيضه ، وإذا كسره لزمه قيمته ، هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة إلا المزني و داود فقالا : هو حلال ولا جزاء فيه ، واتفق أصحابنا على أن البيض المذر لا يحرم ، ولا جزاء في إتلافه إلا أن يكون بيض نعامة ، فعليه قيمته لأن قشرها ينتفع به متقوم ، هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والأصحاب في جميع الطرق إلا إمام الحرمين فإنه قال : لو كسر بيضة للنعامة مذرة فلا شيء عليه قال : وإن قدرت فيمته فهي للقشر وليس هو مضمونا كما لا يضمن الريش المنفصل من الطائر هذا كلامه وهو شاذ ضعيف أو غلط والله أعلم . قال أصحابنا : ولو نفر صيدا عن بيضته التي حضنها ففسدت لزمه قيمتها ، لأنها تلفت بسببه ، ولو أخذ بيض دجاجة فأحضنه صيدا فلم يقعد الصيد على بيض نفسه ففسد ، أو قعد على بيضه وبيض الدجاجة ففسد بيضه ، وجب عليه ضمانه ، لأنه الظاهر أن فساده بسبب ضم بيض الدجاجة إليه وامتناعه من القعود عليه بسببه . ولو أخذ بيض صيد وأحضنه دجاجة فهو في ضمانه حتى يخرج الفرخ ويسعى ويستقل ، فإن خرج ومات قبل الامتناع لزمه مثله من النعم إلا فقيمته . وإن تلف البيض تحت الدجاجة لزمه قيمته ، ولو كسر بيضة صيد فيها فرخ له روح فطار وسلم فلا شيء عليه ، وإن مات فعليه مثله من النعم ، ولو نزا ديك على يعفورة أو يعفور على دجاجة فباضت ، فالبيض حرام على المحرم كما سبق في المتولد من الدجاجة واليعفور إذا صار فرخا ، فإن أتلفه لزمه قيمته . قال أصحابنا : وبيض الجراد حرام مضمون بالجزاء لأنه صيد . وأما بيض السمك فمباح للمحرم كالسمك ولا جزاء فيهما . قال الماوردي : ولو رأى المحرم على فراشه بيض السمك فأزاله عنه فقصد ، فقد علق الشافعي القول فيه قال : فخرجه أصحابنا على قولين أحدهما : عليه ضمانه ، لأنه فسد بفعله . والثاني : لا ضمان عليه ، والله أعلم . فرع : إذا كسر المحرم بيض صيد أو قلاه حرم عليه أكله بلا خلاف . وفي تحريمه على الحلال طريقان أحدهما : فيه قولان كلحم الصيد . والطريق الثاني : لا يحرم على الحلال قولا واحدا ، وهذا الطريق أصح . وقد سبق بيان الطريقين والقائلين بهما ، وبيان الترجيح وما يتفرع عليهما ، وبيض صيد الحرم ولبنه وبيض الجراد أوضحناه قريبا في مسألة لحم صيد ذبحه المحرم ، والله أعلم . فرع : إذا حلب المحرم لبن صيد ضمنه . هذا هو المذهب وبه قطع أبو العلاء البندنيجي في كتابه الجامع وصاحب الشامل وصاحب البيان والجمهور وقال الروياني . ولا يضمنه . وقال أبو حنيفة إن نقص الصيد بذلك ضمنه وإلا فلا ، ودليل المذهب القياس على البيض والريش ، هكذا استدلال صاحب الشامل وغيره . فرع : يجب في شعر الصيد القيمة بلا خلاف ، صرح به القاضي حسين والأصحاب ، قال القاضي : والفرق بينه وبين أوراق أشجار الحرم فإنه لا يضمن أن جز الشعر يضر الحيوان وبقاءه ينفعه بخلاف الورق . فرع : إذا رمى الحصاة السابعة ثم رمى صيدا قبل وقوع الحصاة في الجمرة ، قال الدارمي : قال ابن المرزبان : يلزمه الجزاء ، لأنه رماه قبل التحلل ، فإنه لا يحصل التحلل إلا بوقوع الحصاة في الجمرة ، قال الدارمي : وعندي أنه لا فائدة في هذه المسألة ، لأن موضع

286


287
بيضه وبيض الدجاجة ففسد بيضه ، وجب عليه ضمانه ، لأنه الظاهر أن فساده بسبب ضم بيض الدجاجة إليه وامتناعه من القعود عليه بسببه . ولو أخذ بيض صيد وأحضنه دجاجة فهو في ضمانه حتى يخرج الفرخ ويسعى ويستقل ، فإن خرج ومات قبل الامتناع لزمه مثله من النعم إلا فقيمته . وإن تلف البيض تحت الدجاجة لزمه قيمته ، ولو كسر بيضة صيد فيها فرخ له روح فطار وسلم فلا شيء عليه ، وإن مات فعليه مثله من النعم ، ولو نزا ديك على يعفورة أو يعفور على دجاجة فباضت ، فالبيض حرام على المحرم كما سبق في المتولد من الدجاجة واليعفور إذا صار فرخا ، فإن أتلفه لزمه قيمته . قال أصحابنا : وبيض الجراد حرام مضمون بالجزاء لأنه صيد . وأما بيض السمك فمباح للمحرم كالسمك ولا جزاء فيهما . قال الماوردي : ولو رأى المحرم على فراشه بيض السمك فأزاله عنه فقصد ، فقد علق الشافعي القول فيه قال : فخرجه أصحابنا على قولين أحدهما : عليه ضمانه ، لأنه فسد بفعله . والثاني : لا ضمان عليه ، والله أعلم . فرع : إذا كسر المحرم بيض صيد أو قلاه حرم عليه أكله بلا خلاف . وفي تحريمه على الحلال طريقان أحدهما : فيه قولان كلحم الصيد . والطريق الثاني : لا يحرم على الحلال قولا واحدا ، وهذا الطريق أصح . وقد سبق بيان الطريقين والقائلين بهما ، وبيان الترجيح وما يتفرع عليهما ، وبيض صيد الحرم ولبنه وبيض الجراد أوضحناه قريبا في مسألة لحم صيد ذبحه المحرم ، والله أعلم . فرع : إذا حلب المحرم لبن صيد ضمنه . هذا هو المذهب وبه قطع أبو العلاء البندنيجي في كتابه الجامع وصاحب الشامل وصاحب البيان والجمهور وقال الروياني . ولا يضمنه . وقال أبو حنيفة إن نقص الصيد بذلك ضمنه وإلا فلا ، ودليل المذهب القياس على البيض والريش ، هكذا استدلال صاحب الشامل وغيره . فرع : يجب في شعر الصيد القيمة بلا خلاف ، صرح به القاضي حسين والأصحاب ، قال القاضي : والفرق بينه وبين أوراق أشجار الحرم فإنه لا يضمن أن جز الشعر يضر الحيوان وبقاءه ينفعه بخلاف الورق . فرع : إذا رمى الحصاة السابعة ثم رمى صيدا قبل وقوع الحصاة في الجمرة ، قال الدارمي : قال ابن المرزبان : يلزمه الجزاء ، لأنه رماه قبل التحلل ، فإنه لا يحصل التحلل إلا بوقوع الحصاة في الجمرة ، قال الدارمي : وعندي أنه لا فائدة في هذه المسألة ، لأن موضع

287


288
الرمي متوسط في الحرم لا يمكن أحدا أن يرمى منه إلى صيد في الحل ، فسواء رمى الصيد قبل رمي الحصاة أو بعده ، يلزمه الجزاء ، لأنه رمى صيدا في الحرم . كلام الدرامي وهذا عجب منه ، والصواب قول ابن المرزبان ، والصورة مقصورة فيما إذا رمى إلى صيد مملوك فإنه يلزمه الجزاء ويلزمه القيمة للمالك ، ولو كان رميه لهذا الصيد بعد وقوع الحصاة في الجمرة لم يلزمه الجزاء ، لأنه صيد مملوك ، والحلال إذا قتل في الحرم صيدا مملوكا لم يلزمه الجزاء بلا خلاف عندنا ، وستأتي المسألة مبسوطة إن شاء الله تعالى في أواخر باب محظورات الإحرام . فرع : في مذاهب العلماء في مسائل تتعلق بالصيد في حق المحرم إحداها : إذا قتل المحرم الصيد عمدا أو خطأ أو ناسيا لإحرامه لزمه الجزاء عندنا وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والجمهور . وقال العبدري : هو قول الفقهاء كافة . وقال مجاهد : إن قتله خطأ أو ناسيا لإحرامه لزمه الجزاء ، وإن قتله عمدا ذاكرا لإحرامه فلا جزاء قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن المحرم إذا قتل الصيد عمدا ذاكرا لإحرامه فعليه الجزاء إلا مجاهدا فقال : إن تعمده ذاكرا فلا جزاء ، وإن نسي وأخطأ فعليه الجزاء . قال ابن المنذر : ولا نعلم أحدا وافق مجاهدا على هذا القول وهو خلاف الآية الكريمة ، قال : واختلفوا فيمن قتله خطأ فقال ابن عباس وطاوس و سعيد بن جبير وأبو ثور : لا شيء عليه قال ابن المنذر : وبه أقول . قال : وقال الحسن وعطاء و النخعي ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي : عليه الجزاء واحتج مجاهد بقوله تعالى :

﴿ ومن قتله منكم متعمدا قال : والمراد متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه بدليل قوله تعالى في آخر الآية :

﴿ ومن عاد فينتقم الله منه فعلق الانتقام بالعود ، فدل على أنه لا يأثم بالأول ولو كان عامدا ذاكرا لإحرامه لأثم . واحتج عليه أصحابنا بقوله تعالى :

﴿ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم فأوجب الجزاء على العامد ، ولم يفرق بين عامد القتل ذاكرا للإحرام وعامد القتل ناسي الإحرام فكانت الآية متناولة عموم الأحوال ، ولأن الكفارة تتغلظ بحسب الإثم ، فإذا وجبت في الخطأ فالعمد أولى . والجواب : عن الآية أن المفسرين قالوا :

288


289
معنى قوله تعالى :

﴿ ومن عاد أي عاد إلى قتل الصيد بعد نزول الآية : لأن ما قبل نزولها معفو عنه قال أصحابنا ولأنا نحمل الآية على الأمرين ، ونوجب الجزاء في العمد والخطأ . واحتج القائلون بأن العامد يضمن دون المخطىء والناسي بقوله تعالى :

﴿ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء فعلقه بالعمد وبحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وهو حديث سبق بيانه مرات ، ولأنه محظور في الإحرام ، فوجب في العمد دون النسيان والخطأ كالطيب واللباس . واحتج أصحابنا بقوله تعالى :

﴿ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء فاحتمل أن يكون المراد متعمدا لقتله ، ناسيا لإحرامه ، واحتمل أن يكون متعمدا لقتله ذاكرا لإحرامه فوجب حمله على الأمرين ، لأن ظواهر العموم يتناولهما ، وبما روى مالك في الموطأ عن محمد بن سيرين : أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : إني أجريت أنا وصاحبي فرسين لنا نستبق إلى ثغرة فأصبنا ظبيا ونحن محرمان فقال عمر لرجل إلى جنبه : تعال حتى أحكم أنا وأنت ، فحكم عليه بعنز وذكر باقي الحديث والرجل الذي دعاه عمر هو عبد الرحمن بن عوف وهذا الأمر وإن كان مرسلا فقد قال به بعض الصحابة وأكثر الفقهاء كما سبق . واحتج أصحابنا أيضا بالقياس على قتل الآدمي فإن الكفارة تجب في قتله عمدا وخطأ . والجواب : عن الآية أن أصحابنا قالوا : ذكر الله تعالى فيها التعمد تنبها على وجوب الكفارة بقتل الآدمي عمدا ، ولما ذكر سبحانه وتعالى الكفارة في قتل الآدمي خطأ فقال تعالى :

﴿ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة نبه بذلك على وجوبها بقتل الصيد

289


290
الخطأ ففي كل واحدة من الآيتين تنبيه على حكم ما لم يذكر في الأخرى . وأما الجواب عن الحديث فهو حمله على رفع الإثم لأن هذا من باب الغرامات ويستوي فيها العامد والناسي وإنما يفترقان فيها في الإثم . والجواب : عن قياسهم على الطيب واللباس أنه استمتاع فافترق عمده وسهوه . وقتل الصيد إتلاف فاستوى عمده وسهوه في الغرامة كإتلاف مال الآدمي ، والله أعلم . المسألة الثانية : إذا قتل المحرم صيدا ولزمه جزاؤه ثم قتل صيدا آخر لزمه للثاني جزاء آخر ، هذا مذهبنا ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وإسحاق وابن المنذر وجمهور العلماء . قال العبدري : هو قول الفقهاء كافة إلا من سنذكره . وقال ابن المنذر : قال ابن عباس وشريح والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والنخعي وقتادة : يجب الجزاء بالصيد الأول دون ما بعده وحكاه أصحابنا عن داود قال الماوردي قال داود : لو قتل مائة صيد إنما يلزمه الجزاء بالأول فقط . وعن أحمد روايتان كالمذهبين . واحتج هؤلاء بقوله تعالى :

﴿ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء فعلق وجوب الجزاء على لفظ من قالوا : وما علق على لفظ من لا يقتضي تكرارا كما لو قال : من دخل الدار فله درهم ، أو من دخلت الدار فهي طالق ، فإذا تكرر دخوله لم يستحق إلا درهما بالدخول الأول ، وإذا تكرر دخولها لا يقع إلا طلقة بالدخول الأول قالوا : لأن الله تعالى قال :

﴿ ومن عاد فينتقم الله منه ولم يرتب على العود غير الانتقام . واحتج أصحابنا بقوله تعالى :

﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء قال الماوردي . وفي هذه الآية لنا دلالتان إحداهما : أن لفظ الصيد إشارة إلى الجنس لأن الألف واللام يدخلان للجنس أو العهد وليس في معهود فتعين الجنس وأن الجنس يتناول الجملة والأفراد فقوله تعالى :

﴿ ومن قتله منكم يعود إلى جملة الجنس وآحاده والدلالة الثانية أن الله تعالى قال :

﴿ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم وحقيقة المماثلة أن يفدي الواحد بواحد ، والاثنين باثنين ، والمائة بمائة ، ولا يكون الواحد من النعم مثلا لجماعة صيود ، ولأنها نفس تضمن بالكفارة

290


291
فتكررت بتكرر القتل كقتل الآدميين ، ولأنها غرامة متلف فتكررت بتكرر الإتلاف كإتلاف أموال الآدمي . قال القاضي أبو الطيب : ولأنا أجمعنا على أنه لو قتل صيدين دفعة واحدة لزمه جزاءان فإذا تكرر بقتلهما معا وجب تكرره بقتلهما مرتبا كالعيدين وسائر الأموال . والجواب : عن استدلالهم بأن لفظ من لا يقتضي تكرار ، قال أصحابنا إنما يصح هذا إذا كان الفعل الثاني واقعا في محل الأول . فأما إذا وقع الثاني في غير محل الأول ، فإن تكرار الحكم ، كقوله : من دخل داري فله درهم ، فإذا دخل دارا له ثم دارا له استحق درهمين ، فكذلك الصيد لما كان الثاني غير الأول وجب أن يتعلق به ما تعلق بالأول . والجواب : عن استدلالهم بقوله تعالى :

﴿ ومن عاد أن المراد ومن عاد في الإسلام فقتل صيدا لأن قوله تعالى :

﴿ عفا الله عما سلف أي قبل نزول الآية ، والله أعلم . المسألة الثامنة : ما صاده المحرم أو صاده له حلال بأمره أو بغير أمره أو كان من المحرم فيه إشارة أو دلالة أو إعانة باعارة آلة وغيرها ، فلحمه حرام على هذا المحرم ، فان صاده حلال لنفسه ولم يقصد المحرم ، ثم أهدى منه للمحرم أو باعه أو وهبه ، فهو حلال للمحرم أيضا هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد وداود وقال أبو حنيفة : لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه ، وحكى ابن المنذر في المسألة ثلاث مذاهب ، وقال : كان عمر بن الخطاب وأبو هريرة ومجاهد وسعيد بن جبير يقولون : للمحرم كل ما صاده الحلال قال وروى ذلك عن الزبير بن العوام وبه قال أصحاب الرأي . قال : وقال عطاء ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق و أبو ثور : يأكله إلا ما صيد من أجله قال وروى بمعناه عن عثمان بن عفان . قال : ثم اختلف مالك والشافعي فيمن أكل ما صيد له فقال مالك : عليه الجزاء . وقال الشافعي : لا جزاء عليه ، قال : وفيه مذهب ثالث أنه يحرم مطلقا فكان علي بن أبي طالب وابن عمر لا يريان للمحرم أكل الصيد وكره ذلك طاوس وجابر بن زيد والثوري . قال : وروينا عن ابن عباس وعطاء قولا رابعا قالا : ما ذبح وأنت محرم فهو حرام عليك واحتج من حرمه مطلقا بقوله تعالى :

﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما قالوا : والمراد بالصيد المصيد وبحديث الصعب بن جثامة السابق أنه أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا فرده عليه ، وقال : إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم رواه البخاري ومسلم وسبق

291


292
بيانه وبيان طرقه وأنه ثبت في صحيح مسلم من طرق أنه أهدي لحم حمار . واحتج أصحابنا عليهم بحديث أبي قتادة السابق أنه لما صاد الحمار الوحشي وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقال صلى الله عليه وسلم للمحرمين : كلوا ، وأكل النبي صلى الله عليه وسلم منه وهو محرم كما سبق بيانه رواه البخاري ومسلم وبحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم رواه أبو داود والترمذي والنسائي وسبق بيانه وفي رواية في حديث أبي قتادة أنه قال حين اصطاد الحمار الوحشي : فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أني لم أكن أحرمت وإنما اصطدته لك ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأكلوا ولم يأكل حتى أخبرته أني اصطدته له رواه الدراقطني والبيهقي بإسناد صحيح . قال الدراقطني : قال أبو بكر النيسابوري ( قوله ) إنما اصطدته لك ( وقوله ) لم يأكل منه لا أعلم أحدا ذكره في هذا الحديث غير معمر ، قال البيهقي : هذه الزيادة غريبة والذي في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منه ، قال : وإن كان الإسنادان صحيحين . هذا كلام البيهقي قلت : ويحتمل أنه جرى لأبي قتادة في تلك السفرة قضيتان للجمع بين الروايتين والله أعلم . قال أصحابنا : يجب الجمع بين هذه الأحاديث ، فحديث جابر هذا صريح في الفروق وهو ظاهر في الدلالة للشافعي وموافقيه ورد لما قاله أهل المذهبين الآخرين ، ويحمل حديث أبي قتادة على أنه لم يقصدهم باصطياده ، وحديث الصعب على أنه قصدهم باصطياده ويحمل قوله تعالى :

﴿ وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما على الإصطياد ، وعلى لحم ما صيد للمحرم للأحاديث المبنية للمراد من الآية ( فإن قيل ) فقد علل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الصعب حين رده بأنه محرم ، ولم يقل لأنك صدته لنا فالجواب : أنه ليس في هذه العبارة ما يمنع أنه صاده له صلى الله عليه وسلم لأنه إنما يحرم الصيد على الإنسان إذا صيد له بشرط أنه محرم فبين الشرط الذي يحرم به . ودليلنا على أبي حنيفة وموافقيه حديث أبي قتادة وقول النبي صلى الله عليه وسلم : هل منكم أحد

292


293
أمره أن يحمل عليه أو أشار إليه رواه البخاري ومسلم ، وسبق بيانه في الفصل السابق في أكل المحرم لحم ما صيد له ، وحديث الصعب بن جثامة . وأما : حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال : كنا مع طلحة ابن عبيد الله ونحن حرم فأهدي له طير وطلحة راقد ، فمنا من أكل ومنا من تورع فلما استيقظ طلحة وافق من أكله وقال : أكلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه مسلم وعن عمير بن سلمة الضمري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم ، فمر بالعرج فإذا هو بحمار عقير فلم يلبث أن جاء رجل من بهز فقال لرسول الله : هذه رميتي فشأنكم بها فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق رواه مالك وأحمد والنساي والبيهقي وإسناده صحيح ، وما رواه البيهقي بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال ( إنما نهيت أن يصاد وأن ابن عمر سئل عن لحم الصيد يهديه الحلال للمحرم فقال : كان عمر يأكله ) وفي موطأ مالك بإسناده الصحيح عن أبي هريرة أنه مر به قوم محرمون فاستفتوه في لحم صيد وجده ناس محلون أيأكلونه فأفتاهم بأكله ، قال : ثم قدمت على عمر بن الخطاب فسألته عن ذلك فقال : بم أفتيتهم قلت أفتيهم بأكله قال عمر : لو أفتيتهم بغير ذلك لأوجعتك وبإسناده الصحيح في الموطأ أن

293


294
الزبير بن العوام كان يتزود لحم الظباء في الإحرام فهذا كله محمول على ما لم يصد للمحرم ، ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأدلة السابقة وهذا والله أعلم . وقد روى مالك والشافعي بأسانيدهم الصحيحة عن عبد الله ابن عامر بن ربيعة قال : رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه بالعرج في يوم صائف وهو محرم ، وقد غطي وجهه بقطيفة أرجوان ثم أتي بلحم صيد ، فقال لأصحابه : كلوا ، قالوا : ألا تأكل أنت قال : إني لست كهيئتكم إنما صيد من أجلي ، والله أعلم . فرع : في بيان أمر مهم وهو حديث الصعب بن جثامة . قد ثبت في الصحيحين أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا وهو محرم فرده عليه ، وقال : إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم . وذكرنا قبل هذا حيث ذكره المصنف بيان ألفاظ روايات كثيرة جاءت في صحيح مسلم أنه أهدي لحم حمار أو شق حمار وذكرنا هناك أنه يتأول قوله حمارا أي بعض لحم حمار ، أو شق حمار ، أو عجز حمار يقطر دما ، ونحو ذلك من الألفاظ المصرحة بأنه أهدي لحم حمار ، وذكرنا هناك أن البخاري والمصنف وسائر أصحابنا احتجوا به في هدية الصيد الحي ، وجعلوه حمارا حيا . وكذا ترجم له البيهقي فقال : باب لا يقبل المحرم ما يهدي له من الصيد حيا ثم ذكره في الباب عن مالك عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا . وكذا رواه شعيب عن الزهري حمار وحش ، وكذلك رواه الليث وصالح بن كيسان ومعمر بن راشد وابن أبي ذئب ومحمد بن إسحق ومحمد بن عمر بن علقمة وغيرهم ، عن الزهري حمارا وحشيا قال البيهقي : وخالفهم سفيان بن عيينة عن الزهري بإسناده فقال : لحم حمار وحش ، وكذلك رواه عبد الرحيم بن منبت عن سفيان قال : رواه الحميدي عن سفيان على الصحة ، كما رواه سائر الناس عن الزهري ، ثم ذكر بإسناده وقال ، حمار وحش ، ثم روى البيهقي بإسناده عن الحميدي قال : كان سفيان يقول في لحم

294


295
حمار وحش ، وربما قال سفيان يقطر دما ، وربما لم يقل ، قال : وكان سفيان فيما خلا وربما قال حمار وحش ثم صار إلى لحم حتى مات ، رواه البيهقي من رواية أبي معاوية عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أهدي الصعب ابن جثامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمار وحش فرده عليه ، وقال : لولا أنا محرمون لقبلناه منك رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية بإسناده . قال البيهقي : هكذا رواه الأعمش عن حبيب ، وخالفه شعبة فرواه عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم شق حمار وحش وهو محرم فرده رواه مسلم عن عبيد الله ابن معاذ عن أبيه عن شعبة قال : وخالفه أبو داود الطيالسي فرواه عن شعبة عن حبيب ، كما رواه الأعمش عن حبيب عن سعيد عن ابن عباس أن الصعب بن جثامة أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش وهو محرم فرده ثم رواه البيهقي عن أبي داود الطيالسي أيضا عن شعبة ابن الحكم عن سعيد عن ابن عباس أن الصعب بن جثامة أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم عجز حمار فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطر دما رواه مسلم ، قال البيهقي : ولعل هذا هو الصحيح حديث شعبة عن الحكم عجز حمار ، وحديثه عن حبيب حمار وحش كما رواه أبو داود ، فقد رواه العباس بن الفضل عن أبي الوليد وسليمان بن حرب قالا : حدثنا شعبة عن الحكم وحبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الصعب بن جثامة أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال أحدهما : عجز حمار وقال الآخر حمار وحش فرده . ثم رواه البيهقي عن العباس بن الفضل بإسناده كذلك قال البيهقي : وإذا كانت الرواية هكذا وافقت رواية شعبة عن حبيب رواية الأعمش عن حبيب ووافقت رواية شعبة عن الحكم رواية منصور عن الحكم ، فيكون الحكم منفردا بذكر اللحم أو ما في معناه . ثم روى البيهقي بإسناده عن المعتمر بن سليمان عن منصور بن المعتمر عن الحكم عن سعد عن ابن عباس قال : أهدي الصعب بن جثامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش فرده رواه مسلم عن يحيى عن المعتمر ورواه البيهقي عن الشافعي قال : فإن كان الصعب بن جثامة أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الحمار حيا فليس لمحرم ذبح حمار وحش حي ، وإن كان أهدي له لحما فقد يحتمل أنه علم أنه صيد له فرده عليه ، وإيضاحه في حديث جابر ابن عبد الله يعني : صيد البر حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم

295


296
قال الشافعي : وحديث مالك أن الصعب أهدي النبي صلى الله عليه وسلم حمارا أثبت من حديث من حدث أنه أهدي لحم حمار . قال البيهقي : وقد روي في حديث الصعب أنه أكل منه ، ثم رواه البيهقي بإسناده عن عمرو بن أمية الضمري أن الصعب بن جثامة أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم عجز حمار وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم قال البيهقي هذا إسناد صحيح ، قال : فإن كان محفوظا فكأنه رد الحمار وقبل اللحم . ثم روى البيهقي عن طاوس قال : قدم زيد بن أرقم فقال له عبد الله بن عباس : تتذكر كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي إلى رسول الله وهو حرام فقال : أهدي له عضو من لحم صيد فرده ، فقال : إنا لا نأكله إنا حرم رواه مسلم في صحيحه . ثم روى البيهقي أن عبد الله بن الحرث صنع لعثمان بن عفان طعاما وصنع فيه من الحجل واليعافير ولحوم الوحش فبعث إلى علي بن أبي طالب فجاءه فقالوا له : كل فقال أطعموه قوما حلالا فإنا حرم ، ثم قال علي : أنشد الله من كان ههنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله قالوا : نعم قال البيهقي . وتأويل هذين الحديثين ما ذكره الشافعي في تأويل حديث من روى في قصة الصعب ابن جثامة لحم حمار . قال البيهقي : وأما علي وابن عباس فقالا يحرم على المحرم أكله مطلقا . وخالفهما عمر وعثمان وطلحة والزبير وغيرهم . ومنعهم حديث أبي قتادة وجابر ثم روى بإسناده عن عبد الله بن شماس قال : سألت عائشة عن لحم الصيد يهديه الحلال للمحرم فقالت : اختلف فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكرهه بعضهم ولم ير بعضهم به بأسا ، ولا بأس به والله أعلم . المسألة الرابعة : إذا ذبح المحرم صيدا في الحل لم يحل له أكله بالإجماع ، وفي تحريمه على غيره عندنا قولان سبقا الأصح : التحريم ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد ويكون ميتة وحكى ابن المنذر هذا عن الحسن البصري والقاسم وسالم بن عبد الله ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي قال : وقال الحكم وسفيان الثوري و أبو ثور : لا بأس بأكله ، وقال الحسن البصري في رواية عنه وعمرو بن دينار وأيوب السختياني : يأكله الحلال . قال ابن المنذر : وهو مذكي كذبيحة السارق ، وسبق دليل المذهبين في الكتاب .

296


297
المسألة الخامسة : إذا ذبح المحرم صيدا وأكل منه لزمه الجزاء بالذبح ، ولا يلزمه بالأكل شيء فيه ، هذا مذهبنا ، وبه قال أحمد وأبو يوسف ومحمد وابن المنذر ، وقال عطاء : عليه جزاءان ، وقال أبو حنيفة : عليه الجزاء بالذبح وعليه قيمة ما أكل . ووافقنا في صيد الحرم أنه إذا قتله المحرم وأكله لا يلزمه إلا جزاء واحد . دليلنا القياس على صيد الحرم ، ولأنه أكل ميتة فأشبه سائر الميتات . السادسة : إذا دل المحرم حلالا على صيد في الحرم فقتله أثم الدال ولا جزاء على واحد منهما ، ولو دل محرم محرما فقتله فالجزاء على القاتل دون الدال ، هذا مذهبنا ، وبه قال مالك وأبو ثور وداود . وقال الشعبي والحرب العلكي وأبو حنيفة : إذا دل محرم محرما فقتله فعلى كل منهما جزاء ، قال ابن المنذر : وقال سعيد بن جبير : على كل واحد من القاتل والآمر والدال والمشتري جزاء ، قال : وروى عن علي وابن عباس قالا : إذا دل المحرم حلالا فقتله لزم المحرم الجزاء وبه قال عطاء وبكر بن عبد الله وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي . قال : وعندي لا شيء عليه . دليلنا أن الله تعالى قال :

﴿ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء فأوجب الجزاء على القاتل فلا يجب على غيره ، ولا يلحق به غيره ، لأنه ليس في معناه . السابعة : إذا قتل صيدا مملوكا فعليه الجزاء لله تعالى ، وقيمته للمالك ، هذا مذهبنا ، قال العبدري : وبه قال أبو حنيفة وأحمد وأكثر أصحاب داود ، وقال : وهو مذهب مالك ليس له قول غيره قال : وحكى عنه خلاف هذا وهو غلط ، وقال المزني : عليه القيمة لمالكه ولا جزاء ، وبه قال بعض أصحاب داود لأنه مملوك فأشبه الأنعام . دليلنا عموم قول الله تعالى :

﴿ ومن قتله منكم متعمدا فجزاء ولأنه تعلق به حقان ، حق لله تعالى وحق للآدمي ، فوجب بدله كما لو أكره إمرأة على الزنا لزمه الحد والمهر ، وكما لو وطىء زوجة أبيه بشبهة لزمه مهران مهر لها ومهر لأبيه ، لأنه أفسد نكاحه وفوت عليه البضع ، ويخالف الأنعام لأنها ليست صيدا ، وإنما ورد الشرع بالجزاء في الصيد والله أعلم .

297


298
الثامنة : إذا قتل القارن صيدا لزمه جزاء واحد ، كما لو تطيب أو لبس ، تلزمه فدية واحدة ، هذا مذهبنا ، وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر وأحمد في أصح الروايتين عنه . وقال أبو حنيفة : عليه جزاءان ، لأنه أدخل النقص على الحج والعمرة بقتل الصيد ، فوجب جزاءات كما لو قتل المفرد في حجه وفي عمرته ، دليلنا أن المقتول واحد ، فوجب جزاء واحد ، كما لو قتل المحرم صيدا في الحرم ، فإنه وافقنا أنه يجب عليه جزاء واحد مع أنه اجتمع فيه حرمتان وأما : ما قاس عليه فالمقتول هناك إثنان . التاسعة : يجب الجزاء على المحرم بإتلاف الجراد عندنا ، وبه قال عمر وعثمان وابن عباس وعطاء ، قال العبدري : وهو قول أهل العلم كافة إلا أبا سعيد الأصطخري فقال : لا جزاء فيه ، وحكاه ابن المنذر عن كعب الأحبار وعروة بن الزبير قالوا : هو من صيد البحر فلا جزاء فيه ، واحتج لهم بحديث أبي الهزم عن أبي هريرة قال : أصبنا سربا من جراد فكان رجل يضرب بسوطه وهو محرم ، فقيل له إن هذا لا يصلح ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنما هو من صيد البحر رواه أبو داود والترمذي وغيرهما . واتفقوا على تضعيفه لضعف أبي المهزم وهو بضم الميم وكسر الزاي وفتح الهاء بينهما ، واسمه يزيد بن سفيان متفق على ضعفه وسبق بيانه قريبا عند ذكر البيض . وفي رواية لأبي داود عن ميمون ابن جابان عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الجراد من صيد البحر قال أبو داود : وأبو المهزم ضعيف ، والروايتان جميعا وهم . قال البيهقي وغيره : ميمون بن جابان غير معروف واحتج الشافعي والأصحاب والبيهقي بما رواه الشافعي بإسناده الصحيح أو الحسن والبيهقي عن عبد الله بن أبي عمار أنه قال : أقبل مع معاذ بن جبل وكعب الأحبار في أناس محرمين من بيت المقدس بعمرة حتى إذا كنا ببعض الطريق ، وكعب على نار يصطلي ، فمرت به رجل من جراد ، فأخذ جرادتين

298


299
قتلهما ونسي إحرامه ثم ذكر إحرامه فألقاهما ، فلما قدمنا المدينة دخل القوم على عمر ودخلت معهم ، فقص كعب قصة الجرادتين على عمر رضي الله عنه قال : ما جعلت على نفسك يا كعب قال درهمين ، قال : بخ درهمان خير من مائة جراده اجعل ما جعلت في نفسك وبإسناد الشافعي والبيهقي الصحيح عن القاسم بن محمد قال : كنت جالسا عند ابن عباس فسأله رجل عن جرادة قتلها وهو محرم ، فقال ابن عباس : فيها قبضة من طعام ، ولتأخذن بقبضة من جرادات ولكن ولو . قال الشافعي قوله : ولتأخذن بقبضة جرادات أي إنما فيها القيمة ، وقوله : ولو ، يقول تحتاط فتخرج أكثر مما عليك بعد أن أعلمتك أنه أكثر مما عليك . وبإسنادهما الصحيح عن عطاء قال : سئل ابن عباس عن صيد الجراد في الحرم فقال : لا ، نهي عنه ، قال فإما قلت له وإما رجل من القوم : فإن قومك يأخذونه وهم مختبئون في المسجد ، فقال : لا يعلمون ، وفي رواية منحنون قال الشافعي : هذا أصوب كذا رواه الحفاظ منحنون بنونين بينهما الحاء المهملة والجواب : عن حديث أبي هريرة في الجراد أنه من صيد البحر أنه حديث ضعيف كما سبق ، ودعوى أنه يجري لا تقبل بغير دليل ، وقد دلت الأحاديث الصحيحة والإجماع أنه مأكول ، فوجب جزاؤه كغيره والله أعلم . العاشرة : كل طائر وصيد حرم على المحرم يحرم عليه بيضه ، فإن أتلفه ضمنه بقيمته . هذا مذهبنا وبه قال أحمد وآخرون ممن سنذكره شاء الله تعالى وقال المزني وبعض أصحاب داود : لا جزاء في البيض ، وقال مالك : يضمنه بعشر ثمن أصله ، قال ابن المنذر : اختلفوا في بيض الحمام فقال على وعطاء في كل بيضتين درهم ، وقال

299


300
الزهري والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور : فيه قيمته ، وقال مالك : يجب فيه عشر ما يجب في أمه ، قال : واختلفوا في بيض النعام فقال عمر بن الخطاب و ابن مسعود وابن عباس والشعبي والنخعي والزهري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي : يجب فيه القيمة ، وقال أبو عبيدة وأبو موسى الأشعري : يجب فيه صيام يوم أو إطعام مسكين ، وقال الحسن : فيه جنين من الإبل ، وقال مالك : فيه عشر ثمن البدنة كما في جنين الحرة غرة عبد أو أمة ، قيمته عشر دية الأم . قال : وروينا عن عطاء فيه خمسة أقوال أحدها : كقول الحسن والثاني : فيها كبش والثالث : درهم دليلنا أنه جزء من الصيد لا مثل له من النعم ، فوجبت قيمته كسائر المتلفات التي لا مثل لها وذكر البيهقي فيه بابا فيه أحاديث وآثار ، وليس فيها ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم . الحادية عشرة : إذا أحرم وفي ملكه صيد فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه يلزمه إرساله ويزول ملكه عنه . وقال العبدري : وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد : لا يزول ملكه ، ولكن يجب إزالة يده الظاهرة عنه ، فلا يكون ممسكا له في يده ، ويجوز أن يتركه في بيته وقفصه وقال ابن الزبير : قال مجاهد وعبد الله بن الحرث ومالك وأحمد وأصحاب الرأي : ليس عليه إرسال ما كان في منزله ، قال : وقال مالك و الأوزاعي وأحمد وأصحاب الرأي : إن كان في يده صيد لزمه إرساله وقال أبو ثور . ليس عليه إرسال ما في يده ، قال ابن المنذر وهذا صحيح . الثانية عشرة : قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن صيد البحر مباح للمحرم إصطياده وأكله وبيعه وشراؤه ، قال : واختلفوا في قوله تعالى :

﴿ وطعامه متاعا لكم وللسيارة فقال ابن عباس وابن عمر : هو ما لفظه البحر وقال ابن المسيب : صيده ما

300


301
اصطدت وطعامه ما تزودت مملوحا قلت : وأما طير الماء فقال ئالأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وعوام أهل العلم : هو من صيد البر ، فإذا قتله المحرم لزمه الجزاء والله أعلم . الثالثة عشرة : قال العبدري : الحيوان ضربان أهلي ووحشي ، فالأهلي يجوز للمحرم قتله إجماعا ، والوحشي يحرم عليه إتلافه إن كان مأكولا أو متولدا من مأكول وغيره ، وإن كان مما لا يؤكل وليس متولدا من مأكول وغيره فلا ، هذا مذهبنا وبه قال أحمد وداود ، وقال أبو حنيفة : عليه الجزاء إلا في الذئب وقال ابن المنذر ، ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خمس لا جناح على من قتلهن في الإحرام الغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور والحدأة قال : فأخذ بظاهر هذا الحديث الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق غير أن أحمد لم يذكر الفأرة . قال : وكان مالك يقول : الكلب العقور ما عقر الناس وعدا عليهم كالأسد والنمر والفهد والذئب ، قال : فأما ما لا يعدو من السباع ففيه الفدية ، قال : وقال أصحاب الرأي : إن إبتدأه السبع فلا شيء عليه ، وإن ابتدأ المحرم السبع فعليه قيمته إلا أن يكون قيمته أكثر من الدم فعليه دم ، إلا الكلب والذئب فلا شىء عليه وإن إبتدأهما ، قال : وأجمعوا على أنه لا شيء عليه في قتل الحية ، قال : وأباح أكثرهم قتل الغراب في الإحرام ، منهم أبو عمر ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي ، وقال بعض أصحاب الحديث . إنما يباح الغراب الأبقع دون سائر الغربان . وأما : الفأرة فأباح الجمهور قتلها ولا جزاء فيها ولا خلاف فيها بين العلماء إلا ما حكاه ابن المنذر عن النخعي أنه منع المحرم من قتلها ، قال : وهذا لا معنى فيه لأنه فلان السنة وقول العلماء قال ابن المنذر : وأجمعوا على أن السبع إذا بدر المحرم فقتله فلا شيء عليه ، قال واختلفوا فيمن بدأ السبع فقال مجاهد والنخعي و الشعبي والثوري وأحمد وإسحاق : لا يقتله ، وقال عطاء وعمرو بن دينار والشافعي وأبو ثور لا بأس بقتله في الإحرام عدا عليه أم لم يعد ، قال ابن المنذر : وبه أقول . قال ابن المنذر : قال الشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لا شيء على المحرم في قتل البعوض والبراغيث والبق ، وكذا قال عطاء في البعوض والذباب . وقال مالك في الذباب والذر والقمل إذا قتلهن : أرى أن يتصدق بشيء من الطعام ، وكان الشافعي يكره قتل النملة ، ولا يرى على المحرم في قتلها

301


302
شيئا ، قال فأما الزنبور فقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه كان يأمر بقتله ، وقال عطاء وأحمد : لا جزاء فيه ، وقال مالك : يطعم شيئا قال ابن المنذر . وأما القملة إذا قتلها المحرم فقال ابن عمر : يتصدق بحفنة من طعام ، وفي رواية عنه أنه قال : أهون مقتول . أي لا شيء فيها . وقال عطاء : قبضة من طعام ، ومثله عن قتادة . وقال مالك . حفنة من طعام . وقال أحمد يطعم شيئا . وقال إسحاق : تمرة فما فوقها ، وقال أصحاب الرأي : ما تصدق به فهو خير منها . وقال الثوري : يقتلها ويفكر إذا كره وقال طاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأبو ثور يقولون لا شيء فيها ، وقال لشافعي : إن قتلها من رأسه افتدى بلقمة وإن كانت ظاهرة في جسده فقتلها فلا فدية . قال ابن المنذر : لا شيء فيها وليس لمن أوجب فيها شيئا حجة . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا استحباب قتل القراد في الإحرام وغيره قال العبدري : يجوز عندنا للمحرم أن يقرد بعيره ، وبه قال عمر وابن عباس وأكثر الفقهاء . وقال مالك : لا يقرده ، قال ابن المنذر وممن أباح تقريد بعيره عمر وابن عباس وجابر بن زيد وعطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، وكرهه ابن عمر ومالك وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال في المحرم يقتل قرادا يتصدق بتمرة أو تمرتين قال ابن المنذر : وبالأول أقول . ودليلنا في جميع هذه المسائل الأحاديث السابقة قريبا حيث ذكرها المصنف قبل ما لا يؤكل ، والله أعلم .

302


303

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن احتاج المحرم إلى اللبس لحر أو برد أو احتاج إلى الطبيب لمرض أو إلى حلق الرأس للأذى أو شد رأسه بعصابة لجراحة عليه أو إلى ذبح الصيد للمجاعة لم يحرم عليه وتجب عليه الكفارة لقوله تعالى :

﴿ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ولحديث كعب بن عجرة . فثبت الحلق بالنص ، وقسنا عليه ما سواه ، لأنه في معناه وإن نبت في عينه شعرة فقلعها أو نزل شعر الرأس على عينه ( فغطاها ) فقطع ما غطى العين أو انكسر شيء من ظفره فقطع ما انكسر منه ، أو صال عليه صيد فقتله دفعا عن نفسه جاز ولا كفارة عليه ، لأن الذي تعلق به المنع الجأه إلى إتلافه ويخالف إذا آذاه القمل في رأسه فحلق الشعر ، لأن الأذى لم يكن من جهة الشعر الذي تعلق به المنع ، وإنما كان من غيره . وإن افترش الجراد في طريقه فقتله ففيه قولان أحدهما : يجب عليه الجزاء ، لأنه قتله لمنفعة نفسه فأشبه إذا قتله للمجاعة والثاني : لا يجب لأن الجراد الجأه إلى قتله فأشبه إذا صال عليه الصيد فقتله للدفع . وإن باض صيد على فراشه فنقله ولم يحضنه الصيد ، فقد حكى الشافعي رحمه الله عنه عطاء رحمه الله أنه لا يلزمه ضمانه ، لأنه مضطر إلى ذلك قال : ويحتمل عندي أن يضمن لأنه أتلفه باختياره فحصل فيه قولان كالجراد . وإن كشط من يده جلدا وعليه شعر أو قطع كفه وفيه إظفار لم تلزمه فدية ، لأنه تابع لمحله فسقط حكمه تبعا لمحله كالأطرف مع النفس في قتل الآدمي .

+ الشرح : قوله تعالى :

﴿ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية فيه محذوف دل عليه سياق الكلام وتقديره ( فحلقه ) فعليه فدية والمجاعة بفتح الميم شدة الجوع وحديث كعب بن عجرة رواه البخاري ومسلم وسبق بيانه قوله : افترش الجراد هو برفع الجراد وهو فاعل افترش ، قال أهل اللغة : افترش الشيء إذا انبسط ، قالوا : ومنه قولهم : أكمة مفترشة أي دكاء وإنما ذكرت أنه مرفوع وأوضحته لأني رأيت بعض الكبار يغلط فيه قوله : ولم يحضنه هو بفتح الياء وضم الضاد قال أهل اللغة : يقال حضن الطائر بيضه يحضنه إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه قوله : أو قطع كفه وفيه إظفار هكذا في النسخ وفيه : وكان ينبغي أن يقول : وفيها ، لأن الكف مؤنثة ( ويجاب ) عنه بأنه حمل الكلام على المعنى ، فعاد الضمير إلى معنى الكف ، وهو العضو .

303


304
أما الأحكام : ففيها مسائل إحداها : إذا احتاج المحرم إلى اللبس لحر أو برد أو قتال صائل من آدمي وغيره أو إلى الطبيب لمرض أو إلى حلق الشعر من رأسه أو غيره لأذى في رأسه من قمل أو وسخ أو حاجة أخرى فيه أو في غيره من البدن ، أو إلى شد عصابة على رأسه لجراحة أو وجع ونحوه أو إلى ذبح صيد للمجاعة أو إلى قطع ظفر للأذى أو ما في معنى هذا كله جاز له فعله وعليه الفدية لما ذكره المصنف ، وهذا لا خلاف فيه عندنا . الثانية : إذا نبت في عينه شعرة أو شعرات داخل الجفن وتأذى بها جاز قلعها بلا خلاف ، هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور وحكاه إمام الحرمين في النهاية عن الأئمة ، ثم قال : وحكى الشيخ أبو علي في شرح التلخيص فيه طريقين أصحهما : هذا والثاني : تخريج وجوب الفدية على وجهين بناء على القولين في الجراد إذا افترش في الطريق ، قال الإمام : وهذا وإن كان قريبا في المعنى فهو بعيد في النقل وذكر الجرجاني في كتابيه التحرير و المعاياة في المسألة قولين أصحهما : لا ضمان والثاني : يضمن والمذهب لا ضمان قطعا . ولو طال شعر حاجبه أو رأسه فغطي عينه فله قطع المغطي بلا خلاف ، ولا فدية على المذهب ، وفيه الطريقان اللذان ذكرهما الإمام وسلك القاضي حسين في تعليقه طريقة عجيبة ، فقطع بأنه إذا ثبت الشعر في عينه لزمه الفدية بقلعة . قال : ولو انعطف هدبه إلى عينه فآذاه فنتفه أو قطعه فلا فدية وفرق بأن هذا كالصائل بخلاف شعر العين ، لأنه في موضعه والمذهب أنه لا فدية في الجميع كما سبق . ولو انكسر بعض ظفر فتأذى به قطع المنكسر وحده جاز ولا فدية على المذهب ، وحكى الإمام عن الشيخ أبي علي أنه حكى فيه الطريقين كشعر العين أما : إذا قطع المكسور وشيئا من الصحيح فعليه ضمانه بما يضمن به الظفر بكماله ، نص عليه الشافعي والأصحاب وكذا كل من أخذ بعض ظفر أو بعض شعر فهو كالظفر الكامل والشعرة الكاملة وفيه وجه ضعيف إن أخذ أعلا الظفر ولكنه دون المعتاد وجب ما يجب في جميع الظفر ، كما لو قطع بعض الشعرة الواحدة ، وإن أخذ من جانب كون جانب وجب بقسطه . والمذهب الأول ، وستأتي المسألة مبسوطة حيث ذكرها المصنف في أول الباب الآتي إن شاء الله تعالى . الثالثة : لو صال عليه صيد وهو محرم أو في الحرم ولم يمكن دفعه إلا بقتله فقتله للدفع فلا جزاء عليه بلا خلاف عندنا . ولو ركب إنسان صيدا وصال على المحرم أو الحلال في الحرم ولم يمكنه دفعه إلا بقتله فقتله للدفع فطريقان المذهب : وجوب الجزاء ، وبه قطع المتولي والبغوي وصاحب العدة والأكثرون ، لأن الأذى ليس من الصيد والطريق الثاني : حكاه القفال وإمام

304


305
الحرمين والرافعي وغيرهم فيه وجهان أحدهما : يجب الضمان على الراكب ولا يطالب به المحرم والثاني : يطالب المحرم ، ويرجع به على الراكب ، وجعل إمام الحرمين الخلاف قولين ، قال : وكذا نقل القفال القولين أيضا فيمن ركب دابة معضوبة وقصد إنسانا فقتل المقصود الدابة في ضرورة الدفع أحدهما : الغرامة على الراكب ولا مطالبة على الدافع والثاني : يطالب كل واحد منهما ، والقرار على الراكب لأنه غاصب . الرابعة : إذا انبسط الجراد في طريقه وعم المسالك فلم يجد عنه معدلا ، ولم يمكنه المشي إلا عليه فقتله في مروره ففيه طريقان أصحهما : وهو المشهور ، وبه قطع المصنف والجمهور في وجوب ضمانه قولان ، وحكاهما جماعة وجهين ذكر المصنف دليلهما والثاني : القطع بأن لا ضمان حكاه الرافعي والأصح : من القولين عند الأكثرين : لا ضمان ، وممن صححه الجرجاني في التحرير والفارقي في الفوائد والرافعي وغيرهم وقطع به المحاملي في المقنع وصحح الشيخ أبو حامد إيجاب الضمان ، والمذهب الأول . قال البندنيجي وغيره : وسواء في جريان هذا الخلاف جراد الحرم والإحرام ، والله أعلم . الخامسة : إذا باض صيد على فراشه فنقله عنه فلم يحضنه الصيد حتى فسد أو تقلب عليه في نومه فقتله ولم يعلم به ففي وجوب الجزاء فيه القولان ، كالجراد المفترش ، هكذا قاله المصنف والأصحاب ، قال البندنيجي وغيره : ولو وضع الصيد الفرخ على فراش المحرم فنقله فتلف أو تقلب عليه جاهلا فتلف ، ففيه القولان . السادسة : إذا قطع المحرم يده وعليها شعر ، أو كشط جلدة منها عليها شعر ، أو قطع يده وعليها أظفار ، لم يلزمه فدية بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، وممن نقل إتفاق الأصحاب على المسألة إمام الحرمين ، قال هو وغيره : وكذا لو كشط جلدة الرأس التي عليها شعر فلا فدية بالإتفاق ، ونقل أبو علي النبدنيجي هذا عن نص الشافعي ، وجزم به ، قال الشافعي : ولو افتدى كان أحب إلي . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أن المحرم إذا قتل صيدا صال عليه فلا ضمان عليه وقال أبو حنيفة : يلزمه الضمان .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن لبس أو تطيب أو دهن رأسه أو لحيته جاهلا بالتحريم أو ناسيا للإحرام لم يلزمه الفدية ، لما روى يعلى بن أمية رضي الله عنه قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل بالجعرانة ، وعليه جبه ، وهو مصفر رأسه ولحيته فقال : يا رسول الله أحرمت بعمرة وأنا كما ترى ، فقال : أغسل عنك الصفر وانزع عنك الجبة ،

305


306
وما كنت صانعا في حجك فاصنع في عمرتك ولم يأمره الفدية فدل على أن الجاهل لا فدية عليه ، وإذا ثبت هذا في الجاهل ثبت في الناسي ، لأن الناسي يفعل وهو يجهل تحريمه عليه ، فإن ذكر ما فعله ناسيا أو علم ما فعله جاهلا نزع اللباس وازال الطيب ، لحديث يعلى بن أمية ، فإن لم يقدر على إزالة الطيب لم تلزمه الفدية ، لأنه مضطر إلى تركه فلم تلزمه فدية ، كما لو أكره على التطيب ، وإن قدر على إزالته واستدام لزمته الفدية لأنه تطيب من غير عذر ، فأشبه إذا ابتدأ به وهو عالم بالتحريم . وإن مس طيبا وهو يظن أنه يابس فكان رطبا ، ففيه قولان أحدهما : تلزمه الفدية ، لأنه قصد مس الطيب والثاني : لا تلزمه لأنه جهل تحريمه ، فأشبه إذا جهل تحريم الطيب في الإحرام . وإن حلق الشعر أو قلم الظفر ناسيا أو جاهلا بالتحريم فالمنصوص أنه تجب عليه الفدية ، لأنه إتلاف ، فاستوى في ضمانه العمد والسهو كإتلاف مال الآدمي وفيه قول آخر مخرج أنه لا تجب . لأنه

306


307
ترفه وزينة ، فاختلف في فديته السهو والعمد كالطيب . وإن قتل صيدا ناسيا أو جاهلا بالتحريم وجب عليه الجزاء ، لأنه ضمانه ضمان المال فاستوى فيه السهو العمد ، والعلم والجهل ، كضمان مال الآدميين ، وإن أحرم ثم جن وقتل صيدا ففيه قولان أحدهما : يجب عليه الجزاء لما ذكرناه والثاني : لا يجب لأن المنع من قتل الصيد تعبد ، والمجنون ليس من أهل التعبد فلا يلزمه ضمان . ومن أصحابنا من نقل هذين القولين إلى الناسي ، وليس بشيء . وإن جامع ناسيا أو جاهلا بالتحريم ففيه قولان ( قال ) في الجديد : لا يفسد حجه ، ولا يلزمه شيء ، لأنه عبادة تجب بإفسادها الكفارة ، فاختلف في الوطء فيها العمد والسهو كالصوم ( قال ) في القديم : يفسد حجه وتلزمه الكفارة ، لأنه معنى يتعلق به قضاء الحج ، فاستوى فيه العمد والسهو كالفوات .

+ الشرح : حديث يعلى صحيح رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما وسبق بيان الجعرانة في باب المواقيت . قوله : ( وفيه قول مخرج ) أي مخرج من الطيب ، قوله : ( لأنه عبادة يجب بإفسادها الكفارة ) احتراز من الصلاة والطهارة . قوله : ( يتعلق به قضاء الحج احتراز من الطيب واللباس . قوله : ( لأن ضمانه ضمان المال ) يعني أنه يضمن بالمثل أو القيمة وفيه احتراز من قتل الآدمي . أما الأحكام : ففيها مسائل إحداها : إذا تطيب أو لبس أو دهن رأسه أو لحيته جاهلا بتحريم ذلك ، أو ناسيا الإحرام فلا فدية عليه ، نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب إلا المزني فأوجبها . دليل المذهب ما ذكره المصنف ، فإن ذكر ما فعله ناسيا أو علم ما فعله جاهلا ، لزمه المبادرة بإزالة الطيب واللباس ، وله نزع الثوب من قبل رأسه ، ولا يكلف شقه . هذا مذهبنا ومذهب الجمهور ، وخالف فيه بعض السلف ، قال أصحابنا : فإن شرع في الإزالة وطال زمانها من غير تفريط فلا فدية عليه لأنه معذور ، وإن أخر الإزالة مع إمكانها لزمه الفدية ، سواء طال الزمان أم لا ، لأنه متطيب في ذلك الزمان بلا عذر ، وإن تعذرت عليه إزالة الطيب أو اللباس بأن كان أقطع أو بيده علة أو غير ذلك ، أو عجز عما يزيل به الطيب فلا فدية ما دام العجز ، لما ذكره المصنف ، ومتى تمكن ولو بأجرة المثل ، لزمه المبادرة بالإزالة . قال أصحابنا : ولو علم تحريم الطيب وجهل وجوب الفدية ، وجبت الفدية لأنه مقصر ، وهو كمن زنى أو شرب أو سرق عالما تحريم ذلك ، جاهلا وجوب الحد ، فيجب الحد بالإتفاق ، وكذا لو علم تحريم القتل وجهل وجوب القصاص وجب القصاص ، ولو علم تحريم الطيب وجهل كون الممسوس طيبا فلا فدية على المذهب ، وقيل في وجوبها وجهان ، حكاهما إمام الحرمين وغيره والصحيح : الأول وبه قطع الجمهور . قال المتولي : ولو علم تحريم الطيب ولكنه اعتقد في بعض أنواع الطيب أنه ليس بحرام ، فالصحيح وجوب الفدية لتقصيره أما : إذا مس طيبا يظنه يابسا فكان رطبا ، ففي وجوب الفدية قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الجديد : ولا فدية القديم : وجوبها وسبق بيانهما واختلاف الأصحاب في الأصح منهما في فصل تحريم استعمال الطيب أما : إذا أكره على التطيب فلا فدية بالإتفاق صرح به المصنف في قياسه المذكور ، واتفق الأصحاب عليه . المسألة الثانية : إذا حلق الشعر أو قلم الظفر ناسيا لإحرامه أو جاهلا تحريمه فوجهان الصحيح : المنصوص وجوب الفدية والثاني : مخرج أنه لا فدية ، وذكر المصنف دليلهما وهو مخرج من الطيب واللباس . وقال كثيرون مخرج من المغمى عليه إذا حلق ،

307


308
فإن الشافعي نص في المغمى عليه إذا حلق أو قلم في حال الإحرام على قولين ، وكذلك إذا قتل المغمى عليه الصيد نص فيه على قولين . قال أصحابنا : والمغمى عليه والمجنون والصبي الذي لا يميز إذا أزالوا في إحرامهم شعرا أو ظفرا ، هل تجب الفدية فيه قولان الأصح : لا فدية بخلاف العاقل الناسي والجاهل فإن المذهب وجوب الفدية ، فإنه ينسب إلى تقصير بخلاف المجنون والمغمى عليه . الثالثة : إذا قتل الصيد ناسيا لإحرامه أو جاهلا تحريمه ففيه طريقان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : القطع بوجوب الفدية ، وهو الأصح عند المصنف وآخرين والثاني : هل الخلاف في الحلق والقلم ، وعلى الجملة المذهب وجوب الفدية وأما : المجنون والمغمى عليه والصبي الذي لا يميز فقد ذكرنا حكم قتلهم الصيد في المسألة التي قبل هذه ، وذكرناه أيضا قبل هذا في أوائل فصل تحريم الصيد . الرابعة : إذا جامع المحرم قبل التحلل من العمرة أو قبل التحلل الأول من الحج ناسيا لإحرامه أو جاهلا تحريمه ، ففيه قولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما الأصح : الجديد لا يفسد نسكه ولا كفارة والقديم : فساده ووجوب الكفارة ولو رمي جمرة العقبة في الليل وهو يعتقد أنه بعد نصف الليل وحلق ، ثم جامع ، ثم بان أنه رمي قبل نصف الليل وأن التحلل لم يحصل فطريقان حكاهما الدرامي أصحهما : كالناسي فيكون فيه القولان والثاني : يفسد حجه قولا واحدا لتقصيره . ولو أكرهت المحرمة على الوطء ففيه وجهان بناء على القولين في الناسي ولو أكره الرجل ففيه طريقان بناء على الخلاف في تصور إكراهه على الوطء في الزنا وغيره أحدهما : أن إكراهه لا يتصور ، فيكون مختارا فيفسد نسكه وتلزمه الكفارة والثاني : أنه متصور فيكون فيه وجهان بناء على الناسي كما قلنا في المرأة والأصح : لا يفسد ، لأن الأصح تصور إكراهه . ولو أحرم عاقلا ثم جن أو أغمي عليه فجامع في جنونه أو إغمائه ففيه القولان كالناسي والله أعلم . فرع : قال إمام الحرمين والبغوي وآخرون في ضابط هذه المسائل : إذا فعل المحرم محظورا من محظورات الإحرام ناسيا أو جاهلا ، فإن كان إتلافا كقتل الصيد والحلق والقلم ، فالمذهب وجوب الفدية ، وفيه خلاف ضعيف سبق بيانه ، وإن كان استمتاعا محضا كالطيب واللباس ودهن الرأس واللحية والقبلة واللمس وسائر المباشرات بالشهوة ما عدا الجماع فلا فدية ، وإن كان جماعا فلا فدية في الأصح ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا لبس أو تطيب ناسيا لإحرامه أو جاهلا تحريمه

308


309
فلا فدية ، وبه قال عطاء والثوري وإسحاق وداود . وقال مالك وأبو حنيفة والمزني وأحمد في أصح الروايتين عنه : عليه الفدية وقاسوه على قتل الصيد ، ودليلنا ما ذكره المصنف ، والفرق أن قتل الصيد إتلاف وأما : إذا وطىء ناسيا أو جاهلا ، فقد ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا يفسد نسكه ولا كفارة . وقال مالك وأبو حنيفة : يفسد ويلزمه القضاء والكفارة ووافقنا داود في الناسي والمكره ، وقد ذكر المصنف دليل المذهبين .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن حلق رجل رأسه فإن كان بإذنه وجبت عليه الفدية لأنه إزال شعره بسبب لا عذر له فيه فأشبه إذا حلقه بنفسه ، وإن حلقه وهو نائم أو مكره وجبت الفدية ، وعلى من تجب فيه قولان أحدهما : تجب على الحالق لأنه أمانة عنده ، فإذا أتلفه غيره وجب الضمان على من أتلفه كالوديعة إذا أتلفها غاصب والثاني : تجب على المحلوق لأنه هو الذي ترفه بالحلق فكانت الفدية عليه ( فإن قلنا ) تجب الفدية على الحالق فللمحلوق مطالبته بإخراجها ، لأنها تجب بسببه ، فإن مات الحالق أو أعسر بالفدية لم تجب على المحلوق الفدية ( وإن قلنا ) : تجب على المحلوق أخذها من الحالق إخراجها وإن افتدى المحلوق نظرت فإن افتدى بالمال رجع بأقل الأمرين من الشاة ، أو ثلاثة آصع ، وإن أداها بالصوم لم يرجع عليه ، لأنه لا يمكن الرجوع به : ومن أصحابنا من قال : يرجع بثلاثة أمداد ، لأن صوم كل يوم مقدر بمد وإن حلق رأسه وهو ساكت ففيه طريقان أحدهما : أنه كالنائم والمكره ، لأن السكون لا يجري مجرى الإذن ، والدليل عليه أنه لو أتلف رجل ماله فسكت لم يكن سكوته إذنا في إتلافه والثاني : أنه بمنزلة ما لو أذن فيه لأنه يلزمه حفظه والمنع من حلقه ، فإذا لم يفعل جعل سكوته كالإذن فيه كالمودع إذا سكت عن إتلاف الوديعة .

+ الشرح : قوله ( أقل الأمرين من الشاة أو ثلاثة آصع ) هكذا استعمل المصنف والأصحاب هذه العبارة ، والأجود حذف الألف ، فيقال : أقل الأمرين من الشاة وثلاثة آصع ، وهذا ظاهر لمن تأمل ، وقد أوضحته في تهذيب اللغات وفي ألفاظ التنبيه وقوله : يجري مجرى هو بفتح الميم وقوله : سكت عن إتلاف الوديعة ، يقال : سكت عنه وعليه . أما الأحكام : فقال أصحابنا : للحالق والمحلوق أربعة أحوال أحدها : أن يكونا حلالين فلا شيء عليهما والثاني : أن يكون الحالق محرما والمحلوق حلالا فلا منع

309


310
منه ، ولا شيء عليهما الثالث : أن يكونا محرمين الرابع : أن يكون المحلوق محرما دون الحالق ، وفي هذين الحالين يأثم الحالق ثم إن كان الحلق بإذن المحلوق أثم أيضا ، ووجبت الفدية على المحلوق ولا شيء على الحالق بلا خلاف عندنا ، وقال أبو حنيفة : إن كان الحالق محرما فعليه صدقة دليلنا أنه آلة للمحلوق فوجبت إضافة الحلق إلى المحلوق دونه أما إذا حلق الحلال أو المحرم شعر محرم بغير إذنه فإن كان نائما أو مكرها أو مجنونا أو مغمى عليه فطريقان حكاهما الشيخ أبو حامد والماوردي والمحاملي والقاضي أبو الطيب والشاشي وآخرون أحدهما : طريقة أبي العباس بن سريج الثاني : أبي إسحاق المروزي أن في المسألة قولين أحدهما : أن الفدية على الحالق نص عليه الشافعي في القديم و الإملاء والثاني : يجب على المحلوق ثم يرجع بها على الحالق ، نص عليه في البويطي في مختصر الحج الأوسط وقاله ابن الصباغ وغيره في المختصر الكبير . والطريق الثاني : طريقة أبي على ابن أبي هريرة أن المسألة على قول واحد وهو أن الفدية تجب على الحالق إبتداء قولا واحدا ، فما دام موسرا حاضرا فلا شيء على المحلوق قولا واحدا وإنما القولان إذا غاب الحالق أو أعسر ، فهل يلزم المحلوق إخراج الفدية ثم يرجع بها بعد ذلك على الحالق إذا حضر وأيسر فيه القولان ، واختلف الأصحاب في الراجح من هذين الطريقين ، فقال الماوردي في الحلوى : الصحيح طريقة أبي على ابن أبي هريرة قال : وبها قال أكثر أصحابنا . هذا كلام الماوردي ، وخالفه الجمهور ، فصححوا طريقة ابن سريج وأبي إسحاق ممن صححها القاضي أبو الطيب في تعليقه والمحاملي في كتابيه المجموع و التجريد وصاحب البيان وآخرون ، ونقلها صاحب البيان عن عامة أصحابنا . قال الشيخ أبو حامد وأبو علي النبدنيجي والمحاملي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ و القاضي حسين والبغوي والشاشي وسائر الأصحاب : هذا الخلاف مبني على أن الشعر على رأس المحرم هل هو عنده بمنزلة الوديعة أم بمنزلة العارية وفيه قولان للشافعي ( فإن ) قلنا : عارية وجبت الفدية على المحلوق ، ثم يرجع بها على الحالق ، كما لو تلفت العارية في يده وإن قلنا : وديعة وجبت على الحالق ولا شيء على المحلوق ، كما لو تلفت الوديعة عنده بلا تفريط . ونقل القاضي أبو الطيب في تعليقه عن الأصحاب أنهم قالوا : فيه قولان ، قال : وقيل وجهان أحدهما أنه عارية والثاني وديعة وممن نقل الخلاف في أن الخلاف قولان أو وجهان صاحب الشامل والشاشي قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والشاملي وغيرهم : الأصح : أنه كالوديعة ، قال القاضي : لأن القصد بالعارية

310


311
انتفاع المستعير بها والمحرم لا ينتفع يكون الشعر على رأسه ، وإنما منفعته في إزالته لأنه لو تمعط بالمرض لم يضمنه بلا خلاف ، فدل على أنه كالوديعة ، ولو كان كالعارية لضمنه كالعارية التالفة بآفة سماوية . قال القاضي : فإن قيل : إنما لم يضمن إذا تمعط بالمرض ، لأن صاحب العارية هو الذي أتلفه وهو الله تعالى فالجواب : أنه يلزم مثل ذلك إذا حلقه بنفسه ، لأن الله تعالى هو الفاعل الحقيقي في الحلق ولا محدث للأفعال سواه قال : ويمكن أن يفرق بأن الحلق اكتسبه العبد فضمنه ، والتمعط بالمرض ليس بكسب فلم يضمنه . هذا كلام القاضي أبي الطيب ونقل ابن الصباغ في الشامل أن القاضي أبا الطيب قال : ذكر الخلاف في ذلك خطأ والصواب أنه وديعة وهذا يخالف قول القاضي في تعليقه ، فإنه ذكر الخلاف ولم يقل إنه خطأ والله أعلم . واتفق الأصحاب في أن الأصح من القولين أن الفدية تجب على الحالق ، ولا يطالب المحلوق أبدا ، وممن صرح بتصحيحه أبو إسحاق المروزي في شرحه والقاضي أبو الطيب في كتابيه التعليق و المجرد والمحاملي في المجموع وصاحب الحاوي والجرجاني في التحرير والبغوي والشاشي وصاحب البيان والفارق والرافعي وآخرون ، لأن المحلوق معذور ولا تقصير من جهته بخلاف الناسي ( وأما قول القائل الآخر ) ، إنه ترفه بالحلق ، فقالوا : هذا ينتقض بمن عنده شارب وديعة فجاء إنسان فأوجره في حلق المودع بغير اختياره فإن الضمان يجب على المؤجر دون المودع وإن كان قد حصل في جوفه لأنه لا صنع له فيه ، والله أعلم . قال أصحابنا : فإن قلنا : الفدية على الحالق فامتنع من أدائها مع قدرته فللمحلوق مطالبته بإخراجها هكذا قطع به المصنف وجماهير الأصحاب ، ونقل إمام الحرمين إتفاق الأصحاب عليه ، قال : وهو مشكل في المعنى ، وإنما التعويل على النقل وحكى ابن الصباغ هذا عن الأصحاب ثم استشكله وأنكره على الأصحاب كما استشكله إمام الحرمين ونقل المتولي عن الأصحاب كلهم أنهم قالوا : للمحلوق مطالبة الحالق بإخراج الفدية ، وله مطالبة الإمام بالإستيفاء ، ثم قال : والصحيح أنه ليس له مطالبته ، لأن الحق ليس له وليس عليه في ترك الإخراج ضرر ، لأن الحالق هو المأمور بالإخراج بخلاف السرقة لأن في القطع غرضا وهو الزجر لصيانة ملكه . هذا كلام المتولي ، وذكر الرافعي في المسألة وجهين الصحيح : وهو قول الأكثرين له مطالبته والثاني : لا ، واحتج الأصحاب للمشهور بما احتج به المصنف ، قال الفارقي : ولأن حج المحلوق يتم بإخراج الفدية فكان له المطالبة بإخراجها والله أعلم . قال المصنف والأصحاب : وإذا قلنا : يجب على الحالق فمات أو

311


312
أعسر فلا شيء على المحلوق ولو أخرج المحلوق الفدية إن كان بإذن الحالق جاز بلا خلاف ، كما لو أدى زكاته وكفارته بإذنه ، وإن كان بغير إذنه فوجهان حكاهما الرافعي الأصح : لا يجزىء كما لو أخرجها أجنبي بغير إذنه ، فإنه لا يجزىء وجها واحدا وبهذا الوجه قطع الدرامي وأبو علي البندنيجي والمتولي وغيرهم ، والفرق بين هذا وبين قضاء الدين عن الإنسان فإنه يجوز بغير إذنه بلا خلاف لأن الفدية شبيهة بالكفارة ، ولأنها قربة وجبت بسبب العبادة والله أعلم . أما : إذا قلنا تجب الفدية على المحلوق فقال المصنف وجمهور الأصحاب : إن كان الحالق حاضرا وهو موسر فللمحلوق أن يأخذها من الحالق ويخرجها لأنه لا معنى لإلزام المحلوق بإخراجها ثم الرجوع على الحالق مع إمكان الأخذ من الحالق هكذا قطع به المصنف وسائر العراقيين وجماعة من غيرهم وقال المتولي والبغوي والرافعي : هل له أن يأخذ من الحالق قبل الإخراج فيه وجهان أصحهما : عندهم ليس له ذلك والله أعلم . وقال أصحابنا : فإن أراد إخراجها والحالة هذه كان عليه أن يفدي بالهدى أو الإطعام دون الصيام هكذا قاله الشيخ أبو حامد والأصحاب لأنه متحمل لهذه الفدية عن غيره والصوم لا يصح فيه التحمل . وإن غاب الحالق أو أعسر لزم المحلوق أن يفدي ليخلص نفسه من الفرض ، قال الإصحاب : وله هنا أن يفدي بالهدى والأطعام والصوم ، أطلق البغوي وغيره أن له أن يفيد بالإطعام والهدى والصيام ، ولم يفرقوا بين وجود الحالق وعدمه ، وقطع الماوردي بأنه لا يجوز الصيام مطلقا لأنه متحمل . وإذا فدى المحلوق على هذا القول نظرت فإن فدي بالطعام أو الهدى رجع بأقلهما قيمة لأنه متبرع بالزيادة ، لأنه مخير بينهما فعدوله إلى أكثرهما تبرع فلا يرجع به ، ويرجع بالأقل هكذا قطع به المصنف والجماهير . وذكر الماوردي في المسائلة وجهين أحدهما : هذا والثاني : أنه إذا فدي بأكثرهما لا يرجع على الحالق بشيء لأنه غارم من غيره ، فلزمه أن يسقط الغرم بأقل ما يقدر عليه ، فإذا عدل إلى الأكثر كان متطوعا بذلك بغير مأذون له فيه ، والمذهب الأول ، وإن فدي بالصيام ففيه أربعة أوجه أصحها : عند المصنف والأصحاب وبه قطع جماعة : لا يرجع بشيء لما ذكره المصنف والثاني : يرجع لكل يوم بمد لما ذكره المصنف والثالث : يرجع لك يوم بصاع ، ذكره المتولي لأن الشرع عادل بين صوم ثلاثة أيام وثلاثة آصع والرابع : حكاه الدارمي والقاضي أبو الطيب في تعليقه عن ابن القطان وحكاه الرافعي يرجع بما يرجع به لو فدي بالهدى أو الإطعام . ولو أراد الحالق على هذا القول أن يفدي ، قال أصحابنا : إن كان بالصوم لم يجز وإن كان بالهدى أو الإطعام فإن

312


313
كان بإذن المحلوق جاز وإلا فوجهان : حكاهما المتولي والبغوي وغيرهما أصحهما : لا يجوز ، وبه قطع القاضي حسين والرافعي ، قال القاضي حسين : والفرق بين هذا وبين هن أكره إنسانا على إتلاف مال ، وقلنا : إن المكره المأمور يضمن ثم يرجع به على الآمر فأداه الآمر بغير إذن المأمور ، يبرأ المأمور ، لأن الفدية فيها معنى القربة ، فلا بد من قصدها ممن لاقاه الوجوب ، والله أعلم . فرع : إذا حلق إنسان رأس المحرم وهو مستيقظ عاقل غير مكره ، لكنه ساكت فطريقان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : أنه كما لو حلق بإذنه فتكون الفدية على المحلوق قولا واحدا ولا مطالبة على الحالق بشيء لأن الشعر عنده وديعة أو عارية وعلى التقديرين إذا أتلفت العارية أو الوديعة وهو ساكت متمكن من المنع يكون ضامنا في الطريق الثاني ، كما أنه لو حلق نائما أو مكرها فيكون على الخلاف . فرع : لو أمر حلال حلالا بحلق رأس محرم نائم فالفدية على الآمر إن لم يعرف الحالق الحال ، فإن عرفه فوجهان الأصح : أنها عليه ، قال الدرامي ولو أكره إنسا محرما على حلق رأس نفسه ففيه القولان ، كما لو حلقه مكرها ولو أكره رجلا على حلق المحرم فالفدية على الآمر . فرع : إذا سقط شعر المحرم بمرض أو غيره من الآفات من غير صنع آدمي فلا فدية بلا خلاف ولو طارت إليه نار فأحرقته ، فقد قال المتولي والروياني في البحر : إن لم يمكنه إطفاؤها فلا فدية بلا خلاف ، كما لو سقط بالمرض ، وإن أمكنه فهو كمن حلق رأسه وهو ساكت ، ففيه الطريقان السابقان وأطلق الدارمي والماوردي وآخرون من العراقيين أنه لو أحرق بالنار لا فدية ، وقال القاضي حسين في تعليقه : قال العراقيون : لا فدية ، واختار القاضي أنه إن قلنا : إن الشعر كالعارية ضمنه ، وإن قلنا وديعة فلا ، والصواب ما قدمناه عن المتولي والروياني . ويتعين حمل كلام العراقيين على من لم يمكنه الإطفاء ، وكلامهم يقتضيه ، فإنهم جعلوه حجة لسقوط الفدية عن المحلوق النائم والمكره ، وبه يحصل الإحتجاج . فرع : قد ذكرنا أن الحلال إذا حلق رأس المحرم مكرها وجبت الفدية على الحالق في الأصح ، وفي الثاني تجب على المحلوق ، ويرجع بها على الحالق . قال إمام الحرمين : لم تختلف الأئمة في إيجاب الفدية ، قال : وأقرب مسلك فيه أن الشعر في حق الحلال كصيد الحرم وشجره .

313


314
فرع : في مذاهب العلماء لو حلق محرم رأس حلال جاز ولا فدية ، وبه قال مالك وأحمد وداود ، وقال أبو حنيفة لا يجوز ، فإن فعل فعلى الحالق صدقة كما لو حلق رأس محرم . دليلنا أنه حلق شعرا لا حرمة له بخلاف شعر المحرم ، ولو حلق حلال شعر محرم نائم أو مكره فقد ذكرنا أن الأصح عندنا وجوب الفدية على الحالق ، وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور وابن المنذر ، وقال أبو حنيفة : تجب على المحلوق ولا يرجع بها على الحالق ، وقال عطاء : من أخذ من شارب المحرم فعليهما الفدية .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره للمحرم أن يحك شعره بأظفاره حتى لا ينتثر شعره ، فإن انتثر منه شعره لزمته الفدية ويكره أن يفلي رأسه ولحيته ، فإن فلي وقتل قملة استحب له أن يفديها ، قال الشافعي رحمه الله : وأي شيء فداها به فهو خير منها ، فإن ظهر القمل على بدنه أو ثيابه لم يكره أن ينحيه لأنه الجأه . ويكره أن يكتحل بما لا طيب فيه ، لأنه زينة ، والحاج أشعث أغبر ، فإن احتاج إليه لم يكره ، لأنه إذا لم يكره ما يحرم من الحلق والطيب للحاجة ، فلأن لا يكره ما يحرم أولى . ويجوز أن يدخل الحمام ويغتسل بالماء ، لما روى أبو أيوب رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل وهو محرم ويجوز أن يغسل شعره بالماء والسدر لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في المحرم الذي خر من بعيره : اغسلوه بماء وسدر ويجوز أن يحتجم ما لم يقطع شعرا لما روى ابن عباس رضي الله عنهما

314


315
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم ويجوز أن يفتصد أيضا كما يجوز أن يحتجم ، ويجوز أن يستظل سائرا ونازلا ، لما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة وإذا ثبت جواز ذلك بالحر نازلا وجب أن يجوز سائرا قياسا عليه ، ويكره أن يلبس الثياب المصبغة لما روى أن عمر رضي الله عنه رأى على طلحة ثوبين مصبوغين وهو حرام ، فقال : أيها الرهط أنتم أئمة يقتدي بكم ، ولو أن جاهلا رأى عليك ثوبيك لقال : قد كان طلحة يلبس الثياب المصبغة ، وهو محرم ، فلا يلبس أحدكم من هذه الثياب المصبغة في الإحرام شيئا . ويكره أن يحمل بازا أو كلبا معلما لأنه ينفر به الصيد ، وربما انفلت فقتل صيدا ، وينبغي أن ينزه إحرامه من الخصومة والشتم والكلام القبيح ، لقوله تعالى :

﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج قال ابن عباس : الفسوق المنابذة بالألقاب ، وتقول لأخيك : يا ظالم يا فاسق ، والجدال أن تماري صاحبك حتى تغضبه ، وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كهيئته يوم ولدته أمه وبالله التوفيق .

+ الشرح : حديث أبي أيوب رواه البخاري ومسلم ولفظ روايتهما قال أبو أيوب : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل وهو محرم وحديث ابن عباس في المحرم الذي خر من بعيره وحديثه في الحجامة رواهما البخاري ومسلم وأما : حديث جابر في القبة فرواه مسلم وأبو داود في جملة حديث جابر الطويل ، الذي استوعب فيه صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه كما ذكره المصنف وعن أم الحصين الصحابية رضي الله عنها قالت : حججت مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة والوداع ، فرأيت أسامة وبلالا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع

315


316
ثوبه يستره من الحر حتى رمي جمرة العقبة رواه مسلم في صحيحه . وأما : حديث عمر وقوله لطلحة في الثوب المصبوغ فصحيح رواه مالك في الموطأ بإسناد على شرط البخاري ومسلم وأما : حديث أبي هريرة فرواه البخاري ومسلم وأما : تفسير قوله تعالى :

﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج فسبق بيانه في الباب الأول من كتاب الحج في وقت الإحرام بالحج قوله : يكره أن يفلي رأسه هو بفتح الياء وإسكان الفاء وتخفيف اللام . أما الأحكام : ففي الفصل مسائل إحداها : يكره حك الشعر في الإحرام بالأظفار لئلا ينتف شعرا ، ولا يكره ببطون الأنامل ، وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله : يكره أن يحك شعره بأظفاره فأشار إلى أنه لا يكره بأنامله ويكره مشط رأسه ولحيته ، لأنه أقرب إلى نتف الشعر ، فإن حك أو مشط فتنف بذلك شعرة أو شعرات لزمه فدية فإن سقط شعر وشك هل نتفه بفعله أم كان يغتسل بنفسه فوجهان وقيل : قولان ، وممن حكاهما قولين الشيخ أو محمد الجويني وإمام الحرمين عن حكايته أصحهما : وبه قطع جماعة منهم البندنجي وصاحب البيان : لا فدية ، لأنه محتمل الأمرين والأصل براءته فلا تلزمه الفدية بالشك والثاني : تلزمه إحالة على السبب الظاهر ، قال الإمام : وهو نظير من ضرب بدن امرأة فأجهضت جنينا يجب الضمان ، وإن كان يحتمل الإجهاض بسبب آخر ، هذا كله في حك الشعر وأما : حك الجسد فلا كراهة فيه بلا خلاف ، وفي الموطأ عن عائشة أنها سئلت أيحك المحرم جسده قالت : نعم فليحكه وليشدد . قال أصحابنا : ولا يكره للمحرم ذلك البدن وإزالة الوسخ عنه ، وقال مالك ، لا يفعله ، فإن فعله فعليه صدقة . دليلنا أنه لم يثبت في ذلك نهي شرعي ، فلا يمنع فهذا هو المعتمد في الدلالة وأما : ما يحتج به أصحابنا من رواية الشافعي والبيهقي بإسنادهما عن ابن عباس أنه دخل حماما وهو بالجحفة وهو محرم وقال : ما يعبأ الله بأوساخنا شيئا فهذا ضعيف ، لأنه من رواية ابن أبي يحيى وهو ضعيف عند المحدثين .

316


317
المسألة الثانية : يكره أن يفلي رأسه ولحيته ، فإن فلي وقتل قملة تصدق ولو بلقمة ، نص عليه الشافعي وفي نص آخر قال : أي شيء فداها به فهو خير منها كما حكاه عنه المصنف وهو بمعنى الأول وهذا التصدق مستحب وليس بواجب هكذا قطع به المصنف وجماهير الأصحاب لأنها ليست مأكولة فأشبهت قتل الحشرات والسباع التي لا تؤكل ، وفيه وجه أن التصدق واجب لأنه يتضمن إزالة الأذى عن الرأس ، وقد سبق بيانه في فصل قتل ما لا يؤكل من السباع والحشرات ، حكاه القاضي حسين وإمام الحرمين وآخرون قال المصنف والأصحاب : ولو ظهر القمل في بدنه وثيابه فله إزالته ولا فدية بلا خلاف لا واجبة ولا مستحبة ، بخلاف قمل الرأس لأنه يتضمن إزالة الأذى من الرأس وقد ورد فيه النص والله أعلم وسبق هناك أن الصئبان لها حكم القمل والله أعلم . الثالثة : يحرم الإكتحال بكحل فيه طيب كما سبق في فصل الطيب ، فإن احتاج إليه لدواء جاز وعليه الفدية وأما : الإكتحال بما لا طيب فيه فقد سبق في آخر فصل تحريم الطيب أنه لا يحرم وللشافعي في كراهته نصان فقيل قولان ، وقيل على حالين وهو الأصح ، فإن كان فيه زينة كالإثمد ونحوه كره إلا لحاجة كرمد ونحوه ، وإن لم يكن فيه زينة كالتوتيا لم يكره ، وبهذا التفصيل قطع الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب والجمهور ، وعليه يحمل كلام المصنف ، قال أبو علي البندنيجي : إن كان مما لا يحسن العين كالتوتيا فلا كراهة وإن كان يحسنها كالإثمد فقد نقل المزني أنه لا بأس به ، ونص في الإملاء أنه يكره وهو ظاهر نصه في الأم ، قال : فإن صح نقل المزني فالمسألة على قولين ، وإلا فالمعروف في كتبه أنه مكروه فالمذهب التفصيل . قال أبو الطيب وآخرون : ويكره للمحرمة الإكتحال بالإثمد أشد من كراهته للرجال ، لأن ما يحصل من الزينة أكثر من الرجل ، فإن اكتحل به رجل أو إمرأة فلا فدية بلا خلاف ، وقد ثبت في صحيح مسلم عن عثمان ابن عفان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المحرم : يعني يشتكي عينيه قال : يضمدها بالصبر وروى البيهقي عن شميسة قالت اشتكت عيني وأنا محرمة فسألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن الكحل ، فقالت : إكتحلي بأي كحل شئت غير الإثمد ، أو قالت : غير كل كحل أسود ، أما أنه ليس بحرام ولكنه زينة ، ونحن نكرهه ، وقالت إن شئت كحلتك بصبر فأبيت .

317


318
فرع : اتفق العلماء على جواز تضميد العين وغيرها للمحرم بالصبر ونحوه مما ليس بطيب ولا فدية في ذلك . وأجمعوا على أنه إذا احتاج إلى ما فيه طيب جاز فعله . وعليه الفدية ، وأجمعوا على أن له أن يكتحل بما لا طيب فيه إذا احتاج إليه ولا فدية ، وأما الإكتحال للزينة فمكروه عندنا على الصحيح كما سبق ، وبه قال جماعة من العلماء . قال ابن المنذر : ثبت أن ابن عمر قال : يكتحل المحرم بكل كحل لا طيب فيه ، قال : ورخص في الكحل له الثورى وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي غير أن إسحاق وأحمد قالا : لا يعجبنا ذلك للزينة ، وكرهه مجاهد ، وكره الإثمد للمحرم الثوري وأحمد وإسحاق ، قال ابن المنذر : لا يكره . المسألة الرابعة : قال الشافعي والأصحاب : للمحرم أن يغتسل في الحمام وغيره ، وينغمس في الماء لما ذكره المصنف ، وله إزالة الوسخ عن نفسه ، ولا كراهه في ذلك على المذهب ، وبه قطع الجمهور قال الرافعي : وقيل : يكره على القديم ، وله غسل رأسه بالسدر والخطمي ، لكن يستحب أن لا يفعل خوفا من انتتاف الشعر ، ولأنه ترفه ونوع زينة ولم يذكر الجمهور كراهته بل اقتصروا على أنه خلاف الأولى وصرح البندنيجي بكراهته ، قال الرافعي : وذكر الحناطي كراهته عن القديم . قال أصحابنا : وإذا غسله فينبغي أن يرفق لئلا ينتف شعره . هذا تفصيل مذهبنا ، قال الماوردي : أما اغتسال المحرم بالماء والإنغماس فيه فجائز ، لا يعرف بين العلماء خلاف فيه ، لحديث أبي أيوب السابق فأما : دخول الحمام وإزالة الوسخ عن نفسه فجائز أيضا عندنا . وبه قال الجمهور . وقال مالك : تجب الفدية بإزالة الوسخ وقال أبو حنيفة : إن غسل رأسه بخطمى لزمته الفدية . دليلنا حديث ابن عباس في المحرم الذي خر عن بعيره ، قال ابن المنذر : وكره جابر بن عبد الله ومالك غسل المحرم رأسه بالخطمي . قال مالك : وعليه الفدية ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال أبو يعقوب ومحمد : عليه صدقة ، قال ابن المنذر : هو مباح لحديث ابن عباس .

318


319
السألة الخامسة : قال الشافعي الأصحاب : للمحرم أن يحتجم ويفتصد ويقطع العرق ما لم يقطع شعرا ولا فدية عليه هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا ، وبه قال جمهور العلماء منهم مسروق وعطاء وعبيد بن عمير والثوري وأحمد وإسحاق وابن المنذر ، وقال ابن عمر ومالك : ليس له الحجامة إلا من ضرورة وقال الحسن البصري : إن فعله دليلنا حديث ابن عباس الذي ذكره المصنف . قال أصحابنا : فإن احتاج إلى الحجامة ونحوها ولم يمكن إلا بقطع شعر قطعه لزمه الفدية . السادسة : قال الشافعي والأصحاب : له أن يستظل سائرا ونازلا للحديث الذي ذكره المصنف ، ولحديث أم الحصين الذي ذكرناه معه . هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا ، ونقله ابن المنذر عن ربيعة والثوري وابن عيينة قال : وروى ذلك عن عثمان بن عفان وعطاء والأسود بن يزيد ، قال : وكره ذلك مالك وأحمد . وقال عبد الرحمن بن مهدي : لا أستظل ، قال : وروينا عن ابن عمر قال : أضح لمن أحرمت له قالابن المنذر : ولا بأس به عندي لأني لا أعلم خبرا ثابتا يمنع منه . وما كان للحلال فعله ك