فهرست عناوين فهرست آيات
المجموع

مولف:نووي ، يحيي بن شرف الدين ، 631 - 677ق.

كتاب الأطعمة

قال المصنف رحمه الله تعالى : ما يؤكل شيئان ، حيوان وغير حيوان ، فأما الحيوان فضربان ، حيوان البر وحيوان البحر ، فأما حيوان البر فضربان ، طاهر ونجس ، فأما النجس فلا يحل أكله ، وهو الكلب والخنزير ، والدليل عليه قوله تعالى :

﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير المائدة : 3 وقوله تعالى :

﴿ ويحرم عليهم الخبائث الأعراف : 157 والكلب من الخبائث ، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : الكلب خبيث ، خبيث ثمنه ، وأما الطاهر فضربان ، طائر ودواب ، فأما الدواب فضربان ، دواب الإنس ودواب الوحش ، فأما دواب الإنس فإنه يحل منها الأنعام ، وهي الإبل والبقر والغنم لقوله تعالى :

﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام المائدة : 3 وقوله تعالى :

﴿ ويحل لهم الطيبات الأعراف : 157 والأنعام من الطيبات ، ولم يزل الناس يأكلونها ويبيعون لحومها في الجاهلية والإسلام . ويحل أكل الخيل لما روى جابر رضي الله عنه قال : ذبحنا يوم خيبر من الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل ولا تحل البغال والحمير

3


4
لحديث جابر رضي الله عنه . ولا يحل السنور لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الهرة سبع ولأنه يصطاد بالناب ويأكل الجيف فهو كالأسد .

+ الشرح : حديث : الكلب خبيث خبيث ثمنه رواه وفي صحيح مسلم عن رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ثمن الكلب خبيث وينكر على الحميدي كونه لم يذكر هذا الحديث في الجمع بين الصحيحين في مسند رافع مع أن مسلما كرره في كتاب البيوع من صحيحه ، وأما حديث جابر فصحيح رواه أبو داود وآخرون بلفظه بأسانيد صحيحة ، ورواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ولفظهما عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ، وأذن في لحوم الخيل وأما حديث الهرة سبع فرواه وفي سنن البيهقي عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكل الهرة وأكل ثمنها . وأما قول المصنف : ما يؤكل شيئان ، ففيه تساهل لأن مقتضى سياقه أن المأكول ينقسم إلى مأكول وغيره ، وكأنه أراد بالمأكول ما يمكن أكله لا ما يحل أكله ، وكان الأجود أن يقول : الأعيان شيئان حيوان وغيره إلى آخر كلامه ، وقوله : طائر ودواب ، هكذا في النسخ ، طائر ، وكان الأحسن : طير ودواب ، لأن الطير جمع كالدواب ، والطائر مفرد كالدابة . أما الأحكام : فالأعيان شيئان ، حيوان وغيره والحيوان قسمان بري وبحري والبري ضربان طاهر ونجس فأما النجس فلا يحل أكله ، وهو الكلب والخنزير ، وما تولد من أحدهما وغيره ، وهذا لا خلاف فيه ، ولو ارتضع جدي من كلبة وتربى على لبنها ففي حله وجهان ، حكاهما الشاشي وصاحب البيان وغيرهما أصحهما : يحل والثاني : لا وأما الطاهر فصنفان طير ودواب ، والدواب نوعان دواب الإنس ودواب الوحش فأما دواب الإنس فيحل منها الإبل والبقر والغنم ، ويقال لهذه الثلاثة : الأنعام ، ويحل منها الخيل سواء منها العتيق وهو الذي أبواه عربيان ، والبرذون وهو الذي أبواه عجميان .

4


5
والهجين وهو الذي أبوه عربي وأمه عجمية ، والمفرق وهو عكسه ، وكل ذلك حلال لا كراهة فيه عندنا ، ويحرم البغل والحمار بلا خلاف عندنا ، ويحرم السنور الأهلي على المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور وفيه وجه أنه حلال ، وحكاه الرافعي عن أبي عبد الله البوسنجي من أصحابنا ، وأدلة الجميع في الكتاب والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في لحم الخيل . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه حلال لا كراهة فيه وبه قال أكثر العلماء ، ممن قال به عبد الله بن الزبير وفضاله بن عبيد وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر وسويد بن غفلة وعلقمة والأسود وعطاء وشريح وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وداود وغيرهم ، وكرهها طائفة ، منهم ابن عباس والحكم ومالك وأبو حنيفة ، قال أبو حنيفة : يأثم بأكله ولا يسمى حراما ، واحتج لهم بقوله تعالى :

﴿ والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة النحل : 8 ولم يذكر الأكل منها ، وذكر الأكل من الأنعام في الآية قبلها ، وبحديث صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الخيل والبغال وكل ذي ناب من السباع رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية بقية بن الوليد عن صالح عن يحيى بن المقدام بن معد يكرب عن أبيه عن جده عن خالد واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم على أنه حديث ضعيف ، وقال بعضهم : هو منسوخ . روى الدارقطني والبيهقي بإسنادهما عن موسى بن هارون الحمال الحافظ قال : هذا حديث ضعيف قال : لا يعرف صالح بن يحيى ولا أبوه إلا بجده ، وقال البخاري : هذا الحديث فيه نظر ، وقال البيهقي : هذا إسناد مضطرب ، ومع اضطرابه هو مخالف لأحاديث الثقات ، يعني في إباحة لحم الخيل ، وقال الخطابي في إسناده نظر ، قال : وصالح بن يحيى بن

5


6
المقدام عن أبيه عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض ، وقال أبو داود : هذا الحديث منسوخ ، وقال النسائي : حديث الإباحة أصح قال : ويشبه إذا كان هذا صحيحا أن يكون منسوخا ، لأن قوله في الحديث الصحيح : أذن في لحوم الخيل دليل على ذلك ، قال النسائي : ولا أعلم أحدا رواه غير بقية . واحتج أصحابنا بحديث جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل رواه البخاري ومسلم في صحيحهما ، وسبق بيان صحة الرواية التي رواها المصنف ، وعن جابر قال : سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا نأكل لحوم الخيل ونشرب ألبانها رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح وفي رواية عن جابر أنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : أكلنا لحم فرس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ومسلم . وفي رواية قالت : نحرنا فرسا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأكلناه . وأما الجواب :

6


7
عن الآية الكريمة التي احتج بها الآخرون فهو ما أجاب الخطابي وأصحابنا وغيرهم أن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أن منفعتهما مقصورة على ذلك ، وإنما خص هذان بالذكر لأنهما معظم المقصود من الخيل كقوله تعالى :

﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير المائدة : 3 فذكر اللحم لأنه معظم المقصود ، وقد أجمع المسلمون على تحريم شحمه ودمه وسائر أجزائه ، قالوا : ولهذا سكت عن حمل الأثقال عن الخيل مع قوله تعالى في الأنعام :

﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم النحل : 7 ولم يلزم من هذا تحريم حمل الأثقال على الخيل ، وينضم إلى ما ذكرناه في تأويل الآية ما قدمناه في الأحاديث الصحيحة في إباحة لحم الخيل مع عدم المعارض الصحيح لها ، وأما الحديث الذي احتجوا به فسبق جوابه والله تعالى أعلم . فرع : لحم الحمر الأهلية حرام عندنا ، وبه قال جماهير العلماء من السلف والخلف ، قال الخطابي : هو قول عامة العلماء ، قال : وإنما رويت الرخصة فيه عن ابن عباس ، رواه عنه أبو داود في سننه ، قلت : ورواه عن ابن عباس البخاري في صحيحه كما سنوضحه إن شاء الله تعالى ، وعند مالك ثلاث روايات في لحمها ، أشهرها أنه مكروه كراهة تنزيه شديدة ، والثانية حرام والثالثة مباح ، واحتج لابن عباس بقوله تعالى :

﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة الأنعام : 145 الآية ، وبحديث غالب بن أبجر قال : أصابتنا سنة فلم يكن في مالي شيء أطعم إلا الحمر الأهلية ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم لحوم الحمر الأهلية فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أصابتنا السنة ، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حر ، وإنك حرمت الحمر الأهلية فقال : أطعم أهلك من سمين حمرك ، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية رواه أبو داود واتفق الحفاظ على تضعيفه . قال الخطابي والبيهقي وغيرهما . هو حديث يختلف في إسناده ، يعنون مضطربا . قال البيهقي وغيره : وهذا الحديث لا يعارض الأحاديث الصحيحة التي

7


8
سنذكرها إن شاء الله تعالى ، قالوا : ولو بلغ ابن عباس أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة في تحريمها لم يصر إلى غيرها . ودليل الجمهور في تحريمها حديث علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر ، وعن لحوم الحمر الأهلية رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية رواه البخاري ومسلم ، وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية ، وأذن في لحوم الخيل رواه البخاري ومسلم . وعن البراء بن عازب قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصبنا حمرا فطبخناها ، فأمر مناديا أن أكفئوا القدور رواه البخاري ومسلم من طرق ، وروياه من رواية عبد الله بن أبي أوفى . وعن سلمة بن الأكوع قال : لما قدمنا خيبر رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم نيرانا توقد فقال : علام توقد هذه النيران فقالوا : على لحوم الحمر الأهلية قال : كسروا القدور وأهريقوا ما فيها ، فقال رجل من القوم : يا رسول الله أونهريق ما فيها ونغسلها فقال : أو ذاك رواه البخاري ومسلم . وعن عمرو بن دينار قال : قلت لجابر بن زيد يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحمر الأهلية فقال : قد كان يقول ذاك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ، ولكن أبى ذلك ابن عباس وقرأ : قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما رواه البخاري ، وقوله : أبى ذلك ا

8


9
بن عباس محمول على أنه لم يبلغه حديث الحكم بن عمرو وغيره . وعن ابن عباس قال : لا أدري أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنه كان حمولة الناس ، فكره أن تذهب حمولتهم أو حرم يوم خيبر لحم الحمر الأهلية رواه البخاري ومسلم وعن ابن عباس أوفى قال : أصابتنا مجاعة ليالي خيبر فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها ، فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكفئوا القدور ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئا ، فقال ناس : إنما حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها لم تخمس وقال آخرون : حرمها البتة رواه البخاري ومسلم . وعن أبي ثعلبة الخشني قال : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم الحمر ، ولحم كل ذي ناب من السباع رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ البخاري ، ولفظ مسلم حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جاء فقال : أكلت الحمر ثم جاءه جاء فقال : أكلت الحمر ، ثم جاءه جاء فقال : أفنيت الحمر فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس : إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : رجس من عمل الشيطان وفي رواية له : رجس أو نجس وعن المقدام بن معد يكرب قال : حرم

9


10
رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء يوم خيبر منها الحمار الأهلي : رواه البيهقي وغيره والأحاديث في المسألة كثيرة ، والله أعلم . وأما الحديث المذكور في سنن أبي داود عن غالب بن أبجر قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله أصابتنا السنة ، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر ، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية ، فقال : أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جوال القرية يعني بالجوال الذي يأكل الجلة وهي العذرة . فهذا الحديث مضطرب مختلف الإسناد ، كثير الاختلاف والاضطراب باتفاق الحفاظ ، وممن أوضح اضطرابه الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف ، فهو حديث ضعيف . ولو صح لحمل على الأكل منها حال الاضطراب ، ولأنها قصة عين لا عموم لها ، فلا حجة فيها ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : لحم البغل حرام عندنا ، وبه قال جميع الأئمة إلا ما حكاه أصحابنا عن الحسن البصري أنه أباحه . دليلنا حديث جابر السابق وغيره . فرع : لحم الكلب حرام عندنا ، وبه قالت الأئمة بأسرها إلا رواية عن مالك في الجرو . فرع : السنور الأهلي حرام عندنا ، وبه قال جمهور العلماء ، وأباحه الليث بن ربيعة ، وقال مالك : يكره فقال بعض أصحابنا : كراهة تنزيه ، وبعضهم كراهة تحريم ، والله أعلم . فرع : ذبح الحمار والبغل ونحوهما مما لا يؤكل ليدبغ جلده أو ليصطاد على لحمه السنور والعقبان ونحو ذلك حرام عندنا ، وجوزه أبو حنيفة وشعب المسألة واضحة في باب الآنية .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الوحش فإنه يحل منه الظباء والبقر لقوله تعالى :

﴿ ويحل لهم الطيبات الأعراف : 157 والظباء والبقر من الطيبات ، يصطاد ويؤكل ، ويحل الحمار الوحشي للآية ولما روى أن أبا قتادة كان مع قوم محرمين وهو حلال فسنح لهم حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة فعقر منها أتانا فأكلوا منها وقالوا : نأكل من لحم صيد ونحن محرمون فحملوا ما بقي من لحمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلوا ما بقي من لحمها ) ويحل أكل الضبع لقوله عز وجل :

﴿ ويحل لهم الطيبات

10

الأعراف : 157 قال الشافعي رحمه الله : ما زال الناس يأكلون الضبع ويبيعونه بين الصفا والمروة . وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الضبع صيد يؤكل وفيه كبش إذا أصابه المحرم .

+ الشرح : حديث أبي قتادة رواه البخاري ومسلم ، وحديث جابر صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، وقوله : سنح هو بسين مهملة ونون مخففة مفتوحتين ثم حاء مهملة أي عرض قوله : يأكلون الضبع ويبيعونه ، الضمير في يبيعونه يعود إلى لحم الضبع ، وإلا فالضبع مؤنثة . وهو بفتح الصاد وضم الباء ويجوز إسكانها ، والتثنية ضبعان والجمع ضباع والمذكر ضبعان بكسر الضاد وإسكان الباء وتنوين النون والجمع ضباعين كسرحان وسراحين . أما الأحكام : فدواب الوحش يحل منها الظباء والبقر والحمر والضبع لما ذكره المصنف ، وهذا كله متفق عليه ، ويحل الوعل بلا خلاف . فرع : الضبع والثعلب مباحان عندنا ، وعند أحمد وداود ، وحرمهما أبو حنيفة وقال مالك : يكرهان ، وممن قال بإباحة الضبع على ابن أبي طالب وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وخلائق من الصحابة والتابعين ، وممن أباح الثعلب طاوس وقتادة وأبو ثور .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويحل أكل الأرنب لقوله تعالى :

﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الأعراف : 157 والأرنب من الطيبات ولما روى جابر أن غلاما من قومه أصاب أرنبا فذبحها بمروة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكلها فأمره أن يأكلها ويحل اليربوع لقوله تعالى :

﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الأعراف : 157 واليربوع من الطيبات تصطاده العرب وتأكله

11


12
وأوجب فيه عمر رضي الله عنه على المحرم إذا أصابه جفرة فدل على أنه صيد مأكول ، ويحل أكل الثعلب لقوله تعالى :

﴿ ويحل لهم الطيبات الأعراف : 157 والثعلب من الطيبات مستطاب يصطاد ، ولأنه لا يتقوى بنابه فأشبه الأرنب ، ويحل أكل ابن عرس والوبر لما ذكرناه في الثعلب ، ويحل أكل القنفذ لما روى أن ابن عمر رضي الله عنهما سئل عن القنفذ فتلا قوله تعالى :

﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه الأنعام : 145 الآية ، ولأنه مستطاب لا يتقوى بنابه فحل أكله كالأرنب ويحل الضب لما روى أن عباس رضي الله عنهما أنه أخبره خالد بن الوليد أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت ميمونة رضي الله عنها فوجد عندها ضبا محنوذا فقدمت الضب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ، فقال خالد : أحرام الضب يا رسول الله قال : لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ، قال خالد : فاجتررته فأكلته ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر فلم ينهه .

+ الشرح : حديث جابر في الأرنب رواه البيهقي بلفظه بإسناد حسن وجاءت أحاديث صحيحة بمعناه منها : حديث أنس قال : أفصحنا أرنبا عن الظهران فأدركتها فأخذتها فذهبت بها إلى أبي طلحة فذبحها وبعث بكتفها وفخذها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله رواه البخاري

12


13
ومسلم ، وفي رواية البخاري قبله وأكله منه وأما الأثر المذكور عن ابن عمر : في القنفذ فهو بعض حديث طويل عن عيسى بن نميلة عن أبيه قال كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا

﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الآية ، قال الشيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول : ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : خبيثة من الخبائث فقال ابن عمر : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا فهو كما قال رواه أبو داود بإسناد ضعيف ، قال البيهقي لم يرو إلا بهذا الإسناد ، قال وهو إسناد فيه ضعيف وأما حديث ابن عباس عن خالد فرواه البخاري ومسلم . قوله : فذبحها بمروة هي بفتح الميم وهي الحجرة قوله القنفذ بضم القاف والفاء ويقال بفتح الفاء لفتان ذكرهما الجوهري : وجمعها قنافذ ، والوبر بإسكان الباء جمعه وبار بكسر الواو والضب المحنوذ أي المشوي ، قوله : فاجتررته هكذا هو بالراء المكررة ، هذا هو الصواب المعروف في كتب الحديث والفقه وغيرهما ، وذكر بعض من تكلم في ألفاظ المهذب أنه بالزاي بعد الراء أي وطعنه . أما الأحكام : فيحل الأرنب واليربوع والثعلب والقنفذ والضب والوبر وابن عرس ، ولا خلاف في شىء من هذه ، إلا الوبر والقنفذ ففيهما وجه أنهما حرام والصحيح المنصوص تحليلهما وبه قطع الجمهور ، ويحل الدلدل على الصحيح المنصوص وفيه وجه وأما السمور والسنجاب والفنل بفتح الفاء والنون والقاقم بالقافين وضم الثانية والحواصل ففيها وجهان الصحيح : المنصوص أنها حلال والثاني : أنها حرام . والله تعالى أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الضب . مذهبنا أنه حلال غير مكروه وبه قال مالك وأحمد والجمهور ، وقال أصحاب أبي حنيفة يكره ، وأما اليربوع فحلال عندنا لا يكره . دليلنا حديث خالد وأحاديث كثيرة في الصحيحين ، وأما القنفذ فحلال عندنا لا يكره ، وبه قال مالك والجمهور ، وقال أحمد : يحرم ، وقال أصحاب أبي حنيفة يكره ، وأما اليربوع فحلال عندنا لا يكره ، وبه قال مالك وأحمد والجمهور ، وقال أصحاب أبي حنيفة : يكره ، ونقل صاحب البيان عن أبي حنيفة تحريم الضب والوبر وابن عرس والقنفذ واليربوع .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يحل ما يتقوى بنابه ويعدو على الناس وعلى البهائم ، كالأسد والفهد والذئب والنمر والدب ، لقوله عز وجل

﴿ ويحرم عليهم الخبائث

13

الأعراف : 157 وهذه السباع من الخبائث ، لأنها تأكل الجيف ولا يستطيبها العرب . ولما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ( وأكل ) كل ذي مخلب من الطير وفي ابن آوى وجهان أحدهما : يحل لأنه لا يتقوى بنابه ، فهو كالأرنب والثاني : لا يحل لأنه مستخبث كريه الرائحة ، لأنه من جنس الكلاب ، فلم يحل أكله ، وفي سنور الوحش وجهان أحدهما : لا يحل لأنه يصطاد بنابه ، فلم يحل كالأسد والفهد والثاني : يحل لأنه حيوان يتنوع إلى حيوان وحشي وأهلي ، ويحرم الأهلي منه ويحل الوحشي منه كالحمار الوحشي ولا يحل أكل حشرات الأرض كالحيات والعقارب والفأر والخنافس والعظاء والصراصير والعناكب والوزغ وسام أبرص والجعلان والديدان وبنات وردان وحمار قبان لقوله تعالى :

﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون الأعراف : 157 .

+ الشرح : حديث ابن عباس رواه مسلم بلفظه ، ورواه البخاري ومسلم جميعا من رواية أبي ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ورواه مسلم أيضا من رواية أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كل ذي ناب من السباع فأكله حرام قال أهل اللغة : المخلب بكسر الميم وإسكان الخاء المعجمة وهو للظئر والسباع كالظفر للإنسان وأما الحشرات فبفتح الحاء والشين ، وهي هوام الأرض وصغار دوابها والحية تطلق على الذكر والأنثى والبطة وأما العقرب والعقربة والعقربا فاسم للأنثى ، ويقال للذكر : عقربان بضم العين والراء وأما الخنافس فجمع خنفساء بضم الخاء وبالمد والفاء مفتوحة

14


15
ومضمومة والفتح أفصح وأشهر ، قال الجوهري : ويقال خنفس وخنفسة وأما العناكب فجمع عنكبوت وهي هذه الناسجة المعروفة قال الجوهري : الغالب عليها التأنيث . وأما سام أبرص فبتشديد الميم قال أهل اللغة : هو كبار الوزغ ، قال النحويون واللغويون : سام أبرص اسمان جعلا واحدا ويجوز فيه وجهان أحدهما : البناء على الفتح كخمسة عشر والثاني : إعراب الأول وإضافته إلى الثاني ويكون الثاني لأنه لا ينصرف . وأما الجعلان فبكسر الجيم وإسكان العين جمع جعل بضم الجيم وفتح العين وهي دويبة معروفة يدحرج القذر ، وأما الديدان فبكسر الدال الأولى ، وهي جمع دود كعود وعيدان وواحدة دودة وأما حمار قبان فدويبة معروفة كثيرة الأرجل وهي فعلان لا ينصرف لا معرفة ولا نكرة والله تعالى أعلم . أما الأحكام : فقال الشافعي : يحرم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير للحديث قالوا : والمراد بذي الناب ما يتقوى بنابه ويعدو على الحيوان كما ذكره المصنف ، فمن ذلك الأسد والفهد والنمر والذئب والدب والقرد والفيل والببر بباءين موحدتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة ، وهو حيوان معروف يعادي الأسد ويقال له أيضا الفرانق بضم الفاء وكسر النون فكل هذه المذكورات حرام بلا خلاف عندنا إلا وجها شاذا في الفيل خاصة أنه حلال ، حكاه الرافعي عن الإمام أبي عبد الله البوسنجي من أصحابنا ، وزعم أنه لا يعدو من الفيلة إلا العجل المغتلم كالإبل والصحيح المشهور تحريمه . وأما ابن آوى وابن مفترض ففيهما وجهان أصحهما : تحريمهما وبه قطع المراوزة وفي سنور البر وجهان الأصح : تحريمه وقال الخضرى : حلال وأما الحشرات فكلها مستخبثة وكلها محرمة سوى ما يدرج منها وما يطير فمنها : ذوات السموم والإبر كالحية والعقرب والزنبور ومنها : الوزغ وأنواعه كحرباء الظهيرة والعظاء وهي ملساء تشبه سام أبرص ، وهي أخس منه واحدتها عظاة وعظامة فكل هذا حرام ويحرم النمل والذر والفأرة والذباب والخفساء والقراد والجعلان وبنات وردان وهما رقبان والديدان إلا دود الجبن والخل والباقلا والفواكه ، ونحوها من المأكول الذي يتولد منه الدود ففي حل أكل هذا الدود ثلاثة أوجه سبقت في باب المياه أحدها : يحل والثاني : لا وأصحها : يحل أكله مع ما تولد منه لا منفردا . ويحرم اللحكاء وهي بضم اللام وفتح الحاء المهملة وبالمد وهي دويبة تفوص في الرمل إذا رأت إنسانا قال أصحابنا : ويستثنى من الحشرات اليربوع والضب فإنهما حلالان كما سبق مع دخولهما في اسم

15


16
الحشرات ، وكذا أم حبين فإنها حلال على أصح الوجهين قالوا : ويستثنى من ذوات الإبر الجراد ، فإنه حلال قطعا وكذا القنفذ على الصحيح كما سبق ، وأما الصرارة فحرام على أصح الوجهين كالخنفساء . والله سبحانه أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في حشرات الأرض كالحيات والعقارب والجعلان وبنات وردان والفأرة ونحوها . مذهبنا أنها حرام ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود ، وقال مالك : حلال لقوله تعالى :

﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة الأنعام : 145 ) الآية وبحديث التلب بتاء مثناة فوق مفتوحة ثم لام مكسورة ثم باء موحدة الصحابي رضي الله عنه قال : صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما رواه أبو داود . واحتج الشافعي والأصحاب بقوله تعالى :

﴿ ويحرم عليهم الخبائث الأعراف : 157 وهذا مما يستخبثه العرب وبقوله صلى الله عليه وسلم : خمس من الدواب كلهن فاسق ، يقتلن في الحرم : الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور رواه البخاري ومسلم من رواية عائشة وحفصة وابن عمر . وعن أم شريك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ رواه البخاري ومسلم ، وأما قوله تعالى :

﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما الآية . فقال الشافعي وغيره من العلماء : معناها مما كنتم تأكلون وتستطيبون ، قال الشافعي : وهذا أولى معاني الآية استدلالا بالسنة والله أعلم . وأما حديث التلب فإن ثبت لم يكن فيه دليل ، لأن قوله لم أسمع لا يدل على عدم سماع غيره والله أعلم .

16


17
فرع : في مذاهبهم في أكل السباع التي تتقوى بالناب كالأسد والنمر والذئب وأشباهها . قد ذكرنا أن مذهبنا أنها حرام ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود والجمهور وقال : مالك تكره ولا تحرم واحتج : بقوله تعالى :

﴿ ويحل لهم الطيبات الأعراف : 157 واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة من رواية ابن عباس وغيره في النهي عن كل ذي ناب من السباع ، وفي رواية مسلم التي قدمناها كل ذي ناب من السباع فأكله حرام وأجابوا عن الآية الكريمة بأنه أمر أن يخبر بأنه لا يجد محرما في ذلك الوقت إلا هذا ، ثم ورد وحي آخر بتحريم السباع فأخبر به ، والآية مكية والأحاديث مدنية ولأن الحديث مخصص للآية والله سبحانه أعلم . فرع : في أنواع اختلف السلف فيها : منها : القرد هو حرام عندنا وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد ومكحول والحسن وابن حبيب المالكي . وقال مالك وجمهور أصحابه ليس بحرام . ومنها : الفيل وهو حرام عندنا وعند أبي حنيفة والكوفيين والحسن . وأباحه الشعبي وابن شهاب ومالك في رواية . حجة الأولين أنه ذو ناب . ومنها : الأرنب وهو حلال عندنا ، وعند العلماء كافة إلا ما حكى عن ابن عمرو بن العاص وابن أبي ليلى أنهما كرهاها . دلت لنا الأحاديث السابقة في إباحتها ولم يثبت في النهي عنها شىء .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الطائر فإنه يحل منه النعامة لقوله تعالى :

﴿ ويحل لهم الطيبات الأنعام : 157 وقضت الصحابة رضي الله عنهم فيها ببدنة ، فدل على أنه صيد مأكول ، ويحل الديك والدجاج والحمام والدراج والقبج والقطا والبط والكراكي والعصفور والقنابر لقوله تعالى :

﴿ ويحل لهم الطيبات الأعراف : 157 وهذه كلها مستطابة ،

17


18
وروى أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يأكل لحم الدجاج وروى سفينة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أكلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حبارى ويحل أكل الجراد لما روى عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات يأكل الجراد ونأكله ويحرم أكل الهدهد والخطاف لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتلهما وما يأكل لا ينهى عن قتله ، ويحرم ما يصطاد ويتقوى بالمخلب كالصقر والبازي ، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وأكل كل ذي مخلب من الطير ويحرم أكل الحدأة والغراب الأبقع لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خمس يقتلن في الحل والحرم : الحية والفأرة والغراب الأبقع والحدأة والكلب العقور وما أمر بقتله لا يحل أكله قالت عائشة رضي الله عنها : إني لأعجب ممن يأكل الغراب ، وقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله ويحرم الغراب الأسود الكبير لأنه مستخبث يأكل

18


19
الجيف فهو كالأبقع وفي الغداف وغراب الزرع وجهان أحدهما : لا يحل للخبر والثاني : يحل لأن مستطاب يلقط الحب فهو كالحمام والدجاج ، وتحرم حشرات الطير كالنحل والزنبور والذباب لقوله تعالى :

﴿ ويحرم عليهم الخبائث الآية ( الأعراف : 751 ) وهذه من الخبائث .

+ الشرح : حديث أبي موسى رواه البخاري ومسلم وحديث سفينة رواه أبو داود والترمذي بإسناد ضعيف ، وقال الترمذي : هو غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه . وحديث عبد الله بن أبي أوفى رواه البخاري ومسلم ولفظه غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد . وأما حديث النهي عن قتل الهدهد فرواه عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب : النمل والنحلة والهدهد والصرد رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ذكره في آخر كتابه ، ورواه ابن ماجه في كتاب الصيد بإسناده على شرط البخاري . وأما النهي عن قتل الخطاف فهو ضعيف ومرسل ، رواه البيهقي بإسناده عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية ، وهو تابعي التابعين أو من التابعين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن قتل الخطاطيف وقال : لا تقتلوا العوذ إنها تعوذ بكم من غيركم قال البيهقي : هذا منقطع قال : وروى حمزة النصيبي فيه حديثا مسندا إلا أنه كان يرمى بالوضع ، وصح عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفا عليه أنه قال : لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال : يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم قال البيهقي : إسناد صحيح . وأما حديث ابن عباس فرواه البخاري ومسلم وسبق بيان طرقه وشرحه في الفصل الذي قبل هذا . وأما حديث عائشة : خمس يقتلن في الحل والحرم إلى آخره فصحيح رواه البخاري ومسلم وسبق قريبا . وأما حديث عائشة : إني لأعجب ممن يأكل الغراب إلى آخره فرواه البيهقي بإسناد صحيح إلا أن فيه عبد الله بن أبي أويس وقد ضعفه الأكثرون ووثقه بعضهم وروى له مسلم في صحيحه . أما الفاظ الفصل : فقوله : وأما الطائر هكذا هو في النسخ ، والأجود أن يقول : وأما الطير ، لأن الطير جمع ، والطائر مفرد ، وقد سبق بيانه أول الباب . والنعامة بفتح النون قال الجوهري : يذكر ويؤنث والنعامة اسم جنس كحمامة وحمام . وأما الديك فهو ذكر

19


20
الدجاج جمعه ديوك وديكة ، والدجاجة بفتح الدال وكسرها لغتان والفتح أفصح باتفاقهم ، الواحد دجاجة يقع على الذكر والأنثى ، وجمع المصنف بين الديك والدجاج هو من باب ذكر العام بعد الخاص ، وهو جائز ، ومنه قوله تعالى :

﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات نوح : 28 وقوله تعالى :

﴿ قل إن صلاتي ونسكي الأنعام : 162 . وأما القبج فبفتح القاف وإسكان الباء الموحدة وبالجيم وهو الحجل المعروف . قال الجوهري : هو فارسي معرب ، لأن القاف والجيم لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب ، قال : والقبجة تقع على الذكر والأنثى حتى تقول يعقوب ، فيختص بالذكر لأن الهاء إنما دخلته على أنه الواحد من الجنس ، وكذلك النعامة حتى تقول ظليم ، والنحلة حتى تقول يعسوب ، والدراجة حتى تقول : حيقطان ، والبومة حتى تقول : صدى أو فياد ، والحبارى حتى تقول : خرب ومثله كثير . هذا آخر كلام الجوهري . وأما القنابر فبقاف مفتوحة ثم نون ثم ألف ثم باء موحدة ثم راء جمع قبرة بضم القاف وتشديد الباء الموحدة قال الجوهري : وقد جاء في الشعر قنبرة كما تقوله العامة ، وهو ضرب من الطير وأما الهدهد فبضم الهاءين وجمعه هداهد ويقال للمفرد هداهد أيضا وأما البازي ففيه ثلاث لغات ، المشهور الفصيحة البازي بتخفيف الياء والثانية باز والثالثة بازي بتشديد الياء حكاها ابن مكي وهي غريبة أنكرها الأكثرون قال أبو زيد الأنصاري : يقال للبزاة والشواهين وغيرهما مما تصيد صقور ، واحدها صقر ، والأنثى صقرة ، وقد ينكر على المصنف كونه جعل الصقر قسيما للبازي ، مع أنه يتناوله وغيره كما ذكره أبو زيد ، ويجاب عنه أنه من بابذكر الخاص بعد العام كقوله تعالى :

﴿ من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال البقرة : 98

﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح الأحزاب : 8 الآية . وأما الحدأة فبحاء مكسورة ثم دال مفتوحة ثم همزة عن وزن عنبة والجماعة حدأ كعنب وأما الفأرة فبالهمز ويجوز تركه وأما الغداف فبغين معجمة مضمومة ثم دال مهملة مخففة وآخره فاء جمع غدفان ، قال ابن فارس : هو الغراب الضخم ، قال الجوهري . هو غراب القيظ وقال العبدري وغيره من أصحابنا هو غراب صغير أسود لونه لون الرماد ، والله أعلم . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : اتفق أصحابنا على أنه يحل أكل النعامة والدجاج

20


21
والكركي والحباري والحجل والبط والقطا والعصافير والقنابر والدراج والحمام ، قال أصحابنا : وكل ذات طوق من الطير فهي داخلة في الحمام ، وهي حلال ، فيدخل فيه القمري والدبس واليمام والفواخت ويحل الورسان وكل ما على شكل العصفور وفي حده فهو حلال ، فيدخل في ذلك الصعوة والزرزور والنغر بضم النون وفتح الغين المعجمة والبلبل ويحل العندليب والحمرة على المذهب الصحيح ، وفيهما وجه ضعيف أنهما حرام ، وفي الببغاء والطاووس وجهان : قال البغوي وغيره : أصحهما التحريم . وأما السقراف فقطع البغوي بحله والصيمري بتحريمه ، قال أبو عاصم العبادي : يحرم ملاعب ظله وهو طائر يسبح في الجو مرارا ، كأنه ينصب على طائر قال أبو عاصم . والبوم حرام كالرخم قال : والضوع بضم الضاد المعجمة وفتح الواو بالعين المهملة حرام على أصح القولين ، قال الرافعي : هذا يقتضي أن الضوع غير البوم ، قال : لكن في صحاح الجوهري أن الضوع طائر من طير الليل من جنس الهام ، وقال المفضل : هو ذكر البوم قال الرافعي : فعلى هذا إن كان في الضوع قول لزم إجراؤه في البوم لأن الذكر والأنثى من جنس واحد لا يفترقان . قلت : الأشهر أن الضوع من جنس الهام فلا يلزم اشتراكهما في الحكم قال أبو عاصم : النهاش حرام كالسباع التي تنهش ، قال : واللقاط حلال إلا ما استثناه النص ، يعني ذا المخلب ، وقال البوسنجي : اللقاط حلال بلا استثناء ، قال أبو عاصم : وما تقوت بالطاهرات فحلال إلا ما استثناه النص ، وما تقوت بالنجس فحرام . فرع : قال الشافعي والمصنف والأصحاب : يحرم أكل كل ذي مخلب من الطير يتقوى به ويصطاد كالصقر والنسر والبازي والعقاب وغيرها للحديث السابق . المسألة الثانية : قال الشافعي والأصحاب : ما نهى عن قتله حرم أكله لأنه لو حل أكله لم ينه عن قتله كما لو لم ينه عن قتل المأكول ، فمن ذلك النمل والنحل فهما حرام ، وكذلك الخطاف والصرد والهدهد والثلاثة حرام على المذهب ، وفيها وجه ضعيف أنها مباحة وحكاه البندنيجي في كتاب الحج قولا ، وجزم به في الصرد والهدهد . والخفاش حرام قطعا قال الرافعي : وقد يجىء فيه الخلاف ، واللفاف حرام على أصح الوجهين . الثالثة : قال أصحابنا : ما أمر بقتله من الحيوان فأكله حرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الفواسق الخمس في الحرم والإحرام فلو حل أكله لما أمر بقتله مع قول الله تعالى :

﴿ لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم

21

المائدة : 95 فمن ذلك الحية والفأرة والحدأة وكل سبع ضار ، ويدخل في هذا الأسد والذئب وغيرهما مما سبق ، قال أصحابنا : وقد يكون للشىء سببان أو أسباب تقتضي تحريمه وتحرم البغاثة بفتح الباء الموحدة وتخفيف الغين المعجمة وبالثاء المثلثة في آخرها والرخمة كما تحرم الحدأة . وأما الغراب فهو أنواع فمنها : الغراب الأبقع ، وهو حرام بلا خلاف للأحاديث الصحيحة ومنها : الأسود الكبير ، وفيه طريقان أصحهما : وبه قطع المصنف وجماعة التحريم والثاني : فيه وجهان أصحهما : التحريم والثالث : الحل . وأما غراب الزرع وهو أسود صغير ، يقال له : الزاغ ، وقد يكون محمر المنقار والرجلين ، ففيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : أنه حلال والأصح أن الغداف حرام ، قال الرافعي : ومن الغربان غراب صغير أسود أو رمادي اللون ، وقد يقال الغداف الصغير وهو حرام على أصح الوجهين ، وكذلك العقعق والله تعالى أعلم . الرابعة : يحرم حشرات الطير كالنحل والزنابير والذباب والبعوض وشبهها لما ذكره المصنف . الخامسة : يحل أكل الجراد بلا خلاف للحديث السابق ، وسواء مات بنفسه أو بقتل مسلم أو مجوسي ، وسواء قطع رأسه أم لا ولو قطع بعض جرادة وباقيها حي فوجهان أصحهما : يحل المقطوع لأن المقطوع كالميت وميتته حلال . والثاني : حرام وإنما يباح منه الجملة لحرمتها ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن الجراد حلال سواء مات باصطياد مسلم أو مجوسي أو مات حتف أنفه ، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد ، ومحمد بن عبد الحكم والأبهري المالكيان وجماهير العلماء من السلف والخلف قال : العبدري وقال مالك : لا يحل إلا إذا مات بسبب ، بأن يقطع منه شىء أو يصلق أو يقلى حيا أو يشوى وإن لم يقطف رأسه ، قال : فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يؤكل ، وعن أحمد رواية ضعيفة كمذهب مالك . واحتج مالك بقوله تعالى : ?< حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقيموا بالأزلم ذ لكم فسق اليوم يبس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسل م دينا فمن اضطر في مخمصه غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم >? المائدة : 3 واحتج أصحابنا بحديث ابن أبي أوفى السابق : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد رواه البخاري ومسلم ، وروى الشافعي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان ، أما الميتتان فالحوت والجراد ، والدمان الكبد

22

قل لا أجد في مآ أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه

﴿ الأنعام الآية فقد سبق جوابها في مسألة تحريم السباع .

23


24
فرع : قد ذكرنا مذهبنا في غراب الزرع والغداف ، وقال بإباحتهما مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله تعالى .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وما سوى ذلك من الدواب والطيور ينظر فيه ، فإن كان مما يستطيبه العرب حل أكله ، وإن كان مما لا يستطيبه العرب لم يحل أكله لقوله عز وجل :

﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث الأعراف : 157 ويرجع في ذلك إلى العرب من أهل الريف والقرى وذوي اليسار والغنى دون الأجلاف من أهل البادية والفقراء وأهل الضرورة ، فإن استطاب قوم شيئا وأستخبثه قوم رجع إلى ما عليه الأكثر ، فإن اتفق في بلاد العجم ما لا يعرفه العرب نظر إلى ما يشبهه فإن كان حلالا حل وإن كان حراما حرم ، وإن لم يكن له شبيه فيما يحل ولا فيما يحرم ففيه وجهان قال : أبو إسحاق وأبو علي الطبري يحل لقوله عز وجل

﴿ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير الأنعام : 145 وهذا ليس بواحد منها . وقال ابن عباس رضي الله عنه ما سكت عنه فهو عفو ومن أصحابنا من قال : لا يحل أكله ، لأن الأصل في الحيوان التحريم ، فإذا أشكل بقي على أصله .

+ الشرح : هذا المذكور عن ابن عباس رواه أبو داود عنه هكذا بإسناد حسن ، ورواه البيهقي مرفوعا عن سلمان الفارسي . وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو من عفوه قال أصحابنا : من الأصول المعتبرة في هذا الباب الاستطابة والاستخباث ، ورواه الشافعي رحمه الله الأصل الأعظم الأعم ولهذا أفسح الباب والمعتمد فيه قوله تعالى :

﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث الأعراف 751 وقوله تعالى :

﴿ يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات

24

المائدة : 4 قال أصحابنا وغيرهم : وليس المراد بالطيب هنا الحلال ، لأنه لو كان المراد الحلال لكان تقديره أحل لكم الحلال ، وليس فيه بيان ، وإنما المراد بالطيبات ما يستطيبه العرب ، وبالخبائث ما تستخبثه . قال أصحابنا : ولا يرجع في ذلك إلى طبقات الناس ، وينزل كل قوم على ما يستطيبونه أو يستخبثونه ، لأنه يؤدي إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام واضطرابها ، وذلك يخالف قواعد الشرع ، قالوا : فيجب اعتبار العرب ، فهم أولى الأمم بأن يؤخذ باستطيابهم واستخباثهم لأنهم المخاطبون أولا ، وهم جيل معتدل لا يغلب فيهم الانهماك على المستقذرات ولا العفافة المتولدة من التنعم فيضيقوا المطاعم على الناس . قالوا : وإنما يرجع إلى العرب الذين هم سكان القرى والريف دون أجلاف البوادي الذين يأكلون مادب ودرج من غير تمييز وتغيير عادة أهل اليسار والثروة دون المحتاجين ، وتغيير حالة الخصب والرفاهية دون الجدب والشدة قال الرافعي : وذكر جماعة أن الاعتبار بعادة العرب الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب لهم ، قال : ويشبه أن يقال : يرجع في كل زمان إلى العرب الموجودين فيه ، قال أصحابنا : فإن استطابته العرب أو سمته باسم حيوان حلال فهو حلال ، وإن استخبثته أو سمته باسم محرم فمحرم ، فإن استطابته طائفة واستخبثته أخرى اتبعنا الأكثرين فإن استويا قال الماوردي وأبو الحسن العبادي : يتبع قريش لأنهم قطب العرب ، فإن اختلفت قريش ولا ترجيح أو شحكوا ولم يحكموا بشىء أو لم نجدهم ولا غيرهم من العرب ، اعتبرناه بأقرب الحيوان به شبها والشبه تارة يكون في الصورة وتارة في طبع الحيوان من الصيالة والعدوان ، وتارة في طعم اللحم ، فإن استوى الشبهان أو لم نجد ما يشبهه فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : الحل قال إمام الحرمين : وإليه ميل الشافعي والثاني : التحريم . قال أصحابنا : وإنما يراجع العرب في حيوان لم يرد فيه نص بتحليل ولا تحريم ولا أمر بقتله ولا نهى عن قتله ، فإن وجد شىء من هذه الأصول اعتمدناه ولم نراجعهم ، قطعا ، فمن ذلك الحشرات وغيرها مما سبق والله تعالى أعلم . فرع : إذا وجدنا حيوانا لا معرفة لحكمه من كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ، ولا استطابة ولا استخباث ولا غير ذلك من الأصول المعتمدة ، وثبت تحريمه في شرع من قبلنا ، فهل يستصحب تحريمه فيه قولان الأصح : لا يستصحب ، وهو مقتضى كلام جمهور الأصحاب . وهو مقتضى المختار عند أصحابنا في أصول الفقه ، فإن استصحبناه فشرطه أن

25


26
يثبت تحريمه في شرعهم بالكتاب أو السنة أو يشهد به عدلان أسلما منهم بعرفان المبدل من غيره ، قال الماوردي : فعلى هذا لو اختلفوا اعتبر حكمه في أقرب الشرائع إلى الإسلام وهي النصرانية ، وإن اختلفوا عاد الوجهان عند تعارض الأشباه أصحهما : الحل ، والله سبحانه أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يحل ما تولد بين مأكول وغير مأكول كالسمع المتولد بين الذئب والضبع والحمار المتولد بين حمار الوحش وحمار الأهل لأنه مخلوق مما يؤكل ومما لا يؤكل فغلب فيه الحظر كالبغل .

+ الشرح : السمع بكسر السين وإسكان الميم قال الشافعي والأصحاب يحرم السمع والبغل وسائر ما يولد من مأكول وغير مأكول ، سواء كان المأكول الذكر أو الأنثى ، لما ذكره المصنف ، والزرافة بفتح الزاي وضمها حرام بلا خلاف ، وعدها بعضهم من المتولد بين مأكول وغير مأكول . ولو تولد من فرس وأتان وحشية أو نحو ذلك من الجنسين المأكولين كان حلالا ، نص عليه الشافعي والله سبحان أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويكره أكل الجلالة ، وهي التي أكثر أكلها العذرة من ناقة أو بقرة أو شاة أو ديك أو دجاجة ، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ألبان الجلالة ولا يحرم أكلها لأنه ليس فيه أكثر من تغير لحمها وهذا لا يوجب التحريم ، فإن أطعم الجلالة طعاما طاهرا وطاب لحمها لم يكره ، لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : تعلف الجلالة علفا طاهرا إن كانت ناقة أربعين يوما ، وإن كانت شاة سبعة أيام ، وإن كانت دجاجة فثلاثة أيام .

+ الشرح : حديث ابن عباس صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائيث بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، قال أصحابنا : الجلالة هي التي تأكل

26


27
العذرة والنجاسات ، وتكون من الإبل والبقرة والغنم والدجاج ، وقيل : إن كان أكثر أكلها النجاسة فهي جلالة ، وإن كان الطاهر أكثر فلا ، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا اعتبار بالكثرة ، وإنما الاعتبار بالرائحة والنتن فإن وجد في عرفها وغيره ربح النجاسة فجلالة ، وإلا فلا ، وإذا تغير لحم الجلالة فهو مكروه بلا خلاف ، وهل هي كراهة تنزيه أو تحريم فيه وجهان مشهوران في طريقة الخراسانيين أصحهما : عند الجمهور وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين وصححه الروياني وغيره من المعتمدين ، أنه كراهة تنزيه قال الرافعي : صححه الأكثرون والثاني : كراهة تحريم قاله أبو إسحاق المروزي والقفال وصححه الإمام والغزالي والبغوي ، وقيل : هذا الخلاف فيما إذا وجدت رائحة النجاسة بتمامها أو قربت الرائحة من الرائحة فإن قلت الرائحة الموجودة لم تضر قطعا . قال أصحابنا : ولو حبست بعد ظهور النتن وعلفت شيئا طاهرا فزالت الرائحة ثم ذبحت ، فلا كراهة فيها قطعا ، قال أصحابنا : وليس للقدر الذي تعلفه من حد ولا لزمانه من ضبط ، وإنما الاعتبار بما يعلم في العادة أو يظن أن رائحة النجاسة تزول به ، ولو لم تعلف لم يزل المنع بغسل اللحم بعد الذبح ولا بالطبخ وإن زالت الرائحة به ، ولو زالت بمرور الزمان ، قال البغوي : لا يزول المنع ، وقال غيره : يزول قال أصحابنا : وكما منع لحمها يمنع لبنها وبيضها ، للحديث الصحيح في لبنها ، قال أصحابنا : ويكره الركوب عليها إذا لم يكن بينها وبين الراكب حائل ، قال الصيدلاني وغيره : إذا حرمنا لحمها فهو نجس ، ويطهر جلدها بالدباغ ، وهذا يقتضي نجاسة الجلد أيضا ، قال الرافعي : وهو نجس إن ظهرت الرائحة فيه ، وكذا إن لم تظهر على أصح الوجهين كاللحم ، قال أصحابنا : وظهور النتن وإن حرمنا اللحم ونجسناه فلا نجعله موجبا لنجاسة الحيوان في حياته ، فإنا لو نجسناه صار كالكلب لا يطهر جلده بالدباغ ، بل إذا حكمنا بتحريم اللحم كان الحيوان كما لا يؤكل لحمه ، فلا يطهر جلده . ويطهر بالدباغ ، والله أعلم . فرع : السخلة المرباة بلبن الكلبة لها حكم الجلالة المعتبرة ، ففيها وجهان أصحهما : يحل أكلها والثاني : لا يحل ، وسبق بيانهما في أول هذا الباب ، قال أصحابنا : ولا يحرم الزرع المزبل ، وإن كثر الزبل في أصله ، لا ما يسقى من الثمار والزروع ماء نجسا ، وقد سبق في باب إزالة النجاسة بيان هذا مع نظائره . فرع : لو عجن دقيق بماء نجس وخبزه فهو نجس يحرم أكله ويجوز أن يطعمه لشاة أو بعير أو بقرة ونحوها ، نص عليه الشافعي رحمه الله ، ونقله عن نصه البيهقي في كتاب

27


28
السنن الكبير في باب نجاسة الماء الدائم ، واستدل البيهقي بالحديث المشهور وفي فتاوى صاحب الشامل أنه يكره إطعام الحيوان المأكول نجاسة ، وهذا لا يخالف نص الشافعي في الطعام ، لأنه ليس بنجس العين ، ومراد صاحب الشامل نجس العين ، ولا يجوز إطعام الطعام المعجون بماء نجس لصعلوك وسائل وغيرهما من الآدميين بلا خلاف لأنه منهى عن أكل المتنجس بخلاف الشاة والبعير ونحوهما ، وقال ابن الصباغ في الفتاوى : ولا يكره أكل البيض المصلوق بماء نجس كما لا يكره الوضوء بماء سخن بالنجاسة ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الجلالة . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا تغير لحمها كرهت كراهة تنزيه على الأصح ، ولا تحرم ، سواء لحمها ولبنها وبيضها ، وبه قال الحسن البصري ومالك وداود ، وكذا لا يحرم ما سقى من الثمار والزروع ماء نجسا . وقال أحمد : يحرم لحم الجلالة ولبنها حتى تحبس وتعلف أربعين يوما ، قال : ويحرم الثمار والزروع والبقول المسقية ماء نجسا والله أعلم . واحتج أصحابنا لعدم التحريم أن ما تأكله الدابة من الطاهرات يتنجس إذا حصل في كرشها ، ولا يكون غذاؤها إلا بالنجاسة ، ولا يؤثر ذلك في إباحة لحمها ولبنها وبيضها ، ولأن النجاسة التي تأكلها تنزل في مجاري الطعام ولا تخالط اللحم ، وإنما ينتشى اللحم بها ، وذلك لا يوجب التحريم والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما حيوان البحر فإنه يحل منه السمك ، لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال ولا يحل أكل الضفدع ، لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع ولو حل أكله لم ينه عن قتله ، وفيما سوى ذلك وجهان أحدهما : يحل لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر : اغتسلوا منه وتوضأوا به فإنه الطهور ماؤه الحل ميتته ولأنه حيوان لا يعيش إلا

28


29
في الماء فحل أكله كالسمك والثاني : ( أن ) ما أكل مثله في البر حل أكله ، وما لا يؤكل مثله في البر لم يحل أكله اعتبارا بمثله .

+ الشرح : أما الأثر عن ابن عمر فصحيح سبق بيانه قريبا في فرع مذاهب العلماء في أكل الجراد وأما حديث النهي عن قتل الضفدع فرواه أبو داود بإسناد حسن والنسائي بإسناد صحيح من رواية عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي الصحابي وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله . قال : سأل طبيب النبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه عن قتلها وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه في البحر فصحيح ولفظه : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر فقال : هو الطهور ماؤه الحل ميتته وقد سبق بيانه واضحا في أول كتاب الطهارة والطحال بكسر الطاء والضفدع بكسر الضاد وبكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان الكسر أفصح عند أهل اللغة ، وأنكر جماعة منهم الفتح قوله : حيوان لا يعيش إلا في الماء احتراز من السباع ونحوها . أما الأحكام : فقال أصحابنا : الحيوان الذي لا يهلكه الماء ضربان أحدهما : ما يعيش في الماء ، وإذا خرج منه كان عيشه عيش المذبوح ، كالسمك بأنواعه فهو حلال ، ولا حاجة إلى ذبحه بلا خلاف ، بل يحل مطلقا سواء مات بسبب ظاهر كضغطة أو صدمة حجر أو انحسار ماء أو ضرب من الصياد أو غيره . أو مات حتف أنفه سواء طفا على وجه الماء أم لا ، وكله حلال بلا خلاف عندنا ، وأما ما ليس على صورة السموك المشهورة ففيه ثلاثة أوجه مشهورة ذكرها المصنف في التنبيه وقال القاضي أبو الطيب وغيره : فيه ثلاثة أقوال أصحها : عند الأصحاب يحل الجميع وهو المنصوص للشافعي في الأم و مختصر المزني ، واختلاف العراقيين لأن الصحيح أن اسم السمك يقع على جميعها ، وقد قال الله تعالى :

﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه قال ابن عباس وغيره : صده ما صيد ، وطعامه ما قذف ، ولقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح هو الطهور ماؤه الحل ميتته . والوجه الثاني : يحرم وهو مذهب أبي حنيفة الثالث : ما يؤكل نظيره في البر كالبقر وغيرهما فحلال ، وما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه فحرام فعلى هذا ما لا نظير له حلال لما ذكرناه في دليل الأصح وعلى هذا الثالث لا يحل ما أشبه الحمار ، وإن كان في البر حمار الوحش المأكول ، صرح به ابن الصباغ والبغوي وغيرهما . وقال أصحابنا : وإذا أبحنا الجميع فهل تشترط الذكاة أم تحل ميتته فيه وجهان حكاهما البغوي وغيره ، ويقال قولان أصحهما : يحل ميتته

29


30
الضرب الثاني : ما يعيش في الماء وفي البر أيضا فمنه طير الماء كالبط والأوز ونحوهما ، وهو حلال كما سبق ، ولا يحل ميتته بلا خلاف بل تشترط ذكاته ، وعد الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين من هذا الضرب الضفدع والسرطان وهما محرمان على المذهب الصحيح المنصوص ، وبه قطع الجمهور وفيهما قول ضعيف أنها حلال ، وحكاه البغوي في السرطان عن الحليمي ، وذوات السموم كالحية وغيرها حرام بلا خلاف . وأما التمساح فحرام على الصحيح المشهور وبه قطع المصنف في التنبيه والأكثرون ، وفيه وجه وأما السلحفاة فحرام على أصح الوجهين قال الرافعي : واستثنى جماعة الضفدع من الحيوان الذي لا يعيش إلا في الماء ، تفريعا على الصحيح وهو حل الجميع ، وكذا استثنوا الحيات والعقارب ، قال : ومقتضى هذا الاستثناء أنها لا تعيش إلا في الماء ، قال : ويمكن أن يكون نوع منها كذا ونوع كذا ، قال : واستثنى القاضي أبو الطيب النسناس أيضا فجعله حراما ، ووافقه الشيخ أبو حامد ، وخالفهما الروياني وغيره فأباحوه قلت : الصحيح المعتمد أن جميع ما في البحر تحل ميتته إلا الضفدع . ويحمل ما ذكره الأصحاب أو بعضهم من السلحفاة والحية والنسناس على ما يكون في ماء غير البحر ، والله تعالى أعلم . فرع : قال الرافعي : أطلق مطلقون القول بحل طير الماء وكلها حلال إلا اللقلق ففيه خلاف سبق قال وقال الصيمري : لا يؤكل طير الماء الأبيض لخبث لحمه والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن الصحيح من مذهبنا حل جميع ميتات البحر إلا الضفدع ، وحكاه العبدري عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم قال : وقال مالك : يحل الجميع سواء الصفدع وغيره ، وقال أبو حنيفة : لا يحل غير السمك . فرع : السمك الطافي حلال وهو الذي مات حتف أنفه ، فيحل عندنا كل ميتات البحر غير الضفدع ، سواء ما مات بسبب وغيره ، وبه قال مالك وأحمد وأبو داود وحكاه الخطابي عن أبي بكر الصديق وأبي أيوب الأنصاري وعطاء بن أبي رباح ومكحول والنخعي وأبي ثور رضي الله عنهم وقال أبو حنيفة : إن مات بسبب كضرب وانحسار الماء عنه حل . وإن مات بلا سبب حرم . وإن مات بسبب حر الماء أو برده ففيه روايتان عنه ، والمسألة مشهورة في كتب المذهب ، والخلاف بمسألة السمك الطافي ، وممن قال بمنع السمك الطافي ابن عباس وجابر بن عبد الله وجابر ابن زيد وطاوس . واحتج

30


31
لهم بحديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه ، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه رواه أبو داود . واحتج أصحابنا بقول الله تعالى :

﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه قال ابن عباس وغيره : صيده ما صدتموه ، وطعامه ما قذف ، وبعموم قوله صلى الله عليه وسلم هو الطهور ماؤه الحل ميتته وهو حديث صحيح كما سبق بيانه ، وبحديث جابر بن عبد الله قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح يطلب خبر قريش ، فأقمنا على الساحل حتى فنى زادنا ، فأكلنا الخبط ، ثم إن البحر ألقى إلينا دابة يقال لها العنبر ، فأكلنا منه نصف شهر حتى صلحت أجسامنا رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عمر قال : غزونا فجعنا حتى إن الجيش ليقسم التمرة والتمرتين ، فبينا نحن على شط البحر إذا رمى البحر بحوت ميت ، فاقتطع الناس منه ما شاءوا من لحم وشحم وهو مثل الطرب ، فبلغني أن الناس لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبروه فقال لهم : أمعكم منه شىء رواه البيهقي بإسناد صحيح . وعن ابن عباس قال : أشهد على أبي بكر رضي الله عنه أنه قال : السمكة الطافية فيه حلال لمن أراد أكلها رواه البيهقي بإسناد صحيح وروى البيهقي بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن علي بن أبي طالب قالا : الجراد والنون زكي كله وعن أبي أيوب وأبي صرمة الأنصاريين أنهما أكلا السمك الطافي وعن ابن عباس قال :

31


32
لا بأس بالسمك الطافي وعن أبي هريرة وزيد بن ثابت أنهما كانا لا يريان بأكل ما لفظ بأسا وعن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص مثله ، روى البيهقي هذا كله بأسانيده المتصلة . وأما الجواب عن حديث جابر الذي احتج به الأولون فهو أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ ، لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شىء فكيف وهو معارض بما ذكرناه من دلائل الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة رضي الله عنهم المنتشرة وهذا الحديث من رواية يحيى بن سليم الطائفي عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر ، قال البيهقي : يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم سيىء الحفظ ، قال : وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفا على جابر ، قال : وقال الترمذي : سألت البخاري عن هذا الحديث فقال ليس هو بمحفوظ ، قال : ويروى عن جابر خلافه ، قال : ولا أعرف لأثر ابن أمية عن أبي الزبير شيئا ، قال البيهقي : وقد رواه أيضا يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير مرفوعا ، ويحيى بن أبي أنيسة متروك لا يحتج به ، قال ورواه عبد العزيز بن عبيد الله عن وهب ابن كيسان عن جابر مرفوعا وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به ، قال : ورواه بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا ، ولا يحتج بما ينفرد به بقية فكيف بما يخالف قال : وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر مع ما رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما غير الحيوان فضربان طاهر ونجس فأما النجس فلا يؤكل لقوله تعالى :

﴿ ويحرم عليهم الخبائث الأعراف : 157 والنجس خبيث ، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفارة تقع في السمن إن كان جامدا فالقوها وما حولها ، وإن كان مائعا فأريقوه فلو حل أكله لم يأمر بإراقته وأما الطاهر فضربان ضرب يضر ضرب لا يضر ، فما يضر لا يحل أكله كالسم والزجاج والتراب والحجر ، والدليل

32


33
عليه قوله تعالى :

﴿ ولا تقتلوا أنفسكم وقوله تعالى :

﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة البقرة : 195 وأكل هذه الأشياء تهلكة ، فوجب أن لا يحل ، وما لا يضر يحل أكله كالفواكه والحبوب ، والدليل عليه قوله تعالى :

﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق الأعراف : 32 .

+ الشرح : أما حديث فأرة السمن فبعضه في الصحيح وبعضه في غيره فعن ابن عباس عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة سقطت في سمن فماتت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم خدوها وما حولها وكلوا سمنكم رواه البخاري وفي رواية له ألقوها وما حولها وكلوه وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه رواه أبو داود بإسناد صحيح ولم يضعفه وذكره الترمذي بإسناد أبي داود ثم قال : وهذا حديث غير محفوظ ، قال سمعت البخاري يقول هو خطأ ، قال : والصحيح حديث ابن عباس عن ميمونة وذكره البيهقي من رواية أبي داود ولم يضعفه ، فهو وأبو داود متفقان على السكوت عليه ، مع صحة إسناده ، قال الخطابي وروى في بعض الأخبار وإن كان مائعا فأريقوه . وأما السم والزجاج ففيهما ثلاث لغات فتح السين والزاي وضمهما وكسرهما والفصيح فتح السين وضم الزاي . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : قال أصحابنا يحرم أكل نجس العين ، كالميتة ولبن الأتان والبول وغير ذلك ، وكذا يحرم أكل المتنجس كاللبن والخل والدبس والطبيخ والدهن وغيرها إذا تنجست ، وهذا لا خلاف فيه ، وقد سبق في باب إزالة النجاسة وجه ضعيف أن الدهن يطهر بالغسل ، فعلى هذا الوجه إذا غسل طهر وحل أكله ودليل المسألة

33


34
ما ذكره المصنف . وأعلم أنه يستثنى من قولهم : لا يحل أكل شىء نجس مسألة وهي الدود المتولد من الفواكه والجبن والخل والباقلا ونحوها ، فإنه إذا مات فيما تولد منه نجس بالموت على المذهب ، وفي حل أكل هذا الدود ثلاثة أوجه أصحها : يحل أكله مع ما تولد منه لا منفردا والثاني : يحل مطلقا والثالث : يحرم مطلقا ، فعلى الصحيح يكون نجسا لا ضرر في أكله ، ويحل أكله معه ، فيحتاج إلى استثنائه والله سبحانه أعلم . ولو تنجس فمه حرم عليه الأكل والشرب قبل غسله ، لأن ما يصل إليه ينجس فيكون أكل نجاسة ، وينبغي أن يبالغ في غسله ، وقد سبقت هذه المسألة في آخر باب إزالة النجاسة . الثانية : لا يحل أكل ما فيه ضرر من الطاهرات كالسم القاتل والزجاج والتراب الذي يؤذي البدن ، وهذا هو الذي يأكله بعض النساء وبعض السفهاء ، وكذلك الحجر الذي يضر أكله ، وما أشبه ذلك ، ودليله في الكتاب ، قال إبراهيم المروذي : وردت أخبار في النهي عن أكل الطين ، ولم يثبت شىء منها ، قال : وينبغي أن يحكم بالتحريم إن ظهرت المضرة فيه ، وقد جزم المصنف وآخرون بتحريم أكل التراب ، وجزم به القاضي حسين في باب الربا ، قال أصحابنا : ويجوز شرب دواء فيه قليل سم إذا كان الغالب منه السلامة واحتيج إليه ، قال إمام الحرمين : ولو تصور شخص لا يضره أكل السموم الطاهرة لم يحرم عليه إذ لا ضرر ، قال الروياني : والنبات الذي يسكر وليس فيه شدة مطربة يحرم أكله ، ولا حد على آكله . قال : ويجوز استعماله في الدواء ، وإن أفضى إلى السكر ما لم يكن منه بد ، قال : وما يسكر مع غيره ولا يسكر بنفسه إن لم ينتفع به في دواء وغيره فهو حرام ، وإن كان ينتفع به في التداوي حل التداوي به والله أعلم . الثالثة : كل طاهر لا ضرر فيه فهو خلال إلا ثلاثة أنواع ، وذلك كالخبز والماء واللبن والفواكه والحبوب واللحوم الطاهرة وغير ذلك ، لما ذكره المصنف والإجماع وأما الأنواع الثلاثة المستثناة فأحدها : المستقذرات كالمخاط والمني ونحوهما وهي محرمة على الصحيح المشهور ، وفيه وجه ضعيف حكاه إمام الحرمين وغيره أنها حلال ، وممن قال به في المني أبو زيد المروزي وحكم العرق حكم المني والمخاط ، وقد جزم الشيخ أبو حامد في تعليقه عقب كتاب السلم في مسألة بيع لبن الآدميات بأنه يحرم شرب العرق الثاني : الحيوان الصغير كصغار العصافير ونحوها يحرم ابتلاعه حيا بلا خلاف ، لأنه لا يحل إلا بزكاة ، هذا في غير السمك والجراد أما السمك والجراد فيحل اتبلاعهما في الحياة على أصح الوجهين الثالث : جلد الميتة المدبوغ في أكله ثلاثة أقوال أو أوجه سبقت في باب الآنية أصحها : أنه حرام والثاني :

34


35
حلال والثالث : إن كان جلد حيوان مأكول فحلال وإلا فلا . وهذه الثلاثة ترد على المصنف حيث لم يستثنها والله سبحانه أعلم . فرع : قال الخطابي : اختلف العلماء في الزيت إذا وقعت فيه نجاسة ، فقال جماعة من أصحاب الحديث : لا يجوز الانتفاع به بوجه من الوجوه لقوله صلى الله عليه وسلم فلا تقربوه وقال أبو حنيفة : هو نجس لا يجوز أكله ولا شربه ، ويجوز الاستصباح به وبيعه . وقال الشافعي : لا يجوز أكله ولا بيعه ، ويجوز الاستصباح به . وقال داود : إن كان هذا سمنا لم يجز بيعه ولا أكله وشربه ، وإن كان زيتا لم يحرم أكله ولا بيعه ، وزعم أن الحديث مختص بالسمن ، وهو لا يقاس والله أعلم . هذا كلام الخطابي ، وقد سبق في باب ما يكره لبسه ، وأن المذهب الصحيح جواز الاستصباح بالدهن النجس والمتنجس ، سواء ودك الميتة وغيره ، وسبقت هناك مذاهب العلماء في الانتفاع بالنجاسات ، والله أعلم . فرع : وقعت فأرة ميتة أو غيرها من النجاسات في سمن أو زيت أو دبس أو عجين أو طبيخ أو غير ذلك ، قال أصحابنا : حكمه ما في الحديث الذي ذكره المصنف أنه إن كان مائعا نجسته ، وإن كان جامدا ألقيت النجاسة وما حولها ، وبقي الباقي طاهرا ، قالوا : وضابط الجامد أنه إذا أخذت منه قطعة لم يراد إلى موضعها منه على القرب ما يملؤها فإن تراد فمائع ، وقد سبقت هذه المسألة في باب إزالة النجاسة في مسألة ولوغ الكلب والله أعلم . فرع : قال العبدري : لو نصب قدرا على النار وفيها لحم فوقع فيها طائر فمات ، فأخرج الطائر ، صار ما في القدر نجسا فيراق المرق ولا يجوز أكل اللحم إلا بعد غسله . هذا مذهبنا ، وبه قال ابن عباس وعن مالك روايتان إحداهما : كمذهبنا وأصحهما : عنه أنه يراق المرق ويرمى اللحم فلا يؤكل ، والله أعلم . فرع : قال الغزالي في إحياء علوم الدين ، في أول كتاب الحلال والحرام : لو وقعت ذبابة أو نحلة في قدر طبيخ وتهرأت أجزاؤها فيه ، لم يحرم أكل ذلك الطبيخ ، لأن تحريم أكل الذباب والنمل ونحوه إنما كان للاستقذار ، ولا يعد هذا مستقذرا قال : ولو وقع فيه جزء من لحم آدمي ميت لم يحل أكل شىء من ذلك الطبيخ ، حتى لو كان لحم الآدمي وزن دانق

35


36
حرام الطبيخ ، لا لنجاسته ، فإن الآدمي الميت طاهر على الصحيح ، ولكن لأن أكل الآدمي حرام لحرمته لا لاستقذاره ، بخلاف الذباب ، هذا كلام الغزالي ، والمختار الصحيح أنه لا يحرم الطبيخ في مسألة لحم الآدمي ، لأنه صار مستهلكا فهو كالبول وغيره إذا وقع في قلتين من الماء فإنه يجوز استعمال جميعه ما لم يتغير ، لأن البول صار باستهلاكه كالمعدوم والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن اضطر إلى أكل الميتة أو لحم الخنزير فله أن يأكل منه ما يسد به الرمق ، لقوله تعالى :

﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه وهل يجب أكله فيه وجهان أحدهما : يجب لقوله تعالى :

﴿ ولا تقتلوا أنفسكم النساء : 29 والثاني : لا يجب ، وهو قول أبي إسحاق لأن له غرضا في تركه ، وهو أن يجتنب ما حرم عليه ، وهل يجوز أن يشبع منه فيه قولان أحدهما : لا يجوز وهو اختيار المزني ، لأنه بعد سد الرمق غير مضطر ، فلا يجوز له أكل الميتة ، كما لو أراد أن يبتدىء بالأكل وهو غير مضطر والثاني : يحل ، لأنه كل طعام جاز أن يأكل منه قدر سد الرمق جاز له أن يشبع منه ، كالطعام الحلال . وإن اضطر إلى طعام غيره وصاحبه غير مضطر إليه وجب عليه بذله ، لأن الامتناع من بذله إعانة على قتله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أعان على قتل امرىء مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله وإن طلب منه ثمن المثل لزمه أن يشتريه منه ، ولا يجوز أن يأكل الميتة لأنه غير مضطر ، فإن طلب أكثر من ثمن المثل أو امتنع من بذله فله أن يقاتله عليه ، فإن لم يقدر على مقاتلته فاشترى منه بأكثر من ثمن المثل ففيه وجهان أحدهما : يلزمه لأنه ثمن في بيع صحيح والثاني : لا يلزمه إلا ثمن المثل كالمكره على شرائه فلم يلزمه أكثر من ثمن المثل ، وإن وجد الميتة وطعام الغير وصاحبه غائب ففيه وجهان أحدهما : أنه يأكل الطعام لأنه طاهر ، فكان أولى والثاني : يأكل الميتة ، لأن أكل الميتة ثبت بالنص ، وطعام الغير ثبت بالاجتهاد ، فقدم أكل الميتة عليه ، ولأن المنع من أكل الميتة لحق الله سبحانه وتعالى ، والمنع من طعام الغير لحق الآدمي ، وحقوق الله

36


37
تعالى مبنية على التسهيل ، وحقوق الآدمي مبنية على التشديد . وإن وجد ميتة وصيدا وهو محرم ، ففيه طريقان من : أصحابنا من قال : إذا قلنا : إنه إذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة أكل الميتة وترك الصيد ، لأنه إذا ذكاه صار ميتة ، ولزمه الجزاء وإن قلنا : إنه لا يصير ميتة أكل الصيد لأنه طاهر ، ولأن تحريمه أخف لأنه يحرم عليه وحده ، والميتة محرمة عليه وعلى غيره ومن : أصحابنا من قال : إن قلنا إنه يصير ميتة أكل الميتة ، وإن قلنا إنه لا يكون ميتة ففيه قولان أحدهما : يذبح الصيد ويأكله ، لأنه ظاهر ولأن تحريمه أخف على ما ذكرناه والثاني أنه يأكل الميتة لأنه منصوص عليها ، والصيد مجتهد فيه ، وإن اضطر ووجد آدميا ميتا جاز له أكله ، لأن حرمة الحي آكد من حرمة الميت ، وإن وجد مرتدا أو من وجب قتله في الزنا جاز له أن يأكله ، لأن قتله مستحق ، وإن اضطر ولم يجد شيئا فهل يجوز له أن يقطع شيئا من بدنه ويأكله فيه وجهان قال : أبو إسحاق : يجوز لأنه إحياء نفس بعضو فجاز ، كما يجوز أن يقطع عضوا إذا وقعت فيه الآكلة لإحياء نفسه ، ومن أصحابنا من قال : لا يجوز ، لأنه إذا قطع عضوا منه كان المخافة عليه أكثر ، وإن اضطر إلى شرب الخمر أو البول شرب البول ، لأن تحريم الخمر ، أغلظ ولهذا يتعلق به الحد فكان البول أولى . وإن اضطر إلى شرب الخمر وحدها ففيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه لا يجوز أن يشرب ، لما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم والثاني : يجوز ، لأنه يدفع به الضرر عن نفسه فصار كما لو أكره على شربها والثالث : أنه إن اضطر إلى شربها للعطش لم يجز ، لأنها تزيد في الإلهاب والعطش وإن اضطر إليها للتداوي جاز .

+ الشرح : حديث من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة رواه . وأما حديث أم سلمة فرواه أبو يعلى الموصلي في مسنده بإسناد صحيح إلا رجلا واحدا فإنه مستور ، والأصح جواز الاحتجاج برواية المستور ، ورواه البيهقي أيضا أما الأحكام ففيها مسائل : إحداها : أجمعت الأمة على أن المضطر إذا لم يجد طاهرا يجوز له أكل النجاسات كالميتة والدم ولحم الخنزير وما في معناها ، ودليله في الكتاب ، وفي وجوب هذا الأكل وجهان ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : يجب ، وبه قطع كثيرون أو الأكثرون ، وصححه الباقون

37


38
والثاني : لا يجب ، بل هو مباح ، فإن أوجبنا الأكل فإنما يجب سد الرمق دون الشبع ، صرح به الدارمي وصاحب البيان وآخرون واتفقوا على أن المضطر إذا وجد طاهرا يملكه لزمه أكله . الثانية : في حد الضرورة قال أصحابنا : لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي لتناول الميتة ونحوها ، قالوا : ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك ، فإن الأكل حينئذ لا ينفع ، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها ، لأنه غير مفيد واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف على المشي أو عن الركوب وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك ، فلو خاف حدوث مرض مخوف في جسمه فهو كخوف الموت ، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين ، وقيل : إنهما قولان ، ولو عيل صبره وأجهده الجوع فهل يحل له الميتة ونحوها أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق فيه قولان ذكرهما البغوي وغيره أصحهما : الحل ، قال إمام الحرمين وغيره : ولا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل ، بل يكفي غلبة الظن ، قالوا : كما أن المكره على أكل الميتة يباح له أكلها إذا ظن وقوع ما خوف به ، ولا يشترط أن يعلم ذلك ، فإنه لا يطلع على الغيب ، وجملة جهات الظن مستندها الظن والله تعالى أعلم . الثالثة : قال أصحابنا : يباح للمضطر أن يأكل من الميتة ما يسد الرمق بلا خلاف ولا يباح له الزيادة على الشبع بلا خلاف ، وفي حل الشبع قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما ، وذكر إمام الحرمين وغيره أن الأصحاب نقلوا في المسألة ثلاثة أقوال : أحدها : لا يباح الشبع ، وإنما يباح سد الرمق ، وهو أن يصير إلى حالة لو كان عليها في الابتداء لما جاز أكل الميتة ، لأن الضرورة تزول بهذا ، والتمادي في أكل الميتة من غير ضرورة ممتنع . والثاني : يباح الشبع ، قال إمام الحرمين : وليس معنى الشبع أن يمتلىء حتى لا يجد للطعام مساغا . ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطبق عليه اسم جائع أمسك . والثالث : إن كان بعيدا من العمران حل الشبع وإلا فلا هكذا أطلق الخلاف جماهير الأصحاب في الطريقين ، ونقله إمام الحرمين هكذا عن الأصحاب ثم أنكره عليهم ، وقال : الذي يجب القطع به التفصيل ، وذكر هو والغزالي تفصيلا جاء نقله أنه إن كان في بادية وخاف إن ترك الشبع أن لا يقطعها ويهلك ، وجب القطع بأنه يشبع ، وإن كان في بلد وتوقع طعاما طاهرا قبل عودة الضرورة وجب القطع بالاقتصار على سد الرمق ، وإن كان لا يظهر حصول طعام طاهر وأمكن الحاجة إلى العود إلى أكل الميتة مرة بعد أخرى إن لم يجد الطاهر فهذا محل الخلاف . وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام والغزالي تفصيل حسن ، وهو الراجح واختلف الأصحاب في الراجح من الخلاف فرجع أبو علي الطبري في الإفصاح والروياني

38


39
وغيرهما حل الشبع ، ورجح القفال وكثيرون وجوب الاقتصار على سد الرمق وتحريم الشبع ، وهذا هو الصحيح والله سبحانه أعلم . الرابعة : قال أصحابنا : يجوز له التزود من الميتة إن لم يرج الوصول إلى طاهر فإن رجاه فوجهان أحدهما : لا يجوز وبه قطع البغوي وغيره وأصحهما : يجوز وبه قطع القفال وغيره ، وزاد القفال فقال : يجوز حمل الميتة من غير ضرورة ، ما لم يتلوث بها . الخامسة : إذا جوزنا الشبع فأكل ما سد رمقه ثم وجد لقمة حلالا لم يجز أن يأكل من الميتة حتى يأكل تلك اللقمة فإذا أكلها هل له إتمام الأكل من الميتة إلى الشبع فيه وجهان حكاهما البغوي عن شيخه القاضي حسين أصحهما : له ذلك لأنه كان مباحا والثاني : لا لأنه بوجود اللقمة عاد إلى المنع فيحتاج إلى عود الضرورة . فرع : لو لم يجد المضطر إلا طعام غيره وهو غائب أو ممتنع من البذل فله الأكل منه بلا خلاف ، وهل له الشبع أم يلزمه الاقتصار على سد الرمق فيه طرق أصحها : طرد الخلاف كالميتة والثاني : يباح الشبع قطعا والثالث : يحرم قطعا ، بل يقتصر على سد الرمق . السادسة : في بيان جنس المباح ، قال أصحابنا : المحرم الذي يحتاج المضطر إلى تناوله ضربان مسكر وغيره أما المسكر فسنذكره إن شاء الله تعالى بعد انقضاء هذه المسائل ، حيث ذكره المصنف بعد هذا وأما غير المسكر فيباح جميعه ما لم يكن فيه إتلاف معصوم فيجوز للمضطر أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب البول وغير ذلك من النجاسات ، ويجوز له قتل الحربى والمرتد وأكلهما بلا خلاف وأما الزاني المحصن والمحارب وتارك الصلاة ففيهم وجهان أصحهما : وبه قطع إمام الحرمين والمصنف والجمهور : يجوز قال الإمام : لأنا إنما منعنا من قتل هؤلاء تفويضا إلى السلطان لئلا يفتات عليه ، وهذا العذر لا يوجب التحريم عند تحقق ضرورة المضطر وأما إذا وجد المضطر من له عليه قصاص فله قتله قصاصا وأكله سواء حضره السلطان أم لا ، لما ذكرناه في المسألة قبلها صرح به البغوي وآخرون . وأما نساء أهل الحرب وصبيانهم ففيهم وجهان أحدهما : وبه قطع البغوي لا يجوز قتلهم للأكل ، لأن قتلهم حرام فأشبه الذمي والثاني : وهو الأصح : يجوز ، وبه قال إمام الحرمين والغزالي لأنهم ليسوا معصومين ، وليس المنع من قتلهم لحرمة نفوسهم ، بل لحق الغانمين ، ولهذا لا تجب الكفارة على قاتلهم . وأما الذمي والمعاهد والمستأمن فمعصومون ، فيحرم قتلهم للأكل بلا خلاف ، ولا خلاف أنه لا يجوز لوالد قتل ولده ليأكله ، ولا للسيد قتل عبده ليأكله ، وإن كان لا قصاص

39


40
عليه في قتله ، لأنه معصوم أما إذا لم يجد المضطر إلا آدميا ميتا معصوما ففيه طريقان أصحهما وأشهرهما : يجوز ، وبه قطع المصنف والجمهور والثاني : فيه وجهان حكاهما البغوي الصحيح : الجواز ، لأن حرمة الحي آكد والثاني : لا ، لوجوب صيانته ، وليس بشيء ، وقال الدارمي : إن كان الميت كافرا حل أكله ، وإن كان مسلما فوجهان . ثم إن الجمهور أطلقوا المسألة ، قال الشيخ إبراهيم المروذي : لا إذا كان الميت نبيا فلا يجوز الأكل منه بلا خلاف ، لكمال حرمته ومزيته على غير الأنبياء ، قال الماوردي : فإن جوزنا الأكل من الآدمي الميت فلا يجوز أن نأكل منه لا ما يسد الرمق بلا خلاف حفظا للحرمتين ، قال : وليس له طبخه وشيه ، بل يأكله نيئا لأن الضرورة تندفع بذلك وفي طبخه هتك لحرمته ، فلا يجوز الإقدام عليه بخلاف سائر الميتات ، فإن للمضطر أكلها نيئة ومطبوخة : ولو كان المضطر ذميا ووجد مسلما ففي حل أكله له وجهان حكاهما البغوي ، ولم يرجح واحدا منهما ، والقياس تحريمه لكمال شرف الإسلام ولو وجد ميتة ولحم آدمي أكل الميتة ، ولم يجز أكل الآدمي سواء كانت الميتة خنزيرا أو غيره ، ولو وجد المحرم صيدا ولحم آدمي أكل الصيد لحرمة الآدمي . فرع : لو أراد المضطر أن يقطع من نفسه من فخذه أو غيرها ليأكلها ، فإن كان الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو أشد ، حرم القطع بلا خلاف ، وصرح به إمام الحرمين وغيره ، وإلا ففيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : جوازه وهو قول ابن سريج وأبي إسحاق المروزي والثاني : لا يجوز ، اختاره أبو علي الطبري ، وصححه الرافعي في المحرر ، والصحيح الأول : وممن صححه الرافعي في الشرح والنسخ ، وإذا جوزناه فشرطه أن لا يجد شيئا غيره ، فإن وجد حرم القطع بلا خلاف ، ولا يجوز أن يقطع لنفسه من معصوم وغيره بلا خلاف ، وليس للغير أن يقطع من إعضائه شيئا ليدفعه إلى المضطر بلا خلاف ، صرح به إمام الحرمين والأصحاب . السابعة : إذا وجد المضطر طعاما حلالا طاهرا لغيره فله حالان أحدهما : أن يكون صاحبه حاضرا الثاني : أن يكون غائبا ، فإن حضر نظر إن كان المالك مضطرا إليه أيضا فهو أولى به ، وليس للآخر أن يأخذه منه إذا لم يفضل عن حاجته ، إلا أن يكون غير المالك نبيا ، فإنه يجب على المالك بذله له ، هكذا قالوه ، والحكم صحيح ، لكن المسألة غير متصورة في هذه الأزمان ، وتتصور في زمن نزول عيسى ابن مريم عليه السلام وقد تكون مسألة علمية ، والله أعلم . قال أصحابنا : فإن آثر المالك غيره على نفسه فقد أحسن ، قال الله تعالى :

﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة

40

الحشر : 9 قالوا : وإنما يجوز أن يؤثر على نفسه مسلما ، فأما الكافر فلا يؤثره حربيا كان أو ذميا وكذا لا يؤثر على نفسه بهيمة والله أعلم . أما إذا لم يكن المالك مضطرا فيلزمه إطعام المضطر ، مسلما كان أو ذميا أو مستأمنا وكذا لو كان يحتاج إليه في ثاني الحال على أصح الوجهين ، وللمضطر أن يأخذه قهرا ، وله مقاتلة المالك عليه ، فإن أتى القتال على نفس المالك فلا ضمان فيه ، وإن قتل المالك المضطر في الدفع عن طعام لزمه القصاص ، وإن منعه الطعام فمات جوعا فلا ضمان ، قال الماوردي : ولو قيل يضمن ، لكان مذهبا ، قال أصحابنا : وفي القدر الذي يلزم المالك بذله ، ويجوز للمضطر أخذه قهرا ، والقتال عليه قولان أصحهما : ما يسد الرمق والثاني : قدر الشبع بناء على القولين فيما يحل له من الميتة ، وهل يجب على المضطر الأخذ قهرا والقتال فيه خلاف مرتب على الخلاف في وجوب أكل الميتة ، وأولى بأن لا يجب والأصح : هنا أنه يجب الأخذ قهرا ولا يجب القتال ، لأنه إذا لم يجب دفع الصائل فهنا أولى . وخص البغوي الخلاف بما إذا لم يكن عليه خوف في الأخذ قهرا ، قال فإن خاف لم يجب قطعا ، وحيث أوجبنا على المالك بذله للمضطر ففي الحاوي وجه ضعيف أنه يلزمه بذله مجانا ، ولا يلزم المضطر شىء كما يأكل الميتة بلا شىء والمذهب أنه لا يلزمه البذل إلا بعوض ، وبهذا قطع الجمهور . وفرقوا بينه وبين ما إذا خلص مشرفا على الهلاك بالوقوع في ماء أو نار فإنه لا يثبت له أجرة المثل بلا خلاف ، بأن هناك يلزمه التلخيص ولا يجوز تأخيره إلى تقدير الأجرة ، وهنا بخلافه . وسوى القاضي أبو الطيب الطبري وغيره بينهما وقالوا : إن احتمل الحال هناك موافقة على أجرة يبذلها أو يلتزمها لم يلزم تخليصه حتى يلتزمها ، كما في المضطر ، وإن لم يحتمل الحال التأخير في صورة المضطر فأطعمه لم يلزمه العوض فلا فرق بينهما . ثم إن بذل المالك طعامه مجانا لزمه قبوله ويأكل منه حتى يشبع ، وإن بذله بالعوض نظر إن لم يقدر العوض لزم المضطر بذله ، وهو مثله إن كان مثليا ، وإن كان متقوما لزمه قيمة ما أكل في ذلك الزمان والمكان ، وله أن يأكل حتى يشبع ، وإن قدر له العوض فإن لم يفرد ما يأكله فالحكم كذلك ، وإن أفرده كان المقدر ثمن المثل فالبيع صحيح ، وللمضطر ما فضل عن الآخر ، وإن كان أكثر من ثمن المثل والتزمه ففيما يلزمه أوجه أصحها : عند القاضي أبي الطيب يلزمه المسمى لأنه التزمه بعقد لازم وأصحها : عند الروياني لا يلزمه إلا ثمن المثل في ذلك الزمان والمكان ، لأنه كالمكره والثالث : وهو اختيار الماوردي إن

41


42
كانت الزيادة لا تشق على المضطر ليسار لزمته ، وإلا فلا . قال أصحابنا : وينبغي للمضطر أن يحتال في أخذه منه ببيع فاسد ليكون الواجب القيمة بلا خلاف قال الرافعي : وقد يفهم من كلامهم القطع بصحة البيع وأن الخلاف فيما يلزمه ثمنا لكن الوجه جعل الخلاف في صحة العقد لمعنى ، وأن المضطر هل هو مكره أم لا وفي تعليق الشيخ أبي حامد ما يبين ذلك وقد صرح به إمام الحرمين وقال : الشراء بالثمن الغالي لضرورة هل تجعله كرها حتى لا يصح الشراء فيه وجهان أقيسهما : صحة البيع ، قال : وكذا المصادر من جهة السلطان الظالم إذا باع للضرورة في المصادرة ودفع الأذى الذي يخافه فيه وجهان أصحهما : صحة البيع ، لأنه إكراه على نفس البيع ، ومقصود الظالم تحصيل المال من أي جهة كان ، وبهذا قطع الشيخ إبراهيم المروذي ، واحتج به لوجه لزوم المسمى في مسألة المضطر . فرع : متى باع المضطر بثمن المثل ومع المضطر مال ، لزمه شراؤه وصرف ما معه من المال إلى الثمن حتى لو كان معه ساتر عورته لزمه صرفه إليه إن لم يخف الهلاك بالبرد ويصلي عاريا ، لأن كشف العورة أخف من أكل الميتة ، ولهذا يجوز أخذ الطعام قهرا ، ولا يجوز أخذ سائر العورة قهرا فإن لم يكن معه مال لزمه التزامه في ذمته ، سواء كان له مال في موضع آخر أم لا ، ويلزم المالك في هذا الحال البيع نسيئة ، قال أصحابنا : والشراء هنا واجب بلا خلاف ، ولا يجىء فيه الوجه السابق أنه لا يجب الأكل من الميتة بل يجوز ، لأن ذلك القائل يقول لا يجب ، لأن فيه مباشرة النجاسة ، وهذا مقصود في مسألة الطعام الطاهر . فرع : ليس للمضطر الأخذ قهرا إذا بذل المالك بثمن المثل ، فإن طلب أكثر من ثمن المثل فله أن لا يقبل ، ويأخذه قهرا ويقاتله ، فإن اشتراه بالزيادة مع إمكان أخذه قهرا فهو مختار في الزيادة فيلزمه المسمى بلا خلاف ، والخلاف السابق إنما هو فيمن عجز عن الأخذ قهرا . فرع : لو أطعمه المالك ولم يصرح بالإباحة فوجهان الأصح : أنه لا عوض عليه ، ويحمل على الإباحة والمسامحة المعتادة بالطعام والثاني : يلزمه العوض ، وهو شبيه بالخلاف فيمن عرف بالعمل بأجرة إذا استعمله إنسان بغير شرط أجرة ، والأصح أنها لا تجب ، ولو اختلفا فقال المالك : أطعمتك بعوض ، فقال المضطر : بل مجانا ، فوجهان حكاهما صاحبا العدة والبيان قولين أصحهما : يصدق المالك ، لأنه أعرف بدفعه والثاني : المضطر ، لأن الأصل براءته ، ولو أوجر المالك المضطر قهرا أو أوجره وهو مغمى عليه

42


43
فهل يستحق القيمة عليه فيه وجهان أصحهما : يستحق ، لأنه خلصه من الهلاك ، كمن عفا عن القصاص ، ولما فيه من التحريض على مثل ذلك . فرع : كما يجب بذل المال لإبقاء الآدمي المعصوم ، يجب بذله لإبقاء البهيمة المحترمة ، وإن كانت ملكا للغير ، ولا يجب البذل للحربي ولا للمرتد والكلب العقور ، ولو ان لرجل كلب مباح المنفعة جائع وشاة ، لزمه ذبح الشاة لإطعام الكلب ، قال البغوي : وله أن يأكل من لحمها لأنها ذبحت للأكل . قال القاضي حسين : ولو كان معه كلب مضطر ومع غيره شاة ليس مضطرا إليها لزمه بذلها . فإن امتنع فلصاحب الكلب قهره ومقاتلته لما سبق ، والله أعلم . الحال الثاني : أن يكون المالك غائبا فيجوز للمضطر أكل طعامه ويغرم له بدله ، وفي وجوب الأكل والقدر المأكول ما سبق من الخلاف ، وإن كان الطعام لصبي أو مجنون والولي غائب ، فكذلك الحكم ، وإن كان حاضرا فهو في مالهما ككامل الحال في ماله ، قال أصحابنا : وهذه إحدى الصور التي يجوز فيها بيع مال الصبي نسيئة والله أعلم . المسألة الثامنة : إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير وهو غائب ، فثلاثة أوجه ، وقيل : ثلاثة أقوال أصحها : يجب أكل الميتة والثاني : يجب أكل الطعام ، ودليلهما في الكتاب والثالث : يتخير بينهما ، وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي ، ولو كان صاحب الطعام حاضرا فإن بذله بلا عوض أو بثمن مثله ، أو بزيادة يتغابن الناس بمثلها ، ومعه ثمنه ، أو رضي بذمته ، لزمه القبول ، ولم يجز أكل الميتة ، فإن لم يبعه إلا بزيادة كثيرة ، فالمذهب والذي قطع به العراقيون والطبريون وغيرهم أنه لا يلزمه شراؤه ، لكن يستحب ، وإذا لم يلزمه الشراء فهوكما إذا لم يبذله أصلا ، وإذا لم يبدله لم يقاتله عليه المضطر ، إن خاف من المقاتلة على نفسه ، أو خاف إهلاك المالك في المقاتلة ، بل يعدل إلى الميتة ، وإن كان لا يخاف لضعف المالك وسهولة دفعه فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان غائبا . هذا كله تفريع على المذهب الصحيح ، وقال البغوي : يشتريه بالثمن الغالي ولا يأكل الميتة ، ثم يجىء الخلاف السابق في أنه يلزمه المسمى أم ثمن المثل قال : وإذا لم يبذل أصلا وقلنا : طعام الغير أولى من الميتة يجوز أن يقاتله ويأخذه قهرا ، والله أعلم . التاسعة : لو اضطر محرم ولم يجد إلا صيدا فله ذبحه وأكله ، ويلزمه الفدية ، وقد سبقت المسألة في كتاب الحج ، وإن وجد صيدا وميتة ، فله طريقان ذكرهما المصنف والأصحاب أحدهما : أنه مبني على القولين السابقين في كتاب الحج أن المحرم إذا ذبح صيدا هل يصير ميتة فيحرم على جميع الناس أم لا يكون ميتة فلا يحرم

43


44
على غيره والأصح : أنه يصير ميتة فإن قلنا : يصير ميتة أكل الميتة وإلا فالصيد والطريق الثاني إن قلنا : يصير ميتة أكل الميتة ، وإلا فأيهما يأكل فيه قولان ، ودليل الجميع في الكتاب ، ومن الأصحاب من حكى في المسألة ثلاثة أقوال أو أوجه أصحها : يلزمه أن يأكل الميتة والثاني : يلزمه أكل الصيد والثالث : يتخير ، وحكاه الدارمي عن أبي علي ابن أبي هريرة ، والصحيح على الجملة وجوب أكل الميتة . ولو وجد المحرم لحم صيد مذبوح وميتة ، فإن كان ذابحه حلالا ذبحه لنفسه فهذا مضطر وجد ميتة وطعام الغير ، وقد سبق حكمه ، وإن ذبح هذا المحرم قبل إحرامه فهو واجد طعام حلال لنفسه ، فليس مضطرا ، فإن ذبحه في الإحرام أو ذبحه محرم آخر وقلنا : هو حرام على كل أحد فثلاثة أوجه أصحها : يتخير بينهما والثاني : يتعين لحم الصيد والثالث : الميتة ، وقال الدارمي : إن قلنا : إنه ميتة أكل من أيهما شاء ، وغير الصيد أولى ، وإن قلنا : ليس بميتة فوجهان أحدهما : يأكله والثاني : يأكل الميتة ، ولو وجد المحرم صيدا وطعام الغير فثلاثة أوجه أو أقوال ، سواء جعلناه ميتة أم لا أحدها : يتعين الصيد والثاني : الطعام والثالث : يتخير هذا إذا كان مالك الطعام غائبا ، فإن حضر ومنعه تعين الصيد ، وإن بذله تعين الطعام صرح به الدارمي وغيره ، وإن وجد ميتة وصيدا وطعام الغير ، فسبعة أوجه ، ذكرها إمام الحرمين وغيره أصحها : يتعين الميتة والثاني : الصيد والثالث : الطعام والرابع : يتخير بين الثلاثة والخامس : يتخير بين الطعام والميتة والسادس : يتخير بين الصيد والميتة والسابع : بين الصيد والطعام . فرع : إذا لم نجعل ما يذبحه المحرم من الصيد ميتة ، فهل على المضطر قيمة ما أكله منه فيه وجهان بناء على القولين في المحرم ، هل يستقر ملكه على الصيد . العاشرة : إذا وجد ميتتان إحداهما من جنس المأكول دون الأخرى ، أو إحداهما طاهرة في الحياة دون الأخرى ، كشاة وحمار ، أو كلب ، فهل يتخير بينهما أم تتعين الشاة فيه وجهان أصحهما : ترك الكلب والتخيير في الباقي ، والله أعلم . الحادية عشرة : لا يجوز للعاصي بسفره أكل الميتة حتى يتوب . هذا هو الصحيح المشهور ، لقول الله تعالى :

﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه البقرة : 173 وفيه وجه ضعيف أنها تحل له ، وقد سبق بيان المسألة واضحة في باب مسح الخف ، وباب صلاة المسافر . الثانية عشرة : نص الشافعي رحمه الله أن المريض إذا

44


45
وجد مع غيره طعاما يضره ويزيد في مرضه ، جاز تركه وأكل الميتة ، قال أصحابنا : وكذا لو كان الطعام له ، وعدوا هذا من أنواع الضرورة ، وكذا التداوي بالنجاسات كما سنوضحه إن شاء الله تعالى قريبا . فرع : قال الشافعي رحمه الله : وإذا اضطر ووجد من يطعمه ويسقيه فليس له الامتناع إلا في حالة واحدة ، وهي إذا خاف أن يطعمه أو يسقيه مسموما ، فلو تركه وأكل الميتة فله تركه وأكل الميتة ، والله أعلم . الثالثة عشرة : إذا اضطر إلى شرب الدم أو البول أو غيرهما من النجاسات المائعة غير المسكر ، جاز له شربه بلا خلاف ، وإن اضطر وهناك خمر وبول لزمه شرب البول ، ولم يجز شرب الخمر بلا خلاف ، لما ذكره المصنف . وأما التداوي بالنجاسات غير الخمر فهو جائز سواء فيه جميع النجاسات غير المسكر ، هذا هو المذهب والمنصوص ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه أنه لا يجوز ، لحديث أم سلمة المذكور في الكتاب ووجه ثالث : أنه يجوز بأبوال الإبل خاصة لورود النص فيها ، ولا يجوز بغيرها ، حكاهما الرافعي ، وهما شاذان ، والصواب الجواز مطلقا ، لحديث أنس رضي الله عنه أن نفرا من عرينة وهي قبيلة معروفة بضم العين المهملة وبالنون أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام فاستو خمرا المدينة ، فسقمت أجسامهم فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من أبوالها وألبانها قالوا : بلى فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا ، فقتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم واطردوا النعم رواه البخاري ومسلم من روايات كثيرة ، هذا لفظ إحدى روايات البخاري ، وفي رواية فأمرهم أن يشربوا أبوالها وألبانها . قال أصحابنا : وإنما يجوز التداوي بالنجاسة إذا لم يجد طاهرا يقوم مقامها ، فإن وجده حرمت النجاسات بلا خلاف ، وعليه يحمل حديث : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم فهو حرام عند وجود غيره ، وليس حراما إذا لم يجد غيره . قال أصحابنا : وإنما يجوز ذلك إذا كان المتداوي عارفا بالطب ، يعرف أنه لا يقوم غير هذا مقامه ، أو

45


46
أخبره بذلك طبيب مسلم عدل ، ويكفي طبيب واحد ، صرح به البغوي وغيره ، فلو قال الطبيب : يتعجل لك به الشفاء ، وإن تركته تأخر ، ففي إباحته وجهان ، حكاهما البغوي ، ولم يرجح واحدا منهما ، وقياس نظيره في التيمم أن يكون الأصح جوازه . أما الخمر والنبيذ وغيرهما من المسكر فهل يجوز شربها للتداوي أو العطش فيه أربعة أوجه مشهورة الصحيح : عند جمهور الأصحاب لا يجوز فيهما والثاني : يجوز والثالث : يجوز للتداوي دون العطش والرابع عكسه . قال الرافعي : الصحيح عند الجمهور لا يجوز لواحد منهما ، ودليله حديث وائل بن حجر رضي الله عنه : أن طارق بن سويد الجعفي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها ، فقال : إنما أصنعها للدواء فقال : إنه ليس بدواء ولكنه داء رواه مسلم في صحيحه ، واختار إمام الحرمين والغزالي جوازها للعطش دون التداوي والمذهب الأول ، وهو تحريمها لهما ، وممن صححه المحاملي وسأورد دليله قريبا إن شاء الله تعالى ، فإن جوزنا شربها للعطش فإن كان معه خمر وبول لزمه شرب البول وحرم الخمر ، لأن تحريم البول أخف ، قال أصحابنا : فهذا كمن وجد بولا وماء نجسا فإنه يشرب الماء النجس ، لأن نجاسته طارئة ، وفي جواز التبخر بالند المعجون بالخمر وجهان بسبب دخانه أصحهما : جوازه لأنه ليس دخان نفس النجاسة ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن المذهب الصحيح تحريم الخمر للتداوي والعطش ، وأن إمام الحرمين والغزالي اختارا جوازها للعطش ، قال إمام الحرمين : الخمر يسكن العطش فلا يكون استعمالها في حكم العلاج ، قال : ومن قال : إن الخمر لا يسكن العطش فليس على بصيرة ، ولا يعد قوله مذهبا ، بل هو غلط ووهم بل معاقر الخمر يجتزىء بها عن الماء ، هذا كلامه ، وليس كما ادعى بل الصواب المشهور عن الشافعي وعن الأصحاب والأطباء أنها لا تكسن العطش بل تزيده والمشهور من عادة شربة الخمر أنهم يكثرون شرب الماء ، وقد نقل الروياني أن الشافعي رحمه الله نص على المنع من شربها للعطش معللا بأنها تجيع وتعطش ، وقال القاضي أبو الطيب : سألت من يعرف ذلك فقال : الأمر كما قال الشافعي ، أنها تروي في الحال ثم تثير عطشا عظيما ، وقال القاضي حسين في تعليقه : قالت الأطباء : الخمر تزيد في العطش وأهل الشرب يحرصون على الماء البارد ، فحصل بما ذكرناه أنها لا تنفع في دفع العطش ، وحصل بالحديث الصحيح السابق في هذه المسألة أنها لا تنفع في الدواء فثبت تحريمها مطلقا ، والله تعالى أعلم .

46


47
فرع : لو غص بلقمة ولم يجد شيئا يسيغها به إلا الخمر فله إساغتها به بلا خلاف ، نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب وغيرهم ، بل قالوا : يجب عليه ذلك لأن السلامة من الموت بهذه الإساغة قطعية بخلاف التداوي وشربها للعطش ، قال أهل اللغة : يقال : غص بفتح الغين لا بضمها يغص بفتحها أيضا غصصا بالفتح أيضا فهو غاص وغصان وأغصصته ، والله أعلم . فرع : قال البيهقي : قال الشافعي : لا يجوز أكل الترياق المعمول بلحم الحيات إلا أن يكون في حال الضرورة حيث تجوز الميتة ، هذا لفظه . واحتج البيهقي في المسألة بحديث ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقا ، أو تعلقت تميمة ، أو قلت الشعر من قبل نفسي رواه أبو داود بإسناد فيه ضعف ، ومعناه أن هذه الثلاثة سواء في كونها مذمومة . فرع : في مذاهب العلماء في مسائل من أحكام المضطر : إحداها : أجمعوا أنه يجوز له الأكل من الميتة والدم ولحم الخنزير ونحوها للآية الكريمة . وفي قدر المأكول قولان للشافعي سبقا أصحهما : سد الرمق ، وبه قال أبو حنيفة وداود . و الثاني : قدر الشبع ، وعن مالك وأحمد روايتان كالقولين . الثانية : إذا لم يكن مع المضطر مال ، وكان مع غيره طعام يستغنى عنه لم يلزمه بذله له بلا عوض ، وله الامتناع من البذل حتى يشتريه بثمن مثله في الذمة ، كما سبق . هذا مذهبنا . قال العبدري : وهو قول العلماء كافة ، وقول داود ، قال : ومن أصحاب داود من قال : يجوز للمضطر أن يأكل منه قدر ما تزول به الضرورة ، ولا ضمان عليه في ذلك ، كما لو رآه يغرق أو يحترق وأمكنه تخليصه لزم تخليصه من غير إلزام عوض واحتج أصحابنا بأن الذمة كالمال ولو كان معه مال لم يلزم صاحب الطعام بذله مجانا وكذا إذا أمكن الشراء في الذمة . قال أصحابنا : وأما ما احتج به المخالف فجوابه أنه لا فرق بينهما ، بل كل حالة أمكن فيها الموافقة على عوض لم يلزم إلا بالعوض والله أعلم . الثالثة : إذا وجد ميتة وطعاما لغائب فللشافعي قولان أصحهما : يأكل الميتة ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد لأنه منصوص عليها وطعام غيره مجتهد فيه . و الثاني : يأكل طعام غيره وبه قال مالك ، لأنه مجمع عليه مع طهارته ولو وجد ميتة وصيدا وهو محرم

47


48
فالأصح أنه يأكل الميتة وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد . الرابعة : إذا وجد المضطر آدميا ميتا حل له أكله عندنا كما سبق تفصيله وقال مالك وأحمد وأصحاب الظاهر : لا يجوز . واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف أن حرمة الحي آكد من حرمة الميت ، والله أعلم . الخامسة : ذكرنا أن مذهبنا جواز التداوي بجميع النجاسات سوى المسكر وقال أحمد : لا يجوز لحديث إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم وحديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام رواه أبو داود وحديث أبي هريرة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدواء الخبيث رواه أبو داود ، ودليلنا حديث العرنيين ، وهو في الصحيحين كما سبق ، وهو محمول على شربهم الأبوال للتداوي كما هو ظهر الحديث . وحديث لم يجعل شفاءكم محمول على عدم الحاجة إليه بأن يكون هناك ما يغني عنه ، ويقوم مقامه من الأدوية الطاهرة . وكذا الجواب عن الحديثين الآخرين ، وقال البيهقي : هذان الحديثان إن صحا حملا على النهي عن التداوي بالمسكر . وعلى التداوي بالحرام من غير ضرورة ، للجمع بينهما وبين حديث العرنيين ، والله تعالى أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن مر ببستان لغيره وهو غير مضطر لم يجز أن يأخذ منه شيئا بغير إذن صاحبه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفسه .

+ الشرح : هذا الحديث رواه البيهقي في كتاب الغصب من رواية علي بن زيد بن جدعان عن أبي حرة الرقاشي عن أبيه عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه وإسناده ضعيف ، علي بن زيد ضعيف ، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فذكر الحديث وفيه : لا يحل لامرىء من مال أخيه إلا ما أعطاه من طيب نفس رواه البيهقي في كتاب الغصب بإسناد صحيح ، قال

48


49
أصحابنا : إذا مر الإنسان بثمر غيره أو زرعه لم يجز أن يأخذ منه ، ولا أن يأكل منه بغير إذن صاحبه إلا أن يكون مضطرا فيأكل حينئذ ويضمن كما سبق ، قال أصحابنا : وحكم الثمار الساقطة من الأشجار حكم الثمار التي على الشجر ، إن كانت الساقطة داخل الجدار ، وإن كانت خارجة فكذلك إن لم تجر عادتهم بإباحتها فإن جرت فوجهان أحدهما : لا يحل كالداخلة ، وكما إذا لم تجر عادتهم لاحتمال أن هذا المالك لا يبيح وأصحهما : يحل لاطراد العادة المستمرة بذلك ، وحصول الظن بإباحته ، كما يحصل تحمل الصبي المميز الهدية ، ويحل أكلها والله أعلم . فرع : هذا الذي ذكره الأصحاب حكم مال الأجنبي . أما القريب والصديق فإن تشكك في رضاه بالأكل من ثمره وزرعه وبيته لم يحل الأكل منه بلا خلاف وإن غلب على ظنه رضاه به ، وأنه لا يكره أكله منه جاز أن يأكل القدر الذي يظن رضاه به ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال والأموال ولهذا تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وفعل سلف الأمة وخلفها ، قال الله تعالى : إلى قوله تعالى :

﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم النور : 61 وبينت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء فيمن مر ببستان غيره ، وفيه ثمار أو مر بزرع غيره ، فذهبنا أنه لا يجوز أن يأكل منه شيئا إلا أن يكون في حال الضرورة التي يباح فيها الميتة وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وداود والجمهور . وقال أحمد : إذا اجتاز به وفيه فاكهة رطبه وليس عليه حائط جاز له الأكل منه من غير ضرورة ولا ضمان عليه عنده في أصح الروايتين ، وفي الرواية الأخرى يباح له ذلك عند الضرورة ولا ضمان ، واحتج بما روى مجاهد عن أبي عياض أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : من مر منكم بحائط فليأكل في بطنه ولا يتخذ خبنة وعن زيد بن وهب قال : قال عمر رضي الله عنه : إذا كنتم ثلاثة فأمروا عليكم واحدا منكم فإذا مررتم براعي الإبل فنادوا يا راعي الإبل ، فإن أجابكم فاستسقوه ، وإن لم يجبكم فأتوها فحلوها واشربوا ثم صروها رواهما البيهقي ، وقال : هذا صحيح

49


50
عن عمر بإسناديه جميعا ، قال : وهو محمول عندنا على حال الضرورة . واحتج أصحابنا بالحديث الذي ذكره المصنف مع ما ذكرته مما سبق منه وبحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يحلبن أحدكم ماشية غيره إلا بإذنه ، أيحب أحدكم أن يؤتى مشربته فتكسر خزانته فيتنثل طعامه فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه رواه البخاري ومسلم . وفي المسألة أحاديث كثيرة بمعنى ما ذكرته قال الشافعي رحمه الله : ومن مر لرجل بزرع أو ثمر أو ماشية أو غير ذلك من ماله لم يكن له أخذ شىء منه إلا بإذنه ، لأن هذا مما لم يأت فيه كتاب ولا سنة ثابتة بإباحته فهو ممنوع إلا بإذن مالكه قال : وقد قيل : من مر بحائط فليأكل ولا يتخذ خبنة ، وروى فيه حديث لو كان ثبت عندنا لم نخالفه ، والكتاب والحديث الثابت أنه لا يجوز أكل مال أحد إلا بإذنه قال البيهقي : فالحديث الذي أشار إليه الشافعي هو حديث يحيى بن سليم الطائفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة . قال البيهقي : وقد أخبرنا أبو محمد السكري فذكر إسناده إلى يحيى بن معين قال : حديث يحيى بن سليم هذا عن عبيد الله في الرجل يمر بالحائط فيأكل منه ، قال : هذا غلط وقال أبو عيسى الترمذي : سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال : يحيى بن سليم يروى أحاديث عن عبيد الله يهم فيها قال البيهقي : وقد جاء من أوجه أخر وليست بقوية منها : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : سمعت رجلا من مزينة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أسمع عن الضاله فذكر الحديث قال : ثم سأله عن الثمار يصيبها الرجل فقال : ما أخذ في أكمامه يعني رؤوس النخل فاحتمله فثمنه ومثله معه وضرب نكال ، وما كان في أجرانه فأخذه ففيه القطع إذا بلغ ذلك ثمن المجن ، وإن أكل بفيه ولم يأخذ فيتخذ

50


51
خبنه فليس عليه شىء . قال البيهقي : وهذا إن صح فمحمول على أنه ليس فيه قطع حين لم يخرجه من الحرز ومنها ما رواه أبو داود في سننه عن الحسن عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه ، فإن أذن له فليحلب وليشرب ، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا ، فإن أجابه فليستأذنه وإلا فليحلب وليشرب ولا يحمل . قال البيهقي : أحاديث الحسن عن سمرة لا يثبتها بعض الحفاظ ، ويزعم أنها من كتاب ، غير حديث العقيقة الذي ذكر فيه السماع ، فإن صح فهو محمول على حال الضرورة ومنها حديث يزيد بن هارون عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أتى أحدكم على راع فليناد يا راعي الإبل ثلاثا ، فإن أجابه ، وإلا فليحلب وليشرب ، لا يحملن . وإذا أتى أحدكم على حائط فليناد ثلاثا يا صاحب الحائط ، فإن أجابه فليأكل ولا يحملن . قال البيهقي : تفرد به سعيد الجريري وهو ثقة ، إلا أنه اختلط في آخر عمره ، وسماع يزيد بن هارون منه بعد اختلاطه فلا يصح ، قال : وقد روى عن أبي سعيد عن النبي خلافه صلى الله عليه وسلم ثم ذكره بإسناده عن شريك عن عبد الله بن عاصم قال : سمعت أبا سعيد الخدري يقول : لا يحل لأحد أن يحل صرار ناقة إلا بإذن أهلها ، فإن خاتم أهلها عليها ، فقيل لشريك : أرفعه قال : نعم قال البيهقي : وهذا يوافق حديث ابن عمر الصحيح السابق ، ثم روى البيهقي بإسناده عن أبي عبيد القاسم بن سلام ، قال : إنما هذا الحديث يعني حديث عمر ، وحديث عمرو بن شعيب في الرخصة أنه أرخص فيه للجائع المضطر ، الذي لا شىء معه يشتري به وهو معسر ، وفي حديث ابن جريج عن عطاء قال : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للجائع المضطر إذا مر بحائط أن يأكل منه ولا يتخذ خبنة وعن الحجاج بن أرطأة عن سليط بن عبد الله التميمي عن ذهيل بن عوف بن سماح عن أبي هريرة قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ناس : يا رسول الله ما يحل للرجل من مال

51


52
أخيه قال : أن يأكل ولا يحمل ، ويشرب ولا يحمل قال البيهقي : هذا إسناده مجهول لا يقوم به حجة والحجاج بن أرطأة لا يحتج به ، قال : وقد روى من وجه آخر عن الحجاج ما دل على أنه في المضطر والله تعالى أعلم . فرع : الضيافة سنة ، فإذا استضاف مسلم لا اضطرار به مسلما استحب له ضيافته ، ولا تجب ، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور ، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ، وقال الليث بن سعد وأحمد بن حنبل : هي واجبة يوما وليلة ، قال أحمد : هي واجبة يوما وليلة على أهل البادية وأهل القرى دون أهل المدن ، واحتجوا بحديث أبي شريح الخزاعي رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه عليه جائزته ، قال : وما جائزته يا رسول الله قال : يومه وليلته ، والضيافة ثلاث أيام ، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه ، ولا يحل لرجل مسلم يقيم عند أخيه حتى يؤثمه ، قالوا : يا رسول الله وكيف يؤثمه قال : يقيم عنده ولا شيء له يقريه به رواه البخاري ومسلم ، وروى أبو داود في سننه عن أشهب قال : سئل مالك رضي الله عنه عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : جائزته يوم وليلة فقال : يكرمه ويتحفه ويحفظه يوما وليلة وثلاثة أيام ضيافة . قال الخطابي : معناه أنه يتكلف له في اليوم الأول ما اتسع له من بر وإلطاف ، وأما في اليوم الثاني والثالث فيقدم له ما كان بحضرته ، ولا يزيد على عادته ، وما كان بعد الثلاث فهو صدقة ومعروف ، إن شاء فعل وإن شاء ترك ، قال : وقوله صلى الله عليه وسلم : ولا يحل أن يقيم عنده حتى يؤثمه ، معناه لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث من غير استدعاء منه حتى يوقعه في الإثم وعن أبي كريمة المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الضيف حق على كل مسلم ، فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين إن شاء اقتص ، وإن شاء ترك رواه أبو داود بإسناد ، صحيح ، وعنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيما رجل أضاف قوما فأصبح الضيف محروما ، فإن نصره حق على كل مسلم ، حتى يأخذ بقرى ليلة من زرعه وماله رواه أبو داود بإسناد

52


53
حسن . وعن عقبة بن عامر قال : قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا ، فما ترى فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم رواه مسلم في صحيحه ، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجه بأسانيد صحيحة ، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الضيافة ثلاث أيام ، فما سوى ذلك فهو صدقة رواه أبو داود بإسناد جيد ، واحتج أصحابنا والجمهور بالأحاديث السابقة في مسألة ثمار الإنسان وزرعه وأجابوا عن هذه الأحاديث الواردة في الضيافة بأنها محمولة على الاستحباب ومكارم الأخلاق ، وتأكد حق الضيف كحديث : غسل الجمعة واجب على كل محتلم أي متأكل الاستحباب وتأول بعض هذه الأحاديث الخطابي وغيره على المضطر ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يحرم كسب الحجام لما روى أبو العالية أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن كسب الحجام فقال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه أجره : ولو كان حراما ما أعطاه ويكره للحر أن يكتسب بالحجامة وغيرها من الصنائع الدنيئة كالكنس والذبح والدبغ لأنها مكاسب دنيئة فينزه الحر منها ، ولا يكره للعبد لأن العبد أدنى ، فلم يكره له ، وبالله التوفيق .

+ الشرح : حديث ابن عباس رواه البخاري ومسلم ، واسم أبي العالية رفيع بضم الراء وفتح الفاء قال أصحابنا : كسب الحجام حلال ليس بحرام هذا هو المذهب والمعروف والمنصوص ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه شاذ قاله أبو بكر بن خزيمة من أصحابنا أنه حرام على الأحرار ، ويجوز إطعامه للعبيد والإماء والدواب والصواب : الأول ، قال أصحابنا : ولا يكره للعبد أكل كسب الحجام سواء كسبه حر أم عبد ، ويكره أكله للحر ، سواء كسبه حر أم عبد ، ولكراهته معنيان أحدهما : مخالطة النجاسة والثاني : دنائته . فعلى الثاني يكره كسب الحلاق ونحوه ، وعلى الأول يكره كسب الكناس والزبال والدباغ والقصاب والخاتن ، وهذا الوجه هو الصحيح الذي قطع به المصنف والجمهور .

53


54
وفي كسب الفاصد وجهان أصحهما : لا يكره وهو قول أبي على ابن أبي هريرة والثاني : يكره كراهة تنزيه وفي الحمامي والحائل وجهان أصحهما : لا يكره الحائل وكره جماعة من أصحابنا كسب الصواغين قال صاحب البيان وفي كراهة هذه الأشياء للعبيد وجهان أصحهما : لا يكره لأنه دنىء وهذا هو الصحيح الذي قطع به المصنف والجمهور والله أعلم . فرع : قال الماوردي أصول المكاسب الزراعة والتجارة والصنعة ، وأيها أطيب فيه ثلاثة مذاهب للناس أشبهها : بمذهب الشافعي أن التجارة أطيب ، قال : والأشبه عندي أن الزراعة أطيب ، لأنها أقرب إلى التوكل ، وذكر الشاشي وصاحب البيان وآخرون نحو ما ذكره الماوردي ، وأخذه عنه ، قلت : في صحيح البخاري عن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبي الله داود صلى الله عليه وسلم كان يأكل من عمل يده فالصواب ما نص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عمل اليد ، فإن كان زراعا فهو أطيب المكاسب وأفضلها ، لأنه عمل يده ، ولأن فيه توكلا كما ذكره الماوردي وقال : ( لأن ) فيه نفعا عاما للمسلمين والدواب ، ولأنه لا بد في العادة أن يؤكل منمه بغير عوض ، فيحصل له أجره . وإن لم يكن ممن يعمل بيده بل يعمل له غلمانه وأجراؤه فاكتسابه بالزراعة أفضل لما ذكرناه ، وقد ثبت عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة ، وما سرق منه له صدقة ، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة رواه مسلم في صحيحه ، ومعنى يرزؤه ينقصه ، وفي رواية لمسلم أيضا : فلا يغرس المسلم غرسا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة وفي رواية لمسلم أيضا : لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ، ولا دابة ، ولا شىء إلا كانت له صدقة رواه البخاري ومسلم جميعا من رواية أنس ، والله أعلم . فرع : في جملة من الأحاديث الواردة في كسب الحجام والحجامة . عن عون بن أبي

54


55
جحيفة قال : اشترى أبي عبدا جحاما فأمر بمحاجمه فكسرت وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، وثمن الدم ، ولعن الواشمة والمستوشمة ، وآكل الربا ومؤكله ، ولعن المصور رواه البخاري ، وعن رافع بن خديج رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كسب الحجام خبيث ، ومهر البغي

55


56
ولا على الحر ، لكن يستحب للحر التنزه عنه ، وعن أكله ، وبهذا قال جماهير العلماء : وقال أحمد في رواية ضعيفة عنه وفقهاء المحدثين : يحرم على الأحرار دون العبيد ، واحتجوا بالأحاديث السابقة ، واحتج الجمهور بحديث ابن عباس ، وحملوا الأحاديث الباقية على التنزيه والارتفاع عن دنىء الأكتساب ، والحث على مكارم الأخلاق . فرع : في فضل الحجامة مع ما سبق . عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال لمريض عاده : لا أبرح حتى يحتجم ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن فيه شفاء رواه البخاري ومسلم ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا هند حجم النبي صلى الله عليه وسلم في يأفوخه من وجع كان به وقال : إن كان في شىء شفاء مما تداوون به فالحجامة رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة اليافوخ بهمزة ساكنة بعد الياء ولا خلاف أنه مهموز واختلفوا في الياء منه هل هي أصلية ، أم زائدة فقال الجوهري : هي زائدة ووزنه يفعول ، قال ابن فارس : هي أصلية وهو رباعي ، قال الجوهري : هي زائدة ووزنه يفعول ، قال ابن فارس : وهو الموضع الذي يتحرك من رأس الصبي ، وهو الرأس ، وعن سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها قالت : ما كان أحد يشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعا من رأسه إلا قال : احتجم ، ولا وجعا في رحليه إلا قال اخضبهما رواه أبو داود بإسناد حسن . فرع : في موضع الحجامة . عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محمر في رأسه من صداع كان به أو وبى رواه البخاري ورواه البخاري أيضا من رواية عبد الله ابن بحينة بمعناه ، وروى البيهقي بإسناد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على

56


57
ظهر قدمه وهو محرم قال البيهقي : كذا قال : على ظهر قدمه ، وفي رواية ابن عباس وابن بحينة في رأسه ، قال : والعدد أولى بالحفظ من الواحد إلا أن يكون فعل ذلك مرتين وهو محرم ، وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم على وركه من وبى كان به كذا قال : على وركه ، وفي رواية : احتجم وهو محرم من وبى كان بوركه أو قال بظهره قال البيهقي : فكأنه صلى الله عليه وسلم احتجم في رأسه وهو محرم من وبى كان به أو صداع . وعن أنس رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتجم ثلاثا اثنتين في الأجدعين وواحدة في الكاهل رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ، ورواه الترمذي وقال : حديث حسن ، قال أهل اللغة : الأجدعان عرقان في جانبي العنق ، وعن أبي كبشة الأنماري الصحابي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحتجم على هامته وبين كتفيه ويقول : من أهراق دما من هذه الدماء فلا يضره أن لا يتداوى بشىء لشىءرواه أبو داود وابن ماجه بإسنادين حسنين . فرغ : في وقت الحجامة . عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين كان شفاء من كل داء رواه أبو داود بإسناد حسن على شرط مسلم وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خير ما تحتجمون فيه سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرون رواه البيهقي بإسناد ضعيف وعن معقل بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من احتجم يوم الثلاثاء لسبع عشرة من الشهر كان دواء لداء السنة رواه البيهقي وضعفه . وعن أنس رفعه : من احتجم يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من الشهر أخرج الله منه داء سنته ضعفه البيهقي وعن كيسة بنت أبي بكر أن أباها كان نهى أهله عن الحجامة يوم الثلاثاء ويزعم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوم الثلاثاء يوم الدم

57


58
وفيه ساعة لا يرقا رواه أبو داود بإسناد ضعيف ورواه البيهقي وقال : إسناده ليس بالقوي قال : والنهي الذي فيه موقوف وليس بمرفوع . وعن سليمان بن أرقم عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ومن احتجم يوم الأربعاء ويوم السبت فرأى وضحا فلا يلومن إلا نفسه هذا ضعيف رواه البيهقي وقال : سليمان بن أرقم ضعيف قال : وروى عن ابن سمعان وسليمان بن يزيد عن الزهري كذلك موصولا وهو أيضا ضعيف والمحفوظ عن الزهري عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم منقطعا ، وعن عطاف بن خالد عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجمعة ساعة لا يحتجم فيها محتجم إلا عرض له داء لا يشفى منه هذا ضعيف جدا ، رواه اليهقي وضعفه قال : عطاف بن خالد ضعيف ، قال : ورواه يحيى بن العلاء الداري وهو متروك بإسناد له عن الحسين بن علي عنه حديثا مرفوعا ، وليس بشىء ، والحاصل أنه لم يثبت شىء في النهي عن الحجامة في يوم معين ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : في استحباب ترك الاكتواء للتداوي وليس بحرام ، عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن كان في أدويتكم أو ما تداويتم به من خير فشرطه حجام ، أو شربة عسل ، أو لدعة بناء توافق داء ، وما أحب أن أكتوى رواه البخاري ومسلم ، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الشفاء في ثلاثة في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار ، وإن أنهي أمتي عن الكلي رواه البخاري ، وعن ابن عباس أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب فقلت من هم قال : هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يغتابون ، وعلى ربهم يتوكلون رواه البخاري ومسلم ، وفي روايات للبخاري : ولا يكتوون

58


59
وعن عمران بن حصين قال : قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب قالوا : ومن هم يا رسول الله قال : هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ، وعلى ربهم يتوكلون رواه مسلم . وعن المغيرة بن شعبة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من اكتوى أو استرقى فقد برىء من التوكل رواه الترمذي بإسناد صحيح ، وعن عمران بن الحصين رضي الله عنهما قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي فاكتوينا فلا أفلحن ولا أنجحن رواه أبو داود بإسناد صحيح ، وفي رواية البيهقي : فما أفلحنا ولا أنجحنا وإسنادها صحيح . وعن مطرف قال : قال لي عمران بن الحصين : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين حج وعمرة ، ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه ، وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت ، ثم تركت الكلي فعاد رواه مسلم في صحيحه في كتاب الحج . فرع : في جواز الكي وقطع العروق للحاجة . عن جابر رضي الله عنه قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه عليه رواه مسلم ، وفي رواية لمسلم أيضا أن أبيا مرض فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليه طبيبا فكواه على أكحله وعنه ، قال : رمى سعد بن معاذ في أكحله فحسمه النبي صلى الله عليه وسلم بيده ثم ورمت فحسمه الثانية رواه مسلم وعن ابن مسعود قال : جاء نفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إن صاحبا لنا اشتكى أفنكويه فسكت ساعة . ثم قال : إن شئتم فاكووه ، وإن شئتم فارمضوه يعني

59


60
بالحجارة رواه البيهقي بإسناد صحيح ، وروى البيهقي عنه أن أنسا اكتوى وابن عمر ، وكوى ابن عمر ابنه والله أعلم . فرع : في الدواء والاحتماء أما الدواء فسبقت فيه جملة صالحة في أول كتاب الجنائز وأما الاحتماء ففيه حديث أم منذر بنت قيس الأنصارية قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي وعلى ناقة ولنا دوالي معلقة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ منها ، وقام علي ليأكل فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي : مه إنك ناقه ، حتى كف علي رضي الله عنه ، قالت : وصنعت شعيرا وسلقا فجئت به . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا علي أصب من هذا فهو أنفع رواه أبو داود والترمذي وغيرهما قال الترمذي : حديث حسن : الناقه بالنون والقاف هو الذي برىء من المرض وهو قريب عهد به ، لم تتكامل صحته ، يقال : نقه ينقه فهو ناقه ، كعلم يعلم فهو عالم ، وعن صهيب رضي الله عنه قال : قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرا وبين يديه تمر ، فقال : تعال فكل ، فجعلت آكل . فقال : تأكل التمر وبك رمد قلت : إني أمضغه من ناحية أخرى ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه والبيهقي بإسناد ضعيف . فرع : في جواز الرقية بكتاب الله تعالى ، وبما يعرف من ذكر الله عن الأسود قال : سألت عائشة عن الرقية من الحمة فقالت : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من كل ذي حمة رواه البخاري ومسلم الحمة بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم وهي السم ، وقد تشدد الميم ، وأنكره الأزهري وكثيرون ، وأصلها حمو أو حمى كصرد ، فألفها فيها عوض من الواو والياء المحذوفة ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت : أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أستتر من العين رواه البخاري ومسلم وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية

60


61
في وجهها سفعة ، فقال : استرقوا لها ، فإن بها نظرة رواه البخاري ومسلم ، السفعة بفتح السين وإسكان الفاء صفرة وتغيير ، والنظرة بفتح النون هي العين . وعن أنس قال : رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين والنملة والحمة رواه مسلم ، قال الأصمعي : النملة هي قروح تخرج في الجنب وغيره ، وعن جابر قال : لدغت رجلا منا عقرب ونحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رجل يا رسول الله أرقى قال : من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل رواه مسلم ، وفي رواية له أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسماء بنت عميس : ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة تصيبهم الحاجة ، قالت : لا ولكن العين تسرع إليهم ، قال : أرقيهم قالت فعرضت عليه فقال : أرقيهم وعن جابر أيضا قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقي ، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية يرقى بها من العقرب ، وأنك نهيت عن الرقي ، قال : فعرضوها عليه ، فقال : ما أرى بأسا ، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه رواه مسلم . وعن عوف بن مالك قال : كنا نرقي في الجاهلية ، فقلنا : يا رسول الله ما تقول في ذلك قال اعرضوا على رقاكم ، لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك رواه مسلم ، وعن الشفاء بنت عبيد الله قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة ، فقال ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة رواه أبو داود بإسناد صحيح ، وعن أبي خزامة عن أبيه أن أباه حدثه أنه قال : يا رسول الله أرأيت دواء نتداوى به ، ورقى نسترقي بها ، وتقى نتقيها ، هل يرد ذلك من قدر الله من شىء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه من قدر الله رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وأما حديث عمران بن الحصين عن

61


62
النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا رقية إلا من عين أو حمة فصحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة ، قال البيهقي : معناه هما أولى بالرقي من غيرهما ، لما فيهما من زيادة الضرر والله تعالى أعلم . وروى البيهقي بإسناد صحيح عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة قالت : دخل أبو بكر رضي الله عنه عليها ، وعندها يهودية ترقيها ، فقال ارقيها بكتاب الله عز وجل وبإسناده الصحيح عن الربيع بن سليمان قالت : سألت الشافعي عن الرقية فقال : لا بأس أن يرقي الإنسان بكتا الله عز وجل ، وما يعرف من ذكر الله قلت : أيرقي أهل الكتاب المسلمين فقال : نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله أو ذكر الله . فقلت وما الحجة في ذلك فقال فيه غير حجة ، فإن مالكا أخبرنا عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر دخل على عائشة رضي الله عنهما وهي تشتكي ويهودية ترقيها فقال أبو بكر رضي الله عنه : ارقيها بكتاب الله قال البيهقي : والأخبار فيما رقي به النبي صلى الله عليه وسلم ورقي به ، وفيما تداوى به وأمر بالتداوي به كثيرة والله أعلم . فرع : في تعليق التمائم عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الرقي والتمائم والتولة شرك قالت قلت : لم تقول هذا والله لقد كانت عيني تقذف ، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني ، فإذا رقاني سكنت ، فقال عبد الله : إنما كان عمل الشيطان ينخسها بيده ، فإذا رقاها كف عنها ، إنما يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أذهب الباس ، رب الناس ، اشف ، أنت الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقما رواه أبو داود وابن ماجه ، قال أبو عبيد : التولة بكسر التاء هو الذي يحبب المرأة إلى زوجها وهو من السحر قال : وذلك لا يجوز وأما الرقاء والتمائم ، قال فالمراد بالنهي ما كان بغير لسان العربية بما لا يدري ما هو . قال البيهقي : ويقال إن التميمة خرزة كانوا يعلقونها ، يرون أنها تدفع عنهم الآفات ، ويقال قلادة يعلق فيها العود ، وعن عتبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من علق تميمة فلا أتم

62


63
الله له ، ومن علق ودعة فلا ودع الله له رواه البيهقي وقال هو أيضا راجع إلى معنى ما قال أبو عبيدة ، قال : ويحتمل أن يكون ذلك وما أشبهه من النهي والكراهة فيمن يعلقها ، وهو يرى تمام العافية ، وزوال العلة بها ، على ما كانت عليه الجاهلية ، وأما من يعلقها متبركا بذكر الله تعالى فيها ، وهو يعلم أن لا كاشف له إلا الله ولا دافع عنه سواه ، فلا بأس بها إن شاء الله تعالى . ثم روى البيهقي بإسناده عن عائشة رضي الله عنها قالت : ليست التميمة ما يعلق قبل البلاء ، إنما التميمة ما يعلق بعد البلاء لتدفع به المقادير وفي رواية عنها قالت : التمائم ما علق قبل نزول البلاء ، وما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة قال البيهقي : هذه الرواية أصح ، ثم روى بإسناد صحيح عنها قالت : ليس بتميمة ما علق بعد أن يقع البلاء قال البيهقي : وهذه الرواية تدل على صحة التي قبلها . وعن عمران بن الحصين أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقه حلقة من شعر فقال ما هذه قال من الواهنة ، قال : أيسرك أن توكل إليها انبذها عنك رواه ابن ماجه والبيهقي بإسنادين في كل منهما من اختلف فيه . وعن ابن مسعود من علق شيئا وكل إليه وروى البيهقي بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب أنه كان يأمر بتعليق القرآن ، وقال : لا بأس به ، قال البيهقي هذا كله راجع إلى ما قلنا إنه إن رقى بما لا يعرف ، أو على ما كانت عليه الجاهلية من إضافة العافية إلى الرقى ، لم يجز وإن رقى بكتاب الله أو بما يعرف من ذكر الله تعالى متبركا به وهو يرى نزول الشفاء من الله تعالى فلا بأس به والله تعالى أعلم . فرع : في النشرة بضم النون وإسكان الشين المعجمة قال الخطابي النشرة ضرب من الرقية والعلاج يعالج من كان يظن به مس من الجن ، قيل : سميت نشرة لأنه ينشرها عنه أي يحل عنه ما جاء مرة من الداء ، وجاء في حديث جابر رضي الله عنه قال : سئل

63


64
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النشرة فقال : هو من عمل الشيطان رواه أبو داود بإسناد صحيح ، قال البيهقي : وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا قال : وهو مع إرساله أصح ، قال : والقول فيما لا يكره من النشرة وفيما يكره ، كالقول في الرقية وقد ذكرناه . فرع : في العين والاغتسال لها . عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : العين حق رواه البخاري ومسلم . وعن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة ، فقال : استرقوا لها فإن بها النظرة رواه البخاري ومسلم وقد سبق بيانه في فرع الرقي والنظرة العين . وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : العين حق ، ولو كان شىء سابق القدر سبقته العين . وإذا استغسلتم فاغسلوا رواه مسلم ، قال العلماء : الاستغسال أن يقال للعائن وهو الناظر بعينه بالاستحسان : اغسل داخلة إزارك مما يلي الجلد بماء ، ثم يصب ذلك الماء على المعين ، وهو المنظور إليه . وثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كان يؤمر العائن فيتوضأ ثم يغتسل منه المعين رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم . وعن الزهري عن أبي أمامة سهل بن حنيف ، قال : مر عامر بن ربيعة على سهل بن حنيف وهو يغتسل ، فقال له أدرك سهلا سريعا فقال : من يتهمون به قالوا عامر بن ربيعة فقال علام يقتل أحدكم أخاه إذا رأى ما يعجبه فليدع بالبركة ، وأمره أن يتوضأ ويغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وداخلة إزاره ، ويصب الماء عليه قال الزهري ويكفأ الإناء من حلقه . رواه النسائي في كتابه عمل اليوم والليلة وابن ماجه والبيهقي في سننها بأسانيد صحيحة . قال الزهري : الغسل الذي أدركنا علماءنا يصفونه أن يؤتى الرجل العائن بقدح فيه ماء فيمسك له مرفوعا من الأرض فيدخل العائن يده اليمنى في الماء

64


65
فيصب على وجهه صبة واحدة في القدح ، ثم يدخل يديه جميعا في الماء صبة واحدة في القدح ، ثم يدخل يديه فيتمضمض ثم يمجه ، ثم يدخل يده اليسرى فيغترف من الماء فيصبه على ظهر كفه اليمنى صبة واحدة ، في القدح ، ثم يدخل يده اليسرى فيصب على مرفق يده اليمنى صبة واحدة في القدح ، وهو ثان يده إلى عنقه ثم يفعل مثل ذلك في مرفق يده اليسرى ، ثم يفعل مثل ذلك في ظهر قدمه اليمنى من عند الأصابع واليسرى كذلك ، ثم يده اليسرى فيصب على ركبته اليمنى ، ثم يفعل باليسرى مثل ذلك ثم يغمس داخلة إزاره اليمنى في الماء ، ثم يقوم الذي في يده القدح بالقدح فيصبه على رأس المعين من ورائه ثم يكفأ القدح على وجه الأرض من ورائه . وذكر البيهقي عن الزهري من طرقه زاد في بعضها : ثم يعطى ذلك الرجل الذي أصابله القدح فيحسو منه ويتمضمض ، ويهريق على وجهه ، ثم يصب على رأسه ، ثم يكفأ القدح على ظهره قال البيهقي قال أبو عبيد : إنما أراد بداخلة الإزار طرفا إزارة الداخل الذي يلي جسده والله أعلم . فصل في الجبن : أجمعت الأمة على جواز أكل الجبن ما لم يخالطه نجاسة ، بأن يوضع فيه أنفحة ذبحها من لا يحل ذكاته فهذا الذي ذكرناه من دلالة الإجماع هو المعتمد في إباحته ، وقد جمع البيهقي فيه أحاديث كثيرة منها حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بجبن في تبوك فدعا بسكين فسمى وقطع رواه أبو داود بإسناد ضعيف ، وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة رأى جبنة فقال : ما هذا فقالوا هذا طعام يصنع بأرض العجم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعوا فيه السكين واذكروا اسم الله وكلوا رواه البيهقي بإسناد فيه ضعف وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : الجبن من اللبن واللبا فكلوا ، واذكروا اسم الله عليه ، ولا يغرنكم أعداء الله وعن علي رضي الله عنه إذا أردت أن تأكل الجبن فضع الشفرة فيه ، واذكر اسم الله عز وجل عليه وكل وروى البيهقي نحوه عن عائشة وأم سلمة قال : وروى عن سلمان الفارسي ، ثم روى البيهقي في باب ما يحل من الجبن عن عمر رضي الله عنه قال : كلوا الجبن ما صنعه أهل الكتاب وفي رواية ولا تأكلوا من الجبن إلا ما صنعه أهل الكتاب وعن ابن مسعود كلوا من الجبن ما صنعه

65


66
المسلمون وأهل الكتاب وعن ابن عمر مثله . قال البيهقي : وهذا التقييد لأن الجبن يعمل بأنفحة السخلة المذبوحة ، فإذا كانت من ذبائح المجوس لم تحل . وعن ابن عمر أنه سئل عن السمن والجبن فقال سم وكل ، فقيل له إن فيه ميتة ، فقال : إن علمت أن فيه ميتة فلا تأكله قال البيهقي : وقد كان بعض العلماء يسأل عنه تغليبا للطهارة ، وروينا ذلك عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما ، وكان بعضهم يسأل عنه احتياطا . ورويناه عن أبي مسعود الأنصاري قال : لأن أخر من هذا القصر أحب إلى من أن آكل جبنا لا أسأل عنه وعن الحسن البصري قال : كنا نأكل الجبن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد ذلك لا نسأل عنه حديث ضعيف ، أبان بن أبي عياش ضعيف متروك . فصل : يحل أكل الكبد والطحال بلا خلاف للحديث الصحيح السابق أحل لنا ميتتان ودمان ، فأما الميتتان فالسمك والجراد والدمان الكبد والطحال وقد سبق أنه حديث صحيح من لفظ ابن عمر هكذا ، وأن هذه الصيغة تقتضي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى البيهقي عن زيد بن ثابت قال : إني لآكل الطحال وما بي إليه حاجة إلا ليعلم أهلي أنه لا بأس به وعن عكرمة قال : قال رجل لابن عباس : آكل الطحال قال : نعم قال : إن عامتها دم قال : إنما حرم الدم المسفوح . فصل : عن مجاهد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره من الشاة سبعا : الدم ، والمرار ، والذكر ، والانثيين ، والحيا ، والغدة والمثانة ، وكان أعجب الشاة إليه مقدمها رواه البيهقي هكذا مرسلا وهو ضعيف ، قال : وروى موصولا لا يذكر ابن عباس وهو حديث قال

66


67
ولا يصح وصله قال الخطابي : الدم حرام بالإجماع وعامة المذكورات معه مكروهة غير محرمة . فصل : فيما حرم على بني إسرائيل ثم ورد شرعنا بنسخه . اعلم أن الشافعي رضي الله عنه اعتنى بهذا الفصل وبسط الكلام فيه ، وهو مما يحتاج إلى بيانه قال الله تعالى :

﴿ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه آل عمران : 93 الآية ، وقال تعالى :

﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم النساء : 160 وقال تعالى :

﴿ وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم الأنعام : 146 قال الشافعي : الحوايا ما حول الطعام والشراب في البطن وقال ابن عباس : كل ذي ظفر البعير والنعامة ، وما حملت ظهورهما يعني ما علق بالظهر من الشحم ، والحوايا المبعر . وبينت الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها جملوها بالجيم أي أذابوها . قال الشافعي : فلم يزل ما حرم الله تعالى على بني إسرائيل من اليهود وغيرهم محرما من حين حرمه حتى بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم ففرض الإيمان به وأعلم خلقه أن دينه الإسلام الذي نسخ به كل دين قبله ، فقال تعالى :

﴿ إن الدين عند الله الإسلام آل عمران : 19

﴿ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين آل عمران : 85 وقال تعالى :

﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله آل عمران : 64 الآية ، وأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية إن لم يسلموا ، وأنزل فيهم :

﴿ الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم الأعراف : 157 قال الشافعي فقيل : معناه أوزارهم وما منعوا مما أحدثوا قبل ما شرع من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . قال الشافعي : فلم يبق خلق يعقل منذ بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وسلم من جن ولا إنس بلغته دعوته إلا قامت عليه حجة الله تعالى باتباع دينه ، ولزم كل امرىء منهم تحريم ما حرم الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وإحلال ما أحل الله على لسانه صلى الله عليه وسلم قال الشافعي وأحل الله تعالى طعام أهل الكتاب فكان ذلك عند أهل التفسير ذبائحهم ولم يثتثن منها شيئا لا شحما ولا غيره

67


68
فدل على جواز أكل جميع الشحوم من ذبائحهم وذبائح المسلمين ، وفي الصحيحين عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال : ( دلى جراب من شحم يوم خيبر فالتزمته فقلت : هذا لي لا أعطى أحدا منه شيئا ، فالتفت ، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم فاستحييت منه ) . فرع : مذهبنا أن الشحوم التي كانت محرمة على اليهود حلال لنا ليست مكروهة ، وبه قال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وجماهير العلماء ، وبعض أصحاب أحمد وهو قول الخرقي منهم ، قال العبدري : وقال مالك : هي مكروهة ليست محرمة ، وقال ابن القاسم وأشهب وبعض أصحاب أحمد : هي محرمة ، وقيل إنه مروي عن مالك أيضا قال القاضي عياض : هذا قول كبراء أصحاب مالك . دليلنا ما سبق في الفصل قبله ، والله تعالى أعلم . فرع : في بيان ما حرم المشركون من الذبائح ، وبيان أنها ليست محرمة قال الشافعيى رحمه الله : حرم المشركون على أنفسهم من أموالهم أشياء بين الله عز وجل أنها ليست محرمة ، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي ، كانوا ينزلونها في الإبل والغنم كالعتق ، فيحرمون ألبانها ولحومها وملكها ، وساق الكلام في ذلك ، والله تعالى أعلم .

68


69

باب الصيد والذبائح

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يحل شىء من الحيوان المؤكول سوى السمك والجراد إلا بذكاة لقوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ، والمنخقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب ويحل السمك والجراد من غير ذكاة لقوله صلى الله عليه وسلم : أحلت لنا ميتتان السمك والجراد ولأن ذكاتهما لا تمكن في العادة فسقط اعتبارها .

+ الشرح : هذا الحديث سبق بيانه واضحا في باب الأطعمة وذكرنا أنه من رواية ابن عمر ، وأن الصحيح أن ابن عمر هو القائل أحلت لنا وأنه يكون بهذه الصيغة مرفوعا ، والميتة ما فارقت الحياة بغير ذكاة ، وقوله تعالى :

﴿ حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب المائدة : 3 أي ما ذبح لضم ونحوه ، وقد سبق بيان هذا واضحا في باب الأضحية والمؤقوذة المضروبة بعضا ونحوها ، والمتردية التي تسقط من علو فتموت ، والنطيحة المنطوحة ، وقول المصنف : لا يحل شىء من الحيوان المأكول سوى السمك والجراد إلا بذكاة كلام صحيح ، ولا يرد الصيد الذي قتلته جارجة أو سهم ، فإن ذلك ذكاته ، وكذا الجنين في بطن أمه ، فإن ذكاة أمه ذكاة له كما جاء به الحديث ، وقد أوضحه المصنف في أواخر هذا الباب ، وكذا الحيوان الذي تردى في بئر أو بند فإنه يقتل حيث أمكن وذلك ذكاة له كما ذكره المصنف بعد هذا ، والله أعلم . وقد أجمعت الأمة على تحريم الميتة غير السمك والجراد ، وأجمعوا على إباحة السمك والجراد ، وأجمعوا أنه لا يحل من الحيوان غير السمك والجراد إلا بذكاة أو ما في معنى الذكاة ، كما ذكرنا ، فلو ابتلع عصفورا حيا فهو حرام بلا خلاف ، وقد سبق بيانه في الأطعمة . ولو ذكى الحيوان وله يد شلاء فهل تحل بالزكاة فيه وجهان الصحيح : الحل والثاني : أنها ميتة فلا تحل والله أعلم . أما السمك والجراد فحلال ، وميتتهما حلال بالإجماع ، ولا حاجة إلى ذبحه ولا قطع رأس الجراد ، قال أصحابنا : ويكره ذبح السمك إلا أن يكون كبيرا يطول بقاؤه فوجهان أصحهما : يستحب ذبحه راحة له والثاني : يستحب

69


70
تركه ليموت بنفسه . ولو صاد مجوسي سمكة حلت بلا خلاف ، لأن ميتتها حلال ، ولو ابتلع سمكة حية أو قطع فلقة منها وأكلها أو ابتلع جرادة حية أو فلقة منها فوجهان أصحهما : يكره ولا يحرم والثاني : يحرم ، وبه قطع الشيخ أبو حامد ، ولو وجدت سمكة في حوف سمكة فهما حلال كما لو ماتت حتف أنفها ، بخلاف ما لو ابتلعت عصفورا أو غيره فوجد في جوفها ميتا ، فإنه حرام بلا خلاف ، ولو تقطعت سمكة في جوف سمكة وتغير لونها لم تحل على أصح الوجهين لأنها كالروث والقىء ، ولو قلى السمك قبل موتها وطرحها في الزيت المغلي وهي تضطرب ، قال الشيخ أبو حامد : لا يحل فعله ، لأنه تعذيب ، وهذا تفريع على اختياره في ابتلاع السمكة حية أنه حرام ، فإن قلنا بكراهة ذلك فلا يحرم ، فكذا هذا . وأما : السمك الصغار الذي يقلى ويشوى ولا يشق جوفه ، ولا يخرج ما فيها ، ففيه وجهان أحدهما : لا يحل أكله ، وبه قال الشيخ أبو حامد ، لأن روثه نجس والثاني : يحل ، وبه قال القفال ، وصححه الفوراني وغيره ، قال الروياني : وبه أفتى قال : ورجيعه طاهر عندي ، واحتج له غيره بأنه يعتد ببيعه ، وقد جرى الأولون على المسامحة . فرع : ذكرنا أن مذهبنا إباحة ما صاده المجوسي من المسك ومات في يده ، وهكذا الجراد فأما : السمك فمجمع عليه وأما : الجراد فوافقنا عليه الأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وجمهور العلماء ، قال الليث ومالك : لا يؤكل ما صاده من الجراد ، بخلاف السمك ، وفرقهما ضعيف ، دليلنا حديث : أحلت لنا مبتتان . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا إباحة ميتات السمك ، سواء الذي مات بسبب والذي مات حتف أنفه ويسمى الطافي وبه قال جمهور العلماء ، خلافا لأبي حنيفة وطائفة ، وقد سبقت المسألة مبسوطة بأدلتها في باب الأطعمة . وأما : الجراد فتحل ميتته سواء مات بسبب أو حتف أنفه ولا يشترط قطع رأسه . هذا مذهبنا ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء . قال العبدري : هو قول محمد بن الحكم والأبهري المالكيين ، وعامة العلماء ، وقال مالك : لا تحل إلا إذا مات بسبب بأن يقطع بعضه أو يسلق أو يشوي أو يقلى حيا ، وإن لم يقطف رأسه ، قال : فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم يؤكل وهذا رواية عن أحمد . والصحيح عندنا ما قدمناه ، دليلنا ما ذكره المصنف .

قال المصنف رحمه الله تعالى : والأفضل أن يكون المذكي مسلما ، فإن ذبح مشرك نظرت فإن كان مرتدا أو وثنيا أو مجوسيا لم يحل لقوله تعالى :

﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم

70

المائدة : 5 ) وهؤلاء ليسوا من أهل الكتاب ، وإن كان يهوديا أو نصرانيا من العجم حل للآية الكريمة ، وإن كان من نصارى العرب وهم بهراء وتنوخ وتغلب لم يحل ، لما روى عن عمر رضي الله عنه قال : ما نصارى العرب بأهل كتاب لا تحل لنا ذبائحهم وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : لا تحل ذبائح نصارى بني تغلب ولأنهم دخلوا في النصرانية بعد التبديل ، ولا يعلم هل دخلوا في دين من بدل منهم أو في دين من لم يبدل منهم فصاروا كالمجوس ، لما أشكل أمرهم في الكتاب لم تحل ذبائحهم . والمستحب أن يكون المذكي رجلا لأنه أقوى على الذبح من المرأة ، فإن كانت امرأة جاز ، لما روى كعب بن مالك أن جارية لهم كسرت حجرا فذبحت به شاة ، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأمر بأكلها ويستحب أن يكون بالغا لأنه أقدر على الذبح ، فإن ذبح صبى حل ، لما روى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : من ذبح من ذكر أو أنثى أو صغير أو كبير وذكر اسم الله عليه حل وتكره ذكاة الأعمى لأنه ربما أخطأ المذبح ، فإن ذبح حل ، لأنه لم يفقد فيه إلا النظر وذلك لا يوجب التحريم ، ويكره ذكاة السكران والمجنون ، لأنه لا يؤمن أن يخطىء المذبح ويقتل الحيوان ، فإن ذبح حل ، لأنه لم يفقد في ذبحهما إلا القصد والعلم ، وذلك لا يوجب التحريم كما لو ذبح شاة وهو يظن أنه يقطع حشيشا .

71


72

+ الشرح : حديث كعب بن مالك رواه البخاري وصححه بلفظه قوله : وهم بهراء هي بفتح الباء الموحدة ، وإسكان الهاء وبالمد وتنوخ بالتاء المثناة فوق ثم النون ، وخاء معجمة وبنو تغلب بتاء مثناة من فوق مفتوحة وكسر اللام وهي قبائل معروفات ، وفي الفصل مسائل : إحداها : الأفضل أن يكون المذكي مسلما ، ويشترط كونه مسلما أو كتابيا ، فتحل ذبيحة الكتابي بالإجماع للآية الكريمة ، وسواء فيه ما يستحله الكتابي وما لا يستحله وحقيقة الكتابي نبسطها في كتاب النكاح حيث ذكرها الأصحاب ، ومختصره ما أشار إليه المصنف أنه إن كان يهوديا أو نصرانيا من العجم ، أو ممن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل ، حلت ذبيحته ، وإن كان من نصارى العرب وهم تنوخ وبهراء وبنو تغلب أو غيرهم ممن شك في وقت دخولهم في دين أهل الكتاب لم تحل ذبائحهم ، لما ذكره المصنف ، ولا تحل ذبيحة المرتد ولا الوثنى ولا المجوسي لما ذكره المصنف ، وهكذا حكم الزنديق وغيره من الكفار الذي ليس لهم كتاب . وأما : المتولد بين كتابي وغيره ، فإن كان أبوه غير كتابي والأم كتابية فذبيحته حرام كمناكحته ، وإن كان أبوه كتابيا والأم مجوسية فقولان أصحهما : حرام والثاني : حلال ، وهما كالقولين في مناكحته قال أصحابنا : والمناكحة والذكاة متلازمتان لا يفترقان فمن حلت مناكحته حلت ذبيحته ، ومن لا فلا إلا في مسألة ، وهي الأمة الكتابية ، فإنه تحل ذبيحتها ولا تحل مناكحتها . وقال أصحابنا : وكما تحرم ذبيحة المرتد والوثني والمجوسي وغيرهم ممن لا كتاب له يحرم صيده بكلب أو سهم ، ويحرم ما شارك فيه مسلما فلو أمر سكينا على حلق ، أو قطع هذا بعض الحلقوم وهذا بعضه ، أو قتلا صيدا بسهم أو كلب ، لم يحل ، ولو رميا سهمين أو أرسلا كلبين فإن سبق سهم المسلم أو كلبه فقتل الصيد أو أنهاه إلى حركة المذبوح حل كما لو ذبح مسلم شاة ، ثم قدها المجوسي ، وإن سبق ما أرسله المجوسي أو جرحاه معا أو مرتبا ، ولم يذفف واحد منهما فهلل بهما ، أو لم يعلم أيهما كان فهو حرام ، لأن الأصل في الحيوان التحريم حتى تتحقق ذكاة مبيحة . وقال صاحب البحر : متى اشتركا في إمساكه وعقره أو في أحدهما وانفرد واحد بالآخر ، أو انفرد كل واحد بأحدهما فهو حرام ، ولو كان لمسلم كلبان معلم وغيره ، أو معلمان ذهب أحدهما بلا أرسال فقتلا صيدا فهو كاشتراك كلبي المسلم والمجوسي ، ولو هرب الصيد من كلب المسلم فعارضه كلب مجوسي فرده عليه فقتله كلب المسلم حل ، كما لو ذبح المسلم شاة أمسكها مجوسي ، ولو جرحه مسلم أولا ثم قتله مجوسي أو جرحه جرحا غير مذفف ومات بالجرحين فحرام ، ولو كان المسلم قد أثخنه بجراحته فقد ملكه ، ويلزم المجوسي له قيمته ، لأنه أتلفه

72


73
بجعله ميتة ، ويحل ما اصطاده المسلم بكلب المجوسي كما تحل ذبيحته بسكينته ، ولو أكره مجوسي مسلما على ذبح شاة أو محرم حلالا على ذبح صيد ، فذبح حل بلا خلاف ، وممن صرح به إبراهيم المروذي في مسألة الإكراه على القتل والله أعلم . المسألة الثانية : تحل ذبيحة المرأة بلا خلاف ، لحديث كعب بن مالك المذكور في الكتاب ، وذكاة الرجل أفضل من ذكاتها لما ذكره المصنف وسواء كانت المرأة حرة أو أمة طاهرا أو حائضا أو نفساء مسلمة أو كتابية ، فذبيحتها في كل هذه الأحوال حلال ، نص عليه الشافعي واتفقوا عليه . الثالثة : الأفضل أن يكون الذابح بالغا عاقلا ، فإن ذبح صبي مميز حلت ذبيحته على المذهب وهو المنصوص ، وبه قطع المصنف والجمهور وحكى إمام الحرمين والغزالي وغيرهما فيه وجهين الصحيح : الحل والثاني : التحريم . وأما الصبي الذي لا يميز والمجنون والسكران ففيهم طريقان أحدهما : القطع بحل ذبائحهم ، وبه قطع الشيخ أبو حامد والمصنف وجمهور العراقيين والثاني : فيه قولان أصحهما : الحل والثاني : التحريم واختاره إمام الحرمين والغزالي وغيرهما لأنه لا قصد له فأشبه من كان في يده سكين وهو نائم فمرت على حلقوم الشاة فذبحها فإنها لا تحل وهذا الطريق مشهور في كتب العراقيين والمذهب : الأول ، كمن قطع حلق شاة وهو يظنه خشبة فإنها تحل بالاتفاق كما ذكره المصنف وحكى إمام الحرمين في السكران طريقا آخر قاطعا بحل ذكاته مع إجراء الخلاف في المجنون تفريعا على أن له حكم الصاحي . قال البغوي : فإن كان للمجنون أدنى تمييز وللسكران قصد حلت ذبيحته قطعا وحيث حللنا ذبح المجنون والسكران فهو مكروه كراهة تنزيه كما ذكره المصنف والله أعلم . الرابعة : تحل ذكاة الأعمى بلا خلاف ، ولكن تكره كراهة تنزيه ، وفي حل صيده بالكلب والرمي وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أصحهما : التحريم لأنه لا يرى الصيد فلا يصح إرساله والثاني : يحل كذكاته وقطع بكل واحد من الوجهين طائفة ، وممن قبطع بالتحريم صاحب الشامل ، وصححه الرافعي في كتابيه . قال إمام الحرمين : عندي أن الوجهين مخصوصان بما إذا أدرك حس الصيد ، وبنى إرساله عليه ، وقال الرافعي : الأشبه أن الخلاف مخصوص بما إذا أخبره بصير بالصيد ، فأرسل الكلب أو السهم ، وكذا صورهما البغوي ، وأطلق كثيرون الوجهين ، قال الرافعي : ويجريان في اصطياد الصبي والمجنون والكلب والسهم ، وقيل : يختصان بالكلب ، ويقطع بالحل في السهم كالذبح قلت : المذهب حل صيدهما ، قال صاحب البيانهو المشهور وقيل ر يحل لعدم القصد وليس بشيء

73


74
والمراد صبي لا يميز أما : المميز فيحل اصطياده بالكلب والسهم قطعا كالذبح . ويحتمل على الوجه الشاذ السابق في الذبح . والله أعلم . فرع : الأخرس إن كانت له إشارة مفهومة حلت ذبيحته بالاتفاق ، وإلا فطريقان المذهب : وبه قطع الأكثرون الحل أيضا والثاني : أنه كالمجنون ، وبه قطع البغوي والرافعي ، قال الرافعي : ولتكن سائر تصرفاته على هذا القياس . فرع : قال في المختصر : ومن ذبح ممن أطاق الذبح من امرأة حائض أو صبي من المسلمين أحب لي من ذبح اليهودي والنصراني . قال أصحابنا : أولى الناس بالذكاة وأفضلهم لها الرجل العاقل المسلم ، ثم المرأة المسلمة أولى من الصبي ، ثم الصبي المسلم ، ثم اليهودي والنصراني ، والنصراني أولى من المجنون والسكران ، لأنه يخاف منهما قتل الحيوان . فرع : ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا حل ذبيحة الصبي والمجنون والسكران وبه قال أبو حنيفة . وقال مالك وأحمد وابن المنذر وداود : لا تحل ذكاة المجنون والسكران والصبي الذي لا يميز ، ونقل ابن المنذر الإجماع على حل ذكاة المرأة والصبي المميز . فرع : نقل ابن المنذر الإجماع على إباحة مذكاة الأخرس ، ولم يفرق بين فهمه الإشارة وعدمه . فرع : نقل ابن المنذر الاتفاق ( حل ) ذبيحة الجنب ، قال : وإذا دل القرآن على حل إباحة ذبيحة الكتابي مع أنه نجس ، فالذي نفت السنة عنه النجاسة أولى قال : والحائض كالجنب . فرع : في ذبيحة الأقلف وهو من لم يختن . مذهبنا أنه حلال ، وبه قال جماهير العلماء ، قال ابن المنذر : وبه قال عوام أهل العلم من علماء الأمصار ، قال : وبه نقول قال : وقال ابن عباس : لا يؤكل وهو إحدى الروايتين عن الحسن البصري . واحتج ابن المنذر والأصحاب بعموم قول الله تعالى :

﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه الأنعام : 118 وبأن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب ، ومنهم الأقلف فالمسلم أولى . فرع : مذهبنا إباحة أكل ذبيحة السارق والغاصب وسائر من تعدى بذبح مال غيره

74


75
لصاحبها ، ومن أذن له صاحبها وبه قال الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة ومالك وأبو حنيفة والجمهور ، وقال طاووس وعكرمة وإسحاق بن راهويه : يكره . فرع : ذبيحة أهل الكتاب حلال ، سواء ذكروا اسم الله تعالى عليها أم لا ، لظاهر القرآن العزيز ، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور ، وحكاه ابن المنذر عن علي والنخعي وحماد بن سليمان وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق وغيرهم ، فإن ذبحوا على صنم أو غيره لم يحل ، وقال ابن المنذر : وقال عطاء . إذا ذبح النصراني على اسم عيسى فكل قد علم الله أنه سيقول ذلك ، وبه قال مجاهد ومكحول ، وقال أبو ثور : إذا سموا الله تعالى فكل وإن لم يسموه فلا تأكل وحكى مثله عن علي وابن عمر وعائشة ، قال ابن عمر وعائشة ، قال ابن المنذر : واختلفوا في ذبائحهم لكنائسهم ، فرخص فيه أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي والعرباض بن سارية والقاسم بن مخيمرة وحمزة بن حبيب وأبو مسلم الخولاني وعمرو بن الأسود ، ومكحول وجبر بن نفيل والليث بن سعد ، وكرهه ميمون بن مهران وحماد والنخعي ومالك والثوري والليث وأبو حنيفة وإسحاق وجمهور العلماء ومذهبنا تحريمه وقد سبق ذلك في باب الأضحية ، وقالت عائشة : لا نأكله . فرع : ذكرنا أن مذهبنا تحريم ذكاة نصارى العرب بني تغلب وتنوخ وبهراء ، وبه قال علي بن أبي طالب وعطاء وسعيد بن جبير ، وأباحها ابن عباس والنخعي والشعبي وعطاء الخراساني والزهري والحكم وحماد وأبو حنيفة وإسحاق بن راهوية وأبو ثور ، دليلنا ما ذكره المنصف . فرع : ذبائح أهل الكتاب في دار الحرب حلال كذبائحهم في دار الإسلام ، وهذا لا خلاف فيه ، ونقل ابن المنذر الإجماع عليه . فرع : ذبائح المجوس حرام عندنا ، وقال به جمهور العلماء ، ونقله ابن المنذر عن أكثر العلماء ، قال : وممن قال به سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وعبيد الله بن يزيد ومرة الهمداني والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق ، قال ابن المنذر : روينا عن ابن المسيب أنه قال : إذا كان المسلم مريضا وأمر مجوسيا أن يذبح أجزأه ، وقد أساء ، قال ابن المنذر : واختلفوا في المجوسي يسمى شيئا لناره فيذبحه مسلم فكرهه الحسن وعكرمة ورخص فيه ابن سيرين ، قال ابن المنذر : يأكلها المسلم إذا ذبحها مسلم ، وسمى الله تعالى عليها .

75


76
فرع : في ذبيحة من أحد أبويه كتابي والآخر مجوسي . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه إذا كان الأب مجوسيا فذبيحة الولد حرام بلا خلاف ، وكذا إن كانت الأم على الأصح . وقال أبو حنيفة يحل في الصورتين وقال مالك وأبو ثور : له حكم الأب . فرع : ذبيحة المرتد حرام عندنا ، وبه قال أكثر العلماء ، منهم أبو حنيفة وأحمد وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وكرهها الثوري ، قال ابن المنذر : وكان الأوزاعي يقول في هذه المسألة معنى قول الفقهاء إن من تولى قوما فهو منهم ، وقال إسحاق : إن ارتد إلى النصرانية حلت ذبيحته . فرع : قال ابن المنذر : أجمع العلماء على حل ذبيحة الصبي والمرأة الكتابيين العاقلين . فرع : في ذبائح الصابئين والسامرة . قال الشافعي وجمهور الأصحاب : إن وافقت الصابئون النصارى ، والسامرة اليهود في أصول العقائد حلت ذبائحهم ومناكحتهم وإلا فلا ، قال ابن المنذر : وأباح عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذبائح السامرة ، وقال إسحاق بن راهوية : لا بأس بذبائح أهل الصابئين ، لأنهم أهل كتاب ، وقال ابن عباس ومجاهد وأبو يوسف : لا يحل قال ابن المنذر : أما : السامرة فحكمهم ما ذكره الشافعي وأما : الصابئون فلا تحل ذبائحهم ، لأن الله تعالى عطفهم على اليهود والنصاري بالواو . فرع : ذبائح اليهود والنصارى حلال بنص القرآن والإجماع وحكى العبدري وغيره عن الشيعة أنهم قالوا : لا تحل ، والشيعة لا يعتد بهم في الإجماع والله أعلم . فرع : قال المتولي وغيره : لو أخبر فاسق أو كتابي أنه ذكي هذه الشاة قبلناه ، وحل أكلها ، لأنه من أهل الذكاة . فرع : لو وجدنا شاة مذبوحة ولم ندر من ذبحها فإن كان في بلد فيه من لا يحل ذكاته كالمجوس لم تحل ، سواء تمحضوا أو كانوا مختلطين بالمسلمين للشك في الذكاة المبيحة ، والأصل التحريم ، وإن لم يكن فيهم أحد منهم حلت والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن يذبح بسكين حاد لما روى شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله كتب الإحسان على كل شىء ، فإذا قتلتم

76


77
فاحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته فإن ذبح بحجر محدد أو ليطة حل ، لما ذكرناه من حديث كعب بن مالك في المرأة التي كسرت حجرا فذبحت بها شاة ، ولما روى أن رافع بن خديج قال : يا رسول الله إنا نرجو أن نلقى العدو غدا وليس معنا مدى ، أنذبح بالقصب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما انهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ، ليس السن والظفر ، وسأخبركم عن ذلك أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة فإن ذبح بسن أو ظفر لم يحل لحديث رافع بن خديج .

+ الشرح : حديث شداد بن أوس رواه مسلم ، وحديث رافع رواه البخاري ومسلم ، وينكر على المصنف روى بصيغة التمريض ، مع أنه حديث صحيح ، وقوله صلى الله عليه وسلم : فأحسنوا القتلة والذبحة هو بكسر القاف والذال أي هيئة القتل والذبح ، وليحد بضم الياء وكسر الحاء يقال أحد السكين وحددها واستحدها ، كله بمعنى ، والمدى بضم الميم وفتح الدال وهو جمع مدية بضم الميم وكسرها وفتحها ساكنة الدال وهي السكين ، سميت مدية لأنها تقطع مدى حياة الحيوان ، وسميت لسكين سكينا لأنها تسكن حركة الحيوان وفيها لغتان التذكير والتأنيث قوله : ليطه بكسر اللام وإسكان المثناة تحت وبطاء مهملة وهي القشرة الرقيقة للقصبة ، وقيل مطلق قشرة القصبة ، والجماعة ليط وقوله : صلى الله عليه وسلم ما أنهر الدم أي أساله وقوله : صلى الله عليه وسلم ليس السن والظفر هما منصوبان بليس وقوله : صلى الله عليه وسلم أما السن فعظم : معناه فلا يجوز به ، لأنه متنجس بالدم ، وقد نهيتم عن تنجيس الروث

77


78
والعظام في الاستنجاء لكونهما زاد إخوانكم من الجن وأما : الظفر فمدى الحبشة وهم كفار وقد نهيتم عن التشبه بالكفار : والله أعلم . وأما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : السنة تحديد السكين لما ذكره المصنف ، ويستحب إمرارها بقوة وتحامل ذهابا وعودا ليكون أوحي وأسهل ، فلو ذبح بسكين كالة كره وحلت الذبيحة ونقل ابن المنذر أنه يكره أن يحدد السكين والشاة تنظر السكين وأن يذبح الشاة والأخرى تنظر وكذا قاله أصحابنا ، قالوا : ويستحب أن تساق إلى الذبح برفق وتضجع برفق ويعرض عليها الماء قبل الذبح . المسألة الثانية : قال الشافعي والأصحاب : لا تحصل الذكاة بالظفر والسن ولا بسائر العظام ، وتحصل بما سوى ذلك من جميع المحددات ، سواء كانت من الحديد كالسيف والسكين والسهم والرمح ، أو من الرصاص أو النحاس أو الذهب أو الفضة أو الخشب المحدد أو القصب أو الزجاج أو الحجر أو غيرها ولا خلاف في كل هذا عندنا ، ويحل الصيد المقتول بجميع هذه المذكورات سوى الظفر والسن وسائر العظام وأما : الظفر والسن وسائر العظام فلا تحل بها الذكاة ولا الصيد بلا خلاف ، سواء كان الظفر والسن من آدمي أو غيره وسواء المتصل والمنفصل ، وسواء كان من حيوان مأكول أو غيره ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وقال صاحب الحاوي : قال الشافعي : أكره بالعظم الذكاة ولا يبين لي أن أحرم لأنه لا يقع عليه اسم سن ولا ظفر ، قال : اعتبر الشافعي في التحريم الاسم فأجازه بالعظم لخروجه عن الاسم وكرره لأنه في معناه ، قال : وفيه عندي نظر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل المنع من السن بأنه عظم ، هذا نقله وهو شاذ ضعيف وحكى الرافعي وجها شاذا باطلا أن عظم المأكول تحصل به الذكاة ، وهذا غلط ، ولو ركب عظم على سهم وجعل نصلا له فقتل به صيدا لم يحل ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وحكى الرافعي قولا أنه يحل وهو شاذ مردود . الثالثة : لو أراد الذكاة بمثقل فأثر بثقله دقا أو خنقا لم يحل وكذا لو كان مثقلا فقتله بثقله لم يحل بل لا بد من الجرح ، ولو ذبحه بحديدة لا تقطع وتحامل عليها حتى أزهقه لم يحل لأن القطع هنا بقوة الذابح واعتماده الشديد لا بالآلة والله أعلم .

78


79
فرع : أعلم أنه ينكر على المصنف قوله في التنبيه يجوز الذبح بكل ما له حد يقطع إلا السن والظفر . وهذا اللفظ يقتضي جواز الذبح بالعظام المحددة سوى السن ، وهذا لا يجوز بلا خلاف كما سبق ، وكان حقه أن يقول إلا العظم والظفر والسن وسائر العظام ، وعبارته في المهذب أجود ، ومع هذا فأهمل فيه بيان منع الذبح بالعظم فإن قيل : لعله اقتصر على موافقة الحديث قلنا : أما : في المهذب فله في هذا بعض العذر وأما : في التنبيه فلا عذر له ولا جواب عنه ، لأنه لم يذكر الحديث حتى يستنبط منه وأما : الحديث فليس فيه إيهام بأنه منصوص فيه على العلة في السن ، وهو كونه عظما ففهمنا منه أن كل ما انطلق عليه اسم العظم لا تحل الذكاة به . فرع : لو ذبح بسكين مغصوب أو مسروق أو كال وقطع الحلقوم والمرىء كره ذلك وحلت الذبيحة بلا خلاف عندنا ، قال العبدري : وبه قال العلماء كافة إلا داود فقال : لا تحل ، وهو رواية عن أحمد لقوله صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد رواه مسلم بهذا اللفظ من رواية عائشة رضي الله عنها ، فيصير كأنه لم يوجد ذبح . واحتج أصحابنا بقوله تعالى :

﴿ إلا ما ذكيتم المائدة : 3 وبقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور قريبا : ما أنهر الدم والجواب عن حديث : من عملا عملا أنه يقتضي تحريم فعله ولا يلزم منه إبطال الذكاة ، ولهذا لو ذبح بسكين حلال في أرض مغصوبة أو توضأ بماء في أرض مغصوبة فإنه تحصل الذكاة والوضوء بالإجماع . فرع : في مذاهب العلماء بما تحصل به الذكاة ذكرنا أن مذهبنا حصوله بكل محدد إلا الظفر والسن وسائر العظام ، وبه قال النخعي والحسن بن صالح والليث وفقهاء الحديث وأحمد وإسحاق وأبو داود وأبو ثور وداود والجماهير وهو رواية عن مالك . وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يجوز الذبح بالظفر والعظم المتصلين ، ويجوز بالمنفصلين ، وهو رواية عن مالك ، وحكى ابن المنذر عن مالك أنه قال : تحصل الذكاة بكل شىء حتى بالسن والظفر ، ونحوه عن ابن جريج وحكى العبدري عن ابن القصار والمالكي أن الظاهر من مذهب مالك إباحة الذكاة بالعظم ومنعه بالسن ، قال ابن القصار : وعندي تحصل الذكاة بهما ، وعن ابن جريج قال : تذكي بعظم الحمار ، ولا تذكي بعظم القرد ، لأن الحمار تصلي عليه وتسقيه في خفك وهذا مذهب فاسد واستدلال باطل ، ودليلنا حديث رافع والله أعلم .

79


80

قال المصنف رحمه الله تعالى : والمستحب أن تنحر الإبل معقولة من قيام ، لما روى أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى رجلا اضجع بدنة فقال : قياما ، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم وتذبح البقر والغنم مضجعة ، لما روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين اقرنين املحين ، ذبحهما بيده ، ووضع رجله على صفاحهما وسمى وكبر والبقر كالغنم في الذبح فكان مثله في الاضطجعاع والمستحب أن توجه الذبيحة إلى القبلة لأنه لا بد لها من جهة فكانت جهة القبلة أولى ، والمستحب أن يسمى الله تعالى على الذبح ، لما روى عدي بن حاتم قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيد فقال : إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه وكل فإن ترك التسمية لم يحرم ، لما روت عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا : يا رسول الله إن قوما من الأعراب يأتون باللحم لا ندري أذكروا اسم الله تعالى عليه أم لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذكر اسم الله تعالى عليه وكل . والمستحب أن يقطع الحلقوم والمرىء والودجين ، لأنه أوحي وأروح للذبيحة فإن اقتصر على قطع الحلقوم والمرىء أجزأه ، لأن الحلقوم مجرى النفس ، والمرىء مجرى الطعام ، والروح لا تبقى مع قطعهما ، والمستحب أن ينحر الإبل ويذبح البقر والشاة ، فإن خالف ونحر البقر والشاة وذبح الإبل أجزأه ، لأن الجميع موت من غير تعذيب ، ويكره أن يبين الرأس وأن يبالغ في الذبح إلى أن يبلغ النخاع ، وهو عرق يمتد من الدماغ ، ويستبطن الفقار إلى عجب الذنب لما روى عن عمر رضي الله عنه أنه نهى عن النخع ولأن فيه زيادة تعذيب فإن فعل ذلك لم يحرم لأن ذلك يوجد بعد

80


81
حصول الذكاة . وإن ذبحه من قفاه فإن بلغ السكين الحلقوم والمرىء وقد بقيت فيه حياة مستقرة حل ، لأن الذكاة صادفته وهو حي ، وإن لم يبق فيه حياة مستقرة إلا حركة مذبوح لم يحل ، لأنه صار ميتا قبل الذكاة ، فإن جرح السبع شاة فذبحها صاحبها وفيها حياة مستقرة حلت ، وإن لم يبق فيها حياة مستقرة لم تحل ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ثعلبة الخشني : وإن رد عليك كلبك غنمك وذكرت اسم الله عليه ، وأدركت ذكاته فذكه ، وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكله والمستحب إذا ذبح أن لا يكسر عنقها ، ولا يسلخ جلدها قبل أن تبرد لما روى أن الفرافصة قال لعمر رضي الله عنه إنكم تأكلون طعاما لا نأكله فقال : وما ذاك يا أبا حسان فقال : تعجلون الانفس قبل أن تزهق ، فأمر عمر رضي الله عنه مناديا ينادي إن الذكاة في الحلق واللبة لمن قدر ولا تعجلوا الأنفس حتى تزهق .

+ الشرح : أما حديث ابن عمر وحديث أنس وحديث عدي فرواها البخاري ومسلم ، ولفظ روايتي البخاري ومسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما : ابعثها مقيدة سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم وحذف منه المصنف مقيدة وأما : حديث عائشة فصحيح رواه البخاري وآخرون ، وسبق إيضاحه مع غيره مما في معناه ، في فرع مذاهب العلماء في التسمية في باب الأضحية وأما : حديث أبي ثعلبة فروى البخاري ومسلم بعضه ولفظهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : وما صدت بكلبك الذي ليس بمعلم فأدركت ذكاته فكل وأما : الأثر عن عمر فصحيح ، صححه ابن المنذر ، وذكره البخاري في صحيحه عن ابن عمر . وقوله : في حديث ابن عمر : قياما مقيدة أي معقولة إحدى الرجلين وقوله : سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم هو بنصب سنة ، أي الزم سنة أو افعلها ، ويجوز رفعه أي هذه سنة ، والأعراب بفتح الهمزة ساكن البادية ، والمرىء بفتح الميم وآخره همزة ممدودة والروح يذكر ويؤنث ، لغتان ، والنخاع بكسر النون وفتحها وضمها ثلاث لغات حكاهن صاحب المحكم وآخرون ، والنخع بفتح النون وإسكان الخاء وقد فسره المصنف ، قال الأزهري : النخع للذبيحة أن يعجل الذابح فبلغ القطع إلى النخاع ، قال ابن الأعرابي : والنخاع خيط أبيض يكون داخل عظم الرقبة ، ويكون ممتدا إلى الصلب ، قال : قال ابن الأعرابي أيضا : هو خيط الفقار المتصل

81


82
بالدماغ . هذا نقل الأزهري في تهذيب اللغة وقال في شرح ألفاظ المختصر : النخع قطع النخاع وهو الخيط الأبيض الذي مادته من الدماغ في جوف الفقار كلها إلى عجب الذنب ، وإنما تنخع الذبيحة إذا أبين رأسها ، والفقار بفاء مفتوحة ثم قاف وأما عجب الذنب فبفتح العين وإسكان الجيم وهو أصل الذنب . وأما : أبو ثعلبة الخشني فبضم الخاء وفتح الشين المعجمة وبالنون وسبق بيانه في كتاب الطهارة وأما : الفرافصة فبضم الفاء الأولى وكسر الثانية وقوله : لا تعجلون الأنفس هو بضم التاء وإسكان العين قوله : الحلق واللبة هي بفتح اللام وتشديد الباء الموحدة وهي الثغرة التي في أسفل العنق . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : السنة في الإبل النحر ، وهو قطع الحلق أسفل العنق ، وفي البقر والغنم الذبح ، وهو قطع الحلق أعلى العنق والمعتبر في الموضعين قطع الحلقوم والمرىء وكى صاحب البيان وغيره وجها شاذا أنه يتخير في البقر بين الذبح والنحر ، والصواب الأول ، والخيل كالبقر ، وكذا حمار الوحش وبقره ونحوها ، فلو خالف وذبح الإبل ونحر البقر والغنم حلت المذكاة ، وكان تاركا للمستحب ، وهل هو مكروه فيه قولان الصحيح : المشهور لا يكره ، لأن المكروه هو ما ورد فيه نهي والثاني : يكره . الثانية : السنة أن ينحر البعير قائما على ثلاث قوائم ، معقول الركبة ، ويستحب أن تكون المعقولة اليسرى ، فإن لم ينحره قائما فباركا ، والسنة أن تضجع البقرة الشاة على جنبها الأيسر ، وتترك رجلها اليمنى ، وتشد قوائمها الثلاث ، وقد صح عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى ، قائمة على ما بقي من قوائمها رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم ، والخيل والصيود كالبقر والغنم . الثالثة : قال أصحابنا : يستحب أن يتوجه الذابح إلى القبله ، ويوجه الذبيحة إليها ، وهذا مستحب في كل ذبيحة ، وهو في الأضحية والهدى أشد استحبابا ، لأن الاستقبال مستحب في القربات ، وفي كيفية توجيهها ثلاثة أوجه سبقت في باب الأضحية أصحها : يوجه مذبحها إلى القبلة ، ولا يوجه وجهها ليمكنه هو أيضا الاستقبال والثاني : يوجهها بجميع بدنها والثالث : يوجه قوائمها . الرابع : يستحب أن يسمى الله تعالى عند الذبح وعند إرسال الكلب أو السهم إلى الصيد ، فلو ترك التسمية عمدا أو سهوا حلت الذبيحة والصيد ، لكن في تركها عمدا ثلاثة أوجه الصحيح : أنه مكروه والثاني : لا يكره والثالث : يأثم

82


83
به ، وقد سبقت المسألة مبسوطة بفروعها الكثيرة مع ما يتعلق بها مع بيان مذاهب العلماء بأدلتها في باب الأضحية ، قال الشافعي في الأم والأصحاب : وتستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح وفيه وجه شاذ لأبي علي ابن أبي هريرة أنها لا تستحب ، ولا تكره . والمذهب الأول . الخامسة : في حقيقة الذبح ، وقد لخصه الرافعي رحمه الله وجمع فيه متفرقات كلام الأصحاب وهذبها وهو كما قال ، قال : الذبح الذي يباح به الحيوان المقدور عليه إنسيا كان أو وحشيا ، أضحية كان أو غيرها ، هو التدقيق بقطع جميع الحلقوم والمرىء ، من حيوان فيه حياة مستقرة ، بآلة ليست عظما ولا ظفرا ، فهذه قيود أما : القطع فاحتراز مما لو اختطف رأس عصفور وغيره بيد أو ببندقة ونحوها فإنه ميتة وأما : الحلقوم فهو مجرى النفس خروجا ودخولا ، والمرىء مجرى الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم ووراءهما عرقان في صفحتي العنق يحيطان بالحلقوم ، وقيل : يحيطان بالمرىء ، يقال لهما : الودجان ، ويقال للحلقوم والمرىء معهما الأوداج . ويشترط لحصول الذكاة قطع الحلقوم ، والمرىء ، هذا هو المذهب الصحيح المنصوص به قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه لأبي سعيد الإصطخري أنه يكفي قطع أحدهما لأن الحياة لا تبقى بعده قال الأصحاب : هذا خلاف نص الشافعي وخلاف مقصود الذكاة وهو الإزهاق بما يوحي ولا يعذب ، ويستحب أن يقطع الودجين مع الحلقوم والمرىء لأنه أوحي والغالب أنهما يقطعان بقطع الحلقوم والمرىء ، فلو تركهما جاز لحصول المقصود بالحلقوم والمرىء قال أصحابنا : ولو ترك من الحلقوم والمرىء شيئا ومات الحيوان فهو ميتة ، وكذا لو

83


84
انتهى إلى حركة المذبوح فقطع بعد ذلك المتروك فهو ميتة وحكى الماوردي والشاشي وغيرهما وجها أنه إذا بقي من الحلقوم أو المرىء شيء يسير لا يضر بل تحصل الذكاة واختاره الروياني في الحلية . والمذهب الأول . قال أصحابنا : ولو قطع من القفا حتى وصل الحلقوم من المرىء عصى لزيادة الإيلام ، ثم ينظر إن وصل إلى الحلقوم والمرىء وقد انتهى إلى حركة المذبوح لم يحل بقطع الحلقوم والمرىء بعد ذلك ، فإن وصلهما وفيه حياة مستقرة فقطعهما حل ، كما لو قطع يده ثم ذكاه قال إمام الحرمين : ولو كان فيه حياة مستقرة عند ابتداء قطع المرىء ، ولكن لما قطع بعض الحلقوم انتهى إلى حركة المذبوح ، لما ناله من قبل بسبب قطع القفا ، فهو حلال لأن أقصى ما وقع التعبد به أن يكون فيه حياة مستقرة عند الابتداء بقطع المذبح . قال أصحابنا : والقطع من صفحة العنق كالقطع من القفا ، قالوا : ولو أدخل السكين في أذن الثعلب ليقطع الحلقوم والمرىء ، وأبان الرأس ، فليس هو بذبح ، لأنه لم يقطع الحلقوم والمرىء . وأما كون التدقيق حاصلا بقطع الحلقوم والمرىء ، ففيه مسألتان : إحداهما : لو أخذ الذابح في قطع الحلقوم والمرىء ، وأخذ آخرون في نزع خيشومه أو نخس خاصرته لم يحل ، لأن التدقيق لم يتمحص للحلقوم والمرىء ، وسواء كان ما تحرى به قطع الحلقوم مما يدقق ولو انفرد أو كان يعين على التدقيق ، ولو اقترن قطع الحلقوم بقطع رقبة الشاة من قفاها ، بأن كان يجري سكينا من القفا وسكينا من الحلقوم حتى التقتا فهي ميتة بخلاف ما إذا تقدم قطع القفا وبقيت الحياة مستقرة إلى وصول السكين المذبح . المسألة الثانية : يجب أن يشرع الذابح في القطع ، ولا يتأنى بحيث يظهر انتهاء الشاة قبل استتمام قطع المذبح إلى حركة المذبوح ، هكذا قاله إمام الحرمين وغيره ، قال الرافعي : وهذا قد يخالف ما سبق أن المتعبد به كون الحياة مستقرة عند الابتداء ، قال : فيشبه أن يكون المقصود هنا إذا تبين مصيره إلى حركة المذبوح ، وهناك إذا لم يتحقق الحال ، هذا كلام الرافعي ، وهذا الذي قاله خلاف ما سبق تصريح الإمام به ، بل الجواب أن هذا مقصر في التأني لم تحل ذبيحته بخلاف الأول ، فإنه لا تقصير في حقه ، ولو لم يحلله أدى إلى حرج والله أعلم . وأما كون الحيوان عند القطع فيه حياة مستقرة ففيه صورة إحداها : لو جرح السبع شاة أو صيدا ، أو انهدم سقف على بهيمة ، أو جرحت هرة حمامة ثم أدركت حية فذبحت ، فإن كان فيها حياة مستقرة حلت وإن تيقن هلاكها بعد يوم ويومين لما ذكره المصنف ، وإن لم يكن فيها حياة مستقرة لم يحل ، هذا هو المذهب والمنصوص ، وبه قطع الجمهور ، وحكى قول أنها تحل في الحالين ، وقول أنها لا تحل في الحالين ، والصواب الأول قال أصحابنا : وهذا بخلاف الشاة إذا مرضت وصارت إلى أدنى رمق فذبحت ، فإنها تحلا بلا خلاف ، لأنه لم يوجد سبب يحال الهلاك عليه ، وقد ذكر صاحب البيان المسألة وأوهم فيها خلاف الصواب ، قال : إذا أشرفت المريضة على الموت لم تحل بالذكاة ، قال : وحكى صاحب الفروع عن أبي علي ابن أبي هريرة أنها ما دامت

84


85
تضرب بذنبها وتفتح عينها حلت بالذكاة قال : وهذا ليس بشىء لأن الحياة فيها غير مستقرة ، وإنما حركتها حركة مذبوح . هذا كلامه : والمذهب ما سبق ، ولو أكلت الشاة نباتا مخضرا فصارت إلى أدنى الرمق فذبحت قال القاضي حسين مرة : في حلها وجهان وجزم مرة بالتحريم لأنه وجد سبب يحال الهلاك عليه فصار كجرح السبع . فرع : كون الحيوان منتهيا إلى حركة المذبوح أو فيه حياة مستقرة ، تارة يستيقن ، وتارة يظهر بعلامات وقرائن لا تضبطها العبارة ، وشبهه الأصحاب بعلامات الخجل والغضب ونحوهما . قالوا : ومن أمارات الحياة المستقرة الحركة الشديدة بعد قطع الحلقوم والمرىء وانفجار الدم وتدفقه قال إمام الحرمين : من الأصحاب من قال : كل واحد منهما يكفي دليلا على بقاء الحياة المستقرة قال : والأصح أن كلا منهما لا يكفي لأنهما قد يحصلان بعد الانتهاء إلى حركة المذبوح لكن قد ينضم إلى أحدهما أو كليهما قرائن وأمارات أخر تفيد الظن أو اليقين ، فيجب النظر والاجتهاد . هذا كلام الإمام واختار المزني وطوائف من الأصحاب الاكتفاء بالحركة الشديدة وهو الأصح المختار وحكى البخاري في صحيحه معناه عن ابن عباس وقد وقعت المسألة مرات في الفتاوى فكان الجواب فيها أن الحياة المستقرة تعرف بقرائن يدركها الناظر ، ومن علاماتها الحركة الشديدة بعد قطع الحلقوم والمرىء وجريان الدم فإذا حصلت قرينة مع أحدهما حل الحيوان ، والمختار الحل بالحركة الشديدة وحدها . فهذا هو الصحيح الذي نعتمده . وقد ذكر الشيخ أبو حامد وصاحبا الشامل والبيان وغيرهم أن الحياة المستقرة ما يجوز أن يبقى معه الحيوان اليوم واليومين بأن يشق جوفها ، وظهرت الأمعاء ولم تنفصل ، فإذا ذكيت حلت وهذا الذي ذكره منزل على ما قدمناه والله تعالى أعلم . وإذا شك في المذبوح هل كان فيه حياة مستقرة حال ذبحه أم لا ففي حله وجهان أحدهما : الحل لأن الأصل بقاء الحياة وأصحهما : التحريم للشك في الذكاة المبيحة والله أعلم وأما : قولنا في الآلة : ليست ظفرا ولا عظما فمعناه جواز الذبح بكل ما له حد يقطع إلا العظم أو الظفر وقد سبقت المسألة قريبا واضحة والله أعلم . المسألة السادسة : قال أصحابنا رحمهم الله : إذا قطع الحلقوم أو المرىء والودجين استجب أن يقتصر على ذلك ويكره أن يبين رأسه في الحال ، وأن يزيد في القطع وأن يكسر عنقها وأن يكسر الفقار ، وأن يقطع عضوا منها وأن يحركها ، وأن ينقلها إلى مكان آخر ، وكل ذلك مكروه بل يتركه كله حتى تفارقها الروح وتبرد . ويستحب أن لا يمسكها بعد الذبح مانعا لها من الاضطراب ، وقد ذكر المصنف أدلة هذه الأمور والله أعلم .

85


86
فرع في مذاهب العلماء في ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح قد ذكرنا أن السنة ذبح البقر والغنم ونحر الإبل فلو خالف وذبح الإبل ونحر البقر والغنم جاز . هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء قال ابن المنذر : قال بهذا أكثر أهل العلم منهم عطاء وقتادة والزهري والثوري والليث بن سعد وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور . وقال مالك : إن ذبح البعير من غير ضرورة أو نحر الشاة من غير ضرورة كره أكلها ، وإن نحر البقر فلا بأس . قال ابن المنذر : وأجمع الناس على أن من نحر الإبل وذبح البقر والغنم فهو مصيب ، قال : ولا أعلم أحدا حرم أكل بعير مذبوح أو بقرة وشاة منحورين ، قال : وإنما كره مالك ذلك كراهة تنزيه ، وقد يكره الإنسان الشىء ولا يحرمه ، وذكر القاضي عياض عن مالك رواية بالكراهة ، ورواية بالتحريم ، ورواية بإباحة ذبح المنحور دون نحر المذبوح ، ونقل العبدري عن داود أنه قال : إذا ذبح الإبل ونحر البقر لم يؤكل ، وهو محجوج بإجماع من قبله وبما ذكره المصنف . فرع في مذاهبهم فيما يشترط قطعه لحصول الذكاة قد ذكرنا أن مذهبنا اشتراط قطع الحلقوم والمرىء بكمالهما ، وأن الودجين سنة ، وهو أصح الروايتين عن أحمد . قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أنه إذا قطع بما يجوز الذبح به وسمى ، وقطع الحلقوم والمرىء والودجين وأسأل الدم حصلت الذكاة ، وحلت الذبيحة قال : واختلفوا في قطع البعض وكان الشافعي يقول : يشترط قطع الحلقوم والمرىء ويستحب الودجين وقال الليث وداود : يشترط قطع الجميع واختاره ابن المنذر . وقال أبو حنيفة إذا قطع ثلاثة من الأربعة حل والأربعة هي الحلقوم والمرىء والودجين . وقال أبو يوسف لا لروايات إحداها : كأبي حنيفة والثانية : إن قطع الحلقوم واثنين من الثلاثة الباقية حل وإلا فلا والثالثة : يجب قطع الحلقوم والمرىء وأحد الودجين ، وقال محمد ابن الحسن : إن قطع من كل واحد من الأربعة أكثره حل وإلا فلا ، وقال مالك : يجب قطع الحلقوم والودجين ، ولا يشترط المرىء ، ونقله العبدري عنه وعن الليث بن سعد ، فيصير عن الليث روايتان ، وعن مالك رواية كاشتراط قطع الأربعة ، وهو قول أبي ثور ، وعن مالك أيضا الاكتفاء بالودجين ، دليلنا ما ذكره المصنف . فرع : إذا ذبح الشاة ونحرها من قفاها ، فقد ذكرنا أن مذهبنا أنه إن وصل السكين إلى الحلقوم . والمرىء . وفيه حياة مستقرة ، حل وإلا فلا . قال العبدري : وقال مالك وداود : لا تحل بحال . وقال أحمد فيه روايتان إحداهما : تحل والثانية : لا تحل إن تعمد ،

86


87
وقال الرازي الحنفي : قال أصحابنا : إن مات بعد قطع الأوداج الأربعة حل ، وإلا فلا وحكى ابن المنذر عن الشعبي والثوري والشافعي وأبي حنيفة وإسحاق وأبي ثور ومحمد ، حل المذبوح من قفاه ، وعن ابن المسيب وأحمد منعها . فرع : في مذاهبهم إذا قطع رأس الذبيحة . مذهبنا أنها إذا ذكيت الذكاة المعتبرة وقطع رأسها في تمام الذبح حلت ، وحكاه ابن المنذر عن علي بن أبي طالب وابن عمر وعمران بن الحصين وعطاء والحسن البصري والشعبي والنخعي والزهري وأبي حنيفة وإسحاق وأبي ثور ومحمد وكرهها ابن سيرين ونافع . وقال مالك : إن تعمد ذلك لم يأكلها ، وهي رواية عن عطاء . فرع : في مذاهبهم في الشاة المنخوعة : قد ذكرنا أن النخع أن يعجل الذابح فيبلغ بالذبح إلى النخاع ، ومذهبنا أن هذا الفعل مكروه والذبيحة حلال ، قال ابن المنذر : وقال ابن عمر : لا تؤكل ، وبه قال نافع وكرهه إسحاق . وقال مالك : لا أحب أن يتعمد ذلك ، وكرهت طائفة الفعل وأباحت الأكل ، وبه قال النخعي والزهري والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور ، قال ابن المنذر : بقول هؤلاء أقول ، قال : ولا حجة لمن منع أكله بعد الذكاة . فرع : في مذاهبهم فيما يقطع من الشاة بعد الذكاة قبل أن تبرد . مذهبنا أن الفعل مكروه ، والعضو المقطوع حلال ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق . قال ابن المنذر : وكره ذلك عطاء : قال : وقال عمرو بن دينار : ذلك العضو ميتة ، وقال عطاء : ألق ذلك العضو . فرع : في مذاهبهم في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ، وما أكل السبع إذا ذكيت واحدة من هؤلاء قال العبدري من أصحابنا : لها ثلاثة أحوال : أحدها : أن يدركها ولم يبق فيها إلا حركة مذبوح فهذه لا تحل عندنا ، وبه قال مالك وأبو يوسف والجمهور ، وعن أبي يوسف رواية أنها إن كانت بحيث تعيش أكثر من نصف يوم حلت . الثانية : أن يدركها ، وفيها حياة مستقرة ، ولكن يعلم أنها تموت قطعا فتحل بالذكاة بلا خلاف عندنا . والصحيح عن مالك أنها لا تحل . الثالثة : أن يدركها وهي بحيث يحتمل أن تعيش ويحتمل أن لا تعيش ، والحياة مستقرة فتحل عندنا . وقال مالك : لا تؤكل . وقال أبو حنيفة وداود : إذا ذكاها قبل أن تموت حلت ولم يفصلا . وعن أبي حنيفة رواية أخرى أنها لا تحل لا إن علم أنها تعيش يوما أو أكثر ، وقال محمد ابن الحسن وأحمد : إن كانت تعيش

87


88
معه اليوم ونحوه حلت ، وإن كانت لا تبقى إلا كبقاء المذبوح ، لم تحل ، هذا نقل العبدري . وقال ابن المنذر : روينا عن علي رضي الله عنه إن أدركها وهي تحرك يدا أو رجلا فذكاها حلت ، قال : وروى معنى ذلك عن أبي هريرة والشعبي والحسن والبصري وقتادة ومالك ، وقال الثوري : إذا خرق السبع بطنها وفيها الروح فذبحها فهي ذكية ، وبه قال أحمد وإسحاق ، قال الليث : إن ركضت عند الذبح فلا بأس بأكلها ، والله أعلم . فرع في مذاهبهم في نحر الإبل قائمة أجمعوا أن الأفضل ذبح البقر والغنم مضجعة وأما : الإبل فمذهبنا أنه يسن نحرها قائمة معقولة اليد اليسرى كما سبق ، وبه قال العلماء كافة إلا الثوري وأبا حنيفة فقالا : سواء نحرها قائمة وباركة ، ولا فضيلة . وحكى القاضي عياض عن عطاء ، أن نحرها باركة معقولة أفضل من قائمة ، وهذان المذهبان مردودان بالأحاديث الصحيحة السابقة .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز الصيد بالجوارح المعلمة كالكلب والفهد والبازي والصقر لقوله تعالى :

﴿ أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة : 4 قال ابن عباس رضي الله عنهما : هي الكلاب المعلمة والبازي وكل طائر يعلم الصيد ، والمعلم هو الذي إذا أرسله على الصيد طلبه وإذا اشلاه استشلى فإذا أخذ الصيد أمسكه ، وخلى بينه وبينه ، فإذا تكرر منه ذلك كان معلما ، وحل له ما قتله .

+ الشرح : هذا الأثر عن ابن عباس رواه البيهقي عنه بإسناد ضعيف ، لأنه من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ولم يدرك ابن عباس وإنما روى التفسير عن مجاهد عن ابن عباس ، وقد ضعفه أيضا الأكثرون ، قال الشافعي والأصحاب : يجوز الاصطياد بجوارح السباع المعلمة ، كالكلب والفهد والنمر وغيرها ، وبجوارح الطير كالنسر والبازي والعقاب والباشق والشاهين وسائر الصقور وسواء في الكلاب الأسود وغيره ، ولا خلاف في شىء من هذا عندنا إلا وجها لأبي بكر الفارسي من أصحابنا أن صيد الكلب الأسود حرام ،

88


89
حكاه الروياني والرافعي وغيرهما ، وهو ضعيف ، بل باطل وأما : قول الغزالي في الوسيط فريسة الفهد والنمرحرام فغلط مردود ، وليس وجها في المذهب ، بل لها حكم الكلب في الاصطياد بلا خلاف ، نص عليه الشافعي في مختصر المزني وجميع الأصحاب في جميع الطرق ، وكلهم صرحوا بالفهد والنمر وأنها كالكلب ، وهذا نص الشافعي رحمة الله في المختصر قال : كل معلم من كلب وفهد ونمر . وهكذا عبارة جميعهم . وأما : استبعاد الغزالي تعلمها فلا يقبل ، لأن الاصطياد بالفهود المعلمة كثير مشهور مشاهد ، والنمر إن أخذ صغيرا تيسر تعليمه فحصل أنه لا خلاف في جوازه ، وأن الكلب والنمر في هذا سواء ، قال الرافعي : ذكر إمام الحرمين أن الفهد يبعد عنه التعليم لأنفته وعدم انقياده ، فإن تصور تعلمه على نذور فهو كالكلب . قال الرافعي : وهذا الذي قاله الإمام لا يخالف ما قاله الشافعي والأصحاب ، قال : وفي كلام الغزالي ما يوهم خلاف هذا قال : وهو مجهول على ما ذكره الإمام ، قال : ولا خلاف فيه والله أعلم . قال أصحابنا : والمراد بجواز الاصطياد بهذه الجوارح أن ما أخذته وجرحته وأدركه صاحبها ميتا أو في حركة المذبوح ، أو لم يتمكن من ذبحه ، حل أكله ، ويقوم إرسال الصائد وجرح الجارح في أي موضع كان مقام الذبح في غير الصيد ، قالوا : وأما الاصطياد بمعنى إثبات الملك فلا يختص بها ، بل يحصل بأي طريق تيسر ، سواء كان بكلب معلم أو غير كلب ، ولكن لا يحل ما قتله غير المعلم ، وإنما يحل إذا ذكى ، وفيه حياة مستقرة ، قال أصحابنا : ويشترط لحل ما قتله الجارح كونه معلما ، وشرط تعليمه أربعة أمور : أحدها : أن ينزجر بزجر صاحبه ، هكذا أطلقه المصنف والجمهور وهو المذهب . وقال إمام الحرمين : يعتبر ذلك في ابتداء الإرسال وأما : إذا انطلق واشتد عدوه ففي اشتراطه أصحهما : يشترط كما قاله الجمهور . الشرط الثاني : أن يسترسل بإرساله ، ومعناه أنه إذا أغرى بالصيد هاج . الثالث : أن يمسك الصيد فيحبسه على صاحبه ولا يخليه . الرابع : أن لا يأكل منه ، هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور ، وهو المعروف من نصوص الشافعي ، وفيه قول شاذ أنه لا يضر الأكل حكاه الرافعي وليس بشىء . وذكر إمام الحرمين أن ظاهر المذهب أنه يشترط أن ينطلق أيضا بانطلاق صاحبه ، وأنه لو انطلق بنفسه لم يكن معلما ، ورآه الإمام مشكلا من حيث إن الكلب على أي صفة كان ، إذا رآى صيدا بالقرب منه وهو على كلب الجوع يبعد انكفافه . هذا حكم الكلب وما في معناه من جوارح السباع وأما : جوارح الطير فيشترط فيها أن تهيج عند الإغراء أيضا ويشترط ترك

89


90
أكلها من الصيد على المذهب وبه قطع المصنف وكثيرون وحكى إمام الحرمين والخراسانيون فيه قولين قال : الإمام : ولا نطمع في انزجارها بعد الطيران قال : ويبعد أيضا اشتراط انكفافها في أول الأمر ، والله أعلم . فرع : قال المصنف والأصحاب : هذه الأمور المشترطة في التعلم يشترط تكررها ، ليغلب على الظن تأدب الجارحة ، ومصيرها معلمة ، والرجوع في عدد ذلك إلى أهل الخبرة بالجوارح ، هذا هو المذهب ، قال الرافعي : وهو مقتضى كلام الجمهور ، وفيه وجه أنه يشترط تكرر ثلاث مرات ، ووجه ثالث أنه يكفي مرتان ، والصحيح الأول . فرع في مذاهب العلماء ذكرنا أن مذهبنا جواز الاصطياد يجمع الجوارح المعلمة من السباع والطير ، كالكلب الأسود وغيره ، والفهد والنمر ، والبازي والعقاب والصقور كلها ، قال العبدري : وبهذا قال أكثر الفقهاء قال : وعن ابن عمر ومجاهد أنهما كرها صيد البازي وغيره من الطيور ، وقال الحسن البصري والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق : يجوز بذلك كله إلا الكلب الأسود البهيم ، قال ابن المنذر : قال أحمد : ما أعلم أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما ، قال ابن المنذر : وقال عوام أهل العلم من أهل المدينة وأهل الكوفة بإباحة صيد الكلب الأسود كغيره ، وممن روى عنهم البيهقي جواز أكل صيد الطيور كالصقور : سلمان الفارسي وابن عباس وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ، حكاه أبو الزناد عن فقهاء المدينة الذين ينتهى إلى قولهم ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس وطاوس وعطاء ويحيى بن أبي كثير والحسن البصري ومالك وأبي حنيفة وأبي ثور ومحمد . واحتج لابن عمر ومجاهد بقوله تعالى :

﴿ وما علمتم من الجوارح مكلبين المائدة : 4 فخصه بالكلاب . واحتج أصحابنا للحسن وموافقيه بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب ، ثم نهى عن قتلها وقال : عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان رواه مسلم في صحيحه . واحتج أصحابنا بقوله تعالى :

﴿ وما علمتم من الجوارح مكلبين المائدة : 4 قالوا : والجوارح تطلق على السباع والطيور . والجارحة الكاسب ،

90


91
فكل كاسب منها جارحة ، قال الجوهري في الصحاح : الجوارح من السباع والطير ذوات الصيد ، وبهذه الحروف قاله ابن فارس في المجمل وجماهير أهل اللغة ، قال الواحدي في البسيط : الجوارح هي الكواسب من الطير والسباع ذوات الصيد ، واحدها جارحة ، والكلب الضاري جارحة ، سميت جوارح لأنها كواسب أنفسها ، من جرح واجترح إذا اكتسب ، قال ابن عباس : يريد الطير الصائدة ، والكلاب والفهود وسباع الطير ، كالشواهين والبواشق والعقبان ، فما اصطادت هذه فهو حلال . قال الواحدي : قال الليث : سئل مجاهد عن الصقر والبازي والفهد وما يصطاد من السباع فقال : هذه كلها جوارح ، قال الواحدي وهذا قول جميع المفسرين إلا ما روى عن ابن عمر والضحاك أنهما قالا : الجوارح الكلاب دون غيرها . قالا : وما صاد غير الكلاب ولم يدرك ذكاته لم يحل ، ومثله عن السدي ، قال الواحدي : وهذا قول غير معمول به قال : وقوله تعالى :

﴿ مكلبين للكلب الذي يعلم الكلاب الصيد ، قال الواحدي قال أهل المعاني : وليس فيه دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة ، لأنه بمنزلة قولك : مؤديين . هذا آخر نقل الواحدي ، فهذا الذي ذكرناه من الاحتجاج بالآية الكريمة هو المعتمد في الاستدلال مع القياس على الكلب . وأما : الحديث الذي احتج به جماعة من أصحابنا ، وهو حديث مجالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك ، قلت : وإن قتل قال : إذا قتله ولم يأكل منه شيئا فإنما أمسكه عليك فرواه أبو داود والبيهقي وغيرهما ولكنه ضعيف فإن مجالدا ضعيف باتفاقهم قال البيهقي : ذكر البازي في هذه الرواية لم يأت به الحفاظ عن الشعبي ، وإنما أتى به مجالد والله أعلم . وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية الكريمة فقد ذكرنا معناها وفي ضمنه الجواب عن احتجاجهم وأما : الجواب عن حديث الأمر بقتل الكلب الأسود فهو أنه لا يلزم من قتله تحريم صيده ، مع أن القتل منسوخ كما سنوضحه في باب ما يجوز بيعه إن شاء الله تعالى ، قال ابن المنذر : وقد قال الله تعالى :

﴿ وما علمتم من الجوارح مكلبين المائدة : 4

﴿ وقال

91


92
النبي صلى الله عليه وسلم لعدي : إذا أرسلت كلبك فأخذه وقتله فكل قال : فالقول بظاهر الكتاب والسنة واجب ، ولا يجوز أن يستثنى منهما إلا بكتاب أو سنة . والله أعلم . فرع في مذاهبهم في ضبط تعليم الجارحة قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يشترط في مصيره معلما أربعة شروط ، وأنه يشترط تكرره بحيث يقول أهل الخبرة : إنه صار معلما وأوضحنا ذلك ، ولم يعتبر أصحابنا عدد المرات في ذلك ، بل اعتبروا العرف كما ذكرنا . قال العبدري : وقال مالك : المعلم الذي يفقه عن مرسله فيأتمر إذا أمره ، وينزجر إذا زجره ، ولا يشترط ترك الأكل فيه ، سواء الكلب وغيره . وقال أبو حنيفة يعتبر تكرر ذلك مرتين ، وفي رواية عنه لا تقدير في التعليم ، بل إذا وقع في نفس صاحبه مصيره معلما حل صيده ، وقال أحمد : حده أن يصطاد ولا يأكل ، قال : وليس له حد كتعلم الصناعات ، وبهذا قال داود ، وقال أبو يوسف ومثلهمحمد : وهو أن يصطاد ثلاث مرات ، ولا يأكل . وحكى ابن المنذر عن ربيعة أنه قال : إذا دعا الكلب فأجاب وزجره فأطاع فمعلم وأما : الطيور فما أجاب منها إذا دعى فمعلم ، ومثله عن أبي ثور إلا أنه قال : ما لم يأكل ، وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء حصول التعلم بمرة . فرع : في مذاهبهم في اصطياد المسلم بكلب أو طائر علمه مجوسي . مذهبنا أنه حلال ، ويحل ما قتله قال العبدري : وبه قال الفقهاء كافة ، قال ابن المنذر : وبه قال سعيد بن المسيب والحكم والزهري ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور ، وهو أصح الروايتين عن عطاء قال : وممن كرهه جابر بن عبد الله والحسن البصري وعطاء ومجاهد والنخعي والثوري وإسحاق بن راهوية ، وكره الحسن الاصطياد بكلب اليهودي والنصراني ، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق : كلب اليهودي والنصراني أهون . فرع : قال ابن المنذر : روينا عن ابن عباس قال : إذا قتل الكلب الصيد فأكل منه فاضربه حتى يمسك عليك . فرع : المعروف في اللغة أن قولهم أشلى الكلب ، أي استدعاه ، وأما إرساله فيقال فيه : أغراه ، واستعمال المصنف له هنا وفي التنبيه على وفق هذا المشهور في اللغة . وقال الشافعي في المختصر : كل معلم من كلب أو فهد أو نمر فكان إذا أشلى استشلى وإذا أخذ

92


93
حبس ولم يأكل فهو معلم . هذا لفظه ، قال أصحابنا : اعترض أبو بكر بن داود الظاهري على قول الشافعي : إذا أشلاه استشلى فقال : يقال : أشلاه إذا دعاه ، وأغراه إذا أرسله ، ولهذا قال الشاعر : أشليت عيري ومسحت قعبي وأجاب أصحابنا عن هذا الاعتراض بأجوبة : أحدها : أن الشافعي من أهل اللغة ، ومن فصحاء العرب الذين يحتج بلغتهم كالفرزدق وغيره ، لأنه عربي النسب والدار والعصر . قال الأصمعي : قرأت ديوان ( الهذليين ) على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس الشافعي قالوا : فيكون أشلى من الأضداد يطلق على الاستدعاء وعلى الإغراء ، ومما يؤيد هذا الجواب ويوضحه أكمل إيضاح أن أبا الحسين أحمد بن فارس المجمع على توثيقه وأمانته في اللغة قال في كتاب المجمل : يقال أشليت الكلب إذا دعوته ، وأشليته أغريته ، قال : قال الأعجم : أتينا أبا عمرو فأشلى كلابه علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل الجواب الثاني : أن الإشلاء وإن كان هو الاستدعاء فاستعماله هنا صحيح ، وكأنه يستدعيه ليرسله ، فعبر بالإشلاء عن الإرسال ، لأنه يؤول إليه وهو من باب تسمية الشىء بما يصير إليه ومنه

﴿ إني أراني أعصر خمرا يوسف : 36 والثالث : جواب الأزهري أن معنى أشلى دعا ، أي أجاب كأنه يدعوه للصيد فيجيبه ويقصد الصيد ، والله سبحانه أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أرسل من تحل ذكاته جارحة معلمة على الصيد فقتله بظفره أو نابه أو بمنقاره حل أكله ، لما روى أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن

93


94
النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا كنت في أرض صيد فأرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم الله تعالى وكل ( وأما ) إذا أرسله من لا تحل ذكاته فقتله لم يحل ، لأن الكلب آلة كالسكين ، والمذكى هو المرسل ، فإذا لم يكن من أهل الذكاة لم يحل صيده فإن أرسل جارحة غير معلمة فقتل الصيد لم يحل ، لما روى أبو ثعلبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أرسلت كلبك الذي ليس بمعلم فما أدركت ذكاته فكل وإن استرسل المعلم بنفسه فقتل الصيد لم يحل لما روى عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا أرسلت كلابك المعلمة فأمسكن عليك فكل قلت : وإن قتلن قال : وإن قتلن فشرط أن يرسل وإن أرسله فقتل الصيد بثقله ففيه قولان أحدهما لا يحل ، لأنه آلة للصيد ، فإذا قتل بثقله لم يحل كالسلاح والثاني يحل ، لحديث عدي ، ولأنه لا يمكن تعليم الكلب الجرح وإنهار الدم ، فسقط اعتباره كالعقر في محل الذكاة ، وإن شارك كلبه في قتل الصيد كلب مجوسي أو كلب استرسل بنفسه لم يحل ، لأنه اجتمع في ذبحه ما يقتضي الحظر والإباحة فغلب الحظر كالمتولد بين ما يؤكل وبين ما لا يؤكل ، وإن وجد مع كلبه كلبا آخر لا يعرف حاله ولا يعلم القاتل منهما لم يحل ، لما روى عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : أرسلت كلبي ووجدت مع كلبي كلبا آخر لا أدري أيهما أخذه فقال : لا تأكل ، فإنما سميت على كلبك ، ولم تسم على غيره ولأن الأصل فيه الحظر ، فإذا اشكل بقي على أصله .

94


95

+ الشرح : حديث أبي ثعلبة الأول وحديثه الثاني رواهما البخاري ومسلم بمعناهما ، وحديث عدي الأول وحديثه الثاني رواهما البخاري ومسلم ، وسبق بيان اسم أبي ثعلبة ونسبه في باب الآنية ، ولغات الظفر في باب السواك ، وقوله : منقاره بكسر ا لميم وقوله : بثقله هو بكسر الثاء وقوله : كالعقر في محل الذكاة ، يعني كما يسقط اعتبار العقر في محل الذكاة ، الذي هو الحلق واللبة . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : إذا أرسل من تحل ذكاته جارحة معلمة على صيد فقتلته بظفره أو منقاره أو نابه حل أكله بلا خلاف ، لما ذكره المصنف . وإذا أرسل من لا تحل ذكاته كمرتد أو وثني أو مجوسي جارحة معلمة فقتل الصيد بظفره أو نابه لم يحل سواء كان علمها مسلم أو مجوسي ، هذا هو المذهب والمنصوص وبه قطع ا لأصحاب في جميع الطرق ، إلا ما شذ به صاحبا العدة والبيان فحكيا وجها أنه يحل ما قتله جارحة المجوسي ، وهذا غلط ظاهر إلا أن بعض أصحابنا حكى وجها في حل مناكحة المجوسي وذبيحته بناء على أن لهم كتابا ، فعلى هذا الوجه يحل صيده كذكاته ، ولعل هذا القائل أراد هذا الوجه ، وكيف كان ، فالصواب أنه لا يحل صيده مطلقا ، ولو اشترك المسلم والمجوسي في إرسال كلب أو سهم على الصيد ، واشترك كلباهما في قتله لم يحل ، لما ذكره المصنف . وإن رميا سهمين أو أرسلا كلبين فسبق كلب المسلم أو سهمه فقتل الصيد أو أنهانه إلى حركة المذبوح حل ، ولا أثر لوقوع سهم المجوسي أو كلبه بعد ذلك فيه ، كما لو ذبح مسلم شاة ثم قدها مجوسي ، وإن سبق ما أرسله المجوسي أو جرحا معا أو مرتبا ، ولم يذفف واحد منهما ، فهلك بهما ، أو لم يعلم أيهما قتله ، لم يحل بلا خلاف ، قال الروياني : متى اشتركا في إمساكه وعقره أو في أحدهما ، وانفرد واحد بالآخر ، أو انفرد كل واحد منهما بأحدهما فهو حرام ولو كان للمسلم كلبان معلم وغيره أو معلمان أرسل أحدهما وذهب الآخر بلا إرسال فقتلا صيدا أو وجد مع كلبه كلبا آخر ، ولم يعلم أيهما القاتل فهو كاسترسال كلبي المسلم والمجوسي ، ولو تقرب الصيد من كلب المسلم فعارضه كلب المجوسي فرده عليه فقتله كلب المسلم حل ، كما لو ذبح مسلم شاة أمسكها مجوسي ، ولو جرحه مسلم أولا ثم قتله مجوسي ، أو جرحه جرحا غير مذفف ومات بالجرحين فحرام ، وإن كان المسلم قد أثخنه بجراحته فقد ملكه ، ويلزم المجوسي قيمته له ، لأنه أتلفه فجعله ميتة ، ولا خلاف عندنا أنه يحل ما اصطاده

95


96
المسلم بكلب المجوسي ، كما لو ذبح بسكينته أو رمى بسهمه أو قوسه والله أعلم . المسألة الثالثة : أرسل المسلم جارحة غير معلمة فقتل الصيد لم يحل بالإجماع وقد سبق بيانه قريبا ، وذكرنا هناك أنه لو جرحه وأدرك فيه حياة مستقرة فذكاه حل ، وإلا فلا . الرابعة : لو استرسل المعلم بغير إرسال فقتل الصيد لم يحل ، لما ذكره المصنف ، قال أصحابنا : فلو أكل من هذا الصيد لم يقدح ذلك في كونه معلما بلا خلاف ، وإنما يقدح في الأكل على أصح القولين إذا أرسله صاحبه أما : إذا استرسل فزجره صاحبه فانزجر ووقف ثم أغراه فاسترسل وقتل الصيد فيحل بلا خلاف ، وإن لم ينزجر ومضى لوجهه لم يحل ، سواء زاد عدوه وحدته أم لا ، ولو لم يزجره بل أغراه ، فإن لم يزد عدوه فحرام قطعا ، وكذا إن زاد على أصح الوجهين ، وبه قطع أبو حامد وابن الصباغ ، فإن كان الإغراء وزيادة العدو بعدما زجره فلم ينزجر فطريقان قطع : العراقيون بالتحريم وقال : الخراسانيون : فيه وجهان مرتبان على الوجهين السابقين وأولى بالتحريم ولو أرسل مسلم كلبا وأغراه مجوسي فازداد عدوه فإن قلنا : في الصورة السابقة لا ينقطع حكم الاسترسال ولا يؤثر الإغراء حل هنا ولا أثر لإغراء المجوسي . وإن قطعناه وأحلنا على الإغراء لم يحل هذا . هكذا قاله الجمهور وقطع البغوي بالتحريم واختاره القاضي أبو الطيب لأنه قطع للأول أو مشاركة وكلاهما يحرمه . ولو أرسل مجوسي كلبا فأغراه مسلم فازداد عدوه فوجهان بناء على عكس ما سبق ومن الأصحاب من قطع هنا بالتحريم . ولو أرسل مسلم كلبا فزجره فضولي فانزجر ثم أغراه فاسترسل وأخذ صيدا فلمن يكون الصيد فيه وجهان أصحهما : للفضولي والثاني : للمالك كالوجهين فيمن غصب كلبا فاصطاد به ولو زجره فلم ينزجر فأغراه أو لم يزجره بل أغراه وزاد عدوه وقلنا : الصيد للغاصب خرج على خلاف في الإغراء هل يقطع حكم الابتداء أم لا إن قلنا : لا وهو الأصح فالصيد لصاحب الكلب وإلا فللغاصب الفضولي . قال إمام الحرمين : ولا يمنع تخريج وجه باشتراكهما والله أعلم . الخامسة : إذا لم يجرح الكلب الصيد بل قتله بثقله وصدمته فقولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : عند الأصحاب أنه يحل والثاني : لا يحل وأما : إذا كد الجارحة الصيد حتى أتعبه فوقع ميتا من التعب فلا يحل قولا واحدا لأنه مات من غير فعل فأشبه المتردية والله أعلم . فرع : تستحب التسمية عند إرسال الجارحة أو إرسال السهم على الصيد استحبابا متأكدا كما ذكرنا في الذكاة ، فإن ترك التسمية عمدا أو سهوا حل الصيد بلا خلاف عندنا ، وسبقت المسألة بفروعها وأدلتها ومذاهب العلماء فيها في باب الأضحية .

96


97
فرع في مذاهب العلماء في صيد الكتابي مذهبنا أنه يحل صيد الكتابي كما تحل ذبيحته ، فإذا أرسل جارحة معلما أو سهما فقتل صيدا حل ، وبه قال عطاء وأبو حنيفة والليث والأوزاعي وأحمد وابن المنذر وداود وجمهور العلماء . وقال مالك : لا يحل صيده وتحل ذبيحته ، وهذا ضعيف . فرع : في صيد المجوسي بكلبه المعلم وسهمه . مذهبنا أنه حرام ، قال ابن المنذر : وبه قال جمهور العلماء ، منهم عطاء وسعيد بن جبير والنخعي ومالك والليث والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وغيرهم ، قال ابن المنذر : وقال أبو ثور : فيهم قولان أحدهما : كقول الجمهور والثاني : تحل ذبائحهم ولهم كتاب . فرع : في مذاهبهم في الكلب المعلم يسترسل من غير إرسال فيقتل الصيد . قد ذكرنا أن مذهبنا أنه حرام ، سواء كان صاحبه خرج به للاصطياد أم لا ، وبه قال ربيعة ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور وابن المنذر ، قال العبدري : هو قول الفقهاء كافة قال : وقال الأصم : يحل ، قال ابن المنذر وقال عطاء والأوزاعي : يؤكل إن كان إخراجه للصيد ، والله أعلم . فرع : في مذاهبهم فيما إذا أرسل مسلم كلبه المعلم على صيد رده عليه كلب أرسله مجوسي فقتله كلب المسلم ، فمذهبنا أنه حلال ، وبه قال مالك وأحمد وداود ، وقال أبو حنيفة : حرام لاشتراكهما ، دليلنا أن نفس القتل لا شركة فيه ، بل هو مضاف إلى كلب المسلم فأشبه ما إذا أمسك المجوسي حيوانا فذبحه مسلم ، ورمى المسلم سهما ورمى المجوسي سهما فرده سهم المجوسي ولم يصبه ، وأصابه سهم المسلم فقتله ، فإنه يحل بالاتفاق . فرع : في مذاهبهم فيما إذا استرسل الكلب بنفسه فأغراه صاحبه فزاد في عدوه . قد ذكرنا أن الصحيح عندنا أنه لا يحل ما قتله . قال أبو حنيفة وأحمد : يحل وعن أبي حنيفة روايتان كالمذهبين . فرع : إذا قتل الكلب الصيد بثقله من غير جرح فهو حلال عندنا على الأصح كما سبق . وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد والمزني : حرام . فرع : في مذاهبهم فيما إذا أرسل كلبه المعلم على صيد فوجد معه كلبا آخر والصيد قتيل ، ولا يعلم القاتل ، أو علم أنهما اشتركا في قتله ، فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه حرام .

97


98
وممن قال به عطاء والقاسم بن مخيمرة ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور ، وحكى ابن المنذر عن الأوزاعي أنهما إذا اشتركا في قتله وكان الآخر معلما حل . دليلنا الحديث المذكور في الكتاب .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن قتل الكلب الصيد أو أكل منه ففيه قولان أحدهما : يحل ، لما روى أبو ثعلبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أرسل كلبك وذكرت اسم الله تعالى فكل ما أمسك عليك ، وإن أكل منه والثاني : لا يحل ، لما روى عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما امسكن عليك ، وإن قتلن ، إلا أن يأكل الكلب منه فلا تأكل فإني اخاف أن يكون إنما امسك على نفسه وإن شرب من دمه لم يحرم قولا واحدا ، لأن الدم لا منفعة له فيه ، ولا يمنع الكلب من شربه فلم يحرم وإن كان الجارحة من الطير فأكل من الصيد فهو كالكلب ، وفيه قولان ، وقال المزني : أكل الطير لا يحرم وأكل الكلب يحرم ، لأن الطير لا يضرب على الأكل ، والكلب يضرب ، وهذا لا يصح ، لأنه يمكن أن يعلم الطير ترك الأكل كما يعلم الكلب وإن اختلفا في الضرب .

+ الشرح : حديث أبي ثعلبة رواه أبو داود ، وإسناده حسن ، وحديث عدي بن حاتم رواه البخاري ومسلم من طرق ، وروى أبو داود في سننه بإسناد حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال : يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها ، قال : فكل مما أمسكن عليك ، قال : وإن أكل منه قال : وإن أكل منه ) قال البيهقي : حديث أبي ثعلبة مخرج في الصحيحين من غير ذكر الأكل ، وحديث عدي في النهي عنه إذا أكل أصح من رواية أبي داود في الأكل وأصح من حديث عمرو بن شعيب .

98


99
أما الأحكام : فقال أصحابنا : إذا ثبت كون الكلب أو غيره من جوارح السباع معلما ثم أكل من صيد قبل قتله أو بعده في موضعه ، ففي حل ذلك الصيد قولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : عند الأصحاب تحريمه والثاني : إباحته ، قال إمام الحرمين : وددت لو فرق فارق بين أن ينكف زمانا ثم يأكل وبين أن يأكل بنفس الأخذ قال : لكن لم يتعرضوا له . هذا كلام الأصحاب وهذا الذي تمناه الإمام قد ذكره الأصحاب ، وهو مشهور ، صرح به جماعة من الأصحاب ، قال صاحب البيان : إذا أكل من الصيد نظرت فإن قتله ثم مضى عن الصيد ، ثم رجع إليه ، فأكل منه لم يحرم قولا واحدا وإن أكل منه عقب قتله ففيه قولان هذا لفظه وقال صاحب الشامل : إذا أكل منه عقب القتل ففيه قولان . وقال الجرجاني في التحرير : إن أكل الكلب من الصيد غير متصل بالعقر حل ، وإن أكله متصلا بالعقر فعلى قولين . وقال الدارمي : إن أكل منه فقولان سواء أكل قبل قتله أو بعده قال : وقيل بعد القتل يحل قولا واحدا قال : فإن تركه ثم أكل منه بعد وقت حل ، وقيل إن أكل منه في الحياة لم يحل قولا واحدا ، وإن أكل بعد قتله فقولان . هذا كلام الدارمي ، وهذا الذي قالوه متفق في المعنى ، وحاصله أن القولين مخصوصان بما أكل منه عقب العقر ، فإن أكل منه بعد طول الفصل فهو حلال بلا خلاف سواء أكل من غير مفارقة موضعه أم بعد مفارقته ورجوعه والله تعالى أعلم . وأعلم أن هذين القولين مشهوران كما ذكرنا ، قال أصحابنا : نص في القديم على الإباحة ، وتردد قوله في الجديد ، وقال الشيخ أبو حامد وجماعة : نص في القديم على الإباحة وفي الجديد على التحريم جزما ، والصحيح الذي قاله المحققون ، ويجمع به بين كلام الجميع أنه نص في القديم على الإباحة ، وردد قوله في الجديد قم مال فيه إلى التحريم ، وقوله فأفتى به فحصل قولان ، ولا فرق بين أكله قبل القتل أو عقبه ، هكذا صرح به الجمهور ، وذكرنا عن الدارمي طريقين آخرين كما سبق فحصل ثلاث طرق المذهب : طرد قولين مطلقا والثاني : إن أكل قبل القتل حرم ، وإن أكل بعده فقولان والثالث : إن أكل بعد القتل حل ، وإن أكل قبله فقولان ، ثم الصحيح من القولين عند جماهير الأصحاب التحريم ، هكذا صرح بتصحيحهما المحاملي والقاضي أبو الطيب والبغوي والرافعي وخلائق لا يحصون ، ونقل القاضي أبو الطيب في المجرد عن أصحابنا أجمعين أنهم صححوه وقطع به سليم الرازي وآخرون من أصحاب المختصرات وشذ عنهم الجرجاني في التحرير فقال : الأصح أنه حلال والصواب تصحيح التحريم ، والله تعالى أعلم . واحتج من قال

99


100
بالإباحة بحديث أبي ثعلبة ، وأجاب عن حديث عدي بأنه محمول على كراهة التنزيه ، واحتج من قال بالتحريم بقوله تعالى

﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم المائدة : 4 فإذا أكل منه لم يتيقن أنه أمسك علينا ، ولم يحل لنا إلا ما تيقنا أنه أمسك علينا بحديث عدي قالوا : وهو أصح ، لأنه مشهور في الصحيحين وغيرهما من طرق متكاثرات ، وحديث أبي ثعلبة لا يقارنه في الصحة ، وإن كان حسنا ، وتأوله بعض أصحابنا على ما إذا قتل الصيد وفارقه ، ثم عاد فأكل منه فهذا لا يضر كما ذكرنا ، وتأوله الخطابي في معالم السنن على أن المراد وإن أكل من الصيود الماضية قبل هذا يعني إذا كان قد صار بعد ذلك معلما وهذا تأويل ضعيف ، والله أعلم . هذا كله في جوارح السباع ، كالكلب والفهد والنمر وغيرها فأما : جوارح الطير فقد نص الشافعي رحمه الله أنها كالسباع على القولين ، وللأصحاب طريقان أصحهما : وبه قطع جمهورهم أنها على القولين كالسباع ، وهذا موافق للنص والثاني : يحل ما أكلت منه قولا واحدا قاله المزني وأبو علي الطبري في الإفصاح وآخرون ، وحكاه جماعات من المصنفين قال القاضي أبو الطيب : هذا الطريق غلط مخالف لنص الشافعي ، وقد ذكر المصنف دليل الطريقين في الكتاب ، والله سبحانه أعلم . فرع : قال أصحابنا : وإذا قلنا بتحريم الصيد الذي أكل ، واشترط استئناف التعليم لفساد التعليم الأول ، قال أصحابنا : ولا ينعطف التحريم على ما اصطاده قبل الأكل . وهذا لا خلاف فيه عندنا ، واتفق أصحابنا على التصريح بأنه لا خلاف فيه عندنا . قال أصحابنا الخراسانيون : ولو تكرر أكله من الصيود بعد ذلك وصار الأكل عادة له حرم الذي أكل منه آخرا ، بلا خلاف ، وفي تحريم باقي الصيود الذي أكل منه قبل الأخير وجهان مشهوران عندهم أصحهما : التحريم ، قال البغوي : إذا قلنا : لا يحرم ما أكل منه ، فلو تكرر ذلك منه بأن أكل من الصيد الثاني حرم الثاني قطعا ، وفي الأول الوجهان ، ولو لم يأكل من الثاني فأكل من الثالث حرم الثالث ، وفيما قبله الوجهان ، قال الرافعي . وهذا ذهاب من البغوي إلى أن الأكل مرتين يخرجه عن كونه معلما ، وقد ذكرنا خلافا في تكرر الصفات التي يصير بها معلما ، قال : ويجوز أن يفرق بينهما بأن أثر التعليم في الحل وأثر الأكل في التحريم ، فعملنا بالاحتياط فيهما ، فلهذا لو عرفنا كونه معلما لم ينعطف الحل على ما سبق من صيوده بلا خلاف ، وفي انعطاف التحريم الخلاف المذكور والله أعلم . فرع : لو لعق الكلب دم الصيد ولم يأكل من لحمه شيئا حل لحمه ، هذا هو

100


101
الصواب ، نص عليه الشافعي ، وقطع به الأصحاب في جميع الطرق ، وشذ إمام الحرمين والغزالي في البسيط فحكيا وجها في تحريمه وهو غلط ، ولو أكل كلب حشوة الصيد فطريقان حكاهما البغوي وغيره أصحهما : على قولين كاللحم والثاني : القطع بالحل لأنها غير مقصودة فأشبهت الدم . فرع : قال الرافعي : لو لم يسترسل الكلب عند الإرسال أو لم ينزجر عند الزجر ، فينبغي أن يكون في تحريم الصيد وخروجه عن كونه معلما الخلاف المذكور فيما إذا أكل . فرع : قال القفال : لو أراد الصائد أن يأخذ الصيد من الكلب فامتنع وصار يقاتل دونه ، فهو كالأكل ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في الصيد الذي تقتله الجارحة من السباع ، كالكلب والفهد والنمر ويأكل منه ، قد ذكرنا أن الأصح في مذهبنا تحريمه ، وبه قال أكثر العلماء ، حكاه ابن المنذر عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والنخعي وعكرمة وقتادة والشافعي وأبي حنيفة و أصحابه وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، قال : وبه أقول ، وهو مذهب الحسن البصري وداود ، وقالت طائفة باباحته ، حكاه ابن المنذر عن سعد بن أبي وقاص وسلمان الفارسي وابن عمر ومالك . وأما : إذا أكلت منه جارحة الطير كالصقور ، فالأصح عندنا تحريمه كما سبق ، ولا أءعلم أحدا وافقنا عليه ، بل جماهير على إباحته ، حكاه ابن المنذر عن ابن عباس والنخعي وحماد بن أبي سليمان والثوري وأبي حنيفة وأصحابه وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد والمزني وغيرهم ، والله أعلم . وأما : الصيود الماضية قبل الأكل فلا تحرم عندنا بلا خلاف كما سبق ، وبه قال مالك وأحمد وأبو يوسف ومحمد وداود والجمهور ، وقال أبو حنيفة : يحرم جميع ما صاده قبل ذلك ، وادعى أنه تبين عدم تعليمه وأما : إذا شرب الكلب من دم الصيد فلا يحرم عندنا ، وبه قال العلماء كافة إلا ما حكاه ابن المنذر عن الشعبي والثوري أنهما كرها أكله وليس بشىء .

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا أدخل الكلب ظفره أو نابه في الصيد نجس ، وهل يجب غسله فيه وجهان أحدهما : يجب غسله سبعا إحداهن بالتراب ، قياسا على غير الصيد والثاني : لا يجب ، لأنا لو أوجبنا ذلك الزمناه أن يغسل جميعه ، لأن الناب إذا لاقى

101


102

جزءا من الدم نجس ذلك الجزء ونجس كل ما لاقاه إلى حين أن ينجس جميع بدنه وغسل جمعيه يشق فسقط كدم البراغيث

الشرح قوله إذا أدخل الكلب ظفره أو نابه في الصيد نجس يعني الموضع الذي أدخل فيه لا كل الصيد واعلم أن الشافعي رحمه الله قال إذا أدخل ظفره أو نابه نجس واقتصر على هذا ولم يذكر الغسل فمن الأصحاب من قال أراد به نجس لا يجب غسله للمشقة بل يعفى عنه ولهذا لم يذكر ومنهم من قال أراد به نجس يجب غسله فذكر النجاسة واستغنى بذلك عن ذكر الغسل لأنه متى ثبتت النجاسة وجب الغسل فحذف ذكره للعلم به وللأصحاب في المسألة ثلاث طرق احدها أن موضع الظفر والناب نجس قطعا وفي وجوب غسله وتعفيره خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى وهذه طريقة المصنف وجمهور الأصحاب من العراقيين والخراسانيين وهو المنصوص

والطريق الثاني حكاه الإبانة وآخرون في نجاسته قولان أحدهما نجس وفي وجوب الغسل والتعفير الخلاف

والثاني أنه طاهر لقول الله تعالى

﴿ فكلوا مما أمسكن عليكم ولم يأمر بغسله مع أنه لا ينفك عنه غالبا أو دائما ولهذا لم يذكره النبي صلى الله عليه وسلم مع ذكره للأحاديث الواردة فيه مع تكرار سؤاله صلى الله عليه وسلم عن ذلك والطريق الثالث إن أصاب الكلب غير العروق فحكمه ما ذكرنا وإن أصاب عرقا نضاحا بالدم سرى حكم النجاسة إلى جميع الصيد وحرم أكله حكاه إمام الحرمين قال وهذا غلط لأن النجاسة إذا اتصلت بالدم فالعرق وعاء حاجز بينه وبين اللحم ثم الدم إذا كان يفور امتنع غوص النجاسة فيه كالماء المتصعد من فوارة إذا وقعت نجاسة في أعلاه لم ينجس ما تحته إذا قلنا بالمذهب إنه نجس ولا يحرم أكله ففيه أربعة أوجه أصحها عند الأصحاب وهو ظاهر نص الشافعي أنه نجس يجب غسله سبع مرات إحداهن بالتراب ويطهر حينئذ ويؤكل وإنما يجب غسل موضع الظفر والناب وغيرهما مما مسه الكلب دون ما لم يمسه مع الرفق به والوجه

الثاني أنه يعفى عنه فلا يجب غسله اصلا مع أنه نجس ويحل أكله وقد ذكر المصنف هذين الوجهين وهما مشهوران

الثالث أنه يجب غسله مرة واحدة بالماء من غير تراب لأن ما زاد على ذلك فيه مشقة وحرج حكاه صاحبا الفروع والبيان

والرابع أنه لا يطهر بالغسل بل يجب تقوير ذلك الموضع وطرحه لأنه تشرب لعابه فلا يتخلله الماء وهذا

102


103
الوجه مشهور في كتب الخراسانيين . ولم يذكره العراقيون ، بل صرحوا بأنه لا يشترط هذا بلا خلاف كما أشار إليه المصنف ، وكيف كان فهو وجه باطل لا أصل فيه في الأحاديث ولا في القياس ، قال إمام الحرمين : والقائل بهذا الوجه يطرد ما ذكره في كل لحم وما في معناه إذا عضه الكلب ، بخلاف ما يناله لعابه بغير عض . هذا مختصر متفرقات كلام الأصحاب في المسألة ، فإذا أردت ضبطه مختصرا قلت : فيه ستة أوجه أصحها : يجب غسله سبعا إحداهن بالتراب والثاني : يجب غسله مرة والثالث : أنه نجس يعفى عنه ، لا يجب غسله والرابع : أنه طاهر والخامس : يجب قطع ذلك الموضع ولا يطهر بالغسل والسادس : إن أصاب عرقا نضاحا بالدم حرم جميعه ولا طريق إلى أكله ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن المشهور من مذهبنا أنه يجب غسل موضع ظفر الكلب ونابه سبع مرات إحداهن بالتراب . فرع : لو غصب عبدا فاصطاد فالصيد لمالكه ، ولو غصب شبكة أو قوسا واصطاد به فالصيد للغاصب ، وعلهي أجرة مثلهما ، ولو غصب كلبا أو صقرا أو غيرهما من الجوارح ففي صيده وجهان أصحهما : للغاصب والثاني : لصاحب الجارحة فإن قلنا : للغاصب فعليه أجرته إن كان مما تجوز إجارته وإن قلنا : لصاحبه ، فعلى الغاصب ما نقص من الأجرة ، وهكذا حكم العبد ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز الصيد بالرمي ، لما روى أبو ثعلبة الخشني قال قلت : يا رسول الله إنا نكون في أرض صيد فيصيب أحدنا بقوسه الصيد ، ويبعث كلبه المعلم ، فمنه ما ندرك ذكاته ، ومنه ما لا ندرك ذكاته ، فقال صلى الله عليه وسلم : ما ردت عليك قوسك فكل ، وما أمسك كلبك المعلم فكل وإن رماه بمحدد كالسيف والنشاب والمروة المحددة وأصابه بحده فقتله حل ، وإن رمى بما لا حد له كالبندق والدبوس أو بما له حد فأصابه بغير حده فقتله لم يحل لما روى عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد المعراض قال : إذا أصبت بحده فكل ، وإذا أصبت بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ وإن رماه بسهم لا يبلغ الصيد ، وأعانه الريح حتى بلغه فقتله ، حل أكله ، لأنه لا يمكن

103


104
حفظ الرمي من الريح فعفى عنه . وإن رمى بسهم فاصاب الأرض ، ثم ازدلف فأصاب الصيد فقتله ، ففيه وجهان بناء على القولين فيمن رمى إلى الغرض في المسابقة ، فوقع السهم دون الغرض ، ثم ازدلف وبلغ الغرض ، وإن رمى طائرا فوقع على الأرض فمات حل أكله ، لأنه لا يمكن حفظه من الوقوع على الأرض ، وإن وقع في ماء فمات أو على حائط أو جبل فتردى منه ومات ، لم يحل ، لما روى عدي بن حاتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله ، فإن وجدته ميتا فكل إلا أن تجده قد وقع في الماء فمات ، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك .

+ الشرح : حديث أبي ثعلبة رضي الله عنه رواه البخاري ومسلم بمعناه قال قلت : يا رسول الله أنا بأرض صيد أصيد بقوسي ، أو بكلبي الذي ليس بمعلم ، وبكلبي المعلم ، فما يصلح لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل . وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل وأما : حديث عدي بن حاتم الأول فرواه البخاري ومسلم . وحديثه الثاني رواه مسلم ، وقوله : المروة المحددة هي بفتح الميم وهي الحجر والمعراض بكسر الميم وإسكان العين المهملة وهو سهم لا ريش له ولا نصل ، وقيل هو حديدة ، وقيل هو خشبة محددة الطرف ، والوقيذ بالقاف والذال المعجمة الموقوذ ، وهو المضروب بالعصا حتى يموت وقوله : كالبندق والدبوس هي بفتح الدال جمعه دبابيس ، وهو معروف . وأنشد فيه الجوهري وقال : أظنه معربا وقوله صلى الله عليه وسلم : وإن أصبت بعرضه فلا تأكل هو بفتح العين أي العرض الذي هو خلاف الطول . أما الأحكام : ففيها مسائل إحداها : يجوز الصيد بالرمي بالسهام المحددة بالإجماع والأحاديث الصحيحة ، فإذا رمى الصيد من هو أهل من مسلم أو كتابي فقتله فإن قتله بحد ما رماه ، كالسهم الذي له نصل محدد ، والسيف والسكين والسنان والحجر المحددة والخشبة المحددة وغير ذلك من المحددات سوى العظم والظفر حل أكله ، فإن أصابه بما لا حد له فقتله كالبندقة والدبوس ، وحجر لا حد له ، وخشبة لا حد لها . أو رماه بمحدود فقتله بعرضه لا بحده . لما ذكر المصنف . وكذا لو أصابه بحد عظم أو طفر لم يحل . لأنه ليس من آلة الذكاة فهو كغير المحدد . قال أصحابنا : وإذا قتله بما لا حد له لم

104


105
يحل . سواء جرحه به أم لا . حتى لو رمى طائرا ببندقة فقطعت حلقومه ومريئه لم يحل لقوله تعالى . ( والموقوذة ) وهذه منها ، قال أصحابنا : فإذا رماه بغير محدد أو بمحدد فأصابه بعرضه . فإن أدركه وفيه حياة مستقرة فذكاه حل ، وإن أدركه ميتا أو وفيه حياة غير مستقرة لم يحل . والله أعلم . فرع : لو أرسل كلبا في عنقه قلادة محددة فجرح الصيد بها حل ، كما لو أرسل سهما . هكذا ذكره البغوي ، قال الرافعي : وقد يفرق بأنه قصد بالسهم الصيد ولم يقصده بالقلادة ، والله أعلم قلت : الصواب ما ذكره البغوي ، لأن القصد لا يشترط في الذبح . فرع : لو رشق الحيوان العصا ونحوه ، قال الروياني : إنه إن كان محددا يمور مور السهم حل ، وإن كان لا يمور إلا مستكرها نظر إن كان العود خفيفا قريبا من السهم حل وإن كان ثقيلا لم يحل . والمسألة الثانية : لو رقي الصيد بسهم لا يبلغه فأعانته الريح فبلغه بإعانتها ولولاها لم يبلغه فقتله حل لما ذكره المصنف ، هكذا قطع به الأصحاب في جميع الطرق ، وكذا نقله الرافعي عن جميع الأصحاب ، وأبدى إمام الحرمين فيه ترددا ، والمذهب الحل . الثالثة : إذا أصاب السهم الأرض أو الحائط ثم ازدلف وأصاب الصيد ، أو أصاب حجرا فنبا عنه وأصاب الصيد ، أو نفذ فيه إلى الصيد ، أو كان الرامي في نزع القوس فانقطع الوتر وصدم إلى فوق ، وارتمى السهم وأصاب الصيد ففي حله في جميع هذه الصور وجهان ، بناء على القولين اللذين ذكرهما المصنف في المسألة السابقة أصحهما : الحل . الرابعة : قال أصحابنا إذا مات الصيد بسببين محرم ومبيح بأن مات من سهم وبندقية أصاباه من رام أو راميين ، أو أصابه طرف النصل فجرحه ثم أثر فيه عرض السهم في مروره ومات منهما ، أو رمى إلى صيد سهما فوقع على طرف سطح ثم سقط منه ، أو على جبل فتدهور منه ، أو في ماء أو على شجرة فتصدم بأغصانها ، أو وقع على محدد من سكين وغيره ، فهو حرام في كل هذه الصور بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، ولو جرحه على جبل فتدحرج منه من جنب إلى جنب ومات حل بلا خلاف ، ولا يضر ذلك التدحرج ، لأنه لا يؤثر في التلف بخلاف التدهور ، ولو أصاب السهم الطائر في الهواء فوقع على الأرض ومات حل بلا خلاف ، سواء مات قبل وصوله الأرض أو بعده ، لأنه لا بد من الوقوع ، فعفى عنه كما لو كان الصيد قائما ووقع على جنبه وانصدم بالأرض فمات فإنه يحل ، ولو زحف

105


106
قليلا بعد إصابة السهم ومات . فهو كالوقوع على الأرض فيحل قطعا . ولو لم يجرحه السهم في الهواء ، بل كسر جناحه فوقع ومات فهو حرام بلا خلاف ، لأنه لم يصبه بجرح يحال الهلاك عليه ، ولو جرحه جرحا لا يؤثر مثله ، لكن عطل جناحه فوقع ومات فهو حرام ، ولو جرحه السهم في الهواء جرحا ثقيلا فوقع في بئر ومات نظر إن كان فيها ماء فهو حرام كما سبق وإلا فهو حلال . وقعر البئر كالأرض ، والمراد إذا لم يصدمه جدار البئر ولو كان الطائر على شجرة فأصابه السهم فوقع على الأرض فمات فهو حلال ، وإن وقع على غصن ثم سقط على الأرض فهو حلال ، قال أصحابنا : وليس الانصدام بالأغصان أو بأحرف الجبل عند التدهور من أعلاه ، كالانصدام بالأرض ، لأن الانصدام بالأغصان والأحرف والتدهور ليس بلازم ولا غالب ، فلا تدعو الحاجة إليه ، فلم يعف عنه ، والانصدام بالأرض لازم لا بد منه فعفى عنه ، ولإمام الحرمين احتمال في الصورتين لكثرة وقوع الطير على البحر . والانصدام بطرف الجبل إذا كان الصيد فيه والمذهب الأول والله أعلم . أما : إذا رمى طيرا فإن كان على وجه الماء فأصابه ومات حل ، ويكون الماء له كالأرض لغيره ، وإن كان خارج الماء ووقع في الماء بعد إصابة السهم ففي حله وجهان ، حكاهما صاحب الحاوي وغيره . وقطع البغوي بالتحريم . وفي شرح مختصر الجويني بالحل فلو كان الطائر في هواء البحر قال البغوي : إن كان الرامي في البر لم يحل . وإن كان في السفينة في البحر حل . فرع : جميع ما ذكرناه هو فيما إذا لم ينته بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح . فإن انتهى إليها بقطع الحلقوم والمرىء أو أصاب كبده ، أو أخرج حشوته . أو غير ذلك . فهو حلال . وقد تجب ذكاته ولا أثر لما يعرض بعد ذلك من وقوعه في الماء وتدهوره من الجبل . وعلى أغصان الشجرة وجدران البئر وغير ذلك مما سبق . والله تعالى أعلم . فرع : لو أرسل سهمين على صيد فقتلاه . فإن أصاباه معا فهو حلال . وإن أصابه أحدهما بعد الآخر بطرف فإن أزمنه الأول ولم تصب الثاني المذبح لم يحل وإن أصاب المذبح حل . فإن لم يرمه الأول وقتله الثاني حل . وكذا لو أرسل كلبين فأزمنه الأول وقتله الثاني لم يحل . وسواء قطع المذبح أم لا . ولو أرسل كلبا وسهما فإن أزمنه السهم ثم أصابه الكلب لم يحل . وإن أزمنه الكلب ثم أصاب السهم المذبح حل . والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء إذا رمى طائرا بسهم فأصابه فوقع على الأرض ميتا أو حيا ثم مات في الحال فهو حلال عندنا ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور ، وقال مالك

106


107
يحل في الصورة الأولى دون الثانية ، حكى ابن المنذر عنه رواية كمذهبنا ، وهي رواية ابن وهب ، واتفقوا هم وغيرهم على أنه إذا سقط الصيد فالمجروح جراحة غير مذففة في الماء ومات لا يحل للحديث الصحيح السابق .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن رمى صيدا أو أرسل عليه كلبا فعقره ، ولم يقتله نظرت فإن أدركه ولم يبق فيه حياة مستقرة ، بأن شق جوفه وخرجت الحشوة ، أو أصاب العقر مقتلا فالمستحب أن يمر السكين على الحلق ليريحه ، فإن لم يفعل حتى مات حل ، لأن العقر قذ ذبحه ، وإنما بقيت فيه حركة المذبوح ، وإن كانت فيه حياة مستقرة ولكن لم يبق من الزمان ما يتمكن فيه من ذبحه حل ، وإن بقي من الزمان ما يتمكن فيه من ذبحه فلم يذبحه أو لم يكن معه ما يذبحه به فمات لم يحل ، لما روى أبو ثعلبة الخشني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما رد عليك كلبك المكلب وذكرت اسم الله عليه وأدركت ذكاته فذكه ( وكل ) وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل ( وإن رد عليك كلب غنمك فذكرت اسم الله عليه وأدركت ذكاته فذكه وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكله ) وما ردت عليك يدك وذكرت اسم الله وأدركت ذكاته فذكه ، وإن لم تدرك ذكاته فكله وإن عقره الكلب أو السهم وغاب عنه ثم وجده ميتا ، والعقر مما يجوز أن يموت منه ، ويجوز أن لا يموت منه ، فقد قال الشافعي رحمه الله : لا يحل إلا أن يكون خبر فلا رأي ( فمن ) أصحابنا من قال : فيه قولان أحدهما : يحل ، لما روي عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله إني أرمي الصيد فأطلبه فلا أجده إلا بعد ليلة قال : إذا رأيت سهمك فيه ولم يأكل منه سبع فكل ولأن الظاهر أنه مات منه لأنه لم يعرف سبب سواه والثاني : أنه لا يحل لما روى زياد بن أبي مريم قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني رميت صيدا ثم تغيب فوجدته ميتا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هوام الأرض كثيرة ولم يأمر بأكله ومنهم : من قال : يؤكل ، قولا واحدا ، لأنه قال : لا يؤكل إذا لم يكن خبر ، وقد ثبت الخبر أنه أمر بأكله .

107


108

+ الشرح : حديث أبي ثعلبة رواه البخاري ومسلم مختصرا ، وسبق بيان لفظه قريبا ، وحديث عدي رواه البخاري ومسلم ولفظه : فإن وجدته بعد ليلة لفظه قريبا ، وحديث عدي رواه البخاري ومسلم ولفظه : فإن وجدته بعد ليلة أو ليلتين فلم تجد فيه أثرا غير أثر سهمك فشئت أن تأكل منه فكل هكاذ رواه البخاري ومسلم من رواية عدي بن حاتم ، وعن أبي ثعلبة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا رميت سهمك فغاب ثلاث ليال فأدركته فكل ما لم ينتن رواه مسلم ، قال أصحابنا : النهي عن أكله إذا أنتن للتنزيه لا للتحريم وأما حديث زياد بن أبي مريم فغريب ، وزياد هذا تابعي والحديث مرسل . وهو زياد بن أبي مريم القرشي الأموي مولى عثمان بن عفان رضي الله عنهما . وأعلم : أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الني عن أكل الصيد الذي جرحه ثم غاب عنه ولم يجد أثر سبب آخر شىء . وإنما جاء فيه أحاديث ضعيفة ، وفيه أثر عن ابن عباس فيه نظر ( فمن ) الأحاديث حديث عطاء ابن السائب عن عامر يعني الشعبي أن أعرابيا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظبيا فقال : من أين أصبت هذا فقال : رميته أمس فطلبته فأعجزني حتى أدركني المساء ، فرجعت فلما أصبحت اتبعت أثره فوجدته في غار أو في أحجار ، وهذا مشقصى فيه أعرفه . قال : بات عنك ليلة ، ولا آمن أن تكون هامة أعانتك عليه . لا حاجة لي فيه رواه أبو داود في المراسيل فهو مرسل ضعيف . وعطاء بن السائب ضعيف وعن أبي رزين قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصيد فقال : إني رميت من الليل فأعياني ، ووجدت سهمي فيه من الغد ، وقد عرفت سهمي فقال : الليل خلق من خلق الله عز وجل عظيم ، لعله أعانك عليه شىء ، انبذها عنك رواه أبو داود في المراسيل . قال البيهقي : أبو رزين هذا اسمه مسعود مولى شقيق بن سلمة ، وهو تابعي والحديث مرسل ، قاله البخاري . وأما الأثر عن ابن عباس فرواه البيهقي بإسناد فيه رجل مستور أو مجهول غير ميمون بن مهران ، قال : أتى أعرابي إلى ابن عباس وأنا عنده فقال : إني أرمي الصيد فأصمي وأنمي ، فكيف ترى فقال ابن عباس : كل ما أصميت ودع ما أنميته قال الشافعي : ما أصميت ما قتلته الكلاب وأنت تراه ، وما أنميت ما غاب عنك مقتله ، والله أعلم .

108


109
أما الأحكام : ففيها مسألتان . إحداهما : إذا أرسل سهما أو نحوه أو جارحة معلمة من كلب أو غيره على صيد فأصابه ثم أدركه المرسل حيا نظر إن لم يبق فيه حياة مستقرة بأن كان قد قطع حلقومه ومريئه أو أخافه أو خرق أمعاءه أو أخرج حشوته استحب إمرار السكين على حقله ليريحه فإن لم يفعل وتركه حتى مات حل بلا خلاف ونقلوا فيه إجماع المسلمين كما ذكره المصنف ، وكما لو ذبح شاة فاضطربت أو عدت . أما إذا بقيت فيه حياة مستقرة فله حالان أحدهما : أن يتعذر ذبحه بغير تقصير من صائده حتى يموت فيحل أيضا للعذر ويستدل له أيضا بما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعدي بن حاتم : ما أمسك عليك كلبك ولم يأكل منه فكل فإن ذكاته أخذه والثاني : أن لا يتعذر ذبحه فيتركه حتى يموت ، أو يتعذر بتقصيره فيموت فهو حرام ، كما لو ترى بئرا فلم يذبحه حتى مات فإنه حرام ، فمن : صور الحال الأول أن يشتغل بأخذ الآلة ، وسل السكين ، فيموت قبل إمكان ذبحه ومنها : أن يمتنع بما فيه من بقية قوة ، ويموت قبل قدرت عليه ومنها : أن لا يجد من الزمان ما يمكن الذبح فيه ومن : صور الحال الثاني أن لا يكون معه آلة الذبح أو تضيع آلته فلا يحل بلا خلاف ، فلو نشبت السكين في الغمد فلم يتمكن من إخراجها حتى مات ففيه وجهان أصحهما : وبه قال أكثر الأصحاب أنه حرام ، لتقصيره في عدم تأمل السكين قبل هذا والثاني : أنه حلال ، وهو قول أبي علي ابن أبي هريرة والطبري ، لأنه معذور ، ولو غصب الآلة فوجهان أصحهما : أنه حرام لأنه عذر نادر والثاني : حلال ، لأنه معذور ، كمن حال بينه وبين الصيد سبع حتى مات ، فإنه يحل وجها واحدا ، ولو اشتغل بتحديد السكين حتى مات فهو حرام ، لأنه يمكن تحديدها قبل ذلك ، قال الروياني : ولو اشتغل بطلب المذبح فلم يجده حتى مات فهو حلال لعدم تقصيره بخلاف تحديد السكين ، ولو كان يمر ظهر السكين على حلقه غلطا فمات فحرام بتقصيره ، ولو رجع الصيد منكسا واحتاج إلى قلبه ليقدر على المذبح فمات أو اشتغل بتوجهه إلى القبلة فمات ، فحلال . ولو شك بعد موت الصيد هل تمكن من ذكاته فيحرم أم لم يتمكن فيحل ففيه قولان لتعارض الأصل أصحهما : أنه حلال ، لأن الأصل عدم

109


110
الإمكان وعدم التقصير والثاني : التحريم لأن الأصل بقاء الحياة ، وهل يشترط العدو إلى الصيد إذا أصابهم السهم أو الكلب فيه وجهان حكاهما الخراسانيون أحدهما : نعم لأنه المعتاد في هذه الحالة ، لكن لا يكلف المبالغة بحيث يناله ضرر ظاهر وأصحهما : لا يشترط ، بل يكفي المشي ، وعلى هذا الصحيح الذي قطع به الصيدلاني والبغوي وغيرهما أنه لو مشى على هينته وأدركه ميتا وكان بحيث لو أسرع لأدركه حيا ، قال إمام الحرمين : عندي أنه لا بد من الإسراع ، قلنا : لا ، لأن الماشي على هينته خارج عن عادة الطالبين وإذا شرطنا العدو فتركه ، فصار الصيد ميتا ، ولم يدر أمات في الزمن الذي يسع العدو بحيث لو عدا لم يدركه أم بعده قال الرافعي : ينبغي أن يكون على القولين السابقين قريبا في الشك في التمكن من الذكاة والله تعالى أعلم . فرع : لو رمى صيدا فقده قطعتين متساويتين ، أو متفاوتتين ، فهما حلال ، ولو أبان منه بسيف أو غيره عضوا كيد أو رجل نظر إن أبانه بجراحة مذففة ومات في الحال حل العضو وباقي البدن ، وإن لم تكن مذففة وأدركه وذبحه أو جرحه جرحا مذففا فالعضو حرام ، لأنه أبين من حي ، وباقي البدن حلال ، وإن أثبته بالجراحة الأولى فقد صار مقدورا عليه ، فيتعين ذبحه ولا تجزىء سائر الجراحات ، ولو مات من تلك الجراحة بعد مضي زمن ولم يتمكن من ذبحه ، حل باقي البدن . وفي العضو ، وجهان أصحهما : يحرم ، لأنه أبين من حي ، فهو كمن قطع إلية شاة ثم ذبحها ، فإنه لا تحل الإلية والثاني : تحل لأن الجرح كالذبح للجملة ، فتبعها العضو ، وإن جرحه جراحة أخرى والحالة هذه فإن كانت مذففة فالصيد حلال والعضو حرام ، وإلا فالصيد حلال أيضا . وفي العضو وجهان الصحيح : أنه حرام ، لأن الإبانة لم تتجرد ذكاة للصيد . والله أعلم . المسألة الثانية : إذا غاب عنه الكلب والصيد . ثم وجده ميتا فوجهان الصحيح : الذي قطع به الأكثرون لا يحل . لاحتمال موته بسبب آخر ولا أثر لتضمخه بدمه ، فربما جرحه الكلب وأصابته جراحة أخرى وأما : إذا جرحه سهمه أو كلبه ثم غاب الصيد عنه ثم وجده ميتا ، فإن انتهى بذلك الجرح إلى حركة المذبوح حل ، ولا أثر لغيبته ، وإن لم ينته نظر إن وجده في ماء أو وجد عليه أثر صدمة أو جراحة أخرى ونحو ذلك لم يحل سواء وجد الكلب عليه أم لا ، لأنه لا يعلم كيف هلك وإن لم يكن فيه أثر آخر ففيه ثلاثة طرق أحدها : يحل قطعا والثاني : يحرم قطعا وأشهرها : على قولين أصحهما : عند الجمهور من العراقيين وغيرهم التحريم وأصحهما : عند البغوي والغزالي في الإحياء الحل ، وهو الصحيح أو الصواب ،

110


111
لصحة الأحاديث السابقة فيه ، وعدم المعارض الصحيح لها وقد سبق في كلام المصنف وكلامنا إيضاح دليل الجميع . ومن : قال : بالإباحة يتأول كلام ابن عباس والأحاديث لو صحت في النهي على التنزيه ومن : قال بالتحريم يتأول أحاديث الإباحة على ما إذا انتهى بالجراحة إلى حركة المذبوح وهو تأويل ضعيف ، قال أصحابنا : وتسمى هذه المسألة مسألة الإيماء والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء فيمن جرح الصيد بسهم أو كلب فغاب عنه ثم وجده ميتا . فقد ذكرنا أن المشهور من مذهبنا تحريمه ، وبه قال داود . وقال أصحاب أبي حنيفة : إذا توارى عنه الصيد والكلب ، وهو في طلبه فوجده قد قتله ، حل أكله . وإن ترك الطلب واشتغل بعمل غيره كرهنا أكله . وقال مالك : إن أدركه من يومه أكله في الكلب والسهم إذا كان فيه أثر جارحة ، وإن غابت عنه لم يؤكل ، وعن أحمد ثلاث روايات إحداها : يؤكل والثاني : يؤكل ما لم يبت عنه والثالث : إن كانت الإصابة موحية حل وإلا فلا . فرع : إذا رمى الصيد فقده قطعتين فمات فجميعه حلال ، سواء كانت القطعتان سواء أو متفاوتين وبه قال داود ، وهو الأصح عن أحمد . وقال أبو حنيفة : إن كانتا سواء أو كانت التي مع الرأس أقل حل جميعه ، وإن كانت التي مع الرأس أكبر حلت وحرمت الأخرى . وقال مالك : إذا قطع وسطه أو ضرب عنقه حل جميعه ، وإن قطع فخذه حرمت الفخذ وحل الباقي . دليلنا أن ما كان ذكاة لبعضه كان ذكاة لكله كموضع الاتفاق .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن نصب احبولة وفيها حديدة فوقع فيها صيد ، فقتلته الحديدة لم يحل لأنه مات بغير فعل من جهة أحد ، فلم يحل .

+ الشرح : قال الشافعي رحمه الله : ولا يؤكل ما قتلته الأحبولة كان فيها سلاح أو لم يكن ، قال أصحابنا : الأحبولة بفتح الهمزة هو ما ينصب للصيد فيعلق به من حبل أو شبكة أو شرك ، ويقال لها أيضا حبالة بكسر الحاء جمعها حبائل ، فإذا وقع في الأحبولة صيد فما لم يحل أكله بلا خلاف ، لأنه لم يذكه أحد ، وإنما مات بفعل نفسه ، ولم يوجد من الصائد إلا سبب فهو كمن نصب سكينا فربضت عليها شاة فقطعت حلقها فإنها حرام قطعا ، ولو كان رأس الحبل الذي في الأحبولة في يده فجره ومات به الصيد فحرام أيضا ، لأنه من جملة المنخنقة والله أعلم .

111


112
فرع : هذا الذي ذكرناه من تحريم صيد الأحبولة ونحوها إذا لم يدرك ذكاته هو مذهبنا ومذهب العلماء كافة إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه يحل إن كان سمي وقت نصبها .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أرسل سهما على صيد فأصاب غيره فقتله حل أكله لقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ثعلبة : ما رد عليك قوسك فكل ولأنه مات بفعله ، ولم يفقد إلا القصد ، وذلك لا يعتبر في الذكاة ، والدليل عليه أنه تصح ذكاة المجنون وإن لم يكن له قصد ، فإن أرسل كلبا على صيد فأصاب غيره فقتله نظرت فإن أصابه في الجهة التي أرسله فيها حل لقوله صلى الله عليه وسلم : ما رد عليك كلبك ولم تدرك ذكاته فكل وإن عدل إلى جهة أخرى فأصاب صيدا غيره ففيه وجهان أحدهما : لا يحل ، وهو قول أبي إسحاق ، لأن للكلب اختيارا ، فإذا عدل كان صيده باختياره فلم يحل . كما لو استرسل بنفسه فأخذ الصيد . ومن أصحابنا من قال : يحل لأن الكلب لا يمكن دفعه من العدول في طلب الصيد .

+ الشرح : حديث أبي ثعلبة والحديث الآخر سبق بيانهما ، قال أصحابنا : إذا رمى صيدا يراه أو لا يراه ، لكن يحس به في ظلمة أو من وراء حجاب ، بأن كان بين أشجار ملتفة وقصده حل ، فإن لم يعلم به بأن رمى وهو لا يرجو صيدا فأصاب صيدا ، لم يحل على الصحيح المنصوص ، وفيه وجه وإن كان يتوقع صيدا فبنى الرمي بأن رمى في ظلمة الليل وقال : ربما أصبت صيدا فأصاب صيدا فطريقان أحدهما : القطع بحله والثاني : فيه ثلاثة أوجه أصحها : التحريم مطلقا والثاني : يحل والثالث : إن توقعه بظن غالب حل ، وإن كان مجرد تجويز حرم ، ولو رمى إلى سرب من الظباء أو أرسل عليها كلبا فأصاب واحدة منها فقتلها فهي حلال بلا خلاف . ولو قصد واحدة منها معينة بالرمي فأصاب غيرها ففيه طريقان أحدهما : القطع بحلها وبه قطع المصنف وكثيرون أو الأكثرون والثاني : فيه أربعة أوجه الحل : مطلقا لما ذكره المصنف والثاني : التحريم والثالث : إن كان حالة الرمي يرى المصاد حل ، وإلا فلا والرابع : إن كان المصاب من السرب الذي رآه ورماه حل ، وإن كان من غيره لم يحل وسواء عدل السهم عن الجهة التي قصدها إلى غيرها أم لم يعدل . ولو رمى شاخصا يعتقده حجرا ، وكان حجرا فأصاب ظبية ففي حلها وجهان الأصح :

112


113
لا تحل ، وبه قطع الصيدلاني وغيره ، فإن كان الشاخص صيدا وما السهم عنه وأصاب صيدا آخر ففيه الوجهان وأولى بالتحليل . ولو رمى شاخصا ظنه خنزيرا وكان خنزيرا أو كان صيدا فلم يصبه وأصاب ظبية لم تحل على الصحيح في الصورتين ، لأنه قصد محرما ، والخلاف فيما إذا كان خنزيرا أضعف ، ولو رمى شاخصا ظنه صيدا فبان حجرا أو خنزيرا وأصاب السهم صيدا قال البغوي : إن اعتبرنا ظنه فيما إذا رمى ما ظنه حجرا فكان صيدا وأصاب السهم صيدا آخر ، وقلنا بالتحريم ، فهنا يحل الصيد الذي أصابه ، وإن اعتبرنا الحقيقة وقلنا بالحل هناك حرم هنا . وهذا كله في رمي السهم أما إذا أرسل كلبا على صيد فقتل صيدا آخر فينظر وإن لم يعدل عن جهة الإرسال ، بل كان فيها صيود فأخذ غير ما أرسل عليه وقتله فطريقان المذهب : أنه يحل ، وبه قطع المصنف والأكثرون ، ودليله في الكتاب والثاني : فيه وجهان أصحهما : يحل والثاني : يحرم ، كما لو استرسل بنفسه ، وإن عدل إلى جهة أخرى فثلاثة أوجه أصحها : الحل ، لأنه بغير تكليفه ترك العدول ، ولأن الصيد لو عدل فتبعه الكلب وقتله حل قطعا والثاني : يحرم ، كما ذكره المصنف والثالث : وهو اختيار الماوردي إن خرج عادلا عن الجهة حرم ، وإن خرج إليها ففاته الصيد فعدل إلى غيرها وصاد حل ، لأنه يدل على حذقه حيث لم يرجع خائبا ، وقطع إمام الحرمين بالتحريم إذا عدل وظهر من عدوله اختياره بأن امتد في جهة الإرسال زمانا ، ثم ظهر صيد آخر فاستدبر المرسل إليه وقصد الآخر ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن أرسل كلبا ، وهو لا يرى صيدا فأصاب صيدا لم يحل ، لأنه أرسله على غير صيد ، فلم يحل ما اصطاده كما لو حل رباطه فاسترسل بنفسه واصطاد ، وإن أرسل سهما في الهواء وهو لا يرى صيدا فأصاب صيدا ففيه وجهان قال : أبو إسحاق : يحل لأنه قتله بفعله ، ولم يفقد إلا القصد إلى الذبح ، وذلك لا يعتبر ، ما لو قطع شيئا وهو يظن أنه خشبة فكان حلق شاة ومن : أصحابنا من قال : لا يحل وهو الصحيح ، لأنه لم يقصد صيدا بعينه فأشبه إذا نصب أحبولة فيها حديدة فوقع فيها صيد فقتلته ، وإن كان في يده سكين فوقعت على حلق شاة فقتلتها حل في قول أبي إسحاق ، لأنه حصل الذبح بفعله ، وعلى قول الآخر لا تحل ، لأنه لم يقصد ، وإن رأى صيدا فظنه حجرا أو حيوانا غير الصيد ، فرماه فقتله حل أكله ، لأنه قتله بفعل قصده ، وإنما جهل حقيقته ، والجهل بذلك لا يؤثر ، كما لو قطع شيئا فظنه غير الحيوان فكان حلق شاة ، وإن أرسل على ذلك كلبا فقتله . ففيه وجهان أحدهما : يحل كما يحل إذا

113


114
رماه بسهم والثاني : لا يحل ، لأنه أرسله على غير صيد ، فأشبه إذا أرسله على غير شيء .

+ الشرح : قال أصحابنا : إذا أرسل كلبا وهو لا يرى صيدا فاعترض صيدا فقتله لم يحل لما ذكره المصنف وهذا هو المذهب وبه قطع المصنف والجمهور ، وحكى الروياني في كتابه الكافي وغيره من أصحابنا فيه وجها أنه يحل ، وهو شاذ ضعيف ، ولو أرسل سهما في الهواء وهو لا يرى صيدا ، أو أرسله في فضاء الأرض لاختبار قوته ، أو رمى إلى هدف فاعترض صيدا فأصابه وقتله ، وكان لايخطر له الصيد ، أو كان يراه ولكن رمى إلى هدف أو ذئب ، ولم يقصد الصيد ، فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح : المنصوص لا يحل لعدم قصده والثاني : يحل ، قاله أبو إسحاق ، ولو كان يحل سيفه فأصاب عنق شاة وقطع الحلقوم والمرىء من غير علم بالحال فطريقان المذهب : أنه ميتة محرمة ، وبه قطع إمام الحرمين وغيره والثاني فيه وجهان . ولو رمى ما ظنه حجرا أو جرثومة أو آدميا معصوما أو غير معصوم ، أو خنزيرا أو حيوانا آخر محرما ، فكان صيدا فقتله ، أو ظنه صيدا غير مأكول ، فكان مأكولا ، أو قطع في ظلمة ما ظنه ثوبا فكان حلق شاة ، فانقطع الحلقوم والمرىء ، أو أرسل كلبا إلى شاخص يظنه حجرا فكان صيدا ، أو لم يغلب على ظنه شيء من ذلك ، أو ذبح في ظمة حيوانا فظنه محرما ، وكان شاة ، فالمذهب أنه حلال في جميع هذه الصور ، وفي الجميع وجه ضعيف أنه حرام لعدم القصد ، ولو رمى إلى شاته الربيطة سهما جارحا فأصاب الحلقوم والمرىء وفاقا ، وقطعهما ففي حل الشاة مع القدرة على ذبحها احتمال لإمام الحرمين ، قال : ويجوز أن يفرق بين أن يقصد الذبح بسهمه ، وبين أن يقصد الشاة فيصيب المذبح ، والأصح الحل ، والله تعالى أعلم . فرع : في مذاهب العلماء فيمن رمى شيئا يظنه حجرا وكان صيدا فقتله ، قد ذكرنا أن الصحيح عندنا حله ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال مالك : لا يحل ، وقال محمد بن الحسن : إن ظنه حجرا لم يحل ، وإن ظنه حيوانا محرما كالكلب والخنزير حل إلا أن يظنه آدميا فلا يحل ، وكذا قال أحمد : إذا ظنه إنسانا لم يحل ، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : إذا رأى خنزيرا بريا أو أسدا أو ذئبا وكان ظبيا حل ، وقال زفر : لا يحل . فرع : في مذاهبهم فيمن أرسل كلبا على صيد وأخذ غيره في طريقه وسمته ، مذهبنا أنه حلال كما سبق ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد ، وقال مالك وداود : لا يحل .

114


115

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن توحشى أهلي أو ند بعير أو تردى في بئر فلم يقدر على ذكاته في حلقه فذكاته حيث يصاب من بدنه ، لما روى رافع بن خديج قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة وقد أصاب القوم غنما وإبلا فند منها بعير فرمى بسهم فحبسه الله به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش ، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا وقال ابن عباس رضي الله عنه : ما اعجزك من البهائم فهو بمنزلة الصيد ولأنه يتعذر ذكاته في الحلق ، فصار كالصيد ، وإن تأنس الصيد فذكاته ذكاة الأهلي . كما أن الأهلي إذا توحش فذكاته ذكاة الوحش .

+ الشرح : حديث رافع رواه البخاري ومسلم ، والأثر المذكور عن ابن عباس صحيح رواه البيهقي بإسناده ، وذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم ، فهو صحيح عنده وقوله : ند هو بفتح النون وتشديد الدال أي هرب ، والأوابد بفتح الهمزة وبالباء الموحدة وهي النفور والتوحش جمع آبدة بالمد وكسر الباء ويقال : أبدت بفتح الباء والتخفيف يأبد ويأبد بكسر الباء وضمها وتأبدت أي توحشت ونفرت من الإنس . أما الأحكام : فقال أصحابنا : الحيوان المأكول الذي لا تحل ميتته ضربان مقدورعلى ذبحه ومتوحش فالمقدور عليه لا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة كما سبق ، وهذا مجمع عليه ، وسواء في هذا الإنسي والوحشي إذا قدر على ذبحه ، بأن أمسك الصيد ، أو كان متوحشا فلا يحل إلا بالذبح في الحلق واللبة لما ذكره المصنف ، وأما المتوحش كالصيد فجميع أجزائه مذبح ، ما دام متوحشا ، فإذا رماه بسهم ، أو أرسل عليه جارحة فأصاب شيئا من بدنه ومات به ، حل بالإجماع ، ولو توحش إنسي بأن ند بعير أو بقرة أو فرس ، أو شردت شاة أو غيرها ، فهو كالصيد يحل بالرمي إلى غير مذبحه ، وبإرسال الكلب من الجوارح عليه ، وهذا بلا خلاف عندنا ، لما ذكره المصنف ، ولو تردى بعير أو غيره في بئر ولم يمكن قطع حلقومه فهو كالبعير الناد في حله بالرمي بلا خلاف ، وفي حله بإرسال الكلب وجهان حكاهما الماوردي والروياني والشاشي وغيرهم أصحهما : عندهم ، في الحاوي والبحر والمستظهري التحريم واختار : البصريون الحل والأول أرجح والله تعالى أعلم . قال أصحابنا :

115


116
وليس المراد بالتوحش مجرد الإفلات بل متى تيسر اللحوق بعدو أو استعانة بمن يمسكه ، فليس ذلك توحشا ، ولا يحل حينئذ إلا بالذبح في المذبح قال الرافعي : ولو تحقق العجز في الحال فقد أطلق الأصحاب أن البعير ونحوه كالصيد ، لأنه قد يريد الذبح في الحال . فتكليفه الصبر إلى القدرة يشق عليه . قال إمام الحرمين : والظاهر عندي أنه لا يلحق بالصيد بذلك لأنها حالة عارضة قربتها له ، قال : لكن لو كان الصبر والطلب يؤدي إلى مهلكة أو مسبعة فهو حينئذ كالصيد ، وإن كان يؤدي إلى موضع لصوص وعصبات مترصدين فوجهان ، والفرق أن تصرفهم وإتلافهم متدارك بالضمان . هذا كلام الإمام . قال الرافعي : والمذهب ما قدمناه عن الأصحاب ، والله أعلم . فرع : في كيفية الجرح المفيد للحل في الناد والمتردي وجهان أصحهما : وبه قطع المصنف والجمهور أنه يكفي جرح يفضي إلى الزهوق كيف كان والثاني : لا بد من جرح مذفف ، واختاره القفال وإمام الحرمين . فرع : حيث جرح الناد والمتردي فقتله حل ، سواء كانت الجراحة في فخذه أو خاصرته أو غيرهما من بدنه ، هذا هو المذهب ، وهو المنصوص ، وبه قطع العراقيون وجمهور الخراسانيين ، وقال الغزالي في الوسيط قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو طعنت خاصرته لحلت لك قال : فقال المراوزة خصص الخاصرة ليكون الجرح مذففا فلا يجوز جرح آخر ، وإن كان يفضي إلى الموت . قال : ومنهم من قال : يكفي كل جراحة تفضى إلى الموت ، هذا لفظه في الوسيط ، وفيها منكرات منها : تغيير الحديث ومنها : تغيير الحكم . أما : الحديث فقد سبق بإنكاره الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله فقال : هذا اختصار من الغزالي لحديث استدل به في ذلك شيخه إمام الحرمين قال : روى أن رجلا يعرف بأبي العشراء تردى له بعير في بئر فهلك ، فرفعت القصة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأبي العشراء : وأبيك لو طعنت في خاصرتها لحلت لك قال أبو عمرو : وفيما ذكره إمام الحرمين ثلاثة

116


117
أغلاط ، وذلك أن هذا الحديث تفرد بروايته حماد بن أبي سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه قال : قلت : يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة قال : وأبيك لو طعنتها في فخذها لأجزأ عنك رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في كتبهم المعتمدة . وأبي العشراء بضم العين وبالمد على وزن الشعراء اسمه أسامة بن مالك ، وقيل غير ذلك ، فوقع فيما ذكره إمام الحرمين الغلظ من أوجه . أحدها : جعله أبا العشراء هو الذي خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو أبوه وأبو العشراء تابعي مشهور . والثاني : في ذكره : تردى البعير في بئر ، الحديث ، وليس ذلك من الحديث ، وإنما هو تفسير من أهل العلم للحديث ، قالوا : هذا عند الضرورة في التردي في البئر وأشباهه . وإن كان الشيخ أبو حامد الاسفراييني قد قال بعد ذكره الحديث دون ذكر التردي : وفي بعض الأخبار أنه سئل عن بعير تردى في بئر فقال : أما تصلح الذكاة إلا في الحلق واللبة وذكر الحديث ، فإن ذلك أيضا باطل لا يعرف . والثالث : في قوله : لو طعنت في خاصرتها وإنما قال : في فخذها وذكر الخاصرة ورد في أثر رويناه ، وذكره الشافعي رحمه الله قال : ترى بعير في بئر وطعن في شاكلته فسئل عبد الله بن عمر فأمر بأكله والشاكلة الخاصرة ، ولا يثبت والحالة هذه ما رامه المراوزة من تخصيص الخاصرة وأشباهها ، فالصحيح إذن قول غيرهم : إنه يكفي في أي موضع كان لقوله صلى الله عليه وسلم : لو طعنت في فخذها هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو ، وهو كما قال ، وهذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم حديث ضعيف ، فقد اتفقوا على أن مداره على أبي العشراء ، قالوا : وهو مجهول لا يعرف إلا في هذ الحديث ، ولم يرو عنه غير حماد بن أبي سلمة ، وقد اتفق أهل العلم بالحديث على أن من لم يرو عنه غير واحد فهو مجهول إلا أن يكون مشهورا بعلم أو صلاح أو شجاعة ونحو ذلك ، ولم يوجد شيء من هذا الاستثناء في أبي العشراء فهو مجهول . واتفقوا على أنه لم يرو عنه غير حماد بن أبي سلمة ، قال الترمذي : هو حديث غريب لا يعرف إلا من حديث حماد ، قال : ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث ، وقال البخاري في تاريخه في حديث أبي العشراء وسماعه من أبيه : فيه نظر والله أعلم ، فالصواب أنه في أي موضع جرحه فمات منه حل ، سواء

117


118
الخاصرة والفخذ وغيرهما ، لحديث رافع بن خديج المذكور في الكتاب ، وقوله صلى الله عليه وسلم : فيما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا وهو ثابت في الصحيح كما سبق ، ولا معارض له ، ولم يثبت له مخصص ، فيجب العمل بعمومه وإطلاقه في كل معجوز عنه كما قاله الأصحاب ، ونص عليه الشافعي ، ويتعين رد ما حكي عن المراوزة ، والله أعلم . فرع : لو وقع بعيران في بئر ، أحدهما فوق الآخر فطعن الأعلى فمات الأسفل بثقله حرم الأسفل ، فلو تعدت الطعنة فأصابته أيضا حلا جميعا فإن شك هل مات بالطعنة النافذة أم بالثقل وقد علم أن الطعنة أصابته قبل مفارقة الروح حل ، وإن شك هل أصابته قبل مفارقة الروح أم بعدها قال البغوي في الفتاوى : يحتمل وجهين بناء على القولين في العبد الغائب المنقطع خبره ، هل يجزىء في الكفارة فرع : لو رمى حيوانا غير مقدور عليه فصار مقدورا فأصاب غير المذبح لم يحل ، ولو رمى مقدورا عليه فصار غير مقدور عليه ، فأصاب غير مذبحه حل . فرع : في مذاهب العلماء فيما إذا توحش الحيوان الإنسي المأكول فلم يقدر عليه كالبعير الناد ، أو الشاة أو البقرة ، أو تردى في بئر وعجز عن عقره في محل الذكاة . فمذهبنا أن كل موضع من بدنه محل لذكاته ، فحيث جرحه فقتله حل أكله ، وبه قال جمهور العلماء ، منهم علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وطاوس وعطاء والشعبي والحسن البصري والأسود بن يزيد والحكم وحماد والنخعي والثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور والمزني وداود ، وقال سعيد بن المسيب وربيعة والليث بن سعد ومالك : لا يحل إلا بذكاته في موضع الذبح ، وهو الحلق واللبة ، ولا يتغير موضع الذكاة بتوحشه وترديه . دليلنا حديث رافع بن خديج السابع .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن ذكى ما يؤكل لحمه ووجد في جوفه جنينا ميتا حل أكله ، لما روى أبو سعيد قال : قلنا : يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة وفي بطنها الجنين ، أنلقيه أم نأكله فقال : كلوه إن شئتم ، فإن ذكاته ذكاة أمه ولأن

118


119
الجنين لا يمكن ذبحه ، فجعل ذكاة الأم ذكاة له ، وإن خرج الجنين حيا وتمكن من ذبحه لم يحل من غير ذبح ، وإن مات قبل أن يتمكن من ذكاته حل .

+ الشرح : حديث أبي سعيد الخدري هذا رواه أبو داود بلفظه ، ورواه أبو داود أيضا والترمذي وابن ماجه من رواية مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ذكاة الجنين ذكاة أمه قال الترمذي : حديث حسن ، قال : وقد روى من غير هذا الوجه عن أبي سعيد قال : والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، قال : وفي الباب عن جابر وأبي أمامة وأبي الدرداء وأبي هريرة : هذا كلام الترمذي ، وهذه الرواية مع رواية المصنف التي نقلها عن سنن أبي داود مدارها على مجالد وهو ضعيف لا يحتج ، وقد قال الترمذي : إنه حديث حسن فلعله روى من طريق آخر تقوى بعضها ببعض فيصير حسنا ، كما قال الترمذي ، فإنه قد ذكر أنه روى من طريق آخر عن أبي سعيد ، ورواه البيهقي من طريق جابر مرفوعا ذكاة الجنين ذكاة أمه بإسناد جيد إلا أن فيه رجلا جرحه الأكثرون ، واحتج به البخاري في صحيحه ثم قال البيهقي : في الباب عن علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وأبي هريرة وأبي الدرداء والبراء بن عازب رضي الله عنهم مرفوعا ، فقد تعاضدت طرقه كما ترى ، فلهذا صار حديثا حسنا يحتج به كما قاله الترمذي ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وقوله : ذكاة الجنين ذكاة أمه هو بالرفع في ذكاة أمه تقديره ذكاة الجنين حاصلة بذكاة أمه . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب : إذا ذبح المأكولة فوجد في جوفها جنينا ميتا فهو حلال بلا خلاف ، سواء أشعر أم لا ، قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه الفروق : إنما يحل إذا سكن في البطن عقب ذبح الأم ، أما إذا بقي زمنا طويلا يضطرب ويتحرك ، ثم سكن فوجهان الصحيح : أنه حرام ، قال أصحابنا : ولو جرح الجنين وبه حركة مذبوح ثم مات حل ، لأنه في معنى الذي مات في البطن قبل الذبح ، وإن جرح وفيه حياة مستقرة وأمكن ذبحه فلم يذبحه حتى مات فهو حرام ، وإن لم يتمكن من ذبحه حتى مات فهو حلال كما قاله المصنف والأصحاب ، قياسا على الصيد ، ولو أخرج رأسه وفيه حياة

119


120
مستقرة ثم ذبحت الأم فمات قبل انفصاله فوجهان أصحهما : وبه قطع القفال : يحل ، لأن خروج بعض الولد كعدم خروجه في العدة وسائر الأحكام والثاني : وبه قطع القاضي حسن والبغوي لا يحل إلا بذبحه ، لأنه مقدور عليه . قال البغوي : ولو أخرج رجله فقياس ما قال القاضي حسين أنه يجرحه بسكين ونحوه ليحل كما لو تردى بعير في بئر ، ولو وجد في جوف المذكاة مضغة لم تتبين فيها الصورة ، ولا تشكلت الأعضاء ، ففي حلها وجهان ، بناء على وجوب الغرة فيها ، وثبوت حكم الاستيلاد ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في المسألة . مذهبنا أن الحيوان المأكول إذا ذكى فخرج من جوفه جنين ميت حل ، وبه قال العلماء كافة من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من علماء الأمصار إلا أبا حنيفة وزفر ، فقالا : لا يحل حتى يخرج حيا فيذكي . وقال مالك : إن خرج ميتا تام الخلق وتم شعره فحلال بذكاة الأم . وإن لم يتم ولم ينبت شعره فحرام ، قال ابن المنذر : كان الناس على إباحته لا نعلم أحدا خالف ما قالوه إلى أن جاء أبو حنيفة فحرمه ، وقال : ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين : ونقل الخطابي أن ابن المنذر قال في كتاب آخر له : إنه لم يقل بقول أبي حنيفة أحد من العلماء غيره ، قال : ولا أحسب أصحابه وافقوه عليه قال الخطابي : وقد ذهب أكثر العلماء إلى إباحته لكن اشترط بعضهم فيه الإشعار . واحتج لأبي حنيفة بأن ذكاة حيوان لا تكون ذكاة حيوان آخر ، قال : وتأولوا حديث : ذكاة الجنين ذكاة أمه أي ذكاته كذكاة أمه أي ذكوه كما تذكون أمه . واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف من الحديث ، والقياس على الصيد ، قال الخطابي والأصحاب : وهذا المنقول عن رواية أبي داود المذكورة في الكتاب صريح في الدلالة لمذهبنا ، ومبطل لتأويلهم المذكور ، ولأن حقيقة الجنين ما كان في البطن ، وذبحه في البطن لا يمكن ، فعلم أنه ليس المراد أنه يذكي كذكاة أمه ، بل ذكاة أمه كافية في حله ، ومما يؤيد هذا أن في رواية البيهقي : ذكاة الجنين في ذكاة أمه وفي رواية له أيضا : ذكاة الجنين بذكاة أمه ولأنه لو كان المراد ما قالوه لم يكن للجنين مزية ، ولأنه يتبعها في العتق فيتبعها في الذكاة كالأعضاء والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا أثبت صيدا بالرمي أو بالكلب فازال امتناعه ملكه لأنه حبسه بفعله فملكه ، كما لو أمسكه بيده ، فإن رماه اثنان واحد بعد واحد فهو لمن

120


121
اثبته منهما فإن ادعى كل واحد منهما أنه هو الذي سبق وازال امتناعه وأن الآخر رماه فقتله فعليه الضمان ، لم يحل أكله ، لأنهما اتفقا على أنه قتل بعد إمكان ذبحه ، فلم يحل ، ويتحالفان ، فإذا حلفا برىء كل واحد منهما مما يدعي الآخر وإن اتفقا على أن أحدهما هو السابق غير أن السابق ادعى أنه هو الذي أثبته بسهمه ، وادعى الآخر أنه بقي على الامتناع إلى أن رماه هو ، فالقول قول الثاني ، لأن الأصل بقاؤه على الامتناع وإن كان الصيد مما يمتنع بالرجل والجناح كالقبج والقطا فرماه أحدهما فأصاب الرجل ثم رماه فأصاب الجناح ، ففيه وجهان أحدهما : أنه يكون بينهما لأنه زال الامتناع بفعلهما فتساويا والثاني : أنه للثاني ، وهو الصحيح لأن الامتناع لم يزل إلا بفعل الثاني ، فوجب أن يكون له .

+ الشرح : في الفصل مسألتان : أحدهما : فيما يملك به الصيد . والثانية : في الازدحام عليه فأما : الثانية فنؤخر شرحها ونذكره مع الفصلين بعدها إن شاء الله تعالى وأما الأولى : فقال أصحابنا : يملك الصيد بطرق منها : أن يضبطه بيده فيملكه ولا يشترط فيه قصد التملك في أخذه بيده حتى لو أخذ صيدا لينظر إليه ملكه بلا خلاف . ولو سعى وراء صيد ليأخذه فوقف الصيد للإعياء لم يملكه حتى يقبضه ومنها : أن يجرحه جراحة مذففة أو رمية شخنة أو يرميه فيملكه ، وكذا إن كان طائرا فكسرجناحه فعجز عن العدو والطيران جميعا ، قالوا : ويكفي المتملك إبطال شدة العدو وصيرورته بحيث يسهل لحاقه ، ولو جرحه فعطش وثبت لم يملكه إن كان عطشه لعدم الماء ، وإن كان لعجزه عن الوصول إلى الماء ملكه ، لأن عجزه بالجراحة . ومنها : لو نصب شبكة ونحوها للصيد فوقع فيها صيد ملكه ، فلو طرده طارد فوقع في الشبكة ، فهو لصاحب الشبكة لا للطارد ، وقال الماوردي وغيره : ولو وقع طائر في الشبكة ثم تقطعت الشبكة فأفلت وذهب فإن كان ذلك بقطع الصيد الواقع فيها عاد مباحا فيملكه من صاده بعد ذلك لأن الأول لم تثبته شبكته وإلا فيملكه صاحب الشبكة وهو باق على ملكه فلا يملكه من أخذه ، وقال الغزالي في الوسيط ، في باب البئر : لو وقع في الشبكة فأفلت لم يزل ملكه على الصحيح ، هكذا أطلقه الغزالي ، والمذهب التفصيل الذي ذكره الماوردي . ولو تغفل الصيد بالشبكة ، ثم قلع الشبكة وذهب بها فأخذه إنسان نظر إن كان يعدو ويمتنع مع الشبكة فله الأخذ ، فإن أبطل ثقل الشبكة امتناعه بحيث تيسر أخذه فهو لصاحب الشبكة ولا يملكه غيره . ومنها : إذا أرسل كلبا فأثبت صيدا ملكه المرسل ، فلو أرسل سبعا آخر فعقره وأثبته ، قال الماوردي : إن كان له على

121


122
السبع يد ملك الصيد ، وإلا فلا ، ولو أفلت الصيد بعدما أخذه الكلب قال الروياني : قال بعض الأصحاب : إن كان ذلك قبل أن يدركه صاحبه لم يملكه ، وإن كان بعده فوجهان أصحهما : لا يملكه ، لأنه لم يقبضه ولا زال امتناعه ، فعلى هذا يملكه من صاحبه بعد ذلك . ومنها : وإذا ألجأه إلى مضيق لا يقدر على الإفلات منه ملكه ، وذلك بأن يدخله بيتا ونحوه ، ولو اضطر سمكة إلى بركة صغيرة أو حوض صغير على شط نهر ملكه ، كما لو اضطر الصيد إلى بيت . والصغير هو ما يسهل أخذها منه ، ولو اضطرها إلى بركة واسعة يعسر أخدها منها أو دخلتها السمكة فسد منافذها ففيها الخلاف الذي سنذكره إنشاء الله تعالى قريبا ، فيما إذا دخل الصيد ملكه فإن قلنا : بالأصح إنه لا يملكه بالدخول فسد منازل البركة ملك السمكة ، لأنه تسبب إلى ضبطها ، والله أعلم . قال الرافعي : وقد ترجع جميع هذه الطرق إلى شيء واحد ، وهو أن يقال : سبب ملك الصيد إبطال زوال امتناعه ، وحصول الاستيلاء عليه ، وذلك يحصل بالطرق المذكورة والله تعالى أعلم . فرع : لو توحل صيد بأرض إنسان وصار مقدورا عليه فوجهان أحدهما : يملكه كما لو وقع في شبكته وأصحهما : لا يملكه ، لأنه لا يقصد بسقي الأرض الاصطياد ، قال إمام الحرمين ، الخلاف فيما إذا لم يكن سقى الأرض مما يقصد به الاصطياد ونوحل الصيود ، فإن كان يقصد فهو كنصب الشبكة ، ولم يتعرض الروياني لأرض الشخص ، بل قال : لو توحل وهو في طلبه لم يملكه ، لأن الطين ليس من فعله فلو كان هو أرسل الماء في الأرض ملكه ، لأن الوحل حصل بفعله ، فهو كالشبكة قال الرافعي : ويشبه أن يكون هذا عائدا إلى ما ذكره الإمام من قصد الاصطياد بالسقي . ولو وقع صيد في أرض وصار مقدورا عليه أو عشش في أرضه طائر وباض وفرخ ، وحصلت القدرة على البيض والفرخ ، لم يملكه على أصح الوجهين وبه قطع البغوي وغيره والثاني : يملكه . قال البغوي : ولو حفر حفرة لا للصيد فوقع فيها صيد لم يملكه ، وإن حفر للصيد ملك ما وقع فيها ، ولو أغلق اباب الدار لئلا يخرج صار ملكا له . قال إمام الحرمين : قال الأصحاب : إذا قلنا : لا يملكه صاحب الأرض والدار ، فهو أولى بملكه ، وليس لغيره أن يدخل ملكه ويأخذه ، فإن فعل فهل يملكه فيه وجهان كمن يحجر مواتا وأحياء غيره ، هل يملكه وهذه الصور أولى بثبوت الملك ، لأن الحجر للإحياء ولا يقصد ببناء الدار وقوع الصيد فيها والأصح : في الصورتين أن المحيي وآخذ الصيد يملكان ، وإن كانا غاصبين بتفويت حق المتحجر وصاحب الأرض . ولو قصد ببناء الدار تعشيش الطير فعشش فيها طير ، أو وقعت الشبكة

122


123
من يده بغير قصد فتغفل فيها صيد فوجهان ، لأنه وجد في الأولى قصد ، لكنه ضعيف ، وفي الثانية حصل الاستيلاء بملكه . لكنه بلا قصد والأصح : أنه يملكه في الصورة الأولى دون الثانية . فرع : لو دخل بستان غيره أو داره ، وصاد فيه طائرا أو غيره . ملكه الصائد بلا خلاف ولو دخل صيد دار إنسان وقلنا بالأصح : إنه لا يملكه فأغلق أجنبي عليه لم يملكه صاحب الدار ، ولا الأجنبي ، لأنه متعد لم يحصل الصيد في يده بخلاف من غصب شبكة واصطاد بها . فرع : لو أخذ الكلب المعلم صيدا بغير إرسال ثم أخذه أجنبي من فمه يملكه الآخذ ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور ، وحكى الرافعي فيه وجها شاذا أنه لا يملكه . واحتجوا للأول بما لو أخذ فرخ طائر من شجر غيره ، فإن الآخذ يملكه وأما الكلب الذي ليس بمعلم إذا أرسله صاحبه فأخذه منه أجنبي وهو حي ، فقال الرافعي : ينبغي أن يكون للمرسل ، ويكون إرساله كنصب شبكة تغفل بها الصيد ، قال : فاحتمل خلافه لأن للكلب اختيارا .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن رمى الصيد اثنان أحدهما بعد الآخر . ولم يعلم بإصابة من منهما صار غير ممتنع ، فقد قال في المختصر : إنه يؤكل ، ويكون بينهما فحمل أبو إسحاق هذا على ظاهره فقال : يحل أكله ، لأن الأصل أنه بقي بعد عقر الأول على الامتناع ، إلى أن قتله الآخر فيحل ويكون بينهما ، لأن الظاهر أنهما مشتركان فيه بحكم اليد ومن أصحابنا من قال : إن بقي على الامتناع حتى رماه الآخر فقتله حل ، وكان للثاني ، وإن زال امتناعه بالأول فهو للأول ، ولا يحل بقتل الثاني . لأنه صار مقدورا عليه فيجب أن يتأول عليه إذا لم يمتنع الصيد حتى أدركه وذكاه فيحل . واختلفا في السابق منهما فيكون بينهما فإن رمى رجل صيدا فأزال امتناعه ثم رماه الآخر نظرت فإن أصاب الحلقوم والمرىء فقتله حل أكله ، لأنه قد صار ذكاته في الحلق واللبة وقد ذكاه في الحلق واللبة ويلزمه للأول ما بين قيمته مجروحا ومذبوحا كما لو ذبح له شاة مجروحة . وإن أصاب غير الحلق واللبة نظرت فإن وحاه لم يحل أكله لأنه قد صار ذكاته في الحلق واللبة فقتله بغير ذكاة فلم يحل . ويجب عليه قيمته لصاحبه مجروحا كما لو قتل له شاة مجروحة فإن لم يوجه وبقي مجروحا ثم مات نظرت فإن مات قبل أن يدركه صاحبه أو بعدما أدركه وقبل أن

123


124
يتمكن من ذبحه وجب عليه قيمته مجروحا لأنه مات من جنايته وإن أدركه وتمكن من ذبحه فلم يذبحه حتى مات لم يحل أكله ، لأنه ترك ذكاته في الحلق مع القدرة واختلف أصحابنا في ضمانه فقال أبو سعيد الاصطخري : تجب عليه قيمته مجروحا لأنه لم يوجد من الأول أكثر من الرمي الذي ملك وهو فعل مباح وترك ذبحه إلى أن مات ، وهذا لا يسقط الضمان كما لو جرح رجل شاة لرجل فترك صاحبها ذبحها حتى ماتت . والمذهب أنه لا يجب عليه كمال القيمة ، لأنه مات بسببين محظورين ، جناية الثاني وسراية جرح الأول ، فالسراية كالجناية في إيجاب الضمان ، فيصير كأنه مات من جناية اثنين ، وما هلك بجناية اثنين لا يجب على أحدهما كمال القيمة ، وإذا قلنا بهذا قسم الضمان على الجانبين ، فما يخص الأول يسقط عن الثاني ، ويجب عليه الباقي ونبين ذلك في جنايتين مضمونتين ، ليعرف ما يجب على كل واحد منهما ، فما وجب على الأول منهما من قيمته اسقطناه عن الثاني فنقول : إذا كان لرجل صيد قيمته عشرة فجرحه رجل جراحة نقص من قيمته درهم ثم جرحه آخر فنقص درهم ، ثم مات ، ففيه لأصحابنا ستة طرق أحدها : وهو قول المزني أنه يجب على كل واحد منهما أرش جنايته ، ثم تجب قيمته بعد الجنايتين بينهما نصفين ، فيجب على الأول درهم ، وعلى الثاني درهم ، ثم تجب قيمته بعد الجنايتين وهي ثمانية ، بينهما نصفان على كل واحد منهما أربعة ، فيحصل على كل واحد منهما خمسة ، لأن كل واحد منهما انفرد بجنايته فوجب عليه أرشها ثم هلك الصيد بجنايتهما ، فوجب عليهما قيمته . والثاني : وهو قول أبي إسحاق أنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته يوم الجناية ونصف أرش جنايته ، فيجب على الأول خمسة دراهم ونصف ، وسقط عنه النصف لأن أرش الجناية يدخل في النفس ، وقد ضمن نصف النفس والجناية كانت على النصف الذي ضمنه ، وعلى النصف الذي ضمنه الآخر ، فما حصل على النصف الذي ضمنه يدخل في الضمان ، فيسقط وما حصل على النصف الذي ضمنه الآخر يلزم فيحصل عليه خمسة دراهم ونصف ، والآخر جزكر قيمته تسعة ، فيلزمه نصف قيمته أربعة ونصف وأرش جنايته درهم فيدخل نصفه في النصف الذي ضمنه ، ويبقى النصف لأجل النصف الذي ضمنه الأول ، فيجب عليه خمسة دراهم ، ثم يرجع الأول على الثاني ينصف الأرش الذي ضمنه وهو نصف درهم ، لأن هذا الأرش وجب بالجناية على النصف الذي ضمنه الأول وقد ضمن الأول كمال قيمة النصف ، فرجع بأرش الجناية عليه ، كرجل غصب

124


125
من رجل ثوبا فخرقه رجل ثم هلك الثوب ، وجاء صاحبه وضمن الغاصب كمال قيمة الثوب ، فإنه يرجع على الجاني بارش الخرق ، فيحصل على الأول خمسة دراهم وعلى الثاني خمسة دراهم ، فهذا يوافق قول المزني في الحكم وإن خالفه في الطريق . والثالث : وهو قول أبي الطيب بن سلمة أنه يجب على كل واحد منهما نصف قيمته حال الجناية ، ونصف أرش جنايته ، ويدخل النصف فيما ضمنه صاحبه ، كما قال أبو إسحاق إلا أنه قال : لا يعود من الثاني إلى الأول شيء ، ثم ينظر لما حصل على كل واحد منهما ، ويضم بعضه إلى بعض ، وتقسم عليه العشرة فيجب على الأول خمسة دراهم ونصف ، وعلى الثاني خمسة دراهم ، فذلك عشرة ونصف ، فتقسم العشرة على عشرة ونصف فما يخص خمسة ونصفا يجب على الأول وما يخص خمسا ، يجب على الثاني . والرابع : ما قال بعض أصحابنا إنه يجب على الأول أرش جنايته ثم تجب قيمته بعد ذلك بينهما نصفين ولا يجب على الثاني أرش جنايته ، فيجب على الأول درهم ثم تجب التسعة بينهما نصفين على كل واحد منهما أربعة دراهم ونصف ، فيحصل على الأول خمسة دراهم ونصف ، وعلى الثاني أربعة دراهم ونصف ، لأن الأول انفرد بالجناية ، فلزمه أرشها ثم اجتمع جناية الثاني وسراية الأول ، فحصل الموت منهما فكانت القيمة بينهما . والخامس : ما قال بعض أصحابنا إن الأرش يدخل في قيمة الصيد ، فيجب على الأول نصف قيمته حال الجناية ، وهو خمسة وعلى الثاني نصف قيمته حال الجناية ، وهو أربعة ونصف ، ويسقط نصف درهم قال : لأني لم أجد محلا أوجبه فيه . والسادس : وهو قول أبي علي بن خيران ، وهو أن أرش جناية كل واحد منهما يدخل في القيمة ، فتضم قيمة الصيد عند جناية الأول إلى قيمة الصيد عند جناية الثاني ، فتكون تسعة عشر ، ثم تقسم العشرة على ذلك ، فما يخص عشرة فهو على الأول وما يخص تسعة فهو على الثاني ، وهذا أصح الطرق ، لأن أصحاب الطرق الأربعة لا يدخلون الأرش في بدل النفس ، وهذا لا يجوز لأن الأرش يدخل في بدل النفس ، وصاحب الطريق الخامس يوجب في صيد قيمته عشرة ، تسعة ونصفا ، ويسقط من قيمته نصف درهم ، وهذا لا يجوز .

+ الشرح : هذا الفصل مع الفصل الذي قبله والفصل الذي بعده مرتبطة ، ومسائلها متداخلة ، وهي متشعبة ، وقد لخصها الرافعي رحمه الله تعالى ، فأنا إن شاء الله أنقل ما ذكره ، وأضم إليه ما تركه مع التنبيه على كلام المصنف رحمه الله ، قال الرافعي : الاشتراك

125


126
في الصيد والازدحام عليه له أربعة أحوال : الحال الأول : أن يتعاقب جرحان من اثنين ، فالأول منهما إن لم يكن مذففا ولا مزمنا ، بل بقي على امتناعه ، وكان الثاني مذففا أو مزمنا فالصيد للثاني ولا شيء له على الأول بجراحته ، وإن كان جرح الأول مدفقان فالصيد للأول وعلى الثاني أرش ما نقص من لحمه وجلده برميه وإن كان جرح الأول مزمنا ملك الصيد به ونفصل في الثاني ، فإن ذفف فقطع الحلقوم والمرىء فهو حلال للأول ، وعلى الثاني للأول ما بين قيمته مذبوحا ومزمنا ، قال الإمام : إنما يظهر التفاوت إذا كان فيه حياة مستقرة . وإن كان متألما بحيث لو لم يذبح لهلك ، فعندي أنه لا ينقص منه بالذبح شيء ، فإن ذفف الثاني لا بقطع الحلقوم والمرىء أو لم يذفف ومات بالجرحين فهو صيد ، وكذا الحكم لو رمى إلى الصيد فأزمنه ثم رمى إليه ثانيا وذفف لا بقطع المذبح ، ويجب على الثاني كمال قيمة الصيد مجروحا ، إن كان ذفف ، فإن كان جرح لا يذفف ومات بالجرحين ، ففيما يجب عليه كلام له مقدمة نذكرها أولا وهي : إذا جنى رجل على عبد إنسان أو بهيمته ، أو صيد مملوك قيمته عشرة دنانير ، جراحة أرشها دينار ثم جرحه آخر جراحة أرشها دينار أيضا فمات بالجرحين ففيما يلزم الجارحين ستة أوجه مشهورة : أحدها : يجب على الأول خمسة دنانير ، وعلى الثاني أربعة ونصف لأن الجرحين سريا وصارا قتلا ، فلزم كل واحد نصف قيمته وهذا قول ابن سريج ، وضعفه الأصحاب ، لأن فيه ضياع نصف دينار على المالك . والثاني : قاله المزني وأبو إسحاق المروزي والقفال يلزم كل واحد خمسة دنانير لأن كل واحد كان أرش جنايته دينارا فلزمه ثم مات بجرحيهما فلزمهما باقي قيمته وهي ثمانية بينهما نصفين فصار على كل واحد خمسة ، وعلى هذا لو نقصت جناية الأول دينارا وجناية الثاني دينارين لزم الأول أربعة ونصف ولزم الثاني خمسة ونصف ، ولو نقصت جناية الأول دينارين وجناية الثاني دينارا انعكس ، فيلزم الأول خمسة ونصف ويلزم الثاني أربعة ونصف ، وضعف الأصحاب هذا الوجه أيضا ، لأنه سوى بينهما مع اختلاف قيمته حال أخذهما . والواجه الثالث : حكاه إمام الحرمين عن القفال أيضا أنه يلزم الأول خمسة ونصف ، والثاني خمسة ، لأن جناية كل واحد نقصت دينارا ثم سريا والأرش يسقط إذا صارت الجناية نفسا ، فيسقط عن كل واحد نصف الأرش لأن الموجود منه نصف القتل ( واعترضوا ) على هذا بأن فيه زيادة الواجب على المتلف ، وأجاب القفال بأن الجناية قد تنجر إلى إيجاب زيادة ، كمن قطع يدي عبد ثم قتله آخر ( وأجيب ) عنه بأن قاطع اليدين لا شركة له في القتل ، بل القتل يقطع أثر القطع ويقع موقع الاندمال ، وهنا بخلافه . والوجه الرابع : قاله أبو الطيب بن سلمة يلزم كل واحد نصف قيمته يوم جنايته ،

126


127
ونصف الأرش لكن لا يزيد الواجب على القيمة ، فيجمع ما لزمهما تقديرا ، وهو عشرة ونصف ، وتقسم القيمة وهي عشرة على العشرة والنصف ليراعي التفاوت بينهما ، فيبسط أنصافا فيكون إحدى وعشرين فيلزم الأول إحدى عشرة جزءا من إحدى وعشرين جزءا من عشرة ، ويلزم الثاني عشرة من إحدى وعشرين من عشرة وهو ضعيف لإفراد أرش الجناية عن بدل النفس . والوجه الخامس : قاله صاحب التقريب وغيره ، واختاره إمام الحرمين : يلزم الأول خمسة ونصف ، والثاني أربعة ونصف ، لأن الأول لو انفرد بالجرح والسراية لزمه العشرة ، فلا يسقط عنه إلا ما لزم الثاني ، والثاني إنما جنى على نصف ما يساوي تسعة ، وفيه ضعف أيضا . والوجه السادس : قاله ابن خيران ، واختاره صاحب الإفصاح ، وأطبق العراقيون على ترجيحه أنه يجمع بين القيمتين فيكون تسعة عشر فيتم عليه ما فوتا ، وهي عشرة ، فيكون على الأمل عشرة أجزاء من تسعة عشر جزءا من عشرة ، وعلى الثاني تسعة أجزاء من تسعة عشر جزءا من عشرة ، والله سبحانه وتعالى أعلم . أما إذا كانت الجناة ثلاثة ، وأرش كل جناية دينار ، والقيمة عشرة ، فعلى طريقة المزني يلزم كل واحد ثلاثة وثلث ، وعلى الوجه الثالث يلزم الأول أربعة منها ثلاثة وثلث ، هي ثلث سهم القيمة ، وثلثان هما ثلثا الأرش ويلزم الثالث ثلاثة منها ديناران وثلث هي ثلث القيمة يوم جنايته وثلثان هما ثلثا الأرش فالجملة عشرة وثلثان ، وعلى الوجه الرابع توزع العشرة على عشرة وثلثين ، وعلى الخامس يلزم الأول أربعة وثلث ويلزم الثاني ثلاثة ، والثالث ديناران وثلثان ، وعلى السادس تجمع القيم فتكون سبعة وعشرين فتقسم العشرة عليها . أما : إذا جرح مالك العبد أو الصيد جراحة ، وأجنبي أخرى ، فينظر في جناية المالك أهي الأولى أم الثانية ويخرج على الأوجه فتسقط حصته ، وتجب حصة الأجنبي ، وعن القاضي أبي حامد المروذي أن المذكور في الجنايتين على العبد هو فيما إذا لم يكن للجناية أرش مقدر ، فإن كان فليس العبد فيها كالبهيمة والصيد المملوك ، حتى لو جنى على عبد غيره جناية ليس لها أرش مقدر ، وقيمته مائة ، فنقصت الجناية عشرة ، ثم جنى آخر جناية لا أرش لها فنقصت عشرة أيضا ، ومات العبد منهما . فعلى الأول خمسة وخمسون ، وعلى الثاني خمسون ، يدفع منها خمسة إلى الأول . قال : فلو قطع رجل يد عبد قيمته مائة ، ثم قطع آخر يده الأخرى ، لزم الأول نصف أرش اليد وهو خمسة وعشرون ،

127


128
ونصف القيمة يوم جنايته وهو خمسون ، ولزم الثاني نصف أرش اليد خمسة وعشرون ، ونصف القيمة يوم جنايته وهو أربعون ، فالجملة مائة وأربعون جميعها للسيد لأن الجناية التي لها أرش مقدر يجوز أن يزيد واجبها على قيمة العبد كما لو قطع يديه فقتله آخر . هذا بيان المقدمة . ونعود إلى الصيد فنقول : إذا جرح الثاني جراحة غير مذففة ومات الصيد بالجرحين ، نظر إن مات قبل أن يتمكن الأول من ذبحه لزم الثاني تمام قيمته مزمنا لأنه صار ميتا بفعله بخلاف ما لو جرح شاة نفسه وجرحها آخر وماتت . فإنه لا يجب على الثاني إلا نصف القيمة ، لأن كل واحد من الجرحين هناك حرام والهلاك حصل بهما ، وهنا فعل الأول اكتساب وذكاة ، ثم مقتضى كلام الأصحاب أن يقال : إذا كان الصيد يساوي عشرة غير مزمن وتسعة مزمنا لزم الثاني تسعة ، واستدرك صاحب التقريب فقال : فعل الأول وإن لم يكن إفسادا فيؤثر في الذبح ، وحصول الزهوق قطعا فينبغي أن يعتبر ، فيقال : إذا كان غير مزمن يساوي عشرة ، ومزمنا تسعة ، ومذبوحا ثمانية تلزمه ثمانية ونصف فإن الدرهم أثر في فواته الفعلان فوزع عليهما قال الإمام : وللنظر في هذا مجال ويجوز أن يقال المفسد يقطع أثر فعل الأول من كل وجه والأصح ما ذكره صاحب التقريب . وإن تمكن من ذبحه فذبحه لزم الثاني أرش جراحته إن نقص بها ، وإن لم يذبحه وتركه حتى مات فوجهان أحدهما : لا شيء على الثاني سوى أرش النقص ، لأن الأول مقصر بترك الذبح وأصحهما : يضمن زيادة على الأرش . ولا يكون تركه الذبح مسقطا للضمان كما لو جرح رجل شاته فلم يذبحها مع التمكن لا يسقط الضمان فعلى هذا فيما يضمن وجهان : قال الإصطخري : يضمن كمال قيمته مزمنا كما لو ذهب بخلاف ما إذا جرح عبده أو شاته وجرحه غيره أيضا ، لأن كل واحد من الفعل هناك إفساد ، والتحريم حصل بهما ، وهنا الأول إصلاح والأصح قول جمهور الأصحاب لا يضمن جميع القيمة بل هو كمن جرح عبده وجرحه غيره ، لأن الموت حصل بهما ، وكلاهما إفساد أما الثاني فظاهر ، وأما الأول فلأن ترك الذبح مع التمكن يجعل الجرح وسرايته إفسادا ، ولهذا لو لم يوجد الجرح الثاني فترك الذبح كان الصيد ميتة ، فعلى هذا تجىء الأوجه في كيفية التوزيع على الجرحين : فما هو في حصة الأول يسقط وتجب حصة الثاني ، والله أعلم . الحال الثاني : أن يقع الجرحان معا فينظر إن تساويا في سبب الملك فالصيد بينهما ، وذلك بأن يكون بكل واحد منهما مذففا أو مزمنا أو انفردا وأحدهما مذففا والآخر مزمنا ، وسواء تفاوت الجرحان صغرا وكبرا أو تساويا ، أو كانا في المذبح أو في غيره أو أحدهما فيه ، والآخر في غيره ، وإن كان أحدهما مزمنا أو مذففا لو انفرد ، والآخر غير مؤثر ، فالصيد لمن ذفف أو

128


129
أزمن ، ولا ضمان على الثاني ، لأن لم يجرح ملك الغير ، ولو احتمل أن يكون الإزمان بهما ، واحتمل أن يكون هذا دون ذاك ، وذاك دون هذا ، فالصيد بينهما في ظاهر الحكم ، ويستحب أن يستحل كل واحد منهما الآخر تورعا ، ولو علمنا أن أحدهما مذفف وشككنا هل الآخر أثر في الإزمان والتذفيف أم لا قال القفال : هو بينهما فقيل له : لو جرح رجل جراحة مذففة وجرحه آخر جراحة لا يدري أمذففة هي أم لا فسات فقال : يجب القصاص عليهما ، قال الإمام : هذا بعيد ، والوجه تخصيص القصاص بصاحب المذففة ، وفي الصيد يسلم نصفه لمن جرحه مذففا ويوقف نصفه بينهما إلى المصالحة أو تبين الحال ، فإن لم يتوقع بيان جعل النصف الآخر بينهما نصفين ، والله سبحانه أعلم . الحال الثالث : إذا ترتب الجرحان وأحدهما مزمن لو انفرد والآخر مذفف وارد على المذبح ، ولم يعرف السابق ، فالصيد حلال ، وإن اختلفا وادعى كل واحد أنه جرحه أولا وأزمنه ، أو أنه له فلكل واحد تحليف الآخر ، فإن حلف فالصيد بينهما ، ولا شيء لأحدهما على الآخر ، وإن حلف أحدهما فقط فالصيد له ، وعلى الآخر أرش ما نقص بالذبح ، ولو ترتبا وأحدهما مزمن والأخر منفف في غير المذبح ولم يعرف السابق ، فالمذهب الذي قطع به الجمهور أن الصيد حرام ، لاحتمال تقدم الإزمان فلا يحل بعده إلا بقطع الحلقوم والمرىء ، وقيل قولان كمسألة الإيماء السابعة ، ووجه الشبه اجتماع المبيح والمحرم والفرق على المذهب أنه سبق هناك جرح يحال عليه ، فإن ادعى كل واحد أنه أزمنه أولا وأن الآخر أفسده ، فالصيد حرام ، ولكل واحد تحليف الآخر ، فإن حلفا فلا شيء لأحدهما على الآخر ، وإن حلف أحدهما لزم الثاني كل قيمته مزمنا . ولو قال الجارح أولا : أزمنته أنا ، ثم أفسدته أنت بقتلك ، فعليك القيمة ، وقال الثاني : لم تزمنه أنت بل كان امتناعه إلى أن رميته فأزمنته ، أو ذففته ، فإن اتفقا على غير جراحة الأول وعلمنا أنه لا يبقى امتناع معها ككسر وكسر رجل الممتنع بالعدو فالقول قول الأول بلا يمين ، وإلا فالقول قول الثاني ، لأن الأصل بقاء الامتناع ، فإن حلف فالصيد له ولا شيء على الأول ، وإن نكل حلف الأول واستحق قيمته مجروحا الجراحة الأولى ، ولا يحل الصيد لأنه ميتة بزعمه ، وهل للثاني أكله فيه وجهان قال : القاضي أبو الطيب : لا ، لأن إلزامه القيمة حكم بكونه ميتة ، وقال غيره : له أكله لأن النكول في خصومة الآدمي لا تغير الحكم فيما بينه وبين الله تعالى ، ولو علمنا أن الجراحة المذففة سابقة على التي لو انفردت لكانت مزمنة فالصيد

129


130
حلال ، فإن قال كل واحد : أنا ذففته فلكل واحد تحليف الآخر ، فإن حلفا كان بينهما وإن حلف أحدهما كان له وعلى الآخر ضمان ما نقص . فرع : قال الشافعي رحمه الله تعالى في المختصر : لو رماه الأول والثاني ووجدناه ميتا ولم يدر أجعله الأول ممتنعا أم لا لجعلناه بينهما نصفين ، وقال في الأم : حل أكله وكان بينهما نصفين واعترض عليه فقيل : ينبغي أن يحرم هذا الصيد لاجتماع ما يقتضي الإباحة والتحريم والأصل التحريم وعلى تقدير الحل ينبغي أن لا يكون بينهما بل يكون لمن أثبته منهما ، واختلف الأصحاب في الجواب عن هذين الاعتراضين على ثلاثة أوجه أحدها : ترك ظاهر كلام الشافعي ، وتسليم ما قاله المعترض وتأويل كلام الشافعي وأما : قوله : إنه يحل أكله ، فأراد به إذا عقره أحدهما فأثبته ، ثم أصاب الثاني محل الذكاة ، فقطع الحلقوم والمرىء أو أثبتاه ولم يصر في حكم الممتنع ، ثم أدركه أحدهما فذكاه فيحل أكله وأما : قوله : إنه بينهما فأراد إذا كانت يدهما عليه ، ولا يعلم مستحقه منهما فيقسم بينهما . فأما : إذا وجداه ميتا من الجراحتين فلا يحل أكله ، فإن اتفقا على أن الثاني هو القاتل كان عليه القيمة وإن اختلفا فيه حلف كل واحد منهما لصاحبه كما سبق . قال أصحابنا : ولا يمتنع التصوير فيما ذكرناه ، فقد يجعل الشيء لاثنين ، وإن كنا نعلمه في الباطن لأحدهما ، كمن مات عن اثنين مسلم ونصراني ادعى كل وحد أن أباه مات على دينه والوجه : الثاني ترك ظاهر كلام الشافعي أيضا وتأويله على أن مراده صيد ممتنع برجله وجناحه كالحجل ، فأصاب أحدهما رجله فكسرها وأصاب الآخر جناحه فكسره ففيه وجهان أحدهما : أنه بينهما لأن امتناعه حصل بفعلهما وأصحهما : أنه للثاني ، لأنه كان ممتنعا بعد إصابة الأول . وإنما زال امتناعه بإصابة الثاني فكان له . فإن قلنا : بينهما فالمسألة مفروضة فيه وإن قلنا : هو للثاني لم يعلم الثاني منهما ويدهما عليه فكان بينهما . الوجه الثالث : وهو قول أبي إسحاق المروزي أن النص على ظاهره ، فإن أزمناه ومات الصيد ولم يدر هل أثبته الأول أم لا فالأصل بقاؤه على امتناعه إلى أن عقره الثاني ، فيكون عقره ذكاة ، ويكون بينهما لاحتمال الإثبات من كليهما ، ولا مزية لأحدهما ، قال صاحب البيان قإن قيل : قد قلتم الأصل بقاؤه على الامتناع إلى أن رماه الثاني . فكيف لم تزل يد الأول قلنا : هذا لا

130


131
ب يزال به حكم اليد ، ولهذا لو كان في يده شيء يدعيه حكم له بذلك وإن كان الأصل عدم الملك ، فدل على أن اليد أقوى من حكم الأصل ، ومن أصحابنا من قال : في حل هذا الصيد قولان كمسألة الإيماء السابقة والله سبحانه أعلم . الحال الرابع : إذا ترتبت الجرحان وحصل الإزمان بهما ، وكل واحد لو انفرد لم يزمن فوجهان أصحهما : عند الجمهور أو الصيد للثاني والثاني : أنه بينهما ورجحه إمام الحرمين والغزالي فإن قلنا : إنه للثاني أو كان الجرح الثاني مزمنا لو انفرد ، فلا شيء على الأول بسبب جرحه فلو عاد الأول بعد إزمان الثاني وجرحه جراحة أخرى نظر إن أصاب المذبح فهو حلال ، وعليه للثاني ما نقص من قيمته بالذبح ، وإلا فالصيد حرام . وعليه إن ذفف قيمته مجروحا بجراحته الأولى وجراحه الثاني ، وكذا إن لم يذفف ولم يتمكن الثاني من ذبحه فإن تمكن وترك الذبح عاد الخلاف السابق ، فعلى أحد الوجهين ليس على الأول إلا أرش الجراحة الثانية لتقصير المالك ، وعلى أصحهما لا يقصد بالضمان عليه ، وعلى هذا فوجهان : أحدهما : يلزمه نصف القيمة ، وخرجه جماعة على الخلاف فيمن جرح عبدا مرتدا فأسلم ثم جرحه سيده ثم عاد الأول وجرحه ثانيا ومات منهما ، وفيما يلزمه وجهان أحدهما : ثلث القيمة والثاني : ربعها قاله القفال فعلى هذا هنا ربع القيمة ، وعن صاحب التقريب أنه يعود في التوزيع الأوجه الستة السابقة ، واختار الغزالي وجوب تمام القيمة ، والمذهب التوزيع كما سبق والله تعالى أعلم . فرع : الاعتبار في الترتيب ، والمفسد ، بالإصابة ، لا ببدء الرمي والله أعلم . فرع : لو أقام رجلان كل واحد منهما بينة أنه اصطاد هذا الصيد ففيه القولان في تعارض البينتين أصحهما : سقوطها ، ويرجع إلى قول من هو في يده . فرع : لو كان في يده صيد فقال آخر : أنا اصطدته ، فقال صاحب اليد : لا علم لي بذلك ، قال بن كج : ولا نقنع منه بهذا الجواب : بل يدعيه لنفسه أو ليسلمه إلى مدعيه . فرع : قال ابن المنذر : لو أرسل جماعة كلابهم على صيد فأدركه المرسلون قتيلا ، وادعى كل واحد أن كلبه القاتل ، قال أبو ثور : إن مات الصيد بينهم فهو حلال ، فإذا اخلفوا فيه وكانت الكلاب متعلقة به فهو بينها ، وإن كان مع أحد الكلاب فهو لصاحب هذا الكلب وإن كان قتيلا والكلاب نابحة أقرع بينهم ، وأعطى كل واحد حصته بالقرعة . وقال غير أبي ثور : لا تجىء القرعة ، بل يوقف بينهم حتى يصطلحوا ، فإن خيف فساده بيع ووقف الثمن بينهم حتى يصطلحوا ، هذا كلام ابن المنذر .

131


132

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن ملك صيدا ثم خلاه ففيه وجهان أحدهما : يزول ملكه ، كما لو ملك عبدا ثم أعتقه والثاني : لا يزول ملكه كما لو ملك بهيمة ثم سيبها ، وبالله التوفيق .

+ الشرح : قال أصحابنا : إذا ملك صيدا ثم أفلت منه لم يزل ملكه عنه بلا خلاف ومن أخذه لزمه رده إليه ، وسواء كان يدور في البلد وحوله ، أو التحق بالوحوش . ولا خلاف في شيء من هذا . ولو أرسله مالكه وخلاه ليرجع صيدا كما كان فهل يزول ملكه عنه فيه وجهان مشهوران . ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : باتفاق الأصحاب : لا يزول وهو المنصوص ، كما لو أرسل بهيمته ونوى إزالة ملكه عنها ، فإنه لا يزول بلا خلاف ولأنه يشبه سوائب الجاهلية ، وقد قال الله تعالى :

﴿ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام المائدة : 103 وفي المسألة وجه ثالث ، وهو قول أبي علي الطبري في الإفصاح ، وحكاه الأصحاب عنه أنه إن كان قصد بإرساله التقرب إلى الله تعالى زال ملكه ، وإلا فلا ، والمذهب المنصوص أنه لا يزول مطلقا . قال أصحابنا : فإن قلنا : يزول ، عاد مباحا ، فمن صاده ملكه وإن قلنا : لا يزول لم يجز لغيره أن يصيده إذا عرفه ، فإن قال عند إرساله : أبحته لمن أخذه حصلت الإباحة ، ولا ضمان على من أكله ، لكن لا ينفذ تصرف الآخذ فيه ببيع أو نحوه ، وإذا قلنا بالوجه الثالث فأرسله تقربا إلى الله تعالى فهل يحل اصطياده فيه وجهان أحدهما : لا ، كالعبد المعتق وأصحهما : نعم ، لأنه رجع للإباحة ، ولئلا يصير في معنى سوائب الجاهلية والله تعالى أعلم . فرع : لو ألقى كسرة خبز معرضا عنها ، فهل يملكها من أخذها فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره ، قالوا : وهما مرتبان على إرسال الصيد وأولى بأن لا تملك ، بل تبقى على ملك الملقى . لأن سبب الملك في الصيد اليد وقد أزالها ، ورده إلى الإباحة قال إمام الحرمين : هذا الخلاف في زوال الملك وأما الإباحة فحاصلها لمن أراد أكلها على ظاهر المذهب لأن القرائن الظاهرة كافية في الإباحة هذا لفظ الإمام . قال الرافعي : ويوضحه ما نقل على الصالحي من التقاط السنابل هذا كلام الرافعي قلت : الأصح الذي قطع به المصنف في التفسير وغيره من الأصحاب أنه يملك ما تركه الوارث أعراضا ، كالكسرة وغيرها من الطعام والسنابل ، وأما الذي يصيبه في شيء ونحو ذلك ، ويصح تمزق

132


133
الأخذ فيه بالتتبع وغيره ، هذا ظاهر قول السلف ، ولم ينقل أنهم منعوا التصرف في شيء من ذلك ، والله أعلم . فرع : قد سبق في باب أخريات الأطعمة أن الثمار الساقطة من الأشجار إن كانت داخل الجدار لم تحل ، وإن كانت خارجة فكذلك إن لم تجر عاداتهم باباحتها ، فإن جرت بذلك فهل تجري العادة المطردة مجرى الإباحة فيه وجهان أصحهما : تجري وسبق هناك حكم الأكل من مال صديقه ، ومن مال الأجنبي وثماره وزرعه والله أعلم . ولو أعرض عن جلد ميتة فأخذه غيره فدبغه ملكه على المذهب ، لأنه لم يكن مملوكا للأول ، وإنما كان له اختصاص فضعف بالإعراض ، ولو أعرض عن خمر فأخذها غيره فتخللت عنده ، ففيه تفصيل وخلاف سنذكره في آخر كتاب الغصب حيث ذكره المصنف إن شاء الله تعالى . فرع : لو صاد صيدا علي أثر ملك ، بأن كان مرسوما أو مقرظا أو مخضوبا أو مقصوص الجناح لم يملكه الصائد ، بل هو لقطة ، لأنه يدل على أنه كان مملوكا فأفلت ، ولا ينظر إلى احتمال أنه صاده محرم ففعل به ذلك ثم أرسله لأنه تقدير بعيد ، وهذا كله لا خلاف فيه . فرع : لو صاد سمكة فوجد في جوفها درة مثقوبة لم تملك الدرة ، بل تكون لقطة ، وإن كانت غير مثقوبة فهي له مع السمكة ، ولو اشترى سمكة فوجد في جوفها درة غير مثقوبة فهي للمشتري ، وإن كانت مثقوبة فهي للبائع إن ادعاها ، كذا ذكر المسألة البغوي ، قال الرافعي : يشبه أن يقال : الدرة للصائد كالكنز الموجود في الأرض يكون لمحييها . فصل : إذا تحول بعض حمام إلى برج غيره ، قال أصحابنا : إن كان المتحول ملكا للأول لم يزل ملكه عنه ، ويلزم الثاني رده ، فإن حصل بينهما بيض أو فرخ فهو تبع للأنثى دون الذكر ، وإن ادعى تحول حمامه إلى برج غيره لم يصدق إلا ببينة ، والورع أن يصدقه إلا أن يعلم كذبه ، فإن كان المتحول مباحا دخل برج الأول ثم تحول إلى الثاني فعلى الخلاف السابق في دخول الصيد ملكه فإن قلنا : بالأصح : إنه لا يملكه والثاني : إنه يملكه . ومن دخل برجه حمام وشك هل هو مباح أو مملوك فهو أولى به ، وله التصرف فيه ، لأن الظاهر أنه مباح ، وإن تحقق أنه اختلط بملكه ملك غيره وعسر التمييز فقد قال البغوي : لو اختلطت حمامة واحدة بحماماته فله أن يأكله بالاجتهاد واحدة واحدة ، حتى تبقى واحدة . كما لو اختلطت ثمرة الغير بثمره . والذي حكاه الروياني أنه ليس له أن يأكل واحدة منها حتى يصالح ذلك الغير أو يقاسمه . قال : ولهذا قال بعض مشايخنا ينبغي للورع أن يتجنب

133


134
طير البروج . وأن يجتنب بناءها ، ونقل الإمام وغيره أنه ليس لواحد منهما التصرف في شيء منها ببيع أو هبة لثالث ، لأنه لا يتحقق الملك ولو باع أحدهما أو وهب الآخر صح على أصح الوجهين وتحتمل الجهالة للضرورة ، ولو باع الحمام المختلط كله أو بعضه لثالث ، ولا يعلم واحد منهما عين ماله ، فإن كانت الأعداد معلومة كمائتين ومائة ، والقيمة متساوية ، ووزعا الثمن على أعدادها ، صح البيع باتفاق الأصحاب ، وإن جهلا العدد لم يصح البيع ، لأنه لا يعلم كل واحد حصته من الثمن ، فالطريق أن يقول كل واحد : بعتك الحمام الذي في هذا البرج بكذا . فيكون الثمن معلوما ، ويحتمل الجهل في المبيع للضرورة . قال الغزالي في الوسيط : لو تصالحا على شيء صح البيع واحتمل الجهل بقدر المبيع . ويقرب من هذا ما أطلقه الأصحاب من مقاسمتهما ، قال أصحابنا : وقد يجوز للضرورة المسامحة ببعض الشروط المعتبرة في حال الاختيار ، كالكافر إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة . ومات قبل الاختيار . فإنه يصح اصطلاحهن على القسمة بالتساوي وبالتفاوت مع الجهل بالاستحقاق ، فيجوز أن تصح القسمة أيضا بحسب تراضيهما ، ويجوز أن يقال : إذا قال كل واحد : بعت مالي من حمام هذا البرج بكذا . والأعداد مجهولة . يصح أيضا مع الجهل بما يستحقه كل واحد منهما ، والمقصود أن ينفصل الأمر بحسب ما يتراضيان عليه ، ولو باع أحدهما جميع حمام البرج بإذن الآخر فيكون أصل في البعض ، ووكيلا في البعض جاز . ثم يقتسمان الثمن . فرع : لو اختلطت حمامة مملوكة أو حمامات بحمامات مباحة محصورة لم يجز الاصطياد منها ولو اختلطت بحمام ناحية جاز الاصطياد في الناحية ، ولا يتغير حكم ما لا يحصر في العادة باختلاط ما يحصر به ، ولو اختلط حمام أبراج مملوكة لا تكاد تحصر بحمام بلدة أخرى مباحة ، ففي جواز الاصطياد منها وجهان أصحهما : الجواز ، وإليه مال معظم الأصحاب ، ومن أهم ما يجب معرفة ضبطه العدد المحصور ، فإنه يتكرر في أبواب الفقه ، وقل من ينبه عليه قال الغزالي في الإحياء في كتاب الحلال والحرام : تحديد هذا غير ممكن ، فإنما يضبط بالتقريب ، قال : فكل عدد لو اجتمع في صعيد واحد يعسر على الناظر عدهم بمجرد النظر كالألف ونحوه ، فهو غير محصور ، وما سهل كالعشرة والعشرين فهو محصور . وبين الطرفين أوساط متشابهة تلحق بأحد الطرفين بالظن ، وما وقع فيه الشك استفتى في القلب ، والله تعالى أعلم .

134


135
فرع : إذا انصبت حنطته على حنطة غيره ، أو انصب مائعه في مائعه . وجهلا قدرهما فحكمه ما سبق في الحمام المختلط . فرع : ولو اختلط درهم حرام أو دراهم بدراهمه ، ولم يتميز ، أو دهن بدهن أو غيره من المائعات ونحو ذلك ، قال الغزالي في الإحياء وغيره من أصحابنا : طريقه أن يفصل قدر الحرام فيصرفه إلى الجهة التي يجب صرفه فيها ، ويبقى الباقي له يتصرف فيه بما أراد ، والله تعالى أعلم . ومن هذا الباب ما إذا اختلطت دراهم أو حنطة ونحوها لجماعة ، أو غصب منهم وخلطت ولم تتميز ، فطريقه أن يقسم الجميع بينهم على قدر حقوقهم وأما : ما يقوله العوام : اختلاط الحلال بالحرام يحرمه فباطل لا أصل له ، وسيأتي بسط المسألة بأدلتها في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى ، والله سبحانه أعلم .

135


136

كتاب البيوع

قال المصنف رحمه الله تعالى : البيع جائز والأصل فيه قوله تعالى :

﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا البقرة : 275 وقوله تعالى :

﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء : 29 .

+ الشرح : قوله تعالى :

﴿ إلا أن تكون تجارة هو استثناء منقطع ، أي لكن لكم أكلها بتجارة عن تراض منكم ، قال العلماء : خص الله سبحانه وتعالى الأكل بالنهي تنبيها على غيره ، لكونه معظم المقصود من المال ، كما قال تعالى :

﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما النساء : 10 وقوله تعالى :

﴿ الذين يأكلون الربا البقرة : 275 وأجمعت الأمة على أن التصرف في المال بالباطل حرام . سواء كان أكلا أو بيعا أو هبة أو غير ذلك ، وقوله تعالى :

﴿ بالباطل قال ابن عباس وغيره : إلا يحقها قال أهل المعاني : الباطل اسم جامع لكل ما لا يحل في الشرع كالربا والغصب والسرقة والخيانة وكل محرم ورد الشرع به ، قال الواحدي : أجمعوا على أن هذا الاستثناء منقطع ، وقوله تعالى :

﴿ إلا أن تكون تجارة فيها قراءتان الرفع والنصب ، فمن رفع جعل كان تامة ، إلا أن تقع تجارة ، ومن نصب قال : تقديره : إلا أن يكون المأكول تجارة أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارة فحذف المضاف قال الواحدي : والأجود الرفع ، لأنه أدل على انقطاع الاستثناء ولأنه لا يحتاج إلى إضمار . وأما صاحب الحاوي فبسط تفسير الآية في الحاوي قوله تعالى :

﴿ أموالكم فيه تأويلان أحدهما : المراد مال كل إنسان في نفسه ، أي لا يصرفه في المحرمات والثاني : معناه لا يأخذ بعضكم مال بعض كما قال تعالى :

﴿ ولا تقتلوا أنفسكم النساء : 29 وقوله :

﴿ بالباطل

136


137
قيل : معناه الصرف في المحرمات ، وقيل : النهب والغارات ، والثالث : التجارات الفاسدة ونحوها ، والمختار ما قدمنا عن ابن عباس وأهل المعاني والله تعالى أعلم . وأما قوله تعالى :

﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا البقرة : 275 فقد ذكر الشافعي رحمه الله في كتاب الأم تفسيرها مستوفى مع اختصار وشرحه صاحب الحاوي فقال : قال الشافعي : ومعنى الآية أربعة أقوال أحدها : أنها عامة فإن لفظها لفظ عموم يتناول كل بيع ، ويقتضي إباحة جميعها إلا ما خصه الدليل ، وهذا القول أصحها عند الشافعي وأصحابنا . قال في الأم : هذا أظهر معاني الآية . قال صاحب الحاوي . والدليل لهذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيوع كانوا يعتادونها ولم يبين الجائز ، فدل على أن الآية الكريمة تناولت إباحة جميع البيوع إلا ما خص منها ، وبين صلى الله عليه وسلم المخصوص . قال : فعلى هذا في العموم قولان أحدهما : أنه عموم أريد به العموم ، وإن دخله التخصيص والثاني : أنه عموم أريد به الخصوص . قال : والفرق بينهما من وجهين أحدهما : أن العموم المطلق الذي يراد به العموم ، وهو ما يجري على عمومه ، وإن دخله تخصيص كان الخارج منه بالتخصيص أقل مما بقي على العموم والوجه الثاني : أن البيان فيما أريد به الخصوص مقدم على اللفظ ، وفيما أريد به العموم متأخر عن اللفظ أو مقترن به ، قال : وعلى القولين جميعا يجوز الاستدلال بهذه الآية الكريمة في المسائل المختلف فيها . ما لم يقم دليل تخصيص ، وإخراجها من العموم . والقول الثاني : من الأقوال الأربعة أنها مجملة لا يعقل منها صحة بيع من فساده إلا ببيان النبي صلى الله عليه وسلم ، ودليله أن في البياعات الجائز وغيره ، وبين في الآية ما يميز هذا من ذاك ، فاقتضت كونها مجملة ، فعلى هذا هل هي مجملة بنفسها أم بعارض فيه وجهان لأصحابنا أحدهما : أنها مجملة بنفسها ، لأن قوله تعالى :

﴿ وأحل الله البيع البقرة : 275 يقتضي جواز البيع متفاضلا . وقوله تعالى :

﴿ وحرم الربا البقرة : 275 يقتضي تحريم بيع الربوي متفاضلا ، فصار آخرها معارضا لأولها ، فحصل الإجمال

137


138
فيها بنفسها والثاني : أنها مجملة بغيرها ، لأنها جواز كل بيع من غرر ومعدوم وغيرهما ، وقد وردت السنة بالنهي عن بيع الغرر وبيع الملامسة وغيرهما ، فوقع الإجمال فيها بغيرها ، قال : ثم اختلف أصحابنا في الإجمال على وجهين أحدهما : أن الإجمال وقع في المعنى المراد به دون صيغة لفظها ، لأن لفظ البيع اسم لغوي ولم يرد من طريق الشرع ، ومعناه معقول . لكن لما قام بإزائه من الشبه ما يعارضه تدافع العمومان وحدهما ، ولم يتعين المراد منهما إلا ببيان الشبه ، فصارا مجملين لهذا المعنى ، لأن هذا اللفظ مشكل المعنى . والثاني : أن اللفظ محتمل ، والمعنى المراد منه مشكل ، لأنه لما لم يكن المراد من اللفظ ما وقع عليه الاسم ، وتبينا أن له شرائط لم تكن معقولة في اللغة ، خرج اللفظ بالشرائط عن موضوعه في اللغة إلى ما استقرت عليه شرائط الشرع ، وإن كان له في اللغة معان معقولة كما قلنا في الصلاة إنها مجملة لأنها متضمنة شرائط لم تكن معقولة في اللغة كالخضوع ، فكذلك البيع ، قال الماوردي : وعلى الوجهين جميعا لا يجوز الاستدلال بها على صحة بيع ولا فساده ، وإن دلت على صحة البيع من أصله قال : وهذا هو الفرق بين العموم والمجمل حيث جاز الاستدلال بظاهر العموم . ولم يجز الاستدلال بظاهر المجمل ، والله أعلم . والقول الثالث : من الأربعة يتناولهما جميعا ، فيكون عموما دخله التخصيص ، ومجملا لحقه التفسير ، لقيام الدلالة عليها ، قال الماوردي . واختلف أصحابنا في وجه دخول ذلك فيهما على ثلاثة أوجه أحدها : أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى ، فيكون اللفظ عاما مخصوصا ، والمعنى مجملا لحقه التفسير والثاني : أن العموم في قوله تعالى :

﴿ وأحل الله البيع والإجمال في قوله :

﴿ وحرم الربا والثالث : أنه كان مجملا ، فلما بينه النبي صلى الله عليه وسلم صار عاما ، فيكون داخلا في المجمل قبل البيان ، وفي العموم بعد البيان ، قال : فعلى هذا الوجه يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها كالقول الثاني . والقول الرابع : أنها تناولت بيعا معهودا ، ونزلت بعد أن أحل النبي صلى الله عليه وسلم بيوعا وحرم بيوعا ، فقوله تعالى :

﴿ وأحل الله البيع أي البيع الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم من قبل ، وعرفه المسلمون منه ، فتناولت الآية بيعا معهودا ، ولهذا دخلت الألف واللام لأنهما للعهد أو للجنس ، ولا يكون الجنس هنا مرادا لخروج بعضه عن التحليل ، فعلم أن المراد

138


139
العهد ، فعلى هذا لا يجوز الاستدلال بظاهرها على صحة بيع ولا فساده ، بل يرجع فيما اختلف فيه إلى الاستدلال بما تقدمها من السنة التي عرف بها البيوع الصحيحة ، فيحصل الفرق بينها وبين المجمل من وجه ، وبينها وبين العموم من وجهين . فأما : الوجه الواحد فهو أن بيان النبي صلى الله عليه وسلم للبيوع كان قبل نزولها . وبيان المجمل يكون مقترنا للفظ ، أو متأخرا عنه على مذهب من يجوز تأخير البيان ، وأما الوجهان فأحدهما : ما سبق من تقديم البيان في المعهود ، وإقرار بيان التخصيص بالعموم والثاني : جواز الاستدلال بظاهر العموم دون ظاهر المعهود ، هذا آخر كلام الماوردي ، وذكر أصحابنا نحوه ، واتفقوا على نقل هذه الأقوال الأربعة عن الشافعي . واتفقوا على أن أصحها عند الشافعي أن الآية عامة تتناول كل بيع إلا ما نهى الشرع عنه والله أعلم . فرع : أما الحكم الذي ذكره المصنف وهو جواز البيع ، فهو مما تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وأجمعت الأمة على أن المبيع بيعا صحيحا يصير بعد انقضاء الخيار ملكا للمشتري ، قال الغزالي في أول بيوع الوسيط : أجمعت الأمة على أن البيع سبب لإفادة الملك ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : وإذا انعقد البيع لم يتطرق إليه الفسخ إلا بأحد سبعة أسباب ، وهي خيار المجلس ، وخيار الشرط ، وخيار العيب ، وخيار الخلف ، بأن كان شرطه كاتبا فخرج غير كاتب ، والإقالة ، والتخالف ، وتلف المبيع ، وأما خيار الرؤية ففي بيع الغائب إذا جوزناه فهو ملتحق في المعنى بخيار الشرط ، والله تعالى أعلم . فرع : قال ابن قتيبة وغيره : يقال : بعت الشيء بمعنى بعته وبمعنى شريته ، ويقال شريت الشيء بمعنى شريته وبعته ، وأكثر الاستعمال بعته إذا أزلت الملك فيه بالمعاوضة ، واشتريته إذا تملكته بها ، وقال الأزهري : العرب تقول : بعت بمعنى بعت ما كنت ملكته ، وبعت بمعنى اشتريت ، قال : وكذلك شريت بالمعنيين ، قال : وكل واحد مبيع وبائع ، لأن الثمن والمثمن كل منهما مبيع ، ويقال : بعته أبيعه فهو مبيع ومبيوع ، مخيط ومخيوط قال الخليل : المحذوف من مبيع واو مفعول ، لأنها زائدة ، فهي أولى بالحذف ، وقال الأخفش : المحذوف عين الكلمة ، قال المازني : كلاهما حسن ، وقول الأخفش أقيس ، والابتياع الاشتراء ، وبايعته وتبايعنا واستبعته سألته أن يبيعني ، وأبعت الشيء عرضته للبيع ، وبيع الشيء بكسر الباء وضمها والكسر أفصح وبوع بضم الباء وبالواو لغة فيه ، وكذلك القول في كيل وقيل . وأما الشراء ففيه لغتان مشهورتان أفصحهما : المد والثانية : القصر

139


140
فمن مد كتبه بالألف وإلا فبالياء ، وجمعه أشرية وهو جمع نادر ، ويقال شريت الشيء أشريه شريا إذا بعته ، وإذا اشتريته كما سبق ، فهو من الأضداد على اصطلاح اللغويين ، ومن المشترك على اصطلاح الأصوليين ، قال الله تعالى :

﴿ ومن الناس من يشري نفسه البقرة : 207 وقال تعالى :

﴿ وشروه بثمن بخس يوسف : 20 وأما حقيقة البيع في اللغة فهم مقابلة المال بالمال وفي الشرع مقابلة المال بمال أو نحوه تمليكا فرع : أركان البيع ثلاثة : العاقدان والصيغة والمعقود عليه ، وشروط العاقد أن يكون بالغا عاقلا مختارا بصيرا ، غير محجور عليه ويشترط إسلام المشتري إن كان المبيع عبدا مسلما ، أو مصحفا ، وعصمته إن كان المبيع سلاحا . وشروط المبيع خمسة ، أن يكون طاهرا منتفعا به معلوما مقدورا على تسليمه مملوكا لمن يقع العقد له ، ويدخل في الضابط أم الولد والمرهون والموقوف والمكلف والجاني إذا منعنا بيعهما والمنذور إعتاقه ، وهذا الحد ناقص ، لأنه يرد عليه المجهول والمعجوز عن تسليمه وغير المملوك ، فالصواب الحد والأول هذه الشروط ستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى في مواضعها . فرع : سبق في آخر باب الأطعمة الخلاف في أن أطيب المكاسب التجارة أم الزراعة أم الصنعة فصل : في الورع في البيع وغيره واجتناب الشبهات . قال الله تعالى :

﴿ وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم النور : 15 وقال تعالى :

﴿ إن ربك لبالمرصاد الفجر : 14 وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الحلال بين وإن الحرام بين ، وبينهما شبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ، ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى الله محارمه ، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب رواه البخاري ومسلم من طرق كثيرة . وهو أحد

140


141
الأحاديث التي عليها مدار الإسلام . وقد اختلف في عددها . وقد جمعتها في كتاب الأربعين ، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تمرة في الطريق فقال : لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها رواه البخاري ومسلم ، وعن النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : البر حسن الخلق ، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس رواه مسلم حاك بالحاء المهملة والكاف أي تردد فيه . وعن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جئت تسأل عن البر قلت : نعم . قال : استفت قلبك ، البر ما اطمأنت إليه النفس . واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر . وإن أفتاك الناس وافتوك حديث حسن ، رواه أحمد بن حنبل والدارمي في مسنديهما ، وعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه أنه تزوج امرأة لأبي إهاب بن عزيز فأتته امرأة فقالت : إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج بها ، فقال لها : ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني ، فركب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فسأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف وقد قيل ، ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره رواه البخاري ، إهاب بكسر الهمزة وعرير بفتح العين وبراء مكررة وعن الحسن ابن علي رضي الله عنهما قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك رواه الترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح ، معناه اترك ما تشك فيه ، وخذ ما لا تشك فيه . وعن عطية بن عروة السعدي الصحابي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به البأس رواه الترمذي وقال : هو حديث حسن ، قال البخاري : وقال حسان بن أبي سنان : ما رأيت شيئا

141


142
أهون من الورع ، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وحسان هذا من تابعي التابعين ، روى عن الحسن البصري .
فصل
: عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أجملوا في طلب الدنيا ، فإن كلا ميسر لما كتب له منها رواه البيهقي بإسناد صحيح ، ورواه ابن ماجه بإسناد ضعيف ، وعن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغه بآخر رزق هو له ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب من الحلال وترك الحرام رواه ابن ماجه والبيهقي . فصل : في النهي عن اليمين في البيع ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الحلف منفقة للسلعة ممحقة للربح وفي رواية : للبر ، وفي رواية : للكسب رواه البخاري ومسلم ، وعن أبي قتادة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إياكم وكثرة الحلف فإنه ينفق ثم يمحق رواه مسلم ، وعن أبي ذر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ، قال أبو ذر : خابوا وخسروا من هم يا رسول الله قال : المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب رواه مسلم . فصل : عن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال : يا معشر التجار ، فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا

142


143
أعناقهم وأبصارهم إليه ، فقال : إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله ، وبر وصدق رواه الترمذي ، وقال : هو حديث حسن صحيح ، وعن قيس بن أبي غررة بغين معجمة ثم راء ثم راء مفتوحات الصحابي رضي بالصدقة رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ، وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء رواه الترمذي وقال : حديث حسن . فصل : في التبكير في طلب المعيشة ، عن صخر الغامدي الصحابي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم بارك لأمتي في بكورها وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار ، وكان صخر رجلا تاجرا ، وكان إذا بعث تجارة بعثهم أول النهار . فأثرى وكثر ماله رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن . فصل : في استحباب السماحة في البيع والشرى والتقاضي والاقتضاء وإرجاح المكيال والميزان . قال الله تعالى :

﴿ وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم البقرة : 215 وقال تعالى :

﴿ ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم هود : 85 وقال تعالى :

﴿ ويل للمطففين المطففين : 1 الآية . وعن جابر رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى رواه البخاري ، وعن جابر قال : اشترى متى

143


144
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا فوزن لي وأرجح رواه البخاري ومسلم . وعن سويد بن قيس قال : جلبت أنا ومخرمة العبدري برا من هجر فجاءنا النبي صلى الله عليه وسلم فسامنا بسراويل وعندي وزان يزن بالأجر فقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزان : زن وأرجح رواه أبو داود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح . وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اسمح يسمح لك رواه ابن أبي عاصم . فصل : عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما رواه البخاري ومسلم ، وعن جرير بن عبد الله قال : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم رواه البخاري ومسلم ، وعن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الدين النصيحة ، قلنا لمن قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم رواه مسلم ، وعن أنس رضي الله عنه قال : قال

144


145
رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه رواه البخاري ومسلم . فصل : عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أصاب من شيء فليلزمه رواه ابن ماجه بإسناد جيد ، وعن نافع مولى ابن عمر قال : كنت أجهز إلى الشام وإلى مصر فجهزت إلى العراق فأتيت عائشة رضي الله عنها فقلت : يا أم المؤمنين كنت أجهز إلى الشام فجهزت إلى العراق ، فقالت : لا تفعل ، ما لك منزل ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا سبب الله لأحد رزقا من وجه فلا يدعه حتى يتغير له أو يتنكر رواه ابن ماجه بإسناد فيه ضعف . فصل : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أحب البلاد إلى الله مساجدها ، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها رواه مسلم ، وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه من قوله : لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها ، فإنها معركة الشيطان ، وبها ينصب رايته رواه مسلم هكذا موقوفا على سلمان ، ورواه الرقاني في صحيحه عن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكن أول من يدخل السوق ، ولا آخر من يخرج منها فيها باض الشيطان وفرخ قال الماوردي وغيره : الذم لمن أكثر ملازمة السوق وصرف أكثر الأوقات إليها والاشتغال بها عن العبادة ، وهذا كما قالوه ، لثبوت الأحاديث في دخول النبي صلى الله عليه وسلم الأسواق مع نص القرآن ، قال الله تعالى :

﴿ وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام

145


146
ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ( الفرقان : 7 ) . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة النهار لا يكلمني ولا أكلمه ، حتى جاء سوق بني قينقاع ثم انصرف رواه البخاري ومسلم ، قينقاع قبيلة من اليهود بفتح القاف الأولى وضم النون وفتحها وكسرها وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في السوق فقال رجل : يا أبا القاسم فالتفت إليه وذكر تمام الحديث رواه البخاري ، وعن بريدة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل السوق قال : بسم الله اللهم إني أسألك خير هذه السوق وخير ما فيها ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها ، اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة ، أو صفقة خاسرة رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين . فصل : سبق في مقدمة هذا الشرح أن من أراد التجارة لزمه أن يتعلم أحكامها فيتعلم شروطها ، وصحيح العقود من فاسدها ، وسائر أحكامها وبالله التوفيق . فصل : مذهبنا أن الإشهاد على عقد البيع والإجارة وسائر العقود غير النكاح والرجعة مستحب ، وليس بواجب ، وقد صرح المصنف بهذا اللفظ بحروفه في أول كتاب الشهادات ، واستدل المصنف وغيره للاستحباب بقوله تعالى :

﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم البقرة : 282 هذا مذهبنا قال ابن المنذر وبه قال أبو أيوب الأنصاري وأبو سعيد الخدري والشعبي والحسن وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق ، وبهذا قال جمهور الأمة من السلف والخلف ، قال ابن المنذر : وقالت طائفة : يجب الإشهاد على البيع ، وهو فرض

146


147
يعصى بتركه ، قال : روينا هذا عن ابن عباس قال : وكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد ، ولم يكتب ، قال : وروينا عن مجاهد قال : ثلاثة لا يستجاب لهم دعوة ، رجل باع بنقد قال : وروينا نحو هذا عن أبي بردة بن أبي موسى وأبي سليمان المرعشي ، واحتجوا بقوله تعالى :

﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم البقرة : 282 واحتج الجمهور بالأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم باع واشترى ، ولم ينقل الإشهاد في ذلك ، وكذلك الصحابة في زمنه وبعده ، وحملوا الآية الكريمة على الاستحباب لما ذكرناه ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويصح البيع من كل بالغ عاقل مختار ، فأما الصبي والمجنون فلا يصح بيعهما ، لقوله صلى الله عليه وسلم : رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق ولأنه تصرف في المال ، يفوض إلى الصبي والمجنون كحفظ المال .

+ الشرح : هذا الحديث صحيح من رواية علي وعائشة رضي الله عنهما ، سبق بيانه في أول كتاب الصلاة ، وأول كتابي الزكاة والصوم ، وقوله : ( تصرف في المال ) احتراز من اختيار الصبي أحد الأبوين وهو مميز ، ومن عباداته وحمله الهدية ، ومن وطء الصبي والمجنون امرأتيهما ، وأما قياسه على حفظ المال فلأنه مجمع عليه ومنصوص عليه في قوله تعالى :

﴿ وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم النساء : 6 وأما قول المصنف : يصح البيع من كل عاقل بالغ مختار ، فمما ينكر عليه ، لأنه يدخل فيه الأعمى ، وقد ذكر المصنف بعد هذا هو والأصحاب أن المذهب الصحيح أنه لا يصح بيعه ولا شراؤه ، ويدخل أيضا المحجور عليه بالسفه ، وهو لا يصح بيعه فكان ينبغي أن يزيد بصيرا غير محجور عليه كما ذكرناه في الفرع السابق قريبا ، وذكرنا هناك أنه يشترط أيضا إسلام المشتري إن اشترى عبدا مسلما أو مصحفا ، والله أعلم . وأما المجنون فلا يصح بيعه بالإجماع ، وكذلك المغمى عليه وأما : السكران فالمذهب صحة بيعه وشرائه وسائر عقوده التي تضره والتي تنفعه والثاني : لا يصح شيء منها والثالث : يصح ما عليه دون ما له فعلى هذا يصح بيعه وهبته دون إيهابه ، وتصح ردته دون إسلامه ، وقد ذكر المصنف هذه

147


148
الأوجه في أول كتاب الطلاق ، وهناك نوضحها بفروعها إن شاء الله تعالى . وأما : الصبي فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا إجارته وسائر عقوده لا لنفسه ولا لغيره سواء باع بغبن أو بغبطة ، وسواء كان مميزا أو غيره ، وسواء باع بإذن الولي أو بغير إذنه ، وسواء بيع الاختبار وغيره ، وبيع الاختبار هو الذي يمتحنه الولي به ليستبين رشده عند مناهزة الاحتلام ، ولكن طريق الولي أن يفوض إليه الاستلام وتدبير العقد ، فإذا انتهى الأمر إلى العقد أتى به الولي ولا خلاف في شيء مما ذكرته عندنا إلا في بيع الاختبار ، فإن فيه وجها شاذا ضعيفا حكاه إمام الحرمين وآخرون ، من الخراسانيين أنه يصح ، والمذهب بطلانه ، والله أعلم . واستدل المصنف وغيره بهذا الحديث ، ووجه الدلالة منه أنه لو صح البيع لزم منه وجوب التسليم على الصبي ، وقد صرح الحديث بأن الصبي لا يجب عليه شيء ، وقيل : وجه الدلالة منه أن مقتضى الحديث إسقاط أقواله وأفعاله ، والله تعالى أعلم . فرع : قال الفقهاء : إذا اشترى الصبي شيئا وسلم إليه فتلف ففي يده أو أتلفه فلا ضمان عليه ، لا في الحال ولا بعد البلوغ ، وكذا لو اقترض مالا ، لأن المالك هو المضيع بالتسليم إليه ، وما دامت العين باقية فللمالك الاسترداد وإن قبضها الولي من الصبي دخلت في ضمان الولي ، ولو سلم الصبي إلى البائع ثمن ما اشتراه لم يصح تسليمه ، ويلزم البائع رده إلى الولي ، ويلزم الولي طلبه واسترداده ، قال أصحابنا : فإن رده إلى الصبي لم يبرأ من الضمان ، قال أصحابنا : وهذا كما لو سلم الصبي درهما إلى صراف لينقده ، أو سلم متاعا إلى مقوم ليقومه ، فإذا قبضه من الصبي دخل في ضمان القابض ، ولم يجز له رده إلى الصبي . بل يلزمه أن يرده إلى وليه إن كان المال للصبي ، وإن كان لكامل لزمه رده إلى مالكه أو وكيله فيه ، قال أصحابنا : ولو أمره ولي الصبي بدفعه إلى الصبي فدفعه إليه سقط عنه الضمان إن كان المال للولي ، فإن كان للصبي لم يسقط كما لو أمره بالقاء مال الصبي في بحر فألقاه ، فإنه يلزمه ضمانه قطعا . فرع : لو تبايع صبيان وتقابضا ، وأتلف كل واحد منهما ما قبضه ، قال أصحابا : إن جرى ذلك بإذن الوليين فالضمان عليهما وإلا فلا ضمان على الوليين ، ويجب في حال الصبيين الضمان لأن تسليمهما لا يعد تسليطا وتضييعا بخلاف تسليم البالغ الرشيد ، والله سبحانه أعلم . فرع : قال أصحابنا : لا يصح نكاح الصبي بنفسه ، ولا سائر تصرفاته ، لكن في تدبيره ووصيته خلاف مذكور في موضعه ، والأصح بطلانهما أيضا ، وسواء في هذا كله إذن

148


149
الولي أم لا ، لأن عبارته ملغاة ، فلا أثر لإذن الولي ، كما لو أذن لمجنون ، أما إذا فتح الصبي بابا وأخبر بإذن أهل الدار في الدخول ، أو أوصل هدية ، وأخبر عن إهداء مهديها ، فقال أصحابنا : إن انضمت إلى ذلك قرائن تحصل العلم بذلك جاز الدخول وقبول الهدية ، وهو في الحقيقة عمل بالعلم لا بمجرد قوله ، وإن لم ينضم نظر إن كان غير مأمون القول لم يجز اعتماد قوله بلا خلاف ، وإلا فطريقان أصحهما : القطع بجواز الاعتماد وبهذا قطع المصنف في التنبيه في باب الوكالة وآخرون من الأصحاب لإطباق المسلمين على فعل ذلك في جميع الأعصار من غير إنكار ولحصول الظن بصدقه في العادة والطريق الثاني : حكاه الإمام والغزالي وآخرون : فيه وجهان كالوجهين في قبول روايته كما سنذكره قريبا إن شاء الله تعالى . فرع : إذا سمع الصبي المميز حديثا فهل يصح تحمله وتقبل روايته فيه ثلاثة أوجه أحدها : لا تقبل مطلقا ، لا قبل بلوغه ولا بعده ، لضعف ضبطه ، كما لا يصح بيعه وغيره والثاني : تصح روايته قبل البلوغ وبعده ، كما حكاه إمام الحرمين والغزالي وسائر الخراسانيين وجماعات من غيرهم لأن الرواية مبنية على المسامحة ، واحتمل فيها أشياء لا تحتمل في غيرها ، كاعتماده على خطه ، وكونها لا ترد بالتهمة وغير ذلك من المسامحة والثالث : أنها تقبل بعد البلوغ ، ولا تقبل قبله ، وهذا هو الصحيح ، بل هو الصواب ، وما سواه باطل ، ومما يرد الأول إجماع الصحابة فمن بعدهم على قبول روايات صغار الصحابة ما تحملوه قبل البلوغ ، ورووه بعده كابن عباس والحسن والحسين وابن الزبير وابن جعفر والنعمان بن بشير وخلائق لا يحصون ، رضي الله عنهم أجمعين . فرع : قال أصحابنا : كما لا تصح من الصبي تصرفاته القولية ، لا يصح قبضه في تلك التصرفات ، فلو اتهب له الولي شيئا وقبله ثم قبضه الصبي بإذن الواهب لم يصح قبضه ، ولا يحصل له الملك فيه بهذا القبض ، ولو وهب لأجنبي وأذن الموهوب له للصبي أن يقبضه له ، وأذن له الواهب في القبض فقبضه ، لم يصح بلا خلاف ، ولو قال مستحق الدين لمن هو عليه : سلم حقي إلى هذا الصبي ، فسلم قدر حقه إلى الصبي لم يبرأ من الدين بلا خلاف ، بل يكون ما سلمه باقيا على ملكه حتى لو ضاع ضاع على الدافع ولا ضمان على الصبي ، لأن الدافع ضيعه بتسليمه ، ويبقى الدين على حاله . قال أصحابنا : لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح . ولا يزول الدين عن الذمة كما لو قال صاحب الدين للمدين : ألق حقي في البحر ، فألقى قدر حقه لا يبرأ بلا خلاف وما يتلف من ضمان

149


150
الملقى ، قال أصحابنا : ولو قال مالك الوديعة للمودع : سلم وديعتي إلى هذا الصبي ، فسلم إليه خرج من العهدة ، لأنه امتثل أمره في حقه المعين ، كما لو قال : ألقها في البحر فألقاها ، فإنه لا ضمان بلا خلاف ، لأنه أذن في إتلافها ، قال أصحابنا : فلو كانت الوديعة لصبي فسلمها إلى الصبي ضمن ، سواء كان بإذن الولي أو بغير إذنه ، لأنه ليس للمودع تضييعها ، وإن أذن له الولي فيه . هذا لا خلاف فيه ، والله أعلم . ونقل إمام الحرمين في النهاية هذا الفرع عن الأصحاب . فرع : في مذاهب العلماء في بيع الصبي المميز . قد ذكرنا أن مذهبنا أن لا يصح سواء أذن له الولي أم لا ، وبه قال أبو ثور وقال الثوري وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق : يصح بيعه وشراؤه بإذن وليه . وعن أبي حنيفة رواية أنه يجوز بغير إذنه ويقف على إجازة الولي ، قال ابن المنذر : وأجاز أحمد وإسحاق بيعه وشراءه في الشيء اليسير يعني بلا إذن دليلنا ما ذكره المصنف .

قال المصنف رحمه الله تعالى : فأما المكره فإن كان بغير حق لم يصح بيعه . لقوله تعالى :

﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء : 29 فدل على أنه إذا لم يكن عن تراض لم يحل الأكل ، ورى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما البيع عن تراض فدل على أنه لا بيع عن غير تراض ولأنه قول أكره عليه بغير حق فلم يصح ، ككلمة الكفر إذا أكره عليها المسلم ، وإن كان بحق صح ، لأنه قول حمل عليه بحق فصح ، ككلمة الإسلام إذا أكره عليها الحربي .

+ الشرح : حديث أبي سعيد هذا رواه البيهقي ، وهو حديث طويل ، وروى أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لألقين الله من قبل أن أعطى أحدا من مال أحد شيئا بغير طيب نفسه ، إنما البيع عن تراض وقوله : لأنه قول أكره عليه بغير حق احترز بالقول عن الفعل ، بأن أكرهت على الإرضاع أو أكره على الحديث ، فإنه يثبت حكمهما ، وكذا الإكراه على القتل

150


151
على أصح القولين واحترز بقوله : بغير حق عن الإكراه بحق كإكراه الحربي على الإسلام وإكراه من عليه دين متمكن في البيع في أدائه . أما الأحكام : فقال أصحابنا : المكره على البيع ، إن كان إكراهه بغير حق لم يصح بيعه بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، فإن كان بحق صح ، وصورة الإكراه بحق أن يكون عليه دين ومعه متاع يمكنه بيعه فيه ، فيمتنع من بيعه بعد امتناع المالك من الوفاء والبيع ، قال القاضي أبو الطيب في كتاب التفليس والأصحاب : القاضي بالخيار إن شاء باع ماله بغير إذنه لوفاء الدين ، وإن شاء أكرهه على بيعه ، وعزره بالحبس وغيره حتى يبيعه ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : التصرفات القولية التي يكره عليها بغير حق باطلة سواء الردة والبيع والإجارة ، وسائر المعاملات والنكاح والخلع والطلاق والإعتاق وغيرها وأما : ما أكره عليه بحق فهو صحيح ، قالوا : فتحصل من هذا أن المرتد والحربي إذا أكرها على الإسلام صح إسلامهما ، لأنه إكراه بحق ، وكذا المكره على البيع بحق يصح بيعه كما سبق وأما : الذمي إذا أكره على الإسلام فهو إكراه بغير حق ، لأنا شرطنا في الذمة أن نقره على دينه ، فإذا أكره فهل يصح إسلامه فيه طريقان : أحدهما : لا يصح وجها واحدا ، وهو مقتضى كلام المصنف هنا وآخرين . والطريق الثاني : فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين في كتاب الطلاق ، وفي كتاب الكفارات ، حكاهما الغزالي في هذين الموضعين لكنه حكاهما في الكفارات قولين ، وهو شاذ ، والمشهور أنهما وجهان أصحهما : باتفاق الأصحاب لا يصح . قال إمام الحرمين : المصير إلى صحته مع أن إكراهه غير سائغ وإن صح ما ذكرناه في إكراه الحربي ، لكونه إكراها بحق ، لم يكن ذلك في الذمي ، لأن أكراهه ممنوع ، قال إمام الحرمين : إذا أكره الحربي على الإسلام فنطق بالشهادتين تحت السيف حكم بإسلامه اتفقت الطرق على هذا مع ما فيه من الغموض من جهة المعنى ، لأن كلمتي الشهادتين نازلتان في الإعراب عن الضمير منزلة الإقرار والظاهر ممن يقولهما تحت السيف أنه كاذب في إخباره والله تعالى أعلم . وأما المولى بعد مضي المدة فإذا طلق باكراه القاضي له نفذ طلاقه ، لأنه إكراه بحق ليس بحقيقة إكراه فإنه لا يتعين الطلاق ، بل يلزمه بالفيئة أو الطلاق ، قال صاحب التتمة وغيره : هذا إذا أكرهه على طلقة واحدة ، فإن أكرهه على ثلاث طلقات فهو ظالم له ، فإذا تلفظ بها فإن قلنا : لا ينعزل القاضي بالفسق وقعت طلقة ولغت الزيادة وإن قلنا : ينعزل لم يقع شيء كما لو أكرهه غيره .

151


152
فرع : قال الغزالي في كتاب الطلاق : الإكراه يسقط أثر التصرفات عندنا إلا في خمسة مواضع أحدها : الإسلام فيصح إسلام الحربي المكره ولا يصح إكراه الذمي على الأصح الثاني : الإرضاع فإذا أكرهت عليه ثبت حكمه ، لأنه منوط بوصول اللبن إلى الجوف لا بالقصد الثالث : القتل فإذا أكره عليه لزمه القصاص على أصح القولين الرابع : الزنا ، فإذا أكره الرجل عليه لزمه الحد في أحد الوجهين ومأخذ الوجهين التردد في تصور الإكراه الخامس : إذا علق الطلاق على دخول الدار فأكره عليه وقع طلاقه في أحد القولين ، والأصح لا يقع وأنه لا يحد المكره على الزنا . قال : والاستثناء في التحقيق يرجع إلى الإسلام فحسب ، وإلى القتل على قول وأما : ما عداه فسببه عدم تصور الإكراه ، وعدم اشتراط القصد ، هذا آخر كلام الغزالي وقوله : إنه إنما يستثنى هذه الخمسة ، يرد عليه مسائل منها : إذا أكره على الأكل في الصوم ففي فطره قولان ، سبقا في موضعهما ، الأصح : لا يفطر ومنها : إذا أكره المصلي على الكلام فتكلم فقولان مشهوران أحدهما : لا تبطل صلاته وأصحهما : تبطل ، وبه قطع البغوي وغيره وسبق بيانه في موضعه ومنها : إذا أكره المصلي حتى فعل أفعالا كثيرة بطلت صلاته قطعا ومنها : لو أكره على التحول عن القبلة أو على ترك القيام في الفريضة مع القدرة فصلى قاعدا لزمه الإعادة لأنه عذر نادر . فرع : المصادر من جهة السلطان وغيره ممن يظلمه بطلب مال وقهره على إحضاره إذا باع ما له ليدفعه إليه للضرورة والأذى الذي يناله ، هل يصح بيعه فيه وجهان مشهوران ، حكاهما إمام الحرمين والغزالي وآخرون وقد سبقا في باب الأطعمة في مسائل أكل المضطر مال الأجنبي أحدهما : لا يصح كالمكره وأصحهما : يصح وبه قطع الشيخ إبراهيم المروذي ، لأنه لا إكراه على نفس البيع ، ومقصود الظالم تحصيل المال من أي جهة والله تعالى أعلم . فرع : ذكرنا أن المكره بغير حق لا يصح بيعه . هذا مذهبنا ، وبه قال مالك وأحمد والجمهور . وقال أبو حنيفة : يصح ويقف على إجارة المالك في حال اختياره واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف وبحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه حديث حسن ، رواه ابن ماجه والبيهقي

152


153
وغيرهما بإسناد حسن فهذا مع ما ذكره المصنف هو المعتمد في دليل المسألة . . وقد احتج بعض أصحابنا بأشياء لا يحتج بها منها : ما رواه أبو داود بإسناده عن شيخ من بني تميم ، قال : خطبنا علي رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وبيع الغرر وبيع الثمرة قبل أن تدرك ورواه البيهقي عن شيخ من بني تميم عن علي قال : سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك ، قال الله جل ثناؤه :

﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم البقرة : 237 يعز الأشرار ويستذل الأخيار وما يمنع المضطرون . وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر وعن بيع الغرر ، وعن بيع الثمرة قبل أن تطعم وهذا لإسناد ضعيف ، لأن هذا الشيخ مجهول ، قال البيهقي : وقد روى من أوجه عن علي وابن عمر وكلها غير قوية ومنها : ما رواه البيهقي بإسناد ضعيف عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يركبن رجل بحرا إلا غازيا أو معتمرا أو حاجا ، فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحرا وتحت البحر نارا ، ولا يشتري مال امرىء مسلم في ضغطه قال البخاري لا يصح هذا الحديث ، والله تعالى أعلم . فرع : ذكر الخطابي في تفسير حديث علي رضي الله عنه أن بيع المضطر يكون على وجهين أحدهما : أن يضطر إلى العقد من طريق الإكراه عليه ، فلا ينعقد العقد والثاني : أن يضطر إلى البيع لدين أو مؤنة ترهقه ، فيبيع ما في يده ، فالوكس من أجل الضرورة ، فسبيله من حيث المروءة أن لا يترك حتى يبيع ماله ، ولكن يعان وبقرض ويستمهل له إلى الميسرة ، حتى يكون له فيه بلاغ . فإن عقد البيع على هذا الوجه صح ولم يفسخ ، ولكن كرهه عامة أهل العلم . هذا لفظ الخطابي رضي الله عنه ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا ينعقد البيع إلا بالإيجاب والقبول ، فأما المعاطاة فلا ينعقد بها البيع ، لأن اسم البيع لا يقع عليه . والإيجاب أن يقول : بعتك أو ملكتك أو

153


154
ما أشبههما ، والقبول أن يقول : قبلت أو ابتعت أو ما أشبههما ، فإن قال المشتري : يعني ، فقال البائع : بعتك انعقد البيع ، لأن ذلك يتضمن الإيجاب والقبول ، وإن كتب رجل إلى رجل ببيع سلعة ففيه وجهان أحدهما : ينعقد البيع ، لأنه موضع ضرورة والثاني : لا ينعقد وهو الصحيح ، فإنه قادر على النطق ، فلا ينعقد البيع بغيره ، وقول القائل الأول : إنه موضع ضرورة لا يصح ، لأنه يمكنه أن يوكل من بيعه بالقول .

+ الشرح : فيه مسائل : إحداها : المشهور من مذهبنا أنه لا يصح البيع إلا بالإيجاب والقبول ، ولا تصح المعاطاة في قليل ولا كلير ، وبهذا قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه مشهور عن ابن سريج أنه يصح البيع بالمعاطاة ، خرجه من مسألة الهدى إذا قلده صاحبه ، فهل يصير بالتقليد هديا منذورا فيه قولان مشهوران الصحيح : الجديد لا يصير والقديم : أنه يصير ويقام الفعل مقام القول ، فخرج ابن سريج من ذلك القول وجها في صحة البيع بالمعاطاة ، ثم إن الغزالي والمتولي وصاحب العدة والرافعي والجمهور نقلوا عن ابن سريج أنه تجوز المعاطاة في المحقرات ، وهو مذهب أبي حنيفة ، فإنه جوزها في المحقرات دون الأشياء النفيسة . ونقل إمام الحرمين هذا عن أبي حنيفة ، ونقل عن ابن سريج أنه جوزها ولم يقيد الإمام في نقله عن ابن سريج بالمحقرات كما قيد في نقله عن أبي حنيفة ، ولعله أراد ذلك واكتفى بالتقييد عن أبي حنيفة . . وقد أنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح على الغزالي كونه حكى عن ابن سريج تجويزها في المحقرات ، وقال : ليست مختصة عند ابن سريج المحقرات ، وهذا الإنكار على الغزالي غير مقبول لأن المشهور عن ابن سريج التخصيص بالمحقرات كما ذكرناه ، والله أعلم . واختار جماعات من أصحابنا جواز اليبع بالمعاطاة فيما بعد بيعا . وقال مالك : كل ما عده الناس بيعا فهو بيع ، وممن أختارهم أصحابنا أن المعاطاة في يعد بيعا صحيحة وأن ما عده الناس بيعا فهو بيع صاحب الشامل والمتولي والبغوي والروياني ، وكان الروياني يفتي به وقال المتولي : وهذا هو المختار للفتوى ، وكذا قاله آخرون . وهذا هو المختار ، لأن الله تعالى أحل البيع ولم يثبت في الشرع لفظ له ، فوجب الرجوع إلى العرف فكل ما عده الناس بيعا كان بيعا كما في القبض والحرز وإحياء الموات وغير ذلك من الألفاظ المطلقة فإنها كلها تحمل على العرف ، ولفظة البيع مشهورة ، وقد اشتهرت الأحاديث بالبيع عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في زمنه وبعده ، ولم يثبت في شيء منها مع كثرتها اشتراط الايجاب والقبول والله أعلم . وأحسن من ذكر هذه المسألة وأوضحها المتولي فقال : المعاطاة التي جرت بها العادة بأن يزن النقد ، ويأخذ المتاع من غير إيجاب ولا قبول ليست بيعا على المشهور من مذهب

154


155
الشافعي . وقال ابن سريج : كل ما جرت العادة فيه بالمعاطاة وعده بيعا فهو بيع . وما لم تجر فيه العادة بالمعاطاة كالجواري والدواب والعقار لا يكون بيعا . قال : وهذا هو المختار للفتوى ، وبه قال مالك . وقال أبو حنيفة : المعاطاة بيع في المحقرات . فأما النفيس فلا بد فيه من الايجاب والقبول ، ووجه المشهور القياس على النكاح . فإنه لا ينعقد إلا باللفظ وقياسا على العقار والنفائس . ووجه طريقه ابن سريج أن البيع كان معهودا قبل ورود الشرع . فورد ولم يغير حقيقته ، بل علق به أحكاما فوجب الرجوع فيه إلى العرف وكل ما كان عدوه بيعا جعلناه بيعا ، كما يرجع في إحياء الموات والحرز والقبض إلى العرف قال : ولم ينقل عنهم لفظ التبايع ، والله أعلم . فرع : صورة المعاطاة التي فيها الخلاف السابق : أن يعطيه درهما أو غيره ويأخذ منه شيئا في مقابلته ، ولا يوجد لفظ أو يوجد لفظ من أحدهما دون الآخر ، فإذا ظهر والقرينة وجود الرضى من الجانبين حصلت المعاطاة ، وجرى فيها الخلاف . وقد صرح بهذا التصوير المتولي كما قدمناه عنه ، وكذا صرح به آخرون . قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رضي الله عنه . وما وجد من بعض أئمتنا في تصويرها من ذكر لفظ كقوله : خذ وأعط . فهو داخل في عموم ما ذكرناه من القرينة . فإن ذلك مفروض فيما إذا لم ينو البيع بهذا اللفظ الذي قرن بالعطية . فإن نواه به فهي مسألة البيع بالكناية . وفي صحته بالكناية وجهان أصحهما : الصحة مع قولنا لا ينعقد بالمعاطاة هذا كلام أبي عمرو . فأما إذا أخذ منه شيئا ، ولم يعطه شيئا ولم يتلفظا ببيع ، بل نويا أخذه بثمنه المعتاد كما يفعله كثير من الناس فهذا باطل بلا خلاف ، لأنه ليس ببيع لفظي ولا معاطاة ولا يعد بيعا فهو باطل ولنعلم هذا ولنحترز منه ، ولا نغتر بكثرة من يفعله ، فإن كثيرا من الناس يأخذ الحوائج من البياع مرة بعد مرة من غير مبايعة ولا معاطاة ، ثم بعد مدة يحسابه ويعطيه العوض . وهذا باطل بلا خلاف ، لما ذكرناه والله أعلم . فرع : الرجوع في القليل والكثير والنفيس إلى العرف ، فما عدوه من المحقرات ، وعدوه بيعا ، فهو بيع ، وإلا فلا . هذا هو المشهور تفريعا على صحة المعاطاة وحكى الرافعي وجها أن المحقر دون نصاب السرقة . وهذا شاذ ضعيف ، بل الصواب أنه لا يختص بذلك ، بل يتجاوزه إلى ما يعده أهل العرف بيعا والله أعلم . فرع : إذا قلنا بالمشهور : إن المعاطاة لا يصح بها البيع ، ففي حكم المأخوذ بها ثلاثة أوجه ، حكاها المتولي وغيره مجموعة ، وحكاها متفرقة آخرون أصحها : عندهم له حكم

155


156
المقبوض ببيع فاسد ، فيطالب كل واحد رد ما قبضه إن كان باقيا ، وإلا فرد بدله . فلو كان الثمن الذي قبضه البائع مثل القيمة ، فقد قال الغزالي في الإحياء : هذا مستحق ظفر بمثل حقه ، والمالك راض فله تملكه لا محالة . وظاهر كلام المتولي وغيره أنه يجب ردها مطلقا . والوجه الثاني : أن هذا إباحة لازمة لا يجوز الرجوع فيها . قاله القاضي أبو الطيب وحكاه عند صاحب الشامل . قال : وأوردت عليه . وأجاب فأوردت على جوابه . وذكر ذلك كله . وحاصله تضعيف هذا الوجه بما ضعفه به هو والمتولي . وهو أنه لو أتلف أحدهما ما أخذه وبقي مع الآخر ما أخذه لم يكن لمن تلف في يده أن يسترد الباقي في يد صاحبه من غير أن يغرم له بدل ما تلف عنده . ولو كان هذا إباحة لكان له الرجوع ، كما لو أباح كل واحد منهما لصاحبه طعامه ، وأكل أحدهما دون الآخر ، فإن للآكل أن يرجع عن الإباحة ويسترد طعامه بلا خلاف . والوجه الثالث : أن العوضين يستردان . فإن تلفا فلا مطالبة لأحدهما ، ويسقط عنهما الضمان ، ويتراد منهما بالتراضي السابق . وهذا قول الشيخ أبي حامد الاسفرايني وأنكروه عليه . وأوردوا عليه سائر العقود الفاسدة فإنه لا يراه فيها وإن وحد الرضى . قال المتولي : ولأن إسقاط الحقوق طريقه اللفظ . كالعفو عن القصاص والإبراء عن الديون . فإن أقمنا التراضي مقام اللفظ في الإسقاط وجب أن نقيمه مقامه في انعقاد العقد . والله أعلم . فرع : ذكر أبو سعيد بن أبي عصرون تفريعا على المشهور أن البيع لا يصح بالمعاطاة أنه لا مطالبة بين الناس فيها في الدار الآخرة ، لوجود طيب النفس بها ، ووقوع الاختلاف فيها . هذا لفظه في كتابه الانتصار . فيحتمل أنه أراد ما قدمناه عن الشيخ أبي حامد والقاضي أبي الطيب في الوجه الثالث والثاني ، والظاهر أنه أراد أنه لا مطالبة على كل وجه بها في الدار الآخرة ، وإن كانت المطالبة ثابتة في الدنيا على الخلاف السابق والله أعلم . فرع : الخلاف المذكور في المعاطاة في البيع يجري في الإجارة والرهن والهبة ونحوها . هكذا ذكره المتولي وآخرون وأما : الهدية وصدقة التطوع ففيها خلاف مرتب على البيع إن صححناه بالمعاطاة ولم نشترط فيهما لفظا فهما أولى بذلك ، وإن شرطنا اللفظ في البيع ففيهما وجهان مشهوران عند الخراسانين ، وذكرهما جماعة من العراقيين أحدهما : وبه قطع المصنف في باب اختلاف الزوجين في الصداق ، وآخرون من العراقيين أو أكثرهم يشترط فيهما الإيجاب والقبول كالبيع وأصحهما : عند الجمهور لا يشترط وهو

156


157
الصواب . قال الرافعي في أول كتاب الهبة : هذا هو الصحيح الذي عليه قرار المذهب . ونقله الأثبات من متأخري الأصحاب وقطع به المتولي والبغوي . واعتمده الروياني وغيرهم . واحتجوا بأن الهدايا كانت تحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذها ، ولا لفظ هناك . وعلى ذلك جرى الناس في جميع الأعصار . ولهذا كانوا يبعثون بها على أيدي الصبيان الذين لا عبارة لهم . قال أصحابنا : فإن قيل : كان هذا إباحة لا هدية وتمليكا فالجواب : أنه لو كان إباحة ما تصرفوا فيه تصرف الملاك . ومعلوم أن ما قبله النبي صلى الله عليه وسلم من الهدايا كان يتصرف فيه ويملكه غيره ، قال الرافعي : ويمكن أن يحمل كلام من اعتبر الايجاب والقبول على الأمر المشعر بالرضا دون اللفظ . ويقال : الاشعار بالرضا يكون لفظا ، ويكون فعلا والله أعلم فرع : إذا اشترطنا الايجاب والقبول باللفظ ، فالايجاب كقول البائع : بعتك هذا أو ملكتك ، ونحوهما من الألفاظ ، وفي ملكتك وجه شاذ ، حكاه الماوردي وآخرون أنه ليس بصريح لأنه مستعمل في الهبة وادعى الماوردي أنه الأصح ، وليس كما قال ، بل المذهب الأول ، وبه قطع المصنف والجمهور . والقبول كقول المشتري : قبلت أو ابتعت أو اشتريت أو تملكت ، قال الرافعي : ويجيء في تملكت ذلك الوجه . قال أصحابنا : وسواء تقدم قول البائع أو قول المشتري : اشتريت ، فقال البائع بعده : بعت ، فيصح البيع في الحالين بلا خلاف لحصول المقصود . قال أصحابنا : ولا يشترط اتفاق اللفظين ، بل لو قال البائع : بعتك أو اشتريت فقال المشتري : تملكت أو قال البائع : ملكتك ، فقال المشتري اشتريت ، صح بلا خلاف ، لأن المعنى واحد . وكذا في النكاح لو قال : زوجتك بنتي فقال : قبلت نكاحها ، أو قال : أنكحتكها ، فقال : قبلت تزويجها صح النكاح بلا خلاف . المسألة الثانية : قال أصحابنا : كل تصرف يستقل به الشخص كالطلاق والعتاق والإبراء ينعقد بالكناية مع النية بلا خلاف ، كما ينعقد بالصريح ، وأما ما لا يستقل به ، بل يفتقر إلى إيجاب وقبول فضربان أحدهما : ما يشترط فيه الاشهاد كالنكاح وبيع الوكيل إذا شرط الموكل الإشهاد ، فهذا لا ينعقد بالكناية مع النية بلا خلاف لأن الشاهد لا يعلم النية والثاني : ما لا يشترط فيه الإشهاد ، وهو نوعان أحدهما : ما يقبل مقصوده التعليق بالغرر الكتابة والخلع فينعقد بالكناية مع النية بلا خلاف ، لأن مقصود الكتابة العتق ومقصود الخلع الطلاق وهما يصحان بالكناية مع النية والثاني : ما لا يقبله كالبيع والإجارة والمساقاة وغيرها ، وفي انعقاد هذه العقود بالكناية مع النية وجهان مشهوران في

157


158
كتب الخراسانيين أصحهما : الانعاقد كالخلع ولحصول التراضي مع جريان اللفظ وإرادة المعنى يدل عليه من حيث السنة حديث جابر في قصة بيعه جمله للنبي صلى الله عليه وسلم وهو حديث طويل مشهور في الصحيحين وغيرهما ، قال فيه : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم : بعني جملك ، فقلت إن لرجل علي أوقية ذهب فهو لك بها قال : قد أخذته به هذا لفظ رواية مسلم . قال أصحابنا : ومثال الكناية في البيع أن يقول : خذه مني بألف ، أو تسلمه بألف ، أو أدخلته في ملكي بألف ، أو جعلته لك أو هو لك بألف ، وما أشبهها ولو قال : أبحته لك بألف فليس بكناية بلا خلاف ، لأنه صريح في الإباحة فلا يكون كناية في غيره ، ولو قال : سلطتك عليه بألف ، ففي كونه كناية وجهان كقوله : أبحته لك بألف وأصحهما : يكون لأنه محتمل ، وليس صريحا في الإباحة بخلاف : أبحته ، قال إمام الحرمين : وفي هذا الخلاف في انعقاد البيع ونحوه بالكناية مع النية هو فيما إذا عدمت قرائن الأحوال ، فإن توفرت وأفادت التفاهم وجب القطع بالصحة ، لكن النكاح لا يصح بالكناية ، وإن توفرت القرائن وأما : البيع المقيد بالإشهاد فقال الغزالي في الوسيط الظاهر انعقاده عند توفر القرائن ، والله أعلم . فرع : قال الغزالي في الفتاوى : لو قال أحد المتبايعين : يعني فقال : قد باعك الله أو بارك الله فيه . أو قال في النكاح : زوجك الله ابنتي . أو قال في الإقالة : قد أقالك الله . أو قد رده الله عليك . فهذا كله كناية فلا يصح النكاح بكل حال ، وأما البيع والإقالة فإن نواهما صحا . وإلا فلا . وإذا نواهما كان التقدير : قد أقالك الله لأني أقلتك . والله أعلم . المسألة الثالثة : إذا كتب إلى غائب بالبيع ونحوه ، قال أصحابنا : هو مرتب على أن الطلاق هل يقع بالكتب مع النية ، وفيه خلاف ، الأصح صحته ووقوعه فإن قلنا : لا يصح الطلاق فهذه العقود أولى أن لا تنعقد وإن قلنا : بالصحة ففي البيع ونحوه الوجهان في انعقاده بالكناية مع النية ، وهذان الوجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : عند المصنف لا يصح والثاني : وهو الأصح : أنه يصح البيع ونحوه بالمكاتبة لحصول التراضي ، لا سيما وقد قدمنا أن الراجح انعقاده بالمعاطاة . وقد صرح الغزالي في الفتاوى والرافعي في كتاب الطلاق بترجيح صحة البيع ونحوه بالمكاتبة : قال أصحابنا : وإن قلنا : يصح فشرطه أن يقبل المكتوب إليه بمجرد اطلاعه على الكتاب ، هذا هو الأصح ، وفيه وجه ضعيف أنه لا يشترط القبول ، بل يكفي التواصل اللائق بين الكتابين . أما إذا تبايع

158


159
حاضران بالكتابة فقال أصحابنا : إن منعناه في الغيبة فههنا أولى ، وإلا فوجهان ، وإذا صححنا البيع بالمكاتبة جاز القبول بالكتب وباللفظ ، ذكره إمام الحرمين وغيره . قال أصحابنا : وحكم الكتب على القرطاس والرق واللوح والأرض والنقش على الحجر والخشب واحد ، ولا أثر لرسم الأحرف على الماء والهواء ، قال بعض الأصحاب تفريعا على صحة البيع بالمكاتبة : لو قال : بعت داري لفلان وهو غائب . فلما بلغه الخبر قال : قبلت انعقد البيع . لأن النطق أقوى من الكتب . والله تعالى أعلم . فرع : أما النكاح ففي انعقاده بالمكاتبة خلاف مرتب على البيع ونحوه ذكره إمام الحرمين والبغوي وآخرون قالوا : إن قلنا : لا يصح البيع فالنكاح أولى وإلا فوجهان والمذهب : أنه لا يصح ، لأن الشهادة شرط فيه ، ولا اطلاع للشهود على النية ولو قالا بعد المكاتبة : نوينا ، كانت شهادة على إقرارهما لا على نفس العقد فلا يصح . ومن جوزه اعتمد الحاجة . قال أصحابنا : وحيث حكمنا بانعقاد النكاح بالمكاتبة فليكتب : زوجتك بنتي . ويحضر الكتاب عدلان ، ولا يشترط أن يحضرهما ، ولا أن يقول لهما : اشهدا ، بل لو حضرا بأنفسهما كفى فإذا بلغ الكتاب الزوج فليقبل لفظا ، ويكتب القبول ويحضر القبول شاهدا الإيجاب . فإن شهده آخران فوجهان أصحهما : لا يصح لأنه لم يحضره شاهد له والثاني : الصحة ، لأنه حضر الإيجاب والقبول شاهدان ويحتمل تغايرهما كما احتمل الفصل بين الإيجاب والقبول . ثم إذا قبل لفظا أو كتابة يشترط كونه على الفور . هذا هو المذهب . وفيه وجه ضعيف كما سبق في البيع والله أعلم . فرع : لو كتب إليه : وكلتك في بيع كذا من مالي أو إعتاق عبدي فإن قلنا : الوكالة لا تفتقر إلى القبول فهو ككتب الطلاق وإلا فكالبيع ونحوه ، والمذهب الصحة ، والله أعلم . فرع : قال الغزالي في الفتاوى : إذا صححنا البيع بالمكاتبة فكتب إليه فقبل المكتوب إليه ثبت له خيار المجلس ما دام في مجلس القبول . قال : ويتمادى خيار الكاتب إلى أن ينقطع خيار المكتوب إليه حتى لو علم أنه رجع عن الإيجاب قبل مفارقة المكتوب إليه مجلسه صح رجوعه ، ولم ينعقد البيع . والله أعلم . المسألة الرابعة : لو قال الطالب : يعني فقال : بعتك إن قال بعده : اشتريت أو قبلت انعقد البيع بلا خلاف ، وإن لم يقبل بعده بل اقتصر على قوله أولا : بعني فطريقان ، حكاهما إمام الحرمين وآخرون

159


160
أحدهما : القطع بالصحة ، وبه قطع المصنف وجمهور العراقيين كما ذكره المصنف والثاني : فيه وجهان ، وقيل قولان أحدهما : الصحة والثاني : البطلان . قال إمام الحرمين وغيره : نص الشافعي أن البيع لا ينعقد ، ونص مثله في النكاح أنه ينعقد : فقيل قولان فيهما بالنقل والتخريج أصحهما : الصحة فيهما والثاني : البطلان فيهما وهو مذهب أبي حنيفة ، وقيل بالفرق على ظاهر النصين . لأن البيع قد يقع بغتة فيكون قوله : يعني على سبيل الاستفهام بحذف الهمزة بخلاف النكاح ، فإنه لا يقع في الغالب إلا بعد طلب ومراودة ، فلا يراد به الاستفهام والمذهب الصحة فيهما والله أعلم . ولو قال : اشتر مني ، فقال المشتري : اشتريت فطريقان أصحهما : وبه قطع البغوي أنه كالصورة السابقة والثاني : لا ينعقد قطعا ، أما إذا قال المشتري : أتبيعني عبدك بكذا أو قال : بعتني بكذا ، فقال : بعت ، لا ينعقد البيع بلا خلاف ، إلا أن يقول بعده : اشتريت ، وكذا لو قال البائع : أتشتري داري أو اشتريت مني فقال : اشتريت لا ينعقد بلا خلاف حتى يقول بعده بعت ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : يشترط لصحة البيع ونحوه أن لا يطول الفصل بين الإيجاب والقبول ، وأن لا يتخللهما أجنبي عن العقد ، فإن طال أو تخلل لم ينعقد ، سواء تفرقا من المجلس أم لا ، قال أصحابنا : ولا يضر الفصل اليسير ويضر الطويل ، وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول ، ولو تخللت كلمة أجنبية بطل العقد ، ولو مات المشتري بعد الإيجاب وقبل القبول ووارثه حاضر فقبل فوجهان : الصحيح لا يصح البيع ، لعدم الإيجاب والقبول من المتعاقدين والثاني : الصحة ، وبه قال الدرامي ، لأن الوارث كالميت ، ولهذا يقوم مقامه في خيار المجلس على الصحيح المنصوص ، والله أعلم . فرع : إذا وجد أحد شقي العقد من أحدهما اشترط إصراره عليه حتى يوجد الشق الآخر . واشترط أيضا بقاؤهما على أهلية العقد ، فلو رجع عنه قبل وجود الشق الآخر أو مات أو جن أو أغمي عليه بطل الإيجاب ، فلو قبل الآخر بعده لم يصح ، وكذا لو أذنت المرأة في عقد نكاحها حيث يشترط إذنها ، ثم أغمي عليها قبل العقد بطل إذنها ، ولو قال المشتري : بعتك ، فمات المشتري قبل القبول بطل العقد ، فلو كان وارثه حاضرا فقبل أو جن فقبل وليه لم يصح البيع ، وهذا هو المذهب ، وبه قطع الأصحاب في كل الطرق ، وحكى الروياني وجها أنه يصح قبول الوارث ، وهذا شاذ باطل ، وسنوضح الفرق بينه وبين انتقال خيار الشرط وخيار المجلس إلى الوارث في مسائل الخيار إن شاء الله تعالى .

160


161
فرع : قال أصحابنا : يشترط موافقة القبول الإيجاب فلو قال : بعتك بألف صحاح ، فقال : قبلت بألف قراضة أو عكسه ، أو قال : بألف حال فقبل بمؤجل أو عكسه ، أو قال : بألف مؤجل إلى شهر فقبل بمؤجل إلى شهرين أو نصف شهر ، أو قال : بعتكه بألف درهم فقبل بألف دينار أو عكسه ، أو قال بعتكه بألف ، فقال : قبلت نصفه بخمسمائة لم يصح بلا خلاف ، لأنه لا يعد قبولا ، ولو قال : بعتك هذا بألف ، فقال : قبلت نصفه بخمسمائة ونصفه بخمسمائة ، قال المتولي يصح العقد ، لأنه تصريح بمقتضى الاطلاق ، وقال الرافعي : فيه نظر وهو كما قال الرافعي ، لكن الظاهر الصحة ، وفي فتاوى القفال أنه لو قال بعتكه بألف درهم ، فقال اشتريت بألف وخمسمائة صح البيع ، قال الرافعي : هذا غريب ، وهن كما قال ، والظاهر هنا فساد العقد لعدم الموافقة . فرع : إذا قال السمسار المتوسط بينهما للبائع ، بعت بكذا فقال نعم أو بعت ، وقال للمشتري : اشتريت بكذا فقال : نعم ، أو ا شتريت ، فوجهان حكاهما الرافعي أصحهما : عند الرافعي وغيره الانعقاد لوجود الصيغة والتراضي والثاني : لا ينعقد لعدم تخاطبهما وبهذا قطع المتولي . فرع : إذا قال بعتك بألف ، فقال : قبل فقط صح البيع بلا خلاف ، بخلاف النكاح ، فإن الصحيح أنه يشترط أن يقول : قبلت نكاحها أو تزويجها ، والفرق الاحتياط . فرع : لو قال : بعتك هذا بألف إن شئت ، فقال : شئت ، لم يصح البيع بلا خلاف ، وصرح به المتولي وغيره ، قالوا : لأن لفظ المشيئة ليس من ألفاظ التمليك ، وإن قال : قبلت فوجهان حكاهما المتولي وغيره أحدهما : لا يصح ، لأن الصيغة صيغة تعليق ولا مدخل له في المعاوضات ، فصار كقوله : بعتك إن دخلت الدار وأصحهما : الصحة لأنه تصريح بمقتضى الحال ، فإن القبول إلى مشيئة القابل ، وبهذا فارق سائر ألفاظ التعليق ، والله تعالى أعلم . فرع : إذا باع مال نفسه لولده أو مال ولده لنفسه ، فهل يفتقر إلى صيغتي الإيجاب والقبول أم يكفي أحدهما فيه وجهان مشهوران الأصح : يفتقر فيقول بعت مال ولدي بكذا واشتريته له أو قبلته له لتنتظم صورة البيع والثاني : يكفي أحدهما ، لأنه لما قام الوالد في صحة العقد مقام اثنين قام لفظه مقام لفظين ، والله أعلم .

161


162
فرع : قال أصحابنا : يصح بيع الأخرس وشراؤه بالإشارة المفهومة وبالكتابة ، بلا خلاف للضرورة ، قال أصحابنا : ويصح بهما جميع عقوده وفسوخه ، كالطلاق والعتاق والنكاح والظهار والرجعة والإبراء والهبة وسائر العقود والفسوخ ونحوها ، بل قالوا : إشارته المفهومة كعبارة الناطق إلا في صورتين فيهما خلاف ، وهما شهادته وإشارته بالكلام في صلاته ، والأصح أنه لا تصح شهادته ، ولا تبطل صلاته ، لأن الشهادة يحتاط لها ، والصلاة لا تبطل إلا بكلام حقيقي ، وهذا مما يسأل عنه فيقال : إنسان باع وهو يصلي فيصح بيعه ولم تبطل صلاته ، وهذه صورته ، ويتصور أيضا فيمن باع فيها بالكلام ناسيا للصلاة ولم يطل ، فإنه يصح بيعه ولا تبطل صلاته ، والله أعلم . فرغ : قال المتولي والأصحاب : تقديم المساومة على البيع ليس بشرط لصحته ، بل لو لقي رجلا في طريقه فقال : بعتك هذا بألف ، فقال : قبلت أو اشتريت ، صح البيع بلا خلاف ، لأن اللفظ صريح في حكمه ، فلا يتوقف على قرينة ولا سابقة . فرع : قال أصحابنا : جميع ما سبق من صيغتي الإيجاب والقبول هو فيما ليس بضمني من البيوع ، فأما البيع الضمني فيما إذا قال : أعتق عبدك عني على ألف ، فلا تشترط فيه الصيغ التي قدمناها ، بل يكفي فيه الالتماس والإعتاق عنه بلا خلاف ، كما ذكره المصنف والأصحاب في كتاب كفارة الظهار ، والله تعالى أعلم .

162

*

162


163
ينعقد هذا العقد هذا فيه خلاف مبني على قاعدة ، وهي أن الاعتبار في العقود بظواهرها أم بمعانيها وفيه وجهان أحدهما : الاعتبار بظواهرها ، لأن هذه الصيغ موضوعة لإفادة المعاني وتفهيم المراد منها عند إطلاقها ، فلا تتترك ظواهرها ، ولهذا لو استعمل لفظ الطلاق وأراد به الظهار أو عكسه تعلق باللفظ دون المنوي ، ولأن اعتبار المعنى يؤدي إلى ترك اللفظ ، ولأنا أجمعنا على أن ألفاظ اللغة لا يعدل بها عما وضعت له في اللغة فيطلق اللفظ لغة على ما وضع له ، فكذا ألفاظ العقود ، ولأن العقود تفسد باقتران شرط مفسد ، ففسادها بتغير مقتضاها أولى . والوجه الثاني : أن الاعتبار بمعانيها لأن الأصل في الأمر الوجوب ، فإذا تعذر حمله عليه حملناه على الاستحباب ، وأصل النهي التحريم ، فإذا تعذر حمله عليه حملناه على كراهة التنزيه ، وكذاهنا إذا تعذر حمل اللفظ على مقتضاه يحمل على معناه ، ولأن لفظ العقد إذا أمكن حمله على وجه صحيح لا يجوز تعطيله ، ولهذا لو باعه بعشرة دراهم وفي البلد نقود ، أحدها غالب ، حملناه على الغالب ، طلبا للصحة ، قال المتولي : ويتفرع على هذه القاعدة مسائل : ومنها : المسألة الأولى ، وهي إذا قال : وهبته لك بألف ، فإن اعتبرنا المعنى انعقد بيعا ، وإن اعتبرنا اللفظ فسد العقد ، فإذا حصل المال في يده كان مقبوضا بحكم عقد فاسد . ومنها : لو قال : بعتكه ولم يذكر ثمنا ، فإن عتبرنا المعنى انعقد هبة وإلا فبيع فاسد . ومنها : لو قال : أسلمت هذا الدينار أو دينارا في هذا الثوب فإن اعتبرنا المعنى انعقد بيع عين وإلا فهو سلم فاسد ، والله أعلم . فرع : إذا كان العقد بين بائع ووكيل المشتري فليقل البائع له : بعتك ويقول الوكيل : اشتريت ، وينوي موكله فيقع العقد للموكل ، وإن لم يسمه . فلو قال البائع : بعت موكلك فلانا فقال الوكيل : اشتريت له ، لم يصح العقد على المذهب وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه ضعيف أنه يقع العقد للوكيل ، والصواب الأول ، لأنه لم يجر بينهما تعاقد قال أصحابنا : وهذا بخلاف النكاح فإن الولي يقول لوكيل الزوج : زوجت بنتي فلانا يعني الزوج ويقول الوكيل : قبلت نكاحها له ، فلو لم يقل له ففيه الخلاف المشهور فيما إذا قال الزوج : قبلت ولم يقل : نكاحها الأصح : لا يصح ، فلو قال الولي للوكيل : زوجتك بنتي لك . فقال : قبلت نكاحها لفلان ، لم ينعقد ، وإن قال : قبلت نكاحها ، وقع العقد للوكيل : ولم ينصرف إلى الموكل ، ولو جرى النكاح بين وكيلين ، فقال وكيل الولي : زوجت فلانة فلانا ، فقال وكيل الزوج : قبلت نكاحها لفلان صح . وفرق الأصحاب بين البيع والنكاح بوجهين أحدهما : أن الزوجين كالثمن والمثمن ولا بد من تسميتهما والثاني : أن البيع يرد

163


164
على المال ، وهو قابل للنقل من شخص إلى شخص ، والنكاح يرد على البضع ، وهو لا يقبل النقل ، ولهذا لو قبل النكاح لزيد بوكالته فأنكرها زيد ، لم يصح العقد له ، ولو اشترى لزيد بوكالة فأنكرها ، صح الشراء للوكيل قال صاحب البيان في باب الوكالة : ولو وكله أن يزوج بنته زيدا فزوجها وكيل زيد لزيد صح ولو وكله في بيع عبده لزيد فباعه وكيل زيد لزيد لم يصح ، والفرق بينهما أن النكاح لا يقبل الملك ، والبيع يقبله ، ولهذا يقول وكيل النكاح للولي : زوج موكلي ، ولا يقول : زوجني لموكلي ، ويقول في البيع : يعني لموكلي ، ولا يقول : بع موكلي ، والله أعلم . قال أصحابنا : وفي الهبة يشترط في قبول وكيل المتهب أن يسمى موكله في القبول فيقول : قبلت لفلان أو لموكلي فلان ، فإن لم يسمه وقع للمخاطب لجريان العقد معه ، ولا ينصرف إلى الموكل بالنية ، لأن الواهب قد يقصد بتبرعه المخاطب . وليس كل أحد سمح عليه بالتبرع بخلاف البيع ، فإن مقصوده حصول العوض والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : في بيع الهازل وشرائه وجهان أصحهما : ينعقد كالطلاق وغيره والثاني : لا ، لأن الطلاق يقبل الإعذار قال القاضي حسين : وهما مبنيان على مسألة السر والعلانية في الصداق . وهي إذا تواطآ في السر على أن المهر ألف ، ثم عقداه في العلانية بألفين فقولان ، هل المهر مهر السر أو العلانية فإن قلنا : بالسر لم ينعقد بيع الهازل ، لأنه لم يقصد بيعا وإلا فينعقد عملا باللفظ ، ولا مبالاة بالقصد . والله أعلم . هكذا ذكر الجمهور الخلاف في بيع الهازل وجهين وقال الجرجاني : هما قولان قال وقيل : وجهان والله سبحانه وتعالى أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا انعقد البيع ثبت لكل واحد من المتبايعين الخيار بين الفسخ والإمضاء إلى أن يتفرقا أو يتخايرا لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما للآخر أختر

164


165
والنفرق أن يتفرقا بأبدانهما بحيث إذا كلمه على العادة لم يسمع كلامه لما روى نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا اشترى شيئا مشى أذرعا ليجب البيع ثم يرجع ولأن التفرق في الشرع مطلق ، فوجب أن يحمل على التفرق المعهود ، وذلك يحصل بما ذكرناه وإن لم يتفرقا ولكن جعل بينهما حاجز من ستر أو غيره لم يسقط الخيار لأن ذلك لا يسمى تفرقا . وأما التخاير فهو أن يقول أحدهما للآخر : اختر إمضاء البيع أو فسخه ، فيقول الآخر : اخترت إمضاءه أو فسخه فينقطع الخيار لقول عليه السلام : أو يقول أحدهما للآخر اختر فإن خبر أحدهما صاحبه فسكت لم ينقطع خيار المسؤول وهل ينقطع خيار السائل فيه وجهان أحدهما : لا ينقطع خياره كما لو قال لزوجته : اختاري فسكتت فإن خيار الزوج في طلاقها لا يسقط والثاني : أنه ينقطع لقوله عليه السلام : أو يقول أحدهما للآخر اختر فد على أنه إذا قال يسقط خياره ويخالف تخيير المرأة فإن لم تكن مالكة للخيار ، وإذا خيرها فقد ملكها ما لم تكن تملكه فإذا سكتت بقي على حقه ، وههنا المشتري يملك الفسخ فلا يبفيد تخييره إسقاط حقه من الخيار . فإن أكرها على التفرق ففيه وجهان أحدهما : يبطل الخيار لأنه كان يمكنه أن يفسخ بالتخاير ، فإذا لم يفعل فقد رضي بإسقاط الخيار والثاني : أنه لا يبطل لأنه لم يوجد منه أكثر من السكوت ، والسكوت لا يسقط الخيار . فإن باعه على أن لا خيار له ففيه وجهان من أصحابنا من قال : يصح ، لأن الخيار جعل رفقا بهما ، فجاز لهما تركه ، ولأن الخيار غرر فجاز إسقاطه ، وقال أبو إسحاق : لا يصح وهو الصحيح لأنه خيار يثبت بعد تمام البيع فلم يجز إسقاطه قبل تمامه كخيار الشفيع فإن قلنا : بهذا فهل يبطل العقد بهذا الشرط فيه وجهان أحدهما لا يبطل ، لأن هذا الشرط لا يؤدي

165


166
إلى الجهل بالعوض والمعوض والثاني يبطل لأنه يسقط موجب العقد فأبطله ، كما لو شرط أن لا يسلم المبيع .

+ الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم بلفظه ، وأما الأثر المذكور عن ابن عمر أنه كان يمشي أذرعا فهو في الصحيحين بغير هذا اللفظ ، لفظ البخاري : فارق صاحبه ولفظ مسلم : قام فمشى هنيهة ثم رجع ولفظ الترمذي قال نافع : فكان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد قام ليجب له البيع وقوله : أو يقول هكذا هو في الصحيحين وفي المهذب أو يقول وهو منصوب اللام وأو هنا ناصبة بتقدير إلا أن يقول أو إلى أن يقول ، ولو كان معطوفا على ما لكان مجزوما ، ولقال أو ليقل وقوله : ليجب البيع معناه ليلزم قوله : وههنا المشتري يملك الفسخ ، كان الأجود للقابل بدل المشتري ، لأن القابل قد يكون البائع وقد يكون المشتري وقوله بأنه خيار ثبت بعد عام البيع قالالقلعي ، قيل : هو احتراز عن خيار القبول في البيع ، قال : والظاهر أنه لا احتراز فيه ، وإنما ذكره لبيان معنى العلة . أما الأحكام : فقال أصحابنا : الخيار ضربان : خيار نقص وهو ما يتعلق بفوات شيء مظنون الحصول وخيار شهوة وهو ما لا يتعلق بفوات شيء . فالأول له باب مستقل ، وهو الذي سماه المصنف بعد هذا ( باب بيع المصراة والرد بالعيب ) وأما الثاني فله سببان المجلس والشرط ، فيقال : خيار المجلس وخيار الشرط ، وإذا صححنا بيع الغائب أثبتنا فيه خيار الرؤية ، فتصير الأسباب ثلاثة ، ثم في الفصل مسائل : إحداها : فيما ثبت فيه خيار المجلس من العقود ، وقد جمعها أصحابنا هنا ، وأعادوها في أبوابها مفرقة ، واقتصر المصنف على ذكرها في أبوابها مفرقة ، والمختار طريقة الجمهور فنسلكها ، قال أصحابنا : العقود ضربان : أحدهما : العقود الجائزة إما من الطرفين كالشركة والوكالة والوديعة والعارية والدين والقراض والجعالة ، وإما من أحدهما كالضمان والرهن والكتابة ، فلا خيار فيها كلها ، لأنه متمكن من الفسخ متى شاء ، وفي وجه ضعيف يثبت الخيار في الكتابة والضمان وهو ضعيف ، وممن حكاه في خيار المجلس وخيار الشرط الدارمي وهو شاذ . قال أصحابنا : وقد يتطرق الفسخ بسبب آخر إلى الرهن إن كان مشروطا في بيع وأقبضه قبل التفرق ، فيمكن فسخ الرهن بأن يفسخ البيع فيفسخ الرهن تبعا . الضرب الثاني : العقود اللازمة ، وهي نوعان ، واردة على العين ، وواردة على المنفعة والأول كالبيع والصرف وبيع الطعام بالطعام والسلم والتولية والتشريك وصلح المعاوضة فيثبت فيها كلها خيار المجلس ، ويستثنى منها صور إحداها : إذا باع ماله لولده ، أو مال ولده لنفسه ، ففي

166


167
ثبوت خيار المجلس وجهان أصحهما : ثبوته فعلى هذا يثبت خيار للولد وخيار للأب ، ويكون الأب نائب الولد ، فإن ألزم البيع لنفسه وللولد لزم ، وإن ألزم لنفسه بقي الخيار للولد ، فإذا فارق المجلس لزم العقد على الأصح من الوجهين والثاني : لا يلزم إلا بالإلزام لأنه لا يفارق نفسه ، وإن فارق المجلس ، وذكر الماوردي أنه الوجه الأول قول أبي إسحاق المروزي ، قال : والثاني قول جمهور أصحابنا . قال : فعلى الثاني لا ينقطع الخيار إلا بأن يختار الأب لنفسه وللولد ، فإن لم يختر ثبت الخيار للولد إذا بلغ والمذهب الأول . قال البغوي : ولو كان العقد بينه وبين ولده صرفا ففارق المجلس قبل القبض ، بطل العقد على الوجه الأول ، ولا يبطل على الثاني إلا بالتخاير . الثانية : لو اشترى من يعتق عليه كولده ووالده ، قال جمهور الأصحاب : يبنى خيار المجلس على أقوال الملك في زمن الخيار فإن قلنا : هو للبائع فلهما الخيار ، ولا يحكم بالعتق حتى يمضي زمن الخيار وءن قلنا : موقوف فلهما الخيار ، فإذا أمضيا العقد تبينا أنه عتق بالشراء . فإن قلنا : الملك للمشتري فلا خيار له ، ويثبت للبائع ، وفي عتقه وجهان أصحهما : لا يعتق حتى يمضي زمن الخيار ، ثم حكم بعتقه من يوم الشراء والثاني : يحكم بعتقه حين الشرء ، وعلى هذا هل ينقطع خيار البائع فيه وهان كالوجهين فيما إذا أعتق المشتري العبد الأجنبي في زمن الخيار وقلنا : الملك له . قال البغوي : ويحتمل أن يحكم بثبوت الخيار للمشتري أيضا ، تفريعا على أن الملك له ، وأن لا يعتق العبد في الحال لأنه لم يوجد منه الرضا إلا بأصل العقد ، هذه طريقة الجمهور ، وهي المذهب . وقال إمام الحرمين : المذهب أنه لا يخار ، وقال الأودني : يثبت وتابع الغزالي إمامه على ما اختاره ، قال الرافعي : واختيارهما شاذ ، والصحيح ما سبق عن الأصحاب وحكى القاضي حسين في بيع الأعطية عن الأودني أنه يثبت الخيار ، قال : وعليه حمل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه قال : وصورته إذا كان الخيار للمشتري ، وقلنا : الملك للبائع وأعتقه صح ، قال : ولو قلنا : الملك للمشتري صح العقد ولم يتصور إعتاقه ، لأنه صار بمجرد الشراء حرا . الثالثة : الصحيح المنصوص أن شراء العبد نفسه من سيده جائز ، وفيه قول ضعيف أو وجه أنه لا يصح ، وقد ذكر المصنف المسألة في أول كتاب الإقرار ، وذكر فيها طريقين ، المذهب والمنصوص صحته والثاني : على قولين ، فإذا قلنا بالصحة ففي ثبوت خيار المجلس وجهان حكاهما أبو الحسن العبادي والقاضي حسين ، ومالا إلى ترجيح ثبوته ، وقطع الغزالي والمتولي بترجيح ثبوته ،

167


168
وهو الأصح ، لأن مقصوده العتق فأشبه الكتابة . الرابعة : في ثبوت الخيار في شرى الجمد في شدة الحر وجهان حكاهما المتولي والرياني وآخرون ، لأنه يتلف بمضي الزمان والأصح : ثبوته . الخامسة : إن صححنا بيع الغائب ولم يثبت خيار المجلس مع خيار الرؤية ، فهذا المبيع من صور الاستثناء . السادسة : إن باع بشرط نفي خيار المجلس فثلاثة أوجه ، سنذكرها مبسوطة قريبا إن شاء الله تعالى أحدها : يصح البيع والشرط ، فعلى هذا تكون هذه الصورة مستثناة ، هذا حكم البيع بأنواعه والله أعلم . ولا يثبت خيار المجلس في صلح الحطيطة ، ولا في الإبراء ، ولا في الإقالة إن قلنا : إنها فسخ وإن قلنا : هي بيع ففيها الخيار ولا يثبت في الحوالة إن قلنا : إنها ليست معاوضة وإن قلنا : معاوضة لم يثبت أيضا على أصح الوجهين ، لأنها ليست على قاعدة المعاوضات ، ولا يثبت في الشفعة للمشتري ، وفي ثبوته للشفيع وجهان مشهوران أصحهما : لا يثبت ، وممن صححه المصنف في التنبيه ، والفارقي والرافعي في المحرر . وقطع به البغوي في كتابيه التهذيب و شرح مختصر المزني ، وهو الراجح في الدليل أيضا ، فإن أثبتناه فقيل : معناه أنه بالخيار بين الأخذ والترك ما دام في المجلس مع تفريعنا على قولنا : الشفعة على الفور قال : إمام الحرمين : هذا الوجه غلط ، بل الصحيح أنه على الفور ، ثم له الخيار في نقض الملك ورده ما دام في المجلس ، وهذا هو الصواب ، وهي حقيقة خيار المجلس . وأما : من اختار عين ماله لإفلاس المشتري فلا خيار له ، وفيه وجه أنه يثبت له الخيار ما دام في المجلس ، والصحيح الأول ، ولا خيار في الوقف والعتق والتدبير والطلاق والرجعة وفسخ النكاح وغيره والوصية ، ولا في الهبة إن لم يكن ثواب ، فإن كان ثواب ، فإن كان ثواب مشروط أو قلنا نقيصته الإطلاق فلا خيار أيضا على أصح الوجهين لأنها لا تسمى بيعا ، والحديث ورد في المتبايعين قال : المتولي وغيره : موضع الوجهين من الهبة بعد القبض ، أما قبله فلا خيار قطعا وأما : إذا رجع البائع في المبيع لفلس المشتري فالأصح أنه لا خيار له ، وحكى الدارمي فيه قولين عن حكاية ابن القطان ، ويثبت الخيار في القسمة إن كان فيها رد ، وإلا فإن جرت بالإجبار فلا رد وإن جرت بالتراضي فإن قلنا : إنها إقرار فلا خيار وإن قلنا : بيع فلا خيار أيضا على أصح الوجهين ، هكذا ذكرهما الأصحاب وقال : المتولي : إن كانت قسمة إجبار وقلنا : هي بيع فلا خيار للمجبر وفي الطالب وجهان كالشفيع . النوع الثاني : العقد الوارد على المنفعة ، فمنه النكاح ولا خيار فيه بلا خلاف ، ولا خيار في الصداق على أصح الوجهين ، فإن أثبتناه ففسخت وجب مهر المثل ، وعلى هذين الوجهين يكون ثبوت خيار المجلس في عوض الخلع ، والأصح أيضا أنه لا يثبت فيه ، ولا تندفع الفرقة

168


169
بحال ، ومنه الإجارة ، وفي ثبوت خيار المجلس فيها وجهان أصحهما : عند المصنف وشيخه أبي القاسم الكرخي بالخاء يثبت وبه قال الإصطخري وابن القاص وأصحهما : عند إمام الحرمين والبغوي والجمهور لا يثبت ، وبه قال أبو علي بن خيران وأبو إسحاق المروزي . قال القفال وطائفة : الخلاف في إجارة العين أما : الإجارة على الذمة فيثبت فيها قطعا كالسلم ، فإن أثبتنا الخيار في إجارة العين ففي ابتداء مدتها وجهان أحدهما : من وقت انقضاء الخيار بالتفرق ، فعلى هذا لو أراد المؤجر أن يؤجره لغيره في مدة الخيار قال : الإمام : لم يجوزه أحد فيما أظن ، وإن كان محتملا في القياس وأصحهما : أنه يحسب من وقت العقد . فعلى هذا فعلى من تحسب مدة الخيار إن كان قبل تسليم العين إلى المستأجر فهي محسوبة على المؤجر ، وإن كان بعده فوجهان : بناء على أن المبيع إذا هلك في يد المشتري في زمن الخيار على ضمان من يكون فيه وجهان الأصح : من ضمان المشتري فعلى هذا تحسب على المستأجر . وعليه تمام الأجرة والثاني : من ضمان البائع ، فعلى هذا تحسب على المؤجر ، ويحط من الأجرة قدر ما يقابل تلك المدة . وأما : المساقاة ففي ثبوت خيارالمجلس فيها طريقان ، أصحهما فيه الخلاف السابق في الإجارة والثاني : القطع بالمنع لعظم الغرر فيها ، فلا يضم إليه غرر الخيار وأما المسابقة : فكالإجارة إن قلنا : إنها لازمة ، وكالعقود الجائزة إن قلنا : إنها جائزة ، والله تعالى أعلم . المسألة الثانية : لو تبايعا بشرط نفي خيار المجلس ، ففيه ثلاثة أوجه ، ذكرها المصنف بأدلتها وهي مشهورة ، وذكرها القاضي حسين أقوالا أصحها : أن البيع باطل ، وهو المنصوص في البويطي والقديم والثاني : أنه صحيح ولا خيار والثالث : صحيح والخيار ثابت ، ولو شرطا نفي خيار الرؤية على قولنا يصح بيع الغائب ، فالمذهب القطع ببطلان البيع ، وبه قطع الأكثرون ، وطرد الإمام والغزالي فيه الخلاف ، وهذا الخلاف يشبه الخلاف في شرط البراءة من العيوب ، ويتفرع على نفي خيار المجلس ما إذا قال لعبده : إن بعتك فأنت حر ، ثم باعه بشرط نفي الخيار فإن قلنا : البيع باطل أو صحيح ولا خيار لم يعتق وإن قلنا : صحيح والخيار ثابت عتق ، لأن عتق البائع في مدة الخيار نافذ والله أعلم . المسألة الثالثة : فيما ينقطع به خيار المجلس ، قال أصحابنا : كل عقد ثبت فيه هذا الخيار حصل انقطاع الخيار فيه بالتخاير ، ويحصل أيضا بالتفرق بأبدانهما عن مجلس العقد أما : التخاير فهو أن يقولا : تخايرنا أو اخترنا إمضاء العقد ، أو أمضيناه أو أجزناه أو ألزمناه وما أشبهها ، ولو قال أحدهما : اخترت إمضاءه انقطع خياره ، وبقي خيار الآخر ، كما إذا أسقط أحدهما خيار الشرط ، وفيه وجه شاذ أنه لا يبقى للآخر خيار أيضا ، لأن هذا

169


170
الخيار لا يتبعض ثبوته ، ولا يتبعض سقوطه ، حكاه المتولي وغيره وهو فاسد ، وفيه وجه ثالث حكاه القاضي حسين وإمام الحرمين أنه لا يبطل خيار القائل ولا صاحبه لأن شأن الخيار أن يثبت بهما أو يسقط في حقهما ، ولا يمكن حق الساكت فينبغي أن لا يسقط حق القائل أيضا وهذا الوجه شاذ فاسد ، فحصل ثلاثة أوجه الصحيح : سقوط خيار القائل فقط والثاني : يسقط خيارهما والثالث : يبقى خيارهما . أما : إذا قال أحدهما للآخر : اختر أو خيرتك ، فقال الآخر : اخترت فإنه ينقطع خيارهما بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، وإن سكت الآخر لم ينقطع خيار الساكت بلا خلاف لما ذكره المصنف وفي خيار القائل وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : لا يسقط خياره قال الروياني : هو قول القفال وأصحهما : باتفاق الأصحاب : يسقط ، وممن صرح بتصحيحه صاحب الشامل والبغوي والمتولي والروياني والرافعي وآخرون . قال أصحابنا : ولو اختار واحد وفسخ الآخر حكم بالفسخ ، لأنه مقصود الخيار ، ولو قالا : أبطلنا الخيار ، أو قالا : أفسدنا فوجهان : حكاهما إمام الحرمين عن حكاية والده أبي محمد أحدهما : لا يبطل الخيار ، لأن الإبطال يشعر بمناقضة الصحة ومنافاة الشرع ، وليس كالإجارة ، فإنها تصرف في الخيار والثاني : يبطل الخيار ، وهو الأصح قال : الإمام : الوجه الأول ضعيف جدا ، ولكن رمز إليه شيخي ، وذكره الصيدلاني أما : إذا تقابضا في المجلس وتبايعا العوضين بيعا ثانيا ، فيصح البيع الثاني أيضا على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، لأنه رضاء بلزوم الأول ، وقيل : فيه خلاف مبني على أن الخيار هل يمنع انتقال الملك إلى المشتري أم لا فإن قلنا : يمنع لم يصح ، وإلا فسخ والصواب الأول ، ولو تقابضا في الصرف ثم أجازا في المجلس لزم العقد ، فإن اختاراه قبل التقابض فوجهان أحدهما : تلغو الإجازة فيبقى الخيار وأصحهما : يلزم العقد ، وعليهما التقابض ، فإن تفرقا قبل التقابض انفسخ العقد ولا يأثمان إن تفرقا عن تراض ، وإن انفرد أحدهما بالمفارقة أثم هو وحده ، وفيه وجه ثالث أنه يبطل العقد بالتخاير قبل القبض ، لأن التخاير كالتفرق ، ولو تفرقا قبل القبض في الصرف بطل العقد ، وسنوضح المسألة إن شاء الله تعالى مبسوطة في باب الربا حيث ذكرها المصنف والله أعلم . وأما التفرق فهو أن يتفرقا بأبدانهما ، فلو أقاما في ذلك المجلس مدة متطاولة كسنة أو أكثر ، أو قاما أو تماشيا مراحل ، فهما على خيارهما ، هذا هو الصحيح وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه ضعيف حكاه القاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي وآخرون من الخراسانيين أنه لا يزيد على ثلاثة أيام ، لئلا يزيد على خيار الشرط ، وفيه وجه ثالث

170


171
أنهما لو شرعا في أمر آخر وأعرضا عما يتعلق بالعقد فطال الفصل انقطع الخيار ، حكاه الرافعي ، والمذهب الأول ، قال أصحابنا : والرجوع في التفرق إلى العادة ، فما عده الناس تفرقا فهو تفرق ملتزم للعقد ، وما لا فلا ، قال أصحابنا : فإذا كانا في دار صغيرة فالتفرق أن يخرج أحدهما منها أو يصعد السطح ، وكذا لو كانا في مسجد صغير أو سفينة صغيرة فإن كانت الدار كبيرة حصل التفرق بأن يخرج أحدهما من البيت إلى الصحن أو من الصحن إلى بيت أو صفة . وإن كانا في سوق أو صحراء أو ساحة أو بيعة فإذا ولي أحدهما ظهره ومشى قليلا حصل التفرق على الصحيح من الوجهين والثاني : قاله الإصطخري بشرط أن يبعد عن صاحبه ، بحيث لو كلمه على العادة من غير رفع الصوت لم يسمع كلامه ، وبهذا قطع المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب في تعليقه ، وصححه أبو الطيب في المجرد ، والمذهب الأول ، وبه قطع الجمهور ونقله المتولي والروياني عن جميع الأصحاب سوى الإصطخري . واحتجوا له بما رواه المصنف عن ابن عمر وهو صحيح كما سبق ، ودلالته للجمهور ظاهرة وحكى القاضي أبو الطيب والروياني وجها أنه يكفي أن يوليه ظهره ، ونقله الروياني عن ظاهر النص لكنه مؤول ، والمذهب الأول والله أعلم . قال أصحابنا : فلو لم يتفرقا ولكن جعل بينهما حائل من ستر أو نحوه ، أو شق بينهما نهر لم يحصل التفرق بلا خلاف ، وإن بنى بينهما جدار فوجهان حكاهما القاضي حسين والبغوي والرافعي وآخرون أصحهما : لا يحصل التفرق كما لو جعل بينهما ستر ، ولأنهما لم يتفرقا ، وممن صححه البغوي والرافعي وظاهر كلام المصنف القطع به ، لأنه قال لو جعل بينهما حاجز من ستر وغيره لم يسقط الخيار والثاني : يسقط ، وبه قطع المتولي ، وادعى أنه يسمى تفرقا ، وليس كما قال وقال الروياني : إن جعل بينهما حائط أو غيره لم يحصل التفرق ، لأنهما لم يفترقا ، ولأنهما لو غمضا أعينهما لم يحصل التفرق ، وقال والدي : إن جعل الحائط بينهما بأمرهما فوجهان الصحيح : لا يحصل التفرق قال : وقيل إن أرخى ستر لم يحصل ، وإن بنى حائط حصل ، وليس بشيء ، قال أصحابنا وصحن الدار والبيت الواحد إذا تفاحش اتساعهما كالصحراء فيحصل التفرق فيه بما ذكرناه والله أعلم . فرع : لو تناديا وهما متباعدان وتبايعا صح البيع بلا خلاف وأما الخيار فقال إمام الحرمين : يحتمل أن يقال : لا خيار لهما لأن التفرق الطارىء يقطع الخيار فالمقارن يمنع ثبوته قال : ويحتمل أن يقال : يثبت ما داما في موضعهما فإذا فارق أحدهما موضعه بطل

171


172
خياره وهل يبطل خيار الآخر أم يدوم إلى أن يفارق مكانه فيه احتمالان للإمام ، وقطع المتولي بأن الخيار يثبت لهما ما داما في موضعهما فإذا فارق أحدهما موضعه ووصل إلى موضع لو كان صاحبه معه في الموضع عد تفرقا حصل التفرق وسقط الخيار ، هذا كلامه ، والأصح في الجملة ثبوت الخيار وأنه يحصل التفرق بمفارقة أحدهما موضعه وينقطع بذلك خيارهما جميعا ، وسواء في صورة المسألة كانا متباعدين في صحراء أو ساحة أو كانا في بيتين من دار ، أو في صحن وصفة ، صرح به المتولي ، والله أعلم . فرع : إذا أكره أحد العاقدين على مفارقة المجلس فحمل مكرها حتى أخرج منه ، أو أكره حتى خرج بنفسه ، فإن منع الفسخ بأن سد فمه لم ينقطع خياره على المذهب ، وبه قطع الشيخ أبو حامد وجمهور الأصحاب ، وهو مقتضى كلام الأصحاب وقيل : في انقطاعه وجهان ، قاله القفال : وحكاه جماعات من الخراسانيين وصاحب البيان . قالوا : وهما مبنيان على الخلاف الذي سنذكره إن شاء الله تعالى في انقطاع الخيار بالموت ، قالوا : وهنا أولى ببقائه لأن إبطال حقه قهرا بعيد أما إذا لم يمنع من الفسخ فطريقان أحدهما : ينقطع وجها واحدا قاله القفال . وحكاه جماعات والثاني : هو الصحيح وبه قطع المصنف والجمهور : فيه وجهان ، ذكر المصنف بدليلهما أحدهما : ينقطع ، قاله أبو إسحاق المروزي والثاني : لا ينقطع ، وهو الصحيح باتفاقهم ، وهو قول جمهور أصحابنا المتقدمين وغيرهم ، وهو داخل في القاعدة السابقة قريبا أن الإكراه يسقط أثر ذلك المشي ويكون كأنه لم يوجد . فالحاصل أن المذهب أنه لا ينقطع الخيار سواء منع من الفسخ أم لا . قال أصحابنا : فإن قلنا ينقطع خياره انقطع أيضا خيار الماكث في المجلس ، لحصول التفرق ، وإلا فله التصرف فيه بالفسخ والإجازة إذا تمكن ، وهل خياره بعد التمكن على الفور أم يمتد امتداد مجلس التمكن فيه وجهان كالوجهين اللذين سنذكرهما إن شاء الله تعالى ، فليس إذا مات ، وقلنا : يثبت الخيار لوارثه فإن قلنا : لا يقيد بالفور ، وكان مستقرا حين زايلة الإكراه في مجلس ، امتد الخيار امتداد ذلك المجلس ، وإن ان مارا فإذا فارق في مروره مكان التمكن انقطع خياره ، وليس عليه الرجوع إلى مجلس العقد ليجتمع هو والعاقد الآخر ، إن طال الزمان ، لأن المجلس قد انقطع حسا فلا معنى للعود إليه ، هكذا نقله الإمام وجزم به قال : فإن قصر الزمان ففي تكليفه الرجوع احتمال والله أعلم . وإذا قلنا : لا يبطل خيار المكره على المفارقة لم يبطل خيار الماكث أيضا إن منع الخروج معه ، فإن لم يمنع فوجهان أصحهما : يبطل ، هكذا ذكر الأصحاب المسألة ، ولم يفرقوا بين من حمل مكرها

172


173
أو أكره على التفرق ، وقال المتولي والبغوي وطائفه : هذا التفصيل فيما إذا حمل مكرها ، فإن أكره حتى تفرقا بأنفسهما ففي انقطاع الخيار قولان كحنث الناسي ، والله أعلم . فرع : لو هرب أحد العاقدين ولم يتبعه الآخر ، فقد أطلق الأكثرون أنه ينقطع خيارهما ، ممن أطلق ذلك وجزم به الفوراني والمتولي وصاحبا العدة والبيان وغيرهم ، وقال البغوي والرافعي : إن لم يتبعه الآخر مع التمكن بطل خيارهما ، وإن لم يتمكن بطل خيار الهارب دون الآخر ، والصحيح ما قدمناه عن الأكثرين ، لأنه متمكن من الفسخ بالقول ، ولأنه فارقه باختياره فأشبه إذا مشى على العادة ، بخلاف ما قدمناه في المكره ، فإنه لا فعل له بسبب الإكراه ، فكأنه لم يفارق ، والله تعالى أعلم . فلو هرب وتبعه الآخر ، قال المتولي : يدوم الخيار ما داما متقاربين ، فإن تباعدا بحيث يعد فرقة بطل اختيارهما ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لو جاء المتعاقدان معا فقال أحدهما : تفرقنا بعد العقد فنلزمه ، وقال الثاني : لم نتفرق ، وأراد الفسخ ، فالقول قول الثاني مع يمينه ، لأن الأصل عدم التفرق ولو اتفقا على التفرق وقال أحدهما : فسخت قبله وأنكر الآخر فوجهان : الصحيح أن القول قول المنكر عملا بالأصل ، وبه قطع القاضي حسين وصححه الروياني والباقون والثاني : قول مدعي الفسخ لأنه أعلم بتصرفه ، قال المتولي والروياني : وهذامحكي عن صاحب التقريب . ولو اتفقا على عدم التفرق وادعى أحدهما الفسخ وأنكر الآخر ، فدعواه الفسخ فسخ ، ولو أراد الفسخ فقال الآخر : أنت أجزت قبل هذا فأنكر الإجازة فالقول قول المنكر ، لأن الأصل عدمها والله أعلم . ولو قال أحدهما : فسخت قبل التفرق وقال الآخر : بعده ، قال الدارمي ، قال ابن القطان : فيه خلاف مبني على الخلاف فيما إذا قال : راجعتك ، فقالت : بعد العدة ، قال : وحاصله أربعة أوجه أحدها : يصدق البائع والثاني : المشتري والثالث : السابق بالدعوى والرابع : يقبل قول من يدعي الفسخ في الوقت الذي فسخ فيه ، وقول الآخر في وقت التفرق ، والله أعلم . فرع : لو مات من له الخيار أو من لو أغمي عليه في المجلس ، لم يبطل خياره بل ينتقل إلى وارثه والناظر في أمره ، هذا هو المذهب وفيه خلاف ذكره المصنف بعد خيار الشرط ، وسنوضحه بفروعه إن شاء الله تعالى . وإن خرس ، قال أصحابنا : إن كانت له إشارة مفهومة أو كتابة فهو على خياره ، وإلا نصب الحاكم نائبا عنه يعمل ما فيه حظه من الفسخ والإجازة ، والله أعلم . أما : إذا ناما في المجلس فلا ينقطع خيارهما بلا خلاف ، صرح به

173


174
المتولي وغيره لأن النوم لا يسمى تفرقا ، والله أعلم . فرع : يثبت خيار المجلس للوكيل دون الموكل باتفاق الأصحاب ، لأنه متعلق بالعاقد ، فلو مات الوكيل ، هل ينتقل الخيار إلى الموكل قال المتولي : فيه الخلاف الذي سنوضحه في المكاتب إن شاء الله تعالى إذا مات هل ينتقل خياره إلى سيده الأصح : الانتقال ، قال : ووجه الشبه أن الملك حصل بعقد الوكيل للموكل ، لا بطريق الإرث ، كما أنه حصل للسيد بحكم العقد لا بطريق الإرث هذا كلام المتولي ، وهو الأصح ، وفيه خلاف آخر سنذكره هناك إن شاء الله تعالى . فرع : قال القاضي حسين في تعليقه : لو باع الكافر عبده المسلم يثبت له خيار المجلس والشرط ، فلو فسخ البيع في مدة الخيار صح فسخه وأجبرناه على بيعه ثانيا ، ويثبت له الخيار والفسخ وهكذا أبدا . فرع : في مذاهب العلماء في خيار المجلس . مذهبنا ثبوته للمتعاقدين ، وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، حكاه ابن المنذر عن ابن عمر وأبي برزة الأسلمي الصحابي ، وسعيد بن المسيب وطاوس وعطاء وشريح والحسن البصري والشعبي والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد ، وبه قال سفيان بن عيينة وابن المبارك وعلي بن المديني وسائر المحدثين ، وحكاه القاضي أبو الطيب عن علي بن أبي طالب وابن عباس وأبي هريرة وابن أبي ذؤيب ، وقال مالك وأبو حنيفة : لا يثبت بل يلزم البيع بنفس الإيجاب والقبول ، وحكى هذا عن شريح والنخعي وربيعة واحتج لهم بقول الله تعالى :

﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء : 24 فظاهر الآية جوازه في المجلس ، وبحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يستوفيه فدل على أنه إذا جاز له بيعه ففي المجلس قبل التفرق . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار فلا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن

174


175
يستقيله رواه أبو داود والترمذي وغيره بأسانيد صحيحة وحسنة ، قال الترمذي : هو حديث حسن ، قالوا : وهذا دليل على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة ، وقياسا على النكاح والخلع وغيرهما ، ولأنه خيار بمجهول فإن مدة المجلس مجهولة فأشبه لو شرطا خيارا مجهولا . واحتج أصحابنا والجمهور بحديث ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار رواه البخاري ومسلم وعن نافع قال سمعت ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تبايع المتبايعان وكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما عن خيار ، قال : وكان ابن عمر إذا تبايع البيع وأراد أن يجب ، مشى قليلا ، ثم رجع رواه مسلم ، وعن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن المتبايعين بالخيار في بيعهما ما لم يتفرقا إلا أن يكون البيع خيارا ، قال نافع : وكان ابن عمر إذا اشترى الشيء يعجبه فارق صاحبه رواه البخاري ومسلم ، وعن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع ، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع رواه البخاري ومسلم وفي رواية البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه : اختر رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كل بيعين لا يبيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار وعن حكيم بن حزام قال : قال

175


176
رسول الله صلى الله عليه وسلم : البائعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما رواه البخاري ومسلم . وعن أبي الوضىء بكسر الضاد المعجمة وبالهمز واسمه عباد بن نسيب بضم النون وفتح السين المهملة وإسكان الياء قال : غزونا غزوة فنزلنا منزلا فباع صاحب لنا فرسا لغلام ثم أقاما بقية يومهما وليلتهما فلما أصبحا من الغد حضر الرحيل فقام إلى فرسه يسرجه وندم ، وأتى الرجل وأخذه بالبيع ، فأبى الرجل أن يدفعه إليه فقال بيني وبينك أبو برزة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم فأتيا أبا برزة في ناحية العسكر فقالوا له القصة ، فقال أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا وفي رواية قال : ما أراكما افترقتما رواه أبو داود بإسناد صحيح . وعن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خير أعرابيا بعد البيع رواه الترمذي وقال حديث صحيح وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع رجلا فلما بايعه قال : اختر ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هكذا البيع رواه أبو داود الطيالسي ، ورواه البيهقي ، وفي المسألة أحاديث كثيرة من رواية أبي هريرة وجابر وسمرة وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وغيرهم ، وذكر البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم عن ابن عمر قال : بعت أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادي بمال له بخيبر ، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يرادني في البيع ، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا ، قال ابن عمر : فلما وجب بيعي وبيعه رأيت أني قد غبنته بأني سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال ، وساقني إلى المدينة بثلاث ليال روى البيهقي هذا متصلا بإسناده . وروى البيهقي عن ابن المبارك قال الحديث في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا . أثبت من هذه

176


177
الأساطير وروى البيهقي بإسناده عن علي ابن المديني عن ابن عيينة أنه حدث الكوفيين بحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا قال : فحدثوا به أبا حنيفة فقال أبو حنيفة : ليس هذا بشيء ، أرأيت إن كانا في سفينة قال ابن المديني إن الله سائله عما قال . قال القاضي أبو الطيب والأصحاب : اعترض مالك وأبو حنيفة على هذه الأحاديث فإنها بلغتهما فأما مالك فهو راوي حديث ابن عمر وأما أبو حنيفة فقال : ما قدمناه عنه الآن من قوله : أرأيت لو كانا في سفينة فإنه لا يمكن تفرقهما وأما مالك فقال : العمل عندنا بالمدينة خلاف ذلك فإن فقهاء المدينة لاي ثبتون خيار المجلس ، ومذهبه أن الحديث إذا خالف عمل أهل المدينة تركه قال أصحابنا : هذه الأحاديث صحيحة والاعتراضات باطلان مردودان لمنابذتهما السنة الصحيحة الصريحة المستفيضة وأما قول أبي حنيفة : لو كانا في سفينة فنحن نقول به ، فإن خيارهما يدوم ما داما مجتمعين في السفينة ، ولو بقيا سنة وأكثر ، وقد سبقت المسألة مبينة ، ودليلها إطلاق الحديث . وأما : قول مالك فهو اصطلاح له وحده منفرد به عن العلماء فلا يقبل قوله في رد السنن ، لترك فقهاء المدينة العلم بها وكيف يصح هذا المذهب مع العلم بأن الفقهاء ورواة الأخبار لم يكونوا في عصره ، ولا في العصر الذي قبله منحصرين في المدينة ، ولا في الحجاز ، بل كانوا متفرقين في أقطار الأرض مع كل واحد قطعة من الأخبار لا يشاركه فيها أحد ، فنقلها ووجب على كل مسلم قبولها ، ومع هذا فالمسألة متصورة في أصول الفقه غنية عن الإطالة فيها هنا ، هذا كله لو سلم أن فقهاء المدينة متفقون على عدم خيار المجلس ، ولكن ليس هم متفقين ، فهذا ابن أبي ذئب أحد أئمة فقهاء المدينة في زمن مالك أنكر على مالك في هذه المسألة وأغلظ في القول بعبارات مشهورة ، حتى قال : يستتاب مالك من ذلك ، وكيف يصح دعوى اتفاقهم ، فإن قيل : قوله صلى الله عليه وسلم : المتبايعان بالخيار أراد ما دام في المساومة وتقرير الثمن قبل تمام العقد ، لأنهما بعد تمام العقد لا يسميان متبايعين حقيقة ، وإنما يقال كانا متباعين . قال أصحابنا : فالجواب من أوجه : أحدها : جواب الشافعي رحمه الله ، وهو أنهما ما داما في المقاولة يسميان متساومين ، ولا يسميان متبايعين ، ولهذا لو حلف بطلاق أو غيره أنه ما بايع وكان مساوما ، وتقاولا في المساومة وتقرير الثمن ، ولم يعقدا لم يحنث بالاتفاق والثاني : أن المتبايعين اسم مشتق من البيع ، فما لم يوجد البيع لم يجز أن يشتق

177


178
منه ، لأن كل اسم من معنى لا يصح اشتقاقه حتى يوجد المعنى الثالث : أن حمل الخيار على ما قلنا يحصل به فائدة لم تكن معروفة قبل الحديث ، وحمله على المساومة يخرجه عن الفائدة ، فإن كان أحد يعلم أن المتساومين بالخيار إن شاءا عقدا وإن شاءا تركا الرابع : أنه صلى الله عليه وسلم مد الخيار إلى التفرق ، وهذا تصريح بثبوته بعد انقضاء العقد الخامس : أن راوي الحديث ابن عمر كان إذا أراد إلزام البيع مشى قليلا لينقطع الخيار ، كما ثبت عنه في الصحيحين على ما قدمناه عنه ، وهو أعلم بمراد الحديث . فإن قيل : المراد بالتفرق التفرق بالقول كقوله عز وجل

﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة البينة : 4 فالمراد التفرق بالقول قلنا الإيجاب والقبول ليس تفرقا منهما في القول ، لأن من أوجب القول فغرضه أن يقبله صاحبه ، فإذا قبله فقد وافقه ولا يسمى مفارقة ، وذكر أصحابنا أقيسة كثيرة ، وقياسات لا حاجة إليها مع الأحاديث السابقة وأما الجواب عن احتجاجهم بقوله تعالى :

﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم النساء : 29 فهو أنه عام مخصوص بما ذكرنا ، وهكذا الجواب عن حديث فلا يبيعه حتى يستوفيه فإنه عام مخصوص بما ذكرنا . وأما : الجواب عن حديث : لا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله فهو أنه دليل لنا كما جعله الترمذي في جامعه دليلا لإثبات خيار المجلس ، واحتج به على المخالفين لأن معناه مخالفة أن يختار الفسخ فعبر بالإقامة عن الفسخ ، والدليل على هذا أشياء أحدهما : أنه صلى الله عليه وسلم أثبت لكل واحد منهما الخيار ما لم يتفرقا ، ثم ذكر الإقالة في المجلس ، ومعلوم أن من له الخيار لا يحتاج إلى الإقالة ، فدل أن المراد بالإقالة الفسخ والثاني : أنه لو كان المراد حقيقة الإقالة لا يمنعه من المفارقة مخافة أن يقيله ، لأن الإقالة لا تختص بالمجلس والله تعالى أعلم . وأما : الجواب عن قياسهم على النكاح والخلع أنه ليس المقصود منهما المال ، ولهذا لا يفسدان بفساد العوض بخلاف البيع ، والجواب عن قولهم خيار مجهول أن الخيار الثابت شرعا لا يضر جهالة زمنه كخيار الرد بالعيب والأخذ بالشفعة ، بخلاف خيار الشرط فإنه يتعلق بشرطهما ، فاشترط بيانه والله أعلم . فرع : ذكرنا أنهما إذا قاما من مجلس وتماشيا جميعا دام خيارهما ما داما معا ، وإن بقيا شهرا أو سنة ، هذا مذهبنا ، وحكى الروياني عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه قال :

178


179
ينقطع به مفارقة مجلسهما وإن كانا ودليلنا عموم الحديث : ما لم يتفرقا . فرع : لو حكم حاكم بإبطال خيار المجلس هل ينقص حكمه حكى الدارمي فيه وجهين أحدهما : لا ينقض للاختلاف والثاني : ، ينقض ، قاله الاصطخري .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز شرط خيار ثلاثة أيام في البيوع التي لا ربا فيها ، لما روى محمد ابن يحيى بن حبان قال : كان جدي قد بلغ ثلاثين ومائة سنة ، لا يترك البيع والشراء ، ولا يزال يخدع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من بايعته فقل : لا خلابة ، وأنت بالخيار ثلاثا فأما في البيوع التي فيها الربا وهي الصرف وبيع الطعام بالطعام ، فلا يجوز شرط الخيار ، لأنه لا يجوز أن يتفرقا قبل تمام البيع ، ولهذا لا يجوز أن يتفرقا إلا عن قبض العوضين ، فلو جوزنا شرط الخيار لتفرقا ، ولم يتم البيع بينهما ، وجاز شرط الخيار في ثلاثة أيام ، وفيما دونها لأنه إذا جاز شرط الثلاث فما دونها أولى بذلك ، ولا يجوز أكثر من ثلاثة أيام ، لأنه غرر ، وإنما جوز في الثلاث لأنه رخصة فلا يجوز فيما زاد ، ويجوز أن يشترط لهما ولأحدهما دون الآخر ويجوز أن يشترط لأحدهما ثلاثة أيام وللآخر يوم أو يومين ، لأن ذلك جعل إلى شرطهما فكان على حسب الشرط فإن شرطا ثلاثة أيام ثم تخايرا سقط قياسا على خيار المجلس .

+ الشرح : هذا الحديث أتى به المصنف مرسلا لأن محمد بن يحيى بن حبان لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم وهذه القصة لم يذكر في هذه الرواية أنه سمعها من غيره ، وهو تابعي ، فثبت أنه وقع هنا مرسلا وحبان بفتح الحاء بلا خلاف بين أهل العلم من المحدثين وغيرهم وقد تصحفه المتفقهون ، ونحوهم وهو بالباء الموحدة وهي الغبن والخديعة ، وهذا الحديث قد روى بألفاظ منها حديث ابن عمر قال : ذكر رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : من بايعت فقل : لا خلابة رواه البخاري ومسلم وعن يونس بن بكير

179


180
قال : حدثنا محمد بن إسحاق قال : حدثني نافع عن ابن عمر قال : سمعت رجلا من الأنصار يشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يزال يغبن في البيع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بايعت فقل : لا خلابة ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال ، فإن رضيت فأمسك ، وإن سخطت فاردد قال ابن عمر : فكأني الآن أسمعه إذا ابتاع يقول : لا خذابة . قال بن إسحاق : فحدثت بهذا الحديث محمد بن يحيى بن حبان قال : كان جدي منقذ بن عمرو ، وكان رجلا قد أصيب في رأس أمه وكسرت لسانه ونقصت عقله وكان يغبن في البيع ، وكان لا يدع التجارة فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إذا ابتعتة فقل : لا خلابة ثم أنت في كل بيع تبتاعه بالخيار ثلاث ليال ، إن رضيت فأمسك ، وإن سخطت فاردد فبقي حتى أدرك زمن عثمان وهو ابن مائة وثلاثين سنة ، فكبر في زمان عثمان فكان إذا اشترى شيئا فرجع به فقالوا له : لم تشتري أنت فيقول : قد جعلني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ابتعت بالخيار ثلاثا ، فيقولون : أردده فإنك قد غبنت ، أو قال : غششت فيرجع إلى بيعه فيقول : خذ سلعتك وأردد دراهمي ، فيقول : لا أفعل قد رضيت فذهبت حتى يمر به الرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جعلني بالخيار فيما تبتاع ثلاثا ، فيرد عليه دراهمه ويأخذ سلعته . هذا الحديث حسن رواه البيهقي بهذا اللفظ بإسناد حسن ، وكذلك رواه ابن ماجه بإسناد حسن وكذا رواه البخاري في تاريخه في ترجمة منقذ بن عمرو بإسناد صحيح إلى محمد بن إسحاق ومحمد بن إسحاق المذكور في إسناده هو صاحب المغازي والأكثرون وثقوه وإنما عابوا عليه التدليس وقد قال في روايته : حدثني نافع ، والمدلس إذا قال : حدثني أو أخبرني أو سمعت ونحوها من الألفاظ المصرحة بالسماع احتج به عند الجماهير ، وهو مذهب البخاري ومسلم وسائر المحدثين ، وجمهور من يعتد به وإنما يتركون من حديث المدلس ما قال فيه : عن ، وقد سبقت هذه المسألة مقررة مرات ، لكن القطعة التي ذكرها محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان مرسلة ، لأن محمد بن يحيى لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر من سمعها منه ، ولكن مثل هذا المرسل يحتج به الشافعي لأنه يقول : إن المرسل إذا اعتضد بمرسل آخر ، أو بسند ، أو بقول بعض الصحابة ، أو بفتيا عوام أهل العلم احتج به وهذا المرسل قد وجد فيه ذلك ، لأن الأمة مجمعة على جواز شرط الخيار ثلاثة أيام والله أعلم . وأما : ما وقع في الوسيط وبعض كتب الفقه في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : واشترط الخيار ثلاثة أيام فمنكر لا يعرف بهذا اللفظ في كتب الحديث . وأعلم أن أقوى

180


181
ما يحتج به في ثبوت خيار الشرط الإجماع ، وقد نقلوا فيه الإجماع وهو كاف ، والحديث المذكور يحتج به لكن في دلالته باللفظ الذي ذكرناه نظر والله أعلم . أما الأحكام ففيها مسائل : إحداها : يصح شرط الخيار في البيع بالإجماع إذا كانت مدته معلومة . الثانية : لا يجوز عندنا أكثر من ثلاثة أيام للحديث المذكور ، ولأن الحاجة لا تدعو إلى أكثر من ذلك غالبا ، وكان مقتضى الدليل منع شرط الخيار ، لما فيه من العذر ، وإنما جوز للحاجة فيقتصر فيه على ما تدعو إليه الحاجة غالبا ، وهو ثلاثة أيام ، هذا هو المشهور في المذهب ، وتظاهرت عليه نصوص الشافعي رحمه الله ، وقطع به الأصحاب في جميع الطرق ، وفيه وجه أنه يجوز أكثر من ثلاثة أيام إذا كانت مدة معلومة ، وهو قول ابن المنذر ، قاله في الإشراف ، واحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم : المؤمنون على شروطهم والله أعلم . قال أصحابنا : فإن زاد على ثلاثة أيام ولو لحظة بطل البيع . الثالثة : يجوز شرط الخيار ثلاثة أيام ويجوز دونها إذا كان معلوما كما ذكره المصنف ، ويجوز لهما ، ويجوز لأحدهما ثلاثة وللآخر يومان أو يوم ، ونحو ذلك ، بحيث يكون معلوما ، وهذا كله لا خلاف فيه ، لكن لو كان المبيع مما يتسارع إليه الفساد فباعه بشرط الخيار ثلاثة أيام فوجهان حكاهما صاحب البيان أصحهما : يبطل البيع والثاني : يصح ويباع عند الإشراف على الفساد ، ويقام ثمنه مقامه ، وهذا غلط ظاهر ، قال أصحابنا : ويشترط أن تكون المدة متصلة بالعقد ، فلو شرطا خيار ثلاثة أيام أو دونها من آخر الشهر أو من الغد أو متى شاءا أو شرطا خيار الغد دون اليوم بطل العقد لمافاته لمقتضاه . قال أصحابنا : ويشترط كون المدة معلومة ، فإن شرطا الخيار مطلقا ولم يقدراه بشيء أو قدراه بمدة مجهولة كقوله بعض يوم ، أو إلى أن يجيء زيد أو غير ذلك ، بطل البيع بلا خلاف عندنا ، ولو شرطاه إلى وقت طلوع الشمس من الغد جاز بلا خلاف ، ولو شرطاه إلى طلوعهما فقد قال القاضي أبو الطيب في كتابيه التعليق والمجرد : قال أبو عبد الله الزبيري في كتاب الفصول : لا يصح البيع لأن طلوع الشمس قد لا يحصل لحصول غيم في السماء ، قال : فلو قال : إلى غروب الشمس أو إلى وقت الغروب صح ، لأن الغروب لا يستعمل إلا في سقوط قرص الشمس . هذا كلام الزبيري وسكت عليه القاضي أبو الطيب ، وحكاه أيضا عنه المتولي وسكت عليه . فأما : شرطهما إلى وقت الطلوع وإلى الغروب أو وقت الغروب فيصح باتفاق الأصحاب كما قاله الزبيري ، وأما إذا شرطاه إلى الطلوع فقد خالفه غيره وقال بالصحة لأن الغيم إنما يمنع من إشراق الشمس واتصال الشعاع لا من نفس

181


182
الطلوع ، وهذا هو الصحيح والله أعلم . أما : إذا تبايعا نهارا بشرط الخيار إلى الليل أو ليلا بشرط الخيار إلى النهار ، فيصح البيع بلا خلاف ، ولا يدخل الزمن الآخر إلى الشرط بلا خلاف عندنا ، وحكى القاضي أبو الطيب في تعليقه عن أبي حنيفة أنه قال : يدخل ، لأن لفظة إلى قد تستعمل بمعنى مع كقوله تعالى :

﴿ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم النساء : 2 دليلنا أن أصل إلى الغاية فهذا حقيقتها ، فلا تحمل على غيره عند الإطلاق ، وأما استعمالها بمعنى مع في بعض المواطن ففيه جوابان أحدهما : أنها مؤولة ، ففي الآية المذكورة تقديره مضافة إلى أموالكم والثاني : أنها استعملت بمعنى مع مجازا فلا يصير إلى المجاز في غيرها بغير قرينة ، ولأنهم وافقونا على أنه لو باع بثمن مؤجل إلى رمضان لا يدخل رمضان في الأجل والله أعلم . الرابعة : إذا شرطا الخيار ثلاثة أيام أو غيرها ثم أسقطاه قبل انقضاء المدة سقط ، لما ذكره المصنف ، وكذا لو أسقط أحدهما خياره سقط وبقي خيار الآخر ، ولو أسقطا اليوم الأول سقط الجميع ، ولو أسقطا الثالث لم يسقط ما قبله ، قال القاضي حسين والبغوي والمتولي : فلو قال : أسقطت الخيار في اليوم الثاني بشرط أنه يبقى في الثالث سقط خياره في اليومين جميعا ، لأنه كما لا يجوز أن يشرط خيارا متراخيا عن العقد ، لا يجوز أن يستبقى خيارا متراخيا ، وإنما يجوز أن يستبقى اليومين تغليبا للإسقاط ، لأن الأصل لزوم العقد وإنما جوزنا الشرط لأنه رخصة ، فإذا عرض له ذلك حكم بلزوم العقد ، والله أعلم . الخامسة : فيما يثبت فيه خيار الشرط من العقود ، قال أصحابنا : جملة القول فيه أنه مع خيار المجلس متلازمان غالبا ، لكن خيار المجلس أسرع وأولى ثبوتا من خيار الشرط ، فقد ينفكان لهذا ، فإذا أردت التفصيل فراجع ما سبق في خيار المجلس ، وهما متفقان في صورة الوفاق والخلاف إلا في أشياء : أحدها : أن البيوع التي يشترط فيها التقابض في المجلس كالصرف وبيع الطعام بالطعام أو القبض في أحد العوضين كالسلم لا يجوز شرط الخيار فيها بلا خلاف ، مع أن خيار المجلس يثبت فيها ، ودليل المسألة مذكور في الكتاب ، وقد أهمل المصنف ذكر السلم هنا ، ولكنه ذكره في كتاب السلم . الثاني : أن خيار الشرط لا يثبت في الشفعة بلا خلاف وكذا لا يثبت في الحوالة ، وفي خيار المجلس فيهما خلاف سبق . الثالث : أنه إذا كان رجع في سلعة باعها ثم حجر على المشتري بالفلس لا يثبت فيها خيار الشرط بلا خلاف ، وفي خيار المجلس خلاف ضعيف سبق . الرابع : في الهبة بشرط ، وفي الإجارة طريق قاطع بأنه لا يثبت خيار الشرط مع جريان الخلاف في ثبوته في خيار المجلس . وأما : شرط الخيار في الصداق فسيأتي في كتاب

182


183
الصداق إن شاء الله تعالى إيضاحه وتفصيله ، ومختصره أن الأصح صحة النكاح ، وفساد المسمى ، ووجوب مهر المثل ، وأنه لا يثبت الخيار ، والله تعالى أعلم . فرع : قال جماعة من أصحابنا : قد اشتهر في الشرع أن قوله : لا خلابة عبارة عن اشتراط الخيار ثلاثة أيام ، فإذا أطلق المتعاقدان هذه اللفظة وهما عالمان بمعناها كان كالتصريح بالاشتراط ، وإن كانا جاهلين لم يثبت الخيار قطعا ، فإن علمه البائع دون المشتري فوجهان مشهوران حكاهما المتولي وابن القطان وآخرون أصحهما : لا يثبت والوجه الثاني : يثبت ، وهذا شاذ ضعيف ، بل غلط ، لأن معظم الناس لا يعرفون ذلك والمشتري غير عارف به . فرع : لو اشترى شيئا بشرط أنه إن لم ينقده الثمن في ثلاثة أيام ، فلا بيع بينهما ، أو باع بشرط أنه إن رد الثمن في ثلاثة أيام فلا بيع بينهما ، فوجهان حكاهما المتولي وغيره أحدهما : يصح العقد ، ويكون تقدير الصورة الأولى أن المشتري شرط الخيار لنفسه فقط ، وفي الثانية أن البائع شرطه لنفسه فقط ، وهذا قول أبي إسحاق قال : لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجاز ذلك والثاني : وهو الصحيح باتفاقهم ، وبه قطع الروياني وغيره ، أن البيع باطل في الصورتين ، لأن هذا ليس بشرط خيار ، بل هو شرط فاسد مفسد للبيع ، لأنه شرط في العقد شرطا مطلقا ، فأشبه ما لو باع بشرط أنه إن قدم زيد القوم فلا بيع بينهما . فرع : قال أصحابنا : لو باع عبدين بشرط الخيار في أحدهما لا بعينه بطل البيع لا خلاف ، كما لو باع أحدهما لا بعينه ولو باع بشرط الخيار في أحدهما بعينه ففيه القولان المشهوران في الجمع بين مختلفي الحكم ، وكذا لو شرط الخيار في أحدهما يوما وفي الآخر يومين والأصح : صحة البيع ، فإن صححنا البيع ثبت الخيار فيما شرط على ما شرط . ولو شرطا الخيار فيهما ثم أرادا الفسخ في أحدهما فعلى قولي تفريق الصفقة في الرد بالعيب الأصح : لا يجوز ولو اشترى اثنان شيئا من واحد صفقة واحدة بشرط الخيار فلأحدهما الفسخ في نصيبه ، كما في الرد بالعيب ، ولو شرطا الخيار لأحدهما دون الآخر ففي صحة البيع قولان الأصح : الصحة ، والله أعلم . فرع : قال المتولي وغيره : إذا قال بعتك بشرط خيار يوم ، اقتضي إطلاقه اليوم الذي وقع فيه العقد ، كما لو حلف لا يكلمه شهرا ، فإن كان العقد نصف النهار مثلا ثبت له الخيار إلى أن ينتصف النهار في اليوم الثاني ، ويدخل الليل في حكم الخيار للضرورة ، وإن

183


184
كان العقد في أول وقت العصر ، ثبت إلى مثله من اليوم الثاني ، وإن كان العقد في الليل ثبت الخيار إلى غروب الشمس من اليوم المتصل بذلك الليل . فرع : إذا شرطا في البيع خيارا أكثر من ثلاثة أيام ، فقد ذكرنا أن البيع باطل ، فلو أسقطا الزيادة بعد مفارقة المجلس ، وقبل انقضاء الثلاثة ، لا ينقلب العقد صحيحا عندنا بلا خلاف ، وكذا لو باع بثمن إلى أجل مجهول ثم قدر الأجل قبل أن يتوهم دخول وقت المطالبة لا ينقلب العقد صحيحا ، ولا خلاف في الصورتين عندنا ، وقال أبو حنيفة : يصح العقد في الصورتين قال المتولي : واختلف أصحاب أبي حنيفة في أصل العقد فمنهم من يقول : وقع العقد فاسدا ، وبإسقاط الزيادة والجهالة يعود صحيحا ، ومنهم من قال : وقع صحيحا ، وإذا لم تسقط الزيادة فسد ومنهم من قال : هو موقوف ، دليلنا أن ما وقع على وجه لا يثبت دائما لم يعد صحيحا ، كما لو نكح امرأة وعنده أربع ، ثم طلق إحداهن ، لا يحكم بصحة نكاح الخامسة . أما : إذا أسقطا الزيادة على ثلاثة أيام في مجلس العقد ، فوجهان حكاهما المتولي وآخرون هنا ، وهما مشهوران جاريان في كل شرط فاسد قارن العقد ثم حذف في المجلس أحدهما : وبه قال صاحب التقريب : يصح العقد ، لأن حكم المجلس حكم حالة العقد ، ولأن الشافعي رحمه الله قال لو لم يذكرا في السلم أجلا ثم ذكراه قبل التفرق جاز والثاني : وهو الصحيح باتفاق الأصحاب أن العقد باطل ، ولا يعود صحيحا بذلك ، لأن المجلس إنما ثبت لعقد صحيح لا لفاسد وأما : السلم ففرعه الشافعي على الصحيح من القولين وهو صحة السلم مطلقا ، ويكون حالا ، والله أعلم . فرع : لو تبايعا بغير إثبات خيار الشرط ، ثم شرطا في المجلس خيارا أو أجلا ، ففيه الخلاف المشهور الأصح : ثبوته ، ويكون كالشرط في العقد ، وسنوضح المسألة مبسوطة في باب ما يفسد البيع من الشروط إن شاء الله تعالى . فرع : اتفق أصحابنا على أن الوكيل بالبيع لا يجوز أن يشترط الخيار للمشتري ، وأن الوكيل في الشراء لا يجوز أن يشترط الخيار للبائع من غير إذن الموكل ، كما لو باع بثمن مؤجل من غير إذن ، وقد ذكر المصنف المسألة في كتاب الوكالة ، قال المصنف والأصحاب : وهل يجوز أن يشترط الخيار لنفسه أو لموكله فيه وجهان مشهوران أحدهما : لا يجوز ، لأن إطلاق البيع يقتضي البيع بلا شرط ، فلا يجوز الشرط من غير إذن ، فعلى هذا لو شرطه كان العقد باطلا وأصحهما : يصح ، وبه قطع جماعة منهم القاضي حسين والفوراني هنا ، والمتولي في كتاب الوكالة ، لأنه لا ضرر على الموكل في هذا ، ولأنه

184


185
مأمور بالمصلحة ، وهذا منها ، قال أصحابنا : وإذا شرط الخيار لنفسه وجوزناه على الأصح ، أو أذن فيه الموكل ، ثبت له الخيار ، ولا يفعل إلا ما فيه المصلحة من الفسخ والإجازة ، لأنه مؤتمن . بخلاف ما سنذكره إن شاء الله تعالى قريبا إذا شرط الخيار لأجنبي وصححناه فإنه لا يلزمه رعاية الحظ ، لأنه ليس بمؤتمن ، هكذا ذكره الأصحاب . قال الرافعي : ولقائل أن يقول : جعل الخيار له استئتمانا قال : وهذا المعنى أظهر إذا جعلناه نائيا عن العاقد ثم هل يثبت للموكل الخيار مع الوكيل في هذه الصورة فيه الخلاف الذي سنذكره إن شاء الله تعالى فيما إذا شرط الخيار لأجنبي ، وقلنا : يثبت له ، هل يثبت للشارط فيه وجهان أو قولان أصحهما : لا يثبت . وهو ظاهر النص ، لأن ثبوته بالشرط فكان لمن شرطه خاصة ، أما إذا أذن له الموكل في شرط الخيار وأطلق ، فشرط الوكيل الخيار مطلقا ، ولم يقل : لي ولا لموكلي ، فقد ذكر إمام الحرمين والغزالي فيه ثلاثة أوجه أحدها : يثبت الخيار للوكيل ، لأنه العاقد والثاني : للموكل ، لأنه المالك والثالث : لهما ، والأصح للوكيل لأن معظم أحكام العقد متعلقة به وحده ، والله أعلم . فرع : إذا مضت مدة الخيار من غير فسخ ولا إجازة تم البيع ولزم بلا خلاف عندنا . وقال مالك : لا يلزم بمضي المدة ، كما لا يلزم المولى حكم الإيلاء بمجرد مضي المدة ، دليلنا أن الخيار يمنع لزوم العقد ، فإذا انقضت مدته لزم بخلاف الإيلاء .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن شرط الخيار لأجنبي ففيه قولان أحدهما : لا يصح ، لأنه حكم من أحكام العقد فلا يثبت لغير المتعاقدين كسائر الأحكام والثاني : يصح ، لأنه جعل إلى شرطهما للحاجة ، وربما دعت الحاجة إلى شرطه للأجنبي بأن يكون اعرف بالمتاع منهما . فإن شرطه للأجنبي وقلنا : إنه يصح فهل يثبت له فيه وجهان أحدهما يثبت له ، لأنه إذا ثبت للأجنبي من جهته فلأن يثبت له أولى والثاني : لا يثبت ، لأن ثبوته بالشرط فلا يثبت إلا لمن شرط له ، قال الشافعي رحمه الله في الصرف : إذا اشترى بشرط الخيار على أن لا يفسخ حتى يستأمر فلانا لم يكن له أن يفسخ حتى يقول : استأمرته فأمرني بالفسخ ، فمن أصحابنا من قال : له أن يفسخ من غير إذنه ، لأن له أن يفسخ من غير شرط الاستئمار ، فلا يسقط حقه بذكر الاستئمار ، وتأول ما قاله على أنه أراد أنه لا يقول : استأمرته إلا بعد أن يستأمره لئلا يكون كاذبا ومنهم من حمله

185


186
على ظاهره ، أنه لا يجوز أن يفسخ لأنه ثبت بالشرط ، فكان على ما شرط .

+ الشرح : قال أصحابنا : يجوز شرط الخيار للعاقدين ولأحدهما بالإجماع ، فإن شرطه لأجنبي فقولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : باتفاق الأصحاب يصح البيع والشرط ، وهو الأشهر من نصوص الشافعي رحمه الله ، نص عليه في الإملاء وفي الجامع الكبير ، وبه قطع الغزالي وغيره ، ونقل إمام الحرمين في النهاية اتفاق الأصحاب عليه ، ولم يذكر فيه خلافا ، وليس كما ادعى القول الثاني : أن البيع باطل ، وحكى الماوردي عن ابن سريج وجها أن البيع صحيح والشرط باطل ، قال : وعلى هذا وجهان أحدهما : يكون البيع لازما لا خيار فيه والثاني : أن بطلان الخيار يختص بالأجنبي ، فيصح البيع ويثبت الخيار للعاقد ، وكل هذا ضعيف والمذهب الأول ، قال أصحابنا : ولو باع عبدا بشرط الخيار للعبد ففيه القولان أصحهما : يصح البيع والشرط ، لأنه أجنبي من العقد فأشبه غيره ، وأطلق ابن القاص أنه لا يصح في صورة العبد ، قال القاضي أبو الطيب وغيره : وهو تفريع منه على قولنا : لا يصح شرطه لأجنبي ، فأما إذا صححناه للأجنبي فيصح للعبد ، والله أعلم . قال أصحابنا : ولا فرق على القولين بين أن يشرطا جميعا أو أحدهما الخيار لشخص واحد ، أو يشرط أحدهما لواحد والآخر لآخر ، فلو شرطه أحدهما لزيدمن جهته ، وشرطه الآخر لزيد أيضا من جهته ، صح على قولنا بصحته للأجنبي ، قال المتولي : والفرق بينه وبين الوكيل الواحد في طرفي البيع والشراء أن عقد البيع لا يجوز أن ينفرد به أحدهما ، فلا ينفرد وكيلهما وأما الفسخ والإجازة فينفرد به أحدهما فانفرد به وكيلهما ، قال المتولي وغيره : وإذا شرطه لأجنبي وصححناه ، لا يشترط فيه قبول الأجنبي باللفظ بل يكون امتثاله قولا ، كما لو قال : بع ما لي فإنه يكفي في قبول الوكالة إقدامه على البيع ، قالوا : ويشترط أن لا يصح بالرد . قال أصحابنا : فإذا قلنا بالأصح : إنه يثبت الخيار للأجنبي المشروط له فهل يثبت للشارط أيضا فيه خلاف مشهور ذكره المصنف بدليله ، ثم إن المصنف وجماعة حكوه وجهين وحكاه المتولي وآخرون قولين أحدهما : يثبت له أيضا وصححه الروياني وأصحهما : عند الجمهور لا يثبت ، وهذا ظاهر نصه في الصرف ، وفي الاملاء لأنه قال في الاملاء : من باع سلعة على رضاء غيره كان للذي شرط له الرضا الرد ، ولم يكن للبائع ، قال أصحابنا : فإن لم تثبته للشارط مع الأجنبي بل خصصنا به الأجنبي فمات الأجنبي في زمن الخيار ، فهل يثبت الآن للشارط فيه وجهان حكاهما البغوي وآخرون أصحهما : عند البغوي والرافعي وغيرهما :

186


187
يثبت كما يثبت للوارث والثاني : لا ، لأنه ليس بوارث ، وبهذا جزم صاحب البحر ، والمذهب الأول . قال أصحابنا : وإذا أثبتنا الخيار للأجنبي والشارط جميعا فلكل واحد منهما الاستقلال بالفسخ فلو فسخ أحدهما واختار الآخر قدم الفسخ ، والله أعلم . أما : إذا اشترى شيئا على أن يؤامر فلانا فيأتي به من الفسخ والإجازة فقد نص الشافعي رحمه الله في كتاب الصرف على أن البيع صحيح وأنه ليس له أن يفسخ حتى يقول : استأمرته فأمرني بالفسخ وتكلم الأصحاب في النص من وجهين أحدهما : أنه له إذا شرط أن يقول : استأمرته ، وأي مدخل لو أمر به مع أنه لا خيار له ، واختلفوا في جواب هذا ، وقال القائلون بالأصح في الصورة السابقة : إن الخيار المشروط للأجنبي يختص بالأجنبي ، هذا جواب على المذهب الذي بيناه ومؤيديه ، وقال الآخرون : هو مذكور احتياطا ، ولا يشترط استئماره وإنما أراد الشافعي أنه لا يقول : استأمرته إلا بعد الاستئمار ، لئلا يكون كاذبا ، ونقل الماوردي هذا عن أبي إسحاق المروزي والبصريين كافة ، والجواب الأول أصح ، وأقرب إلى ظاهر النص ، لأنه قال : لم يكن له أن يفسخ ولم يقل : لم يجز له أن يكذب . الاعتراض الثاني : أنه أطلق في التصوير شرط المؤامرة ، ولم يقيده بثلاثة أيام فما دونها ، واختلفوا في جوابه على وجهين حكاهما البغوي والروياني وآخرون الصحيح : منهما باتفاقهم ، وبه قطع الجمهور أنه محمود على ما إذا قيد ذلك بالثلاثة ، فإن أطلق لم يصح البيع والثاني : يحتمل الاطلاق والزيادة على الثلاثة ، كخيار الرؤية في بيع الغائب إذا جوزناه فإنه تجوز الزيادة فيه على الثلاثة والمذهب الأول قال : البغوي : وإذا شرط المؤامرة ثلاثة أيام فمضت الثلاثة ولم يؤامره أو آمره ولم يشر بشيء ، لزم العقد ولا ينفرد هو بالفسخ والإمضاء في مدة الثلاثة حتى يؤامر ، والله أعلم . فرع : إذا شرط الخيار لأجنبي وقلنا : يصح شرطه له ، وثبت له ولهما فتبايعا بشرط الخيار لأجنبي وصرحا بنفيه عن أنفسهما ، ففي صحة هذا الشرط والنفي وجهان ، حكاهما إمام الحرمين أحدهما : يصح اتباعا للشرط والثاني : لا يصح والأول أصح .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإذا شرط الخيار في البيع ففي ابتداء مدته وجهان أحدهما من حين العقد ، لأنها مدة ملحقة بالعقد ، فاعتبر ابتداؤها من حين العقد كالأجل ولأنه لو اعتبر من حين التفرق صار أول مدة الخيار مجهولا ، لأنه لا يعلم متى يفترقان والثاني : أنه يعتر من حين التفرق لأن ما قبل التفرق الخيار ثابت فيه بالشرع ، فلا يثبت فيه بشرط الخيار فإن قلنا : إن ابتداءه من حين العقد فشرط أن يكون من حين

187


188
التفرق بطل ، لأن وقت الخيار مجهول ، ولأنه يزيد الخيار على ثلاثة أيام وإن قلنا : إن ابتداءه من حين التفرق فشرط أن يكون من حين العقد ففيه وجهان أحدهما يصح ، لأن ابتداء الوقت معلوم والثاني : لا يصح ، لأنه شرط ينافي موجب العقد فأبطله .

+ الشرح : قوله مدة ملحقة بالعقد ، قال القلعي : هو احتراز من الاستبراء إذا قلنا : لا يحسب إلا بعد القبض أو بعد انقضاء الخيار . قال أصحابنا : إذا تبايعا بشرط الخيار ثلاثة أيام فما دونها ففي ابتداء مدته وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : باتفاق الأصحاب : من حين العقد والثاني : من حين انقطاع خيار المجلس إما بالتخاير وإما بالتفرق ، قال الروياني هذا اختيار ابن القطان وابن المرزبان ، والأول قول ابن الحداد ، وقول ابن الحداد هو الصحيح عند جميع المصنفين ، حتى قال الروياني : قول ابن القطان ليس بشيء . قال المصنف والأصحاب : فإن قلنا إنه من حين العقد فشرطاه من حين التفرق بطل البيع ، هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والأصحاب في جميع الطرق . وحكى إمام الحرمين عن حكاية صاحب التقريب وجها أنه يصح البيع والشرط ، وهذا شاذ مردود فإن قلنا من حين التفرق فشرطاه من حين العقد فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : يبطل البيع وأصحهما : باتفاق الأصحاب لا يبطل ، ممن صححه صاحب الشامل والروياني وصاحب البيان والرافعي وآخرون . قال أصحابنا : فإن قلنا : ابتداء المدة من حين العقد فانقضت وهما مصطحبان فقد انقطع خيار الشرط ، وبقي خيار المجلس ، وإن تفرقا والمدة باقية فالحكم بالعكس ، ولو أسقطا أحد الخيارين سقط ولم يسقط الآخر ولو قالا : ألزمنا العقد أو أسقطنا الخيار سقطا جميعا ولزم البيع ، هذا تفريع كونه من العقد فأما إذا قلنا : من التفرق فإذا تفرقا انقطع خيار المجلس وابتدىء خيار الشرط ، وإن أسقطا الخيار قبل التفرق انقطع خيار المجلس ، وفي خيار الشرط وجهان حكاهما إمام الحرمين والبغوي وغيرهما أحدهما : ينقطع لأن مقتضاهما واحد وأصحهما : لا ينقطع لأنه غير ثابت في الحال ، فكيف يسقط والله تعالى أعلم . فرع : لو شرطا الخيار بعد العقد وقبل التفرق ، وقلنا بصحته على الخلاف السابق فإن قلنا : ابتداء المدة من التفرق لم يختلف الحكم وإن قلنا من العقد حسبت المدة هنا من حين الشرط لا من العقد ولا من التفرق ، والله أعلم . فرع : إذا باع بثمن مؤجل ، ففي ابتداء وقت الأجل طريقان أصحهما : وبه قطع المصنف والعراقيون وجماعة من غيرهم أنه من حين العقد وجها واحدا والثاني : أنه

188


189
مرتب على ابتداء مدة الخيار ، إن جعلناها من العقد فالأجل أولى بذلك وإن قلنا : من التفرق ففي الأجل وجهان ، وهذا الطريق مشهور في كتب الخراسانيين ، وممن ذكره منهم القاضي حسين وأبو علي السنجي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم ، وجمع القاضي حسين وغيره المسألتين فقالوا : في ابتداء مدة الخيار والأجل ثلاثة أوجه أصحهما : من حين العقد فيهما والثاني : من حين التفرق والثالث : الأجل من العقد والخيار من التفرق ، وفرقوا بينهما بأن الأجل ليس من جنس خيار المجلس ، فكان اجتماعهما أقرب بخلاف خيار الشرط . قال إمام الحرمين : فإن قيل لا وجه لقول من قال : يحسب الأجل من التفرق وقلنا : الخيار يمنع المطالبة بالثمن كالأجل ، فكان قريبا ، والخيار في التحقيق تأجيل لإلزام الملك أو نقله والأجل تأخير المطالبة ، قال الإمام : ومن قال بتأخير الأجل عن العقد وعن خيار المجلس فقياسه أنه إذا باع بشرط خيار ثلاثة أيام ، وبشرط الأجل أن يفسخ أول الأجل بعد انقضاء خيار الثلاث ، لأنه عنده في معناه ، ولا سبيل إلى الجمع بين المثلين ، هذا كلام الإمام . والمذهب أن الأجل من العقد سواء شرط خيار الثلاث أم لا ، والله أعلم . قال الغزالي في الوسيط وأما مدة الإجازة إذا قلنا : يثبت فيها خيار الشرط ففي ابتدائها هذا الخلاف المذكور في الأجل ، قال : والأصح أنها من العقد ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ومن ثبت له الخيار فله أن يفسخ في محضر من صاحبه وفي غيبته لأنه رفع عقد جعل إلى اختياره فجاز في حضوره وغيبته كالطلاق .

+ الشرح : قوله ( جعل إلى اختياره ) قال القلعي هو احتراز من الإقالة والخلع فإنهما لم يجعلا إلى اختياره وحده ، بل إلى اختيارهما ، قال أصحابنا : من ثبت له خيار الشرط كان له الفسخ في حضرة صاحبه وفي غيبته ، لما ذكره المصنف ، هذا مذهبنا لا خلاف فيه عندنا ، وبه قال مالك وأحمد وزفر وأبو يوسف ، وقال أبو حنيفة ومحمد : لا يصح إلا في حضرة صاحبه ، ولهذا قاسه المصنف على الطلاق ، لأنه مجمع على نفوذه بغير حضورها ، والله أعلم . فرع : الإقالة فسخ للعقد على القول الصحيح الجديد كما سنوضحه في موضعه إن شاء الله تعالى ، قال أصحابنا : ولا تصح إلا بحضور المتعاقدين ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجماهير ، وذكر الروياني فيها وجهين الصحيح : منهما هذا والثاني : أنه إذا قال :

189


190
أقلني ، ثم غاب في الحال ، ثم قال الآخر : أقلتك بحيث يصلح أن يكون جوابا لكلامه صحت الإقالة وإن لم يسمعه لبعده منه ، وهذا شاذ ضعيف . فرع : إذا فسخ المستودع الوديعة من غير حضور مالكها ، ففي صحة الفسخ وجهان حكاهما الروياني هنا أحدهما : لا يصح لأن الأمانة لا تنفسخ بالقول ، ولهذا لو قال : فسخت الأمانة كان على الأمانة ما لم يردها ، حتى لو هلكت قبل إمكان الرد لا ضمان والثاني : يصح ويرتفع حكم عقد الوديعة ويبقى حكم الأمانة كالثوب إذا ألقته الريح في دار إنسان يكون أمانة وإلا يكون وديعة فيلزمه أن يعلم صاحبه بذلك ، فإن أخر الإعلام مع القدرة ضمن ، هذا كلام الروياني . وجزم القاضي أبو الطيب في تعليقه وصاحب الشامل وغيرهما في هذا الموضع بصحة فسخ الوديعة في غيبة المالك ، قال القاضي أبو الطيب : تنفسخ ويلزمه ردها إلى مالكها ، فإن لم يجده دفعها إلى الحاكم ، فإن لم يفعل وهلكت ضمن فإن قيل لو انفسخت الوديعة لوجب أن يضمنها إذا تلفت في يده قبل العلم بالفسخ ، لأنه لا يجوز أن تنفسخ ولا تكون مضمونة قلنا : لا يمتنع أن تنفسخ وتبقى في يده أمانة ، ولهذا لو حضر المالك وقال فسخت وديعتي انفسخت ، وتكون أمانة في يده إلى أن يسلمها ، فإن ذهب ليحضرها فتلفت قبل التمكن لم يضمنها ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : فإن تصرف في المبيع تصرفا يفتقر إلى الملك كالعتق والوطء والهبة والبيع وما أشبهها نظرت ، فإن كان ذلك من البائع كان ذلك اختيارا للفسخ ، لأنه تصرف يفتقر إلى الملك فجعل اختيارا لا فسخ والرد إلى الملك ، وإن كان ذلك من المشتري ففيه وجهان قال أبو إسحاق : إن كان ذلك عتقا كان اختيارا للإمضاء ، وإن كان غيره لم يكن ذلك اختيارا ، لأن العتق لو وجد قبل العلم بالعيب منع الرد فأسقط خيار المجلس ، وخيار الشرط وما سواه لو وجد قبل العلم بالعيب لم يمنع الرد بالعيب ، فلم يسقط خيار المجلس وخيار الشرط وقال أبو سعيد الإصخري : الجميع اختيار للإمضاء ، وهو الصحيح لأن الجميع يفتقر إلى الملك ، فكان الجميع اختيارا للملك ، ولأن في حق البائع الجميع واحد فكذلك في حق المشتري ، فإن وطئها المشتري بحضرة المشتري بحضرة البائع وهو ساكت ، واحد فهل ينقطع خيار البائع بذلك فيه وجهان أحدهما : ينقطع لأنه أمكنه أن يمنعه ، فإذا سكت كان ذلك رضاء بالبيع والثاني : لا ينقطع لأنه سكوت عن التصرف في ملكه ، فلا يسقط عليه حكم التصرف ، كما لو رأى رجلا يخرق ثوبه ، فسكت عنه والله أعلم .

190


191

+ الشرح : قوله لأن الجميع يفتقر إلى الملك احتراز من الاستخدام وقوله : لأنه سكوت عن التصرف في ملكه قال القلعي : فيه احتراز من المودع إذا رأى من يسرق الوديعة فسكت عنه . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : قال أصحابنا : يحصل الفسخ والإجازة في خيار المجلس وخيار الشرط بكل لفظ يفهم منه ذلك كقول البائع فسخت البيع أو استرجعت المبيع أو رددته ، أو رددت الثمن ونحو ذلك ، فكل هذا فسخ ، والإجازة أجزت البيع وأمضيته ، وأسقطت الخيار ، وأبطلت الخيار ، ونحو ذلك ، قال الصيمري : وقول البائع في زمن الخيار : لا أبتاع حتى يزيد في الثمن ، مع قول المشتري : لا أفعل ، يكون فسخا وكذا قول المشتري : لا أشتري حتى ينقص عني من الثمن مع قول البائع لا أفعل وكذا طلب البائع حلول الثمن المؤجل وطلب المشتري تأجيل الثمن الحال كل هذا فسخ هذا كلام الصيمري ، وحكاه عنه صاحب البيان والرافعي وغيرهما وسكتوا عليه موافقين له . الثانية : إعتاق البائع إذا كان الخيار لهما أو له وحده ، ينفذ ويكون فسخا بلا خلاف ، وفي بيعه وجهان مشهوران : أحدهما : ليس بفسخ والثاني : وهو الصحيح أنه فسخ ، وبه قطع المصنف والجمهور ، فعلى هذا في صحة البيع وجهان أصحهما : الصحة كالعتق والثاني : لا يصح ، بل يحصل الفسخ دون البيع ، قال أصحابنا : ويجري الوجهان في التزويج والإجارة ، وكذا الرهن والهبة إن اتصل بهما القبض سواء وهب لولده أو لغيره فإن تجرد الرهن والهبة عن القبض فهو كالعرض على البيع ، كما سنوضحه متصلا به إن شاء الله تعالى . فرع : العرض على البيع والإذن في البيع والتوكيل فيه ، والرهن والهبة إذا لم يتصل بهما قبض ، في جميع هذا وجهان أحدهما : أنها كلها فسخ إن صدرت من البائع ، وإجازة إن صدرت من المشتري وأصحهما : أنها ليست فسخا ولا إجازة . ولو باع المبيع في مدة الخيار بشرط الخيار ، قال إمام الحرمين : إن قلنا لا يزول ملك البائع فهو قريب من الهبة الخالية عن القبض ، وإن قلنا : يزول ففيه احتمال لأنه أبقى لنفسه مستدركا والله أعلم . الثالثة : لو وطىء البائع الجارية المبيعة في زمان الخيار والخيار له أو لهما ففيه ثلاثة أوجه الصحيح المشهور : الذي قطع به المصنف والجمهور أنه فسخ لإشعاره باختيار الإمساك والثاني : لا يكون فسخا ، ولو وطىء الرجعية لا تكون رجعة والثالث : إن نوى به الفسخ كان فسخا ، وإلا فلا ، وهذان الوجهان شاذان حكاهما الرافعي وحكى الثالث منهما

191


192
الدارمي والصواب الأول ، وبه قطع الأصحاب ، ونقل المتولي وغيره الاتفاق عليه ، قالوا : والفرق بينه وبين الرجعة أن الرجعة جعلت لتدارك ملك النكاح ، وابتداء ملك النكاح لا يحصل بالفعل وإنما يحصل بالقول فكذا تداركه ، وأما فسخ البيع فلتدارك ملك اليمين ، وابتداء ملك اليمين يحصل بالفعل كالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد وسبي الجارية وإحياء الموات ونحو ذلك . فعلى الصحيح لو باشر فيما دون الفرج بشهوة أو قبل أو لمس بشهوة ، أو استخدام الجارية أو العبد أو الدابة أو ركبها هل يكون فسخا فيه وجهان حكاهما القاضي حسين وغيره أحدهما : يكون ، وبه قطع البغوي كالوطء والعتق وأصحهما : لا يكون فسخا وزيف إمام الحرمين قول من قال : الركوب والاستخدام فسخ وقال : هو هفوة والله أعلم . ولو طلق إحدى زوجتيه لا بعينها ثم وطىء إحداهما لم يكن تعيينا للطلاق في الأخرى على الأصح في القولين وهذا مما أورده الغزالي على الشافعي في مسألة وطء البائع وفرق الأصحاب نحو ما سبق في فرق الرجعة وحاصله الاحتياط للنكاح بخلاف الملك . الرابعة : وطء المشتري ، هل هو إجازة منه فيه ثلاثة أوجه حكاها المتولي وغيره أصحها : باتفاف الأصحاب يكون إجازة ، لأنه متضمن للرضى ، وكما جعلنا وطء البائع فسخا لتضمنه الرضى ، كذا وطء المشتري إجازة لتضمنه الرضى والثاني : لا ، لأن وطء المشتري لا يمنع الرد بالعيب ، فلا يمنع الفسخ كخيار الشرط ، قال المتولي : وهذا على قولنا : إن الملك للمشتري في زمن الخيار ، وإن الفسخ يرفع العقد من حينه لا من أصله والثالث : إن كان عالما بثبوت الخيار له حالة الوطء ، بطل خياره ، وإن كان جاهلا فلا ، ويتصور جهله بأن يرث الجارية من مورثه ولا يعلم أن مورثه اشتراها بشرط الخيار ، وقاسه هذا القائل على الرد بالعيب ، فإنه إذا وطىء وهو عالم بالعيب بطل حقه من الرد ، وإن كان جاهلا فلا ، ولم يفرق الأصحاب بين خيار المجلس وخيار الشرط ، وقال القاضي حسين : إن وطىء في خيار الشرط بطل خياره ، وإن وطىء في خيار المجلس فوجهان ، فحصل وجه رابع في المسألة أنه يبطل خيار الشرط دون خيار المجلس ، والله أعلم . وأما : إعتاقه فإن كان بإذن البائع نفذ وحصلت الإجازة من الطرفين ، ولزم البيع بلا خلاف وإن كان بغير إذنه ففي نفوذه خلاف سنذكره واضحا إن شاء الله تعالى في تفريع الأقوال الثلاثة في الملك في زمن الخيار لمن هو ومختصره أن المذهب أنه لا ينفذ إعتاقه إن كان الخيار لهما أو للبائع فإن كان للمشتري وحده نفذ فإن قلنا ينفذ حصلت الإجازة قطعا وإلا فوجهان أصحهما : الحصول أيضا لدلالته على الرضا واختيار التملك

192


193
وبهذا قطع المصنف وآخرون ، قال إمام الحرمين : ويتجه أن يقال : إن أعتق وهو يعلم عدم نفوذه لم يكن إجازة قطعا ، والمذهب أنه لا فرق أما إذا باع المشتري أو وقف أو وهب وأقبض بغير إذن البائع فلا ينفذ شيء من ذلك بلا خلاف ، وهل يكون إجازة فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : يكون إجازة . وبه قال الاصطخري ، وصححه المصنف والأصحاب والثاني : لا يكون ، قاله أبو إسحاق المروزي . قال أصحابنا : ولو باشر المشتري هذه التصرفات بإذن البائع أو باع المبيع للبائع نفسه فوجهان أصحهما : صحة التصرف لتضمنمه الإجازة والثاني : لا ، لضعف الملك وعدم تقدم الإجازة قال ابن الصباغ وغيره : وعلى الوجهين جميعا يصير البيع لازما ، ويسقط الخيار قال الرافعي : وقياس ما سبق أنا إذا لم ننفذها كان سقوط الخيار على وجهين ، والمذهب ما قاله ابن الصباغ وموافقوه ، والله تعالى أعلم . أما إذا أذن له البائع في طحن الحنطة المبيعة فطحنها فإنه إجازة منهما قال الصيدلاني وغيره : ومجرد الإذن في هذه التصرفات لا يكون إجازة من البائع ما لم يتصرف ، حتى لو رجع البائع قبل التصرف كان على خياره ، وفي هذا الذي قالوه نظر ، لأن الاعتبار بالدلالة على الرضى ، وذلك حاصل بمجرد الإذن ، وسيأتي في المسألة الخامسة إن شاء الله تعالى عن القاضي حسين خلاف في هذا ، والله أعلم . الخامسة : إذا وطىء المشتري المبيعة فقد سبق الخلاف في كونه إجازة منه ، وأما خيار البائع فإن كان جاهلا بوطء المشترء لم يسقط قطعا ، وإن أدركه حصلت الإجازة منه قطعا ، ولا يجب على المشتري مهر ولا قيمة الوطء قطعا ، وتصير الجارية أم ولد ، فإن لم يأذن له ، ولكن علم أنه يطأ ، أو رآه يطأ وسكت عليه ، فهل يسقط خيار البائع ويكون مجيزا فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : لا يكون مجيزا قطعا ، وكما لو سكت على وطء أمته لا يسقط به المهر قطعا ، أو على تخريق ثوبه لا يسقط القيمة قطعا ، هكذا ذكر الأصحاب المسألة ، ولم يفرقوا بين خيار الشرط وخيار المجلس ، وقال المتولي : إذا أبطلنا خيار المشتري بالوطء وكان البائع جاهلا بوطء المشتري فإن كان خيار الشرط لم يبطل حق البائع منه ، وإن كان خيار المجلس فوجهان ، بناء على الوجهين السابقين فيما إذا أسقط المشتري خياره ، هل يسقط خيار البائع أم لا وهذا الذي قاله شاذ مردود والمذهب أنه لا يسقط خيار المجلس والحالة هذه كالشرط ، قال القاضي حسين : ولو أذن له البائع في الوطء ولم يطأها ، هل يبطل خيار البائع بمجرد الإذن فيه خلاف مرتب إن قلنا : إذا رآه يطأ فسكت يبطل ، فهنا أولى ، وإلا فوجهان ، والفرق أنه وجد هنا صريح والإذن ، والله أعلم .

193


194
فرع : إذا تصرف المشتري في المبيع ببيع أو رهن أو هبة أو تزويج ونحوها ، وصححناه ، يبطل خيار البائع إذا لم يكن أذن في ذلك بلا خلاف . واحتج له المتولي بأن هذه التصرفات لا تبطل مالية الممتنع ، وهي قابلة للرفع والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن جن من له الخيار ، أو أغمي عليه ، انتقل الخيار إلى الناظر في ماله وإن مات ، فإن كان في خيار الشرط انتقل الخيار إلى من ينتقل إليه المال ، لأنه حق ثابت لإصلاح المال ، فلم يسقط بالموت كالرهن وحبس المبيع على الثمن ، فإن لم يعلم الوارث حتى مضت المدة ففيه وجهان أحدهما يثبت له الخيار في القدر الذي بقي من المدة ، لأنه لما انتقل الخيار إلى غير من شرط له بالموت وجب أن ينتقل إلى غير الزمان الذي شرط فيه والثاني : أنه تسقط المدة ويثبت الخيار للوارث على الفور ، لأن المدة فاتت وبقي الخيار ، فكان على الفور كخيار الرد بالعيب ، وإن كان في خيار المجلس فقد روى المزني أن الخيار للوارث وقال في المكاتب : إذا مات وجب البيع ، فمن أصحابنا من قال : لا يسقط الخيار بالموت في المكاتب وغيره وقوله في المكاتب : وجب البيع . أراد به أنه لا ينفسخ بالموت كما تنفسخ الكتابة ، ومنهم من قال : يسقط الخيار في بيع المكاتب ولا يسقط في بيع غيره لأن السيد يملك بحق الملك ، فإذا لم يملك في حياة المكاتب لم يملك بعده موته والوارث يملك بحق الإرث فانتقل إليه بموته . ومنهم من نقل جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وخرجهما على قولين أحدهما أنه يسقط الخيار لأنه إذا سقط الخيار بالتفرق فلأن يسقط بالموت والتفرق فيه أعظم أولى والثاني : لا يسقط ، وهو الصحيح ، لأنه خيار ثابت لفسخ البيع ، فلم يبطل بالموت كخيار الشرط ، فعلى هذا إن كان الذي انتقل إليه الخيار حاضرا ثبت له الخيار إلا أن يتفارقا أو يتخايرا وإن كان غائبا ثبت له الخيار إلى أن يفارق الموضع الذي بلغه فيه .

+ الشرح : قوله حق ثابت لإصلاح المال احتراز ممن أسلم على أكثر من أربع زوجات ، وأسلمن ، ومات قبل الاختيار ، فإن الخيار لا ينتقل إلى الوارث وقوله : خيار ثابت لفسخ البيع . احتراز بالفسخ عن خيار القبول في إيجاب البيع ، وهو إذا قال البائع : بعتك فمات المشتري قبل القبول لم يقبل الوارث عنه . واحترز بالبيع عن فسخ النكاح بالعيب وبعتق الأمة تحت عبده . أما الأحكام : فاتفقت نصوص الشافعي وطرق الأصحاب على أن خيار الشرط وخيار الرد بالعيب ينتقل إلى الوارث بموت المورث ، وإلى السيد

194


195
بموت المكاتب في مدته ولا خلاف في هذا ، إلا أن الرافعي حكى أن في خيار الشرط قولا شاذا أنه يسقط بالموت مخرجا من خيار المجلس ، وهذا ضعيف جدا ومردود ، فإذا قلنا بالمذهب فإن كانت المدة باقية عند بلوغ الخبر ثبت للوارث الخيار إلى انقضائها ، وإن كانت قد انقضت فأربعة أوجه ، الوجهان الأولان منها مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : يكون على الفور . قال الروياني وغيره : هذا ظاهر نصه في الأم والوجه الثاني : يثبت في القدر الذي كان بقي عند الموت والثالث : يبقى الخيار ما دام المجلس الذي بلغه فيه الخبر ، حكاه القفال والروياني وآخرون من الخراسانيين والوجه الرابع : يسقط الخيار ، ويلزم البيع بمجرد مضي المدة ، حكاه الروياني ، وبه جزم الماوردي لفوات المدة وهذا شاذ مردود والله أعلم وأما خيار المجلس فإذا مات أحد المتعاقدين في المجلس نص الشافعي أن الخيار لوارثه وقال في المكاتب : إذا باع ومات في المجلس وجب البيع ، وللأصحاب في المسألتين ثلاث طرق مشهورة ، ذكرها المصنف بدلائلها واضحة أحدها : وهو قول أبي إسحاق المروزي وأكثر أصحابنا المتقدمين وهو أصحها عند الأصحاب : في المسألتين قولان أصحهما : يثبت الخيار للوارث ولسيد المكاتب ، كخيار الشرط والرد بالعيب والثاني : لا يثبت ، بل يلزم البيع بمجرد الموت ، لأنه أبلغ في المفارقة من مفارقته بالبدن والطريق الثاني : يثبت لهما قطعا ، وتأويل نص المكاتب بما ذكره المصنف ، وبهذا الطريق قال أبو علي ابن أبي هريرة والثالث : تقرير النصين ، وهو ثبوت الخيار للوارث دون السيد ، والفرق أن الوارث خليفة الميت بخلاف السيد . ولو مات العاقدان في المجلس ففي انتقال الخيار إلى وارثهما وسيد المكاتب الخلاف المذكور في موت أحدهما ، صرح به الدارمي والأصحاب والله أعلم . أما إذا باع العبد المأذون له ، أو اشترى ومات في المجلس ، فكالمكاتب وكذا الوكيل بالشراء إذا مات في المجلس ، هل للموكل الخيار فيه الخلاف كالمكاتب ، هذا إذا فرعنا على الصحيح أن الاعتبار بمجلس الوكيل ، وفي وجه شاذ ضعيف يعتبر مجلس الموكل ، وهو شاذ ليس بشيء . قال أصحابنا : فإن لم يثبت الخيار للوارث فقد انقطع خيار الميت وأما العاقد الآخر الحي فذكر البغوي أن خياره لا ينقطع حتى يفارق ذلك المجلس ، وقال إمام الحرمين : يلزم العقد من الجانبين . قال الرافعي : ويجوز تقرير خلاف لما سبق أن هذا الخيار لا يتبعض سقوطه كموته ، وذكر القاضي حسين فيه وجهين أحدهما : يمتد إلى أن يفارق مجلسه ثم ينقطع والثاني : يبقى إلى أن يجتمع هو والوارث الآخر والثالث : يمتد إلى مفارقته مجلس العقد ، وهذا هو

195


196
الصحيح وهو الذي جزم به البغوي ، وحكى الروياني وجها رابعا أنه ينقطع خياره بموت صاحبه ، فإذا بلغ الخبر إلى وارثه حدث لهذا الحي الخيار معه ، وهذا شاذ ضعيف . فإن قلنا : يثبت الخيار للوارث فإن كان حاضرا في المجلس امتد الخيار بينه وبين العاقد الآخر حتى يتفرقا أو يتخايرا ، وإن كان غائبا فله الخيار إذا وصله الخبر ، وهل هو على الفور أم يمتد امتداد مجلس بلوغ الخبر إليه فيه وجهان كالوجهين في خيار الشرط إذا ورثه الوارث ، وبلغه الخبر بعد مضي مدة الخيار ، ففي وجه هو على الفور ، وفي وجه يمتد كما كان يمتد للميت لو بقي ، ومنهم من بناهما على الوجهين في كيفية ثبوته للعاقد الباقي أحدهما : له الخيار ، ما دام في مجلس العقد ، فعلى هذا يكون خيار الوارث ثابتا في المجلس الذي يشاهد فيه المبيع والثاني : يتأخر خياره إلى أن يجتمع هو والوارث في مجلس فحينئذ يثبت الخيار للوارث ، وجمع القاضي حسين في تعليقه هذا الخلاف ، فحكى في المسألة ثلاثة أوجه أحدهما : يثبت له على الفور والثاني : ما لم يفارق مجلس بلوغ الخبر والثالث : ما لم يجتمع هو والعاقد الآخر ، وحكى الروياني وجها رابعا أنه يثبت له الخيار إذا أبصر السلعة ، ولا يتأخر عن ذلك والأصح : أن خيار الوارث يثبت ما دام في مجلس بلوغ الخبر إليه وبه قطع المصنف وشيخه القاضي أبو الطيب والماوردي وآخرون ، وهو قول أبي إسحاق المروزي . فرع : إذا ورث خيار المجلس اثنان فصاعدا وكانوا حضورا في مجلس العقد ، فلهم الخيار إلى أن يفارقوا العاقد الآخر ، ولا ينقطع بمفارقة بعضهم على الأصح المشهور ، وبه جزم الأكثرون ، فإن كانوا غائبين عن المجلس قال المتولي : إن قلنا في الوارث الواحد : يثبت الخيار في مجلس مشاهدة المبيع فلهم الخيار إذا اجتمعوا في مجلس وإن قلنا له الخيار إذا اجتمع هو والعاقد ، وكذا لهم الخيار إذا اجتمعوا هم وهو ، ومتى فسخ بعضهم وأجاز بعضهم فوجهان مشهوران ، حكاهما ابن القطان والقاضي حسين والمتولي والروياني وغيرهما أحدهما : لا ينفسخ في شيء وأصحهما : ينفسخ في الجميع كالمورث لو فسخ في حياته في بعضه ، وأجاز في بعض . قال المتولي : ولا خلاف أنه لا يبعض الفسخ ، لأن فيه إضرارا بالعاقد الآخر ، قال ولو حضر بعضهم وغاب البعض فللحاضر الخيار ، فإن فسخ وقلنا : يغلب الفسخ نفذ الفسخ في الجميع ، وإن أجاز توقفنا حتى يبلغ الخبر إلى الغائب ، هذا ما نقله المتولي . وقال الماوردي والروياني : إن مات البائع فلكل واحد من ورثته أن ينفرد بالفسخ في حصته بلا خلاف ، وإن مات المشتري فوجهان أحدهما : يثبت الفسخ لكل

196


197
من ورثته كعكسه وأصحهما : ليس لأحدهما الفسخ ، والفرق أن المشتري يثبت له الخيار بتبعيض الصفقة عليه ، فيزول عنه الضرر ، بخلاف البائع ، والمذهب ما ذكره المتولي . فرع : لو جن أحد العاقدين أو أغمي عليه لم ينقطع الخيار ، بل يقوم وليه أو الحاكم مقامه ، فيفعل ما فيه الحظ من الفسخ والإجازة . هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والأصحاب ، وفيه وجه مخرج من الموت أنه ينقطع حكاه جماعة من الخراسانيين منهم المتولي والروياني ، قال : وليس هو بشيء ، ولو خرس أحدهما في المجلس قال أصحابنا : إن كانت له إشارة مفهومة أو كتابة فهو على خياره وإلا نصب الحاكم نائبا عنه ، وهذا متفق عليه عند أصحابنا . فرع : إذا جن أحد العاقدين أو أغمي عليه في مدة الخيار ، وأقام القاضي فيما يقوم مقامه في الخيار ، ففسخ القيم أو أجاز ، فأفاق العاقد وادعى أن الغبطة خلاف ما فعله القيم ، قال القاضي حسين وغيره : ينظر الحاكم في ذلك فإن وجد الأمر كما يقول المفيق مكنه من الفسخ والإجازة ، ونقض فعل القيم ، وإن لم يكن ما ادعاه المفيق ظاهرا فالقول قول القيم مع يمينه ، لأنه أمين فيما فعله إلا أن يقيم المفيق بينة بما ادعاه . فرع : قال القاضي حسين : حيث أثبتنا خيار المجلس أو الشرط للوارث ، وكان واحدا فإن قال : أجزت انبرم العقد ، وإن قال : فسخت انفسخ ، وإن قال : أجزت وفسخت ، أو فسخت وأجزت ، فالحكم باللفظ المتقدم منهما ، وإن قال : أجزت في النصف وفسخت في النصف ، غلب الفسخ ، كما لو فسخ أحد العاقدين وأجاز الآخر ، فإنه يقدم الفسخ كما سبق . فرع : لو حضر الموكل مجلس العقد ، فحجر على الوكيل في خيار المجلس ، فمنعه الفسخ والإجازة ، فقد ذكر الغزالي في البسيط و الوسيط كلاما معناه أن فيه احتمالين أحدهما : يجب الامتثال فينقطع خيار الوكيل ، قال : وهو مشكل لأنه يلزم منه رجوع الخيار إلى الموكل ، وهو مشكل والثاني : لا يمتثل لأنه من لوازم السبب السابق ، وهو المنع ، لكنه مشكل لأنه مخالف نيابة الوكالة التي مقتضاها امتثال قول الموكل ، وهذا الثاني أرجح هذا معنى كلام الغزالي ، وليس في المسألة خلاف ، وإن كانت عبارته موهمة إثبات خلاف ، والله أعلم .

197


198
فرع : إذا كان الخيار لأحدهما دون الآخر فمات من لا خيار له ، بقي الخيار للآخر بلا خلاف ، قال المتولي : وهذا كما أن الدين المؤجل لا يحل بموت من له الدين ، وإنما يحل بموت من عليه وتتصور المسألة في الشرط ، وتتصور في خيار المجلس إذا أجاز أحدهما دون الآخر ثم مات المخير في المجلس . فرع : إذا شرط الخيار لأجنببي ، وصححناه وخصصناه به دون الشارط فمات ، ففي انتقاله إلى الشارط الخلاف المذكور في المكاتب ، ذكره المتولي وغيره ، وسبق بيانه في مسألة شرط الخيار للأجنبي ، قال المتولي : ولا خلاف أنه ينتقل إلى وارث الأجنبي قال : وكذا لو شرط الوكيل الخيار لنفسه حيث يصح ، وخصصناه به فمات ، لا ينتقل إلى وارثه بلا خلاف ، وفي انتقاله إلى الموكل الخلاف كالمكاتب ، وحكى الفوراني وجها أنه ينتقل إلى وارث الوكيل ، وهذا ضعيف أو غلط ، وحكى أيضا طريقا آخر أنه ينتقل إلى الموكل قطعا وادعى أنه المذهب لأنه نائبه ، وطريقا ثالثا أنه يبطل الخيار قطعا وحكى القاضي حسين هذا الطريق ، والمذهب المشهور أنه كالمكاتب ، والصحيح على الجملة أنه ينتقل إلى الموكل ، قال : وكذا المكاتب إذا شرط الخيار ثم عجز نفسه ، هل ينتقل الخيار إلى سيده فيه الخلاف ، والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن خيار الرد بالعيب يثبت للوارث بلا خلاف إذا مات الوارث قبل التقصير المسقط ، وهذا حكم خيار الخلف فيما إذا شرط أن العبد كاتب فأخلف ونحوه قال المتولي : وهكذا الخيار الثابت للبائع عند عجز المشتري عن تسليم الرهن المشروط في البيع ينتقل إلى الوارث ، فأما خيار القبول فلا يورث بلا خلاف ، وصورته إذا قال البائع : بعتكه فمات المشتري ووارثه حاضر فقبل في الحال لا يصح ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الأصحاب . وحكى الروياني وجها أنه إذا قبل وارثه في الحال صح البيع وهو شاذ باطل ، وقد سبقت المسألة بفروعها في مسائل ازيجاب والقبول ، قال المتولي : والفرق بينهما أن خيار القبول ليس بلازم ، لأن من عليه وهو البائع لو قال : رجعت أو أبطلت الإيجاب بطل خيار المشتري بخلاف الخيار في هذه المسألة ، فإنه لازم ، حتى لو قال من عليه الخيار لصاحبه أبطلت عليك خيارك ، لم يبطل حقه ، فما كان جائزا سقط بالموت ، وما كان لازما لم يسقط بالموت كالعقود فإنه يبطل بالموت الجائز منها دون اللازم . فرع : قال المتولي : لو وهب لولده شيئا فمات الواهب لا ينتقل حق الرجوع فيه إلى الورثة لأنهم لا يرثون العين فلا يرثون الخيار منها ، وكما لا يورث حق النكاح ، قال

198


199
المتولي : وحد ما يورث وما لا يورث من الحقوق أن كل حق لازم متعلق بالمال يورث بوراثة المال ، وهذا كلامه ، وليس هذا الذي قاله حدا صحيحا ، فإنه ترك أشياء كثيرة ولم تدخل في حده منها حد القذف ومنها القصاص ومنها النجاسات المنتفع بها كالكلب والسرجين وجلد الميتة وغير ذلك ، والله أعلم . فرع : إذا مات صاحب الخيار وقلنا : ينتقل إلى الورثة فكانوا أطفالا أو مجانين قال الروياني وغيره : ينصب القاضي ( قيما يفعل ) ما هو المصلحة من الفسخ والإجازة ، كما لو جن صاحب الخيار ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وفي الوقت الذي ينتقل الملك في البيع الذي فيه خيار المجلس أو خيار الشرط ، ثلاثة أقوال أحدها : ينتقل بنفس العقد لأنه عقد معارضة يوجب الملك فانتقل الملك فيه بنفس العقد كالنكاح والثاني : أنه يملك بالعقد وانقضاء الخيار ، لأنه لا يملك التصرف إلا بالعقد وانقضاء الخيار ، فدل على أنه لا يملك إلا بهما والثالث : أنه موقوف مراعى ، فإن لم يفسخ العقد تبينا أنه ملك بالعقد ، وإن فسخ تبينا أنه لم يملك ، لأنه لا يجوز أن يملك بالعقد ، لأنه لو ملك بالعقد لملك التصرف ، ولا يجوز أن يملك بانقضاء الخيار ، لأن انقضاء الخيار لا يوجب الملك . فثبت أنه موقوف مراعى ، فإن كان المبيع عبدا فأعتقه البائع نفذ عتقه ، لأنه إن كان باقيا على ملكه فقد صادف العتق ملكه ، وإن كان قد زال ملكه عنه إلا أنه يملك الفسخ فجعل العتق فسخا ، وإن أعتقه المشتري لم يخل إما أن يفسخ البائع البيع أو لا يفسخ فإن لم يفسخ وقلنا : إنه يملكه بنفس العقد ، أو قلنا : إنه موقوف نفذ عتقه لأنه صادف ملكه وإن قلنا : إنه لا يملك بالعقد لم يعتق ، لأنه لم يصادف ملكه . وإن فسخ البائع وقلنا : إنه لا يملك بالعقد أو موقوف لم يعتق ، لأنه لم يصادف ملكه . وإن قلنا : إنه يملك بالعقد ففيه وجهان قال أبو العباس : إن كان موسرا عتق ، وإن كان معسرا لم يعتق ، لأن العتق صادف ملكه ، وقد تعلق به حق الغير فأشبه عتق المرهون ومن أصحابنا من قال : لا يعتق ، وهو المنصوص ، لأن البائع اختار الفسخ والمشتري اختار الإجازة بالعتق ، والفسخ والإجازة إذا اجتمعا قدم الفسخ ، ولهذا لو قال المشتري : أجزت ، وقال البائع بعده : فسخت ، قدم الفسخ وبطلت الإجازة ، وإن كانت سابقة للفسخ فإن قلنا : لا

199


200
يعتق عاد العبد إلى ملك البائع وإن قلنا يعتق ، فهل يرجع البائع بالثمن أو القيمة قال أبو العباس يحتمل وجهين أحدهما يرجع بالثمن ، ويكون العتق مقررا للعقد ومبطلا للفسخ والثاني : أنه يرجع بالقيمة ، لأن البيع انفسخ وتعذر الرجوع إلى العين ، فرجع إلى قيمته كما لو اشترى عبدا بثوب واعتق العبد ، ووجد البائع بالثوب عيبا فرده فإنه يرجع بقيمة العبد ، فإن باع البائع المبيع أو وهبه صح لأنه إما أن يكون على ملكه فيملك العقد عليه ، وإما أن يكون للمشتري إلا أنه يملك الفسخ فجعل البيع والهبة فسخا . وإن باع المشتري المبيع أو وهبه نظرت فإن كان بغير رضى البائع فإن قلنا إنه في ملك البائع لم يصح تصرفه ، وإن قلنا : إنه في ملكه ففيه وجهان قال أبو سعيد الإصطخري : يصح ، وللبائع أن يختار الفسخ ، فإذا فسخ بطل تصرف المشتري . ووجهه أن التصرف صادف ملكه الذي ثبت للغير فيه حق الانتزاع فأشبه إذا اشترى شقصا فيه شفعة فباعه ومن أصحابنا من قال : لا يصح لأنه باع عينا تعلق بها حق الغير من غير رضاه ، فلم يصح ، كما لو باع الراهن المرهون ، فأما إذا تصرف فيه برضى البائع نظرت فإن كان عتقا نفذ لأنهما رضيا بامضاء البيع ، وإن كان بيعا أو هبة ففيه وجهان أحدهما لا يصح ، لأنه ابتدأ بالتصرف قبل أن يتم ملكه والثاني يصح لأن المنع من التصرف لحق البائع وقد رضي البائع .

+ الشرح : قوله : ( لأنه عقد معاوضة يوجب الملك ) احترز بالمعاوضة عن الهبة ، فإنها لا تملك بالعقد ، بل بالقبض ، وعن الوصية وبقوله : يوجب الملك عن الكتابة ، فإنها عقد معاوضة لكن لا توجب الملك ، فإن العبد لا يملك نفسه أبدا ، وإنما فائدة عتقه تقدم ملك فيه وقوله : فأشبه عتق المرهون يعني على أصح الأقوال الثلاثة المشهورة فيه وقوله : ثبت للغير فيه حق ، هذا مما أنكره بعض أهل العربية على الفقهاء وغيرهم ، فقال : لفظة غير لا تدخل عليها الألف ، وكذا كل وبعض ، وجوزه آخرون ، وقد أوضحته في تهذيب الأسماء و اللغات . أما الأحكام : فقال أصحابنا : في ملك المبيع في زمن خيار المجلس وخيار الشرط ثلاثة أقوال مشهورة ، ذكرها المصنف بدليلها أحدها : أنه ملك للمشتري ينتقل إليه بنفس العقد ويكون الثمن ملكا للبائع ، قال الماوردي : وهذا نصه في باب زكاة الفطر والثاني : أنه باق على ملك البائع ، ولا يملكه المشتري إلا بعد انقضاء الخيار من غير فسخ ، ويكون

200


201
الثمن باقيا على ملك المشتري ، قال الماوردي : وهذا نصه في الأم والثالث : موقوف ، فإن تم البيع حكمنا بأنه كان ملكا للمشتري بنفس العقد . وإلا فقد بان أن ملك البائع لم يزل . وهكذا يكون الثمن موقوفا على هذا القول ، وفي موضع الأقوال ثلاثة طرق حكاها المتولي وغيره أحدها : أنه إذا كان الخيار لهما إما بالشرط وإما بالمجلس أما إذا كان لأحدهما ، فالمبيع على ملكه لأنه ملك التصرف والطريق الثاني : أنه لا خلاف في المسألة ، بل إن كان الخيار للبائع فالملك له ، وإن كان للمشتري فله ، وإن كان لهما فموقوف وتنزل الأقوال على هذه الأحوال والثالث : طرد الأقوال في جميع الأحوال وهو الأصح عند عامة الأصحاب منهم العراقيون والحليمي ، هذا نقل الرافعي . وقال إمام الحرمين : طرد الأئمة الأحوال الثلاثة فيه إذا كان لهما أو لأحدهما قال : وقال بعض المحققين : إن كان الخيار لهما ففيه الأقوال ، وإن كان الخيار للمشتري فالأصح أن الملك له ، وإن كان الخيار للبائع فالأصح : أن المبيع باق على ملكه ، قال الإمام : وكان شيخي يقول : يتجه أن يجعل ذلك قولا رابعا . واختلف أصحابنا في الأصح من هذه الأقوال ، فصححت طائفة القول بأن المشتري يملك بنفس العقد ، منهم الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب وإمام الحرمين وغيرهم ، وبه قطع المحاملي في المقنع ، وسليم الرازي في الكفاية ، والجرجاني في التحرير وهو مذهب أحمد ، وصححت طائفة قول الوقف ، ممن صححه البغوي ، وصححت طائفة التفصيل فقالوا : إن كان الخيار للبائع ، فالأصح أن الملك له ، وإن كان الخيار للمشتري وحده فالأصح أن الملك له . وإن كان لهما فالأصح أنه موقوف ، وممن صحح هذا التفصيل القفال ، حكاه عنه الروياني في البحر ، وأشار إلى موافقته وصححه أيضا صاحب البيان والرافعي في كتابيه الشرح الكبير و المحرر ، وقطع به الروياني في الحلية ، والله أعلم . التفريع : قال أصحابنا رحمهم الله : لهذه الأقوال فروع كثيرة ، منها ما يذكر في أبوابه ، ومنها ما يذكر هنا فمنها كسب العبد والأمة المبيعين في زمن الخيار ، فإن تم البيع فهو للمشتري إن قلنا الملك له أو موقوف وإن قلنا الملك للبائع فوجهان أصحهما : وبه قال الجمهور : الكسب للبائع ، لأن الملك له عند حصوله ، وقال أبو علي الطبري : هو للمشتري واستدل له المتولي وغيره بأن سبب زوال ملك البائع موجود حال وجود الزيادة . فلم يجعل لها حكم ، وجعلت تابعة للعين ، وكان لمن استر ملك العين له ، وإن

201


202
فسخ البائع فهو للبائع إن قلنا : الملك له أو موقوف وإن قلنا للمشتري فوجهان مشهوران أصحهما : للمشتري والثاني : للبائع ، وبه قال أبو إسحاق المروزي قال المتولي هما مبنيان على أن الفسخ يرفع العقد من حينه أو من أصله ، وفيه وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أصحهما : من حينه والثاني : من أصله فإن قلنا من حينه فهو للمشتري ، وإلا فللبائع . قال أصحابنا : وفي معنى الكسب ، اللبن والشعر والثمرة ومهر الجارية إذا وطئت بشبهة أو أكرهت على الزنا وكون الجميع حكم كسب العبد على التفصيل والخلاف ومنها النتاج ، فإن وجد حدوث الولد وانفصاله في مدة الخيار لامتداد المجلس فهو كالكسب ، وإن كانت الجارية أو البهيمة حاملا عند البيع وولدت في زمن الخيار بني على أن الحمل هل له حكم وهل يأخذ قسطا من الثمن وفيه قولان مشهوران ذكرهما المصنف بعد هذا بدليلهما أحدهما : لا كالأعضاء ، فعلى هذا هو كالكسب كما سبق بلا فرق وأصحهما له قسط كما لو بيع بعد الانفصال مع الأم فعلى هذا يكون الحمل مع الأم كعينين بيعتا معا ، فإن فسخ البيع فهما للبائع وإلا فللمشتري ومنها العتق فإذا أعتق البائع العبد المبيع في زمن الخيار المشروط لهما أو للبائع وحده نفذ إعتاقه على كل قول ، وهذا لا خلاف فيه ، ودليله ما ذكره المصنف . وإن أعتقه المشتري فإن قلنا الملك للبائع لم ينفذ إن فسخ البيع قطعا ، وكذا إن تم على أصح الوجهين ، وهو المنصوص لما ذكره المصنف وإن قلنا : موقوف ، فالعتق أيضا موقوف ، فإن تم البيع بأن نفوذه وإلا فلا وإن قلنا : الملك للمشتري ففي نفوذ العتق وجهان أصحهما : وهو ظاهر النص لا ينفذ صيانة لحق البائع على الاتصال والثاني : ينفذ ، وبه قال ابن سريج ، وعلى هذا وجهان أصحهما : وبه قطع المصنف أنه إنما ينفذ إذا كان موسرا بقيمته ، فإن كان معسرا فلا ، كالموهوب على أصح الأقوال والثاني : ينفذ موسرا كان أو معسرا فإن قلنا : لا ينفذ فاختبار البائع الإجازة ففي الحكم بنفوذه الآن وجهان أصحهما : لا ينفذ فإن قلنا : ينفذ فهل ينفذ من وقت الإجازة أم من وقت الإعتاق فيه وجهان أصحهما : من وقت الإجازة وإن قلنا بقول ابن سريج ففي بطلان خيار البائع وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : يبطل وليس له إلا الثمن وأصحهما : لا يبطل لكن لا يرد العتق ، بل إذا فسخ أخذ قيمة العبد كنظيره في الرد بالعيب . فعلى هذا إن اختلفا في قيمة العبد وتعذرت معرفتها لموته أو غيبته ونحو ذلك فالقول قول المشتري ، لأنه غارم ، هذا كله إذا كان الخيار لهما أو للبائع . أما : إذا كان للمشتري وحده فينفذ إعتاقه على جميع الأقوال بلا خلاف لأنه إما مصادف ملكه ، وإما إجازة ، وليس فيه إبطال حق لغيره ، وإن أعتقه

202


203
البائع وكان الخيار للمشتري وحده فإن قلنا : الملك للمشتري لم ينفذ سواء تم البيع أو فسخ ، وفيما إذا فسخ الوجه الشاذ السابق الناظر إلى المال . وإن قلنا : موقوف لم ينفذ إن تم البيع وإلا فينفذ وإن قلنا : الملك للبائع فإن انفسخ العقد بطل العتق وإلا فقد أعتق ، تبينا ثبوت الاستيلاد وإلا فلا ، فلو ملكها بعد ذلك عاد القولان ، وعلى قولنا : الملك للمشتري في ثبوت الاستيلاد الخلاف السابق في العتق ، فإن لم يثبته في الحال وتم البيع تبينا ثبوته ، ورتب الخراسانيون الخلاف في الاستيلاد على الخلاف في العتق ، ثم اختلفوا فقيل : الاستيلاد أولى بالثبوت وقيل عكسه ، قال إمام الحرمين : ولا تبعد التسوية ، قال أصحابنا : والقول في وجوب قيمة الولد على المشتري كالقول في ملكه الذي تعلق به حق لازم ، فهو كإعتاق المرهون والله أعلم . ومنها : الوطء فإن كان الخيار لهما أو للبائع ففي حله للبائع طرق أحدهما : إن قلنا : الملك له فحلال ، وإلا فوجهان وجه الحل أنه يتضمن الفسخ ، وفي ذلك عود الملك إليه معه أو قبيله والطريق الثاني : إن قلنا : لا ملك له فحرام ، وإلا فوجهان وجه التحريم ضعف الملك والثالث : القطع بالحل مطلقا ، قال الرافعي : والمذهب من هذا كله الحل إن جعلنا الملك له ، والتحريم إن لم نجعله له ، ولا مهر عليه بحال بلا خلاف وأما : وطء المشتري فحرام قطعا ، والصورة فيما إذا كان الخيار لهما أو للبائع وحده لأنه وإن ملك على قول فملك ضعيف ولكن لو وطىء فلا حد على الأقوال كلها بلا خلاف لوجود الملك أو شبهته وأما : المهر فإن تم البيع لم يلزمه إن قلنا الملك له أو موقوف وإن قلنا للبائع فوجهان الصحيح وقول الجمهور وجوب المهر له وقال : أبو إسحاق : لا يجب نظرا إلى المال ، فإن فسخ البيع وجب المهر للبائع إن قلنا الملك له أو موقوف وإن قلنا للمشتري فوجهان أصحهما : لا مهر والثاني : يجب لضعف ملكه وزواله . فإن أولدها المشتري فالولد نسيب بلا خلاف على الأقوال كلها لأنه وطء في ملك أو شبهة . وأما الاستيلاد فإن قلنا الملك للبائع لم يثبت . ثم إن تم البيع أو ملكها بعد ذلك ففي ثبوته حينئذ القولان المشهوران ، فيمن وطىء جارية غيره بشبهة ، ثم ملكها أصحهما : لا يثبت ، وعلى الوجه الضعيف الناظر إلى المال يثبت إذا تم البيع بعد الاستيلاد بلا خلاف وعلى قول الوقف إن تم البيع تبينا ثبوت الاستيلاد وإلا فلا ، فلو ملكها بعد ذلك عاد القولان ، وعلى قولنا : الملك للمشتري في ثبوت الاستيلاد الخلاف السابق في العتق ، فإن لم نثبته في الحال وتم البيع في المهر . وإذا وجبت قيمة الولد اعتبرت يوم الولادة فإن وضعته ميتا لم يجب قيمته ، لأنه لم يخل بينه وبينه ، هذا كله إذا كان لهما أو للبائع فأما : إذا كان للمشتري وحده فحكمه حل الوطء له كما سبق في حله في

203


204
طرف البائع إذا كان الخيار لهما أو للبائع ، وأما البائع فيحرم عليه الوطء هنا ، فلو وطىء فالقول في وجوب المهر ، وفي ثبوت الاستيلاد ووجوب القيمة كما ذكرنا في طرف المشتري إذا كان الخيار لهما أو للبائع ، والله تعالى أعلم . قال القاضي حسين : إذا قلنا الملك للمشتري وأحبلها ثبت الاستيلاد وبطل خياره ، وفي بطلان خيار البائع وجهان ، فإن أبطلناه انبرم العقد واستقر الثمن ، وإن لم نبطله فاختار البائع الإجازة فكذلك ، فإن فسخ البيع فهل يبطل الاستيلاد إن قلنا لا يبطل العتق فالاستيلاد أولى وإلا فوجهان والفرق أن الاستيلاد فعل وهو أقوى من العتق . ولهذا ينفذ استيلاد المجنون والسفيه والمريض والأب في جارية ابنه دون إعتاقهم فإن قلنا : لا يفسخ الاستيلاد رجع بقيمتها وإن قلنا : له فسخه استرد الجارية ، والله أعلم . ومنها : بيع البائع والمشتري وهبتهما وسائر عقودهما وسبق بيانها قبل هذا الفصل ، والله أعلم . فرع : إذا اشترى عبدا لجارية ثم أعتقهما معا ، فإن كان الخيار لهما عتقت الجارية بناء على ما سبق أن إعتاق البائع نافذ متضمن للفسخ ، ولا يعتق العبد المشترى ، وإن قلنا : الملك فيه لمشتريه لما فيه من إبطال حق صاحبه ، هذا هو الأصح ، وعلى الوجه القائل بنفاذ إعتاق المشتري تفريعا على أن الملك للمشتري يعتق العبد ، ولا تعتق الجارية ، أما إذا كان الخيار لمشتري العبد فثلاثة أوجه أصحها : يعتق العبد لأنه أجازه ، والأصل استمرار العقد والثاني : تعتق الجارية ، لأن عتقها فسخ فقدم على الإجازة ، ولهذا لو فسخ أحد المتبايعين وأجاز الآخر قدم الفسخ والثالث : لا يعتق واحد منهما أما إذا كان الخيار لبائع العبد وحده فالمعتق بالإضافة إلى العبد مشتر ، والخيار لصاحبه ، وبالإضافة إلى الجارية بائع ، والخيار لصاحبه ، وقد سبق الخلاف في اعتقاهما ، قال الرافعي والذي يفتي به أنه لا ينفذ العتق في واحد منهما في الحال فإن فسخ صاحبه نفذ في الجارية وإلا ففي العبد . ولو كانت المسألة بحالها واعتقهما مشتري الجارية فليقس الحكم بما سبق ، وإن كان الخيار لهما عتق العبد دون الجارية على الأصح ، وإن كان للمعتق وحده فعلى الأوجه الثلاثة ففي الأول يعتق العبد ، وفي الثاني الجارية ، ولا يخفى حكم الثالث ، والله أعلم . أما إذا أعتق أحد المتعاقدين أحد المبيعين فقال القاضي حسين : إن قلنا الخيار يمنع الملك نفذ عتقه فيما باع وإن قلنا : لا يمنع قلنا له : عين أحدهما للعتق فإن عين ما اشتراه كان كاعتاق المشتري في مدة الخيار ، وإن عين فيما باع نفذ قطعا .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن كان المبيع جارية لم يمنع البائع من وطئها ، لأنها

204


205
باقية على ملكه في بعض الأقوال ويملك ردها إلى ملكه في بعض الأقوال فإذا وطئها انفسخ البيع . ولا يجوز للمشتري وطؤها لأن في أحد الأقوال لا يملكها ، وفي الثاني مراعي فلا يعلم هل يملكها أم لا وفي الثالث يملكها ملكا غير مستقر ، فإن وطئها لم يجب الحد ، وإن أحبلها ثبت نسب الولد وانعقد الولد حرا لأنه إما أن يكون في ملك أو شبهة ملك . وأما المهر وقيمة الولد وكون الجارية أم ولد فإنه يبني على الأقوال ، فإن أجاز البائع البيع بعد وطء المشتري وقلنا إن الملك للمشتري أو موقوف لم يلزمه المهر ولا قيمة الولد ، وتصير الجارية أم ولد ، لأنها مملوكته وإن قلنا : إن الملك للبائع فعليه المهر ، وقال أبو إسحاق لا يلزمه كما لا تلزمه أجرة الخدمة ، والمذهب الأول ، لأنه وطىء في ملك البائع ، ويخالف الخدمة فإن الخدمة تستباح بالإباحة ، والوطء لا يستباح ، وفي قيمة الولد وجهان أحدهما : لا تلزمه لأنها وضعته في ملكه والاعتبار بحال الوضع ألا ترى أن قيمة الولد تعتبر حال الوضع والثاني : تلزمه لأن العلوق حصل في غير ملكه ، والاعتبار بحال العلوق لأنها حال الإتلاف ، وإنما تأخر التقويم في حالة الوضع لأنه لا يمكن تقويمه في حال العلوق ، وهل تصير الجارية أم ولد فيه قولان كما قلنا فيمن أحبل جارية غيره بشبهة ، فأما إذا فسخ البيع وعادت إلى ملكه فإن قلنا : إن الملك للبائع أو موقوف وجب عليه المهر وقيمة الولد ، ولا تصير الجارية في الحال أم ولد ، وهل تصير أم ولد إذا ملكها فيه قولان وإن قلنا : إن الملك للمشتري لم يجب عليه المهر ، لأن الوطء صادف ملكه ومن أصحابنا من قال : يجب ، لأنه لم يتم ملكه عليها ، وهذا يبطل به إذا أجاز البائع البيع ، وعلى قول أبي العباس تصير أم ولد كما تعتق إذا أعتقها عنده ، وهل يرجع البائع بقيمتها أو بالثمن فيه وجهان ، وقد بينا ذلك في العتق ، وعلى المنصوص أنها لا تصير أم ولد له ، لأن حق البائع سابق فلا يسقط بإحبال المشتري ، فإن ملكها المشتري بعد ذلك صارت أم ولد ، لأنها إنما لم تصر أم ولد له في الحال لحق البائع ، فإذا ملكها صارت أم ولد . وإن اشترى جارية فولدت في مدة الخيار بنينا على أن احمل هل له حكم في البيع وفيه قولان أحدهما : له حكم ويقابله قسط من الثمن ، وهو الصحيح ، لأن ما أخذ قسطا من الثمن بعد الانفصال أخذ قسطا من الثمن قبل الانفصال كاللبن والثاني لا حكم له ولا قسط له من الثمن ، لأنه يتبعها في العتق ، فلم يأخذ قسطا من الثمن كالأعضاء فإن قلنا : إن له

205


206
حكما فهو مع الأم بمنزلة العينين المبيعتين ، فإن امضى العقد كانا للمشتري ، وإن فسخ العقد كانا للبائع ، كالعينين المبيعتين وإن قلنا لا حكم له نظرت ، فإن أمضى العقد وقلنا : إن الملك ينتقل بالعقد أو موقوف ، فهما للمشتري وإن قلنا : إنه يملك بالعقد وانقضاء الخيار فالولد للبائع ، فإن فسخ العقد وقلنا : إنه يملك بالعقد وانقضاء الخيار ، أو قلنا : إنه موقوف فالولد للبائع وإن قلنا : يملك بالعقد فهو للمشتري ، وقال أبو إسحاق : الولد للبائع ، لأن على هذا القول لا ينفذ عتق المشتري ، وهذا خطأ لأن العتق يفتقر إلى ملك تام ، والنماء لا يفتقر إلى ملك تام .

+ الشرح : هذه المسائل كلها واضحة ، وسبق شرحها في الفصل السابق ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن تلف المبيع في يد المشتري في مدة الخيار ، فلمن له الخيار الفسخ والإمضاء ، لأن الحاجة التي دعت إلى الخيار باقية بعد تلف المبيع ، فإن فسخ وجبت القيمة على المشتري ، لأنه تعذر رد العين فوجب رد القيمة ، وإن امضينا العقد فإن قلنا : إنه يملك بنفس العقد أو موقوف فقد هلك من ملكه وإن قلنا : يملك بالعقد وانقضاء الخيار وجب على المشتري قيمته ، والله أعلم .

+ الشرح : قوله : ( وجبت قيمته ) قال : وجب بدله ، كان أحسن وأعلم ليدخل فيه المثل فيما له مثل قال أصحابنا : إذا تلف المبيع في مدة الخيار في يد المشتري لم ينقطع الخيار ، بل يبقى الخيار في الفسخ والإمضاء لمن كان له ، لما ذكره المصنف ، وقال الخراسانيون : إذا تلف في يد المشتري فإن قلنا : الملك للبائع انفسخ البيع كالتلف وإن قلنا : للمشتري أو موقوف نظر إن أتلفه أجنبي بنى على ما لو تلف بآفة سماوية ، وفيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى فإن قلنا : ينفسخ العقد هناك فهو كإتلاف الأجنبي المبيع قبل القبض ، وسيأتي حكمه إن شاء تعالى . وإن قلنا : لا ينفسخ وهو الأصح فكذا هنا ، وعلى الأجنبي البدل وهو المثل إن كان مثليا وإلا فالقيمة ويبقى الخيار بحاله ، فإن تم البيع فالبدل للمشتري وإلا فللبائع ، وإن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن ، فإن أتلفه في يد البائع ، وجعلنا إتلافه قبضا فهو كما لو تلف في يده ، وإن أتلفه البائع في يد المشتري قال المتولي : يبنى على إتلافه كاتلاف الأجنبي أم كالتلف بآفة سماوية وفيه خلاف مشهور فقال : القاضي حسين : إن أتلفه البائع في يد نفسه وقلنا : الملك له انفسخ العقد له وإن

206


207
قلنا : للمشتري ففي انفساخه قولان إن قلنا : لا ينفسخ بطل خيار البائع ، وفي خيار المشتري وجهان وإن قلنا : لا يبطل ففسخ فذاك فإن أجاز أخذ من البائع القيمة ، ورجع إليه بالثمن . فرع : قال أصحابنا : إذا تلف المبيع بآفة سماوية في زمن الخيار فإن كان قبل القبض انفسخ البيع ، وإن كان بعده وقلنا : الملك للبائع انفسخ أيضا ، فيسترد الثمن ويغرم المشتري للبائع البدل ، وهو المثل أو القيمة ، وفي كيفية القيمة الخلاف المشهور في كيفية غرامه المقبوض بالسوم وإن قلنا : الملك للمشتري أو موقوف فوجهان أو قولان أحدهما : ينفسخ أيضا لحصول الهلاك قبل استقرار العقد وأصحهما : لا ينفسخ لدخوله في ضمان المشتري بالقبض ، ولا أثر لولاية الفسخ كما في خيار العيب ، فإن قلنا بالانفساخ فعلى المشتري القيمة . قال إمام الحرمين : وهنا نقطع باعتبار قيمة يوم التلف لأن الملك قبل ذلك للمشتري . فإن قلنا : بعدم الانفسخ ففي انقطاع الخيار وجهان أحدهما : ينقطع كما ينقطع خيار الرد بالعيب بتلف المبيع وأصحهما : لا كما لا يمتنع التحالف بثمن المبيع ، ويخالف الرد بالعيب لأن الضرر هناك يندفع بالأرش فإن قلنا : بالأول استقر العقد ولزم الثمن وإن قلنا : بالثاني فإن تم العقد وجب الثمن وإلا وجبت القيمة على المشتري ، ويرد الثمن ، وإن تنازعا في قدر القيمة فالقول قول المشتري بيمينه ، وقطعت طائفة من الأصحاب بعدم الانفساخ وإن قلنا : الملك للبائع وهو ظاهر كلام المصنف قال الإمام : وذكروا تفريعا أنه لو لم ينفسخ حتى انقضى زمن الخيار فعلى البائع رد الثمن ، وعلى المشتري القيمة ، قال الإمام : وهذا تخليط ظاهر ، والله أعلم . فرع : لو تلف بعض المبيع في زمن الخيار بعد أن قبض المشتري بأن اشترى عبدين فقبضهما فتلف أحدهما ففي الانفساخ في التالف الخلاف للسابق ، فإن انفسخ جاء في الآخر قولا تفريق الصفقة ، وإن لم ينفسخ بقي خياره في الباقي إن قلنا : يجوز رد أحد العبدين إذا اشتراهما بشرط الخيار ، وإلا ففي بقاء الخيار في الباقي الوجهان ، وإذا بقي الخيار فيه ففسخ رده مع قيمة التالف . فرع : لو قبض المبيع في زمن الخيار ثم أودعه عند البائع فتلف في يده فهو كما لو تلف في يد المشتري ، حتى إذا فرعنا على أن الملك للبائع ينفسخ البيع ويسترد الثمن ويغرم القيمة ، هكذا جزم به الدارمي وآخرون وحكاه إمام الحرمين عن الصيدلاني ، ثم

207


208
أبدى احتمالا لنفسه في سقوط القيمة لحصول التلف بعد العود إلى يد المالك . ونقل القاضي حسين عن نص الشافعي أن المشتري يلزمه القيمة قال القاضي : وهذا تفريع على أن الملك للمشتري ، وقد تلف في يده لأن يد المستودع يد المودع حكما قال : وفيه قول آخر أنه لا ينفسخ العقد والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : لا يجب على البائع تسليم المبيع ، وعلى المشتري تسليمه الثمن في مدة الخيار ، فلو تبرع أحدهما بالتسليم لم يبطل خياره ولا يجبر الآخر على تسليم ما عنده ، وله استرداد المدفوع ، هذا هو المذهب ، وفيه وجه ضعيف أنه ليس له استرداده ، وله أخذ ما عند صاحبه بغير رضاه ، وممن حكى هذا الوجه الرافعي . فرع : قال : لو اشترى زوجته بشرط الخيار ثم خاطبها بالطلاق في زمن الخيار فإن تم العقد وقلنا : الملك للمشتري أو موقوف لم يقع الطلاق وإن قلنا : للبائع وقع على أصح الوجهين وإن فسخ وقلنا : هو للبائع أو موقوف وقع وإن قلنا : للمشتري فوجهان ، وليس له الوطء في زمن الخيار لأنه لا يدري أيطأ بالملك أو بالزوجية هذا هو الصحيح المنصوص وفيه وجه ضعيف أن له الوطء . قال الروياني : فإن تم البيع فهل يلزمه استبراؤها فيه وجهان بناء على جواز الوطء ( إن حرمناه ) وجب الاستبراء وإلا فلا . قال : وإن انفسخ البيع فإن قلنا : الملك للبائع أو موقوف فالنكاح بحاله وإن قلنا : الملك للمشتري فوجهان أحدهما ينفسخ لحصوله في ملكه والثاني : قال وهو ظاهر مذهب الشافعي رحمه الله أن النكاح بحاله ، لأن ملكه غير مستقر ، قال الروياني : ولو طلقها ثم استبرأها ثم راجعها في مدة الخيار ، فإن تم البيع فالرجعة باطلة ، وإن فسخ فإن قلنا : لا يملك بالعقد أو قلنا موقوف صحت الرجعة وإن قلنا : يملك بنفس العقد ففي صحة الرجعة وجهان . فصل : في مسائل وفروع تتعلق بباب الخيار في البيع منها : ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ، ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار وفي رواية إلا أن يكون البيع خيارا وفي رواية : أو يخير أحدهما صاحبه وفي رواية : أو يقول لصاحبه اختر واختلف العلماء من أصحابنا وغيرهم في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : إلا بيع الخيار على ثلاثة أقوال جمعها القاضي حسين في تعليقه والروياني وآخرون من أصحابنا أصحها : المراد التخيير بعد تمام العقد ، وقبل مفارقة المجلس ، وتقديره : لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا في المجلس ، فيلزم البيع

208


209
بنفس التخاير ، ولا يدوم إلى المفارقة والثاني : معناه إلا بيعا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو دونها ، فلا ينقضي الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضي المدة المشروطة والثالث : معناه إلا بيعا شرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس ، فيلزم البيع بمجرد العقد ، ولا يكون فيه خيار ، وهذا على الوجه الضعيف السابق لأصحابنا فيما إذا تبايعا على أن لا خيار ، وقلنا : يصح البيع ولا خيار ، فهذا ينفسخ على الأقوال المذكورة في تفسيره واتفق أصحابنا على ترجيح القول الأول ، وهو المنصوص للشافعي ، ونقلوه عنه ، وأبطل كثير من أصحابنا ما سواه ، وغلطوا قائله ، وممن رجحه من المحدثين البيهقي فقال : الروايتان الأخيرتان من الروايات التي ذكرتها تدل على أن المراد بالقول الأول الأولى ثم بسط دلائله وضعف ما يعارضها ثم قال : وذهب كثيرون من أهل العلم إلى تضعيف الأثر المنقول عن عمر رضي الله عنه البيع صفقة أو الخيار وأن البيع لا يجوز فيه شرط قطع الخيار ، وأن المراد ببيع الخيار التخيير بعد البيع ، أو بيع شرط فيه خيار ثلاثة أيام ، فلا ينقطع خيارهما بالتفرق ثم قال : والصحيح أن المراد التخيير بعد البيع لأن نافعا ربما عبر عنه ببيع الخيار وربما فسره ، قال : والذي يبين هذا رواية أبي داود عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعان بالخيار حتى يتفرقا أو يكون بيع خيار قال : وربما قال نافع أو يقول أحدهما للآخر إختر رواه مسلم في صحيحه هذا كلام البيهقي . وممن قال بالقول الأول أيضا من المحدثين الترمذي فقال في جامعه المشهور : معناه إلا أن يخير البائع المشتري بعد إيجاب البيع ، فإذا أحضره فاختار البيع ، ليس لهما خيار بعد ذلك في فسخ البيع ، وإن لم يتفرقا ، قال : هكذا فسره الشافعي وغيره ، وهكذا نقل الشيخ أبو حامد والأصحاب هذا التفسير عن الشافعي ، وجزم به كثيرون ، ومن ذكر منهم خلافا صححه ، ونقل ابن المنذر في الإشراف هذا التفسير عن سفيان الثوري والأوزاعي وسفيان بن عيينة وعبيد الله بن

209


210
الحسن العنبري والشافعي وإسحاق بن راهويه والله أعلم . فرع : قال المزني في المختصر : قال الشافعي : وكل متبايعين في سلعة وعين وصرف وغيره فلكل واحد منهما الخيار حتى يتفرقا تفرق الأبدان إلى آخره ، قال القاضي حسين والروياني وغيرهما : غلط المزني في قوله : سلعة وعين ، فإنهما شيء واحد ، وإنما قال الشافعي : في سلف بالفاء أو عين وأراد بالسلف السلم ، وأما قوله : تفرق الأبدان فاحتراز من تأويل أبي حنيفة فإنه يقول : المراد بالحديث حتى يتفرقا بالقول ، وهو تمام عقد البيع ، والله سبحانه أعلم . فرع : قال الشافعي في مختصر المزني : ولا بأس بنقد الثمن في بيع الخيار . قال أصحابنا : أراد بنقد الثمن تسليمه إلى البائع ، قال أصحابنا : فلا يكره تسليم الثمن في مدة الخيار إلى البائع ، وتسليم المبيع إلى المشتري في مدة الخيار ، هذا مذهبنا وبه قال أبو حنيفة : وقال مالك : يكره تسليم الثمن في مدة الخيار ، وإنما يسلم بعدها ، قال : لأن قبضه تصرف ، ولا يجوز التصرف فيه قبل انقضاء الخيار ، ولأنه يصير بيعا وسلفا ، فإنه إذا سلم إليه الثمن ثم فسخا البيع استرجع الثمن منه ، فيصير كأنه أقرضه الثمن واسترجعه منه قبل التصرف ، وقد نهى عن بيع وسلف . واحتج أصحابنا بأن القبض حكم من أحكام العقد ، فكان في مدة الخيار كالفسخ والإمضاء ، ولأنه لا ضرر في قبضه في مدة الخيار ، وما لا ضرر فيه لا يمنع منه ، لأن امتناع التسليم قبل انقضاء الخيار لحق المتعاقدين ، فإذا تراضيا عليه جاز كالإقالة وغيره وأما قوله : القبض تصرف فلا يسلمه أصحابنا ، وكذا لا يسلمون أن هذا بيع وسلف ، ولا يؤدي إليه ولا ما في معناه ، والله أعلم . قال أصحابنا : وإذا سلم المشتري الثمن إلى البائع في مدة الخيار أو سلم البائع المبيع إلى المشتري لا يسقط خيارهما بلا خلاف عندنا . ونقل القاضي حسين عن مالك إسقاط الخيار لأنه يتضمن الرضى . واحتج أصحابنا بأن مقصوده بالتسليم الخلاص من عهدة ضمانه ، قال القاضي حسين : وهل له بعد ذلك أن ينزعه من يد صاحبه عند استيقاء العوض الآخر فيه وجهان أحدهما : له ، لأن هذا التسليم لا يسقط الخيار فلا يسقط حق الحبس والثاني : ليس له ، لتضمنه إسقاط حق الحبس . فرع : إذا ألحقنا بالحبس في مدة خيار المجلس أو خيار الشرط زيادة في الثمنم أو نقصا أو زيادة خيار أو أجازا وشرطا نقدا أو نحو ذلك ، فهل يلحق فيه ثلاثة أوجه

210


211
سنذكرها بفروعها مبسوطة إن شاء الله تعالى في باب ما يفسد البيع من الشرط أصحها : أنه كالمقارن للعقد والثاني : أنه لغو والثالث : إن كان في خيار المجلس فكالمقارن وإن كان في خيار الشرط فلغو والله أعلم . فرع : قال صاحب البحر : إذا تقابضا الثمن المثمن في مدة الخيار ثم تفاسخا لزمهما ترداد العوضين ، وليس لواحد منهما حبس ما في يده بعد طلب صاحبه ، فليس له إذا طلب صاحبه أن يقول : لا أرد حتى ترد أنت ، بل إذا بدأ أحدهما بالمطالبة لزم الآخر الدفع إليه ، ثم يرد ما كان في يده قال : بخلاف ما لو قال البائع : لا أسلم المبيع حتى يسلم الثمن ، وقال المشتري : لا أسلم الثمن حتى يسلم المبيع ، فإن كل واحد حبس ما في يده حتى يدفع صاحبه على الخلاف المشهور فيه ، والفرق أن الفسخ هنا رفع حكم العقد وبقي التسليم بحكم اليد دون العقد ، واليد توجب الرد ، وهناك التسليم بالعقد والعقد يوجب التسليم من الجانبين . فرع : في مذاهب العلماء في شرط الخيار ، وهو جائز بالإجماع واختلفوا في ضبطه ، فمذهبنا أنه يجوز ثلاثة أيام فما دونها ولا يجوز أكثر ، وبه قال أبو حنيفة وعبد الله بن شبرمة وزفر والأوزاعي في رواية عنه وقال ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وعبيد الله بن الحسن العنبري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور يوسف ومحمد وابن المنذر وداود وفقهاء المحدثين يجوز في كل شيء بقدر الحاجة فيه ، فيجوز في الثوب ونحوه اليوم واليومان ، وفي الجارية ونحوها ستة أيام وسبعة ، وفي الدار نحو الشهر . فرع : في مذاهبهم إذا تبايعا بشرط الخيار غير مؤقت ، مذهبنا بطلان البيع لأن فيه غررا وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ، وقال أحمد وإسحاق : البيع صحيح ، وأن الخيار باطل ، وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى : البيع صحيح والشرط باطل ، لقوله صلى الله عليه وسلم : كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل قالا : وهذا ظاهر في إبطال الشرط وصحة البيع ، وقال مالك : ظاهر في إبطال الشرط وصحة البيع ، وقال مالك : البيع صحيح ويثبت لهما الخيار مدة تليق بذلك البيع ، والله أعلم .

211


212
باب ما يجوز بيعه وما لا يجوز

قال المصنف رحمه الله تعالى : الأعيان ضربان نجس وطاهر ، فأما النجس فعلى ضربين نجس في نفسه ونجس بملاقاة النجاسة ، فأما النجس في نفسه فلا يجوز بيعه ، وذلك مثل الكلب والخنزير والخمر والسرجين وما أشبه ذلك من النجاسات ، والأصل فيه ما روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تعالى حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام وروى أبو مسعود البدري وأبو هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ، فنص على الكلب والخنزير والميتة وقسنا عليها سائر الأعيان النجسة .

+ الشرح : أما حديث جابر رضي الله عنه فرواه البخاي ومسلم في صحيحهما طويلا ولفظه فيهما عن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة : إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال : لا هو حرام ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها حملوه ثم باعوه فأكلوا الميتة فقال حمله بالحاء وتخفيف الميم أحمله أي أدامه وأما حديث أبي مسعود البدري الأنصاري فرواه البخاري ومسلم أيضا ولفظه عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن وأما حديث أبي هريرة فرواه أبو داود بإسناد حسن

212


213
بلفظ حديث أبي مسعود واسم أبي مسعود عمرو بن عمرو الأنصاري البدري . قال أكثر العلماء : لم يشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزوة المشهورة ، وإنما قيل له : البدري لأنه سكن بدرا ولم يشهدها ، وقال محمد بن إسحاق إمام المغازي ، ومحمد بن شهاب الزهري إمام المغازي وغيرهما ، ومحمد بن إسماعيل البخاري صاحب الصحيح في صحيحه : إنه شهدها ، واتفقوا على أنه شهد العقبة مع السبعين ، وكان أصغرهم روى له عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة حديث وحديثان ، اتفق البخاري ومسلم على تسعة أحاديث منها ، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بسبعة ، سكن الكوفة وتوفي بها ، وقيل : توفي بالمدينة رضي الله عنه . وأما : السرجين فبكسر السين وفتحها وبالجيم ويقال بالقاف بدلها وسبق إيضاحه في أول كتاب الطهارة ، والله أعلم . أما حكم المسألة : فقد سبق في أول كتاب البيوع أن شروط البيع خمسة أن يكون طاهرا ، منتفعا به مقدورا على تسليمه ، معلوما ، مملوكا لمن وقع العقد له ، فبدأ المصنف بالشرط الأول وهو الطهارة فقال : النجس ضربان نجس في نفسه كالكلب والخنزير وما تولد منهما ، أو من أحدهما ، والخمر والنبيذ والسرجين والعذرة ودهن الميتة وعصبها وشعرها إذا قلنا بالمذهب إنه نجس وكذا ريشها ولبن ما لا يؤكل إذا قلنا بالمذهب إنه نجس وسائر الأعيان النجسة ، ولا يجوز بيعها بلا خلاف عندنا ، وسواء الكلب المعلم وغيره ، وسواء الخمر المحترمة وغيرها . ودليل المسألة ما ذكره المصنف ، والله أعلم . فرع : الفيلج بالفاء والجيم هو القز قال القاضي حسين في فتاويه وآخرون : يجوز بيعه في باطن الدود الميت ، لأن بقاءه من مصالحه كالنجاسة التي في جوف الحيوان ، قالوا : وسواء باعه ، وزنا أو جزافا ، وسواء كان الدود حيا أو ميتا ، فبيعه جائز بلا خلاف ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : في بيع فأرة المسك أو بيض ما لا يؤكل لحمه ودودة الغز وجهان

213


214
بناء على طهارتها ونجاستها أصحهما : الطهارة وجواز البيع وأما دود القز فيجوز بيعه في حياته بلا خلاف لأنه حيوان ينتفع به كسائر الحيوان ، وقد ذكر المصنف المسألة في آخر هذا الباب وسبق إيضاحها في باب إزالة النجاسة ، هذا مذهبنا ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز بيع بزر القز ولا دوده . دليلنا أنه طاهر منتفع به فجاز بيعه كسائر الطاهر المنتفع به . فرع : في حكم ما لا يؤكل لحمه : ذكرنا في باب إزالة النجاسة ثلاثة أوجه أصحها : وأشهرها أنه نجس والثاني : طاهر يحل شربه ، قال أصحابنا : إن قلنا : إنه نجس لا يجوز بيعه قال المتولي وآخرون : وإن قلنا : طاهر يحل شربه جاز بيعه وإن قلنا : طاهر لا يحل شربه ، فإن كان فيه منفعة مقصودة جاز بيعه وإلا فلا . فرع : ذكرنا أن بيع الخمر باطل سواء باعها مسلم أو ذمي أو تبايعها ذميان ، أو وكل المسلم ذميا في شرائها له ، فكله باطل بلا خلاف عندنا ، وقال أبو حنيفة : يجوز أن يوكل المسلم ذميا في بيعها وشرائها ، وهذا فاسد منابذ للأحاديث الصحيحة في النهي عن بيع الخمر . فرع : بيع الخمر وسائر أنواع التصرف فيها حرام على أهل الذمة كما هو حرام على المسلم ، هذا مذهبنا ، وقال أبو حنيفة : لا يحرم ذلك عليهم قال المتولي : المسألة مبنية على أصل معروف في الأصول وهو أن الكافر عندنا مخاطب بفروع الشرع ، وعندهم ليس بمخاطب وقد سبقت هذه المسألة في باب إزالة النجاسة . فرع : لو أتلف لغيره كلبا أو خنزيرا أو سرجينا أو ذرق حمام أو جلد ميتة قبل دباغه أو غير ذلك من الأعيان النجسة ، لم تلزمه قيمته بلا خلاف عندنا ، قال الماوردي : قال أصحابنا : لم يكن يعرف خلاف في أنه لا قيمة على من أتلف كلبا معلما ، حتى قال به مالك . فرع : ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز بيع الكلب ، سواء كان معلما أو غيره ، وسوءا كان جروا أو كبيرا ، ولا قيمة على من أتلفه ، وبهذا قال جماهير العلماء ، وهو مذهب أبي هريرة والحسن البصري والأوزاعي وربيعة والحكم وحماد وأحمد وداود وابن المنذر وغيرهم ، وقال أبو حنيفة : يصح بيع جميع الكلاب التي فيها نفع وتجب القيمة على متلفه ، وحكى ابن المنذر عن جابر وعطاء والنخعي جواز بيع الكلب للصيد دون غيره ، وقال مالك : لا يجوز بيع الكلب ، وتجب القيمة على متلفه ، وإن كان كلب صيد أو ماشية

214


215
وعنه رواية كمذهبنا ، ورواية كمذهب أبي حنيفة ، واحتج لمن جوز بيعه بالحديث المروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد . وفي رواية ثلاث كلهن سحت فذكر كسب الحجام ، ومهر البغي ، وثمن الكلب ، إلا كلب صيد وعن عمر رضي الله عنه أنه غرم رجلا عن كلب قتله عشرين بعيرا وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهما ، وقضى في كلب ماشية بكبش . ولأنه حيوان يجوز الانتفاع به فأشبه الفهد ، ولأنه تجوز الوصية به والانتفاع به ، فأشبه الحمار . واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة في النهي عن بيعه ، والنهي يقتضي الفساد ، فإنه لا قيمة على متلفه ، فمن الأحاديث حديث أبي مسعود البدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ، ومهر البغي وحلوان الكاهن رواه البخاري ومسلم وعن أبي جحيفة رضي الله عغنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ثمن الدم ، وعن ثمن الكلب ، ومهر البغي ، ولعن آكل الربا ، وموكله ، والواشمة ، والمستوشمة ، ولعن المصور رواه البخاري . وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كسب الحجام

215


216

216


216
خبيث ، ومهر البغي خبيث ، وثمن الكلب خبيث رواه مسلم ، وعن أبي الزبير قال : سألت جابرا رضي الله عنه عن ثمن الكلب والسنور فقال : زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذكل رواه مسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ، وقال إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا رواه أبو داود بإسناد صحيح . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل ثمن الكلب ، ولا حلوان الكاهن ، ولا مهر البغي رواه أبو داود بإسناد صحيح أو حسن . وعن ابن عباس قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم خاليا عند الركن ، فرفع بصره إلى السماء فقال : لعن الله اليهود ثلاثا ، إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها ، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه رواه أبو داود بإسناد صحيح ، ولأنه حيوان نجس فلم يجز بيعه كالخنزير . وأما : الجواب عما احتجوا به من الأحاديث والآثار ، فكلها ضعيفة باتفاق المحدثين ، وهكذا وضح الترمذي والدارقطني والبيهقي ضعفها ، ولأنهم لا يفرقون بين المعلم وغيره ، بل يجوزون بيع الجميع ، وهذه الأحاديث الضعيفة فارقة بينهما ، والجواب عن قياسهم على الفهد ونحوه أنه طاهر بخلاف الكلب ، والجواب عن قياسهم على الوصية أنها يحتمل فيها ما لا يحتمل في غيرها ، ولهذا تجوز الوصية بالمجهول والمعدوم والآبق ، والله أعلم . قال ابن المنذر : لا معنى لمن جوز بيع الكلب المعلم ، لأنه مخالف لما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ونهيه صلى الله عليه وسلم عام يدخل فيه جميع الكلاب ، قال : ولا يعلم خبر عارض الأخبار الناهية ، يعني خبرا صحيحا ، وقال البيهقي : الإسناد المذكور في كلب الصيد ليس ثابتا في الأحاديث الصحيحة ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : بيع الهرة الأهلية جائز بلا خلاف عندنا إلا ما حكاه البغوي في كتابه في شرح مختصر المزني عن ابن القاص أنه قال : لا يجوز ، وهذا شاذ باطل مردود ، والمشهور

216


217
جوازه ، وبه قال جماهير العلماء نقله القاضي عياض عن الجمهور ، وقال ابن المنذر : أجمعت الأمة على أن اتخاذه جائز ، ورخص في بيعه ابن عباس وابن سيرين والحكم وحماد ومالك والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وسائر أصحاب الرأي ، قال : وكرهت طائفة بيعه ، منهم أبو هريرة ومجاهد وطاووس وجابر بن زيد ، قال ابن المنذر : إن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن بيعه فبيعه باطل ، وإلا فجائز ، هذا كلام ابن المنذر واحتج من منعه بحديث أبي الزبير قال سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور فقال : زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك رواه مسلم . واحتج أصحابنا بأنه طاهر منتفع به ، ووجد فيه جميع شروط البيع بالخيار فجاز بيعه كالحمار والبغل . والجواب عن الحديث من وجهين أحدهما : جواب أبي العباس بن القاس وأبي سلمان الخطابي والقفال وغيرهم أن المراد الهرة الوحشية فلا يصح بيعها لعدم الانتفاع بها إلا على الوجه الضعيف القائل بجواز أكلها والثاني : أن المراد نهى تنزيه ، والمراد النهي على العادة بتسامح الناس فيه ، ويتعاورونه في العادة ، فهذان الجوابان هما المعتمدان وأما : ما ذكره الخطابي وابن المنذر أن الحديث ضعيف فغلط منهما لأن الحديث فس صحيح مسلم بإسناد صحيح ، وقول ابن المنذر : إنه لم يروه غير أبي الزبير عن حماد بن سلمة فغلط أيضا . فقد رواه مسلم في صحيحه من رواية معقل بن عبيد الله عن أبيه الزبير ، فهذان ثقتان روياه عن أبي الزبير ، وهو ثقة ، والله أعلم . فرع : قال ابن المنذر : أجمع العلماء على تحريم بيع الميتة والخمر والخنزير وشرائها ، قال : واختلفوا في الانتفاع بثمن الخمر فمنعه ابن سيرين والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق ، ورخص فيه الحسن البصري والأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأبو يوسف . فرع : مذهبنا المشهور أن عظم الفيل نجس سواء أخذ منه بعد ذكاته أو بعد موته ، ولنا وجه شاذ أن عظام الميتة طاهرة . وسبق بيانه في باب الآنية ، وسبق في باب الأطعمة وجه شاذ أن الفيل يؤكل لحمه ، فعلى هذا إذا ذكي كان عظمه طاهرا ، والمذهب نجاسته مطلقا ، ولا يجوز بيعه ولا يحل ثمنه ، وبهذا قال طاووس وعطاء بن أبي رباح ، وعمر بن

217


218
عبد العزيز ومالك وأحمد وقال ابن المنذر ، ورخص فيه عروة بن الزبير وابن جريج ، قال ابن المنذر : مذهب من حرم هو الأصح . فرع : بيع سرجين البهائم المأكولة وغيرها وذرق الحمام باطل ، وثمنه حرام . هذا مذهبنا ، وقال أبو حنيفة : يجوز بيع السرجين لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على بيعه من غير إنكار . ولأنه يجوز الانتفاع به فجاز بيعه كسائر الأشياء ، واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريبا ، وهذا عام إلا ما خرج بدليل كالحمار والعبد وغيرهما ، ولأنه نجس العين فلم يجز بيعه كالعذرة فإنهم وافقوا على بطلان بيعها مع أنه ينتفع بها وأما الجواب عما احتجوا به فهو ما أجاب به الماوردي أن بيعه إنما يفعله الجهلة والأرذال فلا يكون ذلك حجة في دين الإسلام وأما قولهم : إنه منتفع به فأشبه غيره ، فالفرق أن هذا نجس بخلاف غيره . فرع : جلد الميتة لا يجوز بيعه عندنا وعند الجمهور قبل الدباغ ، وجوزه أبو حنيفة ودليل المذهبين نحو ما سبق في الفرع قبله ، وممن حكى بطلان بيعه عن الجمهور العبدري في أول كتاب الطهارة . فرع : اتفق أصحابنا وغيرهم على أنه لو كان له كلاب فيها منفعة مباحة ككلب الصيد والزرع فمات قسمت بين ورثته ، كما يقسم السرجين وجلود الميتة وغير ذلك من النجاسات المنتفع بها . فرع : الوصية بالكلب المنتفع به ، والسرجين ونحوها من النجاسات جائزة بالاتفاق ، وفي إجارة الكلب وهبته وجهان مشهوران أصحهما : البطلان . وسنوضح كل ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ، ويورث الكلب بلا خلاف ، وممن نقل الاتفاق عليه الدارمي . فرع : قال الدارمي : يجوز قسمة الكلاب وليست بيعا ، وقال البغوي في كتابه مختصر المزني : إذا مات وخلف كلابا ففيه ثلاثة أوجه أحدها : يقسم بالقيمة ، قال : وهذا ضعيف لأنه لا قيمة والثاني : يقسم على طريق الانتفاع ، وقيل : على طريق نقل اليد والثالث : لا يقسم بل يترك بين الورثة كما لو خلف ورثة وجوهرة لا تقسم ، بل تترك

218


219
بينهم ، هذا ما حكاه البغوي والأصح : أنها تقسم باعتبار قيمتها عندما يرى لها قيمة كما في نظائره ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : فأما اقتناؤها فينظر فيه فإن لم يكن فيها منفعة مباحة ، كالخمر والخنزير والميتة والعذرة لم يجز اقتناؤها لما روى أنس رضي الله عنه قال : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الخمر تصنع خلا فكرهه وقال : أهرقها ولأن اقتناء ما لا منفعة فيه سفه ، فلم يجز ، فإن كان فيه منفعة مباحة كالكلب جاز اقتناؤه للصيد والماشية والزرع ، لما روى سالم بن عبد الله عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان وفي حديث أبي هريرة : إلا كلب صيد أو ماشية أو زرع ولأن الحاجة تدعو إلى الكلب في هذه المواضع فجاز اقتناؤه ، وهل يجوز اقتناؤه لحفظ الدروس فيه وجهان أحدهما : لا يجوز للخبر والثاني : يجوز ، لأنه حفظ مال فأشبه الزرع والماشية . وهل يجوز لمن لا يصطاد أن يقتنيه ليصطاد به إذا أراد فيه وجهان أحدهما : يجوز للخبر والثاني : لا يجوز ، لأنه لا حاجة به إليه ، وهل يجوز اقتناء الجرو للصيد والماشية والزرع فيه وجهان أحدهما لا يجوز لأنه ليس فيه منفعة يحتاج إليها والثاني : يجوز لأنه إذا جاز اقتناؤه للصيد جاز اقتناؤه لتعليم ذلك وأما السرجين فإنه يكره اقتناؤه وتربية الزرع لما فيه من مباشرة النجاسة .

+ الشرح : أما حديث أنس فرواه مسلم في صحيحه بمعناه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الخمر تتخذ خلا فقال : لا وفي الصحيح أحاديث كثيرة صريحة في إراقة الخمر منها حديث لأبي سعيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا أيها الناس إن الله يعرض بالخمر ،

219


220
ولعل الله سينزل فيها فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به ، قال : فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله حرم الخمر . فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربه ولا يبيعه ، فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طرق المدينة فسفكوها رواه مسلم ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية خمر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل علمت أن الله قد حرمها قال لا فسارر إنسانا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بم ساررته قال : أمرته ببيعها ، فقال : إذا الذي حرم شربها حرم بيعها ، ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها رواه مسلم . وفي الصحيحين عن أنس أنه لما نزل تحريم الخمر أمره أبو طلحة أن يريق الخمر التي كانت عندهم فأراقها وعن أنس أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا قال : أهرقها ، قال : أفلا أجعلها خلا قال : لا رواه أبو داود بإسناد صحيح أو حسن . وأما : حديث ابن عمر وأبي هريرة فرواه البخاري ومسلم عن طرق في بعضها : نقص من أجره كل يوم قيراطان وفي بعضها : قيراط ، قال صاحب البحر : والقيراط عبارة عن جزء من عمله قال : واختلفوا في المراد به فقيل : ينقص من ماضي عمله ، وقيل : من مستقبله قال : واختلفوا في محل نقص القيراطين فقال : قيراط من عمل النهار ، وقيراط من عمل الليل ، وقيل : قيراط من عمل الفرض ، وقيراط من عمل النفل ، هذا كلامه . وأما : اختلاف الرواية في قيراط وقيراطين فقيل : يحتمل أنه لنوعين من الكلاب أحدهما أشد ضررا ، أو لمعنى فيهما ، أو يكون ذلك مختلفا باختلاف المواضع ، فيكون القيراطان في المدينة خاصة لزيادة فضلها ، والقيراط في غيرها ، أو القيراطان في القرى والقيراط في البراري ، أو أنه في زمنين ، فذكر القيراط ثم زاد التغليظ فذكر قيراطان وقد أوضحت هذا مع سبب النقص وما يتعلق

220


221
به في شرح صحيح مسلم رضي الله عنه . والله سبحانه أعلم ، وسالم المذكور هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم والجرو بكسر الجيم وفتحها والكسر أفصح ، وحكى الجوهري ضمها . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : لا يجوز اقتناء الخنزير سواء كان فيه عدوى تعدو الناس أم لم يكن ، لكن إن كان فيه عدوى وجب قتله قطعا ، وإلا فوجهان أحدهما : يجب قتله والثاني : يجوز قتله ، ويجوز إرساله وهو ظاهر نص الشافعي ، وقد ذكر المصنف المسألة في آخر كتاب السير ، وهناك نبسطها إن شاء الله تعالى ، وهذا الخلاف في وجوب قتله كما ذكرنا ، وأما اقتناؤه فلا يجوز بحال ، كذا صرح به المصنف والروياني وآخرون . والثانية : يكره اقتناء العذرة والميتة ، وقال المصنف ومن تابعه : لا يجوز ، وظاهره التحريم ، وليس هو على ظاهره بل هو محمول على كراهة التنزيه ، وقد سبق بيان مثل هذه العبارة في باب الاستطابة في قوله : لا يجوز أن يستنجى بيمنيه . الثالثة : الخمر ضربان محترمة وغيرها وسبق بيانها في باب إزالة النجاسة والمحترمة يجوز إمساكها ، وغير المحترمة يحرم إمساكها ، وسبق بيان هذا كله ودليله في باب إزالة النجاسة . الرابعة : يكره اقتناء السرجين والوقود به وتربية الزرع والبقول لما ذكره المصنف وهي كراهة تنزيه وأشار الروياني إلى وجه أنه مباح لا مكروه وسبق في إزالة النجاسة بيان حكم الزرع والبقل النابت منه . الخامسة : قال الشافعي والأصحاب لا يجوز اقتناء الكلب الذي لا منفعة فيه ، وحكى الروياني عن أبي حنيفة جوازه دليلنا الأحاديث السابقة قال الشافعي والأصحاب : ويجوز اقتناء الكلب للصيد أو الزرع أو الماشية بلا خلاف لما ذكره المصنف ، وفي جواز إيجاده لحفظ الدور والدروب وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : الجواز وهو المصنوص في المختصر ، قال الشافعي : لا يجوز اقتناء الكلب إلا للصيد أو ماشية أو زرع وما في معناها . هذا نصه في المختصر قال القاضي حسين في تعليقه وفي جواز إيجاده في السفر للحراسة الوجهان أصحهما : الجواز . وفي جواز تربية الجرو للصيد أو الزرع أو غيرهما مما يباح اقتناء الكبير له فيه وجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : الجواز . ولو أراد إيجاد الكلب ليصطاد به إذا أراد ولا يصطاد به في الحال أو ليحفظ الزرع أو الماشية إذا سارا له فوجهان أصحهما : الجواز . واتفق الأصحاب على أنه يجوز اقتناء الكلب الكبير لتعليم الصيد وغيره وإنما الوجهان في الجرو أما إذا اقتنى كلب صيد ولا يريد أن يصطاد به في الحال ولا فيما بعد

221


222
فظاهر كلام الجمهور القطع بتحريمه ، وذكر صاحب الشامل أن الشيخ أبا حامد حكى عن القاضي أبي حامد فيه وجهين أحدهما : يجوز لأنه كلب صيد ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلا كلب صيد وأصحهما : لا يجوز ، لأنه اقتناء لغير حاجة ، فأشبه غيره من الكلاب ، ومعنى الحديث إلا كلبا يصطاد به ، وممن حكى الوجهين صاحب البيان أيضا . فرع : أما اقتناء ولد الفهد فالمشهور جوازه كالقرد والفيل وغيرهما ، وحكى صاحب البحر فيه طريقين المذهب : القطع بجوازه والثاني : فيه وجهان حكاهما القاضي أبو علي البندنيجي ، والله أعلم . فرع : قال أصحابنا : الكلب العقور والكلب يقتلان للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خمس يقتلن في الحل والحرم ، منها الكلب العقور قال أصحابنا : وإن لم يكن الكلب عقورا ولا كلبا لم يجز قتله ، سواء كان فيه منفعة أم لا وسواء كان أسود أم لا وهذا كله لا خلاف فيه بين أصحابنا ، وممن صرح به القاضي حسين وإمام الحرمين ، قال إمام الحرمين : الأمر بقتل الكلب الأسود وغيره كله منسوخ ، فلا يحل قتل شيء منها اليوم لا الأسود ولا غيره إلا الكلب العقور .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما النجس بملاقاة النجاسة فهو الأعيان الطاهرة إذا أصابتها نجاسة ، فينظر فيها ، فإن كان جامدا كالثوب وغيره جاز بيعه لأن البيع يتناول الثوب وهو طاهر ، وإنما جاورته النجاسة ، وإن كان مائعا نظرت فإن كان مما لا يطهر كالخل والدبس لم يجز بيعه لأنه نجس لا يمكن تطهيره من النجاسة ، فلم يجز بيعه كالأعيان النجسة ، وإن كان ماء ، ففيه وجهان أحدهما : لا يجوز بيعه لأنه نجس لا يطهر بالغسل ، فلم يجز بيعه كالخمر والثاني : يجوز بيعه لأنه يطهر بالماء فأشبه الثوب . فإن كان دهنا فهل يطهر بالغسل فيه وجهان أحدهما : لا يطهر ، لأنه لا يمكن عصره من النجاسة فلم يطهر كالخل والثاني : يطهر ، لأنه يمكن غسله بالماء فهو كالثوب فإن قلنا : لا يطهر لم يجز بيعه كالخل وإن قلنا : يطهر ففي بيعه وجهان

222


223
كالماء النجس ، ويجوز استعماله في السراج والأولى أن لا يفعل لما فيه من مباشرة النجاسة .

+ الشرح : قوله : لأنه لا يمكن عصره من النجاسة فلم يطهر كالخل ، هذا تعليل فاسد لأنه يقتضي أن المنع من طهارة الخل ونحوه والدهن إنما هو لتعذر العصر ، وقد علم أن الصحيح أنه لا يشترط العصر في طهارة المغسول من النجاسة ، بل التعليل الصحيح أنه لا يدخل الماء جميع أجزائه بخلاف الثوب ونحوه . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : إذا كانت العين متنجسة بعارض وهي جامدة كالثوب والبساط والسلاح والجلود والأواني والأرض وغير ذلك ، جاز بيعها بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، ونقلوا فيه إجماع المسلمين قال أصحابنا : فإن تستر شيء من ذلك بالنجاسة الواردة ففيه القولان في بيع الغائب . الثانية : إذا كانت العين الطاهرة المتنجسة بملاقاة النجاسة مائعة فينظر إن كانت لا يمكن تطهيرها كالخل واللبن والدبس والعسل والمرق ونحو ذلك لم يجز بيعها بلا خلاف ، لما ذكره المصنف ، ونقلوا فيه إجماع المسلمين ، وأما الصبغ النجس فالمشهور الذي قطع به الجمهور أنه لا يجوز بيعه كالخل ونحوه وشذ المتولي فحكم فيه طريقين أحدهما : هذا والثاني : أن في جواز بيعه طريقين كالزيت النجس أصحهما : لا يجوز لأنه لا يمكن تطهيره بخلاف الزيت على الوجه القائل بجواز بيعه وإنما يصبغ الناس به ثم يغسلون الثوب ، وممن حكى الوجه الشاذ في جواز بيع الصبغ النجس القاضي حسين والروياني وطرده القاضي حسين في الخل المتنجس قال لأنه يصبغ به . الثالثة : هل يجوز بيع الماء النجس فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : لا يجوز ، وبه قطع الغزالي في البسيط ، قال الروياني : وفيه طريق آخر وهو الجزم ببطلان بيعه لأنه لا يطهر بل يستحيل ببلوغه قلتين من صفة النجاسة إلى الطهارة كالخمر يتخلل . الرابعة : الدهن النجس ضربان ، ضرب نجس العين كودك الميتة فلا يجوز بيعه بلا خلاف ، ولا يطهر بالغسل والضرب الثاني : متنجس بالمجاورة كالزيت والشيرج والسمن ودهن الحيوان وغيره ، فهذا كله هل يطهر بالغسل فيه وجهان مشهوران أحدهما : يطهر كله والثاني : لا يطهر ، ودليلهما في الكتاب ، وفي المسألة وجه ثالث أنه يطهر الزيت ونحوه ، ولا يطهر السمن ، وممن ذكر هذا الوجه القاضي أبو الطيب والروياني وهو شاذ ، والصحيح عند الأصحاب أنه لا يطهر شيء من الأدهان بالغسل وهو ظاهر نص الشافعي ، وبه قال أبو علي الطبري ، قال صاحب الحاوي وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابه والوجه

223


235
الحرمين ، أطلق الأئمة الخلاف في جواز الاستصباح ، وفيه تفصيل عندي فإن كان السراج الذي فيه الدهن النجس بعيدا بحيث لا يلقى دخانه المتنجس به فلست أرى لتحريم هذا وجها ، فإن الانتفاع بالنجاسات لا يمنع ، وكيف يمنع مع تجويز تزبيل الأرض وتدميلها بالعذرة . قال : ولعل الخلاف في جواز الاستصباح ناشىء من لحوق الدخان وفيه تفصيل نذكره أما رماد الأعيان النجسة فنجس على المذهب ، وفيه وجه ضعيف وأما دخان الأعيان النجسة إذا أحرقت وقلنا : رمادها نجس ففي دخانها وجهان أصحهما : نجس ، وبه كان يقطع شيخي وأما الدهن النجس في عينه كودك الميتة ففي دخانه الخلاف الذي ذكرناه وأما الدهن المتنجس بعارض فدخانه أجزاء الدهن ، وما وقع فيه ونجسه لا يختلط بالدخان فيظهر في هذا الدخان الحكم بالطهارة ، فإن الذي خالط الدهن يتخلف قطعا والدخان محض أجزاء الدهن ، قال : ولا يمنع على بعد أن يطرد الخلاف في جواز الاستصباح ، وإن بعد السراج ، لأن هذا ممارس نجاسة مع الاستغناء عنها ، بخلاف التزبيل فإنه لا يسد مسده شيء ، فكان في حكم الضرورة . هذا آخر كلام الإمام . فرع : في مذاهب العلماء في بيع الزيت النجس والسمن النجس . ذكرنا أن المشهور من مذهبنا أنه لا يمكن غسله ، ولا يصح بيعه ، وبه قال مالك وأحمد وجماهير العلماء . وقال أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد : يمكن غسله ويجوز بيعه قبل غسله كالثوب النجس ، وكما يجوز الاستصباح به والوصية به ، والصدقة والهبة ، وقال داود : يجوز بيع الزيت دون السمن ، وسبقت المسألة في آخر كتاب الأطعمة ، واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس السابق قريبا في مسألة بيع الكلب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه وهو حديث صحيح كما سبق ، وبحديث الفأرة تقع في السمن ، وقد سبق بيانه وأيضاح طرقه في آخر باب الأطعمة ، وبالقياس على اللبن والخل ونحوهما إذا وقعت فيها نجاسة والجواب : عن قياسهم على الثوب أنه يمكن غسله بالإجماع بخلاف الدهن ، ولأن المنفعة المقصودة بالثوب هي اللبس ، وهو حاصل مع أنه نجس ، والمنفعة المقصودة بالزيت الأكل ، وهو حرام وأما جواز الاستصباح به فلا يلزم منه جواز البيع ، كما أنه يجوز إطعام الميتة للجوارح ولا يجوز بيعها وأما الوصية به فمبناها على الرفق والمساهلة ، ولهذا احتملت أنواعا من الغرر وأما الصدقة فكالوصية ، وكذلك الهبة إن صححناها . وفيها خلاف سنوضحه قريبا متصلا بهذا إن شاء الله تعالى .

224


235
الحرمين ، أطلق الأئمة الخلاف في جواز الاستصباح ، وفيه تفصيل عندي فإن كان السراج الذي فيه الدهن النجس بعيدا بحيث لا يلقى دخانه المتنجس به فلست أرى لتحريم هذا وجها ، فإن الانتفاع بالنجاسات لا يمنع ، وكيف يمنع مع تجويز تزبيل الأرض وتدميلها بالعذرة . قال : ولعل الخلاف في جواز الاستصباح ناشىء من لحوق الدخان وفيه تفصيل نذكره أما رماد الأعيان النجسة فنجس على المذهب ، وفيه وجه ضعيف وأما دخان الأعيان النجسة إذا أحرقت وقلنا : رمادها نجس ففي دخانها وجهان أصحهما : نجس ، وبه كان يقطع شيخي وأما الدهن النجس في عينه كودك الميتة ففي دخانه الخلاف الذي ذكرناه وأما الدهن المتنجس بعارض فدخانه أجزاء الدهن ، وما وقع فيه ونجسه لا يختلط بالدخان فيظهر في هذا الدخان الحكم بالطهارة ، فإن الذي خالط الدهن يتخلف قطعا والدخان محض أجزاء الدهن ، قال : ولا يمنع على بعد أن يطرد الخلاف في جواز الاستصباح ، وإن بعد السراج ، لأن هذا ممارس نجاسة مع الاستغناء عنها ، بخلاف التزبيل فإنه لا يسد مسده شيء ، فكان في حكم الضرورة . هذا آخر كلام الإمام . فرع : في مذاهب العلماء في بيع الزيت النجس والسمن النجس . ذكرنا أن المشهور من مذهبنا أنه لا يمكن غسله ، ولا يصح بيعه ، وبه قال مالك وأحمد وجماهير العلماء . وقال أبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد : يمكن غسله ويجوز بيعه قبل غسله كالثوب النجس ، وكما يجوز الاستصباح به والوصية به ، والصدقة والهبة ، وقال داود : يجوز بيع الزيت دون السمن ، وسبقت المسألة في آخر كتاب الأطعمة ، واحتج أصحابنا بحديث ابن عباس السابق قريبا في مسألة بيع الكلب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه وهو حديث صحيح كما سبق ، وبحديث الفأرة تقع في السمن ، وقد سبق بيانه وأيضاح طرقه في آخر باب الأطعمة ، وبالقياس على اللبن والخل ونحوهما إذا وقعت فيها نجاسة والجواب : عن قياسهم على الثوب أنه يمكن غسله بالإجماع بخلاف الدهن ، ولأن المنفعة المقصودة بالثوب هي اللبس ، وهو حاصل مع أنه نجس ، والمنفعة المقصودة بالزيت الأكل ، وهو حرام وأما جواز الاستصباح به فلا يلزم منه جواز البيع ، كما أنه يجوز إطعام الميتة للجوارح ولا يجوز بيعها وأما الوصية به فمبناها على الرفق والمساهلة ، ولهذا احتملت أنواعا من الغرر وأما الصدقة فكالوصية ، وكذلك الهبة إن صححناها . وفيها خلاف سنوضحه قريبا متصلا بهذا إن شاء الله تعالى .

225


226
فرع : قال الروياني : قال أصحابنا : لا تجوز هبة الزيت النجس ولا التصدق به ، قال : وأرادوا بذلك على سبيل التمليك فأما على سبيل نقل اليد فيجوز كما قلنا في الكلب . هذا كلام الروياني وأما قوله : بجواز نقل اليد فهو كما قال ، ولا يجىء فيه خلاف وأما تملكه بالهبة والصدقة فينبغي أن يكون على الوجهين في الكلب ، وأولى بالجواز .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الأعيان الطاهرة فضربان ضرب لا منفعة فيه وضرب فيه منفعة فأما ما لا منفعة فيه فهو كالحشرات والسباع التي لا تصلح للاصطياد ، والطيور التي لا تؤكل ولا تصطاد ، كالرخمة والحدأة وما لا يؤكل من الغراب ، فلا يجوز بيعه ، لأن ما لا منفعة فيه لا قيمة له ، فأخذ العوض عنه من أكل المال بالباطل وبذل العوض فيه من السفه .

+ الشرح : قد قدمنا أن شروط المبيع خمسة أحدها : أن يكون منتفعا به ، وهذا شرط لصحة البيع بلا خلاف ، قال أصحابنا : ولعدم المنفعة سببان أحدهما : القلة كالحبة والحبتين من الحنطة والزبيب ونحوهما ، فإن هذا القدر لا يعد مالا ، قالوا : ولا ينظر إلى حصول النفع به إذا ضم إليه غيره وإلا إلى ما قد يفرض من وضع الحبة في فخ يصطاد به ، لأن هذه منفعة لا تقصد ، قال أصحابنا : ولا فرق في هذا كله بين زمن الرخص والغلاء ، قال أصحابنا : ولا خلاف أنه لا يجوز أخذ هذه الحبة من صبرة الغير ، فإن أخذها كان عاصيا ولزمه ردها ، فإن تلفت فوجهان الصحيح : أنه لا ضمان فيها إذ لا مالية لها والثاني : وهو قول القفال : يلزمه ضمان مثلها لأنها مثلية ، وهذا الذي ذكرناه من بطلان بيع الحبة ونحوها مما لا منفعة فيه لقلته هو المذهب ، وبه قطع الأصحاب في كل الطرق وشذ المتولي فحكى وجها ضعيفا أنه يصح بيعه وليش بشيء السبب الثاني : الحية كالحشرات فلا يجوز بيعها . قال أصحابنا : الحيوان الطاهر المملوك من غير الآدمي قسمان قسم : ينتفع به فيجوز بيعه كالإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير والظباء والغزلان والصقور والبزاة والفهود والحمام والعصافير والعقاب ، وما ينتفع بلونه كالطاووس ، أو صوته كالزرزور والببغاء والعندليب ، وكذلك القرد والفيل والهرة ودود القز والنحل ، فكل هذا وشبهه يصح بيعه بلا خلاف ، لأنه منتفع به وهذا الذي ذكرناه من صحة بيع النحل هو إذا شاهده المتعاقدان فإن لم يشاهدا جميعه ففيه تفصيل وخلاف ، وسنوضحه في الباب الذي بعد إن شاء الله تعالى حيث ذكره المصنف . قال أصحابنا : ويجوز بيع الجحش الصغير

226


227
بلا خلاف ، لأنه يئول إلى المنفعة والله أعلم . القسم الثاني : من الحيوان ما لا ينتفع به فلا يصح بيعه وذلك كالخنافس والعقارب والحيات والديدان والفأرة والنمل وسائر الحشرات ونحوها . قال أصحابنا : ولا نظر إلى منافعها المعدودة من خواصها لأنها منافع تافهة . قال أصحابنا : وفي معناها السباع التي لا تصلح للاصطياد ولا القتال عليها ، ولا تؤكل كالأسد والذئب والنمر والدب وأشباهها فلا يصح بيعها لأنه لا منفعة فيها قال أصحابنا : ولا ينظر إلى اقتناء الملوك لها للهيبة والسياسة ، هذا هو المذهب والمنصوص ، وبه قطع المصنف وسائر العراقيين وجمهور الخراسانيين . وحكى القاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي وجماعة آخرون من الخراسانيين وجها شاذا ضعيفا أنه يجوز بيع السباع لأنها طاهرة والانتفاع بجلودها بالدباغ متوقع ، وضعفوا هذا الوجه بأن المبيع في الحال غير منتفع به ، ومنفعة الجلد غير مقصودة ، ولهذا لا يجوز بيع الجلد النجس بالاتفاق وإن كان الانتفاع به بعد الدباغ ممكنا ، والله أعلم . قالالرافعي : ونقل أبو الحسن العبادي رحمه الله وجها أنه يجوز بيع النسل في ( عسكر مكرم ) وهي المدينة المشهورة بالمشرق ، قال : لأنه يعالج به السكر وبنصيبين لأنه يعالج به العقارب الطيارة ، وهذا الوجه شاذ ضعيف وأما الحدأة والرخمة والنعامة والغراب الذي لا يؤكل فلا يجوز بيعها ، هكذا قطع به جماهير الأصحاب ، قال إمام الحرمين : إن كان في أجنحة بعضها فائدة جاء فيها الوجه السابق في بيع السباع لجلودها ، قال الرافعي : إنكارا على الإمام بينهما فرق ، فإن الجلود تدبغ ولا سبيل إلى تطهير الأجنحة قلت : وجه الجواز على ضعفه الانتفاع بريشها في النبل ، فإنه وإن قلنا : بنجاسته يجوز الانتفاع به في النبل وغيره من اليابسات ، والله تعالى أعلم . فرع : العلق وهو هذا الدود الأسود والأحمر الذي يخرج من الماء ، وعادته أن يلقى على العضو الذي ظهر فيه غلبة الدم فيمص دمه . هل يجوز بيعه فيه طريقان أصحهما : وبه قطع إمام الحرمين والغزالي والبغوي في شرح المختصر وآخرون يجوز ، لأن فيه غرضا مقصودا وهو امتصاصه الدم من العضو المتألم والطريق الثاني : فيه وجهان وممن حكاه المتولي أصحهما : يجوز والثاني : لا ، لأنه حيوان مؤذ كالحية والعقرب . فرع : اتفق أصحابنا على جواز بيع العبد الزمن ، لأنه ينتفع به للاعتاق فإنه يثاب على عتقه بلا خلاف وأما الحمار الزمن والبغل الزمن فلا يجوز بيعهما على المذهب ، وبه قطع كثيرون وحكى القاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم وجها أنه يجوز بيعه للانتفاع بجلده بعد الدباغ ، وهو الوجه السابق في بيع السباع التي لا تصطاد .

227


228

قال المصنف رحمه الله تعالى : واختلف أصحابنا في بيع دار لا طريق لها أو بيع بيت من دار لا طريق إليه ، فمنهم من قال : لا يصح لأنه لا يمكن الانتفاع به ، فلم يصح بيعه ، ومنهم من قال : يصح لأنه يمكن أن يحصل له طريق فينتفع به فيصح بيعه .

+ الشرح : هذان الوجهان مشهوران أصحهما : صحة البيع . قال أصحابنا الخراسانيون : لو باع أرضا معينة محفوفة بملك البائع من جيمع الجوانب فإن شرط للمشتري حق الممر من جانب واحد ولم يعينه لم يصح البيع لاختلاف الغرض بالممر ، وإن شرط الممر من جانب معين صح البيع فإن قال : بعتها بحقوقها صح البيع ، وثبت للمشتري حق الممر من كل جانب ، كما كان للبائع قبل البيع ، وإن أطلق بيعها ولم يتعرض للممر فوجهان أصحهما : يصح ، ويكون كما لو قال : بعتكها بحقوقها والثاني : أنه لا يقتضي الممر ، فعلى هذا هو كما لو صرح بنفي الممر ، وفيه وجهان أصحهما : بطلان البيع لعدم الانتفاع في الحال والثاني : الصحة لإمكان تحصيل الممر . وقال البغوي : إن أمكن تحصيل ممر صح البيع وإلا فلا ، قالوا : ولو كانت الأرض المبيعة ملاصقة للشارع صح البيع ، ومر البائع إليها من الشارع ، وليس له سلوك ملك البائع ، لأن العادة في مثلها الدخول من الشارع ، فحمل الإطلاق عليه ، وإن كانت ملاصقة ملك المشتري لم يكن المرور فيما بقي للبائع ، بل يدخل المشتري من ملكه القديم الملاصق وذكر إمام الحرمين فيه احتمالا قال : والصورة فيما إذا أطلق البيع أما إذا قال بحقوقها فله الممر في ملك البائع . أما : إذا باع دارا واستثنى لنفسه بيتا فله الممر . لأن الممر كان ثابتا فبقي ، فإن شرط نفي الممر نظر إن أمكن إيجاد ممر صح البيع ، وإلا فوجهان أصحهما : بطلان البيع ، وبه قطع بعضهم . كمن باع ذراعا من ثوب تنقص قيمته بقطعه .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما ما فيه منفعة فلا يجوز بيع الحر منه ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال ربكم : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته ، رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره .

+ الشرح : حديث أبي هريرة رواه البخاري إلا قوله : ومن كنت خصمه خصمته وهذه

228


229
الزيادة رواها أبو يعلى الموصلي في مسنده بإسناد ضعيف ، ومعنى أعطابي عاهد إنسانا بي ، وبيع الحر باطل بالإجماع .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع أم الوالد ، لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع أمهات الأولاد ولأنه استقر لها حق الحرية ( وفي بيعها إبطال ذلك فلم يجز ) .

+ الشرح : حديث ابن عمر . أما حكم المسألة : فقال الشافعي والأصحاب : لا يجوز بيع أم الولد ولا هبتها ولا رهنها ولا الوصية بها ، هكذا قطع به الأصحاب وتظاهرت عليه نصوص الشافعي ، ونقل الخراسانيون أن الشافعي مثل القول في بيعها في القديم فقال جمهورهم : ليس للشافعي فيه اختلاف قول وإنما مثل القول إشارة إلى مذهب غيره ، وقال كثيرون من الخراسانيين للشافعي قول قديم أنه يجوز بيع أم الولد ، وممن حكاه صاحب التقريب ، والشيخ أبو علي السنجي والصيدلاني ، والشيخ أبو محمد وولده إما الحرمين ، والغزالي وغيرهم ، فعلى هذا القديم هل تعتق بموت السيد فيه وجهان

229


230
أحدهما : لا ، وبه قال صاحب التقريب وأبو على السنجي وأصحهما : نعم ، قاله الشيخ أبو محمد والصيدلاني وغيرهما كالمدبر ، قال إمام الحرمين : وعلى هذا يحتمل أن تعتق من رأس المال ، ويحتمل أن تعتق من الثلث ، قلت : الأقوى من رأس المال ، لتأكد حقها والله أعلم . وإذا قلنا بالمذهب : إنه لا يجوز بيعها فقضى قاض بجوازه فطريقان أحدهما : وهو الذي نقله أبو علي السنجي في شرح التلخيص وإمام الحرمين وصاحب البيان وغيرهم أن في نقض قضائه وجهين والثاني : أنه ينقض وجها واحدا ، وهو الذي نقله الروياني عن الأصحاب كلهم ، ولم يحك غيره ، قالوا : لأنه مجمع عليه الآن ، وما كان فيه من خلاف في القرن الأول فقد ارتفع وصار الآن مجمعا على بطلان بيعها ، والله أعلم . وقد حكى أصحابنا عن داود جواز بيعها مع قولهم : إنه مجمع على بطلانه الآن فكأنهم لم يعتدوا بخلاف داود وقد سبق أن الأصح أنه لا يعتد بخلافه ولا خلاف غيره من أهل الظاهر ، لأنهم نفوا القياس ، وشرط المجتهد أن يكون عارفا بالقياس وقالت الشيعة أيضا بجواز بيعها ، ولكن الشيعة لا يعتد بخلافهم ، والله سبحانه أعلم . والمعتمد في تحريم بيع أم الولد ما رواه مالك والبيهقي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد وإجماع التابعين فمن بعدهم على تحريم بيعها . وهذا على قول من يقول من أصحابنا : إن الإجماع بعد الخلاف يرفع الخلاف ، وحينئذ يستدل بهذا الثابت عن عمر بالإجماع على نسخ الأحاديث الثابتة في جواز بيع أم الولد منها حديث جابر قال : بعنا أمهات الأولاد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فلما كان عمر نهانا فانتهينا رواه أبو داود بإسناد صحيح ، وفي رواية قال : كنا نبيع سرارينا أمهات أولاد ، والنبي صلى الله عليه وسلم حي ، لا يرى بذلك بأسا رواه الدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح قال الخطابي وغيره : يحتمل أن بيعها كان مباحا في أول الإسلام ، ثم نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته ، ولم يشتهر ذلك النهي إلى زمن عمر ، فلما بلغ عمر النهي نهاهم والله سبحانه وتعالى أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز بيع المدبر ، لما روى جابر رضي الله عنه : أن

230


231
رجلا دبر غلاما له ليس له مال غيره ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يشتريه مني فاشتراه نعيم ( النحام ) .

+ الشرح : حديث جابر صحيح رواه البخاري ومسلم ولفظه عن جابر أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له عن دبر لم يكن له غلام غيره ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من يشتريه مني فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم فدفعها إليه ، فقال جابر بن عبد الله : كان عبدا قبطيا مات عام أول وفي رواية لمسلم مات عام أول في ولاية ابن الزبير وفي رواية للبخاري عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم باع المدبر قوله : نعيم هو بضم النون وقوله : النحام هو بنون مفتوحة ثم حاء مهملة مشددة ، ووقع في بعض نسخ المهذب نعيم فقط ، وفي بعضها نعيم بن النحام ، وكذا وقع في بعض روايات مسلم ، قالوا : وهو غلط ، وصوابه نعيم النحام ، فالنحام هو نعيم ، ومعنى النحام السعال ، وهو الذي يسعل ، وسمى بذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : سمعت نحمتك في الجنة أي سعلتك وقيل : هي النحنحة ، وكل هذا صفة لنعيم لا لأبيه عبد الله ، وأسلم نعيم قديما بعد عشرة أنفس ، وقيل ثمانية وثلاثين ، وكان جوادا ، واستشهد يوم أجنادين في خلافة أبي بكر رضي الله عنه سنة ثلاث عشرة ، واسم هذا الغلام المدبر : يعقوب ، واسم سيده مدبره أبو مذكور والله أعلم . أما حكم المسألة : فمذهبنا جواز بيع المدبر ، سواء كان محتاجا إلى ثمنه أم لا ، وسواء كان على سيده دين أم لا ، وسواء كان التدبير مطلقا أو مقيدا هذا مذهبنا ، وبه قالت عائشة أم

231


232
المؤمنين ومجاهد وطاووس وعمر بن عبد العزيز وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وغيرهم ، وقال الحسن وعطاء : يجوز إذا احتاج إلى ثمنه سيده ، وقال أبو حنيفة : وإن كان تدبيرا مطلقا لم يجز ، وإن كان مقيدا بأن يقول : إن مت من مرضي هذا فأنت حر جاز ، وقال مالك : لا يجوز مطلقا ، وهو رواية عن أبي حنيفة ، وبه قال سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري ، ونقله القاضي عياض عن جمهور العلماء من السلف وغيرهم من أهل الحجاز والشام والكوفة . واحتجوا بالقياس على أم الولد واحتج أصحابنا بحديث جابر المذكور في الكتاب ، وقد بيناه ، وبالقياس على الموصي بعتقه ، فإنه يجوز بيعه بالإجماع والله سبحانه وتعالى أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز بيع المعتق بصفة ، لأنه ثبت له العتق بقول السيد وحده ، فجاز بيعه كالمدبر ، وفي المكاتب قولان قال : في القديم : يجوز بيعه لأن عتقه غير مستقر ، فلا يمنع من البيع ، وقال في الجديد : لا يجوز لأنه كالخارج من ملكه ولهذا لا يرجع أرش الجناية عليه إليه ، فلم يملك بيعه كما لو باعه . ولا يجوز بيع الوقف ، لما روى ابن عمر رضي الله عنه قال أصاب عمر رضي الله عنه أرضا بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، قال : فتصدق بها عمر صدقة لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث .

+ الشرح : حديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم وقوله : ثبت له العتق بقول السيد احتراز من فعله وهو الاستيلاد وقوله : وحده احتراز من المكاتب ، وفي الفصل ثلاث مسائل : إحداها : بيع المعلق عتقه على صفة صحيح لا خلاف فيه ، لما ذكره المصنف ، وإنما قاسه على المدبر لأن النص ثبت في المدبر وإلا لم يقل أحد ببطلان بيع المعلق عتقه على صفة ، وسواء كانت الصفة محققة الوجود كطلوع الشمس ، أو محتملة كدخول الدار ، والله سبحانه وتعالى أعلم . الثانية : بيع العين الموقوفة باطل بلا خلاف عندنا ، سواء قلنا : إن

232


233
الملك فيه لله تعالى أو للموقوف عليه ، أو باق على ملك الواقف . الثالثة : في بيع السيد رقبة المكاتب قولان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما الصحيح : باتفاق الأصحاب ، وهو نص الشافعي في الجديد بطلانه ، وقطع به جماعة والقديم : صحته ، قال أصحابنا : والقولان جاريان في الهبة فإن قلنا بالجديد فأدى المكاتب النجوم إلى المشتري فهل يعتق قال أصحابنا فيه الخلاف فيما لو باع السيد النجوم التي على المكاتب وقلنا بالمذهب : إنه لا يصح بيعه فأداها المكاتب إلى المشتري ، وللشافعي فيه نصان نص في المختصر أنه يعتق بدفعها إلى المشتري ونص في الأم أنه لا يعتق ، وللأصحاب فيه طريقان المذهب : وبه قال الجمهور : إن المسألة على قولين أحدهما : يعتق لأن السيد سلطه على القبض فأشبه الوكيل وأصحهما : لا يعتق ، لأنه يقبض زاعما أنه يقبض لنفسه ، حتى لو تلف في يده ضمنه ، بخلاف الوكيل ، وقال أبو إسحاق المروزي : النصان على حالين ، فإن قال بعد البيع : خذها منه أو قال لمكاتب : ادفعها إليه صار وكيلا وعتق بقبضه ، وإن اقتصر على البيع فلا ، وقيل : إن أبا إسحاق عرض هذا الفرق على شيخه أبي العباس ابن سريج فلم يرتضه ، ولم يعبأ به ، وقال : هو إن صرح بالإذن فإنما يأذن بحكم المعاوضة لا الوكالة . فإن قلنا : لا يعتق ، فما يأخذه المشتري يسلمه إلى السيد لأنا جعلناه كوكيله فإن قلنا : لا يعتق طالب السيد المكاتب بالنجوم ، واستردها المكاتب من المشتري ، قال أصحابنا وإذا قلنا بالجديد : إن بيع رقبة المكاتب باطل ، فاستخدمه المشتري مدة ، لزمه أجرة المثل للمكاتب ، وهل على السيد أن يمهله قدر المدة التي كان فيها في يد المشتري فيه القولان المشهوران فيما إذا استخدمه السيد أو حبسه ، والله سبحانه وتعالى أعلم . أما إذا قلنا : بالقديم : وإن بيع رقبة المكاتب صحيح ، ففي حكم الكتابة ثلاثة أوجه الصحيح : الذي قطع به كثيرون أن الكتابة تبقى ، وينتقل إلى المشتري مكانها ، فإذا أدى إليه النجوم عتق وكان الولاء للمشتري ، جمعا بين الحقوق والثاني : يعتق بالأداء إلى المشتري ، ويكون الولاء للبائع ، ويكون انتقاله بالشري كانتقاله بالإرث والثالث : تبطل الكتابة بمجرد البيع فينتقل غير مكاتب ، وهذا ضعيف جدا والله سبحانه أعلم . فرع : لو قال أجنبي لسيد المكاتب : أعتق مكاتبك على ألف ، أو أعتقه عني على ألف ، أو مجانا فأعتقه نفذ العتق ، ولزم الألف ، ويكون ذلك افتقداء منه كاختلاع الأجنبي ، وكذا لو قال : أعتق مستولدتك . وستأتي المسألة مبسوطة مع نظائرها في كتاب الكفارات عقيب كتاب الظهار حيث ذكرها المصنف إن شاء الله تعالى .

233


234
فرع : لا خلاف أنه لا يجوز للسيد بيع ما في يد المكاتب من الأموال كما لا يعتق عبيده ولا يزوج إماءه والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في بيع العين الموقوفة . ذكرنا أن مذهبنا بطلان بيعها سواء حكم بصحته حاكم أو لا ، وبه قال مالك وأحمد والعلماء كافة إلا أبا حنيفة ، فقال : يجوز بيعه ما لم يحكم بصحته حاكم . فرع : في مذاهبهم في بيع رقبة المكاتب . قد ذكرنا أن الأصح في مذهبنا بطلانه ، وبه قال ربيعة وأبو حنيفة ومالك وهو قول ابن مسعود وقال عطاء والنخعي وأحمد : يجوز بيعه ، وهو رواية عن مالك واحتج من جوز بيع رقبة المكاتب بحديث عائشة رضي الله عنها في قصة بريرة أنها كانت مكاتبة فاشترتها عائشة رضي الله عنها بإذن النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري ومسلم من طرق ، واحتج أصحابنا للمنع بما ذكره المصنف والشافعي وغيره عن حديث بريرة بأنها رضيت هي وأهلها بفسخ الكتابة ثم باعوها . فرع : ضبطوا ما به يجوز بيعه من الحيوان ، فكل حيوان ظاهر منتفع به في الحال أو المآل ، ليس بحر ولم يتعلق به حق لازم ، يجوز بيعه واحترزوا بالطاهر عن النجس ، وبالمنفعة عن الحشرات ، ونحوها ، والحمار الزمن والسباع ، وبالمآل كالجحش الصغير ، وقولهم : لم يتعلق به حق احتراز من المرهون والموقوف وأم الولد والمكاتب والجاني ، وقولهم لازم احتراز من المدبر ، والمعلق عتقه ، والموصى به .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز بيع ما سوى ذلك من الأعيان المنتفع بها من المأكول والمشروب والملبوس والمشموم وما ينتفع به من الحيوان بالركوب والدر والنسل والصيد والصوف ، وما يقتنيه الناس من العبيد والجواري والأراضي والعقار . لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على بيعها من غير إنكار ، ولا فرق فيها بين ما كان في الحرم من الدور وغيره ، لما روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر نافع بن عبد الحرث أن يشتري دارا بمكة للسجن من صفوان ابن أمية فاشتراها بأربعة آلاف درهم ولأنه أرض حية لم يرد عليها صدقة مؤبدة فجاز بيعها كغير الحرم .

+ الشرح : هذا الأثر عن عمر مشهور ، رواه البيهقي وغيره ونافع هذا صحابي ، هكذا

234


235
قاله الجمهور ، وأنكر الواقدي صحبته والصواب المشهور صحبته ، وهو خزاعي أسلم يوم فتح مكة ، وأقام بمكة وكان من فضلاء الصحابة ، واستعمله عمر بن الخطاب على مكة والطائف ، وفيهما سادات قريش وثقيف والله تعالى أعلم . وصفوان بن أمية صحابي مشهور ، وهو أبو وهب ، وقيل : أبو أمية صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن خزامة بن جمح القرشي الجمحي المكي ، أسلم بعد شهوده حنينا كافرا . وكان من المؤلفة ، وشهد اليرموك ، توفي بمكة سنة اثنتين وأربعين ، وقيل : توفي في خلافة عمر وقيل : عام الجمل سنة ست وثلاثين وقوله : لأنه أرض حية ، هكذا هو في النسخ ، والضمير عائد إلى البيع وقوله : أرض حية احتراز من الموات وقوله : لم يرد عليها صدقة مؤبدة احتراز من العين الموقوفة . أما الأحكام : ففيها مسألتان : إحداهما : أن الأعيان الطاهرة المنتفع بها التي ليست حرا ولا موقوفا ولا أم ولد ولا مكاتبة ولا مرهونا ولا غائبا ولا مستأجرة يجوز بيعها بالإجماع ، لما ذكره المصنف ، سواء المأكول والمشروب والملبوس والمشموم والحيوان المنتفع به ، بركوبه أو صوته أو صوفه أو دره أو نسله كالعندليب والببغاء أو بحراسته كالقرد ، أو بركوبه كالفيل أو بامتصاصه الدم وهو العلق ، وفي معناه دود القز وغير ذلك ، مما سبق بيانه ، فكل هذا يصح بيعه . والثانية : يجوز بيع دور مكة وغيرها من أرض الحرم ويجوز إجارتها وهي مملوكة لأصحابها يتوارثونها ويصح تصرفهم فيها بالبيع وغيره من التصرفات المفتقرة إلى الملك ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في بيع دور مكة وغيرها من أرض الحرم وإجارتها ورهنها ، مذهبنا جوازه ، وبه قال عمر بن الخطاب وجماعات من الصحابة ومن بعدهم ، وهو مذهب أبي يوسف وقال الأوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة : لا يجوز شيء من ذلك ، والخلاف في المسألة مبني على أن مكة فتحت صلحا أو عنوة فمذهبنا أنها فتحت صلحا ، فتبقى على ملك أصحابها فتورث وتباع وتكرى وترهن ، ومذهبهم أنها فتحت عنوة فلا يجوز شيء من ذلك . واحتج هؤلاء بقوله تعالى :

﴿ والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد الحج : 25 قالوا : والمراد بالمسجد جميع الحرام لقوله سبحانه وتعالى :

﴿ سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام أي من بيت خديجة ، وبقوله تعالى :

﴿ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها

235

النمل : 91 قالوا : والمحرم لا يجوز بيعه ، وبحديث إسماعيل ابن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مكة مباح لا تباع رباعها ولا تؤجر بيوتها رواه البيهقي . وبحديث عائشة رضي الله عنها قالت : قلت يا رسول الله ألا نبني لك بيتا أو بناء يظلك من الشمس قال : لا إنما هو مباح لمن سبق إليه رواه أبو داود . وعن أبي حنيفة عن عبد الله بن أبي زياد عن أبي نجيح عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة حرام ، وحرام بيع رباعها وحرام أجر بيوتها وعن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة الكناني قال : كانت بيوت مكة تدعى السوائب لم تبع رباعها في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبي بكر ولا عمر ، من احتاج سكن ، ومن استغنى أسكن رواه البيهقي ، وبالحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال منى مباح لمن سبق وهو حديث صحيح سبق بيانه في كتاب الجنائز في باب الدفن ، قالوا : ولأنها بقعة من الحرم فلا يجوز بيعها وإجارتها كنفس المسجد الحرام . واحتج الشافعي والأصحاب لمذهبنا بقوله تعالى :

﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم الحشر : 8 والإضافة تقتضي الملك فإن قيل قد تكون الإضافة لليد والسكنى لقوله تعالى :

﴿ وقرن في بيوتكن الأحزاب : 33 فالجواب : أن حقيقة الإضافة تقتضي الملك ، ولهذا لو قال : هذه الدار لزيد حكم بملكها لزيد ، ولو قال : أردت به السكنى واليد لم يقبل . واحتجوا أيضا بحديث أسامة بن زيد أنه قال : أين تنزل من دارك في مكة فقال : وهل ترك لنا عقيل من دار وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ، ولم يرثه جعفر ولا علي لأنهما كانا مسلمين ، وكان عقيل وطالب كافرين رواه

236


237
البخاري ومسلم في صحيحهما قال أصحابنا : فهذا يدل على إرث دورها والتصرف فيها . وعن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة فتح مكة قال : فجاء أبو سفيان فقال : يا رسول الله أبيدت خضراء قريش ، لا قريش بعد اليوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن رواه مسلم وبالأثر المشهور في سنن البيهقي وغيره أن نافع بن عبد الحرث اشترى من صفوان بن أمية دار السجن لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بأربعمائة وفي رواية : بأربعة آلاف وروى الزبير بن بكار وغيره أن حكيم بن حزام باع دار الندوة بمكة من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف ، فقال له عبد الله بن الزبير : يا أبا خالد بعت مأثرة قريش وكريمتها فقال هيهات ذهبت المكارم ، فلا مكرمة اليوم إلا الإسلام ، فقال : اشهدوا أنها في سبيل الله تعالى يعني الدراهم ومن القياس أنها أرض حية ليست موقوفة فجاز بيعها كغيرها . وروى البيهقي بإسناده عن إبراهيم بن محمد الكوفي قال : رأيت الشافعي بمكة يفتي الناس ، ورأيت إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل حاضرين فقال أحمد لإسحاق : تعال حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله ، فقال إسحاق : لم تر عيناي مثله فقال نعم : فجاء به فوقفه على الشافعي فذكر القصة إلى أن قال ثم تقدم إسحاق إلى مجلس الشافعي فسأله عن كراء بيوت مكة ، فقال الشافعي : هو عندنا جائز ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل ترك لنا عقيل من دار فقال إسحاق : حدثنا يزيد بن هارون عن هشام عن الحسن أنه لم يكن يرى ذلك وعطاء وطاووس لم يكونا يريان ذلك . فقال الشافعي لبعض من عرفه : من هذا قال : هذا إسحاق بن راهوية الحنظلي الخرساني ، فقال له الشافعي : أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم قال إسحاق : هكذا يزعمون قال الشافعي : ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمر بفراك أذنيه ، أنا أقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تقول قال طاووس والحسن وإبراهيم هؤلاء لا يرون ذلك وهل لأحد مع النبي صلى الله عليه وسلم حجة وذكر كلاما طويلا . ثم قال الشافعي : قال الله تعالى :

﴿ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم الحشر : 8 أفتنسب الديار إلى مالكين أو غير مالكين فقال إسحاق . إلى مالكين قال الشافعي : قول الله

237


238
أصدق الأقاويل ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، وقد اشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنه دار الحجامين وذكر الشافعي له جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إسحاق : سواء العاكف فيه والباد ، فقال الشافعي : قال الله تعالى :

﴿ والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد الحج : 15 والمراد المسجد خاصة ، وهو الذي حول الكعبة ، ولو كان كما تزعم لكان لا يجوز لأحد أن ينشد في دور مكة وفجاجها ضالة ، ولا ينحر فيها البدن ، ولا يلقى فيها الأرواث ، ولكن هذا في المسجد خاصة فسكت إسحاق ولم يتكلم ، فسكت عنه الشافعي . وأما : الجواب على أدلتهم فالجواب عن قوله تعالى :

﴿ سواء العاكف فيه والباد سبق الآن في كلام الشافعي وأما قوله تعالى :

﴿ هذه البلدة الذي حرمها النمل : 91 فمعناه حرم صيدها ، وشجرها ، وخلاها ، والقتال فيها ، كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة ، ولم يذكر شيء منها مع كثرتها في النهي عن بيع دورها وأما حديث إسماعيل بن مهاجر عن أبيه فضعيف باتفاق المحدثين ، واتفقوا على تضعيف إسماعيل وأبيه إبراهيم وأما حديث عائشة رضي الله عنها ، فإن صح كان محمولا على الموات من الحرم ، وهو ظاهر الحديث وأما حديث أبي حنيفة فضعيف من وجهين أحدهما : ضعف إسناده فإن أبي زياد هذا ضعيف والثاني : أن الصواب فيه عند الحفاظ أنه موقوف على عبد الله بن عمرو ، وقالوا : رفعه وهم . هكذا قاله الدارقطني وأبو عبد الرحمن السلمي والبيهقي وأما حديث عثمان بن أبي سليمان فجوابه من وجهين أحدهما : جواب البيهقي أنه منقطع والثاني : جواب البيهقي أيضا والأصحاب أنه إخبار عن عادتهم في إسكانهم ما استغنوا عنه من بيوتهم بالإعارة تبرعا وجودا ، وقد أخبر من كان أعلم بشأن مكة منه بأنه جرى الإرث والبيع فيها وأما حديث منى مباح لمن سبق فمحمول على مواتها ومواضع نزول الحجيج منها وأما الجواب عن قياسهم على نفس المسجد فمردود لأن لمساجد محرمة محررة ، لا تلحق بها المنازل المسكونة في تحريم بيعها ، ولهذا في سائر البلاد يجوز بيع الدور دون المساجد والله سبحانه أعلم . فرع : قال الروياني في البحر في باب بيع الكلاب : لا يكره بيع شيء من الملك الطلق إلا أرض مكة ، فإنه يكره بيعها وإجارتها للخلاف وهذا الذي ادعاه من الكراهة غريب في

238


239
كتب أصحابنا ، والأحسن أن يقال : هو خلاف الأولى ، لأن المكروه ما ثبت فيه نهي مقصود ، ولم يثبت في هذا نهي . فرع : قال الروياني والأصحاب : هذا الذي ذكرناه من اختلاف العلماء في بيع دور مكة وغيرها من الحرم هو في بيع نفس الأرض فأما البناء فهو مملوك يجوز بيعه بلا خلاف .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ويجوز بيع المصاحف وكتب الأدب ، لما روى عن ابن عباس رضي الله عنه ، أنه سئل عن بيع المصاحف ، فقال : لا بأس يأخذون أجور أيديهم . ولأنه طاهر منتفع به فهو كسائر الأموال .

+ الشرح : اتفق أصحابنا على صحة بيع المصحف وشرائه وإجارته ونسخه بالأجرة ، ثم إن عبارة المصنف والدارمي وغيرهما أنه يجوز بيعه ، وظاهر هذه العبارة أنه ليس بمكروه ، وقد صرح بعدم الكراهة الروياني ، والصحيح من المذهب أن بيعه مكروه ، وهو نص الشافعي في كتاب اختلاف علي وابن مسعود ، وبه قطع البيهقي في كتابه السنن الكبير ، و معرفة السنن والآثار ، والصيمري في كتابه الإيضاح و صاحب البيان ، فقال : يكره بيعه ، قال : وقيل يكره البيع دون الشراء ، هذا تفصيل مذهبنا ، وروى الشافعي والبيهقي بإسناده الصحيح عن ابن مسعود أنه كره شرى المصحف وبيعه . قال الشافعي : ولا يقول أبو حنيفة وأصحابه بهذا ، بل يرون بأسا ببيعه وشرائه ، قال : ومن الناس من لا يرى بأسا بالشراء . قال الشافعي : ونحن نكره بيعها . وقال ابن المنذر في الإشراف : اختلفوا في شراء المصحف وبيعه فروى عن ابن عمر أنه شدد في بيعه ، وقال :

239


240
وددت أن الأيدي تقطع في بيع المصاحف ، قال : وروينا عن أبي موسى الأشعري كراهة ذلك . قال : وكره بيعها وشراءها علقمة وابن سيرين والنخعي وشريح ومسروق وعبد الله بن يزيد ، ورخص جماعة في شرائها ، وكرهوا بيعها . روينا هذا عن ابن عباس وسعيد بن جبير وإسحاق وقال أحمد : الشري أهون . وما أعلم في البيع رخصة قال : ورخصت طائفة في بيعه وشرائه منهم الحسن وعكرمة والحكم وروى البيهقي بإسناده عن ابن عباس ومروان ابن الحكم أنهما سئلا عن بيع المصاحف للتجارة فقالا : لا نرى أن نجعله متجرا ولكن ما عملت بيديك فلا بأس به . وعن مالك بن أنس أنه قال : لا بأس ببيع المصحف وشرائه . وعن ابن عباس بإسناد ضعيف : أشتر المصحف ولا تبعه وبإسناد صحيح عن سعيد بن جبير اشتره ولا تبعه وعن عمر أنه قال : كان يمر بأصحاب المصاحف فيقول : بئس التجارة وبإسناد صحيح عن عبد الله بن شقيق التابعي المجمع على جلالته وتوثيقه قال : وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون بيع المصاحف . قال البيهقي : وهذه الكراهة على وجه التنزيه تعظيما للمصحف عن أن يبذل بالبيع ، أو يجعل متجرا قال : وروى ابن مسعود الترخيص فيه ، وإسناده ضعيف ، قال : وقول ابن عباس اشتر المصحف ولا تبعه ، إن صح عنه ، يدل على جواز بيعه مع الكراهة والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : يجوز بيع كتب الحديث والفقه واللغة والأدب والشعر المباح المنتفع به وكتب الطب والحساب وغيرهما ، مما فيه منفعة مباحة . قال أصحابنا : ولا يجوز بيع كتب الكفر ، لأنه ليس فيها منفعة مباحة بل يجب إتلافها . وقد ذكر المصنف المسألة في أواخر كتاب السير . وهكذا كتب التنجيم والشعبذة والفلسفة وغيرها من العلوم الباطلة المحرمة ، فبيعها باطل ، لأنه ليس فيها منفعة مباحة ، والله تعالى أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : واختلف أصحابنا في بيع بيض دود القز ، وبيض ما لا يؤكل لحمه من الطيور التي يجوز بيعها ، كالصقر والبازي ، فمنهم من قال : هو طاهر ، ومنهم من قال هو نجس ، بناء على الوجهين في طهارة مني ما لا يؤكل لحمه ونجاسته فإن قلنا : إن ذلك طاهر جاز بيعه ، لأنه طاهر منتفع به ، فهو كبيض الدجاج وإن قلنا إنه نجس لم يجز بيعه ، لأنه عين نجسة فلم يجز بيعه كالكلب والخنزير .

240


241

+ الشرح : اتفق أصحابنا على جواز بيع دود القز ، لأنه حيوان طاهر منتفع به . فهو كالعصفور والنحل وغيرهما وأما بيض دود القز وبيض ما لا يؤكل لحمه من الطيور ففيه وجهان مشهوران أصحهما : صحة البيع والثاني : بطلانه ، وهما مبنيان على طهارته ونجاسته ، وفيها وجهان كمنى ما لا يؤكل . وقد سبق بيان الخلاف في باب إزالة النجاسة وأن الأصح طهارته وأما قول المصنف من الطيور التي يجوز بيعها فزيادة لا تعرف للأصحاب ، بل الصواب المعروف أنه لا فرق بين ما لا يؤكل لحمه كالرخمة وغيرها ، وفي الجميع الوجهان أصحهما : جواز بيعه ، لأن الخلاف مبني كما ذكر المصنف والأصحاب على طهارة هذا البيض ونجاسته ، والخلاف فيه شامل لما يجوز بيعه وغيره ، والله تعالى أعلم . وحكى المتولي عن أبي حنيفة أنه لا يجوز بيع دود القز ولا بيضه . فروع في مسائل مهمة تتعلق بالباب فرع : بيع لبن الآدميات جائز عندنا لا كراهة فيه ، هذا هو المذهب وقطع به الأصحاب إلا الماوردي والشاشي والروياني ، فحكوا وجها شاذا عن أبي القاسم الأنماطي من أصحابنا أنه نجس لا يجوز بيعه ، وإنما يربى به الصغير للحاجة ، وهذا الوجه غلط من قائله . وقد سبق بيانه في باب إزالة النجاسة فالصواب جواز بيعه ، قال الشيخ أبو حامد هكذا قاله الأصحاب قال : ولا نص للشافعي في المسألة ، هذا مذهبنا . وقال أبو حنيفة ومالك لا يجوز بيعه ، وعن أحمد روايتان كالمذهبين ، واحتج المانعون بأنه لا يباع في العادة ، وبأنه فضلة آدمي فلم يجز بيعه ، كالدمع والعرق والمخاط ، وبأن ما لا يجوز بيعه متصلا لا يجوز بيعه منفصلا كشعر الآدمي ، ولأنه لا يؤكل لحمها فلا يجوز بيع لبنها كالأتان . واحتج أصحابنا بأنه لبن طاهر منتفع به ، فجاز بيعه كلبن الشاة ، ولأنه غذاء للآدمي فجاز بيعه كالخبز فإن قيل : هذا منتقض بدم الحيض فإنه غذاء للجنين ولا يجوز بيعه قال القاضي أبو الطيب في تعليقه : فالجواب : أن هذا ليس بصحيح ولا يتغذى الجنين بدم الحيض ، بل يولد وفمه مسدود لا طريق فيه لجريان الدم ، وعلى وجهه المشيمة ، ولهذا أجنة البهائم تعيش في البطون ، ولا حيض لها ، ولأنه مائع يحل شربه فجاز بيعه كلبن الشاة قال الشيخ أبو حامد فإن قيل : ينتقض بالعرق قلنا : لا نسلم بل يحل شربه وأما الجواب عن قولهم لا يباع في العادة ، فإنه لا يلزم من عدم بيعه في العادة أن لا يصح بيعه ، ولهذا يجوز بيع بيض العصافير ، وبيع الطحال ، ونحو ذلك مما لا يباع في العادة والجواب : عن القياس على الدمع والعرق والمخاط أنه لا منفعة فيها بخلاف اللبن ، وعن البيض بأنه لا يجوز

241


242
الانتفاع به بخلاف اللبن ، وعن لبن الأتان بأنه نجس بخلاف الآدمية ، والله تعالى أعلم . فرع : في بيع القينة بفتح القاف ، وهي الجارية المغنية ، فإذا كانت تساوي ألفا بغير غناء وألفين مع الغناء ، فإن باعها بألف صح البيع بلا خلاف وإن باعها بألفين ففيها ثلاثة أوجه ذكرها إمام الحرمين وغيره أصحها : يصح بيعها ، وبه قال أبو بكر الأزدي ، لأنها عين طاهرة منتفع بها فجاز بيعها بأكثر من قيمتها ، كسائر الأعيان والثاني : لا يصح ، قاله أبو بكر المحمودي من أصحابنا : لأن الألف تصير في معنى المقابل للغناء والثالث : إن قصد الغناء بطل البيع وإلا فلا ، قال الشيخ أبو زيد المروذي قال إمام الحرمين : القياس السديد هو الجزم بالصحة ذكره في فروع مبتورة عند كتاب الصداق وأما الحديث الذي يروى عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ، ولا خير في تجارة فيهن ، وثمنهن حرام وفي مثل هذا أنزلت هذه الآية :

﴿ ومن الناس من يشتري لهو الحديث لقمان : 6 رواه بهذا الإسناد الترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم ، واتفق الحفاظ على أنه ضعيف لأن مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف عند أهل الحديث ضعفه أحمد بن حنبل وسائر الحفاظ ، قال البخاري : هو منكر الحديث ، وقال النسائي : ليس هو ثقة ، وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث ، أحاديثه منكرة وقال يعقوب بن أبي شيبة : هو واهي الحديث ، قال الترمذي في تعليقه : هذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وعلي بن يزيد تكلم فيه بعض أهل العلم وضعفه . ونقل البيهقي عن الترمذي يعني من كتاب العلل له قال : سألت البخاري عن هذا الحديث فقال : علي بن يزيد ذاهب الحديث . قال البيهقي : وروى عن ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن سابط عن عائشة وليس بمحفوظ وخلط فيه ليث . فرع : الكبش المتخذ للنطاح ، والديك المتخذ للهراش بينه وبين غيره حكمه في البيع حكم الجارية المغنية فإن باعها بقيمته ساذجا جاز ، وإن زاد بسبب النطاح والهراش ففيه الأوجه الثلاثة أصحها : صحة بيعه ، وممن ذكر المسألة القاضي حسين وآخرون ، وأما قول

242


243
الغزالي في الوسيط في أول كتاب البيع : في بيع القينة والكبش الذي يصلح للنطاح كلام سنذكره فلم يذكره في الوسيط ، وكأنه نوى أن يذكره حيث ذكره شيخه إمام الحرمين عند كتاب الصداق ثم نسيه حين وصله . فرع : بيع إناء المذهب أو الفضة صحيح قطعا ، لأن المقصود عين الذهب والفضة ، وقد سبقت المسألة في باب الآنية . فرع : بيع الماء المملوك صحيح على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وستأتي تعاريفه إن شاء الله تعالى في إحياء الموات . فإذا صححنا بيع الماء ففي بيعه على شط النهر مع التمكن من الأخذ من النهر وبيع التراب في الصحراء وبيع الحجارة بين الشعاب الكبيرة الأحجار وجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أصحهما : جوازه ، وبه قطع العراقيون وجماعة من الخراسانيين لأنه وجد فيه جميع شرائط المبيع ، وإنما الاستغناء عنه لكثرته ، وذلك لا يمنع صحة البيع والثاني : بطلانه ، لأن بذل المال فيه والحالة هذه سفه ، والله تعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : السم إن كان يقتل كثيره وينفع قليله كالسقمونيا والأفيون جاز بيعه بلا خلاف ، وإن قتل قليله وكثيره فالمذهب بطلان بيعه وبه قطع الجمهور ، ومال إمام الحرمين ووالده إلى الجواز ليدس في طعام الكافر . فرع : آلات الملاهي كالمزمار والطنبور وغيرهما إن كانت بحيث لا تعد بعد الرض والحل ما لا لم يصح بيعها ، لأنه ليس فيها منفعة شرعا ، هكذا قطع به الأصحاب في جميع الطرق إلا المتولي والروياني فحكيا فيه وجها أنه يصح البيع ، وهو شاذ باطل ، وإن كان رضاضها يعد مالا ففي صحة بيعها وبيع الأصنام والصور المتخذة من الذهب والفضة وغيرها ثلاثة أوجه أصحها : البطلان وبه قطع كثيرون والثاني : الصحة والثالث : وهو اختيار القاضي حسين في تعليقه والمتولي وإمام الحرمين والغزالي أنه إن اتخذ من جوهر نفيس صح بيعها ، وإن اتخذ من خشب ونحوه فلا ، قال الرافعي والمذهب البطلان مطلقا ، قال : وبه قطع عامة الأصحاب ، والله تعالى أعلم . فرع : قال القاضي حسين والمتولي والروياني وغيرهم : يكره بيع الشطرنج قال المتولي . وأما الخرز فإن صلح لبيادق الشطرنج فالكالشطرنج وإلا فكالمزمار . فرع : قال المتولي لبن الأضحية المعينة يتصدق به على الفقراء في الحال ويجوز

243


244
لهم بيعه قال وكذا لبن صيد الحرم إذا أبحنا للفقراء شربه ، ويجوز لهم بيعه لأنه طاهر منتفع به . فرع : يجوز بيع المشاع كنصف من عبد أو بهيمة أو ثوب أو خشبة أو أرض أو شجرة أو غير ذلك بلا خلاف سواء كان مما ينقسم أم لا ، كالعبد والبهيمة للإجماع فلو باع بعضا شائعا من شيء بمثله من ذلك الشيء كدار بينهما نصفين فباع النصف الذي له بالنصف الذي لصاحبه ففي صحة البيع وجهان ، حكاهما إمام الحرمين وغيره أحدهما : لا يصح لعدم الحاجة إليه وأصحهما : يصح وبه قطع المتولي لوجود شرائطه كما لو باع درهما بدرهم من سكة واحدة أو صاعا بصاع من صبرة واحدة ، فعلى هذا يملك كل واحد النصف الذي كان لصاحبه ، وتظهر فائدته في مسائل : منها : لو كانا جميعا أو أحدهما قد ملك نصيبه بالهبة من والده انقطعت سلطة الرجوع في الهبة لزوال ملكه عن العين الموهوبة . ومنها : لو ملكه بالشراء ثم اطلع على عيب بعد هذا التصرف لم يملك الرد على بائعه . ومنها : لو ملكه بالصداق ثم طلقها قبل الدخول لم يكن له الرجوع فيه . ومنها : لو اشترى النصف ولم يؤد ثمنه ثم حجر عليه بالإفلاس لم يكن للبائع الرجوع فيه بعد هذا التصرف لو باع النصف الذي له بالثلث من نصيب صاحبه ففي الصحة الوجهان أصحهما : الصحة ، ويصير بينهما أثلاثا ، وبهذا قطع صاحب التقريب والمتولي واستبعده إمام الحرمين والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : لا يصح بيع العبد المنذور إعتاقه كما لا يصح بيع أم الولد . وممن صرح به المتولي والروياني وقد سبقت الإشارة إليه عند ذكر شروط المبيع ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

244


245
باب ما نهى عنه من بيع الغرر وغيره

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع المعدوم كالثمرة التي لم تخلق لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر والغرر ما انطوى عنه أمره ، وخفي عليه عاقبته ، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها في وصف أبي بكر رضي الله عنه فرد نشر الإسلام على غره أي على طيه والمعدوم قد انطوى عنه امرن ، وخفى عليه عاقبته ، فلم يجز بيعه ، وروى جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المعاومة وفي بعضها عن بيع السنين .

+ الشرح : حديث أبي هريرة رواه مسلم وحديث جابر رواه مسلم أيضا ولفظه : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين وفي رواية أبي داود ذكر السنين والمعاومة ، كما ذكره المصنف وإسناده اسناد الصحيح ، ولفظ المعاومة في الترمذي أيضا ، وقال : هو حديث حسن صحيح ، وفي رواية لمسلم : بيع تمر سنتين . وهو مفسر لبيع السنين وبيع المعاومة . وأما الأثر المذكور عن عائشة فمشهور من جملة خطبتها المشهورة التي ذكرت فيها أحوال أبيها وفضائله وقولها : نشر الإسلام هو بفتح النون والشين ، والإسلام مجررو بالإضافة أي رد ما انتشر من الإسلام ودخله من الاختلاف وتفرق الكلمة إلى ما كان عليه في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وهو المراد بقولها : على غرة والله تعالى أعلم . أما حكم المسألة : فبيع المعدوم باطل بالإجماع ونقل ابن المنذر وغيره إجماع المسلمين على بطلان بيع الثمرة سنتين ونحو ذلك .

245


246
فرع : الأصل أن بيع الغرر باطل لهذا الحديث ، والمراد ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز عنه فأما ما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر وذكر أو أثني ، وكامل الأعضاء أو ناقصها ، وكشراء الشاة في ضرعها لبن ، ونحو ذلك فهذا يصح بيعه بالإجماع ونقل العلماء الإجماع أيضا في أشياء غررها حقير منها : أن الأمة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة ، وإن لم ير حشوها ولو باع حشوها منفردا لم يصح . وأجمعوا على جواز الدار وغيرها شهرا ، مع أنه قد يكون ثلاثين يوما ، وقد يكون تسعة وعشرين . وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في الحمام . قال العلماء : مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه ، وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة ، أو كان الغرر حقيرا جاز البيع ، وإلا فلا ، وقد تختلف العلماء في بعض المسائل كبيع العين الغائبة ، وبيع الحنطة في سنبلها ، ويكون اختلافهم مبنيا على هذه القاعدة ، فبعضهم يرى الغرر يسيرا لا يؤثر ، وبعضهم يراه مؤثرا والله سبحانه وتعالى أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع ما لا يملكه من غير إذن مالكه لما روى حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تبع ما ليس عندك ولأن ما يملكه لا يقدر على تسليمه فهو كالطير في الهواء أو السمك في الماء .

+ الشرح : حديث حكيم صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة ، وقال الترمذي : وهو حديث حسن ، وقول المصنف من غير إذن يريد من غير إذن شرعي ، فيدخل فيه الوكيل والوصي وقيم القاضي في بيع مال المحجور عليه والقاضي ونائبه في بيع مال من توجه عليه أداء دين لو امتنع عن بيع ماله في وفائه ، فكل هذه الصور يصح فيها البيع لوجود الإذن الشرعي ، ويخرج منه إذن المحجور عليه لصغر أو فلس أو سفه أو رهن ، فإنه لو أذن لأجنبي في البيع لم يصح ، مع أنه مالك وجملة القول في هذا الفصل أنه سبق أن شروط المبيع خمسة . منها أن يكون

246


247
مملوكا لمن يقع العقد له ، فإن باشر العقد لنفسه فشرطه كونه مالكا للعين ، وإن باشره لغيره بولاية أو وكالة فشرطه أن يكون لذلك الغير ، فلو باع مال غيره بغير إذن ولا ولاية فقولان الصحيح : أن العقد باطل ، وهذا نصه في الجديد وبه قطع المصنف وجماهير العراقيين وكثيرون أو الأكثرون من الخراسانيين لما ذكره المصنف ، وسنزيده دلالة في فرع مذاهب العلماء إن شاء الله تعالى . والقول الثاني : وهو القديم أنه ينعقد موقوفا على إجازة المالك إن أجاز صح البيع وإلا لغا ، وهذا القول حكاه الخراسانيون وجماعة من العراقيين منهم المحاملي في اللباب و الشاشي و صاحب البيان وسيأتي دليله إن شاء الله تعالى في فرع مذاهب العلماء وأما قول إمام الحرمين : إن العراقيين لم يعرفوا هذا القول ، وقطعوا بالبطلان ، فمراده متقدموهم ، ثم إن كل من حكاه إنما حكاه عن القديم خاصة ، وهو نص الشافعي في البويطي ، وهو من الجديد قال الشافعي في آخر باب الغصب من البويطي : إن صح حديث عروة البارقي فكل من باع أو أعتق ملك غيره بغير إذنه ثم رضي : فالبيع والعتق جائزان هذا نصه ، وقد صح حديث عروة البارقي كما سنوضحه قريبا إن شاء الله تعالى في فرع مذاهب العلماء ، فصار للشافعي قولان في الجديد أحدهما موافق للقديم ، والله تعالى أعلم . قال الخراسانيون : ويجري القولان فيما لو زوج أمة وغيره أو ابنته أو طلق منكوحته أو أعتق مملوكه أو أجر داره أو وهبها بغير إذنه . قال إمام الحرمين يطرد هذا القول في كل عقد يقبل الاستنابة كالبيوع والإجارات والهبات والعتق والنكاح والطلاق وغيرها ، ويسمى هذا بيع الفضولي ، وقال إمام الحرمين والغزالي في البسيط والمحاملي وخلائق لا يحصون : القولان في بيع الفضولي جاريان في شرائه لغيره بغير إذن ، قال أصحابنا فإذا اشترى الفضولي لغيره نظر إن اشترى بعين مال ذات الغير ففيه هذان القولان الجديد : بطلانه والقديم : وقفه على الإجازة ، وإن اشترى في الذمة نظر . إن أطلق لفظ العقد ونوى كونه للغير على الجديد يقع للمباشر ، وعلى القديم يقف على الإجازة ، فإن أجاز نفذ للمجيز ، وإلا نفذ للمباشر ، وإن قال : اشتريت لفلان بألف في ذمته ، فهو كاشترائه بعين مال الغير ، ففيه القولان الجديد : بطلانه والقديم : وقفه على الإجازة . وإن اقتصر على قوله : اشتريت لفلان بألف ولم يضف الثمن إلى ذمته فعلى الجديد فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين والغزالي وغيرهما أحدهما : يلغو العقد والثاني : يقع على المباشر ، وعلى القديم يقف على الإجازة ، فإن أجاز نفذ للمجيز وإلا ففيه الوجهان في وقوعه للمباشر أما إذا اشترى شيئا لغيره بمال نفسه فإن لم يسمه في العقد وقع العقد للمباشر بلا خلاف ، سواء كان ذلك الغير أذن له أم لا ، وإن سماه نظر إن لم

247


248
يأذن له لغت التسمية ، وهل يقع للمباشر أم يبطل فيه الوجهان . فإن أذن له فهل تلغو التسمية فيه وجهان فإن قلنا تلغو ، فهل يبطل العقد من أصله أم يقع عن المباشر فيه الوجهان وإن قلنا : لا تلغو وقع عن الإذن . وهل يكون الثمن المدفوع قرضا أم هبة وجهان . قال الشيخ أبو محمد الجويني : وحيث قلنا بالقديم فشرطه أن يكون للعقد مجيز في الحال مالكا كان أو غيره ، حتى لو أعتق عبد الصبي أو طلق امرأته لا يتوقف على إجازته بعد البلوغ بلا خلاف . والمعتبر إجازة من يملك التصرف عند العقد حتى لو باع مال الطفل فبلغ وأجاز لم ينفذ ، وكذا لو باع ملك الغير ثم ملكه البائع ، وأجاز لم ينفذ قطعا . والله تعالى أعلم . فرع : لو غصب أموالا وباعها وتصرف في أثمانها مرة بعد أخرى بحيث يعسر أو يتعذر تتبع ملك التصرفات بالنقض وقلنا بالجديد فقولان ، حكاهما إمام الحرمين والغزالي وغيرهما أصحهما : بطلان التصرفات كلها ، كما لو كان تصرفا واحدا لأنه ممنوع من كل تصرف منها والثاني : للمالك أن يجيزها ويأخذ الحاصل من أثمانها لعسر تتبعها بالنقض ، والله تعالى أعلم . فرع : لو باع مال مورثه على ظن أنه حي وأنه فضولي فبان ميتا حينئذ وأنه ملك العاقد فقولان ، وقيل : وجهان مشهوران أصحهما : أن العقد صحيح لصدوره من مالك والثاني : البطلان لأنه في معنى المعلق بموته ولأنه كالغائب قال الرافعي : ولا يبعد تشبيه هذا الخلاف ببيع الهازل ، هل ينفذ أم لا وفيه وجهان . والخلاف في بيع التلحية وصورته أنه يخاف غصب ماله أو الإكراه على بيعه ، فيبيعه لإنسان بيعا مطلقا ، وقد توافقا قبله على أنه لدفع الشر ، لا على صفة البيع ، والصحيح صحته ، لأن الاعتبار عندنا بظاهر العقود ، لا بما ينويه العاقدان ولهذا يصح بيع العينة ونكاح من قصد التحليل ونظائره . قال أصحابنا : ويجري الخلاف في بيع العبد على ظن أنه آبق أو مكاتب فبان أنه رفع ، وأنه فسخ الكتابة قالوا : ويجري فيمن زوج أمة أبيه على ظن حياته ، فبان ميتا ، هل يصح النكاح والأصح صحته . قال الرافعي : فإن صح فقد نقلوا فيه وجهين فيمن قال : إن مات أبي فقد زوجتك هذه الجارية قلت : الأصح هنا البطلان ، ويجري القولان فيمن باع واشترى لغيره على ظن أنه فضولي ، فبان أنه قد وكله في ذلك . والأصح صحة تصرفه والله سبحانه وتعالى أعلم . هذان القولان في بيع الفضولي ، وفي الفرعين بعده يعبر عنهما بقولي وقف العقود ، وحيث قال أصحابنا الخراسانيون : فيه قولا وقف العقود أرادوا هذين

248


249
وسيما بذلك لأن الخلاف راجع إلى العقد هل ينعقد على التوقف أم لا ينعقد بل يكون باطلا من أصله قال إمام الحرمين : والصحة على قول الوقف وهو القديم ناجز ، لكن الملك لا يحصل إلا عند الإجازة ، والله أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في تصرف الفضولي بالبيع وغيره في مال غيره إذنه ، قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور بطلانه ، ولا نقف على الإجازة ، وكذا الوقف والنكاح وسائر العقود ، وبهذا قال أبو ثور وابن المنذر وأحمد في أصح الروايتين عنه ، وقال مالك : يقف البيع والشراء والنكاح على الإجازة ، فإن أجازه من عقد له صح ، وإلا بطل ، وقال أبو حنيفة : إيجاب النكاح وقبوله يقفان على الإجازة ، ويقف البيع على الإجازة ولا يقف الشراء ، وأوقفه إسحاق بن راهويه في البيع واحتج لهم قوله تعالى :

﴿ وتعاونوا على البر والتقوى المائدة : 2 وفي هذا إعانة لأخيه المسلم ، لأنه لا يكفيه نعت البيع إذا كان مختارا له ، وبحديث حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا يشتري له به أضحية فاشترى به أضحية وباعها بدينارين ، واشترى أحضية بدينار ، وجاءه بأضحية ودينار فتصدق النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار ودعا له بالبركة رواه أبو داود والترمذي وبحديث عروة الباقي قال : دفع إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا لأشتري له شاة ، فاشتريت له شاتين فبعت إحداهما بدينار ، وجئت بالشاة والدينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر له ما كان من أمره ، فقال : بارك الله لك في صفقة يمينك ، فكان يخرج بعد ذلك إلى كناسة الكوفة فيربح الربح العظيم ، فكان من أكثر أهل الكوفة مالا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وهذا لفظ الترمذي وإسناد الترمذي صحيح وإسناد الآخرين حسن ، فهو حديث صحيح . وبحديث ابن عمر في قصة الثلاثة أصحاب الغار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال الثالث : اللهم استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ، ترك الذي له وذهب ، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال : يا عبد الله أد إلى أجري ، فقلت : كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق ، فقال :

249


250
يا عبد الله لا تستهزىء بي ، فقلت : لا أستهزىء فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا وفي رواية استأجرت أجيرا بفرق أرز وذكر ما سبق ، رواه البخاري ومسلم . قالوا : ولأنه عقد له مجيز حال وقوعه فجاز أن يقف على الإجازة كالوصية بأكثر من الثلث ، ولأن البيع بشرط خيار ثلاثة أيام يجوز بالاتفاق ، وهو بيع موقوف على الإجازة ، قالوا : ولأن إذن المالك لو كان شرطا في انعقاد البيع لم يجز أن يتقدم على البيع ، لأن ما كان شرطا للبيع لا يجوز تقدمه عليه ، ولهذا لما كانت الشهادة شرطا في النكاح اشترط مقارنتها العقد ، فلما أجمعنا على أن الإذن في البيع يجوز تقدمه دل على أنه ليس بشرط في صحة انعقاده . واحتج أصحابنا بحديث حكيم بن حزام قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه منه قال لا تبع ما ليس عندك وهو حديث صحيح سبق بيانه أول هذا الفصل . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا طلاق إلا فيما تملك ولا عتق إلا فيما تملك ، ولا بيع إلا فيما تملك ، ولا وفاء نذر إلا فيما تملك حديث حسن أو صحيح رواه أبو وداود والترمذي وابن ماجه وغيرهم من طرق كثيرة بأسانيد حسنة ، ومجموعها يرتفع عن كونه حسنا . ويقتضي أنه صحيح وقال الترمذي : هو حديث حسن . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل عتاب بن أسيد إلى أهل مكة أن أبلغهم عني أربع خصال : أنه لا يصلح شرطان في بيع ، ولا بيع وسلف ، ولا تبع ما لم تملك . ولا ربح ما لم تضمن رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه بأسانيد صحيحة ، ولأنه أحد طرفي البيع فلم يقف على الإجازة كالقبول ولأنه باع ما لا يقدر على تسليمه فلم يصح ، كبيع الآبق ، والسمك في الماء ، والطير في الهواء . وأما : احتجاجهم بالآية الكريمة ، فقال أصحابنا : ليس هذا من البر والتقوى ، بل هو من الإثم والعدوان وأما حديث حكيم فأجاب أصحابنا عنه بجوابين أحدهما : أنه حديث ضعيف أما إسناد أبي داود فيه ففيه شيخ مجهول ، وأما إسناد الترمذي

250


251
ففيه انقطاع بين حديث ابن أبي ثابت وحكيم بن حزام والجواب الثاني : وأنه محمول على أنه كان وكيلا للنبي صلى الله عليه وسلم وكالة مطلقة ، يدل عليه أنه باع الشاة وسلمها واشترى وعنه المخالف لا يجوز التسليم إلا بإذن مالكها ، ولا يجوز عند أبي حنيفة شراء الثانية موقوفا على الإجازة وهذا الجواب الثاني هو الجواب عن حديث عروة البارقي وأما حديث ابن عمر حديث الغار فجوابه أن هذا شرع لمن قبلنا ، وفي كونه شرعا لنا خلاف مشهور فإن قلنا : ليس بشرع لنا لم يكن فيه حجة ، وإلا فهو محمول على أنه استأجره بأرز في الذمة . ولم يسلمه إليه ، بل عينه له فلم يتعين من غير قبض ، فبقي على ملك المستأجر ، لأن ما في الذمة لا يتعين إلا بقبض صحيح ، ثم إن المستأجر تصرف فيه وهو ملكه فيصح تصرفه سواء اعتقده له أو للأجير ، ثم تبرع بما اجتمع منه على الأجر بتراضيهما . والجواب : عن قياسهم على الوصية أنها تحتمل الغرر وتصح بالمجهول والمعدوم ، بخلاف البيع والجواب : عن شرط الخيار أن البيع مجزوم به منعقد في الحال ، وإنما المنتظر فسخه ، ولهذا إذا مضت المدة ولم يفسخ لزم البيع والجواب : عن القياس الأخير أنه ينتقض بالصوم ، فإن النية شرط لصحته ، وتتقدم عليه ، ولأن الإذن ليس متقدما على العقد وإنما الشرط كونه مأذونا له حالة العقد ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : إذا باع إنسان سلعة وصاحبها حاضر لم يأذن ولم يتكلم ولم ينكر لم يصح البيع عندنا ، وبه قال ابن المنذر ، وحكاه عن أبي حنيفة وأبي يوسف وقال ابن أبي ليلى : يصح البيع .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع ما لم يستقر ملكه عليه ، كبيع الأعيان المملوكة بالبيع والإجارة والصداق ، وما أشبهها من المعاوضات قبل القبض لما روى أن حكيم ابن حزام قال : يا رسول الله إني أبيع بيوعا كثيرة فما يحل لي منها مما يحرم قال : لا تبع ما لم تقبضه ولأن ملكه عليه غير مستقر . ولأنه ربما هلك فانفسخ العقد ، وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز ، وهل يجوز عتقه فيه وجهان أحدهما : أنه لا يجوز لما ذكرناه والثاني : يجوز ، لأن العتق له سراية تصح لقوته فأما ما ملكه بغير معاوضة كالميراث والوصية أو عاد إليه بفسخ عقد ، فإنه يجوز بيعه وعتقه قبل القبض ، لأن ملكه عليه مستقر فجاز التصرف فيه كالمبيع بعد القبض .

251


252

+ الشرح : حديث حكيم رواه البيهقي بلفظه هذا ، وقال : إسناده حسن متصل ، وفي الصحيحين أحاديث بمعناه سنذكرها إن شاء الله تعالى في فرع مذاهب العلماء . أما الأحكام : فمذهبنا أنه لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه عقارا كان أو منقولا ، لا بإذن البائع ولا بغير إذنه ، لا قبل أداء ولا بعده ، وفي إعتاقه ثلاثة أوجه أصحها : وهو قول جمهور أصحابنا المتقدمين يصح ويصير قبضا ، سواء كان للبائع حق الحبس أم لا والثاني : لا يصح ، وهو قول أبي علي بن خيران ، ودليلهما في الكتاب والثالث : قاله ابن سريج ، حكاه عنه القاضي أبو الطيب في تعلقه إن لم يكن للبائع حق الحبس بأن كان الثمن مؤجلا أو حالا أداه المشتري صح ، وإلا فلا ، وفي الكتابة وجهان أصحهما : وبه قطع صاحب البيان وغيره لا يصح ، لأنها تقتضي تخليته للتصرف ، ولأنه ليس لها قوة الصرف وسرايته والاستيلاد كالاعتاق . ولو وقف المبيع قبل قبضه قال المتولي : إن قلنا : الوقف يفتقر إلى القبول فهو كالبيع وإلا فكالإعتاق ، وهذا هو الأصح ، وبه قطع الماوردي وغيره ، قال الماوردي : ويصير قابضا حتى ولو لم يرفع البائع يده عنه صار مضموما عليه بالقيمة ، قال : وهكذا لو كان طعاما اشتراه جزافا وأباحه للمساكين وأما الرهن والهبة ففيهما وجهان ، وقيل قولان أصحهما : عند جمهور الأصحاب ، وبه قطع كثيرون : لا يصحان ، وإذا صححناهما فنفس العقد ليس قبضا ، بل يقبضه المشتري من البائع ، ثم يسلمه إلى المرتهن والمتهب ، فلو أذن المشتري لهما في قبضه ، قال البغوي : يكفي ويتم به البيع والرهن والهبة بعده ، وقال الماوردي : لا يكفي ذلك المبيع وما بعده ولكن ينظر إن قصد قبضه للمشتري صح قبض المبيع ، ولا بد من استئناف قبض للهبة ولا يجوز أن يأذن له في قبضه من نفسه لنفسه ، وإن قصد قبضه لنفسه لم يحصل القبض للبيع ولا للهبة لأن قبضها يجب أن يتأخر عن تمام البيع والإقراض والتصدق كالهبة والرهن ففيهما الخلاف . وأما : الإجارة ففيها وجهان مشهوران أصحهما : عند الأكثرين لا يصح لأنها بيع وحكى المتولي طريقا آخر وصححه ، وهو القطع بالبطلان وأما تزويج المبيعة قبل قبضها ففيه ثلاثة أوجه أصحها : صحته . وبه قطع صاحب البيان ، لأنه يقتضي ضمانا بخلاف البيع قال المتولي وغيره : ولهذا يصح تزويج المغصوبة والآبقة والثاني : البطلان والثالث : إن لم يكن للبائع حق الحبس صح ، وإلا فلا ، وحكى هذا الوجه في الإجارة أيضا وإذا صححنا التزويج فوطء الزوج لم يكن قبضا ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : كما لا يجوز بيع المبيع قبل القبض ، لا يجوز جعله أجرة ولا

252


253
عوضا في صلح ، ولا إسلامه في شيء ، ولا التولية فيه ، ولا الاشتراك ، وفي التولية والاشتراك وجه ضعيف . فرع : قال أصحابنا : المال المستحق للإنسان عند غيره قسمان دين وعين أما الدين فقد ذكره المصنف في هذا الفصل بعد هذا . وسنوضحه إن شاء الله تعالى وأما العين فضربان أمانة ومضمون الضرب الأول : الأمانة فيجوز للمالك بيع جميع الأمانات قبل قبضها ، لأن الملك فيها تام وهي كالوديعة في يد المودع ، ومال الشركة والقراض في يد الشريك والعامل ، فالمال في يد الوكيل في البيع بعد فكاك الرهن ، وفي يد المستأجر بعد فراغ المدة ، والمال في يد الولي بعد بلوغ الصبي ورشده ، ورشد السفيه ، وإفاقة المجنون ، وما كسبه العبد باصطياد واحتطاب واحتشاش ونحوها ، أو قبله بالوصية قبل أن يأخذه السيد من يده ، وما أشبه ، هذا كله يجوز بيعه قبل قبضه . ولو ورث مالا فله بيعه قبل قبضه إلا إذا كان المورث لا يملك بيعه أيضا ، بأن اشتراه ولم يقبضه . ولو اشترى من مورثه شيئا ومات المورث قبل التسليم فله بيعه قبل قبضه ، سواء كان على المورث دين أم لا ، فإن كان عليه دين تعلق الغريم بالثمن ، فإن كان له وارث آخر لم ينفذ بيعه في قدر نصيب الآخر ، حتى يقبضه ، ولو أوصى له إنسان بمال فقبل الوصية بعد موت الموصى فله بيعه قبل قبضه ، وإن باعه بعد الموت وقبل القبول جاز إن قلنا تملك الوصية بالموت وإن قلنا : بالقبول أو موقوف فلا . الضرب الثاني : المضمونات وهي نوعان ، الأول المضمون بالقيمة ، ويسمى ضمان اليد فيصح بيعه قبل قبضه لتمام الملك فيه ويدخل فيه ما صار مضمونا بالقيمة بعقد مفسوخ وغيره ، حتى لو باع عبدا وجد المشتري به عيبا وفسخ البيع كان للبائع بيع العبد قبل أن يسترده ويقبضه ، قال المتولي : إلا إذا لم يؤد الثمن ، فإن للمشتري حبسه إلى استرجاع الثمن فلا يصح بيعه قبله قال : وقد نص الشافعي على هذا . ولو فسخ السلم لانقطاع المسلم فيه كان للمسلم بيع رأس المال قبل استرداده . ولو باع سلعة فأفلس المشتري بالثمن وفسخ به البائع فله بيعها قبل قبضها . ويجوز بيع المال في يد المستعير والمستأجر ، وفي يد المشتري شراء فاسدا ، والمثبت هبة فاسدة ، ويجوز بيع المغصوب للغاصب . النوع الثاني : المضمون بعوض في عقد معاوضة ، لا يصح بيعه قبل قبضه ، وذلك كالبيع والأجرة والعوض المصالح عليه عن المال ، والعوضين في الهبة بشرط ثواب ، حيث صححناها ، ودليله الحديث ، وعللوه بعلتين إحداهما : ضعف الملك لتعرضه للانفساخ بتلفه والثاني : توالي الضمان ، ومعناه أن يكون مضمونا في حالة

253


254
واحدة لاثنين ، وهذا مستحيل ، فإنه لو صححنا بيعه كان مضمونا للمشتري الأول على البائع الأول ، والثاني على الثاني ، وسواء باعه المشتري للبائع أو لغيره لا يصح ، هكذا قطع به العراقيون وكثيرون أو الأكثرون من الخراسانيين ، وحكى جماعة من الخراسانيين وجها شاذا ضعيفا أنه يجوز بيعه للبائع ، تفريعا على العلة الثانية ، وهي توالي الضمان ، فإنه لا يتوالى إذا كان المشتري هو البائع ، لأنه لا يصير في الحال مقبوضا له أو بعد لحظة ، بخلاف الأجنبي ، والمذهب بطلانه كالأجنبي ، قال المتولي : والوجهان فيما إذا باعه بغير جنس الثمن أو بزيادة أو نقص أو تفاوت صفة ، وإلا فهو إقالة بصيغة البيع . ولو رهنه عند البائع أو وهبه له فطريقان أحدهما : القطع بالبطلان وأصحهما : أنه على الخلاف كغيره ، فإن جوزناه فأذن له في القبض فقبض ملك في صورة الهبة وتم الرهن ، ولا يزول ضمان البيع في صورة الرهن ، بل إن تلف انفسخ البيع . هذا إذا رهنه عنده بغير الثمن ، فإن رهنه به صح إن كان بعد قبضه ، فإن كان قبله فلا إن كان الثمن حالا ، لأن الحبس ثابت له ، وإن كان مؤجلا فهو كرهنه بدين آخر قبل القبض والله سبحانه أعلم . وأما : بيع الصداق قبل القبض من يد الزوج ففيه قولان حكاهما الخراسانيون بناء على القولين المشهورين في أنه مضمون على الزوج ضمان العقد كالمبيع أم ضمان اليد كالعارية والأصح ضمان العقد فإن قلنا : ضمان اليد ، جاز كالعارية وإن قلنا ضمان العقد فهو كالمبيع ، فلا يجوز بيعه قبل قبضه لأجنبي ، وفي بيعه للزوج الخلاف . والمذهب أنه لا يجوز ، وقطع المصنف وأكثر العراقيين بأنه لا يجوز بيع الصداق قبل قبضه ، قال الخراسانيون : ويجري القولان في بيع الزوج بدل الخلع قبل أن يقبضه ، وفي بيع العافي عن القصاص المال المعفو عليه قبل القبض لمثل هذا المأخذ والله سبحانه أعلم . فرع : قال الرافعي رحمه الله : ووراء ما ذكرناه صور ، إذا تأملتها عرفت من أي ضرب هي فمنها ما حكى صاحب التلخيص عن نص الشافعي رحمه الله أن الأرزاق التي يخرجها السلطان للناس يجوز بيعها قبل القبض ، فمن الأصحاب من قال : هذا أفرزه السلطان ، فتكون يد السلطان في الحفظ يد المقر له ، ويكفي ذلك لصحة البيع ، ومن الأصحاب من لم يكتف بذلك وحمل النص على ما إذا وكل وكيلا في قبضه فقبضه الوكيل ثم باعه الموكل ، وإلا فهو بيع شيء غير مملوك ، وبهذا قطع القفال قلت : الأول أصح وأقرب إلى النص ، وقول الرافعي وبه قطع القفال يعني بعدم الاكتفاء لا بالتأويل المذكور ، فإني رأيت في شرح التلخيص : للقفال المنع المذكور ، وقال : ومراد الشافعي

254


255
بالرزق الغنيمة ، ولم يذكر غيره ، ودليل ما قاله الأول وهو الأصح أن هذا القدر من المخالفة للقاعدة احتمل للمصلحة ، والرفق بالجند لمسيس الحاجة ، وممن قطع بصحة بيع الأرزاق التي أخرجها السلطان قبل قبضها المتولي وآخرون وروى البيهقي فيه آثار الصحابة مصرحة بالجواز . قال المتولي : وهكذا غلة الوقف إذا حصلت لأقوام ، وعرف كل قوم قدر حقه فباعه قبل قبضه صح بيعه ، كرزق الأجناد قال الرافعي : ومنها بيع أحد الغانمين نصيبه من الغنيمة على الإشاعة قبل القبض ، وهو صحيح إذا كان معلوما وحكمنا بثبوت الملك في الغنيمة ، وفيما يملكها به خلاف مذكور في بابه ، قال ومنها لو رجع فيما وهب لولده ، فله بيعه قبل قبضه على الصحيح من الوجهين ومنها الشفيع إذا تملك الشقص ، قال البغوي : له بيعه قبل القبض ، وقال المتولي : ليس له ذلك ، لأن الأخذ بها معاوضة ، وهذا أصح وأقوى ، كذا قال الرافعي هنا ثم قال في كتاب الشفعة في نفوذ تصرف الشفيع قبل القبض ، إذا كان قد سلم الثمن وجهان أصحهما : المنع كالمشتري والثاني : الجواز لأنه قهرى كالإرث قال : ولو ملك بالإشهاد أو بقضاء القاضي لم ينفذ تصرفه قطعا ، وكذا لو ملك برضاء المشتري بكون الثمن يبقى في ذمة الشفيع ، وفي جواز أخذ الشفيع الشقص من يد البائع قبل قبض المشتري وجهان ، ذكرهما المصنف في كتاب الشفعة وسنوضحهما هناك إن شاء الله تعالى . ومنها : للموقوف عليه بيع الثمرة الخارجة من الشجرة الموقوفة قبل أن يأخذها ومنها إذا استأجر صباغا ليصبغ ثوبا وسلمه إليه ، فليس للمالك بيعه قبل صبغه ، لأن له حبسه بعمل ما يستحق به الأجرة وإذا صبغه فله بيعه قبل استرداده إن دفع الأجرة ، وإلا فلا ، لأنه يستحق حبسه إلى استيفاء الأجرة ، وإذا استأجر قصارا لقصر ثوب وسلمه إليه لم يجز بيعه قبل قصره ، فإذا قصره بنى على أن القصارة هل هي عين فتكون كمسألة الصبغ أم أثر فله البيع إذ ليس للقصار الحبس على هذا والأصح : أنها عين قال المتولي وغيره : وعلي هذا قياس صوغ الذهب ، ورياضة الدابة ، ونسج الغزل ، قال المتولي ، ولو استأجره ليرعى غنمه شهرا وليحفظ متاعه المعين ثم أراد المستأجر التصرف في ذلك المال قبل انقضاء الشهر ، صح تصرفه وبيعه ، لأن حق الأجير لم يتعلق بعين ذلك المال ، فإن للمستأجر أن يستعمله في مثل ذلك العمل . ومنها : إذا قاسم شريكه فبيع ما صار له قبل قبضه ، يبنى على أن القسمة بيع أو إفراز ، قال المتولي فإن قلنا : القسمة إفراز ، جاز بيعه قبل قبضه من يد شريكه وإن قلنا : بيع فنصف نصيبه حصل له بالبيع ، ونصفه حصل بملكه القديم ، لأن حقيقة القسمة على هذا القول بيع كل واحد نصف ما صار لصاحبه بنصف ما صار له ، فله التصرف في نصف ما صار له دون نصفه ،

255


256
قال : فإن كان فيها رد فحكمها في القدر المملوك بالعوض حكم البيع ومنها إذا أثبت صيدا بالرمي أو وقع في شبكته ، فله بيعه ، وإن لم يأخذه ، ذكره صاحب التلخيص هنا ، وقال القفال : ليس هو مما نحن فيه لأنه بإثباته قبضه حكما ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : تصرف المشتري في زوائد المبيع قبل القبض ، كالولد والثمرة وكسب العبد وغيره ، يبنى على أنها تعود إلى البائع لو عرض انفساخ أم لا تعود فإن أعدناها لم يتصرف فيها قبل قبضها ، كالأصل ، وإلا فيصح تصرفه . ولو كانت الجارية حاملا عند البيع وولدت قبل القبض إن قلنا : الحمل يقابله قسط من الثمن لم يتصرف فيه ، وإلا فهو كالولد الحادث بعد البيع والله تعالى أعلم . فرع : إذا باع متاعا بدراهم أو بدنانير معينة فله حكم المبيع ، فلا يجوز تصرف البائع فيها قبل قبضها ، لأنها تتعين بالتعيين عندنا ولا يجوز للمشتري إبدالها بمثلها ، ولو تلفت قبل القبض انفسخ البيع ، ولو وجد البائع بها عيبا لم يستبدل بها إن رضيها ، وإلا فسخ العقد ، فلو أبدلها بمثلها أو بغير جنسها برضاء البائع فهو كبيع المبيع للبائع ، والأصح بطلانه كما سبق ، والله تعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : لو اشترى شيئا بثمن في الذمة ، وقبض المبيع ، ولم يدفع الثمن ، فله بيع المبيع بلا خلاف ، سواء باعه للبائع أو لغيره . فرع : لو باع سلعة وتقابضا ثم تقابلا ، وأراد البائع بيعها قبل قبضها من المشتري ، فالمذهب صحته ، قال صاحب البيان : قال أصحابنا البغداديون : يصح بيعه قطعا ، لأنه ملكها بغير عد ، وقال صاحب الإبانة : هل يصح بيعها فيه قولان بناء على أن الإقالة بيع أو فسخ ، وفيها قولان الصحيح : الجديد أنها بيع والقديم : أنها فسخ فإن قلنا : فسخ جاز ، وإلا فلا ، وكذا قال المتولي وإن قلنا : الإقالة بيع لم يجز ، وإلا فكالمفسوخ بعيب وغيره ، فنفرق بين أن يكون قبض الثمن أم لا ، كما ذكرناه عنه في أول الضرب الثاني . فرع : نقله الأصحاب عن ابن سريج إذا باع عبدا بعبد ثم قبض أحد العاقدين ما اشتراه قبضا شرعيا ثم باعه قبل أن يقبض صاحبه ما اشتراه منه صح بيعه ، لأنه قبضه ، فإن تلف عبده الذي باعه صاحبه قبل قبضه بطل البيع الأول لتلف المبيع قبل القبض ولا يبطل الثاني لتعلق حق المشتري الثاني به ، ولكن يجب على البائع الثاني قيمة الذي باعه ثانيا ، لأنه تعذر رده فوجبت قيمته ، هكذا قطع الأصحاب بهذا كله في الطريقتين إلا

256


257
المتولي فقال : في بطلان العقد الثاني وجهان أصحهما : لا يبطل كما قطع به الجمهور ، قال : وهما مبنيان على أن الفسخ هل يرفع العقد من أصله أو من حينه إن قلنا من أصله بطل ، وإلا فلا قال أصحابنا : فإن اشترى من رجل شقصا من دار بعبد وقبض المشترى الشقص فأخذه الشفيع بالشفعة ، ثم تلف العبد في يد المشتري ، قبل أن يقبضه بائع الشقص ، انفسخ البيع في العبد ولم يبطل الأخذ بالشفعة فلا يؤخذ الشقص من يد الشفيع ، بل يلزم المشتري قيمة الشقص لبائعه ، ويجب على الشفيع للمشتري قيمة العبد لأن العقد وقع به والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : للمشتري الاستقلال بقبض المبيع بغير إذن البائع إن كان دفع الثمن إليه أو كان مؤجلا ، كما للمرأة قبض صداقها بغير إذن الزوج إذا سلمت نفسها ، فإن كان حالا ولم يدفعه إلى البائع لم يجز له قبضه بغير إذنه فإن قبضه لزمه رده . لأن البائع يستحق حبسه لاستيفاء الثمن ، فإن تصرف المشتري فيه لم ينفذ تصرفه . ولكن يكون في ضمانه بلا خلاف . قال المتولي وغيره حتى لو تلف في يده استقر عليه الثمن . ولو تعيب لم يكن له رده بالعيب ولو رده على البائع بعد ذلك وتلف في يد البائع لم يسقط الثمن عن المشتري . فرع : في مذاهب العلماء في بيع المبيع قبل القبض . قد ذكرنا أن مذهبنا بطلانه مطلقا ، سواء كان طعاما أو غيره ، وبه قال ابن عباس ثبت ذلك عنه ومحمد بن الحسن . قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن من اشترى طعاما فليس له بيعه حتى يقبضه ، قال : واختلفوا في غير الطعام على أربعة مذاهب أحدها : لا يجوز بيع شيء قبل قبضه سواء جميع المبيعات كما في الطعام قاله الشافعي ومحمد بن الحسن والثاني : يجوز بيع كل مبيع قبل قبضه إلا المكيل والموزون قاله عثمان بن عفان وسعيد ابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وأحمد وإسحاق والثالث : لا يجوز بيع مبيع قبل قبضه إلا الدور والأرض ، قاله أبو حنيفة وأبو يوسف والرابع : يجوز بيع كل مبيع قبل قبضه إلا المأكول والمشروب ، قاله مالك وأبو ثور ، قال ابن المنذر وهو أصح المذاهب لحديث النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفي . واحتج لمالك وموافقيه بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه رواه البخاري ومسلم ،

257


258
وعنه قال : لقد رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون جزافا يعني الطعام فضربوا أن يبيعوه في مكانهم حتى يؤوه إلى رحالهم رواه البخاري ومسلم . وعن ابن عباس قال : أما الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم فهو الطعام أن يباع حتى يقبض قال ابن عباس وأحسب كل شىء مثله رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه قال ابن عباس : وأحسب كل شيء بمنزلة الطعام وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يكيله رواه مسلم ، وفي رواية قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يستوفى وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه رواه مسلم . قالوا : فالتنصيص في هذه الأحاديث يدل على أن غيره بخلافه ، قالوا : وقياسا على ما ملكه بإرث أو وصية وعلى إعتاقه وإجارته قبل قبضه وعلى بيع الثمر قبل قبضه . واحتج أصحابنا بحديث حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تبع ما لم تقبضه وهو حديث حسن كما سبق بيانه في أول هذا الفصل ، وبحديث زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يجوزها التجار إلى رحالهم رواه أبو داود بإسناد صحيح إلا أنه من

258


259
رواية محمد بن إسحاق بن يسار عن أبي الزناد وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به وهو مدلس ، وقد قال : عن أبي الزناد ، والمدلس إذا قال : عن لا يحتج به ، لكن لم يضعف أبو داود هذا الحديث ، وقد سبق أن ما لم يضعفه فهو حجة عنده ، فلعله اعتضد عنده أو ثبت عنده بسماع ابن إسحاق له من أبي الزناد ، وبالقياس على الطعام . والجواب : عن احتجاجهم بأحاديث النهي عن بيع الطعام من وجهين أحدهما : أن هذا استدلال بداخل الخطاب والتنبيه مقدم عليه ، فإنه إذا نهى عن بيع الطعام مع كثرة الحاجة إليه فغيره بأولى والثاني : أن النطق الخاص مقدم عليه وهو حديث حكيم وحديث زيد وأما قياسهم على العتق ففيه خلاف سبق فإن سلمناه فالفرق أن العتق له قوة وسراية ، ولأن العتق إتلاف للمالية والإتلاف قبض والجواب : عن قياسهم على الثمن أن فيه قولين فإن سلمناه فالفرق أنه في الذمة مستقر لا يتصور تلفه ونظير المبيع إنما هو الثمن المعين ، ولا يجوز بيعه قبل القبض ، وأما بيع الميراث والموصى به فجوابه أن الملك فيهما مستقر بخلاف المبيع ، والله أعلم . واحتج لأبي حنيفة باطلاق النصوص ، ولأنه لا يتصور تلف العقار بخلاف غيره . واحتج أصحابنا بما سبق في الاحتجاج على مالك وأجابوا عن النصوص بأنها مخصوصة بما ذكرناه وأما قولهم : لا يتصور تلفه ، فينتقض بالجديد الكثير ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وأما الديون فينظر فيها ، فإن كان الملك عليها مستقرا كغرامة المتلف وبدل القرض ، جاز بيعه ممن عليه قبل القبض ، لأن ملكه مستقر عليه ، فجاز بيعه كالمبيع بعد القبض ، وهل يجوز من غيره فيه وجهان أحدهما : يجوز ، لأن ما جاز بيعه ممن عليه جاز بيعه من غيره كالوديعة والثاني لا يجوز ، لأنه لا يقدر على تسليمه إليه لأنه ربما منعه أو جحده وذلك غرر لا حاجة به إليه ، فلم يجز ، والأول أظهر ، لأن الظاهر أنه يقدر على تسليمه إليه من غير منع ولا جحود ، وإن كان الدين غير مستقر نظرت فإن كان مسلما فيه لم يجز بيعه ، لما روى أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن رجل أسلف في حلل دقاق فلم يجد تلك الحلل ، فقال : أخذ منك مقام كل حلة من الدقاق حلتين من الجل فكرهه ابن عباس ، وقال : خذ برأس المال علفا أو غنما ، ولأن الملك في المسلم فيه غير مستقر لأنه ربما تعذر فانفسخ البيع فيه فلم

259


260
يجز بيعه كالمبيع قبل القبض . وإن كان ثمنا في بيع ففيه قولان قال في الصرف : يجوز بيعه قبل القبض لما روى ابن عمر قال : كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير ، فأخذ الدراهم وأبيع بالدراهم فأخذ الدنانير ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا بأس ما لم تتفرقا وبينكما شيء ولأنه لا يخشى انفساخ العقد فيه بالهلاك ، فصار كالبيع بعد القبض ، وروى المزني في جامعه الكبير أنه لا يجوز ، لأن ملكه غير مستقر عليه ، لأنه قد ينفسخ البيع فيه بتلف المبيع أو بالرد بالعيب ، فلم يجز بيعه كالمبيع قبل القبض ، وفي بيع نجوم المكاتب قبل القبض طريقان أحدهما : أنه على قولين بناء على القولين في بيع رقبته والثاني : أنه لا يصح ذلك قولا واحدا ، وهو المنصوص في المختصر لأنه لا يملكه ملكا مستقرا فلم يصح بيعه كالمسلم فيه .

+ الشرح : حديث ابن عمر صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وآخرون بأسانيد صحيحة ، عن سماك بن حرب عن سعيد عن ابن عمر بلفظه هنا قال الترمذي وغيره : لم يرفعه غير سماك وذكر البيهقي في معرفة السنن والآثار أن أكثر الرواة وقفوه على ابن عمر قلت : وهذا لا يقدح في رفعه وقد قدمنا مرات أن الحديث إذا رواه بعضهم مرسلا وبعضهم متصلا وبعضهم موقوفا وبعضهم مرفوعا كان محكوما بوصله ورفعه على المذهب الصحيح الذي قاله الفقهاء والأصوليون ، ومحققوا المحدثين من المتقدمين والمتأخرين وقوله : بالبقيع هو بالباء الموحدة ، وإنما قيدته لأني رأيت من يصحفه وقوله : السلم في حلل هو جمع حلة بضم الحاء وهي ثوبان ولا يكون إلا ثوبان ، كذا قاله أهل اللغة والدق بكسر الدال والجل بكسر الجيم وهو الغليظ وقوله : من غير

260


261
حاجة إليه يحترز من أساس الدار فإنه يصح بيعه وهو غرر للحاجة ، وهذا الاحتراز يكرره المصنف في كتاب البيوع كثيرا . أما الأحكام : فقد لخصها الرافعي أحسن تلخيص ، وهذا مختصر كلامه قال : الدين في الذمة ثلاثة أضرب مثمن وثمن وغيرهما ، وفي حقيقة الثمن ثلاثة أوجه أحدها : أنه ما ألصق به الباء كقولك : بعت كذا بكذا والأول مثمن ، والثاني ثمن ، وهذا قول القفال والثاني : أنه النقد مطلقا ، والمثمن ما يقابله على الوجهين وأصحهما : أن الثمن النقد ، والمثمن ما يقابله ، فإن لم يكن في العقد نقد أو كان العوضان نقدين فالثمن ما ألصقت به الباء ، والمثمن ما يقابله فلو باع أحد النقدين بالآخر فلا مثمن فيه على الوجه الثاني ، ولو باع عرضا بعرض فعلى الوجه الثاني لا ثمن فيه ، وإنما هو مبادلة ، ولو قال : بعتك هذه الدراهم بهذا العبد فعلى الوجه الأول العبد ثمن والدراهم مثمن وعلى الوجه الثاني والثالث في صحة هذا العقد وجهان كالسلم في الدراهم والدنانير الأصح : الصحة في الموضعين ، فإن صححناه فالعبد مثمن . ولو قال : بعتك هذا الثوب بهذا العبد ووصفه . صح العقد فإن قلنا الثمن ما ألصق به الباء فالعبد ثمن ، ولا يجب تسليم الثوب في المجلس ، وإلا ففي وجوب تسليم الثوب وجهان ، لأنه ليس فيه لفظ المسلم لكن فيه معناه ، فإذا عرف عدنا إلى بيان الأضرب الثلاثة . الضرب الأول : المثمن وهو المسلم فيه فلا يجوز بيعه ولا الاستبدال عنه ، وهل تجوز الحوالة به بأن يحيل المسلم إليه المسلم بحقه على من له عليه دين قرض ، أو إتلاف أو الحوالة عليه بأن يحيل المسلم من له عليه دين قرض أو إتلاف على المسلم إليه فيه ثلاثة أوجه أصحها : لا والثاني : نعم والثالث : لا يجوز عليه ويجوز به ، هكذا حكوا الثالث ، وعكسه الغزالي في الوسيط فقال : يجوز عليه لا به . ولا أظن نقله ثابتا . الضرب الثاني : المثمن ، فإذا باع بدراهم أو دنانير في الذمة ففي الاستبدال عنها طريقان أحدهما : القطع بالجواز . قاله القاضي أبو حامد وابن القطان وأشهرهما : على قولين أصحهما : وهو الجديد جوازه والقديم : منعه ، ولو باع في الذمة بغير الدراهم والدنانير فإن قلنا : الثمن ما ألصقت به الباء صح الاستبدال عنه ، كالنقدين ، وادعى البغوي أنه المذهب وإلا فلا ، لأن ما ثبت في الذمة مثمنا لم يجز الاستبدال عنه وأما الأجرة فكالثمن وأما الصداق وبدل الخلع فكذلك ، إن قلنا : إنهما مضمونان ضمان العقد ، وإلا فهما كبدل الإتلاف . التفريع : إن منعنا الاستبدال عن الدراهم فذلك إذا استبدل عنها عرضا فلو استبدل

261


262
نوعا منها بنوع ، أو استبدل الدراهم عن الدنانير فوجهان لاستوائهما في الرواج ، وإن جوزنا الاستبدال فلا فرق بين بدل وبدل ، ثم ينظر إن استبدل ما يوافقهما في علة الربا كدنانير عن دراهم اشترط قبض البدل في المجلس ، وكذا إن استبدل عن الحنطة المبيعة شعيرا إن جوزنا ذلك . وفي اشتراط تعيين البدل عند العقد وجهان أحدهما : يشترط ، وإلا فهو بيع دين بدين وأصحهما : لا يتشرط ، كما لو تصارفا في الذمة ثم عينا وتقابضا في المجلس ، وإن استبدل ما ليس موافقا لها في علة الربا كالطعام والثياب عن الدراهم نظر ، إن عين البدل في الاستبدال جاز ، وفي اشتراط قبضه في المجلس وجهان صحح الغزالي وجماعة الاشتراط ، وهو ظاهر نصه في المختصر وصحح : الإمام والبغوي عدمه قلت : هذا الثاني أصبح وصححه الرافعي في المحرر ، وإن لم يعين ، بل وصف في الذمة ، فعلى الوجهين السابقين . وإن جوزناه اشترط التعيين في المجلس وفي اشتراط القبض الوجهان . الضرب الثالث : ما ليس ثمنا ولا مثمنا كدين القرض والإتلاف ، فيجوز الاستبدال عنه بلا خلاف ، كما لو كان له في يد غيره مال بغصب أو عارية ، فإنه يجوز بيعه له ، ثم الكلام في اعتبار التعيين والقبض على ما سبق وذكر صاحب الشامل أن القرض إنما يستبدل عنه إذا تلف ، فإن بقي في يده فلا ، ولم يفرق الجمهور ببينهما ، ولا يجوز استبدال المؤجل عن الحال ، ويجوز عكسه ، وهذا الذي ذكره كله في الاستبدال ، وهو بيع الدين ممن هو عليه ، فأما بيعه لغيره كمن له على رجل مائة فاشترى من آخر عبدا بتلك المائة ففي صحته قولان مشهوران أصحهما : لا يصح لعدم القدرة على التسليم والثاني : يصح بشرط أن يقبض مشتري الدين : الدين ممن هو عليه ، وأن يقبض بائع الدين العوض في المجلس ، فإن تفرقا قبل قبض أحدهما بطل العقد ، ولو كان له دين على إنسان ولآخر مثله على الإنسان فباع أحدهما ماله عليه بما لصاحبه لم يصح سواء اتفق الجنس لنهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالىء بالكالىء هذا آخر كلام الرافعي قلت : قد صحح المصنف هنا وفي التنبيه جواز بيع الدين بغير من هو عليه وصحح الرافعي في الشرح و المحرر أنه لا يجوز . فرع : قال الشيخ أبو حامد في تعليقه في آخر باب بيع الطعام قبل أن يستوفي : إذا باع طعاما بثمن مؤجل فحل الأجل فأخذ بالثمن طعاما جاز عندنا قال الشافعي : وقال مالك : لا يجوز لأنه يصير في معنى بيع طعام بطعام مؤجل . دليلنا أنه إنما يأخذ منه الطعام

262


263
بالثمن الذي له عليه لا بالطعام ، وهذا الذي جزم به أبو حامد تفريعا على الصحيح وهو الاستبدال عن الثمن وقد صرح بهذا جماعة منهم القاضي أبو الطيب في تعليقه قال صاحب البيان : قال الصيمري والصيدلاني : فلو أراد أن يأخذ ثمن الدين المؤجل عوضا من نقد أو عرض قبل حلوله لم يصح أما تقديم الدين نفسه فيجوز ، لأنه لا يملك المطالبة به قبل الحلول . فكأنه أخذ العوض عما لا يستحقه ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : والقبض فيما ينقل النقل ، لما روى زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم وفيما لا ينقل كالعقار والثمر قبل أوان الجذاذ التخلية ، لأن القبض ورد به الشرع ، وأطلقه فحمل على العرف والعرف فيما ينقل النقل وفيما لا ينقل التخلية .

+ الشرح : أما حديث زيد فسبق بيانه قريبا في فرع مذاهب العلماء في بيع المبيع قبل القبض ، وفي التجار لغتان كسر التاء مع تخفيف الجيم وضمها مع التشديد ، والجذاذ بفتح الجيم وكسرها . أما الأحكام : فقال أصحابنا : الرجوع في القبض إلى العرف وهو ثلاثة أقسام أحدها : العقار والثمر على الشجرة فقبضه بالتخلية والثاني : ما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيتان ونحوها ، فقبضه بالنقل إلى مكان لا اختصاص للبائع به سواء نقل إلى ملك المشتري أو موات أو شارع أو مسجد أو غيره ، وفيه قول حكاه الخراسانيون أنه يكفي فيه التخلية ، وهو مذهب أبي حنيفة والثالث : ما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والمنديل والثوب والإناء الخفيف والكتاب ونحوها فقبضه بالتناول بلا خلاف . صرح بذلك الشيخ أبو حامد في تعليقه والقاضي أبو الطيب والمحاملي والماوردي والمصنف في التنبيه والبغوي وخلائق لا يحصون . وينكر على المصنف كونه أهمله هنا مع شهرته ومع ذكره له في التنبيه والله تعالى أعلم . وقد لخص الرافعي رحمه الله كلام الأصحاب وجمع متصرفه مختصرا وأنا أنقل مختصره وأضم إليه ما أهمله إن شاء الله تعالى . قال رحمه الله القول الجملي فيه أن الرجوع فيما يكون قبضا إلى العادة ، وتختلف بحسب اختلاف المال وأما تفصيله فنقول : المال إما أن يباع من غير اعتبار تقدير فيه ، وإما مع اعتبار فيه . فهما نوعان الأول : ما لا يعتبر فيه تقدير إما لعدم إمكانه وإما مع إمكانه . فينظر إن كان المبيع مما لا ينقل كالأرض والدار ، فقبضه بالتخلية

263


264
بينه وبين المشتري ، ويمكنه من اليد والتصرف بتسليم المفتاح إليه ولا يعتبر دخوله وتصرفه فيه ويشترط كونه فارغا من أمتعة البائع . فلو باع دارا فيها أمتعة للبائع توقف التسليم على تفريغها وكذا لو باع سفينة مشحونة بالقماش . وحكى الرافعي بعد هذا وجها شاذا ضعيفا عند ذكر بيع الدار المذروعة أنه لا يصح بيع الدار المشحونة بالأقمشة ، وادعى إمام الحرمين أنه ظاهر المذهب . ولو جمع البائع متاعه في بيت من الدار وخلى بين المشتري وبين الدار ، حصل القبض فيما عدا ذلك البيت ، كذا قاله الأصحاب ، وكذا نقله المتولي عن الأصحاب . وفي اشتراط حضور البائع عند المبيع في حال الإقباض ثلاثة أوجه أحدها : يشترط ، فإن حضرا عنده فقال البائع للمشتري : دونك هذا ولا مانع ، حصل القبض وإلا فلا والثاني : يشتط حضور المشتري دون البائع وأصحهما : لا يشترط حضور واحد منهما . لأن ذلك يشق ، فعلى هذا هل تشترط زمان إمكان المضي فيه وجهان أصحهما : نعم ، وبه قطع المتولي وغيره ، وفي معنى الأرض الشجر الثابت والثمرة المبيعة على الشجر قبل أوان الجذاذ . والله سبحانه أعلم . أما : إذا كان المبيع من المنقولات فالمذهب والمشهور أنه لا تكفي التخلية ، بل يشترط النقل والتحويل . وفي قول رواه حرملة تكفى التخلية لنقل الضمان إلى المشتري ، ولا تكفي لجواز تصرفه ، فعلى المذهب إن كان المبيع عبدا يأمره بالانتقال من موضعه . وإن كان دابة ساقها أو قادها قلت : قال صاحب البيان : لو أمر العبد بعمل لم ينتقل فيه عن موضعه . أو ركب البهيمة ولم تنقل عن موضعها فالذي يقتضيه المذهب أنه لا يكون قبضا ، كما لا يكون غصبا قال : ولو وطىء الجارية فليس قبضا على الصحيح من الوجهين وبهذا قطع الجمهور وهذا الذي ذكره في الغصب فيه خلاف نذكره في الغصب إن شاء الله تعالى . قال الرافعي : إذا كان المبيع في موضع لا يختص بالبائع كموات ومسجد وشارع ، أو في موضع يختص بالمشتري ، فالتحويل إلى مكان منه كاف في حصول القبض ، وإن كان في بقعة مخصوصة بالبائع فالنقل من زاوية منه إلى زاوية . أو من بيت من داره إلى بيت بغير إذن البائع لا يكفي لجواز التصرف ، ويكفي لدخوله في ضمانه وإن نقل بإذنه حصل القبض ، وكأنه استعار ما نقل إليه . ولو اشترى الدار مع أمتعة فيها صفقة واحدة ، فخلى البائع بينهما وبينه ، حصل القبض في الدار ، وفي الأمتعة وجهان أصحهما : يشترط نقلها ، لأنها منقولة كما لو أفردت والثاني : يحصل فيها القبض تبعا . وبه قطع الماوردي ، وزاد فقال : لو اشترى صبرة ولم ينقلها حتى اشترى الأرض التي عليها الصبرة وخلى البائع بينه وبينها حصل

264


265
القبض في الصبرة قلت : قال الماوردي : ولو استأجر الأرض من البائع فوجهان الصحيح : أنه ليس قبضا للأمتعة والله سبحانه أعلم . قال الرافعي : ولو لم يتفقا على القبض فجاء البائع بالمبيع فامتنع المشتري من قبضه أجبره الحاكم عليه ، فإن أصر أمر الحاكم من يقبضه كما لو كان غائبا ، قال : ولو جاء البائع بالمبيع فقال المشتري : ضعه فوضعه بين يديه حصل القبض فإن وضعه بين يديه ولم يقل المشتري شيئا أو قال : لا أريده فوجهان أحدهما : لا يحصل القبض كما لا يحصل الإيداع وأصحهما : يحصل لوجوب التسليم ، كما لو وضع المغصوب بين يدي المالك فإنه يبرأ من الضمان ، فعلى هذا المشتري التصرف فيه . ولو تلف فمن ضمانه لكن لو خرج مستحقا ولم يجر إلا وضعه فليس للمستحق مطالبة المشتري بالضمان ، لأن هذا القدر لا يكفي لضمان الغصب . قلت : قال المتولي : ولو قال البائع للمشتري : احمله إلى واتركه عندي ففعل ، صار قابضا بلا خلاف ، لأنه بأمره ، قال : وإذا وضعه عنده وقلنا : يصير قابضا فباعه قبل أن ينقله ونقله المشتري الثاني وتلف في يده ، ثم خرج مستحقا فللمستحق تغريم البائع الأول ، لأن العين كانت في يده ، وله تغريم المشتري الثاني ، لأنها تلفت في يده ، وليس له تغريم المشتري الأول ، لأن ضمان الاستحقاق ضمان عدوان ، وضمان العدوان لا يتعلق إلا بحقيقة الاستيلاء ، ولهذا لو خلا بمال غيره لا يضمنه بمجرد ذلك ، وإنما جعلناه هنا قابضا ليصح بيعه وتصرفه ، والله سبحانه وتعالى أعلم . ولو وضع المديون الدين بين يدي مستحقه ففي حصول التسليم خلاف مرتب على المبيع ، وأولى بعدم الحصول لعدم تعين الدين فيه . فرع : للمشرتي الاستقلال بنقل المبيع إن كان دفع الثمن ، أو كان مؤجلا ، وقد سبقت المسألة مبسوطة قريبا . فرع : لو دفع ظرفا إلى البائع فقال اجعل المبيع فيه ، ففعل لا يحصل التسليم ، إذ لم يوجد من المشتري قبض . والظرف غير مضمون على البائع لأنه استعمله في ملك المشتري بإذنه ، وفي مثله في السلم يكون الظرف مضمونا على المسلم إليه ، لإنه استعمله في ملك نفسه ولو قال للبائع أعرني ظرفك واجعل المبيع فيه ففعل ، لا يصير المشتري قابضا النوع الثاني : أن يعتبر فيه تقدير بأن اشترى ثوبا أو أرضا مذارعة ، أو متاعا موارثة أو صبرة مكايلة أو معدودا بالعدد فلا يكفي للقبض ما سبق في النوع الأول بل لا بد مع ذلك من الذرع أو الوزن أو الكيل أو العد . وكذا لو أسلم في آصع طعام أو أرطال منه ، يشترط في قبضه القبض أو الكيل أو الوزن فلو قبض جزافا ما اشتراه مكايلة وقع المقبوض

265


266
في ضمانه وأما تصرفه فيه بالبيع ونحوه ، فإن باع الجميع لم يصح ، لأنه قد يزيد على المستحق ، فإن باع ما تيقن أنه له لم يصح أيضا على الصحيح الذي قال الجمهور : وفيه وجه ضعيف أنه يصح ، قال المتولي : هذا الوجه لأبي إسحاق المروزي . قال أصحابنا : وقبض ما اشتراه كيلا بالوزن أو وزنا بالكيل كقبضه جزافا ، ولو قال البائع : خذه فإنه كذا فأخذه مصدقا له فالقبض فاسد أيضا ، حتى يقع اكتيال صحيح ، فإن زاد رد الزيادة . فإن نقص أخذ التمام فلو تلف المقبوض فزعم الدافع أنه كان قدر حقه أو أكثر وزعم القابض أنه كان دون حقه أو قدره ، فالقول قول القابض . فلو أقر بجريان الكيل لم يسمع منه خلافه ، وأعلم أن للمبيع مكايلة صورا منها قوله : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم ومنها : بعتكها على أنها عشرة آصع ومنها بعتك عشرة آصع منها ، وهما يعلمان صيعانها ، أو لا يعلمان إذا جوزنا ذلك . فرع : ليس على البائع الرضا بكيل المشتري ، ولا على المشتري الرضا بكيل البائع ، بل يتفقان على كيال ، وإن لم يتراضيا نصب الحاكم أمينا يتولاه ، قاله الماوردي . فرع : مؤنة الكيل الذي يفتقر إليه القبض تكون على البائع كمؤنة إحضار المبيع الغائب فإنها على البائع وأما مؤنة وزن الثمن فعلى المشتري لتوقف التسليم ومؤنة نقد الثمن هل هي على البائع أو المشتري فيه وجهان ، قلت أصحهما : على البائع وأما مؤنة نقل المبيع بعد القبض إلى دار المشتري فعلى المشتري . فرع : لو كان لزيد على عمرو طعام سلما ، ولآخر مثله على زيد فأراد زيد أن يؤدي ما عليه ممما له على عمرو فقال لغريمه : اذهب إلى عمرو فاقبض لنفسك مالي عليه فقبضه ، فهو قبض فاسد وكذا لو قال : أحضره معي لأكتاله منه لك ففعل وإذا فسد القبض فالمقبوض مضمون على القابض وهل تبرأ ذمة عمرو من حق زيد فيه وجهان أصحهما : نعم فإن قلنا : لا تبرأ فعلى القابض رد المقبوض إلى عمرو على عمرو ، ولو قال زيد : اذهب فاقبضه له ثم اقبضه مني لنفسك بذلك الكيل ، أو قال : احضر معي لأقبضه لنفسي ، ثم تأخذه لنفسك بذلك الكيل ففعل ، فقبضه لزيد في الصورة الأولى ، وقبض زيد لنفسه في الثانية ، صحيحان وتبرأ ذمة عمرو من حق زيد ، والقبض الآخر فاسد ، والمقبوض مضمون عليه ، وفي وجه ضعيف يصح قبضه لنفسه في الصورة الأولى . ولو اكتال زيد وقبضه لنفسه ، ثم كاله على مشتريه وأقبضه فقد جرى الصاعان ، وصح القبضان ، فإن زاد حين قبضه ثانيا أو نقص فالزيادة لزيد والنقص عليه إن كان قدرا يقع بين

266


267
الكيلين ، فإن كان أكثر علمنا أن الكيل الأول غلط فيرد زيد الزيادة ويأخذ النقصان ، ولو أن زيدا لما اكتاله لنفسه لم يخرجه من المكيال وسلمه كذلك إلى مشتريه فوجهان أحدهما : لا يصح القبض الثاني حتى يخرجه ، ويبتدىء كيلا وأصحهما : عند الأكثرين أن استدامته في المكيال كابتداء الكيل ، وهذه الصورة كما تجري في ديني السلم تجري فيما لو كان أحدهما مستحقا في السلم والآخر بقرض أو إتلاف . فرع : قال أصحابنا : للمشتري أن يوكل في القبض ، وللبائع أن يوكل في الإقباض ، ويشترط في ذلك أمران أحدهما : أن لا يوكل المشتري من يده يد البائع كعبده ومستولدته ، ولا بأس بتوكيل أبيه وابنه ومكاتبه ، وفي توكيل عبده المأذون له وجهان أصحهما : لا يجوز . ولو قال للبائع : وكل من يقبض لي منك جاز ، ويكون وكيلا للمشتري في التوكيل ، وكذا لو وكل البائع بأن يأمر من يشتري منه للموكل الأمر الثاني : أن لا يكون القابض والمقبوض واحدا ، فلا يجوز أن يوكل البائع رجلا في الاقباض ، ويوكله المشتري في القبض ، كما لا يجوز أن يوكله هذا في البيع وذاك في الشراء ولو كان عليه طعام وغيره من سلم أو غيره ، فدفع إلى المستحق دراهم وقال : اشترها بمثل ما تستحقه لي واقبضه ، ثم اقبضه لنفسك ، ففعل صح الشراء والقبض للموكل ، ولا يصح قبضه لنفسه لاتحاد القابض والمقبوض ، ولامتناع كونه وكيلا لغيره في حق نفسه وفي وجه ضعيف يصح قبضه لنفسه ، وإنما يمتنع قبضه من نفسه لغيره . ولو قال : اشتر بهذه الدراهم لي واقبضه لنفسك ففعل صح الشراء ، ولم يصح قبضه لنفسه ، ويكون المقبوض مضمونا عليه ، وهل تبرأ ذمة الدافع من حق الموكل فيه الوجهان السابقان ولو قال : اشتر لنفسك فالتوكيل فاسد وتكون الدراهم أمانة في يده لأنه لم يقبضها ليتملكها ، فإن اشترى نظر إن اشترى في الذمة وقع الشراء له وأدى ثمنه من ماله ، وإن اشترى بعينها فوجهان الصحيح : بطلان الشراء والثاني : صحته . ولو قال لمستحق الحنطة : اكتل حقك من هذه الصبرة ففعل لم يصح قبضه على أصح الوجهين ، لأن الكيل أحد ركني القبض ، وقد صار نائبا من جهة البائع ، ومتأصلا لنفسه ويستثنى عن الشرط الثاني ما إذا اشترى الأب لابنه الصغير من مال نفسه أو لنفسه من مال الصغير ، فإنه يتولى طرفي القبض كما يتولى طرفي البيع ، وفي احتياجه إلى النقل في المنقول وجهان أصحهما : يحتاج كما يحتاج إلى الكيل إذا باع كيلا . فرع : يستثنى عن صورة القبض المذكور إتلاف المشتري المبيع ، فإنه قبض كما سبق .

267


268
فرع : قبض الجزء المشاع المبيع من دابة وثوب وغير ذلك إنما يحصل بتسليم اجميع ، ويكون ما عدا المبيع أمانة في يده ، فلو طلب المشتري القسمة قبل القبض قال صاحب التتمة : يجاب إليها ، لأنا إن قلنا : القسمة إفراز فظاهر ، وإن قلنا : بيع فالرضا غير معتبر فيه ، فإن الشريك يجبر عليه ، وإذا لم نعتبر الرضا جاز ألا نعتبر القبض كالشفعة ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، هذا آخر ما نقله الرافعي رحمه الله . فرع : قال المتولي : لو باع شيئا هو في يد المشتري قبل الشراء ، فإن كان في يده بجهة ضمان كغصب أو عارية أو سوم صار بمجرد الشراء مقبوضا له ، لأن البيع جهة ضمان أيضا ، فيسقط ضمان القيمة ويحصل ضمان المشتري وإن كان في يده بجهة أمانة كوديعة أو وكالة أو شركة ، أو قراض صار بمجرد البيع مقبوضا له ، ولا يحتاج إلى إذن في القبض ، وهل يشترط مضي زمان يتأتى فيه النقص إذا كان المبيع غائبا عن مجلس العقد فيه وجهان ، قال : ولنا وجه ضعيف أن من اشترى شيئا في يده لا يصح قبضه إياه قبل أداء الثمن إلا بإذن البائع ، قال : ولو باع الرهن للمرتهن بالدين لم يشترط الإذن في القبض بلا خلاف ، وفي اشتراط مضي الزمان والنقل ما سبق من الخلاف . فرع : قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله : قول الأصحاب : إنه إذا نقله من زاوية من دار البائع إلى زاوية لا يحصل القبض ، لأن الدار وما فيها في يد البائع ، فيه إشكال لأنه إذا أخذه وأثبتناه له لنقله فمجرد هذا قبض ، ولا يتوقف كونه قبضا على وضعه فوضعه بعد احتواء يده عليه في دار البائع لا يخرج ما سبق عن أن يكون قبضا ، بل كأنه قبضه ثم أعاده إلى يد البائع وقد احتج إمام الحرمين لما ذكره الأصحاب بأنه لو دخل دار إنسان ثم تنازعا في متاع قريب من الداخل فإن اليد فيه لرب الدار لا للداخل ، بخلاف ما لو كانت يده محتوية عليه قال الشيخ أبو عمرو : وهذا حجة على الإمام ، فأنا لا نجعله قبضا بسبب نقله إلى ملك البائع ، بل لاحتواء يده على حالة النقل . فإن قيل : فهذا مبني على ما ذكره الأصحاب أن القبض فيما يتناول باليد التناول وأن الثقيل لا بد فيه من النقل لأن أهل العرف لا يعدون احتواء اليد على هذا قبضا من غير تحويل ، لأن التزاحم لا يصلح قرارا لهذا الثقيل ، فاحتواء اليد عليه حالة الإشالة كعدم الاحتواء لاضطراره إلى إزالته على قرب قلنا : هذا جواب حسن ، ويتأيد بقوله صلى الله عليه وسلم في الثعام : حتى يحوزه التجار إلى رحالهم ولكن الإشكال باق ، فإن احتواء اليد عليه حالة الحمل قبض حسي ، ولا يخفى

268


269
أنه لو نازعه غيره وكانت اليد فيه لمن هو في يده حسنا وصدق في قوله له بيمينه ، فإن كان النزاع بينه وبين مالك موضع النزاع هذا آخر كلام أبي عمرو رحمه الله ، والجواب المذكور صحيح ، ولا يبقى بعده إشكال يلتفت إليه لأن أهل العرف لا يعدون مجرد دفعه قبضا والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : إذا انقضى الخيار ولزم البيع حصل الملك في المبيع للمشتري ، وفي الثمن للبائع من غير توقف على القبض بلا خلاف ، ونقل المتولي وغيره في إجماع المسلمين واحتج له بحديث ابن عمر السابق كنت أبيع الإبل بالبقيع إلى آخره . فرع : إذا باع بنقد معين أو بنقد مطلق ، وحملناه على نقد الملك ، فأبطل السلطان المعاملة به قبل القبض قال أصحابنا : لا ينفسخ العقد ولا خيار للبائع ، وليس له إلا ذلك النقد المعقود عليه ، كما لو اشترى حنطة فرخصت قبل القبض ، أو أسلم فيها افرخصت قبل المحل ، فليس له غيرها ، هكذا قطع به الجمهور ، وحكى البغوي والرافعي وجها أن البائع مخير إن شاء أجاز البيع بذلك النقد ، وإن شاء فسخه ، كما لو تغيب قبل القبض والمذهب الأول ، قال المتولي وغيره : ولو جاء المشتري بالنقد الذي أحدثه السلطان لم يلزم البائع قبوله ، فإن تراضيا به فهو اعتياض وحكمه حكم الاعتياض عن الثمن ، وعن أبي حنيفة رواية أنه يجب قبوله وعنه رواية أنه ينفسخ البيع ، دليلنا عليه في الأول أنه غير الذي التزمه المشتري فلم يجب قبوله ، كما لو اشترى بدراهم وأحضر دنانير . ودليلنا في الثاني أن المقصود عليه باق مقدور على تسليمه فلم يفسخ العقد فيه كما لو اشترى شيئا في حال الغلاء فرخصت الأسعار . فرع : في مذاهب العلماء في حقيقة القبض ، قد ذكرنا أن مذهبنا أن القبض في القعار ونحوه بالتخلية ، وفي المنقول بالنقل ، وفي المتناول باليد التناول ، وبه قال أحمد ، وقال مالك وأبو حنيفة : القبض في جميع الأشياء بالتخلية قياسا على العقار ، دليلنا حديث زيد بن ثابت الذي ذكره المصنف ، والمعنى الذي ذكره المصنف فإن قيل : فحوزه إلى الرحال ليس بشرط الإجماع قلنا : دل الحديث على أصل النقل ، وأما التخصيص بالرحال فخرج على الغالب ، ودل الإجماع أنه ليس بشرط في أصل النقل والجواب : عن القياس على العقار أنه لا يمكن فيه إلا التخلية ، ولأنها قبض له في العرف بخلاف المنقول والله

269


270
سبحانه أعلم . واحتج البيهقي للمذهب بحديث ابن عمر قال : كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه إلى مكان سواء قبل أن نبيعه رواه مسلم رحمه الله ، وفي رواية ، كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه رواه البخاري ومسلم ، وفي رواية عنه قال : رأيت الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ابتاعوا الطعام جزافا يضربون في أن يبيعوه مكانهم حتى يؤوه إلى رحالهم رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع ما لا يقدر على تسليمه ، كالطير في الهواء ، أو السمك في الماء ، والجمل الشارد ، والفرس العائر ، والعبد الآبق ، والمال المغصوب في يد الغاصب ، لحديث أبي هيريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وهذا غرر ، ولهذا قال ابن مسعود : لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر ولأن القصد بالبيع تمليك التصرف ، وذلك لا يمكن فيما لا يقدر على تسليمه ، فإن باع طيرا في برج مغلق الباب أو السمك في بركة لا تتصل بنهر نظرت فإن قدر على تناوله إذا أراد من غير تعل جاز بيعه ، وإن كان في برج عظيم أو بركة عظيمة لا يقدر على أخذه إلا بتعب ، لم يجز بيعه ، لأنه غير مقدور عليه في الحال ، وإن باع العبد الآبق ممن يقدر عليه ، أو المغصوب من الغاصب ، أو ممن يقدر على أخذه منه جاز ، لأنه لا غرر في بيعه منه .

+ الشرح : حديث أبي هريرة صحيح سبق بيانه ، والأثر المذكور عن ابن مسعود صحيح رواه البيهقي مرفوعا منقطعا ، ثم قال : الصحيح أنه موقوف وقوله : في بركة بكسر الباء والنهر بفتح الهاء ويجوز إسكانها . أما الأحكام : فقد سبق أن أحد شروط المبيع القدرة على تسليمه ، قال أصحابنا : وفوات القدرة قد يكون حسيا ، وقد يكون شرعيا ، فمن الشرعي بيع المرهون والوقف وأم الولد وكذا الجاني في قول ، وغير ذلك وأما

270


271
الحسي ففيه مسائل : إحداها : لا يجوز بيع الطير في الهواء ولا السمك في الماء المملوكين له لما ذكره المصنف ، فلو باع السمك المملوك له وهو في بركة لا يمكنه الخروج منها أو طير في برج مغلق فإن أمكن أخذه بلا تعب كبركة صغيرة وبرج صغير جاز بيعه بلا خلاف ، وإن لم يمكن أخذه إلا بتعب فوجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أصحهما : وبه قطع المصنف وآخرون ، وهو ظاهر النص في المختصر ، ونقله صاحب البيان عن النص لا يصح والثاني : يصح كما يصح بيع ما يحتاج في نقله إلى مؤنة كبيرة ، وهذا الوجه لابن سريج ، قال الشيخ أبو حامد : هذا لا وجه له . أما : إذا كان باب البرج مفتوحا فلا يصح على الصحيح ، وبه قطع صاحب البيان ، لأنه لا يقدر على تسليمه لتمكنه من الطيران ، قال أصحابنا : وحيث صححناه فشرطه أن لا يمنع الماء رؤيته ، فإن منعها ، ففيه قولا بيع الغائب إن عرف المتعاقدان قدره وصفته صح ، وإلا فلا يصح بلا خلاف ولو باع الطير في حال ذهابها إلى الرعي ، أو غيره اعتمادا على عادة عودها في الليل فوجهان مشهوران للخراسانيين أصحهما : عند جمهورهم لا يصح ، وهو ظاهر كلام المصنف وغيره وأصحهما : عند إمام الحرمين الصحة كالعبد المبعوث في شغل ، والمذهب الأول ، لأنه لا وثوق بعودها لعدم عقلها بخلاف العبد . الثانية : لا يجوز بيع العبد الآبق ، والجمل الشارد ، والفرس العائر ، والمال الضال ، ونحوها لما ذكره المصنف ، وسواء عرف موضع الآبق والضال ونحوه أم لا ، لأنه غير مقدور على تسليمه في الحال ، هكذا قاله الأصحاب ، وكذا قاله الرافعي : إنه المذهب المعروف . قال الأصحاب : لا يشترط في الحكم بالبطلان اليأس من التسليم ، بل يكفي ظهور التعذر ، قال : وأحسن بعض الأصحاب فقال : إذا عرف موضعه وعلم أنه يصله إذا رام وصوله فليس له حكم الآبق قلت : والمذهب ما سبق وأما المغصوب فإذا باعه مالكه نظر إن قدر البائع على استرداده وتسليمه صح البيع بلا خلاف كما يصح بيع الوديعة والعارية ، وإن عجز نظر إن باعه لمن لا يقدر على انتزاعه من الغاصب لم يصح قطعا وإن باعه من قادر على انتزاعه فوجهان مشهوران في كتب الخراسانيين أصحهما : وبه قطع المصنف وغيره يصح ، لما ذكره المصنف والثاني : لا ، لأن البيع لا يقتضي تكليف المشتري تعب الانتزاع ، وإن صححناه وعلم المشتري الحال فلا خيار له ، ولكن لو عجز عن انتزاعه لضعف عرض له أو قوة عرضت للغاصب فله الخيار على المذهب ، وبه قطع الأكثرون ، وفيه وجه أنه لا خيار ، حكاه الرافعي ، وإن كان جاهلا حال العقد كونه مغصوبا فله الخيار بلا خلاف ، ولو باع الآبق ممن يسهل عليه رده ، ففيه الوجهان كالمغصوب الصحيح : الصحة .

271


272
فرع : قال أصحابنا : يجوز تزويج الآبقة والمغصوبة وإعتاقهما بلا خلاف . قال في البيان : ولا يجوز كتابة المغصوب لأنها تقتضي التمكين من التصرف . الثالثة : لو باع ملحا أو حمذا وزنا ، وكان بحيث ينماع إلى أن يوزن ففي صحة بيعه وجهان الأصح : لا يصح لإمكان بيعه جزافا . فرع : قال الشافعي والأصحاب : لا يجوز أن يستأجر البركة لأخذ السمك منها ، لأن الأعيان لا تملك بالإجارة ، فلو استأجر البركة ليحبس فيها الماء ليجتمع فيها السمك ويصطاده فوجهان أحدهما : لا يجوز ، قاله الشيخ أبو حامد وأصحهما : عند الأصحاب جوازه ، وبه قطع صاحب الشامل : وآخرون ، لأن البركة يمكن الاصطياد بها فجازت إجارتها كالشبكة ، قالوا : وقول الشافعي : لا تجوز إجارة البركة للحيتان أراد به إذا حصل فيها سمك وأجرها لأخذ ما حصل فيها ، وهذه الإجارة باطلة ، لأنها إجارة لأخذ الغير ، فأما البركة الفارغة فإنه يجوز إجارتها والله أعلم . فرع : قد ذكرنا أن بيع الآبق باطل ، فلو عاد الآبق بعد البيع لم ينقلب البيع صحيحا عندنا ، وقال أبو حنيفة : ينقلب صحيحا واستدل أصحابنا بما لو باع طائرا في الهواء ثم وقع في يده ، فإنه لا ينقلب العقد صحيحا ، وحكى صاحب البيان عن ابن عمر أنه باع آبقا . فرع : قال الروياني : لو باع سفينة في لجة البحر لا يقدر على تسليمها حال العقد لم يصح ، سواء كان فيها أم لا ، فإن قدر جاز .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع عين مجهولة كبيع عبد من عبيد ، وثوب من أثواب ، لأن ذلك غرر من غير حاجة ، ويجوز أن يبيع قفيزا من صبرة ، لأنه إذا عرف الصبرة عرف القفيز منها فزال الغرر .

+ الشرح : القفيز مكيال معروف ، ومراد الفقهاء به التمثيل ، وأصل القفيز مكيال يسع اثني عشر صاعا ، والصاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي ، هكذا ذكره أهل اللغة ، وأصحاب الغريب وغيرهم ، قال الأزهري : الإردب أربعة وعشرون صاعا ، وهو أربعة وسبعون منا ، والمنا رطلان ، والعنقل نصف إردب ، قال : والكرستون قفيزا ، والقفيز ثمانية مكاكيك ، والمكوك صاع ونصف . وهو ثلاث حجليات والعرق ثلاثة آصع وقول المصنف ( لأن ذلك غرر من غير حاجة ) احتراز من السلم ومن أساس الدار .

272


273
أما الأحكام : فقد سبق أن من شروط المبيع كونه معلوما ، قال أصحابنا : وليس معناه أنه يشترط العلم به من كل وجه ، بل المشترط علم عينه وقدره وصفته ، وقد ذكر المصنف ذلك كله في فصول متراسلة فبدأ باشتراط عين المبيع ، قال أصحابنا : لا يجوز بيع عين مجهولة ، فلو قال : بعتك أحد عبيدي أو أحد عبدي هذين أو شاة من هذا القطيع أو من هاتين الشاتين أو ثوبا من هؤلاء أو من هذين أو ما أشبه ذلك ، فالبيع باطل ، وكذا لو قال : بعتكهم إلا واحدا منها ، وسواء تساوت قيمهم وقيم الشياه والأثواب أم لا ، وسواء قال : ولك الخيار في التعيين أم لا ، فالبيع باطل في كل هذا عندنا بلا خلاف إلا قولا قديما حكاه المتولي أنه إذا قال : بعتك أحد عبيدي أو عبيدي الثلاثة على أن تختار من بينهم في ثلاثة أيام أو أقل ، صح العقد ، وهذا شاذ مردود لأنه غرر . ولو كان له عبد فاختلط بعبيد لغيره ولم يعرفه فقال : بعتك عبدي من هؤلاء والمشتري يراهم كلهم و لايعرف عينه فوجهان ، قطع المتولي بأنه كبيع الغائب ففيه الخلاف ، وقال البغوي : عندي أن هذا باطل وهذا أصح ، ولو فرقت صيعان الصبرة المتماثلة فباع صاعا منها ، فالمشهور في المذهب بطلان البيع ، وبه قطع الجمهور ، كما ذكرنا في نظائره ، وحكى المصنف في تعليقه عن شيخه القاضي أبي الطيب الطبري في صحة بيعه لعدم الغرر ، وكما لو باع بدرهم فإنه يحمل على درهم من نقد البلد ، ولا يضر عدم تعينه ، والمذهب البطلان ، لأنه قد يختلف به غرض بخلاف الدراهم ، ولأنه يمكنه أن يبيع أحد الصيعان بعينه ، ولا يجوز إبهامه ، وأما الدراهم فتحتاج إلى إثباته في الذمة ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : قال أصحابنا : يجوز بيع الجزء الشائع من كل جملة معلومة من دار أو أرض أو عبد أو صبرة أو ثمرة وغيرها ، لعدم الغرر ، لكن لو باع جزءا شائعا من شيء بمثله من ذلك الشيء بأن كانت دار بين اثنين نصفين فباع أحدهما نصيبه لشريكه بنصيبه ، ففي صحة البيع وجهان الصحيح : الصحة وسبقت المسألة بفروعها ، وفوائدها في آخر باب ما يجوز بيعه ، ولو باع الجملة واستبقى منها جزءا شائعا جاز ، مثاله : بعتك هذه الثمار إلا ربعها وقدر الزكاة منها ، ولو قال : بعتك ثمرة هذا البستان بثلاثة آلاف درهم إلا ما يخص ألفا ، فإن أراد ما يخصه إذا وزعت الثمرة على المبلغ المذكور صح وكان استثناء للثلث وإن أراد ما يساوي ألفا عند التقويم فلا ، لأنه مجهول ، والله سبحانه أعلم . فرع : إذا باع قفيزا من صبرة فقد قطع المصنف بالصحة ، ومراده إذا كانت الصبرة أكثر من قفيز وهي متساوية وكانت مجهولة الصيعان فباع صاعا منها فيصح على المذهب ،

273


274
وبه قطع الأكثرون ، وهو المنصوص وفيه وجه أنه لا يصح ، وهو اختيار القفال ، وسنعيد المسألة واضحة إن شاء الله تعالى ، حيث بسطها المصنف بعد هذا في فصل بيع مجهول القدر . فرع : قد ذكرنا أن مذهبنا أنه لا يجوز بيع عبد من عبيد ولا من عبدين ولا ثوب من ثياب ، ولا من ثوبين ، سواء شرط الخيار أم لا وقال أبو حنيفة : إذا باع عبدا من عبدين أو ثلاثة بشرط خيار ثلاثة أيام صح . وإن باعه عبدا من أربعة فأكثر لم يصح ، وقال مالك : إذا باع عبدا من عبيد أو ثوبا من ثياب وكلها متقاربة في الصفة وشرط الخيار للمشتري صح البيع .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع العين الغائبة إذا جهل جنسها أو نوعها لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وفي بيع ما لا يعرف جنسه أو نوعه غرر كبير ، فإن علم الجنس والنوع بأن قال : بعتك الثوب المروي الذي في كمي ، أو العبد الزنجي الذي في داري ، أو الفرس الأدهم الذي في إضطبلي ففيه قولان قال في القديم والصرف : يصح ويثبت له الخيار إذا رآه ، لما روى ابن أبي مليكة أن عثمان رضي الله عنه ابتاع من طلحة أرضا بالمدينة ناقله بأرض له بالكوفة فقال عثمان : بعتك ما لم أره ، فقال طلحة : إنما النظر لي لأني ابتعت مغيبا وأنت قد رأيت ما ابتعت فتحا كما إلى جبير بن مطعم فقضى على عثمان أن البيع جائز ، وأن النظر لطلحة لأنه ابتاع مغيبا . ولأنه عقد على عين فجاز مع الجهل بصفته كالنكاح وقال : في الجديد : لا يصح لحديث أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وفي هذا البيع غرر ولأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم فإذا قلنا بقوله القديم فهل تفتقر صحة البيع إلى ذكر الصفات أم لا فيه ثلاثة أوجه أحدها : أنه لا يصح حتى ذكر جميع الصفات كالمسلم فيه والثاني : لا يصح ، حتى تذكر الصفات المقصودة والثالث : أنه لا يفتقر إلى ذكر شيء من الصفات ، وهو المنصوص في الصرف لأن الاعتماد على الرؤبة ، ويثبت له الخيار إذا رآه فلا يحتاج إلى ذكر الصفات فإن وصفه ثم وجده على خلاف ما وصف ثبت له الخيار ، وإن وجده على ما وصف أو أعلا ، ففيه وجهان أحدهما : لا خيار له لأنه وجده على ما وصف فلم يكن له خيار كالمسلم فيه

274


275
والثاني : أن له الخيار ، لأنه يعرف ببيع خيار الرؤية فلا يجوز أن يخلو من الخيار . وهل يكون له الخيار على الفور أم لا فيه وجهان قال ابن أبي هريرة : هو على الفور لأنه خيار تعلق بالرؤية ، فكان على الفور وخيار الرد ، بالعيب وقال أبو إسحاق : ينقدر الخيار بالمجلس لأن العقد إنما يتم بالرؤية فيصير كأنه عقد عند الرؤية ، فيثبت له خيار كخيار المجلس وأما إذا رأى المبيع قبل العقد ثم غاب عنه ثم اشتراه ، فإن كان مما لا يتغير كالعقار وغيره ، جاز بيعه ، وقال أبو القاسم الأنماطي : لا يجوز في قوله الجديد ، لأن الرؤية شرط في العقد ، فأعتبر وجودها في حال العقد كالشهادة في النكاح ، والمذهب الأول ، لأن الرؤية تراد للعلم بالمبيع وقد حصل العلم بالرؤية المتقدمة ، فعلى هذا إذا اشتراه ثم وجده على الصفة الأولى أخذه ، وإن وجده ناقصا فله الرد لأنه ما التزم العقد فيه إلا على تلك الصفة ، وإن اختلفا فقال البائع لم يتغير ، وقال المشتري : تغير ، فالقول قول المشتري ، لأنه يؤخذ منه الثمن فلا يجوز من غير رضاه وإن كان مما يجوز أن يتغير ويجوز أن لا يتغير أو يجوز أن يبقى ويجوز أن لا يبقى ، ففيه وجهان أحدهما أنه لا يصح ، لأنه مشكوك في بقائه على صفته والثاني : يصح ، وهو المذهب ، لأن الأصل بقاؤه ، على صفته فصح بيعه قياسا على ما لا يتغير .

+ الشرح : حديث أبي هريرة صحيح سبق بيانه أول الباب ، والأثر المذكور عن عثمان وطلحة رواه البيهقي بإسناد حسن ، لكن فيه رجل مجهول مختلف في الاحتجاج به ، وقد روى مسلم له في صحيحه قوله : الثوب المروي بإسكان الراء بلا خلاف ولا يجوز فتحها : منسوب إلى مرو المدينة المشهورة بخراسان ، والزنجي بفتح الزاي وكسرها والإصطبل بهمزة قطع قوله : قال في القديم والصرف أي في بيان الصرف من الكتب الجديدة ، وهو أحد كتب الأم وابن أبي مليكة اسمه عبد الله بن عبد الله بن أبي مليكة واسم أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان بضم الجيم وإسكان الدال المهملة ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي المكي ، كنيته أبو بكر ، كان قاضي مكة لعبد الله ابن الزبير ومؤذنا له ، توفي سنة سبع عشرة وقوله : ناقله بأرض له بالكوفة هو بالنون والقاف أي بادله بها ، ونقل كل واحد ملكه إلى موضع الآخر وقوله : ابتعت مغيبا هو بضم الميم وفتح الغين المعجمة وفتح الياء المشددة وقوله : عقد على عين هو احتراز من السلم وقوله : نوع بيع ، احتراز من الوصية والنكاح وقوله : خيار تعلق بالروؤية احتراز من اختيار الفسخ كالإعسار بالنفقة . أما الأحكام : فقد سبق أنه يشترط العلم

275


276
بقدر المبيع وعينه وصفته وهذا الفصل مع الفصول التي بعده متعلقة بصفة المبيع ، وفي الفصل مسائل : إحداها : في بيع الأعيان الحاضرة التي لم تر قولان مشهوران قال : في القديم والإملاء والصرف من الجديد : يصح وقال : في الأم والبويطي وعامة الكتب الجديدة : لا يصح . قال الماوردي في الحاوي : نص الشافعي في ستة كتب على صحته في القديم والإملاء والصلح والصداق والصرف والمزارعة ، ونص في ستة كتب أنه لا يصح في الرسالة والسير والإجارة والغصب والاستبراء والتصرف في العروض . واختلف الأصحاب في الأصح من القولين فصحح البغوي والروياني صحته ، وصحح الأكثرون بطلانه ، ممن صححه المزني والبويطي والربيع ، وحكاه عنهم الماوري ، وصححه أيضا الماوردي والمصنف في التنبيه والرافعي في المحرر ، وهو الأصح ، وعليه فتوى الجمهور من الأصحاب ، وعليه يفرعون فيما عدا هذا الموضع ، ويتعين هذا القول لأنه الآخر من نص الشافعي فهو ناسخ لما قبله . قال البيهقي في كتابه معرفة السنن والآثار في أول كتاب البيوع : جوز الشافعي بيع الغائب في القديم وكتاب الصلح والصرف وغيرهما ، ثم رجع فقال : لا يجوز لما فيه من الغرر والله أعلم . وفي محل القولين ثلاث طرق أصحها : طردهما فيما لم يره المتعاقدان أو أحدهما ، ولا فرق بينهما والثاني : أنهما فيما رآه البائع دون المشتري ، فإن لم يره البائع فباطل قطعا ، لأنه يقتضي الخيار ، والخيار في جانب البائع تعبد والثالث : إن رآه المشتري صح قطعا ، سواء رآه البائع أم لا فإن لم يره ففيه القولان ، لأن المشتري محصل ، والبائع معرض ، والاحتياط للمحصل أولى ، وهذا الطريق هو اختيار العراقيين ، قال أصحابنا ويجري القولان في بيع الغائب وشرائه في إجارته وكونه رأس مال سلم إذا سلمه في المجلس ، وفي المصالحة عليه ، وفي وقفه وأما إذا أصدقها عينا غائبة ، أو خالعها عليها أو عفى عن القصاص ، صح النكاح ، وحصلت البينونة في الخلع ، وسقط القصاص ، ولا خلاف في هذه الثلاثة . وفي صحة المسمى فيها القولان ، فإن لم نصحح وجب مهر المثل لها في مسألة الصداق وله في مسألة الخلع . ووجبت الدية على المعفو عنه وفي رهن الغائب وهبته القولان ، وقيل : هما أولى بالصحة لعدم الغرر ، ولهذا إذا صححناهما فلا خيار عند الرؤية الثانية : إذا لم نجوز بيع الغائب

276


277
وشرائه فعليه فروع أحدها : استقصاء الأوصاف على الحد المعتبر في السلم ، هل يقوم مقام الرؤية وكذا سماع وصفه بطريق التواتر ، فيه وجهان أصحهما : لا يقوم ، وبه قطع العراقيون الثاني : إذا كان الشيء مما لا يستدل برؤية بعضه على الباقي فإن كان المرئي صوانا له بكسر الصاد وضمها كقشر الرمان والبيض والقشر الأسفل من الجوز واللوز وقشر البندق ونحوه كالخشكنان كفى رؤيته ، وصح البيع بلا خلاف ، ولا يصح بيع لب الجوز واللوز ونحوهما بانفراده ما دام في قشره بلا خلاف ، لأن تسليمه لا يمكن إلا بتغيير عين المبيع . أما : إذا رأى المبيع من وراء قارورة هو فيها ، لم يكف بل هو بيع غائب ، لأن المعرفة التامة لا تحصل به ، وليس فيه صلاح له ، بخلاف السمك يراه في الماء الصافي مع سهولة أخذه ، فإنه يصح بيعه كما سبق ، وكذا الأرض يعلوها ماء صاف لأن الماء من صلاحها وأما إذا لم يكن كذلك فلا يكفي رؤية البعض على قولنا ببطلان بيع الغائب وأما التفريع على القول الآخر فسيأتي إن شاء الله تعالى الثالث : قال أصحابنا : الرؤية في كل شيء بحسب ما يليق به ، ففي شراء الدار يشترط رؤية البيوت والسقوف والسطوح والجدران داخلا وخارجا ، والمستحم والبالوعة ، وفي البستان يشترط رؤية الجدران والأشجار والأرض ومسايل الماء ، ولا يشترط رؤية أساس البنيان والبستان والدار ، ولا عروق الأشجار ونحو ذلك . وفي اشتراط رؤية طريق الدار والماء الذي يدور به الرحى وجهان أصحهما : الاشتراط لاختلاف الغرض به ، قال أصحابنا : ويشترط في العبد رؤية الوجه والأطراف ولا تجوز رؤية العورة ، وفي باقي البدن وجهان أصحهما : الاشتراط ، وبه قطع البغوي وأبو الحسن العبادي في كتاب الرقم وفي الجارية أوجه أصحها : كالعبد والثاني : يشترط رؤية ما يبدو عند الخدمة والتصرف والثالث : يكفي رؤية الوجه والكفين وفي الأسنان واللسان وجهان الأصح : لا يشترط ، وفي رؤية الشعر وجهان أصحهما : الاشتراط . ويشترط في الدواب رؤية مقدمها ومؤخرها وقوائمها ورفع السرج أو الإكاف والجل . وهل يشترط أن تجري الفرس بين يديه ليعرف سيرها فيه وجهان حكاهما الروياني والرافعي الأصح : لا يشترط ويشترط في الثوب المطوي نشره هكذا أطلقه الأصحاب وقطعوا به . قال : إمام الحرمين : يحتمل عندي أن لا يشترط النشر في بيع الثوب التي لا تنشر أصلا إلا عند العقد ، لما في نشرها من النقص والضرر . ثم إذا نشرت الثياب فما كان منها صفيقا كالديباج المنقوش اشترط رؤية وجهيه ، وكذا يشترط رؤية وجهي البسط والزلالي . وأما ما كان رفيعا كالكرباس فيكفي رؤية أحد وجهيه على أصح الوجهين قال : أصحابنا : ولا يصح بيع الثياب التوزية في المنسوج على هذا القول ، وهو التوزية بتاء

277


278
مثناة فوق مفتوحة ثم واو مفتوحة مشددة ثم زاي ويشترط في شراء المصحف وكتب الحديث والفقه وغيرها تقليب الأوراق ، ورؤية جميعها ، وفي الورق البياض يشترط رؤية جميع الطاقات ، وممن صرح به القاضي والرافعي والبغوي وغيرهم . فرع : أما القفاع فقال أبو الحسن العبادي : يفتح رأسه فينظر فيه بقدر الإمكان ليصح بيعه . وأطلق الغزالي في الإحياء أنه يصح بيعه من غير اشتراط رؤية ، وهذا هو الأصح لأن بقاءه في الكوز من مصالحه ، ولأنه تشق رؤيته ، ولأنه قدرا يسير بتسامح به في العادة ، وليس فيه غرر يفوت به مقصود معتبر . المسألة الثالثة : إذا جوزنا بيع الغائب فعليه فروع أحدها : إذا لم تشترط الرؤية اشترط ذكر الجنس والنوع ، فيقول : بعتك عبدي التركي ، وفرسي العربي ، أو الأدهم أو ثوبي المروي ، أو الحنطة الجبلية ، أو السهلية ونحو ذلك ، فلو أخل بالجنس والنوع فقال : بعتك ما في كفي أو كمي أو خزانتي أو ميراثي من فلان ، ولم يكن المشتري والبائع يعرف ذلك لم يصح البيع ، هذا هو المذهب ، وبه قطع المصنف والجمهور ، وفيه وجه أنهما لا يشترطان فيصح بيع ما في الكم ونحوه ، ووجه ثالث أنه يشترط ذكر الجنس دون النوع ، فيقول : عبدي ، وهذان الوجهان حكاهما الخراسانيون وهما شاذان ضعيفان . وإذا ذكر الجنس والنوع ففي افتقاره مع ذلك إلى ذكر الصفات ثلاثة أوجه مشهورة ، ذكرها المصنف بأدلتها أصحها : عند الأصحاب : لا يفتقر ، وهو المنصوص في القديم والإملاء والصرف والثاني : يفتقر إلى ذكر معظم الصفات ، وضبط الأصحاب ذلك بما يصف به المدعى عند القاضي والثاني : يفتقر إلى ذكر صفات السلم ، وهذان الوجهان ضعيفان ، والثالث أضعف من الثاني والثاني قول القاضي أبي حامد المروزي والثالث قول أبي علي الطبري . فعلى المنصوص لو كان له عبدان من نوع فباع أحدهما اشترط تمييزه بسن أو غيره قال الماوردي : واتفق أصحابنا على أنه لا يشترط ذكر جميع الصفات ، فإن وصفها بجميعها فوجهان أحدهما : وهو قول أصحابنا البغداديين : يصح لأنه أبلغ في نفي الغرر والثاني : وهو قول البصريين : لا يصح لأنه يصير في السلم ، والسلم في الأعيان لا يجوز ، وهذا شاذ ضعيف . فرع : قال الماوردي : إن كان المبيع مما لا ينقل كالدار والأرض اشترط ذكر البلد الذي هو فيه ، فيقول بعتك دارا ببغداد ، وفي اشتراط ذكر البقعة من البلد وجهان ، وإن كان مما ينقل كالعبد والثوب اشترط ذكر البلد الذي هو فيه ، لأن القبض يتعجل إن كان قريبا أو يؤجل إن كان بعيدا أو لا يشترط ذكر البقعة من البلد ، وإذا ذكر البلد الذي فيه المبيع لزم

278


279
تسليمه فيه لا في غيره فإن شرط المشتري على البائع أن يسلمه في بلد البيع وكان المبيع في غيره فالبيع باطل بخلاف السلم ، لأنه في الذمة هذا كلام الماوردي ، وحكاه الرافعي عن بعض الأصحاب وسكت عليه . الثاني : إذا شرطنا الوصف فوصفه ، فإن وجده دون ما وصف ، فللمشتري الخير بلا خلاف ، وإن وجده كما وصف فطريقان أحدهما : القطع بثبوت الخيار وبه قطع المصنف في التنبية وجماعة وهو المنصوص وأشهرهما : أنه على وجهين ذكرهما المصنف بدليلهما هنا أصحهما : ثبوته أما إذا قلنا : لا يشترط فللمشتري الخيار عند الرؤية ، سواء كان شرط الخيار أم لا ، هذا هو المذهب ، وفيه وجه أنه لا يثبت إلا أن يكون شرطه والصحيح الأول ، وهل له الخيار قبل الرؤية حتى ينفذ فسخه وإجازته فيه ثلاثة أوجه أحدها : ينفذان والثاني : لا ينفذ واحد منهما والثالث : وهو الصحيح ينفذ فسخه قبل الرؤية دون إجازته . هذا كله في المشتري وأما البائع ففيه ثلاثة أوجه أصحها : لا يخار له سواء كان رأى المبيع أم لا ، لأن الخيار في جانبه تعبد والثاني : له الخسار في الحالين كالمشتري والثالث : له الخيار إن لم يكن رآه وبه قطع الشيخ أبو حامد ومتابعوه ، وحيث قلنا : يثبت خيار الرؤية هل يكون على الفور فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : يمتد ما دام مجلس الرؤية ، وهو قول أبي إسحاق المروزي والثاني : أنه على الفور ، وبه قال أبو علي ابن أبي هريرة . قال الشيخ أبو محمد الجويني في كتابه السلسلة : هذان الوجهان مبنيان على وجهين في ثبوت خيار المجلس في بيع الغائب أحدهما : يثبت كما يثبت في بيع العين الحاضرة والثاني : لا يثبت للاستغناء عنه بخيار الرؤية ، فعلى الأول خيار الرؤية على الفور ، لئلا يثبت خيار مجلسين في وقت واحد ، وعلى الثاني يمتد إلى انقضاء المجلس قال : والفرع مبني على أصل آخر ، وهو أنه إذا مات أحد العاقدين في المجلس وقلنا بالمذهب والمنصوص أنه ينتقل الخيار إلى الوارث ، فإلى متى يمتد فيه وجهان أحدهما : على الفور والثاني : ما دام الوارث في مجلس خبر الموت ، وقد سبقت المسألة واضحة . الثالث : هل يجوز أن يوكل في الرؤية من يفعل ما يستصوبه من فسخ أو إجازة فيه وجهان مشهوران للخراسانيين أصحهما : يجوز كما يجوز التوكيل في خيار الخلف والرد بالعيب والثاني : لا ، لأنه خيار شهوة ، ولا يتوقف على نقص ولا غرض ، فلا يجوز التوكيل فيه ، كمن أسلم على أكثر من أربع نسوة فإنه لا يصح توكيله في الاختيار . الرابع : إذا لم نشترط الرؤية فاختلفا فقال البائع للمشتري : أنت رأيت المبيع فلا خيار لك ، فأنكر المشتري ، فوجهان أصحهما : يصدق المشتري بيمينه والثاني : البائع ، فإن شرطنا الرؤية فاختلفا فقال الغزالي في الفتاوي

279


280
القول قول البائع ، لأن إقدام المشتري على العقد اعتراف بصحته ، قال الرافعي : فلا ينفك هذا عن خلاف ، قلت : هذه المسألة هي مسألة اختلاف المتبايعين في شرط يفسد العقد ، وفيها القولان المشهوران ، الأصح قول مدعي الصحة والثاني : قول مدعى الفساد ، فيتعين جريان القولين في مسألتنا ولعل الغزالي فرعها على الأصح . فرع : لو رأى ثوبين فسرق أحدهما فاشترى الثاني ولا يعلم أيهما المسروق قال الغزالي في الوسيط : : إن تساوت قيمتهما وصفتهما وقدرهما كنصفي كرباس واحد صح البيع بلا خلاف ، وإن اختلفا في شيء من ذلك ففيه القولان في بيع الغائب ، وهذا الذي قاله حسن ، ولا يقال : هذا بيع ثوب من ثوبين ، لأن المبيع هنا واحد بعينه ، ولكن ليس مرئيا حالة العقد ، وقد سبقت رؤيته فاكتفى بها . وأعلم أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى اعترض على الغزالي في هذا الفرع فقال : جزم بالصحة فيما إذا تساوت صفتهما وقدرهما وقيمتها مع إجرائه الخلاف في الصورة الثانية قال : والتحقيق يوجب إجراء الخلاف السابق في استقضاء الأوصاف في صورة التساوي كما أجراه في مسألة الأنموذج التي سنذكرها إن شاء الله تعالى لأنه اعتمد مساواة غير المبيع للمبيع في الصفة المعلق به بالمشاهدة فهو كالأنموذج الذي ليس بمبيع ، المساوي في الصفة للمبيع ولا فرق ، فإن ذكره التساوي في القيمة اعتبار للقيمة مع الوصف ولا وجود لمثاله في هذا الباب هذا كلام أبي عمرو ، وهذان الاعتراضان اللذان ذكرهما فاسدان أما الأول : فليس هذا كمسألة الأنموذج ، لأن المبيع غير الأنموذج ليس مرئيا ولا سبقت رؤيته ، وهنا سبقت رؤية الثوبين وأما قوله : يجب إجراء الخلاف المذكور في الثانية في الأولى فالفرق أن الثوبين في الثانية مختلفين ، فيحصل الغرر بخلاف الأولى وأما الاعتراض الثاني فجوابه أنه قد تختلف القيمة مع اتحاد القدر والصفة في نحو العبيد والجواري فيحصل الغرر والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : هل يشترط الذوق في الخل ونحوه على قولنا باشتراط الرؤية وكذلك الشم في المسك ونحوه واللبس في الثيباب ونحوها فيه طريقان أصحهما : وبه قطع الأكثرون واقتضاه كلام الجمهور أنه لا يشترط ، قال الرافعي : هو الصحيح المعروف والثاني : حكاه المتولي فيه وجهان أصحهما : هذا ، لأن معظم المقصود يتعلق بالرؤية فلا يشترط غيرها والثاني : يشترط لأنه يقع في هذا النوع اختلاف . فرع : لو تلف المبيع في يد المشتري قبل الرؤية على قولنا بجواز بيع الغائب ففي

280


281
انفساخ البيع وجهان كنظيره في خيار الشرط وقد سبقت المسألة بفروعها في مسائل خيار الشرط . ولو باعه قبل الرؤية لم يصح بلا خلاف ، بخلاف ما لو باعه في زمن خيار الشرط فإنه يصح على أصح الوجهين كما سبق في موضعه ، لأنه يصير مجيزا للعقد ، وهنا لا تصح الإجارة قبل الرؤية على الصحيح كما سبق ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : لو رأى بعض الثوب وبعضه الآخر في صندوق ، فطريقان المذهب : وبه قطع الجمهور أنه على القولين في بيع الغائب والثاني : باطل قطعا ، لأن ما رآه لا خيار فيه ، وما لم يره فيه الخيار ، والجمع بين الخيار وعدمه في عين واحدة ممتنع ، والطريق الأول قول أبي إسحاق والثاني حكاه الماوردي عن كثير من البصريين وغيرهم ، ولو كان المبيع شيئين رأى أحدهما فقط ، فإن أبطلنا بيع الغائب ففي صحة العقد فيهما القولان فيمن جمع في صفقة واحدة مختلفي الحكم ، كالبيع والإجارة ، لأن ما رآه لا خيار فيه وما لم يره فيه الخيار فإن صححناه : وهو الأصح فله الرد فيما لم يره وإمساك ما رآه . المسألة الرابعة : إذا لم نجوز بيع الغائب فاشترى ما رآه قبل العقد ولم يره حال العقد فله ثلاثة أحوال أحدها : أن يكون مما لا يتغير غالبا كالأرض والأواني والحديد والنحاس ونحوها ، أو كان لا يتغير في المدة المتخللة بين العقد والرؤية ، صح البيع على المذهب ، ولا يجىء فيه الخلاف في بيع الغائب هكذا قطع جماهير الأصحاب ، وشذ الأنماطي فأبطل البيع ، وهذا فاسد ، ودليل الجميع في الكتاب ، قال الروياني في البحر : وقد ذكر أبو بكر البيهقي عن عبد العزيز بن مقلاص من تلامذة الشافعي أنه نقل عن الشافعي مثل قول الأنماطي فإذا قلنا بالمذهب فوجده كما رآه أولا فلا خيار له بلا خلاف ، لأنه ليس ببيع غائب ، وإن وجده متغيرا فالمذهب الذي قطع به الأصحاب أن البيع صحيح ، وله الخيار ، وحكى الغزالي في الوسيط أنه يتبين بطلان البيع ليتبين ابتداء المعرفة حالة العقد والصواب الأول . قال إمام الحرمين : وليس المراد بتغييره حدوث عيب ، فإن خيار العيب لا يختص بهذه الصورة ، بل الرؤية بمنزلة الشرط في الصفات الكائنة عند الرؤية فكل ما فات منها فهو كتبين الخلف في الشرط فيثبت الخيار الحال الثاني : أن يكون المبيع مما يتغير في ذلك المدة غالبا فإن رأى ما يسرع فساده من الأطعمة ثم اشتراه بعد مدة يتغير فيها في العادة ، فالببيع باطل لأن بيع مجهول الثالث : أن يمضي على المبيع بعد الرؤيا يحتمل أن يبقى فيه ، ويحتمل أن لا يبقى ، ويحتمل أن يتغير فيه ، ويحتمل أن لا يتغير أو كان حيوانا فوجهان مشهوران

281


282
ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : عنده وعند الأصحاب صحة العقد ، فعلى هذا إن وجده متغيرا فله الخيار ، وإلا فلا والثاني : لا يصح قال المتولي : هو قول المزني وأبي علي وابن أبي هريرة ، وذكر الماوردي هذا الخلاف قولين ، قال : الأول نصه في كتاب البيوع ، وبه قال أكثر الأصحاب والثاني أشار إليه في كتاب الغصب ، واختاره المزني والله سبحانه أعلم . فرع : إذا اختلفا في هذه الأحوال في التغير فادعاه المشتري ، وأنكره البائع ، فوجهان الصحيح : المنصوص ، وبه قطع المصنف وكثيرون أن القول قول المشتري بيمينه ، لأن البائع يدعي عليه علمه بهذه الصفة ، فلم يقبل كادعائه اطلاعه على العيب والثاني : حكاه الخراسانيون عن صاحب التقريب القول قول البائع بيمينه ، لأن الأصل عدم التغير والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : قد ذكرنا أنه إذا سبقت رؤيته فله ثلاثة أحوال قال الماوردي : صورة المسألة أن يكون حال البيع متذكرا للأوصاف ، فإن نسيها لطول المدة ونحوها فهو بيع غائب ، وهذا الذي قاله غريب ، ولم يتعرض له الجمهور . فرع : لو رأى بعض المبيع دون البعض وهو مما يستدل برؤية بعضه على الباقي صح البيع بلا خلاف ، قال أصحابنا : وذلك كصبرة الحنطة تكفي رؤية ظاهرها ، ولا خيار له إذا رأى بعد ذلك باطنها ، إلا إذا خالف ظاهرها ، قال المتولي : وحكى أبو سهل الصعلوكي قولا شاذا أنه لا يكفي رؤية ظاهر الصبرة بل يشترط أن يقبلها ليعرف باطنها ، والمذهب الأول ، وبه قطع الأصحاب وتظاهرت عليه نصوص الشافعي . قال أصحابنا : وفي معنى الحنطة والشعير صبرة الجوز واللوز والدقيق ونحوها ، فلو رأى شيئا منها في وعائه فرأى أعلاه أو رأى أعلى السمن والزيت والخل وسائر المائعات في ظروفها ، كفى ذلك وصح البيع ، ولا يكون بيع غائب . ولو كانت الحنطة في بيت مملوء منها فرأى بعضها من الكوة أو الباب ، كفى إن عرف سعة البيت وعمقه ، وإلا فلا ، وكذا حكم الحمد في المحمدة إن رأى أعلاه وعرف سعتها وعمقها صح البيع وإلا فلا . قال أصحابنا : ولا يكفي رؤية صبرة السفرجل والرمان والبطيخ ونحو ذلك ، بل يشترط رؤية كل واحد منها ، قالوا : ولا يكفي في سلة العنب والتين والخوخ ونحو ذلك رؤية أعلاه لكثرة الاختلاف فيها بخلاف الحبوب وأما الثمر فإن لم يلتزق بعض حباته ببعض فصبرته كصبرة الجوز

282


283
واللوز فيصح بيعها ، وإن التزقت كقوصرة التمر فوجهان حكاهما المتولي وآخرون الصحيح : الاكتفاء برؤية أعلاها والثاني : لا يكفي بل يكون بيع غائب وذكر الماوردي فيه طريقين من غير تفصيل اللازق وغيره أحدهما : على قول بيع الغائب وأصحهما : وهو قول جمهور الأصحاب يصح قولا واحدا وأما القطن في الأعدال فهل يكفي رؤية أعلاه فيه خلاف حكاه الصيمري ، قال : والأشبه عندي أنه كقوصرة التمر ، وهذا هو الصحيح . فرع : إذا رأى أنموذجا من المبيع منفصلا عنه ، وبنى أمر المبيع عليه نظر إن قال : بعتك من هذا النوع كذا وكذا فالمبيع باطل ، لأنه لم يعين مالا ولم يراع شروط السلم ، ولا يقوم ذلك مقام الوصف في السلم على الصحيح من الوجهين ، لأن الوصف يرجع إليه عند النزاع بخلاف هذا . وإن قال : بعتك الحنطة التي في هذا البيت ، وهذا الأنموذج منها ، فإن لم يدخل الأنموذج في البيع فوجهان أصحهما : لا يصح البيع ، لأن المبيع غير مرئي وإن أدخله صح على أصح الوجهين ، كما لو رآه متصلا بالباقي . وإن شئت جمعت الصورتين فقلت : فيه ثلاثة أوجه أحدها : الصحة والثاني : البطلان وأصحها : إن أدخل الأنموذج في البيع صح ، وإلا فلا ثم صورة المسألة مفروضة في المتماثلات والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : إذا اشترى الثوب المطوي وصححناه ، فنشره واختار الفسخ ، ولم يحسن طيه وكان لطيه مؤنة ، قال القفال في شرح التلخيص وجبت مؤمنة طيه على المشتري كما لو اشترى شيئا ونقله إلى بيته فوجد به عيبا ، فإن مؤنة رده على المشتري . فرع : قال أصحابنا : لا يصح بيع الشاة المذبوحة قبل السلخ بلا خلاف سواء جوزنا بيع الغائب أم لا ، سواء باع الجلد واللحم معا أو أحدهما ، ولا يجوز بيع الأكارع والرؤوس قبل الإبانة ، وفي الأكارع وجه شاذ أنه يصح بيعها ويجوز بيعهما بعد الإبانة نيئة ومشوية ، وكذا المسموط نيئا ومشويا وفي النيىء احتمال لإمام الحرمين من حيث إنه مستور بالجلد ، والمذهب الصحة لأنه جلد مأكول فأشبه المشوي . فرع : إذا رأى فصا لم يعلم أنه جوهر أو زجاج فاشتراه ، فوجهان حكاهما المتولى أحدهما لا يصح البيع ، لأن مقصود الرؤية انتفاء الغرر ولم يحصل وأصحهما : يصح لوجود العلم بعينه . فرع : قال الروياني : لو رأى أرضا وآجرا وطينا ثم بنى حماما في تلك الأرض بذلك

283


284
الآجر والطين ، فاشترى الحمام ولم يره وهو حمام ، فيحتمل أن يصح البيع ، لأن أكثر ما تغير الصفات ، وذلك لا يبطل البيع ، ويحتمل أن لا يصح ، لأن الرؤية لم تحصل على العادة ، قال : وهذا أصح ، قال : وعلى هذا لو رأى رطبا ثم اشتراه تمرا لم يصح ، قلت : هذا الاحتمال الثاني هو الصواب ، لأن هذا غرر كبير تختلف به الأغراض ، هذا إذا لم يصح بيع الغائب . فرع : قال الروياني : قال القفال : يصح لو رأى سخلة فصارت شاة أو صبيا فصار رجلا ولم يره غير الرؤية الأولى ثم اشتراه ، ففيه قولا بيع الغائب ، وقال أبو حنيفة : يصح ولا خيار . فرع : قال الماوردي : إذا جوزنا بيع الغائب فتبايعاه بشرطه ، فهل العقد تام قبل الرؤية فيه وجهان أحدهما : قاله أبو إسحاق المروزي : ليس تاما ، لأن تمامه بالرضا به ، وقبل الرؤية لا يحصل الرضا ، فعلى هذا إن مات أحدهما بطل العقد ولم يقم وارثه مقامه ، لأن العقد الذي ليس بلازم يبطل بالموت ، وكذا لو جن أحدهما أو حجز عليه بسفه بطل العقد ، ولكل واحد منهما الفسخ قبل الرؤية والثاني : وهو قول أبي علي ابن أبي هريرة أن العقد تام ، ولهما خيار المجلس ما لم يتفرقا ، فإن مات أحدهما لم يبطل العقد ، بل يقوم وارثه مقامه ، وإن جن أو حجر عليه قام وليه مقامه ، وليس لأحدهما الفسخ قبل الرؤية ، قال الماوردي : وثبوت الخيار عند الرؤية ينبني على هذا الخلاف ، فعند أبي إسحاق أن خيار المجلس عند الرؤية ، ويدوم ما لم يفارق المجلس ، قال : وله أن يشترط في المجلس خيار الثلاث ، وتأجيل الثمن والزيادة فيه والنقصان منه ، وعند أبي علي لا خيار له إلا بعيب ، وليس له شرط خيار الثلاث ولا تأجيل الثمن ولا الزيادة فيه ولا النقص منه . فرع : قال الماوردي : بيع العين الغائبة بشرط نفي خيار الرؤية باطل بلا خلاف قال : فأما بيع الحاضر بشرط خيار الرؤية كثوب في سفط أو مطوى ، ففيه وجهان أحدهما : أنه على القولين في بيع الغائب ، لأنه أبعد من الغرر والثاني : لا يصح قولا واحدا قال : وهو قول أكثر أصحابنا وإليه أشار أبو إسحاق وأبو علي ابن أبي هريرة ، لأن الحاضر تمكن رؤيته ، فلا ضرورة إلى بيعه بشرط خيار الرؤية بخلاف الغائب ، هذا كلام الماوردي وذكر الروياني مثله بحروفه إلا أنه ذكر في بيع الغائب بشرط نفي خيار الرؤية وجها شاذا أنه يصح البيع ، ويلغو الشرط تخريجا من الخلاف في البيع بشرط البراءة من العيوب . فرع : قال الماوردي : بيع الجزر والسلجم وهو الذي يقال له في دمشق اللفت

284


285
والبصل ونحوها في الأرض قبل قلعه بشرط خيار الرؤية فيه طريقان : أحدهما : على القولين في بيع الغائب والثاني : لا يصح قولا واحدا ، قال : وهو قول سائر أصحابنا ، والفرق بينه وبين بيع الغائب من وجهين أحدهما : أن الغائب يمكن وصفه بخلاف هذا والثاني : أن الغائب إذا فسخ العقد فيه يرده المشتري كما كان بخلاف هذا . فرع : إذا جوزنا بيع الغائب فاشترى ثوبا غائبا فحضر ونشر بعضه ونظر إليه ، قال الروياني : لا يبطل خياره حتى يرى جميعه . فرع : قال الروياني : لو كان المبيع مضبوطا بخبر ففي بيعه طريقان أحدهما : يصح والثاني : فيه القولان في بيع الغائب . فرع : قال أصحابنا : الاعتبار في رؤية المبيع وعدمها بالعاقد ، فإذا وكل من يشتري له عينا ، فإن رآها الوكيل حال العقد أو قبله . واكتفينا بالرؤية السابقة ، صح البيع قولا واحدا ، سواء كان الموكل رآها أم لا ، ولا خيار إذا رآها بعد العقد ، وإن لم يرها الوكيل ، ولكن رآها الموكل ، فهو بيع غائب ، ففيه القولان . فرع : قال أصحابنا : لو كان الثوب على منسج قد نسج بعضه ، فباعه على أن ينسج البائع باقيه ، لم يصح البيع بلا خلاف ، ونص عليه الشافعي في كتاب الصرف لعلتين . فرع : إذا اشترى جبة محشوة ، ورأى الجبة دون الحشو ، صح البيع ، كما يصح بيع الدار وإن لم ير أساسها ، وقد نقل المازري المالكي وغيره الإجماع على صحة بيع الجبة ، وقد ذكرناه في أول هذا الباب . فرع : في مذاهب العلماء في بيع العين الغائبة . قد ذكرنا أن أصح القولين في مذهبنا بطلانه ، وبه قال الحكم وحماد ، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمدى وابن المنذر وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم : يصح ، نقله البغوي وغيره عن أكثر العلماء ، قال ابن المنذر : فيه ثلاثة مذاهب مذهب : الشافعي أنه لا يصح والثاني : يصح البيع إذا وصفه ، وللمشتري الخيار ، إذا رآه ، سواء كان على تلك الصفة أم لا ، وهو قول الشعبي والحسن والنخعي والثوري وأبي حنيفة وغيره من أهل الرأي والثالث : يصح البيع ، وللمشتري الخيار إن كان على غير ما وصف ، وإلا فلا خيار ، قاله ابن سيرين وأيوب السختياني ومالك وعبيد الله بن الحسن وأحمد وأبو ثور وابن نصر ، قال ابن المنذر : وبه

285


286
أقول . واحتج لمن صححه بقوله تعالى :

﴿ وأحل الله البيع البقرة : 275 وهذا على عمومه إلا بيعا منعه كتاب أو سنة أو إجماع وبحديث أبي بكر بن عبد الله ابن أبي مريم عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه إن شاء أخذه وإن شاء تركه وبحديث عمر بن إبراهيم ابن خالد عن وهب البكري عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه وبحديث عثمان وطلحة المذكور في الكتاب وقد سبق بيانه قالوا : وقياسا على النكاح فإنه لا يشترط رؤية الزوجين بالإجماع وقياسا على بيع الرمان والجوز واللوز في قشره الأسفل ، وقياسا على ما لو رآه قبل العقد ، واحتج الأصحاب بحديثي أبي هريرة وابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر رواهما مسلم ، وهذا غرر ظاهر فأشبه بيع المعدوم الموصوف ، كحبل الحبلة وغيره ، وبحديث : لا تبع ما ليس عندك وسبق بيانه ، وقياسا على من باع النوى في التمر . وأما : الجواب على احتجاجهم بالآية الكريم فهي عامة مخصوصة بحديث النهي عن بيع الغرر والجواب : عن حديث مكحول فهو أنه حديث ضعيف باتفاق المحدثين وضعفه من وجهين أحدهما : أنه مرسل لأن مكحولا تابعي والثاني : أن أحد رواته ضعيف ، فإن أبا بكر ابن أبي مريم المذكرو ضعيف باتفاق المحدثين ، وكذا الجواب عن حديث أبي هريرة فإنه أيضا ضعيف باتفاقهم وعمر بن إبراهيم بن خالد مشهور بالضعف ووضع الحديث . وممن روى هذين الحديثين وضعفهما الدارقطني والبيهقي ، قال الدارقطني : أبو بكر ابن أبي مريم ضعيف ، وعمر بن إبراهيم يضع الحديث قال : وهذا حديث باطل لم يروه غيره ، وإنما يروى هذا عن ابن سيرين من قوله . والجواب : عن قصة عثمان وطلحة وجبير بن مطعم أنه لم ينتشر ذلك في الصحابة رضي الله عنهم والصحيح : عندنا أن قول

286


287
الصحابة ليس بحجة إلا أن ينتشر من غير مخالفة والجواب : عن قياسهم على النكاح أن المعقود عليه هناك استباحه الاستمتاع ولا يمكن رؤيتها ، ولأن الحاجة تدعو إلى ترك الرؤية هناك لمشقتها غالبا والجواب : عن قياسهم على الرمان والجوز أن ظاهرهما يقوم مقام باطنهما في الرؤية ، كصبرة الحنطة ، ولأن في استتار باطنها مصلحة لها كأساس الدار بخلاف بيع الغائب . والجواب : عن قياسهم على ما لو رآه قبل العقد أن المبيع هناك يكون معلوما للمشتري حال العقد ، بخلاف مسألتنا والله سبحانه وتعالى أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن باع الأعمى أو اشترى شيئا لم يره فإن قلنا : إن بيع ما لم يره البصير لا يصح ، لم يصح بيع الأعمى وشراؤه وإن قلنا : يصح ففي بيع الأعمى وشرائه وجهان أحدهما يصح ، كما يصح من البصير فيما لم يره ، ويستنيب في القبض والخيار كما يستنيب في شرط الخيار والثاني : لا يصح لأن بيع ما لم يره يتم بالرؤية وذلك لا يوجد في حق الأعمى ، ولا يمكنه أن يوكل في الخيار لأنه خيار ثبت بالشرع ، فلا تجوز الاستنابة فيه كخيار المجلس بخلاف خيار الشرط .

+ الشرح : قال أصحابنا : المذهب بطلان بيع الأعمى وشرائه وهذا مختصره وتفصيله أنه إن لم نجوز بيع الغائب وشراءه لم يصح بيع الأعمى ولا شراؤه ، وإن جوزناه فوجهان أصحهما : لا يجوز أيضا لأنه لا طريق له إلى رؤيته فيكون كبيع الغائب على أن لا خيار والثاني : يجوز ، فيقام وصف غيره له مقام رؤيته ، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد فإن صححناه قال المتولي وغيره : يثبت له الخيار عند وصف السلعة له ، ويكون الوصف بعد العقد كرؤية البصير فإن قلنا : لا يصح بيعه وشراؤه لم تصح أيضا إجارته ورهنه وهبته ، وفي مكاتبته عبده وجهان حكاهما المتولي وآخرون أصحهما : جوازه ، صححه المتولي تغليبا للعتق والثاني : لا يجوز ، وبه قطع البغوي ، ويجوز أن يؤجر نفسه ، وللعبد الأعمى أن يشتري نفسه ، وأن يقبل الكابة على نفسه لعلمه بنفسه . ويجوز أن يتزوج بلا خلاف . وفي ثبوت ولايته في النكاح وجهان مشهوران أحدهما : لا يصح تزويجه وأصحهما : يصح فعلى هذا إذا زوج وكان الصداق مالا معيبا لم يثبت المسمى ، بل يجب مهر المثل وكذا لو جامع على مال معين أما إذا أسلم في شيء أو أسلم إليه فإن كان عمى بعد بلوغه سن التمييز صح السلم بلا خلاف ، لأنه يعرف الأوصاف ثم يوكل من يقبض عنه ، ولا يصح قبضه بنفسه على أصح الوجهين ، لأنه لا تمييز بين المستحق وغيره ، فإن خلق أعمى أو أعمى قبل التمييز فوجهان أحدهما : لا يصح ، وهو الأصح عند المتولي

287


288
وأصحهما : عند العراقيين والجمهور من غيرهم الصحة ، وهو المنصوص أو ظاهر النص ، لأنه يغرف بالسماع ، فعلى هذا إنما يصح إذا كان رأس المال موصوفا ، وعين في المجلس ، فإن كان معينا في العقد فهو كبيعه العين والمذهب بطلانه . قال أصحابنا : وكل ما لا يصح من الأعمى من التصرفات فطريقه أن يوكل وتحتمل صحة وكالته للضرورة ، وهذه المسألة مما ينكر على المصنف في باب الوكالة من المهذب و التنبيه ، حيق قال : من لا يجوز تصرفه فيما يوكل فيه لا يجوز توكيله ، فالأعمى لا يصح بيعه وشراؤه ونحوهما على المذهب ويجوز توكيله في ذلك بلا خلاف كما ذكرناه والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : لو كان الأعمى رأى شيئا لا يتغير صح بيعه وشراؤه إياه إذا صححنا ذلك من البصير ، وهو المذهب كما سبق والله سبحانه أعلم . فرع : إذا ملك الأعمى شيئا بالسلم أو الشراء حيث صححناه ، لم يصح قبضه ذلك بنفسه ، بل يوكل بصيرا يقبضه له بتلك الأوصاف ، فلو قبضه الأعمى لم يعتد به ، قال المتولي : ولو اشترى البصير شيئا ثم عمى قبل قبضه ، وقلنا لا يصح شراء الأعمى فهل ينسخ هذا البيع فيه وجهان كما إذا اشترى الكافر كافرا فأسلم العبد قبل القبض ، قلت : الأصح لا يبطل . فرع : الأعمى يخالف البصير في مسائل كثيرة إحداها : لا يجتهد في الأواني والثياب في قول الثانية : يكره أن يكون مؤذنا راتبا إلا مع بصير ، كابن أم مكتوم مع بلال الثالثة : لا يجتهد في القبلة الرابعة : لا جمعة عليه إذا لم يجد قائدا الخامسة : البصير أولى منه بغسل الميت السادسة : لا حج عليه إذا لم يجد قائدا السابعة : تكره ذكاته كراهة تنزيه بلا خلاف ولا يحل صيده بإرساله كلبا أو سهما في أصح الوجهين الثامنة : لا يصح بيعه وشراؤه وإجارته ورهنه وهبته ومساقاته ونحوها من المعاملات على المذهب الصحيح العاشرة : لا يجوز كونه وصيا في وجه الحادية عشرة : لا تجوز مكاتبته عبده في أحد الوجهين الثانية عشرة : لا يكون وليا في النكاح في وجه الثالثة عشرة : لا يجزىء في الكفارة الرابعة عشرة : لا تؤخذ عين البصير بعينه الخامسة عشرة : لا يكون سلطانا السادسة عشرة : لا جهاد عليه السابعة عشرة : لا يكون قابضا الثامنة عشرة : لا تقبل شهادته إلا فيما تحمله قبل العمى أو العمى أو بالاستفاضة أو على من تعلق به .

قال المصنف رحمه الله تعالى : إذا رأى بض المبيع دون بعض نظرت فإن كان مما لا

288


289
تختلف أجزاؤه كالصبرة من الطعام ، والجرة من الدبس جاز بيعه ، لأن لرؤية البعض يزول غرر الجهالة ، لأن الظاهر أن الباطن كالظاهر ، وإن كان مما يختلف نظرت فإن كان مما يشق رؤية باقية كالجوز في القشر الأسفل جاز بيعه ، لأن رؤية الباطن تشق فسقط اعتبارها كرؤية أساس الحيطان ، وإن لم تشق رؤية الباقي كالثوب المطوي ، ففيه طريقان من أصحابنا من قال : فيه قولان كبيع ما لم ير شيئا منه ومنهم من قال : يبطل البيع قولا واحدا لأن ما رآه لا خيار فيه ، وما لم يره فيه الخيار وذلك لا يجوز في عين واحدة .

+ الشرح : هذا الفصل سبق بيانه قريبا في الفروع السابقة ، والله سبحانه أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : واختلف أصحابنا في بيع الباقلاء في قشرته فقال أبو سعيد الاصطخري : يجوز لأنه يباع في جميع البلدان من غير إنكار ومنهم من قال : لا يجوز وهو المنصوص في الأم ، لأن الحب قد يكون صغارا ، وقد يكون كبارا وقد يكون في بيوته ما لا شيء فيه ، وقد يكون فيه حب متغير ، وذلك غرر من غير حاجة ، فلم يجز . واختلفوا أيضا في بيع نافجة المسك فقال أبو العباس : يجوز بيعها ، لأن النافجة فيها صلاح للمسك ، لأن بقاءه فيها أكثر ، فجاز بيعه فيها ، كالجوز في القشر الأسفل ، ومن أصحابنا من قال ، لا يجوز . وهو ظاهر النص ، لأنه مجهول القدر ، مجهول الصفة ، وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز واختلفوا في بيع الطلع في قشره ، فقال أبو إسحاق : لا يجوز بيعه ، لأن المقصود مستور بما لا يدخر فيه ، فلم يصح بيعه كالثمر في الجراب وقال أبو علي ابن أبي هريرة : يجوز لأنه مستور بما يؤكل معه من القشر ، فجاز بيعه فيه كالقثاء والخيار . واختلف قوله في بيع الحنطة في سنبلها فقال في القديم : يجوز ، لما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العنب حتى يسود ، وعن بيع الحب حتى يشتد وقال في الجديد : لا يجوز لأنه لا يعلم قدر ما فيها من الحب ولا صفة الحب ، وذلك غرر لا تدعو الحاجة إليه فلم يجز .

289


290

+ الشرح : حديث أنس رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وآخرون بأسانيد صحيحة ، قال الترمذي : هو حديث حسن ، وفي الباقلا لغتان سبقتا في أول كتاب الطهارة التخفيف مع المد ، والتشديد مع القصر وقوله : غرر من غير حاجة ، احتراز من أساس الدار ومن السلم . ونافجة المسك بالنون والفاء والجيم وهي ظرفه الذي يكون فيه من أصله ، والجراب بكسر الجيم وفتحها الكسر أفصح والقثاء بكسر القاف وضمها الكسر أفصح . وهو ممدود . أما الأحكام : ففيها مسائل : إحداها : يجوز بيع الباقلا في القشر الأسفل بلا خلاف ، وسواء كان أخضر أو يابسا وأما بيعه في قشره الأعلى والأسفل فإن كان يابسا لم يجز على قولنا بمنع بيع الغائب فإن جوزناه جاز ، هكذا صرح به إمام الحرمين والبغوي والجمهور . وحكى المتولي وجها أنه يصح إن منعنا بيع الغائب ، وهذا شاذ ضعيف ، لأنه مستور بما لا يحتاج إلى بقائه فيه ، ولا حاجة إلى شرائه كذلك . وإن كان رطبا ففيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أحدهما : وهو قول الاصطخري يجوز ، وادعى إمام الحرمين والغزالي أن الأصح صحته ، لأن الشافعي رضي الله عنه أمر أن يشترى له الباقلا الرطب والثاني : لا يجوز ، وهو المنصوص في الأم كما ذكره المصنف والأصحاب وهذا هو الأصح عند البغوي وآخرين وقطع به المصنف في التنبيه . الثانية : في بيع طلع النخل مع قشره وجهان مشهوران ذكرهما المصنف بدليلهما أصحهما : جوازه وهو قول أبي علي ابن أبي هريرة . الثالثة : المسك طاهر ، ويجوز بيعه بلا خلاف ، وهو إجماع المسلمين ، نقل جماعة فيه الإجماع ، ونقل صاحب الشامل وآخرون عن بعض اناس أنه نجس لا يجوز بيعه ، قال الماوردي : هو قول الشيعة . قالوا : لأنه دم ، ولأنه منفصل من حيوان حي ، وما أبين من حي فهو ميت ، وهذا المذهب خلط صريح وجهالة فاحشة ، ولولا خوف الاغترار به لما تجاسرت على حكايته ، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة عن عائشة وغيرها من الصحابة أنهم رأوا وبيص المسك في مفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم وانعقد إجماع المسلمين على طهارته وجواز بيعه وأما قوله : إنه دم فلا يسلم ولو سلم لم يلزم منه نجاسته فإنه دم غير مسفوح كالكبد والطحال . وأما : قوله : منفصل من حيوان حي فأجاب الأصحاب عنه بجوابين أحدهما : أن الظبية تلقيه كما تلقى الولد ، كما يلقى الطائر البيضة ، فيكون طاهرا كولد الحيوان المأكول وبيضه ، ولأنه لو كان من حيوان لا يؤكل لم يلزم من ذلك نجاسته ، فإن العسل من حيوان لا يؤكل وهو طاهر حلال بلا شك والجواب الثاني :

290


291
أن هذا قياس منابذ للسنة ، فلا يلتفت إليه والله سبحانه وتعالى أعلم . وأما : بيع المسك في فأرته ، وهي نافجته ففيه ثلاثة أوجه أحدها : يجوز مطلقا ، قاله ابن سريج لما ذكره المصنف والثاني : إن كانت مفتوحة وشاهد المسك فيها ولم يتفاوت ثمنها صح البيع وإلا فلا ، وبه قطع المتولي وصاحب البيان والثالث : وهو الصحيح لا يصح بيعه فيها مطلقا ، سواء بيع معها أو دونها ، مفتوحة وغير مفتوحة ، كما لا يصح بيع اللحم في الجلد ، وهذا هو المنصوص ، ولو رأى المسك خارج الفأرة ثم رده إليه وباعه فيها وهي مفتوحة الرأس صح البيع قطعا ، وإن كانت غير مفتوحة فقد قالوا : فيه القولان في بيع الغائب ، وهذا محمول على أنه مضى عليه زمن يتغير فيه غالبا ، وإلا فيصح قولا واحدا لأنه قد رآه ، قال أصحابنا : ولو باع المسك المخلوط بغيره لم يصح قولا واحدا ، لأن المقصود مجهول كما لا يصح بيع اللبن المخلوط بالماء ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : قال الماوردي : وأما الزباد فهو لبن سنور ، يكون في البحر ، قال : ولأصحابنا في جواز بيعه وجهان ، إذا قلنا بنجاسة ما لا يؤكل لحمه أحدهما : نجس ، لا يجوز بيعه والثاني : طاهر ويجوز بيعه كالمسك ، هذا كلام الماوردي ، والصواب طهارته وصحة بيعه ، لأن الصحيح حل لحم كل حيوان البحر ، وحل لبنه كما سبق في بابه ، وقد سبقت هذه المسألة في باب إزالة النجاسة . فرع : قال أصحابنا : لا يجوز بيع اللبن والخل ونحوهما إذا كان مخلوطا بالماء ، لأن المقصود مجهول . فرع : اتفق أصحابنا على أنه لو باع المسك المختلط بغيره لم يصح ، لأن المقصود مجهول ، كما لا يصح بيع اللبن المختلط بالماء ، والمراد إذا خالط المسك غيره لا على وجه التركيب فإن كان معجونا مع غيره كالغالية والند جاز بيعه ، ولم يجز المسلم فيه . فرع : اتفق أصحابنا على أنه لا يجوز بيع تراب المعدن قبل تصفيته . وتمييز الذهب والفضة منه ، وكذا تراب الصاغة ، سواء باعه بذهب أم بفضة أم بغيرهما . هذا مذهبنا ، وقال الحسن والنخعي وربيعة والليث : يجوز بيع تراب الفضة بالذهب ، وبيع تراب الذهب بالفضة ، وقال مالك : يجوز بيع تراب المعدن بمايخالفه بالوزن إن كان ذهبا ووافقنا أنه لا يجوز بيع تراب الصاغة بحال . دليلنا أن المقصود مستور بما لا مصلحة له فيه العادة ، فلم يصح بيعه فيه كبيع اللحم في الجلد بعد الذبح ، وقبل السلخ . المسألة الرابعة : قال

291


292
أصحابنا : يشترط ظهور المقصود في بيع الثمرة والزرع ونحو ذلك ، فإذا باع ثمرة لا كمام لها كالتين والعنب والكمشري والمشمش والخوخ والأجاص ونحو ذلك صح البيع بالإجماع ، سواء باعها على الأرض أو على الشجر ، لكن يشترط في بيعها على الشجر كونه بعد بدو الصلاح ، أو يشترط القطع ، قال أصحابنا : ولو باع الشعير أو الذرة أو السلت مع سنبله جاز قبل الحصاد وبعده بلا خلاف ، لأن حباته ظاهرة ، ولو كان للثمر والحب كمام لا يزال إلا عند الأكل كالرمان ونحوه والعلس ، جاز بيعه في كمامه أيضا بلا خلاف وأما ماله كمامان يزال أحدهما ويبقى الآخر إلى وقت الأكل كالجوز واللوز والرانج فيجوز بيعه في القشر الأسفل بلا خلاف ، ولا يجوز في القشر الأعلى ، لا على الأرض ولا على الشجر ، لا رطبا ولا يابسا ، وفي قول ضعيف حكاه الخراسانيون يجوز ما دام رطبا والمذهب البطلان مطلقا . أما : ما لا يرى حبه في سنبله كالحنطة والعدس والحمص والسمسم والحبة السوداء فما دام في سنبله لا يجوز بيعه منفردا عن سنبله بلا خلاف ، كما لا يجوز بيع تراب الصاغة والمعدن ، قال أصحابنا : ولو باع الحنطة لم يصح بلا خلاف لما ذكرناه أما إذا باع هذا النوع من سنبله فقولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما الأصح : الحديد : لا يصح بيعه والقديم : صحته . وفي الأرز طريقان المذهب : صحة بيعه في سنبله كالشعير ، ولأنه يدخر في قشره فأشبه العلس وبهذا الطريق قال ابن القاص وأبو علي الطبري والأكثرون ، وصححه القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل والرافعي والثاني : فيه القولان كالحنطة ، قاله الشيخ أبو حامد والله تعالى أعلم . فرع : لا يجوز بيع الجزر والثوم والبصل والفجل والسلق في الأرض ، لأن المقصود مستور ، ويجوز بيع أوراقها الظاهرة بشرط القطع ، ويجوز بيع القنبيط في الأرض لظهوره ، وكذا نوع من الشلجم يكون ظاهرا ، وهو بالشين المعجمة والجيم والقنبيط بضم القاف وفتح النون المشددة كذا هو في صحاح الجوهري وغيره ، وقد سبقت هذه المسألة قريبا . فرع : قال أصحابنا : يجوز بيع اللوز في الأعلى قبل انعقاد الأسفل ، لأنه مأكول كله كالتفاح . فرع : حيث قلنا ببطلان البيع في هذه الصورة السابقة فهل هو تفريع على بطلان بيع الغائب فيه طريقان سبقا عن حكاية الماوردي أحدهما : وبه قطع إمام الحرمين هو مفرع عليه ، فإن جوزنا بيع الغائب صح البيع في كل هذه الصور والطريق الثاني : وبه قطع البغوي في بيع الجزر ونحوه ليس هو مفرعا عليه ، بل هو باطل على القولين ، لأن في بيع

292


293
الغائب يمكن رد المبيع بعد العقد بصفته ، وهنا لا يمكن وهذا الطريق هو الأصح ، وقد سبق عن الماوردي أنه نقله عن جمهور أصحابنا ، وسبق إيضاح الفرق . فرع : إذا قلنا بالبطلان في هذه الصورة فباع الجوز مثلا في قشره الأعلى مع الشجر ، أو باع الحنطة في سنبلها مع الأرض فطريقان أحدهما : يبطل البيع في الجوز والحنطة ، وفي بطلانه في الشجر والأرض قولا تفريق الصفقة وأصحهما : القطع بالبطلان في الجميع ، للجهل بأحد المقصودين ، وتعذر التوزيع ، ولو باع أرضا مبذورة مع البذر فوجهان مشهوران ، وقد ذكرهما المصنف في باب بيع الأصول والثمار أحدهما : يصح في الأرض وفي البذر تبعا لها والثاني : وهو الصحيح باتفاق الأصحاب بطلان البيع في البذر ، ثم في الأرض الطريقان ، قال الرافعي : ومن قال بالصحة لا يقول بالتوزيع ، بل يوجب جميع الثمن بناء على قولنا بالضعيف في تفريق الصفقة أنه لا يأخذ بجميع الثمن ، والله سبحانه أعلم . فرع : ثبتت الأحاديث الصحيحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة قال العلماء : المحاقلة بيع الحنطة في سنبلها بكيل معلوم من الحنطة ، واتفق العلماء على بطلانها ، وله علتان مع الحديث إحداهما : أنه بيع حنطة وتبن بحنطة ، وذلك ربا والثانية : أنه بيع حنطة في سنبلها فلو باع شعيرا في سنبله بحنطة خالصة صافية وتقابضا في المجلس جاز بلا خلاف ، ولو باع زرعا قبل ظهور حبه بحب من جنسه صح البيع بلا خلاف ، لأن الحشيش ليس ربويا . فرع : في مذاهب العلماء في بيع الحنطة في سنبلها ، ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا بطلانه ، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد : يصح ، دليلنا ما ذكره المصنف . فرع : في مذاهبهم في بيع الجزر والبصل والثوم والشلجم والفجل وهو غائب في منبته ، قد ذكرنا أن مذهبنا المشهور بطلان بيعه ، وحكاه ابن المنذر عن الشافعي وأحمد ، قال : وأجازه مالك والأوزاعي وإسحاق ، قال ابن المنذر : وببطلانه أقول ، لأنه غرر .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع مجهول القدر ، فإن قال : بعتك بعض هذه

293


294
الصبرة لم يصح البيع لحديث أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وفي بيع البعض غرر ، لأنه يقع على القليل والكثير ، ولأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بقدر المبيع كالسلم ، وإن قال : بعتك هذه الصبرة ، جاز وإن لم يعرف قفزانها ، وإن قال : بعتك هذه الدار أو هذا الثوب جاز ، وإن لم يعرف ذرعانهما لأن غرر الجهالة ينتفى عنهما بالمشاهدة قال الشافعي : وأكره بيع الصبرة جزافالأنه يجهل قدرها على الحقيقة ، وإن قال : بعتك ثلثها أو ربعها ، أو بعتكها إلا ثلثها أو ربعها جاز ، لأن من عرف الشيء عرف ثلثه أو ربعه ، وما يبقى بعدهما ، وإ قال : بعتك هذه الصبرة إلا قفيزا منها أو هذه الدار ، أو هذا الثوب إلا ذراعا منه نظرت فإن علما مبلغ قفزان الصبرة وذرعان الدار والثوب جاز ، لأن المبيع معلوم ، وإن لم يعلما ذلك لم يجز ، لما روى جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثنيا ولأن المبيع هو الباقي بعد القفيز والذراع ، وذلك مجهول . وإن قال : بعتك عشرة أقفزة من هذه الصبرة جاز ، لأنها معلومة القدر والصفة ، فإن اختلفا فقال البائع : أعطيك من أسفلها ، وقال المشتري : من أعلاها فالخيار إلى البائع فمن أي موضع أعطاه جاز لأنه أعطاه من الصبرة ، وإن قال : بعتك عشرة أذرع من هذه الدار ، أو عشرة أذرع من هذا الثوب ، فإن كانا يعلمان مبلغ ذرعان الدار والثوب ، وأنها مائة ذراع صح البيع في عشرها لأن العشرة من المائة عشرها ، فلا فرق بين أن يقول بعتك عشرها ، وبين أن يقول بعتك عشرة من مائة ذراع منها ، وإن لم يعلما مبلغ ذرعان الدار والثوب لم يصح ، لأنه إن جعل البيع في عشرة أذرع مشاعة لم يعرف قدر المبيع أنه عشرها أو ثلثها أو سدسها . وإن جعل البيع في عشرة أذرع من موضع بعينه لم يعرف صفة المبيع ، فإن أجزاء الثوب والدار تختلف ، وقد يكون بعضها أجود من بعض ، وإن قال : بعتك عشرة أذرع ابتداؤها من هذا المكان ، ولم يبين المنتهى ، ففيه وجهان أحدهما : لا يصح ، لأن أجزاء المبيع مختلفة ، وقد ينتهى إلى موضع يخالف موضع الابتداء والثاني أنه يصح لأنه يشاهد السمت ، وإن بين الابتداء والانتهاء صح في الدار وأما في الثوب فإنه إن كان مما لا ينقص قيمته

294


295
بالقطع فهو كالدار ، وإن كان مما ينقص لم يصح لأنه شرط إدخال نقص عليه فيما لم يبع من الثوب ، ومن أصحابنا من قال : يصح لأنه رضي بما يدخل عليه من الضرر .

+ الشرح : حديث أبي هريرة رضي الله عنه في النهي عن بيع الغرر صحيح رواه مسلم وسبق بيانه ، وحديث جابر المذكور في الكتاب أنالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثنيا رواه مسلم في صحيحه هكذا من رواية الترمذي والنسائي وزاد نهى عن بيع لثنيا إلا أن يعلم قال الترمذي : هو حديث حسن صحيح ، وهذه الزيادة التي ذكرها الترمذي والنسائي حسنة ، فإنها مبينة لرواية مسلم المذكورة في الكتاب ، وقد سبق بيان القفيز وأن الذراع تؤنث وتذكر ، والتأنيث أفصح وقوله : لأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بقدره احتراز من شرط الثواب في الهبة على أحد القولين ، والله سبحانه وتعالى أعلم . أما الأحكام : فقال الشافعي والأصحاب رحمهم الله : يشترط العلم بمقدار المبيع وهذا لا خلاف فيه للحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر فلو قال بعتك بعض هذه الصبرة أو بعض العبد أو الثوب ونحوه لم يصح بلا خلاف ، لأنه يقع على القليل والكثير أما إذا قال : بعتك صاعا من هذه الصبرة فله حالان أحدهما : أن يعلما مبلغ صيعانها ، فيصح البيع بلا خلاف ، وينزل على الإشاعة ، فإذا كانت الصبرة مائة صاع فالمبيع عشر عشرها ، فلو تلف بعضها تلف بقدره من المبيع ، هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور وحكى إمام الحرمين في تنزيله وجهين أحدهما : هذا والثاني : المبيع صاع من الجملة غير مشاع ، أي صاع كان ، وعلى هذا قالوا : يبقى المبيع ما بقي صاع ، ولو تلف بعضها لم يقسط على المبيع وغيره . الحال الثاني : إن كانا لا يعلمان أو أحدهما مبلغ صيعانها فوجهان أحدهما : وهو اختيار القفال لا يصح البيع كما لو فرق صيعانها ، وقال : بعتك صاعا منها ، فإنه لا يصح على المذهب ، وبه قطع الأصحاب إلا القاضي أبا الطيب فصححه ، وسبق نقله عنه والوجه الثاني : يصح ، وهو المذهب المنصوص ، وبه قطع المصنف وسائر العراقيين ، وطوائف من غيرهم ، لأن المبيع معلوم القدر ، فصار كالبيع بدرهم مطلقا ، فإنه يصح وينزل على النقد الغالب ، ولا يشترط أن يبين صفة الدرهم ولا وزنه ، لكونه معروفا وكذا الصاع ، وفي فتاوي القفال أنه كان إذا سئل عن هذه المسألة يفتى بالصحة مع أنه يعتقد البطلان ، فيقال له فيقول : المستفتي يستفتيني عن مذهب الشافعي رضي الله عنه لا عن

295


296
اعتقادي . فإن قلنا : بالمذهب وهو الصحة فالمبيع صاع منها ، أي صاع كان فلو تلف جميعها إلا صاعا تعين العقد فيه ، والبائع بالخيار إن شاء سلم صاعا من أعلاها ، وإن شاء من أسفلها ، وإن شاء من جوانبها ، ولا يضر كون باطن الصبرة غير مرئي ، لأن رؤية ظاهر الصبرة كرؤية كلها ، وهذا الذي ذكرناه من أنه إذا تلفت إلا صاعا واحدا تعين العقد هو المذهب ، وبه قطع الجمهور منهم إمام الحرمين والروياني والرافعي ، وقال صاحبا العدة والبيان : لا يتعين خلافا لأبي حنيفة . بل يكون مشتركا ، وهذا شاذ باطل ، والصواب الأول قال الروياني : فلو تلفت كلها إلا بعض صاع يسلمه إلى المشتري إن رضيه وسقط من الثمن بقدر ما فات من الصاع والله سبحانه أعلم . فرع : قال الشافعي والأصحاب لو قال : بعتك هذه الصبرة إلا صاعا منها فإن كانت مجهولة الصيعان لم يصح البيع لأن المبيع مجهول القدر ، وليس متميزا حتى تكفي فيه المشاهدة ، وإن كانت معلومة الصيعان صح البيع ونزل على الإشاعة كما سبق . فإن كانت عشرة آصع كان المبيع تسعة أعشارها ، واحتج القفال فيما إذا كانت مجهولة بأنه لا يصح بيع صاع من صبرة حكينا عن اختياره ، قال الغزالي في الوسيط في توجيه قول القفال : أي فرق بين استثناء المعلوم من المجهول والمجهول من المعلوم والإبهام يعمهما ، قال : وفي الفرق غموض واعتراض على الغزالي في هذا بأنه ليس فيه غموض لأن المبيع معلوم المقدار في مسألة بيع صاع من الصبرة ، بخلاف الصبرة إلا صاعا ، والله سبحانه أعلم . فرع : إذا باع الصبرة من الحنطة أو الشعير أو الجوز أو غير ذلك جزافا ولم يعلم واحد منهما قدرها كيلا ولا وزنا ، ولكن شاهداها فالبيع صحيح بلا خلاف عندنا ، ويكفي رؤية ظاهرها لأن الظاهر أن أجزاءها متساوية ، ويشق تقليبها والنظر إلى جميع أجزائها بخلاف الثوب المطوي . قال الشافعي والأصحاب : وكذا لو باع بصبرة من الدراهم جزافا لا يعلم واحد منهما قدرها ، لكنها مشاهدة لهما صح البيع بلا خلاف عندنا ، لكن هل يكره بيع الصبرة جزافا والبيع بصبرة الدراهم جزافا فيه قولان حكاهما الخراسانيون أصحهما : يكره ، وبه قطع المصنف وآخرون . لما فيه من الغرر والثاني : لا يكره لأنها مشاهدة ، وممن حكى القولين من العراقيين صاحب البيان ونقل أصحابنا عن مالك أنه قال إذا علم البائع كيل الصبرة ولم يبينه بطل البيع . فرع : إذا باعه نصف هذه الصبرة أو ثلثها أو ربعها أو عشرها أو غير ذلك من أجزائها

296


297
المعلومة أو باعها إلا نصفها أو ربعها أو غير ذلك من أجزائها المعلومة صح البيع بلا خلاف أما إذا قال : بعتك بعض هذه الصبرة أو نصيبا منها أو أجزاء أو سهما أو ما شئت ، ونحو هذا من العبارات التي ليس فيها قدر معلوم ، فالبيع باطل بلا خلاف ، لأنه غرر ، ولو قال : بعتك هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة على أن أنقصك قفيزا منها جاز ، لأنه باعه تسعة أعشارها . ولو قال : بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم ، أو هذا الثوب كل ذراع بدرهم ، أو هذه الأغنام كل شاة بدرهم ، صح البيع في الجميع كما ذكرنا ، ولا تضر جهالة جملة الثمن لأن الثمن معلوم التفصيل ، والمبيع معلوم بالمشاهدة فانتفى الغرر هذا هو المذهب ، وبه قطع الأصحاب في طرقهم . وحكى الدارمي والرافعي وجها لأبي الحسين ابن القطان أنه لا يصح البيع في شيء في ذلك ، وهذا شاذ ضعيف . ولو قال : بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح ، لأن من للتبعيض ولفظ كل للعدد ، فيصير كأنه قال : بعتك أقفزة من هذه الصبرة ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور . وفيه وجه ضعيف لابن سريج أنه يصح في صاع واحد بدرهم ، حكاه عنه الروياني وآخرون وحكاه الدارمي ، كما قال في نظيره في الإجارة إذا قال : أجرتك من هذه الصبرة كل شهر بدرهم أنه يصح في الشهر الأول بدرهم . ونقل إمام الحرمين في كتاب الإجارة عن الأصحاب أنهم قالوا : إذا قال : بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم لم يصح البيع ، لأنه لم يضف إلى جميع الصبرة ، بخلاف ما لو قال : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم قال : وكان ينبغي أن يفرق فيقال : إن قال : بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم بطل على المذهب ، ويصح قول ابن سريج في صاع واحد ، قال : وكذلك يفرق في الإجارة ، وقد قال بهذا الشيخ أبو محمد الجويني ، فسوى بين قوله : بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم ، وبين قوله : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم ، فصحح البيع في الصورتين في جميع الصبرة ، والمذهب الذي قطع به الجمهور الفرق وهو صحته في : بعتك الصبرة كل صاع بدرهم ، وبطلانه في : بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم ، والله سبحانه أعلم . أما : إذا قال : بعتك عشرة من هذه الأغنام بمائة درهم ، وعلم عدد الشياه فلا يصح البيع بلا خلاف ، بخلاف مثله في الصبرة والثوب والأرض فإنه يصح البيع وينزل على الإشاعة لأن قيمة الشياه تختلف . ولو قال : بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم كل صاع بدرهم ، أو قال مثله في الأرض أو الثوب نظر إن خرج المبيع كما ذكر صح البيع ، وإن كان زائدا أو ناقصا فقولان مشهوران أصحهما : لا يصح البيع لتعذر الجمع بين الأمرين والثاني : يصح لوجود الإشارة إلى الصبرة ويلغو الوصف ، فعلى هذا إن خرج ناقصا فللمشتري الخيار ، فإن أجاز فوجهان أصحهما : يخير

297


298
بقسط الموجود ، لأنه قابل كل صاع بدرهم والثاني : يخير بجميع الثمن لأنه قابل الجملة به ، وإن خرج زائدا فلمن تكون الزيادة فيه وجهان أصحهما : للمشتري ، فعلى هذا لا خيار له قطعا ، ولا للبائع على أصح الوجهين والثاني : يكون للبائع ، فعلى هذا لا خيار له في ثبوته للمشتري وجهان أصحهما : ثبوته ، والله سبحانه وتعالى أعلم . فرع : لو الصبرة على موضع من الأرض فيه ارتفاع وانخفاض فباعها وهي كذلك ، أو باع السمن أو نحوه في ظرف مختلف الأجزاء رقة وغلظا ، ففيه ثلاثة طرق أصحها : أن في صحة البيع قولي بيع الغائب ، لأنه لم يحصل رؤية تفيد المعرفة والثاني : القطع بالصحة والثالث : القطع بالبطلان وهذا ضعيف ، قال الرافعي : وهو ضعيف وإن كان منسوبا إلى المحققين فإن قلنا : بالصحة فوقت الخيار هنا معرفة مقدار الصبرة أو التمكن من تخمينه برؤية ما تحتها وإن قلنا بالبطلان فلو باع الصبرة والمشتري يظنها على أرض مستوية ، فبان تحتها دكة ، فهل يتبين بطلان البيع فيه وجهان أصحهما : لا ، بل هو صحيح ، وللمشتري الخيار كالعيب والتدليس ، وبهذا قطع صاحب الشامل وغيره والثاني : يبطل ، وهو اختيار الشيخ أبي محمد لأن معرفة المقدار تخمينا أو تحقيقا شرط ، وقد تبينا فواتها . فرع : قال أصحابنا : إذا قال : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم على أن أزيدك صاعا ، فإن أراد بذلك هبة فباع لم يصح ، لأنه شرط عقد في عقد ، وإن أراد بيعه فباع آخر من غير الصبرة لم يصح ، لأنه إن كان الصاع مجهولا فهو بيع مجهول ، وإن كان معلوما لم يصح إذا كانت الصبرة مجهولة الصيعان ، لأنا نجعل تفصيل الثمن وجملته ، وإن أراد أنه يزيده صاعا من هذه الصبرة وأنها إن خرجت عشرة آصع كان الثمن تسعة دراهم ، فينظر إن كانت الصبرة مجهولة الصيعان لم يصح البيع بلا خلاف . لأنه لا يعلم حصة كل صاع . وإن كانت معلومة الصيعان فوجهان مشهوران في كتب العراقيين حكاهما الشيخ أبو حامد ومتابعوه وغيرهم أصحهما : يصح ، وبهذا قطع إمام الحرمين والغزالي والبغوي والرافعي ومعظم الخراسانيين ، وإذا كانت عشرة آصع فقد باعه كل صاع وتسع صاع بدرهم والثاني : لا يصح ، رجحه الشيخ أبو حامد والروياني ، وادعى الروياني أن العراقيين كلهم جزموا به سوءا القاضي أبي الطيب ، وغلط في هذه الدعوى فالخلاف مشهور في ذلك في كتب العراقيين كالشيخ أبي حامد والماوردي والمحاملي وغيرهم ، والمذهب الصحة . وإن قال : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم على أن أنقصك صاعا فإن أراد رد صاع إليه فالبيع

298


299
باطل ، وإن أراد أنها إن خرجت تسعة آصع أخذت منك عشرة دراهم ، فإن كانت الصيعان مجهولة ، لم يصح البيع بلا خلاف وإن كانت معلومة فوجهان الصحيح : الذي قطع به العراقيون والجمهور وغيرهم صحة البيع ، فإذا كانت تسعة آصع فقد باع كل صاع بدرهم وتسع والثاني : لا يصح لقصور العبارة عن الحمل المذكور ، حكاه الرافعي . ولو قال : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم على أن أزيدك صاعا أو أنقصك صاعا ولم يبين أنه ينقصه أو يزيده لا يصح البيع بلا خلاف ، قال الروياني : ولو قال : بعتكها كل صاع بدرهم على أن تهب لي منها صاعا لم يصح لأنه شرط هبة البائع ، وإن أراد أن الثمن بجملته يقابل جميع الصبرة إلا صاعا منها وهي معلومة الصيعان صح البيع ، ويصير كأنه باع كل صاع بدرهم وتسع درهم ، أعني إذا كانت عشرة آصع ، فإن أراد أنه يأخذ جميع الصيعان العشرة ويعطيه أحد عشر درهما جاز أيضا إذا كانت معلومة ، وإن قال : أزيدك من غيرها لم يصح بكل حال للجهالة . قال : فلو قال : بعتك هذا الثوب أو الأرض كل ذراع بدرهم على أن أزيدك ذراعا أو قال : على أن أنقصك ذراعا فحكمه حكم نظيره من الصبرة . فرع : لو كانت له صبرة بعضها حنطة وبعضها شعير مختلط ، وباع جميعها جزافا جاز ، لأن المبيع مشاهد ، وإن باع صاعا منها ، فإن كانت الحنطة والشعير سواء جاز قطعا وإلا فوجهان ، حكاهما الروياني أصحهما : الجواز . فرع : لو كان له صبرة ، ولآخر صبرة ، فقال : بعتك من صبرتي بقدر صبرتك بدينار ، لم يصح البيع ، نص عليه الشافعي في كتاب الصرف واتفقوا عليه . فرع : فيما إذا كان المبيع فيما لا تتساوى أجزاؤه ، كالأرض والدار والثوب ، ففيه مسائل : إحداها : إذا قال : بعتك هذه الدار كل ذراع بدرهم جاز سواء علما ذرعانها أم لا ، كما قلنا في بيع الصبرة كل صاع بدرهم ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وقال الماوردي : إن علما ذرعانها صح وإلا فوجهان أحدهما : وهو قول أصحابنا البصريين يجوز كالصبرة والثاني : وهو قول أصحابنا البغداديين لا يجوز ، للجهل بجملة الثمن ، قال الروياني : لعله أراد بالبغداديين بعضهم . أما : إذا قال : بعتك ربع هذه الدار أو ثلثها ، فيصح قطعا ، سواء علما ذرعانها أم لا ، وإن قال : بعتك من هذه الدار كل ذراع بدرهم لم يصح قطعا ولا يجىء فيه الوجه السابق في نظيره من الصبرة عن ابن سريج أنه يصح في صاع واحد ، لأن أجزاء الدار تختلف بخلاف الصبرة ، ولو قال : بعتك من هذه

299


300
الدار عشرة أذرع كل ذراع بدرهم ، فإن كانت ذرعانها مجهولة لهما أو لأحدهما لم يصح البيع بلا خلاف ، بخلاف نظيره من الصبرة ، فإنه يصح على الأصح ، والفرق ما ذكرناه الآن من اختلاف أجزاء الدار دون الصبرة ، وإن كانت ذرعانها معلومة لهما صح البيع عندنا ، وحمل على الإشاعة ، فإذا كانت مائة ذراع كان المبيع عشرها مشاعا . وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة : لا يصح ، وهو وجه لبعض أصحابنا حكاه الرافعي والصحيح : المشهور الصحة ، وبه قطع الأصحاب قال إمام الحرمين : إلا أن يقصد أذرعا معينة فيبطل البيع كشاة من القطيع . ولو اختلفا فقال المشتري : أردت الإشاعة فالعقد صحيح ، فقال البائع : بل أردت معينا ففيمن يصدق احتمالات أرجعهما يصدق البائع . لأنه أعلم بنيته وهذا بخلاف ما لو اختلفا في شرط مفسد للعقد ، فإن الأصح تصديق مدعى الصحة ، لأنه ليس هناك مرجح ، والظاهر جريان عقود المسلمين صحيحة وأما هنا فيترجح جانب الناوي ، لأنه أعلم بنيته والله سبحانه أعلم . الثانية : إذا قال في الدار أو الأرض : بعتك من هنا إلى هنا يصح البيع بلا خلاف ، وإن وقف في وسطها فقال : بعتك أذرعا ابتداؤها من هنا ولم يبين إلى أي جهة تذرع ، لم يصح بلا خلاف ، لأنه يختلف ويتفاوت به الغرض وإن قال : ابتداؤها من هنا إلى هذه الجهة في جميع العرض . ولم يبين إلى أين ينتهي فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب أصحهما : الصحة وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي ابن أبي هريرة ، وصححه الأكثرون ومنهم الرافعي وغيره لانتفاء الغرر والثاني : لا يصح لأنه قد ينتهي الذرع إلى موضع يخالف الابتداء ، وصحح الروياني في البحر هذا . الثالثة : إذا باع ذراعا أو أذرعا من ثوب ، فإن كانت ذرعانه معلومة لهما صح البيع ونزل على الإشاعة ، فإن كان باعه ذراعا والجملة عشرة كان المبيع العشر شائعا كما سبق في الصبرة وفي الأرض والدار . هذا هو المذهب ، وفيه الوجه الشاذ السابق في الدار والأرض والصبرة أنه لا يصح البيع والصواب الأول . وإن كانت ذرعانه مجهولة لهما أو لأحدهما نظر إن كان الثوب مما لا تنقص قيمته بالقطع كالكرباس الغليظ ونحوه فوجهان حكاهما الشيخ أبو محمد الجويني وإمام الحرمين والغزالي ومن تابعهم أصحهما : وبه قطع المصنف والجمهور : يصح البيع كبيع أذرع من أرض وصيعان من صبرة والثاني : لا يصح ، لأنه لا يلزم منه تغيير عين المبيع ، وإن كان تنقص قيمته بالقطع فوجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب الصحيح : المنصوص أنه لا يصح لأنه شرط إدخال نقص في عين المبيع والثاني : يصح لأنه رضي بالضرر ، وهذا الوجه قول ابن سريج واختاره صاحب التقريب القاسم بن القفال الشاشي ، وقاسوه على بيع ذراع من

300


301
الدار وعلى بيع أحد زوجي الخف فإنه يصح ، وإن نقصت قيمتها بتقدير التفريق والفرق أن ذلك النقص ليس في نفس الخف بخلاف مسألتنا . وإذا جمعت صورتي الثوب قلت : إذا باع ذراعا من ثوب مجهول الذرعان فثلاثة أوجه أحدها : الصحة والثاني : البطلان وأصحهما : إن لم تنقص قيمته بالقطع صح ، وإلا فلا ، وطريق من أراد شراء ذراع من ثوب حيث قلنا : لا يصح أن يواطىء صاحبه على شرائه ، ثم يقطع قبل الشراء ، ثم يشتريه بعد قطعه ، فيصح بلا خلاف ، والله تعالى أعلم . فرع : إذا باع جزءا شائعا من سيف أو سكين أو إناء أو نحوها ، صح بلا خلاف ، وصار مشتركا ، ولو عين بعضه وباعه لم يصح ، هكذا قطع به اوصحاب ، قال الرافعي : القياس أن يجيء فيه الوجهان السابقان في ذراع من ثوب ينقص بالقطع أما إذا باع جزءا معينا من جدار أو أسطوانة ونحوها فإن كان فوقه شيء لم يصح ، لأنه لا يمكن تسليمه إلا بهدم ما فوقه ، وإن لم يمكن نظر إن كان قطعة واحدة من طين أو خشب أو غيرهما لم يصح ، وإن كان من لبن أو آجر جاز ، هكذا أطلقه صاحب التلخيص ، قال الرافعي : وهو محمول عند الأصحاب على ما إذا جعلت النهاية صنفا من الآجر أو اللبن دون ما إذا جعل المقطع نصف سمكها ، قال الرافعي : وفي تجويزه إذا كان من آجر أو لبن إشكال ، وإن جعلت النهاية ما ذكروه لأن موضع الشق قطعة واحدة ولأن رفع بعض الجدار ينقص قيمة الباقي فليفسد البيع ولهذا قالوا : لو باع جذعا في بناء لم يصح البيع لأن النقص يحصل بالهدم قال : ولا فرق بين الجذع والآجر وكذا الحكم لو باع فصا في خاتم . فرع : قال أصحابنا إذا قال : بعتك ثمرة هذا البستان بثلاثة آلاف درهم إلا ما يخص ألفا إذا وزعت الثمرة على ثلاثة آلاف صح البيع ، ويكون قد استثنى ثلثها ، فيحصل البيع في ثلثها بثلاثة آلاف ، ولو قال : بعتكها بأربعة آلاف إلا ما يخص ألفا صح البيع في ثلاثة أرباعها بأربعة آلاف ، ولو قال : إلا ما يساوي ألفا لم يصح البيع لأن ما يساوي الألف مجهول . فرع : لو قال : بعتك ملء هذا الكوز من هذه الصبرة ففي صحة البيع وجهان أحدهما : لا يصح كما لو أسلم في ملئه وأصحهما : الصحة ، لأنه لا غرر فيه في صورة البيع ، ولو عين في البيع أو السلم مكيالا معتادا فوجهان أحدهما : يفسد البيع والسلم ، لاحتمال تلفه وأصحهما : الصحة في البيع والسلم ، ويلغو تعيينه كسائر الشروط التي لا غرض فيها ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

301


302

قال المصنف رحمه الله تعالى : وإن قال : بعتك هذا السمن مع الظرف كل منا بدرهم نظرت فإن لم يعلما مقدار السمن والظرف لم يجز ، لأن ذلك غرر ، لأن الظرف قد يكون خفيفا ، وقد يكون ثقيلا ، وإن علما وزنهما جاز ، لأنه لا غرر فيه .

+ الشرح : المنا على وزن العصا هو رطلان بالبغدادي ، وفيه لغة ضعيفة من بتشديد النون ، قال أصحابنا : في بيع السمن في الظرف مسائل : إحداها : إذا كان السمن أو الزيت أو غيرهما من الأدهان ونحوها مما لا يختلف في ظرف ، فرآه ثم اشترى منه رطلا أو أرطالا صح البيع ، كما سبق بيانه في مسائل الصبرة . هكذا قطعوا به ، ويجيء فيه الوجه السابق عن القفال في بيع صاع من الصبرة ، وقد أشار إليه صاحب التتمة . الثانية : إذا رآه ثم اشتراه مع ظرفه بعشرة دراهم مثلا صح البيع ، سواء كان ظرفه من فخار أو خشب أو حديد أو نحاس ، أو كان زقا ، وسواء عرفا وزنهما أم لا ، هذا هو المذهب ، وبه قطع الجمهور ، قال الروياني : وحكى بعض أصحابنا الخراسانيين قولين فيما إذا لم يعلما الوزن ، قال : وليس هذا بشيء ، ولو اشترى نصفه أو ربعه صح . الثالثة : إذا قال : بعتك جميع هذا السمن كل رطل بدرهم صح البيع ، ويوزن السمن في شيء آخر ، ويوزن في ظرفه ثم يسقط وزن الظرف بعد تفريغه ، هكذا قطع به الأصحاب ، وينبغي أن يجىء فيه الوجه السابق عن أبي الحسين بن القطان في مثله في الصبرة . الرابعة : إذا قال : بعتكه كل رطل بدرهم على أن يوزن معه الظرف ، ثم يحط وزن الظرف ، صح البيع بالاتفاق كالصورة التي قبلها ، لأنها هكذا تباع في العادة ، ولأنه لا غرر . الخامسة : إذا قال : بعتك هذا السمن كل رطل بدرهم على أن يوزن الظرف معه ويحسب على المشتري وزنه ، ولا يكون الظرف مبيعا ، فالبيع باطل باتفاق الأصحاب ، لأنه شرط في بيع السمن أن يزن معه غيره ، وليس ذلك الوزن معه مبيعا فلم يصح ، كما لو قال : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم على أن أكيل معها شعيرا ، هكذا أطلقه الأصحاب ، ولم يفرقوا بين أن يعلما وزن الظرف أم لا ، قال ابن الصباغ : وينبغي أن يجوز إذا علما وزن الظرف والسمن ، ويكون كقوله : بعتك الصبرة على أن أنقصك صاعا وأحسب ثمنه عليك ، وهي معلومة الصيعان ، لأنه لا غرر حينئذ ، وحكى المتولي هذا وجها لبعض الأصحاب ، وحكى الروياني كلام الأصحاب ثم حكى كلام ابن الصباغ عن بعض الأصحاب ، ولم يسمه ، ومراده ما نقله المتولي أو ما قاله ابن الصباغ فهو كثير النقل عنهما . السادسة : إذا قال : بعتك هذا السمن بظرفه ، كل رطل من المجمد بدرهم فثلاثة أوجه أصحها : عند الجمهور وأشهرها ، وبه قطع المصنف والشيخ أبو حامد

302


303
والماوردي والقاضي أبو الطيب في المجرد ، وجمهور سائر العراقيين وصححه المتولي وآخرون ، أنهما إن علما وزن كل واحد صح البيع ، وإلا فلا لما ذكره المصنف والثاني : يصح مطلقا وهو الأصح عند البغوي ، وبه قال الدارمي ، واختاره ابن الصباغ ، لأن جملة المبيع مرئية ، ولا يضر اختلاف قيمتها ، كما لو اشترى فواكه من أجناس وهي مختلطة وزنا أو حنطة مختلطة بالشعير كيلا ، فإنه يصح والثالث : أنه لا يصح مطلقا حكاه البغوي وغيره ، لأن المقصود السمن ، وهو مجهول بخلاف الفواكه ، فإنها كلها مقصودة ، قال أصحابنا : وصورة المسألة أن يكون للظرف قيمة ، فإن لم يكن له قيمة لم يصح البيع بلا خلاف ، لأنه شرط عليه ما لا قيمة له وأخذ الثمن في مقابلة وزنه . السابعة : إذا قال : بعتك هذا السمن بعشرة على أن أزنه بظرفه ، ثم أسقط الثمن بقسط وزن الظرف ، قال الروياني والأصحاب : إن كانا عند العقد عالمين قدر وزن الظرف وقدر قسطه صح البيع ، وإن جهلاه أو أحدهما لم يصح ، لأنهما لا يعلمان هل يكون المسقط درهمين فيكون الثمن عشرة أو أقل أو أكثر ، فصار الثمن مجهولا ، قالوا : وهذا بخلاف ما لوقال : بعتك هذا السمن كل رطل ثم أظرف ، كذا وزن الظرف ، فإنه يصح كما سبق ، لأن حاصله بيع السمن جميعه ، كل رطل بدرهم ، فلا يضر جهالة وزن الظرف . فرع : ذكرنا أنه إذا اشترى السمن ونحوه مع ظرفه جزافا صح البيع هكذا أطلقه الجمهور ، قال القاضي حسين والمتولي : هذا إذا كانا قد شاهدا الظرف فارغا ، وعرفا قدر ثخانته أو كانت ثخانته معلومة بالعادة ، وإن كان الظرف مما تختلف ثخانته وتتفاوت لم يصح البيع ، لأنه لو باع السمن وحده والحالة هذه لم يصح البيع للجهل بقدره ، فإذا باعهما فأولى بالبطلان . قال القاضي حسين : ولو كان الظرف يستوفيه ورأى أعلاها فإن كانت جوانبها مستترة لم يصح البيع وإن كانت مكشوفة ولكن أسفلها مستتر ، قال الأصحاب : لا يصح ، قال القاضي : وعندي أنه يصح ، لأنه يستدل بالجوانب على الأسفل لأن الغالب استواؤهما فإن خرج أغلظ من الجوانب ثبت الخيار ، كما لو اشترى صبرة فخرج تحتها دكة . فرع : قال البغوي والأصحاب : لو قال : بعتك المسك مع فأرته ، كل مثقال بدينار ، فهو كبيع السمن بظرفه كل رطل بدرهم ، ويجىء فيه باقي المسائل .

303


304
فرع : قد ذكرنا أنه إذا باع السمن مع ظرفه جزافا صح البيع ، قال أصحابنا : ولو باع لبنا مخلوطا بالماء لم يصح بلا خلاف ، والفرق أن المقصود وهو اللبن غير متميز ولا معلوم وأما هنا فالمقصود السمن ، وهو متميز ، فصار كما لو باع عبدا وعليه ثوب مع الثوب ، فإنه يصح بالإجماع . فرع : إذا اشترى جامدا في ظرفه كالدقيق والحنطة والتمر والزبيب وغير ذلك موازنة ، كل رطل بدرهم ، بشرط أن يوزن مع ظرفه ، ثم يسقط قدر وزن الظرف ، فوجهان حكاهما الماوردي والروياني أحدهما : لا يصح البيع ، لأن الجامد لا يحتاج إلى وزنه مع ظرفه ، لإمكان وزنه بدونه ، قالا : وإلى هذا ميل أبي إسحاق المروزي والثاني : يصح وهذا مقتضى كلام جمهور الأصحاب ، وهو الصواب إذا لا مفسدة فيه ولا غرر ولا جهالة . فرع : إذا اشترى سمنا أو غيره من المائعات أو غيرها في ظرفه ، كل رطل بدرهم مثلا ، على أن يوزن بظرفه ، ويسقط أرطال معينة بسبب الظرف ، ولا يوزن الظرف فالبيع باطل بلا خلاف ، لأنه غرر ظاهر ، وهذا من المنكرات المحرمة التي تقع في كثير من الأسواق .

قال المصنف رحمه الله تعالى : واختلف أصحابنا في بيع النحل في الكندوج فقال أبو العباس : يجوز بيعه لأنه يعرف مقداره حال دخوله وخروجه ، ومن أصحابنا من قال : لا يجوز ، وهو قول أبي حامد الإسفرايني لأنه قد يكون في الكندوج مالا يخرج ، وإن اجتمع فرخه في موضع ، وشوهد جميعه جاز بيعه لأنه معلوم مقدور على تسليمه ، فجاز بيعه .

+ الشرح : الكندوج بكاف مضمومة ثم نون ساكنة ثم دال مهملة مضمومة ثم واو ثم جيم وهو الخلية ، وهو عجمي معرب ، والخلية عربية ، ويقال لها الكوارة أيضا ، قال أصحابنا : بيع النحل في الجملة جائز ، لأنه جيوان طاهر منتفع به ، فأشبه الحمام ، فإن كان فرخه مجتمعا على غصن أو غيره وشاهده كله صح بيعه بلا خلاف عندنا ، فإن كان في الخلية ولم يره في دخوله وخروجه فهو من بيع الغائب ، وقد سبق بيانه فيفرق بين أن يصفه أو لا يصفه ، فإن رآه في دخوله وخروجه ولم يعرف أنه خرج جميعه وقلنا : لا يجوز بيع الغائب ففي بيعه والحالة هذه وجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما الأصح : الصحة ، لأنه يعرف غالبا ولأن الحاجة تدعو إليه ولا تمكن رؤيته مجتمعا إلا في لحظة لطيفة في نادر من الأحوال فلو اشترطت رؤيته مجتمعا لامتنع بيعه غالبا ، وفي ذلك حرج

304


305
والثاني : لا يصح ، وصححه الروياني وصاحب الانتصار . فلو طار ليرعى فباعه وهو طائر ، وعادته أن يعود في آخر النهار كما هو الغالب ، وقد رآه قبل طيرانه ، ففي صحة بيعه وجهان ، حكاهما الماوردي والروياني وآخرون أحدهما : لا يجوز بيعه ، وبه قطع البغوي لأنه غير مقدور عليه في الحال ، فلم يصح بيعه ، كالحمام وغيره من الطير الألوف إذا باعه في حال طيرانه وأصحهما يصح ، وبه قال ابن سريج قطع به المتولي لأن الغالب عوده إلى موضعه ، فجاز بيعه كعبد خرج لقضاء شغل ، ويخالف سائر الطيور ، لأنه يمكن إمساكها وحبسها عن الطيران بالعلف في برجها وأما النحل فلا بد من الطيران ليرعى ، ولو حبس عنه تلف ، ولا يمكن الانتفاع به إلا إذا طار واجتنى ما يحصل به العسل ، والطير يمكن الانتفاع به محبوسا ، والله سبحانه أعلم . فرع : في مذاهب العلماء في أصل بيع النحل ، ذكرنا أن مذهبنا ، جوازه وبه قال أحمد ومحمد والحسن ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز كالزنبور والحشرات واحتج أصحابنا بأنه حيوان طاهر منتفع به ، فجاز بيعه كالشاة بخلاف الزنبور والحشرات فإنه لا منفعة فيها ، والله سبحانه أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع الحمل في البطن ، لما روي ابن عمر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المجر والمجر اشتراء ما في الأرحام ، ولأنه قد يكون حملا وقد يكون ريحا ، وذلك غرر من غير حاجة ، فلم يجز ، ولأنه إن كان حملا فهو مجهول القدر ، ومجهول الصفة ، وذلك غرر من غير حاجة ، فلم يجز ، وإن باع حيوانا وشرط أنه حامل ففيه قولان أحدهما : أن البيع باطل ، لأنه مجهول الوجود مجهول الصفة والثاني : أنه يجوز لأن الظاهر أنه موجود ، والجهل به لا يؤثر ، لأنه لا تمكن رؤيته فعفى عن الجهل به كأساس الدار .

+ الشرح : حديث ابن عمر رواه البيهقي ، وأشار إلى تضعيفه وضعفه يحيى بن معين والمجر بميم مفتوحة ثم جيم ساكنة ثم راء وهو بيع الجنين ، كما فسره المصنف ، وأجمع العلماء على بطلان بيع الجنين ، وعلى بطلان بيع ما في أصلاب الفحول ، نقل الإجماع فيهما ابن المنذر والماوردي وغيرهما ، لأنه غرر وللأحاديث ، ولما ذكره المصنف أما إذا باع حيوانا من شاة أو بقرة أو ناقة أو فرس أو جارية أو غيرها وشرط أنها

305


306
حامل ففي صحة البيع خلاف مشهور ، حكاه المصنف والجمهور قولين ، وحكاه جماعة وجهين ، ودليلهما في الكتاب أصحهما : عند الأصحاب الصحة والثاني : البطلان . وقيل : يصح في الجارية قولا واحدا ، حكاه الروياني وآخرون ، قالوا : لأن الحمل في الجارية عيب ، فيكون إعلاما بالعيب والمشهور أنها على القولين . قال أصحابنا : هما مبنيان على القولين المشهورين في أن الحمل هل يعرف أم لا أصحهما : يعرف ، وله حكم ، وله قسط من الثمن والثاني : لا يعرف ، ولا حكم له ، ولا قسط من الثمن ، وقد ذكر المصنف القولين في آخر الباب الأول من كتاب البيوع ، وسبق شرحهما هناك وإن قلنا : يعرف صح هنا ، وإلا فلا . أما : إذا قال : بعتك هذه الجارية وحملها أو هذه الشاة وحملها أو مع حملها أو بعتك هذه الشاة وما في ضرعها من اللبن ، فوجهان مشهوران أصحهما : لا يصح البيع ، وبه قال ابن الحداد والشيخ أبو علي السنجي ، لأنه جعل المجهول مبيعا مع المعلوم ، بخلاف البيع بشرط أنها حامل ، فإنه وصف بائع فاحتمل والثاني : يصح ، وبه قال الشيخ أبو زيد ، ونقله في البيان عن الأكثرين ، لأنه يدخل عند الإطلاق في البيع فلا يضر ذكره ، بل يكون توكيدا وبيانا لمقتضاه : قال هؤلاء : وهذا كما لو قال : بعتك هذه الرمانة وحبها ، أو هذا الجوز ولبه ، فإنه يصح قطعا ، مع أنه لو أفرد اللب بالبيع لم يصح ، قال القاضي أبو الطيب : وينبغي أن يطرد الخلاف في مسألتي الرمانة والجوز أيضا والمذهب : الجزم بالصحة فيهما . وأما : إذا قال : بعتك هذه الجبة وحشوها أو بحشوها فطريقان أحدهما : أنه على الوجهين في قوله : بعتك الشاة وحملها والثاني : يصح قولا واحدا وأصحهما : الصحة قطعا . لأن الحشو داخل في مسمى الجبة ، فيكون ذكره توكيدا للفظ الجبة بخلاف الحمل ، ولأن الحشو متيقن بخلاف الحمل فإذا قلنا : بالبطلان في هذه الصور قال أبو علي السنجي : يكون في مسألة الجبة في صحة البيع ، في الظهارة والبطانة قولا تفريق الصفقة ، وفي صورة الجارية والشاة يبطل البيع في الجميع ، لأن الحشو يمكن معرفة قيمته ، قال إمام الحرمين : هذا التفصيل حسن ، قال أصحابنا : ولو باع حاملا وشرط وضعها لرأس البيع لم يصح بلا خلاف ، واستدل له صاحب الشامل والأصحاب بأنه شرط لا يقدر على الوفاء به ، قال أصحابنا : وبيض الطير كحمل الجارية والدابة في كل ما ذكرناه . فرع : قال أصحابنا لو باع بشرط أنها لبون فطريقان مشهوران أصحهما : أنه على القولين في البيع بشرط الحمل ، لكن الصحة هنا أقوى والطريق الثاني : يصح قطعا ، لأن

306


307
هذا شرط صفة فيها لا يقتضي وجود اللبن حالة العقد ، فهو كشرط الكتابة في العبد ، فإن شرط كون اللبن في الضرع في الحال كان فيه القولان في شرط الحمل أصحهما : الصحة ، ولو شرط كونها تدر كل يوم قدرا معلوما من اللبن بطل البيع بلا خلاف ، لأن ذلك لا يمكن معرفته ، ولا ضبطه فلم يصح كما لو شرط في العبد أن يكتب كل يوم عشر ورقات . فرع : إذا شرط كونها حاملا أو لبونا وصححنا البيع فلم يجدها كذلك ثبت الخيار بلا خلاف ، كما لو شرط أن العبد كاتب فاختلف . فرع : قد ذكرنا أن بيع الحمل باطل بالإجماع ، قال أصحابنا : سواء باعه لمالك الأم أو لغيره ، بخلاف ما إذا باع الثمرة قبل بدو الصلاح لمالك الشجرة ، فإنه يصح البيع على أحد الوجهين ، لأن الثمرة متيقنة الوجود ، معلومة الصفات بالمشاهدة بخلاف الحمل . فرع : إذا باع حاملا بيعا مطلقا دخل الحمل في البيع بالإجماع ، ولو باعها إلا حملها لم يصح البيع على الصحيح ، وبه قطع المصنف في الفصل الأخير من هذا الباب وجمهور الأصحاب ، كما لو باعها إلا عضوا منها ، فإنه لا يصح باتفاق ، وحكى إمام الحرمين وغيره فيه وجهين ، والمذهب ولو كانت الأم لإنسان ، والحمل لآخر بالوصية ونحوها ، فباع الأم لمالك الحمل أو لغيره ، أو باع جارية حاملا بحر ، فطريقان أصحهما : وبه قطع الجمهور لا يصح البيع ، لأنه لا يدخل في البيع ، فيصير كأنه استثناه والثاني : فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين والغزالي ، واختار الصحة ، وصرح الغزالي في مواضع كثيرة من الوسيط أن الأصح صحة بيع الجارية الحامل بحر ، وليس كما قال ، بل الصحيح الذي قطع به الجماهير بطلان بيعها ، ولو باع سمسما واستثنى لنفسه منه الكسب ، أو باع قطنا واستثنى لنفسه من الخشب ، فالبيع باطل بلا خلاف . ولو باع شاة لبونا واستثنى لبنها ، لم يصح البيع على المذهب وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه شاذ ضعيف جدا أنه يصح ، حكاه الرافعي وجعله صاحب الشامل احتمالا لنفسه ، قال : لأنه يمكن تسليم الأصل دونه بأن يخليه في الحال ، بخلاف الحمل . فرع : إذا قلنا بالمذهب إنه لا يجوز بيع الجارية دون حملها إذا كانت الأم لواحد والولد لآخر ، فوكلا رجلا ليبيعهما معا بصفقة واحدة ، أو وكل أحدهما الآخر في بيع ملكه فباعها ، لم يصح البيع ، ذكره الروياني ، وغيره ، قالوا : لأنه لا يملك العقد بنفسه ، فلا يصح توكيله فيه .

307


308
فرع : قال الشافعي في كتاب الصرف : لا خير في أن يبيع الدابة ويشترط عقاقها ، قال أصحابنا وغيرهم : العقاق بكسر العين الحمل ، وهو أحد القولين ، وهو منع بيعها بشرط الحمل ، هكذا أطبق أصحابنا على تفسيره ، ويجوز أن يفسر بأنه شرط استثناء حملها للبائع . فرع : ذكر أصحابنا هنا النهي المشهور عن بيع الملاقيح والمضامين ، قالوا : والملاقيح بيع ما في بطون الحوامل من الأجنة ، والمضامين ما في أصلاب الفحول من الماء هكذا فسره أصحابنا وجماهير العلماء وأهل اللغة ، وممن قاله من أهل اللغة أبو عبيدة ، وأبو عبيد ، والأزهري ، والهروي ، والجوهري ، وخلائق لا يحصون ، قال مالك بن أنس وصاحبا المجمل والمحكم : المضامين ما في بطون الإناث ، وهذا ضعيف ، لأنه يكون مكررا مع الملاقيح ، قال العلماء : وواحدة الملاقيح ملقوحة وأما المضامين فواحدها يجوز أن يكون مضمانا ومضمونا الأول كمقدام ومقاديم ، والآخر كمجنون ومجانين ، وقد أشار إلى الأول صاحب المحكم ، وإلى الثاني الأزهري سميت بذلك لأن الله تعالى أودعها ظهورها فكأنها ضمتها .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع اللبن في الضرع ، لما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لا تبيعوا الصوف على ظهر الغنم ، ولا تبيعوا اللبن في الضرع ولأنه مجهول القدر ، لأنه قد يرى امتلاء الضرع من السمن فيظن أنه من اللبن ولأنه مجهول الصفة لأنه قد يكون اللبن صافيا ، وقد يكون كدرا ، وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز .

+ الشرح : هذا الأثر عن ابن عباس صحيح ، رواه الدارقطني والبيهقي ، وروياه عنه مرفوعا بإسناد ضعيف قال البيهقي : تفرد برفعه عمر بن فروخ ، وليس بقوي ، قال : والمحفوظ أنه موقوف واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على بطلان بيع اللبن في الضرع ، لما ذكره المصنف ،

308


309
ولأنه لا يمكن تسليمه حتى يختلط بغيره مما يحدث ، وهذه العلة هي المرضية عند إمام الحرمين ، فلو قال : بعتك من اللبن الذي في ضرع هذه الشاة أو البقرة رطلا فطريقان المذهب : بطلانه ، وبه قطع الأكثرون لأنه مجهول ، ولأنه يتيقن وجود ذلك القدر والطريق الثاني : فيه قولا بيع الغائب ، حكاه المتولي وغيره . ولو حلب شيئا من اللبن فأراه ثم قال : بعتك رطلا مما في الضرع ، فوجهان مشهوران في كتب الخراسانيين ذكرهما القاضي حسين وإمام الحرمين والفوراني والروياني وآخرون أحدهما : يصح ، كما لو رأى أنموذجا من خل أو لبن في إناء وأصحهما : لا يصح ، لأنه يختلط بغيره مما يدر في الضرع لحظة بلحظة ، صححه القاضي حسين والروياني وآخرون ، ولوقبض قدرا من الضرع وأحكم شده ثم باع ما فيه فقد ذكر الغزالي في الوسيط في صحته وجهين ، وهذا نقل غريب لا يكاد يوجد لغيره والصحيح : بطلان هذا البيع . فرع : أجمع المسلمون على جواز بيع حيوان في ضرعه لبن ، وإن كان اللبن مجهولا ، لأن تابع للحيوان ، ودليله من السنة حديث المصراة . فرع : في مذاهب العلماء في بيع اللبن في الضرع ، قد ذكرنا أن مذهبنا بطلانه ، وبه قال جمهور العلماء منهم ابن عباس وأبو هريرة ومجاهد والشعبي وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة وأبو ثور وابن المنذر ، وقال طاوس : يجوز بيعه كيلا ، وقال سعيد بن جبير : يجوز بيعه ، وقال الحسن البصري : يجوز شراء لبن الشاة شهرا ، ومثله عن مالك ومحمد ابن مسلمة المالكي ، قالوا : لأنه معلوم القدر والصفة في العادة ، وقاسوه على ما إذا استأجر امرأة للإرضاع شهرا ، فإنه يصح ويستحق اللبن ، واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف وذكرناه من الأثر عن ابن عباس وكونه مجهولا مختلفا مع الحديث الصحيح في النهي عن بيع الغرر وأما قولهم : معلوم القدر والصفة في العادة فغير مسلم ، والفرق بينه وبين استئجار المرأة للإرضاع أن الحاجة تدعو إلى استئجارها بخلاف مسألتنا ، والله أعلم .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم لقول ابن عباس ، ولأنه قد يموت الحيوان قبل الجز فيتنجس شعره ، وذلك غرر من غير حاجة فلم يجز ، ولأنه لا يمكن تسليمه إلا باستئصاله من أصله ، ولا يمكن ذلك إلا بإيلام الحيوان وهذا لا يجوز .

+ الشرح : قوله : لقول ابن عباس يعني المذكرو في الفصل قبله ، قال الشافعي

309


310
والأصحاب : لا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم ، لما ذكره المصنف ، سواء شرط جزه في لحال أم لا ، هذا هو المذهب والمنصوص ، وبه قطع الجماهير ، وفيه وجه أنه يجوز بشرط الجز في الحال ، حكاه الرافعي ، وهو شاذ ضعيف ، ولو قبض على كفلة من الصوف وهي قلعة جمعها وقال : بعتك هذه ، صح بلا خلاف ، كذا قاله إمام الحرمين والغزالي ، كما لو باع شجرة في أرض قال الغزالي : وفيه احتمال لأنه يتغير به عين المبيع ، بخلاف الأرض ، فإنها لا تتغير بقطع الشجر وغيره . فرع : اتفق أصحابنا على جواز بيع الصوف على ظهر الحيوان المذبوح لأن استبقاءه بكماله يمكن من غير ضرر ، بخلاف بيعه في حياة الحيوان ، وممن صرح بالمسألة البغوي في التهذيب ، ولم يذكر غير هذا ، وقال في كتابه شرح مختصر المزني : قال أصحابنا : يجوز ، قال : وعندي أنه لا يجوز بيع الرأس قبل السلخ ، والمذهب ما نقله الأصحاب . فرع : اتفق أصحابنا على أنه يجوز أن يوصي باللبن في الضرع ، والصوف على ظهر الغنم ، لأن الوصية تقبل الغرر والجهالة ، وممن صرح به البغوي في كتابه التهذيب و شرح مختصر المزني وآخرون ، قال البغوي في شرح المختصر : ويجز الصوف على العادة ، قال : وما كان موجودا حال الوصية يكون للموصى له على العادة ، وما حدث يكون للوارث ، قال : ولو اختلفا في قدره القول قول الوارث بيمينه . فرع : في مذهب العلماء في بيع الصوف على ظهر الغنم ، ذكرنا أن مذهبنا بطلانه ، وبه قال جماهير العلماء ، نقله الروياني في البحر عن الجمهور ، وحكاه ابن المنذر عن ابن عباس وأبي حنيفة وأحمد وإسحاد وأبي ثور ، قال : وبه أقول : وقال سعيد بن جبير وربيعة ومالك والليث ابن سعد وأبو يوسف : يجوز بيعه بشرط أن يجز قريبا من وقت البيع ، كما يجوز بيع الرطب والقصيل والبقل ، واحتج أصحابنا بما ذكره المصنف ، وأجابوا عن قياسهم بأنه يمكن استثناء جميع ذلك من أصله بغير إضرار بخلاف الصوف .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز البيع إلا بثمن معلوم الصفة ، فإن باع بثمن مطلق في موضع ليس فيه نقد متعارف ، لم يصح البيع ، فلم يجز مع الجهل بصفته كالمسلم فيه ، فإن باع بثمن معين تعين ، لأنه عوض في البيع ، فلم يجز مع الجهل بصفته كالمسلم فيه فإن باع بثمن معين تعين لأنه عوض فتعين بالتعيين

310


311
كالمبيع فإن لم يره المتعاقدان أو أحدهما فعلى ما ذكرناه من القولين في بيع العين التي لم يرها المتبايعان أو أحدهما .

+ الشرح : قوله : عوض في البيع احتراز من الثواب في الهبة على أحد القولين ، قال أصحابنا : يشترط كون الثمن معلوم الصفة ، فإن قال : بعتك هذه الدار ، أو قال : بهذه الدنانير ، أو قال : بهذه الدراهم ، وهي مشاهدة لهما ، صح البيع ، سواء علما قدرها أم لا ، وقد سبقت المسألة عند مسألة بيع الصبرة جزافا ، وإن قال : بعتك بالدينار الذي في بيتي أو في هياني ، أو الدراهم التي في بيتي ، فإن كان قد رأياها قبل ذلك صح البيع ، وإلا ففيه الخلاف في بيع العين الغائبة أما إذا قال : بعتك بدينار في ذمتك ، أو قال : بعشرة دراهم في ذمتك ، أو أطلق الدراهم فلا خلاف أنه يشترط العلم بنوعها ، فإن كان في البلد نقد واحد أو نقود ، لكن الغالب واحد منها ، انصرف العقد إلى ذلك النقد الواحد أو الغالب ، وإن كان فلوسا انصرف إليها عند الإطلاق . صرح به البغوي والرافعي وغيرهما ، فإن عين غير ذلك في العقد تعين . فرع : قد ذكرنا في باب زكاة الذهب والفضة في جواز المعاملة بالدراهم المغشوشة ، أنها إن كان الغش معلوم القدر صحت المعاملة بها قطعا ، فإن كان مجهولا فأربعة أوجه أصحها : تصح المعاملة بها معينة وفي الذمة والثاني : لا تصح والثالث : تصح معينة ولا تثبت في الذمة بالبيع ، ولا بغير والرابع : إن كان الغش غالبا لم تصح ، وإلا فتصح ، وذكر هناك توجيه الأوجه وتفريعها وفوائدها ، قال أصحابنا : فإن قلنا بالصحيح وهو الصحة مطلقا انصرف إليها العقد عند الإطلاق ، ولو باع بمغشوش ثم بان أن فضته ضئيلة جدا فله الرد على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وحكى الصيمري عن شيخه أبي العباس البصري أنه كان يقول فيه وجهان أحدهما : هذا والثاني : لا خيار ، لأن غشها معلوم في الأصل ، وحكى هذا الوجه أيضا صاحب البيان والرافعي وغيرهما . فرع : إذا كان في البلد نقدان أو نقود . لا غالب فيها ، لم يصح البيع هناك حتى يعين نقدا منها ، وهذا لا خلاف فيه ، لأنه ليس بعضها أولى من بعض . فرع : قال أصحابنا : وتقويم المتلف يكون بغالب نقد البلد ، فإن كان فيه نقدان فصاعدا ولا غالب فيها عين القاضي واحدا للتقويم بلا خلاف . فرع : لو غلب من جنس العروض نوع ، فهل ينصرف الذكر إليه عند الإطلاق فيه

311


312
وجهان مشهوران في طريقة الخراسانيين أصحهما : ، ينصرف كالنقد والثاني : لا ، لأن النقد لا يختلف الغرض فيه ، بخلاف العرض ، وصورة المسألة أن يبيع صاعا من الحنطة بصاع منها ، أو شعير في الذمة ، وتكون الحنطة والشعير الموجودان في البلد صنفا معروفا أو غالبا لا يختلف ، ثم يحضره بعد العقد ويسلمه في المجلس . فرع : قال أصحابنا : كما ينصرف العقد عند الإطلاق إلى النقد الغالب من حيث النوع ينصرف إليه أيضا من حيث الصفة ، فإذا باع بدينار أو دنانير ، والمعهود في البلد الدنانير الصحاح انصرف إليها ، وإن كان المعهود المكسرة انصرف إليها ، كذا نقله الصيمري وصاحب البيان عن الأصحاب ، قالا : إلا أن تتفاوت قيمة المنكس ، فلا يصح ، قال الرافعي : وعلى هذا القياس لو كان المعهود أن يؤخذ نصف الثمن من هذا ونصفه من ذاك أو أن يؤخذ على نسبة أخرى ، فالبيع صحيح مجهول على ذلك المعهود ، وإن كان المعهود التعامل بهذا مرة وبهذا مرة ، ولم يكن بينهما تفاوت ، صح البيع وسلم شاء منهما ، وإن كان بينهما تفاوت لم يصح البيع ، كما لو كان في البلد نقدان غالبان وأطلق . ولو قال : بعتك بألف صحاح ومكسرة فوجهان أصحهما : بطلان البيع لعدم بيان قدر الصحيح والمكسرة والثاني : صحته ، ويحمل على النصف ، قال الرافعي : ويشبه أن يجىء هذا الوجه فيما إذا قال : بعتك بألف مثقال ذهب وفضة قلت : لا جريان له هناك ، والفرق كثرة التفاوت بين الذهب والفضة فيعظم الغرر . وإن قال : بعتك بألف درهم مسلمة أو منقية لم يصح ، لأنه ليس لها عادة مضبوطة ، ذكره الصيمري وصاحب البيان . فرع : قال أصحابنا : لو قال : بعتك بدينار صحيح فأحضر صحيحين . وزنهما مثقال ، لزمه قبولهما ، إن الغرض لا يختلف بذلك ، وإن أحضر صحيحا وزنه مثقال ونصف ، قال صاحب التتمة : لزمه قبوله ، وتبقى الزيادة أمانة في يده ، والصواب الذي عليه المحققون أنه لا يلزمه قبوله لما في الشركة من الغرر . وقد جزم صاحب البيان وآخرون بأنه لا يلزمه قبوله فلو تراضيا جاز ، ثم إن أراد أحدهما كسره وامتنع الآخر لم يجز البيع ، لما في هذه القسمة من الضرر . قال أصحابنا : ولو باع بنصف دينار صحيح بشرط كونه مدورا جاز إن كان يعم وجوده هناك فإن لم يشترط كونه مدورا وكان وزنه نصف مثقال فإن سلم إليه صحيحا أكثر من نصف مثقال وتراضيا بالشركة فيه جاز فإن امتنع أحدهما لم يجز لما ذكرناه ولو باعه شيئا بنصف دينار صحيح ، ثم باعه شيئا آخر بنصف دينار صحيح ، فإن سلم صحيحا عنهما فقد زاده خيرا وإن سلم قطعتين وزن كل واحدة نصف دينار جاز ،

312


313
فلو شرط في العقد الثاني تسليم صحيح عنهما فالعقد الثاني باطل وأما الأول : فإن كان الشرط بعد لزومه فهو ماض على الصحة ، ويلزمه نصف هو شق ، وإن كان قبل لزومه فهو إلحاق شرط فاسد بالعقد في زمن الخيار ، والأصح أنه يلحق فيبطل العقد الأول أيضا ، والله سبحانه أعلم . قال الصيمري وصاحب البيان : وإن قال : بعتك هذا الثوب بنصفي دينار ، لزمه تسليم دينار مضروب ، لأن ذلك عبارة عن دينار ، وإن قال : بعتكه بنصف دينار وثلث دينار وسدس دينار ، لم يلزمه دينار صحيح ، بل له دفع شق من كل وزن . فرع : لو باع بنقد قد انقطع من أيدي الناس فالعقد باطل لعدم القدرة على التسليم ، فإن كان لا يوجد في ذلك البلد ، ويوجد في غيره ، فإن كان الثمن حالا أو مؤجلا إلى أجل لا يمكن نقله فيه فالعقد باطل أيضا ، وإن كان مؤجلا إلى مدة يمكن نقله فيها صح البيع ثم إن حل الأجل وقد أحضره فذاك ، وإلا فينبني على أن الاستبدال على الثمن هل يجوز إن قلنا : لا ، فهو كانقطاع المسلم فيه وإن قلنا نعم استبدل ولا ينفسخ العقد على المذهب وفيه وجه ضعيف أنه ينفسخ أما إذا كان يوجد في البلد ولكنه عزيز ، فإن جوزنا الاستبدال صح العقد ، فإن وجد فذاك وإلا فيستبدل وإن لم نجوزه لم يصح أما إذا كان النقد الذي جرى به التعامل موجودا ثم انقطع فإن جوزنا الاستبدال استبدل وإلا فهو كانقطاع المسلم فيه والله سبحانه أعلم . فرع : لو باع بنقد معين أو مطلق ، وحملناه على نقد البلد فأبطل السلطان المعاملة بذلك النقد لم يكن للبائع إلا ذلك النقد ، هذا هو المذهب وقد سبقت المسألة في هذا الباب في فرع من مسائل كيفية القبض ، وذكرنا فيها أوجهها وتفاريعها . فرع : قال صاحب البيان : قال الصيمري : إذا باعه بنقد في بلد ثم لقيه ببلد آخر لا يتعامل الناس فيه بذلك النقد فدفع إليه النقد المعقود عليه فامتنع من قبضه ، فهل له الامتناع فيه ثلاثة أوجه الصحيح : ليس له الامتناع ، بل يجبر على أخذه ، لأنه المعقود عليه ، كما لو باعه بحنطة فلم يقبضها حتى رخصت والثاني : لا يجبر على أخذها ، وله الامتناع منه ، كما لو سلم إليه في موضع مخوف والثالث : إن كان البلد الذي يدفعه فيه لا يتعامل الناس فيه بذلك النقد أيضا : لم يجبر عليه ، وإن كانوا يتعاملون به بوكس لزمه أخذه وأجبر عليه . فرع : إذا باعه بثمن معين تعين الثمن ، وقال أبو حنيفة : لا يتعين ، وكذا لو عينا في

313


314
الإجارة أو الصداق أو الخلع أو غيرها من العقود دراهم أو دنانير تعينت بالتعيين عندنا ، وقال أبو حنيفة : لا تتعين الدارهم والدنانير في العقود كلها ، وتظهر فائدة الخلاف في مسائل : منها : لو تلفت تلك الدراهم قبل القبض انفسخ العقد ، ولا ينفسخ عنده . ومنها : لو أراد أن يمسك تلك ويدفع بدلها لم يكن له ذلك عندنا ، ويجوز عنده . ومنها : لو وجد بتلك الدراهم عيبا وردها انفسخ العقد ، وليس له طلب البدل ، وعنده له ذلك . ومنها : لو أراد أن يأخذ عنها عوضا من القبض لا يجوز عندنا كالقبض ، وعنده يجوز ، واحتج أبو حنيفة بأن المقصود من الدراهم والدنانير رواجها لا عينها ، وغير المعين يعمل عمل المعين ، واحتج أصحابنا بالقياس على السلعة فإنها تتعين بالإجماع وبالقياس على الغصب ، فإن الدراهم والدنانير تتعين فيه بالإجماع وبالقياس على ما لو أخذ صاعا من صبرة فباعه بعينه ، فإنه يتعين بالإجماع ، ولا يجوز أن يعطى صاعا آخر بدله من تلك الصبرة مع أنه يعمل عمله ، ولأنه قصد بالتعيين أن لا يتعلق الثمن بذمته فلا يجوز تعليقه بها .

قال المصنف رحمه الله تعالى : ولا يجوز إلا بثمن معلوم القدر ، فإن باع بثمن مجهول كب