1

في ظلال محمد صلى الله عليه وآله وسلّم الفصل الأول 9

اصلب من الأيام الفصل الثاني 105

صفين ... سقوط الحضارة الفصل الثالث 177

إلا عليّ

أو

اصلب من الأيام

غداً ترون أيامي ويكشف

لكم عن سرائري

كمال السيد


4


5

الاهداء :

اليك يا رسول الله ...

وانا ..

اشهد انّ علياً

وليً الله ..


6


7

بسم الله الرحمن الرحيم

في البدء ..

لايعدو الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ .. ألا محاولة لاستكشاف شواطئ بحر لا نهائي ..وما فصوله سوى توقفات مع ومضاتٍ من الجانب التسجيلي لحياة ذلك العظم ..

لقد احسست منذ « البدايات » ، انني سأضيع في عالم زاخر بالنجوم .. وفي كل مرّة كنت اثوب إلى نفسي فأعود إلى الشواطئ ، واكتفي بتأمل الأمواج من بعيد ..

كنت واثقاً بان الاقتراب اكثر سوف يودي بي إلى الغرق .. من أجل هذا اكتفيت في رحلتي بالضفاف .. وفي رأيي سوف تبقى الكتابة في كل شيء أمراً ممكنا .. « الا علي » .

كمال السيد


8


9

الفصل الأول

في ظلال محمد صلى الله عليه وآله

« كنت اتبعه اتباع الفصيل اثرامه ...»


10


11

البدايات ...

مضت على عام الفيل ( 1 ) ثلاثون سنة ، وقد اضحت قصة اصحاب الفيل مجرد ذكريات يحكيها الأجداد للاحفاد ؛ حتى إذا أطل عام 600 للميلاد كانت الكعبة على موعد مع حادث جديد .

بدا أبو طالب سيّد مكة وشيخ البطحاء حزيناً ، كان آخذاً سمته صوب الكعبة يتضرع إلى اله إبراهيم وأسماعيل ، فلقد اشتد بزوجه الطلق وتعسّرت الولادة .

كانت غيمة حزن تطوف وجهه المضيء ، وضع ابن عبد المطلب كفّه على جبينه ، وقد طغت على وجهه الكآبة ، قالت نسوة من العرب :

ـ ما شأنك يا أبا طالب ؟ !

( 1) في عام 570 م زحفت جيوش الأحباش بقيادة ابرهة الأشرم باتجاه مكة مستهدفة تدميرالكعبة وتحويل انظار العرب إلى كنيسة « القليس » في محاولة لتنصير سكان شيه الجزيرة العربية ، اضافة إلى اهداف الحملة الاقتصادية في السيطرة على طريق التجارة البري ، وقد تم ذلك بتشجيع من الرومان كحلقة من حلقات الصراع الدولي الكبير الذي نشب آنذاك بين امبراطوريتي الروم والفرس .


12

اجاب ابن راعي البيت :

ان فاطمة بنت اسد في شدّة المخاض .

وضع يديه على وجهه ليحجب حزنه ؛ ربّما ليغمض بصره لتنفتح بصيرته على عوالم سماوية .

وأقبل « محمد » رجل في الثلاثين فالفى عمّه وكافله وحامي طفولته غارقاً في حزن مرير . ومدّ الشاب يده إلى عمّه يساعده على النهوض ، ووجد الشيخ نفسه ينقد مع ابن اخيه فطالما رأى بركات هذا الفتى الهاشمي ذكرى شقيقه « عبد الله » .

وجاءت ابنة اسد تحفّها النسوة إلى بيت الله . قالت وهي تتمسح بجدران البيت العتيق :

ـ يا رب .. اني مؤمنة بك وبما جاء به رسلك واني مصدّقة بكلام جدّي ابراهيم الخليل ، فبحق من بنى البيت العتيق يسّر علي ولادتي .

واشتدّ المخاض ؛ وفي تلك اللحظات عندما يتحد الإنسان مع السماء انشق الجدار لتلج فاطمة إلى جوف الكعبة إلى الاحضان الدافئة المفعمة بالسلام لتترك أهل مكة في حيرة وذهول .

وتمرّ أيام ثلاثة حتى إذا اشرق اليوم الرابع خرجت فاطمة من اعماق الكعبة وهي تحمل صبياً في منظر ملائكي لا يقل بريقاً عن


13

مشهد مريم ابنة عمران يوم جاءت تحمل عيسى وقد اشتد بها المخاض عند جذع النخلة .

وانطلق البشير إلى ابي طالب فاقبل وأهل بيته مسرعين وقد غمرت الفرحة قلوبهم ، وكان اكثرهم فرحة محمد الذي ضم الصبي إلى صدره الدافئ وحمله إلى بيت أبي طالب .

وكما يومض البرق في السماء ومض اسم « علي » في ذهن ابي طالب ؛ لقد كان علي هدية السماء الى الأرض ؛صبي خرج من اعماق الكعبة المعظمة كما تخرج اللؤلؤة من صدفتها الجميلة .

ونما علي يتخطى الأيام والشهور ، يتأمل وجوهاً نظرة تحنو عليه وتبتسم له وتناغيه وكان احبها إليه وجه يحمل اسماً جميلاً هو « محمد » ؛ وهكذا تدفق نبع من الحب السماوي بين محمد وعلي .

وتعصف ازمة اقتصادية بمكّة ويعاني أبوطالب من وطأتها فقد كان كثير العيال ؛ وهنا يتقدم محمد إلى عمّه الثري العباس ويقترح عليه التخفيف من اعباء سيد مكّة وزعيم بني هاشم ويرحب الباس بذلك فيأخذ جعفراً ويأخذ محمداً وليد الكعبة علياً . وانتقل الصبي إلى ظلال وارفة لينشأ في بيت خديجة المفعم بالمحبّة والسلام .

ومن ذلك التاريخ لم يفارق علي كافلة ومعلمه العظيم وهكذا قدّر لعلي أن يكون صورة مصغرة لمحمد المثال الأسمى للإنسانية


14

عبر التاريخها الطويل .

هل رأيت الفصيل وهو يتبع امّه ، انه لا يشعر بالطمأنينة والأمن إلا في احضانها أو بالقرب منها ، وهكذا كان الصبي يتبع ابن عمّه يلازمه كظل ، يرافقه في طوافه حول الكعبة بيت ابراهيم وينطلق معه صوب جبل حراء موعده في كل عام ، ولم يكن حراء قريباً بل كان يبعد عنها ثمانية أميال ، وكان محمد قد اختار في بلك المفوح غاراً لا يكاد يسع إلا لثلاثة اشخاص .

وكان محمد يستغرق في تأملاته التي تأخذه بعيداً عن ويلات الأرض وادرانها ؛ وكان علي يراقب معلّمه يتعلم من حركاته وسكناته وتأملاته ما يجعله يرى بوضوح حقائق العالم ؛ لقد وعى علي كل التحولات الروحية لابن عمّه العظيم فكان له كالمرآة الصافية تنعكس فيها شخصية محمد ، وتتجلّى فيها اخلاقه الرفيعة .

وهبط جبريل :

وعندما بلغ الصبي العاشرة من عمره شهد بكل جوارحه اعظم حدث في تاريخ الأرض يوم هبط الملاك يحمل البشرى لمحمد هاتفاً :

ـ يا محمد ! أنت رسول الله .. وأنا جبريل .

ولقد افزع هذا الحادث الشيطان فاطلق رنة يأس وهو يرى النور يغمر حراء وسيغمر العالم كلّه ؛ وتساءل الفتى :


15

ـ يا رسول الله ما هذه الرّنة ؟

واجاب آخر الأنبياء :

ـ هذا الشيطان قد أيس من عبادته .

وألقى النبي نظرة حبّ على أخيه الصغير :

ـ انك تسمع ما اسمع وترى ما أرى ..

ومنذ ذلك التاريخ أي في عام 610 للميلاد وعلي يتشرب آيات السماء وكلمات القرآن ، وفي مجتمع غارق في الوثنية حتى اذنيه كان علي الفتى الوحيد الذي اضاءت قلبه حقيقة التوحيد التي جعلته ينظر إلى مئات الاصنام والاوثان المحيطة بالكعبة نظرة ازدراء ويتجه بقلبه إلى السماء ... إلى الأفاق اللانهائية حيث تتجلّى عظمة الإله الأوحد .

وكان رسول الله ينظر نظرة حبّ إلى مثال انساني رفيع اختارته السماء ليمون عوناً في ابلاغ آخر الرسالات فلقد حمل علي كل ملامح محمد إلا النبوة .

الانذار :

وانتقلت دعوة الإسلام إلى اطار أوسع عندما هبط جبريل بالآية الكريمة :« وانذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فان عصوك فقل اني بريء مما تعملون » .


16

ورأى النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » أن يدعو بني عبد المطلب إلى وليمة في منزلة فأمر علياً ان يهيأ لذلك ؛ لقد كان طعاماً مباركاً شبع المدعوون منه لحماً وارتووا لبناً ؛ فعلّق أبو لهب دون أدب قائلاً :

ـ ما اشدّ سحر محمد .

وبذلك فوّت الفرصة على النبي الذي اعتصم بالصمت ، ونهض أبو طالب وهو ينظر الى اخيه من ابيه نظرة غضب ، ونهض الجميع .

وادرك علي ان الجوّ لم يكن مناسباً للحديث في أمر هام ، بعد الذي تفوّه به أبو لهب .

وتمرّ الأيام ورأى رسول الله أن يدعو قومه مرّة أُخرى فقال لربيبه علي :

ـ يا علي قد رأيت كيف سبقني هذا الرجل إلى الكلام فاصنع ليا غداً كما صنعت بالأمس واجمعهم لعلّي اكلمهم بما أمرني الله . وتمّت الدعوة عندما احتشد اربعون رجلاً من بني عبد المطلب ، وكان أبو لهب ينظر إلى محمد ولكنه لم ينبس ببنت شفة فقد هيمن شخص ابي طالب على المكان وكانوا يعرفون مدى حبّ سيّد مكة لابن اخيه محمد ، وتحدّث النبي بأدب يبهر كل من اصغى إلى منطقه قائلاً :

ـ ما اعلم انساناً في العرب جاء قومه بمثل ما جئتكم به .. لقد


17

جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني ربي أن ادعوكم اليه .. فأيكم يؤازرني على هذا الأمر فيكون أخي ووصيي وخليفتي من بعدي ؟

وهيمن الصمت ؛ كان علي يصغي إلى النبي وعيناه تتألقان بحماس الشباب ؛ فنهض يعلن استعداده المطلق في نصرة النبي قائلاً :

ـ أنا يا نبي الله .

وطلب الرسول من فتاه أن يجلس ؛ وكرر عرضه مرّة ومرّة ولكن دون جدوى ، وفي كل مرّة كان علي ينهض وتأثر النبي لمنظره فاتجه إليه يعانقه ويبكي وتمتم بكلمات تكاد تخترق الزمن : أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي .

وانتفض أبو لهب ساخراً كعادته ، والتفت إلى أخيه شيخ مكّة .

ـ قد أمرك محمد أن تسمع لابنك وتطيع !

وفي تلك اللحظات ولد الميثاق بين رجلين تفصلهما ثلاثون سنة ، وبرز علي لتحمل مسؤولية لا ينهض ، بها إلا الأوصياء .

فوق جبل الصفا :

الحقائق الكبرى تضطرم في قلب محمد تسطق بنور يكاد سنا برقه يضيء العالم ؛ ويأوي محمد إلى فراشه وهو ينوء بثقل


18

الرسالات ؛ وجاءت خديجة زوجته المؤمنة الصدّيقة فدثرته بالغطاء وغادرت الحجرة تاركة رسول الله في استراحة هانئة ؛ وفجأة دوى الصوت الذي سمعه في حراء من قبل :

ـ « يا أيها المدثر قم فانذر وربّك فكبّر » .

ودخلت خديجة لترى زوجها العظيم غارقاً في تأمّلاته وجبينه ينضح عرقاً فقالت باشفاق .

ـ لم لا تنام يا أبا القاسم !

فاجاب آخر الأنبياء في التاريخ :

ـ انتهى يا خديجة عهد النوم والراحة .. امرني جبريل أن انذر الناس .

وانطلق رسول الله إلى جبل الصفا ، حتى إذا استوى على قمته نادى بصوت عال :

ـ يا معشر قريش !

وهب الرجال إلى الجبل ، ونفوسهم تتطلع إلى ما سيقوله محمد .. حتى إذا اجتمع الناس هتف النبي صلى الله عليه وآله .

ـ أرأيتم لو اخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل اكنتم تصدقون ؟ وانطلقت صيحات التصديق من هنا وهناك :

نعم .. فأنت عندنا الصادق المصدّق .. ما جرّبنا عليك كذباً


19

قط ؛ وعندها اعلن النبي رسالة السماء :

ـ اني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ... لا إله إلا الله وأنا رسول الله !

وانتفض أبو لهب وجسمه البدين يكاد يتشظّى حقداً قائلاً :

ـ تبّاً لك سائر اليوم .

وتأثر النبي بشدّة لموقف ابي لهب وما لبث جبريل أن هبط يحمل سورة تتشظّى لهباً :

« تبت يدا أبي لهب وتب * ما اغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى ناراً ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد » .

وفي هذا المقطع الزمني دخلت دعوة الإسلام ادق مراحلها وأكثرها حساسيّة ؛ فقد انتشرت كلمات الله ، وراحت تطوف بيوت مكّة ، واستنشق شذاها المحرومون والمقهورون كما يستنشقون نسمات « الصبا » وهي تحمل لهم بشارة الربيع القادم .

ما أن ينشر السماء ستائره ، وتتألق النجوم في صفحة السماء الصافية حتى يسهد منزل النبي حركة غير عادية حيث يهفو الظامئون في غمرة الظلام إلى نبع النور كما الفراشات تبحث عن الشموع .

لقاء في الكعبة :

عبرت كلمات السماء حدود مكة ؛ انتشر شذاها في ربوع


20

الجزيره ؛ وشهدت جلسات السمر في مضارب القبائل احاديث عن رجل مكي اسمه محمد ، من بني هاشم وخفقت القلوب لكلمة التوحيد ، فجاءت تقطع المسافات تتنسم اخبار النبي ؛ وذات يوم شدّ جندب من قبيلة غفار الرحال إلى مكّة ، فدخلها على حذر ، واتجه إلى الكعبة بيت الله الحرام علّه يعثر على ضالته ؛ وراح يراقب عن كثب الوجوه ، فقد يرى محمداً ، ويصغي إلى الأحاديث المتناثرة فلعله يمسك بخيط فيها يدلّه على النبي ولكن دون جدوى .

توارت الشمس خلف تلال مكّة ، ودبّ المساء ، واقفرت الكعبة من الوافدين ، والرجل الغفاري ما يزال جالساً ينتظر ، وقد اعتصر اليأس قلبه .. مرّت لحظات فدخل شابٌ حرم المسجد وراح يطوف حول البيت العتيق ؛ ودار حوار مقتضب بينه وبين القادم الغريب :

ـ من الرجل ؟

من غفار .

قم إلى منزلك .

وأكبر الرجل الغفاري سماحة الفتى المكّي فنهض معه إلى منزله .

امضى الغفاري ليلته في بيت أبي طالب ، فوجد من الكرم


21

العربي والسماحة ما بعث في قلبه الأمل ولم يكن الغفاري ليعلم من يكون هذا الفتى ؟

وفي الصباح عاد الرجل الغريب ادراجه إلى الكعبة وراح كعاده يتصفح الوجوه ويصغي إلى الأحاديث ؛ وحلّ المساء ، ومرّ الفتى والقى كلمته بودّ :

ـ أما آن للرجل ان يعرف منزله ؟!

ونهض الرجال الغفاري ملبّيا دعوة الفتى ومضى معه إلى منزل كريم .

ويتكرر ذات المشهد في اليوم الثالث ، وقد ارتاح جندب إلى ذلك الفتى الطيب ، وان لم يعرف هويّته بعد . والتزم الرجل الغريب كعادته الصمت وان بدت الحيرة على وجهه فسأل الفتى ضيفه :

ـ اراك متفكراً ففيم تفكر ؟

ووجد الغريب نفسه يصارح الفتى بشيء من الاحتياط .

ـ ان كتمت عليّ خبرتك .

ـ أكتم عليك ان شاء الله .

وارتاح الغريب لكلمة حبيبة إلى قلبه ؛ فافصح عن مهمّته التي جاء من أجلها مكّة .

ـ بلغنا انه قد خرج هنا رجل يزعم انه نبي فأردت ان القاه .


22

ـ اما انك قد رشدت اتبعني حيث اذهب ، فان رأيتُ احداً اخافه عليك قمت إلى الحائط كأني اصلح نعلي فامض في طريقك .

وهكذا سار الفتى وسار خلفه الرجل الغفاري ، حتى وصلا منزل النبي ، واسفر اللقاء عن اسلام جندب الذي اصبح اسمه « أبا ذر » ، ولم ينسَ المسلم الجديد أن يسأل رسول الله عن الفتى الذي دلّه عليه فاجاب النبي صلى الله عليه وآله باعتزاز :

ـ هو ابن عمي وأخي علي بن أبي طالب .

وتحول أبو ذر منذ تلك الليلة الحاسمة في حياته إلى بركان بعد أن اضطرمت في اعماقه حقيقة الايمان فهتف بعزم :

ـ والذي بعثك بالحق نبياً لأصرخنّ بها في المسجد الحرام .

ما أن أشرقت شمس اليوم التالي حتى كان أبو ذر في وسط المسجد يتحدى جبروت قريش وهو يهتف بصوت جهوري .

ـ ما معشر قريش اني اشهد ان لا إله إلا الله واشهد أن محمداً رسول الله .

ولقد هزّت الصرخة الوضع السائد ليبدأ فصل جديد في تاريخ الإسلام .

هزيمة الشعر الجاهلي :

ورأى زعماء مكّة مواجهة خطر الدين الجديد باستخدام


23

امضى الأسلحة وهو الشعر الذي بلغ العرب فيه الذروة آنذاك ، وهكذا انبرى أبو سفيان بن الحارث وعمرو بي العاص وابن الزبعري وغيرهم إلى مقارعة النبي ، ولكنهم وجدوا أنفسهم خاسرين لدى أول منازلة ولم يصمد الشعر الجاهلي برمّته أمام بلاغة آيات القرآن التي فتنت العربي بحلاوتها وطلاوتها وانسيابها وتأثيرها العميق .

ووقف العربي مشدوهاً أمام ظاهرة بالغية لم تكن لتخطر على باله ؛ وقد نصح الوليد بن المغيرة قريشاً بعد أن اعترف قائلاً : ان له لحلاوة وان عليه لطلاوة وانه ليحطم ما تحته ، وانه ليعلو ولا يعلى عليه ؛ نصحهم ان يقولوا : « ما هو إلا سحر يؤثر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده » .

وقد لج كفار قريش في صراعهم مع النبي وقالوا أن ما يردده محمد لا يعدو أن يكون اساطير الأولين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة واصيلا ؛ وينبري النضر بن حارث إلى ترديد اساطير قديمية من قبيل حكايات « اسفنديار ورستم » الفارسية الأصل ، واتخذ مكانه في المسجد الحرام حيث يجلس النبي لتلاوة القرآن ، ولم تجد كل المحاولات في صرف المأخذوين بروعة البيان السماوي عن الاصغاء لمحمد ، ولم يجدوا سبيلاً سوى ابداء الناصئح قائلين :

« لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون » .

اننا نذكر ذلك لأننا سنجد الفتى علي بن أبي طالب سوف


24

يبهر العرب ببلاغته بعد عقود من السنين ، فلقد تشرّب آيات السماء منذ اعتناقه الأسلام يوم الثلاثاء (1) .

سنوات الرماد :

تفتق ذهن ابي جهل عن فكرة شيطانية تقضي بمقاطعة بني هاشم اقتصادياً واجتماعياً ، وقد تحمس لها زعماء قريش فحرّروا بذلك صحيفة قاسية وقعها اربعون رجلاً منهم يمثلون طوائف قريش ؛ وعلّقت الصحيفة في جوف الكعبة لكي تكتسب صفة مقدّسة .

جدير بالذكر ان فكرة المقاطعة هذه قد تم تداولها في « دار الندوة » وهو المكان الذي تجتمع فيه قريش لمناقشة القضايا المصيرية .

وكان أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وآله في مستوى التحدّي الجديد ، فنصح قبيلته بالنزوح إلى احد أودية مكّة لأن روح المقاطعة يتضمن شكلاً من اشكال اعلان الحرب ، وبات من المتعذر على المحاصرين مغادرة الوادي إلا في موسمي الحج والعمرة (2) ؛ وقد تفقد أبو طالب الثغرات الموجودة في الوادي وبنى فيها تحصينات منيعة للحؤول دون تسلل من يهمة الاعتداء على حياة النبي الذي

(1) تذكر كتب السيرة أن النبي صلى الله عليه بعث يوم الاثنين وصلّى علي يوم الثلاثاء .

(2) شهري رجب وذو الحجة .


25

اضحى رمزاً لأكبر تحدٍ يواجهه بنو هاشم وبنو عبد المطلب (1) .

ولقد كانت تجربة الحصار تجربة مريرة عانى فيها المحاصرون من الجوع والظمأ ولكنهم صمدوا حتى النهاية وكان أكبر همّ أبي طالب حماية النبي بأي ثمن ، واصبح من المشاهد المتكرّرة انه كان يطلب من ابن اخيه العظيم أن يأوى إلى فراشه في ساعة الغروب حتى يراه الجميع ، فاذا غمر الظلام الوادي طلب من ابنه علي أن ينام في فراش ابن عمّه فاذا كان هناك من يراقب النبي ويترصّده ليعيّن مكانه قبل أن يتسلّل لتنفيذ جريمته فانه سوف يطعن قلب علي وبذلك ينجو محمد صلى الله عليه وآله وتستمر رسالة السماء .

وليس هناك ما يفسر هذا الموفق سوى الايمان .. الايمان العميق لذلك الشيخ الوقور والسيّد المهاب .

ولنتصور مشاعر ذلك الفتى الشجاع وهو يتقدم كل ليلة طائعاً لينام في فراش رجل تترصّده عيون الحقد وسهام الغدر ، انه يعانق الموت كل ليلة فداءً للحبيب محمد صلى الله عليه وآله .

ولقد استمرت أيام الحصار ثلاث سنين وكانت الارضة تقضم خلالها البنود الظالمة فلم تترك في الصحيفة سوى كلمة مقدّسة هي باسمك اللهم .

ولقد بلغت النذالة لدى زعماء قريش انهم كانوا يشترون ما

(1) استثني من المقاطعة كل من ابي لهب وابي سفيان الحارث بن عبد المطلب .


26

يعرض من طعام في مطّة لتخلوا الأسواق منه في الأيام التي يخرج فيها المحاصرون في موسم الحج حتى إذا جاءوا ليشتروا طعاماً لم يجدوا شيئاً فيعودوا لمواصلة رحلة الجوع المضنية .

واستكملت الارضة التهام الصحيفة الظالمة ما خلا باسمك اللهم واتصلت السماء بالأرض ، وجاء محمد يبشر عمه أبا طالب ووقف زعماء مكّة مذهولين أمام معجزة السماء ، لقد قهرت هذه الحشرة الصغيرة كبرياء قريش ، مرّغت غرورهم بالوحل .

ولنتخيل فرحة الصغار وهم يعودون إلى احضان مدينتهم بعد معاناة طويلة في الوادي .

العام الحزين :

مضت كهور على انتهاء الحصار وكان أبو طالب الذي تخطّى الثمانين يخطو صوب النهاية .. نهاية كل الحيوات لقد هدّته السنون والحوادث .

وقف علي يتأمل أباه بعينين غارقتين بالدموع ، لقد توقف القلب الكبير

وسكنت تلك الأنفاس الدافئة ووقف النبي صلى الله عليه وآله يبكي بمرارة وهو يؤبن الراحل الكبير :

ـ رحمك الله يا عم .. ربيتني صغيراً وكفلتني يتيماً ونصرتني كبيراً ..

ولم يجد أحداً يواسيه سوى أخيه وربيبه فعانقه وقد


27

اجهش بالبكاء .

ويسدد القدر سهماً آخر واذا بخديحة تلك الزوجة المؤمنة الوفية تسقط هي الاُخرى فريسة المرض ولم تلبث أن ودّعت زوجها العظيم .

يا لعذاب الأنبياء يا لصبر محمد ! الزمان يتخطّف احبّته مذ كان جنيناّ في بطن امه وعندما بلغ ست سنين ويوم بلغ الثامنة ؛ غير أن أبا طالب ام يغادر الدنيا حتى خلف فتى يفدي أخاه بروحه ، ولم ترحل خديجة حتى قدّمت لزوجها فتاة تذوب حناناً ورحمة لأبيها .

بدأ زمن الزمهرير والذئاب التي كانت تهاب أبا طالب ذات يوم ، هي الأن تعوي ، عيونها تبرق حقداً وقد ذرّ الشيطان قرنيه (1) .

الحياة في موتكم قاهرين :

سوف يبقى الموت والحياة لغزاً في حياة البشر ، فالضباب الذي يهيمن على العيون سوف يحجب الرؤية بوضوح لمن يريد الخلود فأي الطريقين يسلك طريق الموت ام طريق الحياة ؛ دعنا نراقب منزلاص كريماً في مكّه وقد مضت ثلاثة عشر عاماً على هبوط جبريل في غار حراء .

شعر المشركون بالخطر وهم يرون ابناء مكّة يفرّون بدينهم

(1) قال رسول الله صلى الله عليه وآله : والله ما نالت قريش مني شيئاً اكرهه إلا بعد موت ابي طالب .


28

متجهن شمالاً إلى مدينة يثرب لقد قيضّ الله لهم قوماً لنصرة رسالة السماء ، وقد تتابعت هجرة المسلمين حتى اقفرت احياء بكاملها (1) .

ولدركت قريش ان وقوفها مكتوفة الأيدي يعني تنامي الخطر يوماً بعد آخر ؛ وانبرى أبو جهل ليضع خطّة جهنمية لتصفية محمد إلى الأبد .

وهبط جبريل يفضح خطّة الشيطان لاطفاء النور اللذي اضاء جبل حراء (2) وسوف يضيء العالم باسره :

ـ« ولذ يمكن بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين » .

وفي تلك اللحظات التاريخية بدأت واحدة من أعظم قصص الفداء في تاريخ الإنسان .

ولا يمكن للمرء أن يتصور مهما أوتي من سعة الخيال ان يتصور مشاعر شاب في الثالثة والعشرين من عمره وهو يتقدم إلى معانقة الموت .

تشارعت الأحداث بشكل مثير ، ونسجت قريش اخطر مؤامراتها كما تنسج العنكبوت بيتاً هو أوهن البيوت ، ودعا النبي

(1) مرّعتبة بن ربيعة بدور بني جحش وكانت خالية تماماً فانشد : وكل دار وان طالت سلامتها * يوماً ستدركها النكباء والحوب

(2) اصبح اسمه فيما بعد « جبل النور » .


29

ابن عمه الحبيب واطلعه على فصول المؤامرة ؛ وكان المطلوب من علي ان يرقد في فراش النبي وكان همّ ابن أبي طالب الوحيد هو أن يسأل :

ـ أو تسلم يا رسول الله أن فديتك بنفسي ؟ (1)

ـ نعم ... بذلك وعدني ربّي .

وارتسمت مشاعر فرح على وجه علي ، وتقدم إلى فراش النبي ليرقد بسلام آمناً مطمئناً ، فيما كانت عيون اربعني ذئب تبرق في الظلام ، وتمرّ اللحظات مثيرة وانسلّ رسول الله خارجاً من المنزل متجهاً صوب الجنوب إلى غار في جبل ثور .

واقتحم المتآمرون منزل رسول الله والسيوف تبرق في غبش الفجر وكانت المفاجأة ان هبّ علي من الفراش واسقط في ايديهم . وشهدت مكّة في الساعات الأولى من الصباح حركة غير عادية لقد فرّ الإنسان الذي ارسلته السماء ليغمر الأرض بنور ربّها . فرسان الدوريات تبحث في كل مكان ، وقد رصدت قريش الجوائز المغرية لمن يأتيها بمحمد حيّاً أو ميتاً أو يدلي بمعلومات تساعد في القبض عليه .

ومكث علي في مكّة أياماً كان أياماً كان خلالها يتجه إلى الا بطح في الغدوّ والأصال فينادي :

(1) وفي هذا نزل قوله تعالى : « ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله » .


30

ـ ألا من كانت له قبل محمد أمانة فليأت لتؤدّى له أمانته .

رسالة من قبا :

وصل سيدنا محمد « قبا » (1) وحط رحله في تلك البقعة من ارض الله ؛ ومن قبا بعث النبي صلى الله عليه وآله رسالة إلى ابن عمّه يأمره فيها بالقدوم ، وانطلق أبو واقد الليثي إلى مكّة وسلّم الرسالة علياً .

ترى لماذا هذا الاصرار على انتظار علي ؟ لماذا ظلّ النبي على أبواب المدينة حتى يقدم ابن عمة وأخوه ؟ ولقد وقف التاريخ الهجري ينتظر تلك اللحظات الدافئة في لقاء محمد وعلي هناك في اعماق علي سرّ عجيب ، عندما تضطرم الحقيقة الكبرى في الذات الإنسانية فتحيل كل ما حولها اشياءً متألّقة بضوء لا يستمد شعاعه من شمس ولا قمر أنه الضوء القادم من قلب السموات وهكذا كان ايمان ذلك الفتى أنه لا يعرف في الوجود سيّداً غير محمد .. محمد الذي فتح عينيه على ينابيع النور في سفوح حراء .

لا شيء في الاُفق سوى الرمال وذلك الخط الأزرق الذي يعانق سمرة الرمال ، ولاحت قافلة تسير على هون قافلة فيها أربعة فواطم .. فاطمة بنت اسد وفاطمة بنت محمد ، وفاطمة بنت الحمزة وفاطمة بنت الزبير . وفي « ذي طوى » كان المقهوون ينتظرون علياً لينقذهم من القرية الظالم أهلها ، وسارت القافلة تشق طريقها في

(1) قرية على بعد ميلين من المدينة المنورة .


31

بطون الأودية ، ولا شيء سوى السماء الزرقاء والرمال السمراء .

علي يعرف اشياء كثيرة ... منذ عشرين سنة وهو يرافق رجلاً اختارته السماء ، انه لا يرافقه فحسب بل يذوب فيه يندمج معه .. لهذا فهو يعرف سرّ العالم .

شيء واحد كان يجهله تماماً لا يعرف له معنى هو الخوف ، لقد وقف الإنسان عاجزاً أمام لغز الموت نهاية كل الحيوات ، هل هو نهاية ؟ أم بداية ، ولكن علياً الذي اكتشف نبع الخلود قهر الموت أكثر من مرّة وكان الموت يهرب منه ، يفرّ من بين يديه كلما اراد عناقه .

لقد التحف قبل أيام ببردة النبي واغمض عينيه في فراش تغمره رائحة الفردوس ، انه يقدّم نفسه قرباناً لأخر الأنبياء في تاريخ الإنسان ؛ وإذا كان اسماعيل قد اسلم وجهه لله فأنّه كان يدرك أن أباه سيذبحه على هون ، ولكن علي أغمض عينيه ليفتحمها على عشرات الخناجر المسمومة ولسوف تبضعه وسوف تتدفق دماؤه من خلال مئات الجراح .

لقد تناسفت الملائكة من أحل الحياة ، لم يفد جبريل ميكال اختار كلاهما الحياة ولكن الإنسان الذي صاغتة السماء حطّم حاجز الموت كسّر قضبان الزمن الصدئة واختار الفداء (1) .

(1) « أوحى الله إلى جبريل وميكائيل اني قضيت على احدكما بالموت ، فايكما يفدي >


32

القافلة تطوي المسافات حتى إذا وصلت قريباً من « ضجنان » ادركها « الطلب » واذا بثمانية فرسان يعترضون القافلة يريدون اعادة التاريخ إلى الوراء ، وفي ذلك المكان فوجئت جزيرة العرب بـ « ذو الفقار » يتألق في دنيا الفروسية ؛ كانوا ثمانية فرسان يريدون اعادة القافلة ألى مكّة .. إلى القرية الظالم أهلها .. العيون تبرق حقداً ؛ هتف فارس لم يكتشف علياً بعد :

ـ أظننت يا غدّار أنك ناج بالنسوة .. ارجع لا أباً لك .

اجاب علي بثبات جبل حراء :

ـ فان لم أفعل ؟

ـ لترجعن راغماً .

واغار « جناح » (1) على النوق لا ثا رتها فاعترضه علي فاهوى عليه جناح بضربة تفاداها علي وسدّد له ضربة جبّارة ، « فقضى عليه » ؛ تسمر الباقون وقد اذهلتهم المفاجأة انهم لم يروا في حياتهم ضربة كهذه ؛ صاح احدهم وقد رأى الفتى يستعد لشنّ هجوم معاكس :

< صاحبه ؟ فاختار كلاهما الحياة ؛ فاوحى إليهما هلا كنتما كعلي لقد آخيت بينه وبين محمد وجعلت عمر أحدهما اطول من الآخر فاختار علي الموت وآثر محمداً بالحياة ، اهبطا فاحفظاه من عدوه » | تاريخ اليعقوبي ، اسد الغابة لابن الأثير ، احياء علوم الدين للغزالي .

(1) مولى لحرب بن أمية .


33

ـ احبس نفسك عنّا يا ابن ابي طالب .

وهتف علي كأنما يتحدّى العالم الوثني باسره :

ـ اني منطلق إلى أخي وابن عمّي رسول الله .

وانطلقت القافلة صوب يثرب ، وكان رسول الله ما يزال ينتظر في قبا ؛ ووقف التاريخ الإنساني ينتظر قبل أن يلج عهداً جديداً من فصوله المثيرة في المنعطفات التي تغيّر فيها المدن اسماءها (1) .

وفي السادس عشر من ربيع الأول الموافق 20 أيلول عام 622 للميلاد وصلت قافلة التاريخ الهجري مدينة يثرب وكانت الحشود المسلمة تحدّق في « ثنيّات الوداع » تترقب وصول آخر الأنبياء في تاريخ البشرية .

وكانت « القصوى » تشق طريقها إلى بقعة اختارتها السماء لتكون ؛ منزلاً ومسجداً وطهورا ؛ وتوقفت الناقة في « مربد » (2) لغلامين يتيمين من بني النجار .

وبوشر العمل في بناء مسجد النبي صلى الله عليه وآله وكان ذلك ايذاناً بميلاد امّة جديدة ؛ وانسابت كلمات الأذان معبّرة أخّاذة كلحن قادم من السماء .

(1) اكتسبت يثرب اسماً جديداً هو « مدينة الرسول » .

(2) مكان يجفّف فيه التمر .


34

ومرّ عام :

استقبلت المدينة المنورة عامها الثاني بالأمل فالحياة الجديدة تتدفق والمسلمون امّة واحدة ؛ وفي الخامس عشر من شعبان هبط جبريل يعلن تحوّل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ؛ وفي غمرة هذا العام المبارك تقدّم عليّ الذي بلغ من عمر خمسة وعشرين سنة إلى خطبة فاطمة بنت رسول الله وتم الزواج المبارك في مراسم غاية في البساطة رعاها النبي بنفسه ، وقد بلغ من البساطة والشفافية أن ترك بصماته واضحة في التاريخ الإسلامي ؛ وانتقل الزوجان إلى بيت دافئ مفعم بالمحبّة والسلام (1) .

وتمضي الحياة هادئة كنهر تنثال مياهه على الشطآن ، والمجتمع الوليد ينمو ، يتفتح للعطاو كشجرة اصلها ثابت وفرعها في السماء ؛ ولكن الذين تآمروا في المكّة لاطفاء النور كبر عليهم نجاح محمد لهذا فكّروا ودبّروا فلم يجدو سوى الحصار التجاري سلاحاً لتوجيع شعب آمن بالله وكفر بالأوثان .

(1) عن علي عليه السلام قال صاح بي رسول الله : يا علي ، فقلت لبيك يا رسول الله ، فقال : ادخل بيتك وألطف بزوجتك وارفق بها ، فان فاطمة مضعة مني يؤلمني ما يؤلمها ويسرّني ما يسرّها :

يقول علي عليه السلام : فوالله ما اغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عزوجل ولا اغضبتني ولا عصت لي امراً ، ولقد كنت انظر اليها فتنكشف عني الهموم والأحزان .


35

وهكذا شحّت الموادّ الغذائية في المدينة وارتفعت الأسعار وتلاعب اليهود بالسوق ؛ ولم يقف سيدنا محمداً مكتوف الأيدي فردّ كيد المكّة إلى نحرها وجرّد حملة عسكرية وقد أُذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير (1) .

وكان هدف الحملة العسكرية اعتراض قافلة تجارية مؤلفة من ألف بعير وتضمّ رؤوس أموال ضخمة ؛ وفي مصادرة هذه القافلة يكون المسلمون المهاجرون الذين صودرت ممتلكاتهم قد استرجعوا جزءً من حقوقهم المغتصبة .

وتسارعت الأحداث بشكل مثير ، واذا بالأنباء تفيد عن تحرك عسكري خطير في مكّة وتقدم جيش مؤلف من الف مقاتل ؛ وكان أمام جيش النبي المؤلف من ثلاثمئة وثلاثة عشر مقاتل من المشاة باستثناء فارس واحد (2) ان يحسم موقفه بين الانسحاب أو المواجهة ؛ وأراد سيدنا محمد معرفة مدى الاستعداد القتالي لاصحابه فوجد لدى المهاجرين عزماً على القتال حتى النهاية ولدى الانصار حماساً في الطاعة يصل إلى اجتياز البحر الأحمر (3) ، وفي فجر السابع عشر من رمضان وقرب آبار بدر التحم الجيشان في

(1) في أواخر السنة الأولى من الهجرة هبط الوحي يأذن للمسلمين بقتال المشركين ، الآية : 31 من سورة الحج .

(2) المقداد بن عمرو الكندي .

(3) اشارة إلى خطبة سعد بن معاذ الحماسية .


36

معركة ضارية اسفرت عن انتصار ساحق للجيش الإسلامي وسقوط سبعين قتيلاً من المشركين ؛ وفي ذلك اليوم الخالد ارتفع اسم علي عالياً في سماء الشجاعة والفروسية (1) .

إلا ذو الفقار :

نجم عن هزيمة المشركين الساحقة في بدر ان غيّرت قريش طرقها التجارية من الشام إلى العراق ، وبالرغم من صعوبة ذلك وجهل قريش بالطرق الجديدة إلا أنها فضّلت ذلك مرغمة بعد أن اصبحت قوافلها التجارية على طريق الشام مهددة .

وفي مكّة كانت هند زوجة أبي سفيان تتحرّق حقداً وتترقب ساعة الانتقام والثأر وكان حقدها ينصب على ثلاثة نفر هم محمد صلى الله عليه وآله وعلي وحمزة ؛ وقد رفضت تلك المرأة البكاء والنوح على أبيها عتبة وأبنيه لتحتفظ بأكبر مخزون من الحقد وروح الانتقام ، ويمكن القول ان معركة أحد ، انما جاءت استجابة عمياء لروح الثأر التي ينطوي عليها عرب الجاهلية ، وبقف هند وراء حماس ابي سفيان في صراعه مع الإسلام مع ان البيت السفياني لم يكن اقلّ حقداً من غيره على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله (2) .

(1) عدّ القتلى بسيف علي فكانوا خمسة وثلاثين .

(2) كانت أم جميل اخت ابي سفيان تحرّض زوجها أبا لهب ضد النبي صلى الله عليه وآله وهو ابن اخيه حتى نزلت سورة المسد فيهما .


37

وفي شوّال وقد مرّت الذكرى الأولى لأكبر وأول انتصار اسلامي قرب عيون بدر بدأ المشركون بقيادة أبي سفيان زحفهم باتجاه المدينة ، وقد خرجت هند ومعها بعض النسوة يحملن الدفوف وينشدن اشعار الثأر ، التي تخرج عن دائرة الحياء (1) .

تلقّت المدينة الانباء وبدأت الاستعدادات للمواجهة بعد جدل في المسجد ولكن النبي صلى الله عليه وآله وقد رأى حماس الشباب في القتال خارج المدينة لبس لامة حربه وحسم الأمر ، وتحرّك الجيش الإسلامي ؛ المؤلف من ألف مقاتل ، ولكن رأس النفاق اتن أبي سلول قرر العودة ومعه ثلاثمئة مقاتل محدثاً بذلك شرخاً واسعاً في صفوف القوات الإسلامية وهي على وشك الاشتباك وقد رأى بعض الصحابة مواجهتهم ولكن النبي رفض ذلك وفي جبل أحد (2) التقى الجمعان ، وضع النبي صلى الله عليه وآله خطة المواجهة مؤكداً على احتلال مرتفعات جبل « عينين » وتمركز قوّة من امهر الرماة مؤلفة من خمسين جندي مهمتها الدفاع وحماية مؤخرة الجيش الإسلامي من حركة التفاف قد يقوم بها العدو .

رتب المشركون قواتهم في صفوف مستفيدين من تجربتهم

(1) انشدت هند قبيل الاشتباك : نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق الدر في المخانق والمسك في المفارق .. ان تقبلوا نعانق ونفرش النمارق .. أو تدبروا نفارق فراق غير وامق .

(2) قال فيه رسول الله : جبل يحبّنا ونحبّه .


38

المرير في بدر مقلّدين بذلك الجيش الإسلامي فهي استراتيجية اسلامية في القتال .

اشتعلت المعركة وكانت الجولة الأولى للمسلمين وقد استبسل علي في القتال فكان ينقض على اصحاب اللواء من بني عبد الدار فتساقطوا الواد بعد الآخر ، وعندما سقط اللواء للمرّة الأخيرة دبّت الهزيمة في قوّات الشرك ، واطلقت هند ساقيها للريح وهي ترى احلامها تذروها رياح الغضب الإسلامي .

وفي تلك اللحظات المثيرة تناسى الرماة وصايا النبي صلى الله عليه وآله وغادروا مواقعهم من اجل الغنازم رغم صيحات قائدهم .

وهنا انتهز خالد بن الوليد الفرصة فقاد فرسانه في حركة التفاف سريعة مفاجئاً مؤخرة جيش المسلمين فحدثت الفوضى وعمّ الارتباك صفوف المقاتلين ، ومن ثم الهزيمة وانتشرت شائعة حول مصرع النبي ، وفي غمرة هذه الفوضى كان سيدنا محمد ومعه بعض اصحابه وفي طليعتهم علي بن أبي طالب يسطرون أكبر ملحمة في المقاومة ، وكانت كتائب الشرك تهاجم بعنف مركز القيادة وكان علي والزبير وطلحة وأبو دجانة والحمزة وحذيفة ومصعب بن عمير وغيرهم يقاتلون ببسالة ، وسقط مصعب شهيداً فاخذ علي اللواء ، وسقط حمزة سيد الشهداء ، والملحمة مستمرة ، والكتائب تندفع نحو رسول الله ، وهو يهتف بعلي : دونك الكتيبة ، واغمي على النبي من شدّة الجراح وأفاق النبي صلى الله عليه وآله ، وقال لعلي : ما


39

فعل الناس فاجاب : لقد نقضوا العهد وولوا الدبر ؛ وفي تلك الاثناء انقضت كتيبة مؤلفة من خمسين فارساً فهتف النبي بابن عمه :

ـ أكفني هؤلاء .

فانبرى علي وتصدّى لها بمفرده واجبرها على التراجع ؛ وفي تلك اللحظات وفي غمرة الغبار والقتال هبط جبريل قائلاً :

ـ يا محمد ان هذه لهي المواساة !

فقال النبي صلى الله عليه وآله :

ـ وما يمنعه من ذلك وهو مني وأنا منه .

فقال جبريل :

وأنا منكما .

وسمعت الأذن البشرية في تلك البقعة الملتهبة من دنيا الله صيحة سماوية تملأ الفضاء :

ـ لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي !

ويوم زاغت الأبصار :

اسفرت معركة أحد عن زعزعة هيبة المسلمين في الجزيرة العربية إلى حد ما (1) ، ولكن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله اتخذ ما من شأنه

(1) وجد المنافقون واليهود فرصة للنيل من الإسلام وراحوا يرددون ساخرين : إذا >


40

استرداد مجد الإسلام ، إذا عبأ النبي صلى الله عليه وآله جيشه بعد يوم واحد فقط من المعركة وقاد حملة لمطاردة جيش المشركين الذين فضلوا الانسحاب مكتفين بما حققوه من نجاح مؤقت ؛ وقد رابط النبي صلى الله عليه وآله في « حمراء الاسد » مدّة ثلاثة أيام والجيش الإسلامي يشعل النيران ليلاً امعاناً في تحّي المشركين الذين عسكروا في وادي الروحاء لاتخاذ قرار حمل مهاجمة المدينة المنورة ، ولقد كان أبو سفيان يدرك قبل غيره أن النصر الذي احرزه جيشه في أحد كان بسبب مغادرة رماة الجيش الإسلامي مواقعهم ، لهذا قرر العودة إلى مكّة منحنياً للعاصفة .

وما يؤكد هذا الرأي أن قوافل قريش التجارية ظلّت تسلك طرق العراق الأكثر صعوبة ، ومع كل هذا فقد بدأ المسلمون يهددون هذه الطرق أيضاً مما جعل المشركين يشعرون بالذعر ، فالتجارة كانت عصب الحياة في قريش .

وفي السنة الرابعة للهجرة وقع حادث خطير عندما حاول يهود « بني النضير » اغتيال النبي صلى الله عليه وآله ، وقد اخفقت المحاولة في اللحظات الأخيره ونتيجة لهذا الانتهاك السافر لمعاهدة بينهم وبين المسلمين فقد قرر الرسول صلى الله عليه وآله تأديبهم ، فحوصرت قلاعهم ، وانبرى « عزّوك » لصبّ سهامه على خيمة النبي فابعدت قليلاً عن

< كانت بدر آية من الله فماذا عسى أن تكون أية أحد ؟ ! وألبس اليهود الحادث ثوباً دينياً قائلين : ما اصيب بمثل هذا نبي قط .


41

مرمى السهام ، وقد سقط عزوك في كمين نصبه علي بن أبي طالب فقتل هو وعشرة من أفراده ، واخيراً استسلم يهود بني النضير فتم ترحيلهم من المدينة (1) ، ويبدو أن حيّ بن اخطب زعيم بني النضير قد اختار خيبر وفي رأسه فكرة رهيبة للقضاء على الإسلام .

العدوان

يمكن القول ان فكرة غزو المدينة على النحو الذي وقع في شوّال من العام الخامس الهجري هي فكرة يهودية وبالتحديد فكرة حي بن اخطب ، الذي وظف ثلاثة عناصر هامّة المال اليهودي ، والحقد القريشي الوثني ، والاطماع الغطفانية بكل عمقها البشري الهائل (2).

وهكذا فوجئت المدينة المنورة بانباء مثيرة حول تجمع قبلي ضخم يرتو على العشرة آلاف مقاتل .

وثار جدل واسع حول اسلوب مواجهة هذا الزحف الكبير وفي غمرة النقاش طرح الجليل سلمان الفارسي فكرة الخندق ، وهي فكرة لم يألفها العقل العربي في تلك الحقبة من الزمن ، وقد حظيت الفكرة بحماس الجميع وتحول سلمان في نظر

(1) افترقوا إلى قسمين قسم اختار الشام والأخر توجه إلى « الخيبر » .

(2) حشدت قبائل غطفان لوحدها ستة آلاف مقاتل .


42

المسلمين إلى بطل (1) .

وفي ظروف بالغة القسوة بوشر العمل بحفر الخندق في الجهة الشمالية من المدنية وهي المنطقة المكشوفة التي تشكل نقطة الضعف في دفاعات المدينة .

كان الفصل شتاءّ والرياح القارسة تعصف بعنف ، والعام عام مجاعة ، وكان المسلمون لا يجدون في بعض الأحيان ما يسدّ رمقهم (2) على أننا لا ننسى ان شهر رمضان المبارك الذي استوعب مدّة الحفر قد منح المؤمنين ارادة جبّارة جعلت من كل تلك المعاناة عبادة وتقرّبا إلى الله . كما لا ننسى مدى الألم الذي يستشعره المؤمنون وهم يسمعون الشائعات التي يبثها اليهود والمنافقون ، والتي اتخذت في بعض الأحيان طابع السخرية اللاذعة (3) .

وبالرغم من كل الظروف المريرة فقد استكمل المسلمون حفر الخندق قبل ثلاثة أيام من وصول جيوش الغزو ، وفوجيء أبو سفيان بخندق هائل يحول بينه وبين كل احلامه المريضة في القضاء

(1) هتف المهاجرون : سلمان منا ، وصاح الأنصار : سلمان منا فقال النبي صلى الله عليه وآله حينئذ قولته المعروفة : سلمان منّا أهل البيت .

(2) جاءت فاطمة عليها السلام برغيف إلى أبيها العظيم فتمتم شاكراً : انه لأول طعام يذيقه أبوك بعد ثلاثة أيام !!

(3) سخر أحد المنافقين وقد سمع النبي يتحدث عن الفتح الإسلامي القادم ، وافتتاح بلاد الروم والفارس قائلاً : ان محمداً يمنينا كنوز فارس وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط .


43

على الإسلام .

عسكرت القوات الزاحفة ، وهيأت نفسها لضرب الحصار ومرّت الأيام قلقة مثيرة للأعصاب ؛ رابطت القوات الإسلامية قريباً من الخندق ، وحدثت مناوشات بالسهام وفي غمرة الحصار تناهت إلى النبي صلى الله عليه وآله انباء حول تحركات مشبوهة لبني قريظة ونقضهم معاهدة الدفاع المشترك بل ونيتهم في الانضمام إلى قوات الغزو ، وكانت قلاعهم داخل المدينة مما يتيح لهم طعن الجيش الإسلامي في خاصرته ، سيّما وانّهم يشكلون قوّة عسكرية ضاربة مجهزة باحسن الأسلحة ومؤلفة من ألف مقاتل .

وتفاقمت الأخطار ، وراح المنافقون والذين في قلوبهم مرض يتسللون من المعسكر الأسلامي ليلاً ، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله سوى ألف مقاتل فقط .

وفجأة حدث تطور عسكري خطير عندما نفّذ عدّة فرسان من المشركين مغامرة جريئة في اقتحام الخندق والعبور إلى الجهة الأخرى ، وليس هناك افضل من هذه الآيات في رسم الحالة الخطيرة التي عاشها المسلمون في واحدة من أخطر المنعطفات التاريخية : « يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فارسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاءوكم من فوقكم ومن اسفل منكم واذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً


44

شديداً » (1) .

راح الفارس المغامر يخطر في مشيته ويقوم باستعراضات استفزازية متحدّياً الإسلام والمسلمين ، وقد وصل به الاستهتار أن هتف ساخراً .

ـ ألا من مشتاق إلى جنته ؟!

وللأسف فقد سجّلت معنويات المسلمين ادنى مستوىً لها باستثناء فتى الإسلام علي بن أبي طالب الذي نهض منذ اللحظات الأولى للمواجهة ، فانقذ بذلك الكرامة الإسلامية وسوف ينقذ المصير الإسلامي من أكبر كارثة .

نهض علي بثباته المعروف وشجاعته وتقدم نحو سيدنا محمد الذي اشرف شخصياً على تجهيزه للصراع (2) .

وعندما انطلق علي إلى ميدان المواجهة الخالدة رفع النبي صلى الله عليه وآله يديه إلأى السماء لتخترق دعواته الغيوم المتراكمة :

ـ اللهم انك قد اخذت مني عبيدة يوم بدر وحمزة يوم أحد وهذا علي أخي وابن عمي فلا تذرني فرداً وانت خير الوارثين .

(1) يستمر تيار الآيات في التنديد بمواقف المنافقين وبعض الذين تزلزل ايمانهم ، ثم ينتهي إلى تمجيد موقف المؤمنين . الآيات 9 ـ 25 سورة الأحزاب .

(2) ورد في السيرة انه ناوله سيفه ذا الفقار وعممه بعمامته وشيعه بكلمات خالدة قائلاً : « برز الايمان كله إلى الشرك كلّه » .


45

وكان من تقاليد القتال الفردي أن يعرّف كل طرف نفسه إلى الآخر ، سأل الفارس المعلّم خصمه :

ـ من أنت ؟

ـ علي بن أبي طالب .

وهنا تغيرت نبرة الخطاب لدى عمرو بن عبد ودّ العامري فتظاهر بالاشفاق قائلاً :

ـ ليبرز إلي غيرك يابن أخي ... انني اكره ان اقتلك لأن أباك كان صديقاً لي (1) .

ودار حوار قصير فقد عرض علي ثلاثة نقاط على خصمه قائلاً : ان قريشاً تتحدث انك تقول : لا يدعوني أحد إلى ثلاث خلال إلا اجبته ولو إلى واحدة .

ـ أجل .

ـ فاني ادعوك إلى الإسلام .

قال ابن عبد ودّ :

ـ دع منك هذه .

(1) يعدّ عمرو بن عبد ودّ من فرسان العرب المبرّزين قاتل مع المشركين في معركة بدر واصيب بجروح بليغة منعته من حضور معركة أحد ، ولهذا خرج يوم الأحزاب مُعَلّماً ليعرف ، ويبدو من خلال التأمل في حيثيات مواجهته لعليّ ان شجاعته قد خانته في اللحظات الأخيرة بعد أن عرف أن نصف قتلى المشركين البالغ عددهم سبعين مقاتل قد لقوا مصارعهم على يد علي وحده .


46

ـ ادعوك ان ترجع بمن يتبعك من قريش إلى مكّة .

قال الفارس بكبرياء :

ـ اذن تتحدث عني نساء مكّة بالجبن .

وهنا قال علي متحدّياً الوثنية كلّها :

ـ اذن ادعوك إلى المبارزة .

وغلت عروق الفارس المعلّم ، فقفز من فوق فرسه وسدّد ضربة إلى فعقره وهذا يعني انه سيقاتل حتى النهاية .

كان عمرو ما يزال في فورة الغيظ فهجم على خصمه وسدّد له ضربة جبّارة اتقاها علي بدرقته ونشب السيف في الحديد وهنا ردّ علي بالمثل فانشب ذا الفقار عاتق الرجل الوثني فسقط على الأرض وانطلقت صيحة نصر من قلب الغبار :

ـ الله اكبر .

وادرك الجيش الإسلامي أن علياً قد قتل خصمه العنيد فانطلقت صيحات التكبير وفي غمرة الذهول فرّ رفاق الفارس القتيل متجهين إلى الثغرة التي عبروا منها وسقط أحدهم في اعماق الخندق وراح المسلمون يمطرونه بالحجارة فهتف وهو يتقي الحجارة بيده .

يا معشر المسلمين قتلة اكرم من هذه (1) .

(1) سقط نوفل بن عبد الله في الخندق ؛ واستجاب علي عليه السلام فنزل اليه ولم يحرمه >


47

وقد اسفرت المواجهة عن نتائج هائلة إذ تغيّر ميزان القوى لصالح المسلمين سيّما وأن علياً قد رابط ومعه مفرزة من المقاتلين عند الثغرة التي عبر منها المشركون وبهذا يكون قد فوّت آخر فرصة للعدوّ في اقتحام الخندق واجتياح المدينة ومن ثم القضاو على رسالة الإسلام إلى الأبد . وعاد بطل الإسلام إلى معسكره يبشر رسول السماء بالنصر واستقبله عمر بن خطاب قائلاً :

هلا سلبته درعه فانه ليس في العرب درع مثلها فقال علي مجسّداً مثل الفروسية والإنسانية :

ـ استحييت أن اكشف سوءته .

راية الحب الخالدة :

طلّت خيبر تمثل تهديداً خطيراً للوجود الإسلامي ، وكان سيدنا محمد يراقب عن كثب التحركات اليهودية المشبوهة لتحريض القبائل العربية ضد الإسلام سيما قبائل غطفان التي تحركها الاطماع في السلب والنهب .

وتنامى الخطر اليهودي بعد توقيع معاهدة سلام بين المسلمين ومشركي قريش (1) ، التي فُسّرت على أنما تراجع للإسلام وضعف .

< من فرصة المبارزة الكريمة .

(1) صلح الحديبية .


48

وفي شهر صفر من السنة السابعة للهجرة تحرك الجيش الإسلامي المؤلف من ألف واربعمئة مقاتل صوب الحصون اليهودية المنيعة ؛ وانتخب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله الطريق المؤدية من خيبر إلى مضارب غطفان للحؤول دون أي تنسيق بينهما أو وصول امدادات عسكرية.

وبالرغم من عنصر المفاجأة الذي وفّره النبي صلى الله عليه وآله بجيشه إلا مناعة الحصون والقلاع اليهودية حالت دون سقوطها رغم تشديد الحصار .

كانت الجزيرة العربية تراقب باهتمام الصراع المصيري خاصّة قريش التي كانت تتمنى أن تدور الدائرة على المسلمين .

اخفقت الحملات الإسلامية المتكررة في تحقيق تقدّم يذكر ؛ وكانت مدّة الحصار وقاربت المؤن على النفاد ، وراح اليهود يسخرون من المسلمين .

وفي تلك اللحضات التاريخية المثيرة هتف النبي :

ـ لا عطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله .

وبات الجميع وهم يحلمون براية الحب الأزلية .

اشرقت شمس اليوم التالي وتطلّع المسلمون إلى من


49

سيمسك بالراية ، ولم يطل الوقت حتى ظهر علي بن أبي طالب والراية تخفق فوق هامته .

قال النبي وهو يوصيه :

ـ انطلق يفتح الله عليك .

وجسّد علي المثل الأعلى للجندي المسلم تقدم باتجاه الهدف ثم توقف وسأل دون أن يلتفت ألى ورائه :

ـ على ماذا اقاتلهم يا رسول الله ؟

ـ قاتلهم حتى يشهدوا ان لا إله الا الله واني رسول الله ؛ وتقدم علي والحماس يملأ صدره حتى إذا اصبح قريباً من الحصن ، رمى بدرعه ليتخفف من وزنه ويكون أكثر قدرة على المناورة والحركة وأمر جنوده أن يفعلوا مثله .

ورأى اليهود في علي بلا درع لقمة سائغة فهبط اليه الحارث (1) ، وهو غارق في الحديد وراح يتهادى بغرور ولم يمهله علي أذ قفز علياً هم أهوى عليه تضربة مدمّرة فسقط إلى الأرض ، وراح ابطال اليهود يبرزون اله الواحد بعد الآخر فيلاقون ذات المصير ، وانقلب الموقف وعم الحماس المسلمين الذين راحوا يسخرون من أبطال اليهود وهم يتساقطون عند قدمي بطل الإسلام .

(1) أخو مرحب .


50

وهنا يقرر مرحب خوض المعركة المصيرية واعادة روح الثقة بالنفس لدى اليهود .

تقدّم مرحب وهو مثقل بالحديد والزرد ، وفي يده رمح طويل ذي ثلاث رؤوس ؛ وليس في جسده الفارع ثغرة يمكن للسيف ان ينفذ فيها .

سدّد البطل اليهودي رمحه باتجاه صدر علي وايقن اليهود والمسلمين بانها ستكون نهاية لعلي ولكن البطل الإسلامي تحاشى الضربة وقفز في الهواء عالياً ليهوى بضربة أودعها غضب السماء . مرّت لحظات مثيرة ثم هوت كتلة الحديد فوق الأرض محدثة دويّا رهيباً وشعر اليهود بالرعب وانكفأوا داخل حصونهم وهنا أعلن علي شارة الهجوم العام .

وفي لحظات سقط القموص (1) وتساقطت بعد ذلك سائر الحصون .

وظهرت علائم الارتياح على وجه سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وفي غمرة هذا الفرح وصل جعفر بن أبي طالب من الحبشة على رأس المهاجرين ، وتضاعفت فرحة النبي صلى الله عليه وآله حتى سمع يقول :

ـ والله ما ادري بايهما أنا أشدّ سروراً بقدوم جعفر أم بفتح خيبر .

(1) أقوى حصون خيبر .


51

وعانق علي أخاه بعد فراق طويل .

ان اعظم ما في علي بن أبي طالب هو توازنه العجيب ، فلقد ظل كما هو رغم كل هذه الأمجاد الحربية وكان سيدنا محمد صلى الله عليه وآله لا يفتأ يذكر فضله واخلاصه وكان علي يزداد حبّاً وولاءً لمعلّمه ومربّيه واخيه العظيم .

آية في الطهر :

رزق الله علياً صبيين هما ريحانتي رسول الله (1) وتبلور مفهوم أهل البيت عليهم السلام ؛ وها هو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله ينثر كلمات سماوية ليجعل لهم مكاناً في قلوب المؤمنين . ليكونوا نجوماً في الأرض يهتدي بها الحائرون (2) ، وسفينة انقاذ تشق عباب الأمواج الثائرة فينجو بها الراكبون (3) ، وباباً للرحمة والمغفرة (4) . وفي بيت أم سلمة هبط الملاك بآية الطهر فالسماء تريد أن تطهّر أهل البيت ، وتجعل من ذويه امثلة للناس جميعاً ، وتصفّد جبين محمد صلى الله عليه وآله وهو يتلقى كلمات من ربّه : « انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا » .

(1) ولد الإمام الحسن عليه السلام سنة 2 هـ منتصف رمضان ، وولد الإ/ام الحسين في شعبان سنة 3 هـ .

(2) النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض .

(3) مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق .

(4) مثل أهل بيتي كباب حطّة في بني اسرائيل من دخله غفر له .


52

واستدعى سيدنا محمد صلى الله عليه وآله أخاه وابنته وسبطيه ، ليضمهم اليه قائلاً : اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .

آل محمد :

ستبقى سورة آل عمران (1) شاهداً على مكانة أهل البيت ، فهذه الاسرة الكريمة التي مسّتها السماء فطهّرتها من ادران الأرض وباركتها آخر النبوّات ستبقى وإلى الأبد معالم في الطريق إلى الله .

في حدود السنة السابعة للهجرة ، والجدل اليهودي الإسلامي في ذروته جاء وفد نجران ، فالنصارى يريدون أن يدلوا بدلوهم ويقولوا كلمتهم في غمرة الجدل الديني .

جاءوا يجادلون في طبيعة المسيح .. انه ابن الله ، انه لا ينتمي إلى عناصر الأرض .

واستقبل النبي صلى الله عليه وآله الوفد المؤلف من ستين مسيحياً يتقدمهم « العاقب » (2) و« الاسقف » (3) .

استقبل النبي ضيوفه بودّ وخاطبهم بادبه العظيم :

ـ « يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم الا نعبد إلا

(1) اشارة إلى الآية 61 من السورة .

(2) الزعامة السياسية .

(3) الزعامة الدينية .


53

الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله » (1) .

وشرح لهم آخر الأنبياء توحّد المسار النبوي عبر التاريخ :

ـ « آمن الرسول بما انزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لانفرق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير » (2) .

وتساءل الوفد عن طبيعة المسيح ولم يكن له أب فهو ابن الله .

قال النبي صلى الله عليه وآله بلغة السماء :

ـ« وما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وامّه صدّيقة كانا يأكلان الطعام » (3) .

وتساءل الاسقف عن طبيعة المسيح وقد ولد من غير أب ولدته العذراء البتول ؟!

وكان جواب السماء :

ـ « ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب هم قال له كن فيكون » (4) .

واستاء الوفد ورفض أن يكون « يسوع » منتمياً إلى الطين

(1) آل عمران : 64 .

(2) البقرة : 285 .

(3) المائدة : 75 .

(4) أل عمران 59 .


54

وهكذا وصل الجدل إلى طريق مسدود فـ « لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم » (1) وعندما وصل الجد ذروته هبط جبريل يحمل بلاغ السماء :

ـ « فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين » (2) .

وفوجئ الوفد المسيحي بدعوة النبي صلى الله عليه وآله للمباهلة وتحكيم السماء فارجأ الأمر إلى غد .

واشرقت الشمس وخرج النبي في موكب عجيب ، كان يحمل سبطه « الحسين » وقد أخذ بيد سبطه الآخر « الحسن » وكانت فتاة نحيلة القوام تمشي خلف أبيها العظيم ولم تكن سوى البتول « فاطمة » وكان زوجها يمشي خلفها .

وقف الاسقف مشدوهاً وهو يتأمل وجوهاً مضيئة وفي فلاة تمتد بامتداد الافق جثا آخر الأنبياء في التاريخ . وجثا خلفه أهل بيته ، والتفت النبي اليهم قائلاً :

ـ إذا أنا دعوت فامّنوا .

تمتم الاسقف :

(1) البقرة : 120 .

(2) آل عمران : 61 .


55

ـ جثا والله كما يجثوا الأنبياء .

وخاطب النصارى ناصحاً :

ـ اني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً لأزاله وهتف محذرراً :

ـ انظروا إلى الشمس قد تغيّر لونها والافق تنجع فيه السحب الداكنة .

وتقدم الاسقف إلى سيدنا محمد وخاطبه متودّداً .

ـ يا أبا القاسم إنّا لا نباهلك ، ولكن نصالحك .

وهكذا انسحب الوفد المسيحي في آخر لحظة ، وقال النبي صلى الله عليه وآله بعد أن عاد الوفد إلى دياره :

ـ « والذي نفسي بيده أن العذاب تولّى على أهل نجران ولولا عفوا لمسخوا قردة وخنازير ولا ضطرم عليهم الوادي ناراً » (1) .

لقد كشفت السماء المدى الذي وصل اليه علي بن أبي طالب عليه السلام من السمو حتى اصبح نفس النبي صلى الله عليه وآله .

وقد اكد النبي صلى الله عليه وآله نفسه هذه الحقيقة في الحديث النبوي الشريف ؛ وهو يخاطب علياً عليه السلام قائلاً : انت مني بنزلة هارون من

(1) مسند أحمد 1 : 185 .


56

موسى ولكن لا نبي بعدي .

ومن يستكشف حياة هارون وعلي عليه السلام سوف يجد نقاط لقاء عديدة في حياة الرجلين ، وان عذابات علي هي امتداد لعذابات الأنبياء .

مشاهد وآيات :

المشهد الأول : جلس العباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة يتفاخران .

العباس : اُوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد .. سقاية الحاج .

طلحة : وأنا اُتيت عمارة المسجد الحرام .

ومرّ علي بن أبي طالب ليذكّر بالقيم الجديدة :

ـ وأنا اُتيت على صغري ما لم تؤتيا ..

ـ وما الذي اُتيت يا علي ؟!

ـ ضربت خراطيمكما بالسيف حتى آمنتما بالله ورسوله .نهض العباس غاضباً ودخل على رسول الله صلى الله عليه وآله :

ـ أما ترى ما استقبلني به علي ؟!

ـ ادعوا لي عليّاً .

ـ وجاء علي :

ـ يا رسول الله اصدقته الحق فان شاء فليغضب وان شاء


57

فليرض .

ومرّت لحظات صمت ، وتألقت حبّات عرق على جبين النبي صلى الله عليه وآله ... لقد هبط جبريل يحمل آية :

ـ « اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله » (1) .

المشهد الثاني : في بيت فاطمة وقد جلس علي وزوجه وجارية اسمها فضة ، وكان الحسنان مريضان .

وجاء سيدنا محمد صلى الله عليه وآله يعودهما ومعه صاحبيان قال أحدهما :

ـ يا أبا الحسن لو نذرت في ابنيك نذراً ان عافاها الله .

قال على عليه السلام :

ـ اصوم ثلاثة أيام شكراً لله .

قالت فاطمة :

ـ وانا كذلك .

وقالت فضة :

وأنا أيضاً .

وقال الحسنان :

(1) الدر المنثور 2 : 218 حول الآية 19 من سورة البراءة .


58

ـ ونحن نصوم .

وبعد أيام البس الله المريضين ثوب العافية حان وقت الوفاء بالنذر فلقد نهض الحسنان من فراش المرض .. وعادت الى وجهيهما دماء العافية ، والسماء تنتظر نذراً نذره الإنسان .. نذراً يقدّمه إلى نفسه ليكون قريباً من عوالم مغمورة بالنور ..

لا شيء في منزل فاطمة .

انطلق علي إلى شمعون رجل من خيبر ؛ رجل شهد انهيار حصون مليئة بالسلاح .. بالذهب .. بالذكاء أمام رجل لا يملك سوى سيف وقلب تنطوي في حناياه النجوم . وها هو اليوم يأتي يطلب شيئاً عجيباً .. انه يطلب قرضاً ثلاثة أصواع من شعير .. الرجل الذي اقتلع باب « القموص » (1) وقهر خيبر ... جاء يطلب حنفة من شعير .. وامرأته بنت محمد تملك ارض « فدك » .

تمتم شمعون وقد هزّته المفاجأة :

ـ هذا هو الزهد الذي اخبرنا به موسى بن عمران في التوراة :

طحنت فاطمة صاعاً .. الرحى تدور و« فضّة » فتاة تعيش في منزل فاطمة .. تجمع الدقيق .. صار الدقيق عجيناً .. ثم خمسة أقراص لكل صائم قرص شعير !

(1) أقوى حصون خيبر اليهودية .


59

انجم المهيب يهوي باتجاه المغيب .. يرسل اشعة الوداع يعلن نهاية يوم من حياة الإنسان والأرض .. الاسرة الصائمة تتهيأ للافطار .. لقمة خبز تقيم أود الجسد الآدمي ليكمل رحلته باتجاه النور .

هتف انسان جائع :

ـ مسكين ! اطعموني اطعمكم الله .

وحده الصائم في لحظة الافطار يدرك آلام الجياع عندما تتلوى المعدة خاوية تبحث عن شيء تمضغه وإلا مضغت نفسها .

قدّم الصائمون خبزهم .. وافطروا على الماء .. واستأنفوا رحلة الجوع .. الجوع زاد المسافر في ملكوت السماء .. حيث تلال النور وبحيرات تزخر بالنجوم .. الجوع يلجم الشيطان القابع في الظلمات .. يسحقه فاذا هو خائر كثور محطّم القرون .

ومرّ يوم آخر والصائمون في رحلة اكتشاف ينابيع الحبّ الأزلي .. وكل شيء آيل إلأى الزوال إلا الحبّ .. والحبّ نداء الله إلأى النفوس البيضاء .

ومرّ يتيم .. يا لوعة اليتم في ماعة الغروب .. الكائنات تعود إلى أوكارها والطيور إلى اعشاشها والاطفال إلى احضان زاخرة بالدفء ، وفي ساعة الغروب تتجمع الدموع في عيون اليتامى كسموات مشحونة بالمطر ... يتجمع البكاء في القلب .. والمرارة في


60

النفس فكيف إذا اجتمعت مع الجوع .. وهل تتحمل نفوس الأطفال البرد والجوع !!

نادى اليتيم في لحظة الغروب الحزين :

ـ اطعموني .. مما اطعمكم الله .

هناك في اعماق النفوس البيضاء كنوز من اللذة اني منها لذائذ البطن .. فكيف مع نفوس براها الجوع والنذر حتى عادت شفافة كالضياء ساطعة كالنور ..

لبّي الصائمون نداء اليتيم .. فباتوا ليلتهم يطوون رحلة مضنية تكاد تمزّق الجسد وتحيله إلى حطام .. حيث يشهد عالم الإنسان اللانهائي انتصار الملائكة وهزيمة الشيطان .. إلى الأبد .

السماء تراقب نفوساً في الأرض تطوي مسافات الجوع وفاءً بنذرها ؛ وفي اليوم الثالث مرّ اسير ينشد لقمة خبز أو تميرات .

الأجساد ترتعش أمام امواج الجوع .. العيون غائمة .. والوجود يغمره ضباب ودخان .. ورياحين النبوّات تهتز .. تذبل أو تكاد .. والنفوس تشتد نصوعاً والورود تضوّعاً ..

فاطمة تزداد نحولاً .. غارت عيناها .. وصوتها زاد وهنا على وهن وهي قائمة تصلّي في المحراب ..

وفي منزل آخر الأنبياء هبط جبريل يحمل هدية السماء ...


61

سورة الإنسان وانها :

بسم الله الرحمن الرحيم

« هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً * انا خلقنا الإنسان من نطفة امشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا * انّا هديناه السبيل اما شاكراً وامّا كفورا * انّا اعتدنا للكافرين سلاسل واغلالاً وسعيرا * انّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجّرونها تفجيرا * يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيرا * ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً واسيرا * انما نطعمكم لوجه الله لانريد منكم جزاءً ولا شكورا * انا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قنطريرا * فوقاهم الله شرّ ذلك اليوم ولقاهم نضرةً وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنّةً وحريراً * انّ هذا كان لكم جزاءً وكان سعيكم مشكورا ... » .

ورأت فاطمة في تلك الليلة ما لا عين رأت وسمعت ما لا أذن سمعت ولم يخطر على قلب بشر ... » (1) .

المشهد الثالث : الشمس تغمر مسجد النبي صلى الله عليه وآله بالضوء الرسول صلى الله عليه وآله والذين آمنوا يصلّون خلفه صفوفاً ؛ الصمت يغمر المكان ما خلا تمتمات الصلاة .

ولما انفتل النبي صلى الله عليه وآله من الصلاة دخل اعرابي .. يحكي في

(1) عن رواية « وكانت صدّيقة » .


62

هيئته عناء الصحراء وقسوتها ، الثياب مهلهلة ممزّقة خرّقتها ريح السموم ، والعينان غائرتان منطفئتان ذهبت ببريقهما مرارة الأيّام .

لم يجد الاعرابي سوى اللجوء إلى رسول السماء .. إلى ظلال وارفة ، واحة مضمخة بشذى جنّات الفردوس . واطلق السائل صيحة استغاثة ، فخلف جدران المسجد صبية وبنات .. اجساد عارية تنشد الستر ، وبطون خاوية تبحث عن رغيف الخبز .

وظلّت نداءات الاعرابي دون جواب ، ورمق الاعرابي السماء بعينين غارقتين في حزن مرير :

ـ اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً .

وفيما كان الاعرابي يهمّ بالانصراف رأى رجلاً يومي إليه .خفّ اليه الاعرابي بلهفة كان الرجل يصلّي كان راكعاً لله ويده ممدودة ، لم تكن الكفّ خالية ففي الخنصر خاتم فضي .

نزع الاعرابي الخاتم ، وعادت كفّ الرجل خالية .

ومضى الاعرابي فرحاً فيما ظلّ الرجل يصلّي لله . وتأثر النبي صلى الله عليه وآله فرفع يديه إلى السماء قائلاً : اللهم ان أخي موسى سألك فقال : « رب أشرح لي صدري ويسّر لي امري * واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي * واجعل لي وزيراً من أهلي * هارون اخي * اشدد به ازري * واشركه في أمري » فانزلت عليه قرآناً ناطقاً : « سنشد عضدك باخيك


63

ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون اليكما بآياتنا » اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك ، اللهم اشرح لي صدري ويسر لي امري واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً اشدد به ازري .

وعرجت الكلمات تطوي المسافات وتخترق مدارات الزمن ، وهبط جبريل ..

تصفّد جبين النبي صلى الله عليه وآله ، تألقت فوق جبينه الأزهر حبّات العرق كقطرات الندى ، وفاحت في فضاء المسجد عطور الفردوس وافاق النبي صلى الله عليه وآله وانسابت كلمات السماء كنهر هادئ :

ـ « انّما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله هم الغالبون » .

ان السماء ولا شك بأخذ بيد علي وترفعه علياً تمنحه منحت سيد الخليقة محمد صلى الله عليه وآله إلا النبوة .

محطّات الجهاد :

دخلت السنة السابعة من الهجرة ، وكلمة الإسلام تطوف ربوع الجزيرة العربية كفراشة تبشر بالربيع القادم .

وتهيأ سيدنا محمد صلى الله عليه وآله ومعه ألفان من الذين أمنوا إلى قضاء عمرة الحج ، واخليت مكّة للزائرين ؛ وكان زعماء قريش يراقبون


64

عن كثب أفواج المسلمين وهي تنحدر من شمال مكّة إلى بطن الوادي ؛ كان عبد الله بن رواحة (1) آخذاً بخطام ناقة النبي ، وعندما انكشف البيت للوافدين تصاعدت هتافات التوحيد من اعماق القلوب المومنة :

ـ لبيك اللهم لبيك ... لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ... ودخل النبي المسجد والتفت إلى اصحابه قائلاً :

ـ رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوّة .

واستلم الركن ثم بدأ يهرول حول البيت ، وهرول المسلمون خلف النبي صلى الله عليه وآله سبعة اشواط وكان منظراً ادهش الوثنيين ... وربّما تساءل بعضهم كيف امكن لهذا الطريد الذي خرج قبل سبع سنوات فارّاً يعود الآن ومعه الفان من انصاره فيدخل مكّة دخول الفاتحين ...

وفي تلك اللحظات دوّت نداءات لها مغزاها الخالد وتجاوبت جنبات الوادي لهتافات المسلمين :

ـ لا إله إلا الله وحده .. نصر عبده .. واعزّ جنده وهزم

(1) عبد الله بن رواحة بن امرئ القيس من بني مالك بن ثعلبة كنيته أبو محمد ، صحابي جليل القدر ومن الشعراء الراجزين كان يدافع عن النبي صلى الله عليه وآله بشعره ، ويثير حماس المسلمين والمجاهدين وكان احد النقباء الاثني عشر في بيعة العقبة استشهد في معركة مؤتة 8 هـ حيث مرقد الآن | اُسد الغابة 3 : 156 .


65

الأحزاب وحده ..

وشعر الوثنين بالغيظ والحقد وتذكروا تلك الأيام المريرة في ذلك الشتاء القارس ، واستعادوا تفاصيل ذلك المشهد الخالد يوم سقط بطل الوثنية عمرو بن عبد ود عند قدمي فتى الإسلام علي بن أبي طالب .

وكان همّ سيدنا محمد صلّى الله عليه وآله أن يرسم صورة مشرقة لثقافة الإسلام الجديدة ، ولا شك أن بعض اولئك الوثنيين قد تأثر لمنظر المسلمين وهم يطوفون حول الكعبة ؛ وهم يصطفّون للصلاة فتنساب آيات السماء معبّرة بليغة جميلة .

ومرّت ثلاثة أيام ، وارسلت قريش وفداً يذكر النبي بانتهاء الأجل الذي نصّت عليه معاهدة « الحديبية » (1) وعرض النبي صلى الله عليه وآله أن

في السنة السادسة للهجرة عزم النبي صلى الله عليه وآله على اداء العمرة ، وكان من المفروض ان تسمح قريش لهم بذلك اسوة بسائر القبائل العربية ، ولكن مشركي مكّة رفضوا ذلك بعناد ، وعسكر النبي صلى الله عليه وآله في الحديبية قرب المكّة وارسل وفداً يشرح لهم اهداف زيارته ، وتأزم الوضع بشكل انذر بوقوع حرب مدمّرة ، وخيراً اتفق الفريقان على ابرام معاهدة سلام جاء فيها :

1ـ انهاء حالة الحرب مدّة عشر سنين .

2ـ ان يرجع النبي صلى الله عليه وآله واصحابه هذا العام دون عمرة على أن يعودوا في العام القادم ، وتلتزم قريش باخلاء مكّة مدّة ثلاثة أيام .

وعندما اراد علي بن أبي طالب عليه السلام تحرير بنود الاتفاق وكتب : « بسم >


66

يقيم مأدبة طعام لأهل مكّة ، فرفضت قريش اقتراح النبي وطلبت من المسلمين مغادرة مكّة .

جعفر الطيار :

في جمادي الأولى من السنة الثامنة للهجرة الشريفة وقعت معركة مؤتة في شمال الجزيرة العربية عندما اصطدم الجيش الإسلامي بحشود الرومان والتي قدّر بعض المؤرخين انها ناهزت المئتي ألف جندي ، حيث هوى زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب (1) وعبد الله بن رواحة شهداء ، فيما قاد خالد بن الوليد الذي

< الله الرحمن الرحيم ، اعترض المفاوض الوثني واصرّ على كتابة « باسمك اللهم » وكتب علي هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو واعترض الأخير أيضاً قائلاً بل اكتب اسمك واسم ابيك ، ولم تطاوع نفس علي ان يمحو صفة الرسالة عن سيدنا محمد فاخذ النبي صلى الله عليه وآله الصحيفة ومحاها بنفسه والتفت إلى علي وقال بحزن :

ـ ان لك مثلها يا علي !

لقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وآله ينظر إلى المدى البعيد إلى ابعد من ثلاثين سية قادمة ؛ سوف يحارب علي في صفين « القاسطين » معاوية واتباعه وسوف يضطر علي إلى وقف القتال والتفاوض .

وعندما يحرر عبد الله بن عباس بنود الاتفاق ويكتب : هذا ما صالح عليه علي أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان ، سوف يعترض المفاوض الشامي قائلاً : لو شهدت بان علياً أمير المؤمنين ما قاتلته ، بل اكتب علي بن أبي طالب ويرفض عبد الله بن عباس ذلك فيأخذ علي صحيفة الاتفاق ويمحو « امير المؤمنين » وهو يستعيد تفاصيل ما وقع في « الحديبية » .

(1) شقيق علي من السابقين إلى الإسلام قاد الهجرة الثانية إلى الحبشة ، وكان >


67

اسلم حديثاً عملية انسحاب ناجحة .

وجاء نصر الله :

خرقت قريش صلح الحديبية بتحريضها « بني بكر » على (1) قبيلة خزاعة حليفة المسلمين ، وحاول بعض سادة قريش تدارك الموقف وفي طليعتهم أبو سفيان ، الذي شدّ الرحال إلى المدينة لاستقبال الزمن وتجديد معاهدة الحديبية مع سيدنا محمد صلى الله عليه وآله .

غير أنه قد فات الأوان فقد سبقه وفد خزاعة الذي اطلق صيحه استغاثة بالنبي صلى الله عليه وآله مذكّراً اياه بالتحالف .

والتقى أبو سفيان سيدنا محمد صلى الله عليه وآله .

قال أبو سفيان :

ـ جئت أجدد العهد وازيد في أمده .

سأل النبي :

الهذا جئت يا أبا سفيان ؟!

< لخطابه أمام النجاشي ابلغ الأثر في تجذير الإسلام وكسب تعاطف ملك الحبشة الذي اسلم فيما بعد . وتزامنت عودته إلى المدينة مع انتصارات الإسلام في خيبر ، قال سيدنا محمد صلى الله عليه وآله فيه : اشبهت خلقي وخُلُقي ، كان يلقب بأبي المساكين لاحسانه إلى الفقراء . | الطبري 2 : 37 .

(1) أغار بنو بكر على قبيلة خزاعة ليلاً ، وكانت قريش قد مدّت المعتدين بالرجال والسلاح ، وذلك في شعبان سنة 8 هـ ، ولجأت خزاعة إلى الحرم المكي ولكن المعتدين استمروا في عدوانهم منتهكين حرمة البيت العتيق .


68

أجاب أبو سفيان بخبث :

ـ نعم .

فسأل النبي صلى الله عليه وآله :

ـ فهل حدث عندكم ما يوجب ذلك ؟

اجاب أبو سفيان وهو يخفي الحقائق الدامية :

ـ كلا .. نحن على صلحنا في الحديبية لا نغير ولا نبدّل .

وشعر أبو سفيان أن النبي صلى الله عليه وآله يعرف ما حصل فانطلق إلى ابنته رملة زوجة النبي صلى الله عليه وآله وفوجئ بموقف لم يكن يتوقعه ابداً فقد طوت أم حبيبة فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وقالت بشجاعة :

ـ انه فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وانت امرؤ مشرك نجس .

فقال الوثني متظاهراً بالأسى :

ـ لقد اصابك بعدي شرّ .

فاجابت المرأة المؤمنة :

ـ بل هداني الله إلى الإسلام .

واردفت تدعوه إلى النور :

ـ واعجباً لك وانت سيد قريش وكبيرها تعبد حجراً لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً .

فقال أبو سفيان وهو يتشظى حقداً :

ـ بل الأعجب انكِ تريدين ان اترك دين آبائي واتبع


69

دين محمد !! .

اخفق أبو سفيان في مهمّته ، ولكنه اضحى كالغريق الذي يتشبث بأي شيء من اجل النجاة (1) ؛ فراح يستنجد بهذا وذاك دون جدوى ؛ وانطلق الزعيم الوثنى إلى علي بن أبي طالب فلم يجد لديه استعداداً للوساطة فاستشاره فيما يتوجب عليه أن يفعل في هذه الظروف السيئة فقال علي :

ـ انك من سادة كنانة ... ولا أرى لك إلا أن تقوم فتجير بين الناس ... ولا اظن ان ذلك يجديك شيئاً .

وهكذا عاد أبو سفيان إلى مكّة صفر اليدين ؛ واعتبرته قريش فاشلاً في رحلته وراح بعضهم يتهكم منه قائلاً :

ـ لقد لعب فيك علي بن أبي طالب .

وفي ظروف بالغة السرّية كان النبي يعدّ العدّة للزحف باتجاه مكّة وكان أكبر همّه أن يفاجئ قريش بحشود هائلة فيضطرها إلى الاستسلام دون اراقة للدماء ؛ وبالرغم من كل الاجراءات فقد تسرّب النبأ إلى أحد الصحابة (2) فسطّر اخباره المثيرة في رسالة

(1) تذكر كتب السيرة انه ذهب إلى ابي بكر والى عمر وعثمان فلم يجد لديهم تجاوباً ، كما ذهب إلى فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فقد اجارت اختها زينب أبا العاص بن الربيع يوم كان مشركاً ، غير أنها رفضت ان تتدخل .

(2) حاطب بن ابي بلتعة .


70

وبعث بها إلى مكّة ، وكان قد استأجر امرأة لهذا الغرض .

وهبط الوحي يفضح هذه المؤامرة ، فبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم علياً والزبير على وجه السرعة لتدارك الموقف ، وفي منطقة الحليفة (1) أوقف الفارسان المرأة ، واستجوبها الزبير ابن العوام ، فاقسمت انها لا تحمل أية رسالة وانخرطت في البكاء ، فقال الزبير لعلي بعد أن فتش الرحل تفتيشاً دقيقاً .

ـ ليس معها شيء ارجع بنا إلى رسول الله نخبره .

فقال علي بلهجة تتدفق ايماناً بصدق النبوّات :

ـ يخبرني رسول الله ان معها كتاباً ويأمرني بأخذه فتقول لا شيء معها !!

واقبل علي على المرأة مهدداً :

ـ والله لأن لم تخرجي الكتاب لاكشفنك ، وانهارت المرأة وهي ترى سيف علي فقالت :

ـ اعرض عني .

واستخرجت المرأة الكتاب من جدائلها .

واجتمع المسلمون في المسجد وقد بان الغضب على وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلّم :

(1) على بعد أميال من المدينة المنوّرة .


71

أيها الناس ! لقد كنت سألت الله ان يخفي اخبارنا عن قريش وان رجلاً منكم كتب اليهم يخبرهم ... فليقم صاحب الكتاب قبل أن يفضحه الوحي .

وساد صمت رهيب ، وكرّر النبي دعوته ، واخيراً نهض حاطب وهو يرتجف كسعفة في ريح باردة :

ـ انا صاحبه يارسول الله .

ودمعت عيناه وهو يقول :

والله اني لمسلم مؤمن بالله ورسوله ما غيّرت وما بدّلت ولكني امرأ ليس لي في مكّة عشيرة ولي فيها أهل وولد فاردت أن اصانعهم .

وأمر النبي باخارجه من المسجد ، وراحت الجماهير تدفعه إلى خارج المسجد ، وهو ينظر إلى سيدنا محمد بعينين فيهما ذلّة الانكسار ؛ وتدفق نبع الإنسانية في قلب رسول السماء فأمر باعادته واوصاه الا يعود إلى مثلها ابداً .

واستكمل المسلمون استعداداتهم العسكرية وبلغت الحشود عشرة آلاف مقاتل ، وغادر الجيش الإسلامي المدينة المنوّرة في رمضان المبارك سنة 8 هـ .

وصلت القوات الزاحفة مرتفعات « مرّ الظهران » (1) المطلّة على

تبعد عن مكّة 24 ميلاً عربياً أي ما يعادل 48 كم .


72

مكّة ، واراد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم التهويل من ضخامة الزحف الإسلامي فأمر جنوده بايقاد النار فوق المرتفعات ، وشعر أبو سفيان بالانهيار وهو يراقب النار وهي تضيء الصحراء المترامية .

ولم يجد الوثنيون سوى الإستسلام وفتح أبواب مكّة للفاتحين .

وفوجئ أهل مكّة بمنظر سيدنا محمد وهو يدخل مكّة على ناقته مطرقاً برأسه تواضعاً ولم تبد عليه أية ملامح تدلّ على نشوة النصر ولا شهوة الانتقام ، لقد اتسع قلبه الكبير لكل الناس حتى لأولئك الذين آذوه وعذبوه وشرّدوه عن مرابع صباه ؛ ولقد كان بامكانه ان يحيل مكّة إلى خرائب ، ولكن محمد صلى الله عليه وآله وسلّم لم يكن يفكر بافتتاح المدائن ابداً فهمّة الوحيد أن يفتح القلوب ويقود الإنسان الحائر إلى ينابيع النور والأمل والحرّية .

الزلزال : لقد كانت لحظات مثيرة تلك التي شهدت انهيار الأوثان العربية ، وسط هتافات الله أكبر التي ملأت فضاء مكّة ؛ وراح سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يطوف حول البيت على ناقته «القصوى »ومئات الأصنام تتهاوى بين يديه لتتحول إلى انقاض .

ها هو حفيد إبراهيم عليه السلام يدخل المعبد وبيده فأس يهشم بها وجوه الآلهة المزيفة ، وكان « هبل » ما يزال جاثماً فوق الكعبة يحدّق


73

ببلاهة والتفت النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إلى علي عليه السلام وتسلّق وليد الكعبة البيت الذي شهد ميلاده قبل ثلاثين سنة .

وتهشم هبل تحت وقع ضربات على ، كان أبو سفيان يراقب تحطّم الآلهة بمرارة ، ولعل تلك اللحظات كانت من اصعب ما واجهه أبو سفيان في حياته .

التفت الزبير إليه قائلاً :

ـ يا أبا سفيان لقد كسر هبل ...

واردف وهو يستعيد هتافات أبي سفيان في أحد : أُعلُ هُبل !

ـ اما انك قد كنت منه يوم أحد في غرور .

قال أبو سفيان بضيق :

ـ دع عنك هذا يا ابن العوام .. لو كان مع إله محمد إله غيره لكان غير ما كان .

وارتقى بلال سطح الكعبة في مشهد مثير فهذا العبد المملوك قد جعل منه الإسلام بطلاً من ابطال الإنسانية ، ولم يكن هناك من اسم احب إليه من اسم محمد صلى الله عليه وآله وسلّم .

ودوّت هتافات الأذان الخالد معلناً : ان لا إله إلا الله .. الله أكبر .. (1) .

(1) تمتم بعضهم قائلين بغيظ : ليتنا متنا قبل هذا اليوم ، ولم نسمع بلالاً ينهق فوق الكعبة !!


74

حتى إذ وصل بلال إلى اسم حبيبه رفع صوته كاشدّ ما يكون قائلاً : اشهد أن محمداً رسول الله .

وسيئت وجوه الذين في قلوبهم مرض .

لقد دمّر الزلزال اوثانهم ومرغ كبرياءهم بالوحل واحال مصالحهم وامجادهم إلى مجرد انقاض وبدد أحلامهم المريضة فاذا هي هشيم تذروه الرياح .

لنراقب عن كثب هذا المشهد المضيء لنرى كيف يحاول رسول السماء انقاذ الإنسان من براثن النفوس الجاهلية ، ها هو سهيل بن عمرو يحثّ الخطى مذعوراً إلى منزله لقد دخل جيش محمد مكة فاتحاً وقد حانت لحظة القصاص اغلق سهيل باب المنزل باحكام وجلس يترقب ، قال لولده وكان قد اسلم من قبل (1) .

ـ اذهب يا عبد الله وخذ لي أماناً من محمد .. اني لا آمن على نفسي ..

واضاف وهو يستعيد تفاصيل الماضي البعيد :

ـ لأنني لم أجد احداً اساء إليه إلا واشتركت معه .. وقد حضرت مع قريش بدراً وأحداً .

وتناسى الابن البار كل اساءات والده ، وانطلق إلى ينابيع النور

(1) قبل صلح الحديبية .


75

والرحمة إلى حبيب القلوب محمد صلى الله عليه وآله وسلّم ، قال النبي :

ـ هو آمن .

والتفت إلى اصحابه يوصيهم بتناسي الماضي وفتح صفحة جديدة وبدء حياة جديدة :

ـ من لقي منكم سهيلاً فلا يشدّن النظر إليه ... ان سهيلاً له عقل وشرف .

وأكبر المسلمون موقف النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ازاء سهيل .. سهيل الذي آلم قلب النبي في مفاوضات الحديبية ... وتذكروا كلماته وهو يطالب بمحو رسول الله من نص المعاهدة قائلاً : لو كنت اعلم أنك رسول الله ما قاتلتك .. بل اكتب اسمك واسم ابيك !

وردّ النبي بحزن : والله أني رسول الله وان كذبتموني !!

وجاء عبد الله يبشر أباه بالطمأنينة والأمن والسلام .

واهتز سهيل للموقف النبيل ، وحطّم الإنسان في اعماقه السلاسل وهتف :

ـ كان والله براً صغيراً وكبيراً .

حادثان :

مكث سيدنا محمد صلى الله عليه وآله والمسلمون في مكة خمسة عشر يوماً ، ولعلّ علي بن أبي طالب الذي تخطى الثلاثين ، قد تجوّل في


76

ربوعها الزاخرة بالذكريات وربّما ذهب إلى حراء جبل النور ، إلى الغار الذي كان يأوي اليه مع أخيه وسيّد العظيم ؛ غير أن «الشيخ » الغارق في السنين والحوادث لم يتذكر سوى حادثتين فقط ... فرك جبينه بيده المعروقة وقال :

ذهب علي وهو بكامل زيّه الحربي .. يجتاز الازقّة إلى منزل أخته ام هانئ وعندما دخل فوجئت المرأة وكانت قد اجارت رجلين (1) من مكّة خائفين فاجارتهما .

قالت أم هانئ وهي تخاطب الجندي المسلم المدجج بالسلاح :

أنا أم هاني بنت عم رسول الله !

واماط علي اللثام ، وارتسمت ابتسامة مشرقة على وجه شقيقته التي خفّت اليه تعانقة . وفي تلك اللحظة وقعت عيناه على المشركين فاخترط سيفه هتفت أم هاني :

ـ أنت أخي وتصنع معي ذلك .. لقد اجرتهما .

قال علي :

ـ اتجيرين المشركين ؟!

القت أم هانئ عليهما ثوباً واعترضت اخيها :

(1) اجارت أم هانئ حموين لها مشركين هما عبدالله بن أبي ربيعة والحرث بن هشام من بني مخزوم .


77

ـ إذا اردت قتلهما فاقتلني معهما .

ولم يجد علي سوى مغادرة المنزل .

وانطلقت أم هانئ بعد أن هدّأت من خوف الرجلين إلى خيمة النبي ... لم تجده هناك ووجدت فيها ابنته فاطمة ..

وجلست أم هانئ تشكو ما فعله اخوها وزوج ابنة النبي :

ـ ما لقيت من ابن امي لقد اجرت حموين لي .. فتفلّت عليهما ليقتلهما !

قالت فاطمة :

ـ لأنهما يستحقان ذلك ، ... وما يجدر بكِ أن تجيري المشركين .

وجاء النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ولما رأى أم هانئ هتف مستبشراً :

ـ مرحباً بأم هانئ .

وشكت له أم هانئ ما حصل فقال رسول الإنسانية :

ـ قد أجرنا من أجرت وآمنا من آمنت .

وعادت ام هانئ إلى منزلها تحمل البشرى للرجلين الخائفين .

كانت القبائل العربية تترقب ما سيسفر عنه الصراع بين محمد وقومه من قريش ، وكانت مكّة بكل ثقلها الديني والقبلي تمثل أم القرى ، فهي مركز الوثنية وحصنها الحصين .


78

بنو جذيمة :

ومن هنا جاء فتح مكّة ليسجل النصر الحاسم والنهائي للإسلام في مواجهة العقيدة الوثنية ، وهكذا جاء اعتناق قريش للإسلام ايذاناً ببداية عهد جديد ، ولكن ذلك لم يكن يمنع من وجود بعض الجيوب المشركة هنا وهناك في طوايا جزيرة العرب .

وفي خطوة لنشر الإسلام على نطاق أوسع جهز النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قوّة مقاتلة مؤلفة من ثلاثمئة وخمسين جندي ضمت الأنصار والمهاجرين لدعوة « بني جذيمة » إلى الإسلام ؛ وكان على رأس القوّة الإسلامية « خالد بن وليد » .

وللأسف فقد استيقظت في نفس القائد المسلم ذكريات الجاهلية وتحرّكت في اعماقه روح الثأر من الذين قتلوا عمّه (1) في غابر الأيام .

وهرع بنو جذيمة إلى السلاح ؛ فقال خالد وقد بيّت لهم الغدر :

ـ ضعوا السلاح فان الناس قد اسلموا .

وصاح جحدم وهو رجل من بني جذيمة :

ويلكم يا بني جذيمة انه خالد بن الوليد والله ما بعد وضع

(1) الفاكه بن المغيرة وكان بنو جذيمة قد قتلوا أيضاً عوفاً والد عبد الرحمن .


79

السلاح إلا الأسر ، وما بعد الأسر إلا ضرب الاعناق ، ولكن بنو جذيمة مالوا إلى السلام وقال بعضهم :

يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا !! فان الناس قد اسلموا ووضعت الحرب وآمن الناس .

والقى جحدم سلاحه ، وهنا أمر خالد بأسرهم ، وقتل جماعة منهم ؛ واعترض عبد الرحمن بن عوف بشدّة قائلاً :

انك عملت بأمر الجاهلية في الإسلام .

قال خالد مخادعاً :

ـ لقد اخذت بثأر أبيك .

أجاب عبد الرحمن مستنكراً :

ـ كذبت .. لقد قتلت قاتل أبي يومذاك ... ولكن ثأرت لعمك « الفاكه » واخترط خالد سيفه وشهر عبد الرحمن هو الآخر سيفه ، وتدخل بعض المسلمين فاصلحوا بينهما .

وصلت الأنباء المثيرة إلى مكّة وتألم النبي بشدّة لهذا الانتهاك والغدر .. ورفع يديه إلى السماء قائلاً :

ـ اللهم اني ابرأ اليك مما صنع خالد .

واستدعى النبي أخاه علياً وسلّمه « مالاً » :

ـ يا علي اخرج إلى هؤلاء القوم وانظر في أمرهم واجعل أمر


80

الجاهلية تحت قدميك .

وانطلق علي مضارب بني جذيمة في خطوة اصلاحية ودفع تعويضات عن ضحايا الحادث وبعض الخسائر الأخرى .

قال علي :

ـ هل بقي لكم بقية من دم أو مال .

اجاب المنكوبون وقد طابت خواطرهم .

ـ لا .

نظر علي فوجد لديه بقية من المال قد زاد ، فقدّمها اليهم احتياطاً مما لا يعلم ولا يعلمون ، وعاد إلى رسول الله يشرح له تفاصيل مهمّته فقال النبي :

ـ اصبت واحسنت .

ورفع يديه إلى السماء مرّة أخرى تعبيراً عن استنكاره الشديد لما حصل :

ـ اللهم اني أبرأ إليك مما صنع خالد .

قالها ثلاث مرات .

الطريق إلى حُنين :

يعدُّ ما حدث في وادي حنين آخر المواجهات العنيفة بين الإسلام والوثنية .


81

كانت قبائل هوازن وثقيف التي تقطن الطائف قد وقفت موقفاً سلبياً حيال الإسلام في مراحل الدعوة الأولى .

وعندما غادر سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم المدينة المنورة زاحفاً باتجاه مكّة ظنت تلك القبائل (1) انها ستكون الهدف من تلك الحملة العسكرية ؛ وهكذا تدفقت القبائل الوثنية إلى وادي حنين وتمركزت في المرتفعات المشرفة على الوادي في خطّة ذكيّة لمباغتة الجيش الإسلامي ؛ وقد ضم التجمع الوثني قبائل هوازن وثقيف ونصر وجشم وبلغت الحشود العسكرية الثني عشر ألف مقاتل ؛ وكان الجيش الإسلامي يتألف من اثني عشر ألف جندي هو الآخر .

وقد بلغ من تهوّر الزعيم الوثني الشابّ ان هدد بالانتحار إذا لم تنفذ القبائل المتحشدة تفاصيل خطّة دون قيد أو شرط ، وكانت خطّة تستند إلى ركنين . الأول : ضمان عنصر المفاجأة في احتلال المرتفعات ومباغتة الحشود الإسلامية بهجوم عنيف ، والثاني زجّه الأطفال والنسوة وما يمكن نقله من الأموال في المعركة وخلق حالة من الاصرار لدى القبائل ودفعها إلى القتال حتى النهاية .

وقد علّق الشاعر دريد بن الصمّة (2) بمرارة قائلاً : ان المنهزم

(1) تسارعت الأحداث بشكل مثير ولم تسمع قبائل هوازن وثقيف بانتهاك قريش لصلح الحديبية ؛ ثم سيطرت مشاعر الغرور على حشودهم العسكرية الضخمة وحماس زعيمهم الشاب مالك بن عوف في مواجهة الجيش الإسلامي .

(2) دريد بن معاوية والصمّة لقب ابيه معاوية سيد بني جشم فقد بصره في اخريات >


82

لا يردّه شيء ؛ وانقد مالكاً بن عوف لذلك .

كان على الجيش الإسلامي الزاحف أن يسلك المنعطفات الجبلية في منطقة حنين ؛ وعندما بدأت الكتائب الإسلامية في غبش الفجر الانسياب في بطن الوادي العميق ، فوجئت بوابل من السهام ؛ وهي تنبعث من قلب الظلمات ، وسادت الفوضى الكتيبة التي يقودها خالد بن وليد فارتدّت الى الوراء في انسحاب فوضوي جرف معه الكتلة الرئيسية من الجيش الإسلامي ، وتحوّل الانسحاب إلى هزيمة ، ولم يعر المنهزمون اذناً إلأى صيحات النبي وهي تدعوهم إلى الثبات والمقاومة ، وبهذا سجّلوا موقفاً اسوأ بكثير مما حصل في معركة أُحد .

لم يثبت مع النبي صلى الله عليه وآله إلا ثلّة مؤمنة وقد تضاربت الروايات فيمن ثبت ولكنها اجمعت على ثلاثة في طليعتهم علي بن أبي طالب والعباس وأبو سفيان بن حارث (1) وايمن الذي هوى شهيداً

< عمره وكانت هوازن تستشيره في الأزمات .

(1) ابوسفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وأخوه من الرضاعة ، كان يهجو سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم ؛ وفيما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلّم يتجه صوب مكّة في عام الفتح غادر أبو سفيان مكّة مصطحباً ابنه وقد مال قلبه للإسلام فالتقى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في الطريق ، ورفض النبي استقباله ، وتوسطت أم المؤمنين أم سلمة له ولاخيها من ابيها قائلة :

ـ لا يكن ابن عمّك وابن عمّتك اشقى الناس بك يا رسول الله !

وقال ابو سفيان بمرارة : والله ليأذنن لي أو لآخذن بيد ابني ثم لنذهبن في الأرض >


83

في أرض المعركة .

وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلّم عمّه العباس أن يطلق هتافاته الجهورية ليتذكر المسلمون بيعة في ظلال الشجرة (1) .

ودوّت في الوادي صيحات العباس :

ـ يا أهل بيعة الرضوان ! .. يا اصحاب سورة البقرة .. يا أهل بيعة الشجرة .. إلى اين تفرّون ؟

وكان ذو الفقار يسطع في غمرة الغبار كصاعقة مدّمرة ، وقد سجّل القرآن الكريم تلك اللحظات الحساسة من تاريخ الإسلام في قوله تعالى : « ويوم حنين إذ اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم انزل الله سكينة على رسوله وعلى المؤمنين وانزل جنوداً لم تروها » .

ان قلب المؤمن اقوى من الجبل ... وسيذكر التاريخ الإسلامي باجلال تلك اللحظات المصيرية ؛ فيوم هبّت العاصفة الوثنية صفراء مدمّرة ، لم يثبت سوى محمد وعلي ورجال صدقوا ... وانزل الله جنوده .. وتحولت الهزيمة إلى نصر وشيئاً فشيئاً عاد

< حتى نموت عطشاً ؛ وعلّمه علي كيف يقابل النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قائلاً له :

ـ إئت رسول الله من قبل وجهه وقل له ما قاله اخوة يوسف : تالله لقد آثرك الله علينا وعندها قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم : لا تثريب عليكم اليوم ، يغفر الله لكم .

(1) بيعة الشجرة أو بيعة الرضوان وفيها بايع المسلمون سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم على الموت وذلك سنة 6 هـ ، وهي البيعة التي سبقت بأيام صلح الحديبية .


84

المنهزمون إلى الوادي الأيمن (1) ، وكانت راية الإسلام تخفق في قبضة علي ؛ واقتحم النبي عن بغلته وراح يباشر القتال ببسالة ادهشت المسلمين انفسهم ، واندفع علي إلى حامل الراية الوثنية فقضى عليه ، وسقطت راية الشرك وكان لهذا الموقف البطولي اثره في ارتفاع معنويات المسلمين .

وما ان اشرقت الشمس حتى كانت ارض الوادي تهتز لضرواة المعركة ، وعندما شاهد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أن كفة القتال تميل لصالح الجيش الإسلامي هتف معلناً بدء الهجوم المعاكس :

ـ الآن حمي الوطيس ، شدّوا عليهم !

واندفع المسلمون في هجوم مدمّر ، وراحوا يمزقون الفلول الوثنية ، التي فضلت الفرار والنجاة بأي ثمن .

لقد سقطت راية الشرك إلى الأبد فيما ظلت راية الإسلام تخفق في قبضة بطل الإسلام علي بن أبي طالب عليه السلام .

انظر كيف يتألق اسم علي في منعطفات التاريخ الإسلامي .. في اللحظات المصيرية .. في « بدر » و« أُحد » والاحزاب وفي يوم حنين ؛ ثم يختفي فجأة عندما يصبح الحديث عن الغنائم والاسلاب ، والاطماع الرخيصة ..

(1) انحاز النبي إلى يمين الوادي .


85

لقد حصل أبو سفيان وصفوان ومعاوية ويزيد على ثروات طائلة لم يكونوا ليحلموا بها .. وعاد علي ولا شيء في يديه سوى البيرق الإسلامي ، و« السكينة » التي انزلها الله على رسوله تملأ قلبه .

هارون : في السنة التاسعة من الهجرة المباركة وصلت المدينة انباء مثيرة حول حشود عسكرية هائلة في تبوك (1) ؛ واستعد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لمواجة أكبر امبراطورية في العالم آنذاك . كان الفصل صيفاً شديد الحرارة ، والعالم عام جدب مما جعل هذه المهمّة العسكرية شاقّة ، واعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم حالة النفير العالم ، ولأول مرّة استخدام سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم اسلوب الحرب الشاملة بالتحاق جميع القادرين على حمل السلاح .

وسجّل المجتمع الإسلامي حالة رائعة من التضمن مقابل تيار المنافقين الذين بذلوا جهوداً قذرة في تثبيط الهمم (2) .

وبالرغم من قسوة الظروف فقد حشد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ثلاثين الف مقاتل وغادر المدينة واستخلف عليها وصية علي بن أبي طالب وهي المرّة الأولى التي لم يشترك فيها على في حروب الإسلام .

(1) وفي الشمال من شبه الجزيرة العربية .

(2) شهد ذلك العام نشاطاً محموماً من قبل المنافقين وكانت لهم اتصالات مشبوهة مع « ابي عامر الراهب » الذي لجأ إلى القسطنطنية لتحريض الرومان .


86

كان المنافقون ينتهزون هذه الفرصة ولكنهم اصيبوا بخيبة أمل لدى اكتشافهم ان خليفة النبي هو ابن عمه علي .

وجاء وفد من المنافقين وعرضوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أن يصلي في مسجد (1) لهم بنوه في قرية « قبا » في ضواحي المدينة ؛ ولم يذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إلى قبا ؛ وارجأ ذلك لحين عوجته من تبوك .

وقف الاطفال والنساء والشيوخ فوق سطوح المنازل يودّعون الجيش الإسلامي والشفاه تتمتم بالدعاء أن ينصر الله رسوله والذين آمنوا .

واستيقظت في نفوس المنافقين كوامن الخيانة والغدر ووجدوا في علي عقبة كأداء في الوصول إلى أهدافهم الرخيصة .

اطلق المنافقون الشائعات حول المنافقين الشائعات حول الستخلاف النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لعلي بن أبي طالب قائلين : انما خلّفه استثقالاً له . ولم يجد علي وهو الذي لم يفارق النبي صلى الله عليه وآله وسلّم طيلة حياته إلا أن يأخذ سلاحه ويلتحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلّم .

(1) تعود فكرة بناء مسجد « ضرار » إلى أبي « أبي عامر الراهب » وهو من أهل المدينة ومن قبيلة الخزرج ، اعتنق النصرانية في الجاهلية ، واظهر العداوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم بعد قدومه إلى المدينة وفرّ إلى مكة بعد معركة البدر ، وراح يحرّض قريشاً على حرب الإسلام ، اشترك في معركة أحد ، وظل في مكّة حتى الفتح ؛ لجأ إلى الطائف ثم فرّ منها إلى بلاد الروم ، والتقى هرقل وحرّضه على قتال الدولة الإسلامية ، ومن هناك كتب إلى جماعة من المنافقين ودعاهم إلى بناء مسجد يكون لهم مقرّاً ومعقلاً له إذا فكر بالعودة إلى المدينة ؛ وقد استجاب المنافقون لفكرته وشرعوا في بناء مسجد مقابل مسجد « قبا » .


87

كان النبي قد عسكر في « الجرف » قريباً من المدينة عندما وصل علي وقال مخاطباً رسول الله :

ـ يا نبي الله زعم المنافقون بانك انما خلفتني استثقالاً لي !

أجاب النبي مستنكراً :

ـ كذبوا .. انما خلّفتك لما ورائي .. ان المدينة لا تصلح إلا بي أو بك .. فانت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي ..

واردف قائلاً كلمته الخالدة :

اما ترضى يا علي أن تكون مني بنزلة هارون من موسى ولكن لا نبي بعدي ؟

وعاد « هارون » إلى المدينة وهو يحمل أوسمة المجد ؛ وشعر المنافقون بالاحباط ؛ وهم يرون علياً يعود إلى المدينة ، فانطلقوا إلى مسجدهم (1) خارج المدينة .

مشاهد النبوءات :

المشهد الأول :حل ذو الحجة الحرام من السنة التاسعة للهجرة ، وهبط جبريل يحمل آيات « البراءة » ، ايذاناً سماوياً بانتهاء الوثنية في شبه الجزيرة العربية ، استدعى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أبا بكر وسلّمه

(1) مسجد ضرار الذي احرق فيما بعد بامر من السماء .


88

البلاغ السماوي (1) ، ومضى أبوبكر أميراً على الحج ذلك العام ؛ حتى إذا وصل « ذي الحليفة » (2) . هبط الوحي في المدينة المنورة ، يأمره إلا يبلّغ تلك الآيات إلا نبي أو وصي نبي واستدعى رسول الله علياً وأمره أن يركب « القصوى » (3) وأن يدرك أبابكر ويأخذها منه .

وعاد أبوبكر إلى المدينة وهو يشعر بالقلق وخاطب النبي بلهجة يشوبها خوف :

ـ يا رسول الله انزل فيّ شيء ؟

اجاب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مطمئناً :

ـ لا ولكن قال لي جبريل : لا يؤديها عنك إلا انت أو رجل منك (4) .

علي يطوي المسافات يقود قوافل الحج الأكبر . وشهد البيت العتيق للمرّة الثالثة نداءات التوحيد ؛ وكان الوثنيون يبحثون عن

(1) « براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلوا انكم غير معجزين الله وأن الله مخزي الكافرين * وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسولهُ فان تبتم فهو خير لكم وان توليتم فاعلوا انكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب اليم » | التوبة 1 ـ 3 .

(2) الميقات المعروف اليوم بـ « مسجد الشجرة » .

(3) ناقة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم .

(4) « ما رأيت مثل مخالفينا عمدوا إلى من ولاه الله من سمائه فعزلوه والى من عزله الله من سمائه فولّوه » هشام بن الحكم معلّقا على نتائج « السقيفة » .


89

الات العزى وهبل وعن عشرات الألهة التي دكّها الزلزال الإسلامي .

وها هو علي بن أبي طالب ابن عم محمد وزوج ابنته فاطمة يعلن موت الوثنية وزوالها إلى الأبد .

تألقت شمس العاشر من ذي الحجة الحرام ، ووقف علي يتلو بلاغ السماء :

« انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا » .

ودوّت نداءاته في فضاء مكّة وهو يهتف عالياً :

ـ لا يحجّن بعد هذا العام مشرك ولا يطوفن في البيت عريان ولاتدخل الجنّة إلا نفس مسلمة ؛ ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى مدّته .. » .

المشهد الثاني : دخل الناس في دين الله أفواجاً ، ما خلا بعض القبائل هنا وهناك ، وفي شهر رمضان المبارك من السنة العاشرة للهجرة بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم علياً على رأس ثلاثمئة من المقاتلين إلى قبيلة مذحج في اليمن وكانت مشاهد التوديع مؤثرة فقد عمّم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم علياً بنفسه وسلّمه اللواء ، وقال له :

ـ ادعهم إلى قول لا إله إلا الله محمد رسول الله فان أجابوك فأمرهم بالصلاة ولا تبغ منهم غير ذلك ..


90

واردف قائلاً :

ـ والله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس .

وحفظ علي وصية النبي فعاش حياته كلها يجاهد من أجل الايمان .

وحفظ علي وصية النبي فعاش حياته كلها يجاهد من أجل الايمان .

قال علي وقد ساوره قلق من مهمّته :

ـ يا رسول الله تبعثني إلى قوم وانا حديث السن لا أبصر القضاء . تقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ووضع يده على صدر علي ونظر إلى السماء بخشوع وقال :

ـ اللهم ثبت لسانه واهد قلبه .

واردف وهو ينظر إلى فتاه وصهره :

إذا جاءك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر فانك إذا فعلت تبين لك القضاء (1) .

وانطلقت خيول الإسلام إلى اليمن ، وكان همّ عليّ الأول أن تدخل القبال القاطنة هناك في دين الله ؛ وقد نجح في مهمّته (2) ، ثم غادر اليمن بعد أن ترك فيها معاذ بن جبل يعلّم أهلها احكام

(1) قال علي عليه السلام : « والله ما شككت في قضاء بين اثنين » .

(2) كان خالد بن الوليد قد اخفق في هذه المهمّة رغم مرابطته ستة اشهر .


91

الشريعة ؛ أما علي فقد توجه من هناك إلى مكة ، فقد اطلّ موسم الحج ، وها هو رسول الله ومعه عشرات الألوف من المسلمين يقطعون الصحراء وهم يلبّون نداء ابيهم ابراهيم ، وقد سمّاهم المسلمين من قبل ؛ واسرع علي (1) يحث خطاه وفي قلبه شوق للقاء نبي الله صلى الله عليه وآله وسلّم ، والتقى الاخوان على مشارف مكّة .

وزفّ علي بشائر النصر إلى رسول الله .

قال النبي وقد اشرقت الفرحة في وجهه :

ـ بم اهللت يا علي ؟

قال علي :

ـ يا رسول الله انك لم تكتب اليّ باهلالك ولا عرفته فعقدت نيّتي بنيتك ، وقلت اللهم اهلالاً كإهلال نبيك ، وقد سقت معي من البدن اربعاً وثلاثين بدنة .

وعندها قال النبي صلى الله عليه وآله :

ـ الله أكبر وأنا سقت ستاً وستين .. وانت شريكي في حجي ومناسكي وهديي فأقم على احرامك وعد الى جيشك فعجّل بهم حتى نجتمع بمكة .

المشهد الثالث : وقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يوم النحر من حجة الوداع خطيباً :

(1) كان علي قد ترك الجيش ليلحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلّم .


92

ـ « اما بعد ايها الناس اسمعوا مني ما ابين لكم فاني لا أدري لعلي لا القاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا ، ان دماءكم واموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم وبلدكم هذا .. »

« ايها الناس انما المؤمنون اخوة ولا يحلّ لأمريء مال اخيه إلا عن طيت نفسه ، فلا ترجعوا كفاراً بعدي يضرب بعضكم اعناق بعض فأني قد تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا بعدي ابداً : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ... » .

انطوى موسم الحج ، وغادر سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم مكّة ومعه مئة ألف أو يزيدون ؛ التاريخ يشير إلى يوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام من السنة العاشرة للهجرة .

قوافل الحجيج تهوي في بطون الأودية ؛ الشمس في كبد السماء وقد بدت وكأنها تتشظى لهباً ، القوافل تصل مكاناً (1) قريباً من الجحفة ، حيث مفترق الطرق .

وغمرت النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وهو على ناقته « القصوى » حمّى الرسالات لقد هبط جبريل يحمل بلاغ السماء ، وتوقف النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وهو يتشرب انذاراً سماوياً :

ـ « يا ايها الرسول بلّغ ما انزل اليك من ربّك وان لم تفعل فما بلغت

(1) غدير خم .


93

رسالته والله يعصمك من الناس » .

وتوقفت عشرات الألوف وهي تتساءل عن السرّ في توقف النبي ، في هذه البقعة الملتهبة من دنيا الله .

وانبرى بعض الصحابة يصنعون للنبي مرتفعاً فلديه كلمات تامّات يريد ابلاغها لعشرات الآلاف من الصحابة .. والأجيال القادمة ... والتاريخ .

كلمات الحمد والثناء لله تنساب من بين شفاه آخر الأنبياء كان علي واقفاً قرب الإنسان الذي ربّاه صغيراً وعلّمه كيف يحيا ؛ قال النبي وعشرات الاُلوف تتطلع إليه :

ـ ألست أولى بالمؤمنين من انفسهم ؟

وجاء الجواب من عشرات الحناجر :

ـ بلى يا رسول الله .

وأخذ النبي بيد علي ورفعها عالياً :

من كنت مولاه فهذا علي مولاه ...

ورفع آخر الأنبياء يديه إلى السماء :

ـ اللهم وال من والاه .. وعاد من عاداه .. ونصر من نصره .. واخذل من خذله .

وهبط جبريل يبشر محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قد ادّى رسالته وقد آن له


94

أن يستريح ؛ لقد اكتمل الدين وتمت النعمة وقيل الحمد لله رب العالمين .

تصفد الجبين الازهر ؛ عرقاً تألقت حبّات العرق كقطرات الندى وقد انطبعت كلمات السماء فوق شغاف قلبٍ وسع الدنيا والتاريخ :

ـ « اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا » .

ارهاصات الرحيل :

عاد رسول الله إلى المدينة ، ينوء بثقل السنين ، تؤرقه هواجس المصير ؛ جبريل يعرض عليه القرآن مرّتين ، أنه يقترب من النهاية .. نهاية كل الحيوات ، وقد ظهرت في الافق غيوم وغيوم (1) .

انتصف الليل وبدت النجوم في صفحة السماء قلوباً تنبض بوهن استدعى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مولاه « أبا مويهبة » .

قال النبي بشيء من الحزن :

ـ اني قد أمرتُ أن استغفر لاهل البقيع فاخرج معي .

(1) تعدّ الشهور الأخيرة من حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم « أواخر السنة العاشرة ومطلع السنة الحادية عشرة من الهجرة » من الفترات العاصفة في تاريخ الإسلام وما تزال بعض حوادها تثير حتى اليوم اسئلة عديدة .


95

ـ لبيك يا رسول الله .

الصمت يهيمن على المكان ما خلا خطوات واهنة في طريقها إلى اناس عاشوا ثم ماتوا ؛ وقف آخر الأنبياء يحيّي أولئك الذين رحلوا بعيداً بالرغم من تلك الاشبار القليلة التي تفصلهم عمّا يجري فوق الأرض :

ـ السلام عليكم يا أهل المقابر : ليهن لكم ما اصبحتم فيه مما اصبح الناس فيه ، لو تعلمون ما نجاكم الله منه ...

أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع اخرها أولاها والآخرة شرّ من الأولى .

التفت رسول الله إلى مولاه :

ـ يا أبا مويهبة : اني قد اوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنّة ؛ وخيّرت بين ذلك ولقاء ربّي والجنّة ، فاخترت لقاء ربّي والجنّة .

قال أبو مويهبة بحزن :

ـ بابي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنّة .

أجاب النبي وقد هزّة لقاء الحبيب :

ـ لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربّي ..


96

وسمع أبو يهبة تمتمات الاستغفار ... ها هو النبي الأمّي يتذكر اصحابه الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

الأيام تمرّ حزينة والرسول يخطو إلى النهاية ... وقد ازفت ساعة الرحيل (1) .

لزم النبي فراش المرض ، جسده يغلي من وقع الحمّى .

المسلمون رجالاً ونساءً يعودون آخر الأنبياء .. القلوب تذوب حزناً وجاءت أم بُشر تعوده ؛ قال النبي وقد ومضت في ذهنه حوادث خيبر :

ـ يا أم بشر ... وجدت انقطاع ابهري مع الاكلة التي اكلت مع ابنك بخيبر (2) .

الخميس 24 | صفر | 11 هـ :

اليوم هو يوم الخميس ، ارتدت الاشياء ثوب الحزن والقلق ؛ أو هكذا خيّل للمؤمنين ، فالقب الكبير يخفق بشدّة تتسارع دقّاته

(1) تذكر المصادر التاريخة ان زينب بنت الحارث اليهدية اهدت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم شاة مشوية بعد أن سمّت ذراعها « وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم يحبّ من لحم الشاة الذراع » ، وقد لاك النبي منها مضغة ولم يسغها ، وتناول أحد اصحابه « بشر بن البراء » منها لقمة فمات فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم : ان هذا العظم ليبخرني أنه مسموم واعترفت المرأة بجريمتها وبرّرت ذلك بقولها : قلت في نفسي : ان كان نبيّاً فيخبر وان كان ملكاً استرحت منه . وقد وقع الحادث بعد توقف العمليات الحربية في خيبر سنة 7 هـ ـ صيف عام 628 م .

(2) الطبري 3 : 16 .


97

تحت لهيب الحمّى ... والنبي يقطع الخطوات الأخيرة من حياته في كوكب الحوادث ؛ عيناه مشدودتان إلى الافق البعيد .. الافق المغمور بالطمأنينة والسلام ؛ والقلب يخفق لآخر الامم وقد ذرّ الشيطان قرنيه .

الحجرة الطينية المتواضعة تكتظ برجال رافقوا النبي وها هم يجتمعون حوله ، وآلاف الأفكار تصطرع في الرؤوس ، وقد « اقبلت الفتن كقطن الليل المظلم » .

نظر النبي إلى اصحابه .. دمعت عيناه .. ها هي لحظة الوداع قادمة من بعيد انها تقترب ، وها هي الفتن مقبلة .

تمتم النبي بصوت واهن :

ـ ائتوني تصحيفة ودواة لاكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً .

ونهض صحابي .. فاعترضه رجل فيه غلظة :

ـ أرجع .. لقد غلب رسول الله الوجع .. انه يهجر .. حسبنا كتاب الله .

الجسد يغلي تحت وطأه الحمى .. غامت المرئيات وولج النبي عالماً آخر اغضبته كلمات صاحبه .

ولمّا افاق وجد اصحابه يتنازعون ، قال رجل :

ـ ألا نأتي لك بدواة يا رسول الله !


98

اجاب النبي بحزن :

ـ أبعد الذي قلتم .

أدار آخر الأنبياء وجهه إلى الحائط .. ونهض الرجال وكان ابن عم له بيكي (1) .. يبكي بمرارة ؛ لقد اضاع المسلمون مجدهم .. ولسوف يبكون .. يذرفون الدموع غزاراً قبل أن يعثروا عليه .

الجمعة 25 | صفر | 11 هـ :

جاءت فاطمة .. فتاة تحمل ملامح مريم .. النبع الدافق رحمة وحناناً .. جاءت « أم أبيها » (2) .. تعود أباها .. اراد آخر الأنبياء أن ينهض اجلالاً للمرأة المثال .. لسيدة كل امرأة في التاريخ .. ولكن الجسد الواهن لم يستجب للارادة .. هتف وقد شاعت الفرحة في وجهة .

ـ مرحباً يا بنتي ..

أخذ النبي بيدها واجلسها إلى يمينه ؛ همس في اذنها بكلمات .. شهقت الفتاة بعبرات واخضلّت الاجفان بالدمع .. كسماء تمطر بحزن ..

وهمس الأب بكلمات .. انقشعت الغميوم .. واشرقت شمس

(1) عبد الله بن عباس .

(2) كلمة مأثورة عن النبي في حق ابنته .


99

الأمل تبعث النور والدفء .. اشرقت ابتسامة في الوجه المضيء .. تعجبت عائشة .. حفصة .. أم سلمة .. وكل النسوة .. نهضت فاطمة .. لحقتها عائشة :

ـ لقد خصّك بسرّ .. تضحكين تارة وتبكين أُخرى !!

اخبريني بما قال لكِ .

قالت فاطمة وما تزال قطرات الدمع عالقة باهدابها :

ـ ما كنت لأفشي سرّ رسول الله .

السبت 26 | صفر | 11 هـ :

ترك أسامة جيشه في « الجرف » (1) ودخل منزل تموج في نفسه الهواجس ، فهناك من الصحابة من نتذمّر من قيادته لحداثة سنّة ، وهناك من يتعلّل بحالة النبي قال اسامة وهو مطرق الرأس :

ـ بأبي أنت وأُمي .. اتأذن ان امكث اياماً حتى يشفيك الله ..

(1) شدّد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم على اهمية هذه الحمله العسكرية واسند قيادتها إلى أسامة بن زيد بعد أن تناهت الأنباء حول حملة اضطهاد ينفذها الرومان حيال المسلمين وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلّم كبار الصحابة بالانضواء باستثناء وصيه علي بن ابي طالب ، وهو أمر يدعو إلى التأمل في حوادث تلك الفترة العاصفة من التاريخ .

وكانت مهمّة « اسامة » كما وردت في كتب التاريخ ان يوطئ الخيل تخوم البلقاء ( الأردن ) والدواروم من ارض فلسطين قريباً من « مؤتة » حيث سقط والده « زيد بن حارثة » شهيداً .


100

ـ لا يا أُسامة .. انفذ بجيشك حتى توطئ خيلك ارض البلقاء والداروم حيث قتل أبوك .

ورأى النبي صاحبيه .

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بألم :

ألم أمركم بانفاذ جيش اسامة ؟!

اجاب الأول : كنت في « الجرف » وقد جئت اجدّد بك العهد .

وقال الثاني : أما أنا فلم اخرج .. لا أريد أن أسأل عنك الاعراب في الصحراء !

تضاعفت آلام محمد صلى الله عليه وآله وسلّم ... غلت العروق بسبب الحمى والغضب تمتم بحزن : انفذوا جيش اسامة ... انفذوا جيش اسامة .. أنفذوا ...

الأحد 27 | صفر | 11 هـ :

خفّت الحمّى ... وشعر آخر الأنبياء بشيء من النشاط يسري في جسده الواهن ؛ تاقت روحه العظيمة إلى مسجد أُسس بنيانه على التقوى ؛ كان الوقت ضحى ، طلت النبي من ابني عمّه (1) .

ان يساعداه ؛ وبالرغم من العصابة التي شدّها حول رأسه إلاّ ان الحمى قد خفّت قليلاً ... وها هو النبي يمشي الهويني بين علي

(1) علي والفضل .


101

والفضل ، وشاعت الفرحة بين اصحابه ...

اتجه آخر رسل السماء إلى فارتقاه وكان يتساند على يد الفضل حتى استوى قال النبي اصحابه بنظرات تشّع رحمة وقال :

احمد اليكم الله .. ايها الناس . من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه ومن كنت اخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه ..

ولا يقل رجل أني أخاف الشحناء من رسول الله ألا وان الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني الا وان احبكم اليّ من أخذ مني حقاً ان كان له .. أو حلّلني فأتيت الله وأنا طيب النفس ...

الاثنين 28 | صفر | 11 هـ :

دهمت الحمّى الجسد الواهن ، والروح العظيمة توشك على الرحيل ؛ القلب الكبير يخفق بعنف .. واخفقت مياه الآبار في اطفاء النار المشتعلة ..

ارتفع صوت بلال يدعو إلى الصلاة ... وخف بلال الى بيت الرجل الذي علّمه كيف يحيا ... وقف إزاء الباب وهتف بشوق :

ـ الصلاة يرحمكم الله :


102

قال النبي وهو ينوء تحت وطأة الحمّى :

ـ يصلّي بالناس بعضهم فاني مشغول بنفسي ..

هتفت عائشة : مروا أبابكر !

وهتفت حفصة : مروا عمر !

وتألم النبي فما يزال اصحابه في المدينة وقد أمروا بالجهاد .. مايزال جيش اسامة في المدينة وقد أمر أن يذهب إلى تخوم « البلقاء » .

ونهض رسول الله ... وساعده علي والفضل ... وكانت قدماه تخطان في الأرض ... ووجد صاحبه في الغار في المحراب فنحّاه ..

وعاد النبي إلى منزله ينوء بحمى الرحيل ...

وضع النبي رأسه في حجر اخيه ... وتوهجت الذكريات البعيدة تذكر مشاهد مضيئة ... انبعثت من بين غبار الأيام وتراب السنين ... تذكر يوم كان صبياً في حجر محمد ... تذكر رحلاته إلى جبل حراء ويوم هبط جبريل يحمل آخر الرسالات ... وتذكر اللحظات التي ودّعه فيها يوم فرّ من مكّة ... تذكر سنوات الجهاد والعناء ... ويوم تحطمت الأصنام وعنت الوجوه للواحد القهّار ... ها هو محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم يذوي ... يخبو بريق عينيه ... يشع اسمه في القلوب ... كل القلوب ... نهضت فاطمة احتراماً للرجلين ابيها وبعلها .. احتراماً للحظات الوداع ... بعد رحلة طويلة ناهزت


103

الثلاثين سنة ونهضت النسوة احتراماً لفاطمة ... لم يبق في الحجرة الطينية سوى محمد وعلي وكلمات الوداع ... جلست فاطمة عند عتبة الباب .. في استسلام كامل للقدر وانبعثت كلمات محمد الأخيرة ... السماء تخيّره فاختار :

ـ بل الرفيق الأعلى ...

وعانق علي اخاه وسيّده ... وانطلقت الروح من أهاب الجسد تطوي المسافات ...

ودوّى هتاف حزين :

ـ وامحمداه (1) !

وانطفأت الشمس وحلّ زمن الزمهرير .

فاطمة تنوء بنفسها وقد اسندت رأسها إلى صدر لم يعد النسيم يزوره .

كانت تصغي إلى صمت الأنبياء ... وللصمت حديث تسمعه القلوب وتصغي اليه العقول .. العينان اللتان كانتا نافذتي نور قد اسدلتا جفونهما ، واليدان اللتان كانتا مهداً هما الآن مسبلتان ... والروح التي كانت تصنع التاريخ والإنسان قد رحلت بعيداً ..

(1) «وسمعوا صوتاً من السماء بعد موته ينادي وامحمداه ... » | تاريخ بن الوردي 1 : 209 .


104

غادر هذا الكوكب الزاخر بالويلات .

لقد حلّت لحظة الفراق ؛ وتخفف الإنسان السماوي من ثوبه الأرضي ليرحل بعيداً ... إلى عوالم حافلة بالنور والحبّ والسلام .

المحتويات

الفصل الثاني

اصلب من الأيام

« فصبرت وفي العين قذىً وفي الحلق

شجىً ... أرى تراثي نهبا .. »


106


107

العاصفة :

انطفأ السراج فالدنيا ظلام ... وخمد الوقد فالحياة في جزيرة العرب زمهرير ... ورحل السلام ... فذرّ الشيطان قرنيه يعربد ..

يها الصامت ! صمتك ابلغ من كل ابجديات الدنيا .. وسكوتك المدوّي صرخة حق في عالم الأباطيل .. وقد زلزلت الأرض زلزالها انهار عمود خيمة كانت تعصف بها الريح .. وتمزّق « الكساء » اليماني وكان يدثّر نبياً هو آخر الأنبياء في التاريخ .. ورجلاً يشبه « هارون » في كل شيء إلا النبوة .. وامرأة هي سيدة بنات حواء وسبطين هما آخر الاسباط في التاريخ .

آه منك يا يوم الاثنين ...

جثا علي أما جسد كانت روحه العظيمة تضيء الجزيرة وبقايا نور في الجبين البارد تشبه شمساً هوت في المغيب . هيمن صمت ملائكي في المكان فيما العالم خلف الحُجُرات يموج بالفتن .

ظهرت غمية في الافق حجبت ضوء الشمس ... وكمن


108

بيحث عن ظلّه في يوم غائم كان الناس ينظرون هنا وهناك ... هل غادر الحبيب الديار ؟!

واجتمعت طائفة من الانصار في سقيفة لهم ... فهناك من يريد الاستيلاء على « سلطان محمد » ( قريش ) لا تريد علياً .. ذلك الفتى الذي قهر بـ « ذي الفقار » جبروتها .. لا تريد لبني هاشم أن يحوزوا النبوّة والإمامة .. والوحي والخلافة والسماء والأرض ...

هل ادرك الانصار ما يدور في الخفاء من همس حول اقصاء علي ؟ ... هل طمعوا بـ « السلطان » ؟ . هل خافوا أن يضيع نصيبهم من « الأمر » .

يا يوم الاثنين :

اغمض النبي عينيه ... وعاد جبريل إلى السماء .. واستيقظت في النفوس .. غرائز كانت مكبلة أو نائمة ..

دخل عمر حجرة النبي .. كشف الملاءة عن وجه اضاء الدنيا قال بدهشة متصنّعة :

ـ ما اشدّ غشي رسول الله .

اجاب المغيرة مصعوقاً من موقف عمر :

ـ مات والله رسول الله .

ردّ عمر بلهجة فيها وعيد :

ـ كذبت ما مات ولكنه ذهب إلى ربّه ... كما ذهب موسى


109

ابن عمران .

وظل المغيرة ينظر إلى عمر بدهشة .

خرج عمر وقد جحظت عيناه من الغضب .. شهر سيفه مهدداً وراح يهتف :

ـ ان رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد مات ... لا والله ... ما مات .. ولكن ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران ثم رجع بعد أربعين ليلة ...

والله ليرجعن رسول الله .. فليقطعن أيدي رجال وارجلهم ... » .

الغريق يتشبث بكل شيء ... يتشبث بالأمل الكاذب .. يتشبث بالقشة .. يحسبها .. طوق نجاة وخلاص .

وعندما يفقد الإنسان الأمل ... عندما تجتاحه عاصفة يأس فانه قد يعمد إلى وهم يهبه شكل الحقيقة فيغفو عليه ؛ لا يريد أن يرى بوضوح ما يجري .

تحلّق الناس حول رجل يبرق ويرعد ويهدد كل من يقول بموت محمد صلى الله عليه وآله وسلّم .. ما اجمل ما يقوله عمر .. محمد لم يمت .. ذهب إلى ربّه .. بعد ليال سوف يعود !

لقد ضربت الصاعقة الاذهان .. شلّتها عن التفكير .. في كل شيء ومن بعيد لاح « أبو بكر » .. وصل توّاً من خارج المدينة .. من


110

منزل له في « السنح » .

هتف من بعيد :

ـ على رسلك أيها الحالف :

والتفت إلى الأمة المذهولة قائلاً :

ـ أيها الناس ! من كان يعبد محمداً فان محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حيٌّ لايموت « وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ... » .

فجأة خمد البركان ... وتظاهر « عمر » باستسلام عجيب ، وقف إلى جانب اخيه ... وانضم اليهما رجل ثالث هو « ابن الجرّاح » تبادل الثلاثة نظرات ... هي لغة كاملة .. ربّما كانوا يفكرون ليومين أو ثلاثة من المستقبل ... أو ربّما للتاريخ باسره .

ان كان التحولات الاجتماعية الكبرى انما تولد في الضمائر الإنسانية . قبل أن تشق طريقها إلى الواقع ... انها موجودة في الأعماق حتى يأتي من يستخرجها إلى ارض الوقائق ، كان في ضمائر جلّة المهاجرين ، وقريش قاطبة عزم في الا تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم وقد قرأ رجال ما يجول من خواطر . فاخرجوا ما استتر في الضمائر .. وقد اخفق النبي في هزيمتها يوم هزم الأوثان العربية .


111

علامات استفهام : الشمس ما تزال وراء غيوم « نيسان » (1) ... جثمان آخر الأنبياء ما يزال مسجىً ... علي ذاهل دوّخته الفاجعة شعر بغربة شديدة لقد رحل الحبيب ... ستموت فاطمة ... ستذوي مثل شمعة تحترق في ليل الجزيرة ... وسيبقى وحيداً ...

اسفر الجدل في « السقيفة » (2) عن انتخاب « سعد بن عبادة » خليفة للمسلمين !! الاطماع ، والقلق ، والخوف هي وحدها وراء اجتماع « الأنصار » في سقيفة بني ساعدة .. هناك من يحلم بالمجد وهناك من ينظر إلى الافق البعيد فيرى « قريش » تتحفز للانتقام من « أهل يثرب » تريد أن تأخذ ثاراتها في « بدر » و « أحد » و «الأحزاب » !

الدقائق تمرّ بطيئة كأن التاريخ اصيب بالذهول ؛ الأوس يكظمون غيظاً ازاء « سعد الخزرجي » ... ولكن ماذا بوسع « الأوس » أن يفعلوا لا مفرّ من ذلك ثم انه سيكون أوهن من « قريش » ! ... قريش التي لم تنس ثاراتها بعد . وفي لحظات تاريخية غادر رجلان من الأوس ؛ وانصار على وشك البيعة .. انطلقا باقصى سرعة إلى « ابي بكر وعمر وابن الجراح » وفي قلبيهما عزم على حرمان « سعد »

(1) انتقل النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إلى الرفيق الأعلى في نيسان سنة 632 م .

(2) مكان كانت تعقد فيه الخزرج اجتماعاتها المصيرية وهو يشبه إلى حدٍ كبير دار الندوة في مكّة .


112

من المجد !!

ولكن لماذا هؤلاء الثلاثة بالذات !! لماذا عمر ؟ لماذا لم يذهبا إلى علي أو عمّه العباس ؟!

السماء لم تزل غائمة وانطلق الثلاثة إلى « السقيفة » ، سوف يفاجأ الرجل المريض (1) . جاءت قريش تحتج بانها شجرة محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وقد رمت بعيداً ثمرتها اليانعة !!

إذا الشمس كوّرت :

ترى ماذا كان يفعل علي في تلك اللحظات المثيرة ... « الأنصار » و« المهاجرون » ، في صخب وجدل وشجار حول « سلطان محمد » ... لنترك « السقيفة » في صخبها ولنعد إلى صخبها ولنعد إلى حجرة آخر الأنبياء ..

الصمت ما يزال يهيمن .. وبالرغم من غياب الشمس .. بالرغم من غياب الشمس .. بالرغم من غيوم « نيسان » فقد بدت الحجرة مضيئة ... مضيئة بنور شفاف لعلّه تألقات لكائنات سماوية وفدت لتحمل « الروح العظيم » .

محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يهيمن على الزمن حيّاً وميتاً .. محمد ساكت .. وما اعظم صمت الأنبياء !

(1) سعد بن عبادة حضر الاجتماع بالرغم من حالته الصحية المتردّية .


113

ليت الذين يتشاجرون في السقيفة ينصتوا ليصغوا إلى صمت محمد .. أو يحترموا صمته .

ما هذه الضدة .. تقترب من المسجد .. وكان هناك رجل طويل (1) بيده عسيب نخل يحوش الناس ؛ رفع علي عينيه وكان العباس قد ذهب يستطلع الضوضاء .. قال عم الرسول :

ـ لقد بويع أبوبكر !!

وارتفعت علامات استفهام كبرى فوق رؤوس بعض المهاجرين والأنصار ...

سأل علي عمّه :

ـ بم احتجوا على الأنصار ؟

ـ قالوا انّا شجرة النبي !

علّق الإمام بحزن :

ـ احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة .

سوف تبقى السقيفة بداية لسلسلة من المآسي في تاريخ الإسلام .

ومن يريد أن يبحث عن جذور لكارثة « صفين » أو مأساة

(1) عمر بن الخطاب .


114

« كربلاء » فانه يجدها في تلك الاشبار من الأرض .. عندما ظلّ علي وحيداً .

ترى ماذا فعل على وهو يشهد انعطافة التاريخ في غير الوجهة التي ارادها سيد التاريخ ؟

تلقى علي انباء السقيفة بصمت .. ربّما شاهدت بعض الصحابة في عينيه حزناً عميقاً .. أسفاً ..

استأنف علي عمله في تجهيز جهمان سيد الخليقة ..

الثلاثاء 29 | صفر | 11 هـ :

وقف العباس عم النبي وولداه (1) وقفوا صامتين يتأملون علياً ؛ التفت علي إلى الفضل :

ـ ناولني الماء .

اسامة يصبّ المياه فوق الجسد الطاهر ، وعلي يغسله .

شهق بعبرته وهو يتمتم :

ـ بابي أنت وأمي ما اطيبك حيّاً وميتاً .

فاحت في فضاء الحجرة رائحة طيبة .. وتوهجت ذكريات قديمة .. وتذكر اسامة حديثاً للحبيب الراحل :

(1) الفضل وقثم .


115

ـ « ايها الناس انما انا بشر يوشك أن ادعى فاجيب ، واني تارك فيكم الثقلين : أولهما كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، وأهل بيتي ، اذكّركم الله في أهل بيتي .. اذكّركم الله في اهل بيتي .. اذكركم الله في أهل بيتي » .

الإنسان السماوي يتأهب للرحيل ، يرتدي ثياباً بيضاء بلون رسالته بلون حمائم السلام بلون الرباب (1) بلون النور الذي سطع في جبل حراء .

الصلاة :

تقدم علي للصلاة على الجثمان الطاهر .. تقدم وحده .. والمسلمون في المسجد يخضون جدلاً في من يؤمهم في الصلاة .

وقال علي :

ـ ان رسول الله امامنا حيّاً وميتاً ... فليدخل عليه فوج بعد فوج فيصلون عليه بغير امام وينصرفون ..

واردف :

ـ وان الله لم يقبض نبياً في مكان إلا وقد ارتضاه لرمسه فيه ؛ واني لدافنه في حجرته التي قبض فيها .

الشمس تسير حزينة وراء الغيوم .. تتجه إلى المغيب ،

(1) الغيمة البيضاء .


116

والمسلمون يودعون آخر الأنبياء في صلاة طويلة .

الشمس تقترب من المغيب ؛ وانفذ العباس إلى ابي عبيدة بن الجراح وكان يحفر لاهل مكّة ويضرّح ، وانفذ إلى زيد بن سهل وكان يحفر لأهل المدينة ؛ وهكذا اشترك انصاري ومهاجر في الحفر ؛ ودسّ علي يديه تحت المجثمان العظيم .. ونادى الأنصار من وراء الحجرات :

ـ يا علي : نذكّرك الله وحقنا اليوم من رسول الله ان يذهب .. أدخل منا رجلاً يكون لنا به حظ من مواراة رسول الله .

اجاب علي :

ـ ليدخل أوس بن خولى ...

ودخل الرجل البدري يمشي على اطراف اصابعه لكأنه يلج عالماً زاخراً بالملائكة .

قال علي :

ـ نزل القبر !

ونزل الصحابي قبر من هداه إلى ينابيع النور والأمل تمنى ان يموت وتعود الحياة إلى سيده العظيم . رفع علي الجثمان الطاهر .. ووضعه على يدي الصحابي وبرفق انزله في احضان الثرى ، فاحت رائحة المسك لكأن الفردوس فتحت أبوابها تستقبل آخر رسل


117

السماء إلى الكوكب إلى الكوكب الزاخر بالحوادث .

طلب علي من أوس ان يخلي القبر فخرج باكياً ، وولج علي الضريح .. كشف عن الوجه الأزهر الذي اضاء الدنيا والتاريخ . انطفأت الشمس غابت خلف الافق المثقل بالغيوم .. كتلال من الرماد .. التراب علا الضريح شيئاً فشيئاً .

وجاءت فاطمة .. وهي لا تكاد تصدّق ان لدى أحد القدرة على ان يحثو التراب على رسول رب العالمين .

قالت مفجوعة :

ـ أطابت نفوسكم ان تحثوا التراب على رسول الله ؟!

أخذت بكفيها قبضة من التراب ... وضعت وجهها الأزهر .. شمّته شعرت انا ستختنق إذا لم تتنفس نسائم الهواء وهي تنبعث من مسامات التراب المشبع برائحة جنات الفردوس ؛ همست بنت محمد : ـ ماذا على من شم تربة أحمد * ان لا يشم مدى الزمان غواليا

لقد غابت الشمس ، وانطوت آخر ساعة من نهار الثلاثاء .

البرد يجوس خلال المدينة الحزينة ؛ ونهض علي ينفض يديه من تراب القبر .. لقد غابت كل الأشياء الجميلة .. لم يعد للحياة معنى إلا في مواصلة الدرب الذي اضاءه نور محمد صلى الله عليه وآله وسلّم ..

الغضب المقدس :

وانبرى علي يسجل احتجاجه ضد أول « فلتة » (1) في تاريخ الإسلام :

ـ افسدت علينا أمرنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقاً .

اجاب أبو بكر بشيء من اللين !

ـ بلى ! ... ولكن خشيت الفتنة (2) .

وهنا سكت التاريخ !!

ولكن موقف علي ورفضه البيعة يعبّر عن موقف واضح ازاء الطريقة التي تمت فيها معالجة واحدة من أهم المشكلات في الحياة الإسلامية ؛ والتزم علي جانب الصبر بالرغم من بعض العروض بالبيعة (3) .

وظل علي على مواقفه حتى وفاة زوجته فاطمة التي التحقت بالرفيق الأعلى بعد حوالي ثلاثة اشهر أو تزيد .

(1) اقتباس من تصريح لعمر بن الخطاب حول أبي بكر .

(2) مروج الذهب | المسعودي .

(3) جاء العباس الى علي ومعه أبو سفيان يبايعاه فرفض قائلاً : « ... افلح من نهض بجناح أو استسلم فاراح ... هذا ماء آجن ولقمة يفصّ بها آكلها ومجتني الثمرة لغير وقت ايناعها كالزراع بغير أرضه » .


119

ونظر علي يمناً وشمالاً فلم يجد معه أحد حتى عمّه العباس هو الآخر استرضي فرضي أو وقف موقف الحياد والاعراض عن النزاع (1) .

وقد عبر علي بن أبي طالب عن أساه وحزنه بعد ربع قرن من حادثة السقيفة بقوله : « اما والله لقد تقمّصها فلان وانه ليعلم ان محلّي منها محلّ القطب من الرحى . ينحدر عني السيل ولا يرقى اليَّ الطير ؛ فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً وطفقت ارتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيه الكبير ويشيب فيه الصغير ، ويكدح فيها مومن حتى يلقى ربّه » .

وهنا يقرر الإمام الصبر : « وأيت أن الصبر على هاتا احجى ، فصبرت وفي العين قذىً وفي الحلق شجىً ارى تراثي نهباً » (2) .

ان المرء ليشعر من خلال هذا الخطاب عمق المرارة والأسى في بحه الحزن ودرجة حرارة الكلمات وهو يستعرض تاريخ تلك الحقبة المريرة التي امتدت لتستوقب ربع قرن من الزمن .

علي مع القرآن :

واعتزل علي .. أوى إلى منزله يجمع القرآن كما انزله الله ،

(1) زار أبو بكر ومعه بعض أركان حكومته العباس ليلاً ، واسفر الجدل بتحييد الاخير .الشرح لابي الحديد : ج 1 .

(2) نهج البلاغة | الخطبة رقم 3 .


120

وذكريات الآيات تتوهج في عقله .. وبين الفينة والأخرى يقتحم بعضهم حرمة الصمت . فعلى علي أن يبايع .. وفي كل مرّة كانت فاطمة تصدّ هجمات بعض « الصحابة » ، لقد انتزعوا منها « فدك » (1) وها هم يرومون انتزاع زوجها وقد اغمد ذا الفقار بعد أن وضعت الحرب أوزارها .

رحيل فاطمة :

وتمرّ الأيام مريرة .. وتذوي فاطمة .. كشمعة في قلب الظلمات .. قوامها يزداد نحولاً .

سكتت فاطمة هي الأخرى .. صامت مريم من قبل .. وادرك علي أن رحيلها سيكون وشيكاً وأن « البيت » الذي بناه من جريد النخل بـ « البقيع » سيكون النهاية .. سيشهد ذلك البيت انطفاء الشموع .. رحيل النجوم .. ومصرع شمس أضاءت حياته مدّته بالدفء .. النور .. الأمل .

سكتت فاطمة والذين اشتكو من بكائها لم يعودوا يسمعون انيناً ينبعث من اعماق قلب كسير . لم يعد أحد يسمع نشيجها إلا الذين يمرّون بالبقيع .

غابت فاطمة كما تغيب النجوم خلف السحب الدكناء ..

(1) صودرت « فدك » على أساس حديث : « نحن معاشر الانبياء لا نورّث » الذي لم يروه سوى الخليفة الأول .


121

غابت فاطمة كفراشة تبحث عن الشمس .. عن ربيع مضى تطارده ريح شتائية .

غابت فاطمة .. لم يعد أحد يسمع بها .. أنها تذوي وحيدة في بيت من جريد النخل غادرة الحياة .. الملائكة لا تريد حياة الأرض ، والحوريات لا تعيش في عالم التراب .. والذين اكتشفوا السماء لن يطيقوا الانتظار .

وعندما يدرك الأنبياء ان مواعظهم لا تجد آذاناً واعية سيتحدثون بلغة الصمت ..

في « بيت الاحزان » كانت فاطمة تذوب كشمعة متوهّجة تحرق نفسها لتهب النور والدفء من حولها ... فاطمة تتحدث بلغة الشموع .. لغة لا يسبر غورها إلا فراشات النور .. ها هي فاطمة تصرخ بصمت :

ـ بدوي صمتي اناديكم .. ثورتي تنطوي في حزني .. ورفضي كامن في دموعي .. وهذا كل ما املكه من لغة علّكم تفهمون خطابي انا مظلومة يا ربّي .. حرّرني من هؤلاء .

ذوت الشمعة .. احرقت نفسها .. لم يبق منها إلا حلقات من نور واهن .. آن لها أن تنطفئ . الوجه يشبه قمراً انهكته ليلة شتائية طويلة .. بدا مصفرّاً .. وكان الصوت واهناً تحمله أمواج حزينة ... والدموع غزيرة كسماء تمطر على هون .


122

رقدت فاطمة في فراشها .. وضعت يدها تحت خدّها اغمضت عينيها ونامت .. سمعتها « اسماء » (1) تهمس بصوت ملائكي :

ـ السلام على جبريل ... الهي في رضوانك وجارك ودارك دار السلام .

وجاء علي .. بدا مكسور الظهر .. كما لو أنه ينوء بحمل جبال من الحزن .. راح يقرأ ما كتبته فاطمة قبل أن تغفو بسلام :

ـ بسم الله الرحمن الرحيم ... هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله ... وهي تشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله .. وان الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ..

يا علي أنا فاطمة بنت محمد زوجني الله منك لأكون لك في الدنيا والآخرة ..

حنطني وغسلني وكفّني وصلّ علي وادفني بالليل ولا تعلم أحداً واستودعك الله إلى يوم القيامة .

وهكذا شاءت فاطمة أن ترحل بصمت .. ان تدفن في قلب الليل .. أن يبقى قبرها مجهولاً لترسم سؤلاً كبيراً مايزال حتى اليوم

(1) زوجة جعفر ابن أبي طالب .


123

يستفهم التاريخ والإنسان !

لم يدفن علي فاطمة حتى دفن معها قلبه وحبّه العظيم ، ثم يمم وجهه شطر الرجل الذي واراه الثرى بالأمس فيهمس لديه بكلمات الحزن .. ولوعة الفراق :

ـ السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة والسريعة اللحاق بك .. قَلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري ورق عنها تجلدي ..

أما حزني فسرمد .. وامّا ليلي فمسهّد ، إلى أن يختار الله لي دارك التي انت بها مقيم ..

وستنبئك ابنتك بتظافر امّتك على هضمها ، فاحفها السؤال واستخبرها الحال ..

هذا ولم يطل العهد ، ولم يخل منك الذكر .. والسلام عليكما .. سلام مودّع لا قالٍ ولا سئم .. فان انصرف فلا عن ملالة .. وأن اقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين ... »

ونهض علي يواجه الدنيا وحيداً .. يشعر بالغربة فلقد وارى بيده قلبه وسعادته وسيفه ذا الفقار .. تمتم بحسرة :

ـ فقد الأحبّة غربة .

توهجات الزمن الأول :

بايع علي « مكرهاً » .. وانطوى وحيداً يعالج همومه واحزانه


124

وشيئاً فشيئاً بدأت عجلة الحياة تدور .. وقلّ الحديث عن مسألة الخلافة .. وانطلقت جيوش الفتح الإسلامي في الجبهات .. وانصرف علي إلى العمل .. يحفر الآبار ويفجّر العيون لتسيل أودية بقدر .. يحرث الحقل ويسقي الزرع لتخضرّ الأرض ..

انهى علي احتجاجه الصامت وعاد إلى المسجد .. إلى « الجماعة » . بالرغم من كل الآلام ..

احتدم الجدل في مجلس الخليفة الأول حول غزو دولة الروم ؛ نظر الخليفة إلى علي وكان ساكتاً قال علي :

ـ إن فعلت ظفرت .

قال أبو بكر :

ـ بُشّرت بخير ..

وانطلقت خيول الفتح الإسلامي تنشر النور في الشمال .

كتب خالد بن الوليد إلى الخليفة انه وجد رجلاً في بعض ضواحي العرب ينكح كما ينكح المرأة !! جمع أبو بكر جماعة من اصحاب النبي واختلفت الآراء في عقوبته فقال علي :

ـ ان هذا ذنب لم تعمل به امّة من الأمم إلا امّة واحدة (1) فصنع الله بها ما قد علمتهم .. أرى أن يحرق ..

(1) قوم لوط في ارض سدوم وعامورا بالقرب من البحر الميت في فلسطين .


125

كتب أبو بكر إلى خالد يأمر يتنفيذ الحكم .

وصل وفد مسيحي إلى عاصمة الإسلام يحمل اسئلة عصره .. عجز الخليفة في حوار « الجاثليق » (1) فأرسل وراء علي ..

قال الجاثليق :

ـ اين وجه الربّ ؟!

أمر علي باشعال النار في الحطب وارتفعت السنة اللهب .. سأل علي زعيم الوفد :

ـ أين وجه النار ؟

قال الجاثليق :

ـ هي وجه من جميع الجهات .

ـ هذه نار مصنوعة ، لا يعرف وجهها ، وخالقها لا يشبهها .. لله المشرق والمغرب .. فأينما تولّوا فثم وجه الله .

وسكت الجاثليق خاشعاً .

مسار الأحداث :

وقعت بعض الحوادث العامة خلال تلك الحقبة التي امتدت من ربيع الأول 11 هـ وحتى جمادى الأولى سنة 13 هـ .

في طليعتها تحرك جيش الإسلامي بقيادة اسامة بن زيد إلى

(1) عالم النصارى .


126

ارض البلقاء حيث اضطدم بالحاميات الرومية هناك واحرز انتصارات في تلك المواقع .

والجيوش الإسلامية بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني تبدأ غزو العراق ؛ وفي تلك الفترة تم اغتيال آزرمي بنت كسرى وعمّت الفوضى في البلاد .

كما وقع حادث له دلالته عندما قام خالد بن الوليد بقتل مالك ابن نويرة (1) وآخرين دون مبرّر مقنع ، وقد عدّ الحادث وقتها افجع انتهاك لحقوق المسلم .

وفي سنة 12 هـ طلب أبو بكر من زيد بن ثابت أن يجمع القرآن الكريم .

هرقل امبراطور الروم يجهز حملة ضخمة بقيادة ( بانس ) ، والجيوش الإسلامية التي تقاتل في الجبهة العراقية تقطع الصحراء متجهة نحو الجبهة الشمالية لنجدة القوات الإسلامية المشتبكة مع الرومان ؛ والجيوش الإسلامية تتقدم باتجاه السقم الجنوبي من فلسطين .

وفي جمادي الأولى من سنة 13 هـ تدهورت صحة أبي بكر ،

(1) مالك بن نويرة بن جمرة بن شدّاد ، أبو حنظلة فارس شاعر من أردف الملوك في الجاهلية ، أدرك الإسلام وأسلم ولاه النبي صدقات قومه ، امتنع عن دفع الزكاة للظروف والملابسات التي اعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم .


127

فاستدعى كلاً من عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ، وبحث معهما خلافة عمر (1) .

وكان الأخيران يدركان تماماً منزلة عمر لدى الخليفة الأول قال عبد الرحمن : ان عمر أفضل من رأيك فيه .

وقال عثمان : أن سريرته خير من علانيته ، وليس فينا مثله .

وطلب أبوبكر من عثمان أن يكتب عهده ... ويذكر التاريخ أن أبا بكر دخل في اغماءة اثناء مقدّمة العهد واستمر عثمان في الكتابة فسمّى الخليفة الجديد ، وهنا أفاق أبو بكر وقرأ عثمان ما كتبه اثناء فترة الاغماء ! فأقرّ الخليفة الأمر واستحسنه ! وبهذه الطريقة تمت تسمية الخليفة الثاني !

توهجات الزمن الثاني :

تسنم عمر بن الخطاب مسؤوليته في قيادة وادارة الدولة الاسلامية وتمّت مبايعته كأمير للمؤمنين (2) ؛ وقد امتدت خلافته

(1) أهمل أبوبكر علي بن أبي طالب في مسألة الخلافة تماماً كما اهمله من قبل في مسألة جمع القرآن ، وسوف يبقى المنهج التبريري الذي يتناول تلك الحقبة المريرة من تاريخ الإسلام عاجزاً عن تقديم اجوبة مقنعة .

(2) كان المسلمون يخاطبون أبابكر بـ « يا خليفة رسول الله » ، وحدث ما يشبه الأزمة في مخاطبة عمر بن الخطاب ، ويبدو لمن يتأمل الحوار الذي دار بين عمر >


128

لتستوعب عقداً كاملاً من الزمن قال علي فيها :

« حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده ... فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسّها ، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم ، وان واسلس لها تقحّم » (1) .

جمع الخليفة الثاني اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بعد ان أصبح التأريخ للحوادث مشكلة ، وكان السؤال : من أين نكتب التاريخ ، وتضاربت الآراء فقال علي عليه السلام : من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ...

وهكذا بدأ تاريخ الهجري .

استدعى عمر امرأة وكانت حاملاً ، فشعرت بالذعر واجهضت حملها واستشار عمر في الدية قال عبد الرحمن وعثمان :

ـ لا عليك ... انما أنت مؤدب .

فقال علي :

ـ ان كانا قد اجتهدا فقد اخطأ ، وان لم يجتهدا فقد غشاك .

أرى عليك الدية .

< ابن الخطاب والمغيرة بن شعبة أن الأول كان يحاول مساعدة الأخير على اكتشاف التسمية الجديدة .

(1) المقطع الأخير يجسّد عمق معاناة علي عليه السلام في تلك الفترة . نهج البلاغة . نهج البلاغة | الخطبة الشقشقية .


129

لم تجد العقوبة المفروضة آنذاك (1) في الحدّ من استمرار تعاطي الخمرة في الهشام ؛ وبعث أبو عبيدة بن الجرّاح نداء استغاثة حول هذه الظاهرة ، فاستشار عمر اصحاب النبي فقال علي : اجعلها بمنزلة حدّ الفريه « ثمانون جلدة » .

ان الرجل اذا شرب هذى افترى ؛ واصبح رأي الامام جزءً من القانون الإسلامي حتى الآن .

جاءت الشرطة تسوق امرأة راعية اتهمت بالزنا .

وسأل عمر المرأة فاعترفت ، وظن الخليفة الثاني ان الأمر قد بات واضحاً فاصدر حكمه برجمها كما أمرت الشريعة بذلك . وحضر علي في الوقت المناسب ، ورأى علي امارات حزن عميق تموج في وجه المرأة فقال :

ـ لعل بها عذراً .

وخاطب المرأة قائلاً :

ـ ما حملك على ما فعلت ؟

قالت المرأة وهي تشهق بالبكاء :

كان لي خليط ، وفي إبله ماء ولبن ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن فاستسقيته ، فأبى أن يسقيني حتى اعطيه نفسي ، فأبيت ثلاث مرّات ، حتى كدت أموت عطشاً .. فاعطيته الذي أراد فسقاني .

(1) اربعون جلدة .


130

هتف علي :

ـ الله أكبر !

ثم تلا الآية المباركة :

« فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان الله غفور رحيم » .

وعندها سحب الخليفة الثاني حكم الموت وانطلقت المرأة سعيدة بالحياة .

كانت الجيوش الإسلامية تندفع هنا وهناك من العالم وبرزت مشكلة الأرض المفتوحة ، عندما طالب المسلمون باربعة اخماس الأرض ؛ على اساس ظاهر الآية ، وحدث جدل واسع حولها في المدينة ، فاشار علي عليه السلام على الخليفة بابقاء الأرض بايدي اصحابها الأصليين ، والزامهم بدفع ضريبة الخراج لسدّ حاجات الدفاع عن الأمة ؛ وكان لهذا الموقف الأثر الكبير في انتشار الإسلام .

وقعت جريمة فريدة في « صنعاء » عندما اقدمت إمرأة مع عشيقها على قتل زوجها وتردد عمر في اصدار حكم القصاص فهل يصح قتل الكثيرين بالواحد ؟!

فقال علي متسائلاً :

أرأيت لو أن نفراً اشتركوا في سرقة جزور هذا عضواً ، وهذا عضواً .. اكنت قاطعهم ؟


131

اجاب الخليفة :

ـ نعم .

عندها قال علي عليه السلام :

ـ فكذلك .

وهنا كتب عمر ألى عامله هناك : ان اقتلهما فوالله لو اشترك أهل صنعاء كلهم لقتلهم .

الحوادث : وقعت خلال العشرة اعوام تلك حمادث هامّة فعلى الصعيد الثقافي منع الخليفة الثاني تدوين الحديث ، وعرّض بذلك تراث سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم إلى خطر الضياع ، غير أن علياً عليه السلام كان قد انبى إلى جمع القرآن وتدوين الحديث منذ اليوم الأول لرحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ألى الرفيق الأعلى ، فاصبح المرجع الأول في الأحكام باعتراف الجميع . وشهد هذا العقد من الزمن تتابع الفتوحات الإسلامية تواصل معاركها الضارية مع الرومان بعد معركة اجنادين الحاسمة ، وقوّات الإسلام تفتح عشرات المدن هناك .

(1) والد المختار الثقفي الثائر المعروف .


132

وفي سنة 14 هـ توفى سعد بن عبادة في طريقه إلى الشام في ظروف غامضة (1) .

وفي السنة الخامسة العشرة من الهجرة وبعد مضي عامين على خلافة عمر بن الخطاب بدأ الأخير في تنفيذ سياسة مالية جديدة مخالفاً بذلك سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم والخليفة الأول ، وبدأ منذ ذلك التاريخ التمييز في نظام العطاء ، في تقدم « البدريين » على غيرهم وتفضيل المهاجرين على الأنصار وتقديم امهات المؤمنين على غيرهن ، وتصنيف سائر شرائح المجتمع الإسلامي على أساس الانتماء القبلي ، فتجذرت بذلك ظاهرة العصبية التي ساعدت فيما بعد على توفير المناخ المناسب للعنصرية ؛ ونهضت عليها سياسة الحكم بعد ثلاثة عقود من الزمن (2) .

وفي تلك الفترة الغى الخليفة الثاني منح المؤلفة قلوبهم الامتيازات المالية التي كانوا يحصلون عليها ، وقد عدّت الخطوة في الدراسات المعاصرة محاولة ناجحة في دمج تلك الشريحة المعادية الإسلام في الباطن بالمجتمع الإسلامي ، وتمهيد الطريق أمام بني

(1) الخزرجي الأنصاري أبو قيس ، احد النقباء الاثني عشر في بيعة العقبة كان سيد الخزرج ، وكانت في يديه راية الفتح في تحرير مكّة ، سمعت تهديداته لابي سفيان وقريش ، فاخذ النبي الراية منه وسلّمها علياً كان زعيم مؤتمر السقيفة وبذل قصارى جهده في دفع الانصار إلى بيعته قبل أن يستولي عليها المهاجرون !

(2) الحكم الأموي البغيض .


133

امية في تسنم ارفع المناصب القيادية ؛ فاذا اضفنا إلى ذلك سياسته تجاه ولاة المدن التي تتسم بالشدّة والقسوة في بعض الأحيان ، واستثناء معاوية بن أبي سفيان من ذلك حتى اصبح الوالي المدلّل ، فان الأمر سوف يدعو إلى التساؤل عن بواعث هذا الاستثناء (1) !

اضاءتان :

سافر احدهم بعد أن أودع أمرأتيه لدى صديق له وكانتا حاملين فوضعت كلاهما ، وضعت احداهما بنتاً والأخرى صبياً ، واندلع النزاع ، حول الصبي ، حين ادعته المرأتان .

وجاء الصديق يستنجد بالقضاء لحلّ هذه المعضلة ، وعرض الخليفة الثاني ملف القضية على الصحابة فلم يجد لديهم حلاً فقال عمر :

أما والله اني لأعرف من لها .

وادرك بعضهم ما عناه الخليفة فقال :

ـ كأنك تعني علياً .

(1) كانت الاخبار تترى حول تجاوزات معاوية المالية وبذخه ، وكان عمر يكتفي بردّه قائلاً : ذاك كسرى العرب ، وقد بلغ من استهتار الاخير انه كان يلبس الديباج والحرير ويستعمل الذهب ، الأمر الذي دفع ببعض الصحابة إلى استنكار ذلك علنا فردّهم الخليفة الثاني قائلاً :

ـ دعونا من ذمّ فتى من قريش ، من يضحك في الغضب ، ولا ينال ما عنده من الرضا ، ولا يؤخذ من خوف رأسه إلا من تحت قدميه .


134

ـ أجل .

وتطوع أحدهم باستدعاء علي ولكن الخليفة رفض ذلك قائلاً :

في بيته يؤتى الحكم .

ونهض الجميع المنطلقين إلى ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ؛ وبعد لأي وجدوه في بستان يعمل ... سمعوا صوته وهو يرتل آيات من القرآن فيمتزج الترتيل بالبكاء والدموع :

ـ « ايحسب الإنسان أن يترك سدىً ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فسوّى فجعل منها الزوجين الذكر والانثى أليس ذلك بقادر على أ، يحيي الموتى ... » .

ونظر بعضهم إلى بعض .. فالقضية التي جاءوا من اجلها تدور حول ذكر وانثى !

رحب الإمام بضيوفه وروى عمر ما جاءوا من أجله : فاشار إلى الرجل وقال :

ـ ان هذا ذكر ان رجلاً أودعه امرأتين ، فوضعتا جميعاً : احداهما ولداً ذكراً والأخرى بنتاً وكلتاهما تدّعي الابن وتنفي البنت (1) .

إجتث الإمام شوكة صغيرة من الأرض وقال :

(1) يبدو أن الدوافع كانت من اجل الميراث أو لنيل الحظوة والمنزلة لدى الزوج .


135

ـ القضاء فيها ايسر من هذه . أمر الإمام باحضار قدحين متساويين في الوزن والتفت إلى احداهما وقال : احلبي في هذا القدح .. فحلبت .. وقال للأخرى مثل ذلك .. وجئ بميزان للصاغة فوضع في طرفيه القدحان وكان حجم الحليب متساوياً ؛ ودهش الصحابة وهم يرون أن أحد القدحين يرجح الآخر فقال لصحابة القدح الاثقل : خذي ولدك ، والتفت إلى الأخرى فقال : خذي بنتك ، والتفت إلى الخليفة . فقال : لبن البنت على النصف من لبن الولد ، وميراثها نصف ميراثه .

واعجب عمر بقضاء الإمام فقال متأثراً :

ـ لقد ارادك الحق يا أبا الحسن ولكن قومك أبوا (1) !

فقال الإمام بشيء من الحزن :

ـ هوّن عليك أبا حفص .. ان يوم الفصل كان ميقاتاً .

واندلعت ازمة قضائية أخرى ، عندما اقدمت امرأة على افتضاض بكارة فتاة يتيمة كان زوجها قد ربّاها في بيته وخشيت المرِأة بعد ان رأت تلك الفتاة قد شبت واضحت فائقة الجمال ان يقدم زوجها على الزواج منها ، فانتهزت سفر الزوج وسقتها الخمرة وازالت بكارتها بيدها بمعاونة بعض جاراتها ؛ وعندما عاد الزوج

(1) ممّا يثير التساؤل المرير هذا التأكيد الماتواصل على احقية علي عليه السلام بالخلافة واستبعاده القاتل في لحظات تقرير المصير .. مصير الحكم .


136

اتهمت الزوجة الفتاة بالبغاء . وحار الخليفة في فصل القضية فانطلق مع اصحاب الدعوى وجمع من الصحابة إلى علي .

سأل علي الزوجة عن البيّنة في هذا الاتهام :

ـ الك بينة أو برهان .؟

اجابت المرأة :

ـ هؤلاء جاراتي يشهدون عليها بما أقول .

وجاءت النسوة فشهدن ضد الفتاة ؛ ودخلت القضية مطبّاتها أمام اصرار الفتاة بأنها لم ترتكب مثل هذا الاثم .

أمر الإمام باجراء لم يسبق له مثيل عندما طلب التفريق بين الشهود ؛ بدأ الإمام استجوابه التحقيقي مع زوجة الرجل فحذرها من عاقبة القذف فاصرّت المرأة على موقفها ، فغادر الإمام الحجرة إلى حجرة أخرى حيث توجد إحدى الشاهدات ؛ استلّ الإمام سيفه ذا الفقار من الغمد ، وجثا على ركبتيه وخاطبها قائلاً :

أتعرفيني .. ؟ انا علي بن أبي طالب وهذا سيفي ..

ثم أردف قائلاً :

ـ وقد قالت امرأة الرجل ما قالت ورجعت إلى الحق فاصدقي القول وإلا ملأت سيفي منك .

وانهارت المرأة فالتفت إلأى عمر قائلة :


137

ـ يا أمير المؤمنين الأمان على الصدق ؟

قال الإمام :

ـ فاصدقي إذن .

واعترفت المرأة بجريمة صاحبتها فقالت :

ـ والله ما بغت الفتاة .. ولكن زوجة الرجل رأت فيها جمالاً وهيئة .. وخافت أن يتزوجها ، فسقتها المسكر ودعتنا فامسكناها فافتضتها باصبعها ! وهناك هتف الإمام : الله اكبر ... أنا أول من فرّق بين الشهود بعد دانيال النبي .. واصدر الإمام حكمه في القضاء :

ـ على المرأة حدّ القذف وجميع العقر وهو اربعمئة درهم ... وأنت تنفى من الرجل (1) ...

وانتهز عمر الفرصة فقال للإمام :

ـ حدّثنا يا أبا الحسن حديث دانيال .

فقال عليه السلام :

ـ كان دانيال النبي يتيم الابوين ... احتضنته امرأة من بني اسرائيل فربّته .. وان ملكاً من ملوك بني اسرائيل كان له قاضيان وكان لهما صديق وكان رجلاً صالحاً وله زوجة صالحة على جانب كبير

(1) طلق الرجل زوجته بعد عودته ... فزوّجه الإمام الفتاة اليتيمة وساق عنه المهر .


138

من الجمال فبعثه الملك في بعض أموره ؛ فقال الرجل للقاضيين : اوصيكما بامرأتي خيراً ؛ وخرج الرجل ، وكان القاضيان يأتيان باب الصديق ، فعشقا امرأته فراوداها عن نفسها ، فأبت . فقالا لها ان لم تفعلي لنشهدن عليك عند الملك بالزنى ثم لنرجمنك .

فقالت : افعلا ما احببتما .

فأتيا الملك فشهدا عنده انها بغت ، وكان لها ذكر جميل فاعترى الملك من ذلك أمر عظيم واشتد غمّه فقال لهما : ان قولكما مقبول فأجلوها ثلاثة أيام ثم ارجموها .

ونادى المنادي في تلك المدينة أن احضروا رجم فلانة العابدة قد بغت ، وقد شهد عليها القاضيان .

فاكبر الناس هذا العمل ودهشوا له ، وقال الملك لوزيره ما عندك في ذلك ؟ هل من حيلة ؟ فقال الوزير ما عندي في ذلك شيء ، فخرج الوزير في اليوم الثالث فاذا بغلمان عراة يلعبون وفيهم دانيال ، فقال دانيال لأصحابه : تعالوا نلعب فاكون أنا الملك وتكون انت يا فلان العابدة وقال وهذا سيفي ثم قال : خذوا بيد هذا الشاهد فاجعلوه في مكان كذا ثم دعا احدهما وقال : ان لم تقل حقاً قتلتك .. بم تشهد على هذه المرأة فقال : اشهد انها زنت .

قال : متى ؟


139

قال : يوم كذا وكذا .

قال : مع من ؟

قال مع فلان بن فلان .

في أي مكان ؟

في مكان كذا وكذا .

قال : ردوه إلى مكانه .

وجاء بلأخر .

فقال : علام تشهد ؟

قال : أنها زنت .

قال : في أي يوم .

قال : في يوم كذا وكذا .

قال مع من ؟

قال : مع فلان بن فلان .

قال : في أي موضع ؟

قال في موضع كذا وكذا .

فخالف صاحبه في الشهادة .

فقال الدانيال : الله اكبر ! شهدوا بزور ... ناد في الناس ان القاضيين شهدا على فلانة بالزور فاحضروا قتلهما .

فذهب الوزير إلى الملك مبادراً فاخبره بما رأى فبعث الملك إلى القاضيين ، ففرق بينهما ، وفعل بهما كما فعل دانيال فاختلفا في


140

القول كما اختلف الغلمان ، فنادى في الناس وامر بقتلهما .

النهاية :

كان عمر قد اصدر أمراً بحرمان كل من بلغ الحلم من السبي الفارسي أن يدخل المدينة ، فكتب المغيرة بن شعبة الداهية المعروف وكان ولياً على الكوفة كتب إلى الخليفة الثاني يذكر له غلاماً من أهل فارس يحسن كثيراً من الصناعات وطلب من الخليفة أن يأذن له بدخول المدينة ، وجاء في رسالته :

ان عنده اعمالاً كثيرة فيها منافع للناس ؛ انه حدّاد ونقاش ونجار فكتب اليه عمر أن ارسله ألى المدينة ، وكان المغيرة قد حدد على الغلام ضريبه باهظة في الخراج بلغت مئة درهم ؛ وجاء الغلام ويدعى أبو لؤلؤة ( فيروز ) إلى عمر يشكو شدّة الخراج .

فقال له الخليفة : ماذا تحسن من العمل ؟

فذكر الغلام عدّة صناعات وفنون .

فقال عمر : ما خراجك بكثير في كنه عملك ؛ فانصرف الغلام ساخطاً يتذمّر .

وبعد أيام مرّ غلام المغيرة « أبو لؤلؤة » بالخليفة فسألة الأخير قائلاً :

ـ سمعت أنك تقول : لو اشاء لصنعت رحى تطحن بالريح

فاصنع لي رحىً .

فالتفت الغلام إلى عمر وقال عابساً :

ـ لاصنعنّ لك رحىً يتحدّث بها الناس .

وادرك الخليفة مغزى تهديده ..

فالتفت إلى من حوله بعد أن مضى الغلام :

ـ لقد أوعدني العبد .

فقال له الناس :

ـ وما يمنعك من قتله ؟

فقال عمر :

ـ لا قصاص قبل القتل .

شاهد عيان 25 | ذو الحجة | 23 هـ :

قال ابن ميمون الأسدي شهدت عمر بن الخطاب يوم طعن فما منعني أن أكون في الصف الأول إلا هيبته ، فكنت في الصف الذي يليه ؛ وكان عمر لا يكبّر حتى يستقبل الصف المتقدّم بوجهه ، فان رأى رجلاً متقدّماً من الصف أو متأخراً ضربه بالدرّة .. وهذا ما منعني من الوقوف في الصف الأول .

أقبل عمر لصلاة الفجر ، وكان الظلام ما يزال ، فاعترضه أبو لؤلؤة وسدّد له عدّة طعنات بخنجر ذي رأسين ، وطعن الذين أرادوا القاء القبض عليه ثم انتحر .


142

وصرخ عمر بالناس :

ـ دونكم الكلب فانه قد قتلني !

ومات من الذين جرحوا في الحادث سبعة اشخاص (1) .

مصير الخلافة :

تدهورت حالة الخليفة الثاني الصحية ونصح الطبيب بكتابة الوصية ، وبرزت ازمة الخلافة من جديد فلا احد يعرف من سيكون الخليفة القادم وكيف ؟ وقيل لعمر : لو استخلفت ؟

فقال الخليفة : ومن استخلف ؟ ... لو كان أبو عبيدة (2) حيّاً لاستخلفته لأنه أمين هذه الأمّة ، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لاستخلفته لانه شديد الحبّ لله (3) .

(1) الكامل في التاريخ 3 : 34 .

(2) أبو عبيدة بن الجراح أحد الثلاثة بعد أبي بكر وعمر الذين دهموا اجتماع « السقيفة » وغيّروا مسار الأحداث .

(3) سالم بن عبيد بن ربيعة ، أبو عبد الله من أهل اصطخر ببلاد فارس وكان سبياً حمل إلى مكة فاشترته ثبيته بنت يعار ، زوجة أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، ثم اعتقته فتبنّاه أبو حذيفة وزوّحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة . كان من فضلاء الصحابة وكبار الموالي ، ومن المهاجرين إلى المدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ، وكان من القرّاء . شارك في حرب المرتدّين باليمامة ، اخذ الراية بعد مقتل زيد بن الخطاب فقطعت يمينه فأخذها بيساره فقطعت فاعتنقها وهو يهتف : « وما محمّد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل » ، « وكايّن من نبي قاتل معه ربّيون كثير » حتى سقط شهيداً .


143

شكل الخليفة مجلساً يتألف من ستة اشخاص هم : علي بن أبي طالب ، الزبير بن العوام ، عبد الرحمن بن عوف ، سعد بن أبي وقاص ، طلحة بن عبد الله ، عثمان بن عفان .

وضع الخليفة الثاني مساراً لاعمال المجلس وحدّد امتيازات الأعضاء بشكل تسير فيه الأمور لتسقط التفاحة في احضان « عثمان ابن عفان » عثمان الذي حرّر بالأمس وثيقة العهد إلى عمر لمّا اغمي على الخليفة الأول ! هل كان اجراء الخليفة نوعاً من ردّ الجميل أو استجابة لما يموج في عواطف « قريش » التي لا تكنّ لعلي أية مشاعر بالارتياح .

استدعى الخليفة الثاني اعضاء المجلس المؤقت ، فجاءوا جميعاً ، وتصفح عمر وجوه بعضهم قائلاً :

ـ اكلكم يطمع بالخلافة بعدي ؟

واعتصم الجميع بالصمت .. وكرر عمر السؤال ثانية وثالثاً .. فانبرى الزبير وقال بحدّة :

ـ وما الذي يبعدنا عنها ؟! .. وليتها أنت فقمت بها ولسنا دونك في قريش .. ولا في القرابة .

لقد نجح عمر بن الخطاب في ايقاظ كل الطموحات والاطماع في نفوس بعض الصحابة .

وانبرى عمر ليردّ الصاع صاعين في صراحة مريرة قائلاً :


144

ـ أفلا اخبركم عن انفسكم ؟

تمتم بعضهم :

ـ أنا لو استعفيناك لم تعفنا .

التفت عمر إلى الزبير فقال :

ـ اما أنت يا زبير فوعق لقس ( كثير البرم ) مؤمن الرضا كافر الغضب يوماً انسان ، ويوماً شيطان ؛ ولعلها ( الخلافة ) لو افضت اليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مدٍّ من شعير !! فليت شعري من يكون للناس يوم تكون شيطاناً ؟!

والتفت إلى طلحة فقال :

ـ أقول أم اسكت ؟

ردّ طلحة بانزعاج :

انك لا تقول من الخير شيئاً .

ـ اما اني اعرفك منذ اصيبت اصبعك من يوم أحد واتياً ( غاضباً ) بالذي حدث لك .. ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ساخطاً عليك للكلمة التي قلتها يوم انزلت آية الحجاب (1) .

وشعر سعد بن ابي وقاص بالضيق بعد أن وصله الدور ؛ قال

(1) كان طلحة قد قال : ان قبض محمد أنكح أزواجه من بعده فما جعل الله محمداً أحق ببنات اعمامنا ! . وفي هذه المناسبة نزلت الآية الكريمة : « وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا ازواجه من بعده ابدا » | الأحزاب : 53 .


145

عمر وقد اقبل عليه بوجهه :

ـ انما أنت صاحب مقنب « جماعة الخيل » تقاتل به وصاحب قنص وقوس وأسهم ، ومازهرة (1) ، والخلافة وأمور الناس .

والتفت الخليفة إلى عبد الرحمن بن عوف وقال :

ـ اما انت يا عبد الرحمن فلو وزن نصف ايمان المسلمين بايمانك لرجح ايمانك ... ولكن لا يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك ، ومازهرة وهذا الأمر !

وأما انت يا علي :

والتفت عمر إلى علي فلم يجد له عيباً سوى أن قال :

ـ لله أنت لولا دعابة (2) فيك ... أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح ، والمحجة البيضاء .

وجاء دور عثمان :

والتفت عمر إلى عثمان « مرشح قريش » فقال له :

ـ هيهاً اليك كأني بك قد قلدّتك قريش هذا الأمر لحبها اياك فحملت بني امية وبني ابي معيط على رقاب الناس ، وآثرتهم بالفيء

(1) قبيلة سعد .

(2) لا يذكر التاريخ أحداً وصف علياً بالدعابة سوى عمر بن بن الخطاب وهو أمر يثير تساؤلات عديدة .


146

فسارت اليك عصابة من ذؤبان العرب ، فذبحوك على فراشك ذبحاً والله لئن فعلوا لتفعلن ، ولئن فعلت ليفعلن ..

وأخذ عمر بناصية عثمان وأردف :

ـ إذا كان ذلك فاذكر قولي .

وهنا جاء دور الاجراءات المشدّدة في خلق جوّ ارهابي سوف يساعد على دعم وتعزيز موقف عثمان .

استدعى عمر أحد الانصار وقال :

ـ يا أبا طلحة أن الله أعز الاسلام بكم فاختر خمسين رجلاً من الانصار فالزم هؤلاء النفر ( اعضاء الشورى ) بامضاء الأمر وتعجيله ، واستدعى الخليفة « المقداد » واصدر اليه آخر اوامره التي تنضح تهديداً ووعيداً :

ـ اجمع هؤلاء الرهط ( اعضاء الشورى ) في بيت حتى يختاروا رجلاً منهم ، فان اجتمع خمسة وأبى واحد فاشرخ رأسه بالسيف ، وان اتفق اربعة وابي اثنان فاضرب رأسيهما وأن اتفق ثلاثة منهم على رجل ورضي ثلاثة منهم برجل آخر فحكموا عبد الله بن عمر ؛ فإن لم يرضوا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف ؛ واقتلوا الباقين !

وأدرك علي من خلال كل هذا « السيناريو » ان الهدف الأخير


147

هو حرمانه مرّة أخرى من حقه في الخلافة فقال لعمه العباس :

ـ يا عم لقد عدلت عنا .

قال العباس :

ـ ومن ادراك بهذا ؟!

قال علي وهو يميط اللثام عمّا وراء كل هذا « اللف والدوران » :

ـ « لقد قرن بي عثمان .. وقال : كونوا مع الأكثر ، ثم قال : كونوا مع عبد الرحمن ، وسعد لا يخالف ابن عمه ( عبد الرحمن ) وعبد الرحمن صهر لعثمان .. فاما أن يوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن ... » (1) .

يقول علي مؤرخاً لتلك اللحظات المريرة :

ـ « فصبرت على طول المدّة (2) وشدّه المحنة حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم اني احدهم ، فيالله وللشورى .. متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم ، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر ؟! لكنيّ اسففت إذ اسفّوا وطرتٌ إذا طاروا فصغا رجل لضغنه ومال الآخر لصهره مع هن وهنٍ إلى أن قام ثالث (3) القوم نافجاً

(1) تاريخ الطبري 5 : 35 .

(2) فترة حكم الخليفة الثاني .

(3) الخليفة الثالث .


148

حضينه بين نثيله ومعتلفه وقام معه بنو ابيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع (1) .

وهكذا بدأت اعمال الشورى في ظروف بالغة الحساسية . وبدأت الاطماع بالظهور ؛ والمصالح والمؤامرات في موازنات يمكن القول أنه محسوبة سلفاً ؛ فالتوزيع القبلي لاعضّاء الشورى يمنح الارجحية لبني امية .

لقد توقف التاريخ ملياً في السقيفة قبل أن يغير مساره وها هو الآن يتوقف مرّة أخرى لا ليغير من اتجاهه ولكن ليزيد من سرعة ذات المسار حيث المجتمع الإسلامي يفقد مقاييسه الصائبة في اختيار الحاكم اللائق .

توفي عمر بعد ثلاثة أيام وصلّى على جثمانه صهيب الرومي في غرّة المحرّم ؛ وبدأ أول لقاء لاعضاء الشورى ؛ وارتفعت نبرة الجدل العقيم .. لقد استيقظت في نفوس البقض شهوة الحكم والزعامة وضاع صوت علي وهو يحذر اصحاب النبي من العواقب الوخيمة التي ستسفر عن التنكر لكلمة الحق :

ـ لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق ، وصلة رحم ، وعائدة كرم .. فاسمعوا قولي ، وعوا منطقي ، عسى ان تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتضي فيه السيوف ، وتخان فيه العهود ، حتى يكون

(1) نهج البلاغة : الخطبة 3 .


149

بعضكم ائمة لأهل الضلال ، وشيعة لأهل الجهالة (1) .

ومرّ يومان ولكن دون جدوى وقد حبس المجتمع الإسلامي انفاسه ، ماترقباً نتيجة الجدل الذي تحول الى صراع .

وجاء أبو طلحة الانصاري واعلن أنه سينفذ أوامر الخليفة الراحل اذا انصرمت الأيام الثلاثة دون انتخاب خليفة :

ـ والذي ذهب بنفس عمر .. لا أزيدكم على الأيام الثلاثة التي أمرت .

وهنا وجه عبد الرحمن أول ضربة عندما اعلن تنازله عن حقه في الخلافة مقابل أن يكون له الحق في انتخاب الخليفة وانبرى عثمان لتأييد خطوة بن عوف ، وتهافت الآخرون على تأييد عبد الرحمن أيضاً فيما ظل علي معتصماً بالصمت .

التفت عبد الرحمن إلى علي وقال :

ـ ما تقول يا أبا الحسن ؟

وادرك الامام ما وراء خطوة بن عوف فقال :

ـ اعطني موثقاً لتؤثرن الحق .. ولا تتبعن الهوى ولا تخصّ رحم ، ولا تألوا الامّة نصحاً .

وشعر عبد لرحمن أن مصير الخلافة قد اضحى في قبضته ،

(1) نهج البلاغة .


150

فاعطى لعلي ما يريد .. انها في كل الأحوال مجرّد كلمات .

وهنا وجه عبد الرحمن ضربته القاضية عندما زجّ شرطاً لا مبرّر له كاساس للبيعة ؛ قال لعلي وهو في ذروة ايمانه أن علياً سيرفض :

ـ ابايعك على كتاب الله وسنّة رسوله وسيرة الشيخين (1) ابي بكر وعمر .

قال علي موضحاً موقفه الخالد ومعتزّاً بشخصيته الفريدة :

ـ بل على كتاب الله وسنة رسوله واجتهاد رأيي .

والتفت عبد الرحمن إلى عثمان فعرض عليه شروط البيعة فرددها عثمان على الفور وهو يكاد يطير فرحاً .

وهنا صفق عبد الرحمن على يد عثمان وهتف :

ـ السلام عليك يا أمير المؤمنين .

وخاطب علي بن أبي طالب عبد الرحمن قائلاً :

ـ احلب حلباً لك شطره ...

وأردف وهو يكشف له معرفته ما يدور فى الخفاء وراء

(1) لم تكن سيرة الشيخين سوى شرط وهمي فلقد تقاطعت سيرتهما في نقاط بالغة الأهمية .


151

الأبواب المغلقة :

ـ والله ما فعلتها إلا لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه (1) .

والتفت علي إلى « قريش » التي القت بكل ثقلها من اجل عثمان فقال بمرارة :

ـ ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون .

ونهض وغادر المكان وهو يتمتم بحزن :

ـ سيبلغ الكتاب اجله .

وشعر عمّار بن ياسر بالألم يعتصر قلبه فقال لعبد الرحمن :

ـ « يا عبد الرحمن .. اما والله لقد تركته وانه من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون » .

واحسّ « المقداد » كأن خنجراً يمزق قلبه فقال :

ـ تالله ما رأيت م3ثل ما أتى إلى أهل بيت بعد نبيهم !!

واعجباً لقريش !! لقد تركت رجلاً ما أقول ، ولا أعلم أن أحداً

(1) وفي هذا اشارة واضحة إلى أن اتفاقاً سابقاً كان بين ابي بكر وعمر حمل مصير الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم .


152

اقضى بالعدل ولا أعلم ، ولا أتقى منه .

وأردف بغضب :

ـ أما لو أجد أعوانا ..

ولم تكن الصفات التي ذكرها المقداد سوى عيوباً لعلي في زمن يتنكّر للمجد الاخلاقي ... ولا يعرف غير الاساليب الهابطة طريقاً لتحقيق غايات تافهة سرعان ما تزول .

وهكذا بات على علي أن يطول رحلة العذاب صابراً محتسباً حتى يبلغ الكتاب أجله .

توهجات الزمن الثالث :

بدأت بخلافة عثمان حقبة زمنية جديدة ، حقبة شهدت ظهور اعداء الإسلام القدامى من امثال ابي سفيان ومروان والوليد وتولّيهم المناصب الرفيعة واصبحت مقدّرات البلاد وثروتها حكراً على بني امية . وارتفعت القصور المنيفة الى جانب الاكواخ لتشهد على مدى الحيف الذي حلّ بالشرائح المسحوقة من المجتمع الإسلامي .

وادرك أبوسفيان ان الأوان قد آن للثأر من محمد فجاء إلى الخليفة الثالث وخاطبه بكل وقاحة قائلاً :

ـ يا بني أمية بلاقفوها تلاقف الكرة فوالذي يحلف به أبو


153

سفيان (1) لا جنّة ولا نار .

جاءت الشرطة تسوق إمرأة شابة تزوجت منذ ستة أشهر وقد انجبت ... فثارت الشكوك حول عفتها قبل الزواج ؛ ورفع الزوج الأحمق الشكوى ضدها ، فاصدر خليفة المسلمين عثمان حكماً باعدامها رجماً بالحجارة ؛ وأُخذت المسكينة ألى ساحة الاعدام ، كانت تنظر إلى السماء بعينين غارقتين بالدموع فليس هناك من يطلع على السرائر سوى الله ..

قالت الفتاة الشابة التي لم تهنأ بعد بعرسها ... قالت لاختها :

ـ يا اخية لا تحزني ... فوالله ما مسّني أحد قط غيره .

وهب علي بن أبي طالب بعدما اطّلع على حيثيات القضية فقال لعثمان :

ان خاصمتك بكتاب الله خصمتك .

ـ ؟!!

ـ ان الله تعالى يقول : « وحمله وفصاله ثلاثون شهراً » .

ثم قال عزوجل : « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة » .

فحولين مدّة الرضاعة وستة اشهر مدّة الحمل .

(1) كثيراً ما سمع عنه تمجيده لهبل ؛ كما حدث في معركتي أحد وحنين .


154

جرت العملية الحسابية في ذهن عثمان بسرعة فقال مبهوتاً :

ـ ما فطنت لهذا .

ثم اصدر أمره باطلاق سراح الفتاة والغاء عقوبة الموت بحقها ولكن رسول الخليفة وصل متأخراً ... لقد تم تنفيذ الحكم ورحلت الفتاة إلى السماء تشكو إلى بارئها ظلم الانسان (1) .

بلغ استهتار الوليد بن عقبة واليّ الكوفة حدّاً لا يطاق ولكن الوليد لم يكن ليكترث لأي كان مهما بلغت منزلته ، فهو أخو الخليفة لامّه ؛ وهكذا انصرف إلى حياة الملاذ والترف ، وهام بالخمرة يكرع كؤوسها سرّاً وعلانية .

وجاء ذات صباح إلى مسجد يترنّح سكران بنشوة الخمر ، وراح يقرأ في صلاته بعد أن وقف بصعوبة في المحراب :

ـ علق القلب الربابا .. بعد ما شابت وشابا .

ويقول في سجود :

ـ اشرب واسقني .

واجتاحته رغبة عارمة بالقيء فتقيأ !

وهكذا اتمّ الوالي صلاة الفجر في اربع ركعات .. والتفت

(1) شبّ الصبي وكانت ملامحه تشبه ملامح ابيه فاعترف به .


155

ليخاطب المسلمين بكل وقاحة :

ـ هل ازيدكم ؟!

اجاب الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ساخطاً :

ـ لا زادك الله خيراً .. ولا من بعثك الينا .

وراح الناس يقذفونه بالحصى وهو يترنح في طريقه إلى القصر ..

اثار الحادث غضب جماهير الكوفة فانطلق وفد إلى المدينة بعد أن انتزعوا خاتم الوالي السكران ..

وقابل عثمان الوفد بلهجة فيها غيظ قائلاً :

ـ وما يدريكم انه شرب الخمر ؟

أجاب اعضاء الوفد :

هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية .

وقدّم أحدهم إلى الخليفة خاتم الوليد :

ـ انتزعناه من اصبعه وقد كان ثملاً .

شعر الخليفة بالحقد فضرب أحد اعضاء الوفد في صدره ودفعه . وغادر الوفد قصر الخليفة آسفاً لموقف عثمان .. ولم يجد الوفد الكوفي حلا سوى اللجوء إلى علي بن أبي طالب فلعلّه يوقف


156

عثمان وولاته عند حدودهم .

وانتفض علي وهرع إلى قصر الخليفة وخاطب عثمان بلهجة تتشظى غضباً مقدساً :

ـ دفعت الشهود وابطلت الحدود ؟!

وادرك عثمان أن الأمور دخلت منعطفاً خطيراً فقال بلهجة فيها مداراة :

ـ ما ترى ؟

قال علي بحزم :

ـ ارى أن تبعث إلى صاحبك ( الوليد ) فإن قامت الشهادة في وجهه ولم يدل بحجة اقمت عليه الحدّ . وصدر أمر باستدعاء والي الكوفة للتحقيق مع حول الحادث ؛ وجاء الوليد غير مكترث كعادته .. انه يعرف عثمان جيداً !

حضر الشهود وادلوا بافاداتهم ضد الوليد بأنه شرب الخمر ، وصلّى الفجر ثملاً اربع ركعات وتقيأ في المحراب :

لم ينبس الوليد ببنت شفه واكتفى بالنظر ساخراً إلى وجوه الشهود .. كانت لحظات مثيرة فقد اصبح حكمه واضحاً أن يجلد ثمانين سوطاً عقوبة شارب الخمر .. ولكن من يجرؤ على تنفيذ الحكم وهو أخو الخليفة وواليه المدلّل !


157

ومرّة أخرى نظر الوليد بسخرية إلى من جاءوا يشهدون عليه .

وهنا حدث من لم يخطر ببال أحد ، فقد اندفع علي وانتزع السوط ، وفّر الوليد هنا وهناك ولكن علي سرعان ما امسك به وضرب به الأرض ، وتوالت سياط على الغاضبة تلهب جسم الوالي الفاسق ؛ وصرخ عثمان :

ـ ليس لك أن تفعل هذا به !

فردّ علي بغضب سماوي :

ـ بلى وشر من هذا اذ فسق ومنع حق الله أن يؤخذ منه !

وهكذا سقط الوالي إلى الحضيض .. ولكن عثمان لم ينس « اخاه » لأمّه فاسند اليه مهمّة جديدة إذ عينه جابياً لصدقات « كلب » و« بلقين » (1) .

وانطوى علي على جراحه فليس في الأفق ما يبشر بخير .

حوادث الزمن الثالث :

استهل عثمان خلافته بتمكين بني امية من مقاليد الحكم ، وتسنم مروان بن الحكم ارفع المناصب حتى كان خاتم الخلافة في يده يحكم ما يشاء ؛ وفي عهد عثمان تصاعدت وتيرة الفتوحات

(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 142 .


158

وراحت الجيوش الإسلامية تسيح في الأرض شرقاً وغرباً (1) ؛ وكنوز الغنائم تتدفق ليكون طريقها إلى بني امية ، وبعض الصحابة الذين وجدوا في سياية عثمان ما يشبع طموحاتهم واطماعهم في المال والثراء . وفي مقابل هذا نجد صفحات تضج بالمآسي عنما يحتج بعض الصحابة على ظاهرة الانحراف التي لم يعد السكوت عنها .

ان التأمل في ما عاناه الصحابي المظلوم ابي ذر الغفاري على أيدي الأوغاد من بني امية سوف يلمّ بصورة مصغرة عن عمق المحنة التي عصفت بالاسلام والامّة بل وحتى الأجيال القادمة ؛ كما أن التوقف عند مشهد أبي ذر حبيب محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وهو يضرب بقسوة ويهان في « المدينة » عاصمة الإسلام سوف يتذكر ولا ريب معاناته في مكّة يوم كانت الكعبة تضجّ بالاوثان وكان الوثنيون ينهالون على « جندب بن جنادة » وقد هتف : ان لا إله إلا الله ... محمد رسول الله ؛ وسوف يكتشف المرء أن الذين كانوا يضربونه في مكّة قد عادوا مرّة أخرى يجلدونه في يثرب بعد أن تلبسوا ثوب الاسلام كرهاً وزوراً .

الدين والدنيا ... معادلة الصراع :

ها هو أبو ذر يعود من الشام منهكاً ارهقه الجلاّدون سيراً ،

(1) وفي عهده فتحت ارمينيا وآذربيجان وافريقيا ، وبدأ غزو الروم براً وبحراً وفتحت جزيرة قبرص وفي سنة 27 انطلقت قوّة بحرية لاحتلال شواطئ الاندلس وبدأت الاستعدادات لمهاجمة القسطنطنية ، واقتحام أروبا عن طريق اسبانيا .


159

وهو الشيخ الذي انهكته السنون والأيام من قبل .

عاد إلى المدينة ... غريباً وحيداً لم يستقبله أحد .. انها أوامر مروان الخليفة الفعلي للبلاد ..

لم يجد عثمان مع أبي ذور حلا إلا أن يقتله أو ينفيه ليموت وحيداً ...

لقد بلغ الارهاب ذروته فلم يخرج لتوديع ابي ذر إلا علي وأخوه ( عقيل ) وابناه ( الحسن والحسين ) والصحابي الجليل عمار ابن ياسر ... اما الآخرون فقد خافوا سطوة مروان .. وجاء مروان ثائراً يتهدد ويتوعد الذين تمرّدوا على ارادة الخليفة ..

كان الحسن يحدّث أباذر ، عندما صرخ مروان :

ـ أيها يا حسن ألا تعلم ان أمير المؤمنين نهى عن كلام هذا الرجل ؟ فان كنت لا تعلم فاعلم !

ولم يجد علي بن أبي طالب ردّاً مناسب سوى أن ضرب بالسوط بين أذني راحلته فولّى مذموماً مدحوراً .

وبدأت مراسم توديع صحابي آمن بالله ورسوله وطوى سنوات عمره مجاهداً الذين اشركوا والذين في قلوبهم مرض .

تقدّم علي شدّ بيده على يد صاحب رسول الله وقال :

ـ يا أبا ذر انك غضبت لله ..


160

ان القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فاترك في أيديهم ما خافوك عليه واهرب منهم بما خفتهم عليه فما احوجهم إلى ما منعتهم وما اغناك عمّا منعوك وستعلم من الرابح غداً ، والأكثر حسداً ، ولو أن السموات والأرضين كانتا على عبد رتقاً ثم اتقى الله لجعل الله له منها مخرجاً ، يا أبا ذر لا يأنسك إلا الحق ولا يوحشك إلا الباطل .

وتقدم عقيل ليسجل تضامنه قائلاً :

ما عسى أن نقول يا أبا ذر ، انت تعلم أنّا نحبّك وانك تحبّنا فاتق الله فان التقوى نجاة ، واصبر فان الصبر كرم . واعلم ان استثقالك الصبر من الجزع ، واستبطائك العافية من اليأس فدع اليأس والجزع .

وقال الحسن مصبّراً :

يا عماه لو لا أنه لا ينبفي للمودّع أن يسكت وللمشيع ان ينصرف لقصر الكلام وان طال الأسف ... فضع عنك الدنيا بتذكر فراقها .. وشدّة ما اشتد منها برجاء ما بعدها واصبر حتى تلقى نبيك صلّى الله عليه وآله وهو عنك راض .

وقال الحسين كلمته التي تنضح احتقاراً للدنيا ، وتمجيداً للدين والكرامة :

ـ يا عماه ان الله قادر أن يغير ما قد ترى والله كل يوم في شأن .


161

وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك ، فما اغناك عما منعوك واحوجهم إلى ما منعتهم ، فاسأل الله الصبر والنصر ..

وتقدم عمار يودّع صاحبه بكلمات هي مزيج من الحزن والغضب قائلاً :

ـ لا آنس الله من أوحشك ولا آمن من اخافك اما والله لو أردت دنياهم لأمنوك ، ولو رضيت اعمالهم لاحبوك وما منع الناس ان يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا والجزع من الموت ومالوا إلى السلطان جماعتهم والملك لمن غلب فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم . فخسروا الدنيا والجزع من الموت ومالوا إلى السلطان جماعتهم والملك لمن غلب فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم . فخسروا الدنيا والآخرة ألا ذلك هو الخسران المبين .

وبكى أبو ذر .. فجّرت كلمات الوداع دموعه حرّكت كوامن الجراح في قلبه المترع بالحزن .. تصفح بعينيه الغارتين بالدموع وجوه مودّعيه كأنه يريد أن يرتوي منها ويتزوّد بها ذكريات تعينه على وحشة الأيام القادمة قال أبو ذر :

ـ رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة .. إذا رأيتم ذكرت بكم رسول الله ..

مالي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم ... اني ثقلت على عثمان بالحجاز ، كما ثقلت على معاوية بالشام ، وكره أن أجاور اخاه وابن خاله بالمصرين (1) ... فسيرني إلى ليس لي به ناصر

(1) الكوفة والبصرة .


162

ولا دافع إلا الله وما أريد إلا الله تعالى وما اخشى مع الله وحشة .

وراح أبو ذر يجر خطاه المتعبة إلى منفاه في الربذة تلك البقعة الجرداء الملتهبة من دنيا الله .

ترك هذا الاجراء التعسفي من لدن حكومة عثمان (1) جرحاً لا يندمل في قلوت المؤمنين ... وغضباً مكبوتاً سوف ينفجر بعد حين ولسوف يبقى ضريح أبي ذر في تلك الصحراء علامة استفهام كبرى فوق رؤوس الذين لم يتحمّلوا صوته ... صوت المقهورين والمحرومين .

اندلاع الثورة :

تململت الأمّة الإسلامية ... غضبت لكرامتها المهدورة واستيقظ الضمير المسلم بعد أن ادركت الجماهير أنها لم تعد سوى سلعة في أيدي الحاكمين ، وانها جزءً من املاك قريش وبالتحديد تلك الاسرة المتغطرسة والشجرة الملعونة في القرآن التي تدعى بـ « بني امية » .

وشعر بعض الصحابة الذين ما انفكّوا يقاتلون تحت رايات الفتح الإسلامي لتحرير الامم المقهورة ان الجهاد الحقيقي هو في المدينة المنورة بازالة تلك الطغمة الظالمة التي استبدت بالحكم

(1) انتقد علي عليه السلام عبد الرحمن بن عوف بمرارة وحمّله مسؤولية ما عاناه أبو ذر قائلاً : هذا عملك ، وقد اعرب الاخير عن ندمه العميق .


163

فقهرت العباد وعاثت في البلاد (1) .

وهكذا بدأت المعارضة الشعبية والواسعة في كل البلاد الإسلامية باستثناء الشام حيث يحكم معاوية ؛ وينفذ سياسته الذكية في غسل الأدمغة ... بدأت المعارضة كهمسات وتساؤلات وكلمات لاذعة (2) .. ثم اخذت بالانفجار ، في العاصمة ذاتها إذ رفع لواءها صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بعدما شهدوا بامّ اعينهم ما يجري على الإسلام من مصائب تهددّه بالفناء والزوال .

مصرع عثمان :

تفاقمت الاوضاع بشكل ينذر بوقوع كارثة ، فقد تمادت اجهزة الخلافة بالقمع .. وارهبت بشكل لم يسبق مثيل كل من

(1) خاطب احد الصحابة وهو : « محمد ابن ابي حذيفة » جموع المحاربين الذين قهروا الرومان في معركة « ذات الصواري » قائلاً : انكم تسعون إلى الجهاد والجهاد وراءكم في المدينة .. حيث يقيم عثمان فيسوس الأمّة على غير كتاب الله وسنة رسوله وسياسة صاحبيه .. يعزل اصحاب رسول الله من العمل ، ويولي أمور المسلمين جماعة من الفساق واصحاب المجون ... انظروا إلى قائدكم في الجهاد ( عبد الله ابن أبي سرح ) لقد نزل القرآن بكفره واهدر النبي دمه ، ولكن عثمان يوليه أمركم لانه اخوه في الرضاعة .

(2) بدأت المعارضة الشعبية بشكل خفي على شكل كلمات مرّة تجري على السنة الناس لا يعرف صاحبها .. من قبيل : « يوسع عثمان مسجد النبي ويترك سنته » وقد قيلت بمناسبة قرار الخليفة بتوسعة المسجد ، وكذلك عندما اصدر حكمه بذبح الحمام .فقيل :يأمر بذبح الحمام ويؤوي طريد رسول الله وذلك تعريضاً بايواء عثمان للحكم بن ابي العاص وبنيه .


164

حاول الاعتراض على سياسة الحكم المالية .

وقد وصل التذمّر حدّاً جعل عبد الرحمن بن عوف الذي يقف وراء وصول عثمان سدّة الخلافة ، جعله يعرب عن ندمه العميق قائلاً :

ـ لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما ولّيت عثمان شسع نعلي وتمتم في اللحظات الأخيرة من حياته وهو على فراش الموت :

ـ عاجلوه .. عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه .

وكانت آخر وصاياه أن لا يصلّي عليه عثمان ، وتصاعدت وتيرة المعارضة في الشهور الأخيرة من حياة الخليفة الثالث ، وما أكثر ما سمع الناس أم المؤمنين عائشة تهتف بالمسلمين قائلة :

ـ اقتلوا تعثلاً فقد كفر .

ولوّحت مرّة بقميص النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وصاحت :

ـ اقتلوا نعثلاً فقد كفر .

ولوّحت مرّة بقميص النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وصاحت :

هذا قميص رسول الله لم يبل وعثمان قد أبلى سنته .

ولم تكن المعارضة تمثيل تياراً واحداً بل جمعت تحت لواءها تيارات عديدة والتقت فيها بواعث عديدة فهناك الغاضبون لحرمانهم من بعض الامتيازات (1) ، وهناك الطامعون بالخلافة منذ أن

(1) اصدر عثمان أمراً بعزل عمرو بن العاص عن فلسطين فثارت ثائرة الأخير وراح >


165

نفخت الشورى في روحهم أنهم أهلاً لها (1) ، وهناك الجماهير المتذمّرة التي وجدت نفسها مهدورة الكرامة ، وهناك الضمير الإسلامي الحيّ الذي يمثله اجلاء الصحابة ابتداءً بابي ذر الغفاري وعبد الله بن مسعود وعمّار بن ياسر ..

وفي كل تلك التيارات التي هزّت الأمّة الإسلامية من الأعماق ، يقف علي بن أبي طالب موقفه الفريد في تفادي الكوارث التي تنذر بوقوع الانفجار والدمار ؛ واستطاع الإمام أن يكتسب ثقة الجميع بما في ذلك عثمان نفسه ، أما زوجته فقد كانت تؤمن ايماناً عميقاً أن علياً عليه السلام هو وحده الذي سيجنب عثمان الوقوع في الهاوية لو التزم الأخير نصائح الإمام ؛ وبالرغم من كل هذا فلم يكن عثمان ليرتاح (2) إلى علي ابداً .. لقد اصبح الخليفة الثالث مجرّد اداة في يد مروان .

< يؤلب الجماهير ضد عثمان ووصل به الأمر أنه كان يلتفي رعاة الغنم فيحرّضهم ضد عثمان ؛ وقد ذكر بنفسه ذلك قائلاً : والله اني كنت لالقي الراعي فاحرّضه على عثمان !!

(1) طلحة والزبير .

(2) كان عثمان على وشك أن ينفي عمار بن ياسر إلى الربذة بعد وفاء أبي ذر في منفاه ، فاستنجدت قبيلة « مخزوم » بالإمام الذي التقى عثمان وقال له : اتق الله فانك سيرت رجلاً صالحاً من المسلمين ، فهلك في تسييرك ، ثم أنت الآن تريد أن تنفي نظيره .

فردّ عثمان ثائراً :انت احق بالنفي منه .

ولم يزد الإمام أن قال : افعل أن شئت . وقد الغي الأمر بعد اجتماع للمهاجرين والأنصار | تاريخ اليعقوبي 2 : 150 .


166

ومن المؤسف أن عثمان لم يرع حرمة الخلافة حتى في تهجمه على مناوئيه ، وصدرت منه ألفاظ نابية لا تليق ليس بمركزه فحسب بل وبشيخوخته أيضاً (1) .

الحصار الأول :

حاول الإمام أكثر من مرّة توجيه الأحداث بعيداً عن الكارثة القادمة ودفع المعارضة والمؤسسة الحاكمة إلى جادة الصواب وفي كل مرّة يبرز مروان ليحبط تلك المساعي الخيّرة من خلال مواقفه الهابطة التي تنم عن حقد اعمى ، وعن نفسية ملوّثة وعقلية خاوية . وهكذا تدفّق الثوار من كل حدب وصوب ، ولم يعد هناك من طريق سوى الثورة .

وفي مطلع ذو القعدة بدأت وفود الثائرين بالوصول إلى عاصمة البلاد .

فقد وصل كل من مالك الاشتر ومعه ألف من الثوار في اربع فرق ، ووصل حكيم بن جبله العبدي ومعه مئة وخمسون ثائر .

ووصلت جموع المصريين التي ناهز عددها الألفين واحدقت الجماهير الغاضبة بقصر عثمان وقدّمت مطاليبها العادلة وهي :

(1) خاطب عثمان عمّار ذات مرّة قائلاً : يا عاض إيرابيه ومرّة أخرى خاطبه : يا بن المتكاء . والمتكاء الذي لا يمسك البول .


167

ـ العودة إلى سياسة النبي في العطاء والتي تنهض على مبدأ المساواة والغاء الامتيازات التي سنّها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ، وجيّرها عثمان لصالح قبيلته .

ـ تطهير المؤسسة الحاكمة من العناصر الفاسدة وفي طليعتهم مروان بن الحكم .

ـ الحدّ من اطماع الأمويين واحتكار المناصب لصالحهم .

ـ وقف الاجراءات الكيفية التي يمارسها الولاة ازاء رعايا الدولة والحدّ من صلاحيات الحكام في التصرّف بالاموال العامّة .

وتجاهل الخليفة مطاليب الثائرين وتأزم الوضع واتخذ التجمع الجماهيري الضخم شكل الحصار ؛ وانقطعت سبل التفاهم بين عثمان والثوار .

وفي تلك اللحظات الحساسة استنجد الطرفان بالإمام علي للتدخل قبل أن يحدث ما لا تحمد عقباه .

ولبّى الإمام رغبة الجميع وقبل الوساطة فانطلق يشق طريقه إلى قصر الخلافة واجتمع بعثمان . بدأ الإمام حديثه مع الخليفة فقال ناصحاً :

ـ الناس ورائي وقد كلموني فيك .. ووالله ما أدري ما اقول لك وما اعرف شيئاً تجهله .. ولا ادلك على أمر لا تعرفه ..


168

انك لتعلم ما نعلم .. وما سبقناك إلى شيء فنجدك عنه .. ولا خلونا بشيء فنبلغه .. وما خصصنا بأمر دونك ..

فالله الله في نفسك فانك والله ما تبصر من عمى وما تعلم من جهل ، وان الطريق لواضح بيّن ..

وذكّر الإمام الخليفة بخطر مروان .. فقال :

ـ لا تكن لمروان سيّقة يسوقك حيث يشاء .

وأضاف في حديثه إلى ان الولاة يسيئون سياسة الناس وينسبون ذلك إلى عثمان :

ـ ان معاوية يقتطع الامور دونك فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية .

ولقد حثت « نائلة » زوجها على الاصغاء إلى نصائح علي فهو وحده الذي يمكنه أن يقنع الثوّار بالعودة ؛ لهذا قال عثمان صادقاً :

ـ يا أبا الحسن : ائت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وآله وسلّم .

قال الإمام مشترطاً :

ـ نعم .. إن اعطيتني عهد الله وميثاقه على انك تفي لهم بكل ما اضمنه عنك .


169

اجاب عثمان :

ـ نعم .

واخذ علي عليه السلام العهود على الخليفة باصلاح الاُمور وخرج علي يبشر الجماهير المحتشدة وعلت الهتافات من كل صوب :

ـ ما وراءك ؟

فأجاب الإمام :

ـ بل أمامي ... تُعطون كتاب الله وتُعتبون من كلّ ما سخطتم .

وفي هذه الكلمات اوجز الإمام كل مطاليبهم التي ثاروا من اجل تحقيقها ...

وتساءل زعماء الثورة :

ـ اتضمن ذلك عنه .

فقال علي عليه السلام :

ـ نعم .

ـ رضينا .

وهكذا تقرر اجتماع بعض زعماء الثائرين بعثمان لتحرير ما أعلن الخليفة الثالث .

وهذه صيغة التعهد كما وردت في كتب التاريخ :

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب من عبد الله عثمان أمير المؤمنين ..


170

لمن نعم عليه من المؤمنين والمسلمين ..

لن لكم أن اعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وآله وسلّم .

يعطى المحروم .

ويؤمن الخائف .

ويردّالمنفي .

ولا تجمر البعوث « لا تبقى مرابطة في أرض العدوّ » .

وتوفر الفيء .

وعلي بن أبي طالب ضمين المؤمنين والمسلمين على عثمان بالوفاء في هذا الكتاب .

الشهود : الزبير بن العوام | طلحة بن عبيد الله | سعد بن ابي وقاص | عبد الله بن عمر | زيد بن ثابت | سهل بن حنيف | أبو أيوب الأنصاري | خالد بن زيد ، وقد حرّر الكتاب في ذي القعدة سنة 35 هـ .

ونصح الإمام علي الخليفة عثمان بن عفان بأن يواجه الجماهير شخصياً ويعلن على الملأ العام سياسه الجديدة .

ونهض عثمان ليواجه الجماهير ، وفي قلبه عزم على أن يعود إلى جادّة الصواب :

ـ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول : من زلّ فلينب ...

وأنا أول من اتعظ .. فاذا زللت فليأتي اشرافكم فليردّوني


171

برأيهم .. فوالله لو ردّني إلى الحق عبد لاتبعته ، وما عن الله مذهب إلا اليه ...

واشرقت وجوه الجماهير بالفرحة والأمل ...

وخرج الإمام علي فتحدّث إلى الوفد المصري الذي فضل العودة إلى دياره بعد أن حمل نسخة من كتاب الخليفة .

وهنا تدخل مروان فاجهض كل تلك المساعي الطيبة ... اذ سطّر كتاباً باسم الخليفة ومهره بخاتم الخليفة وسلمه إلى غلام الخليفة ! واركبه جملاً تعود ملكيته للخليفة المغلوب على أمره ؛ وقد بلغ من خبث مروان انه طوى الكتاب ووضعه في انبوب في قارورة ووضع القارورة في قربة ملأى بالماء ... وقال للغلام :

ـ حث السير حتى تصل مصر فتسلمه إلى عبد الله بن سعد .

وتشاء الأقدار أن يكتشف الوفد المصري وهو في طريق العودة إلى دياره .. المبعوث المشبوه وبعد تفتيش دقيق عثر أحد اعضاء الوفد على انبوبة الرصاص وفيها كتاب ينضح بالدم والموت :

اما بعد :

فاذا قدم عليك عمرو بن بديل فاضرب عنقه واقطع يدي ابن عديس وكنانة وعروة ثم دعهم يتشحطون في دمائهم حتى يموتوا ..


172

ثم أوثقهم الى جذوع النخل (1) .

وثارت ثائرة الوفد المصري الذي قرر العودة (2) إلى المدينة والاطاحة بعثمان . توجه الوفد المصري إلى علي الذي ضمن الخليفة ؛ وشعر علي بالغضب وهو يتأمل كتاب عثمان وأوامره بتصفية زعماء الوفد ..

وانطلق الإمام الى قصر عثمان ، وقد فوجئ الأخير بالكتاب واقسم انه لا يعلم منه شيئاً وأنه لم يكتبه ولم يأمر بكتابته ولكنه اعترف قائلاً :

ـ اما الخط فخطّ كاتبي .. والختم خاتمي ..

وكان لا بدّ من اتهام أحد بحبك هذه المؤامرة ... فسأل علي :

ـ فمن تتهم ...

لقد انفتحت أمام عثمان فرصة رائعة .. للتحقيق في الأمر ومن ثم الثأر لكرامته التي اهدرها مروان بتصرفاته الحمقاء .. ولكننا نجد عثمان ومع بالغ الأسف يجيب دون رويّة قائلاً :

ـ اتهمك واتهم كاتبي !!

(1) من يتأمل في صيغة الكتاب يلمس بوضوح ما يموج في نفسيّة مروان من دمويّة ووحشية .

(2) كان الوفد المصري قد وصل إيلة في اقصى شمال الحجاز .


173

ونهض علي غاضباً .. وشعر بأن دوره كوسيط قد انتهى وأن عثمان قد مات .. منذ زمن .. منذ الأيام التي سلّم فيها أُموره إلى مروان وراح ينقاد وراءه .

تمتم علي بحزن :

ـ ما يريد عثمان أن ينصحه أحد .. اتخذ بطانة غش ليس منهم أحد إلا وقد تسيّب بطائفة من الأرض يأكل خراجها ويستذل اهلها .

الحصار الثاني :

تدهورت الأوضاع بسرعة مثيرة ، وهتف المصريون بعثمان ولوحوا بالكتاب :

ـ يا عثمان أهذا كتابك ؟

وانكر عثمان ذلك وأقسم .

فصاح المصريون :

ـ هذا شرّ ، يكتب عنك بما لا تعلم ، مثلك لا يليق بالخلافة فاخلع نفسك عنها .

اجاب عثمان وقد سدّ جميع أبواب السلام :

ـ ما كنت لانزع قميصاً سربلنيه الله !


174

وهكذا فُرض الحصار مرّة أخرى ، وتأزمت الأحداث وقد أوشك الوضع على النفجار .

وتقدم شيخ قد هدّته السنون من اصحاب (1) النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ، وناشد عثمان باطفاء نار الفتنة باعتزاله الخلافة والحكم ، وفيما هو يحاور عثمان انطلق سهم فاصاب من الشيخ الصحابي مقتلاً فهوى شهيداً .. وانفجر الوضع وتعالت هتافات الجماهير بتسليم القاتل ، ورفض عثمان الاستجابة كعادته قائلاً :

ـ لم أكن لاقتل رجلاً نصرني ..

وفي فورة غضب اندفعت الجماهير باتجاه باب القصر فاحرقته ..

ووقعت عدّة اشتباكات عنيفة .. وممّا دفع بالأمويين إلى القتال . ومواجهة الجماهير بالعنف اخبار عن زحف قوّات عسكرية من الشام (2) باتجاه المدينة ؛ ومع كل هذا فقد تخلّى مروان عن الخليفة وفرّ مع بعض الأمويين وتركوا عثمان يواجه مصيره المحتوم وحيداً .. ولقي عثمان مصرعه تحت ضربات المهاجرين

(1) نيار بن عياض .

(2) تحركت بالفعل جيوش شامية بقيادة حبيب بن مسلمة الفهري ولكنها رابطت في منطقة الجرف قريباً من المدينة ، ولم تتقدم اكثر بأوامر شخصية من معاوية ، وعادت الى دمشق تحمل قميص عثمان !!


175

والأنصار ، وهكذا اسدل الستار على حياة الخليفة الثالث .. الذي تُرك ثلاثة أيام بلا دفن وتضاربت الانباء حول غسله ورفضت الجماهير فيما بعد دفنه في مقبرة البقيع فدفن كما اجمعت مصادر التاريخ في بقعة تدعى « حش كوكب » كان اليهود يدفنون فيها موتاهم ، واذا كان لمعاوية فضل على عثمان فهو في هدم الحائط الذي يفصل بين « البقيع » و « حش كوكب » ! والحاق الأخيرة بمقبرة المسلمين .


176


177

المحتويات

الفصل الثالث

صفين .. سقوط الحضارة

« انزلني الدهر حتى قيل

معاوية وعلي »


178


179

موقف امّة :

لخص الإمام علي الحوادث التي انتهت بمقتل عثمان في حديثه مع بعض الثائرين قائلاً :

ـ ان عثمان استأثر فاساء الأثرة ، وجزعتم فاسأتم الجزع ، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع .

كما واوجز سيرة عثمان في خلافته بقوله :

إلى ان قام ثالث القوم نافجاً حضنيه ( من كان سيره تكبراً ) بين نثيله ( الروث ) ومعتلفه ( موضع العلف ) وقام معه بنو ابيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع إلى ان انتكث عليه فتله وأجهزه عليه عمله وكبت به بطنته .

واعقب مصرع عثمان ان عمّت الفوضى المدينة المنورة ، واندفعت الجماهير إلى منزل الإمام علي تطالبه بتحمل مسؤولية في الحكم والخلافة في واحد من اكثر المنعطفات التاريخية حساسية وخطورة .


180

ولكن الامام رفض بشدّة (1) ، وهتفت الجماهير تستنجد به :

يا أبا الحسن ان هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام ، ولا نجد اليوم أحق بهذا الأمر منك ... لا أقدم سابقة ، ولا أقرب من رسول الله .

فقال الإمام :

ـ لا تفعلوا ، ولا أفعل ، فاني لكم وزير خير لكم من أمير .

وتشبثت الجماهير به كما تتشبث بطوع النجاة :

ـ انت لنا أمير .

فقال الإمام :

ـ لا حاجة لي في امركم ... ايها الناس أنا معكم فمن اخترتم رضيت به .

واحدقت به الجماهير من كل صوب وقد زادهم اصراره على الامتناع اصراراً على التشبث به وهتف الامام مرّة أخرى :

ـ دعوني والتمسوا غيري ..

(1) كان الإمام علي على علم تام باطماع طلحة السياسية وقد كان الأخير يهيأ نفسه لاستلام مقاليد الخلافة . وقد بلغ من اندفاعه انه صنع لخزائن الدولة مفاتيح جديدة ؛ وما يؤيد هذه النظرية أن أم المؤمنين عائشة ، كانت في مكة عندما وصلتها انباء عن مصرع عثمان فقالت فرحة : بعداً لنعثل ( عثمان ) وسحقاً إيه ذا الاصبع ( طلحة ) إيه أبا شبل ! ايه ابن عم لله أبوك يا طلحة . فكأني انظر إلى اصبعه وهو يبايع .


181

واردف مشيرا إلى ان زمن الفتن قد بدأ :

ـ انّا مستقبلون أمراً له وجوه .. وله الوان ، لا تثبت له العقول ، ولا تقوم له القلوب .

وارتفع صوت مخلص من بين الجماهير يناشد الإمام :

ـ ننشدك الله ... ألا ترى ما نرى ؟!

ألا ترى ما حدث في الإسلام ؟

ألا تخاف الفتنة ؟

ألا تخاف الله ؟!

وهنا سكت الإمام ... وحبست الجماهير انفاسها فقال :

ـ انّي إن اجبتكم ركبت فيكم ما أعلم ، وان تركتوني فانما أنا كأحدكم .. بل أنا من اسمعكم ، واطوعكم لمن وليتموه أمركم .

فردّت الجماهير بحماس :

ـ ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك !

واخيراً اعلن الإمام استجابته واشار إلى المسجد البقعة التي صنعت تاريخ الإسلام من قبل :

ـ ان كان لا بد من ذلك ففي المسجد ... فبيعتي لا تكون خفية ... ولا تكون إلا عن رضى المسلمين وفي ملأ جماعتهم .


182

وفي اليوم التالي كان المسجد الجامع يموج بالجماهير التي احتشدت لمبايعة « علي » ...

ولو قدّر للمرء أن يرى مشهداً واحداً من ذلك اليوم العظيم ـ عندما هبّت الجماهير تبايع انساناً رأت في ملامحه وجه المنقذ ... رأت فيه الشمس التي اشرقت بعد ليالي الزمهرير الطويلة ـ لرأى رجالاً ونساءً واطفالاً صغاراً .. وقد اشرقت الوجوه تنتظر لحظات العهد الجديد .. ولرأى أيضاً يشوخاً قد هدّتهم السنون والأيام ولكنهم تحاملوا على انفسهم فجاءوا يعاهدون علياً ...

وجاء علي في الصباح وقد اشرقت الشمس وغمرت المدينة بالنور والدفء .. كان يرتدي قميصاً وعمامة من خز .. يحمل في يده نعليه .. يتوكأ على قوسه (1) .

وفي يوم الثامن عشر من ذي الحجة ارتقى علي المنبر ليواجه الجماهير المحتشدة :

ـ أيها الناس : اني كنت لامركم كارهاً ... فأبيتم الا أن اكون عليكم .. رضيتم بذلك ؟

وعلت هتافات الامّة :

ـ نعم .. نعم .. نعم .

(1) هكذا سجّل التاريخ تلك اللحظات .


183

فرفع الامام طرفه إلى السماء وقال :

ـ اللهم اشهد عليهم ..

وفي فرح عارم بدأت مراسم البيعة .. وامتدت أول يد وكانت شلاء (1) لتعاهد علياً على الوفاء ... وتدافعت الجماهير تبايع علياً ... واشرعت وجوه الفقراء والمقهورين ... لقد بدأ عهد جديد ... عهد تتنفس فيه العدالة ملء رئتيها .. واحتفلت الامّه بهذا اليوم السعيد ليكون لها عيداً .. وبدأت كلمات الفرح والثناء والمجد تنثال لتملأ أذن الزمان .. إذ انبرى ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت ليسجّل شهادته أمام الناس والتاريخ والأجيال :

ـ ما اصبنا لأمرنا غيرك .. ولا كان المنقلب إلا اليك ولئن صدقنا انفسنا فيك لأنت اقدم الناس ايماناً .. واعلم الناس بالله .. وأول المؤمنين برسول الله .. لك ما لهم .. وليس لهم ما لك ..

ونهض الصحابي صعصعة بن صوحان فقال وهو يرى اجمل منظر في الإسلام :

ـ والله يا أمير المؤمنين .. لقد زينت الخلافة ، وما زانتك ورفعتها وما رفعتك ، ولهي اليك احوج منك اليها .

وانفع مالك الاشتر يهتف بحماس الجندي المخلص

(1) كان طلحة بن عبيد الله أول من بايع وأول من نكث البيعة .


184

للاسلام :

ـ ايها الناس ، هذا وصي الاوصياء .. ووارث علم الأنبياء .. العظيم البلاء ، الحسن العناء .. الذي شهد له كتاب الله بالايمان ورسوله بجنة الرضان .. من كملت فيه الفضائل .. ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر والأوائل .. (1) .

ولم يتخلف عن البيعة الشعبية سوى مجموعة تعدّ بالاصابع في طليعتها : سعد بن ابي وقاص ، اسامة بن زيد ، ابي سعيد الخدري ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وحسان بن ثابت الشاعر ؛ ولم يتعرض الإمام إلى أي منهم ، وترك لهم الخيار بحرّية .. فقد أُحضر سعد إلى المسجد ليبايع ولكنه رفض ذلك قائلاً :

ـ لا .. حتى يبايع الناس .. والله ما عليك مني بأس .

فقال الإمام :

ـ خلّوا سبيله ..

وقال عبد الله بن عمر الخطاب (2) مثل قول سعد .

(1) ستبقى بيعة الإمام علي فريدة في تاريخ الإسلام .. فلم تكن فلتة كخلافة ابي بكر على حدّ تقبير عمر بن الخطاب نفسه ، ولم تكن تعيينا في حالة اغماء كخلافة عمر .. ولم تكن هوىً كخلافة عثمان كما عبّر عنها عبد الرحمن بن عوف مهندسها الأول .

(2) ان عبد الله بن عمر الذي رفض البيعة لعلي عليه السلام هو أول من آمن بالرسالة نراه فيما >


185

فقال الإمام :

ـ ائتني بكفيل .

قال :

ـ لا أرى كفيلاً .

فقال الامام :

دعوه .. أنا كفيله .

وفي كل الأحوال فان مبايعة علي كانت تعني الاعراض عن مباهج الدنيا والترف وحياة القصور ، ولم يكن هذا يسيراً على الذين انغمسوا فيها وغرقوا في أوحالها حتى الحضيض .

العهد الجديد :

وبصعود علي عليه السلام المنبر بدأ فصل جديد من التارسخ .. لقد بدأ فصل الربيع وزمن العدالة والمساواة والأخوّة .. الجماهير والتاريخ والضمير الانساني تصغي الى كلمات تتدفق من روح عظيمة .. روح انصهرت في بوتقة النبوّات .. ها هو علي ربيب

< بعد يبايع عبد الملك بن مروان في مشهد مذلّ فقد جاء إلى الحجاج بن يوسف الجلاّد المعروف ليبايع ؛ وعد احتقره الحجاج وخاطبه بالاذلال :

لمَ لم تبايع أبا تراب ؟ وجئت تبايع آخر الناس لعبد الملك ؟! انت احقر من أن امدّ اليك يدي .. دونك رجلي فبايع .. ونرى عبد الله بن عمر يهوي على رجل الحجاج ويبايع على السمع والطاعة !!


186

محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يعلن انبعاث الرسالة من جديد .. وعودة شمس الاسلام ها هو يخاطبالتاريخ والحضارة والإنسانية :

ـ ألا لا يقولنّ رجال منكم قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار .. وفجّروا الأنها .. وركبوا الخيول الفارهة .. واتخذوا الوصائف الروقة .. فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً .. إذ ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون .. فينقمون ذلك ويستنكرون .. ويقولون حرمنا ابن ابي طالب حقوقنا ...

واردف معلناً القاعدة التي تنهض عليها حقوق المواطن المسلم :

ـ وايما رجل استجاب لله ورسوله .. فصدّق ملتنا ودخل في ديننا ، واستقبل قبلتنا .. فقد استوجب حقوق الاسلام وحدوده فانتم عباد الله .

والمال مال الله .

يقسّم بينكم بالسوية ..

لا فضل لاحد على احد ؛ وللمتقين غداً احسن الجزاء وفضل الثواب ..

واضاف قائلاً :

ـ واذا كان غداً ـ ان شاء الله ـ فاغدوا علينا .. فان عندنا مالاً


187

نقسّمه فيكم ، ولا يتخلفن احد منكم ، عربي ولا أعجمي .. كان من أهل العطاء أولم يكن .. إذا كان مسلماً حرّاً إلا حضر ..

اقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم .

هل هي مصادفة أن يتولّى علي بن أبي طالب عليه السلام الخلافة في الثامن عشر من ذي الحجة الحرام .. وهل تذكر بعض صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم يوم غدير خم (1) عندما هبط جبريل يعلن ولاية علي على كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة .

ان الفترة التي اعقبت رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلّم واقصاء الامام علي عن حقّه هي من أكثر الفترات مأساوية ، والتأمل في مواقف الإمام وتصريحاته (2) ابان تلك الفترة تكشف عن عمق المحنة التي عاشها

(1) كانت الشعوب العربية في الشمال الافريقي في عهد الادارسة والفاطميين تحتفل في يوم 18 ذي الحجة وتعدّه جزءً من الأعياد الإسلامية الكبرى فهو اليوم الذي كمل فيه الدين وتمت النعمة ، ثم نسي شيئاً فشيئاً وما يزال اتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام يتخذون من يوم الغدير عيداً في كل من العراق وايران والهند والباكستان وسوريا ولبنان .

(2) كقوله عليه السلام : « اللهم اني استعديك على قريش ومن اعانهم فانهم قطعوا رحمي واكفؤوا انائي ، واجتمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري وقالوا :

ـ ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه .. فاصبر مغموماً أو مت متأسفاً .

فنظرت فاذا ليس لي رافد ولا ذابُّ ولا مساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم عن >


188

وصي انبي ازاء قريش التي حاربت النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ما يقارب ربع قرن من الزمن وهي مدّة الدعوة والدولة ، واقصت وصيه عن حقه في القيادة مدّة ربع قرن أيضاً .

حوادث يوم السبت 19 ذي الحجة 35 هـ :

بويع الإمام علي عليه السلام بالخلافة يوم الجمعة .. وتجلّت سياسة في اليوم التالي .. فاذا علي هو صوت العدالة الإنسانية ، وهو الإسلام الذي لا يعرف افضلية لعربي على عجمي ولا أبيض على اسود إلا بالتقوى .

اصدر الخليفة الجديد أمره إلى الصحابي عمّار بتوزيع « العطاء » على الناس :

ـ قم يا عمّار إلى بيت المال ، فاعط الناس ثلاثة دنانير لكل انسان (1) وادفع لي ثلاثة دنانير .

وانطلق عمار وأبو الهيثم وجماعة من المسلمين إلى بيت المال .. ومضى علي إلى مسجد قباء أول مسجد في تاريخ الإسلام .. مضى ليصلّي ..

< المنية ، فاغضيت على القذى وجرعت ريقي على الشجا وصبرت من كظم الغيظ على امرّ من العلقم ، وآلم للقلب من وخز الشفار » . والمقطع الأخير يكشف عن عمق الآلام التي تجرّعها الإمام في تلك الحقة من الزمن .

(1) لقد عاش علي انساناً ومات انسان ولهذا خلّدته الإنسانية .


189

وهناك في البيت الذي يضم خزائن الدولة حدث ما لا يستوعبه العقل البشري .. لقد وجد عمّار أن بيت المال يحوي ثلاثمئة ألف دينار وكان أهل العطاء مئة ألف انسان ؛ ولم يبق دينار واحد !!

والتفت عمّار إلى من حوله وفي عينيه بريق وخشوع قائلاً :

جاء الحق من ربكم .. والله ما اعلم بالمال ولا بالناس وان هذه لآية .. وجبت عليكم بها طاعة الرجل .

من هنا مرّ الشيطان :

واذا كانت سياسة العطاء قد كشفت عن الوجه الإنساني ، والإسلامي لعلي بن أبي طالب عليه السلام ، فأنها قد فجّرت في الوقت نفسه الأحقاد والاطماع .. وفوجئ بها بعض المقرّبين اليه .. جاء سهل بن حنيف وهو من اصحابه فقال مذهولاً :

يا أمير المؤمنين ... هذا غلامي بالأمس .. وقد اعتقته اليوم .

فقال الإمام :

نعطيه كما نعطيك !

وثارت هذه السياسية حفيظة عدد من الزعامات في طليعتهم : طلحة بن عبد الله .. الزبير بن العوام .. عبد الله بن عمر ..


190

مروان بن الحكم (1) .. سعيد بن العاص .. وبدأت أول التكتلات المناهضة لعلي وسياسة ؛ وقد امتنع هؤلاء عن حضور توزيع العطاء .. وبذلك سجلوا أول استياء ضد العدالة . وتبلورت المعارضة لتجتمع تحت لواء المصالح والاطماع والاحقاد الدفينة (2) .. وفي المسجد جاء الوليد بن عقبة وهو يمثل التكتل الأموي لمساومة علي فقال :

ـ يا أبا الحسن : انك قد وتزتنا جميعاً ، أمّا أنا فقد قتلت ابي يوم بدر ، وخذلت أخي يوم الدار بالأمس .

وأمّا سعيد ( بن عاص ) فقتلت أباه يوم بدر ، وكان ثور قريش .

وأما مروان فسخّت أباه عند عثمان إذ ضمّه إليه ..

ونحن اخوانك ونظراؤك .. ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما اصبناه من المال في عهد عثمان .. وأن تقتل قتلة عثمان ، وانا ان خفناك تركناك والتحقنا بالشام .

قال الإمام واضعاً النقاط على الحروف :

(1) ان في بقاء مروان بن الحكم حرّاً طليقاً في المدينة يكشف عن روح العهد الجديد في تحمله « الآخر » حتى لو كان نقيضاً .

(2) ان المرء ليكاد يضعق وهو يشاهد الزبير بن العوام بماضيه المشرق مع مروان بن الحكم في جبهة واحدة .


191

ـ اما ما ذكرتم من وتري اياكم فالحق وتركم .

واما وضعي عنكم ما اصبتم فليس لي ان اضع حق الله عنكم ولا عن غيركم .

واما قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس ، ولكن لكم علي ان خفتموني أن أؤمنكم ، وأن خفتكم أن اسيّركم .

وعندما انتهت مراسم توزيع العطاء ، انطلق علي عليه السلام إلى العمل في بئر الملك (1) .

وقد رفض كل من طلحة والزبير ، وعبد الله بن عمر استلام حقوقهم من العطاء ، وجاءوا يطلبون الاجتماع بعلي .

قال طلحة حانقاً :

ـ هذا منكم أو من صاحبكم ؟ (2)

اجاب عمّار :

(1) كان الامام علي عليه السلام يعمل في حفر الآبار والعيون قبل الخلافة واستمر بعدها ، ولم تغير الخلافة من حيابه شيئا ، وقد أوقفها جميعاً على الحجاج المؤمنين ، وهذه قائمة باوقافه :

عن البيحر * عين جبير * عين خيف ليلي * عين خيف بسطاس * بئر الملك * عيون المدينة * عين ابي نيزر * وادي قرعة قريباً من فدك * عين نولا * البغيبغة * أرينة .

(2) يكشف اسلوب الخاطب عن عدم اعترفهم بعلي كأمير للمؤمنين كما هو الحال في خطاب الوليد بن عقبة .


192

ـ هذا أمره لا نعمل إلا بامره .

ـ استأذنوا لنا عليه .

ـ ما عليه آذن هو في بئر الملك يعمل .

ومن المدهش أننا نرى هؤلاء الثلاثة يستمرون في غيّهم فيمتطون خيولهم متوجهين إلى « بئر الملك » .

كان الجوّ حاراً وكان علي يعمل في الأرض مع أجير له وقد تصببا عرقاً ؟ قال طلحة متضايقاً :

ـ ان الشمس حارّة فارتفع معنا إلى الظل ..

واستجاب الإمام إلى رغبتهم فجلس اليهم تحت ظلال شجرة ابتدأ طلحة الحديث فقال :

ـ لنا قرابة من نبي الله وسابقة جهاد .. وانك اعطيتنا بالسوية .. ولم يكن عمر ولا عثمان يفعلان ذلك .. كانوا يفضلوننا على غيرنا .

اجاب الإمام مذكراً اياهم بطريقة ابي بكر :

ـ فهذا قسم ابي بكر .. وهذا كتاب الله فانظروا ما لكم من حق فخذوه .

اجاب الزبير :

ـ فسابقتنا .

قال أمير المؤمنين موجهاً خطابه لطلحة وزبير .


193

ـ انتما اسبق مني ؟

ـ لا ... فقرابتنا منه .

ـ أقرب من قرابتي ؟

ـ لا .. فجهادنا .

ـ اعظم من جهادي ؟

ـ لا .

ـ والله ما أنا في هذا المال واجيري الا منزلة سواء .

ومع كل هذه الحجج المقنعة الا أن طلحة والزبير كما يبدو قد ركبا رأسيهما ورفضا الا نصياع للأمر الواقع لقد بنيا مجديهما على تلك الامتيازات الوهمية وراحا ينظران إلى كل شيء من خلال تلك الأوهام .

وشهد اليوم التالي انفجاراً في المسجد عندما حاول عمّار الدخول معها في حوار (1) .. ورفض طلحة باسلوب عنيف الحديث صارخاً :

ـ اعرف أن في كل واحد منكم خطبة ..

واساء عبد الله بن الزبير الأدب في خطابه لشيخ الصحابة

(1) خشي عمار من أن يلعب الأمويون بزعامة مروان بمشاعرهما وجرّهما الى تفجير الوضع مع الامام وهو ما حصل بعد ذلك .


194

عمار فاخرج من المسجد .. وهنا غادر الزبير المسجد منزعجاً وتأزمت الأوضاع ، وقد ذرّ الشيطان قرنيه .. واحيط الامام علماً بحركة الانشقاق .. والتي تتخذ من القدم في اعتناق الإسلام ذريعة للحصول على امتيازات دنيوية زائلة ..

وشعرالإمام بالغضب .. وغادر منزله إلى المسجد فالقى خطاباً مريراً انتقد فيه هذه الظاهرة المؤسفة قائلاً :

ـ يا معشر المهاجرين والأنصار ! اتمنون على الله ورسوله باسلامكم ؟ بل الله يمنّ عليكم أن هداكم للايمان ان كنتم صادقين .. وارتفعت نبرة الإمام وهو يهتف بغضب :

انا أبو الحسن .. ألا أن هذه الدنيا التي تتمنونها وترغبون فيها .. واصبحت تغضبكم وترضيكم ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له ، فلا تغرّنكم .. وامّا هذا الفيء فليس لاحد اثرة .. فقد فرغ الله من قسمته .. وهو مال الله وانتم عباد الله المسلمون .. وهذا كتاب الله ، به أقررنا وله اسلمنا وعهد نبينا بين اظهرنا ..

ونزل الإمام وصلّى ركعتين .. وبعث عمّاراً لاستدعاء الزبير وطلحة لاجراء حوار معهما ؟

قال علي :

ـ نشدتكما الله هل جئتماني طائعين للبيعة ودعوتماني اليها واني كاره ؟


195

ـ نعم .

ـ غير مجبورين ؟

ـ نعم .

فما دعاكما إلى ما أرى ؟

ـ اعطيناك بيعتنا على أن لا تقضي في الأمور دوننا .. ولنا من الفضل على غيرنا ما قد عملت .

وشعر الإمام بالغضب .. لقد تمكّن الشيطان من نفخ روحه فيهما وقديماً رفض ابليس السجود لآدم قائلاً : انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين !

قال علي وهو نحاول قهر الشيطان فيهما :

ـ لقد نقمتما يسيراً وارجأتما كثيراً .. فاستغفرا الله يغفر لكما .. الا تخراني .. ادفعتكما عن حق واجب لكما فظلمتكما إياه ؟

ـ معاذ الله .

فهل استأثرت من هذا المال بشي ؟

ـ معاذ الله .

ـ أوقع حكم أو حدّ من المسلمين فجهلته أو ضعفت فيه ؟

ـ معاذ الله .

وانطلقت صرخة مظلوم ظلّت مكبوتة ربع قرن :


196

ـ فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي ؟

ـ خلافك عمر في القسمة .. انك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا وسوّيت بيننا وبين غيرنا .

وذكرّهم الإمام بان السابقة والجهاد في الإسلام لا يمكن أن تكون قاعدة تنهض عليها الامتيازات الدنيوية انها إذا خلصت لله فستكون المجد والمستقبل الحقيقي للمسلم في الآخرة :

ـ أمّا قولكما جعلت فيئنا وأسيافنا ورماحنا سواء بيننا وبين غيرنا ، فقديماً سبق الإسلام قوم ، ونصروه بسيوفهم ورماحهم ، فلا فضّلهم رسول الله بالقسم ولا آثر بالسبق ، والله موفٍ السابق المجاهد يوم القيامة ..

ووصل الحوار إلى طريق مسدود ، لقد وضعت الاصابع في الآذان ولم يعد للمواعظ معنى في زمن يبرق المعدن الأصفر فيخلب العقول والأبصار .

الطريق إلى البصرة :

تسارعت الأحداث .. وشهد ليل المدينة رجلاً ملثمين يجتمعون في الظلام يتآمرون للاطاحة بالعهد الجديد .. لوأد الشمس التي اشرقت بعد ليالي الشتاء الطويل . لقد تحول عثمان بين ليلة وضحاها إلى مظلوم بعد أن كان ظالماً ها هو طلحة الذي انفر اموالاً طائلة وقدم مساعدات كبيرة من اجل الاطاحة بعثمان يتهيأ


197

للفرار إلى مكّة من اجل المطالبة بدم عثمان ، لقد اصبح عثمان مظلوماً .. لأنهم فقدوا بغيابه الدنيا الجميلة .. دنيا القصور والإمتيازات والليالي الجميلة !

ووصلت الحوادث منعطفاً خطيراً عندما دخلت عائشة زوج النبي أم المؤمنين قلب الأحداث لترفع فيما بعد راية التمرّد على الشرعية ؛ حتى عائشة التي كانت بالأمس تهاجم عثمان بقسوة باتت تهتف بظلامته اليوم ! ...

وهنا يتوقف التاريخ مذهولاً ... فاذا بالذين قتلوا عثمان في الخامس عشر من ذي الحجة الحرام يرفعون لواء المطالبة بدمه من علي (1) .

وهكذا وجد مروان بن الحكم ان الظروف تسير في صالحه ففرّ إلى مكّة ومعه بنو أمية فاجتمعت الاحقاد والاطماع والمصالح تحت راية عائشة لا حبّاً بعثمان ولكن كرهاً لعلي ... وانفق الامويون أموالاً طائلة لتجهيز جيش المتمرّدين الذي تحرك صوب البصرة بقيادة عائشة (2) زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلّم .

(1) يقول عليه السلام : « انهم ليطلبون حقاً هم تركوه ودماً هم سفكوه .. فلئن كنت شريكهم فيه فأن لهم لنصيبهم منه ، ولئن كانوا ولوه دوني فما التبعه إلا عندهم ... وان اعظم حجّتهم لعلى انفسهم .. يرتضعون امّاً قد فطمت ... ويحيون بدعة قد اميتت .. يا خيبة الداعي من دعا ! والام أجيب !!! »

(2) اقترح عبد الله بن عباس على الإمام أن يخرج معه أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لتقوية >


198

واصيب البصريون بالدهشة وهم يرون عائشة وطلحة والزبير قد جاءوا إلى البصرة للطلب بدم عثمان الذي قتل في المدينة !

وفي البصرة حدثت اشتباكات عنيفة مع انصار الإمام وقع فيها عشرات القتلى والجرحى .

وتحرك الإمام بقوّاته باتجاه العراق ، وعسكر في منطقة « ذي قار » ينظر وصول الامدادات من الكوفة ، غير أن الوالي (1) وكان عثماني الهوى قد وقف إلى جانب عائشة ، وراح يحدث الناس نكث البيعة وعدم مساندة الإمام ؛ وقد وصل الحسن بن علي وعمّار لحث الكوفيين على الالتحاق بجيش الإمام ، وظل الموقف على ما هو عليه ولم تجد خطابات نجل الإمام ولا صاحبه في تغيير الموقف ، وهنا وصل مالك الأشتر على جناح السرعة ، فاقتحم قصر الامارة بالقوّة ، وطرد الوالي الذي غادر القصر مذموماً مدحوراً .

العجل الجديد :

وفي يوم الخميس العاشر من جمادي الأولى سنة 36 هـ

< موقفه ولكن الإمام رفض ذلك قائلاً :

ـ لا أرى إخراجها من بيتها كما رأى الرجلان إخراج عائشة . وكانت أم سلمة من أكثر أزواج انبي صلى الله عليه وآله وسلّم اخلاصاً للإمام عليه السلام ؛ وقد دخلت في جدل مع عائشة حول العواقب الوخيمة التي سترتب على تمرّها وحمايتها للناكثين واعلانها الحرب .

(1) أبو موسى الأشعري .


199

شهدت منطقة « الخريبة » (1) من ارض البصرة حشود عسكرية هائلة وكان جيش الإمام علي يضم ثمانين « بدرياً » ومئتين وخمسين صحبياً شاكورا في بيعة الرضوان (2) . وتقدمت عائشة على جمل وعن يمينها وشمالها الزبير وابنه عبد الله وطلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص ! وقد حاول الإمام علي عليه السلام التوصّل إلى حلّ سلمي وذكّر الزبير بن عوام بحديث لرسول الله (3) . وكاد الزبير ان يتراجع في اللحظات الأخيرة قبل اشتعال المعركة لولا تدخل ابنه عبد الله الذي اتهم أباه بالجبن ...

وعرض الإمام مرّه اخرى التحاكم إلى كتاب الله وحقن الدماء ، ولكن المتحمسين للحرب في جيش عائشة أمطروا الشاب الذي حمل القرآن في منطقة القتال بوابل من السهام فسقط شهيداً كما سقط بعض الجرحى في جيش الإمام .

هنالك دعا علي ابنه محمداً وسلّمه راية الجيش العظمى

(1) بالقرب من انقاض مدينة فارسية قديمة وتعرف اليوم بمحلة الزبير حيث يوجد قبر طلحة .

(2) البيعة التي سبقت صلح الحديبية سنة 6 هـ وتعرف ببيعة الشجرة .

(3) سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الزبير ذات يوم في احدى المناسبات : اتحب علياً ؟ فقال الزبير : وما يمنعني من حبّه وهو ابن خالي !! فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم : اما انك ستخرج عليه يوماً وانت ظالم .

وكان الإمام علي يقول : ما زال الزبير رجلاً منا أهل البيت حتى شب ابنه المشؤوم .


200

وكانت راية رسول الله ، وقال :

ـ يا بني هذه راية ما ردّت قط ولا ترد .. يا أبا القاسم !

قد حملت الراية وانا اصغر منك ...

وكثف جيش الناكثين هجومه بالسهم .. فاصدر الامام أمره بالهجوم العام .. واشتبك الفريقان في معارك ضارية ، وتحوّل الجمل في نوبة من نوبات الجنون الوثني إلى عجل جديد .. إذ دارت حوله اعنف الاشتباكات وقد كان الهودج مصفحاً بالحديد وهتف الإمام وهو يرى عنف المعارك حوله :

ـ اعقروا الجمل وإلا فنيت العرب .

وبسقط الجمل (1) خفّت حدّة المعارك وبدأت جبهات الناكثين تتزلزل بشدّة تحت وقع ضربات المحاربين .

وأمر علي ربيبه محمد بن أبي بكر أن يبادر إلى الهودج ويحمي أخته ! وحسم جيش على المعركة في ساعات معدودة (2) .

وفوجئت عائشة بيد تمتد داخل الهودج فصاحت :

(1) وفي هذا خاطب الإمام أهل البصرة منتقداً اياهم : « كنتم جند المرأة واتباع البهيمة رغا فاجبتهم وعقر فهربتم ، اخلاقكم دقاق وعهدكم شقاق ودينكم نفاق وماؤكم زعاق » .

(2) بدأت المعركة في منتصف النهار وانتهت قبيل الغروب .


201

ـ من أنت ؟!

ـ أبغض اهلك اليك .

ـ ابن الخثعمية ؟!

ـ نعم ولم تكن دون امهاتك .

ـ لعمري بل هي شريفة .. دع عنك هذا .. الحمد لله الذي سلّمك .

ـ قد كان ذلك ما تكرهين .

ـ يا أخي لو كرهته ما قلت الذي قلته .

كنت تحبين الظفر واني قتلت ؟

ـ كنت أحب ذلك فاكفف .

وجاء الإمام فقرع الهودج بالرمح وقال بلهجة فيها غضب وحزن :

ـ يا حميراء ! بهذا اوصاك رسول الله ؟!

اجابت عائشة :

ـ يا ابن ابي طالب : ملكت فاصفح .

فقال الإمام وهو يطلق آهة حرّى :

ـ والله ما ادري متى اشفي غيظي ؟

احين أقدر على الانتقام فيقال لي لو غفرت ؟!

أم حين اعجز فيقال لي لو صبرت ؟


202

غير أن الامام لا يجد سوى الصبر سلاحاً .. والصبر سلاح الأنبياء :

ـ بلى اصبر فإنّ لكل شيء زكاة وزكاة القدرة العفو ! والتفت الإمام الى محمد بن أبي بكر (1) وقال :

ـ شأنك باختك لا يدنو منها احد سواك .

لقد اسفرت معارك الجمل الضارية عن سقوط ما يقارب من خمسة وعشرين ألف مقاتل ستة آلاف من جيش علي عليه السلام .

وقد لقي طلحة مصرعه خلال احتدام المعارك (2) ، وتضاربت الانباء حول انسحاب الزبير من أرض المعركة هل كان قبل احتدام المعارك أو بعدها ، وفي كل الأحوال فقد اغتيل في « وادي السباع » (3) ، وكانت دوافع القاتل الاطماع فقد حمل رأسه وسيفه وجاء يبشر علياً عليه السلام .. وتناول الإمام سيف الزبير وتمتم أسفاً :

(1) محمد بن أبي بكر أمه اسماء بنت عميس الخثعمية زوجة جعفر الطيار الشهيد بمؤمتة تزوجها أبو بكر فانجبت له محمداً فتزوجها علي بعد وفاة أبي بكر وكان محمد يومها صغيراً فتربى في احضان علي عليه السلام وكان يقول فيه :

ـ محمد ابني ولكنه من صلب أبي بكر ؛ استشهد في مصر على أيدي عملاء معاوية واحرق جثمانه .

(2) اغتاله مروان الذي يرى أن قاتل عثمان الحقيقي طلحة ، وقد اطلق باتجاهه سهامه قائلاً :

ـ اينما اصابت فتح .

(3) صفوان بالقرب من الحدود الكويتية .


203

ـ سيف اعرفه .. طالما جلا الكرب عن وجه رسول الله ..

واردف الإمام مخاطباً « ابن جرموز » :

ـ والله ما كان ابن صفية جباناً ولا لئيماً ، ولكنه الحين ومصارع السوء .

قال ابن جرموز وهو يتطلع إلى المكافأة :

ـ الجائزة يا أمير المؤمنين ؟

وانبعثت في اعماق الإمام نبوءة قديمة :

اما اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول : بشّر قاتل ابن صفية بالنار .

واصدر الإمام علي صلى الله عليه وآله وسلّم عفواً عاماً (1) إثر توقف العمليات الحربية ، ومنع أخذ غنائم الجيش المهزوم سوى ما استخدم للحرب من اسلحة ووسائط نقل .

وطالب بعضهم الإمام بالسبي فرفض ذلك فقالوا مستنكرين :

ـ كيف تحلّ لنا دماءهم وتحرّم علينا سبيهم ؟!

فاجاب الإمام :

ـ كيف تحل لكم ذرّية ضعيفة في دار الهجرة الإسلام ؟!

(1) لاذ مروان بن الحكم بالحسن والحسين وصفح عنه الإمام ؛ كما صفح عن عبد الله بن الزبير بالرغم من شتائم الأخير للإمام قبيل المعركة .


204

وعندما رأى اصرارهم قال :

ـ فاقرعوا على عائشة إذن .

فهتفوا عندها مستغفرين :

ـ نستغفر الله يا أمير المؤمنين !

لقد كشف معركة الجمل والحوادث التي تلتها عن مستويات متدنية من الوعي الديني .. وعمّقت التيارات المتناقضة التي استشرت في فكر الأمّة وضميرها ، ومهدت الطريق أمام كارثة صفين .

حوار مع الاصفر :

ودخل الإمام بيت المال ، ورأى دنان الذهب والفضة قال :

ـ يا صفراء غرّي غيري ، والقى نظرة فاحصة وقال فرّقوه خمسمئة خمسمئة ، واخذ الإمام نصيبه اسوة بجنوده فجاء رجل وقال :

ـ كنت شاهداً بقلبي وان غاب عنك جسمي .

فاعطاه علي نصيبه وانصرف صفر اليدين حامداً الله إذ لم يحصل على شيء من الفيء ..

ولمّا عوتب على التسوية في العطاء قال :

ـ اتأمروني أن اطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ؟! والله لا اطور به ما سمر سمير ، وما امّ نجم في السماء نجماً ؛ لو كان المال


205

لي لسوّيت بينهم فكيف وانما المال مال الله (1) .

والقى الإمام نظرة حزن على جثث القتلى ، ومّر بطلحة (2) وهو جثة هامدة وقد غمر الظلام الاشياء فقال بأسى :

ـ لقد اصبح « أبو محمد » بهذا المكان غريباً ! أما والله لقد كنت اكره ان تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب

مشهد في البصرة :

وخلال مكوثه في البصرة توجه الإمام إلى منزل احد اصحابه وهو العلاء بن زياد الحارثي ليعوده في علّة المّت به .. وتأمّل الإمام سعة الدار فقال لصاحبه وهو يحاوره :

ـ ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا ، وانت اليها في الآخرة كنت أحوج ؟

(1) قال عبد الله بن عباس ( رض ) : دخلت على أميرالمؤمنين عليه السلام بـ ( ذي قار ) ـ المنطقة التي توقف فيها الإمام منتظراً الامدادات الحربية القادمة من الكوفة ـ وهو يخصف نعله فقال لي : ما قيمة هذا النعل ، فقلت : لاقيمة لها فقال عليه السلام : والله لهي احبّ الي من امرتكم ، الا أن اقيم حقاً ، أو أدفع باطلاً ، ثم خرج الإمام فخطب في الحشود العسكرية .

(2) تحوّل طلحة في أواخر عمره إلى شخصية عنيفة ترفض الحوار ؛ يدل على ذلك طريقته في حلّ الازمة مع عثمان ، وحواره مع عمار عقيب تولّي الإمام مهام الخلافة وتوجيه الإمام لعبد الله بن عباس عندما بعثه إلى زعماء الناكثين وفتح باب الحوار معهم يقول الإمام : « لا تلقينّ طلحة ، فانك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً قرنه ؛ يركب الصعب ويقول هو الذلول .. ولكن الق الزبير فانه الين عريكة فقل له ... » .


206

ويجيب الإمام ليفتح الطريق أمام الأغنياء الصالحين فيقول :

ـ بلى إن شئت بلغت بها الآخرة : تقرى بها الضيف وتصل فيها الرحم وتطلع منها الحقوق مطالعها .. فاذا انت قد بلغت بها الآخرة .

قال العلاء بصوت واهن وقد وجد له فرصة ليشكو اليه أخاه :

ـ يا أمير المؤمنين اشكو اليك أخي عاصم .

قال الإمام :

ـ ماله ؟

ـ لبس العباءة تخلّى عن الدنيا .

وانبرى الإمام ليواجه ظاهرة التصوف :

ـ عليَّ به .

لقد حدّد علي موقفه من الغنى فياترى ماذا سيكون موقفه مع الذين يتركون الدنيا ويديرون وجوههم لها ؟

جاء عاصم أخو العلاء .. كان يرتدي عباءة صوف رثّة .

قال الإمام بلهجة فيها عتب خفيف :

ـ يا عُديَّ (1) نفسه ! لقد استهام بك الخبيث ..

(1) تصغير عدوّ .


207

اما رحمت أهلك وولدك !

أترى الله احلّ لك الطيبات وهو يكرة أن تأخذها ؟

أنت أهون على الله من ذلك .

نظر عاصم إلى ثياب أمير المؤمنين ربّما كانت أكثر رثاثة من ثيابه فقال :

ـ يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك .

قال الإمام وهو يفلسف له الحاكم القدوة :

ـ ويحك أني لست كأنت .. ان الله تعالى فرض على ائمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس كلا يتبيغ (1) الفقير بفقره .

العاصمة الجديدة :

كان الإمام يدرك انّ الخطر القادم يكمن في الشام حيث يمارس معوية بن أبي سفيان سياسته المشبوهة في غسل الادمغة ، وتزوير الحقائق ، وتوجيه الرأي العام الجهة التي تخدم مصالحه وتحقق طموحاته الشخصية . ومن هنا اختار الإمام الكوفة عاصمة جديدة للدولة الإسلامية لموقعها الاستراتيجي ووفرة مواردها الاقتصادية .

(1) يجتاحه احساس بالالم والمرارة .


208

غادر أمير المومنين عليه السلام مدينة البصرة بعد أن عيّن عليها والياً جديداً هو عبد الله بن عباس ، وفي البصرة قال كلمته الخالدة :

ـ ارضكم قريبة من الماء بعيدة عن السماء ؛ والتي اثارت التساؤلات لدى سامعيها عقوداً طويلة من الزمن (1) .

واتجه الإمام إلى الكوفة فهمس وقد لاحت من بعيد باسقات النخيل :

ـ ويحك يا كوفان ؛ ما اطيب هواءك واغذى تربتك الخارج منك بذنب ، والداخل منك بذنب ، والدخل اليك برحمة ؛ لا تذهب الأيام والليالي حتى يجيء اليك كل مؤمن ، ويبغض المقام بك كل فاجر ، وتعمرين حتى ان الرجل من أهلك ليبكّر إلى الجمعة فلا يلحقها من بعد المسافة ..

وقد وصل الإمام الكوفة يوم الاثنين الثاني والعشرين من

(1) كتب عبد الحميد ابي الحديد يقول : « اما قوله عليه السلام ( بعيدة عن السماء ) فان ارباب علم الهيئة وصناعة التنجيم يذكرون أن ابعد موضع في الأرض عن السماء «الأبلّة » وذلك موافق لقوله عليه السلام .

ومعنى البعد عن السماء ها هنا هو : بعد تلك الأرض عن دائرة معدّل النهار .. وقد دلّت الارصاد والآلآت النجومية على أن ابعد موضع في المعمورة عن دائرة معدّل النهار هو الأبلّة هي قصبة في البصرة .. » .

واضاف يقول : « وهذا من خصائص أمير المؤمنين عليه السلام لأنه اخبر عن أمر لا تعرفه العرب ولا تهتدي اليه ، وهو مخصوص بالمدققين من الحكماء ، وهذا من اسراره وعجائبه »| شرح نهج البلاغة 1 : 268 .


209

رجب سنة 36 هـ (1) .

وعرض على الإمام أن ينزل في قصر الامارة فرفض قائلاً :

ـ هذا قصر الخبال لا حاجة لي في نزوله .

واتجه إلى المسجد الأعظم فصلّى فيه ركعتين ... وفي يوم الجمعة القى الإمام خطاباً وعظياً حذّر فيه المؤمنين من الدنيا جاء فيه :

أوصيكم عباد الله بتقوى الله ..

احذروا من الله ما حذّركم من نفسه .. واشفقوا من عذاب الله ، فانه لم يخلقكم عبثاً ، ولم يترك شيئاً من امركم سدىً .. قد سمّى آثاركم وعلم اسراركم ، واحصى اعمالكم ، وكتب آجالكم .. فلا تغرّنكم الدنيا فانها غرارة لاهلها ، والمغرور من اغترّ بها ، وإلى فناء ما هي ، وان الدار الآخرة هي دار القرار (2) .

ارهاصات الحرب :

شهدت دمشق بعد مصرع عثمان بدء الاستعدادات على قدم وساق للقيام بأوسع تمرّد ضد الشرعية ، وتصاعدت وتيرة النشاط بعد حرب الجمل وما تمخض عنها من جراح في اعماق الامّة .

(1) 14 كانون الثاني 657 م .

(2) من يتأمل في نهج البلاغة وهو يضم آثار الإمام يلمس بوضوح نهج الإمام في محاولة اعادة الروح إلى الضمير المسلم من خلال تجسيد سنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قولاً وعملاً .


210

وعرف معاوية من أين ستؤكل الكتف ، فرفع قميص عثمان ليكون افضل ذريعة لاعلان الحرب على الإمام .

وبدأ معاوية نشاطاً محموماً في تعبئة كل ما يمكن ضد علي عليه السلام وكثف من مراسلاته للشخصيات والزعامات في مختلف مناطق الدولة الإسلامية .

وفي تلك الفترة تبلورت في ذهن معاوية التحالف مع عمرو ابن العاص ضد أمير المؤمنين عليه السلام (1) .

وكان الإمام علي عليه السلام قد ارسل مبعوثه جرير بن عبد الله البجلي لأخذ البيعة واجتمع جرير بعاوية وسلّمه رسالة الإمام وقد جاء فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان .

أما بعد ..

فقد لزمك ومن قبلك من المسلمين بيعتي ؛ وانا بالمدينة وانتم بالشام .

لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان .. فليس

(1) اجتمع معاوية بأركان اسرته لتدارس الوضع فاقترح عتبة أخوه عليه استدعاء ابن العاص قائلاً : استعن على امرك بعمرو بن العاص . وكان الأخير مقيماً في مقاطعاته في فلسطين .


211

للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد ، وانما الأمر في ذلك للمهاجرين والأنصار ، فادا اجتمعوا على رجل مسلم ، فسمّوه اماماً كان ذلك لله رضى فان خرج من أمرهم أحد بطعن فيه أو رغبة عنه رد إلى ما خرج منه ؛ فان أبى على اتباعه غير سبيل المؤمنين ، ولاه الله ما تولّى ، ويُصله جهنم وساءت مصيرا .

فادخل فيما دخل فيه الناس ، ثم حاكم القوم اليّ ، احملك واياهم علىُ ما في كتاب الله وسُنّة نبيّه ..

فامّا تلك التي تريدها (1) ، فانما هو خدعة الصبي عن الرضاع (2) .

كان معاوية يهدف إلى كسب المزيد من الوقت ريثما يصل عمرو بن العاص (3) .

على أن ذلك لم يمنع معاوية من الاحتفاء بجرير واكرامه ومحاولة كسبه إلى جانبه .

(1) كان الإمام يدرك منذ الأيام الأولى للأزمة أن معاوية انما يطمح للخلافة .

(2) الأخبار الطوال : ص 157 .

(3) سرعان ما لبّى بن عاص دعوة معاوية بل اصبحت الشام ملاذاً لكل الطامعين في دنيا معاوية والهاربين من وجه العدالة من ارباب السوابق والمجرمين .


212

ويبدو أن سياسته قد نجحت فقد تأخر جرير في عودته من مهمّته .

وفي الكوفة شعر بعضهم بالقلق ازاء ما يجري في الشام فاشاروا على الإمام بالستعداد واعلان الحرب ؛ غير ان الإمام لم يجد ذلك مناسباً لأنه سوف يئد كل مشروع خيّر فقال :

ـ ان استعدادي لحرب أهل الشام وجرير عندهم ، اغلاق للشام وصرف لأهله عن خير ارادوه ؛ ولكن وقت لجرير وقتاً لا يقيم بعده إلا مخدوعاً أو عاصياً (1) ، والرأي عندي مع الأناة .

الحلف الدنس :

وصل عمرو بن العاص دمشق ودخل مع معاوية على الفور في مفاوضات مكشوفة انتهت بتحالف دنس .

لقد عرف كل منهما صاحبه ، فمعاوية يحتاج إلى عقل ذكي وشخصية يمكنها أن تلبس الاشياء غير ثوبها الحقيقي ، شخصية متلوّنة وصولية ، انتهازية لا تعرف شيئاً مقدساً . عمرو بن العاص يحتاج هو الآخر إلى من يمكنه من تحقيق طموحاته وأطماعه وبكلمة واحدة يصنع له دنياه .

لنتأمل في جانب من حوار الرجلين :

(1) وقد صدق حدس الإمام إذ عاد إلى الكوفة وهو يهوّل من قدرة أهل الشام وضخامة قوّاتهم ، وما لبث جرير أن فرّ من الكوفة تحت جنح الظلام .


213

قال معاوية :

ـ با أبا عبد الله ، طرقتنا في هذه الأيام ثلاثة امور ، ليس فيها ورد ولا صدر .

ـ ما هنّ ؟

ـ امّا أولهن : فان محمد بن حذيفة (1) كسر السجن وهرب إلى مصر فيمن كان معه من اصحابه وهو من اعدى الناس لنا .

واما الثانية :فان قيصر الروم قد جمع الجنود ليخرج الينا ليحاربنا على الشام .

وامّا الثالثة :فان جريراً قدِم رسولاً لعلي بن ابي طالب يدعون إلى البيعة له أو ايذان بحرب .

لنرى الآن اجوبة ابن العاص ، ورؤيته في معالجة المشكلات ، وكيفية نفوذه لتحقيق غاياته ، قال عمرو :

ـ اما ابن حذيفة فما يغمّك من خروجه من سجنه في اصحابه ،

(1) محمد بن حذيفة بن عتبتة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، صحابي جليل القدر ولد في ارض الحبشة في عهد النبوّة ، استشهد أبوه في معارك اليمامة للقضاء على مسيلمة الكذاب .

كان من ابرز المعارضين لسياسة عثمان ، وهو صاحب القولة المشهورة يخاطب فيها جيوش الفتح الإسلامي قائلاً : انّا تركنا الغزو وراءنا ـ أي الجهاد ضد عثمان ـ القى معاوية القبض عليه وسجنه وفرّ من السجن ولكنه لقي مصرعه على أيدي جلاوزة معاوية في مصر .


214

فارسل في طلبه الخيل ، فان قدرت عليه فذاك وان لم تقدر عليه لم يضرّك .

ـ وأمّا القيصر (1) ، فاكتب اليه تعلمه انك تردّ عليه جميع من في يديك من اسرى الروم ، وتسأله المصالحة .

وامّا علي بن ابي طالب ..

سكت عمرو لحظات ليسدّد سهامه فقال :

ـ ان المسلمين لا يساوون بينك وبينه ..

قال معاوية مقاطعاً :

ـ انه مالأ على قتل عثمان ، واظهر الفتنة ، وفرّق الجماعة .

وتظاهر عمرو بتأييد تخرصات معاوية وقال :

ـ انه وإن كان كذلك .. فليست لك مثل سابقته وقرابته ، وبرقت في عينيه الاطماع فاردف قائلاً :

ـ ولكن ما لي ان شايعتك على أمرك حتى تنال ما تريد ؟

أعطى معاوية صاحبه صكّاً مفتوحاً :

(1) فكر قسطنطين الثالث باستعادة سوريا وفلسطين مستغلاً نشوب الحرب الأهلية واندلاع الخلافات الداخلية ، وبدأت حشود الرومان العسكرية بالتحرك ، واندفع معاوية إلى ابعد الحدود في الخنوع والخيانة فلم يكتف باعادة الاسرى الروم بل زاد على ذلك تعهده في دفع أتاوة سنوية للقسطنطينية ، كان من ضمنها تقديم ثمنمئة من الخيول العربية الاصيلة كل عام .


215

ـ حكمك .

قال عمرو وقد سال لعابه لمملكة الفراعنة :

اجعل لي مصر طعمة مادامت لك ولاية .

سكت معاوية ان مفاوضه يريد مصر لقمة خالصة له لا يشاركه فيها أحد ، قال بعد لحظات صمت :

ـ لو شئت أن أخدعك خدعتك .

قال عمرو وقد برقت عيناه كثعلب :

ـ ما مثلي يخدع .

ـ ادنُ مني اسارّك .

وارهف عمرو أذنيه لمعاوية الذي قال :

ـ هذه خدعة ، هل ترى في البيت غيري وغيرك .

وأردف :

ـ اما تعلم أن مصر مثل العراق ؟

قال عمرو بخبث :

ـ غير انها انما تكون لي اذا كانت لك الدنيا ، وانما تكون لك إذا غلبت علياً .

وفي النهاية تمت الصفقة ، وتأسس الحلف الدنس بين رجلين جمعتهما المصالح والاطماع .


216

وفي جوّ محموم حرّر الطرفان صيغة الاتفاق واصبحت مصر شعباً ومقدّرات وثروات ( طُعمة ) لعمرو بن العاص بموجب ذلك الاتفاق .

وبدأ الطرفان منذ ذلك التاريخ التخطيط لمواجهة الخطر القادم من العراق .

ولقد حاول الإمام علي اسداء النصح إلى عمرو بن العاص قبل أن ينغمس في دنيا فبعث اليه برسالة هذا نصّها :

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص ..

اما بعد ..

فان الدنيا مشغلة عن غيرها ، صاحبها منهوم فيها ، لا يصيب منها شيئاً إلا ازداد عليها حرصاً ، ولم يستغن بما نال عما لا يبلغ ، ومن وراء ذلك فِراق ما جمع ؛ والسعيد من اتعّظ بغيره فلا تحبط عملك بمجاراة معاوية في باطله ، فانه سَفِه الحق واختار الباطل ... والسلام (1) .

غير ان ابن العاص كان قد سقط في حبائل الشيطان ولم يعد يبصر امامه شيئاً سوى « مصر » ..

(1) الأخبار الطوال : ص 164 .


217

وهكذا بدأ التحضير لتفجير الصراع مع علي وفق خطّة مدروسة بعناية . ومن خلال الحوادث التي رافقت انفجار الاوضاع في صفين يبرز وجه عمرو بن العاص كعقل مدبّر وسياسي ماكر ؛ فقد اشار على معاوية بعد عودة مبعوث الإمام إلى الكوفة الا يعلن نفسه خليفة ابداً ، وأن يبذل قصارى جهده في اشاعة أكبر اكذوبة في تاريخ الإسلام وفي مسؤولية علي عليه السلام الكاملة عن مقتل عثمان ؛ وأن المطالبة بدمه سوف توحّد الرأي العام في الشام لصالحه (1) .

وقد رتب معاوية خطّة ماكرة في كسب علية القوم في الشام حتى باتوا اكثر حماساً من معاوية نفسه في مناوئة أهل العراق ورفض خلافة علي عليه السلام .

وفي هذا قال علي عليه السلام في احدى المناسبات : « ألا وأن معاوية قاد لمّة من الغواة وعمّس عليهم الخبر حتى جعلوا نحورهم أغراض المنية » . وراح ابن العاص يطلق الأكذاب تلو الأكاذيب ضدّ علي على طريقة كذّب ثم كذّب حتى يصّدق الناس ؛ حتى راحت

(1) قال عمرو : « لست أرى لك أن تدعوا أهل الشام إلى الخلافة فان في ذلك خطر عظيم ، حتى تتقدم قبل ذلك بالتوطين للأشراف منهم .. بأن علياً قتل عثمان ، فانها كلمة جامعة لك أهل الشام » .

ولم يتوان معاوية في استثمار قميص عثمان لحظة واحدة ؛ حتى يمكن القول أن معاوية لم يرتد قميص الخلافة إلا بعد أن حصل على ذلك القميص الملطخ بالدماء .. ولا يملك الباحث من الأدلّة المقنعة ما يمنعه من الاعتقاد باشتراك معاوية ـ ولو من وراء ستار ـ في التآمر على قتل عثمان الذي بلغ من العمر عتياً ! .


218

اكاذيبه تزكم الانوف ، ووصلت اخبار العراق فقال علي :

ـ عجباً لابن النابغة !! يزعم لأهل الشام أن في دعابة وانّي امرؤ تلعابة ! ... لقد قال باطلاً .. ونطق آثماً .. أما ـ وشرّ القول الكذب ـ انه ليقول فيكذب ويعد فيخلف ويُسأل فيبخل ، ويسأل فيلحف ، ويخون العهد ويقطع الأل ...

ويفلسف الإمام منهجه الاخلاقي وسيرة خصمه فيقول :

ـ اما والله اني ليمنعني من اللعب ذكر الموت ، وانه ليمنعه من قول الحق نسيان الآخرة ..

ثم يفضح تحالفه مع معاوية قائلاً :

ـ انه لم يبايع معاوية حتى شرط أن يؤتيه آتية ويرضخ له على ترك الدين رضيخة .

وهكذا أوجز علي تحالف ابن العاص مع معاوية بعبارة بليغة أنها صفقة الدنيا مقابل الدين ؛ ولقد باع عمرو بن العاص دينه بدنيا غيره (1) .

وقد لجأ الكثير إلى معاوية لاحبّاً به ولكن كرهاً لعلي فراراً من وجه العدالة (2) ؛ غير مدركين أن العدل هو الاساس الذي ينهض عليه

(1) توفي عمرو بن العاص سنة 43 ولم يحكم مصر التي تهافت عليها سوى عامين واشهر فخسر بذلك دنياه أيضاً وذلك هو الخسران المبين .

(2) فرّ عبيد الله بن عمر بن الخطاب قاتل الهرمزان إلى معاوية ولقي حتفه في صفين .


219

الرخاء والأمن الاجتماعي ، « أن في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه اضيق » (1) .

الطريق إلى صفين :

يشعر المرء وهو يستكشف حوادث تلك الحقبة التاريخية من الزمن (2) بعمق التغيّرات النفسية والتحولات الفكرية والاجتماعية التي المّت بالمجتمع الإسلامي والأمة آنذاك والتي ادّت فيما بعد إلى ظهور تيارات فكرية متناقضة ومن ثم تنامي التيار « السفياني » إذ صح التعبير واستيلائه على مقدّرات الدولة الإسلامية بل وانحرافه بالمسار الحضاري للإسلام منذ كارثة صفين (3) .

يقول علي وهو يقسم مجتمعه الى خمسة اصناف ويصف

(1) كلمة مأثورة للامام علي عليه السلام .

(2) الحوادث التي انتهت بمصرع عثمان ، وحتى استشهاد الإمام علي عليه السلام .

(3) لم يكن ما حدث في صفين معركة عسكرية ضارية وأن بدت في هذا الاطار ، ولم يكن صراعاً سياسياً عنيفاً وأن اتخذ هذا الشكل الرهيب من الصراع ..

انه تحوّل حضاري في مسار التاريخ الإسلامي أو تحول تاريخي في منحى الحضارة الإسلامية .

يقول المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي : « ان معركة صفين في الواقع تمثل تذبذب المجتمع الاسلامي في الاختيار ... الاختيار الحتم بين علي ومعاوية .. بين النظام الإسلامي الديمقراطي في المدينة وبين الحكم المستبد الغاشم في دمشق ..

ولكن المجتمع الاسلامي ومع الأسف اختار الطريق الذي يؤدي به إلى القابلية للاستعمار ثم إلى الاستعمار » | الفكرة الفروآسيوية : ص 111 .


220

زمانه :

ـ « أيها الناس .. انّا قد اصبحنا في دهر عنود .. وزمان كنود .. يُعدّ فيه المحسن مسيئاً .. ويزداد الظالم فيه عُتوّاً .. ولا ننتفع بما علمنا ولا نسأل عمّا جهلنا ولا نتخوف قارعة حتى تحلّ بنا ..

والناس على اربعة اصناف :

منهم : من لا يمنع الفساد في الأرض إلامهانة نفسه وكلالة حدّه ..

ومنهم : المصلت لسيفه والمعلن بشرّه والمجلب بخيله ورجله ..

قد اشرط نفسه ، وأوبق دينه .. لحطام ينتهزه ، أو مقنب يقوده .. أو منبر يفرعه .. ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا وممالك عند الله عوضاً .

ومنهم : من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا .

قد طامن من شخصه وقارب من خطوه ، وشمّر من ثوبه ، وزخرف من نفسه للأمانة ، واتخذّ ستر الله ذريعة إلى المعصية .

ومنهم :من ابعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه ، وانقطاع سببه فقصرته الحال على حاله فتحلّى باسم القناعة ، وتزيّن بلباس


221

الزهادة .. » .

وهنا يأتي دور الصنف الخامس وهو الذي يمثل الضمير المقهور في اعماق الامّة ، فيقول :

وبقي رجال غضّ ابصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين شريد نادٍّ .. وخائف مقموع ، وساكت مكعوم ، وداع مخلص ؛ وثكلان موجع ، قد اخملتهم التقية وشملتهم الذلّة ، فهم في بحر أجاج ، أفواههم ضامزة ( ساكنة ) وقلوبهم قرِحَة ، قد وَعظ حتى مَلّوا وقهروا حتى ذلوا ، وقُتِلوا حتى قلّوا (1) .

طبول الحرب :

وصلت المراسلات (2) بين الإمام ومعاوية إلى طريق مسدود .. ودوّت في دمشق طبول الحرب .. ولم يجد الإمام بدّاً من معالجة الانحراف بالقوّة وسُمع أمير المؤمنين يقول وقد استنفد كل الوسائل السلمية مع والي الشام الطموح :

ـ « ... ولقد ضربت أنف هذا الأمر وعينه ... وقبلت ظهره

(1) نهج البلاغة : الخطبة 32 .

(2) تبادل الطرفان العديد من الرسائل ورد بعضها في كتب التاريخ ، وضم نهج البلاغة العديد من رسائل الإمام عليه السلام وهي توضح بما لا يقبل الشك مدى انحراف معاوية وعناده .


222

وبطنه فلم أر فيه إلا القتال أو الكفر بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلّم ... » .

وفي عاصمة الخلافة أعلن الإمام حالة النفير العام ... وتجمعت الألوف وخرجت طلائع جيش الإمام إلى « النخيلة » التي اصبحت منطقة تحشد عسكرية منذ ذلك التاريخ ...

ولنحاول أن نتخيل الإمام وهو يتقدم من فرسه وقد وضع رجله في الركاب .. فيتذكّر كلمات قالها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم قبل اكثر من ثلاثين سنة .. رنا الإمام بناظريه إلى السماء .. إلى العام اللانهائي وردّد ذات الكلمات قائلاً :

ـ « اللهم إني اعوذ بك من وعثاء السفر .. وكآبة المنقلب .. وسوء المنظر في الأهل والمال والولد .. اللهم أنت الصاحب في السفر وأنت الخليفة في الأهل .. » .

وهنا يضيف الامام من بنات افكاره لتنفتح « الباب » على « المدينة » (1) ، فيقول :

ـ « ولا يجمعهما غيرك ، لان المُستخلف لا يكون مستصحباً والمستصحب لا يكون مستخلفاً » (2) .

(1) اشارة إلى حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلّم : انا مدينة العلم وعلي بابها .

(2) يقول الشريف الرضي : « وابتداء هذا الكلام مروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وقد قفّاه أمير المؤمنين عليه السلام بابلغ الكلام وتمّمه باحسن تمام من قوله : « ولا يجمعهما غيرك .. » | نهج البلاغة .


223

فتوحد المسيرة التي ابتدأها رسول الله واستأنفها وصيه ... انها اخلاق محمد صلى الله عليه وآله وسلّم تتألق في علي .. ومعاني رسالته تنبض في مفردات ابدعها مؤسس البلاغة في دنيا العرب .

النخلية :

استخلف الإمام علي على الكوفة الصحابي ابا مسعود الأنصاري (1) ، واتجه إلى النخيلة (2) ، وكان عمّار بن ياسر شيخ المهاجرين قد سبق الإمام اليها ؛ ومن النخيلة بعث الأمام برسائله إلى ولاته على المدن والاقاليم الإسلامية بالقدوم .

وبدأت الحشود العسكرية تتجمع من مختلف الأقاليم وفي طليعة من استجاب لدعوة الأمام مدينة البصرة ، حيث لبّى الأحنف ابن قيس نداء الإمام .

وفي النخيلة القى الإمام خطاباً أوضح فيه خطته في الزحف باتجاه الشام قائلاً :

ـ الحمد لله كلما وقب ليل وغسق .. والحمد لله كلمّا لاح نجم وخفق .. والحمد لله غير مفقود الانعام ؛ ولا مُكفأ الإفضال .

اما بعد ..

فقد بعثت مقدمتي وأمرتهم بلزوم هذا الملطاط ( شاطئ

(1) احد السبعين الذين بايعوا سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم في وادي العقبة رب مكّة .

(2) مكان في البادية على طريق الشام .


224

الفرات ) حتى يأتيهم امري ..

وقد رأيت أن اقطع هذه النطفة ( نهر الفرات ) إلى شرذمة منكم ، مواطنين أكناف دجلة ، فأنهضم معكم إلى عدوكم واجعلهم من امداد القوّة لكم (1) .

وانطلقت مقّمة الجيش تطوي المسافات ، وكانت المقدمة تتألف من 12000 مقاتل في قوّتين منفصلتين يقودهما كل من زياد ابن النضر وشريح بن هانئ ، وزوّدهما بتعليماته الحربية التي يغلب عليها استراتيجيته في الدفاع وتفادي الاصطدام ما امكن .

قال الإمام وقد وقف القائدان امامه باحترام :

ـ ليسر كل واحد منكم منفرداً عن صاحبه ؛ فان جمعتكما حرب فأنت يا زياد الأمير ... واعلما أن مقدّمة القوم عيونهم ، وعيون المقدّمة طلائعهم . فاياكما أن تسأما عن توجيه الطلائع ... ولا تسيرا بالكتاب والقبائل من لدن مسير كما إلى نزولكما إلا بتعبية وحذر ، واذا نزلتما بعدوّ أو نزل بكم ، فليكن معسكركم في اشرف المواضع ؛ ليكون ذلك لكم حصناً حصيناً ، واذا غشيكم الليل ، فحفّوا عسكركم بالرماح والترسة ، وليليهم الرماة ، وما اقمتم فكذلك فكونوا .. لئلا يصاب منكم غِرّة ، واحرسا عسكر كما بأنفسكما ، ولا

(1) نهج البلاغة : الخطبة 48 ـ وقد عبّر الإمام عن نهر الفرات بالنطفة ، وهذا جعل الشريف الرضي يعلّق قائلاً : بأنها « من غريب العبارات وعجيبها » .


225

تذوقا نوماً إلا غراراً ومضمضة ، وليكن عندي خبركما ، فاني ولا شيء إلا ما شاء الله حثيث السير في اثركما .. ولا تقاتلا حتى تُبدأ أو يأتيكما أمري ان شاء الله ..

ومرّت ثلاثة أيام على تحرك مقدّمة الجيش ، وفي اليوم الثالث تحرك جيش الإمام بكل فيالقه التي ناهز عدد مقاتليها الثمانين ألف ... حتى إذا أطلّت على خرائب مدينة « بابل » (1) ، أمر الإمام بالاسراع في اجتيازها قائلاً :

ـ « ان هذه مدينة قد خسف بها مراراً ، فحرّكوا خيلكم ، وأرخوا اعنتها حتى تجوزوا موضع المدينة ، لعلنا ندرك العصر خارجاً منها » . وفي مدينة الرقة عبر الإمام بجيشه بفرسان الشام يقودهم أبو الأعور السلمي ؛ ووصلت انباء ذلك للإمام علي فأمر قائده الشجاع مالك الاشتر بالاسراع وقيادة المقدّمة .

واشتبك الفريقان إلى الليل ...

وفي غمرة الظلام فضل قائد مقدمة الشام الانسحاب .. والعودة إلى معاوية وكانت جيوشه قد بسطت سيطرتها على مصادر المياه في شواطي الفرات في وادي صفين (2) الفسيح ؛ ويبدو من

(1) مدينة قديمة في وادي الرافدين ورد ذكرها في القرآن الكريم .

(2) يضم الوادي اطلال مدينة رومانية صغيرة بالقرب من ضفاف الفرات .


226

خلال ما ورد في بعض المصادر التاريخية ان المنطقة التي احتلّتها كتائب من جيش معاوية كانت منطقة مشجرة كثيفة ، ما خلا طريق مرصوف بالحجارة يتوسط تلك المنطقة المليئة بالاوحال ؛ ومن هنا فان احتلال ذلك الطريق يعني السيطرة على منابع المياه ، وهذا ما فعله جيش معاوية ؛ فكشف بذلك عن اخلاقية هابطة في مبادئ الحرب ؛ علماً بان الإمام وحتى تلك اللحظة لم يعلن الحرب ، وكان يؤكد على وجود فرصة للتفاهم وحلّ الأزمة بالطرق السلمية .

وصلت جيوش الخلافة وادي صفين فوجدت قوّات (1) معاوية قد احتلت القرية (2) وسيطرت على الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى ضفاف الفرات .

الظامئون :

ارسل الإمام صعصعة بن صوحان وكان صحابياً جليل القدر إلى معاوية وحمّله رسالة شفهية قائلاً :

ـ « إيت معاوية فقل له : انّا سرنا اليكم لنعذر قبل القتال فان قبلتم كانت العافية احب الينا ... وأراك قد حلت بيننا وبين الماء ، فان كان اعجب اليك أن تدع ما جئنا له ، ونذر الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا » .

(1) بلغ تعدادها عشرة آلاف جندي .

(2) خرائب المدينة الرومانية .


227

واجتمع معاوية مع اركان حربه للتدارس حول الموضوع ، وسيطرت على الاجتماع روح من الحقد الدفين والدناءة والغدر والقسوة .. باستثناء عمرو بن العاص الذي اعتبر خطوة معاوية خطوة حمقاء قائلاً :

ـ أرى أن تخلّي عن الماء ، فان القوم لن يعطشوا وانت ريّان .

غير أن معاوية الذي عجنت روحه بالاطماع والغدر استجاب إلى آراء تنضح حقداً وانتقاماً (1) .

وادرك موفد علي عليه السلام أن معاوية سوف يشدّد قبضة على النهر .. فعاد إلى الإمام يحيطه علماً .

وتمرّ الساعات بطيئة قلقة ... وقد استبد بجنود الإمام الظمأ .. وكان على من يريد الماء أن يقطع 12 كم من اجل الحصول قطرات تطفيء لهيب الأعماق في ذلك الصيف الملتهب (2) .

ومرّت ثلاثون ساعة ، وقد لاحت في الافق ملامح الكارثة ـ وفي اللحضات الأولى من الفجر ألقى الإمام في كتيبة مالك الأشتر المؤلفة من الفرسان كلمات تتألق بسالة .

(1) قال الوليد : امنعهم كما منعوه عثمان ... اقتلهم عطشاً ... قتلهم الله وقال عبد الله بن سرح : امنعهم الماء إلى الليل ... لعلهم ينصرفوا إلى طرف الغيضة ، فيكون انصرافهم هزيمة .

(2) التقى الجيشان في ربيع الثاني 37 هـ ـ تموز | آب 657 م .


228

ـ قد استطعموكم القتال .. فاقرّوا على مذلّة وتأخير محلّة .. أو روّوا السيوف من الدماء ترووا من الماء ..

ثم دوّت كلماته الخالدة :

ـ فالموت في حياتكم مقهورين والحياة في موتكم قاهرين . وشن سلاح الفرسان هجوماً صاعقاً ودارت معركة ضارية ، وبدأت خطوط العدوّ تزلزل لعنف الهجمات ، واقتحم المهاجمون شواطئ النهر ، وغمست خيول علي اقدامها في المياه البادرة .

علي .. المجد الأخلاقي :

اضاف علي بن أبي طالب عليه السلام نصراً اخلاقياً كبيراً إلى مجده العسكري ... فاصدر أوامره إلى قوّاته المرابطة في « الشريعة » (1) بالتزوّد بالماء والانسحاب وفتح الطريق امام جنود الخصم بارتياد النهر .

تلقّى معاوية نبأ هزيمة قوّاته بهلع ، فلقد اصبح مصيره وطموحاته على كفّ عفريت ؛ فاستدعى على الفور مستشاره ومعاونه عمرو بن العاص وقال بقلق :

ـ ما ظنّك بعلي ؟!

اجاب ابن العاص وهو يدرك تماماً اخلاقية علي :

(1) شواطئ الفرات .


229

ـ ظنّي أنه لا يستحل منك ما استحلت منه ... لأنه أتاك في غير الماء .

وشهدت الطريق المرصوفة بالحجارة « السقائين » من الفريقين وهم يتجهون إلى شواطئ الفرات للتزود بما يلزمهم من المياه (1) ، وقد احدثت مواقف الإمام الإنسانية أثراً محدوداً في صفوف الشاميين إذ شهدت ليالي صفين محاولات تسلّل من المواقع الشاميّة إلى معسكر الإمام ، وفي كل الأحوال فالذين اختاروا الدنيا كانوا يتطلعون إلى معاوية أما الذين أرادوا الآخرة وسعوا لها سعيها فكانوا يجدون طريقهم على خطى علي عليه السلام مع التأكيد على وجود المخدوعين وهم الغالبية في جيش الإمام وكان هؤلاء يمثلون شريحة فاعلة لها شأنها .

تقارير من قلب المعركة :

عاد الهدوء المشوب بالحذر مرّة أخرى إلى أرض صفين ولم تحدث اشتباكات تذكر .

وجرت خلال تلك الفترة مراسلات بين الفريقين لم تسفر

(1) تذكر مصادر التاريخ أن جنود الطرفين كانوا يختلطون فيما بينهم في تلك المنطقة دون مشاكل وربّما تبادل بعضهم كلمات الودّ مع تمنيّات في عدم وقوع الحرب وعودة السلام .


230

عن نتيجة ؛ ومن الطبيعي أن تصطدم المطامع والأهواء بالمبادئ والقيم والدين الحق ؛ ولهذا لم يجد الإمام حلا مع هذا الوالي المتمرّد إلا الحرب أو الكفر بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلّم كما عبر عن ذلك الإمام في مناسبة من الصراع المرير .

وخلال الفترة التي سبقت الأشهر الحرم شهد وادي صفين ما يقرب من ثمانين اشتباك محدود على مستوى الكتائب وكان « القرّاء » (1) في كل مرّة يتدخلون لوقف القتال والبحث عن طريق سلمي لحلّ الصراع .

انسلخت الاشهر الحرم ، واطلّ شهر صفر ، وتمرّ الأيام ، دون أن تلوح في الافق بوادر للحرب ، ويبدو أن اصحاب الإمام قد استبطأوا قيادتهم في اصدار الأوامر بالهجوم ، وانتشرت شائعات حول شك الإمام في مشروعية قتال « القاسطين » (2) وقد ردّ الإمام على ذلك بقوله :

ـ اما قولكم أكلّ ذلك كراهية الموت ؟ فوالله ما أبالي دخلت إلى الموت أو خرج الموت إليّ ، وامّا قولكم شكّاً في أهل الشام ! فوالله ما دفعت الحرب يوماً إلا وأنا اطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي ، وتعشوا إلى ضوئي ، وذلك احبّ اليّ من أقتلها على ضلالها

(1) قرّاء القرآن وكانوا طبقة محترمة آنذاك .

(2) جيش معاوية .


231

وإن كانت تبوء بآثامها .

وفي الغروب وقف جندي جمهوري الصوت قريباً من معسكر القاسطين وهتف بأعلى صوته ناقلاً انذار الإمام :

ـ انا امسكنا لتنصرم الأشهر الحرم ، وقد تصرمت ، وانّا ننبذ اليكم على سواء ، ان الله لا يحبّ الخائنين .

واعلنت في المعسكرين حالة التعبئة العامّة ، واشتعلت النيران ، ايذاناً بخوض حرب شاملة .

وما أن اشرقت شمس اليوم التالي حتى كان الجيشان يقفان على اهبة الاستعداد ، وقد سيطرت حالة من الوجوم والرهبة ، أن من يقف فوق الروابي المشرفة على الوادي الفسيح سوف يرى كتائب الجيشين تصطف في شكل خطوط قتالية ولرأى في كل جيش سبعة خطوط ، سيرى خطين في الجناح الأيمن ، وخطين في الجناح الأيسر وثلاثة خطوط في القلب .

عين الإمام على سلاح الفرسان في جيشه الصحابي الكبير عمار بن ياسر (1) الذي لم تمنعه شيخوخته (2) من الاشتراك في المعارك بحماس المؤمن المجاهد الذي لا يساوره الشك في

(1) كان وجود عمّار بن ياسر في جبهة الإمام علي قد شكل احراجاً شديداً لمعاوية للحديث النبويّ المشهور : عمّار تقتله الفئة الباغية .

(2) بلغ من العمر الرابعة والتسعين .


232

عدالة قضيته .

وعيّن على المشاة عبد الله بن بديل ، ودفع الراية العظمى إلى هاشم بن عتبة المرقال .

وفي جيش معاوية كان عمرو بن العاص يقود سلاح الفرسان أما مسلم بن عقبة (1) الذي اشتهر في التاريخ بمجرم بن عقبة فقد تصدّى لقيادة المشاة .

ولم يحدث اشتباك ذلك اليوم (2) ، ثم حدث اشتباك محدود في صباح اليوم الذي يليه .

وخرج في يوم آخر عمّار بن ياسر يقود مجموعة من الفرسان فتصدّى له عمرو بن العاص وفي يده راية سوداء وصاح :

ـ هذا لواء عقده رسول الله .

فعلّق الإمام قائلاً :

ـ انا اخبركم بقصّة هذا اللواء : هذا لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وقال من يأخذه بحقة ؟ فقال عمرو : وما حقه يا رسول الله ؟ قال : « لا تفرّ به من كافر ولا تقاتل به مسلماً » ... ولقد فرّ به من الكافرين في حياة رسول الله وقد قاتل به المسلمين اليوم .

(1) شخصية دموية وهو الذي اجتاح المدينة سنة 63 هـ .

(2) جرت مبارزة فردية إذ خرج فارس مقنّع من جيش الإمام متحدّياً فخرج أبوه وهو لا يعرفه وفي اثناء الصراع عرف كل منهما الآخر وتوقفا عن القتال .


233

وخرج عبد الله بن بديل وكان من افاضل اصحاب الإمام يقود مجموعة من فرسان العراق فانبرى إليه أبو الأعور السلمى في مثل ذلك من أهل الشام وجرت معارك بين الفريقين ، وفي تلك اللحظات والاشتباكات مستمرة قام عبد الله بحركة جريئة إذ الهب ظهر حصانه بالسوط وشنّ هجوماً صاعقاً مخترقاً خطوط العدو ولم يتمكن أحد من اعتراضه وكان هدفه اقتحام مقرّ القيادة (1) ؛ حتى إذا وصل قريباً منها تعرّض إلى عشرات الصخور فسقط شهيداً ... ولقد أثار هجومه الجريء اعجاب الجميع بما في ذلك معاوية نفسه إذ قال وهو يقف متأملاً جثمانه الطاهر :

ـ هذا كبش القوم .

فروسية :

عرض الإمام علي عليه السلام على معاوية وقد آلمه سقوط القتلى من الفريقين . قائلاً : لم نقتل الناس بيني وبينك ؟ ابرز إليّ فأيّنا قتل صاحبه تولّى الأمر .

واستشار معاوية ابن العاص :

ـ ما ترى ؟

قال ابن العاص بخبث :

(1) كان مركز القيادة فوق رابية مشرفة ، ولم يشترك معاوية في المعارك طيلة الحرب مستعيضاً بمولاه الحريث وكان يرتدي بزّة معاوية موهماً من يراه بأنه معاوية ؛ وقد لقي حريث هذا مصرعه على يد الإمام بعد أن اغراه عمرو بن العاص بمبارزته .


234

ـ قد انصفك الرجل .

فقال معاوية بحقد :

اتخدعني عن نفسي ، ولم ابرز اليه ودوني « عك والاشعرون » لعد كان معاوية يدرك تماماً بان مواجهة علي تعني مواجهة الموت الأحمر .

ويبدو أن معاوية قد ازعجه موقف ابن العاص وشكك في نواياه تجاهه ، ولم يجد الأخير بدّاً ومن اخل اعادة المياه إلى مجاريها من أن يقول لمعاوية بعد أيام من البرود في العلاقات :

ـ سأخرج إلى علي غداً .

كان عمرو قد اعدّ عدّته وكان يعرف نقطة الضعف في خصمه العظيم . انها تكمن في مجده الأخلاقي الذي يستمدّه من معلّمه الأول .. وبرز عمرو بن العاص متحدّياُ علياً : ـ يا أبا الحسن اخرج اليّ أنا عمر بن العاص ...

وخرج بطل الإسلام ، وقد تألق ذو الفقار في قبضة الفارس الذي لا يهزم ؛ وما اسرع أن زجّ ابن العاص بسلاحه السرّي ! فكشف عن عورته واظهر سوأته ، ونجا من الموت المحقق !

وفرّ عمرو مذعوراً وربّما مسروراً .

وتلقى معاوية قائد فرسانه ! بهلجة فيها تهكم وسخرية قائلاً :


235

ـ احمد الله وسوداء إستك يا عمرو (1) .

بدء الحرب الشاملة :

تصاعدت حدّة المعارك بين الفريقين ، وسوى شعور بالرهبة بعد أن اشيع عن نيّة الإمام في بدء الهجوم العام ، فقد خطب عشية الهجوم قائلاً :

ـ « ألا انكم ملاقو القوم غداً بجميع الناس ، فاطيلوا الليلة القيام واكثروا تلاوة القرآن وسلوا الله الصبر والعفو والقوهم بالجدّ .. » .

وفي الجانب الآخر ضاعف معاوية روانت قتائل عك والاشعرين (2) التي اقصسمت على الصمود حتى النفس الأخير (3) .

أدّى الإمام صلاة الفجر في لحظة الأولى وقام بجولة لاستطلاع كتائب العدو ، واجرى تغييرات في صفوف قوّاته . ولأول مرّة منذ اندلاع المعارك قاد الإمام سلاح الفرسان المؤلف من اثني عشر ألف مقاتل في هجوم مدمّر ، ودوّت في الفضاء هتافات : الله أكبر .. وارتجّت الأرض تحت اقدام المحاربين .. وكانت خطّة الهجوم تقضي بالاندفاع الكاسح حتى مركز القيادة ، وقد تمكن المهاجمون من تمزيق صفوف العدوّ حتى أن معاوية أمر بتجهيز

(1) ظلّت الحادثة موضع تندر لدى الفريقين أياماً .

(2) قبائل ذات بأس .

(3) طرح مقاتلوها حجراً وقالوا : لا نولّي الدُبر أو يولّي معنا هذا الحجر !


236

فرسه للفرار بعد أن جرت الاشتباكات قريباً منه .

واستمّرت المعارك حتى الليل وقد اسفرت الاشتباكا العنيفة عن سقوط عشرات القتلى والجرحى وفي طليعتهم الصحابي البطل عمار بن ياسر (1) .

وفي صباح اليوم التالي استمر وقف القتال لانتشال جثث القتلى ومواراتهم الثرى .

وفي عشية ذلك اليوم خطب الإمام ايضاً حاثّاً قوّاته على الاستبسال :

ـ ايها الناس اغدوا على مصافّكم ، وازحفوا إلى عدوّكم ، غضّوا الأبصار ، واخفضوا الأصوات ، واقلّوا الكلام ، واثبتوا ، واذكرو الله كثيراُ ، ولا تنازعوا فتفشلوا ، وتذهب ريحكم ، واصبروا ان الله مع الصابرين .

وفي اليوم التالي اشتبكت الفيالق في ملحمة عظيمة واندفع

(1) احدث استشهاده دويّاً في المعسكرين ، وكان عمار ظامئاً فطلب ماءً فجاءته امرأة بقدح من لبن ، فشرب منه مستبشراً وهتف :

ـ اليوم القى الأحبّة .. محمد وحزبه ..

واردف :

ـ اخبرني رسول الله أن آخر رزقي من الدنيا صيخة لبن ( مزيج من الحليب والماء ) وقد استشهد عمّار وهو في الرابعة والتسعين من عمره فضاه في الجهاد المستمر ؛ وقد سبب استشهاده احراجاً شديداً لمعاوية بعد أن وضح لكل ذي لبّ الباغي من الفريقين .


237

الجناح الأيسر في جيش الشام في هجوم عنيف لم يصمد له الجناح الأيمن في جيش الإمام ، فأمر الإمام أحد قادته (1) باسناد الجناح الايمن ودارت معارك رهيبة ، وكلّف الإمام قائده الشجاع الاشتر باعادة قطعاته إلى مواقعها ، فنجح في مهمته بعد أن قاد هجوماً جريئأً اجبر فيه العدوّ على التراجع .

كان الوقت اصيلاً عندما هدأت حدّة القتال وجاء الإمام فأنّب قوّاته في الجناح الأيمن على تقهقرهم في بدء المعركة واشاد باستعادتهم زمام المبادرة :

ـ وقد رأيت جولتكم ، وانحيازكم عن صفوفكم ، تحوزكم الجفاة الطغام وأعراب أهل الشام ، وانتم لهاميم العرب ، ويآفيخ الشرف ، والأنف المقدّم ، والسنام الأعظم ولقد شفى وحاوح صدري أن رأيتكم بأَخَرة تحوزونهم كما حازوكم ، وتزيلونهم عن مواقفهم كما أزالوكم حسّاً بالنصال ، وشجراً بالرماح ، تركب أولاهم أخراهم كالابل الهيم المطرودة تُرمي عن حياضها وتُذادُ عن مواردها ! (2)

واشتعلت المرعكة مرّة اخرى وعندما كانت الشمس تجنح للمغيب قاد الامام بنفسه قوّاته في هجوم كاسح وكان هدفه احتلال

(1) سهل بن حنيف الأنصاري .

(2) نهج البلاغة : الخطبة 107 .


238

مركز قيادة العدو ، كان معاوية يراقب المعركة بذعر وهو يرى تقدّم المهاجمين فاستشار عمرو بن العاص قائلاً :

ـ ما ترى ؟

اجاب ابن العاص :

ـ أرى أن تخلي سرادقك .

وانسحب معاوية إلى مكان أكثر أمناً .

وما هي الّا لحظات حتى وصل الإمام ومعه قوّاته (1) فاطبقوا على مركز القيادة وحوّلوه إلى انقاض ... وغمر الأرض الظلام فتوقفت المعارك .

وجيء الى الإمام باحد الاسرى فقال الاسير متضرعاً :

ـ لا تقتلني صبراً .

فقال الإمام :

ـ لا اقتلك صبراً اني اخاف الله رب العالمين .

واردف وهو يحاول اضائة قنديل في قلب اسيره :

ـ خلّوا سبيله ... (2)

وانطلق الأسير وقد هزّته المفاجأة .

(1) قبائل ربيعة .

(2) كنزل العمال 10 : 348 .


239

الموت من اجل الخلود :

اشتعلت المعارك مرّة أخرى ، وكانت كفّة النصر تميل إلى جانب الحق (1) ، وشوهد الإمام وهو يقاتل ببسالة وكانت اقوى ضرباته بعد مصرع عمار بن ياسر .

وهتف الإمام : من يبايعني على الموت .. فتقدم العشرات يبايعون الإمام على الموت الأحمر من اجل خلود اخضر حتى وصل عددهم تسعاً وتسعين ...

فقال الإمام وهو يترقب تحقق نبوءة ابن عمه العظيم :

أين تمام المئة ؟ ... اين الذي وعدت به ؟

وجاء رجل عليه اطمار صوف .. كان مخلوق الرأس لكأنه عاد توّاً من حج البيت العتيق .. تقدم فبايع الإمام على الموت قتلاً ..

فسأله الإمام عن هويّته ، فأجاب عن هويّته ، فأجاب : أنا أويس القرني (2) .

(1) تحول ميزان المعركة لصالح أهل العراق بعد استشهاد عمار بن ياسر ( رض ) .

(2) بشر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قبل رؤيته بقوله : ان خير التابعين رجل يقاله أويس ، وتساءل المسلمون عن هذا الرجل الذي لم ير رسول الله بعد فقال صلى الله عليه وآله وسلّم : يأتي عليكم أويس بن عامر مع إمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن ، وكان به برص فبرأ منه إلا >


240

الليلة الطويلة :

وصلت الحرب اخطر منعطفاتها ، وألقى الإمام خطاباً يزخر حماساً وايماناً جاء فيه :

ـ معاشر المسلمين ! استشعروا الخشية ... وتجلببوا السكينة وعضّوا على النواجذ ، فانه انبى للسيوف عن الهام ... واكملوا اللأمة .. وقلقلوا السيوف في اغمادها قبل سلّها ... واعلموا أنكم بعين الله ، ومع ابن عم رسول الله ؛ فعاودوا الكرّ واستحيوا من الفرّ ، فانه عار في الأعقاب ونار يوم الحساب ... وطيبوا عن انفسكم نفساً وامشوا إلى الموت مشياً سُجُحاً ...

ومرّة أخرى أكد الإمام هدف الهجوم القادم :

ـ وعليكم بهذا السواد الأعظم ، والرواق المطنّب ؛ فاضربوا

< موضع الدرهم ، له والجة هو بهابر لو اقسم على الله لأبرّه .. والتفت إلى عمر ابن الخطاب فقال : « فان استطعت ان يستغفر لك فافعل .

ظهر أويس في زمن عمر واختار الكوفة سكناً وعاش زاهداً عابداً .. حتى إذا بويع الإمام بالخلافة إذ بهذا التابعي الجليل ينتفض ليقف إلى جانب علي ... وكان الرجل رقم مئة من الذين بايعوا الإمام على الموت في صفين :

وعندما هتف الإمام معلناً بدأ الهجوم :

ـ يا خيل الله اركبي وابشري ..

استلّ أويس سيفه وتقدم يقاتل الفئة الباغية فجاءه سهم غادر اصاب قلبه فهوى على الأرض شهيداً | الاصابة 1 : 117 .


241

ثبجَهُ ، فان الشيطان كامن في كِسره ، وقد قدّم للوثبة يداً وأخّر للنكوص رجلاً ، فحمداً حمداً ! حتى ينجلي لكم عمود الحق « وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم اعمالكم » .

وفي غبش الفجر بدأ الهجوم الشامل ، وتزلزلت خطوط الدفاع في جيوش الشام ، وكان الامام قد خرج في اجمل منظر .. فقد ركب فرساً للنبي يسمى « الريح » ، وقدّم بين يديه بغلة النبي « الشهباء » وارتدى عمامة رسول الله ، وتوهجت في اذهان المؤمنين ذكريات مضيئة لرسول السماء . وها هو علي يقودهم في ذات الطريق التي سار عليها نبيهم العظيم .

واستبد بمعاوية الهلع وهو يرى تقهقر قوّاته تحت ضربات المهاجمين ، وامسك بزمام فرسه وقد قفز قلبه إلى حنجرته وراح يدقّ بعنف كطبل مجنون ..

ولم تفلح أوامر معاوية ولا صيحاته بعمرو أن يقدّم قبائل « عك الاشعرين » في تغيير الموقف .

واستمرت المعارك ستة وثلاثين ساعة لا يسمع فيها سوى « الهرير » (1) وبين الفينة والأخرى كانت تدوّي هتافات علي : الله أكبر (2) .. حتى بلغت اكثر من خمسمئة .

(1) صوت القوس وهو يشبه صوت الكلب دون نباح .

(2) كان علي لا يقتل أحداً إلا كبّر .


242

ولم تفلح مساعي معاوية في وقف القتال وتوقيع هدنة مؤقته ..

وإلى جانب معاوية وقف الرجل الذي باع آخرته بدنيا غيره ... كان يفكّر فقتل كيف فكّر ثم قتل كيف فكر ..

التفت معاوية إلى صاحبه وقد استبدّ به يأس قاتل :

ـ ما ترى ؟ ... فانما هو يومنا هذا وليلتنا هذه !

وهنا نفث الشيطان فقال وهو يعرف كيف يطعن عليّاً في خاصرته :

ـ اني اعددت حيلة ادخرتها لمثل هذا اليوم .

قال معاوية متلهفاً :

ـ ما هي ؟

تدعوهم إلى كتاب الله حكماً بينك وبينهم ...

واضاف بمكر :

ـ فان قبلوه اختلفوا ، وان ردّوه تفرّقوا .

واتسعت عينا معاوية دهشة واصحبتا أكثر جحوظاً (1) .

وعلى وجه السرعة جمعت المصاحف دمشق الأعظم تحمله

(1) كان معاوية جاحظ العينين .


243

خمسة رماح طويلة .

مهزلة التحكيم :

كان لظهور المصاحف على الرماح (1) الأثر البالغ في شلّ العمليات الحربية ، وبدأت كلمات الاستنكار تشق طريقها ترشق الذين يريدون للحرب أن تستمر ، وما اسرع أن ظهر تيار عنيف يدعو إلى وقف القتال فوراً ، وحدث انشقاق خطير في صفوف جيش الخلافة ، ما لبث أن تحول إلى كتلة عسكرية تهدد وتوعد القيادة العليا .

وبذل الإمام قصارى جهده في توضيح خفايا « اللعبة » قائلاً :

ـ عباد الله ! امضوا على حقكم وصدقكم في قتال عدوكم ، فان معاوية وعمرو بن العاص وابن ابي معيط وحبيب بن مسلمة وابن ابي سرح والضحاك بن قيس .. ليسوا باصحاب دين ولا قرآن ...

انا اعرف بهم منكم ... قد صبحتم اطفالاً ، وصحبتهم رجالاً فكانوا شر اطفال وشر رجال ...

ويحكم ! انهم ما رفعوها لكم إلا خدعة ومكيدة !

غير أن الذين لا يدركون من الامور إلا مظاهرها الفارغة قد

(1) رفع ما يقارب من خمسمئة مصحف ! وعلت هتافات في معسكر الشام تدعوا الى السلام ووقف نزيف الدم !


244

جعلوا اصابعم في آذانهم واصمّوا اسماعهم ، وازدادوا عنفاً وشراسة فاحدقوا بالإمام وقد برع الشرّ في عيونهم (1) .

وقد حدث تماسك مدهش في صفوف أهل الشام اثر ارتفاع ذلك الشعار البرّاق ... في مقابل تمزّق مريع في جيش الإمام .

كان الجناح الأيمن بقيادة مالك الأشتر ما يزال يقاتل بضراوة ويتقدم نحو احراز النصر النهائي في خطى واسعة ، ولكن التصدّع كان قد عمّ جبهة الإمام مما انذر بوقوع انهيار عام ؛ ومن تلك اللحظات المثيره بدأت مأساة الإسلام وانهيار الحضارة (2) .

وازدادت الأمور سوءً بعد أن اصبح الإمام في قبضة تلك الطغمة من الحمقى ، وبات على القائد الأعلى للقوّات المسلحة أن يستجيب إلى مواقفهم ، وها هو الإمام يتعجّب من ذلك فيقول :

ـ لقد اصبحت الامم تخاف ظلم رعاتها ؛ واصبحت اخاف ظلم رعيتي .

(1) يصف الإمام تلك اللحظات الرهيبة بقوله :

ـ فتداكّوا على تداكَّ الابل الهيم ، يوم وردها ، وقد ارسلها راعيها وخلعت مثنيها حتى ظننت انهم قاتلي ، أو بعضهم قاتل بعض لديّ | نهج البلافة الخطبة رقم 54 .

(2) وفي هذا يقول الإمام : صاحبكم يطيع الله وانتم تعصونه ، وصاحت أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه !

وتبلغ مرارة الإمام الذروة عندما يقول : « لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ مني عشرة منكم واعطاني رجلاً منهم ! » .


245

ومن تلك اللحظة شعر الإمام بأن البطل سوف يكسب الجولة الى حين :

ـ اما والذي نفسي بيده : ليظهرن هؤلاء القوم عليكم ، ليس لانهم أولى بالحق منكم ، ولكن لاسراعهم إلى باطل صاحبهم ، وابطائكم عن حقي .. » .

وأخذ تيار التمرّد يتصاعد بشكل مخيف لينذر بوقوع كارثة بعد ان اطلقت تهديدات بقتل الإمام إذا لم يصدر أوامره الى الاشتر بوقف العمليات الحربية والانسحاب فوراً .

وهكذا توفقت المعارك في صفين ... ونشطت الفود للاعداد من اجل توقيقع وثيقة التحكيم .

التاريخ يعيد نفسه :

يعيد التاريخ نفسه احياناً فتظهر الحوادث وكأنها قد انبعثت من جديد ، حتى في بعض التفاصيل ... لقد وضعت الحرب أوزارها في صفين ، وبدأ الاعداد لتوقيع وثيقة سلام بين الفريقين المتصارعين ؛ وهنا يطلّ التاريخ ليعيد ذكريات صلح قديم بين الإسلام والوثنية ، في وادي الحديبية (1) قريباً من مكّة المكرّمة .

ها هو أبو سفيان يرسل سهيل بن عمرو ممثلاً للوثنية لتوقيع

(1) صلح الحديبية بين النبي وقريش سنة 6 هـ .


246

معاهدة سلام مع النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ؛ واليوم بعث معاوية بن أبي سفيان عمرو ابن العاص ممثلاً للقاسطين لتوقيع هدنة مع وصي النبي وأول (1) من اسلم من الرجال .

جاء عمرو ودخل خيمة الإمام ، وبدأ الكاتب في تحرير وثيقة التحكيم فكتب :

بسم الله الرحمن الرحيم

وهنا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين علي بن ابي طالب ومعاوية ابن ابي سفيان .

وهنا تدخل عمرو بن العاص معترضاً على الكاتب :

ـ هو اميركم أما أميرنا فلا ... بل اكتب اسمه واسم ابيه .

وتردد الوفد العراقي واصيب بما يشبه اللوعة . قال الأحنف ابن قيس : لا تمحو أمير المؤمنين .. يا أمير المؤمنين .

فقال علي عليه السلام : الله أكبر سُنة بسنّة رسول الله ... والله اني لكاتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يوم الحديبية . فكتب محمد رسول الله فقالوا : لست برسول الله ولكن اكتب اسمك واسم ابيك ، فأمرني رسول الله أن أمحوها فقلت : لا استطيع ، فمحاها بيده .. ثم قال لي : انك ستدعى إلى مثلها فتجيب .

(1) بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يوم الاثنين وصلّى علي يوم ثلاثاء .


247

وتناول الإمام وثيقة التحكيم ومحا امير المؤمنين منها ...

فقال عمرو بخبث :

ـ سبحان الله اتشبهنا بالكفار ونحن مؤمنون (1) .

يابن النابغة ومتى لم تكن للفاسقين وليّاً وللمؤمنين عدوّاً ؟

فنهض ابن العاص منزعجاً :

والله لا يجمع بيني وبينك مجلس بعد اليوم .

أجاب الإمام :

أني لا ارجو أن يطهر الله مجلسي منك ومن أشباهك .

وهكذا حرّرت وثيقة التحكيم .

الأربعاء 13 صفر سنة 38 هـ .. مصرع حضارة :

هل كان الاشعث (2) يمثل نفسية مجتمع لم يعد يستسيغ عدل علي لكي يظهر بكل هذه القوّة فيقف في وجه علي ؟ .

هل كان اشعري يمثل ارادة امّة اخلدت إلى الإرض وكانت

(1) يقول عبد الله بن سلمة : رأيت عماراً يوم صفين شيخاً كبيراً آدم طوالاً أخذ الحربة بيده ويده ترعد ويقول : والذي نفسي بيده لقد قاتلت هذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ثلاث مرات وهذه الرابعة | البداية والنهاية 7 : 292 .

(2) كل فساد كان في خلافة أمير المؤمنين علي وكل اضطراب حدث فأصله الأشعث | ابن ابي الحديد 1 : 428 .


248

تنظر إلى السماء فاذا بها تجعل من معاوية ندّاً لعلي (1) ؟ ها هو علي يجلس في خيمته ليوقع وثيقة التحكيم :

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان قاضي علي على أهل العراق ومن معهم وقاضي معاوية على أهل الشام ومن معهم ..

اننا ننزل عند حكم الله وكتابه ... فنحيي ما أحيا ونميت ما أمات فما وجد الحكمان في كتاب الله وهما أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص ، عملا به ، وما لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة .

واخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين المواثيق انهما امينان على انفسهما واهلهما والأمة لهما انصار على الذي يتقاضيان عليه وأجلا القضاء إلى رمضان من هذه السنة (2) وان احبّا أن يؤخراه أخراه .

كتب في يوم الأربعاء 13 صفر سنة 38 هـ

وبعد توقيع الوثيقة انسحبت الجيوش ، وعاد علي إلى الكوفة ورفضت بعض الفصائل دخول الكوفة و « خرجت » عن

(1) قال الإمام : انزلني الدهر حتى قيل معاوية وعلي .

(2) سنة 38 هـ .


249

طاعة الإمام (1) .

ومنذ تلك اللحظة وعلي يتلقى الطعنات المسمومة فيتأوّه وحيداً .

الكارثة :

اجتمع الحكمان في « دومة الجندل » التي اختيرت جغرافياً كمكان وسط بين « العراق والشام » بين علي ومعاوية فاختارها « التاريخ » ليمسك بالحضارة الإسلامية ويقذفها باتجاه الحضيض .

فما بين « صفين » و « دومة الجندل » انفجرت كل اسباب الانحطاط في حضارة الإسلام وظهرت للعيان دمامل الجسد الإسلامي بعد أن ظلّت مستورة مدّة ربع عرن أو تزيد (2) .

سوف لن نواكب مسار المفاوضات بين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري ، لان تأمل عابر في شخصية الرجلين سوف يكشف بوضوح تام ما اسفرت عنه المباحثات التي لعبت فيها

(1) بدأ تيار الخوارج بالظهور بعد لعبة رفع المصاحف مباشرة ، ومنذ تلك اللحظة بدأ أول تصدّع عقائدي خطير في تاريخ الإسلام .

(2) من المؤسف اننا لم يجد لدى الضمير العربي المعاصر اهتماماً يذكر بكارثة صفين فهي تمرّ بشكل عادي إلى حدّ ما في مسار التاريخ ؛ باستثناء ما يجده المرء لدى المفكر الراحل مالك بن نبي في كتابه « شروط النهضة الجزائرية » عندما يجعل من سنة 38 منعطفاً حضارياً في مسار التاريخ الإسلامي أو نقطة تحول كبرى في طريق الحضارة الإسلامية .


250

الأهواء والمطامع الدور الأول والأخير في تحديد النتيجة .

لقد ادبر الإمام على انتخاب الأشعري كممثل له كما اجبر من قبل على وقف القتال والحق على ابواب النصر الساحق ؛ ومراجعة بسيطة لتاريخ الأشعري تكشف عن مدى الحقد الذي يكنه الأخير للإمام .

ان احداثاً كبرى ووقائق مزلزلة وملابسات لا حدّ لها هي التي ادّت إلى وقف القتال وبدء سلسلة من المآسي انتهت بمصرع الإمام علي على ذلك النحو المؤسف وتنازل الإمام الحسن عن الخلافة ومن ثم استيلاء معاوية على دفّة الأمور في الدولة الإسلامية .

واذا كان الاشعث قد تصدّر الأحداث في تلك الحقبة من الزمن ، ولعب دوراً في تصدّع جبهة الإمام واحداث انهيار في الأوصاع لصالح معاوية فان ذلك لا يدلّ على قابليات ذاتية بقدر ما يدلّ على مجمل التغيرات النفسية والفكرية والاجتماعية التي طبعت عصر الإمام (1) .

(1) خطب الإمام مرّة فاعترض الاشعث على بعض كلامه قائلاص : يا أمير المؤمنين : هذه عليك لا لك .

فخفض الأمام عليه السلام اليه بصره وقال :

ـ ما يدريك ما عليّ مما لي ، عليك لعنة ولعنة اللاعنين ! حائك ابن حائك ! .. منافق بن كافر !


251

رياح الزمهرير :

شهدت دومة الجندل بدء المباحثات السرّية بين عقليتين ماكرة وغبية ، تتحركان في اطار دنيوي رخيص ، وقد وضح منذ البداية انهما وضعا كتاب الله فوق الرف فممثل أهل الشام يتحرك باتجاه مصر ، يريد ابتلاعها كجزء من الاسلات ؛ وأبو موسى كان يتحرك باتجاه صهره (1) على ابنته ليكون خليفة للمسلمين ، وهكذا اجتمعت الارادتان على اقصاء علي ، كما اقصي عن حقه من قبل .

لم يواجه عمرو بن العاص داهية العرب أية صعوبة في احتواء عقلية ابي موسى الفارغة ، وقيادته باتجاه النقطة التي يريد . لقد ادرك ابن العاص كيف يتغلغل في اعماق صاحبه ويأخذ بناصيته . وبدأ سير المحادثات كما وصفها احد المؤرخين (2) :

كشف الإمام ماضيه التعيس :

ـ والله لقد اسر الكفر مرّة والإسلام آخرى ! فما فداك من واحدة منهما مالك ولا حسبُك ؛ وان إمرأ دلّ على قومه السيف وساق اليهم الحتف لحريٌّ أ، يمقته الأقرب ، ولا يأمنه الأبعد .

وقد الشار الإمام إلى حوادث اليمامة عندما غدر الاشعث بقومه ، باتفاقه مع خالد ابن الوليد ، إذ غرّر بقبيلته حتى أوقع بهم خالد ، فسمّاه قومه « عرف النار » وهو لقب الغادر عندهم .

(1) عبد الله بن عمر بن الخطاب .

(2) الأخبار الطوال | أبو حنيفة الدينوري : ص 199 .


252

عمرو بن العاص يتفنن في ابزار آيات الاجلال لابي موسى فيقول :

ـ صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قبلي وانت أكبر سنّاً مني ..

قال الأشعري وهو يدخل في صلب الموضوع :

ـ يا عمرو : هل لك فيما فيه صلاح الأمّة ورضى الله ؟

ـ ما هو ؟

نولّي عبد الله بن عمر ، فانه لم يدخل نفسه في شيء من هذه الحروب .

قال عمرو بخبث :

ـ أين أنت من معاوية ؟

ـ ما معاوية موضعاً لها ، ولا يستحقها بشي من الأمور .

ـ الست تعلم أن عثمان قتل مظلوماً ؟

ـ بلى ؟

ـ فان معاوية ولي عثمان ، وبيته بعد في قريش ما قد علمت ، فان قال الناس : لم ولّي الأمر وليست له سابقة ؟ فان لك في ذلك عذراً تقول : اني وجدته وليّ عثمان والله تعالى يقول : « ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليّه سلطانا » .. وهو مع هذا أخو أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلّم .. وهو أحد اصحابه ..

أجاب أبو موسى :


253

ـ اتق الله يا عمر .. اما ما ذكرت من شرف معاوية ، فلو كان يستوجب بالشرف الخلافة ، فكان احق الناس بها أبرهة بن الصباح فانه من ابناء ملوك اليمن التبابعة الذين ملكوا كرق الأرض وغربها ... ثم أي شرف لمعاوية مع علي بن ابي طالب ؟ وامّا قولك ان معاوية ولي عثمان فأولى منه ابنه عمرو ، ولكن ان طاوعتني احيينا سيّة عمر بن الخطاب وذكره بتوليتنا ابنه عبد الله الحبر ..

وهنا ينبري ابن عاص ليدفعه بالاتجاه البعيد :

ـ فما يمنعك من ابني عبد الله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته وصحبته ؟

ـ ان ابنك رجل صدق ، ولكنك قد غمسته في هذه الحروب غمساً ... هلمّ نجعلها للطيب بن الطيب عبد الله بن عمر .

ـ يا أبا موسى انه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل له ضرسان يأكل باحدهما ويطعم بالآخر .

ـ ويحك يا عمرو ! ان المسلمين قد اسندوا الينا امراً بعد أن تقارعوا بالسيوف وتشاكّوا بالرماح ، فلا نردّهم في فتنة .

وتظاهر عمرو بن العاص بانه يبحث عن حلّ :

ـ فما ترى ؟

قال الأشعري :

ـ أرى ان نخلع هذين الرجلين عليّاً ومعاوية ثم نجعلها


254

شورى بين المسلمين ، يختارون لانفسهم من احبّوا .

وكاد عمرو أن يصفّق فرحاً ، فتظاهر بصمت المغلوب :

ـ رضيت بذلك ... وهو الرأي الذي فيه صلاح الناس .

وبالرغم من كل التحذيرات حول مكر ابن العاص وغدره ولكن الأشعري كان قد أصم أذنيه عن سماع أية نصيحة (1) .

وفي يوم شتائي والريح تعوي في الصحراء تقدم الأشعري ليرقى المنبر ويعلن ما اتفق عليه الحكمان ؛ ان اللحظة التي ارتقى فيها الاشعري المنبر ليخلع علياً هي لحظة رهيبة ، عوت فيها ريح الشتاء ، وقد انقض قابيل على أخيه ، ودلّ الاسخريوطي فيها على ابن مريم (2) .

(1) تحدث ابن عباس مع الأشعري على انفراد قائلاً :

ـ ويحك يا أبا موسى ، أحسب والله عمراً قد خدعك ، فان كنتما قد اتفقتما على شيء فقدّمه قبلك ليتكلم ، ثم تكلم بعده فان عمراً رجل غدار ، ولست آمن أن يكون قد اعطاك الرضى فيما بينك وبينه ، فاذا عمت به في الناس خالفك .

ولم يزد الأشعري أن قال :

ـ قد اتفقنا على أمر لا يكون لأحدنا على صاحبه فيه خلاف ان شاء الله !

(2) صعد عمرو بن العاص المنبر وكشّر عن انيابه قائلاً :

ـ ان هذا قد قال ما سمعتم ، وخلع صاحبه ، ألا وأني قد خلعت صاحبه كما خلعه ، واثبت صاحبي معاوية .

فصاح أبو موسى ، وقد شعر بالعار : >


255

وفرّ أبو موسى إلى مكّة يحمل معه عار الأبد وسبّة الدهر وعاد عمرو بن العاص إلى دمشق ليسلّم على « صاحبه » بالخلافة .

غارت الشتاء :

ومن تلك اللحظة بدأت حالة التداعي لامّة فقدت صوابها فهي تتخبط في طريق الهاوية . ولم يتمكن الإمام من وقف حالة التداعي التي عصفت بالامّة بعد أن فقدت وعيها وبصيرتها ؛ لنصغي إلى ما يقوله الإمام في ذلك المقطع التاريخي الهام :

ـ كم اداريكم كما تدارى البِكارُ العمدة (1) ، والثياب المتداعية كلما حيصت من جانب تهتكت من آخر .. الذليل والله من نصرتموه .

والامام يدرك الطريق الذي يصلح هذا القطيع ولكن :

ـ وأني لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم .. ولكن لا أرى أصلاحكم بافساد نفسي ..

مو قف الإمام :

تلقى الإمام بحزن مرير انباء « دومة الجندل » ، وهنا يقف امير

< مالك لا وفقك الله ، انما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يهلث أو تتركه يلهث .

فردّ ابن العاص ساخراً :

ـ ومثلك مثل الحمار يحمل اسفارا .

(1) الأبل المقصومة الظهر .


256

المؤمنين موقف التسليم الكامل لارادة الله فالحياة رحلة إلى الله :

ـ الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح ، والحدث الجليل .. واشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له ليس معه إله غيره .. وان محمد عبده ورسوله ، صلّى الله عليه وآله .

اما بعد ..

فان معصية الناصح الشفيق العالم المجرّب تورث الحسرة وتعقب الندامة ..

وقد كنت امرتكم في هذه الحكومة أمري ..

ونخلت لكم مخزون رأيي ؛ لو كان نطاع لقصير أمر (1) ؛ فابيتم عليّ إباء المخالفين الجفاة ، والمنابذين العصاة : حتى ارتاب الناصح بنصحه ، وضنَّ الزند بقدحه فكنت واياكم كما قال أخو هوازن (2) : امرتكم امري بمنعرج اللَّوى * فلم تستبينوا النصح إلا ضحى الغد

الخوارج : ولقد استيقظ الخوارج ولكن في ضحى الغد ، وكانت يقظتهم عنيفة مجنونة مدمّرة ، وانطلقت صيحاتهم تهزّ دنيا الإسلام تريد اجتثاث شجرته من الجذور :

(1) « لو كان يطاع لقصير أمر » مثل عربي .

(2) الشاعر دريد بن الصمّة .


257

ـ لا حكم إلا لله !!

وبدأت العاصفة تزمجر لتطيح بالصرح الإسلامي بأسره ، وانبرى الإمام ليفقأ عين الفتنة ويو قف حالة التداعي ويفضح شعارهم الذي تحول إلى وثن تذبح عنده الضحايا ؛ قال الإمام :

ـ « كلمة حقّ يراد بها باطل ! نعم انه لا حكم إلا لله ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلا لله ، وان لا بدّ للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ، ويُبلّغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء ، ويقاتل به العدو ، وتأمنُ به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ، حتى يستريح برّ ويستراح من فاجر » (1) .

العودة إلى صفين :

أدان الإمام موقف الحكمين ، واعتبر ذلك منافياً للاسلام ، وبدأ يتأهب للعودة إلى صفين حيث انفجر الصراع من قبل (2) .

(1) نهج البلاغة الخطبة : 40 .

(2) شدّد الإمام مرّة أخرى على رفضه مسألة التحكيم قائلاً :

ـ من دعا إلى هذه الحكومة فاقتلوه ولو كان تحت عمامتي هذه ، ثم فنّد شرعية النتائج التي تمخضت عن لقاء دومة الجندل :

ـ إلا ان هذين الرجلين الخاطئين اللذين اخترتموها حكمين قد تركا حكم الله ، وحكما بهوى انفسهما بغير حجة ولا حق معروف ، فاماتا ما أحيا القرآن واحيا ما أماته .. » .


258

وفيما كان الإمام يعبئ قوّاته لاستئناف الحرب بدأ الخوارج تحركهم ، وتعدّوا نطاق التنديد بالتحكيم والخلافة ونظرية القيادة وانتقلوا إلى دازرة التخريب ، واعلنوا حرباً شعواء على كل من لا يشاطرهم آراءهم وبدأوا يشكلون خطراً داهماً لا يقل عن خطر العدوّ المتربّص في دمشق .

وكان من رأي الإمام تأجيل مشكلة الخوارج إلى ما بعد تصفية الحساب مع معاوية ، ولكن الانباء المثيرة التي وصلت حول الفظائع التي ينفذها الخوارج غيرت من مسار الأحداث إلى نقطة انهيار دامية ، ومرّة أخرى حاول الإمام أن يتفادى الاصطدام بهم ، وارسل اليهم يدعوهم للالتحاق لمحاربة العدوّ المشترك .

ووصل الحوار معهم إلى طريق مسدود ، وكان لا بدّ من مواجهتهم بعد أن استباحوا أمن المجتمع الإسلامي (1) ، وهكذا غيرت الجيوش طريقها باتجاه النهروان حيث عسكر الخوارج .

وحاورهم الإمام بنفسه وتمكّن من اقناع قطاع كبير منهم

< ثم اصدر أوامره بالاستعداد لاستئناف رحلة الجهاد ضد القاسطين :

ـ فتأهبوا للجهاد واستعدوا للمسير واصبحوا في عساكركم ان شاء الله | الطبري 6 : 43 .

(1) ارتكب الخوارج جرائم يندى لها جبين الإنسانية ، فلم يكتفوا بقتل الصحابي عبد الله بن خبابّ فعمدوا إلى بقر زوجته وكانت حاملاً فقتلوها مع جنين لم يرّ النور بعد ، وقتلوا امرأة أخرى هي أم سنان الصيداوية .


259

اعلن توبته وعودته إلى دائرة الشرعية فيما اصرّ أربعة آلاف منهم على القتال .

ووقف الأمام يوجّه لهم انذاره النهائي :

ـ فأنا نذير لكم أن تصبحوا صرعى باثناء هذا النهر ، وباهضام هذا الغائط على غير بيّنة من ربكم ، ولا سلطان مبين معكم : قد طوّحت بكم الدار ، واحتبلكم المقدار ، وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم علي اباء المنابذين ، حتى صرفت رأيي إلى هواكم ؛ وانتم معاشر اخفّاء الهام سفهاء الأحلام .

واشتعلت المعركة عند جسر « النهروان » (1) وكانت النتيحة مذهلة ، فقد ابيد المارقون إلا تسعة نفر فرّوا من ساحة المعركة ولم يستشهد من جيش الإمام سوى تسعة نفر .

وعندما قال أحدهم :

ـ يا أمير المؤمنين ! هلك القوم باجمعهم !

اجاب الإمام وهو ينظر إلى المدى البعيد :

ـ كلا والله انهم نطف في اصلاب الرجال وقرارات النساء ، كلما نجم منهم قرن قطع ، حتى يكون آخرهم لصوصاً سلابين .

وبالرغم من تكفيرهم للامام فأنه أوصى الأمّة بعدم قتالهم بعده مشيراً إلى مصدر الخطر الداهم :

(1) كانت التقارير قد أفادت بعبور الخوارج الجسر ، فقال الإمام : مصارعهم دون النطفة (1) ، والله لا يفلت منهم عشرة ولا يهلك منكم عشرة .


260

ـ لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه .

كان الإمام يتحرك في ضوء النور المنبعث من اعماق السماء النور الذي اضاء فوق جبل حراء ولم يكن ليأبه إلى ما يعدّه المنجّمون من خراط للسماء ، ولتقترن الكواكب كيف تشاء ولينكفأ الميزان ولتنقدح الابراج بالنيران (1) ، فطريق علي هو طريق الإسلام وطريق الرسالة .

غارات الزمهرير :

ذرّ الشيطان قرنيه فراح يعربد ويدّمر ها هي عواصف الزمهرير تهب من جهة الشام حيث جثم القاسطون على ارض

(1) عندما أراد الإام التحرك صوب « جسر النهروان » جاءه من يدّعي العلم بالنجوم فقال : إنّك إن سرت يا أمير المؤمنين في هذا الوقت ، خشيت إلا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم :

فاجاب الإمام مستنكراً :

ـ اتزعم انك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء ؟! وتخوّف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضر ؟! فمن صدّقك بهذا فقد كذب القرآن ، واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه ؛ وتبتفي في قولك للعامل بامرك أن يوليك الحمد دون ربّه ، لأنك ـ بزعمك ـ أنت هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع وأمن الضرّ !!! والتفت الإمام إلى جيشه وهتف :

ـ ايها الناس اياكم وتعلّم النجوم ، إلا ما يُهتدى به في بَرِّ أو بحر ، فانها تدعو إلى الكهانة ؛ والمنجم كالكاهن والكاهن كالساحر والساحر كالكافر والكافر في النار ؛ سيروا على اسم الله .


261

الإسلام ؛ لقد أخلد الذين آمنوا إلى الأرض ، ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً .

ومن هنا بدأت تأوهات الإمام وهو يعيش في زمن جائر .

بدأت غارات الزمهرير ، والإمام يقاوم العواصف وحيداً لعد اخلدت الأمّة إلى الأرض وها هي الحضارة تتجه نحو الهاوية كشمس تجنح للمغيب في يوم شتائي .

سقطت مصر (1) في قبضة ابن العاص وقد انشب معاوية مخالبه في اهلها وثرائها .

وهكذا توالت الغارات ، تعصف بالمدن والحواضر الإسلامية كريح مجنونة (2) منذ أن حكم الحكمان بما خالف كتاب الله وسنة

(1) بدأ معاوية غاراته بتجريد حملة إلى مصر بقيادة عمرو بن العاص ، وفي الوقت نفيه تمكن الاثنان من تدبير محاولة اغتيال ناجحة وتمت تصفية « الأشتر » وهو في طريقه لانقاذ مصر ؛ وقد حاول محمد بن ابي بكر والي مصر آنذال الدفاع ولكنه خسر المعركة والقي القبض عليه في خربة مجرّداً من السلاح وقد بلغت وحشية معاوية بن خديج انه كان يتفنن في قتله وادخل الشاب المؤمن في جوف حمار ثم اضرمت النار وهو ما يزال يحتضر ... ان الحيوان المتوحش يأنف من ارتكاب هذه الفظائع ؛ وقد تألم الإمام لمصرعه على هذا النحو المؤسف قائلاً : « كان لي ربيباً وكان إلى حبيباً » .

(2) مع بداية عام 39 هـ بدأ زمن الرعب عندما راح معاوية يشن الغارات التي تستهدف الاذلال وتمريغ الكرامة الإسلامية في الأوحال فقد : >


262

رسوله (1) .

لنصغي إلى الإمام علي وهو يشهد تلك الجرائم فلا يجد له ناصراً ها هو يواجه الأمة وقد دكّت خيول الغارات الأنبار وهيت :

ـ ألا وأني دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وسراً واعلاناً وقلت لكم : اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا .. فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت عليكم الغارات ، وملكت عليكم الاوطان .

< * أغار النعمان بن بشير على عين تمر .

* واغر النعمان بن عوف على هيت والانبار والمدائن ، وقام بعمليات نهب واسعة .

* واغار عبد الله بن سعد على تيماء .

* واغار الضحاك بن قيس على مناطق عديدة حدّدها معاوية ، وأمر بقتل كل من يجده في طاعة علي أمير المؤمنين .

* وتأتي غارة بسر بن ارطاة الجلاد المعروف لتشكل ذروة الارهاب ، فقد اغار هذا الدموي على المدينة وأجبر أهلها على البيعة لمعاوية وهدم بعض الدور فيها ، ثم انطلق إلى مكّة ومنها إلى اليمن فارتكب مذبحة بحق الابرياء واهتز الضمير الإنساني لدى اقدام هذا المتوحش على قتل طفلين صغيرين لا لذنب سوى انهما ابنا عبيد الله ابن عباس ، كما عرض الفتيات المسلمات للبيع في الأسواق | الطبري 6 : 81 .

(1) طعن الإمام في نتائج التحكيم ، انطلاقاً من حيثيات الحكم وترك الحكمين للقرآن القاعدة الأساس في مسئلة التحكيم نفسها يقول الإمام : فلما ابيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما احيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن ؛ فان حكما بحكم القرآن فليس لنا أ، نخالف حكماً يحكم في القرآن ، وأن أبيا فنحن من حكمها براء .


263

وهذا أخو غامد وقد وردت خيله الانبار ، وقد قتل حسان بن حسان البكري ، وازال خيلكم (1) عن مسالحها ... ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة (2) ، فينتزع حجلها وقُلبها وقلائدها ورعثها ، ما تمنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام ثم انصرفوا وافرين ما نال رجلاص منهم كلم (3) ، ولا أريق لهم دم فلو أن امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً بل كان عندي جديراً .

ثم يعرب الامام عن عمق دهشة ازاء هذه الحالة المريرة ، التي وصلت اليها الأمّة :

ـ « فيا عجباً ! ... عجباً .. والله يميت القلب ويجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ، وتفرّقكم ، فقبحاً لكم وترحاً حين صرتم غرضاً يرمي .. يغار عليكم ولا تغيرون ، وتُغزون ولا تَغزون ، ويعصى الله وترضون » !..

وهنا تبلغ الآلام ذروتها فينفجر القلب الكبيرر ويتشظى حمماً فيخاطب الضمير النائم بلهجة كلها غضب :

ـ « يا اشباه الرجال ولا رجال ! حلوم الاطفال .. وعقول ربّات

(1) حرس الحدود .

(2) الذمّية .

(3) جرح .


264

الحجال لوددت أني لم اركم ولم اعرفكم معرفة والله جرّت ندماً واعقبت سأماً ... قاتلكم الله ! لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً ، وجرّعتموني نغب التهمام انفاساً ... » .

ثم يعبّر عن مظلوميته وضياع عقله الكبير وسط نقيق الحمقى ، فيقول :

ـ وافسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان ، حتى لقد قالت قريش : ان ابن ابي طالب رجل شجاع ، ولكن لا علم له بالحرب : لله أبوهم ! وهل أحدٌ منهم اشدّ لها مراساً .. واقدم فيها مقاماً مني ! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وهأنذا قد ذرّفت على الستّين .. ولكن لا رأي لمن لا يطاع .

وها هو الإمام يقف حائراً ، يتساءل عمّا ألم بالأمّة ، بينما الضحاك بن قيس يغير على قوافل الحجيج في شهر الحرام .. ليبث الرعب في أيام ارادها الله أن تكون مفعمة بالسلام :

ـ أيها الناس المجتمعة ابدانهم .. المختلفة أهواؤهم ؛ كلامكم يوهي الصمَّ الصِّلاب وفعلكم يُطمع فيكم الاعداء !

تقولون في المجالس كيت وكيت ، فاذا جاء القتال قلتم حيدي حياد ؟ ما عزّت دعوة من دعاكم ، ولا استراح قلب من قاساكم ، أعاليل باضاليل وسألتموني التطويل ، دفاع ذي الدَّين المَطُول ... » .


265

وتنفجر تساؤلات الإمام المظلوم :

ـ لا يمنع الضيم الذلول : .. ولا يدرك الحق إلا بالجدّ ! .. أي دار بعد داركم تمنعون ؟ ومع أي امام بعدي تقاتلون ؟ .. المغرور والله من غررتموه ... ومن فاز بكم فقد فاز ـ والله ـ بالسهم الأخيب ...

ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل ... اصبحت والله لا اصدّق قولكم ؛ ولا اطمع في نصركم ؛ ولا أوعد العدوّ بكم ... ما بالكم ؟! ما دواؤكم ؟! ما طبّكم ؟!

وتبقى تساءلات الإمام دون جواب ؛ فيغضب من اجل الله ويحاول هزّ الضمير المثقل بالخدر ... المصفّد باغلال الخوف .

ـ ما بالكم ؟! أمخرسون أنتم ؟!

وجاءه جواب واهن :

ـ يا أمير المؤمنين ! إن سرت سرنا معك !!

يا لهذه الأمّة ؟! تطلب من امامها أن يترك كل شيء ليتصدّى إلى الغارات هنا وهناك ، بينما معاوية يربض في دمش يخطط كيف يقضم « تراث محمد صلى الله عليه وآله وسلّم » :

ـ ما بالكم لا سدّدتم لرشد : ولا هديتم لقصد ! أفي مثل هذا نيبغي لي أن أخرج ؟! ، وانما يخرج في مثل هذا رجل ممن ارضاه


266

من شجعانكم وذي بأسكم ، ولا ينبغي لي ان أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الأرض والقضاء (1) بين المسلمين والنظر في

(1) لقد فصل الإمام في مسائل قضائية غاية في التعقيد ففي خلافة عليه السلام ، وبالرغم من عصف الحوادث فانه فصل في عديد من القضايا المعقدة وهذه نماذج :

* ضُرب أحدهم على هامته وادّعى المضروب أنه فقد القدرة على النطق والابصار والشم ، فقال الإمام ان كان صادقاً فله ثلاث ديّات فقيل : وكيف نتبيّن صدقه ؟

فوضع الإمام طرقاً لمعرفة سلامة حواسّه فالتأكد من قدرته على الابصار أو عدمها يطلب منه أن يرفع عينيه إلى الشمس فان كانت عيناه سليمتين اغمضهما وإلا بقاهما مفتوحتين .

واما حاسة الشم فيمتحنبغرز ابرة في لسانه فان خرح الدم احمر كان سليماً وأن خرج اسود اللون فقد فقد قدرته على النطق حقاً .

* كان الإمام في طرقة إلى المسجد فرأى شاباً يبكي وهتف الشاب بالإمام :

ـ يا أمير المؤمنين ان شريحاً القاضي قضى عليّ بقضية لا أدري ما هي ؟

فقال : الإمام :

ـ وما ذاك ؟

فقال الشاب :

ان هؤلاء النفر خرجوا مع ابي في سفر فرجعوا ولم يرجع أبي ، فسألتهم عن ماله فقالوا : ما ترك مالاً فقدمتهم إلى شريح فاستحلفهم وبرأهم ، وأنا أعلم أن ابي خرج ومعه مال كثير .

فقال علي عليه السلام : ارجعوا .

وأردف وهو يتقدمهم جميعاً إلى المسجد الأعظم . >


267

< والله لا حكمن فيهم بحكم ما حكمه أحد قبلي إلا داود النبي .

وهتف بخادمه :

يا قنبر ادع لي شرطة الخميس ، وأوكل الإمام بكل رجل من المتهمين اثنين من الشرطة ، واستدعاهم وراح يتصفح وجوههم قائلاً :

ـ كأني لا اعلم ما صنعتم بوالد هذا الشاب ؟

ثم اصدر أمره باقتياد كل واحد منهم إلى اسطوانة من اساطين المسجد .

ثم استدعى كاتبه عبد الله بن أبي رافع وقال له :

ـ اكتب .

والتفت إلى الناس وقال :

ـ إذ كبرت فكبروا .

واستدعى الإمام أولهم لاستجوابه ووقف الكاتب يسجل افادته :

ـ في أي يوم خرجتم من منازلكم مع والد هذا الشاب ؟

في يوم كذا وكذا .

ـ ففي أي شهر ؟

ـ في شهر كذا .

في أي سنة ؟

في سنة كذا .

في منزل من مات ؟

ـ في منزل فلان .

ـ ما كان مرضه؟ وكم كانت مدّة مرضه ؟ ومن كان ممرضه وفي أي يوم مات ، ومن كفنه ، ومن صلى عليه ، ومن ادخله القبر ...

واستمر الرجل يجيب ، والكاتب يسجل إفادته ؛ وهنا كبّر الإمام فكبّر الناس . لم يشك الآخرون في أن صاحبهم قد اترف على نفسه وعليهم . أمر الإمام بالرجل >


268

حقوق المطالبين ، ثم أخرج في كتيبة اتبع أخرى ... وانما أنا قطب الرحا تدور علي وأنا بمكاني .

لقد بدأ عصر التيه وسوف تتوه امّة الإسلام كما تاه قوم موسى من قبل تاهوا اربعين سنة ، لنصغ إلى الإمام وهو يبشر بالتيه والضياع لامّة لم تعرف قدر امامها وراعيها فتركته وحيداً في مواجهة القاسطين !

ـ ايها الناس لو لم تتخاذلوا عن نصر الحق ، ولم تهنوا عن توهين الباطل ، لم يطمع فيكم من ليس مثلكم ، ولم يقو من قوي عليكم .. لكنكم تهتم متاه بني اسرائيل ...

ولعمري ليضَّعفنّ لكم التِّية من بعدي اضعافاً بما خلفتم الحق وراء ظهوركم .

وهكذا عطّت الامّه في نوم عميق ، وضرب على آذانها فلم تعد تسمع كلمات آخر الاوصياء في التاريخ .

< باعادته إلى مكانه ، واستدعى آخر لاستجوابه وقال الإمام وهو يحدّق في وجهه ؟

ـ زعمت اني لا أعلم ما صنعتم بوالد هذا الشاب ؟ فانهار الرجل قائلاً :

يا أمير المؤمنين ما أنا إلا كواحدٍ منهم ... ولقد كنت كارهاً لقتله .

وعلى أثر هذا الاعتراف اقرّ الباقون بالجريمة فقضى عليهم الإمام بتغريمهم المال وتحملهم دم الضحية .

* وفي خلافة أيضاً ولد مولود له رأسان وصدران في حقو واحد ، فسئل الأمام هل يرث ميراث اثنين أم واحد فقال : يترك حتى ينام ثم يصاح به فأن انتبها معاً كان له ميراث واحد ؛ وإن انتبه واحد وبقي الآخر كان له ميراث اثنين .


269

ها هو الإمام يستنهض فيهم بقايا الروح ... يدعو هم لمواجهة الزمهرير القادم من ارض الشام حيث ربض الشيطان .

ولكن لا شيء سوى صمت المقابر ... وقام رجل ليقول :

ـ هأنذا وأخي فمرنا بأمرك ..

فيقول الإمام متأسفاً :

ـ واين تقعان مما أريد ؟

بل لقد وصل الأمر أن دعاهم للجهاد وقد عصفت الغارات بالمدن وقتل نسوة واطفال .. فلم يستجب أحد .. فأخذ الإمام سلاحه ومضى صوب النخيلة وحيداً ! (1)

ولكن علياً لم يكن الرجل الذي يخشى شيزاً حتى لو ظلّ وحيداً ، وها هي كلماته وهو يخاطب اخاه وقد خوّفه عواقب الطريق الذي سلكه دون مساومة أحد : « لا يزيدني كثرة الناس حولي عِزّة ولا تفرّقهم عني وحشة ، ولا تحسبنّ ابن ابيك ولو اسلمه الناس متضرّعاً متخشعاً ، ولا مقرّاً للضميم واهناً » .

وهو الذي قال مرّة :

ـ « والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها » .

(1) النخيلة منطقة تحشد عسكرية خارج الكوفة .. والحادثة مسجلة في نهج البلاغة . ك 261 .


270

الجمعة 12 رمضان سنة 40 هـ

اطل رمضان بوجهه الكريم ليدخل الإنسان المؤمن عوالم الملكوت ؛ رياح شباط تجوس خلال المدينة المشهورة بالغدر (1) .

صام علي بدأ رحلته إلى الملكوت ، يتضوّر جوعاً ، الجسد الآدمي يذوب أمام سطوع الروح وهي تتوهج كلما اقتربت ليلة القدر .

ها هو علي يرتقي المنبر ... فكأنه يتأهب للرحيل ... كان يرتدي قميصاً من صوف ... في رجليه نعلان من ليف خصفهما بنفسه ... جبينه يتألق نوراً من اثر السجود ... حبس التاريخ انفاسه وهو يضغي إلى كلمات رجل على وشك الرحيل :

ـ « الحمد لله الذي إليه مصائر الخلق .. وعواقب الأمر .. » .

ـ « ... لم يولد سبحانه فيكون في العزّ مشاركاً ... ولم يلد فيكون موروثاً ... ولم يتقدمه وقت ولا زمان ... » .

ها هو يذكر الناس بالرحيل ... لقد أزفت الساعة :

ـ أوصيكم عباد الله بتقوى الله الذي البسكم الرِّياش ، واسبغ عليكم المعاش ؛ فلو أن احداً يجد إلى البقاء سلّماً أو لدفع الموت

(1) عن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم انه قال لعلي : « ان الامة ستغدر بك بعدي » | كنز العمال 11 : 297 .


271

سبيلاً لكان ذلك سليمان بن داوود عليه السلام ؛ الذي سخّر له ملك الجن والانس مع النبوّة وعظيم الزلفة ، فلما استوفى طُعمته واستكمل مُدّته ، رمته قِسيُّ الفناء بنبال الموت واصبحت الديار منه خالية والمساكن معطلة ، وورثها قوم آخرون وأن لكم في القرون السالفة لعبرة ! ..

وهنا يفجر اسزلة التاريخ ليتساءل عن مصير حضارات سادت ثم بادت :

ـ « أين العمالقة وابناء العمالقة ؟! اين الفراعنة وابناء الفراعنة ؟ اين اصحاب مدائن الرس الدين قتلوا النبيين ، واطفؤوا سنن المرسلين ، واحيوا سنن الجبّارين ؟! ... اين الذين ماروا بالجيوش وهزموا بالألوف وعسكروا العساكر ومدّنوا المدائن ؟ » .

وها هو يذكرهم بأنه وريث الأنبياء وأنه آخر الأوصياء فهل ينتظرون من هو أهدى سبيلا :

ـ ايها الناس : اني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها اممهم ، وأديت اليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم ... لله انتم اتتوقعون اماماً غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل ؟!

لقد بدأ عصر الانحطاط في اللحظة التي هوى فيها الشهداء في « صفين » :

ـ ألا انه قد ادبر من الدنيا ما كان مقبلاً ، واقبل منها ما كان


272

مدبراً ، وازمع الترحال عباد الله الأخيار ، وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى ...

ما ضرّ إخواننا الذين سفكت دماؤهم ـ وهم بصفين ـ ألا يكونوا اليوم أحياء ؟ يُسيغون الغصص ويشربون الرنق !

وكأن الإمام يتلفت هنا وهناك يبحث عن اخوان له طووا معه الطريق إلى صفين :

ـ « اين اخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق ؟

أين عمار ؟

وأين ابن التيهان ؟

وأين ذو الشهادتين ؟

وأين نظراؤهم من اخوانهم الذين تعاقدوا على المنيّة وأُبْرد برؤوسهم إلى الفجرة ؟! »

وهنا يصل الإمام إلى ذروة التأثر ، فيضرب على لحيته الكريمة .. ويستغرق في البكاء .. البكاء من أجل كل الذين رحلوا وجباههم إلى الشمس فتنبعث من أعماق قلبه الكسير آهة حرّى :

ـ أوِّه على اخواني الذين تلوا القرآن فاحكموه ، وتدبّروا الفرض فأقاموه .. أحيوا السنّة وأماتوا البدعة .. دعوا للجهاد فأجابوا ، ووثقوا بالقائد فاتبعوه ..

ثم اطلق صيحاته كأنه يخاطب التاريخ والأجيال :


273

ـ « الجهاد الجهاد عباد الله ! ألا وإني معسكر في يومي هذا ؛ فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج ! » (1).

صفين ... هاجس العودة :

سوف تبقى « صفين » ارض التاريخ .. نقطة للحضارة وميداناً للصراع .. الصراع الخالد بين الخير والشرور .. وعلى الذين يريدون توجيه حضارة الإسلام من جديد أن يعودوا إلى صفين ؛ إلى خنادق الصراع .. خلف « القائد » (2) .

ها هو علي يطالب الامّة بالعودة إلى الصفين .. لتحطيم الاوثان البشرية .. لاحراق العجل .. وليشهد رمضان انتصار الروح .. انتصار محمد من جديد .. وهزيمة ابناء الأحزاب (3) ...

ليالي البرد :

رياح شباط الباردة ما تزال تجوس الازقّة ، وها هو آخر الأوصياء في التاريخ .. يخطو باتجاه الرحيل .. ليالي رمضان تتألق

(1) آخر خطابات أمير المؤمنين عليه السلام .

(2) اشارة إلى الفقرة الأخيرة من الخطاب .

(3) بدأت الاستعدادات الحربية للعودة إلى صفين .. وتحركت الفرق العسكرية باتجاه « النخيلة » منطقة التحشّد .. حيث غادر الحسين عليه السلام الكوفة على رأس عشرة آلاف مقاتل ، وأعقبه قيس بن سعد على رأس عشرة آلاف ، وتلاهما أبو أيّوب الانصاري على عشرة آلاف مقاتل أيضاً .


274

بنور عجيب لا تستمده من صوء العمر .. والاسحار تزخر بالنجوم كقلوب واهنة تنبض من بعيد .. تراقب من أغوارها السحيقة انساناً يحمل ميراث الأنبياء .

الرجال الذي طهّرته السماء ، يمضي لياليه الأخيرة في بيوت ابنائه وبناته .. خاوي البطن (1) ، لا يفطر إلا على كسيرات من خبز .. الجسد البشري يذوب تحت وهج الروح العظيم ...

الخميس 18 رمضان 20 هـ

أفلت شمس الخميس سريعاً كطبعها في أيام شباط .. نسائم باردة تهبّ من ناحية الشمال تبشر بليالي الزمهرير الطويلة ؛ وكان الافق الغربي شاحباً فكأنه يعلن عن غدٍ غائم .

السحر ظلمات يتراكم بعضها فوق بعض .. والنجوم تشتد سطوعاً في سماء غارقة في الليل ..

الإمام جالس في المحراب ، قد أوهنه السهر والانتظار .. هوّمت عيناه .. ليلج عالماً آخر .. عالماً شفافاً .. تدفق شلال من نور محمد .. اضاءت روحه المترعة بالحزن ابتسامة آخر الأنبياء .. حبيب الله .. خفّ علي للقاء الحبيب يشكو إليه ويلات الأرض .. همس علي بأسى :

(1) كان يردد : انما هي ليال قلائل ، واحب أن يأتي أمر الله وأنا خميص .


275

ـ يا رسول الله : ماذا لقيت من امتك من الأود واللدد (1) ؟!

قال محمد صلى الله عليه وآله وسلّم لأخيه :

ـ ادع عليهم !

ووجد علي نفسه يتضرّع إلى السماء يشكوها ظلم الأمّة :

ـ أبدلني الله بهم خيراً منهم ، وأبدلهم بي شرّاً لهم مني .

لقد استشرى الانحراف في روح الأمّة وباتت الأشياء تُرى بالمقلوب ن ومن هنا كانت محنة علي ، وهو يشق طريقه على هدى محمد صلى الله عليه وآله وسلّم في درب قلّ سالكوه فاذا هو بين فريقين احدهما يكْفر به ويكفّره ، وآخر يعبده (2) .

اغتيال الشمس :

تطلع علي إلى السماء الزاخرة بالنجوم .. الفضاء مشحون بشيء عجيب .. لكأن السماء تمس الأرض ، أو أن الأرض تتعلق بالسماء .. هتف علي والناس نيام :

ـ انها الليلة التي وعدت فيها ! والله ما كذبت ولا كُذبت .. الظلمة تتكاثف الفجر ما يزال يمزق حجب الظلام .. وعلي يتخطى باحة المنزل وقد ولّى وجهه شطر المسجد الأعظم .. صاح الوزّ ..

(1) الاعوجاج والخصام .

(2) تصدّى الإمام بحزم إلى الذين جعلوه الهاً ، من دون الله ! انه الجنون البشري الذي لم يتحمل وجود الإنسان المثال فرفعه إلى مصاف الاله !


276

كأنه يطلق استغاثة أو يحذّر من المجهول ؛ تمتم علي :

ـ صوائح تتبعها نوائح ..

ومضى علي يشق طريقه في ظلمة الفجر .. ازفت لحظة الرحيل .. هناك في زاوية من المسجد سيف مسموم .. سيف يشبه ثعباناً منتفخاً بالسم ..

هتف امير المؤمنين ليوقظ النيام :

ـ الصلاة ! الصلاة ! عباد الله !

تحرك الثعبان .. تلوّى .. ظهر صوت يشبه فحيح الافاعي .. صوت ابليس وهو ينفخ .. صفير موحش وبريق مخيف .. وسيف جبان يهوي باتجاه وجه ما سجد لغير الله .. وتفجرت الآلام وهتف علي وقد هوى في المحراب : وقد غمرت وجهه ولحيته الدماء :

فزت وربّ الكعبة .. وظهر ابليس ينظر بحقد إلى آدم وقد اجتباه ربّه .. وبدا قابيل يتشظى غيظاً وهو يرى قربان اخيه ترفعه السماء .. فسوّلت له نفسه قتل اخيه فقتله . فاظلمت الأرض وهبت عاصفة الزمهرير ..

انطفأت قناديل المسجد .. انكفأت الشموع .. وفرّ الربيع وبدا محراب المسجد الأعظم خاوياً تغمره ظلمة مخيفة .. وعلي في منزلة يذوب جسده تحت وهج الروح وهي تتأهب للرحيل ..


277

همسات قبل الرحيل :

رغم كل الضجيج والصخب الذي ضجّت به تلك الحقبه من الزمن .. حيث عربدة الخنازير ، وصخب الشهوات .. وحمّى اللذائذ .. ولكن علي كان يصغي إلى نداءات الرحيل ها هو علي كان يصغي إلى نداءات قادمة من بعيد .. انها نداءات الرحيل ها هو علي يفلسف الحياة .. يفضح كل بهارج الدنيا بكلمتين :

ـ الرحيل وشيك (1) ..

حتى ان المرء ليحسّ سرعة الرحيل .. من ايقاع الكلمة لكأنها سهم يخطف قرب الأذن .. لا تشعر به ولا تسجل سوى صوت قصير .. قصير للغاية ..

وها هو ينادي شهود عصره :

ـ تجهزوا رحمكم الله ! فقد نودي فيكم بالرحيل !.

لقد عاش علي غريباً في عصره .. لم تكن غربته غربة وطن لقد فقد احبّته .. انه يحنّ اليهم يتمنى لقياهم .. فيقول :

ـ فقد الاحبّة غربة ..

كلمات تنضح حزناً وأسّى ولوعة ..

(1) نهج البلاغة : 187 .


278

وعاش علي يحارب الشرور .. انه يعرف كيف يكافحها .. يعرف أن ميدانها الأول في اعماق النفس الإنسانية .. لهذا تراه يهمس بصوت هادئ :

ـ احصد الشرّ من صدر غيرك بقلعة من صدرك ..

وعلي يكشف للإنسانية مأساة العقل البشري أنها تكمن في الاطماع .. وها هي العقول تتساقط أمام الاطماع .. عندما تتحول الطموحات الرخيصة إلى صواعق تنقض على العقول فتطفئ فيها وهجها المساوي فيقول :

ـ اكثر مصارع العقول تحت بورق المطامع .

ويقول :

ـ الطمع رقّ مؤبد ..

ويقول :

ـ الطامع في وثاق الذلّ .

ويلتفت إلى رفاقه وقد مرّ بمزبلة فيقول :

ـ هذا ما كنتم تتنافسون فيه بالأمس ..

ـ وهذا ما بخل به الباخلون .

وعلي يرسم الطريق لمن يريد أن يحيا كريماً فيهمس في الأذان الواعية :

ـ من أشرف اعمال الكريم غفلته عمّا يعلم .


279

ويعلن رأيه في الثراء الحقيقي قائلاً :

كفى بالقناعة مُلكاً ، وبحسن الخلق نعيماً .

وعلي يرفع لواء الرحيل لأن :

ـ الدنيا دار ممرّ لا دار مقرّ ..

والمجد لمن وعى كلمات علي .. فوهب لنفسه الحرّية .

وعلي يثير اسئلة الإنسان حول ظاهرة محيّرة .. عندما يسكت الإنسان يفقد قدرته على النطق والتعبير ؛ ويسكت خاشعاً في حضرة الموت ... عندما يجلس الكائن البشري ، وقد استسلم بذلّ ؛ يتساءل علي وهو يخاطب الإنسان :

ـ هل تحسّ به إذ دخل منزلاً ؟ أم هل تراه إذا توفّى احداً ؟ بل كيف يتوفّى الجنين في بطن امّه ؟! .. أيلج عليه من بعض جوارحها ؟ أم الروح اجابته باذن ربّها ؟! .. أم هو ساكن معه في احشائها ؟! ..

وينظر علي إلى السماء فتمتليء روحه اجلالاً للواحد القهّار فيقول :

ـ كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مِثْله ؟!

وستبقى لحظة الموت ميعاد وموعداً .. لغزاً يحيّر الإنسان .

وستبقى النفس البشرية عاجزة عن اكتشاف ذلك المجهول وقد قال خالق النفس وبارئ الروح : « وما تدري النفس ماذا تكسب غداً


280

وما تدري نفس بأي أرض تموت » .

وها هو علي يخاطب الإنسانية جمعاء :

ـ «ايها الناس ! كل امرئ لاقٍ ما يفرّ منه في فراره . الأجل مساق النفس ؛ والهرب منه موافاته ... » .

كلما امعن الإنسان في فراره من الموت كلما اسرع في خطاه نحو معانقة ما يفرّ منه .. حتى لو اخفى نفسه في البروج المشيّدة .

فيقول علي :

ـ كم اطردتُ الأيام ابحثها عن مكنون هذا الأمر ، فأبى الله إلا اخفاءه ! هيهات ! علم مخزون !

وياتفت علي إلى الذين تحلّقوا حوله .. وقد أوشك على الرحيل فيقول :

أنا بالأمس صاحبكم ، وأنا اليوم عبرة لكم ؛ وغداً مفارقكم ..

لقد انتهى كل شيء وسوف يرحل آخر الأوصياء في التاريخ ، مازال يتكلم فتتدفق ينابيع الحكمة ويلخص وجوده قائلاً :

ـ وأنا كنتُ جاراً جاوركم بدني أياماً ..

وستعقبون مني جُثّة خلاء ..

ساكنة بعد حراك ..

وصامتة بعد نطق ..

ليعظم هدوِّي وخفوت اطراقي .. وسكون اطرافي ..


281

وستكتشف الإنسانية علياً بعد رحيله .. وهو يعرف ذلك فيهتف عالياً :

ـ غداً ترون أيامي ويكشف لكم عن سرائري .. وتعرفونني بعد خلوّ مكاني .. وقيام غيري مقامي ..

حديث مع الأجيال :

رياح شباط تهبّ مجنونة .. تنخر في العظام تبشر بالويل والثبور .. الامام يتأهب للرحيل .. لقد مضى عهد السلام ..

اجرى الطبيب فحوصاته .. لقد استشرى السم .. وأمير المؤمنين مهدّد بالموت بين لحظة وأخرى .. الروح العظيم يتوهج .. فيذوب الجسد الآدمي .. والجبين الذي لا مس الشمس ينضح عرقاً .. الشمس تهوي في هوّة الأفول .. رمق علي ولديه .. سبطي محمد وريحانتيه من الدنيا ..

علي يتحدث يوصي الأجيال وقد توقف التاريخ يصغي لميراث آخر الأوصياء :

ـ اوصيكما بتقوى الله ! والا تبغيا الدنيا وأن بغتكما ..

ولا تحزنا على سيء منها زوي عنكما .. وقولا بالحق .. واعملا للأجر ..

وكونها للظالم خصماً وللمظلوم عونا ..


282

وهنا نهمس في أذن الأجيال القادمة فيقول :

ـ أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ..

ومن بلغه كتابي ..

بتقوى الله .. ونظم امركم .. وصلاح ذات بينكم .. فأني سمعت جدّكما صلى الله عليه وآله وسلّم يقول : « صلاح ذات البين افضل من عامّة الصلاة الصيام » . ثم يتدفق النبع الإنساني الذي يبني العالم الأخضر :

ـ « والله .. الله في الايتام فلا تفبّوا افواههم .. ولا يضيعوا بحضرتكم .. والله الله في جيرانكم .. فانهم وصيّة نبيكم مازال يوصي بهم حتى ظننا انه سيورّثهم ..

والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم ..

والله الله في الصلاة فاننا عمود دينكم ..

والله الله في بيت ربّكم لا تخلوه ما بقيتم فانّه ان ترك لم تناظروا ..

والله والله في الجهاد باموالكم وانفسكم والسنتكم في سبيل الله ..

وعليكم بالتواصل والتباذل : واياكم والتدابر والتقاطع ... لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم .. ثم تدعون فلا يستجاب لكم ...

وهنا يوجه الإمام خطابه إلى بني عبد المطلب حتى لا يصنعوا


283

من ثيابه الملوّنه بدم الشهادة قميصاً آخر فيقول :

ـ « يا بني عبد المطلب لا الفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضاً تقولون : « قتل امير المؤمنين .. ألا لا تقتلن بي إلا قاتلي .. » .

وهو يريد أن يغلق إلى الأبد ملف الحادثة :

ـ انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه ، فاضربوه ضربة بضربة .. ولا تمثلوا بالرجل .. فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول : « اياكم والمثلة ولو بالكلب العقور » .

وسكت علي .. ليتحدّث فيما بعد بلغة الصمت .. ليبقى قبره المجهول عشرات السنين (1) يرسم علامة استفهام كبرى على العود المظلمة التي تلت اغتيال الشمس .

نبوءات الزمن القادم :

وعلي يستشرف صفحات الغد القادم .. ويرى الآفاق البعيدة : ويلات الحروب .. وامواج الفتن .. وعواصف الزمهرير :

* سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء اخفى من الحق .. ولا اظهر من الباطل .. ولا اكثر من الكذب على الله ورسوله .. وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته .. ولا انفق منه إذا حرّف عن مواضعه .. ولا في البلاد

(1) ظل قبر الإمام مجهولاً حوالي قرن ونصف .


284

شيء انكر من المعروف ، ولا أعرف من المنكر ..

فالكتاب وأهله في ذلك الزمان في الناس وليسا فيهم ..

ومعهم وليسا معهم ..

لان الضلالة لا توافق الهدى ، وان اجتمعا .. فاجتمع القوم على الفرقة وافترقوا على الجماعة .. كأنهم أئمة الكتاب ، وليس الكتاب امامهم .. فلم يبق عندهم منه إلا اسمه ..

* ويبشّر الإمام بعواصف الزمهرير التي ستهبّ من الشام بعد حين فيقول : « اما انه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم .. مندحق البطن .. يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد .. فاقتلوه ، ولن تقتلوه ! .. ألا وانّه سيأمركم بسبّي والبراءة مِنّي ، فامّا السبّ فسبّوني فانه لي زكاة ، ولكم نجاة ، وأما البراءةُ فلا تتبرّأوا مني ، فاني ولدت على الفطرة ، وسبقت إلى الايمان والهجرة » .

* سوف يبدأ زمن السقوط والانحطاط عندما ينقض اعداء الإسلام القدامى على دين الله الحق .. وتبدأ الحقبة الأموية المظلمة : « والله لا يزالون حتى لا يدعوا محرّماً إلا استحلّوه ، ولا عقداً إلا حلّوه » ، وستعمّ المأساة المدن والبوادي :

« حتى لا يبقى بيتُ مَدَر ولا وَبَر إلا دخله ظلمهم » .

وسيبدأ زمن البكاء :

« وحتى يقوم الباكيان يبكيان : باك يبكي لدينه ، وباك


285

يبكي لدنياه » .

* وسيبدأ زمن الويلات ، عندما تشتعل الحروب المدمّرة ، وها هي البصرة (1) تحترق في أتون المعارك : وستمّلئ الأهوار بالجماجم :

ـ يا احنف كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب ولا قعقعة لجم ، ولا حمحمة خيل يثيرون الأرض بأقدامهم ، كأنهم اقدام النعام ..

وسوف تتهدّم البيوت وتخرّ سقوف المنازل :

ـ ويل لسككم العامرة والدور المزخرفة .. التي لها اجنحة كأجنحة النسور وخراطيم كخراطيم الفيلة .. من أولئك الذين لا يندب قتيلهم ، ولا يفقد غائبهم .. انا كابّ الدنيا لوجهها ، وقادرها وبقدرها ، وناظرها بعينها ..

وها هي القوام في آسيا الصغرى تترك مراعيها لتجتاح بلاد الإسلام :

ـ كأني أراهم قوماً وجوههم المجانّ المطرّقة .. يلبسون

(1) في عام 255 هـ اندلعت ثورة الزنوج في البصرة ، وكان هؤلاء قد جلبوا من شرق افريقيا لاستصلاح الاراضي الزراعية في الأهوار جنوب العراق ، وقد استمرت ثورتهم حتى سنة 270 وخلال هذه الفترة التي تمتد إلى 15 عاماً وقعت عشرات المذابح وراح ضحيتها مئات الآلاف من الناس .


286

الرق والديباج ، ويعتقبون الخيل العتاق ، ويكون هناك استحرار قتل .. حتى يمشي المجروح على المقتول ، ويكون المفلت أقلّ من المأسور !

ويشعر شهود ذلك العصر بالرهبة ، وقد انكشفت أمامهم صفحات من الغد القادم .. فيقول احدهم وكان كلبيّاً :

ـ لقد اعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب !

ويبتسم علي قائلاً :

ـ يا أخا كلب ، ليس هو بعلم غيب ، انما هو تعلّمن ذي علم ، وانما علم الغيب علم الساعة ، وما عدد الله سبحانه بقوله : « ان الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي ارض تموت ..» .. فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام من ذكر أو انثى ، وقبيح أو جميل ، وسخيّ أو بخيل ، وشقيّ أو سعيد ، ومن يكون في النار حطباً أو في الجنان للنبيين مرافقاً .. فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه احد ألا الله .. وما سوى ذلك فعلم علّمه الله نبيّه فعلّمنيه ؛ ودعا لي بأن يعيه صدري وتضطمّ عليه جوانحي .

ليلة القدر :

وفي ليلة الحادي والعشرون من شهر رمضان المبارك رحل علي .. وفي الليل خرج رجال يعدّون بالاصابع يحملون


287

الجثمان العظيم ليطووا مسافة خمسة أميال خارج الكوفة .. وهناك في بقعة طاهرة جرت مراسم دفن (1) آخر الاوصياء في التاريخ .. لقد غاب علي عن دنيا الوقائع ليسطع اسمه في ضمير الأجيال .. ويبقى خالداً في وجدان الإنسانية على مرّ العصور والأيام ..

وفي تلك الليلة عرجت روح ذلك العظيم تتخطى السموات في الليلة التي توفي فيها موسى بن عمران ورُفع فيها عيسى ابن مريم (2) .

وهكذا انطفأت الشمس التي اضاءت العالم حينا من الدهر وغمرته بالنور والدفء ليبدأ زمن الزمهرير .. وتضجّ الأرض بعواء الذئاب (3) .

بحمد الله تم

30 | شعبان | 1417 هـ

(1) تذكر بعض المصادر التاريخية انه وجد لوح خشبي عليه كتابات تعود إلى لغة شعب عاش قبل الطوفان .

(2) كنز العمال 13 : 693 .

(3) قال نوف البكالي : « وعقد للحسين عليه السلام في عشرة آلاف ، ولقيس بن سعد في عشرة آلاف ولأبي أيوب الأنصاري في عشرة آلاف ، ولغيرهم على أعداد أُخر وهو يريد الرجعة إلى صفين .. عما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله ، فتراجعت العساكر ، فكنا كأغنام فقدت راعيها ، تتخطفها الذئاب من كل مكان .. » | نهج البلاغة ـ هامش الخطبة : 182 .