فهرست عناوين فهرست آيات

بحوث في الفقه المعاصر ج1

مؤلف : حسن الجواهري

فهرست عناوين
المقدمة 5
الائمة ( عليهم السلام ) ودورهم في حفظ السنة النبوية 9
1 ـ السنة النبوية 11
تمهيد : 11
تحديد السنّة : 12
حجّية السنّة النبوية : 13
اتجاهان مختلفان حول السنّة النبوية : 13
لماذا لم يكن لروايات كتاب علي ( الجامعة ) ذكر في كتب أهل السنّة ؟ 22
2 ـ الائمة : وتشريع الأحكام 26
1 ـ معنى تشريع الحكم : 27
حدود منطقة الفراغ : 29
المشرِّع هو الله سبحانه وتعالى : 29
2 ـ تفويض الأمر الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : 30
3 ـ روايات التفويض الى الائمة ( عليهم السلام ) : 32
خطأ فظيع : 35
الفرق بين الائمة : وغيرهم كأئمة المذاهب والرواة : 36
خلاصة البحث : 38
بيع التقسيط ( بيع المؤجّل أو بيع النسيئة ) 39
بيع التقسيط : 41
أهميته : 42
النقطة الاُولى : ما هو الدليل على صحة بيع النسيئة ؟ 43
مصاديق بيع النسيئة : 44
النقطة الثانية : كيف نفسر التأجيل في بيع النسيئة مع الزيادة ؟ 48
الشراء نسيئة ( مع قدرته على الشراء نقداً ) هل هو مكروه؟ 49
الفروق بين بيع النسيئة وغيره من البيوعات : 50
1 ـ هل يوجد فرق بين بيع النسيئة وبيع المرابحة للآمر بالشراء ؟ 50
2 ـ ماهو الفرق بين بيع النسيئة وبيع العينة ؟ 52
3 ـ ما هو الفرق بين بيع التقسيط والبيع الايجاري ؟ 53
تنبيه : 57
4 ـ الفرق بين بيع النسيئة والربا : 58
النتيجة من التحقيق والتحليل وبيان النظرية الإسلامية : 67
تسويغات خاطئة لصحة بيع النسيئة : ـ 67
تفسير عملية المضاربة وأخذ الربح في مقابل المال : 69
أثر الموت في حلول الأجل 73
أولا : إذا مات المدين : 74
إشكالات : 74
جواب الإشكالات : 75
ثانياً : إذا مات الدائن : 77
الدائن للميت اذا وجد عين ماله في التركة : 79
اذا كان الـدين على شخـص مـوثقـاً ( برهـن أو غيـره ) فهـل يحـل الـديـن بالمـوت ؟ 81
خصم الأوراق التجارية 87
تحليل الواقع الخارجي : 88
تحفُّظ : 93
تنبيه : 96
الفرق بين بيع الدينار بمثله في الذمة وما نحن فيه ( بيع الدين بأقل منه لشخص غير المدين ) 96
الفرق بين بيع الدينار بالدولار في الذمة وبيع الدين باقل منه بغير جنسه : 98
حط وتعجل ( ضع وتعجل ) 102
ادلة الُمحرّمين : 103
الدليل الاول ( القياس ) : 103
مناقشة القياس : 104
الروايات الدالة على صحة ( حطّ وتعجل ) 108
الدليل الثاني : ( الروايات ) 110
مناقشة هذه الروايات : 112
ما هو العمل عند تعارض الروايات في عملية حط وتعجل : 115
التداين ونظرة الإسلام اليه 120
1ـ التداين ونظرة الاسلام إليه من الناحية الاقتصادية : 121
السنهوري وما فهمه من فقه السنة ( بالنسبة لحوالة الدَين والحق ) : 124
مصطفى الزرقاء : 128
المفهوم الغربي للدّيْن : 130
الموازنة بين النظرية الاسلامية والنظرية المقابلة 132
2 ـ التداين ونظرة الاسلام اليه من الناحية الاخلاقية 136
أ ـ الدَّين بما أنه قد صدر من المدين : 137
ب ـ الدَّين اذا صدر من الدائن : 140
النظرية الغربية للتداين : 144
نظرية الذمّة في الفقه الإسلامي 148
1 ـ نظرية الذمّة عند علماء غير الشيعة : 149
2 ـ الذمّة عند فقهاء الشيعة : 154
الذمّة عند الشيخ النائيني : 157
الذمّة عند السيد الشهيد الصدر : 157
3 ـ الذمّة لا تموت بموت الانسان : 159
خصائص الذمّة : 161
ضابط الاعسار الذي يوجب الانظار 167
العسر لغة : 168
روايات الاعسار : 168
تنبيهان : 170
هل يجب على المدين المعسر ان يقتصر على ما يمسك رمقه ؟ 171
هل يجب على المدين المعسر التكسب وأن يؤاجر نفسه ؟ 172
السلم وتطبيقاته المعاصره 175
تعريف بيع السلم : 176
مشروعيته : 177
هل مشروعية السلم اصلية او استثناء ؟ 178
روايات جواز بيع المعدوم ( الخاص ) : 180
شروط صحة السلم : 184
حكمة السلم : 187
بيان انواع المعاملات التي يجوز فيها السلم : 188
بيان انواع السلع التي يجري فيها السلم : 190
مفهوم صفة التعيين في السلع التي يمتنع معها السلم : 191
الصنف الواحد والاصناف المتعددة : 193
اشتراط قبض بضاعة السلم قبل بيعها والحكمة في ذلك : 195
البحث الأول : هل يجوز بيع بضاعة السلم قبل حلول الأجل ؟ 195
البحث الثاني : هل يجوز بيع بضاعة السلم بعد حلوله وقبل قبضه ؟ 197
البيع قبل القبض عند المذاهب السُنيّة : 198
البيع قبل القبض عند الامامية : 200
هل هناك حكمة من اشتراط القبض قبل البيع ؟ 202
تنبيهات : 206
فكرة السلم الموازي : 207
الوسيلة الاولى : 208
الوسيلة الثانية ( الحوالة ) 211
الاشكال على الحوالة بدين السلم أو على دين السلم : 212
آراء بقية المذاهب في بيع المكيل والموزون قبل قبضه 216
النتيجة من البحث السابق : 219
ماذا يقوم مقام القبض ؟ 220
هل هناك تصرفات في المكيل والموزون ( السلمي أو غيره ) صحيحة قبل القبض؟ 222
عجز البائع عن تســــليم البضــاعة عند حـلول الاجـل في السـلم : ( استـبدال المسـلَم فيـه ) 228
صحة الشرط الجزائي عن تأخير تسليم البضاعة : 231
اصدار سندات سَلَم قابلة للتداول وضوابط ذلك في حال الجواز : 233
خلاصة البحث 236
بطاقات الائتمان 242
نبذة تاريخية للبطاقات المصرفية : 243
ماهي بطاقات الائتمان ؟ 244
اطراف بطاقات الائتمان : 246
اقسام بطاقات الائتمان : 247
فائدة بطاقات الائتمان : 248
الف ـ فائدة البطاقة للعميل : 249
ب ـ فائدة البطاقة للتاجر : 250
ج ـ فائدة البطاقة للبنك : 250
كيف تتم المعاملات التجارية ببطاقة الائتمان ؟ 251
تنبيه : 252
التكييف الشرعي لبطاقات الائتمان : 254
1 ـ رسم العضوية ( الاشتراك ) : 254
2 ـ رسم التجديد : 255
3 ـ رسم التجديد المبكر : 255
4 ـ رسم استبدال البطاقة عند الضياع او التلف او السرقة : 256
5 ـ اخذ البنك نسبة من ثمن البضاعة او الخدمة : 256
6 ـ فرق تحويل العملة : 269
7 ـ اجرة نقل وحفظ المال : 270
8 ـ الفائدة : 271
9 ـ اجرة استخدام الجهاز الآلي او نظام التحويل الالكتروني : 271
10 ـ اجرة الاتصالات الخارجية للحصول على تفويض : 272
تنبيه : 272
« العمليات البنكية الترغيبية » 273
1 ـ جوائز البنك : 273
2 ـ التأمين على الحياة : 274
الخصم من التاجر للعميل : 276
تنبيهات : 276
خلاصة البحث : 278
بحث في حرمة ربا القرض 282
1 ـ مع الدكتور النمر 283
العصمة للأنبياء عند الشيعة 284
النظرية في تحريم ربا القرض 290
الفرق بين العقارات وأدوات الانتاج ورأس المال : 294
المسوغ للفائدة : 295
2 ـ مع الدكتور جمال مرسي بدر 297
3 ـ مع الدكتور محمد سيد طنطاوي 301
الفرق بين الربا والمضاربة الشرعية : 302
هل ينمو الانتاج بأخذ الفائدة ؟ 306
وماذا بعد تحريم الفائدة يا مفتي الجمهورية المصرية ؟ 309
لماذا خلاف القرآن الصريح بين الحين والآخر ؟ 310
الأدلة المذكورة على حرمة ربا القرض : 310
ربا القرض والربا الجاهلي : 312
تغيير خطة البحث : 314
فقهاء الامامية : 317
ربا القرض عند الامامية : 317
الأدلة على حرمته : 318
الأدلة الاقتصادية على حرمة ربا القرض : 321
الكسب بدون عمل حرام : 324
الأثر الفطري للربا : 327
المناقصات ( عقد الاحتياط ودفع التهمة ) 333
1 ـ ما هي المناقصة ؟ 335
العلاقة بين المزايدة والمناقصة : 338
النجش : 338
اختلاف الموجب بين المزايدة والمناقصة في البيع : 339
علاقة المناقصة بالتوريد : 340
علاقة المناقصة بالمقاولة : 342
توضيح لعقود المناقصات المعاصرة : 343
2ـ انواع المناقصات : 345
اختلاف المناقصة عن البيع : 348
التكييف الشرعي للمناقصات 348
هل هناك تعارض بين صحة عقود المناقـصات والنهي عن الدخول في سوم الاخ ؟ 349
الطائفة الاولى : 349
الطائفة الثانية : 350
3 ـ الدخول في المناقصة لمن لا يمتلك السلعة أهو من المواعدة أو الاستصناع أو بيع ما ليس عند الإنسان ؟ 352
بيع ما ليس عندك : 352
بيع الكلي ( بيع ما في الذمة ) : 355
الفرق بين المواعدة والمناقصة : 357
4 ـ بيع وثائق المناقصة بالتكلفة او بأي ثمن للحصول على ربح : 358
5 ـ طلب المشتري ضماناً بنكياً : 360
لماذا خطابات الضمان ؟ 362
البحث الاول : صحة الشرط بدفع مبلغ من المال عند تخلفه عن التزاماته : 365
البحث الثاني : صحة خطاب الـضمـان اـلذي يصـدره البنـك عنـد طـلب المقـاول لصالح المستفيد : 367
هل يصح للبنك أن يأخذ عمولة على خطاب الضمان ؟ 369
6 ـ تضمين عقد المناقصة شرطاً جزائياً في حالة التأخير 372
1 ـ التنقيص من الاجرة بمقدار معين : 373
2 ـ التنقيص من الاجرة بدون تعيين : 375
3 ـ سقوط الاجرة باكملها : 375
7 ـ مدى حرية الجهة الداعية الى المناقصة في اختيار أحد من العروض او التقيد بالانقص منها ؟ 378
خلاصة البحث : 379
تغيير قيمة العملة 382
المقدمة : 383
المشاكل المتعلقة بتغيير قيمة العملة : 386
المشكلة الاُولى : 386
جواب المشكلة : 389
تنبيهات : 390
المشكلة الثانية : 395
الإستدلال بالأولويّة : 397
بحث اقتصادي ( تاريخ النقد ) 398
خروج النقد عن دوره الأصيل : 399
حلول الإسلام لمفاسد الدور الطاريء للنقد : 401
لماذا تتدهور قيمة النقد ( الورقي والذهبي ) ؟ 404
المعالجة : 405
المخاطرة تقييم خلقي : 406
تصحيح أخطاء : 406
حالات مخاطرة ألغى الشارع الكسب بها : 407
الإسلام لا يقرّ كسباً غير مرتبط بعمل مباشر أو مختزن : 409
تنبيه : 410
الخاتمة : 412
1 ـ إذا اُلغي النقد فماذا يجب على المقترض ؟ 412
2 ـ سريان المشكلة في غير القرض والبيع المؤجل ثمنه : 412
3 ـ هل يصح اقتراض القيمة الشرائيّة للنقد ؟ 414
الملحق 418
المخاطرة 419
خلاصة رأي الصدر والجواهري 423
مناقشة هذا الرأي 423
أولا ـ المخاطرةُ الأصلُ فيها أنها حلال 423
1 ـ مخاطرة القمار : 423
2 ـ المخاطرة في شركة الأبدان : 424
3 ـ المخاطرة في شركة المضاربة : 424
4 ـ المخاطرة في القرض الربوي : 425
ثانياً ـ رأينا في المخاطرة : مُنتجة ولها عائد 425
ثالثاً : علماء قدامى صحت آراؤهم في المخاطرة 426
رابعاً : معاصرون نبهوا على مسألة المخاطرة 427
توضيح لما كتبه الدكتور رفيق يونس المصري 428
ردود سريعة وايضاحات ما كتبه الدكتور « رفيق » : 431

بُحُوث

في الفِقهِ المعاصِر

الجزء الأول

تأليف حَسَن الجَواهِري


5

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الميامين.

وبعد : فقد اجتمعت لدي أبحاث فقهية كنتُ قد اشتركتُ فيها بدعوة من الأمين العام لمجلس مجمع الفقه الإسلامي بجدة ما بين 1412 هـ. ق ـ 1418 هـ. ق ( في جدة وبروناي وأبي ظبي ) ، كما قد كتبتُ ابحاثاً أخرى معاصرة للمشاركة في مجمع الفقه الإسلامي في الهند وفي الندوة الفقهية الطبية التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الدار البيضاء بالمملكة المغربية ، فكان من هذا وذاك وهذه ثروة فقهية أحببت أن يطّلع عليها الجيل المتعطش لمسائل الفقه المعاصر في الحوزات العلمية فكانت النتيجة هذين الجزئين من الابحاث الفقهية المعاصرة ، والمهم في الأمر الذي اُريد أن أنبّه عليه هو :

إنَّ أكثر هذه الأبحاث بما أنها جديدة العرض على الساحة الفقهية لم يتعرض لها أكثر فقهائنا العظام بالبحث الاستدلالي المعمّق ، ولهذا السبب اُنبّه على عدم سماحي للمؤمنين بالعمل بهذه النتائج التي انتهيت إليها في هذا الكتاب الاستدلالي لأنَّه لم يك كتاب فتوى ويجب عليهم الرجوع إلى مراجع الامة في العمل بفتاواهم ، وتبقى هذه الأبحاث الاستدلالية قابلة للمناقشة فقهياً من قبل علماء الإسلام.

كما أرجو من الإخوة العلماء الذين يجدون نقصاً في هذا الكتاب مراجعتي لإصلاحه ، فانَّ العصمة لأهلها ولا أنسى أن ارفع الثواب الذي ارتجيه من الله سبحانه وتعالى إلى سماحة والدي « آية الله الشيخ محمد تقي الجواهري » الذي اهتم وأكبّ على أن اسلك طريقته المثلى ، في طلب علوم أهل البيت ، فرج الله عنه وعن جميع المؤمنين ، والحمد لله أولا وآخراً ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. 23/محرم الحرام/1419هـ. ق

المؤلف


9

الائمة ( عليهم السلام ) ودورهم في حفظ السنة النبوية


11

1 ـ السنة النبوية

تمهيد :

بعد أن ثبت ان القرآن الكريم قد جُمع وكُتب على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كما روى ذلك عدّة من المسلمين منهم : ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل والترمذي والنسائي وابن حبّان والحاكم والبيهقي والضياء المقدسي عن ابن عباس ، وروى ذلك الطبراني وابن عساكر عن الشعبي ، كما رواه قتادة عن أنس بن مالك ، وأخرج ذلك النسائي بسند صحيح عن عبدالله بن عمر (1). وهناك عدّة أدلّة اُخرى ذُكرت لذلك تُورث القطع بأنَّ القرآن قد جمع في زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بحيث اُطلق عليه اسم الكتاب كما ورد ذلك عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في حديث الثقلين المتواتر بين الفريقين « ... إني تاركٌ فيكم الثقلين ; كتاب الله وعترتي ... ». والكتاب لا يطلق إلاّ على ما كان محفوظاً بين الدفتين ، ويكفيك التحدّي الذي كان في زمان الرسول ( صلى الله عليه وآله ) من قبل القرآن نفسه في الإتيان بمثله ، ولا يصح التّحدي إلاّ أن يكون القرآن مجموعاً متميّزاً في زمانه ( صلى الله عليه وآله ).

(1) الروايات في كتاب البيان في تفسير القرآن للامام الخوئي : ص258 ومابعدها.


12

قال تعالى : ﴿ قلْ لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (1).

أقول : بعد ان ثبت ان القرآن قد جمع في زمن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لم يبق من الشريعة مما يستوجب الحفظ والاهتمام به إلاّ السنّة النبوية الشريفة ، لأن الاكتفاء بالقرآن لا يمكّننا من أن نستنبط حكماً واحداً بكل ماله من شرائط وموانع ، حيث ان أحكام القرآن لم يرد أكثرها لبيان جميع خصوصيات ما يتصل بالحكم ، وانما هي واردة في بيان أصل التشريع كآية : ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ... (2) و آية : ﴿ ... ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع اليه سبيلا ... (3) وآية : ﴿ ... كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ... (4) وآية : ﴿ واعلموا ان ما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل... (5) وآية : ﴿ إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ... (6) ; كل هذه الآيات الواردة في أهم أحكام الشرع من صلاة وصيام وحج وخمس وزكاة لا يمكن ان نستفيد منها حكماً محدوداً اذا تجرّدنا عن تحديدات السنّة لمفاهيمها واجزائها وشرائطها وموانعها.

لهذا نرى انه لا يمكن ان يفهم معنى للاسلام بدون السنّة الشريفة ، لذا كان لحفظها الأثر الكبير في حفظ الاسلام.

تحديد السنّة :

السنّة في اللغة : الطريقة المسلوكة أو الطريقة المعتادة سواء كانت حسنة

(1) الاسراء : 88.

(2) البقرة : 43.

(3) آل عمران : 97.

(4) البقرة : 183.

(5) الانفال : 41.

(6) التوبة : 60.


13

أم سيئة.

وفي اصطلاح الفقهاء : تطلق السنّة على ما يقابل البدعة. ويراد بها كل حكم يستند الى اصول الشريعة في مقابل البدعة ، فانها تطلق على ما خالف اُصول الشريعة. وقد تطلق السنّة على المستحب والنافلة في العبادات من باب اطلاق العام على الخاص ، كما تطلق على ما واظب على فعله النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع عدم تركه بلا عذر.

وتُطلق السنّة عند الاصوليين :ـ بالاتفاق ـ على ما صدر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) من قول أو فعل أو تقرير غير ما اختصّ به ( صلى الله عليه وآله ). ويدور كلامنا في هذا المقال حول دور الائمة الاثني عشر ( عليهم السلام ) في حفظ السنّة بمفهومها عند الاصوليين.

حجّية السنّة النبوية :

من نافلة القول التأكيد على حجيّة السنة النبوية والتماس دليل لها ، لأنها ضرورة دينية أجمع عليها المسلمون ونطق بها القرآن الكريم بقوله : ﴿ ... أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ... (1) ﴿ ... وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ... (2) ﴿ وما ينطق عن الهوى. إن هو إلاّ وحيٌ يوحى (3) وقد تقدم القول منّا بانه لا يكاد يفهم معنى للاسلام بدون السنة النبوية. ثم ان العصمة الثابتة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) تقتضي أن تكون أقواله وأفعاله وتقريراته من قبيل التشريع أو موافقة للشريعة.

اتجاهان مختلفان حول السنّة النبوية :

أقول : هناك اتجاهان متفاوتان بالنسبة الى السنّة النبوية حدثا في زمن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وبعد وفاته :

(1) النساء : 59.

(2) الحشر : 7.

(3) النجم : 3 ـ 4.


14

الإتجاه الأول : ينحو لعدم الاهتمام بحفط وكتابة السنة النبوية وحتى يمنع من نشرها ، خشية ان تختلط مع القرآن الكريم وقد ادّى هذا الاتجاه الى صدور النهي عن كتابة الحديث (1) مثل ما حدّث به عبدالله بن عمر حيث قال : « كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) اُريد حفظه ، فنهتني قريش ، فقالوا إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو بشر يتكلّم في الغضب والرضا ! فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك للرسول ( صلى الله عليه وآله ) فقال : اكتب ، فوالذي نفسي بيده ما خرج منّي إلاّ حق » (2) ، كما نسبت في ذلك روايات الى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) تنهى عن كتابة الحديث.

ومن الجدير بالذكر تنبّه الخط المانع ( وهو الخط الحاكم آنذاك ) بعد قرن من الزمان الى بطلان هذا الاتجاه ! فدعوا الى كتابة الحديث وعرفوا ان القرآن لا يمكن ان يختلط مع غيره الذي لا يكون معجزا ، ولم ينقص من الاهتمام بالقرآن نتيجة كتابة الحديث. قال السيد رشيد رضا : « ونحن نجزم باننا نسينا وأضعنا من حديث نبيّنا حظّاً عظيماً لعدم كتابة علماء الصحابة كل ما سمعوه » (3).

الإتجاه الثاني : وهناك اتجاه آخر حَفِظَ السنّة وكتبها ونشرها وتوارثها وأمر المسلمين بكتابتها. وهذا الاتجاه قام به الامام علي ( عليه السلام ) ومَنْ بعده من أئمة أهل البيت الذين صرّحوا بأنّ ما يقولونه هو عبارة عن السنّة النبوية التي كانت محفوظة عندهم بأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ). وإليك نموذجاً من الأدلة على ذلك من

(1) كتاب الغدير ، للعلاّمة الأميني : ج6 ، ص294 ـ 295 نقلاً عن تاريخ ابن كثير ج8 ، ص107 ، الروايات في كتاب تنوير الحوالك ، للسيوطي : ج1 ، ص4 و مستدرك الصحيحين ، للحاكم : ج1 ، ص102 ، وراجع تذكرة الحفّاظ : ج1 ، ص7.

(2) المدخل للفقه الاسلامي ، لمحمد سلام مذكور : ص184 ، نقلاً عن ابن عبدالبر في جامعه وابي داود في سننه ، والحاكم وغيرهم.

(3) تفسير القرآن ، للامام محمد عبده والسيد رشيد رضا : ج6 ، ص288.


15

الروايات التي تواترت في هذا الأمر المهم :

أوّلاً : ما ذكره في كتاب الكافي عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمد عن علي بن أبي حمزة عن ابي بصير قال : « قلت للامام الصادق ( عليه السلام ) : الحديث أسمعهُ منك أرويه عن أبيك ، أو أسمعهُ من أبيك أرويه عنك ؟ قال ( عليه السلام ) : سواء إلاّ انك ترويه عن أبي أحبُّ اليَّ » (1).

ثانياً : ما رواه في الكافي عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمد عن عمر بن عبدالعزيز عن هشام بن سالم وحماد بن عثمان وغيره قالوا : « سمعنا الامام الصادق ( عليه السلام ) يقول : حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي حديث الحسين ، وحديث الحسين حديث الحسن ، وحديث الحسن حديث أميرالمؤمنين ، وحديث أميرالمؤمنين حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وحديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قول الله عزّوجلّ » (2)

ثالثاً : ما رواه في المجالس عن الحسين بن أحمد بن ادريس عن أبيه عن محمد بن أحمد عن محمد بن علي عن عيسى بن عبدالله عن أبيه عن آبائه عن علي ( عليه السلام ) قال : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : اللّهم ارحم خلفائي ، قيل : يا رسول الله ومَنْ خلفاؤك ؟ قال ( صلى الله عليه وآله ) : الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي ثم يعلّمونها » (3).

(1) وسائل الشيعة : ج 18 ، باب 8 من أبواب صفات القاضي ، ح11 عن الكافي.

(2) المصدر السابق : ح26.

(3) وبما ان الائمة من أهل البيت هم خلفاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالنصّ الوارد عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فهم المقصودون في هذا الحديث وهم رواة السنّة وهم الذين يعلّمونها الناس. المصدر نفسه : حديث5 ، وقد ورد الحديث عن الفقيه مرسلاً وعن المجالس مسنداً بالسند المتقدم ، وورد هذا الحديث بنفس المضمون في كتاب معاني الاخبار بسند آخر عن : صاحب معاني الاخبار عن أبيه عن علي بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلي عن اليعقوبي عن عيسى بن عبدالله العلوي عن أبيه عن جدّه عن علي ( عليه السلام ). وله أسانيد اُخرى عن الامام الرضا ( عليه السلام ) عن آبائه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ). ç


16

رابعاً : روى محمد بن محمد بن النعمان ( الشيخ المفيد ) في المجالس عن جعفر بن محمد بن قولويه عن أحمد بن محمد بن عيسى عن هارون بن مسلم عن ابن اسباط عن سيف بن عميرة عن عمروبن شمر عن جابر قال : « قلت للامام الباقر ( عليه السلام ) اذا حدثتني بحديث فاسنده لي : فقال ( عليه السلام ) : حدّثني أبي عن جدّي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن جبرئيل عن الله تبارك وتعالى ، وكلما اُحدثك بهذا الاسناد » (1)

خامساً : روى علي بن موسى بن جعفر بن طاووس في كتاب الاجازات ، قال : مما رويناه من كتاب الشيخ الحسن بن محبوب عن ابن سنان عن الامام الصادق ( عليه السلام ) ، قال : سمعته يقول : « ليس عليكم فيما سمعتم منّي أن ترووه عن أبي ( عليه السلام ) ، وليس عليكم جناح فيما سمعتم من أبي أن ترووه عني. ليس عليكم في هذا جناح » (2).

سادساً : روى علي بن موسى بن جعفر بن طاووس قال : ومما روينا من كتاب حفص بن البختري قال : « قلت للامام الصادق ( عليه السلام ) نسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعه أو من أبيك؟ فقال ( عليه السلام ) : ما سمعتَهُ منّي فاروِهِ عن أبي ، وما سمعته منّي فاروه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) » (3).

سابعاً : وروى في الكافي عن محمد بن يحيى عن عبدالله بن محمد عليّ بن الحكم عن ابان بن عثمان عن عبدالله بن أبي يعفور قال : وحدّثني الحسين بن أبي

è

(1) المصدر السابق : ح67 ، عن مجالس المفيد.

(2) المصدر السابق : ح85 عن كتاب الاجازات للسيد بن طاووس ( مخطوط ).

(3) المصدر السابق : ح86 ، عن كتاب الاجازات للسيد بن طاووس ( مخطوط ).


17

العلا انّه حضر ابن أبي يعفور في هذا المجلس، قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن اختلاف الحديث يرويه مَنْ نثق به ومنهم مَنْ لا نثق به ؟ قال ( عليه السلام ) : اذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وإلاّ فالذي جاءكم به أولى به ». وروى البرقي في المحاسن عن علي بن الحكم مثله (1). والظاهر انّ المراد من قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خصوص قوله ولو بالواسطة فلا يشمل قول غيره.

ثامناً : روى في عيون الاخبار عن أبيه ومحمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد جميعاً عن سعد بن عبدالله عن محمد بن عبدالله المسمعي عن أحمد بن الحسن الميثمي انه سأل الامام الرضا ( عليه السلام ) يوماً وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في الشيء الواحد ، فقال ( عليه السلام ) : « ... لأنّا لا نرخّص فيما لم يرخّص فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولا نأمر بخلاف ما أمر به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلاّ لعلّة خوف ضرورة ، فأما ان نستحل ما حرّم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أو نحرّم ما استحلّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلا يكون ذلك أبداً لأنّا تابعون لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مسلِّمون له كما كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تابعاً لأمر ربه مسلِّماً له. وقال الله عزوجل : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا (2).

تاسعاً : روى محمد بن الحسن بن فرّوخ الصفار القمي ( المتوفى سنة 290 هـ.ق ) قال : حدّثنا احمد بن محمد عن البرقي عن اسماعيل بن مهران عن سيف بن عميرة عن أبي المعزا عن سماعة عن أبي الحسن ( الامام الرضا ( عليه السلام ) ) ، قال : « قلت له : كل شيء تقول به في كتاب الله وسنته أو تقولون فيه برأيكم ؟ قال ( عليه السلام ) : بل

(1) المصدر السابق : باب 9 من أبواب صفات القاضي ، ح11 ، فالامام الصادق ( عليه السلام ) الذي يقول : بأنّ الميزان هو الشاهد من كتاب الله وقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فهو لم يرَ لقوله الذي ليس هو قول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أي ميزة.

(2) المصدر السابق : ح21 ، عن عيون الاخبار.


18

كل شيء نقوله في كتاب الله وسنّة نبيّه » (1).

عاشراً : روى محمد بن الحسن الصفار القمي قال : حدّثنا احمد بن محمد عن البرقي عن صفوان عن سعيد الاعرج قال : « قلت للامام الصادق ( عليه السلام ) ان من عندنا من يتفقّه ، يقولون : يرد علينا مالا نعرفه في كتاب الله ولا في السنّة نقول فيه برأينا. فقال الامام الصادق ( عليه السلام ) : كذبوا ، ليس شيء إلاّ جاء في الكتاب وجاءت فيه السنّة » (2) والظاهر أنَّ المراد بالنسبة هي سنّة النبي ( صلى الله عليه وآله ).

الحادي عشر : روى الصفار قال حدّثنا احمد بن الحسن بن علي فضّال عن أبيه عن أبي المعزا عن سماعة عن العبد الصالح ( الامام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ) ، قال : « سألته فقلت ان اُناساً من أصحابنا قد لقَوْا أباك وجدّك وسمعوا منهما الحديث ، فربما كان الشيء يبتلي به بعض أصحابنا وليس عندهم في ذلك شيء يفتيه ، وعندهم مايشبهه ، يسعهم ان يأخذوا بالقياس؟ فقال ( عليه السلام ) : إنه ليس بشيء إلاّ وقد جاء في الكتاب والسنة » (3). والظاهر ان المراد بالسنّة هي سنّة النبي ( صلى الله عليه وآله ).

الثاني عشر : روى محمد بن الحسن الصفار قال : حدّثني السندي محمد بن صفوان بن يحيى عن محمد بن حكيم عن أبيالحسن ( موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ) ، قال :« قلت له : تفقّهنا في الدين وروينا ، وربما ورد علينا رجل قد ابتلي بشيء صغير ، الذي ما عندنا فيه بعينه شيء ، وعندنا ما هو يشبه مثله ، أفنفتيه بما يشبهه؟ قال ( عليه السلام ) : لا ، وما لكم والقياس في ذلك ، هلك من هلك بالقياس. قال : قلت : جعلت فداك ، أتى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بما يكتفون به؟

(1) بصائر الدرجات : ج6 ، باب 15 ، ص301 ، ح1.

(2) المصدر السابق : ح2.

(3) المصدر السابق : ح3.


19

قال ( عليه السلام ) : اتى رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) بما استغنوا به في عهده وبما يكتفون به من بعده الى يوم القيامة. قال : قلت : ضاع منه شيء؟ قال : لا ، هو عند أهله » (1).

الثالث عشر : روى في الكافي عن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابنابيعمير عن بعض أصحابه قال : « سمعت الامام الصادق يقول : من خالف كتاب الله وسنّة محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد كفر » (2).

الرابع عشر : روى الشيخ الطوسي في أماليه وروى الصفار في بصائر الدرجات وروي في ينابيع المودة ـواللفظ للأولـ عن أحمد بن محمد بن علي الباقر ( عليه السلام ) عن آبائه قال : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعلي : اكتب ، املي عليك. قال : يا نبي الله أتخاف عليّ النسيان؟ قال ( صلى الله عليه وآله ) : لستُ أخاف عليك النسيان وقد دعوتُ الله لك ان يحفظك ولا ينسيك ، ولكن اكتب لشركائك. قال : قلتُ ومَنْ شركائي يا نبي الله؟ قال ( صلى الله عليه وآله ) : الأئمة من ولدك; بهم تُسقى اُمّتي الغيث ، وبهم يستجاب دعاؤهم ، وبهم يصرف الله عنهم البلاء ، وبهم تنزّل الرحمة من السماء. وأومأ الى الحسن ( عليه السلام ) وقال : هذا أولهم ، وأومأ الى الحسين ( عليه السلام ) وقال : الأئمة من ولده » (3).

إذن كَتَبَ علي لشركائه وهم الأئمة من ولده ، فما يقولونه عن رسولالله ( صلى الله عليه وآله ). وقد وردت روايات كثيرة في شأن الصحيفة التي أملاها رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) على عليّ ( عليه السلام ) وقد خطها عليّ بيده وتوارثها الائمة ( عليهم السلام ) ، وهذه الروايات فيها تفصيل لما

(1) بصائر الدرجات : ج6 ، باب 15 ، ح4 ، فاذا كان رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) قد أتى بما يستغني به المسلمون الى يوم القيامة ، ولم يفقد منه شيء ، وهو عند أهله الذين لا يقيسون ، وهم الأئمة ( عليهم السلام ) ، اذن ما يقولونه هو عن رسولالله ( صلى الله عليه وآله ).

(2) وسائل الشيعة : ج18 ، باب 9 من صفات القاضي ، ح16 ، ولا يضرّ ارسال ابنابيعمير عن بعض اصحابه لشهادة الشيخ الطوسي بانه لا يُرسل الاّ عن ثقة.

(3) أمالي الشيخ الطوسي : ج2 ، ص56 ، ط النجف 1384 هـ


20

ذكر في إملاء رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) لعليّ ( عليه السلام ) ، إذ فيها « كل حلال وحرام حتى أرش الخدش ».

منها : ما رواه الصفار قال : حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن حمران عن سليمان بن خالد قال : « سمعت الامام الصادق ( عليه السلام ) يقول : إنّ عندنا لصحيفة سبعين ( سبعون ) ذراعاً ، إملاء رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) وخط عليّ ( عليه السلام ) بيده ، ما من حلال ولا حرام إلاّ وهو فيها حتى ارش الخدش » (1).

ومنها : قال النجاشي : أخبرنا محمد بن جعفر قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد عن محمد بن أحمد بن الحسن ، عن عبّاد بن ثابت عن أبي مريم عبدالغفّار بن القاسم عن عذافر الصيرفي قال : « كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر ( عليه السلام ) ( الامام الباقر ) فجعل يسأله ، وكان أبوجعفر له مكرِماً ، فاختلفا في شيء ، فقال أبوجعفر : يا بنيّ قم فأخرِج كتاب عليّ ، فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً ، ففتحه وجعل ينظر فيه حتى أخرج المسألة ، فقال ابوجعفر : هذا خطّ عليّ ( عليه السلام ) وإملاء رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأقبل على الحكم وقال : يا أبامحمد اذهب أنت وسلمة وابوالمقداد حيث شئتم يميناً وشمالاً ، فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل ( عليه السلام ) » (2). وقد عبّر عن هذه الصحيفة في بعض الروايات بالجامعة ; فقد روى الصفار عن أبان بن عثمان عن علي بن الحسين ( زين العابدين ) ( عليه السلام ) عن الامام الحسين بن علي ( عليه السلام ) قال : « ان عبدالله بن الحسن يزعم انه ليس عنده من العلم إلاّ ما عند الناس ، فقال ( عليه السلام ) : صدق ـ والله ـ عبدالله ابن الحسن ، ما عنده من العلم إلاّ ما عند الناس ، ولكن عندنا ـ والله ـ

(1) بصائر الدرجات ج3 : 142 ، باب 12 ، الاحاديث 24 حديثاً فراجع.

(2) رجال النجاشي : ص255 ، ترجمة محمد بن عذافر.


21

الجامعة فيها الحلال والحرام ... كيف يصنع عبدالله إذا جاء الناس من كل اُفق ويسألونه؟ » (1).

الخامس عشر : روي في كتاب الاختصاص عن حمزة بن يعلى عن احمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر عن الامام الباقر ( عليه السلام ) قال : « يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين ، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) كما يكنز هؤلاء ذهبهم وورقهم » (2).

الخلاصة : ان كثيراً من الروايات المتقدمة مختلفة من ناحية السند في تمام الطبقات ، كما ان بعضها عن الامام الصادق وبعضها عن الامام الباقر وبعضها عن الامام الرضا وبعضها عن الامام الحسين ( عليهم السلام ) ، وبعضها عن رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) ; فهي تورث القطع بمضمونها الذي يقول : « ان كل ما يقوله الائمة هو عن رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) ; إما قد كُتِبَ عندهم بواسطة الكتب التي ورثوها عن آبائهم ، أو تعلّموه من آبائهم ورووه الى الناس لأجل ان تتضح معالم الشريعة المستفادة من القرآن الكريم وسنّة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ». واذا كان حديث كل إمام من الائمة الاثنيعشر ، هو عن آبائه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حسب الروايات المتقدمة فيجب التسليم لهذه الاحاديث والأخذ بها ، ولذا قال ( الامام ) أحمد وهو يعلّق على حديث الامام الرضا ( عليه السلام ) عن آبائه حين مرَّ بنيسابور : « لو قرأتُ هذا الاسناد على مجنون لبرىء من جنته ».

ومن هذا الذي تقدم نفهم ان خطّ أهلالبيت قد تحمل العبء الثقيل في نشر سنّة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وحفظها من الضياع في مقابل الخط الآخر ، الذي كان يرى في حفظ أو نشر السنّة النبوية اختلاط القرآن بغيره ، فصدرت النواهي عن كتابة الحديث النبوي أو نشره بين الاُمة.

(1) بصائر الدرجات ج3 : ص147 ، باب 14 ، ح19.

(2) بحار الانوار : ج 26 : ص28.


22

لماذا لم يكن لروايات كتاب علي ( الجامعة ) ذكر في كتب أهل السنّة ؟

وقد يتساءَل المتسائل المنصف عن علّة عدم وجود أثر للروايات التي ترويها الشيعة ( وهي متواترة ) عن كتاب علي ( عليه السلام ) الذي كتبه بيده بإملاء رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) والذي فيه كل حلال وحرام الى يوم القيامة ، بل وجد ما يخالف هذه الروايات وينفيها ويثبت كتاباً لعلي ( عليه السلام ) صغيراً موجوداً في ذؤابة سيفه قد املاه عليه رسولالله ( صلى الله عليه وآله ). وقد ذكر هذه الروايات النافية لكتاب علي ( الجامعة ) كل من البخاري ومسلم وذكرت ايضاً في مسند أحمد وفي سنن البيهقي وسنن النسائي. واليك خلاصتها كما في البخاري بحاشية السندي :

1 ـ قال البخاري : حدّثنا محمد بن سلام قال اخبرنا وكيع عن سفيان عن مطرف عن الشعبي عن أبي حجيفة ، قال : « قلت لعلي : هل عندكم كتابٌ؟ قال : لا ، إلاّ كتاب الله ، أو فهمٌ اُعطيَهُ رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة. قال : قلت فما في هذه الصحيفة؟ قال : العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلمٌ بكافر » (1).

2 ـ قال البخاري : حدّثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن الاعمش عن ابراهيم التيمي عن أبيه عن علي ( رضي الله عنه ) قال : « ما كتبنا عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) الاّ القرآن وما في هذه الصحيفة. قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) المدينة حرام ما بين عائر الى كذا ، فمن أحدث حدثاً أو آوى مُحدِثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف. وذمة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ، ومن والى قوماً بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل » (2).

(1) صحيح البخاري : ج1 ، ص31 ـ 32 ، باب كتابة العلم.

(2) المصدر السابق : ج2 ، ص205 ، باب إثم من عاهد ثم غدر.


23

3 ـ وروى البخاري : قال : حدّثنا صدقة بن الفضل أخبرنا ابن عيينة حدّثنا مطرف قال سمعت الشعبي قال سمعت أبا جحيفة قال : « سألت عليّاً ( رضي الله عنه ) : هل عندكم شيء ما ليس في القرآن؟ ( وقال مرة ماليس عند الناس؟ ). قال : والذي فلق الحبّ وبرأ النسمة ما عندنا إلاّ ما في القرآن الا فهماً يُعطى رجل في كتابه وما في الصحيفة. قلت : وما في الصحيفة؟ قال : العقل وفكاك الأسير وان لا يقتل مسلم بكافر » (1).

4 ـ وروى البخاري : قال : حدّثنا عمر بن حفص بن غياث حدّثنا أبي حدّثنا الأعمش حدثني ابراهيم التيمي حدّثني أبي قال : « خطبنا علي ( رضي الله عنه ) على منبر من آجر وعليه سيف فيه صحيفة معلّقة ، فقال : والله ما عندنا من كتاب يُقرأ إلاّ كتاب الله وما في هذه الصحيفة فنشرها ، فاذا فيها اسنان الابل ، واذا فيها : المدينة حرم من عير الى كذا فمن أحدث فيها حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. واذا فيها : ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. واذا فيها : مَنْ والى قوماً بغير اذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً » (2).

5 ـ وفي مسند أحمد : ـ الذي بهامشه منتخب كنز العمال ـ يقول : حدّثنا عبدالله حدّثني ابي حدّثنا هاشم بن القاسم حدّثنا شريك عن مخارق عن طارق بن شهاب قال : شهدت عليّاً يقول : « ... والله ما عندنا من كتاب يقرأ إلاّ كتاب الله وما في هذه الصحيفة ... » (3). وفي حدود تتبعي في كتاب البخاري ومسند أحمد وسنن النسائي وسنن ابن ماجة وسنن البيهقي ، فقد رأيت كل الروايات ترجع الى ثلاثة أسناد :

(1) المصدر السابق : ج4 ، ص192 و 194 ، باب العاقلة.

(2) المصدر السابق : ص260.

(3) مسند أحمد : ج1 : ص100.


24

السند الأول : الذي يكون عن مطرف عن الشعبي عن ابيجحيفة.

السند الثاني : الأعمش عن ابراهيم التيمي عن أبيه.

السند الثالث : عن شريك عن مخارق عن طارق بن شهاب.

ولكن السند الاول والثاني فيهما سفيان فهما رواية واحدة لها اسناد متعددة فلا تخرج عن الخبر الواحد. ورواية الامام احمد هي رواية ثانية لأنَّ سندها يختلف عمّا سبقها ، وفي هاتين الروايتين من لم يوثَّق أو مجهول فلا تصلح لأن تكون حجّة; فأبو جحيفة وهو وهب بن عبدالله السوالي لم يوثّق في الكتب التي رجعت اليها وكذا الشعبي الذي هو عامر بن شرحبيل رغم عدِّه من الفقهاء ، واما ابراهيم التيمي فهو لم يذكر في كتب الرجال التي رجعت اليها ، وكذا لم يوثق كل من شريك وطارق بن شهاب ، ولم أجد لمخارق ذكراً في الكتب التي رجعت اليها ايضاً. ومع هذا فقد يدور في الذهن عدم صحة الروايات المتقدمة في وجود كتاب لعلّي فيه كل حلال وحرام الى يوم القيامة حتى ارش الخدش.

والجواب :

1 ـ بعد الاغماض عن سند الروايتين المتقدمتين اللتين فيهما من لم يوثَّق والمجهول ، فان لسانهما وأمثالهما من الروايات التي فيها يمين مغلظة على النفي يدلّ على انّ هناك حديثاً حول كتاب خُصّ به علي ( فيه أحكام الدين وقواعده ) دون بقية المسلمين وكان مشهوراً ، الأمر الذي دعا بعض المسلمين الى السؤال عن هذا الكتاب ( الجامعة ) فنفى هذه الروايات باليمين المغلّظة.

انظر الى اليمين : « والله ما عندنا من كتاب يُقرأ إلاّ كتاب الله وما في هذه الصحيفة ... » « والذي فلق الحبّ وبرأ النسمة ما عندنا إلاّ ما في القرآن ... وما في الصحيفة ... » وفي رواية : « من زعم ان عندنا شيء نقرؤه إلاّ كتاب الله وهذه الصحيفة فقد كذب » ،


25

وانظر الى السؤال عن أبيجحيفة « هل عندكم كتابٌ؟ قال : لا » فهو يدلّ على وجود حديث حول كتاب قد خُصّ به علي ( عليه السلام ). وحينئذ يتوجه السؤال لمن روَوْا هذه الروايات فقط فيقال لهم : ما هي تلك الروايات التي اشتهرت أو دار الحديث حولها؟ لماذا لم تذكروا تلك الروايات التياشتهرت أو دار الحديث حولها؟ لماذا لم تذكروا تلك الروايات التي يُدّعى انّعليّاً ( عليه السلام ) قد كذبها في هذه الروايات كما يدّعي شرّاح الروايات من أبناء السُّنة

2 ـ ثم لو تنزلنا عمّا تقدم ، يكون أمامَنا طائفتان من الروايات :

الأولى : تزعم انّ هناك كتاباً خُصّ به علي والائمة من ولده دون بقية الناس ( وهي متواترة كما تقدم ).

الثانية : تزعم نفي ذلك. فما علينا إلاّ أن نقول : إن الروايات المتواترة توجب علماً بالصدور عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بخلاف الروايات غير المتواترة فانها لا توجب علماً بالصدور وحينئذ يتعيّن الأخذ بالعلم وترك غير العلم عند التعارض.

اما عدم ذكر الروايات المتواترة في كتب بعض المسلمين ( أهلالسنّة ) فهو لا يدل على عدم صدورها ولا يقلل من العلم الحاصل من التواتر.

3 ـ واما سرّ ترك كتب السنّة للروايات المتواترة ( التي تصرّح بوجود كتاب خصّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) به عليّاً دون بقية الناس فيه كل حلال وحرام الى يوم القيامة ) فهو الجوّ الحاكم في ذلك الوقت الذي كان ضدّ أهلالبيت وضدّ عليّ بحيث جعل سبّ عليّ سُنّة تعبّد بها الناس والتزم بها الخطباء وأهل المنابر أكثر من أربعين سنة ، فكُتمت فضائل أهلالبيت وعليّ ووضعت فضائل لغيرهم ممن تسلّم الحكم من قبل مَنْ يهوى الاُمويين والعباسيين. وهذا الجوّ الذي ساد في ذلك الزمان أوجب ان توضع روايات لتغيير ما كان مسموعاً ومألوفاً في حق أهلالبيت ( عليهم السلام ) وتبعدهم عن الساحة السياسية ، كما حدث في زمان معاوية ، خصوصاً اذا علمنا ان مرحلة تدوين الحديث حصلت في تلك الاجواء المعادية لعليّ ( عليه السلام ) وأهل بيته.


26

وبهذا يتضح سرّ عدم ذكر الروايات ( القائلة بأنَّ كتاباً أملاه رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) وخطّه علي بيمينه بتفاصيلها المتقدمة ) في كتب أهل السّنة ووجدت متواترة في كتب الشيعة الامامية. والظاهر ان هذه الروايات كرواية عكرمة ومقاتل ( في شأن نزول آية التطهير ) حيث كان عكرمة ينادي في السوق (1) و يقول : « من شاء باهلته انّها نزلت في نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) خاصة » أو يقول : « ليس بالذي تذهبون اليه ، إنّما هو نِساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) » (2).

على ان هذه الروايات التي تذكر كتاب علي ( الجامعة ) لو لم تتم فرضاً فيكفينا الروايات الاُخرى الكثيرة والمتواترة ايضاً القائلة بأنَّ الائمة ( عليهم السلام ) يروون سنّة رسولالله ( صلى الله عليه وآله ) عن آبائهم عن رسولالله ( صلى الله عليه وآله ).

2 ـ الأئمة ( عليهم السلام ) وتشريع الأحكام

وبعد ان اتّضح خط أهلالبيت في حفظ السنّة النبوية ونشرها يبقى علينا ان نبحث الروايات الواردة في كون الائمة مشرّعين لنرى مدى انسجامها مع الروايات المتقدمة أو عدم انسجامها ، ولكن قبل ذلك لابدّ من بيان :

1 ـ معنى تشريع الحكم.

2 ـ تفويض الامر الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ).

3 ـ روايات التفويض الى الأئمة ( عليهم السلام ).

(1) الواحدي ، اسباب النزول : ص268.

(2) الدرّ المنثور : ج5 ، ص198. وعكرمة : خارجي معاد لعليّ ، ومقاتل : خارجي معاد لعليّ. راجع ترجمتهما في ميزان الذهبي ، وكان مقاتل يقول لأبيجعفر المنصور : « انظر ما يمكن ان اُحدثه فيك حتى احدثه ... ».


27

1 ـ معنى تشريع الحكم :

ان الاحكام الشرعية يمكن تقسيمها الى قسمين :

أ ـ الاحكام الواقعية.

ب ـ الاحكام الحكومتية.

اما الاحكام الواقعية : فهي الاحكام التي شرّعها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أو على لسان نبيّه العظيم وجاء فيها الأثر القائل : « حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرام محمّد حرام الى يوم القيامة ».

وهذه الاحكام الواقعية تنقسم الى قسمين :

أولاً : الاحكام الواقعية الأولية.

ثانياً : الاحكام الواقعية الثانوية.

اما الاحكام الواقعية الأولية : فيراد بها الاحكام المجعولة للشيء أولاً وبالذات ، أي بلا لحاظ ما يطرأ عليها من عوارض اُخر مثل وجوب الصلاة والصوم وإباحة شرب الماء وإباحة النوم في النهار وحلّية بيع الطعام وحرمة شرب الخمر بالعناوين الأولية ، وما الى ذلك من أحكام واقعية تكليفية أو وضعية.

واما الاحكام الواقعية الثانوية : فيراد بها ما يجعل للشيء من الاحكام بلحاظ ما يطرأ عليه من عناوين خاصة تقتضي تغيير الحكم الأولي; فالصوم اذا كان مضرّاً بالمكلف ينقلب حكمه الى الحرمة أو عدم الوجوب ، وشرب الماء اذا كان لإنقاذ الحياة يكون واجباً ، والنوم في النهار اذا كان فيه خيانة للجيش الاسلامي يكون محرّماً ، وشرب الخمر اذا كان لإنقاذ النفس من الموت يكون واجباً ، وهكذا أكثر الاحكام الأولية اذا طرأت عليها عناوين ثانوية تبدّل واقعها وحكمها الأولي الى حكم ثانوي. وهذه الاحكام هي أحكام شرعية واردة على موضوعاتها الأولية والثانوية ، لا تتغيّر ولا تتبدّل الى يوم القيامة. فاذا ثبت ان هناك تشريعاً من النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( كما هو ثابت ) فهو في هذه الاحكام ، وكذا ما يقال عن


28

تشريع الامام المعصوم.

أما الاحكام الحكومتية : فهي الاحكام التي ترك الاسلام مهمة ملئها الى ولي الأمر الذي يكون على رأس السلطة في الدولة الاسلامية ، سواء كان ولي الأمر هو النبي ( صلى الله عليه وآله ) أو الامام المعصوم أو الفقيه الذي تصدّى لإقامة دولة اسلامية ونجح في ذلك ، وحينئذ يقوم ولي الأمر بتنظيم أحكام تسمى بالأحكام الحكومتية ( تمييزاً لها عن الاحكام الشرعية الواقعية ) حسب المصلحة التي تتطلبها الدولة أو المجتمع الاسلامي في كل زمان. وهذه الاحكام :

1 ـ ليست لها صفة الثبوت الى الأبد ، بل هي أحكام متحرّكة مؤقتة يمكن تبديلها أو إلغاؤها حسب المصلحة التي يراها ولي الأمر ، لأنها ليست أحكاماً صدرت من ولي الأمر بما انّه مبلِّغ للاحكام العامة الثابتة ، بل صدرت من ولي الأمر بما انّه حاكم وولي على المسلمين.

2 ـ كما ان هذه الاحكام لا توجد إلاّ على أساس وجود جهاز حاكم يتولى شؤون الدولة الاسلامية ، فيمنح هذه الصلاحية في ايجاد أحكام حكومتية بما تفرضه المصالح والأهداف الاسلامية حسب الظروف التي تعيشها الدولة الاسلامية.

3 ـ وهذه الاحكام تغطي حاجة تطور علاقات الانسان بالطبيعة أو الثروة عبر الزمن والتي قد تكون مهدِّدة للعدالة الاجتماعية ان لم تكن هناك احكام متحركة يفرضها ولي الأمر; فمثلاً هناك الحكم القائل : « بأنّ من سبق الى معدن فهو أحق به » قد صدر في زمان كان النصّ فيه حكماً عادلاً ، لأن من الظلم ان يساوي بين السابق الى المعدن وغير السابق ، إلاّ أنّ قدرات الانسان السابقة في الاستفادة من المعدن كانت محدودة ، اما في زمان تكون فيه القدرات كبيرة بحيث يمكن لقلّة حرمان الآخرين من الاستفادة من المعادن الكثيرة باستخدام الآلات التقنية المتطورة للسيطرة على المعادن فقد يؤدي الأمرُ الى تزعزع العدالة الاجتماعية في


29

الدولة الاسلامية. لهذا جعل الاسلام لوليالأمر صلاحية أن يُشرِّع في منطقة الفراغ ـالتي سنحددها ـ أحكاماً حكومتية مؤقتة تمنع في العصر المتطور من تطبيق : « من سبق الى معدن فهو أحق به ». وهكذا نقول في ما شرّعه الاسلام من حرمة احتكار اُمور معينة في صدر الاسلام ( من الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والملح ) ، اما في زماننا هذا فيمكن لجماعة قد اُتيحت لها قدرة مالية معينة ان تحتكر سلعة معينة كالحديد أو الاسمنت بحيث يرتفع سعرها بما يخيّل بموازين العدالة الاجتماعية ، فيتمكن ولي الأمر أن يتدخل هنا ويمنع من احتكار الحديد أو الاسمنت ويعاقب عليه ، حتى تتمكن الدولة من تنظيم اُمور المسلمين. قال تعالى : ﴿ يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم ... (1)

حدود منطقة الفراغ :

اما حدود هذه المنطقة التي يملؤها الحاكم الشرعي ورئيس الدولة فهو الفعل المباح تشريعياً بطبيعته ، فيحق لولي الأمر اعطاؤه حكماً بالوجوب أو الحرمة ، وهذا الوجوب أو الحرمة لا يتصف بالبقاء الى يوم القيامة ، بل هو تابع للمصلحة التي يراها ولي الأمر للمجتمع ، فقد يُغيَّر بعد مدّة من الوقت أو يُرفَع حسب ما يراه الحاكم من المصلحة.

المشرِّع هو الله سبحانه وتعالى :

إن المشرِّع الأول هو الله سبحانه وتعالى ، ويكون دور النبي ( صلى الله عليه وآله ) تبليغ ما شرّعه الله ووصل اليه عن طريق الوحي الى الناس. وهذا ممّا اتفق عليه المسلمون ، وقد ذكرت ذلك الآية القرآنية القائلة : ﴿ وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى (2) ، والنطق في الآية مطلق ورد عليه النفي ، ومقتضاه نفي الهوى عن مطلق

(1) النساء : 59.

(2) النجم : 3 ـ 4.


30

نطقه ( صلى الله عليه وآله ) ولكن بقرينة خطابه للمشركين وهم يرمونه ـ في تشريعاته والقرآن الذي يقرؤه على العباد على انه من الله ـ بانه كاذب متقوّل مفتر على الله سبحانه ... الخ ، كان المراد بقرينة المقام انه ( صلى الله عليه وآله ) ما ينطق عن الهوى فيما يقول من أمر الشريعة ( القرآن والاحكام ) بل هو وحيٌّ يوحى اليه من الله سبحانه.

2 ـ تفويض الأمر الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :

هناك روايات فوّضت الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمر الخلق ليسوس الناس والاُمة بالعدل والحق ويحكم فيهم بما أراد الله سبحانه ، قال تعالى : ﴿ أطيعوا الله واطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم ... ، وفوّض الله سبحانه الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمر الدين في ناحية خاصة وفي منطقة فراغ معينة ليململأها بنفسه فملأها ( صلى الله عليه وآله ) وأقرّه الله سبحانه وتعالى على ذلك ، وقال تعالى : ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ; فمثلاً ورد انّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) سأل ربّه في ان يخفف جَعْلَ عدد الصلاة على امته ، فجعلها خمس صلوات ثم فوّض اليه أن يزيد عليها ، فزاد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأقره الله عليها. وكما ورد في حرمة الخمر : ﴿ ... انّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان ... (1) وفوّض الى النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يزيد فحرّم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كل مسكر وأقرّه الله تعالى عليه : وهذا التفويض من قبل الله سبحانه وتعالى لرسوله ( صلى الله عليه وآله ) هو في دائرة خاصة فملأها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بنفسه ; فما دلّ عليه الدليل بان الله سبحانه قد فوّض الأمر فيه الى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأقرّه على تشريعه يثبت فيه حق النبي في تشريع بعض الاحكام التي ترجع فى النهاية الى مشرِّعية الله تعالى بعد اقراره عليه.

واليك بعض الروايات الدالة على ذلك :

1 ـ صحيحة الفضيل بن يسار ، فقد روى الكليني عن علي بن ابراهيم عن

(1) المائدة : 90.


31

أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن اُذينة عن الفضيل بن يسار قال : « سمعتُ الامام الصادق ( عليه السلام ) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر (1) : انّ الله عزّوجلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه ، فلما أكمل له الأدب قال : إنّك لعلى خلق عظيم ، ثم فوّض اليه أمر الدين والاُمّة ليسوس عباده فقال عزّوجلّ : وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان مسدداً وموفّقاً مؤيّداً بروح القدس ، لا يزلُّ ولا يخطىء في شيء مما يسوس به الخلق ، فتأدب بآداب الله ، ثم انّ الله عزوجل فرض الصلاة ركعتين ركعتين ، عشر ركعات ، فأضاف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الى الركعتين ركعتين والى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهنّ إلاّ في سفر ، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر فأجاز الله عزوجلّ له ذلك كلّه ، فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة. ثم سنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) النوافل أربعاً وثلاثين ركعة مِثْلَي الفريضة ، فأجاز الله عزّوجلّ له ذلك. والفريضة والنافلة إحدى وخمسون ركعة ، منها ركعتان بعد العتمة جالساً تعدُّ بركعة مكان الوتر. وفرض الله في السنة صوم شهر رمضان ، وسنَّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) صوم شعبان وثلاثة أيّام في كل شهر مِثْلَي الفريضة ، فأجاز الله له ذلك. وحرّم الله عزّوجلّ الخمر بعينها وحرّم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) المسكر من كل شراب ، فأجاز الله له ذلك كلّه. وعاف رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أشياء وكرهها ولم ينه عنها نهي حرام إنما نهى عنها نهي إعافة وكراهة ، ثم رخصّ فيها فصار الأخذ برخصه واجباً على العباد كوجوب ما يأخذون بنهيه وعزائمه ، ولم يرخّص لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيما نهاهم عنه نهي حرام ولا فيما أمر به أمر فرض لازم ; فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه

(1) قيس الماصر : « من المتكلمين ، تَعلّمه من علي بن الحسين ( زين العابدين ) ، وصحب الصادق ( عليه السلام ) وهو من اصحاب مجلس الشامي » عن جامع الرواة ترجمة قيس بن الماصر.


32

نهي حرام لم يرخّص فيه لأحد ، ولم يرخّص رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأحد تقصير الركعتين اللتين ضمّهما الى ما فرض الله عزّوجلّ ، بل ألزمهم ذلك إلزاماً واجباً ، لم يرخّص لأحد في شيء من ذلك إلاّ للمسافر ، وليس لأحد أن يرخّص [ شيئا ] مالم يرخّصه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! فوافق أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمر الله عزّوجلّ ونهيه نهي الله عزّوجلّ ووجب على العباد التسليم له كالتسلم لله تبارك وتعالى » (1).

2 ـ عن زرارة عن الامام الباقر ( عليه السلام ) قال : « وضع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ديّة العين وديّة النفس ، وحرّم النبيذ وكل مسكر ، فقال له رجل : وضع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من غير ان يكون جاء فيه شيء ؟ قال ( عليه السلام ) نعم ليعلم من يطع الرسول ممن يعصيه » (2). وهناك روايات اُخرى تؤدي نفس المضمون المتقدم في نفس المصدر المذكور. اذن تلخص لنا ان النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

1 ـ مبلِّغ عن الله سبحانه ما شرَّعه الله للناس عن طريق الوحي.

2 ـ حاكم على الناس.

3 ـ مشرِّع لأحكام خاصة ( وهي التي فوّض الله فيها أمر التشريع الى النبي ( صلى الله عليه وآله ) في دائرة خاصة وملأها النبي ( صلى الله عليه وآله ) بنفسه وأقرّه الله عليها ).

3 ـ روايات التفويض الى الائمة ( عليهم السلام ) :

وهناك روايات تقول : ان النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد أعطى ما فوّضه الله اليه الى الائمة ( عليهم السلام ) أو إلى علي ( عليه السلام ) ، وهي عبارة عن خمس روايات أربع منها غير حجّة (3) وواحدة لها

(1) اصول الكافي : ج1 ، كتاب الحجة ، باب التفويض الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والى الائمة ، ح4.

(2) المصدر السابق : ح7.

(3) لأنّها بين مرسل أو مسند في بعض رجال سنده ضعف أو جهالة. راجع الروايات في اصول الكافي : ج1 ، ص265 ، كتاب الحجة ، باب التفويض الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والى الائمة ، تجد الرواية الاولى هي المعتبرة بسندها الثاني ، واما الرواية الثانية فضعيفة بابن أشيم ، والرواية الثامنة فيها محمد بن سنان فهي ضعيفة ، والرواية التاسعة فيها الحسن بن زياد ومحمد بن الحسن الميثمي وهما لم يوثقا ، والرواية العاشرة مرسلة.


33

سند معتبر عن الامام الباقر ( عليه السلام ) : وهي : روى الشيخ الكليني في الكافي عن عدّة من اصحابنا عن أحمد بن محمد عن ابن أبي نجران عن عاصم بن حميد عن أبي اسحاق قال : « سمعت الامام الباقر ( عليه السلام ) يقول : ان الله عزّوجلّ أدّب نبيّه على محبته ، فقال : ﴿ وانك لعلى خلق عظيم ثم فوّض اليه فقال عزّوجلّ : وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقال عزّوجلّ : مَنْ يطع الرسول فقد أطاع الله. قال : ثم قال : وإن نبي الله فوّض الى عليّ وائتمنه ، فسلّمتم وحجد الناس ، فوالله لنحبّكم ان تقولوا اذا قلنا ، وان تصمتوا اذا صمتنا ، ونحن فيما بينكم وبين الله عزّوجلّ ، ما جعل الله لأحد خيراً في خلاف أمرنا » (1) وهذه الرواية ظاهرة في إعطاء الولاية والحكومة الى الأئمة ، حيث يقول الى بعض اصحابه : « فسلّمتم وجحد الناس ». ونحن نعلم ان الذي جحده الناس هو الحكومة والولاية. اما رواية الائمة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) فلم يجحدها الناس. ثم لو تنزلنا وقلنا ان هذه الرواية مطلقة شاملة لإعطاء الولاية وحق التشريع ، فلابدّ من تخصيصها :

1 ـ بطائفة الروايات المتقدمة القائلة على لسان الائمة ( عليهم السلام ) « كل ما اُحدّثك هو عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ».

2 ـ والروايات القائلة ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أملى على عليّ وكتب لشركائه كل شيء من حلال وحرام حتى ارش الخدش ; ومعنى ذلك ان كل أحكام الاسلام قد أملاها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعليّ وشركائه ، فلا حاجة الى تشريع من قبل الائمة ( عليهم السلام ). وقد ذكر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقال : « ما من شيء يقربكم الى الجنة ويبعدكم من

(1) المصدر السابق : ح1.


34

النار إلاّ أمرتكم به ».

3 ـ والآية القرآنية التي نزلت في حجّة الوداع. ﴿ ... اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ... (1) ، فقد تم الدين في زمن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فلا حاجة الى مشرِّع بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ). وحينئذ يكون معنى روايات التفويض الى الائمة ( عليهم السلام ) ناظرة الى الحكومة وتبليغ الاحكام وحفظها. ومما يؤيد هذا هو استبعاد أن يكون امرٌ عظيم الأهمية ( كحق التشريع للائمة عليهم السلام ) ) في حياة المسلمين وفي مسيرتهم قد دلّ عليه خبر واحد ، بل لابدّ ان يكون مبيّناً بالدليل الواضح ( كالدليل على حاكميتهم في الخلافة العامة مثلاً ) الواصل بحيث لا يكون فيه غموض ولا إبهام فيكون مَنْ خالف قد خالف عن بيّنة. بقي علينا ان نجيب عن سؤال قد يوجّه الينا وهو : لماذا فوّض النبي ( صلى الله عليه وآله ) أمر الحكم والتبليغ الى الائمة ( عليهم السلام ) دون غيرهم ؟

الجواب : ان النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يفعل ذلك من تلقاء نفسه ، فيما يرجع إلى اُمور الشريعة بالانفاق لأنه ﴿ لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى ، ومع هذا نتمكن ان نجيب على ذلك من باب حكمة هذا التفويض الى الائمة دون غيرهم ، إذ نقول : يمكن ان تكون الحكمة هي عصمة (2) هؤلاء الأئمة دون غيرهم ; فهم الأجدر بتحمّل مسؤولية التبليغ لأحكام الله وحفظها من الضياع ، وهم الأجدر بحكومة الناس ـ من حيث عصمتهم من الوقوع في الخطأ أو الاشتباه أو النسيان ـ في تطبيق أحكام الله تعالى. وقد أثبت لنا التاريخ انهم الأجدر في حفظ سنّة النبي ( صلى الله عليه وآله ) حيث مُنع من كتابة وحفظ الحديث في زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبعد وفاته كما تقدم ذلك ، فان قريش ( ومَنْ تسلّم الحكم بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) قد منعوا من كتابة الحديث بحجّة

(1) المائدة : 3.

(2) الأدلة على عصمة الائمة ( عليهم السلام ) من القرآن والسنة كثيرة منها :

آية التطهير : ﴿ انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا .


35

خشية اختلاطه مع القرآن الكريم ! ولكن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والائمة من بعده هم الذين حفظوا حديث رسول الله وكتبوه وتوارثوه ونشروه كمادلّت على ذلك الروايات المتقدمة.

خطأ فظيع :

قد ينسب بعضٌ الى الامامية القول : انهم يقولون بأن الائمة ( عليهم السلام ) مشرّعون.

أقول : وهذا من الخطأ بمكان ، لأن مسألة ما يوهم تشريع الائمة للاحكام الشرعية قد ورد فيها ( كما تقدم ) اخبار آحاد لم يسلم من عدم الحجّية إلا رواية واحدة كانت ظاهرة في تفويض أمر الخلق الى الأئمة ليسوسوا الناس بالحق ، ومع التنزل وافتراض اطلاقها لتفويض أمر الدين والخلق ، فبناء على حجية خبر الواحد الثقة ( وهو الصحيح ) تمكنّا ان نجمع بين هذه الرواية وبين الروايات المتقدمة التي أوجبت القطع بكون الائمة ( عليهم السلام ) رواة وحفظة للسُّنة النبوية ، فكانت النتيجة هي : ان الائمة قد فوّض اليهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الحكم على الامة والتبليغ لأحكام الشريعة التي تمَّت زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهذا رأي نلتزم به والتزمناه وكتبناه في كتابنا الحلال والحرام في الاسلام.

وهناك من علماء الامامية من ذهب الى عدم حجيّة خبر الواحد منهم :

1 ـ نُسب الى السيد المرتضى وأتباعه بان الخبر الواحد اذا كان متواتراً أو محفوفاً بقرينة قطعية فهو حجّة ويجوز العمل به وإلا فلا.

2 ـ نُسب الى المحقق الحلّي بان الخبرالواحد إن عمل به المشهور فهو حجّة وان كان ضعيف السند ، وان لم يعمل به المشهور فليس بحجة وان كان صحيح السند.

3 ـ نُسب الى صاحب المدارك وغيره بان الخبر الواحد إن كان رجال سنده عدولاً اُخذ به وإلا فلا وان كان رجال سنده من الثقات. وحينئذ : فعلى هذه المسالك الثلاثة لا يكون الخبر الواحد بما انه خبر واحد حجّة. إذن لا يمكن ولا يصح ان ينسب الى الطائفة الامامية اعتقادها بتشريع الائمة للاحكام الشرعية


36

الواقعية ( الأولية والثانوية ) وانه أمرٌ مجمع عليه ، فان هذا من الخطأ الفظيع ، اضافة الى أنّ خبر الواحد في المسائل العقائدية ليس حجة بالاتفاق فتنبه.

الفرق بين الائمة ( عليهم السلام ) وغيرهم كأئمة المذاهب والرواة :

ذكرنا فرقاً بين الائمة من أهل البيت وغيرهم أدى توجيه اعطاء ولاية الحكم والتبليغ الى الائمة دون غيرهم بعد زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ). اما هنا فنريد بيان فرق آخر بعد التسليم بإعطاء ولاية التبليغ اليهم دون غيرهم ; إذ ليس المراد باعطاء ولاية التبليغ لهم دون غيرهم هو حرمة ان يكون المكلف مبلغاً لاحكام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن طريق نشرها بين الناس ، فان هذا أمر لا يمكن ان يلتزم به أحد ، بل المراد هو اعطاء الولاية في التبليغ لهم ( مع ضم عصمتهم التي أوجبت أو سوغت ذلك ) هو الاطمئنان بعدم امكان تطرق الريب إليهم في الرواية عن النبي ( صلى الله عليه وآله ). ولذا قال الامام أحمد وهو يعلّق على حديث الامام الرضا ( عليه السلام ) المعروف بـ « سلسلة الذهب » عن آبائه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين مرّ بنيسابور : « لو قرأتُ هذا الاسناد على مجنون لبرىء من جنته » (1). وحينئذ يكون النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد تلقى الوحي من السماء ، بينما يتلقّى الأئمة ( عليهم السلام ) ما يوحى به الى النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن طريقه ( صلى الله عليه وآله ) ، وهم منفردون بمعرفة جميع الاحكام ( كما تقدمت الروايات الدالة على ذلك ). ولذا

(1) الاصول العامة للفقه المقارن : ص181 نقلاً عن الصواعق المحرقة : ص203. وسند الحديث وأصل الحديث هو : حينما وصل الامام الرضا ( عليه السلام ) الى نيسابور وقد خرج اليه العلماء يستقبلونه ، فلما صاروا الى المربعة تعلقوا بلجام بغلته الشهباء وقالوا : يا ابن رسول الله حدّثنا بحقّ آبائك الطاهرين حديثاً عن آبائك صلوات الله عليهم أجمعين ، فأخرج رأسه من الهودج وعليه مطرف خز فقال : « حدّثني أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين سيد شباب أهل الجنّة عن أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال أخبرني جبرئيل الروح الأمين عن الله تقدست اسماؤه وجلّ وجهه : « إني أنا الله لا إله إلا انا وحدي ، عبادي فاعبدوني ، وليعلم من لقيني منكم بشهادة ان لا إله إلا الله مخلصاً بها انه دخل في حصني ، ومن دخل في حصني أمن من عذابي ... ». بحارالانوار ج49 : ص120 وما بعدها عن كتاب عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ).


37

اشتهر في زمان الخليفة عمر بن الخطاب قوله : « لولا عليّ لهلك عمر ». وقوله « معضلة وليس لها ابوالحسن » ، حينما ترد المعضلة ولا يجد الحلّ الصحيح لها. وعلى هذا فسيكون قولهم ( عليهم السلام ) حجّة يجب الأخذ به ، ويكون ما ذكره الائمة ( عليهم السلام ) من قواعد وطرق استنباط وترجيح للتعارض بين الاخبار وما الى ذلك لا يعدوا ان تكون من تعاليم الاسلام نفسه قد وصلت الى الأئمة ( عليهم السلام ) عن طريق النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، بينما يكون دور أئمة المذاهب أو غيرهم من المجتهدين هو الاجتهاد في كل ما يأتون به من أحكام ، فقد يصيبون كما قد يخطِئون ، فليسوا هم مصدراً من مصادر التشريع ، 2ولذا لا يكون قولهم حجّة على المجتهدين الآخرين ، كما يمكن النظر فيما يأتون به من أصل الاستنباط للحكم الشرعي فلا يكون حجّة على الغير.

واما فرق الائمة ( عليهم السلام ) عن غيرهم من الرواة فهو في عصمة الائمة التي دلّ عليها الدليل ، بخلاف غيرهم الذي يكون في معرض الخطأوالنسيانوان كانوا عدولاً ، كما ان احتمال الدس والكذب بسبب الاهواءيكون موجوداً اذا لم يكونوا عدولاً.

وعلى ما تقدم : فلا يمكن ان نسمي الشيعة الامامية مذهباً في مقابل بقية المذاهب ، لأن ما يأتي به أئمة الشيعة ليس رأياً لهم وانما هو تعبير عن واقع الاسلام من أصفى منابعه ; فقد ذكر المحدّث أبو جعفر محمد بن الحسن بن فرّوخ الصفار القمي ( المتوفى سنة 290 هـ. ق ) قال : « حدّثنا أحمد بن محمد عن البرقي عن اسماعيل بن مهران عن سيف بن عميره عن أبي المعزا عن أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) قال : « قلت له : كل شيء تقول به في كتاب الله وسنّته ، أو تقولون فيه برأيكم ؟ قال ( عليه السلام ) : بل كل شيء نقوله فى كتاب الله وسنة نبيّه » (1). ويتفرع على ما تقدم كون المجتهد من الشيعة الامامية إنْ اجتهد في ضمن إطار الاسلام فقد يُخطىء وقد يصيب كالائمة المجتهدين الأربعة ( ابي حنيفة والشافعي واحمد بن حنبل ومالك ).

(1) بصائر الدرجات : ج6 ، ص7 ، الباب 15 ، ح1.


38

خلاصة البحث :

بعد اجماع المسلمين على أن القرآن الكريم قد جمع وكتب في عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلم يبق من الدين إلاّ السّنة الشريفة التي كانت في صدور الرجال ( الصحابة ) ، الى أن الروايات المتواترة عن أئمة اهل البيت ( عليهم السلام ) تؤكد جمعها وايداعها عند الائمة من قبل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) حيث كان الامام علي ( عليه السلام ) يكتب ما أملاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليه ، وقد تواترت الروايات ايضاً فى كون الائمة ( عليهم السلام ) ينقلون ما قاله الرسول ( صلى الله عليه وآله ) واملى على عليّ ( عليه السلام ) فليس هم أهل رأي وقياس بل حَفَظَة للسنة النبوية التي هي عدل القرآن في التشريع ، وبهذا ينتهي الأمر إلى أن كل ما يقوله الائمة ( عليهم السلام ) هو من عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويكون المشرِّع الوحيد للدين الاسلامي الحنيف هو الله سبحانه وما فوضه الله الى نبيّه الكريم وشرعه النبي وأقره الله تعالى عليه ، فاذا اضفنا الى دور الائمة ( عليهم السلام ) فى حفظ السنة النبوية حصانتهم من الانحراف كما تبينه عدة أدلة ومنها الواقع الخارجي الذي كان عليه الأئمة ( عليهم السلام ) من سيرتهم المثلى التي يقتدي بها المسلمون من دون نكير ، يتبيّن لنا عظمة التشريع الاسلامي الحنيف الذي حفظ المصدرين الأساسيين للتشريع من ألاعيب اللاعبين ، وهذا هو سر خلود الشريعة الاسلامية وتفوقها على كل تشريع آخر ، ومعنى : أني مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا. وبهذا ينحل ما يتخيل من التضاد بين الحديث المشهور بل المتواتر : « اني مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ... » وبين حديث : « اني مخلف فيكم كتاب الله وسنّتي ... » بناءً على صحة سند الحديث الثاني وصدوره. فسلام الله على نبيه الاكرم حين ولد وحين توفى وحين يبعث حيّاً.

نسأل الله سبحانه التأييد والتسديد وان يحفظنا من الزلل والزيغ وأن ينفع بنا الاسلام والمسلمين وآخر دعوانا ان الحمد لله ربّ العالمين.


39

بيع التقسيط ( بيع المؤجّل أو بيع النسيئة )


41

ينقسم البيع في الفقه الإسلامي بلحاظ التأجيل وعدمه في الثمن والمثمن الى أربعة أقسام :

1 ـ أن يكون الثمنان معجَّلين ، وهو المسمّى بالبيع النقدي أو ( يداً بيد ).

2 ـ ان يكون الثمنان مؤجَّلين ، وهو المسمّى ببيع الدين بالدين او ( بيع الكالي بالكالي ).

3 ـ ان يكون الثمن معجَّلاً ، والمبيع مؤجَّلاً ، وهو المسمّى ببيع السلم ( السلف ).

وهذا البيع مستثنى من عدم صحَّة بيع ما ليس عندك.

4 ـ أن يكون المبيع معجّلاً ، والثمن مؤجّلاً وهو المسمّى ببيع النسيئة ، او بيع التقسيط وهو محلُّ كلامنا الآن.

نقول : كلُّ هذه الأقسام صحيحة في الفقه الإسلامي إلاّ القسم الثاني وهو بيع الدَّين بالدَّين حيث ورد النهي عن هذا البيع.

بيع التقسيط :

هو مصداق من مصاديق بيع النسيئة ، حيث يعجَّل فيه المبيع ويؤجَّل فيه الثمن كلُّه او بعضه على أقساط معلومة ( متساوية المبلغ أوْلا ) ، لآجال معلومة


42

( منتظمة المدة ، أوْلا ).

وليس هذا البيع هو الجديد الذي لم يُعرف حكمه كما ادُّعي ذلك من قبل البعض ، بل قد ذكره فقهاء الإمامية على أنه من مصاديق بيع النسيئة ، فقد ذكر صاحب الجواهر ( قدس سره ) ( المتوفى 1266 هـ ) قال : « إن اشترط التأجيل للثمن جميعه او بعضه ولو نجوماً متعددة صحّ إجماعا بقسميه ونصوصاً ( عموماً وخصوصاً ) في البعض وهو المسمى بالنسيئة ، من غير فرق بين طول المدة وقصرها ، خلافاً للاسكافي فمنع فيما حكي عنه أكثر من ثلاث سنين في السلف وغيره » (1).

أهميته :

قد انتشر هذا البيع في الأزمنة الأخيرة بصورة واسعة ، لفائدته التي تعود للبائع حيث إنه يزيد من مبيعاته حتى على من ليس عنده النقد المالي ، فيبيعه الى أجل. وهو مفيد للمشتري أيضا حيث يمكنه من الحصول على السلعة مع أن دخله الشهري لا يسمح له بابتياعها بالنقد ، فبدلاً من أن يدخر فيشتري بعد ذلك ، أخذ الفرد يشتري ويستمتع بالسلعة ثم يدّخر للوفاء ، وبهذا تمكن الفرد أن يستمتع بالحاجات قبل أن يمكِّنه دخله الشهري من شرائها بالنقد.

وبعد أن عرفنا معنى بيع التقسيط واهميته نريد أن نبحث في نقطتين :

النقطة الاولى : ما هو الدليل على صحة بيع النسيئة ( التقسيط ) ؟.

النقطة الثانية : إذا كان بيع التقسيط صحيحاً ، فكيف نفسر التأجيل الذي فيه مع زيادة الثمن لأجل هذا التأجيل ، كما ذكر الفقهاء ، وكيف نفرّق بين هذا الذي هو حلال وبين التأجيل الذي تكون فيه الزيادة محرمة ؟

(1) جواهرالكلام في شرح شرائع الاسلام ، لشيخ الطائفة صاحب الجواهر ، ج 23 ، ص 99.


43

النقطة الاُولى : ما هو الدليل على صحة بيع النسيئة ؟

نقول : لقد وردت الروايات عن أهل البيت ( عليهم السلام ) في جواز هذا البيع ، وقد اتفقت الإمامية على صحته. نعم الإسكافي خالف في طول المدة ، إذ منع من صحة البيع نسيئة لأكثر من ثلاث سنين (1) ، وله روايات يستند اليها ، إلاّ أنها محمولة على الإرشاد. فمن النصوص الخاصة الدالة على الصحة : 1 ـ موثق عمار بن موسى الساباطي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « في رجل اشترى من رجل جارية بثمن مسمّى ثم افترقا ، فقال ( عليه السلام ) : وجب البيع والثمن إذا لم يكونا اشترطا فهو نقد » (2) ومفهوم هذا الحديث يدل على أنهما اذا اشترطا أن يتأخّر الثمن فهو ليس بنقد وهو معنى النسيئة ، او إذا اشترطا أن يتأخر المثمن فهو معنى بيع السلم.

2 ـ صحيح هشام بن الحكم عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « في رجل يشتري المتاع الى أجل قال ( عليه السلام ) : ليس له أن يبيعه مرابحة إلاّ الى الأجل الذي اشتراه إليه ، وإن باعه مرابحة فلم يخبره كان للذي اشتراه من الأجل مثل ذلك » (3). وهذه الرواية واضحة الدلالة على أن بيع النسيئة كان مفروغاً من صحته في ذلك الوقت ، وإنما أخَذَ الإمام ( عليه السلام ) يبين حكماً آخر وهو عبارة عن أن الذي اشتراه نسيئة لا يجوز له أن يبيعه مرابحة إلاّ بذكر الأجل الذي اشترى به. وهناك روايات اُخر تدل على صحة هذا البيع أعرضنا عن ذكرها لكفاية ما تقدم مع وجود الإتفاق من الإمامية على صحة هذا البيع فلا نطيل ، بالاضافة الى وجود العمومات الدالّة على صحة هذا البيع مثل ﴿ أفوا بالعقود و ﴿ أحل الله البيع ، إذا لا إشكال في

(1) المصدر السابق.

(2) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 1 من احكام العقود/ ح 2.

(3) الكافي للكليني ، ج 5 ، ص 208.


44

صدق البيع على بيع النسيئة ، فيجب الوفاء به وهو معنى صحته ، وهو حلال بمنطوق آية ﴿ احلّ الله البيع . ثم إن من نافلة القول التلويح إلى أن الأجل ينبغى أن يكون معلوماً بحيث لا يتطرق إليه احتمال الزيادة او النقيصة ، كما إذا قلنا إن موعد الإستحقاق يكون في الشهر التاسع من سنة 1990 م ، أو أن الثمن اقساط معينة يستحق كل قسط معين القدر في أول الشهر الميلادي او الهجري ، أما إذا لم يكن الأجل معلوماً للمتعاقديْن فيبطل العقد للجهالة التي تستتبع غرراً في الثمن.

مصاديق بيع النسيئة :

نذكر هنا ثلاثة مصاديق لبيع النسيئة لنعرف ما هو حكمها :

1 ـ قد يحصل بيع النسيئة في الخارج على سلعة بنفس القيمة التي تباع بها حالاًّ ، وهذا البيع صحيح بلا إشكال ، وهو مستحب للبائع لما فيه من إعانة المشتري على شراء حاجته من دون زيادة لقاء الأجل.

2 ـ وقد يحصل البيع نسيئة ، ولكن على ثمن هو أكبر من ( قيمة السلعة نقداً ) كما إذا كانت السلعة تباع نقداً بدينار ، ونسيئة الى شهر بدينار ودرهم ، فهنا قد ذكرت الروايات صحة هذا البيع إذا وقع على الدينار والدرهم ، كأن يقول المشتري اشتريت نسيئة بدينار ودرهم ، فيقبل البائع ، او بالعكس. ومن الروايات الدالّة على صحة هذا البيع صحيحة محمد بن قيس عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) : قال في ذيلها : « قال اميرالمؤمنين ( عليه السلام )... من ساوم بثمنين أحدهما عاجلاً والآخر نظرة ، فليسمِّ أحدهما قبل الصفقة » (1).

3 ـ قد يحصل البيع نسيئة ، بأن يقول : بعتك هذه السلعة بدرهم نقداً ، وبدرهمين الى شهرين وبثلاثة الى ثلاثة أشهر ، فيأخذ المشتري السلعة من دون تعيين البيع على احد هذه المحتملات ، وكذا لم يعيِّنه البائع ، ففي هذه الصورة قالوا

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 2 من احكام العقود ، ح 1.


45

ببطلان البيع ، وقد ذكروا أدلَّة للبطلان ، منها :

أ ـ إن العقد باطل : لوجود الإبهام الناشىء من الترديد القاضي بعدم وقوع الملك حال العقد على أحد الاُمور بالخصوص ، وهذا ينافي اقتضاء العقد وسببيته الى أحد الاُمور ، اما النقد ، او النسيئة الى الاجل الاول ، او النسيئة الى الأجل الثاني بالثمن الثالث. ولكن لنا أن نقول : لا يوجد هنا جهالة ولا غرر ، حيث إن الثمن معلوم (1) ، نعم الزيادة وقعت في مقابلة التأخير على وجه الشرط فتفسر الزيادة ، وهذا لا يؤدي الى بطلان العقد. ومما يؤيد الحكم بالصحة حكمهم بصحة الإجارة لو قلت له : خط هذا الثوب اليوم بدينار وبنصف دينار إن خطته في غد ( مع اشتراك الإجارة والبيع في اعتبار عدم الغرر والجهالة ) ، فالصحة هنا كما ذكر غير واحد تكون مؤيداً للقول بعدم وجود غرر ولا جهالة. وكذا الامر اذا قلت له : إن خطته فارسياً فلك دينار ، وإن خطته رومياً فلك نصف دينار. وقَبِلَ المستأجر الامر على الترديد ، فقالوا بصحة الإجارة وما ذاك إلاّ لعدم الضرر ولعدم الجهالة.

ب ـ ذكروا دليلاً ثانياً على بطلان هذا العقد وهو الروايات التي رويت عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وهي تنهى عن بيعين في بيع ، او عن شرطين في بيع. كموثقة عمار الساباطي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في حديث : « أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعث رجلاً الى أهل مكة وأمرهم أن ينهاهم عن شرطين في بيع » (2). وعن سليمان بن صالح عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « نهى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن سلف وبيع ، وعن بيعين في بيع وعن بيع ما ليس عندك وعن ربح مالم يضمن » (3) وقد فسر هذان الحديثان بما نحن فيه او بما يشمله حيث : « روى أحمد بسند رجال ثقات ، عن ابن

(1) حيث إن العُرف يرى أن الثمن غير مجهول كما اذا قلتُ لك : إن سعر هذه الآنية دولار او مئة تومان ، فالثمن محدد إلاّ أنه غير مشخَّص في اي الفردين ، وهذا ليس بجهالة تمنع من صحة البيع.

(2) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 2 من احكام العقود ، ح 3.

(3) نيل الاوطار 5/172 ، وعون المعبود ، 333 ـ عن البيع بالتقسيط د.علي السالوس ، ص1.


46

مسعود قال :« نهى النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن صفقتين في صفقة ». قال سماك ـ راوي الحديث ـ هو الرجل يبيع البيع فيقول : هو بنسأ بكذا ، وهو بنقد بكذا وكذا. وقال الشافعي وأحمد في تفسير هذا : بأن يقول بعتك بألف نقداً أو ألفين الى سنة ، فخذ أيهما شئت أنت وشئت انا » (1).

ولكن هناك روايات تقول بأنَّ البيع صحيح ويكون للبائع أقل الثمنين الى أبعد الأجلين ، فمن الروايات :

1 ـ صحيحة محمد بن قيس عن الباقر ( عليه السلام ) انه قال : « قال اميرالمؤمنين ( عليه السلام ) من باع سلعة فقال : إن ثمنها كذا وكذا يداً بيد ، وثمنها كذا وكذا نظرة فخذها بأي ثمن شئت واجعل صفقتها واحدة ، فليس له إلاّ أقلهما وإن كانت نظرة » (2).

2 ـ رواية السكوني عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن أبيه عن آبائه ( عليهم السلام ) « ان علياً ( عليه السلام ) قضى في رجل باع بيعاً واشترط شرطين بالنقد كذا وبالنسيئة كذا ، فاخذ المتاع على ذلك الشرط فقال ( عليه السلام ) هو بأقل الثمنين وأبعد الأجلين » (3). وواضح أن هاتين الروايتين تقولان بصحة البيع على أقل الثمنين الى أبعد الأجلين ، بينما الروايات المتقدمة التي تنهى عن بيعين في بيع استدلوا بها على بطلان البيع ، فما هو الحل ؟

نقول : لا منافاة بين الادلة الناهية عن هذا البيع ، والادلة التي تقول بصحته بأقل الثمنين الى أبعد الأجلين وذلك : فإنَّ ما نفهمه من النهي هو حرمة هذا العمل ( نقداً بكذا ونسيئة بكذا ) إذا صدر من البائع ولم يقع البيع على احدهما لانه عبارة عن كون الزيادة في مقابل الاجل ، ويحرم على المشتري ايضاً قبولها لنفس السبب ،

(1) المصدر السابق.

(2) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 2 من احكام العقود ، ح 1.

(3) المصدر السابق ، ح 2.


47

وبعبارة اخرى كأن البائع يقول : إذا سددت المبلغ الآن فهو بدرهم ، وإن سددته بعد شهر فهو بدرهمين ، فيكون درهم واحد في مقابل الإنساء ( الأجل ) ، وإن سددت المبلغ بعد شهرين فلابد من اعطاء درهمين في مقابل الأجل ، وهذا هو حقيقة الربا الجاهلي الذي هو عبارة عن « أتقضي ام تربي » او « أنظرني أزدك » وهو عمل حرام من قبل البائع ويحرم على المشتري قبوله ، أما إنّ العقد ـ بعد أن حرمت هذه العملية ـ فهل هو باطل ام لا ؟ فلا تقول الروايات الناهية بذلك ، وحينئذ تأتي الروايات القائلة للبائع أقل الثمنين الى أبعد الأجلين فتقول : إن البيع صحيح على أن يأخذ البائع أقل الثمنين الى أبعد الأجلين ، وهذا هو مورد التعبد بالروايات فتكون ملزمة للطرفين. ومعنى ان هذا هو مورد التعبد بالروايات ، هو ان القاعدة تقول : إن حِلّ المال الآخرين متوقف على الرضا وطيب النفس ، اما الاكل والتصرف في المال لا عن تراض هو اكل للمال بالباطل فلا يجوز ، ولكن في هذه الصورة حَكَمَ الشارع بأنَّ البائع القائل ( نقداً بكذا ونسيئة بكذا ) نلزمه بان يكون له اقل الثمنين لأبعد الاجلين ، وهذا لم يرض به ، ولم تقع المعاملة عليه ، فإذا الزمناه به كان هذا على وفق تخصيص هذه القاعدة ( لا يحل مال المسلم إلاّ بطيب نفسه ورضاه ) بغير هذه الصورة. او نقول : إن الروايات تقول : اذا وقع العقد على نحو الترديد ، وقبل المشتري العقد على هذا الوجه ، وانتهت المدة ، « فبما أن شرط الزيادة في مقابل الأجل باطلة ، لم يبق إلاّ استحقاق البائع الأقل ، وبما أنه لم يقبضه قبل الآن فالآن له حق أخذ الاقل عند انتهاء أبعد الأجلين » وهذا القول لا يلزم البائع بالاقل عند عدم انتهاء ابعد الأجلين ، بينما القول الاول يلزمه كما هو ظاهر الروايات

الخلاصة :

1 ـ إن ادلة النهي عن اشتراط هذا الشرط ( نقداً بكذا ونسيئة بكذا ) تدل على أن هذا الشرط في هذا البيع حرام ، ويحرم قبوله من قبل المشتري ايضاً ، إلاّ أن هذه الروايات لا تقول إن البيع فاسد.


48

2 ـ لو صدر هذا الشرط في المعاملة ( الذي هو حرام ) وقد قُبِلَ من قِبَلِ المشتري على وجه الترديد ، فهنا تأتي الروايتان القائلتان إن البيع صحيح على هذه الكيفية ( أقل الثمنين لأبعد الاجلين ) ، اذن لا منافاة بين الروايات.

3 ـ اما اذا صدر هذا الشرط من البائع ، وقد قبل المشتري احدهما على وجه التعيين ، فهذا خارج عن محل النزاع وعن مضمون الروايتين ، ونحتمل هنا صحة العقد لشمول الاطلاقات (1) لهذا الفرد.

النقطة الثانية : كيف نفسر التأجيل في بيع النسيئة مع الزيادة ؟

قد يقال : إن الزيادة التي حصلت في بيع النسيئة كما عرفنا ذلك في المصداق الثاني لبيع النسيئة هي من أجلِ الأَجل فهي محرمة ، لعدم الفرق بينها وبين الزيادة في الأجل في عقد القرض. وهذه الشبهة اخذت تجري مجرى الماء في كتابات بعض علماء العامة ، فقد ذكر بعض تحريمها ، وذكر البعض تحليلها وكل ذلك له ادلة ، مع اننا لا نرى اصل الشبهة واردة ، وتوضيح ذلك : إن الأجل الذي حصل في بيع النسيئة لم يكن في مقابله مال حتى تأتي الشبهة وتقول ( إن المال إذا صار في مقابلة الأجل فهو حرام او شبيه بالزيادة في مقابلة الأجل في عقد القرض ولابد من تحريمه سداً لذريعة الربا وما شاكل ذلك من كلام ) ، بل إن الاجل في بيع النسيئة كان داعياً لزيادة ثمن السلعة وما أكثر الدواعي لإرتفاع الثمن ، فمثلاً قد يكون قلة السلعة في السوق بنسبة لا تساوي الطلب الذي عليها يكون داعياً لزيادة ثمنها في الحالات المتعارفة ، كما ان عدم سقوط الامطار في الفصول المتوقع سقوط المطر فيها يكون داعياً لزيادة سعر الحاجيات المتوقف زيادتها او انتاجها على سقوط الامطار. وإذا ثبت أن زيادة الثمن في بيع النسيئة كان الداعي له هو الأجل ، فهذا يختلف اختلافاً

(1) ﴿ احل الله البيع و ﴿ أوفوا بالعقود .


49

أساسياً عن قولنا إن الزيادة هي في مقابل الأجل ، بل يكون قولنا ( في بيع النسيئة ان الزيادة في مقابل الأجل ) تسامحاً من قبل العلماء ، بل الصحيح في بيع النسيئة هو أنَّ الثمن كله قد وقع في مقابل السلعة ، وكان الأجل داعياً لزيادة الثمن.

اذن لا أساس للشبهة هنا ، حيث إن الشبهة مبنية على قولنا إن الزيادة في بيع النسيئة هي في مقابل الأجل ، وقد اتضح أن الأمر ليس كذلك فلا شبهة أصلاً ، ولا مبرر للقول بأنَّ بيع النسيئة يشبه الزيادة في القرض من اجْلِ الأَجل الذي هو محرم ، إذ كما عرفنا أن بينهما بون شاسع. ثم لو تنزلنا وقلنا إن الشبهة واردة ، وهي : « إنَّ حصول الزيادة في بيع النسيئة هو في مقابل الأجل » إلاّ أننا نقول كما قال البعض : إنه لم يثبت بنحو القاعدة الكلية أن جعل الثمن في مقابل الاجل حرام. نعم ثبت في بعض الموارد فنلتزم بها ، كالثمن في مقابل الاجل في القرض ، وكالزيادة في مقابل الأجل في بيع المتجانسين وبيع الصرف.

الشراء نسيئة ( مع قدرته على الشراء نقداً ) هل هو مكروه ؟

نتكلم اولاً في كراهة القرض من الغير ( مع عدم احتياجه الى القرض ) ، واما مع ضرورة الفرد الى القرض فلا كراهة في الامر ، فقد وردت الروايات الكثيرة الدالة على كراهة القرض مع عدم الحاجة اليه فمنها ما روي عن أبي الحسن الليثي عن جعفر بن محمد ( الإمام الصادق ( عليه السلام ) ) عن آبائه ، أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : « الدَين راية الله عزوجل في الارضين ، فاذا أراد أن يذل عبداً وضعه في عنقه » (1). ولكن اذا كان الدَين لضرورة فلا كراهة في الامر ، ففي صحيحة معاوية بن وهب قال قلت للإمام الصادق ( عليه السلام ) : « ... أن رجلاً من الأنصار مات وعليه ديناران دَيناً ، فلم يصلِّ عليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقال : صلُّوا على صاحبكم ، حتى ضمنهما عنه

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 1 من ابواب الدين ، ح 10.


50

بعض قرابته فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) ذلك الحق ، ثم قال : ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) انما فعل ذلك ليتعضوا ( ليتعاطوا ) وليرد بعضهم على بعض ولئلا يستخفوا بالدَين ، وقد مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعليه دَين ، وقُتِل اميرالمؤمنين ( عليه السلام ) وعليه دَين ، ومات الحسن ( عليه السلام ) وعليه دَين ، وقتل الحسين ( عليه السلام ) وعليه دَين » (1).

هذا كله في القرض ، اما الشراء نسيئة مع قدرته على الشراء نقداً فليس بمكروه ، حيث لا يوجد نص خاص ولا يدخل تحت عنوان ان يكون للبائع منَّة على المشتري فيما اذا باع نسيئة بأكثر من الثمن الحال ( كما هو الغالب ) ، وحتى اذا دخل بيع النسيئة تحت هذا العنوان ( المنّة من البائع على المشتري ) بأنْ باع البائع سلعته نسيئة بقدر الثمن الحال ، ولكن هذا لوحده لا يوجب أن يكون العمل من جانب المشتري مكروهاً ، حيث إن المكروه هو ما يبغضه الله سبحانه بغضاً خفيفاً لم يصل الى حد الحرمة ، ومجرد حصول منّة ـ في البيع للبائع على المشتري ـ لا يوجب هذه الحزازة في الفعل من جانب المشتري ، نعم يكون الفعل مستحباً من قبل البائع وهذا تقدَّم.

الفروق بين بيع النسيئة وغيره من البيوعات :

ولأجل ان يتضح بيع النسيئة بصورة أوضح ، سوف نذكر الفرق بينه وبين غيره من البيوعات التي يمكن أن يشتبه بيع النسيئة بها ، وبذلك يشتبه علينا حكم بيع النسيئة لاشتباه الحكم في غيرها فنقول :

1 ـ هل يوجد فرق بين بيع النسيئة وبيع المرابحة للآمر بالشراء ؟

نقول : قد يبيع الإنسان سلعته الى المشتري بثمن مؤجل ( بأكثر من قيمتها نقداً ) وهذا هو بيع النسيئة. وقد يبيع البائع نقداً ، ولكن يلجأ المشتري الى البنك

(1) المصدر السابق : ج2 من ابواب الدين ، ح 1.


51

فيقول له : اشتر هذه السلعة وانا اربحك كذا وكذا مؤجلاً. فما هو الفرق بين هذين المثالين ؟

الجواب : اما المثال الاول ، فبما أن البيع قد وقع على السلعة بثمن معين الى أجل معين فهو بيع صحيح وقد تقدمت الادلة على ذلك. واما المثال الثاني ففيه تفصيل ، وتوضيح ذلك : إن البنك إذا اشترى السلعة نقداً ، والتزم بكل احكام البيع مع البائع له ، من ثبوت خيار للطرفين في المجلس ، او وجود خيار غبن للمغبون منهما ، او وجود خيار عيب لمن انتقل إليه المعيب ، وهكذا بقية احكام البيع ، ثم وبعد ذلك يبيع البنك هذه السلعة الى شخص ثالث مؤجلاً بثمن أعلى من الثمن الحال بحيث يتمكن المشتري الثالث أن لا يشتري منه ذلك ، ففي مثل هذه الحالة تكون علاقة البنك بالشخص الثالث هي علاقة بائع ـ وهو البنك ـ بالمشتري الذي اشترى نسيئة ، ولا توجد أي علاقة بالمشتري الذي هو الفرد الثالث بالبائع الاول الذي باع للبنك نقداً ، ففي هذه الحالة تصح هذه المعاملة ، وذلك لأنَّ المعاملة الثانية هي بيع نسيئة قد دل الدليل على جوازها ، كما تقدم ، وعليها الاتفاق الذي ذكرناه من الإمامية بشرط أن يكون قصد البنك والمشتري منه هو بذل المال المؤجل في مقابلة السلعة وان كان الأجل داعياً لزيادة ثمنها ، بحيث يلتزم المتبايعان بكل أحكام البيع وهذا هو معنى أن يكون للمتبايعين قصد جدي للبيع. اما اذا لم يقصد البنك شراء السيارة ( السلعة ) من البائع ، ولم يقصد بيعها الى المشتري منه بثمن مؤجل ، بل قصد البنك أن يعطي ثمن السيارة الى البائع ويأخذ من المشتري اكثر منه مؤجلا ، وكذا قصد المشتري ان يكون هو المشتري من البائع للسيارة ولكن البنك يدفع عنه المال وهو يعطي الى البنك اكثر مما دفع ، بالاقساط ، وحينئذ يكون في هذه الصورة ان البيع قد وقع بين البائع للسيارة والمشتري ، اما وظيفة البنك فقد اصبح وسيطاً في دفع المال عن المشتري وأخذ فوائد عن التأخير ، ولا يكون هناك علاقة بين البائع للسيارة وبين البنك ، ولا تطبق احكام البيع


52

بالنسبة اليهما ، لعدم قصد البيع بين البائع والبنك ، ففي مثل هذه الحالة تكون المعاملة في الحقيقة ربوية بين المشتري والبنك حيث يكون البنك قد أقرض المشتري قيمة السيارة نقداً ولكنه يجب عليه أن يدفع أكثر من هذا لقاء الأجل ، وهو الربا الصريح المحرم. اما البيع الذي وقع بين البائع للسيارة وبين المشتري فهي معاملة صحيحة.

2 ـ ماهو الفرق بين بيع النسيئة وبيع العينة ؟

نقول : عرفنا بيع النسيئة. اما بيع العينة : فهو عبارة عن بيع سلعتي نقداً ثم شرائها منه نسيئة بثمن اكبر ، او يبيعني سلعته بثمن مؤجل ثم يشتريها بثمن أقل نقدا ، فهنا قد حصل بيعان من الطرفين ونتيجتهما هو حصول صاحب السلعة على نقد ( وقد رجعت اليه سلعته ) ويدفع اكثر مما أخذ ، او حصول البائع على سلعته وحصول المشتري على نقد بحيث يدفع اكثر منه نسيئة. وهذا البيع يسمى ببيع التورق أي ينتج منه حصول ( الورق ) لأحد الطرفرفين ويسدد اكثر منه نسيئة ويسمى أيضا بعقد المخاطرة (1). وخلاصة ما ذهبنا إليه هو : أن اشتراط البيع الثاني في البيع الاول بأقل من البيع الأول او بأكثر يوجب بطلان المعاملة ، وبطلانها ليس من أجل وجود زيادة في مقابل بيع النسيئة ( الأجل ) ، بل لأن النص الخاص دل على عدم جواز بيع السلعة عند اشتراط البيع الثاني في البيع الاول بأقل أو أكثر ، ولعل النص ينظر الى أن هذا الشرط الحاصل في البيع الاول يفرِّغ البيع الأول والثاني عن معنى البيع ، فتكون المعاملة حقيقة هي القرض الربوي مع الزيادة لكن دخلت فيه سلعة في الوسط ، وحينئذ تكون هذه العملية القرضية محرمة. والذي يؤيد هذا النظر هو عدم حرمة شرط البيع الثاني للسلعة في البيع الاول اذا كان

(1) راجع كتابنا الربا فقهياً واقتصادياً ص 245 وقد فصلنا الكلام في بيع العينة على مذهب أهل السُنَّة وعلى مذهب الإمامية.


53

بنفس الثمن ، اذ هنا يكون حقيقة الامر هو القرض مع ارجاع نفس القدر المقترض وهو جائز بلا كلام.

اما اذا حصل هذان البيعان ( اللذان ينتج منهما حصول أحدهما على نقد مع رجوع السلعة الى صاحبها ويسدد أكثر مما حصل عليه نسيئة ) من دون اشتراط البيع الثاني في البيع الاول ومن دون تبان من المتبايعين ، فالبيعان صحيحان كما دلت عليه الروايات الصحيحة عن أهل البيت ( عليهم السلام ) منها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ( عليه السلام ) قال : « سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم الى أجل ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد أيحل ؟ قال ( عليه السلام ) : اذا لم يشترط ورضيا فلا بأس » (1) ومعناها إذا شرط ذلك فالبيع الاول غير صحيح كما هو ظاهر من كلمة البأس في المعاملات ، اي إذا كان ملزماً بالبيع الثاني فلا يصح البيع الأول ، لا أن الشرط فقط غير صحيح ، لأنَّ السؤال عن حلية البيع والشراء.

نقول : ولعل عدم اشتراط البيع الثاني في البيع الاول وعدم التباني عليه يجعل القصد الى البيع الاول قصداً جدياً وكذا القصد الى البيع الثاني ، فحينئذ لا يوجد قرض مع الزيادة فلا يكون ربا.

3 ـ ما هو الفرق بين بيع التقسيط والبيع الايجاري ؟

نقول : إن بيع التقسيط قد تقدم وهو عبارة عن تملك المشتري السلعة فوراً ويبقى ثمنها كله في ذمة المشتري يدفعه بعد مدة او نجوماً ( أقساطاً ). وهذه العملية قد يكون فيها ضرر على البائع كما في صورة تأخر المدين عن سداد ديونه في موعدها ، فلأجل أن يتوثق ( البائع بالتقسيط ) من سداد المشتري كل أقساط الثمن بدون تأخير ، ومن دون أن يتضرر الدائن في صورة عدم سداده الاقساط ، يلجأ الى ما يسمى ( بالبيع الايجاري ) الذي سنوضحه فيمابعد. وقد يلجأ البائع الى البيع

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 5 من احكام العقود ، ح 6 ، ص 371.


54

الايجاري بدلاً من البيع بالتقسيط لفائدة ثانية وهي تتضح فيما اذا أفلس ( المشتري بالاقساط ) وهو بعد لم يسدد الثمن او لم يسدد بعضه ، فإنَّ القانون الإسلامي ( ولعله حتى الوضعي ) يقول : إن البائع يكون كأحد الديّان ، حيث تباع سلعته التي باعها نسيئة كما تباع بقية السلع التي هي ملك للمشتري وتقسم الاموال على الديّان بالنسبة ، ولكن فيما اذا بقيت السلعة ملكاً للبائع ( كما في البيع الإيجاري ) ولم تملك للمشتري إلاّ بعد سداد آخر قسط من الثمن. فهنا لو فرضنا ان المشتري قد أفلس ، فان البائع يتمكن أن لا يخسر أي شيء ولا تباع سلعته كبقية أموال المفلس ، بل له الحق في أخذها ويدفع ما استلمه من اقساط ، وبذلك يتفادى الضرر الذي قد يلحقه في هذه الصورة لو كان قد باع سلعته نسيئة.

اما البيع الايجاري : فهو اللجوء ( عند بيع الارض او الدار أو السيارة أو غير ذلك ) الى أن يحتفظ صاحب السلعة بملكيته للسلعة الى حين تسديد المشتري كل أقساط الثمن فيعقد عقداً صورته الإيجار ويشترط ان يملكه السلعة عند دفع آخر قسط ، وحينئذ لا تنتقل الملكية الى الطرف الآخر إلاّ بعد سداد الثمن المقسط كاملاً. ونلاحظ على صورة عقد البيع الإيجاري نقطتين :

الاولى : إن الاقساط التي تدفع الى المالك ليست هي أقساط إيجار ، وانما هي أقساط بيع ، لان القسط المأخوذ بعنوان أنه قسط إيجار هو أعلى من قسط الاجارة الحقيقية بكثير.

الثانية : إن المالك يقول انا مالك للسلعة المأجورة ، ولكنه يتنصل بكل طريق عن تحمل مخاطر الملك وصيانته. فنفهم من الأمر الاول أن الإيجار صوري ، وحقيقة الأمر هو البيع نسيئة مع ضمان سداد الثمن بصورة كاملة ، ونفهم من الامر الثاني أن ملكية صاحب السلعة لها هي ملكية صورية أيضا ، اذن حقيقة الأمر هو ( بيع نسيئة لكن مع عدم نقل الملكية إلاّ بعد سداد الأقساط جميعا ) وهذا البيع قد


55

أجازه القانون الروماني وبعض القوانين الحديثة الوضعية (1).

ونحن وان امكننا تصحيح النقطة الاُولى بقولنا إن السلعة التي تؤجر ( مع اشتراط المستأجر على المؤجر أن يملكها له ـ بعد آخر قسط من الإيجار ـ مجاناً ) يكون مقدار القسط الإيجاري مرتفعاً جداً ، فالشرط الذي يكون في المعاملة يكون داعياً لزيادة القسط الإيجاري ، وحينئذ تكون الاجارة صحيحة. ولكن الامر الثاني لا يمكن تصحيحه ، باعتبار أن مالك السلعة اذا كان هو المالك لها كما هو مقتضى الامر الاول فيلزمه حينئذ أن يتحمل مخاطر الملك وصيانته ، فعدم تحمله مخاطر الملك وصيانته دليل على أن قوله أنا المالك هو ملك صوري وانما المالك حقيقة هو المستأجر الصوري ، فيكون البيع نسيئة هوالحقيقة لكن مع ضمان تسديد كل الاقساط.

نقول : أفلا يمكن للمالك ( المؤجر للسلعة مع اشتراطه على نفسه أن يملّكها للمستأجر ) ان يشترط على المستأجر أن يقوم بضمان وتحمل مخاطر الملك وصيانته ؟

الجواب : قد يقال : إن هذا الشرط غير صحيح لانه يجعل الاجارة غررية ، بالاضافة الى مخالفة هذا الشرط لاصل عقد الاجارة ، حيث إن المستأجر الذي يدفع قيمة الاجارة لابد أن يستفيد من المحل الذي استأجره ، وطبيعي أن يستهلك هذا المحل المؤجَّر ، فاذا كانت صيانة محل الاجارة عليه ، فمعنى ذلك أنه يدفع قيمة الاجارة ولا مقابل لها فيكون اكلاً للمال بالباطل.

والتحقيق : إن شرط تحمّل مخاطر الملك وصيانته لا يجعل الاجارة غررية ، حيث إن الاجارة قد وقعت على شيء محدد غاية الامر قد اشترط المالك تلافي ما

(1) د. ابراهيم دسوقي ابو الليل ، ص 90 و 148 و 189 و 270 ، عن ( بيع التقسيط تحليل فقهي واقتصادي ) د. رفيق يونس المصري ص 18.


56

يحدث من اضرار على المستأجر ، وهذا لا يوجب كون الاجارة غررية ، وكذلك لا يكون هذا الشرط مخالفاً لأصل عقد الاجارة وذلك : لأنَّ استحقاق الاُجرة يكون في مقابل انتفاع المستأجر او تمكنه من الإنتفاع بلا مانع ، وهذا يكفي لتصحيح عقد الاجارة فلا يكون اكلاً للمال بالباطل.

ولكن الإشكال المهم هو : لو تلفت هذه الدار في وسط المدة ( كما إذا احترقت ) فهل يجب على المستأجر أن يدفع القسط او الاقساط المتأخرة عن وقت تلف الدار او لا يجب ؟ فان قلنا إنه لا يجب ، فالاجارة صحيحة ، وإن قلنا إنه يجب عليه أن يدفع اتضح حينئذ إن العملية هي عملية بيع بالاقساط ، وتكو الاجارة صورية باطلة (1).

إذن حقيقة الامر هي ( بيع نسيئة ) فإذا اشترط على المشتري ان لا يملك السلعة حتى يسدِّد آخر قسط من أقساط الثمن ، فيكون هذا الشرط منافياً لمقتضى البيع حيث إن التمليك بشرط أن لا تملك هو تناقض فيكون العقد باطلاً. وهنا سؤال يطرح نفسه وهو : هل يستغنى عن البيع الايجاري ، ببيع التقسيط مع تقديم ( كفالة او ضمان ) (2) او رهن رسمي للبائع بمفهوم عدم امكان البيع من قبل المشتري للملك إلاّ بعد سداد الدين ويتمكن المرتهن أن يأخذ حقه من السلعة المرهون ببيعها ولكن السلعة غير مجازة للراهن ويسمى هذا بـ ( الرهن الرسمي غير الحيازي ).

والجواب : إن هذه التوثيقات للبائع لا بأس بها ، ولكنها لا تقوم مقام البيع

(1) الظاهر أن البيت لو احترق فان المؤجر لا يأخذ الأقساط المتبقية من المستأجر لأنهم يذكرون ان في : « خلال مدة الاجارة قد توضع لوحة ظاهرة على الشيء المأجور تبين ان هذا الشيء ملك لفلان المالك المؤجر » فعلى هذا ، الظاهر تكون الاجارة صحيحة. بيع التقسيط ، د. رفيق يونس المصري ، ص 17.

(2) الضمان هنا بالمعنى الشرعي وهو نقل ذمة الى ذمة ، بل الضمان بمعنى ان يتعهد الضامن للدائن بالسداد في صورة عدم سداد المدين ، فيكون معناه هو ضم ذمّة الى ذمّة مع كون الذمّة من الضامن تأتي في الدرجة الثانية في المسؤولية عن سداد الدين ، وكذا المراد من معنى الكفالة.


57

الإيجاري بالنسبة للبائع لانَّ الذمة الثانية التي أضيفت الى الذمة الاُولى فصارت مسؤولة عن الدفع عند عدم دفع صاحب الذمة الاُولى ، قد يكون صاحب الذمة هو ايضاً قد تخلف عن هذا الإلتزام وتأخر عن الدفع أو قد فلّس ايضا ، فلا يمكن إلزامه بملزم شرعي او قانوني. واما بالنسبة لرهن الملك المبيع ، فان البائع المرتهن انما يقدم على الديّان في صورة إفلاس المشتري وهذا صحيح ومفيد ، إلاّ أنه يقدم عليه اصحاب الحقوق والإمتيازات العامة ( كالخمس والزكاة وما يكون المفلَّس مسؤولاً عن دفعه للمنصب العام الذي هو راجع الى خزانة الدولة العامة ) وحينئذ يكون البيع الإيجاري أفضل بالنسبة للبائع من بيع التقسيط مع الرهن والكفالة بالمعنى المتقدم ، ولكننا قد عرفنا أنه ليس ببيع صحيح شرعاً ، إذا كان المقصود منه بيع التقسيط مع عدم التمليك الآن.

تنبيه :

إن الخوف الذي يساور البائع بالنسيئة قد لخصناه في نقطتين :

1 ـ تخلف المدين عن الدفع في الموعد المحدد ، فهنا وان أمكن اجبار المدين على الدفع بعد الرجوع الى المحكمة وإدانته بواسطة الحاكم إلاّ أن الضرر الذي توجه للبائع قد حصل ولا يمكن رفعه. نعم الذي يحصل هو رفع استمرار الضرر بحكم الحاكم.

2 ـ اذا فلس المدين قبل حلول الأجل ، فإنَّ الدُيّان الذي حل أجلهم يأخذون ما عند لمفلس ويقتسمونه ، ويبقى الدائن بالنسيئة عند حلول اجله صفر اليدين من حقه الذي متعلق بذمة المدين ( المشتري بالنسيئة ) ، او على أحسن الاحوال اذا فلس المدين عند حلول اجل دين البائع ، فهنا يكون حاله كحال الديان في اقتسام ما عند المفلس من مال يمكن بيعه ويقع التحاصى بين الديان ، وهذا فيه ضرر على البائع ـ ايضاً ـ.

وقلنا فيما سبق قد يلجأ البائع بالنسيئة ـ تخلصاً من هذين الضررين ـ الى


58

البيع الإيجاري الذي اشكلنا على صحته في صورة تلف البيت ومطالبة ( المالك المؤجر ) بالاقساط الباقية بعد التلف. ولكن هنا نقول : يوجد عندنا طريق صحيح يفي بدفع كلا الضررين وهو بيع الدار نسيئة او بالاقساط ولكن يشترط البائع على المشتري الدفع في الوقت المحدد ، فان لم يدفع يحق له الفسخ ، وكذا يحق له الفسخ إن فُلِّس ، من قبل الحاكم الشرعي ، وهي إذا لم يدفع المشتري بالنسيئة عند حلول الاجل ولم يكن مفلَّساً فيحق للبائع الفسخ فلا يتضرر لانه يرجع إليه ملكه ، وإن فلس المشتري يحق للبائع ايضا الفسخ حسب الشرط ، وحينئذ تكون هذه الصورة مغنية عن البيع الإيجاري ولكن نقول إنها مغنية في صورة كون السلعة موجودة حتى يكون رجوعها اليه بعد فسخه ، اما إذا لم تكن موجودة كما لو تلفت او باعها ، فستكون للبائع قيمتها في ذمة المشتري فيكون البائع دائناً ، فوقع في الضرر الذي فر منه.

4 ـ الفرق بين بيع النسيئة والربا :

1 ـ هناك كثير من الاحاديث الشرعية ذكرت أن بيع المتجانسين ( المكيلين او الموزونين ) لا تجوز فيه الزيادة ، لأنَّ الزيادة فيه تعتبر ربا فضل ان كانت زيادة حقيقية ، او حكمية مثل أن اُقرِض زيدا مئة دينار الى سنة بشرط ان يؤجل الدين الذي عليَّ وهو الف دينار الى ستة اشهر ، أو أن ابيع شيئاً لزيد بمثله ( مكيل او موزون ) نسيئة بشرط أن يؤخر الدين الذي عليَّ الى سنة ، وهذا شيء واضح لدى جميع المسلمين.

2 ـ في بيع الذهب والفضة : قد منعت الاحاديث من بيع الذهب بالذهب مع الزيادة او نسيئة ، وكذلك الامر في بيع الفضة بالفضة ، أما إذا بعت الذهب بالفضة مع الزيادة فهو امر لا بأس به بشرط أن يكون نقداً ( التقابض قبل التفرق ) ، ومعنى ذلك عدم صحة هذا البيع نسيئة ، حيث اشترطت الاحاديث ( التقابض ) قبل التفرق في هذا البيع الذي يسمى ببيع الصرف ، وهذا واضح ايضا لا يحتاج الى ذكر


59

الاحاديث لأنها مسلمة لدى الطرفين.

3 ـ في القرض لا يجوز الزيادة في مقابل الأجل ، وهذا واضح أيضا للاحاديث الكثيرة من الطرفين على ذلك ، فيثبت أن الزيادة في مقابل الأجل ( الإنساء ) لا يجوز في القرض.

4 ـ ما نحن فيه وهو بيع السلعة مؤجلاً ( بيع التقسيط ) بالدينار او بغيره من الاثمان ففي هذا البيع وجد نسأ وهو تأجيل الثمن ، ووجد فضل ( كما إذا باع السلعة باكثر من ثمنها النقدي في صورة بيع النسيئة حيث تباع بثمن مقسط اكثر من ثمنها حالاً.

والذي نريد أن نقوله هو : إن الامور الثلاثة الاولى ثابتة بالآثار الشرعية الواضحة ، اما الامر الرابع فلابد فيه من إثبات جواز الانساء وجواز الفضل ، فنقول :

أ ـ أما الامر الاول : وهو جواز بيع التقسيط ( بيع النسيئة ) فقد تقدمت الاحاديث الدالة على جوازه في هذه البيوع المختلفة جنساً ولم تكن من النقدين ( الذهب والفضة ). ولكن لماذا الجواز هنا ، والمنع في بيع الذهب بمثله ، والفضة بمثلها وحتى في بيع الذهب بالفضة ؟

الجواب : إن التعبد الشرعي هو الذي الزمنا بمنع البيع نسيئة في النقدين ( الذهب والفضة ) حيث اشترطت الروايات في بيع الصرف ، القبض قبل التفرق ولو قلنا إن هذا حكم عام لكل نقد وإن لم يكن ذهباً او فضة ( كما هو محتمل ) ، فمع هذا يكون الجواز في بيع السلعة بثمن نسيئة ، للفرق بين بيع الاموال النقدية بالاموال النقدية ، وبيع السلع بالاثمان ، سواء كان الثمن مقدماً والمثمن مؤخرا وهو بيع السلف ( السلم ) الذي دلت الادلة على جوازه من الكل ، أم كان المثمن مقدماً والثمن مؤخراً وهو بيع النسيئة الذي دلت الادلة على جوازه من الكل ايضاً إلاّ النادر.

ب ـ اما الامر الثاني : وهو كيف نحلل جواز الزيادة ( في بيع النسيئة ) عن


60

البيع الحال ؟ وبعبارة اُخرى لماذا جاز أخذ الزيادة في بيع النسيئة بداعي الأجل ولم يجز ذلك في القرض ؟

نقول : إن جمهور الفقهاء من العامة (1) علَّلُوا أخذ الزيادة في بيع النسيئةفي

(1) ذكرهم وذكر عباراتهم بالتفصيل الدكتور رفيق يونس المصري في بحثه المعنون : « بيع التقسيط تحليل فقهي واقتصادي » ص 24 ـ 28.

وقد حدث لي حادث في الدورة السابعة لانعقاد مجلس مجمع الفقه الإسلامي ( بجدة ) حيث كنتُ اُشير في مداخلاتي إلى الرأي المخالف للإمامية وعلمائهم بالعامة من دون قصد الاسائة إلى أحد ، كما كانت هذه الطريقة هي التي كتبتُ فيها مقالتي « بيع التقسيط ».

وقد أوجب هذا التعبير في خصوص هذا المجمع استياء لدى البعض ظهر في مداخلاته على الموضوع ، وقد طلب مني رئيس المجمع « الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد » في جلسة الاستراحة أن اُعبر عن الرأي المخالف للإمامية « بأهل السنة » ، لأن مثل هذه المؤتمرات يجب فيها رعاية شعور الآخرين واحترامهم. وقد نزلت إلى تلك لما وجدتُ فيها من الرعاية لمشاعر الآخرين واحترامهم.

ولكن في الدورة العاشرة لمجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقدة ما بين 23 ـ 28 صفر 1418 هـ. ق وفي الجلسة الافتتاحية زفَّ الأمين العام للمجمع « الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة » بشرى طبع المجمع كتاب « المدخل المفصّل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل وتخريجات الأصحاب » لرئيس المجمع الدكتور « بكر بن عبد الله أبو زيد » ، وما أن تصفحت الجزء الأول منه فقط فقد تذكرت الحادثة المتقدمة التي حصلت لي بالخصوص ، حيث وجدتُ أن الرئيس يعبّر عن الامامية وينقل عن الغير التعبير « بالرافضة » و« أهل البدع » ، ويجعلهم خارجين عن جماعة المسلمن حيث يصل به الأمر الى تكفيرهم في بعض المواضع تبعاً لما قاله أحمد بن حنبل. راجع الجزء الأول من الكتاب المذكور ص106 و363 و364 و375 و391 و418 و549 و582 و584.

أفهل يصح من رئيس مجمع للدول الإسلامية حيث يحذر من الفرقة ويدعو إلى احترام مشاعر الآخرين واحترامهم ، وتشترك في هذا المجمع طائفة الإمامية بصورة رسمية كما يدعى خبراء من نفس الطائفة للاشتراك أيضاً ويعبر عن الطائفة الإمامية بتعابير بحيث يصل الأمر إلى تكفيرهم ولا يرضى أن يُعبّر عن المخالفين للإمامية « بالعامة »؟!

ونحن إذ نضع هذا الأمر بين يدي المنصفين من فقهاء الأمة ، نسأل الله تعالى العفو والارتفاع عما لا يرضي الله سبحانه وتعالى وأن يلهمنا السداد في القول والعمل وان نتبع الهدى والرشد الذي أمرنا به الأئمة ( عليهم السلام ).


61

مقابل الأجل بقولهم : « إن للاجل قسطاً من الثمن » ، ولكن هذا التعليل هو الذي جاء لنا بالشبهة القائلة : « إن الشارع المقدس قد حرّم الزيادة في مقابل الأجل كما في القرض ، فلماذا أحلها في مقابل الأجل في بيع النسيئة ؟ فما هو الفرق بين الصورتين ».

نقول : إن هذا الفرق هو الذي نريد بيانه هنا ( خصوصاً وأن بعض الفقهاء قد حرّم (1) هذه الزيادة في مقابل الاجل في بيع النسيئة ) ، وسوف نبين الفرق على مستويين :

1 ـ إن الفرق بين الصورتين على مستوى الادلة الشرعية هو شيء واضح جلي ، حيث ان الادلة الشرعية دلت على جواز الزيادة في بيع النسيئة بداعي الاجل ( النسأ ) ، ودلت الادلة الشرعية ايضا على حرمة الزيادة في مقابل الأجل في عقد القرض.

2 ـ إن الفرق بينهما على مستوى النظرية الإسلامية هو شيء يحتاج الى بيان اي عندما نتدرج من الاحكام والادلة نعرف السرّ الذي فرَّق بين الصورتين وهو معنى النظرية الإسلامية الفارقة بين الصور.

النظرية : تقول إن السلع المبيعة تختلف عن النقود والسلع المقروضة ، فالسلع المبيعة قد أجاز الشارع المقدس للفرد أن يوسع ماليته عن طريق تملكها والإتجار بها ( بان يبيعها أو يؤجرها ومعنى الإجارة هو بيع المنفعة ). وما ذاك إلاّ لان السلعة هي عمل مختزن يجوز للانسان أن ينتفع به بكل انحاء الإنتفاع غير المحرم ، ومن الإنتفاع غير المحرم البيع والإجارة. وبطبيعة الحال عندما يؤجر الإنسان سلعته ويحصل على الايجار فهو قد دفع الى المستأجر منافع السلعة المؤجرة ، وهذه المنافع عندما تستوفى تستهلك تلك السلعة ( العمل المختزن ) بالتدريج فتقل قيمة العمل

(1) انظر نيل الاوطار 5/172 ، فقد ذهب الناصر والمنصور بالله والهادوية والإمام يحيى وغيرهم الى الحرمة.


62

المختزن فيها.

وكذلك إذا باع الإنسان سلعته ، فإنه قد حوّل العمل المختزن ( الذي اوجده هو أوْ ملكه بالشراء ) في السلعة الى الغير وأخذ في مقابله كمية من المال ، وهذا أيضا قد أجازه الشارع المقدس ، والادلة على ما قلناه هي ما ورد من الاحاديث الشريفة في باب الاجارة والبيع الواردة في كل المجاميع الفقهية الإسلامية. اما بالنسبة للنقود : فبما أن القرض هو عبارة عن تمليك الغير النقد مع الضمان ، فاذا أقرضت مئة دينار ، فاكون أنا قد ملّكت المقترض هذا المبلغ مع اشتراط ضمانه للمال يدفعه بعد سنة مثلاً ، وكذا الامر في إقراض السلع المثلية او القيمية ، فان معنى قرضها هو تمليك المقترض السلعة وان كانت قيمية مع اشتراط ضمان المقترض لقيمتها وقت القرض.

إذا عرفنا ذلك : فالادلة القائلة بان القرض لا تجوز فيه الزيادة تدلنا على أن الشارع المقدس لم يُجوّز لنا أن ننمي ثروتنا عن طريق الإقراض للنقد او للسلع ، حيث اننا إذا اقرضنا النقد او السلعة ( وهو معنى تمليكها مع الضمان ) وأخذنا في مقابل الأجل شيئاً فحينئذ يكون المقرض قد أخذ شيئا من دون أن يعطي شيئا ومن دون أن يُستهلك شيء من نقده او سلعته ، لان المقترض يجب عليه أن يرجع النقد الذي اقترضه كما هو ، ويرجع ما اقترضه إن كان سلعة قيمية بقيمتها حين الإقتراض ، ويرجعه بمثله إن كان المال المقترض سلعة مثلية ، من دون استهلاك او نقص للسلعة المقترضة ، وعلى هذا سوف يكون ما قد أخذه المقرض في مقابل الأجل اكلاً للمال بالباطل ، وقد نهانا القرآن الكريم عن اكل المال بالباطل قال تعالى : ﴿ لا تأكُلُوا اموالَكُم بينَكُم بالبَاطِلِ إلاّ أَن تكُونَ تجارةً عن تراض مِنْكُم (1).

وبعبارة اخرى : إن المقرض إذا كان من المفروض ان يُرجَع إليه ما أقرضه

(1) النساء ، 29.


63

للغير كما هو من دون استهلاك ولا نقص ، فيكون ما أخذه في مقابل الاجل بالإلزام والشرط هو كسب من دون عمل ، وهو لا يجوز شرعاً ولا يجوز من ناحية الاقتصاد اذ هو معنى ما يقال عن هذه العملية ( من تحرك الميزان التجاري من جانب واحد ) وهو لا يجوز اقتصادياً ، لان الذي يأخذ شيئاً في المفهوم الاقتصادي التجاري لابد ان يعطي شيئا من عمل مخزون او مباشر (1). وقد يقال إن المقرض قد اعطى مقابلاً الى المقترض ( عندما تسلّم النقد المحتاج اليه وملّكه اياه مع الضمان ) وهو « اتاحة فرصة الانتفاع » وحينئذ يحق للمقرِض أن يأخذ زيادة على المال في مقابلة اتاحة فرصة الانتفاع. ولكن نقول : إذا كانت إتاحة فرصة الإنتفاع ذات قيمة معينة ، اذن فلكل واحد من الناس إذا اتاح فرصة الإنتفاغ لغيره ( من دون استهلاك في السلعة المنتفع بها ) أن يأخذ منه فائدة ، ولكن لا قائل بهذا في الفقه الإسلامي الإمامي. ولعل السر هو أن أتاحة فرصة الإنتفاع هي حكم شرعي ، بمعنى يجوز لمالك المال أن يقدم فرصة الإنتفاغ بماله الى غيره ، ويجوز له ان لا يقدم ، وحينئذ لا يكون هناك حق لصاحب المال ، واذا لم يكن هناك حق فلا يجوز له أن يقابله بالمال (2).

نعم : ان إتاحة فرصة الإنتفاع بالمال مع المشاركة في الخسارة ـ ان وجدت ـ كما في عقد المضاربة هما معا يسوغان الربح المحتمل ، لانه يعبر عن تحرك الميزان من

(1) ومن الطبيعي في العقود الربوية المشترط فيها الزيادة في عقد القرض ، والملزمة للمقترض ، لا يمكن القول بان الدافع قد تبرع بالزيادة الى المقرِض حتى تكون صحيحة ، اذ لا يجتمع الإلزام بالزيادة من قبل المقرض والتبرع من قبل المقترض.

(2) الفرق بين الحكم والحق هو : أن الحق قابل للاسقاط بينما الحكم غير قابل للاسقاط ، وثانيا : ان الحق يقابل بالمال بينما الحكم لا يقابل بالمال. ويمكن ان يستدل على ان تقديم فرصة الإنتفاع بالمال الذي أملّكه لغيري هو حكم شرعي وليس حق ، بهذا البيان : نقول لو قلت لغيري ( اسقطت حقي في أن انفعك بهذا المال فانني لو قلت ذلك مئة مرة فلا يسقط حقي في ان انفعك به بواسطة القرض ، فمن هذا نستدل على ان حقي في انتفاعك يمالي بواسطة القرض هو حكم لا حَقْ ، ولو كان حقاً لسقط هذا الحق الذي لي.


64

طرفين ( ان وجد الربح فلصاحب المال وللعامل ، وان وجدت الخسارة فهي على صاحب المال ، واما العامل فقد خسر عمله ). أوْ أنَّ إتاحة فرصة الإنتفاع بالمال مع كون المال قابلا للاستهلاك في مدة فرصة الإنتفاع كما في الإجارة للبيت أو المعمل هما معا يسوغان اخذ الفائدة ( الاُجرة ) حيث تكون الاُجرة في مقابل حق الإنتفاع مع قابلية العين المؤجرة للاستهلاك فيدخل تحت التجارة عن تراض. نعم : الشارع المقدس قد فتح باب تنمية الثروة النقدية عن طريق دخولها في الاستثمار التجاري باحتمال الربح والخسارة ، فمن له الربح يتحمل الخسارة إن حصلت ولو عن طريق إدخال المال في عملية المضاربة الشرعية مع الآخرين ، فيشترك النقد من زيد مع العمل من الآخرين في التجارة ، فإن حصل ربح يقسم حسب ما اتفقا عليه من النسبة في العقد ، وإن خسرت التجارة فيتحمل الخسران صاحب النقد فقط ، اما العامل فقد خسر عمله ، فلا نحمّله خسارة اكثر من ذلك. وعلى هذا التفسير إتضح لماذا لم يجز الشارع المقدس القرض مع الزيادة لأجل الأجَل ، لان الزيادة لم يكن في قبالها شيء فيكون أخذها من قبل المقرض ظلماً واكلاً للمال بالباطل وهو لا يجوز ، واتضح لماذا أجاز الشارع المقدس البيع نسيئة بزيادة على الثمن الحال بداعي الاجل ، حيث أنَّ كل الثمن يكون في مقابل السلعة المبيعة فقد أعطى البائع عمله المخزون في قبال المال ، ومن حق كل إنسان أن بيع سلعته ( التي ملكها بالشراء او انتجها بجهده البشري ) باي ثمن أراد إذا علم المشتري بقيمتها الحالية ، وحينئذ لا يكون للمشتري خيار الغبن بعد ذلك ، واما إذا باعها باكثر من قيمتها ( مع عدم علم المشتري بذلك ) فالبيع صحيح ولكن يثبت خيار الغبن للمشتري إذا عرف أن قيمتها اقل من السعر الذي بيعت إليه. كما أن للانسان الحق أن يبيع سلعته نسيئة باكثر من ثمنها الحال فيكون الاجل داعياً لزيادة قيمتها.

وعلى كل صورة الحق للبائع في بيع سلعته فيكون البائع قد اعطى شيئاً الى المشتري وهو العمل المخزون في السلعة وتسلّم منه مكافأة على هذا العمل المخزون


65

وهو معنى البيع والتجارة عن تراض وتحرك الميزان من الجانبين الذي هو صحيح إقتصادياً.

نعم : إذا باع البائع سلعته الى المشتري باكثر من قيمتها بصورة علمنا من هذه المعاملة أن المشتري سفيه ، فهنا قد حكم الشارع المقدس ببطلان هذه المعاملة لاشتراطه عدم سفاهة المتعاملين في صحة المعاملة ، والمثال الموضح لهذه المعاملة ، كما اذا باع إنسان لآخر سريراً ( تساوي قيمته السوقية ديناراً واحداً ) بالف دينار ولم يكن هناك اي داع لهذه الزيادة من قبل المشتري للبائع ، فمثل هذه المعاملة تكشف عن سفه المشتري وقد حكم الشارع المقدس ببطلانها.

اذن النظرية تقول : ان الشارع المقدس قد جعل قانونا يقول :

1 ـ يتمكن الانسان ان ينمّي ثروته بواسطة السلع ( اجارة او بيعاً ) ، والاجارة هي انتفاع للمالك مع استهلاك في السلعة ، وتتميز الاجارة بميزة الضمان في الامر مع عدم الارتباط بنتائج العملية وما يكتنفها من خسائر وأرباح للمستأجر. والبيع هو تمليك العين التي هي عمل مخزون في مقابل مال ، ونختصر التعبير عن هذا القانون بقولنا : « يجوز للانسان ان يأخذ مالاً في مقابل العمل ».

4 ـ النظرية تقول : إن ما يُقرض يعاد من دون استهلاك او نقص ( كما هو الفرض ) وحينئذ فتنمية الثروة بواسطة الإقراض مع الزيادة معناها اخذ من دون عطاء ، وأخذ من دون عمل ، وهذا محرم في الشريعة الإسلامية ، ونلخص التعبير عن هذا القانون بقولنا : « كل كسب لا يسوغه عمل منفق فهو حرام » او : « لا يجوز الكسب من دون عمل » في المنظار التجاري. وإليك بعض المصاديق لهذه النظرية : 1 ـ إذا أجَّرت داراً بخمسين ديناراً ثم أجرتها بالسعر نفسه مع شرط سكناي في هذه الدار ، أو أجرتها باكثر من خمسين دينار مع عدم سكناي في الدار ، فهنا يوجد كسب قد حصلت عليه من دون عمل وهو لا يجوز كما عليه جملة من علماء


66

الاسلام (1) وفي هذا الحكم نصوص كثيرة منها صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما ( الإمامين الباقر او الصادق ( عليهما السلام ) « أنه سئل عن الرجل يتقبل بالعمل فلا يعمل فيه ويدفعه الى آخر فيربح فيه قال : لا ، إلاّ أن يكون قد عمل فيه شيئا » (2). وصحيحة محمد بن مسلم الثانية عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « سألته عن الرجل الخياط يتقبل العمل فيقطعه ويعطيه من يخيطه ويستفضل ، قال : لا بأس قد عمل فيه » (3). وصحيحة الحلبي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) « في الرجل يستأجر الدار ثم يؤاجرها باكثر مما استأجرها به ، قال ( عليه السلام ) : لا يصلح ذلك ألاّ ان يحدث فيها شيئاً » (4) وغير هذه الروايات.

هذا وقد نقل الجزيري عن فقهاء الاحناف : « أن الشخص إذا استأجر داراً أو دكاناً بمبلغ معين كُجنيه في الشهر ، فلا يحل له أن يؤجرها لغيره بزيادة » (5)

وذكر السرخسي الحنفي في مبسوطه : « عن الشعبي في رجل استأجر بيتا وأجَّره باكثر مما استأجره به ، أنه لا بأس بذلك اذا كان يفتح بابه ويغلقه ويخرج متاعه فلا بأس بالفضل ، وعلق السرخسي على ذلك بقوله : بيّن أنه انما يجوز له أن يستفضل اذا كان يعمل فيه عملاً ، نحو فتح الباب وإخراج المتاع ، فيكون الفضل له بازاء عمله ، وهذا فضل اختلف فيه السلف ... وكان ابراهيم يكره الفضل إلاّ أن يزيد فيه شيئاً ، فان زاد فيه شيئاً طاب له الفضل ، واخذنا بقول ابراهيم » (6).

(1) كالسيد المرتضى والحلبي والصدوق وابن البراج والشيخ المفيد والشيخ الطوسي ، راجع المبسوط للشيخ الطوسي ، ج 3 ، ص 226 عن اقتصادنا للسيد الشهيد الصدر ، ص 607.

(2) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 23 من احكام الاجارة ، ح 1.

(3) المصدر السابق : ح 5.

(4) المصدر السابق : باب 22 ، ح 4.

(5) الفقه على المذاهب الاربعة ، ج 3 ، ص 117.

(6) المبسوط ، للسرخسي ، ج 15 ، ص 78 ، عن اقتصادنا ، ص 613.


67

النتيجة من التحقيق والتحليل وبيان النظرية الإسلامية :

إتضح بما لا غبار عليه : « ان الزيادة في بيع النسيئة ( عن الثمن الحال ) ليس لأجل الزمن » بل هي في مقابل العمل المخزون في السلعة ، وبهذا ارتفع اصل الإشكال على بيع النسيئة. واتضح ايضا أن الزيادة في عقد القرض تكون كسباً من دون عمل وهي اكل للمال بالباطل فلا تجوز شرعاً كما لا يجيزها الإقتصاد القائل : لابد ان يتحرك الميزان من الجانبين.

تسويغات خاطئة لصحة بيع النسيئة :

ثم ان هناك تسويغات خاطئة لبيع النسيئة باكثر من الثمن الحال ، فلا بأس بعرضها وردِّها :

1 ـ قالوا : إن الزيادة هي في مقابل الأجل ، وقد ذكر الفقهاء أن للاجل قسطاً من الثمن. وصاحب هذا القول (1) يثبت ان هذه المعاملة ربوية إلاّ انه ليس كل ربا محرم ، بل هذا ربا حلال ، والربا المحرم في غير هذا المورد ، وانما هو في بيع المتجانسين وفي الذهب والفضة ، وفي القرض. نقول : اتضح من تحقيقنا السابق عدم صحة هذا القول ، اذ الزيادة ليست هي في مقابل الاجل ، بل الثمن كله في مقابل السلعة وكان الأجل داعياً للزيادة في الثمن.

2 ـ ذكروا ان زيادة الثمن في بيع النسيئة يمكن أن تكون لسبب المخاطرة ( وهي مخاطرة التخلف او التأخر عن سداد الدين ، او مخاطرة هلاك الدين ، او مخاطرة تقلبات الاسعار كما إذا ارتفع السعر ) (2) نقول : العجب ممن يدعي المعرفة بالفقه الإسلامي أن يقع في تأثير الفكر الرأسمالي الذي يتجه الى تفسير الربح

(1) بيع التقسيط تحليل فقهي واقتصادي ، د. رفيق يونس المصري ، ص 37.

(2) المصدر السابق.


68

وتسويغه على أساس المخاطرة ، ولأجل الرد على هذه الفكرة نقول : ان المخاطرة هل يمكن ان تكون وسيلة للكسب ؟ وهل الإيثار يمكن أن يكون وسيلة للكسب ؟

والجواب : كما تعرض له السيد الشهيد الصدر ( رحمه الله ) في كتابه اقتصادنا (1) فقال :

لا يمكن أن يكون احد هذين الامرين وسيلة للكسب وذلك : « فان المخاطرة في الحقيقة ليست سلعة يقدمها المخاطر الى غيره ليطالب بثمنها ، وليست المخاطرة عملا ينفقه المخاطر على مادة ليكون من حقه تملّكها او المطالبة بأجر على ذلك من مالكها. وانما المخاطرة ( هي حالة شعورية خاصة تغمر الانسان وهو يحاول الإقدام على أمر يخاف عواقبه ، فاما أن يتراجع انسياقا مع خوفه ، واما أن يتغلب على دوافع الخوف ويواصل تصميمه فيكون هو الذي رسم لنفسه الطريق واختار بمل بارادته تحمل مشاكل الخوف بالاقدام على مشروع يحتمل خسارته مثلا ) فليس من حقه أن يطالب بعد ذلك بتعويض مادي عن هذا الخوف مادام شعوراً ذاتياً وليس عملا مجسداً في مادة ولا سلعة منتجة. صحيح أن التغلب على الخوف في بعض الاحيان ، قد يكون ذا اهمية كبيرة من الناحية النفسية والخلقية ، ولكن التقييم الخلقي شيء والتقييم الإقتصادي شيء آخر ».

ثم إن الديون اذا كانت مدعمة برهن وضمانات كافية فهل لا تؤخذ عليها فائدة ( عند من يقول إن الفائدة هي في مقابل المخاطرة ) ؟ ! وهل إن البيع بنسيئة ( بثمن اكثر من الحال ) اذا كان مدعماً بضمانات ورهن كاف هل لا يجوز اخذ الزيادة على الثمن الحال ؟ ! او أن المخاطرة إذا كانت في بعض البيوعات فهي كافية لتسويغ اخذ الفائدة في مقابل الاجل ( كما يقولون ) حتى في البيوعات التي ليست فيها مخاطرة؟

(1) ج 2 ، ص 633 ، طبعة دارالتعارف ، بيروت. وننصح من يهتم بالاقتصاد الاسلامي بدراسة هذا الكتاب الجليل.


69

تفسير عملية المضاربة وأخذ الربح في مقابل المال :

إن عملية المضاربة التي قلنا إنها معاملة شرعية ، يستحق صاحب المال ( النقد ) على نقده ربحاً ، كيف نفسر استحقاق صاحب النقد للربح ؟ قد يقال : إن المالك للمال انما يستحق الربح في عقد المضاربة نتيجة عامل المخاطرة الذي أقدم عليه ، وسلم امواله الى العامل ليتاجر بها ، فهو قد خاطر في امواله ( بهلاكها وتلفها ). ولكن نقول : إن هذا التفسير خطأ فاضح وتوضيح ذلك : إن الربح الذي يحصل عليه المالك للمال في عقد المضاربة هو نتيجة اتجار العامل بأموال المالك ، فالمالك للمال عندما يسلّم امواله الى العامل ليتّجر بها لم تخرج تلك الاموال عن ملكه وحينئذ يصبح مالك المال هو المالك لما يشتريه العامل بهذه الاموال ، نعم ان هذه السلع المشتراة بنقد المالك تزداد قيمتها غالباً بعمل العامل الذي ينفقه على السلعة من نقلها الى السوق واعدادها بين أيدي المستهلكين ، ولكن تبقى السلعة هي ملك لمالك النقد ، للقاعدة القائلة : « ان كل مادة لا تخرج عن ملكيتها لصاحبها بتطوير شخص آخر لها » كما في الصوف الذي يملكه زيد إذا غزله شخص آخر فهو لا يخرج عن ملك زيد رغم زيادة قيمته بواسطة عمل عامل فيه ، وهذا ما اُطلق عليه في الفقه الإسلامي : « ظاهرة الثبات في الملكية » وعليه ادلة كثيرة من الشارع المقدس لسنا الان بصدد ذكرها.

وبهذا اتضح أن حق صاحب المال في الربح في عقد المضاربة هو نتيجة ملكية صاحب النقد للسلعة المشتراة بامواله ، وقد باعها العامل وربح عن طريق بيعها فهو نظير حق مالك اللوح في السرير الذي يصنع من لوحه. واتضح ايضا أن صاحب المال في عقد المضاربة يستحق هذا الربح وان لم يمارس اي لون من الوان المخاطرة كما إذا اتجر شخص بأمواله من دون علمه وربح في تجارته ، فان بامكان صاحب المال في هذه الحالة أن يوافق على ذلك ويستولي على الارباح ، وهذا الحق لا يقوم على اساس المخاطرة.


70

ولنا أن نقول ( لمن يدعي أن المخاطرة هي السبب في الكسب ) من باب النقض عليه اذن يلزمكم أن تحللوا القمار فانه كسب ناتج على اساس المخاطرة وحدها حيث إن الفائز يحصل على الرهان لانه غامر بماله وأقدم على دفع الرهان لخصمه إذا خسر الصفقة ، ولا ندري لعل القمار ( عند المحل للكسب على اساس المخاطرة ) جائز كما هو جائز عند التفكير الرأسمالي. ولكن كلامنا لمن يلتزم الشريعة الإسلامية منهجاً في حياته ولا يؤثر عليه التفكير الرأسمالي في حياته الإقتصادية ، فان الشريعة الإسلامية قد حرمت القمار تحريماً حاسماً كما حرمت الربا وما ذاك كله إلاّ للنظرية القائلة : « لا يجوز الكسب من دون إنفاق عمل مباشر او مختزن » وقد عرفنا ايضا تسويغ أخذ الربح في عقد المضاربة ، حيث إنه لا يتنافى مع هذه النظرية المتقدمة (1).

(1) راجع الملحق في آخر الكتاب.


71

أثر الموت في حلول الأجل


73


73

إن المال الذي يدفع مؤجلا له صور متعددة : منها

1 ـ في مال السَلَم ، فان المثمن يكون في هذا العقد مؤجلا.

2 ـ في الجناية الخَطَئية المحضة ( فمال الجناية هنا على العاقلة ) ، وشبه العمد ، فقد أجل الشارع الدية في هذين الموردين ، ففي المورد الاول اجلّها ثلاث سنين ، وفي المورد الثاني أجلّها سنتين على قول المشهور ، وهناك قول آخر يقول انها تستوفى في ثلاث سنين (1).

اما في مال الجناية العمدية فهي تؤجل سنة واحدة ، والدّية في المورد الثاني والثالث على الجاني.

3 ـ في الدَّين او القرض ، كما إذا باعني بيتاً وبقي قسم من الثمن في ذمتي ، او أقرضني كمية من المال لمدة معينة.

ففي هذه الحالات أو غيرها مما شابهها تكون ذمة الانسان مشغولة لغيره بكمية من المال ، وحينئذ اذا حصل الموت فهل يؤثر الموت في حلول الأجل ؟

نقول : نتكلم اولاً في حالة موت المدين ، ثم نتكلم في حالة موت الدائن.

(1) مباني تكملة المنهاج ، ج 2 ، ص 195 للإمام الخوئي.


74

أولا : إذا مات المدين :

ذكر فقهاء الإمامية أن المدين إذا مات فقد حلت جميع الديون المؤجلة عليه ، والدليل الذي يذكرونه على ذلك هو الروايات ، منها صحيحة الحسين بن سعيد ( المضمرة ) : « قال سألته عن رجل أقرض رجلا دراهم الى أجل مسمّى ، ثم مات المستقرض أيحل مال القارض عند موت المستقرض منه ، او للورثة من الاجل مثل ما للمستقرض في حياته ؟ فقال ( عليه السلام ) : اذا مات فقد حل مال القارض » (1). ومنها رواية السكوني عن جعفر عن ابيه ( عليهما السلام ) انه قال : « اذا كان على الرجل دَين الى أجل ومات الرجل حلّ الدَين » (2).

ولعل النكتة العقلائية والعرفية في حلية ديون المدين اذا مات هي أن المدين قبل موته كانت له ذمة قد شغلت بمال لغيره مؤجلاً الى أجل ، فمادامت هذه الذمة موجودة مادام حيّاً يبقى المال مؤجلاً حسب العقد او الشرط او التمديد الشرعي ، اما اذا مات المدين فقد زالت الذمة التي افترضناها مدينة ويتعلق حق الدائن في التركة التي بقيت للميت ، وهذا هو معنى حلول الدين بموت المدين ، ويكون الدائن له الحق في هذه التركة مقدماً على جميع الورثة ، اذ لا تركة إلاّ بعد سداد الديون وكذا لا تركة إلاّ بعد وصية من الميت كما هو الدستور الالهي الإسلامي المستند الى الآية القرآنية ﴿ من بعد وصية يوصي بها او دين (3).

إشكالات :

1 ـ قد يقال : إن الاجل الذي ضرب في عقد السلم يقتضي قسطاً من الثمن ،

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 12 من ابواب الدَّين ، ح 2.

(2) المصدر السابق ، ح 3.

(3) النساء ، 11.


75

فكيف يحل المثمن بموت البائع الذي اصبح مديناً للمشتري بعقد السلم ؟

2 ـ إذا اشترى انسان من آخر شيئاً نسيئة ، فبما أن للاجل قسطاً من الثمن ، فكيف يحل الدين بموت المشتري ؟

3 ـ قد يقال : إن الشارع المقدس قد فرّق بين الجنايات ، فجعل الجناية الخطئية المحضة والجناية الشبه عمدية مؤجلة أجلاً اكثر من أجل الجناية العمدية فكيف تحل بموت الجاني اذا كان الجاني قد جنى جناية شبه عمد ( او موت العاقلة كما اذا كانت العاقلة افرادا معدودين وقد ماتوا كلهم لسبب ما وقد جنى الجاني جناية خطئية محضة ) ؟ اذا حل مال الجناية الخطئية المحضة وشبه العمدية يوجب ان يكون حكم الجناية العمدية المؤجل الى سنة هو اهون من حكم الجناية الخطئية المحضة وشبه العمدية ؟ وهذا قد يقال إنه مناف لحكم الشارع بالفرق بينها حسب شدة الجريمة وضعفها.

جواب الإشكالات :

نقول في الحقيقة ان هذه المقولة « للاجل قسط من الثمن » مقولة فيها شيء من التسامح ، إذ إن الاجل المؤجل يكون داعياً للزيادة ، فمثلاً إذا كان سعر السكر الآن ديناراً واحداً ، ولكن إذا اشتريته الآن على أن يسلم بعد ستة اشهر فتكون قيمته الآن نصف دينار ، فحينئذ عندما اشتري كمية من السكر الآن على أن أتسلمها بعد ستة أشهر ، يكون هذا الاجل داعياً لتقليل قيمة السكر في هذه العملية البيعية وحينئذ عندما يقع البيع ، يقع على كون كل كيلو من السكر يكون في مقابل نصف دينار ، بشرط أن أتسلمه بعد ستة اشهر ، وهذا هو معنى ان يكون الاجل المتأخر هو الداعي لتقليل قيمة السلعة اذا كانت السلعة تسلم بعد ذلك الاجل. ففي الحقيقة نحن لم نجعل شيئاً من الثمن في مقابل الاجل حتى يأتي الإشكال الذي يقول : اذا مات المدين فكيف تحل ديونه مع أن للاجل قسطا من الثمن ؟

ونفس هذا الكلام نقوله في الجواب عن الإشكال الثاني ، فان من يشتري


76

بالنسيئة لم يجعل شيئاً من الثمن في مقابل الاجل حتى يأتي الاشكال المتقدم ، بل إن البائع والمشتري معا عندما يعلمون ان الثمن سوف يسدد بعد ستة اشهر فيكون هذا العلم داعياً لأن يقع البيع على السلعة بثمن اكبر من قيمتها الحالية ، وحينئذ إذا بيعت السلعة بثمن اكبر من قيمتها الحالية مع علم المشتري بذلك فيكون كل الثمن في مقابل السلعة وليس شيئاً من الثمن في مقابل الاجل ، بل يكون الاجل المتأخر داعياً للزيادة.

واما الجواب عن الإشكال الثالث : فنقول إن الشارع عندما جعل الدية مؤجلة أجلاً بعيداً في بعض صور القتل ( كإرفاق بالقاتل ) هو في صورة كون القاتل له ذمة تتعلق بها الديون ، اما إذا مات ، فلا ذمة ، فقد زال موضوع تأخير الدية ، فحينئذ تكون حالّة. وفي التعبير الفني نقول إن الشارع المقدس قد جعل الدية ( في صورة القتل الخطئي المحض وفي صورة القتل الشبيه بالعمد ) مؤجلة ، وهذا الحكم له فردان ، الفرد الاول يبقى القاتل حياً الى ان ينقضي الاجل ، والفرد الثاني لا يبقى القاتل حياً الى أن ينقضي الاجل بل يموت قبل ذلك. ثم حكم الشارع المقدس بان القاتل اذا مات حل الدين الذي عليه ، وهذا الحكم اخص من الحكم الاول فيخصص الحكم الاول بغير هذه الصورة فيكون الحكم الاول هو في صورة ما اذا لم يمت القاتل فان الدية تبقى مؤجلة الى الاجل الذي حدده الشارع المقدس ، وعلى هذا التصوير لا يقال إن الحكم بحلول الدية مناف لحكم الشارع المقدس ، لان حكم الشارع العام يخصصه المخصص.

اذن الفرق الذي جعله الشارع المقدس بين الجنايات تبقى له فائدة في كل جناية لم يحصل معها موت من عليه أن يدفع الجناية. وهذا الفرق بين الجنايات في هذه الصور هو غرض الشارع المقدس ، فلا منافاة بين تشريعه الآجل في مال الجنايات وبين تشريعه حلّ الديون اذا مات من عليه أن يسلم مال الجناية. ثم اننا نقول : إن اشتراط تأجيل المثمن في بيع السلم ، واشتراط تأجيل الثمن في بيع


77

النسيئة واشتراط الشارع أن تكون الدية في بعض الصور مؤجلة ، إنما يجب العمل بمقتضى هذه الشروط ان كنا نحن وهذه الشروط التي أمامنا ، اما إذا جاء دليل من الشارع له نظر الى هذه الشروط ويقول إنها ساقطة في حالة موت المدين ، فيكون الدليل الحاكم متقدما على الدليل المحكوم ، فهنا نقول إن الروايات القائلة اذا مات المديون فقد حلت جميع ديونه حاكمة على صحيحة عبدالله بن سنان عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) :« المسلمون عند شروطهم » (1) فتقدم. او نقول إن الروايات القائلة إذا مات المديون حلت ديونه هي مخصصة لعموم المؤمنين عند شروطهم ، فتندفع الإشكالات الثلاث ايضا.

ثانياً : إذا مات الدائن :

اما إذا مات الدائن فان الديون التي له على غيره لا تحل ، للأدلة التالية :

1 ـ إن القواعد الاولية كما في آية ﴿ أوفوا بالعقود تقول إن بيع السلم يجب الوفاء به سواء مات الدائن ( وهو هنا المشتري ) ام لا ، وكذا فان مفاد ( المسلمون عند شروطهم ) هو يجب الوفاء بالشروط ، فاذا كان الشرط في عقد القرض او البيع نسيئة هو ان اسلّمه المال المقترض بعد ستة اشهر او ادفع له سعر السلعة بعد مدة معينة ، فهنا يقول الحديث الشريف « المسلمون عند شروطهم » يجب الوفاء بذلك الشرط سواء مات الدائن ام لا ، وكذا الامر عندما حدد الشارع المقدس الاجل لدفع الدية في بعض صور القتل ، فان هذا الشرط هو شرط الهي يجب العمل به سواء مات الدائن ( وهو وارث المقتول خطأ او شبه العمد ) أم لم يمت. ثم إنه لا يوجد هنا نص صحيح يخرج هذا الفرد من تحت قاعدة ﴿ اوفوا بالعقود و « أوفوا بالشروط » كما في صورة موت المدين ، فحينئذ يبقى الدين بحاله لا يحل إلاّ

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 6 من أبواب الخيار ، ح 2.


78

بتحقيق الاجل.

نعم ، توجد هناك روايتان مرسلتان تقولان : اذا مات الانسان حلت ديونه التي له والتي عليه ، وهما مرسلة الصدوق قال : « قال الامام الصادق ( عليه السلام ) اذا مات الميت حلّ ماله وما عليه » (1) وفي نفس المضمون مرسلة ابي بصير (2) إلاّ أن هاتين الروايتين مرسلتان فلا يجوز العمل بهما لاستنباط الحكم الشرعي إذا لم يكونا حجة ، بالاضافة الى انهما مهجورتان عند معظم الاصحاب من الإمامية.

2 ـ لا يمكن قياس ديون الإنسان التي يطلبها على ديونه المطلوب بها ، لوجود الفرق ، وذلك فان ديون الإنسان المطلوب بها إذا كانت مؤجلة وقد مات ، فهنا اذا قلنا إنها لا تحل إلاّ اذا جاء الأجل ، فحينئذ ماذا نقول للورثة ؟ فان قلنا لهم لا تقسموا التركة حتى يحل الدين الذي على الميت ، فهذا يكون ضرراً عليهم. وإذا قلنا لهم اقتسموها من دون انتظار لحلول اجل الدَين ، فهذا يكون فيه تضرر للدائن ، اذ عندما يحل دينه لا توجد تركة للميت. اذن مراعاة لمصلحة الدائن والورثة وعدم الضرر بهما معا ووفقاً للروايات المتقدمة وللآية القرآنية القائلة ان الإرث ﴿ مِن بَعدِ وصيَّة يُوصِي بِها أو دَين (3) لابد من القول بحلول الدين على المدين ، وأخذ ما يستحقه وتوزيع الباقي عن الدين ( والوصية ان كانت ) على الورثة (4). وهذا الذي ذكرناه ( في صورة موت المدين ) غير موجود في صورة

(1) وسائل الشيعة ج 13 ، باب 12 من ابواب الدين ، ح 4.

(2) نفس المصدر ، ح 1.

(3) النساء ، 11.

(4) إن حجة تضرر الورثة ( الذين مات مورثهم وهو مدين اذا لم يقتسموا التركة حتى يحل الدين ) وتضرر الدائن ( اذا اقتسم الورثة قبل حلول الدين ولم نقل بحل الدين ) غير مقبولة لامكان ان نقول إن الورثة يقتسمون ما عدا مقدار الدين. فان قيل ما هي فائدتهم في اقتسام ما عدا مقدار الدين اذا لم يحل الدين ويدفع للدائن ؟ نقول : الفائدة هي يضعون هذا المبلغ في بنك يمكنهم من اخذ الفائدة منه الى حين الاجل ، فان حل الاجل قدموه الى الدائن وحصلوا على الارباح في هذه المدة او ما شابه ذلك من الاعمال التي تضمن للدائن مقدار دينه ، ويكون فيها ربح مضمون ، وبهذا العمل لم يتضرر الدائن اذا لم يحل دينه ، ولم يتضرر الورثة. ولكن نحن لم تكن حجتنا في حلول الدين بموت المدين هي تضرر الوارث او المدين وانما الروايات والآية القائلة إن الارث هو بعد وفاء الديون.


79

موت الدائن اذا كانت له ديون مؤجلة على انسان آخر ، اذ لا ضرر على الورثة بانتظار المدين الى حين حلول الاجل ، فلهم الحق في قسمة التركة بمجرد موت مورثهم ، ولا توجد روايات تقول بحلول دين المديون اذا مات دائنه ، فبمقتضى وجوب الوفاء بالعقد ووجوب الوفاء بالشرط هو انتظار الورثة لمدين أبيهم حتى يحل الاجل فيستحقون ما لمورثهم حينئذ.

والظاهر ان هذا الحكم المتقدم ( حلول الدين بموت المدين ) ليس فيه خلاف بين المسلمين ( كما يقول الفقيه صاحب الجواهر ( قدس سره) ) إلاّ من الحسن البصري المنقرض خلافه (1). ويكفي هذا الإتفاق دليلاً على المسألة.

الدائن للميت اذا وجد عين ماله في التركة :

فهل يجوز له اخذها مقدماً على الديان ؟

نقول : يوجد فرق بين المفلّس الذي وجد مع أمواله ( المحجور من التصرف بها ) نفس العين التي باعها اليه البائع ولم يسدد ثمنها ، فهنا ( البائع ) له الحق في أن يأخذ العين ( ان كان دينه حالاً ) مقدماً على كل الغرماء ، ولو كان ما عند المفلس لا يفي بحق الغرماء ، وليس للغرماء الاعتراض على ذلك. ولعل السر في ذلك : أن البائع عندما باع عين ماله الى شخص ولم يسدد المبلغ بعد حلول أجله ، فله المطالبة بالثمن ، فان لم يدفع اليه الثمن كما هو الحال فيما نحن فيه ( لان المدين قد فلس ) فيكون له الحق في فسخ ذلك البيع مادامت العين المبيعة موجودة ، فاذا فسخ فيكون مقدما

(1) جواهر الكلام ج 25 ، ص 294.


80

على بقية الغرماء ، لانها عين ماله في يد المفلس ، فيأخذها من دون منازع. اما بالنسبة لما اذا مات المدين ووجدت عين احد الغرماء في التركة ، وكانت التركة غير وافية بحق الغرماء ، فليس للدائن أن يأخذ عين ماله ، نعم اذا كانت تركة الميت وافية بجميع حقوق الديان ، فهنا يجوز لمن وجد عين ماله أن ياخذها. وقد يقال هنا كما قيل بالنسبة للمفلس وتوضيح ذلك :

ان المدين عندما مات وحلت جميع ديونه ، ومنها ثمن العين المبيعة الموجودة الآن مع تركة الميت ، فالدائن يستحق المطالبة ، واذا لم يدفع اليه الثمن ( كما هو مفروض المسألة من ان التركة لا تفي بديون الميت ) فيتمكن من الفسخ ، فاذا فسخ تقدم على كل الديان في أخذ عين ماله التي عند غيره ، ولا حق للاخرين في منعه عن أخذ عين ماله.

هنا نقول : لكن الروايات فرقت بين الصورتين ففي صورة كون المدين قد فلِّس جاء صحيح عمر بن يزيد عن أبي الحسن ( عليه السلام ) ( الامام الكاظم ( عليه السلام ) ) قال ( عليه السلام ) : « قال سألته عن الرجل يركبه الدين فيوجد متاع رجل عنده بعينه ، لا يحاصّه الغرماء » (1). والمستفاد من هذا الحديث الشريف العموم ، اي : سواء كانت التركة كافية للديان ام لا. ثم المراد من عدم المحاصة هو فسخ العقد لا عدم المحاصة في الوفاء اذ عدم المحاصة في الوفاء توجب التعرض لزيادة العين على الدين او نقيصتها ، وبما أن الإمام ( عليه السلام ) لم يتعرض لهذا ، فيفهم منه فسخ العقد.

وأما في صورة موت المدين ووجود عين الدائن في التركة ، فقد ذكرت الروايات عدم مزاحمة صاحب العين اذا وفت التركة ، فمن الروايات صحيحة أبي ولاد قال : « سألت ابا عبدالله ( عليه السلام ) ( الإمام الصادق ) عن رجل باع من رجل متاعاً الى سنة ، فمات المشتري قبل أن يحل ماله ، وأصاب البائع متاعه

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 5 من ابواب احكام الحجر ، ح 2.


81

بعينه ، له أن يأخذه اذا حق له؟ فقال ( عليه السلام ) : ان كان عليه دين وترك نحواً مما عليه فليأخذه إن حقّ له فان ذلك حلال له ، ولو لم يترك نحواً من دينه فان صاحب المتاع كواحد ممن له عليه شيء ، يأخذ بحصّته ولا سبيل له على المتاع » (1).

وقد يكون الفرق بين الصورتين ( بالاضافة الى الروايات ) هو عدم تضرر الغرماء في صورة الفلس اذا قدمنا صاحب العين على الغرماء ، وتضرر الغرماء في صورة موت المدين اذا قدمنا صاحب العين على الغرماء ولم تف التركة بالدين.

وتوضيح ذلك :

نقول : بالنسبة للمفلس ( الحي ) ـ الذي حكم عليه الحاكم الشرعي بالحجر ـ فان ذمته باقية ، وحينئذ اذا تقدم صاحب العين وأخذ عين ماله فهو بعمله هذا لا يضرر اي واحد من الغرماء حتى اذا لم يكن عند المفلس ما يكفي لسداد دينه ، وذلك لأنَّ الديان انما أقدموا على أن تكون ذمة هذا الانسان مشغولة لهم ، وها هي الذمة باقية ، وهي مشغولة لهم فلا ضرر عليهم اكثر من الضرر الذي هم قد أقدموا عليه. اما اذا مات المدين فقد زالت الذمة التي كانت مشغولة للغير ، وهي إذا جاء صاحب السلعة ووجد سلعته بعينها ، فلو أخذها مقدّماً على الغرماء فقد ضرر الغرماء وهو عمل غير جائز للحديث المشهور : « لا ضرر ولا ضرار في الاسلام ».

نعم : اذا كانت تركة الميت كافية لسداد الديون فهنا يجوز لصاحب العين أن يأخذ عينه لان هذا العمل هنا لا يضرر الغرماء ، ولذا قالت الرواية بجواز أن يختص صاحب السلعة بها اذا كانت تركة الميت كافية لسداد الديون.

اذا كان الدين على شخص موثقاً ( برهن أو غيره ) فهل يحل الدين بالموت ؟

ذهب بعض الى أن الدين اذا كان موثقاً بما يضمن حق الدائن ، فحتى اذا مات

(1) بنفس المصدر ، ح 3.


82

المدين فلا تحل الديون التي عليه ، بل يبقى الاجل على حاله (1) ، ولعل صاحب هذا الرأي ينظر الى الديون التي تدفعها البنوك لاصحاب الاعمال ، والتي يستوفيها البنك مقسطة ، فان البنك لا يقدم على أخذ كل ديونه اذا مات المدين ، بل يبقى يأخذ أقساطه في موعدها ، لان دينه على الشخص الذي مات قد وثق برهن المعمل او البيت او شيء اخر عند البنك ، فلا يضيع حق البنك بموت المدين حتى اذا كانت تركته لا تفي بسداد كل الديون.

نقول : إن الرهان عقد تابع لعقد الدين ، والرهانة لا تختلف في حالتي موت الراهن وعدمه او موت المرتهن وعدمه ، فان الرهانة توثيق للدين ، فقد يؤخذ الرهن حتى في حالة كون الدين حالاّ ، ولا يوجد أي ارتباط بين الرهن ( الذي هو وثيقة للدين ) وبين الرواية الصحيحة للحسين بن سعيد القائلة « اذا مات ( المديون ) فقد حل مال القارض » (2) فهي مطلقة لما اذا كان الدين قد أخذ عليه وثيقة بما يضمن حق الدائن او لم يؤخذ عليه وثيقة.

نعم ذكر الفقهاء ان موت الراهن ( وهو المدين الذي أعطى وثيقة على الدين ) يجعل الحق للورثة في الامتناع من ابقاء الرهن في يد المرتهن ، لان المرتهن في قبض الرهن هو بمنزلة الوكيل ، وتبطل وكالته بموت الموكل وان كانت الوكالة لازمة ، كما اذا اشترطت بعقد لازم. واذا بطلت الوكالة في القبض الحقيقي فلا تبطل الرهانة ، لأنَّ الرهانة تابعة للدين.

نعم يمكن أن يشترط المرتهن ( استمرار وضع الرهن عند ورثته بعد موته حتى سداد الدين ) فحينئذ اذا مات المرتهن يكون الورثة بمنزلة الوصي في حفظ الرهن مادام الدين باقيا. كما يمكننا القول بان الرهانة ليست في الحقيقة هي وكالة

(1) ذكر هذا الرأي الدكتور علي السالوس في بحثه ( البيع بالتقسيط ) ص 19 وقد ذكره بدون دليل شرعي.

(2) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 12 من ابواب الدين ، ح 2.


83

عقدية في حفظ الرهن ، بل إن قبض المرتهن الرهن صحيح بالحديث الصحيح « المسلمون عند شروطهم » فهو مصداق للوكالة ، وإن لم يكن وكالة عقدية ، فيكون المرتهن نائبا في الحفظ. وعلى هذا يتمكن ان يشترط النيابة في الحفظ لوارثه او للاجنبي. وبهذا لا تبطل الرهانة عند موت المرتهن اذا اشترط ان تكون لوارثه او للاجنبي عند موته ، فانه على هذا التقريب خرجت عن كونها وكالة عقدية تبطل بموت الموكل. ثم إن ما نراه من ان الدين اذا كان موثقاً ومضموناً ( برهن أو غيره ) (1) ، فلا يتقدم الدائن الى ورثة المدين للمطالبة بكل الدين في صورة موت المدين ، فليس معناه انه لا حق للدائن في المطالبة ، بل هو من باب أن الامر الجائز ( وهو مطالبة الدائن للمدين بكل الدين ) وهو حق للدائن يجوز التنازل عنه ، ونحن لم ندع سابقا ولم يكن معنى صحيحة الحسين بن سعيد المتقدمة هو وجوب المطالبة حتى يكون عدم المطالبة دليلا أو شاهدا على عدم الوجوب ، بل قلنا ان لصاحب الدين الحق في المطالبة ورثة المدين بكل الدين اذا مات المدين ، لان الدين الذي كان مؤجلا قد حل ، اما عدم المطالبة فهو قد يحصل حتى في صورة عدم كون الدين موثقاً فهو عبارة عن عدم تقدم صاحب الحق لاستيفاء حقه ، وهذا غير عدم الحق للدائن ، اذا كان الدين موثقا.

(1) كما اذا قال انسان لآخر ، اعط فلانا كذا من الدين ، فان لم يعطك فلان الدين ( او ورثته ) فانا اعطيك الدين ، وكان هذا القائل بمنزلة ان كلامه هذا هو ضمان للدائن عند عدم وفاء المدين.


84

خصم الأوراق التجارية


85


86


87

إن الأوراق التجارية التي يكون لشخص ماحق فيها اذا كانت مؤجلة ( وهي بطبيعة الحال صادرة من شخص آخر نتيجة وفاء دين او ثمن لبضاعة مثلا ، او نتيجة استيثاق للدين باعتبار أن القانون يوجب على من اصدرها تسديد قيمتها عند الحلول ) ففي هذه الحالات واشباهها قد يتقدم ( المستفيد من هذه الورقة التجارية ذات الاجل المحدد ) قبل حلول موعد الوفاء الى بنك معين ليحصل على قيمتها ، وهنا يدفع له البنك بدوره قيمة هذه الورقة بشروط :

1 ـ بعد أن يستنزل مبلغاً معيناً يتكون من فائدة المبلغ المذكور في الورقة التجارية من يوم الدفع حتى يوم الاستحقاق.

2 ـ يأخذ البنك عمولة خاصة لقاء خدمته ، وهذا يستنزل ايضا من قيمة الورقة التجارية.

3 ـ يستنزل البنك ايضا مصاريف تحصيل الورقة التجارية اذا كانت هناك مصاريف تذكر ، كما اذا كانت الورقة التجارية تدفع في مكان غير المكان الموجود به البنك الذي يدفع قيمة الورقة. فلنفرض أن قيمة الورقة التجارية الف دينار ، ومقدار ما يستنزله البنك للموارد الثلاثة المتقدمة هو مائة دينار ، فالبنك يصرف تسعمائة دينار للمستفيد من هذه الورقة التجارية ، ثم حين حلول موعد الوفاء ، يطالب البنك محرر هذه الورقة التجارية ( وهو من صدرت منه وبتوقيعه ) بقيمتها ، فاذا حصل البنك على القيمة أخذها. ولكن هناك حالات قد تحدث مثلاً :


88

1 ـ قد يتخلف محرر الورقة عن دفع قيمتها المستحقة عليه ، فما هي وظيفة البنك حينئذ ؟

والجواب : ان المسؤول عن دفع قيمة هذه الورقة هو الشخص الذي خصم هذه الورقة لدى البنك.

2 ـ اذا تأخر محرر الورقة عن دفع المبلغ بعد حلول الموعد ، فهنا يحتسب البنك فوائد على مدة التأخير حسب سعر الفائدة العام ، ويأخذ هذه الفوائد من محرر الورقة التجارية.

هذا هو الواقع الفعلي لخصم الاوراق التجارية.

والآن وبعد أن عرفنا الواقع الفعلي لخصم الاوراق التجارية لابد لنا من أن نحلل هذه العمليات التجارية لنراها متكونة من اي شيء مع أخذ اعتبار أن يكون التحليل متفقاً مع الواقع الخارجي ، مع قلة الاشكالات الشرعية عليه.

تحليل الواقع الخارجي :

ان هذه العملية ( خصم الاوراق التجارية ) هي في الواقع عبارة عن ثلاثة امور :

1 ـ البنك يقدم قرضاً لمن كانت هذه الورقة. قد صدرت لصالحه ، وهو المستفيد من هذه الورقة.

2 ـ المستفيد ( يوكل ) البنك الدائن في تحصيل قيمة الورقة التجارية من محررها ، ليستوفي دينه منها.

3 ـ يتعهد المستفيد ( الذي خصم الورقة التجارية لدى البنك ) بوفاء محرر الورقة عند حلول الأجل.

اذن ، بحكم الامر الاول : أصبح المستفيد مالكاً للمبلغ الذي تسلمه وهو تسعمائة دينار في المثال ، وهذا المبلغ قد استقرضه من البنك ، وحينئذ يكون البنك دائناً للمستفيد.


89

وبحكم الامر الثاني : اصبح ( البنك الدائن ) وكيلا في تحصيل المبلغ من محرر الورقة التجارية وأن يستوفي دينه منها.

وبحكم الامر الثالث : ـ وهو التعهد ـ : يحق للبنك أن يطالب المستفيد ( وهو المدين له ) بتسديد قيمة الورقة التجارية اذا تخلف محررها عن ذلك عند حلول الأجل ، وبما أن محرر الورقة التجارية هو المدين للمستفيد ، فإن تأخر في دفع المبلغ ، فيكون للمستفيد الحق ( بحكم القانون الربوي الوضعي ) أن يأخذ من المحرر الفائدة على التأخير ، وبما أن المستفيد هو مدين للبنك وقد تأخر عن دفع المبلغ الى البنك تبعا لتأخر محرر الورقة ، فيكون للبنك الحق أن يأخذ من المستفيد الفائدة على التأخير ، وبهذا ستكون الفائدة على التأخير قد استقرت على محرر الورقة التجارية بواسطة توكيل البنك على محرر الورقة في قيمة الفوائد.

اذن على هذا التحليل : يكون ما أخذه ( البنك الخاصم للورقة التجارية ) في مقابل الاجل ( وهو الشرط الاول ) هو الفائدة المحرمة ، لأنه قد أخذها نتيجة الأجل الباقي لموعد حلول الدفع ، وهذا هو الربا بعينه ، وكذا يكون ما أخذه البنك من فوائد التأخير ( عند تأخر المحرر عن الدفع ) هو ربا ايضا لنفس السبب المذكور.

نعم : ما يقتطعه البنك ( حسب الشرطين الثاني والثالث ) أي ما يأخذه كعمولة على خدمته ، او لقاء تحصيل المبلغ اذا كان يدفع في مكان آخر ، فهو امر جائز وذلك :

لأن الاول : هو عمولة لقاء عمل من البنك ، فهو جائز لا إشكال فيه.

وأما الثاني : وهو ما يقتطعه البنك لقاء تحصيل المبلغ اذا كان يدفع في مكان آخر ، فجوازه يحتاج الى توضيح فنقول : إن البنك اذا خصم الكمبيالة فقد أصبح البنك دائنا لمن خُصمت له الورقة ، ولكن بعد أن وكل المستفيد البنك في استحصال


90

قيمة الورقة من محرر الورقة التجارية ويستوفي دينه منه ، فهنا من حق الدائن ان يطالب بالوفاء في نفس المكان الذي تحقق فيه الدين ، ولأجل أن يقبل البنك استيفاء دينه في مكان آخر وهو مكان محرر الورقة التجارية ، يجوز أن يجعل المقترض للبنك جعالة في قبال أن يسقط شرط الوفاء في مكان تحقق الدين ويقبل الوفاء في مكان آخر وهو مكان محرر الكمبيالة ، وهذا هو عبارة عن أخذ البنك قيمة مصاريف تحصيل الورقة التجارية اذا كانت في مكان آخر. كما يمكن للبنك ان يقبل الوكالة في مطالبة محرر الورقة في مكان غير مكان دينه للمستفيد في مقابل جعل أو أجر.

وبعد أن عرفنا تحليل عملية خصم الاوراق التجارية ، وعرفنا ان استنزال البنك الفوائد للمبلغ المذكور من حين الدفع الى يوم الاستحقاق هو عملية ربوية ، وكذا أخذ الفوائد على تقدير التأخير في الدفع ، فهل يوجد لنا طريق للتخلص من الفائدة المحرمة في خصم الاوراق التجارية ؟

نقول : يوجد هنا طريقان :

الطريق الاول : وهو ما ذكره السيد الشهيد الصدر في كتابه البنك اللاربوي في الإسلام (1) كطريق للتخلص من الفائدة المحرمة هنا ، وقد عبّر عنه : « باشتراط القرض المماثل مع التشجيع على تحويله الى حبوة » وتوضح ذلك : ان يشترط البنك على كل مقترض منه أن يقرض البنك لدى الوفاء مقدارا من المال ( يساوي ما يأخذه البنك لقاء الاجل ) لمدة خمس سنوات مثلا ، وهذا الاشتراط ليس به بأس شرعي ، لانه ليس من الربا ، وبعد أن اقترض البنك هذه الكمية من النقود يمكنه أن يودعها عند بنك يسوغ لنفسه اخذ الفائدة منه ( كالبنوك التي تكون للكفار ) وهنا يتقاضى البنك الدائن الفوائد عليها ، وعندما يحل الأجل المحدد يسحب البنك هذا

(1) راجع ، ص 71 وما بعدها ، طبعة المطبعة العصرية في الكويت.


91

المقدار من المال ويدفعه لدائنه. ثم إن البنك يقسم المقترضين منه الى قسمين :

1 ـ عميل من الدرجة الاولى.

2 ـ عميل من الدرجة الثانية.

ويعلن البنك أن من يلتزم بوفاء الديون في وقتها بدون تسامح ويحوّل القرض ـ الذي يأخذه البنك عوضا عن الفائدة في مقابل الاجل لمدة خمس سنين ـ الى حبوة فهو عميل من الدرجة الاولى يفضَّل على العميل من الدرجة الثانية ، فيقدّم إقراض العميل من الدرجة الاولى على إقراض غيره ممن تسامح بالوفاء او ممن لم يحوّل القرض الى حبوة للبنك ، عند تزاحم المقترضين على البنك ، وطبعا فإنَّ التجارب السابقة للبنك هي التي تحدد درجة العميل. وهذا الاعلان من قبل البنك لا يعني اشتراط الفائدة في القرض ، لان تبرع المدين بزيادة حين الوفاء دون الزام عقد القرض له ودون الزامه بشرط ، هو امر جائز شرعا ، وكذلك يمكن لأي دائن أن يؤثر بالقرض ( من كان قد اقترض منه في مرة سابقة ووفى بالوفاء بالوقت وتبرع بزيادة ) فيعطيه قرضا من دون شرط اي زيادة ، وانما يشترط عليه ( القرض الذي يكون بدلا عن الفائدة في مقابل الأجل ) ، وحينئذ اذا تبرع هذا العميل بهذا القرض وحوّله الى حبوة فهو يبقى عميلاً من الدرجة الاولى يفضَّل على غيره في حالات التزاحم على الاقتراض.

نعم : يبقى البنك لا يمكنه أن يتفادى فوائد التأخير التي قد تنجم من تأخير محرر الورقة التجارية عن دفعها حين الأجل ، فان البنك الاسلامي هنا لا يمكنه اخذ هذه الفوائد من المستفيد من هذه الورقة التجارية بحكم كونه بنكاً اسلامياً ، ولكنه سوف يسجل هذا العميل عميلا من الدرجة الثانية ، فلا يقرضه مع وجود عميل من الدرجة الاولى.

وقد يمكن للبنك الاسلامي أن يحتاط لهذه العملية فيشترط على المقترض أن يقرضه كمية من المال ( بقدر العوض عن الفائدة في مقابل الاجل ) لمدة اطول من


92

انتفاعه من هذا المال المقترض ( قدر الفائدة في مقابل الاجل ) فاذا كان مثلا امكان استيفاء قدر الفائدة في مقابل الاجل ( بالصورة المتقدمة ) لمدة خمس سنين ، فهو يشترط على المقترض أن يقرضه هذا المبلغ لمدة ثمان سنين ، فان كان العميل قد اوفى المبلغ في الوقت المحدد فيتمكن البنك أن يستدعي المستفيد على رأس الخمس سنين ليدفع له القرض الذي أخذه منه ، وبقي له مدة ثلاث سنين ، واما اذا لم يسدد العميل القرض في الوقت المحدد ، فيحق للبنك أن يبقي المال الذي اقترضه كمال المدة ويستفيد منه ( بالصورة المتقدمة ) أو بغيرها ثم يرجعه الى صاحبه إن لم يحوله الى حبوة. وبهذه العملية يتفادى البنك الاسلامي بعض فوائد التأخير التي قد تنجم من تأخير محرر الورقة التجارية في الدفع في الوقت المحدد ، او كل فوائد التأخير.

أقول : هذا الطريقة متوقفة على أن نقول إن اشتراط البنك ( المقرض ) على المقترض القرض هو عملية جائزة ، ولعل القول بأنها عملية تجر الى المقرض نفعاً فهي غير جائزة اقرب للقبول.

الطريق الثاني : اما الطريق الثاني للتخلص من الفائدة المحرمة في عملية خصم الاوراق التجارية فهي عملية خصم الاوراق التجارية على اساس البيع ، وتوضيح ذلك :

هناك اتجاه فقهي سائد عند فقهاء الامامية يقول : إن المستفيد الذي صدرت الورقة التجارية ( كمبيالة أوشيكاً او غيرهما ) لصالحه ، يتمكن ان يتقدم الى البنك او الى اي مشتر آخر ، فيبيعه هذا الدين الذي له على محرر الورقة التجارية بأقل من قيمته (1) حالاً. وحينئذ يملك ( البنك او المشتري ) بموجب هذا البيع الدين الذي

(1) كما يقول هذا الاتجاه الفقهي بجواز بيع هذه الورقة التجارية باكثر من قيمتها في بعض الصور ، كما اذا كانت الورقة التجارية صادرة من بنك حكومي معتبر ، وصاحب المال يريد ان يتخلص من عبّ النقد الذي لديه ولا يمكنه ان يودعه لدى البنك لوجود عطلة تستمر عشرة ايام ، فهنا يتمكن صاحب المال ان يشتري الورقة التجارية بأكثر من قيمتها لتلك الظروف الخاصة التي يمر بها ، كخوفه من سرقة النقد الذي عنده ، او أنه يريد السفر ولا يتمكن من حمله معه او غير ذلك. ç


93

كان المستفيد يملكه في ذمة المحرر للكمبيالة او الشيك لقاء الثمن الذي دفعه فعلا ، فيكون هذا من بيع الدين بأقل منه.

تحفُّظ :

إن هذه العملية البيعية الجائزة لدى الامامية ، انما تجوز في غير بيع الدين اذا كان من النقدين ( الذهب والفضة ) باقل منهما ، اما في هذه الصورة فالبيع باطل لانه يشترط في هذا البيع التقابض في المجلس ، فان لم يكن تقابض بطل البيع ، كما ان في هذا البيع يُشترَط التساوي ، فان زاد احدهما حَرُمَ ، للربا ، فلا يجوز بيع الدين ( الذي لي على انسان ) لآخر بأقل منه ، لانه ربا. كما أن هذه العملية الجائزة هي في غير بيع الدين اذا كان مكيلا او موزونا بأقل عنه من جنسه ، حيث يلزم منه بيع الاقل بالأكثر في المكيل والموزون ، وهو ربا البيع المحرم بروايات الاصناف الستة وغيرها ، وحينئذ يكون الجواز مختصا بما اذا كان الدين من الاوراق النقدية مؤجلا ، وقد باعه الانسان بأقل من قيمته كما هو الموجود في بيع الاوراق التجارية (1). والدليل على جواز بيع الدين باقل منه ( او اكثر ) هو عموم قوله تعالى : ﴿ يا ايها الذين آمنوا أوفوا بالعقود واطلاق ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا حيث إن بيع الدين باقل منه هو عقد ، ولا يلزم منه اي محذور شرعي لعدم الربا ،

è (1) يوجد احتمال يقول : إن الاوراق النقدية المتداولة حاليا حكمها هو حكم النقدين من الذهب والفضة ، اذ ان النقدين في ذلك الزمان انما جاءت لها تلك الاحكام ( من التساوي في البيع ، والتقابض في المجلس ) من ناحية الثمنية ، لا من ناحية كونها مكيلة او موزونة ، فعلى هذا الاحتمال لا يجوز بيع الدين اذا كان اوراقا نقدية باقل منه. ولكن الامامية رأت أن الربا في النقدين ( الذهب والفضة ) انما هو لاجل الوزن لا للنقدية.


94

لاننا قلنا سابقا إن الربا اما أن يكون في القرض او يكون في البيع بشرط ان يكون العوضان متجانسين ومكيلين او موزونين ، اما هنا ، فالاوراق النقدية التي هي دين وتحل بعد مدة هي ليست مكيلة او موزونة ، بل هي معدودة فلا يجري الربا فيها اذا كانت المعاملة معاوضة.

ثم إن البنك : يجعل المستفيد ( البائع ) هو المسؤول عن دفع المبلغ المذكور عند عدم تسديد محرر الكمبيالة للمبلغ المذكور حين الأجل ، وهذه المسؤولية يمكن تخريجها على اساس أن البائع لقيمة الورقة التجارية يتعهد بوفاء المحرر لقيمة الورقة عند الأجل ، فعند عدم الايفاء يكون هو المسؤول عن سداد قيمة الورقة حسب تعهده ، او أن يكون ( البنك او المشتري ) قد اشترط عليه في عقد شراء الدين أن يوفيه المبلغ عند حلول الأجل اذا طالبه البنك ، وفي هذه الصورة الثانية يحق للبنك أن يرجع الى البائع حتى اذا لم يمتنع المحرر عن سداد المبلغ ، بخلاف الصورة الاولى.

لكن هناك روايتين : تمنع من أن يأخذ ( المشتري للدين ) اكثر مما دفع الى البائع وهما :

1 ـ رواية محمد بن الفضيل قال : « قلت للرضا ( عليه السلام ) رجل اشترى دَيناً على رجل ثم ذهب الى صاحب الدين فقال له : ادفع إليَّ ما لفلان عليك فقد اشتريته منه قال ( عليه السلام ) : يدفع اليه قيمة ما دفع الى صاحب الدين وبرىء الذي عليه المال من جميع ما بقي عليه » (1).

2 ـ رواية ابي حمزة قال : « سألت ابا جعفر ( عليه السلام ) عن رجل كان له على رجل دين فجاءه رجل فاشتراه منه بعرض ثم انطلق الى الذي عليه الدين فقال : اعطني ما لفلان عليك فاني قد اشتريته منه كيف يكون القضاء في ذلك ؟ فقال

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 15 من ابواب الدين ، ح 3.


95

ابوجعفر ( عليه السلام ) ـ الامام الباقر ـ يردّ الرجل الذي عليه الدين ماله الذي اشترى به من الرجل الذي له الدين » (1).

وقد عمل الشيخ الطوسي ( رحمه الله ) بهذين الحديثين وتبعه جملة من الامامية ، لكن الروايتين ضعيفتان من حيث السند ، فإنَّ في سندهما محمد بن الفضيل الذي فيه غلو وهو ضعيف ايضاً كما ذكر ذلك الرجاليون ، ولا جابر لهذين الحديثين من عمل الاصحاب ، بل شهرة الاصحاب على خلافهما ، وهما على خلاف اصول المذهب وقواعده من الوفاء بالعقد اذا لم يكن مانع شرعي يمنع من الوفاء ، بالاضافة الى أن الرواية الثانية ليس فيها أن الثمن الذي اشتري به الدين هو أقل ، فيمكن حمله على المساوي ، ولذلك وجدت هناك محاولات لحملهما على غير ظاهرهما ( مثل ان البيع فاسد ، وأن صاحب الدين قد أذن للمشتري أن يقبض من المديون مقدار ما أدى ، ويبقى الباقي لصاحب الدين ، فيكون المراد من البراءة في الحديث الاول هو البراءة التي تكون من قبل الدائن الى المديون مما بقي عليه لصاحب الدين ، أو يُحمل على أن الشراء هو للمديون نفسه ولو بصيغة الصلح بإذن من المديون او بإجازة لاحقة ، فيكون الشراء للمديون هو من صلح الحطيطة اذا فُرض كون العوض من الجنس.

والنتيجة عند الامامية : هو العمل على وفق القواعد من : ﴿ أحل الله البيع ، و : ﴿ أوفوا بالعقود إذ إن هذا العقد وهو شراء الدين بأقل منه ، هو عقد وبيع وليس فيه اي محذور شرعي ، فيجب الوفاء به.

اذن يتمكن البنك أو المشتري لقيمة الورقة التجارية ( كمبيالة أو شيكاً ) أن يشتري هذه الورقة التجارية بأقل من قيمتها ، وعند حلول الأجل يستحق جميع قيمة هذه الورقة لصالحه.

(1) المصدر السابق ، ح 2.


96

تنبيه :

إن هذا المقام الذي نحن فيه يختلف عن الربا القرضي الذي هو ( الزيادة في مقابل الأجل في عقد القرض ) ، اذ هنا لا يوجد دائن ومدين وانما يوجد هنا بائع لقيمة الورقة التجارية المؤجلة ( بأقل من قيمتها ) حالاً ، فيكون المشتري منتظراً الزمان ليحصل على كل قيمة الورقة التي اشتراها بأقل ، وهذا لا بأس به لأنه ليس بربا (1).

اذن القاعدة الارتكازية والعرفية القائلة بأن الاجل يكون داعيا لزيادة الثمن ( إنَّ للأجل قسطاً من الثمن ) اذا طبقناها هنا ، فاشترى انسان هذه الورقة التجارية ( التي لها وقت محدد يأتي فيمابعد ) بأقل من قيمتها ، والمفروض انه لا يوجد هنا منع شرعي كما تقدم ، فلا بأس من صحة هذا العقد وهذا البيع. نعم ورد المنع من كون الزيادة في مقابل الأجل في موردين هما :

1 ـ القرض مع الزيادة في مقابل الأجل.

2 ـ في البيع بشروط معينة ، كما اذا بعتُ مَنّاً من الحنطة نقدا بمنٍّ ونصف نسيئة ، فلا يجوز أن يكون نصف المن في مقابل الاجل.

اما في مقامنا : فقد قلنا إن الجواز هنا هو في غير ( المكيل او الموزون ) وفي غير ( الذهب والفضة ) بمثلهما وفي غير القرض ، فلا محذور من ناحية الربا اصلا.

هذا ما ذهب اليه المشهور من علماء الامامية رضوان الله عليهم.

الفرق بين بيع الدينار بمثله في الذمة وما نحن فيه ( بيع الدين بأقل منه لشخص غير المدين )

ذهب السيد الشهيد الصدر ( رحمه الله ) (2) الى أن عملية بيع وشراء « سند الدين » او

(1) نحن نتكلم على مسلك المشهور المجمع عليه تقريبا من أن النقد الورقي ليس حكمه هو حكم النقدين ( الذهب والفضة ) وهو التقابض في مجلس البيع ، بل حكم الاوراق النقدية هو جواز بيع دينار بتومان في الذمة إن صدق عليه أنه بيع ، فلا يشترط التقابض في مجلس العقد.

(2) يراجع البنك اللاربوي في الاسلام ، ص 162 و 175.


97

الورقة التجارية ، هو تغطية لفظية لعملية القرض التي تصدر من المشتري ، فإنَّ حقيقة القرض هو أن يملك شخص مالاً من آخر ، وتصبح ذمته مثقلة بمثله له ، وهذا هو تماما ما يقع في عمليات شراء السندات او الاوراق التجارية حيث إن البنك عندما يعطي تسعين ديناراً بحجة شرائه للكمبيالة التي هي بمائة دينار من موقّع الكمبيالة الى ستة أشهر يكون في حقيقة الامر أنه قد ملّك الغير تسعين ديناراً واصبحت ذمة الغير مثقلة بمثله له ، فاذا أخذ بعد ستة اشهر المائة دينار يكون قد أخذ زيادة في مقابل الاجل في عقد القرض وهو ربا. وهذا هو معنى أن بيع الدينار ( باكثر منه في الذمة ) الى أجل لا يجوز لأنه عبارة عن قرض مع الزيادة اُلْبِسَ ثوب البيع ، فلو بعت عشرة دنانيراً بأثني عشر ديناراً مؤجلة الى شهرين فهو قرض مع الزيادة لا يجوز. إلاّ أنَّ هذا يختلف عمَّا نحن فيه ، اذ المعاملة التي نتكلَّم عنها هي عبارة عن بيع الدين الذي لـ ( أ ) على ذمة ( ب ) الى ( ج ) بأقل منه ، وتكون العلاقة بين ( أ ) و ( ج ) هي علاقة بيع وليست العلاقة هي علاقة مقرض بمقترض ، ولذا لو لم يحصل ( ج ) على ما اشتراه فأن ( أ ) ليس مسؤولا عن ذلك ولذا يشترط ( ج ) على ( أ ) ضمان هذا المال على ذمة ( ب ) فيضمنه وحينئذ يكون ( أ ) مسؤولا عن المال عند عدم السداد من قبل ( ب ) من باب الضمان لا من باب أنَّه اقترض من ( ج ).

هناك طريق ثالث وهو : بأن نبيع الدين الذي هو من الدينار على شخص آخر غير المدين بنقد اخر أقل منه بمقتضى الحساب في السوق التجارية ، فمثلا اذا كانت المائة دينار تساوي خمسين دولارا نقدا فيتمكن المشتري أن يشتريها مؤجلة الى شهرين بأربعين دولارا ويكون هذا من بيع احد الجنسين بغيره ، ونحصل على نفس النتيجة من بيع الدين بأقل منه ، وهذا ليس فيه أي محذور ، وهذه طريقة ثالثة للبنك في خصم الاوراق التجارية ، اي يشتريها بغير جنسها بأقل من قيمتها ، ويكون البائع متعهداً بسداد قيمتها لو تخلف المحرر من السداد في الوقت المحدد.


98

وهذه الطريقة الثالثة كالطريقة الاولى شاملة لكل دين سواء كان ذهبا أو فضة ، أو كان مكيلا او موزونا أو كان معدوداً كالاوراق النقدية ، فانه يجوز بيعه اذا كان نسيئة بجنس آخر أقل منه قيمة حالا ، وهذا هو بيع وعقد فيشمله : ( اوفوا بالعقود ) و : ( أحل الله البيع ) وليس عليه أي شائبة من ربا.

الفرق بين بيع الدينار بالدولار في الذمة وبيع الدين باقل منه بغير جنسه :

هناك من يرى أن بيع الدينار بالدولار نسيئة هو ايضا معاملة قرضية بحسب النظر العرفي وذلك يتضح اذا قلنا بوجود ارتكازين هما :

1 ـ الارتكاز القائل إن كل معاملة مؤدّاها تبديل الشيء بمثله في الذمة تعتبر قرضا عرفاً.

2 ـ الارتكاز الناظر الى باب النقود يقول إن النظر في باب النقود هو الى ماليتها دون خصوصيتها ، اذن المنظور اليه عرفا في بيع ثمانية دنانير بخمسة دولارات هو عبارة عن تبديل مالية بمالية. وحينئذ يشمله عنوان القرض اذ يصدق عليه انه تبديل للشيء الى مثله في الذمة ( لأن المنظور اليه هو المالية فقط ) في الموردين ( الدينار والدولار ) فلا تبقى مغايرة بينهما الا في كون أحدهما خارجيا والاخر في الذمة وهو معنى القرض (1) ، فاذا كان في طرف المدين زيادة يأخذها الدائن كما اذا باعه مائة دينار في الذمة ( التي تساوي خمسين دولاراً ) بأربعين دولاراً نقدا ، فيكون المعطي للاربعين دولاراً دائنا ، وقد أخذ اكثر من اربعين دولاراً وهو ربا.

ولكن ما نحن فيه ( بيع الدين بأقل منه على شخص آخر غير المدين ) يختلف عمّا تقدَّم حيث إن ( أ ) الذي يطلب ( ب ) كمية من الدنانير قد باعها الى ( ج ) بالدولار ( بأقل من قيمتها المالية للدولار ) نسيئة فتكون العلاقة بين ( أ ) و ( ج )

(1) البنك اللاربوي في الاسلام ، للسيد الشهيد الصدر ، ص 176 ـ 177.


99

هي علاقة بائع بمشتر لا علاقة مقترض بمقرض ، ولذا لو لم يدفع ( ب ) الدينار الى ( ج ) فان ( أ ) لم يكن مسؤولا عن ذلك ، ولذا لأجل محافظة ( ج ) على ما اشتراه يشترط على ( أ ) ضمان المال الذي في ذمة ( ب ) فإنْ ضمنه فسوف يكون ( أ ) مسؤولا عن المال اذا لم يدفعه ( ب ) ولكن اصبح مسؤولا بواسطة الضمان ليس الا. ولكن اشكالنا الاساس على الطريق الثاني لبيع الدين ، والطريق الثالث هو : أن ( أ ) عندما يضمن لـ ( ج ) ما في ذمة ( ب ) بعد بيعه ، وطبعا ان هذا الضمان باذن ( ب ) ثم اذا لم يدفع ( ب ) المبلغ الى ( ج ) فسوف يأتي ( ج ) الى ( أ ) ويأخذ منه ما في ذمة ( ب ) بحسب قانون الضمان. ( ان لم يدفع ( ب ) فان ( أ ) هو المسؤول عن الدفع ) ولكن لماذا يرجع ( أ ) على ( ب ) في المبلغ الذي دفعه الى ( ج ) ؟ وعلاقة ( أ ) مع ( ب ) كانت قبل البيع هي علاقة مقرض بمقترض او علاقة دائن بمدين ، لكن بعد ان باع الدينار الذي له الى ( ج ) فقد زالت هذه العلاقة ، ثم بعد ذلك ضمن ( أ ) ما في ذمة ( ب ) لـ ( ج ) بدون اذن ( ب ) ، فان لم يدفع ( ب ) ، المبلغ ودفعه ( أ ) فلا يحق له ان يرجع عليه لأن ( أ ) قد وفى ما في ذمة ( ب ) الى ( ج ) بدون اذن ( ب ) فلا يستحق ان يرجع ( أ ) على ( ب ) ولكن وبما ان الواقع في الخارج هو رجوع ( أ ) على ( ب ) عند عدم تسديد ( ب ) المبلغ الى ( ج ) فتكون المعاملة هي عبارة عن قرض ( ج ) الى ( أ ) مقداراً من المال مع الزيادة في مقابل الاجل وهذا المقدار من المال مع الزيادة في مقابل الاجل له الحق في أخذها من ( ب ) وله الحق أن يأخذها من ( أ ) مع عدم دفع ( ب ) لها ، ولهذا تبقى علاقة ( أ ) مع ( ب ) هي علاقة دائن بمدين فيرجع ( أ ) على ( ب ) عند عدم تسديد ( ب ) الى ( ج ).


101

الباب حط وتعحل


102


103

يلجأ بعض التجار الى ما يعرف في الفقه الاسلامي باسم ( ضع وتعجل ) ومعناه أن يتعجل الدائن في دينه المؤجل عوضاً يأخذه وإن كانت قيمته اقل من دينه ، ويتنازل عن الجزء الآخر ، فلو كان زيد يطلب عمراً ألف دينار مؤجلة الى ستة أشهر فيحق لزيد أن يتعجّل بتسعمائة دينار ويتناول عن الباقي.

وقد أختلف فقهاء الاسلام في صحة هذه المعاملة أو بطلانها وحرمتها ، فقد ذهب الامامية وبعض من فقهاء الاسلام الى صحتها ، ولكن ذهب بعض آخر الى حرمتها.

ادلة المُحرّمين :

الدليل الاول ( القياس ) :

فقد يستدل على حرمة هذه المعاملة بما قاله ابن رشد في بداية المجتهد انها : « شبيهة بالزيادة المجمع النظرة تجتمع على تحريمها ، ووجه شبهها انه جعل للزمان مقدارا من الثمن بدلا منه في الموضعين جميعا ، وذلك أنه هنا لك لما زاد له في الزمان زاد له عوضه ثمنا ، وهنا لما حط عنه الزمان حط عنه في مقابلته ثمنا » (1).

نقول : إن هذا الدليل الذي ذكره ابن رشد هو ( قياس الشَبَه ).

(1) ج 2 ، ص 144 والمراد من الثمن ما يقابل الزمان ( الاجل ).


104

مناقشة القياس :

ويرد عليه في باديء النظر اربعة ردود :

1 ـ ينقض على المقيس عليه بلزوم تحريم بيع السلعة بثمن ( اكثر من قيمتها الحالية ) نسيئة ، حيث إن البائع قد حسب للزمان عوضا ، وهذا ما لم يقل به احد من الجمهور والمذاهب الاربعة (1) ، حيث إنهم منتفقون على صحة بيع النسيئة ، وعادة يكون البيع بالنسيئة اكثر من البيع بالنقد. وقد ذهب الإمامية ايضاً الى صحة بيع النسيئة اذا كان باكثر من البيع بالنقد إذا وقع البيع على الثمن الذي هو اكثر من ثمن النقد ، وهذا البيع بالنسيئة هو ما يسمى ببيع التقسيط ، حيث يتفق الطرفان منذ البداية على بيع التقسيط بالضوابط الشرعية. اذن ليس كل زيادة مع النظرة هي حرام. مع اننا لا نرى ان في بيع النسيئة تكون الزيادة في مقابل الاجل (2).

2 ـ إنَّ قياس الشبه الذي استدل به ابن رشدليس بحجة ( حيث شبّه الزيادة مع النظرة المجمع على تحريمها بوضع الدائن شيئا من دينه في مقابل تعجيل الباقي ) ، فنقول :

أولاً : لا يوجد شبه يوجب سراية الحكم ، إذ إن المجمع على تحريمه هو أن تكون الزيادة في مقابل الإمهال والاجل ، اما هنا فالزيادة تكون في مقابل إسقاط الاجل ، فبينهما فرق واضح. فإذا قيل إنَّ كلا الموردين ( الزيادة في مقابل الامهال ، والزيادة في مقابل الاسقاط ) تغيير مناسب في المبلغ لأجل الزمن ، فالحقيقة الربوية واحدة ، فنقول في جوابهم الرد الثاني.

ثانياً : إن مجرد هذا الشبه لوحده لا يسوّغ لنا ان نعطي حكم المحرّم للشبيه ، إلاّ أن يكون الشبه من جميع الجهات ، وبما أن الشبه هذا ليس من جميع الجهات حيث إن الدائن إذا زاد من دينه في مقابل الأجل شملته ادلة حرمة الربا ، اما اذا حط

(1) راجع نيل الاوطار ، 5/172.

(2) بحثنا هذا مفصلا في بحث بيع التقسيط ( النسيئة ) حيث قلنا إن الثمن الاكبر ( من ثمن النقد ) نسيئة كله في مقابل السلعة وانما يكون الاجل داعيا الى الزيادة ، فهو يختلف عن الزيادة مع النظرة.


105

الدائن من دينه في مقابل تعجيله فلا تشمله ادلة حرمة الربا بل تشمله ادلة الحل كما سيأتي ، وحينئذ كيف نسري الحكم الى الشبيه ؟! ومما يقوله الاصوليون هنا : إننا اذا شككنا في حرمة هذه المعاملة ( حط وتعجل ) والشبهة حكمية طبعا فلا يجب التحرز عنها ونجري اصالة البراءة من الحرمة ، فملخص هذا الرد هو أن القياس الذي استدل به ليس بحجة ولتوضيح ذلك نقول : إن كل قياس له اركان اربعة :

الاصل :وهوالجزئي الاول المعلوم ثبوت الحكم له ( كالزيادة مع النظرة في المثال ).

الفرع : وهو الجزئي الثاني المطلوب اثبات الحكم له ( كالتنازل عن جزء من الدين في مقابل دفع الباقي للدائن في المثال ).

الجامع : وهو جهة الشبه بين الاصل والفرع ( كجعل مقدار من الثمن للزمان ).

الحكم : وهوالمعلوم ثبوته في الاصل ، والمراداثباته في الفرع ( كالحرمة في المثال ).

وهذ القياس بأركانه الاربعة الذي يسمى في عرف المناطقة ( التمثيل ) لا يفيد إلاّ الإحتمال ، حيث لا يلزم من تشابه شيئين في أمر أو اُمور أن يتشابها في الحكم ايضا ، نعم كلما قويت وجوه الشبه يقوى عندنا الاحتمال حتى يكون ظناً ، وهو في هذه الحالة لا يخرج عن ( القيافة ) التي لا تغني من الحق شيئا.

نعم : قد نستفيد ان الجامع ( جهة المشابهة ) العلة التامة لثبوت الحكم في الاصل كما جاء عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) « ماء البئر واسع لايفسده شيء ... لأن له مادة » (1).

وبما أن العلة لا يتخلف عنها معلولها ، فنستنبط على نحو اليقين أن الحكم ثابت في الفرع لوجود علته التامة. ولكن إثبات أن الجامع هو العلة التامة لثبوت الحكم في المسائل الشرعية ليس لنا طريق إليه إلاّ من ناحية الشارع نفسه ، كما إذا نص الشارع على العلة بنفسه ، وحينئذ يخرج عن اسم القياس باصطلاح الفقهاء ، ويسمى قياساً منطقياً هو معنى البرهان الذي هو حجة. وحينئذ اذا عرفنا ذلك

(1) وسائل الشيعة ، ج 1 ، باب 14 من ابواب الماء المطلق ، ح 7 صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع.


106

نقول : في موردنا ، لم ينص الشارع على حرمة الزيادة مع النظرة ، وحينئذ يكون القياس في هذا المورد غير مفيد إلاّ الاحتمال الذي لا يغني من الحق شيئا.

3 ـ إن ما يقال إن للاجل قسطاً من الثمن ، بمعنى ان يكون الاجل داعيا لزيادة الثمن عند العقلاء والعرف ، وهذا الشيء العقلائي والعرفي خرجنا عنه في موردين بحكم الشارع المقدس :

ألاول : القرض : فإذا أقرضت شخصاً كمية من النقود ، فليس لي الحق في أخذ زيادة على النقد المقرض في مقابل الاجل ، وكذا إذا كنت دائناً لشخص نتيجة شرائه مني سلعة فليس لي الحق في زيادة الدين في مقابل الأجل ، لأنَّ هذا قد وصفه الشارع بكونه ربا محرما.

الثاني : في البيع ( وكل معاوضة ) اذا كانت المعاوضة ( في المتجانسين وكانا من المكيل او الموزون ) مع الزيادة نسيئة ، كما إذا بعت منّاً من الحنطة بمنّ ونصف نسيئة ، فلا يجوز أن يكون نصف المنّ في مقابل الأجل.

أما في غير هذين الموردين فعادة يكون الاجل داعيا لزيادة الثمن ، فحتى اذا بعت منّا من الحنطة نقدا بمنٍّ من الحنطة نسيئة ، فيأتي الإرتكاز العقلائي والعرفي ليقول : إن الاجل يكون داعياً لزيادة الثمن المؤجل ، فإذا بعت مع التساوي نسيئة فكأنني بعت منّاً بأقل منه ، فتكون المعاملة ربوية حيث إن البيع كان من جنس واحد وفي المكيل او الموزون مع الزيادة في احد العوضين ، وهذا ما يسمى بالزيادة الحكمية للربا وهو قسم من الزيادة المحرمة في مقابل القسم الثاني من الزيادة المحرمة وهو الزيادة العينية التي هي بيع كيلو من الارزفي مقابل كيلو ونصف مثلا (1).

وبعد أن تبين ان القاعدة العرفية الارتكازية التي تقول : إن للاجل قسطاً من

(1) قد نتوقف في حرمة هذه الصورة إذ الحقيقة انها قرض بصورة بيع ، حيث إن القرض هو التمليك مع الضمان وهي اذا صارت قرضا فهي جائزة من دون زيادة.


107

الثمن قد خرجنا عنها في موردين.

نقول : إن في موردنا ( حط وتعجل ) يجري هذا الارتكاز العقلائي والعرفي دون اي مانع ، فيتمكن الدائن أن يسقط شيئا من ماله في مقابل أن يعجل له الباقي ، فيكون إسقاط الاجل داعياً لنقصان الدين ، وهذا لم يرد عنه دليل شرعي يقول إنه ربا. وفرق هذه المناقشة عن سابقتها هي أنه يوجد دليل على حليتها وهو الارتكاز العرفي العقلائي ، بينما المناقشة الثانية رددنا فيها دليل الحرمة وهو القياس.

4 ـ إن الربا الذي هو حرام هو : أن يأخذ الدائن زيادة على ما اعطاه بالشرط في متن العقد. ولذا قالت الآية الكريمة ﴿ وإن تُبتُم فلكُم رُؤوس اموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون (1). وحينئذ يكون الربا المحرم هو : أن يكون المدين ملزما باعطاء الزائد بحيث لو لم يعط الزائد ألزمه الدائن بواسطة الحاكم التابع للقانون الوضعي للدولة التي تحكّم القانون الوضعي بدلاً من القانون الاسلامي ، أما عملية ( حط وتعجل ) فان الدائن له رأس ماله وهو يتنازل عن بعضه فيأخذ أقل مما يطلب ، وهذا لا دليل على حرمته وذلك لأمرين :

الاول : إذا أراد صاحب المال وهو الدائن أن يبرىء المدين من بعض الدين فله ذلك ، وهذا مورد متفق عليه ، بل هو يستحب اذا كان الوضع عن معسر كما روي في سنن البيهقي وغيره بسنده ان الرسول ( صلى الله عليه وآله ) قال : « من أحب أن يظله الله في ظله فلينظر معسراً ، او ليضع عنه » (2).

الثاني : إن المدين له حق أن يعجّل اعطاء المال الى الدائن ، وهذا ايضاً متفق عليه. وحينئذ نقول : اذا ضممنا الامر الاول للثاني نتج ما نحن فيه ، حيث أن

(1) البقرة ، 279.

(2) ج 6 ، ص 27.


108

الدائن يبرىء ويتنازل عن كمية من الدين في مقابل أن يعجّل المدين القسم الباقي ، فتكون العملية عبارة عن إيقاء المدين بعض دينه معجلا مع ابراء الدائن للباقي.

وحينئذ إذا كانت حلية هذه العملية على القاعدة فلا مجال الى اللّجوء الى دليل القياس ، لانه دليل حيث لا دليل. وهذا الشيء الذي انتهينا إليه قد اشارت إليه بعض الروايات ، فعن ابن عباس قال : « إنما الربا أخِّرلي وأنا أزيدك ، وليس عجّل لي وأضع عنك » (1).

ونحن وإن كنا لا نرى رأي ابن عباس حجة علينا وإنما هو رأي ارتآه ، إلاّ أنه يؤيد ما انتهينا اليه من عدم الحرمة. وبعد هذه الردود الاربعة على رأي من يرى حرمة حطّ وتعجّل بواسطة القياس ، نذكر الدليل القوي على حلّية عملية « حطّ وتعجّل » وهو الروايات الواردة عن أهل البيت ( عليه السلام ) ، وهذه الروايات صحيحة ، ومعها لا يمكن اللجوء الى دليل القياس لما قلنا من أن اللجوء اليه عند عدم وجود دليل على الحلية..

الروايات الدالة على صحة ( حطّ وتعجل )

وهي كثيرة ، منها :

1 ـ صحيحة محمد بن مسلم عن الامام الباقر ( عليه السلام ) : « في الرجل يكون عليه دين الى أجل مسمى ، فياتيه غريمه فيقول : أنقدني من الذي لي كذا وكذا وأضع لك بقيته ، أو يقول : أنقدني بعضا وأمد لك في الأجل فيما بقي ، فقال ( عليه السلام ) : لا ارى به بأسا مالم يزده على رأس ماله شيئا يقول الله عزّوجل : لكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون » (2).

(1) مصنف عبدالرزاق ، ج 8 ، ص 27.

(2) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 32 من ابواب الدين ، ح 1 ورويت ايضا عن الامام الصادق ( عليه السلام ) باب 7 من ابواب الصلح ، ح 1.


109

2 ـ وكذلك جاءت صحيحة الحلبي عن الامام الصادق ( عليه السلام ) في نفس المضمون قال : « سألته عن رجل اشترى جارية بثمن مسمى ثم باعها فربح فيها قبل أن ينقد صاحبها الذي له ، فأتاه صاحبها يتقاضاه ولم ينقد ماله ، فقال صاحب الجارية للذين باعهم : أكفوني غريمي هذا والذي ربحت عليكم فهو لكم قال ( عليه السلام ) : « لا بأس » (1) بناء على ان المشتري قد باع الجارية مؤجلا ، فيكون البائع الثاني قد عجل حقه بنقص منه ، وقد أقره الامام ( عليه السلام ) بقوله لا بأس وهذا بخلاف تأجيل حقه بزيادة فيه ، فانه ربا ، وكم فرق بينهما. كما يمكن أن يستدل بصحيحة الحلبي حتى مع كون المشتري قد باع الجارية حالا ، وقد صالحهم باسقاط البعض واعطاء قدر ما اشتراها من البائع الاول الى البائع الاول ، وهذا هو صلح الحطيطة الذى يقوم مقام الابراء ، ولا ربا فيه وان قلنا بعموم الربا لكل المعاوضات ، لان هذا ليس معاوضة وانما هو ابراء للبعض.

3 ـ وكذلك جاءت صحيحة ابن أبي عمير عن الامام الصادق ( عليه السلام ) : « إنه سأله عن الرجل يكون له دين ( اللام هنا في له بمعنى على كما تقدم ذلك في صحيحة محمد بن مسلم مغيراً للسؤال بقوله الرجل يكون عليه الدين الى أجل مسمى (2).. ) الى اجل مسمى ، فيأتيه غريمه فيقول : انقدني من الذي لي كذا وكذا وأضع لك بقيته ، او يقول : انقدلي بعضا وأمد لك في الأجل فيما بقي عليك ، قال : « لا ارى به بأسا مالم يزدد على رأس ماله شيئا ، يقول الله : لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون » (3).

ثم ان ظاهر الروايات المتقدمة هو : الاكتفاء بالتراضي في صحة ( حط

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 4 من احكام العقود ، ح 1.

(2) هذه الرواية رويت عن الحلبي وعن ابن أبي عمير بتغيير السؤال مع أن الجواب واحد ، ورواها ايضا عن الامام الباقر ( عليه السلام ) محمد بن مسلم.

(3) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 7 من ابواب الصلح ، ح 1.


110

وتعجّل ) من غير حاجة الى الابراء او الصلح. وحينئذ اذا أبرا الدائن المدين من بعض الدين ، او اسقط عنه شيئا او عفا عنه ، او صالحه باسقاط بعض ما عليه فيجوز ايضا على القاعدة من دون حاجة الى النصوص المتقدمة حتى في المتجانسين ، حيث إن الابراء لا يكون فيه ربا ، وكذلك في الاسقاط عنه أو العفو عنه والصلح ، إذ إن هذه الاُمور ليست بمعاوضة كما هو واضح وحتى الصلح حيث انه بمعنى الابراء وهو الاصح. وقد سمّاه الفقهاء بصلح الحطيطة ، وقد روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) إنه قال لكعب بن مالك : « اترك الشطر واتبعه ببقيته » (1) وروي ذلك عن الامام الصادق ( عليه السلام ) ايضا ، فقد روى عبدالرحمن بن الحجاج عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « سألناه عن الرجل يكون عنده المال لأيتام ، فلا يعطيهم حتى يهلكوا ، فيأتيه وارثهم ووكيلهم فيصالحه على أن يأخذ بعضا ويدع بعضا ، ويبرئه مما كان ، أيبرأ منه ؟ قال ( عليه السلام ) : نعم » (2).

4 ـ ومن الروايات الدالة على صحة ( ضع وتعجل ) من غير حاجة الى ابراء او ماشابهه : الرواية المشهورة عن ابن عباس أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لما أمر باخراج بني النضير ، جاءه ناس منهم فقالوا : يا نبي الله إنك أمرت باخراجنا ، ولنا على الناس ديون لم تحل ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « ضعوا وتعجلوا » (3).

الدليل الثاني : ( الروايات )

ومرة يستدل على حرمة ( ضع وتعجّل ) بروايات رواها الحافظ عبد الرزاق ( المتوفى سنة 211 ) في مصنفه ، ففي باب الرجل يضع من حقه ويتعجل ، ما يأتي :

1 ـ اخبرنا عبدالرزاق قال : اخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب وابن عمر قالا : من كان له حق على رجل الى أجل معلوم فتعجل بعضه وترك

(1) المستدرك ( مستدرك الوسائل ) ج 2 ، ص 499 ، الطبعة الحجرية.

(2) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 6 من ابواب الصلح ، ح 1.

(3) بداية المجتهد ج2 ، ص144 ، وسنن البيهقي ج6 ، ص27 والنهاية ج4 ، ص75.


111

بعضه فهو ربا. قال معمر : ولا أعلم أحداً قبلنا إلاّ وهو يكرهه.

2 ـ اخبرنا عبدالرزاق عن الثوري عن ابن ذكوان عن يسر بن سعيد عن أبي صالح مولى السفاح قال : بعت بزّاً لي الى أجل فعرض علي أصحابي أن يعجلوا لي وأضع عنهم ، فسألت زيد بن ثابت عن ذلك فقال : لا تأكله ولا تؤكّله.

3 ـ اخبرنا عبدالرزاق قال : اخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال اخبرني ابوالمنهال عبدالرحمن بن مطعم قال : سألت ابن عمر عن رجل لي عليه حق الى أجل ، فقلت : عجل لي وأضع لك ، فنهاني عنه.

4 ـ اخبرنا عبدالرزاق قال : اخبرنا اسرائيل عن عبدالعزيز بن رفيع عن قيس مولى ابن يامين قال : سألت ابن عمر ، فقلت : إنّا نخرج بالتجارة الى أرض البصرة والى الشام ، فنبيع بنسيئة ثم نريد الخروج فيقولون ضعوا لنا وننقدكم ، فقال : إن هذا يأمرني أن افتيه ان يأكل الربا ويطعمه ، وأخذ بعضد لي ثلاث مرات ، فقلت : انما استفتيك ، قال : فلا.

5 ـ اخبرنا عبدالرزاق قال : اخبرنا ابن عيينة عن اسماعيل بن أبي خالد قال : قلت للشعبي ان ابراهيم قال في الرجل يكون له الدين على الرجل فيضع له بعضا ويعجل له بعضا : انه ليس به بأس ، وكره الحكم بن عتيبه ، فقال الشعبي : أصاب الحكم وأخطأ ابراهيم (1).

6 ـ ذكر مالك في الموطأ ( تحت باب ماجاء في الربا في الدين ) :

حدثني يحيى عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن يسير بن سعيد عن عبيد ابي صالح مولى السفاح ، انه قال : بعت بزّاً لي من اهل دار نخلة الى أجل ، ثم اردت الخروج الى الكوفة ، فعرضوا علي أن اضع عنهم بعض الثمن ، وينقدوني ، فسألت عن ذلك زيد بن ثابت ، فقال : لا آمرك ان تأكل هذا ولا تؤكله.

7 ـ وحدثني عن مالك ، عن عثمان بن حفص بن خلدة ، عن ابن شهاب ، عن

(1) راجع المصنف 8/71 ـ 75.


112

سالم بن عبدالله ، عن عبدالله بن عمر ، أنه سأل عن الرجل يكون له الدين على الرجل الى أجل ، فيضع عنه صاحب الحق ويعجله الآخر ، فكره ذلك عبدالله بن عمر ونهى عنه.

8 ـ وحدثني مالك عن زيد بن أسلم ، انه قال : كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق الى أجل ، فاذا حل الاجل ، قال : أتقضي أم تربي ؟ فان قضى أخذ ، وإلاّ زاده في حقه وأخّر عنه في الأجل. قال مالك : والأمر المكروه الذي لا اختلاف فيه عندنا ، ان يكون للرجل على الرجل الدين الى أجل فيضع عنه الطالب ويعجله المطلوب ، وذلك عندنا بمنزلة الذي يؤخر دينه بعد محله عن غريمه ويزيده الغريم في حقه ، قال : فهذا الربا بعينه ، لا شك فيه (1).

مناقشة هذه الروايات :

1 ـ اذا نظرنا الى هذه الآثار الثمانية نراها تشترك في نقطة ضعف مهمة وهي عدم صدور هذه النصوص من النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فلو كان هذا الحكم قد صدر من النبي ( صلى الله عليه وآله ) حقاً فما أجدر الاشارة اليه من هؤلاء الرواة ! ! وحينئذ يكون عدم الاشارة الى هذا يجعلنا نقول : إن هذه الآثار إنما هي اجتهادات من قبل اصحابها في تنزيل ( حطّ وتعجّل ) منزلة ( الزيادة مع النظرة ) ، وهذا التنزيل ( كما صرح به في الأثر الرابع حيث صرح السائل بانه يستفتي المسؤول وقد افتاه المسؤول بقوله لا ) اذا كان اجتهادا من صاحبه فهو ليس بحجة علينا مادامت الشريعة قد فرّقت بين الصورتين كما رأينا ذلك من الروايات الصحيحة المتقدمة عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وعلى الاقل فان الصورة الاولى ( حطّ وتعجّل ) ليس فيها نهي من قبل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بخلاف الصورة الثانية ( الزيادة مع النظرة ) فان فيه النهي من قبل القرآن ومن قبل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأهل بيته المعصومين ( عليهم السلام ).

وهذا الرد على هذه الآثار الثمانية لا يمكن أن ينسحب على الروايات

(1) راجع لباب في كتاب البيوع من الموطأ.


113

الصحيحة المتقدمة التي نقلناها عن الأئمة ( عليهم السلام ) وذلك لان الائمة ( عليهم السلام ) قد صرحوا بان ما يقولوه من أحكام هو عن آبائهم عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عن جبرئيل عن الله سبحانه وتعالى ، فمن تلك الروايات ما ورد عن جابر قال : « قلت لابي جعفر ( عليه السلام ) ( الامام الباقر ) إذا حدثتني بحديث فاسنده لي فقال : حدثني أبي عن جدي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن جبرئيل عن الله تبارك وتعالى ، وكلما احدثك بهذا الاسناد » (1).

وهناك روايات كثيرة متواترة معنى تدلل على ان ما يقوله الأئمة ( عليهم السلام ) ليس هو رأيا مخالفا للرسول ( صلى الله عليه وآله ) ولا هوى ، بل هو شيء له أصل ، فاذا ثبتت هذا وجب الأخذ بما ذكروه من أحكام ( إن كان الرواة الذين ينقلون الرواية عنهم ثقات ايضا ) لان ما يقولونه هو قول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) او فعله او تقريره وهو السنة ، ويكون قول الامام ( عليه السلام ) ناقلا لها.

فمن هذه الروايات المتواترة ما رواه سماعة عن ابي الحسن ( عليه السلام ) قال : « قلت له كل شيء تقول في كتاب الله وسنته او تقولون فيه برأيكم ؟ قال : بل كل شيء نقوله في كتاب الله وسنة نبيه (2).

تنبيه : وهذا الذي قلناه من وجوب العمل بروايات أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) اذا ثبت كونهم من الموثوقين انما هو لالزام غيرنا الذي لا يعتقد ما تعتقده الامامية الاثنى عشرية ، من أن الأئمة الاثنى عشر معصومون من الخطأ والزلل والنسيان كالنبي ( صلى الله عليه وآله ) لما دلت عليه الآيات القرآنية مثل ﴿ إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (3) ومعنى اذهاب الرجس عنهم هوالعصمة. ولما ثبت ايضا عند الكل في خطبة الغدير من قول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : « اني اوشك ان ادعى

(1) وسائل الشيعة ، ج 18 ، باب 8 من ابواب صفات القاضي ، ح 67 وغيره. وأمالي الشيخ المفيد ، ص 26.

(2) بصائر الدرجات ، 301 ، تأليف المحدّث أبي جعفر محمد بن الحسن بن فروخ الصفار القمي ، ( ت 290 هـ. ق ).

(3) الاحزاب ، 33.


114

فأجيب ، وإني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله عزوجل وعترتي. كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الارض وعترتي اهل بيتي ، وإن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما » وقد روى هذا الحديث مئة من الصحابة وعشرة ، ورواه من التابعين اربعة وثمانون تابعيا ، ورواه من أئمة الحديث وحفّاظه ثلاث مئة وستون نسمة (1).

2 ـ ثم نرجع الى مناقشة النصوص الثمانية المتقدمة التي تحرم ( حطّ وتعجّل ) فنقول : بعد الغض عن اسنادها ، وقولنا إنها آثار شرعية منتسبة الى الشارع المقدس ، يحصل هنا تعارض بدوي بين القاعدة الاولية والنصوص التي تقول إن ( ضع وتعجل ) ليس به بأس فهو جائز ، وبين هذه الآثار التي تنهى عنه. ومقتضى الجمع العرفي بين هذه الآثار هو حمل الآثار الثمانية على كراهة هذه العملية ( ضع وتعجل ) ، ومعنى الكراهة هو أن الترك اولى من الفعل ، الا أن الفعل جائز ، وسرّ حملها على الكراهة هو ان النصوص الثمانية التي تحرم هذه العملية تحرمها بواسطة النهي او الكراهة او تنزيل هذه العملية منزلة الربا ، بينما روايات الجواز هي صريحة في الجواز ، فنحمل روايات النهي على النهي الكراهتي ، للنص الصريح المجوز ، اذ يكون هذا النص الصريح المجوز قرينة على أن المراد من النهي هو الكراهة الاصطلاحية ، وكذلك يكون النص الصريح المجوز حاملا للتنزيل على التنزيل في الترك لا الحرمة. ثم ان بعض الآثار الثمانية ليس فيه نهي كما هو الحال في الاثر السادس الذي يقول فيه زيد بن ثابت ( لا آمرك أن تأكل هذا ولا تؤكله ).

نعم ان الاثر الاول من الاثار الثمانية يقول : ان حط وتعجل هو ربا ، وهذا الاثر يتعارض مع النصوص الصحيحة المجوزة لهذه العملية ، اذ إن جواز هذه العملية لابد أن يكون من باب أنها ليست ربوية وليست محرمة بالكلية ، فالاثر

(1) راجع كتاب الغدير ، للعلاّمة الاميني.


115

القائل إن هذه العملية ربا يكون معارضا للروايات المجوّزة.

ما هو العمل عند تعارض الروايات في عملية حط وتعجل :

هناك جوابان :

1 ـ يتلخّص في أن الاثر القائل أن حط وتعجل هو ربا لا يمكن الالتزام به على أنه يفيد الحرمة وذلك لاحد سببين :

الأول : ان هذا الاثر المحرم يخالف القاعدة العرفية الارتكازية القائلة : أن لكل انسانِ الحق في أن يتنازل عن بعض حقه للآخر ، وهذه القاعدة الارتكازية مستحبة اذا كان التنازل عن الحق للمعسرين ، فقد روى في سنن البيهقي بسنده أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) قال : « من أحب أن يظله الله في ظله فلينظر معسرا ، او ليضع عنه » وفي حديث آخر : « من سرّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينظر معسرا او ليضع عنه » (1) ، وهذا التنازل عن الحق هو الابراء. كما أن للانسان الحق في أن يتعجل في قضاء دينه المؤجل. فاذا عرفنا ذلك يكون الاثر الاول ( الوارد في الجو الارتكازي والعرفي الدال على جواز ابراء الانسان غيره من بعض الدين ، وجواز أن يتعجل المدين في قضاء دينه ) غير مراد منه الربا المحرم وانما يفهم منه المعنى اللغوي للربا وهو حصول المدين على زيادة وهذا ، شيء نسلم به ، إلاّ أن الكلام في حرمة هذه الزيادة.

الثاني : أن هذا الاثر الذي يقول إن ( حط وتعجل ) هو ربا لا يمكن الاعتماد عليه كدليل يفيد الحرمة لأن علماء الاسلام ذكروا أن الربا القرضي المحرم هو عبارة عن قسمين :

1 ـ الربا الجاهلي ( اتقضي ام تربي ).

2 ـ الزيادة على رأس المال من اول عقد القرض.

(1) ج 6 ، ص 27.


116

وقد ذكر الفخر الرازي موضحا المعاملة التي كانت جارية في الجاهلية وتسمى ربا فقال : « اعلم ان الربا قسمان : ربا النسيئة وربا الفضل. أما ربا النسيئة فهو الامر الذي كان مشهورا متعارفا في الجاهلية وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا ، ويكون رأس المال باقيا ، ثم اذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال ، فان تعذر عليه الاداء زادوا في الحق والأجل ، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به » (1). وعلى هذا فلا يكون ( حط وتعجل ) هو ربا ، لان الربا هو الزيادة على رأس المال يأخذها المقرض ، وهنا ليس كذلك. وحينئذ اذا لم يمكن استفادة الربا المحرم ( من الاثر الثامن ) فلابد من حمل لفظ الربا اما على الزيادة المكروهة او على استحباب تركها ، وتوضيح ذلك :

أ ـ ان لفظة الربا قد اطلقت على بعض العمليات المحللة بالقطع واليقين ، كما في الروايات القائلة : ان ربح المؤمن على المؤمن ربا ، وفي بعضها الا أن يشتري باكثر من مائة درهم فاربح عليه قوت يومك ، او يشتريه للتجارة فاربحوا عليهم وأرفقوا بهم (2). وعلى هذا فمجرد وجود لفظة الربا في أثر ( مع أن الموضوع الذي حكم عليه بانه ربا ليس بربا ووجود روايات تحلل هذا الموضوع ) يدل على أن لفظة الربا قد استعملت في الاثر الشرعي بمعنى الكراهة.

ب ـ توجد روايات تشير الى أن بعض التصرفات هي ربا حلال ، وهذه تسمى بروايات ( ربا العطية ) كما روى ذلك جعفر بن غياث عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « اربا رباءان احدهما ربا حلال والآخر ربا حرام ، فأما الحلال فهو أن يقرض الرجل قرضا ، طمعا أن يزيده ويعوضه بأكثر مما أخذه بلا شرط بينهما ، فان اعطاه أكثر مما أخذه بلا شرط بينهما فهو مباح له ، وليس له عند

(1) مفاتيح الغيب المشتهر بالتفسير الكبير ، 7/91 طبعة مصر ( المطبعة البهية ).

(2) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 10 من ابواب آداب التجارة.


117

الله ثواب فيما أقرضه ، وهو قول الله عزوجل : ﴿ فلا يربوا عند الله وأما الربا الحرام فهو الرجل يقرض قرضا ويشترط أن يرد أكثر مما أخذ فهذا هو الحرام » (1). وعلى هذا نقول ان وجود لفظة الربا في أثر شرعي ( مع وجود الاثار الكثيرة التي تقول إن حط وتعجل ليس بربا ) يدل على أن لفظة الربا محمولة على الربا الحلال ( أي الذي يفضل تركه ويستحب ) فان وجود الروايات المحللة يكون قرينة على هذا الحمل. وحينئذ لا يكون هناك تعارض بين النصوص والاثار.

2 ـ يوجد حمل آخر للتخلص من المعارضة وللجمع بين الروايات التي تحلل والآثار التي تحرم وهو أن نقول : إن من افتى بتحريم ( حط وتعجل ) كان ينظر الى أن الدائن يبيع ماله الذي في ذمة الغير بأقل منه حالا ، وهذا هو الربا المعاملي ولكنه يختص في هذه الصورة بالمتجانسين المكيلين او الموزونين. وهذا صحيح اذا كانت العملية هي عملية معاوضة الاكثر بالاقل. اما الروايات الصحيحة عن اهل البيت المحللة لعملية ( حط وتعجل ) فهي لا تقول بوجود معاملة اصلاً في البين ، وانما تقول اذا حط الدائن من دينه وتعجل الباقي فهو امر جائز ( سواء قصد الابراء عن الزائد او المصالحة على الدين المؤجل بأقل منه وهو ما يسمى بصلح الحطيطة ، ام لم يقصد شيئا من ذلك ) ، ولذا قلنا إن عملية ( حط وتعجل ) صحيحة حتى اذا كان المال المدين هو من المتجانسين المكيلين او الموزونين ، لأن الدائن عندما يحط شيئا ويتعجل الباقي لم يكن هذا معاوضة بين ما يطلبه وما يأخذه ، وكذلك اذا أبرأ شيئا من ماله مع تعجيل الباقي فانه لا يجري فيه الربا وكذا الامر في المصالحة بالاقل ، فان هذا ما يسمى بصلح الحطيطة فلا يجري فيه الربا. وعلى هذا الحمل اذن لا يوجد اختلاف بين علماء الاسلام ، اذ يكون الأمر هكذا :

1 ـ اذا عاوض الدائن ماله في ذمة الغير بأقل منه حالا فهو ربا في المكيلين

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 18 من ابواب الربا ، ح 1.


118

او الموزونين.

2 ـ اذا لم يكن هناك معاوضة اصلا ، وانما يسقط الدائن قسما من ماله في ذمة زيد ويعجل زيد له الباقي فهذا صحيح لا ربا فيه حتى في المتجانسين المكيلين او الموزونين.

3 ـ اذا ابرأ الدائن المدين عن قسم من دينه ، او صالحه على الاقل فهو امر جائز لأنَّ الابر

لا يدخل فيه الربا ، وكذا هذا الصلح المسمى بصلح الحطيطة.


119

التداين ونظرة الإسلام اليه


121

رأينا أن الأنسب بالمقام هو بحث التداين ونظرة الاسلام إليه من ناحيتين :

1 ـ اقتصادية.

2 ـ اخلاقية.

1 ـ التداين ونظرة الاسلام إليه من الناحية الاقتصادية :

لابد أولاً من معرفة معنى الدَّين ، وقد عرّفه فقهاء الاسلام بانه : المال الكلي الذي أشغل وعاء الذمَّة الذي يفترض لصيقاً بالانسان. وحينئذ من الواضح أنَّ تصور الفقه الاسلامي لنقل الدَّين وانتقاله على حدّ تصورهما في المال الخارجي ، ولذا اعترف الفقه الاسلامي ( الشيعي ) بشيئين :

1 ـ الحوالة : التي هي عبارة عن تحويل المدين الدائنَ على شخص آخر ، أو قل هي عبارة عن نقل المال من مكان الى مكان آخر ( أي من ذمّة الى ذمّة ) وهي معروفة في الفقه الوضعي بـ ( حوالة الدَّين ).

2 ـ بيع الدَّين : وهو عبارة عن تبديل مالك المال الموجود في الذمّة ، كما اذا باعه لشخص ثالث ، أو وهبه له. وهذا يسمى في الفقه الوضعي بـ ( حوالة الحق ).

اما البحث حول الحوالة : فان معناها عند الشيعة هو الحوالة المطلقة ( غير المقيدة بالدَّين ) ، فان مشهور علماء الشيعة ـ على ما جاء في كتاب جواهر الكلام ـ


122

على الاعتراف بالحوالة على البريء. قال : « ويصح أن يحيل على من ليس عليه دَين ، وفاقاً للمشهور ، بل عن السرائر الاجماع عليه ، وهو الحجة بعد اطلاق النصوص السابقة وعموم ﴿ اوفوا بالعقود (1) والسيرة على فعلها بحيث يعلم شرعيتها » (2).

واما الحوالة على المدين فقد قال بها كل علماء الشيعة ، والنصوص التي اشير اليها كدليل على صحة الحوالة بصورة مطلقة كثيرة ، منها : ما رواه ابو أيوب الخزاز في الصحيح : أنه سأل الامام الصادق ( عليه السلام ) : « عن الرجل يحيل الرجل بالمال أيرجع عليه ؟ قال : لا يرجع عليه ابدا إلاّ أن يكون قد أفلس قبل ذلك » (3).

وأما من ينكر الحوالة على البريء من علماء الشيعة ، فهو ليس لأجل الصعوبة في أصل تصويرها بل لأجل الدعوى القائلة بأن الحوالة على البريء ترجع الى الضمان الذي هو عبارة عن نقل المال من ذمّة الى ذمّة ، وهذا يختلف عن الضمان عند ابناء العامة الذي هو « ضم ذمّة الى ذمّة » فقد ذكر هذا المعنى السيد الشهيد الصدر ( رحمه الله ) حيث قال :

« إن هذا الانكار ليس لاجل الصعوبة في تصوير أصل الحوالة ، بل لدعوى ان الحوالة على البريء ترجع الى الضمان ، فباب الضمان يختلف عن باب الحوالة ، فان الحوالة تصدر من المدين الى من يقع عليه الدَّين بعد الحوالة ، والضمان بالعكس ; فهو شيء يصدر من نفس من يقع عليه الدَّين ، ويقال : إن الحوالة على البريء يرجع روحها الى الضمان ، فانه ـ في الحقيقة ـ يصدر من الذي يقع عليه الدَّين بهذه المعاملة المتقبل للدَّين ، وهذا عبارة عن الضمان ، فلا تتصور الحوالة على البريء بنحو يفترق عن الضمان ، هذا ما يذكر في المقام. وهذا كما ترى غير مربوط بصعوبة أصل تصوير الحوالة ، والحق أن الحوالة على البريء ـ ايضاً ـ صحيحة ولا

(1) المائدة ، 1.

(2) جواهرالكلام ، ج 26 ، ص 165.

(3) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 11 من احكام الضمان ، ح 1 ، ص 158.


123

ترجع الى باب الضمان على تحقيق موكول الى محله » (1).

وذكر السيد الحائري ( تلميذ السيد الشهيد ) توضيحاً لما ذكره السيد الشهيد الصدر اخيراً من عدم رجوع الحوالة على البريء الى باب الضمان فقال : « ولعله ينظر ( رحمه الله ) في تصحيحه للحوالة على البريء ـ من دون رجوع الى باب الضمان ـ الى ما ذكره في الجواهر ، من أن انشاء الضمان : يكون في باب الضمان من الضامن ، وفي باب الحوالة من المحيل ، غاية الامر أن يفرض اشتراط رضا المحال عليه بما أنشأ المحيل من الحوالة ، وهذا غير انشاء الضمان منه مباشرة » (2) ، فتختلف الحوالة على البريء عن الضمان.

أقول : تبين ـ مما تقدم ـ أن علماء الشيعة تصوّروا نقل الدَّين من ذمّة الى ذمّة أي تغيير المدين. وتغيير المدين مرة يكون عن طريق الحوالة بصورة مطلقة ( على المدين او على غير المدين ) كما تصور ذلك في الحوالة المطلقة اكثر علماء الشيعة ، ومرة يكون تغيير المدين بصورة الحوالة على المدين ، وبصورة الضمان ، وقد اعترف بالحوالة على المدين وبالضمان كل علماء الشيعة. اذن يمكن القول بأن الشيعة الإمامية تصوروا امكان تغيير المدين من اول الامر ، كما أن الدليل على ذلك من ائمة الهدى ( أهل البيت ) قد تقدم في تصوير مطلق الحوالة.

وأما الدليل على صحة ضمان الضامن للمدين ففيه ـ ايضا ـ نصوص وردت عن أئمة اهل البيت منها :

1 ـ صحيحة عبدالله بن سنان عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « في الرجل يموت وعليه دين ، فيضمنه ضامن للغرماء ، فقال : اذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمّة الميت » (3).

2 ـ موثق اسحاق بن عمار عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « في الرجل يكون عليه

(1) فقه العقود ، للسيد الحائرى ، ص 66 ـ 67 ( مخطوط ).

(2) فقه العقود ، للسيد الحائرى ، ص 66 ـ 67 ( مخطوط ).

(3) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 14 من أبواب الدين ، ح 1.


124

دين فحضره الموت ، فقال وليه : عليَّ دينك ، قال ( عليه السلام ) : يبرؤه ذلك وان لم يوفه وليه من بعده » (1). وطبعا هذه الرواية الثانية تقيد بما اذا رضي الغرماء بضمان الابن دَين ابيه كما دلت عليه الرواية الاولى.

3 ـ روى الشيخ الطوسي ( رحمه الله ) في الخلاف عن ابي سعيد الخدري قال : « كنا مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في جنازة ، فلما وضعت قال : هل على صاحبكم من دَين ؟ قالوا : نعم درهمان ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : صلّوا على صاحبكم ، فقال علي ( عليه السلام ) هما عليَّ يا رسول الله وأنا لهما ضامن ، فقام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فصلى عليه ، ثم أقبل على علي ( عليه السلام ) فقال جزاك الله عن الاسلام خيرا ، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك » (2). وهذه الرواية ـ كالرواية الثانية ـ مقيدة بما اذا رضي الغرماء بضمان الضامن كما دلت عليه الرواية الاولى.

اذن ثبت بالدليل الشرعي امكان تغيير المدين في صورة رضاء الغريم بذلك ، وهوى يؤدي معنى الحوالة.

السنهوري وما فهمه من فقه السنة ( بالنسبة لحوالة الدَين والحق ) :

لقد رأى السنهوري في الفقه السنّي باباً باسم باب الحوالة ( ويقصدون بها حوالة الدين ) ولكنه لم يجد اصطلاح حوالة الحق في المذاهب الأربعة إلاّ في الفقه المالكي في الجملة (3). فقد رأى الدكتور السنهوري أن هذا شيء لا يمكن أن يقع في فقه ما ، وإلاّ لكان هذا بدعاً في تطور القانون ـ على حد تعبيره ـ وذلك لأمرين :

احدهما : إنه من غير الطبيعي أن يعرف نظام قانوني حوالة الدَين قبل أن يعرف حوالة الحق ، لما مضى من ان رابطة الالتزام بالمدين اشد وأقوى منها

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 14 من أبواب الدين ، ح 2.

(2) المصدر السابق ، باب 3 من احكام الضمان ، ح 2.

(3) الوسيط ج 3 ، فقرة 240 ، ص 421 ، وفقرة 434 ـ 437.


125

بالدائن ، وشخصية المدين أخطر في هذه الرابطة من شخصية الدائن.

ثانيهما : إنه من غير الطبيعي ان يسلّم نظام قانوني بانتقال الدَّين بين الاحياء من مدين الى آخر ، وهو لم يعترف بانتقاله بسبب الموت ، لأنَّ تصور قيام الوارث مقام الميت أسهل من تصور قيام شخص مقام من هو حي يرزق كما مضى ، والاسلام لا يعترف بانتقال ديون الميت الى الوارث.

وهنا يواجه السنهوري فتاوى فقهاء السنة الذين أفتوا بحوالة الدَّين بين الاحياء ، ولم يفتوا بانتقال الدَّين بالموت الى الوارث ولا بحوالة الحق إلاّ في المذهب المالكي الذي اعترف به في الجملة ، لذا فان السنهوري أخذ يفسر هذا بالنحو الذي لا يعارض ما ذكره ( من عدم امكان معرفة حوالة الدَّين قبل معرفة حوالة الحق ) ، و ( عدم امكان معرفة انتقال الدَّين بين الاحياء قبل معرفة انتقاله بالموت ) ، ثم ذكر شواهد على تفسيره من كتب اهل السنة ( العامة ) ، وبعد ذلك يصل الى ان الحوالة ( حوالة الدَّين ) يجب صرفها عن معنى الحوالة بمعناها الدقيق ( وهو الحوالة المطلقة غير المقيدة بالدَّين ) ، الى معنى الوفاء الذي يفسر على اساس التجديد بتغيير المدين ، وتوضيح ذلك أن المدين يوفي ( عن طريق ما يسمى بالحوالة ) الدَّين الذي عليه للدائن بالحق الذي له في ذمّة المحال عليه ، فالمدين بدلاً من أن يستوفي حقه من المحال عليه ثم يوفي ( بهذا الحق الذي استوفاه ) دَينه الذي عليه للدائن ، يختصر هاتين العمليتين في عملية واحدة ، فيقضي الدَّين الذي عليه بالحق الذي له دون أن يستوفي شيئاً من مدينه او يوفي شيئاً لدائنه ، بل يقتصر على أن يحيل دائنه على مدينه ، وهذا لا يعني الاعتراف بفكرة الحوالة بمعناها العام ، وإلاّ لأعترفوا بها في الحوالة على البريء.

وكأنَّ الدكتور السنهوري التفت الى وجود طريق آخر لعلماء السنة ، فقد يقولون له : أن الحوالة على المدين يمكن ارجاعها الى حوالة الحق بأن يفترض أن المحيل في الحقيقة قد نقل ( الحق الذي كان له على المحال عليه ) الى دائنه ، فيكون


126

الفقه السني قد اعترف بحوالة الحق ، ولم يعترف بحوالة الدين. وهذا أمر منسجم مع تطور الفقه من دون مشكلة. إلاّ ان الدكتور السنهوري استبعد هذا الارجاع وذكر لذلك شواهد من الفقه السني.

أقول : وبهذا البحث الذي ذكره الدكتور السنهوري يكون قد فرّغ الفقه السنِّي من الاعتراف بحوالة الحق وحوالة الدين معا.

نقول : إن السيد الشهيد الصدر ( رحمه الله ) ذكر الشواهد التي ذكرها السنهوري ، وردَّها ، واثبت أنها حيادية اتجاه مسألتنا (1) ، إلاّ ان الرد الحاسم لما ذهب إليه السنهوري ذكره السيد الشهيد الصدر أيضا فقال : « إن السنهوري خلط بين تصورات الفقه الغربي وتصورات الفقه الاسلامي ، فلئن واجه الفقه الغربي مشكلة من هذا القبيل على اساس أنه يرى الدَّين عبارة عن الالتزام ، وهو خيط بين الدائن والمدين ، لا مالاً موجوداً في ذمّة المدين ، وعندئذ يصعب عليه تصور تبديل احد طرفي الالتزام ، لأنَّ الالتزام متقوم بطرفيه ، فالفقه الاسلامي من أساسه لا يواجه مشكلة كهذه ، لانه يرى ان الدَّين مال موجود في ذمَّة المدين يتصور النقل والانتقال على حدّ تصورهما في المال الخارجي ، فحوالة الدَّين : عبارة عن نقل المال من مكان الى مكان ( اي من ذمّة الى ذمّة ) وحوالة الحق : عبارة عن تبديل مالك هذا المال الموجود في الذّمة. وهذان أمران لا يرتبط احدهما بالآخر ، ويجوز للفقه أن يتصور احدهما من دون الآخر ، سواء كان ما تصوره عبارة عن حوالة الحق دون حوالة الدَّين او بالعكس. اما عدم اعتراف الاسلام بانتقال الدَّين في باب الموت الى الورثة مع اعترافه بانتقال الحق اليهم ، فليس بسبب ما يقوله السنهوري من أن تصور انتقال الدين أصعب من تصور انتقال الحق ، وانما هو بسبب ما قاله استاذنا الشهيد الصدر ( رحمه الله ) وهو أن الاسلام يرى ان الدَّين عبارة عن مال موجود في الذّمة ، وليس عبارة عن الالتزام كما جاء في الفقه الغربي ويرى أن

(1) المصدر السابق نفسه.


127

ذمّة الشخص لا تموت بموت الشخص ، فانها وعاء اعتباري قابل للبقاء حتى بعد الموت ، ولذا لا حاجة الى قيام الوارث مقام المورث في الدّين ، فإنَّ الوارث انما يقوم مقام المورث في ما يكون المورّث ميتاً بلحاظه ، وهذا هو الحال بلحاظ أمواله الخارجية وبلحاظ ما كان يطلبه من غيره ، ولذا عرف الفقه الاسلامي انتقال الحق في باب الارث. وأما بلحاظ الديون الثابتة على الميت ، فذمّة الميت باقية على حالها مالم يوف دينه ( ولا مجال لقيام الوارث مقامه ) ويوفى دينه من تركته ثم يورث المال كما قال تعالى : ﴿ من بعد وصية يوصي بها او دين (1). وعلى هذا الاساس لا يقول الاسلام بما جاء في الفقه الغربي من انتقال ديون الميت الى الورثة وادائهم اياها بمقدار ما ورثوه من التركة ، بل يقول : ان دَين الميت لا علاقة له بالورثة.

والصحيح : أن التركة تبقى ملكاً للميت ، ويوفى دَينه الثابت في ذمته بها ( لا أن الدَّين يتعلق بالتركة ). وإن لم تفِ تركته بمقدار دَينه بقيت ذمَّته مشغولة الى أن يتبرع عنه متبرع » (2) او يبرئه الدائن.

نقول : ومما يؤيد صحة ما ذهب إليه السيد الشهيد الصدر ( رحمه الله ) ( من عدم الارتباط بين حوالة الدَّين وحوالة الحق ، وان الفقه يجوَّز له ان يتصور احدهما دون الاخر ، كما ان الدَّين في باب الموت لا ينتقل الى الورثة ليس له علاقة بصعوبة انتقال الدَّين من انتقال الحق ) هو ما وجدناه في الفقه الشيعي ( الإمامي من الاعتراف بحوالة الدَّين على المدين وعلى البريء والاعتراف بحوالة الحق ، مع أن الشيعة أنفسهم لا يقولون بانتقال ديون الميت الى الورثة ويقولون بانتقال حقوق الميت إليهم ، وهذا دليل على ان تصور انتقال الحق لا ربط به بتصور انتقال الدَّين من الناحية الاولية في التصور.

(1) النساء ، 12.

(2) فقه العقود ، للسيد الحائرى ، ص 68 ـ 69 ( مخطوط ).


128

مصطفى الزرقاء :

اما الاستاذ مصطفى الزرقاء ، فقد ذهب الى عكس ما ذهب اليه السنهوري ، حيث قال في كتابه : إن حوالة الحق وحوالة الدّين ثابتتان معاً في الفقه الاسلامي في حوالة المدين دائنه على دَين مدين له ، لانه يتحقق بهذه العملية حوالة الدائن وحوالة المدين في وقت واحد وتوضيح ذلك : لو حوّل زيد دائنه ( وهو عمرو ) على مدين له ( وهو بكر ) ، فقد حوّل زيد ( المدين لعمرو ) دينه على بكر ، وهذه هي حوالة الدين ، وفي نفس الوقت قد حوّل زيد ( الدائن لبكر ) حقه الى عمرو ، فأصبح عمرو هو الدائن لبكر بدلاً عن زيد ، وهذه هي حوالة الحق (1).

واورد على ذلك السيد الشهيد الصدر ( رحمه الله ) :

« إن هذه الحوالة لا يمكن أن تكون حوالة دَين وحوالة حق في وقت واحد ، بل يجب ان تكون حوالة دَين فقط او حوالة حق فقط ، فزيد اما ان يحوّل الدَّين الذي في ذمَّته لعمرو على بكر استيفاء لحقه الذي له على بكر ، وهذه هي حوالة الدَّين ، اي حوالة الدَّين الموجود في ذمَة زيد على بكر. أما الدَّين الذي يطلبه زيد من بكر فقد سقط. واما ان يحوّل الحق الذي له في ذمّة بكر الى عمرو وفاء لدَينه ، وهذه هي حوالة الحق ، وبهذا سقط الدَّين الذي كان في ذمته لعمرو. أما اذا افترضنا ان هذه حوالة دَين وحوالة حق في وقت واحد فهذا يعني أن يكون كلا الدَينين ثابتين لعمرو على بكر ، لأنَّ الدَين الذي كان له على بكر حوّله لعمرو فملكه عمرو بحوالة الحق ، والدَّين الذي كان عليه لعمرو حوّله على بكر فهو لا زال ملكاً لعمرو يستوفيه من بكر ، وهذا يعني ان يأخذ عمرو المال من بكر مرتين وهو واضح البطلان » (2).

(1) المصدر السابق ، ص 69 ـ 70 ، ( مخطوط ).

(2) المصدر السابق نفسه.


129

نقول : ولو تنازل الاُستاذ مصطفى الزرقاء عن كلمة : « يتحقق بهذه العملية حوالة الدائن وحوالة المدين في وقت واحد » وقال : نتمكن أن تتصور حوالة الدائن وحوالة المدين في عمليتين ( اي في وقتين ) (1) ، فهل نتمكن ان نقول ان الفقه السنّي قد عرف حوالة الدَّين وحوالة الحق معاً ؟

الجواب : لا يمكن ذلك ، وذلك فانَّ حوالة الحق التي لم تذكر في المذاهب الاربعة إلاّ المذهب المالكي في الجملة ( كما ذكروا ) لا يمكن ان نقول إن الفقه السنّي قد عرفها وان تصور ذلك الاستاذ مصطفى الزرقاء حيث إننا بحاجة الى دليل شرعي على اعتراف الفقه السنّي بحوالة الحق ، او على الاقل نحتاج الى نص من فقيه قديم يصرح بحوالة الحق ، اما تصوّر الزرقاء فهو لا يكفي لنسبة القول بحوالة الحق الى الفقه السنّي ، اذ فرق كبير بين تصور الشيء وثبوته في الفقه بحيث ينسب الى الشريعة. وقد يتصور فقيه قديم حوالة الحق ، إلاّ ان تصوره اياها غير كاف لثبوتها في الشريعة الاسلامية كما هو واضح ، وتصور حوالة الحق في الفقه الاسلامي سهل يسير اذا عرفنا ان الدَّين هو مال كلي ثابت في ذمّة الغير ، وحينئذ يمكن نقله من مدين الى آخر ، ويمكن تغيير الدائن ايضا ، إلاّ ان هذا لا يكفي لنسبة حوالة الدَّين وحوالة الحق الى الشريعة ، بل لابد من سنّة او على الاقل ذهاب جمع من العلماء القدامى الى القول بحوالة الحق والدَّين كفتوى لهم تكشف عن وجود ارتكاز لدى المتشرعة بقبولهما ، وهذا الارتكاز يكشف عن رضا المعصوم ( عليه السلام ) او تقريره ، وهو سنّة متبعة.

(1) اي شخص واحد يتمكن أن يحول دائنه على مدينه وهي حوالة الدَّين ، كما يتمكن أن يفعل هذه العملية بصورة اُخرى كما اذا تصورنا ان دائن زيد لم يطالبه بالدَّين ، ولكن زيداً اراد تسديد دَينه ، فأمر مدينه بدفع المبلغ الى دائن زيد ، فيكون زيد قد حوّل حقه الذي في ذمّة مدينه الى دائنه وهو حوالة الحق ، وهذا ليس فيه منع كما في بيع الدَّين على غير المدين.


130

المفهوم الغربي للدّيْن :

الدَّين في المفهوم الغربي هو مجرد التزام شخص لشخص ، وهذا أقرب ما يكون الى مفهوم انشغال العهدة عند الشيعة ، فكأنه رابطة بين انسان وانسان أو بين انسان ومال ، وكان هذا التعريف للدَّين هو الفارق عند الغربيين بين ما يسمونه بالحق الشخصي والحق العيني ، فالشخصي هو الذي يربط الانسان بانسان آخر ، والعيني هو الذي يربط الانسان بعين خارجية (1). قال الدكتور السنهوري متحدثاً عن تطور الرابطة بين الدائن والمدين في الفقه الغربي :

« ولم تثبت هذه الرابطة على حال واحدة ، بل انها تطورت فكانت في اول أمرها سلطة تعطى للدائن على جسم المدين لا على ماله وكان هذا هو الذي يميز بين الحق العيني والحق الشخصي. فالاول سلطة تعطى للشخص على شيء ، والثاني سلطة تعطى للشخص على شخص آخر ، وكانت سلطة الدائن على المدين سلطة واسعة يدخل فيها حق الاعدام وحق الاسترقاق وحق التصرف ، ثم تلطفت هذه السلطة فصارت مقصورة على التنفيذ البدني بحبس المدين مثلاً ، ولم يصل الدائن الى التنفيذ على مال المدين ألاّ بعد تطور طويل ، فاصبح للالتزام منذ عهد الرومان مظهران :

مظهر باعتباره رابطة شخصية فيما بين الدائن والمدين.

ومظهر باعتباره عنصراً مالياً يقوم بذمَّة الدائن ، ويترتب دَيناً في ذمة المدين. ولا يزال الالتزام محتفظاً بهذين المظهرين الى الوقت الحاضر وان اختلفت المذاهب فيه ، فمذهب يغلِّب الناحية الشخصية ; وهو المذهب الفرنسي التقليدي

(1) أما الفقه الاسلامي فهو لا يعرف هذين الاصطلاحين مادام لا يعرّف الدَّين بهذا التعريف بل يعرفه على أنه مال في ذمَّة الغير قابل للنقل والانتقال كالاعيان ، نعم الفقه الاسلامي يعرف الحق الكلي والحق العيني.


131

الموروث عن القانون الروماني. ومذهب يغلِّب الناحية المالية ; وهو المذهب الألماني الحديث ... وأشهر من قال بالمذهب الشخصي من فقهاء الألمان ( سافيني ) فقد كان يرى الالتزام رابطة شخصية تخضع المدين للدائن ، وهو صورة مصغَّرة من الرق. فالسلطة التي تمنح لشخص على شخص آخر قد تستغرق حرية من يخضع لهذه السلطة وهذا هو الرق الكامل والملكية التامة ، وقد لاتتناول السلطة إلاّ بعض هذه الحرية ، ولا تمتد إلاّ الى جزء من نشاط المدين ، فيترتب ـ من ذلك ـ حق للدائن قريب من حق الملكية ولكنه ليس إيّاها فهو حق خاص بعمل معيَّن من أعمال المدين. وهذه النظرية قام في وجهها فقهاء الألمان وعلى رأسهم ( جييريك ) وأبوا أن تستقر في الفقه الألماني بعد ان عملوا على تحرير قانونهم من النظريات الرومانية وغلّبوا النظريات الجرمانية الاصل عليها. وقد بيَّن ( جييريك ) أن الفكرة الجرمانية في الالتزام لا تقف عند الرابطة الشخصية ، كما كان الامر في القانون الروماني ، بل تنظر الى محل الالتزام ، وهو العنصر الاساسي ، وتجرده من الرابطة الشخصية حتى يصبح الالتزام عنصراً مالياً اكثر منه علاقة شخصية ، فينفصل الالتزام بذلك عن شخص الدائن وعن شخص المدين ، ويختلط بمحله فيصبح شيئاً مادياً العبرة فيه بقيمته المالية » (1). ومن هنا دخلت فكرة الذمّة في الفقه الغربي إلاّ أنها اختلفت عن فكرة الذمّة عندنا ، فبينما الذّمة عندنا وعاء اعتباري لصيق بالانسان لا علاقة له بأمواله الخارجية ، كانت لديهم عبارة عمّا يسمى بالثروة او ( بالذمّة المالية ) وهي وعاء تستوعب كل اموال الانسان الخارجية وغيرها ايجابية وسلبية ، ففي الذمّة المالية عندهم عنصران : عنصر ايجابي هو الحقوق وعنصر سلبي هو التكاليف ، والذمّة تتكون من العنصرين معا ، وحاصل الفرق بين العنصرين يسمى الصافي ، وقد تكون الذمّة خالية ليس فيها

(1) الوسيط ، ج 1 ، الفقرة 7 ـ 9 ، ص 107 ـ 108.


132

حقوق ولا تكليفات كذمّة الوليد الذي ليس له مال (1).

الموازنة بين النظرية الاسلامية والنظرية المقابلة :

إن اول فرق بين النظرية الاسلامية للتداين والنظرية المقابلة هو : تصور الاسلام الدين من أول الأمر على أنه مال في ذمّة المدين ، بينما لم يصل القانون الغربي الى هذه النتيجة إلاّ بعد تطور دام مدة طويلة. فالفرق هو عدم خضوع الفقه الاسلامي للتطور ، بل هو تشريع نازل من السماء لا يخضع لتطور الأحكام كما يخضع لها الفقه الوضعي. ومن نافلة القول بيان خطأ من يحاول أن يسبغ على الشريعة تطوراً يؤدي بها الى الخروج عن كونها شريعة اسلامية بحجة متطلبات الحياة ، وهو يعيش حياة رأسمالية في حكمها الاقتصادي ، فبالاضافة الى خطأ هذا القول يكون صاحبه قد اقترف جناية كبرى بمسخ الشريعة الاسلامية وتحويلها الى شريعة اُخرى قد تكون رأسمالية او اشتراكية ، وهو غافل او متغافل عن ان خطأ كلا التشريعين الوضعيَّين قد اثبته الاسلام الذي ينظر الى الانسان بوصفه كائناً فردياً له احتياجاته ، كما انه في ضمن جماعة يجب ان تحفظ مصالحها العامة.

ولا ادري بماذا يجيب من يدعو الى التحرر من بعض الاحكام القرآنية بحجة متطلبات الحياة وهو يسمع او يرى الحديث عن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) : « حلال محمد حلال ابداً الى يوم القيامة ، وحرامه حرام أبداً الى يوم القيامة » (2).

نعم نحن لا ننكر وجود تطور في الموضوعات التي يتبدل الحكم فيها بتبدل

(1) راجع الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، للاستاذ مصطفى الزرقاء ، ج 3 ، فقرة 128 ، ص 233 ، بحسب الطبعة الخامسة.

(2) اصول الكافي ، الكليني ، ج 1 ، ص 58 ، ح 19. وقد وردت هذه الرواية بهذا اللسان في كتب اهل السنة : « فما احل الله على لسان نبيِّه فهو حلال الى يوم القيامة ، وما حرَّم الله على لسان نبيّه فهو حرامٌ الى يوم القيامة » سنن الدارمي ، ج 1 ، ص 115.


133

موضوعه وهذا شيء آخر غير تطور الحكم الشرعي الذي ننكره ونحاسب عليه. ثم ان التصوير القديم لمعنى الدَّين في الفقه الوضعي ( بانه التزام شخصي ) ادى بهم الى ما يلي :

1 ـ عدم تصورهم لحوالة المدين الدائن في دينه ( وهذه هي الحوالة في فقهنا ، وهي حوالة الدَّين في الفقه الغربي ).

2 ـ عدم تصورهم لتغيير الدائن من شخص لآخر ( وهذا هو بيع الدَّين في فقهنا او هبته ، ويسمى في الفقه الغربي بحوالة الحق ).

3 ـ بما أن شخصية الوارث هي استمرار لشخصية المورّث ( كما يقول الفقه الغربي ، فقد استساغت القوانين الغربية :

أ ـ إنتقال الالتزام من الدائن ( عند موته ) الى ورثته من بعده ، ويصبح هؤلاء هم الدائنين مكانه.

ب ـ إنتقال الالتزام من المدين ( عند موته ) الى ورثته من بعده ، ويصبح هؤلاء هم المدينين مكانه ، وكأنهم لا يقولون بانتقال الالتزام الى شخص جديد بالموت مادام الوارث هو استمراراً لشخصية المورث.

قال الدكتور السنهوري : « قد كانت فكرة الرابطة الشخصية هي الفكرة السائدة في القانون الروماني ، ثم سادت بعد ذلك عصورا طويلة في القوانين اللاتينية ، فلم يكن يمكن معها تصور انتقال الالتزام لا من دائن الى دائن آخر ولا من مدين الى مدين آخر. على أن استعصاء الالتزام على الانتقال لم يلبث في هذه القوانين القديمة إلاّ في انتقاله فيما بين الأحياء ، أما انتقال الالتزام الى الوارث بسبب الموت ، فان هذه القوانين لم تلبث أن استساغته منذ عهد طويل ... . فينتقل الالتزام من الدائن عند موته الى ورثته من بعده ، ويصبح هؤلاء هم الدائنين مكانه ، وكذلك ينتقل الالتزام من المدين عند موته الى ورثته من بعده ، ويصبح هؤلاء هم المدينين مكانه ... . وتعتبر شخصية الوارث انما هي استمرار لشخصية المورث ،


134

فكأن الالتزام لم ينتقل الى شخص جديد بموت صاحبه ، بل بقي عند صاحبه ممثلا في شخص الوارث ... . وقد يبدو ان الالتزام يتحور في الشرائع الغربية اذا هو انتقل من المدين الى وارثه وقبل الوارث الميراث محتفظا بحق التجريد ، فيفصل اموال التركة عن أمواله الشخصية ولا يكون مسؤولا عن ديون التركة إلاّ في المال الذي ورثه ، فيصبح الالتزام بعد أن انتقل الى الوارث لا يمكن التنفيذ به إلاّ على اموال التركة التي انتقلت الى هذا الوارث ، ولكن هذا التحوير ليس تحويرا حقيقيا ، فالواقع من الامر أن الالتزام بقي ـ من ناحية المال الذي يجوز التنفيذ عليه ـ كما كان في حياة المورّث ، فقد كان عندئذ لا يمكن التنفيذ به إلاّ على ماله فبقي كما كان. واذا كان قد أمكن في انتقال الالتزام بسبب الموت جعل الوارث خلفاً عاما للمورّث وتصوير هذه الخلافة العامة كأنها استمرار لشخصية المورث ففي انتقال الالتزام ما بين الاحياء حيث الخلافة خاصة لا يمكن تصوير هذه الخلافة الخاصة حال الحياة كما أمكن تصوير الخلافة العامة بعد الموت استمرارا لشخصية السلف ، ذلك انه اذا أمكن القول بان المورث قد زالت شخصيته بالموت يتصور استمرارها في شخص الوارث ، فانه يتعذر القول بأن السلف وهو لا يزال حياً تستمر شخصيته في شخصية خلفه الخاص. من اجل ذلك لم يكن ممكنا ان ينتقل الالتزام حال الحياة في القانون الروماني من دائن الى دائن آخر ، او من مدين الى مدين آخر عن طريق حوالة الحق او عن طريق حوالة الدَّين. ولم يكن ممكنا اذا اريدَ تغيير شخص المدين إلاّ تجديد الالتزام بتغيير الدائن ، أو اريد تغيير شخص المدين الاّ تجديد الالتزام بتغيير المدين ، وفي الحالتين لم يكن الالتزام ذاته بمقوماته وخصائصه هوالذي ينتقل من شخص الى شخص آخر ، بل كان الالتزام الاصلي ينقضي بالتجديد ، وينشأ مكانه التزام جديد بمقومات وخصائص غير المقومات والخصائص التي كانت للالتزام الاصلي ، وفي هذا الالتزام الجديد كان يتغير شخص الدائن او يتغير شخص المدين. على ان الرومان كانوا يلجأون الى طريقة


135

اخرى لتحويل الالتزام من دائن الى دائن اخر دون تدخل من المدين ، فكان الدائن الاصلي يوكل ( من يريد تحويل الالتزام إليه ) في قبض الدَّين باسمه من المدين وكان هذا التوكيل وسيلة يستطيع بها الوكيل ان يقبض الدَّين من المدين دون حاجة الى رضائه بتحويل الدَّين ولكن هذه الطريقة لم تكن مأمونة ; فان الدائن الأصلي كان يستطيع ان يعزل الوكيل قبل ان يقبض الدَّين. وبقي القانون الروماني على هذه الحال دون أن يعرف ، لا حوالة الحق ولا حوالة الدَّين ، وبقيت الحوالة مجهولة مدة طويلة في القانون الفرنسي القديم يتحايلون عليها عن طريق التوكيل بقبض الدَّين الذي كان القانون الروماني يلجأ اليه ، حتى أصبح هذا الطريق مألوفاً ، ومنه دخلت حوالة الحق في القانون الفرنسي القديم ، واصبح مما في هذا القانون انه يجوز للدائن ان يحول حقه الى دائن آخر دون حاجة الى الحصول على رضاء المدين بالحوالة ، على غرار التوكيل بالقبض الذي أصبح مفترضادون نص ، وهذابالرغم من ان التحليل القانوني الدقيق يستعصي على أن ينتقل الالتزام ـ وهو رابطة شخصية ـ من دائن الى دائن اخر. وساعد على امكان انتقال الالتزام من دائن الى دائن آخر ، أن فكرة الالتزام ـ باعتباره رابطة شخصية ـ أخذت تتطور ، وأخذ العنصر المادي في الالتزام يبرز شيئا فشيئا ، فاصبح من السهل أن نتصور أن الالتزام ( باعتباره قيمة مالية لا باعتباره رابطة شخصية ، وبالنسبة الى موضوعه لا بالنسبة الى اطرافه ) ينتقل من دائن الى دائن آخر. لكن التطور في القوانين اللاتينية وقف عند هذا الحد ، ولم يصل القانون الفرنسي ـ حتى اليوم ـ الى تنظيم حوالة الدَّين ( أي انتقال الالتزام من مدين الى مدين اخر ) وليس هناك سبيل الى تغيير المدين في الالتزام إلاّ عن طريق التجديد أو الإنابة في الوفاء ، ذلك ان شخصية المدين في الالتزام اكبر خطرا من شخصية الدائن ، فعلى شخصية المدين ومقدار يساره وحسن استعداده للوفاء بدينه تتوقف قيمة الدَّين ، فلم يكن من السهل التسليم بتحويل الالتزام من مدين الى مدين آخر دون ان يكون الدائن طرفا في هذا


136

التحويل عن طريق التجديد ، لان الدائن يأبى ان يتغير عليه المدين من دون رضائه ، ويعنيه من تغيير مدينه ما لا يعني المدين من تغيير دائنه ، فبقيت القوانين اللاتينية عند هذه المرحلة من التطور ، ولم تستكمله الى غايته ، وذلك مع استثناء التقنين المدني الايطالي الجديد ، فقد أقرَّ حوالة الدَّين عند الكلام في الإنابة في الوفاء.

أما التقنينات الجرمانية فقد سارت في التطور الى نهاية الطريق ، ومادامت فكرة الالتزام قد تطورت فاصبح الالتزام قيمة مادية اكثر منه رابطة شخصية ، ومادام قد أمكن تصور انتقال الالتزام من دائن الى دائن اخر ، فما الذي يحول دون التسليم بانتقاله من مدين الى مدين آخر ، ومن ثم يعرف كل من التقنين المدني الايطالي ( 1414 ـ 1419 ) وتقنين الالتزامات السويسري ( المواد 157 ـ 183 ) الى جانب حوالة الحق حوالة الدَّين » (1).

وبعد نقل كلام الدكتور السنهوري لمعرفة النقاط الثلاث التي ذكرناها ، نعرف الموازنة بين النظرية الاسلامية للدّين ، والنظرية المقابلة ، فان الاسلام ـ كما تقدم ـ قد عرف حوالة الدَّين وحوالة الحق مباشرة وأقرهما من دون أن يتطور في معرفتهما كما حصل ذلك في القوانين البشرية ، والاسلام في نفس الوقت الذي عرف فيه كلتا الحوالتين لم يعترف بانتقال ديون الميت الى الوارث ، لكنه اعترف بانتقال الحق اليه ، وهذا كله تقدم ، وتقدم بيانه ومعرفة حكمته وعلَّته.

2 ـ التداين ونظرة الاسلام اليه من الناحية الاخلاقية

ومن أجل تكميل البحث ، ولأنَّ الاسلام هو نظرة الى الحياة شاملة للنواحي الاقتصادية والاخلاقية وغيرها من نواحي الحياة ، رأينا من المناسب ان نتطرق الى نظرة الاسلام الى التداين من الناحية الاخلاقية ، ومقارنتها مع النظرية المقابلة ،

(1) الوسيط ، ج 3 ، فقرة 237 ـ 239 ، ص 414 ـ 419.


137

لنعرف مدى اهتمام الاسلام بالمجتمع المتجانس والمتآخي ، ومدى وصول المجتمعات البعيدة عن الاسلام الى الاثرة وحب الذات والنفرة بين الافراد.

فنقول : مرة يكون التداين قد صدر من الدائن ( فهو حق له في ذمّة الغير ) ، ومرة يكون قد صدر من المدين ( فهو حق عليه في ذمّته للغير ) ، ولابد من معرفة نظرة الاسلام من البحث في كلا الامرين :

أ ـ الدَّين بما أنه قد صدر من المدين :

اولاً : اذا كان المدين غير محتاج الى الدَّين :

في هذه الحالة يستدين المرء لتوسيع نطاق تجارته مثلا ، فان الاسلام يرى كراهة هذا العمل ، والدليل على ذلك الروايات الكثيرة ، منها :

1 ـ صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « تعوَّذوا بالله من غلبة الدَّين ، وغلبة الرجال ، وبوار الأيّم » (1).

2 ـ موثقة السكوني عن جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) عن آبائه ( عليهم السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « ايَّاكم والدَّين فانه شين الدِّين ».

3 ـ عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن علي ( عليه السلام ) أنه قال : « إيَّاكم والدَّين ، فانه همٌّ بالليل ، وذل بالنهار » (2). وقد ورد عن علي بلفظ آخر أنه قال : « إياكم والدَّين فانه مذلة بالنهار ، ومهمّة بالليل ، وقضاء في الدنيا وقضاء في الآخرة » (3).

4 ـ وقد روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) انه قال : « من أراد البقاء ولا بقاء فليباكر الغداء ، وليجود الحذاء ، وليخفف الرداء ، وليقل مجامعة النساء. قيل : وما خفة

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 1 من ابواب الدين ، ح 1 ، ص 76.

(2) المصدر السابق ، ح 3.

(3) المصدر السابق ، ح 4.


138

الرداء ؟ قال : قلة الدَّين » (1).

5 ـ وعن أبي سعيد الخدري قال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : « أعوذ بالله من الكفر والدَّين ». قيل : يا رسول الله أتعدل الدَّين بالكفر ؟ قال نعم » (2).

6 ـ وعن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : « لا تزال نفس المؤمن معلّقة ما كان عليه دَين » (3).

7 ـ وعن جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) عن آبائه ( عليهم السلام ) ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : قال :« الدَّين راية الله ـ عزّوجل ـ في الأرضين ، فاذا أراد أن يذل عبداً وضعه في عنقه » (4).

وهذه الروايات وإن كانت مطلقة في ذم الدَّين وكراهته إلاّ أنها تقيد بالروايات الآتية التي تجوزه عند الحاجة كما ستأتي الاشارة إليها.

ثانياً : جواز الاستدانة مع الحاجة اليها :

وقد وردت الروايات بجواز الاستدانة مع الحاجة اليها ، وبهذا تقيد الروايات الذامة للدَّين بغير هذه الصورة ، فمن الروايات الدالة على الجواز مع الحاجة :

1 ـ صحيحة معاوية بن وهب قال : قلت للإمام الصادق ( عليه السلام ) : « إنه ذُكِرَ لنا أن رجلا من الانصار مات وعليه ديناران ديناً ، فلم يصلّ عليه النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقال : صلُّوا على صاحبكم حتى ضمنهما عنه بعض قرابته ، فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ذلك الحق ، ثم قال : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) انما فعل ذلك ليتعاطوا وليرد بعضهم على بعض ، ولئلا يستخفوا بالدَّين ، وقد مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعليه دَين ، وقتل أميرالمؤمنين ( عليه السلام ) وعليه دَين ، ومات الحسن ( عليه السلام ) وعليه دَين

(1) المصدر السابق ، ح 5.

(2) المصدر السابق ، ح 6.

(3) المصدر السابق ، ح 7.

(4) المصدر السابق ، ح 10.


139

وقتل الحسين ( عليه السلام ) وعليه دَين » (1).

2 ـ موثقة موسى بن بكر قال : قال لي ابوالحسن ( عليه السلام ) « من طلب هذا الرزق من حلِّه ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله ، فان غلب عليه فليستدن على الله وعلى رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ما يقوت به عياله » (2).

3 ـ عن جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) عن آبائه ( عليه السلام ) قال : « لقد قُبض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وانَّ درعه لمرهونة عند يهودي من يهود المدينة بعشرين صاعاً من شعير استلفها نفقة لاهله » (3).

4 ـ وعن ابراهيم بن محمد الاشعري بإسناده عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : « قُبض علي ( عليه السلام ) وعليه دين ثمانمائة الف درهم ، فباع الحسن ( عليه السلام ) ضيعة له بخمسمائة الف فقضاها عنه ، وباع ضيعة له بثلثمائة الف فقضاها عنه ... » (4).

ثالثاً : جواز الاستدانة لعمل الطاعات :

وقد وردت الروايات بجواز الاستدانة للطاعة ، وبذلك تقيد الروايات الذامة للاستدانة بغير هذه الصورة ايضا ، فمن الروايات الدالة على جواز الاستدانة لأجل الطاعة :

1 ـ ما رواه الصدوق باسناده عن الميثمي عن أبي موسى قال : « قلت للإمام الصادق ( عليه السلام ) : جعلت فداك يستقرض الرجل ويحج ؟ قال : نعم ، قلت : يستقرض ويتزوج ؟ قال : نعم ، انه ينتظر رزق الله غدوة وعشية » (5). ثم إن الجامع بين الزواج والحج هو الطاعة ، إذن تجوز الاستدانة لأجل الطاعة ، فتكون الاستدانة

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 2 من ابواب الدين ، ح 1.

(2) المصدر السابق ، ح 2.

(3) المصدر السابق ، ح 9.

(4) المصدر السابق ، ح 11.

(5) المصدر السابق ، باب 3 ، من ابواب الدين ، ح 1.


140

للعمل العبادي جائزة كما هو المستفاد من الرواية ، وان كان انتظار رزق الله غدوة وعشية هو مستحب ، إلاّ أنه شيء آخر غير الاستدانة ، بل يكون مسبباً عنها.

رابعاً : وجوب الاستدانة أحياناً ، ثم اننا نقول : إن الدَّين قد يكون واجباً ، كما اذا توقفت نجاة المؤمن عليه ، وبما ان نجاة المؤمن اذا كنت قادرا عليها او على سببها فهي واجبة ، فحينئذ يكون السبب اليها اذا كان منحصرا واجبا ، وهذا واضح كما قرره علماء الاصول في مسألة مقدمة الواجب.

ب ـ الدَّين اذا صدر من الدائن :

إن الدَّين اذا صدر من الدائن يكون إيثاراً للمدين في أغلب الحالات ، حيث قدم صاحب المال غيره على الاستفادة من السيولة النقدية والتمتع بالمال الناض ، وقد كان بمقدور صاحب المال أن لا يمنح فرصة الاستفادة لغيره ، ولكن قد يجنح الدائن الى ايثار غيره بالمال رغبة في ثواب الله سبحانه وقد تكون هناك غاية عاطفية أو انسانية اخرى تدعو الدائن أن يقدم غيره على نفسه للاستفادة من النقد ، في مقابل ان يردّمثله بعدمدة يتفقان عليها.وهذا العمل اذا صدر من الدائن بقصد التقرب الى الله تعالى ـ الذي يحب الخير والمساعدة على البر والعمل الصالح يحصل الدائن على الثواب الذيوعد الله سبحانه به عباده الصالحين ﴿ والله لا يخلف الميعاد . واما اذا لم يكن الدَّين قد قصد فيه القربة ورضاء الله سبحانه ، فلا يحصل الدائن على الثواب الموعود به ، واليك الروايات الدالة على تحبيذ القرض من قبل القارض :

1 ـ ما روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) انه قال : « لأن أقرض قرضا احب الي من أن أتصدق بمثله » (1).

2 ـ عن جابر عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « من أقرض مؤمناً قرضاً ينشر به ميسوره كان ماله في زكاة ، وكان هو في صلاة من

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 6 من ابواب الدين ، ح 1.


141

الملائكة حتى يؤديه » (1).

3 ـ عن الفضيل قال : قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « ما من مسلم أقرض مسلما قرضا حسنا يريد به وجه الله الا حسب له أجرها كحساب الصدقة حتى يرجع اليه » (2).

4 ـ عن هيثم الصيرفي وغيره عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « القرض الواحد بثمانية عشر ، وان مات حسبتها من الزكاة » (3).

ولعل السرّ في ترجيح ثواب القرض على ثواب الصدقة ـ حيث ان ثواب الصدقة الواحدة بعشر ـ ما ذكره الشهيد الثاني في كتاب شرح اللمعة الدمشقية : « إن الصدقة تقع في يد المحتاج وغيره والقرض لا يقع إلاّ في يد المحتاج غالباً ، وأن درهم القرض يعود فيقرض ثانياً ودرهم الصدقة لا يعود » (4). وهذا التعليل وجيه لترجيح القرض على الصدقة مع كون كلا العقدين يقصد بهما وجه الله تعالى ، فان الانسان إن امكنه ان ينفع اكثر من واحد بماله ويعود اليه سالما يكون أفضل من نفع فرد واحد ولا يعود اليه المال ، كما ان البر الاكمل أن يقع المال في يد المحتاج فهو أفضل من وقوعه في يد غير المحتاج.

5 ـ وعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : « ومن اقرض أخاه المسلم كان له بكل درهم أقرضه وزن جبل اُحد من جبال رضوى وطور سيناء حسنات ، وان رفق به في طلبه تُعُدِّي ( جاز ) به على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب ولا عذاب ، ومن شكا اليه أخوه المسلم فلم يقرضه حرَّم الله ـ عزوجل ـ عليه الجنة يوم يجزي المحسنين » (5).

(1) المصدر السابق ، ح 3

(2) نفس المصدر السابق ، ح 2 ، ص 87.

(3) نفس المصدر السابق ، ح 4 ، ص 87.

(4) اللمعة الدمشقية ، ج 4 ، ص 12.

(5) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 6 من ابواب الدَّين ، ح 5 ، ص 88.


142

6 ـ عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في قول الله عزوجل ﴿ إنّانراك من المحسنين قال : « كان يوسع المجلس ، ويستقرض للمحتاج ، ويعين الضعيف » (1). وواضح ان نفس عملية الاقراض هي اولى من الاستقراض فيكون المقرض داخلا في المحسنين.

7 ـ عن عبدالله بن سنان قال : قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) « الف درهم أقرضها مرتين أحبّ الي من أن اتصدق بها مرة » (2).

وهذه الروايات المتقدمة بعضها مقيد بقصد القربة كما في الرواية الثالثة ، واما الباقي ، فان قلنا إنها روايات مطلقة حتى لصورة عدم قصد القربة ، فهنا يكون الثواب من الله تعالى على المقرض تفضلا ، وقد يقع الفضل من الله تعالى على كثير من فاعلي البر من غير اعتبار القربة كالكرم الذي يصدر من الكرماء.

ملاحظة : إن هذه الروايات المتقدمة كلها تذكر ( القرض ) كمصداق من مصاديق الدَّين ، وتخص الثواب على هذا المصداق فقط ، فيكون الدائن اذا كان مقرضا هو الحاصل على الثواب العظيم ، فكل ما صدق عليه من الدَّين أنه قرض كانت له هذه النتيجة وإلاّ فلا اقتصار على مورد الروايات.

وقد نقول في مصاديق الدَّين غير القرضية (3) ، اذا انتظر الدائن مدينه في

(1) وسائل الشيعة ، ج 8 ، باب 4 من احكام العشرة ، ح 1 ، ص 90.

(2) وسائل الشيعة ، ج 13 ، ص 113 ، باب 25 من أبواب الدَّين.

(3) إن مصادر الدَّين كثيرة منها :

أ ـ العقد ، كالقرض الذي يلتزم به المقترض أن يرد للمقرض مبلغا من النقد أو شيئا آخر مثلياً او قيمياً ( إن دَين القيمي صحيح عندنا ، ولكن يردّ المقترض قيمة ما اقترضه من القيمي حين القرض ). وكالبيع اذا كان الثمن نقودا او عينا كلية يلتزم المشتري أن يدفعه للبائع بعد مدة معينة ، وكبيع السلم ، فأن المبيع دَين ، وكثمن بيع النسيئة.

ب ـ الارادة المنفردة كـ ( النذر والوصية والهبة ).

ج ـ الضمان الذي ينشأ من غير عقد كغصب او سرقة او إتلاف ، فيكون كل الدَّين عوض هذه الاشياء في صورة تلفها ، وهذا العوض قد يكون نقودا وقد يكون عيناً مثلية.

د ـ الاثراء بلا سبب : وله امثلة كثيرة منها ، كمن دفع شيئا لآخر ظاناً أن الدفع واجب عليه ، فتبين عدم وجوبه ، فللدافع الرجوع به على من قبضه بغير حق ، فاذا كان هذا الشيء نقودا او مثليات قد تلفت ، او قيميات كذلك ، كان رجوع الدافع على المدفوع اليه هو عبارة عن وجود دَين للدافع بذمة المدفوع اليه ، وكذا اذا تعامل شخص بالربا او بكل عقد باطل لا يعلمه الدافع كأن آجر بيتنا بخمسين دينارا وآجره لغيره باكثر من ذلك من دون ان يعمل فيه عملا ، فالعقد الثاني باطل لا يستحق المستأجر الإثراء بواسطته ويجب عليه أن يرد الزائد على الخمسين دينارا الى المستأجر الثاني ، وعلى هذا يكون المستأجر الاول مديناً للمستأجر الثاني بالزائد على الخمسين دينارا.

هـ ـ نفقة الزوجة ، فان الزوج إن لم يقم بها تبقى ديناً في ذمّة الزوج لها.

و ـ الشارع قد يجعل شيئاً ديناً كما في النجوم والاقساط المقررة في الدية الخطأية او شبه العمدية.

ز ـ وقد يكون الدَّين صداقا وفي النكاح مؤجلا لمدة معينة ، وعوضاً عن الخلع كذلك.

وقد يكون الدَّين غير ذلك ، فان هذه الأمثلة ليست للحصر.


143

سداد دينه ولم يعاجله في اداء الدَّين ، وكان قصده مساعدة المدين ، وايثارا له على نفسه ، كان ايضا ذا ثواب من الله إلاّ أن هذا الثواب قد لا يكون من سنخ ثواب القرض الذي هو بثمانية عشر ، حيث إن روايات ثواب الثمانية عشر قد خصصته بالقروض وهو احد مصاديق الدَّين.

الخلاصة :

إن القرض والدَّين بصورة عامة اذا انتظر فيه الدائن مدينه ، فيه نوع رعاية واحسان لمن عليه الدَّين ، فقد يكون ايثارا من قبل الدائن وقد يكون مخاطرة لنفع المدين ، وهذا الايثار والمخاطرة لهما قيمتهما الخلقية والانسانية ، لذا حقَّ لمن يعمل هذا الاحسان أن يحصل على مكافأة من الله سبحانه الذي يحب الاحسان الى العباد ، وان لم يقصدالانسان القربة فان الله سبحانه يثيب من يفعل البِرّوان لم يكن لوجه الكريم.

ومع هذا كله فان الاسلام لم يرَ للإيثار والمخاطرة قيمة اقتصادية ، فلم يجعلهما طريقامن طرق الكسب التجاري ، حيث إن طرق الكسب في التشريع الاسلامي هي اما العمل المباشر من الافراد ، او العمل المختزن الذي هو بصورة سلعة او عين اُنفق


144

عليها عمل من الآخرين ، لذا حرَّم القرآن والسنة النبوية أخذ الفائدة على القرض الذي هو ليس إلاّ إحسان او مخاطرة بالمال الى التلف او إيثار للآخرين على النفس ، فالإحسان والمخاطرة والإيثار ليست مصدرا من مصادر التكسب في التشريع الإسلامي ، وإنما هي حالات شعورية ذاتية تستحق التقدير والإعجاب في اكثر الحالات فيستحق صاحبها ثواباً من الله تعالى.

اما المستقرض فحاله مردّدبين الجواز والكراهة والوجوب ; فان كان استقراضه للطاعة ( العمل العبادي ) فهو جائز لما فيه من الطاعة التي يحصل عليها فانها تجبر المنّة والذل الذي كان في عملية الاستقراض فكأن عمله القرضي ليس فيه حزازة.

وأما إذا كان محتاجا الى الاستقراض فان هذا الاحتياج يسَوّغ له ذلك العمل الذي رغَّب عنه الشارع المقدس.

وأما اذا كان غير محتاج الى الاستقراض وليس استقراضه للعمل العبادي ، ومع هذا يقدم على عملية الاستقراض لتوسيع نطاق تجارته مثلا ، فهو عمل مكروه لما فيه من المنّة التي تحصل من قبل المقرض وليس في مقابلها عمل عبادي ، وانما في مقابلها عمل دنيوي وهو الربح المأمول ، وهذا لا يجبر الذل الذي يحصل عليه الانسان من عملية الاستقراض ، لذلك كان العمل فيه حزازة الكراهة الاصطلاحية.

النظرية الغربية للتداين :

والمراد بها النظرية غير الاسلامية ، ويمكننا أن نوضح هذه النظرية بعرض رأي ثلاث مدارس رأسمالية بالنسبة الى الدَّين :

1 ـ المدرسة الكلاسيكية ونظرها الى التداين.

2 ـ المدرسة الكينزية ونظرها الى التداين.

3 ـ مدرسة ثالثة.

اما المدرسة الاُولى : فانها تنظر الى أن الدائن قد أخّر تمتعه الآني الحالي الى أجل « والفرد لا يقبل بهذه التضحية ، بهذا التأخير إلاّ اذا كان يأمل ان يكون


145

الاشباع او التمتع في المستقبل اكبر من التمتع الحالي » (1).

أما في المدرسة الثانية : فقد عرّف كينز الفائدة بأنها : « ثمن النقود ، أي ثمن النزول عن السيولة » (2) وبما أن السيولة النقدية يزداد الطلب عليها لأسباب متعددة فان من يتنازل عن السيولة قد ضحى بها ، ومن حقه أن يطلب فائدة على تضحيته بهذه السيولة النقدية لماله.

ومن الواضح أن مقصود كينز هو التنازل عن السيولة لمدة معينة يتفقان عليها ، حيث إن المال يرجع الى صاحبه بعد المدة بسيولته ، فليست الفائدة هي التنازل عن السيولة مطلقا ، ومن الواضح أن المدرستين تتفقان في تسويغ الفائدة للدائن على اساس الايثار من الدائن الى المدين.

اما المدرسة الثالثة : فهي تسوّغ الفائدة على أساس أنها مخاطرة أقدم عليها الدائن قدتفقده ماله اذا عجزالمدين في المستقبل عن الوفاءوتنكّب له الحظ ، فكان من حق الدائن أن يحصل على أجر ومكافأة على مغامرته بماله لأجل المدينوهي الفائدة.

وأما المدين فبالعكس قد حصل على التمتع الحالي بدلا من التمتع في المستقبل ، والتمتع الحالي يُفضَّل على التمتع في المستقبل ، كما أنه قد حصل على السيولة النقدية المالية بدلا عن السيولة المستقبلية حسب رأي المدرسة الكينزية ، فمن واجبه ان يدفع أجرا لقاء هذه المكافأة التي قدمت له من غيره.

نقول : لقد قلنا سابقا ان الايثار والمخاطرة ليسا من عوامل الكسب في النظرية الاسلامية حيث إنهما ليسابسلعة يقدمانها حتى يطلب ثمنها ، وليسا هما عملا قد انفق على مادة ليكون من حقهما تملكها او المطالبة بأجر على ذلك من مالكها. فقد ذكر السيد الشهيد الصدر ( رحمه الله ) أن المخاطرة : « انما هي حالة شعورية خاصة تغمر الانسان وهو يحاول الاقدام على أمر يخاف عواقبه ، فاما أن يتراجع انسياقا مع

(1) الدخل القومي والاستثمار ، د. خزعل البيرماني ، ص 165.

(2) الاقتصاد السياسي ، د. رفعة المحجوب ، ج 1 ، ص 429.


146

خوفه ، واما أن يتغلب على دوافع الخوف ويواصل تصميمه فيكون هو الذي رسم لنفسه الطريق ، واختار ـ بملء ارادته ـ تحمُّل مشاكل الخوف بالاقدام على مشروع يحتمل خسارته مثلا ، فليس من حقه أن يطالب بعد ذلك بتعويض مادي عن هذا الخوف مادام شعوراً ذاتيا وليس عملا مجسدا في مادة ولا سلعة منتجة. صحيح أن التغلب على الخوف في بعض الاحيان قد يكون ذا أهمية كبيرة من الناحية النفسيةوالخلقية ، ولكن التقييم الخلقي شيءوالتقييم الاقتصادي شيءآخر » (1).

ونفس هذا الكلام يقال عن الإيثار الذي هو شعور ذاتي إن لم يكن هو نفس المخاطرة بمنظار دقيق.

ثم إن في الشريعة الاسلامية عدة ظواهر تبرهن على الموقف السلبي من المخاطرة في تسويغ الكسب ، فمن ذلك : حرمة القمار وحرمة الشركة في الابدان ، فان القمار يرتكز على اساس المخاطرة وحدها ، فالفائز يحصل على الرهان لانه غامر بماله وأقدم على دفع الرهان لخصمه اذا خسر الصفقة ، او قل آثر غيره بماله اذا خسر الصفقة.

وأما الشركة في الابدان فهي عبارة عن اتفاق اثنين أو اكثر على ممارسة كل واحد منهم عمله الخاص ، والاشتراك فيما يحصلون عليه من مكاسب ( كما اذا قرر طبيبان ان يمارس كل واحد منهما عمله في عيادته ، ويحصل في نهاية الشهر مثلا على نصف مجموع الاجور التي كسبها الطبيبان معاً خلال ذلك الشهر ) فان إلغاء هذه الشركة مردّه الى كون الكسب قائما فيها على اساس عنصر المخاطرة لا العمل ، لأنَّ كسب الطبيب الأقل دخلا ينبع من عنصر المخاطرة ولا يرتكز على عمل منفق.

وبهذا اتضح الفرق بين النظرة الاسلامية للدَّين ، والنظرة المخالفة ، إذ إن الرأسمالية لا تعترف بوجود قيم واخلاق في المجتمع (2).

(1) اقتصادنا ، ج 2 ، ص 633 ـ 634 ، من الطبعة السابعة عشرة ، طبعة دارالتعارف ببيروت.

(2) راجع المحلق في آخر الكتاب.


147

نظرية الذمّة في الفقه الإسلامي


148


149

لمعرفة نظرية الذمّة في الفقه الاسلامي ، نعرض : ـ

1 ـ ما قاله علماء غير الشيعة فيها.

2 ـ نعرض ما قاله علماء الشيعة في الذمّة.

3 ـ ثم نتكلم فيما تخرب به الذمّة إن كان هناك شيء تخرب به.

1 ـ نظرية الذمّة عند علماء غير الشيعة :

اولاً : ذكر السنهوري في الجزء الاول من كتابه ( مصادر الحق ) ان الذمّة هي : « وصف شرعي يفترض الشارع وجوده في الانسان ، ويصير به اهلاً للالزام وللالتزام ، اي صالحا لان تكون له حقوق وعليه واجبات. ولما كانت هذه الصلاحية التي ترتبت على ثبوت الذمّة يسميها الفقهاء بأهلية الوجوب ـ إذ يعرفون هذه الأهلية بأنها : صلاحية الانسان للحقوق الواجبات المشروعة ـ فان الصلة ما بين الذمّة وأهلية الوجوب صلة وثيقة. فالذمّة هي كون الانسان صالحا لان تكون له حقوق وعليه واجبات. وأهلية الوجوب هي هذه الصلاحية ذاتها. والذمّة تلازم الانسان ، إذ يولد الانسان وله ذمّة بحكم أنه انسان ، ومن ثم تثبت له أهلية الوجوب. فأهلية الوجوب إذن تترتب على وجوب الذمّة.

ولا يقتصر الفقه الاسلامي في الذمَّة على ما في الانسان من الصلاحية


150

للتملك والكسب اي على نشاطه الاقتصادي فحسب ، بل الذمّة وصف تصدر عنه الحقوق والواجبات جميعها وان لم تكن مالية كالصلاة والصيام والحج ، او كانت مالية ذات صبغة دينية كالزكاة وصدقة الفطر والعشر والخراج. ومن ثم كان نطاق الذمّة واسعاً في الفقه الاسلامي حتى قال صاحب كتاب فخر الاسلام ( اليزدوي ) إن الذمّة لا يراد بها إلاّ نفس الانسان.

وتبدأ الذمّة ببدء حياة الانسان وهو جنين ، فتكون له ذمّة قاصرة ، إذ يجوز أن يرث وأن يوصى له وأن يوقف عليه. ثم يولد حيّاً فتتكامل ذمّته شيئاً فشيئاً في المعاملات والعبادات والحدود حتى تصير كاملة ، وتبقى ذمّة الانسان ما بقي حيّا وتنتهي بموته ، وانتهاء الذمّة بالموت تختلف فيه المذاهب » (1).

وهذا المعنى الذي ذكره السنهوري مأخوذ من تعاريف علماء السنة ( أهل العامة ) للذمّة ; فقد قال صاحب تنقيح الاصول إن الذمّة : « وصف شرعي يصير به الانسان اهلا لما له وما عليه » (2). وقد عرَّفها صاحب حاشية الحموي على الاشباه والنظائر بانها : « امر شرعي مقدر وجوده في الانسان يقبل الالزام والالتزام » (3).

ويعلل صاحب كتاب ( مرآة الاصول ) ما تقدم بما خلاصته : « ان الله تعالى قد ميّز الانسان عن سائر الحيوان بخصوصية من قوى ومشاعر كانت سبباً في أهليَّته لوجوب أشياء له وعليه ، فتلك الخصوصية هي المراد بالذمّة » (4).

والملاحظ على هذه التعاريف اُمور كثيرة منها :

1 ـ ما ذكره الاُستاذ مصطفى الزرقاء من ان هذه التعاريف تجعل الذمّة ملازمة لأهلية الوجوب مع اننا نعرف أن اهلية الوجوب كما يصطلح عليها العلماء

(1) مصادر الحق ، السنهوري ، ج 1 ، ص 20 ـ 21.

(2) ج 3 ، 152 عن الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد لمصطفى الزرقاء ، ج 3 ، ص 212.

(3) ج 3/210 عن الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، لمصطفى الزرقاء ، ج 3 ، ص 212.

(4) للعلامة ملا خسرو ( بحث المحكوم عليه ص 321 ) عن الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 217.


151

هي ( قابلية الانسان لثبوت الحقوق له وعليه ) ويعبَّر عنها بصلاحية الالزام والالتزام. فصلاحية الالزام وهي قابلية الانسان لثبوت الحقوق له هي ثابتة منذ كونه جنينا كما ذكر ذلك الفقهاء فقالوا بصلاحية الجنين لان يوصى له او يوهب او يملك او يرث ، وهذا متفق عليه. واما صلاحية الالتزام اي ثبوت الحقوق عليه فهي تتوقف على أمرين :

أ ـ أهلية ( قابلية ) الانسان لأن تجب عليه حقوق.

ب ـ محل مقدّر يتسع لاستقرار تلك الحقوق فيه.

وفي الحقيقة ، ان الذمّة هي الامر الثاني من الأمرين ، وإن كان الامران متلازمين في الوجود ، ولكنهما متغايران في المفهوم ، فانه يلزم من كون الشخص أهلا لتحمل الحقوق أن يكون في شخصه مستقر ومستودع لها ، واذا كان للشخص مستودع ومحل للحقوق ثبت كونه اهلا للتحمل. إذن متى اعتبرت للشخص اهلية التحمل شرعا اعتُبرت له ذمّة ، ومتى اُعتُبرت له ذمّة اعتُبرتا له أهلية التحمل ، ولكن ليست تلك الاهلية هي الذمة نفسها ، بل بينهما من الفرق ما بين معنى القابلية ومعنى المحل (1).

والدليل على التغاير في المفهوم مع التلازم في الوجود بين مفهومي الذمّة وأهلية التحمل هو أن الفقهاء في عباراتهم يصورون الحق والذمّة في صورة الشاغل والمشغول ، فيقولون : « إن ذمّته مشغولة بكذا » ويقولون : « إن الدَّين في الذمّة وصف شاغل لها » فهذا يفيد ان الذمّة غير أهلية الوجوب التي هي مجرد قابلية ، فلا يصح أن يقال مثلا : « إن أهليته او قابليته مشغولة بالدَّين » (2).

2 ـ ويمكن ان يورد على السنهوري ايراد آخر وهو مخالفة ما ذكره لما قاله

(1) الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 213 ـ 214.

(2) الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 213 ـ 214.


152

صاحب كتاب فخر الاسلام ( اليزدوي ) اذ ذكر أن الجنين ليس له ذمّة فقال : « إن ولي الطفل اذا اشترى بحكم ولايته شيئا له بعد ولادته فان الطفل يملكه ويلزمه الثمن ، أما قبل الولادة فلا ، لانه كالجزء من اُمه فليس له ذمّة ، فيكون صالحا لأن يجب الحق له ، لا لأن يجب عليه » (1).

3 ـ سوف يأتي منّا في معنى الذمّة عند فقهاء الشيعة ، ما يتبين به خلط السنهوري بين الذمّة والعهدة.

ثانياً : معنى الذمّة عند الاستاذ مصفى الزرقاء : هو أنها « محل اعتباري في الشخص تشغله الحقوق التي تحقق عليه » (2).

فتثبت في هذه الذمة الحقوق المالية وغير المالية مهما كان نوعها ومقدارها ، فكما تشغل بحقوق الناس المالية تشغلها ـ ايضا ـ الأعمال المستحقة كعمل الأجير ، وتشغلها الواجبات الدينية من صلاة وصيام ونذور وغيرها (3).

ويستند هذا التعريف الى ما ذكر في كتاب اصول فخر الاسلام لليزدوي وشرحه للشيخ عبد العزيز البخاري اذا قال : « إن الآدمي يولد وله ذمّة صالحة للوجوب بإجماع الفقهاء ، أما أهلية الوجوب فهي بناء على قيام الذمّة ، اي لا تثبت هذه الأهلية إلاّ بعد وجود ذمّة صالحة ، لان الذمّة هي محل الوجوب ، ولهذا يضاف إليها ( الذمّة ) ولا يضاف الى غيرها بحال » (4).

نقول : وسيأتي في بيان معنى الذمّة عند فقهاء الشيعة ما يتبين به خلط مصطفى الزرقاء بين الذمّة والعهدة.

(1) شرح اصول فخر الاسلام للشيخ عبدالعزيز البخاري ، ص 239 ، عن الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 216.

(2) الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 222.

(3) الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 222.

(4) ج 4 ، ص 238 ، عن الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 215.


153

ثالثاً : وهناك تعريف ثالث للذمّة ذكره القرافي من فقهاء المالكية في كتابه ( الفروق ) ذهب الى ان معنى الذمّة : « جعله الشارع مسبباً عن أشياء خاصة ، منها البلوغ ومنها الرشد ، فمن بلغ سفيهاً لا ذمّة له ومن حجّر عليه فقد ذمّته كالمفَّس ... » (1).

« فقد ذهب القرافي بالذمّة الى معنى أهلية الاداء الكاملة التي تشترط لصحة التصرفات ونفاذها ، وتتوقف على البلوغ وتنسلخ بالحجر. اذ من المقرر أن كلاًّ من المفلَّس والمحجور والطفل الوليد غير المميز يتمتع بأهلية وجوب كاملة تثبت بمقتضاها الحقوق له وعليه ; فيرث ويملك ما يوهب له ويضمن قيمة ما يتلف وتجب عليه النفقة لو كان غنيّاً.

فقوله : بان الصغير والسفيه والمفلَّس المحجور عليه لدَين لا ذمّة لهم ، معناه انه ليس لهم أهلية أداء تصح معها تصرفاتهم (2).

ويرد على هذا المعنى للذمّة ما تقدم على السنهوري من ان الذمّة هي المحل المقدر لأهلية الانسان لأن تكون عليه حقوق. إضافة الى أن الذمّة ربما يقال بارتباطها باهلية الوجوب لما ذكر من الملازمة ، فقد يفضل الانسان ويقول : إن الذمّة هي أهلية الوجوب ، ولكن لا معنى لارتباط الذمّة باهلية الاداء والتصرفات ، فلا معنى للقول بأن الذمّة هي مرتبطة ( او ملازمة ) باهلية الاداء ، إذ من الواضح ان من لا تصح تصرفاته المالية لفَلس او حجر ، له ذمّة تتعلق بها الحقوق عليه كما لو أتلف مال غيره مثلا.

ثم ان هذه التعاريف الثلاثة للذمّة تذهب بالذمّة الى أنها شيء افتراضي ( مقدر الوجود ) وهو شيء صحيح.

رابعاً : ولكن هناك تعريفا رابعا لابناء العامة فَرَّ من القول بأن الذمّة شيء

(1) كتاب الحق والذمة ، ص 86 ، عن الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 215.

(2) الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 218.


154

اعتباري الى القول بانها أمر وجودي مادي ، فقال فخر الاسلام اليزدوي : « إن الذمّة نفس لها عهد » ثم أوضحه بان ذلك من قبيل المجاز باطلاق اسم الحال ( وهو العهد على المحل اي نفس الانسان ) ، ثم شاع هذا الاستعمال فأصبح حقيقة عرفية (1).

وهذا التعريف وقع صاحبه فيما فر منه ( وهو الافتراض ) اذ أن تعلق الديون بالانسان لا يكون إلاّ اعتباريا ، فصاحب التعريف حوّل التعريف من افتراض المحل الى افتراض التعلق.

خامساً : وهناك تعريف خامس يفرّ من القول بأن الذمّة شيء افتراضي ، ويقول : بان الذمّة في لسان الفقهاء لم تخرج عن أصل معناها اللغوي وهو العهد (2) ، فليس معنى قول الفقهاء « ثبت في ذمّة فلان كذا » إلاّ أنه ثبت بعهده او فيما تعهد به او التزمه. ويكفي لثبوت الواجبات ان الشارع كلَّفه بها.

وضُعف هذا القول واضح لانتقاضه بالصغير والمجنون اللّذين لا يصح منهما عهد مع أن الحقوق تثبت عليهما ولو لم يكن لهما ، مال حيث تستوفى متى امتلكا مالا ، كما ينتقض بالكبير العاقل اذا اتلف مال غيره من دون وعي فانه يتعلق بذمته الضمان مع عدم وجود تعهد سابق بالضمان.

2 ـ الذمّة عند فقهاء الشيعة

الذمّة ـ في الحقيقة ـ هي : « وعاء اعتباري افترضه العقل للاموال الرمزية ( التي لا وجود لها في الخارج ) كي يكون موطناً لتلك الأموال التي تتَّخذ كرمز للاموال

(1) كشف الاسرار ، شرح اصول البزدوي ، ج 4 ، ص 239 عن الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 219.

(2) سمي العهد بالذمة لان نقضه يوجب الذم ، ومن ذلك قول النبي ( صلى الله عليه وآله ) في حديث شريف : « المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم ادناهم ».


155

الخارجية تُطبَّق حين التنفيذ والاداء على الخارج تطبيقا للرموز على ذي الرمز ».

ثم إن هذا الاعتبار العقلائي له فوائد كثيرة منها :

1 ـ ييسر المعاملات ويكيّفها تكييفاً عقلائيا ; اذ قد يحتاج انسان الى أن يبيع شيئا غير موجود له ( كما في السلم ) او يشتري بثمن لا يملكه. ولا طريق في هذه المعاملات إلاّ البيع للسلعة في ذمته تسلَّم بعد مدة معينة ، او الشراء بثمن في ذمّته يسلَّم ـ ايضا ـ بعد مدة معينة إشباعاً للقانون القائل « لا بيع إلاّ في مِلك » فان البائع لشي كلي وان كان لا يملكه عند البيع كي يبيعه ، إلاّ أنه تكفي مالكية الانسان لنفس ذمّته التي هي من سنخ مالكيته لنفسه ولأعماله ، فالانسان اولى باشغال ذمته من غيره وهو اولى ـ ايضاً ـ بابقائها على الفراغ.

2 ـ قد يمتلك الانسان المال الخارجي وهو لا يريد ان يفقده ، وفي نفس الوقت هو محتاج الى ايقاع معاملة على سنخ ما يمتلكه ، فلا طريق له إلاّ ايقاع المعاملة على الذمّة.

3 ـ قد يقتضي القانون تغريم شخص ما من دون غرض في التحجير على ماله ، كما اذا اتلف شخص مال غيره فيكون المتلف ضامنا في ذمّته لمن أتلف ماله ، وبهذايكون المتلف مالكاً لأمواله الخارجية وهو حرٌّ في التصرف فيها ، كما يكون من أتلف ماله قادراً على التصرف فيما ثبت له في ذمّة المتلف من بيع أو هبة مثلا. وهذا فيه جمع بين الحقين.

4 ـ وفي القرض تصبح عين المال المقترض ملكاً للمقترض ، ولكن يستقر عوضه في ذمّة المقترض ، ويمكن للمقرض أن يوقع بعض المعاملات على المال الذي له في ذمّة المقترض كبيع او هبة معوضة.

5 ـ إن بعض النظريات والاحكام الفقهية لا يمكن تفسيرها إلاّ بافتراض الذمّة ، مثلاً :

أ ـ صحة التزام الانسان ـ بما لاحد له من الديون من دون نظر الى قدرته


156

وثروته ـ لا يكون إلاّ بافتراض ان له ذمّة تكون وعاء لتلك الديون ، ولا علاقة للديون بما يملكه في الخارج او يمكن أن يملكه.

ب ـ صحة تصرفات الانسان بماله بحيث يتمكن من اخراج ماله من ملكه حتى لو كانت عليه ديون تستغرق ثروته لا يمكن تفسيره إلاّ بوجود ذمة تتعلق بها الديون ، ولا ربط لها بما يملكه في الخارج. بينما لو لم تكن هناك ذمّة مفترضة في الانسان ، لوجب أن نفترض أن الديون متعلقة اما بعين الأموال او بشخص المدين ، بحيث تكون سلطة للدائن على شخص المدين تمكّن الدائن من استرقاق المدين. وإن افترضنا أن تكون الديون متعلقة بعين اموال المدين ، فيلزم من ذلك أن تُشَلَّ حركته الاقتصادية حتى لو كان الدَّين غير محيط بكل ثروة المدين.

وتوضيح ذلك : إن الجزء الكافي من ثروة المدين لوفاء الدَّين بما أنه غير معين ، فلا يصح أن نمنع تصرف المدين في بعض ماله وأن نطلقه في البعض الآخر ، لأنَّ هذا يلازم مشكلات في التعيين والتخصيص ، وهذا ينافي مباني التشريع الاسلامي من عدِّه الحرج في الدِين وعدم الضرر في الاسلام ، ومن سلطة الناس على أموالهم.

6 ـ لولا قبول الذمّة الافتراضية في الشخص الطبيعى لما أمكن القول بملكية الجهة المعبَّر عنها ( بالشخص الحكمي في النظر الحقوقي ) التي هي من اساسها افتراضية اعتبارية ولكنها منتزعة من وجود مادي وهو افراد الجمعيات والشركات او المصلحة في المؤسسات ، فملكية الجهة تشبه الذمّة التي هي منتزعة من شخص الانسان وملتصقة به (1).

هذه هي مجموع الفوائد المترتبة على افتراض الذمّة للانسان ، فالذمّة امر لا مندوحة عنه في التشريع ، وليست الذمّة افتراضاً وهمياً تبنى عليه الاحكام ، بل

(1) إن ملكية الجهة في الفقه الشيعي قد انكرها بعض العلماء ، لا لعدم تصورها بل لعدم الدليل عليها ، ولكن الصحيح ثبوتها لانها امر عقلائي لم يرد فيه نهي فيكون ممضى من قبل الشارع المقدس.


157

هو أمر تقتضيه استقامة منطق الاحكام وتخريجها وتأصيلها.

والآن ـ بعد ان مهّدنا لمعرفة فوائد الذمة في التشريع ـ نشير الى الفرق بين الذمة والعهدة في الفقه الشيعي فنقول :

الذمّة عند الشيخ النائيني :

لقد فرّق الشيخ النائيني ( قدس سره ) بين الذمّة والعهدة فقال على ما هو المنقول عنه : « إن العهدة وعاء للأموال الخارجية ، والذمّة وعاء للأموال الكليّة » (1).

وهذا مأخوذ مما يقال في الفقه من أن الغاصب مادامت العين موجودة لم تنشغل ذمّته بشيء وانما كان على عهدته أن يَرُدَّ المال ، واذا تلفت العين انشغلت ذمّته بالبدل الكلي (2).

واُشكل عليه :

1 ـ فيما قد يكون في العهدة أداء مال ما من دون تعيين مال خارجي ، ورغم كليَّة هذا المال لا يكون شاغلا للذمّة ، كما في نفقة الاقارب الواجبة على الانسان.

2 ـ ربما يكون المال الكلّي مرتبطاً بالعهدة ، كما في من أتلف مال غيره ، فقد انشغلت عهدته بالمال حيث يجب عليه افراغ ذمّته وأداء المال.

الذمّة عند السيد الشهيد الصدر :

إن الفرق الجوهري عند الشهيد الصدر بين الذمّة والعهدة هو : « إن الذمّة

(1) (2) منية الطالب في حاشية المكاسب ، تقريرات الميرزا النائيني ، بقلم الحاج الشيخ موسى الخوانساري ج 1 ، ص 145 « فإنَّ العين التالفة لا يمكن دخولها في الذمّة رأسا ، فانَّ الذمَّة ظرف للكلّيّات لا الأعيان ، فتلف العين موجب لسقوط الخصوصيّة الشخصيّة ، وهذا بخلاف تذُّر المثل فانه لا وجه لسقوطه عن الذمة » وفي ص 141 « فانه لو تعذَّر العين لا ينتقل في العهدة الى القيمة ، بل تبقى نفس العين في العهدة ». وايضا في تقريرات الميرزا بقلم الشيخ الآملي نفس المعنيين » ، ج 1 ، ص 352.


158

وعاء للاموال الرمزية ، والعهدة وعاء للتكاليف وما يلزم على الانسان من اعمال » (1). ويمكننا القول بأنَّ بين الذمة والعهدة عموماً وخصوصاً من وجه حيث يجتمعان ، فيكون المال الكلي مرتبطا بالعهدة والذمة معاً كما في من اتلف مال غيره ، فقد انشغلت ذمته بالمال وانشغلت عهدته به لوجوب افراغ ذمّته واداء المال. وقد يفترقان بان تكون عندنا عهدة ( وعاء التكليف فقط ) من دون انشغال للذمّة ، كما في نفقة الاقارب الواجبة على الانسان ، فعهدة الانسان مشغولة بالنفقة بينما ذمّته ليست مشغولة بها ، ولذا لا ضمان عليه لو ترك فمات مثلا اذا لم تؤخذ هذه النفقة ـ التي عصى ولم يعطها الى مستحقها ـ من تركته.

وقد يكون عندنا ذمّة ولا يكون عندنا عهدة ، كما في الطفل الذي اتلف مال غيره مثلا فانشغلت ذمّته بالمال فقط ، ولا يكون على عهدته شيء لعدم تكليفه ـ وهو طفل ـ بشيء من التكاليف ، وكذا الامر في المجنون ، وكما لو استدان الطفل مالاً من كافر حربي ، فقد انشغلت ذمّته ، ولكن ليس على عهدته الاداء ، وبإمكانه أن يمتلك ما في ذمّته فيسقط عنه وتفرغ ذمّته (2).

(1) فقه العقود ، للسيد الحائري ، ص 45 ، مخطوط.

(2) نسب بعض الكتّاب الى الامامية القول بأنّ الذمّة عبارة عن العهدة ، فقد قال صاحب نظريَّة العقد في الفقه الجعفري : « وقال الجعفريون في فقههم : إن الذمّة عبارة عن العهدة والى ذلك يشير الحديث عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) « على اليد ما أخذت حتى تؤدي » اي أن ما أخذته اليد يبقى في عهدتها الى ان تؤديه بنفسه او ببدله لو كان تالفا وقد تكرر هذا الاستعمال للذمَّة في جميع الموارد التي تعرض فيها الفقهاء للضمان ». نظرية لعقد في الفقه الجعفري ، لهاشم معروف الحسني ، ص 57.

أقول : لقد خلط الكاتب خلطاً واضحاً ، اذ أعطى الذمّة معنى العهدة التي هي ظرف التكاليف الالهية ، فان وجوب الردّ حكم شرعي ظرفه العهدة ، واما الضمان فهو يكون لما اُخذ في الذمّة واحدهما غير الاخر كما هو واضح.

نعم : لقد ورد على لسان الفقهاء استعمال الذمّة بمعنى العهدة او العكس ، الا أنها استعمالات ليست دقيقة ، لأنهم ليسوا بصدد بيان معنى الذمّة او العهدة ، بل بصدد بيان امر آخر فيقربون المعنى بما يتسامح به ، ولذا نراهم عندما يتعرضون لتعريف لذمّة يذكرون ذلك الفرق بينها وبين العهدة كما ذكرنا.


159

3 ـ الذمّة لا تموت بموت الانسان

فعلى هذا الذي تقدم من معنى الذمّة « انها وعاء اعتباري ... » وعلى ما تقدم من معنى الدّين « بانه مال موجود في الذمّة » فيرى فقهاء الشيعة ان ذمّة الشخص لا تموت بموته حيث انها وعاء اعتباري قابل للبقاء حتى بعد الموت ، ولذا لا حاجة الى قيام الوارث مقام المورّث في الدَّين ، لان الوارث انما يقوم مقام المورث في ما يكون المورّث ميتاً بلحاظه ، وهذا هو الحال بلحاظ الأموال الخارجية للمورّث ، وبلحاظ ما كان يطلبه من غيره ( انتقال الحق ).

أما بلحاظ الديون الثابتة على الميت فذمّة الميت باقية على حالها مالم يوفّ دينه ولا مجال لقيام الوارث مقامه ويوفى دينه من تركته ثم يورث المال كما قال تعالى : ﴿ من بعد وصية يوصى بها او دين .

اذن فالاسلام يقول لا علاقة لدين الميت بالورثة ، وتبقى ذمّة الميت مشغولة بالدَين للآخرين ، فيتمكن أن يتبرع عنه متبرع في اداء ما على ذمّة الميت فتفرغ حينئذ ، وقد يبرئه الدائن فتفرغ الذمّة ايضا ، كما يمكن ضمانها وعند التبرع والابراء والضمان (1) تنتهي ذمّة الميت ، حيث ان العقلاء لا يعتبرون ذمّة بعد ذلك.

هذا وقد أقر الشارع المقدس هذا الفهم العقلائي للذمّة ، فقد وردت الروايات الكثيرة عن ائمة أهل البيت ( عليهم السلام ) تقرر ما اعتبره العقلاء موجوداً حتى بعد الموت ، فمن تلك الروايات :

لأنهم ليسوا بصدد بيان معنى الذمّة والعهدة ، بل بصدد بيان امر آخر فيقرون المعنى بما يتسامح به ، ولذا نراهم عندما يتعرضون لتعريف لذمّة يذكرون ذلك الفرق بينهما وبين العهدة كما ذكرنا.

(1) المراد بالضمان هنا هو معناه الشيعي « نقل المال من ذمّة الى ذمّة ثانية » لا بمعنى ضم ذمّة الى ذمّة كما هو عند العامّة ، وحينئذ اذا ضمن انسان ما في ذمّة الميت فقد برأت ذمّة الميّت من الدَين.


160

1 ـ ما رواه محمد بن مسلم ( في الصحيح ) عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) حيث قال :

« إن العبد ليكون بارّا بوالديه في حياتهما ثم يموتان فلا يقضي عنهما الدَّين ولا يستغفر لهما فيكتبه الله عاقا ، وأنه ليكون في حياتهما غير بار بهما فاذا ماتا قضى عنهما الدَّين واستغفر لهما فيكتبه الله بارا.. » (1).

2 ـ وصحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) : « في رجل قُتِل وعليه دَين ولم يترك مالا ، فأخذ اهله الدية من قاتله ، عليهم أن يقضوا دَينه ؟ قال :نعم ، قلت : وهولم يترك شيئا ، قال : انماأخذواالدية فعليهم أن يقضوا دَينه » (2).

3 ـ وعن ابراهيم بن عبدالحميد ، قال قلت للإمام الصادق ( عليه السلام ) : « إن لعبد الرحمن بن سبابة دَيناً على رجل قد مات ، وكلَّمناه على ان يحلِّله فأبى ، قال : ويحه أما يعلم ان له بكل درهم عشرة دراهم اذا حلَّله ، فان لم يحلِّله فانما له درهم بدل درهم » (3) فهي تدل دلالة واضحة على ان الدَين يبقى في ذمّة الميت ولا يسقط حتى اذا لم يكن للميت مال.

4 ـ وصحيحة عبدالله بن سنان عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « في الرجل يموت وعليه دَين فيضمنه ضامن للغرماء ، فقال : اذا رضي به الغرماء فقد برئت ذمّة الميت » (4).

وكل هذه الروايات تفيد ان ذمّة الانسان باقية حتى اذا مات ولم يكفِ ما لديه لسداد الدَين ، او لم يكن عنده شيء اصلا ، ولا تزول الذمّة إلاّ بابراء الديَّان او ضمان ما في ذمّة الميت من قبل شخص اخر قد رضي به الغرماء ، او بوفاء الدَّين من قبل ورثة الميت او شخص آخر.

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 30 من ابواب الدين والقرض ، ح 1.

(2) المصدر السابق ، باب 24 من ابواب الدين ، ح 1.

(3) المصدر السابق ، باب 23 من ابواب الدين ، ح 1.

(4) المصدر السابق ، باب 14 من ابواب الدين ، ح 1.


161

خصائص الذمّة :

وعلى ما تقدم من معنى الذمّة عند فقهاء الشيعة ، فللذمّة خصائص هى :

1 ـ لا ذمّة للحيوانات ، حيث إن العقلاء اعتبروا الذمّة وعاءً في الانسان لما يجب عليه من حقوق مالية كلية. والحيوان لا يجب عليه حق مالي. نعم اذ اتلف الحيوان مال انسان ، فيجب على مالكه الضمان ، فتنشغل ذمته بالمال.

2 ـ العبد له ذمّة ، يتبع بعد عتقه ، فيستطيع ان يستدين بشرط ان يكون الدَّين متعلقا بذمته يتبع بها بعد عتقه ، لان العبد وما يملك لمولاه ، ويمكن أن يُضمن ما في ذمّة العبد ويبرأ ويتبرع عنه متبرع.

3 ـ الجنين لا ذمَّة له وان كان يمكن ان يوهب له او يوصى إلاّ ان هذا حق له في ذمّة غيره ، وليس هو حقاً عليه.

4 ـ الذمّة من لوازم الشخصية ، فالوليد هو شخص له صلاحية ان تكون عليه حقوق يكون محلها الذمّة ، كما لو فرضنا ان انسانا وليدا قد زوَّجه وليّه لمصلحة فتجب عليه النفقة للزوجة ، فلو فرضنا انه لم ينفق عليها الولي ، فيثبت في ذمّة الزوج ( مقدار النفقة على الزوجة ) ، ولكن لا يجب على الوليد الاداء لعدم تكليفه باداء المال. فعلى هذا يكون المولود له ذمّة ، وكذلك اذا اتلف الوليد الجديد مال غيره بحيث استند الاتلاف إليه فيثبت في ذمّته مثل ما تلف او قيمته.

5 ـ ليس لسعة الذمّة حدحيث انهاامراعتباري ، تتسع لكل مايتصورمن حقوق.

6 ـ الشخص الواحد ليس له إلاّ ذمّة واحدة.

7 ـ لا اشتراك في للذمّة ، اي : لا يكون للذمّة الواحدة اكثر من صاحب واحد ولذا اذا كان المورّث مدينا فلا يكون الوارث مسؤولا عنه ، وانما المسؤول عن الدين هو المورِّث ، فان كفت التركة اُعطي الدائن فيها ، وان لم تفِ فيكون الدائن يطلب الميت ، وذمّة الميت مشغولة بالدَّين الى ان تفرغ بأحد المفرّغات


162

المتقدمة من تبرُّع عنه او ابراء او ضمان.

8 ـ الذّمة اذا كانت مشغولة لا تمنع المدين من التصرف في امواله الخارجية أو يضيف الى ذمّته أشياء اُخرى مالية.

9 ـ التحجير من قبل الحاكم الشرعي في صورة ثبوت إفلاسه او سفهه او صغره ، لا يخرّب الذمّة. نعم ، التحجير يمنع المحجر عليه من التصرف في اعيان أمواله كما يمنعه من أن يضيف الى ذمّته ديونا اُخرى بحيث يشترك الدائن الجديد مع الدُيّان القدماء. اما اذا انشغلت ذمّته باتلاف مال غيره فيكون للمتلَف مالُه الحق في ذمَّة المتلِف يتبعه بعد فراغ ذمّته من الديون السابقة على دينه ، كما يمكن ـ المحجر عليه ـ ان يستدين على ان يدفع المال الكلي للدائن بعد فراغ ذمّته من الديون السابقة. وهذا معناه ان ذمّته باقية رغم التحجير عليه.

10 ـ قد تقدم منّا أن الذمة لا تخرب بالموت ، وانما اذا كانت ديون الميت تستغرق للتركة فتوثق الديون بتعلقها بماله اضافة الى ذمّته ، فتكون حقوقهم في هذه الحالة شبه عينية.

اما اذا مرض الانسان مرض الموت فبالاولى ان لا تسقط ذمّته ولا تخرب.

فما ذهب اليه بعض الحنابلة (1) : « من ان الذمّة تتهدم بمجرد الموت ، لان الذمّة من خصائص الشخص الحي ، وثمرتها صحة مطالبة صاحبها بتفريغها من الدين الشاغل لها ، واما اذا مات فقد خرج الانسان عن صلاحية المطالبة فتنهدم الذمة ، وعلى هذا اذا مات الانسان دون أن يترك مالا فمصير ديونه السقوط ، وان ترك مالا تعلقت الديون بماله » ضعيف وذلك : فان ثمرة الذمّة ليست هي فقط مطالبة صاحبها بتفريغها من الدَّين الشاغل لها ، وقد تقدمت منّا فوائد الذمّة. على أن تفريغ الذمّة ليس هو فقط باداء صاحب الذمّة ما عليه ، فقد عرفنا ـ سابقا ان ـ

(1) القواعد ، لابن رجب ، ص 193 ، عن الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 8.


163

المتبرع يتمكن ان يفرّغ الذمّة المشغولة ، كما ان الابراء ـ ايضا ـ كذلك ، وكذا الضمان. ثم اننا لاندري ماهوالدليل على أن صاحب الذمّة المشغولة ان لم يترك مالا عند موته تسقط ديونه؟!!نعم ، الميت غيرمكلف باداءالدَّين بعدموته ، لانه خرج عن كونه مكلفا ، اما أن ذمته مشغولة فهو شيء آخر غير العهدة ، وهذا لا يزول ولا يسقط بالموت.

اذن ، الصحيح ما قلناه ـ سابقا ـ من ان الذمّة تبقى بعد الموت صحيحة الى أن توفى الديون او يبرأ من قبل الدائنين او يتبرع عنه متبرع ، او يضمن من قبل شخص حيويقبل الدائن.والدليل على ذلك بالاضافة الى ماتقدم ـ من ان الذمّة وعاء اعتباري يعتبره العقلاء ، والاعتبارسهل المؤونة ، فيكون بعد الموت ايضا ـ ما ورد في الحديث النبوي الشريف : « إن ذمّة الميت مرتهنة بدَينه حتى يقض عنه » (1).

نعم ، بالموت يخرج الانسان عن صلاحية المطالبة في الدنيا ، كما لا يجب عليه الاداء لعدم تكليفه ، لكن هذا لا يوجب عدم بقاء الذمة وصلاحيتها لان تشتغل بالدَّين وقد وردت صحة أن تشغل ذمّة الميت بدين جديد متفرع عن سبب سابق ، كما لو باع شخص شيئا وتوفى وردّ بعد الموت بعيب فيه ، فان ذمّة البائع تشتغل بثمنه الواجب الرد ، وكذا لو باشر في حياته سببا من اسباب الضمان كمن حفر حفرة في الطريق العام ثم مات فتردّى حيوان في الحفرة بعد موته ، فان ذمة الحافر تشتغل بضمان قيمة الحيوان فتؤخذ من تركته.

والى هذاالرأي ذهب الشافعية (2) ، وهورأي المالكيةوفريق من الحنابلة ايضا (3).

ومما تقدم ـ ايضا ـ يبطل القول الحنفي القائل : إن الذمّة تضعف بالموت ولكن لا تنهدم ، اي يبقى للذمة ما تقتضيه الضرورة ، وهذا الضعف يبدأ من مرض الموت ،

(1) الحديث اخذ عن كتاب الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 228. والظاهر انه لم يرد في كتب الشيعة مثل هذا النص ، الا انه موافق لنصوص كثيرة تؤيد هذا المعنى.

(2) حاشية الرملي على اسناد المطالب ، ج 1 ، ص 235 عن الفقه الاسلامي في ثوبه الجديد ، ج 3 ، ص 229.

(3) الفقه الاسلامي في ثوبه الحديد ، ج 3 ، ص 229.


164

لذا توثق الديون التي على الميت بتعلقها بماله تقويةً لذمّته.

ودليل بطلان هذا القول هو : ان تعلق الديون التي على الميت باموال الميت الخارجية ، ليس معناه خراب الذمّة ، حيث إن هذا حكم مستقل دلَّت عليه الروايات القائلة اذا مات المدين حلّت جميع ديونه ، وبما أنه لا تركة الاّ بعد سداد الديون (1) ، فحينئذ تباع التركة وتسدد الديون ، وهذا كما ترى لا ارتباط له بفساد ذمّة الميت.

نعم ، ذمّة الميت لا يمكن ان تشغل بحق مالي كلي جديد ، لان الانسان هو الذي يشغل ذمته بنفسه لانه هو المالك لها على حد ملكيته لنفسه ولأعماله ، وبما أنه قد مات فلا يتمكن اي شخص من اشغال ذمته بعد الموت ، وهذا ـ ايضا ـ لا ارتباط له بخراب الذّمة ، اذ عدم امكان اشغال الذمّة في حال معين ليس معناه انه لا ذمّة او أنها قد خربت.

(1) هذه القاعدة مستفادة من الآية القائلة : ( من بعد وصية يوصي بها او دين ) .


165

ضابط الاعسار الذي يوجب الانظار


166


167

إن الاعسار اذا حدث للمدين فهو يوجب الانظار من قبل الدائن ( وهذا شيء واضح لا خلاف فيه ) وتدل عليه الآية القرآنية ﴿ وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة (1) وحينئذ فاذا أراد الدائن مضايقة مدينه في اداء الدين وهو معسر فيكون قد ارتكب محرّماً ، اذ كما تحرم على المدين مماطلة الدائن وتأخيره دفع الدين عن موعده في صورة اليسار ، تحرم على الدائن مطالبة المدين اذا كان معسرا ، وعلى هذا فتوى مراجع التقليد المعاصرين وغيرهم ، فقد ذكر السيد الإمام الخمينى ( رحمه الله ) في تحرير الوسيلة : « كما لا يجب على المعسر الاداء يحرم على الدائن اعساره بالمطالبة والاقتضاء ، بل يجب أن ينظره الى اليسار » (2). وذكر السيد الإمام الخوئي ( رحمه الله ) : « تحرم على الدائن مطالبة المدين اذا كان معسرا ، بل عليه الصبر والنظرة الى الميسرة » (3).

وتدل على هذا الرأي ـ مضافا الى الآية ـ الروايات الكثيرة ، منها ما ورد عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) في وصية طويلة كتبها الى أصحابه فقال : « واياكم واعسار أحد من اخوانكم المسلمين ، أن تعسروه بشيء يكون لكم قِبله وهو معسر ، فإنَّ أبانا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان يقول : ليس لمسلم أن يعسر مسلماً ، ومن أنظر

(1) البقرة ، 280.

(2) ج 1 ، ص 651 ، مسألة 16 من كتاب الدين والقرض.

(3) منهاج الصالحين وتكملة المنهاج ، ج 2 ، ص 191 ، مسألة 810.


168

معسراً أظلّه الله يوم القيامة بظلّه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه » (1). وعن عبدالله بن سنان قال : « قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) الف درهم أقرضها مرتين أحب اليّ من أن أتصدق بها مرة ، وكما لا يحل لغريمك أن يمطلك وهو موسر ، فكذلك لا يحل لك ان تعسره اذا علمت أنه معسر » (2).

العسر لغة :

العسر لغة : ضد اليسر وهو الضيق والشدة والصعوبة (3).

قال الله تعالى ﴿ سيجعل الله بعد عسر يسرا .

وقال : ﴿ فإنَّ مع العسر يسرا إنّ مع العسر يسراً .

وقال : ﴿ فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة .

وحينئذ فان كان الانسان معسرا ، فمعناه انه في ضيق وشدة وصعوبة بحيث لا يمكنه سداد دينه الذي في ذمته ، فيكون معناه ضد اليسر الذي هو عبارة عن الرفاه والسهولة.

روايات الاعسار :

وقد جاءت الروايات عن اهل بيت العصمة تحدد الشدة التي توجب الانظار ، وخلاصة ما يستفاد من الروايات أن عدم القدرة على سداد الدَّين معناه : « أن لا تكون عند الانسان المدين زيادة على ما يحتاج إليه مما يناسب شأنه ولا يمكنه تركه » ، فقد ذكرت الروايات :

1 ـ إن وجود دار للانسان ـ مناسبة لشأنه ، وحتى وجود دارين إذا كان مما

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 25 من ابواب الدين ، ح 1.

(2) المصدر السابق ح 2.

(3) لسان العرب ، مادة عسر.


169

يحتاجهما ـ لا يخرجه عن حدّ الاعسار الى اليسار ان لم يكن عنده اكثر من ذلك.

2 ـ إن وجود ثياب تجمُّل متعددة لائقة بحال الانسان المدين ، لا يخرجه ايضا عن حدّ الاعسار بالقيد المتقدم.

3 ـ وجود خادم او خادمة او خدم ـ اذا كان المدين مما يحتاج اليهم ـ لا يخرجه عن حدّ الاعسار كذلك.

4 ـ وجود دابة أوأكثراذاكان ممايحتاج اليها ، لايخرجه عن حدالاعساركذلك.

واليك تلك الروايات :

1 ـ صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « لا تباع الدار ولا الجارية في الدَّين ، ذلك أنه لابدّ للرجل من ظل يسكنه وخادم يخدمه » (1).

2 ـ صحيحة الصدوق باسناد عن ابراهيم بن هاشم قال : « إن محمد بن أبي عمير ( رضي الله عنه ) كان رجلا بزازا فذهب ماله وافتقر وكان له على رجل عشرة آلاف درهم ، فباع دارا له كان يسكنها بعشرة آلاف درهم ، وحمل المال الى بابه فخرج اليه محمد بن أبي عميرفقال : ما هذا ؟ فقال : هذا مالك الذي لك عليَّ.

قال : ورثته ؟ قال : لا ، قال : وُهِب لك ؟ قال : لا ، فقال : هو من ثمن ضيعة بعتَها ؟ فقال : لا ، فقال : ما هو ؟

فقال : بعتُ داري التي اسكنها لأقضي ديني.

فقال محمد بن أبي عمير حدثني ذريح المحاربي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : لا يخرج الرجل من مسقط رأسه بالدَّين. إرفعها فلا حاجة لي فيها ، والله وإني لمحتاج في وقتي هذا الى درهم واحد ، وما يدخل ملكي منها درهم واحد » (2).

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 11 من ابواب الدين ، ح 1.

(2) وسائل الشيعة ، ج 13 ، ح 5 ، ص 95 ومن الواضح ان جملة ( ارفعه فلا حاجة لي فيها ... الخ ) هو فهم خاص لمحمد بن أبي عمير ، ولكنه فهم خاطىء لما سيجيء من أن صاحب الدين اذا باع داره من دون اجبار من قبل الدائن وأراد سداد دينه فيجوز الأخذ ، من قبل المدين ، ولعل ابن أبي عمير فهم كراهة أخذه في هذه الصورة لانه صار سببا في البيع ، وسيأتي انه يكره للدائن ان يصير سببا في بيع المدين داره وان يرضى بذلك.


170

3 ـ وعن مسعدة بن صدقة قال : سمعت الإمام الصادق ( عليه السلام ) وسئل عن رجل عليه دين وله نصيب في دار وهي تغل غلة ، فربما بلغت غلتها قوته وربما لم تبلغ حتى يستدين ، فان هو باع الدار وقضى دينه بقي لا دار له. فقال : « ان كان في داره ما يقضي به دينه ويفضل منها ما يكفيه وعياله فليبع الدار وإلاّ فلا » (1).

ومعنى الحديث ان الانسان اذا كانت عنده دار واسعة يكتفي ببعضها فعليه أن يسكن منها ما يحتاج ويقضي ببقيتها دينه ، وكذا الامر ان كفته دار بدون ثمنها باعها واشترى بثمنها داراً ليسكنها ويقضي دينه بالثمن ، وكذا الامر ان كان يكفيه ومن شأنه ان يسكن داراً مستأجرة ، باع داره وقضى دينه ، فان كانت هذه المصاديق الثلاثة يصدق عليها « ان كان في داره ما يقضي به دينه ويفضل منها ما يكفيه وعياله فليبع الدار ».

تنبيهان :

الأول : إن معنى كون الدار من المستثنيات في الدَّين واشباهها هو : أننا لانجبر المدين على بيعها لأجل أداء الدَّين ولا يجب عليه ذلك ، ولكن ذا رضي المدين ببيعها لقضاء دَينه جازله ذلك ويجوزللدائن أخذالمال. نعم ينبغي للدائن ان لايرضى ببيع مسكن المدين وأن لا يصير سبباً في البيع وان رضي المدين ، ففي خبر عثمان بن زياد قال : « قلت للإمام الصادق ( عليه السلام ) : إن لي على رجل دَيناً وقد أراد أن يبيع داره فيقضيني ، فقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) :أعيذك بالله أن تخرجه من ظل رأسه » (2).

(1) المصدر السابق ح 7 ص 96.

(2) الوسائل ، ج 13 ، باب 11 من ابواب الدين ، ح 3 ، ص 94.


171

الثاني : انما لاتباع دار السكنى واشباهها في أداء الدَين مادام المدين حياً ، اما لو مات المدين ولم يترك غير دار سكناه ، او شيئاً من ثيابه ، او دابته او خادمه ، وكان دَينه مستوعباً لما تركه ، فهنا تباع هذه الأشياء وتصرف في أداء الدَين لاجل تفريغ ذمة الميت. وهذا واضح لا يحتاج الى دليل بعد الآية القرآنية القائلة : ﴿ من بعد وصية يوصي بها او دَين (1).

الخلاصة : ان الميزان لبيع الدار وكذا الخادم والثياب واشباهها هو عدم الاحتياج اليها وهو معنى اليسر ، والميزان لعدم وجوب بيع الدار هو الاحتياج وهو معنى العسر ، والامثلة التي ذكرتها الروايات لا تخرج عن كونها أمثلة لما يحتاج اليه الانسان في ذلك الزمان ، اما في زماننا هذا فان الامثلة قد تكثر وقد تتبدل كما في الدابة فان العربة تقوم مقامها في هذه الازمنة ، وقد يكون الانسان محتاجا في أيامنا هذه الى الهاتف والراديو والمسجل واشباه ذلك كثير ولا يمكن حدّه بأمثلة معدودة ، فالاولى ما ذكرناه من الميزان المتقدم من الحاجة الى الشيء بحيث يصعب عليه تركه فهو ميزان الاعسار الذي لا يباع في الدَّين ، ومن عدم الحاجة الى الشيء بحيث يتمكن من تركه بسهولة فهو معنى اليسر الذي يباع في الدَّين.

هل يجب على المدين المعسر ان يقتصر على ما يمسك رمقه ؟

نقول : لا يلزم ذلك ، بل يجوز له أن يأكل ماشاء ( بشرط ان لا يؤدي الى الاسراف المحرم ) فقد روى علي بن اسماعيل عن رجل من أهل الشام أنه « سأل الامام أباالحسن الرضا ( عليه السلام ) عن رجل عليه دين قد فدحه وهو يخالط الناس وهو يؤتمن ، يسعه شراء الفضول من الطعام والشراب ، فهل يحل له ام لا ؟ وهل يحل ان يتطلع من الطعام ام لا يحل له إلاّ قدر ما يمسك به نفسه

(1) النساء ، 11.


172

ويبلغه ؟ قال : لا بأس بما أكل » (1).

هل يجب على المدين المعسر التكسب وأن يؤاجر نفسه ؟

اختلف فقهاء الإمامية في هذه المسألة ، فمنهم من ذهب الى عدم الوجوب كالشيخ الطوسي في المبسوط قال : « لا خلاف في انه لا يجب عليه قبول الهبة والوصية والاحتشاش والاحتطاب والاغتنام ، مؤيداً بالمشهور نقلا وتحصيلا على عدم وجوب التكسب عليه » (2). والقول بان مؤاجرته منفعة ، والمنفعة مال يتعلق بها حق الغرماء : « يدفعها أنه لا اشكال في عدم عدّ منفعة الحرّ مالا ، ولذا لا تضمن بالفوات وإنما تكون مالا بالاجارة لا قبلها ، فلا يتعلق بها حينئذ حق الغرماء » (3).

واما القول الثاني في المسألة فيقول بوجوب التكسب والمؤاجرة على المدين المعسر اذا كان من شأنه ذلك ، وهذا القول أقوى من الاول ، اذ من الواضح أن القادر على الاكتساب بحيث يكفيه اكتسابه لمؤونة سنته غني ، وحينئذ اذا كان مديناً معسراً وهو قادر على الاكتساب فيجب عليه لانه قادربالقوة على أداء الدين ، ومن كان قادرا على أداء الدين بالفعل يجب عليه اداؤه ، ومن كان قادرا على أداء الدين بالقوة يجب عليه السعي لاداء الدين وهو الاكتساب مثلا ، لذا صرّح بعض الفقهاء بوجوب السعي لقضاء الدين ، ففي السرائر : « ومن كان عليه دين وجب عليه السعي في قضائه » وفي القواعد : « ويجب على المدين السعي في قضاء الدين » (4).

ولكن هذا الوجوب ليس معناه تسلط الغرماء على استعماله ومؤاجرته ، بل يجب عليه السعي في قضاء دينه ، وهذا غير تسليط الغرماء عليه.

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 27 من الدين ، ح 1 ، ص 115.

(2) جواهر الكلام ، ج 25 ، ص 324.

(3) المصدر السابق ص 325.

(4) جواهر الكلام ، ج 25 ، ص 326.


173

السلم وتطبيقاته المعاصره


174


175

السَلَم ـ بِفَتح السين واللام ـ : مرادف للفظ السلف لغةً (1) ، واصطلاحاً : هو نوع من البيع. فاستعمال صيغة البيع فيه استعمال للفظ فيما وضع له ، غاية الامر ان هذا الفرد من البيع له احكامه الخاصة الزائدة على احكام البيع : « وقد عطف في مختصر النهاية القرض عليه ، ولعل اشتراكهما لفظاً فيه لاشتراكهما في أن كلاً منهما اثبات مال في الذمة بمبذول في الحال » (2).

والايجاب فيه :

1 ـ اذا كان بلفظ السلم او السلف ، هو أن يقول المشتري اسلمت اليك او اسلفتك كذا في كذا الى أجل ، فيقول المسلَم اليه ( البائع ) : قبلت وشبهه. وهذا من مختصات بيع السلم لعدم تعقل معناهما من غير المشتري.

2 ـ اما اذا وقع بغير لفظ اسلمتك او اسلفتك فيصح الايجاب من البائع فيقول : بعتك كذا بكذا وصفته كذا الى أجل كذا ، فيقول المشتري : قبلت ، ودفع الثمن في المجلس انعقد سلماً لا بيعاً مجرداً عن كونه سلماً اذ اتضح عدم اعتبار لفظ السلمية في صيرورته سلماً بعد ان كان مورده متشخصاً في نفسه. « فما عن بعض الشافعية من أن ذلك بيع لا سلم فلا يجب القبض في المجلس وغيره من احكامه نظراً الى كون الايجاب بلفظ البيع واضح الفساد ، اذمع كون الأوْلى النظر الى المعاني ،

(1) والأول : لغة اهل الحجاز ، والثاني لغة اهل العراق. راجع نيل الاوطار ، ج 5 ، ص 239.

(2) جواهرالكلام ، للمحقق النجفي ، ج 24 ، ص 267 ـ 269.


176

لا تنافي هنا بين اللفظ والمعنى ضرورة كون السلم نوعاً من البيع ، فليس في لفظ البيع ما يقتضي كونه غير سلم حتى يحتاج الى ترجيح النظر الى اللفظ على المعنى » (1).

3 ـ وكذا يقع السلم ( من البائع ) بلفظ : استلمتُ ، وتسلّفتُ وتسلّمتُ ، فيقول المشتري ( المسلِم ) : قبلت ونحوه ، فيكون الموجب هو البائع والقابل هو المشتري.

4 ـ كما يصح السلم بلفظ الشراء ، فيقول : اشتريتُ منك ثوباً او طعاماً صفته كذا بهذه الدراهم الى أجل كذا ، فقال البائع : بعته منك ، فهنا ينعقد هذا البيع سلماً ويكون صحيحاً بناءاً على جواز تقديم القبول على الايجاب ، كما هو الصحيح. اما لو قال البائع : قبلت ، فقد يقال بصحته ايضاً بناءاً على صحة العقد ، بالايجاب من المشتري والقبول من البائع.

تعريف بيع السلم :

عُرِّف عند البعض بانه : « ابتياع مال مضمون الى أجل معلوم بمال حاضر او في حكمه » (2). وهذا التعريف ينسجم مع من يقول بان البيع هو اسم للنقل والانتقال المراد من الابتياع هنا (3).

والمراد من المضمون هنا هو الكلي في الذمة بقرينة الى أجل معلوم ، وبهذا يحترز عن البيع المضمون قبل القبض الذيورد النهي فيه اذا كان طعاماً. واخرج بقوله بمال حاضر أو ما في حكمه بيع النسيئة لعدم اعتبار ذلك فيها ، فالمراد بالمال الحاضر هو المال الموجود المشخّص في مجلس العقد.

والمراد بما في حكمه :

(1) المصدر السابق.

(2) شرائع الاسلام للمحقق الحلي ، ج 2 ، ص 75.

(3) اما مَنْ يقول بان البيع هو انشاء التمليك بعوض وهو فعل البائع ، البائع فلا ينسجم معه التعريف


177

1 ـ المال المقبوض قبل التفرق وإن لم يكن موجوداً في مجلس العقد وهو الكلي في الذمة المدفوع قبل التفرق.

2 ـ او كان موجوداً بدون تشخيص ثم يشخّص قبل التفرق ويقبض.

3 ـ او كان الثمن ديناً في ذمة البائع بناء على جواز جعله ثمناً للسلم.

وهذه وامثالها لم تعتبر في النسيئة. واما الاجل في السلم فهو المشهور وسيأتي تحقيق الحال فيه.

مشروعيته :

اما مشروعيته فقد دلّ عليها امور :

1 ـ شمول العمومات القرآنية مثل : ﴿ أحلّ الله البيع و ﴿ تجارة عن تراض اذ لا اشكال في كونه بيعاً عرفاً فتشمله الادلة (1).

2 ـ إجماع المسلمين على جواز هذا البيع. إلاّ ما حُكي في البحر الزخّارج 3/397 ، ونيل الأوطار 5/239 عن ابن المسيب أنّه لا يجيزه ، متمسكاً بحديث النهي عن بيع ما ليس عند الانسان.

3 ـ الروايات المتواترة التي دلت على صحته وهي كاشفة عن السنة النبوية ، فمن الروايات :

أ ـ صحيح جميل بن دراج عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « لا بأس بالسلم في المتاع اذا وصفت الطول والعرض » (2).

(1) اما الاستدلال بمشروعية السلم من الكتاب بقوله تعالى « يا أيها الذين آمنوا اذا تداينتم بدين الى أجل مسمى فاكتبوه » بشهادة ابن عباس عند ما قال : « اشهد ان السلف المضمون الى أجل مسمى قد احلّه الله في كتابه ثم قرأ : يا أيها الذين آمنوا... » فلعله لعموم اللفظ والاّ فإنَّ الديْن الذي وردت فيه الاية القرآنية يختلف عن بيع السلف الذي نحن بصدده فلا تكون الاية دليل عليه.

(2) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 1 من السلف ، ح 1.


178

ب ـ صحيح زرارة عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « لا بأس بالسلم في الحيوان اذا وصفت اسنانها » (1).

ج ـ صحيح الحلبي عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « سئل عن الرجل يسلم في الغنم ثنيان وجذعان وغير ذلك الى أجل مسمى ، قال ( عليه السلام ) : لا بأس ، ( الى أن قال ) : والاكسية مثل الحنطة والشعير والزعفران والغنم » (2) ، وغيرها من الروايات.

هل مشروعية السلم اصلية او استثناء ؟

ذهب البعض إلى أن مشروعية السلم ليست أصلية ، بل إن تعامل الناس والحاجة جعل الفقه الاسلامي يميز بيع السلم ، فقد ذكر السنهوري ما خلاصته : هنا نجد الفقه الاسلامي ـ على الوجه الذي استقر عليه في عصور التقليد ـ يضيق بحاجات التعامل. فقد كان الاصل الذي قام عليه عدم جواز بيع المعدوم هو فكرة الغرر (3) ، ولكن سرعان ما اختفى هذا الاصل ، وأصبح انعدام الشيء في ذاته هو سبب البطلان ولو لم يكن هناك غرر او كان هناك غرر يسير.

لذلك نجد اجماعاً من المذاهب على أن الشيء اذا لم يكن موجوداً أصلاً وقت التعاقد كان العقد باطلاً ، حتى لو كان وجوده محققاً في المستقبل.

لقد سلّم الفقهاء كما رأينا ، أن الشيء اذا كان موجوداً في أصله دون أن يوجد كاملاً ـ كالزرع او الثمر الذي لم يبد صلاحه وكالزرع الذي يوجد بعضه بعد بعض ـ فهذا الوجود الاصلي وإن لم يكن وجوداً كاملاً يكفي لجواز التعاقد. اما انعدام

(1) المصدر السابق ح 3.

(2) المصدر السابق ح 4 ، والاكسية معناها : الثياب.

(3) الغرر هو عبارة عن التردد في حصول الشيء وعدمه كالطير في الهواء والسمك في الماء وهو يختلف عن المجهول الذي معناه ما علم حصوله مع جهل صفته.


179

الشيء اصلاً ، فقد خلطوا بينه وبين الغرر ، واعتبروا أن التعامل في شيء منعدم وقت التعاقد ينطوي في ذاته على غرر يفسد العقد ، ولم يميزوا بين مصير الشيء المعدوم في المستقبل ، هل هو محقق الوجود فتزول الخشية من الغرر وكان ينبغي أن يصح العقد أو هو محتمل الوجود ، وعند ذلك يدخل عنصر الغرر بقدر متفاوت فيعالج القدر الذي يقتضيه.

على ان تعامل الناس والحاجة أوجدا ثغرتين في هذا المبدأ الذي جمد عليه الفقهاء ، فأجاز الفقه الاسلامي بيع المعدوم في السلم والاستصناع فنتكلم أولا عن المبدأ ثم نستعرض الاستثنائين. ثم استند السنهوري في رأيه هذا على أقوال بعض الفقهاء كقول صاحب البدائع في عدم جواز بيع المعدوم ، ونقل عن فتح القدير ( ج 5/102 ) : « لا خلاف في عدم جواز بيع الثمار قبل أن تظهر » وعن الفتاوى الهندية ( ج 3/106 ) : « بيع الثمار قبل الظهور لا يصح اتفاقاً ». وعن بداية المجتهد ( ج 2/124 ) : « أما القسم الاول وهو بيع الثمار قبل ان تُخلَق فجميع العلماء مطبقون على منع ذلك ، لانه من باب النهي عن بيع مالم يُخلَق او من باب بيع السنين والمعاومة وهي بيع الشجر أعواماً ، إلا ما روي عن عمر بن الخطاب وابن الزبير أنهما كانا يجيزان بيع الثمار سنين » (1).

اقول : يرد على ما ذكره السنهوري عدة امور :

1 ـ إن ما ننسبه الى الفقه الاسلامي يجب أن يكون مستخرَجاً من الادلة الشرعية التي هي مصدر الفتاوى عند علماء الاسلام ، فنسبة مشروعية السلم الى الاستثناء ( من عدم جواز بيع المعدوم ) دعت اليها الضرورة كما صرح بذلك ، استناداً الى أقوال بعض الفقهاء غير صحيح.

2 ـ إن قاعدة « عدم جواز بيع المعدوم » ليس لها أصل في الشريعة المقدسة

(1) مصادر الحق في الفقه الاسلامي ، ج 3 ، ص 31 ـ 32


180

( القرآن والسنة ) ، نعم ورد النهي عن بيع الغرر وهو كما يوجد في بيع بعض الاعيان المعدومة كبيع ما تحمل هذه الأَمَة او هذه الشجرة ، يوجد كذلك في بيع بعض الاعيان الموجودة كما في بيع الحنطة جزافاً ، وكبيع الآبق منفرداً. لقد أجاز الشارع المقدس بيع المعدوم في بعض الموارد ( كما سيأتي ذكر الروايات الدالة على ذلك ) فكيف مع هذا ننسب الى الفقه الاسلامي أن الاصل فيه عدم جواز بيع المعدوم ؟ !.

3 ـ المبيع الشخصي لا يجوز بيعه قبل وجوده ، إما للغرر أولقاعدة عدم جواز بيع المعدوم ، وأما اذا كان المبيع كليّاً فلا يحتمل احدٌ عدم جواز بيعه قبل وجوده ، فانه اذا حُدِّد فلا يلزم غرر ولا تشمله قاعدة عدم جواز بيع المعدوم ، فانه لا اشكال في جواز بيع الكلي حالاًّ وإن لم يملك البائع حين البيع مصداقاً من مصاديق ذلك الكلي ، وحيث إن المبيع في باب السلم كلي لا جزئي ، فقاعدة عدم جواز بيع الغرر او عدم جواز بيع المعدوم لا تشملانه.

4 ـ اجاز الشارع المقدس بيع السلم بروايات كثيرة وجعل له شروطاً رفعه عن دائرة الغرر والجهالة وبيع المعدوم الغرري ، فاشترط في المبيع ان يكون معلوم الجنس والنوع والصفة ، وان يكون معلوم القدر بالكيل او الوزن او العدّ او الذرع وان يكون مما يمكن ان يضبط قدره وصفته بالوصف الذي لا يفضي الى التنازع. كما اشترط في الثمن شروطاً معينة كأن يكون مقبوضاً في المجلس ، كما اشترط في الأجل ان لا ترقى اليه الجهالة ، وغير هذه الشروط المذكورة في الروايات التي صدرت في عصر التشريع الاسلامي الاول ، ومع هذا كيف يقال انه اُجيز للضرورة على خلاف الاصل ؟!.

روايات جواز بيع المعدوم ( الخاص ) :

لقد وردت روايات كثيرة تصحح بيع المعدوم ، وهي تكشف عن رؤية اسلامية لصحة بيع المعدوم اذا توفرت فيه شروط خاصة تخرجه عن الجهالة والغرر ( الخطر ) المؤدي الى المنازعة ، واليك بعضها :


181

1 ـ صحيحة يعقوب بن شعيب قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن شراء النخل فقال : كان أبي يكره شراء النخل قبل أن يطلع ثمرة السنة ، ولكن السنتين والثلاث كان يقول : إن لم يحمل في هذه السنة حمل في السنة الاخرى. قال يعقوب : وسألته عن الرجل يبتاع النخل والفاكهة قبل أن يطلع سنين او أربعاً ؟ قال ( عليه السلام ) : لا بأس انما يكره شراء سنة واحدة قبل أن يطلع مخافة الآفة حتى يستبين » (1).

2 ـ صحيحة الحلبي قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين او أربع سنين فقال ( عليه السلام ) : لا بأس ، تقول : إن لم يخرج في هذه السنة أخرج في قابل ، وإن اشتريته في سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ ، وإن اشتريته ثلاث سنين قبل ان يبلغ فلا بأس. وسئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من ارض ، فتهلك ثمرة تلك الارض كلها ، فقال ( عليه السلام ) : قد اختصموا في ذلك الى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فكانوا يذكرون ذلك ، فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ، ولم يحرّمه ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم » (2).

فمن هذين النصين يتبين أن بيع ثمر النخل والفواكه سنين متعددة لا بأس به ، وهذا هو بيع المعدوم حالاًّ المحقق الوجود مآلاً ، ولا يوجد فيه غرر ، أما بيع ثمرة النخل سنة واحدة فقد كان الاصل هو الجواز كما تقول الرواية ، لكن لما انتهى في بعض الموارد الى الخصومة ( وهي موارد ما اذا هلكت الثمرة قبل القبض وعدم ارجاع الثمن الى المشتري حسب القاعدة المستفادة من الرواية القائلة : « كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه » نهاهم عنه ولم يحرِّمه فيكون النهي استثناءً.

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 1 من بيع الثمار ، ح 8.

(2) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 1 من بيع الثمار ، ح 2.


182

3 ـ صحيحة يعقوب بن شعيب قال : « قال الامام الصادق ( عليه السلام ) اذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فادرك بعضها فلا بأس ببيعها جميعاً » (1).

4 ـ موثقة سماعة قال : « سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها ؟ فقال : لا الا أن يشتري معها شيئاً من غيرها رطبة (2) او بقلاً ، فيقول : اشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا ، فان لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشتري في الرطبة والبقل » (3).

ويتبيّن من هذين النصين أن بيع المعدوم لا بأس به اذا لم يكن فيه غرر ( خطر ) كما لو اشترى المعدوم مع الموجود وكان المشتري على علم بالحاصل ، وهذا نظير بيع الآبق اذا لم يقدر على تسليمه البائع وكذا لا يتمكن ان يتسلّمه المشتري فإنّه اذا باعه لوحده فهو غير صحيح ، للخطر ، وأما اذا باعه مع الضميمة فحينئذ يصح البيع ، فإن حصل عليه وتسلّمه المشتري فهو ، وإن لم يتسلمه كان ماله في مقابل الضميمة الموجودة. وعلى هذا فيكون الميزان في بيع الموجود والمعدوم واحداً ، وهو عدم جوازهما اذا كان فيهما غرر ( خطر ) وجوازهما اذا زال الغرر ( الخطر ). فلا اصل هناك في جواز بيع الموجود وعدم جواز بيع المعدوم.

5 ـ عن ثعلبة بن زيد قال : « سألت الامام الباقر ( عليه السلام ) عن الرطبة تباع قطعتين او ثلاث قطعات ؟ فقال ( عليه السلام ) : لا بأس ... » (4).

6 ـ عن معاوية بن ميسرة في حديث قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن الرطبة يبيعها هذه الجزّة وكذا وكذا جزّة بعدها ؟ قال ( عليه السلام ) : لا بأس به ثم قال :

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 2 من بيع الثمار ، ح 1.

(2) الرطبة : واحد الرُّطَب : بالضم وفتح الطاء من التمر معروف وجمع الرُطب أرطاب ومنه أرطب البُسر اي صار رُطباً ، راجع مجمع البحرين.

(3) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 3 من بيع الثمار ، ح 1.

(4) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 4 من بيع الثمار ح 1.


183

قد كان أبي يبيع الحناء كذا وكذا خرطة » (1). وهاتان الروايتان ظاهرتان في جواز بيع الخرطات التي توجد فيما بعد فهي من بيع المعدوم حالاً المحقق الوجود مآلاً ولا غرر فيه.

إن ادلة عقد الاجارة كلها دليل على جواز بيع المعدوم حالاً المحقق الوجود مآلاً « فالاجارة هي بيع المنافع المستقبلة ، والمنافع ليست موجودة حالاً ولكنها ستوجد مستقبلاً » وقد اجاز الشارع عقد الاجارة بنصوص واضحة كثيرة مع شروط تخرجها عن الغرر (2).

ونكتفي بهذا القدر من النصوص الشرعية التي تدل على أن بيع المعدوم اذا لم يكن فيه غرر ( خطر ) فهو صحيح وهذا هو الاصل والقاعدة كما في بيع الموجود اذا لم يكن فيه خطر. واما بيع المعدوم والموجود معاً اذا كان فيه خطر وغرر فهو باطل لنهي النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن بيع الغرر. وعلى هذا فالاصل والقاعدة هو عدم جواز بيع الغرر ، فاذا جوزت الشريعة او الفقهاء بيع غَرر خاص يكون استثناءً للاصل ، أما هنا فبيع المعدوم لا يوجد اصل في عدم جوازه ، بل ما تقدم من النصوص تصرح بأنَّ الاصل فيه الجواز اذا كان بعيداً عن الغرر. وعلى هذا فَسوف يكون بيع السلم على الاصل لما فيه من الشروط والقيود التي تخرجه عن كونه بيعاً غررياً « فالمسلَم فيه معين محقق الوجود مآلاً ، ومقداره معيّن بالكيل أو الوزن أو العدّ أو الذرع الذي يرفع الاختلاف والجهالة ، والثمن معلوم يدفع مقدماً ، ووقت التسليم محدد ايضاً بحيث لا يحتمل الزيادة والنقيصة ، وان يكون المسلم فيه موجوداً حين الاجل غالباً » وعلى هذا فكيف صار جوازه استثناءً وقد صرحت الشريعة بكل ذلك؟!

(1) المصدر السابق ، ح 3.

(2) راجع وسائل الشيعة ، ج 13 باب 1 ـ 35 من الاجارة توجد روايات متعددة تدل على صحة عقد الاجارة ، فلا يصلح ان يقال : ان الاجارة أجازها الفقهاء استحساناً. راجع مصادر الحق في الفقه الاسلامي ، ج 3 ص 34.


184

ثم إننا اذا تعقلنا عرفاً بيع الكلي في المعين الذي هو عبارة عن بيع الكلي الموجود في الخارج الذي له افراد خاصة يمتاز كل فرد عن الآخر بخصوصيته ، لكن المعاملة حينما وردت على فرد لم تلحظ فيه هذه الخصوصية ، فكان بيعاً كلياً في المعين ويكون تشخيص هذه الخصوصية للبائع كما قد يكون تشخيصها بيد المشتري كما اذا قال : بعت كتاباً من هذه الكتب أياً شئت منها ، وتعقلنا ايضاً بيع الحصة المشاعة (1) كمئة متر من الف ، او حصة من البيت مشاعة ، فتحصل الشركة ، ولابدّ من التراضي في التقسيم او القرعة ، نتعقل بيع الكلي المضمون في الذمة الموصوف باوصاف معينة تخرجه عن كونه غررياً واذا تعقل هذا عرفاً شمله : ﴿ أحلّ الله البيع و ﴿ تجارة عن تراض فتكون مشروعيته اصلية وليست على خلاف القاعدة.

شروط صحة السلم :

ذكروا أنّ شروط السلم ستة : (2)

1 ـ ذكر الجنس ( الحقيقة النوعية كالحنطة والشعير ).

2 ـ ذكر الوصف الرافع للجهالة والمائز بين افراد ذلك النوع. والضابط فيه : هو ما يختلف لاجله الثمن اختلافاً لا يتسامح بمثله ، فذكره لازم. والمرجع في ذلك الى العرف لانه ربما يكون اعرف من الفقيه في هذه الامور. ولا يجب الاستقصاء في الوصف ، بل يجوز الاقتصار على الوصف الذي يزيل اختلاف اثمان الافراد الداخلة

(1) الفرق بين بيع الكلي في المعين وبيع الحصة المشاعة هو ما ذكرته الروايات بأن الميت اذا ترك ثلث ماله بوصية وقد تلف منه شيء قبل القسمة فانه يتلف على الميت والورثة بالنسبة. اما اذا كان الميت مديناً وقد تلف شيء من التركة ولم يبق الا بقدر الدين فيتخصص الباقي للغرماء ، وما الفرق بين تضرر الوصية وعدم تضرر الدين الا بسبب ان الدين كلي في المعين بينما الوصية على سبيل الاشاعة.

(2) الذي ذكر ذلك هو المحقق الحلي صاحب الشرائع ، راجع الجزء الثاني من شرائع الاسلام ، ص76.


185

في العين. وحينما نقول بعدم وجوب الاستقصاء في الوصف ، فليس معنى ذلك عدم جوازه ، بل هو امر جائز الا في صورة ما اذا ادّى الى عزة الوجود « الممتنعة » فيبطل العقد ، لاننا سنشترط كون وجود الجنس الموصوف غالبياً ، ولعل دليل هذا هو انَّ عقد السلم هو من بيع ما ليس بموجود ، فاذا كان عزيز الوجود كان مؤديا الى التنازع والفسخ ، وهو مناف للمطلوب ، كما ان بعضهم ذكر تعذر التسليم هنا هو المانع من صحة البيع.

3 ـ قبض رأس المال قبل التفرق ، فان حقيقة السلم ( السلف ) تعتمد على تسليم الثمن ، وعلى هذا فلا يصح ان يكون الثمن كليّاً لم تشتغل ذمة البائع به ( كالدين الذي لم يأتِ أجلُه ) اما اذا كان قد حلّ اجله وتراضيا على كونه هو الثمن صح عقد السلم. ويصح ان يكون الثمن حوالة للبائع فقبضه من المحال عليه في المجلس ، وذلك لحصول قبض الثمن في مجلس العقد قبل التفرق.

ولكن اذا تراضيا على كون الثمن ديناً على المشتري فالمشهور البطلان لكونه بيع دين بدين مثله (1) فيشمله ما روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « لا يباع الدين بالدين » ولصحيح منصور بن حازم عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « سألته عن الرجل يكون له على الرجل طعام او بقر او غنم او غير ذلك فأتى الطالب المطلوب يبتاع منه شيئاً فقال ( صلى الله عليه وآله ) : لا يبعه نسيئاً واما نقداً فليبعه بما شاء » (2). فان شراء الطالب من المطلوب شيئاً بمالهُ في ذمته يجعل النسيء في الرواية بمعنى السلم.

(1) هذا اذا لم نقل أن صدق الدين بالدين مخصوص بسبق الدينية ، اما في السلم فيصدق الدين بالدين بعد تمام العقد.

(2) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 6 من احكام العقود ، ح 8 وهذه الرواية تكون دليلاً لنا كما هي هكذا في بعض الكتب ، اما بناءً على ما نقله صاحب الوسائل عن نسخ التهذيب المعتبرة : « أتى المطلوب الطالب » فهو في عكس المسألة.


186

4 ـ تقدير المسلم فيه بالكيل او الوزن أو الذرع او العدّ ( اذا كان يرتفع الغرر به ) لترتفع به الجهالة. وكذا رأس المال.

5 ـ أنْ يكون المسلم فيه مؤجلا ويجب تعيين الاجل بمالا يحتمل الزيادة والنقيصة ، اما اذا كان المثمن حالاً فهو بيع لا سلم اذا وقع بلفظ البيع. وتدلُّ عليه الادلة العامة الدالة على صحة البيع كأوفوا بالعقود وأحلّ الله البيع ، أو تجارة عن تراض ، مع خصوص صحيح بن الحجاج ، قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن الأحل ، يشتري الطعام من الرجل ليس عنده فيشتري منه حالاً ؟ قال : ليس به بأس. قلت إنَّهم يفسدونه عندنا. قال : فأيّ شيء يقولون في السلم ؟ قلت لا يرون فيه بأساً ، يقولون هذا الى أجل فإذا كان الى غير اجل وليس هو عند صاحبه فلا يصلح. قال : اذا لم يكن اجل كان احق به ، ثم قال : لا بأس أن يشتري الرجل الطعام وليس هو عند صاحبه الى أجل وحالاًّ لا يسمي له اجل إلاّ أن يكون بيعاً لا يوجد مثل العنب والبطيخ في غير زمانه ، فلا ينبغي شراء ذلك حالاً » ونحوه آخر (1).

6 ـ ان يكون وجود المسلم فيه غالباً بحسب العادة وقت الحلول ولو كان معدوماً وقت العقد ، ليمكن التسليم. ويدل عليه صحيحة عبدالرحمن بن الحجاج في حديث : « ... . إنَّ ابي ( الامام محمد الباقر ( عليه السلام ) ) كان يقول : لا بأس ببيع كل متاع تجدهُ في الوقت الذي بعته فيه » (2).

ومفهومه هو عدم جواز بيع كل متاع لم تكن تجده في الوقت الذي بعته فيه.

ولعل هذا الشرط قد ذكر للردّ على من اوجب ان يكون الجنس المبيع

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 7 من احكام العقود ، ح 1.

(2) المصدر السابق ، ح 3.


187

موجوداً حال العقد الى حال المحل كالاوزاعي والثوري وابي حنيفة ) (1).

اقول : إنّ ما ذُكر مقدّماً بأن لا يكون عزيز الوجود إذا كان راجعاً إلى القدرة على التسليم فهو يكفي عن هذا الشرط ، لأنّه لا يُطمأن بالقدرة على التسليم إلاّ في معتاد الوجود ، وبهذا الشرط يكون السلم قد ورد على موجود بالنوع. ومما يؤكد أنَّ الشرط هو عبارة عن القدرة على التسليم هو : اننا لو بنينا على أن غير القدرة على التسليم للزم « بطلان السلم فيما اتفق انحصار ، في بعض الناس من غلّة أو قهوة أو إبل او غنم أو عبيد وغير ذلك ، وان كان الموجود فعلاً عنده كثيراً فليس له أن يبيع منه ... على انه سلم ، لاشتراط عموم الوجود والفرض انتفاؤه (2).

اقول : ان هذه الشروط الستة ، قسم منها وهي الاول والثاني والرابع هي شروط في كل بيع ، اما الشرط الثالث والخامس فهي شروط تخص بيع السلم فقط.

حكمة السلم :

ان الحكمة في بيع السلم واضحة حيث إنّه يحقق كثيراً من منافع المتعاقدين ، فمن لم يكن لديه السيولة النقدية وعنده القدرة على إنتاج السلع والمحصولات

(1) راجع جواهر الكلام ، ج 24 ، ص 306. وحجتهم في ذلك كما قال الحنفية هو : بطلان الاجل بموت المسلم اليه ( البائع ) ويجب أخذ المسلم فيه من تركته فأشترط لذلك دوام وجود المسلم فيه لتدوم القدرة على تسليمه ، اذ لولم يشترط هذا الشرط ومات المسلم اليه قبل ان يحل الاجل فربما يتعذر تسليم المسلم فيه. ولكن يمكن ان تعالج حالة موت البائع وحلول الاجل بموته مع عدم وجود المسلم فيه بما عالج الحنفية به حالة انقطاع المسلم فيه بعد حلول الاجل وقبل أن يوفى وانعدم وجود المسلم فيه ، فقد قالو هنا يتخير المشتري هنا بين الانتظار الى وجود المسلم فيه وبين الفسخ وأخذ رأس المال ، فيمكن ان يقولوا بنفس هذا العلاج في حالة انقطاع المسلم فيه عند موت البائع من الاجل. راجع المرتقى ج 4/30 وراجع السلم د. الصديق.

(2) جواهر الكلام ، ج 24 ص 308.


188

بكميات كبيرة والشىء الكثير بعد أجل معين ويريد ضمان تصريفها فيتمكن ان يحصل على السيولة النقدية ويسلم البضاعة أو المحصول في وقته الى المشتري ، وهذا بنفسه يشجع على الانتاج المستقبلي في الزراعة والصناعة والعمل ويسدّ باب عدم تصريف البضاعة وكسادها.

ثم إن المشتري يستفيد من استثمار فائض امواله بشرائه للسلعة السلمية بسعر أرخص بكثير من قيمتها الحقيقية في وقتها وبهذا سوف يحقق ارباحاً له جيدة حيث انه اذا استلم البضاعة فان كان بحاجة الى المال فسوف يبيعها بربح ، وإن لم يكن بحاجة الى المال فسوف يبيعها بيعاً آجلاً بثمن اكبر من ثمنها الحالي ، وبهذا يكون قد استثمر المال مرتين.

ويمكن ان يقال بان بيع السلم هو البديل الشرعي للتمويل بالقرض بفائدة في كل مجال يحتاج فيه المشروع الى التمويل.

بيان انواع المعاملات التي يجوز فيها السلم :

اقول : لما كان السلم لغةً واصطلاحاً مختصاً بالبيع كما هو واضح وأن السلم نوع خاص من البيع ، كان من الواضح عدم صحة هذا السؤال ولعل المراد به اصناف المعاملات التي يجوز فيها السلم فنقول : إنَّ اصناف المعاملات التي يجوز فيها السلم كثيرة وحاصلها :

1 ـ بيع السلم : وهو الشائع من انواع المعاملات السلمية الذي يكون الثمن فيه هو النقد سواء كان ذهباً او فضة او نقوداً ورقية ويكون المثمن فيه سلعة من السلع.

2 ـ اسلاف الاعراض في الأعراض اذا اختلفت ، كما اذا أسلفه رصاصاً بحنطة ، وقد دل عليه اطلاق خبر وهب عن علي ( عليه السلام ) قال : « لا بأس بالسلف ما


189

يوزن فيما يكال وما يكال فيما يوزن » (1) المنجبر بالشهرة العظيمة ، ولهذا لا يصار الى ما ذهب اليه ابن أبي عقيل الى عدم جواز السلم الا بالعين والورق ولا يجوز بالمتاع ، والنهي الوارد في هذا النوع يحمل على الكراهة خصوصاً مع التعبير بلفظ « لا ينبغي للرجل اسلاف السمن بالزيت ولا الزيت بالسمن » (2).

3 ـ اسلاف الاعراض في الاعراض اذا اتفقت ولم تكن مقدرة بالكيل او الوزن كأسلاف الثياب في الثياب.

4 ـ اسلاف الاثمان في الاعراض كاسلاف النقد بالحنطة. فيشتري منه نقداً الى أجل بحنطة حالّة ، وهذا قد يقال له بيع النسيئة اذا كان البائع قد اشترى حنطة بنقد مؤجل الى ستة أشهر مثلاً. وفي خبر غياث عن جعفر عن أبيه ( عليه السلام ) قال : « لا بأس بالسلف في الفلوس » (3).

5 ـ اسلاف الاثمان في الاثمان وينقسم الى اقسام :

الاول : اسلاف الذهب بالفضة او العكس. وهذا لا يجوز لانه عبارة عن بيع الاثمان في الاثمان وقد اشترط فيه التقابض في المجلس فما لم يحصل التقابض يكون باطلاً.

ولو قيل ان التقابض قد يحصل بكون الاجل قصيراً ، فمع هذا لا يجوز بيع الاثمان في الاثمان سلماً ، وذلك للادلة الدالة على عدم جواز الاجل في النقدين اذا بيع احدهما بالآخر وانه لابدّ من الحلول في بيعهما والتقابض في المجلس (4).

الثاني : اسلاف الاوراق النقدية في الاوراق النقدية من جنس واحد ، فأيضاً لا يجوز ، لا لأجل ان التقابض شرط اذ ان التقابض شرط في النقدين

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 7 من السلف ، ح 1.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر نفسه ، باب 1 من السلف ، ح 12.

(4) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 2 من ابواب الصرف ( الروايات ).


190

( الذهب والفضة ) ولكن لا يجوز لأنَّ العرف يرى قرضية هذه المعاملة ، فاذا كان ما يستحقه بعد ستة اشهر اكثر مما اعطاه الآن فهو ربا.

الثالث : اسلاف الاوراق النقدية في الاوراق النقدية من جنسين مختلفين ، فهذا يجوز على قول المشهور الذي يرى عدم وجوب التقابض في الاوراق النقدية ، وهناك رأي بعدم جواز ذلك لاشتراط التقابض فيها.

6 ـ يجوز ان يكون ما في الذمة ثمناً في السلم اذا كان حالاً كما تقدم.

7 ـ كما يمكن تجزئة تسليم السلم على اوقات متفرقة معلومة ، فقد وردت صحيحة ابي ولاد الحناط فقال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن الرجل تكون له الغنم يحلبها لها ألبانٌ كثيرة في كل يوم ، ما تقول في شراء الخمسمائة رطل بكذا وكذا درهماً ، يأخذ في كل يوم منه ارطالاً حتى يستوفي ما يشتري ؟ قال ( عليه السلام ) : لا بأس بهذا ونحوه » (1).

بيان انواع السلع التي يجري فيها السلم :

هناك قاعدة في بيان انواع السلع التي يجري فيها السلم وهي كل سلعة تنضبط في الوصف على وجه ترتفع الجهالة ولا يؤدي الى عزة الوجود فيصح فيه السلم قطعاً. فالميزان في صحة السلم رفع الغرر والجهالة ، فيصح في جميع السلع والمعادن والحيوان والطعام والخضر والفواكه بشرط الانضباط في الوصف كما تقدم.

وقد وردت بعض الروايات التي تمنع السلم او ترشد الى عدم تحققه في الخارج لعدم الانضباط في ذلك الزمان كاللحم نيّه ومشويه والخبز ، ففي خبر جابر : « سألت الامام الباقر ( عليه السلام ) عن السلف في اللحم فقال لا تقربنه فانه

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 4 من السلم ، ح 1.


191

يعطيك مرة السمين ومرة الثاوي ومرة المهزولة ، واشتر معاينة يداً بيد » (1) الا أن ادوات الضبط في هذه الايام متوفرة اكثر مما مضى من الزمان ، فما دامت القاعدة هي انضباط السلعة بما يرفع الجهالة ولا يؤدي الى الغرر وعزة الوجود فيصح السلم فيه اذا وجدت ادوات انضباطه في هذه الايام وإن منع فيه سابقاً لعدم انضباطه.

وعلى هذا المقياس فلا يجوز السلم في الجواهر واللآلي لتعذر ضبطها بحيث ترفع الجهالة ولا يؤدي إلى عزة الوجود ، وذلك لتفاوت الاثمان مع اختلاف اوصافها بالحجم والوزن واللون ، نعم هناك من الاحجار الصغيرة التي لا يتفاوت الثمن باعتبارها تفاوتاً بيّناً ، اذ هي تُباع بالوزن مثلاً ، فيجوز فيها السلم.

هذا وقد اطلقت الروايات جواز السلم فيما ينضبط وعدم الاداء الى عزة الوجود فقالت : « لا بأس بالسلم في المتاع اذا وصفت الطول والعرض ، ولا بأس بالحيوان اذا وصفت اسنانها » (2) وكأنها اتكلت على العرف الذي يكون عارفاً باوصاف الانضباط اكثر من الفقيه احياناً.

وعلى هذا فيجوز السلم :

1 ـ في الخضر والفواكه وكل ما انبتته الارض.

2 ـ وفي الحيوان كلّه والعبيد.

3 ـ وفي الالبان والسمون والشحوم والاطياب.

4 ـ وفي الالبسة والاشربة والادوية.

5 ـ ويجوز في جنسين مختلفين صفقة واحدة وغير ذلك مع ضبطه بما تقدم.

مفهوم صفة التعيين في السلع التي يمتـنع معها السلم :

لقد تقدم ذكر السلع التي يجوز فيها السلم بشرط انضباطها بما يؤدي الى رفع

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 2 من السلم ، ح 1.

(2) المصدر نفسه ، باب 1 من السلم ، ح 1 ـ 3.


192

الغرر وعزة الوجود. وعلى هذا فاذا كانت الصفة التي ذكرت في السلعة لتعيينها قد استقصيت فأدت الى عزة (1) الوجود ، فيمتنع فيها السلم ، وقد علل بانه يؤدي الى التنازع والفسخ فهو مناف للمطلوب من السلف.

وقد نقول : إن التعيين اذا ادى الى عزة الوجود ارتفع شرط ان تكون السلعة موجودة غالباً بحسب العادة وقت الحلول فيبطل السلم.

ومن الامثلة على التعيين في السلع التي يمتنع معها السلم ما اذا اشترط الأجود ، فإنَّ هذا العنوان غير منضبط ، اذ ما من جيد الا ويمكن وجود أجود منه.

وكذا اشتراط الاردأ : فان الاكتفاء ( في المرتبة الثانية من الرديء ، ودفع الاردأ إن وجد فقد تحققت الافضلية ، والا فدفع الجيد عن الرديء جائز وقبوله على المشتري لازم فيصح شرط الاردأ ) لا يفيد وذلك لان ضبط المسلَم فيه ( المبيع المؤجل ) يعتبر على وجه يمكن الرجوع اليه عن الحاجة سواء امتنع وجوده ام لا ، ومن جملة موارد الحاجة ما لو امتنع المسلَم اليه من دفعه ، فان الحاكم الشرعي يتدخل في أخذه قهراً ، وهو غير ممكن ، وذلك لان الجيد غير متعيّن عليه فلا يجوز لغير مالكه دفعه ، واما الرديء فما ممن رديء الا ويوجد اردأ منه ، فيتضح عدم الصحة في هذا العنوان.

نعم : اذا اشترط الجيد والرديء فهو امر جائز لامكان تحصيلهما بسهولة ، فان الواجب اقل ما يطلق عليه اسم الجيد ، فان زاد عنه زاد خيراً ، وكذا الرديء ، وكلما قلّل الوصف فقد احسن.

والخلاصة : فكل شيء لا يمكن ضبطه بالوصف بمعنى انه يبقى بعد بيان جنسه ونوعه وصفته وقدره جهالة فاحشة مفضية الى التنازع لا يصح فيه السلم. ولعل دليل ذلك هو ان السلم بيع ، فيكون المسلَم فيه مبيعاً ، والمبيع يحتاج الى أن يتعين بالتعيين ، فاذا كان التعين لا يعينه كما تقدم فلا يصح فيه السلم.

(1) المراد من عزّة الوجود ممتنعهُ.


193

الصنف الواحد والاصناف المتعددة :

هل تُعد السلعة الواحدة ذات العلامات التجارية ( الماركات ) المتعددة ، صنفاً واحداً ام اصنافاً متعددة ؟

ان السلعة الواحدة ذات العلامات التجارية ( الماركات ) المتعددة كمناديل تنظيف اليد والحليب والحبوب والادهان والفواكه واشباهها قد تكون على انحاء :

النحو الاول : اذا كانت تختلف من ناحية الثمن اختلافاً لا يتسامح بمثله ، ومعنى ذلك وجود اختلاف في خصوصيات الافراد كالجودة والرداءة وامثالهما ، ففي هذا الصورة تعدّ السلعة اصنافاً متعددة ، كالحنطة العربية والكردية والاسترالية ، فان اختلاف الثمن مع كون العنوان واحداً يكون بملاك اختلاف خصوصيات الافراد ، وهذا يجعل الحنطة اصنافاً ، فان لم يذكر في السلم صنفاً واحداً معيناً كانت الجهالة موجودة. وعندما يقول الفقهاء : ان المشتري او البائع للسلم « لا يطلب في الوصف الغاية ، بل يقتصر على ما يتناوله الاسم » فالمراد الاقتصار على ما يتناوله العنوان الذي يزيل اختلاف اثمان الافراد الداخلة في العين.

النحو الثاني : اذا كانت لا تختلف من ناحية الثمن لعدم اختلاف الخصوصيات في الافراد ، ففي هذه الصورة تعدّ العلامات التجارية المتعددة صنفاً واحداً عرفاً كالذَِرة التي تكون من صنف واحد ، ولكن مقدمات عرضها المتساوية وعرضها للاسواق تقوم به شركات متعددة ولكل واحدة منها ماركة خاصة ، ففي هذه الصورة لا يوجد بين افراد السلعة اختلاف في الخصوصيات وينبغي أن لا يكون هناك اختلاف في الثمن عرفاً الا نادراً ، وبهذا فسوف تكون السلعة هذه صنفاً واحداً وإن تعددت الماركات.

النحو الثالث : اذا كانت السلعة الواحدة ذات الماركات المتعددة لا تختلف من ناحية خصوصيات الافراد ولكن تختلف من ناحية الثمن بسبب بعض الامور الجانبية ، مثل ان تكون هذه الشركة في مكان بعيد يوجب نقل السلعة الى هذا البلد


194

اجوراً اضافية فتكون السلعة اعلى سعراً من الشركة المحلية التي تعرض السلعة نفسها في نفس البلد بدون أجر يضاف الى تصنيعها او عرضها ، ففي هذه الصورة تكون السلعة صنفاً واحداً وإن كانت ماركاتها متعددة واثمانها مختلفة ، لان المدار في اختلاف الاثمان الذي يوجب ذكر الاوصاف هو الذي يوجب اختلاف الاوصاف بين الافراد ، أما اختلاف الاثمان هنا فهو ناتج عن امور جانبية لا عن اختلاف الاوصاف والخصوصيات. فعلى هذا تكون الماركات المتعددة صنفاً واحداً.

وكمثال على ذلك : أن الحنطة المزروعة في مكان واحد وزمان واحد تشترى من قبل شركات متعددة ، فبعضها في نفس بلد الزراعة. وبعضها في بلد آخر يبعد عن بلد الزراعة بآلاف الكيلومترات ، ثم تجري عليها عمليات واحدة قبل عرضها للاسواق ثم تعرض بعد ذلك ، وهنا سوف يكون ثمن الشركة المحلية للكيلو الواحد من الطحين أرخص من ثمن الشركة البعيدة إذا وصل نتاجها المطحون إلى بلد الشركة المحلية ، فهنا لا يوجد اختلاف في الخصوصيات ووجد الاختلاف في الثمن ، فتكون الماركات المتعددة من هذا القبيل صنفاً واحداً.

النحو الرابع : اذا كانت السلعة الواحدة ذات الماركات المتعددة لا تختلف من ناحية خصوصيات الافراد ولكنها تختلف من ناحية الثمن بسبب اختلاف عمليات ما قبل العرض في الاسواق كأن تكون السلعة الصادرة من الشركة المعينة تحمل قابلية بقائها صالحة للاستعمال اكثر من السلعة الصادرة من شركة اخرى بسبب خلط المواد المبعدة للتعفن والمبقية للسلعة على طراوتها مدة اطول من قبل الشركة الاولى دون الثانية ، فهنا سوف يكون اختلاف بين السلع الصادرة من شركات مختلفة الا ان الاختلاف ليس في نفس السلعة ، اذ المفروض ان السلعة واحدة ومن مزرعة واحدة ولكن الاختلاف هو في التصنيع الذي يجعل بعض الافراد يرغب اكثر لهذه الشركة التي صناعتها اجود من الاخرى ، وعلى هذا فسوف يكون اختلاف الماركات كاختلاف الاصناف للسلعة الواحدة.


195
تنبيه :

ما لو فرضنا ( النحو الثاني والثالث ) الذي يجعل الماركات المتعددة صنفاً واحداً ، ولكن المشتري اشترط في صفقة السلم الماركة المعينة ولتكن الاغلى ثمناً او الارخص ثمناً ، ولكن بهدف إرباح هذه الشركة التي له معها رابطة خاصة ، فهل تعدّ الماركات المتعددة اصنافاً متعددة فيجب على البائع أن يلتزم فيدفع ما شرط عليه ، او يجوز له ان يدفع السلعة من الماركات الاخرى ؟

الجواب : ان الماركات المختلفة وإن كانت تعد صنفاً واحداً ، ولكن حكم هذه الصورة هوحكم السلعة ذات الاصناف المتعددة ، وقدجاءهذاالحكم من قبل الشرط ، فان القاعدة القائلة : « المسلمون عند شروطهم » توجب العمل بالشرط اذا كان لهذا الشرط فائدة تعود للشارط وإن لم يكن الشرط موجباً لاختلاف الافراد.

وبهذا التفصيل الذي تقدم اتضح أثر اختلاف العلامات التجارية في تعدد أصناف السلع المسلَم فيها ، فان الماركة المعينة اذا كانت توجد في السلعة ( ذات العنوان المشترك مع آلاف السلع ) خصوصيات معينة تجعلها متميزة عن بقية السلع بدون هذه الميزة ، فإنَّ ذكر هذه الميزات في عقد السلم يكون لازماً لرفع الجهالة والغرر فان فرضنا ان شركات صنع الورق او المناديل تختلف في صناعة الورق الى صقيل وخشن وكذا المناديل ، فان عقد السلم الذي يوجد في الخارج لابدّ فيه من ذكر الصفة التي تميّز افراد ذلك النوع والا لأدّى الى الغرر المنهي عنه.

اشتراط قبض بضاعة السلم قبل بيعها والحكمة في ذلك :

عقد علماء الاسلام في هذا الموضوع بحثين :

الأول : هل يجوز بيع بضاعة السلم قبل حلول الأجل ؟

الثاني : هل يجوز بيع بضاعة السلم بعد حلوله وقبل قبضه ؟

البحث الأول : هل يجوز بيع بضاعة السلم قبل حلول الأجل ؟

وقد ذكر بعض علماء الاسلام عدم الجواز ، وكان دليله المدعى الاجماع


196

المحكي إن لم يكن محصّلاً فقد ذكر صاحب الجواهر ( قدس سره ) الدليل فقال : « للاجماع المحكي في التنقيح وظاهر الغنية وجامع المقاصد وغيرها ، وعن كشف الرموز إن لم يكن محصّلاً » (1). وقد صرح بان المنع من بيع بضاعة السلم قبل حلول الاجل ليس لأجل عدم ملكية البضاعة للمشتري ، لان العقد هو السبب في الملك ، والاجل يكون لأجل المطالبة. كما ان المنع ليس لاجل عدم القدرة على التسليم اذ أن القدرة على التسليم في البيع الآجل تكون عند الأجل (2).

وقد ذكر في كتاب الجواهر فتوى نسبها الى كتاب الوسيلة ( لابن حمزة ظاهراً ) تخالف هذا الاجماع وهي : « واذا أراد أن يبيع المسلف ما أسلف فيه من المستسلِف عند حلول الاجل او قبله بجنس ما ابتاعه باكثر مع الثمن الذي ابتاعه لم يجز ، ومن باع بجنس غير ذلك جاز » فقد جوّز بيع السلم على البائع بجنس آخر غير المسلم فيه ، وذكر صاحب الجواهر ايضاً مخالفة بعض متأخري المتأخرين استناداً الى عمومات حلّ البيع ونحوها ، ولكنه تهجّم عليهم بعد ذلك.

وقد ذكر عن الامام مالك في المدونة الكبرى ( 4/88 ) الحديث عن السلم في غير الطعام فقال : « وما اسلفت فيه من العروض الى أجل من الآجال فأردت أن تبيعه من صاحبه فلا بأس أن تبيعه منه بمثل الثمن الذي دفعته اليه او ادنى منه قبل محل الأجل ... وإن اردت أن تبيعه من غير صاحبه ، فلا بأس أن تبيعه منه بما شئت بمثل الثمن او اكثر او أقل ، او ذهب او ورق او عرض من العروض او طعام إلاّ أن يكون من صنفه فلا خير فيه ، ولا بأس أن تبيعه ـ وإن لم يحل الاجل ـ بما يجوز ... » (3). وهذا النص جوّز بيع بضاعة السلم غير الطعام على غير البائع قبل

(1) جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام ، للمحقق صاحب الجواهر ، ج 24 ، ص 320.

(2) جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام ، للمحقق صاحب الجواهر ، ج 24 ، ص 320.

(3) نقلنا هذا النص عن بحث الدكتور على السالوس المقدم الى الدورة الثانية لمجمع الفقه الاسلامي تحت عنوان تطبيقات شرعية لاقامة السوق الاسلامية ، ص 6.


197

حلول الاجل بمالا يكون ربا محرماً.

ولكن الشيخ صاحب الجواهر الذي ذكر فتوى الوسيلة ادعى تقدم الاجماع عليها وتأخره عنها ، فبناءً على حجية هذا الاجماع التعبدي يكون بحساب الاحتمال كاشفاً عن رأي المعصوم ( عليه السلام ) فسوف تكون النتيجة ـ كما هي الحق ـ عدم جواز بيع بضاعة السلم قبل حلول اجلها ، وأظن ظناً قوياً بان المراد من منع بيع البضاعة السلمية قبل القبض ، الصادر من مجمع الفقه الاسلامي الموقَّر في دورته السابعة هو بيعها قبل حلول أجلها حيث ان المنع من بيع البضاعة السلمية قبل القبض مخصوص بالمكيل او الموزون او بالطعام كما سيأتي ذلك.

البحث الثاني : هل يجوز بيع بضاعة السلم بعد حلوله وقبل قبضه ؟

وهذه المسألة خلافية عند علماء الاسلام نستعرضها بشيء من التفصيل والتقسيم ، فنقسم البحث الى قسمين :

القسم الاول : هل يجوز بيع بضاعة السلم بعد حلوله وقبل قبضه على غير البائع ؟

القسم الثاني : هل يجوز بيع بضاعة السلم بعد حلوله وقبل قبضه على نفس البائع ؟

اما القسم الاول : اقول : هناك مسألة اعم من هذه المسألة من جهة واخص من جهة وهي مسألة : « جواز بيع المبيع قبل قبضه ( سلماً او غير سلم ) وعدمه » ومسألتنا الخاصة في السلم التي هي بيع البضاعة السلمية قبل قبضها ، هي من مصاديق المسألة العامة ، لذا سوف نبحث عن المسألة العامة فيتضح الامر في مسألتنا الخاصة ، فنقول :

في هذه المسألة العامة ثلاثة اتجاهات فقهية :

الاول : يرى عدم جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقاً ( كان المعقود عليه طعاماً ام غيره وسواء كان مكيلاً او موزوناً ، عقاراً او منقولاً ) وذهب الى هذه الاتجاه


198

الامام الشافعي (1) وأكثر أصحابه والامام احمد في رواية (2) وجمع غفير من العلماء.

الثاني : يرى جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقاً ، وذهب اليه بعض ، كعطاء بن أبي رباح وعثمان البتي (3). وذهب اليه بعض الامامية على كراهة (4).

الثالث : تفاصيل اهمها : التفصيل بين بيع المكيل والموزون قبل قبضه فهو لا يجوز الا تولية ، وبين غيره فيجوز وذهب اليه مشهور فقهاء الامامية قديماً وحديثاً (5).

ولا بأس بالتنبيه الى أن النهي الوارد هنا دال على الفساد ( اي الارشاد الى عدم امضاء المعاملة ) : فيكون معنى اذا اشتريت متاعاً فيه كيل او وزن فلا تبعه الا بعد كيله او وزنه هو اشتراط القبض في صحة البيع الثاني.

والذي يهمنا هنا هو ما ينساق اليه الدليل من هذه الاتجاهات الثلاثة فنقول :

البيع قبل القبض عند المذاهب السُنيّة :

كأن المسألة غير منصوصة عند غير علماء الامامية ، حيث ذُكِرَ أنَّ : « أصل الخلاف يعود الى مسألة الضمان ، هل هو من ضمان البائع ام من ضمان المشتري ، وهل ذلك الضمان يمنع المشتري من التصرف فيه ؟. فمالك واحمد في المشهور عنه ومن معهما قالوا : إن ما تمكن المشتري من قبضه فهو من ضمانه ، وأن المشتري يستطيع ان يتصرف في المبيع قبل التمكن من قبضه ، لأن ضمان البائع له لا يمنع تصرف المشتري

(1) ألاُم 3 ، 60.

(2) المغني لابن قدامة 4 ، 121 ـ 123.

(3) المحلى لابن حزم 8/597 و المغني 4/220.

(4) المختصر النافع ، ص 148.

(5) هناك التفصيل بين بيع الطعام قبل قبضه فلا يجوز وبين بيع غير الطعام قبل قبضه فهو جائز ، ذهب اليه الامام مالك كما في المشهور عنه والامام احمد في رواية عنه. المدونة 4/90 والمغني 4/120.


199

الذي انتقلت اليه ملكية المبيعوالمسلم فيه بمجرد العقد. قال ابن تيمية : « فظاهر مذهب احمد ان جوازالتصرف فيه ليس ملازماً للضمانولا مبنياًعليه ، بل قد يجوز التصرف فيه حيث يكون من ضمان البائع كما ذكر في الثمرة وصنائع الاجارة وبالعكس كما في الصبرة المعينة ». بينما ربط أبو حنيفة والشافعي جواز التصرف بالضمان ، فاذا لم ينتقل الضمان الى المشتري لا يجوز له التصرف فيه حتى لا يتوالى الضمانان » (1).

وبما اننا لا نجد اي محذور في وجود ضمانات متعددة اذا كانت السلعة عند البائع وباعها المشتري الى مشتري ثاني ، وباعها المشتري الثاني الى ثالث وهكذا ، فاذا تلفت السلعة عند البائع قبل ان يسلمها فيكون المشتري الثاني ضامناً للمشتري الثالث ويكون المشتري الاول ضامناً للمشتري الثاني ويكون البائع ضامناً للمشتري الاول ، فيستقر الضمان على البائع الذي تلفت السلعة عنده قبل ان يسلمها الى المشتري الاول « ولم نجد اي شاهد من اصول الشرع لمنع ان تتوالى الضمانات ، ولم نشاهد حكماً علّق الشارع فساده على توالي الضمانات » بل قد ورد النص عند المذاهب في تجويز التصرف في المبيع قبل ان يتسلمه المتشري ، فهو مع انه مضمون على البائع يتمكن المشتري من بيعه بجنس آخر ، وهو رواية ابن عمر : « كنت أبيع الابل بالنقيع ، فأتيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو في بيت حفصة ، فقلت : يا رسول الله رويدك ، أسألك إني أبيع الابل بالنقيع فابيع بالدنانير وآخذ بالدراهم وابيع بالدراهم وآخذ الدنانير. آخذ هذه من هذه ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : لا بأس أن تأخذها بسعر يومها مالم تتفرقا وبينكما شيء » ـ (2) ، كما قد ورد عن كل المذاهب جواز التصرف في الثمرة المشتراة على النخل مع ان ضمانها اذا تلفت يكون على البائع ، فما نحن فيه ايضاً كذلك حيث يتصرف المشتري قبل القبض مع ان الضمان

(1) راجع مجموع الفتاوى 29/5 ـ 6 ـ 509 عن تطبيقات شرعية لاقامة السوق الاسلامية المشتركة د. علي القرة داغي.

(2) مسند أحمد ، ج 2 ، ص 82 ، 154.


200

على غيره ، فاذا حصل تلف ، حصل توالي الضمان.

اذن تكون النتيجة بناء على الخلاف السابق هو جواز بيع السلعة المشتراة قبل قبضها لعدم ما يمنع من ذلك شرعاً ، ونهي النبي ( صلى الله عليه وآله ) على ما نسب اليه عن ربح مالم يضمن لا يمنع من النتيجة السابقة حيث يقال بجواز بيع مالم يقبض بسعر اليوم ، والبيع بسعر اليوم قبل القبض يكون خالياً عن الربح ، فلم يربح فيمالم يضمنه.

نعم ورد النهي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن بيع الطعام قبضه ، ولكن ذكر ابن القيّم ان هذا النهي « انما هو في الطعام المعين او المتعلق به حق التوفية من كيل او وزن فلا يجوز بيعه قبل قبضه » (1).

البيع قبل القبض عند الامامية :

لقد وردت النصوص عند الامامية عن اهل البيت ( عليهم السلام ) تمنع من بيع المكيل او الموزون قبل قبضه ، وتجيز ما سوى ذلك واليك بعض الروايات :

1 ـ صحيحة منصور بن حازم عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « اذا اشتريت متاعاً فيه كيل او وزن فلا تبعه حتى تقبضه الا أن توليه ... » (2).

2 ـ صحيحة الحلبي عن الامام الصادق ( عليه السلام ) انّه قال : « في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل أن يكال ؟ قال ( عليه السلام ) : لا يصلح له ذلك » (3).

3 ـ صحيحة الحلبي الاخرى قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن قوم اشتروا بُزاً فاشتركوا فيه جميعاً ولم يقسّموه أيصلح لأحد منهم بيع بزّه قبل أن يقبضه ؟ قال ( عليه السلام ) : لا بأس به وقال : إن هذا ليس بمنزلة الطعام ، إن الطعام يكال » (4).

(1) عن تطبيقات شرعية لاقامة السوق الاسلامية ، د. علي القره داغي ، ص 66.

(2) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 16 من احكام العقود ح 1.

(3) المصدر السابق ، ح 5.

(4) المصدر السابق ، ح 10.


201

4 ـ صحيحة معاوية بن وهب قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه ؟ قال ( عليه السلام ) : مالم يكن كيل او وزن فلا تبعه حتى تكيله او تزنه الا أن توليه الذي قام عليه » (1).

5 ـ صحيحة منصور بن حازم قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن رجل اشترى بيعاً ليس فيه كيل ولا وزن أَلهُ أن يبيعه مرابحة قبل أن يقبضه ويأخذ ربحه ؟ فقال : لا بأس بذلك مالم يكن كيل ولا وزن ( كما لو بيع بالمشاهدة ) فان هو قبضه فهو أبرأ لنفسه » (2) أي أن غير المكيل والموزون اذا قبضه ثم باعه فهو أبرأ لنفسه.

6 ـ صحيحة علي بن جعفر عن اخيه الامام موسى بن جعفر قال : « سألته عن رجل اشترى بيعا كيلاً او وزناً هل يصلح بيعه مرابحة ؟ قال ( عليه السلام ) : لا بأس ، فان سميّ كيلاً او وزناً فلا يصلح بيعه حتى تكيله او تزنه » (3).

وظاهر هذه الروايات عدم صحة بيع المكيل والموزون قبل قبضه الا تولية ، ولا فرق في هذا البيع بين كونه شخصيّاً او كليّاً الذمة او في المعيَّن.

7 ـ موثقة سماعة قال : « سألته عن الرجل يبيع الطعام او الثمرة وقد كان اشتراها ولم يقبضها ؟ قال ( عليه السلام ) : لا حتى يقبضها الا أن يكون معه قوم يشاركهم

(1) المصدر السابق ، ح 11 ، تنبيه : ذهب المالكية الى منع بيع الطعام قبل قبضه ، أما إذا لم يكن طعاماً فيجوز بيعه قبل قبضه ، وتبيّن من النص الثالث المتقدّم أنَّ العبرة بالطعام لأنّه قال : إنّ هذا ليس بمنزلة الطعام إنَّ الطعام يكال ، فيكون ذكر الكيل اشارة الى أنّ المبيع طعام ولكن بقيت الروايات ذكرت الكيل أو الوزن من دون اشارة الى كون العبرة بالطعام فيؤخذ بها وبإطلاقها وقد يقال : إن الجمع بين الروايات يفهم منه عدم صحة بيع مال السلم إذا كان طعاماً مكيلا أو موزوناً ، وأما إذا لم يكن طعاماً أو لم يكن مكيلا أو موزوناً فيجوز بيعه قبل قبضه.

(2) المصدر السابق ، ح 18.

(3) المصدر السابق ، ح 22.


202

فيخرجه بعضهم عن نصيبه من شركته بربح او يوليه بعضهم فلا بأس » (1). وهذه الرواية جوّزت بيع الثمرة او الطعام على غير بائعها تولية ، كما جوزت بيع نصف الحصة التي لم يقبضها من البائع فيشترك معه غيره.

اقول : ان هذه الروايات التي منعت من بيع المكيل او الموزون على غير بائعه قبل القبض الا تولية او شركة هل هي قاعدة مستفادة من الادلة العامة او استثناء ؟

الجواب : ان هذا استثناء على خلاف القاعدة ، حيث ان المشتري للمكيل او الموزون اذا ملك بواسطة العقد ، يتمكن من بيعه قبل القبض حسب القواعد العامة القائلة بتسلط الناس على اموالهم ، ولكن الروايات المتقدمة منعت عن البيع في خصوص المكيل او الموزون ، فنتعبد بها ونقتصر على موردها ، وموردها هو : « البيع بغير التولية وغير التشريك على طرف ثالث اذا كان المبيع مكيلاً او موزوناً ».

هل هناك حكمة من اشتراط القبض قبل البيع

وللجواب عن هذا السؤال نستعرض ما يمكن ان يقال في كونه حكمة لنرى مدى صحة ذلك او عدمه فنقول :

1 ـ قد ندعي ان الحكمة المتوخاة في نظر الشارع هي عدم جواز الربح بدون تحمل الخسارة ، ومادامت السلعة المشتراة لم يقبضها المشتري ، فخسارتها على بائعها لقاعدة « إذا تلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه » فلا يجوز للمشتري أن يربح بدون تحمل للخسارة اذا حصلت في سلعته. وكأن هذا هو الميزان العدل في المنظار الاقتصادي والشرعي القائل : « من كان له الغُنم فعليه الغُرم » فينبغي ان يكون من يربح اذا باع هو الذي يخسر اذا تلفت السلعة ، اما هنا فان السلعة

(1) المصدر السابق ، ح 15.


203

ما دامت عند البائع وقبل قبض المشتري فخسارتها شرعاً على البائع ، فلا يجوز لمالكها ان يربح فيها.

ويشهد لهذه الحكمة جواز بيعها على شخص ثالث تولية.

ولكن رغم معقولية هذا القانون ، لم يدل عليه اي دليل شرعي ، بل نراه غير مرعيّ فيما اذا كان المشترى غير مكيل او موزون كما لو كان المشترى ثوباً او داراً ، فان المشتري يحق له أن يبيعه ويربح فيه قبل قبضه مع ان المشتري لا يخسر اذا تلف.

وكذا قد تخلف هذا القانون في موارد اُخر كالثمار بعد بدوّ الصلاح ، فان المشتري له حق ان يبيعها وهي على الشجر ، ولكن اذا اصابتها جائحة رجع على البائع ، وكذا منافع الاجارة ، فان المستأجر له الحق في أن يؤجر ما استأجره ويتصرف فيه ويربح بقسم كبير منه اذا عمل فيه عملاً ، ولكن اذا حدث تلف في المستأجَر ، فيرجع على المؤجر بمقدار ما تلف.

فتبين من هذه الاحكام ومن غيرها كما سيأتي ( وهو جواز بيع المكيل والموزون على بائعه بربح مع ان تلفه يكون على البائع ) ان هذه الحكمة ليست هي صحيحة بالنسبة لمنع بيع المكيل او الموزون قبل قبضه. قد يقال ان الأمر الوارد عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) في النهي عن ربح مالم يضمن (1) هو الدليل على هذه الحكمة للمنع من بيع مال السلم قبل قبضه. ولكن هذا باطل حيث ان الأثر الوارد عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ينهى عن بيع الطعام قبل قبضه وعن ربح مالم يضمن فيبدو أن ربح مالم يضمن الذي هو مورد النهي غير بيع الطعام قبل قبضه الذي وقع مورد النهي ايضاً وليس احدهما علّة للآخر كما هو واضح. هذا بالاضافة الى الرواية المروية.

2 ـ هل يمكن ان تكون الحكمة هي القدرة على التسليم ؟ فاذا باعه قبل قبضه فلا يقدر على التسليم لإحتمال عدم تسليم البائع الاول أو هلاك المحل بخلاف ماذا

(1) المغني لأبن قدامة ، ج 4 ، ص 334.


204

باعه بعد القبض ، وهذا قول ذهب اليه الحنفيّة والشافعية والحنابلة والزيدية وابن تيمية. (1)

والجواب بالعدم اذ القدرة على التسليم قد تكون موجودة حتى مع عدم قبض المشتري ، كما انها قد لا تكون موجودة حتى مع قبضه كما لو غُصبت بعد القبض.

3 ـ هل يمكن ان تكون الحكمة هي الوقوف ضدّ المعاملات الوهمية التي لا قصد اليها كما هو الواقع في اسواق البورصة العالمية التي يكون القصد فيها غالباً هو انتظار تقلبات الاسعار للحصول على ربح ، وهو ما يسمى بالمضاربة الاقتصادية ؟

والجواب : ان كلامنا هو في صورة القصد الى البيع الحقيقي لإخراج كل البيوع التي لا قصد فيها الى تسلّم المثمن كما هو الجاري في البورصات العالمية التي لا يكون التسليم والتسلم فيها الا بمقدار 1% كما اتضح هذا عند المناقشات التي جرت في مجمع الفقه الاسلامي في دورات سابقة. بالاضافة الى انتقاض هذا ببيع غير المكيل او الموزون قبل قبضه كما جوزت ذلك الروايات السابقة.

4 ـ وقد يقال (2) : إن الحكمة في النهي عن بيع المكيل او الموزون قبل قبضه هو التيقن من حصول القصد الحقيقي للبيع ، فإنَّ قبض السلعة ووضعها في المخازن يجعل المشتري في حالة من الجدية بحيث لا يشك احد في وجود قصده الحقيقي للشراء ، بينما عدم القبض لم يجعل قصده واضحاً للآخرين وإن دفع الثمن ، حيث

(1) راجع الصدّيق الضرير ، رسالة في السلم ، ص 27.

(2) هذا القول ذهب اليه المالكية ، وقد ذهب اليه من قبلهم ابن عباس حين قال في بيع الطعام قبل قبضه ذلك دراهم بدراهم والطعام مرجأ ( اي مؤجّل ، من الارجاء والتأخير ) ( صحيح البخاري 3/68 ) كما ذهب اليه زيد بن ثابت وابوهريرة حين قالا لمروان أحللت بيع الربا ، عندما رأيا الناس يتبايعون صكوك الطعام قبل أن يستوفوها. راجع الموطّأ مع المنتقى ج ق ، ص 285 و صحيح مسلم مع شرح النووي ، ج 10 ، ص 171. وهذا التعليل ـ كما يقول الشوكاني ـ أجوَد ما علال به النهي لأنّ الصحابة اعرف بمقاصد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، راجع الصديق الضرير ، رسالة فى السلم عن نيل الاوطار ، ج 5 ، ص 169 الخ.


205

يتهم بان قصده الحقيقي هو الربا ، فيدفع الثمن ليشتري بأقل من القيمة مؤجلا ويبيعها قبل قبضها بعد الاجل فيكون قد دفع مائة واستلم مائة وعشرين وقد منع منه الشارع لكونه فائدة مستترة تحت البيع.

ويؤيدهذه الحكمة هوجواز بيع السلعة على شخص ثالث تولية ( بدون ربح ).

ولكن يرد على هذه الحكمة :

1 ـ انها ليست مطردة في بيع البضاعة قبل قبضها اذا لم تكن السلعة مكيلة او موزونة بل جوزت الروايات بيعها قبل قبضها مرابحة كما سبق ، وما قيل من وجود نهي عن بيع كل مالم يقبض فهو لم يثبت (1).

2 ـ ان كلامنا في القصد الحقيقي للبيع والشراء الذي قد تلازمه الخسارة او عدم الربح ، بخلاف الربا الذي هو ربح مضمون دائماً من دون الدخول في المعاملات ، فاذا دخل الانسان في المعاملة التي قد تربح وقد تخسر ، من دون اشتراط ارجاع ماله اليه مع الزيادة فهي معاملة بعيدة عن الربا حتى وإن حصل الربح قبل القبض بواسطة البيع الحقيقي.

والخلاصة : اننا لم نجد حكمة معقولة لشرط قبض المكيل او الموزون قبل البيع ، فلابدّ من التعبد بالحكم مقتصرين على مورده رغم وجود روايات ترخّص في بيع المكيل والموزون قبل قبضه ، الا أنها ضعيفة السند او مطلقة للبيع تولية

(1) اقول : لم يثبت وجود رواية عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) نقول : « لا تبيعن شيئاً حتى تقبضه » وانما روي عن ابن عباس ( رحمه الله ) : عن أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « نهى عن بيع الطعام قبل قبضه » وقال : « ولا أحسبُ كل شيء الا بمنزلة الطعام ». وقد روى هذه الرواية البخاري ، كتاب البيوع ، باب بيع الطعام قبل ان يقبض ج 4 ، 349 ومسلم 3/1159. وواضح ان هذه الرواية ليست كلها قد صدرت من النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، بل إن الصادر هو الفقرة الاولى وهي النهي عن بيع الطعام قبل قبضه ، اما الفقرة الثانية فهي من اجتهاد ابن عباس. وعلى هذا فان صدر الرواية يُقيّد بالروايات الناهية عن بيع المكيل او الموزون قبل قبضه او يُفسر بها. اما ما لا كيل له ولا وزن فقد اجازت الروايات بيعه قبل قبضه مرابحة. راجع الروايات المفصلة بين عدم جواز بيع المكيل او الموزون قبل قبضه وجواز بيع ما عداهما.


206

وغيره ، فتقيدها الروايات المانعة للبيع قبل الكيل او الوزن الا تولية او على سبيل الشركة ببيع نصف ما اشتراه قبل القبض مثلاً.

تنبيهات :

1 ـ ان المبيع اذا كان غير مكيل أو غير موزون ( كالمعدود والمذروع ، والمشاهد ) يجوز بيعه قبل قبضه ( سلماً او استصناعاً او غيرهما ) طبقاً للقاعدة القائلة : « الناس مسلطون على اموالهم » مع ورود الرخصة في بيع هذا في نفس الروايات المانعة من بيع المكيل والموزون قبل القبض ، ففي ذيل صحيحتي منصور ابن حازم المتقدمتين : « فان لم يكن فيه كيل ولا وزن فبعه » ، وكذا في رواية ابي حمزة عن الامام الباقر ( عليه السلام ) قال : « سألته عن رجل اشترى متاعاً ليس فيه كيل ولا وزن أيبيعه قبل أن يقبضه ؟ قال ( عليه السلام ) : لا بأس » (1) وغيرها.

2 ـ الثمن اذا كان مكيلاً او موزوناً والمبيع عروضاً فيتمكن البائع من بيع الثمن المكيل والموزون قبل قبضه طبقاً للقاعدة وعدم المانع ، فان الدليل اللفظي الدال على منع بيع المكيل والموزون قبل كيله او وزنه مختص بالمثمن ، فتعديته الى الثمن تحتاج إلى دليل لفظي عام او مطلق ، او اطمئنان بان الملاك واحد فيهما ، وبما أنه لا يوجد اطلاق ولا عموم ولا يوجد اطمئنان بالملاك فيهما حيث ان الحكم تعبدي على خلاف القاعدة ، فنقتصر على مورد المنع ، ونتمسك بدليل ﴿ أحلّ الله البيع لصحة بيع الثمن اذا كان مكيلاً او موزوناً قبل قبضه.

نعم : من علل عدم جواز بيع المبيع اذا كان مكيلاً او موزوناً قبل القبض بضعف ملكية المشتري اذ يحتمل ان يتلف الطعام وتنحل المعاملة ، فان هذا الوجه الاستحساني موجود في الثمن الموزون او المكيل قبل القبض.

ولكن هذا الوجه ضعيف ، اذ لا يكون الملك ضعيفاً قبل القبض ، ولأن هذا

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 16 من احكام العقود ، ح 8.


207

الوجه يقول بعدم جواز البيع حتى تولية ولغير المكيل والموزون ، ولا أحسب ان يقول بنتيجته احدٌ.

3 ـ إن الحكم بعدم جواز بيع المكيل او الموزون قبل قبضه مختص بالبيع ، وعلى هذا فللمشتري أن يصالح عليه قبل قبضه ، وله أن يؤجره قبل قبضه اذا كانت له منفعة يستفاد منها مع بقاء العين ، لصحة الصلح والاجارة قبل القبض ، ومع الشك في صحة الصلح والاجارة عليه ، فنتمسك باطلاق صحة الاجارة والصلح جائز بين المسلمين. او اطلاق ﴿ إلا ان تكون تجارة عن تراض .

4 ـ إذا اشترى مكيلاً او موزوناً ومات المشتري قبل قبضه ، فهل يجوز للوارث البيع قبل القبض ؟ وكذا اذا اشترى ذهبا موزوناً من الصائغ ثم جعله مهراً لزوجته فهل يجوز للزوجة بيع هذا الذهب قبل القبض ؟

وكذا اذا ملكت المكيل والموزون بواسطة الصلح ، فهل يجوز بيعه قبل قبضه ؟

الجواب : إن الروايات المانعة تخاطب المشتري ، فبناء عليها يجوز بيع الوارث والزوجة والمصالح ، لعدم صدق عنوان المشتري عليهم ، ولكن توجد صحيحة معاوية بن وهب تمنع من بيع المكيل او الموزون قبل قبضه بدون مخاطبة المشتري ، وبهذا نفهم ان مخاطبة المشتري ليس لها خصوصية ، بل المنع لكل من انتقل اليه المبيع المكيل والموزون ، واليك الصحيحة : قال سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) : « عن الرجل يبيع البيع قبل ان يقبضه ؟ فقال : مالم يكن كيل او وُزِن فلا تبعه حتى تكيله او تزنه الا أن توليه الذي قام عليه » (1).

فكرة السلم الموازي :

وهي فكرة يراد بها شيئان :

(1) المصدر نفسه ، ح 11.


208

1 ـ التخلص من ( عدم جواز بيع المكيل والموزون قبل قبضه ).

2 ـ التخلص من ( عدم جواز بيع البضاعة السلمية قبل حلول الاجل ).

وهذا البحث الذي نريد ان نطرقه يفيدنا في التخلص من عدم جواز بيع المكيل والموزون قبل قبضه الذي دلت عليه الروايات المتقدمة وتعبدنا في الأخذ بها كما يفيدنا من عدم جواز بيع البضاعة السلمية قبل حلول أجلها الذي دلّ عليه الاجماع المتقدم ، ولذا سوف نتكلم في الموضوع الاول ولكن البحث يسري بأكمله في الموضوع الثاني أيضاً. فنقول :

بما ان النهي عن بيع المكيل والموزون قبل قبضه تعبد محض كما تقدم ، فإذا أردنا ان نصل إلى نتيجة بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه ولكن لا عن طريق البيع المنهي عنه ، فهل هو جائز ؟

الجواب : إن العلة في منع المكيل والموزون قبل قبضه لم تعرف لدينا ، ولهذا يكون النهي تعبدياً ، فلا نتعدى إلى غير ما دلّ الدليل اللفظي عليه ، وعلى هذا فإذا وجد طريق لا يشمله النهي وأدّى إلى نفس نتيجة بيع المكيل والموزون قبل قبضه بدون البيع ، فلا بأس به ويكون جائزاً.

اما ما هي الوسيلة التي تخلصنا من « عدم جواز بيع المكيل والموزون قبل قبضه » ؟

الجواب : هنا وسيلتان.

الوسيلة الاولى :

( الوكالة في القبض ) « أو فكرة السلم الموازي ».

بمعنى ان المشتري للمكيل أو الموزون ( إذا لم يقبضه من البائع ، أو لم يحل الاجل ) يتمكن ان يبيع في الذمة مكيلاً أو موزوناً من نفس النوع ، ثم بعد تمامية بيعه يوكل المشتري ( في أخذ المبيع من البائع الذي اشترى منه ، ولم يقبضه أو لم يحل الاجل ) بوكالة غير قابلة للعزل ، وقد يعكس الامر بان يبيع كلياً في الذمة مكيلاً أو


209

موزوناً ، وهو يخشى من ارتفاع قيمته فيما بعد أو يريد السفر حين حلول الاجل أو قبله ، فيتمكن ان يشتري مقداره سلماً إلى حين الاجل وقبل قبضه أو قبل الاجل يتمكن ان يوكل المشتري في اخذه من البائع ، وهذه الوكالة منجّزة يكون متعلقها حلول الاجل كما في الوكالة المنجّزة في الطلاق في حالة معينة أو يوم معين. وهذه الطريقة لا تشملها الروايات المانعة ، لانها تمنع من العقد الثاني إذا جرى على ما جرى عليه العقد الاول « لا تبعه حتى تكيله أو تزنه ». وإذا نظرنا إلى استثناء بيع التولية نقطع بان الممنوع هو البيع الثاني إذا جرى على ما وقع عليه البيع الأول حيث إنّ التولية هي « أن يبيع ما اشتراه أولاً برأس ماله ». أما هنا فلم يبع ما جرى عليه العقد الاول ، بل وكَّل دائنه في أخذ المبيع من مدينه فهو استيفاء ، وفائدته سقوط ما في ذمته منه.

لكن هذه الطريقة التي قلناها هنا ، لا نقولها في مورد نفهم الملاك من المنع ، كما إذا حلف انسان أو نذر عدم بيع بيته وكان السبب في ذلك هو ان لا يبقى بدون مأوى هو وعائلته رغم الظروف التي يمرّ بها ، ففي هذه الصورة إذا باع بيتاً كليّاً في الذمة ثم قال للمشتري : اُعطيك بيتي وفاءً لما في ذمتي ، فان العرف يرى أنه ممنوع من هذا العمل بواسطة حلفه أو نذره ، وذلك لعلمنا بالملاك الذي دعاه للحلف أو النذر بعدم بيع داره ، وهو اعم من البيع بحيث يشمل اعطاء داره وفاءً لبيع بيت كلي.

ومثال اوضح لذلك : هو النهي عن بيع امهات الأولاد في الشريعة الاسلامية ، كما ورد عن علي ( عليه السلام ) ، فالنهي وضعي يدل على البطلان ، والملاك والغاية منه هو تحرر الأمة ( ام الولد ) من نصيب ولدها إذا مات سيدها ، وحينئذ يرى العرف أن بيع امة على الغير بنحو الكلي في الذمة ثم يعطي أمته وفاءً عما في ذمته مشمول للنهي ، وذلك لان العلة التي أوجبت الحكم عامة تشمل هذه الصورة. وهذا يختلف عما نحن فيه حيث ان العلة المانعة من بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه غير معلومة لنا ، فلا يكون المنع شاملاً لهذه الصورة.


210

ولا اشكال في هذه الوسيلة الاولى الا أن يكون القابض والمقبض متحداً ، وهو ليس فيه أي محذور ، إذ يكون قابضاً بالوكالة عن المشتري الاول ومقبضاً لنفسه بالاصالة. بالاضافة الى وجود صحيحة شعيب بن يعقوب كما يرويها الصدوق ( ولكن صاحب الوسائل توهم فرواها عن الحلبي ) قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن رجل... وسألته عن الرجل يكون له على الآخر أحمال من رطب او تمر فيبعث إليه بدنانير فيقول : اشتر بهذه واستوف منه الذي لك ؟ قال ( عليه السلام ) : لا بأس إذا ائتمنته » (1). فهنا المديون الذي اعطى الدراهم إلى الدائن واشترى الدائن بها رطباً للمديون ، فإذا استوفى الدائن دينه بعد الشراء فقد برئت ذمة المديون قبل قبضه ، ولكن قد يقال إن الوكالة في الشراء الموجود في الرواية هي وكالة في القبض عرفاً ، فحينئذ تكون الرواية دالة على استيفاء الدين بعد القبض للمكيل والموزون ، لا قبل القبض. الا أن الرواية شاملة باطلاقها لما إذا اشترى رطباً سَلماً ووكَّله في أخذه عند حلول الأجل.

ثم لا يتوهم ان هذه الطريقة فيها منع بواسطة صدر رواية شعيب المتقدمة عن الامام الصادق ( عليه السلام ) حيث جاء فيها : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن رجل اسلفه دراهم في طعام ، فلما حلّ طعامي عليه بعث اليّ بدراهم وقال : اشتر لنفسك طعاماً واستوف حقك ؟ قال ( عليه السلام ) : ارى ان تولي ذلك غيرك وتقوم معه حتى تقبض الذي لك ولا تتولى انت شرائه » وكذا موثقة عبدالرحمن بين أبي عبدالله عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن رجل أسلف دراهم في طعام ، فحلّ الذي له ، فأرسل إليه بدراهم فقال : اشترِ طعاماً واستوفِ حقك ، هل ترى به بأساً ؟ قال ( عليه السلام ) : يكون معه غيره يوفيه ذلك » (2).

وسبب عدم التوهم : هو أن النهي في هاتين الروايتين عن الشراء الذي هو

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 باب 12 من السلف ، ح 1.

(2) المصدر السابق ، ح 2.


211

مورد تهمة وسوء ظن ، فان الدائن هنا هو المشتري وقد يتّهم في صورة شرائه لنفسه ، فيعلم ان النهي كراهتي حيث يجوز ان يكون الدائن هو المشتري لمدينه بلا إشكال.

الوسيلة الثانية ( الحوالة )

كما إذا كان المشتري للسلم قد احتاج إلى المال فيبيع سلماً الى مابعد ذلك الاجل ، ثم يحوّل المشتري على البائع الذي باعه قبل الاجل أو قبل القبض. وكذا إذا باع سلماً مكيلاً أو موزوناً وأراد أن يتخلص من هذا الدين لأي سبب كان ، فيتمكن ان يشتري البائع سلماً مماثلاً ثم يحوّل المشتري الذي كان مديناً له على البائع الذي اشترى منه سلماً. وبما أن الحوالة ليست بيعاً ولا معاوضة ، بل هي تعيين الدين الذي في ذمة المديون بحال في ذمة فرد آخر ، وهو عقد مستقل ، فلا يشملها النهي عن بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه أو قبل حلول الاجل.

ويمكن الاستدلال لجواز هذه الحوالة « مضافاً الى اقتضاء القاعدة والعمومات لذلك » بموثقة عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن رجل عليه كرّ من طعام ، فاشترى كراً من رجل آخر فقال للرجل انطلق فاستوفِ كرّك قال ( عليه السلام ) : لا بأس به » (1) فالرواية شاملة لما إذا كان الكرّ في ذمة الانسان بالشراء أو القرض ، وشاملة لما إذا كان في ذمة المحيل معوّض أو عوض ، وشاملة لكون المبيع كلياً في الذمة أو شخصيّاً ، فتكون دليلاً لما نحن فيه.

وهنا لا اشكال على هذه الوسيلة اصلاً إذا كان المال المحال عليه أو به حالاً ومستقراً (2) ، أي بعد الاجل وقبل القبض. اما الحوالة إذا كانت بمال غير حال أو

(1) المصدر نفسه ، باب 10 من السلف ، ح 2.

(2) الاحالة بمال السلم كما لو أحال البائع المشتري سلماً على من له عليه قرض أو اتلف مال البائع واما الاحالة على مال السلم كما إذا احال المشتري شخصاً آخر على البائع ليأخذ مقدار السلم ، كما يمكن الاحالة بمال السلم على مال السلم.


212

على مال غير حال كما في الحوالة بدين السلم أو على مال السلم قبل حلول الاجل فسنتكلم عنها الآن.

الاشكال على الحوالة بدين السلم أو على دين السلم :

وقد استشكل البعض في هذه الحوالة بثلاثة اشكالات :

الاشكال الاول : هو أن الحوالة بيع من البيوع كما عن الامام مالك (1) وعلى هذا فلا تجوز الحوالة ببضاعة السلم قبل حلول الاجل لانها عبارة عن بيع بضاعة السلم قبل حلول الاجل وهو مورد المنع.

الاشكال الثاني : ما نسب إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) من قوله : « مَنْ أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره » (2).

ولكن بما أن الجمهور والامامية يعتقدون بان الحوالة ليست بيعاً وانما هي عقد مستقل ـ كما هو الصحيح ـ فقد ارتفع الاشكال الاول. هذا مضافاً الى ان الحوالة حتى لو سلّمنا كونها بيعاً ، فلفظ البيع الوارد في الروايات الناهية عن البيع قبل القبض منصرف عن الحوالة الى البيع المتعارف.

واما الرواية النبوية فقد يناقش في متنها فضلاً عن سندها ، إذ لعل المراد هو النهي عن بيعه قبل الاجل لا النهي عن الحوالة على مال السلم بحيث يتمكن من أخذه في وقته وبعد الاجل. واما من ناحية السند ، فالحديث روي بثلاثة طرق في باب السلف يحوّل وفي باب من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره ، وفي كل الاسناد عطية بن سعد العوفي وهو ضعيف (3).

الاشكال الثالث : وقد ذكر الامام مالك اشكالاً آخر في المقام ، وخلاصته :

(1) المدونة ، 4 ، 34 ـ 35.

(2) المغني 5/55.

(3) نظر ترجمة عطية في تهذيب التهذيب وميزان الاعتدال.


213

« اشتراط ان تكون الحوالة بدين حال » (1) اما الدين في بيع السلم إذا كان مؤجلاً فهو ليس بحال فلا تجوز الحوالة.

وقد أجاب الشوكاني عن هذا الاشكال فقال : « واستقرار الدين على المحال عليه ... فلا ادري لهذا الاشتراط وجهاً ، لأن من عليه الدين إذا أحال على رجل يمتثل حوالته ويسلّم ما أحال به كان ذلك هو المطلوب لان به يحصل المطلوب بدين المحال ، ولو لم يكن في ذمة المحال عليه شيء من الدين » (2).

وبعبارة اخرى ، الحوالة هي : « تحويل ما في ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه » (3) ، فإذا كان زيد وهو الذي احتاج إلى النقد بعد شرائه البضاعة السلمية قد باع سلماً إلى شخص آخر ، فهو قد انشغلت ذمته بمقدار معين موصوف إلى المشتري الجديد ، وبما أنه يطلب البائع الذي باعه بتلك الكمية ، فيتمكن أن يحوّل ما في ذمته الى ذمة البائع ، فإن قبل المشتري الجديد ( المستحق ) وقبل المستحق عليه وهو البائع ، فلا يوجد أي مانع من صحة هذه الحوالة وتنفذ عند الاجل والاستحقاق ، وأي مانع في أن أقول للذي يستحق عليه المال بعد مدة : ادفع ما يستحق عليك في وقته إلى فلان الذي يطلبني قدره ؟ !

نعم : إن صحة الحوالة بعد عملية السلم الموازي أو صحة الوكالة كذلك منوطة بان لا يُفسخ احدُ عقدي السلم المنفصلين ، فإذا فسخ العقد الاول فتبطل الحوالة لان العقد هنا هو : ان يتسلم المحال له بضاعة السلم التي كنتُ قد اشتريتها سابقاً ، فإذا بطل عقد السلم الاولي فلا يستحق المشتري إلاّ ثمنه ، فلا توجد بضاعة سلم يستحقها المشتري. كما أنه لو بطل عقد السلم الثاني فتبطل الحوالة أيضاً حيث ان العقد هو : أن يتسلّم المشتري الثاني ما استحقه بعقد السلم الثاني من البائع الذي

(1) المغني 5/55 ، وبدائع الصنائع 6/16.

(2) السيل الجرار المتدفق على حدائق الازهار 4/242.

(3) اللمعة الدمشقية ، ج 4/142.


214

يستحق عليه المشتري الاول البضاعة السليمة. وبعد ان بطل عقد السلم الثاني ، فإن المشتري الثاني لا يستحق إلا ثمنه فلا يستحق بضاعة على بائعه ، وعلى هذا فيبقى حق المحال كما هو من دون ضياع ، لان الحوالة التي هي عبارة عن براءة ذمة المحيل وانتقال المال إلى المحال له انما يكون في صورة صحة الحوالة وعدم بطلانها ، اما إذا بطلت فيبقى حق المحال بحاله على ذمة المحيل. على أنه يمكن للشخص الثالث وهو المحال اشتراط عدم براءة ذمة المحيل الا في صورة تسلمه للبضاعة ، فانه شرط صحيح لا يخالف كتاباً ولا سُنّة حيث ان براءة ذمة المحيل على القول بها هي في صورة عدم وجود شرط على خلافها في صورة معينة.

وأما القسم الثاني (1) : بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه على البائع فقد جوزته الروايات مالم يستلزم الربا وتفصيله يذكر في امور :

الأمر الأول : إذا باع المشتري ما اشتراه قبل القبض ( سواء كان كلياً أو شخصياً ) بجنس آخر على البائع فهو جائز بلا كلام وذلك لان الروايات المانعة من بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه وإن كانت مطلقة لكل بيع ، إلا ان الروايات التي جوزت البيع على البائع قد أحلّت هذه الصورة بشرط ان يأخذ بقدر دينه دراهم أو عروضاً ، فمن الروايات :

1 ـ صحيحة العيص بن القاسم عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « سألته عن رجل اسلف رجلاً دراهم بحنطة حتى اذا حضر الاجل لم يكن عنده طعام ووجد عنده دواباً ومتاعاً ورقيقاً ، يحل له أن يأخذ من عروض تلك بطعامه ؟ قال ( عليه السلام ) : نعم يسمي كذا وكذا بكذا وكذا صاعاً » (2).

2 ـ رواية الحسن بن فضال قال : « كتبتُ إلى الامام ابي الحسن ( عليه السلام ) : الرجل يسلفني في الطعام فيجيء الوقت وليس عندي طعام ، أعطيه بقيمته

(1) لقد اشرنا الى القسم الأول في الصفحة رقم ( 210 ).

(2) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 11 من السلف ، ح 6.


215

دراهم ؟ قال : نعم » (1).

3 ـ ما روي مرسلاً عن الامام الصادق ( عليه السلام ) في الرجل يسلم الدراهم في الطعام إلى أجل فيحلّ الطعام فيقول : « ليس عندي طعام ولكن انظر ما قيمته فخذ منّي ثمنه ، فقال ( عليه السلام ) : لا بأس » (2).

وبظني ان الذي ذكر لصحة هذه العملية هو : « ان يأخذ بقدر دينه دراهم أو عروضاً لا اكثر » هو لأجل ان لا يستغل المشتري البائع ويضغط عليه بأن يردده بين ان يدفع المتاع الذي لم يوجد وبين ان يدفع اكثر من قيمته ، بل تريد الرواية ان تقول ان البائع له حق في ان يعطي بدل المتاع الذي في ذمته ولا يوجد في الخارج لا أنه يجبر على ذلك بحيث يُستغل من قبل الطرف الآخر ، وعلى هذا فان اعطى البائع من متاعه اكثر من قيمة ما عليه من الدراهم أو العروض باختياره فهو معاوضة صحيحة ، يشملها ﴿ تجارة عن تراض . ويدل على ذلك ان السائل قد فرض ان الدفع يكون بمقدار او ما على البائع ، فاجاب الامام ( عليه السلام ) بقوله « لا بأس » ولم يقل الامام إن ذلك شرط يلزم مراعاته.

الامر الثاني : إذا باع المشتري ما اشتراه قبل القبض بجنس ما اشتراه على البائع ، فهنا روايتان ضعيفتان (3) تجوّزان ذلك بشرط أن يكون بقدر الثمن الاولي لا اكثر. ولكن الروايات المتقدمة في الامر الاول أجازت البيع بجنس الثمن الاولي مطلقاً ( أي سواء كان بقدر الثمن الاولي أو بزيادة عنه أو نقيصة ) ولذلك فقد اختلفت اقوال العلماء. ولكن بما أن الروايتين ضعيفتان فنصير إلى روايات الجواز ،

(1) المصدر السابق ، ح 8.

(2) المصدر السابق ، ح 5.

(3) إحداهما خبر علي بن جعفر قال : « سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أياخذ بقيمته دراهم ؟ قال : إذا قوّمه دراهم فسد ، لان الاصل الذي يشتري به دراهم ، فلا يصلح دراهم بدراهم ... » وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 11 من السلف ح 12.


216

بالاضافة إلى أن الاصل الاولي القائل بان المشتري عندما ملك ببيع السلم ، فهو حرّ في بيعه بعد بجنس الثمن الاولي أو بزيادة أو بنقيصة ، لأنه يبيع المبيع ولا يبيع الثمن حتى يشترط ان يكون بقدر دراهمه لا اكثر ، وحينذ يشمله « احلّ الله البيع » و« تجارة عن تراض ».

الامر الثالث : إذا باع المشتري المسلم فيه بنفس جنس المسلم فيه فلا يجوز بزيادة أو نقيصة لانه ربا حيث اشترطت الروايات في بيع المتجانسين إذا كانا من المكيل أو الموزون التساوي.

آراء بقية المذاهب في بيع المكيل والموزون قبل قبضه

وقد ذهب العلامة ابن القيّم إلى جواز بيع الطعام قبل قبضه على بائعه بدليل آخر فقال : « واما نهي النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن بيع الطعام قبل قبضه فهذا انما هو في المعين أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن فانه لا يجوز قبل قبضه ، اما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء ، وفائدته : سقوط ما في ذمته عنه لا حدوث ملك له ، فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة ، فانه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضاً أو غيره اسقط ما في ذمته ، فكان كالمستوفي دينه لان بدله يقوم مقامه ، ولا يدخل هذا في بيع الكالىء بالكالىء بحال.

والبيع المعروف : هو أن يملِّك المشتري ما اشتراه ، وهذا لم يملّكه شيئاً ، بل سقط الدين من ذمته ، ولهذا لو وفّاه ما في ذمته لم يقل إنه باعه دراهم بدراهم ، بل يقال : وفّاه حقه ، بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها فانه بيع.

ففي الاعيان : إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين من غير جنسها يسمى بيعاً.

وفي الدين : إذا وفّاها بجنسها لم يكن بيعاً ، فكذلك إذا وفّاها بغير جنسها لم يكن بيعاً ، بل هو ايفاء فيه معنى المعاوضة. ولو حلف ليقضينه حقه غداً ، فاعطاه عنه عرضاً برّ ، في أصح الوجهين » (1).

(1) عن القره داغي ، تطبيقات شرعية لاقامة السوق الاسلامية المشتركة ، ص 66.


217

وقد ارتأى هذا الرأي الامام مالك أيضاً فقد جاء في المدونة : « قلت فان كنتُ اسلفت في شعير فلما حلّ الاجل أخذت سمراء أو عمولة ؟ قال : لا بأس بذلك وهو قول مالك ... ثم ذكر أن هذا انما يجوز بعد محل الاجل أن يبيعه من صاحبه الذي عليه السلف ولا يجوز أن يبيعه من غير صاحبه الذي عليه السلم. حتى يقبضه من الذي عليه السلف ... » (1)

وكذا ذهب إلى هذا القول الامام أحمد ، فقد جاء في مجموع الفتاوي : « سئل ( رحمه الله ) عن رجل أسلف خمسين درهماً في رطل من حرير إلى أجل معلوم ، ثم جاء الأجل فتعذر الحرير ، فهل يجوز أن يأخذ قيمة الحرير ؟ أو يأخذ عوضه أو أي شيء كان ؟ فأجاب : هذه المسألة فيها روايتان عن الامام أحمد : أحدهما لا يجوز الاعتياض عن دين السلم بغيره كقول الشافعي. والقول الثاني : يجوز ذلك كما يجوز في غير دين السلم وفي المبيع من الاعيان ... » (2)

وقد استدل على ما نحن فيه بالحديث الذي يرويه ابن عمر ( رضي الله عنه ) قال : « كنت أبيع الابل بالنقيع ( بالنون سوق بالمدينة ، وبالباء مقبرتها ) فأتيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو في بيت حفصة ، فقلت : يا رسول الله رويدك ، أسألك إني أبيع الابل بالنقيع فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم ، وأبيع بالدراهم وآخذ بالدنانير ، آخذ هذه من هذه ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : لا بأس ان يأخذها بسعر يومها مالم تتفرقا وبينكما شيء » (3).

وهذا الحديث وإن كان في جواز الاعتياض عن الثمن بغيره مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينقل إلى ضمان البائع ، الا أنه استدُل به على جواز بيع المثمن الذي هو بيد البائع بغيره مع أنه مضمون على البائع لم ينقل إلى

(1) ج 4/34 ـ 35.

(2) مجموع الفتاوى ج 19/503 ـ 518.

(3) رواه أحمد في مسنده ، ج 2 ، 82 ـ 154.


218

ضمان المشتري (1).

ثم إن ابن عباس الذي لم يجوّز بيع المبيع قبل قبضه مطلقاً ، أجاز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح حتى أنه لم يفرق بين الطعام وغيره ، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما ، وقد وجّه بقولهم : « لأنَّ البيع هنا من البائع الذي هو عليه وهو الذي يقبضه من نفسه لنفسه ، بل ليس هنا قبض ، لكن يسقط عنه ما في ذمته فلا فائدة في اخذه منه ثم إعادته إليه ... » (2)

خلاصة القسم الثاني :

هو جواز بيع المكيل والموزون قبل قبضه على بائعه وبهذا يكون التفصيل المتقدم متّجهاً وهو :

1 ـ بيع المكيل والموزون قبل قبضه على شخص ثالث فهو لا يجوز ( وهذا نتيجة البحث الاول ).

2 ـ بيع المكيل والموزون قبل قبضه على البائع فهو جائز ( وهذا نتيجة البحث الثاني ).

ولكن الشيخ صاحب الجواهر ( قدس سره ) ذكر عن الرياض انه لا قائل ( من الطائفة الامامية ) بالفرق بين البيع على شخص ثالث أو على البائع (3). وحينئذ إن تم هذا فيكون بيع المكيل والموزون قبل قبضه ( على بائعه أو على شخص ثالث ) قد نهي عنه حسب روايات البحث الاول ، وقد جوّز حسب روايات البحث الثاني ، وحينئذ فتطبق القاعدة القائلة بان الروايات المجوزة هي صريحة في الجواز ، اما الروايات الناهية فهي ظاهرة في البطلان أو الحرمة فنحملها على الكراهة أو الارشاد ، إلاّ أن البيع قبل القبض قد تحدث منه خلافات يكون الاولى تجنبها.

ويؤيد هذه النتيجة :

(1) راجع مجموع الفتاوى ج 29/510.

(2) مجموع الفتاوى ج 29/514.

(3) راجع جواهر الكلام ، ج 24/321.


219

1 ـ عدم وجودعلة أو حكمة لمنع بيع المكيل والموزون قبل قبضه وجواز بيع غيرهما قبل القبض.

2 ـ الوسيلتان اللتان ذكرتهما الروايات للوصول إلى نفس نتيجة بيع المكيل والموزون قبل قبضه ، إذ لا معنى للمنع من بيع المكيل والموزون قبل قبضه وتجويزه بطريقة ملتوية عن طريق الحوالة أو الوكالة ، فانّ الفهم العرفي يرى التنافي في هذه الطريقة.

3 ـ تعبير بعض الروايات بان البيع للمكيل أو الموزون قبل قبضه بلفظ « لا يعجبني » (1).

ولكن الحق : ان الادلة دلّت على التفصيل بين بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه على بائعه فأجازته ، وعلى غير بائعه فلم تجزه إلاّ تولية أو أن يشاركه معه غيره ، واما ما ذكر من عدم الفرق بين علماء الامامية فهو لم يثبت ، فيكون التفصيل متّجهاً.

النتيجة من البحث السابق :

1 ـ إذا اشترى مكيلاً أو موزوناً سلماً وحلّ الاجل ، فلا يتمكن ان يبيعه على شخص ثالث قبل القبض ، اما بيعه على البائع بجنس آخر غير ثمن السلم أو بجنس ثمن السلم حتى بزيادة عليه أو نقيصة فهو أمر جائز

2 ـ إذا أراد بيع المال المسلم فيه بجنسه فلا يجوز أن يبيعه بزيادة أو نقيصة لانه ربا.

3 ـ بيع المسلم فيه إذا لم يكن مكيلاً أو موزوناً قبل قبضه امر جائز ، للعمومات الدالة على صحة البيع ، مثل « أحلّ الله البيع » و« تجارة عن تراض » والروايات الخاصة المصرحة بذلك وقد تقدمت.

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 16 من أحكام العقود ، ح 16.


220

4 ـ بيع المسلم فيه قبل حلول الاجل غير جائز.

ملاحظة : إن ما يجري في البورصات العالمية من شراء الرصاص أؤ الذهب أو المتاع أو غيرها التي يكون القصد فيها ليس هو البيع والشراء الحقيقي ، بل الانتفاع من تقلبات الاسعار للحصول على ربح ، لا يمكن ان نطبق عليها حصيلة البحث السابق ، لعدم وجود قصد حقيقي للحصول على السلعة عند البائع والمشتري ، بل إن المقصود هو المقامرة والاستفادة من تقلبات الاسعار ، ويكون لفظ المتاع والشراء غطاءاً لذلك.

ماذا يقوم مقام القبض ؟

هل التحقق من قدرة البائع في بيع السلم على توفير السلعة عند المطالبة يغني عن القبض ؟ (1)

وهل التأمين على السلعة المسلم فيها أو وجودها في مخازن عمومية منظمة يغني عن القبض ؟

نقول : إذا انتهينا إلى هذه النتيجة وهي ( اشتراط قبض المكيل أو الموزون قبل بيعه على غير بائعه ، وعدم جواز بيع بضاعة السلم قبل حلول أجلها ). فيأتي هذان التساؤلان المتقدمان ، وللجواب عن ذلك نقول :

1 ـ ان القبض مفهوم يختلف عن مفهوم التأكد من قدرة البائع في السلم على توفير السلعة ، إذ القبض مفهوم محسوس يتحقق في الخارج حسب نوع البضاعة التي يراد قبضها ، اما المفهوم الثاني فهو مفهوم يقع في صقع النفس ، قد لا يكون له تحقق في الوجود الخارجي ، وانما هو افتراض الوجود الخارجي عند المطالبة ، فبين المفهومين تباين وتضاد ، كالتباين بين الحقيقة والافتراض. وقد جعل الشارع

(1) القبض معنى عرفي يكون في بعض الموارد عبارة عن التخلية كما في الدار والبستان ، ويكون في بعض آخر بالتسليم والتسلم.


221

القبض موضوعاً لبعض الاحكام الشرعية « كتلف المبيع قبل قبضه فهو من مال بائعه » بمعنى أنه يوجب انفساخ البيع بحيث يكون التلف على البائع ويرجع الثمن على المشتري ، و« ككون القبض في الصرف في المجلس مصححاً للمعاملة الصرفية » بمعنى التقابض قبل التفرق في مجلس العقد ، وهذه الاحكام قد وردت على موضوع القبض بما هو مفهوم حقيقي خارجي ، فلا يقوم مقامه التحقق من القدرة على التقابض ، فما نحن فيه أيضاً كذلك.

2 ـ وكذا مفهوم التأمين على بضاعة السَلَم فهو مباين لمفهوم القبض ، إذ التأمين على البضاعة السلمية يجعل المشتري مطمئناً بوصولها إلى يده أو وصول المبلغ الذي تدفعه شركة التأمين على فرض عدم وصوله إلى يده فهو شيء مفروض يؤول إلى التحقق ، يغاير القبض الذي يجعل المشتري متسلطاً على بضاعته السلمية ويطبق عليها قانون « الناس مسلطون على اموالهم » بحيث يتمكن ان يبيع أو يهب أو يأكل العين التي قبضها أو يتلفها ، فالقبض يحوّل ما في الذمة الذي هو دين إلى عين خارجية حيث ان الدين الذي في الذمّة لا يتعيّن الا بتعيين البائع أو قبض المشتري ، فيكون ما في الذمّة تحوّل إلى عين خارجية يمكن تلفها وأكلها ، وهذا بخلاف التأمين على البضاعة السلمية فهو وإن كان يمكّن المؤمّن له على هبته أو بيعه ، الا أنه لا يتمكن من اكله واتلافه فهو ليس مسلطاً عليه كما في السلعة المقبوضة ، ولهذا الفارق لا يرى العرف قيام التأمين على البضاعة السلمية مقام القبض.

وبعبارة أخرى قد يكون التأكد من قدرت البائع في السلم على توفير السلعة والتأمين على السلعة المسلم فيها ، هو بمثابة الضمان للبائع على دفع البضاعة السلمية ، ومن الواضح ان الضمان يختلف عن القبض.

3 ـ كما لا يقوم مقام القبض وجود السلعة في المخازن العمومية المنظَّمة إذ يكون هذا الوجود غير مفيد لمشتري السلعة السلمية ، وإنما المفيد له قبضها بحيث


222

يتحول ماله في ذمة الغير إلى عين خارجية يتسلط عليها ، وكم فرق بين ان يتسلط الانسان على ذمة الغير فيكون دائناً لها ، وهو شيء اعتباري فرضي وبين ان يتسلط على عين خارجية قد قبضها فهو تسلط حقيقي. فوجود السلعة في المخازن لا يجعله متسلطاً عليها حقيقة ، بل يبقى يطلب الذمة التي هي وعاء اعتباري اخترعه العقلاء للاموال الكلية التي لا وجود لها في الخارج. نعم وجود السلعة في المخازن العمومية يحقق القدرة على التسليم ، وهذا ليس قبضاً للمسلم فيه.

هل هناك تصرفات في المكيل والموزون ( السلمي أو غيره ) صحيحة قبل القبض؟

اقول : قد انتهينا سابقاً إلى عدم جواز بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه حتى في بيع السلم ، فهل هناك معاملات اخرى تجوز التصرفات في السلم بغير البيع مرابحة ؟ وكذا يأتي هذا البحث في التصرفات الصحيحة للبضاعة السلمية قبل حلول الأجل ، فنقول :

هناك عدة معاملات للتصرف في المكيل والموزون قبل القبض ، وللبضاعة السلمية قبل حلول الأجل وهي :

1 ـ التولية.

2 ـ الشركة فيه بربح.

3 ـ الاقالة فيه.

فقد تقدمت الروايات الدالة على صحة الشركة والتولية في بيع مالم يقبض فيما تقدم :

الأولى : صحيحة منصور بن حازم عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « اذا


223

اشتريت متاعاً فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه إلاّ أن توليه... » (1).

الثانية : موثقة سماعة ، قال : « سألته عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة ، وقد كان اشتراها ولم يقبضها ؟ قال : لا حتى يقبضها إلا أن يكون معه قوم يشاركهم فيخرجه بعضهم عن نصيبه من شركته بربح أو يوليه بعضهم فلا بأس » (2).

فهاتان الروايتان جوزتا بيع الثمرة والمتاع على غير بائعه تولية ، كما جوزت موثقة سماعة بيع نصف الحصة التي لم يقبضها من البائع فيشترك معه غيره.

وأما الاقالة : فقد دلّ الدليل العام على جوازها في كل بيع قبل القبض أو بعده سلماً أو غيره للحديث عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « أيما عبد أقال مسلماً في بيع أقاله الله عثرته يوم القيامة » (3) وقد ارسلها في الفقيه عن الامام الصادق ( عليه السلام ) لكن قال : « أيما مسلم اقال مسلماً بيع ندامة اقاله الله عزوجل عثرته يوم القيامة » (4). وفي استحبابها ورد عن سماعة بن مهران عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « أربعة ينظر الله عزّوجلّ اليهم يوم القيامة : من اقال نادماً أو أغات لهفان أو اعتق نسمة أو زوّج عزوباً » (5).

والاقالة في الحقيقة : هي فسخ في حق المتعاقدين برضاهما ، وليست بيعاً ، لعدم قصد معنى البيع ولا غيره من المعاوضات الموجبة ملكاً جديداً ، بل هي تفيد ردّ الملك بفسخ العقد الذي اقتضى خلافه. ولهذا لا تجوز الاقالة بزيادة عن الثمن ، لعدم ما يصلح مملّكاً للزيادة المفروضة ، كما لا تجوز الاقالة بنقصان لعدم ما يصلح

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 16 من أحكام العقود ، ح 1.

(2) المصدر السابق ، ح 15.

(3) المصدر نفسه ، باب 3 من أبواب آداب التجارة ، ح 2.

(4) المصدر نفسه ، باب 3 من أبواب آداب التجارة ، ح 4.

(5) المصدر نفسه ، باب 3 من أبواب آداب التجارة ، ح 5.


224

مملِّكاً لما بقي من الثمن بعد فسخ العقد فيما قابله تماماً. وقد صرح صحيح الحلبي عن الامام الصادق ( عليه السلام ) بذلك فقال : « سألته عن رجل اشترى ثوباً ولم يشترط على صاحبه شيئاً فكرهه ثم ردّه على صاحبه فأبى ان يقبله إلاّ بوضيعة ، قال ( عليه السلام ) : لا يصلح له أن يأخذه بوضيعة ، فإن جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه رد على صاحبه الاول مازاد » (1) بناء على ان مبنى ذلك فساد الاقالة وبقاء الثوب على ملك المشتري.

وقد ذهب الى هذه النتيجة التى انتهينا اليها الامام مالك ، فقد جوّز البيع تولية والمشاركة فيه بربح في مالم يقبض ، فقد جاء في المدونة : « قلت : أرأيت إن اشتريت سلعة من رجل بنقد ، فلم اقبضها حتى أشركت فيها رجلاً أو وليتها رجلاً أيجوز ذلك ؟

قال : لا بأس بذلك عند مالك.

قلت : وإن كان طعاماً اشتريته كيلاً ، ونقدت الثمن فوليته رجلاً أو أشركته فيه قبل ان اكتاله من الذي اشتريته ؟

قال مالك : لا بأس بذلك وذلك الحلال إذا انتقد مثل ما نقد.

قلت : لم جوزه مالك وقد جاء في الحديث الذي يذكره مالك أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) نهى عن بيع الطعام قبل ان يُستوفى ؟

قال : قد جاء هذا ، وقد جاء عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى إلاّ ما كان من شرك أو اقالة أو تولية.

قال سحنون : وأخبرني ابن القاسم عن سليمان بن بلال عن ربيعة عن أبي عبدالرحمن عن سعيد بن المسيب ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : « من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه الا ماكان من شرك أو اقالة أو تولية.

(1) المصدر نفسه ، باب 17 من احكام العقود ، ح 1.


225

قال مالك : اجتمع أهل العلم على أنّه لا بأس بالشرك والإقالة والتولية في الطعام قبل أن يستوفى إذا انتقد الثمن ممن يشركه أو يقيله أو يوليه » (1).

4 ـ الصلح : اقول : لقد تقدم دليل المنع من بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه ، أو المنع من بيع بضاعة السلم قبل حلول الأجل ، فهل الصلح الذي يذكر على أساس أنه عقد مستقل يختلف عن البيع والاجارة ، « وإن كانت نتيجته البيع أو الاجارة ». هل يشمله المنع المتقدم ؟

الجواب : بالعدم وذلك للتباين بين البيع والمصالحة التي تتحمل من المسامحة أكثر مما يتحمل البيع. هذا بالاضافة الى عدم وجود نص من الكتاب او السنة يمنع من التصرف في البضاعة السلمية ( حتى وإن كانت مكيلة او موزونة ) على أساس المصالحة قبل القبض ، فلا مناص من القول بصحة الصلح على المكيل أو الموزون قبل قبضه ، ومن القول بصحة المصالحة على البضاعة السلمية قبل حلول اجلها ولكن بشرط ان ينقد الثمن حالاًّ ، اما إذا كان نسيئة فيكون من باب بيع الدين بالدين على تفسير مشهور.

5 ـ الحوالة : وهو ما يسمى بفكرة السلم الموازي الذي تكلّمنا عليه سابقاً فلا نعيد ، بل نؤكد على ان عقد الحوالة عقد مستقل له شروطه الخاصة ومواصفاته فلا يمكن ان يكون داخلاً في عقد البيع ، ولذلك لا يشترط في عقد الحوالة التقابض حتى ولو كان الدينان من النقود ، ولا يدخل في بيع الدين بالدين الذي يمنعه الفقهاء.

ونفس هذا الكلام قلناه في الوكالة في السلم الموازي فلا نعيد.

6 ـ الحطيطة : وإذا نهت الروايات المتقدمة عن بيع المكيل أو الموزون مالم يقبض ، أو قام الاجماع على عدم جواز بيع مالم يحل أجله ، فهل تجوز الحطيطة عن

(1) المدونة 4 ، 80 ـ 81.


226

رأس المال وانهاء هذه المعاملة ؟ أي بمعنى بيعها بأنقص من ثمنها.

والجواب : إذا كانت علة النهي في بيع المكيل أو الموزون قبل القبض هو أن لا يربح بدون ضمان ، فلابد من تجويز الحطيطة ، لأنّها ليست ربحً بدون ضمان ، ولكن لم يتّضح لنا أنّ المانع هو ذلك لانتقاضه بالسلعة السلمية إذا لم تكن مكيلة أو موزونة ، بالاضافة إلى أن بعض الروايات لم تجوّز الا البيع تولية أو الشركة بربح. وبما ان الحطيطة ليست تولية ولا شركة فلا تجوز. ولا يجوز بيعها قبل الاجل بالاولوية. إلاّ أنه يمكن القول في خصوص الروايات القائلة : « لا يجوز البيع الى تولية » بان المقصود هو العقد الاضافي اي بالاضافة الى المرابحة ، فحينئذ يكون المعنى بأن البيع بنحو المرابحة قبل القبض لا يجوز ، بل يلزم ان يكون تولية ، وليس المقصود أن الحطيطة لا تجوز. وعليه فيمكن الحكم بجواز الحطيطة تمسكاً بقاعدة : ﴿ تجارة عن تراض .

هذا كلّه في بيع المكيل والموزون قبل قبضه على غير بائعه ، اما إذا كان المشتري يريد بيع سلعته على نفس البائع بحطيطة ، لأنَّ سعر الحنطة الذي اشتراه قد تنزل فاصبح بعد الاجل قبل القبض أقل مما اشتراه إلى الاجل فهو جائز بل كلام لما سيأتي من جواز معاوضة السلعة المكيلة او الموزونة قبل قبضها بسعر يومها إذا وافق البائع على المعاوضة. وفي الحقيقة إنّ هذه ليست حطيطة عن الثمن ، بل هي معاوضة بسعر اليوم قبل القبض ، على مَنْ تكون السلعة المكيلة أو الموزونة في ذمته ، بل هي معاوضة بعد القبض لان ما في الذمة يكون مقبوضاً للمدين وان لم يكن مقبوضاً للدائن أو لفرد آخر. وقد ذكر الامام مالك جواز ذلك أيضاً فقال : « وما سلفت فيه من العروض إلى اجل من الآجال ، فاردت ان تبيعه من صاحبه فلا بأس ان تبيعه منه بمثل الثمن الذي دفعته إليه أو ادنى منه قبل محل الأجل ... » (1). اقول : ان هذا يختلف عن الاقالة بحطيطة لأنّه بيع ، بينما الحطيطة

(1) المدونة الكبرى ، 4/88.


227

قبل الاجل على البائع اقالة ، والاقالة بوضيعة ممنوعة كما تقدم ذلك (1).

7 ـ الاجارة : إذا كانت الروايات قد نهت عن بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه ، فهل يجوز لنا ان نؤجره إذا كان قابلاً للاجارة بان كان يستفاد من عينه مع بقاء العين بدون تلف ؟ وإذا كان الاجماع قد منع من بيع السلعة السلمية قبل حلول اجلها ، فهل نتمكن ان نؤجرها قبل ذلك على ان تكون مدة الاجارة بعد الحلول والقبض ؟

والجواب : إن القاعدة تقتضي ذلك ، فيصح عقد الاجارة على المكيل أو الموزون قبل قبض المشتري له وقبل حلول الاجل ، ولكن لا يجب على المستأجر لهذه العين تسليم الاجرة الا بعد تسلم العين المؤجرة ، الا مع الشرط فإذا اشترط المستأجر تسليم الاجرة قبل تسلّم العين المؤجرة فيمكن ان تدخل الاجارة للعين السلمية قبل حلول أجلها أو قبل القبض مورد الاستثمار.

وربما يقال : بعدم فائدة هذا البحث لعدم وجود ما يكون سلعة سلمية مكيلة أو موزونة وتكون قابلة للاجارة. لأن شرط صحة الاجارة إمكان الإنتفاع بالشيء مع بقاء عينه ، والمكيل والموزون لا يمكن الانتفاع به عادة الا بانعدام عينه

ولكن يقال : اننا نتكلم كلاماً عاماً ، سواء كان له مصداق في الخارج أو لا ، على انه يمكن ان نوجد مصداقاً له في الخارج الآن ، كما إذا افترضنا أن الالبسة ومجموعة ما يفرش على الارض كالسجاد ، وما يكون ملحفاً يلتحف به الانسان ، والحديد مما يباع بالكيل أو الوزن ، وحينئذ يمكن افتراض اجرتها مع بقاء عينها قبل القبض بشرط أن تُسلّم الاجرة مقدماً. على ان الزمان قد يوجد سلعاً تباع بالكيل أو الوزن مما تقبل الاجارة ، وقد قيل سابقاً ليس من دأب المحصل المناقشة في المثال.

(1) لا بأس بالتنبيه إلى ان هذا البحث يختلف عن اخذ المسلم اقل ما شرط في المعاملة السلمية فان هذا امر جائز ومنصوص يراجع ج 13 من وسائل الشيعة ، باب 11 من السلم ، ح 1.


228

عجز البائع عن تسليم البضاعة عند حلول الاجل في السلم : ( استبدال المسلَم فيه )

إنَّ المشتري لما كان مالكاً في ذمة البائع سلعة معينة موصوفة ، فإذا حلّ الاجل ولم تكن هذه السلعة موجودة لآفة سماوية ونحوها فمقتضى القاعدة هو تخيّر المشتري بين امور :

1 ـ فسخ المعاملة واستعادة الثمن الاولي لتخلف الوفاء بالشرط.

2 ـ ينتظر وجود السلعة لحين توفرها في السوق.

3 ـ يعاوض البائع عليها بجنس آخر غير الثمن الاولي إذا رضي البائع بذلك.

4 ـ يأخذ قيمة المتاع حين الاستحقاق إذا رضي البائع بذلك.

5 ـ يعاوض البائع بجنس الثمن الاولي بزيادة (1) عنه أو نقيصة إذا رضي البائع بذلك.

وواضح ان الامور الثلاثة الاخيرة لا تتعين على البائع كما اشرنا إلى ذلك ، وذلك لعدم وجود خطاب بدفع العين المتعذرة إلى المشتري ، وحينئذ لا تتعين قيمتها عند تعذرها ، بل إن تعذر العين يسقط أصل خطاب الدفع.

وهذا الذي تقدم بالاضافة إلى أنه على طبق القاعدة في تعذر مال السلم ، قد وردت فيه روايات خاصة منها :

1 ـ صحيحة الحلبي عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « لا بأس بالسلم في الحيوان اذا سميت الذي تسلم فيه ، فوصفته ، فان وفيته والا فأنت

(1) في هذه الصورة يوجد خلاف ، فقد خالف الشيخ الطوسي ( رحمه الله ) استناداً الى خبر علي بن جعفر ( المتقدم الضعيف ) عن الامام موسى بن جعفر قال :

« سألته عن رجل له على آخر تمر ، أو شعير ، أو حنطة ، أيأخذ بقيمته دراهم ؟ قال : اذا قوّمه دراهم فسد ، لأن الأصل الذي يشتري به دراهم ، فلا يصلح دراهم بدراهم ... » وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 11 من السلم ، ح 13.


229

أحق بدراهمك » (1).

2 ـ موثقة عبدالله بن بكير قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن رجل أسلف في شيء يسلف الناس فيه من الثمار فذهب زمانها ولم يستوفِ سلفه ، قال ( عليه السلام ) : فليأخذ رأس ماله او لينظره » (2).

3 ـ صحيحة العيص بن القاسم عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « سألته عن رجل اسلف رجلاً دراهم بحنطة حتى اذا حضر الاجل لم يكن عنده طعام ووجد عنده دواباً ومتاعاً ورقيقاً ، أيحلّ له أن يأخذ من عروضه تلك بطعامه ؟ قال ( عليه السلام ) : نعم يسمي كذا وكذا بكذا وكذا صاعاً » (3).

4 ـ ابان بن عثمان عن بعض أصحابنا عن الامام الصادق ( عليه السلام ) : « في الرجل يسلم الدراهم في الطعام الى أجل ، فيحلّ الطعام فيقول ليس عندي طعام ، ولكن انظر ما قيمته فخذ منّي ثمنه ؟ قال ( عليه السلام ) : لا بأس بذلك » (4) وعن علي بن محمد قال : « كتبت اليه : رجل له على رجل تمر أو حنطة او شعير او قطن ، فلما تقاضاه قال : خذ بقيمة مالك عندي دراهم ، أيجوز له ذلك أم لا ؟ فكتب : يجوز ذلك عن تراض منهما إن شاء الله (5).

ولا يقال في الصور الثلاثة الاخيرة بان هذه بيع للمكيل او الموزون قبل القبض وهو منهي عنه.

والجواب ( كما تقدم ) ان المنع فى بيع المكيل او الموزون قبل قبضه انما هو على غير البائع ، اما بيعه والمعاوضة عليه مع بائعه فلا بأس بذلك. وبعبارة اُخرى ان

(1) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 11 من السلف ، ح 17.

(2) المصدر السابق ، ح 14.

(3) المصدر السابق ، ح 6.

(4) المصدر السابق ، ح 5.

(5) المصدر السابق ، ح 11.


230

هذا الادلة الدالة على جواز المعاوضة مع البائع قبل ان يتسلم المشتري البضاعة تقيّد الروايات المانعة من بيع المكيل اوالموزون قبل قبضه بالبيع على غيرالبائع هذا ( كله بناءاً ) على أن الاستبدال ( في صورة ما اذا لم يوجدالمسلَم فيه ) بيع ، وهوغير مسلَّم.

وفي حكم تعذر المبيع في السلم عند الحلول ، موت البائع قبل الأجل وقبل وجود المبيع ، حيث ان الموت يجعل الدين حالاًّ. وهناك صورة اخرى مختصة بما اذا كان البائع قد أحضر في الاجل قسماً من بضاعة السلم ولم يوجد القسم الآخر ، فهنا في حالة كون عدم القبض لا بتفريط من المشتري يكون بالخيار في أخذ المهيأ له ورأس ماله المقابل لغير الموجود او الفسخ بالجميع او الانتظار لحين وصول الباقي ، واما حالة ما اذا كان عدم القبض بتقصير من المشتري فلا خيار له ، بل يجب عليه اخذ الموجود وانتظار الباقي.

وقد يقال في الحالة الاولى ـ عندما يأخذ المشتري الموجود ويفسخ في غير الموجود ـ بوجود خيار للبائع وهو خيار تبعض الصفقة ، كما هو ليس ببعيد لو لم يكن التقصير في تبعض الصفقة قد نشأ من البائع نفسه ويدل على الصورة الاخيرة صحيحة الحلبي عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « سألته عن الرجل يسلم في الغنم ثنيان وجذعان وغير ذلك الى أجل مسمى ؟ قال ( عليه السلام ) : لا بأس إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه ، ( له ) ان يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها ويأخذ رأس مال ما بقي من الغنم دراهم ، ويأخذ دون شروطهم ... » (1).

وصحيحة عبدالله بن سنان قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن الرجل يسلم في الطعام ( الى ان قال ) : أرأيت إن اوفاني بعضاً وعجز عن بعض أيصلح إن آخذ بالباقي رأس مالي ؟ قال : نعم ما أحسن ذلك » (2) ومعنى ذلك

(1) المصدر نفسه ، ح 1.

(2) المصدر نفسه ، ح 2.


231

وجود اشياء جائزة ايضاً كالفسخ او الانتظار لحين وصول الباقي ، كما تقدم ذلك في صورة عدم تقصير المشتري في عدم القبض.

صحة الشرط الجزائي عن تأخير تسليم البضاعة :

لقد عرف الفقه الامامي الشرط الجزائي في عقد الاجارة ، فقد روى الحلبي في الصحيح قال : « كنتُ قاعداً الى قاض وعنده ابوجعفر ( الامام الباقر ( عليه السلام ) ) جالس ، فجاءه رجلان فقال احدهما : إني تكاريت إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعاً الى بعض المعادن ، فاشترطتُ عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا وكذا لأنَّها سوق أخاف أن يفوتني ، فان احتبستُ عن ذلك حططت من الكراء لكل يوم احتَبسته كذا وكذا ، وأنه حبسني عن ذلك اليوم كذا وكذا يوماً ؟ فقال القاضي : هذا شرط فاسد وفِّهِ كراه ». فلما قام الرجل أقبل اليَّ ابوجعفر ( عليه السلام ) فقال : شرطه هذا جائز مالم يحط بجميع كراه » (1).

اقول : فان لم تكن خصوصية لعقد الاجارة في صحة الشراط الجزائي ، فيكون الشرط الجزائي صحيحاً في جميع العقود إن لم يكن هناك نهي عنه ، هذا بالاضافة الى الحديث الصحيح : « المسلمون عند شروطهم » فاذا اشترط المشتري لبضاعة السلم أنّ أيّ تأخير يحصل في تسليم البضاعة يستوجب نقصان قيمة البضاعة بمقدار 10% من الثمن الاصلي ، او أن البضاعة السلمية اذا تأخّرت شهراً عن الاجل المحدد نقصت قيمة البضاعة 10% من الثمن الاصلي ، فان تأخرت شهرين نقصت 20% ، فان هذا الشرط يكون صحيحاً ونافذاً حسب قاعدة « المؤمنون عند شروطهم » ومالم يحط بجميع السعر حسب « ما لم يحط بجميع كراه » او حسب ما تسالم عليه الارتكاز العقلائي من عدم صحة هكذا شرط يكون مؤداه

(1) المصدر نفسه ، باب 13 من الاجارة ، ح 2.


232

اشتريت البضاعة السلمية بلا ثمن. بل إن ( أوفوا بالعقود ) يوجب علينا العمل بالعقد الذي اشترطت فيه الشرط الجزائي اذا كان معنى العقد موجوداً معه ، فانه بعمومه يدل على وجوب الوفاء بالعقد الذي شرط فيه الشرط الجزائي. ثم ان هذا الشرط الجزائي الذي يذكر في متن العقد له صورتان صحيحتان :

الصورة الاولى : ان يكون على نحو شرط النتيجة : ومثاله ما تقدم ، اذ يكون المشروط له ( على تقدير مخالفة الشرط ) قد ملك مقدار النقصان على ذمة المشروط عليه.

الصورة الثانية : ان يكون على نحو شرط الفعل : وهو ان يقول له : اذا تخلفت عن تسليم البضاعة في وقتها المحدد الى شهر فعليك ان تدفع لى مقدار عشرة دنانير ، فان تخلفت الى شهرين فعليك ان تدفع عشرين ديناراً ، ففي هذه الصورة لا يوجد اشتغال ذمة المشروط عليه عند التخلف ، بل يجب عليه تمليك المقدار المعين حسب الشرط ، فان لم يفعل فقد فعل حراماً فقط.

وهناك صورة ثالثة : كما لو قال : إذا تأخرت عن تسليم البضاعة في الوقت المحدد فينقص الثمن ( ولم يحدد النقصان ) ففي هذه الصورة تبطل المعاملة لجهالة الثمن على تقدير التأخير (1).

والتحقيق : إننا نستثني من صحة الشرط الجزائي في البيوع ما اذا كان الثمن نسيئة او المثمن مؤجلاً ( كلياً في الذمة ) لما ثبت من أن بيع النسيئة الذي يكون الثمن في ذمة المشتري لا يجوز فيه تأجيل الثمن وتأخيره في مقابل المال لانه داخل ربا

(1) تعرضنا للشرط الجزائي بصورة اوسع في بحث المناقصات ، فمن اراد التوسع فليراجع بحثنا في المناقصات. وقد يقال : إن الثمن في مقابل العين في البيع ، واما الشرط فهو إن تخلف فيوجب خيار الفسخ ولا يقسّم عليه الثمن ، وهذا القول صحيح ولكننا ندعي أن الشرط الجزائي الذي شرطه المشتري وقبله البائع يوجب عليه العمل به وهو يوجب ان يملك المشتري مقداراً المثمن او يملّك من قبل البائع ، فان لم يفعل بهذا الشرط الثاني كان الخيار للمشتري بالفسخ.


233

الجاهلية « أتقضي ام تُربي » فكذا لا يجوز الزيادة في أجل المثمن في البيع السلمي في مقابل المال لانه مصداق من مصاديق الربا الجاهلي.

نعم لنا طريق واحد لضبط تصرف البائع ، وهو أن يشترط المشتري على البائع كمية من المال اذا تخلف عن تنفيذ العقد ، وهذا هو السعر العربون الذي أجازه المجمع في دورة سابقة. ولكن هذا لا يكون بديل للشرط الجزائي في صورة تأخر البائع عن تسليم البضاعة.

والخلاصة : إن الشرط الجزائي في صورة تأخير تسليم البضاعة باطل لانه شرط مخالف للسُنة.

اصدار سندات سَلَم قابلة للتداول وضوابط ذلك في حال الجواز :

اذا كانت هناك شركة لبيع الحديد او الرصاص أو اي متاع من الامتعة أو أي طعام من الاطعمة التي يصح فيها السلم ، وقد عقدت الشركة عقد سلم مع شخص معين الى أجل محدد ، فقد تقدم انه لا يجوز له بيع بضاعة السلم قبل حلول الاجل ، وكذا لا يصح بيع المكيل او الموزون بعد الاجل قبل القبض الا تولية او شركة ، وقد قلنا فيما سبق بجواز ايجاد الوكالة في استلام البضاعة السلمية او الحوالة فيها بعد ايجاد ما يسمى بالسلم الموازي ، وجواز المصالحة والاقالة والاجارة قبل الاجل او قبل القبض. اما هنا فنريد ان نفتش عن امكان ان تقوم الشركة او الحكومة باصدار صك سلم قابل للتداول ، فنطرح هنا هذه الافكار للتداول والمناقشة وخلاصتها :

1 ـ ان تقوم الجهة ( حكومة او شركة او غيرهما ) باصدار صك ( وثيقة ) تفيد أنها تبيع البضاعة السلمية المعينة الى من يشتريها على ان تسلم له بعد سنة مثلاً ولكن الشركة لا تكون مسؤولة الا امام من يبرز هذه الوثيقة عند حلول الاجل. وهنا من يشتري هذه البضاعة السلمية ويتسلم الوثيقة لا يمكنه ان يبيع


234

البضاعة السلمية قبل الاجل او لا يمكنه من بيع المكيل او الموزون قبل القبض ، وهذا شيء صحيح الا أنّه هل يتمكن ان يهب هذه البضاعة السلمية لشخص آخر بشرط أن يهب الآخر له شيئاً معيناً ( وليكن كمية من المال ) ؟

الجواب : ذكرنا ان الهبة عقد مستقل يختلف عن البيع حتى وان كانت الهبة مشروطة بهبة الآخر له شيئاً آخر ، لان الهبة المعوضة ( المشروط فيها هبة الآخر كمية من المال ) عبارة عن التمليك الذي اشترط فيه العوض فهي ليست انشاء تمليك بعوض على جهة المقابلة ، لذا لا يكون تملك للعوض بمجرد هبة الواهب الى الموهوب له وتملكه ما وهب له ، بل غاية الامر ان الموهوب له بعد ان تملّك ما وهب له يجب عليه ان يعمل بالشرط فيملّك العوض ، فان لم يفعل كان للواهب الرجوع في هبته نتيجة اقتضاء عدم العمل بالشرط.

وعلى هذا فان التعويض المشترط في الهبة كالتعويض الغير المشترط في الهبة ، يكون عبارة عن تمليك جديد يُقصد به وقوعه عوضاً ، لا ان حقيقة المعاوضة والمقابلة مقصودة في كل من العوضين كما يتضح ذلك بملاحظة التعويض الغير المشترط في ضمن الهبة الاولى.

ولو كانت الهبة المعوضة هي تمليك بعوض على جهة المقابلة ، فلا يعقل تملّك احدهما لاحد العوضين من دون تملك الآخر للآخر ، مع ان ظاهر الفقهاء في الهبة المعوضة هو عدم تملّك العوض بمجرد تملّك الموهوب له الهبة كما تقدم.

اذن قد اتضح أن البيع يختلف عن الهبة المعوضة اختلافاً اساسياً حيث أن حقيقة البيع : تمليك العين بالعوض ، وهذا لا يكون هبة معوضة وإن قصدها. وحقيقة الهبة المعوضة : هي التمليك المستقل مع اشتراط العوض في تمليك مستقل يقصد به العوضية. وهذا ليس معاوضة حقيقية مقصودة في كل من العوضين ، وبهذا يبطل ما يقال من أن الهبة المعوضة هي بيع للاختلاف الحقيقي في معنييهما.

ولكن الذي يقف في وجه هذه العملية : ان الهبة لابدّ في صحتها من القبض ،


235

والقبض للبضاعة لا يحصل بقبض الوثيقة ، بل يحصل بقبض مصداق الوثيقة وهي العين الخارجية.

ولكن : أليس من حقنا ان نتساءل في ان الاعلان عن كون الشركة مسؤولة عمن يبرز هذه الوثيقة عند الاجل يكون قد جعل للوثيقة قيمة عرفية ؟ وعلى هذا فهل يمكن ان يهب صاحب الوثيقة القيمة العرفية لهذه الورقة بما تحمل من قدرتها على تحقق البضاعة السلمية ويكون تسليمها هو تسليم لقيمتها بما تحمل من قدرة على البضاعة كهبة الدينار والدرهم ؟

2 ـ إنّ المشتري للوثيقة يتمكن أن يوكل شخصاً في استلامها في اجلها ، مع اسقاط حق عزله من الوكالة في عقد لازم ويجعل وكالته مطلقة بحيث يتمكن ان يفعل الوكيل بالبضاعة السلمية كل ما يحلوله حتى بيعها او هبتها او اكلها أو اتلافها وما الى ذلك ، وبما ان هذه الوكالة بهذه الصفة لها ثمن ، فيتمكن الموكِّل ان يأخذ ثمن هذه الوكالة ، وهكذا يفعل الثاني والثالث ، وحينئذ لم يصدق ان المشتري قد نقلها قبل الأجل او قبل القبض مع تحقق فكرة تداول صكوك السلم ودخولها في الاسثمار ، فهل تكون هذه الفكرة كافية لتداول صكوك السلم ؟

وعيب هذه الفكرة الثانية هو فيما اذا مات أحد الأفراد قبل حلول الأجل فقد سقطت الوكالة ، وحينئذ يستحق البضاعة السلمية ورثة الميت ( لا من بيده الوثيقة وورثته ) ، وهذا مما يُلَكِّأ هذا الطريق.

3 ـ قد نقول بان التداول لصكوك السلم يحصل فيما اذا اقترض صاحب السلعة ( صاحب الوثيقة والصك ) مقدار هذه البضاعة من المال ، ثم يقوم صاحب السلعة بمصالحة الدائن عما في ذمته من الدين بما في ذمة بائع السلم ، فاذا كانت المصالحة عقداً مستقلاً ولا ارتباط لها بالبيع ، فهل تكون هذه العملية كافية لتداول صكوك السلم ؟

4 ـ وقد تأخذ الشركة بقانون الجعالة بان تقول الشركة : « مَنْ وهب لي كذا


236

مقداراً من النقود فله البضاعة التي ترد بعد شهر » يقول الواهب الذي استحق البضاعة بعد الأجل وهكذا.

خلاصة البحث

وتلخيص البحث يكون بذكر عدة نقاط :

1 ـ عُرف السَلَم بانه : « ابتياع مال مضمون الى أجل معلوم بمال حاضر أو في حكمه ».

2 ـ دلّت على مشروعيته العمومات القرآنية مثل : ( أحل الله البيع ) والروايات المتواترة واجماع المسلمين.

3 ـ اتضح لدينا ان مشروعية السلم أصلية وليست استثناء ، وقد استدللنا على ذلك بروايات صحيحة دلّت على جواز بيع النخل والفاكهة سنتين أو أكثر ، وجواز بيع ثمرة الحائط إذا كان فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها ولم يدرك الآخر ، وجواز بيع ما يجزّ ، جزّتين أو ثلاث جزات وما يخرط خرطة أو خرطات ، وجواز الاجارة التي هي بيع منفعة معدومة.

كما استدللنا على أن المشروعية للسلم أصليّة بجواز بيع الحصة المشاعة والكلي في المعين ، حيث ان الكلي في الذمة لا يختلف في اصله عنهما.

4 ـ شروط السلم ستة هي : « اذكر الجنس والوصف الرافعين للجهالة ، وقبض رأس المال قبل التفرق وتقدير المسلم فيه ، والثمن بأحد المقادير الرافعة للجهالة ، وتعيين الأجل بما لا يحتمل الزيادة والنقيصة ، وان يكون المسلم فيه موجوداً غالباً بحسب العادة وقت الحلول ». وقد تبين اخيراً أن شرطين اساسيين هما الشروط الخاصة بالسلم وهما ان يكون المسلَم فيه مؤجلاً ويعين الاجل وان يقبض رأس المال قبل التفرق.

5 ـ ان المعاملات التي يجوز فيها السلم هي كما يلي :


237

أ ـ بيع السلم المعروف الذي يكون الثمن فيه هو النقد والمثمن عبارة عن سلعة من السلع.

ب ـ اسلاف الاعراض في الاعراض إذا اختلفت.

ج ـ اسلاف الاعراض في الاعراض إذا اتفقت ولم تكن مقدرة بالكيل أو الوزن ، كالثياب في الثياب.

د ـ اسلاف الاثمان في الاعراض ، وقد يقال له بيع النسيئة باعتبار آخر.

هـ ـ اسلاف الاوراق النقدية بالاوراق النقدية إذا كانا من جنسين مختلفين على القول المشهور القائل : بعدم وجوب التقابض فيها.

و ـ يجوز أن يكون ما في الذمة ثمناً في السلم إذا كان حالاً.

ز ـ يمكن تجزئة تسليم السلم على اوقات متفرقة معلومة.

6 ـ ان السلم يجري في كل سلعة تنضبط في الوصف على وجه ترتفع الجهالة ولا يؤدي إلى عزة الوجود ، وهذا هو الضابط في انواع السلع التي يجري فيها السلم.

7 ـ ان كل شيء لا يمكن ضبطه بالوصف بحيث تبقى بعد بيان جنسه ونوعه وصفته وقدره جهالة فاحشة مقتضية إلى التنازع ، لا يصحّ فيه السلم.

8 ـ ان الماركة المعينة إذا كانت توجِد في السلعة ( ذات العنوان المشترك ) خصوصيات معينة تجعلها متميزة في خصوصياتها أو في تصنيعها عن بقية السلع بدون هذه الميزة ، فهي صنف مستقل عن بقية الماركات. كما ان اشتراط المشتري ماركة معينة لغرض عقلائي يوجب ان تكون هذه الماركة صنفاً مستقلاً عن بقية الماركات التي يشترك افرادها في الخصوصيات.

9 ـ لا يجوز بيع البضاعة السلمية قبل حلول الاجل الا على البائع تولية أو بأقل من ثمنها.

10 ـ لا يجوز بيع بضاعة السلم « إذا كانت مكيلة أو موزونة » بعد حلول


238

الاجل وقبل القبض ، على غير بائعه الا تولية أو شركة. وهذا هو معنى اشتراط قبض المكيل أو الموزون في جواز بيعه على غير بائعه مرابحة.

11 ـ ان اشتراط قبض المكيل أو الموزون قبل بيعه على غير بائعه هو امر تعبدي لم نجد له حكمة معقولة.

12 ـ يجوز بيع بضاعة السلم ( إذا لم تكن مكيلة أو موزونة ) على غير بائعها بعد حلول الاجل وقبل القبض ، استناداً إلى قاعدة الناس مسلطون على اموالهم ، بل وورود الرخصة في ذلك في النصوص المتقدمة.

13 ـ يجوز لمن اشترى سلماً ان يبيع صفقة سلمية قبل الاجل أو قبل القبض ثم يحوّل المشتري الجديد على بائعه بنفس المقدار الذي اشتراه أو يوكله في القبض وهذه هي فكرة السلم الموازي التي نطقت بها بعض النصوص المتقدمة وهي خارجة عن حريم المنع الذي تقدم في بيع المكيل أو الموزون قبل القبض أو بيع البضاعة السلمية قبل الأجل.

14 ـ يجوز بيع المكيل أو الموزون قبل قبضه على البائع مالم يستلزم الربا ، وذلك لتصريح الروايات بذلك.

15 ـ ان التحقق من قدرة البائع في بيع السلم على توفير السلعة لا يقوم مقام القبض كما ان التأمين على السلعة المسلم فيها أو وجودها في مخازن عمومية منظمة لا يغني عن القبض ، كل ذلك للتباين بين القبض الذي اشترط في بيع السلعة المكيلة أو الموزونة وبين هذه الأمور التي غاية ما تفيد ضمان السلعة السلمية ، وهو يختلف عن القبض الذي هو مفهوم محسوس.

16 ـ تجوز عدة تصرفات في المكيل والموزون السلمي قبل القبض كما تجوز عدّة تصرفات في البضاعة السلمية قبل حلول الاجل وهي :

1 ـ التولية في البضاعة السلمية قبل الاجل ، أو قبل القبض.

2 ـ الشركة بربح في البضاعة السلمية قبل الاجل أو قبل القبض.


239

3 ـ الاقالة.

4 ـ الصلح.

5 ـ الحوالة أو الوكالة.

6 ـ الحطيطة ، على بعض الآراء.

7 ـ الاجارة.

17 ـ إذا عجز البائع عن تسليم البضاعة عند حلول الاجل في السلم فيتمكن المشتري من اتباع عدة خطوات :

1 ـ فسخ المعاملة واستعادة الثمن الاولي لتخلف الشرط.

2 ـ ينتظر وجود السلعة لحين توفرها في السوق.

3 ـ يعاوض البائع عليها بجنس آخر غير الثمن الاولي إذا رضي البائع بذلك.

4 ـ يأخذ قيمة المتاع حين الاستحقاق اذا رضي البائع بذلك.

5 ـ يعاوض البائع بجنس الثمن الاولي بزيادة عنه أو نقيصة إذا رضي البائع بذلك.

كل ذلك دلت عليه النصوص المتقدمة.

18 ـ إن الشرط الجزائي في صورة تأخير تسلم البضاعة ، إذا كان معيناً بنقصان الثمن أو بدفع مبلغ من المال أقل من الثمن فهو شرط صحيح يجب الوفاء به ، للنص الوارد في عقد الاجارة ولصحة الشروط مالم تكن مخالفة لكتاب الله وسنة نبيّه. اما إذا كان الشرط الجزائي يجعل البضاعة السلمية بدون ثمن أو كان النقصان من الثمن غير معلوم فهو شرط باطل.

19 ـ طرحنا هنا فكرة اصدار سندات سلميّة قابلة للتداول خلاصتها : هو ان تصدر الشركة وثيقة ( صكاً ) يفيد بيع كمية من السلع المعينة بثمن معين ، يباع لمن اراد على ان يكون حامل الصك هو المالك له. ثم يقوم الحامل للصك بهبته بشرط ان يهب له الموهوب له شيئاً آخر. وعيب هذه الفكرة هو ان الهبة يشترط في


240

صحتها القبض ولم يكن هناك قبض للبضاعة السلمية. ولكن تساءلنا عن امكان أن يهب حامل الوثيقة القيمة العرفية لهذه الوثيقة بما تحمل من قدرتها على تحقق البضاعة السلميّة ، ويكون تسليمها هو تسليم لقيمتها كهبة الدينار والدرهم ؟

كما طرحنا فكرة ان يوكِّل صاحب الصك شخصاً في استلام البضاعة السلمية في وقتها وكالة غير قابلة للعزل ويوكّله في التصرف فيها بأي أنواع التصرف حتى الاتلاف والاكل والبيع ، وهذه الوكالة بهذه الصورة لها قيمة ، فيتمكن الموكل ان يأخذ قيمة هذه الوكالة فهل بهذه الفكرة نتمكن ان نجعل صكوك السلم قابلة للتداول ؟

وهناك فكرة ثالثة عبارة عن اقتراض صاحب السلعة مقداراً من المال يساوي ثمن البضاعة السلمية ، ثم يقوم صاحب السلعة بمصالحة الدائن عما في ذمته من الدين بما في ذمة بائع السلم ، فان كانت المصالحة عقداً مستقلاً لا ارتباط له بالبيع ، فهل تكون هذه العملية كافية لتداول صكوك السلم ؟


241

بطاقات الائتمان


243

نبذة تاريخية للبطاقات المصرفية :

ان البطاقات المصرفية ( اعم من بطاقات الائتمان ) مثل بطاقة الاعتماد والملاءة كان وجودها نتيجة لتطلّع المجتمع الى ايجاد نظام متطور ومأمون لتسديد الديون والمقاصة وانجاز التبادلات التجارية. وكان هذا الحديث قد زامن مطلع القرن التاسع عشر ، وقد ابتكرته شركات عالمية مثل شركة « سترن يونين » في امريكا سنة 1914 م لتسهيل اعمال عمالها ثم تبعتها على ذلك شركات النفط وسكك الحديد وبعض الفنادق الفخمة والمحلات التجارية ، ولكن ضمن حدود خاصة ولبعض العمال. وفي سنة 1924 م قامت شركة « جنرال تبروليوم كوربوريشن » في كاليفورنيا باصدار اول بطاقة ائتمان حقيقية ، توزع على الجمهور لدفع قيمة البنزين المباع لهم ، على ان تسدد المبالغ المترتبة عليهم في تواريخ لاحقة.

ثم تقدمت البنوك ـ نتيجة نجاح فكرة الدفع بالبطاقة الائتمانية ـ لاصدار بطاقات الائتمان ، وتشكلت منظمة غير ربحية تنضوى تحت لوائها البنوك التي ترغب باصدار بطاقة خاصة بها وسميت هذه المنظمة « الفيزا » (1).

وكانت مهمة منظمة الفيزا مايلي :

(1) الفيزا : منظمة ، تقبل بطاقة الائتمان المرتبطة بها اكثر من مائة وستين دولة حول العالم ، وبعبارة اخرى تقبل بطاقة الائتمان المرتبط بهذه المنظمة اكثر من ستة ملايين مؤسسة ، تشمل شركات الطيران والفنادق والمطاعم والمحلات التجارية والنوادي ووكالات تأجير السيارات وغير ذلك.


244

1 ـ قبول طلبات البنوك في اصدار بطاقة خاصة بها او رفضها.

2 ـ تزويد البنوك الاعضاء بالخبرة الفنية لاصدار البطاقات.

3 ـ تقديم الخدمات بين البنوك الاعضاء في حالات المراسلة الخاصة بالمنظمة والمقاصة والتسديد وفي عمليات التفويض.

4 ـ تطور خدمات البطاقات مع تزويد البنوك الاعضاء بها.

والخلاصة : ان « منظمة الفيزا » تسعى لخدمة البنوك الاعضاء التي تصدر البطاقة لهم من الناحية الادارية والفنية والخدماتية وتتكون ادارتها من ممثلي البنوك الاعضاء.

ماهي بطاقات الائتمان ؟

ان بطاقة الائتمان : هو سند يعطيه مصدره لشخص طبيعي او اعتباري بناء على عقد بينهما يمكنه من شراء او بيع السلع ، او غيرها من الحصول على الخدمات او تقديمها.

ومن فوائده : سحب النقود من البنك على حساب المصدّر.

وهذا التعريف لبطاقات الائتمان عبارة عن عقدين :

1 ـ عقد بين المصدّر للبطاقة وبين الحامل لها ، يتضمن حدّاً اقصى للائتمان وشروط العلاقة بينهما ، فالبنك تعهد باعطاء ما يشتريه عميله بالبطاقة مثلا ( من حساب العميل ان وجد ، او من حساب البنك المصدّر ان لم يوجد للعميل رصيد كاف عند البنك ) ، وفي مقابل ذلك تعهد حامل البطاقة ( العميل ) بالسداد في وقت محدد كشهر مثلا.

ومن الواضح هنا ان هذا العقد هو عقد صحيح يشمله : ) اوفوا بالعقود ( لعدم اختصاص الآية بالعقود التي كانت وقت نزولها بل تشمل كل ما يراه العقلاء عقدا وعهدا مالم ينه عنه من قبل الشارع ، والمفروض عدم النهي هنا لعدم الضرر


245

( الخطر ) وعدم الجهالة اللذان يبطلان العقد ، حيث ان البطاقة مشتملة على سقف ائتماني معين لا تتعدّاه ، فلا خداع ولا خطر في البين. فان حصل الشراء او تلقّى الخدمة او سحب نقداً معيناً فان الوثائق التي تدل على هذه الامور قد تبادلت بينهما وعلم كل منهما بما هي وظيفته. ثمَّ : ان هذا التعهد من البنك للحامل هو عبارة عن اداء دين شخص نيابة عنه ، فاذا تعهد البنك اداء دين حامل البطاقة بمال نفسه او بمال البنك المصدّر ويرجع عليه بعد ذلك ، مع اجرة على هذا التسديد والاداء وقد قبل حامل البطاقة هذا التعهد ، فان هذه العملية هي من مصاديق العقود العقلائية ، وقد قام الارتكاز العقلائي على ان كل عقد بما انه عقد وعهد ، وجب الوفاء به مالم يندرج تحت احد النواهي المعينة.

وبعبارة اخرى : ان هذا التعهد من البنك لحامل البطاقة هو عبارة عن جعل مالية المال المشتري مثلا في عهدة مصدّر البطاقة ، وهذا معنى مشروع للضمان يمكن انشاؤه مستقلا.

2 ـ عقد بين المصدّر للبطاقة وبين من يعتمدها من مؤسسات وشركات ومصارف ، يتضمن شروط العلاقة بينهما ، والعلاقة هي ان يقوم البنك باعطاء التاجر ثمن البضاعة او الخدمة التي قدمها الى حامل البطاقة. محسوماً منها نسبة معينة ، وقد تبلغ البطاقة حداً من الاعتبار تبيح لكل احد بيع السلع او تقديم الخدمات لحامل البطاقة بلا حاجة الى عقد ينشاً بينهما. ويكون الدافع لثمن البطاقة نائباً عن المصدّر لها حسب ضمانه لقيمتها.

وقد ذكروا (1) عدم وجود أي صلة بين حامل البطاقة والمؤسسة التجارية بحيث لو فرضنا ان المؤسسة التجارية لم تحصل على الثمن من المصدّر للبطاقة ، فلا

(1) هو الدكتور عبدالستار ابوغدّة عند عرضه لبحث بطاقات الائتمان ، في مجمع الفقه الاسلامي في دورته السابعة لسنة 1412 هـ في ذى القعدة الحرام المنعقد في جدة.


246

يحلّ لها ان ترجع على الحامل للبطاقة لتسديد حقه. وسوف يتضح ان العمل الخارجي لهذه البطاقات ليس كذلك ، بل هناك ارتباط ثالث بين المؤسسة التجارية والعميل لم يظهر للخارج لوجود البنك الذي يتولى التسديد بما أنه ضامن للعميل ( او محال عليه من قبل العميل ) قيمة ما اخذه وهنا لابدّ لنا من تفسير الضمان ( او الحوالة ) بما قاله الامامية من انه : عبارة عن نقل الدين من ذمة العميل الى ذمة البنك المصدّر للبطاقة حتى يكون العميل بعد شرائه اجنبيا وليس مديناً للمؤسسة التجارية. اما على تفسير اهل السنة الذى يقول بان الضمان عبارة عن ضم ذمة الى ذمة ، فيبقى العميل له ارتباط بالتاجر ، ويتمكن التاجر أن يرجع عليه في تسديد الثمن.

اطراف بطاقات الائتمان :

ذكروا ان لبطاقات الائتمان اطرافاً هي :

1 ـ شركة عالمية او بنك عالمي يرعى البطاقة.

2 ـ وكالات محلية للشركة العالمية ، او فروع للبنك العالمي تستخدم للوساطة بين الشركة العالمية والعملاء.

3 ـ اصحاب المتاجر ( المؤسسات التجارية ) والخدمات ( وهم من يتعاملون مع هذه البطاقة ).

4 ـ حملة البطاقة ، وهم العملاء الذين يشترون او يحصلون على خدمات البطاقة قدر حاجتهم ،

والعلاقة بين هذه الاطراف الاربعة بصورة مجملة كالآتي :

الف ـ تتفق الشركة العالمية مع الوكالات المحلية ( او يتفق البنك العالمي مع فروعه ) لاصدار البطاقة لكل من يتعامل بها سواء كان عضوا مشترياً ، او طالباً لخدمة ، او عضوا بائعاً او عارضاً للخدمة.


247

ب ـ يتقدم حامل البطاقة ( المشتري ) الى صاحب المتجر ( البائع ) او يتقدم من يريد الخدمة فيتسلم ما اراد لقاء الالتزام بالدفع عن طريق الشركة او البنك بتوقيع القسيمة مع اعطاء صورة البطاقة ( مشخصاتها ).

ج ـ يتقدم صاحب المتجر او الخدمة بالاشعار الموقع من حامل البطاقة الى البنك (1) اوالشركة ، وحينئذ يتسلم من البنك العالمي او الشركة العالمية او فروعهما ثمن البضاعة او الخدمة.

د ـ تقوم الشركة او البنك بارسال صورة المشتريات بالبطاقة للعميل مطالبة اياه تسديد ثمن ما دفعته الشركة او البنك على شكل دفعات منتظمة أو غير منتظمة ، او يقوم البنك بخصم ذلك المبلغ من حساب عميله اذا كان صاحب حساب دائن عند البنك.

هـ ـ اذا تأخر حامل البطاقة ( المستفيد ) عن سداد التزاماته في الفترة المحددة المسموح بها في العقد ، فانه يحسب عليه فائدة من اجل التأخير وهي فائدة مركبة.

و ـ اذا لم يسدد حامل البطاقة التزاماته وما ترتب عليه فسوف توضع البطاقة في قائمة منع الاستخدام الى ان يتم المحاسبة بين البنك والعميل.

اقسام بطاقات الائتمان :

وتقسم بطاقات الائتمان تقسيمات متعددة بلحاظ اخذ رسوم في مقابلها او اشتراط فتح حساب لدى البنك ، او تحديد زمن التسديد او غير ذلك ، وعلى هذا

(1) قد يكون بنك التاجر الذي يضع التاجر قسيمة البيع عنده ليتسلم ثمنها هو بنك المصدّر ايضا ، فيكون العميل والتاجر كلاهما قد ارتبطا بالبنك المصدّر للبطاقة ، واحيانا يكون بنك التاجر غير البنك المصدّر للبطاقة ، ولكنه مخوّل من قبل البنك المصدّر للبطاقة بتسديد دين التاجر والرجوع عليه ، فحينئذ يقوم بنك التاجر بتسديد قيمة القسيمة ويرجع على البنك المصدّر في الاستيفاء وحينئذ تُقسّم ما يخصمه بنك التجار ( من ثمن البطاقة ) بينه وبين البنك المصدّر كأجر على عملها.


248

فقد تقسم بطاقات الائتمان الى :

1 ـ بطاقات يؤخذ رسوم اشتراك في مقابلها.

2 ـ بطاقات لا يؤخذ رسوم اشتراك في مقابلها.

وقد تقسم بطاقات الائتمان الى :

1 ـ بطاقات تطلب فتح حساب في البنك الذي يصدرها.

2 ـ بطاقات لا تطلب فتح حساب في البنك الذي يصدرها.

وقد تقسم بطاقات الائتمان الى :

1 ـ بطاقات توجب الدفع خلال شهر واحد من الاستفادة منها.

2 ـ بطاقات لا توجب الدفع خلال شهر واحد من الاستفادة منها ولا تحدد عليه الدفع فورا بل اذا دفع فورا فهو ، والاّ وضعت عليه فوائد.

وقد تقسم بطاقات الائتمان الى :

1 ـ بطاقات توجب الدفع الفوري لكل المبلغ لمدة معينة.

2 ـ بطاقات لا توجب ذلك ، بل تقسط دفع المبلغ الى آجال متعددة.

وهناك بطاقات تقسم حسب امتيازها ، العالي ، والمتوسط ، والعادي ، مثل البطاقة الذهبية والالماسية والخضراء ، فالذهبية تمنح لمن يتمتع بكفاءة عالية من العملاء ، وليست محدودة بسقف ائتماني محدد ، وتتميز بكون صاحبها مضموناً من قبل المصدّر لها والذي عنده حساب دائن فيه.

فائدة بطاقات الائتمان :

لقد اصبح لبطاقات الائتمان في المجتمعات الحديثة شأناً مهماً ، ومن الاساسيات ، اما في البلاد الاسلامية فهي على مستوى بعض الافراد مهمة في سفره ، حيث تحقق له فوائد كثيرة سوف نذكرها فيما بعد ، وهي مهمة جدا بالنسبة للتاجر الذي يعرض سلعته وخدماته ، كما انها مفيدة للبنك الذي يصدرها. واليك


249

الفوائد مفصّلة شيئا ما :

الف ـ فائدة البطاقة للعميل :

1 ـ تحقق للعميل سهولة وأماناً على الاموال من حملها معه ، لأن الأموال قد تتعرض للسرقة او الفقدان ، او يتعرض هو للهجوم والسطو المسلح.

2 ـ تمكنه من شراء ما يبدو له شراؤه في ظروف مفاجئة لم يستعد لها ، بحمل ما يقابلها من الاموال.

3 ـ تيسر لحاملها السداد بأيِّ عملة كانت. وبهذا يستريح العميل من اجراءات دخول العملات وخروجها في بعض البلاد التي بها قيود على تحويل العملة او منع خروجها او دخولها.

4 ـ انها تحمل معها وسيلة المحاسبة وضبط المصاريف وتوثيق السداد للمطالبات.

5 ـ تزود حاملها بتسهيلات نقدية في أي دولة كان ، ضمن حدود ممنوحة له عند طلبه.

6 ـ ان بعض بطاقات الائتمان يخوّل العميل سحب نسبة من النقد من فروع البنك الذي يتعامل معه او بنوك اخرى تتعامل معه ، بمراجعة البنك او اجهزة الصرف الآلي او انظمة التحويل الاكتروني. وهنا تؤخذ عمولة تقسم بين شركة البطاقة والبنوك التي لها دور في عملية الاستخدام ان وجدت. وهذه العملية تقلص الوقت الذي يبذل في تحقيق نفس الخدمة يدوياً عن طريق البنوك الفرعية او التي تتعامل مع البنك العالمي لمصدِّر البطاقة الائتمانية.

7 ـ قد يلتزم التاجر بتخفيض ثمن السلعة ( لحامل البطاقة ) عن السعر السوقي ، حسب الالتزام مع الجهة المصدرة للبطاقة.

8 ـ ان بعض البطاقات تمنح صاحبها التأمين على الحياة ، كالبطاقات الذهبية ، وتمنحهم اضافة الى ذلك حدوداً ائتمانية عالية ، وخدمات اخرى دولية فريدة


250

كأولوية الحجز في مكاتب السفر والفنادق والتأمين الصحي والخدمات القانونية.

9 ـ ان بعض البطاقات تدفع جوائز وهدايا لعملائها بطريقة القرعة ترغيباً لهم على الحصول على بطاقة الائتمان عند هذا البنك المصدر لها ، فيدفع البنك لمن اصابته القرعة مبلغاً من المال بعنوان الجائزة.

10 ـ ان ضياع بطاقة الائتمان يوجب ضمان مسؤولية محدودة فقط كمبلغ من المال ، اذا أبلغ الجهة المصدرة بضياع البطاقة فوراً ، حتى لا تستخدم هذه البطاقة من قبل الآخرين بصورة غير مشروعة ، وطبعاً في حالة الاطمئنان بعدم وجود تواطي بين حامل البطاقة ومن استخدمها بصورة غير مشروعة ، وهذا الشرط لا حاجة له ، اذ أنَّ عنوان ضياع البطاقة او سرقتها يكفي لذلك.

ب ـ فائدة البطاقة للتاجر :

هناك فوائد كثيرة للتاجر يمكن تلخيصها على النحو التالي :

1 ـ يستقطب التاجر عملاء جدد ، وبنوعية جيدة ، وثقافة عالية.

2 ـ تخفف على التاجر مخاطر الاحتفاظ بمبالغ نقدية كبيرة في متجره ، فيأمن من السرقة او السطو المسلح.

3 ـ البنك يضمن للتاجر تغطية المبالغ الناشئة من استعمال بطاقة الضمان عند تقديم المستندات بصورة صحيحة ، او على الاقل فان البنك يقدم المبلغ المستحق للتاجر قرضاً ويستوفيه بعد ذلك.

ج ـ فائدة البطاقة للبنك :

ان البنك التجارى يحصل من البطاقة على دخل له ، وذلك من خلال :

1 ـ استيفاء رسوم اصدار البطاقة ( رسوم العضوية ) ، ومنحها.

2 ـ استيفاء رسوم تجديد البطاقة حيث تكون صلاحيتها لسنة واحدة.

3 ـ رسم تبديل البطاقة عند الضياع او التلف او السرقة.


251

4 ـ رسم التجديد المبكر ، وذلك عند طلب العميل تمديدها قبل موعد الانتهاء بسبب سفره عند حلول التجديد.

5 ـ تحصيل البنك على نسبة من ثمن البضاعة يستوفيها من التاجر ( حسب الاتفاق معه ) عند تسديده لقيمة قسيمة البيع او الخدمة. كما قد يحصل على نسبة من الثمن عند تسديد العميل ما عليه ، كأجر على تسديد البنك دينه الذي للتاجر.

6 ـ الحصول على فرق سعر العملة الاجنبية ( اذا كان التسديد بها ) عند تحويله عملته المحلية اليها ، فهو يأخذ فائدة بيع الصرف عند ما يسدد بالدولار ويستلم بالدينار.

7 ـ يأخذ أجراً على وفاء دين العميل خارج البلد أو مطلقا ( حسب قرارات البنك ).

8 ـ غرامات التأخير عند عدم سداد ما على العميل حسب الوقت المحدد ( الفائدة ).

9 ـ البنك يحصل على نسبة من الثمن في مقابل استخدام جهازه الآلي ، او نظام تحويله الالكتروني عند سحب نقود معينة بواسطة البطاقة الائتمانية ، اذا كانت مخولة لذلك. وهذه النقطة بالذات توفر امكانات ائتمانية جديدة للعملاء مما يجعل زيادة عائدات البنك المصدر للبطاقات الائتمانية.

10 ـ يأخذ البنك عمولة على دفعه النقود لبطاقة ائتمان اجنبية مرتبطة بمنظمة الفيزا.

كيف تتم المعاملات التجارية ببطاقة الائتمان ؟

ونعرض عليك صورة مفصلة بعض الشيء عن المعاملات التجارية التي تتم بواسطة بطاقة الائتمان وهي تتم ضمن مراحل.

المرحلة الاولى : عند شراء حامل البطاقة سلعة او تلقّي خدمة في أي مكان


252

كان ، فان التاجر او صاحب الخدمة الذي يقبل التعامل بالبطاقة يقوم بتسجيل العملية على قسيمة البيع ويعطي نسخة منها الى حامل البطاقة مع وضع علامة البطاقة على جميع نسخ القسيمة بواسطة آلة بسيطة.

المرحلة الثانية : يقوم التاجر بايداع اصل القسيمة الذي حصل البيع بها في حسابه لدى البنك الذى يتعامل معه لأجل ان يحصّل قيمتها ( سواء كان هو البنك المصدر للبطاقة أوْلا ، كما في بنك التاجر الذي يقوم بعملية تحصيلها من البنك المصدر لها ) فان بنك التاجر يقوم بتقاضي نسبة من ربح التاجر متفق عليها ، بعد ان يضع في حساب التاجر قيمة القسيمة ( مخصوماً منها النسبة التي يتقاضاها من التاجر حسب الاتفاق ) ضمن ثلاثة ايام ويتبع المصدر نفسه مباشرة او عن طريق منظمة ( الفيزا ) لتسوية الحساب مع عميله فيرسل بيان قسيمة البيع مفصلة ، فيذكر وقتها ومكانها وكميتها ، ويطلب من بنك المصدّر للبطاقة التسديد.

واما اذا كان البنك واحدا وهو بنك المصدر للبطاقة فهو الذى يضع في حساب التاجر المبلغ مخصوماً منه نسبة من الثمن حسب الاتفاق كأجر على عمله مثلا.

تنبيه :

اذا كانت بطاقة الائتمان لها حداً على مشار اليه ، وكان مبلغ قسيمة البيع يزيد على الحد المشار اليه او كان هناك تردد في صحة الامور المذكورة في بطاقة الائتمان لاحتمال التلاعب فيها او اشباه ذلك ، فان هذا يستلزم من التاجر أن يأخذ الموافقة من البنك المصدر للبطاقة على انجاز هذه العملية ، بواسطة نظام الاتصالات المتبع والذي يتم خلال عدة دقائق بواسطة شبكة الكترونية ، بشرط سرعة الرد على طلب الموافقة.

وقد تزود نقاط البيع وتقديم الخدمات بآلات التفويض ، وهي اجهزة الكترونية قارئة للشريط المغناطيسي على البطاقة ، ومربوط بالجانب الآلي


253

( ترمينال ) ، اذ يقوم هذا الجهاز بمجرد امرار البطاقة فيه ، ووضع الرقم السري للعميل بالاتصال بمركز التفويض في بنك التاجر الذي يقوم بدوره بتحويل الاتصال آليا الى البنك المصدر مباشرة او بتوسط « منظمة الفيزا » ، وذلك للحصول على التفويض بقبول العملية او رفضها وفق معايير البنك المصدر ، وياتي الرد آلياً من نفس القنوات.

نعم هناك تفويض عالمي لاستخدام البطاقة الائتمانية وقبولها من قبل التاجر دون الرجوع الى البنك المصدرلها ، لأجل الحصول على تفويض بقبولها بشروط هي :

1 ـ ان لا يكون تا ريخ البطاقة قد انتهى.

2 ـ ان يكون توقيع وشخصية العميل مطابقة لبيانات البطاقة ( اي غير محتملة التزوير ).

3 ـ ان لا تكون البطاقة مذكورة في نشرة البطاقات المطلوب حجزها.

المرحلة الثالثة : وعند وصول بيان قسيمة البيع للبنك المصدر للبطاقة فانه تجري عملية التسديد يومياً. فلو فرضنا أن بنك التاجر غير البنك المصدِّر للبطاقة ، فان بنك التاجر سوف يوضع في حسابه قيمة القسيمة ويخصم من حساب بنك المصدّر هذا المبلغ في نفس اليوم ، وهذا يتم وفق نظام كفوء ودقيق.

وهنا لا بأس بالاشارة الى ان بنك المصدر للبطاقة يأخذ عمولة ( 1% ) او أكثر (1) او اقل على قسيمة الشراء الصادرة من حامل البطاقة. وقد تكون هذه العمولة على حصول عملية الشراء خارج البلاد الذي فيه البنك المصدّر للبطاقة فقط ، وقد تكون شاملة.

المرحلة الرابعة : اذا سحب صاحب البطاقة نقداً من فروع بعض البنوك

(1) ذكر البعض ان هذه العمولة تتراوح بين ( 4 ـ 6% ) من قيمة القسيمة. وقد ذكر بيت التمويل الكويتي اخذ العمولة من العميل في صورة وقوع الصفقة خارج البلاد فقط. ، راجع بحث بطاقات الائتمان الصادرة عن دار التمويل الكويتي.


254

الخارجية المرتبطة مع بنكه ، ( مباشرة او عن طريق اجهزة الصرف الآلي المشتركة ) يقوم البنك المصدر للبطاقة بتسديد المبلغ المسحوب من البنك الخارجي نيابة عن العميل ، على ان يحصّلها من حساب العميل ( صاحب البطاقة ) فيما بعد ، ويأخذ البنك المصدر عمولة ( 1% ) او اكثر او اقل لقاء سحب النقود في الخارج بواسطة البطاقة.

التكييف الشرعي لبطاقات الائتمان :

هل يوجد تكييف شرعي لهذه البطاقات ؟

الجواب : ان هذا هو البحث المهم والاساسي في هذه القضية.

فنقول : اننا نؤمن بأنَّ صيغ المعاملات المالية في الفقه الاسلامي تتسع لاستيعاب المستجدات العصرية بشرط دخولها في صيغة واحدة معروفة ، او دخولها في صيغ مركبة ، او شمول القواعد في العقود لها اذا اتوفرت اركانها ، وعدم وجود أي محذور يؤدي الى بطلانها او حرمتها.

وهنا نريد ان نعرف ان ما يدفعه التاجر او المقدّم للخدمة ، وما يدفعه حامل البطاقة للبنك ، او ما يأخذه البنك منهما معاً في حالات مختلفة ، هل يدخل تحت عنوان معروف محلل ؟ او صيغة مركبة تجمع اكثر من عقد محلل ؟ او يدخل تحت القواعد العامة للعقود ؟ اولا يدخل في شيء من هذه الصيغ المحللة ، بل يدخل في الصيغ المحرمة الربوية ؟

ونحن نحتاج هنا الى سرد عمليات البنك المستفيد من هذه البطاقات لنرى حكمها :

1 ـ رسم العضوية ( الاشتراك ) :

وهذا هو المبلغ الذى يدفعه العميل عند منحه بطاقة الائتمان ، ويدفع مرة واحدة فقط.


255

ويمكن تكييف هذا على اساس انه اجر على عمل او منفعة تؤديه شركة البطاقة ووكلائها لحامل البطاقة فهو عبارة عن تقديم خدمة مصرفية لقاء اجر معلوم ( والخدمة هي تمكين العميل من شراء وبيع السلع او الحصول على الخدمات او تقديمها ، وعملية سحب نقدي باليد من فروع البنوك الاعضاء المشتركة في مؤسسة الفيزا أو من اجهزة الصرف الآلي التابعة للبنوك المشتركة ).

وبعبارة اخرى ان رسم الاشتراك هو أجر مقطوع لقاء اجراءات قبول طلب العميل للحصول على البطاقة ، واجراءات فتح الملف ، وتعريف الجهات الخارجية التي سيحتاج التعامل معها ، وما الى ذلك من امور تتعلق بالخدمة للعميل ، فهو يقدم أجراً ثابتاً على هذه الخدمات والتسهيلات التي تقدم له.

وقد ذكر البعض ان هذا الرسم في بعض البنوك يكون عبارة عن مائة وعشرين دولاراً في السنة.

2 ـ رسم التجديد :

وهو رسم سنوي يدفعه العميل حين تجديد بطاقته ، حيث ان البطاقة سارية المفعول لمدة سنة واحدة. وايضاً يمكن تكييف هذا على اساس التكييف المتقدم في رسم العضوية ، لأنَّ الخدمة لرسم الاشتراك تنتهي بانتهاء السنة ، وتحتاج الى اجراءات اخرى لتمديد فترة تقديم الخدمة للعميل.

3 ـ رسم التجديد المبكر :

وذلك عند طلب العميل تجديد بطاقته قبل موعد الانتهاء بسبب سفره عند حلول التجديد وتكييف هذا الرسم يندرج في رسم التجديد وان كانت قبل موعده ، لان كافة الاجراءات التي يقوم بها البنك عند اجل التجديد يقوم بها عند طلب العميل تجديد بطاقته قبل موعد انتهائها.


256

4 ـ رسم استبدال البطاقة عند الضياع او التلف او السرقة :

وهذا الرسم ينبغي ان يكون اقل بكثير من رسم التجديد ، حيث ان رسم التجديد يحتوي على اجراءات تعريف الجهات الخارجية التي سيحتاج التعامل معها ، بينما رسم استبدال البطاقة يتم فقط في صدورها من البنك الذي قد أتمَّ اجراء التعريف للجهات الخارجية ، وهذا الرسم معقول لانه في مقابل خدمات اصدار البطاقة الذي يحتاج الى اجراءات وان كانت بسيطة. وهذه الاجراءات البسيطة هي صحيحة في صورة تلف البطاقة امام عين صاحبها او تحريقها ، اما اذا ضاعت او سرقت ، فقد يقال بان الاجراءات التي يقوم بها البنك هي نفس الاجراءات السابقة ، اذ يقوم بابلاغ الجهات الخارجية بسرقة البطاقة او ضياعها ويطلب منهم عدم التعامل مع القسيمة التي تأتي حاملة هذا الرقم. ثم اذا طلب العميل استبدال رقمه بوضع مميّز له مثلا ، فان البنك سوف يقوم بعملية الاعلام الخارجي للبنوك التي يتعامل معها ، وبهذا سيكون الاجر الذي يتسلمه من استبدال البطاقة عند الضياع او السرقة هو اجر رسم التجديد.

5 ـ اخذ البنك نسبة من ثمن البضاعة او الخدمة :

انّ البنك ( حسب اتفاقه مع التاجر ) يخصم نسبة من اثمان البضائع والخدمات التي يستوفيها التاجر من البنك عند تسديد البنك قيمة قسيمة البيع او الخدمة ، سواء كان عند العميل رصيد في البنك ام لم يكن ، وهنا ياتي التساؤل عن التكييف الشرعي الفقهي لذلك ؟

وقد عرضت هنا عدة تكييفات شرعية لذلك ، نعرض اهمها :

التكييف الاول ( قرض من مصدّر البطاقة للعميل وعمولة من التجار ) :

قيل « ان بطاقة الائتمان عبارة عن فتح اعتماد للعميل لشراء ما يحتاجه على ان يقوم بسداد القيمة في موعد محدد ، فيكون المبلغ قرضا من مصدّر البطاقة لعميله


257

لقاء عمولة من المحلات والتجار » (1).

نقول : اذا كان الامر كما ذكر سابقا ( من ان البنك ياخذ نسبة من ثمن البضاعة او الخدمات عند التسديد للتاجر ، سواء كان في رصيد العميل ما يكفي لثمن البضاعة أوْلا ) فهو يدل دلالة واضحة على انّ ما يأخذه البنك ليس هو في مقابل قرض العميل في صورة عدم وجود حساب دائن عند البنك للعميل ، والا فلماذا يأخذ البنك نفس النسبة اذا كان لدى العميل حساب دائن عند البنك يكفي لثمن البضاعة ؟

نعم اذا كان هذا التكييف هو في صورة عدم وجود رصيد دائن لدى العميل عند البنك فيمكن ان يكون ما يأخذه البنك من ثمن البضاعة في مقابل القرض ، كما يمكن ان تكون عمولة من اصحاب المحلات والتجار للبنك على قيامة بعملية تسديد الدين وكالة عن العميل. ولكن يرد على هذا التوجيه ارتكازية ان تكون العمولة على تسديد الدين هي من قبل المدين الذي قام البنك بالتسديد عنه ، بينما نجد ان العمولة يدفعها التاجر للبنك ، فاذا اضفنا الى ذلك عدم اعطاء التاجر هذه العمولة للبنك ان لم يقم بعملية الاقراض للعميل ، يتضح انّ ما ياخذه البنك من ثمن البضاعة هو في مقابل القرض للعميل ، وقد استفدنا من ادلة حرمة القرض الربوي عدم جواز الزيادة على المال المقترض للمقرض سواء كانت الزيادة من المقترض او غيره ، وسواء كانت الزيادة للمالك او لغيره ، اذ إن الروايات اشترطت ارجاع نفس المال المقترض ليس الا.

التكييف الثاني ( عمولة على تحصيل الثمن من العميل لدفعه الى اصحاب المحلات ) :

ان هذه النسبة التي تحصل عليها شركة البطاقة من اصحاب المتاجر

(1) بطاقة الائتمان وتكييفها الشرعي ، د. عبدالستار ابوغدة ، ص 5.


258

والخدمات هي عمولة على تحصيل الثمن من العميل ـ حامل البطاقة ـ لدفعه الى اصحاب المحلات والخدمات مع مراعاة ان العملية فيها تقديم وتأخير اقتضاهما سهولة اداء المهمة المزدوجة وهي : تحصيل قسيمة البيع واداء المبالغ لمستحقها ، فقد بادرت شركت البطاقة بالدفع ـ من طرفها ـ لقيمة قسيمة البيع الى اصحاب المحلات والخدمات ، ثم تقوم بتحصيلها من حاملي البطاقات ، وهذه المبادرة من شركة البطاقة لأجل ضبط التزامها مع اصحاب البضائع والخدمات ، اذ لا تستطيع شركة البطاقة ضبط مواعيد التحصيل من العملاء ، في حين انها يمكنها التحكم فيما تدفعه من عندها ثم تقوم بتحصيله. ومن الواضح شرعاً جواز اخذ اجر معلوم متفق عليه مع كل من تحصيل الدين من المدين لدائنه ، أو توصيله الى الدائن من قبل المدين ، وما يجوز اخذه من الطرفين ، يجوز اخذه من احدهما كما هو الحال في عمولة السمسرة ، اذ يجوز اشتراطها على كل من البائع والمشتري ، او على واحد منهما فقط (1).

اقول :

اولا : ان هذا الوجه خارج عن العلاقة التي ذكرناها بين البنك والعميل من كون البنك ضامنا لما يشتريه او يتلقاه العميل ، بل افترض هذا الوجه ان البنك ليس ضامنا ولا متعهدا لما يشتريه العميل بل البنك يقوم بعملية اقراض للتاجر ويسعى لتحصيل ما دفعه من العميل للتاجر.

وثانياً : ان هذا التكييف يتوجه لصورة ما اذا لم يكن لدى العميل رصيد دائن كاف لما اشتراه ببطاقته ، فيقوم البنك المصدّر بالدفع الى التاجر كقرض حسن ، ثم يحاول استيفاء ثمن البضاعة من العميل للتاجر.

وعلى كل حال : لابدّ لنا من معرفة ان القصد الحقيقي للبنك هل هو اخذ

(1) المصدر السابق.


259

النسبة من ثمن البضاعة في مقابل تحصيل الدين من العميل الى التاجر ، وليس له اي ارتباط بالثمن الذى قدمه للتاجر ، أو أن الامر بالعكس ، اذ يكون مرتبطا بالثمن الذي قدمه للتاجر وكان عنوان العمولة على تحصيل الدين عنواناً يتستر تحته الربا ؟

نقول : قدتذكر منبهات (1) على ان القصد هو ربوي تستَّر تحت الاجرة ، منها :

1 ـ اننا اذا قبلنا ان تحصيل الثمن من العميل صاحب البطاقة وتسليمه الى اصحاب المحلات عملية لها اجر يقوم بها البنك لامكاناته المتوفرة والعالية ، وان ما يقوم به البنك من تسديد الثمن الى اصحاب المحلات قبل حصوله عليه هو لاجل ضبط التزامات البنك مع اصحاب البضائع والخدمات ، فيكون دفع البنك للثمن مقدماً الى اصحاب البضائع والخدمات هو قرض حسن ، وقبلنا ان الاجرة يمكن ان تكون نسبة من الثمن حيث انها مرتبطة بالمنفعة التي يقدمها البنك للتاجر. اننا اذا قبلنا كل هذا يبقى لنا ان نتسائل فنقول : هل تؤخذ هذه النسبة من التاجر حتى في صورة عدم تقديم البنك قرضاً الى التاجر ، أو أن هذه النسبة انما قبلت ( كاُجرة على تحصيل الدين من العميل ) في صورة تقديم البنك القرض الى التاجر ؟

والجواب : إن كانت الاجرة واحدة في الصورتين ، فالقصد هو غير ربوي ، واما اذا اختلفت الاجرة في الصورة الاولى عن الثانية ، فيتبين ان العملية ربوية

(1) إنَّ المنبهات التي نذكرها الآن لمعرفة القصد الحقيقي للبنك عن أخذ نسبة من ثمن السلعة ، وإن لم تكن واقعة في الخارج ومقصودة إلاّ أنها تنبّهنا الى القصد الحقيقي ، فهي مثل ما حدث في زمان الإمام علي ( عليه السلام ) عندما تنازعت اليه امرأتان في مولود ، كلٌّ تدّعيه ولا بينة ، فقال ( عليه السلام ) : يا قنبر اقسمه نصفين ، فقالت من كان الوليد لها حقيقة : لا يا علي ، دعهه لها ، بينما قبلت الثانية التنصيف.

فبهذا الأمر ( الذي قاله الإمام ( عليه السلام ) مع عدم كونه حقيقياً ) عرف الإمام الأم الحقيقية ، فهنا أيضاً كذلك نريد ان نعرف القصد الحقيقي لأخذ البنك نسبة من الثمن من التاجر ، هل هي في مقابل عمله أو في مقابل الثمن الذي اعطاه والأجل الذي أُجِّل اليه ؟


260

فيخرج القرض عن كون قرضاً حسناً ، بل يكون قرضا جرّ نفعاً ، حيث ان القرض اذا لم يكن موجودا تكون الاجرة على تحصيل الدين من العميل اقل بكثير من صورة وجود القرض للتاجر من البنك ، ومثل هذا ما اذا أجَّرتُ بيتي اليك بأقل من ثمن المثل ، فهو عقد صحيح لكنه اذا اقترن بقرض كمية من النقود على وجه الالتزام ( بحيث لولا القرض لما اوجر بالاقل ) يكون ربويا. فهنا كذلك.

وبعبارة اخرى : ان اخذ البنك نسبة من ثمن القسيمة اذا اقترن بعملية قرض للتاجر بحيث لولا هذه العملية القرضية لا يقدم التاجر على اعطاء هذه النسبة من الثمن الى البنك ، ينبهنا الى ان النسبة من الثمن هي مرتبطة واقعا بالثمن الذي قدمه البنك الى التاجر ، ولكنها غُطّيت تحت الفاظ عمولة تحصيل الدين من العميل الى التاجر.

2 ـ اذا فرضنا ان البنك لم يتمكن من تحصيل الثمن من العميل ، فهل يسترجع البنك ما اقرضه فقط ـ وهو اقل من ثمن الضاعة ـ او يأخذ من التاجر ثمن البضاعة كاملة ؟

الجواب : فان اخذ ما دفعه فقط ، فقصده هو قصد حسن ليس فيه شائبة الربا ، اما اذا اخذ الثمن كله من دون خصم اجرة تحصيل الدين ، فهو منبه واضح على ان الذي خصمه بعنوان اجرة تحصيل الدين هو ربا تستَّر بالاجرة.

3 ـ اذا افترضنا ان العميل على قسمين :

أ ـ قسم يحمل بطاقة يسدد فيها ثمن ما يشتريه في ضمن شهر واحد من حين الشراء.

ب ـ قسم يحمل بطاقة يسدد فيها ثمن ما يشتريه في ضمن ثلاثة اشهر.

فهل البنك يوافق على القرض للتاجر في كلا البطاقتين من دون أن تزداد النسبة التي يأخذها من التاجر عند البيع لكل منهما حتى يكون ما يدفعه البنك الى التاجر هو قرض حسن وما يأخذه من ثمن البضاعة منهما هو اجرة على تحصيل


261

الدين من العميل الى التاجر ، او ان البنك يفاوت بين القسمين ، فيأخذ من التاجر في الصورة الثانية اعلى على تحصيل الدين من الصورة الاولى ؟

فاذا اختلفت الاجرة في الصورتين ، فمعنى هذا ان العملية ليست كما صوّرت من القرض الحسن بل النسبة التي اخذت من ثمن البضاعة هي فائدة على تقديم الثمن الى التاجر.

اذن خلاصة كلامنا : لابد من توجيه هذه الاسئلة للبنك فيُنظر في اجابته ، حتى نعرف قصد البنك الحقيقي عند اخذه للنسبة من الثمن بعنوان الاجرة على تحصيل الدين مع تقديمه القرض للتاجر ، وعلى اجابات البنك يكون الحكم الشرعي واضحا.

التكييف الثالث ( اجر على قبول البنك لضمان العميل ) :

قيل ان البنك انما يقدم ثمن البضاعة الى التاجر لانه تعهد من الاول ان يدفع ثمن السلعة المشتراة من قبل حامل البطاقة ، فهو يكون ضامناً لما يتلقاه العميل من المؤسسة التجارية ، فينتقل ما في ذمة العميل من الدين الى البنك المصدّر للبطاقة. وعلى هذا فلا توجد هنا عملية اقراض للتاجر بل في الحقيقة هي عملية اقراض للعميل بقبول البنك ضمانه مع طلبه ، فيرجع البنك على العميل بما دفعه الى التاجر. وعلى هذا يكون اخذ البنك المصدّر للبطاقة نسبة من ثمن البضاعة اجرا على قبول البنك للضمان ، وليس هو تنازلا من التاجر الى الضامن حتى يقال بان البنك لا يتمكن ان يرجع على العميل الا بما اداه الى التاجر.

وقبول الضمان هذا وان كان عقداً ارفاقيا للعميل لا يجوز اخذ الاجرة عليه منه ، الا انه ليس عقدا ارفاقيا للتاجر ، فيمكن للبنك ان يأخذ نسبة من الثمن لقاء قبوله الضمان للتاجر عن العميل.

وهذا الوجه لا يفرق فيه بين ان يكون للعميل رصيد في البنك يكفي للمشتريات ولتلقي الخدمات ام لا ، لانه حتى اذا كان عند العميل رصيد عند البنك


262

فهو دائن للبنك ، الا ان الدائن يتمكن ان يضمن المدين لغيره. وسوف تأتي مناقشة هذا الوجه فيما بعد.

التكييف الرابع ( اجر على قبول البنك للحوالة من العميل على البنك للمحتال وهو التاجر ) :

وقد يقال : ان العميل عندما يشترى من التاجر ويوقِّع قسيمة البيع ، فيكون قد احال التاجر على البنك المصدّر للبطاقة ، ومن حق البنك المصدّر للبطاقة ان يقبل الحوالة عليه بشرط ان يأخذ نسبة من الثمن ، اي للبنك ان لا يقبل الحوالة الا اذا التزم التاجر باداء مبلغ الى البنك عمولة على قبوله الحوالة. وبما ان التاجر له نفع في قبول البنك للحوالة عليه ، فمن حق البنك ان يأخذ اجرة مقابل هذا النفع الذي قدمه للتاجر (1).

وهنا ايضا نقول كتتميم لهذا الوجه : ان قبول الحوالة من قبل البنك وان كان عقد ارفاقيا للمشتري لا يحق ان يأخذ منه في قباله اجرا ، الا ان هذا العقد ليس ارفاقيابالنسبة للتاجر ، فيحق للبنك ان يأخذ في مقابل قبوله الحوالة اجرا من المحتال.

ويرد على هذا الوجه بالخصوص : ما اذا كان للعميل رصيد دائن عند البنك ، فمن حق العميل ان يحيل التاجر على البنك ليأخذ من حساب العميل ، وفي هذه الصورة يقول الفقهاء : « يجب على البنك ان يدفع الى التاجر من حساب العميل لانه مدين للعميل ، ويجب على البنك اداء الدين للعميل او الى من يحوّله عليه » ، وعلى هذا فلماذا يأخذ البنك عمولة على قبوله الحوالة حتى في هذه الصورة ؟

وقد يجاب على هذا الاشكال : بان يقول البنك الذي هو مقترض من صاحب الحساب حسب الفرض : « انما اقبل منك ايها العميل الاقتراض بشرط ان

(1) ان هذا التكييف قَبِلَهُ اكثرية اعضاء مجمع فقه اهل البيت ( عليهم السلام ) وهو رأي ارتآه رئيس المجمع آية الله الشيخ محمد المؤمن عند بحثه لبطاقات الائتمان في مجلس درسه في قم المقدسة.


263

لا تحيل عليّ » وبهذا لا يجب على البنك قبول الحوالة بحسب الشرط ، فاذا احال العميل على البنك ، فللبنك ان يقول للمحتال : انا اقبل الحوالة عليّ بشرط ان تلتزم بدفع نسبة من الثمن.

والخلاصة : فان هذا الوجه يجوّز للبنك ان يأخذ اجرا من المحتال على قبوله الحوالة الّتي حوّلت عليه من قبل العميل.

ويرد على هذا الوجه والوجه الثالث مايلي :

1 ـ ان هذا التسهيل الذي اعطاه البنك للتاجر حين صدور البطاقة ، وتعهد بضمان العميل وقبول حوالته ، قد اخذ عليه اجراً سميناه رسم صدور البطاقة ، فان البطاقة التي تصدر ، لها خدمات مصرفية ، منها :

ان البنك ضامن لما يشتريه العميل من المؤسسات التجارية ، وما يستفيده من اصحاب الخدمات ، او قل ان البنك يقبل حوالة العميل اذا حوّل على البنك التجار او اصحاب الخدمات ، وعلى هذا فكيف يجوز للبنك ان يأخذ على نفس هذا العمل أجراً مرة ثانية ؟

ولو اُجيب عن هذا الاشكال بان رسم الاشتراك ليس هو في مقابل الخدمة الممنوحة ومقدماتها المتمثلة في : « شراء السلع والخدمات وعملية السحب النقدي من فروع بعض البنوك الاعضاء او من اجهزة الصرف الآلي التابعة لها ومن قبول طلب العميل واجراء فتح الملف وتعريف الجهات الخارجية التي سيحتاج الى التعامل معها وبيان حدود الاستخدام وما الى ذلك من امور تتعلق بالخدمة » (1) بل ان رسم الاشتراك يكون في مقابل مقدمات الخدمة الممنوحة بالبطاقة ، اما نفس الخدمة الممنوحة بالبطاقة لقبول الحوالة من قبل البنك فهو عمل يصح اخذ الاجرة عليه ، فياتي الاشكال الآتي.

(1) راجع بطاقات الائتمان ، بيت التمويل الكويتي ص 30 ـ 31.


264

2 ـ ان الارتكاز العرفي والعقلائي يقول : ان عملية الاقتراض او قبول الحوالة على المحتال عليه ، او قبوله لعملية الضمان ليست مما تقابل بالمال ، لا من المقترض ولا من قبل المسدّد له. بل ان العمولة حقيقة هي بازاء المال المقترض لا في مقابل نفس الاقتراض او نفس الضمان او قبول الحوالة ، وجعل العمولة في مقابل عملية الاقراض وقبول الحوالة والضمان هي مجرد لفظ فقط.

3 ـ ثم لو فرضنا ان البنك والتاجر قد تحررا من الارتكاز العقلائي المتقدم ، وجعلت نسبة الثمن في مقابل قبول الحوالة والضمان ، فهل هي صحيحة ؟

الجواب : انها غير صحيحة ، وذلك : لان النسبة من الثمن الذي هي اجر انما تصح اذا كان في مقابلها عمل قام به البنك قابل للضمان. اما مالا ضمان له من الالفاظ والاعمال فلا يصح اخذ الاجرة في مقابله ، وهنا نقول : ان مالية قبول الضمان وقبول الحوالة هي نفس مالية المال المعطى الى المؤسسة التجارية ، وليس لقبول الحوالة والضمان مالية مستقلة زائدة عن المال المعطى الى التاجر ، وهذا المال المعطى الى التاجر مضمون على العميل ، فلا يصح اخذ اجرة على نفس عملية قبول الضمان او الحوالة.

اذن تبين انه ليس عندنا الامالية واحدة وهي ( المال الذي يعطيه البنك المصدّر للتاجر ) وهذه المالية تضاف الى قبول الحوالة او الضمان باعتبار نفس المال الذي يعطى الى التاجر ، وحينئذ ليس عندنا الاضمان واحد وهو ضمان المال المقترض للعميل وقد سدد الى التاجر ، اذن لا يصح اخذ اُجرة عليه ولو من قبل التاجر ، فانه اما أكل للمال بالباطل او انه قرض للعميل مع اخذ فائدة من التاجر ، وهو محرم لان القرض لا يشترط فيه الا ارجاع نفس المال المقترض.

التكييف الخامس ( اجرة سمسرة الى البنك المصدّر للبطاقة ) :

إنَّ البنك المصدّر للبطاقة للعميل وللمؤسسة التجارية ، يقوم بجملة اعمال تنفع الطرفين. فهو يقوم بعملية ترويج التعامل مع المؤسسات التجارية ، اذ يؤمِّن


265

لهم زبائن من الدرجة الاولى ويحصّل لهم الدين ، كذلك يقوم بتقديم منفعة للعميل ، اذ يمكّنه من شراء او تلقي الخدمات في اماكن بعيدة من دون ان يقدم النقد لهم بالفعل ، ويسهِّل عليه كثيراً من الصعوبات التي تنجم من حمل النقود معه ، فالبنك يتمكن ان يأخذ عمولة سمسرة من الطرفين او من التاجر فقط لقاء هذه المنافع التي يقدمها لهم اذا حصلت صفقات بيع او تلقي الخدمات في الخارج. اما الضمان الذي يوجد في بعض الحالات ( كما اذا كان العميل ليس له حساب دائن لدى البنك ) فلا اثر له وذلك لانه لا تزداد العمولة في مقابله.

اذن يكون ما يأخذه البنك من المؤسسات التجارية هو اُجرة سمسرة عن كل عميل يقوم بالانتفاع من هذه البطاقة بالفعل ، وهذا الوجه يصحح ايضا ما يأخذه البنك من العميل كنسبة على مشترياته وانتفاعه ايضا. وهذه الاجرة تختلف عن اجرة رسم الاشتراك التي هي ثمن للبطاقة وخدماتها الممكنة سواء استفاد منها التاجر او العميل ام لا اما هنا فان السمسرة هي اجرة على وقوع الانتفاع بالبطاقة في الخارج فعلا.

اقول : ان هذا الوجه جيد اذا اطمأننا بان التاجر يقوم بدفع هذه النسبة من قيمة القسيمة حتى اذا لم يدفع البنك المصدّر للبطاقة قيمة البضاعة الى التاجر. ونتمكن ان نتاكد من هذا في حالة ما اذا كان هناك عميلان للبنك وقد استفادا من هذه البطاقة وكان احدهما له رصيد دائن لدى البنك ، بينما لم يكن الآخر مثله ، وقد قام البنك بأخذ هذه النسبة من التاجر ومن العميل على حدّ سواء. فبهذا يثبت ان الضمان الذي ضمنه البنك لمن لم يكن عنده حساب دائن لدى البنك ، وتسديد قيمة القسيمة كان قرضاً حسناً ، ولا اثر له في ازدياد العمولة.

التكييف السادس ( عقد بيع بين المصدِّر والتاجر على ان يبيعه بأقل من الثمن ، وعقد بين المصدّر والعميل على ان يبيعه بأكثر من الثمن ) :

الى هنا كان مسير البحث ينظر الى العميل على انه هو المشتري الحقيقي من


266

المؤسسة التجارية ويكون البنك متعهدا لتسديد قيمة القسيمة. اما هنا نريد ان نغيّر مسير البحث بادعاء : أنَّ الحقيقة والواقع تقول : بأن البنك هو المشتري الحقيقي للبضاعة التي يريدها العميل ، ويشهد لهذا بان المؤسسة التجارية لا تعرف العميل ولا تطمئن اليه ، بل هي تعرف البطاقة الائتمانية بواسطة مصدّرها ، كما ان الذي يدفع قيمة قسيمة البيع هو البنك المصدّر للبطاقة ، واذا ما افترضنا ان المؤسسة التجارية لم تتمكن ان تحصل على قيمة قسيمة البيع او الخدمة من البنك فلا يحق لها ان ترجع على العميل الذي اشترى بواسطة البطاقة ، فان هذه الامور الثلاثة تشير الى ان المشتري الحقيقي هو البنك ، وعلى هذا نتمكن تكيف اخذ البنك لحصة من الثمن ، باتفاق بين البنك المصدّر والمؤسسة التجارية مفاده : تعهد المؤسسة التجارية للبنك في صورة شراء البنك لما يريده عميله ، بان البيع يقع بالسعر اليومي مخصوماً منه نسبة من الثمن. وبهذا صححنا اخذ البنك لحصة من الثمن بعد عقد صفقة البيع.

ثم يقوم العميل بشراء هذه السلعة من البنك على ان يسدد الثمن في ضمن شهر واحد مثلا. ومفاد هذا العقد الثاني هو : ان العميل يشتري هذه السلعة من البنك بزيادة على ثمنها اليومي بنسبة معينة. وهكذا نقول بالنسبة لتقديم الخدمات : فان الحقيقة وجود عقدين :

1 ـ عقد بين المصدّر والتاجر ، مفاده : اذا ارسلت لي اتباعك لتستفيد من خدماتي فانا اعطيك نسبة من الثمن الذي استلمه منك او اقدم لك خدماتي بانقص من الثمن اليومي بنسبة معينة.

2 ـ عقد بين المصدّر والعامل ، مفاده : اذا استفدت ايها العميل من الخدمات التي اهيئها لاتباعي فانا اريد منك ربحا بنسبة كذا من ثمنها اليومي بشرط ان تسدد الثمن في ضمن شهر واحد مثلا.

وهذا التكييف السادس وان كان خلاف ما هو المشهود من ان المشتري


267

الحقيقي هو العميل ، الا ان المشهود كان عبارة عن اندماج عقدين مستقلين ، كانت نتيجتهما حصول العميل على ما اراد ، ولكن الدقة في مراحل العمل بالبطاقة الائتمانية يمكن ان تكون عبارة عن عقدين مستقلين :

الاول منهما : كون المشتري الحقيقي هو البنك ( لما يريده عميله ) بواسطة.

والثاني منهما : هو بيع البنك ما اشتراه الى عميله بزيادة معينة لمدة شهر واحد مثلا. ولا بأس بأخذ نسبة من الثمن من التاجر ومن العميل معاً.

ومما يؤيد هذا التكييف السادس ما ذكروه من قولهم : بعد اتمام عملية الشراء ببطاقة الائتمان اذا رغب العميل ان يعيد كل البضاعة المشتراة الى التاجر ووافق التاجر على ذلك ، فان التاجر في هذه الحالة لا يقوم بدفع وارجاع قيمة البضاعة المرتجعة نقداً الى العميل ( حامل البطاقة ) بل يحرر له قسيمة دفع بقيمة البضاعة المرتجعة ، يحتفظ العميل بنسخة من هذه القسيمة للمتابعة ، بينما يقوم التاجر بايداع هذه القسيمة لدى بنك التاجر الذي يتعامل معه ، وذلك حتى يتم خصم القيمة من قسيمة البيع الاصلية وايداع القيمة الصافية المستحقة له في حساب التاجر ، وحينئذ اذا كان بنك التاجر قد سحب هذا المبلغ من البنك المصدّر ، فيرجع اليه قيمة القسيمة الثانية ، ويبقى البنك المصدّر يطالب العميل بتسديد القيمة الصافية فقط. (1)

فان اعادة البضاعة لو كان المشتري حقيقة هو العميل كان من حقه ان يتسلم المبلغ الذي يساوى البضاعة المرتجعة ، الا اننا نرى انهم لا يسلمون الى العميل قيمة البضاعة المرتجعة مما يؤيد القول القائل : بأنَّ المشتري حقيقة من المؤسسة التجارية هو البنك. لذا يوضع في حساب البنك المصدّر قيمة البضاعة المرتجعة.

(1) بطاقات الائتمان ، بيت التمويل الكويتي ص 25.


268

التكييف السابع ( عمولة تحويل البنك المصدّر لما استفاده العميل خارج البلاد ) :

قد يقال ان التاجر اذا اشترى سلعا خارج البلاد ، فالبنك وان كان ضامنا له ، الا ان التسديد في هذه الصورة يستوجب جهدا زائدا على مجرد دفع المال للسلع المشتراة ، فيصح للبنك ان يأخذ عمولة على التسديد من العميل كما يصح له ان يأخذها من التاجر. وهذا الكلام يأتي ايضا فيما اذا استفاد العميل من خدمات خاصة او سحب نقداً معيناً خارج البلاد.

ولكن هنا لابدّ من ان تكون العمولة المأخوذة هي عمولة التحويل والتسديد فقط ، وهي تختلف عن الفائدة ، اذ اذا قبلنا ان البنك قد ضمن العميل او قبل حوالته فهو قد اصبح مدينا للتاجر. ويمكن أن يقول للتاجر : ان الدين الذي كان على العميل قد انتقل الى ذمتي ، وانا حاضر لدفع المال اليك في بلدي ( بلد الضمان ) ، فاذا اردت ان ادفع لك المال في بلدك ، فانا آخذ منك نسبة من الثمن. وحينئذ يقوم بنك التاجر بالموازنة بين ما يطلبه البنك المصدّر للبطاقة من العمولة وما يطلبه بنك آخر على عمولة تحويل الثمن ، فان كانت العمولة واحدة فان بنك التاجر او التاجر سوف يوافق على اعطاء العمولة التي هي عمولة التحويل ، اما اذا كانت العمولة واحدة فان بنك التاجر او التاجر سوف يوافق على اعطاء العمولة التي هي عمولة التحويل. اما اذا كانت العمولة كبيرة تختلف عن عمولة تحويل نفس المبلغ من قبل بنك آخر ، فان التاجر سوف يقول للبنك المصدّر : اعطني المبلغ في بلدك ، ثم يأمر بنكاً آخر بتحويل المبلغ اليه في مقابل اجر التحويل الذي هو يختلف عن الفائدة ، لزهادته.

والخلاصة :

ان بعض الوجوه المتقدمة ـ كالخامس والسادس ـ تجوّز اخذ البنك المصدّر للبطاقة نسبة من ثمن قسيمة البيع من التاجر ومن العميل ايضا ، بشرط ان لا


269

يرتبط هذا بالقرض الذي يحصل من البنك في بعض الحالات ولا بالأجل الذي يشترط فيه تسديد القرض ، فمع هذين الشرطين يكون ما يأخذه البنك من المؤسسة بل من العميل ايضا جائزا. (1)

6 ـ فرق تحويل العملة :

وهي اخذ البنك فرق تحويل عملته الى عملة اجنبية :

كما اذا سحب العميل ببطاقته مبالغ نقدية من فروع بعض البنوك الخارجية المرتبطة ببنكه بواسطة منظمة الفيزا مثلا ، مباشرة او من طريق اجهزة الصرف الآلي ، فان البنك المصدّر يقوم بتسديد الدين الذي اخذه عميله ( صاحب البطاقة ) ، وعملية التسديد تقتضي أوّلا ان يقرض البنك عميله عملة محليّة أو أن العملة المحليّة موجودة لدى حساب العميل ثم يقوم بتحويلها الى العملة الخارجية ، فيستحق البنك المصدّر الفرق في تحويل هذه العملة ، وهو ما يسمى بالصرف ، فيبيع نقده الذي هو دينار الى العميل بدولار ثم يسدد دين عميله في الخارج بواسطة الدولار ، فيحصل البنك على فائة الصرف ، وهو امر مشروع اذا كان بهذا القدر.

ثم لا يخفى ان هذا السحب المالي من البنك الخارجي هو عبارة عن اذن من

(1) قد يقال : ان النسبة المأخوذة ( من التاجر الى البنك المصدّر للبطاقة مثلا ) هي عبارة عن بيع الدين بأقل منه ، وهو صحيح للعمومات الدالة على جواز بيع الدين بأقل منه ، فان العميل عندما يشتري يكون مدينا الى التاجر ، وقد اعطى سند الدين وهو توقيعه على القسيمة ، ويتمكن التاجر ان يبيع هذا الدين على البنك او غيره بالاقل ، ولا مانع منه شرعا ، لان المانع ان يأخذ الدائن على دينه اكثر مما اعطى ، وهنا الدائن اخذ الاقل فهو عكس الربا مثلا.

ولكن هذا التوجيه بالاضافة الى انه غير الذي يجري في الخارج من تعهد البنك المصدّر لأداء دين العميل لا يقبله بعض الفقهاء لوجود روايات تقول بوجوب ان يأخذ المشتري لهذا الدين ما دفع الى الدائن لا اكثر.


270

المصدّر للبطاقة لبنك خاص او لكل احد في ان يؤدّي قرضاً عليه لمن يحمل بطاقته ، فحامل البطاقة يأخذ النقد على ذمة المصدّر وهو مأذون في التصرف فيه ، ويتملكه الساحب اما بعنوان اداء الدين الذي له على المصدّر ( ستيفاء ) فيما اذا كان الساحب صاحب حساب دائن لدى البنك المصدّر للبطاقة وهو امر لا باس به ، أو بعنوان الاقتراض من البنك المصدّر ان لم يوجد له حساب دائن لدى البنك المصدّر للبطاقة.

7 ـ اجرة نقل وحفظ المال :

ولو اضيف الى فائدة بيع الصرف ، اجر نقل وحفظ المال من البلد الذي فيه البنك الى البلد الذي استخدم حامل البطاقة بطاقته فيه ، فان هذا يدخل تحت عنوان الحوالة بأجر ، بشرط ان لا يرتبط هذا الاجر بالأجل الذي يجب على العميل التسديد فيه ، والاّ كان الربا مستترا تحت عنوان الحوالة بأجر ، كما اذا كانت النسبة تكثر اذا كانت البطاقة تجوّز التسديد لمدة اطول.

ومن اجل الاطمئنان بأنَّ الاجر الذي يحصل عليه البنك المصدّر هو أجر على الحوالة فيجب ان تكون النسبة التي يأخذها البنك كأجر على حوالته في النسبة التي تحوّل بها هذه الكمية من الثمن الى الخارج في بنوك اخرى ، او ان يسمح البنك المصدّر للعميل في ان يحوّل هذا المبلغ بواسطة أي بنك آخر اذا كان يتقاضى أجراً على حوالته اكثر من البنوك الاخرى ، فان في هذين الامرين نكشف عن القصد الحقيقي للبنك المصدّر للبطاقة ونجزم بانه بعيد عن شائبة الربا.اما اذا كانت هذه النسبة التي تؤخذ كأجر على الحوالة هي اكثر بكثير من قيمة الحوالة التي تحوّل بها هذه الكمية من الثمن الى الخارج في بنوك اخرى ولم يسمح البنك المصدّر بتحويل ما اقرضه لعميله الى البنك الخارجي ، فان هذا يكشف عن ان القصد الحقيقي هو مستتر وراء الاجر على الحوالة او الوكالة لقضاء الدين ، وهو اخذ النسبة من الثمن في مقابل المال الذي يقرضه البنك المصدّر للعميل ويحوله الى


271

البنك الخارجي.

وقد يقال : بان هذه النسبة هي قيمة قبول الحوالة من قبل العميل على البنك المصدّر للبطاقة وهي حوالة على مدين اذا كان لدى العميل حساب دائن عند البنك ، او على بري اذا لم يكن لدى العميل حساب دائن عند البنك.

ولكن نقول : ان قبول الحوالة ليس معناه الا اقراض المحيل ان لم يكن له حساب عنده وهو لا يقابل بالمال ، واما اذا كان عند المحيل حساب دائن لدى البنك ، فلم يبق الا ثمن حوالة المبلغ الى خارج البلاد.

8 ـ الفائدة :

قد يأخذ البنك المصدّر للبطاقة غرامات على تأخير العميل عن سداد ما عليه حسب الوقت المحدد ، وهذا فائدة صريحة محرمة. ولا بأس بالتنبيه الى ان بعض بطاقات الائتمان لا تأخذ اي غرامة على تأخير العميل عن سداد ما عليه ، كما في بطاقة بيت التمويل الكويتي.

9 ـ اجرة استخدام الجهاز الآلي او نظام التحويل الالكتروني :

يأخذ البنك نسبة من الثمن المسحوب في مقابل استخدام جهازه الآلي او نظام تحويله الالكتروني عند سحب نقود معينة بواسطة البطاقة الائتمانية اذا كان مخوّلة بذلك.

وطبعا ان هذه النسبة من الثمن تقسّم بين البنك الخارجي الذي قدم للعميل النقد بعد استعمال اجهزته الآلية او نظام تحويله الالكتروني وبين البنك المصدّر للبطاقة حيث يكون البنك المصدّر للبطاقة وكيلاً عن العميل لقضاء دينه.

وهذه النسبة كأجر على هذا النفع الذي حصل عليه الساحب للنقد ، وهي اجرة معقولة مرتبطة بالنفع الذي يحصل عليه العميل بشرط ان لا ترتبط هذه النسبة بالأجل وليست عوضاً عما ادى الى حامل البطاقة الذي يدفع العميل فيه ما


272

سحبه من البنك الخارجي الى بنكه الذي اصدر البطاقة. ولاجل ان نطمئن الى ان النسبة ليست مرتبطة بالاجل ، لابدّ من ان يكون البنك المصدّر للبطاقة يأخذ هذه النسبة من الثمن ممن عنده حساب دائن لدى البنك وممن ليس له حساب دائن لدى البنك بلا فرق بينهما.

10 ـ اجرة الاتصالات الخارجية للحصول على تفويض :

يأخذ البنك عمولة من الذي يحمل البطاقة المرتبطة بمنظمة الفيزاء الصادرة عن بنوك اجنبية اذا سحب عميل البنك الاجنبي ببطاقته من بنك آخر كمية من المال ، فيقوم البنك المقدّم للدفعة النقدية بأخذ نسبة من الثمن المقدَّم ، كأجر على الخدمة المصرفية التي يقدمها. وهذه الخدمة تشتمل على توليه عملية التفويض والمتابعة والتحصيل والتسويات.وهذه النسبة تقسَّم بين البنك المسحوب منه النقد والمصدّر للبطاقة حسب الاتفاق بينهما.

اقول : يقال بجواز ذلك في مقابل الخدمة التي يقدمها البنك المعطي للصفقة النقدية ، حيث يكون قد نفع العميل منفعة كبيرة بهذه الخدمات ، فهو يستحق أجراً على خدماته حتى وان كان نسبة مئوية على ما حصل عليه الساحب ، ولكن بشرط ان لا ترتبط هذه النسبة بالاجل الذي يدفع فيه الساحب ما حصل عليه.

تنبيه :

اذا كان بين التاجر والبنك المصدر للبطاقة واسطة تؤدي الى التاجر قيمة قسيمة البيع وهي ما تسمى ( بنك التاجر ) ، فان هذا البنك يقوم بتسديد قيمة القسيمة ثم يستوفي ذلك من البنك المصدّر للبطاقة مقابل نسبة لبنك التاجر. وهذه العملية قد تتم بواسطة تعاقد بين البنك المصدر وبنك التاجر ، وقد تتم استناداً الى الاذن العام من البنك المصدر بتسديد قيمة القسيمة والرجوع عليه. وتكييف اخذ نسبة من الثمن لبنك التاجر استنادا الى قيامه بالتسديد للتاجر وهو عمل يزيد في


273

اعتبار البنك المصدّر للبطاقة فصحَّ ان يأخذ بنك التاجر هذه النسبة لقيامه بهذه الخدمة ، ولعل هذا جعالة من البنك المصدّر لمن يسدد قسيمة البيع نيابة عنه. ولا حاجة للتنبيه على ان بنك التاجر في هذه الحالة يأخذ نسبة من ثمن القسيمة قد يكون 3% ولكن يحسم منه نسبة 1% على عمله الذي قام به نيابة عن المصدّر للبطاقة ويبقى 2% هي للبنك المصدّر للبطاقة ، يدفعها له عند مطالبته بتسديد ثمن القسيمة.

والخلاصة : لقد تبين لنا ان ما يأخذه البنك من التاجر او العميل اذا لم يكن مرتبطاً بالاجل الذي يسدد فيه العميل الدين ، وكان في مقابل عمل له نفع للتاجر او العميل فهو امر مسموح به شرعاً ، ولكن لابدّ لنا من الاطمئنان بأنَّ البنك لم يربط ما يأخذه بعنوان الأجر على عمله بالاجل الذي يسدد فيه العميل ما عليه. نعم اذا لم يسدد العميل ما عليه في الوقت المحدد ، فلا يجوز للبنك ان يحسب عليه فوائد ، فانه ربا صريح وواضح ، وقد تخلّت عنه بعض البنوك الاسلامية.

« العمليات البنكية الترغيبية »

1 ـ جوائز البنك :

هناك بعض العمليات التي يقوم بها البنك كترغيب لعملائه في اخذ بطاقة الائتمان منها الجوائز ، فيدفع البنك لمن اصابته القرعة من الذين استلموا بطاقات الائتمان مبلغا من المال. فهل يجوز للبنك القيام بهذه العملية الترغيبية ؟

الجواب : اذا كان البنك هو المقترح لهذه العملية بقصد التشويق والترغيب في فتح بطاقات الائتمان من دون ان يكون لعملائه اي شرط عليه ، فهو امر جائز ، اما اذا اشترط عملاء البنك في ضمن عقد قرض البنك وفتح الحساب لديه واخذ بطاقة الائتمان ان يقيم لهم جوائز بعملية القرعة ، فهذه الجوائز تكون محرمة حيث تدخل عند اصابة احدهم تحت عنوان القرض الذي جرَّ نفعاً لصاحبه


274

بواسطة الشرط.

2 ـ التأمين على الحياة :

ان بعض البنوك تعطي البطاقات الائتمانية الذهبية التي فيها حدوداً ائتمانية عالية الى العملاء ذوي الكفاءة المالية العالية ، وتمنحهم اضافة الى الخدمات المتقدمة المتوفرة للبطاقة تأميناً على الحياة وخدمات اخرى دولية فريدة ، كأولوية الحجز في مكاتب السفر والفنادق والتأمين الصحي والخدمات القانونية. كما ان بعض البطاقات تتضمن تأميناً على حياة المسافر حال سفره اذا اشترى بطاقة السفر.

والمهم هنا : وجود تصور عند البعض في عدم تطابق هذا المنح من قبل البنك او الشركة للتصور الاسلامي (1).

فنقول : ان عقد التأمين هو اتفاق بين المؤمِّن ( الشركة او البنك مثلا ) وبين المؤمَّن له على ان يدفع المؤمَّن له مبلغاً من المال معينا شهريا او سنويا لقاء قيام المؤمِّن بتدارك خسارة ما ( كالحياة ) ان حدثت على المؤمَّن عليه ، وقد يكون الشرط هو ان يطلب المؤمِّن فتح بطاقة الائتمان ويدفع الرسم على ذلك ، وان يكون له حساب من الدرجة الاولى في البنك. فهنا يكون عقد التأمين قد اشتمل على اركان اربعة.

1 ـ الايجاب من المومَّن له.

2 ـ القبول من المؤمِّن.

3 ـ المؤمَّن عليه ( الحياة ).

4 ـ قسط التأمين الشهري او السنوي.

وواضح ان الاركان الاربعة متوفرة هنا حيث ان المؤمَّن له يوجب ، ويقبل

(1) بحث عن بطاقات الائتمان المصرفية لبيت التمويل الكويتي ، ص 27


275

المومِّن ، ويكون المؤمَّن عليه هو ( خطر الموت ) ، وقسط التأمين هو الرسم الذي يدفعه او فتح حساب من الدرجة الاولى لدى البنك ليحصل على خدمات ، منها : التأمين على الحياة ، وبما ان البطاقة تنتهي الى سنة فان بداية ونهاية التأمين ايضا معينة ، وبهذا سوف يكون هذا الاتفاق عقداً وعهداً يشمله : ﴿ أوفوا بالعقود . كما أنه يمكننا ان ننزّل عقد التأمين منزلة الهبة المعوضة حيث ان المؤمَّن له يهب مبلغاً معيناً من المال سنويا في مقابل ما يحصل على خدمات بواسطة بطاقة الائتمان ومنها التأمين على الحياة (1) وحينئذ يجب على المؤمِّن الوفاء بهذا الشرط ، وعلى هذا يكون التأمين بجميع اقسامه صحيحاً شرعا ، واذا لم يعمل المشترط عليه بالشرط

(1) وقد نوقشت هذه الفكرة في مجمع الفقه الاسلامي في بروناي دار السلام من قبل اتباع بعض المذاهب الذين ذهبوا الى القول بأن الهبة المعوضة هي بيع ، والبيع لا يمكن ان يكون مؤقتاً بينما التأمين على الحياة في بطاقة الائتمان مؤقتٌ ، فلا يصح توجيه التأمين على الحياة في بطاقة الائتمان على اساس الهبة المعوضة.

وقد جهدنا في توضيح الفرق بين البيع والهبة المعوضة فكان خلاصة ما بُيّن هو : ان الهبة المعوضة عبارة عن التمليك الذي اشترط فيه العوض. وعلى هذا فهي ليست انشاء تمليك بعوض على جهة المقابلة وإلاّ اذا كانت هي تمليك بعوض على جهة المقابلة ـ لم يعقل تملّك احدهما لأحد العوضين من دون تملك الآخر للآخر مع أن ظاهر الفقهاء في الهبة المعوضة هو عدم تملك العوض بمجرد تملك المرهوب له الهبة ، بل غاية الامر أن الموهوب له لابدّ له من إنشاء تمليك العوض نتيجة اقتضاء الشرط في ما وهب له ، وإن لم يفعل كان للواهب الرجوع في هبته نتيجة اقتضاء عدم العمل بالشرط.

وعلى هذا : فان التعويض المشترط في الهبة كالتعويض الغير المشترط في الهبة يكون عبارة عن تمليك جديد يُقصد به وقوعه عوضاً ، لا أن حقيقةً المعاوضة والمقابلة مقصودة في كل من العوضين كما يتضح ذلك بملاحظة التعويض الغير المشترط في ضمن الهبة الاولى. وقد اتضح من هذا ان البيع يختلف عن الهبة المعوضة اختلافاً أساسياً حيث أن حقيقة البيع تمليك العين بالعوض ، وهذا لا يكون هبة معوضة وإن قصدها. وحقيقة الهبة المعوضة : هو التمليك المستقل مع اشتراط العوض في تمليك مستقل يقصد به العوضية وهذا ليس معاوضة حقيقية مقصودة في كل من العوضين ، وبهذا يبطل ما يقال من أن الهبة المعوضة هي بيع ، للاختلاف الحقيقي في قعنيهما.


276

يحق للمؤمَّن له ان يرجع في هبته نتيجة عدم العمل بالشرط ، كما يجب على المؤمِّن العمل بالشرط اذا حصل الموت ، نتيجة اقتضاء الشرط ذلك.

الخصم من التاجر للعميل :

قد يعلن البنك المصدّر للبطاقة عن فائدة للبطاقة تكمن في خصم المؤسسة التجارية نسبة تتراوح بين ( 5 ـ 30% ) ، وهذا امر قد تقوم به بعض المؤسسات التجارية لبعض السلع ، وهو يعدّ من فوائد العميل المستهلك ، وهو امر لا باس به شرعاً لانه عبارة عن تخفيض للثمن من قبل البائع ، ولا بأس بأن يقول البائع ان الثمن مائة او ان يقول ( ان لثمن مائة وعشرين مع تخفيض عشرين لمن يحمل البطاقة الائتمانية ).

تنبيهات :

ان هنا عدة تنبيهات متفرعة على صحة العمل بالبطاقة الائتمانية حيث كيّفت الاعمال المنتسبة اليها على انها اجور على خدمات قام بها البنك المصدر او البنك الواسطة ( بنك التاجر ) للتاجر ، وللعميل ، وهذه الخدمات تستحق أجراً ، وهذا الأجر غير مرتبط بالقرض الذي يحصل في التعامل بهذه البطاقات ، حيث إنَّ هذا الأجر يؤخذ ـ مثلا ـ على حدّ سواء من المتعامل بالبطاقة الائتمانية سواء كان له حساب دائن لدى البنك المصدر ام حساب مدين. فعلى هذا الاساس توجد عدة تنبيهات لا بأس بالاشارة اليها واهمها :

1 ـ قد تبيع المؤسسة التجارية حاجتها لحامل البطاقة بثمن اعلى من الاشتراء نقدا ، وكذا المؤسسة التي تقدِّم خدماتها لحملة البطاقات. فهل يصح هذا التعامل او انه يحتوي على شائبة ربوية ؟

الجواب : ان المؤسسة التجارية قد تنظر الى ان الثمن الذي تبيع به احد حاجياتها بواسطة بطاقة الائتمان يحتاج الى خدمات معينة من اجل الوصول اليه ،


277

فقد تصمِّم من الاول ان السلعة التي تباع ببطاقة الائتمان يكون ثمنها اعلى من السلعة التي تباع نقداً ، لعدم احتياج أي خدمات للحصول على الثمن النقدي بخلاف الثمن الذي يكون ببطاقة الائتمان ، فهو وان كان مضموناً من قبل البنك المصدّر ، الا ان الحصول عليه يحتاج الى خدمات معينة ، فتكون هذه الخدمات المعينة داعية لزيادة ثمن السلعة التي تباع بالبطاقة الائتمانية وليست هذه الزيادة هي في مقابل الاجل ، بل في مقابل السلعة التي يحتاج الحصول على ثمنها الى جملة من الخدمات.

2 ـ اذا كان مصدّر البطاقة قد تضمن عقده نصاً ربوياً ، كما اذا شرط المصدّر في عهده مع الحامل للبطاقة دفع فوائد ربوية اذا تخلف حامل البطاقة عن الدفع في فترة معينة. فهل الدخول في هذا العقد اقدام على قبول اعطاء الربا الذي هو حرام ؟

الجواب : ان حامل البطاقة اذا اقدم على قبول هذا الشرط بصورة جدية فيكون قد اقدم على التعامل باعطاء الربا. اما اذا دخل فيه بانياً على دفع قيمة القسيمة نقدا ، او في خلال المدة المتفق عليها مع مصدّر البطاقة ، او كان قاصدا عدم قبول الشرط المذكور وعدم دفع الفائدة من تلقاء نفسه اذ يعتقد بحرمتها ، فيكون هذا العميل قد قبل العقد ولم يقبل الشرط فلا يكون دخوله في هذا العقد حراماً ، وبعبارة اخرى إن هذا يختلف عن اشتراك الانسان في السهم شركة تتعامل بالربا ، فإنَّ الشركة معناها : قيام كل واحد من المتشاركين بعميلة الربا ويعدّ مسؤولا عن عقود الشركة بواسطة وكلائه. أما هنا فلا اشتراك وإنما عقد بيني وبين انسان يشترط عليَّ شرطاً محرماً ، وهذا الشرط ليس مما يُبنى عليه العقد وإنما هو شرط اُحتمل وجوده ، فإذا كنت مصمماً على عدم العمل به فالعقد صحيح ، لشموله له : ﴿ أوفوا بالعقود .

3 ـ الف ) اذا امتنع حامل البطاقة من دفع قيمة القسيمة الى البنك المصدّر ، فهل يتمكن المصدّر للبطاقة من الرجوع على معتمد البطاقة لاسترجاع الثمن منه ؟

الجواب : لا يتمكن مصدّر البطاقة من الرجوع على معتمدها لاسترجاع


278

الثمن منه وذلك : لان المصدّر كان متعهدا بالاداء ، وبهذا التعهد فقد اشتغلت ذمته بالثمن ووجب عليه اداء ما اخذه العميل من التاجر. وبهذا تكون ذمة العميل مشغولة للبنك المصدّر ، فان امتنع العميل من الدفع فقد ضاع مال البنك المصدّر ان لم يكن للبنك المصدّر اجراء اُخر لأخذ دينه من قبلهم. ومن جملة الاجراءات التي يتمكن البنك من اخذها لعدم ضياع حقه هو : « اشتراط البنك المصدّر للبطاقة في ضمن تعهده للبائع رجوعه على البائع لو امتنع العميل عن السداد ، فهو شرط صحيح بمقتضى قاعدة : المسلمون عند شروطهم ».

ب ) اذا اخذ التاجر قيمة القسيمة من بنك التاجر الذي هو مأذون من البنك المصدّر للبطاقة بالدفع ، ثم امتنع البنك المصدّر من التسديد لإفلاسه مثلا ، فلا يتمكن البنك الواسطة ( بنك التاجر ) من الرجوع على التاجرولاعلى العميل ، لان الدين قد انتقل الى ذمة البنك المصدّر حسب التعهد الذي تعهد به ، وقد دفع البنك الواسطة هذا الدين بإذن من البنك المصدّر.اذن يكون البنك الواسطةـ وهوبنك التاجر ـ دائناً الى البنك المصدّر ليس إلاّ ، فلا يتمكن ان يرجع على التاجر ولا على العميل.

نعم : اذا اشترط على التاجر الرجوع عليه اذا امتنع البنك المصدّر من التسديد ، فهو شرط صحيح يتمكن بواسطته من الرجوع على التاجرفي هذه الصورة.

ج ) اذا امتنع بنك التاجر والبنك المصدّر من دفع الثمن الى التاجر لإفلاسهما مثلا او لأيِّ شيء آخر ، فهل يجوز للتاجر الرجوع على العميل ؟

الجواب : ان التعهد الذي صدر من المصدّر يقضي بان المال في ذمة المصدّر ، فيبقى التاجر يطلب المصدّر وليس له الرجوع على العميل ، الا ان يشترط التاجر على العميل الرجوع عليه ان لم يتسلم المبلغ من المصدّر ، فهو شرط صحيح.

خلاصة البحث :

ان خلاصة بحثنا المتقدم « بعد معرفة حقيقة بطاقة الائتمان واقسامها


279

وفائدتها وكيفية المعاملات التجارية بها » يكمن في التكييف الشرعي لها وقد كانت خلاصته هي :

أولا : لا اشكال في اخذ رسم العضوية من باب الاجر على عمل او منفعة تؤدّيها شركة البطاقة لحاملها ، وكذا لا اشكال في رسم التجديد ، ورسم التجديد المبكر ورسم الاستبدال عند الضياع او التلف او السرقة ، لنفس السبب المتقدم.

ثانياً : ان اخذ نسبة من ثمن قسيمة البيع للبنك المصدّر انما تصح ( وتكون اجرا على عمل قام به البنك المصدّر ، من قبيل اجر السمسرة مثلا ) اذا كان غير مرتبط بالقرض الذي قدمه البنك وغير مرتبط بالاجل او بزيادته ونقيصته. ولأجل التأكد من ذلك هو أخذ الاجرة من قبل البنك المصدّر للبطاقة حتى اذا كان للعميل حساب دائن لدى البنك المصدّر للبطاقة ، ولا يفرق في اخذ الاجرة بين العميل الذي له حساب دائن والعميل الذي له حساب مدين لدى البنك المصدّر. كما يمكن التأكد من ان القصد هو اجر سمسرة ، هو اقدام البنك على اخذ هذا الاجر حتى اذا لم يقدم قرضاً الى التاجر.

ثالثاً : ان اخذ نسبة من ثمن البضاعة من قبل العميل ، واخذ نسبة من الثمن المسحوب نقدا خارج البلاد وامثال ذلك من العمليات التي يتم بها الاستفادة من بطاقة الائتمان كله جائز بشرط ان لا ترتبط هذه النسبة بالاجل او بالعوض الذي اعطي الى حامل البطاقة ، وحينئذ تكون هذه النسبة مرتبطة بالنفع الذي قدمه اليه البنك الخارجي والبنك المصدر للبطاقة غير القرض الحسن الذي زامن هذا النفع. وللتأكد من صحة هذا القصد للقرض الحسن ، هو اخذ نفس النسبة من الذي له حساب دائن لدى البنك المصدّر للبطاقة.

رابعاً : اذا لم يسدد العميل ما يجب عليه في ضمن مدة معينة ، فلا يجوز للبنك المصدّر ان يأخذ منه غرامات على التأخير ، فانه فائدة صريحة محرمة.

خامساً : يجوز للبنك ان يجعل عمليات ترغيبية للعملاء ، من قبيل الجوائز او


280

التأمين على الحياة لمن يسافر اذا اشترى بطاقة سفر معينة ، فان الاول : يجوز اذا كان اقتراحاً من قبل البنك ولم يشترط عليه العملاء ذلك. واما الثاني : فهو داخل في عقد بين المصدّر والعميل توفرت فيه اركان هذا العقد بصورة صحيحة.

سادساً : قد تبيع المؤسسة التجارية سلعتها بثمن اكثر من الشراء النقدي لحامل بطاقة الائتمان ، وهو امر جائز وان كان الداعي اليه هو قيام المؤسسة بخدمات معينة من اجل الحصول على الثمن ، وهو امر جائز حيث ان السلعة قد قوبلت بالثمن الاكثرحين البيع وان كان الداعي هوتقديم الخدمات للحصول على الثمن.

سابعاً : قد تبيع المؤسسة حاجاتها لحامل البطاقة بأقل من السعر السوقي ، وهو امر جائز بلا كلام ، اذا لا فرق بين أن يقول بعتك السلعة بمائة او بمائة وعشرين مع خصم عشرين مثلاً.

ثامناً : ان استقرار الضمان يكون على البنك المصدّر للبطاقة ولا علاقة بين العميل والتاجر او بنك التاجر. كما لا علاقة بين بنك التاجر والتاجر بالعميل.

تاسعاً : يجوز للعامل ان يتعامل مع شركة البطاقة حتى اذا تضمن عقدها معه نصّاً ربوياً بشرط ان يقصد دفع قيمة القسيمة نقداً او في خلال المدة المتفق عليها مع مصدّر البطاقة ، او كان قاصدا عدم قبول الشرط الربوي وعدم دفع الفائدة طوعاً ، اذ يكون هذا العميل قد قبل العقد ولم يقبل الشرط الفاسد فلا يكون دخوله في هذ العقد حراماً.

هذا خلاصة ما ذكرناه في بطاقة الائتمان والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الميامين.


281

بحث في حرمة ربا القرض


283

1 ـ مع الدكتور النمر

طالعنا في صحيفة الأهرام ، وفي الصفحة السابعة في العدد الصادر يوم 1 / 6 / 1989 الخميس 27 شوال / 1409 هـ مقالاً بعنوان : « حول تحديد ربا القرض والوديعة الاستثمارية » للدكتور عبدالمنعم النمر ( وزير الأوقاف الأسبق ). و خلاصة المقال « دعوة الى الاجتهاد » في جواز الربح المحدد للقرض » ، ثم أفتى بحل هذه الزيادة بمقدار ( 9 ) أو ( 10 ) بالمائة ما دامت من البنوك.

و خلاصة الأدلة التي أدى إليها نظره هي : أدلة ثلاثة ، نعرض كل واحد منها و نناقشه.

1 ـ « الرسول ( صلى الله عليه وآله ) اجتهد في المعاملات الدنيوية ، و بنى حكمه على الظروف الموجودة أمامه ».

2 ـ « وأنَّ الصحابة قد خالفوا أحكامه واجتهدوا و عملوا بخلافها.. ».

3 ـ وقد حكي عن النمر في كتابه « السنة و التشريع » ص 46 قوله : « فمادام الرسول كان يجتهد ، و ما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات ، أفلا يجوز لمن يأتي بعده أن يدلي بالموضوع باجتهاده أيضاً؟ هادفاً الى تحقيق المصلحة ، ولو أدى اجتهاده الى غير ما قرره الرسول باجتهاده؟ ولايصبح ما قرره الرسول باجتهاده حكماً ثابتاً الى الأبد ».


284

العصمة للأنبياء عند الشيعة

نقول : إن الشيعة الإمامية تعتقد بعصمة النبي وكل الأنبياء والرسل ، والعصمة التي تدعيها الشيعة للنبي ( صلى الله عليه وآله ) ولكل الأنبياء والرسل هي ثلاثة أقسام :

1 ـ العصمة عن الخطأ في تلقي الوحي.

2 ـ العصمة عن الخطأ في التبليغ والرسالة.

3 ـ العصمة عن المعصية. والمعصية هي التي فيها هتك حرمة العبودية عن المخالفة المولوية.

و نعني بالعصمة : وجود أمر في الانسان يصونه عن الوقوع فيما لايجوز من الخطأ والمعصية. والأدلة التي تُذكر في هذا المجال كثيرة : قرانية ، وروائية ، و عقلية.

فمن الأدلة القرآنية قوله تعالى : ﴿ فبعث الله النبيين مُبشرينَ ومُنذرينَ وأنزلَ معهم الكتابَ بالحق ليحكُمَ بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلاّ الذين أوتُوه من بعدما جاءتهُمُ البيِّنات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ... (1) فانه يدل على أن الله سبحانه إنّما بعث الأنبياء بالتبشير والإنذار ، وانزال الكتاب ( وهو الوحي ) ليبيّنوا للناس الحق في الاعتقاد والعمل. وقد قال تعالى : ﴿ لايضلُّ ربِّي ولا ينسى (2) فهو دال على أن الله سبحانه لايضل في فعله ولايخطأ في شأنه ، فإذا أراد شيئاً فإنما يريده من طريقه الموصل إليه من غير خطأ. وحينئذ يكون النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وكل نبي ، مصوناً من الخطأ في تلقي الوحي وفي تبليغه. وبما أن عمله ( صلى الله عليه وآله ) كقوله في الدلالة عند العقلاء ، فلو تحققت معصية من النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو يأمر بخلافها لكان ذلك منه تناقضاً ، ويكون مبلّغاً لكلا المتناقضين ، وكمال تعلمون لايكون تبليغ المتناقضين تبليغاً للحق لكون كل منهما مبطلاً للآخر. وعلى هذا ، فلا يمكن أن تتحقق معصية من النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولايكون تبليغ الرسالة إلاّ مع

(1) البقرة / 213.

(2) طه / 52.


285

عصمته عن المعصية وصونه عن المخالفة.

ومن هذه الأدلة أيضاً قوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله ... (1) فكون الرسول مطاعاً هو غاية للارسال ، وهذا يستدعي بالملازمة البيّنة تعلق ارادته تعالى بكل مايطاع فيه الرسول ( قوله أو فعله ) حيث إن كلاً منهما وسيلة متعارفة في التبليغ ، وحينئذ لو تحقق من الرسول خطأ في فهم الوحي ، أو في التبليغ ، أو في معصية ما ، لكان ذلك ارادة من الله تعالى للباطل ، بينما الله سبحانه و تعالى لايريد إلاّ الحق.

ومنها أيضاً قوله تعالى : ﴿ رُسلاً مبشرينَ و منذرينَ لئلا يكونَ للناس على الله حُجّةٌ بعد الرسل ... (2) فالله تعالى يريد قطع عذر الناس فيما فيه المخالفة و المعصية ، و بما أنه لاقاطع لعذرهم إلاّ الرسل ( عليهم السلام ) ، ومن المعلوم أن قطع الرسل عذر الناس إنما يصح إذا لم يتحقق من ناحيتهم مالا يوافق ارادة الله ورضاه ( من قول أو فعل أو معصية ) وإلاّ إذا لم يتحقق من ناحيتهم مالا يوافق ارادة الله يكون للناس أن يتمسكوا به ويحتجوا على ربّهم سبحانه ، وهذا نقض لغرضه تعالى.

نقول : و بعد هذه النبذة من الأدلة على عصمة النبي و بقية الأنبياء ، هل يسوغ للشيخ النمر أن يقول أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد اجتهد في المعاملات الدنيوية؟! وهل المعاملات الدنيوية إلاّ وقائع لها أحكام من قبل الله تعالى قد بيّنها سبحانه على لسان نبيّه الكريم؟ وإذا كان هذا حقاً فهل يمكن أن يكون كلام النبي غير حق حتى يسوغ للنمر أن يخالف النبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) ؟!.

نعم ، حدثت مخالفات للنبي الأكرم بعد وفاته من قبل بعض الصحابة ، ولكن هذا ليس دليلاً لجواز مخالفة النبي الأكرم في أحكام الله ( المعاملات و السياسات وغيرهاحتى العبادات ) ، بل إن هذاعمل غيرصحيح قام به هؤلاء لأنه ردّ على رسول

(1) النساء / 64.

(2) النساء / 165.


286

الله ، والراد على رسول الله راد على الله سبحانه و تعالى ، كما في الأحاديث الشريفة.

ولا أدري كيف خفيت الآيات القرآنية الدالة على أن النبي الأكرم لاتجوز مخالفته بشيء ، ونحن نوردبعضهاللاستاذالنمرحتى يتذكر ، فان الذكرى تنفع المؤمنين.

قال تعالى : ﴿ وما كان لمؤمن ولا مُؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمراً أن يكون لهم الخِيَرَةُ من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضلَّ ضلالاً مبينا (1)

فان النبي إذا قضى في أمر من أمور المعاملات الدنيوية ، كما إذا قال : « أحلّ الله البيع وحرّم الربا » ، وهذا الحكم من الله سبحانه قد جرى على لسان الرسول فهو حق ، فهل يجوز للاستاذ النمر أن يجتهد في مخالفته ، وهل يكون هذا غير الاجتهاد في مقابل النص؟!

وقال تعالى أيضاً : ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه ومانها كم عنه فانتهوا ... (2).

وقال تعالى : ﴿ وما ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحيٌ يوحى (3).

أفهل تكفي لك هذه الآيات القرآنية الرادعة أم لا؟!

ثم إن من قال باجتهاد النبي ( صلى الله عليه وآله ) فانه قال إنه ( صلى الله عليه وآله ) لايُقرّ على خطأ ، بمعنى أن اجتهاد النبي ( صلى الله عليه وآله ) إن وافق حكم الله أقره الله عليه ، وإن خالفه عدّله الله الى حكمه ، وحينئذ يكون الحكم في النتيجة هو حكم الله تعالى ، وحينئذ لايجوز للاستاذ النمر أن يجتهد ( كما يحلوله أن يقول ) فيخالف النبي ( صلى الله عليه وآله ).

2 ) : أما الدليل الثاني لحلّية ربا القرض ، كما استدل به الاستاذ النمر ، فهو قوله :

إن سبب تحريم الربا تحديد الربح ، ويقول : « إن علماءنا جميعاً متفقون على تحريم هذه المعاملة بسبب تحديد ربحها ، ويقولون إن التحديد جعلها ربا محرماً وقالوا : إن التحديد يجعل المعاملة حراماً » وبما إن النمر يريد أن يحلل ربا القرض ،

(1) الأحزاب / 36.

(2) الحشر / 7.

(3) النجم / 3 ، 4.


287

فكأنه يريد أن يحلل ربا القرض الذي لم تحدد فيه نسبة الربح من الأول ، بل نسبة الربح تحدد من قبل البنك بعد ذلك.

أقول : إن أقبح مايكون عليه الكاتب والعالم هو الكذب والافتراء والاتهام ، فإن هذا هو مايسمى بالخيانة العلمية ، فإن نسبة شيء الى علمائنا اجمع ( سواء كان قصده علماء السنة أم الشيعة ) شيء لم يجترىء عليه إلاّ الاستاذ النمر ، ففي حدود تتبعي للربا لم أجد من يصرح بأن الربا المحرم في القرض هوالذي تحدد فيه نسبة الربح ، بل إن علماء الشيعة كلهم وكل من قرأتُ له من علماء السنة إذا كان يحرم ربا القرض فهو يحرمه من أجل : « أنه زيادة ، في عقد القرض قد شرطت في مقابل الأجل » ، فمن ذلك ماذكره في كتاب « المغني » لابن قُدامة حيث يقول : « كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف. قال ابن المنذر : أجمعوا على أن المسلّف إذا شرط على المستسلِف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك ، كان أخذه الزيادة على ذلك ربا » ثم قال ابن قدامة : « وإن شرط أن يؤجره داره بأقل من أجرتها ، أو على أن يستأجر دارالمقرض بأكثر من أجرتها ، أو على أن يهدي له هدية ، أو يعمل له عملاً ، كان أبلغ في التحريم » (1).

وأما ما أفتى به الشيعة من كون مطلق الزيادة المشترطة هي ربا سواء كانت زيادة حقيقية أو حكمية ، محددة أو غير محددة ، فذلك هوالمروي بطريق صحيح ، كما في صحيحة محمد بن قيس ، عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) قال : « من أقرض رجلاً ورِقاً فلا يشترط إلاّ مثلها ، فان جوزي أجود منها فليقبل ، ولا يأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترط من أجل قرض ورقه » (2).

وكذا صحيحة محمد بن مسلم ، عن الامام أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) : « في الرجل يكون عليه دَين الى أجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول : انقدني من الذي لي

(1) ج 4 / 360.

(2) الوسائل / ج13 / باب 19 من أبواب الدين / ح 11 ص 106.


288

كذا و كذا ، وأضع لك بقيته. أو يقول : انقدني بعضاً وأمد لك في الأجل فيما بقي. فقال : لا أرى به بأساً مالم يزد على رأس ماله شيئاً ، يقول الله عزّوجل : ﴿ فَلَكُمْ رؤوسُ أموالكم لاتَظلمون ولا تُظلمون (1).

هذا كله بالاضافة الى اطلاق الآيات القرآنية التي دلت على أن كل زيادة في القرض هي ربا منهيٌ عنها ، فلا فرق بين أن تكون الزيادة محددة أو غير محددة.

بالاضافة الى أن البنوك في حالنا الحاضر هي التي تحدد الربا من أول الأمر ، فتحدده بنسبة معينة مع العميل الذي يريد التعامل معها ، فالخارج الربوي هو عكس ما يريد أن يستنتجه الاستاذ النمر ، وكذا إذا كان القرض من المرابي فهو الذي يحدد الفائدة من الأول. نعم ، إذا كان العقد مع البنك هو عقد مضاربة حقيقية بحيث يكون البنك هو العامل الذي يتاجر برأس مال العميل ، وتحدد الأرباح على وفق نسبة معينة فان هذا هو عقد المضاربة الذي أحله الاسلام ، وفي الحقيقة إن المال يبقى على ملك مالكه ، لكن بيد العامل ( وهو هنا البنك حسب القرض ) يتاجربه ، و حينئذ تتحول أموال العميل الى بضاعة و يبيعها البنك ، فإنْ ربح ، فالربح يكون لصاحب المال قد تنازل عن حصة منه الى العامل ( وهو البنك ) حسب العقد ، وأما إذا خسر البنك المال في تجارته ، فالخسارة تقع على صاحب المال فقط ، أما البنك فقد خسر عمله ، وهذا هو عقد المضاربة التي أحلها الاسلام كطريق لتنمية الثروة في الاسلام.

3 ـ أما الدليل الثالث للاستاذ النمر الذي يحلل فيه ربا القرض فهو يقول :

« إن التحديد الذي اعتبرناه علة لتحريم التعامل مع الأفراد ، لايصح أساساً لتحريم التعامل مع المصارف ، لعدم وجود أي ضرر عليها منه ، والمفهوم أنها ( أي الزيادة ) مع الأفراد قد تطحنهم ويخسرون ، لكن المصرف يعرف وضعه و تصرفاته التي تجني له الربح ، وغالباً بنسبة ( 99% ) و تسعة دائرة ـ لايخسر ».

(1) الوسائل / ج 13 / باب ( 32 ) من ابواب الدين / ح 1 / ص 120.


289

وخلاصة هذا المقالة هي :

1 ـ إن الزيادة في ربا القرض المحرمة هي بين الأفراد ، أما بين المصارف والأفراد فلا.

2 ـ إن الزيادة في ربا القرض إنما تحرم إذا خيفت الخسارة ، أما إذا ضمن المكسب فلا.

نقول : إن هذه الاستنتاجات التي ذكرها الاستاذ النمر هي دعاوى تحتاج الى دليل ، ولم يقدم لنا دليلاً على أن الربا المحرم هو بين الأفراد ، أما بين المصارف فلا ، ولم يقدم لنا دليلاً على أن ربا القرض إنما يحرم إذا خيفت الخسارة.

بل الأدلة متوافرة على حرمة مطلق رباالقرض « الذي هوالزيادة في القرض في مقابل التأجيل » وقد ذكرنا قسماً من الأدلة القرآنية والروائية وستأتي بقية الأدلة. ولم يذكر في الأدلة ما استنتجه النمر من القيود التي ذكرها ، فيكون النمر محجوجاً للأدلة القرآنية والروائية.

والذي أراه ، أن الاستاذ النمر قد درس الفقه الاسلامي دراسة ساذجة ، فلم يلتفت الى أن الاسلام له منهج خاص في الاقتصاد ، وله مذهب اقتصادي خاص به ، فله طريقته في تنمية الثروة وفي توزيعها بحيث تنسجم مع العدالة الاجتماعية ، التي يقرها الاسلام ، فالمسألة ليست مسألة ضرر على المدين ، ولاضرر على البنك ، بل المسألة هي مسألة مذهب اقتصادي ينسجم مع العدالة المقصودة في الاسلام. ولذلك فمن سرق من البنك أموالاً طائلة ، من دون أن يُعرف ، لأن البنك كان في عطلة مقدارها شهر واحد ، ثم اشتغل بها شهراً واحداً حتى ربحت ربحاً كثيراً ، وأرجع المال المسروق الى البنك فهل يحل له أخذ الربح؟ مع أنه لايوجد هنا ضرر على البنك.

الجواب هو : عدم جواز الربح للسارق و إن لم يوجد ضرر على البنك ، لأن الطرق المشروعة للكسب قد حددها الاسلام ، وهي : إمّا العمل البشري المباشر


290

الذي يقوم به الانسان ، أو العمل البشري المختزن الذي هو في صورة نقد أو عقار قد ملكه ، وأما هذه المعاملة التي بنيت على مال مسروق فهي ليست عملاً مباشراً ، وليست عملاً مختزناً له ، فلا يجوز له أن ينمي ثروته على حسابه. إذن : ليست القضية هي قضية ضرر على الفرد و عدم الضرر على المصرف.

النظرية في تحريم ربا القرض

ولأجل أن يتضح ما نقول نذكر بعض الأحكام في الفقه الاسلامي :

1 ـ ونذكر حكماً قد اتفق عليه كل الفقهاء وهو : « يجوز للانسان المنتج أن يستأجر أحدى أدوات الانتاج وآلاته من غيره ليستخدمها في عملياته ، ويدفع الى مالك الأداة مكافاة يتفق عليها معه ، و تعتبر هذه المكافاة أجرة لمالك الأداة على الدور الذي لعبته في عملية الانتاج ودَيناً في ذمة الانسان المنتج يجب عليه تسديده ، بقطع النظر عن مدى ونوع المكاسب التي يحصل عليها في عملية الانتاج » (1).

2 ـ وقال المحقق الحلي في « الشرائع » في كتاب المضاربة : « إن المالك لودفع الى العامل آلة الصيد بحصة ثلث مثلاً ، فاصطاد العامل ، لم يكن مضاربة ، وكان الصيد للصائد الذي حازه ، وليس لصاحب الآلة شيء منه ، وإنما على الصائد الاجرة لقاء انتفاعه بالآلة » (2).

ونص على الحكم نفسه الفقيه الحنفي السرخسي اذ كتب يقول : « وإذا دفع الى رجل شبكة ليصيد بها السمك على أن يكون ما صاد بها من شيء فهو بينهما ، فصاد بها سمكاً كثيراً فجميع ذلك للذي صاد ... لأن الآخذ هوالمكتسب دون الآلة فيكون الكسب له ، وقد استعمل فيه آلة الغير بشرط العوض لصاحب الآلة وهو

(1) اقتصادنا / للشهيد الصدر / ص 600.

(2) ج 2 ص 139 ( الطبعة الجديدة ).


291

مجهول فيكون له أجر مثله على الصياد » (1).

إذن : هنا الاسلام لم يسمح بقيام المضاربة والمشاركة في الربح على أساس أداة الانتاج ، مع أن هذا الاتفاق بين صاحب الآلة والصائد ليس فيه ضرر على الصائد ولا على صاحب الآلة ، فلماذا لم يجوزه الاسلام؟

نقول : إن الاسلام نظم لأدوات الانتاج اسلوب الأجر بتشريع أحكام الاجارة فقط ، وليس لمن له أداة من أدوات الانتاج أن يشارك في الربح ، لذا رأينا اتفاق أهل الاسلام على جواز استئجار أداة الانتاج ، أما حينما أرادت أداة الانتاج أن تشارك في الربح فقد منع منه العلماء ، وما ذاك إلاّ لأجل أن الاسلام له طريقة خاصة ومذهب اقتصادي معين يتوافق مع تصوره عن العدالة الاجتماعية ، فليس كل مكان لايوجد فيه ضرر على البنك فهو جائز.

وهنا نقول : بالنسبة لرأس المال التجاري سواء كان من المصرف ، أو من الأفراد ، أو من الدولة ، أو من غير ذلك ، فالاسلام لم يسمح لرأس المال التجاري بالكسب على أساس الاجور ، فلا يجوز لصاحب النقد أن يقرض بفائدة ، أي يدفعه الى العامل ليتاجر به ويتقاضى من العامل أجراً على ذلك ، و ذلك لأن الأجر يتمتع بميزة الضمان وعدم الارتباط بنتائج العملية وما يكتنفها من خسائر و أرباح ، وهذا هو الربا المحرّم شرعاً. نعم ، يجوز لصاحب النقد أو السلعة أن يدفع ماله الى العامل ليتاجر به ويتحمل وحده الخسارة بينما يقاسمه الأرباح بنسبة مئوية إذا حققت العملية ربحاً ، فالمشاركة في الربح مع تحمل أعباء الخسارة هو الأسلوب الوحيد الذي سمح لرأس المال التجاري باتخاذه (2). وأما العامل فقد سمح له الاسلام باسلوب الاجارة واسلوب المشاركة في الربح. فيستطيع أن يؤجر نفسه للعمل بأجر معين كما يجوز أن يشارك في الربح بنسبة مئوية كما في المضاربة.

(1) المبسوط للسرخسي ج22 / ص 35.

(2) راجع « اقتصادنا » للشهيد الصدر ، ص 616 وما بعدها.


292

إذن : ما ذكره الاستاذ النمر من عدم ضرر على البنك إذا أعطى الربا القرضي هو كلام غير مسؤول من قبل من يدعي أنه يعرف التشريع الاسلامي ، مع أن التشريع الاسلامي الذي بأيدينا من أحكام هو عبارة عن نظريات اقتصادية اسلامية تكشف عن المذهب الاقتصادي في الاسلام ، لذا لايجوز لمن يتبع الذهنية الرأسمالية أن ينظر الى الأحكام الاسلامية من ناحية النظرة الرأسمالية ، بل الأحكام الاسلامية تختلف في أساسها عن النظام الرأسمالي الموجود الذي يحلل الربا « القرض بفائدة » استناداً منه الى جواز أن يكون رأس المال داخلاً في أحكام الاجارة ، وقد رأينا أن الاسلام يمنع هذا أشد المنع ، وما الآيات القرآنية الناهية عن الربا والروايات الكثيرة إلاّ شاهد ودليل على عدم السماح لرأس المال أن ينمو عن طريق الاجارة في الاسلام.

تنبيه و تعميق للنظرية :

لعل النمر يرتدع عن الفتاوى التي تخالف نصوص الاسلام ، فهنا نريد أن نحلل للاستاذ النمر بعض النصوص التي عليها فتاوى فقهاء الاسلام ، و خلاصة ما نقول : هو أنه توجد عندنا فتويان :

الأولى : هي ما تقدم الاشارة إليها ، وهي جواز اجارة أدوات الانتاج وجواز الكسب الواقع على هذه الاجارة باتفاق علماء الاسلام.

الثانية : عدم جواز اجارة رأس المال النقدي وعدم جواز الكسب الواقع على هذه الاجارة ، وهذا الحكم هو مورد وفاق علماء الاسلام الملتزمين بالنصوص القرآنية و الروائية.

وهنا قد يتساءل النمر فيقول : إذا كان بالامكان اجارة أداة الانتاج بما انها عمل مختزن ، وكذلك يجوز اجارة البيت للعلة نفسها ، فكذلك يجوز اجارة رأس المال النقدي ، فأي فرق بينهما؟

وفي الجواب عن ذلك : نقول : إن الاسلام عندما سمح لأداة الانتاج أن تؤجر وكذلك الأمر في البيت ، وكذلك الأمر في ايجار الانسان نفسه للعمل ، فان هذا يكشف عن قاعدة ايجابية في الفقه الاسلامي ، هي : أن العمل المباشر والعمل


293

المختزن هوجهد ، فالاجرة التي يتسلّمها عن العمل المباشر تكون في مقابل الجهد الذي بذله العامل مباشرة ، و كذلك الأمر في الدار وأداة الانتاج ، فانه عمل مختزن فيكون جهداً قد تم انفصاله عن العامل ، وحينئذ تكون الاجرة في مقابل العمل المختزن ، إذن تكون الاجرة في كل هذه الأمثلة هي في الحقيقة اجرة على عمل.

أما بالنسبة الى رأس المال و منعه من النمو عن طريق الاجارة ، فان هذا أيضاً قاعدة ، إلاّ أنها عكس القاعدة الأولى ، وهي عبارة عن : « أن كل كسب لايسوغه عمل منفق فهو حرام » ، وما نحن فيه هو أحد مصاديق هذه القاعدة ، وتوجد مصاديق اخرى لها. مثلاً ، إذا أجرتُ داراً بخمسين ديناراً ثم أجرتها بالسعر نفسه مع سكناي في الدار ، أو بأكثر من السعر مع عدم سكناي في الدار ، فهنا يوجد كسب لي من دون عمل. وهذا لايجوز ، كما عليه جملة من علماء الاسلام (1) وفي هذا الحكم نصوص كثيرة منها :

صحيحة محمد بن مسلم ، عن أحدهما ( الإمامين الباقر أو الصادق ( عليهما السلام ) أنه سئل عن الرجل يتقبل بالعمل فلا يعمل فيه ، و يدفعه الى آخر فيربح فيه قال : « لا ، إلاّ أن يكون قد عمل فيه شيئاً » (2).

وصحيحة محمد بن مسلم الثانية ، عن أحدهما ( عليه السلام ) قال : سألته عن الرجل الخياط يتقبل العمل فيقطعه و يعطيه من يخيطه و يستفضل ، قال : « لابأس قد عمل فيه » (3).

وصحيحة الحلبي ، عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « لو أن رجلاً استأجر داراً بعشرة دراهم فسكن ثلثيها وأجر ثلثها بعشرة دراهم لم يكن به بأس ،

(1) كالسيد المرتضى والحلبي والصدوق وابن البراج والشيخ المفيد والشيخ الطوسي / راجع المبسوط للشيخ الطوسي / ج 3 ص 336 / عن اقتصادنا للسيد الشهيد الصدر / ص 607.

(2) وسائل الشيعة / ج 13 / باب 23 من أحكام الاجارة / ح 1 / ص 265.

(3) المصدر نفسه / ح 5.


294

ولايؤاجرها بأكثر مما استأجرها به ، إلاّ أن يحدث فيها شيئاً » (1).

وصحيحة الحلبي الثانية ، عن الامام الصادق ( عليه السلام ) في الرجل يستأجر الدار ثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به قال : « لا يصلح ذلك إلاّ أن يحدث فيها شيئاً » (2) وغيرها.

ونقل الجزيري ، عن فقهاء الأحناف « أن الشخص إذا استأجر داراً أو دكاناً بمبلغ معين ، كجنيه في الشهر ، فلا يحل له أن يؤجرها لغيره بزيادة » (3).

وذكر السرخسي الحنفي في « مبسوطه » ، عن الشعبي ، في رجل استأجر بيتاً وأجره بأكثر مما استأجره به ، أنه لابأس بذلك إذا كان يفتح بابه و يغلقه ويخرج متاعه فلا بأس بالفضل ، وعلق السرخسي على ذلك بقوله : بيّن أنه إنما يجوز له أن يستفضل إذا كان يعمل فيه عملاً ، نحو فتح الباب واخراج المتاع ، فيكون الفضل له بازاء عمله وهذا فضل اختلف فيه السلف ... و كان ابراهيم يكره الفضل إلاّ أن يزيد فيه شيئاً ، فان زاد فيه شيئاً طاب له الفضل ، وأخذنا بقول ابراهيم (4).

وهذا الذي نقلناه عن علماء السنة هو نفسه ماذهبت إليه الإمامية مستندةً الى النصوص الشرعية ، وحينئذ نقول : إن كسب المرابي هو كسب بلا عمل فلا يجوز. أفهل يقبل الدكتور النمر على هذه النتيجة الاقتصادية الشرعية؟

الفرق بين العقارات وأدوات الانتاج ورأس المال :

قد يقول الاستاذ النمر : كما يمكنك أن تستأجر داراً تسكنها برهة من الوقت ثم تدفعها الى صاحبها مع اجرة معينة ، كذلك يسمح لك في القرض الذي يقرض

(1) المصدر نفسه / باب 22 / ح 3.

(2) المصدر نفسه / ح 4.

(3) الفقه على المذاهب الأربعة / ج 3 ص 117.

(4) المبسوط / للسرخسي ج 15 ص 78 ، عن اقتصادنا ص 613.


295

بالفائدة أن تقترض كمية من النقود لتستخدمها في أغراض تجارية أو استهلاكية ثم تدفع الكمية نفسها مع اجرة محددة الى الشخص الذي استقرضت المال منه.

الجواب : يوجد فرق نظري بين العقارات و أدوات الانتاج ورأس المال النقدي. فان العقارات والأدوات الانتاجية هي عمل مختزن ، فيكون للمستأجر الحق في استهلاك قسط منه من خلال استخدام العقار أو أداة الانتاج التي يباشرها ، وحينئذ تكون الاجرة في مقابل العمل المختزن. إذن ، الكسب قام على أساس عمل منفق في السلعة ، وهذا يجوز كما تقدم.

أما الكسب المضمون القائم على رأس المال النقدي ، فليس له ما يسوغه نظرياً ، لأن التاجر الذي يستقرض ( الف دينار ) لمشروع تجاري بفائدة معينة ، فانه سوف يدفع الألف دينار في الوقت المحدد الى الدائن من دون أن يستهلك منها ذرة ، وحينئذ تصبح الفائدة كسباً غير مشروع لأنه لايقوم على أساس أي عمل منفق ، فطبيعة رأس المال النقدي عند القرض لايؤدي الى استهلاك شيء أصلاً ( لامنه ولا من العمل المتجسد فيه ). أما انتفاع المستأجر بالبيت أو الأداة فانه يؤدي الى استهلاك شيء من العمل المختزن فيها ، ولهذا اجاز لصاحب البيت أن ينتفع لقاء العمل الذي استهلك من استخدام الدار أو الأداة (1).

المسوغ للفائدة :

قد يقال ، كما قالت الرأسمالية على يد بعض رجالاتها : إن القيمة التبادلية لدينار اليوم هي أكبر من القيمة التبادلية لدينار المستقبل ، فاذا أقرضت غيرك ديناراً الى سنة ، كان من حقك في نهاية السنة أن تحصل على أكثر من دينار ، لتسترد بذلك ما يساوي القيمة التبادلية للدينار الذي أقرضته ، فالفائدة هي الفرق بين قيمة الحاضر وقيمة المستقبل.

(1) يراجع اقتصادنا / للسيد الشهيد الصدر للتوسع ج 2.


296

الجواب : ان هذا الكلام قد يحصل عكسه في بعض الظروف ، كما إذا كانت قيمة السلع عالية جداً نتيجة تدهور الوضع الاقتصادي و نجوم الحرب في البلاد وضعف الحكومة ، ثم بعد فترة من الزمن يتحسن الوضع الاقتصادي وتنتهي الحرب وتأتي للحكم حكومة قوية ، فهنا ترتفع قيمة الدينار بحيث إنه إذا كانت قيمته التبادلية كيلواً من السكر ، فأصبحت قيمته التبادلية كيلوين من السكر ، فهل هنا يقول الاقتصاديون الرأسماليون بأن من أقترض خمسين ديناراً وقت الحرب ، فبعد الحرب يؤدي خمسة وعشرين ديناراً لانها هي القيمة التبادلية للخمسين؟

أقول : لاأظن أن يلتزم بهذا أحد منهم ، وما ذلك إلاّ لأن المقرض هي الدنانير نفسها ، والدنانير هي هي بطبيعتها لاتنزل قيمتها ولاترتفع ، وإنما الذي ينزلويرتفع هي السلع ، وهذه السلع ليست هي المُقرَضَة حتى نُلزِم المدين بما يساويها.

ثم حتى لو سلّمنا بصحة هذه المقالة وهي : « أن القيمة التبادلية لدينار اليوم أكبر من القيمة التبادلية لدينار المستقبل » إلاّ أن هذا وحده لايسوغ الفائدة مالم تتفق الفائدة مع تصورات العدالة التي يتبناها المذهب الاسلامي عن العدالة. فمثلاً ، نحن نعتقد أن كثيراً من العناصر لها دخل في تكوين القيمة التبادلية لسلعة من السلع بعد الانتاج ، كالعامل الذي يغزل الصوف الذي أملكه أنا ، والماكنة التي هي لزيد والتي لها دخل في غزل الصوف ، ووجود قيمة تبادلية للصوف ، هذه الامور كلها لها دخل في تكوين القيمة التبادلية ، إلاّ أنها ليس لها نصيب في تلك السلعة في التوزيع الاسلامي ، وإنما لها الأجر من صاحب الصوف. إذن ، عناصر الأنتاج ليس لها نصيب في السلعة المنتجة بعد الانتاج ، وإنما لها اجور فقط لأنها أدت بذلك عملاً ، وعمل المسلم محترم. فهنا في مسألتنا فلنفترض أن المرابي بأمواله التي قدمها الى المستقرض كان قد تدخل في تكوين القيمة التبادلية للسلعة المنتجة ( الصوف المملوك ) إلاّ أن هذا لوحده لايسوغ أخذ اجرة ، مالم تتفق الاجرة المأخوذة مع تصورات العدالة التي يتبناها المذهب الاسلامي ، ولكننا نجد أن الاسلام ـ كما تقدم ـ لايجيز كسباً من دون انفاق عمل مباشر أو مختزن ، والفائدة


297

هي من هذا القبيل لأنها تبعاً للتفسير الرأسمالي المتقدم ، نتيجة لعامل الزمن وحده دون عمل منفق ، وإذا كان هذا هو المدعى ، فمن حق المذهب أن يمنع الرأسمالي عن استغلال دور الزمن في الحصول على كسب ربوي ، حتى لو اعترف المذهب بدور ايجابي لعامل الزمن في تكوين القيمة ، إلاّ أن هذا في السلع والنقد الذي تحت يده وتصرفه ، أما إذا أقرضه لآخر وملَّكه له مع الضمان ، فليس له أن يطالب بأكثر مما ملّك ، لأنه كسب بدون عمل.

والى هنا تم الحديث مع الدكتور النمر من الناحية التشريعية الفقهية ، ولنا معه حديث آخر من الناحية الاقتصادية ، إذ لعله لاينسجم مع الشريعة والفقه وإنما ينسجم مع الاقتصاد الرأسمالي أو الماركسي ، وسوف نبيّن فيما بعد أن الماركسية تمنع من الربا ، كما أن الرأسمالية تعترف بواسطة أقطابها ( كينز ) وأمثاله بأن الفائدة كلما انخفضت تحسن الوضع الاقتصادي العام ، وكلما ارتفعت تدهور الوضع الاقتصادي العام ، فاذا كان هذا هو المصرح به عندهم كما سيأتي ، يتضح أنَّ كبار الاقتصاديين الرأسماليين أدركوا أن انخفاض الفائدة الى نصف الواحد بالمائة هو الأسلم للأقتصاد العالمي. إذن ، فهم يرون ضررها أكثر من فائدتها ، ولعل بهذا الذي سيأتي يقتنع الدكتور النمر ، وما علينا إلاّ الارشاد والتذكير بما ينفع الناس.

2 ـ مع الدكتور جمال مرسي بدر

بعد نشر موضوع النمر بأربعة أيام نشرت الأهرام كلمة تحت عنوان : « حكم الشرع في فوائد القروض والودائع المصرفية » لكاتب يدعى الدكتور جمال مرسي بدر ، استاذ الشريعة الاسلامية بجامعة نيويورك. قال الدكتور في مقاله :

« إني أتفق مع فضيلة الدكتور النمر كل الاتفاق في الرأي الذي قال به ، وإن كنت أقترح تبريراً آخر للوصول الى النتيجة نفسها ».

والتبرير هو : « إن القاعدة في الفقه الاسلامي ، أن الأحكام المانعة التي


298

تقضي بالتحريم لايتوسع في تفسيرها ولايجوز سحبها على مالم يرد به النص ، ومن ثم فإن الحديث الشريف الذي يحرِّم أي زيادة في تبادل الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة لايجوز أن نعتبره منطبقاً على نقود من غير هذين الصنفين ».

ثم قال : « ولمّا ظهرت في بلاد الاسلام العملات المسكوكة من المعادن الخسيسة كالنحاس أو البرونز ، أجمع الفقهاء على أن حكم الربا لايسري عليها ، فأجازوا مثلاً أن يقرض زيد عمراً ألف قطعة نقدية من النحاس مشترطاً عليه أن يردها ألفاً ومائتي قطعة ، ولم يقل أحد من الفقهاء القدامى من مختلف المذاهب أن المائتي قطعة الزائدة تعتبر من قبيل الربا ، ولما كانت النقود الورقية هي المثل البارز للنقود بالاصطلاح ، فان القاعدة التي طبقها القدامى على غيرها من النقود بالاصطلاح تنطبق على النقود الورقية من باب أولى وآحرى ، ولذلك لاتكون الفوائد في عصرنا هذا من قبيل الربا المحرم ».

أقول : لعمري إنه حاطب ليل ، فقد خلط بين حديث الأصناف الستة الوارد في ربا البيع من جهة وربا القرض الذي تحدث عنه الدكتور النمر من جهة أخرى. فعلى الاجتهاد السلام إذا كان الدكتور مجتهداً قد أدلى برأيه كما هو واضح.

ولعل السبب في هذه الفتاوى هي الشهادات التي تعطى لغير مستحقيها من طلاب الدنيا الذين لاورع لهم في الدين إلاّ بقدر ما تدرّ عليهم الدنيا من أرباح ظاهرة ، بل هي سبب خسرانهم في الآخرة ، فان الدنيا مزرعة الآخرة. وما نعمل وكل انسان فمه مفتوح يقول من دون حساب ولامسؤولية ، لأن الدولة التي ينتمي إليها قد قررت عملاً محرماً في الشريعة الاسلامية ، ولابُدَّ لطلاب الدنيا من التأييد والتسديد وجمع الأدلة الواهية وإن كانت شيطانية؟

نعم ، ليس علينا إلاّ الرد ، ولكن للحقيقة فقط نقول : لقد جانب صاحب المقال الصواب بقوله : « ولما ظهرت في بلاد الاسلام العملات المسكوكة من المعادن الخسيسة ... أجمع الفقهاء على أن حكم الربا لايسري عليها ، فأجازوا مثلاً أن


299

يقرض زيد عمراً ألف قطعة نقدية من النحاس مشترطاً عليه أن يردها ألفاً ومائتي قطعة ، ولم يقل أحد من الفقهاء القدامى من مختلف المذاهب أن المائتي قطعة الزائدة تعتبر من قبيل الربا ... ».

واليك الأدلة على ذلك ( في خصوص الفلوس ) :

ورد في المدونة الكبرى للامام مالك 3 ( 395 ـ 396 ) بعض الروايات الدالة على الربا في الفلوس منها :

أ ـ ابن وهب ، عن يونس بن يزيد ، عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن أنه قال : الفلوس بالفلوس بينهما فضل فهو لايصلح في عاجل لآجل ، ولا عاجل بعاجل ، ولايصلح بعض ذلك ببعض.

ب ـ قال الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد وربيعة ، أنهما كرها الفلوس بالفلوس بينهما فضل أو نظرة.

ج ـ الحنفية : « شرح العناية على الهداية » و ( شرح فتح الغدير » ( 6 / 162 ) :

« الفلوس الرايجة أمثال متساوية قطعاً ، لاصطلاح الناس على اصدار قيمة الجودة منها ، فيكون أحد الفلسين فضلاً خالياً عن العوض مشروطاً في العقد وهو الربا ». وأما الأدلة الدالة على تقوله على أقوال العلماء ( فيما يشمل الفلوس ) فهي :

أ ـ مالك في « المدونة » ( 4 / 25 ) : « وكل شيء أعطيته الى أجل فردّ إليك مثله وزيادة فهو ربا ».

ب ـ قال ابن قدامة في « المغني » ( 4 / 364 ) : « المستقرض يرد المثل في المثليات سواء رخص سعره أو غلا أو كان بحاله ».

ج ـ قال ابن تيمية في « مجموع الفتاوى » ( 29 / 535 ) : « لايجب في القرض إلاّ ردّ المثل بلا زيادة ». وقال : « وليس له أن يشترط الزيادة عليه في جميع الأموال باتفاق العلماء. والمقرض يستحق مثل قرضه في صفته ».

د ـ أهل الظاهر : الذين وقفوا عند الأصناف الستة في ربا البيع ، كابن حزم في « المحلّى » ( 8 / 462 ) قال : « ولا يجوز في القرض إلاّ ردّ مثل مااقترض » وقال في


300

موضع آخر ( 9 / 509 ) : « والربا يجوز في البيع والسَلَم إلاّ في ستة أشياء فقط ... وهو في القرض في كل شيء فلا يحل اقراض شيء ليردّ إليك أقل ولا أكثر ... ».

ومما ورد عن الإمامية قول المحقق الحلي في الشرائع ( ج 2 / 67 ) عن حقيقة القرض : « والاقتصار على رد العوض فلو شرط النفع حرم ولم يفد الملك ». ثم قال فيما يصح اقراضه ( ص68 ) : « وهو كل مايضبط وصفه وقدره ، فيجوز إقراض الذهب والفضة وزناً والحنطة والشعير كيلاً ووزناً ، والخبز وزناً وعدداً ... وكل مايتساوى أجزاؤه يثبت في الذمة مثله ... وما ليس كذلك يثبت في الذمة قيمته وقت التسليم ». وواضح دخول الفلوس والأوراق النقدية في هذه الفتوى.

أقول : لاأحب أن أطيل على الدكتور مرسي بدر في نقل الفتاوى من قبل علماء الاسلام الذين نسب إليهم عدم القول في حرمة ربا الفلوس ، وألحق بها الأوراق النقدية ، بل أقول له : ان هذا الاطباق على حرمة ربا القرض سواء كانت في الذهب أو الفضة ، أو في الفلوس ، أو في الأوراق النقدية ، إنما نتج عن اطلاق النصوص القرآنية والروائية عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وأهل بيته الكرام ، وعن الصحابة. فمن الروايات التي وردت عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ما تقدم من صحيحة علي بن جعفر في « قرب الإسناد » عن أخيه الامام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) قال : « سألت أخي موسى ( عليه السلام ) عن رجل أعطى رجلاًمائة درهم على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقل أو أكثر. فقال : هذا الربا المحض (1) ». وموثق إسحاق بن عمار قال : « قلت لأبي إبراهيم الامام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) : الرجل يكون له عند الرجل المال قرضاً فيطول مكثه عند الرجل لايدخل على صاحبه منه منفعة ، فينيله الرجل ، كراهة أن يأخذ ماله ، حيث لايصيب منه منفعة ، يحل ذلك له؟ قال :لابأس إذا لم يكن شرطاه (2) ».

(1) وسائل الشيعة / ج 12 باب ( 12 ) من أبواب الصرف / ح 1.

(2) المصدر نفسه / ج 13 / باب ( 9 ) من أبواب الدَين والقرض / ح 13.


301

وواضح أن الرواية الاولى لم تقيّد الدرهم بالفضة ، بل كل نقد سواء كان من فضة أو من غيرها ، وكذا الأمر في الدينار. أما الرواية الثانية ففيها لفظة المال التي هي عامة لكل مال ، سواء كان نقداً ذهباً ، أم فضة ، أم نحاساً ، أم ورقاً ، أم شيئاً آخر من الأموال ، فان كانت الزيادة بشرط والتزام فهي الربا ، أما إذا كانت برضا المقترض ومن دون إلزام ، فهي حلال ، كما عبّرت به بعض الروايات بأن خير القرض ما جرّ نفعاً.

ومن الغريب أن الحديث الذي أخرجه صاحب « بلوغ المرام » عن علي ( عليه السلام ) ، وقال عنه السيد رشيد رضا : « انه جرى على ألسنة العوام والخواص » وهو : « كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا (1) » هو مروي من قبل رواة أهل السُنّة وهو أحد أدلتهم على حرمة الربا ، فكيف خفي هذا على النمر ورفيقه المرسي؟!

وبعد هذه الفتاوى على حرمة ربا القرض في الفلوس وغيرها من الأموال ، والنصوص التي ذكرناها ، وهي غيض من فيض ، هل يستحق كلام المرسي من دراسة أو يكون مؤيداً للنمر؟!!

3 ـ مع الدكتور محمد سيد طنطاوي

ثم انه قد طالعتنا جريدة النور / السنة الثامنة / العدد ( 387 ) الأربعاء ( 30 ) ذوالحجة ( 1409هـ ) المصادف (2) اغسطس ( 1989 م ) بفتويين غريبين للدكتور محمد سيد طنطاوي مفتي جمهورية مصر. وإليك كلا السؤالين وجوابهما :

1 ـ وردت رسالة للمفتي برقم ( 145 ) بتاريخ (4) يوليو الماضي من ( ج.م ) تضمنت سؤالاً جاء فيه : « شهادات الاستثمار التي تدرّ عائداً شهرياً محدداً ، هل

(1) راجع كتابنا « الربا فقهياً واقتصادياً » ص 192.


302

العائد حلال أم حرام؟ ».

2 ـ وردت رسالة للمفتي برقم ( 256 ) جاء فيها « أن السائل كان مودعاً أمواله بأحد البنوك الاسلامية ، ونظراً لما حدث لبعض شركات توظيف الأموال قام بسحب أمواله وأودعها في أحد البنوك الحكومية بفائدة محددة ، ويسأل عن حكم هذه الفوائد المحددة ». وقد أجاب المفتي بإجابة واحدة على السؤالين ، قال فيها : « يرى جمهور الفقهاء أن العائد من الأموال المودعة بالبنوك هو من قبيل الشبهات أو الربا ، لأن العائد قد حدد مقدماً زمناً ومقدراً. ويرى البعض الآخر أن هذا العائد هو من قبيل المضاربة الشرعية فهو حلال. ونحن نرى أنه لامانع من الأخذ بالرأي الثاني رعاية لمصالح الناس ، ولأن تحديد نسبة الربح لم يرد مايمنعها في القرآن الكريم أوالسنة الصحيحة. وهذا إذاكان الحال كما وردبالسؤال ، والله أعلم ».

أقول : يبدو وجود محاولات حكومية تبذل حالياً لهدف الوصول الى فتاوى بحلّيّة فوائد البنوك التي هي تابعة للدولة ، ولكن هذه المحاولات غير ذكية بل جاهلة ، حيث إن محاولة الدكتور النمر في الحلّيّة تتعارض مع محاولة السيد طنطاوي ، حيث إن الأول حلل الربا وكان أحد أدلته « أن الربا إنما حرم من ناحية التحديد في سعر الفائدة » بينما السيد طنطاوي يقول : « إن تحديد نسبة الربح في الأموال المودعة في البنك لم يرد مايمنعها في القرآن الكريم أو السُنّة الصحيحة ».

أقول : نعم ، المهم هوالتحليل لما حرّم الله ، أما الدليل فليس مهماً!

الفرق بين الربا والمضاربة الشرعية :

(1) الربا هوعبارة عن أخذ الفائدة على رأس المال النقدي في مقابل الامهال.

(1) انما قلنا المضاربة الشرعية ، لأنه يوجد اصطلاح للمضاربة في الاقتصاد الحديث. ومعناها في الاقتصاد الحديث : « رغبة بعض الأفراد في تحقيق الأرباح عن طريق الاستفادة من تقلبات معدلات الفائدة الناجمة من تغيرات أسعار السندات » « الدخل القومي والاستثمار » ص 173.


303

وهذا قد وقفت منه النصوص الشرعية ، قرآنية وروائية ، موقفاً حاسماً. فمن الآيات القرآنية قوله تعالى : ﴿ الّذينَ يأكلونَ الرِّبا لايقومونَ إلاّ كما يقومُ الذي يتخبَّطُهُ الشيطان من المسِّ ، ذلك بأنَّهم قالوا إنّما البيعُ مثلُ الرِّبا وأحلَّ الله البيعَ وحرّمَ الربا ، فمن جاءه موعظةٌ من ربِّه فانتهى فلهُ ماسلف وأمره الى الله ومَنْ عادَ فاولئك أصحابُ النارهُم فيها خالدون * يمحقُ الله الرِّبا ويُربي الصَّدقاتِ والله لايُحبُّ كُلَّ كفار أثيم ... يا أيُّها الّذينَ آمنوا اتَّقوا الله وذروا مابقي مِنَ الرِّبا إن كُنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بِحرب من الله وروسوله وإن تُبتم فلكُمْ رؤوسُ أموالكم لاتَظلِمونَ ولاتُظلَمون (1).

وأما الروايات المانعة فهي كثيرة سوف نعرض قسماً منها فيما بعد.

إذن ، الاسلام لم يوافق على أن يكون رأس المال مكسباً على نحو اجارة الدور أو الآلات التي تدخل في الانتاج وتُؤخذ الأجرة عليها.

ولسائل أن يسأل : إذن كيف يتمكن المالك لرأس مال نقدي أن ينميه؟

الجواب : إن رأس المال النقدي قد جعل له الاسلام طريقاً للتنمية ، وذلك بدخوله في التجارة « إما أن يتاجر فيه صاحبه ، وإما أن يعطيه لمن يتاجر به ، على أن تكون نسبة مئوية لصاحب المال ونسبة مئوية أيضاً للعامل » وإذا خسر المشروع فلا يجوز أن يجبر العامل على تحمل الخسارة ، وإنما حدد الشرع الخسارة على صاحب المال النقدي ، أما العامل فقد خسر عمله ، وهذه العملية هي التي تسمى بالمضاربة أو القراض ، وهي عقد شرعي قد أجازه الشارع لتنمية رأس المال النقدي. وهذا المعنى للمضاربة الذي أحلّه الشارع هو المعنى اللغوي للكلمة ، ومعنى المضاربة في اللغة هو « اتجار انسان بمال غيره (2) ». وفي مجمع البحرين : « المضاربة : مفاعلة ، من الضرب في الأرض والسير فيها للتجارة (3) » ، ومن أراد

(1) البقرة / 275 إلى 279.

(2) المؤتمر الثاني لجمع البحوث الاسلامية / د. محمد العربي ، ص 83.

(3) ج 2 باب ضرب ، ص 107.


304

التوسع فعليه مراجعة كتابنا : « الربا فقهياً واقتصادياً » لمعرفة شروط المضاربة بتفاصيلها وعناصرها المهمة الدخيلة في تكوينها (1).

وفي الحقيقة : إن المضارب عامل يعمل بأموال غيره ، فعندما يحولها الى أعيان بالشراء ويبيعها ، فكل الربح يكون لصاحب المال حيث إن ماله قد تحول الى مال آخر ، فيستحق كل الربح ، وبما أنه قد تعهد أن يعطي للعامل نسبة من الربح ، فهو في الحقيقة قد تنازل عن شيء من أمواله التي يملكها لهذا العامل حسب الاتفاق السابق في العقد ، كما أن للعامل أن لايوافق على عقد المضاربة ، بل يتفق مع صاحب المال على العمل في التجارة بأموال صاحب المال لقاء أجر ثابت ، وبذلك يدفع عن نفسه احتمال الخسارة في عمله ، وقد أجاز الشارع المقدس لعمل العامل كلا الطريقين ، ولكن يمتاز طريق الأجر بعنصر الضمان على أجره بقطع النظر عن نتائج العمل وما يسفر عنه الانتاج من مكاسب أو خسائر. وأما طريق المشاركة في الأرباح بنسبة مئوية ، بأمل الحصول على مكافأة أكبر ، فحقيقته أن العامل قد ربط مصيره بالعملية التي يمارسها وفقد بذلك الضمان ، اذ إنه من المحتمل أن لايحصل على شيء إذا لم يربح المشروع التجاري ، ولكنه في مقابل تنازله عن الضمان يفوز بمكافأة منفتحة ، غير محددة ، تفوق الأجر المحدد في أكثر الأحيان. وهذا الأسلوب الثاني نظم الاسلام أحكامه عن طريق عقد المضاربة ، ومثلها المزارعة والمساقاة والجُعالة. والذي يهمنا هنا هوالمضاربة ، فمن الأدلة على جوازها شرعاً صحيحة الحلبي ، عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « المال الذي يعمل به مضاربة له من الربح وليس عليه من الوضيعة شيء إلاّ أن يخالف أمر صاحب المال (2) » وصحيحة الحلبي الثانية عن الامام الصادق ( عليه السلام ) أنه قال : « في المال الذي يعمل به مضاربة له من الربح وليس عليه من الوضيعة شيء ، إلاّ أن يخالف أمر صاحب المال ،

(1) ص 435.

(2) وسائل الشيعة / ج 13 / باب (1) من أبواب المضاربة / ح 4 ص 181.


305

فإن العباس كان كثيرالمال ، وكان يعطي الرجال يعملون به مضاربة ، ويشترط عليهم أن لاينزلوا بطن واد ، ولايشتروا ذا كبد رطبة ، فإن خالفت شيئاً مما أمرتك به فأنت ضامن المال (1) ».

ثم إن من نافلة القول تأكيد أن عقد المضاربة إنما يصح في التجارة بالمال ، فالمال من فرد والعمل من آخر ، أو المال من جماعة والعمل من جماعة ثانية ، والربح نسبة محددة والخسارة على ربّ المال ، والعمال خسروا العمل ، ولايصح تضمين العمال للخسارة ، فان كل هذه الشروط هي في باب المضاربة التي يذكرها علماء الاسلام ، ولسنا الآن بصددها.

ولكن نقول : للمفتي ( طنطاوي ) كيف رجّحت القول القائل بأن الأموال المودعة في البنك وتدر عائداً شهرياً محدداً ( كما في السؤال الأول والثاني ) بأنها مضاربة شرعية ، فأين شرط المضاربة من كونها في التجارة وأن الربح نسبة مئوية ، والخسارة إن حصلت فهي على صاحب المال؟ فأين هذه الشروط ممن يودع ماله في البنك نتيجة العائد المحدود الذي هو ربا واضح؟!!

وإذا كان هذا مضاربة ، فأين يوجد الربا القرضي؟

ثم إنه لماذا تقول إن جمهور الفقهاء يرون أن العائد من الأموال المودعة بالبنوك هو من قبيل الشبهات أو الربا ، فأين الشبهة يا استاذ؟ أليس أن القرآن الكريم والسُنّة النبوية قد حرمت الربا بصورة قاطعة ، فأين الشبهة؟!

ثم هل يجوز الأخذ بصالح الناس ـ حسب قولك ـ إذا كان يخالف القرآن والسنة؟ وهل الصالح هو بتحليل الحرام ، أو بتحريم الحلال؟ وإليك يا مفتي مصر العربية ، يا من تتجه إليه الأسئلة الدينية ، هذا الكلام الاقتصادي لتعرف إن كانت مصلحة الناس في تحريم الربا أو في تحليله!

(1) المصدر نفسه / ح 7..


306

هل ينمو الانتاج بأخذ الفائدة ؟

ذكر الاقتصاديون : أن ارتفاع سعر الفائدة يؤدي الى انخفاض حجم الاستثمار ، وانخفاض سعر الفائدة يؤدي الى ارتفاع حجم الاستثمار. وبطبيعة الحال إن انخفاظ الفائدة يؤدي ( اضافة الى ماذكرنا ) الى ارتفاع الدخل القومي ، وبالتالي الى ارتفاع الاستهلاك والادخار. كما أن ارتفاع الفائدة يؤدي ( اضافة الى ماذكرناه ) الى تخفيض الدخل القومي ، وبالتالي الى خفض الاستهلاك والادخار ، فاذا منعنا الادخار فيتعيّن الجانب الآخر ، وقد نهى الاسلام من الادخار بالآية القرآنية الواضحة : ﴿ والّذين يكنزونَ الذهب والفضة ولايُنفقونها في سبيل الله فَبشِّرهم بعذاب أليم * يَومَ يُحمى عليها في نارجهنم فَتُكوى بها جِباهُهُمْ وجنوبُهُمْ وظهورُهُمْ هذا ما كنزتم لأنفُسِكُمْ فذوقوا ماكنتم تكنزون (1).

ولما كانت النتيجة واضحة ( وهي أن ارتفاع سرع الفائدة يؤدي الى انخفاض حجم الاستثمار والى قلة الدخل القومي والعكس صحيح ) فلماذا إذن لاتحظر الفائدة اقتصادياً؟ ، فإن في منعها أو تحريمها اقتصادياً أو شرعاً فوائد اقتصادية هي ارتفاع حجم الاستثمار وارتفاع الدخل القومي ، وفي اباحتها تأخير للاستثمار وتقليل للدخل القومي. وإذا سارالاقتصاد العالمي في طريق مع الفائدة أو تحريمها فلا حاجة إذن للادخار ، إذ أنَّ الادخار أساس الاقراض بالفائدة ، وكما قلنا سابقاً إن الأموال إذا لم تدخر لابُدَّ لها من أن تصرف في وجوه البر والخير والصلاح والمصالح العامة ، أو أن تستثمر في التجارة والصناعة على أساس المشاركة والمضاربة حسب اختلاف الأفراد. وبهذه الطريقة تكون النتيجة واضحة وفي صالح الدولة كما هو واضح.

(1) التوبة / 34 ـ 35.


307

وهنا يدور في خاطرنا سؤال نعرضه على الاقتصاديين وهو : لماذا لايحظر الاقتصاديون الفائدة إذا كان في منعها زيادة لدخل الفرد ولحجم الاستثمار؟

إنّ هذا السؤال يحتاج الى جواب ليس هذا محله ، فللأوضاع السياسية ولأرباب البنوك دخل في ذلك ، إذ ليس السياسيون يريدون صلاح المجتمعات ككل ، بل يريدون صلاح دنياهم ولو كانت على جماجم الآلاف من المستضعفين. لذا نراهم يسلكون ما فيه اشباع لشهواتهم الحيوانية ، وإن أدى الى ظلم المجتمعات الكبيرة ، كالحيوان الذي لايرى إلاّ شهوته وهي مقدمة على كل الناس.

ويجدر بنا هنا أن نعرض أشكالاً بيانية من الاقتصاديين ليلتفت الاستاذ الى أن تحريم الفائدة هوالمصلحة للناس ، لا تحليلها.

الشكل رقم ( أ ) (1)

فالشكل رقم ( أ ) يشير الى تحديد سعر الفائدة بالكمية النقدية وبتفضيل السيولة ، فلو انخفض معدل الفائدة الى الصفر تكون كمية النقود المبذولة للاستثمار أكثر من أي وقت ، وإذا ارتفعت الفائدة انخفضت كميات النقود المبذولة للاستثمار.

(1) « الاقتصاد السياسي » د. رفعة المحجوب ، ج 2 شكل 45 ص 289.


308

الشكل رقم ( ب) (1)

وهنا في شكل ( ب ) نرى أن انخفاض معدل الفائدة يزيد من الادخار والاستثمار ، والعكس صحيح ، وإذا منعنا الادخار وخفضنا الفائدة تجمعت الأموال للاستثمار.

الشكل رقم ( ج) (2)

(1) « الدخل القومي والاستثمار » شكل رقم ( 2 ) ص 166.

(2) المصدر نفسه شكل رقم ( 5 ) ص 181.


309

وهذا الشكل أيضاً يدل على أن انخفاض سعر الفائدة يجعل حجم الاستثمار كبيراً ، فاذا انعدمت الفائدة كان حجم الاستثمار أكبر بالاضافة الى زيادة الدخل القومي لزيادة حجم الاستثمار ، أي أنه ( إذا كانت الكفاية الحدّية لرأس المال ثابتة فان حجم الاستثمارات يزداد كلما كان معدل الفائدة منخفضاً ، والعكس صحيح ).

وقد يرد بعض الاقتصاديين على هذه الحقيقة بقولهم : إن أيام الأزمة أو أيام الكساد مثلاً سنة ( 1931 ) كانت الأسواق مملوءة بالسلع والطلب كان قليلاً ، فحتى لو خفّضت الحكومة معدل الفائدة الى أقل سعر ممكن أو الى الصفر ، فإن طلب أموال لأجل الاستثمارات لن يزيد ، إذن حجم الاستثمار يعتمد على الأرباح التي سوف يتوقع المنظم الحصول عليها من بيع السلع بالدرجة الاولى ، وبعد ذلك يعتمد على معدل الفائدة.

ولكن يجاب بأن أزمة سنة ( 1931 ) شاذة عن القاعدة ، ونادرة الوقوع وكان الأفراد قليلي الدخل. وقد يكون لها أسباب اخرى ليس هنا محل ذكرها.

وماذا بعد تحريم الفائدة يا مفتي الجمهورية المصرية ؟

نقول : إن المفاسد المترتبة على اباحة الربا ( قلة الدخل ، وقلة حجم الاستثمار ) سوف تزول وتستبدل بها صور نافعة ، أما حلّية الفائدة فهي تحرّض الانسان على انفاق أقل مايمكن على نفسه وادخار أكثر ما يستطيع ، وتوعد الدولة من لم يدخر بأن ليس في المجتمع من يأخذ بيده عند الطوارىٌ والكوارث الى شاطئ الرحمة والرأفة. وقد رأينا سابقاً مايترتب على ارتفاع سعر الفائدة أو حلّيتها من قلة الدخل ، وانتشار البطالة ، وقلّة حجم الاستثمار ، وما الى ذلك.


310

لماذا خلاف القرآن الصريح بين الحين والآخر ؟

نقول : ان الذي جرّأ بعض الأستاتذة في الفقه على القول بحلّية ربا القرض ، هوالمسلك الذي سار عليه بعض فقهاء السلطة في ذكر الأدلة الدالة على تحريمه ، مدعين ان الآيات القرآنية نزلت في ربا الجاهلية ، وهو يختلف عن ربا القرض ، فالنتيجة : أن ربا القرض لم تكن له أهمية كبيرة عند بعضهم ، ولذا فقد أهمله بعض منهم وشك في حرمته آخرون (1) ، ولهذا تسمع بين الحين والآخر أصواتاً تدعو لحلّيته ، ونرى المخلصين منهم يردون بحماسة بالغة ولكن من دون تقديم الأدلة الرادعة على ذلك سوى قولهم : ان المؤتمرات حرّمت ربا القرض ، « وكذلك الفتاوى الجماعية التي صدرت عن المجامع الفقهية والمؤتمرات العلمية المتخصصة » (2).

ولكن الذي أراه أن هذا غير كاف لردع الأصوات التي تنادي بحلّيته ، لأنها تحتاج الى دليل فقهي يقنعهم بالحرمة ، ونحن نذكر أدلتهم على حرمة ربا القرض لأجل أن نوضح السير الضعيف لهذه الأدلة ، ثم نذكر الأدلة التي ذكرها علماء الإمامية على الحرمة ( وهي أدلة قرآنية وروائية ) مقنعة وصريحة وكثيرة تصل الى حدّ التواتر الموجب لحصول القطع على حرمة ربا القرض.

الأدلة المذكورة على حرمة ربا القرض :

1 ـ فمن الأدلة ماذكره السنهوري وغيره بقوله : « لأن الزيادة تشبه الربا لأنها فضل لايقابله عوض والتحرز عن حقيقة الربا وعن شبهة الربا واجب » (3).

(1) راجع « نظرية الربا المحرم في الشرعة الإسلامية » د. زكي ابراهيم بدوي / ص 32.

(2) جريدة النور / فوائد البنوك ربا محرم / د. علي السالوس.v ( 3 ) السنهوري / مصادر الحق / ج 3 ص 238.


311

نقول : وواضح فساد هذا الاستدلال ، لأن الشبه بالمحرم لوحده لايسوّغ لنا أن نعطي حكم المحرم للشبيه ، إلاّ أن يكون الشبه من جميع الجهات ، وهنا الشبه ليس من جميع الجهات فهل يكفي هذا لإعطاء الحرمة لربا القرض ، على أن التحرز من شبهة الربا إذا كانت حكمية ( كما فيما نحن فيه كما يدعي ) فليست بواجبة.

وفيما أرى أن الدليل الذي ذكره السنهوري يعود الى القياس ، فقد قاسوا ربا القرض على الربا المنصوص العلة ، وهذا القياس يسمى في عرف المناطقة ( التمثيل ) وهو لايفيد الاحتمال ، نعم ، كلّما قويت وجوه الشبه قوى عندنا الاحتمال حتى يكون ظناً ، وهو في هذه الحالة لايخرج عن القيافة التي لاتغني من الحق شيئاً (1).

2 ـ ومن أدلتهم على حرمة ربا القرض حديث سوار الذي أخرجه صاحب « بلوغ المرام » عن علي ( عليه السلام ) وهو : « كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا » ثم قالوا : اسناده ساقط. وسوار : متروك الحديث.

وهكذا أبعدوا القرآن الكريم ( الذي هو أساس التحريم للربا القرضي الذي كان معروفاً في الجاهلية ، عن أدلة الحرمة ، ولذا نجد من يقول بحلّيته ، مثل النمر وطنطاوي وغيرهما ، وقد سبقهم الى مثل هذه الدعوى الاستاذ معروف الدواليبي في محاضراته التي ألقاها في ( مؤتمر الفقه ) بباريس ، وقد ناقشناه في كتابنا : « الربا فقهياً واقتصادياً » (2) مما لامزيد عليه. وذهب الى هذه الآراء المستشرق « مكسيم رودنسون » في كتابه : « الاسلام والرأسمالية » (3) بل ادعى أكثر من ذلك بقوله : إن الآيات التي حرمت الربا تشير الى مضاعفة الدّين إذا عجز المدين عن الوفاء به في أجله. ثم قال : « ولعل تحريم الربا كأكثر نواهي القرآن ( وفي الوقت نفسه كأكثر أحكام الأديان الاخرى ) قاعدة عارضة دعت إليها ظروف مؤقتة ». وفيما

(1) راجع كتابنا « الربا فقهياً واقتصادياً » ص 74 ومابعدها.

(2) ص 394 ومابعدها.

(3) ترجمة نزيه الحكيم ص 50.


312

أظن أن الدكتور النمر قد تأثر أو أثر في كتابات هذا المستشرق المؤرخ الذي تطرق لقضايا العلم والفقه ، وقد ناقشنا هذا الأخير أيضاً في كتابنا المتقدم ذكره ، فراجع (1).

وممن ذهب الى ذلك أيضاً الشيخ محمد عبده أو تلميذه السيد محمد رشيد رضا الذي كان كثيراً مايخلط كلام استاذه بكلامه (2). وغير هؤلاء من العلماء.

ربا القرض والربا الجاهلي :

ذكر بعضهم فرقاً بين ربا القرض والربا الجاهلي فقالوا : إن الربا الجاهلي عبارة عن معاملة مخصوصة تختلف عن معاملات الربا التي كافحتها الشرائع السماوية وغيرها ومازالت مورد تعامل عند الناس ، فيقول بعض الفقهاء : ان الربا الجاهلي هو ما أشارت اليه آية : ﴿ يا أيُّها الّذينَ آمَنوا لاتأكلوا الربا أضعافاً مُضافعةً وأتَّقوا الله لعلكم تُفلحون وأتَّقوا النار التي اُعدَّت للكافرين (3) وربما يستدل أو يؤيد هذا الرأي ما روي عنهم بعبارة : « أتقضي أم تربي » التي تدل على أن الزيادة تحصل الآن ، وهذا يختلف عن الربا المتعارف الذي تكون فيه الزيادة من أول الأمر عند عقد القرض ، وإليك الآثار التي تدل على هذا التمييز.

منها : أخرج هذا الأثر جلال الدين السيوطي ، ونصه : « وأخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد ابن جبير في الآية قال : إن الرجل كان له على الرجل المال ، فاذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه ، فيقول المطلوب أخّر عني وأزيدك في مالك ، فيفعلان ذلك ، فذلك الربا أضعافاً مضاعفة » (4).

(1) ص 402 ومابعدها.

(2) « نظرية الربا المحرم في الشريعة الاسلامية » ابراهيم زكي الدين بدوي ص 267.

(3) آل عمران / 130 ـ 131.

(4) « الدر المنثور » للسيوطي ج 2 ص 71.


313

ومنها : المروي عن زيد ، ونصه : « إنما كان الربا في الجاهلية في التضعيف وفي السن فيكون للرجل فضل دين ، فيأتيه إذا حلّ الأجل فيقول له تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى ، وإلاّ حوّل الى السن التي فوق ذلك » إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة « لبون » في السنة الثانية ثم « حقه » ثم « جذعه » ثم « رباعياً » ثم هكذا الى فوق ، وفي العين ( النقد الذهبي والفضي ) يأتيه فإن لم يكن عنده ، أضعفه في العام القابل ، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضاً ، فتكون مائة فيجعلها الى قابل مائتين ، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة ، يضعفها له كل سنة أو يقضيه ، قال : فهذا قوله : « لاتأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة » (1).

هكذا قصروا كل الآيات القرآنية على ربا الجاهلية ، بينما استدلالهم كما رأينا هو قصر آية ﴿ أضعافاً مضاعفة على ربا الجاهلية. أما غيرها من الآيات فلم يرد في تفسيرها ذلك ، ولكن اشتبه الأمر عليهم فذهب قسم منهم الى أن الآيات القرآنية تحرم ربا الجاهلية فقط. وقد جرّ البحث بعضهم الى أن لفظة الربا المحلاة بالألف واللام ، هل هي للجنس أم للعهد؟ ولكن هذا لايجدي في حرمة الربا القرضي مادام الانصراف الى قسم خاص من الربا وهو ( الربا الجاهلي ) يمكن أن يُدعى في المقام.

كما نرى من الخطأ البحث في عموم لفظة الربا ، إذ لاعموم فيها كما هو واضح المراد من العموم المستفاد من اللفظ ، فإن اللفظة إذا كان فيها شمول فمن مقدمات الحكمة ، ولذلك من الخطأ البحث في أنها عامة أو خاصة ، كما نقل ذلك عن المفسّر القرطبي في « الجامع لأحكام القرآن » والفقيه الشافعي الكياهراسي في كتابه « أحكام القرآن » وهو مخطوط في مصر ، وقد نقل عبارته السيد محمد رشيد رضا في رسالته عن الربا ص 24.

(1) « جامع البيان » ج 4 ص 90.


314

تغيير خطة البحث :

1 ـ من الأرجح تغيير خطة البحث من عموم اللفظ وجنسية الألف واللام ، الى مراجعة الآثار التي ذُكرت لنرى إن كانت تثبت فقط حرمة الربا الجاهلي ، أو أنها لاتحصر الربا المحرم بالجاهلي المتقدم ذكره وإنما تشمل معاملات اخرى كانت تسمى بربا الجاهلية؟

2 ـ ثم بعد ذلك : نرى الآيات الاخرى التي نزلت في تلك الفترة من الزمن ، هل المقصود منها نوع خاص من المعاملات الربوية أم تشمل كل المعاملات الربوية الموجودة في ذلك الوقت؟ وأما آية : ﴿ أضعافاً مضاعفة فهي تريد لفت نظر المرابين الى النتائج الفضيعة التي يسفر عنها الربا.؟

البحث الأول :

نقول : إن الآثار المتقدمة وغيرها لاتحصر معنى « ربا الجاهلية » بالمعنى الذي ذكر ، وإنما يذكر له معنى آخر وهو « القرض بفائدة » ، وقد ذكر الفخر الرازي موضحاً المعاملة التي كانت جارية آنذاك فقال : « إعلم ، أن الربا قسمان : ربا النسيئة وربا الفضل. أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهوداً متعارفاً في الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً ، ويكون رأس المال باقياً ، ثم إذا حلّ الدين طالبوا المديون برأس المال ، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل ، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به » (1).

وهذا وإن كان فهماً خاصاً له ، إلاّ أنه يكشف عن معاملة ذلك الزمان بحسب رأيه في الأقل ، كما أن الآثار المتقدمة لم نستفد منها إلاّ فهمهم الخاص للربا المسمى بالجاهلي.

وفي هذا المعنى الذي ذهب إليه الفخر الرازي ماذكره الجصاص في « أحكام

(1) « مفاتيح الغيب » المشتهر بالتفسير الكبير ج 7 ص 91 ( طبعة مصر ـ المطبعة البهية ).


315

القرآن » إذ قال : « والربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير الى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على مايتراضون به ، ولم يكونوا يعرفون البيع بالنقد ، وإذا كان متفاضلاً من جنس واحد. هذا كان المتعارف المشهور بينهم ولذلك قال الله تعالى : ﴿ وما آتَيتُمْ مِنْ رِباً لِيَربُوَا في أموالِ الناسِ فلا يَربُوا عِندَالله فاخبر أن تلك الزيادة المشروطة إنما كانت ربا في المال المعيّن لأنه لاعوض لها من جهة المقرض » (1).

إذن ، لم يكن معنى الربا الجاهلي ذلك المعنى الخاص الذي ذكر له ، وإنما له معنى آخر كما تقدم ، وربما يكون معنى « الربا الجاهلي » هوالمعنى العام الشامل للتأخير في مقابل الزيادة والقرض بفائدة من أول الأمر ، وأن كل أثر لايحصر معنى « الربا الجاهلي » بما قاله فلا مانع من المعنى العام للربا الجاهلي.

نعم ، إن ماجاء في « أحكام القرآن » هوالحصر ، إذ يقول : « ولم يكن تعاملهم بالربا إلاّ على الوجه الذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير الى أجل مع شرط الزيادة ». ولكن نقول : ان الحصر لاوجه له لما ذكر من الآثار الكثيرة الدالة على وجود ما يسمى بالربا الجاهلي المتقدم.

ثم على فرض أن يكون للربا الجاهلي ذلك المعنى الخاص الذي ذكر فقط ( وهو التأخير في سداد الدين في مقابل الزيادة ) إلاّ أن هذا المعنى لم يكن دليلاً على استعمال لفظة الربا في ذلك المعنى فقط ، بل يمكن أن تكون لفظة الربا تستعمل في « الربا الجاهلي » وفي الربا غير الجاهلي الذي كان موجوداً في ذلك الزمان وهو « القرض بفائدة » الذي كان شائعاً قبل الاسلام وفي الديانات السماوية قبل الاسلام والذي رُدع عنه أيضاً.

البحث الثاني :

وهو : هل المقصود من الآيات القرآنية هو « الربا الجاهلي »

(1) ج 1 ص 465.


316

الذي هو بمعنى الزيادة في مقابل تأجيل الدين الى الأجل الثاني؟

نقول : إنما نقبل هذه الدعوى إذا صرح بالنصوص الواردة في تفسير آيات الربا كلها بأن المراد ذلك المعنى من « ربا الجاهلية ». أو أن يكون استعمال هذا المعنى من الربا الجاهلي بصورة كثيرة بحيث نُقِل المعنى العام للربا الى هذا المعنى الجديد ، باعتبار أن كثرة استعمال اللفظ وارادة معنى خاص منه يوجب أن يكون هذا الاستعمال الثاني هو المراد دائماً ويُنسى المعنى الأول ، وحينئذ إذا جاءت لفظة الربا مطلقة فلا يمكن ارادة المعنى الأول منها ، لأن اللفظة إنما يصار الى اطلاقها إذا لم تكن هناك قرينة على القيد ، وهذا المعنى الذي ذكرناه ، أو في الأقل الفرق الخاص بين اللفظة وارادة معنى معين بكثرة هو قرينة على القيد.

ثم بعد هذه المقدمة نقول :

أما التصريح بأن المراد من كل الآيات القرآنية حصة خاصة من الربا ، فلم يرد ذلك أصلا. نعم ، وردت الآثار في خصوص تفسير قوله تعالى : ﴿ أضعافاً مضاعفة بأن المراد منه الربا الجاهلي ، وقد تقدم أيضاً بأن الآثار عن معنى الربا الجاهلي مختلفة ويمكن أن يراد جميعها.

ثم إن آية ﴿ اضعافاً مضاعفة تريد لفت نظر المرابين الى النتائج الفضيعة التي قد يسفر عنها الربا ، إذ يصبح المدين مثقلاً بأضعاف ما استقرضه لتراكم فوائد الربا ، ولذا نجد القرآن الكريم في آية اخرى يقول : ﴿ وإنْ تُبتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أموالِكُمْ لاتَظلِمُونَ ولاتُظلَمُونَ ، إذن المسألة ليست مسألة حرب مع نوع خاص من الربا الجاهلي وهو الذي يضاعف الدين أضعافاً مضاعفة في بعض الأحيان ، وإنما هي مسألة مذهب اقتصادي له نظرته الخاصة الى رأس المال النقدي الذي تحدد له مسوغات نموه و تشجب كل زيادة له منفصلة عن تلك المسوغات مهما كانت ضئيلة ، كما يقرره الزام الدائن بالاكتفاء برأس ماله لايظلم ولايُظلم. وهذا سوف نوضحه في الأبحاث القادمة إن شاء الله تعالى.


317

أما الاستعمال ، فإن لفظ الربا لاإشكال في استعماله في ذلك الزمان في الزيادة في القرض والزيادة عند حلول الأجل الذي هو « الربا الجاهلي » بالمعنى الأخص ، ولم يكن أحد الاستعمالين شائعاً بحيث يُشكِّل قرينة على الانصراف.

وعلى هذا الأساس ، تكون الآيات القرآنية غير خاصة بالربا الجاهلي بالمعنى الأخص ، سواء كانت الألف واللام للجنس أو للعهد ، وبهذا تبطل دعوى من يقول إن النهي القرآني لايشمل القرض بفائدة ، وهذه النتيجة التي وصلنا إليها بطريقتنا هذه هي مورد قبول قسم من علماء أهل السُنّة ، وان كانت طريقتهم إليها لاتخلو من ضعف ، كما تقدم ذلك.

فقهاء الامامية :

أما فقهاء الإمامية ( رحمهم الله ) فإن حجّتهم على حرمة ربا القرض لاتكاد أن يفكر في ردها ، ولذا لم يرد صوت واحد منهم يدعو الى دراسة فكرة تحليل ربا القرض على مدى العصور إذ أنهم يرون أن الأدلة القرآنية شاملة لربا القرض كما أنها تشمل كل ربا الجاهلية لأنها صريحة في كل زيادة بلا مسوغ من قبل الشارع الذي رسم لنا دواعي الكسب ونمو المال ، وليس منها الربا الذي نهي عنه بصورة بشعة وحاسمة. وسوف نعرض قسماً منها هنا.

ربا القرض عند الامامية :

القرض معروف عند العرف وهو : عبارة عن طلب المال من شخص أو جهة على أن يرجعه في مدة معينة أو عند الاستطاعة ، وهو عند الفقهاء : تمليك المال على وجه الضمان ، ولا فرق فيه بين أن يكون بصيغة عقد أولا ، كالقرض المعاطاتي.

والزيادة في القرض لها صورتان :

الأولى : أن تكون في مقابل التأجيل : فهي زيادة حقيقية في الشيء نفسه لأنها زيادة على ما كان في الذمة.


318

الثانية : زيادة في عقد القرض نفسه ابتداءً ، فهي زيادة بالمسامحة العرفية وإنما تكون ربا حراماً في صورة مالو شرط النفع في عقد القرض فحصلت الزيادة ، وهذا لايختص بالمكيل والموزون ، بل يعم المعدود والمشاهد.

الأدلة على حرمته :

استدلوا على حرمة ربا القرض بأدلة كثيرة تصل الى حدّ التواتر ، منها :

1 ـ قوله تعالى : ﴿ وأحَلَّ الله البَيْعز وحَرَّمَ الرِّبا وأمثالها من الآيات الناهية ، عن التعامل بالربا وتصوره بصورة بشعة تحذر من الاقتراب منه ، فإن الحرمة هنا مطلقة لكل زيادة تؤخذ بلا عوض في بيع المتجانسين (1) ، أو في عقد القرض ، فهنا أيضاً الزيادة المشترطة قد اخذت بلا عوض في عقد القرض ، وهذا هو الربا الحقيقي.

2 ـ معتبرة اسحاق بن عمار ، عن أبي الحسن ( عليه السلام ) قال : « سألته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضاً فيعطيه الشيء من ربحه مخافة أن يقطع ذلك عنه ، فيأخذ ماله ، من غير أن يكون شرط عليه ، قال ( عليه السلام ) : لابأس بذلك مالم يكن شرطاً » (2). ومفهوم هذه الرواية أن اعطاء شيء من الربح بعقد القرض إذا كان بشرط فهو حرام وفيه البأس ، ولذا نرى أن الراوي لم يسأل عن هذه الصورة لوضوح حكمها عندهم ، وإنما سأل عن اعطاء شيء من الربح من دون شرط في عقد القرض حيث شك في حلّيته.

3 ـ معتبرة اسحاق بن عمار الثانية ، قال : « قلت لأبي ابراهيم الامام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) الرجل يكون له عند الرجل المال قرضاً فيطول مكثه عند الرجل لايدخل على صاحبه منفعة ، فينيله الرجل الشيء بعد الشيء كراهية أن

(1) هنا النهي الوراد من قبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) قَبِله الأصحاب تبعداً ، ولكن في ربا القرض علة الحرمة واضحة.

(2) وسائل الشيعة / ج 14 باب 19 من أبواب الدين / ح 3 و 13 ص 104 ـ 106.


319

يأخذ ماله حيث لايصيب منه منفعة ، أيحل ذلك؟ قال : لابأس إذا لم يكن شرطاً » (1) ، ومثل هذه الرواية توجد روايات صحيحة.

4 ـ صحيحة محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر الامام الباقر ( عليه السلام ) « في الرجل يكون عليه دين الى أجل مسمى فيأتيه غريمه فيقول : انقدني من الذي لي كذا وكذا وأضع لك بقيته ، أو يقول انقدني بعضاً وأمدّ لك في الأجل فيما بقي. فقال : لاأرى به بأساً مالم يزد على رأس ماله شيئاً ، يقول الله عزّوجلّ : ﴿ فَلَكُمْ رُؤوسُ أموالكُمْ لاتَظلِمونَ ولاتُظلَمون (2). فهذه الرواية تدل على أن الزيادة في القرض ( سواء كانت في عقد القرض أو في مقابل الامهال ) فيها بأس.

5 ـ صحيحة علي بن جعفر ( في قرب الاسناد ) ، قال : « سألت أخي موسى بن جعفر ( عليه السلام ) عن رجل أعطى رجلاً مئة درهم يعمل بها على أن يعطيه خمسة دراهم وأقل أو أكثر هل يحل ذلك؟ فقال : هذا الربا محضاً » (3).

6 ـ معتبرة محمد بن قيس ، عن أبي جعفر الامام الباقر ( عليه السلام ) قال : « من أقرض رجلاً ورِقاً فلا يشترط إلاّ مثلها فإن جوزي أجود منها فليقبل ، ولا يأخذ أحد منكم ركوب دابة أو عارية متاع يشترط من أجل قرض ورِقه » (4).

وهذه الرواية تدل على منع اشتراط الورِق ( وهو الفضة ) الزائدة أو غير ذلك من الشروط ، كاشتراط ركوب الدابة أو العارية من الزيادات التي تسمى حكمية.

والى هنا نكتفي بسرد هذه الأدلة القاطعة على حرمة ربا القرض ، ونود التنبيه على ان هذه الروايات هي عن الأئمة ( المعصومين ( عليهم السلام ) ) حسب عقيدتنا

(1) المصدر نفسه.

(2) المصدر نفسه/ باب 32 من أبواب الدين. ح 1 ص 120.

(3) المصدر نفسه / ج 12 / باب 7 من أبواب الربا / ح 7 ص 437.

(4) المصدر نفسه / ج 13 / باب 19 من أبواب الدين ح 11 / ص 106.


320

الإمامية الاثني عشرية ، فهي حجّة نحتج بها على غيرنا ، وهي حجة عليه حتى وإن لم يعتقد بعصمة الأئمة ( عليهم السلام ) ، وذلك لأن هؤلاء الأئمة ( عليهم السلام ) أكدوا في أحاديثهم أنها عن آبائهم ، عن رسول الله ، عن جبرائيل ، عن الله تعالى. وبما أن هؤلاء الأئمة ( عليهم السلام ) هم أفضل أهل زمانهم علماً وتقى وهدى وجهاداً وفضلاً ، فيجب على من يرى أن سلسلة السند كلهم من الثقات حتى الأئمة فيلزمه الأخذ بأقوالهم ، لأنها أقوال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وليس الأئمة هم بمجتهدين في الأحكام حتى يكون رأيهم كرأي غيرهم لايمكن الاعتماد عليه بحسب رأي الآخرين في صورة المخالفة.

ومن الروايات المتواترة اجمالاً على ما ادعيناه ما رواه سماعة ، عن أبي الحسن ( عليه السلام ) الامام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) قال : قلت له : « كل شيء تقول به في كتاب الله وسنّته أو تقولون فيه برأيكم؟ قال : بل كل شيء نقوله في كتاب الله وسنة نبيّه » (1). ومنها ماورد عن جابر قال : قلت لأبي جعفر الامام الباقر ( عليه السلام ) : « إذا حدثتني بحديث فاسنده لي. فقال : حدثني أبي عن جدي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن جبرئيل عن الله تبارك وتعالى ، وكلما احدثك بهذا الاسناد » (2).

والى هنا يكفي ما أردنا أن نثبته للنمر وطنطاوي ومرسي ، من أن الأدلة كافية وقاطعة على حرمة ربا القرض ، وينبغي للاستاذ العالم أن لايكتفي بما ورد من طريقه كدليل على الحكم الشرعي ، ويقلِّد مَنْ سبقه في الأقوال ، بل يجب عليه أن ينظر في أدلة الفرق الاخرى ومنها الفرقة الامامية التي اتخذت على عاتقها أن لا تتخطى القرآن والسنة في الاستدلال على الأحكام الشرعية باضافة حكم العقل ، فاذا نظر هؤلاء الأساتذة الثلاثة الى ماذكرناه يحصل لهم القطع بالحرمة ، فلا تنبعث

(1) بصائر الدرجات / ص 301.

(2) وسائل الشيعة ، ج 18 / باب 8 من أبواب صفات القاضي / ح 67 وغيره. وأمالي الشيخ المفيد ، ص 26. ويراجع كتابنا في الحلال والحرام فإن فيه بحثاً مفصلا عن هذه الحقيقة.


321

أصوات من هنا وهناك لتؤيد فتوى التحليل التي هي خلاف القرآن والسنة.

ثم هناك أدلة اقتصادية تدل على حرمة الربا القرضي رجحنا ذكرها هنا اتماماً للفائدة ، وللذكرى ، فإن الذكرى تنفع المؤمنين ، وسوف نبيّن فيها أن الاقتصاديين الكبار في المجتمع الرأسمالي يصرحون بأن انخفاض سعر الفائدة يؤدي الى انعاش الاستثمار ، وبالتالي يُحسِن الحالة الاقتصادية ، وان ارتفاع سعر الفائدة يؤدي الى تدهور الاستثمار والحالة الاقتصادية ، ومن هذه النتيجة يُطرح السؤال التالي : إذن ، لماذا لانحرّم الفائدة من الوجهة الاقتصادية؟ وهذا ما سوف نتحدث عنه فيما يأتي ان شاء الله

الأدلة الاقتصادية على حرمة ربا القرض :

إذا أردنا أن ننظر بمنظار اقتصادي للفائدة ونقوّمها من ناحية فائدتها للاقتصاد الوطني ، وعدم فائدتها أو ضررها ، فإننا نجد أن حرمة الفائدة تؤدي :

أولاً : الى القضاء على التناقض المرير بين مصالح التجارة والصناعة ، ومصالح رأس المال الربوي ، إذ أنَّ الرأسماليين الذين يؤمنون بالفائدة « ينتظرون دائماً فرصتهم الذهبية حين تشتد حاجة رجال الأعمال في التجارة والصناعة الى المال ، ويزيد طلبهم عليه ، لكي يرفعوا سعر الفائدة ويمسكوا بأموالهم طلباً لأعلى سعر ممكن لها. أما حين ينخفض الطلب على المال من رجال الأعمال ونقل حاجتهم إليه ، ويهبط تبعاً لذلك سعر الفائدة ، فسوف نجد الرأسماليين وهم يعرضون أموالهم بكل سخاء وبأزهد الأجور. ومن الواضح أن إلغاء الفائدة يضع حداً لهذا التناقض في حياة طبقة المرابين وطبقة التجار في المجتمع الرأسمالي ، لأن إلغاء الفائدة سوف يؤدي بطبيعة الحال الى تحويل الرأسماليين الذين كانوا يقرضون أموالهم بفائدة الى مضاربين ( المضاربة الشرعية ) يساهمون في مشاريع صناعية وتجارية على أساس الاشتراك في الأرباح ، وبذلك يتحدد الموقف ، ويصبح رأس


322

المال في خدمة التجارة والصناعة ، ويلبّي حاجاتها ويواكب نشاطها » (1).

وبما أننا لانفرق بين طبقة الرأسماليين والتجار وما يقوم به البنك العالمي اليوم من القرض بفائدة ، فإن البنوك أيضاً تقوم بالدور نفسه الذي يقوم به المرابي من التناقض بين مصالح رأس المال الربوي ومصالح التجارة والصناعة.

ثانياً : الى الحصول على مكسب آخر من تحريم الفائدة وهو وجود العزم والطمأنينة في المشاريع الضخمة الطويلة الأمد ، إذ أنَّ صاحب المال ـ بعد إلغاء الفائدة ـ لم يبق أمامه إلاّ أمل الربح ، وهذا يُحرّكه نحو المشاريع الضخمة المغرية بأرباحها ونتائجها ، خلافاً لحاله في المجتمع الربوي ، فإنه يفضل إقراض المال بفائدة على توظيفه في تلك المشاريع ، إذ أنَّ الفائدة مضمونة على أي حال ، كما أنه سوف يفضِّل أيضاً أن يقرض المال لأجل قصير ويتحاشى الإقراض لمدة طويلة لئلا يفوته شيء من سعر الفائدة ، إذا ارتفع في المستقبل القريب سعرها ، وبذلك يضطر المقرضون ( مادام أجل الوفاء قريباً ) الى استخدام أموالهم في مشاريع قصيرة الأمد حتى يتمكنوا من إعادة المبلغ في الوقت المحدد مع الفائدة المتفق عليها الى البنك أو الرأسمالي الكبير.

كما ان إباحة الفائدة تؤدي الى ضررين آخرين هما :

الأول : إن رجال الأعمال في ظل نظام الفائدة لن يقدموا على إقتراض المال من الرأسماليين وتوظيفه في مشروع تجاري أو صناعي مالم تبرهن الظروف على أن بإمكانهم الحصول على ربح يزيد عن الفائدة التي يتقاضاها الرأسمالي ، وهذا يعيقهم عن ممارسة كثير من ألوان النشاط في كثير من الظروف ، كما يجمد المال في البنوك وعند الرأسماليين ، ويحرمه من المساهمة في الحق الاقتصادي ولايسمح له بأي لون من ألوان الإنفاق الإنتاجي أو الاستهلاكي ، الأمر الذي يؤدي الى عدم إمكان

(1) اقتصادنا ، للشهيد الصدر ص 656.


323

تصريف كل المنتجات وكساد السوق وظهور الأزمات وتزلزل الحياة الاقتصادية.

أما عند إلغاء الفائدة ، وتحويل الرأسماليين والبنوك الى تجار مساهمين مباشرة في مختلف المشاريع التجارية والصناعية ، فإنهم سوف يجدون من مصلحتهم الاكتفاء بقدر أقل من الربح لأنهم لن يضطروا الى تسليم جزء منه باسم الفائدة ، وسوف يجدون من مصلحتهم أيضاً توظيف الفائض عن حاجتهم من الأرباح في مشاريع التجارة والانتاج ، وبذلك يتم إنفاق الناتج كله إنفاقاً استهلاكياً وإنتاجياً بدلاً من تجميد جزء منه في جيوب المرابين بالرغم من حاجة التجارة والصناعة إليه ، وتوقف تصريف جزء من المنتجات على إنفاقه (1).

الثاني : إن نظام الفائدة يحث ويشجع على الاكتناز حتى يحصل لدى البنوك أو الرأسماليين رؤوس أموال لمشاريع كبار ، ولكن الاكتناز يعرقل حركة الحياة الاقتصادية ويهدد حركة الانتاج إذا حصل من الأفراد أو من المؤسسات والبنوك. وإليك توضيح ذلك :

كان في عصر المقايضة أن المنتج لاينتج إلاّ بقدر ما يستهلك ، لأنه يستبدله بسلعة أخرى يستهلكها ، وحينئذ تكون السلعة المنتجة تتضمن دائماً طلباً بقدرها ، وبهذا يتساوى الانتاج والاستهلاك ، والعرض الكلي مع الطلب الكلي.

أما بعد اختراع النقد ( كوسيلة للقضاء على المصاعب المعروفة لعصر المقايضة التي ليس هنا محل ذكرها ) فقد صار المنتج ينتج لا لاستهلاكه ، بل بقصد أن يبيع ويحصل على نقد ليضيفه الى ما ادخره من نقود ، وبهذا يوجد عرض لايقابله طلب ، فيختل لأجل ذلك التوازن بين العرض العام والطلب العام ، ويتعمق هذا الاختلال بقدر ما تتسع ظاهرة الاكتناز لدى المنتجين والبائعين ، وبهذا يظل جزء كبير من الثروة المنتجة دون تصريف ، وتعاني السوق الرأسمالية

(1) المصدر السابق ص 657.


324

من مشكلة تصريفها ، وبذلك تتعرض حركة الانتاج والحياة الاقتصادية لأشد الأخطار (1).

وأما الاسلام : فقد اختلف مع الرأسمالية في نظرته الى الادخار والاكتناز ، ونظرته الى الفائدة ، فقد جعل ضريبة على المال المكتنز ، وحث على إنفاق المال في مجالات الاستهلاك غير المسرف والانتاج المثمر ، حتى جاء في الحديث عن الامام جعفر الصادق ( عليه السلام ) : ﴿ إن الله إنما أعطاكم هذه الفضول من الأموال لتوجهوها حيث وجهها الله ، ولم يعطكموها لتكنزوها (2) وقد صرّح القرآن الكريم وهدد المكتنزين ، إذ قال : ﴿ والّذين يكنزونَ الذهبَ والفضَّةَ ولايُنفقونها في سبيل الله فبشِّرهُمْ بِعذاب أليم * يومَ يُحمى عليها في نارِ جهنَّمَ بها جِباهُهُمْ وجنوبُهُمْ وظُهورهُمْ هذا ما كنزتُمْ لأنفسِكُمْ فذوقوا ما كُنتُمْ تَكنِزون ( التوبة/34ـ35 ).

ثم إن الاسلام بغير حاجة الى الاكتناز والحث عليه ، لوجود رؤوس أموال ضخمة تملكها الدولة ويمتلكها المجتمع الاسلامي ويملكها الناس ، هذه هي الملكيات العامة المعترف بها في الاسلام. وتستطيع الدولة أو البنوك استثمارها في المشاريع الاقتصادية والعمرانية الضخمة ، وهذا بخلاف الرأسمالية التي لاتقر بهذه الملكية للدولة وللمجتمع ، هي بحاجة الى تشجيع الاكتناز حتى تتجمع لديها الأموال لهذه المشاريع.

الكسب بدون عمل حرام :

الكسب بدون عمل غير جائز من الناحية الاقتصادية ، لأن الاقتصاد يريد عملاً وجهداً ( إما أن يكون مباشراً أو مختزناً ) حتى يتمكن الانسان من الحصول

(1) هذا في صورة ما إذا لم تفكر الدولة الرأسمالية بايجاد أسواق لها في الدول الضعيفة ، وأما إذا فكرت بذلك فإنها سوف تستعمل شتى الحيل لاستثمار تلك الدولة في سبيل جعلها سوقاً لبضائعها ، وبهذا يحدث لنا الاستعمار الذي رأينا منه الكثير.

(2) الكافي / ج 4 / باب وضع المصروف موضعه / ح 5 ص 32.


325

على ربح في مقابل عمله. أما إذا أخذ الانسان يكتسب ويحصل على الربح من دون مباشرة عمل ( مباشر أو مختزن ) فهذا معناه في المصطلح الاقتصادي تحرك الميزان من جانب واحد وهو لايجوز في المنظار الاقتصادي ، إذ أنَّ المنظار الاقتصادي يقول بلا بدّية تحرك الميزان من جانبين : عمل و كسب ، أي عمل في كفة وكسب في كفة أخرى.

وهذه الحقيقة لم يغفلها الفقه الاسلامي ، فقد حرم الكسب القائم بدون عمل وصرح الفقهاء : بأنه لايجوز للانسان أن يستأجر أرضاً أو أداة انتاج بأجرة معينة ثم يؤجرها بأكثر من ذلك مالم يعمل في الأرض أو أداة الانتاج عملاً يسوّغ حصوله على الزيادة. وقد نص على هذا الحكم جماعة من كبار الفقهاء ، كالسيد المرتضى ، والحلبي ، والصدوق ، وابن البراج ، والشيخ المفيد ، والشيخ الطوسي (1).

وهذا الرأي الفقهي يستند الى أحاديث وردت بهذا الصدد ، منها :

1 ـ موثقة أبي بصير قال : قال الامام أبوعبدالله الصادق ( عليه السلام ) : « إني لأكره أن أستأجر رحاً وحدها ثم اواجرها بأكثر مما استأجرتها به ، إلاّ أن يحدث فيها حدث أو تغرم فيها غرامة » (2).

2 ـ صحيحة الحلبي ، عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « في الرجل يستأجر الدراثم يؤاجرها بأكثر مما استأجرها به؟ قال ( عليه السلام ) : لا يصلح ذلك ، ألاّ أن يحدث فيها شيئاً » (3).

وهذا الكلام نفسه نقوله في العمل أيضاً ، فلا يجوز أن يتفق شخص مع آخر على إنجاز عمل بأجرة معينة ثم يستأجر للقيام بذلك العمل أجيراً آخر لقاء مبلغ أقل من الأجرة التي ظفربها في الاتفاق الأول ليحتفظ لنفسه بالفارق بين الأجرتين

(1) المبسوط / للطوسي / ج 3 ص 226.

(2) وسائل الشيعة / ج 13 / باب 22 من أبواب الاجارة / ح 5 ص 265.

(3) المصدر السابق / ح 4.


326

من دون عمل يقوم به. و الدليل على ذلك الروايات الكثيرة ( وقد تقدم بعضها ) ، ومنها صحيحة محمدبن مسلم ، أنه سأل الامام الصادق ( عليه السلام ) « عن الرجل يتقبّل بالعمل فلا يعمل فيه ، ويدفعه الى آخر فيربح فيه؟ قال : لا ، الاّ أن يكون قد عمل شيئاً » (1) و مثلها روايات كثيرة.

إذن ، من كل هذه المقدمة نستفيد فقهياً واقتصادياً أن الكسب من دون تقديم عمل لايجوز ، وبما أن المرابي هو كذلك ، فانه يكتسب من دون تقديم عمل ( مباشر أو مختزن ) فهو لايجوز.

وقد يقال ان المال النقدي الذي يقدمه المرابي هو عبارة عن عمل مختزن فيجوز أن يؤجره فيكون كسبه في مقابل العمل المختزن.

فاننا نقول : قد تقدم منّا أن العمل المختزن إنما يجوز إيجاره للغير وأخذ الكسب عليه ( كالبيت والدكان والآلة ) لأنه يُستهلك بعضه بالاستعمال ، أما هنا في النقد المالي فإنه يرجع بنفسه من دون ذرة استهلاك ، ولهذا يكون كسباً من دون عمل ، وهذا يتعارض مع تصورات الاسلام عن العدالة.

نعم ، إذا كانت الفائدة هي : تعبير عن حق الرأسمالي في شيء من الأرباح التي جناها المقترض عن طريق ما قدم إليه من مال ، فان هذا الحق بالاضافة إلى أنه في صورة استثمار المال وحصول الربح فقط والاسلام أقرّ هذا الحق في صورة ما إذا كان اشتراك بين صاحب المال والعامل وربط الرأسمالي بنتائج العملية ، وهذا هو معنى المضاربة التي جوّزها الاسلام ، بشرط أن يكون حق الرأسمالي المتقدم بصورة نسبة مئوية ، وإذا حصلت خسارة فانه هو الذي يتحملها فقط ، أما العامل فقد خسر عمله ، وهذا هو معنى تحرك الميزان من جانبين ، وهو جائز اقتصادياً أيضاً ، ولكن هذا يختلف بصورة جوهرية عن الفائدة بمفهومها الرأسمالي التي تضمن له أجراً ثابتاً منفصلاً عن نتائج العملية التجارية.

(1) وسائل الشيعة / ج 13 / باب 23 من أبواب الاجارة / ح 1 ص 265.


327

وقد يقال : ان المال الذي قدمه الرأسمالي الى المدين ( قد هبطت قيمته التبادلية ) فالربح والفائدة هو عبارة عن قيمة هذا الهبوط ، فيكون جائزاً.

والجواب : صحيح انه في بعض الحالات تكون القيمة التبادلية للدينار أكثر منها في وقت آخر ، وقد يكون العكس صحيح ، فاذا كانت القيمة التبادلية للدينار تساوي مائة كيلو من الحنطة ثم تحسنت فكانت تساوي مئتي كيلومن الحنطة ، فهل يرضى الدائن بأن يأخذ نصف دينار على ديناره الذي أسلفه للمدين بحجة أن القيمة التبادلية للدينار قد تحسنت؟! والجواب : إن المدين لايرضى بذلك لأنه إنما أقرض الدينار فهو يريده بنفسه سواء نزلت قيمته التبادلية أو صعدت ، فان هذا النزول أو الصعود هو تابع الدينار نفسه ولمالكه ، ولايجوز أن يتحمل النزول فرد آخر ، كما لايجوز أن يستفيد من الصعود غير صاحبه المالك له.

ثم : لماذا لانقول هذا الكلام عندما أؤجر بيتي لفلان بخمسين ديناراً ثم تهبط قيمة البيت فهل يجوز أن نقول إن المستأجر يتحمل قيمة الهبوط؟! وبعكس ذلك إذا صعدت قيمة البيوت ، فإنه لايجوز للمستأجر أن يقول : أنا أستحق نصف قيمة الصعود ، إذ إن صعود قيمة السلعة أو هبوطها نتيجة لأوضاع خاصة لاربط لها بالمقرض أو المستأجر. وعلى هذا الأساس إذا نزلت أسعار النقود في السوق ، إلاّ أن هذا لايكون استهلاكاً للعمل المختزن في النقد وقد انتفع به المستقرض حتى يجب عليه تعويضه ، بل إنَّ العمل المختزن في النقد لايزال كما هو لم يتفتت ولم يستهلك وإنما العمل يكون قد حصل على كسب بدون سبب ، أي حصل صاحب النقد على كسب من دون أن يستهلك من عمله المختزن شيئاً خلال عملية الانتفاع ، وهذا ما يرفضه الاسلام حسب النهي عن كسب بدون عمل.

الأثر الفطري للربا :

لقد تعرضنا في كتابنا « الربا فقهياً واقتصادياً » الى مضار الربا ، وذكرنا أن له مضاراً من الناحية الاقتصادية ومن الناحية الاجتماعية ، ومن ناحية المرابي ومن


328

ناحية المنتج ومن ناحية تنمية الاقتصاد ، فمن أراد التوسعة فعليه مراجعة الكتاب (1) ، إلاّ أننا هنا نستل من ذلك الفصل عنوان الأثر الفطري للربا لنجعله أمام الرأي العام ، ونقول للنمر وطنطاوي ومرسي ، إذا كان الربا حلالا فلماذا هذه الضجة عندما أقرضت امريكا بريطانيا قرضاً ربوياً؟!

نقول : بعد الحرب العالمية الثانية عقدت اتفاقية ( برتين وود ) لَديْن كبير من قبل امريكا لبريطانيا ، ولكن بريطانيا قد تأثرت من هذا القرض الربوي على لسان كبار سياسيهم واقتصاديهم ، فمما قاله ( اللورد كينز ) بعد ان عقد الاتفاقية مع امريكا باعتباره ممثلاً للشعب الانجليزي : « لا أستطيع أن أنسى أبد الدهر ذلك الحزن الشديد ، والألم المرير الذي لحق بي من معاملة امريكا إيانا في هذه الاتفاقية ، فانها أبت أن تقرضنا شيئاً إلاّ بالربا ».

ومما قاله تشرشل : « إني لأتوجس خلال هذا السلوك العجيب المبني على الإثرة وحب المال الذي عاملتنا به امريكا ضروباً من الأخطار. والحق أن هذه الاتفاقية قد تركت أثراً سيئاً جداً فيما بيننا و بين امريكا من العلاقة ».

وقال اللورد والتن وزير المالية : « إن هذا العبء الثقيل الذي نخرج من الحرب وهو على ظهورنا ، جائزة عجيبة جداً نلناها على ماعانينا في الحرب من الشدائد والمشاق والتضحيات لأجل الغاية المشتركة ، وندع للمؤرخين في المستقبل أن يروا رأيهم في هذه الجائزة الفذة من نوعها ، التمسنا من امريكا أن تقرضنا قرضاً حسناً ولكنها قالت لنا جواباً على هذا : ماهذه بسياسة عملية » (2).

الخلاصة : إن المرابين بالرغم من أنهم طفيليون على مائدة أموال الناس ، والمترقب أن يكون حظهم أقل من حظ أصحاب الموائد أنفسهم ، أصبح حظهم

(1) ص 377.

(2) الربا / للمودودي / ص 43 ـ 44.


329

أكثر ، وذلك لأن نفعهم مضمون سواء ربحت التجارة أو خسرت ، فكأن المال ـ تلقائياً ـ ينمو بمضي الزمن عليه في ذمة الناس بلا حاجة الى أي عمل من قبل صاحب المال!!.

وقد ذكروا أن هناك كتاباً أصدره أحد العلماء الفرنسيين الأحرار « كتاب لم يكد يخرج من المطابع سنة ( 1955 ) حتى استولى عليه هذا الاخطبوط ( أصحاب المصارف الربوية ) فأباد جميع نسخه إلاّ عدداً قليلاً افلت من قبضته » (1). وعنوان هذا الكتاب : « الماليون وكيف يحكمون العالم ويقودونه الى الهاوية » ذكروا أن فيه أدلة كثيرة ووثاق ثابتة تثبت بالبرهان أن كل المحن و الكوارث هي من صنع أصحاب المصارف المرابين.

ويشير الكتاب نفسه في مقدمته الى كتاب آخر يقول عنه الدكتور محمد عبدالله العربي : بحثت عنه سنوات متتالية وفي كل مكان فلم أجد له أثراً ، ولعل الاخطبوط قد أباده أيضاً ، والكتاب عنوانه : « فرنسا اليهودية أمام الرأي العام » ( ونقتبس من هذه المقدمة كلمة لمؤلف هذا الكتاب الثاني ... لأنها صورة دقيقة وموجزة لنفوذ البنوك العالمية الحديثة ) وهي :

« ان الذي يلفت النظر في عصرنا ليس هو فقط تكدس الثروات في أيد قليلة وأحياناً بأساليب فاجرة ، بل هو على الأخص تكدس قوة هائلة تتمثل في سيطرة اقتصادية لاضابط لها ولاقيد ، سيطرة تصول بها فئة قليلة ليسواهم ـ في الغالب ـ ملاّك المال ، بل مجرد مستودعين له ، ولكنهم يديرونه ويتصرفون فيه كما لو كانوا ملاّكه بالفعل » ، « إنها لقوة هائلة تلك القوة التي يصول بها هؤلاء في سيطرتهم المطلقة على المال ، وعلى الائتمان ، أي الإقراض الذي يوزعونه بمحض مشيئتهم المطلقة ، فكأنهم بذلك إنما يوزعون الدم اللازم لحيوية الجهاز الاقتصادي

(1) المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الاسلامية / د. محمد عبدالله العربي ص 92.


330

بكل أوضاعه ، فاذا شاءوا حرموه دم الحياة فلا يستطيع أن يتنفس ، وإذا شاءوا قدّروا مدى انسيابه في جسم الجهاز ، التقدير الذي يتفق مع مصالحهم الذاتية ». « ثم إن تجمع هذه القوى وهذه الموارد المالية في أيديهم يؤدي بالتالي الى الاستيلاء على السلطة السياسية في النهاية ، وذلك يتحقق في خطوات ثلاث متدرجة متساندة ، الاولى ، الكفاح في سبيل احراز السيادة الاقتصادية. ثم الكفاح في جمع مقاليد السيادة السياسية في أيديهم ، ومتى تحققت لهم بادروا الى استغلال طاقاتها وسلطاتها في تدعيم سيادتهم الاقتصادية ، وفي النهاية ينقلون المعركة الى المجال الدولي العالمي ». والنتيجة الملازمة لهذا الوضع وهي : « أن ولي الأمر ـ الذي كان مفروضاً فيه أن يمثل مصالح المجتمع وأن يحكم من مكانه الرفيع في نزاهة وحياد وعدل وايثار لمصالح المجتمع ـ قد سقط الى درك الرقيق لهذه القوى المالية ، وأصبح أداة طيّعة لتنفيذ أهوائها وشهواتها » (1) .

فهل يريد النمر وطنطاوي ومرسي أن يزيدوا من قوة المصارف وقوة الفضائح التي تصدر منها؟! وماذا سيكون الجواب غداً عند مليك مقتدر؟ وأخيراً ، أذكر لكم آيات الربا القرآنية ليتذكر مَنْ يدعو الى حلّيته ولو بصورة خاصة وبحجج سقيمة.

قال تعالى : ﴿ وما آتيتُمْ مِن رِباً ليربو في أموالِ الناس ، فلا يَربو عند الله وما آتيتُمْ من زكاة تُريدونَ وجه الله فأولئِكَ هُمُ المُضعِفون ( الروم / 39 ).

﴿ يا أيُّها الذين آمنوا لا تَأكلوا الربا أضعافاً مُضاعفةً واتَّقوا الله لعلكُمْ تُفلحون * واتقوا النارَ التي اُعدَّت للكافرين ( آل عمران 130 / 131 ).

﴿ فيظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات اُحلَّت لهم وبصدّهم عن سبيل الله كثيراً * وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا لكافرين

(1) المصدر السابق / ص 93.


331

منهم عذاباً اليماً ( النساء 160 / 161 )

﴿ الّذينَ يأكلونَ الرِّبا لايقومونَ إلاّ كما يقومُ الذي يتخبَّطُهُ الشيطانُ من المَسِّ ، ذلك بأنَّهُمْ قالوا إنما البيعُ مِثلُ الرِّبا ، وأحلَّ الله البيعَ وحرَّم الرِّبا ، فمن جاءه مَوعظةٌ من ربِّه فانتهى فله ما سلف وأمرهُ إلى الله ومَنْ عادَ فأولئِكَ أصحابُ النارهُمْ فيها خالدون * يَمحَقُ الله الرِّبا ويُرْبي الصَّدقاتِ والله لايُحِبُّ كُلَّ كفّار أثيم ... يا أيُّها الّذينَ آمنوا اتَّقوا الله وذروا مابقيَ مِنَ الرِّبا إن كُنتُمْ مُؤمنين * فإنْ لَمْ تَفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، وإن تُبتمْ فَلكمْ رؤوسُ أموالِكُمْ لاتَظلمونَ ولاتُظلَمون ( البقرة / 275 و 276 و 279 ).

ومن قرأ هذه الآيات القرآنية يفهم منها الاطلاق لكل ما يسمى ربا في زمن نزولها سواء كان « ربا جاهلياً وهو ما عُبِّر عنه بجملة : أتقضي أم تربي؟ وهو الذي يكون أضعافاً مضاعفة » أم كان ربا في عقد القرض من أول الأمر. وهب أن آية « أضعافاً مضاعفة » قد نزلت في ربا الجاهلية وهي « أتقضي أم تربي؟ » ولكن قال الاصوليون « أن المورد لايخصص الوارد ».

ثم إنني أقدم النصح ( الذي يجب على كل إنسان ) للنمر وطنطاوي ومرسي بأن يقرأوا جملة من المواعظ والدروس الأخلاقية ، فإني أرى أن القضية ليست عدم معرفة بأحكام القرآن الواضحة البيّنة ، وإنما القضية تحتاج الى دروس في الوعظ والتذكير بالآخرة وجملة من الدروس الأخلاقية ليعرف الانسان نفسه بأنه قد يكون أشرف من الملائكة إذا التزم ما أراده الله تعالى له ، وأنه يكون أسوأ من الحيوان إذا لم يستوعب ما قرأ وغرّته الحياة الدنيا وزينتها و شهواتها ، فالى دراسة الأخلاق ليعرف الانسان كيف يتسلط على هذه النفس الأمّارة الشهوانية عن زخارف الدنيا الدنيّة التي تجرّه الى المعصية ومخالفة صريح القرآن.

ومن الروايات التي تستقبح الربا و تشينه ما روي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) في وصيته لعلي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنه قال : « يا علي ، الرِّبا سبعون جزءاً فأيسرها مثل أن


332

ينكح الرجل أمه في بيت الله الحرام. يا علي ، درهم ربا أعظم عند الله من سبعين زنية كلها بذات محرم في بيت الله الحرام » (1).

وفي موثقة ابن بكير قال : بلغ أبا عبدالله الامام الصادق ( عليه السلام ) عن رجل كان يأكل الربا ويسميه اللبا ، فقال ( عليه السلام ) : « لئن أمكنني الله منه لأضربن عنقه » (2).

وفي رواية عن علي ( عليه السلام ) قال : « لعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الربا وآكله وبايعه ومشتريه وكاتبه وشاهديه » (3).

وأخيراً : أبتهل الى الله سبحانه وتعالى أن يهدي كل مؤمن الى الصواب وأن لايحرمنا من رحمته يوم لاينفع مال ولابنون إلاّ مَنْ أتى الله بقلب سليم ، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ونفع المؤمنين ، والحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه ، محمد و آله الطيبين الطاهرين.

(1) وسائل الشيعة / ج 12 / باب 1 من أبواب الربا ح 12.

(2) المصدر السابق / باب 2 / ح 1.

(3) وسائل الشيعة ج12 باب 4 من ابواب الربا ، ح 2.


333

المناقصات ( عقد الاحتياط ودفع التهمة )


334


335

1 ـ ما هي المناقصة ؟

عُرّفت المناقصة بانها : « طريقة بمقتضاها تلتزم الادارة ( او الشخص ) باختيار أفضل من يتقدمون للتعاقد معها شروطاً ، سواء من الناحية المالية او من ناحية الخدمة المطلوب أداؤها » (1).

ويرى البعض (2) ان التعريف الاصح هو : ان المناقصة طريقة يلتزم باختيار افضل من يتقدمون للتعاقد معها من الناحية المالية فقط حيث يفترض ان الداخلين في المناقصة متساوون من النحاية الفنية ( مطابقة الشروط والمواصفات من حيث تحقيق الغرض الفني ).

وأما التعريف الاول : فهو يسمح بالتحايل والتلاعب بإرساء المناقصة على غير الارخص بدعوى افضليته في المواصفات الفنية.

ونرى ان هذا التعريف شامل للمزايدة ايضاً ، باعتبار أن المناقصة والمزايدة معاً من عقود المنافسة النزيهة والتي تساوي بين المتنافسين ، وعلى هذا سوف يكون شراء الحاجات وتنفيذ الاعمال من خصوصيات عقد المناقصة ، كما أنّ بيع

(1) مصطلحات قانونية ، اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية ، مطبوعات المجمع العلمي العراقي 1394 هـ ق 1974 م ، ص 178.

(2) د. رفيق يونس المصري في بحثه مناقصات العقود الادارية ، ص 4.


336

الحاجات والمباني الحكومية او التابعة للأشخاص من خصوصيات عقد المزايدة.

وهذا التعريف وان لم يكن تعريفاً حقيقياً للمناقصات ، بل هو شرح الاسم ، إلاّ أنه قد تعرض لالتزام أحد الاطراف بالتعاقد ، ولم يتعرض لالتزام المتعاقد الآخر ، ولكن من مجمل عملية المناقصة الحديثة نفهم أن المناقص ملزَم بما تقدم به من عرض لبيع سلعته او تقديم خدماته لحين رسوّ عملية المناقصة ، ولذا من الأفضل اضافة هذه الجملة الى التعريف السابق وهي : « ويلتزم الطرف الآخر بما عرضه لحين رسّو العملية ». ولذا يمكننا ان نعرّف المناقصات بأنها : « طريقة بمقتضاها تلتزم الاطراف باختيار افضل من يتقدم للتعاقد شروطاً ».

وقد يقال : إن التزام الداعي الى المناقصة هو التزام إبتدائي ليس في ضمن عقد فيكون وعداً لا يجب الوفاء به وهو معنى عدم كونه ملزِماً.

ونجيب على ذلك : بأن الالتزام اذا كان قد وصل الى حدّ التعهد الى الغير بحيث رتب الغير عليه الآثار ، فصار عهداً « عقداً » مستقلاً يجب الوفاء به خصوصاً اذا قابله التزام من الطرف الآخر (1).

هذا بالاضافة الى ما سيأتي من إمكان أن يكون الزام الداعي الى المناقصة باختيار أحسن العروض والزام المتناقصين بالبقاء على إلتزاماتهم لحين رسوّ المناقصة ، قد شرط في ضمن عقد بيع المعلومات التي تشترط للدخول في المناقصة ، فيحصل الالتزام في ضمن عقد فيكون ملزِماً بالاتفاق.

وقد يستشكل في صحة التزام الداعي الى المناقصة باختيار افضل مَن يتقدمون للتعاقد معه ، سواء قلنا أنّ هذا الالتزام قد وصل الى مرحلة التعهد والعقد او كان شرطاً في ضمن عقد بيع المعلومات ، وقد يستشكل باشكال آخر ،

(1) هذا الرأي يخالف ما ذهب اليه علماء الامامية من أن التعهد الابتدائي لا يجب الوفاء به ، ولكن رأينا أن الادلة الروائية والقرآنية الدالة على وجوب الوفاء بالعهد حتى الابتدائي كافية ، لذا ارتأينا هذا الرأي خلافاً للمعظم من علماء الامامية.


337

وخلاصته تكمن في غررية هذا الالتزام ، لان الداعي الى المناقصة قد التزم باختيار أفضل من يتقدم للتعاقد معه ، مع أنه لا يعلم المقدار الذي يقع عليه التعاقد في الخارج الآن ، فهو التزام غرري.

والجواب ذلك :

1 ـ إن الغرر الذي منعه الشارع المقدس ليس هو الجهالة ، بل الغرر : عبارة عن عدم معرفة حصول الشيء من عدمه ، كالطير في الهواء والسمك في الماء ، وهذا يختلف عن المجهول الذي معناه : « ما علم حصوله مع جهالة صفته ».

2 ـ ولو قلنا كما قال الفقهاء : بانَّ الغرر يشمل الجهالة أيضاً ، فان الغرر المنهي عنه هو الغرر الذي يؤدي الى منازعة بين المتبايعين ، اما ما كان لا يؤدي الى المنازعة فهو لا بأس به ، وقد ذكرت الروايات الامثلة الكثيرة الدالة على عدم الضرر في وجود غرر ( جهالة ) لا تؤدي الى المنازعة كما في بيع شيء من الحليب في الاسكرجة مع ما في الضرع ، وبيع السمك في الأجمة مع القصب الظاهر ، وامثال ذلك من البيوع التي فيها جهالة واضحة إلا أنها لا تؤدي الى منازعة بين المتخاصمين.

3 ـ ولو تنزلنا وقلنا ان الغرر يشمل كل جهالة ، فهو إنما يضر اذا كانت الجهالة في العقد ، أما هنا فان الجهالة في الشرط وليست في العقد. (1).

ولا حاجة الى التنبيه الى أن هذه العقود لا يجوز فيها التفرير والخداع من المتناقصين أو المتزايدين او واحد منهم أو أطراف خارجية ، وذلك لأجل تحقيق المنافسة النزيهة التي هي اساس المناقصة الحرة. كما هي عقود يطلب فيها المشتري او البائع الاحتياط لنفسه ودفع التهمة عنه فيما اذا كان وكيلاً او ولياً.

(1) وقد يكون أقوى شاهد على عدم وجود الغرر فى هذه المعاملة هو النصّ الوارد في بيع مَنْ يزيد ، فإنَّ البيع صحيح ، ومعنى ذلك عدم وجود الغرر المضرِّ مع ان البائع حينما عرض سلعته للبيع لا يدري بكم يكون الثمن ، فهنا يكون الامر كذلك حيث إن المشتري يريد الشراء ولا يعلم الثمن وحينئذ يكون الالتزام بمثل هذه المعاملة صحيحاً لأنَّ الالتزام بالصحيح صحيح وهذا واضح.


338

العلاقة بين المزايدة والمناقصة :

وبهذا يتضح ان العلاقة بين المزايدة والمناقصة هي علاقة تضاد من الناحية اللغوية والموضوعية ، فالزيادة ضدّ النقص ، ولهذا وردت التفرقة بينهما في العقود :

فالمناقصة : تستهدف اختيار من يتقدم بأقل عطاء ، ويكون ذلك عادة اذا أرادت الادارة القيام باعمال معينة كالاشغال العامة مثل بناء العمارات او اقامة الجسور او تبليط الطرقات وما شابه ذلك.

اما المزايدة : فترمي الى التعاقد مع الشخص الذي يقدم أعلى عطاء ، وذلك اذا أرادت الادارة ان تبيع او تؤجر شيئاً من املاكها مثلاً (1).

وعلى هذا نتمكن ان نقول : ان العلاقة بين المزايدة والمناقصة هي علاقة تضاد في اللفظ والموضوع كما هو واضح من اختلاف طبيعة كل منهما ، ولكن يشتركان في الاجراءات والتنظيمات في الجملة كما هو واضح من اشتراكهما في التعريف ( اختيار أفضل من يتقدم للتعاقد ) ، فالاجراءات المتبعة في عقد المناقصة هي بنفسها متبعة في عقد المزايدة ، فمثلاً : بعد الاعلان عن المزايدة او المناقصة في وسائل الاعلام وتتم الاجراءات الكتابية والمناداة العلنية تأتي هذه المراحل الثلاث :

1 ـ التقدم بالعطاءات من قبل الافراد او المؤسسات.

2 ـ فحص العطاءات وارساء المزايدة او المناقصة.

3 ـ ابرام العقد.

النجش :

ويأتي في بيع المناقصة النجش الذي يذكر في بيع من يزيد ويعرّف : « بانه

(1) الاسس العامة للعقود الادارية ( دراسة مقارنة ) ، السيد محمد الطحاوي ، الطبعة الرابعة مصر ، 1984 ، ص 213 ومصطلحات قانونية ، ص 178.


339

تواطؤ صاحب السلعة مع مزايد صوري يدفعه للمزايدة في السلعة حتى يُعلي ثمنها ، ولا يقصد شرائها ، وانما اراد خدمة صاحبها » وذكر الفقهاء حرمته في صورة كون الناجش قد رفع الثمن عن القيمة الحقيقية تضليلاً للمزايدين ، وذلك لوجود العلة التي حرمته وهي الاحتيال والاضرار بالأخ المسلم ظلماً ، المستنبطة من نهي النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن النجش. وعلى هذا فلو تواطأ المريد للسلعة الموصوفة باوصاف معينة مع احد الافراد المشتركين في المناقصة بان يعرض بثمن أقل من الثمن السوقي ولا يقصد البيع حقيقة خدمة لمن طلبها فسوف يكون هذا حراماً ، للعلة التي حرم النبي ( صلى الله عليه وآله ) فيها النجش وهي الاحتيال والخديعة والاضرار بالاخ المسلم ظلماً ، ويشتركان في الاثم.

وكذا يحرم فيما اذا اتفق البائع مع مَنْ ينافسه في بيع السلعة الكلية على عدم المنافسة له في العرض ، او اتفق معهم على عدم عرض السلعة بثمن أقل من كذا ، فهو من الاحتيال والغش « حيث ان اتفاق الاطراف كلها كان قد بني على المنافسة النزيهة فيكون اتفاق البعض على عدمها غشاً واحتيالاً » فان كان فيه اضرار بالمشتري ( كأن اشترى السلعة باكثر من الثمن السوقي مع عدم علمه بذلك ) فالعمل يكون حراماً لوجود علة حرمة النجش ويثبت للمشتري الخيار في امضاء الصفقة او فسخها.

وإن حصل التنقيص في الثمن ممن لا يريد شرائها بغير تواطؤ مع المشتري ليضرّ الغير ويخدعه ، فان الحرمة تختص بالمنقص.

اختلاف الموجب بين المزايدة والمناقصة في البيع :

قالوا (1) : إن الموجب هو من يتقدم بعطاء ، الا أنه في المزايدة يكون الموجب

(1) مصادر الحق في الفقه الاسلامي ، ج 2 ، ص 66.


340

هو المشتري ، بينما في المناقصة يكون الموجب هو البائع ، كما يكون ارساء المناقصة باختيار أفضل من يتقدم للتعاقد هو القبول.

ولكن يمكن المناقشة في جعل الموجب في المزايدة هو مَنْ يتقدم بعطاء ، باعتبار انه يتملّك بثمن معين ( وانما يملّك ثمنه للغير تباعاً لتمليك الغير سلعته اياه ، فهو تمليك تبعي ) فيكون قابلاً ، وقدّم قبوله بلفظ اشتريت او ابتعت او تملكت واشباهها ، واما الموجب فهو الذي يملِّك السلعة وإن تأخر عن القبول ، وعلى هذا لا يشترط تقديم الايجاب على القبول لظهور كونه عقداً يجب الوفاء به ، أما الرضا فهو موجود في تقديم القبول على الايجاب وتقديم الايجاب على القبول نعم يكون المتقدم بالعطاء في المناقصة موجباً ، لأنه يملَّك ماله بثمن معين وهو معنى الايجاب ، ثم إننا وإن قبلنا ( قياساً على المزايدة ) بأن الذي تقدم بعرض سلعته بثمن معين هو الموجب ، فان بذل آخر عمله او سلعته بأقل من الأول فقد سقط الإيجاب الأول ووجد ايجاب ثاني ( وهو البذل الثاني ) استناداً الى التعريف الذي تقدم للمناقصات القائل بأنه باختيار أفضل من يتقدمون للتعاقد ، وحينئذ يكون البذل بالأقل هو أفضل من الأول للتعاقد ، وقد التزم الداعي الى المناقصة باختياره فيكون ملزَماً به ومعرِضاً عن البذل الأول فيسقط الأول ، فاننا وإن قبلنا كل ذلك الا أننا لا نقبل ذلك فيما إذا كان البذل الثاني قد صدر من القاصر أو المحجور عليه (1) ، لان هذا البذل الأخير ليس ملزِماً للداعي الى المناقصة وإن تصوره ملزِماً. وعلى هذا يمكن القول بعدم وجود بذل ثاني أفضل من الأول في هذه الصورة الأخيرة.

علاقة المناقصة بالتوريد :

ان التوريد ( كما ذكره البعض ) (2) : هو عقد بيع يتأجل فيه البدلان ( المبيع

(1) مصادر الحق في الفقه الإسلامي ج 2 ، ص 66.

(2) د. رفيق المصري ، في بحثه في المناقصات المقدم للدورة التاسعة لمجمع الفقه الاسلامي ، ص 18.


341

والثمن ) اي انه عقد على توريد سلع او مواد محددة الاوصاف في تواريخ معينة لقاء ثمن معين يدفع على اقساط.

فالتوريد يختلف عن السلم في كون دفع الثمن اقساطاً ، وهو يشبه السلم من ناحية أنَّ المثمن له أجال معلومة ، اذن يمكن القول بان التوريد اشبه شيء بعقد الاستصناع ( المعروف عند الحنفية ) لأنهم اجازوا فيه عدم تعجيل الثمن. لكنه يختلف عن الاستصناع حيث إن الاستصناع يقدم فيه المقاول العمل والمواد معاً ، بينما عقد التوريد قد يقدم فيه المورِّد السلع او المواد فقط من دون عمل.

ومن هنا نفهم ان علاقة المناقصة بالتوريد هي عبارة عن العموم والخصوص من وجه حيث يجتمعان ، كما اذا كانت المناقصة هي عبارة عن توريد سلع او مواد معينة ، وقد يفترقان كما اذا كانت المناقصة عبارة عن مقاولة عمل ، كما قد يوجد عقد توريد بلا مناقصة كما اذا كان العقد بين فردين على نحو المباشرة.

المهم هنا هل يصح عقد التوريد ؟

الجواب إن المانع هنا هو صدق بيع الدين بالدين ( الكالي بالكالي ) الذي ورد فيه النهي ولكن هذا الحديث ليس بسليم السند كما ذكر ذلك جماعة منهم الامام احمد حيث قال : « ليس في هذا حديث يصح » (1) كما أن دلالته لا تشمل : « لما صار ديناً في العقد بل المراد منه ما كان ديناً قبله والمسلّم فيه ( هو المورّد ) من الاول لا الثّاني الذي هو كبيع ماله في ذمة زيد بمال آخر في ذمة عمرو ونحوه مما كان ديناً قبل العقد » (2) وحينئذ يكون دليل المنع عن بيع الدين بالدين هو الاجماع ويقتصر فيه على مورد الاتفاق وليس هذا من مورد الاتفاق. وحينئذ اذا لم يدخل تحت المنع ولم يكن فيه ربا بالضرورة لأن عقد التوريد : مبادلة سلعة بنقد ، فالبدلان مختلفان لا يدخلهما الربا. ويسمى بيعاً عرفاً شملته العمومات

(1) نيل الاوطار ، ج 5 ، ص 177.

(2) جواهرالكلام ، ج 24 ، ص 293.


342

فيكون صحيحاً.

نعم يكون المتقدم بالعطاء في المناقصة موجباً ، لانه يملَّك ماله بثمن معين وهو معنى الايجاب ، ثم إننا وإن قبلنا ( قياساً على المزايدة ) بأن الذي تقدم بعرض سلعته بثمن معين هو الموجب ، فان بذل آخر عمله او سلعته بأقل من الأول فقد سقط الايجاب الاول ووجد ايجاب ثاني ( وهو البذل الثاني ) استناداً الى التعريف الذي تقدم للمناقصات القائل بأنه : باختيار أفضل من يتقدمون للتعاقد. وحينئذ يكون البذل بالأقل هو أفضل من الاول للتعاقد ، وقد التزم الداعي الى المناقصة باختياره فيكون ملزَماً به ومعرِضاً عن البذل الأول فيسقط البذل الاول ، فاننا وإن قبلنا كل ذلك الا أننا لا نقبل ذلك وفيما اذا كان البذل الثاني قد صدر من القاصر او المحجورِ عليه (1) ، لان هذا البذل الأخير ليس ملزِماً للداعي الى المناقصة وإن تصوره ملزِماً.

وعلى هذا يمكن القول بعدم وجود بذل ثاني أفضل من الاول في هذه الصورة الاخيرة.

علاقة المناقصة بالمقاولة : (2)

إن علاقة المناقصة بالمقاولة من حيث ان المناقصات هي قسم من المقاولات التي تكون ملزِمة للطرفين ، فان المقاولة ربما تكون مع طرف خاص من غير ان تسبق بعرض ذلك المشروع على الآخرين ، وبعبارة اوضح ان المناقصة والمقاولة كلاهما تعهد من قبل مَنْ يشترك في المناقصة والمقاولة ، إلا أن الاختلاف من ناحية

(1) مصادر الحق في الفقه الاسلامي ، ج 2 ، ص 66.

(2) المقاولة معناها اللغوي هو : المفاوضه والمجادلة ، وفي الاصطلاح الحديث : عقدٌ بين طرفين يصنع فيه المقاول شيئاً لآخر ويقدم له عملاً في مقابل مبلغ معلوم. وبهذا يتضح أنَّ المقاولة أعم من المناقصة من هذه الناحية.


343

ان المقاولات عامة تشمل المناقصات التي هي مقاولات خاصة وتشمل غير المناقصات التي يكون التقاول مع طرف خاص من غير ان تسبق هذه المقاولة بعرض المشروع على الآخرين. فالعلاقة بينهما هي علاقة العموم والخصوص المطلق ، إذ كل مناقصة هي مقاولة وليست كل مقاولة هي مناقصة ، فالمقاولات اعم من المناقصات التي هي مقاولات خاصة (1).

توضيح لعقود المناقصات المعاصرة :

إن ما يجري في الخارج لعقود المناقصات قد يحتوي على عمليات متعددة يكون لفهمها الاثر الخاص في تشخيص الحكم الذي نحن بصدده ، لذا من المستحسن أن نستعرض سير عملية المناقصة من اول ما يدعى الى المشاركة فيها وحتى نهاية العقد فنقول :

1 ـ إن أول ما يصدر منشوراً في الصحف الكثيرة الانتشار هو وجود عزم عند جهة معينة لتأسيس مشروع معين او شراء سلع موصوفة ، ولكن طريقة تمامية العقد تكون على طريقة المناقصة التي هي : التزام بالتعاقد مع افضل من يتقدم بالتعاقد معه » ، ويذكر عادة في هذا المنشور الدعوة الى الاشتراك في المناقصة وذكرآخرموعدلتسلّم المضاريف التي فيهاالاستعدادالكامل لتقبل الصفقة بسعرمعين.

2 ـ قد يُشترط لأجل الاشتراك في عملية المناقصة شراء المعلومات التي أعدتها الجهة الداعية الى المناقصة حول المشروع ، وهنا لابدّ لأجل الاشتراك في عملية

(1) واذا نظرنا الى ان المقاولة هي عبارة عن عقد بين طرفين يقدم فيه المقاول صناعة لآخر أو عملاً في مقابل مبلغ معلوم ، عرفنا ان المناقصات قد تكون في البيع والسلم وحينئذ تكون العلاقة بين المناقصة والمقاولة هي العموم والخصوص من وجه حيث يلتقيان كما في المقاولة التي وجدت من طريق المناقصة فهي مقاولة ومناقصة وقد يفترقا حيث توجد مقاولة ليست بمناقصة كما في المقاولة المباشرة بين الاطراف وقد توجد مناقصة ليس بمقاولة كما اذا حصلت مناقصة على شراء كمية من السلع تسلّم نجوماً.


344

المناقصة لمن يرغب بها من شراء تلك المعلومات. وهذا عقد مستقل قبل الاشتراك في المناقصة ولا ارتباط له بعقد المناقصة الذي لم تبدأ أيُّ مرحلة من مراحله لحدِّ الآن. وقد يشترط في هذا العقد تقديم خطاب ضمان ابتدائي يدفعه البنك اذا رست المعاملة على أحد المتناقصين ولم يلتزم بها.

3 ـ يبدأ عقد المناقصة من حين تسلّم المضاريف وفتحها ( وقد يكون من حين كتابة المضاريف ) ، وبما أن في كل مضروف استعداد صاحبه لتقبل المشروع بسعر معين ، فهو يكون ايجاباً من قبل صاحبه للالتزام بما يريده صاحب الطلب « وفي حالة كون المناقصة علنية وعلى وجه المباشرة بين البائع او المقاولين وبين الراغب في تمامية المشروع له ، تكون المناداة بالاستعداد بسعر معين هي الايجاب ». ولكن بما أن الداعي الى المناقصة قد التزم بانه يختار أفضل من يتقدمون للتعاقد معه ، فحينئذ يكون بذل السلعة او العمل بسعر أقل من الأول موجباً لسقوط الايجاب الاول وبقاء الثاني وهكذا اذا حصل من يبذل أقل من الثاني ، الا أن هذه المرحلة يبدأ بها العقد ولكنه لم يتم الا بعد إرساء المناقصة على أحد الافراد وهو الأقل من غيره.

4 ـ واذا رست المعاملة على أحد المتناقصين باعتباره الأفضل للتعاقد ، فقد حصل القبول وتمّ العقد في هذه اللحظة وإن كان قد بدأ قبل ذلك. وفي هذه المرحلة لا يوجد ايّ إشكال في هذه المعاملة حيث يكون الثمن معلوماً للمشتري ، كما لا بأس بالفاصل بين الايجاب والقبول هنا كما لا نرى بأساً به فيما اذا حصل الايجاب بواسطة الرسالة التي تستغرق مدّة ( أكثر من المدة التي تكون بين كتابة المضاريف وفتحها وارساء المناقصة على افضلها ) غير قليلة حتى يتحقق القبول ويتم العقد.

ولكن قد يكون سير المناقصة بصورة اخرى : خلاصتها : « تقديم القبول على الايجاب » كأن يقول الداعي الى المناقصة ( كما تقدم في تعريفها ) أنا التزم باختيار أفضل من يتقدم للتعاقد معي حول هذا المشروع الموصوف بهذه


345

الاوصاف المعينة ، ويعتبر هذا قبولاً متقدماً على الايجاب. وعلى هذا فسوف يكون فتح المضاريف والاطلاع على اقل من تقدم للتعاقد هو الايجاب المقبول سابقاً.

وفرق هذه الصورة عن سابقتها هو في تحديد بدء العقد وانتهائه. ففي الصورة الاولى كان بدء العقد بكتابة المضاريف او فتحها وانتهائه بالقبول مع أفضل من تقدم للتعاقد ، أما في الصورة الثانية فيكون بدء العقد من حين الدعوة الى المناقصة وختامها بفتح المضاريف ومعرفة افضل من تقدم للتعاقد.

ولكن إشكال هذه الطريقة الثانية يكمن في عدم معرفة الثمن حين القبول المتقدم ، حيث أن المشتري او صاحب المشروع قد قبل افضل مَنْ يتقدم للتعاقد معه ، وهو لا يعرف الثمن الذي يكون في مقابل المشروع او السلعة المشتراة ، نعم يعرف الثمن حين تمامية العقد ومجيء الايجاب ، فهل هذا يضرّ بصحة العقد ؟

والجواب : قد يقال بأنّ جهالة الثمن عند القبول المتقدم لا يضر بصحة العقد ، حيث ان معلومية الثمن وكذا المثمن هي شرط لصحة العقد ، وحينما يتم العقد يتضح الثمن ، جهالة بالثمن عندتمامية العقد ، نعم هناك جهالة بالثمن قبل تمامية العقدوهي لا تضر.

وبعبارة اخرى : اذا قلنا أن جهالة الثمن مضرّة بصحة العقد لأنها تؤدي الى الضرر المنهي عنه ، فإن الضرر غير موجود بعد تمامية العقد ، حيث أن المشتري قد علم بالثمن حين رسوّ المعاملة.

ثم إننا اذا لم نقبل ما تقدم كتوجيه لصحة الصورة الثانية للمناقصات ، فنقول : إن القبول المتقدم إن لم يكن مقبولاً ، فبعد فتح المضاريف ومعرفة أفضل من تقدم للتعاقد يحصل القبول من المشتري الآن ، فيكون ابتداء العقد وإنتهائه كالصورة الاولى وقد عرفنا أنه لا إشكال فيها.

2 ـ انواع المناقصات :

ان المناقصات التي توجد في الخارج يمكن ان تكون على انواع متعددة :


346

الاول : مناقصات للبيع والشراء : فان الجهة الداعية الى عقد المناقصة تريد الشراء لما ترغب فيه بمواصفات معينة ، والذي يبذل ما يريده المشتري يكون بائعاً. وهذا هو بيع الكلي المضمون حالاًّ.

الثاني : مناقصات الاستصناع والسلم : حيث تعقد المناقصة لشراء الكلي الموصوف الذي يسلّم بعد ستة اشهر مثلاً ، فيتعاقد المشتري مع أفضل من يتقدم من الناحية المالية والالتزامية ، فهي مناقصة سلم اذا كانت على سلعة لابدّ من تحويلها بعد الاجل ، ومناقصة استصناع اذا كان المراد تحويله عبارة عن شيء كوّنه العمل مع المواد الاولية التي يوفرها المستصنَع.

الثالث : مناقصات لعقد الاجارة : لإنشاء مشروع معين ، على ان تكون مواد المشروع من الجهة الداعية الى المناقصة.

الرابع : عقد مناقصة لأجل الاستثمار : ولهذ القسم انواع متعددة تبدو في كل من :

أ ـ عقد المضاربة.

ب ـ عقد المزارعة.

ج ـ عقد المساقاة.

فإنَّ المموّل في المضاربة الشرعية ، وصاحب الارض والبذر الذي يريد زراعة أرضه بنسبة من الربح ، وصاحب الاصول الذي يرغب في أن يسقي غيره اصوله المغروسة قد يعقدون مناقصة لمن يكون شريكاً لهم في الربح ، فيعلن ( المضارب والمزارع والمساقي ) رغبته للتعاقد مع أفضل من يتقدم للشركة معه.

ونحن لا نحتاج الى سرد دليل خاص على مشروعية المناقصات حيث انها كما اتضحت داخلة :

اما في بيع الكلي حالاًّ.

او بيع الكلي سلماً.


347

او بيع الاستصناع.

او الاجارة.

او الاستثمار على طريقة المشاركة.

وبهذا سوف تكون ادلة هذه العقود هي الادلة على صحتها.

ثم انه كما يكون البيع في الحيوان والصرف والسلف والاستصناع ، كذلك تكون المناقصة فيها على حدّ سواء. وعلى هذا فسوف تكون المناقصات شاملة للبيع وللاجارة وللاستثمار عن طريق المشاركة في الربح ، فهي عبارة عن عنوان عام يمكن أن نطلق عليه عنوان عقود المناقصات.

وعلى هذا فان المناقصات لما كانت تختلف عن البيوع العادية في اعتبار أنَّ المشتري ملتزم بالتعاقد مع أفضل من يتقدم بالتعاقد معه ، وكذا البائع قد التزم بذلك كما في التعريف فمعنى ذلك أن العقد الحاصل من تلك المناقصة قد اشترط فيه اسقاط الخيارات ، حيث ان الالتزام في العقد بالتعاقد مع أفضل من يتقدم للتعاقد ليس معناه عرفاً هو الالتزام بالتعاقد حتى يتمّ ثم يُفسخ بعد ذلك بخيار مجلس مثلاً ، فإنَّ هذا المعنى وإن كان له وجه دقيق الا أنه ليس عرفياً لمن يصرح بانه ملزَم بالعقد مع غيره ، كما اذا حلف أن يبيع داره من فلان ، فانه لا يحق له أن يبيعها منه ثم يفسخ البيع بخيار المجلس ، وحينئذ يكون التصريح معناه بقاء العقد بدون فسخ ، اما اذا وجد فسخ بعد ذلك فلا معنى للالتزام بالعقد.

وعلى هذا فسوف يكون معنى الالتزام بالعقد مع مَنْ يتقدم بأحسن الشروط هو عدم جواز الفسخ بخيار المجلس مثلاً ، وهو معنى إرتكازية عدم الفسخ في عقد المناقصات. ومما ينبهنا على ذلك أخذ خطاب الضمان الابتدائي الذي يكون لصالح من يلتزم بالعقد ضدّ من لم يلتزم به بعد رسوّ المعاملة ، وسوف يأتي توجيه ذلك بكونه شرطاً في فسخ المعاملة ، ومعنى ذلك عدم جواز الفسخ بدونه ، ونستطيع أن نستنتج من كل ذلك : أن الخيار موجود للمتبايعين ولكن لا يحق لكل


348

واحد شرعاً الفسخ الا في صورة أن يكون خطاب الضمان لصالح الآخر. بالاضافة الى أن المشتركين في هذه العقود هم من أهل الخبرة الذين لهم سابقة جيدة في هذه المعاملات السوقية فيكون ادعاء الغبن مثلاً هنا غير مسموع عادة ، فلا يثبت خيار الغبن فيها من هذه الناحية أيضاً.

اختلاف المناقصة عن البيع :

واذا نظرنا بمنظار آخر للمناقصات نراها انها عبارة عن قسم من البيوع ، حيث ان البيع قد يكون مع طرف خاص من غير أن يُعرَض المشروع في شراء السلع للاخرين. كما تكون المناقصات قسماً من بيع السلم او الاستصناع او الاجازة او الاستثمار حيث قد تكون هذه العقود الأخيرة من غير ان يعرَض مشروعها للاخرين.. وبهذا اتضح ان المناقصات قد تكون اعم من البيع كما قد تكون اخص منه من ناحية اخرى. فبين المناقصة والبيع عموم وخصوص من وجه ، فيتفقان ويختلفان ، وكذا تكون هذه النسبة بين المناقصة والسلم ، والمناقصة والشركة ( مضاربة ، مساقاة ، مزارعة ).

التكييف الشرعي للمناقصات

إن المناقصات التي قد لا يكون لها أثر شرعي خاص في كتب الحديث ، يمكن الاستدلال على صحتها ومشروعيتها بعمومات ﴿ أحَلَّ اللهُ البَيْع و ﴿ تِجارَةً عَن تَراض و ﴿ أوْفُوا بِالعُقُود بعد وضوح كونها من مصاديق البيع والتجارة والعقد عرفاً ، حيث أن المشتري اراد الوصول الى مقصوده ، وكذا المستأجرِ ، وكذا الطرف الآخر البائع او مقدّم الخدمات الى الاخرين يريد الحصول على نتيجة عمله متمثلاً في النقد او اي شيء آخر ، واذا إتضح ان المعاملة الجارية بصورة المناقصة هي بيع او اجارة او مزارعة او مضاربة او مساقاة او غير ذلك ، فالدليل الذي دلّ


349

على صحة هذه العقود من الادلة العامة او الخاصة هو نفسه الدليل على صحة هذه المناقصة بشرط أن تسلم اصول العقد وتحقق اغراضه. وسوف نرى فيما يأتي ان ما اشترط في عقد المناقصة هل يخلّ بأصل العقد اولا ؟.

ثم إن المناقصات تستهدف في حقيقتها المحافظة على المنافسة الشريفة في خفض الاسعار لصالح طالب السلعة ، او خفض الاجرة لصالح طالب العمل ، وهذا العمل قد يتعين في الشريعة الاسلامية اذا كان الغرض منه الشراء للايتام بواسطة الحاكم او الوصي او القيّم ، لما فيه من توقع الشراء بأقل ودفع التهمة. وكذا قد يتعين هذا العمل في الشراء او انجاز العمل لمؤسسات الدولة كالاوقاف والمؤسسات العامة كالمدارس ، وان لم يتعيّن فلا اقل من استحبابه في مثل الصور المتقدمة لما فيه من تحقيق المصلحة العامة او مصلحة المتولى عليهم او دفع التهمة على المباشر في بعض الصور.

هل هناك تعارض بين صحة عقود المناقصات والنهي عن الدخول في سوم الاخ ؟

هناك طائفتان من الروايات قد يقال بتعارضها مع عقد المناقصة وهما :

طائفة النهي عن بيع الرجل على بيع اخيه.

طائفة النهي عن سوم الرجل على سوم أخيه.

الطائفة الاولى :

1 ـ فقد ورد عن عبدالله بن عمر ( رضي الله عنه ) ان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : « لا يبيع بعضكم على بيع أخيه » (1).

2 ـ عن أبي هريرة قال : « نهى رسول الله ( صلى اللة علية وآلة ) أن يبيع حاضر لباد ... . ولا

(1) صحيح البخاري بشرح فتح الباري ، ج 4 ، ص 352 ـ 353 باب 58 ، حديث رقم 2139.


350

يبيع بعضكم على بيع اخيه » (1).

وقد روى هذا الحديث ايضا مسلم في صحيحه عن ابن عمر ( رضي الله عنه ) بلفظ : « لا يبع بعضكم على بيع بعض ».

وعنه أيضاً : « لا يبع الرجل على بيع اخيه ولا يخطب على خطبته الا أن يأذن له ».

ولما كان البيع حقيقة هو في صورة انعقاده ، فيكون البيع على البيع حقيقة في صورة انعقاد البيع الاول وهذه الحقيقة هنا منتفية ، فحُمِل على اقرب المجازات اليها ، وأقرب المجازات هي المراكنة التي يركن فيها المشتري الى البائع وتنشر السلعة له (2).

اقول : ان حقيقة البيع على البيع هنا موجودة ، فلا حاجة الى حمل الروايتين على أقرب المجازات ، وتوضيح ذلك هو أن البيع الاول عندما يتم يأتي البائع الآخر فيقول للمشتري في زمن خيار المجلس : « اذا فسخت بيعك فانا ابيعك مثله بأقله ، منه او يقول مشتر آخر للبائع اذا فسخت بيعك ، فأنا أشتري منك بأكثر منه ».

وأما ما ذكر من المراكنة فقد وردت فيها روايات الطائفة الثانية.

الطائفة الثانية :

روى عن الحسين بن زيد عن الامام الصادق ( عليه السلام ) عن آبائه في حديث المناهي انه قال : « ونهى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يدخل الرجل في سوم أخيه المسلم » (3).

(1) المصدر السابق ، حديث رقم 2140.

(2) ذهب الى هذا العلاّمة ابوعبدالله محمد بن خلفة الوشتاني الآبي المالكي في كتابه إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ، ج 4 ، ص 178 ، بيروت دارالكتب العلمية ، ذكر ذلك صاحب كتاب « عقد المزايدة بين الشريعة الاسلامية والقانون د. عبدالوهاب ابوسليمان ، ص 17.

(3) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 49 من ابواب التجارة ، ح 3.


351

ومعناه : ان يطلب غيره من المسلمين ابتياع الذي يريد أن يشتريه ، ويبذل زيادة عنه ليقدمه البائع او يطلب البائع بيع سلعته بسعر اقل مما اتفق عليه البائع مع المشتري او يبذل شخص آخر غير المتساومين الى المشتري متاعاً غير ما اتفق هو والبائع عليه. فنرى أن احد المتبايعين قد ركن في المعاملة الى الآخر ولم يبق الا العقد والصفقة ، فاذا أراد أحد أن يدخل في مابين المتراكنين ليفسد عليهما صفقتهما فيكون مشمولاً لهذا النهي ، وهذا النهي دالٌ على الحرمة ظاهراً ، فقد يقال بتعارضه مع صحة عقد المناقصة.

ولكن اقول : بعد الغضِّ عن ضعف سند الحديث :

ان هذا النهي وإن كان ظاهراً يدل على الحرمة ، الا أن ارتكازية « تسلط الناس على أموالهم » التي ورد فيها النص تدلّ على أن السلطنة على مال الانسان تمتدّ الى تمامية البيع او العقد ، ومادام هنا في المساومة لا يوجد بيع ولا عقد فتكون قرينة على ان المراد من النهي المتقدم هو الكراهة ، ولذا اورد الفقهاء هذه الرواية في باب الآداب ، وعلى هذا فلا تكون معارضة لصحة عقد المناقصة بناء على وردها في مورد عقد المناقصة. ولكننا نقول ان المناقصة التي نحن بصدد الكلام عنها تختلف اختلافاً اساسياً عن مورد النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه ، ومورد النهي عن الدخول في سوم الاخ المسلم وذلك :

لان المناقصات التي توجد في الخارج ويحصل التوارد على المناقصة في العملية الواحدة لا يوجد فيها بيع حتى يكون بيع الرجل على بيع أخيه ، ولا يوجد ركون حتى يكون دخول على سوم الاخ المسلم ، وانما هي عروضات تحصل من المتناقصين ، للمشتري أن يختار احدها الموافق له وحينئذ تكون هاتان الطائفتان من الروايات خارجتين عن صحة المناقصات التي نحن بصدد الكلام عنها.

على انه قد صرح عض الفقهاء (1) بعدم شمول النهي في الدخول على سوم

(1) الشهيد الاول ، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ، ج 3 ، 296.


352

الاخ المسلم للدِلالة التي يتعارف وجودها في المزايدات والمناقصات حيث أنها موضوعة عرفاً لطلب الزيادة أو النقيصة ، فما دام الدلال يطلب الزيادة او النقيصة لا يكون هناك سوم او ركون حتى يأتي النهي عن الدخول في سوم الاخ المسلم.

ويمكن توجيه عدم التنافي بشكل اخر وهو ان يقال : ان حديث النهي عن الدخول في السوم ناظر الى المعاملة الخاصة الجارية بين طرفين خاصين ولا يشمل مثل بيع المناقصة التي تكون المعاملة فيه مبنية من الاول على عدم السوم مع شخص واحد بل مع جماعة.

3 ـ الدخول في المناقصة لمن لا يمتلك السلعة أهو من المواعدة ؟ اوالإستصناع ؟ او بيع ما ليس عند الانسان ؟

لابد لنا من التفرقة بين الاستصناع او السلم وبين بيع ماليس عند الانسان الذي روي فيه النهي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لنرى أن ما نحن فيه ( بيع المناقصة ) من اي القسمين. ثم لابدّ من التفرقة بين ما نحن فيه وبين المواعدة التي تحصل بين اثنين على أمر من بيع او عمل.

بيع ما ليس عندك :

إن الروايات الواردة في بيع ما ليس عندك على طوائف :

الطائفة الاولى : روايات حاكية لنهي النبي ( صلى الله عليه وآله ) عندك بيع ماليس عند فقد روى سليمان بن صالح عن الامام الصادق ( عليه السلام ) انه قال : « نهى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن سلف وبيع ، وعن بيعين في بيع ، وعن بيع ماليس عندك ، وعن ربح مالم يضمن » (1).

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 7 من احكام العقود ، ح 2 ، وكذا ح 5.


353

وهذه الروايات مطلقة لبيع ما ليس عند الانسان سواء كان بيعاً كلياً او شخصياً.

ولكن يتعين علينا رفع اليد عن الاطلاق وحمله على صورة كون المبيع شخصيا ، وذلك لورود الروايات المعتبرة الدالة على جواز بيع الكلي على العهدة مع عدم ملك الشخص حال البيع كما سيأتي.

ويتعيّن علينا أيضاً رفع اليد عن اطلاق بطلان بيع ما ليس عنده بالاضافة الى مالك المال ، لما ورد من الادلة الدالة على صحة بيع الفضولي باجازة المالك ، وهذا واضح.

فالخلاصة : ان النهي المتقدم هو في ( خصوص المبيع الشخصي لغير المالك ) ، وهذا النهي يدل على عدم حصول النقل والانتقال شرعاً ( اي فساد البيع باعتبار اشتراط الملك في البيع الشخصي اذا باعه لغير المالك ).

الطائفة الثانية : روايات تصحح البيع بعد ان يشتري العين الخارجية وتبطله اذا باعها قبل الشراء ، منها :

1 ـ صحيحة يحيى بن الحجاج قال : سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن رجل قال لي « اشتر لي الثوب او هذه الدابة ، وبعنيها ، أربحُك فيها كذا وكذا ، قال : لا بأس اشترها ولا تواجبه البيع قبل ان تستوجبها او تشتريها » (1) والاستيجاب عام لمطلق التملك ولو بغير الشراء ، بينما الشراء خاص لخصوص التملك بالشراء.

2 ـ روى ثقة الاسلام الكليني (2) في باب ( لا تبع ما ليس عندك ) عن ابن

(1) المصدر نفسه ، باب 8 من احكام العقود ، ح 13.

(2) روى هذه الرواية الشيخ الطوسي في باب ( النقد والنسيئة ) ولعل الذي جعله يرويها في هذا الباب هو احتمال ان الحديث بصدد بيان تحصيل الانسان مالاً بدون محذور الربا وهو ما يسمى به ( بيع العينة ) وحينئذ فان لم يكن البيع الثاني مشروطاً في البيع الاول فلا بأس به.


354

عمير عن يحيى بن الحجاج عن خالد بن الحجاج قال قلت للصادق ( عليه السلام ) : « الرجل يجيئني ويقول : اشتر هذا الثوب واربحك كذا وكذا ، فقال ( عليه السلام ) : أليس إن شاء اخذوإن شاءترك؟قلت بلى ، قال ( عليه السلام ) لابأس :انمايحلل الكلام ، ويحرم الكلام » (1).

فكأن الامام الصادق ( عليه السلام ) لا يرى بأساً بالمواعدة والمقاولة مالم يوجب بيع المتاع قبل أن يشتريه من صاحبه ، وانما المانع اذا باع الثوب ثم اشتراه من صاحبه ، ودفعه الى المشتري ، فان هذا باطل. اقول : وإذا ناقشنا بكون طائفة الروايات الاولى ضعيفة وطائفة الروايات الثانية غير ظاهرة في المفروض (2) لاحتمال كونها في من اراد الحصول على المال بدون محذور الربا وهو ما يسمى ( بيع العينة ) فان كان البيع الثاني مشروطاً في الاول فهو باطل ، ولا ربط لها في من باع ثم ملك ، فتاتي.

الطائفة الثالثة : وهي روايات تصحح البيع بعد أن يشتري المتاع ، سواء كان كليا او شخصياً ، منها :

1 ـ صحيحة محمد بن مسلم عن الامام الباقر ( عليه السلام ) : قال : « سألته عن رجل أتاه رجل فقال له : ابتع لي متاعاً لعلّي اشتريه منك بنقد او نسيئة ، فابتاعه الرجل من أجله ، قال ( عليه السلام ) : ليس به بأس ، انما يشتريه منه بعدما يملكه » (3).

2 ـ صحيحة منصور بن حازم عن الامام الصادق ( عليه السلام ) : « في رجل أمر رجلاً يشتري له متاعاً ، فيشتريه منه ؟ قال ( عليه السلام ) : لا بأس بذلك انما البيع بعد ما يشتريه » (4).

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 8 من احكام العقود ، ح 4.

(2) هذا الاحتمال غير وارد في الصحيحة الاولى ، لانه يقول « اشتر لي هذا الثوب او هذه الدابة وانا اربحك فيها كذا وكذا » فوجود كلمة ( لي ) تبعد الاحتمال المذكور وهي ظاهرة في ارادة أن يشتري له ملك الغير.

(3) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 8 من احكام العقود ، ح 8.

(4) المصدر السابق ، ح 6.


355

وهاتان الروايتان تقضيان بأنَّ الجواز بعد ان يشتري الشيء وبعد ما يملكه ، اما بيع الشيء قبل تملكه فهو باطل. ولكن لابد من تخصيصهما بصورة العين الخارجية ، وذلك : لورودالروايات الصحيحة الدالة على صحة بيع الكلي كما سيأتي.

بيع الكلي ( بيع ما في الذمة ) :

وهو يتصور على قسمين :

الأول : بيع السلم.

الثاني : بيع الكلي.

اما الاول : فهو عبارة عن ابتياع مال مضمون الى أجل معلوم بمال حاضر او ما في حكمه ) (1). والدليل على صحته بالاضافة الى عمومات صحة البيع والتجارة عن تراض هو :

1 ـ ما رواه زرارة في الصحيح عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « لا بأس بالسلم في الحيوان اذا وصفت أسنانها » (2).

2 ـ صحيحة الحلبي عن الامام الصادق ( عليه السلام ) قال : « سئل عن الرجل يسلم في الغنم ثنيان وجذعان وغير ذلك الى أجل مسمى ؟ قال : لا بأس » (3).

3 ـ موثقة سماعة قال : « سئل الامام الصادق ( عليه السلام ) عن السلم في الحيوان ؟ فقال : « اسنان معلومة واسنان معدودة الى أجل مسمى لا بأس به » (4).

وأما الثاني ( بيع الكلي حالاً ) : فقد ذكر الفقهاء ان بيع الكلي في الذمة حالاً صحيح تشمله الادلة العامة لصحة البيع مع خصوص صحيح ابن الحجاج قال : « سألت الامام الصادق ( عليه السلام ) عن الرجل يشتري الطعام من الرجل ليس عنده

(1) جواهر الكلام ، ج 24 ، ص 267.

(2) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 1 من السلف ، ح 3.

(3) المصدر السابق ، ح 4.

(4) المصدر والباب نفسه ، ح 7.


356

فيشتري منه حالاً ؟

قال : ليس به بأس.

قلت : إنهم يفسدونه عندنا.

قال : فأيّ شيء يقولون في السلم ؟

قلت : لا يرون فيه بأساً ، يقولون : هذا الى أجل فاذا كان الى غير أجل وليس هو عند صاحبه فلا يصلح.

قال : اذا لم يكن أجل كان احق به.

ثم قال : لا بأس ان يشتري الرجل الطعام وليس هو عند صاحبه الى أجل ، وحالاً لا يسمي له أجلاً إلا ان يكون بيعا لا يوجد ، مثل العنب والبطيخ في غير زمانه ، فلا ينبغي شراء ذلك حالاً » ونحوه آخر (1).

النتيجة : أن المناقصة ليست من بيع ما ليس عندك :

وبعد ان اتضحت هذه الامور :

1 ـ ان المرادمن لاتبع ماليس عندك هوفي خصوص العين الشخصية التي تكون ملكاً للغير ، فلا يجوز لغير صاحبها أن يبيعها ثم يشتريها ويسلمها الى المشتري.

2 ـ وان بيع الكلي في الذمة صحيح ، سواء كان سلماً ( مؤجلاً ) او حالاً ، مادام تسليمه الى المشتري مقدوراً.

نأتي الى ما نحن فيه وهو بيع المناقصة فنقول :

اذا كانت المناقصة عبارة عن رغبة المشتري في الحصول على شيء كلي له مواصفاته الخاصة فيكون المناقص بائعاً لهذا الكلي بثمن يعرضه ، فان رست عليه العملية فهو صحيح لصحة بيع الكلي.

أ ـ فان كان هذا الكلي سلعة مؤجلة الى اجل معين فهو بيع سلم.

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 7 من احكام العقود ، ح 1 و ح 3.


357

ب ـ وان كان هذا الكلي سلعة حالّة فهو بيع الكلي الحال.

ج ـ وان كان هذا الكلي عبارة عن صنع شيء معين الى اجل معين فهو بيع الاستصناع الذي هو قسم من السلم.

د ـ وان كان هذا الكلي عملاً في المستقبل كالزرع والسقي والضرب في الارض بحصة من الربح فهو مزارعة ومساقاة ومضاربة.

هـ ـ واذا كان هذا الكلي عملاً له شرائطه كالبناء والخياطة والطباخة بأجرة معينة فهو اجارة ، وهكذا. وعلى هذا تبيّن ان المناقصة التي يدعو لها فرد او جهة معينة لا تتصور في الرغبة في شراء شيء معين خارجي له مالك واحد او متعددون ، بل يتصور هنا المساومة والمراوضة معهم للوصول الى الاتفاق على شيء خاص وهو غير المناقصة.

إذن تبين أنَّ علاقة الاستصناع بالمناقصة هي علاقة الخاص بالعام ، اذ قد تكون المناقصة استصناعاً وقد لا تكون.

الفرق بين المواعدة والمناقصة :

بقي أن نعرف الفرق بين المواعدة والمناقصة ، فنقول : اذا كانت المناقصة ( عبارة عن بذل سلعة كلية او عمل كلي بمواصفات معينة بثمن معين ، وهو معنى الايجاب وصاحبها يكون هو البائع ، وارساء المناقصة على أي واحد من المتناقصين هو القبول من قبل المشتري فمعنى ذلك : أن العقد يتم ويكون ملزِماً بهذه الامور التي تكون على صورة الجزم والبت ) (1) فقد اتضح فرقها عن المواعدة التي لا تكون ملزمة للطرفين ، بل يكون صاحباها بالخيار إن شاءا عقدا وإن شاءا تركا ، كما ذكرت ذلك الروايات كصحيحة معاوية بن عمار قال : « قلت للصادق ( عليه السلام )

(1) وانما يبرم العقد بعد ذلك ، بمعنى كتابته كوثيقة.


358

يجيئني الرجل يطلب منّي بيع الحرير وليس عندي منه شيء ، فيقاولني عليه ، واقاوله في الربح والأجل حتى نجتمع على شيء ، ثم اذهب فاشتري له الحرير ، فادعوه اليه ، فقال ( عليه السلام ) أرأيت إن وجد بيعا هو أحبُّ اليه مما عندك أيستطيع أن ينصرف اليه ويدعك ، أو وجدت انت ذلك اتستطيع أن تنصرف اليه وتدعه ؟

قلت : نعم. قال : فلا بأس » (1).

والمفهوم من هذه الصحيحة هو أن الرجل الذي طلب الحرير من الآخر لم يحصل بينهما البيع الكلي في الذمة وانما تقاولا ، وبما ان التقاول قد يكون ملزِماً كالعهد ، وقد لا يكون ملزِماً كالوعد ، اراد الامام ( عليه السلام ) أن يُفهمه بأنَّ التقاول غير الملزِم وهو المواعدة او الوعد الذي ليس لها صفة الزام في البيع او الشراء ، بينما الذي له صفة الالزام هو العهد او البيع الكلي ولم يحصل أياً منهما.

اذن حصل الفرق بين المناقصة والمواعدة بالالزام وعدمه ، فاذا تمت المناقصة مع احد الاطراف فهي اما بيع ، او بيع خاص ( كالسلم ) ، او استصناع ، او اجارة ، او استثمار على احد الطرق المتقدمة وهذا كله يختلف عن المواعدة التي لا تكون ملزِمة وليست هي من العقود.

4 ـ بيع وثائق المناقصة بالتكلفة او بأي ثمن للحصول على ربح

اقول : إن المناقصات التي هي عبارة عن قائمة احتياجات ( مشاريع او مقاولات ) يحتاجها المعلِن بمواصفات معينة تسدّ حاجته وتشبع رغبته ، تستدعي توظيف بعض الخبرات والاستشارات التي يُنفق عليها المحتاج مقداراً من المال. ثم

(1) وسائل الشيعة ، ج 12 ، باب 8 من احكام العقود ، ح 7.


359

يقوم المحتاج بتزويد المتناقصين بهذه المواصفات والدراسات التي يرغب في تنفيذ احتياجاته على وفقها ، وهذه الدراسات تفيد المناقص اذا رست عليه المناقصة ، اذ ليس عليه بعد ذلك الا التنفيذ. وهنا قد يقوم المشتري على استعادة هذه التكلفة من الرسوم التي يأخذها من المتقدمين للمناقصة ، أو يأخذ اكثر منها للحصول على ربح ، فهل هذا العمل جائز ؟

اقول : ان هنا معاملتين :

الاولى : يقوم بها المشتري مع الاخصائيين الذين يتصدون لتهيئة المعلومات الكاملة لكي تعرض للمشتركين في المناقصة مثل تهيئة خريطة المشروع او صفة السلعة او نوع الشركة او شروط الاجارة او الاستصناع وما يتربط بهذه المشروعات من امور ، وهذه المعاملة بين المشتري والمُعدِّين لهذه المعلومات يمكن أن تكون على أساس الجعالة ، كما يمكن أن تكون من قبيل استئجار المتصدِّين لتهيئتها ، وهو عقد صحيح.

ثم هناك معاملة ثانية : هي بين من استحق هذه المعلومات لصالحه ـ وهو المشتري ـ وبين من يريد ان تعرض تلك المعلومات له ، فهي معاملة ثانية صحيحة سواء كانت بسعر الكلفة او أزيد لدخولها تحت عنوان التجارة عن تراض ، او احلّ الله البيع ، حيث ان هذه المعلومات قد تكون كراساً صغيراً ذا قيمة ومنفعة بذل في اعداده وقتاً وجهداً ومالاً ، فبيعه على من يريد ان يقتنيه للدخول في المناقصة جائز بلا اشكال.

ولعل هذا من قبيل شراء الجريدة لمن يريد أن يرى اسمه من المقبولين في الجامعة أو من الفائزين في مسابقة أم لا.

ونحن لا نريد بهذا أن نقول : أن بذل هذا الكراس إلى المتناقصين مجاناً أو بسعر التكلفة لا يجوز ، بل كل أمر من الامور الثلاثة جائز ، والله اعلم ، ولا بأس بالتنبيه على أنَّ بيع دفتر المعلومات الى الداخل في المناقصة صحيح وإن لم يكن فيه


360

نفع للمناقص ، فإنَّ البيع الصحيح : هو تمليك عين بمال ، سواء كانت العين فيها نفع للمالك أم لا ، ( مع افتراض أنّها فيها نفع حتى يصح البيع ).

5 ـ طلب المشتري ضماناً بنكياً :

طلب المشتري ضماناً بنكياً من كل من المشتركين في المناقصة وطلبه تأميناً نقدياً منهم ، فهل يحق اخذه كلياً او جزئياً عند النكول ؟

ولايضاح الحقيقة في هذا الامر ينبغي لنا أن نتكلم في عدة نقاط :

الاولى : ما هو الضمان البنكي الذي يطلبه المشتري من كل من المشتركين في المناقصة ؟ وما هو التأمين النقدي منهم ؟

الثانية : ما هي أقسام هذا الضمان البنكي ؟

الثالثة :هل يجوزشرعاًللمشتري أن يأخذهذاالضمان مطلقاًعندنكول المقاول ؟

اما النقطة الاولى : فخلاصة الكلام فيها هو عبارة عن طلب الجهات التي تقوم بالمناقصة من مطالبة : كل مشترك في هذه العملية. وكل من ترسو عليه العملية ويبرم معه العقد ، بتقديم تأمينات نقدية تبلغ نسبة معينة من قيمة العملية ، بشرط ان تصبح هذه التأمينات من حق الجهة التي قامت بالمناقصة في حالة عدم اتخاذ المشترك الاجراءات اللازمة لرسوّ العملية عليه او عدم تنفيذ العقد.

ولكن بدلاً عن تكليف المشترك بتقديم هذه التأمينات النقدية وتجميدها ، حصل الاتجاه القائل : بأن يتقدم المشترك الى البنك طالباً منه خطاب الضمان (1).

(1) أقول : إنَّ صورة خطاب الضمان متعددة وهي :

1 ـ الضمان النقدي ، وقد استبعدنا هذه الصورة لأنها تؤدي الى تجميد النقد.

2 ـ ضمان بحوالة أو شيك مصرفي ، ويشترط أن يقرض عليه المصرف المسحوب عليه بالقبول. وقد استبعدت هذه الصورة حيث يكون الشرط والحوالة أداة وفاء وليس اداة ائتمان.

3 ـ ضمان بالاقتطاع من مبالغ مستحقة ( للمناقص الذي تمت المناقصة له ) لدى الداعي الى المناقصة ، وقد استبعدت هذه الصورة لأنها تؤدي الى تجميد النقد من التداول والاستثمار.

4 ـ ضمان بخطاب ضمان مصرفي يدفع لدى الطلب الى الجهة الداعية الى المناقصة ، دون التفات الى معارضة قد تصدر من صاحب العرض.

5 ـ ضمان بتعهد من شركة وتأمين واجب الدفع عند أول طلب من الجهة الداعية الى المناقصة دون اعتبار لأيّ معارضة يمكن ان تصدر من صاحب العرض. اما الصور الثلاث الاولى فليس فيها اى مشكلة سوى استبعادها عن مجال الضمان ، أما الصورتان الاخيرتان فهما اللَّتان عليها العمل وقد اخترنا هنا خطاب الضمان المصرفي.


361

ومعنى خطاب الضمان : أن يكون البنك كفيلاً وضامناً بقبول دفع مبلغ معين لدى المستفيد من ذلك الخطاب نيابة عن طالب الضمان عند عدم قيام الطالب بالتزمات معينة قبل المستفيد (1) ولكن لا بمعنى الكفالة الاصطلاحي التي هي عبارة عن احضار المكفول ، ولا بمعنى الضمان الاصطلاحي الشرعي الذي هو عند طائفة : ضم ذمة الى ذمة ، وعند طائفة : النقل من ذمة الى ذمة ، بل بمعنى اداء البنك شرط المشترط في حالة عدم قيام المشترط عليه باداء الشرط مثل ضمان الاعيان المغصوبة التي لا تكون الذمّة مشغولة بها ما دامت العين موجودة ، فيكون معنى ضمان الاعيان المغصوبة هو ما نحن فيه من التعهد بادائها (2).

ويترتب على هذا التعهد بالاداء اشتغال ذمة المتعهد بقيمتها عند تلفها.

ويتحقق تلف الشرط على المشترِط : بامتناع المشروط عليه عن اداء الشرط الذي هو تلف للفعل على مستحقه ، وبذلك تتحوّل العهدة الجعلية ( التعهد باداء الشرط ) الى اشتغال ذمة البنك بقيمة ذلك الفعل ( اداء الشرط ) لإنه من

(1) راجع البنك اللاربوي في الاسلام ، الشهيد الصدر ، ص 128.

(2) غاية الامر أن وقوع العين المغصوبة في عهدة الغاصب قهري ، اما وقوع اداء الشرط في عهدة البنك فهو بسبب انشاء البنك لمثل هذا التعهد المفروض كونه نافذاً بحسب الارتكاز العقلائي الممضى شرعاً. وهذا البحث يأتي في صورة ضمان البنك او الفرد اداء دين شخص معين


362

اللوازم العقلائية لدخول ذلك الشرط في العهدة.

وعلى ما تقدم : فاذا تخلف المقاول عن الوفاء ، اضطر البنك الى دفع القيمة المحددة في خطاب الضمان ، ويرجع في استيفائها على الشخص الذي صدر خطاب الضمان اجابة لطلبه. وسيأتي زيادة توضيح في تكييف هذا التعهد شرعاً فيما بعد.

أما النقطة الثانية : فان خطاب الضمان ينقسم إلى قسمين :

1 ـ خطاب الضمان الابتدائي.

2 ـ خطاب الضمان النهائي.

اما خطاب الضمان الابتدائي : فهو تعهد بنكي لضمان دَفع مبلغ من النقود من قيمة العملية يطلبه من يتنافس على العملية إلى المستفيد الذي يدعو إلى المناقصة ، ويستحق المستفيد الدفع له عند عدم قيام الطالب باتخاذ ما يلزم عند رسوّ العملية عليه.

واما خطاب الضمان النهائي : فهو تعهد بنكي لضمان دفع مبلغ من النقود يعادل نسبة من قيمة العملية التي استقرت على عهدة العميل ، يطلبه من رست عليه العملية ونفّذ معه العقد لصالح المستفيد ، ولا يكون دفع المبلغ واجباً على البنك الاّ عندك تخلف العميل عن الوفاء بالتزاماته المنصوص عليها في العقد النهائي للعملية التي عقدت بين المقاول والمستفيد من خطاب الضمان (1).

لماذا خطابات الضمان ؟

ثم إن الفكرة الاساسية في خطابات الضمان تكمن في نقاط ، أهمها :

1 ـ ان الجهة المعلنة عن المناقصة تحتاج إلى التأكد من جدية عرض خدمات

(1) يمكن أن يكون خطاب الضمان الابتدائي والنهائي لصالح المقاول اذا شعر بأن الجهة المقابلة قد لا تلتزم بالعقد او قد لا تؤدي ما عليها من مال في الوقت المحدد ، كما يمكن أن يكون خطاب الضمان الابتدائي والنهائي من كل منهما لصالح الآخر اذا لم يلتزم احدهما بالعقد او بشروطه.


363

كل شخص من المشتركين. وهذا يحصل بفكرة خطابات الضمان الابتدائية.

2 ـ إنَّ الجهة المعلنة عن المناقصة تحتاج الى الزام المناقص بابرام العقد اذا رست المناقصة عليه.

3 ـ ان الجهة الداعية الى المناقصة تحتاج الى الزام المقاصد بتنفيذ العقد.

4 ـ كما انها تحتاج الى التحفظ على عدم التورط في خسائر أو مضاعفات عند الاتفاق مع أحد المشتركين ورسوّ العملية عليه ، فيما إذا تخلف عن الوفاء بالتزاماته. وهذا يحصل بفكرة خطابات الضمان النهائية.

وعلى العموم فان فكرة خطابات الضمان فيها حماية للمصلحة العامة ( التي تقوم بالمناقصات عادة ) أو الفرد ، وتقطع على المتهاونين سبل الخلل والاهمال ، ولكل احد الحق في سلوكها.

اما النقطة الثالثة : اما ( حكم خطابات الضمان ) فينبغي ان نتكلم في كل من القسمين بصورة مستقلة.

اما خطاب الضمان الابتدائي : فقد يقال إن الطالب للضمان الابتدائي من البنك وهو المقاول أو المشترك في المناقصة لم يرتبط مع الجهة التي تجري المناقصة بأي ارتباط عقدي ، وإذا كان كذلك فلا يمكن الزامه بشرط لكي يتمكن البنك ان يضمن وفاء ذلك الشرط. فلو فرضنا ان هذا المقاول الذي يريد ان يتنافس على الوصول إلى رسوّ العملية عليه قد التزم للجهة الداعية للمناقصة بأن يدفع مبلغاً معيناً من المال إذا لم يتخذ الاجراءات اللازمة عند رسوّ العملية عليه ، فهو من الوعد الابتدائي غير الملزم. وعلى هذا فلو تعهد البنك لدفع هذا المبلغ عند عدم دفع المقاول فهو من التعهد غير الملزِم أيضاً وإن كان جائزاً (1).

ولكن : ألا يمكن أن يقال ان المقاول إذا التزم بدفع مبلغ معين عند عدم القيام

(1) راجع البنك اللاربوي في الاسلام ، ص 131.


364

بالاجراءات اللازمة عند رسوّ العملية عليه يكون متعهداً وملزماً بذلك ، استناداً إلى قوله تعالى : ( يا أيا الذين آمنوا اوفوا بالعقود ) الذي معناه اوفوا بالعهود ، ونتيجة ذلك الزام البنك بتعهده إذا حصل نتيجة طلب المقاول لصالح المستفيد. على أن هذا الضمان من قبل البنك لمن اشترك في المناقصة يمكن ان يكون عربوناً ، وهو لا يحق اخذه في جميع الاحوال ، بل يؤخذ في صورة عدم التزام مَنْ رست عليه العملية بالمقررات اللازمة. وعلى هذا ، فسوف يكون دفع المبلغ المعين عند عدم القيام بالاجراءات اللازمة شرطاً في فسخ المعاملة المذكورة ، فالمعاملة إذا رست على احد فهي لازمة ولا يحق فسخها الاّ إذا دفع المقدار المعين من المال المتمثل في خطاب الضمان الابتدائي. وبهذا يكون اخذه من قبل الجهة الداعية إلى المناقصة عند عدم القيام بالاجراءات اللازمة لمن رست عليه العملية جائزاً كما يمكن أن يشترط الداعي الى المناقصة في عقد بيع المعلومات الى من يريد الاشتراك في المناقصة ، يشترط عليه اخذ مبلغ معين من المال اذا لم يلتزم بالعقد حين رسوّ العملية عليه ، وهذا شرط في ضمن عقد ، فيكون ملزِماً.

خطاب الضمان النهائي :

وهو الخطاب الذي يكون بعد وجود عقد قائم ( بين من دعى إلى المناقصة ـ وهي الجهة المستفيدة من الخطاب ـ وبين المقاول الذي طلب اصدار الخطاب من البنك لصالح المستفيد ) ، وهذا العقد ينصّ على شرط على المقاول لصالح من دعى إلى المناقصة ، وخلاصة هذا الشرط هو أن يدفع المقاول نسبة معينة من قيمة العملية في حالة تخلفه عن الوفاء بالتزاماته.

فهل هذا الشرط صحيح ولازم ؟

الجواب : نعم انه شرط صحيح ولازم مادام واقعاً في عقد صحيح كعقد الايجار مثلاً أو البيع ، وحينئذ يصح لمن أعلن عن المناقصة الحق في تملك هذه


365

النسبة من قيمة العملية في حالة التخلف (1).

ثم ان هذا الحق قابل للتوثيق والتعهد من قبل طرف آخر ، وهو نظير تعهد طرف ثالث للدائن بوفاء الدين عند عدم قيام المدين بما هو عليه ، وعلى هذا يصح أن يرجع المستفيد على البنك عند تخلف المقاول عن التزاماته وعدم دفع ما شرط عليه.

ولما كان تعهد البنك وضمانه للشرط بطلب من المقاول فيكون المقاول ضامناً لما يخسره البنك نتيجة لتعهده ، فيحق للبنك ان يطالب المقاول بقيمة ما دفعه إلى المستفيد.

اذن هنا بحثان نحتاج إلى ادلة شرعية عليهما :

البحث الاول : صحة الشرط على المقاول.

البحث الثاني : صحة تعهد البنك ( خطاب الضمان ).

البحث الاول : صحة الشرط بدفع مبلغ من المال عند تخلفه عن التزاماته :

وقد ذكر السيّد الشهيد الصدر أن صحة الشرط المتقدم على المقاول يتصور صياغته بأحد انحاء ثلاثة ، يكون الصحيح منها شرعاً هو الثاني والثالث.

(1) قد يقال بصورة مبسّطة : إن في طلب الضمان من قبل الجهة الداعية الى المناقصة لمواجهة حالات التعدي والتقصير وما ينشأ عنها من اضرار ، وهذا بنفسه يحث المشتري أو المتعاقد عن القيام بالتزاماته ، ونرى أنَّ هذا الطلب مشروعاً ولا يرد عليه أنّه ضمان مالم يجب لأننا فقهاء لا فلاسفة. أي أنَّ اشكال ( ضمان مالم يجب ) مبني على منهج الفلسفة ، وهي علم المعاني المجردة والمفاهيم الكلية ولا شأن له بالحياة اليومية والعامة للناس والمجتمع وعلاقة بعضهم ببعض ، وهو منهج ـ اي منهج الفلسفة ـ لا علاقة له بالفقه الذي هو المنهج المستمد من اللغة ودلالاتها وحياة الناس الواقعية وعلاقات بعضهم ببعض ومع الطبيعة ايضاً ، وهو منهج الفهم العرفي. فعلى المنهج العرفي لا نرى أي اشكال في طلب المناقِص من المناقَص خطاب ضمان ابتدائي أو انتهائي لمواجهة احتمال حالات التعدّي والتقصير وما ينشأ من اضرار عنهما. أما على المنهج الفلسفي يظهر الاشكال ولا سبيل الى ردّه ، ولكن بما أننا نلتزم المنهج الفقهي فلا اشكال في طلب خطاب الضمان.


366

الاول : أن يكون ( الشرط ) بنحو شرط النتيجة بحيث تشترط الجهة الخاصة على المقاول أن تكون مالكة لكذا مقداراً في ذمته إذا تخلف عن تعهداته.

الثاني :ان يكون بنحو شرط الفعل ، والفعل المشترط هو أن تملَّك الجهة الخاصة كذا مقداراً ، لا ان تكون مالكه.

الثالث : أن يكون بنحو شرط الفعل ، والفعل المشترط هو أن يملِّك المقاول تلك الجهة كذا مقداراً. والفرق بين هذا النحو وسابقه مع أن الشرط في كل منهما شرط الفعل : هو ان الشرط في هذا النحو فعل خاص وهو تمليك المقاول مالاً للجهة الخاصة. واما في النحو السابق فالمشترط وإن كان هو عملية التمليك أيضاً ولكن المراد بها جامع التمليك القابل للانطباق على تمليك نفس المقاول وعلى تمليك غيره... وإذا اتضحت هذه الانحاء الثلاثة ، للشرط فنقول : إن النحو الاول ( أي شرط النتيجة ) غير صحيح في المقام ، لان النتيجة المشترطة في المقام وهي اشتغال ذمة المقاول بكذا درهماً ابتداءً ليس في نفسه من المضامين المعاملية المشروعة ، وادلة نفوذ الشرط ليست مشرِّعة لأصل المضمون ، وانما هي متكفلة لبيان صلاحية الشرط لأن تُنشأ به المضامين المشروعة في نفسها ... وأما النحو ان الآخران من الشرط فهما معقولان (1).

ولكن لا يبعد أن يقال : بان قاعدة « المسلمون عند شروطهم » حيث أنها تشمل الشرط إذا كان فعلاً أو كان الفعل مترتباً على الشرط ، كما إذا اشتريت بيتاً بشرط أن تكون الثلاجة المعينة ملكاً لي ، والملكية لها اسباب مختلفة منها الاشتراط ، فالمسلمون عند شروطهم يقول : ادفع السلعة إلى فلان ، وهو معنى صحة شرط النتيجة ، وعلى هذا فالمسلمون عند شروطهم يشمل المشروط الذي يكون حصوله وانشائه بغير الشرط صحيحاً وبالشرط لازماً. كما يمكن ان يكون :

(1) النبك اللاربوي في الاسلام ، للشهيد السيد الصدر ، ص 236 ـ 237


367

الاستدلال على صحة شرط النتيجة بـ ﴿ افوا بالعقود حيث أن البيع الذي شرط فيه ملكية الثلاجة المعينة معناه الالتزام بأصل المعاملة والالتزام بالامر الوضعي ، وبما أن الشرط قد دخل تحت عنوان العقد ، فأوفوا بالعقود يقول فِ بالعقد والشرط ، فيكون الشرط صحيحاً (1).

وعلى هذا فيمكن ان يكون شرط دفع مبلغ من المال على المقاول عند تخلفه بصياغاته الثلاثة المتقدمة عن السيد الشهيد صحيحاً ، والفرق بين شرط الفعل وشرط النتيجة هو الوجوب التكليفي على المشروط عليه في ان يملِّك. أما في شرط النتيجة فيكون المشروط عليه ضامناً للشرط وضعاً ، ويترتب عليه الحكم التكليفي بوجوب الدفع.

البحث الثاني : صحة خطاب الضمان الذي يصدره البنك عند طلب المقاول لصالح المستفيد :

ويمكن ان نصحح خطاب الضمان الذي يصدره البنك بطلب من المقاول لصالح المستفيد :

على اساس الضمان بالمعنى المتقدم ، حيث قلنا ان المراد بالضمان ليس هو المعنى الاصطلاحي عند أهل السنة أو الامامية ، بل هو ما تعارف عند العرف من ضمان أن يفي المقاول بالشرط ، وبعبارة اخرى هو التعهد باداء المقاول الشرط ، وهذا الضمان كالضمان (2) المعروف من قبول البنك للكمپيالة بمعنى تحمل البنك

(1) لا بأس بالاشارة إلى أن شرط النتيجة الذي يُحكم بصحته ، هو خصوص تحصيل الغاية التي لا يشترط في ايجادها سبب خاص كالنكاح والطلاق الذي اشترط الشارع فيهما صيغة خاصة. اما هذه الغايات التي اشترط الشارع فيها صيغة خاصة فلا يمكن ان تحصل في الخارج الاّ بصيغتها الخاصة ولا ينفع في تحققها شرط النتيجة.

(2) يوجد فرق غير فارق بين ضمان البنك للكمپيالة وضمان البنك لخطاب الضمان وهو : أن المضمون في موارد قبول البنك للكمپيالة هو المدين ، والمضمون في خطاب الضمان هو المشروط عليه ( المقاول ) وهذا فرق غير فارق إذ كما يصح للبنك أن يتعهد للدائن باداء الدين كذلك يصح للبنك ان يتعهد للمشروط له باداء الشرط ، وهذا مقبول ارتكازاً عند العقلاء.


368

مسؤولية أمام المستفيد من تلك الكمپيالة ، وهو كما حُرر ضمان جائز شرعاً على أساس أنه : تعهد بوفاء المدين بدينه. ونتيجة هذا التعهد من الناحية الشرعية هو فيما إذا تخلف المدين عن الوفاء ، فيمكن ان يرجع المستفيد من الكمپيالة على البنك لقبض قيمتها.

وتوضيح ذلك من الناحية الفنية : ان يقال ان البنك تعهد تعهداً إنشائياً وجعل نفسه مسؤولاً ( باداء المقاول للشرط عند تخلفه عن التزاماته ) وهذا التعهد نافذ بحسب ارتكاز العقلاء ، وحينئذ يكون ممضى من قبل الشارع المقدس.

وقد تقرّب هذه المسؤولية من قبل البنك بمسؤولية الغاصب عن العين المغصوبة حيث تكون العين بعهدته ومسؤولاً عنها ما دامت موجودة ، فإذا تلفت العين المغصوبة تتحول هذه العهدة إلى اشتغال ذمة الغاصب بقيمة العين المغصوبة ، فما نحن فيه أيضاً كذلك حيث ان البنك جعل نفسه مسؤولاً عن اداء الشرط الذي على المقاول عند تخلفه عن التزاماته من عملية الارساء عليه ، ومعنى هذا ان البنك مسؤول عن تسليم الشرط بوصفه فعلاً له مالية ، فإذا تلف أداء الشرط على المشترط عند تخلف المقاول عن التزاماته وعن اداء الشرط بسبب امتناع المقاول عن اداء ما شرط عليه نتيجة تخلفه ، فقد تلف الفعل الذي له مالية على مستحقه ، وعندها تتحول عهدة البنك الجعلية إلى اشتغال ذمة البنك بقيمة ذلك الفعل ( اداء الشرط ) ، لأنَّ اشتغال الذمة بقيمة المال ( سواء كان عيناً أو فعلاً ) عند تلفه من اللوازم العقلائية لدخول ذلك المال في العهدة.

ونحن بعد فرضنا إمضاء الشارع لهذا الضمان الجعلي العقلائي ، يترتب عليه اشتغال ذمة البنك بقيمة ( ضمان اداء الشرط ) على تقدير تلف اداء الشرط.


369

وعلى هذا الاساس يصح خطاب الضمان من البنك في المقام (1).

ويمكن توضيح الضمان بالمعنى المتقدم بصورة عرفية :

بأنْ ندعي أنَّ معنى الضمان من قبل البنك للمقاول هو تحمّل البنك للعمل بالشرط إذا تخلف المقاول عن التزاماته وعن الشرط معاً ، ولا يفهم العرف الاّ هذا التحمل عند ضمان البنك لاداء المقاول الشرط الذي له مالية ، عند تخلف المقاول.

ولكنّا نلاحظ كما ذكر السيّد الشهيد الصدر : وجود فرق دقيق بين توضيح الضمان بالوجه الفني وتوضيح الضمان بالوجه العرفي ، والفرق هو :

ان صاحب الشرط ( الداعي إلى المناقصة ) بناء على المعنى العرفي ليس له مطالبة البنك باقناع المقاول بالاداء وانما له على تقدير امتناع المقاول أن يُغرِّم البنك قيمة ما تعهد به. اما بناء على المعنى الفني ، فلصاحب الشرط مطالبة البنك باقناع المقاول بالاداء (2).

ولعل وجه هذا الفرق يكمن في أن المعنى الفني للضمان انما يتم عند تلف الشرط على المشروط له ، ولا يتحقق التلف إلاّ عند امتناع المقاول عن الاداء رغم الحث على اقناعه بالعمل بالشرط.

ملاحظة : لا حاجة الى التنبيه الى عدم صحة خطاب الضمان لو كان بقدر قيمة العملية او اكثر منها ، لانه يؤول الى حصول الداعي الى المناقصة الى العوض والمعوّض وهو بمعنى الشراء او الحصول على الخدمة بدون ثمن.

هل يصح للبنك أن يأخذ عمولة على خطاب الضمان ؟

تقدم أن التأمين المالي الذي يأخذه الداعي إلى المناقصة مثلاً قد تطور إلى الضمان البنكي المتمثل في خطاب الضمان الذي يصدره البنك ويتحمل فيه مسؤولية

(1) راجع للتوسع البنك اللاربوي في الاسلام ، للشهيد الصدر ، ص 239 مع تعمق اكثر.

(2) المصدر نفسه ، ص 240 ـ 241.


370

ما ينجم من تقصير المناقص تجاه مسؤوليته وواجباته حيال الطرف الآخر.

ولكن البنك إنما يصدر خطاب الضمان ويتحمل المسؤولية في مقابل نسبة مثوية يحصل عليها من صاحب الخطاب ، وعلى هذا يتولد لهذا الاجراء جانبان :

الجانب الأول : العلاقة بين من يدعو إلى المناقصة ومن يدخل في المناقصة ، فالاول الذي يكون هنا هو المشتري للسلعة أو المؤجر للعمل أو المشتري لما يصنعه المقاول ، له أن يشترط في العقد ما يضمن حقوقه ومصلحته سواء كان في صورة ضمان أو رهن أو غير ذلك استناداً إلى قوله ( صلى الله عليه وآله ) : المسلمون عند شروطهم. فإذا طالب المقاول بضمان بنكي فهو حق له لا اشكال فيه.

الجانب الثاني : العلاقة بين المناقص ( المقاول ) والبنك الذي يصدر خطاب الضمان ، فان البنك هنا يأخذ نسبة مئوية من صاحب الخطاب الذي صدر الخطاب بطلبه ، فهل لهذه النسبة المأخوذة وجه شرعي ؟

الجواب : لقد ذكر الشهيد الصدر ( رحمه الله ) جواز ذلك معبِّراً عنها : « عمولة على خطاب الضمان هذا ، لان التعهد الذي يشتمل عليه هذا الخطاب يعزز قيمة التزامات الشخص المقاول ، وبذلك يكون عملاً محترماً يمكن فرض جعالة عليه أو عمولة من قبل ذلك الشخص » (1).

اقول :

1 ـ ان الارتكاز العرفي والعقلائي يقول بان عملية الضمان المجردة من قبل البنك للمقاول باداء شرط المشترط ليست مما تقابل بالمال ، وانما الذي يقابل بالمال هو نفس خسارة البنك عند عدم قيام المقاول بالتزاماته مطلقاً ، نتيجة لضمان البنك ، فالعملية التي قام بها البنك من ضمان شرط المقاول فيها جانبان ، الاول : نفس عملية الضمان كالفاظ معينة. والثاني : تحمل البنك الخسارة على تقدير عدم

(1) المصدر نفسه ، ص 131.


371

التزام المقاول بالتزاماته مطلقاً. والذي يكون مهماً في تعزيز التزامات المقاول كلا الامرين الذي يكون الثاني منهما هو لبّ الاول ، والاول يكون كاشفاً عن الثاني ، فإذا اخذ البنك على عملية الضمان المجرد مالاً بنحو الالزام كان من أكْلِ المال بالباطل. اما إذا آل الضمان اللفظي إلى خسارة البنك في حالة معينة ( وهي حالة : عدم سداد المقاول ما عليه من الشرط عند التخلف عن اداء التزاماته ) فهو مضمون على المقاول بلا اشكال فلا يتمكن أن ياخذ عمولة عليها.

اننا لو تحررنا من الارتكاز العقلائي المتقدم ، وصرّحنا بان العمولة ياخذها البنك في مقابل نفس عملية الضَمان ، فحينئذ نقول :

ان العمولة إنما يصح اخذها شرعاً في خصوص ما قابلها من عمل قابل للضمان ( كالخياطة والحلاقة واشباهها ) بخلاف ضمان البنك لوحده ( من دون دخل الاجراءات الادارية في ذلك الذي تستوجب اخذ المال عليها ) فان ضمان البنك لوحده من قبيل الالفاظ والاعمال التي ليست قابلة للضمان لعدم مالية له الانفس مالية المال المعطى من قبل البنك عند تخلف المقاول عن التزاماته وما شرط عليه ، وهذا المال مضمون على المقاول ، ولا يوجد عمل آخر له مالية حتى يصح ضمانه ليأخذ اجراً عليه.

3 ـ ان عقد الضمان الذي يسمى خطاب الضمان : هو من العقود الارفاقية للمقاول كالقرض ، فاذا كان الضمان يعزز قيمة التزامات المقاول ، فان قيام البنك بالتعهد باقراض شخص معين عند حاجته أيضاً يعزز قيمة التزاماته ، فهل يجوز اخذ اجرة على قيام البنك بتعهده لعملية الاقراض ؟

وان ادعي الفرق بين القرض والضمان بحرمة اخذ الزيادة في عملية القرض دون عملية الضمان فاننا نقول ليس الكلام في اخذ الزيادة في مقابل المال المقترض في القرض ، وانما الكلام في تعزيز التزامات الانسان لقيام البنك بعملية الاقراض ، فهي واحدة في اصدار خطاب الضمان أو عملية الاقراض عند الحاجة ، وإذا كان


372

يجوز اخذ البنك اجرة على قيامه بعملية الاقراض متى احتاج إلى المال فقد جوّزنا الربا بصورة ملتوية.

وعلى ما تقدم نتمكن ان نقول : ان خطاب الضمان الصادر من البنك بطلب من المقاول لصالح المستفيد ( سواء كان مغطى من حساب المقاول فيكون حوالة أو غير مغطى فيكون ضماناً ) لا يجوز اخذ الاجر عليه.

نعم اذا عممنا جواز أخذ الاجرة على كل خدمة يقدمها شخص لآخر بشرط ان لا يكون منهيّاً عن أخذها ، فحينئذ يكون أخذ الاجرة على الضمان جائزاً. وهذا هو الذي ذهب اليه بعض كبار علماء الامامية المعاصرين.

نعم : ان المصاريف الادارية التي يسلكها البنك تبعاً للقوانين الدولة لأجل إصدار خطاب الضمان ( الابتدائي والنهائي ) فهي جائزة شرعاً.

وعلى كل حال : فان المناقص إذا طلب من البنك إصدار خطاب الضمان لصالح المشتري فان هذا التعاقد بين المناقَص والمشتري يكون صحيحاً مادام يحصل على ضمان حقوق المشتري بطريقة شرعية ولم يكن للمشتري علاقة فيما حصل بين المناقَص والبنك.

6 ـ تضمين عقد المناقصة شرطاً جزائياً في حالة التأخير

قد يقال : إن البحث قد تعرضنا له في صورة طلب الجهة الداعية الى عقد المناقصة خطاب ضمان نهائي لصالح المستفيد منه عند عدم القيام بما يجب على الطرف الآخر من التزامات وشروط شرطت عليه في العقد.

ولكن نقول : يوجد فرق بين هذا البحث وما تقدم من خطاب الضمان النهائي ، حيث أن ما تقدم كان في صورة تخلف المقاول عن الالتزامات او الشروط المشترطة عليه بصورة عامة في العقد ، أما هذا البحث فهو في صورة عدم تخلفه عن


373

اي التزام او شرط ، سوى شرط التسليم في الموعد المقرر حيث حصل التأخير الذي فيه ضرر على المستفيد. وحينئذ يكون الشرط الجزائي عبارة عن غرامة ، وهي تختلف عن التعويض إذا الغرامة يكون العذر فيها مفترضاً ولا يلزم اثباته على الداعي الى المناقصة ولا يستطيع المتعاقد الاحتجاج بعدم وقوعه ، وهذا بخلاف التعويض الذي يجب فيه اثبات الضررومقدارهويستطيع المتعاقد اثبات عدم وقوعه.

وحينئذ نقول : إن الشرط الجزائي المتصور في كل عقد على أنحاء ثلاثة ولنأخذ الاجارة مثالاً للعقد :

1 ـ التنقيص من الاجرة بمقدار معين :

لقد تعرض الفقه الامامي لهذه الحالة في بحث الاجارة ، فقد ذكر العلماء في مسألة : « ما لو استأجره ليحمل له متاعاً إلى موضع معين باجرة معينة واشترط عليه وصوله في وقت معين فان قصّر عنه نقص عن اجرته شيئاً معيناً ، جاز وفاقاً للاكثر نقلاً وتحصيلاً ، بل المشهور كذلك ، للاصل وقاعدة : المؤمنون عند شروطهم والصحيح أو الموثق أو الخبر (1) المنجبر بما عرفت عن محمد الحلبي قال : كنتُ قاعداً عند قاض من القضاة وعنده أبو جعفر ( الامام الباقر ( عليه السلام ) ) جالس ، فأتاه رجلان فقال احدهما : إني تكاريتُ إبل هذا الرجل ليحمل لي متاعاً إلى بعض المعادن واشترطتُ عليه أن يدخلني المعدن يوم كذا وكذا لانها سوق أتخوف أن يفوتني فإن احتبستُ عن ذلك حططت من الكرى لكل يوم احتبسته كذا وكذا ،

(1) انما عبّر صاحب الجواهر بهذا التعبير لان هذه الرواية لها ثلاثة أسناد :

الاول : سند الشيخ الكليني وفيه ( محمد بن أحمد ) وهو مجهول فالرواية تكون ضعيفة فعبّر عنها بالخبر :

الثاني : سند الشيخ الطوسي وهو سند صحيح.

الثالث : سند الشيخ الصدوق وهو سند صحيح أيضاً.

اقول : بعد وجود الطريق الصحيح لا معنى للتعبير بالخبر.


374

وأنه حبسني عن ذلك الوقت كذا وكذا يوماً. فقال القاضي هذا شرط فاسد ، وفِّهِ كراه ، فلما قام الرجل أقبل إليّ أبو جعفر ( الامام الباقر ( عليه السلام ) ) فقال : شرط هذا جايز مالم يحط بجميع كراه » (1) (2) (3).

ومقابل قول الاكثر : من أشكل في صحة هذا الشرط الجزائي لكونه يوجب تعليقاً وجهالة وإبهاماً وأنه كالبيع بثمنين نقداً ونسيئة مثلاً ، ولذا ذهب المحقق الثاني في « جامع المقاصد » وغيره من المتاخرين إلى البطلان في ذلك وطرح الرواية أو حملها على الجعالة أو نحو ذلك.

اقول : ان ما ذهب إليه مخالف الاكثر هو كالاجتهاد في مقابلة النص الذي لا يقبل الحمل على الجعالة. ثم اننا لا نرى تعليقاً في الاجارة لانه لم يستأجره بالناقص لو لم يصل في اليوم المعين ، بل وصل بعده ، بل الاجرة معينة إن وصل في اليوم المعين ، فإنْ تأخر نقص من الاجرة ، وهو شرط في متن العقد على نحو شرط النتيجة او شرط الفعل ، والفرق بينهما واضح ، اذ على النحو الاول : يكون المشروط له ( على تقدير مخالفة الشرط ) قد ملك مقدار النقصان على ذمة المشروط عليه ، بينما على النحو الثاني لا يوجد اشتغال ذمة المشروط عليه ، بل يجب عليه تمليك مقدار النقصان ، فإن لم يفعل ، فعلَ حراماً فقط.

نعم : هناك جهالة في الشرط ولكن لا تضرّ هذه الجهالة التي ليست راجعة الى أحد العوضين. كما ان التشبيه بالبيع بثمنين ليس بصحيح ، لان المشابهة للبيع

(1) جواهرالكلام ، ج 27 ، ص 230.

(2) وسائل الشيعة ، ج 13 ، باب 13 من الاجارة ، ح 2.

(3) لقد ثبتت الروايات المتواترة عن الأئمة ( عليهم السلام ) بان قولهم ليس من الرأي أو الاجتهاد وانما هو عن آبائهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن جبرئيل عن الله عزّوجلّ ، فيكون قولهم حسب هذه الروايات المتواترة حجة وكاشفاً عن السنة النبوية ، فيلزمنا العمل بها إذا كان السند صحيحاً. راجع كتاب الحلال والحرام في الاسلام الامر الخامس من مقدمة المحقق ، ص 23.


375

بثمنين ان يقول مثلاً ، إن خطته روميّاً فلك درهم وفارسياً نصفه ، اما ما نحن فيه فهو ليس كذلك ، ولذا صرح بالصحة هنا من لم يقل بها في مثال الخياطة بالرومية والفارسية وذلك لان المستأجر عليه فيما نحن فيه معيناً ولكن اشترط عليه التنقيص على تقدير المخالفة. وهذا شرط صحيح لعموم « المسلمون عند شروطهم » واطلاق الرواية المعتضدة بفتوى الاكثر.

2 ـ التنقيص من الاجرة بدون تعيين :

نعم لو كان الشرط الجزائي هو التنقيص بدون ذكر لمقداره لو أوصله متأخراً ، فيكون الشرط هنا باطلاً لجهالة الاجرة على تقدير الايصال المتأخر ، وحينئذ تبطل الاجرة ، واذا بطلت الاجرة ننتقل الى اجرة المثل في هذه الصورة.

ويدلّ عليه : كونه على مقتضى القواعد القائلة بصحة الاجارة وبطلان الاجرة لجهالتها ، فننتقل الى اجرة المثل. ويؤيده ما ورد في كتاب دعائم الاسلام عن الامام الصادق ( عليه السلام ) « أنه سئل عن الرجل يكتري الدابة او السفينة على أن يوصله الى مكان كذا يوم كذا ، فان لم يوصله يوم كذا كان الكرى دون ما عقده ؟ قال ( عليه السلام ) : الكرى على هذا فاسد ، وعلى المكتري أجر مثل حمله » (1).

3 ـ سقوط الاجرة باكملها :

ثم لو كان الشرط الجزائي هو سقوط الاجرة باكملها إن لم يوصله في الوقت المعين ، فهو شرط باطل لكونه شرطاً منافياً لمقتضى الاجارة ، لانه يرجع الى استحقاق المستأجر العمل بعقد الاجارة بلا اجرة ، فهو مثل قوله : آجرتك بلا اجرة ، وحينئذ فان فسد الشرط فسد العقد على رأي ، لانه شرط اساسي بني عليه العقد ، ويدلّ على بطلان الشرط نفس الرواية المتقدمة عن الحلبي بقول الامام

(1) المستدرك ، ج 14 ، باب 7 من الاجارة ، ح 1 ، طبعة مؤسسة آل البيت ( عليهم السلام ).


376

الباقر ( عليه السلام ) : « وشرط هذا جائز مالم يحط بجميع كراه » وعلى قول آخر ان الشرط اذا كان فاسداً لا يُبطل العقد ، ولكن لا بأس بالتنبيه الى أن المؤجر يستحق اجرة مثله على كلا التقديرين ( من بطلان عقد الاجارة او عدم بطلانه ) ، لانه عمل عملاً بدون تبرع بطلب من صاحب السلعة ، فيستحق اجرة المثل لما عمل ، ولقاعدة ( ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ) ، والاجارة عقد مضمون لو كان صحيحاً بالاجرة المسماة ، فلو كان فاسداً فهو مضمون باجرة المثل (1).

اقول : هذا الكلام في الشرط الجزائي قد ورد فيه الحديث المتقدم في الاجارة ، فان لم نرَ فرقاً بين عقد الاجارة وبقية العقود ( غير القرض ) (2) فيكون دليل الشرط الجزائي غير منحصر بعقد الاجارة ، فيصح الشرط الجزائي على النحو الاول في كل عقد ، ومنه عقد المناقصة التي نحن بصددها والتي تكون الاجارة قسماً منها ، فيتمكن الداعي الى المناقصة ان يشترط على منْ رست عليه المناقصة نقصان أجرته او ثمنه بمقدار معين إن لم يكمِّل المشروع الصناعي او لم يسلم المبيع في مدته المعينة. كما يمكن ان يكون الدليل على صحة الشرط الجزائي هو قاعدة « المسلمون عند شروطهم » التي توجب الوفاء بالشرط اذا كان في ضمن عقد مالم يكن مخالفاً للكتاب او السنة.

ولو قيل : إنَّ الثمن في البيوع يكون مقابل الاعيان ، وأما الشرط : فتخلفه يوجب فسخ ولا يقسَّم عليه الثمن ، اجبنا : أننا ندّعي أنَّ الشرط الجزائي الذي شرطه المشتري وقبله البائع يوجب عليه العمل به ، وهو يوجب ان يملك المشتري

(1) هنا أبحاث معمقة آثرنا تركها لاجل ان لا يطول بنا المقام.

(2) إن الشرط الجزائي في القرض سواء كان الغرض منه حث المقترض على الوفاء بدينه في الميعاد فيكون تهديداً مالياً للتنفيذ العيني ، او كان شرطاً جزائياً حقيقياً وهو خلاف التهديد المالي حيث أنه يتصل بالتعويض لا بالتنفيذ العيني ، وعدم صحته في القرض واضحة حيث أنَّ كل زيادة للمقرِض جاءت من قبل الشرط في عقد القرض هي ربا.


377

مقداراً من الثمن أو يملَّك من قبل البائع إن لم يفعل بهذا الشرط الثاني كان الخيار للمشتري بالفسخ.

اقول : والتحقيق اننا وإن قلنا أنَّ الشرط الجزائي صحيح في الاجارة على الاعمال وفي البيوع ، إلاّ اننا نستثني من البيوع ( السلم والتوريد ) الذي يكون المثمن كلياً في الذمة ومؤجلاً الى أجل ، وبما أن الثمن كان مؤجلاً لا يجوز الزيادة في الاجل في مقابل المال لأنه ربا ( اتقضي ام تربي ) فكذا لا يجوز الزيادة في أجل المثمن في البيع السلمي في مقابل المال وهو تنقيص الثمن ، وبما أنَّ الشرط الجزائي تكون نتيجته هو رضا المشتري في تأخير المثمن في مقابل المال الذي هو نقصان في الثمن فهو ربا جاهلي. يبقى لنا طريق واحد لضبط تصرف البائع ، وهو أن يشترط المشتري على البائع كمية من المال اذا تخلّف عن تنفيذ العقد ، وهذا هو العربون الذي أجازه المجمع الفقهي في دورة سابقة ، ولكن هذا لا يكون بديلاً للشرط الجزائي في صورة تأخر البائع عن تسليم البضاعة.

والخلاصة : فإنَّ الشرط الجزائي في صورة تسليم البضاعة باطل لأنه شرط مخالف للستة ، ولولا هذا المانع لكان جائزاً (1).

(1) وقد أقرَّ مجمع الفقه الاسلامي في دورته السابعة بجدة/ رقم 65/2/7 بشأن البيع بالتقسيط الفقرة 5

الشرط الجزائي في حالة اتفاق المتداينين على حلول سائر الاقساط عند امتناع المدين عن وفاء أي قسط من الاقساط المستحقة عليه مالم يكن معسراً ، ومما يؤيد قرار المجمع ( كما ذكر ذلك د. رفيق المصري في بحثه حول المناقصات ص 41 ) ما جاء في حاشية ابن عابدين 4/533 :

« عليه ألفٌ ثمنٌ ، جعله رُبُّهُ نجوماً ‌ اقساطاً ، إن أخلَّ بنجم حلَّ الباقي ، فالأمر كما شرطا ... ».

وقد أقرَّ ـ ايضاً ـ صورة اخرى من الشرط الجزائي في الدورة الثامنة في بروناي ، وهي العربون في صورة عدول احد الطرفين عن عقد البيع أو الاجارة أو مضت الفترة المحددة لانتظار امضاء العقد ، فحينئذ يكون مبلغ العربون من حق الطرف الآخر.

وقد وردت بعض النصوص في حلية الشرط الجزائي منها : 1 ـ عن ابن سيرين قال : قال رجل لكريِّه ( المكاري ، المؤجر ) ارحل ركابك ( اي شد رحلك على ظهر دابتك ) فإن لم ارحل مع يوم كذا وكذا فلك مائة درهم ، فلم يخرج ؟ فقال شريح : من شرط على نفسه طائعاً غير مكره فهو عليه. راجع صحيح البخاري ج 3 ص 259 باب ما يجوز من الاشتراط. ومصنف عبدالرزاق ، باب الشرط في الكراء ج 8 ص 59 وفتح الباري ج 5 ص 354 ، واعلام الموقعين ج 3 ص 400.


378

7 ـ مدى حرية الجهة الداعية الى المناقصة في اختيار احد من العروض او التقيد بالانقص منها ؟ (1)

إن التعريف المتقدم للمناقصات كان يلزم الداعي الى المناقصة الى إختيار احسن من يتقدم للتعاقد معه ، وهذا التعريف قد إستُل من العرف التجاري لعقد المناقصات ، فاذا وصل هذا العرف الى حدّ التعهد من قبل المشتري ومن يدخل في المناقصة فلا يبعد ان يُلزم المشتري شرعاً باختيار أقل العروض لهذا التعهد الذي يكون ملزِماً حسب « اوفوا بالعقود ». وبعبارة أخرى : ان الغرض من المناقصة هو اختيار الانقص من العروض ، والمناقصة من شأنها ذلك. فلو اُختير غير الانقص لكان هذا مدعاة لاتهام المناقص برشده اذا كان يشتري لنفسه أو اتهام الجهة الوكيلة والمتولية بعدم الامانة أو نفوذ رشوة في المعاملة.

ونستطيع أن نتخلص من هذا العرف التجاري في صورة واحدة وهي ما اذا اشترط المشتري على المتناقصين عدم الالتزام باختيار أفضل من يتقدم للتعاقد معه ، ففي هذه الصورة يكون المشتري مختاراً في اختيار احد المتقدمين للمناقصة حسب الشرط. ولكن في هذه الصورة قد لا تنجح المناقصة ولا يقدم عليها أحد ، لأن المناقصة تكون تحكماً وتشهيّاً ، وبهذا يفوت الوقت والكلفة على المتناقصين.

واما اذا لم يكن الزام للداعي الى المناقصة في اختيار افضل العروض كما في

(1) هذا البحث مفروض فيه تساوي المتناقصين في الشروط والمواصفات.


379

المناقصات البدائية التي تحصل مشافهة ، فحينئذ يكون الحكم هو حرية الجهة الداعية الى المناقصة في اختيار احد العروض وان لم يكن أحسنها مالم يشترط تقييد الداعي الى المناقصة بافضل العروض. ولكن هذه طريقة بدائية للمناقصة يسلكها من لا يقدّم ضمان خطاب ابتدائي ونهائي ولا يشتري دفتر الشروط ولا يصرف وقتاً لدراسة المشروع ، ولا يعدّ الخطط لذلك ، وكلٌ منها مهم في المناقصة التي يحسب فيها للوقت وللتكلفة ولخطاب الضمان حسابه المهم في العرف.

خلاصة البحث :

وخلاصة ما سبق من البحث نذكره على نقاط :

1 ـ بعد تعريف المناقصات وبيان علاقة الضد بين المزايدة والمناقصة ، واشتراكهما في الاجراءات تبيّن أن المناقصات هي قسم من المقاولات التي تكون ملزِمة للطرفين.

2 ـ المناقصات على انواع ( مناقصات البيع ، والاستصناع والسلم والاجارة والاستثمار باقسامه المختلفة من مزارعة ومضاربة ومساقاة ) وتبين ان المناقصة كما تكون قسماً من البيع والسلم والاستصناع والاجارة والاستثمار تكون ايضاً اعم من البيع لشمولها لهذه العقود.

3 ـ لا تعارض بين صحة عقود المناقصات والنهي عن الدخول في سوم الاخ لأنَّ حديث النهي ناظر الى المعاملة الخاصة الجارية بين طرفين خاصين ، ولا يشمل بيع المناقصة المبنية على عدم السوم مع شخص واحد بل مع جماعة.

4 ـ الدخول في المناقصة قد يكون لمن لا يمتلك السلعة وهو يكون من قبيل بيع السلم او الاستصناع او بيع الكلي او الاجارة او الاستثمار باقسامه المختلفة الشرعية ، اما بيع ما ليس عند الانسان الذي ورد فيه النهي فانه مختص ببيع السلعة الخارجية لمن لا يملكها ، وقد تبين ايضاً أن المناقصة ليست من المواعدة التي لا تكون ملزمة للطرفين.


380

5 ـ بيع وثائق المناقصة بالتكلفة او باي ثمن آخر عقد صحيح لدخول ذلك تحت حلّية البيع والتجارة عن تراض.

6 ـ إن خطاب الضمان الابتدائي الذي يأخذه الداعي الى المناقصة عند تخلف من رست عليه من القيام بمقررات المناقصة أمر جائز لانه عبارة عن شرط في حق فسخ المعاملة المذكورة.

7 ـ ان خطاب الضمان النهائي الذي يكون لصالح الداعي الى المناقصة الذي يكون عبارة عن دفع نسبة معينة من قيمة العملية في حالة تخلف المقاول عن الوفاء بالتزاماته هو شرط صحيح ولازم مادام واقعاً في عقد صحيح سواء كان بنحو شرط النتيجة او شرط الفعل. كما يمكن أن يقوم البنك بضمان هذا الشرط والعمل به عند تخلف المقاول عن التزاماته وبالشرط معاً.

8 ـ ان العمولة التي يأخذها البنك على خطاب الضمان التي هي عمل لفظي ليس قابلاً للضمان ، غير جائزة لانها من قبيل اكل المال بالباطل. الا اذا جوزنا أخذ 8الاجرة على كل خدمة يقدمها شخص لآخر لم يكن منهيّاً عنها.

9 ـ ان الشرط الجزائي في حالة التأخير عن وقت التسليم يكون صحيحاً اذا كان معيناً ، ولم يكن المثمن نسيئة ، اما اذا كان غير معين فهو غير صحيح ويؤثر على صحة العقد ، وحينئذ ننتقل الى ثمن المثل ، وكذا اذا كان المثمن نسيئة ( كما فى عقد التوريد او الاستصناع ) حيث يؤول هذا الشرط الجزائي الى اتقضي ام تربي وهو ربا الجاهلية.

اما اذا كان الشرط الجزائي عبارة عن سقوط الثمن باكمله فهو شرط باطل لكونه منافياً لمقتضى العقد ، وقد كان دليل هذا كله الرواية المعتبرة عن الامام الباقر ( عليه السلام ) بالاضافة الى قاعدة « المسلمون عند شروطهم ».

10 ـ ان الجهة الداعية الى المناقصة تكون ملزمة باختيار أقل العطاءات الا في صورة اشتراط عدم الالزام في متن شراء وثيقة المناقصة اما في المناقصات البدائية التي ليس فيها التزام باختيار أقل العروض فالعكس هو الصحيح.


381

تغيير قيمة العملة


382


383

المقدمة

قبل البدء في البحث لابدّ من التنبيه إلى خطرين يقفان في طريق المجتهد عليه أن يتجاوزهما :

الخطر الأوّل : « تبرير الواقع الفاسد على حساب تطوير النص ».

ويحدث هذا الخطر عند مَنْ استسلم للواقع الإجتماعي أو الإقتصادي الفاسد الذي يعيشه كما حدث لبعض المفكرين المسلمين حيث تأوّل حرمة الربا ، وخرج بنتيجة تواكب الواقع الفاسد وهي : أنّ الإسلام يسمح بالفائدة إذا لم تكن أضعافاً مضاعفة وإنّما ينهى عنها إذا بلغت مبلغاً فاحشاً كما في آية : ﴿ يأ أيّها الّذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلّكم تفلحون (1).

وقد منع هذا الواقع الفاسد هؤلاء المفكّرين من إدراك غرض الآية التي كانت تريد لفت نظر المرابين إليه ، وهي النتائج الفضيعة التي يسفر عنها الربا ، ولذا نرى القرآن الكريم يقول : ﴿ وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (2).

(1) آل عمران : 130.

(2) البقرة : 279


384

إذن المسألة ليست مسألة حرب مع نوع خاص من الربا ، وإنّما هي مسألة عدم جواز نموّ رأس المال من دون مبرّرات شرعيّة لنموّه.

النتيجة : هو عدم جواز اتّباع الواقع الفاسد الذي يعيشه المسلمون اليوم ، وهو الواقع الرأسمالي الذي تعيشه بعض البلدان الإسلاميّة ، أو الواقع الإشتراكي الذي تعيشه بعض البلدان الاُخرى ، وإنّما يجب أن تكون الشريعة الإسلاميّة هي المتّبعة ويكون مذهبها الإقتصادي هو المتبع أيضاً حتّى وإن خالف الواقع المعاش ، فعلى علماء الإسلام أن يغيّروا الواقع إذا لم يكن منسجماً مع الشريعة الإسلاميّة حتّى تكون شريعة الإسلام هي المتّبعة.

الخطر الثاني : « اتخاذ موقف معين مسبق اتجاه المسألة ».

كما إذا كان العالم الذي يبحث المسألة له اتجاه نفسي ، فإنّ هذا الإتجاه النفسي سوف يؤثر عليه إلى حدّ كبير في عمليّة الإستنباط أو فهم النص الشرعي ، وقد تصل المرحلة إلى إغوائه وخداعه بحيث تنطمس أمام عينيه جوانب واضحة من النص الشرعي الذي لم ينسجم معه نفسيّاً.

ومثال ذلك : ما ينهجه علماء العقائد في سبيل ترسيخ عقائدهم المنسجمين معها نفسيّاً ، فيحاولون تفسير وتأويل النصوص الشرعيّة بما ينسجم مع هذه العقيدة ، وقد تصل هذه الطريقة إلى حدّ الإغواء والخداع ، فأيُّ موضوعيّة في مثل هذا البحث ؟ ! !

وكمثال فقهي من الشريعة الإسلاميّة ما نراه من نهي النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن « ذبح الحمر الأهليّة يوم خيبر » ، فإنّ بعض العلماء يتخذون موقفاً نفسيّاً مسبقاً تجاه النص ، وهو الموقف القائل : بــ « أنّ كلّ نص هو حكم شرعي عام » ، وأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : هو « مبلّغ الأحكام دائماً ». إذن هؤلاء العلماء سوف يفسّرون النص المسبق بأنّه حكم شرعي عام ، بينما هذا الموقف الخاص من تفسير النص لم ينبع من


385

النص نفسه وإنّما نتج عن اتجاه نفسي خاص عند العالِم ، ويمكن أن يكون نهي النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو إجراء معيّن اتخذه في تلك الحالة والفترة بما أنّه ولي الأمر المسؤول عن رعاية مصالح المسلمين ، وحينئذ يكون النهي نهياً ولائيّاً بما أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو حاكم المسلمين.

وقد نبّه الإمام الباقر ( عليه السلام ) في صحيحة محمّد بن مسلم وزرارة حيث سألاه عن أكل لحوم الحمر الأهليّة فقال : « نهى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن أكلها يوم خيبر ، وإنّما نهى عن أكلها في ذلك الوقت لأنّها كانت حمولة الناس ، وإنّما الحرام ما حرّم الله في القرآن » (1). وفي صحيحة محمّد بن مسلم عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قال : « نهى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن أكل لحوم الحمير ، وإنّما نهى عنها من أجل ظهورها مخافة أن يفنوها وليست الحمير بحرام ، ثمّ قرأ هذه الآية : قل لا أجد فيما اُوحي إلي محرّماً على طاعم يطعمه ... » (2).

إذن موضوعيّة البحث في النصوص الشرعيّة تفرض على الباحث إستيعاب كلا هذين التقديرين ، وتعيين أحدهما على ضوء صيغة النص الظاهرة.

فالنتيجة : لا يجوز أن يكون عند الباحث في مسألتنا موقفاً مسبقاً معيّناً يقول بوجوب أن يعوّض الضرر الذي حدث لهذا الفرد نتيجة معاملة قد قام بها بكل اختياره وإرادته مادام لا يوجد دليل ظاهر من الشريعة الإسلاميّة على تعويضه ، بل ربمّا يكون الحكم بتعويضه مخالفاً لمباديء الشريعة الحقّة ، فالنظر الموضوعي في بحثنا الذي نريد أن نبحثه يدعونا إلى فحص الأدلّة الشرعيّة للحكم بتعويض الضرر أو عدم الحكم به.

وبعد هذه المقدّمة نقول :

(1) وسائل الشيعة : ج 16 ، باب 4 من أبواب الأطعمة المحرّمة ، ح 1.

(2) المصدر السابق ، ح 6.


386

المشاكل المتعلقة بتغيير قيمة العملة :

والجواب : هناك مشكلتان تتعلّقان بكيفيّة الوفاء.

الاُولى : كيفيّة الوفاء في عقد القرض إذا تغيّرت القيمة ؟

الثانية : كيفيّة الوفاء للثمن المؤجّل في البيع إذا تغيّرت القيمة ؟

وسوف نبحث كل واحدة من المشكلتين على حدة لنرى الحكم الشرعي في الشريعة الإسلاميّة ( الإماميّة ). وتوجد مشكلة ثالثة لا تتعلق بالقرض أو البيع ، نتعرض لهافي آخرالبحثوهي مشكلة مهر الزوجة الذي كان عبارة عن مائة تومان إيراني قبل ثلاثين سنة ، فكيف توفّى هذه الزوجة مهرها ؟ وأمثال هذه المسائل.

المشكلة الاُولى :

فهي جزء من بحث مهم في الشريعة الإسلاميّة وهو « كيفيّة الوفاء في عقد القرض » سواء كان المال المقترض من المثليّات ( كالحنطة والشعير ، والأوراق النقديّة ، والدنانير الذهبيّة والدراهيم الفضيّة ، أو كان من القيميّات كقرض خاتم عقيق أو زمرّد ).

وهنا لابدّ لنا من معرفة معنى القرض في الشريعة الإسلاميّة أولاً ، ثمّ نرى كيف يؤدّى المال المقترض ثانياً.

أولا : معنى القرض : لا يخفى أنّ معنى القرض معروف وهو : « تملّك كميّة من المال مع ردّ عوضه في غير المجلس غالباً ». وقد أثبته الله سبحانه وتعالى للمحتاجين.

ثانياً : المال المقترض : ثمّ إنّ المال المقترض إمّا أن يكون من المثليّات أو من القيميّات.


387

والمثلي : ما تساوت أجزاؤه في القيمة والمنفعة وتقاربت صفاته كالسكر والحنطة والدهن النباتي وأمثالها.

والقيمي : وهو ما كانت أجزاؤه مختلفة في القيمة والمنفعة مثل الخيار والعقيق والزمرّد وأمثالها.

فإن اقترض الإنسان شيئاً مثليّاً : فقد يكون أحد أقسام ثلاثة :

1 ـ أن يقترض مثليّاً ، وهو عرض من الأعراض كالثوب المثلي ، والحنطة ، والرز ...

2 ـ أن يقترض نقداً مثليّاً « ذهباً أو فضّة ».

3 ـ أن يقترض نقداً ورقيّاً تكون ماليّته إعتباريّة وإلزامية من قبل الدولة.

والمشكلة المطروحة هنا من قبل الباحثين هي فقط في النقد الورقي إذا تغيّرت قيمته إلى النقيصة ، بينما ينبغي أن تبحث المسألة بصورة أوسع ، لأنّ الذهب والفضّة الذي كان هو النقد المتعارف قبل سنة 1914 م ، أي قبل الحرب العالميّة الاُولى أيضاً تتغيّر قيمته بالنقيصة والزيادة ، ولا يلتفت إلى من يقول بأنّ قيمة الذهب والفضّة لم تتغيّر وثابتة مادامت النصوص الكثيرة في زمان الإمام الصادق ( عليه السلام ) تخبرنا عن نزول قيمة الذهب مرّة ونزول قيمة الفضّة مرّة اُخرى. وإليك رواية واحدة من الروايات الكثيرة ليتضّح لك الأمر.

فقد روى عبدالملك بن عتبة الهاشمي قال : « سألت أبا الحسن موسى بن جعفر ( عليه السلام ) عن رجل يكون عنده دنانير لبعض خلطائه ، فيأخذ مكانه ورِقاً في حوائجه ، وهو يوم قبضت سبعة وسبعة ونصف بدينار ، وقد يطلب صاحب المال بعض الورِق وليست بحاضرة فيبتاعها له الصيرفي بهذا السعر ونحوه ، ثم يتغيّر السعر قبل أن يحتسبا حتّى صارت الورِق اثنى عشر بدينار ، هل يصحّ ذلك له ؟ وإنّما هي بالسعر الأوّل حين قبض كان سبعة وسبعة ونصف


388

بدينار ؟ ... الخ » (1).

وكذلك ينبغي أن تبحث المسألة في صورة ما إذا كان المال المقترض من العَرَض كالحنطةوالسكّر ، حيث أنّ قيمتهاتنخفض مرّة وترتفع اُخرى كما هو واضح.

ثمّ إنّ ارتفاع القرض أو إنخفاضه وكذلك ارتفاع الذهب أو الفضّة أو انخفاضهما قد يكون سببه ظلم الإنسان لإخيه الإنسان في سلوكه الإقتصادي من احتكار أو غيره ، وقد يكون سببه من السماء ، كما إذا تحسّن المطر في سنة من السنين فكان الناتج جيّداً أو وافراً ، وقد يسوء المطر أو ينقطع في سنة اُخرى فيكون الناتج رديئاً أو قليلاً ، كما يمكن أن يكون ارتفاع سعر الذهب نتيجة قلّته في بعض البلدان ، ورخصه في مكان آخر نتيجة عثور تلك الدولة على مناجم له في أرضها.

وكذلك نقول نفس الكلام في الأوراق النقديّة ، فقد ترتفع قيمتها نتيجة تحسّن الأوضاع الإقتصاديّة ، وقد تنزل قيمتها نتيجة تردّي الأوضاع الإقتصاديّة لأنّها اصبحت الآن بنفسها قيمة سوقيّة ، ويُقصد النقد بنفسه لأنّه مال ، وإن كان هذا المال اعتباريّاً ، وتدلّ عليه السيرة من قبل الناس والإعتبار في قياس قيمة كلّ شيء بالأوراق النقديّة ، ومعنى هذا أنّ النقد الورقي أصبح الآن عرضاً مطلوباً بنفسه وهو مال اعتباري.

إذن المشكلة التي يجب أن تبحث ليست مقتصرة على النقد الورقي ، وليست مختصّة بتدهور القيمة إلى النزول ، بل يجب أن تبحث المسألة في كلّ نقد سواء كان ورقياً أو معدنيّاً ، كما يجب أن تبحث في حالة تدهورها أو تحسّنها ، لأننا نرى إمكان تحسّن قيمة النقد الذهبي أو الفضّي أو الورقي أمراً متصوّراً وواقعاً حتّى في هذا الزمان بالنسبة للأوراق النقديّة للدول المتقدّمة من الناحية الإقتصاديّة ، كاليابان وأمريكا وأمثالهما ... كما يجب أن تبحث المسألة في اقتراض القرض الذي قد تنزل قيمته ، وقد ترتفع للأسباب المتقدّمة.

(1) وسائل الشيعة : ج 12 ، باب 9 من أبواب الصرف ، ح 1.


389

جواب المشكلة :

إذا اقترض الفرد شيئاً من المثليّات المتقدّمة بأقسامها الثلاثة ، فبما أنّ القرض معناه : « تملّك الشيء مع ردّ عوضه في غير المجلس غالباً » أي حسب المدّة المتفقة بين الطرفين إن كانت. فهنا يكون المقترض قد أقدم على ضمان ما في ذمّته من هذا المثلي ، فلنفرض أن المقترض قد اقترض خمسة كيلوات من الحنطة لمدّة شهر واحد ، فهو مسؤول عن ضمان هذا المقدار المثلي بعد الشهر الواحد ، سواء كانت قيمة الحنطة قد ارتفعت نتيجة تدهور حالة الطقس وهجوم الجراد على المزارع ، أو كانت الدولة قد جمعت الحنطة لأجل تصديرها إلى دولة اُخرى ، أو قد جمعها المحتكر يترقّب بها الغلاء ، وقد تكون الحنطة قد تدهورت قيمتها نتيجة تحسّن الطقس وهبوط الأمطار الملائمة للزراعة ، أو استوردت الدولة كميّات كبيرة من الحنطة ، أو منعت وعاقبت المحتكرين فنزلت الحنطة من مستودعات المحتكرين إلى السوق. وكلّ الروايات الواردة في اقتراض المثليّات تؤكّد على وجوب ارجاع المثل ( بصفاته وقدره ) ، ولا توجد أي رواية تقول بوجوب ردّ عوض ما يمكن أن يشترى بالقرض في زمن القرض ، بل كلّ الروايات تقول بوجوب ردّ عوض القرض ( بصفاته وكميّته ). ونفس هذا الكلام نقوله بالنسبة للذهب والفضّة أو الأوراق النقديّة إذا كان أحدها هو المال المقتَرض. بل لا يخفى على علماء الإسلام أنّ وجوب ردّ أكثر ممّا اقترض من الناحية الكميّة أو من الناحية الوصفيّة هو الربا الذي نهانا عنه القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة ، فأنّى تذهبون ؟ !

وقد يقال : إنّ الأوراق النقديّة أو الحنطة والسكر قد تنخفض قيمتها بعد شهر فيتضرّر المقرِض نتيجة معاملته هذه.

والجواب : إنّ هذا الضرر على فرض تحقّقه ، هو الذي أقدم عليه فلا يكون مضموناً على المقترض ، كما إنّ العكس قد يكون صحيحاً ، إذ قد ترتفع قيمة الأوراق النقديّة أو الحنطة أو السكّر ، فهل يصح في هذه الصورة أن يقال


390

بوجوب أن يردّ المقترض أقلّ ممّا استقرض بحجّة إنّ القيمة الشرائيّة للمال المقترض قد ارتفعت ؟ !! (1).

وعدم صحّة هذا القول : لأنّ القرض كما قلنا معناه « ردّ العوض » ، فإذا أخذ الفرد شيئاً ولم يردّ عوضه بل ردّ أكثر منه ، فهو قد ردّ « عوض ما يمكن أن يشتري به » ، وهذا ليس هو معنى القرض ، لأنّ القرض هو ردّ العوض المثلي ، لا رد ما يمكن أن يشترى به من أشياء.

نعم في صورة عدم وجود المثل عند الأداء لسبب من الأسباب ، فهنا يجب على المقترض أن يردّ الأقرب للمثل ، وحينئذ يجب عليه أن يردّ القيمة وقت الأداء لأنّها أقرب إلى المثل.

وأمّا إذا كان الشيء المقترض من القيميّات : فالقاعدة تقول بوجوب ردّ قيمة يوم قبضه ، لأنّ المقترض أقدم على ضمانه وردّه ، وبما أنّه ليس له مثل كما هو الفرض ، فهو مسؤول عن ردّ قيمته يوم تملّكه وهو يوم القبض.

تنبيهات :

الأوّل : « كلّ الروايات توجب إرجاع نفس المال المقترَض ».

عند مراجعتنا للروايات الواردة في القرض رأينا أنّها تشير إشارة عهديّة إلى وجوب رد المال المقترَض ، ومعنى ذلك أنّ كلّ الروايات تقول بأنّ المقترِض مسؤول عن ردّ ما أخذه من المقرِض ، والذي أخذه هو عبارة عن الشيء المثلي ( بكميّته وكيفيّته ) ، ولا توجد أي إشارة إلى وجوب رد قيمة ما يمكن أن يشترى به ، فلو كان وجوب ردّ ما يمكن أن يشترى به هو الحكم الشرعي لظهر ذلك في

(1) حينما كنت أكتب هذا الموضوع كان سعر الذهب في إيران للمثقال الواحد ( 6700 ) تومان ، وعلى حين غفلة من الناس أصدرت الحكومة موافقتها على قبول إتفاقيه ( 598 ) الصادرة من منظمة الاُمم المتحدة ، وفجأة نزل الذهب فصار المثقال الواحد ( 4500 ) تومان ، ومعنى هذا تحسّن النقد الإيراني ، فهل نقول للمقترض قبل الإعلان بإرجاع أقل ممّا أخذ ؟ ! !


391

أسئلة الرواة وأجوبة الأئمّة أو النبي ( عليهم السلام ) ، فعدم انعكاس هذا في الروايات ولو على مستوى رواية واحدة يكون دليلاً كاشفاً عن أنّ إرجاع نفس المال المقترض سواء زادت قيمته السوقيّة أو نقصت هو المعتبر في عقد القرض.

بل الروايات الكثيرة المتواترة من الطرفين تؤكّد أنّ أي زيادة على المال المقترض بالنسبة إلى المقرِض ( سواء كانت الزيادة عينيّة أم حكميّة ) هي ربا إذا كانت على وجه الإلزام من قبل المقرِض بواسطة الشرط.

وإليك نموذج من الروايات :

1 ـ موثّقة موسى بن بكر ، قال : قال لي أبو الحسن ( عليه السلام ) : « من طلب هذا الرزق من حلّه ليعود به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في سبيل الله ، فإن غلب عليه فليستدن على الله وعلى رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما يقوت به عياله ، فإن مات ولم يقضه كان على الإمام ( عليه السلام ) قضاؤه ... » (1).

فلم تقل الرواية كان على الإمام قضاء قيمته أو قضاء ما يمكن أن يشترى به ، بل قال : كان على الإمام ( عليه السلام ) قضاء نفس الدين وهو ما اقترضه بمكيّته وصفاته.

2 ـ رواية إبراهيم بن محمّد الأشعري في كتابه بإسناده عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : « قبض علي ( عليه السلام ) وعليه دين ثمانمائة ألف درهم ، فباع الحسن ( عليه السلام ) ضيعة له بخمسمائة ألف فقضاها عنه ، وباع ضيعة له بثلاثمائة ألف فقضاها عنه ... » (2).

وهذه الرواية قدصرّحت بوجوب وفاءنفس المال المقترض مع أنّ المال الفضّي قد تنزل قيمته وقد ترتفع ، إلاّ أنّ الواجب هو وفاء المثل لأنّه هو المال المقترض.

3 ـ صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « إذا أقرضت الدراهم ثمّ

(1) وسائل الشيعة : ج 13 ، باب 90 من أبواب الدين ، ح 2.

(2) وسائل الشيعة : ج 13 ، باب 2 من أبواب الدين ، ح 11.


392

أتاك بخير منها فلا بأس إذا لم يكن بينكما شرط » (1).

4 ـ وصحيحة عبدالرحمان بن الحجّاج ، قال : « سألت الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن الرجل يقترض من الرجل الدراهم فيردّ عليه المثقال أو يستقرض المثقال فيردّ عليه الدراهم ، فقال ( عليه السلام ) : إذا لم يكن شرط فلا بأس وذلك هو الفضل إنّ أبي ( عليه السلام ) كان يستقرض الدراهم الفسولة فيدخل عليه الدراهم الجياد الجلال ، فيقول : يا بني ردّها على الذي استقرضتها منه ، فأقول : يا أبه إنّ دراهمه كانت فسولة ، وهذه خيرمنها ، فيقول : يا بني إنّ هذا هو الفضل فأعطه إيّاها » (2).

وواضح من هذه الرواية أنّ رد الأجود والأكثر يجوز إذا لم يكن بشرط ، وأمّا إذا كان بشرط فهو الربا ، وما نحن فيه أيضاً من قبيل الربا ، لأنّنا نعطي مائة دينار ونلزم المقترض بأن يرجع منها بحجّة أنّ القيمة الشرائيّة للمائة دينار قد نزلت ، بينما هذه الروايات مطلقة ، فيما إذا تنزلت القيمة الشرائية أوْ لا فإنّها تقول بعدم جواز ردّ أكثر ممّا اقترض.

الثاني : « شرع الله القرض للمحتاجين ، وجعل فيه ثواباً كثيراً ».

لا يخفى أنّ المسلم ينبغي أن يلتفت إلى الروايات الواردة في الإهتمام بهذا العقد وإستحبابه ، ومن خلال هذه الروايات يتكلّم في أنّ المقرِض هل استفاد في عقده هذا أو خسر شيئاً ، حتّى إذا نقصت القيمة الشرائيّة للنقد او العرض ؟ ولا يجوز لنا أن نبحث هذه المسألة « كالرأسماليّين والإشتراكيّين » ، بعيدين عن فضل هذا العقد عند الله سبحانه وتعالى كما ذكرت ذلك الروايات ، لأنّنا نكون بهذا العمل قد فصلنا بين المذهب الذي يرتكز عليه تشريع القرض وبين نفس التشريع.

فقد ورد في الروايات أنّ في القرض أجراً عظيماً ينشأ من معونة المحتاج

(1) وسائل الشيعة : ج 12 ، ب 12 من أبواب الصرف ، ح 3.

(2) وسائل الشيعة : ج 12 ، ب 12 من أبواب الصرف ، ح 7.


393

تطوّعاً ، وكشف كربة المسلم حتّى روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : « القرض الواحد بثمانية عشر وإن مات حسبتها من الزكاة » (1) ، بينما نحن نعلم أنّ درهم الصدقة بعشرة.

وقد روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال : « لئن أقرض قرضاً أحبّ إليّ من أن أتصدّق بمثله » ، وكان يقول : « من أقرض مؤمناً وضرب له أجلاً فلم يؤت به عند ذلك الأجل كان له من الثوب في كلّ يوم يتأخّر عن ذلك الأجل بمثل صدقة دينار واحد في كلّ يوم » (2).

وقد أكدت الروايات فضل هذا العقد بالنسبة للمؤمن حتّى قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « من أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة ، وكان هو في صلاة من الملائكة حتّى يؤدّيه » (3). وقال أيضاً ( صلى الله عليه وآله ) : « من أقرض أخاه المسلم كان له بكلّ درهم أقرضه وزن جبل أحد من جبال رضوى وطور سيناء حسنات ، وإن رفق به في طلبه تُعدّي به على الصراط كالبرق الخاطف اللامع بغير حساب ولا عذاب ، ومن شكا إليه أخوه المسلم فلم يقرضه حرّم الله عزّوجلّ عليه الجنّة يوم يجزي المحسنين » (4). وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « وما من مسلم أقرض مسلماً قرضاً حسناً يريد به وجه الله إلاّ حُسب له أجره كأجر الصدقة حتّى يرجع إليه » (5).

ومع النظر إلى هذه الروايات وما يكسبه الإنسان من الثواب الكثير على حسب عقيدته في أنّ هذه الدنيا طريق إلى الآخرة فهل يعدّ متضرّراً إذا نزلت قيمة

(1) وسائل الشيعة : ج 13 ، باب 6 من أبواب الدين ، ح 4.

(2) المصدر السابق ح 1.

(3) المصدر السابق ح 3.

(4) وسائل الشيعة : ج 13 ، ب 6 من أبواب الدين ، ح 5.

(5) وسائل الشيعة : ج 13 ، ب 6 من أبواب الدين ، ح 1.


394

ما أقرضه ؟ على أنّ النزول أمر احتمالي في بعض الأوقات وبعض البلدان ، كما أنّ احتمال زيادة القيمة الشرائيّة أيضاً وارد إذا توّفرت أسبابه السماويّة أو الأرضيّة.

إذن الواقع الفاسد الذي نعيشه نحن المسلمون ( من تطبيق النظم الرأسماليّة أو الإشتراكيّة ) في مجتمعنا يجب أن لا يجعلنا نغض النظر عن النصوص الشرعيّة ونأوّلها حتّى تنسجم مع الواقع الفاسد ( وهذا هو أوّل خطر نبّهنا عليه في المقدّمة ) فإذا كان الرأسمالي لا يعتقد بما يعتقد به المسلم من الجزاء والثواب في يوم القيامة على هذا العمل الذي شرّع للمحتاجين ، وكان الرأسمالي يبحث المسألة من ناحية نفعيّة ماديّة فقط ، فيجب أن لا ينساق المسلم ورائه في هذا المنهج العقيم ، إذ رسالتنا التي خطّها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تحتم علينا أن نربط بين أساس التشريع والتشريع لا أن نفصل بينهما ، على أنّ ما يقوله الرأسمالي هو نظر إلى شق واحد من المسألة وهي مسألة تنزل قيمة النقد ، أمّا الشقّ الآخر الذي هو أيضاً أمر متوقّع فلا ينظر إليه.

الثالث : « الإقتراض لغير حاجة مكروه في الشريعة الإسلاميّة ».

لا يخفى أنّ القرض لغير المحتاجين يكون ممّا نهى عنه الشارع المقدّس ، وحينئذ لا ينبغي للمسلم أن يقدم على قرض إذا لم يكن محتاجاً إليه ، وبهذا لا يكون للمقرِض في هذا القرض أي فضل يذكر ، فمن الروايات ما عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : « أعوذ بالله من الكفر والدَيْن قيل يا رسول الله أتعدل الدَين بالكفر ؟ قال : نعم » (1). وعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أيضاً ، قال : « ما الوجع إلاّ وجع العين ، وما الجهد إلاّ جهد الدَين » (2). وعن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ـ أيضاً ـ قال : « إيّاكم والدَيْن ، فإنّه شين الدِين » (3). وقال علي ( عليه السلام ) : « إيّاكم والدَين فإنّه مذلّة بالنهار ومهمّة بالليل وقضاء في الدنيا

(1) وسائل الشيعة : ج 13 ، باب 1 من أبواب الدين ، ح 7.

(2) المصدر السابق ح 9.

(3) المصدر السابق ح 2.


395

وقضاء في الآخرة » (1). وقال علي ( عليه السلام ) : « إيّاكم والدين فإنّه همّ بالليل وذلّ بالنهار » (2). وهذه الروايات وإن كانت مطلقة لكلّ دين ، إلاّ أنّ الروايات السابقة في فضل الدين إذا كان لحاجة تخصّص هذه الروايات في صورة القرض لا لحاجة.

إذن ، القرض الذي يستحصله التجّار لزيادة تجارتهم وأرباحهم ليس هو القرض الذي قالت عنه الروايات أنّه زكاة ، وأنّ الدرهم بثمانية عشر ، وهو القرض الذي يعود به الإنسان لرفع حاجته وحاجة عياله ، وإذا كان هذا القرض الذي لا لحاجة ليس فيه ثواب فلا حاجة للبنوك أن تفتح لها سجلاًّ وتطالب بالزيادة على ما تقرض بالحجّة المتقدّمة ، فإنّ هذا القرض ممّا نهي عنه شرعاً فلا حاجة إلى سلوكه وإن كان النهي كراهيّتاً.

المشكلة الثانية : (3)

فهنا ـ أيضاً ـ لا نرى أي مشكلة تذكر حيث أنّ البائع عندما باع ورضي أن يكون الثمن مؤجلاً إلى سنة مثلاً ، فهو يحتمل على أقل تقدير أن تنخفض قيمة النقد أو العرض ، كما يحتمل أن ترتفع ، ومع هذا هو راض بأن تكون له في ذمّة المشتري هذه الكميّة من النقود أو العروض المثليّة أو القيميّة ، وحينئذ يكون احتمال انخفاضها وارتفاعها غير مضرٍّ بالعقد وصحّته ، ولا يضمن المشتري هذه القلّة المحتملة إن حدثت.

ثمّ إنّ التاجر الذي يبيع شيئاً من التمر بكميّة من النقد الورقي بعد سنة مثلاً أو ستة أشهر ، فهو قد حسب حساب المدّة التي تكون فاصلة بين دفع التمر وبين إستلام النقد ، وبما أنّ للأجل قسطاً من الثمن فإنّ التاجر سوف يبيع تمره « الّذي

(1) المصدر السابق ح 4.

(2) وسائل الشيعة : ج 13 ، باب 1 من أبواب الدين ، ح 3.

(3) « وهي كيفيّة الوفاء للثمن المؤجّل إذا تغيّرت قيمة النقد ».


396

يساوي خمسين ديناراً » بسبعين ديناراً يستلمها بعد ستّة أشهر مثلاً ، وبعد هذه العمليّة من قبل التاجر ، لماذا نقول يجب تدارك الضرر الذي وقع على البائع نتيجة نقصان الثمن بسبب التضخّم ؟ ! على أنّ التضخّم الذي نجده في بعض البلدان لا نقطع باستمراره على مدى السنين والأيّام ، إذ من الممكن أن يتحسّن اقتصاد الدولة ويكثر انتاجها فيقف التضّخم ، أو يتحسّن نقدها كما حدث لبعض بلدان العالم.

وكما قلنا سابقاً ـ أيضاً ـ إنّ ازدياد قيمة النقد الذهبي أو الفضّي أو الورقي أو إزدياد قيمة القرض هو محتمل أيضاً نتيجة لفعل السماء أو فعل الإنسان ، فكما في صورة تحسّن قيمة النقد لا يكون المشتري مسؤولاً عن قيمة النقد سابقاً وإنّما هو مسؤول عن نفس النقد ، كذلك في صورة نقيصة قيمة النقد أو القرض يكون المشتري مسؤولاً عمّا في ذمّته من النقد أو القرض.

ثمّ إنّ المشتري عندما يشتري شيئاً على أن يكون ثمنه مؤجلاً إلى ستّة أشهر ، ففي الحقيقة أنّ البائع يملك في ذمّة المشتري هذه الكميّة من النقود حين حلول الأجل ، ومعنى ذلك أنّه لا يملكها حين العقد ملكيّة مطلقة حتّى يستوجب أن يقول : إنّ قيمة هذه النقود حين العقد كان أكبر من القيمة الشرائيّة حين الأجل فيطالب بالزيادة على حسب القيمة الشرائيّة حين العقد ، إذ أنّه يملكها ملكيّة مقيّدة بالأجل « بعد ستة أشهر » فهو كأنّه يملك قيمة النقود حين الأجل ، لا حين العقد ، وبهذاتبطل المشكلة المتصوّرة هنابالكليّة ، وعلى فرض وجود تصوّر المشكلة نقول :

إنّ البائع والمشتري أقدما على أن يكون المشتري ضامناً لكميّة النقد أو القرض ، وقد أقرّ الشارع هذه المعاملة ، ولا يوجد أي نص يقول إنّ على المشتري أن يدفع القيمة الشرائيّة للنقد أو للقرض فيتحمل النقص إذا نقصت القيمة الشرائيّة ، على أنّ لازم هذا القول أن نقول بأنّ القيمة الشرائيّة للنقد إذا تحسّنت فيجوز للمشتري أن يدفع أقل ممّا اتفقا عليه وإن لم يرض البائع ، وهذا ممّا لم يقل به أحد من الفقهاء.


397

إذن عدم وجود أي نص على وجوب أن يدفع المشتري القيمة الشرائيّة للثمن حين العقد ، ووجود الإمضاء الشرعي على وجوب رد نفس الثمن المتفق عليه بين الطرفين حين الأجل ، دليل على أنّ الواجب هو الأداء بنفس كميّة الثمن ( سواء كان نقداً أو عروضاً ) سواء نزلت القيمة الشرائيّة أو ارتفعت أو بقيت كذلك من دون زيادة أو نقصان.

الإستدلال بالأولويّة :

ويمكن أن يستدلّ لما قلناه بالأولويّة المستخرجة من مسألة في الغصب أو الجحود وهي :

مسألة : إذا غصب أحد من آخر مالاً أو جحده عليه ، ثمّ وقع بيد المجحود أو المغصوب مال الآخر فما هو الحكم ؟

الروايات هنا كثيرة تقول بجواز أخذ مقدار المال المغصوب أو المجحود لا أكثر ، ومن هذه الروايات نفهم الحكم في القرض والبيع نسيئة ، إذ أنّ الصورة الاُولى وهي الصورة الغصبيّة والإعتدائيّة المحرّمة لم يُجِز الشارع إلاّ أخذ مقدار المال المغصوب أو المجحود لا أكثر ، فكيف بصورة القرض الذي حدث برضا المقرِض ولم يكن هناك اعتداء من المقترض ، وكذا الأمر في البيع الذي يكون فيه الثمن مؤجلاً ، إذن بالأولويّة يكون الحكم هو ردّ مثل المال المقترض أو قيمته وقت القرض. واليك الروايات :

1 ـ صحيحة أبي العبّاس البقباق : « إنّ شهاباً ماراه في رجل ذهب له بألف درهم واستودعه بعد ذلك ألف درهم ، قال أبو العبّاس فقلت له : خذها مكان الألف التي أخذ منك ، فأبى شهاب ، قال : فدخل شهاب على أبي عبدالله ( عليه السلام ) فذكر له ذلك ، فقال : أمّا أنا فأحب أن تأخذ وتحلف » (1).

2 ـ صحيحة ابن مسكان عن أبي بكر الحضرمي ، قال : « قلت له ( للإمام

(1) وسائل الشيعة : ج 2 ، باب 82 من أبواب ما يكتسب به ، ح 2.


398

الصادق ( عليه السلام ) ) رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها ، أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقّي ؟ قال : فقال : نعم ولكن لهذا كلام ، قلت : وما هو ؟ قال : تقول اللّهمّ إنّي لم آخذه ظلماً ولا خيانة وإنّما أخذته مكان مالي الذي أخذ منّي لم أزدد عليه شيئاً » (1).

3 ـ صحيحة محمّد بن عيسى ، عن علي بن سليمان ، قال : « كتبت إليه ( الإمام الكاظم ( عليه السلام ) أو الرضا ( عليه السلام ) ) رجل غصب مالاً أو جارية ، ثمّ وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه أو غصبه أيحلّ له حبسه عليه أم لا ؟ فكتب : نعم يحلّ له ذلك إن كان بقدر حقّه ، وإن كان أكثر فيأخذ منه ما كان عليه ويسلّم الباقي إليه إن شاء الله » (2). وبما أنّ النقد الورقي في هذا الزمان هو مال فلا يفترق حكمه عن حكم أي عرض آخر سواء كان ذهباً أو غيره.

بحث اقتصادي ( تاريخ النقد )

ثمّ إننّا لا بأس لنا أن نبحث المسألة بحثاً اقتصاديّاً فنقول :

كان الإنسان في بداية حياته هو الذي يوفّر جميع ما يحتاج إليه من حاجات ، ولكن حين تنوعّت حاجات الفرد وتعدّدت السلع لم يكن ممكناً للإنسان الواحد أن ينتجها بكاملها ، ولذا اضطرّ المجتمع إلى تقسيم العمل بين الأفراد ، فأخذ كلّ فرد أو فئة بانتاج سلعة ما ، وبدأ الإنسان يعطي ما أنتجه ويأخذ ما أنتجه غيره إذا كان محتاجاً إليه. وهكذا وجدت المبادلة كوسيط بين الإنتاج والإستهلاك ، ولكن لهذه الحالة تعقيداتها ، إذ من الصعب تبادل المنتوجات مباشرة إذ أنّ صاحب الجمل إذا احتاج في حياته إلى صوف مثلاً فهو لا يستطيع الحصول عليه من منتج الصوف في

(1) المصدر السابق ح 4.

(2) المصدر السابق ح 9.


399

مقابل الجمل إلاّ إن كان صاحب الصوف بدوره محتاجاً إلى جمل وكان الصوف كثيراً بحيث يقابل قيمة الجمل ، وهكذا بقيّة الاُمور التي هي مورد حاجة الإنسان ، وحينئذ كان اختراع النقد الذهبي والفضّي علاجاً لهذه المشاكل ، فكان للنقد دوره الأصيل وهو :

1 ـ القيام بدور المقياس العام للقيمة ، وأصبح من الميسور تقدير قيم السلع بسهولة.

2 ـ أصبح أداة للمبادلة.

وبهذا العلاج أصبح عندنا مبادلتان بدل المبادلة الواحدة ، فصاحب الجمل يبيع جمله بمائة دينار ، ثمّ يشتري بعشرة دنانير الصوف الذي يحتاجه. وبهذا زالت جميع صعوبات المقايضة ، وهذا هو الدور الأصيل للنقد.

ولا بأس بالتنبيه إلى أنّ اختراع النقد كان بواسطة الإنسان ، والله سبحانه وتعالى خلق معدن الذهب والفضّة كبقيّة المعادن وبقيّة الأعراض ، ففيهما فائدة في نفسهما كبقيّة المعادن ، وحينئذ يكون الذهب والفضّة عرضاً من الأعراض ونقداً ، وبهذا يختلفان عن الأوراق النقديّة ، حيث أنّها تحمل صفة النقد ولا تحمل صفة العَرَضيّة ، ثمّ إنّ كلّ من قال بأنّ الذهب والفضّة خلقهما الله ثمناً وهما حجران لا منفعة في أعيانهما ، لادليل له يقدّمه على كلامه بل الوجدان يقضي بخلاف ذلك ، إذ أنّهما زينة ويستعملان كعرض من الأعراض في حياة الإنسان المترفة كتزيين السقوف وصنع الأواني وأدوات الحلاقة وغير ذلك ممّا يحتاجه الإنسان من بقيّة المعادن.

خروج النقد عن دوره الأصيل :

وقد خرج النقد الذهبي والفضّي عن دوره الأصيل الذي وجد لأجله وهو دور « المقياس العام للقيمة وأداة المبادلة » نتيجة ظلم الإنسان ، فحدثت مفاسد من هذا الأمر ، وتوضيح ذلك :


400

لقد استخدم النقد للقيام بدور طاريء لم يوجد لأجله وهو دور ( الإدخار والإكتناز ) فقد أخذ الإنسان يبيع سلعته لا لحاجة له بسلعة اُخرى يشتريها ، بل لأجل أن يحوّل سلعته إلى نقد يختزنه لوقت الحاجة ( إذ أصبح النقد هو الوكيل العام عن السلع ) ، وهذا معناه أنّ البيع لم يوجد لأجل الشراء المحتاج إليه في الإنتاج أو الإستهلاك ، وإنّما وجد البيع لأجل أن يمتص النقود فيختزنها ( إذ هي قابلة للإختزان من دون نقص في قيمتها ، ولا يحتاج إدخارها إلى نفقات بعكس إدخار السلع ) ، وهذاهوالدورالطاريءللنقدحيث أصبح النقدوسيطاًبين الإنتاج والإدّخار.

ومعنى هذا الدور أن المشتري ـ الذي اشترى سلعة ودفع نقداً فادخره البائع ـ لم يتمكّن أن يبيع منتوجه ، لأنّ البائع قد اكتنز النقد وسُحِبَ من مجال التداول فظهر الإختلال في توازن العرض والطلب الذي كانا متساويين في عصر المبادلة.

ثمّ إنّ الإختلال في توازن العرض والطلب يؤدّي إلى الكساد وعدم تصريف السلعة ، وهذا بدوره سوف يؤدّي إلى الإستغناء عن بعض العمّال وسدّ بعض المعامل فتحدث البطالة التي تعاني منها السوق الرأسماليّة.

ثمّ لم تقف المفاسد عند هذا الحدّ ، إذ قد يأتي المحتكر الذي اكتنز النقد ، ويخلق طلباً كاذباً فيشتري كلّ أفراد السلعة من السوق لا لحاجة إليها بل ليرفع ثمنها ، أو يعرض السلعة بأثمان دون كلفتها بقصد إلجاء المنتجين والبائعين الآخرين إلى الإنسحاب من ميدان التنافس وإعلان الإفلاس ، وبهذا تصبح الأثمان غير حقيقيّة وتكون السوق تحت رحمة المحتكرين ، ويسقط آلاف المنتجين والبائعين الصغار فريسة المحتكرين الكبار.

ثمّ يبقى المكتنز والمحتكر يبيع لأجل الإكتناز ، وبهذا يسحب النقد من مجال التداول وبهذا يقل الإستهلاك أو يتوقّف لإنخفاض المستوى الإقتصادي للجمهور ، وبهذا تقل أو تتعطّل حركة الإنتاج لعدم وجود القدرة الشرائيّة عند


401

الجمهور المستهلك ، فيعم الكساد البلاد.

وبعد هذه المشاكل والمفاسد جاءت المفسدة الكبرى ، إذ أصبح النقد أداة لتنمية المال من طريق الفائدة « الكسب من دون عمل » ، فأخذ المكتنز يقرض ماله للأفراد بفائدة أو يودعه البنك فيحصل على الفائدة ، وبهذا أصبح النقد بعيداً عن دائرة الإنتاج لأنّ البنك أيضاً يقرض أمواله بفائدة ، وأصبح التاجر أو البنك لا يقدم على عمل تجاري أو صناعي إلاّ إذا اطمأنّ بأنّ ربحه أكثر من الفائدة التي يحصل عليها من دون عمل.

ثمّ إنّ مجموع هذه المشاكل التي نتجت ( من دور النقد وظلم الإنسان ) جعلت زمام الاُمور بيد الرأسمالي ( صاحب الأموال ) وطبيعي أنّ الرأسمالي الظالم إذا سيطر على زمام الاُمور يجرّ المجتمع إلى ويلات كبيرة ذكرها علماء الإقتصاد ، وقد جاء في الحديث عن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه قال : « الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم وهما مهلكاكم » (1).

حلول الإسلام لمفاسد الدور الطاريء للنقد :

على عكس الرأسماليّة التي تشجّع على الإدّخار والإكتناز والقرض بفائدة بتشريعها ، فيكون النقد أداة للتنمية من دون عمل ومن دون إستهلاك فيه ، فإنّ الإسلام يحارب أشدّ المحاربة أن يكون النقد أداة لتنمية المال ، فحرّم الفائدة تحريماً قاطعاً لا هوادة فيه ، وجعل ضريبة الزكاة على النقد الذهبي والفضّي المكتنز ، وحثّ على الإنفاق في مجال الإستهلاك والإنتاج ، فقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) « إنّما أعطاكم الله هذه الفضول من الأموال لتوجهوها حيث وجهها الله ، ولم يعطكموها لتكنزوها » (2) ، وبهذا يكون الإسلام قد قضى على مشكلة

(1) الكافي : ج 2 ، باب حبّ الدنيا والحرص عليها ، ح 6 ، ص 316.

(2) الكافي للكليني : ج 4 ، باب وضع المعروف موضعه ، ح 5 ، ص 32.


402

من أهم مشاكل الإنتاج.

وقد يقال : إذا لم يشجّع الإسلام على الإدّخار فسوف لن يتمكن المسلمون من إقامة وإدارة المشاريع الكبيرة في الإنتاج كما هي الحال في المجتمع الرأسمالي الذي يدير هذه المشاريع بواسطة تشجيعه على الإدّخار.

والجواب : إنّ المجتمع الإسلامي يختلف عن المجتمع الرأسمالي حيث أنّ الثاني لم يقرّ إلاّ الملكيّة الخاصّة ، أمّا المجتمع الإسلامي فإنّه يقرّ بالإضافة إلى الملكيّة الخاصّة ، الملكيّة العامّة وملكيّة الدولة ، فيتمكّن أن يوضّف هذه الملكيّة العامّة ( كملكيّة المسلمين للأرض المفتوحة عنوة وكانت عامرة وقت الفتح ) ، وملكيّة الدولة ( كملكيّة الأنفال وغيرها ) في مشاريع الإنتاج الكبرى ، وتبقى للملكيّات الخاصّة المجالات التي تتسع لها ، وبهذا تكون المشاريع الكبرى ملكاً للمسلمين ككل أو ملكاً للمنصب ( منصب ولي الأمر ) ، وهاتان الملكيّتان الكبيرتان تعملان على إصلاح اُمور المسلمين.

والآن وبعد هذه الإلمامة المختصرة في دور النقد الأصيل والطاريء ، والمفاسد التي تنجم عن الدور الطاريء للنقد ، وعلاج الإسلام لهذا الدور الطاريء ، نرجع إلى موضوعنا الذي نحن بصدده لنرى هل من المعقول مذهبيّاً أن يجيز الإسلام تنمية المال من غير طريق العمل ؟ وبعبارة اُخرى أنّ الذي يقرض غيره كميّة من النقد الذهبي أو الورقي إلى ستّة أشهر هل يحقّ له أن يأخذ منه أكثر ممّا دفع بحجّة أنّ القيمة الشرائيّة للمال المقترض سوف تنزل أو قد نزلت ؟

والجواب : إنّ هذا حرام لا يجوز ، وذلك :

1 ـ إنّ هذه الحجّة ( أنّ القيمة الشرائيّة قد تدهورت ) هي الحجّة التي يقولها مريدوا الربا من الرأسماليّين ، لأجل أن يصحّحوا أخذ الفائدة ، فإنّ أقوى مبرّرات الفائدة عند الرأسمالي أنّ الفائدة هي الفارق بين قيمة سلع الحاضر وقيمة سلع المستقبل ، حيث تعتقد الرأسماليّة أنّ للزمن دوراً إيجابيّاً في تكوين القيمة ، فالقيمة التبادلية للدينار اليوم أكبر من القيمة التبادليّة لدينار المستقبل ، وبهذا يكون القائل


403

بصحّة أخذ مقدار من المال زيادة على المال المقترض قبل ستّة أشهر بهذه الحجّة يكون قد قال بحليّة الربا الذي قد وقف منه القرآن وقفة صريحة وبارعة.

2 ـ إنّ ضمن هذه الحجّة ( أنّ سلع الحاضر أكبر قيمة من سلع المستقبل ) أنّ الذي يشتري سيّارة مثلاً قبل سنة يتمكّن أن يبيعها بعد السنة أكثر ممّا اشتراها بالإضافة إلى فائدته التي استفادها منها ، وهذا الربح قد أقرّه الإسلام باعتبار أنّ ملكيّة السيّارة عبارة عن ملكيّة لعمل مختزن في السيّارة ، فزيادة المال عن طريق العمل المختزن شيء قد أقرّه الإسلام ، ونحتمل أيضاً أنّ إستهلاك السيّارة في ضمن السنة قد ينزل من قيمة السيّارة في مقابل ما استفاده منها ، أمّا بالنسبة للكسب الذي لم يقف على عمل مباشر أو مختزن فهذا لا يقرّه الإسلام من الناحية المذهبيّة ، والفائدة على النقد من هذا القبيل لأنّها ـ كما قالوا ـ نتيجة عامل الزمن من دون عمل منفق ، فإنّ المقرض للمال إذا أخذ نفس ماله الذي قد أقرضه وزيادة فيكون قد كسب من دون عمل مباشر أو مختزن ، وهذا لا يقرّه الإسلام.

3 ـ يلزم أن يقول ـ القائل بصحّة أخذ مقدار أكثر من المال المقترض نتيجة تدهور القوّة الشرائيّة للمال المقترض ـ بأنّ على المقرض أن يقبل أقل ممّا أقرض إذا زادت القوّة الشرائيّة للمال المقترض في بعض الحالات ، وهذا لم يقله أي فقيه حسب علمنا.

4 ـ إنّ تدهور القيمة الشرائيّة للنقد ليس شيئاً حتميّاً وقياساً ثابتاً حتى نتمكّن أن نقول من أوّل الأمر وحين العقد بأنّ المائة دينار تكون قيمتها الشرائيّة بعد ستّة أشهر مثلاً مائة وعشرين ديناراً ، بل إنّ الأمر قد يكون واحداً في هذه الستة أشهر بالنسبة للمائة دينار ، وقد يتحسّن النقد في ضمن الستة أشهر كما قد يتدهور ، إذن احتمال النقيصة يقابله احتمال الزيادة ، فهل يجوز لنا ان نقول حين العقد للمقترض بأنّه يجب عليك أن تسدّد مائة وعشرين ديناراً بعد ستّة أشهر بحجّة أنّ القوّة الشرائيّة للمائة دينار قد انخفضت ؟ ! مع أنّنا نحتمل الإنخفاص ليس إلاّ ،


404

أليس يكون هذا قول بلا علم ؟ ! وقد نهانا الله سبحانه وتعالى من القول بلا علم.

5 ـ إذا أقرضت كميّة من القرض ( كيلو من البطيخ ) وكان هذا القرض يساوي كلّ كيلوات منه خمسة كليوات من الحنطة ، فعند السداد إذا كان كلّ كيلو منه يساوي كيلوواحدمن الحنطة فحينئذ ـ إذاقلناأنّ القيمة الشرائيّة قدتدهورت للبطيخ والمقترض مسؤول عن أداء القيمة الشرائيّة حين القرض ـ يجب على المقترض أن يدفع خمس كليوات من البطيخ إلى المقرِض ، وهذا لم يقل به أحد حسب علمنا.

وإذا أردنا أن نسيرهذا السيرفسوف يوجد عندنا فقه لم يقله رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ).

ثمّ إننا نرى وجوب أن تعالج المسألة علاجاً أساسيّاً ، بمعنى أننا لا يصح لنا أن نقبل حقيقة هبوط النقد من دون معالجة ، ونريد أن نصحّح العقود القائمة حين تحقّق هذه الحقيقة ، بل اللازم علينا أن نتنبّه إلى العوامل التي تؤدّي إلى هبوط النقد بصورة مستمرّة فنعالجها ، وحينئذ نقضي على أساس المشكلة التي تعاني منها العقود القرضيّة والبيع المؤجّل الثمن القائم مع تحقّق هذه الحقيقة ، فنقول :

لماذا تتدهور قيمة النقد ( الورقي والذهبي ) ؟

الجواب : إنّ تدهور قيمة النقد هو ما يسمّى في عرف الإقتصاديّين بالتضخّم ، ومعناه هو إرتفاع متواصل في الأسعار ، بينما تكون السلع هي السلع من دون تغيير.

وإذا بحثنا كثيراً عن سبب التضخّم فلا نقع إلاّ على هذا السبب وهو « قلّة الإنتاج وزيادة الإنفاق » ، فعندما يكون الإنفاق كثيراً معنى ذلك وجوب طلب كثير على السلع وحينئذ إذا لم يكن الإنتاج بقدر الطلب ترتفع الأسعار للسلع ، وهذا معنى تدهور النقد « انخفاض متواصل في قيمة النقد » (1).

(1) إنّ السبب التضخم العادي هو ما قلناه ، وهو السبب أيضاً في حالات طارئة كما إذا وجدت حرب في بلد معيّن ، وكان الإنفاق بقدر الإنتاج أو أقل ، ولكن مع هذا قد يحصل التضخّم بتقريب أنّ أكثر ما تنتجه الدولة من سلع وتحوّلها بعد ذلك إلى نقد يحترق في ساحات القتال ، وبهذا يكون الطلب مع وجود الحرب أكثر من الإنتاج ، وبهذا رجع السبب الأصيل للتضخّم هو انَّ الإنفاق أكثر من الإنتاج.


405

ثمّ إذا بحثنا كثيراً عن سبب قلّة الإنتاج ، فالسبب الواضح هو ( الفائدة ) التي شرّعها النظام الرأسمالي ، فجعلت الإنسان يسحب أمواله من مجال الإنتاج ويجعله في مجال الفائدة ليدرّ عليه النقد ربّما من دون خسارة ولا أي جهد من العمل ، وحينئذ يكون الإنتاج قد انخفض ، بينما الإنفاق على حسب قوّته أو أكثر فيحصل التضخّم.

وفي خصوص النقد الورقي قد تعمد الدولة إلى طبع كميّة من الأوراق النقديّة لتخفّف الديون الداخليّة المتراكمة عليها ، وهذا بدوره يؤدّي إلى زيادة طلب الإنفاق مع أنّ الإنتاج على حاله من القلّة ، فيحصل التضخّم أيضاً.

المعالجة :

ولأجل أن نبقي النقد على حالة من الثبات ، فما علينا إلاّ أن نحرّم الربا ، وحينئذ سوف تتجّه الأموال تلقائيّاً إلى الإنتاج ، فيكثر حتّى يصير بقدر الطلب ، وبهذا سوف لا تنحط قيمة النقد الورقي ، بل قد تتحسّن كما في صورة زيادة الإنتاج على الطلب ، وبهذا لا تكون عندنا أي مشكلة من ناحية انحطاط قيمة النقد ، ولا أدري هل في هذه الصورة تثار مشكلة زيادة قيمة النقد من ناحية المقترض أم لا ؟

ثمّ إذا كان المجتمع يعمل بنظام الفائدة ، فسوف يكون الإنتاج بطبيعة الحال قليلاً ، فيحصل التضخّم ، ومع هذا فإن تقدّم إنسان بالقرض لصاحبه ، فهو يكون قد خاطر بماله ( أي كمن أقرض حنطة مثليّة مثلاً ، أو خياراً مثليّاً في أول نضوجه على أن يستلمه حين كثرة الحنطة أو الخيار ) هل يجوز لهذا المخاطر بحاله أن يطلب منفعة لقاء مخاطرته هذه ، فيطلب من المقترض أن يدفع إليه نتيجة هذه المخاطرة أكثر ممّا دفع ؟

وللإجابة على هذا التساؤل لابدّ لنا من معرفة معنى المخاطرة أوّلاً ، وهل


406

يجوز للإنسان أن يطلب تعويضاً على أساسها ثانياً ؟

فنقول : المخاطرة هي حالة شعوريّة خاصّة تغمر الإنسان وهو يحاول الإقدام على أمر يخاف عواقبه ، فإمّا أن يتراجع انسياقاً مع خوفه ، وإمّا أن يتغلّب على دوافع الخوف ويواصل تصميمه ، فيكون هو الذي رسم لنفسه الطريق ، واختار بملأ إرادته تحمّل مشاكل الخوف بالإقدام على مشروع يحتمل خسارته مثلاً.

وعلى هذا فلا تكون المخاطرة سلعة يقدمها المخاطر إلى غيره حتّى يطلب ثمنها.

ولا تكون عملاً ينفقه المخاطر على مادّة ليكون من حقّه تملّكها أو المطالبة بأجر على ذلك من مالكها ، وحينئذ لا يحقّ للمخاطر أن يطالب تعويضاً ماديّاً على خوفه مادام خوفه شعوراً ذاتيّاً.

المخاطرة تقييم خلقي :

إنّ المخاطرة قد تكون ذا أهميّة كبيرة من الناحية النفسيّة والخلقيّة ، ولكن كلامنا نحن ليس كلاماً نفسيّاً أو خلقيّاً ، وإنّما هو كلام فقهي اقتصادي ، فالمخاطرة من الناحيّة الإقتصاديّة لا تستحق ثمناً ، نعم من الناحية الخلقيّة تكون ذا أهميّة كبيرة قد تستدعي أخلاقيّاً أن يكون المخاطر مستحقّاً للثناء والمال ، وهذا شيء لا نتكلّم عنه الآن مادام البحث اقتصاديّاً.

تصحيح أخطاء :

لقد وقع كثير من المفكّرين المتأثرين بالتفكرين الرأسمالي المذهبي في خطأ حيث زعموا أنّ الربح في عقد المضاربة لصاحب المال إنّما يقوم على أساس المخاطرة ، حيث إنّ صاحب المال قد عرّض نفسه للخسارة بدفعه المال إلى العامل ليتجر به ، فكان على العامل أن يكافئه على مخاطرته بنسبة مئويّة من الربح يتفقان عليها حين العقد ، وقد يقال أيضاً أنّ الربح الذي يحصل عليه صاحب المال هو عبارة عن ربح لم يكن في مقابل عمل مباشر ولا مختزن ، لأنّ المال الذي دفعه


407

يرجع إليه في آخر الأمر من دون نقيصة في كميّته وصفته بخلاف الدار التي آجرها وهي عبارة عن عمل مختزن ، إذ ترجع إليه مع إستهلاك لها بعد عقد الإجارة ، وما هذا الربح الذي يحصل عليه صاحب المال إلاّ ربحاً في مقابل مخاطرته بماله.

والجواب : إنّ الربح الذي يحصل عليه صاحب المال ليس قائماً على أساس المخاطرة ، وإنّما يستمد مبرّره من ملكيّة صاحب المال للسلعة التي اتّجر بها العامل ، فإنّ السلعة التي اشتراها العامل وزاد في قيمتها نتيجة نقلها وجعلها بين يدي المستهلك ، تبقى هي ملكاً لصاحب المال ، وبهذا يكون حق لصاحب المال في الربح نتيجة ملكه السلعة التي اشتراها العامل وزاد في قيمتها بعمله ، كحقّ مالك الألواح إذا جعلها آخر سريراً ، فإنّ الربح يكون لهما معاً ، ويوجد عندنا شاهد لما نقول وهو التشريع القائل : أنّ الخسارة إذا حصلت في هذا العقد فهي إنّما تكون على صاحب المال ، وما ذاك إلاّ لأنّ السلعة أصبحت له فخسارتها عليه.

ثمّ ماذا يقول المتأثّرون بالتفكير الرأسمالي في صورة ما إذا لم يمارس صاحب المال أي لون من ألوان المخاطرة ، كما إذا اتّجر شخص بأموال أخيه من دون علمه ، وربح في تجارته ، فهنا من الناحية الشرعيّة بإمكان صاحب المال أن يوافق على هذا العمل الفضولي ويقرّه ويستولي على الأرباح ، كما أنّ من حقّه أن يعترض ويستحصل على ماله أو ما يساويه من العامل في صورة الربح أو في صورة الخسارة من قبل الأخ ، لأنّ ماله مضمون على العامل ، وحينئذ يكون المخاطر هنا هو العامل ، لإقدامه على ضمان المال عند الخسارة.

إذن ليس حقّ صاحب المال في الربح ناتجاً عن المخاطرة ولا تعويضاً عنها.

حالات مخاطرة ألغى الشارع الكسب بها :

1 ـ الربا : فقد اعتاد الكثير من الباحثين على تفسير القرض بفائدة على أساس المخاطرة ، لأنَّ المقرض عندما يقرض ماله يكون قد أقدم على نوع من المغامرة التي قد تفقده ماله إذا عجز المدين في المستقبل عن الوفاء ، وحينئذ كان من


408

حق الدائن أن يحصل على أجر ومكافأة له على مغامرته بماله وهذه المكافأة هي الفائدة.

والحق والإنصاف أنّ هذا العمل من قبل الدائن يعد مخاطرة في هذه الصورة (1) ، إلاّ أنّ الشارع المقدّس لم يقرّ هذا اللون من التفكير في نمو المال ، ولهذا حرّم الفائدة تحريماً قاطعاً.

2 ـ القمار : كما أنّ الإسلام حرّم القمار وحرّم الكسب القائم على أساسه ، وهذا جانب آخر يبرهن على الموقف السلبي للشريعة الإسلاميّة من عنصر المخاطرة ، حيث أنّ الكسب في القمار لا يقوم على أساس عمل من أعمال الإنتفاع والإستثمار ، وليس هو عمل مختزن بحيث يقل عند إستعماله كما في صورة إجارة البيت ، وإنّما القمار مغامرة بمال الإنسان لتقديمه لصاحبه إذا خسر الصفقة.

3 ـ شركة الأبدان : كما الغى بعض الفقهاء « الشركة في الأبدان » من الإعتبار الشرعي ، والمراد بالشركة في الأبدان : أن يتفق اثنان أو أكثر على ممارسة كلّ واحد منهم عمله الخاص على أن يشتركان فيما يحصلان عليه من مكاسب.

والغاء هذه الشركة يتفق مع الموقف السلبي العام للشريعة الإسلاميّة من عنصر المخاطرة ، حيث أنّ الكسب فيها يقوم على أساس المخاطرة لا العمل ، فإنّ كلّ واحد من العاملين يحتمل أنّ اُجور صاحبه سوف تزيد على اُجوره ، فيقدم على الشركة موطناً نفسه عن التنازل عن شيء من اُجوره إذا زادت على اُجور صاحبه ، في سبيل أن يحصل على شيء من اُجور صاحبه في حالة تفوّق شريكه عليه ، وحينئذ يكون من حقّ الأقل دخلاً أن يحصل على جزء من كسب الأكثر دخلاً لأنّه غامر وأقدم على دفع شيء من كسبه إذا كان أكثر من صاحبه ، إذن كسب الأقل دخلاً يقوم على أساس المخاطرة ولا يرتكز على عمل.

(1) يتمكّن الدائن أن يرفع هذه المخاطرة من أوّل العقد كأن يأخذ رهناً على ماله ، أو يطلب ضامناً متمولاً.


409

الإسلام لا يقرّ كسباً غير مرتبط بعمل مباشر أو مختزن :

ومن الفتاوى المتقدّمة وغيرها المماثلة لها يرى الإسلام أن العمل هو سبب لملكيّة العامل نتيجة العمل. وهذا تعبير عن ميل طبيعي في الإنسان إلى تملّك نتائج عمله ، ومردّ هذا الميل إلى شعور كلّ فرد بالسيطرة على عمله ، وبالنتيجة إلى نتائج عمله ومكاسبه ، وبهذا يصحّ لنا أن نقول من وجهة نظر إسلاميّة « أنّ العمل سبب الملكيّة » ، هذا ما نقوله في العمل المباشر.

أمّا العمل المختزن : كما في صورة البيت الذي أملكه ، وكذا السيّارة وبقيّة السلع ، فإنّها عمل قد اختزن بصورة سلعة ، حيث أنني عندما اشتريت السيّارة أو البيت أكون قد حوّلت عملي المباشر الذي حصلت منه على المال إلى عمل مختزن ، وبهذا يصحّ لي أن أكسب بواسطة إجارة البيت أو السيّارة ، فإنّ الكسب هنا كسب قائم على العمل المختزن ، وفي مقابل كسبي من هذا العمل المختزن فإنّ السيّارة تستهلك وكذا البيت.

وأمّا الكسب من دون عمل مباشر أو مختزن فهو محرّم في الشريعة الإسلاميّة. خذ إليك هذا المثال : إذا استأجرتُ بيتاً بمائة دينار ، ثمّ أجرت نصفاً منه بمائة دينار إلى شخص آخر ، فأكون أنا قد انتفعت من دون عمل مباشر ولا مختزن ، إذ قد حصلت على سكنى البيت مجّاناً ( مع أنّ صاحب البيت لم يقدّم لي المنفعة بالمجّان ) ، ومادمنا نتكلّم في مجال الإقتصاد والكسب ، فإنّ هذا الكسب لا يجوز وقد حرّمه علماء الإسلام.

ومن هذه النظريّة المذهبيّة نفهم أنّ ما نحن فيه من هذا القبيل ، إذ انّ المقرض لأخيه شيئاً إلى ستّة أشهر ، إذا أردنا أن يأخذ أكثر ممّا أقرض بحجّة أنّ القيمة الشرائيّة قد انخفضت ، فإنّ هذا الإنسان لو لم يقرض مبلغه هذا إلى غيره ، والمفروض أنّه لم يقحمه في عمل مختزن ، فالمفروض أن مبلغه قد انخفض نتيجة لإنخفاض جميع العملة ، فإذا أراد أن يأخذ شيئاً من المقترض حتّى يحافظ على عدم


410

تدهور نقده بالخصوص ، فيكون قد كسب ( أخذ أكثر ممّا يجب أن يأخذ ) من دون عمل مباشر أو مختزن.

ثمّ إنّ كلّ ما قلناه في القرض ، نقوله في البيع المؤجّل ثمنه ، بالإضافة إلى أنّ هذا البائع له خيار أن يبيع بأكثر من الثمن الحالي تحسّباً لنزول النقد ، كما أنّ المشتري له حقّ أن يشتري بأقلّ من ثمن المثل تحسّباً لإرتفاع النقد ، وهذا هو المتعارف عند البيع نسيئة ، فتنتفي المشكلة من الأساس ، بخلاف القرض ، فإنّ المقرِض لا يتمكّن من الزيادة على ما أقرض.

تنبيه :

يتمكّن المقرض إذا كان شخصاً أو جهة ـ كالبنك ـ أن يمتنع من أن يقرض نقده الورقي وله أن يقرض ذهباً أو عرضاً كالسكّر والحنطة ، وحينئذ إذا نقصت قيمة النقد الورقي فهو لا يمسّه أي ضرر لأنّه يأخذ مثل ما أعطى ، ولكن قد تنشأ نفس المشكلة حينما ينخفض سعر الذهب نتيجة عوامل معيّنة ، فيقول المقرِض أنا أقرضتك ذهباً تساوي قيمته كذا مقداراً من الدينار ، والآن ترجع لي ذهباً تكون قيمته الشرائيّة أقل ، فهل يتمكّن المقرض من الزام المقترض بأكثر ممّا أعطى من الذهب ؟ ! والجواب هو عدم الجواز هنا ، فكذا بالنسبة للنقد الورقي لأنّه مال مثلي ؟ والمقترض مسؤول عن إعطاء مثل ما أخذ منه.

إذا كان المقرِض لا يدفع ما اقترض مع تموّله وعناده : وافترضنا أنّ القيمة النقديّة قد تدهورت نتيجة فعل السماء أو الإنسان ، ففي هذه الحالة يكون الفرد قد فعل حراماً لعد وفائه في هذه الحالة ، ولكن هل يضمن تنزل قيمة النقد ؟

الجواب : لا يجب الضمان لأنّ المقترض أقدم على ضمان المال ، وهو بعد ذلك يدفع المال كاملاً من دون نقيصة في كميّته أو صفته ، فلماذا يكون ضامناً لضرر المقترِض ؟

وإذا لاحظنا أنّ سبب الضمان في الشريعة الإسلاميّة يكون بأحد حالين :


411

1 ـ تلف المال بالتعدي أو التفريط.

2 ـ زوال الصفات كذلك.

وبما أنّ المقترض حتّى في حالة عدم الوفاء في الموعد المقرّر ، وكان متجولاً حتّى تدهورت القيمة الشرائيّة للنقد ، فإنّه لم يتلف المال ولم تزل صفته ، وحينئذ لا يكون ضامناً ، كما لو أقدم إنسان على بناء خمسة طبقات في بيته بحيث يتضرّر الجار بتقليل قيمة بيته لعدم دخول الشمس إلى البيت ، فإنّ هذا الضرر على الجار لا يكون مضموناً.

وإذا اعترض علينا بالفرق بين المثال الأوّل والثاني بأنّ المثال الأوّل تكون اليد فيه يد عدوانيّة على المال عند عدم الوفاء في الموعد المقرّر وعدم رضا المقرِض ، أمّا المثال الثاني فلا يكون صاحب البناء له يدّ عدوانيّة على الجار ، فالجواب أنّ هذا الفرق بين المثالين دخيل في الحرمة وعدمها ، أمّا بالنسبة لعدم ضمان الضرر فهما سواء لأنّهما لت يتلفا العين ولا صفاتها فلا ضمان في المثالين ، نعم في القرض يكون أصل المال مضموناً بقدره وصفاته ، ويكون المقرض حالته في هذه الصورة كحالته في صورة إخفاء المال في مكان معين ، فإنّ هذا المال الذي لم يوفّره بعمل مباشر ، ولم يقحمه في عمل مختزن ينبغي أن يبقى هو هو ، فإن انخفضت القيمة الشرائيّة لكل النقود وكان له نصيب منها ، فإن لم يؤدّ المقرِض القرض في الموعد المقرّر يكون كمن فقد موضع المال الذي وضعه فيه ، فإنّ عدم الضمان في الصور يبنى على حدّ سواء ، وإن كان المقترض قد فعل حراماً لأنّه لم يؤدّ المال في موعده مع تمكّنه من ذلك.

قد يقال : إنّ الضرر المنهي عنه في الشريعة الإسلاميّة ، يشمل ما إذا بنيت بناءً فوق أرضي بحيث تضرّر الجار من هذا البناء ، كأن يكون عالياً بحيث يُشرف الساكنون فيه على الجار ، فلا يتمكّن الجار من تحرك أهله بصورة مريحة وبدون حجاب ، أو كان البناء لمعمل يؤثّر على سعر البيوت المحيطة به أو غير ذلك ،


412

فالضرر هنا ليس مباشراً ، بل هو ضرر غير مباشر يؤدّي إلى سوء حال الآخرين من دون أن ينقص فعلاً شيئاً من أموالهم ، فإذا كان الضرر بمعنى سوء الحال كما جاء في كتب الضرر من مفهوم أوسع من النقص المالي المباشر ، وحينئذ يكون هذا العمل منهيّاً عنه لأنّه مضرر بالجار في سوء حاله ، إلاّ أنّ هذا أيضاً لا يكون موجباً للضصمان ، حصل الضرر بإيجار لأنّ الضمان كما قلنا ـ له أساسان ، وليس هو هو أحد الأساسين ـ.

الخاتمة :

ونتعرف فيها على بعض الأبحاث الفقهيّة :

1 ـ إذا اُلغي النقد فماذا يجب على المقترض ؟

كنّا فيما مضى نتكلّم في صورة ما إذا تدهورت حالة النقد ، أمّا في هذه الصورة فالكلام هوفي صورة إلغاء الدولة لنقدها ، وتصدير نقد آخر ، فإذا أقرضت زيد مائة دينار كويتي إلى سنة ، ثمّ ألغت الحكومة الكويتيّة عملتها ، وأصدرت عملة اُخرى قبل تمام السنة ، فهل يجب في هذه الصورة أن أدفع الأوراق النقديّة الاُولى أو الثانية ؟

الجواب : في هذه الحالة لم يبق للأوراق النقديّة الاُولى أي ماليّة تعتبر ، لأنّ تمام ماليّتها كان باعتبار الدولة المصدّرة لها ، فإذا ألغت الدولة ماليّتها فقد سقطت من الإعتبار ، وحينئذ نقول : كان يجب على المقترض أن يدفع المثل الموصوف بأن له قيمة اعتباريّة وهذه الأوراق النقديّة القديمة هي مثل لما اُخذ إلاّ أنّها لا قيمة اعتباريّة لهاالآن ، فحينئذيجب على المقترض أن يدفع الأقرب إلى المثل ، والأقرب هو النقدالجديدالذي اعتبرته الدولة ، وهذا هو معنى الضمان الذي أقدم عليه المقترض.

2 ـ سريان المشكلة في غير القرض والبيع المؤجل ثمنه :

كما لو تزوجت إمرأة بمهر قدره مائة تومان إيراني قبل ثلاثين سنة ، ثمّ أراد


413

الزوج طلاقها الآن ودفع مهرها لها ، فهل يدفع لها المائة تومان لا غير ، أو يدفع لها القيمة الشرائيّة للمائة تومان قبل ثلاثين سنة والتي كانت تساوي مثلاً عشرة مثاقيل من الذهب ؟

وقد يقال بوجوب ردّ القيمة الشرائيّة للمائة تومان ، وهي « عشرة مثاقيل من الذهب » ، وذلك : لأنّ النقد الإيراني الوقرقي ليس مقصوداً بالذات كالحنطة والشعير وبقيّة الأعراض ، وليس كالذهب الذي يقصد لنفسه بما أنّه عرض من الأعراض ، إذن قصد المتعاقدين كان منصبّاً على القيمة الشرائيّة للمائة تومان في ذلك الوقت ، والزوج ملزم بدفع القيمة الشرائيّة في تلك الفترة.

ولكن نقول : إنّ العرف والسيرة قائمة على أنّ النقد بنفسه له قيمة ، وجاءت هذه القيمة من اعتبار العرف لها ، وحتّى الذهب والفضّة تقاس قيمتهما الآن بالأوراق النقديّة « فقد سقطت قيمتها وبقيت عرضيتهما » ، وإذا أردّت أن تتأكّد من هذه الحقيقة فما عليك إلاّ أن تلتفت إلى ما عليه الناس وأنت منهم حين يقولون بكم الذهب اليوم؟ وبكم الفضّة اليوم؟ وبمكم الحنطة اليوم ؟ وهكذا ، أليس هذا دليل على أنّ الذهب تقاس قيمته بالنقد الورقي ؟ وإذا صحّ أنّ الأوراق النقديّة هي النقد المتعارف في هذا الزمان ، فالمنظوروالمقصودعند المتعاقدين هو نفس الأوراق النقديّة بمالهامن قيمة اعتباريّة ، فتكون الدنانيرالورقيّة كالعرض إذهي المقصودة بالذات.

وعلى هذا فالذي يجب على الزوج أن يدفع المائة تومان ، والذي يؤيّد ما نقوله من أنّ الأوراق النقديّة نقد مقصود لذاته ، هو ما تراه عند ضياع النقود التي استلمتها من زيد الذي كنت تطلبه كميّة من النقد ، فهنا تكون ذمّة زيد قد برأت وقد أضعت مالك ، بينما إذا كان زيد قد أعطاك شيكاً بالمبلغ ، وقد ضاع هذا الشيك فسرعان ما تبلغ البنك بضياع الشك الذي يكون رقمه كذا ، وتبقى تطلب زيداً ذلك المبلغ الذي لم يسحب من حسابه في البنك المذكور ، وبهذا اتضح أنّ الأوراق النقديّة عند ضياعها أو احتراقها ، فقد احترق وضاع المال ، أمّا الشيك والكمپيالة


414

مثلاً عند ضياعهما فلا يكون المال ضائعاً ، فيكون الشك والكمپيالة ليست لهما ماليّة وإنّما هو كورقة التمويل ، فيكونان مقصودان بالعرض بخلاف النقد (1).

3 ـ هل يصح اقتراض القيمة الشرائيّة للنقد ؟

بأن يقول المقرض أقرضتك هذا المبلغ على أن ترجع لي قيمته السوقيّة في زمن العقد من الذهب.

الجواب : إنّ هذه معاملة ربويّة وذلك لأنّ الأدلّة قالت كلّ قرض جرّ نفعاً فهو ربا ، وهنا القرض هو نفس النقد ، فاشتراط إرجاع قيمته السوقيّة في زمن القرض معناه وجود معاملتين :

1 ـ ضمان النقد ( وهذا يحصل بعقد القرض ).

2 ـ معاوضة النقد بما يساوي قيمته من الذهب وقت العقد.

وبما أنّ المعاملتين في وقت واحد ، وقد تصورهما بعقد القرض فتكون المعاملة الثانية شرطاً في المعاملة القرضيّة ، والشرط في القرض إذا كانت منفعته للمقرض فهو ربا ، لأنّه زيادة حكميّة ، والشرط هنا فيه نفع للمقرِض لأنّه يسلب حريّة المقترض من الإختيار في البيع وعدمه ، ويكون ملزِماً للمقترِض بأن يدفع ذهباً بما يساوي قيمة النقد حين العقد ، وهذا الإلزام هو نفع حكمي للمقرِض في عقد القرض فهو ربا.

(1) وهذا البحث يكون جواباً عن كلّ من قال بالفرق بين الدنيانير والدراهم المعدنيّة وبين الأوراق النقديّة ، بتقريب أنّ المعدنيّة هي عرض مقصود بذاته ، أمّا الأوراق النقديّة فليست هي مقصودة ذاتها ، إذ يجاب بأنّ العرف والسيرة قائمة على أنّ لها ماليّة في نفسها كالذهب والفضّة والحنطة.


415


416


417

الملحق

المخاطرة في بحث الأستاذ حسن الجواهري بعنوان : « بيع التقسيط »

تعليق

د. رفيق يونس المصري

مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي جامعة الملك عبد العزيز ـ جدة


418


419

المخاطرة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ،

فاني سأعلق ، بعون الله ، على ما جاء في ورقة الاستاذ حسن

الجواهري بعنوان « بيع التقسيط » ، مما يتعلق بالمخاطرة فقط.


421

رأي الاُستاذ الصدر والاُستاذ الجواهري في المخاطرة

في الصفحة 23 من الورقة (1) ذهب الأستاذ حسن إلى أن المخاطرة ليست من عوامل الكسب في النظرية الإسلامية ، حيث انها ليست سلعة اقتصادية حتى يطلب ثمنها ، وليست عملا أنفق على مادة ليكون من حقه تملكها أو المطالبة بأجر على ذلك من مالكها.

ومرجعه في ذلك ما رآه الأستاذ محمد باقر الصدر في كتابه المعروف « اقتصادنا » فالمخاطرة ، كما صوّرها الصدر هي : « حالة شعورية خاصة تغمر الانسان ، وهو يحاول الاقدام على أمر يخاف عواقبه ، فإما أن يتراجع انسياقاً مع خوفه ، وإما أن يتغلب على دوافع الخوف ، ويواصل تصميمه ، فيكون هو الذي رسم لنفسه الطريق واختار بملء ارادته تحمل مشاكل الخوف ، بالاقدام على مشروع يحتمل خسارته مثلا ، فليس من حقه أن يطالب بعد ذلك بتعويض مادي عن هذا الخوف ما دام شعوراً ذاتياً ، وليس عملا مجسداً في مادة ولا سلعة منتجة. صحيح أن التغلب على الخوف بعض الأحيان قد يكون ذا أهمية كبيرة من الناحية

(1) المقصود الصفحة 23 من النسخة الأصلية من بحث بيع التقسيط أما في هذا الكتاب فقد تغيرت الصفحة وأصبحت الصفحة 68.


422

النفسية والخلقية ، ولكن التقييم الخلقي شيء ، والتقييم الاقتصادي شيء آخر » (1).

وظن الأستاذ الصدر أن الاعتراف بالمخاطرة ضرب من التأثر بالفكر الرأسمالي « الذي يتجه إلى تفسير الربح وتبريره على أساس المخاطرة » (2) وانتقد الرأسماليين « الذين يحاولون أن يضفوا على المخاطرة سمات البطولة ، ويجعلوا منها سبباً للحصول على كسب في مستوى هذه البطولة » (3).

وخطّأ الصدرُ قولَ الذين قالوا : « ان الربح المسموح به لصاحب المال في عقد المضاربة ، يقوم على أساس المخاطرة » (4). ثم قال : « ولكن الحقيقة ... هي أن الربح الذي يحصل عليه المالك ، نتيجة لاتجار العامل بأمواله ، ليس قائماً على أساس المخاطرة ، وانما يستمد مبرره من ملكية صاحب المال للسلعة التي اتجر بها العامل » (5).

ثم ذهب الأستاذ الجواهري ـ مثل الصدر ـ مضيفاً أن في الشريعة الإسلامية عدة ظواهر تبرهن على الموقف السلبي من المخاطرة في تسويغ الكسب ، فمن ذلك حرمة القمار ، وحرمة الشركة في الأبدان ، فإن القمار يرتكز على أساس المخاطرة وحدها ...

وفي الصفحة 21 من الورقة (6) ، ذكر الأستاذ الجواهري أن الإسلام لم ير للمخاطرة قيمة اقتصادية ، فلم يجعلها طريقاً من طرق الكسب التجاري ، حيث ان طرق الكسب في التشريع الإسلامي هي إما العمل المباشر من الأفراد ، أو العمل

(1) اقتصادنا : ص633.

(2) اقتصادنا : ص634.

(3) اقتصادنا : ص635.

(4) اقتصادنا : ص634.

(5) اقتصادنا : ص634.

(6) المقصود الصفحة 21 من النسخة الأصلية من بحث بيع التقسيط ، أما في هذا الكتاب فقد تغيرت الصفحة ، راجع بحث بيع التقسيط في هذا الكتاب.


423

المختزن الذي هو بصورة سلعة أو عين أنفق عليها عمل من الآخرين ، لذا حرّم القرآن والسنّة النبوية أخذ الفائدة على القرض الذي هو ليس إلاّ احساناً أو مخاطرة بالمال ، بتعريضه للتلف ، أو ايثار الآخرين على النفس ، وانما المخاطرة حالة شعورية ذاتية تستحق التقدير والاعجاب في أكثر الحالات ، فيستحق صاحبها ثواباً من الله تعالى.

خلاصة رأي الصدر والجواهري

العمل والمال ـ في غير صورة القرض ـ في الإسلام لهما قيمة اقتصادية ، وهما من عوامل الكسب.

أما المخاطرة فعلى العكس : ليس لها قيمة اقتصادية ، وليست من عوامل الكسب. مستندهما في ذلك :

1 ـ القمار.

2 ـ شركة الأبدان.

3 ـ شركة المضاربة.

4 ـ ربا القرض.

مناقشة هذا الرأي

أولا ـ المخاطرةُ الأصلُ فيها أنها حلال

1 ـ مخاطرة القمار :

الأصل في القمار أنه محرم في الإسلام ، دلت على ذلك الآية 219 من سورة البقرة ، والآية 90 من سورة المائدة. ومن ثم فالمخاطرة التي في القمار حرام مثله. غير


424

أن الفقهاء استثنوا من القمار المحرم : السباق والنضال والقرعة ( في حالات محددة ).

المهم هنا أنه حتى مخاطرة القمار ليست كلها حراماً في الإسلام ، وقد يكون السبق على مال ، فتفيد هذه المخاطرةُ كسباً.

2 ـ المخاطرة في شركة الأبدان :

شركة الأبدان ، كما عرفها الأستاذ الجواهري ( ص23 من الورقة ) ، هي اتفاق بين اثنين أو أكثر على ممارسةِ كلِ واحد منهم عملَه الخاص ، والاشتراك فيما يحصلون عليه من مكاسب. ومثَّل لها بطبيبين يمارس كل منهما عمله في عيادته الخاصة ، ويتقاسمان في نهاية كل شهر ـ مثلا ـ مجموع الاُجور التي حصلا عليها معاً.

ويبدو أن تحريم هذه الشركة عند من حرمها ( الشافعية ، والظاهرية ، والإمامية ) يأتي من أن عمل كل من الطبيبين منفصل عن الآخر ، فأين العمل المشترك ، أو المال المشترك ، الذي يسوّغ الايراد المشترك ، أو الربح المشترك؟ فالكسب الاضافي الذي قد يحصل عليه أحد الشريكين ، نتيجة هذه الشركة ، مَردُّه الغرر أو القمار ، أي المخاطرة المحرمة.

وأيا ما كانت الحال ، فإن تحريم الكسب بالمخاطرة التي في شركة الأبدان لا يعني تحريم الكسب بمخاطرات أخرى مشروعة.

3 ـ المخاطرة في شركة المضاربة :

شركة المضاربة هي اتفاق بين رب مال وعامل على اقتسام الربح بنسبة معلومة. وفي هذه الشركة يقدِّم رب المال مالا ويتحمل مخاطرةَ خسارةِ ماله ، كله أو بعضه ، ويقدّم العامل المضارب عملا ويتحمل مخاطرة خسارةِ عمله ، كله أو بعضه.

ومن هنا فإنَّ رب المال يكسب الربح بماله ومخاطرته ، والعامل يكسب الربح بعمله ومخاطرته. ولا نتفق مع الذين قالوا بأن رب المال يكسب الربح بمخاطرته ، ولا مع الذين قالوا بأن رب المال يكسب الربح بماله ، انما كسب الربح هنا من


425

العنصرين معاً : المال ، والمخاطرة. ومن قال أن رب المال يكسب الربح بماله فانما يعني ضمناً أنه يكسب الربح بمخاطرته أيضاً ، لأن رب المال يملك المال ويتحمل مخاطرة الملك.

كذلك العامل يكسب ربحه من عنصري العمل والمخاطرة ، ولا ريب أن هذه المخاطرة تعطيه حقاً في زيادة كسبه. فلو عمل عامل بأجر شهري مضمون قدره 5000 ريال ، فانه لا يرضى بأن يعمل مضارباً مُخَاطِراً إذا توقع أن يكون عائده الشهري 5000 ريال فقط ، ويرضى إذا زاد العائد المتوقع على هذا المبلغ زيادة مُرْضِية.

4 ـ المخاطرة في القرض الربوي :

القرض الربوي حرام في الإسلام ، فلا يجوز التذرع بالمخاطرة التي يتعرض لها المقرض ، لاستباحة الربا على القرض. فالمخاطرة هنا ليست مصدراً للكسب ، لأن الربا حرام. ولكن حرمة الربا كحرمة القمار لا تعني أن كل مخاطرة حرام ، ولا أن كل مخاطرة لا تفيد كسباً.

ثانياً ـ رأينا في المخاطرة : مُنتجة ولها عائد

1 ـ المخاطرة لا غنى عنها في كل الأنشطة الاقتصادية النافعة ، من زراعة وصناعة وتجارة ونقل ... الخ ، بل هي مهمة جداً في الانتاج والتنمية. وكلما زادت المخاطرة في المشروعات وجب أن تزيد أرباحها المتوقعة ، وإلاّ أحجم الناس عنها ، ولو عظمت منفعتها العامة.

2 ـ المال والعمل من عوامل الانتاج ، ولكن في حين أن المال والعمل هما من عوامل الانتاج المستقلة ، فإن المخاطرة من عوامل الانتاج التابعة ، أعني بهذا أن المخاطرة لا تستقل في الكسب ، بل تنضاف إلى مال أو عمل ، فتزيد في الكسب. فمن أَجَّر مالا ( آلة مثلا ) بأجر مضمون ، فانه إذا أجَّره بحصة من الايراد أو من الربح ،


426

فانما يتوقع الحصول على عائد أكبر من العائد المضمون. وكذلك العامل بأجر مضمون ، والعامل بأجر احتمالي غير متيقن.

3 ـ يؤيد هذا قول الفقهاء بأن الربح يُستحق بالمال والعمل والضمان. ويجب الانتباه هنا إلى أن الضمان يعني المخاطرة. ولكن الضمان كما قلنا لا يستحق الربح على وجه الاستقلال ، بل على وجه التبعية للمال أو للعمل.

4 ـ جاء في النصوص الشرعية النهي عن ربح ما لم يضمن ( رواه أحمد وأصحاب السنن ). والضمان هنا هو المخاطرة أيضاً. ويستفاد من هذا أن الربح يستحق بالضمان ، وهذا هو أصل القاعدة التي ذكرها الفقهاء : يستحق الربح بالمال والعمل والضمان.

ومرة أخرى نقول أن الضمان لا يستقل في الربح ، انما هو تابع للمال أو للعمل ، فيزيد في مقدار الربح المحتمل.

5 ـ كذلك قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « الخراج بالضمان » ( رواه الشافعي وأحمد وأصحاب السنن ) يفيد أن الغلة يستحقها المالك ، لأنه يملك المال ويضمنه ، أي يتعرض لمخاطرة الملك. فهذا ضمان ملك ، وليس ضماناً محضاً. المهم هنا أن مالك الشيء يملك خراجه ، لأنه مالك ومُخاطِر ، يتحمل مخاطر ملكه.

ثالثاً : علماء قدامى صحت آراؤهم في المخاطرة

1 ـ العز بن عبد السلام ( 660 هـ )

قال ( صلى الله عليه وآله ) : « من قتل قتيلا له عليه بينة ، فله سَلَبُه » ، رواه الشيخان وغيرهما.

قال العز : « كذلك جعل الأسلاب للقاتلين المخاطرين ، لقوة تسببهم إلى تحصيلها ، ترغيباً لهم في المخاطرة بقتل المشركين » ( قواعد الأحكام في مصالح الأنام 2/99 ـ 100 ).

2 ـ ابن تيمية ( 728 هـ )

قال : « المجاهدة في سبيل الله عزّوجلّ فيها مخاطرة ، قد يَغلِب وقد يُغلَب.


427

وكذلك سائر الأمور ، من الجعالة والمزارعة والمساقاة والتجارة والسفر » ( مختصر الفتاوى المصرية ص535 ).

وقال أيضاً : « ليس في الأدلة الشرعية ما يوجب تحريم كل مخاطرة » ( مختصر الفتاوى المصرية ص532 ).

3 ـ ابن القيم ( 751 هـ )

قال : « المخاطرة مخاطرتان : مخاطرة التجارة ، وهو أن يشتري السلعة بقصد أن يبيعها ويربح ويتوكل على الله في ذلك ، والخطر الثاني هو الميسر ( القمار ) ، وهو بخلاف التجارة ... » (1).

4 ـ ابن خلدون ( 808 هـ )

قال : « كذلك نقل السلع من البلد البعيد المسافة ، أو في شدة الخطر في الطرقات ، يكون أكثر فائدة للتجار وأعظم أرباحاً ... ، لأن السلعة المنقولة تكون حينئذ قليلة مُعْوِزة ( ‌ عزيزة ، نادرة ) ، لبعد مكانها ، أو شدة الغَرَر ( ‌ الخطر ) في طريقها ، فيقل حاملوها ( ‌ ناقلوها ) ، ويعزّ وجودها ، وإذا قلَّت وعزّت غلت أثمانها » (2).

رابعاً : معاصرون نبهوا على مسألة المخاطرة

سبق لي أن نبهت على أن المخاطرة مخاطرتان : حلال وحرام ، وعلى أهمية المخاطرة في الأنشطة الاقتصادية ، وعلى ادراجها ضمن عوامل الانتاج « التابعة » ، وعلى دورها في الكسب والتوزيع ، خلافاً للأستاذ الصدر ، وذلك في موضعين :

1 ـ في كتابي « أصول الاقتصاد الإسلامي » ( 1409 هـ ـ 1989م ) ص97 و ص218.

(1) زاد المعاد 3/263.

(2) المقدمة 2/930.


428

2 ـ في ورقتي المقدمة إلى ملتقى الفكر الإسلامي الرابع والعشرين في الجزائر ، ( 1411 هـ ‌ 1990م ) ، بعنوان : « الادخار المصرفي والاستثمار في اقتصاد اسلامي » ص7.

هذا ما بدا لي التعليق عليه ، وبالله التوفيق.

توضيح لما كتبه الدكتور رفيق يونس المصري

بعد أن اطَّلعنا على ما كتبه الدكتور رفيق المصري حول المخاطرة التي منعنا أن تكون مصدر كسب ، رأينا أن بحثه يستحق الجواب والتوضيح فنقول : إنَّ المخاطرة لها معنيان :

المعنى الأول : وهو المعنى الذي قصدناه في بحثنا تبعاً لما ذكره السيد الشهيد الصدر وهو : ان المخاطرة هي حالة شعورية نفسية قبل الاقدام على حالة معينة ، وهذه الحالة الشعورية حالة اخلاقية نفسية تغمر الانسان قبل اقدامه على أمر معين ، فمثلا إذا صمم انسان على بيع بيته لعالم ديني محاباة ( أقل من السعر السوقي ) أو صمم انسان على اقراض جاره مبلغاً من المال مع تمكنه من تشغيله مضاربة ، أو صمم انسان على بيع سلعته لرجل مستحق نسيئة بثمنها الحال ، فيكون هذا الانسان قد تغلب على نوازع نفسه في الربح وقَبِل بالخسارة في هذه المعاملات ، فهنا نقول : ليس لهذا الانسان أن يأخذ شيئاً من المال في مقابل هذه المخاطر التي تغلَّب عليها وهي حالات شعورية نفسية مثل تخوفه من التخلف عن سداد الدين أو التأخر عن سداده أو مخاطرة تقلبات الاسعار. نعم هذه الحالات النفسية الناشئة من التخوفات المتقدمة قد تغلب عليها وهذا أمر يستحق عليه المدح من قبل الناس.

المعنى الثاني : المخاطرة التي تحمل الخسارة للمال أو للسلعة حين حصول


429

التلف ، كما أن الربح يكون له إن حصل ، وهذه هي حالة توقّع الخسارة والربح من المعاملة في ظلّ النظام السليم ، وهو معنى تملّكه للسلعة أو المال.

وهذا المعنى الثاني هو الذي قصده الدكتور رفيق حين جوّز الربح على أساس المخاطرة بينما قصدنا ـ تبعاً للشهيد الصدر ـ المعنى الأول للمخاطرة حينما منعنا الربح استناداً إلى المخاطرة في إقراض المال أو البيع المحاباتي أو البيع نسيئة.

فقد ذكر الدكتور رفيق : ان المخاطرة سبب للكسب في المضاربة وقصد من المخاطرة تحمل خسارة مال المضارب إن حصلت فقال : « وفي هذه الشركة يقدّم رب المال مالا ويتحمل مخاطرة خسارة ماله كله أو بعضه ... ومن هنا فإن رب المال يكسب الربح بماله ومخاطرته ».

وفي الحقيقة أنّ هذا الكلام معناه أنّ الربح يكون لملكية المال إن وجد ، كما أنّ الخسارة تكون عليه إن حصلت ، وهذا شيء واضح ، فمن قال : إن الربح يكون للمال وللمخاطرة في المضاربة يكون قصده أن الربح يكون لمالك المال ، كما أن الخسارة تكون عليه ، إذ معنى ملكية المال هو هذا.

ولهذا نسب الدكتور رفيق إلى الفقهاء أنّ الربح يُستحَقُ بالمال والعمل والضمان ، وقال : يجب الانتباه هنا إلى أن الضمان يعني : المخاطرة ، ومعنى كلامه أنّ الربح يُستحَقُ بالمال الذي يضمنه صاحبه بحيث تكون خسارته عليه ، وهذا شيء واضح لا ينكره أحد فضلا عن الشهيد الصدر ، وعلى هذا الأساس يتبين ( على رأي الدكتور رفيق ) أنّ الربح إنما يستحقه الإنسان بما أنه مالك للسلعة أو للمال والخسارة تكون عليه ( المخاطرة تكون عليه ) فيتمكن المالك أن يزيد في سعر السلعة عند بيعها نسيئة ، ومعنى هذا : أن الربح يكون في مقابل العين ، كما أنه لو تلفت فهو الذي يخسرها ، فقوله : إن الربح إنما يُستحَقُ بالمال والمخاطرة هو نفس ما نقوله من أن الربح إنما يُستحَقُ في مقابل العين لأن تلفها عليه لو حصل.

ثم إن هذه المخاطرة ( بالمعنى الثاني ) تنقسم إلى قسمين كما ذكر ذلك الدكتور


430

رفيق : ( حلال وحرام ) فالمخاطرة في المضاربة حلال وكذلك في الانشطة التجارية ، فإن كل من يملك سلعة أو مالا يكون نتاجه له ، وهو الذي يتحمل خسارته عند التلف. والمخاطرة في القمار ( الميسر ) حرام بالنص القرآني ، فإنّ الربح في القمار لا يتبع المال ، كما أن الخسارة فيه لا تقع على مالك المال.

والمخاطرة في القرض الربوي حرام بالنص القرآني كذلك.

ولكن لنا أن نقول : إن القمار لا تصدق عليه المخاطرة بالمعنى الثاني; لأن الربح في القمار ليس ربحاً تجارياً « في مقابل إعطاء شيء » حتى يكون لصاحب المال ، والخسارة أيضاً ليست خسارة تجارية « في مقابل أخذ شيء » ولهذا سوف يكون تعليل النهي عن القمار هو أكل المال بالباطل الذي نهت عنه الآية القرآنية ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض ).

أما القرض : فهو ما دام مضموناً على المقترض يكون ربحه للمقترض وخسارته عليه. نعم المقِرض : أقدم على القرض بعد أن حصلت عنده المخاطرة التي هي حالة شعورية نفسية قد تغلَّب عليها باقراضه المال مع تمكنه من الاستفادة منه ، وهذه الحالة النفسية الاخلاقية ليست هي من طرق الكسب عند الشارع المقدس.

وعلى هذا اتّضح أن المخاطرة التي لم يجعلها الشهيد الصدر من طرق الكسب التجاري هي ( المعنى الأول ) الحالة الشعورية النفسية في التصميم على الاقدام على البيع المحاباتي أو الاقراض بنفس المال أو بيع السلعة نسيئة بمثن حال ، وهذه الحالة يمدحُ عليها صاحبها ، ولكن لا تكون مصدراً للكسب ، لأن مصدر الكسب هو أما المال المختزن أو العمل.

وعلى هذا اتضح أن رأي الدكتور رفيق لا يعارض رأي الشهيد الصدر ولا يعارض ما كتبناه حول بحث المخاطرة من بيع التقسيط ، وقد حصل التباس عند الدكتور رفيق من لفظ المخاطرة إذ يقصد منها معنىً لم يكن مقصوداً عند الشهيد الصدر ولم يكن مقصوداً من بحثنا « بيع التقسيط » ، بل المقصود هو المعنى الأول


431

للمخاطرة وهو بحق لم يكن من طرق الكسب عند الشارع المقدّس.

واتّضح أيضاً أن معنى المخاطرة ( الثاني ) الذي يجوّز للمالك أن يربح بسلعته ويخسرها إذا تلفتَ يجوّز للمالك أن يبيع سلعته باكثر من سعرها الحالي. نسيئة ، ومردّ هذا إلى أن الربح يكون في مقابل العين لا في مقابل الأجل وأن كان الداعي إلى ذلك هو تأجيل الثمن.

ردود سريعة وايضاحات لما كتبه الدكتور « رفيق » :

1 ـ قلنا : إن الربح الذي يحصل عليه المالك عند اتجار العامل بامواله مضاربة يستمد مبرره من ملكية صاحب المال للمال الذي أخذ العامل يتجرّ به وذلك لقاعدة الثبات في الملكية القائلة : بأن مال الفرد مهما تغيّر ولو بعمل عامل يبقى على ملك مالكه الأول ، وأما عمل العامل واستحقاقه نسبة من الربح انما يكون بالاتفاق السابق الذي تنازل فيه المالك عن نسبة من ربحه على تقدير حصولها للعامل مقابل عمله.

2 ـ ذكر الدكتور رفيق أن تأجير السلع بحصة من الايراد أو الربح يجوز ، والصحيح عدم الجواز ، لأن السلعة هي عمل مختزن ، وهو يدخل في الاجارة فقط ، ولابدّ من تحديد الاجرة لتصح الاجارة ، أما النسبة فهي ليست محدّدة ، فتدخل في الغرر ، ولذلك ذكروا أن من دفع شبكة لغيره على أن يكون الصيد بينهما فالصيد للعامل ، ولصاحب الشبكة اُجرة المثل.

3 ـ إن قاعدة الخراج بالضمان والنهي عن بيع ما لم يضمن معناهما واحد ، وهو : أن المالك له حق النماء والربح بشرط أن تكون السلعة داخلة في ضمانه بحيث يخسرها لو تلفت ، وما لم يدخل المال أو السلعة في ضمانه وخسارتها عند تلفها فلا يستحق نماءها وربحها ، ومعنى ذلك وجود تلازم بين الملك والتلف وبين النماء والملك ( أي بين الضمان والنماء ).


432

ولكن توجد استثناءات لهذه القاعدة هي :

1 ـ « قاعدة التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له » وهذه وإن اختصت بخيار الحيوان والشرط إلاّ أنها تخصّ قاعدة الخراج بالضمان حيث يكون الضمان في خيار الحيوان والشرط على غير مَن ملك المبيع.

2 ـ « قاعدة تلف المبيع قبل قبضه من مال بائعه » فمع أن الملك يكون للمشتري والنماء له ، لكن التلف لو حصل فهو على غير مالكه وهو البائع.

3 ـ الغاصب للمال ، فمع كونه ضامناً للمال إلاّ أن النماء لا يكون له بل يكون للمالك ، ويكون التلف على الغاصب لا على المالك.

والحمد لله رب العالمين.


433
فهرست آيات
قلْ لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا 12
وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ... 12
... ولله على الناس حجُّ البيت من استطاع اليه سبيلا ... 12
... كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ... 12
واعلموا ان ما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل... 12
إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها ... 12
... أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ... 13
... وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ... 13
وما ينطق عن الهوى. إن هو إلاّ وحيٌ يوحى 13
يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم ... 29
وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى 29
أطيعوا الله واطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم ... 30
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا 30
... انّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان ... 30
وانك لعلى خلق عظيم 33
... اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ... 34
لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى 34
انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيرا 34
أفوا بالعقود 43
أحل الله البيع 43
احلّ الله البيع 44
احل الله البيع 48
أوفوا بالعقود 48
لا تأكُلُوا اموالَكُم بينَكُم بالبَاطِلِ إلاّ أَن تكُونَ تجارةً عن تراض مِنْكُم 62
من بعد وصية يوصي بها او دين 74
أوفوا بالعقود 77
اوفوا بالعقود 77
مِن بَعدِ وصيَّة يُوصِي بِها أو دَين 78
يا ايها الذين آمنوا أوفوا بالعقود 93
وأحل الله البيع وحرم الربا 93
أحل الله البيع 95
أوفوا بالعقود 95
وإن تُبتُم فلكُم رُؤوس اموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون 107
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا 113
فلا يربوا عند الله 117
اوفوا بالعقود 122
من بعد وصية يوصي بها او دين 127
والله لا يخلف الميعاد 140
إنّانراك من المحسنين 142
من بعد وصية يوصى بها او دين 159
وان كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة 167
سيجعل الله بعد عسر يسرا 168
فإنَّ مع العسر يسرا إنّ مع العسر يسراً 168
فإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة 168
من بعد وصية يوصي بها او دَين 171
أحلّ الله البيع 177
تجارة عن تراض 177
أحلّ الله البيع 184
تجارة عن تراض 184
أحلّ الله البيع 206
إلا ان تكون تجارة عن تراض 207
تجارة عن تراض 215
تجارة عن تراض 226
أوفوا بالعقود 275
أوفوا بالعقود 277
فبعث الله النبيين مُبشرينَ ومُنذرينَ وأنزلَ معهم الكتابَ بالحق ليحكُمَ بين الناس فيما اختلفوا فيه ...284
لايضلُّ ربِّي ولا ينسى 284
وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله ... 285
رُسلاً مبشرينَ و منذرينَ لئلا يكونَ للناس على الله حُجّةٌ بعد الرسل ... 285
وما كان لمؤمن ولا مُؤمنة إذا قضى الله و رسوله أمراً أن يكون لهم الخِيَرَةُ من أمرهم ومن يعص الله ...286
وما آتاكم الرسول فخذوه ومانها كم عنه فانتهوا ... 286
وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى 286
فَلَكُمْ رؤوسُ أموالكم لاتَظلمون ولا تُظلمون 288
الّذينَ يأكلونَ الرِّبا لايقومونَ إلاّ كما يقومُ الذي يتخبَّطُهُ الشيطان من المسِّ ، ذلك بأنَّهم ...303
والّذين يكنزونَ الذهب والفضة ولايُنفقونها في سبيل الله فَبشِّرهم بعذاب أليم يَومَ يُحمى عليها ...306
يا أيُّها الّذينَ آمَنوا لاتأكلوا الربا أضعافاً مُضافعةً وأتَّقوا الله لعلكم تُفلحون وأتَّقوا ...312
أضعافاً مضاعفة 313
أضعافاً مضاعفة 314
وما آتَيتُمْ مِنْ رِباً لِيَربُوَا في أموالِ الناسِ فلا يَربُوا عِندَالله 315
أضعافاً مضاعفة 316
اضعافاً مضاعفة 316
وإنْ تُبتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أموالِكُمْ لاتَظلِمُونَ ولاتُظلَمُونَ 316
وأحَلَّ الله البَيْعز وحَرَّمَ الرِّبا 318
فَلَكُمْ رُؤوسُ أموالكُمْ لاتَظلِمونَ ولاتُظلَمون 319
إن الله إنما أعطاكم هذه الفضول من الأموال لتوجهوها حيث وجهها الله ، ولم يعطكموها لتكنزوها 324
والّذين يكنزونَ الذهبَ والفضَّةَ ولايُنفقونها في سبيل الله فبشِّرهُمْ بِعذاب أليم يومَ يُحمى ...324
وما آتيتُمْ مِن رِباً ليربو في أموالِ الناس ، فلا يَربو عند الله وما آتيتُمْ من زكاة تُريدونَ وجه ...330
يا أيُّها الذين آمنوا لا تَأكلوا الربا أضعافاً مُضاعفةً واتَّقوا الله لعلكُمْ تُفلحون واتقوا ...330
فيظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات اُحلَّت لهم وبصدّهم عن سبيل الله كثيراً وأخذهم الربا وقد ...330
الّذينَ يأكلونَ الرِّبا لايقومونَ إلاّ كما يقومُ الذي يتخبَّطُهُ الشيطانُ من المَسِّ ، ذلك ...331
أحَلَّ اللهُ البَيْع 348
تِجارَةً عَن تَراض 348
أوْفُوا بِالعُقُود 348
افوا بالعقود 367
يأ أيّها الّذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلّكم تفلحون 383
وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون 383